Advertisement

الجنون في غياهب السجون


الجنون في غياهب السجون




الجنون في غياهب السجون

أزمة الصحة العقلية خلف القضبان ودورنا في مواجهتها

تأليف
تيري كوبرز

ترجمة
أميرة علي عبد الصادق
مراجعة
هاني فتحي سليمان



الجنون في غياهب السجون

Prison Madness

تيري كوبرز

Terry Kupers

الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع ??????/?????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
كوبرز، تيري.
الجنون في غياهب السجون: أزمة الصحة العقلية خلف القضبان ودورنا في مواجهتها/تأليف تيري كوبرز.
     تدمك: ???? ??? ??? ??? ??
?
     ?- السجون – الجوانب النفسية
     ?- سجون المجانين
     ?- الصحة العقلية
          أ- العنوان

???????

تصميم الغلاف: خالد المليجي.

يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
Arabic Language Translation Copyright © 2015 Hindawi Foundation for Education and Culture.
Prison Madness
Copyright © 1999 by Jossey-Bass Inc., Publishers, 350 Sansome Street, San Francisco, California 94104.
All Rights Reserved.
Authorised translation from the English language edition published by John Wiley & Sons, Inc. Responsibility for the accuracy of the translation rests solely with Hindawi Foundation for Education and Culture and is not the responsibility of Wiley. No part of this book may be reproduced in any form without the written permission of the original copyright holder, John Wiley & Sons Inc.



من أفضل ما قيل عن الكتاب


تحذير طُرح بحماس، وصيغ ببراعة؛ ليفتح أعين أمريكا على صور لا حصر لها من المعاملة الوحشية التي تنتهجها أنظمتنا العقابية بما يؤثر سلبًا على ثقافتنا بأكملها. ولا يكتفي الدكتور كوبرز بتشخيص المشكلة، بل يقدم لها أيضًا مجموعة من الحلول. آمل أن يقرأ هذا الكتاب جميع المواطنين والناخبين المعنيين، حيث إنه ينقل حقائق شديدة الأهمية بالنسبة إلينا جميعًا.
جيمس جيليجان، أستاذ بقسم الطب النفسي بكلية طب هارفرد، ومؤلف كتاب «العنف: تأملات في وباء قومي» صورة مرعبة للطريقة التي صارت بها السجون الأمريكية واحدة من أكثر السجون همجية في العالم؛ ما يدفع المدانين بجرائم صغيرة والأشخاص الخطيرين على السواء نحو الجنون. علينا أن نتأمل ما أصاب السياسة العامة من جنون يُحوِّل الجناة غير العنيفين إلى أشخاص خطيرين لا يستطيعون التكيف مع المجتمع ويهددون سلامتنا عند إطلاق سراحهم.
جوزيف دي ماكنمارا، زميل باحث في مؤسسة هوفر بجامعة ستانفورد، ومأمور شرطة متقاعد في سان خوزيه بكاليفورنيا يُذكِّرنا د. كوبرز بالمعاملة القاسية والمهينة وغير الإنسانية التي يلقاها السجناء — خصوصًا من يعانون أمراضًا عقلية — والتي تعد انتهاكًا لحقوقهم وخيانةً لالتزامنا القومي بحسن السلوك، وتُعرِّض سلامة مجتمعاتنا للخطر. كتاب رائع!
جايمي فيلنر، مستشار قانوني منتسب بمنظمة هيومن رايتس ووتش يرصد هذا الكتاب وقائع مقلقة عن السجون والزنازين باعتبارها أماكن للإيواء القسري للفقراء والمضطربين عقليًّا. وبهذا التحليل القوي للأزمات المتداخلة للصحة العقلية العامة وأنظمة السجون، يبين لنا تيري كوبرز كيف نواجه العنصرية وتجريم الفقر اللذين أسهما في ظهور هذه المشكلات الخطيرة.
أنجيلا واي ديفيز، أستاذ بجامعة كاليفورنيا، سانتا كروز
إلى والديَّ: الطبيب إدوارد كارلتون كوبرز (????–????)، والممرضة المُعتمدة فرانسيس شيرلي كوبرز

شكر وتقدير


يرجع الفضل بشكل أساسي في معرفتي بأهوال السجون وطبيعة ما يمكن أن يحدث للسجناء بداخلها إلى السجناء والمحامين الذين يتولون الدفاع عنهم. ولقد أذهلتني صراحة السجناء وكرمهم في عرض أفكارهم وهمومهم عليَّ. يحتوي هذا الكتاب على الكثير من قصص السجناء. وأدين لهم بالفضل في هذا الشأن. ولقد امتنعت عن ذكر أسماء معظمهم، لكنَّ عددًا قليلًا من الأفراد الذين لم يمانعوا في ذكر أسمائهم ساعدوني كثيرًا، بمن فيهم أونيل ستاو، وهوراس بيل، ودان بينز، وديزي بينسون، ووِيلي لندن. كما علمني الفريق القانوني الخاص بالسجناء في قضية كين ضد إدارة المؤسسات العقابية بميشيجان كيفية التحلي بالإبداع في حدود القانون.
يُعَد المحامون كذلك مجموعة مخلصة وشجاعة من الأفراد، فهم يدخلون السجون ويجابهون مأموري السجون والمدعين العموميين؛ لكي يسمحوا للخبراء بالاطلاع على الأسرار الخفية التي هناك حاجة لأن يُكشف عنها. ولقد سعدت وشرفت بالعمل مع الكثير من المحامين الرائعين، مثل: تيري سمرلينج، وريتشارد جوف، ومايكل ساتريس، ودون سبكتر، وأليسون هاردي، وميلارد ميرفي، وستيف برلين، ومايكل بين، وساندي روزين، ووارن جورج، ولوثر أورتون، وجوردان باد، ودون ليبمانسون، وكارولين ريد، وأنيتا أريولا، وساندرا جيرارد، وتشارلين سنو. قدمت لي أيضًا جايمي فيلنر وجوان مارينر — وهما مستشارتان مساعدتان في منظمة هيومَن رايتس ووتش — فرصًا رائعة للملاحظة والتعلم. وخبراء السجون الآخرون الذين قدموا لي عونًا قيِّمًا: كريج هاناي، وستيف مارتن، وجاي فاربشتاين، وكارل فولويلر، ولاري كلانون.
وقد أسعدني الحظ بالعمل مع مجموعة موهوبة وملتزمة من النشطاء في تنظيم مؤتمر بعنوان «المقاومة الضرورية: ما بعد جماعات المصالح المتربحة من وراء السجون» في جامعة كاليفورنيا في سبتمبر عام ????. ولقد تعلمت الكثير من كل أعضاء اللجنة واستمتعت بالعمل معهم، بمن فيهم: إلين باري، وجينيفر بيتش، وروز براز، وبو براون، وجولي براون، وسينثيا تشاندلر، وكاماري كلارك، وليندا كروكت، وأنجيلا ديفيز، وليزلي ديبينديتو-سكوبيك، وجيتا دروري، وراين جالبريث، وتيري داي، ونانين كاراكر، وستيفاني كيلي، وريتشل ليدرمان، وجويس ميلر، ودورسي نان، وديلان دوردريجز، وإيلي روزينبلات، وجين سيجال، وكاسندرا شايلور، وآندي سميث، ونانسي ستولر، وجوليا سادبري، وروبين تيمبلتون، وسوران ثريفت، وروث جيلمور، وجريج وينتر. وأتوجه بالشكر لنشطاء السجون الذين دعموني وتعاونوا معي وكانوا بمنزلة مورد لا يُقدَّر بثمن، ومن بينهم كولين ستارجر، ونويل هانراهان، ومايكل ألكولاي، وكوري وينستن، وويليام «باز» ألكسندر، ولويس تالامانتيز، وكريستيان بارينتي، ومايكل كيك، وجودي جرينسبان، وهولبروك تيتر.
أخص بالذكر هنا أيضًا أصدقائي الذين يعنون لي الكثير. فمن المستحيل أن أتمكن من الكتابة وأداء عملي دون التشجيع والاهتمام الدائمين من أصدقائي المخلصين. ولن أذكر أسماء جميع الأصدقاء الرائعين الذين دعموني في أثناء تأليفي لهذا الكتاب؛ فهم يعرفون ما يمثلونه بالنسبة إليَّ، ولهم مني جزيل الاحترام والتقدير، لكنني سأذكر بعض الأصدقاء الذين تحملوا الاستماع إلى شكواي في أثناء قيامي بهذا العمل؛ وهم: ريتشارد ليكتمان، وتيري داي، وجال باتاي، وبيل بيركويتز، وريتشارد هانسن، وجيفري كوبرز، وليجي دايلي، وفرانكلين أبوت، ومايكل كيميل، ولاري كوبرز، ودون سابو، ورام جوكول، وكاي كولر، وبيتر بليت.
أما أبنائي الثلاثة إريك جوثري كوبرز، وهاييم جيك روس، وجيسي آر كوبرز، وزوجة ابني كيميكو جوثري كوبرز، فيمنحونني السعادة والإلهام والأفكار الجديدة والمبرر للتحلي بالأمل في استمرار الكفاح.
ولا يسعني التعبير عن امتناني وتقديري لزوجتي آرلين إم شمايف التي أَثْرَت إسهاماتها الإبداعية والاجتماعية والتربوية في العالم حياتي وروحي بطرق لا تُعَد ولا تُحصَى.
وأخيرًا، فقد أسعدني الحظ بالعمل مع محرر رائع، هو آلان رينزلر في دار نشر جوسي-باس، وهو شخص حالم يتمتع بأسلوب مذهل في وضع أي كاتب على الطريق الصحيح، وبمقدرة كبيرة على إبقائه على هذا الطريق.

استهلال


إن ملاحظة السجون مهمة دقيقة وحساسة يمكن أداؤها بطرق عدة، ويمكن أيضًا المبالغة في أدائها. فيلعب بعض ملاحظي السجون دور مأمور السجن الهاوي الذي يسيطر عليه هوس الأمن والإدارة والمخاوف المتعلقة بالاحتجاز. ويميل هؤلاء الملاحظون إلى التحدث على نحو متشائم عن عصابات السجون وتهريب المخدرات وأعمال الشغب وشيكة الحدوث، وينظرون إلى السجون على أنها معاقل محاصرة تهدف لحماية الأمن العام. وعلى النقيض، نجد المتطرفين في آرائهم ينظرون إلى السجون على أنها استثناءات عابرة سنتخلص منها عاجلًا أو آجلًا؛ مع أن احتمالات حدوث ذلك تكاد تكون منعدمة بالتأكيد. وعلى النقيض من هذين الفريقين، نجد تيري كوبرز ناقدًا بنَّاءً للسجون يتسم بالإخلاص والمثابرة دون كلل أو تعب. تيري مؤمن بالعمل الإنساني ويسعى للحد من البؤس والتخفيف من المعاناة التي يشعر بأنها تعسفية ولا مبرر لها، بالإضافة إلى أثرها المدمر من الناحية الوظيفية والشخصية.
ودور السجون في الإصلاح ينطوي على مسئوليات لا يمكن تجاهلها من الناحية الأخلاقية. فثمة فارق بين عدم سعي السجون لإصلاح الجناة (وهو الهدف الذي لم يعد يُسعَى إلى تحقيقه حاليًّا) وعدم منح السجناء احتياجاتهم الأساسية، وعدم حماية الضعفاء منهم، وفرض القيود بلا داعٍ وعلى نحو مذلٍّ على السجناء العاقلين أو الذين يعانون من اضطرابات عقلية بسيطة؛ مما يدفعهم إلى الجنون.
هل يحدث ذلك بالفعل؟ هل يمكن أن يحدث حقًّا؟ يبذل كوبرز جهدًا هائلًا في توثيق أمثلة توضح أن الصحة العقلية للسجناء تأثرت سلبًا نتيجة للإهمال والقسوة والأخطاء العلاجية. وفي محاولته توضيح هذا الأمر، يسلط كوبرز الضوء على حالات تعرضت لذلك بأسلوب سرد قصصي مؤثر للغاية. والقصص التي يعرضها كوبرز تعكس مدى المهارة التي ساعدت في الحصول عليها. فمن الصعب استخلاص قصص شخصية في السجون حيث يجب عدم التعبير عن المشاعر ومعاملة الغرباء بتحفظ وحذر. واستخلاص قصص حياتية تعكس معاناة ويأسًا مثل تلك المذكورة في هذا الكتاب أمر صعب للغاية.
وقد ساعد كوبرز في هذا الشأن مؤهلاته الجيدة بوصفه مناصرًا ذا مبادئ لحقوق السجناء. فقد ساهمت شهادته في قاعات المحاكم في اتخاذ قرارات قضائية وإجراء تسويات خارج المحاكم حسَّنت من مصير المدانين في وقتٍ (أغلب الظن أنه صار الآن شيئًا من الماضي) أدت مقاضاة السجون فيه إلى إصلاحات ملموسة في المؤسسات العقابية. وبوصفه شاهدًا خبيرًا في القضايا المتعلقة بالسجون، تمتع كوبرز بحرية دخول السجون والتواصل مع الأشخاص بداخلها دون قيود؛ الأمر الذي لا يحظى به سوى عدد قليل للغاية من الأفراد خارج السجون. وهو يتمتع كذلك بالمصداقية التي لا يحظى بها سوى عدد قليل للغاية أيضًا ممن هم خارج السجون. وإذا جمعنا هذه المزايا، مع حدس متمرس وقدرة هائلة على التعاطف، فستكون النتيجة متوقعة؛ وهي أن يعكس عمله وجهة نظر تحررية وجريئة لا تقبل المساومة، وموقفًا إنسانيًّا حازمًا.
•••

إن الموضوعين اللذين يتناولهما كوبرز في هذا الكتاب — وهما الاضطرابات العقلية التي تتولد «داخل» السجون، وتلك التي تزيدها السجون حدة فيصاب السجين بالجنون — أمران منفصلان، لكنهما يشتركان في فكرتهما المحورية. وعلى نطاق ضيق، يهتم كوبرز ببحث مدى ملاءمة العلاج المقدم إلى المصابين بأمراض عقلية؛ وعلى نطاق أوسع يطرح تساؤلات عن مدى سلامة ظروف وممارسات معينة في السجون. وكلا الاهتمامين يدعوان إلى التركيز على نماذج تؤثر فيها الممارسات غير المقبولة في السجون تأثيرًا سلبيًّا على الاتزان العقلي للضعفاء الذين يكون تشبثهم بالواقع هشًّا أو متقلقلًا.
وأكثر المسائل ذات الصلة هنا هي مسألة السجون ذات الإجراءات الأمنية المشددة أو فائقة التشديد التي تُنشأ بأعداد هائلة في جميع أنحاء الولايات المتحدة. وهذه القلاع المعدنية القاسية يروَّج لها على أنها أحدث ما تم التوصل إليه فيما يتعلق بالمؤسسات العقابية. فيصفها رعاتها بأنها تمثل أحدث التقنيات (التي من المفترض أنها ميزة بديهية)، وأنها منخفضة التكاليف في إدارتها (وهل من شيء أفضل من ذلك؟) وتؤدي وظيفة مهمة للغاية باستيعابها أكثر السجناء المثيرين للمتاعب الذين يصعب التعامل معهم في أي نظام. ومثل معظم ملاحظي السجون الآخرين، يحيط بي حاليًّا العديد من وحدات السجون ذات الإجراءات الأمنية فائقة التشديد التي لا تزال في مرحلة الإنشاء. ويقول مسئولون حكوميون: إن هذه الوحدات مُصمَّمة «لاستيعاب السجناء الذين يعتدون على موظفي السجون ويخلُّون بالنظام في مؤسساتنا»، والغرض هنا هو «إبعاد «السجناء» عن مناطق الحبس العامة.»
وبالوضع في الاعتبار هذا التركيز على عزل السجناء المخلين بالنظام عن الآخرين، يقل الاهتمام بالوجهة التي سيُرسَل إليها هؤلاء السجناء، والظروف في السجون ذات الإجراءات الأمنية فائقة التشديد، والمصير الذي ينتظر السجناء الذين يُرسَلون إلى هذه السجون. يعترف المسئولون بالطبع أن الظروف التي يوجد فيها هؤلاء السجناء صعبة، والبيئة المحيطة بهم قاسية. ويذكرون — بشيء من الفخر — أن الحبس يعني الاحتجاز المطلق وعدم مغادرة السجناء لزنزاناتهم إلَّا لممارسة التمارين الرياضية. ويشيرون إلى أنه لا يوجد تواصل في السجون ذات الإجراءات الأمنية فائقة التشديد — ليس هناك تفاعل إنساني على الأقل — بين السجناء والحرَّاس.
ما لا توضحه هذه التصريحات هو مدى الحرمان الحسي الذي ينطوي عليه العزل المشدد. فمثلما يشير كوبرز، يتضمن هذا العزل قضاء أشهر — وأعوام في بعض الأحيان — في زنزانة رمادية كئيبة تحتوي على مرحاض ودش (معطل غالبًا) وحوض وسرير خفيف نقال، مع إمكانية دخول قفص صغير مسيَّج بالأسلاك مدة ساعة كل يوم. ويُدفَع الطعام البارد عبر فتحة في الباب، وتصدر الأوامر بصوت عالٍ غليظ من سماعات مشوهة الصوت. يمر الوقت بصعوبة وبطء في هذه الأجواء، وإن كانت بعض السجون ذات الإجراءات الأمنية «التقدمية» فائقة التشديد تقدم مواد تعليمية من أجل التعلم الذاتي عبر فتحات الأبواب أو من خلال عرضها على تليفزيون مبرمج مسبقًا. وفي بعض الأحيان فإن إطلاق السراح المبكر من العزل يأتي نتيجة لسلوك نموذجي؛ أي بعد شهور أو أعوام من السكون.
ويشير كوبرز إلى أن السجون ذات الإجراءات الأمنية فائقة التشديد (والبيئات التأديبية بوجه عام) صار يشغلها السجناء المصابون باضطرابات انفعالية؛ نظرًا لأن المرض العقلي يثير عادةً سلوكيات تخالف اللوائح السلوكية بالسجون. وفي بعض الأحيان، ينتج عن ذلك دائرة مفرغة من السلوك الناتج عن أعراض المرض والعقاب؛ فالسجناء المضطربون غير القادرين على التأقلم مع ظروف السجن التقليدية يقل احتمال تكيُّفهم مع الحبس العقابي. وأكثر صور الحبس العقابي تشددًا — مثل العزل بوحدات حراسة فائقة التشديد — يسفر عادةً عن قصور في القدرة على التكيُّف ويؤدي إلى مصير لا يمكن الهروب منه. تتفاقم أعراض المرض العقلي، وتمتلئ السجون بالسجناء الذين ينسحبون من الواقع المؤلم ويُصابون بالهلوسة الشديدة. وما يظهر عليهم من أعراض وخمول وتمتمة غير مفهومة وتململ في النوم وكوابيس توقظهم من النوم، كل هذه أمور من الصعب — إن لم يكن من المستحيل — على الملاحظين العاديين تحديدها، أما الملاحظون الرسميون فهم غير مُرحَّب بهم في مرافق العزل العقابي.
•••

السجون بهذه المواصفات تشتمل على عدد أكبر من اللازم من المصابين باضطرابات خطيرة. الجريمة ليست مهارة، وإنما هي تصرف تلقائي غير منظم وثانوي. هذا فضلًا عن أننا نلقي القبض أيضًا (بفضل الحرب المنتشرة على المخدرات) على الفئات المهمشة التي تعمل على تخدير ذاتها في مجتمعنا المقسَّم إلى طبقات، وهي الفئات التي تعاني من البطالة ولا يمكن توظيفها أيضًا. ويعاني هؤلاء الأشخاص عادةً من مجموعة متنوعة من المشكلات تتضمن غالبًا اضطرابات متعددة متعلقة بتعاطي المخدرات. علاوة على ذلك، فمن الواضح لمعظم الناس خارج فئة الأطباء النفسيين أن الخط الفاصل بين المرض العقلي والسلامة العقلية لا توضحه التشخيصات النفسية الرسمية. ومن ثم، فإن الإقرار بأن سجينًا ما لا يعاني من ذهان واضح الأعراض لا يخبرنا بمدى استقرار السجين أو عدم استقراره، ومدى قدرته على التفاوض في حياته. ومع الوضع في الاعتبار أن السجن بيئة مليئة بالضغوط، فلا عجب إذن أنه كلما زادت الضغوط التي نفرضها، زادت الصعوبات التي يواجهها الكثير من السجناء.
وأخيرًا، فإن المعيار الذي يجعل السجن متحضرًا لا يتعلق بمدى إضرار هذا السجن بالصحة العقلية للسجناء أو عدم الإضرار بها، فهذا مطلب متواضع للغاية من السجون أو أية مؤسسة أخرى تطمح في إدارة الناس أو رعايتهم (بغض النظر عن مدى ما قد يستحقه هؤلاء الناس من استهجان وعقاب). فالمؤسسة الإنسانية المتحضرة يجب أن تكون عادلة وكريمة؛ ولا بد أن تقدم للمقيمين فيها فرصة للتعلم والتطور؛ وأن تعاملهم باحترام وتتيح لهم أي نوع يستحقونه من الثقة أو الصداقة، وأي نوع يحتاجونه من الدعم والرعاية.
ليس هناك الكثير من السجون التي تلبي هذا النوع من المعايير، لكن مثل هذه السجون موجودة في أنحاء العالم. ويومًا ما، بلا شك، سيكتب شخص آخر بعد تيري كوبرز كتابًا بعنوان «الصحة العقلية بالسجون» يوفي فيه هذه السجون حقها؛ بحيث يمكننا الاحتفاء والاقتداء بها.
هانز توخ
ألباني، نيويورك
يوليو ????

تمهيد


تشهد السجون في بلدنا أزمة خطيرة تزداد تفاقمًا. فنحن نلقي بأعداد هائلة من الأشخاص المصابين بأمراض عقلية في المؤسسات العقابية ونسيء معاملتهم، ولا يعي الكثير من الناس عواقب ذلك. ولا يدرك آخرون كيف تصيب سياسات السجون الحالية السجناء الذين كانوا «أصحاء» فيما مضى بالصدمات، وتجعلهم غاضبين وعنيفين وعرضة لمشكلات انفعالية شديدة. ويلجأ بعض الناس إلى التفكير المتفائل بتعلقهم بفكرة حمقاء تقضي بأن الأزمة سيتم احتواؤها داخل جدران السجون. والحقيقة هي أن أزمة الصحة العقلية في السجون تسفر بالفعل عن أزمة عامة تزداد تفاقمًا بمرور الوقت. فنحن نجلس فوق قنبلة موقوتة، وإذا فشلنا في نزع فتيلها؛ فستكون العواقب وخيمة على السلامة العامة.
لقد أصبحت السجون أكبر المصحات العقلية وأكبر مزود للخدمات النفسية في الولايات المتحدة الأمريكية. تضاعف عدد السجناء الأمريكيين ثلاثة أضعاف منذ عام ????، وسوف يتضاعف مرة أخرى بحلول عام ???? في حال استمرار التوجهات الحالية. في يوم ?? ديسمبر عام ????، بلغ عدد السجناء الأمريكيين مليونًا و??? ألفًا و??? سجينًا تحت الاختصاص القضائي الفيدرالي واختصاص الولايات، بالإضافة إلى ??? ألف سجين في السجون المحلية. وفي الوقت نفسه، أدى كلٌّ من إخراج المرضى من المؤسسات العلاجية1 في نظام الصحة العقلية الحكومي والتغيُّرات في القانون التي تجعل من المستبعد اعتبار المرض العقلي للمدَّعى عليه عاملًا مخففًا عند إصدار الأحكام عليه، إلى وضع عدد غير مسبوق من الأمريكيين الذين يعانون من مشكلات نفسية خطيرة تحت طائلة نظام العدالة الجنائية. ومع التوجه نحو إرسال المرضى إلى منازلهم من مستشفيات الأمراض العقلية، تراجع عدد المرضى المصابين بأمراض عقلية المودعين في المستشفيات من ??? ألف مريض عام ???? إلى ما يقل عن ?? ألفًا حاليًّا. وفي تلك الفترة الزمنية نفسها، ارتفعت نسبة السجناء الذين يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة خمسة أضعاف، مقارنةً بمن يعانون من هذه الاضطرابات بين السكان العاديين. ويعاني عدد يتراوح بين ??? ألفًا و??? ألف سجين من اضطرابات عقلية خطيرة؛ أي ما يزيد عن إجمالي عدد مرضى الوحدات الداخلية في مرافق العلاج النفسي غير العقابية. وفي الواقع، إذا أُخذ في الاعتبار كل الأمراض العقلية التي تتطلب تدخلًا مكثفًا للطب النفسي — بما في ذلك الحالات المؤدية إلى الإعاقة، لكنها غير ذهانية، مثل التوتر الشديد واضطراب توتر ما بعد الصدمة — فسنجد أن ما يزيد عن ??? ألف سجين أمريكي يحتاجون إلى خدمات علاج نفسي مكثف.
ومعظم السجناء المصابين باضطرابات عقلية خطيرة وطويلة الأمد لا يعانون فقط من القصور الشديد في العلاج الذي يتلقونه، وإنما أيضًا من ظروف السجون المتزايدة في قسوتها. وبرامج علاج الصحة العقلية في المؤسسات العقابية، التي تعاني من قلة عدد الموظفين، لا تصل إلا إلى نسبة ضئيلة فقط من السجناء المصابين باضطرابات خطيرة. والكثير من السجناء الذين يعانون من أكثر الاضطرابات حدة يتم التغلب عليهم ببساطة من خلال الأدوية القوية المضادة للذهان والحبس في زنزاناتهم. تزيد الضغوط والصدمات الهائلة التي تتضمنها الحياة داخل السجن من تفاقم اضطراباتهم النفسية، وتجعل من تحديد كيفية سير أعراض أمراضهم (أي فرص الشفاء على المدى الطويل) أمرًا ميئوسًا منه. يُطلَق على السجناء المضطربين عقليًّا في ساحة السجن أسماء من قبيل «المجانين» و«غريبي الأطوار»، ويتعرضون للإيذاء من السجناء الآخرين. فينسحب بعضهم إلى زنزاناتهم حيث يؤدي الانعزال إلى تفاقم الأعراض لديهم، ويتفجر البعض الآخر غضبًا لينتهي بهم الحال في الحبس الانفرادي حيث يقل احتمال حصولهم على الرعاية النفسية الملائمة، ويؤدي الحرمان الحسي والاجتماعي إلى زيادة غضبهم وأوهامهم.
وظروف السجن القاسية لها أثر سيئ للغاية على الصحة العقلية لجميع السجناء. والسجناء الآخذة أعدادهم في الزيادة، الذين لديهم تاريخ سابق من الاضطرابات النفسية الخطيرة قبل إدانتهم، معرضون بشكل خاص للانهيار عند تعرضهم لقدر هائل من الضغط الذي تفرضه السجون شديدة الازدحام. والعديد من السجناء الآخرين، الذين لم يعانوا قط من أي اضطراب نفسي قبل دخولهم السجن، يكون رد فعلهم على الصدمات الهائلة التي تتسم بها الحياة في السجن هو ظهور أعراض الاضطرابات النفسية لديهم.
•••

وفيما يتعلق بآثار الازدحام الهائل في السجون، سنجد أن السجون الجديدة لا يمكن أن تُبنَى بالسرعة الكافية للتعامل مع التدفق الكبير للمدانين المحكوم عليهم بموجب أحكام الحد الأدنى الإلزامية وتشريع اعتياد الإجرام (إدانة المجرم بثلاث جرائم أو أكثر). فصارت الزنزانات الصغيرة المُعدَّة في الأساس لاستيعاب سجين واحد تستوعب سجينين. وصالات الألعاب الرياضية بالسجون أصبحت مهاجع مؤقتة تزدحم بالمئات من الأسرَّة المكوَّنة من دورين. وعلى مدار الأعوام ذاتها، حدث انفجار في أعداد السجناء بالسجون، وأُلغيت برامج التثقيف وإعادة التأهيل؛ ما جعل السجناء لا يتبقى لهم سوى عدد قليل أو معدوم من الأنشطة، بالإضافة إلى حرمانهم من أية فرصة لإعداد أنفسهم للحياة المستقيمة بعد إطلاق سراحهم. يصبح السجناء سريعي الهياج، ويزداد حنقهم، وتتصاعد التوترات العرقية بينهم، وتزداد انتهاكات الضعفاء وحالات الاغتصاب، بالإضافة إلى ازدياد أعداد السجينات والسجناء المودَعين في الحبس الانفرادي، واستمرار الغضب في التصاعد. لا عجب إذن أن يؤدي الازدحام إلى زيادات مذهلة في معدلات العنف والأمراض العقلية والانهيارات النفسية وحالات الانتحار.
يدرِّب السجن السجناء على الوضاعة؛ فكلما ازداد السجين وضاعة، ازدادت فرصته في البقاء على قيد الحياة. والسجناء المصابون بأمراض عقلية يعانون من صعوبة في التأقلم مع العُرف السائد في السجن؛ فإما أن يرهبهم موظفو السجن للوشاية بالآخرين وإما يتلاعب بهم السجناء الآخرون لفعل أشياء توقعهم في مشكلات خطيرة. وتزيد نسبتهم بين ضحايا الاغتصاب، ويزداد تأثرهم بالصدمات اليومية في حياة السجن، هذا فضلًا عن ارتفاع النسبة التي يمثلونها بين السجناء الموجودين في العزل العقابي والإداري أو وحدات الحبس المشدد. وفي ظل الازدحام الشديد بالسجون وإلغاء برامج إعادة التأهيل، تستمر الوضاعة دون توقف وتتفاقم، وينهار السجناء تحت الضغط، ويُودع عدد كبير من السجناء الحبس الانفرادي أو وحدات العزل.
وبدلًا من تعزيز برامج السجون للتخفيف من هذه التطورات المرعبة، يختار المُشرِّعون والمسئولون الإداريون في المؤسسات العقابية — الذين يخشون من اتهامهم بأنهم «يدللون السجناء» — بناء وحدات ذات إجراءات أمنية فائقة التشديد وعالية التقنية تزخر بكاميرات فيديو للمراقبة الدائمة للسجناء وأبواب تُفتَح وتُغلَق بالتحكم عن بُعد. وأي سجين لا يحسن التصرف أو لا يعجبه أسلوب إدارة السجن يمكن أن يُودع هذه الوحدات فترة طويلة للغاية من الوقت. ويقضي السجناء في هذه الوحدات نحو أربع وعشرين ساعة يوميًّا داخل زنزانة يحصلون على طعامهم فيها وينعزلون عن العالم ويجلسون في حالة من الخمول.
وإبقاء السجناء الذين من المحتمل إخلالهم بالنظام — أي مَن يعانون من اضطرابات نفسية واضحة ومَن يبدون مستقرين نسبيًّا — في هذا الحبس المشدد قد يوفر سلامًا مؤقتًا في ساحة السجن، لكن يؤدي ذلك إلى ظهور مشكلة جديدة؛ ألا وهي: ما الذي يجب فعله معهم عند خروجهم من الحبس المشدد؟ فلن تكون لديهم أنشطة تثقيفية أو إعادة تأهيل أو تدريب مهني أو تفاعلات اجتماعية أو تدريب على التحكم في الغضب. وظروف الاحتجاز في الحبس المشدد — بما في ذلك الحرمان الحسي والعزلة الاجتماعية والخمول التام — من المعروف أنها تثير حالة شديدة من الغضب والارتباك لدى أي شخص يُحجَز فيه، ولا سيما المعرضين للانهيارات الانفعالية. وفي جميع وحدات السجن ذات الإجراءات الأمنية فائقة التشديد التي تجولت فيها، فإن نسبةً تتراوح بين ثلث ونصف عدد السجناء تعاني من اضطراب عقلي خطير. والسجناء في هذه الوحدات الذين هم عرضة لاضطرابات نفسية تتفاقم لديهم الهلاوس والأوهام والقلق الذي يصل إلى حد الفزع. حتى بعض السجناء ضخام الجثة ممن يبدو عليهم الغلظة رأيت في أعينهم الفزع!
ثمة جهود تسير على قدم وساق لخصخصة السجون. ويصيبني هذا الأمر بالقلق الشديد لأسباب سأوضحها في الفصل الحادي عشر من هذا الكتاب. فعلى الرغم من أن النظم البيروقراطية الحكومية معرضة بالفعل لصور القصور القابلة للتنبؤ بها وغير قادرة على منع أنواع كثيرة من الانتهاكات، فإن الشركات الخاصة الهادفة للربح لديها منفعة مالية في تقليل عدد موظفي رعاية الصحة العقلية وإطالة مدد بقاء السجناء بالسجن. وتزداد الأرباح مع خفض الأجور (كأن يكون ذلك عن طريق عمل الأطباء النفسيين عن طريق الهاتف من المنزل بدلًا من الظهور في السجون للعمل في ورديات)، وزيادة عدد السجناء في السجون الصغيرة الحجم. لكن هذه المصلحة الشخصية الهادفة إلى إفشال السجناء تجعل من خصخصة السجون مجازفة خطيرة للغاية.
على مدار العقدين الماضيين، عمدت المحاكم إلى دراسة شكاوى السجناء عن الازدحام الشديد، وظروف السجن القاسية للغاية، والإجراءات التأديبية غير العادلة، والوحشية من جانب الحرَّاس، والإيداع طويل المدى دون وجه حق في الحبس المشدد في ظل ظروف شديدة القسوة، والقصور في الخدمات الطبية وخدمات الطب النفسي. والخلاصة التي ينبغي الوصول إليها في هذه الحالات هي: هل ظروف السجن القاسية تضر السجناء بما يكفي لأن تشكل انتهاكًا للدستور أو حقوق الإنسان أم لا؟ وهل خدمات الطب النفسي كافية لتكفل للسجناء المضطربين عقليًّا حقهم في العلاج أم لا؟
•••

لقد عملتُ خبيرًا في الطب النفسي في أكثر من اثنتي عشرة قضية جماعية تتعلق بظروف الاحتجاز في السجون، وجودة الرعاية الصحية ورعاية الصحة العقلية داخل هذه المؤسسات العقابية. وعملت أيضًا مستشارًا لقسم الحقوق المدنية بوزارة العدل الأمريكية ولمنظمة هيومَن رايتس ووتش في إطار التحقيقات التي أجرتها هاتان الجهتان في أنظمة السجون الحكومية. وقد منحتني هذه الأدوار فرصة يندر حصول أي شخص لا يعمل داخل السجون عليها؛ ألا وهي الدخول إلى السجون ومقابلة السجناء ومأموري السجون والموظفين بها.
وتفزعني دائمًا درجة العنف التي أشهدها أو أسمع عنها في السجون حاليًّا، بما في ذلك العنف بين السجناء، والاعتداءات من جانب السجناء على الحرَّاس، وحالات الضرب وإطلاق النيران على السجناء من جانب الحرَّاس. وعندما أتجول في السجون، ولا سيما وحدات الحراسة المشددة التي يُعزَل فيها السجناء داخل زنزانات على مدار اثنتين وعشرين أو أربع وعشرين ساعة يوميًّا، تصدمني درجة الذهان التي أراها — وتشمل تدهور حالات السجناء إلى حد الصراخ بألفاظ فاحشة، وإلحاق الجروح بأنفسهم، وتراشق الغائط — ولم يسبق لي رؤية ما يضاهيها أبدًا في أي مكان آخر طوال سنوات عملي طبيبًا سريريًّا على مدار خمسة وعشرين عامًا. وِيلي واحد من بين الكثير من السجناء الذين يعانون من إصابة واضحة بالذهان، التقيت بهم في وحدات السجون ذات الإجراءات الأمنية فائقة التشديد (قمت بتغيير الأسماء في معظم الحالات حفاظًا على سرية أصحابها). عندما كان في الخامسة عشرة من عمره، حوكِم كشخص بالغ، وحُكِم عليه في ثلاث جنايات، وأُودع السجن. فقد اختطف وهو برفقة صبي آخر ثلاث سيدات تحت تهديد السلاح الأبيض في أثناء محاولتهما الهرب من وحدة علاج نفسي مؤمنة في عام ????. شأنه شأن الكثير من المدانين، تعرض ويلي لانتهاكات شديدة وهو صبي. ففي سن التاسعة، وفي أثناء رعايته لأخته الصغيرة في أحد المهرجانات، اختُطِفت أخته وقُتِلت. ولم يتجاوز ويلي قط هذه الخسارة، وكان يلوم نفسه دومًا على ما حدث. وبعد وفاة أخته بفترة قصيرة، بدأ في إلقاء الحجارة على السيارات من على الجسور العلوية للطرق السريعة، وإلقاء البيض على المنازل، وإشعال حرائق صغيرة، والهروب من المنزل، والتغيُّب عن المدرسة. وأقدم على العديد من محاولات الانتحار الجادة، بالإضافة إلى تعديه على غيره من الأطفال ومعلميه. في السنوات الأولى من مرحلة المراهقة، شُخِّصت حالته على أنها «فصام ارتيابي» و«تخلف عقلي»، وعُولِج بعقار هالدول، وهو دواء مضاد للذهان قوي للغاية. ووضِع في عنبر مغلق لاعتباره خطيرًا للغاية على نفسه وعلى الآخرين. وحتى في أثناء حصوله على هالدول، ظل يسمع باستمرار أصواتًا داخلية تأمره بمهاجمة الناس، وخاصةً النساء.
وعلى الرغم من ارتكاب وِيلي للجرائم وهو يعاني من ذهان واضح ويحاول الهروب من مستشفًى للأمراض العقلية، فقد اتُّهم بثماني جنايات. ومن خلال التفاوض على تخفيف العقوبة، أُسقِطت عنه التهم الخمس الأكثر خطورة، وأُدين في التهم الثلاث البسيطة نسبيًّا. كان الحكم الصادر ضده أنه «مدان ومريض عقليًّا». والقاضي، الذي رأى أن ذلك الصبي البالغ من العمر خمسة عشر عامًا والمضطرب عقليًّا والمصاب بتخلف عقلي يمثل تهديدًا على المجتمع، حكم عليه بعدة سنوات في السجن عن كل تهمة، على أن يقضي هذه المدد تباعًا في السجن.
وأثناء وجود ويلي في الحبس في انتظار المحاكمة، تعرض للاغتصاب من العديد من السجناء الأكبر سنًّا، والضرر الذي لحق بالمستقيم لديه كان شديدًا لدرجة تطلبت خضوعه لجراحة استبنائية (ترميمية). والكوابيس وتوارد التجارب القاسية السابقة المرتبطة بالاغتصاب على ذهنه ظلت جزءًا من أوهامه وهلاوسه إلى الآن. وأنا أكتب هذه الكلمات، يكون قد مرَّ على وجود ويلي في السجن ما يزيد عن خمسة أعوام، وعلى الرغم من صغر سنه، وإعاقته النفسية الشديدة، والحكم عليه بأنه مدان ومريض عقليًّا، لم يحصل في السجن إلا على قدر ضئيل للغاية من الرعاية الطبية النفسية. ونُقِل إلى وحدة الطب النفسي في السجن فترة قصيرة مرتين، وأُعطي وصفة طبية من الأدوية المضادة للذهان. لكنه تُرِك دون رقابة، وسرعان ما تورط في مشكلات انضباطية ودخل وحدة الحبس الانفرادي حيث عُزِل في زنزانته ثلاثًا وعشرين ساعة يوميًّا وكان يتناول وجباته وحده.
كان هناك طبيب نفسي واختصاصي نفسي يقومان بجولات في الوحدة. كل منهما كان يتوقف أمام باب زنزانة ويلي ويسأله عما يشعر به. أخبرني ويلي أنه لم يكن يتحدث إليهما إلا ببضع كلمات؛ لأن المكان كان يفتقر إلى الخصوصية، ولأنه كان لا يرغب في سماع السجناء الآخرين له وهو يتحدث عن مشكلاته العقلية. أضاف ويلي أنه في بعض الأحيان يرى الشياطين تترصده داخل الزنزانة ويسمع أصواتًا بداخله تأمره باغتصاب النساء وقتل نفسه. وخلال تلك الفترة، أصاب ويلي ذراعه وعنقه بجروح سيئة للغاية عدة مرات. وفي أحيان أخرى، في استجابة منه للهلاوس الآمرة التي يسمعها، كان يلقي بالغائط على الحرَّاس. وفي كل مرة يلقي فيها بالفضلات عليهم أو يرفض تنفيذ أمر ما، كان يُحكَم عليه بقضاء فترة أطول في الحبس الانفرادي الذي يجعله — حسب قوله — أكثر جنونًا. ويبدو الآن أنه سيبقى في وحدة الحراسة المشددة حتى موعد إطلاق سراحه عام ????.2 تضم السجون3 بعض الأشخاص الذين يرتكبون جرائم عنيفة على نحو متكرر ويستحقون الإبقاء عليهم محتجزين فترات طويلة من الوقت. ويجب عدم تجاهل مخاوف الناس المفهومة بشأن المجرمين المحترفين في عالم الإجرام. وهؤلاء المجرمون، في الواقع، هم الذين يصبحون عادةً المعتدين في التسلسل الهرمي السيادي بالسجون، ويعتدون على السجناء الأضعف والأصغر سنًّا، ويجعلون الحياة بائسة بالنسبة إلى السجناء المضطربين عقليًّا. لكن على عكس المخاوف الناتجة عن تركيز وسائل الإعلام على أكثر السجناء عنفًا وانحرافًا، فإن ما يزيد عن نصف عدد السجناء حاليًّا لم يرتكبوا قط في حياتهم أية جريمة عنف. وإذا حصرنا العدد الإجمالي للحالات التي دخلت حديثًا إلى السجون بدلًا من النظر إلى تركيبة السجناء ككل، فسنجد أن نسبة المدانين بأعمال عنف ستقل إلى ?? بالمائة؛ وذلك لأن هذه الفئة من المدانين يحصلون على أحكام أطول ويزداد عددهم داخل المؤسسة العقابية، بينما الأغلبية العظمى من السجناء يُدانون بجرائم غير عنيفة، مثل حيازة المخدرات وغيرها من الجرائم التي لا تتضمن أية ضحايا، ويُطلَق سراحهم بعد بضع سنوات؛ معنى ذلك أن ثلاثة أرباع مَن يدخلون السجن الآن لم يُدانوا بجريمة عنف واحدة! وتتورط نسبة كبيرة من السجناء، خاصةً مَن يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة، في متاعب قانونية تتعلق بالمخدرات والكحوليات، وما من دليل مطلقًا على أن حبس الناس خلف القضبان يجعلهم أقل عرضة لتعاطي المخدرات بعد إطلاق سراحهم. بل إن وضع السجناء، الذين لم يُدانوا من قبل بجرائم عنف في مثل هذه البيئة الجَهنميَّة عدة سنوات يجعلهم أكثر غضبًا ووضاعةً وأقل اهتمامًا بالآخرين عند إطلاق سراحهم. وعادةً ما يُطلَق سراح السجين بعد أقل من خمس سنوات. وخمسة وتسعون بالمائة من جميع السجناء يُطلَق سراحهم في النهاية، بالرغم من الأحكام الأكثر قسوة الصادرة ضدهم. فالأرجح أن وِيلي سيعود إلى الشارع في النهاية، ولك أن تتخيل مدى صعوبة تكيُّفه مع أبسط قواعد السلوك الاجتماعي المقبول بعد قضاء ثلاثين عامًا محبوسًا في زنزانة يعاني فيها من الهلاوس.
يتناول هذا الكتاب الجناة الذين بلغوا سن الرشد. لكنني أذكر بين الحين والآخر الجناة من القُصَّر. وجميع مَن أعرفهم ممن يعملون في نظام العدالة الجنائية يفضلون العمل مع هذه الفئة العمرية؛ نظرًا لزيادة احتمالية عودة القُصَّر إلى الطريق القويم وفرص النجاح في مساعدتهم على الخروج من تحت طائلة نظام العدالة الجنائية وبقائهم خارجه. وأنا أُومِن بأن الجهود الإصلاحية يجب أن تكون منصبة على الشباب، مثلما سأوضح في الفصل العاشر من الكتاب. بيد أن معظم خبراتي كانت في سجون البالغين؛ لذا فإن هذا ما أناقشه في الأساس.
معظم المجرمين العنيفين الأشداء تصدر ضدهم أحكام بالسجن المؤبد. والمشكلة الأكبر فيما يتعلق بالسلامة العامة هي أن عددًا أكبر من السجناء يُحكَم عليهم بالسجن في جرائم لا تنطوي على عنف، ومعظمها جنح بسيطة متعلقة بالمخدرات. وبعد قضاء بضعة أعوام في السجن يتعلمون خلالها أنه يجب عليهم اللجوء إلى العنف كي يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة، سيواجهون صعوبة شديدة في احتواء غضبهم والتصرف على نحو لائق في المواقف الاجتماعية عند إطلاق سراحهم. وسواء أكان السجناء مضطربين عقليًّا أم لا، فإنهم يخرجون عادةً من الحبس وصدورهم تحتدم غضبًا وتثور ثائرتهم لأتفه الأسباب.
وفي هذا السياق، انزعجت عندما علمت أن معدل الاعتقالات للمرة الثانية4 (أي معدل إعادة اعتقال الأفراد الذين قضوا مدة عقوبة واحدة في السجن) قد ارتفع للغاية في الفترة ما بين عامي ???? و????، وهي الفترة نفسها التي شهدنا فيها تراجعًا في برامج إعادة التأهيل والتثقيف، وازدحامًا شديدًا في السجون، وظهورًا لوحدات الحبس ذات الإجراءات الأمنية فائقة التشديد. وثلث أعداد المحكوم عليهم بالسجن حاليًّا يعودون إلى السجون مرة أخرى بسبب مخالفتهم قواعد إطلاق السراح المشروط، وتعدِل هذه النسبة ضعف أعداد المدانين الذين كانوا يدخلون السجون نتيجة لمخالفتهم هذه القواعد منذ عشرة أو خمسة عشر عامًا مضت. وارتفاع معدل الاعتقالات للمرة الثانية والنسبة المتزايدة للمُطلَق سراحهم إطلاقًا مشروطًا الذين يعودون إلى الحبس؛ يشير إلى أن السجن في الأعوام الأخيرة يشجع في الواقع على الجريمة، ويقضي على فرص المجرمين السابقين في أن يحيوا حياة مستقيمة. ليس من المستغرب حاليًّا أن يُطلَق سراح أي سجين مباشرةً من وحدة الحبس الانفرادي إلى المجتمع. وهناك بعض الحالات الخطيرة التي يرتكب فيها السجناء الذين يخرجون من هذه الوحدات مباشرةً إلى الشارع جرائم شنيعة للغاية. وسواء أكان السجناء السابقون قد قضوا مدة عقوبتهم في وحدة الحراسة المشددة أم لا، فإن الاحتمال الكبير لأن يصيروا أكثر عرضة لارتكاب الجرائم العنيفة بعد قضائهم بعض الوقت خلف القضبان له عواقب خطيرة على السياسة الاجتماعية والسلامة العامة.
ومن خلال تصوير السجناء والسجناء السابقين على أنهم مصادر خطر محتملة على السلامة العامة، قد يظن الآخرون بي أنني أتفق مع مَن يدعون أن جميع المجرمين يمثلون خطورة ويجب حبسهم لأطول فترة ممكنة. لكن ما أُومِن به بالفعل هو أن ما نفعله بالسجناء أثناء فترة حبسهم قد يكون له آثار سلبية للغاية على قدرتهم على التكيُّف بسلام مع الآخرين، سواء داخل السجن أم خارجه. وأعتقد أن هذا التأثير تزداد خطورته فيما يتعلق بالسجناء المضطربين عقليًّا. فالسجناء المصابون بأمراض عقلية، شأنهم شأن الأشخاص المصابين بمثل هذه الأمراض في المجتمع، ليسوا أكثر عرضة لانتهاج العنف إذا ما قُورنوا بالفئات الأخرى من السجناء. لكنني أخشى أن تشكل الفئة الفرعية من السجناء — التي تتعرض على نحو متكرر للصدمات والحرمان من العلاج النفسي الملائم في السجون، وتُودع وحدات الحبس الانفرادي العقابية — خطرًا على السلامة العامة بعد إطلاق سراحها.
أعتقد أن اشتداد قسوة الحياة داخل السجون — عن طريق وضع المزيد من السجناء في الوحدات ذات الإجراءات الأمنية فائقة التشديد أو مجرد تقييد الأنشطة التي يقومون بها كحرمانهم من رفع الأثقال ومن كتب القانون — لا يسفر إلا عن دفع المزيد من السجناء والسجينات إلى الجنون. سأقبل بمخاطرة أن يُفهم كلامي على نحو خاطئ وأن يُظن بي أنني أضفي شرعية على أحكام أشد قسوة لكي أثبت نقطة أكثر أهمية بكثير؛ وهي أن الأسلوب الذي نعامل به السجناء، سواء أكانوا يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة أم لا، أحمق وخطير. وأرى أنه بإمكاننا، بدلًا من ذلك، وضع برامج من شأنها مساعدة الكثير من السجناء على تغيير مسارهم ومغادرة السجون ليصيروا مواطنين منتجين وملتزمين بالقانون.
•••

يعتقد مناصرو التوجُّه المنادي بإصدار أحكام أكثر قسوة على المدانين ووضع حد لما يسمونه «تدليلًا» للسجناء؛ أن ارتفاع معدل إعادة القبض على المجرمين وعودتهم للإجرام يرجع إلى ظهور نوع جديد من المجرمين شديدي الخطورة ولا سبيل إلى تقويمهم. ويرون أن الحل لمشكلة خروج السجناء من السجون وهم أكثر وضاعة وخطرًا هو الإبقاء عليهم محبوسين فترات أطول من الوقت، بل ومدى الحياة أيضًا. وإرشادات «اعتياد الإجرام» و«الحد الأدنى الإلزامي» للأحكام تتناسب تمامًا مع مبدأ «إيداع الجناة السجون وتجاهُلهم تمامًا».
لكن هناك العديد من المشكلات التي ينطوي عليها هذا التوجه، بدءًا من التكاليف الهائلة التي يتكبدها عامة الناس. فالتكلفة التي تقع على عاتق دافعي الضرائب جراء وضع عدد متزايد من المدانين في السجون وتقديم الخدمات الطبية وخدمات الصحة العقلية لهم صارت جسيمة. أصبح بناء السجون صناعة مزدهرة. ومعدل الإنفاق على المؤسسات العقابية على المستوى القومي زاد بمقدار ثلاثة أضعاف معدل زيادة الميزانية العسكرية على مدار الأعوام العشرين الأخيرة. وأكثر من ??? سجن جديد شُيِّد منذ عام ???? بتكلفة تبلغ عشرات المليارات من الدولارات. وأنفق دافعو الضرائب الأمريكيون ??? مليار دولار عام ???? على نظام العدالة الجنائية. وكلَّف كذلك بناء كل زنزانة جديدة دافعي الضرائب ??? ألف دولار. وليست تكاليف الإنشاء سوى البداية فقط. فوفقًا لوزارة العدل الأمريكية، كل ??? مليون دولار يُنفَق على بناء السجون يُلزِم دافعي الضرائب إنفاقَ ??? مليار دولار على مدار العقود الثلاثة القادمة لإدارة هذه المؤسسات العقابية. ويتكلف إبقاء كل سجين خلف القضبان ما يزيد عن ?? ألف دولار سنويًّا، أو ما يبلغ نحو ??? ألف دولار سنويًّا إذا كان السجين يعاني من اضطراب عقلي خطير ويحتاج رعايةً طبية نفسية أو إيداعًا بإحدى وحدات العزل.
لقد أثقلت الأعباء المالية كاهل الكثير من الولايات الأمريكية، ويصل الأمر إلى حدِّ ندرة الموارد اللازمة للتعليم العام والرعاية الصحية وخدمات حماية الأطفال وبناء الطرق وما إلى ذلك. تنفق ولاية كاليفورنيا بالفعل على المؤسسات العقابية ما يفوق نفقاتها على التعليم العالي، وسرعان ما سيصير ذلك الحال أيضًا في ولايات أخرى. والمدانون الذين صدرت ضدهم في الأساس أحكام في جرائم لا تنطوي على عنف سيتطلب الإبقاء عليهم خلف القضبان مدى الحياة نفقات عامة هائلة.
وبغض النظر عن عدد السجون التي نشيدها، فما من شيء يضمن لنا احتجاز جميع المجرمين. فمن المستحيل التعرف بدقة على جميع «العناصر الإجرامية»، ناهيك عن إلقاء القبض عليهم. فنسبة كبيرة من الجرائم يرتكبها الشباب من الجنسين الذين لم يسبق لهم دخول السجن قط، ولا يبدو أن احتمالية إصدار أحكام أكثر قسوة عليهم يمكن أن تردعهم عن الجريمة. على سبيل المثال، هناك عامل الإحلال؛5 بمعنى أن حبس تاجر المخدرات لن يقلل على الأرجح من الاتجار في المخدرات؛ وذلك لأن شخصًا أصغر سنًّا سيحل محل الشخص المقبوض عليه. وينطبق ذلك على كل الحالات بغض النظر عن عدد الشباب المعوزين الذين يُسجَنون. لكن الأمر برمته من المؤكد أنه يؤدي إلى اتساع دائرة السجناء الأصغر سنًّا. علاوةً على ذلك، لا تؤدي كل الجرائم ولا كل الاعتقالات إلى الإدانة، ومن ثم يبقى عدد هائل من الجناة في الشوارع، بغض النظر عن مدى قسوة نظام العدالة الجنائية وكَمِّ النقود التي ننفقها هباء عليه. وفي الوقت الذي ازدادت فيه أعداد السجناء في المؤسسات العقابية زيادة هائلة في العقود الأخيرة، ظلت معدلات الجريمة مستقرة نسبيًّا. نعم، لقد حدث انخفاض ببضع درجات في المائة في أنواع معينة من جرائم العنف في السنوات القليلة الماضية، لكن هذا التحوُّل يتفق مع نموذج التقلُّبات البسيطة لأعلى أو لأسفل في معدل الجريمة المستقر نسبيًّا على مدار العشرين عامًا الأخيرة، ومن ثم لا يمكن تفسير ذلك بمعدل الحبس الذي تضاعف بمقدار ثلاثة أو أربعة أضعاف في الفترة نفسها. فلو كان حبس المزيد من الناس يؤدي إلى انخفاض معدلات الجريمة؛ لتوقعنا أن نشهد انخفاضًا حادًّا في معدلات الجريمة في الولايات التي بها أسرع معدل لزيادة أعداد السجناء. لكن، في الواقع، مقارنة معدلات الجريمة والحبس في الولايات الخمسين6 توضح عدم وجود أية علاقة بين معدلات الحبس والجريمة. ثمة نبوءة محقِّقة لذاتها في منطق «القانون والنظام». فعندما يتعرض السجناء للإيذاء وتُترَك اضطراباتهم النفسية دون علاج، يفسر السجَّانون الغضب الذي يشعر به السجناء تجاه قسوتهم على أنه دليل على أن هؤلاء المجرمين الذين لا سبيل إلى تقويمهم يجب التعامل معهم بوحشية. وهذه النبوءة المحققة لذاتها هي التي توجه سياستنا الاجتماعية حاليًّا. على سبيل المثال، عندما يطالب حُكام الولايات والمُشرِّعون بضرورة أن تكون معدلات إشغال السجون مرتفعة قبل موافقتهم على تجديد التمويل اللازم لتشغيل هذه السجون، يظهر حافز قوي للإبقاء على المزيد من السجناء خلف القضبان.
والحبس واسع النطاق له آثار ضارة للغاية؛ فالحقوق الدستورية للجميع ستُنتهَك عند وضع الإجراءات الوحشية اللازمة للحفاظ على المزيد من المدانين خلف القضبان. هذا فضلًا عن أن المجتمعات التي ينحدر منها هؤلاء المدانون — التي تكون في الغالب مناطق حضرية منخفضة الدخول — يدمرها الحبس واسع النطاق لشبابها من الجنسين. والزجُّ بنسبة كبيرة من شباب أي مجتمع في السجن يمكن أن يؤدي إلى عدم الاستقرار الأسري ويعزز من الفشل الاجتماعي والسلوك الإجرامي لدى الجيل التالي. ومن الأمثلة المرعبة على هذه الحالة صَبِيَّان في العاشرة والحادية عشرة من عمرهما، ألقيا بطفل في الخامسة من عمره من نافذة الدور الرابع عشر بأحد أحياء السكن الاجتماعي الفقيرة في شيكاجو يوم ?? أكتوبر عام ???? ليلقى حتفه؛ وذلك لأن هذا الطفل رفض سرقة الحلوى من أجل هذين الصبيين. والدا هذين الصبيين المعتديين كانا آنذاك في السجن!
•••

إن أغلبية السجناء الذين يُجبَرون على قضاء فترة شبابهم في سجون جهنمية سيخرجون في وقت ما، ويعودون إلى مجتمعاتهم، ويشكِّلون تهديدًا أخطر على السلامة العامة مقارنةً بالتهديد الذي كانوا يشكِّلونه قبل دخولهم السجن. ونظرًا لأن نسبة كبيرة من السجناء يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة؛ فإن إيداعهم في سجون شديدة الازدحام، وحرمانهم من الرعاية الطبية النفسية الملائمة، وتركهم ليصيروا ضحايا أو جناة في حوادث العنف يُعَد أمرًا أحمق ومكلفًا وخطيرًا. ومعظمهم أيضًا سيُطلَق سراحه في النهاية. لا أقصد هنا إخافة القارئ، وإنما أقول ذلك فقط لأنني أريد من القارئ أن يشاركني البحث عن أسلوب أكثر إنسانية في التعامل مع الجريمة والعدالة.
سأوضح لك في هذا الكتاب الرعب والظلم والوحشية وانعدام الإحساس والإهدار الهائل لأموال دافعي الضرائب وعدم فعالية النظام العقابي الحالي وفشله مع جميع السجناء، ولا سيما مَن يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة. فهل هناك حاجة للعقوبات الأكثر قسوة وصور الحرمان الأكثر تعسفًا التي تنطوي عليها السجون حاليًّا؛ نظرًا لأن السجناء صاروا أكثر جنونًا وسوءًا من أي وقت مضى؟ أم أن الظروف القاسية ونقص العلاج المناسب للأمراض العقلية، وصور الحرمان القاسية هي الأمور التي تجعل السجناء أكثر عنفًا وذُهانًا وميلًا للانتحار؟ سأتناول هذا السؤال ببعض التفصيل. وسأقدم أيضًا مجموعة من التوصيات العملية لإصلاح السجون وإعادة التفكير في الغرض الذي تُنشأ من أجله «المؤسسات العقابية»، كما أقترح بعض الإرشادات التي تهدف إلى تقديم رعاية إنسانية فعَّالة للأفراد الذين يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة.
الكتاب مُقسَّم إلى ثلاثة أجزاء. الجزء الأول يركز على أزمة الصحة العقلية خلف القضبان، ويتضمن وصفًا للمصابين بأمراض عقلية في السجون وبعض الأسباب التي زجَّت بعدد كبير منهم إلى السجن (الفصل الأول)، بالإضافة إلى مناقشة للصدمات والضغوط التي تؤدي إلى جنون الكثير من السجناء، بمن فيهم العديد ممن دخلوا السجن دون أن تكون لديهم أية مشكلة سابقة تتعلق بصحتهم العقلية (الفصل الثاني). وأقدم أيضًا تقييمًا نقديًّا لخدمات الصحة العقلية داخل المؤسسات العقابية المعاصرة (الفصل الثالث).
أما الجزء الثاني، فيركز على الظروف التي تجعل حياة السجناء عمومًا في حالة من البؤس الشديد، وتجعل حياة السجناء المضطربين عقليًّا لا تُحتمَل. وتتناول الفصول الخمسة لهذا الجزء الآثار النفسية للعنصرية في المؤسسات العقابية، حيث يمثل الملونون الأغلبية بين السجناء، والبيض الأغلبية بين الموظفين (الفصل الرابع)، إضافة إلى بعض الجوانب المميزة لتجربة النساء في السجون (الفصل الخامس)، والحقيقة البشعة للاغتصاب الذي يحدث داخل السجون وآثاره النفسية (الفصل السادس)، وأهمية الزيارات الجيدة للأحباء؛ كي يتمكن السجين من قضاء مدة عقوبته في سلام، ويحتفظ بصحته العقلية، وينجح في الاستقامة في حياته بعد إطلاق سراحه (الفصل السابع)، والمأساة المتكررة للانتحار في السجون (الفصل الثامن).
ويتناول الجزء الثالث سبل الحد من معاناة السجناء، وتعزيز سلامة المجتمعات. فيعرض الفصل التاسع موضوع القضايا الجماعية التي أدت إلى تحسين نظام العدالة الاجتماعية، ويشير هذا الفصل إلى بعض المعارك القانونية المهمة التي لم تُشن بعد، ويوضح أبرز جوانب القصور في التعويضات القانونية. ويناقش الفصل العاشر بعض متطلبات البرامج الناجحة لإعادة التأهيل وعلاج الأمراض العقلية، ويعرض توصيات لتطبيق الدروس المستفادة من هذه النجاحات في جميع أنظمة السجون.
أما في الفصل الحادي عشر، فسأدلي بدلوي في الجدل القائم حول العدالة الجنائية في الولايات المتحدة الأمريكية. فما هو الهدف الاجتماعي من الحبس أو ماذا يجب أن يكون؟ هل هو مجرد الانتقام ممن يخرقون القانون؟ أم أن هناك بعض الأمل في إعادة التأهيل؟ وهل ستستمر الحكومات في سحب دعمها المالي من مؤسسات التعليم والخدمة الاجتماعية، بينما تتوسع في ميزانيات المؤسسات العقابية؟ وهل سيدفعنا منطق القانون والنظام للاستمرار في «إبعاد» الفقراء والمعوزين عن المجتمع؟ أم أننا سنُشكِّل رؤية أكثر شمولية لأسلوب أفضل للتعامل مع الجريمة والتعامل مع أزمة الصحة العقلية خلف القضبان؟
•••

أتمنى أن يلفت هذا الكتاب أنظار الناس إلى بعض الانتهاكات والتجاوزات التي أشاهدها في كل مرة أدخل فيها أحد السجون. وأتمنى أيضًا أن يكون مساهمة نافعة في مناقشة عامة لا غنى عنها بشأن أهداف السجن، وما يشكل ظروفًا مقبولة للحبس، وكيف يمكننا تقديم خدمات صحة عقلية مناسبة في المؤسسات العقابية.
فإذا لم نتخذ إجراءً حاسمًا في الحال للقضاء على أزمة الصحة العقلية خلف القضبان، فسوف تتعرض السلامة العامة للخطر في السنوات القادمة. وسيستمر خروج سجناء ناقمين من السجن ونسبة كبيرة منهم تعاني من اضطرابات انفعالية خطيرة وغير مستعدة لأن تحيا حياة قويمة وتساهم بفعالية في الحياة المجتمعية، وسيعود الكثيرون منهم إلى حياة الجريمة. لكننا إذا توقفنا عن إنكار المشكلة، وفتحنا أعيننا على حماقة السياسات الحالية المطبقة في المؤسسات العقابية، فسوف تتسنى لنا فرصة تغيير أسلوب تعاملنا مع الجريمة تغييرًا جذريًّا والقيام بمحاولة جادة لإصلاح نظام العدالة الجنائية لدينا.
تيري إيه كوبرز
أوكلاند، كاليفورنيا
أغسطس ????

مقدمة


كثيرًا ما يُطرح عليَّ السؤال التالي: كيف يمكن لطبيب نفسي مجتمعي أن يصير خبيرًا في شئون السجون؟ والواقع أنني صرت خبيرًا بهذه الأمور بطريق غير مباشر. ففي أواخر الستينيات، عملت رئيسًا لأطباء عيادة بانتشي كارتر المجانية في جنوب لوس أنجلوس؛ وكانت تلك العيادة برنامجًا لخدمة المجتمع تديره حركة الفهود السود. وقد رأيت في التطوع بتلك العيادة فرصةً لتقديم الرعاية الطبية لفئة من الناس كانت ستعاني من حرمان شديد لولاها.
في الثالثة صباحًا يوم الثامن من ديسمبر عام ????، أغارت الشرطة على مكتب حركة الفهود السود في جنوب لوس أنجلوس. وكان رجال الشرطة مسلَّحين بمدافع ثقيلة ودبابة، لكن أعضاء حركة الفهود السود الذين وُجدوا آنذاك داخل المكتب رفضوا تسليم أنفسهم إلا في وجود شهود. فأطلقت قوات الشرطة النيران على نحو متكرر على المكتب حتى ملأت جدرانه الثقوب من أثر الرصاص. واستسلم أعضاء الحركة في النهاية. ومَن أصيب منهم أثناء المعركة المسلحة مع الشرطة نُقِل تحت حراسة مشددة إلى جناح السجناء في مستشفى مقاطعة لوس أنجلوس، وقُيِّدوا في أسرَّتهم بالأصفاد، وهم محاصرون من قِبَل رجال الشرطة.
كنت قد عالجت آنذاك بعض الرجال والسيدات من المجتمع الذي قدمت العيادة الخدمة له؛ فطلبت مني أسرهم زيارة المصابين في مستشفى السجن. ونظرًا لأن القانون يعطي السجناء الحق في زيارة الطبيب الشخصي لهم؛ سُمِح لي برؤية المصابين. لاحظت الحراسة المشددة عليهم، ولاحظت أيضًا ما اعتبرته وحشية لا داعي لها. على سبيل المثال، قُيِّد بعض أعضاء حركة الفهود السود في أسرَّتهم تقييدًا وصل في درجة إحكامه إلى أن الأصفاد مزقت الجلد عند الكاحلين والمعصمين. وفي الوقت نفسه، اتسم رجال الشرطة وأفراد الفريق الطبي بعدم الاكتراث إلى حد بعيد بشكاوى السجناء وما يعانونه من ألم، وكذلك بعدم الاستجابة لطلبات هؤلاء السجناء المتعلقة بالحصول على الرعاية الطبية. وطلب مني أعضاء حركة الفهود السود إبلاغ الصحافة عن هذه الانتهاكات. وتصدرت بالفعل تلك الأخبار العناوين الرئيسية في الصحافة.
وبعد بضعة أعوام، تقدم فرع لوس أنجلوس للاتحاد الأمريكي للحريات المدنية بدعوى قضائية بالنيابة عن السجناء ضد قسم شرطة مقاطعة لوس أنجلوس، يقولون فيها: إن الأحوال المزرية وسوء الرعاية الطبية والنفسية في سجن مقاطعة لوس أنجلوس يشكلان عقوبة قاسية وغير اعتيادية، فيما يُعَد انتهاكًا للتعديل الثامن بالدستور (قضية رذرفورد ضد بيتشيس، عام ????). وتذكَّر المحامي الرئيسي بالقضية تقريري عن المعاملة السيئة التي تعرض لها أفراد حركة الفهود السود في الحبس، وطلب مني أن أكون شاهدًا خبيرًا في القضية. لم يكن لي باعٌ كبير آنذاك في تقييم أحوال السجون، لكنني كنت على دراية كافية بالمجالات المعرفية ذات الصلة، بما في ذلك الأبحاث حول الازدحام المفرط والطريقة التي تصمم بها المؤسسات العقابية وآثارها على المُودعين داخلها. لكنني لم أتعامل مع هذا النوع من القضايا المتعلقة بالسجون من قبل؛ ولذا لزم عليَّ اكتساب خبرة جديدة، فقمت — أولًا — بجولة في السجن والتحدث مع العاملين فيه والسجناء.
ثمة مخاوف مرتبطة بدخول أي سجن، حتى لو كنت مهنيًّا تقوم بجولة بأمر من المحكمة. هل هناك نوع من الأمان؟ إن فكرة قضاء عدد كبير من الساعات مع السجناء تثير في النفس قدرًا من الخوف؛ ومن ثمَّ، لم أنم جيدًا في الليلة التي سبقت أول جولة لي في سجن مقاطعة لوس أنجلوس.
لا أزال أتذكر تلك الجولة الأولى. فاحت رائحة الكلوركس والبول من «قفص المخمورين» الذي ضمَّ ستة أو ثمانية رجال أُلقي القبض عليهم الليلة السابقة لليلة التي تجولت فيها. كانت هناك أيضًا «أقفاص تَحفُّظ» قضى فيها الأشخاص المقبوض عليهم من غير المخمورين ليلتهم، مع عدم الاهتمام بالتمييز بين الجاني والضحية. وكانت هناك كذلك «الغرف المطاطية»، وهي زنزانات فردية يبلغ كل من عرضها وعمقها نحو ستة أقدام، ومبطنة الحوائط والأرضية. وقد كانت البطانة قديمة وخشنة ومهترئة في مواضع كثيرة، حيث ظهر الإسمنت أو المعدن الموجود تحتها. خلت تلك الزنزانات المطاطية من النوافذ فيما عدا فتحة صغيرة في الباب. لم يكن هناك أيضًا أي أثاث بها، وكانت هناك حفرة في وسط الأرضية تُستخدَم كمرحاض، مع وجود زر التحكم في تصريف المرحاض خارج الزنزانة. كان بالإمكان سماع الرجال المحبوسين داخل الزنزانات — الذين كان بعضهم عراة — وهم يصرخون ويطرقون بقوة على الأبواب الصلبة المتينة. فسر لي أحد الضباط الأمر بأن العديد من أولئك الرجال خطيرون، والبقية لديهم ميول انتحارية.
أما أقفاص التحفظ، فقد اشتملت على رجال سبق لهم دخول الحبس ويعلمون كيف ينجون داخله، إلى جانب آخرين لم يسبق لهم دخوله ويشعرون بالذعر من التعرض لأي اعتداء. وبالسير في أروقة السجن، سمعت على نحو مستمر صوت خشخشة أبواب وأوامر تصدر بصوت مرتفع، إلى جانب دوي صراخ بين الحين والآخر. وبدا لي أن الضباط كانوا يعاملون السجناء جميعًا باحتقار وعدم اهتمام، كما لو كانوا يعتقدون أن أي سجين يطلب منهم أي شيء إنما يفعل ذلك لخداعهم فحسب.
كانت قصص السجناء مثيرة للمشاعر؛ فأثناء سيري بجوار الزنزانات وغرف التجمع، برفقة كلٍّ من موظفي السجن والمحامين، اقترب مني العديد من السجناء وسألوني عن هويتي وعما أفعله في ذلك المكان. وعندما أوضحت لهم أنني طبيب نفسي أتولى مهمة الخبير في دعوى قضائية جماعية رفعها بعض السجناء، أخذوا يتحدثون إليَّ عن مشكلاتهم ويطلبون مني المساعدة. فأخبرني أحد الرجال بأن الحراس يضربونه، بينما قال آخر إنه قد تعرض للاغتصاب وبحاجة إلى رعاية نفسية. وبكى رجل ثالث وهو يخبرني بأن زوجته وابنته قد توقفتا عن زيارته، وأنه يشعر بالقلق من أن تكونا قد تعرضتا لمشكلة ما، أو أن تكون زوجته تواعد رجلًا آخر. وسألني إن كان بإمكاني الاتصال بابنته والتأكد من أنها بخير. أخبرني رجل رابع أيضًا أنه قد أودِع المستشفى عدة مرات لأسباب مرضية نفسية، وسألني إن كان بإمكاني إجراء فحص نفسي له لتحديد إن كان هناك أساس يمكنه الاستناد إليه في التذرُّع بنقص الأهلية في محاكمته القادمة، في حين أوضح لي سجين خامس أنه سيُطلَق سراحه قريبًا ويرغب في المجيء إليَّ للتحدث معي بشأن ما يراوده من أفكار انتحارية.
بدت تلك القصص نابعة من القلب وقابلة للتصديق. بل إنها، في الواقع، كانت مؤثرة للغاية؛ ما جعلني أشعر بالذنب لاضطراري رفض معظم طلبات أولئك السجناء. وبعد كل جولة من جولاتي المتعددة في ذلك السجن، انتابني مزيج من مشاعر الحزن والارتياح في الوقت نفسه؛ الحزن لأنه ما كان بيدي الكثير لأفعله من أجل تخفيف الآلام التي عبَّر عنها أولئك الرجال، والارتياح لفراغي من عبء الاستماع إلى المآسي التي كانوا يروونها لي، على الأقل في ذلك اليوم.
وبعد تلك الجولات الأولى القليلة، حدث تغيير ما. كان ذلك التغيير خفيًّا في بادئ الأمر، ثم صار أكثر وضوحًا. فقد توقفت رويدًا رويدًا عن تشتيت انتباهي بعيدًا عن الموضوعات المحددة التي كان يُطلب مني تقييمها (مثل مدى ملاءمة جدول التمرينات الرياضية أو الفترة التي ينتظرها السجين قبل أن يتمكن من الالتقاء بطبيب نفسي) من أجل الاستماع إلى استفسارات السجناء. وبدأت أسرع الخُطى عند مروري بأقفاص التحفظ والغرف المطاطية التي سبق لي رؤيتها. أصبحت لا أتأثر بالضوضاء المحيطة بي وبدأت أدرب نفسي على عدم التأثر بالحزن الجارف خلف القضبان. باختصار، صرت أكثر كفاءة في جولاتي. أدركت أن الهدف من تدريب نفسي على عدم التأثر بذلك هو أن أتكيف مع الوضع وأؤدي مهمتي، وقد منحني هذا فهمًا جديدًا للكيفية التي تبلدت بها مشاعر العاملين في السجون تجاه المحن التي يمر بها السجناء. بيد أنه في وقت لاحق، وبعد أن استحممت وشربت كأسًا من النبيذ، لاحظت تعبيرات الصدمة التي بدت على وجوه أصدقائي عندما حدثتهم عن تجاربي داخل السجن.
•••

حُكم لصالح السجناء في هذه القضية، وصدَّقتْ أخيرًا المحكمةُ العليا للولايات المتحدة على القرار الذي اتخذته المحكمة الأدنى. وكفل قرار التراضي للسجناء عددًا محددًا من الساعات كل أسبوع لأداء التمرينات الرياضية خارج زنزاناتهم، ومستوًى أعلى من الفحص الطبي والنفسي عند دخول السجن لتحديد السجناء ذوي الميول الانتحارية ومَن يعانون من الورم الدموي تحت الجافية (وهو جلطة دموية في المخ) نتيجة لصدمة في الرأس أثناء الاعتقال، بالإضافة إلى تحسين الخدمات الطبية والنفسية بالحبس. وفي الأعوام التالية، قمت بدور الخبير في عِدة دعاوى قضائية جماعية أخرى تتعلق بأحوال خدمات الصحة العقلية وجودتها في سجون المقاطعة. وأثناء جولاتي في السجون خلال هذه القضايا، مررت بالعديد من السيدات والرجال النائمين في منتصف النهار على فُرُش متناثرة على أرضيات غرف التجمع؛ نظرًا لاكتظاظ السجن بالسجناء على نحو يحول دون توفير سرير لكل سجين في زنزانته. وأبصرت أيضًا العديد من المشاهد البائسة، واستمعت إلى الكثير من القصص المحزنة.
بعد الحبس الاحتياطي، يتم إيداع المدانين السجن. طلب مني عدد من المحامين عام ???? تولي دور الخبير في قضية توسان ضد روشين (عام ????)، وهي دعوى قضائية جماعية تعلقت بالأحوال في وحدات الحبس الانفرادي بسجنَي سان كوينتن وفولسوم. ضمَّ هذان السجنان آنذاك أعتى السجناء في كاليفورنيا. (نُقل العديد من أولئك السجناء فيما بعد إلى سجن بيليكان باي عند افتتاح ذلك السجن ذي الإجراءات الأمنية المشددة العالية التقنية في عام ????). وأعتى المجرمين أودِعوا «مركز الإصلاح» السيئ السمعة الذي قُتِل فيه جورج جاكسون في أغسطس عام ????. وفي الوقت الذي أجريت فيه جولتي الأولى، كانت هناك سياسة في سجن سان كوينتن تنص على أن جميع الزائرين يجب عليهم الذهاب أولًا إلى مكتب مأمور السجن وتوقيع «اتفاق عدم تحمل مسئولية الرهائن»؛ ويعني ذلك أن السجن لن يتحمل أية مسئولية قانونية عن سلامة الزائر في حال وقوع أي حادث تحفظ على رهائن. أشعرني ذلك بالخوف. بدأت التجول في بنايات الزنزانات الضخمة التي تحتوي كلٌّ منها على أربعة أو خمسة طوابق مكدسة من الزنزانات المطلة على منطقة فسيحة مشتركة. كانت الضوضاء لا تتوقف والقمامة تُلقى. وكان الحراس يسيرون في ممشًى فوق الزنزانات ويراقبون السجناء من أعلى. لقد كنت في سجن ذي إجراءات أمنية مشددة.
خلال شهاداتي بالمحاكم، كنت أُسأل كيف يمكنني الادعاء بمعرفة ما يحدث بالفعل في السجون، مع أني لم أعمل «داخلها» مطلقًا. وأعتقد أنه لهذا السبب تحديدًا — أي عدم عملي من قبل في أية مؤسسة عقابية — كان بإمكاني التحلي ببعض الموضوعية. فالعاملون في السجون يصابون غالبًا بحالة من التبلد تجاه شكاوى السجناء. ويقر بعضهم بالفعل بأنهم يضطرون لتجاهل مناشدات السجناء المُعذِّبة للقلوب طلبًا للمساعدة؛ كي يتمكنوا من مواصلة أيام عملهم وإنجاز المهام التي يعتبرونها أولويات. وعندما كنت أوضح لأحد الأطباء النفسيين بالمؤسسات العقابية أن أحد السجناء الذين التقيت بهم يعاني من حالة إحباط حاد أو استحوذ عليه تمامًا القلق أو الأوهام، يُقال لي في كثير من الأحيان إنه ما من خطب بالسجين، والأمر لا يتعدى كونه تلاعبًا من جانبه للحصول على بعض الاهتمام. فبدأت أتساءل إن كان من الممكن أن أكون بهذه السذاجة، أم أن الموظفين في المؤسسات العقابية قد أصيبوا بتبلد الشعور.
وفي أحد السجون الأمريكية ذات الإجراءات الأمنية المشددة التي تفقدتها، سألت كبير الأطباء النفسيين عن حوادث الاغتصاب. فقال لي: إن الصحافة تضخم من أمر يندر حدوثه في السجون، وإنه ما من مسجون شكا من قبلُ من تعرضه للاغتصاب. وفي الأيام العديدة التي تفقدت فيها ذلك السجن، سمعت عن العشرات من حالات الاغتصاب من ضحايا ومعتدين على حدٍّ سواء. من الوارد أن يكون بعض أولئك الرجال يختلقون تلك القصص، لكنني أشك في ذلك؛ فقد بدوا صادقين للغاية أثناء روايتهم ما حدث، وتقارير الضحايا عن الأعراض التالية للحادث تشابهت كثيرًا مع الأوصاف الموجودة في الكتب العلمية عن اضطراب توتر ما بعد الصدمة؛ لذا، فإن كبير الأطباء النفسيين لم يُظهر قدرًا كافيًا من الثقة على الأرجح للرجال الذين الْتقى بهم كي يخاطروا بإفشاء أسرارهم له.
وفي دعوى قضائية جماعية عن أحوال عموم السجناء في سجن سان كوينتن (قضية ويلسون ضد دوكماجين عام ????)، شهدت بأن الضوضاء في بنايات زنزانات عموم السجناء في سجن سان كوينتن تصم الآذان، واستطردت في شرح الآثار المضرة للضوضاء المستمرة على الصحة العقلية للسجناء. اعترض أحد الأطباء النفسيين بإحدى المؤسسات العقابية على ما قلته مدعيًا أن الرجال قد اعتادوا على تلك الضوضاء ولم تعد تزعجهم. وفي إحدى المرات التي عُلِّقت فيها الجلسات، ذهب القاضي بنفسه في زيارة مفاجئة إلى بناية الزنزانات المعنية، وعاد إلى المحكمة، وأوضح في سجلات القضية أن أي أحد يظن أن مستوى الضوضاء في تلك البناية يمكن تحمله لا بد أن يكون قد تبلد شعوره تجاه ما يعانيه السجناء.
وأعتقد أن القدرة المستمرة على الشعور بالصدمة، أو على الأقل الاكتراث عند توقف الشعور بالصدمة، هو ما يجعل طبيبًا سريريًّا مثلي قادرًا على التحلي بدرجة من الموضوعية. وسوف أعرض للقارئ في هذا الكتاب بعضًا من الحالات والمواقف التي لا تزال تصيبني بالقشعريرة، حتى بعد تفقدي العشرات من السجون. معظم هذه القصص أخبرني بها سجناء، وبعضها قصص منشورة بالفعل كما هو موضح في قسم «التعليقات الختامية» الوارد بنهاية الكتاب.

الجزء الأول
أزمة الصحة العقلية



الفصل الأول
المصابون بأمراض عقلية خلف القضبان


يعاني عدد هائل من السجناء حاليًّا من اضطرابات عقلية على درجة من الخطورة تتطلب علاجًا نفسيًّا مُكثفًا. لكن كل سجن تفقدته كان يفتقر بشدة إلى خدمات الصحة العقلية. وتتعرض نسبة كبيرة من السجناء، الذين يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة، للتجاهل من جانب اختصاصيي الخدمات الطبية السريرية. حتى مَن يتلقى العلاج منهم لا يحظى بالاهتمام المناسب. وفيما عدا حالات الإيداع القصيرة بالمستشفيات لمَن يعانون من اضطرابات حادة للغاية، يقتصر العلاج عادةً على الأدوية التي توصَف للمرضى في أثناء لقاءاتهم القصيرة مع الطبيب النفسي. وفي الوقت نفسه، يعاقب الحراس السجناء الذين يعانون من أمراض عقلية ولا يمكنهم اتباع القواعد، في حين ينعت السجناء الآخرون هؤلاء «بالمخبولين»، أو يعتدون عليهم، أو ينبذونهم. جون رجل أمريكي من أصول أفريقية، يبلغ من العمر خمسة وثلاثين عامًا، مضى على بقائه في السجن سبع أو ثماني سنوات. وقد سبق إيداعه في المصحات العقلية وهو في سن الثانية عشرة، وشُخِّصت حالته بأنها اضطراب ثنائي القطب مصحوب بسمات ذهانية، وكان يحصل على أدوية قوية مضادة للذهان عندما التقيت به في وحدة الحبس الانفرادي بأحد السجون الحكومية. قال لي جون إنه كان يشعر بأن الحراس يضطهدونه شخصيًّا؛ ما دفعه إلى «رشق» أحدهم بالغائط. وقد نفذوا فيه إجراءً لإخراجه قسرًا من زنزانته (في هذا الإجراء يقوم أربعة حراس أو خمسة برش السجين المتمرد برذاذ الفلفل في زنزانته، ثم يهجمون عليه ويخضعونه لهم)، ثم وضعوه في الزنزانة ذات الباب الخارجي المصنوع من البلاستيك المقوَّى (الليكسان) حيث وجدته هناك. أخبرني أيضًا بأنه يعاني من الهلاوس، ولا يتواصل مع الآخرين؛ لأنهم «سيصرخون في وجهه ويجادلونه»، وأنه «محبط للغاية ويعاني من حالة حادة من جنون الارتياب». وبدا لي أن انتهاكاته لقواعد الانضباط في السجن ترجع إلى حدٍّ بعيد إلى ما كان يعانيه من ذهان. لا يزال ما حدث يوم ?? سبتمبر عام ???? أمرًا غامضًا، لكنه عُثِر على جون في هذا اليوم فاقدًا الوعي في زنزانته، ولزم نقله إلى المستشفى حيث تبينت إصابته بجلطة دموية في المخ ناتجة عن اصطدامه بشيء ما، ولا يمكن إجراء جراحة لعلاجها. ومن ثم، سيظل في حالة من الخمول طوال حياته.
•••

أُودِعت ماري وحدة الأمراض النفسية بالمستشفى لإصابتها بفصام ارتيابي عندما كانت في الثالثة والعشرين من عمرها، ومرة أخرى وهي في الرابعة والعشرين. وعند عودتها إلى المنزل من المستشفى في المرة الثانية، اكتشفت أن زوجها قد هجرها مصطحبًا طفليهما معه، وحصل في النهاية على حق حضانتهما. فأصيبت ماري باكتئاب حاد، وبدأت في تعاطي العقاقير المحظورة، وتوقفت عن تناول أدوية العلاج النفسي التي وُصِفت لها. ولما كانت غير قادرة على دفع الإيجار، صارت بلا مأوًى. وفي منتصف إحدى الليالي، أيقظها ضابط شرطة في أثناء نومها في أحد المتنزهات الذي داومت على النوم فيه مدة تزيد عن أسبوع، وطلب منها مغادرته. وأثناء شجارها معه، ضربته. ونظرًا لأنها قد سبق حبسها لحيازتها مواد مخدرة من قبل؛ حَكم عليها القاضي بالسجن. وجدتُها في زنزانة مظلمة بأحد سجون النساء في نهار أحد الأيام، ولزم عليَّ التودد إليها بالحديث لجلبها إلى قضبان الزنزانة لمحادثتي. كانت شعثاء تمامًا، وبدت خائفة ومرتابة. أخبرتني بأنها تسمع أصواتًا باستمرار، لكنها لا ترغب في طلب مساعدة طبيب نفسي لأنه — حسبما قالت — «كل ما سيفعله هو حبسي في زنزانة وإعطائي مهدئات لتخدرني وتُخرسني.»
في المؤسسات التي يتصف فيها العاملون بعدم التعاطف، وتعاني فيها برامج الصحة العقلية من قصور شديد، لا يكون أمام المجرم المصاب باضطراب عقلي سوى خيارين أحلاهما مُر؛ ألا وهما الاختفاء في الزنزانة لتجنب المشكلات، ومن ثم المخاطرة بالإصابة بالاكتئاب الناتج عن العزلة، أو مهاجمة الآخرين عند استفزازهم له وانتهاء الحال به في الحبس الانفرادي. ويعني ذلك أن نسبة كبيرة من السجناء، الذين يعانون من أمراض عقلية خطيرة، يتحولون إلى عزلة؛ إما اختيارية وإما تأديبية. ونظرًا لأن اضطرابهم النفسي يزداد سوءًا على الأرجح في ظل هذه الظروف، وأن الأغلبية العظمى من السجناء يُطلَق سراحهم في النهاية؛ فإن حياة السجن البائسة يكون لها عواقب وخيمة على الأمن العام.
(?) كيف وصلوا إلى ما وصلوا إليه؟

إن معدل انتشار الاضطرابات العقلية1 بين السجناء عالٍ للغاية؛ فيبلغ — على الأقل — خمسة أضعاف معدل انتشارها بين عامة الناس. ومعدل الانتشار هو مقياس يستخدمه علماء الأوبئة لتحديد عدد حالات الإصابة بمرض معين والمقارنة بينها، وذلك بين مجموعة من الناس خلال فترة زمنية محددة. وتبلغ هذه الفترة عادةً عامًا واحدًا، لكن الأرقام تُحسَب أحيانًا مقارنةً بإجمالي مدة الحبس. وبعد مراجعتي عددًا كبيرًا من الدراسات التي تناولت معدلات الانتشار، توصلت إلى نتيجة مفادها أن نسبةً تتراوح بين ?? و?? بالمائة — في العام الواحد — من إجمالي عدد السجناء بالمؤسسات العقابية على المستوى الفيدرالي أو مستوى الولايات في أمريكا تعاني من اضطراب عقلي على درجة من الخطورة تتطلب علاجًا مُكثفًا (من الممكن أن تصبح هذه النسبة أعلى بكثير، إذا قيس معدل الانتشار على مدار مدة الحبس بأكملها). والأرقام المناظرة لسجناء الحبس الاحتياطي أعلى؛ نظرًا لأن عددًا كبيرًا من المجرمين، الذين يعانون من اضطرابات شديدة، يتم التحفظ عليهم في أماكن الحبس الاحتياطي المحلية مددًا زمنية قصيرة، ثم يُطلَق سراحهم دون توجيه أية تُهَم إليهم، أو يظلون في الحبس حتى تسنح الفرصة فقط للمحكمة بتحويلهم إلى إحدى المؤسسات العلاجية.
ثمة أسباب عديدة لارتفاع معدل انتشار الاضطرابات العقلية داخل المؤسسات العقابية، لكنني سأركز هنا على أهم سببين؛ الأول: هو إخراج المرضى من المؤسسات العلاجية وانخفاض الموارد في نظام الصحة العقلية العام، بالإضافة إلى تجريم الفقر؛ الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى زيادة عدد الأفراد ذوي الاضطرابات العقلية في الشوارع وتعرضهم للاعتقال. أما السبب الثاني: فهو التغيرات الحديثة في القانون وإجراءات المحاكمات التي تزيد من صعوبة تحويل المتهمين المصابين بأمراض عقلية إلى برامج علاجية خارج المؤسسة العقابية. هذا فضلًا عن وجود عدد كبير ومتزايد من السجناء الذين ليس لديهم تاريخ سابق للإصابة بأمراض نفسية قبل إلقاء القبض عليهم، لكن ظهرت عليهم أعراض انفعالية حادة بعد تعرضهم للضغوط التي تفرضها بيئة السجن القاسية التي تفوق قدرتهم على التحمل.
(?-?) إخراج المصابين بأمراض عقلية من المؤسسات العلاجية وتجريم التشرد

إن إخراج المصابين بأمراض عقلية من المؤسسات العلاجية — وهو توجه يهدف إلى تقليل عدد المرضى بمستشفيات الأمراض العقلية العامة وإغلاقها — لاقى رواجًا في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين. ففي تلك الفترة، صار عقَّار الثورازين وغيره من الأدوية المضادة للذهان، متوافرة على نطاق واسع للمرة الأولى، وبدأ الأطباء السريريون في التفكير في إرسال بعضٍ من الأعداد الكبيرة من المرضى الذين يعانون من أمراض عقلية مزمنة ويمكثون في المستشفيات إلى منازلهم.
وبإقرار قانون مراكز الصحة العقلية المجتمعية الفيدرالي لعام ???? بالولايات المتحدة، خُصِّصت الأموال لإقامة مراكز صحة عقلية شاملة في المجتمع. ونادى أصحاب التوجه التقدمي في مجال الصحة العقلية بتحويل الاعتمادات المالية من المستشفيات الحكومية إلى الخدمات المجتمعية الهادفة للحيلولة دون حدوث انتكاسات للمرضى، ومساعدة المصابين بأمراض عقلية مزمنة على التمتع بحياة طبيعية ومُنتِجة قدر الإمكان، وفقًا لما تسمح به حالاتهم العقلية. لكنَّ حُكام الولايات والُمشرِّعين المهتمين بالميزانية رأوا في إخراج المرضى من المؤسسات العلاجية وسيلة لخفض ميزانية الصحة العقلية؛ فأيدوا غلق مستشفيات الصحة العقلية العامة، وتوقفوا أيضًا عن تخصيص الاعتمادات لخدمات الصحة العقلية في المجتمع.
وفي أواخر ستينيات القرن العشرين، ظهرت حركة حقوقية على درجة مذهلة من التأثير والحماس، تنادي بحقوق المرضى، وتحتج على المداواة الإلزامية للمصابين بأمراض عقلية وإجبارهم على الخضوع للعلاج بالصدمات الكهربائية. وتحالف المُعالِجون الثوريون، الذين أثارتهم الكتابات الحالمة لرونالد ديفيد لانج وديفيد كوبر وغيرهما، مع مناصري حقوق المرضى، وشنَّت الحركة «المناهضة للطب النفسي» الناتجة عن هذا التحالف هجومًا ضد كل صور الهيمنة الاجتماعية المتسترة خلف قناع علاج الأمراض العقلية.
ومع بداية سبعينيات القرن العشرين، انتهت الحرب على الفقر، وتراجع الدعم الفيدرالي الذي كان الهدف منه في الأساس أن يكون بمنزلة رأس مال أولي، وصار تمويل مراكز الصحة العقلية المجتمعية شحيحًا في ظل عمليات خفض الميزانيات والأزمات المالية. وسرعان ما نُسيت معاناة المصابين بأمراض عقلية، شأنهم شأن الفقراء والأقليات بوجه عام.
أما اليوم، فقد كان لخفض ميزانيات الخدمات الاجتماعية تأثير مضاعف على المستفيدين من خدمات الصحة العقلية العامة؛ إذ صارت شبكة الأمان في التدريب المهني وفرص العمل والإسكان ومزايا الرعاية الاجتماعية أضعف بكثير. ومن ثم، عندما يجد هؤلاء الأشخاص أنفسهم بحاجة إلى خدمات الصحة العقلية، يكتشفون قلة الخدمات المتاحة. ومنذ إخراج المصابين بأمراض عقلية من المؤسسات العلاجية، صار العديد منهم — الذين أقاموا في السابق في مستشفيات الصحة العقلية الحكومية أو مؤسسات المحاربين القدامى في خمسينيات القرن العشرين — يعيشون الآن في المجتمع ويعانون من نقص الدعم وفرص العمل التي يحتاجون إليها للنأي بأنفسهم عن المتاعب. والأفراد، الذين يعانون من اضطرابات عقلية مزمنة وخطيرة، يكونون أكثر عرضة — في الغالب — لعدم تعيينهم بالوظائف، ما يؤدي إلى فقدانهم لمنازلهم؛ نظرًا لعدم تمكنهم من الاستمرار في دفع الإيجار أو أقساط الرهن العقاري. فيتجه بعضهم إلى المخدرات والجريمة. كما أن معدل الإصابة بالإيدز بين المشردين المدمنين للمخدرات عالٍ للغاية. ومع أنه ليس كل المشردين — ولا حتى معظمهم — مصابين بأمراض عقلية، فإن نسبة لا يُستهان بها منهم مصابة بهذه الأمراض بالفعل. ونظرًا لأن بعضهم (لكن ليس كلهم أو حتى معظمهم) يعانون من صعوبة في التحكم في سلوكياتهم الغريبة، يصيرون موضع استهزاء من الآخرين أو يقعون في المشكلات. ومقدمو خدمات الصحة العقلية حاليًّا في القطاع العام مضطرون لتهيئة نسبة كبيرة من خدماتهم لأصحاب التشخيص المزدوج (أي اضطراب عقلي يصحبه تعاطٍ للمواد المخدرة)، والتشخيص الثلاثي (أي اضطراب عقلي يصحبه تعاطٍ للمواد المخدرة وإصابة بالإيدز)، والتشخيص الرباعي (أي اضطراب عقلي يصحبه تعاطٍ للمواد المخدرة وإصابة بالإيدز وسجل إجرامي).
ليس التشرد هو الطريق الوحيد المؤدي إلى السجن لأولئك الذين يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة وطويلة المدى، لكنني أذكره هنا كمثال واحد للطرق العديدة التي ينتهي بها حال الأفراد المعرضين للإصابة باضطرابات عقلية ليجدوا أنفسهم خلف القضبان في عصرنا الحالي. ويسنُّ عدد متزايد من المدن قوانين تُجرِّم التسول في مراكز المدن، والنوم في الشوارع، والتسكع في المتنزهات. ومع تجريم التشرد، يصير عدد كبير من الأفراد المشردين ذوي الاضطرابات العقلية خارجين عن القانون.
إن الأفراد الذين يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة يُعرف عنهم عمومًا عدم قدرتهم على التحكم في انفعالاتهم واتباع الأوامر. على سبيل المثال، لا يظهر بعض هؤلاء الأفراد الاحترام الذي يرى ضابط الشرطة أنه يستحقه، وكثيرًا ما يلقى القبض عليهم بسبب ذلك. ونظرًا لأنهم — على عكس الآخرين الذين يُلقَى القبض عليهم — لا يملكون عادةً الدعم المالي اللازم لإجراءات الكفالة والمساومة القضائية؛ ينتهي بهم الحال في الحبس. وعندما يجدون أنفسهم محتجزين في هذه الأماكن المغلقة، فإنهم يفقدون صوابهم ويتورطون في مشاجرات ويُرسَلون إلى الحبس المشدد. أما الفئة الأخرى منهم ممن يتسمون بالخوف والتردد، فينزوون على أنفسهم في زنزاناتهم — إن تمكنوا من ذلك — ويقعون فريسة للاكتئاب. ومَن لا يُسمَح لهم بمثل هذا الانزواء يصبحون ضحايا لمضايقات السجناء الآخرين الذين يضربونهم أو يخدعونهم أو يغتصبونهم.
(?-?) محاكم أقل تعاطفًا

إن التغيرات التي شهدها مؤخرًا القانون الجنائي، بالإضافة إلى ممارسات الشرطة المعتادة، تزيد من صعوبة مهمة محامي الدفاع في المطالبة ببراءة موكليهم بحجة تأثير اضطرابهم العقلي على سلوكهم الإجرامي. فعندما يشك ضباط الشرطة في أن الشخص الذي يُحدِث شغبًا بين العامة يعاني من اضطراب عقلي، فإنهم إما ينقلون هذا الشخص إلى غرفة الطوارئ لتقييم حالته النفسية وإما يقبضون عليه ويرسلونه إلى الحبس. وفي حالة ازدحام المصحات النفسية (وهو حال أغلبها مع خفض ميزانيات الصحة العقلية الحكومية) وتوقع الضباط إخلاء سبيل الشخص الذي يثير الشغب من غرفة الطوارئ بدلًا من احتجازه في جناح مغلق، فإنهم يلقون عادةً القبض عليه وينقلونه إلى الحبس؛ وبذلك يتأكدون من ابتعاده عن الشوارع بعض الوقت.
وعندما يدخل الجناة المضطربون عقليًّا نظام العدالة الجنائية، يقل احتمال العفو عنهم أو تحويلهم إلى أحد برامج الصحة العقلية أو علاج الإدمان، وهو الاحتمال الذي كان عاليًا فيما سبق. ويُعَد الأصل العِرقي من الأمور المهمة التي توضَع في الاعتبار عند تحديد مَن سيُحول إلى أحد برامج الصحة العقلية ومَن سيُرسَل إلى الحبس. فالمتهمون ذوو البشرة البيضاء يخضعون على الأرجح للعلاج، بينما يُحبَس أصحاب البشرة السوداء غالبًا. ومعظم المُدعَى عليهم من ذوي الدخول المنخفضة في المحاكمات الجنائية يتولى الدفاع عنهم محامو الدفاع المجاني، الذين لا يملكون بدورهم الميزانية أو الوقت اللازمين لتوفير تقييم نفسي شامل لكل قضية يترافعون فيها، ويكتفون بالدفع بأن المُدعَى عليه يعاني ضعفًا في قدراته العقلية في الوقت الذي تُعقَد فيه المحاكمة، ومن ثم لا يمكن تحميله المسئولية كاملةً. علاوةً على ذلك، أدخلت الكثير من الولايات تعديلات على القوانين التي تحكم عملية الدفاع عن المتهم على أساس الجنون أو نقص الأهلية. ومن هذه التعديلات، مثلًا، إضافة عبارة «مذنب ومريض عقليًّا» إلى قائمة الأحكام القضائية الممكنة المتضمنة في تعليمات القضاة لهيئات المحلفين.
وعندما تُعطَى أية هيئة من هيئات المحلفين خيار الحكم على المُدعَى عليه بأنه إما مدان وإما بريء بسبب الجنون وإما مدان «وأيضًا» مصاب بمرض عقلي، يميل أعضاء الهيئة لاختيار البديل الثالث باعتباره حلًّا وسطًا مقبولًا. ومن ثم، فإن عددًا معينًا من المُدعَى عليهم، الذين ربما كانوا عرضة للخروج من نظام العدالة الجنائية، صاروا يُرسَلون الآن إلى الحبس الاحتياطي أو السجن، بالرغم مما يعانونه من اضطرابات عقلية.
(?-?) الانهيار النفسي أثناء الحبس2

إن اكتظاظ السجون بالسجناء يجعل الحياة بداخلها بائسة على الجميع، ولا سيما السجناء الذين يعانون (أو المعرضين لأن يعانوا) من أمراض عقلية حادة ومزمنة. ويُعَد الاغتصاب من الصدمات الخطيرة على أي شخص، لكن ثمة فئة فرعية من السجناء المصابين بأمراض عقلية أكثر عرضة من السجناء العاديين للاغتصاب (وبالطبع هناك فئة فرعية أخرى من السجناء المصابين بأمراض عقلية يزيد احتمال ارتكابهم لهذه الجرائم) والمعاناة من انهيار أو تدهور نفسي نتيجة لهذه الصدمة. وبالمثل، فإن الوحشية من جانب الحراس وتحويل عدد متزايد من المدانين إلى وحدات الحراسة المشددة، يزيد من صعوبة قضاء السجناء المعرضين للانهيار النفسي والانتحار مدة عقوبتهم في السجن دون انهيار نفسي أو نزوع إلى تدمير ذاتهم، حتى إذا لم يكن لهم تاريخ سابق من الانهيار النفسي قبل دخولهم السجن. وفيما يلي استعراض لبعض النماذج الموضحة لذلك: تشارلز رجل أمريكي من أصول أفريقية، يبلغ من العمر سبعة وعشرين عامًا، ومرَّ على وجوده في وحدة الحبس الانفرادي عام واحد. أوضح لي تشارلز سبب إيداعه الحبس المشدد للمرة الأولى قائلًا: «كنت كبش فداء لغيري من السجناء، فشكوت إلى الحراس، لكنهم لم يأخذوا شكواي على محمل الجد؛ فرشقتهم بالغائط لإنقاذ نفسي من هذا الموقف شديد الخطورة.» دخل تشارلز السجن عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ويدعي أنه لم يكن يعاني من أي اضطراب عقلي حينذاك: «كنت أرى نفسي شخصًا غير اجتماعي دون شك، فأشعر بالضيق عند إعراض أحد عني أو رفضه لأفكاري وآرائي، ثم يجن جنوني، ولا أستطيع التحكم في نفسي. لكنني لم أسمع أصواتًا في رأسي، ولم أُصب بجنون الارتياب إلا بعد احتجازي هنا.»
وفي السجن، حالت حساسية تشارلز وافتقاره إلى القدرة على التحكم في انفعالاته دون تأقلمه مع الآخرين في الساحة العامة بالسجن. فالسجناء الآخرون يسخر بعضهم من بعض، وقد يلقي بعضهم بالأشياء في وجه البعض. حينذاك، «تثور ثائرة» تشارلز ويُغرق طابق الزنزانات بمياه المرحاض أو يكون هو أول من يبدأ صخب التراشق بالغائط.
لم يفهم تشارلز كيف يستطيع غيره من السجناء أن «يثوروا بشدة على هذا النحو»، ثم يستعيدوا هدوءهم عند وصول الحراس إلى المكان وسؤالهم عمن بدأ هذا الصخب. فهو غير قادر على استعادة هدوئه. يتذكر تشارلز أنه أُودع الحبس الانفرادي بعد وصوله السجن بفترة قصيرة. وسرعان ما علم السجناء الآخرون أن بإمكانهم التسبب في إرسال تشارلز إلى الحبس الانفرادي عن طريق الاستهزاء به، ثم ادعاء البراءة عند وصول الحراس للتحقق من الأمر. فعندما يغضب تشارلز، يصعب عليه العودة إلى هدوئه؛ ومن ثم كان هو دائمًا مَن يُرسَل إلى الحبس المشدد. بعد عدة أعوام، بدأ في سماع أصوات بداخله تحثه على قتل شخص ما. وهو يتساءل الآن ما إن كان مصابًا بالجنون الإيهامي، لكنه سريعًا ما يصر على التفكير في أنه: «لا بد من وجود مؤامرة في الأمر، فلماذا أقع أنا دائمًا في المشكلات، بالرغم من ارتكاب السجناء الآخرين لتصرفات أكثر سوءًا؟» وتزايد نمط التفكير هذا لديه حتى بدأ الحراس يطلقون عليه وصف «المجنون»، وبدأ هو من جانبه في رشقهم بالفضلات. كان ذلك قبل لقائه بالطبيب النفسي الذي شخَّص حالته بالفصام الارتيابي.
أما الآن، فتشارلز نزيل وحدة الحبس الانفرادي ويأخذ أدوية مضادة للذهان. وأخبرني بأن الحبس الانفرادي يزيد مرضه العقلي سوءًا، فيقول: «لا يمكنني التركيز؛ ثمة ضوضاء عالية. والسجناء الآخرون يسبونني دائمًا ويتشاجرون معي طوال الليل؛ فيزيد ذلك من سوء الأصوات التي أسمعها وتحثني على قتل شخص ما. أشعر أحيانًا بالاكتئاب، ثم أرتكب فعلًا أحمق، مثل الصياح أو إغراق طابق الزنزانات؛ ويجعلني ذلك أتخلص من الاكتئاب، بالرغم من علمي بارتكابي أمورًا حمقاء.»
نظرًا لأن الفصام وغيره من الاضطرابات العقلية المهمة الأخرى تظهر عادةً في بداية سن الرشد — وهي السن التي يدخل فيها أغلب المذنبين السجن للمرة الأولى — يكون من الصعب عادةً تمييز إن كان المريض المصاب باضطراب عقلي قد دخل السجن وهو يعاني من هذا الاضطراب أم أنه نتج عن ظروف السجن القاسية والصدمات الهائلة التي تحدث دائمًا خلف القضبان. وقد توصلتُ إلى أن أغلبية السجناء، الذين يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة، قد تعرضوا من قبل لمشكلات نفسية قبل دخولهم السجن. لكن ثمة أقلية لا يُستهان بها، مثل تشارلز، لم تكن لديهم مثل هذه المشكلات. نحن نعلم بالتأكيد أن بعض الأفراد أكثر عرضة للانهيار النفسي مقارنةً بغيرهم. فنفس نوع الصدمة — مثل مذابح الحروب ورعب حوادث الاغتصاب — يعرِّض بعض الأفراد لانهيار ذهاني، بينما قد يعاني آخرون من توارد هذه الأحداث القاسية على أذهانهم، ومن ردود فعل إجفالية، عادة ما تحدث في حالات اضطراب توتر ما بعد الصدمة. وهناك آخرون لا تظهر عليهم أي أعراض نفسية ملحوظة على الإطلاق. وثمة علاقة بالتأكيد بين الإجهاد والإصابة بالاضطراب النفسي.
والشخص الذي عانى من حالة انهيار ذهاني تقليدية واحدة على الأقل، مصحوبة بهلاوس وأوهام، من الممكن أن تستقر حالته سريعًا ولا يتعرض لأية حالات انهيار أخرى، إذا عاش في مكان يحظى فيه بالرعاية، وعَمِلَ في مكانِ عَمَلٍ آمن. لكن الشخص ذاته، إذا كان مشردًا وتعرض لصدمات متكررة نتيجة لحوادث اعتداء، فسوف تتكرر إصابته بالانهيار وستلزم عودته إلى المستشفى. وبالمثل، الأشخاص الأكثر عرضة للتدهور النفسي تحت تأثير الإكراه العنيف يمكن أن يتجنبوا الانهيار تمامًا إذا كانت ظروف معيشتهم وعلاقاتهم الاجتماعية ملائمة. لكن هؤلاء الأشخاص أنفسهم قد يعانون من انهيار ذهاني حاد إذا تعرضوا للاغتصاب في السجن، أو هُدِّدوا بالقتل إذا أفشوا سرًّا ما، أو تعرضوا للضرب على أيدي حراس السجن. يتضح ذلك أكثر في حالات الاكتئاب؛ فيُصاب الكثير من الأشخاص، الذين لم يتعرضوا للاكتئاب من قبل، باكتئاب شديد في الحبس الاحتياطي أو السجن، ويصل الحال بنسبة كبيرة منهم إلى الانتحار.
وبناءً على العدد الكبير من الحالات السريرية التي درستُها واللقاءات التي أجريتها مع السجناء وموظفي السجون، توصلت إلى أن ثمة أساسًا من الصحة في كلا الادعاءين، وهما؛ أولًا: تُرسَل حاليًّا أعداد أكبر بكثير من المصابين بأمراض عقلية إلى المحابس والسجون، حيث تتدهور حالاتهم بسبب قسوة الظروف داخلها وعدم ملاءمة خدمات الصحة العقلية. وثانيًا: أن الظروف القاسية والوحشية التي تتسم بها الحياة في السجن تجعل السجناء، الذين كانوا في السابق عقلاء تمامًا، يعانون من انهيارات نفسية.
(?) حياة كالجحيم

يحيق الخطر بالسجناء المضطربين عقليًّا في كل مكان؛ فيعاني هؤلاء الأفراد عادةً من صعوبة شديدة في التكيف مع العُرف السائد في السجن، فإما يتعرضون للترهيب من موظفي السجن لنقل الأخبار عن السجناء الآخرين، وإما يتم التلاعب بهم من جانب غيرهم من السجناء لارتكاب أفعال من شأنها إيقاعهم في مشكلات عويصة. أما السجينات، فهن أقل انشغالًا بقواعد السجن مقارنةً بالرجال، لكن لديهن مجموعة أخرى من المشكلات الخاصة بهن.
إن نسبة السجناء من النساء والرجال المضطربين عقليًّا بين ضحايا حوادث الاغتصاب مرتفعة. وهم أكثر عرضة أيضًا للمضاعفات السلبية؛ نتيجة نقص زيارات أحبائهم لهم. هذا فضلًا عن تورطهم في حوادث عِرقية، واختيار الكثيرين منهم للعزلة الطوعية في زنزاناتهم لتجنب المشكلات. تزيد نسبتهم أيضًا بين السجناء في الحبس المشدد ووحدات الحراسة المشددة. وما يزيد الأمر سوءًا أن توسلاتهم تُقابَل عادةً بالتجاهل من جانب موظفي السجن الذين لا يهتمون إلا بالأمن وإمكانية تعرضهم للتلاعب والخداع من جانب السجناء.
(?-?) ضحايا قواعد سجون الرجال

يتطلب العُرف السائد بين السجناء الرجال من أي سجين أن يتصرف بشدة؛ فلا بد ألا يُظهِر للسجناء الآخرين خوفه أو ضعفه، وينبغي ألا يتدخل في شئون الآخرين مهما رأى أو سمع. يجب عليه أيضًا التصرف كما لو كان على استعداد للعراك إذا تحداه أحد، وفي مرحلة مبكرة من دخوله السجن سيتحداه الآخرون ليكتشفوا مكنون شخصيته. ويجب ألا يصدر عنه أي فعل قد يجعل السجناء الآخرين يظنون أنه مثليٌّ أو تافه أو جبان. وينبغي ألا يراه أحد وهو يتحدث مع الحراس أو موظفي السجن في موقف يبدو فيه للسجناء الآخرين وكأنه متواطئ مع السلطات.
تُعَد «الوشاية» خرقًا خطيرًا للعرف السائد داخل السجن؛ فإذا دفع السجين التهمة عن نفسه عند عثور الحراس على سلاح أو أشياء مُهربة أثناء إجراء تفتيش مفاجئ لزنزانته بقوله إن ذاك السلاح أو الشيء المُهرَّب يخص رفيقه في الزنزانة، فسيتعرض لعمليات انتقام عنيفة من السجناء الآخرين. لكنه في الوقت نفسه إذا رفض الإبلاغ عن رفيقه، فسيُعرض نفسه للبقاء فترة طويلة في الحبس الانفرادي.
يجد الجناة المضطربون عقليًّا صعوبة شديدة في التكيف مع العُرف السائد في السجن؛ فيرى الكثيرون منهم أن إخفاء مخاوفهم وضعفهم أمر مستحيل من الناحية العملية. على سبيل المثال، في أثناء تجولي في سجن ذي إجراءات أمنية مشددة؛ استعدادًا لشهادتي في دعوى قضائية جماعية (تُرفع بالنيابة عن مجموعة كبيرة) حول أحوال السجون، التقيت بسجين يعاني من اكتئاب شديد أفصح لي بأنه يخاف على حياته. كان يقضي مدة عقوبته في السجن بتهمة الاحتيال؛ حيث كان يتاجر بأموال أشخاص آخرين (عمل مستشارًا ماليًّا)، واحتال عليهم؛ فأُدين وحُكِم عليه بالسجن خمس سنوات. لكنه لم يكن بارعًا في العراك بالأيدي، ولم يرفع سلاحًا من قبل قط، ولم يمارس العنف تجاه أي شخص. كان يصاب بالرعب عند وجوده في ساحة السجن بصحبة «جماعة من السجناء العنيفين والمغتصبين». لم يكن قد أصيب بالاكتئاب قط قبل القبض عليه، لكنه ما إن وصل إلى السجن حتى وقع فريسة اكتئاب شديد وحاول الانتحار بقطع شرايين معصميه، لكنه فشل في ذلك. أخرجه الضباط من زنزانته ونقلوه إلى «العزل الإداري» (وهو قسم عزل بالسجن يلزمه السجناء طوال ساعات اليوم ويحصلون على طعامهم داخل زنزاناتهم، وهو مخصص للسجناء الذين يخضعون للتأديب أو لا يستطيعون الحفاظ على حياتهم في مجموعة الزنزانات التي تمثل وحدةً واحدة). ومع زيادة اكتظاظ السجون، أصبح السجن يضم سجينين في كل زنزانة، حتى في وحدة «العزل الإداري».
ونظرًا لأن هذا السجين قد حاول الانتحار وظهرت الندبات على يديه، صنَّفه الآخرون على الفور بأنه شخص ضعيف وأخذوا يستهزءون به؛ فكان يرفض الخروج إلى الفناء خوفًا من تعرضه للاعتداء. كان رفيقه في الزنزانة لطيفًا معه، بل وعرض عليه مساعدته أيضًا. لكنَّ بعضًا من الآخرين داخل وحدة العزل الإداري بدءوا يتحدثون مع هذا الرفيق في الفناء، محذرين إياه من أنه إذا لم يضرب رفيقه «المنحرف» — على حد وصفهم — في الزنزانة، فسيعتقدون أنهما مثليان. وفي الليل، بعد إطفاء الأنوار، كانوا ينادون على رفيق ذلك السجين ويقولون له: «من الأفضل لك أن تقضي على هذا المنحرف (السجين الذي حاول الانتحار)، وإلا فستكون أنت أيضًا منحرفًا.» (يقصدون بالمنحرف هنا الرجل الذي يمارس اللواط، عادةً بعد خسارته في عراك ما، أو يصير طواعيةً رفيقًا جنسيًّا مذعِنًا لسجين آخر.) بعد هذا الموقف ببضعة أيام، تعرض ذلك الرجل المكتئب للضرب على يد رفيقه في الزنزانة.
يطلق السجناء الآخرون على مَن يعانون من ذهان واضح أو اضطراب مزمن أسماءً مسيئة، ويعتدون عليهم. ويخبرني السجناء المضطربون عقليًّا أن الأدوية المضادة للذهان تبطئ من ردود أفعالهم؛ ما يجعلهم أكثر عرضة لأن يتم مهاجمتهم «على حين غرة» من الجانب أو الخلف. وتزيد نسبة تعرض السجناء الذين يعانون من اضطرابات عقلية للاغتصاب.آرون3 رجل أبيض في الثالثة والعشرين من عمره له تاريخ طويل من المعاناة من مرض عقلي حاد قبل القبض عليه وإدانته بتهمة الاعتداء على الأطفال عام ????. وقد خضع منذ طفولته للعلاج من حالة ذهانية حادة استقرت بحصوله على عقار كلوزاريل، وهو من العقاقير القوية «غير التقليدية» المضادة للذهان. وقد حظي بزيجة سعيدة، وصار أبًا لطفلين إلى أن توقف طفله البالغ من العمر سبعة أشهر عن التنفس في أثناء رعايته له. واتهمه المدعي العام بقتل الطفل، وتمت إدانته، وحُكِم عليه بالسجن مائة عام. طبيبه النفسي، الذي رأى أن آرون لم يكن يمتلك القدرة على إيذاء أحد، ولا سيما ابنه، لم يُستدعَ للشهادة. لكنه قال فيما بعد: «أعتقد أن ما حدث لآرون هو حالة تقليدية من إساءة تطبيق أحكام العدالة.» وفي السجن، وقع الخيار على آرون — الذي كان طوله يبلغ خمس أقدام وست بوصات واتسم بشخصية انطوائية — للاعتداء عليه من قِبل «عصابة إريان» المنادية بسيادة العرق الأبيض وفرع تكساس من عصابة كريبس. وبعد انقطاعه عن الأدوية بأمر من الطبيب النفسي للسجن، الذي قرر أنه ليس بحاجة لمثل هذا العقَّار الباهظ الثمن، بدأ في الهلوسة مجددًا وأخذ يلف الفانلات حول رأسه لحماية دماغه من الأشعة المؤذية. وسرعان ما لاحظه المتنمرون في السجن، وتعرض للضرب والاغتصاب عدة مرات. •••

التقيت بسجين آخر يُدعَى ديفيد في وحدة العزل الإداري بسجن ذي إجراءات أمنية مشددة في إحدى الولايات. كان رجلًا مثليَّ الجنس هزيلًا في أوائل العشرينيات من عمره ولا تظهر عليه أيٌّ من علامات التباهي والتبجح التي تميز الكثير من السجناء الآخرين. أُدين ديفيد بالاتجار في المخدرات. كان قد اعتاد قبل حبسه على حمل سلاح؛ لذلك أودِع سجنًا ذا إجراءات أمنية مشددة. لكن عندما لم يعد لديه سلاح في السجن، فإن صغر حجمه وعدم خبرته في العراك بالأيدي جعلا منه هدفًا سهلًا. وقد أوضح لي أنه منذ وصوله إلى السجن، تم الاعتداء عليه بوحشية واغتصابه على نحو متكرر. يبدو أن شذوذه الجنسي الصريح قد مثَّل تهديدًا لغيره من السجناء؛ ومن ثم كان هدفًا للاعتداء المتكرر. وقيل له إنه إذا أبلغ الحارس بما يحدث؛ فسوف يُقتَل. حاول ديفيد التحدث عما يعانيه مع أحد ضباط السجن الذي كان يبدو عليه أنه شخص ودود، لكن الضابط أصرَّ على أن يفصح له ديفيد عن اسم السجين الذي اغتصبه، وبدا مهتمًّا بالإيقاع بالمغتصِب أكثر من اهتمامه بمساعدة ديفيد في التوصل إلى سبيل للبقاء آمنًا داخل السجن.
لم يشتمل هذا السجن على وحدة حبس وقائي؛ لذا، بعد تعرض ديفيد للعديد من عمليات الاغتصاب والإصابات بسبب الضرب، توصل إلى أن أفضل سبيل للبقاء حيًّا في أثناء قضاء مدة عقوبته في السجن هي دخول الحبس الانفرادي. فضرب أحد الحراس، وأُرسِل بالفعل إلى الحبس الانفرادي. وأخبرني بأنه لم يكن مكتئبًا قبل دخوله السجن، لكنه عانى من اكتئاب شديد منذ تعرضه للاغتصاب. وصار يعاني أيضًا من توارد التجارب السابقة القاسية على ذهنه ومن رؤية كوابيس لعمليات الاغتصاب التي تعرض لها، بالإضافة إلى أرق حاد، ورد فعل إجفالي شديد. فكان يقفز من مكانه ويبدأ قلبه في الخفقان بقوة كلما سمع صوتًا مفاجئًا. وأخذ يبكي وهو يخبرني سرًّا بمدى الوحدة التي يشعر بها، وكيف أنه يفكر جديًّا في الانتحار.
تميل فئة أخرى من المجرمين المضطربين عقليًّا إلى مهاجمة الآخرين عند تعرضهم لأبسط صور الاستفزاز، ويتعرضون من ثم لعمليات انتقامية عنيفة أو يقضون وقتًا طويلًا في الحبس الانفرادي. وسواء أكان السجناء المصابون بأمراض عقلية ضحايا أم يهاجمون الآخرين بلا تعقل ويسببون لأنفسهم المشكلات، فإنهم يكونون غير مؤهلين على نحو كافٍ للتأقلم مع بيئة السجن القاسية.
(?-?) السجينات المضطربات عقليًّا4

لا تقل معاناة النساء السجينات المضطربات عقليًّا عن الرجال، لكنَّ هناك اختلافًا قليلًا في نوعية المشكلات. فالواقع الاجتماعي ذاته يزيد من أعدادهن خلف القضبان، كذلك إخراجُهن من المؤسسات العلاجية، والفقرُ، ونقصُ الخدمات الاجتماعية، وتجريم التشرد، والحربُ على المخدرات، والتغيرات في الأحكام وإجراءات المحاكم. والأحكام الأكثر تشددًا — ولا سيما فيما يتعلق بالمخدرات — تتسبب في اكتظاظ سجون النساء.
وبالرغم من أن النساء يمثلن ? بالمائة فقط من إجمالي تعداد السجناء في جميع أنحاء الولايات المتحدة، فقد تزايد عددهن بنسبة ??? بالمائة منذ عام ????، ويمثلن حاليًّا الفئة الثانوية الأسرع نموًّا بين السجناء. ثمة عجز أيضًا في برامج التوعية وإعادة التأهيل في سجون النساء. وكما هو الحال في سجون الرجال، يسفر الازدحام والتكاسل النسبي عن زيادة العنف والإعاقة النفسية. وبدلًا من حل مشكلة الازدحام وتعزيز فرص إعادة التأهيل، تلجأ السلطات العقابية في أنظمة سجون النساء إلى وحدات الحراسة المشددة للتحكم في حالات تزايد العنف والشغب.
يقل معدل العنف بين النساء السجينات مقارنةً بالرجال؛ ومن ثم يقل معدل تعرض السجينات المصابات باضطرابات عقلية للإيذاء. فلا تقضي السيدات وقتًا طويلًا كالذي يقضيه الرجال في الاهتمام بوجود عرف سائد يحكم علاقتهم في السجن، ولا يشغلن أنفسهن بمن ستتولى القيادة. علاوةً على ذلك، تميل النساء أكثر من الرجال إلى التكاتف والتعاون معًا للتوصل إلى الكيفية التي يستطعن بها تحمل مدة عقوبتهن في السجن حتى يحين موعد خروجهن. على سبيل المثال، بدلًا من الاستئساد على السجينات المريضات، تتعاون النساء في أغلب الأحيان لتقديم صور المساعدة التي لا تقدمها الخدمات الصحية بالسجون.
منذ بضع سنوات، أقامت بعض السجينات في سجن وسط كاليفورنيا للنساء دعوى قضائية ضد الولاية، ادَّعين فيها أن الرعاية الطبية بالسجن تعاني من قصور شديد. كانت تشاريس شوميت أول اسم بقائمة الادعاء في هذه القضية. عانت تشاريس من فقر دم الخلايا المنجلية. عند تعرض أي مصاب بهذا المرض لنوبة مرضية، لا بد أن يحصل على رعاية طبية على الفور وإلا فسيموت. وفي إحدى الليالي، أُصيبت تشاريس بإحدى الأزمات، وبدأت بالطَّرق على باب زنزانتها طلبًا للمساعدة. لكنها لم تتلقها. وبعد عدة دقائق، استيقظت السيدات في الزنزانات المجاورة، وأدركن ما كان يحدث، وبدأن في الطرق على أبواب زنزاناتهن بدورهن تضامنًا مع تشاريس. وأخيرًا، ظهر أحد الحراس في الطابق، فنظر إلى داخل زنزانة تشاريس وتردد. كان موظفًا مُستجَدًّا ولم يكن على علم بحالتها الطبية. لعله تساءل إن كانت تصرفاتها إحدى ألاعيب السجينات! أظهرت له تشاريس نسخة من ملفها الطبي الذي احتفظت به في زنزانتها، لكنه قال لها إنه غير مهتم بقراءته. فبدأت السجينات الأخريات في حثه على التحرك، فاستدعى قسم الطوارئ الطبية ونُقِلت تشاريس أخيرًا من زنزانتها إلى المستشفى المحلي. وقد سمعتُ قصصًا مشابهة من الدعم الجماعي لسجينات يعانين من اضطرابات عقلية خطيرة.
إن معدل انتشار الاضطرابات العقلية بوجه عام في سجون النساء مرتفع، لكن معدل انتشار الاكتئاب على وجه التحديد أكثر ارتفاعًا من الاضطرابات الأخرى. في الفصل الخامس من هذا الكتاب سأوضح بعض المشكلات المحددة التي تواجه السجينات من النساء، مثل صعوبات البقاء على اتصال بعائلاتهن، وخاصةً أطفالهن. وبما أن نسبة كبيرة من هؤلاء السجينات تعرضن للاعتداء الجنسي في طفولتهن، وعددًا ليس بقليل منهن يعانين من مشكلات تعاطي المخدرات، فليس مستغربًا أن يعاني عدد كبير منهن من الاكتئاب. يخبرنا علماء نفس الأطفال أن الفتيات أكثر عرضة للانطواء والإصابة بالاكتئاب عند تعرضهن لأية صدمة، بينما يميل الصبية إلى العنف وإيقاع أنفسهم في المشكلات. وتهيمن موضوعات الاعتداء في مرحلة الطفولة والعنف الأسري والمخدرات والاكتئاب على قصص السجينات اللاتي يعانين من اضطرابات نفسية خطيرة، على سبيل المثال: تعرضت ساندرا للتحرش الجنسي المتكرر على يد جدها منذ كانت في الخامسة من عمرها حتى بلغت العاشرة. وحاولت إخبار والدتها أكثر من مرة أنها لا تريد قضاء الوقت مع جدها وحدهما، لكن والدتها لم تستمع إليها قط. وفي العاشرة، بدأت ساندرا في عصيان والدتها وضرب الصبية في المدرسة، والدخول في مشكلات مع المدرسين. أعطتها والدتها — مدمنة الكحول وغير المهتمة بابنتها الوحيدة — لإحدى الجارات لتربيتها، فهربت ساندرا أكثر من مرة؛ مما دفع مربيتها إلى إرسالها إلى قسم المراهقين في أحد مستشفيات العلاج النفسي المغلقة. وقرر الطبيب النفسي أن ساندرا تعاني من الفصام ووصف لها أدوية مضادة للذهان، لكنه لم يُفصح أبدًا عن تاريخ الاعتداء الجنسي الذي تعرضت له في طفولتها.
ظلت ساندرا في المستشفى حتى بلغت الثامنة عشرة، ثم تركت المستشفى لتحيا حياة مستقلة. وتوقفت عن الحصول على الأدوية، وبدأت تفرط في معاقرة الخمر. وعندما كانت تتناولها، كانت تسلك سلوكًا عنيفًا؛ فإذا تعرض لها أي رجل غريب أثناء معاقرة الخمر، كانت تضربه. نُقِلت مرتين إلى مستشفى المقاطعة للأمراض النفسية، وأودِعت فيه، وأُعطيت حقنًا تحتوي على أدوية مضادة للذهان. وفي كل مرة كانت تترك فيها المستشفى، كانت تتوقف على الفور عن الحصول على الأدوية وتبدأ في معاقرة الخمر مجددًا. وفي سن التاسعة عشرة، لكمت ضابط الشرطة الذي استُدعي للتعامل معها بسبب تصرفها بغلظة في إحدى الحانات. فأُلقي القبض عليها وأودعت السجن، وبعد عدة حوادث من هذا النوع، أُدينت ساندرا بالاعتداء على رجل في إحدى الحانات وحُكِم عليها بالسجن ثلاث سنوات.
وفي السجن، عندما ظنت ساندرا أن ثمة سجينة تنوي إيذاءها، بحثت عن هذه السجينة وهاجمتها. فعوقِبت بقضاء فترة في وحدة العزل الإداري، حيث التقيتُ بها. بدت شعثاء واعترفت لي بسماعها أصواتًا تأمرها بضرب السجينات الأخريات. أخبرتني كذلك بأنها لم تتلقَّ أبدًا أي علاج نفسي في السجن، لكنها تعتقد أن الحراس يضايقونها. وقالت إنهم يسيرون عادةً بجوار زنزانتها ويتهامسون بأن ثمة سجينة أخرى على بُعد بضع زنزانات تنوي إيذاءها. واستطردت قائلةً: «إخباري بذلك يجعلني أَستشيط غضبًا وأبدأ في الصراخ في وجه الحارس ليتوقف عن إغضابي؛ فيعاقبونني بإصدار استمارة ??? [استمارة تأديبية] جديدة ضدي لإهانتي الحارس، ويتحتم علي بذلك قضاء المزيد من الوقت في تلك الوحدة العفنة!»
(?) ما نوع العلاج الذي يتلقونه؟

في السجن، يكون الأمن مقدمًا على المشكلات السريرية. وفي حالات الخطر، يكون لضباط الأمن السلطة على جميع جوانب الرعاية داخل المؤسسة العقابية. وقد يعني ذلك مشكلات خطيرة للسجناء المضطربين عقليًّا. على سبيل المثال، في العديد من السجون ذات الإجراءات الأمنية المشددة، عند وقوع أي أحداث عنف في ساحة السجن، يصيح الحراس المسلحون الموجودون في الأبراج أو أعلى المباني: «انبطحوا!» ويلزم على جميع السجناء الانبطاح أرضًا ووجوههم للأرض. ويطلق الحراس الرصاص على أي سجين لا ينبطح أرضًا. والعديد من السجناء، الذين يحصلون على أدوية ذات تأثير نفسي، يكونون غير قادرين على التفاعل مع الأمر في حينه بسبب البطء في ردود أفعالهم، سواء أكان بسبب المرض أم الأدوية التي يحصلون عليها. ولقد قرأت العديد من التقارير عن سجناء كانوا يحصلون على أدوية مضادة للذهان وأُطلِق عليهم الرصاص، بل وقُتِلوا أيضًا، في مثل هذه الأحداث. وسمعت أيضًا من عدد كبير من السجناء المصابين بأمراض عقلية أنهم ظلوا في زنزاناتهم طواعية طوال اليوم لخوفهم من الموت رميًا بالرصاص على هذا النحو إذا خرجوا للفناء. لكن الحراس يشيرون إلى أنهم يطلقون النار لحفظ الأمن في ساحة السجن. ويُترَك السجناء الذين يعانون من أمراض عقلية لمواجهة عواقب هذا الأمر.
في حالة دخول أي سجين يعاني من اضطراب عقلي في عراك، يتدخل ضباط الأمن لا موظفو الصحة العقلية لإنهاء الأمر. وتكون النتيجة هي العقاب، لا تكثيف العلاج اللازم للمرض العقلي الذي يعانيه السجين. في الواقع، إذا أودِع السجين في طابق مخصص لأحد برامج علاج الأمراض العقلية، ودخل في عراك مع سجين مريض آخر أو أهان أحد ضباط الأمن بالوحدة؛ فسيُنقَل إلى قسم الحبس العقابي بالسجن ولا يصبح مؤهلًا للحصول على برنامج العلاج. وإذا اشتكى الطبيب النفسي الذي يعالجه من إغفال ضباط الأمن المشكلات الطبية التي يعاني منها المريض لتعجلهم في عقابه؛ فسوف يخسر هذا الطبيب مصداقيته مع ضباط الأمن ويعاني بالتالي من صعوبة في أداء وظيفته.
أخبرني الأطباء النفسيون داخل المؤسسات العقابية، الذين يهتمون بمرضاهم اهتمامًا حقيقيًّا، بأنهم يشعرون عادةً بأن ضباط الأمن يتدخلون على نحو سريع وعنيف للغاية للتعامل مع مرضاهم، ولا يستشيرون فريق العمل الطبي المختص بالأمراض العقلية قبل القيام بذلك. وهناك، بالطبع، العديد من المرات التي يطلب فيها الأطباء السريريون تدخل ضباط الأمن لضمان سلامتهم على الأقل. لكنْ في أوقات أخرى عندما يبدأ هؤلاء الأطباء في كسب ثقة المريض المتمرد الذي يرفض الحصول على الأدوية، يقوم ضباط الأمن بتأديب السجين المضطرب؛ عقابًا له على مخالفة بسيطة نسبيًّا صدرت عنه، ويرفض السجين الغاضب من ثَم العلاج النفسي. وهناك العديد من الصور الأخرى لهذا الموضوع.
(?-?) المساعدة القاتلة

إن الأسلوب الذي يتعامل به ضباط الأمن مع أية مشكلة يكون أحد طرفيها سجينًا مضطربًا عقليًّا قد يكون له تأثير مضاد للعلاج، بل وقاتلٌ أيضًا؛ على سبيل المثال: ستيفن رجل يعاني من مرض عقلي حاد طويل المدى، وسُجِن يوم ?? يوليو عام ???? بسبب «أوامر قضائية لم تُنفَّذ». وشأنه شأن عدد كبير من المصابين بأمراض عقلية حاليًّا، شُخِّصت حالته بأنها حالة مزدوجة (مرض عقلي وتعاطٍ لمواد مخدرة)، وكان يحصل على عقَّار الليثيوم، ويعيش في إحدى دور الرعاية. وأخبر ستيفن الاختصاصي الاجتماعي في مرحلة الاستقبال بالسجن أنه يُعالَج في مصحة عقلية للمرضى الخارجيين بالمقاطعة، وأنه عندما يصاب بالتوتر غالبًا ما يَصفع وجهه؛ فأمر الاختصاصي الاجتماعي بإيداعه في زنزانة أمنية بوحدة العلاج النفسي في الطابق الثامن.
لم يكن ستيفن عنيفًا، بل على العكس كان متعاونًا جدًّا، ولم يبدأ حتى في صفع وجهه عندما أمسك خمسة ضباط ضخام البنية بأطرافه، وأجبروه على الاستلقاء أرضًا، وكتفوه وشدوا ذراعيه لأعلى بقوة وثنوا معصميه بعنف جعله يصرخ متألمًا. وبينما ضغط ضابطان بركبتيهما على صدره، عضَّ لسانه وبدأ يبصق دمًا، وكان واضحًا أنه يعاني من صعوبة في التنفس. ألقى الضباط، بعد ذلك، بطانية حول رأسه ولفوها عند رقبته، ثم جردوه من ملابسه. وحُمِل بعد ذلك ووجهه لأسفل إلى المصعد، مع إمساك ضابطين بذراعيه ورفع آخرين لساقيه (يُسمَّى هذا الإجراء «تعبئة الحقيبة»). جذب أحد الضباط أيضًا البطانية ليحكمها حول رقبة ستيفن الذي أخذ يصرخ متألمًا.
وعندما وصلوا إلى وحدة العلاج النفسي بالطابق الثامن، ألقوا به بعنف على سرير الزنزانة الأمنية. وفي هذه اللحظة، توقف ستيفن عن التنفس، لكن الحراس لم يلاحظوا ذلك إلا بعد أربع دقائق؛ إذ انشغلوا بتقييد أطرافه الأربعة بالسرير. وعندما لاحظ أحد الضباط أخيرًا توقف ستيفن عن التنفس، كانت هناك محاولة غير مجدية لإفاقته في وحدة الإنعاش القلبي. لكن ستيفن لم يفق منذ ذلك الحين من الغيبوبة.
عندما ينظر ضباط الأمن لكل موقف من منظور أمني، تقع أحداث مروِّعة للسجناء المصابين بأمراض عقلية. وعندما يفترض هؤلاء الضباط أن أي سجين يطلب الحصول على رعاية نفسية يحاول التلاعب بهم فقط للتمتع بأجواء أكثر راحةً (سوف أتناول هذه المسألة في الفصل الثالث)، تتعقد مشكلات السجناء المصابين باضطرابات عقلية. وعندما يُصرُّ ضباط الأمن على أن يفصح السجين المضطرب عقليًّا الذي تعرض للاعتداء من سجناء آخرين بأسماء المعتدين عليه قبل السماح له بتلقي أية مساعدة، فإنهم يتسببون بذلك في ضغط لا يُحتَمل على السجين الذي يعاني من عجز بالفعل. بعبارة أخرى، يمكن أن يفتقر ضباط الأمن تمامًا للتعاطف تجاه السجناء الذين يسيطرون عليهم، ولا سيما مَن يعانون من اضطرابات عقلية. والافتقار للتعاطف يمكن أن يُلحِق بهؤلاء السجناء ضررًا بالغًا.
(?) طريقان إلى العزلة

بينما كنت أتجول في السجون، أفزعني عدد السجناء الذين بقوا في زنزاناتهم مع إطفاء الأنوار في منتصف النهار، وكذا عدد السجناء الذين يعانون من اضطرابات شديدة الموجودين في وحدات الحبس المشدد بكل أنواعها، ولا سيما وحدات الحراسة المشددة. كلتا الحالتين لا تساعدان البتة في شفاء الأمراض النفسية. لكن عددًا كبيرًا أيضًا من السجناء، الذين يعانون من اضطرابات عقلية ويفتقرون إلى الظروف الملائمة التي تشعرهم بقدر كافٍ من الأمان يشجعهم على الخروج من زنزاناتهم، يؤثرون البقاء محبوسين في محبسهم. في الوقت نفسه، قد تذهب مجموعة كبيرة أخرى إلى غرف الترفيه وساحة السجن حيث يوقِعون أنفسهم في المشكلات ويتعرضون للعقاب بأن يُرسَلوا إلى الحبس الانفرادي. وهناك عواقب وخيمة لكلا الخيارين.
(?-?) الحبس الذاتي في الزنزانة

يختار العديد من السجناء المضطربين عقليًّا البقاء في زنزاناتهم طوال اليوم لتجنب المشكلات. ويسفر مثل هذا الانعزال عن تفاقم حالات الاكتئاب. على سبيل المثال، أفصح لي في إحدى المرات سجين أمريكي من أصول أفريقية في أحد السجون العامة ذات الإجراءات الأمنية المشددة بأنه يعاني من اكتئاب حاد، لكنه يؤثر البقاء في زنزانته طوال اليوم وعدم الخروج إلى ساحة السجن. وأخبرني كذلك بأنه ينام أكثر من أربع عشرة ساعة في اليوم، لكنه يخشى طلب الرعاية الطبية النفسية. وقال لي: «حتى لو تمكنت من الحصول على موعد مع طبيب نفسي، فسوف يراني لبضع دقائق فقط ويصف لي بعض العقاقير. وأنا لا أرغب في أن يعبث أحد بعقلي، ويعطيني عقاقير تحُول دون تفكيري على نحو سليم. فلا بد من أن أحتفظ بقدرتي على التفكير السليم؛ كي أتمكن من الابتعاد عن المشكلات وإنهاء مدة عقوبتي في السجن. أنا قصير القامة [قال ذلك قرب انتهاء جملته]، وأُفضل أن أكون مكتئبًا وبمنأًى عن المشكلات على الخروج إلى ساحة السجن والدخول في شجار، فيلقون بي في الحبس المشدد ويضيفون مدة أخرى إلى مدة الحكم التي أقضيها.»
إن العزلة الاجتماعية والحرمان الحسي، اللذين يمثلان جزءًا من الحبس في زنزانة، يزيدان من سوء الحالات الذهانية. وفي كثير من الأحيان، ينطوي السجين المصاب بمرض ذهاني على نفسه في زنزانته. ونظرًا لأنه يكون قادرًا على البقاء في الزنزانة والاستمرار في تناول وجباته التي تُقدَّم إليه هناك أو في الكافيتريا؛ فإنه لا يُصرح أبدًا بأن حالته تعيق قدراته ولا يتلقى أبدًا معاملة شديدة العنف.
بينما كنت أستعد للشهادة5 في قضية جيتس ضد دوكماجين (وهي دعوى قضائية جماعية تعلقت بجودة رعاية الصحة العقلية في مرفق الرعاية الطبية الخاص بالمؤسسات العقابية في كاليفورنيا)، التقيت برجل حُبِس حبسًا انفراديًّا مشددًا (بمعنى أنه حُبِس في زنزانته طوال الوقت، وتناول كل وجباته في هذه الزنزانة على مدار عدة أشهر)؛ لأنه كان يتصرف على نحو غريب للغاية يحُول دون السماح له بالخروج إلى صالة تناول الطعام أو ساحة السجن. قدمت شهادتي بشأن هذا الرجل إلى المحكمة الفيدرالية عام ???? قائلًا: «كان من الواضح أن هذا الرجل يعاني من الذهان، وكان محبوسًا في زنزانته. لم يكن بإمكانه التفاعل مع الآخرين. وقال الطبيب النفسي بالسجن إنه كان يعاني من حالة ذهان حادة، ومع ذلك رفض فريق التقييم إيداعه الوحدة الصغيرة الخاصة بالمرضى الداخليين المصابين بالذهان الموجودة داخل السجن؛ لأنه كان لا يزال بإمكانه تناول الطعام وحده، مع أنه لم يكن باستطاعته الاستحمام وحده.» وطُلِب مني وصف الرجل، فأجبت قائلًا: «أعتقد أنه لم يكن يرتدي قميصًا، وكان يجلس على الأرض، ويتمتم لنفسه. لم أجرِ له اختبارًا نفسيًّا، لكنني لاحظت أن لديه عَرَضًا من أعراض الذهان؛ وهو الشعر المنتصب على قفاه. كان لديه ذلك العَرَض بكل تأكيد.»
ليس جميع السجناء المصابين بأمراض عقلية، الذين يؤثرون البقاء في زنزاناتهم، يعانون من اضطرابات حادة مثل السجين الذي وصفته في المحكمة ذلك اليوم. لكن بِغَضِّ النظر عما إن كانت الأعراض النفسية بسيطة أو حادة، فإن الحبس في زنزانة دون تفاعل اجتماعي حقيقي أو نشاط هادف يؤدي عادةً إلى تفاقم الاضطرابات العقلية بصورها كافة.
(?-?) الهياج والإيداع في الحبس الانفرادي

نظرًا لعدم القدرة على التحكم في الانفعالات؛ يلجأ بعض السجناء الآخرين، الذين يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة، إلى العنف عند أبسط صور الاستفزاز، ويُرسَلون إلى الحبس المشدد نتيجة لذلك؛ حيث تسفر العزلة والظروف المسببة للإجهاد عن مزيد من التدهور في الحالة النفسية لهؤلاء السجناء. على سبيل المثال: جيمس رجل أمريكي من أصول أفريقية، يبلغ من العمر ثلاثة وأربعين عامًا، يقضي مدة عقوبته في وحدة الحبس الانفرادي بأحد السجون الأمريكية. تميَّز جيمس بين السجناء الآخرين بحمله درجة البكالوريوس من إحدى الجامعات المرموقة. عندما التقيت به كان يقضي عامه الثامن من مدة عقوبته البالغة خمسين عامًا التي حُكِم عليه بها لقتله والده. لم يكن لديه أي سجل إجرامي سابق، وكان يُقسِم بأن ما حدث كان حادثًا غير مقصود. فيقول: «كنت أحب والدي حبًّا جمًّا. وكان الأمر حادثًا جنونيًّا. تشاجرنا لأن أختي أخبرته بأنني كنت أسرق بعضًا من المال الذي كلفني بإدارته من أجل الأسرة. كانت أختي تكذب عليه، لكنه لم يصدقني. وكان يحتفظ والدي بمسدس لأغراض الحماية، فأطلقت الرصاص عليه.»
حاول جيمس جاهدًا طوال حياته التحكم في حالات الهياج العصبي التي كانت تصيبه، ونجح في ذلك نسبيًّا حتى وفاة والدته. لكنه ما إن دخل السجن حتى بدأ في الدخول في شجار وجدل مع الحراس. وتلقى العديد من الإنذارات التأديبية، حتى أُرسِل أخيرًا إلى وحدة الحبس الانفرادي. يقول جيمس إنه يرغب في الحصول على دورة تُعلِّمه كيفية التحكم في غضبه، لكنه لم يحظَ قط بفرصة فعل ذلك.
كان جيمس مترددًا في الإجابة عن أسئلتي حول الانتحار، لكن الدموع لمعت في عينيه عندما طرحت الموضوع عليه. كان قد بدأ اللقاء بنوع من الاتزان المتعمد، لكن مع مواصلة الحديث صارت أفكاره أكثر تشوشًا. واعترف أخيرًا بسماعه أصواتًا في عقله، وباعتقاده أن هناك شخصًا يحاول استغلاله لنقل أفكار معينة من العالم الآخر. روى لي كذلك عن تعرضه للضرب قبل ذلك الحين ببضعة أشهر في أثناء نقله مُقيَّدًا بالأغلال داخل السجن. فالضابط الذي كان مصاحبًا له شدَّ «المِقود» (وهو حزام يُربَط بأصفاد اليدين، ويُلفُّ تحت أصفاد الساقين، ويمسكه الحارس الذي يسير خلف السجين) فوقع على وجهه على أرضية شديدة الصلابة. انقض حارسان عليه بعد ذلك، وأخذا يركلانه ويضربانه. سألته عن سبب فعلهما ذلك به، فقال لي إنه لا يعرف حقًّا السبب، ثم استدرك قائلًا: «لعل الأمر يتعلق بحقيقة أنه ليس هناك الكثير من السجناء — أو الحراس — ممن تخرجوا في الجامعة مثلي، ومن ثم ربما شعروا بأنني أحاول التعالي عليهم.»
مع استمرار اللقاء، تخلى جيمس عن تحفظه وأفصح لي عن بعض الأفكار التي اعتاد الاحتفاظ بها سرًّا؛ مثل أنه يتمتع بقدرات جنسية هائلة، وأن ذلك هو السبب الحقيقي وراء الحسد الشديد الذي يُكِنه معظم الرجال ضده ورغبتهم في مهاجمته. أخبرني كذلك أنه لا يدخل في مشاجرات إلا لحماية نفسه من اعتداءاتهم. فقال لي: «ثمة أصوات تتردد دائمًا في رأسي وتخبرني بأن مسجونًا أو حارسًا ما على وشك مهاجمتي؛ ولذلك ينبغي عليَّ اتخاذ الخطوة الأولى.» لكن بعد ذلك سيطر عليه الجانب الأكثر عقلانية في شخصيته وأخبرني بأن الشجار يتسبب في إيداعه بالحبس الانفرادي حيث تستحوذ عليه فكرة قتله لوالده، ويبكي كثيرًا، ويفكر باستمرار في الانتحار. إن جيمس أبعد ما يكون عن المجرمين الأكثر اضطرابًا الذين قابلتهم في وحدات الحراسة المشددة، لكن من الواضح أن البيئة القاسية من حوله تعوق ما يبذله من محاولات لتعلم التحكم في أعصابه، وموقفه لا يساعد على الإطلاق في تلقيه علاجًا نفسيًّا فعالًا.
تكون أعراض الاضطراب العقلي هي السبب عادةً وراء إرسال السجين إلى وحدة الحبس المشدد. سام شاب أمريكي من أصول أفريقية مفتول العضلات في منتصف العشرينيات من عمره. وجدته في وحدة عزل إداري بأحد السجون الأمريكية حيث أودِع فيها بعد تعاركه مع زميله في الزنزانة. أشار سام إلى أنه يتذكر دائمًا الجريمة التي جلبته إلى السجن. في الواقع، بدأ شجاره مع زميله في الزنزانة عندما نظر إلى وجه زميله ورأى فيه وجه الرجل الذي قتله شريكه في الجريمة التي كانت سبب إيداعه السجن. شعر بالرعب، لكن نظرًا لأنه تعلم تحويل خوفه إلى غضب لينجو بحياته في السجن؛ هاجم زميله في الزنزانة.
لم يكن لدى سام سجل أمراض نفسية أو سجل جنائي قبل أن يُلقى القبض عليه بتهمة الاشتراك في جريمة قتل مع شخص آخر. كان سام يظن أن تلك العملية ليست سوى عملية سطو بسيطة. كل ما هنالك — حسب اعتقاده — أنهما سيدخلان إلى المتجر ويستوليان على شيء ما ثم يهربان. لكنهما ضُبِطا في أثناء ارتكابهما هذه الجريمة، وركض حارس الأمن بالمتجر خلفهما. فأشهر صديق سام مسدسًا، واستدار، وأطلق النيران. فأصابت الرصاصة الحارس في وجهه ليسقط صريعًا. إلى الآن، لا يستطيع سام أن يمحو صورة وجه الحارس من ذاكرته. بل إنه يستيقظ في كثير من الأحيان من نومه بفعل الكوابيس التي يظهر له فيها وجه الحارس المغطى بالدماء ليعذبه. يعاني سام من أرق حاد مزمن، وأخبرني بأنه غير قادر أيضًا على التركيز؛ مما لا يسمح له بفعل أي شيء، بما في ذلك قراءة الكتب. هذا فضلًا عن إجفاله سريعًا عند سماعه أي ضوضاء مفاجئة أو عند دخول شخص ما إلى الغرفة على نحو غير متوقع. وكانت إجاباته ? «نعم» عن معظم العناصر الواردة في قائمة الأعراض الخاصة باضطراب توتر ما بعد الصدمة.
يميل سام إلى عزل نفسه عن الآخرين، لكن بين الحين والآخر يحتك به أحد الأشخاص أو يأخذ منه شيئًا يظن سام أنه يخصه، فتنتابه نوبة غضب عارم. وقد كشف لي عن بعض الجروح التي أُصيب بها، بما في ذلك ندبة في بطنه قال عنها إنها «ترجع إلى المرة التي اضطر الجراحون فيها إلى استئصال الطحال بعد إحدى المشاجرات.» ثمة ندبة أخرى على كتفه تعود إلى إصابته بطعنة، وندبة ثالثة بموضع اختراق رصاصة لجسده، وأخرى عند موضع خروجها. وقد أخبرني أنه لم يدخل أبدًا في أي شجار قبل دخوله السجن. وقد شاهد في طفولته والده السكير وهو يضرب والدته عدة مرات. وكان يبلغ من العمر أيضًا عشر سنوات فقط عندما رأى لأول مرة في حياته عملية إطلاق نيران من سيارة متحركة أفضت إلى قتل أحد الأشخاص. ومنذ دخوله السجن، تورط في عدد من المشاجرات. وهذا هو السبب وراء قضائه فترات طويلة في الحبس المشدد، حسبما قال.
(?) حلقة مُفرَغة خطيرة

وصف إرفينج جوفمان وتوماس شيف6 وغيرهما من «علماء الاجتماع المعنيين بدراسة الانحراف السلوكي» حلقة مُفرَغة ظهرت في مصحات الأمراض العقلية في العهد الذي اشتهرت فيه هذه المصحات بأنها أماكن للرعب والتعذيب. فكان الشخص يُصنف بأنه مضطرب، وبناءً على هذا التصنيف، تُقيَّد حريته ويُحرَم من أساليب معينة للتعبير عن الذات. فكان يُحبَس أحيانًا في جناح وحده دون أي مرافقين أو هواتف أو نشاط هادف. فيكون رد فعله، على سبيل المثال، هو إلقاء الكراسي من النافذة ليُعبِّر قدر الإمكان عن عدم رضاه عن هذا الحرمان الذي يعاني منه. ويُحبَس جراء ذلك في مكان ذي حراسة أشد، كغرفة صغيرة مثلًا تخلو من النوافذ والأثاث. ويستنتج العاملون في المستشفى أن إلقاء المريض للكراسي من النوافذ يثبت أنه مضطرب على نحو يبرر صور الحرمان التي فرضوها عليه في وقت سابق، ويهنئون أنفسهم على تقييمهم لخطورة المشكلة التي يعاني منها هذا المريض من البداية. يُترَك بعد ذلك هذا المريض في غرفة عزل تخلو من أية وسيلة يُعبِّر بها عن نفسه، فيفعل أشياء أكثر غرابة؛ مثل تلطيخ الحوائط بالغائط. ومرة أخرى تُقنِع هذه التصرفات مَن يحتجزونه بأنهم كانوا حكماء في قرارهم بوضعه في غرفة العزل. من الواضح أن هذا الأسلوب هو نفسه المُتبَع مع السجناء المصابين بالذهان الذين ينتهي بهم الحال في وحدات الحراسة المشددة. ووحدة الحبس الانفرادي هي أقسى أنواع الحبس المشدد، لكنها ليست الوحيدة. فمعظم السجون ذات الإجراءات الأمنية المتوسطة والمشددة تشتمل على وحدات للحبس المشدد. ذلك فيما عدا السجون التي يوزَّع فيها السجناء على مهاجع؛ ففي هذه السجون يمكن إخضاع جميع السجناء للحبس الانفرادي المشدد. ويوضَع غالبًا السجناء، الذين يُصنَّفون على أن لديهم ميولًا انتحارية أو يعانون من ذهان حاد، في هذا الحبس الانفرادي حتى يتوصل مسئولو السجن إلى قرار بشأن نقلهم إلى وحدة المرضى النفسيين من عدمه. وأي سجن يمكنه تطبيق الحبس الانفرادي على جميع السجناء؛ ويعني ذلك حبس كل السجناء في زنزاناتهم أو مهاجعهم، وهو الإجراء الذي يُنفَّذ عادةً بعد وقوع حادث عنف في السجن. بالإضافة إلى ذلك، تحتوي معظم السجون على وحدة عزل إداري. فريق من السجناء، الذين يتم إيداعهم في وحدة العزل الإداري، يُعاقَب لارتكابه مخالفات تتعلق بالانضباط، وفريق ثانٍ يعاني من اضطرابات عقلية أو لديه ميول انتحارية، وفريق ثالث يحتاج إلى حبس وقائي، وفريق رابع يصل إلى هذه الوحدة؛ لأن إدارة السجن تعجز عن التوصل إلى أي إجراء آخر يمكن تنفيذه معه. والسجون ذات الإجراءات الأمنية المتوسطة والمشددة تتضمن عادةً وحدة عزل إداري أيضًا، ويُطلَق عليها أحيانًا وحدة الحبس الانفرادي حيث يقضي معظم السجناء مددًا من الحبس المشدد لارتكابهم مخالفات تتعلق بالانضباط.
في حالة السجناء المصابين بأمراض عقلية، يقرر مسئولو السجن عادةً أنه بالرغم من أن السجين ربما يعاني من اضطراب عقلي، فإن تمرده أو نوبات الهياج العنيفة الصادرة عنه تعكس «سوء تصرفه» وليس «جنونه». ومن ثم، تُفرَض عقوبة عليه، بدلًا من إخضاعه للعلاج. لكن حتى مفهوم سوء التصرف يتطلب دراسة دقيقة. مما لا شك فيه أن العديد من السجناء الذين يتم إيداعهم في وحدات مراقبة يكون قد صدر عنهم أفعال سيئة للغاية، بما يشمل الجريمة الأصلية التي صدر حكم ضدهم بشأنها، بالإضافة إلى أعمال العنف الصادرة عنهم في أثناء فترة سجنهم. (تُستخدم هذه الوحدات أيضًا لعزل السجناء ذوي الخبرة القانونية والقادة السياسيين وغيرهم ممن يرى المراقبون الأمنيون أنهم يشكلون خطرًا أمنيًّا في السجون). لكننا إذا تركنا هذا الوضع على ما هو عليه — كما لو كان أي نوع من العقاب القاسي هو ما يستحقونه على جرائمهم السابقة — فإننا سنتسبب بذلك على الأرجح في جعلهم أكثر عنفًا وفسادًا في المستقبل بسبب الصدمات التي يعانون منها في أثناء خضوعهم للحبس المشدد.
لا أعني هنا بأي حال من الأحوال أن السجناء، الذين يرتكبون أعمال عنف أو أفعالًا غير قانونية، يجب عدم معاقبتهم. لكن إيداع عدد كبير من السجناء الذين يخرقون القواعد في وحدات الحبس المشدد يزيد من احتمالية لجوء هؤلاء الرجال والنساء إلى أعمال عنف وأفعال مناهضة للمجتمع أكثر سوءًا في المستقبل، سواء في أثناء مدة حبسهم أو بعد إطلاق سراحهم.
تنطبق هذه الحلقة المُفرَغة على السجناء المصابين بالذهان وغير المصابين به على حدٍّ سواء. فقد رأيت وسمعت عن عدد كبير من حالات رشق الغائط في وحدات الحراسة المشددة التي تجولت فيها، والسجناء المتورطون في هذه الأعمال ليسوا دائمًا سجناء معروفين بإصابتهم بحالات ذهان. ويبرر بعضهم هذه التصرفات بأنها الوسيلة الوحيدة المتاحة لديهم للانتقام من الحراس؛ بسبب ما يعتبرونه معاملة وحشية وظالمة. وأخبرني البعض الآخر بأنهم يرشقون سجناء آخرين (يكونون غالبًا من المصابين باضطرابات عقلية) بالغائط لمجرد الانتقام من تصرف مماثل سابق من جانب هؤلاء السجناء الآخرين. وفي بعض الأحيان، لا يكون من الممكن تحديد السجناء المصابين باضطرابات حادة في مثل هذه المواقف. فبعض السجناء يتعلمون إخفاء أعراض المرض، بينما يعاني البعض الآخر من حالة حادة من جنون الارتياب تجعلهم لا يسمحون لأي طبيب سريري بأن يقوم بفحصهم. ولا يمكن أن ننكر أن بعض السجناء أيضًا يتظاهرون بأن لديهم أعراض المرض العقلي، لكنهم ليسوا بالعدد الذي يدعيه الحراس وموظفو الصحة العقلية.
من المعروف عن المجرمين إجمالًا عدم قدرتهم على التحكم في غضبهم أو اتباع الأوامر. يخبرني العديد من المجرمين السابقين، الذين أعالجهم في عيادتي، بأن أفضل وسيلة أمامهم لتجنب المتاعب هي الابتعاد عنها. فبعد احتكاكهم كثيرًا بالقانون، تعلموا محاولة الخروج من أي موقف يتعرضون فيه للاستفزاز أو إثارة غضبهم. لكن في السجن ليس هناك مخرج من مثل هذه المواقف. أوضح لي ذات مرة سجين في إحدى وحدات الحراسة المشددة، وهو أمريكي من أصول أفريقية يبلغ من العمر ثلاثة وأربعين عامًا، السبب وراء دخوله في مشاجرات وإيداعه الحبس المشدد، فقال لي: «ترد على ذهنك أفكار غاضبة، وتظل عالقة به. وترغب في الانتقام من شخص تعرض لك بالأذى. خارج السجن، يمكنك التراجع والمحافظة على هدوئك، لكن هنا في هذا المكان لا يمكنك التراجع أو الاختباء. وما إن يتمكن أحد من إيذائك حتى يستمر في ذلك — سواء أكان من ضباط السجن أم من السجناء الآخرين — وسيدَّعون أنك قد وشيت بهم أو شيئًا من هذا القبيل.» بعض السجناء يتعرضون عادةً لتحدٍّ من جانب غيرهم من السجناء للدخول معهم في عراك، أو يجدون أنفسهم في صراعات مع موظفي السجن. وكقاعدة عامة، في كل مرة يصدر ضدهم إنذار ويُرسَلون إلى مستوًى أكثر تشددًا من الحبس، يقلل الوضع الجديد من إمكانية الانحراف لديهم ومن فرصة الخروج بهدوء من أي موقف ينطوي على خطورة شديدة؛ فلا مهرب في هذه الحالات. وعندما يجيب سجين في وحدة الحبس المشدد عن أي سؤال يطرحه أحد الحراس إجابة ساخرة، أو لا يستجيب بسرعة كافية لأمر مباشر، يصدر ضده إنذار جديد، أو يقرر الحارس الاستهزاء به أو استخدام القوة البدنية لإرغامه على الامتثال.
في وحدة الإدارة الخاصة بالمؤسسة العقابية لولاية بنسلفانيا في مقاطعة جرين، يلزم على السجناء المرور بخمس مراحل من البرمجة بدءًا من المرحلة الخامسة، التي يُحرَم فيها السجناء من كل وسائل الراحة، وصولًا إلى المرحلة الأولى التي يُسمَح لهم فيها بمزيد من الزيارات وبقدر أكبر بعض الشيء من حرية الحركة في أثناء الوقت الذي يقضونه في ساحة السجن. وتتطلب كل مرحلة من هذه المراحل ثلاثة أشهر على الأقل لاستكمالها. وبذلك، عند دخول السجين هذه الوحدة، تتطلب عودته إلى مجتمع السجن العادي خمسة عشر شهرًا على الأقل. وثمة سجين انتهت مدة عقوبته في السجن قبل انتهاء مدة بقائه في وحدة الإدارة الخاصة؛ ما جعل النظام العقابي يضطر لإطلاق سراحه مباشرة إلى المجتمع. أخبرني هذا السجين بأنه في كثير من الأحيان يقضي السجين مدة العقاب في هذه الوحدة حتى نهاية المرحلة الثانية، بل ويدخل في المرحلة الأولى أيضًا، ثم «يتعرض له أحد الحراس، ويكون السجين سريع الغضب بحلول ذلك الوقت بسبب ما تعرض له من حبس مشدد لفترة زمنية طويلة؛ ما يجعله يسيء التحدث مع الحارس.» وتكون العقوبة التي يتلقاها هي العودة إلى بداية مراحل العقاب، وهي المرحلة الخامسة، ويلزم عليه المرور بها جميعًا من البداية. ونظرًا لأن الحبس في هذا النوع من الوحدات الانعزالية يزيد من سرعة الغضب لدى السجين ويثير حالات الهياج الانفعالي العنيفة لديه، يكون من الصعب للغاية على السجين تجاوز المراحل الخمس جميعها بنجاح والخروج من هذا النوع من وحدات المراقبة. يستطرد هذا السجين قائلًا: يتمكن بعض السجناء من الخروج من هذه الوحدة بالفعل. لكن عند عودتهم لمجتمع السجن العادي، يوضَعون تحت مراقبة مشددة للغاية. على سبيل المثال، ثمة قاعدة تحظر السير في مناطق معينة من الحشائش الموجودة في ساحة السجن، لكن الحراس يتغافلون عادةً عن ذلك. لكنك إذا كنت تخضع لمراقبة مشددة، فسوف يصدرون إنذارًا ضدك مع أول خطوة تخطوها على هذه المنطقة من الحشائش؛ ومن ثم، تعود إلى وحدة الإدارة الخاصة وتبدأ في المراحل الخمس بأكملها مجددًا. لقد رأيت الكثير من الرجال ينهارون تحت هذا الضغط، ويجن جنونهم تمامًا.
في كل خطوة، بدءًا من مجتمع السجن العادي مرورًا بوحدة العزل ووصولًا إلى إخراج السجين بالقوة من زنزانته، يعتقد موظفو السجون أن افتراضاتهم السابقة بشأن مدى سوء هؤلاء السجناء قد ثبتت صحتها بدليل هذا النموذج الجديد من العصيان وازدراء السلطة الذي يرونه من جانب السجناء. وفي الوقت نفسه، يزيد اقتناع السجين بتعرضه للازدراء وسوء المعاملة؛ فيزيد غضبه ويقل استعداده لاتباع قواعد تزداد صرامتها تدريجيًّا أو تقل قدرته على الامتثال لها.
•••

سوف أختتم هذا الفصل بحالة توضح الحلقة المُفرَغة المتأصلة في السجون حاليًّا: إيرل رجل أبيض يبلغ من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا، قضى في وحدة الحبس الانفرادي نحو ثلاثة أعوام. كان أداء إيرل في المدرسة سيئًا للغاية (الأمر الذي رأى إيرل أنه يرجع إلى معاناته من إعاقة تعلُّم ترتبط بحالة حمى ونوبات مرضية كانت تنتابه في طفولته). وحتى مع فصول التعليم الخاص، لم يتمكن من استكمال تعليمه في المرحلة الإعدادية. ويرجع تاريخه المرضي النفسي واضطراب النوبات الحاد الذي يعاني منه إلى مرحلة الطفولة المبكرة. وقد كان والده، الذي شارك في الحرب الكورية، معاقًا ومدمنَ خمرٍ وسيئ الطباع، فتكفلت والدته بالإنفاق على الأسرة بعملها مساعدة تمريض.
نشأ إيرل في حي يسكنه أصحاب الدخول المتوسطة يقول عنه: «ارتكب جميع الأطفال سرقات بسيطة في الحي، لكنهم كانوا يفلتون من العقاب ويُمسَك بي وحدي دومًا. أعتقد أنني كنت مضطربًا للغاية آنذاك على نحوٍ حالَ دون تخطيطي للهروب من هذه المواقف أو التفكير في حجة جيدة أدافع بها عن نفسي.» وقد شُخِّصت حالته بأنها «اضطراب هوسي اكتئابي مصحوب بأعراض ذهانية»، وصار يخضع للعلاج، لكنه يعاني أيضًا من اضطراب قلق حاد مصحوب بنوبات هلع ورُهاب شديد يرتبط باحتجازه في الزنزانة.
يُرجِع إيرل تاريخ إصابته ? «رُهاب الزنزانة» إلى واقعة حدثت له عند وصوله السجن أول مرة قبل ذلك الحين بعشرة أعوام؛ إذ سحله عدد من السجناء إلى إحدى الزنزانات واغتصبوه فيها أكثر من مرة. ولا شك أنه بجانب التاريخ المَرضي من النوبات الذهانية والتقلبات المزاجية الحادة، يظهر على إيرل العديد من ملامح اضطراب توتر ما بعد الصدمة، بما في ذلك توارد التجارب القاسية السابقة على ذهنه والأرق الحاد الذي بدأ بعد التعرض للاغتصاب، بالإضافة إلى الكوابيس ورد الفعل الإجفالي الشديد، والحياة المُقيَّدة على نحو كبير، وبالطبع نوبات الهلع. وقد صدر إنذار ضده بسبب أول إخلال له بقواعد الانضباط في السجن؛ لأنه رفض تنفيذ أمر مباشر صدر إليه من أحد ضباط السجون بمعاودة الدخول إلى زنزانته. يفسر إيرل ذلك بأنه رفض تنفيذ الأمر في تلك اللحظة؛ لأن خوفه من الاحتجاز في الزنزانة فاق قلقه بشأن التعرض لعقوبة معينة من الضابط لعصيانه الأمر الصادر منه. بيد أن العقوبة تمثلت في مزيد من الاحتجاز في الزنزانة.
يعمد إيرل أيضًا إلى تشويه جسده بإحداث جروح فيه. سألته عن السبب وراء ذلك، فوصف لي على نحو مؤثر للغاية أنه بعد احتجازه في الزنزانة فترة من الوقت، ازداد توتره إلى درجة لا تُحتمَل، وشعر بأنه مُرغَم على إحداث هذه الجروح في جسده. فهو يرى في ذلك السبيل الوحيد لتخفيف التوتر الذي يعاني منه. وقد اكتشف أيضًا، في النهاية، أنه في كل مرة يجرح فيها جسده سواء أكان الجرح حول المعصم أم في البطن، يُخرَج من زنزانته ويُرسَل إلى المستشفى لتخييط موضع الجرح.
يقول إيرل: «ما إن أصل إلى المستشفى حتى أهدأ على الفور، ويتبدد الهلع بمجرد خروجي من الزنزانة.» لكن نظرًا لأن تشويه الذات يُعَد انتهاكًا لقواعد السجن، يُضاف مزيد من الوقت إلى مدة الحبس المشدد التي يقضيها إيرل. وعندما أوضحت له أنه يقضي فترة قصيرة فقط من الوقت في المستشفى لتلقي علاج الطوارئ ثم يعود إلى زنزانته، كان رده: «لكن الأمر يستحق!» فهو يرى أن الهلع الذي يشعر به في زنزانته لا يترك أمامه أي خيار آخر، ويشعر بأن هذه الفترة الزمنية القصيرة من الراحة تستحق الجُرح والألم.
إيرل — شأنه شأن الكثير من السجناء المصابين باضطرابات انفعالية ممن أراهم في وحدات الحبس المشدد — يعاني من اختلال وظيفي كامل، حتى داخل وحدة الحبس الانفرادي. فهو يشعر معظم الوقت بأنه متوتر للغاية على نحو يحُول دون متابعته لأية فكرة أو انخراطه في القراءة أو الكتابة؛ ولذا فهو يذرع المكان جيئةً وذهابًا أو يستلقي متململًا في فراشه طوال النهار ومعظم الليل، محاولًا تتبع أفكاره المتسارعة في ذهنه. ويفزع من الاحتجاز في الزنزانة، لكنه يظل محتجزًا فيها أربعًا وعشرين ساعة يوميًّا تقريبًا. ولا تؤدي هذه الحلقة المُفرَغة إلا إلى استمرار التوتر وتشويه الذات وازدياد حدتهما. وإيرل ليس سوى واحد من بين مجموعة كبيرة من السجناء المضطربين للغاية الذين يتعرضون للعقاب بسبب ما يعانونه من اضطرابات نفسية، بدلًا من تلقيهم العلاج.
لا ريب أن الهدف المنطقي من وراء الاحتياطات الأمنية القاسية وصور الحرمان الصارخة في السجن هو منع العنف. لكن هل توقف العنف أم أنه نما وزاد؟ هل تمَّ احتواء المرض العقلي أم أنه تفاقم؟ لأسباب عدة — بما فيها التوقف عن تمويل برامج الصحة العقلية الحكومية في المجتمع وقصور خدمات الصحة العقلية داخل السجون — صارت السجون أشبه بمستودعات لأعداد هائلة من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات حادة. وعندما يُحرَم السجناء من إشباع احتياجاتهم الإنسانية الأساسية — مثل التواصل الكافي مع الأحباء، ومساحة مناسبة للعيش والخصوصية، وشيء بسيط من السيطرة على البيئة المحيطة، والتمتع بمساحة لإبداء الرأي حول ما يتمتعون به من مزايا وصور الحرمان التي تُفرَض عليهم، والتمتع بمساحة للاستفادة من طاقاتهم ومواهبهم، وامتلاك فرصة للتعلم والتطور — يزداد سخطهم باستمرار. تنمو مشاعر الخوف والعداء والارتباك بداخلهم؛ فيتصرف البعض بعنف في صورة سلوكيات سلبية، مثل عصيان الأوامر، أو إلقاء القمامة، أو الصراخ في وجه الضابط.
ولقد صرَّح لي أحد السجناء قائلًا: «الوسيلة الوحيدة لإرغام شخص ما على الاستماع إليك هنا هي أن تصيح في وجهه غاضبًا أو تُلحق الأذى به!» على الجانب الآخر، يتعرض البعض للانهيار أو يحاولون الانتحار. لكن في معظم السجون، إلحاق الضرر بالنفس يُعَد مخالفة للقواعد، ومن ثم تُضاف مدة أخرى إلى مدة الحبس المشدد التي يقضيها السجين. ويتحوَّل السجناء من ثم إلى أفراد مفعمين بالكراهية ومفتقرين إلى خيارات التعبير عن النفس، ويصيرون غير قادرين على تكوين علاقات ودودة لطيفة، وغير مستعدين للعمل أو العيش خارج السجن.
وعلى الرغم من أن عددًا هائلًا من السجناء يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة، فإنهم لا يتلقون العلاج المناسب، وإنما يتعرضون لمعاملة وحشية من موظفي السجن وغيرهم من السجناء على حدٍّ سواء. وعدد كبير من المجرمين المضطربين عقليًّا يدخلون السجن ولديهم تاريخ من المرض العقلي الطويل، لكن ثمة مجموعة أخرى كبيرة من السجناء تنشأ لديهم هذه الاضطرابات التي تصيبهم بالتعاسة بعد دخولهم السجن. في الفصل الثاني من هذا الكتاب، سأتناول بعض العوامل المسببة للضغط النفسي التي تسفر عن معاناة الكثير من السجناء من انهيارات انفعالية في السجن.

الفصل الثاني
لماذا يُصاب الكثير من السجناء باضطرابات عقلية؟


تُودع أعداد متزايدة من الجناة ممن لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأمراض العقلية المؤسسات العقابية. هذا فضلًا عن أن الظروف القاسية بالسجون تسفر عن معاناة المزيد من السجناء من حالات انهيار أو انتحارهم. والقصور في تشخيص الأمراض العقلية وعلاجها خلف القضبان يؤديان إلى حالات مزمنة وأكثر حدة من المرض. ومن العوامل المُهيِّئة للإصابة بالمرض العقلي الصدمات القوية التي يتعرض لها المرء في مرحلة الطفولة المبكرة،1 ويشير السجناء عمومًا إلى قدر هائل من الصدمات الحادة التي تعرضوا لها في الماضي. وتظهر على عدد كبير من السجناء أيضًا العلامات والأعراض المعتادة لاضطراب توتر ما بعد الصدمة، بينما يأتي رد فعل مجموعة كبيرة أخرى من السجناء على الصدمة التي يتعرضون لها في صورة أنواع أخرى من الاضطراب النفسي. ويؤدي كذلك ازدحام السجون إلى تفاقم العنف، ويجعل الحياة بداخلها بائسة للجميع، ولا سيما السجناء الذين تعرضوا لصدمات في الماضي ويعانون من اضطراب توتر ما بعد الصدمة (أو يكونون عرضة له) وغيره من الأمراض العقلية الخطيرة الأخرى. ومن الجولات واللقاءات العديدة التي قمت بها، تبرز صورة واحدة مُركَّبة للسجين الذي يعاني من اضطراب عقلي؛ وهي أن هذا السجين عانى في مرحلة مبكرة من حياته من صدمات شديدة ومتكررة، وواجه صعوبة هائلة في التكيُّف مع الضغط الذي تفرضه عليه ظروف السجن القاسية، فأساء التصرف، وأُودعَ وحدة العزل العقابية حيث أسفر الخمول والعزلة عن إصابته باضطراب عقلي. وهذه الصورة المُركَّبة تعكس المحنة التي يعاني منها عدد كبير من السجناء الذين يجدون أنفسهم محاصرين في دوامة من الجنون واليأس تزيد فيها حالاتهم سوءًا شيئًا فشيئًا.
(?) حياة مليئة بالصدمات

نحن نعلم أن حياة الأطفال في الأحياء الفقيرة مليئة بالصدمات. وتلعب الصدمات المبكرة دورًا في التسبب في جميع أنواع الاضطرابات العقلية لهم، بما فيها اضطراب توتر ما بعد الصدمة، والذهان، والاكتئاب الحاد. ونظرًا لأن الغالبية العظمى من السجناء ينحدرون من أحياء فقيرة، فليس من المُستغرَب أن يتضمن تاريخهم الكثير من الصدمات. وللأسف، تشتمل حياتهم في السجن على قدر هائل من الصدمات أيضًا. في واقع الأمر يمكن للصدمات اليومية في حياة السجن — من الناحية النفسية — أن تثير الصدمات السابقة في حياة السجين. والجمع بين الصدمات القديمة والجديدة قد يكون له تأثير مدمر على الصحة العقلية للسجناء.
عادةً ما يُغفَل تشخيص اضطراب توتر ما بعد الصدمة في السجن. فقلما يعبأ موظفو السجن بالدور الذي تلعبه الصدمة المبكرة في التسبب في جميع أنواع الاضطرابات العقلية الخطيرة. هذا فضلًا عن عدم وعيهم في أغلب الأحيان بخطر عودة الصدمة للسجين في السجن، فيما يتعلق بتوقعات سير المرض لدى السجين وإمكانية تكيفه بعد إطلاق سراحه من السجن الذي عاودته الصدمة فيه.
(?-?) الصدمة في مرحلة الطفولة

يواجه أطفال الأحياء الفقيرة قدرًا هائلًا من الصدمات أو يشهدونها. فبحلول الوقت الذي يصل فيه الأطفال الأمريكيون من أصل أفريقي إلى المرحلة الثانوية، يكون قد شهد ?? بالمائة منهم حادث طعن، وشاهد ?? بالمائة منهم شخصيًّا حادث إطلاق نيران، ورأى نحو ?? بالمائة شخصًا ما وهو يُقتل، ووقع ?? بالمائة منهم ضحية جريمة عنف واحدة على الأقل. وأطفال الأسر منخفضة الدخل من جميع الأعراق في الولايات المتحدة يواجهون قدرًا مذهلًا من العنف الأسري كضحايا للاعتداء البدني أو العاطفي، أو كشهود على عنف الأزواج مع زوجاتهم أو العكس. ويتنامى إلى علمنا أيضًا قدر هائل من حالات الاعتداء الجنسي بين الأطفال الذين يعانون من الفقر. والفقر نفسه يسبب الصدمات، إن لم يكن يسفر عن العنف أيضًا.
والصبية الذين يتعرضون — سواء أكانوا ضحايا أم شهودًا — للعنف وغيره من الصدمات الأخرى المرتبطة بالعيش في الأحياء الفقيرة يأتي رد فعلهم عادةً لهذه الصدمات في صورتين؛ فإما أنهم يلجئون إلى العزلة وإما يغضبون ويتصرفون بعنف ويتجهون إلى المشكلات ويُوقِعون أنفسهم فيها. وبينما يغلب على الصبية إصابتهم باضطرابات سلوكية، يغلب على الفتيات اللاتي تعرضن للصدمات الإصابةُ بالاكتئاب أو التوتر. والعديد من الأطفال الذين عانوا من صدمات متكررة يصيرون غير قادرين على التركيز في الفصول الدراسية والاجتهاد في دراستهم؛ ومن ثم يفشلون عادةً في المدرسة. ومقارنةً بالأقران الذين يبلون بلاءً حسنًا في الدراسة، ينجرف عدد أكبر من هؤلاء الأطفال الذين تعرضوا للصدمات إلى طرق الإجرام المرتبطة عادةً بتعاطي المخدرات، ويُلقَى القبض بالتأكيد على عدد منهم في النهاية. وبالوضع في الاعتبار الموارد المتناقصة في التعليم العام وخدمات الصحة العقلية العامة، يكون شباب الأحياء الفقيرة، الذين يتصرفون بعنف، أكثر عرضةً للعقاب من العلاج. بعبارة أخرى، تُعَد صدمات الطفولة إحدى الآليات المتسببة في زيادة أعداد أفراد الطبقات الدنيا من المجتمع وذوي البشرة الملونة زيادة هائلة في الزنزانات والسجون.
تنحدر الغالبية العظمى من السجناء من أحياء تنخفض فيها الدخول وترتفع فيها مستويات الجريمة، ويشير هؤلاء السجناء إلى صدمات وحالات عنف ممتدة ومتكررة منذ الطفولة. ونسبة كبيرة من المراهقين الذكور الذين يمارسون الاعتداء الجنسي تعرضوا أنفسهم للاعتداء الجنسي في طفولتهم. فثمانٍ وستون بالمائة من الجناة الشباب في برامج أوريجون العلاجية تعرضوا للاعتداء في طفولتهم أو شهدوا تعرض أمهاتهم للاعتداء. ونسبة المعتدين الذين تعرضوا في طفولتهم للاعتداء البدني أعلى بكثير، وقد ثبت أن العنف الأسري منتشر في تاريخ المراهقين الذين يتسمون بالعنف. وتزيد احتمالية ممارسة العنف الأسري لدى الرجال الذين شهدوا مثل هذا العنف بين والديهم ثلاث مرات مقارنةً بمن ينشئون في أسر أقل عنفًا. وتوصلت دراسة حديثة في ماساتشوستس2 إلى أن احتمالية ارتكاب الأطفال، الذين يعيشون في منازل تشهد عنفًا، لجرائم العنف تبلغ ضعف احتمالية وقوع ذلك بين الأطفال الذين لم يتعرضوا لصدمات، فضلًا عن أن احتمالية انتحارهم تزيد بمعدل ست مرات، وارتكابهم للعنف الجنسي بمعدل أربع وعشرين مرة. وما يزيد عن ?? بالمائة من السجينات تعرضن لاعتداء بدني أو جنسي قبل إلقاء القبض عليهن. ويشير أغلب السجناء المحكوم عليهم بالإعدام إلى تعرضهم لطفولة مليئة بالصدمات الحادة. وتظهر هذه القصص في التقارير السابقة للحكم عليهم والفحوصات النفسية التي يخضعون لها أثناء إجراءات الاستئناف. ولقد قرأتُ العديد من هذه التقارير وكتبتُ الكثير منها أيضًا، واشتملت عادةً على آباء مدمنين على الكحول، واعتداء من جانب أحد الأبوين على الآخر، واعتداء بدني وجنسي على الطفل، وعنف بالشوارع، وما إلى ذلك. وجميع الرجال الذين التقيت بهم وكانوا مدانين بالقتل ومحكومًا عليهم بالسجن مدى الحياة أو الإعدام أظهروا غضبًا شديدًا من الأسلوب الذي تمت معاملتهم به طوال حياتهم.
بالتأكيد ليس جميع الأفراد الذين نشئوا في أحياء ترتفع فيها مستويات الجريمة تظهر لديهم أعراض اضطراب توتر ما بعد الصدمة أو أي اضطرابات عقلية خطيرة أخرى، ولا يُقدِم جميعهم على حياة الجريمة. لكن بالرغم من أن عددًا كبيرًا من شباب الأحياء الفقيرة يتجنبون الإعاقة النفسية ونظام العدالة الجنائية برمته، تظل حقيقة أن عددًا كبيرًا منهم يتورط في مشكلات خطيرة. ولا أعني هنا أن المرض النفسي لدى المجرمين هو السبب الوحيد وراء جرائمهم، وإنما يلعب أيضًا انتشار الفقر والتمييز العنصري وسوء النظام التعليمي بسبب قلة الموارد وارتفاع نسبة البطالة دورًا في هذه المأساة الاجتماعية. ومع ذلك، تتزايد الأدلة التي تربط بين ارتفاع مستوى الصدمات التي يتعرض لها الأطفال في الأحياء الفقيرة وزيادة معدل السلوك الإجرامي بين النساء والرجال الذين ينشئون في هذه الأحياء.3(?-?) السجناء المصابون باضطراب توتر ما بعد الصدمة

تلعب الصدمة دورًا هائلًا في حياة الأفراد الذين من المحتمل أن يصبحوا مجرمين. لكن عندما ينتهي الحال بهؤلاء الأفراد في السجن، فكثيرًا ما لا يُلتفت إلى الصدمة التي تعرضوا لها في حياتهم السابقة. وإذا ظهرت عليهم علامات أو أعراض اضطراب توتر ما بعد الصدمة، فإنهم لا يخضعون للعلاج الكافي بانتظام؛ إذ — ببساطة — تتسم خدمات الصحة العقلية داخل المؤسسات العقابية بالقصور. ومن المعروف أن اضطراب توتر ما بعد الصدمة يسوء إذا تُرِك دون علاج، ولا سيما إذا كان الفرد المصاب بالصدمة معزولًا وغير قادر على التعامل مع ردود الفعل الانفعالية التالية لهذه الصدمة.
لا يعني ذلك أنه يجب اعتبار اضطراب توتر ما بعد الصدمة سببًا للحكم ببراءة الجاني في القضايا الجنائية بحجة الجنون أو حتى نقص الأهلية. فلا تزال هذه المسألة محل نقاش، ولن أتناولها هنا. لكن سواء أرغب المجتمع أم لم يرغب في الأخذ بعين الاعتبار كون المجرم لديه تاريخ سابق من التعرض للصدمات، فإننا نحتاج بلا شك إلى التوقف كثيرًا قبل تعريض الجناة — الذين تعرضوا لصدمات في السابق — لصدمات أخرى حادة لا داعي لها أثناء إقامتهم في المؤسسات العقابية. رون رجل أمريكي من أصول أفريقية يبلغ من العمر سبعة وأربعين عامًا ينفذ حكمًا بالسجن لأكثر من مائة عام عقابًا للجريمة الوحيدة التي ارتكبها في حياته، وهي قتله زوجته وأبناءه. بعد عودة رون من الحرب في فيتنام، تزوج وعمل في أحد المصانع وعاش مع زوجته وأبنائه. لكن الشركة التي كان يعمل بها نقلت أعمالها إلى الخارج للتقليل من تكلفة الأيدي العاملة، فأغلقت المصنع المحلي، وخسر رون وظيفته. في إحدى الليالي، أسرف رون في شرب الخمر، وشبَّ شجار بينه وبين زوجته. صرخت في وجهه، فصعد إلى الطابق العلوي ليحضر سلاحه وعاد ليطلق النار عليها وعلى أبنائه. مضى على هذه الجريمة ما يزيد عن عشرين عامًا، وهو الآن يجلس في زنزانة بالسجن وقد استحوذت جريمته على تفكيره بالكامل.
يتمتع رون بشخصية لطيفة وفصيحة. وعلى الرغم من أن السجون ذات الإجراءات الأمنية المشددة تُخصَّص عادةً للمجرمين المعروف عنهم انتماؤهم للعصابات أو مَن يعانون من مشكلات في الانضباط، أودِع رون أحد هذه السجون بسبب طول مدة عقوبته. وقد أخبرني بأنه يقضي معظم وقته في الزنزانة وهو يفكر في زوجته وأطفاله. من الواضح أنه يعاني من الاكتئاب، وتظهر عليه أيضًا أعراض مرض الوُهام. ويشكو كذلك من الكوابيس التي تقضُّ مضجعه معظم الليالي. ويقول لي إنه يعاني من توارد التجارب القاسية السابقة على ذهنه، ويشعر عادةً بتخدر جسده، ويصاب بنوبات هلع، بالإضافة إلى أنه سريع الغضب والاهتياج. ويتعذر عليه التركيز بالرغم من محاولته التفكير في شيء آخر غير عائلته عن طريق قراءة كتاب تقع عليه يده. ويشعر، كذلك، بأنه منعزل تمامًا عن السجناء الآخرين. وشهد طبيبان نفسيَّان في أثناء محاكمة رون بأنه كان يعاني بوضوح من الذهان عند قتله أسرته. وثمة ملاحظة واحدة في ملفه داخل السجن تفيد باحتمالية إصابته باضطراب توتر ما بعد الصدمة، بالإضافة إلى حالة ذهانية متكررة. وبالرغم من ذلك، لم يتلقَّ سوى قدر ضئيل للغاية من العلاج في السجن. وهو يشعر بأنه بحاجة لمن يتحدث معه وإلا «فسوف ينفجر! أو ينتحر!» على حد قوله.
هناك العديد من الأسباب وراء القصور في تشخيص اضطراب توتر ما بعد الصدمة وعلاجه في السجون. ومن بين الأسباب الفنية وراء القصور في تشخيص هذا الاضطراب افتراض الأطباء السريريين إصابة المريض بمرض واحد فقط. فالكثير من الأبحاث السريرية قائمة على الافتراض بأن السجين يعاني من اضطراب واحد فقط، وليس اثنين؛ لذا، إذا ظهرت على المريض علامات أو أعراض الذهان، تُشخَّص حالته على هذا الأساس، ويتوقف البحث عن أي أمراض نفسية أخرى. لكنَّ ثمة احتمالًا كبيرًا بأن يجمع أي شخص بين الذهان واضطراب توتر ما بعد الصدمة — كما هو الحال مع رون — ومن المرجح أيضًا أن تنشأ حالة ذهانية بسبب التعرض لصدمة ما. في الواقع، يُغفَل عن عدد كبير من حالات اضطراب توتر ما بعد الصدمة بين السجناء؛ لأن عددًا هائلًا منهم تتدهور حالتهم في النهاية لتصير ذهانًا، ومن ثم يَغفل الأطباء السريريون عن الصلة بين الأعراض النفسية والصدمات، السابقة والحالية.
ثمة أسباب هيكلية أيضًا وراء القصور في تشخيص اضطراب توتر ما بعد الصدمة في السجون. على سبيل المثال، في أية مؤسسة تندر فيها مصادر خدمات الصحة العقلية، يقتصر الاهتمام السريري على المرضى ذوي الميول الانتحارية الشديدة والمصابين باضطرابات حادة للغاية دون غيرهم. فيتلقى موظفو الرعاية الصحية العقلية تعليمات بتجاهل الصور البسيطة من الجنون والتركيز على «الأمراض العقلية الخطيرة»، مثل الفصام والاضطرابات الوجدانية الخطيرة والحالات التي تشكل خطرًا مباشرًا لحدوث انتحار. وبالرغم من أن اضطراب توتر ما بعد الصدمة، واضطراب الهلع، والرهاب الاجتماعي، وغير ذلك من صور المرض العقلي «غير الخطيرة» يمكن أن تتسبب في معاناة وعجز واضحين، يميل موظفو الرعاية الصحية العقلية المُثقلون بالأعباء إلى تجاهلها، كما لو كان لسان حالهم يقول: «لماذا نُشخِّص ما لا نملك الموارد لمعالجته؟»
(?-?) نوعان من ردود الأفعال تجاه الصدمة

ثمة صورتان لمجموعتين من السجناء تبرزان دومًا في ذهني، وهما: العدد الكبير من النساء والرجال الذين يبقون في أسرَّتهم مع إطفاء الأنوار في منتصف النهار، والمجموعة الكبيرة من السجناء الذين يُحتجَزون في وحدات الحبس الانفرادي المعزولة. عندما أتحدث مع السجناء الذين يؤثرون البقاء في زنزاناتهم معظم الوقت، يقولون لي إن الخروج إلى ساحة السجن ليس آمنًا، وإنهم يرغبون في البقاء بمفردهم كي يتمكنوا من قضاء مدة عقوبتهم دون الدخول في أية مشكلات. لكن هذا هو بالضبط التقيُّد الاجتماعي والعاطفي الذي يتبع التعرض لصدمة حادة. فالعديد من هؤلاء السيدات والرجال يصابون بالاكتئاب ويتعرضون لبعض الأعراض التسلطية والمُقيدة لسلوكهم المرتبطة بتوتر ما بعد الصدمة. والبعض منهم يميل إلى الانتحار. لكن العزلة الاختيارية منطقية في هذه الحالة بسبب الوضع الخطير الذي يجد السجناء أنفسهم فيه وقلة خيارات العلاج الجيد.
على الجانب الآخر، تتبع مجموعة أخرى من السيدات والرجال أسلوب تكيف مختلفًا. فعند تعرضهم للازدراء أو سوء المعاملة، يلجئون إلى العنف اللفظي والجسدي تجاه المجرمين والحراس على حدٍّ سواء الذين يسيئون إليهم. وينتهي بهم الحال عادةً إلى إيداعهم الحبس المشدد. وقد يذهب البعض إلى أن هؤلاء السيدات والرجال لديهم نزعة عدائية متأصلة بداخلهم. فهم يتهمون الحراس دائمًا بمضايقتهم وإجرائهم تفتيشًا غير ضروري للزنزانات وإثارتهم المشكلات وتحريضهم على العنف، وما إلى ذلك. ويبدو على الأرجح أن نسبة كبيرة من هؤلاء السجناء لو كانوا في مكان أقل إثارة للتوتر، ما كانوا ليثوروا بهذا القدر. لكننا إذا وضعنا مجموعة من السيدات والرجال ممن تعرضوا في الماضي للصدمات ويتسمون بسرعة الغضب في وضع مثير للخوف، مثل ساحة سجن مزدحم بالسجناء، فسوف ينتهي الحال بعدد كبير منهم إلى الشجار أو الرد على موظفي السجن، ثم الحبس الانفرادي.
يمكن أن يكون خرق القواعد علامة على اضطراب توتر ما بعد الصدمة. لكن موظفي السجن لا ينظرون إلى هذا الخرق على أنه أحد أعراض المرض العقلي، ويفرضون غالبًا على من يرتكبه عقابًا بدلًا من إخضاعه للعلاج. وما إن يُصنَّف السجين بأنه مثير للمشكلات حتى يقع في مزيد منها. ويكمن جزء من المشكلة في «سمعتهم» التي ينبغي عليهم المحافظة عليها، وجزء آخر في اعتياد الحراس توجيه أصابع الاتهام إلى مثيري المشكلات المعروفين في حالة حدوث أية مشكلة. لكن الحبس المشدد هو على الأرجح أسوأ علاج يمكن إخضاع أي شخص يعاني من اضطراب توتر ما بعد الصدمة له. تظهر في هذه الحالة النبوءة القديمة المحققة لذاتها؛ وهي أن الحبس المشدد يزيد من سرعة الغضب والانفعال لدى السجناء الذين تعرضوا لصدمات من قبل، ويعتبر الحراس الغضب المتزايد دليلًا على أنهم كانوا محقين عندما أَودعوا هؤلاء السجناء الحبس الانفرادي.
والانطباع الذي تشكَّل لديَّ خلال جولاتي بالسجون هو أن عددًا كبيرًا من السيدات والرجال، الذين يبقون في زنزاناتهم مع إطفاء الأنوار طوال اليوم وعددًا كبيرًا أيضًا من المحبوسين في العزل التأديبي، تظهر عليهم العلامات والأعراض الخاصة باضطراب توتر ما بعد الصدمة وغيره من الاضطرابات العقلية الأخرى الناتجة عن الصدمات. ويجب أن نتذكر هنا أن رد فعل الأطفال، الذين تعرضوا للصدمات، يتخذ صورتين عادةً: اللجوء إلى العنف والدخول في مشكلات أو الانسحاب إلى الانهزامية والاكتئاب. ويبدو أن أنماط الطفولة تستمر طوال العمر. ولقد اكتشفت في مقابلاتي مع مئات السجناء ظهور بعض السمات الأساسية المميزة لاضطراب توتر ما بعد الصدمة أو جميعها على عدد كبير من السيدات والرجال المسجونين.
(?-?) الصدمة والاضطرابات العقلية الحادة

تتخذ ردود الأفعال تجاه الضغط النفسي صورًا عدة. والحالة التقليدية لاضطراب توتر ما بعد الصدمة تشمل توارد التجارب القاسية السابقة على الذهن والكوابيس ونوبات الهلع وتفاعلات الإجفال المتفاقمة وفرط الحذر والخَدَر وغير ذلك من صور التقيد الانفعالي الأخرى. لكن إذا تعرض الشخص، الذي لديه ميل للإصابة بصور الانهيار الانفعالي «الخطيرة»، لصدمة حادة؛ فقد يؤدي ذلك إلى التعجيل بانهياره الذهاني أو الاكتئابي بدلًا من المتلازمة التقليدية المعروفة باسم اضطراب توتر ما بعد الصدمة. تتداخل الصور التسلطية مع الهلاوس والأوهام، ونغفل عن الصلة بين الصدمة والانهيار. على سبيل المثال: قضى روبرت بعض الوقت في مستشفًى للأمراض العقلية بالولاية قبل إلقاء القبض عليه وإدانته. بدا بصحة عقلية جيدة في مرحلة وجوده بمركز استقبال السجن، لكنه تعرض بعد ذلك للاغتصاب على يد مجموعة من السجناء. ولم يبلغ عن الحادث خوفًا من الانتقام، لكنه سرعان ما بدأ يرى هلاوس وأوهامًا. وعندما صارت أعراض الذهان واضحة عليه، ولاحظ الحراس أخيرًا حالته، أُرسِل إلى طبيب نفسي وصف له أدوية مضادة للذهان.
يسفر تجاهل آثار الصدمة على السجناء عن مخاطر مؤكدة. والخطر الذي يتعرض له السجناء هو أن الصدمات المتكررة التي يضطرون لتحملها أثناء السجن تزيد من سوء حالاتهم النفسية وتوقعات سيرها. وللأمر أيضًا عواقب اجتماعية وخيمة. ففي النهاية، معظم هؤلاء المدانين يُطلَق سراحهم بعد انتهاء مدة العقوبة، ونحن نعلم من واقع خبرتنا مع المحاربين القدامى في حرب فيتنام الذين يعانون من اضطراب توتر ما بعد الصدمة، أنه قد تكون هناك إعاقة واكتئاب مزمنان، بالإضافة إلى العديد من حالات الانتحار؛ ومن ثم، تكون هناك حالات هياج عنيف غير مبرر من الناحية الظاهرية وغير متوقع. والسجناء الذين عانوا من صدمات حادة ومتكررة في الماضي يكونون عرضة للمعاناة من ردود فعل انفعالية موهِنة عند تعرضهم لصدمات جديدة. ونظرًا لأن ظروف السجن القاسية والحبس الانفرادي يفرضان صدمات حادة للغاية على معظم السجناء، فإن هذا المزيج المُهلِك بين الصدمات السابقة والحالية هو أحد أهم أسباب معاناة الكثير من السجناء من اضطرابات عقلية خطيرة حاليًّا.
(?) الازدحام4 والظروف القاسية الأخرى

مع التزايد الهائل في أعداد السجناء منذ عام ????، تفاقم ازدحام السجون في معظم المؤسسات على المستوى الفيدرالي ومستوى الولايات، ولا يزال الوضع يزداد سوءًا، حتى مع جميع التفويضات ببناء السجون التي تقدمها مشاريع قوانين مكافحة الجريمة على مستوى الولايات والمستوى الفيدرالي. فتمتلئ الكثير من السجون بنسبة تتراوح بين ??? إلى ??? بالمائة من سعتها الاستيعابية الأساسية. وانتشرت كذلك الزنزانات المشتركة. واكتظت المهاجع بما يفوق قدرتها على الاستيعاب. في السجون القديمة، تبلغ مساحة الزنزانة القياسية ستة أقدام عرضًا وثمانية أقدام طولًا، مع وجود حوض ومرحاض في الجهة المقابلة لباب الزنزانة، بالإضافة إلى سرير واحد يمتد من الباب إلى الطرف المواجه له تقريبًا. وأي رجل ضخم البنية يتوجب عليه الاستدارة بجانبه ليسير بجوار حافة السرير. وفي حالة وجود سجينين بالزنزانة واستبدال سرير بدورين بسرير فردي، يلزم على أحد السجينين البقاء في السرير بينما يسير الآخر إلى المرحاض أو الباب. هذا علاوة على أن العديد من غرف التجمع وصالات الألعاب الرياضية قد تم تحويلها إلى مهاجع مؤقتة.
هناك عدد متزايد من الأبحاث التي تربط بين الازدحام وزيادة انتشار العنف والاضطرابات النفسية والانتحار. ففي عام ????، أثبت كالهون وجود علاقة لدى الفئران بين الازدحام وزيادة معدلات وفاة صغار الفئران والعنف والتفكك الاجتماعي. ومنذ ذلك الحين، عمد الباحثون إلى دراسة آثار الازدحام على البشر في السجون وغيرها من الأماكن المغلقة. وقد وجدوا أن الأشخاص الذين لديهم ميل للسلوك الاندفاعي وخرق القواعد والاضطرابات النفسية يسوء حالهم عند تعرضهم للازدحام. والازدحام نفسه صدمة لا تُطاق. هذا فضلًا عن أن تزايد العنف يؤدي إلى الكثير من الصدمات الجديدة، ولا سيما للمجرمين سريعي التأثر ممن يعانون من اضطرابات عقلية.
يزيد احتمال تعرض السجناء، الذين لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالانهيارات النفسية، للانتكاسات. ويشكو العديد من السجناء الآخرين أيضًا، الذين لم يعانوا من قبل من أي اضطراب نفسي خطير، من أعراض نفسية مثيرة للقلق للمرة الأولى. وترتفع معدلات الانتحار مع ازدياد حالات العنف والانهيار الانفعالي.
(?-?) كيف يؤثر الازدحام على السلوك؟

إن آثار ازدحام السجون واضحة لأي زائر. ففي بعض سجون الولايات التي تجولت بها، يتم تسكين عدد يتراوح بين ??? إلى ??? سجينًا في أسرَّة من دورين مجاورة لبعضها البعض في صالة ألعاب رياضية بحجم ملعب كرة السلة. تفتقر هذه المهاجع الضخمة إلى الخصوصية. وتكون هناك طوابير أيضًا لاستخدام المرحاض أو الهاتف. وتكون هناك بالطبع الشجارات والنزاعات الحتمية التي تنشأ في ظل هذه الظروف.
عند دخولي أحد هذه المهاجع المُستخدَمة كبديل مؤقت، كان أول ما صدمني مستوى الضوضاء، بما في ذلك الصياح المستمر، وإلقاء ضباط الأمن الأوامر على السجناء أو ندائهم الأسماء بصوت عالٍ، وصوت مياه شطف المراحيض البالغ عددها عشرة أو اثني عشر مرحاضًا مثبتة بطول جدار واحد من جدران صالة الألعاب الرياضية. يشير السجناء إلى أن الضوضاء لا تتوقف أبدًا، وهناك «دائمًا شخص ما يتشاجر معك». وتُترَك الأنوار مضاءة عادةً طوال الليل لأسباب أمنية على الأرجح. ويخبرني السجناء بأنهم يواجهون صعوبات في النوم. هذا فضلًا عن أن الطعام يُقدَّم إليهم في مهاجعهم؛ ما أدى إلى ظهور الصراصير والفئران. وتكون النتيجة انفجار الغضب، واندلاع المشاجرات، وتفاقم حالات الاعتداء على الآخرين.
إذا وضِع السجناء في زنزانات، حتى لو كانت مشتركة مع سجناء آخرين، فيمكنهم الهرب إلى الزنزانة وغلق الباب؛ ما يمنحهم راحة مؤقتة من الوحشية التي قد تشهدها ساحات التجمع والأفنية. لكن السجين المُجبَر على العيش في مهجع مزدحم لا ينعم أبدًا بمثل هذه الراحة. ويكون عدد السجناء أكبر بكثير مما يمكن لموظفي الأمن الإشراف عليه على نحو ملائم. عند دخولي إحدى المرات إلى مهجع صغير للغاية ومزدحم يضم اثني عشر رجلًا، ويجب على المرء الاستدارة فيه بالجانب لحشر نفسه بين الأسرَّة، أوضح لي أحد السجناء قائلًا: «كان هذا المكان يحتوي في السابق على أربعة أسرَّة فقط. وكانت هناك مساحة فارغة بالأرضية، وكان بإمكان الحارس الذي يمرُّ بالمكان التحقق من المكان بأكمله. أما الآن، ومع وجود اثني عشر سريرًا بدورين في المكان، لم يعد باستطاعة الحارس رؤية أي شيء من الرواق، ومن الممكن أن يغتصب السجناء أي شخص في أحد الأسرَّة الخلفية دون أن يتمكن أحد من ردعهم.»
يَزيد التوتر من نزعة السجناء الأقوى لإيذاء الآخرين الأضعف. فعندما يكون مهجع مزدحم في صالة ألعاب رياضية هو موقع مركز الاستقبال الذي يبقى فيه المجرمون الجدد إلى أن يجري تصنيفهم وتوزيعهم على مباني الزنزانات، لا يكون هناك مكان للهروب أمام السجين الجديد الخائف. وإذا كان غير قادر على الدفاع عن نفسه أمام السجناء الأقوى، فسيتعرض لخطر الضرب أو الاغتصاب أو ما هو أسوأ من ذلك. وما إن يوصَم السجين بأنه ضعيف حتى يتعرض لاعتداءات متكررة من السجناء الآخرين.
ومع تزايد الازدحام، يزداد معدل نقل السجناء من مؤسسة عقابية إلى أخرى حسب توافر الأسرَّة الفارغة. ويكون لدى السجناء في كل مؤسسة سجلات متابعة أقصر في المعتاد، وبذلك قلما يكون هناك قادة لا يعترض عليهم أحد بين السجناء الأقوياء ومن ثم تزداد المعارك بينهم. وعلى المعتدي الدخول في مشاجرات أكثر، وربما اغتصاب عدد أكبر من السجناء أيضًا، لمجرد أن يتمكن من البقاء على قيد الحياة؛ ويمثل ذلك أحد أسباب ارتفاع مستوى العنف في السجون. والسجناء الذين لديهم تاريخ سابق من المرض العقلي ومَن هم عرضة للانهيار أو محاولة الانتحار في ظل إكراههم بشدة على العنف يعانون من صعوبة شديدة بوجه خاص في التأقلم مع الأجواء المزدحمة. فيتعرض بعضهم للاعتداء من الآخرين، بينما يجد آخرون صعوبة في التحكم في انفعالاتهم العدائية، وينزوي آخرون في زنزاناتهم في محاولة منهم للبقاء بعيدًا عن المتاعب.
لا شك أن ثمة آثارًا مماثلة يتعرض لها موظفو السجن الذين ينبغي عليهم البقاء ورديات كاملة في نفس الأماكن المزدحمة. ومع تزايد الازدحام، يزداد معدل عمل هؤلاء الموظفين في مهام ودوريات مختلفة، ويُنقَل السجناء بمعدلات أكبر إلى وحدات أخرى، وتكون النتيجة أن السجناء والموظفين لا يعرف بعضهم بعضًا بالقدر الكافي ولا تنشأ بينهم ثقة كافية أيضًا. وكلما ازداد عدد السجناء في مكان معين، ازدادت المخاطر على الحراس الذين يجب عليهم التجول بين السجناء من دون سلاح (حتى لا يتمكن السجناء من مهاجمة الحارس والاستيلاء على سلاح خطير منه).
يعترف ضباط السجون صراحةً بأن المؤسسة المزدحمة أخطر وأكثر صعوبة في العمل بها من السجون ذات الأعداد الأقل من السجناء المألوفين على نحو أكبر والأكثر قابلية للتحكم فيهم. وكلما ازداد توتر ضباط السجون بشأن أمنهم، ازداد احتمال أن يكون رد فعلهم دفاعيًّا وعنيفًا عند مواجهتهم مقاومة أو استهزاءً من جانب السجناء. ويشير العديد من موظفي السجون إلى شعورهم بالإنهاك عند العمل في سجون كبيرة مزدحمة للغاية. ويعترف آخرون بأن التوتر يجعلهم يعكسون ما لديهم من إحباط على السجناء. وتقل رغبتهم وقدرتهم على الانتباه لشكاوى السجناء بشأن مشكلاتهم النفسية، ويزيد كذلك احتمال ردهم على أي خرق للقواعد من جانب السجناء المصابين بأمراض عقلية عن طريق إصدار إنذارات تأديبية ضدهم.
يخلق الازدحام، كذلك، العديد من الأسباب الأخرى لتفاقم الأوضاع. على سبيل المثال، تزداد مدة الانتظار لمقابلة الطبيب أو طبيب الأسنان. وتكون الزيارات محدودة أيضًا في السجون المزدحمة، ويرجع ذلك على الأقل إلى نقص عدد الأماكن في مناطق الزيارة وعدم قدرة الموظفين المنهكين على إنجاز مهام الزيارات بالسرعة المطلوبة. ويفتقر إعداد الطعام إلى الاهتمام اللازم؛ نظرًا لزيادة عدد السجناء الذين يجب على طاقم العمل بالمطبخ خدمتهم. هذا علاوةً على أنه نظرًا لأن التوتر يؤدي إلى المزيد من الشجار الذي ينتهي عادةً بنوع من الإجراءات التأديبية، يودع المزيد من السجناء الحبس الانفرادي أو أي نوع آخر من العزل أو الحبس الأمني. ويحفل السجن بأكمله بقدر أكبر من الهياج الانفعالي.
(?-?) ظروف قاسية أخرى

مع الازدحام يأتي الافتقار الشديد للخصوصية. وهذا الافتقار متأصل بدرجة معينة في السجون لأسباب أمنية. لكن الاختراقات الدائمة للخصوصية تتجاوز في النهاية الحد الضروري لها، وتتسبب في صدمات حادة للسجناء. ومن الأمثلة على ذلك التفتيش المتكرر والمفاجئ للزنزانات الذي يحدث عادةً عند شعور موظفي السجن بأنهم في خطر؛ لأن عددهم أقل من عدد السجناء في السجون الكبيرة المزدحمة. أيضًا يشمل التفتيش الذاتي عادةً أوامرَ بالتجرد من الملابس وفحصًا للمواضع الحساسة بالجسم. وجميع أنشطة السجناء في المراحيض تكون موضع فحص. والسجناء الذين يعانون من جنون الارتياب ومَن لديهم نزعة للشعور بالخزي يجدون صعوبة في التكيُّف مع هذا الإجراء الروتيني.
يصاحب الازدحام كذلك ارتفاع شديد في مستوى الضوضاء، وتدهور في الظروف الصحية، وخمول. الضوضاء في حد ذاتها يمكن أن تتسبب في صدمات للناس. فقد أظهرت التجارب أن الناس المعرضين لمستويات أعلى من الضوضاء (الصادرة من الطرق السريعة أو مواقع الإنشاءات القريبة منهم أو وحدات السجن) تظهر عليهم حالات أعلى من التوتر والأعراض الانفعالية الأخرى. ونحن نتحكم، بوجه عام، في مستوى الضوضاء الذي نتعرض له. فيمكننا، على سبيل المثال، إغلاق الباب أو الانتقال إلى غرفة أخرى لتجنب صوت الاستِرْيو، أو إلى الجزء الخلفي من المنزل إذا كانت أعمال البناء قائمة في الشارع. لكن في السجن، لا يملك المُدان سوى قدر ضئيل من التحكم في تحركاته، بالإضافة إلى قدر ضئيل أو منعدم من التحكم في مستوى الضوضاء. وعجز السجين عن تعديل مستوى الضوضاء يجعله في مواجهة جديدة مع عجزه وقلة حيلته، ويساعد ذلك في تفسير زيادة حالات الاكتئاب والاضطرابات العقلية الأخرى في المؤسسات المزدحمة.
تتدهور كذلك النظافة الصحية مع الازدحام. وفي معظم السجون التي زرتها، كانت النظافة الصحية دون المستوى إلى حدٍّ بعيد. ففي السجون القديمة، المراحيض مُثبَّتة على نحو يجعل المخلفات التي يتخلص منها أحد السجناء في مرحاضه ينضح بها مرحاض السجين المجاور له أو حوضه. والمياه الساخنة لا تتوافر غالبًا للاستحمام. وفي أحد مباني الزنزانات، لاحظت استخدام خرطوم حدائق بدلًا من الدُّش المعطل، في منتصف فصل الشتاء. وفي أحد السجون، الذي احترقت فيه الكافيتريا وسوِّيت بالأرض في أثناء أحد أحداث الشغب قبل عامين، كان الهيكل المحترق لا يزال موجودًا ومتصلًا بالكافيتريا الجديدة. والهيكل المحترق والمتعفن، وكذلك الحوائط المتعفنة للكافتيريا الحالية، كانت مكانًا ملائمًا لعيش الصراصير وغيرها من الهوام. بعض مطابخ السجون صحية نسبيًّا، والبعض الآخر قذر ومثير للاشمئزاز. وعندما سألت أحد السجناء العاملين في مطبخ سجن يفتقر إلى النظافة الصحية عن الصواني المعدنية المُحمَّلة بالشحوم والفضلات التي لاحظت وجودها في المطبخ، أخبرني بأن العمل في الكافيتريا دخله منخفض للغاية ويؤثر سلبًا على علاقة المرء بالآخرين، والسجناء الذين يتولون هذا العمل لا يهتمون بالنظافة والجوانب الصحية.
لاحظت أيضًا وجود الصراصير في أغلب السجون التي زرتها، ولا سيما وحدات العزل التي يُقدَّم فيها الطعام للسجناء في الزنزانات والمهاجع المؤقتة. وفي إحدى وحدات الإجراءات الأمنية المشددة لاحظت استلقاء الرجال على أسرَّتهم في الزنزانات المظلمة والصراصير تزحف فوقهم، وسمعتهم يقولون إن هذا الأمر شائع للغاية على نحو يجعلهم لا يهتمون بإبعادها عن أجسامهم. ولاحظت أيضًا إقامة العديد من السجناء للأشراك وإمساكهم بالعشرات من الصراصير في زنزاناتهم في خلال يوم أو اثنين. علاوةً على ذلك، لاحظت وجود فضلات الحمَام داخل مباني الزنزانات بالسجن حيث تدخل الطيور إلى الزنزانات عن طريق النوافذ المكسورة التي لم يتم إصلاحها.
ومشكلات النظافة الصحية، إلى جانب سوء التهوية والتدفئة غير الملائمة (على سبيل المثال، في مباني الزنزانات المكونة من خمسة طوابق، تكون الطوابق العلوية حارة على نحو لا يُطاق، بينما تكون الطوابق السفلية باردة للغاية في فصل الشتاء)، تعني تأذي السجناء من الرائحة الكريهة الدائمة للمخلفات البشرية والحيوانية، وتعرضهم للخطر المتزايد للعدوى وتفشي الأمراض. ويزيد كل ذلك من الأثر الصادم للحبس. ويصعب على السجين المضطرب انفعاليًّا تحمله.
وفي السجون التي يكون فيها التعداد أعلى بكثير من القدرة الاستيعابية المُقدَّرة للسجن، ينتشر الخمول. ومما يزيد من تفاقم تأثير الازدحام وقف البرامج التعليمية والتأهيلية أو تقليصها، وهو ما حدث أثناء السنوات ذاتها التي حدثت فيها زيادة هائلة في أعداد السجناء. فانخفض عدد الوظائف ذات القيمة في السجون، وتحولت صالات الألعاب الرياضية إلى مهاجع، وقَلَّت مِن ثَم المرافق الترفيهية. وأدى تزايد العنف إلى المزيد من حالات الحبس المشدد وإطالة مدته، مع خرق عدد كبير من السجناء للقواعد وإرسالهم إلى الحبس الانفرادي؛ ما يعني فقدانهم لوظائفهم وإمكانية الوصول إلى الفصول الدراسية والمكتبة والساحة الرئيسية للسجن. تزيل بعض الولايات أيضًا ألعاب الأثقال من ساحات السجون. وبالطبع مع انخفاض أعداد الوظائف ذات القيمة في السجون وبرامج إعادة التأهيل، يقل النشاط التدريبي والإنتاجي للسجناء، ويزداد الخمول، بالإضافة إلى تراجع الأمل في تمكنهم من النجاح في حياتهم بعد الخروج من السجن.
المنطق يخبرنا بأن جميع السجناء يتحملون مدة عقوبتهم في السجن على نحو جيد وتزيد احتمالية نجاحهم في العيش باستقامة بعد إطلاق سراحهم، إذا كان السجن في أثناء فترة بقائهم فيه ذا مساحة ملائمة، وكانوا ينعمون فيه ببعض الخصوصية والتحكم في مستوى الضوضاء الذي يتعرضون له، وكان مستوى النظافة الصحية مناسبًا، وكان هناك عدد معين من البرامج والأنشطة الهادفة. لكن مع الازدحام الشديد، واشتراك السجناء في الزنزانات، والافتقار إلى التحكم في الظروف المادية، وحالة الخمول المفروضة على السجناء، يتعرض عدد أكبر منهم للصدمات، ويعانون من الانهيارات النفسية، وينتحرون. والصدمات، التي يعاني منها السجناء خلف القضبان، تُذكِّرهم أو تحيي فيهم الصدمات العديدة التي تعرضوا لها في مراحل مبكرة من حياتهم. ويجد العديد من السجناء المضطربين عقليًّا صعوبة في الابتعاد عن المتاعب، وينتهي الحال بعدد كبير منهم في إحدى وحدات الحبس المشدد.
(?) الانهيار في الحبس الانفرادي

بحلول منتصف ثمانينيات القرن العشرين، أسفر الازدحام الشديد بالسجون وتوقف البرامج التعليمية والتأهيلية أو تحجيمها عن ارتفاع مستوى الاضطرابات العنيفة والانهيارات النفسية في السجون الأمريكية. وبدلًا من محاولة علاج مشكلتي الازدحام والخمول، اختارت السلطات العقابية بناء وحدات الحراسة المشددة الحديثة أو ما يُعرَف بوحدات الحبس الانفرادي حيث يبقى السجناء، الذين لا يمتثلون للأوامر أو يعبرون عن آرائهم بعنف، ثلاثًا وعشرين ساعة أو أكثر يوميًّا بداخلها، ويستمر ذلك عادةً لسنوات. ويضم حاليًّا واحد وأربعون سجنًا فيدراليًّا وسجنًا بالولايات وحدات حراسة مشددة. ويسفر العزل والخمول الجبريَّان في هذه الوحدات عن ظهور أعراض المرض العقلي الخطير على العديد من النساء والرجال الذين اتسمت حالتهم بالاستقرار في السابق. أما الأفراد الذين يعانون بالفعل من الاضطرابات العقلية، فتكون بيئة العزل أمرًا لا يُطاق بالنسبة إليهم على الإطلاق.
في الوقت نفسه، تودَع نسبة كبيرة من السجناء الذين يعانون من مشكلات نفسية وحدات العزل. بعبارة أخرى، يسيء هؤلاء السجناء التصرف بسبب مرضهم العقلي، لكن نظرًا لعدم خضوعهم للتشخيص والعلاج الملائمَيْن، يُعاقَبون بقضاء مدة في الحبس الانفرادي. وإذا حاولوا الانتحار أو تشويه أنفسهم، يُعاقَبون بقضاء مزيد من الوقت في العزل العقابي، والسبب هو محاولتهم إيذاء أنفسهم على نحو منافٍ للقانون.
(?-?) الاحتفاظ بعقلك في بيئة جنونية

يقع سجن بيليكان باي وسط غابة من أشجار السيكويا عند الحد الساحلي بين كاليفورنيا وأوريجون. وعند قيادة السيارة في هذه الغابة الغنَّاء، يصل المرء فجأة إلى بقعة أرض خالية من الأشجار يقع في منتصفها بناء خرساني ضخم يشبه المستودعات ويحيط به بضع مئات الياردات من الحصى. أخبرني الحراس في هذا السجن أن الهدف من هذا الحصى هو إصدار قدر كبير من الضوضاء عند محاولة أي سجين الهرب أثناء ركضه عليه. ومباني السجن مصنوعة من الخرسانة وقوالب البناء الإسمنتية، بما في ذلك الجدران والأسقف. والنوافذ القليلة صغيرة الحجم لا يمكن فتحها. هذا فضلًا عن حظر تعليق أي شيء على الجدران. شُيِّد هذا السجن في ثمانينيات القرن العشرين ليحل محل وحدات الحبس المشدد، مثل مركز التأديب المشدد في سان كوينتن ووحدات الحبس المشدد بسجني فولسوم وسوليداد.
أحد الهياكل الخرسانية بهذا السجن مُخصَّص للفئة العامة من السجناء. وثمة هيكل آخر يمثل وحدة الحبس الانفرادي؛ وهي وحدة متطورة تتألف من أقسام، كل منها مكوَّن من صفوف تمتد من كبائن التحكم، مثل البرامق الممتدة من قلب العجلة. ويجلس ضباط الأمن في كبائن المراقبة المزودة بنوافذ كبيرة وشاشات فيديو تسمح لهم بمراقبة صفوف الزنزانات والسجناء الذين يشغلونها، مع فتح وغلق الأبواب بالتحكم عن بُعد. هذا فضلًا عن عدم دخول إضاءة طبيعية إلى السجن، وعدم إطفاء الأنوار الصناعية على مدار اليوم. يبدو المكان نظيفًا للغاية وعلى درجة عالية من الفاعلية.
يُسمَح للسجناء — الذين يشغل أغلبهم الزنزانات أزواجًا — بالخروج فُرادى أو أزواجًا في المرة للذهاب إلى أماكن الاستحمام أو إلى المنطقة الصغيرة المغلقة المسماة «الساحة». تخلو هذه الساحة من التراب، ومن أي شيء آخر سوى الأرضيات والجدران الخرسانية؛ فلا تعلوها السماء، وإنما يعلوها سقف بلاستيكي معتم. هذا فضلًا عن احتوائها على عدد قليل من المعدَّات الترفيهية، أو خلوها تمامًا منها. ويفسر ضباط السجون ذلك بأن هذه المعدَّات تزيد من المخاطر الأمنية. ويتناول السجناء وجباتهم في الزنزانات التي يلزم عليهم البقاء فيها ما يقرب من أربع وعشرين ساعة يوميًّا. ويرفض الكثيرون منهم الخروج إلى الساحة في الساعات القليلة التي يُتاح لهم فيها ذلك أسبوعيًّا، ويقضون من ثم مدة أطول في الزنزانات. والتصميم الهندسي للمباني يحد من التواصل البشري. فلا يمكن للسجناء رؤية زملائهم في الزنزانات المجاورة، ولا يمكنهم التحدث مع أي شخص سوى رفاقهم في الزنزانة، على أن يكون ذلك دون صياح. والأسباب التي تدفع الضباط لزيارة الزنزانات قليلة، فيما عدا توصيل الطعام؛ ومن ثم يكون الرواق المواجه لأبواب الزنزانات خاليًا في أغلب الأوقات. ويخلو المكان من الألوان على نحو مخيف في الأنحاء كافة، ليلًا ونهارًا.
يصف لي سجين أمريكي من أصول أفريقية، قضى عامين في وحدة الحبس الانفرادي بهذا السجن، تجربته في المكان قائلًا: أشعر أحيانًا بالقهر، وأُصاب بالارتعاد والعصبية والانفعال إلى أقصى حدٍّ ممكن. في الواقع، أنا لا أسمع أصواتًا، لكنِّي أشعر فقط بأنني عاجز عن التنفس، وبأن الزنزانة تزداد ضيقًا. أفزع، وأشعر بالحصار، ويدق قلبي بقوة، وتتزايد هذه الأعراض بمرور الأيام. أشعر أنني أختنق. وفي اليوم التالي، وقبل أن أدرك ما يحدث، أجد نفسي ألكم زميلي في الزنزانة. إن وحدة الحبس الانفرادي هي التي تتسبب في تعصبي على هذا النحو. لا يوجد شيء مثل هذا في السجون الأخرى. فأنا هنا أشعر أنني في مربًّى للكلاب، في عزلة عن الحياة نفسها. أشعر أنني في تابوت أو قبر [يضع يده على قلبه]، لا توجد أية علامات تدل على الحياة في هذا المكان. في السجون الأخرى، يمكنني أن أرى بعض صور الحياة من النافذة، لكن هنا لا توجد أية نوافذ. وأثَّر ذلك فيَّ على مدار السنوات التي قضيتها هنا؛ وهذا ما يتسبب في حدوث المشكلات بيني وبين زميلي في الزنزانة، فلم أتعرض لمثل هذه المشكلات من قبل في حياتي. هذه البيئة تجعلني عدائيًّا؛ والسبب شعوري بالدونية كإنسان — أسلوب بناء المكان غريب — لم أذهب إلى أي سجن يشبهه من قبل.
في إحدى المرات التي ذهبت فيها لزيارة طبيب العيون، خرجت من المكان. وشعرت بأنني ولِدت من جديد، انظر، أنا حي! لكنني عندما عدت، شعرت بالاكتئاب والحزن. في السجن الآخر، كنت أشعر بالسعادة لكوني حيًّا بالرغم من الحبس. أما هنا، فأنت لا ترى أي شيء على الإطلاق سوى القوالب الخرسانية فحسب. ولا ترى الشمس، حتى في الزنزانة لا يمكنك رؤية ضوء الشمس. في حقيقة الأمر، لا يوجد أي مظهر من مظاهر الحياة. وأعتقد أن للأسلوب الذي بُني به المكان أثرًا نفسيًّا على السجناء؛ إذ يصاب الكثيرون منهم بالجنون. ووحدة التحكم في العنف ممتلئة بهؤلاء المجانين [وحدة التحكم في العنف هي قسم بوحدة الحبس الانفرادي يُضاف إليها باب بلاستيكي بالجانب الخارجي من باب الزنزانة لمنع البصق وإلقاء الأشياء، وربما أيضًا لكتم صوت السجين داخلها]. ويؤثر هذا الأمر في أنفسهم تأثيرًا حادًّا، فتثور ثائرتهم. ومن بين الأمور العديدة التي لم أرها في السجون الأخرى شجارات الزنزانات. فلم أرَ من قبل هذا الكم الكبير منها؛ وذلك بسبب زيادة عدد السجناء الغاضبين هنا. إن تصميم المكان هنا يجعل كل تركيز السجين منصبًّا على زميله بالزنزانة؛ ومن ثم تحدث الشجارات. فأنت لا ترى الشمس … لم أرَ شجارات زنزانات مثل الشجارات التي تحدث هنا؛ إن السجناء يتعرضون هنا لإصابات خطيرة نتيجة لذلك.
هذا الرجل ثاقب الفكر إلى حدٍّ بعيد ويتمتع بقدر كبير مما يسميه الأطباء السريريون «قوة الأنا»، وهي المتطلب الضروري للنجاة في بيئة قاسية بقدر قسوة وحدة الحبس الانفرادي في سجن بيليكان باي. ولا أعتقد أنه مصاب بالذهان، بالرغم من معاناته من اضطراب هلع حاد للغاية. تخيل ما يمكن أن يحدث لسجين آخر لا يملك قوة الأنا التي يتمتع بها هذا الرجل، وغير قادر على الحفاظ على تواصله مع الواقع في ظل هذه الدرجة من التوتر.
(?-?) متلازمة وحدة الحبس الانفرادي

إن أي سجين يوضَع في بيئة ضاغطة مثل وحدة الحراسة المشددة — سواء أكان لديه استعداد خاص للانهيار العقلي أم يبدو عليه أنه عاقل تمامًا — يبدأ في النهاية في فقدان تواصله مع الواقع وتظهر عليه علامات التدهور النفسي وأعراضه، حتى إن لم تؤهله هذه الأعراض لتشخيص الإصابة بالذهان. كتب لي سجين انتقل مؤخرًا إلى وحدة الحبس الانفرادي في سجن بيليكان باي ما يلي: «لقد بدأت يا عزيزي في التحدث مع نفسي، وشعرت بالخوف وضحكت بصوت عالٍ، وبدأت أفكر في أنه لا بأس من أن أردَّ على نفسي، أم هل ينبغي عليَّ أن أتحدث فقط؟» يتحدث أغلب السجناء الذين التقيت بهم في وحدات الحبس الانفرادي عن عجزهم عن التركيز، وزيادة توترهم، وإصابتهم بالتوهان المتقطع والارتباك، ومعاناتهم الأوهام، ونزعتهم للانفجار في وجه أقرب شخص منهم عند وصولهم إلى «نقطة الانهيار».
فحص الطبيب النفسي ستيوارت جراسيان عددًا كبيرًا من السجناء في أثناء إقامتهم في وحدات الحبس الانفرادي المنعزل، واستنتج أن هذه الوحدات — شأنها شأن بيئات الحرمان الحسي التي تمت دراستها في ستينيات القرن العشرين — تؤدي عادةً إلى الذهان. حتى السجناء الذين لا يصابون صراحةً بالذهان يبلغون عن إصابتهم بعدد من الأعراض المشابهة للذهان، بما في ذلك التوتر مجهول السبب، وفرط الاستجابة للمثيرات الخارجية، والتشتت الإدراكي والهلاوس، والشعور بالأوهام، والصعوبة في التركيز والتذكر، وحالات الارتباك الحادة، وظهور التخيلات العدائية الأولية، وأوهام الاضطهاد، والإثارة الحركية، والانفعالات الهدَّامة العنيفة والمشوهة للذات، والتراجع السريع في الأعراض عند انتهاء العزل. وأطلق جراسيان على هذه المجموعة من الأعراض «متلازمة وحدة الحبس الانفرادي».5 لا يُستثنَى من هذه المعاملة القاسية السجينات. فوحدة الحبس الانفرادي الخاصة بالسيدات في لكسينجتون بولاية كنتاكي كانت وحدة عزل صغيرة تحت الأرض أدارها مكتب السجون الأمريكي مدة عامين. وأُغلِقت في أغسطس عام ???? استجابةً للاحتجاجات الدولية ضد انتهاكات حقوق الإنسان التي كانت تُمارَس في هذه المنشأة. لكن الحكومة الفيدرالية فتحت وحدة مماثلة في فلوريدا، بالإضافة إلى فتح العديد من الولايات الأخرى مثل كاليفورنيا لوحدات حراسة مشددة للسجينات أيضًا. وعلاوةً على كل صور التوتر التي يتعرض لها السجناء الذكور في ظل ظروف مشابهة، تواجه السجينات الإناث في وحدات الحراسة المشددة6 استراق النظر الدائم إليهن والتحرش الجنسي بهن على يد موظفي السجن الذين يكون أغلبهم من الذكور. وقد لاحظ الطبيب النفسي ريتشارد كورن أعراضًا مشابهة تمامًا للأعراض التي ذكرها جراسيان عند السيدات غير المصابات بالذهان والمجبرات على الخضوع لحبس انفرادي طويل المدى في وحدة الحبس الانفرادي في لكسينجتون. وتضمنت قائمة الأعراض التي ذكرها ريتشارد كورن رُهاب الأماكن المغلقة، والتفاعل الغاضب المزمن، والاكتئاب المكبوت البسيط إلى الحاد، وظهور أعراض الهلوسة، والانسحاب النفسي الدفاعي، وبرود المشاعر، وفقدان الشهية، والتوعك العام، وتفاقم المشكلات الصحية الموجودة سلفًا، والاضطرابات البصرية، وخفقان القلب. ثمة أهمية لما إن كان سجين الحبس الانفرادي متعلمًا أو لا. فعدد كبير من السجناء لم يكملوا دراستهم الثانوية، و?? بالمائة منهم يعانون من الأمية الوظيفية7 (بمعنى أنهم — على سبيل المثال — لا يستطيعون كتابة خطاب يوضحون فيه خطأً ما في إعداد الفواتير). وتبلغ هذه النسبة ضعف نسبة الأمية الوظيفية على المستوى القومي. وتسمح بعض وحدات الحبس ذات الحراسة المشددة بالمذياع والتلفاز، لكن السجين يجب أن يكون قادرًا على شراء أحد هذه الأجهزة أو تأجيرها. وحتى إن فعل ذلك، فقد يُسحَب منه الجهاز لانتهاكه قواعد الانضباط. ولك أن تتخيل قضاء نحو أربع وعشرين ساعة يوميًّا في زنزانة دون أي تفاعلات اجتماعية، ودون مذياع أو تلفاز. ويخبرني الكثير من السجناء أن القراءة والكتابة هما النشاطان الوحيدان المتاحان لهم بجانب التمرينات الرياضية. فإذا كان السجين غير قادر على القراءة أو الكتابة، فما الذي يمكنه فعله؟ يدفع الملل الكثير من السجناء إلى الخبل، إن لم يكن إلى ذهان واضح. (?-?) العقوبة غير العادية

ما إن يُصنَّف السجين المريض عقليًّا على أنه مثير للمشكلات ويُصدِّق موظفو الصحة العقلية على الحالة حتى يتلو ذلك انتهاكات رهيبة. فيودع هؤلاء السجناء أقسام العزل والحبس الانفرادي في السجون حيث يُحرَمون من معظم صور التعبير عن النفس. ويبدأ بعضهم في الصياح، أو الدخول في شجارات، أو إلقاء الفضلات البشرية على بعضهم البعض أو على الحراس. وعند تطرف تصرفات أحد الطرفين، يُظهِر الطرف الآخر على الأرجح تطرفًا أيضًا. فيطبق الضباط عمليات إخراج السجناء بالقوة من زنزاناتهم، وهو إجراء وحشي يُخرَج فيه السجناء المتمردون من زنزاناتهم بالقوة.
وتحدث عمليات إخراج السجناء بالقوة في الحبس المشدد ووحدات الحراسة المشددة أو في مباني الزنزانات التي يخضع فيها السجناء المصابون بأمراض عقلية للحبس الانفرادي المشدد. وعندما يرفض أي سجين في هذه الأماكن اتباع أي أمر أو يصبح شرسًا، يقتحم خمسة ضباط أو ستة يرتدون الخوذات وملابس مبطنة عند الأطراف وسُترات مضادة للرصاص الزنزانة وراء دروع من البلاستيك المقوى، ويُثبِّتون السجين المتمرد قبالة الحائط، ثم يكبلونه بالأصفاد ويخرجونه من زنزانته. ومن واقع مراجعتي للعديد من التقارير عن هذه الأحداث، تُساء معاملة السجين عادةً، وعلى نحو شديد في بعض الأحيان؛ الأمر الذي يؤدي في النهاية بكثير من الحالات إلى دخول السجين المستشفى مصابًا بعدة إصابات.
لقد راجعت المئات من تقارير أحداث إخراج السجناء من الزنزانات بالقوة في السجون بالعديد من الولايات الأمريكية. وفي تقارير الأحداث، توجد مساحة مخصصة للضابط كي يكتب فيها السبب الذي أدى إلى استدعاء فريق إخراج السجين بالقوة. وفي التقارير التي راجعتها، كان السبب الأكثر شيوعًا هو رفض السجين الامتثال لأوامر الخروج من زنزانته. ومن الأسباب المتكررة أيضًا رفض السجين إعادة صينية الطعام الخاصة به. ولك أن تتخيل الموقف: الضابط يقول للسجين عبر قضبان الزنزانة: «تعالَ إلى هنا وضع يدك في الأصفاد!» فيجيب السجين المضطرب عقليًّا: «لن آتي إليك بأي حال من الأحوال ولن أعطيك فرصة الانقضاض علي!» فيحذر الضابط السجين ويستدعي فريق إخراج السجناء بالقوة من الزنزانات.
يكون السجين محبوسًا بالفعل في الزنزانة؛ ما يدفع للتساؤل عن ضرر الانتظار حتى يصير السجين أقل مقاومة أو استدعاء طبيب نفسي ليرى هل كان بإمكانه إعادة المريض العقلي المتمرد إلى رشده؟ يمكن أيضًا للضباط التفكير في طلب إعادة السجين للصينية كي يتمكن من الحصول على الطعام مرة أخرى. لكن يبدو الأمر وكأن الضباط يتعجلون في تنفيذ عمليات إخراج السجناء بالقوة من زنزاناتهم. ففي ليلة واحدة في شهر يونيو عام ????، شهد سجن بيليكان باي بكاليفورنيا أكثر من خمسين عملية إخراج للسجناء بالقوة من الزنزانات!
في أحيان كثيرة قبل أن يدفع فريق إخراج السجناء بالقوة السجين، يطلقون عليه سهم صدمات كهربائية من بندقية يظل السهم متصلًا بها عن طريق سلك رفيع. وعند اتصال السهم بجسم السجين، يُرسل شحنة كهربائية تفقد السجين وعيه. والسجناء المصابون بأمراض عقلية في هذه الظروف يكونون أول مَن يبدءون في الصياح وتراشق الغائط، وتزيد نسبتهم بين السجناء الذين يُطلَق عليهم سهام الصدمة الكهربائية ويُخرَجون من الزنزانات بالقوة.
وقد وقعت حالات وفاة نتيجة للصدمات الكهربائية بين السجناء الذين يحصلون على أدوية ذات تأثير نفسي. فمن الآثار الجانبية لعقاقير الأمراض النفسية تَغيُّر التوصيل الكهربائي في القلب وخفض عتبة النوبات لدى المرء. فكل فرد لديه عتبة للنوبات، وهي مقدار النشاط الكهربائي في المخ الذي يؤدي إلى نوبات الصرع الكبيرة. والأدوية، مثل ثورازين وهالدول ومضادات الاكتئاب، معروفة بأنها تخفض هذه العتبة، ويمكن أن تتسبب أيضًا في اضطراب نبض القلب؛ ومن ثم، فإن السجين الذي يحصل على أدوية للعلاج النفسي تزيد احتمالية إصابته بالنوبات أو معاناته من عدم انتظام ضربات القلب مقارنةً بالسجناء الآخرين عند تعرضه للصدمات الكهربائية. وهذه التطورات قد تؤدي إلى الوفاة، ولا سيما إذا لم تكن الاستجابة للعقَّار مثالية.
تعددت حالات الوفاة نتيجة للصدمات الكهربائية بين السجناء الذين يحصلون على أدوية لعلاج الأمراض النفسية قبيل قضية جيتس ضد دوكماجين عام ????، وهي دعوى جماعية تتعلق بجودة الرعاية الطبية والنفسية وعلاج السجناء المصابين بمرض الإيدز في مرفق الرعاية الطبية في كاليفورنيا بمدينة فاكافيل. وفي أثناء شهادتي كخبير في هذه القضية، أوضحتُ آليةَ الوفاة نتيجة للصدمات الكهربائية، وسبب زيادة خطر حدوث ذلك لدى المرضى المصابين بأمراض نفسية. فأصدر القاضي حكمًا بعدم استخدام الصدمات الكهربائية مع أي سجين يحصل على أدوية لعلاج الأمراض النفسية. واعتقدتُ أن هذه نهاية المشكلة.
لكن بعد بضعة أعوام من حكم القاضي، عرفت من محامي بعض السجناء أن موظفي السجون لم يعودوا يستخدمون الصدمات الكهربائية في أثناء عمليات إخراج السجناء المصابين بأمراض نفسية من الزنزانات بالقوة. لكنهم صاروا يستخدمون بدلًا منها أسلحة مكافحة الشغب، وهي أسلحة قذائف تشبه البنادق وتطلق أسطوانات مطاطية فئة ??ملم. وعند استخدام قوات الشرطة لهذه الأسلحة في المظاهرات، يطلقون القذائف منها على حشد من الناس من على مسافة خمسين أو مائة قدم. أما في السجن، فيطلقون القذائف منها على السجين أو يوجهونها بحيث تصيبه بعد ارتدادها من أحد الجدران في حدود زنزانة تبلغ مساحتها ستة أقدام في ثمانية. ولقد طُلِب مني حضور جلسة استماع رسمية لتقديم رأيي في هذا الإجراء.
أوضحت في هذه الجلسة أن استهداف أي سجين من هذه المسافة القريبة باستخدام سلاح لمكافحة الشغب يؤدي إلى خطر الوفاة نتيجة لصدمة بدنية. على سبيل المثال، يؤدي ضرب شخص ما على الرأس أو في العين أو حتى في البطن إلى زيادة خطر التعرض لإصابة بالرأس أو للعمى أو تمزق الطحال على الترتيب. وهذا النوع من إطلاق القذائف يؤدي بلا شك إلى ضرر انفعالي ويزيد من سوء حالة السجين الذي يعاني من اضطرابات نفسية. على سبيل المثال، السجين الذي يعاني من الأوهام سيُدمج هذا الإطلاق للنيران عليه في نظام الأوهام لديه، ويشعر بمزيد من الارتياب والغضب، ويكون من ثم أكثر عرضة لمزيد من التدهور الانفعالي. وحتى إذا هدأ مباشرةً بعد إفقاده وعيه باستخدام القذيفة المطاطية، فسيسفر الغضب الشديد وجنون الارتياب المتزايد عن سوء اضطرابه النفسي وتوقعات سير المرض لديه. حتى السجناء غير المصابين بجنون الارتياب يعانون أيضًا من الصدمة. ولقد أشرت في الجلسة إلى تحدثي إلى العديد من السجناء الذين تمَّ إخراجهم من زنزاناتهم على هذا النحو، وكانوا يعانون من توارد التجارب السابقة القاسية على الذهن والكوابيس والأرق ونوبات الهلع. وشبَّهت عمليات إطلاق القذائف وإخراج السجناء بالقوة من الزنزانات بالعلاج القاسي الذي كان يخضع له السجناء في مستشفيات الأمراض العقلية التي اتسمت بالرعب والتعذيب في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن العشرين.
(?-?) انهيار السجناء المصابين بأمراض عقلية إثر الإجهاد

في حالة عدم وجود أمر محكمة يحظر على وجه التحديد إيداع السجناء المصابين بأمراض عقلية في وحدات الحبس الانفرادي، يتم إيداع عدد كبير منهم في هذه الوحدات بالفعل. ولقد أخبرني الطبيب النفسي الذي يعمل في وحدة الحبس الانفرادي بمؤسسة واباش فالي العقابية في إنديانا بأن نحو ?? بالمائة من السجناء الذين يبلغ عددهم نحو ??? سجين في هذه الوحدة يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة. وهذه النسبة الكبيرة ليست مصادفة. فكما أوضحت في الفصل الأول، ثمة حلقة مُفرَغة تؤدي إلى وصول عدد كبير من السجناء المضطربين إلى الحبس المشدد العقابي ومن ثم إلى وحدة الحبس الانفرادي.
علاوةً على ذلك، فإن الظروف التي تؤدي إلى إصابة السجناء الأصحاء نسبيًّا بمتلازمة وحدة الحبس الانفرادي تسفر عن انهيارات ذهانية لدى السجناء الذين لديهم تاريخ من الاضطرابات العقلية الخطيرة، أو لدى السجناء الذين لم يعانوا من قبل من أي انهيار لكنهم عرضة له عند زيادة التوتر والصدمات بدرجة بالغة. وبالتدقيق في قائمة الأعراض التي وضعها جراسيان، أذهلني التشابه بينها وبين أعراض الفصام وغيره من الحالات الذهانية الأخرى. وحتى السجين الذي لديه أنا قوية بما فيه الكفاية للنجاة في الحبس الانفرادي من دون انهيار، يُبلِغ عادةً عن عرض أو أكثر من أعراض متلازمة وحدة الحراسة المشددة. لكن العديد من السجناء يعجزون عن الحفاظ على سلامتهم العقلية في ظل هذه البيئة القاسية.
في جولة قمت بها عام ???? في مركز ميشيجان للبرامج المركزة في مقاطعة ماركيت، سرت في طابق يحتوي على ستة عشرة زنزانة تضم بعضًا من أكثر السجناء صعوبة في التحكم بهم. وفي هذه الوحدة، كانت الأبواب تُفتَح وتُغلَق بالتحكم عن بُعد من محطة الحراس، لكن بدلًا من استخدام شاشات الفيديو لمراقبة أنشطة السجناء، كان الحراس يسيرون في ممشًى فوق الزنزانات وينظرون إلى السجناء من فوق. وكان الهدف من هذا التصميم الهندسي للمكان هو الحد من التواصل بين الحراس والسجناء. وغرابة هذه الوحدة تحديدًا اتضحت بمجرد دخولنا «الطريق الحر» بين الزنزانات. فقد أقام جميع السجناء حواجز خلف القضبان أمام الزنزانات. وعند سيري في الطابق وتحدثي مع العديد من السجناء المقيمين فيه، بدأت أظن أن الكثير من السجناء في هذا الطابق يعانون من حالات ذهان حادة.
كان هناك سجين في ذلك المركز منفعلًا للغاية ويصيح بكل قوته متحدثًا عن مكيدة يدبرها الحراس والمخبرون والعملاء الفيدراليون لحرمانه من رجولته. فتحدثت مع السجين الموجود في الزنزانة المقابلة مباشرةً لزنزانة هذا الرجل الغاضب، وسألته عن سبب إقامته حاجزًا من الورق المقوى والشراشف لتغطية واجهة زنزانته. فأوضح لي أن السجين الذي كان يصرخ غالبًا ما كان يلجأ إلى قذف «المادة البرتقالية» (كوب أو زجاجة مليئة بمزيج من البول والبراز) على أية زنزانة غير مغطاة بالحواجز. ونظرًا لوجود العديد من السجناء المصابين بالذهان في هذا الطابق، ولأن العرف السائد يفرض الانتقام في حالة الهجوم، صار قذف «المادة البرتقالية» عملًا روتينيًّا يوميًّا، حتى للسجناء العاقلين. وبالمثل، في جميع وحدات الحراسة المشددة التي تجولت بها، يُعَد التراشق بالغائط أمرًا شائعًا، ومن الصعب على الطبيب النفسي نفسه تحديد السجناء المصابين حقًّا بالذهان بين أولئك الذين يتراشقون بالغائط.
من الخصائص الأخرى لمتلازمة وحدة الحراسة المشددة اختفاء الأعراض بمجرد خروج السجين من البيئة القاسية التي يوجد فيها. ولقد لاحظت هذه الظاهرة عند التقائي بسجين واحد مرتين، مرة في وحدة الحراسة المشددة بسجن بيليكان باي في يناير عام ????، ومرة أخرى في بيئة أقل قسوة بكثير، وهي مرفق الرعاية الطبية بكاليفورنيا في مدينة فاكافيل. في سجن بيليكان باي، كان السجين يعاني من ذهان حاد ويحصل على جرعة زائدة من الأدوية المضادة للذهان. كان واضحًا أن هذا الرجل الأبيض الأشعث النحيل ذا الشعر الطويل يهلوس في أثناء لقائي الأول معه في وحدة الحراسة المشددة، ولم يستطع التركيز أو التفكير بوضوح. لكنه أظهر نوعًا من الحديث المتداخل غير الواضح، ونوعًا من الإرهاق البدني، وهما أمران يصاحبان الجرعة الزائدة من الأدوية المهدئة أو مضادات النوبات المنظمة للحالة المزاجية (وقد كان يأخذ هذين النوعين من الأدوية). أخبرني ذلك السجين بأنه لا يأكل كثيرًا خشية أن يكون هناك من يحاول تسميمه — بعبارة أخرى، ظل يعاني من الأوهام بالرغم مما يحصل عليه من أدوية — لكنه كان ينام معظم اليوم بسبب الآثار الجانبية للأدوية. ومع ذلك، بدا في نظري منفعلًا للغاية، مع نظرة محدقة لم أرها إلا في الحالات الحادة للغاية من الذهان. وفي تلك المرة بدا عليه نوع من التشتت في التفكير، وهو أحد أعراض الفصام الرئيسية. وعندما رأيته في المرة الأولى في شهر يناير عام ????، كان قد مر على وجوده في وحدة الحراسة المشددة نحو ستة أشهر، وكان من المفترض أن يظل فيها بضعة أشهر أخرى.
أما في لقائنا الثاني في مرفق الرعاية الطبية في أكتوبر عام ????، بدا هذا الرجل أقل اضطرابًا، وقال لي إنه استمتع بوجوده في مكان مخصص للمرضى الخارجيين المصابين بأمراض نفسية. ولم يبدُ عليه أي انفعال، كما لم تكن نظرته غريبة، ولم يبد عليه أيضًا أنه يحصل على كمية كبيرة من الأدوية. راجعت ملفه الطبي واكتشفت أنه كان يحصل على جرعات أقل بكثير من الأدوية المضادة للذهان مقارنة بما كان يُوصف له عندما كان في وحدة الحراسة المشددة. ومن خلال مقابلتي مع هذا الرجل مرة أخرى في بيئة أقل قسوة، اتضح لي أن بيئة وحدة الحراسة المشددة أدت إلى تفاقم حالته الذهانية، وأنه في أثناء وجوده في هذه الوحدة ظلت جرعات الأدوية التي يحصل عليها تزداد باستمرار في محاولة للتكيف مع الأعراض الناتجة عن التوتر الذي كان يتعرض له. وأسفرت الجرعات العالية من الأدوية في وحدة الحراسة المشددة عن آثار جانبية لديه، من بينها النعاس والكلام المتداخل. بعد بضعة أشهر من زيارتي له في شهر يناير، نُقل هذا السجين إلى مرفق الرعاية الطبية (بعد قضائه عامًا في الحبس الانفرادي) وسُمِح له بالخروج من زنزانته للاندماج الاجتماعي مع الآخرين تحت المراقبة. وفي هذه البيئة الأكثر ألفة، تراجعت الأعراض التي كان يعاني منها بوضوح، واستطاع الاعتماد على كمية أقل من الأدوية، وكان ذلك السبب وراء تحسن حالته العقلية تحسنًا كبيرًا عند التقائي به للمرة الثانية.
•••

ذكرتُ ثلاثة أسباب مهمة وراء معاناة العديد من السجناء من اضطرابات نفسية خطيرة؛ وهي: الصدمات السابقة في حياتهم، والازدحام وغيره من ظروف السجن القاسية، والحبس في وحدات الحراسة المشددة التي تؤدي إلى الإصابة بالذهان. وفي العديد من أسوأ حالات الاضطراب العقلي التي رأيتها، تجتمع هذه العوامل الثلاثة. فالسجين الذي يعاني من اضطراب عقلي خطير في وحدة الحراسة المشددة يصرح عادةً بتعرضه لصدمة في مرحلة مبكرة من حياته، وبعجزه عن تحمل الحياة في سجن مزدحم دون أن يخرق القواعد أو يدخل في مشاحنات، ويصرح كذلك بإثارة الظروف القاسية للحبس الانفرادي لأعراض أكثر خطورة لديه وتسببها في المزيد من سوء سلوكه الناجم عن شعوره باليأس، بل وفي زيادة مدة بقائه في الحبس الانفرادي.
والسجناء الأقل قدرة على تحمل الصدمات يزداد تعرضهم لها عادة، وتكون النتيجة — لدى عدد صادم من الحالات — هي العجز والانهيار النفسي الحاد. ويزداد الضرر الذي يتعرض له الفرد عندما تكون خدمات الصحة العقلية غير مناسبة. وفي الفصل التالي، سوف أناقش الانخفاض الحاد في مستوى جودة خدمات الصحة العقلية في معظم السجون.

الفصل الثالث
فشل برامج الصحة العقلية الحالية


في الوقت الذي تزايدت فيه أعداد السجناء بسرعة البرق في العقود الأخيرة، وزادت نسبة السجناء الذين يعانون من اضطرابات عقلية حادة ومزمنة بمعدل سريع أيضًا، لم تشهد ميزانية خدمات الصحة العقلية في المؤسسات العقابية زيادة سريعة تكافئ ذلك؛ مما أسفر عن وجود العديد من المرضى المصابين باضطرابات عقلية ويحصلون على أدوية لعلاج الأمراض النفسية، لكنهم لا يخضعون للرقابة الملائمة ولا يحصلون على أيٍّ من العلاجات المساعدة المعروف عنها أنها ضرورية لتحقيق مستوى الفعالية المرغوب من الأدوية النفسية.
في إطار استعدادي لتقديم شهادتي كخبير في قضية كولمان ضد ويلسون، وهي دعوى قضائية جماعية أقامها عام ???? مجموعة من السجناء بكاليفورنيا، يدعون فيها حرمانهم من المستوى الملائم من خدمات الصحة العقلية؛ التقيت بسجين يعاني من اضطراب عقلي من الفئة العادية من السجناء في سجن بيليكان باي. وقد وصفتُ «السجين رقم ???» (إذ كان يُعيَّن للسجناء أرقام من أجل السرية) في إقرار خطي1 قائلًا: أخبرني السجين رقم ???، الذي بدا لي مؤرخًا موثوقًا، بأنه يرغب في الانضمام إلى أحد برامج علاج الصحة العقلية. وقال لي إن السبب الوحيد وراء إرساله إلى سجن بيليكان باي هو تلقيه استمارات ??? (استمارات تأديبية) بعد محاولات الانتحار التي أقدم عليها، ولولا ذلك لكان مؤهلًا لمستوًى أمني أقل، وربما كان سيُرسَل إلى مؤسسة يمكنه أن يتلقى فيها علاجًا للصحة العقلية [إذ كاد يخلو سجن بيليكان باي من أي علاج نفسي آنذاك].
وفي أثناء الشهرين اللذين قضاهما السجين رقم ??? في سجن بيليكان باي، تقدم بطلبين لمقابلة الطبيب النفسي، لكنه لم يكن قد التقى به عند لقائي معه، ولم يتلقَّ أيضًا أي أدوية ذات تأثير نفساني. ونتيجة لذلك، كان يسمع أصواتًا في رأسه ويشعر بارتياب وذعر شديدين. فسر ذلك بأنه يظل في زنزانته معظم الوقت؛ لأن ذهنه يتشتت، الأمر الذي يزيد من ضعفه وسرعة تأثره. فيقول لي: «بالأمس لم أسمع صياح أحد الحراس وهو يأمرني فيه بالانبطاح أرضًا، وكدت أموت رميًا بالرصاص.»
كانت أنشطته الحياتية محدودة للغاية، فكان يأكل وجبة واحدة فقط يوميًّا في غرفة تناول الطعام؛ لخوفه من الوجود مع السجناء الآخرين، ويظل في زنزانته قدر الإمكان، ولم يكن يتلقى أي علاج من أي نوع. ومن المعلوم أن ما أظهره السجين رقم ??? من عزلة اجتماعية وأعراض مرضية لا تخف حدتها هو أمر مدمر للغاية لأي شخص يعاني من اضطرابات عقلية. كان بحاجة بدلًا من ذلك إلى علاج قوي، وبيئة أكثر أمانًا، قد يشعر فيها بتمكنه من التوقف عن عزل نفسه والبدء في الاندماج مع الآخرين، وتعلم المهارات الضرورية لحياته اليومية من أجل التكيف مع حياته في السجن وحياته بعد خروجه منه.
يحاول بعض السجناء الذين يعانون من اضطرابات عقلية التكيُّف مع عموم السجناء وتجنب التعرض للإيذاء. ويميل البعض الآخر للانتحار. وهناك عدد كبير أيضًا من السجناء يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة، لكنهم لا يتلقون اهتمامًا أبدًا من موظفي الصحة العقلية. ويحيون في زنزاناتهم حياة بلادة وخمول أو يتورطون مرارًا وتكرارًا في مشاحنات، وتكون النتيجة قضاء مدة في الحبس المشدد العقابي حيث تزداد حالتهم تدهورًا. وهناك عدد أقل من السجناء الذين تتدهور حالتهم إلى مرحلة يصيرون معها ذُهانيِّين أو انتحاريين على نحو سافر، ويُنقَلون إلى مؤسسة علاج نفسي مكثف.
لقد وجدت أن موظفي العلاج الطبي والصحة العقلية في السجون يتسمون بالضمير الحي والمهنية بوجه عام، لكن ليس أمامهم الكثير الذي يمكنهم فعله لأغلبية السجناء المصابين باضطرابات عقلية؛ لذا، فإنهم يركزون على نسبة صغيرة من السجناء المضطربين الذين يمكنهم التعرف عليهم وتقديم بعض العلاج لهم، ويتعلمون التعايش مع أوجه القصور في البرنامج. ويعاني الكثير من موظفي العلاج من الإنهاك؛ فإما يتركون العمل بالطب النفسي داخل المؤسسات العقابية وإما تزداد لديهم حالة اللامبالاة بما يواجهه السجناء من محن. وبدلًا من الدفاع عن احتياجات مرضاهم العلاجية عندما يأمر موظفو الأمن برد فعل عقابي شديد على خرق المرضى المضطربين للقواعد، يتوقفون عن الاعتراض ويبدءون في اتباع توجيهات موظفي الأمن دون تفكير، أو يغضون الطرف عن أي تصرف يقوم به موظفو الأمن تجاه السجين مما يعتبره هؤلاء المعالجون مضادًا للعلاج أو غير إنساني.
وبالرغم من وجود معايير لتقييم جودة خدمات الصحة العقلية خلف القضبان، لا يوفر سوى عدد قليل جدًّا — هذا إن وُجد — من المؤسسات المستوى الملائم من الخدمات العلاجية. فرعاية الصحة العقلية في معظم السجون تعاني من قصور شديد. والنتيجة المأساوية لذلك هي ضم تلك السجون لعدد كبير من السجناء المصابين باضطرابات عقلية، الذين يظلون محبوسين في زنزاناتهم ويحصلون على الأدوية.
(?) جودة رعاية الصحة العقلية

لقد وضِع حد أدنى للمعايير في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية لخدمات الصحة العقلية داخل المؤسسات العقابية. ومعظم أنظمة السجون — ولا سيما في العشرات من الولايات التي رفع ضدها سجناء قضايا تثبت انتهاكات لحقهم الدستوري في الحصول على مستوًى ملائم من الرعاية الصحية العامة ورعاية الصحة العقلية — تحاول الامتثال لهذا الحد الأدنى من المعايير. لكن في جميع أنظمة السجون التي أجريت تحقيقات فيها، لا تقدم خدمات الرعاية الصحية الحد الأدنى المقبول من مستوى الرعاية لعدد كبير من السجناء المصابين باضطرابات عقلية، الذين يحتاجون إلى اهتمام من أطباء نفسيين. لا يُلتفت كثيرًا إلى مسألة التعرف على السجناء المصابين باضطرابات عقلية، كما يتعذر كثيرًا على المرضى العقليين الحصول على الخدمات العلاجية اللازمة من الوحدات العلاجية الداخلية بالسجون، بالإضافة إلى وجود ثغرات هائلة في «مستويات الرعاية المتوسطة».
(?-?) الحد الأدنى من معايير الرعاية

في قضية رويس ضد إستيل، وهي دعوى جماعية يعود تاريخها إلى عام ????، قاضى سجناءُ تكساس الولايةَ؛ لانتهاك حقوقهم الدستورية بحبسهم في ظروف شديدة القسوة وحرمانهم من الرعاية الملائمة للصحة العقلية. فصاغت المحكمة الإقليمية الفيدرالية ستة عناصر للحد الأدنى الملائم من برنامج رعاية الصحة العقلية، وهي: (?) إجراء فحص منتظم.
(?) توفير علاج يتضمن ما هو أكثر من العزل والإشراف.
(?) توفير علاج يشمل عددًا كافيًا من اختصاصيي الصحة العقلية لتقديم الخدمات على نحو ملائم لجميع السجناء الذين يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة.
(?) الاحتفاظ بسجلات سريرية سرية ملائمة.
(?) وضع برنامج للتعرف على السجناء ذوي الميول الانتحارية وعلاجهم.
(?) حظر وصف الأدوية ذات الخطورة المحتملة دون مراقبة ملائمة.
وقد شهدت ولايات أخرى أيضًا دعاوى قضائية مماثلة. وتنشر كلٌّ من اللجنة الوطنية للرعاية الصحية داخل المؤسسات العقابية ووزارة العدل الأمريكية والجمعية الأمريكية للصحة العامة الحد الأدنى المُحدَّث لمعايير2 توفير خدمات الصحة العقلية في المؤسسات العقابية. وتفرض هذه المعايير عناصر العلاج، مثل الفحص والتقييم، والتدخل في الأزمات، والخدمات العلاجية داخل السجن، والخدمات العلاجية في المستشفيات، والاستخدام المناسب للعزل والاحتجاز، والسياسات المتعلقة بالأدوية الإجبارية، وبرامج منع الانتحار، وتدريب الموظفين غير السريريين على أساسيات منع الانتحار ورعاية الصحة العقلية، وتقييم الأقران، وحفظ السجلات، وما إلى ذلك. وقد تم تحديد مستوى الرعاية الذي تأمر به المحاكم وتنص عليه المعايير المنشورة بحيث يقترب من «مستوى الرعاية في المجتمع». ولا شك أنه مع استمرار خفض ميزانيات الصحة العقلية العامة، قد يزعم البعض أن مستوى الرعاية في المجتمع قد تدهور في السنوات الأخيرة. بل ويذهب آخرون أيضًا إلى الاعتقاد أن الرعاية التي يتلقاها السجناء داخل المؤسسات العقابية أفضل من الرعاية التي يحصل عليها ذوو الدخول المنخفضة والمشردون في المجتمع. لكن هذه ليست الحقيقة. ففي المجتمع، حتى إن كانت رعاية الصحة العقلية الجيدة غير متوافرة للجميع، فإن كل فرد حر في الْتِماس خدمة علاجية ذات جودة أعلى في مؤسسة علاجية أخرى أو حتى في مدينة أخرى. لكن السجين، على النقيض من ذلك، لا يمكنه الْتِماس خدمات العلاج في مكان آخر عندما يكون غير راضٍ عنها. علاوةً على ذلك، فنحن غير مدربين كمتخصصين على ممارسة نوع معين من الرعاية مع المرضى الذين يمكنهم تحمل تكاليف العلاج الجيد ونوع آخر أقل جودة مع المرضى المعوزين. فثمة معيار للرعاية الملائمة ينطبق على جميع الطبقات، بغض النظر عن خفض نفقات مؤسسات الصحة العقلية الحكومية.
من الصعب التعميم بشأن برامج الصحة العقلية داخل المؤسسات العقابية. فكلٌّ منها له نقاط قوة ونقاط ضعف. وفي كل أنظمة الصحة العقلية داخل المؤسسات العقابية التي أجريت دراسات عليها، كان هناك مسئولون إداريون وأطباء سريريون أكفاء وحسنو النية يفخرون بجوانب معينة في برامجهم، لكنهم يعترفون في الوقت نفسه بشعورهم بالإحباط في محاولاتهم تقديم رعاية شاملة عالية الجودة. والتقيت أيضًا بآخرين لا يهتمون كثيرًا بجودة الخدمات ومحن السجناء.
عندما تكون موارد خدمات الصحة العقلية شحيحة، لا يحصل أحد على رعاية سريرية معقولة سوى المرضى الذين يعانون من اضطرابات شديدة. وبعض المسئولين الإداريين للبرامج ينفقون أغلب ميزانيتهم المحدودة على تطوير وحدة علاج نفسي نموذجية للمرضى العقليين داخل السجن؛ فهم يعرفون كيفية إدارة عنبر في مستشفًى، حتى لو كانت مهمة تقديم خدمات الرعاية العقلية الشاملة لجميع السجناء لا يمكن تحقيقها. ومن ثم، صار برنامج توفير الخدمات العلاجية النفسية داخل السجن من خلال وحدة علاج نفسي مجرد واجهة صورية لا تهدف إلا لإظهار قسم الإصلاح يهتم بالأمر ويحاول جاهدًا إدارة برنامج علاجي عالي الجودة.
فمن الأيسر أن تُعرض على الزائر وحدة داخلية للمرضى العقليين تُدار بكفاءة من أن يتم إعطاء توضيح لكيفية توزيع الأموال المخصصة لخدمات الصحة العقلية على جميع جوانب النظام؛ لجعل الحياة بالسجن محتملة على نحو أكبر لعدد كبير من السجناء المصابين بأمراض عقلية وغير المودعين في المستشفيات. لكن المشكلة أن عددًا قليلًا نسبيًّا من السجناء يتمكنون من الوصول إلى الوحدة الداخلية للمرضى العقليين، وحتى المحظوظون الذين يدخلونها يبقون فيها فترة قصيرة من الوقت، ثم يتلقون خدمات متابعة غير مناسبة بعد خروجهم منها.
تضع فئة أخرى من المسئولين الإداريين الجزء الأكبر من مواردهم المحدودة في برنامج نموذجي لإعادة تأهيل متعاطي المخدرات أو برنامج لمكافحة الانتحار أو أية استراتيجية تدخُّل أخرى ممتازة، لكن مثل هذه الاستراتيجيات تركز على جانب معين دون غيره. وبهذه الطريقة يمكنهم أن يشعروا على الأقل بأنهم يفعلون شيئًا ما بكفاءة، ويوفون بمعايير الرعاية المناسبة في جانب معين.
(?-?) فحص السجناء المصابين باضطرابات والتعرف عليهم

عندما بدأت جولاتي في السجون منذ خمسة وعشرين عامًا، صدمني اكتشاف عدد كبير من حالات الوفيات بين السجناء التي حدثت نسبة كبيرة منها خلال ساعات أو أيام الحبس. وتضمنت الأسباب الموضحة لهذه الوفيات الانتحار، وإصابات الرأس أثناء إلقاء القبض على السجين، وجرعات المخدرات الزائدة، وانسحاب المخدرات من الجسم، والأزمات القلبية، وأزمات السكَّر. وتوصلت إلى نتيجة مفادها أنه في جميع الحالات تقريبًا، كان من الممكن تفادي الوفاة لو كان السجناء قد خضعوا للفحص الملائم عند دخولهم السجن للمرة الأولى.
ولقد علمنا بالفعل من تقارير بحثية سابقة ومقال افتتاحي في دورية الجمعية الطبية الأمريكية أن معدل الانتحار في أماكن الاحتجاز فاق عدة مرات معدل الانتحار بين السجناء عمومًا، وأن نصف حالات الانتحار حدثت في خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من الاحتجاز. كان ينبغي أن يُفطَن إلى حقيقة أن المقبوض عليهم الذين ضُربوا على رءوسهم بهراوات الشرطة من الممكن أن يصابوا بأورام دموية تحت الجافية. وبالرغم من أنهم قد لا يفقدون الوعي مباشرة، فإن التجلط الدموي في مخهم قد يزداد حجمه ويتسبب في نهاية الأمر في وفاتهم أو إصابتهم بتلف دائم في المخ. وبما أن عددًا كبيرًا من الأشخاص الذين يُلقَى القبض عليهم معروف عنهم تعاطيهم للمخدرات، كان يجب على مسئولي أماكن الاحتجاز التفكير في احتمالية وقوع حالات من جرعات المخدرات الزائدة أو الآثار المهددة للحياة المترتبة على الامتناع عنها. ومن المعروف أن الأزمات الطبية، مثل الأزمات القلبية والسكتات الدماغية والقرحات الدامية وغيبوبة السكَّر، تحدث عندما يتعرض الأفراد المعرضون للإصابة بهذه الحالات المرضية لتوتر شديد مثل الاعتقال والحبس. لكن ما من أحد يهتم بالحالة الطبية والنفسية للأفراد المقبوض عليهم! ولقد بدأت المحاكم في طلب فحص طبي ونفسي عند دخول مراكز الاحتجاز.
لقد بدأت الجمعية الطبية الأمريكية والكثير من حكومات الولايات الأمريكية في نشر معايير تقديم خدمات الصحة والصحة العقلية في مراكز الاحتجاز المحلية. وتضمنت هذه المعايير ضرورة إجراء الفحص عند دخول الحبس. ويجب أن يتضمن الفحص أسئلة مُعدَّة خصوصًا لاستبعاد احتمالية أن يكون الفرد المقبوض عليه يعاني من حالة طبية خطيرة أو لديه ميول انتحارية. ويمكن لغير الأطباء إجراء استبيان الفحص — يجريه عادةً ضابط تلقى تدريبًا طبيًّا على حالات الطوارئ، أو مساعد تمريض — لكن من المفترض أن أية إجابات مثيرة للشكوك تدفع لفحص المريض بمزيد من الدقة والعناية على يد طبيب.
لذا، تُجري معظم المحابس المحلية حاليًّا فحصًا نفسيًّا للمعتقلين عند دخولهم إليها، وتقدم الخدمات لعلاج المتهمين المرضى أو المعرضين للخطر. ويُكلَّف موظفو الصحة العقلية بعلاج السجناء الذين تم التوصل إلى أن لديهم ميولًا انتحارية أو يعانون من اضطرابات عقلية. وبالرغم من أن معظم الموظفين المتخصصين يحاولون جاهدين تنفيذ مسئولياتهم بمستوًى جيد من الالتزام والكفاءة، يظل الازدحام يمثل مشكلة كبيرة في المحابس. فهناك تصدعات في تنظيم الخدمات والبرامج، وعدد الموظفين قليل عادةً (ومع التوجه لخصخصة خدمات الصحة العقلية في مراكز الاحتجاز المحلية، تزداد احتمالات تقليل عدد الموظفين على نحو أكبر)، وعدد السجناء الذين يعانون من اضطرابات خطيرة ويحتاجون إلى رعاية أكبرُ بكثير مما يمكن للموظفين المنهكين خدمته بكفاءة.
ولا تتسم إجراءات الفحص بالكفاءة إلا إذا أُجريت على نحو متسق ويتوافق مع ما يمليه الضمير. في إحدى المقاطعات التي طُلِب مني فيها الشهادة بشأن وفاة أحد الأشخاص في السجن، تضمن بروتوكول الفحص استبيانًا يملؤه أحد مساعدي التمريض لكل متهم يصل إلى الحبس. وفي هذه الحالة، لم يتمكن رجل غاضب أبيض البشرة، أشعث الرأس، في منتصف العمر، من الإجابة عن الأسئلة على النحو الملائم، فترك مساعد التمريض استمارة المقابلة فارغة ولم يكتب فيها سوى أن السجين يبدو عليه السُّكْرُ وعدم القدرة على التعاون بسبب الغضب والارتباك؛ وأُرسِل من ثم إلى إحدى الزنزانات حيث عُثِر عليه بعد ذلك ميتًا. وأوضح التشريح أنه قد مات بسبب ورم دموي تحت الجافية نتيجة لضربة على الرأس، إما سبقت القبض عليه وإما ارتكبها الضباط الذين ألقوا القبض عليه. المؤسف في الأمر أن مَن أجرى الفحص كان لديه ما يكفي من المعلومات لإبلاغ أحد الأطباء عن حالة الرجل الخطيرة.
إن الفحص وسيلة للتعرف على الأفراد المقبوض عليهم الذين يحتاجون إلى رعاية طوارئ. ولا يمكن الاعتماد على المساعدين المهنيين في إجراء هذا الفحص، إلا إذا كانت هناك ثقة في أنهم سيحيلون الحالة إلى مهني مدرب على نحو أكبر إذا كان هناك ما يدعو للشك في وجود حالة طارئة، أو عند وجودها بالفعل. وحقيقة أن ذلك الرجل قد فشل في الفحص الأولي للسجين — لأنه لم يكن متسقًا في إجابته عن الأسئلة — كان من المفترض أن تدفع مساعد التمريض إلى إبلاغ أحد الأطباء. فلو أن أحد الأطباء فحص هذا الرجل وهو لا يزال في وعيه، لكان قد اكتشف على الأرجح الورم الدموي تحت الجافية، ولربما أنقذت حياة الرجل عمليةٌ جراحية عاجلة. والنقطة الأشمل هنا هي أنه حتى الإجراءات التي وضِعت لضمان رعاية عالية الجودة يمكن أن تنهار تحت ضغط عجز الميزانية والازدحام؛ الأمر الذي يسفر عادةً عن عواقب وخيمة.
أما في السجن، فلا يقتصر الأمر على الفحص، وإنما ينبغي إجراء تقييم دقيق لكل سجين يدخل إلى السجن لتحديد إن كانت هناك حالة طبية أو نفسية تتطلب رعاية. ويُجرَى هذا التقييم عادةً في مركز استقبال داخل السجن يُرسَل إليه السجناء الجدد إلى أن يتم تصنيفهم من حيث مستوى الأمن ليتم إيداعهم بناءً على ذلك مؤسسةً ووحدةَ زنزانات محددتين. ومرة أخرى نشدد على أن إرسال المدانين الجدد إلى مركز استقبال فكرة جيدة للغاية، لكن في كل سجن تجولت به، كانت هناك صعوبات كبيرة. ففي بعض السجون، يتسبب الازدحام والنظام بأكمله في تراكم للحالات في مركز الاستقبال؛ ما يتطلب إيداع المدانين الذين وصلوا حديثًا إلى السجن في مهاجع مؤقتة مقامة في صالات الألعاب الرياضية وغرف التجمع.
ومن مشكلات هذا النظام أن السجناء بجميع المستويات الأمنية يودَعون في بيئة يفوقون فيها من حيث العدد موظفي الأمن الذين يعجزون عن التدخل سريعًا عند اندلاع أي حالات عنف. والعديد من السجناء الذين يعانون من اضطرابات عقلية في مراكز الاستقبال يشكون من تعرضهم للإيذاء على نحو متكرر على يد السجناء الأقوى منهم الذين يودَعون في النهاية مكانًا يتمتع بمستوًى أعلى من التأمين. لكن في مركز الاستقبال، لم يكتشف الموظفون أن المدانين المصابين بأمراض عقلية يحتاجون إلى الحماية وخدمات الصحة العقلية، أو أن المعتدين الأقوى يحتاجون إلى العزل. فكلما زاد الازدحام؛ قل اهتمام الموظفين بالشجارات بين السجناء وطالت المدة التي يستغرقونها في تحديد احتياجات كل سجين.
حتى بعد تحديد سجن ومستوًى أمني معين للسجين، يواجه السجين صعوبات في الوصول إلى خدمات الصحة العقلية. ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أنه لا تتضح في بيئة السجن الأعراض التي تؤهل السجين للحصول على تشخيص نفسي. ففي مستشفيات الأمراض النفسية في المجتمع، عندما يحتفظ المريض بالفضلات ليرشق بها أي شخص يفترض أنه عدو له، يفترض الموظفون بالمستشفى أنه يعاني من ذهان حاد. لكن في السجن، وخاصةً في وحدة الحراسة المشددة، يحدث تراشق الفضلات كل يوم.
وبالمثل، إذا فزع أي مريض نفسي في المجتمع عند خروجه من غرفته، فيُفترَض أنه يعاني من درجة معينة من رهاب الخلاء أو جنون الارتياب. لكن في السجن، يبقى العديد من السجناء في زنزاناتهم طوال اليوم خشية أن يتعرضوا للهجوم من أعدائهم عند خروجهم إلى ساحة السجن. كيف يمكن إذن إدراك الأهمية التشخيصية للنوم طوال اليوم في زنزانة مظلمة وتحديد إن كان ذلك علامة على الاكتئاب أم استراتيجية متعمدة وبارعة للغاية للنجاة في عالم السجن العدواني؟
ليس من السهل تقييم العجز النفسي في بيئة السجن أيضًا. فمعظم قوانين الولايات، التي تنص على معايير محددة للإيداع القسري في المستشفيات، تتضمن معيارًا ينص على أنه يتعين أن يكون الشخص المصاب باضطراب عقلي يمثل خطرًا على نفسه والآخرين، أو غير قادر على رعاية نفسه. ومن ثم، إذا وجد ضابط شرطة أو فريق إدارة أزمات الصحة العقلية أن رجلًا ما يهيم في الشوارع بثياب ممزقة ويتمتم بكلام غير مفهوم، ثم يصطحب هذا الرجل إلى منزله ليجد شقة قذرة بها ثلاجة فارغة، يكون قد تحقق معيار «عدم القدرة على رعاية نفسه»، ويُرسَل الرجل إلى مؤسسة للعلاج النفسي. لكن في السجن حيث يودَع السجين زنزانةً، ويحصل على طعامه فيها، ويؤمر بالاستحمام كل بضعة أيام، يكون من الأصعب تحديد ما تعنيه عدم قدرته على رعاية نفسه. رأيي أنه نظرًا لإيداع السجناء زنزاناتٍ، وإطعامهم بانتظام، يميل الأطباء النفسيون داخل المؤسسات العقابية إلى التخلي عن حذرهم فيما يتعلق بالإعلان عن أن السجين المصاب باضطرابات عقلية غير قادر على رعاية نفسه.
إن الفحص والكشف المبكر عن الاضطرابات العقلية جزءان مهمان في أي برنامج لعلاج الأمراض العقلية؛ لأنه كلما طالت مدة ترك الاضطراب العقلي الخطير دون علاج، زادت حدة الأعراض وساءت توقعات سير المرض. على سبيل المثال، تشير العديد من الأبحاث السريرية إلى أنه كلما كان العلاج الفعال للفصام الحاد سريعًا، نقصت المدة التي تستمر فيها الحالة وازدادت توقعات سير المرض تحسنًا. وهذا هو الأساس المنطقي الذي يقوم عليه الإعطاء السريع للأدوية المضادة للذهان والتطبيق المكثف وقصير المدة للعلاج النفسي الجماعي والفردي في أثناء فترة الإقامة القصيرة في مستشفى الأمراض النفسية. ويوصَى أيضًا بأن تتْبع الإقامة القصيرة في المستشفى مدة أطول من إعادة التأهيل النفسي، تشمل إدارةَ الحالة المرضية، والاستشفاءَ الجزئي (مكوث المريض النفسي في البيت وتردده على مركز العلاج بمعدل يصل إلى سبعة أيام أسبوعيًّا)، وبرنامجًا يقيم فيه المريض مدة طويلة نسبيًّا في أماكن أخرى غير المستشفيات، إن لزم الأمر. وعند ترك الأعراض الذهانية — التي تشمل الهلاوس والتفكير غير المنظم والسلوكيات الغريبة — دون علاج أو التقصير في علاجها لأية مدة زمنية، يكون التوقُّعُ النهائيُّ لسير المرض أسوأَ مما كان يصير عليه إذا قُدِّمَ العلاج المناسب في حينه.
يفسر الأطباء النفسيون بمختلف مشاربهم هذه النتيجة التجريبية تفسيرات متباينة تباينًا كبيرًا. فالممارسون المعنيون بالديناميكا النفسية وأطباء النفس المجتمعيون يشيرون إلى أن العلاج السريع يحول دون اكتساب عادات سيئة، مثل عادات التصرف بغرابة، والنظر إلى نفسه باعتباره مريضًا عقليًّا، واعتياد المرء على نظر الآخرين إليه على أنه مريض عقلي. أما الأطباء المتخصصون في الطب النفسي البيولوجي، فيركزون أكثر على احتمالية أن تصبح الاختلالات الكيميائية الحادة في المخ، التي تسفر عن الأعراض الذهانية، ثابتة وأصعب في الشفاء منها بمرور الوقت. لكن في جميع الأحوال، هناك اتفاق واسع النطاق بين الأطباء النفسيين على أنه عند ترك الذهان دون علاج فترة زمنية طويلة أو عندما يتعرض الشخص المصاب به لظروف حياتية ضاغطة على نحو متكرر، يزيد احتمال تدهور حالة المريض وتحول الذهان إلى حالة مزمنة.
على النقيض لما يحدث للشخص الذي يعاني من انهيار نفسي حاد في المجتمع، عندما يبدأ السجين في الانهيار النفسي «بداخله»، يستغرق الأمر وقتًا أطول للانتباه إلى حالته من المحيطين به وعلاجها. وقد يلاحظ السجينَ المضطرب السجناءُ الآخرون ويؤذونه قبل أن يتمكن الموظفون من التوصل إلى أن سبب المشكلة هو اضطراب عقلي، خاصة إذا حدثت الحالة الحادة في مركز استقبال مزدحم. ويتحتم على السجين في كثير من الأحيان الصراخ طلبًا للمساعدة أو إحداث جلبة قبل أن يُقدَّم العلاج إليه. لكن حتى لو فعل ذلك، ينظر الموظفون على الأرجح للصراخ وإحداث الجلبة على أنهما تلاعب من جانب السجين، ومن ثم يُنقَل المجرم المضطرب على الأرجح إلى الحبس المشدد كعقاب له، بدلًا من إرساله لمقابلة أحد الأطباء النفسيين.
(?-?) الحصول على خدمات مكثفة

إن الخدمات النفسية الطارئة وعنابر المرضى الداخليين ذوي الحالات الحادة جزء من معظم أنظمة السجون، وهي جزء مهم أيضًا من أي برنامج لعلاج الأمراض العقلية. فتتعاقد بعض الأنظمة في الولايات الأمريكية على تقديم خدمات الحالات الحادة خارج السجن في أحد المستشفيات المحلية للأمراض النفسية أو في مركز قريب تابع لإحدى الجامعات. وفي العديد من الولايات، تتعاقد إدارة المؤسسات العقابية مع هيئة الصحة العقلية لتتولى الأخيرة إدارة وحدات العلاج النفسي داخل السجون. ويكون بعض هذه الوحدات مشابهًا لمراكز العلاج النفسي العامة الموجودة خارج أسوار السجون.
لكن، تكمن المشكلة في الحصول على الرعاية؛ فوحدات العلاج النفسي الداخلية أو عنابر العلاج النفسي في المؤسسات العقابية تكون صغيرة نسبيًّا بالمقارنة باحتياجات السجون شديدة الازدحام. على سبيل المثال، في حين قد يوجد نحو ستين ألفًا أو مائة ألف سجين في إحدى المؤسسات العقابية بالولاية، يمكن أن تحتوي وحدة العلاج النفسي الداخلية على ?? أو ??? سريرًا فقط؛ يعني ذلك أن الموظفين يضطرون لتسريح المرضى سريعًا لإفساح مكان لمرضى جدد. كما يعني أيضًا أن هناك تراكمًا للمرضى في مكان آخر في السجن بانتظار توافر سرير في وحدة العلاج النفسي الداخلية.
وبحلول الوقت الذي يُقبَل فيه أخيرًا دخول السجين، الذي يعاني من حالة ذهان حادة أو ميل شديد للانتحار، إلى وحدة العلاج النفسي الداخلية، يمكن أن يقضي أسابيع أو شهورًا محبوسًا في زنزانة السجن بانتظار نقله. وبعد أسبوع أو اثنين، يُسرَّح السجين على الأرجح من وحدة العلاج النفسي الداخلية ويُعاد إرساله إلى مبنى الزنزانات العادية غير الخاصة بالعلاج.
لقد تجولت في سجون يُحبَس فيها اثنا عشر سجينًا أو أكثر من المصابين بذهان حاد في زنزاناتهم أربعًا وعشرين ساعة يوميًّا، بينما ينتظرون الموافقة على نقلهم إلى وحدة العلاج النفسي الداخلية. ولا يعلم موظفو الأمن كيفية التعامل معهم، فيتجاهلونهم تمامًا إلا فيما يتعلق بجلب صواني الطعام لهم. ويلتقي هؤلاء السجناء عادةً بطبيب نفسي في عجلة من أمره بضع دقائق يوميًّا، ويعطيهم هذا الطبيب أدوية قوية مضادة للذهان، لكنهم لا يتلقون أي علاج آخر. ولا يتحدث معهم أحد فترة طويلة، ويُترَكون وحدهم يعانون أصوات الهلوسة التي يسمعونها، وحالة من الذعر والغضب.
والسجناء المضطربون، الذين حالفهم الحظ في الانتقال إلى وحدة العلاج النفسي الداخلية، يخضعون لعلاج أقوى يشمل العلاج الجماعي واللقاءات في محيط العنبر. ويقضي الموظفون وقتًا في التحدث معهم وتعديل الأدوية التي يحصلون عليها للتحكم على نحو أفضل في الأعراض الذهانية التي يعانون منها. لكن ما إن يبدو عليهم الاستقرار حتى يُسرَّحون من المكان الوحيد الذي يحصلون فيه على رعاية دائمة، ويجدون أنفسهم في زنزانة السجن مرة أخرى.
يذكر العديد من السجناء المصابين باضطرابات حادة أنهم دخلوا مستشفى الأمراض النفسية التابعة للسجن مرة أو مرتين، لكن لفترة قصيرة عادةً. لقد صار برنامج العلاج النفسي الداخلي واجهة صورية فحسب، فهو مجرد محاولة لإظهار أن الإدارة المسئولة عن علاج الجناة تهتم بالأمر وتحاول جاهدة إدارة برنامج علاج نفسي عالي الجودة.
(?-?) مستويات الرعاية المتوسطة

بينما توضَع نسبة كبيرة من التمويل المحدود لبرامج الصحة العقلية داخل المؤسسات العقابية في وحدة العلاج النفسي الداخلية، فإن ثمة توجه مؤسف نحو التوفير في «مستويات الرعاية المتوسطة»؛ وهي الخدمات المقدمة للسجناء الذين لا تؤهلهم اضطراباتهم العقلية في الوقت الحالي لدخول وحدة العلاج النفسي الداخلية، لكنها لا تزال تمثل عقبة أمام تكيفهم في الزنزانات العادية أو مع السجناء عمومًا.
إن «المستوى المتوسط من الرعاية» في المجتمع تقدمه شبكة تفاعلية من عيادات المرضى الخارجية، وبرامج العلاج ذات المواعيد المرنة، وبرامج الإقامة مثل منازل التأهيل ومديري الحالات وبرامج التدريب المهني. وتتمثل فكرة هذا المستوى في مساعدة الشخص المصاب بمرض عقلي في تعلم «مهارات الحياة اليومية»؛ كي يتمكن من العيش في المجتمع، والالتزام بنظام الأدوية الخاص به، وتجنب دخول المستشفيات مرة أخرى. أما في السجن حيث يُجبَر السجناء على النوم في زنزاناتهم والبقاء داخل المؤسسة العقابية، فليس من المنطقي التحدث عن برامج المرضى الخارجية أو برامج الإقامة. لكن حتى في السجون، يحتاج الأفراد المصابون باضطرابات عقلية إلى الخدمات المتوسطة. على سبيل المثال، يحتاج هؤلاء المرضى إلى الالتقاء بعضهم ببعض في مجموعات، مع وجود ممارسين مدربين على رعاية الصحة العقلية، حيث يمكن للمرضى تعلم إدارة ما ينتابهم من غضب وما يتعرضون له من اعتداءات وأزمات، مما يُعَد جزءًا من حياة السجن. وهم يحتاجون أيضًا إلى المساعدة في فهم حالاتهم العقلية، وإدراك سبب تحسن أدائهم إذا التزموا بنظام الأدوية المُعَد خصوصًا لهم. وقد يحتاجون أيضًا إلى بعض الحماية من المعتدين عليهم الذين يعمدون إلى إيذاء السجناء المصابين باضطرابات عقلية، لكنهم لا يرغبون في الوقت نفسه في دخول «الحجز التحفظي». بعبارة أخرى، هم يحتاجون إلى مجموعة كاملة من الخدمات؛ لكي يبقوا بمنأًى عن المشكلات ويتجنبوا أي انهيارات في المستقبل. بيد أن هذه الخدمات يفتقر إليها السجن عادةً في برامج علاج الأمراض العقلية؛ ولهذا السبب يعود عدد كبير من السجناء المصابين بأمراض عقلية إلى وحدات العلاج النفسي الداخلية ووحدات الحراسة المشددة.
أخبرني الطبيب النفسي في وحدة الحراسة المشددة بمؤسسة واباش فالي العقابية بأن نحو نصف عدد السجناء في وحدة الحراسة المشددة يعانون من اضطراب نفسي خطير، وقلما يتحدثون مع أحد سوى السجناء المجاورين لهم، وحتى عندما يفعلون ذلك يضطرون للصياح بصوت عالٍ كي يسمعهم الآخرون. ومعظم السجناء المصابين باضطرابات عقلية الذين التقيت بهم في هذه المؤسسة كانوا يعانون من حالة ذهان نشطة، أو كانت الأعراض الذهانية التي يعانون منها تخضع لقدر بسيط من التحكم فيها باستخدام الأدوية المضادة للذهان أو المنظمة للحالة المزاجية.
وقد أخبرت الطبيب النفسي المسئول هناك برأيي، وهو أن هؤلاء المرضى ينبغي عدم التحفظ عليهم في وحدة التحكم؛ لأن مثل هذه البيئة تزيد من حالتهم النفسية سوءًا. لم يعترض على ما قلته، ولكنه أوضح لي أنه ليس مسئولًا عن توزيع السجناء على مباني الزنزانات، وأن هؤلاء الرجال يعرضون أنفسهم للمشكلات كثيرًا عند اختلاطهم بالسجناء عمومًا. ووصف لي الطريقة التي تجري بها الأمور؛ وهي أن هؤلاء السجناء يخرقون الكثير من القواعد مما يسفر عنه إرسالهم إلى وحدة الحراسة المشددة، فيقدم إليهم ما يكفي من الأدوية في أثناء وجودهم بهذه الوحدة كي يهدءوا، لكن عند إطلاق سراحهم من هذه الوحدة وعودتهم إلى عموم السجناء، تثور ثائرتهم بسبب احتجازهم في هذه الوحدة. ونظرًا لعدم اعتيادهم على التفاعلات الاجتماعية بعد قضاء مدة من الوقت في العزل؛ يشرعون في خرق القواعد مجددًا. وفي هذه الأثناء، يتعهدون بتحدي السلطة متى أمكنهم ذلك، فيتوقفون عن الحصول على الأدوية الخاصة بهم. وفي النهاية، يُودعون مجددًا وحدة الحراسة المشددة وقد أصيبوا بالذهان وصار من الصعب التحكم فيهم.
توجد وحدة داخلية للعلاج النفسي في سجن آخر داخل مؤسسة السجون هذه، لكنها لا تحتوي على عدد كافٍ من الأسرَّة للإبقاء على المساجين المصابين بالذهان فيها فترة طويلة. ولا توجد وحدات من المستوى المتوسط ليرسل الطبيب النفسي إليها السجناء المصابين بأمراض عقلية ممن هم مهيئون لمغادرة وحدة التحكم، لكنهم غير قادرين في الوقت نفسه على التكيُّف في الزنزانات العادية دون علاج نفسي داعم. ومن ثم، تستمر العودة إلى وحدة التحكم دون هوادة.
(?-?) استخدامات الأدوية

يمكن التحكم مؤقتًا في أعراض الذهان — كالهلاوس مثلًا — بمجرد مداواة المريض باستخدام العقاقير القوية المضادة للذهان. بيد أن ذلك بعيد كل البعد عن العلاج الملائم. فالشخص المصاب بانهيار انفعالي ذهاني حاد لا بد من مراقبته عن كثب وإخضاعه لمجموعة متنوعة من الوسائل العلاجية، بما فيها العلاج الجماعي والفردي، والعلاج المهني أو العلاج بالرسم، والعلاج المحيطي في العنابر، وتدخُّل العمل الاجتماعي الهادف إلى تحسين بعض العوامل الأسرية والاجتماعية المثيرة للأزمات، والتربية النفسية المعدة لتثقيف المريض بشأن المرض والأساس العلمي الذي ينبني عليه العلاج وما إلى ذلك. وفي حال عدم توافر هذه الوسائل العلاجية، يقتصر دور الأدوية على التحكم فحسب في الأعراض عن طريق تهدئة المريض دون التعامل مع التوترات والصراعات الكامنة. ولا يتعلم المريض سوى حجب الأعراض مع الجرعات العالية من الأدوية، ولا يتعلم فعليًّا أي شيء عن المرض أو أهمية الأدوية. ومن ثم، يزيد احتمال توقفه عن الالتزام بالعلاج بمجرد أن يُتاح له الخيار لفعل ذلك، ومن ثم يكون خطر الانتكاس عاليًا جدًّا.
ولهذا السبب، يُودع الشخص المصاب بانهيار ذهاني المستشفى. ومن لديهم ميل قوي للانتحار يُودعون المستشفى لحمايتهم. وفي أثناء وجودهم في المستشفى ومنحهم العناية العلاجية المكثفة، يكون الهدف الكشف عن أسباب ميولهم الانتحارية3 ومعالجة هذه الأسباب بما فيه الكفاية، بحيث لا يحاولون الانتحار مجددًا بمجرد مغادرتهم المستشفى؛ لذا، فإن مجرد مداواة مثل هؤلاء الأفراد وعزلهم ليس علاجًا كافيًا. تتطلب الأدوية المضادة للاكتئاب أسابيع لتُحدث مفعولًا، والعزل في حقيقة الأمر يزيد من خطر انتحار الشخص الذي لديه النية لتدمير نفسه بمجرد أن يخرج من زنزانة العزل. وفي المؤسسات العقابية، حيث يتعامل الأطباء السريريون المختصون بعلاج الأمراض العقلية مع عدد كبير للغاية من السجناء المصابين باضطرابات شديدة، يكون هناك ميل للتضحية بالأنشطة التي تستغرق وقتًا، مثل التحدث مع المرضى في بيئة سرية تدفع إلى الثقة. وفي معظم المؤسسات العقابية، لا يتمكن السجين/المريض في المعتاد من رؤية الطبيب النفسي سوى بضع دقائق مرة كل شهر أو شهرين. وتكون مهمة هذا الطبيب هي متابعة الأدوية وطلب إجراء فحوصات للدم لتحديد مستوى الليثيوم — على سبيل المثال — أو التحقق من وظائف الكبد إذا كان من الممكن للأدوية أن تتسبب في إحداث تلف بالكبد. وفي وحدات الحراسة المشددة التي تجولت بها، لا يُسمَح للسجناء بالذهاب إلى العيادة، ومن ثم يقوم الطبيب النفسي ? «جولات تفقدية» مرة واحدة أو عدة مرات في الأسبوع. ويعني ذلك عادةً سير الطبيب النفسي بين الزنزانات وسؤاله كل سجين عن حاله. وعدد قليل للغاية فقط من السجناء هو الذي يختار التحدث كثيرًا في هذا السياق.
يوجد أيضًا سوء استعمال جبري للأدوية خلف القضبان. على سبيل المثال، تُعطَى المهدئات القوية مثل ثورازين وهالدول — المصممين لعلاج حالات الذهان — عن طريق الحقن الإجباري للسجناء المخلين بالنظام ممن لا يعانون من الذهان؛ وذلك لتهدئتهم. وبالرغم من فعالية هذه الأدوية في إسكات الأصوات الداخلية التي تأمر السجين المصاب بالفصام بالاعتداء على الآخرين، فهي ليست على درجة كبيرة من الفعالية كمهدئات للأفراد غير المصابين بالذهان. والجرعة المطلوبة لتهدئة السجين غير المصاب بالذهان يمكن أن تجعله ينام أو تعرضه لآثار عصبية مزعجة، مثل التخشب وتشنجات العضلات.
ومعظم الولايات لديها قوانين وسياسات فيما يتعلق باستخدام الأدوية الإجبارية. ويتضمن الإجراء القانوني المتعلق بذلك عادةً جلسة استماع قبل أن يتخذ القاضي أو لجنة المراجعة قرارًا بشأن إن كان السجين عاقلًا بما فيه الكفاية ولديه الحق في رفض الأدوية أم لا.
وفي العديد من المؤسسات العقابية التي تجولت بها، يتفادى الموظفون مطلب جلسة الاستماع المستنفدة للوقت، عن طريق إكراه السجين على الحصول على الأدوية. ولقد رأيت سجناءَ مقيدين في قيود رباعية (تقيد فيها الأطراف الأربعة) أو خماسية (الأطراف الأربعة إضافة إلى الصدر) في زنزاناتهم، وقد قيل لهم إنهم لن يُطلَق سراحهم — ولا حتى لاستخدام دورة المياه — إلا بعد أن يوافقوا على الحصول على الأدوية.
وإرشادات الموافقة المطلعة تتطلب من الطبيب إعلام المريض بآثار الدواء وأخطاره، بالإضافة إلى إخباره بالعلاجات البديلة. وتُنتَهك هذه الإرشادات بمعدل يبعث على الانزعاج في جميع السجون التي تجولت فيها.
(?-?) اعتبار السجين «مجنونًا وسيئ الخلق»

تفتقر معظم أنظمة السجون لأماكن وبرامج العلاج للسجناء الذين يُصنفون بأنهم «مجانين وسيئو الخلق». على سبيل المثال، السجين الذي لديه سجل من أعمال العنف المتكررة يُرفَض التحاقه عادةً ببرنامج العلاج النفسي، حتى وإن كان يعاني من ذهان حاد أو ميل شديد للانتحار، وإن كان في كل الشجارات يدافع عن نفسه ضد السجناء الذين يتحرشون به بسبب مرضه العقلي. وإن حالفه الحظ ودخل أحد عنابر العلاج النفسي الداخلية، فسوف يُسرَّح منها سريعًا. ويفسر موظفو الصحة العقلية ذلك بأن هذه المجموعة من السجناء لا يكون لديهم الدافع الكافي للاستفادة من العلاج، ويكونون مزعجين لدرجة أنهم يفسدون البرنامج على الجميع.
ويدخل العديد من هؤلاء السجناء في شجارات مع عموم السجناء أو يتطاولون على موظفي السجن، ويستقر بهم الحال في وحدات الحراسة/العزل. كما قد يصدر موظفو المؤسسة العقابية — في محاولة لتجنب ما قد يبدو حتميًّا من المواجهات والإنذارات التأديبية — أوامر بإخضاع هؤلاء السجناء للحبس الانفرادي المشدد (يكون هذا الحبس في زنزاناتهم بوحدة غير وحدات الحبس الانفرادي). وسواء أكان هؤلاء السجناء في وحدة الحبس الانفرادي أم يخضعون للحبس المشدد في زنزاناتهم، فإنهم يوضَعون على لوائح جولات الطبيب النفسي التفقدية. لكن نظرًا لأنهم مزعجون على نحو يحول دون وجودهم في مجموعات، لا يتم ضمهم غالبًا في أي نوع آخر من برامج علاج الأمراض العقلية؛ ومن ثم، يلزمون زنزاناتهم في خمول وعزلة، حيث يزيد غضبهم وتنتكس حالاتهم للغاية ويصيرون غير قادرين على المشاركة في أي نوع من التفاعل الاجتماعي، حتى في غرفة التجمع. وما إن يوضَع السجناء في الحبس الانفرادي المشدد حتى يتم التعامل مع سلوكياتهم غير الملائمة كمخالفات انضباطية بدلًا من التعامل معها كعلامات على الانهيار الانفعالي العقلي الوشيك أو الحاد.
ثمة ميزة في وضع قيود صارمة على السجناء المخلين بالنظام، بما في ذلك مَن يعانون من اضطرابات عقلية حادة. فمن المستحيل تقديم الخدمات النفسية في موقف غير آمن. وموظفو الصحة العقلية يحتاجون إلى تجنب التواطؤ مع السجناء الذين يتظاهرون بالاضطراب العقلي، ذلك التواطؤ الذي قد يقع من خلال نفي تهمة سوء السلوك عنهم، وبعض من حالات التظاهر هذه لا تزال تحدث بالفعل. في الوقت نفسه، يميل الأفراد المصابون باضطرابات حادة إلى التصرف على نحو غريب وغير ملائم نظرًا لحالتهم النفسية.
وإساءة التصرف وخرق القواعد يمكن أن يكونا علامتين على اضطراب نفسي لم يخضع للعلاج والسيطرة على النحو الملائم. على سبيل المثال، يسمع العديد من السجناء المصابين باضطراباتٍ أصواتًا أو «هلاوس آمرة» تحثهم على ارتكاب أعمال عنف ضد أنفسهم أو ضد الآخرين. وعندما يفقد المريض المصاب بالذهان السيطرة على نفسه ويتبع أوامر الهلاوس التي يسمعها، فإنه يحتاج في هذه الحالة إلى تكثيف العلاج. وقد يحتاج إلى جرعة أعلى من الدواء المضاد للذهان، وإلى وضعه أيضًا في غرفة عزل حتى يتحدث أحد معه لتحديد إن كان قد تعرض لحدث ما أثاره. على سبيل المثال، هل تعرض للتهديد أو الاغتصاب أم أن كل ما هنالك أنه تلقى أنباء سيئة عن طفل يعاني من مشكلة خارج السجن؟
مع ذلك، ثمة اتجاه سائد لدى موظفي رعاية الصحة العقلية في السجون نحو الإذعان لموظفي الأمن الذين يتدخلون في مثل هذه المواقف ويُخضِعون السجين المخل بالنظام للحبس الانفرادي المشدد. فالتعامل الأمني يأتي في المرتبة الأولى، في حين تأتي رعاية الصحة العقلية في مرتبة متأخرة. فلا أحد يستقطع من وقته للتحدث إلى السجين أو التواصل مع أسرته لتحديد إن كان هناك اعتداء أو خبر سيئ قد أثاره. ومن الصعب للغاية على موظفي رعاية الصحة العقلية كسب ثقة السجين الذي حُبِس في زنزانته وأخذ يصرخ بشأن ما يتعرض له من ظلم؛ وتكون النتيجة سجينًا غاضبًا للغاية موجودًا في زنزانة ومستعدًّا لأن يصب جام غضبه على أي شخص يتعسه الحظ بمواجهته. وبطبيعة الحال، في هذه المرحلة، غالبًا ما ينأى موظفو رعاية الصحة العقلية بأنفسهم، مدعين أن السجين على درجة من الغضب والتمرد تحُول دون التعامل معه؛ ومن ثم، يُترَك السجين المخلُّ بالنظام وحده مع أوهامه الذهانية.
بالطبع هناك بعض الأفراد الذين لن يُعاد تأهيلهم أبدًا، وهم السيكوباتيون والسفاحون الذين يبثون الرعب في المجتمع ويستحقون العزل مدى الحياة. لكن هؤلاء الأفراد يمثلون نسبة ضئيلة للغاية من السجناء حاليًّا. وهناك عدد أكبر من الأفراد المصابين باضطرابات شديدة الذين لم يصيروا أشخاصًا يتسمون بالعنف ويصعب السيطرة عليهم إلا بعد تعرضهم لصدمات متكررة في السجن، والعديد من هؤلاء الأشخاص سيُطلَق سراحهم يومًا ما؛ لذا، إذا تحدث الموظفون مع هؤلاء السجناء الذين يصعب التحكم فيهم واكتسبوا ثقتهم ببطء، فستكون هناك فرص لإعادة توجيه طاقاتهم إلى مشروعات بنَّاءة تساعدهم في إعداد أنفسهم لاستئناف حياتهم كمواطنين أحرار. وسوف أعود لتناول هذا الموضوع في الفصل العاشر من هذا الكتاب.
ملء الزنزانات بالسجناء هو الوضع الافتراضي. وفي حالة عدم وجود برامج العلاج وإعادة التأهيل، يُترَك السجناء ليتصرفوا كيفما يشاءون دون مراقبة أو إشراف. ويجد السجناء المضطربون عقليًّا صعوبةً في الاحتفاظ بحالة من الاستقرار في ظل غياب تفاعلات اجتماعية آمنة خاضعة للإشراف. فينتهي الحال بالكثيرين منهم إلى الحبس في زنزاناتهم حيث تتدهور حالاتهم الصحية.
(?) سلوك الموظفين بالسجون

بعيدًا عن المهام الموكَلة إلى موظفي الصحة العقلية في المؤسسات العقابية، مثل تقديم التقارير للمحاكم ومجالس إطلاق السراح المشروط وتقديم العلاج بأمر من المحكمة لمرتكبي الجرائم الجنسية، لا يملك الكثير من هؤلاء الموظفين القدر الكافي من الوقت اللازم لتلبية الطلب على الخدمات السريرية المباشرة. وبعد تقديم الرعاية لأخطر حالات الذهان وأكثر مخاطر الانتحار جديةً، يفقد هؤلاء الموظفون المُنهَكون صبرهم سريعًا مع أي سجين تنتابهم الشكوك بشأنه فيما يتعلق باحتمال تلاعبه بهم للحصول على الأدوية أو لفت الانتباه.
لكن الطبيب السريري ذا الضمير الحي لا بد أن يشعر بأنه يحقق شيئًا ما في عمله. وإذا شعر بعجزه عن منح المرضى الرعاية اللازمة لحالاتهم بسبب كثرة عدد الحالات التي ينبغي عليه فحصها كل يوم، أو إذا منعته الاعتبارات الأمنية من التصرف وفقًا لتقديره الإكلينيكي في الكثير من الحالات، فسيحاول البحث عن جانب أكثر محدودية من الممارسة السريرية حيث يمكنه التمتع بقدر من الاستقلالية والتحكم. ومن الأمثلة على هذا النوع من الانسحاب إلى إطار محدد من السلطة طبيب نفسي التقيت به وكان يفتخر باحتفاظه بسجلات سريرية ممتازة.
اتسم حفظ السجلات السريرية في معظم السجون التي تجولت فيها بالقصور الشديد، فتناثرت الملاحظات، وساد عدم الاتساق؛ إذ يفحص كل طبيب سريري المرضى ويغيِّر علاجهم دون أن يُعبِّر بوضوح عن النتائج الموضوعية والأساس المنطقي لتغيير الأدوية أو مكان إقامة السجناء. لكن الطبيب النفسي الذي التقيت به كان استثناءً؛ فالملاحظات حول تقدم الحالة والأوامر التي أدخلها في المخططات كانت تستحق الثناء. لقد سجَّل ملاحظات عن حالة السجين/المريض في وقت زيارته، وأشار إلى أي تغييرات شعر بضرورتها في خطة العلاج، بالإضافة إلى تاريخ موعد الزيارة السريرية التالية.
لكن المشكلة هي أن هذا الطبيب النفسي لا يملك الوقت الكافي لفحص كل السجناء الذين يحتاجون إلى الرعاية، وتقتصر استراتيجية علاجه على وصف الأدوية وحجز السجناء المضطربين في زنزاناتهم. ولا يوجد أي أطباء سريريين آخرين بين موظفي هذا السجن، ولا يوجد أي علاج جماعي، أو اختصاصي اجتماعي يمكنه التواصل مع أسرة المريض، أو أي برنامج إعادة تأهيل نفسي من أي نوع. علاوة على ذلك، ينقل موظفو الأمن المرضى إلى طوابق ومباني زنزانات مختلفة متى شعروا بأن هذا النقل يلزم لأسباب أمنية، ولا يستشيرون أبدًا الطبيب النفسي المُعالِج بشأن النقل أو السبب وراءه. وقد صارحني هذا الطبيب النفسي قائلًا: لست معتادًا على هذا النوع من البرامج المناهضة للعلاج. فعندما أتعامل مع أي مريض في المستشفى، أكون أنا صاحب القرار؛ فأطلب تخصيص غرفة فردية أو مزدوجة، وإيداع المريض غرفة عزل عندما أقرر أن الحالة السريرية تتطلب ذلك. لكن في هذا السجن، لا أتحكم في أيٍّ من هذه الأمور، ولا يمكنني حتى طلب الخدمات التكميلية، مثل تواصل الاختصاصي الاجتماعي مع أسرة المريض. ونظرًا لأنني الطبيب الوحيد هنا والسجن ممتلئٌ عن آخره بالمجرمين المضطربين نفسيًّا، فلا يمكنني فحص كل مريض سوى بضع دقائق فقط. والأمر الوحيد الذي أتحكم فيه هو جودة السجلات الطبية التي أقوم بإعدادها؛ ولذا فإنني أحرص تمامًا على أن تكون ملاحظاتي واضحة ودقيقة.
(?-?) شعور الموظفين بالإنهاك

لقد التقيت بموظفين يعملون في مجال رعاية الصحة العقلية في السجون على قدر هائل من تبلد المشاعر وعدم الاكتراث، فضلًا عن تعاونهم مع موظفي الأمن في أعمال وحشية للغاية ضد السجناء. لكن عددًا أكبر بكثير من هؤلاء الموظفين يتسمون بقدر كبير من صحوة الضمير والكفاءة والاهتمام والاجتهاد الشديد في العمل لتقديم خدمات الصحة العقلية الملائمة. هؤلاء يحاولون تقديم العون للآخرين متى تمكنوا من ذلك، أو على الأقل عدم إلحاق أي ضرر بهم. لكن نظرًا لأن عدد السجناء الذين يحتاجون إلى خدمات الصحة العقلية هائل، ومعظم أنظمة تقديم خدمات الصحة العقلية في السجون تعاني من نقص التمويل ونقص الأيدي العاملة ومن القصور المؤسِف، يعاني الموظفون المكترثون في النهاية من الإنهاك.
ومظاهر الإنهاك منتشرة على نحو كبير في برامج الصحة العقلية بالمؤسسات العقابية حاليًّا. أستشف هذا الأمر عند تحدثي مع الموظفين بهذه المؤسسات؛ فهم لا يشعرون بالحماس تجاه عملهم، ويشكون من مديري السجون، ويتحدثون عن المشاحنات والمجادلات التي تشهدها الاجتماعات. هذا فضلًا عن ارتفاع معدلات التغيب عن العمل وعدد الشكاوى الغامضة من المرض، بالإضافة إلى قلة نسبة حضور الموظفين في الدورات التدريبية، إلا إذا كان الحضور إجباريًّا. فيبدو أن الكثير من الموظفين يسعون لعزل أنفسهم ولا يهتمون بتجريب أساليب جديدة.
ويتحدث الموظفون سرًّا عن شعورهم بالعجز وعدم التقدير، والاستياء من اضطرارهم اتباع الأوامر والخطط الصادرة عن موظفي الأمن، بينما تتمثل مهمتهم في تقديم خدمات الصحة العقلية. قال لي طبيب نفسي سريري في أحد سجون الولايات الأمريكية ذات الإجراءات الأمنية المشددة: «لم أحصل على تدريب لأكون ضابط شرطة. وكلما أشرع في اكتساب ثقة المريض، يتورط في مشكلة ما مع الحرَّاس، فينقلونه إلى إحدى وحدات العزل حيث لا يمكنني رؤيته بعد ذلك. وعند دخول المريض وحدة العزل، يصل إلى درجة من الغضب تجعله يرفض التحدث إلي على أية حال، ومن ثم تزول كل المكاسب التي حققناها في العلاج، ويبدأ المريض في إساءة التصرف بشتى الطرق.» ويتساءل الكثير من موظفي الصحة العقلية عن سبب صبرهم ومواصلتهم العمل بالمؤسسات العقابية، ويبدأ الكثير منهم في البحث عن سبل لتركها.
يشير ماسلاك ولايتر إلى أن الإنهاك4 يحدث لمَن يؤدون أعمالًا يتعاملون فيها مع الناس. ويحددان ثلاثة أبعاد للإنهاك؛ ألا وهي الإجهاد والتشاؤم وعدم الفاعلية. وهما يفسران الإنهاك بأنه لا يتعلق بافتقار العاملين للقدرة أو الرغبة في مواصلة العمل، وإنما بالبيئة الاجتماعية. فإذا كان مكان العمل لا يقدِّر «الجانب الإنساني في العمل»، يرتفع خطر التعرض للإنهاك. ومقياس ماسلاك للإنهاك هو مقابلة مُنظَّمة تُطرَح فيها أسئلة على الموظفين — دون ذكر أسمائهم — حول مدى تطابق مجموعة من العبارات مع خبراتهم. ومن الأمثلة على هذه العبارات: «أشعر بالإنهاك الشديد في نهاية يوم العمل» و«لقد أصبحت أكثر غلظة في تعاملاتي مع الناس منذ عملت بهذه الوظيفة» و«أتعامل على نحو فعال للغاية مع مشكلات مَن أقدم لهم الخدمات.» ويمكن استخدام هذا المقياس لمساعدة الموظفين على بدء التحدث فيما بينهم عما يزعجهم في العمل. عندما أسأل موظفي الصحة العقلية في المؤسسات العقابية هذه الأسئلة، تشير إجاباتهم إلى إنهاك واسع الانتشار بينهم.
وكلما ارتفع مستوى الإنهاك لدى الموظفين، ازداد نأيهم بأنفسهم عن أي تورط عاطفي مع مِحَن السجناء. فالاهتمام بالسجناء يزيد من صعوبة مهام هؤلاء الموظفين، ولا سيما عندما يكون الموظف المهتم غير قادر على إيقاف ما يعتبره تدخلات وحشية غير ملائمة من جانب موظفي الأمن، أو عندما تعلن الإدارة بوضوح عن عدم قبولها أية مشكلات يتسبب فيها موظفون بالمؤسسة.
لكي يقدم موظفو الصحة العقلية علاجًا إنسانيًّا للمرضى، لا بد من توافر درجة معينة من الاستقلالية لديهم عن موظفي الأمن. لا شك أن الأمن هو الاعتبار الأساسي في المؤسسات العقابية. وموظفو الصحة العقلية ينبغي عليهم التعاون على نحو وثيق مع موظفي الأمن للحفاظ على الأمن داخل المؤسسة، والتعاون لتنفيذ خطة إدارية معينة مع السجناء المضطربين نفسيًّا. لكن موظفي الأمن يستأثرون في أغلب الأحيان بالسلطة، حتى عندما يكون من الواضح أن تصرفات السجين هي نتيجة لحالته النفسية، وأنه لا يمثل خطرًا أمنيًّا مباشرًا.
(?-?) المخاوف بشأن التعرض للتلاعب من جانب السجناء

يمكن للسجناء أن يكونوا على قدر كبير من التلاعب، والكثيرون منهم يتظاهرون بالفعل بأنهم يعانون مرضًا عقليًّا. وفي عدد معين من الحالات، يكون هذا الأمر وسيلة للنجاة في السجن. فاكتساب المرء شهرة بأنه «مجنون» يمكن أن يكون وسيلة وقائية له؛ إذ يبتعد السجناء الآخرون عن الشخص الذي يشتهر بجنونه؛ لأنهم لا يستطيعون التنبؤ بردود أفعاله. وبعض السجناء يتظاهرون بالمرض العقلي لكي يُنقَلوا إلى وحدات ذات ظروف أفضل. وإذا شعر السجين بالخوف من السجناء الأقوى منه أو بعدم القدرة على تحمل الوحدة داخل السجن، فستبدو له البرامج الموضوعة للسجناء المصابين بأمراض عقلية جذابة نسبيًّا. وثمة سجناء آخرون أيضًا يتظاهرون بالمرض العقلي؛ لأنهم يعتقدون أن وصفهم بالمرض العقلي سيساعدهم في الحصول على حكم مُخفَّف، أو الخضوع لمحاكمة جديدة، أو تحسين موقفهم القانوني بأية صورة أخرى. وهناك آخرون يسعون فقط للفت الانتباه من خلال هذا الأمر؛ ولذا، فإن العاملين في مجال الصحة العقلية بالمؤسسات العقابية ينبغي عليهم التفريق بين السجناء الذين يتظاهرون بالمرض العقلي ومَن يعانون فعلًا من اضطراب نفسي خطير.
لكن هذا التفريق ليس من السهل دائمًا القيام به؛ فالكثير من السجناء يعانون من مرض عقلي خطير ويشعرون بالحاجة إلى التلاعب من أجل الحصول على الاهتمام الذي يحتاجون إليه. ويكونون عادةً محقين تمامًا بشأن هذه الحاجة إلى التلاعب. ثمة حلقة مفرغة هنا؛ فكلما ازداد قصور خدمات الصحة العقلية وازداد تصميم الموظفين على عدم تقديم الخدمات للسجناء المحتمل قيامهم بالتلاعب، ازداد احتمال اضطرار المجرم المصاب بمرض عقلي فعلي للتلاعب إذا كان سيحصل بهذه الطريقة على الرعاية التي يحتاج إليها. على سبيل المثال، قد يضطر المجرم المصاب باضطراب عقلي إلى إحداث شغب أو ضرب شخص ما لكي يحظى بالاهتمام من جانب موظفي الصحة العقلية.
وموظفو الصحة العقلية الذين يهتمون كثيرًا بالتعرف على المتلاعبين يغفلون كثيرًا عن هذا الفرق الدقيق بين المريض الفعلي والمتلاعب، ويرفضون إعطاء السجناء المرضى الرعاية التي يحتاجونها. وفي السجون التي أجريت تحقيقات فيها، يُنظَر إلى السجين إما على أنه متلاعب، وفي هذه الحالة يتم تجاهل كل احتياجاته، وإما على أنه مريض عقلي حسن النية. والتمييز بالطبع بين هذين النوعين من السجناء مطلوب من جانب الموظفين. والأماكن القليلة المتوافرة للعلاج المكثف يجب ألا يشغلها السجناء الأكثر حِنكة في التلاعب. بيد أن القدرة على التمييز في هذا الشأن هي جزء من موهبة الطبيب السريري المتخصص في الصحة العقلية، سواء أكان داخل السجون أم خارجها.
(?) القصور في التخطيط لما بعد إطلاق السراح

أكثر من ?? بالمائة من السجناء، بمن فيهم مَن يعانون من اضطرابات عقلية حادة ومستديمة، ينهون مدة عقوبتهم يومًا ما ويُطلَق سراحهم في النهاية. وفي العديد من الولايات الأمريكية، يُطلَق سراح هؤلاء السجناء مع تخطيط بسيط أو دون تخطيط على الإطلاق فيما يتعلق بخدمات العلاج أو الدعم خارج السجن. ويجعل ذلك من عملية تكيف السجين بعد إطلاق سراحه أمرًا صعبًا بالنسبة إلى المجرمين السابقين الأكثر استقرارًا من الناحية النفسية، أما مَن يعانون من اضطرابات عقلية حادة — خاصةً إذا كانوا قد قضوا فترة طويلة من مدة عقوبتهم بالسجن في حبس مشدد — فيكون نجاحهم في التكيف بعيد الاحتمال؛ فتبلغ نسبة العودة إلى الإجرام لدى جميع السجناء السابقين بعد ثلاثة أعوام من إطلاق سراحهم ?? بالمائة، بينما تفوق هذه النسبة ?? بالمائة بين السجناء السابقين الذين يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة.
يحاول بعض موظفي الصحة العقلية في المؤسسات العقابية التحدث مع مديري التدبير العلاجي للحالات؛ من أجل وضع خطة علاج لفترة ما بعد إطلاق السراح. لكن في السنوات الأخيرة، شهد العلاج والتدريب والفرص الوظيفية المتاحة للسجناء السابقين تراجعًا هائلًا، مثلما تناقصت فرص العلاج وإعادة التأهيل داخل السجون. والسجناء المضطربون عقليًّا، الذين تمَّ حبسهم في زنزاناتهم معظم مدد عقوباتهم — خاصةً مَن ليس لديهم أُسر يعودون إليها بعد خروجهم من السجن — يقعون عادةً في مشكلات خطيرة فور إطلاق سراحهم.
التقيت، على سبيل المثال، بسجين يعاني من ذهان حاد كان محتجزًا في إحدى وحدات العزل الإداري وكان قد أُطلِق سراحه منذ بضعة أشهر مع انتهاء مدة عقوبته المحددة في السجن. وما إن خرج من السجن حتى ذهب إلى إحدى ساحات انتظار السيارات لينتظر الممرضة «التي أحبها» حتى تغادر مكان عملها ويغتصبها. فأُلقي القبض عليه على الفور، واكتُشِف أنه كان يعاني هلاوس تأمره بارتكاب هذه الجريمة. وبعد إدانته بجريمة الاغتصاب، عاد إلى السجن ليقضي مدة عقوبة أطول بكثير من مدته الأولى.
وفي بعض الحالات، يُنقَل السجين المضطرب عقليًّا، الذي قضى مدة عقوبته، مباشرةً من السجن إلى إحدى المؤسسات العلاجية غير العقابية. وفي أغلب الأحيان، يكون هناك نوع من سوء التخطيط لهذا الإجراء. على سبيل المثال، أخبرتني مديرة معنية بالصحة العقلية في إحدى المقاطعات، التي تشتمل على سجن ذي إجراءات أمنية مشددة، بقصة مريض مضطرب عنيف فرضه عليها سجن الولاية دون أي إخطار مُسبَق؛ إذ تلقت مكالمة في وقت متأخر من ظهيرة أحد أيام الجمعة من مساعد مأمور السجن، مُخبِرًا إياها بأنهم على وشك إطلاق سراح سجين من الواضح أنه يعاني من الذهان ويصعب التحكم فيه. فسألته: لماذا أُطلِق سراح هذا السجين بدلًا من إرساله إلى المقاطعة التي أُدين فيها؟ فأجابها مساعد المأمور بأنه ليست لديه أسرة، وارتكب جرائم في عدة مقاطعات.
وأضاف مساعد المأمور: «لذا، أعتقد أنه تحت تصرفكِ الآن لتتعاملي معه كيفما ترينه مناسبًا.» ثم قدم لها نصيحة من تلقاء نفسه قائلًا: «لو كنت مكانكِ، لاتصلت بعُمدة البلدة وطلبت منه إرسال بعض الضباط إلى بوابة السجن في خلال ساعة من الآن كي ينقلوا هذا السجين إليكِ عند إطلاقنا سراحه، على افتراض أنه مريض عقليًّا ويمثل خطرًا على الآخرين.» فاستمعت إلى نصيحته، وأوقف نواب العُمدة السجين الذي أُطلِق سراحه ونقلوه إلى غرفة طوارئ الحالات النفسية بالمقاطعة. وعلى الرغم من أنه كان يحصل على جرعات عالية من الأدوية المضادة للذهان، رأى الطبيب النفسي بغرفة الطوارئ أنه كان يعاني من الهلاوس والأوهام ويمثل خطرًا حقيقيًّا على الآخرين؛ بسبب ميله للتصرف بعنف عند تعرضه لأبسط صور الاستفزاز. ولزم وضعه في وحدة رعاية نفسية مؤمَّنة.
يُطلَق سراح الكثير من السجناء الآخرين، الذين يعانون من اضطرابات عقلية خطيرة، عند انتهاء مدد عقوباتهم المحددة، ويُمنَحون تذكرة ذهاب فقط عن طريق إحدى الحافلات المتجهة إلى الوجهة التي يختارونها داخل الولاية. والسجناء الذين يعانون من الاكتئاب يتركون السجن عادةً في هدوء، لكن الكثيرين منهم يعانون من شلل انفعالي ناتج عن قضاء فترات زمنية طويلة وحدهم داخل الزنزانة، ويجدون صعوبة هائلة في العودة إلى أُسرهم والبحث عن عمل وبدء حياة جديدة خارج السجن.
يقضي عدد متزايد من السجناء المصابين بأمراض عقلية ويتسمون بإخلالهم المزمن بالنظام (يعني «مجانين ومشاغبين في ذات الوقت») السنوات الأخيرة من مدد عقوباتهم المحددة في وحدات الحراسة المشددة. ونظرًا لأن القانون يفرض إطلاق سراحهم؛ يخرجون مباشرةً من هذه الوحدات إلى الشوارع. فيكونون غير مؤهلين على نحو جيد للحياة في المجتمع. وسرعان ما يُلقَى القبض مرة أخرى على الكثيرين منهم، لكن ذلك يكون بعد ارتكابهم جرائم جديدة بالفعل. ولا شك أن هذه الدورة تعرض الأمن العام للخطر.
•••

إن قضاء فترة عقوبة في السجن يسبب صدمة دائمًا للمدانين الذين هم عرضة للانهيار الانفعالي. لكن سمات الحياة في السجون حاليًّا مرهقة على نحو خاص وتسبب ضررًا أكبر بكثير مما يمكن توقعه في أية بيئة سجن مُدارة جيدًا. وتشمل هذه الظروف العنصرية السائدة، وعدم الاهتمام بالمطالب الخاصة بالنساء، والتحرش الجنسي من جانب موظفي السجون، ورعب الاغتصاب، وعدم اكتراث الموظفين بضحايا الاغتصاب، وغياب التواصل الجيد بين السجناء وذويهم، والتزايد المرعب في حوادث الانتحار خلف القضبان. في الجزء الثاني من هذا الكتاب، سأركز على هذه الظروف والأحداث الصادمة بشدة التي يمكن الحيلولة دون حدوثها في كثير من الأحيان.

الجزء الثاني
ما يحدث خلف القضبان



الفصل الرابع
العُنصريَّة: خطر يهدد الصحة العقلية


إن التمييز العنصري في عمليات القبض على المجرمين والحُكم عليهم يؤدي إلى تباين عنصري هائل في تركيبة فئات السجناء داخل السجون. فيتمتع الحُرَّاس — الذين يكون أغلبهم من البيض — بقدر من السلطة داخل السجون لا يتساوى مع سلطتهم في المجتمع خارج أسوار هذه السجون. ويُنظَر عادةً إلى جميع التفاعلات الاجتماعية من منظور العِرق. وفي البيئة التي تكون فيها الاختلافات العرقية واضحة للغاية، وتسودها الظروف القاسية، يصبح موضوع العرق النواة التي تنشأ منها التوترات والمشكلات.
والعنصرية السافرة التي لا تلقى أية معارضة يكون لها آثار مدمرة على الصحة العقلية للسجناء. فيُصاب الكثير من السجناء ذوي البشرة الملونة بالجنون نتيجة للعنصرية وافتقارهم الملاذ الذي يمكنهم اللجوء إليه. وما يزيد الطين بلَّة أن هناك تمييزًا عنصريًّا في تفسير الجنون نفسه. والسجناء السود، الذين يعانون الغضب والانهيارات الانفعالية، يزيد احتمال إلقائهم في الحبس الانفرادي وحرمانهم من علاج الأمراض العقلية الملائم مقارنةً بأقرانهم من البيض.
(?) العلاقات العنصرية في السجون1

تتسم الاختلافات العرقية في السجون بوضوحها الشديد؛ فالغالبية العظمى من السجناء من ذوي البشرة الملونة، بينما نجد أن نسبة كبيرة من موظفي السجون تتمثل في البيض الذين يفتقرون نسبيًّا إلى الخبرة في التعامل مع الملونين، ويرجع ذلك إلى أن معظم السجون تُبنَى بعيدًا عن المراكز الحضرية وتوظِّف الكثير من السكان المحليين. وعند حدوث وقائع وحشية، يكون الدافع وراءها على الأرجح عُنصريًّا. وعلى الرغم من صعوبة تحديد أي التُّهم يستند إلى أسس قوية في كثير من الأحيان، فإن هناك من الأدلة ما يؤكد الانطباع العام بأن العنصرية تمثل مشكلة كبيرة. لكن مأموري جلسات الاستماع وأعضاء لجان الاستئناف يكونون عادةً من البيض، ويشكو السجناء من الظلم البيِّن في هذا الأمر.
(?-?) التباين العنصري في إصدار الأحكام

تتغلغل العنصرية في نظام العدالة الجنائية. فمقارنة بالبيض، تزيد احتمالات إيقاف الشرطة للملونين وتفتيشها لهم وإلقائها القبض عليهم، كما تزيد احتمالات أن يتولى الدفاع عن هؤلاء الملونين محامو الدفاع المجاني الذين يتعاملون مع قدر هائل من القضايا؛ ومن ثم يُدانون، ويحصلون على حكم قاسٍ. وأكثر من ?? بالمائة من الذكور الأمريكيين من أصل أفريقي ممن تتراوح أعمارهم بين ?? و?? عامًا خضعوا لمراقبة نظام العدالة الجنائية عام ????، سواء بوجودهم داخل المحابس والسجون أو بوضعهم تحت المراقبة أو بخضوعهم لنظام إطلاق السراح المشروط.
وفي بعض المناطق الحضرية، تكون هذه النسب صادمة على نحو أكبر بكثير. على سبيل المثال، ?? بالمائة من الرجال السود الذين تتراوح أعمارهم بين ?? و?? عامًا في واشنطن العاصمة يخضعون لمراقبة نظام العدالة الجنائية في أي يوم بعينه، بينما تبلغ هذه النسبة في بالتيمور ?? بالمائة. ويُلقَى الأمريكيون من أصل أفريقي في السجون بمعدل ???? فردًا من بين كل ??? ألف مواطن أمريكي من أصل أفريقي، في مقابل ??? فردًا من بين كل ??? ألف من المواطنين البيض. ويمثل السود بالفعل ما يزيد عن ?? بالمائة من السجناء بالسجون، بينما يمثل الأمريكيون ذوو الأصول اللاتينية ?? بالمائة من هؤلاء السجناء. هذا فضلًا عن أن نسبة الأمريكيين الأصليين في السجون كبيرة للغاية أيضًا. وتشير إحصائيات اللجنة الوطنية للعدالة الجنائية إلى أنه في عام ???? سيكون نحو ???? بالمائة من الأمريكيين من أصل أفريقي و???? بالمائة من ذوي الأصول اللاتينية الذين تتراوح أعمارهم بين ?? و?? عامًا قد سُجنوا.
ويزداد هذا التباين مع تشديد العقوبة. فتشير تقارير مركز قضايا الأحداث والعدالة الجنائية في سان فرانسيسكو إلى أنه في أول عامين من تفعيل قانون كاليفورنيا لاعتياد الإجرام (إدانة المجرم بثلاث جرائم أو أكثر)، بلغت نسبة الأمريكيين من أصل أفريقي بين من حصلوا على أحكام لارتكابهم الجرائم للمرة الثالثة ?? بالمائة، على الرغم من أنهم يمثلون ? بالمائة فقط من عدد سكان الولاية و?? بالمائة ممن أُلقي القبض عليهم. علاوةً على ذلك، تبلغ نسبة السود بين المحكوم عليهم بالإعدام في جميع أنحاء الولايات المتحدة ?? بالمائة. وفي بنسلفانيا، يمثل السود ??? سجينًا من إجمالي ??? سجناء محكوم عليهم بالإعدام، أي ما يعادل ?? بالمائة.
وقد تزايد التباين العرقي في إصدار الأحكام على نحو سريع منذ منتصف الثمانينيات من القرن العشرين وإعلان «الحرب على المخدرات». ففي الوقت الذي ارتفع فيه معدل السجن في سجون الولايات بتهم المخدرات بنسبة ??? بالمائة بين عامي ???? و????، ازدادت نسبة السجناء المدانين بهذه التهمة من الأمريكيين من أصل أفريقي بنسبة ??? بالمائة.
وليس من الصعب فهم السبب وراء ذلك. فعلى سبيل المثال، يفرض التشريع الفيدرالي أحكامًا أكثر قسوة بمعدل خمسة أضعاف لتهمة حيازة الكوكايين الصلب وبيعه، مقارنةً بالأحكام المتعلقة بمسحوق الكوكايين. وتسعون بالمائة ممن يُلقَى القبض عليهم في جميع أنحاء الولايات المتحدة لحيازتهم الكوكايين الصلب من الأمريكيين من أصل أفريقي، في حين أن ?? بالمائة ممن يُلقَى القبض عليهم لحيازتهم مسحوق الكوكايين يكونون من البيض. وثماني قضايا من بين كل عشر قضايا في المحكمة الفيدرالية تتضمن أمريكيين من أصل أفريقي، بينما تبلغ نسبة تورط هذه الفئة في قضايا مسحوق الكوكايين ?? بالمائة. وعلى الرغم من أن نسبة الأمريكيين من أصل أفريقي تقل عن ?? بالمائة من إجمالي عدد السكان، وأن نحو ?? بالمائة منهم يُلقى القبض عليهم لحيازتهم المخدرات، تبلغ نسبة هؤلاء بين المدانين بحيازة المخدرات ?? بالمائة وبين مَن يحصلون على أحكام في هذه القضايا ?? بالمائة.
(?-?) التوترات العنصرية داخل السجون

شهدت نسبة الملونين في السجون ارتفاعًا على مدى عدة عقود. ففي عام ????، بلغت نسبة البيض بين جميع الحالات التي دخلت السجون ?? بالمائة، بينما بلغت نسبة الأمريكيين من أصل أفريقي ?? بالمائة. وفي عام ????، كانت نسبة البيض الذين دخلوا إلى السجون ?? بالمائة، والأمريكيين من أصل أفريقي ?? بالمائة، والأمريكيين من أصل لاتيني ?? بالمائة.
وداخل السجون، تزداد نسبة الملونين بارتفاع مستوى الإجراءات الأمنية. فالسجون ذات الحد الأدنى من الإجراءات الأمنية تتضمن عددًا أكبر من البيض، بينما تشتمل السجون ذات الإجراءات الأمنية المشددة على عدد أكبر من الملوَّنين. والسجناء المودَعون في وحدات الحبس الوقائي يكون أغلبهم من البيض، بينما تبلغ نسبة السود وذوي الأصل اللاتيني في وحدات الحراسة المشددة ?? أو ?? بالمائة.
إن العِرق هو السمة المميزة للأفراد والجماعات خلف القضبان. والعزل الاختياري على أساس العرق لا يُصرَّح به عادةً، لكنه حتمي. فيخبرني الشباب من المجرمين أنهم حتى لو كان لديهم أصدقاء مُقرَّبون من أعراق مختلفة في الشوارع، فقد تعلموا سريعًا عند دخولهم السجن البقاءَ مع أبناء جنسهم. ويوضح لي أحد السجناء هذا الأمر قائلًا: «من الخطورة بمكان أن ترتبط داخل السجن بأشخاص يختلفون عرقيًّا عنك، حتى لو كنت على معرفة بهم خارج السجن.»
ويُصدَم المرء على الفور عند رؤيته التفرقة العنصرية الصارمة في ساحات السجون ذات الإجراءات الأمنية المشددة. فنجد في أحد أركان ساحة السجن السجناء السود يرفعون الأثقال، بينما يتجمع البيض في ركن آخر، وذوي الأصول اللاتينية يتبادلون أطراف الحديث أو يمررون كرة القدم بينهم في منطقة أخرى بالساحة. وفي أي وقت تنشب فيه التوترات أو يبدو أن عراكًا على وشك الحدوث، يسرع على الفور الشاردون والمنعزلون الذين كانوا يتجولون في الساحة فُرادى أو أزواجًا لينضموا إلى أقرب جماعة من أبناء جنسهم يمكنهم الوصول إليها. ويتعرض الكثير من السجناء المضطربين عقليًّا للمشكلات؛ لعدم تمكنهم من إدراك أن ثمة نزاعًا عرقيًّا على وشك الحدوث، ولعجزهم عن الانضمام إلى الجماعة التي ينتمون إليها بالفعل.
في إحدى وحدات الحراسة المشددة في إنديانا، تحدثت مع سجين أبيض مرسوم على ساعده وشم يحمل الحروف الثلاثة KKK (التي تشير إلى عبارة «كو كلوكس كلان» وهو اسم يُطلق على المنظمات المؤمنة بسيادة البيض على الأعراق الأخرى). قال لي هذا السجين: «لا أكِنُّ في الحقيقة أية ضغائن تجاه السود. لكنني أعتقد فحسب أنه من الأفضل أن يلتزم كل امرئ بالجماعة التي ينتمي إليها. وأرى أن كلا الجانبين يمارسان العنصرية. هناك ضابط أسود في دورية الصباح هو المسئول عن إخراجنا إلى ساحة السجن. هذا الضابط يجعل دائمًا السجناء البيض يخرجون إلى الساحة مبكرًا في الصباح؛ ما يجعلنا نتخلى عن الوقت الذي نقضيه في الساحة إذا شعرنا بالرغبة في النوم وقتًا أطول. لكنه على الجانب الآخر يرسل السجناء السود إلى الساحة في وقت متأخر من النهار كي يتمكنوا من النوم وقتًا أطول ويستمتعون أيضًا بالوقت المخصص للساحة. هذه الأمور الصغيرة هي التي تثير الغضب دومًا بين البيض والسود.» لا يوجد، في الواقع، في هذه الوحدة تحديدًا سوى ضابطين أو ثلاثة من أصل أفريقي، بينما تضم العشرات من الضباط البيض. لكن الفكرة هي أن العرق له أهمية كبيرة لدى الجميع. والسلوك العنصري قد يكون غير واضح. فعلى سبيل المثال، أخبرني سجين أبيض بحالات اتسم فيها ضابط معين بقدر أكبر من التساهل مع أحد السجناء البيض أو السود، بينما افترض سجين آخر أن السبب وراء ذلك يرجع إلى العرق؛ فبدأ الاثنان في الشجار، وأصدر الضابط ضدهم إنذارين لخرقهم القاعدة التي تحظر الشجار. وفي أحد السجون التي زرتها في ميشيجان، كان هناك صفان لتقديم الطعام في كافتيريا خاصة بالسجناء ككل. وكانت القاعدة غير المُفصَح عنها هي أن يقف السود في أحد الصفين ليحصلوا على الطعام الذي يقدمه لهم السود، بينما يقف البيض في الصف الثاني ليحصلوا على الطعام الذي يقدمه لهم البيض. والنتيجة الحتمية لذلك هي أن السود يشكون من أن كمية الطعام المقدمة في صف البيض أكبر من المقدمة إليهم، في حين يشكو البيض من أن كمية الطعام المقدمة في صف السود أكبر من تلك المقدمة إليهم.
وقد تكون التفرقة العنصرية واضحة للغاية أيضًا بحيث تعكس العلاقات العرقية السائدة في المجتمع. على سبيل المثال، في كثير من السجون يشغل السجناء البيض النسبة الأكبر من الوظائف والمهام ذات الدخل الأعلى مثل النجارة وصناعة الأدوات والمكعبات وصيانة الماكينات، في حين أن الوظائف الأقل شأنًا ودخلًا وقيمةً من حيث التدريب على الوظائف التي سيشغلها السجين بعد إطلاق سراحه — مثل العمل في كافتيريا ووظائف الحمَّالين وحرَّاس المباني — يشغلها غالبًا السجناء من الأقليات. فيتعلم البيض المهارات ويتولون عادةً مهام رقابية، في حين يُوكَل إلى السود والأقليات الأخرى أعمال أكثر وضاعة، ويحتلون مكانة أدنى في التسلسل الهرمي بالسجن، هذا إن حظوا بفرصة العمل في الأساس (تجدر الإشارة هنا إلى أن نسبة كبيرة منهم يخضعون للعزل الأمني).
والمواقف العنصرية من جانب الحرَّاس يمكن أن تتسبب في اضطراب ونزاع انفعالي لدى السجناء الملونين، على سبيل المثال: اعتاد أحد السجناء السود في أحد السجون ذات الإجراءات الأمنية المخففة على الخروج من البوابة الأمامية للسجن لأداء عمله المتعلق بتنظيف المكان المحيط بمبنى السجن وتهيئته. كان يخرج من السجن، ويؤدي عمله، ثم يدخل مرة أخرى إليه تحت إشراف مباشر من حارس أسود كان مسئولًا عن فريق عمله. وعندما كان يدخل من البوابة، كان يمر بجهاز لكشف الأدوات المعدنية، ويخضع للتفتيش عن طريق تحسس ملابسه، ثم يُسمَح له بالمرور. وفي أحد الأيام، وجد السجين حارسًا جديدًا أبيض اللون بدلًا من الحارس الأسود عند دخوله السجن بعد دورية عمله. فأمره ذلك الحارس الجديد بخلع ملابسه تمامًا والانحناء والمباعدة بين ساقيه.
أخبر السجين الضابط بأنه يمر كل يوم من البوابة، ولا يغيب عن نظر أفراد الأمن في أثناء وجوده بالخارج؛ ولذلك لا حاجة لخضوعه لهذا الإجراء. انصرف مشرف السجين إلى الردهة بضع لحظات، فصار السجين وحده مع الحارس الجديد. فتحدث معه الحارس بقسوة وقال له وهو يصر على أسنانه: «هل ترفض تنفيذ الأمر، أيها السجين؟»
قال لي السجين: «فعلت كل ما في وسعي لأمنع نفسي من الفتك به. لقد كان ذلك الضابط العنصري يحاول فقط إذلالي حتى أعرف مَن السيد في المكان. وكنت على وشك ضربه؛ لكنني لو كنت فعلت ذلك لأُودعت الحبس الانفرادي فترة طويلة جدًّا؛ ومن ثم أذعنت في النهاية للفحص.»
اتسم الرجل الذي أخبرني بهذه القصة بالاستقرار الانفعالي. لكن ماذا لو كان شخصًا يعاني اضطرابًا انفعاليًّا مُتقطِّعًا ويعلم أن السبيل الوحيد أمامه لتجنب الوقوع فريسة الغضب وتفكك الشخصية وما يترتب على ذلك من أوهام هو تجنب كل التفاعلات التي قد تثير غضبه. هذا الشخص ما كان ليجد سبيلًا لتجنب هذه المواجهة البغيضة مع الحارس، وكان استقراره العقلي سيتعرض على الأرجح للخطر.
يستخدم الضباط البيض الكثير من الوسائل غير الرسمية للتمييز ضد السجناء الملونين. على سبيل المثال، عندما تجوَّل فريق منظمة هيومن رايتس ووتش،2 الذي كنت أحد أعضائه، في وحدة الحبس الانفرادي بمؤسسة واباش فالي العقابية في إنديانا في يوليو من عام ????، اكتشفنا سجينًا أسود محبوسًا في زنزانة مغطاة برسوم جرافيتي عنصرية، امتلأت جدرانها بعبارات عنصرية كُتبت بأحرف بارزة مثل «السيادة للبيض» وكُتِبت على المرآة عبارة مسيئة للسود هي «اللعنة على جميع الزنوج!» فوق السرير، كان هناك رسم لشخص عنصري مُقنَّع ينتمي لمنظمة كو كلوكس كلان المناهضة للسود، إلى جانب صليب كبير معقوف. من الواضح أن هذا النوع من المعاملة يؤثر سلبًا على صحة السجين العقلية، ولا سيما إذا كان عرضة للإصابة بجنون الارتياب. أخبرنا هذا السجين بأنه نُقِل إلى هذه الزنزانة قبل ذلك اليوم بستة أيام، بعد أن دخل في جدال مع حارس أبيض. وسأل فريق المنظمة الضباط عن هذه الحالة، فكان الرد أن السجين نُقِل إلى هذه الزنزانة؛ لأنها كانت الوحيدة المتوافرة في ذلك الوقت. بالطبع، ليس جميع الحرَّاس عنصريين، والسجناء الملونون سرعان ما يقرُّون بأن بعض الحرَّاس عادلون جدًّا. لكنهم يشتكون، مع ذلك، من أن العُرف السائد بين ضباط السجن يجعل من الصعب للغاية على «الضباط الجيدين» التدخل عندما يتحرش «ضابط سيئ» بأحد السجناء أو يعامله بقسوة. ولقد أُخبِرت بحالات يثير فيها ضابط أبيض شجارًا عمدًا مع سجين أسود، فيحاول السجين الدفاع عن نفسه أو تحاشي الضربة، ويواصل الضابط الأبيض توجيه الضربات للسجين الأسود، ولا يتمكن الضابط الأسود الذي يشاهد كل ما يحدث من فعل أي شيء لإيقاف هذا الهجوم العنصري.
قلما وُجد في السجون التي تجولت فيها نوع من التدريب حول التنوع الثقافي والعلاقات بين الأعراق. ويجهل الضباط عادةً المصطلحات المتعلقة بالعلاقات العرقية. ويشكو السجناء الملونون باستمرار من أن الضباط البيض لا يفهمونهم، ولا يعرفون كيف يتحدثون مع السود أو ذوي الأصول اللاتينية. ويشعرون أيضًا بأن معظم موظفي السجن يتعاملون معهم باستعلاء ويطلقون عليهم أسماء مهينة. وعندما تُترَك العنصرية والتوترات بين الأعراق لتستشري، يزداد خطر تعرض السجناء من جميع الأعراق لكافة صور الهجوم والتحرش والهياج الانفعالي العنيف والاضطرابات العقلية.
(?-?) العِرق والعصابات

إن سياسات السيطرة على العصابات في السجون3 تزيد عادةً من التوترات العرقية. فعصابات السجون ليست لها قوائم بأسماء أفرادها؛ ومن ثم، يخضع تحديد السجناء الذين ينتمون للعصابات للتخمين من قِبل موظفي الأمن. ويحصلون على معلومات عن هذا الشأن من جهات تطبيق القانون في المجتمع، ويراقبون العلاقات بين السجناء في غرف التجمع وفي ساحات السجون، بالإضافة إلى حصولهم على معلومات ممن يشون بزملائهم في السجن. ويتبقى لهم بعد ذلك التخمين. ولا شك أنه في ظل هيمنة البيض على وظائف موظفي الأمن في السجون وسيادة الأقليات بين السجناء، تظهر الأفكار النمطية العرقية. ولا يدرك الكثير من الموظفين البيض المعنى الحقيقي للمصافحات المعتادة التي تحدث بين السجناء، ولا يفهمون جيدًا السبب وراء ارتباط الملونين بعضهم ببعض. فالسجين الأسود غير المنتمي لأية عصابات قد يرتبط بسجناء سود آخرين، بمن فيهم مَن يُعرَف عنهم انتماؤهم لعصابات معينة؛ لأن وجوده معهم أكثر أمانًا له من دخوله إلى نطاق ما يسيطر عليه ذوو الأصول اللاتينية أو البيض. وقد يتبادل السجين الأسود أيضًا المزاح مع أفراد العصابات ويصافحهم لمجرد أنهم جميعًا نشئوا في نفس الحي. لكن الحارس الأبيض، الذي لا يعرف الكثير من المعلومات عن السجناء، يستنتج على الأرجح أن التآخي والمصافحة يعنيان الانتماء إلى إحدى العصابات.
وعندما يخبر السجين الحراس — الذين يتهمونه خطأً بأنه ينتمي إلى إحدى العصابات — بأنه ليس عضوًا في هذه العصابات، يكون رد الحرَّاس عليه: «حسنًا، لا بأس. لكنك إذا لم تكن عضوًا في أية عصابة، يجب عليك إذن إخبارنا باسم شخص ما ينتمي إليها كي لا نلقي بك معهم في الحبس الانفرادي.» وإذا وشى السجين بأحد أفراد هذه العصابات، تعرَّض بشدة لمخاطر الانتقام منه؛ لذا، فإن السجين الذي يختار الوشاية يعطي الحراس عادةً اسم سجين منعزل عن الآخرين أو يعاني مرضًا عقليًّا، ويفتقر إلى العلاقات والقدرة اللازمتين للانتقام.
لا أعني بذلك أنه في حال وجود نظام موثوق به للتعرف بدقة على أفراد العصابات، يكون عزل هؤلاء السجناء في وحدات حراسة مشددة استراتيجية فعالة للتحكم في العنف بالسجون. وإنما أتفق في هذا الشأن مع الكثير من الباحثين في علم الإجرام، الذين يرون أن هذه الطريقة برمتها المتعلقة بالسيطرة على العصابات تعاني نوعًا شديدًا من القصور وتسفر عن نتائج عكسية. ومن النتائج المؤسفة للسياسات الهادفة لفرض الحجر على أفراد العصابات في وحدات الحراسة المشددة أن عددًا كبيرًا من السجناء المضطربين عقليًّا ينتهي بهم الحال حتمًا في هذه الوحدات، بينما يبقى الكثير من السجناء المنتمين للعصابات بالفعل خارجها. لكنني لن أتناول مسألة السياسات هنا. النقطة التي أريد إيضاحها الآن هي أنه فيما يتعلق بالانتماء للعصابات، تؤدي الأفكار النمطية العرقية إلى كثير من الخطأ في تحديد هوية المنتمين للعصابات.
يرى السجناء في وحدات الحراسة الأمنية المشددة أن الحراس البيض يُصنِّفون السجناء الملونين على أنهم أعضاء في عصابات دون توافر أدلة كافية على ذلك. ويخبرني السجناء الأمريكيون من أصل أفريقي، وذوو الأصول اللاتينية، أن الحراس البيض يخافون من الرجال الملونين الأشداء؛ لذا، ومثلما يفعل ضباط الشرطة في المجتمعات التي ينتمي إليها هؤلاء الحرَّاس، يتعاملون بقسوة مع أكثر الفئات التي يخشونها. وسواء أكانت التهم بالتمييز العرقي مُبرَّرة أم لا في كل حالة على حدة — إذ ثمة عدد من السجناء أعضاء بالفعل في عصابات — فمن الواضح تمامًا أن السياسات الهادفة لاحتواء العصابات تؤدي إلى زيادة نسبة الملونين في وحدات الإجراءات الأمنية والحراسة المشددتين.
ولقد سمعت الكثير من الاتهامات عن حراس يحثون السجناء الذين ينتمون لعرق معين أو عصابة محددة، على ضرب أو قتل سجناء ينتمون لعرق آخر أو عصابة أخرى. وتكون دائمًا كلمة السجناء في مقابل كلمة الحرَّاس. بيد أنه في بعض الحالات، تصل أدلة سوء المعاملة إلى وسائل الإعلام. على سبيل المثال، أذاع برنامج «ستون دقيقة» الأمريكي مقطع فيديو يوم ?? مارس عام ???? يظهر فيه الحراس في سجن كوركوران بكاليفورنيا ذي الإجراءات الأمنية المشددة، وهم يُرغِمون سجينين أسودين وآخرين من أصول لاتينية على الدخول إلى ساحة السجن والشجار؛ نظرًا لأنهم كانوا ينتمون إلى عصابتين متنافستين. وادُّعيَ أن بعض الحرَّاس في سجن كوركوران — بموافقة ضمنية من المشرفين عليهم — كانوا يُخرجون عن قصد سجناء يُعرف عنهم معاداة بعضهم الشديدة لبعض إلى الساحة في نفس الوقت، على الرغم من أن الحراس كانوا يدركون أن هؤلاء السجناء قد يتشاجرون حتى الموت، بل كانوا يتراهنون على نتيجة هذا الشجار.
في لقاء مع دكتور كوري وينستن، قال سجين مصارع4 فاز بإحدى عشرة مباراة في السجون: «لقد عرفت من الضباط أن هناك مراهنات مالية على فوزي، بل وشكرني بعضهم أيضًا؛ لأنني جعلتهم يجنون بعض المال.» وعندما كان يتضح مَن الفائز في مثل هذه المباريات، كان الحرَّاس يطلبون من السجناء التوقف على الفور. وإذا لم يتوقف السجناء عن الشجار في الحال، كان الحراس يطلقون عليهم النار. وأُطلِقت النار على أكثر من خمسين سجينًا على هذا النحو منذ افتتاح السجن عام ????، ولقي سبعة منهم مصرعهم. انزعج ضابطان من الأسلوب الذي أُجبِر به السجناء على الشجار والموت من أجل الترفيه عن الحرَّاس، فأبلغا مكتب التحقيقات الفيدرالي بما لديهما من معلومات. وادعى اتحاد ضباط شرطة السجون وإدارة المؤسسات العقابية بكاليفورنيا في ردهما على هذه الاتهامات أن الحرَّاس في كوركوران كانوا يتبعون فقط سياسة الإدارة؛ ولذا يجب عدم إدانتهم بسوء السلوك في العمل. وهذه نقطة مهمة، فإدارة المؤسسات العقابية تفصل عادةً بعض الضباط السيئين بعد أي حادث قد يدمر سمعة الإدارة. وبالادعاء أن الحراس في كوركوران كانوا يتبعون السياسة فحسب — المتمثلة في هذه الحالة في أمر توجيهي إداري صادر في عام ???? لوضع حد للفصل العنصري الذي كانت تشهده من قبل الساحات الخاضعة للحراسة المشددة — عرَّضت السلطات العقابية نفسها للتهمة المنطقية تمامًا بأن سياساتهم المتعمدة، وليس مجرد سوء التصرف من جانب الحرَّاس، هي التي أدت إلى النزاع بين الأفراد المنتمين لأعراق مختلفة ووفاتهم. وفي فبراير عام ????، اتهمت وزارة العدل الأمريكية ثمانية حراس بانتهاك الحقوق المدنية للسجناء في كوركوران.
(?-?) الافتقار إلى ملاذ يمكن اللجوء إليه

كانت أغلب القصص التي سمعتها من السجناء تسير على نفس المنوال تقريبًا: يتعرض سجين أسود للضرب على يد أحد الضباط البيض أو بعضهم، ويتهم الضابط السجين برفضه تنفيذ أمر ما وإهانته ضابطًا، فيشكو السجين من أنه قد تعرض للظلم من جانب ضباط عنصريين لأنه أسود. ويكون حكم لجنة الاستماع ضد السجين. ويُحكَم عليه بقضاء مدة في العزل العقابي.
ولجنة الاستماع، التي يقتصر أعضاؤها على موظفي السجن فحسب، يكون أغلبها من البيض. وهذا في حد ذاته لا يثبت الانحياز العرقي لإجراءات هذه اللجنة، وإنما مثلما أخبرني أحد السجناء مؤخرًا: «كيف لنا أن نضمن أن الضباط والمستشارين لا يتخذون قرارًا مسبقًا بأن أي سجين أسود يَمْثُل أمامهم مذنب لمجرد أن الضابط الذي كتب إنذارًا ضده أبيض؟ لن يكون أمامي أي سبيل للاعتراض على هذا النوع من العنصرية أو الاستئناف على قرارهم. فهم لا يسمحون لي حتى بإحضار سجين آخر كشاهد لي أو محامٍ للدفاع عني.»
لا ريب أن السجناء السود يهاجمون بالفعل في بعض الأحيان ضباطًا بيضًا. لكن ثمة حالات أخرى أيضًا يضرب فيها الضباط السجين ثم يتهمونه بإهانة ضابط كي يخفون جريمة ضربهم له. وإذا كانت هناك عملية استماع تأديبية عادلة، لتوقعنا أن يكون قرار هذه العملية ضد السجين مرة وضد ضابط السجن مرات أخرى. والحقيقة هي أنه في معظم السجون، تصدر نسبة تتراوح بين ?? و??? بالمائة من الأحكام ضد السجناء؛ ما يثير التساؤل بشأن عدالة هذا الإجراء. والأهم من ذلك أنه عندما يدرك معظم السجناء أن عملية الاستماع غير عادلة وأنه ليس لديهم حق حقيقي في الاستئناف، تستفحل صور الاستياء من العنصرية المتأصلة في هذه العملية، وتتأثر سلبًا الصحة العقلية للسجناء.
(?) الآثار الانفعالية السيئة للعنصرية

عندما يدخل السجناء الأمريكيون من أصل أفريقي أو لاتيني أو الأمريكيون الأصليون إلى السجون، ويرون الموظفين البيض المسئولين عن هذه الأعداد الكبيرة من الملونين، يتذكرون خبراتهم في المجتمع، مثل تعرضهم للضرب على أيدي ضباط الشرطة البيض، والإلقاء بهم في الحبس ظلمًا، واتهامهم بمقاومة الاعتقال. وتسفر التفرقة العنصرية عن صدمات لدى السجناء الأكثر استقرارًا، أما المعرضون لمخاطر المرض العقلي والانتحار، فتتضمن مضاعفات العنصرية لديهم التدهور العقلي الشديد وزيادة الميل نحو تدمير الذات.
(?-?) الخوف والغضب واليأس لدى السجناء المستقرين

يقول لي السجناء السود إنهم يخافون على حياتهم في بيئة السجن التي يملك الحراس البيض فيها السلطة المطلقة على كل حركة من حركاتهم، ولا يُعاقَب فيها أي ضابط قاسٍ عند قتله أحد السجناء أو تسببه في عاهة له. لا يعني ذلك، بالطبع، أن جميع الحراس عنصريون، لكن الحوادث التي تتضمن تمييزًا ضد السجناء الملونين متعددة على نحو يبرر لهؤلاء السجناء الخوف من سوء المعاملة نتيجة للعنصرية، وهذا الخوف يسفر عن أعراض نفسية.
على سبيل المثال، قال لي سجين أسود في نهاية الثلاثينيات من عمره، قضى اثني عشر عامًا في السجن، ويتوقع النظر في إطلاق سراحه المشروط بعد عامين آخرين: «هؤلاء الحمقى [الحرَّاس] يتحكمون تمامًا في حياتي، ويعترفون بكرههم للسود، والسبيل الوحيد للنجاة من ذلك هو الخضوع لهم في كل أمر والسماح لهم بممارسة ألاعيبهم.» فسألته إن كان الوضع يسبب له توترًا عصبيًّا، فأجابني قائلًا: أُصاب بنوبات أشعر فيها بأن قلبي يدق بعنف شديد كما لو كان على وشك الخروج من صدري، وأعجز عن التنفس، وأبدأ في رؤية أضواء، وأشعر بأنني سأُصاب بحالة إغماء. لا يمكنني أبدًا توقع متى سيحدث هذا الأمر. فلم أصب بمثل هذه النوبات قط قبل مجيئي إلى هنا. وأشعر دائمًا بالخوف من أن الضباط [الحرَّاس] سيتعرضون لي بسوء. ليس لدي أي فكرة عن الوقت الذي سيضربونني فيه أو يقتلونني! ففي إحدى المرات، ضربوا زميلي في الزنزانة ضربًا مبرحًا؛ ما جعله جليس الكرسي المتحرك منذ ذلك الحين. إنني أحاول فقط قضاء مدة عقوبتي بسلام حتى أتمكن من العودة إلى المنزل سليمًا.
يخبرني السجناء السود بأن ما يتعرضون له من إذلال يومي داخل السجن يذكرهم دومًا بالعبودية؛ فهم يُعامَلون كالحيوانات، ويُقيدون بالسلاسل في أثناء نقلهم، ويقف الحرَّاس بالبنادق فوق رءوسهم. وإذا اعترضوا على حارس عنصري سبَّهم بقوله: «أيها الزنجي!» أو أي شيء من هذا القبيل، فإنهم يتعرضون للضرب ومدة عقوبة طويلة في الحبس الانفرادي.
لا شك أن التعديل الثالث عشر للدستور الأمريكي قد ألغى الرق وحرر العبيد، لكنه تضمن بندًا يسمح بالعمل القسري كعقاب لارتكاب الجرائم. وقبل الحرب الأهلية الأمريكية، تضمنت السجون بالولايات الجنوبية عددًا قليلًا للغاية من الأمريكيين من أصل أفريقي؛ لأن مالكي الرقيق كان لهم الحق في تأديب عبيدهم على النحو الذي يرونه مناسبًا. لكن بعد إلغاء الرق، أُرسِلت على الفور أعداد كبيرة من العبيد السابقين إلى السجن، وكان ذلك في الغالب لجرائم بسيطة. وسُمِح أيضًا لأصحاب المزارع بتأجير المجرمين السود5 للعمل في حقولهم. وكان هذا الأمر في كثير من الحالات أسوأ من العبودية ذاتها؛ فمُلَّاك العبيد قبل الحرب كانوا يهتمون بالحفاظ على صحة عبيدهم، لكن مالكي المزارع كانوا يُنهكون قوى عبيدهم في العمل حتى الموت، ثم يطلبون بُدلاء لمن يمرضون أو يموتون؛ ومن ثم، لقي عدد هائل من المجرمين السود مصرعهم في أثناء عصر إعادة الإعمار جراء الإنهاك في العمل، أو الضرب، أو تعرضهم لظروف مناخية قاسية. ويشير السجناء الملونون إلى أنهم يشعرون بالضعف الشديد «كما لو كانوا عبيدًا». وهم يعلمون أنه ما من ملاذ يمكنهم اللجوء إليه عند تعرضهم للعنصرية. ويذكر البعض شعورهم بالإحباط والغضب، بينما يقول آخرون إنهم يعانون اليأس الشديد. والقاسم المشترك بين جميع هؤلاء السجناء هو الشعور بأنه ما من شيء أمامهم يمكنهم فعله للتخلص من محنتهم، فيستسلم بعضهم لمصيره. وهم يحاولون الحفاظ على سلامة قواهم العقلية بالبقاء على اتصال مع أسرهم والمجتمع والتخطيط لما سيفعلونه بعد إطلاق سراحهم، أو يدخلون في حالة من الخمول في زنزاناتهم ويقعون فريسة للاكتئاب. ويلجأ البعض الآخر لتصرفات تحدٍّ عاجزة. ويشير السجناء المستقرون نسبيًّا إلى معاناتهم من أعراض حادة نتيجة للتعرض للتفرقة العنصرية، مثل التوتر والاكتئاب ونوبات الهلع والرهاب والكوابيس وتوارد التجارب السابقة القاسية على الذهن وردود الفعل الغاضبة التي يصعب التحكم فيها، وما إلى ذلك.
نعرف من واقع الأبحاث التي أُجريت على اضطراب توتر ما بعد الصدمة أن الآثار السلبية للصدمة الحادة تزداد سوءًا باعتقاد الضحية أنها قد تعرضت لمعاملة ظالمة في أثناء تعرضها للصدمة. ولقد التقيت بسجين أسود حكمت عليه لجنة تأديبية في السجن بقضاء مدة في الحبس الانفرادي بسبب دخوله في مشاحنة مع أحد الحرَّاس. وقضى مدة العقوبة في الحبس الانفرادي، ثم استأنف على حكم اللجنة بمقاضاة إدارة المؤسسات العقابية في محكمة خارج السجن. سألته لماذا استأنف على الحكم باللجوء إلى إحدى المحاكم بينما استكمل بالفعل مدة عقوبته في الحبس الانفرادي؛ هل كان يريد تعويضًا ماليًّا؟ فهزَّ رأسه نافيًا، وأجابني: «أريدهم فقط أن يعترفوا بأن ما فعله ذلك الضابط معي كان ظلمًا، فإن اعترفوا فقط بذلك؛ فلن يهمني ما قضيته من وقت في الحبس الانفرادي بغير ذنب اقترفته.»
(?-?) الانهيارات الانفعالية لدى السجناء الأقل استقرارًا

إن السجناء الذين يعانون اضطرابات عقلية خطيرة يعانون صعوبة في التأقلم مع أفضل البيئات. أما في السجون، فلا يتمكنون على الإطلاق من التأقلم مع بيئتها. وإذا كان هؤلاء السجناء من السود أو من ذوي الأصول اللاتينية أو من الأمريكيين الأصليين، وكان هناك قدر كبير من العنصرية في المؤسسة العقابية، فسيكونون أكثر عرضة من غيرهم لتدهور حالتهم العقلية.
وللانهيار أنواع عِدة. لكنني سألقي بالضوء على اثنين منها فقط، وهما النوعان اللذان يظهران عادةً في لقاءاتي مع السجناء المضطربين عقليًّا من الملونين: (?) اليأس وفقدان الأمل المؤديان إلى الاكتئاب.
(?) الغضب المتزايد المؤدي إلى الذهان.
تنتشر حالة الاستسلام اليائس بين السجناء الملونين الذين يعانون اكتئابًا حادًّا. فلسان حال أحدهم يقول: «هؤلاء البيض الحقراء هم المسئولون، هم لا يحبونني لأنني أسود، ولا حيلة لي في هذا الأمر. لن يسمحوا لي أبدًا بالخروج من هنا.» مرة أخرى، من الخطأ الجسيم افتراض أن جميع موظفي السجون عنصريون؛ فعدد كبير منهم يفخرون بأنفسهم فيما يتعلق بعدلهم واهتمامهم بسلامة السجناء. لكنْ، هناك أيضًا بعض النماذج السيئة في كل مكان، وضابط عنصري واحد يجعل من الحياة اليومية للسجناء السود وذوي الأصول اللاتينية حياة بائسة للغاية. والسجناء المعرضون للإصابة بالاكتئاب، الذين يرون كل صور القهر العنصري التي تحدث من حولهم ويشعرون بأنهم لا ملاذ لهم على الإطلاق ولا سبيل للخلاص من محنتهم، يقعون عادةً فريسة للاكتئاب.
ومن أنواع الانهيار الأخرى الغضب المتزايد المؤدي إلى تفكك الشخصية. وعلى الرغم من أن معظم الأفراد المستقرين يصابون بالغضب ويتجاوزونه، يملك الأشخاص الذين يعانون الفصام وغيره من صور الذهان «أنا» ضعيفة للغاية، وعندما يبدءون في الشعور بالغضب، تبدأ «الأنا» لديهم في الانهيار. ويستمر الغضب في التزايد كما لو كان يتغذى على نفسه، ويعود السجين إلى سلوكيات أكثر بدائية، ويتزايد غضبه مع فقدانه تواصله مع الواقع. وعندما يتعرض أي سجين أسود، لديه ميل لهذا النوع من الغضب المدمر للذات وتفكك الشخصية، لهذه المعاملة العنصرية في أثناء وجوده في السجن يزيد احتمال تدهور حالته وإصابته بالذهان.
من الصعب للغاية التنبؤ بدقة بالأفراد الذين ستتدهور حالاتهم في ظل درجة معينة من التوتر، لكن نسبة هائلة من السجناء، الذين ينتمي أغلبهم للأقليات في وحدات الحراسة المشددة، مصابون بقدر هائل من الغضب والذهان. وعندما أتحدث مع أي سجين من هذه الفئة من السجناء، أسمع دائمًا نفس القصة عن أنه في طريقه إلى الجنون. فالسجين يدرك أنه يتعرض لسوء المعاملة، ويشعر بأن هذا الأمر جزء من العنصرية المتوغلة في نظام العدالة الجنائية. وتتكون لديه قناعة بأنه ما من شيء يمكنه فعله حيال ذلك، ويؤمن بأنه لن يجني أي شيء باتباعه القواعد والتحكم في غضبه؛ نظرًا لأنه لن يستمع إليه أحد، فيتزايد غضبه، ويفقد سيطرته على نفسه، ويتورط في المشكلات. ويُودع الحبس الانفرادي حيث يؤدي التكاسل والعزلة إلى ازدياد غضبه. وتتعرض حالته إلى مزيد من التدهور.
وتتنوع التفاصيل في كل حالة، لكن حتى عندما يكون السجين مصابًا بالأوهام، يمكن تمييز شيء من الحقيقة بشأن نوع من المعاملة العنصرية في لب مخاوفه. على سبيل المثال: السيد «بي» رجل أمريكي من أصول أفريقية طويل القامة مفتول العضلات يبلغ من العمر أربعة وثلاثين عامًا، قضى في السجن ما يزيد عن نصف مدة عقوبته البالغة اثني عشر عامًا محبوسًا في وحدات الحبس المشدد. وكان قد قضى بعض الوقت في مستشفًى للأمراض النفسية قبل دخوله السجن، حيث شُخِّصت حالته بأنها فصام ارتيابي. عندما تحدثت مع هذا الرجل، وقف منتصب القامة ونظر متوعدًا عبر فتحة إدخال الطعام الموجودة في الباب الصلب لزنزانته. وعندما سألته عن سبب حبسه في العزل الإداري، أجابني بأن الحرَّاس البيض يخافون منه.
سألته: «ولماذا يخافون منك؟»
فأجابني: «لأنني زعيم قبيلة أفريقية، وهم يعلمون أنه بإمكاني أن أستدعي أفراد قبيلتي في ساحة السجن وأطلب منهم قتل أي حارس يعاملني بازدراء.»
يتضمن الملف الأمني للسيد «بي» ملاحظة تشير إلى أنه بصق على أحد الحراس قبل لقائي به بشهر، وحصل على إنذار لإهانته ضابطًا. وعندما سألته عن الحادث، قال لي: «لم أهن أحدًا، وإنما هو الذي أهانني.» فسألته لماذا قد يتعمد حارس إساءة معاملته على وجه التحديد، فأجابني: «هذا حال الحرَّاس البيض، فهم يخشون قوتي، ويقولون إنني أنتمي إلى إحدى العصابات. لكنني لا أنتمي إلى أية عصابة، وإنما أنتمي إلى قبيلة، فأنا زعيم قبيلة أفريقية. والرجال البيض يأتون إلى أفريقيا ويسرقون الناس ليستعبدوهم؛ وقد أتيت إلى هنا لكي أعيدهم معي إلى أفريقيا، والحرَّاس يعلمون ذلك. وثمة حارس أسود في الوردية الليلية يعلم أنني زعيم؛ ولذلك يدعني وشأني. أما الحرَّاس البيض، فيحاولون الإيقاع بي، ويثيرون الشجارات دائمًا معي، ثم يدَّعون أنني هاجمتهم.»
ويُعلِّق أونيل ستاو،6 وهو سجين أبيض يتحلى بدرجة كبيرة من الوعي فيما يتعلق بالعلاقات العرقية في بيئة المؤسسات العقابية، على هذه المسألة قائلًا إنه على الرغم من أن السجناء السود يتعرضون بالتأكيد لمعاملة أكثر قسوة من البيض، فإن جميع السجناء يشهدون معاناة فيما يتعلق بالممارسات الظالمة والمتعسفة من جانب موظفي السجون. ويضيف: إن مشاهدة تعرض أحد رفاقك في السجن للمعاملة القاسية والتحرش من جانب … [حرَّاس السجن]، وحالات الضرب والتهديد والقتل والاغتصاب وغير ذلك يؤثر سلبًا على نفسيتك. وتبدأ في التساؤل بشأن السلطة التي تسمح بهذا النوع من الوحشية، وسرعان ما تتساءل عن المجتمع ذاته الذي يبدو أنه يغض الطرف عن مثل هذه الانتهاكات بالتزامه الصمت تجاهها. ويزداد الغضب والاستياء من نفاق نظام يدعي تمثيله للعدالة، لكنه في الحقيقة يعكس ظلمًا سافرًا كل يوم.
(?) الحصول على الخدمات العلاجية للصحة العقلية

عندما تُقدَّم خدمات الصحة العقلية في بيئة متعدد الأعراق، ولا سيما إذا كان مُقدِّم الخدمة أبيض والسجين/المريض الذي يحصل عليها من ذوي البشرة الملونة، فإن الموقف السريري يكون معقدًا؛ إذ يزخر بصور سوء الفهم وسوء التواصل.
ومن الأمثلة على ذلك أن الفرق بين «جنون الارتياب» و«الوعي الوقائي» يتعلق كثيرًا بلون البشرة. فحقيقة أن الطبيب السريري الأبيض يواجه صعوبة في فهم السبب وراء شعور السجين الأسود بالاضطهاد لها علاقة بحقيقة أن الرجل الأسود قد تعرض عادةً للإيقاف والتفتيش والتحرش من جانب الشرطة خارج السجن ومن الحرَّاس داخله، بينما يعتمد الطبيب السريري الأبيض على الشرطة سواء داخل السجن أم خارجه في حمايته. ويفترض الطبيب السريري الأبيض عادةً أن السجين الأسود مصاب بجنون الارتياب بشأن مدى انتشار العنصرية في السجن على الرغم من أن السجين الأسود لا يعبر إلا عن وعي وقائي بواقع أخطر مما يدركه الطبيب السريري الأبيض.
وتتدخل التفرقة العنصرية عادةً في اتخاذ القرار بمعاقبة الشخص أو إرساله إلى مُعالِج. يفصل معلمو المدارس الأطفال السود الفقراء فصلًا مؤقتًا بسبب السلوكيات المرفوضة ذاتها التي تؤدي إلى الإحالة لمُعالِج في حال كان المخطئ طفلًا أبيض من الطبقة المتوسطة. وبالمثل، عندما تُستدعَى الشرطة للسيطرة على رجل أسود غاضب يتصرف على نحو غريب، يلقون على الأرجح القبض عليه دون الوضع في الاعتبار احتمالية معاناته من اضطراب عقلي. وهؤلاء الضباط أنفسهم، عندما يُستدعون إلى أحد منازل الطبقة المتوسطة لاحتواء رجل يتصرف بعنف شديد، ينقلونه في الغالب إلى مستشفًى للأمراض النفسية.
يحصل الملونون الفقراء عادةً على قدر ضئيل للغاية من العلاج بالمحادثة، وعندما تتفاقم حالات العجز النفسي التي يعانونها لتصل إلى حد الحالات الطارئة، يُعالَجون عادةً في غرف طوارئ الحالات النفسية أو يتم إيداعهم في المستشفيات ليقيموا فيها فترات قصيرة للغاية. وعلى النقيض من ذلك، نجد أن البيض ميسوري الحال يزيد احتمال سعيهم للحصول على علاج نفسي عند وقوع أية أزمات لديهم ويتمكنون من الحصول عليها بالفعل، حتى إن وصِفت لهم أدوية في الوقت نفسه. بعبارة أخرى، ثمة ازدواج في المعايير في تقديم خدمات الصحة العقلية في المجتمع؛ إذ يُخصَّص العلاج بالمحادثة لميسوري الحال، بينما يحصل الفقراء على الأدوية ويودعون قسرًا في المستشفيات.
وفي السجن، توجد نفس الازدواجية في المعايير. فالحصول على الخدمات العلاجية يتوقف على إدراك الموظفين لفكرة أن السلوكيات المسببة للمشكلات — مثل العزل الذي يفرضه السجين على نفسه في الزنزانة أو خرقه للقواعد أو شجاره مع الآخرين — ترجع إلى حدٍّ بعيد إلى المرض العقلي. كذلك يجب على الموظفين معرفة أن السلوكيات المسببة للمشكلات ليست مجرد تلاعب من جانب السجين. ولقد توصلت إلى أن الحرَّاس يميلون إلى التعاطف مع السجناء الذين يشاركونهم نفس الخلفية الثقافية. على سبيل المثال، يشكو السجناء الملونون في العديد من السجون التي تجولت فيها من أن الحرَّاس يكتفون بمجرد توبيخ بسيط للسجناء البيض كعقاب لهم على نفس المخالفات التي يُودع من أجلها السجناء السود الحبس الانفرادي ليمكثوا فيه شهورًا. وأخبرني سجناء سود آخرون أيضًا أن السجين الأبيض المضطرب عقليًّا يُرسَل إلى برنامج صحة عقلية مريح نسبيًّا؛ لأن الموظفين يقررون أن انتهاكاته للقواعد ناتجة عما يعانيه من اضطراب عقلي، بينما يُرسَل السجين الأسود الذي يعاني نفس الاضطراب أو يخرق نفس القواعد إلى الحبس المشدد. ولا شك أن السجناء البيض يمثلون النسبة الأكبر في معظم برامج الصحة العقلية في السجون، بينما يمثل السجناء السود — بمن فيهم مَن يعانون اضطرابات عقلية حادة — الأغلبية في وحدات الحبس المشدد.
وحتى داخل وحدات الحبس المشدد، نجد أن السجناء الملونين الذين تظهر عليهم علامات المرض العقلي الشديد يزيد احتمال تعرضهم للتأديب بدلًا من تلقيهم العلاج المناسب. على سبيل المثال: فينسن، رجل أمريكي من أصل أفريقي، أُودِع وحدة الحبس الانفرادي بسجن بيليكان باي في كاليفورنيا. وقد ظهرت عليه أعراض نفسية واضحة. وأشارت الملاحظات في السجل الطبي السريري الخاص به إلى أن العديد من الأطباء السريريين كانون يميلون إلى أنه يعاني حالة نفسية ذهانية مليئة بالهلاوس والأوهام، لكن جميع هؤلاء الأطباء أضافوا أنه ربما كان يتمارض. وكانوا يضعونه تحت «الملاحظة» ويفكرون في نقله إلى وحدة داخلية للعلاج النفسي في سجن آخر. لكن لم تكن هناك متابعة لأيٍّ من هذه الملاحظات، وتُرِك فينسن في الحبس الانفرادي حيث تدهورت حالته وبدأ في تلطيخ نفسه بالغائط.
وفي يوم ?? أبريل من عام ????، لاحظ الحرَّاس البيض الرائحة، ودون أن يكلِّفوا أنفسهم عناء التحدث مع طبيب نفسي بشأن التدخلات البديلة الممكنة، قرروا التدخل بالقوة، فأمروه أولًا بالاستحمام. وعندما رفض، أخرجوه بالقوة من الزنزانة واصطحبوه إلى مستشفى السجن مكبلًا بالأغلال ودفعوه في حوض استحمام مليء بالماء شديد السخونة ويحتوي على الأقل على واحدة من المواد الكيميائية الكاوية. غمر العديد من ضباط السجن رأسه تحت الماء. وصرخ متألمًا، لكنهم تجاهلوا معاناته حتى أصيب بالإغماء ولزم عليهم إخراجه من حوض الاستحمام.
نتيجة لهذا الغمر الإجباري لفينسن، لوحِظ أن بشرته قد أصابها التقشر في الظهر والساقين والمؤخرة. وعانى حروقًا شديدة من الدرجة الثالثة تطلبت ترقيعًا للجلد بجزء كبير من جسده. وظل مع ذلك يعاني ندبات قبيحة المنظر. صدر حكمٌ لصالح فينسن في دعوى قضائية شخصية، وتم لفت انتباه المحكمة إلى قضيته في عدة دعاوى قضائية جماعية كبيرة، وصنَّفت منظمة العفو الدولية الحادث على أنه «تعذيب».
التقيت بفينسن بعد ذلك الحادث بستة أشهر، وأخبرني بأنه يعتقد أنه كان ضحية للتمييز العنصري. وأكد لي أنه رجل قد بلغ سن الرشد ولم يكن بحاجة لإجباره على الاستحمام. زعم فينسن أن ثمة مادة سائلة سامة وكوبًا من مادة على هيئة مسحوق قد سُكبا في الماء الساخن بحوض الاستحمام. وقد احتج على الغمر الوحشي بالماء الذي تعرض له، لكن الضباط استمروا في دفع رأسه تحت الماء. وعلى الرغم من أنه كان يعاني ألمًا شديدًا، لم يصرخ؛ لأنه لم يرغب في أن يقولوا عنه «جبان».
إن التمييز العنصري عند تقديم خدمات الصحة النفسية العلاجية ليس قاصرًا على السجناء الذين يعانون اضطرابات عقلية خطيرة. فالمُدانون البيض في جرائم إدمان المخدرات يزيد احتمال حصولهم على العلاج في المجتمع والمؤسسات العقابية على حدٍّ سواء، بينما يزيد احتمال إيداع المدانين السود السجن في مثل هذه الجرائم. وفي السجن، يقل احتمال إلحاق المدانين السود ببرامج إعادة التأهيل من إدمان المخدرات مقارنةً بالسجناء البيض. وقد أظهرت دراسة حديثة في كاليفورنيا7 أن ثلثي من تلقوا علاجًا من الإدمان كانوا من البيض، رغم أن سبعين بالمائة من المسجونين بجرائم تتعلق بالمخدرات كانوا من الأمريكيين من أصل أفريقي. وكشفت دراسة أخرى في نيويورك عن نتائج مماثلة. إن التمييز العرقي والعنصرية السافرة منتشران على نحو هائل داخل السجون. وحتى إن علم السجين أنه عرضة لفقدان السيطرة على انفعالاته كلما دخل في شجار عرقي، فليس بإمكانه تجنب المواقف التي يمكن أن تمثل خطورة. ويتضاعف تأثر السجناء الملونين بالتمييز العرقي خلف القضبان. كما تلعب العنصرية دورًا كبيرًا في ظهور الأعراض النفسية وتفاقمها لديهم، ويزيد احتمال حرمانهم من خدمات الصحة العقلية الملائمة مقارنةً بالسجناء البيض.
•••

ليست العنصرية الصورة الوحيدة للتسلط داخل المؤسسات العقابية. وسأتناول في الفصل التالي صور معاناة السجينات عندما يتم تجاهل احتياجاتهن الخاصة ويصبحن ضحايا للتحرش الجنسي.

الفصل الخامس
مشكلات خاصة بالنساء


إن الفروق بين الجنسين مهمة للغاية خلف القضبان، حيث تعاني السيدات من صدمات تختلف عن تلك التي يعانيها الرجال قبل دخول السجن. فتتم إدانتهن في جرائم لأسباب تختلف عن الأسباب التي يتم بها إدانة الرجال، كما يختلفن عن الرجال في احتياجاتهن وفي نوعية المشكلات التي يواجهنها في محاولتهن التكيف مع الحياة داخل السجن، وكذلك في ردود أفعالهن الانفعالية. وإذا أردنا فهم المشكلات الانفعالية التي تعاني منها الكثيرات من هؤلاء السجينات، فإن علينا أن نضع في الاعتبار خلفياتهن الحياتية، والعقبات التي تواجههن كأمهات في السجن، والحاجات الأخرى الخاصة بهن كنساء، وقواعد الانضباط الصارمة والظروف القاسية التي يضطررن إلى تحملها، والتحرش الجنسي الذي يرتبط بكونهن نساءً داخل السجن.
تتشابه سجون الرجال والنساء في عدة أوجه. فتمثل العنصرية مشكلة كبيرة في سجون النساء، شأنها شأن سجون الرجال بالضبط؛ إذ إن ما يزيد عن ?? بالمائة من السجينات في السجون الموجودة في الولايات الأمريكية وتلك التي تخضع لإدارة الحكومة الفيدرالية من ذوات البشرة الملونة، وتسع عشرة سيدة من بين الثلاث والأربعين المحكوم عليهن بالإعدام عام ???? كنَّ من أصل أفريقي أو لاتيني. هذا فضلًا عن أن وحدات العزل العقابي والحبس الانفرادي تتسبب في نفس الآلام والمعاناة لكلا الجنسين، ويتسبب نقص برامج التثقيف وإعادة التأهيل في صعوبة نجاح السجناء في المجتمع بعد إطلاق سراحهم.
لكن هناك أيضًا اختلافات بارزة بين السيدات والرجال خلف القضبان، بدءًا من أسباب حبسهم.1 فأغلبية الجرائم التي تؤدي بالنساء إلى السجن لا علاقة لها بالعنف — تصل نسبة هذه الجرائم إلى ?? بالمائة في بعض الولايات — و?? بالمائة منها تتعلق بالمخدرات. كما يقل احتمال ارتكاب السيدات لجرائم الاعتداء والقتل مقارنةً بالرجال. هذا بالإضافة إلى أن الرجال الذين يرتكبون جرائم العنف يعتدون غالبًا على غرباء، ويكون ذلك عادةً أثناء جريمة سرقة، أما السيدات فيعتدين على الأرجح على شخص يعرفنه. إحدى وخمسون بالمائة من إدانات النساء بجرائم القتل تتضمن قتلهن زوجًا أو حبيبًا، ويكون ذلك عادةً بعد تعرضهن للضرب أو الاغتصاب من جانب هذا الشخص. ونصف النساء اللاتي حُكِم عليهن بالإعدام على مستوى الدولة في الولايات المتحدة عام ????، وصلن إلى هذا الحال بسبب قتلهن زوجًا أو حبيبًا أساء معاملتهن. ونحو ?? بالمائة من النساء خلف القضبان كن ضحايا لجرائم عنف أسري واعتداء بدني أو جنسي في مرحلة ما من حياتهن قبل إدانتهن. ومعظم النساء اللائي سُجنَّ بسبب قتلهن زوجًا أو حبيبًا معتديًا لم يرتكبن أية جرائم سابقة. ويقل احتمال تكرار النساء المدانات بجرائم عنف لهذه الجرائم بعد إطلاق سراحهن مقارنةً بالرجال المدانين بجرائم مماثلة.
وتشير الدراسات إلى ارتفاع نسبة الإصابة بالاكتئاب بين السجينات2 مقارنةً بالسجناء. وربما يرجع ذلك فقط إلى أن الرجال يعبِّرون عن اضطرابهم الانفعالي من خلال التصرفات العدائية التي تلفت الانتباه بقدر كبير، بينما تعاني النساء من الاكتئاب في صمت. لكننا نعلم أيضًا أن التجارب التي تجعل من السجينات فئة متفردة — تلك التجارب تشمل معاناتهن تاريخًا طويلًا من إساءة المعاملة، والتزامهن الشديد بواجبهن كأمهات، وما يواجهن من صعوبات في المحافظة على تقديرهن لأنفسهن طوال فترة عقوبتهن في السجون المليئة بالمعاملة القاسية والتحرش الجنسي — تمثل أيضًا عوامل خطر كبيرة للإصابة بالاكتئاب وغيره من صور المعاناة الانفعالية. وعندما تصاب السجينات باضطراب انفعالي خطير؛ تتسبب صور القصور في خدمات الصحة العقلية داخل السجن في تعرضهن لمشاق هائلة. (?) الفروق بين الجنسين

في كثير من الأحيان تصبح الفروق الموجودة بين الجنسين خارج أسوار السجن أكثر وضوحًا بعد دخول السجن. على سبيل المثال، نسبة كبيرة من المُدانات في جرائم يكنَّ أمهات معيلات ويتكفلن برعاية أسرهن وحدهن. وعند دخولهن السجن، يؤدي انفصالهن عن أطفالهن إلى مكابدتهن آلامًا هائلة.
ومن المشكلات الأخرى التي تواجه السجينات عدم الاهتمام بهن فيما يتعلق باحتياجاتهن الخاصة، بل وإساءة معاملتهن أيضًا في هذا الشأن. فلا يمكنهن ارتداء ما يشأن من ملابس، أو التمتع بالخصوصية التي اعتدن عليها. ولا يمكنهن أيضًا التواصل على نحو جيد مع أقرب الناس إليهن. وتستنزف هذه الأمور وغيرها من مظاهر الحرمان قواهن بمرور الوقت؛ فيشعرن بالوحدة، ويُصَبْنَ بالحزن أو الغضب أو يتخلين عن مشاعرهن ويقعن فريسة الاكتئاب.
ونظرًا لأن لوائح السجن ونظم التصنيف به قد وضِعت للرجال في المقام الأول، فإن تطبيقها على سجون النساء قد يكون له نتائج عكسية وخيمة. فهناك لوائح وإجراءات في السجن لكل شيء تقريبًا، بما في ذلك الأماكن التي يمكن للسجينات السير فيها ومقدار الوقت الذي يمكنهن البقاء فيه وحدهن. هذا فضلًا عن العدد المتنامي بسرعة من اللوائح المتعلقة بطول شعر السجينات، والثقوب والوشوم المسموح بها، والحدود المفروضة على أغراضهن التي يمكنهن الاحتفاظ بها. وكلما ارتفع مستوى التصنيف الأمني للسجينة، زادت القيود المفروضة عليها. لكن عند تطبيق اللوائح ونظام التصنيف الموضوع للرجال في الأساس على السيدات، الأمر الذي يتسبب في تجاهل احتياجاتهن الخاصة واستخدام القوة المفرطة للتحكم فيهن؛ فإنهن يعانين من مشقة شديدة لا داعي لها. وإذا كانت المرأة عرضة لاضطراب انفعالي من أي نوع، تؤدي الظروف عادةً إلى تفاقم حالتها.
(?-?) النساء والأطفال

ثمانون بالمائة من السجينات لديهن أطفال. وسبعون بالمائة من السجينات اللائي لديهن أطفال هن أمهات معيلات، و?? بالمائة حظين بحضانة أطفالهن قبل دخولهن السجن. وقد قيل لي إنه من الصعب والمؤلم للغاية أن تكون الأم في السجن. بالنسبة إليَّ كرجل، لا يمكنني معرفة هذا الأمر إلا من خلال الاستماع إلى قصص السيدات، أو تصوُّر الجحيم الذي يمثله السجن لأي أم. فكيف يمكن لهن البقاء على اتصال بأبنائهن وهن محبوسات؟ كيف يمكنهن حماية هؤلاء الأطفال من أي مكروه قد يحيق بهم؟ ولذا، فإن مزايا الزيارات يكون لها معنًى خاص عندما تكون هي الوقتَ الوحيد الذي يمكن للأم رؤية أبنائها فيه. ويعتمد الاستقرار النفسي للأم على معرفتها بأن أبناءها يتلقون رعاية جيدة.
ستة بالمائة من المدانات يدخلن السجن وهن حوامل، ويضعن أبناءهن داخل السجن. وتعاني رعاية الأمهات الحوامل في معظم سجون النساء من قصور شديد. فقد توصل استطلاع حديث لسجون النساء بالولايات الأمريكية إلى أن ?? بالمائة من هذه السجون تقدم للسيدات الحوامل نفس الطعام الذي يُقدَّم لجميع السجينات، وهو الطعام الذي يمثل نظامًا غذائيًّا غير صحي على الإطلاق للأمهات. هذا فضلًا عن النقص الشديد في توافر العلاج النفسي للسيدات اللاتي فقدن أطفالهن أو أُجهِضن داخل السجن.
وتتعرض غالبًا السيدات اللاتي يضعن أطفالهن داخل السجن لضغوط من أجل التخلي عن هؤلاء الأطفال للتبني. ويُجبَرن على التخلي عنهم بمجرد ولادتهم، فيما عدا عدد قليل نسبيًّا من السجون التي يُسمَح فيها للسيدات بالإبقاء على مواليدهن. وإذا لم يحالفهن الحظ بالعثور على أحد أقاربهن ممن يمكنهم تربية الطفل، يضطررن للتخلي عن الطفل ليتبناه أشخاص لا علم لهن بهم. ربما لا تكون هناك سياسة مكتوبة تفرض على السجينات التخلي عن حقوقهن كأمهات، لكن عندما يضغط موظفو السجن على أية سيدة حامل للتخلي عن حضانة طفلها عن طريق الادعاء أن الطفل سيكون أفضل حالًا بكثير مع عائلة أخرى، بينما تعاني السجينة الحامل في الوقت نفسه شعورًا بالخزي وتأنيب الضمير وعدم احترام الذات، تشعر بأنها مُجبرة على الإذعان لهذه الضغوط والتخلي عن حضانة طفلها.
لكن هناك بعض الاختلافات بين الولايات الأمريكية فيما يتعلق بالسجينات اللاتي يضعن أبناءهن داخل المؤسسات العقابية. على سبيل المثال، تحتوي مؤسسة بيدفورد هيلز العقابية في نيويورك على برنامج لحضانة الأطفال يقدم لبعض السيدات اللاتي يلدن في السجن الفرصة للاحتفاظ بأطفالهن في السجن مدة عام واحد للسماح بنشوء رابطة بين الأم والطفل. لكن في معظم الولايات، حتى تلك التي يوجد بها حضانة للطفل وبرنامج يسمح للأمهات بقدر كبير من التواصل مع أطفالهن الصغار، يستحيل لنسبة كبيرة من الأمهات الحصول على هذه الميزة نظرًا للنقص في الأماكن وشروط القبول بالبرنامج. على سبيل المثال، في كاليفورنيا هناك ما يقل عن اثني عشر مكانًا مخصصًا للسجينات الأمهات في وحدات إقامة خاصة، حيث يمكنهن الإبقاء على أطفالهن الصغار معهن وتلقي تدريب على الأمومة، وأية سجينة ليست مُصنَّفة في فئة المخاطر الأمنية المنخفضة للغاية تُحرَم من المشاركة في هذا البرنامج.
أما فيما يتعلق بالسيدات اللاتي يكون لديهن أطفال بالفعل عند دخولهن السجن، فإن أكبر مشكلة يواجهنها هي إيجاد وسيلة للحفاظ على سلامة وتماسك أسرهن في أثناء وجودهن خلف القضبان. وفي حال وجود أب لهؤلاء الأطفال، تشعر الأم بالقلق بشأن استمرارية علاقتهما الزوجية. وقد تقلق أيضًا من انحرافه أو شربه للخمر وإساءته معاملة الأطفال. أما الأمهات المعيلات، فيواجهن مشكلة فقدان أطفالهن تمامًا. فقد يأخذهم أحد الأقرباء أثناء وجود الأم في السجن، أو قد يخضعون لوصاية المحكمة. هل سيكونون على ما يرام؟ هل سيعودون إلى أمهاتهم؟ تؤرق هذه الأسئلة الأمهات طوال فترة عقوبتهن. وإذا كانت الإجابات كئيبة، فسيصبن على الأرجح بالخزي والاكتئاب والنزوع لتدمير الذات.
من ناحية أخرى، يقل احتمال تلقي الأمهات السجينات لزيارات من أطفالهن مقارنةً بالرجال؛ وذلك لأن الأم، عندما تكون غير سجينة، تجلب الأطفال عادةً لرؤية آبائهم المسجونين. لكن عندما تدخل الأم نفسها السجن، تفقد حضانتها للأطفال، وقد لا يكون هناك مَن يُحضِر الأطفال لرؤيتها. وثمة مشكلات هيكلية أيضًا تجعل من الصعب على السيدات البقاء على اتصال مع أطفالهن. فعدد سجون السيدات أقل من سجون الرجال؛ ولذلك تبعد هذه السجون عادةً عن مسكن السجينة. وتنقل أيضًا بعض الولايات والنظام الفيدرالي السيدات إلى خارج الولاية بسبب نقص الأسرَّة الخاصة بهن. وقد «تستأجر» إحدى الولايات مكانًا في سجون ولاية أخرى. ويُصعِّب ذلك، بلا شك، من بقائهن على اتصال بأحبائهن.
تعاني الكثير من السيدات من الاكتئاب بسبب فقدانهن لأطفالهن وتفكك عائلاتهن. توضح جيرالدين،3 وهي سجينة سابقة، هذا الأمر قائلةً: على الرغم من أنني كنت بحال جيدة في السجن، كنت أصير كل ستة أو تسعة أشهر في حالة نفسية سيئة للغاية. كنت أتعرض لاكتئاب شديد بسبب عدم رؤيتي لطفلي وأسرتي، وكانت حاجتي الشديدة إلى الحرية سببًا في كآبتي. بعد قضاء فترة في السجن، لا تستطيع تحمل الحبس. فأنت معزول تمامًا عن كل شيء. لكنني كنت محظوظة؛ إذ جاءت أسرتي لزيارتي ثلاث أو أربع مرات في العام. وتولت شقيقتي الكبرى وزوجها تربية طفلي منذ كان في الثانية من عمره، ومن النِّعم التي تمتعت بها أنهما سمحا لي دائمًا بأن أكون جزءًا من حياته. لقد رأيت سيدات يكسرن سماعات الهاتف لرفض المتحدث معهن السماح لهن بالتحدث لأطفالهن؛ إذ كانوا يقولون لهن إنهم لا يرغبون في وجودهن بحياة الطفل مرة أخرى.
لكن ثمة قصورًا هائلًا في علاج هذا النوع من الاكتئاب داخل السجون. فكما هو الحال في سجون الرجال، قد تُعطَى السيدات اللاتي يعانين الاكتئاب أدوية ذات تأثير نفساني، لكنهن لا يحصلن إلا على قدر ضئيل للغاية من الإرشاد النفسي أو العلاج الجيد. وفي أي مؤسسة أو مركز للعلاج السريري خارج السجون، كالمستشفيات النفسية أو برامج الإقامة، يمثل التواصل مع اختصاصي اجتماعي جزءًا محوريًّا من علاج الأمراض العقلية لدى السيدات المكتئبات. فمن المفترض أن اكتئاب المرأة يتعلق كثيرًا بدورها كأم، وإذا كانت غير قادرة على التواصل كثيرًا مع أطفالها، يمكن على الأقل للاختصاصي الاجتماعي التواصل مع هؤلاء الأطفال وإعلام الأم دائمًا بأحوالهم. لكن في السجن، يكون التواصل مع الاختصاصيين الاجتماعيين أمرًا نادرًا للغاية. وحتى في الحالات التي من المحتمل أن تتعرض فيها المرأة للإجهاض أو فقدان طفلها، وتكون في أمس الحاجة لنوع من التفاعل الكلامي مع متخصص كفء، لا يتوافر لها سوى قدر ضئيل من المساعدة.
(?-?) المظهر والخصوصية الفردية وتقدير الذات

أوضحت لي تجربة خضتها مؤخرًا بوصفي شاهدًا خبيرًا في إحدى الدعاوى القضائية المتعلقة بالسجون بعض الأمور بشأن الحاجات الخاصة للسجينات ومشكلاتهن. فقد تقدمت بشهادتي بوصفي خبيرًا نفسيًّا بشأن الآثار السيئة المحتملة على صحة السجناء العقلية لأمر توجيهي بسياسة جديدة مُقترَحة يفرض على السجناء في ميشيجان ارتداء زي موحد والتخلي عن كل أغراضهم. وقد استمرت قضية كين ضد إدارة المؤسسات العقابية بميشيجان — وهي دعوى قضائية جماعية تقدم بها ?? ألف سجين و???? سجينة في سجون الولاية — عشر سنوات. وكانت نتيجةُ هذا الإجراء القانوني حتى الآن منعَ الولاية من تطبيق هذا الأمر التوجيهي الخاص بالسياسة الجديدة تطبيقًا تامًّا. زعم السجناء أن الزي الموحد المفروض من الولاية غير ملائم على الإطلاق لمناخ ميشيجان. وإذا طُبِّق هذا الأمر التوجيهي الجديد، فسوف يُجبَر السجناء كذلك على التخلي عن كل أغراضهم التي لا تتسع لها حقيبة رياضية كبيرة (للسجناء المحبوسين في سجون ذات إجراءات أمنية مشددة أو فائقة التشديد) أو حقيبة رياضية كبيرة وصندوق أحذية صغير (للسجناء المحبوسين في سجون ذات إجراءات أمنية منخفضة أو متوسطة).
ستفرض السياسة الجديدة كذلك قيودًا على أغراض السجناء بطرق أخرى. على سبيل المثال، سيلزم على السجناء شراء أغراض جديدة بالكامل يختارونها من كتالوج للشراء عبر البريد الخاص بالشركة الوحيدة التي توافق عليها إدارة المؤسسات العقابية لتوريد مستلزمات السجناء. ولن يتمكن السجناء بعد ذلك من جعل أسرهم يرسلون إليهم الملابس أو أي أغراض أخرى، ولن يتمكنوا كذلك من شراء ملابس مستعملة أو جعل أسرهم يتسوقون من أجلهم لشراء أشياء أرخص ثمنًا. علاوةً على ذلك، إذا نُقِل السجين إلى جهة ذات مستوًى أعلى من التصنيف الأمني، مثل وحدات الحبس المشدد، وكان الحكم الجديد في صالحه عند استئنافه على الحكم الصادر ضده وأُرسِل مجددًا إلى مؤسسة ذات مستوًى أمنيٍّ أقل، فسيفقد كل أغراضه ويجب عليه شراء أشياء جديدة. ولا شك أن هذه السياسة ستشكل مشقة هائلة على السجناء ذوي الموارد المادية المحدودة.
في إطار إعدادي لشهادتي في قضية كين ضد إدارة المؤسسات العقابية بميشيجان، طلبت من السجناء الثمانية ممن يتولون الدفاع عن أنفسهم (بالتعاون مع المحامين المكلفين بالقضية) إرسال استطلاع للآراء لعدد من السجناء كي أتمكن من تحديد ما يعتقد السجناء أنهم سيُضطرون إلى التخلي عنه من أغراض عند تفعيل السياسة الجديدة، وكيف سيؤثر عليهم ذلك. وأُرسِل الاستطلاع بالفعل إلى سبعين سجينًا في أربع وعشرين مؤسسة عقابية وعشرين سجينة في ثلاث مؤسسات. وقد تحمس السجناء للغاية بشأن إمكانية رواية ما لديهم من قصص، فتلقيت ردودًا من ??? رجلًا و??? امرأة، حيث اختلس سجناء كثيرون النظر إلى النسخ التي كانت مع زملائهم، وكتبوا إجاباتهم المُرقَّمة على ورق أبيض. يا له من دليل على رغبة الأفواه المُكمَّمة في استماع الآخرين إليها!
تعطي إجابات السجناء عن الاستفتاء فرصة لفهم بعض مخاوفهم، بالإضافة إلى إدراك تأثير السياسة الجديدة على صحة السجناء العقلية. فتوقع كلٌّ من الرجال والنساء أنهم سيضطرون إلى التخلي تقريبًا عن نفس الأغراض، مثل الأوراق القانونية، وإطارات الصور والألبومات، والشرائط والتسجيلات الموسيقية والتثقيفية، والمعدات الرياضية مثل كرات اليد وأحزمة رفع الأثقال، والآلات الموسيقية، وأدوات الرسم والأدوات الخاصة بممارسة الهوايات، والمصنوعات والكتب الدينية، والصابون ومستلزمات الحمام، والكثير من الملابس مثل معاطف الحماية من الأمطار وملابس الحمام والأحذية والملابس الرياضية والأشياء التي لها قيمة عاطفية بالنسبة إليهم.
لكن كان هناك اختلافات جوهرية بين الجنسين تجلَّت في ردود السجناء على الأسئلة المتعلقة بما سيشعرون به عند فقدانهم معظم أغراضهم واضطرارهم ارتداء زي موحد. فتضمَّنت معظم إجابات الرجال مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام والافتراض أن السجن سيكون أقل أمانًا بكثير؛ لأن كل الرجال سيشعرون بنفس هذه المشاعر السلبية. أما النساء، فتضمنت أغلب إجاباتهن تراجع الشعور بقيمة الذات وفقدان الهوية والاكتئاب والخزي والانعزال والشعور بالتعرض للانتهاك. وهذه الاختلافات بين الجنسين ليست بالأمر الغريب؛ فمن المعروف أن الرجال يستجيبون عادةً للصدمات بالتصرف على نحو عدواني، بينما تميل النساء إلى كبت مشاعرهن السلبية والإصابة بالاكتئاب.
تشترك جميع النساء في مخاوف رئيسية محددة بشأن الملبس والزينة والمظهر. ففي الوقت الذي اشتكى فيه الرجال من أنهم لن يتمكنوا من المشاركة في الألعاب الرياضية والعمل الشاق؛ لأنهم لن يكون لديهم سوى زي واحد فقط بينما يكون الآخر في المغسلة، عبَّرت النساء عن مخاوف أكثر تحديدًا تعلقت غالبًا بتقدير الذات والشعور بالامتهان. فكتبت إحدى السيدات تقول: قد يذهب البعض إلى أن تقدير الذات والهوية لا يعتمدان على الملبس والمظهر. لكنني أختلف قطعًا مع هذا الرأي. فارتفاع تقديري الحالي لذاتي، الذي ناضلت من أجله، يرتبط ارتباطًا وثيقًا باهتمامي بمظهري، فيما يتعلق باختياري لملابسي ومستحضرات التجميل التي أستخدمها وموقفي تجاه نفسي بوجه عام. وفقدان القدرة على الاهتمام بنفسي ورعايتها في هذه الجوانب الأساسية من شأنه تدمير الذات.
ثمة سيدة أخرى، تبلغ من العمر خمسة وأربعين عامًا وتقضي عقوبة مدتها ثمانية وعشرين عامًا — ولا يجوز لها أن تطلب إطلاق سراح مشروط إلا بعد مرور ستة أعوام — في سجن ذي إجراءات أمنية منخفضة، كتبت فيما يتعلق بشعورها تجاه الاضطرار إلى التخلي عن أغراضها أن هذا سيجعلها تشعر: «بالغضب، والمعاملة غير الإنسانية، والاكتئاب، والعزلة، وعدم الحب، والإهمال، وفقدان الأنوثة، وفقدان الخصوصية الشخصية.» وفي ردها على السؤال المتعلق بالتخلي عن ملابسها الشخصية واضطرارها إلى ارتداء الزي الموحد، قالت: «سيصدمني ذلك ويزعجني كثيرًا؛ فلم يتبقَّ لي شيء في حياتي يخصني سوى هذه الأغراض. كل شيء أحببته فقدته، أسرتي ومنزلي وحريتي. والأشياء الوحيدة التي أملكها في حياتي الآن ولسنوات عدة قادمة هي القليل من الملابس البالية التي أشعر بالارتياح في ارتدائها. إنها حقًّا الرابط الوحيد الذي يربطني بالإنسانية ويحول دون قهر هذه البيئة القاسية لي!»
ذكرت السجينات، كذلك، على نحو متكرر في إجاباتهن حالات الاعتداء التي تعرضن لها قبل دخولهن السجن، على الرغم من عدم وجود سؤال يتعلق بمسألة العنف الأسري. على سبيل المثال، ردًّا على نفس السؤال المتعلق بالتخلي عن الملابس الشخصية، كتبت سيدة تبلغ من العمر سبعة وأربعين عامًا وهي أم لطفلين محكوم عليها بالسجن المؤبد لقتلها زوجها الذي اعتاد الاعتداء عليها: في أثناء زواجي الذي دام سبعة عشر عامًا، صارت حالتي النفسية أشبه بحالة أسرى الحروب. فقد مررت بأمور عدة أفقدتني تقديري لذاتي، بما في ذلك إخباري بما ينبغي عليَّ ارتداؤه وأين أرتديه وكيف. لكن في أثناء وجودي بالسجن، حققت أمورًا كثيرة من بينها شعوري بقدر من الاستقلالية بشأن قدرتي على اتخاذ قراراتي الشخصية، مثل ما أرتديه كل يوم. وإذا أُخِذت مني ملابسي، أخشى أن أعود إلى ما كنت عليه من التدهور العاطفي والعقلي والنفسي، وأن أعيش من جديد تلك المشاعر السيئة التي عشتها طوال كل تلك السنوات التي استمر فيها زواجي والتي تعرضت فيها للاعتداء من جانب زوجي. إذا حدث هذا التدهور بداخلي، فأظن أنني قد ألحق الضرر من جديد بشخص ما مستقبلًا ربما أعتقد أنه يعتدي عليَّ.
وكتبت هذه السيدة نفسها ردًّا على سؤال آخر: لا أستطيع الحصول على مقاسي من حمَّالات الصدر، وإن حصلت عليها، فإنها لا تمنحني الدعم الكافي الذي أحتاجه. تحصل سيدات أخريات على حمَّالات مستعملة [سيتضمن الزي الموحد الذي سيصرفه السجن للسجناء ملابس داخلية، على أن يستبدل السجناء بملابسهم المتسخة ملابس أخرى نظيفة، لكن ليس ملابس شخصية خاصة بهم من المغسلة]، ويجعلني ذلك أدرك أن إدارة المؤسسة العقابية لا يمكنها منح السيدات ملابس مناسبة لهن. والملابس زرقاء اللون التي يقدمها السجن إلينا مليئة بالثقوب والتمزقات، وقد صُمِّمت للرجال؛ ويعني ذلك أنها لا تتناسب مع السيدات.
كما كتبت سيدة أخرى تبلغ من العمر تسعة وأربعين عامًا ولديها ثلاثة أبناء: تسمح السياسة الجديدة بحذاء واحد فقط … عدم ارتدائي أية فساتين أو تنورات يسبب لي أزمة أخرى في حياتي. فعندما أذهب إلى الكنيسة، أُضطر إلى ارتداء البنطال لعدم امتلاكي الحذاء الذي يمكنني ارتداؤه مع الفستان. وقد تعلمت منذ صغري أن السيدات يرتدين الفساتين عند ذهابهن إلى الكنيسة. أشعر بقدر هائل من الإحراج والذنب لذهابي إلى الكنيسة بالبنطال.
تتمزق هويتي عند إجباري على ارتداء ملابس الرجال؛ فأنا امرأة، وأرغب في ارتداء ملابس النساء. والقمصان والبنطلونات التي تقدمها الولاية لنا خاصة بالرجال. والسياسة الجديدة لا تسمح لي إلا بامتلاك تي شيرت رجالي أبيض. وعندما ترتدي السيدات هذا التي شيرت، تظهر بوضوح حمَّالات الصدر من تحته. والسجن يديره في الغالب رجال؛ ما يجعلني أشعر بالاغتصاب البصري في كل مرة أرتدي فيها هذا التي شيرت الأبيض. ونظرًا أيضًا لأن ثديي كبير الحجم، أشعر بالإحراج لعلمي بأن حمَّالات الصدر التي أرتديها ظاهرة للعيان. فقد تعلمت أنا وأخواتي في أسرتي أن من المهين للمرأة الكشف عن ملابسها الداخلية.
عندما أدليت بشهادتي في قضية كين ضد إدارة المؤسسات العقابية بميشيجان، قرأت بعضًا من ردود السجناء على استطلاع الرأي وأوضحت كيف أن تعليقاتهم السردية تعكس ما توضحه لنا الأبحاث السريرية. على سبيل المثال، عند تجاهل احتياجات النساء باستمرار، فإنهن يشعرن عادةً بالانتهاك والقهر؛ وتكون النتيجة هي تعرضهن للانهيار الانفعالي.
أثناء تأليفي لهذا الكتاب، كان القضاء لا يزال ينظر في قضية كين. وعلى الرغم من أن القاضي قد سمح للولاية بتنفيذ بعض الأجزاء من هذه السياسة القاسية، فقد منح السجناء في الوقت نفسه بعض التسهيلات بشأن أمور معينة. على سبيل المثال، أصدر هذا القاضي أمرًا للولاية بالسماح للسجناء بالاحتفاظ بمعاطفهم وقفازاتهم. لكن لا يزال السجناء في العديد من الولايات الأخرى مجبرين على شراء كل ملابسهم من كتالوجات معتمدة، وقص شعورهم قصات قصيرة، والتخلي عن الهدايا التي تُرسَل إليهم من منازلهم، بالإضافة إلى إجبار النساء على ارتداء ملابس الرجال وحمَّالات الصدر المستعملة.
(?-?) التصنيف والانضباط

صُمِّمت سجون النساء بناءً على تصميم سجون الرجال؛ أو بالأحرى يمكن القول إن سجون النساء جاءت كإضافة لسجون الرجال. فحتى فترة مبكرة من القرن العشرين، كانت سجون النساء لا تزال مجرد أقسام منفصلة في سجون الرجال. وفُرِضت على النساء القواعد نفسها التي طُبِّقت على الرجال؛ الأمر الذي لا يزال مُتبعًا حتى الآن. على سبيل المثال، على الرغم من أن مستوى العنف أقل بكثير في سجون النساء، وعلى الرغم من انعدام محاولات الهرب تقريبًا فيها، تودَع النساء اللاتي يخرقن اللوائح في وحدات حبس مشدد صُمِّمت في الأساس من أجل الرجال شديدي العنف. ولا أؤيد هنا استخدام القوة المفرطة والعزل مع الرجال. لكن مما لا شك فيه أن استخدام نفس القدر من القوة مع النساء يعد خطأً فادحًا.
يتم حفظ النظام في السجون عن طريق نظام تصنيف معين وإجراءات تأديبية واضحة. و«النقاط» التي تحدد التصنيف الأمني للرجال هي نفسها التي تُطبَّق عادةً على السجينات. على سبيل المثال، تصدر حاليًّا أحكام طويلة جدًّا في مدتها في جرائم لا يترتب عليها ضحايا مثل حيازة المخدرات. ويعني ذلك أن المرأة، التي لديها سجل إجرامي سابق — يتمثل في حالة الكثير من النساء في جنح بسيطة مثل تزوير الشيكات أو سرقة المتاجر أو التشرُّد — ويصدر ضدها حكم طويل في قضية مخدرات، تُرسَل إلى سجن ذي إجراءات أمنية مشددة، حتى لو لم تكن قد أُدينت من قبل بأية جريمة عنف، ولم تخرق أية قواعد في المؤسسات العقابية، ولا تمثل بأي شكل من الأشكال خطرًا فيما يتعلق بالهروب من السجن. وعند إرسالها إلى سجن ذي إجراءات أمنية مشددة حيث الظروف الأكثر قسوة، تبتعد أكثر عن منزلها وأبنائها، وتُجبَر على أن تكون أكثر كسلًا وانعزالًا مما يمكن أن تكون عليه في مستوًى أمني أقل. وقسوة الظروف، والنقص النسبي في الأنشطة الهادفة، وزيادة العزلة، كل ذلك له آثار نفسية مدمرة.
يمكن كذلك لأنظمة التصنيف أن تؤثر سلبًا على النساء بطرق أخرى عديدة. فالنطاق المحدود لأنظمة سجون النساء معناه توافر خدمات وبرامج أقل، بما في ذلك خدمات الصحة العقلية؛ ومن ثم، يستلزم الأمر نقل النساء من مكان إلى آخر أكثر مما يحدث مع الرجال عند تغيير المستوى الأمني أو البرنامج المفروض عليهن. على سبيل المثال، تتوافر خدمات الصحة العقلية في سجون ولاية ميشيجان للرجال بجميع مستويات التصنيف الأمني، بينما لا تتوافر سوى خدمات الصحة العقلية المهمة فقط للسجينات المحبوسات في سجون من المستوى الأمني المشدد الرابع والخامس. ويعني ذلك أن السجينة الموجودة في سجن ذي إجراءات أمنية منخفضة، وتعاني من انهيار انفعالي، لا بد من نقلها إلى مستوًى أمني أعلى بكثير في حال خضوعها للعلاج النفسي؛ وبذلك، ستفقد وظيفتها في السجن بالإضافة إلى ميزات أخرى كثيرة، مع أنها لم تقترف أي ذنب.
أما فيما يتعلق بالإجراءات التأديبية، فاللوائح المُطبَّقة على النساء تكون عادةً أكثر عددًا من تلك المطبقة على الرجال، وتتعلق بأمور أبسط بكثير. على سبيل المثال، هناك لوائح تتعلق بالحفاظ على نظافة الزنزانة أو التصرف على نحو لائق على مائدة الطعام. ويبدو الأمر كما لو كانت النساء يخضعن لمراقبة أكثر إحكامًا فيما يتعلق بالانحراف عن السلوك الأنثوي المقبول. وتشير النساء، كذلك، إلى أن الحرَّاس يتعاملون معهن كما لو كن أطفالًا صغارًا، فيطلقون عليهن «الفتيات السيئات» أو «الفتيات» فحسب. وتتلقى السجينات استدعاءات تأديبية أكثر من الرجال. لكن استدعاءات النساء تتعلق في الغالب بانتهاكات ثانوية للوائح، وهي الأمور التي لا تصدر ضد الرجال استدعاءات من أجلها. أما الرجال، فتصدر ضدهم هذه الاستدعاءات لانتهاكات أكثر خطورة بكثير مما ترتكبه النساء. وعلى النقيض من الرجال، الذين يغضبون من هذا النوع من المراقبة الشديدة والاهتمام بأمور تافهة، تصاب غالبًا النساء اللاتي يتعرضن لهذا النوع من الإجراءات التأديبية بمشاعر حادة من الخزي والتوتر والاكتئاب.
وعلى الرغم من أن معظم النساء في السجون ذات الإجراءات الأمنية القوية خرقن العديد من اللوائح الثانوية ولم تصدر ضدهن أية إنذارات بشأن أعمال عنف أو انتهاكات خطيرة، توجد وحدات حراسة مشددة للنساء في كثير من الولايات. وكما هو الحال في سجون الرجال، ما إن تُقام هذه الوحدات حتى يكون مآل السجينات المضطربات عقليًّا إليها بشكل أو بآخر، ويسفر العمل والتكاسل عن مزيد من التدهور في حالتهن الصحية.
بل إن إدارات المؤسسات العقابية في بعض الولايات تجري عمليات إخراج قسري للسيدات من الزنزانات في وحدات الحراسة ذات المستوى الأمني القوي والمشدد. ولك أن تتخيل اقتحام خمسة حرَّاس ضخام البنية زنزانة ما خلف دروع من البلاستيك المقوَّى لإخضاع امرأة! مجرد التفكير في هذا النوع من الوحشية يجعل السيدات يشعرن بالخوف على حياتهن. وعلى الرغم من أن القلق واضطراب الهلع لا تتضمنهما لائحة «الاضطرابات العقلية الخطيرة»، فقد التقيت بعدد كبير من السيدات اللائي يعانين من قلق مُعمَّم ونوبات هلع حادة في وحدات الحراسة ذات المستوى الأمني القوي والمشدد. ولا شك أن الوحشية البدنية ليست الاعتداء الوحيد الذي تخشاه النساء في السجن.
(?) التحرش الجنسي

عندما يتولى موظفون رجال مسئولية سجينات سيدات، وتسمح البنية الهندسية والسياسات الخاصة بالسجن لهؤلاء الموظفين بمراقبة الأنشطة اليومية للسجينات في عنابر السجن والتدخل دائمًا فيها — أو تتطلب فعل ذلك — تكون هناك حوادث يومية من التحرش الجنسي. وفي السجون التي يكون فيها التحرش الجنسي سافرًا، يقل أو ينعدم الملاذ الذي يمكن للضحايا اللجوء إليه.
ونظرًا لأن الكثير من النساء لديهن تاريخ سابق من التعرض للاعتداء البدني والجنسي في أثناء طفولتهن ولدرجة من العنف الأسري أو الاغتصاب وهن بالغات، تسفر الحوادث المروِّعة التي يتعرضن لها أثناء مدة عقوبتهن بالسجن عن إحياء الصدمات السابقة داخلهن وإثارة ردود فعل انفعالية قوية لديهن. والنساء المعرضات للإصابة بالذهان يمكن أن يتمثل رد فعلهن في الإصابة بانهيار كامل. ومَن يعانين من اضطراب توتر ما بعد الصدمة، يكون رد فعلهن عادةً في صورة توارد للتجارب القاسية السابقة على أذهانهن، فضلًا عن الكوابيس. وتشير السيدات اللاتي لديهن استعداد للإصابة بالاكتئاب إلى أن تجاربهن الصادمة في السجن تؤدي إلى إصابتهن بحالات اكتئاب خطيرة.
(?-?) المراقبة الشاملة في المؤسسات العقابية للنساء

ثمة توجه في تصميم السجون الحديثة يهدف إلى إخضاع السجناء للمراقبة الشاملة. فوضع كبائن مراقبة بين مجموعات الزنزانات يُمكِّن الضابط الموجود في الكابينة من مراقبة جميع السجناء مراقبة مباشرة والتحكم في تحركاتهم عن طريق فتح الأبواب وغلقها بالتحكم عن بُعد. ويستند هذا الابتكار الهندسي إلى نظرية «المراقبة الشاملة» التي وضعها جيرمي بنثام،4 وتتمثل في تصميم السجون على نحو لا يترك للسجناء أي مكان يمكنهم الاختباء فيه من المراقبة. فرأى بنثام أن السجين، الذي يُجبَر على الخضوع لمراقبة كاملة سيتخلى في النهاية عن أساليبه الإجرامية الملتوية ويصبح مواطنًا ليس لديه ما يخفيه. واعتقد ميشيل فوكو أن أهم تأثير للمراقبة الشاملة هو إثارة حالة داخل السجين تتمثل في «إدراك أنه مراقب دائمًا مما يضمن حالة من الممارسة التلقائية للسلطة والهيمنة عليه.» ولهذا التصميم بعض المزايا الأمنية قصيرة المدى. لكن الخطر الذي تنطوي عليه هو نقص الخصوصية، الذي يؤدي إلى مشاق كثيرة لدى السجناء. من العوامل الخطيرة الأخرى في سجون النساء وجود حرَّاس من الرجال. حتى الستينيات من القرن العشرين، كان الرجال يمثلون أقليةً بين الموظفين في معظم سجون النساء، ولم يكن يُسمَح لهم بالتواصل مع السجينات إلا في ظل وجود إشراف. لكن في أعقاب صدور قانون الحقوق المدنية الأمريكي لعام ????، وغيره من التشريعات المتعلقة بالمساواة في التوظيف، بدأت نسبة الموظفين الرجال بالسجون في الارتفاع. وصارت الآن نسبة الرجال إلى النساء بين ضباط السجون في سجون النساء اثنين إلى واحد على الأقل.
وقد اكتشفتُ وجود الكثير من السجناء المصابين بجنون الارتياب في وحدات الرجال المُصمَّمة للمراقبة المباشرة والكاملة، وأخبرني هؤلاء السجناء بأن تدهور حالتهم الصحية بدأ بشعورهم بالانزعاج بسبب مراقبتهم طوال الوقت. أما في سجون النساء، فإن المراقبة الشاملة تعني أن الحرَّاس الرجال يمكنهم في أغلب الأحيان رؤية السيدات وهن عاريات أو على المرحاض أو أثناء الاستحمام. وفي حالة كون الحرَّاس يبيتون شرًّا للسجينات، يكون هذا الوضع مناسبًا لتحرشهم الجنسي بهن. لكن حتى لو لم يكن الحرَّاس يبيتون شرًّا للسجينات، ولا سيما إذا كُنَّ قد تعرضن في السابق في حياتهن لاعتداء من جانب الرجال تم التعدي خلاله على خصوصيتهن على نحوٍ سبَّب لهن الصدمات، فإن الافتقار إلى الخصوصية في هذه الحالة يمكن أن يكون مهينًا ومخزيًا.
على الجانب الآخر، يشكو السجناء الرجال عادةً من وجود ضابطات أمن في الطوابق التي توجد بها زنزاناتهم. ويذكرون في بعض الأحيان أن وجود هؤلاء السيدات يتسبب لهم في بعض الإحراج عند استخدام المرحاض، لكنهم لا يذكرون قط تحديق الضابطات فيهم وهم عراة. ولقد رأيت، في الواقع، سجناء يستحمون أثناء وجود ضابطات في الخدمة، لكن في هذه الحالة يُعيَّن ضباط رجال لمراقبة الحمامات، أو يُطلَب من السجناء ارتداء أردية الحمام عند سيرهم من وإلى مكان الاستحمام. وينزع السجناء الرجال أيضًا ملابسهم في بعض الأحيان عن قصد أمام الموظفات من النساء. وسمعت كذلك عن حالات يمارس فيها السجين — عادةً يكون سجينًا يعاني اضطرابًا عقليًّا خطيرًا — الاستمناءَ في أثناء مرور إحدى الضابطات أمام زنزانته. لكن في معظم السجون، يُقابَل التعري والسلوك الفاحش من جانب السجناء الذكور بعقوبات قاسية.
والإجراءات التي تُتخَذ لاحترام حياء السجينات في ظل وجود حرَّاس من الرجال في الخدمة أقل بكثير من تلك التي تُتخَذ في سجون الرجال. هذا فضلًا عن زيادة النزعة لدى الحرَّاس الرجال لاستغلال سلطتهم والتحرش بالسجينات. وقد أخبرتني إحدى النساء في سجن ذي إجراءات أمنية مشددة أن هناك حارسًا واحدًا يتولى عادةً خدمة الحراسة في الطابق الموجودة به زنزانتها في نوبة العمل المسائية. وتدخل السجينات إلى زنزاناتهن في المساء، بينما يتجوَّل هذا الحارس في الممر الموجود أمامهن. وتضيف هذه السجينة: «يبدو أنه في كل مرة تستخدم فيها سجينة المرحاض أو تبدأ في خلع ملابسها للنوم، يقف هذا الحارس أمام الزنزانة للتحديق فيها. ويقوم في بعض الأحيان بحركات بذيئة ويتلفظ بتعليقات جنسية فجَّة. الأمر مقزز للغاية، وليس بيدك شيء تفعله حياله؛ لأن السلطة كلها في يد هذا الحارس.»
ليس كل موظفي السجون من الرجال يتحرشون بالسجينات. فيشير الكثير من النساء إلى أن دماثة خلق حرَّاس رجال بأعينهم كانت من العوامل الرئيسية الداعمة لهن أثناء مدة عقوبتهن في السجن. لكن هناك جوانب هيكلية معينة في البرنامج المعمول به في سجون النساء تجعل من التحرش الجنسي حادثًا يوميًّا، حتى عندما لا يقصد الرجال التعدي على النساء. فإلى جانب التوجه لإخضاع السجينات للمراقبة الشاملة، هناك أيضًا إجراءات التفتيش المهينة. ولا شك أنه عندما يستغل أي حارس سلطته للتحرش الجنسي بإحدى السجينات، يكون هناك تعمد غير مُبرَّر للأذى؛ وهذا أمر شائع الحدوث للغاية وفقًا لما أسمعه من السجينات. وسياسات تفتيش السجينات (من التعسف في التفتيش، وسهولة استخدام الموظفين لهذا الإجراء كوسيلة للعقاب والتحرش بالسجينات اللاتي يعتبرونهن مثيرات للمشكلات، وعدم توافر ملاذ للسجينات اللاتي يشعرن بأنهن يتعرضن لمعاملة غير عادلة) تخلق بيئة مواتية لحدوث حالات تحرش جنسي واغتصاب دون اكتشافها.
ويتعين على السجينات أن يخضعن لعمليات التفتيش البدني في أي وقت من اليوم نهارًا أو ليلًا. ويمكن للضباط أن يطلبوا من السجينة خلع ملابسها والخضوع لفحص المواضع الحساسة من جسدها في الحال. ولا شك أنه عندما تجثو أية سجينة على الأرض لتفتيش المواضع الحساسة من جسدها، يكون هناك احتمال كبير لتعرضها للاعتداء. وإذا تحرش الحارس بثدي المرأة في أثناء ذلك، أو قضى فترة طويلة في فحص جسدها، فلا يكون أمام هذه السجينة الكثير لتفعله دون أن تتعرض لخطر إصدار إنذار ضدها لرفضها تنفيذ أمر ما أو لازدرائها ضابطًا.
والتفتيش البدني بتعرية الجسم وفحص المواضع الحساسة من الجسد في سجون النساء، ولا سيما في وجود رجال أو مشاركتهم في الإجراء، يؤدي إلى سيادة حالة من الترهيب والازدراء تشير ضمنًا إلى التساهل الرسمي مع التحرش الجنسي والاغتصاب. هناك تدابير أمنية معينة ضرورية في السجون، لكنني سمعت من عدد كبير من الموظفين والسجينات على حدٍّ سواء أن معظم حالات التفتيش بتعرية الجسم وفحص المواضع الحساسة منه يمكن التوقف عنها دون تعريض أمن المؤسسة العقابية لأي خطر.
ولما كانت نسبة كبيرة من السجينات قد تعرضن في الماضي لانتهاك بدني وجنسي، فإن المعاملة المسيئة والمتسلطة والمهينة التي يتعرضن لها كسجينات تصبح مألوفة إلى حدٍّ بعيد لديهن. فهن يتعلمن من التجارب القاسية التي مررن بها أن المقاومة تؤدي في كثير من الأحيان إلى مزيد من الاعتداء. لذا، فإن النساء اللاتي تعرضن لصدمات متكررة في حياتهن لا يدافعن عادةً عن حقوقهن؛ لأنهن يحاولن جاهدات التأقلم مع الحياة في السجن ويشعرن بضرورة التغير من جانبهن. لكن ثمن هذا الشعور بالتأقلم يتمثل في كثير من الأحيان في حالة مستمرة من الشعور بالخزي وكراهية الذات والاكتئاب.
التقيت في إحدى المرات بسيدة أمريكية من أصول أفريقية في بداية الثلاثينيات من عمرها، كانت تقضي مدة عقوبة ثانية في جريمة حيازة مخدرات، وكان ذلك في أحد سجون النساء ذات الإجراءات الأمنية المشددة. أخبرتني هذه السجينة أنها تخرجت في الجامعة وكانت تعول نفسها وطفلها إلى أن أُدينت وأُودعت هذا السجن: لكنهم في السجن يتبعون كافة السبل لمعاملتك كما لو كنت طفلًا صغيرًا، وإهانتك، والتعامل معك كما لو كنت شخصًا سيئ الخلق، إلى أن تفقد كل رغبتك في مجابهتهم وتنسى أن لك تفكيرك المستقل، وتقول لهم في النهاية: «حسنًا، أعتقد أن ما تقولونه عني صحيح بالفعل.» وبعد ذلك، ونظرًا لأنك تعتمد عليهم كليةً — حتى في جلب فوطة نسائية في أثناء الدورة الشهرية — تأمل، بعد اعترافك لهم بأنك شخص سيئ ولديك الاستعداد للخضوع لهم، أنهم على الأقل سيهتمون بك ولا يتركونك تموت جراء الإهمال.
(?) مشكلات الصحة العقلية

على الرغم من أن انتشار الاضطرابات العقلية الخطيرة متماثل تقريبًا بين الرجال والنساء، فهناك بعض الاختلافات في هذا الصدد بين الجنسين. على سبيل المثال، تشير أبحاث الأوبئة إلى أن النساء في المجتمع العادي تزيد معدلات معاناتهن من حالات اكتئاب تصل في خطورتها إلى درجة تستوجب تدخلًا متخصصًا مقارنةً بالرجال، بالإضافة إلى معاناة نسبة أكبر من النساء من أعراض نفسية مترتبة على الاعتداء الجنسي والبدني. ومن الصعب الوصول إلى معدلات انتشار دقيقة في هذا الشأن؛ نظرًا لأن النساء أكثر سعيًا للحصول على مساعدة متخصصة مقارنةً بالرجال. وفي السجن، تنطبق نفس الفروق بين الجنسين، لكنها تكون أكثر وضوحًا. ويكون من الأصعب أيضًا تحديد معدلات الانتشار بين النساء نظرًا للقصور الشديد في عملية التشخيص.
(?-?) الاكتئاب

من الواضح أن النساء في السجن أكثر عرضة للاكتئاب، بينما يزيد ميل الرجال للانفعالات الغاضبة التي تؤدي بهم إلى الحبس المشدد. ولا شك أن هناك استثناءات في كلتا الحالتين. فقد ذكرتُ في الفصل الثاني من هذا الكتاب أن عددًا كبيرًا من الرجال يتراجعون إلى زنزاناتهم التماسًا للحماية، ثم يعانون الاكتئاب. وبعض السيدات يغضبن ويلجأن إلى العنف. لكن نظرًا لأن السيدات يتعلمن منذ مرحلة مبكرة من حياتهن كبت سخطهن واستيائهن والابتعاد عن المشكلات، يقل عدد من يلجأ منهن في السجن إلى العنف مقارنةً بالرجال، بينما يزيد احتمال معاناتهن في صمت مقارنةً بالرجال، بل إنهن لا يطلبن علاجًا للأمراض العقلية التي يعانين منها.
وإذا حاولنا استكشاف الأسباب التي تؤدي إلى إصابة أية سجينة بالاكتئاب أو القلق، يجب وضع الكثير من الأمور في الاعتبار: هل لا تزال السجينة تعاني من الآثار الناجمة عن اعتداء جنسي تعرضت له قبل أن تصل إلى مرحلة المراهقة؟ وهل تسببت المخدرات، التي لجأت إليها أملًا في النسيان، في تعرضها لتلف دماغي واضطراب عقلي دائمين؟ وهل تسببت كل حوادث الضرب التي تعرضت لها على يد زوجها في تعرضها لاضطراب مزمن لتوتر ما بعد الصدمة يبدو كما لو كان اكتئابًا؟ وهل يستحوذ عليها التفكير في الشخصية البغيضة التي صارت عليها بارتكابها الجريمة التي تُعاقَب عليها ودخولها السجن وانفصالها عن أطفالها؟ وهل تشعر بالقلق من أنها لن تتمكن أبدًا من مسامحة نفسها إذا حدث مكروه لأطفالها؟
لا ريب أن انتشار اضطراب توتر ما بعد الصدمة بين السجينات أعلى بالتأكيد من انتشاره في المجتمع. والحياة الزاخرة بالاعتداء الجنسي والبدني تؤدي إلى شعور حاد بالاغتمام. لكن مجموعة كبيرة من النساء، اللاتي يعانين من أعراض ما بعد الصدمة تُشخص حالتهن خطأً من قِبل موظفي رعاية الصحة العقلية على أن لديهن «شخصية هستيرية» أو يعانين «اضطراب الشخصية الحدية». وعندما تتخذ المرأة موقفًا وتعبر منفعلة عن انزعاجها واستيائها من سوء الخدمات التي تتلقاها، يستبعد موظفو رعاية الصحة العقلية حالتها باعتبارها «مجرد شخصية حدية أخرى تحاول التلاعب بهم للحصول على مزيد من الاهتمام». ونظرًا لأن موظفي رعاية الصحة العقلية المُثقَلين بالأعباء في المؤسسات العقابية يُنصَحون بتجنب تعريض وقتهم للهدر من جانب السجناء المتلاعبين الذين يعانون اضطرابات في الشخصية، والاكتفاء بعلاج مَن يعانون «أمراضًا عقلية خطيرة»، فإن تشخيص الشخصية الهستيرية أو اضطراب الشخصية الحدية يجعل من غير الوارد أن تحصل المرأة على أي خدمات جيدة فيما يتعلق بصحتها العقلية. بعبارة أخرى، هذا نوع من التشخيص الفضفاض تُدرج تحته النساء اللاتي يتعرضن للصدمات أو لا يحصلن على علاج كافٍ داخل السجن.
(?-?) الاضطراب المعقد لتوتر ما بعد الصدمة5

بعد علاج عدد كبير من النساء الناجيات من الاعتداء البدني والجنسي المتكرر، توصلت الطبيبة النفسية جوديث هيرمان إلى نتيجة مفادها أن هؤلاء السيدات تُشخَّص حالاتهن في أحيان كثيرة بأنها اضطراب في الشخصية، بينما يُغفَل السبب الحقيقي وهو اضطراب توتر ما بعد الصدمة. فسواء صُنفت حالة هؤلاء السيدات بأن لدى إحداهن شخصية «ماسوشية» أو «هستيرية» أو «انهزامية» أو «حدية» أو تعاني من «اضطراب الجسدنة»، يميل مقدمو الرعاية إلى لوم الضحية على تعرضها للاعتداء المتكرر، كما لو كانت شخصيتها الضعيفة أو المعيبة هي السبب وراء الصدمات التي أُجبِرت على التعرض لها. وتقترح هيرمان فئة تشخيصية جديدة للناجيات من الاعتداء المتكرر ممن تتضمن الأعراض المزمنة لديهن كلًّا من الاكتئاب الحاد والتقلقل الانفعالي والشكاوى الجسدية المتعددة والغضب الشديد. وهذه الفئة التشخيصية هي اضطراب توتر ما بعد الصدمة المُعقد. فبمجرد إدراك أن الصدمات المتراكمة من الماضي هي السبب وراء حالة الاغتمام الحالية التي تعاني منها المريضة، يمكن منحها فرصة لتحقيق قدر يسير من الأمان في حياتها والتحدث عن صدمات الماضي وهي في طريقها للتعافي.
تزداد عادةً اضطرابات توتر ما بعد الصدمة تعقيدًا بتعاطي المخدرات، وفي نسبة كبيرة من الحالات، يعتبر ممارسو رعاية الصحة العقلية تعاطي المخدرات المشكلة النفسية الوحيدة التي يعانيها المريض، ويهملون الصدمات السابقة والحالية التي يعانيها. وتلجأ الكثيرات من السجينات إلى المخدرات والكحوليات لمنع توارد التجارب القاسية السابقة على أذهانهن ولتخدير الألم في المقام الأول. وإذا لم تُكتشف الذكريات الصادمة الدفينة ولم يتم التعامل معها، فثمة احتمال كبير أن تعود هؤلاء السيدات إلى تعاطي المخدرات والكحوليات بعد إطلاق سراحهن من السجن.
وبالمثل، فإن المقابلات التي تُجرَى مع العاهرات والنساء اللاتي يتعرضن للضرب على نحو متكرر تكشف كثيرًا عن تعرضهن لاعتداء جنسي وبدني متكرر منذ الطفولة المبكرة. وإذا لم يُكشَف عن هذا التاريخ من الاعتداءات، فمن المرجح أن تعود هؤلاء السيدات بمجرد إطلاق سراحهن إلى العلاقات السيئة التي أدت بهن إلى خرق القانون ودخول السجن.
(?-?) غياب العلاج

تقتصر الكثير من خدمات الصحة العقلية في السجون على طبيب نفسي واحد يقوم بزيارات دورية للسجن لوصف أدوية ذات تأثير نفساني قوي. وقد يكون هناك أيضًا عدد قليل من اختصاصيي علم النفس ممن يقضون معظم وقتهم في إجراء الاختبارات النفسية من أجل المحاكمات ومجلس إطلاق السراح المشروط، وطاقم التمريض الذين ليس لديهم من الوقت الكثير لتقييم الحالات الطارئة وتقديم الأدوية للمرضى. لكن ليست هناك فرصة أمام أية امرأة تعرضت لقدر كبير من الصدمات وتشعر بالاكتئاب أو الغضب للتحدث والتعبير عن ذكرياتها الصادمة في سياق علاجي.
ونحن نعلم ما يحتاجه الأشخاص الذين يعانون آثارًا ناجمة عن الصدمات الحادة والمتكررة فيما يتعلق بالعلاج. وبصفة خاصة، تحتاج النساء اللاتي يتعرضن لصدمات إلى مكان آمن للتحدث فيه عما يعانينه. ويمكن أن تفيد الأدوية كعوامل مساعدة مع العلاج بالمحادثة — كما الحال في علاج الحالات الحادة من التوتر والاكتئاب وردود الفعل الذهانية — لكن وصف الأدوية للنساء اللاتي يعانين من اضطراب توتر ما بعد الصدمة يمكن أن يكون معقدًا قليلًا. فإذا وصِفت المهدئات للحيلولة مثلًا دون تعرض الشخص الناجي من الصدمة لقدر كبير من التوتر أو الغضب، فقد يبدأ هذا الشخص في الشعور بأن ردود أفعاله الانفعالية موضع شك؛ ما يؤدي إلى توقف حالة الحزن النشطة لدى هذا الشخص وانحصاره في حالة مزمنة من الخمول. ويؤدي هذا النموذج في كثير من الأحيان إلى اكتئاب مزمن واعتماد طويل المدى على الأدوية المهدئة لمنع الأعراض التسلطية.
وكبديل عن ذلك، يمكن وصف الأدوية المضادة للاكتئاب على نحو ملائم لأية امرأة تشعر بفقدان الحس ويبدو عليها الاكتئاب. لكن وصف مضادات الاكتئاب في غياب جلسات العلاج يزيد من خطر استنهاض الشخص الناجي من الصدمة على نحو سريع للغاية من حالة الاكتئاب التي تسلبه الحس ليتعرض من جديد للذكريات وتوارد التجارب السابقة القاسية على ذهنه والكوابيس الرهيبة. هناك مستوًى مرتفع من خطر الانتحار في تلك اللحظات. ولنا أن نخمن فقط ارتباط الكثير من حالات الانتحار، التي تحدث بين السجينات اللاتي يأخذن مضادات الاكتئاب، بهذه الصورة المأساوية. لن أخوض هنا في المزيد من التفاصيل بشأن التحكم العلاجي في اضطراب توتر ما بعد الصدمة، وسأكتفي فقط بأن أقول إن هذا الأمر يمثل مسعًى مُعقَّدًا.
السؤال المهم هنا هو: هل توصَف الأدوية كعامل مساعد للمهمة العلاجية الأساسية المتمثلة في التحدث للتعبير عن الصدمة، أم كبديل لفرصة التحدث والتعامل مع الأزمة الانفعالية؟ في كثير من سجون النساء، ونظرًا للقصور الذي تشهده خدمات الصحة العقلية فيها وقيام موظفي الصحة العقلية المنهكين باستبعاد الكثير من الناجين من اعتداء مزمن باعتبارهم متلاعبين أو «شخصيات حدية»، يتم تجاهل عدد كبير من النساء ويُترَكن ليتصرفن كما يشأن، أو توصَف لهن الأدوية فقط عندما يشتكين من أعراض انفعالية لا تُحتمَل.
وفي معظم مؤسسات النساء العقابية — شأنها شأن مؤسسات الرجال — يكون العلاج الجماعي محدودًا أو معدومًا. وتقل للغاية كذلك المساعدة في مشكلات تعاطي المخدرات. ولا تتمكن النساء اللاتي يتعرضن للاغتصاب أو المعاملة الوحشية من مقابلة أي مُعالِج من أي نوع، إلا إذا تعرضن لانهيار كامل ولزم نقلهن إلى وحدة علاج نفسي داخلية. وحتى عند حدوث ذلك، قد يستمر بقاؤهن في هذه الوحدة فترة قصيرة فقط من الوقت، ولا تسنح لهن في الغالب الفرصة للتحدث مع مُعالِج يمكنه مساعدتهن في التعافي والشفاء.
ليست كل السجينات، أو حتى أغلبيتهن، يعانين من اضطرابات انفعالية. فيدهشني دائمًا عدد السجينات اللاتي يمكنهن التكيُّف مع واقع السجن، ويقمن بإعداد أنفسهن للحظة التي سيُطلَق فيها سراحهن ويعدن إلى أُسرهن. ولم تتعرض، كذلك، كل السجينات للاعتداء في طفولتهن أو الضرب في مرحلة المراهقة. ولا تجد كل النساء اللاتي تعرضن للاعتداء صعوبة في التكيُّف من الناحية الانفعالية. وتذهلني المرونة التي تظهر على الرجال والنساء الذين ينجون من صدمات هائلة ومتكررة في حياتهم، ومواصلتهم حياتهم برضًا لافت للنظر، حتى في السجن. لكن عددًا كبيرًا من السجينات أيضًا يعانين بالفعل من ردود فعل انفعالية تقلل من قدرتهن على التكيُّف، ويحتجن إلى علاج فيما يتعلق بصحتهن العقلية.
(?) الاستعداد لحياة مستقيمة

يحزنني أن أشير إلى أنه في الكثير من سجون النساء هناك ميل إلى الاستهانة في تصميم برامج علاج الصحة العقلية وبرامج إعادة التأهيل غير السريرية. وبوجه عام، يُبذَل قدر أقل من الجهد والمال لتصميم برامج إعادة التأهيل الخاصة بالسيدات وتشغيلها مقارنةً ببرامج الرجال. وحتى عند وجود هذه البرامج، لا تكون بقدر الفاعلية اللازم لنجاح السيدات في حياتهن بعد إطلاق سراحهن. تُعطى للسجينات وظائف متدنية، وفي حال توافر تدريب في السجن، فإنه يستهدف عادةً الأعمال منخفضة الدخول، مثل إعداد الطعام والتنظيف وأعمال السكرتارية. والكثير من السجينات اللاتي يتمتعن بقدر عالٍ من الذكاء لا يُمنحن سوى فرصة بسيطة — هذا إن وُجدت فرصة من الأساس — للحصول على تعليم أو تدريب هادف وبه قدر من التحدي نوعًا ما. وعدد قليل للغاية من السيدات يحصلن على العلاج النفسي والعلاج من تعاطي المخدرات الذي يحتجن إليه للتعامل مع الصدمات المبكرة والمشكلات المستمرة في تقدير الذات.
وحتى النساء اللاتي يسعدهن الحظ بالحصول على وظيفة هادفة أو مكان للتدريب داخل السجن، سيُطلَق سراحهن ليواجهن قصورًا شديدًا في برامج الدعم التي تُوفَّر لهن بعدما يُطلق سراحهن. وتشير السجينات اللائي تم الإفراج عنهن إلى أنه من المستحيل فعليًّا العثور على وظيفة في المجتمع بعد إطلاق سراحهن، ولا يتوافر أي اختصاصيين اجتماعيين لمساعدتهن في العودة إلى أُسرهن ودعم هذه الأسر. ولا شك أن هذا النقص في دعم ما بعد إطلاق السراح يزيد كثيرًا من احتمال العودة إلى المخدرات والجريمة. ويفسر ذلك أيضًا السبب وراء معاناة الكثير من النساء اللاتي قضين فترة في السجن من اكتئاب مزمن.
•••

ثمة ثمن تدفعه النساء والمجتمع الذي يعدن إليه جراء أوجه القصور التي شهدنها في تجاربهن داخل السجن. صرَّحت لي سيدة تبلغ من العمر تسعة وأربعين عامًا تقضي الثلث الأخير من الحكم الصادر ضدها بالحبس خمسة عشر عامًا في جريمة قتل من الدرجة الثانية حيث قالت: «بدأت أفكر في مغادرتي لهذا المكان. وأشعر بالقلق من عودتي والانخراط في المجتمع من جديد، ومن عدم تمكني من الاختيار مرة أخرى، ومن فتح الأبواب لنفسي، ومن اختيار ما أريد تناوله للمرة الأولى منذ عشر سنوات.»
للأسف، في عدد كثير جدًّا من الحالات، ما يحدث للنساء خلف القضبان — من إهانة، وتحرش جنسي، وانفصال عن أحبائهن، ونقص في إعادة التأهيل الهادف، والسلوك المتسلط من جانب موظفي السجن — يجعل من تكيفهن بعد إطلاق سراحهن أمرًا صعبًا للغاية. لكنني لا أريد أن أقدم انطباعًا هنا بأن كل السجينات أو حتى أغلبهن ضحايا ويقعن فريسة السلبية والاكتئاب. فما يحدث للسجينات يؤدي عادةً إلى الاكتئاب وغيره من حالات الاضطراب الانفعالي الأخرى. لكن يذهلني دائمًا العدد الكبير من السيدات اللاتي يحافظن على استقرار حالتهن العقلية ويعملن على نحو جيد للغاية، كأمهات مثلًا، حتى في ظل تعرضهن لظروف قاسية وجائرة للغاية.
•••

يُعَد الاغتصاب أحد أكثر صور الاعتداء — التي تحدث دائمًا في سجون النساء والرجال على حدٍّ سواء — بشاعةً وترويعًا. وعندما تقع جريمة الاغتصاب في سجون النساء، يرتكبها غالبًا موظفو السجن من الرجال. والعواقب الانفعالية لهذه الجريمة على كلٍّ من النساء والرجال قد تكون مدمرة، وهذا هو الموضوع الذي سأتناوله في الفصل التالي.

الفصل السادس
الاغتصاب واضطراب توتر ما بعد الصدمة


إن معدل وقوع حوادث الاغتصاب خلف القضبان مرتفع. ولا يتوافر رقم دقيق لهذه الحوادث نظرًا لعدم الإبلاغ عن الكثير منها. ويذكر على الأقل ربع أعداد الرجال في المؤسسات العقابية أنهم تعرضوا لضغوط من أجل ممارسة الجنس.1 وتشير تقديرات المكتب الفيدرالي للسجون إلى أن نسبة تتراوح بين ? و?? بالمائة من السجناء الذكور يقعون ضحية للاعتداء الجنسي أثناء مدة عقوبتهم بالسجن. وهذا على الأرجح تقدير مُتحفِّظ للغاية. فمعدل هذه الحوادث سيكون أعلى بكثير إذا أُضيفَت إليه كل الحالات التي «يوافق» فيها السجين على المشاركة في أعمال جنسية؛ لأنه يخاف فقط من أن يؤدي رفضه إلى تعرضه للضرب والاغتصاب. فالكثير من الأفعال الجنسية «الطوعية» في ظاهرها هي في الواقع أفعال قسرية. بل والأكثر صعوبة أيضًا تقدير معدل حوادث اغتصاب السجينات.2 لكن حاجز الصمت بشأن الاغتصاب في السجون قد كُسِر، وصرنا نعلم ما يمثله الأمر من صدمة فظيعة للسجينات ومدى انتشاره بينهن. وقد حققت منظمة هيومن رايتس ووتش في مسألة الاعتداء الجنسي على النساء في خمسة سجون بالولايات الأمريكية في الفترة ما بين عامي ???? و????، وتوصلت إلى انتشار الاغتصاب والاعتداء الجنسي الذي يرتكبه الموظفون الرجال في جميع هذه السجون الخمسة. ولم تجمع المنظمة أي أرقام تتعلق بهذه الوقائع؛ مفسرةً ذلك بأن الخوف من الانتقام والقصور في إجراءات التظلُّم الجيدة تمنع عددًا كبيرًا من النساء اللاتي يتعرضن للاغتصاب من الإبلاغ عن الاعتداء المستمر الذي يتعرضن له من جانب موظفي السجن. والشخص الذي ينجو من حادث اغتصاب في السجن يجد نفسه في مأزق. فهل يُبلِّغ عما حدث ويُعرِّض نفسه لخطر الانتقام الذي يتعرض له من يشي بشخص آخر وفقًا للعُرف السائد في السجن؟ هل تُبلِّغ السجينة عن الموظف الذي اعتدى عليها وتُعرِّض نفسها لخطر الوقوع ضحية المزيد من الاعتداءات منه أو من أصدقائه؟ يواجه السجين أسئلة عويصة تتضمن سلامته ونجاته في اللحظة ذاتها التي — بعد تعرضه لصدمة شديدة — يعاني فيها من العجز الكامل عن التعامل مع الحدث والتخطيط بعقلانية لخطوته التالية. وتشمل الآثار الناجمة عن الاغتصاب في السجن اضطراب توتر ما بعد الصدمة، وعدم القدرة على المشاركة بفعالية في الأعمال واستشارات تعاطي المخدرات داخل السجن، بالإضافة إلى الارتفاع الهائل في احتمالية الفشل الاجتماعي والتعرض للاعتقال مرة أخرى بعد إطلاق سراح السجين.
(?) الاغتصاب في سجون الرجال

يتعلق الاغتصاب في السجن بمسألة الهيمنة؛ فالسجين إما «رجل مهيمن» يُخضِع خصمه له ويغتصبه، وإما «شخص خاضع» يمكن اغتصابه. وإبلاغ ضحايا حوادث الاغتصاب موظفي الأمن عما تعرضوا له من اعتداء ليس بالأمر الهين. فسيطلب هؤلاء الموظفون من الضحية تحديد هوية المعتدي قبل أن يتخذوا أي إجراء في الأمر. لكن عُرف السجن يجبر السجين على التزام الصمت. وإذا تعاون السجين، الذي تعرض للاغتصاب، مع موظفي الأمن في الإمساك بالشخص الذي اغتصبه، فسينتقم منه هذا المعتدي على الأرجح بقتله أو بإجراء الترتيبات مع سجين آخر ليقتله، حتى لو طلب الضحية إيداعه «الحبس المشدد» أو نُقِل طوعًا إلى الحبس الوقائي.
ويجب أن يكون السجناء على استعداد للدخول في شجار من أجل حماية شرفهم، وإلا فسيظهرون بمظهر الضعفاء ويتعرضون للاغتصاب. من سبل تجنب الشجار أن يبدو المرء كما لو كان مستعدًا للشجار؛ ولذا، فإن السجناء يُلزِمون أنفسهم برفع الأثقال، وينظرون للآخرين بأسوأ النظرات، ويحرصون على إخفاء مخاوفهم وآلامهم والظهور بمظهر الرجال الأشداء الذين لديهم استعداد لخوض أي معركة. ومن السبل الأخرى أيضًا لتجنب الشجار الانضمام إلى عصابة. ويجد السجناء المصابون بأمراض عقلية صعوبة شديدة في البحث عن هذه العصابات في مثل هذه البيئة المليئة بالخيانة، ولا سيما لو لم يكونوا بالقدر الكافي من القوة. هذا فضلًا عن أن الكثيرين منهم يفتقرون إلى المهارات الاجتماعية اللازمة لانضمامهم إلى الآخرين التماسًا للحماية الذاتية. ويجعلهم ذلك عرضة على نحو خاص للاعتداء الجنسي.
(?-?) المُعتدي

إن الشعور بالذعر عند الوصول إلى السجن لا يقتصر على الضحية المحتملة فحسب، فخوف المغتصب في السجن لا يقل عن خوف الضحية. لكن المعتدي يتصرف على نحو مختلف تجاه هذا الخوف؛ وذلك عن طريق التعامل بوحشية مع الآخرين قبل أن يصير هو نفسه الضحية. فالخوف هو الذي يدفع للاستهزاء بالوافدين الجدد إلى السجن وإخضاعهم للاختبار بمجرد دخولهم إلى طابق الزنزانات المُخصَّص لهم. وتدور في الأذهان أسئلة من قبيل «مَن هذا السجين الجديد؟ هل سيؤدي دور المغتصِب أم المغتصَب؟» كما لو كان السجناء المتمرسون يتساءلون إن كان السجين الجديد سيطيح بهم من موقعهم أم أنه سيكون فريسة سهلة يمكنهم اغتصابه؛ ومن ثم تعزيز وضعهم داخل السجن. فربما يكشف شاب صغير الحجم يبدو عليه الهدوء عن شخصية «مجنونة» ويقتل مَن يهاجمه. على سبيل المثال: أخبرني رجل أمريكي من أصل أفريقي مفتول العضلات، ذو حجم عادي، وينتمي إلى عموم السجناء في أحد السجون ذات الإجراءات الأمنية المشددة، بأنه في وحدة الاحتجاز التي وضِع فيها قبل دخوله السجن تشاجر مع رجل آخر وضربه ورطم رأسه بالجدار الخرساني بضع مرات، ثم اغتصبه. سألته لماذا اغتصبه بعد أن فاز في المشاجرة! فقال لي في البداية وهو يضحك إنه كان يشعر بالإثارة الجنسية. نظرت إليه مستغربًا، فقال لي إن هذا لم يكن السبب الحقيقي، وأضاف موضحًا: «كل ما في الأمر أنه ينبغي عليك فعل ذلك. وإن لم تفعل، فلن تكون قد فزت فوزًا حقيقيًّا بالشجار.»
كانت هذه المرة الأولى التي يودع فيها سجنًا ذا إجراءات أمنية مشددة. وكل العقوبات السابقة له كانت في دور الأحداث أو سجن المقاطعة، وكان يحاول فقط فعل ما هو صواب ليصنع لنفسه مكانةً في السجن. كانت تلك المرة الأولى في حياته التي يغتصب فيها أحدًا؛ رجلًا أو امرأة. وكان يعتقد أنه إن لم يتشاجر ويفز ويغتصب خصمه المغلوب، فإن الآخرين سيعتبرونه ضعيفًا ويعاملونه على النحو الذي عامل به السجين الذي اغتصبه. وبعد بضع جولات أخرى من الأسئلة، اعترف بشعوره بشيء من تأنيب الضمير لضربه خصمه وإذلاله على هذا النحو الوحشي. وأقرَّ بأن إيداعه السجن أثار داخله نوعًا من العصبية والتوتر الشديدين.
إن المظهر الذي يستلزمه عُرف السجن والتصرف بعنف داخله للهيمنة الجنسية على رجل آخر يمنحان المعتدي مظهرًا رجوليًّا إلى حد ما. ومثلما يحظى الشباب في الشوارع باحترام أقرانهم من الشباب عن طريق التعامل بوحشية وإذلال مع ضحايا الجرائم أو اغتصاب النساء، يثبت الرجال الأشداء في السجون رجولتهم ويكسبون احترام أقرانهم باغتصاب السجناء الأضعف منهم وإذلالهم.
في الأغلبية العظمى من حالات الاغتصاب بالسجون، يكون المعتدي سجينًا. لكن تظهر بعض الحالات التي يغتصب فيها أحد الموظفين الرجال بالسجن أحد السجناء. على سبيل المثال، في عام ????، تعرض رجلٌ مِثليٌّ، يبلغ من العمر ثلاثين عامًا ويُدعَى موريس ماثي، للاغتصاب من الرقيب روي فريز في مؤسسة مقاطعة سافوك العقابية في نيويورك.3 أقام ضابط السجن، وهو رجل كبير في السن، صداقةً مع ماثي. لكن بعد أن بدأ السجين في الوثوق به وإخباره بمشكلاته، حاول الرقيب فريز إغراءه جنسيًّا. وعندما قاوم ماثي، صارعه الضابط حتى أخضعه له، وقيَّده بإحدى المواسير الموجودة بالزنزانة، واغتصبه. وقد حصل ماثي، الذي عانى قلقًا وكوابيس وتوارد التجارب القاسية السابقة على ذهنه منذ واقعة الاغتصاب، على ??? ألف دولار أخيرًا في دعوى قضائية مدنية رفعها ضد هيئة الإصلاح بنيويورك بسبب «عدم الاكتراث المُتعمَّد». (?-?) الضحية

الرجل الذي يتعرض للاغتصاب في السجن، يصارع أصواتًا بداخله تخبره بأنه لم يعد رجلًا وبأنه تحوَّل إلى امرأة. ويقول السجناء الآخرون عنه إنه قد تعرض للاغتصاب الشرجي. والسجين الأقوى يجبر عادةً أحد الوافدين الجدد على أن يكون «امرأته»، ويعلن للسجناء الآخرين أن هذا السجين الجديد شخص خاضع يمكن الاعتداء عليه جنسيًّا.
وهناك ثلاثة جوانب لهذه الدراما السوداء المصغَّرة: المُغتصب أثبت رجولته وأكد من جديد مكانته كرجل غير خاضع في التسلسل الهرمي للهيمنة. والسجين، الذي تعرض للاغتصاب، يُجبَر على الانضمام لفئة السجناء الخاضعين في السجن. والجانب الثالث هو أن هذا المشهد يحدث على مرأًى من الجميع؛ ويمكن وصفه بأنه طقس يتم خلاله التأكيد من جديد على التسلسل الهرمي للهيمنة والاحتفاء به، على حساب شرف الضحية.
يعكس السجن صورة مظلمة، أو بالأحرى يقدم محاكاة للعلاقات بين الجنسين في المجتمع بوجه عام. فخارج السجن، يناضل الرجال من أجل تحقيق الهيمنة ويعتدون على النساء. ومع عدم توافر نساء في السجن، تتجلى نفس المشاعر — لكن بمزيد من القوة بحيث تستشري كل صور الدناءة في السجون المزدحمة — في أعمال العنف الجنسية بين الرجال. لكن السجين ضحية جريمة الاغتصاب — المغتصَب — لم يعد رجلًا في أعين الرجال الأشداء بالسجن؛ لقد تحوَّل إلى امرأة. وصار في أحط منزلة بين السجناء، وهي المنزلة التي يحاول الرجال جاهدين داخل السجن وخارجه عدم السقوط فيها.
في عالم الرجال، يرجع الهوس المستمر مدى الحياة بالتسلسل الهرمي والهيمنة إلى سيناريو الشجار بين التلاميذ في فِناء المدرسة. فهذا الشجار عادة ما كان يتضمن فائزًا يكون في الغالب من المتنمرين، وخاسرًا يكون عادةً شخصًا هزيلًا وضعيفًا وجبانًا. وبعد انتهاء الشجار، يُوصَف المنهزم بالمثلي أو بالفتاة. وفي بعض الحالات التي تتسم بالشر، يُنزع بنطال الخاسر ويُستهزَأ بأعضائه التناسلية. ويكون هناك تهديد ضمني بالعنف، بل والاغتصاب أيضًا. بالنسبة إلى عدد معين من الرجال، ليس الأمر مجرد وهم؛ فلقد بدأنا الآن نكتشف أن عددًا كبيرًا من الرجال تعرضوا للاعتداء الجنسي وهم صبية صغار.
وفي السجن، مَن ينحدرون إلى القاع يتعرضون لاعتداءات قاسية. والحيلة التي يمكن للشخص الضعيف اللجوء إليها هي العثور على «بديل ثالث» بعيدًا عن قمة التسلسل الهرمي وقاعه. على سبيل المثال، بعض السجناء الذين يتمتعون بقدر من الثقافة يجعلون من أنفسهم أشخاصًا ذوي قيمة كبيرة للسجناء الآخرين عن طريق معرفتهم بالقانون وتعلم المزيد عنه. فيتمتعون بحصانة من المعارك بين السجناء؛ لأن لديهم سلعة يمكنهم بيعها — «فمحامو السجون» مطلوبون بشدة في المؤسسات العقابية حيث يرغب السجناء في الفوز بالاستئناف عند صدور أوامر بمثولهم أمام المحكمة للنظر في شرعية حبسهم — ولذا، لا يتعرض لهم الرجال الأقوياء.
والكثير من السجناء ذوي الجسم النحيل والمظهر الوسيم يجدون سبلًا أخرى لتجنب الاغتصاب، كأن يكونوا شركاء جنس طوعيين لمجرمين أقوى منهم. التقيت في إحدى المرات في أثناء تجولي بأحد السجون في وسط غرب الولايات المتحدة بسجين يرتدي ملابس النساء. وأخبرني بأنه قرر أن يصبح امرأة بعد دخوله السجن بفترة قصيرة؛ لأنه كشاب أشقر ضعيف، كان عرضة للاعتداء الجنسي كل يوم، بينما عندما ارتدى ملابس النساء ووافق على أن يكون الشريك الجنسي لسجين قوي، ضَمِن الحماية.
وفي وقت لاحق من ذلك اليوم التقيت بمجموعة من ضباط الأمن، وطُرِح موضوع ارتداء ذلك السجين لملابس النساء. وقال أحد الضباط إنه لو كان رأى هذا السجين عند دخوله السجن، لكان نصحه على النحو التالي: «ما ينبغي عليك فعله هو أن تكسر عمودًا معدنيًّا من أحد الأسرة عند خروجك لساحة السجن للمرة الأولى، وتخفيه في رجل بنطالك. وعندما يأتي إليك سجين قوي البنية ليتحرش بك أو يصدر تعليقًا فاحشًا، تخرج العمود المعدني وتضربه بأقصى قوتك على وجهه. وبذلك سيدخل كلاكما الحبس الانفرادي عشرة أيام. وعندما تخرج، سيحترمك الجميع باعتبارك «مجنونًا» ولن يتعرض لك أحد كي يمارس الجنس معك بعد ذلك.»
وضحية الاغتصاب، ليس عرضة فقط لأعمال عنف واغتصاب متكررة، وإنما يتحول أيضًا على الأرجح إلى «عبد» لسجين أقوى منه. والعبد لا يقدم فقط متعة جنسية عند الطلب مقابل الحماية، وإنما يلتزم أيضًا بفعل أي شيء يأمره سيده به، سواء أكان غسل الملابس أم تنظيف المراحيض أم ممارسة الجنس مع سجناء آخرين عندما يأمر هذا السيد بذلك. بل إن الأمر يصل إلى حد صناعة منظمة للجنس في الكثير من سجون الرجال شبيهة بصناعة الجنس خارجه فيما عدا أن العاهرات رجال ولسنَ نساءً. ولا شك أن بعض النساء يتعرضن لمعاملة على نفس القدر من القسوة خارج السجن في الزيجات أو العلاقات طويلة المدى مع أشخاص يضربونهن، لكن بما أنهن خارج السجن فيمكنهن اللجوء إلى إحدى الجهات التي توفر الحماية للسيدات اللاتي يتعرضن للضرب؛ بالتأكيد ليس ذلك أمرًا سهلًا، لكن على الأقل لديهن سبيل يمكن أن يسلكنه. أما في السجن، فلا مكان يمكن اللجوء إليه.
لا عجب، إذن، أن ينتهي الحال بالكثير من الرجال الذين يتعرضون للاغتصاب بالانتحار أو المعاناة من صور التدهور النفسي. فالموقف ميئوس منه، والمواقف الميئوس منها تسفر عن تصرفات يائسة. على سبيل المثال:جيمس دان،4 سجين في سجن أنجولا بولاية لويزيانا، تعرض للاغتصاب عند دخوله السجن وأُجبِر على أن يصبح عبدًا لمغتصبه. وبعد عدة أعوام، أُطلِق سراح ذلك المغتصِب، وقرر دان ألا يصبح خاضعًا لأحد بعد ذلك. لكن ما إن يُغتصب المرء، حتى يظل كذلك دائمًا في عيون السجناء الآخرين؛ لذا، بعد إطلاق سراح سيده، تقرب إليه سجناء أقوياء آخرون لممارسة الجنس معه. وفي كل مرة، يحاول سجين مختلف أن يجعله عبدًا له يمارس معه الجنس، ولزم على دان الشجار دفاعًا عن شرفه وحياته. وأخيرًا، لكي يضع نهاية للشجارات اليومية والإصابات المتكررة التي كان يتعرض لها، قتل واحدًا ممن كانوا يحاولون إخضاعه لهم. ووضع هذا الأمر نهاية للاعتداءات التي كان يتعرض لها، لكنه حُكِم عليه بثلاثة عشر شهرًا في الحبس الانفرادي وأُضيفت ستة أعوام أخرى إلى الحكم الصادر ضده بسبب جريمة القتل. وبعد خروجه من الحبس الانفرادي، وجَّه طاقته لمساعدة الوافدين الجدد إلى السجن في معرفة كيفية سير الأمور في السجن وتجنب الاعتداءات الجنسية والعبودية.
(?-?) الشعور بالخزي والعزلة

الرجل الذي يتعرض للاغتصاب يبذل قصارى جهده عادةً لإبقاء الأمر سرًّا. ويلعب الشعور بالخزي دورًا مهمًّا هنا، ليس فقط في عزوف الضحايا عن الإبلاغ عن حوادث الاغتصاب، وإنما أيضًا في استمرارهم في عزلتهم. فعندما يشعر صبي بالخزي من والد مدمن للكحول أو أم تكثر من انتقاده مثلًا، يذهب إلى غرفته ولا يلتمس دعمًا من غيره من أفراد الأسرة. وفي فناء المدرسة، الصبي الذي يخسر العراك أو يجبُن لا يلتمس الدعم أيضًا من أصدقائه للتعافي من جروحه، وإنما يبقى وحده فتتفاقم هذه الجروح. فالشعور بالخزي يؤدي إلى العزلة، وفي العزلة يقل الأمل في تجاوز هذا الشعور بالخزي.
كان ستيفن (دوني) دونالدسون استثناءً للقاعدة المتعلقة بالتزام الرجال الصمت بسبب شعورهم بالخزي. وتوفي دوني، مؤسس ورئيس منظمة «أوقفوا اغتصاب السجناء»،5 إثر إصابته بمرض مرتبط بالإيدز يوم ?? يوليو عام ????. وكان قد أُصيب بالإيدز نتيجة لتعرضه للاغتصاب عدة مرات في السجن. كتب دونالدسون بصدق وبلاغة هائلين عن الصدمات التي تعرض لها خلف القضبان. وبدلًا من التزام الصمت بشأن المعاملة المهينة التي تلقاها على أيدي موظفي السجن والسجناء على حدٍّ سواء، أعلن «دوني المغتصَب» عن تجربته في محاولة منه لإيقاف الاعتداءات التي يتعرض لها السجناء. وكتب ملخصًا للمحكمة العليا في قضية فانر ضد برينان، وهي قضية أقيمت عام ???? وحكمت بالتزام موظفي السجون بحماية المجرمين من مخاطر الاعتداءات الجنسية التي يمكن تجنبها. عُقِدت لقاءات عدة مع دونالدسون، وظهر كذلك في حلقة عن الاغتصاب في السجون عام ???? ببرنامج «ستون دقيقة» على شبكة «سي بي إس» الأمريكية. وقد يكون من الخطورة الشديدة أن يتحدث السجين صراحةً مع غيره من السجناء عما يعانيه من صدمات وآلام. والسبب، مرة أخرى، هو عُرف السجن. ولذلك بعد الانهزام في أي شجار، خاصةً إذا تعرض السجين للاغتصاب، ينطوي عادةً الرجل على نفسه، وقد يظل في زنزانته طوال اليوم في الظلام. لكن هذا هو بالضبط رد الفعل الذي يُعمِّق الشعور بالاكتئاب أو يؤدي إلى تحول اضطرابات توتر ما بعد الصدمة إلى حالات مزمنة.
(?) الاغتصاب في سجون النساء

هناك حالات من الاغتصاب مثليِّ الجنس في سجون النساء حيث تكون المعتدية سجينة أخرى أو إحدى موظفات السجن، بالإضافة إلى وجود بلاغات عن اغتصاب موظفين لموظفات في السجون. لكن الغالبية العظمى من جرائم الاغتصاب في سجون النساء تتضمن أحد موظفي السجن وإحدى السجينات. والمثال التالي، مع أنه صادم، فهو معتاد إلى حدٍّ بعيد:تعرضت زيلدا،6 في أثناء حبسها في مركز دوايت العقابي في إلينوي، للاغتصاب عدة مرات على يد أحد ضباط السجن. في المرة الأولى، دخل هذا الضابط إلى زنزانتها ليلًا، وصفعها على وجهها، وكبل يديها في السرير، واغتصبها مهبليًّا وشرجيًّا، ثم نزع القيود وغادر الزنزانة. نُقِلت زيلدا بعد ذلك إلى غرفة الطوارئ بالمستشفى المحلي حيث كشف الفحص البدني عن أنها تعرضت للاغتصاب. وأُعيدت إلى زنزانتها واغتصبها نفس الحارس مرتين أخريين. ولم يُجرَ أي تحقيق فعلي في الأمر، ولم يُعاقَب هذا الحارس قط. في كثير من الأحيان، «توافق» السجينات على ممارسة الجنس مع أحد موظفي السجن. لكن هل فعلت هذا حقًّا برضاها؟ مثلما «يوافق» الرجل السجين على ممارسة الجنس ليتجنب فقط مزيدًا من الضرب، فإن السيدات اللاتي يوافقن على إقامة علاقات جنسية مستمرة مع موظفي السجن يفعلن ذلك في الواقع تحت قدر من الإكراه غير المُعلن.
قالت لي سجينة في أحد سجون النساء بكاليفورنيا إن عددًا كبيرًا من السجينات يمارسن الجنس مع الحرَّاس أو غيرهم من موظفي السجن: تشعر النساء بالعزلة الشديدة في السجن، وبالذنب الشديد أيضًا، فيحاولن بذل كل ما في وسعهن لكي يشعرن بأنهن محبوبات — بعضهن لا يردن سوى أن يحظين برضا الحرَّاس — فيستسلمن للرجال الذين يتقربون منهن، أو يحضرون لهن الورد، أو الحلي الرخيصة. ويمارسن هذه العلاقات في زنزانة فارغة أو حجرة تخزين. وعندما يحْملن، تُفتَح كل طاقات جهنم؛ فيُفصَل الحارس من عمله، وتُلقَى المرأة في الحبس الانفرادي إلى أن تمنح السجنَ موافقتَها على الإجهاض. ويتم التكتم على الأمر برمته، وتُترَك المرأة مع شعورها بالخزي والخوف من أن تخبر أحدًا بما حدث. وتصاب حينئذٍ بالاكتئاب، لكنها لا تتمكن من مقابلة طبيب نفسي؛ لأن هؤلاء الأطباء لا يفعلون أي شيء سوى إعطاء الأدوية.
إن النساء اللاتي يدخلن السجن يكن قد تعرضن على الأرجح للاعتداء البدني والجنسي في طفولتهن، وللاعتداء أو العنف الأسري أو الاغتصاب كبالغات؛ وهذا يجعل الاعتداء الذي يتعرضن له في السجن يبدو أمرًا «مألوفًا للغاية»، باعتباره تكرارًا لصدمات الماضي. وفي الكثير من الحالات، يكون أحد العوامل الرئيسية في تعاطيهن للمخدرات ولجوئهن للأعمال الإجرامية هو رغبتهن في الهروب من بيئة لا تُطاق يُعتدى عليهن فيها. ويودعن بعد ذلك السجون حيث يكون أكثر من نصف الموظفين من الرجال. والكثير من النساء، اللاتي يتعرضن للاغتصاب في السجن، يصبحن معتادات على الاستغلال الجنسي لدرجة تجعلهن غير مدركات لحقوقهن وغير متيقنات على الإطلاق مما يمثل تحرشًا جنسيًّا أو اغتصابًا على وجه التحديد.
وعندما تحمل النساء بعد إقامة علاقات جنسية مع موظفي السجن، يتعرضن عادةً لمعاملة قاسية. وفي الكثير من المؤسسات، يودعن مدة في الحبس الانفرادي كعقوبة على أفعالهن، أو ربما يُقال لهن إن الحبس الانفرادي «يحقق لهن الحماية». لكن حتى في حالة وجود حضانة أطفال داخل السجن، كما هو الحال مثلًا في بيدفورد، عندما تتقدم إحدى السجينات اللاتي حملن من أحد موظفي السجن بطلب لوضع طفلها في الحضانة، يُقابَل طلبها بالرفض وتُجبَر على التخلي عن طفلها.
وعندما ترغب الإدارة في منع مزيد من العلاقات الجنسية بين الموظفين والسجينات، فإنها تضغط على النساء الحوامل لتحديد هوية الأب. وإذا لم ترغب السجينة في تحديد هويته خوفًا من الانتقام؛ تضعها الإدارة في العزل العقابي. وإذا ذهبت المرأة إلى فريق العمل الطبي، فستُجبَر على الأرجح على إجراء عملية إجهاض.
وحتى عند اتباع الشروط القانونية حيث تُخطَر السيدة بالمزايا والمخاطر المتعلقة بعملية الإجهاض، ويُطلَب منها موافقتها المستنيرة، تُمارس عليها تأثيرات قسرية خفية أو واضحة إلى حدٍّ ما. على سبيل المثال، قد تُستدعَى المرأة إلى مكتب مأمور السجن، ويُقال لها إنه من الغباء الحفاظ على الجنين حتى تلده. أو قد يضايقها الحرَّاس والاختصاصيون النفسيون كل يوم بإعطائها محاضرات عن تصرفاتها غير المسئولة.
(?) تواطؤ موظفي السجن

لا يرجع ارتفاع معدلات الاغتصاب في السجون إلى قسوة المعتدين فحسب. وإنما تلعب كيفية إدارة السجن دورًا كبيرًا في ارتفاع هذه المعدلات أيضًا. فإذا كان مأمور السجن غير مبالٍ بحاجات السجناء، وإذا كان الموظفون لا يتلقون أي عقاب على تصرفهم بسادية مع السجناء، فسيظهر بعض التهاون في حوادث الاغتصاب والتحرش الجنسي. أما إذا تبنى مأمور السجن والموظفون موقفًا غير متساهل على الإطلاق في هذه الأمور، وفرضوا القوانين بحزم على المعتدين المعروفين، فسيُضطر هؤلاء المعتدون إلى التوقف عن إظهار هيمنتهم بهذه الطرق السادية.
لقد سمعت من عدد كبير من السجناء الرجال أنهم عند إبلاغهم ضباط السجن بتعرضهم للاغتصاب، يصر هؤلاء الضباط على أن يُطلعهم هؤلاء السجناء على اسم من اعتدى عليهم. وقد التقيت بشاب نحيل تعرض للاغتصاب — كان يبدو عليه بوضوح أنه يعاني فصامًا حادًّا ويخوض مرحلة نشطة من هلاوس وأوهام الاضطهاد — في وحدة العزل الإداري بأحد السجون. أخبرني هذا الشاب أنه قد تعرض للاغتصاب من قِبل عضو في عصابة داخل السجن. وقال لي إنه كان مشوش الذهن عندما تم اغتصابه. فسألته هل يعني بهذا التشوش أنه كان يعاني نفس الأعراض التي ظهرت عليه يوم لقائي به. فأجاب أن نعم، وأضاف أنه كان يسمع أصواتًا بداخله وقت الاغتصاب. ونظرًا لأنه كان مستجدًّا في السجن وشعر بالذعر، سأل أحد ضباط السجن عما يجب عليه فعله. فأخبره الضابط بأنه لن يستطيع مساعدته إلا إذا أخبره باسم السجين الذي اغتصبه.
وفي تلك اللحظة من روايته لقصته، بكى الشاب وقال لي إنه قد ارتكب خطأ فادحًا. فقد وشى بالسجين، وصارت العصابة ترغب في قتله. فنقله ضباط السجن إلى وحدة العزل الإداري؛ لأنه على الرغم من حالته الذهانية الحادة، قرر فريق التقييم النفسي في السجن أن حالة الذهان التي لديه ليست بالخطورة الكافية التي تستلزم إيداعه مستشفى الأمراض النفسية الموجود داخل السجن. وعلى الرغم من أن هذا الرجل كان في زنزانة منفردة، فقد كان في نفس الطابق الموجودة فيه العصابة التي اغتصبه أحد أفرادها. لقد كان هذا الرجل يعاني فصامًا سريريًّا، وكان أيضًا معرضًا لخطر هائل.
أما فيما يتعلق بسجون النساء، فإن التواطؤ يحدث عندما يحاول الموظفون والمديرون بالسجن التستر على جريمة الاغتصاب، أو التعرض للنساء اللاتي يشتكين من تعرضهن للاغتصاب. وهناك بعض الحالات أيضًا التي يكون فيها التواطؤ المُسبَق للموظفين هو ما يجعل من الاغتصاب أمرًا ممكنًا.
على سبيل المثال، تم الكشف مؤخرًا عن أن بعض الحراس الرجال في أحد السجون الفيدرالية المختلطة في دبلن بكاليفورنيا7 كانوا يتلقون الأموال من السجناء الرجال لترك أبواب زنزانات النساء مفتوحة؛ حتى يتمكن هؤلاء السجناء من دخولها واغتصاب النساء. وقاضت النساء نظام السجون الفيدرالي، وحُسمت القضية في مطلع عام ????. وقد قالت إحدى السيدات في هذه القضية: «دخل أحد الرجال إلى زنزانتي وحاول ممارسة الجنس معي. وعندما وجد مني إصرارًا على الرفض، نزع بلوزتي … وقفز فوقي.» وأضافت أنه عندما أجرى المحققون الفيدراليون لقاءات معها حول الحادث، «قالوا إن هذا ليس بالأمر الجديد، وما علينا سوى التكتم عليه.» (?) الاغتصاب واضطراب توتر ما بعد الصدمة

إن أول خطوة في علاج ضحية الاغتصاب التي تعاني من صدمة هو مساعدتها في تعزيز شعورها الداخلي بالأمان. فيجب أن تتيقن مَن تعرضت للاغتصاب أنها ليست عرضة لمزيد من الاعتداءات من جانب المعتدي. ولا يكون من المفيد أن تبدأ المرأة التي تعرضت لصدمة شديدة في تذكر الحادث الصادم إلا عندما تشعر بالأمان عند قيامها بذلك؛ ويعني ذلك أن تكون لديها شبكة دعم كافية وتشعر بعدم انتهاك حرمتها وبأنها تحظى باحترام تام. ومن هذا المنطلق، هناك احتمال للتعرض لضرر بالغ عندما يصر موظفو السجن على أن تبلغهم ضحية الاغتصاب بهوية المعتدي عليها، أو عندما يستمر الحارس الذي اغتصب السجينة في إحكام سيطرته الكاملة على كل جانب من جوانب حياتها في السجن. وما يسفر عن ذلك من اضطراب توتر ما بعد الصدمة يمكن أن يكون منهكًا تمامًا لقوتها وطويل الأمد في تأثيره عليها.
(?-?) علاج اضطراب توتر ما بعد الصدمة

تظهر أعراض توتر ما بعد الصدمة بعد التعرض لصدمة حادة تسلب الفرد قدرته على الشعور بأنه مسيطر على حياته وبأنه على اتصال بالآخرين وبأنه مدرك لكل ما حوله. ومثلما ذكرت في الفصل الثاني من هذا الكتاب، تنقسم الأعراض إلى قسمين: تسلطية ومقيدة للسلوك. وتشمل «الأعراض التسلطية» توارد التجارب السابقة القاسية على الذهن والكوابيس وفرط التيقظ والهلع. فتظل الذكريات القوية التي لا تصبح جزءًا من نفسية الفرد تتطفل عليه كما لو كانت تهاجمه من الخارج.
أما «الأعراض المقيدة للسلوك»، فتشمل الجمود العاطفي والعزلة الاجتماعية وتضاؤل الأنشطة والتقيد في الأماكن التي يرغب المرء في الذهاب إليها. تقع ضحية الصدمة في البداية تحت هيمنة صور تسلطية تتعلق بالصدمة؛ فتحاول التعديل من حدة التجربة عن طريق الانغلاق، فتبدأ الأعراض المقيدة للسلوك في الظهور عليها. لكن الصور والمشاعر المرتبطة بالصدمة سرعان ما تظهر مجددًا في صورة توارد للتجارب السابقة القاسية ورؤية الكوابيس، بالرغم من محاولة الضحية التخدر والتقيد. وعندئذٍ، يكون هناك المزيد من المحاولات للانغلاق وتعديل حدة التجربة.
يتعرض أغلب الناس لتذبذبات بين الأعراض التسلطية والأعراض المقيدة للسلوك في أعقاب أية صدمة حادة. والوضع المثالي هو أن تتراجع هذه التذبذبات في حدتها بمرور الوقت، ويحدث الحزن والشفاء، ويصبح الحدث الصادم جزءًا من نفسية المرء، ويعود الفرد إلى نوعية المشاعر والعلاقات والأنشطة وحرية الحركة التي اتسمت بها حياته قبل الصدمة.
لكن بعض الناس يعجزون عن أن يخوضوا تجربة الحزن كاملةً أو أن يجعلوا الحدث الصادم جزءًا من نفسيتهم؛ فتستمر التذبذبات دون توقف. فهم تارة يتعرضون لتوارد التجارب السابقة القاسية على أذهانهم أو للكوابيس أو لنوبات الهلع أو لردود الفعل الإجفالية الحادة، وتارة أخرى «ينغلقون على أنفسهم» أو «يخافون من الذهاب إلى أي مكان» أو رؤية أي شخص أو فعل أي شيء. فيعانون بذلك اضطراب توتر ما بعد الصدمة. وفي بعض الأحيان، يحقق الأفراد الذين يعانون هذا الاضطراب نجاحًا كبيرًا في الحد من الأعراض التسلطية؛ ما يسمح بهيمنة الأعراض المقيدة للسلوك عليهم. ولا شك أنه إذا لم يتحدد السبب المؤدي إلى الحالة السريرية التي هم عليها، فستُشخص حالة هؤلاء الأفراد على أنها اكتئاب.
وإذا استمرت الأعراض وصور العجز الواضحة أكثر من عام واحد بعد الصدمة، عُدَّ اضطراب توتر ما بعد الصدمة مزمنًا. ويرجع السبب الرئيسي لوصول هذا الاضطراب إلى مرحلة مزمنة إلى الافتقار إلى فرصة للتحدث عن الصدمة في إطار بيئة داعمة. فربما لم يتمكن الشخص الذي تعرض للصدمة من اكتساب ما يكفي من الشعور بالأمان والقدرة على حماية خصوصيته وحدوده الشخصية ليواصل التعامل مع الصدمة، أو ربما حال العجز عن التحدث حول الحياة النفسية الداخلية دون تمكن الفرد من رواية قصته. وعلى أية حال، يجب تجنب العزلة التي تلي الصدمة الحادة. فهذه العزلة لا تؤدي إلا إلى تفاقم الذكريات الصادمة؛ ومن ثم إلى تحول اضطراب توتر ما بعد الصدمة إلى حالة مزمنة.
والتذبذب بين الحالتين التسلطية والمقيدة للسلوك يسمح بقدر معين من التعافي الطبيعي من خلال الحزن وجعل الحدث الصادم جزءًا من نفسية المرء. لكن إذا اعترض هذه العملية الطبيعية تكرار لنفس النوع من الصدمة أو لنوع مشابه لها — مثل الضرب في حالة العنف الأسري، أو استمرار التحرش الجنسي والاغتصاب في حالة السجناء — فلن تكون هناك فرصة للشفاء الطبيعي. فالصدمات المتكررة تزيد من حدة الأعراض التسلطية لدى المرء ومن حاجته إلى الانغلاق على نفسه والتقييد من سلوكه.
علاوةً على ذلك، يؤدي الأسْر إلى جعل الضحية على اتصال ممتد مع المعتدي، سواء أكان زوجًا يضرب زوجته، أم معتديًّا على الأطفال، أم حارسًا في السجن يغتصب السجينة مرارًا وتكرارًا. وفي كل هذه الحالات، لا يتعزز الشعور بالأمان أبدًا، ويصبح التذكر والتعامل مع الصدمة أمرًا مستحيلًا، وتصبح الضحية دائمًا في كرب بفعل الصدمات المتكررة.
(?-?) حالة اضطراب توتر ما بعد الصدمة أعقبت التعرض للاغتصاب

طُلِب مني تقديم رأيي كخبير بشأن شاب تعرض للاغتصاب على يد اثنين من أفراد إحدى العصابات، وكان موجودًا في وحدة الحبس الوقائي في أحد سجون المقاطعات. رفع ذلك الشاب دعوى على المقاطعة لعدم توفيرها الحماية الملائمة له. فحصت ذلك الرجل وراجعت ملفه الذي تضمن تقارير مدرسية وسجلات نفسية سابقة. وبدا لي أن ثمة نمطًا محددًا من الضعف في شخصيته. على سبيل المثال، كان زملاؤه يخدعونه من وقت لآخر ويطلبون منه فعل أشياء في المدرسة تؤدي إلى العقاب، ثم يسخرون منه لغبائه الذي يؤدي إلى الإيقاع به.
في الواقع، كان قد أُودع الزنزانة انتظارًا لمحاكمته على جريمة سرقة دفعه اثنان من الشباب الأكثر دهاءً منه لارتكابها معهما. وكان هو الوحيد الذي أُلقي القبض عليه، لكنه أعطى اسمي المتورطين معه في الجريمة للشرطة عند إلقاء القبض عليه. وطلب وضعه في الحبس الوقائي لخوفه من أن يقتله السجناء الآخرون إذا علموا بأنه وشى بزميليه. كان من الواضح أن هذا الشاب السيئ الحظ ضحية محتملة.
فحصت ذلك الشاب شهورًا بعد الحادث، وبعد إطلاق سراحه من الحبس أيضًا. وقد شكا من توارد الذكريات القاسية لمشهد الاغتصاب في السجن على ذهنه، ومن كوابيس وأرق وخوف من مغادرة منزله وهلع عند مقابلة رجال غرباء واكتئاب حاد. وبعد فحصه، توصلت إلى نتيجة مفادها أنه كان يعاني اضطرابًا حادًّا لتوتر ما بعد الصدمة، والصدمة المسببة لهذا الاضطراب هي الاغتصاب في الحبس.
كيف يمكن في وحدة حبس وقائي لاثنين من أفراد العصابات، اللذين قضيا سنوات عدة في السجن، اغتصاب شاب ضعيف لم يدخل السجن ولم يرتكب أية جرائم عنف من قبل في حياته؟ لقد كان الرجلان اللذان اغتصباه أكبر حجمًا وأقوى منه بكثير، وتمت إعادتهما من سجن الولاية إلى هذا الحبس؛ لأنه وجب عليهما فقط المثول أمام القضاء في قضية تتعلق بعنف العصابات داخل السجن. لكن كلًّا منهما كان على خلاف مع العصابة التي ينتمي إليها، ربما لاعتبارهما واشيين. ونظرًا لأنهما كانا يواجهان خطرًا كبيرًا في أي مكان بالسجن، تم إيداعهما في وحدة الحبس الوقائي.
وقت وقوع جريمة الاغتصاب، كانت هناك ضابطة واحدة فقط في الخدمة بوحدة الحبس الوقائي الكبيرة. وكانت مسئولة عن «مراقبة» غرفة تجمع ومكان مخصص لتناول الطعام وطابقين من الزنزانات مفتوحة الأبواب. ولم يكن من الممكن في أي وقت لتلك الضابطة مراقبة الوحدة بأكملها، وقد أخبرني الضحية في حقيقة الأمر أن الاغتصاب قد حدث على مدار خمس وأربعين دقيقة في زنزانة بالطابق الثاني، بينما كانت هذه الضابطة جالسة على مكتب في غرفة التجمع وغير قادرة على رؤية ما يحدث داخل الزنزانات الموجودة أعلاها. أغرى المعتديان الشاب بالدخول إلى زنزانة بالطابق الثاني بأن عرضا عليه مشاركتهما في شرب بعض الجعة. وبعد عدة كئوس، أمر الرجلان ضخما البنية الشاب بخلع بنطاله؛ لأنهما أرادا المزاح قليلًا. وعندما رفض وحاول النهوض لمغادرة الزنزانة، ضرباه عدة مرات على وجهه وأجبراه على الاستلقاء على السرير ووجهه لأسفل، ومزقا سرواله وقام كلٌّ منهما باغتصابه عدة مرات، بينما أمسك به الآخر وضغط على فمه بوسادة لإسكاته.
لا شك أنه كان من الواجب عدم إيداع الضحية نفس المكان الذي يوجد فيه الرجلان اللذان اغتصباه. لكن في نظام يعاني الازدحام الشديد، من المستبعد عزل السجناء الذين ينتمون إلى مستويات أمنية مختلفة بعضهم عن بعض أكثر من ذلك بمجرد اتخاذ القرار بأنهم بحاجة إلى حبس وقائي. فموظفو السجون لا يفكرون في مزيد من التصنيف للسجناء الجدد حيث إنهم يعتبرون أن إيداع السجناء في الحبس الوقائي بمنزلة تصنيف كافٍ. وفي هذه الحالة، ينبغي على إدارة الحبس تحديد مستويات أمنية داخل وحدات الحبس الوقائي بحيث لا يوضَع أفراد العصابات الأشداء مع السجناء غير القادرين على الدفاع عن أنفسهم، أو ينبغي على الموظفين مراقبة السجناء عن كثب؛ الأمر الذي سيتطلب عددًا أكبر من الموظفين.
(?-?) خوض الصدمة من جديد

يشكو مناصرو النساء اللائي يتعرضن للاغتصاب من أن الضحايا يتعرضن لصدمة أسوأ على يد ضباط الشرطة متبلدي المشاعر وأطباء غرف الطوارئ المثقلين بالأعباء والمحامين الذين ينتقدونهن في قاعات المحاكم بسبب خبراتهن الجنسية السابقة. فبشكل أساسي، تُعاش صدمة الاغتصاب من جديد في إطار العلاج القاسي لما بعد الاغتصاب.
ثمة مشكلة أخرى تتعلق بخوض الصدمة من جديد. وقياسًا على الاغتصاب الذي يحدث داخل المجتمع العادي، تميل المرأة التي تقع ضحية الاغتصاب وكانت قد تعرضت للتحرش الجنسي وهي فتاة للمعاناة من أعراض نفسية أسوأ بعد الاغتصاب مقارنةً بالمرأة التي لم تعانِ من اعتداء جنسي من قبل. وبالمثل، إذا كان لدى السجين، الذي اغتصبه سجين آخر، تاريخ سابق من المعاملة الوحشية والاغتصاب على يد زوج أُم عنيف ومدمن للكحوليات، فالأرجح أنه لن يكون قادرًا على تحمل صدمة جديدة على نحو جيد.
نحن نعلم أن السجناء عادةً ما يكونون قد تعرضوا لقدر هائل من الاعتداء قبل دخولهم السجن. ومن الواضح أن حياة السجن حافلة بالصدمات الجديدة التي تكون عادةً أشد قسوة بكثير من الصدمات التي عاناها السجين من قبل. ويتعرض السجين على الأرجح للاغتصاب كتكرار الاعتداء الذي عاناه من قبل. وعندما يتعامل موظفو السجن مع ضحايا الاغتصاب أو غيره من صدمات السجن المختلفة على نحو قاسٍ أو وحشي، يتفاقم الضرر النفسي الذي يتعرض له هؤلاء الضحايا.
(?-?) فيروس نقص المناعة البشرية والإيدز8

بلغت نسبة الإصابة بالإيدز في عام ???? في السجون ??? حالة بين كل ??? ألف سجين، مقارنةً بمعدل سنوي بين إجمالي عدد السكان يبلغ ?? حالة بين كل ??? ألف نسمة. وهذه النسبة التي تزيد بمقدار خمس عشرة مرة ليست غريبة، مع الوضع في الاعتبار القدر الكبير من الجرائم المرتبطة بالمخدرات، وانتشار الإيدز بين من يتعاطون المخدرات عن طريق الوريد. وفي السجن، ينتقل فيروس نقص المناعة البشرية عن طريق تعاطي المخدرات والوشوم والجنس. وترفض معظم الولايات تقديم العازل الذكري للسجناء، كما لو أن توفير العوازل للسجناء سيكون بمنزلة دعم للأنشطة الجنسية! والبرامج التوعوية، التي أثبتت فعالية كبيرة في الحد من السلوكيات الجنسية عالية الخطورة خارج السجون، لا تمثل أولوية لدى معظم إدارات المؤسسات العقابية.
وتُعَد اختبارات الكشف عن فيروس نقص المناعة البشرية وعزل السجناء الذين يتبين من الاختبارات إصابتهم بالمرض مسألة معقدة في السجون. على سبيل المثال، كانت هناك سياسة في سجون كاليفورنيا في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين تقضي بأن طبيب السجن يمكنه إخضاع أي سجين لاختبار الكشف عن فيروس نقص المناعة البشرية دون الحصول على الموافقة المستنيرة من هذا السجين، ويُنقَل جميع السجناء الذين تكون نتائجهم إيجابية تلقائيًّا إلى مجموعة زنزانات منعزلة للمصابين بالإيدز، سواء أظهرت عليهم أعراض أو كانوا مؤهلين لأن تُشخَّص حالتهم على أنها إيدز أم لا. وفي هذه الحالة، يضطر السجين إلى ترك السجن أو الزنزانة التي كان قد وُضع فيها. وقد يفقد أيضًا وظيفته في السجن. وينتشر خبر إصابته بفيروس نقص المناعة البشرية بين بقية السجناء. وما إن يوضَع في وحدة الإيدز، حتى لا يُسمَح له بالدخول إلى الساحة الكبيرة للسجن، ويلتزم باستخدام ساحة ملحقة بوحدة إيدز أصغر حجمًا بكثير وتفتقر إلى التجهيزات الجيدة. هذا بالإضافة إلى أنه سيودَع على الأرجح زنزانة ثنائية مع سجين يعاني الإيدز، وسيحيط به سجناء منهكون يحتضرون جراء أمراض مرتبطة بالإيدز.
في عام ????، وفي أثناء شهادتي في قضية جيتس ضد دوكماجين، سُئِلت عن الآثار النفسية لهذه السياسة، فأوضحت أن هناك العديد من المشكلات المرتبطة بهذه السياسة في كل خطوة من خطوات تنفيذها. فالموافقة المستنيرة تُعَد مسألة مهمة في تحديد الأشخاص المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. وعند إجراء فحوصات الدم من دون موافقة السجين، يشعر على الأرجح بالانتهاك وعدم الاحترام. وعندما يسمع السجين أن نتيجة اختبار فيروس نقص المناعة البشرية الخاص به إيجابية، فسيحتاج إلى بعض الوقت لاستيعاب الخبر واكتشاف كيف سيؤثر ذلك على حياته. لكن إذا أُلقي به على الفور في مجموعة زنزانات السجناء المرضى المحتضرين بالفعل، فسيُحرَم من فرصة اتخاذ القرارات بشأن مَن يرغب في إعلامهم بحالته وما سيعدله أو يتخلى عنه من الأنشطة التي يقوم بها في الوقت الراهن. والذعر الناتج عن التشخيص يتفاقم نتيجة للموقف المروع الذي يتعرض له السجين والأنشطة المقيدة التي يقوم بها. وسواء أكان عرضة لنوبات هلع أم اكتئاب، فسيزداد اضطرابه الانفعالي، ومن المرجح أن يصاب بانهيار نفسي. وليس من المستغرب، إذن، أنه تم الإبلاغ عن العديد من حالات الانتحار في زنزانات المصابين بالإيدز.
وقد أمر القاضي الفيدرالي في قضية جيتس ضد دوكماجين بإيقاف اختبارات الدم الإجبارية، وألزم إدارة المؤسسات العقابية بكاليفورنيا بإعطاء السجناء الذين ليس لديهم أعراض للمرض بالرغم من كون نتائج اختباراتهم إيجابية، خيار الإيداع في مجموعة الزنزانات المخصصة للمرضى من عدمه. وقد أمر أيضًا بأن يُسمح للسجناء، الذين تبين إصابتهم بفيروس نقص المناعة البشرية، بإمكانية الاشتراك في جميع الأنشطة والبرامج الترفيهية الملائمة، بالإضافة إلى منحهم الرعاية الطبية والنفسية الملائمة. وتتنوع السياسات من ولاية إلى أخرى، لكن بعض الولايات لا تزال تجري فحوصات إجبارية للكشف عن فيروس نقص المناعة البشرية دون الحصول على موافقة مستنيرة من السجناء، وتعزل بعض الولايات أيضًا السجناء الذين تُظهر فحوصاتهم نتائج إيجابية.
في ضوء ذلك كله، لك أن تتخيل المعاناة التي يمر بها السجين الذي تعرض للاغتصاب، واكتشف أن نتيجة فحص فيروس نقص المناعة البشرية الخاص به إيجابية، وأُودع مبنى زنزانات مظلمًا ومزدحمًا تُفرَض فيه قيود هائلة على الأنشطة. فالمعاملة القاسية تُجدد شعور السجين بالصدمة؛ الأمر الذي يزيد على الأرجح من حجم الضرر الناجم عن الاعتداء الجنسي ويُضعف من قدرة السجين على التعامل مع تجربة الاغتصاب واستعادة الأداء الانفعالي الكامل لجهازه النفسي. وعلى أية حال، فإن خطر الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية يزيد كثيرًا من الضرر الناجم عن الاغتصاب، ويضاعف من الرعب المرتبط بالاعتداء الجنسي.
(?-?) التأقلم بعد إطلاق السراح

تُدمَّر حياة الكثير من السجناء جراء التعرض للاغتصاب في السجن. ونحن لا نسمع حتى عن الناجين الأقل تأثرًا الذين يعانون إلى الأبد — مهما كانت درجة النجاح التي يحققونها بعد إطلاق سراحهم — من توارد الذكريات المرعبة على أذهانهم والعجز الشديد عن الثقة في الآخرين. ومن المُلهِم السماع بين الحين والآخر عن أحد الناجين من حوادث الاغتصاب، مثل دوني دونالدسون، الذي يتحدى المجتمع الذي يجبر الضحية على المعاناة في صمت. وقد كان لدونالدسون تأثيره؛ إذ لا تزال المنظمة التي أسسها باسم «أوقفوا اغتصاب السجناء» تلفت الانتباه العام إلى الجحيم الذي صارت عليه السجون الأمريكية. وقد ساعدت أيضًا في هذا الأمر التحقيقات التي أجرتها منظمة هيومن رايتس ووتش بشأن الاعتداء الجنسي على السجينات.
وللأسف، يصبح العديد من ضحايا جرائم الاغتصاب من الرجال معتدين بمجرد أن تسنح لهم الفرصة لذلك. وقد شاهدت نموذجًا لهذا «التوحد مع المعتدي» في أثناء عملي كمستشار لأحد المنازل الانتقالية المجتمعية (نُزُل للمرضى الذين يحتاجون عناية طبية من دون ضرورة إبقائهم في المستشفيات) الخاصة بالأفراد الذين يعانون اضطرابات عقلية مزمنة وحادة. وقد كان الموظفون في هذا المنزل قلقين للغاية بشأن سلسلة من الحوادث التي تضمنت رجلًا أمريكيًّا من أصل أفريقي متوسط البنية، يبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا. فقد اكتشِف أنه يضغط على النزيلات الضعيفات ليمارسن الجنس معه، بالإضافة إلى مواجهته الرجال المقيمين والغرباء في الشارع، طالبًا منهم التوقف عن التحديق به وإلا فسيتشاجر معهم. ولا شك أن سلوكه العدائي قد جعل الحياة في المكان صعبة على النساء، بالإضافة إلى خطورته عليه وعلى غيره من الرجال.
سألت الموظفين في المكان إن كان ذلك الشاب قد سُجِن من قبل أم لا، واكتشفت أنه قضى بالفعل وقتًا طويلًا في المحابس والسجون. فاقترحت أن يستفسر منه اختصاصي العلاج المعنِي بحالته بأسلوب بارع إن كان قد تعرض للاغتصاب من قبل أم لا. واكتشفت أنه قد اغتصِب بالفعل أكثر من مرة. كان يخجل للغاية من التحدث في الأمر، لكن من الواضح أنه كان يعوض كونه ضحية بمعاملته المسيئة للآخرين، مع هوسه الدائم بذكورته. ويدفعنا ذلك للتساؤل عن عدد المعتدين الخطرين الذين تفرزهم مؤسساتنا العقابية!
أما النساء، اللاتي تعرضن للاغتصاب والمعاملة الوحشية، فيقل احتمال لجوئهن للعدوانية مع الآخرين مقارنةً بالرجال. فهن يحتفظن بالأمر داخلهن ويُصَبْنَ بالاكتئاب. وتعاني الناجيات من حوادث الاغتصاب في السجن أيضًا من غضب غير معلن، وتراجع في تقدير الذات، وصور متعددة من القلق، ومجموعة متنوعة من الأعراض الانفعالية.
وتستمر الأعراض النفسية التالية للاغتصاب لدى الرجال والنساء على حدٍّ سواء بعد إطلاق سراحهم بفترة طويلة، وتتسبب في إعاقة شديدة لهم. ولقد رأيت عددًا كبيرًا من الحالات التي تعرضت للاغتصاب يعودون للمخدرات أو الجريمة أو الدعارة بعد إطلاق سراحهم؛ وفي كل حالة من هذه الحالات، يربط المريض فشله في الحياة بصدمة الاغتصاب في السجن. ويكتشف آخرون أنهم لا يمكنهم الخروج من حالة الاكتئاب أو نوبات الهلع التي يصابون بها بالقدر الكافي الذي يمكِّنهم من توفير رعاية جيدة لأبنائهم.
إن هذه المأساة الاجتماعية المستمرة تستحق مزيدًا من الاهتمام العام. فنحن نعلم أن الاغتصاب يدمر فرص الضحايا في إصلاح أنفسهم داخل السجون والنجاح بعد إطلاق سراحهم. ونعلم أيضًا نوعية علاج الصحة العقلية الفعال في الوقاية من اضطراب توتر ما بعد الصدمة والحد من العجز طويل المدى الناجم عن الاعتداء الجنسي. وندرك كذلك صور تواطؤ الموظفين التي تسمح بتكرار حالات الاغتصاب، ونعرف ما يمكن لمديري السجون فعله للحد من معدلات وقوع حوادث الاغتصاب في السجون والضرر الانفعالي الطويل المدى الناجم عن ذلك. فما من عذر إذن للتواطؤ والتراخي المستمرين.
•••

يبدو أن المستوى الجيد من الزيارات، وهو ما يمثل موضوع الفصل التالي، يقلل من انتشار الاغتصاب خلف القضبان ويُحسِّن من الصحة العقلية للسجناء. فالسجناء من الرجال والنساء، الذين يبقون على اتصال وثيق بأسرهم، يكونون أقل عرضة لأن يكونوا جزءًا من حوادث الاعتداءات الجنسية وأقل تأثرًا بالتدهور النفسي.

الفصل السابع
ضعف التواصل مع الأحباء


إن الزيارات المنتظمة من الأحباء تساعد السجناء على تحمل مدة عقوبتهم في السجن، والاحتفاظ باستقرارهم الانفعالي، وتجنبهم للمخالفات التأديبية، والتكيُّف مع الحياة في المجتمع بعد إطلاق سراحهم. لكن في غياب المستوى الجيد من الزيارات، يكون السجناء أكثر عرضة للاضطراب العقلي. والسجناء الذين يعانون أمراضًا عقلية خطيرة ومستديمة يزداد تدهور حالاتهم مع نقص التواصل مع الأحباء؛ ولذا، فإن السياسات العقابية التي تقلل من عدد الزيارات أو جودتها تزيد من تفاقم أزمة الصحة العقلية خلف القضبان.
إذا قارنا مثلًا بين سجين انقطع تمامًا عن أسرته وأصدقائه وسجين آخر يحظى بزيارات أسبوعية من زوجته وأطفاله، فلن يكون من الصعب علينا التنبؤ بالسجين الذي سيبقى بعيدًا على الأرجح عن المتاعب في أثناء حبسه — مع تساوي كافة العوامل الأخرى — والسجين الذي سيعاني في الغالب من انهيارات انفعالية، ويتعرض لمشكلات تأديبية، ثم يقع فريسة لعدم الاستقرار الأسري والمخدرات والجريمة عند عودته إلى المجتمع. وتشير الأبحاث إلى أن التواصل المستمر1 مع أفراد الأسرة طوال مدة البقاء في السجن يقلل كثيرًا من احتمالية إعادة إلقاء القبض على السجين وإعادته للسجن في السنوات التالية لإطلاق سراحه. ويشعر السجناء بقدر أكبر من الرضا والقدرة على المحافظة على سلامة قواهم العقلية، إذا ظلوا على اتصال وثيق بأحبائهم خارج السجن. ويبدو، للأسف، أن هناك رغبة بين الكثير من المواطنين المحترمين في «إخفاء» المدانين بالجرائم من حياتهم؛ فيشعرون بالارتياح عند إدخال هؤلاء المجرمين السجون، ولا يرغبون في سماع أي أخبار عن هؤلاء الرجال والنساء بعد ذلك. ومع تراجع أو انعدام الاهتمام العام بالحفاظ على التواصل بين السجناء وأسرهم، تتمتع إدارات المؤسسات العقابية بحرية وضع سياسات جديدة تجعل الزيارات أكثر صعوبة، مع تجاهل ما يسفر عنه ذلك من محن ومشاق للسجناء وأسرهم ومجتمعاتهم.
(?) مزايا الزيارات الجيدة

إن مستوى جودة الزيارات أثناء مدة العقوبة التي يقضيها السجين ترتبط ارتباطًا قويًّا بقدرته على المشاركة في البرنامج الموجود داخل السجن والنجاح في التأقلم مع الحياة في المجتمع بعد انتهاء مدة حبسه. وفي المقابل، تؤدي قلة الزيارات الجيدة إلى زيادة احتمال وقوع السجين في مشكلات تأديبية أو إصابته بالأمراض العقلية.
(?-?) بعض المزايا

تشير الأبحاث، التي تتناول موضوع الزيارات والعودة للجريمة،2 إلى ارتباط واضح بين الأمرين. على سبيل المثال، تشير إحدى الدراسات إلى أن ?? بالمائة من السجناء الذين لم يحظوا بزيارات من أفراد أسرهم أُلقي القبض عليهم من جديد في العام التالي لإطلاق سراحهم، و?? بالمائة منهم دخلوا السجن مرة أخرى. لكن ?? بالمائة من السجناء، الذين تلقوا زيارات منتظمة من ثلاثة أشخاص على الأقل أثناء قضائهم مدة عقوبتهم في السجن، لم يُلْقَ القبض عليهم مجددًا في أثناء العام الأول من إطلاق سراحهم، و? بالمائة فقط منهم دخلوا السجن مرة أخرى. تقلل الزيارات الجيدة كذلك من احتمالية تورط السجين في مشاجرات عنيفة. على سبيل المثال، أسرَّ إلي سجين يبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا بأنه عندما لا تزوره زوجته بضعة أسابيع أو عندما يعجز عن الوصول إليها هاتفيًّا، يشعر بالغيرة ويظن أنها قد تعرفت على رجل آخر. يقول هذا السجين: «حينها يسوء خُلقي. تعلم ماذا أعني، أليس كذلك؟ أُكِنُّ الضغائن لِمن حولي، وأول شخص يصدر عنه أي خطأ تجاهي، أُوجه إليه اللكمات. وإذا تصادف كونه حارسًا، أقع في مشكلة عويصة؛ فيُلقَى بي في الحبس الانفرادي، وأفقد وظيفتي، ويضيفون مزيدًا من الوقت إلى مدة عقوبتي.»
أخبرني رجل آخر أيضًا بأنه بعد نقله من السجن الذي كان قريبًا من منزله إلى سجن آخر في الجانب الآخر من الولاية، أخبرته حبيبته بأنها لم يعد بإمكانها زيارته كثيرًا مثلما كانت تفعل من قبل، فبدأ يشعر بغيرة شديدة ويجد صعوبة بالغة في التحكم في غضبه. ويشير سجناء آخرون إلى أنهم يشعرون بضغط هائل بسبب عدم قدرتهم على البقاء على اتصال وثيق بأطفالهم. فصرَّح لي رجل أمريكي من أصل أفريقي يبلغ من العمر ثلاثين عامًا بأن والده كان في السجن أثناء نشأته، والعديد من الرجال الذين عاشت معهم أمه طوال تلك السنوات كانوا يعتدون عليه بالضرب، واغتصب أحدهم أخته أيضًا. والآن، بعد أن صار سجينًا وغير قادر على حماية ابنه (البالغ من العمر ثمانية أعوام) وابنته (سبعة أعوام)، وصارت زوجته تهدده بالانفصال عنه لترتبط برجل يمكنه أن يعولها ويعول طفليها، أصبح يشعر بقدر هائل من الخزي لتركه أبناءه بلا حماية مثلما فعل والده من قبل معه.
ثمة جدل قائم بشأن فائدة الزيارات الزوجية وأمنها. وتتم هذه الزيارات في منطقة محددة من السجن حيث يُترَك السجين مع ذويه وحدهم في مكان خاص أشبه بالشقة لبضع ساعات أو طوال الليل. وقد تشتمل الوحدة كذلك على مطبخ. وقد تكون هناك عدة غرف نوم لأسر السجناء الذين لديهم أطفال. وأربعون بالمائة من الزيارات الأسرية تشتمل على أفراد من الأسرة بخلاف شريك العلاقة العاطفية.
يقول المنتقدون لهذه الزيارات إن هذا النوع من الزيارات يعد نوعًا من «التدليل». ويشير بعض موظفي السجون إلى أنه يؤدي إلى مشكلات أمنية أو يستنزف قدرًا كبيرًا من وقت الموظفين. أما المناصرون لهذه الزيارات، فيردون على هذه الاعتراضات بقولهم إن هناك الكثير من المزايا لإبقاء السجناء على اتصال بذويهم، مع الإشارة إلى أن السجناء يجب أن يتمتعوا بميزة الزيارات الزوجية، فيجعلهم هذا الأمر أكثر رغبة في التعاون مع لوائح المؤسسة وبرامجها. وقد توصلت دراسة لبرنامج الزيارات الأسرية في كاليفورنيا3 إلى أن ?? بالمائة من الموظفين أيدوا البرنامج. ولا شك أن وضع برنامج زيارات عائلية عالي الجودة يتطلب موارد معينة، لكن المزايا التي تتحقق من ورائه تفوق بكثير ما يحتاجه من تكاليف. لو نظرنا، على سبيل المثال، إلى مسألة الاغتصاب في سجون الرجال، فسنجد أن الزيارات الزوجية ليست متكررة أو منتظمة بما فيه الكفاية لإشباع رغبات السجناء الجنسية بالقدر الكافي. لكن يخبرني موظفو السجون أن الرجل الذي يُسمَح له بزيارات زوجية من زوجته أو حبيبته حتى لو كانت متقطعة، يقل كثيرًا احتمال اشتراكه في أعمال عنف جنسية مع الرجال الآخرين. فربما تساعد الزيارات الزوجية الدورية الرجل في أن يظل مؤمنًا بأنه محبوب، أو لعلها تعزز من شعوره برجولته.
والتواصل مع الأحباء يساعد أيضًا السجناء في التطلع لليوم الذي سيُطلَق فيه سراحهم؛ الأمر الذي يفسر عدم شعورهم بالحاجة للدخول في مشاجرات أو المشاركة في أعمال عنف خطيرة. ولعل أهم فائدة لهذا الأمر هي الشعور الدائم بالألفة والحميمية. وتضع النساء السجينات في أغلب الأحيان أطفالهن في مرتبة أعلى من أولوياتهن، لكن الزيارات الأسرية المنتظمة لكل من الرجال والنساء على حدٍّ سواء تلعب دورًا مهمًّا ليس فقط بالنسبة إليهم، وإنما أيضًا بالنسبة إلى الجيل التالي من أسرهم. وليس من الحكمة من جوانب عدة حرمان السجناء من أسرهم وأصدقائهم. فالاتصال الوثيق بالأسرة والأحباء يخفف بالتأكيد من الدناءة والجنون واليأس لدى السجناء.
(?-?) التواصل عن طريق المراسلات

باعتباري أحد المحررين الثلاثة لكتاب يتناول الرجال في السجن بعنوان «مواجهة الصفات الذكورية في السجن: سياسة العقاب القائمة على النوع الجنسي» (تيمبل يونيفرستي برِس، ????)، تراسلتُ مع سجناء/كُتَّاب من جميع أنحاء الولايات المتحدة. وردًّا على الإعلانات التي وضعناها في الدوريات، يُرسل السجناء نسخًا من قصصهم لنقيِّمها. ونراجع كتاباتهم ونتراسل معهم. وفي عدد كبير من الحالات، حتى لو لم تكن كتابة السجين ملائمة لوضعها في الكتاب، يكتب السجين إلينا مرة أخرى موضحًا أن كل ما يحتاجه حقًّا هو صديق. وينطوي طلبه عادةً على نوع من الإلحاح.
كتب أحد السجناء ذات مرة أنه من المستحيل الحفاظ على علاقة صداقة داخل السجن. وجميع أصدقائه القدامى قد توفوا، أو دخلوا السجن، أو نسوه تمامًا. والتماس الصداقة يصحبه عادةً مدح مبالغ فيه، مثل: «تيري، أنت الشخص الوحيد في هذا العالم الذي يمكنني الوثوق به.» وكتب لي رجل آخر: «أشعر، بل أعلم، أنك الشخص الذي من المستحيل أن يخون صديقه.» عندما أقرأ مثل هذه الخطابات، أشعر بمزيج من الحزن والخوف؛ الحزن للشقاء والوحدة اللذين يعبر عنهما هؤلاء السجناء، والخوف من علاقة صداقة لا تزال حديثة تمامًا وغير أكيدة، ومع ذلك لها هذا القدر من الأهمية بالنسبة إلى السجين. فهل سيتحول هذا الحماس والمبالغة إلى غضب إذا خذلتُه؟
في إحدى المرات، وبعد أن تراسلت مع أحد السجناء عدة أشهر، معلِّقًا على الشِّعر الذي كان يرسله إلي، ومرسلًا إليه طوابع، تأخرت إحدى رسائلي في بريد السجن. فتلقيت رسالة غاضبة من هذا السجين يخبرني فيها بأنه لا بأس من ألا أرغب في مراسلته مرة أخرى، لكن ينبغي علي إعادة إرسال كل أشعاره إليه. وسوينا سوء التفاهم، وتوصلنا إلى أن التأخر في البريد ربما رجع إلى بعض القصور وليس لأي تآمر — على الأقل في هذه الحالة — من جانب السلطات العقابية لإفساد المراسلات بيننا. لكن شدة الإحباط والمرارة التي تضمنتها هذه الواقعة، وغيرها من مثل هذه العلاقات، جعلتني أفكر بحذر في إيجابيات وسلبيات البدء في أية مراسلات مع أي سجين. وعندما أبدأ في الكتابة بانتظام إلى سجين ما، أحاول قدر الإمكان الإبقاء على التوقعات واقعية، ومن ثم تجنب إحباط السجين الذي يراسلني.
عند وضع هذه الأمور في الاعتبار، يمكن أن تكون المراسلة مع السجناء مفيدة للغاية، وأوصي بها. ففي واقع الأمر، إذا راسل عدد أكبر من الناس خارج السجن السجناء، فسيقل شعور هؤلاء السجناء بالعزلة، وربما سيبذلون مزيدًا من الجهد للتغلب على احتمالات عدم تمكنهم من التكيُّف بنجاح في المجتمع بعد إطلاق سراحهم.
(?-?) الزيارات والمرض العقلي

كثيرًا ما اكتشفت في تواريخ السجناء، الذين أُصيبوا بالذهان أو انتحروا، أن نوعًا ما من الانفصال المتزايد عن أحبائهم أدى إلى انهيارهم. وفي بعض الأحيان، تهجر الزوجة الزوج المسجون، لكن في معظم الأحيان لا يكون سبب انقطاع الزيارات سوى عدم تمكن أفراد الأسرة من قطع المسافة الطويلة لزيارة السجين بعد نقله إلى سجن بعيد عن منزله.
ومثلما ذكرت في الفصل الخامس، تقع الكثير من النساء السجينات فريسة لحالة من الاكتئاب الشديد عندما يُنقلن إلى سجن يصعِّب من زيارات أطفالهن لهن. على سبيل المثال، تقول سجينة أمريكية مكسيكية تبلغ من العمر اثنين وثلاثين عامًا وتقضي مدة عقوبة بتهمة المخدرات في أحد السجون الفيدرالية: «عندما أرى أبنائي كل أسبوع في أوقات الزيارة، أعرف إن كانوا يحصلون على الرعاية المناسبة أم لا — أقصد أنني أعرف إن كانوا يحصلون على تغذية سليمة أو يتعرضون للضرب أو يتم تجاهلهم — لكن عندما يكون من غير الممكن رؤيتهم بانتظام، أبدأ في الشعور بالقلق على نحو أكبر، ويتحول هذا القلق إلى كوابيس، وأشعر بمدى حقارتي كأم، وبالخوف على أطفالي.»
يعي اختصاصيو الصحة العقلية جيدًا أهمية التواصل مع الأحباء. فمَن لا يتمتعون بعلاقات وثيقة يتعرضون لخطر أكبر للإصابة بالتدهور الذهاني أو الانتحار مقارنةً بمن ينعمون بهذه العلاقات، سواء داخل أسوار السجن أو خارجه. ففي المجتمع، عندما تبدأ حالة أحد المرضى في التدهور أو تتولد لديه الرغبة في الانتحار، قد يكون من المفيد للغاية التواصل مع أفراد أسرته، والتعرف على بعض الجوانب المسببة للضغوط في الأسرة، والتخفيف، إن أمكن، من بعض التوتر الحالي الصادر عن الأسرة. ويمكن تحقيق ذلك عن طريق بضع جلسات علاج الأزواج أو العلاج الأسري، أو بمجرد تواصل المعالِج مع أحد أفراد الأسرة المجافين؛ من أجل معرفة المزيد من المعلومات حول المريض وسبب هذا الجفاء.
أما في السجن، فيقل للغاية التواصل بين موظفي الصحة العقلية وأسر السجناء. وهناك بالطبع استثناءات. على سبيل المثال، في السجون التي تحتوي على الوحدات النموذجية الداخلية لعلاج المرضى النفسيين، يكون هناك عادةً اختصاصي اجتماعي في العنبر يبذل جهودًا للتواصل مع الأسرة لمعرفة الأخبار الواردة من المنزل التي قد تتسبب في انهيار السجين، وربما يطلب من أفراد الأسرة أيضًا المجيء إلى المؤسسة للمشاركة في العلاج الأسري. لكن في أغلب الحالات، يكون موظفو الصحة العقلية مثقلين للغاية بأعباء الحالات الكثيرة لديهم، فلا يقضون الكثير من الوقت في التواصل مع أفراد أسر السجناء. ومعظم السجلات الطبية السريرية التي قرأتها في السجون لا تذكر أي شيء عن العلاقات الأسرية الحالية. ولا يتضمن الكثير منها تاريخ الأسرة.
(?) مشكلات سياسات الزيارة

لا ريب أنه عند دخول أحد أفرد الأسرة أو الأحباء السجن، تحدث تمزقات في حياة الأسرة وتنتج عن ذلك مشاق. ويُفترض أن ذلك جزء من العقوبة؛ فينفصل المجرمون عن المجتمع، ويشمل ذلك أسرهم. لكن هناك عقبات تقف في طريق الزيارات الجيدة تتجاوز ما هو متأصل في مفهوم الحبس ذاته. ولقد ذكرت الميل لوضع المؤسسات العقابية بعيدًا عن منازل السجناء. وهناك طرق أخرى أيضًا قد تتبعها أنظمة السجون — بل وتتبعها بالفعل — لجعل الزيارات أصعب مما ينبغي أن تكون عليه.
(?-?) التحرش بالزائرين

يخضع زائرو السجون للتفتيش المعتاد ويُطلَب منهم الوقوف في صفوف قبل دخولهم لزيارة ذويهم. ويستلزم الأمر قدرًا معينًا من التفتيش لأسباب أمنية. لكن في بعض الأحيان يجعل الموظفون الأمر أشد صعوبة على الزوار، عن طريق تعريضهم مثلًا للإهانات الفجة في أثناء مرورهم من البوابات أو إخضاعهم للتفتيش الذاتي وفحص المواضع الحساسة بأجسامهم قبل زيارتهم للسجناء. وقد يطول انتظارهم قبل أن يدخلوا السجن للزيارة، وتبلغ مدة انتظارهم عادة ساعة أو ساعتين.
وهناك قيود أخرى أيضًا؛ فيُفحَص بريد السجن ويُراقَب بعناية، وعلى نحو مبالغ فيه وغير قانوني أحيانًا. ويُحرَم السجناء من الزيارات إذا كانوا يخضعون للتأديب. ويُطلَب من الزائرين العودة إلى منازلهم إذا شعر الموظفون بأن ملابسهم غير مناسبة، أو أن هناك عددًا كبيرًا من الزائرين في ذلك اليوم وساعات الزيارة تنتهي قبل أن يحين دورهم. فتقود زوجة أو أم سيارتها لمسافة أربعمائة ميل لترى سجينًا، فيُقال لها إنها لا يمكنها زيارته في ذلك اليوم أو حتى اليوم الذي يليه. وتضطر للعودة إلى منزلها دون أن تتمكن من رؤية عزيزها. ويغادر هؤلاء الزائرون موقف السيارات عادةً غاضبين، وربما يتعهدون أمام أنفسهم ألا يتعجلوا بعد ذلك في القيام بمثل هذه الرحلة الطويلة. وبهذه الطرق وغيرها، ينفصل السجناء عن أسرهم وعن المجتمع؛ الأمر الذي يزيد من صعوبة بقائهم خلف الأسوار.
ونقل السجناء من مؤسسة عقابية إلى أخرى — الأمر الذي يحدث كثيرًا في السجون الشديدة الازدحام — يجعل من الصعب على السجين العادي تكوين علاقات دائمة مع السجناء الآخرين والبقاء على اتصال بأحبائه خارج السجن. بل إن بعض أنظمة السجون تحتوي على بعض المشردين. ويُنقَل بعض السجناء من سجن إلى آخر على نحو متكرر؛ ما يجعلهم يقضون فترات أطول من الوقت في الانتقال بالحافلات أو النوم في زنزانات المقاطعات المحلية في أثناء النقل مقارنةً بما يقضونه في زنزانات السجون. ويطلق السجين السابق دان مارتن على هذا الأمر اسم «علاج الحافلات».4 ويُعَد الاشتراك في أي نشاط هادف أمرًا مستحيلًا لهؤلاء السجناء. ويجن جنون الكثيرين منهم. وثمة شائعات عن أن الحرَّاس يستخدمون هذا النوع من «علاج الحافلات» كعقاب غير رسمي (ومن ثم غير قابل للاستئناف) للمدانين الذين لا يحترمونهم أو يغضبونهم. وبما أن السجين الموجود على الطريق لا يمكنه تلقي أي بريد أو مكالمات هاتفية، فمن الممكن إبقاؤه منقطعًا عن العالم على مدى أسابيع أو أشهر في أثناء نقله من سجن إلى آخر. وفي بداية ثمانينيات القرن العشرين، زادت إدارة المؤسسات العقابية بكاليفورنيا من صعوبة زيارة السجين عن طريق إجراء عمليات تفتيش إجبارية لسيارات الزائرين عند دخولهم إلى ساحة انتظار السيارات في السجن. وفي إطار إعدادي لشهادتي في إحدى الدعاوى القضائية التي أقامتها أسر السجناء، التقيت ببعض السيدات اللاتي خضعت سياراتهن للتفتيش في ساحة انتظار السيارات بسجن سان كوينتن في أثناء هذه المدة. وأخبرني هؤلاء السيدات أنه بمجرد دخول السيارة بوابة ساحة انتظار السيارات، كان يُتحفظ على ركابها ويخضعون للتفتيش، حتى إذا لم يوافقوا على ذلك واختاروا المغادرة دون زيارة السجناء. وكانت هناك لافتة صغيرة عند مدخل ساحة انتظار الزوار توضح أن من يدخلون يخضعون للتفتيش، وهي اللافتة التي لا يلاحظها معظم الناس؛ لذا، حتى الزوار الذين لا يعلمون أنهم قد يتعرضون للتفتيش لا يُسمَح لهم بالاستدارة والمغادرة لتجنب هذا الإجراء.
وأُجبِر ركاب السيارات على الخروج منها والخضوع لتفتيش ذاتي، بالإضافة إلى تفتيش حقائبهم وممتلكاتهم. وبعد ذلك، تُقاد كلاب مُدرَّبة على شَمِّ رائحة المخدرات لفحص السيارة، بينما يفتش الحرَّاس تحت المقاعد وفي صناديق التابلوه وحقيبة السيارة. وتُترَك الكثير من سيارات الزائرين في حالة فوضى. وفي حالة اكتشاف أي شيء، يُلقَى القبض على الزائرين لانتهاكهم قوانين الولاية فيما يتعلق بزيارة السجن، ويُحرَمون من زيارة أفراد أُسَرِهم مدة طويلة.
في إحدى الحالات، تمَّ العثور على علبة جعة صدئة متجعدة في حقيبة سيارة قديمة، وحُرِمت زوجة السجين وطفله من زيارته مدة عام كامل. وفي حالة أخرى، أُلقي القبض على أم سجين في منتصف العمر لحيازتها مواد مخدرة ومحاولتها تهريب هذه المواد إلى داخل السجن، وذلك بعد أن اكتشفت الكلاب بالشم عُقبًا صغيرًا لسيجارة ماريجوانا في صندوق تابلوه السيارة. وكان قد ترك الابن الأصغر لهذه الأم عقب السيجارة هذا في ذلك المكان في آخر مرة اقترض منها السيارة.
وتفتيش سيارات وشاحنات الزوار في ساحة انتظار السيارات لم يساعد على الإطلاق في ردع وصول المخدرات إلى داخل السجون. فهل من المنطقي أن يجلب أي زائر علبة جعة صدئة أو عقب سيجارة ماريجوانا من صندوق التابلوه إلى داخل السجن؟ لكن متوسط معدلات الزيارة في السجون التي يُفعَّل فيها هذا النوع من التفتيش شهد تراجعًا حادًّا. وتمكن محامو السجناء من إثبات أن عمليات التفتيش لم تكن ضرورية لأسباب أمنية، وإنما تشكل حرمانًا قاسيًا وغير معتاد للسجناء، وتمَّ التوصل إلى تسوية تضمنت توقف عمليات تفتيش السيارات.
وبدأت مؤخرًا كاليفورنيا والعديد من الولايات الأخرى في الطلب من الزائرين الخضوع لعمليات تفتيش بالأشعة السينية قبل دخولهم منطقة الزيارة في سجون معينة. ومن جديد، سواء أكان تأثير هذا النوع من التفتيش على تهريب المواد المحظورة أمرًا مشكوكًا فيه أم لا، فإنه من دون شك له تأثيره في الحد من الزيارات. على سبيل المثال، يقلق الكثير من الزوار المحتملين من الآثار الصحية المترتبة على التعرض للإشعاع.
(?-?) الزيارات في ظل الإجراءات الأمنية المشددة

إن زيارة السجناء الموجودين في العزل التأديبي غالبًا ما تكون أكثر صعوبة، وهذا أمر مؤسف للغاية؛ نظرًا لأن هذه المجموعة تحديدًا هي التي تحتاج إلى زيارات جيدة فعليًّا أكثر من معظم السجناء الآخرين، إذا كانوا سيكبحون جماح ما لديهم من عدوانية ويقضون مدة عقوبتهم في سلام وعلى نحو بنَّاء. لكن كل خطوة تُقرِّب أي سجين من إيداعه طويل المدى الحبس الانفرادي تتضمن مزيدًا من الانخفاض في جودة تواصله مع أحبائه وانتظام هذا التواصل.
وكلما زادت المخالفات التأديبية التي يقوم بها السجين، ارتفع المستوى الأمني الذي يُفرض عليه، ويعني ذلك عادةً نقله إلى سجن أبعد من السجن المحلي. فالسجناء الذين ينتمون إلى منطقة ديترويت الحضرية ويصدُر ضدهم عدد معين من الإنذارات التأديبية في أي سجن، يُودعون سجن الإجراءات الأمنية المشددة في مقاطعة ماركيت التي تبعد مسافة كبيرة جدًّا عن ديترويت، بالرغم من وقوعهما في ولاية واحدة؛ وهي ولاية ميشيجان. والسجناء من فيلادلفيا يُودعون مؤسسة الولاية العقابية في مقاطعة جرين، التي تبعد بالسيارة نحو ست ساعات. وبالمثل، يقع أعلى سجن في كاليفورنيا من حيث الإجراءات الأمنية، وهو سجن بيليكان باي، في الشمال الغربي من الولاية على مسافة بعيدة للغاية من سان دييجو ولوس أنجلوس، وهي المدن التي تمثل موطن معظم سجناء بيليكان باي. وأوضح لي أحد السجناء الأمريكيين من أصل أفريقي من وسط جنوب لوس أنجلوس أنه يرغب في رؤية ذويه، وأنهم اعتادوا زيارته عندما كان في انتظار المحاكمة بأحد السجون المحلية، وحتى عندما سُجِن في مدينة تشينو بجنوب كاليفورنيا. لكن منذ أن نُقِل إلى سجن بيليكان باي، لم يعد يلتزم أحد بالمجيء لزيارته سوى أمه، وحتى هي لا تتمكن غالبًا من قطع كل هذه المسافة.
وبمجرد أن يُودع السجين وحدة عزل، فإنه يخسر ميزة «زيارات التواصل». فالسجناء المحبوسون في معظم وحدات الحراسة لا يمكنهم رؤية الزوار إلا عبر لوح زجاجي سميك ويلزم عليهم التحدث معهم عبر الهاتف. وهناك احتياطات أمنية أخرى تشمل أشد أنواع التفتيش للزائرين ومزيد من تكبيل اليدين والتقييد للسجناء في أثناء قيادتهم إلى أماكن الزيارة ومنها.
يتوقف السجناء عن تخيل مستقبل لهم وسط أسرهم، فلا يكتبون إليهم كثيرًا. وتتألم زوجاتهم وأطفالهم من ذلك، ويقل تواصلهم معهم. ويصاب السجين بعد ذلك بالاكتئاب أو الغضب الشديد. وتقل قدرته على الالتزام بالقواعد، ويزداد احتمال دخوله في شجارات. وتكون النتيجة مفارقة مؤسفة؛ وهي أن السجناء الذين يُنظر إليهم باعتبارهم لديهم مشكلات في الانضباط يُودعون سجونًا تبعد كثيرًا عن محل إقامتهم؛ ومن ثم يحظون بعدد أقل من الزيارات الجيدة. لكن مع تراجع التواصل الجيد مع الأحباء؛ يزداد شعورهم بالإحباط والغضب ويدخلون في شجارات أسوأ. والسجناء الذين يجدون صعوبة شديدة في التحكم في أنفسهم، يُحرَمون من أهم مصدر — أي أحبائهم — قد يساعدهم على التحكم في أنفسهم على نحو أفضل.
إذا كان هدف السياسات العقابية هو الحفاظ على السلام والصحة العقلية في السجون ومساعدة السجناء على أن يصلحوا من أنفسهم وأن يصبحوا مواطنين ملتزمين بالقانون، فإن التوجه نحو زيادة التضييق في الزيارات التي يتلقاها السجين كلما ارتفع المستوى الأمني الذي ينتمي إليه يؤدي إلى نتائج عكسية تمامًا. ولا شك أن طلبات الحصول على ميزانيات أكبر للمؤسسات العقابية في الولايات المتحدة لبناء وحدات سجون أكثر تشديدًا في الإجراءات الأمنية تصحبها دائمًا تقارير مثيرة عن تزايد العنف بين السجناء. ويبدو أن إدارات المؤسسات العقابية لديها مصلحة مالية في جعل السجناء يفشلون؛ إذ سيتمكنون بذلك من تبرير بناء المزيد من السجون والحصول على ميزانيات تشغيلية أعلى.
(?-?) سجين ووالدته5

تقدَّم سجين أبيض يبلغ من العمر خمسة وعشرين عامًا ويُدعَى كيه آر وأمه بالشهادة في إحدى الدعاوى القضائية الجماعية الفيدرالية ضد إدارة المؤسسات العقابية في كاليفورنيا. وتعلقت الدعوى بمشكلات الازدحام الشديد وغيرها من صور «العقوبة القاسية وغير المعتادة». وقد سُئِل كيه آر وأمه عن التجربة القاسية التي عانيا منها أثناء حبس الابن في سان كوينتن. كان كيه آر قد أُدين بالسرقة. لم يكن هناك سلاح ولم يُستخدَم أي عنف في الجريمة؛ إذ سلمت الضحية محفظتها التي احتوت على ?? دولارًا للسارق. وعقابًا على هذه الجريمة الأولى له، حُكِم عليه بالسجن وقضى مدة كبيرة من عقوبته في العزل الإداري. ولم يرتكب كيه آر أية مخالفات تأديبية أثناء وجوده في السجن، لكنه وضِع في العزل الإداري فقط بسبب سلسلة من الإجراءات التافهة في عملية التصنيف. وعند سؤاله عن نوعية الزيارات التي سُمِح له بها أثناء وجوده في الحبس الانفرادي، كان جوابه على النحو التالي:
جواب: كانت زيارات غير تواصلية؛ إذ يوضَع السجين في مكان أشبه بزنزانة صغيرة، به نافذة زجاجية وهاتف، ويجلس الزائر على الجانب الآخر ومعه الهاتف. سؤال: هل كنت تُقيد بأي شكل من الأشكال؟ جواب: نعم، فكانت توضَع حول خصري السلاسل، ويأخذونني من الزنزانة إلى مكان الزيارة ويضعونني في المكان الأشبه بالزنزانة الصغيرة التي أشرت إليها، ثم يفكون عني القيود وسلاسل الخصر. سؤال: هل كان بإمكان زائريك رؤيتك وأنت مقيد في السلاسل؟ جواب: نعم، كان بإمكانهم ذلك. سأله المحامي بعد ذلك، عن حالته الانفعالية بعد إيداعه الحبس الانفرادي دون تمارين رياضية واقتصار الزيارات الخاصة به على الزيارات غير التواصلية على مدى ثمانية عشر يومًا.
جواب: لقد شعرت بالإهانة الشديدة، وبعدم قدرتي على الخروج وممارسة التمارين. كان جسدي يتألم، لكن الأمر كان مهينًا حقًّا؛ لأنك تخرج لزيارة ذويك ويرونك في الأغلال والقيود، الأمر أشبه بالإذلال. سؤال: في أثناء الزيارات غير التواصلية، هل كان بإمكانك التواصل مع أسرتك؟
جواب: ليس بدرجة كبيرة. سؤال: ما صور الكبت التي تعرضت لها؟
جواب: لم يكن بإمكاني التحدث عن الخروج من السجن أو الحصول على مساعدة؛ وذلك لأن الهواتف كانت تحت المراقبة. فأنت لا تدري إن كان ما ستقوله خطأً أم لا، وإن كان الموظفون سينتزعون منك الهاتف لأنك قلت شيئًا ليس من المفترض أن تقوله. ولا تعرف ما ينبغي عليك قوله، فيما عدا: «كيف حالك؟ تبدو أفضل حالًا بكثير.» عانى كيه آر في النهاية انهيارًا عصبيًّا، وصار يحاول الانتحار أثناء وجوده في وحدة العزل الإداري في سان كوينتن. وبعد خضوعه للفحص النفسي للحالات الطارئة، وضِع على لائحة التدابير الاحترازية لمواجهة حالات الانتحار عدة أيام.
تقدمت والدة كيه آر أيضًا بشهادتها في المحكمة. وبعد أن وصفت أوقات الانتظار الطويلة في صفوف الزائرين وعمليات التفتيش الذاتية التي تسبق الزيارات، سُئِلت عن الاختلافات بين الزيارات التواصلية وغير التواصلية. وأجابت من منصة الشهود قائلةً: «الزيارات غير التواصلية مؤلمة للغاية؛ لأن الشعور بالشخص العزيز عليك والتواصل معه جزء مهم من تشجيعه. لكن في هذه الزيارات، ثمة حاجز بينك وبينه. لم نكن نشعر بالارتياح. وقيل لنا إنه ينبغي علينا عدم التلفظ بأي شيء لا نرغب في أن يسمعه أي شخص آخر. وقضينا وقتًا طويلًا نعقد محادثات بسيطة عبر الهاتف لا علاقة لها بأيٍّ من المشكلات القائمة.»
في وقت لاحق، نُقِل كيه آر إلى سجن ذي إجراءات أمنية منخفضة، وحصل على زيارة تواصلية من أمه وابنته البالغة من العمر خمسة أعوام. وحتى وقت هذه الزيارة، طلب كيه آر من والدته أن توضح لابنته سبب عدم إمكانية قيامها بزيارته بأن تكذب عليها وتخبرها بأنه كان مريضًا للغاية. ووصفت أمه أول زيارة تواصلية معه قائلةً: انتظرنا أكثر من ساعة تقريبًا، وحاولت لفت انتباهها بعيدًا عن أي شيء له علاقة بالسجن. إنها تعيش في قاعدة عسكرية، ولم يكن للضباط أو للأشياء الموجودة في السجن أهمية لها. وفجأة، لا أعلم لماذا، نظرتُ عن يميني حيث مكان الزيارة الرئيسي، ورأيت ابني وهو يسير ناحيتنا من هذا الاتجاه. استدرت إلى سارة، وقلت لها: «ها هو والدك.» فقالت لي: «إنه ليس مريضًا!» وانطلقت ركضًا ناحيته. لكنه لم يجرِ ناحيتها. ووقف في الصف، فوصلتْ إليه. شعرنا بابتهاج شديد. كان هناك الكثير من البكاء والمشاهد الانفعالية وما إلى ذلك، لكننا تمكنا من قضاء وقت الزيارة في مكان عادي يمكنه فيه أن يتواصل مع ابنته جسديًّا وأن يتحدث معها.
سؤال: هل كان لتلك الزيارة التواصلية تأثير على ابنك؟ جواب: نعم، لقد كان في أفضل حالاته ربما بسبب هذه الزيارة. لقد كانت مهمة للغاية بالنسبة إليه. وبالطبع، كان بإمكاننا لمسه أيضًا. وتحدثنا كثيرًا، وقلنا كل ما يمكننا التفكير فيه، وهمسنا وتحدثنا، وشعرنا بارتياح كبير لعدم شعورنا بالقلق مما كان يحدث أو من أن يتنصت علينا أحد أو أي شيء من هذا القبيل.
قضى كيه آر شهرًا واحدًا فقط في الحبس الانفرادي. ولك أن تتخيل حال السجناء الذين يُحكَم عليهم بمدة غير محددة في هذا الحبس! فإذا كان كيه آر قد أُصيب باضطراب انفعالي وصارت لديه ميول انتحارية بسبب التوتر النفسي، فما مقدار التوتر الذي سيتعرض له شخص أسير الحبس الانفرادي فترة أطول بكثير؟
(?-?) السجناء الذين يرفضون الزيارات

التقيت بعدد كبير من السجناء في السجون ذات الإجراءات الأمنية العالية والمشددة، يختارون، مثل كيه آر، عدم تلقي زيارات من عائلاتهم. فالآباء من السجناء قد يرفضون زيارات أبنائهم لهم؛ لكيلا يروهم وهم مكبلون بالقيود. على سبيل المثال، سألت في إحدى المرات رجلًا أسود يقضي مدة عقوبته في سجن إنديانا ذي الإجراءات الأمنية المشددة في مدينة ويستفيل إن كانت أسرته تجيء لزيارته كثيرًا أم لا. فقال لي مؤكدًا: «لا يأتون أبدًا!»
فسألته: «لماذا؟ هل يرجع السبب إلى المسافة التي ينبغي عليهم قطعها؟»
فأجابني: «لا، فهم لا مانع لديهم من القيادة ساعة كاملة إذا تطلب الوصول إلى هنا ذلك، لكنني لا أريدهم أن يروني على هذا الحال.»
سألت ذلك الرجل عما يعنيه، فأوضح لي أنه في كل السجون الأخرى التي سُجِن فيها، يرتدي السجناء ملابسهم الشخصية ويتلقون زيارات تواصلية، لكن في هذا السجن ذي الإجراءات الأمنية المشددة، فإنهم يرتدون بذلة السجن، ويُجبَرون على قضاء وقت الزيارة في مكان مغلق يتحدثون فيه عبر الهاتف مع زائريهم. وواصل حديثه قائلًا: «لقد واجهت صعوبة في أن أوضح لأبنائي سبب دخولي السجن. ولا أريدهم أن يتذكروني وأنا مكبل بالأغلال وأرتدي ملابس السجن هذه.»
يحمل الكثير من السجناء الذين يودعون وحدات الحراسة المشددة مثل هذه المشاعر. فهم مفتقدون لزوجاتهم وآبائهم وأطفالهم، لكنَّ كبرياءهم يجعلهم يرفضون زيارات أُسرهم. وفي ميشيجان، تضمن استطلاع الرأي الذي أرسلته للسجناء في قضية كين ضد إدارة المؤسسات العقابية بميشيجان السؤال التالي: «هل فقدان متعلقاتك وملابسك الشخصية سيغير من قدرتك على التواصل مع أسرتك وأصدقائك؟» فالسياسة الجديدة التي تعرضت لها هذه القضية كانت من شأنها أن تفرض قيودًا كبيرة على متعلقات السجناء وتجبرهم على ارتداء زي موحد. فيما يلي بعض الردود المعتادة التي حصلت عليها من بعض السجناء الذكور: لا أرغب أن يراني أطفالي وأسرتي وأنا بملابس السجن.
سيؤثر ذلك بالسلب على مشاعرهم أثناء الزيارة.
سأشعر بالخزي؛ لذا فإجابتي هي نعم.
نعم، فسيشعرون بأنني لست بحاجة إليهم. فهم يفعلون الأشياء من أجلي ليظهروا لي حبهم.
نعم؛ لأنني قد حُرِمت بالفعل من رفقتهم، والآن لن يصير بإمكاني الحصول على الأشياء التي تبقيهم في ذاكرتي.
نعم؛ لأن هذا الأمر سيفتح الباب لكثير من الأمور التي سيتعين عليَّ إيضاحها، مثل سبب انزعاجي أو ارتدائي نفس الملابس دائمًا.
وفيما يلي عدد من الإجابات المعتادة من السجينات: نعم، فلا أرغب في أن يروني بهذا الحال.
أرسلت إليَّ أسرتي أشياء ساعدتهم على أن يشاركوني وجدانيًّا هذه التجربة. وسيكون من الصعب جدًّا أن أخبر أمي البالغة من العمر تسعين عامًا بأنها لا يمكنها إرسال شيء بسيط يعبر عن حبها لي. ولا يمكنني مقابلتها دون أن أرتدي الملابس التي أرسلتها إليَّ.
نعم، فهم يظهرون حبهم لي بإرسال الأشياء التي أحتاج إليها حقًّا، وسأفقد كل ذلك.
وجودنا في هذا المكان يشق علينا وعلى أسرنا. فلدينا أطفال لا يفهمون سبب عدم عودتنا إلى المنزل، وإرغامنا على لقائهم في الزيارات بملابس السجن سيزيد من ارتباكهم.
وكتبت سيدة تبلغ من العمر واحدًا وخمسين عامًا، وهي أم لديها اثنان من الأبناء، ولديها أحفاد، تقضي خمسة عشر عامًا عقوبة في سجن ذي إجراءات أمنية منخفضة، ولا يجوز لها أن تطلب إطلاق السراح المشروط قبل مضي ثلاثة أعوام: من الصعب جدًّا على أسرنا وأطفالنا أن يرونا في هذا الموقف. وأنا متأكدة أن هذه السياسة ستغير من رغبتي في رؤية أبنائي وأحفادي. من الأمور التي يتم تشجيعنا على فعلها هي إعادة إرساء روابطنا الأسرية وتحسين قدرتنا على التواصل والتصرف على نحو مسئول ومثمر. وبالنظر إلى تنفيذ هذه السياسة ضمن سياسات أخرى كثيرة جدًّا، يبدو الأمر كما لو كان هدف إدارة المؤسسات العقابية هو إلقاء من يقعون في أيديهم في السجون ونسيانهم بعد ذلك. لم تعد المكالمات الهاتفية سرية بعد الآن، ولم يعد يُسمَح للأشقاء بالتواصل، وأصبح أفراد الأسرة يُعامَلون كما لو كانوا محبوسين عند زيارتهم لأحبائهم. يبدو أن الحاجة لفرض العقاب الكامل والتفنن في الوسائل التي من شأنها منع السجناء من العودة للإجرام قد طغت على الهدف الأساسي للسجن، وهو مساعدة الفرد على إعادة بناء حياته.
(?-?) تأثير قلة زيارة السجناء على المجتمع نفسه

ليس السجناء وحدهم مَن يعانون قلة الزيارات. فمن العواقب المأساوية الأخرى المترتبة على زيادة أعداد السجناء ومحاولة «إخفاء» المجرم عن المجتمع؛ تدمير الأُسر. فبالنسبة إلى السجناء، رجالًا كانوا أم نساءً، لا تسير حياة أطفالهم على ما يرام في غيابهم. نحن نشهد مأساة واسعة الانتشار تحدث بين الأجيال، يدخل فيها الأب أو الأم السجن، ويقع الابن أو الابنة فريسة المخدرات والجريمة والفشل المزمن، بل وربما يصل به الحال إلى السجن يومًا ما.
ليس من المفيد على الإطلاق لأي مجتمع إدخال عدد كبير من شبابه إلى السجن. ولنا أن نفكر مثلًا في تأثير زيادة أعداد السجناء في المناطق الفقيرة بمجتمع الأمريكيين من أصل أفريقي. فهناك من يتحدث عن «القيم الأسرية» والواجب الأخلاقي المُلزم للرجال بتنفيذ وعودهم لزوجاتهم وأطفالهم. لكن مع وجود ما يزيد عن ?? بالمائة من الرجال الأمريكيين من أصل أفريقي ضمن الاختصاص القضائي لنظام العدالة الجنائية، يوجد عدد كبير من الأمهات المعيلات والأسر التي يغيب عنها الأب أو الأم، وعدد قليل من الرجال.
وإذا عاد السجين السابق إلى المجتمع وهو في حالة أشد من الغضب والاضطراب الانفعالي والانفصال عن أسرته نتيجة لنقص الزيارات الجيدة، فسوف يعود على الأرجح إلى حياة المخدرات والجريمة؛ وربما أيضًا سيتجه إلى جرائم أكثر عنفًا من تلك التي ارتكبها قبل دخوله السجن.
•••

إن القيود المفروضة على الزيارات الجيدة لها أثر ضار للغاية على صحة السجناء العقلية. وسوء التواصل يزيد بلا شك من سوء حالات الاكتئاب. والسجناء المعرضون — بسبب المرض العقلي — للانفعال وخرق القواعد واللجوء للعنف يفقدون التأثير الإيجابي الذي يمكن أن يحققه لهم تواصلهم الوثيق مع أفراد أسرهم. ليس مصادفةً إذن أن يحدث عدد كبير من حالات الانتحار في السجن؛ نتيجة لفقدان التواصل مع الأحباء، وهو الأمر الذي سأتناوله في الفصل التالي.

الفصل الثامن
الانتحار في السجون


يبلغ معدل الانتحار في السجون ضعف معدل الانتحار بين السكان عمومًا، ويزيد في الحبس الاحتياطي بنحو تسع مرات عن معدله بين السكان عمومًا، أو خمس مرات عن معدله في السجون. وهذا تقدير تقريبي؛ إذ يختلف المعدل اختلافًا كبيرًا من ولاية لأخرى. مع ذلك، فإن هذه الأرقام تشير إلى أن الانتحار يمثل خطرًا صحيًّا كبيرًا داخل المؤسسات العقابية.
ولديَّ، للأسف، الكثير من القصص الشخصية عن حالات انتحار سجناء. ففي كل مرة يُطلَب مني فيها تقديم رأيي بشأن جودة خدمات الصحة العقلية في أحد السجون، أطلب ملفات جميع حالات الانتحار التي حدثت مؤخرًا؛ سواء محاولات الانتحار أو الحالات التي انتهت بالوفاة فعلًا. وألتقي، بعد ذلك، بالسجناء الذين أتمكن من تحديد مواقعهم والذين حاولوا دون جدوى قتل أنفسهم. وفي الحالات التي تمكَّن أصحابها من الانتحار فعليًّا، تُجري المؤسسات الطبية عادةً «تشريحًا نفسيًّا»؛ أي فحصًا سريريًّا بعد الوفاة للحالة، فأطلب الاطلاع على تقارير هذه الفحوصات الخاصة بالعامين أو الأعوام الثلاثة الماضية. وتقدم محاولات الانتحار خلف الأسوار، في حال نجاحها أو فشلها، صورة لليأس بين السجناء، ونقدًا لاذعًا لسلوكيات الموظفين وأوجه الخلل المؤسفة لديهم فيما يتعلق ببرامج منع الانتحار.
(?) وباء مأساوي

على الرغم من أن الانتحار يمثل مشكلة كبيرة في السجون، فإن النماذج السائدة في كلٍّ من هاتين البيئتين العقابيتين مختلفة. لكنْ هناك نموذج آخر من الانتحار، وهو الانتحار الخفي الذي يُطلَق عليه أسماء أخرى، مثل شجار أفضى إلى موت أو محاولة هروب أسفرت عن موت السجين. وفهم الأسباب التي تجعل السجناء يصلون إلى درجة من الاكتئاب تدفعهم لقتل أنفسهم يمكن أن يساعد الموظفين في الحفاظ على مستوى اليقظة المطلوب لمنع حالات الانتحار.
(?-?) الانتحار في الحبس1

في أواخر سبعينيات القرن العشرين، وكنوع من رد الفعل على الدعاوى القضائية الجماعية التي وجهت اتهامًا بشأن قصور رعاية الصحة العقلية في العديد من سجون الولايات المتحدة، تحسر عدد هائل من المنشورات على المعدل المرتفع المُقلق للانتحار بين السجناء. ومن النتائج المذهلة التي تم التوصل إليها أنه على أقل تقدير تحدث نصف حالات الانتحار في الحبس الاحتياطي خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى من الاعتقال، ونسبة كبيرة منها تحدث خلال الساعات القليلة الأولى منه. وهناك بعض الأدلة أيضًا على أن المحبوسين احتياطيًّا يكونون أكثر عرضة لإيذاء أنفسهم مقارنةً بالسجناء الصادر ضدهم أحكام. فالمحبوسون احتياطيًّا يجب عليهم التكيف مع صدمة الاعتقال والحرمان من الحرية والشعور بالخزي الناجم عن ذلك والاحتمال المخيف بقضاء الوقت خلف الأسوار.
وقد وضعت الجمعية الطبية الأمريكية، ووزارة العدل الأمريكية، والعديد من الولايات معايير للخدمات الطبية وخدمات الصحة العقلية في زنزانات الاحتجاز المحلية، بما في ذلك توجيهات واضحة بشأن أنواع الفحوصات التي تُجرَى على المحتجزين الواردين، وتدريب الموظفين الذين ينبغي عليهم الكشف عن السجناء المعرضين لخطر الانتحار. على سبيل المثال، نظرًا لأن نسبة كبيرة من حالات الانتحار في الحبس تحدث في زنزانات العزل، فمن الواضح أن العزل ليس وسيلة فعالة للتعامل مع السجناء الذين لديهم ميول انتحارية؛ ومن ثم يجب منعه. ويوصَى، بدلًا من ذلك، بالملاحظة المباشرة لهؤلاء السجناء، أو على الأقل المتابعة الدقيقة كل خمس عشرة دقيقة.
ومن الممارسات المعتادة حاليًّا في معظم السجون فحص المحتجزين الواردين للكشف عن أي علامات تشير إلى خطر وقوع حالات انتحار، بالإضافة إلى خضوع الموظفين غير المختصين في مجال الصحة العقلية للتدريب من أجل التعرف على السجناء المعرضين لهذا الخطر. ومع ذلك، ما زال معدل حالات الانتحار في السجون عاليًا. ويرجع أحد أسباب ذلك إلى أن الكثير من المقاطعات تتبنى بروتوكولات خطية مقبولة للفحص والوقاية، لكنها تفشل على نحو بائس في تطبيق هذه البروتوكولات.
(?-?) الانتحار في السجن2

يُعَد الانتحارُ السببَ لما يزيد عن نصف عدد حالات الوفاة بين السجناء في الحجز. وفي عام ????، بلغ معدل حالات الانتحار ???? حالة بين كل ??? ألف سجين في سجون ولاية كاليفورنيا، و?? حالة بين كل ??? ألف سجين في سجون ولاية تكساس. وبلغ معدل الانتحار في السجون بهاتين الولايتين، وهما الولايتان الكبريان من حيث إجمالي عدد السجناء، نحو ضعف معدل الانتحار بين السكان عمومًا في ذلك العام. وفي نفس العام، بلغ معدل الانتحار في سجون ولاية جورجيا ???? بين كل ??? ألف سجين، وفي فلوريدا ???، وهو المعدل الأقل إلى حدٍّ ما عن معدل الانتحار بين السكان عمومًا.
وعلى عكس المحتجز في الحبس قبل محاكمته، كان لدى المحبوس في السجن الوقت للتكيف إلى حد ما مع المصير الذي في انتظاره والمخاوف بشأن انفصاله عن أحبائه وبشأن قدرته على التأقلم مع حكم طويل المدة في بيئة سجن وحشية ذات نظام هرمي.
ولقد تحدثت مع العشرات من السجناء الذين أقدموا على محاولات جادة للانتحار لكنهم نجوا منها، وأخبروني بأسباب عديدة لأفعالهم المدمرة للذات. فقال لي أحد الرجال إن موعد إطلاق سراحه كان قد أوشك، وأضاف: «بدأت أشعر بقلق شديد بشأن ما سيحدث لي خارج السجن.» وهناك رجل آخر كان قد اكتشف أن نتيجة فحص فيروس نقص المناعة البشرية الخاص به جاءت إيجابية. ورجل آخر قطع شرايين رسغيه بعد أن اكتشف أن طلب إطلاق السراح المشروط الخاص به قد رُفِض، وقال لي: «سيطرت عليَّ فكرة أنني لن أتمكن من رؤية أطفالي أبدًا إلى أن يصيروا بالغين.»
مثلما أوضحت في الفصل السابع، يُعَد عدم التواصل أو ضعفه مع الأحباء أحد الأسباب التي يذكر الكثير من السجناء أنها الدافع وراء محاولاتهم الانتحار. فقد قام أحد السجناء، الذين التقيت بهم، بمحاولة انتحار جادة بعد أن سمع بأن ابنته البالغة من العمر اثني عشر عامًا قد تعرضت لحادث اغتصاب وحشي. وقد كان ثائرًا للغاية بشأن ألمها وبشأن عجزه التام عن أن يكون معها في وقت احتياجها له. وتحدثتُ أيضًا مع الكثير من السجناء الذين حاولوا الانتحار بعد علمهم بأن شريك حياتهم قد انفصل عنهم وارتبط بشخص آخر. والعديد من حالات الانتحار التي نجح أصحابها في الانتحار فعليًّا يرجع الدافع وراءها إلى الغيرة.
تحدثتُ كذلك مع سجناء أقدموا على محاولات انتحار جادة؛ لأنهم لم يتحملوا التهديدات البدنية التي يتعرضون لها كل يوم. وآخرون — يكاد يكون من المستحيل تقدير عددهم؛ نظرًا للخزي الذي يمنع الكثيرين منهم من التحدث في الأمر — تعرضوا للاغتصاب وتُرِكوا بعد ذلك محاصرين في معضلة هل كان ينبغي عليهم أن يشوا بالمغتصِب أم لا. وبالنسبة إلى آخرين، كانت فكرة عدم الاحتفاظ بوظيفة أو التمتع بأسرة خارج السجن أصعب مما يمكن تحمله. وهناك أيضًا السجناء الذين يقضون أغلب ساعات استيقاظهم في زنزانات مظلمة. فيصابون بالاكتئاب ويبدءون في الشعور بأنه ما من أمل أمامهم. والأسباب وراء كل حالة انتحار في السجن معقدة، والفروق بينها دقيقة.
يمثل السجناء الذين يعانون الذُّهان وغيره من الاضطرابات العقلية الخطيرة الأخرى نسبة كبيرة من حالات الانتحار في السجون. ويقتل هؤلاء السجناء أنفسهم أحيانًا استجابةً «لهلاوس آمرة». وهذه الهلاوس هي أصوات تأمر الشخص المضطرب بفعل شيء ما، مثل ارتكاب عمل عنيف. وعندما تأمره هذه الأصوات بقتل نفسه، يكون خطر الانتحار عاليًا للغاية. ويرجع ذلك إلى أن الأفراد الذين يعانون اضطرابات عقلية خطيرة ويستجيبون للهلاوس السمعية يكونون غير قادرين على التواصل الجيد مع مقدمي المساعدة للاستماع إلى نصائحهم أو إعطاء التزام بعدم فعل أي شيء مدمر للذات.
حتى وإن استطاع الطبيب السريري، لفترة قصيرة، لفت انتباه هذا الشخص، والوصول إلى اتفاق ما معه بعدم الاستجابة لرغباته الانتحارية، فإنه بمجرد أن يتركه هذا الطبيب وتعود الأصوات لتأمره بارتكاب عمل انتحاري، يترك هذا الشخص على الأرجح كل الالتزامات السابقة ويلبي أوامر الأصوات التي يسمعها. على سبيل المثال: التقيت بالسيد آر إيه، وهو سجين من الأمريكيين الأصليين، في نهاية العشرينيات من عمره، في إحدى وحدات العزل الإداري. بدا ثائرًا، وكانت هناك غرابة في التحديق الواسع لعينيه من النوع الذي رأيته فقط لدى المرضى الذين يعانون ذهانًا حادًّا. سألته عن سبب احتجازه في العزل الإداري، فكشف لي عن رسغه الأيسر، حيث كانت هناك ندبة سميكة ناتجة عن تمزق أحدثه لنفسه. سألته عما حدث، فأخبرني أنه سمع أصواتًا تأمره بقتل نفسه. كان قد مرَّ على السيد آر إيه في إحدى وحدات العلاج النفسي المؤمَّنة ستة أشهر حيث حصل على أدوية مضادة للذهان قوية للغاية، عندما نقلوه إلى هذا السجن. يقول آر إيه: «كانوا بحاجة إلى السرير في مستشفى الأمراض النفسية، وكنت أول مريض يمكن الاستغناء عنه.»
لقد تأخر نقل التقرير السريري لهذا الرجل، فلم يستطع الحصول على الأدوية المضادة للذهان الخاصة به. وفي تلك الأثناء، أخذ السجناء الآخرون يسخرون منه لكونه «غريب الأطوار». وازداد ارتباكه شيئًا فشيئًا على مدار عدة أسابيع، ثم تشاجر مع سجين أهانه. كان يعتقد أن الحرَّاس انحازوا إلى السجين الآخر. أُلقي به في الحبس الانفرادي. وبحلول ذلك الوقت، كان قد مر على عدم حصوله على الأدوية ثلاثة أسابيع. وبانقطاعه عن جميع علاقاته الاجتماعية، صارت الأصوات داخل رأسه أعلى وبدأت تلومه على حماقته، ثم أخبرته بأن يقتل نفسه، فحاول فعل ذلك بشقِّ رسغه باستخدام قطعة معدنية كسرها من السرير. وبعد محاولة الانتحار، أُرسِل السيد آر إيه إلى المستوصف لمدة يومين، وتمت خياطة الجرح له. قال آر إيه: «بعد ذلك، جاء طبيب نفسي، وأعادني إلى نظام الأدوية الخاص بي.» صدرت ضده مخالفة تأديبية لمحاولته الانتحار، وأُعيد إلى العزل الإداري.
عندما التقيت بالسيد آر إيه، كان لا يزال تنتابه هلاوس على الرغم من حصوله على الأدوية، ولم يكن قد عُرض على أي متخصص من متخصصي رعاية الصحة العقلية منذ مجيء الطبيب النفسي لرؤيته في المستوصف ووصفه له الدواء المضاد للذهان قبل أسبوع من لقائي معه.
(?-?) الانتحار الخفي

إن السبب الوحيد الذي يدفع أي شخص للانتحار هو عدم تمكنه من التوصل إلى بديل أفضل، مع الوضع في الاعتبار مدى يأسه والمأزق الحالي الذي يعانيه. فالشباب بالأحياء الفقيرة لا يعتقدون أن أمامهم فرصًا كثيرة في الحياة. وأعتقد أن هذا أحد أهم الأسباب التي تجعل هذه المجتمعات تعج بالمخدرات والجريمة والعنف، وغير ذلك من السلوكيات المنطوية على مخاطر شديدة. فلا يفكر الشباب في مستقبلهم كثيرًا على نحو واعٍ، ولا يفكرون كذلك بشكل جِدِّي في العواقب عند ارتكابهم أنواع الجرائم التي تؤدي بهم في النهاية إلى الحبس. وهذا النوع من التفكير يؤدي إلى الانتحار. فحرب العصابات بالأحياء الفقيرة، شأنها شأن حالات الشغب في السجون، تتضمن قدرًا هائلًا من الميول الانتحارية غير المُعلَنة.
وفي السجن، هناك العديد من الطرق التي يقتل بها المرء نفسه بطريقة لا تجعل أحدًا يشك أنه انتحر. ويفعل بعض السجناء ذلك لأن الدافع المدمر للذات الذي يقف وراء أفعالهم الخطيرة يكون لاشعوريًّا. ويختار آخرون عن وعي الموت، لكنهم يعتقدون أنه علامة على الجُبن، أو لا يرغبون في أن تعيش أُسرهم مع خزي انتحارهم، فيقومون بمحاولة هروب متهوِّرة وهم على علم بأن الحرَّاس سيطلقون عليهم النار ليقتلوهم. وقد يثيرون أيضًا شجارًا مع شخص قوي أو عضو في عصابة يعرفون أنه سيقتلهم. ومن السبل الأخرى التي يمكن للسجين أن يتأكد أنه سيموت من خلالها؛ تخلفه عن دفع ما عليه من أموال لأحد تجار المخدرات بالسجن، أو عدم دفع دَين مقامرة كبير.
والعديد من حالات الانتحار التي تتم بالفعل لا تُسجَّل على أنها انتحار؛ وذلك لأن الأفراد يموتون نتيجة حادث عنف، ولا تكون هناك أية أدلة واضحة على حدوث أي انتحار. في المجتمع، يمكن للفرد أن يقود سيارته بتهوُّر ويتعرض لحادث اصطدام يودي بحياته أو يطلق النار على الشرطة وهو يعلم أنهم سيطلقون عليه النار في المقابل. أما في السجن، فيمكن للسجين مهاجمة سجين أقوى منه، وهو يعلم جيدًا أن هذا السجين أو رفاقه سينتقمون منه ويقتلونه. ويمكنه، بدلًا من ذلك، إهانة أحد الضباط. وللأسف، لا تشمل إحصائيات الانتحار خلف الأسوار العدد الكبير من السجناء الذين ينتحرون عن طريق الدخول في شجار مع سجين أقوى منهم أو مع حارس مُسلَّح. والكثير من حالات الانتحار لا تُكتشف ولا تُسجَّل.
(?) الفشل في منع الانتحار

تُشكل التقارير حول الانتحار خلف القضبان تقييمًا لا يقبل الجدل لجودة خدمات الصحة العقلية المُقدَّمة للسجناء. فقد يختلف الأطباء السريريون في تشخيص حالة سجين معين وفي تحديد أي المدانين يحتاج إلى العلاج، لكن عندما يقتل سجين نفسه لا يكون هناك مجال للنقاش حول حقيقة أنه كان من المفترض أن يحصل على تدخل سريري مكثف وفعال على نحو أكبر.
ولا يعني ذلك أن كل حالات الانتحار يمكن منعها. فالسجناء، في المعتاد، يواجهون مستقبلًا مظلمًا للغاية، ويخبرني الكثيرون منهم أنهم يفكرون جديًّا في الانتحار. والشخص الذي لديه نية حقيقية لقتل نفسه قد لا يلتمس العلاج أو يخبر أحدًا بما يخطط له. لكن عندما يطلب سجينٌ يعاني حالة اكتئاب قابلة للعلاج المساعدةَ، ولا يتلقى الرعاية الملائمة، ثم يقتل نفسه، فإن مقتله سيمثل تحذيرًا بشأن صور القصور في رعاية الصحة العقلية في السجن أو منظومة السجون التي ينتمي إليها. وحتى لو لم ينتبه موظفو رعاية الصحة العقلية إلى اكتئاب السجين الذي لديه ميول انتحارية، فإن العدد الكبير من حالات الانتحار يعطينا فكرة عن تزايد حالات البؤس وفقدان الأمل في بيئة السجن التي تزداد قسوة.
(?-?) حالات يمكن منعها

الانتحار قرار لا رجعة فيه. فإذا قررتُ أن مريضًا ما ليست لديه ميول انتحارية خطيرة، وسمحتُ له بمغادرة العيادة أو المستشفى، ثم اتضح أنني كنت مخطئًا وقتل هذا المريض نفسه بالفعل، فلن تكون هناك فرصة أخرى للتراجع في هذه المأساة.
وبعد الانتحار، يصير من الواضح عادةً الخطأ الذي حدث. على سبيل المثال: ينتظر أحد السجناء حتى يحلَّ الظلام على فناء السجن. وعند محاصرة الحرَّاس للسجناء لإعادتهم إلى زنزاناتهم، يتوجه هذا السجين نحو السور الخارجي ويبدأ في تسلقه. يأمره الحارس الموجود في البرج عبر مُكبِّر الصوت بالنزول إلى الأرض ورفع يديه لأعلى. فيتجاهل السجين الأمر، ويستمر في التسلق. يطلق الحارس النار من بندقيته ليصيب السجين الذي يسقط على الأرض.
يخبر السجين الحرَّاس الذين يتوجهون إليه مشهرين بنادقهم نحوه أنه آسف على عدم إصابتهم الهدف؛ فقد كان يفضل الموت. وبعد علاج جراحه في مستشفى السجن، يودع السجين الحبس الانفرادي بإحدى وحدات العزل الإداري. ويُستدعَى طبيب نفسي لرؤيته في الزنزانة. ويستمر لقاؤه بالطبيب فترة قصيرة، ويسجل الطبيب في تقريره أنه يمثل خطرًا كبيرًا على نفسه، وأنه سيعود في اليوم التالي لرؤيته. وفي تلك الليلة، يشنق السجين نفسه في زنزانته ويموت.
بعد ستة أشهر من وفاة هذا السجين، ذهبت إلى المحكمة الفيدرالية لتقديم شهادتي بشأن الارتفاع المثير للقلق في معدلات الأمراض العقلية الخطيرة والانتحار بين السجناء في ذلك السجن. وسألني القاضي عن رأيي بشأن انتحار السجين الذي حاول تسلق السور، فقلت له إنه يبدو من الواضح أنه كان هناك قصور شديد في العلاج الذي تلقاه ذلك المريض، وأن وفاته كان من الممكن منعها. فقد قال السجين بوضوح إنه يريد أن يموت، لكنه تُرِك في زنزانة حبس انفرادي دون احتياطات للانتحار. زاره طبيب نفسي، وقيَّم خطورة حالته تقييمًا صحيحًا، لكن الرجل لم يُنقَل إلى مستشفًى للأمراض النفسية أو وحدة داخلية لعلاج المرضى النفسيين. وعلى الرغم من أن اعتزام الطبيب النفسي رؤية السجين في اليوم التالي كان يمثل تدخلًا كبيرًا نسبيًّا من جانبه — إذ نادرًا ما كان يرى أي مريض قبل مرور شهر بين الزيارتين — لم تكن تلك خطة علاجية مناسبة لرجل عُرف أنه معرض لخطر انتحار هائل.
كان القاضي قد استمع بالفعل إلى العديد من قصص الانتحار والاتهامات بالقسوة واللامبالاة من جانب موظفي السجن. وفيما يخص هذه الحالة تحديدًا، سألني القاضي عما إذا كنت ألقي باللوم على الطبيب النفسي. فقلت له إنني أعتقد أن هذه الحالة تعكس إنهاكًا حادًّا في مؤسسة تعاني من الازدحام الشديد، حيث إن مستوى الرعاية النفسية داخلها غير ملائم إلى حدٍّ بعيد. ولا شك أنه في المجتمع العادي، كانت ستُرفَع قضية على الفور ضد الطبيب المعالج بتهمة سوء ممارسة المهنة لو حدثت حالة انتحار بعد أن تنبأ بها الطبيب ولم يفعل شيئًا لمنعها. لكن المرجح أن ذلك الطبيب النفسي افترض أنه على الرغم من وجود وحدة لعلاج المرضى النفسيين داخل السجن، فسيكون من المستحيل نقل المريض إليها. فلا يكون هناك عادةً أية أسرَّة متوافرة في تلك الوحدة الشديدة الازدحام، وقد رفض موظفو قبول الحالات على الأرجح آخر خمسة مرضى أشار هذا الطبيب النفسي بنقلهم إلى وحدة قبول المرضى بقسم الطوارئ.
وكلما ازداد مستوى اهتمام الطبيب النفسي، ازداد تألمه من قصور الخدمات التي يقدمها ومن عدم قدرته على إزالة أسباب شكاوى السجناء. وفي حالتنا هذه، أقنع الطبيب النفسي نفسه على الأرجح بأنه يقدم أفضل علاج ممكن في ظل الإمكانيات المتاحة؛ فهذه الطريقة الوحيدة التي يمكنه من خلالها العودة إلى منزله في نهاية اليوم والنوم ليلًا. لقد كان ذلك الطبيب يعاني من حالة إنهاك شديد، كما هو حال الكثير من الأطباء السريريين غيره في مثل هذا الموقف. ولقد أوضحت للقاضي أن إبعاد المرء لنفسه عن المرضى وتجاهله معاناتهم واحتياجاتهم بمنزلة مؤشرات على حالة من الإنهاك قد أصابت مقدمي الخدمات العامة. وألقيت باللوم على الدولة والنظام العقابي بالكامل؛ نظرًا لأن ظروف الازدحام الشديد ونقص خدمات رعاية الصحة العقلية الملائمة من المشكلات المنتشرة على مستوى النظام بالكامل. انتقلنا، بعد ذلك، إلى حالة الانتحار التالية في القضية.
في معظم هيئات الصحة العقلية في المجتمع، شأنها شأن برامج الصحة العقلية بالمؤسسات العقابية، يقدم «التشريح النفسي» الذي يُجرَى بعد حدوث واقعة الانتحار فرصة لإعادة تقييم نقاط القوة والضعف في نظام تقديم خدمات الصحة العقلية. فيجتمع موظفو رعاية الصحة العقلية، ويفحصون الحالة، ويراجعون السجل الطبي السريري للمنتحر، ويكتبون تقريرًا يتضمن توصيات لتحسين برنامج منع الانتحار. وفي المؤسسات العقابية، يُعيَّن شخص ما من إدارة المؤسسات العقابية بالولاية أو من المكتب الفيدرالي للسجون لمراجعة كل حالة انتحار، ويُرسَل تقريره من المكتب المركزي إلى موظفي السجن. وفي الأوضاع المثالية، تكون المأساة بمنزلة فرصة مهمة لتحديد أوجه القصور في البرنامج وإصلاحها.
وفي بعض الأحيان، يكون هناك عدد كبير من حالات الانتحار في سجن أو نظام سجون معين، وتوصي عمليات التشريح النفسي والمراجعات الرسمية بإجراءات معينة. على سبيل المثال، في الكثير من الأنظمة، يكون أول إجراء يوصَى باتخاذه هو توفير مزيد من التدريب لموظفي السجون لتحديد أزمات الانتحار والاستجابة لها. وتتفاوت جودة مراجعات ما بعد الوفاة من مؤسسة عقابية لأخرى. ولقد توصلت إلى أنه في بعض السجون التي تشهد عددًا كبيرًا من حالات الانتحار، ثمة انخفاض في مستوى جودة إعداد السجلات الطبية السريرية قبل الوفاة، مع عدم التعامل مع توصيات عمليات التشريح النفسي بجدية. لكنني أجريت أيضًا تحقيقات في سجون وأنظمة سجون اتخذت فيها الإدارة وموظفو رعاية الصحة العقلية مسألة حدوث سلسلة من حالات الانتحار على محمل الجِدِّ، وقامت بإعادة هيكلة جذرية لبرنامج الصحة العقلية الخاص بها لتجنب حالات الانتحار التي يمكن منعها في المستقبل.
(?-?) مجرد تلاعب

في عدد كبير من حالات الانتحار التي قمت بالتحقيق فيها، تضمنت ملاحظات الموظفين في الأيام السابقة للانتحار اتهامات للسجين بأنه يتلاعب بهم فحسب. ولقد سألت السيد آر إيه عن هذا التلاعب، وأخبرني بأن ثمة حقيقة في هذا الاتهام. ففي بعض الأحيان، يضطر أن يقول إنه لديه ميول انتحارية ويعاني اضطرابًا لكي يحصل على اهتمام الطبيب النفسي. يجب أن نشير هنا إلى أن هذا الرجل يحصل على أدوية مضادة للذهان وتنتابه هلاوس تأمره بقتل نفسه. وإذا كان سيضطر للتظاهر بأنه يعاني أزمة انتحارية لكي يُعرض على الطبيب النفسي، فلك أن تتخيل مدى صعوبة حصول شخص لم تُشخَّص حالته بالذهان على مساعدة.
لقد راجعت حالة في سجن ذي إجراءات أمنية متوسطة في ولاية كاليفورنيا في بداية تسعينيات القرن العشرين حيث وقف السجين على سريره، وربط إحدى شراشف السرير في فتحة تهوية السخان بالسقف، وعقدها وربطها على شكل أنشوطة حول عنقه. وذكر العديد من ضباط الأمن في وقت لاحق أنهم مرُّوا على الزنزانة ورأوا ذلك الرجل وهو يقف على سريره مع وجود إحدى شراشف السرير المعلقة من فتحة السخان معقودة حول عنقه، لكنهم لم يفعلوا شيئًا؛ لأنهم اعتقدوا «أن السجين كان يتظاهر بمحاولة الانتحار كي يحول دون نقله الوشيك إلى سجن بيليكان باي.» وأخيرًا، قفز السجين من على سريره وعُثِر عليه ميتًا نتيجة الشنق.
مثلما ذكرت في الفصل الثالث، يتظاهر عدد معين من السجناء بأعراض انفعالية؛ أملًا في نقلهم إلى وحدة علاج نفسي حيث يكون من الأيسر لهم قضاء مدة عقوبتهم. ومن الصحيح أيضًا أن عددًا معينًا من الأشخاص الذين يحاولون الانتحار من أجل جذب الانتباه إليهم في الأساس، ينجحون في النهاية في محاولاتهم ويموتون. ونظرًا لارتفاع معدلات الانتحار خلف القضبان، يستلزم الأمر إجراء فحص دقيق لتحديد السجناء المعرضين حقًّا للخطر. ولا شك أن رأي ضابط الأمن — الذي لم يتلقَّ أي تدريب يُمكِّنه من التعرف على حالات الانتحار المحتملة — بشأن كون السجين الذي تبدو عليه ميول انتحارية يتلاعب أم لا؛ ليس تقييمًا ملائمًا لاحتمال حدوث الانتحار فعليًّا من عدمه.
وإذا لم يتنبه الموظفون بما فيه الكفاية لاحتمال حدوث انتحار، ولم يأخذوا «صرخات طلب المساعدة» من جانب السجناء على محمل الجِدِّ، فحتى السجناء الذين لديهم ميول انتحارية خطيرة سيضطرون للتلاعب بشكل أو بآخر إذا لم يحصلوا على الانتباه الذي يحتاجون إليه. بعد قراءة العشرات من تقارير التشريح النفسي في المؤسسات العقابية بالعديد من الولايات، توصلت إلى نتيجة مزعجة وهي أن السجلات الطبية السريرية لمعظم السجناء، الذين تمكنوا في النهاية من الانتحار، تضمنت ملاحظة واحدة على الأقل قبل احتضارهم تشير إلى أنهم «يتلاعبون».
وتسعى الأبحاث التي تتناول حالات الانتحار إلى التوصل إلى عوامل الخطر التي يمكن ملاحظتها قبل وقوع الانتحار، وبذلك يمكن للموظفين تحديد الحالات التي تنطوي على مستويات عالية من الخطورة والتدخل للحيلولة دون حدوث أية وفيات. أما فيما يتعلق بالانتحار في السجون، فالأبحاث واضحة للغاية. إن الأغلبية العظمى من السجناء الذين يقتلون أنفسهم يكونون ممن يودعون الحبس الانفرادي، ويكون لديهم تاريخ سابق من اعتلال عقلي خطير، كما يكونون قد سبق لهم أن أقدموا على محاولات انتحار. ويخبرنا الباحثون أيضًا أن الشخص الذي ينجح في الانتحار يكون قد سبق وصفه بالمتلاعب، وقد تلقى قبيل وفاته أخبارًا سيئة من منزله، وتصرف على نحو غريب أو غير معهود، وأخبر شخصًا ما بأنه يفكر في الانتحار.
الأساس الذي يجب أن يسترشد به كلٌّ من موظفي رعاية الصحة العقلية وموظفي الأمن على حدٍّ سواء هو أن يتعاملوا مع صرخات السجناء طلبًا للمساعدة على محمل الجِدِّ دائمًا إلى أن يثبت العكس. لكن عندما نرى الموظفين يقفون كالمتفرجين مع زيادة حالات الانتحار في الحبس الانفرادي بين السجناء الذين لديهم تاريخ سابق من المرض العقلي وحاولوا من قبلُ الانتحارَ، ونرى أيضًا أن الموظفين يستمرون في وصف هؤلاء السجناء بالمتلاعبين، بل وإصدار عقوبات ضدهم أيضًا بقضاء مدد أطول في الحبس المشدد بسبب سلوكياتهم المدمرة للذات، فعلينا أن نشك إن كان هؤلاء الموظفون يهتمون حقًّا بمنع الانتحار.
(?-?) النهج العقابي

يتعلق جزء من مشكلة المؤسسات العقابية بتوجه عقابي لدى موظفي السجون يقلل من انتباههم للعلامات التي تدل على حالات الانتحار الوشيكة. فمن الصعب التعاطف مع سجين مكتئب عندما يشعر الموظفون بأنه يتصرف على نحو سيئ للغاية ويستحق عقابًا صارمًا. على سبيل المثال: في أثناء جولة لي بإحدى وحدات السجون ذات الإجراءات الأمنية المشددة مع كبير الأطباء النفسيين بالسجن، سألته عن برنامج منع الانتحار. أوضح لي الطبيب أنه يضع السجناء المعرضين لخطر انتحار كبير في «زنزانة هادئة». وسألته عن سجين رأيته وكان عاريًا ومستلقيًا على ظهره على أحد الأسرَّة والقيود حول بطنه، وأطرافه الأربعة مقيدة في أركان السرير (وهو ما يعرف باسم «التقييد الخماسي»). فأجابني بأن هذا السجين لديه ميول انتحارية، وأنه سوف يُبقي عليه مقيدًا هكذا إلى أن يقرر هذا السجين أنه لن يقتل نفسه. كتبت في تقريري عن هذا السجين قائلًا: «إن السجين المصاب بالذهان أو الذي لديه ميول انتحارية ستتدهور حالته أكثر بسبب التوتر الذي يسببه له هذا النوع من العلاج. وعلى الرغم من أن الأعراض قد تختفي مؤقتًا لمجرد أن السجين يرغب في الهروب من العلاج، فإن حالة الذهان الكامنة أو نزعة تدمير الذات لدى السجين تسوء على الأرجح.»
في كثير من أنظمة السجون، تُعامَل محاولة الانتحار كنوع من خرق القواعد، وتُفرَض عقوبة عليها. ولا شك أن سياسة اتهام السجين الذي يحاول الانتحار بخرقه للقواعد مناقضة تمامًا لكل ما نعرفه من واقع الممارسة والبحث السريريين بشأن تقييم احتمالات الانتحار والتعامل معها.
ولقد وجدت في عدد ليس بقليل من الملفات الأمنية الخاصة بالسجناء المتوفين ملاحظةً دُونت بعد وفاتهم تفيد بأن هذا السجين أو ذاك قد انتهك قاعدة السجن التي تحظر محاولة الانتحار. يا له من أمرٍ غريب! لكن هذا ليس الخلل الوحيد. فالمدانون، الذين يحاولون الانتحار وينجون من هذه المحاولات، لا بد من أن يمثُلوا أمام جلسة استماع بتهمة محاولتهم قتل أنفسهم، ويُحكم عليهم عادةً بقضاء مدة في الحبس الانفرادي. بالإضافة إلى ذلك، ونظرًا لأن الحكم يتضمن على الأرجح حرمان السجين من أوقات الترفيه التي يستحقها مقابل ما عمله من أيام أو نظرًا لحسن سلوكه، فإن الحكم يتضمن أيضًا تمديدًا لمدة العقوبة الكلية التي يقضيها السجين في السجن. بصفتي طبيبًا نفسيًّا، يفزعني هذا الانتشار الواسع النطاق لهذه الممارسة في المؤسسات العقابية. على سبيل المثال: السيد إن إم، وهو سجين أمريكي من أصل مكسيكي في أحد السجون ذات الإجراءات الأمنية المشددة في ولاية كاليفورنيا، أرسل إلى محاميه خطابًا يوم ?? سبتمبر عام ????، واصفًا له محاولة انتحاره التي أقدم عليها يوم ?? يوليو من نفس العام. كان قد نُقِل إلى سجن جديد ذي مستوًى أمني أعلى قبل محاولته الانتحار ببضعة أيام. ظل السيد إن إم يأخذ جرعات قوية نسبيًّا من الأدوية المضادة للذهان والمضادة للاكتئاب على مدار عدة أعوام، لكن الطبيب النفسي الذي التقى به في مقابلة تقييم قصيرة المدة عند دخوله ذلك السجن الجديد قرر أنه ليس بحاجة إلى الأدوية ومنعه منها. اشتكى السجين للمساعد الفني الطبي، الذي أخبره بأنه ليس بيده ما يمكنه فعله. لم يستطع السجين النوم من دون الحصول على الأدوية الخاصة به، ولم يستمع أحد إلى شكواه بشأن الهلاوس التي تدفعه إلى الانتحار. وبعد بضعة أيام، قطع رسغه بشفرة حلاقة ممزقًا أحد العروق وأوشك على تمزيق الشريان.
بعد خياطة الجرح في مستشفى السجن، وضِع السيد إن إم على قائمة مراقبة حالات محاولة الانتحار. وعاد يحصل على الأدوية التي كان يأخذها قبل نقله. وبعد بضعة أيام، نُقِل إلى وحدة العزل الإداري، وهي المكان الذي حُكِم عليه بالبقاء فيه كعقاب له على محاولته الانتحار. وأُضيف، كذلك، ثلاثون يومًا إلى حكم الحبس الصادر ضده. وكتب قائلًا إنه يشعر برغبة أكبر في الانتحار بعد سماعه الأخبار عن الحكم الصادر ضده بقضاء مدة أطول في الحبس الانفرادي.
شعر موظفو الرعاية الطبية أن شكوى هذا السجين من الهلاوس التي تحثه على قتل نفسه ليست سوى «تلاعب» من جانبه. وقد يكون ذلك هو السبب وراء عدم إرسالهم إياه إلى وحدة الأزمات النفسية، ثم سماحهم لمسئولي السجن بمعاقبته بالحبس الانفرادي بعد محاولته الانتحار. في حقيقة الأمر، من غير الوارد أن يتمكن موظفو رعاية الصحة العقلية من منع نقل السجين إلى وحدة حبس مشدد دون أي تغييرات في السياسة أو في سلوك موظفي الأمن. لكن الإيقاف السابق للأدوية النفسية التي كان يحصل عليها السجين لعب دورًا مهمًّا بالتأكيد في محاولته الانتحار.
(?) الحاجة إلى اليقظة والاهتمام

ليس هناك دواء لعلاج الرغبة في الانتحار. ومضادات الاكتئاب تستغرق عدة أسابيع كي يبدأ مفعولها. ونحن نعلم أن مَن يعانون اكتئابًا حادًّا لا يتخذون خطوات فعلية تجاه الأفكار التي تراودهم بشأن الانتحار حتى يبدأ الاكتئاب في الاختفاء، وتصبح لديهم الطاقة اللازمة لمتابعة خططهم المهلكة التي كانت تراودهم بينما كان يمنعهم الاكتئاب من ذلك بسبب ما يسببه من خمول. وعندما طرحت إدارة الأغذية والأدوية الأمريكية عقَّار بروزاك ليُوصَف من قِبل الأطباء لمرضاهم على نطاق واسع، اعتُبرت العديد من حالات الانتحار بمنزلة آثار جانبية لهذا العقَّار الذي لم يكن قد مضى على تسويقه وقت طويل. لكن بروزاك لم يكن «السبب» وراء حالات الانتحار. وإنما ما فعله هو أنه أخرج هؤلاء المرضى من حالات الاكتئاب الحادة التي كانوا يعانونها، ومن ثم أثبت فعاليته كمضاد للاكتئاب. لكن كان من المفترض مراقبة هؤلاء المرضى؛ نظرًا لأنه من المعروف أن مَن لديهم ميول انتحارية لا ينفذون رغباتهم في إيذاء أنفسهم إلا بعد اختفاء خمولهم الناتج عن الاكتئاب.
وتُعَد المراقبة والمحادثة العلاج الوحيد الفعال للأشخاص الذين لديهم ميول انتحارية خطيرة. والتواصل البشري معهم هو التدخل المهم في هذه الحالات، بينما تلعب الأدوية دورًا ثانويًّا؛ لذا، يجب حظر عزل السجناء الذين لديهم ميول انتحارية. فالمرء بإمكانه أن يقتل نفسه في «زنزانة خالية تمامًا» من أي شيء، أو «غرفة مبطنة الحوائط». فالسجين الذي يُترَك بلا ملابس أو فراش يمكن أن يضرب رأسه في الحائط أو يبتكر وسيلة أخرى أكثر غرابة للموت. ولا بد من وجود مراقبة مباشرة، إذا أردنا منع حوادث الانتحار. ففي مستشفيات الأمراض النفسية، يُنقَل المرضى الذين لديهم ميول انتحارية إلى غرفة قريبة بما فيه الكفاية من وحدة التمريض حيث يراقبهم اختصاصيو التمريض باستمرار. وهناك برامج فعالة تطبق في بعض السجون حيث يوضَع السجناء الذين من المحتمل أن تكون لديهم ميول انتحارية في زنزانات قريبة بما فيه الكفاية من وحدة الحارس كي يخضعوا طوال الوقت للمراقبة. ويخضع الحرَّاس كذلك لتدريب مكثف على كيفية الحيلولة دون وقوع حالات انتحار.
وسياسة تفقد السجين كل خمس عشرة دقيقة تُعَد خيارًا ثانيًا مقبولًا أيضًا، لكن عند تنفيذها «بضمير»! فقد زرت سجونًا تُسجَّل فيها جميع ملاحظات الزيارات التفقدية التي تُجرى كل خمس عشرة دقيقة خلال نوبة عمل كاملة مع نهاية النوبة. وعندما سألت أحد ضباط السجن ذات مرة: هل كانت الملاحظات تُجرَى بالفعل كل خمس عشرة دقيقة؟ قال لي: «لا، ليس في الواقع. فنحن ننشغل. وأنا عن نفسي، أقوم بهذه الملاحظات كلما أمكنني ذلك، لكن تكون هناك عادةً أمور خطيرة أخرى ينبغي التعامل معها؛ لذلك، أعود في نهاية اليوم، وأسجل ملاحظة عن كل خمس عشرة دقيقة لتجنب المشكلات.»
إن مخاطر الانتحار مرتفعة في السجون، ومنع حالات الانتحار لا بد أن يمثل أولوية كبرى لدى موظفيها. ولكي ينجح أي برنامج لمنع حالات الانتحار في السجون، فلا بد من وجود موظفين لديهم ضمير يقظ وغير منشغلين على نحو بالغ بشأن ما إن كانوا ضحية لتلاعب من جانب سجين معين أو لا، ولا يعانون إنهاكًا يمنعهم من التعاطف مع السجين المكتئب والمسارعة إلى مساعدته.
•••

لقد تناولت في الجزء الثاني من هذا الكتاب بعضًا من سمات الحياة في السجون التي تتسبب للسجناء في آلام ومعاناة لا داعي لهما، وتزيد عادةً من سوء الاضطرابات العقلية والإعاقات النفسية التي يعانونها. وتشمل هذه السمات انتشار العنصرية، وعدم الاكتراث باحتياجات النساء الخاصة، والتحرش الجنسي، والاغتصاب، وقلة الزيارات الجيدة، وحالات الانتحار التي يمكن منعها. ليس من المفترض بالطبع أن تكون مدة العقوبة في السجن ممتعة، لكن درجة القسوة والوحشية التي تهيمن على السجون الأمريكية حاليًّا ليست جزءًا ضروريًّا أو مفيدًا من العقاب. كذلك لا طائل من وراء تجاهل الحاجات العاطفية للسجناء والقصور في علاج الصحة العقلية لمن يعانون اضطرابات عقلية. والتشريعات الجنائية المتشددة والسياسات العقابية الخرقاء، بالإضافة إلى نقص الرعاية والوحشية الصريحة من جانب موظفي السجون، كل ذلك يسفر عن أضرار انفعالية لا حدود لها لدى السجناء وأُسرهم، ويجعل شوارعنا أكثر خطورة.
وفي الجزء الثالث، سأقدم توصياتي بشأن تحسين أحوال السجون والتخفيف من معاناة المصابين بأمراض عقلية خلف الأسوار. سأتناول في الفصل التاسع كيف أن الدعاوى القضائية يمكن أن تكون فرصة قيِّمة لإلقاء الضوء على أسوأ صور الانتهاكات ولفت الانتباه إليها، بالإضافة إلى علاج بعض الممارسات القاسية التي تجعل الحياة في السجون لا تُطاق، وتزيد من وطأة المعاناة النفسية للسجناء الذين يعانون أمراضًا عقلية. لكنني سأناقش، أيضًا، حدود ما يمكن أن تحققه الدعاوى القضائية، خاصةً عند تركيز المحاكم والتشريعات على رفع مستوى التشديد في التعامل مع المجرمين. وفي الفصل العاشر، سأقدم بعض التوصيات العملية لتحسين برامج العلاج وإعادة التأهيل في المؤسسات العقابية، لكن مكاسب هذه التحسينات لن تكون ذات قيمة إذا لم نُحسِّن من الأسلوب الذي تدار به السجون، ونراجع أولوياتنا وسياساتنا الاجتماعية. أما الفصل الأخير، فسأعرض فيه منطق القانون والنظام الذي تقوم عليه بعض أسوأ السياسات العقابية حاليًّا، وسأعلق على حماقة ذلك المنطق ونوع الرؤية التي نحتاج إليها لتغيير الأمور إلى ما هو أفضل.

الجزء الثالث
مُقترَح جريء



الفصل التاسع
إمكانية مقاضاة السجون وحدود ذلك


لقد حسَّنت قضايا السجون من الصحة العقلية للسجناء بطريقتين على الأقل. تتمثل الطريقة الأولى في أن التسويات والأحكام القضائية التي تصدر لصالح السجناء يكون لها أثر مباشر على أحوال السجون وجودة خدمات الصحة العقلية بالمؤسسات العقابية. أما الطريقة الثانية، فهي أن تجربة الوقوف في المحكمة كندٍّ مكافئ لمن يتحكمون تحكمًا كاملًا في حياة السجين داخل السجن يمنح هذا السجين شعورًا صحيًّا بالقوة وبوجود ملاذ شخصي له. وهذه التجربة يمكن أن تساعد في التخفيف من آلام الكثير من السجناء المتعلقة بالمحن الانفعالية. وقد أدت الدعاوى القانونية التي رُفِعت خلال العقود الثلاثة الأخيرة إلى تحسينات ملموسة للغاية.
في أغلب الأحيان، ما إن يبدأ السجناء في الفوز بالدعاوى القانونية التي يرفعونها حتى يشرع الساسة في المطالبة بالحد من وصول السجناء إلى المحاكم، وتبدأ إدارات المؤسسات العقابية في مقاومة التغيير بقوة، كما تبدأ السلطات التشريعية على المستويين الفيدرالي ومستوى الولايات في ابتكار طرق لتقييد الملاذ القانوني الذي يمكن للسجناء اللجوء إليه. ولقد أُقِرَّت قوانين جديدة، بما في ذلك قانون إصلاح مقاضاة السجون الفيدرالي، للحد من وصول السجناء إلى المحاكم، وتقييد نطاق الأحكام القضائية فيما يتعلق بأحوال السجون. وقد مورِست ضغوط سياسية كذلك على القضاة الذين يُنظَر إليهم على أنهم «يدللون السجناء». وعملت بعض القرارات القضائية الحديثة على التقليل من شأن نجاحات السجناء في قاعات المحاكم. وتؤثر كل هذه التطورات، أيضًا، على الصحة العقلية للسجناء.
(?) مكاسب مهمة

إن التحسينات التي تتم بأمر المحكمة في أنظمة رعاية الصحة العقلية بالمؤسسات العقابية تؤدي إلى فوائد مباشرة مهمة. وعندما تأمر المحاكم أنظمة السجون بالتخفيف من بعض الظروف القاسية بها، تحدث تحسينات واضحة في معاناة السجناء المصابين بأمراض عقلية.
أما الفوائد غير المباشرة لمقاضاة السجون، فليست بهذا القدر من الوضوح. على سبيل المثال، عندما يرفع أحد السجناء قضية لتصحيح أحد الانتهاكات ويحصل على حكم لصالحه، تكون إحدى الفوائد غير المباشرة لذلك هي التخفيف من شعوره بالعجز واللاقيمة كسجين. وعندما ينال مجموعة من السجناء فرصتهم في التعبير عن أنفسهم في المحكمة، يشهد المرء الفخر والارتفاع في مستوى تقدير الذات على وجوههم. ويقل الشعور بالاكتئاب لدى البعض، بينما يقل اليأس والرغبة في إلحاق الضرر بالذات لدى البعض الآخر؛ فأخيرًا، ثمة شخص ما يأخذ تظلماتهم على محمل الجِد. كذلك يُكسر أخيرًا حاجز الصمت بشأن الظروف القاسية والمعاملة المسيئة، على الأقل في ذلك اليوم في المحكمة، ويُمنح السجناء الحق في التعبير عن أنفسهم. وعلى عكس المتشككين الذين يدعون أن المقاضاة لا جدوى لها، فقد رأيت تغييرات كبيرة في القضايا التي شاركت فيها. صحيح أن من المستحيل أن تختفي جميع الأهوال بحياة السجون المعاصرة في وقت واحد، لكن التحسينات التي تطرأ على هذه السجون تُحدِث اختلافًا كبيرًا في حياة السجناء.
(?-?) الدعاوى القضائية الجماعية

إن الدعاوى القضائية الجماعية يرفعها السجناء ومناصروهم عندما تكون تظلماتهم واسعة الانتشار على نحو يكفي للتحدث عنهم باعتبارهم جماعة واحدة. وقد تتألف هذه الجماعة من جميع السجناء بإحدى المؤسسات العقابية، أو جميع السجناء في إحدى وحدات الحراسة المشددة، أو جميع السجينات في أحد أنظمة السجون بإحدى الولايات. وفي بعض الأحيان، تجتمع جماعة من السجناء معًا في البداية لصياغة قضيتهم، ثم يبحثون عن محامين من الخارج لتمثيلهم. وفي بعض الأحيان، مثل قضية كين ضد إدارة المؤسسات العقابية بميشيجان، يتولى هؤلاء السجناء مهمة الدفاع عن أنفسهم.
وفي بعض القضايا الأخرى، يسمع المحامون من بعض السجناء عن تظلم مؤسف للغاية، ويجرون الترتيبات اللازمة في السجن الذي يوجد فيه هؤلاء السجناء، يسألون من خلالها السجناء الآخرين إن كانوا يرغبون في الانضمام إلى إحدى القضايا الجماعية أم لا. وفي بعض الأحيان، يقرر القاضي الذي يتلقى عددًا من الشكاوى الفردية من سجناء في سجن واحد أنه قد يكون من المفيد جمع كل هذه الشكاوى في قضية جماعية واحدة. وعندما تُرفَع قضية جماعية أمام القضاء، فإنها تشمل جميع السجناء الذين ينطبق عليهم وصف الأعضاء في الجماعة التي رفعت الدعوى، حتى وإن بدأ عدد قليل منهم نسبيًّا الدعوى القضائية وصاروا مشاركين نشطين فيها. على سبيل المثال، في قضية جيتس ضد دوكماجين، وهي قضية جماعية فيدرالية رُفِعت عام ???? عن جودة خدمات الصحة العقلية في السجون، شملت القضية كل السجناء في مرفق الرعاية الطبية بكاليفورنيا الذين يعانون أمراضًا عقلية.
وبعض المحامين، الذين يمثلون السجناء، يعملون في مكاتب محاماة غير هادفة للربح ومتخصصة في مقاضاة السجون وفي منظمات الحقوق المدنية، بينما يمارس آخرون المحاماة في مكاتبهم الخاصة. وفي القضايا التي تتضمن احتمالية القيام بتسوية مالية، قد يتولى المحامون الدعوى القضائية على أساس الحصول على أتعابهم حال صدور الحكم لصالح موكليهم. وإذا لم يصدر حكم لصالح السجناء في دعواهم القضائية الجماعية، يمكن للمحامين أن يلتمسوا الحصول على أتعابهم من الجهة الفيدرالية أو التابعة للولاية المرفوع ضدها الدعوى. وفي هذه الحالة، يتولى المحامي أو مكتب المحاماة القضية دون أتعاب، ولا يحاول الحصول على أتعاب إلا في حالة فوز موكله. وفي بعض الأحيان، على سبيل المثال في القضايا التي تتضمن أمرًا قضائيًّا بوجوب إحضار السجين أمام المحكمة وتشمل عقوبة إعدام، تدفع المحاكم الأتعاب للمحامين كي يدافعوا عن موكليهم. بعبارة أخرى، هناك العديد من الترتيبات المختلفة التي تسمح للمحامين بتولي قضايا السجون. لكن مثلما سأوضح فيما بعد، غالبًا ما تجعل التشريعات والتوجهات الحديثة في القانون القضائي الأمر أكثر صعوبة على السجناء حاليًّا فيما يتعلق بحصولهم على محامين. ويدرس العديد من السجناء في السجن الكتب القانونية ليصبحوا من «محامي السجون» ويمثلوا أنفسهم أمام القضاء. لكن التغييرات الحديثة في سياسات السجون تحد من إمكانية حصولهم على الكتب القانونية.
(?-?) التأثير على الصحة العقلية

لقد تقدمت بشهادتي في اثنتي عشرة دعوى قضائية جماعية تتعلق بالأوضاع في الحبس ومدى ملاءمة رعاية الصحة العقلية في السجون منذ منتصف السبعينيات من القرن العشرين. وفي كل قضية، تضمنت المشكلات الازدحام، وعدم ملاءمة الأنشطة (مثل قلة الوقت المخصص للسجناء خارج زنزاناتهم نتيجة للازدحام، وإيداع عدد كبير من السجناء في وحدات الحبس المشدد)، والقصور في منع حالات الانتحار أو الاغتصاب، والاستخدامات غير العادلة للعزل العقابي، وعدم ملاءمة رعاية الصحة العقلية والوقاية من الأضرار للسجناء المعروف عنهم معاناتهم اضطراباتٍ عقلية خطيرة. وفي كل قضية، رُفع الظلم عن المدعين (السجناء كجماعة) حيث تم وضع حد لنسبة الإشغال في السجون، وإنهاء الإشغال المزدوج للزنزانات في وحدات العزل العقابي، والسماح بقضاء عدد معين من الساعات كل أسبوع في مكان لممارسة التمارين الرياضية، وتسهيل الوصول للمكتبات، وتحسين العلاج الطبي والنفسي، ووضع نهاية للتعامل المسيء مع السجناء الذين يتبين أن نتائج اختبار فيروس نقص المناعة البشرية لديهم إيجابية، وأوامر بتعيين المزيد من موظفي رعاية الصحة العقلية ودعم البرامج العلاجية. وهذه انتصارات مهمة.
وبما أنه من المعروف أن الازدحام والتكاسل يزيدان من معدلات العنف والانتحار والانهيارات الانفعالية في السجون، فإن التخفيف من الازدحام بأمر من المحكمة يجعل الحياة أكثر قابلية للتحمل بالنسبة إلى السجناء الذين يعانون اضطرابات عقلية خطيرة. على سبيل المثال، مع تراجع العنف في ساحات السجون، يزداد شعور السجناء بالاطمئنان عند مغادرتهم زنزاناتهم ومشاركتهم في الأنشطة الاختيارية، كمهام عمل أو فعاليات رياضية. وفرصة المشاركة في أنشطة اجتماعية سلمية تعزز السلوك الملائم وتمنح السجناء الفرصة لاختبار الواقع وتحسين مهاراتهم الاجتماعية. وبذلك، يصير السجناء الذين لديهم ميل للإصابة بالاكتئاب أقل عرضة للانسحاب إلى زنزاناتهم حيث تزيد العزلة من الاكتئاب لديهم.
والزيادة في التواصل الاجتماعي الودي والنشاط التعاوني يقدم لجميع السجناء فرصًا أكثر للتحدث بعضهم مع بعض والحفاظ على صورة أشبه بالحياة الاجتماعية الطبيعية؛ ما يعني عادةً استعدادهم على نحو أفضل للنجاح في المجتمع بعد إطلاق سراحهم. بعبارة أخرى، يعود الحد من الازدحام بالنفع على الصحة العقلية لجميع السجناء، سواء الذين يعانون اضطرابات عقلية أو مَن يبدو عليهم الاستقرار نسبيًّا.
ومع تعزيز خدمات الصحة العقلية بأمر من المحكمة، يلفت السجناء انتباه موظفي رعاية الصحة العقلية على نحو أسرع عندما تظهر عليهم علامات وأعراض الاضطرابات العقلية الخطيرة. وتزداد كثافة العلاج الذي يتلقاه هؤلاء السجناء، ويؤدي ذلك إلى تحسن في التأقلم مع الحياة داخل السجن كما يؤدي إلى تحسن توقعات سير المرض. وفي ظل تحسن العلاج أيضًا يقل عدد السجناء الذين يعانون اضطرابات عقلية خطيرة ويودعون العزل الوقائي لخرقهم القواعد أو ارتكابهم أعمال عنف، ويزيد عدد مَن يحصلون على العلاج الموصوف لحالتهم المرضية. وليس ذلك سوى عدد قليل فقط من الطرق العديدة التي يخفف بها تحسين أحوال السجن وخدمات الصحة العقلية عناء السجناء المضطربين عقليًّا.
(?-?) تصويب الأحكام الظالمة

جميع السجناء تقريبًا الذين التقيت بهم كانت لديهم قصص عن الأحكام الظالمة التي تعرضوا لها. وأخبروني بإيقاف الشرطة وتفتيشها لهم، بقسوة عادةً، وإدانتهم بجرائم لم يرتكبوها. وحتى مَن يعترفون منهم بارتكابهم الجرائم التي أُدينوا بها يزعمون أنهم لم يحصلوا على تمثيل قانوني مناسب. ويقولون إنهم تعرضوا لمعاملة وحشية من جانب الحرَّاس وحُرِموا من حقهم في الزيارات أو الذهاب إلى المكتبة، ويدعون أن الحرَّاس يهاجمونهم ثم يصدرون إنذارات تأديبية ضدهم بتهمة «إهانة ضابط»، ويؤكدون أنهم يحصلون على إنذارات لانتهاكات انضباطية ظلمًا، وتصدر ضدهم عقوبات بقضاء مدد زمنية طويلة للغاية في الحبس المشدد. لا شك أن الحمقى فقط هم مَن يصدقون اعتراضات كل سجين وادعاءه البراءة. لكن لا بد أن بعضًا من هذه القصص حقيقية بالفعل. فعندما أكتشف أن جلسات الاستماع والاستئناف التي تحدث في السجون بجميع أنحاء البلاد — وتديرها إدارات المؤسسات العقابية وليس المحاكم — تصدر عنها أحكام قضائية ضد السجناء في أكثر من ?? بالمائة من القضايا، تراودني الشكوك في عدد السجناء الذين صدرت ضدهم أحكام ظالمة بالفعل.
يكون الظلم بيِّنًا أحيانًا، وعندما يتمكن السجين من التعبير عن نفسه بحرية في المحكمة، يكون هناك تعويض لتظلمه. ولا بد، بالطبع، أن يكون لدى السجين المال الكافي ليعثر على محامٍ متفرغ وليتحمل تكاليف عملية المقاضاة التي قد تستمر فترة طويلة جدًّا. هذا جهد هائل لا يتمكن من بذله سوى القلة القليلة من السجناء. لكن عندما ينجح سجين في مسعاه هذا، تصدر في بعض الأحيان أحكام تجدد ثقتي في النظام القانوني، وتجعلني أتساءل عن عدد السجناء الذين يقولون الحقيقة بشأن الاتهامات والانتهاكات الظالمة التي يتعرضون لها، ويُحرَمون من حقهم في التعبير عن أنفسهم بحرية في المحكمة.
وقضية فرانك سميث،1 الذي اشتُهر باسم «بيج بلاك»، مثال واضح على كلٍّ من الإيذاء الذي لا يُغتفَر من جانب موظفي السجون، والإصرار المذهل من جانب المُدَّعين في الدعاوى القضائية: قاضى فرانك سميث ولاية نيويورك بتهمة انتهاك حقوقه المدنية والإنسانية في أعقاب تمرد السجناء في سجن أتيكا في سبتمبر عام ????. كان السيد سميث متحدثًا رسميًّا عن السجناء في أثناء استيلائهم قصير المدة على زمام الأمور بالسجن. وبعد أن استعاد الحرَّاس سيطرتهم على السجن، يُدَّعَى أنهم أجبروا السيد سميث على السير فوق زجاج مكسور، وضربوا أعضاءه التناسلية بالهراوات، ووضعوا سجائر مشتعلة على جسمه، ومارسوا لعبة الروليت الروسي بتصويب مسدس محشو نحو رأسه. وقد ذكر السيد سميث، الذي صار الآن في منتصف الستينيات من عمره ويعيش خارج السجن، في شهادته أنه بعد أن استعاد الحرَّاس سيطرتهم على سجن أتيكا، أجبروه على الاستلقاء عاريًا على منضدة مدة خمس ساعات حاملًا كرة قدم بذقنه، وأخبروه بأنه إذا سمح للكرة بالتدحرج بعيدًا، فسوف يتعرض للإخصاء أو القتل.
فرانك سميث واحد من بين ألف سجين بسجن أتيكا تقدموا بدعوى قضائية عام ????، وأول مَن حصل على تعويض عما لحق به من أضرار. ففي ? يونيو عام ????، أدانت هيئة محلفين نائب مأمور السجن وولاية نيويورك لاستخدامهما القوة المفرطة على نحو ينتهك حقوق السيد سميث الدستورية، وأصدرت أمرًا لولاية نيويورك بتقديم تعويض له يبلغ ? ملايين دولار. وقضت إليزابيث فينك، المحامية الرئيسية للسيد سميث، حياتها المهنية بأكملها وهي تعمل في هذه القضية.
لك أن تتخيل الفرق الذي يحدثه الأمر لضحية التعذيب عند إدانة المحكمة للمعتدين عليها وإصدارها أمرًا بنوع من التعويض. فعلى أدنى تقدير، سيكون هناك أثر إيجابي على درجة اضطراب توتر ما بعد الصدمة واستمراريته. لكن فوائد التعويض القانوني تمتد لما هو أكثر من ذلك لدى مَن تُشخَّص حالتهم باضطراب توتر ما بعد الصدمة.
ينطوي المرض العقلي، في جوهره، على شعور المرء بأنه ليس المتصرف في شئون حياته؛ فيشعر الشخص المكتئب بأن أمورًا سيئة للغاية ستحدث وليس بيده شيء يفعله حيالها. ويعتقد المصاب بالهوس الشيءَ نفسه، لكنه يحاول بشكل دفاعي التصرف كما لو كان يتمتع بالتحكم الكامل فيما حوله. أما المصاب بالفصام، فيهرب من واقع لا سلطة له عليه إلى حياة خيالية تتضمن على الأقل احتماليةً ما لرضًا مُتخيَّل. وفي العالم الواقعي، إذا كان الشخص الذي يعاني مرضًا عقليًّا خطيرًا ومستديمًا قادرًا على زيادة شعوره بالقوة، وشعر على نحو واقعي للغاية بأن لديه بعض السلطة على حياته، فستقل حاجته إلى الاستسلام للاكتئاب أو الهروب إلى الأوهام. لا أعني هنا أن الدعاوى القضائية الباهظة التكاليف تُبرَّر فقط بما تحققه من مزايا على مستوى الصحة العقلية؛ وإنما ينبغي أن تنشأ في الأساس لسبب قانوني.
في أية قضية، الفرص المتاحة للسجناء للحصول على تعويض قانوني ملموس للمظالم تمنحهم فرصة مهمة للوصول إلى قدر يسير من الاستقرار العقلي. وعلى الرغم من أنني لا أعرف أي شيء عن حالة فرانك سميث العقلية، فإنه إذا كان يعاني الاكتئاب قبل صدور الحكم القضائي، فأظن أن هذا الحكم الصادر ضد معذبيه قد قدم له الدافع للخروج من اكتئابه والشعور مرة أخرى بأنه يتمتع ببعض الحقوق والصلاحيات كإنسان.
معظم القضايا لا تؤدي إلى مثل هذه الأحكام الرائعة. فيُطلَب مني أحيانًا تقديم رأيي بشأن أمر بسيط للغاية. على سبيل المثال، السجين الذي يعاني اضطرابًا عقليًّا خطيرًا مصحوبًا بالعديد من الهلاوس السمعية والأوهام الارتيابية الحادة، يُصدِر الحراس ضده إنذارات تأديبية مرارًا وتكرارًا لمجادلته إياهم عندما يُمْلُون عليه أمرًا ما. تطلب جماعة محلية لحقوق الإنسان من مكتب محاماة كبير تولي قضية ذلك الرجل. ونظرًا لأن مكتب المحاماة هذا يخصص جزءًا من وقته للقضايا التي لا يحصل فيها على أتعاب، فإنه ينظر في الأمر ويقرر أن يسألني إن كان لدي استعداد لزيارة السجن وتقييم حالة ذلك الرجل أم لا.
ألتقي بهذا الرجل، وألاحظ أنه لا يمكنه أن يتوقف عن الكلام ليعطيني الفرصة الكافية لتبادل الحوار معه. وأُوضح في تقريري أنه يعاني اضطرابًا عاطفيًّا ثنائي القطب (أو هوسًا اكتئابيًّا) مصحوبًا بأعراض ذهانية، وغير قادر على الإطلاق على التوقف عن السيل المتدفق من السباب الذي بدأت في سماعه بمجرد اقترابي من زنزانته. أظن أنه في كل مرة يقترب فيها أحد ضباط السجن من هذا السجين، فإنه يبدأ في التحدث بهذا الأسلوب العدائي، ويقرر الضباط الذين يصدرون ضده الإنذارات التأديبية أنه قد تجاوز الحد الفاصل بين الحديث المسموح به وازدراء الضابط. لكن، مثلما أوضحت، حديث ذلك السجين المفتقر للاحترام ما هو إلا نتيجة مباشرة للاضطراب العقلي الخطير الذي يعانيه؛ ومن ثم ينبغي أن يراه طبيب نفسي بدلًا من أن يتلقى إنذارات تأديبية عديدة أدت إلى إيداعه وحدة الحبس الانفرادي.
في هذه القضية تحديدًا، اتفق معي القاضي في الرأي، وأمر بإخراج السجين من وحدة الحبس الانفرادي وإخضاعه للعلاج النفسي. لكن، بالطبع، في قضايا أخرى يحكم القاضي على الأرجح بأن مرض السجين العقلي لا يبرر خرقه لقواعد السجن؛ ولهذا السبب نجد عددًا هائلًا من السجناء المصابين بذهان حاد في وحدات الحراسة المشددة.
طُلِب مني مؤخرًا تقديم رأيي في قضية ارتكِب فيها خطأ جَلِيٌّ، وأُودع رجل السجن مرة أخرى جراء اتهامات خاطئة. ولولا توكيل أسرة هذا الرجل محاميًا للنظر في القضية، لكان لا يزال قابعًا في السجن حتى الآن. كان جايد في العشرين من عمره عندما أُدين بحيازة سلاح ناري دون ترخيص، وصدر ضده حكم بالسجن عامين بالإضافة إلى أربع سنوات من إطلاق السراح المشروط. وعند وصوله السجن، كان غاضبًا من الحكم الصادر ضده وخائفًا من تعرضه للاعتداء. فكلما تعامل معه أي شخص بعدم احترام، حرص على أن يبادر هو بالاعتداء. ومن ثم، تورط في العديد من الشجارات، وفي كل مرة تصدر ضده وضد خصمه إنذارات لخرق القواعد ويُنقلان إلى وحدة العزل الإداري.
بعد بضعة أشهر في السجن، حصد جايد من إنذارات انتهاك القواعد ما يكفي لإرساله إلى وحدة الحبس الانفرادي في سجن بيليكان باي. وقضى ما تبقى من عقوبته البالغة عامين في هذه الوحدة حيث كان يمكث في زنزانته نحو أربع وعشرين ساعة يوميًّا. وعندما جاء موعد إطلاق سراحه، قاده الحرَّاس إلى بوابة السجن الأمامية، وأُعطي «مبلغ إطلاق السراح» وقيمته ??? دولار، وأُطلِق سراحه.
عند وصول جايد إلى المنزل، توجَّه مباشرةً إلى غرفته القديمة. وظهر بعد بضع ساعات ليخبر والدته بأن الغرف في المنزل تبدو ضخمة مقارنةً بالزنزانة التي شغلها ما يقرب من عامين. لاحظت والدته أنه فقد خمسين رطلًا من وزنه في السجن، وشجعته على تناول الطعام. لكنه لم يشعر بالرغبة في الأكل. وكان قلقًا من تناقص وزنه أيضًا، فبدأ في رفع الأثقال مضطرًا.
بعد أن قضت أخت جايد ما يقرب من ليلة كاملة في التحدث معه، أخبرت هذه الأخت البالغة من العمر عشرين عامًا والدتها بأنها تشعر بالقلق على جايد حيث قالت لها: «يبدو أنه في حالة مزاجية غريبة، ماذا لو قرر إلقاء نفسه من النافذة؟ أو فعل ذلك بأحد منا؟» فشعرت والدته بالقلق أيضًا. وبعد أربعة أيام من رجوعه إلى المنزل، اتصلت بضابط إطلاق السراح المشروط وسألته إن كان بإمكانه مساعدتها في العثور على علاج لابنها. فطلب منها ألا تقلق، وقال لها إنه سيهتم بكل شيء. وكان أن وجدت والدته هذا الضابط على باب المنزل ومعه أربعة ضباط شرطة آخرون، فألقوا القبض على جايد وأعادوه إلى السجن.
تمت «مخالفة» إطلاق السراح المشروط الخاص بجايد؛ لأنه اعتبِر «مريضًا عقليًّا وخطرًا على نفسه وعلى الآخرين»، وهي أسباب تلغي إطلاق السراح المشروط في كاليفورنيا. اتصلت والدة جايد، التي صدمها هذا الخبر، بأحد المحامين لتسأله عن سبب إعادة ابنها إلى السجن بعد أن قضى بالفعل مدة عقوبته وعدم خرقه أية قوانين منذ إطلاق سراحه.
بدأ الطبيب النفسي الذي يعمل بالسجن والذي عُيِّن لتقييم حالة جايد، حديثه معه بإعلامه بأن اللقاء بينهما سيكون اختياريًّا بالكامل ولن يتضمن أي نوع من السرية. شعر جايد بالغضب لإيداعه السجن من جديد، وقرر أنه لن يخبر الطبيب النفسي بالكثير في ظل هذه الظروف. وأنهى الفحص النفسي الذي أُجري له بعد خمس عشرة دقيقة.
لم يحصل الطبيب النفسي على الكثير من المعلومات من هذا اللقاء. لكن في تقريره لهيئة إطلاق السراح المشروط، كتب أن جايد هدد بالانتحار أو قتل أمه أو أخته، وأنه كانت تنتابه هلاوس أثناء الأيام الأربعة التي قضاها بالمنزل. وأقرَّ بأنه أثناء اللقاء لم تكن هناك «أدلة واضحة على الذهان» وأن جايد «لم يبدُ عليه أنه يستجيب للمثيرات الداخلية»، كما أنه «لم يفصح عن أفكار محددة تنطوي على ميله للانتحار أو العنف.» لكن نظرًا لأن ضابط إطلاق السراح المشروط قد أوضح في تقريره أن ثمة هلاوس كانت تنتاب جايد وأنه كان يهدد بإلقاء شخص ما من النافذة، شخَّص الطبيب النفسي حالة جايد بأنها «اضطراب ذهاني غير محدد النوعية»، وأوضح رأيه أن جايد يمثل خطرًا على نفسه وعلى الآخرين. وبناءً على هذا التشخيص، قررت هيئة إطلاق السراح المشروط الإبقاء على جايد في السجن مدة عام آخر على أن يقضي معظمه في الحبس الانفرادي.
بعد بضعة شهور، فحصتُ جايد ولم أكتشف أية علامات أو أعراض للذهان لديه. وفسر لي جايد بقاءه في غرفته عندما عاد إلى المنزل بأنه بعد عامين في الحبس الانفرادي، لم يكن مستعدًا للتواصل مع الناس. كان قد خطط للخروج من غرفته تدريجيًّا عند شعوره بالأمان. ولم تكن تراوده قط أية هلاوس، وأنكر كذلك ما قيل عنه بأنه هدَّد بالانتحار أو استخدام العنف. تحققت من الأمر مع والدته، فاكتشفت أن أخته تصوَّرت فقط أن جايد ربما يكون خطيرًا، لكنه لم يقل لها أي شيء على الإطلاق بشأن إلقاء نفسه أو إلقائها من النافذة. وعندما رجع جايد إلى السجن، قرر عدم التحدث مع الأطباء النفسيين والانتظار حتى يحرره أحد الإجراءات القانونية.
أذهلتني سلامة تخطيطه وقدرته على التحكم في غضبه حيال إعادة حبسه ظلمًا بعد أن قضى مدة عقوبته. ولا أعتقد أن هيئة إطلاق السراح المشروط كانت ستأخذ رأيي المهني في الاعتبار لو أن محامي جايد لم يقاضِ الولاية لإطلاق سراحه. لكنه على أية حال أُطلِق سراحه بمجرد أن أدركت إدارة المؤسسات العقابية أن مخالفة إطلاق السراح المشروط الخاص به قد استندت إلى أخطاء في الوقائع وأن الطبيب النفسي قد أخطأ تمامًا عندما افترض أن أي سجين يرفض التحدث إليه، حتى بعد أن أوضح له أن اللقاء اختياري، لا بد أن يكون مصابًا بالذهان أو جنون الارتياب.
ما كان جايد ليتمكن من مجابهة القرار الظالم الذي اتخذته هيئة إطلاق السراح المشروط والفوز بقضيته لولا توكيل والدته محاميًا لتمثيله. لكنَّ هناك عددًا هائلًا من القضايا التي يُحبَس فيها السجين خطأً ولا يتمكن من الحصول على تمثيل قانوني له. والميل لإصدار أحكام أكثر قسوة وإنهاء «تدليل» السجناء يؤدي إلى الحد من إمكانية حصول السجناء حاليًّا على تمثيل قانوني ووصولهم إلى المحاكم.
(?-?) منح السجناء فرصة للتعبير عن أنفسهم

من المُلهِم دائمًا رؤية مَن يتعرضون لمعاملة سيئة وهم يقاومون ويطالبون بحقوقهم، مثلما يفعل السجناء في المحاكم. داخل السجون، لا يتمتع السجناء إلا بقدر بسيط من السلطة، هذا إن وُجدت من الأساس. وهم يُعاقَبون بقسوة لقولهم أي شيء قد يفسره أي ضابط من ضباط السجن بأنه يفتقر للاحترام. ويخسرون ما يزيد عن ?? بالمائة من جلسات الاستماع التي يدَّعون فيها بأنهم تعرضوا لعقوبات ظالمة. وعندما يمثلون أمام هيئات إطلاق السراح المشروط ويصدر قرار ضدهم، قلما يحق لهم الاستئناف. لكن عندما تُقر المحكمة بأن شكاواهم القانونية صحيحة، ويمْثُلون كمدَّعين في القضايا المدنية، يكون وقوفهم في المحكمة مكافئًا لموقف المدعى عليهم، بمن فيهم مأمور السجن ورئيس إدارة المؤسسات العقابية.
هذه الميزة البسيطة المتمثلة في إمكانية الوصول إلى المحاكم أوضحها لي رجل التقيت به مؤخرًا كان قد خرج من وحدة الحبس الانفرادي لانقضاء مدة عقوبته في السجن بإحدى المؤسسات العقابية في مقاطعة جرين بولاية بنسلفانيا. كان قد ظل في الحبس شبه الانفرادي مدة ثمانية عشر شهرًا حتى انتهت مدة حكمه الثابت وأُطلِق سراحه. تمكن بالكاد ذلك الرجل من الحصول على شهادته الثانوية. وعندما سألته كيف استطاع الحفاظ على قواه العقلية وهو يشاهد السجناء في الزنزانات القريبة وهم يجن جنونهم ويصيحون طوال ساعات الليل ويتراشقون بالغائط. فأجابني: «قاضيت الولاية. طلبت الحصول على كتب في القانون، وقرأتها. وكلما فعلوا شيئًا غير قانوني، كنت أقاضيهم. لم أفز مطلقًا في أي من هذه القضايا — بعضها وصل بالفعل إلى المحكمة — لكن عملية تعلم ما يكفي من الأمور القانونية لأتمكن من الدفاع عن نفسي جعلتني أتمكن من الحفاظ على قواي العقلية طوال كل هذه الشهور التي قضيتها وحيدًا في تلك الزنزانة الموحشة.»
وقد رأيت ظاهرة مماثلة عندما تقدمت بشهادتي في قضية كين ضد إدارة المؤسسات العقابية بميشيجان. في الوقت الذي كانت تُسوِّغ فيه إدارات المؤسسات العقابية قيودًا لا حصر لها على حريات السجناء في صورة إجراءات أمنية، وترفض المحاكم الفيدرالية التدخل في ذلك، رفع ثمانية سجناء، تولوا الدفاع عن أنفسهم أمام محكمة ولاية ميشيجان نيابة عن ?? ألف سجين وألفي سجينة، دعوى قضائية جماعية منذ عشر سنوات. ووصلت القضية أخيرًا إلى المحاكمة في أبريل عام ????. ونظرًا لأن قاضي محكمة الولاية أبدى استعدادًا غير معتاد للسماح بالسجناء بتقديم أية أدلة مهمة ما داموا تمكنوا من إثبات أنها ذات صلة، فمن المرجح أن تستمر المحاكمة بعض الوقت.
قاعة المحكمة في قضية كين ضد إدارة المؤسسات العقابية بميشيجان هي صالة ألعاب رياضية في أحد السجون المحلية بالقرب من مدينة جاكسون، حيث توضع طاولات للقاضي والمحامين والشهود، بالإضافة إلى صفوف من المقاعد للصحافة والجماهير. ويصل ما يزيد عن اثني عشر سجينًا وسجينة مكبلين بالأغلال ليجلسوا على مائدة المدعين. وقد تقدمت بشهادتي بشأن الآثار الضارة التي ستتسبب فيها على الأرجح السياسة التقييدية المقترحة — التي تفرض قيودًا على عدد الأغراض التي يمكن للسجناء الاحتفاظ بها في زنزاناتهم وتلزمهم بارتداء زي موحد — على الصحة العقلية للسجناء. على سبيل المثال، أوضح بحثي أن العديد من السجناء في السجون ذات الإجراءات الأمنية المنخفضة سيرفضون الزيارة إذا أُجبِروا على ارتداء زي موحد للسجن، وأن عدم التواصل مع أحبائهم سيؤثر سلبًا على صحتهم العقلية، وسيسفر في النهاية عن محاولة بعضهم الانتحار.
والسجين الذي لديه علم بالأمور القانونية، والذي أعدني للشهادة وقام باستجوابي واستجواب شهود الخصم في المحكمة لم يتخرج قط في الجامعة. لكنه اشتهر في دوائر قضايا السجون بالخبير القانوني العبقري والمبتكر. ويتمتع هذا الرجل بقدر من الثقة يكفي لمواجهة مساعد النائب العام في المحكمة.
لا يزال القضاء ينظر في قضية كين ضد إدارة المؤسسات العقابية بميشيجان، والحكم النهائي للقاضي ليس واضحًا بعد، لكن السجناء يحققون انتصارات بسيطة دومًا. على سبيل المثال، تُسمَّى وحدة الحراسة المشددة في نظام سجن ميشيجان الموجود في إيونيا باسم «إيونيا ماكس» أو «آي ماكس». وتحظر السياسة الإصلاحية للولاية وضع السجناء المضطربين عقليًّا في هذه الوحدة. لكن السجناء/المدعين في القضية وضعوا سجينًا على منصة الشهود كان قد أودِع هذه الوحدة. وشهد ذلك السجين بأنه قد حصل على أدوية مضادة للذهان على مدار أعوام، لكن الطبيب النفسي بالسجن أوقف هذه الأدوية قبل بضعة أشهر من حصوله على إنذار تأديبي أدى إلى نقله إلى وحدة «آي ماكس».
لم يعرف السجين السبب وراء إيقاف الأدوية التي كان يحصل عليها، لكنه اشتكى من أنه من دون هذه الأدوية صار يعاني الأوهام، وعدم القدرة على التحكم في نوبات غضبه، التي دفعت الحرَّاس إلى إصدار إنذار تأديبي ضده. وأثبت السجناء وجهة نظرهم؛ وهي أنه بالرغم من أن السياسة تحظر إيداع السجناء المضطربين عقليًّا وحدات الحراسة المشددة، فإنه من السهل للغاية على الموظفين إيقاف أدوية العلاج النفسي التي يحصل عليها السجناء، وإعلان شفائهم من المرض العقلي، وإيداعهم وحدات الحراسة المشددة. وقد شعر السجناء الجالسون على طاولة المدعين بالفخر الشديد لتمكنهم من تسجيل ذلك في سجل المحكمة. ربما لن تؤدي هذه الشهادة إلى حكم قضائي معين، لكن حقيقة أنه من الممكن رفع قضايا بسبب حرمان المرضى العقليين من أدويتهم قبل إيداعهم الحبس الانفرادي، تعد بمنزلة إخطار للولاية بأن سياساتها العقابية يمكن أن تتكشف في قاعات المحاكم.
(?-?) إنهاء السرية وكسر حاجز الصمت

نحن نعلم من التاريخ والأبحاث التي تناولت ديناميكيات المؤسسات2 أن الحراس ذوي السلطة المطلقة يتصرفون عادةً بقسوة مع من يحرسونهم، وينطبق ذلك بشكل خاص في حالة عدم وجود مراقبة خارجية. وعندما تعذب «الشرطة السرية» بالدولة سجناءها، تحيط السرية هذا الإجراء بالكامل، ولا يُسمَح للصحافة بالدخول إلى أقسام الشرطة والسجون، وتُخرَس ألسنة السجناء. ويخرج عدد من القضايا إلى النور في الولايات المتحدة في العقود الأخيرة، حينما تفشل أقسام الشئون الداخلية بالشرطة ولجان المراجعة الإدارية في الكشف عن أعمال وحشية معينة وحالات قتل خطأ يقوم بها أفراد في السلطة. ويكتشف في النهاية محقق مستقل أو مجلس مراجعة مدني أدلة على سوء السلوك المهني الإجرامي تكفي لإجبار المدعي العام المحلي أو وزارة العدل الأمريكية على التدخل وإرسال الضباط المسيئين إلى المحكمة للرد على جرائمهم. ونحن نعرف من وقائع تاريخية سابقة، مثل ممارسات تأجير السجناء في جنوب الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية، أنه بمجرد ابتعاد السجناء عن الأنظار ونسيانهم من الممكن أن يتعرضوا لمعاملة وحشية، كما لو كانوا عبيدًا في الكثير من الأحيان. ولقد ذكرتُ العديد من الأمثلة على القسوة وسوء السلوك الإجرامي الواضح من جانب ضباط السجون، مثل معارك القتال حتى الموت التي يديرها الحرَّاس في سجن كوركوران، والغمر القسري لفينسن في الماء الحارق بسجن بيليكان باي. ولك أن تتخيل الأضرار الناجمة عن ذلك على الصحة العقلية للسجناء! لكن هذه الانتهاكات الغامضة التي تعرض لها السجناء لم يأخذها مسئولو الولايات على محمل الجد إلا بعد أن تسربت أخبارها إلى العناوين الرئيسية للصحف ونشرات الأخبار التليفزيونية.
وفي ضوء ما سبق، يكون من المزعج للغاية إدراك أن الهيئات التشريعية والسلطات العقابية تفرض عددًا متزايدًا من القيود على وصول وسائل الإعلام والجماهير إلى السجون. على سبيل المثال، صدرت أوامر تقييد حرية الرأي والصحافة في العديد من الولايات. وأقرت الهيئة التشريعية بكاليفورنيا مؤخرًا قانونًا يمنع وصول الصحفيين إلى السجناء دون موافقة مسبقة من إدارة المؤسسات العقابية. ويعني ذلك من الناحية العملية عدم السماح بأي لقاءات مع السجناء، إلا إذا أرادت إدارة المؤسسات العقابية عرض أحد السجناء أمام مؤتمر صحفي لتبديد مخاوف العامة بشأن الممارسات الوحشية داخل السجون. لكن هذا القانون يعني أيضًا أن نفس المسئولين، الذين يخضعون للاتهام الفيدرالي لدورهم في حالات القتل التي حدثت في سجن كوركوران، يتحكمون في وصول الصحافة للسجناء الذين شهدوا الشجارات وحوادث إطلاق النار. إن السرية هي الشغل الشاغل هنا، كما لو كان المُشرِّعون والمسئولون الإداريون للمؤسسات العقابية يحاولون التحكم في الأضرار عن طريق الحد من الإعلان عن الانتهاكات التي تحدث خلف القضبان للعامة.
وتلعب القضايا التي تُرفع ضد السجون دورًا رئيسيًّا في كسر حاجز الصمت. فلا يحظى مَن هم خارج السجن بإمكانية دخول السجون إلا بصعوبة شديدة. وقد يسمع الزوار عن أحوال وانتهاكات رهيبة من السجناء الذين يزورونهم، لكنهم لا يستطيعون رؤيتها بأنفسهم. معظم جولاتي في السجون كانت بأمر من المحكمة. فيرفع السجناء قضية جماعية، ويشارك المحامون فيها، وتأمر المحكمة نظام السجن بالسماح للمدعين بقدر كافٍ من إمكانية الوصول إلى السجون لتنفيذ إجراءات قضاياهم، ويجلب المدعون خبراءهم إلى السجن لتقييم الظروف والممارسات بها.
وعندما أطلب الاطلاع على السجل الطبي السريري أو تقرير «التشريح النفسي»، يلتزم السجن بتقديمها لي. وعندما أطلب القيام بجولة في وحدة معينة بالسجن، أو مقابلة سجين أو موظف معين، يلتزم مأمور السجن بأمر من المحكمة بالسماح لي بذلك. ويمنح ذلك الخبراء في الدعاوى القضائية فرصة فريدة لتحديد ما يحدث فعليًّا في المؤسسات العقابية حاليًّا.
وتكون إجراءات المحاكم مُعلَنة. فأي شيء يُكشَف عنه في المحكمة — ما دام أن القاضي لا يحظر إطلاع العامة على المحاكمة — يكون من المتاح نشره لعامة الناس. ولا يعني ذلك أن الصحفيين يتوافدون بأعداد ضخمة على المحاكم ليعرفوا ما يحدث خلف القضبان. فقاعات المحاكم التي قدمت شهادتي فيها كانت خالية نسبيًّا؛ فيدخلها أحيانًا أحد المراسلين الإخباريين أو فريق عمل إخباري بالتليفزيون، لكن القليلين منهم فقط يبقون مدة كافية لمعرفة تفاصيل القضية بأكملها. ومع ذلك، تظل إجراءات المحاكم فرصة نادرة للكشف عن الحقيقة لعامة الناس. وبالطبع، جعل الناس يهتمون بمحن السجناء مسألة أخرى.
والدعاوى القضائية الجماعية المهمة تضع حدًّا للسرية شبه التامة التي تحيط عادةً بالحياة اليومية في السجون. فبعد الزج بفينسن في حوض الاستحمام الذي حرق جلده، قاضى ولاية كاليفورنيا. وأدت قضية جماعية كبيرة أخرى، وهي قضية مدريد ضد جوميز، التي تتضمن نفس الوحدة في سجن بيليكان باي، إلى إعلان أحد القضاة الفيدراليين أن وحدة الحراسة المشددة ليست بالمكان الذي ينبغي وضع السجناء المرضى عقليًّا فيه. وفي كل قضية، تصدرت الأخبار العناوين الرئيسية للصحف وحظيت الجماهير بفرصة نادرة لاكتشاف ما يحدث بالفعل داخل السجون. ومن جديد، تضمن التأثير غير المباشر على صحة السجناء العقلية إنهاء الصمت والتمتع بدرجة من الأمل المتجدد بأن ثمة مَن يهتم بالأسلوب الذي يُعامَلون به.
(?-?) تطبيق الأحكام أمرٌ ممكنٌ

يزعم بعض المعارضين للحلول القانونية لمشكلات السجون أن نظام السجون يمكن أن يتحدى أوامر المحكمة وقرارات التراضي لأجلٍ غير مُسمًّى؛ ولذلك يُحكَم على الدعاوى القضائية بالفشل. وبالرغم من أنه من الصحيح أن بعض الولايات والحكومات الفيدرالية قد تعاند وتمنع الإصلاح البنَّاء للسجون، فإنه من الصحيح أيضًا أن عددًا أكبر من سلطات السجون المتعقلة يمكن أن تقبل أوامر المحكمة وتُجري تغييرات كبيرة في أسلوب تعاملها مع السجناء.
على سبيل المثال، لقد رأيت قوة الإدارات في إيقاف العقوبات الوحشية وغير الإنسانية أثناء تجولي في سجن إنديانا ذي الإجراءات الأمنية المشددة3 في ويستفيل في يوليو عام ????. فقد قاضى السجناء في هذا السجن، الذين كان أغلبهم من الملونين، الولاية بعد بضعة أعوام من افتتاح الوحدة عام ????، مدعين أن الظروف القاسية ووحشية الحرَّاس انتهكت حقوقهم المدنية ومثَّلت عقوبة قاسية ووحشية. وقبل الدعوى القضائية، كان السجناء يشكون على مدى أسابيع من سوء جودة الطعام دائمًا. في أحد الأيام، قُدِّم إلى السجناء في سجن إنديانا ذي الإجراءات الأمنية المشددة وجبات هامبورجر باردة على الغداء. وعندما فتح الكثير من السجناء الشطائر، وجدوا شعرًا ورملًا ممزوجًا باللحم السيِّئ الجودة. لم يستجِبِ الحرَّاس الذين قدموا الطعام لشكاوى السجناء. فقرر بعض السجناء في الوحدة الاحتفاظ بصواني الطعام الخاصة بهم وعليها الهامبورجر الذي لم يأكلوه ليوضحوا لمأمور الوردية سبب رفضهم تناول الطعام.
غضب الحرَّاس من ذلك الرفض، وبدءوا على الفور في القيام بجولات بالزنزانات كلها ليسألوا كل سجين إن كان سيعيد صينية الطعام الخاصة به أم لا. وكان جواب العديد من السجناء: «لن نعيدها إلا بعد تحدثنا مع المأمور بشأن سوء جودة هذا الهامبورجر.» وجأر الحرَّاس على الفور قائلين: «هذا رفض!» ولم يُتفوه بكلمة بعد ذلك. فغادر الحرَّاس القسم، وشكَّلوا فريقًا لإخراج السجناء من الزنزانات بالقوة. بعد ذلك، وجد السجناء أنفسهم أمام خمسة ضباط ضخام الجثة يرتدون ملابس فضِّ الشغب، حيث اقتحموا زنزاناتهم وأخرجوهم منها، واحدًا تلو الآخر. ولزم نقل الكثير من السجناء إلى المستوصف لعلاج جروحهم.
لم يكن غريبًا آنذاك إجراء عمليتين أو ثلاث عمليات لإخراج السجناء بالقوة من الزنزانات كل يوم في هذا السجن. وكشفت الدعوى القضائية للسجناء وتحقيق أجرته منظمة هيومن رايتس ووتش عن حوادث يجتمع فيها الضباط مرارًا وتكرارًا على ضرب السجناء، ثم يتهمونهم «بإهانة ضابط».
سويت القضية الجماعية التي رفعها السجناء في فبراير عام ???? بتوقيع اتفاق تسوية سابق للمحاكمة. وأجريت تغييرات. على سبيل المثال، تمَّ تغيير المشرف العام للسجن. وفي محاولة من المشرف الجديد للالتزام بالحظر الذي يفرضه اتفاق التسوية السابق للمحاكمة بشأن عمليات الضرب والإخراج القسري غير المنطقي من الزنزانات، وضع سياسة تلزم الضباط بمنح السجناء فرصًا عديدة لتغيير رأيهم قبل القيام بعمليات الإخراج القسري من الزنزانات. وأصبح لزامًا على الضباط استدعاء مأمور الوردية إلى الزنزانة ليحاول إقناع السجين المتمرد بالامتثال للأوامر، وتعين عليهم الاتصال بالمشرف نفسه قبل البدء في عملية إخراج السجين بالقوة من الزنزانة. وأدت هذه السياسة الجديدة، على الأقل، إلى تهدئة كلٍّ من الضباط والسجناء على حدٍّ سواء. وكانت النتيجة تراجعًا مفاجئًا وكبيرًا في عدد عمليات إخراج السجناء بالقوة من الزنزانات في هذا السجن.
إذا كان بإمكان إدارة المؤسسات العقابية بإنديانا خفض عدد عمليات الإخراج القسري من الزنزانات على نحو كبير في أحد سجون الحراسة المشددة بمجرد إعادة صياغة السياسة الخاصة ببدء هذه العمليات، فيمكن أيضًا للولايات الأخرى الحد من الأعمال الوحشية ضد السجناء، وتحسين ظروف حياتهم، وتحسين جودة خدمات الصحة العقلية في السجون، هذا إذا أرادت فعل ذلك. لكنها إذا أرادت إعاقة جهود المحاكم الرامية إلى ضمان الحقوق الدستورية للسجناء، فالحقيقة المؤسفة هي أن بإمكانها فعل ذلك أيضًا.
(?) خطوة للأمام، خطوتان للخلف

إن الدعاوى القضائية صعبة في تنظيمها وباهظة التكلفة في رفعها، ويمكن أن تسفر عن عداوات بين أطرافها، وتؤدي من ثم إلى معاندة المدعى عليهم (الذين يتمثلون غالبًا في إدارة السجون بإحدى الولايات أو إدارة السجون الفيدرالية) ومقاومتهم للتحسينات المفروضة بأمر من المحكمة. وتسود الآن هيمنة الاتجاه المحافظ والدعم الواسع النطاق لأسلوب القانون والنظام في التعامل مع قضايا العدالة الجنائية. وحتى عندما تلفت المعارك القانونية انتباه الجماهير إلى المشاق والانتهاكات التي يعانيها السجناء، يميل الساسة والجهات التشريعية عادةً إلى عدم دعم أو حتى استكشاف إمكانية إصلاح السجون. فهم منشغلون للغاية بخفض الميزانيات؛ ما يحول دون تفكيرهم بجدية في إنفاق المزيد من الأموال على إصلاحات لا يطالب بها الجماهير.
وتُقَرُّ قوانين تهدف إلى الحد من قدرة المحاكم على طلب إصلاح السجون. والقضاة الذين يسمحون للسجناء بالتعبير عن أنفسهم في المحكمة ويحكمون لصالحهم يهاجمهم الساسة المحافظون بتهمة «تدليل السجناء». وفي العديد من القضايا، يتم عرقلة التقدم الذي يحرزه السجناء في المحاكم، وكذلك المكاسب المبكرة المتعلقة بالفوائد التي تعود على الصحة العقلية.
(?-?) عناد الحكومة

على الرغم من أن قضايا السجون يمكن أن يكون لها الكثير من المزايا، فإن العملية القانونية ليست على قدر عالٍ من الفعالية في ضبط عملية تجديد أنظمة السجون. والمعارك القانونية تؤدي إلى مواقف مناصرة تستقطب الطرفين إلى حدٍّ بعيد. على سبيل المثال، عندما يتهم السجناء نظام السجن بانتهاك حقوقهم الدستورية، يدافع النظام عن ممارساته، ويصبح عادةً أقل مرونة خلال ذلك. وعلى الرغم من أن المدعين قد يفوزون في القضايا الكبيرة، فإنه لا يكون هناك قدر كافٍ من حسن النية بعد المحاكمة لدى حكومة الولاية أو الحكومة الفيدرالية لاستكمال الأساليب المرنة اللازمة لتخفيف معاناة السجناء. وعندما يشكو محامو السجناء، فيما بعد، من أن الحكومة لا تتابع التغييرات الواجب تنفيذها، تنسحب المحاكم من النزاع مشيرةً إلى أنها ليس لديها استعداد للإشراف الدقيق على تحسين نظم السجون على المستوى الفيدرالي ومستوى الولايات. وفي الوقت نفسه، لا يصبح لدى إدارات المؤسسات العقابية المصدومة من هزيمتها القانونية استعداد لإجراء أية تحسينات فيما عدا ما أمرت به المحكمة تحديدًا. ويسفر ذلك في كثير من الأحيان عن مواجهة بين الطرفين؛ ما يؤدي إلى التراجع الشديد في التعاون بين مناصري السجناء والمدافعين عن نظام السجون.
(?-?) لعبة الصَّدَف

يمكن أن تقاوم الولايات وأنظمة السجون الفيدرالية التغيير بطرق عدة. على سبيل المثال، من أيسر السبل التي يمكن لنظام السجون اتباعها لإعاقة قدرة السجناء على الفوز بحكم لصالحهم من المحاكم هو أن تنتظر حتى تُرفَع الدعوى القضائية ثم تنقل المشكلة أو الممارسة المسيئة التي دعت لرفع هذه الدعوى إلى سجن آخر لا تغطيه الدعوى أو الاختصاص القضائي للمحكمة. وهذا النوع من المناورة البارعة والمريبة يذكِّرني بلعبة الصَّدَف. ويحرك مَن يقوم بهذه اللعبة صدف الجوز بسرعة شديدة بحيث لا يمكن للملاحظ تخمين أيها يغطي العملة المعدنية. وبالمثل، عندما يرغب مديرو السجون في تحدي روح القانون ضد العقوبات القاسية والوحشية، يمكنهم أن ينقلوا السجناء والبرامج إلى أماكن أخرى بحيث لا يضطرون أبدًا إلى الامتثال بأجزاء كبيرة من حكم المحكمة.
ولقد لاحظت هذه الحيلة للمرة الأولى في قضية توسان ضد إنوموتو. فقد قاضى السجناء في هذه القضية إدارة المؤسسات العقابية في كاليفورنيا، مدعين أن السجناء في الزنزانات المزدوجة بوحدة الحبس الانفرادي (كانت وحدات الحبس الانفرادي موجودة آنذاك في سجني سان كونتين وفولسوم، ولم يكن سجنا بيليكان باي وكوركوران قد بُنيا بعد)، كانوا يُحبسون في الزنزانات نحو أربع وعشرين ساعة يوميًّا، وهو ما كان يشكِّل عقوبة قاسية ووحشية. على سبيل المثال، كان للازدحام آثار سلبية على صحة السجناء العقلية، وكان السجناء المصابون بأمراض عقلية في هذه الوحدات عرضة للتعدي عليهم وإيذائهم. فأصدر القاضي الفيدرالي حكمًا لصالح السجناء، مصدرًا أمرًا بوضع السجناء الموجودين في وحدات الحبس الانفرادي في كلا السجنين في زنزانات فردية.
وبينما كانت الدعوى القضائية الجماعية لا تزال قيد نظر المحكمة، شيَّدت الولاية سجنًا جديدًا مجاورًا لسجن فولسوم. في البداية، أدار سجني «فولسوم القديم» و«فولسوم الجديد» مأمور سجن واحد، لكن إدارة المؤسسات العقابية أعلنت أنهما وحدتان إداريتان منفصلتان. وشُيِّدت وحدة حبس مشدد في سجن فولسوم الجديد، وحُبِس فيها السجناء في زنزانات مزدوجة. وعندما اشتكى محامو السجناء من أن إيداع السجناء زنزانات مزدوجة بوحدات الحبس المشدد في سجن فولسوم الجديد يخالف أمر القاضي في قضية توسان، ردت الولاية على ذلك بأنه نظرًا لأن سجن فولسوم الجديد كيان منفصل؛ فإن أمر القاضي لا يسري على وحدات الحبس المشدد الموجودة فيه. وعلى الرغم من أن الحكم الصادر في قضية توسان كان قابلًا للاستئناف، فإن ادعاء الولاية بأن الحكم لا يسري على سجن فولسوم الجديد كان قابلًا للاستئناف أيضًا. وخسرت الولاية القضية، لكنها استمرت في إيداع سجناء خطرين للغاية زنزانات مزدوجة ببعض من وحدات الحبس الأكثر تشديدًا على الإطلاق في إجراءاتها الأمنية في ذلك الوقت.
شهدتُ هذا النوع من المناورة مرة أخرى في قضية جيتس ضد دوكماجين. رفع السجناء المصابون بأمراض عقلية قضية جماعية ضد ولاية كاليفورنيا، مدعين أن الرعاية التي تُقدَّم إلى السجناء المضطربين عقليًّا في مؤسسة الرعاية الطبية بكاليفورنيا بمدينة فاكافيل كانت غير ملائمة على الإطلاق. قَبِل القاضي الفيدرالي في النهاية بادعاء السجناء، وأمر الولاية بتحسين خدمات الصحة العقلية في تلك المؤسسة. لكن قبل وصول الدعوى القضائية إلى تلك المرحلة، نقلت الولاية نحو ??? من إجمالي ???? سجين صُنِّفوا على أنهم مرضى عقليين إلى خارج مؤسسة الرعاية الطبية بكاليفورنيا وأرسلتهم إلى سجون أخرى بأنحاء الولاية. واعترض محامو السجون على أن هؤلاء السجناء الخمسمائة كانوا «جزءًا من المجموعة» التي رفعت قضية جيتس ولا يمكن نقلهم خارج المؤسسة أثناء النظر في القضية. وفي هذا الشأن، خسر المدعون (السجناء).
ادعت الولاية أنه على الرغم من أن هؤلاء السجناء الخمسمائة كانوا يعانون أمراضًا عقلية في الماضي، فإن الأطباء النفسيين المتابعين لهم قرروا (بعد بدء الدعوى القضائية بالفعل) أنهم قد تعافوا بالقدر الكافي لنقلهم إلى مرافق غير علاجية. ولا شك أن إدارة المؤسسات العقابية نقلت فقط الرجال الذين بدا عليهم الاستقرار نسبيًّا في مرحلة معينة. وكان الكثيرون منهم يعانون أمراضًا عقلية خطيرة وطويلة المدى، وتعرضوا لتفاقم في حالاتهم وانهيارات متكررة في السجون التي نُقِلوا إليها، حيث لم يكن يتوافر فيها سوى قدر ضئيل من خدمات الصحة العقلية.
سوف أذكر مثالًا واحدًا آخر للعبة الصَّدَف. ففي ولاية إنديانا، جانبٌ من أسباب الدعوى في القضية، التي تضمنت سجن الإجراءات الأمنية المشددة، تمثَّل في إيداع السجناء المصابين باضطرابات عقلية خطيرة وحدة عزل، تؤدي على الأرجح الظروف القاسية فيها إلى تفاقم الاضطرابات الانفعالية التي يعانونها. وكجزء من اتفاق التسوية السابق للمحاكمة الذي أنهى القضية، وافقت الولاية على عدم إيداع السجناء المضطربين عقليًّا سجن الإجراءات الأمنية المشددة. لكن سرعان ما وُجد عدد كبير من السجناء المصابين بأمراض عقلية في سجن أحدث بالولاية ذي إجراءات أمنية مشددة، وهو وحدة الحبس الانفرادي في مؤسسة واباش فالي العقابية في كارلايل التي لا تغطيها القضية الخاصة بسجن الإجراءات الأمنية المشددة في ولاية إنديانا.
بعبارة أخرى، الاتفاق الذي ينهي أية دعوى قانونية يكون راسخًا فقط بقدر حسن نية الموقعين عليه.
(?-?) قانون إصلاح مقاضاة السجون

في ?? أبريل عام ????، وقع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون على قانون إصلاح مقاضاة السجون، وهو تشريع وُضِع للحد من وصول السجناء إلى المحاكم الفيدرالية وتقييد قدرة المحاكم على تصحيح المخالفات الدستورية. فوضع هذا القانون قيودًا على الوقت الذي يسري فيه أي حكم تراضٍ حاصل على موافقة المحكمة، بحيث يكون الحد الأقصى له عامين. هذا يمثل صدمة قوية للسجناء ومحاميهم؛ لأن رفع الدعوى الجماعية قد يستغرق شهورًا، ويمكن للولاية أن توقف عملية التنفيذ عن طريق الانتظار شهورًا أو أعوامًا لإجراء التغييرات. ومع تقييد مدة قرار التراضي بعامين فقط، ستقرر مكاتب المحاماة التي تموِّل الدعاوى القضائية الجماعية أن هذه الدعاوى الكبيرة لم تعد مجدية. ويضع قانون إصلاح مقاضاة السجون أيضًا قيودًا صارمة على أنواع التعويضات التي يمكن أن تأمر بها المحكمة، والأتعاب التي يمكن أن تأمر بدفعها لمحامي السجناء، وينهي التنازلات التي دامت طويلًا عن تكاليف المحكمة في حالات السجناء المعوزين، ويستلزم من جميع السجناء دفع أتعاب كبيرة قبل رفع القضية.
حتى الآن، يحقق هذا القانون الهدف الذي وضِع من أجله؛ فقد حدث تراجع كبير في عدد قضايا الاستئناف لأوامر المثول أمام المحاكم وعدد قضايا حقوق السجناء المدنية الأخرى منذ توقيع الرئيس على هذا القانون.
(?-?) تراجع المحاكم

يشكل الرأي العام القرارات القضائية. ففي الفترة ما بين الستينيات والثمانينيات من القرن العشرين، قدمت المحاكم آراء افترضت أن السجناء لهم حقوق دستورية معينة لا بد من احترامها. ومنذ مطلع التسعينيات، وعلى الرغم من كف المحاكم عن إنكار أن السجناء لهم حقوق، فقد تراجعت إلى أحكام أكثر تقييدًا، كما لو كانت تؤمن بأن القضاء يجب ألا يبذل جهودًا كبيرة لإصلاح سياسات السجون التي تنتهك حقوق السجناء. وقد قدمت العديد من المحاكم الفيدرالية مؤخرًا قرارات ضد السجناء في قضاياهم الجماعية، مشيرةً إلى أن المحاكم لا بد ألا تملي على الولايات وإدارات المؤسسات العقابية كيفية إدارتها للسجون. وحكمت محاكم أخرى بأن العقوبات القاسية نسبيًّا مقبولة ما دام أن الولايات بإمكانها إثبات أن هذه العقوبات ضرورية لدواعٍ أمنية. لا شك أن هذا التوجه له نتائج سلبية على السجناء المصابين بأمراض عقلية. فاحتمالات أن تصدر المحاكم أوامر لأنظمة السجون بتحسين الظروف القاسية وتطوير خدمات الصحة العقلية في السجون باتت أقل إذا ما قورنت بما كان عليه الحال منذ عقد مضى.
والأسلوب الذي تتعامل به المحاكم مع قضية إعادة التأهيل في السجون يسلط الضوء على القيود الصارمة المفروضة على مقاضاة السجون. يطلب مني محامو السجناء عادة تجنب الخوض في موضوع إعادة التأهيل عند شهادتي في المحكمة. فأسألهم عن السبب، فيقولون لي إنه ما من شرط دستوري يستوجب من إدارات المؤسسات العقابية توفير فرص للسجناء لإعادة تأهيل أنفسهم. ويا له من أمر مؤسف! لكنني عندما أتقدم للشهادة أُذكر نفسي بعدم إظهار الكثير من الحماس بشأن مشروع إعادة تأهيل السجناء؛ مخافة أن يستخدم المدعي العام بالولاية توصياتي غير الواقعية ليشكك في مصداقية شهادتي بأكملها. وفي الفصل العاشر، سأوضح وثاقة الصلة بين برامج التثقيف وإعادة التأهيل والصحة العقلية للسجناء، لكن من الواضح أن وضع برامج مناسبة سيتطلب ما هو أكثر من المقاضاة.
لم يوضَع النظام القانوني ليعكس الرأي العام. في واقع الأمر، يتطلب الدستور الأمريكي من المحاكم الحفاظ على انفصالها عن الحكومة، ومن ثم عن السياسة واستطلاعات الرأي العام. وتضطلع المحاكم بمسئولية التصدي للشعور السائد نحو السجناء المتمثل في «حبسهم إلى الأبد» عندما يدفع هذا الشعور السياسات العقابية إلى انتهاك حقوق السجناء الدستورية والإنسانية. لكن في الوقت الذي يسود فيه الاهتمام بالقانون والنظام، يلزم على كل قاضٍ يسعى لإعادة انتخابه التفكير أكثر من مرة قبل أن يتخذ قرارًا قد يعتبره عامة الناس «متساهلًا مع الجريمة».
ومن الحجج التي قد يتذرع بها من يرغبون في تقييد وصول السجناء إلى المحاكم أن القضايا التي يرفعها هؤلاء السجناء «غير موضوعية»، ويجب ألا يتكبد دافعو الضرائب تكلفة وصول هؤلاء السجناء إلى المحاكم، وهم الذين لا يريدون سوى تحويل السجون إلى منتجعات ترفيهية. في الواقع، هناك بالفعل بعض القضايا «غير الموضوعية». لكن عدد الدعاوى القضائية المستحِقة للنظر فيها ويرفعها السجناء، مثل التي ذكرتها من قبل، يفوق بكثير أعداد القضايا غير الموضوعية. ومن المفترض لمحاكم أي مجتمع ديمقراطي التفكير في القضايا المستحِقة للنظر فيها التي يرفعها السجناء. فالظروف في معظم السجون حاليًّا قاسية وغير إنسانية بالفعل، وخدمات الصحة العقلية تعاني قصورًا شديدًا، والانتهاكات التي يتعرض لها السجناء واسعة الانتشار. ويعاني السجناء محنًا انفعالية حادة جراء المشاق غير المبررة التي يتعرضون لها، وهذه مسألة لا بد أن تفحصها المحاكم بعناية.
•••

أدت القضايا المتعلقة بإصلاح السجون إلى تحسينات مهمة بالتأكيد في أحوال السجون وجودة خدمات الصحة العقلية خلف القضبان. ونتيجة لذلك، يخضع ??? سجنًا في الولايات المتحدة حاليًّا لنوع ما من قرارات التراضي أو القرارات القضائية فيما يتعلق بظروف الحبس وجودة الخدمات الصحية وخدمات الصحة العقلية.
لكن التشريعات والقرارات القضائية الحديثة تضع استراتيجية قانونية لجعل إصلاح السجون أكثر صعوبة وتعقيدًا. لذا، على الرغم من أن مقاضاة السجون لا تزال جديرة بالسعي وراءها، ثمة حاجة ماسة لاستراتيجيات أخرى أيضًا. وفي الفصل التالي من هذا الكتاب، سأستعرض بعض التغييرات التي أتصورها فيما يتعلق بظروف الحبس، وعلاج الصحة العقلية، وإعادة التأهيل. وسوف أتناول أيضًا بعض التغييرات في نظام العدالة الجنائية بالكامل التي سيستلزمها الأمر إذا أردنا تحقيق تحسينات كبيرة في خدمات الصحة العقلية.

الفصل العاشر
توصيات للعلاج وإعادة التأهيل


لا يمكنني إنهاء هذا الكتاب دون تقديم توصيات بشأن كيفية إصلاح ما ذكرته من جوانب سلبية للغاية في سجوننا، ولا سيما فيما يتعلق بالسجناء المضطربين عقليًّا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: على أي مستوًى ستكون هذه التوصيات؟ فهل يكفي أن نقول إننا بحاجة إلى توظيف ضعف عدد الأطباء النفسيين العاملين في السجون أو ربما أربعة أضعافهم؟ نعم، هذا سيفيد إلى حدٍّ ما. فمن خلال هذه الخطوة، سيفحص الأطباء عددًا أكبر من السجناء المصابين باضطرابات خطيرة، وسيكون بإمكان الموظفين قضاء فترة أطول في التحدث معهم. لكن ذلك لن يغير من حقيقة تعرض الكثير من المرضى النفسيين للإيذاء وانتهاء الحال بالعديد منهم في الحبس العقابي. والاكتفاء بإعطاء أدوية لسجين يتعين عليه ألا يبرح زنزانته طوال اليوم بمنزلة علاج غير مقبول على الإطلاق للأمراض العقلية، ويسفر في النهاية عن اضطرابات عقلية أسوأ ويتسبب في خطر عام هائل.
يتبع تاريخ الحبس بالسجون نمطًا دوريًّا عادةً. فأولًا، استجابةً للأهوال والانتهاكات التي تشهدها فترة العقاب القاسي، تكون هناك موجة من الإصلاح بالسجون تزخر بالادعاءات المتفائلة لإعادة تأهيل المجرمين. وبعد فترة، ونظرًا لعدم الاهتمام أو ربما نتيجةً لتراجع التعاطف مع مخالفي القوانين أثناء فترة من عدم الأمان الاقتصادي، يحدث تدهور في أحوال السجون وانهيار في البرامج التي وُضعت في الأساس لما يُتوقع منها من إعادة التأهيل. وفجأة، يتم اعتبار هذه البرامج غير فعالة أو وصمها بأنها «مدللة للسجناء». ويلي ذلك فترة من التحكم المتسلط القاسي في السجون، يصحبها قدر كبير من السادية التي لا رادع لها من جانب الحرَّاس. وتنتشر الانتهاكات التي يتعرض لها السجناء. وفي النهاية، يتم تجاوز خط معين فيما يتعلق بما يقبله المواطنون الشرفاء، ويدق ناقوس الخطر، وتتصدر الصحف عناوين مثيرة، ويثور العامة مجددًا؛ ما يؤدي إلى مطالبات جديدة بالإصلاح.
وجودة برامج الصحة العقلية بالسجون تميل للتأرجح مع مواقف العامة بشأن إعادة التأهيل بوجه عام. فعندما يتم وقف البرامج التثقيفية وبرامج التدريب المهني، ويصاب معظم السجناء بالكسل والخمول، يقل بالتأكيد تمويل برنامج علاج الصحة العقلية على نحو كبير، ويصبح قاصرًا بشكل أساسي على وصف الأدوية للسجناء المصابين باضطرابات. وعندما تصبح إعادة التأهيل بوجه عام أولوية داخل المؤسسات العقابية، تزدهر جهود إعادة التأهيل والعلاج النفسي، ويحظى السجناء الذين يعانون اضطرابات نفسية بالدعم في سعيهم للاستفادة من كل برامج إعادة التأهيل والعلاج المتاحة.
بعبارة أخرى، عندما يكون هدف المؤسسات العقابية هو «الإصلاح» أو إعادة تأهيل المجرم، يُنظَر إلى رعاية الصحة العقلية المناسبة على أنها مكوِّن ضروري في مشروع إعادة التأهيل بمفهومه الأوسع. وعلى الجانب الآخر، عندما يكون العقاب القاسي هو الهدف الوحيد من الحبس — كما هو الحال إلى حدٍّ بعيد حاليًّا — يقل بوجه عام الإيمان بإمكانات إعادة التأهيل بالسجن، ويقل الاهتمام بحاجة السجناء الذين يعانون اضطرابات عقلية خطيرة وطويلة المدى إلى العلاج.
لقد وصلنا حاليًّا إلى مرحلة انتشرت فيها القسوة والوحشية داخل السجون، وصار العامة على وعي بمدى انتشار هذه الوحشية؛ لذا، فالتوقيت الآن مناسب لاقتراح توصيات لإحداث تغيير إيجابي.
•••

تتضمن توصياتي بتحسين خدمات الصحة العقلية داخل السجون وحل أزمة الصحة العقلية تغييرات على ثلاثة مستويات: (?) لا بد من تحسين خدمات الصحة العقلية وبرامج إعادة التأهيل النفسي داخل السجون. وسأذكر فيما بعد عشرة مكونات أساسية لهذا التحسين.
(?) نحن بحاجة إلى تغيير السجون كمؤسسات، بما في ذلك تجديد برامج إعادة التأهيل العامة وإنهاء استخدام وحدات الحراسة المشددة.
(?) وأخيرًا، ثمة حاجة إلى إجراء تغييرات على المستوى المجتمعي. فيجب وضع نهاية للازدحام في السجون وصور التفرقة العنصرية في إصدار الأحكام، وعلينا أيضًا التوقف عن إرسال المدانين في جرائم المخدرات غير العنيفين والمجرمين المصابين باضطرابات عقلية إلى ساحات السجون مع القتلة والمغتصبين، ولا بد من إجراء تحسينات هائلة في نظام الصحة العقلية العامة.
سوف أذكر بعض البرامج النموذجية الموجودة بالفعل في الولايات المتحدة وجميع أنحاء العالم التي توضح أن ثمة أسلوبًا أفضل يمكن اتباعه في السجون. ومصير السجناء المصابين بأمراض عقلية يعتمد على التزامنا كمجتمع بتصور طرق أفضل لتحقيق العدالة الجنائية وتنفيذها.
(?) عشرة مكونات أساسية لأي برنامج صحة عقلية

يمكننا البدء بالمكونات الستة التي تحدد برنامج علاج الأمراض العقلية ذا الحد الأدنى من الملاءمة، وهي المكونات التي صاغتها المحكمة الإقليمية الفيدرالية في قضية رويس ضد إستيل عام ????، وتشمل إجراء فحص منتظم وعلاجًا يتضمن ما هو أكثر من العزل ويضم عددًا كافيًا من متخصصي الصحة العقلية لتقديم الخدمات الملائمة لجميع السجناء الذين يعانون اضطرابات عقلية خطيرة (انظر «الحد الأدنى من معايير الرعاية» في الفصل الثالث).
لكن هذه الصياغة في صورتها الأصلية أبعد ما تكون عن الملاءمة. على سبيل المثال، السجناء الذين يعانون «أمراضًا عقلية خطيرة» ليسوا وحدهم مَن يحتاجون إلى العلاج. فالسجناء، أيضًا، الذين لديهم مشكلات مع تعاطي المخدرات ومَن يعانون توارد التجارب القاسية على أذهانهم ونوبات الهلع الناجمة عن الاغتصاب يحتاجون كذلك إلى خدمات صحة عقلية عالية الجودة؛ ولذا، سوف أتوسع في توضيح المكونات الستة المحددة في قضية رويس، مع إضافة عناصر أخرى إليها لتصبح عشرة مكونات.
ما أعتقد أن المحاكم لا بد أن تطالب به هو نظام يقدم ما يلي:
(?-?) مستويات شاملة من الرعاية

أنظمة رعاية الصحة العقلية لا تعدو كونها أنظمة. فلا بد من وجود عنابر رعاية نفسية داخلية، وعيادات خارجية، وخدمات طوارئ، وبرامج علاج يومية، وتدبير علاجي للحالات، ومنازل انتقالية، وحياة مدعومة في المجتمع، وبرامج تدريب مهني، وما إلى ذلك. وبالمثل، لا بد أن تتضمن خدمات الصحة العقلية بالمؤسسات العقابية نظامًا شاملًا إذا أردنا تحقيق ما هو أفضل من تقديم الأدوية للسجناء وإيداعهم الزنزانات.
وهناك حد أدنى من المعايير للرعاية الصحية بالمؤسسات العقابية،1 وهي المعايير التي نشرتها كلٌّ من اللجنة الوطنية للرعاية الصحية في المؤسسات العقابية، والجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين، والجمعية الأمريكية للصحة العامة. وتُجري اللجنة الوطنية للرعاية الصحية في المؤسسات العقابية عمليتي تفتيش واعتماد للسجون والمؤسسات العقابية التي تلتزم بهذه المعايير. لكن هذه المعايير تكون مُجرَّدة للغاية عادةً. ومثال على ذلك هذه العبارة المقتبسة من معايير اللجنة الوطنية في نسختها الصادرة عام ????: «تتطلب السياسة المكتوبة والإجراءات المحددة وأدلة الممارسة الفعلية أن يكون لدى السجن ترتيبات مكتوبة لتوفير خدمات الرعاية بالمستشفيات والرعاية الجوَّالة المتخصصة للأمراض الطبية والعقلية في المرافق التي تفي بمتطلبات الترخيص الخاصة بالولاية فيما يتعلق بخدمات الرعاية بالمستشفيات.»2 عمليًّا، لا يمكن القول إن جميع السجناء الذين يحتاجون إلى العلاج بالمستشفيات والعيادات الخارجية يحصلون على هذه الخدمات. فقد اكتشفتُ أن الكثير من السجناء المصابين باضطرابات عقلية خطيرة يجلسون في زنزاناتهم في خمول وتكاسل دون رعاية نفسية مناسبة في سجون نالت التصديق. فما من إجراء قانوني يمكن أن يضمن توفير مستوًى مناسب من رعاية الصحة العقلية، وما من نظام تصديق مضمون ومؤكد. وفي الوقت الحالي، ليس هناك إلزام — بموجب قانون فيدرالي أو قانون يتعلق بإحدى الولايات — لأنظمة السجون بالحصول على تصديق. ومن الخطوات الإيجابية الأولى نحو تحسين خدمات الصحة العقلية بالمؤسسات العقابية إلزام جميع أنظمة السجون بتلبية الحد الأدنى من المعايير والحصول على التصديقات الموجودة حاليًّا.
ليس هناك ما يُلزِم أنظمة السجون بتقديم «علاج بالمحادثة» مكثف أو توفير إقامة طويلة المدى للسجناء الذين يعانون اضطرابات نفسية في مستشفيات مريحة. فهذه صور من الرفاهية تقتصر على مَن يستطيعون تحمل تكاليفها. لكن مثلما يملك الشخص المُشرَّد في المجتمع، الذي يعاني الهلاوس، الحق في الحصول على فحص نفسي دقيق، والأدوية متى كان ذلك ملائمًا، ودخول أحد مستشفيات مقاطعته عند الضرورة، والتدبير العلاجي لحالته ليصل إلى أفضل مستويات أدائه، يحق كذلك للسجين الذي يعاني اضطرابًا عقليًّا خطيرًا الحصول على مجموعة متنوعة من الخدمات التي تهدف إلى الحد من معاناته المباشرة وإعاقته طويلة المدى.
ومعظم السجون التي تجولت فيها تحتوي على عنبر داخلي للعلاج النفسي أو لديها تعاقدات مع أحد المستشفيات أو المراكز الطبية الجامعية القريبة منها لتقديم رعاية داخلية للمرضى. لكن هناك مشكلات في العديد من السجون، منها النقص النسبي في الأسرَّة، والقِصر الشديد في مدة الإقامة بالمستشفيات، ونقص ما يتمتع به موظفو الصحة العقلية في السجون من صلاحيات تمكنهم من إدخال السجناء، الذين يحتاجون إلى رعاية داخلية، إلى الوحدات الخاصة بهذه الرعاية.
أوصي هنا بمنح الأطباء النفسيين الذين يعملون في السجون «مزايا إدخال المرضى مباشرةً إلى المستشفيات». بعبارة أخرى، عندما يكتشف طبيب نفسي، يعمل في وحدات الحبس الاحتياطي أو في أحد السجون العامة، مريضًا يعاني ميولًا انتحارية أو ذهانًا حادًّا، ويرى أنه بحاجة إلى إدخاله المستشفى، يمكنه كتابة أمر بذلك وتمكين المريض من دخول المستشفى دون الحاجة إلى تقييم ثانٍ عند بوابة المستشفى من جانب موظفي قبول المرضى. بالإضافة إلى ذلك، لا بد من توافر الإجراءات التي تضمن عدم رفض السجين الذي هو بحاجة إلى دخول المستشفى؛ نظرًا لعدم كفاية الأسرَّة. وبالطبع، كل نظام سجون له مجموعة من المشكلات الخاصة به التي ينبغي العمل على حلها.
والسجناء الذين يعانون انهيارات انفعالية شديدة على نحو يتطلب دخولهم مستشفيات الأمراض النفسية سيحتاجون على الأرجح إلى أن يتم إيداعهم بيئة إصلاحية يتمتعون فيها بالحماية والدعم بعد خروجهم من هذه المستشفيات. وافتقار هؤلاء السجناء للبيئة الداعمة وتركهم يتصرفون كما يشاءون يجعلهم يقعون في المشكلات بتعرضهم للإيذاء أو بخرقهم للقانون. ويتوقف الكثيرون منهم عن الحصول على الأدوية الموصوفة لهم، ويعانون انتكاسات. وهؤلاء السجناء المضطربون عقليًّا يحتاجون إلى برامج علاج وسيطة، وأماكن يتمتعون فيها بقدر من الحماية من الخطر والدعم لجهودهم الهادفة لفهم أمراضهم العقلية وأسباب احتياجهم للالتزام بالعلاج. كما يحتاجون أيضًا إلى المشاركة في أنشطة اجتماعية هادفة وخاضعة للإشراف، مثل جلسات الإرشاد النفسي الجماعية، والفصول الدراسية، والتدريب المهني، والاستجمام الخاضع للإشراف.
سبق أن ذكرت خدمات أخرى أيضًا يحتاج إليها السجناء المصابون بأمراض عقلية. على سبيل المثال، يحتاج هؤلاء السجناء إلى متابعين لحالاتهم في أي مكان في السجن والتأكد من ابتعادهم عن المخاطر ومشاركتهم في البرامج التي ستساعدهم على الأرجح في الحفاظ على استقرارهم الانفعالي. ويحتاجون أيضًا إلى شخص يتولى إعطاءهم الأدوية، بالإضافة إلى طبيب نفسي يقضي وقتًا كافيًا في التحدث معهم، ويأخذ شكواهم بشأن الآثار الجانبية للأدوية على محمل الجد، ويراقب مستويات كيمياء الدم لديهم، ويكتب الملاحظات المناسبة في التقارير الخاصة بهم. كذلك لا بد من توافر عدد كافٍ من الاختصاصيين الاجتماعيين غير المُثقَلين بالأعباء للتحدث مع أسرة السجين وإجراء زيارات منزلية في حالات الطوارئ، كما يحدث عندما تعاني زوجة السجين أو طفله مشكلةً خطيرة، أو عندما يكون تدهور الحالة العقلية للسجين ناتجًا عن ضعف التواصل مع ذويه. ولا بد من توافر مجموعة متنوعة من طرق العلاج داخل السجون كي يتسنى توفير الخدمات التي يحتاج إليها السجناء ذوو الاحتياجات والإعاقات المختلفة.
(?-?) منع الانتحار

نحن نعلم كيفية منع حالات الانتحار.3 وتشمل العناصر الأساسية في هذا الشأن تدريب الموظفين، ورفع درجة اليقظة، واتخاذ الإجراءات اللازمة للملاحظة المباشرة، ووضع برامج العلاج المناسبة للسجناء الذين يمثِّلون خطرًا وشيكًا. في أغلب الأحيان، لا يكون السجين الذي يفكر في الانتحار خاضعًا للعلاج. ويمكن تدريب موظفي السجون على البحث عن أدلة واتخاذ خطوات فعالة لمنع الانتحار. بمجرد معرفة أن أحد السجناء يشكِّل خطرًا كبيرًا في ميوله الانتحارية، لا بد أن يتم عرضه على أحد متخصصي الصحة العقلية، كما يجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة للتأكد بما فيه الكفاية من أنه لن يقتل نفسه. ونحن نعلم الأمور التي يجب الامتناع عن فعلها، فيجب عدم إيداع هذا السجين في الحبس الانفرادي. والمراقبة الدائمة تمثل مكوِّنًا أساسيًّا في العلاج.
من الممكن وصف أدوية للمرضى مثل الأدوية المضادة للذهان التي تُعطى للمريض الذي يعاني الأوهام ويسمع أصواتًا بداخله تأمره بقتل نفسه. ومثلما أوضحُ في الفصل الثامن، تتطلب الأدوية المضادة للاكتئاب بضعة أسابيع كي يظهر مفعولها، ولذلك من غير المقبول على الإطلاق أن يكتفي الطبيب النفسي الذي يزور السجين الذي لديه ميول انتحارية بمجرد الوقوف على باب زنزانته، ووصف دواء مضاد للاكتئاب له.
فالسجين يحتاج إلى شخص يتحدث معه بعمق ليتوصل إلى سبب اليأس الشديد الذي يعانيه. والتدخل باهتمام يمنح السجين شعورًا بأن هناك مَن يهتم به ويحاول مساعدته. وفوق كل ذلك، لا بد من وجود إصرار من جانب المديرين والموظفين والأطباء السريريين المتخصصين في الصحة العقلية على وضع برنامج قوي لمنع الانتحار.
(?-?) العلاج الجماعي ومشكلات خاصة

إن العلاج الجماعي ضروري للسجناء الذين يعانون اضطرابات عقلية خطيرة، ويشمل على سبيل المثال لا الحصر المجموعات العلاجية التي تركز على حاجة السجناء المضطربين عقليًّا لفهم حالتهم المرضية والالتزام بأنظمتهم الدوائية.
علاوةً على ذلك، أثبت العلاج الجماعي وجلسات الإرشاد النفسي الجماعية التي تركز على مشكلات محددة — مثل تعاطي المخدرات، والعنف الأسري، ومشكلات تربية الأبناء — فعاليته الكبيرة مع مجموعة أكبر بكثير من المجرمين في السجون. لكن في معظم السجون التي تجولت فيها، هناك عدد قليل نسبيًّا من المجموعات العلاجية. ويبرر الأطباء النفسيون ذلك بانشغالهم الشديد بوصف الأدوية؛ ما يحول دون عقدهم للمجموعات العلاجية. كما يشير اختصاصيو علم النفس إلى أنهم يقضون معظم وقتهم في كتابة التقارير للمحاكم ومجالس إطلاق السراح المشروط. والعديد من موظفي الصحة العقلية يشكُون من أنهم غير مُدرَّبين تدريبًا كافيًا على أسلوب العلاج الجماعي.
لقد شهدتْ برامج العلاج من المخدرات والكحوليات تقدمًا هائلًا في السنوات الأخيرة، وتوضح الدراسات التي أُجريت حول النتائج المتحققة من هذه البرامج مدى نجاحها في مساعدة عدد كبير من الناس في تجنب المخدرات والكحوليات. هناك تقارير عن برامج علاج من الإدمان تحقق نجاحًا داخل السجون، لكن عددًا قليلًا نسبيًّا من أنظمة السجون تقدم برامج تثقيفية وعلاجية جادة للسجناء الذين لديهم تاريخ سابق من تعاطي المخدرات والكحوليات. لذا، يجب جلب الخبراء في مجال تعاطي المخدرات إلى السجون لتدريب الموظفين ووضع برامج متطورة تهدف للحد من احتمالات عودة السجناء إلى الإدمان على اختلاف أنواعه بمجرد خروجهم من السجون.
وبالمثل، فإننا نعلم من الدراسات التي أُجريت على النتائج المتحققة من المجموعات التثقيفية والعلاجية، التي تُدار جيدًا، أن تلك المجموعات تقلل من احتمالات العودة إلى الإجرام لدى مرتكبي جرائم العنف الأسري والاعتداء الجنسي. ولا أعني هنا أن المدانين بهذه الجرائم العنيفة يجب العفو عنهم بسبب اضطرابهم العقلي، ولا أن «يُدلَّلوا». وإنما يجب أيضًا ألا يُترَك هؤلاء السجناء ليقضوا مدة عقوبتهم دون أية فرصة للإصلاح من أنفسهم. فمهما كانت جسامة جرائمهم، فإن تركهم يعانون صدمات الحياة بالسجن دون أية فرصة للعمل على حل المشكلات التي يعانونها سيجعلهم يعودون على الأرجح إلى الجريمة بعد خروجهم من السجن. ومن شأن تقديم برنامج علاج جماعي جاد لهم يديره خبراء في المشكلات التي يعانونها أن يؤدي إلى انخفاض هائل في احتمالات عودتهم إلى الجريمة. نحن نعلم أن بعض الرجال الذين لديهم نزعة للعنف لن تجدي معهم مثل هذه الجهود، لكن علينا أن نفكر في كل الحالات التي سيُحدِث فيها هذا التدخل اختلافًا.
إن البرامج الإصلاحية الهادفة لإعادة تدريب الرجال على التعبير عن أنفسهم ووضع حل لخلافاتهم دون اللجوء للعنف تكون غالبًا برامج رمزية، في أفضل الأحوال. على سبيل المثال، يضيف القضاة في الكثير من الولايات إلى الأحكام التي يصدرونها في قضايا العنف الأسري والاعتداء الجنسي شرطًا بأن يخضع المُدان للعلاج قبل إطلاق سراحه من السجن. وفي الكثير من السجون شديدة الازدحام، يُؤجَّل تنفيذ هذا العلاج الإلزامي حتى العام الأخير من مدة عقوبة السجين. ويعني ذلك أن السجين سيتأثر معظم مدة عقوبته بثقافة السجن؛ الأمر الذي سيزيد على الأرجح من غضبه وسيعلمه فقط التصرف على نحو أكثر عنفًا، ثم يوضَع بعد ذلك في العام الأخير من حبسه في برنامج علاج جماعي للمتهمين بالضرب أو الاعتداء الجنسي في إطار الاستعداد لإطلاق سراحه من السجن. ليس مستغربًا، إذن، أن هذه المجموعات العلاجية تفشل في أغلب الأحيان. وكبديل عنها، يجب نقل التدخلات التي أثبتت نجاحًا في وضع حد للعنف لدى الرجال في المجتمع العادي إلى السجون بهدف وقائي وهو حماية جميع السجناء الذين هم عرضة لارتكاب هذه الجرائم طوال فترة بقائهم في السجون.
لا بد من توفير علاج للصحة العقلية أيضًا للناجين من جرائم العنف، وهناك العديد من هؤلاء الناجين في السجون. فلنا أن نفكر، مثلًا، في الإناث الناجيات من التحرش في طفولتهن ومن العنف الأسري في مرحلة المراهقة. من المعروف أن جلسات الإرشاد النفسي الجماعية فعَّالة للغاية في تعزيز تقدير الذات لدى السيدات، ومساعدتهن في تجاوز صدمات الماضي التي تعرضن لها، وتشجيعهن على اتخاذ خيارات أفضل عند مغادرتهن السجن. ويمكن للمجموعات العلاجية الخاصة بالناجين الذكور أيضًا تحقيق نتائج مشابهة.
والبرنامج العلاجي يمكن أن يساعد ضحايا الاغتصاب في السجن على التكيُّف مع نتائج الصدمة المروعة التي تعرضوا لها. وهذا البرنامج يمكن صياغته استرشادًا ببرامج العلاج الناجحة لحالات الاغتصاب والاعتداء الأسري الموجودة في المجتمع العادي. على سبيل المثال، يمكن تدريب موظفي الأمن والصحة العقلية على توفير مكان آمن للضحية لتتعافى فيه. وعلى الأقل، يمكن تدريبهم على تجنب إعادة تعريض الضحية للصدمة التي عانتها عن طريق إرغامها على تحديد هوية المعتدي أو إيداعها الحبس العقابي. فالسجناء الذين يعانون أعراض اضطراب توتر ما بعد الصدمة، يحتاجون إلى علاقة علاجية موثوقة يمكنهم من خلالها تجاوز صدمة الاغتصاب أو الصدمات المتعددة التي تعرضوا لها على مدار حياتهم.
وهناك حاجة أيضًا لأنواع أخرى من المجموعات. على سبيل المثال، يمكن لمجموعات التحكم في الغضب أن تكون فعَّالة للغاية، وكذلك المجموعات المُعدة لمساعدة السجناء على فهم دورهم كآباء وتجاوز حزنهم بشأن انفصالهم عن أحبائهم. وجلسات الإرشاد الجماعي من شأنها مساعدة السجناء، الذين تكون نتائج فحص فيروس نقص المناعة البشرية الخاصة بهم إيجابية أو المصابين بالإيدز، في تجاوز حزنهم ومجابهة أزمتهم. والخبرات الجماعية، سواء الهادفة للعلاج أو للتثقيف النفسي، تقدم للسجناء ممن لديهم الاستعداد بديلًا مهمًّا للعزلة التي تهيمن على الحياة داخل السجن.
(?-?) برامج إعادة التأهيل النفسي4

لقد تحوَّل التركيز في برامج الصحة العقلية العامة من نموذج العلاج النفسي إلى نموذج إعادة التأهيل النفسي. ويكمن السبب وراء ذلك في أن العلاج النفسي باهظ التكلفة وغير فعال نسبيًّا مع مَن لديهم اضطرابات حادة ويعانون مشكلات تعاطي المخدرات. لذا، بدلًا من تقديم العلاج الطويل المدى للأشخاص الذين يعانون اضطرابات عقلية دائمة وخطيرة، أُغلِقت العيادات الخارجية ونُقِلت الموارد إلى أنظمة العلاج اليومي، والمنازل الانتقالية، وبرامج دعم الحياة المستقلة، والتدريب المهني، والتدبير العلاجي للحالات؛ وتلك هي المكونات الأساسية لإعادة التأهيل النفسي الحديث.
وتركز إعادة التأهيل النفسي على أهداف العملاء، وتقلل من أهمية الخصائص النوعية للأمراض النفسية لديهم. وبدلًا من تشجيع الأشخاص المصابين بإعاقات نفسية على استكشاف صدمات الطفولة والنزاعات الداخلية لديهم، تهدف إعادة التأهيل النفسي إلى مساعدة هؤلاء الأشخاص على «الحياة والتعلم والعمل» في البيئات المجتمعية التي يختارونها. ويكون التركيز على «مهارات الحياة اليومية»، بما في ذلك الالتزام بالأدوية وتجنب العقاقير المحظورة والكحوليات والأنشطة الإجرامية. وينسق مدبر علاج الحالة خدمات الرعاية المجتمعية للعميل ويتابع تقدمها وأماكن وجودها.
وهذا النوع من التفكير والبرامج يمكن ترجمته بشكل مفيد إلى ما أُطلِق عليه اسم خدمات الصحة العقلية «الوسيطة» داخل السجون. وهذا ما يحدث بالفعل في العديد من المؤسسات العقابية. فبدلًا من إطلاق سراح السجين من عنبر العلاج النفسي الداخلي مباشرةً إلى عموم السجناء، يمكن تحديد طوابق أو مجموعة زنزانات معينة لتكون بمنزلة مرافق رعاية نفسية وسيطة، ويمكن الإشراف على السجناء الموجودين فيها وهم يمارسون أنشطتهم اليومية إلى أن يتعلموا كيفية التوافق مع الآخرين، والحصول على أدويتهم، ومواصلة ممارسة الأنشطة البناءة. ويمكن لمدبر علاج الحالات تنسيق الخدمات المقدمة لهؤلاء السجناء ومتابعتهم طوال مدة عقوبتهم في السجن. ومع هذا النوع من برامج إعادة التأهيل النفسي الداعمة، يتمكن الكثير من السجناء، الذين كانوا سيصيرون على الأرجح ضحايا أو مقيمين دائمين في وحدات الحبس المشدد، من التمتع بحياة أكثر إنتاجية واستقرارًا داخل السجن؛ ومن ثم، يشهد سير المرض لديهم، وفرصهم في التكيُّف مع حياة المجتمع بعد إطلاق سراحهم تحسنًا كبيرًا.
من الواضح أن ثمة جوانب مشتركة عديدة بين إعادة التأهيل النفسي والبرامج التي يتضمنها المبدأ العام لإعادة التأهيل بالسجون. فبرامج إعادة التأهيل العامة بالسجون، التي تشمل التثقيف وعلاج تعاطي المخدرات وفرص التدريب المهني، يجب توفيرها لجميع السجناء الذين لديهم الحافز لاستكمالها، بينما تقتصر إعادة التأهيل النفسي على الأشخاص الذين يعانون مشكلات نفسية. مع ذلك، فإن النوعين من برامج إعادة التأهيل يشتركان في مبادئ عديدة. على سبيل المثال، يهدف كلاهما إلى زيادة مهارات العملاء ومساعدتهم في الحفاظ على أعلى مستويات الجودة التي يمكنهم الوصول إليها في الحياة والإنتاجية. وكلاهما يستفيدان من الإرشاد النفسي والتدريب لمساعدة العملاء في التغلب على ما يعانونه من نقاط ضعف وإعاقات.
وبرامج إعادة التأهيل النفسي تحقق أفضل نتائجها في المؤسسات العقابية التي تقدم أيضًا مجموعة كبيرة من برامج إعادة التأهيل العامة. والسبب واضح؛ ففي المجتمع، تستخدم برامج إعادة التأهيل النفسي الموارد الموجودة بالفعل، بما في ذلك برامج الكليات المجتمعية، والمصانع التي لديها استعداد لتعيين عمَّال يعانون اضطرابات نفسية، والشقق المنخفضة الإيجارات، والجهات التي تقبل متطوعين مضطربين نفسيًّا، وما إلى ذلك. وكلما زاد عدد هذا النوع من البرامج، زادت الفرص المتاحة أمام مدبري علاج الحالات والموظفين في المنازل الانتقالية لإشراك عملائهم في أنشطة هادفة. وبالمثل، في السجون التي تتضمن فصولًا دراسية جامعية وورش عمل صناعية، يمكن لموظفي رعاية الصحة العقلية اتخاذ الترتيبات اللازمة لضم السجناء الذين يعالجونهم إلى أحد هذه الفصول أو إلى أحد أماكن التدريب، ويمكن أن يشرفوا بعد ذلك على أنشطتهم ويساعدوهم على النجاح فيما يقومون به من أنشطة ضمن البرنامج الأشمل لإعادة التأهيل داخل السجن.
(?-?) برامج الصحة العقلية للسجناء المضطربين المُخلين بالنظام

ثمة مشكلة كبيرة في إدارة وعلاج السجناء الذين يتم اعتبارهم «مجانين» و«مشاغبين». وأفضل هنا استخدام مصطلح هانز توخ في وصف هؤلاء السجناء بأنهم «مضطربون مُخلِّون بالنظام».5 فمعظم أنظمة السجون تفتقر إلى برامج وبيئات العلاج المناسبة لهؤلاء السجناء. على سبيل المثال، يُرفَض دخول السجناء في معظم سجون الولايات إلى وحدات العلاج النفسي الداخلية إذا كان لديهم سجل بأعمال عنف متكررة ارتكبوها فيما مضى. وينتهي الحال بهؤلاء السجناء عادةً في وحدات الحراسة المشددة، حيث تسفر الظروف القاسية والخمول القسري عن تفاقم الاضطرابات العقلية التي يعانونها؛ ما يؤدي إلى مزيد من السلوكيات المخلة بالنظام من جانبهم، وبقائهم مددًا أطول في الحبس المشدد. وتمثل هذه المجموعة من السجناء تحديًا صعبًا بالنسبة إلى موظفي السجون وموظفي رعاية الصحة العقلية على حدٍّ سواء. فيقضي أغلب السجناء مدد عقوباتهم، ثم يُطلَق سراحهم يومًا ما. لكنهم إذا تُرِكوا في زنزاناتهم إلى أن تنتهي مُدد عقوباتهم الأساسية، فسوف يتورطون على الأرجح في مشكلات فور إطلاق سراحهم من السجن. ومثلما ذكرت في الفصل الثالث، هذه المجموعة من السجناء «المجانين» و«المشاغبين» يحتاجون إلى برنامج مُعد لهم خصوصًا يوفر لهم الحراسة الأمنية اللازمة لمنع العنف، وكذلك العلاج الضروري للحد من العزلة والانتكاس. وهم بحاجة أيضًا إلى سبيل يمهد لهم الخروج إلى البيئة الاجتماعية، وهو الذي ييسره ويشرف عليه الخبراء في مجال الجناة الذين يتسمون بالعنف.
وهذا النوع من الاهتمام والتخطيط يحتاج إلى موارد. فالسجين المضطرب المخل بالنظام يتطلب عددًا أكبر من الموظفين — وليس أقل — مقارنةً بالسجين الذي تسهل إدارته. ولعل هذا هو السبب وراء إيداع أعداد كبيرة من السجناء ذوي الاضطرابات النفسية داخل زنزانة واحدة كبيرة، والاكتفاء بإعطائهم أدوية للعلاج النفسي. لكن التوفير قصير المدى في وقت الموظفين لا قيمة له؛ لأن إيداع السجناء ذوي الاضطرابات العقلية داخل زنزانة واحدة كبيرة لا يسفر إلا عن زيادة غضبهم وتدهور حالتهم النفسية؛ وبذا فهم يشكِّلون مشكلة إدارية أكبر على المدى الطويل، ومن ثم يستنزفون المزيد من موارد السجون، ويمثِّلون في النهاية تهديدًا أكبر على الأمن العام.
ويؤيد توخ استخدام «نظرية التعلم الاجتماعي» مع السجناء المضطربين المخلين بالنظام، بدءًا من تحليل نمط سوء السلوك لدى السجين. فلماذا يتصرف سجين أو مجموعة من السجناء على نحو مخل بالنظام؟ هل هناك مشكلة هيكلية في الوحدة التي يوجدون فيها، مثل تقديم وجبات غير صحية لهم؟ هل هناك ضابط معتدٍ محدد في نوبة معينة يثير غضبهم؟ هل تحدث حالات الإخلال بالنظام بعد حرمان السجناء من الوقت المخصص لهم في ساحة السجن؟ هل يحتاج السجين إلى أدوية علاج نفسي؟ هل عرف السجين مؤخرًا أن زوجته على علاقة بشخص غيره وتخطط للطلاق منه والحصول على حضانة أطفالهما؟ بتوزيع عدد أكبر من الموظفين في السجون، يمكن الكشف عن هذه الأنماط السلوكية ووضع استراتيجيات للعلاج.
(?-?) مراجعة النظراء وضمان الجودة

ليس من الممكن وضع مجموعة ثابتة من التوجيهات تضمن جودة خدمات الصحة العقلية وملاءمتها في جميع المؤسسات العقابية. ويُعَد التصديق أو الاعتماد تذكيرًا مفيدًا بوجود معايير بالفعل، لكن هذه المعايير لا تكون ذات قيمة إلا بصلاح نوايا الأشخاص الذين من المفترض أن يفوا بها. ومن بين سبل زيادة محاولة أية مؤسسة بإخلاص الوصول إلى المعايير المقبولة إجراءُ مراجعة نظراء صادقة وفعَّالة، وإدارة برنامج لضمان الجودة.
وتتطلب مراجعة النظراء اجتماعات بين النظراء لمراقبة جودة العمل المهني. فيجتمع الأطباء بالمستشفيات بانتظام كلجنة لتقييم عمل كل طبيب في فريق العمل. وتراجع لجنة النظراء الأسئلة المتعلقة بالأداء المهني للطبيب، مثل الأسئلة التي تفرضها حالات الوفاة التي يمكن الحيلولة دون حدوثها. والطبيب المخطئ قد يحصل على توبيخ من اللجنة، أو حكم مع إيقاف التنفيذ، أو يلزم عليه الخضوع لإشراف طبيب آخر، أو توصي اللجنة بألا يُمنَح الطبيب تجديدًا للمزايا المهنية التي يتمتع بها.
وبوجه عام، تقتصر مداولات لجان مراجعة النظراء على جودة ممارسة كل طبيب. لكن عند النظر في أداء وملاءمة برنامج بأكمله، يُجرَى نوع آخر من الفحص الذاتي. ومن الأمثلة على ذلك حدوث تفشٍّ للعدوى بالبكتيريا العنقودية في أحد عنابر المستشفى، ووفاة العديد من المرضى نتيجة لذلك. في هذه الحالة، ستعقد إدارة المستشفى اجتماعًا يحضره الأطباء وأعضاء هيئة التمريض وغيرهم من موظفي العنابر، وستضع هذه المجموعة بأكملها خططًا للتحكم في الوباء ومنع تكرار حدوثه في المستقبل. وعلى الرغم من أن الغرض من هذا الاجتماع هو ضمان الجودة، وهو الغرض ذاته من مراجعات النظراء، فإن التركيز في هذا الاجتماع ينصب على تفشي العدوى، وليس بالضرورة التساؤل عن أخلاقيات أو كفاءة موظف معين. ولا يقتصر الاجتماع في هذه الحالة على فئة مهنية معينة.
وجميع الخطط الفعلية لتوفير خدمات الصحة العقلية المناسبة تتضمن تقديرات تقريبية. فكم عدد أسرَّة المرضى الداخليين المصابين بأمراض نفسية التي يحتاج إليها سجن يشتمل على ???? مدان؟ لا يوجد رقم محدد؛ إذ لا بد من وضع الكثير من العوامل في الاعتبار. على سبيل المثال، يعتمد عدد أسرة المستشفيات المطلوبة على أنواع الخدمات المتوافرة للسجناء خارج عنابر العلاج النفسي. وفي السجون، التي تتضمن عددًا كافيًا من الموظفين بما يسمح بمنح اهتمام جيد بجميع السجناء الذين يحتاجون إلى رعاية، قد تكون الحاجة إلى أسرَّة المستشفيات منخفضة نسبيًّا. فعندما لا يكون المستشفى هو المكان الوحيد الذي يمكن للسجين التحدث فيه مع معالج متخصص؛ يحصل الكثير من السجناء على المساعدة فيما يتعلق بمشكلاتهم الانفعالية التي يعانونها قبل أن يصلوا إلى نقطة الانفجار، ويلزم إدخالهم المستشفى.
عندما يسألني أي قاضٍ عن الحلول الممكنة لصور القصور في أحد أنظمة توفير رعاية الصحة العقلية بالسجون، أوصي بتضمين مراجعة نظراء على أعلى مستوًى وإجراء لضمان الجودة، بالإضافة إلى تكليف هذه اللجان بمهام معينة، مثل تحديد عدد الأسرَّة اللازمة في المكان الذي تعمل به. لكنني أضيف سريعًا شرطًا واحدًا، وهو أن لجنة ضمان الجودة لا تكون ذات قيمة إلا بقدر إخلاصها والتزامها بضمان رعاية عالية الجودة. فمن السهل على أية مؤسسة لا تفي بالحد الأدنى من المعايير إعداد لجنة لضمان الجودة ومراجعة النظراء يقتصر دورها على اعتماد الأوراق الخاصة بالبرنامج الحالي؛ ومن ثم، يأخذ فريق التصديق، الذي يراجع محاضر اجتماعات اللجنة، انطباعًا خاطئًا بأن المؤسسة تلبي المعايير. وهذا الموقف غير المكترث ذاته، الذي يؤثر سلبًا على الخدمات السريرية للمرفق، يمكن أيضًا أن يؤثر سلبًا على استعداد فريق العمل لتنفيذ أعمال هادفة لضمان الجودة.
يجدر بنا هنا أن نشير إلى الشركات الخاصة الهادفة للربح التي تتعاقد لإدارة السجون وما بها من خدمات صحية وخدمات صحة عقلية. فينطوي هذا الأمر على خطر أصيل؛ وهو أن الشركات الخاصة تسعى إلى تحقيق أقصى أرباح ممكنة عن طريق ترشيد الإنفاق وزيادة عدد الأشخاص الذين تتعاقد على إدارتهم. وعندما تُترجم هذه الاستراتيجية إلى تراجع في عدد الموظفين والخدمات المتعلقة بالصحة العقلية، يعاني السجناء المصابون باضطرابات عقلية ضررًا بالغًا. وعندما يُدفَع للمتعهد الخاص «على أساس كل فرد» لتقديم خدمات رعاية الصحة العقلية (أي أتعاب شاملة تعتمد على عدد السجناء بالسجن)، يكون لدى الشركة الحافز المادي لتشخيص عدد أقل من السجناء المضطربين عقليًّا وتقديم قدر أقل من العلاج الشامل. وعندما يُدفَع لشركة السجون الخاصة مبلغ معين من المال عن كل مدة يقضيها السجين في السجن، يكون لديها حافز لجعل السجناء يفشلون في تقويم أنفسهم بحيث يعودون إلى السجن ويقضون مدد عقوبات أطول. كم كنت أتمنى أن تكون هذه الحيل المريبة مجرد أوهام، لكننا للأسف رأينا بالفعل ما يدل على أن الشركات الخاصة تجني أرباحًا من فشلها الممنهج في إصلاح السجناء. وعلى الرغم من أنه قد لا يكون من الإنصاف أن نطلب من لجان ضمان الجودة ومراجعة النظراء تولي العبء الكامل لمراقبة الشركات الخاصة لضمان عدم تهاونها في جودة الخدمات السريرية بهدف تحقيق أقصى أرباح ممكنة، فإن اللجان التي تراعي ضمائرها يمكن أن تسيطر بحق على بعض من هذه الانتهاكات.
والمراقبة الخارجية المستمرة من جانب المحاكم أو هيئات الرقابة المستقلة تكون دائمًا فكرة جيدة. ومتى توافرت الفرصة، على سبيل المثال في السجون القريبة من المراكز الطبية التابعة للجامعات، يكون من الأفكار الجيدة أيضًا جعل الموظفين المهنيين الذين يعملون بالسجون وفريق العمل الطبي الجامعي يعقدون اجتماعات معًا بهدف إجراء مراجعة النظراء وضمان الجودة.
(?-?) استمرار الرعاية

إن خطط الرعاية لما بعد الخروج من السجن والتواصل بين موظفي رعاية الصحة العقلية بالسجون ونظرائهم في المجتمع من الأمور التي هناك حاجة ماسة إليها. فأغلبية السجناء، بمن فيهم مَن يعانون اضطرابات عقلية حادة ودائمة، سيقضون في النهاية مدة عقوبتهم الكاملة، ثم يُطلَق سراحهم. والبعض سيُعاد إرساله إلى الهيئات العلاجية المجتمعية أو المؤسسات العقابية. ليس من المفيد تقديم رعاية ممتازة لهم في السجون، ثم إطلاق سراحهم دون علاج أو خدمات دعم في الخارج. وكجزء من خطة العلاج داخل السجن، لا بد أن يبقى الاختصاصيون الاجتماعيون أو غيرهم من اختصاصيي التواصل على اتصال بأُسر السجناء، والعمل مع الهيئات ذات الصلة في المجتمع، وبذل كل ما في وسعهم لتيسير الانتقال السلس إلى حياة ما بعد إطلاق السراح في المجتمع. ولا يكون برنامج العلاج في السجن عمليًّا حقًّا إذا لم يقدم خدمات شاملة لفترة ما بعد إطلاق السراح من السجن.
(?-?) السرية والحصول على الرعاية

إن السرية مسألة مهمة للغاية. فالعُرف السائد بين السجناء من الرجال يجعل من الصعب عليهم الاعتراف بأن لديهم مشكلات، ويقلل أيضًا من عدد مَن يزور منهم الطبيب النفسي للتحدث عن هذه المشكلات؛ ولهذا السبب لا يحصل اختصاصيو رعاية الصحة العقلية، الذين يتجولون بين زنزانات السجناء ويسألونهم إن كانوا يريدون التحدث معهم أم لا، إلا على عدد قليل للغاية من الردود الإيجابية. لكن إذا اتُّبِعت الإجراءات اللازمة لضمان حصول السجناء، الذين يريدون التحدث، على موعد سري تمامًا مع الطبيب السريري والتحدث معه في خصوصية، فسوف يستفيد عدد أكبر بكثير من السجناء من خدمات الصحة العقلية الاختيارية.
ولا يكون دائمًا بإمكان اختصاصيي الصحة العقلية بالمؤسسات العقابية التعهد للسجناء بأن المحادثات بينهم ستظل سرية. ففي العديد من الحالات، يلزم على هؤلاء الاختصاصيين إبلاغ موظفي الأمن والإدارة عما يُقال أمامهم، كما الحال عندما يصرِّح لهم سجين ما بشيء يتضمن تهديدًا لأمن السجن. لكن الاختصاصي الذي يحاول تقديم المساعدة بإمكانه أن يَعِد السجين بأنه سيكون صريحًا معه بشأن اللوائح الأساسية المتعلقة بالسرية، وبأنه سيتبع القواعد الأخلاقية فيما يتعلق باتخاذ قرار حول ما يتم الإبلاغ عنه والشخص الذي سيتم إبلاغه. ويمكن للسجين، بعد ذلك، أن يقرر ما يمكن أن يقوله دون خوف لمقدم الرعاية.
وتظهر مسألة السرية عادةً في العلاج الجماعي. فعندما يقابل السجينُ الطبيبَ النفسي في لقاء خاص، يمكنه أن يتوقع منه الحفاظ على شيء من السرية بينهما، لكن الموقف يكون أكثر تعقيدًا مع السجناء في العلاج الجماعي. فهل يمكن للسجين الوثوق بالسجناء الآخرين فيما يتعلق بالحفاظ على أسراره؟ وإذا اعترف أنه خائف من مجرم قوي معين، أو قَلِقٌ بشأن أن تكون زوجته على علاقة برجل آخر، فهل سيفشي أحد الأعضاء الآخرين في المجموعة سره في ساحة السجن؟ لكن قادة المجموعات الأكْفاء يتمتعون بأساليب تمكنهم من مساعدة السجناء على تجاوز مثل هذه المشكلات المعقدة، وتجاوز هذه المشكلات في كثير من الأحيان يُعَد جزءًا مهمًّا من العلاج. فتعلم الثقة في الآخرين، والتمييز على نحو جيد لتحديد الوقت الذي يجب فيه عدم الوثوق بهم، هو مهارة اجتماعية مفيدة داخل السجن وخارجه على حدٍّ سواء.
(?-?) الفصل بين الصحة العقلية ومسائل الانضباط

ثمة درجة معينة من الاستقلالية لا بد أن يتمتع بها موظفو رعاية الصحة العقلية عن موظفي الأمن لكي يتمكنوا من تقديم علاج يتسم بالإنسانية. لا شك أن الأمن من الاعتبارات الرئيسية في المؤسسات العقابية. وموظفو رعاية الصحة العقلية أنفسهم لا يمكنهم القيام بعملهم إذا لم تتمتع المؤسسة بالأمان. لكن في كثير من الأحيان يكون الروتين مُقيِّدًا لدرجة تجعل موظفي الأمن يتحكمون في الموقف حتى عندما تكون تصرفات السجين لا تمثل تهديدًا خطيرًا لسلامة أي شخص وناتجة بوضوح عن حالته النفسية؛ لذا، يحتاج كلٌّ من موظفي رعاية الصحة العقلية وموظفي الأمن إلى التوصل إلى نوع من التعاون لا يجعل المخاوف الأمنية تتحكم على نحو كامل في الاعتبارات العلاجية.
في بعض الأحيان، يجب على موظفي الخدمات السريرية مقاومة إرادة ضباط الأمن. على سبيل المثال، ليس مقبولًا من الناحية الأخلاقية أن يخبر الطبيب السريري المتخصص في الصحة العقلية السجين الذي تعرض للاغتصاب بأنه لن يحصل على علاج إلا إذا ذكر أولًا اسم الشخص الذي اعتدى عليه. عندما يستخدم موظفو السجن هذا الأسلوب للتشجيع على الوشاية بالسجناء الآخرين، يكون الطبيب السريري المتخصص في الصحة العقلية ملتزمًا من الناحية الأخلاقية بالاعتراض بشدة على هذا الأمر.
وعندما تكون السلوكيات الصادرة عن السجناء المضطربين عقليًّا — مثل محاولات الانتحار، وتشويه الذات، وخرق القواعد، بل وحوادث العنف البسيطة أيضًا — ناتجة عن الاضطرابات العقلية التي يعانونها، فيجب عدم التعامل مع هذه السلوكيات بشكل كامل على أنها مخالفات انضباطية تتطلب عقابًا. لكن في كثير من الأحيان، يُعاقَب السجناء على هذه الأفعال المُخلة بالنظام، ولا يوضع في الاعتبار مطلقًا أن هذه الأفعال قد تكون مجرد انعكاس لحالة ذهان وشيكة أو حاجة لاهتمام نفسي مباشر.
ولا يعني ذلك أن موظفي السجون يجب أن يتغاضوا عن السلوكيات غير المسموح بها من جانب السجناء المضطربين عقليًّا، وإنما يعني أن هذه السلوكيات يجب التعامل معها في سياق خطة علاج تتضمن اهتمامًا خاصًّا بالمسائل الأمنية. ويجب ألا يُسمَح ببقاء السجين المضطرب عقليًّا فترات طويلة في الحبس المشدد، فعند ظهور إنذار تأديبي بعد الوفاة عقابًا على أفعال مدمرة للذات في تقرير سجين نجح في الانتحار، نرى كيف يمكن أن يصبح الأسلوب العقابي مناقضًا للعلاج وجائرًا.
(?-??) التدريب المتبادل، بما في ذلك التدريب على الجوانب الثقافية الحساسة

لكي يتمكن موظفو رعاية الصحة العقلية من الحفاظ على أمنهم وتقديم خدمات فعَّالة، لا بد أن يعوا المبادئ التي توجه عمل موظفي السجون. وموظفو السجون لا بد أن يكون لديهم أساس قوي من فهم مبادئ الطب النفسي وعلاج الصحة العقلية؛ كي يتمكنوا من فهم العدد الكبير من السجناء الذين يعانون اضطرابات عقلية، والتدخل بفعالية للتعامل معهم. وضابط السجن يكون عادةً أول مَن يلاحظ انهيار السجين الانفعالي الوشيك أو ميله للانتحار. والطبيب السريري المتخصص في الصحة العقلية يكون عادةً أيضًا أول مَن يدرك أن السجين، الذي تلقى عقابًا، يعاني في الواقع اضطرابًا شديدًا ويتطلب علاجًا نفسيًّا طارئًا. وبالإضافة إلى التدريب المتبادل، لا بد من وجود تعاون وثيق بين مختلف أنواع الموظفين في المؤسسة العقابية.
ونظرًا لوجود تنوع هائل بين السجناء فيما يتعلق بالعِرق والثقافة، يحتاج جميع الموظفين إلى الخضوع لتدريب مكثف حول قضايا التنوع العرقي والحساسية الثقافية. فقد سمعت مرارًا وتكرارًا من السجناء — حتى عندما لا يتهمون أحدًا بالعنصرية السافرة — أن الموظفين يجهلون على نحو هائل خلفيتهم العرقية ولا يكترثون بثقافتهم. وعلى الرغم من وجود الكثير من برامج التدريب على كيفية التعامل مع التنوع العرقي في المجتمع وتحقيقها نجاحًا كبيرًا في التدخل للحد من التمييز في أماكن العمل العامة والخاصة، فإن جميع أنظمة السجون التي تجولت فيها لم تقم بأية محاولات جادة لإشراك أعداد كبيرة من موظفيها في هذا النوع من التدريب. ولا يمكن تقديم خدمات صحة عقلية عالية الجودة داخل السجون دون الاهتمام الجاد بقضايا التنوع العرقي والثقافي.
•••

يؤسفني أن أعلن أننا بحاجة لإنفاق المزيد من الأموال لتأسيس خدمات صحة عقلية ملائمة خلف القضبان. والمبدأ الذي ينطبق هنا هو أن إنفاق بعض الأموال مقدمًا يعني إنفاق قدر أقل على المدى البعيد. وحبس شخص مريض عقليًّا مثال عملي جيد على هذا المبدأ. فنظام الصحة العقلية العام في المجتمع يعاني آثار عمليات خفض كبيرة في الميزانيات؛ ما يتطلب إغلاق الكثير من وحدات العلاج الخارجية وتقليص مدد المكث في المستشفيات ومنازل الإقامة الانتقالية. لكن هذه التخفيضات في الميزانيات تمثل ادخارًا زائفًا. فإذا سُمِح للمريض بزيارة معالج نفسي على نحو منتظم، أو قضاء المزيد من الوقت في التحدث مع طبيب نفسي، أو البقاء في منزل انتقالي فترة أطول بما فيه الكفاية ليدرك نقاط القوة لديه، فسيقل احتمال عودته إلى وحدات العلاج النفسي الداخلية أو إلقاء القبض عليه. ونظرًا لأن خدمات رعاية المرضى الداخلية باهظة التكلفة للغاية، فإن تكلفة علاج المريض العقلي الذي أُعيد إدخاله المستشفى عدة مرات في عام واحد أعلى بكثير من توفيرٍ منخفض التكلفة لأماكن إقامة في منازل انتقالية على مدار عام كامل.
ومقارنة التكاليف التي يتضمنها تشغيل النظام العقابي الحالي بتكاليف العلاج النفسي والعلاج الفعال بالأدوية توضح مدى الحمق في حبس المجرمين المصابين بأمراض عقلية في سجون شديدة الازدحام وقاسية الظروف. وإذا خالف مريض عقلي لا يحصل على العلاج الملائم القانونَ وحُبِس، فإن تكلفة إجراءات المحاكمة والسجن تفوق بكثير التكلفة التي كان من الممكن أن تتضمنها خدمات الصحة العقلية المجتمعية المناسبة التي كان من شأنها أن تُجنب هذا الشخص السجن. وتكلفة المنزل الانتقالي في المجتمع تبلغ حوالي ???? دولار سنويًّا، وتكلفة العلاج النفسي الخارجي الداعم ونصف الشهري حوالي ???? دولار كل عام، وتكلفة العلاج بالميثادون حوالي ???? دولار كل عام. ولك أن تقارن بين إجمالي هذه المبالغ وتكلفة الحبس، التي تتجاوز ?? ألف دولار في العام في حال كانت هناك حاجة لأي نوع من الحراسة المشددة أو الرعاية النفسية.
وبتطبيق هذا المبدأ نفسه في السجون، فإن تحسين خدمات الصحة العقلية بداخلها سيحتاج بالتأكيد إلى نفقات، لكن إذا حال العلاج المناسب دون إرسال عدد كبير من السجناء المصابين بأمراض عقلية إلى وحدات الحبس الانفرادي أو اعتقالهم مرة أخرى بعد إطلاق سراحهم، فستعتبر هذه الأموال استثمارًا جيدًا للغاية، وستؤدي إلى توفير مبالغ ضخمة على المدى البعيد.
(?) تغييرات في نظام السجن بالكامل

لا تؤدي أيٌّ من التوصيات التي قدمتها فيما يتعلق بخدمات الصحة العقلية إلى الحد من الآثار السلبية للخمول ونقص الزيارات على الصحة العقلية للسجناء في السجون. وأي قدر من التطوير في خدمات الصحة العقلية داخل السجون لن يزيل آثار الممارسة التدميرية المتمثلة في إيداع السجناء المصابين بأمراض عقلية وحدات حبس عقابي مشدد. فلكي يحظى السجناء المصابون بأمراض عقلية بفرصة أفضل للحفاظ على استقرارهم والنجاح في محاولاتهم التكيُّف مع الحياة في المجتمع بعد إطلاق سراحهم، لا بد من إجراء تغييرات كبيرة في الأسلوب الذي تُدار به السجون. على سبيل المثال، يجب تعزيز برامج التثقيف وإعادة التأهيل، ويجب كذلك تحسين جودة الزيارات، والتوسع في حقوق السجناء، ووضع نهاية لوحدات الحراسة المشددة. وسيفيد كذلك تحسين الصحة العقلية للسجناء في تحويل السجون الكبيرة إلى وحدات أصغر حجمًا.
(?-?) تعزيز برامج إعادة التأهيل والتثقيف

أوضحت فيما سبق أوجه الاختلاف بين إعادة التأهيل النفسي وإعادة التأهيل العام في السجون، وأشرت إلى الجوانب التي يتداخل فيها الاثنان. ومن الواضح أن عملية إعادة التأهيل النفسي لا يمكن أن تكون فعَّالة مع السجناء الذين يعانون اضطرابات عقلية خطيرة إلا إذا قدم نظام السجن التشجيع والدعم لجميع أنواع إعادة التأهيل. والمرضى الذين يخضعون لإعادة التأهيل النفسي يمكن أن يستفيدوا من برامج إعادة التأهيل العام وهم يعدون أنفسهم للتكيف مع الحياة في المجتمع بعد إطلاق سراحهم.
ولقد ذكرت أيضًا أن وجود برامج تثقيفية جادة في السجن6 هو العامل الذي يرتبط بقوة بفرص السجناء للنجاح في تقويم أنفسهم. فبعض السجناء يحصلون على دورات من معلمين — يعملون في المؤسسات العقابية مقابل أجر أو كمتطوعين — بينما يحصل سجناء آخرون على هذه الدورات عبر البريد. وفي الوقت الذي يتراوح فيه معدل العودة للإجرام بعد ثلاثة أعوام لدى جميع السجناء بين ?? و?? في المائة، يتراوح هذا المعدل لدى السجناء الذين يكملون شهادة التخرج المكافئة أو عددًا كبيرًا من الدورات الجامعية أثناء الحبس بين ? و?? في المائة. لكن مِنح بيل الفيدرالية للسجناء، التي مكَّنتهم من الحصول على دورات جامعية، أوقفتها الحكومة الفيدرالية عام ????. ونحن بحاجة إلى إعادة هذه المنح للسجناء، وكذلك اتخاذ إجراءات أقوى لزيادة عدد السجناء الذين يشاركون في فصول الدراسة الثانوية والجامعية. والسجناء المصابون بأمراض عقلية، الذين يمكنهم التركيز والحصول على هذه الدروس، يخبرونني بأن فرصة الدراسة والشعور بالإنجاز الذي ينبع من استكمال دورة جامعية يعززان من تقديرهم لأنفسهم، ويساعدانهم في تجنب المشكلات. ثمة جدل محتدم حول فاعلية برامج إعادة التأهيل العامة بالسجون.7 فالمنتقدون لهذه البرامج يزعمون أنها لا تجدي نفعًا، إذ يقولون: «هؤلاء الأشخاص لا يقدِّرون قيمة العمل النزيه.» أما مناصروها، فيزعمون أن هذه البرامج لم تُمنَح أبدًا الفرصة المناسبة؛ فالتمويل الذي تحصل عليه منخفض للغاية. ومع الزيادة الرهيبة في أعداد السجناء منذ عام ???? وتبني موقف الشدة تجاه المدانين، يكون الأمر بمنزلة انتحار سياسي لأي حاكم أو مُشرِّع أن يذكر تحسين برامج إعادة التأهيل في السجون. في عام ????، نشر أحد الباحثين البارزين في علم الجريمة ويدعى روبرت مارتينسون استقصاءً شاملًا لدراسات الصحة العامة المتوافرة، توصل فيه إلى نتيجة مفادها أن تأثير برامج إعادة التأهيل على معدلات العودة للإجرام لا يكاد يُذكر. وكان تصريح مارتينسون بمنزلة ذريعة كان يحتاج إليها بشدة المُشرِّعون ومديرو المؤسسات العقابية الذين لديهم النية للحد من برامج إعادة التأهيل. لكن بعد خمس سنوات، تراجع مارتينسون في استنتاجه السابق بعدم جدوى برامج إعادة التأهيل، وأقرَّ بأن بعض برامج إعادة التأهيل بالسجون ذات جدوى بالفعل فيما يتعلق بخفض معدل العودة للإجرام، إذا صُمم برنامج على نحو جيد لفئات معينة وكانت هناك متابعة ملائمة داعمة بعد إطلاق سراح السجين. بعبارة أخرى، إذا اكتفينا بمجرد الربط بين معدل الإجرام العام ووجود أي نوع من برامج إعادة التأهيل في السجون، فإن إعادة التأهيل لن تؤدي إلى انخفاض في المعدل العام للعودة إلى الإجرام. لكننا إذا نظرنا لنتائج برامج معينة بالنسبة إلى مجموعات فرعية محددة من السجناء — مثل البرامج التثقيفية للسجناء الذين لديهم الدافع لها أو التدريب المهني للجناة الشباب الذين لا يتمتعون بالمهارات اللازمة — فسنجد أن المشاركة في برامج إعادة التأهيل لها تأثير إيجابي للغاية على معدلات العودة للإجرام لهذه الفئات الفرعية.
لا ريب أن بعض المجرمين المتمرسين في الإجرام لا يهتمون بتغيير أساليبهم في الحياة؛ ولذا لا يكون لمشاركتهم في برامج إعادة التأهيل أي أثر على معدل عودتهم للجريمة. لكن الكثير من السجناء يرغبون للغاية في أن يستقيموا، وينتهزون كل الفرص المتاحة لهم لتحسين احتمالات تحقيق ذلك. وتوصل باحثون آخرون إلى أنه حتى مع الأحداث الجانحين، كلما سارعنا بحل مشكلات السلوك، كانت النتيجة أفضل، وكلما قضى المعالِجون فترة أطول مع الحدث الجانح، ازداد التقدم الذي يحرزه هذا الحدث. ومع جميع المجرمين، يؤدي استخدام أكثر من أسلوب في العلاج إلى نتيجة أفضل من الاعتماد على أسلوب واحد. وكلما توافر عدد أكثر من البرامج للمجرمين بعد إطلاق سراحهم، تحسن تكيفهم في المجتمع. مع ذلك، فقد تجاهل المُشرِّعون المحافظون الأبحاث الأكثر تنقيحًا، واستمروا في الاقتباس من بحث مارتينسون الأول الذي من المفترض أنه أثبت الفشل التام لجميع جهود إعادة التأهيل.
من العوامل الأخرى التي تجعل من تقييم كفاءة برامج التأهيل أمرًا صعبًا التناقض المتأصل في عملية التمويل. يعتقد عامة الناس اعتقادًا ساذجًا أن البرنامج الناجح سيستمر؛ لذا، إذا توقف أحد البرامج، فلا بد أنه لم يكن ناجحًا. لكن في واقع الأمر، هذا لا ينطبق على العديد من البرامج الحكومية والبرامج غير الهادفة للربح. فأنا أعرف العديد من البرامج المجتمعية التي وضِعت لحماية الشباب الذين يعانون اضطرابات من التورط في مشكلات مع القانون عن طريق توفير مرشدين وتعليم وتدريب مهني لهم. لكن عند تقديم طلب لتجديد التمويل بعد ثلاث سنوات، رُفِض هذا الطلب. وقدم المدير التنفيذي لأحد هذه البرامج التماسًا للهيئة الفيدرالية المعنية، لكن قيل له إن الهيئة تدرك نجاح البرنامج، لكن عليها توزيع مواردها المحدودة على نطاق ضيق للغاية؛ ما يجعلها غير قادرة على توفير التمويل لأي برنامج يتجاوز نطاق مشروع السنوات الثلاث التجريبي. وبالمثل في السجون، أُجبرت برامج إعادة التأهيل التي حققت نجاحًا هائلًا على التوقف، ليس بسبب فشل أي منها؛ وإنما بسبب التوجهات السياسية ومقتضيات التمويل.
ومن الانتقادات الشديدة أيضًا للأبحاث التي تناولت كفاءة إعادة التأهيل بالسجون عدم وضعها في الاعتبار الآثار السلبية للازدحام والظروف القاسية في السجون. فمثلما لا يتمكن الأطفال بالأحياء الفقيرة، الذين يتعرضون للصدمات، من الانتباه وتعلم دروسهم، كذلك لا يتمكن السجناء الذين يتعرضون لصدمات هائلة من المشاركة بفعالية في برامج إعادة التأهيل. فالسجين الذي يتوجب عليه النوم في مهجع مؤقت مليء بالضوضاء، والسجين الذي وقع ضحية للاغتصاب داخل السجن، والأم السجينة القلقة على طفلها، والسجين الذي يُحرَم من حقه في زيارات ذويه له على نحو ملائم، والسجين الذي يعاني اضطرابًا عقليًّا حادًّا، كل هؤلاء السجناء يعجزون عن الاستفادة المثلى من برامج إعادة التأهيل. ويرجع السبب الرئيسي وراء فشلهم في تحقيق ذلك إلى ضغوط الحياة الشديدة داخل المؤسسات العقابية القاسية وشديدة الازدحام أكثر من رجوعه إلى قلة التحفيز أو الاهتمام بتطوير الذات.
وأخيرًا، نصل إلى مشكلة عدم الاستمرارية وغياب المتابعة في البرامج القائمة بالفعل. فتدريب السجين على مهنة معينة أمر جيد. لكن إذا لم يتمكن هذا السجين من العثور على عمل بعد إطلاق سراحه، أو لم يحظَ بإشراف كافٍ بعد خروجه من السجن كي يبقى بعيدًا عن المخدرات وطرق الإجرام السابقة، فسيضيع كل هذا التدريب هباءً، وسرعان ما سينتهي الحال بهذا السجين خلف القضبان من جديد. لذا، فإن برامج إعادة التأهيل لا تكون ذات قيمة إلا إذا ارتبطت بخدمات شاملة بعد إطلاق سراح السجين، ويشمل ذلك الجهود الحثيثة لمساعدة السجناء السابقين في التغلب على وصمة السجن والعثور على عمل هادف.
(?-?) تحسين الزيارات

سبق أن أشرت في الفصل السابع إلى أن الزيارات الجيدة تساعد السجين على تجنب المشكلات في أثناء فترة حبسه وترتبط ارتباطًا قويًّا بنجاحه بعد إطلاق سراحه. وينطبق هذا بشكل خاص على السجناء الذين يعانون اضطرابات عقلية خطيرة ومستمرة. كما أوضحتُ، فإن بعض الآليات المتأصلة في نظام السجون تجعل من الزيارات أمرًا صعبًا. وهذه الآليات يجب إعادة النظر فيها كي يتمكن السجناء وأحباؤهم من التمتع بزيارات جيدة.
يجب إيداع السجناء مؤسسات عقابية قريبة من أماكن إقامتهم؛ كي تتمكن أسرهم من زيارتهم. ولا بد من مدِّ ساعات الزيارة متى كان ذلك ملائمًا كي يزيد عدد الزيارات، خاصةً من أجل الأطفال. ويجب تقليل عدد السجناء الذين يودعون وحدات الحبس المشدد ويُجبَرون على حضور الزيارات من وراء زجاج وهم مكبلون بالقيود. ويجب السماح كذلك للسجناء بارتداء ملابسهم الشخصية أثناء الزيارات. ويجب التوسع في برامج الزيارات الزوجية أو العائلية لتشمل عددًا أكبر من السجناء وأسرهم. ويجب تقديم تصاريح مؤقتة للسجناء الذين لا يشكِّلون خطرًا فيما يتعلق بالهروب من السجن ويظهرون تعاونًا في برنامج السجن الخاص بهم؛ للذهاب إلى منازلهم لزيارة أسرهم. والسجناء، الذين يتورطون في مشكلات، يجب عدم إيداعهم سجونًا بعيدة عن أسرهم، فتواصل السجناء مع الأشخاص الذين يحبونهم يساعدهم على التحكم في حالاتهم الانفعالية والتكيُّف مع ضغوط الحياة في السجن؛ ولذا، يجب على موظفي السجون تيسير أفضل مستوًى ممكن من الزيارات لكل سجين بكافة السبل الممكنة.
(?-?) الاهتمام بحقوق السجناء

كلما ازداد شعور السجناء بأنهم يتعرضون لمعاملة ظالمة، ازداد الشغب والعنف في السجون. فيمكن أن يكون مأمور السجن قاسيًا، ويضع إجراءات انضباطية صارمة لكنها عادلة، وفي هذه الحالة سيتقبل السجناء هذه القسوة على نحو جيد نسبيًّا. لكن إذا كانت اللوائح تعسفية، وكانت لجان الاستماع تحكم دائمًا لصالح ضباط الأمن، ويتحتم على السجناء الملونين المثول أمام لجان استماع ومجالس استئناف أعضاؤها كلهم من البيض، فسيشعر السجناء بأنهم محرومون من الاستماع العادل إليهم، وبأنهم «ليس لديهم ما يخسرونه»، وسيقل لديهم الحافز لاتباع القواعد وتجنب العنف.
لذا، فإن الإجراءات الانضباطية بالسجون بحاجة إلى أن يعاد النظر فيها. ويجب أيضًا الإعلان بوضوح عن اللوائح المتبعة، متى كان ذلك ممكنًا. ويحتاج السجناء، كذلك، إلى ملاذ يمكنهم اللجوء إليه عند شعورهم بأنهم يُتهَمون ظلمًا. وأعضاء لجان الاستماع يجب أن يكونوا ممثلين لنفس التنوع العرقي والثقافي للسجناء الماثلين أمامهم، ويجب أن تتضمن هذه اللجان أيضًا عددًا لا بأس به من الأعضاء غير العاملين بالسجن، مثل السجناء والسجناء السابقين. ولا بد أن يتمكن السجناء أيضًا من رفع دعوى دفاع عن أنفسهم بالاستعانة بمحامٍ خارجي متى كان ذلك ملائمًا، أو على الأقل بمساعدة محقق في الشكاوى أو مناصر للسجناء لا يتبع مأمور السجن أو يتحيز لموظفيه. وفيما يتعلق بلجان إطلاق السراح المشروط، يوصي دكتور ليجي دايلي8 بأن يكون ?? في المائة من أعضاء هذه اللجان من السجناء السابقين، وهذه فكرة رائعة. علينا أيضًا إعادة النظر في الاتجاه الذي شهدته السنوات الأخيرة نحو الحد من وصول السجناء إلى المحاكم. ويأخذ هذا الأمر صورًا عدة، لكن أحد الأمثلة عليه هو البند الذي يتضمنه قانون إصلاح مقاضاة السجون ويلغي التنازل عن أتعاب رفع الدعاوى القضائية للسجناء المعوزين. وأغلب السجناء في الواقع معوزون، ومن ثم فإن هذا البند يعني بشكل أساسي أنه حتى إذا كانت هناك فرصة كبيرة لنجاح قضيتهم، فلن يتمكنوا من الوصول إلى المحاكم. ليس ذلك سوى مثال واحد فقط على الكثير من التغييرات الحديثة في القانون التي تقلل من حصول السجناء على تعويض عادل في تظلماتهم. والأثر العام لذلك هو زيادة الشعور باليأس بين السجناء؛ الأمر الذي يقلل من الدافع لديهم للبقاء بعيدًا عن المشكلات. وزيادة شعور السجناء بالعدالة وحصولهم على تعويضات عن تظلماتهم من شأنه تحسين علاقاتهم مع موظفي السجون، ومساعدتهم في الحفاظ على الهدوء داخل السجن، والتقليل من التوتر الذي يؤدي إلى الكثير من حالات الانهيار العاطفي والانتحار، ومساعدتهم في التأهب للتكيف مع حياة المجتمع بعد إطلاق سراحهم والنجاح في تحقيق ذلك.
(?-?) وضع حد للحبس المشدد طويل الأمد، بما في ذلك وحدات الحراسة فائقة التشديد

إن إيداع أعداد متزايدة من السجناء وحدات الحراسة المشددة لا يعد وسيلة فاشلة فحسب في الحد من العنف في السجون، وإنما يزيد في الواقع من هذا العنف والاضطراب العقلي. ونحن نعلم أن عددًا كبيرًا من السجناء المضطربين عقليًّا ينتهي بهم الحال في وحدات الحبس المشدد بالسجون. وهؤلاء هم السجناء المضطربون عقليًّا الذين ينفعلون تعبيرًا عن غضبهم بدلًا من كبته والاختباء في زنزاناتهم. ونعلم أيضًا أن الوقت الذي يقضيه السجين في الحبس المشدد يؤدي إلى أضرار انفعالية ويزيد من درجة الاستياء لدى الغالبية العظمى من السجناء، ولا سيما السجناء المعرضين للانهيار النفسي.
وحتى عندما تكون هناك أوامر من المحكمة بإبعاد السجناء المضطربين عقليًّا عن وحدات الحبس الانفرادي، كما هو الحال في سجن بيليكان باي، يبقى عدد كبير منهم فيها. ويرجع أحد أسباب ذلك إلى أن السلطات العقابية تميل لتفسير خرق القواعد والعنف من جانب السجناء المضطربين عقليًّا على أنهما علامتان تدلان على «سوء خُلق» هؤلاء السجناء، وليس «جنونهم». ومن الأسباب الأخرى أيضًا وراء ذلك افتقار عمليتي الفحص والمراقبة الخاصتين بالصحة العقلية للجودة؛ ما يؤدي إلى عدم ملاحظة علامات الانهيار النفسي الوشيك. وعلى أية حال، فإن حقيقة انتهاء الأمر بالكثير من السجناء المضطربين عقليًّا في وحدات الحراسة المشددة بجميع أنحاء الولايات المتحدة يُعَد سببًا كافيًا لإغلاق هذه الوحدات. لكن من الأسباب الأخرى أيضًا لذلك تَسبَّب هذه الوحدات عادةً في حدوث أضرار انفعالية لدى السجناء ممن ليس لهم تاريخ سابق من المشكلات النفسية.
ونحن نعلم من الأبحاث النفسية أن العقاب لا يجدي نفعًا إلا إذا وزِّع على نحو عادل، وخُصِّص لسلوكيات معينة، وكان فوريًّا وقصير المدى على نحو يعزز الدافع للتغيير الإيجابي. ففي الماضي، عندما كان يتم إيداع أي سجين الحبس الانفرادي مدة عشرة أيام أو شهر بعد التورط في شجار أو اكتشاف أداة حادة معه، كانت هذه العقوبة تنجح في التخلص من هذه السلوكيات غير المرغوب فيها لديه. ولا أعني إثارة الحنين للماضي؛ وإنما أريد أن أوضح أن الحبس الانفرادي صار مكانًا للتعذيب على أيدي مأموري السجون وحرَّاسها الساديين. الفكرة هنا هي أنه في حال تكافؤ كل المتغيرات الأخرى، تكون فرص نجاح العقوبات قصيرة المدى في تحسين السلوكيات هي الأفضل. لكن عندما يُحكَم على السجناء بالحبس المشدد أعوامًا في المرة الواحدة، يفقدون الأمل في الخروج من ذلك المكان. ويتزايد الغضب بداخل السجين، ويشعر بأنه ليس لديه ما يخسره، وسرعان ما ينفجر غاضبًا عندما يعتقد أنه يتعرض لمضايقات من أحد ضباط السجون أو من سجين آخر. وعندما يخرج السجناء من وحدات الحراسة المشددة، يملؤهم الغضب عادةً ويشعرون بالغربة بسبب عزلتهم في وحدات الحبس؛ ما يجعلهم ينتهي بهم الحال أكثر سوءًا في خُلقهم، وأكثر اضطرابًا وعنفًا، بالإضافة إلى زيادة احتمالية خرقهم للقانون مقارنةً بحالهم قبل دخولهم الحبس الانفرادي.
وبعد غلق وحدات الحراسة المشددة، سيتعين علينا ابتكار أسلوب أفضل للتعامل مع السجناء الذين يدخلون في شجارات ويحدثون شغبًا على نحو متكرر. وسينبغي علينا أيضًا التوصل إلى وسيلة للتعامل مع العصابات. وكل ذلك ما كان ليصير بهذه الدرجة من الصعوبة لو أن الازدحام في السجون كان أقل، وكان هناك عدد أكبر من برامج إعادة التأهيل، ومستوًى أفضل للزيارات، وإجراءات تأديبية أكثر عدلًا. ومع القيام بكل هذه التغييرات، سيتمكن موظفو السجون في كل حالة يتورط فيها السجين أكثر من مرة في مشكلات من البدء في إجراء تقييم دقيق لتظلمات هذا السجين، ووضع خطة فعالة مصممة خصوصًا للتعامل مع السجين على نحو أكثر فاعلية؛ وبذلك لن تكون هناك حاجة للحبس المشدد طويل الأمد.
(?-?) إقامة مؤسسات أصغر حجمًا9

إن المؤسسات العقابية الكبيرة التي تحتوي على الآلاف من السجناء تكون عادةً بمنزلة الكوابيس. يتحرك الموظفون في الأرجاء من مبنى زنزانات إلى آخر، دون أن يتمكنوا فعليًّا من التعرف على مجموعة معينة من السجناء. ويتنقل السجناء من مكان إلى آخر، فلا يتمكنون أبدًا من إقامة علاقات من الثقة المتبادلة مع أي شخص. ولا يتمكن مأمور السجن من معرفة ضباط السجن الذين يعملون تحت إمرته، ناهيك عن عدم معرفته بجميع السجناء لديه.
فلتتخيل للحظة ما يمكن أن يحدث إذا قُسِّمت السجون إلى وحدات لا يتعدى الحد الأقصى لعدد السجناء فيها ??? سجين، وكل وحدة من هذه الوحدات الصغيرة لها مأمور ومشرف عام معنيان بها فقط، بالإضافة إلى مجموعة من الموظفين الذين لا يعملون إلا في هذه المؤسسة، بمن فيهم أطباء الصحة العقلية الممارسون. تخيَّل أيضًا أن جميع السجناء يبقون في هذه المؤسسات طوال مدة حبسهم. ستكون هناك وحدات عزل إداري وصور أخرى من «الحبس المشدد» أيضًا، لكن السجين لا يبقى فيها بشكل دائم. وإذا حدث ذلك، فستُتاح الفرصة للسجناء والموظفين لمعرفة بعضهم البعض، وسيتم التعامل مع كل المشكلات داخل السجن.
لا ريب أنه في حال وجود موظفين ساديين ومأمور سجن غير مكترث، لا يمكن لحجم المؤسسة العقابية أن يضمن تقديم برنامج إنساني. لكن عندما يكون هناك مأمور سجن ملتزم بإعادة تأهيل السجناء، أو على الأقل توفير بيئة كريمة لهم ليقضوا فيها مدة عقوبتهم، فسيكون لدى الموظفين المبدعين فرص لحل المشكلات معًا في مؤسسة أكثر قابلية للإدارة. فيمكن أن يعقد موظفو السجون وموظفو رعاية الصحة العقلية لقاءات معًا للتوصل إلى أفكار بشأن كيفية إدارة السجين المضطرب عقليًّا، والسجين المشاكس، والسجين المُغتصِب، والسجين المحتمل وقوعه ضحية للاغتصاب. وستُتاح الفرصة للجميع لمعرفة بعضهم بعضًا، وسيكون هناك حافز لدى الجميع للتوافق معًا ومحاولة حل كل المشكلات التي تظهر.
(?) التغييرات في نظام العدالة الجنائية بأكمله

إننا بحاجة إلى قائمة جريئة من الرغبات، هذا إذا أردنا حقًّا تصور نظام عدالة جنائية أكثر فعالية وإنسانية. ومن الواضح أننا بحاجة للتعامل مع المشكلات الاجتماعية التي تجعل من الجريمة والعنف أمراضًا مستوطنة في مجتمعنا. كمجتمع، علينا الاهتمام بالحال البائس للتعليم العام في الأحياء الفقيرة، وقلة فرص التوظيف الجيدة للشباب المعوز، ومشكلة الفقر، والحاجة الماسة لتوفير سكن مناسب منخفض التكلفة، واستعادة شبكة الأمان الاجتماعي التي كانت تقدمها برامج الخدمة الاجتماعية. وعلينا أيضًا إنهاء العنصرية المنتشرة التي تتجلى في زيادة أعداد السجناء الملونين. ويجب أن نعزز كذلك من نظام الصحة العام ونقوم بتطويره.
ولقد اقترحت اللجنة الوطنية للعدالة الجنائية10 قائمة مدروسة من الإصلاحات للمشكلات الكبيرة وصور عدم المساواة التي يعانيها نظام العدالة الجنائية الأمريكي، وتشمل: المطالبة بقرار رسمي مدته ثلاث سنوات لإيقاف بناء السجون الجديدة.
التعامل مع مشكلة تعاطي المخدرات باعتبارها مشكلة صحية عامة، وليست مشكلة جنائية.
القضاء على صور الانحياز العرقي والتمييز العنصري في نظام العدالة الجنائية.
الحد من العنف عن طريق تطبيق استراتيجيات الصحة العامة وإقرار تشريعات جديَّة للتحكم في الأسلحة.
الحد من الفقر عن طريق الاستثمار في الأطفال والشباب والأُسر والمجتمعات.
يوصي جون إروين وجيمس أوستن أيضًا بتقليل عدد السجناء في السجون عن طريق تقصير مدد الأحكام بشكل عام. ويوصي جيروم ميلر بما يلي: إيقاف الحرب على المخدرات وما يرتبط بها من عمليات ضبط للمجرمين وهم في حالة تلبس، ومن اعتمادٍ على الوشاية في جمع المعلومات.
إبعاد أكبر عدد ممكن من المجرمين الشباب عن طائلة نظام العدالة الجنائية.
وضع سياسات إجرائية إيجابية هادفة لموظفي هيئات العدالة الجنائية.
تعزيز برامج التثقيف والتوظيف والخدمة الاجتماعية.
تحمل المجموعات الكاملة من السجناء الشباب الذين نعتبرهم «معاندين»، وعدم التخلي عنهم.
أدعم هنا بقوة التوصيات المقدمة من اللجنة الوطنية وجون إروين وجيمس أوستن وجيروم ميلر، وأعتقد أن التغييرات التي يوصون بها سيكون لها أثر إيجابي للغاية في التخفيف من معاناة المجرمين المضطربين عقليًّا.
وسوف أعلق على بعض العناصر الأساسية، وهي: وضع بدائل لحبس الجناة المضطربين عقليًّا والمدانين في قضايا المخدرات الذين لم يدانوا في أي جرائم عنف، ووضع حد لصور التمييز العنصري في نظام العدالة الجنائية وللازدحام الشديد في السجون، وتوجيه نسبة كبيرة من مصادرنا للتعامل مع المدانين الشباب.
(?-?) وضع بدائل للتعامل مع الجناة المصابين باضطرابات عقلية11

تنطوي هذه التوصية على جانبين؛ أولًا: نحن بحاجة للتعامل مع التغيرات في سياسة الخدمة الاجتماعية والقانون، وهي التغيرات التي أدت في السنوات الأخيرة إلى انتشار الاعتقالات والحبس للأشخاص الذين يعانون اضطرابات عقلية خطيرة ودائمة. وثانيًا: يجب أن نقدم عقوبات بديلة للأفراد المضطربين عقليًّا الذين يخرقون القانون.
أوضحت في الفصل الثاني من هذا الكتاب بعض التغيرات التي شهدها القانون وسياسة الخدمة الاجتماعية، التي أدت إلى حبس عدد كبير من المجرمين المضطربين عقليًّا. فإخراج المرضى من المؤسسات العلاجية كان من المفترض أن يؤدي إلى إقامة مراكز مجتمعية لرعاية الصحة العقلية قادرة على تقديم خدمات ملائمة للمصابين بأمراض عقلية الذين لم يعودوا يقيمون في مستشفيات الدولة. لكن ميزانية خدمات الصحة العقلية الحكومية شهدت انخفاضًا كبيرًا منذ ذلك الحين. وتُرِك عدد كبير من المواطنين المصابين بأمراض عقلية في المجتمع على غير هدًى، ودُمِّرت كذلك شبكة الأمان الخاصة بهم جراء وقف برامج الخدمة الاجتماعية، وتورط عدد منهم في المشكلات.
وهنا تحدث التغييرات في القانون. هناك قدر أقل من التعاطف اليوم مع خارقي القانون، ولا سيما المدانين في جرائم عنف؛ ومن ثم تزايد عدد الأفراد المضطربين الذين يتورطون في مشكلات ويدخلون السجن. وإذا أردنا الحد من معاناة السجناء المصابين بأمراض عقلية في السجون، فلا بد أن نحسِّن على نحو كبير نظام الصحة العقلية الحكومي، ونبدل التقليصات التي شهدتها الخدمة الاجتماعية في العقدين الأخيرين بزيادات، ونعيد التفكير في المشكلات القانونية التي تنطوي عليها مسألة إعادة إرسال خارقي القانون المضطربين عقليًّا إلى السجون. فمن الواضح أن المجتمع قد أخرج المرضى المصابين بأمراض عقلية من مؤسسات العلاج النفسي، ووضع نسبة كبيرة منهم في السجون.
يعتقد بعض الأطباء الممارسين العاملين في مجال الصحة العقلية أنه ينبغي إعادة فتح مستشفيات الأمراض العقلية الحكومية كي تتمكن هذه الفئة من المرضى من تجنب المشكلات. ويقترح آخرون وضع أنظمة أفضل لرعاية الصحة العقلية في المجتمع. وفي كلتا الحالتين، نحن بحاجة إلى إعادة النظر في أولوياتنا الاجتماعية وإدراك أن خفض الميزانيات الخاصة بخدمات الصحة العقلية الحكومية لا يؤدي إلا إلى توسع في ميزانية المؤسسات العقابية، ويسفر عن قدر كبير من المعاناة والعجز لدى الأفراد الذين يعانون اضطرابات عقلية خطيرة وينتهي بهم الحال في السجن.
(?-?) إبعاد المدانين في جرائم المخدرات والجرائم التي لا تتضمن عنفًا عن السجون

ليس كل مَن يُدان بارتكاب جريمة ما يجب إيداعه السجن. فلا حاجة لإيداع الشخص الذي يتعاطى عقاقير محظورة قانونًا السجن إذا لم يكن أُلقي القبض عليه وهو يسرق من أجل الحصول عليها أو وهو يبيعها بكميات كبيرة. في الواقع، عند عقد مقارنة بين مدمني المخدرات الذين يدخلون السجون ولا يشاركون في أي برامج لعلاج إدمان المخدرات، ومجموعة مماثلة من المدمنين الذين يخضعون لبرنامج مُدار جيدًا لعلاج إدمان المخدرات في المجتمع، فسنجد أن نسبة أكبر بكثير من السجناء السابقين يرجعون إلى المخدرات بعد عام واحد من إطلاق سراحهم.
والنمو الهائل في أعداد السجناء بالسجون في العقدين الأخيرين يرجع في المقام الأول إلى حبس المدانين في قضايا المخدرات، الذين يكون أغلبهم غير مدانين في أي جرائم عنف. والحبس لا يقلل من تعاطيهم للمخدرات، لكن عند عدم مشاركتهم في أي خدمات إعادة تأهيل هادفة وتعرضهم للإيذاء من الحرَّاس والسجناء الآخرين، تقل للغاية فرصهم في البقاء بعيدًا عن المخدرات والتحول إلى مواطنين منتجين بعد إطلاق سراحهم. والبدائل المجتمعية للحبس فيما يتعلق بالمدانين في قضايا المخدرات فعالة للغاية حاليًّا، ويجب أن تأمر بها المحاكم وأن يتم توفيرها لهذه الفئة من المدانين.
(?-?) وضع حد لصور التفرقة العنصرية في نظام العدالة الجنائية بأكمله

هذه مهمة صعبة. فوضع حد لصور التفرقة العنصرية في الاعتقالات والإدانات والقوانين التي تحكم جرائم المخدرات والعقوبات أمر ضروري للغاية كي نحقق تحسنًا حقيقيًّا في القضاء على معاناة السجناء المضطربين عقليًّا. ولا شك أن السبيل الوحيد لفعل ذلك هو إجراء تغييرات شاملة في السياسة الاجتماعية والقانون، الأمر الذي سيتطلب بدوره تعديلًا للأولويات الاجتماعية. على سبيل المثال، علينا إصلاح جوانب القصور في المدارس بالأحياء الفقيرة، وفرص التوظيف البائسة التي تواجه الشباب في هذه الأحياء حاليًّا. وكل هذه الأمور خارج نطاق ما نتناوله في هذا الكتاب، لكن لك أن تتخيل — فيما يتعلق بالصحة العقلية للسجناء الملونين — إلى أي مدًى ستقل الأسباب التي تؤدي إلى الاكتئاب وجنون الارتياب والرغبة في الهروب، إذا كانت هناك مساواة حقيقية بين جميع الأجناس تحت مظلة القانون.
(?-?) إنهاء الازدحام خلف القضبان

تضاعف عدد السجناء في السجون أربعة أضعاف منذ عام ????. ونحن نعلم أن الازدحام مرتبط بتزايد انتشار العنف والانتحار والتدهور النفسي. وفي أثناء هذه الفترة ذاتها، اشتدت الحرب على المخدرات، وازداد تفكك برامج إعادة التأهيل في السجون وتدفق المدانين المضطربين عقليًّا إلى السجون. وقد استخدِمت زيادة العنف في السجون كحجة لتفسير حبس أعداد متزايدة من السجناء فترات طويلة في وحدات الحراسة المشددة. ومن الواضح أن وضع حد للازدحام في السجون سيكون له دور إيجابي في التوصل إلى حل للمشكلات الأخرى.
لقد طرحتُ توصيات بالفعل للمساعدة في الحد من الازدحام. فإذا وُجِّه عدد كبير من المدانين المضطربين عقليًّا إلى المؤسسات العلاجية، فسيقل عدد السجناء بالسجون، بالإضافة إلى تراجع درجة إعاقته النفسية. وإذا وُجِّه المدانون في جرائم مخدرات لا تتضمن عنفًا إلى برامج تهدف إلى مساعدتهم في التغلب على إدمان المخدرات في المجتمع، فسوف يقل عدد المودعين بالسجون أكثر فأكثر.
علاوةً على ذلك، فإن ما يتراوح بين ?? و?? في المائة من السجناء يدخلون السجن حاليًّا لانتهاكهم شروط إطلاق السراح المشروط. وفي كثير من الحالات، يتضمن هذا الانتهاك مخالفات بسيطة للغاية. على سبيل المثال، تشترط الكثير من إدارات إطلاق السراح المشروط إجراء اختبارات بول دون سابق إنذار للكشف عن المخدرات أو الكحوليات، وعندما تكون النتيجة إيجابية، يكون الشخص المُطلَق سراحه قد انتهك شروط إطلاق سراحه ويُعاد إيداعه السجن. وبما أننا نعلم أن الوقت الذي يقضيه السجين في السجن لا يساعده على الابتعاد عن المخدرات والكحوليات، فإن هذه السياسة غير منطقية ولها نتائج عكسية. فلماذا لا يتم توجيه هؤلاء الأفراد الذين تكون نتائج اختبارات البول الخاصة بهم إيجابية إلى برامج علاج إلزامية للإدمان في المجتمع؟ يمكن أن يقلل ذلك أيضًا من أعداد السجناء بالسجون.
هناك العديد من السبل الأخرى التي يمكن من خلالها تقليل عدد السجناء بالسجون؛ لذا، علينا أن نعيد النظر في جميع القوانين وقواعد إصدار الأحكام، وأن نقيم نظام عدالة جنائية أكثر منطقية وعدلًا وإنسانية. كان معدل الجريمة في معظم الفئات مستقرًّا نسبيًّا في الربع الأخير من القرن العشرين. ولا أحد يعلم إن كان الانخفاض في هذا المعدل في السنوات القليلة الماضية ناتجًا عن تغيرات في سياسات العدالة الجنائية أم مجرد انعكاس لديموغرافيات السكان. على سبيل المثال، قلَّ عدد السجناء الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين ستة عشر وخمسة وعشرين عامًا في الوقت الحالي؛ وهذه الفئة العمرية هي المسئولة عن زيادة معدل انتشار الجريمة. لكن على الرغم من هذا المعدل المستقر للجريمة، شهد معدل الحبس زيادة ثابتة.
وعلى الرغم من وجود عدد معين من المجرمين المتمرسين في عالم الإجرام، الذين ينبغي التحفظ عليهم لحماية المجتمع من شرورهم، ليس من الممكن أن يكون قد زاد عدد هؤلاء الأشخاص منذ عام ???? بمعدل أربعة أضعاف. لكن من الواضح أن معدلات الحبس ترتبط على نحو أكبر بالأولويات الاجتماعية مقارنةً بارتباطها بمعدلات الجريمة. ففي العقدين الأخيرين، هدفت سياساتنا الاجتماعية إلى «إخفاء» قطاعات كبيرة من السكان، بما فيها الأعداد الكبيرة من الفقراء والملونين؛ لذا، فإننا بحاجة لمراجعة أولوياتنا الاجتماعية وقواعد إصدار الأحكام الخاصة بنا. وعلينا كذلك التقليل بقدر كبير من عدد الأشخاص الذين نودعهم السجون.
(?-?) توجيه الموارد لإعادة تأهيل المدانين الشباب

يشير كل مَن أعرفهم ممن يعملون مع المدانين الشباب إلى أن البرامج والتدخلات التي يقومون بها تتسم بالفعالية. لم أركز على هذه الفئة من المدانين في هذا الكتاب، لكنني سأضيف هذه التوصية هنا؛ لأنها واضحة للغاية ومهمة إذا أردنا حقًّا جعل نظام العدالة الجنائية أكثر عدالة وفعالية. عندما يسمح التمويل الكافي للمعالِجين والمرشدين النفسيين والمنظمين المجتمعيين (الذين يقومون بتنظيم جلسات جماعية يحاول خلالها الشباب حل مشكلاتهم معًا) بالتدخل للحد من عنف العصابات وتعاطي المخدرات وانتشار الجريمة بين الشباب، تكون النتائج مذهلة. وعلى النقيض من ذلك، عندما يُودع المدانون الشباب المؤسسات العقابية، يتعرض الكثيرون منهم للصدمات ويعرفون أن خياراتهم قاصرة على حياة الجريمة والعنف.
إذا نظرنا مثلًا إلى تاريخ حياة افتراضي لمدان بالغ مضطرب عقليًّا؛ فسنجد أنه تعرض لسوء المعاملة والهجر في طفولته على الأرجح، وأغلب الظن أنه فشل في المدرسة وتحول إلى عالم الجريمة والمخدرات بدلًا من أن يعثر على وظيفة ذات قيمة. ومع الضغط الإضافي الذي تعرض له جراء البطالة وتعاطي المخدرات ونقص الدعم الأسري والوقوع في مشكلات مع القانون، تعرض هذا الشاب لأول أزمة نفسية في حياته عندما كان في نهاية مرحلة المراهقة أو بداية العشرينيات. وسواء أكان هذا الانهيار الأول قد حدث في مؤسسة عقابية أم في المجتمع، فبعد إصابته بمرض عقلي حاد ودائم صار هذا الشاب يعاني مستويات أعلى من الخلل الوظيفي، وانتهى به الحال مدانًا في جريمة وحاصلًا على حكم بالسجن مدة طويلة.
إذا فكرنا للحظات بشأن الوقت المناسب الذي يمكن لتدخلنا أن يكون أكثر فاعلية فيه من أجل مساعدة هذا الشاب على تجنب حياة الجريمة والحبس، فمن الواضح أنه كلما تمكَّنا من فعل ذلك مبكرًا، كانت فرصنا في مساعدته أفضل. فلو أنه تم تحويل هذا الشاب بعدما مَثُل أمام المحكمة وهو في سن المراهقة إلى برنامج مجتمعي يعمل على إصلاح عيوبه في التعلم ويتدرب فيه على العمل؛ لكان بإمكانه الانضمام إلى القوة العاملة وتأسيس حياة بناءة لنفسه في المجتمع. ربما ظل يعاني انهيارًا انفعاليًّا، لكن حالته كانت ستُكتشف سريعًا وكان سيحصل على الرعاية النفسية اللازمة لمساعدته على إعادة الاستقرار لحياته والعودة إلى العمل. على الجانب الآخر، لو أنه أُودع السجن في نهاية مرحلة المراهقة، فإن عجزه النفسي كان سيسفر بالتأكيد عن تعرضه للإيذاء وكان سيودع وحدة حبس مشدد، وربما كان العلاج النفسي الذي سيحصل عليه داخل السجن غير مناسب. الغرض من هذا المثال الافتراضي هو توضيح أن الاهتمام المبكر بالمشكلات التي يعانيها شاب مدان في جريمة، وتحويله إلى برنامج خارج المؤسسات العقابية، والبدء السريع في تقديم خدمات الصحة العقلية له عند الضرورة، كل ذلك يزيد بشكل هائل من احتمالية أن يصبح هذا الفرد في النهاية مواطنًا مُنتِجًا وملتزمًا بالقانون.
•••

لقد استعرضتُ بعض التغييرات في الأولويات والسياسات الاجتماعية التي من شأنها تحسين الأوضاع في سجوننا على نحو كبير، بالإضافة إلى تخفيف المعاناة عن المدانين المضطربين عقليًّا. ويمكن إضافة الكثير من التوصيات الأخرى لهذه القائمة من التغييرات. لكن ما أريد توضيحه هو أننا بحاجة للبدء في إجراء تغييرات على المستويات الثلاثة جميعها؛ فالوضع المأساوي في سجوننا يحتاج إلى تحرك عاجل.
(?) بعض البرامج النموذجية

ليس هناك نظام سجون مثالي على حد علمي؛ فمعظم السجون الأمريكية تعاني الازدحام الشديد، وتقدم فرصًا قليلة للغاية لإعادة التأهيل، وتتسم فيها خدمات الصحة العقلية بالقصور الشديد، وتتضمن وحدات حراسة مشددة تسبب ذهانًا. ومع ذلك، توجد داخل هذه الأنظمة الزاخرة بالعيوب بعض المحاولات الجريئة لإقامة برامج إنسانية ومبتكرة وفعالة. وحتى إذا فشلت هذه المحاولات في نهاية المطاف، فمن الجدير دراسة الخبرة التي نحصل عليها بتعاملنا مع الفئات الفرعية من السجناء كي نتمكن من تحديد أنواع البرامج الفعالة في إعادة تأهيل هؤلاء السجناء، والتخطيط لليوم الذي ستسمح فيه سياسات عدالة جنائية أكثر منطقية للهيئات العقابية بالاستفادة من النماذج لإقامة أنظمة سجون أفضل. ومن المفيد كذلك البحث عن نماذج فعالة خارج الولايات المتحدة الأمريكية.
(?-?) البرامج النموذجية في السجون الأمريكية

ثمة استثناءات للسياسات القاسية السائدة في السجون الأمريكية حاليًّا، إذ تعكس بعض البرامج النموذجية مستوًى متميزًا من الاكتراث باحتياجات السجناء. لكن معظم البرامج النموذجية صغيرة للغاية بحيث لا يمكنها الوصول إلى أغلبية السجناء. وفي كثير من الأحيان، تتوقف هذه البرامج النموذجية بمجرد أن تبدأ في تحقيق أثر إيجابي، ويكون ذلك غالبًا لأسباب غير واضحة. وفي الوقت نفسه، تعاني السجون من استقبال أعداد هائلة من السجناء الجدد، والازدحام الناتج عن ذلك يعيق كل الجهود الرامية لإعادة تأهيل السجناء.
يحتوي كل نظام سجون على مشروعاته المفضلة وبرامجه النموذجية. ويخضع القبول في هذه البرامج عادةً لقيود صارمة. على سبيل المثال، مثلما ذكرت في الفصل الخامس، يحتوي نظام سجن النساء بكاليفورنيا على برنامج إقامة في المجتمع يمكن للسجينات الحوامل الاستفادة منه حتى يضعن حملهن ويتمتعن بفرصة التعرف على أطفالهن. لكن الاشتراك في هذا البرنامج يقتصر فقط على السجينات اللاتي ينتمين للمستوى الأمني المنخفض، كما أن الأماكن فيه محدودة للغاية. في واقع الأمر، معظم السجينات لا يشعرن على الإطلاق بوجود هذا البرنامج. لذا، على الرغم من أنه أمر جيد للغاية أن يضع نظام سجن كاليفورنيا برنامجًا يسمح لعدد قليل من السجينات بإنجاب أطفالهن خارج أسوار السجن، فمن القسوة حرمان نسبة كبيرة من السجينات الحوامل داخل السجن من هذه الفرصة.
أسست السجينة/الكاتبة كاثي بودين12 برنامجًا للأمهات في سجن بيدفورد هيلز بنيويورك يُسمَّى «الأمومة عن بُعد». وتقود بودين مجموعات للسجينات الأمهات مُصمَّمة على غرار المجموعات الهادفة لرفع الوعي لدى النساء التي ظهرت في نهاية ستينيات القرن العشرين. في هذه المجموعات، تتحدث النساء عن شعورهن بالعجز والخزي والذنب تجاه عدم وجودهن مع أطفالهن. ويروين قصصًا عن الانتهاكات التي يتعرضن لها والتعجيز الذي يعانينه. ويمنحن أنفسهن القوة عن طريق استماع بعضهن لقصص البعض، وقبول بعضهن البعض على الرغم مما قد تكون عانته وفعلته كلٌّ منهن في الماضي. ويتحدثن عن مشاعرهن كأمهات وكيف يمكنهن أن يصبحن أمهات أفضل، حتى من داخل السجن. من الأمثلة الأخرى أيضًا على البرامج النموذجية مشروع سجن سانتا كروز13 للنساء الذي أسسته كارلين فيث ومتطوعون آخرون في مؤسسة كاليفورنيا الإصلاحية للنساء في سبعينيات القرن العشرين. اكتشف القائمون على المشروع أن السجينات أكثر ذكاءً بكثير مما يفترضه السجَّانون. فجاء متوسط نتائج معدل الذكاء للسجينات في اختبار ستانفورد بينيه ???، وهو ما يزيد بدرجة ملحوظة عن المتوسط لدى جميع المواطنين. قدم القائمون على المشروع دورات تدريبية، وتوصلوا إلى أن السيدات شاركن بحماس، وأن عملية التعلم ساعدتهن في قضاء مدة عقوبتهن دون التورط في أية مشكلات. وذكر المعلمون كذلك أنهم تعلموا الكثير في أثناء عملهم مع السجينات. وأوضح البحث الذي أجرته فيث على النتائج أن ? في المائة فقط من السجينات اللاتي استكملن الدورات التدريبية بنظام الساعات عدن للسجن بعد خمسة أعوام من إطلاق سراحهن، في حين أنه يعود نحو ?? في المائة من النساء اللاتي لم يشاركن في هذه الدورات إلى السجن خلال هذه الفترة. ومثلما يحدث في أغلب الأحيان، أوقفت السلطات العقابية البرنامج في النهاية. فخضعت إدارة المؤسسات العقابية في كاليفورنيا لضغوط الحرَّاس الذين ادعوا أن البرنامج استهان بسلطتهم، وطردوا مشروع سجن سانتا كروز للنساء من مؤسسة كاليفورنيا الإصلاحية للنساء.
هناك كذلك تعاون بين إدارة المؤسسات العقابية في واشنطن14 وجامعة واشنطن لإنشاء برامج نموذجية لإدارة السجناء الذين يعانون أمراضًا عقلية خطيرة ومعالجتهم. على سبيل المثال، أقامت المؤسسة والجامعة مركزًا علاجيًّا للسجناء ذوي الحالات الحادة بعض الشيء في جزيرة ماكنيل حيث يعمل الأطباء النفسيون المجتمعيون مع موظفي المؤسسات العقابية على تصميم برامج علاجية تلبي الاحتياجات الأمنية. من جهود التعاون الأخرى بين إدارة المؤسسات العقابية بواشنطن وجامعة واشنطن «برنامج التقييم المتنقل»، الذي يتضمن فريقًا مكوَّنًا من أربعة موظفين من مؤسسات أخرى، ينتقلون إلى السجن الذي يوجد به سجين مضطرب عقليًّا يتسبب في شغب. يجري الفريق زيارة ويقيِّم الموقف. بعد ذلك، وحيث إن هذا الفريق مكون من أشخاص من خارج المؤسسة لم يسبق لهم إدارة السجين المعني المخل بالنظام، يوصي هذا الفريق بخطة إدارية تتضمن نصائح حول وضع السجين في بيئة علاجية خاصة بأمراض الصحة العقلية أو إيداعه وحدة حبس عقابي. والزيارة التي يقوم بها فريق متنقل مكون من موظفين من مؤسسات أخرى يضفي بعض الموضوعية على المواقف التي استعدى بها هذا السجين الموظفين المحليين، ولا يشعر هؤلاء الموظفون بأي نوع من التعاطف معه. وينعقد الأمل في أن يساعد علم الموظفين المحليين بإمكانية استدعائهم فريقًا زائرًا متنقلًا إلى أي سجن على تجنب الإنهاك والإحباط.
هناك أيضًا بعض البرامج النموذجية الواعدة التي تعد جزءًا من البدائل المجتمعية للحبس وبرامج ما بعد إطلاق السراح من السجن، ولا سيما تلك المخصصة للمدانين من الشباب. وأفضل هذه البرامج تشمل التعاون بين مقدمي رعاية الصحة العقلية في المجتمع وموظفي رعاية الصحة العقلية في المؤسسات العقابية، والفِرق المتعددة التخصصات التي تقدم مجموعة متنوعة من الخدمات، والاتصالات بين جهات التدريب الوظيفي والمؤسسات التعليمية في المجتمع، والدعم من جهات تنفيذ القانون والمحاكم للجهود التي تهدف لإحالة المجرمين غير العنيفين الذين يعانون أمراضًا عقلية إلى بيئات علاجية خارج المؤسسات العقابية.
وهناك العديد من البرامج النموذجية المثيرة للإعجاب. وأتمنى أن يستغل نظام السجون بأكمله يومًا ما المعرفة المجمعة لهذه البرامج لتأسيس نهج أفضل تسير عليه المؤسسات العقابية.
(?-?) النماذج العالمية15

ينبغي أن نتذكر دائمًا أن كل دولة لها أسلوبها الخاص بها في التعامل مع الإجرام والعدالة الجنائية. وتتنوع معدلات الجريمة وممارسات إصدار الأحكام، وكذلك المواقف العامة تجاه الأهداف الاجتماعية للسجن. ومع ذلك، من خلال دراسة البرامج وسياسات المؤسسات العقابية التي تعمل على نحو جيد على ما يبدو، يمكننا تصور تحسينات جيدة يمكن أن تُطبق في المؤسسات العقابية بالولايات المتحدة الأمريكية.
على سبيل المثال، يبدو النهج الذي تتعامل به الدنمارك مع السجون مستنيرًا للغاية. فيرى الدنماركيون أن السجون ليست سوى فرع من فروع الخدمات الاجتماعية خاص بالمواطنين الذين ضلوا طريقهم. وينظرون للجريمة في سياق التعليم والتوظيف والفرص الاجتماعية والاقتصادية. وعلى الرغم من أنهم لا يؤمنون بأن السجون فعالة في إعادة تأهيل المجرمين، فإن لديهم التزامًا صارمًا بتوفير بيئة آمنة وإنسانية للأشخاص الذين حُكِم عليهم بقضاء مدة في السجن كعقوبة على جرائمهم.
والأحكام في الدنمارك أقصر بكثير عادةً مقارنة بنظيراتها في الولايات المتحدة. على سبيل المثال، المدانون بجرائم السطو والسرقة يُحكَم عليهم في المتوسط بقضاء أربعة إلى ستة أشهر في السجن، بينما يكون المتوسط في الولايات المتحدة أربعة وأربعين شهرًا في جرائم السطو، وسبعة وثلاثين شهرًا في جرائم السرقة. وعلى عكس الأمريكيين، لا يعتقد الدنماركيون أن ظروف السجن القاسية تؤدي إلى ردع الجريمة، ولديهم فكرة تفاؤلية بأن أغلبية المجرمين سيستقيمون في حياتهم إذا مُنِحوا فرصة ثانية.
وتختلف السجون الدنماركية أيَّما اختلاف عن السجون الأمريكية؛ فهي أصغر كثيرًا من السجون الأمريكية. وبينما يحتوي السجن الواحد في الولايات المتحدة عادةً على عدة آلاف من السجناء، يقتصر عدد السجناء في أيٍّ من السجون الدنماركية على نحو مائتين. ويعتقد الدنماركيون أن صغر حجم السجون يمكِّن السجناء والموظفين من تعرُّف بعضهم على بعض، والتوصل إلى سبل بناءة لتسوية الخلافات بينهم. ولا شك أن مستوى العنف منخفض للغاية بين موظفي السجون والسجناء في الدنمارك.
ومن الجوانب المثيرة للإعجاب حقًّا في فلسفة المؤسسات العقابية بالدنمارك مفهوم إيداع سجين واحد في كل زنزانة. فيعتقد الدنماركيون أن أي سجين يحتاج إلى خصوصية ومكان يهرب فيه من بيئة السجن المليئة بالتوترات؛ كي يتمكن من إعادة تقييم حياته ويصلح من نفسه. ويُسمَح للسجناء أيضًا بتزيين زنزاناتهم؛ ما يعني أن السجون في الدنمارك ليست بنفس القدر من الكآبة التي يتسم بها الكثير من السجون الأمريكية.
وإلى جانب تحمل مسئولية الأمن في السجون، يعمل موظفو السجون كذلك موجهين ومعلمين واختصاصيين اجتماعيين. ويضطلعون بمسئولية الإشراف على السجناء وتدريبهم على المهارات التي افتقروا إليها عند ارتكابهم لجرائمهم. ويُتوقع من السجناء أن يعملوا ويحضروا الفصول المدرسية؛ فالتكاسل ليس مسموحًا به في السجون الدنماركية.
ومن السمات الأخرى للسجون الدنماركية الدعم الذي يقدمه الموظفون لاستمرار الروابط الأسرية والمجتمعية. فمتى كان ممكنًا، يوضَع السجناء في مؤسسات عقابية بالقرب من منازلهم. ويتم تشجيع الأسر على زيارة ذويهم في السجون. ويُسمَح كذلك بالتسريح المؤقت للسجناء كمكافأة على حسن السير والسلوك. ويُجرِّب الدنماركيون الآن نظام «السجون المفتوحة» الذي يُرسَل فيه السجناء من المستويات الأمنية المنخفضة إلى المجتمع للعمل أثناء النهار، ثم يعودون إلى السجن ليلًا للمبيت.
تتبنى دول أخرى أيضًا برامج نموذجية، حتى لو لم يتمتع نظام السجون بأكمله داخلها بنفس القدر من التنوير الذي يتمتع به نظام الدنمارك. على سبيل المثال، في نظام السجون المكسيكي، الذي يتضمن مؤسسات عقابية قاسية ذات إجراءات أمنية مشددة، توجد مستوطنة تريس مارياس العقابية المخصصة للمدانين الفيدراليين الذين يقضون مدد عقوبة طويلة جدًّا. يمكن في هذه المستوطنة لأسر السجناء الانضمام لذويهم على إحدى الجزر الثلاث المكوِّنة للمؤسسة، ويُمنَح السجناء فرصًا مهنية وترفيهية على درجة عالية من الإنسانية، ويتمكنون من المحافظة على مهاراتهم الاجتماعية وروابطهم الأسرية وهم يعدون أنفسهم لإطلاق سراحهم في النهاية.
تتمتع هولندا كذلك بأحد أقل معدلات الحبس مقارنةً بأية دولة صناعية متقدمة أخرى. وتلتزم هذه الدولة بمنع الازدحام في السجون. وكما يفعل الدنماركيون، يتمسك الهولنديون بقاعدة إيداع سجين واحد في كل زنزانة؛ لأنهم يؤمنون بأن السجناء — كغيرهم من المواطنين — لهم الحق في الخصوصية والراحة.
هذه بعض الأفكار المستمدة من دول أخرى. ولا تتمتع أيٌّ من الدول التي ذكرتها بسجل مثالي في هذا الشأن. وليس من المناسب كذلك مقارنة معدلات العودة للإجرام فيما بينها؛ وذلك لأن معدلات الجريمة الإجمالية تختلف اختلافًا كبيرًا من دولة لأخرى. لكن من المفيد دائمًا الاستعانة بالأفكار الناجحة. لك أن تتخيل فقط منح السجناء زنزانات خاصة بهم وحدهم في سجون أصغر حجمًا وغير مزدحمة، وتمتعهم بزيارات جيدة من أحبائهم الذين يعيشون على مقربة منهم، ومشاركتهم في التدريب المهني والبرامج التثقيفية، وحصولهم على نصائح من الحرَّاس الذين يثقون بهم. يا له من تناقض هائل بين هذا الوضع وبين ما يحدث في الولايات المتحدة! فكم سيقل عدد الانهيارات الانفعالية التي تحدث خلف القضبان إذا نُفِّذت هذه الرؤية، وكم سيزيد عدد السجناء الذين سيتمكنون من الاستقامة في النهاية بعد خروجهم من السجن!
•••

إن برامج علاج الصحة العقلية وإعادة التأهيل بالمؤسسات العقابية لن تنجح إلا إذا أراد واضعو السياسات وموظفو السجون وعامة الناس لها النجاح. فإذا أراد المجتمع علاج السجناء فيه وإعادة تأهيلهم، وإذا تمكَّن المُشرِّعون من التصدي للفئة الأعلى سلطة وصوتًا التي تنادي بأحكام أكثر قسوة وتُشكك في جدوى إنفاق الأموال على السجون والشرطة، وإذا صار عامة الناس أكثر سماحةً، فقد يشهد نظام المؤسسات العقابية عهدًا جديدًا تمامًا. في الفصل الأخير من هذا الكتاب، سأناقش المنطق المعيب للقانون والنظام؛ ذلك المنطق الذي يعيق تقدمنا. كذلك سوف أقدم تصورًا للرؤية التي نحتاج إليها لتحقيق هذا التقدم.

الفصل الحادي عشر
وَهْم القانون والنظام


إن أحد أهم أسباب عدم رغبة عامة الناس في منح المجرمين فرصة لإعادة تأهيل أنفسهم أو توفير العلاج المناسب للسجناء المضطربين عقليًّا هو المنطق السائد للقانون والنظام. وهذا المنطق له العديد من الآثار السلبية على المجرمين المصابين بأمراض عقلية. فنظام المحاكم الذي لديه إصرار على تطبيق عقوبة قاسية على المجرم لن يضع على الأرجح في الاعتبار الحالة العقلية للمجرم أثناء اتخاذ القرار بشأن كونه مذنبًا أم لا وإصداره حكمًا عليه. وعندما يصل عدد كبير من السجناء المضطربين عقليًّا إلى السجون، ويعانون الظروف القاسية داخلها، لا تُقابَل شكواهم من القسوة والمعاملة غير اللائقة اللتين يتعرضون لها بقدر كبير من التعاطف.
لذا، إذا أردنا أن نُصلح سجوننا وأن يحصل المصابون بأمراض عقلية على رعاية ملائمة، فسنحتاج إلى أن نفهم سبب قبول عدد كبير من الناس بالمنطق المعيب للغاية الذي يستند إليه نظام السجون، وأن نرفض خطة إيداع عدد متزايد من المواطنين في مؤسسات شديدة القسوة، وأن نؤسس نهجًا أفضل للتعامل مع المشكلات المرتبطة بالجريمة والإعاقة العقلية.
(?) المنطق المعيب للقانون والنظام

يشير منطق القانون والنظام إلى أن عددًا معينًا من الأشخاص الطالحين في المجتمع هم المسئولون عن الجريمة والعنف. وإذا أمكن تحديد هوياتهم وحبسهم فترات طويلة للغاية، فسوف تصبح الشوارع آمنة للمواطنين الملتزمين بالقانون. والمنادون بفرض القانون بأسلوب أكثر صرامة، وإصدار أحكام أكثر قسوة، وتطبيق قانون اعتياد الإجرام (عند إدانة المجرم بثلاث جرائم أو أكثر) يرغبون أيضًا في إيقاف برامج التأهيل، وحرمان السجناء من نشاط رفع الأثقال في ساحات السجون والعلاج الجماعي وإمكانية الوصول للمحاكم وكل صور «التدليل» الأخرى. والمجتمع الذي يتبنى هذا المنطق لا يمكن أن يسمح لنفسه بالاهتمام بمعاناة السجناء المصابين بأمراض عقلية الذين يُحبَسون ويختفون عن أنظار عامة الناس.
لكنَّ هناك عيوبًا خطيرة في هذا المنطق. على سبيل المثال، من غير الممكن عمليًّا اكتشاف جميع العناصر الإجرامية، ناهيك عن إلقاء القبض عليهم. فنسبة كبيرة من جرائم العنف يرتكبها شباب لم يقضوا من قبل أية مدة في السجن، ولا يبدو أن العقوبات الأكثر قسوة ستردعهم عن ارتكاب أعمال عنف. بالإضافة إلى ذلك، لا تؤدي كل الجرائم وعمليات الاعتقال إلى الإدانة، ومن ثم يظل عدد هائل من المعتدين طلقاء في المجتمع، بغض النظر عن مدى صرامة نظام العدالة الجنائية.
والمشكلة الأكبر في منطق القانون والنظام هي الاعتقاد الساذج والخطير للغاية المتمثل في أنه بما أن قسوة حياة السجن وعدم الاستعداد للاستقامة يجعلان الأفراد الطالحين أكثر غضبًا وميلًا للتورط في أعمال إجرامية بعد إطلاق سراحهم؛ فإنهم لذلك يكونون أكثر خطرًا على المجتمع مقارنةً بأي وقت مضى؛ ولذلك يجب ألا نسمح لهم أبدًا بالخروج من السجن.
(?-?) إخفاء المدانين

يتحدث علماء الاجتماع عن خط فاصل بين الفقير الذي يستحق الرعاية وذلك الذي لا يستحقها. فنحن نؤمن بأن الأشخاص الذين يعانون إعاقات بدنية يستحقون إعانات الإعاقة والرعاية الطبية؛ لأنه من المفترض أن ما يعانونه من بلاء ليس لهم يد فيه. لكننا ننظر إلى المجرمين على أنهم لا يستحقون الإعانات الحكومية؛ وذلك لأنهم اختاروا الجريمة، ويجب أن يواجهوا العواقب بغض النظر عن مدى قسوتها وعدم إنسانيتها.
ويبدو أن السجناء المصابين باضطرابات عقلية قد نُقِلوا إلى فئة «غير المستحقين» للرعاية. فعندما يُدان شخص ما يعاني مرضًا عقليًّا خطيرًا بجريمة ما ويُودع السجن، تتوقف إعانات الإعاقة التي يحصل عليها، ويتم «إخفاؤه» في عالم وحشي لا يحصل فيه غالبًا على رعاية ملائمة، وسرعان ما تُنسَى معاناته. وعندما يدير عامة الناس ظهورهم لهؤلاء الأشخاص الموجودين خلف الأسوار، تتدهور الأحوال داخل السجون على نحو سريع للغاية، خاصةً فيما يتعلق بالسجناء المصابين بأمراض عقلية.
ويبدو كذلك أن المواقف التي تتخذ إزاء الأشخاص المحرومين من حقوقهم تختلف باختلاف الوضع الاقتصادي. ففي العصر الحالي الذي نعاني فيه وضعًا اقتصاديًّا غامضًا بالنسبة إلى الجميع عدا الأكثر ثراءً، ثمة نوع من عدم الأمان واسع الانتشار واتجاه سائد من الاهتمام بالذات وعدم الاكتراث بالآخرين الذين لا يمكنهم الاعتناء بأنفسهم، مثل المشردين والمهاجرين والأمهات المراهقات اللاتي يحصلن على إعانات اجتماعية، والمعاقين، والمجرمين بشكل خاص. وتعاطفنا مع «المعوزين» في أدنى مستوًى له.
إذا نظرنا، على سبيل المثال، إلى موقفنا من التشرد، فسنجد أنه بدلًا من المطالبة بتوفير المزيد من المساكن المنخفضة التكلفة كي لا يضطر أحد إلى التشرد، هناك مطالبات بسنِّ مزيد من القوانين والقرارات الرسمية ضد المشردين كما لو كانت هناك رغبة في نفيهم خارج المدن. يجب أن نشير هنا إلى أن التشرد في حد ذاته لم يكن جريمة حتى تزايد ظهور المشردين الشحاذين عند ماكينات الصرف الآلي. فعندما شعر الناس المترفون بالانزعاج، حُبِس المشردون. وتتبارى المدن حاليًّا فيما بينها في إصدار قرارات رسمية لتجريم الجلوس أو النوم في الشوارع العامة، أو إقامة خيام في المتنزهات، أو التسول عند مخارج الطرق السريعة. وتجريم التشرد — الذي يُعَد أحد الأساليب التي يتخلص بها هذا المجتمع من الفقراء وعدد من الأشخاص المصابين بإعاقات نفسية — يمحي رسائل التذكير اليومية بالظلم البيِّن المتمثل في وجود حالات تشرد في أغنى دولة في العالم؛ وبذلك، تزداد أعداد السجناء بالسجون.
كقاعدة عامة، كلما ارتفعت مكانة الشخص على السلم الاجتماعي الاقتصادي، ازداد اهتمام عامة الناس بآلامه. فالقصة الإنسانية لممثل سينمائي أو مدير تنفيذي يعاني السرطان تتمتع باهتمام عدد أكبر بكثير من الناس، مقارنةً، مثلًا، بتقرير صدر حديثًا عن توصل الأبحاث إلى أن نسبة صغيرة فقط من الأشخاص الذين يخرجون من نظام الرعاية الاجتماعية ينجحون في الحصول على عمل. ويقل على نحو صادم أيضًا اهتمام عامة الناس بالعدد المتزايد للمشردين الذين يصابون بالالتهاب الرئوي والسُّل ويموتون في مدننا.
وكما هو الحال مع معاناة الفقراء في المجتمع، لا تحظى الصدمات المتكررة في حياة السجناء بقدر كبير من اهتمام عامة الناس. وعلى الرغم من أن المعالِجين يسارعون إلى التطوع بتقديم خدماتهم للناجين من أية كارثة طبيعية أو حادث إطلاق نار في المدارس لمنع إصابة الضحايا باضطراب توتر ما بعد الصدمة، فإن عددًا قليلًا للغاية من هؤلاء المعالِجين يتطوعون لدخول السجون للعمل مع النساء والرجال الذين تعرضوا للاعتداء على نحو متكرر منذ طفولتهم. وفي الواقع، عدد قليل للغاية من اختصاصيي رعاية الصحة العقلية يهتمون بالعمل في المؤسسات العقابية. وربما يرجع السبب في ذلك إلى معرفتهم بالمخاوف الأمنية التي تجعل عادةً التدخلات الطبية السريرية أمرًا صعبًا. وخدمات رعاية الصحة العقلية في السجون، التي تعاني نقص التمويل وتزايد الطلب عليها، لا يمكنها منح السجناء الذين تعرضوا لاعتداء من جانب الحرَّاس أو وقعوا ضحية للاغتصاب فرصة للتعبير عن معاناتهم. وعدد قليل للغاية فقط من السجناء يتمتعون بفرصة الجلوس مع معالج نفسي والتحدث معه عن الاعتداء البدني والجنسي الذي تعرضوا له وهم أطفال، أو العنف الأسري الذي عانوه وهم بالغون.
(?-?) الخوف والانتقام

لماذا يستمر الناخبون في دعم الساسة الذين يطالبون بأحكام حبس أكثر قسوة ويوجهون قدرًا متزايدًا من الموارد العامة لبناء السجون وإدارتها على حساب جميع البرامج الاجتماعية الأخرى؟ المسألة لا تقتصر هنا على المنطق فحسب. فإذا أردنا بناء المزيد من السجون، فلا بد أن يقتنع عامة الناس اقتناعًا تامًّا بأن حبس «الطالحين» في المجتمع سيشفي الأمراض الاجتماعية التي نعانيها. ووفقًا للاقتراعات، فإن الجريمة والعنف هما المرضان الاجتماعيان اللذان يثيران معظم المخاوف العامة. وتأتي الرعاية الصحية، والإسكان، ومعاناة محدودي الدخل في مرتبة متأخرة على قائمة أولويات الناخبين.
وتركز عناوين الصحف الرئيسية وأكثر الأفلام رواجًا على جرائم العنف، بينما تؤدي البرامج التليفزيونية التي تتناول جرائم القتل والتشويه إلى تحفيز المشاهدين على الاتصال بهذه البرامج والإدلاء بمعلومات تتعلق بأماكن أشهر القتلة. ومن خلال تركيز وسائل الإعلام على أشد مخاوف الناس، يؤدي عرضها للجريمة والعنف إلى زيادة هذه المخاوف أكثر من اللازم مقارنة بالخطر الحقيقي الموجود في الشارع — تذكر أن معدلات الجريمة مستقرة أو انخفضت بضع درجات — وبالطبع هذا التضخيم يؤدي إلى زيادة عدد المشاهدين؛ ومن ثم، فإن الجمهور الذي أُثيرت لديه مخاوف غير عقلانية من المجرمين لا يمانع على الأرجح عند توجيه الأموال العامة للمؤسسات العقابية وتعرض السجناء لمعاملة وحشية.
لكن الخوف ليس السبب الوحيد وراء تمسك المجتمع بمنطق القانون والنظام. فثمة فكرة أخرى تُطرح دائمًا في وسائل الإعلام، وهي التوق للانتقام من جانب ضحايا الجرائم وأسرهم. ويعلق الطبيب النفسي كارل منينجر في عمله المميز عن العقاب وإعادة التأهيل على هذا الموقف لعامة الناس قائلًا: «يكمن السر الأعظم واللغز المحيِّر وراء عدم مبالاة عامة الناس الواضحة تجاه الجريمة والاقتراحات المتعلقة بمزيد من السيطرة على عالم الجريمة في الرغبة الدائمة في الانتقام.»1 روت لي إحدى الصديقات مؤخرًا عن تعرضها للسرقة في الشارع تحت تهديد السلاح. وهددها المجرم باغتصابها إذا لم تسلمه حقيبتها ومجوهراتها بأسرع وقت ممكن، وظلت تعاني كوابيس على مدى ليالٍ عديدة تحلم فيها بتعرضها للاغتصاب والقتل. ثم تحولت دفة حديثنا وبدأنا نتخيل أن الشخص الذي اعتدى عليها قد أُمسك به، وضُرب حتى أوشك على الموت، ثم سُلِّم للشرطة ليُودع السجن ويعرف شعور من يتعرض للاغتصاب.
والتخيلات المتعلقة بالانتقام أمر مفهوم على المستوى الشخصي. فهي توفر فرصة للتنفيس عن مشاعر الغضب واستعادة الشعور المفقود بالقدرة والسيطرة. لكن كسياسة اجتماعية، يكون دافع الانتقام مدمرًا للغاية؛ فالإبادة الجماعية، على سبيل المثال، تُبرَّر دائمًا بالانتقام من أعمال وحشية ارتكبها ضحايا هذه الإبادة أو أسلافهم. وقد يبدو أن السجون التي يعامل فيها السجناء بوحشية توفر مزيدًا من الأمان في الشارع وتُشبع الرغبة في الانتقام لدى ضحايا الجرائم العنيفة، لكنه صار من الواضح تمامًا أن المعاملة القاسية ونقص فرص إعادة التأهيل تزيد من احتمالية انفعال المجرمين بعد إطلاق سراحهم وتنفيسهم عن غضبهم المتزايد عن طريق مزيد من أعمال العنف.
إن الانتقام ليس بالسياسة الاجتماعية الجيدة. فالمواطنون الذين يرون في المجرمين مصدر خوفهم الوحيد ويجعلون الانتقام جزءًا محوريًّا من سياستهم الاجتماعية سرعان ما يكتشفون أن هذا النوع المستشري من الاستياء وانعدام الثقة يمكن أن ينتقل إلى جماعات أخرى في أي وقت. وعندما يسيطر الانتقام على عقلانية العامة؛ تتزايد الأنانية وانعدام الثقة، بينما تضعف معنويات المجتمع.
(?-?) خلق مشكلة أكبر

ثمة خلل كبير في منطق القانون والنظام، وهو أنه عند التعامل مع السجناء بوحشية وتجاهل احتياجاتهم العاطفية، يصبحون أكثر غضبًا وتزداد احتمالية تكرارهم للأعمال غير القانونية التي أدت إلى دخولهم السجن، سيصبح بعضهم أكثر ميلًا للعنف. والمجرمون الذين كانوا مضطربين عقليًّا بالفعل عند دخولهم السجن سيصبحون أكثر اضطرابًا، والآخرون الذين كانوا مستقرين عاطفيًّا قبل دخولهم السجن سيُجن جنونهم.
وفي حين أنه من المهم أن نوضح أن السجناء المضطربين عقليًّا أكثر ميلًا للعنف من السجناء غير المضطربين، فإن هناك مجموعة فرعية من السجناء تمثل تهديدًا خطيرًا للغاية على الأمن العام، وهم السجناء الذين يجدون صعوبة في التحكم في انفعالاتهم ويقضون معظم مدة عقوبتهم في الحبس الانفرادي. فعند ازدحام السجون، يصبح السجناء خاملين نسبيًّا ويقضي عدد كبير منهم وقتهم في وحدات الحبس المشدد؛ ويرتكب عدد معين من السجناء السابقين — لكن ليس أغلبهم — جرائم مروعة سريعًا بعد إطلاق سراحهم. فهل من الحكمة إذن أن يوضع السجناء الذين لم يُدانوا بجرائم عنف والمصابون بأمراض عقلية والمجرمون العنيفون معًا في مؤسسات عقابية شديدة الازدحام ويتم معاملتهم فيها بوحشية؟
عندما كنت في ميشيجان لتقديم شهادتي في قضية كين ضد إدارة المؤسسات العقابية بميشيجان، علَّق مات ديفيز — وهو المتحدث الرسمي لهذه الإدارة — في الأخبار التليفزيونية على مخاوفي من أن السياسة المقترحة التي تحرم السجناء من معظم أغراضهم الشخصية سوف يكون لها آثار سيئة للغاية على صحتهم العقلية، وقال: «كان عليهم أن يفكروا في ذلك قبل ارتكابهم لجرائم السرقة والاغتصاب والقتل. فهذا ما فعله هؤلاء السجناء. هؤلاء السجناء ليست لهم هوية إنسانية. وإنما هم سجناء، وارتكبوا خطايا وآثامًا لا تُغتفَر في حق مواطني ميشيجان.»
لا شك أن السيد ديفيز، بصفته ممثلًا لإدارة مؤسسات عقابية كبيرة، على وعي بحقيقة أن أغلبية السجناء لم «يقتلوا أو يغتصبوا» أحدًا، ولا بد أنه يعلم أيضًا أن معاملة الناس على أساس أنهم ليس لهم «هوية إنسانية» لا يؤدي إلا إلى أنهم سيصيرون أكثر غضبًا وأقل التزامًا بالقانون. إن منطق القانون والنظام يدعو للمبالغة والانحراف في كل شيء.
ويرد مناصرو القانون والنظام على المخاوف المتعلقة بإطلاق سراح السجناء الذين تعرضوا لمعاملة وحشية داخل السجون بقولهم: «هذا بالضبط ما نحاول إثباته، فالمجرمون أشخاص أشرار ومعظمهم بحاجة لحبسهم وعدم إطلاق سراحهم إلى الأبد.» بعبارة أخرى، سواء أكان ازدحام السجون ونقص برامج العلاج النفسي وإعادة التأهيل واللجوء للحبس المشدد تزيد جميعها من خطورة السجناء أم لا، فإن الحل في الحالتين لدى هؤلاء المناصرين هو قضاء المزيد من الوقت في السجن في ظل ظروف أكثر قسوة.
هذا الرد — شأنه شأن اقتراح السيد ديفيز بمعاملة السجناء على أنهم ليس لهم «هوية إنسانية» — يمكن أن يؤدي إلى وقوع كارثة. فهنا يتجلى الجنون في موقف المجتمع حاليًّا من السياسات العقابية. فإما أن نحتفظ بعدد هائل من السجناء خلف الأسوار لما تبقى من حياتهم، وإما أن ننشئ مؤسسات عقابية تسفر في الواقع عن مزيد من التهديدات للأمن العام.
وعليَّ أن أقرَّ هنا أننا كمصلحين تقدميين للسجون نضعف حُجتنا في كل مرة يظهر فيها تجاهلنا لمخاوف الناس الشديدة بشأن الجريمة، أو عندما نحاول الاستهانة بحقيقة أن هناك بالفعل بعض الأشخاص يرتكبون أمورًا شنيعة ويستحقون بقاءهم في السجون فترة طويلة من الوقت. فلا بد أن نولي مخاوف الناس الواقعية للغاية مزيدًا من الاهتمام. والقول إن السجناء يجب ألا يتعرضوا للمعاملة الوحشية أو إن مَن يعانون اضطرابات عقلية يجب أن يتلقوا علاجًا مناسبًا لا يعني أنه ينبغي تركهم يفلتون من العقاب. لكن قولنا إن ما نفعله بالسجناء يجعلهم أكثر يأسًا وتهديدًا للأمن العام ليس معناه أنه ينبغي حبسهم إلى الأبد.
(?) المخطط الخفي وراء فكرة السجون

أي شخص يكلف نفسه عناء جمع الحقائق، ويتجنب الانحرافات غير الموضوعية الناتجة عن الخوف والرغبة في الانتقام، ويحلل بجدية الأسلوب الذي تُدار به السجون، سيتوصل إلى نتيجة مفادها أن هذه السجون قد صُمِّمت لتفشل. لا شك أن نجاح أو فشل أي مؤسسة يجب قياسه بناءً على مدى تحقق أهدافها. ولعل وضوح الفشل المتأصل في تصميم السجون يوضح سبب الإخفاق الذريع لنظامنا العقابي في «إصلاح» الأشخاص المودعين السجون. ولا شك أن استكشاف هذه المشكلة يجعلنا نتساءل عن المستفيدين من هذا الفشل. مَن أبصروا الخلل في منطق القانون والنظام يصلون في النهاية إلى تصور أكثر عقلانية لمنظومة مصالح تتربح من وراء السجون تعزز المنطق الخاطئ بهدف زيادة الأرباح والسلطة.
(?-?) هل السجون مُصمَّمة لتفشل؟

نحن نعلم أن الازدحام الشديد في السجون يؤدي إلى ارتفاع معدلات العنف والانهيار النفسي والانتحار، لكننا نواصل الدفع بأعداد أكبر من الناس إلى داخل السجون. ونعلم أن برامج التأهيل المعدة جيدًا تساعد السجناء على الاستعداد للاستقامة بينما يسفر خمولهم عن عنف واضطراب انفعالي، ومع ذلك نستمر في حلِّ برامج إعادة التأهيل بالسجون. ونعلم أن السجناء الذين يشاركون في محاضرات جامعية يقل للغاية معدل عودتهم إلى الإجرام، ومع ذلك نمنع السجناء من استغلال منح بيل الفيدرالية للحصول على الدورات الجامعية. ونعلم أن التدخل الطبي النفسي السريع والفعال في حالات الانهيار النفسي الحادة يؤدي إلى نتائج أفضل ويخفف من وطأتها، لكن خدمات الصحة العقلية في مؤسساتنا العقابية تعاني مع ذلك قصورًا شديدًا؛ ما يجعل الكثير من السجناء المصابين بالذهان يضطرون للانتظار فترة طويلة كي يتم تشخيص حالاتهم وفترة أطول كي يُنقَلوا إلى وحدة داخلية للمرضى ذوي الحالات الخطيرة. ونعلم أن الزيارات الجيدة ترتبط ارتباطًا قويًّا بنجاح السجين في التكيف مع المجتمع بعد إطلاق سراحه، لكننا مع ذلك نضع السجون ذات الإجراءات الأمنية المشددة بعيدًا عن المراكز السكانية ونخلق حواجز بيروقراطية لا نهاية لها أمام الزيارات الأسرية التي يحصل عليها السجناء.
نحن نعلم كذلك أن الحبس الانفرادي في وحدات الحبس المشدد يؤدي إلى مشكلات حادة بالصحة العقلية، لكننا نواصل إرسال أعداد متزايدة من السجناء، بمن فيهم المصابون باضطرابات عقلية خطيرة، إلى وحدات الحراسة المشددة. ونعلم أن إطلاق سراح السجناء من وحدات الحبس الانفرادي مباشرةً إلى المجتمع يسفر على الأرجح عن فشلهم في التأقلم وربما أيضًا عن ارتكابهم جرائم عنف، لكننا مع ذلك نجبر عددًا متزايدًا من السجناء على الخروج من وحدات الحبس الانفرادي مباشرةً إلى المجتمع، مع قدر بسيط أو معدوم من التخطيط لما بعد إطلاق السراح.
لماذا يستمر المجتمع في دعم منطق القانون والنظام مع أنه من الواضح أنه صُمم ليفشل؟ إذا انتقلنا للحظات إلى جانب آخر من السياسة العامة، فسنجد أن جوناثان كوزول يشير إلى أن المدارس الحكومية لا تفشل، وإنما تنجح، لكن علينا أن ندرك أن الوظيفة التي أُسست من أجلها هذه المدارس ليست هي توفير التعليم لجميع الأطفال، وإنما متابعة الأطفال، وتدريب الفقراء منهم على خفض توقعاتهم، وعلى إلقاء اللوم على غبائهم فيما يتعلق بوضعهم المتدني، بينما تعمل المدارس على إعداد طلاب الطبقة المتوسطة والعليا للنجاح في الجامعة وما بعدها.
وبالمثل، يبدو أن الأهداف في نظام السجون الحالي لا تتعلق بوقف الجريمة وإصلاح المجرمين، وإنما الهدف هو العكس تمامًا؛ فقد أصبحت السجون تجارة كبيرة للغاية! فمَن يجنون الأرباح من بناء المؤسسات العقابية وتزويدها بما تحتاج إليه، ويديرون السجون الخاصة، ويستثمرون في قطاع السجون يزدادون ثراءً عندما تفشل السجون في إصلاح السجناء وإعادة تأهيلهم.
وأصحاب المصالح الذين يعملون على التوسع في السجون يدركون بالتأكيد المشكلات المتأصلة في النظام العقابي الذي تتزايد قسوته باستمرار. ويعلمون أن حرمان السجناء المصابين بأمراض عقلية من الرعاية النفسية الملائمة وحبسهم في وحدات حبس انفرادي يجعلهم أكثر خطرًا عند إطلاق سراحهم. لكنهم يواصلون مع ذلك بناء السجون الجديدة ومعاملة السجناء بقسوة. وهدفهم واضح تمامًا؛ فهم يريدون حبس المزيد من الناس لمدد زمنية أطول؛ الأمر الذي سيعود عليهم بمزيد من الأرباح والسلطة، على الرغم من علمهم بأن ذلك لن يجعل شوارعنا أكثر أمانًا.
وعامة الناس بالطبع نادرًا ما يفكرون في مثل هذه الأمور. وفي السنوات الأخيرة، تحقق نجاح كبير في إخراس كل مَن قد يدفعوننا لإعادة النظر في توجهنا الداعم للأحكام الأكثر قسوة؛ ما جعل أي سياسي أو قاضٍ يفكر في الكشف عن حماقة السياسات العقابية الحالية يقلق بشأن تدمير فرصه في الفوز بأي انتخابات قادمة.
لكن عندما نفكر قليلًا في أوجه التناقض، مثل تلك التي ذكرتها بشأن السجناء الذين يعانون اضطرابات عقلية خطيرة، يتضح لنا أن السياسات العقابية الحالية قد صُممت لتفشل. ومَن يستفيدون من هذا الفشل لديهم من الوقاحة ما يجعلهم يستخدمون هذا الفشل ذاته — المتمثل في المعدل المتزايد للعنف والانهيارات العقلية في السجون، بالإضافة إلى تزايد معدل تكرار القبض على السجناء بعد إطلاق سراحهم — لتبرير إنفاقهم المزيد من الأموال على السجون!
(?-?) منظومة التربح من وراء السجون2

يمثل أصحاب المصالح الذين يتربحون من التوسع في السجون شبكة متداخلة. ولتحديد اللاعبين الرئيسيين في هذه المنظومة، ليس علينا سوى أن نسأل أنفسنا مَن سيسعده تزايد أعداد السجون والسجناء. هناك على الأقل سبع مجموعات واضحة سيسعدها ذلك: (?) الساسة الذين يستخدمون خطاب القانون والنظام لكسب الأصوات والبقاء في مناصبهم وترهيب ناخبيهم وغيرهم من الساسة ليدفعوهم إلى دعم القوانين التي يؤيدونها، وجماعات المصالح الخاصة التي تجعل التوسع في السجون جزءًا من أجندة أعمالها. والشركات التي تجني أكثر الأرباح من التوسع في نظام السجون تمثل نسبة كبيرة من أهم المساهمين في تمويل حملات هؤلاء الساسة.
(?) المسئولون الفيدراليون ومسئولو الولايات والهيئات الحكومية التي تهيمن على العدالة الجنائية والمؤسسات العقابية وتسعى لزيادة ميزانياتها وسلطتها. فعندما يكون هناك عنف في السجون، ويفشل السجناء السابقون في حياتهم ويلزم إيداعهم السجون من جديد، يمكن أن تبرر الجهات والإدارات التي يتبعونها مطالباتها بميزانيات أكبر.
(?) موظفو السجون. على سبيل المثال، يُعَد اتحاد ضباط شرطة السجون بكاليفورنيا أحد أقوى الاتحادات وأهم جماعات الضغط في كاليفورنيا. يزيد مرتب الحارس عن ?? ألف دولار في العام، وقد شارك اتحادهم بأكبر مساهمة في حملة إعادة انتخاب بيت ويلسون — حاكم ولاية كاليفورنيا سابقًا والمناصر للقانون والنظام — عام ????.
(?) الشركات الخاصة والمقاولون الذين يجنون أرباحًا من بناء السجون وتشغيلها، بمن فيهم المطورون والمقاولون الذين يشيدون السجون والموردون الذين يوردون الأشياء إليها مثل الأغذية والملابس الموحدة والأسلحة ومعدات الأمن.
(?) شركات السجون الخاصة3 التي تتعاقد مع الولايات والمقاطعات لإدارة المؤسسات العقابية مقابل الحصول على أرباح. على سبيل المثال، شركة «كوريكشنز كوربوريشن أوف أمريكا» — وهي شركة هادفة للربح تتعاقد مع الولايات لإدارة المؤسسات العقابية — حصلت على التصنيف الخامس بين أفضل الشركات من حيث الأداء في بورصة نيويورك على مدار الأعوام الثلاثة الأخيرة. فقفز سعر سهم هذه الشركة من ? دولارات في عام ???? إلى ?? دولارًا في عام ????. وقيمة جميع أسهم الشركة قفزت من ?? مليون دولار عندما طرحت أسهمها للجمهور عام ???? إلى ما يزيد عن ??? مليارات دولار في أكتوبر ????. وارتفعت أرباح الشركة بنسبة ?? بالمائة في عام ???? وحده. وكلما زاد عدد السجناء وطالت مدة بقائهم في السجون، زادت الأرباح وارتفعت قيمة الأسهم. وبالطبع، لكي تزيد الأرباح، لا بد أن تقلل هذه الشركات من مستوى الأمن وعدد موظفي الرعاية الصحية، وتخفض من المصروفات التي تنفَق على إعادة تأهيل السجناء المدمنين، والاستشارات العلاجية، وبرامج محو الأمية.
(?) موردو القطاع الخاص للخدمات الصحية وخدمات الصحة العقلية بالسجون. كما هو الحال في شركات الرعاية الموجَّهة في المجتمع، يكون لدى موردي القطاع الخاص دافع مادي وراء تقديم عدد أقل من الخدمات الأقل تكلفة. ومن ثم، إذا اعتبِر سجين ما «مشاغبًا» وليس «مجنونًا» وأُودِع وحدة حبس عقابي، يقل عدد السجناء الذين يحتاجون إلى علاج نفسي.
(?) الشركات الهادفة للربح التي تستغل عمالة السجناء.4 فتكتشف الكثير من الشركات أن السجناء يقدمون عملًا يمكن الاعتماد عليه بأجر منخفض للغاية. تمنع لوائح السجون السجناء من إبرام صفقات مباشرة أو التفاوض مع هذه الشركات بشأن شروط العمل، ويكون متوسط أجر السجين ?? سنتًا في الساعة. ويكون لدى السجناء رغبة كبيرة في العمل، حتى مع الأجور المتدنية؛ وذلك لأنهم من دون عمل سيصابون بالخمول والانهيار.
لذا، ومع توسع نظام السجون، توصل العديد من الأفراد والمؤسسات إلى سبل لجني الأرباح والسلطة من هذه الظاهرة. وكانت النتيجة هي منظومة تتربح من وراء السجون تزدهر من خلال فشلها في «إصلاح» السجناء، مع تحقيقها نموًّا وجمعها أرباحًا ضخمة على حساب جميع الخدمات والأولويات العامة الأخرى.
(?-?) الواقع الاقتصادي

ينطوي نظام السجون على الكثير من المشكلات، مثل المعاملة الوحشية للسجناء والاعتداء على الكثيرين منهم والتمييز العنصري بحبس عدد كبير من المواطنين الشباب الملونين والإجراءات القاسية غير الدستورية اللازمة لتنفيذ هذا المخطط والعواقب الوخيمة التي تؤثر على الناس خارج السجون من أسر السجناء والجماعات التي ينتمون إليها والمجتمع بوجه عام.
يخاف الكثير من الناس خوفًا شديدًا من وقوع جرائم في الشارع، ولديهم قناعة كبيرة بضرورة الانتقام من المجرمين، وقد اعتادوا على معاناة السجناء بدرجة تجعلهم لا يسمحون للمجادلات المنطقية و«الإنسانية» أن تزحزحهم عن إيمانهم بفكرة حبس هؤلاء المجرمين وتجاهلهم وإهمالهم داخل السجون. لعل الجانب الاقتصادي لهذا الموقف هو الذي سيؤدي إلى قبولهم في النهاية لهذه المجادلات. ففي الوقت الذي يتسم فيه معدل الجريمة بالاستقرار النسبي، نواصل إنفاق نسبة متزايدة من الأموال العامة الشحيحة على السجون على حساب البرامج الاجتماعية المهمة الأخرى، مثل المدارس والصحة العامة.
على سبيل المثال، أنفقت ولاية كاليفورنيا ? بالمائة من ميزانيتها على السجون عام ???? و?? بالمائة منها على التعليم العالي. وفي عام ????، أنفقت الولاية ? بالمائة من ميزانيتها على السجون و? بالمائة على التعليم العالي. ومنذ عام ????، فاق الإنفاق على السجون الإنفاق على التعليم العالي بكثير. والإنفاق بجميع أنحاء الولايات المتحدة على السجون الحكومية ارتفع أسرع من أية فئة إنفاق أخرى في السنوات العشرين الماضية. وفي هذه الفترة الزمنية نفسها، تراجع الإنفاق على كلٍّ من التعليم الأساسي والطرق السريعة والرعاية الاجتماعية ورعاية الصحة العامة. ولا تقتصر الكارثة الاقتصادية على ذلك فحسب،5 فتقر وزارة العدل الأمريكية بأنه في مقابل كل ??? مليون دولار تنفقها الهيئات التشريعية بالولايات على إنشاء السجون الجديدة، يلتزم دافعو الضرائب بتسديد ما يزيد عن ??? مليار دولار على مدار العقود الثلاثة التالية لتشغيل هذه المرافق الجديدة. من الواضح أن منطق القانون والنظام ما هو إلا حماقة من المنظور الاقتصادي. لكننا إذا أردنا تجاوز هذا «المنطق» وما يبرره من زيادة كبيرة في معدلات الحبس، فسنحتاج إلى خطة بديلة.
(?) خطة ناجحة

فيما يتعلق بسياسة العدالة الجنائية، نحن أمام مفترق طرق. وإذا سلكنا الطريق الخاطئ، فسيكون من الصعب للغاية الرجوع فيه. فإذا واصلنا إنفاق الأموال على السجون وإيداع أعداد كبيرة من المواطنين منخفضي الدخول السجون ليتعرضوا بداخلها لمعاملة وحشية، فسنواجه بذلك كارثة اجتماعية. والأشخاص الذين نودعهم السجون ليقضوا حياتهم فيها سيتمثل رد فعلهم تجاه إنكار إنسانيتهم في الغضب والمقاومة. وسيزيد الغضب والجنون والجريمة، وستُفرَض أيضًا عقوبات أكثر قسوة. وكل تجديد أمني داخل المؤسسات العقابية ستزداد تكلفته، وسيؤدي إلى ضرورة إنفاق نسبة أكبر من الأموال العامة على السجون. والناجون من السجن سيقل احتمال نجاحهم في حياتهم بعد إطلاق سراحهم، وسيعود عدد أكبر منهم للمخدرات والجريمة. ولن تكون الشوارع أكثر أمانًا، وإنما ستصبح المنظومة المتربحة من وراء السجون قطاعًا أقوى في اقتصادنا ونظامنا السياسي على نحو سيجعلها تهزم أية معارضة لمخططاتها المريبة.
ونتيجة لذلك، ستقل الموارد العامة المخصصة للرعاية الصحية والتعليم وخدمات حماية الأطفال والمكتبات وصيانة الطرق … إلخ. وقد قال أندرو يونج6 — كما لو كان يتصور هذا السيناريو — عند زيارته لسجون جنوب لوس أنجلوس بعد الاضطرابات التي أثارتها تبرئة الضباط الذين ضربوا رودني كينج: «لا يمكنكم احتجاز ما يكفي من الرجال لتحظوا بالسلام!» •••

على الجانب الآخر، إذا رفضنا تنفيذ منطق القانون والنظام كي نتفادى نتائجه المأساوية، فلا بد من أن نتخذ الخطوات التالية لتعديل نظام السجون المدمِّر الذي شاهدناه في السنوات الأخيرة: (?) يجب أن نكسر حاجز الصمت حول الأهوال التي تشهدها سجوننا باستمرار. ولا بد أن نعرف ما يحدث داخل هذه السجون، ثم نعلن للجميع عن هذه الأخبار السيئة. فلا يمكننا أن نسمح باستمرار صور الوحشية والقسوة التي وصفتها فيما يتعلق بالسجناء المضطربين عقليًّا. ويجب أن يطالب الناس بالسماح بدخول الصحافة إلى السجون ومقابلة السجناء والموظفين. وبعد ذلك، يجب الضغط على الصحافة وغيرها من وسائل الإعلام لتغطية هذه الأحداث.علاوة على ذلك، على جميع فروع الحكومة البدء في إجراء تحقيقات لتحديد السبب وراء معاناة الكثير من السجناء اضطرابات عقلية خطيرة، وسبب قسوة الظروف في السجون وافتقارها للإنسانية، وما يمكننا فعله لضمان توفير العلاج الملائم للأمراض العقلية. ويجب أيضًا تمكين لجان المراجعة المؤلفة من المواطنين وَجِهات المساعدة القانونية ذات التمويل الجيد وغير الهادفة للربح والمؤسسات الرقابية من إجراء تحقيقات متزامنة والتأكد من أن التحقيقات الحكومية دقيقة وصادقة، وتؤدي إلى إصلاحات مهمة.
(?) يجب أن نقيِّم جوانب الفشل في نظام الصحة العقلية العام خارج السجون، ونصحح ما يعانيه هذا النظام من خلل ونحن نبذل أقصى جهودنا للإبقاء على الأشخاص الذين يعانون أمراضًا عقلية حادة ومستديمة خارج السجون.
(?) يجب أن نغيِّر مواقفنا تجاه المجرمين — فهم لا يزالون بشرًا — وتجاه الأفراد الذين لديهم ميل للإجرام، بمن فيهم المشردون وأصحاب الدخول المنخفضة والمهاجرون والمصابون بأمراض عقلية خطيرة والملونون. وفيما يتعلق بتجريم الأفراد ذوي الاضطرابات العقلية، يجب أن نعيد النظر في التوجه السائد في النظام القضائي بعدم الاهتمام بحالة المجرمين العقلية عند إدانتهم وإصدار الأحكام عليهم. ولا أعني هنا ضرورة تبرئة جميع هؤلاء المجرمين، وإنما أشير فقط إلى أن وضع الحالة العقلية في الاعتبار يجب أن يؤدي إلى إحالة نسبة كبيرة من المدانين الذين سبق لهم الإصابة باضطرابات عقلية خطيرة إلى برامج علاج آمنة.
(?) علينا إصلاح السجون وتغييرها لتصبح مؤسسات تحترم الحياة الإنسانية والحقوق الدستورية لجميع المواطنين. ومثلما أوضحت في الفصل العاشر، تتمثل أهم هذه التغييرات في إعادة تأسيس برامج تثقيف وإعادة تأهيل هادفة، وبذل أقصى الجهود لتعزيز معدل تكرار الزيارات وجودتها، ووضع نهاية لوحدات الحراسة المشددة وغيرها من صور الحبس المشدد والحبس الانفرادي طويل المدى، وبذل الجهود المشتركة لزيادة العدالة في جلسات الاستماع التأديبية وتصنيف السجناء. وبطبيعة الحال، نظرًا لأن المدانين المصابين بأمراض عقلية يعانون قدرًا هائلًا من الآلام، وتتفاقم إعاقاتهم عندما يُتركون دون عمل أو نشاط في سجون شديدة الازدحام، وعندما يتم إيداعهم وحدات الحراسة المشددة، فإن هذه الإصلاحات سيكون لها فائدة كبيرة بالنسبة إلى المدانين المصابين بأمراض عقلية.
(?) نظرًا لأنه ليس من الممكن أن نمنع تمامًا حبس المجرمين المصابين بأمراض عقلية، ولأن عددًا معينًا من السجناء سيجن جنونهم داخل السجون حتى لو تغلبنا على أسوأ صور الاعتداء في السجون، يجب علينا أن نؤسس برامج علاج شاملة وعالية الجودة للصحة العقلية داخل السجون. ولقد أوضحت خطة لتحقيق ذلك في الفصل العاشر.
(?) يجب أن ننقل التغييرات في نظام العدالة الجنائية التي أوضحتها في الفصل العاشر إلى حيز التنفيذ. ويأتي على قمة أولويات هذه التغييرات إحالة الأشخاص الذين لم يرتكبوا جرائم خطيرة أو عنيفة — مثل مَن يُقبَض عليهم في جرائم متعلقة بالمخدرات ولا تتضمن ضحايا — إلى برامج خارج السجون، مثل برامج إلزامية لعلاج تعاطي المخدرات في المجتمع. وتأتي على رأس القائمة أيضًا ضرورة إنهاء التمييز العرقي في إصدار الأحكام والقضاء على نمط إصدار أحكام أطول في مدتها وأشد قسوة على الملونين كعقوبة لهم على كافة أنواع الجرائم تقريبًا.
(?) إذا أردنا تحقيق إصلاح حقيقي في نظام العدالة الجنائية، يجب أن نهتم بمعاناة مَن تجاهلناهم في السابق. وبدلًا من إيداع الفقراء السجون، يجب أن نبذل ما في وسعنا للقضاء على الفقر، والبدء في محاولة جادة لإعادة تأسيس شبكة الأمان الاجتماعي التي عملنا على تعزيزها خلال سنوات «الحرب على الفقر».
مثلما ذكرت في الفصل العاشر، يمكننا أن نبدأ في محاربة المشكلات الاجتماعية عن طريق الاهتمام بمشكلات الشباب المضطرب. لقد قارن الباحثون في مؤسسة راند7 بين تكاليف الحبس وفعاليته وتكاليف برامج التدخل المبكر وفوائدها على الشباب المعرض للخطر، وتوصلوا إلى أن التدخل المبكر أكثر فاعلية وأقل تكلفة من الحبس. لذا، نحن بحاجة إلى وضع برامج تثقيف وتدريب مهني أفضل في الأحياء الفقيرة. فلماذا لا نزيد من استثماراتنا في الشباب — من خلال الإرشاد النفسي مثلًا وجلسات حل المشكلات الجماعية لمساعدتهم في البقاء بعيدًا عن المخدرات والعصابات — لكي نوفر الكثير من الأموال التي تُنفَق على السجون؟ إن جميع مَن تحدثت معهم ممن يعملون مع الشباب المضطرب — بمن فيهم السجناء السابقون الذين يمثلون نسبة كبيرة جدًّا بين المرشدين النفسيين الذين يساعدون الشباب المضطرب، وهو ما يثير الإعجاب — يشيرون إلى أنه من الممكن تحقيق مكاسب هائلة. والمرشدون النفسيون المخلصون في جميع المجتمعات المنخفضة الدخول في الولايات المتحدة يحاولون مساعدة الشباب على إدراك حقيقة أن المرء لا يحقق في النهاية إلا ما يتصوره لنفسه؛ لذلك ينبغي عليهم استهداف ما هو أعلى من الموت أو السجن.
يمثل السجن اعتداءً على قدرة المرء على التصور والتخيل. فكل ما يراه أي سجين في مستقبله هو قضبان حديدية وشجارات في ساحة السجن ووحدات حبس انفرادي أكثر تأمينًا وصرامة. ما الذي يحفزه إذن لحضور فصول دراسية أو تعلم أية حرفة؟ التقيت سجينًا أمريكيًّا من أصل أفريقي، كان يصلح حائطًا لحق به الضرر بسبب الأمطار، وقد لخص لي هذا الأمر قائلًا: «إن أي مقاول لن يستأجر شخصًا أسود أُدين من قبلُ ولديه سجل يتعلق بتعاطي المخدرات، بينما يوجد الكثير من البيض الذين لا علاقة لهم بالمخدرات أو الإجرام يبحثون عن عمل في مجال الإنشاءات.» ولذا، فإن هذا الرجل تخلى عن أية فكرة تتعلق بتحسين حاله. وكلما ازدادت أحوال السجون سوءًا، قلَّ احتمال احتفاظ السجناء برؤية إيجابية عن مستقبلهم. يجب تشجيع السجناء على استعادة أسباب الأمل، واسترجاع قدرتهم على تصور مستقبل بنَّاء.
إنه لمن الحماقة الشديدة مواصلة حبس عدد كبير من الأفراد، ومعاملتهم بوحشية، والإلقاء بهم في نفس المؤسسات التي يوجد فيها من يعانون اضطرابات عقلية خطيرة. ومن خلال تصوُّر مجتمع يحل مشاكله الاجتماعية ككل دون العمل على «إخفاء» عدد كبير من أفراده وإلغاء مواطنتهم، يمكننا أن نمضي قدمًا في وضع خطة منطقية ومنخفضة التكاليف وإنسانية لإدارة سجوننا وتوزيع خدمات الصحة العقلية على الأفراد الذين يعانون اضطرابات نفسية.

الملاحظات


تمهيد

(1) Deinstitutionalization: Lamb, R. H. “Improving Our Public Mental Health Systems.” Archives of General Psychiatry, 1989, 4(6), 743-744; Bachrach, L. L. An Overview of Deinstitutionalization. New Directions for Mental Health Services. San Francisco: Jossey-Bass, 1993; Johnson, A. B. Out of Bedlam: The Truth About Deinstitutionalization. New York: Basic Books, 1991; and Shenson, D., Dubler, N., and Michaels, D. “Jails and Prisons: The New Asylums?” American Journal of Public Health, 1990, 80(6), 655-656. (2) Willie’s story: Corcoran, Kevin. “Sick Justice.” The Times (Munster, Indiana), September 14, 1997. (3) Prisons contain (statistics): U.S. Department of Justice, Bureau of Justice Statistics. “Sourcebook of Criminal Justice Statistics,” online at http://www.albany.edu/sourcebook, 1996; Donziger, S. R. (ed.). The Real War on Crime: The Report of the National Criminal Justice Commission. New York: Harper Perennial, 1996. (4) Rate of second arrests: Tonry, M. “President Clinton, Mandatory Minimums, and Disaffirmative Action.” Tikkun, Nov./Dec., 1997. (5) “Replacement effect”: Hagan, J. “The Imprisoned Society: Time Turns a Classic on Its Head.” Sociological Forum, 1995, 10(3), 519–525. (6) Comparison of crime and imprisonment rates in the fifty states: Irwin, J., and Austin, J. It’s About Time: America’s Imprisonment Binge. Belmont, California: Wadsworth, 1994; and Selke, W. L. Prisons in Crisis. Bloomington: Indiana University Press, 1993. الجزء الأول: أزمة الصحة العقلية

الفصل الأول: المصابون بأمراض عقلية خلف القضبان

(1) The prevalence of mental disorders: Steadman, H. J., Monahan, J., Harstone, E., et. al. “Mentally Disordered Offenders: A National Survey of Patients and Facilities.” Law and Human Behavior, 1982, 6, 31–38; Smith, R. “How Many Mentally Abnormal Prisoners?” British Medical Journal, 1984, 288, 309–313; Norman & Cotton Associates, Young and Standard Consulting Corporation. Current Description, Evaluation, and Recommendations for Treatment of Mentally Disordered Criminal Offenders: Vol. 1, Introduction and Prevalence (The Stirling Report). Sacramento: California Department of Corrections, Health Care Services, 1987; Teplin, L. A. “The Prevalence of Severe Mental Disorder Among Male Urban Jail Detainees: Comparison with the Epidemiologic Catchment Area Program.” American Journal of Public Health, 1990, 80(6), 663–669; Hodgins, S. “Assessing Mental Disorder in the Criminal Justice System: Feasibility Versus Clinical Accuracy.” International Journal of Law and Psychiatry, 1995, 8(1), 15–28; Jemelka, R., Trupin, E., and Chiles, J. A. “The Mentally Ill in Prisons: A Review.” Hospital and Community Psychiatry, 1989, 40(5), 481–491; Cote, G., and Hodgins, S. “Co-occurring Mental Disorders Among Criminal Offenders.” Bulletin American Academy of Psychiatry and Law, 1990, 8(3), 271–281; Lamb, H. R., and Weinberger, L. E. “Persons with Severe Mental Illness in Jails and Prisons: A Review.” Psychiatric Services, 1998, 49(4), 483–492. (2) Breakdowns during incarceration: Toch, H. Mosaic of Despair: Human Breakdowns in Prison. Washington, D.C.: American Psychological Association, 1975, 1992; Cohen, S., and Taylor, L. Psychological Survival: The Experience of Long-Term Imprisonment. New York: Vintage, 1974. (3) Aaron’s story: “Inmate’s Condition Deteriorates as Push for Appeal Drags On.” Houston Chronicle, June 29, 1997. (4) Women Prisoners (statistics): Bureau of Justice Statistics. Women in Prison: Survey of State Prison Inmates. Washington, D.C.: Bureau of Justice Statistics, 1991; E. Rosenblatt (ed.). Criminal Injustice: Confronting the Prison Crisis. Boston: South End Press, 1996, pp. 130–135. (5) Testify: Kupers, T. Testimony in Gates v. Deukmejian, No. CIV. 2–87–1636–LKK. Reporter’s Transcript of Proceedings, October 23, 1989, pp. 160-161. (6) Goffman, E., Asylums. Garden City, N.Y.: Anchor Books, 1961; Scheff, T. Being Mentally Ill: A Sociological Theory. Chicago: Aldine, 1966. الفصل الثاني: لماذا يُصاب الكثير من السجناء باضطرابات عقلية؟

(1) Early childhood trauma: Amaya-Jackson, L., and March, J. S. “Posttraumatic Stress Disorder in Children and Adolescents.” Child and Adolescent Psychiatric Clinics of North America, Vol. 2: Anxiety, Philadelphia: Saunders, 1993, 639–654; Bell, C., and Jenkins, E. “Traumatic Stress and Children in Danger.” Journal of Health Care for the Poor and Underserved, 1991, 2, 175–185; Breslau, N., Davis, G. C., Andreski, P., and Peterson, E. “Traumatic Events and Posttraumatic Stress Disorder in an Urban Population of Young Adults.” Archives of General Psychiatry, 1991, 48, 216–222; Burton, D., Foy, D., Bwanausi, C., Johnson, J., and Moore, L. “The Relationship Between Traumatic Exposure, Family Dysfunction, and Post-traumatic Stress Symptoms in Male Juvenile Offenders.” Journal of Trauma Stress, 1994, 7, 83–93; Cooley-Quille, M., Turner, S., and Beidel, D. “Emotional Impact of Children’s Exposure to Community Violence: A Preliminary Study.” Journal of the American Academy of Child and Adolescent Psychiatry, 1995, 34, 1362–1368; Garbarino, J., Kosteiny, K., and Dubrow, N. No Place to Be a Child. San Francisco: Jossey-Bass, 1991; Shakoor, and Debora, C. “Co-Victimization of African-American Children Who Witness Violence: Effects on Cognitive, Emotional and Behavioral Development.” Journal of the National Medical Association, 1991, 83, 233–238. (2) Massachusetts study: Delinquent Youth and Family Violence: A Study of Abuse and Neglect in the Homes of Serious Juvenile Offenders. Common wealth of Massachusetts. Boston, Department of Youth Services, 1985. (3) Link between trauma and criminal behavior: Collins, J., and Bailey, S. “Traumatic Stress Disorder and Violent Behavior.” Journal of Traumatic Stress, 1990, 3(2), 203–220; Steiner, H., Garcia, I. G., and Matthews, Z. “Posttraumatic Stress Disorder in Incarcerated Juvenile Delinquents.” Journal of the American Academy of Child and Adolescent Psychiatry, 1997, 36(3), 357–365; Kupers, T. A. “Trauma and Its Sequelae in Male Prisoners: Effects of Confinement, Overcrowding, and Diminished Services.” American Journal of Orthopsychiatry, 1996, 66(2), 189–196. (4) Crowding: Calhoun, J. “Population Density and Social Pathology.” Science, 1962, 206, 139–148; D’Atri, D. “Psychophysiological Responses to Crowding.” Environment and Behavior, 1975, 7, 237–251; Ekland-Olson, S. “Crowding, Social Control, and Prison Violence: Evidence from the Post-Ruiz Years in Texas.” Law and Society Review, 1986, 20, 289–421; Paulus, P. B., McCain, G., and Cox, V. C. “Death Rates, Psychiatric Commitments, Blood Pressure, and Perceived Crowding as a Function of Institutional Crowding.” Environmental Psychology and Nonverbal Behavior, 1978, 3, 107–117; Thomberry, T., and Call, J. “Constitutional Challenges to Prison Overcrowding: The Scientific Evidence of Harmful Effects.” Hastings Law Journal, 1983, 35, 313–353. (5) The SHU Syndrome: Grassian, S. “Psychopathological Effects of Solitary Confinement.” American Journal of Psychiatry, 1983, 140(11), 1450–1454; Grassian, S., and Friedman, N. “Effects of Sensory Deprivation in Psychiatric Seclusion and Solitary Confinement.” International Journal of Law and Psychiatry, 1986, 8, 49–65; Hodgins, S., and Cote, G. “The Mental Health of Penitentiary Inmates in Isolation.” Canadian Journal of Criminology, 1991, 175–182. (6) Women housed in supermaximum control units: Korn, R. Excerpts from a report on the effects of confinement in the Lexington High Security Unit. In Churchill, W., and Vander Wall, J. J. (eds.). Cages of Steel: The Politics of Imprisonment in the United States. Washington, D.C.: Maisonneuve Press, 1992, pp. 123–127. (7) 40 percent are functionally illiterate: The Center on Crime, Communities, and Culture. “Education as Crime Prevention.” Research Brief, Occasional Paper Series, September 1997, Vol. 2. New York: Center on Crime, Communities, and Culture (888 Seventh Ave., NY, NY 10106). الفصل الثالث: فشل برامج الصحة العقلية الحالية

(1) Declaration: Kupers, T. Coleman v. Wilson, No. CIV S 90–0520 LKK-JFM, February 16, 1993. U.S. District Court, Eastern District of California, Ninth Circuit. (2) Standards: National Commission on Correctional Health Care. Standards for Health Services in Prisons. Chicago: National Commission on Correctional Health Care, 1997; American Psychiatric Association, Psychiatric Services in Jails and Prisons. APA Task Force Report. Washington, D.C.: American Psychiatric Association, 1989; American Public Health Association, Standards for Health Services in Prisons. Washington, D.C.: USPHA, 1986. (3) Suicide: Smialek, J., and Spitz, W. “Death Behind Bars.” Journal of the American Medical Association, 1978, 240, 256370-256371. (4) Burnout: Maslach, C., and Leiter, M. P. The Truth About Burnout: How Organizations Cause Personal Stress and What to Do About It. San Francisco: Jossey-Bass, 1997. الجزء الثاني: ما يحدث خلف القضبان

الفصل الرابع: العُنصريَّة: خطر يهدد الصحة العقلية

(1) Racial disparity in sentencing: Petersilia, J. “Racial Disparities in the Criminal Justice System.” Prepared for the National Institute of Corrections, U.S. Department of Justice (R-2947-NIC), by the Rand Corporation, 1983; Mauer, M. “Young Black Americans and the Criminal Justice System: Five Years Later.” Washington, D.C.: The Sentencing Project, 1995; Donziger, S. (Ed). The Real War on Crime: The Report of the National Criminal Justice Commission. New York: Harper/Collins, 1996; Miller, J. G. Search and Destroy: African-American Males in the Criminal Justice System. New York: Cambridge University Press, 1996; Davidson, J. “Caged Cargo: African-Americans Are Grist for the Fast-Growing Prison Industry’s Money Mill.” Emerge, October, 1997, 36–46. (2) Human Rights Watch team: Human Rights Watch Cold Storage: Super-Maximum Security Confinement in Indiana. New York: Human Rights Watch, 1997. (3) Prison gang-containment policies: Kassel, P. The Gang Crackdown in Massachusetts’ Prisons: Arbitrary and Harsh Treatment Can Only Make Matters Worse. New England Journal on Criminal and Civil Confinement, 1998, 24, 1, 37–63. (4) One inmate gladiator: Weinstein, C. “Brutality at Corcoran.” Prison Focus, 1997, 1(1), 4-5. (5) Lease black convicts: Oshinsky, D. M. Worse Than Slavery: Parchman Farm and the Ordeal of Jim Crow Justice. New York: The Free Press, 1996. (6) O’Neil Stough. Personal communication, 1997. (7) California study: cited in Donziger (1996), p. 120. الفصل الخامس: مشكلات خاصة بالنساء

(1) Reasons they are incarcerated (statistics): Bureau of Justice Statistics. Women in Prison: Survey of State Prison Inmates. Washington, D.C.: Bureau of Justice Statistics, 1991; E. Rosenblatt (ed.). Criminal Injustice: Confronting the Prison Crisis. Boston: South End Press, 1996, pp. 130–135; Bloom, B. “Tracking the Population Explosion.” The Women’s Review of Books, 1997, 14(10-11), 7. (2) Depression in women prisoners: Velimesis, M. L. “Sex Roles and Mental Health of Women in Prison.” Professional Psychology, 1981, 12(1), 128–135; Policy Research Associates. “The Mental Health Services Needs of Women in the Criminal Justice System.” Report to the National Institute of Justice, Washington, D.C., October, 1994. (3) Geraldine: “Breaking the Cycle: Two Ex-Convicts Talk about Life In and Out of Prison.” The Women’s Review of Books, 1997, 14(10-11), 12-13. (4) Bentham’s “Panopticon”: Foucault, M. Discipline and Punish: The Birth of the Prison. New York: Pantheon, 1977. (5) Complex PTSD: Herman, J. Trauma and Recovery: The Aftermath of Violence—from Domestic Abuse to Political Terror. New York: Basic Books, 1992. الفصل السادس: الاغتصاب واضطراب توتر ما بعد الصدمة

(1) The incidence of rape among men: Lockwood, D. Prison Sexual Violence. New York: Elsevier North Holland, Inc., 1980; Stuckman-Johnson, S., et. al. (1996). “Sexual Coercion Reported by Men and Women in Prison.” The Journal of Sex Research, 33(1), 67–76. (2) The incidence of rape of women prisoners: Human Rights Watch. “Sexual Abuse of Women Prisoners in the U.S.” In The Human Rights Watch Global Report on Women’s Human Rights. New York: Human Rights Watch, 1995, pp. 156–182; Human Rights Watch. All Too Familiar: Sexual Abuse of Women in U.S. State Prisons. New York: Human Rights Watch, 1996. (3) Suffolk County incident: Hodges, M. “Prison Rape.” Out, March, 1998. (4) James Dunn story: Rideau, W. “The Sexual Jungle.” In W. Rideau and R. Wikberg (eds.), Life Sentences: Rage and Survival Behind Bars. New York: Times Books, 1992, pp. 73–107. (5) Stop Prisoner Rape: Donaldson, D. Op-Ed: “The Rape Crisis Behind Bars.” New York Times, December 1993. Or contact Stop Prisoner Rape, P.O. Box 286, Village Station, New York, NY 10014. (6) Zelda’s story: Human Rights Watch. “Sexual Abuse of Women Prisoners in the U.S. in The Human Rights Watch Global Report on Women’s Human Rights. New York: Human Rights Watch, 1995, p. 165. (7) Dublin, California incident: San Francisco Examiner, September 29, 1996. (8) HIV and AIDS: Braithwaite, R. L., Hammett, T. M., and Mayberry, R. M. Prisons and AIDS: A Public Health Challenge. San Francisco: Jossey-Bass, 1996; Polych, C. “Punishment within Punishment: The AIDS Epidemic in North American Prisons.” Men’s Studies Review, 1992, 9, 13–17. الفصل السابع: ضعف التواصل مع الأحباء

(1) Research shows that continuous contact: Holt, N., and Miller, D. Explorations in Inmate-Family Relationships. Sacramento: California Department of Corrections, Research Report No. 46; 1972; Jorgensen, J. D., Hernandez, S. H., and Warren, R. C. “Addressing the Social Needs of Families of Prisoners: A Tool for Inmate Rehabilitation.” Federal Probation, 1986, 38, 47–52. (2) Research involving visitation and recidivism: Holt, N., and Miller, D. Explorations in Inmate-Family Relationships. Sacramento: California Department of Corrections, Research Report No. 46; 1972; Kupers, T. “Contact Between the Bars: A Rationale for Consultation in Prisons.” Urban Health, 1976, 5, 38-39. (3) California’s Family Visiting Program: Glaser, D. Preparing Convicts for Law-Abiding Lives: The Pioneering Penology of Richard A. McGee. Albany, New York: State University of New York Press, 1995, pp. 71–74. (4) Bus therapy: Martin, D. M. and Sussman, P. Y. Committing Journalism: The Prison Writings of Red Hog. New York: Norton, 1993. (5) A prisoner and his mother: Transcript of trial (November 10, 1983, pp. 435–548), Toussaint v. McCarthy, 597 F. Supp. 1388, 1393, Ninth Circuit, 1984. الفصل الثامن: الانتحار في السجون

(1) Suicide in jails: Smialek, J., and Spitz, W. “Death Behind Bars.” Journal of the American Medical Association, 1978, 240, 256370-256371; Hayes, L., and Kajdan, B. Final Report to the National Institute of Corrections on the National Study of Jail Suicides. Washington, D.C.: The National Center on Institutions and Alternatives, 1981; Hayes, L. “National Study of Jail Suicides: Seven Years Later.” Psychiatric Quarterly, 1989, 60(1), Spring; Hayes, L. Prison Suicide: An Overview and Guide to Prevention. Washington, D.C.: National Institute of Corrections, U.S. Department of Justice, June, 1995; B. Danto (ed.). Jail House Blues. Orchard Lake, Michigan: Epic Publications, 1973. (2) Suicide in prisons: Hayes, L. Prison Suicide: An Overview and Guide to Prevention. Washington, D.C.: National Institute of Corrections, U.S. Department of Justice, grant No. 93P01GHU1, June, 1995; Liebling, A. Suicides in Prison. London: Routledge, 1992. الجزء الثالث: مُقترَح جريء

الفصل التاسع: إمكانية مقاضاة السجون وحدود ذلك

(1) Frank “Big Black” Smith’s case: Prison Legal News, November, 1997. (2) Research on institutional dynamics: Haney, C., Banks, C., and Zimbardo, P. G. “Interpersonal Dynamics in a Simulated Prison.” International Journal of Criminology and Penology, 1973, 1, 69–97. (3) Indiana’s Maximum Control Facility: Human Rights Watch, Cold Storage: Super-Maximum Security Confinement in Indiana. New York: Human Rights Watch, 1997. الفصل العاشر: توصيات للعلاج وإعادة التأهيل

(1) Minimum standards for correctional health care: National Commission on Correctional Health Care. Standards for Health Services in Prisons. Chicago: National Commission on Correctional Health Care, 1997; American Psychiatric Association, Psychiatric Services in Jails and Prisons. APA Task Force Report. Washington, D.C.: American Psychiatric Association, 1989; American Public Health Association. Standards for Health Services in Prisons. Washington, D.C.: USPHA, 1986. (2) “Written policy and defined procedures …”: National Commission on Correctional Health Care. Standards for Health Services in Prisons. Chicago: National Commission on Correctional Health Care, 1997, p. 38. (3) We know how to prevent suicides: Hayes, L. Prison Suicide: An Overview and Guide to Prevention. Washington, D.C.: National Institute of Corrections, U.S. Department of Justice, grant No. 93P01GHU1, June, 1995. (4) Psychiatric Rehabilitation Programs: Anthony, W. A., and Liberman, R. P. “The Practice of Psychiatric Rehabilitation: Historical, Conceptual, and Research Base.” Schizophrenia Bulletin, 1986, 12(4), 542–559. (5) Hans Toch’s term for these felons: “Disturbed, Disruptive”: Toch, H. Corrections: A Humanistic Approach. Guilderland, New York: Harrow and Heston, 1997. (6) The presence of serious education programs in prison: The Center on Crime, Communities and Culture. Education as Crime Prevention. Research Brief, Occasional Paper Series, Vol. 2, 888 Seventh Ave., New York, New York 10106, September, 1997; Siegel, G. R. “A Research Study to Determine the Effect of Literacy and General Educational Development Programs on Adult Offenders on Probation.” Tucson, Arizona: Adult Probation Department for the Superior Court in Pima County, 1997; Molitor, G. T. “Should Prison Inmates Receive Education Benefits?” On the Horizon, 1994, 2(3), 9-10. (7) The efficacy of general prison rehabilitation programs: Martinson, R. “What Works? Questions and Answers About Prison Reform.” Public Interest, 1974, 3(5), 22–54; Martinson, R. “New Findings, New Views: A Note of Caution Regarding Sentencing Reform.” Hofstra Law Review, 1979, 7(2), 243–258; Gendreau, P., and Ross, R. “Effective Correctional Treatment: Bibliotherapy for Cynics.” Crime and Delinquency, 1979, 25, 463–489, 1979; Palmer, T. “The Effectiveness of Intervention: Recent Trends and Current Issues.” Crime and Delinquency, 1991, 37(3), 330–346. (8) Dr. Lige Dailey: Dailey, L. “Re-entry: Prospects for Postrelease Success.” In D. Sabo, T. Kupers, and W. London (eds.), Confronting Prison Masculinities: The Gendered Politics of Punishment. Philadelphia: Temple University Press, 1999, forthcoming. (9) Create smaller facilities: Many people have suggested this concept, but Steve Martin was the first to explain to me its benefits (Personal communication). (10) The National Criminal Justice Commission: see Donziger (1996); Irwin and Austin (1994); Jerome Miller (1996). (11) Create alternatives for offenders: National Coalition for Mental and Substance Abuse Health Care in the Justice System. Community Corrections in America: New Directions and Sounder Investments for Persons with Mental Illness and Codisorders. Seattle, Washington: The National Coalition for Mental and Substance Abuse Health Care in the Justice System, 1905 Seventh Ave. West, March, 1996. (12) Kathy Boudin. “Lessons from a Mother’s Program in Prison: A Psychosocial Approach Supports Women and Their Children.” Women and Therapy, 1998, 21(1), 103–126. (13) Santa Cruz Women’s Project: Karlene Faith. “The Politics of Confinement and Resistance.” In Rosenblatt, E. (ed.). Criminal Injustice: Confronting the Prison Crisis. Boston: South End Press, pp. 165–183. (14) Washington State Department of Corrections: Lovell, D., Rhodes, L., Dunnington, D., and Wilson, T. “Mobile Consultation: Sowing New Seeds in the Prison Culture.” In Allen, D., (ed.). Correctional Mental Health Collaboration. Seattle, Washington: University of Washington Correctional Mental Health Collaboration, 1995. (15) Worldwide Models: reviewed in Selke, W. I. Prisons in Crisis. Bloomington and Indianapolis: Indiana University Press, 1993. الفصل الحادي عشر: وَهْم القانون والنظام

(1) “The great secret …”: Menninger, K. The Crime of Punishment. New York: Viking, 1966, p. 190. (2) Prison-Industrial Complex: Donziger, S. (ed.). The Real War on Crime: The Report of the National Criminal Justice Commission. New York: Harper/Collins, 1996; Miller, J. G. Search and Destroy: African-American Males in the Criminal Justice System. New York: Cambridge University Press, 1996; Davis, Angela Y. “Race, Gender, and Prison History: From the Convict Lease System to the Supermax Prison.” In D. Sabo, T. Kupers, and W. London (eds.), Confronting Prison Masculinities: The Gendered Politics of Punishment. Philadelphia: Temple University Press, 1999, forthcoming. (3) Private prison corporations: Silverstein, K. “America’s Private Gulag.” Prison Legal News, 1997, 8(6), 1–4; and Bates, E. “Private Prisons.” The Nation, January 5, 1998, 11–18. (4) For-profit companies that utilize prisoner labor: Parenti, C. “Making Prisons Pay.” The Nation, January 29, 1996, 11–14. (5) The economic disaster does not end there: See Donziger (1996). (6) Young, A. In The Fire This Time. A film by Randy Holland. Los Angeles: Blacktop Films, 1994. (7) Researchers at Rand Corporation: Greenwood, P. W. Diverting Children from a Life of Crime: Measuring Costs and Benefits. Santa Monica, California: Rand Corporation, 1996.
القراءات الإضافية


Abbott, J. H. In the Belly of the Beast: Letters from Prison. New York: Vintage, 1982.
Abu-Jamal, M. Live from Death Row. New York: Addison-Wesley, 1995.
Braithwaite, R. L., Hammett, T. M., and Mayberry, R. M. Prisons and AIDS: A Public Health Challenge. San Francisco: Jossey-Bass, 1996.
Churchill, W., and Vander Wall, J. J. (eds.). Cages of Steel: The Politics of Imprisonment in the United States. Washington, D. C.: Maisonneuve Press, 1992.
Cohen, S., and Taylor, L. Psychological Survival: The Experience of Long-Term Imprisonment. New York: Vintage, 1972.
Currie, E. Confronting Crime: An American Challenge. New York: Pantheon, 1985.
Currie, E. Reckoning: Drugs, the Cities and the American Future. New York: Hill and Wang, 1994.
Daly, K. Gender, Crime and Punishment. New Haven, Connecticut: Yale University Press, 1994.
Denborough, D. (ed.). Beyond the Prison: Gathering Dreams of Freedom. Adelaide, South Australia: Dulwich Centre Publications, 1996.
Donziger, S. (ed.). The Real War on Crime: The Report of the National Criminal Justice Commission. New York: Harper/Collins, 1996.
Faith, K. Unruly Women: The Politics of Confinement and Resistance. Vancouver, B.C.: Press Gang, 1993.
Feinman, C. Women in the Criminal Justice System. Westport, Connecticut: Praeger, 1994.
Foucault, M. Discipline and Punish: The Birth of the Prison. New York: Pantheon, 1977.
Gilligan, J. Violence: Our Deadly Epidemic and Its Causes. New York: Grosset/Putnam, 1996.
Glaser, D. Preparing Convicts for Law-abiding Lives: The Pioneering Penology of Richard A. McGee. Albany, New York: State University of New York Press, 1995.
Goffman, E. Asylums: Essays on the Social Situation of Mental Patients and Other Inmates. New York: Douhleday, Anchor, 1961.
Halleck, S. L. Psychiatry and the Dilemmas of Crime: A Study of Causes, Punishment, and Treatment. New York: Harper and Row, 1967.
Herman, J. Trauma and Recovery: The Aftermath of Violence—From Domestic Abuse to Political Terror. New York: Basic Books, 1992.
Human Rights Watch. “Sexual Abuse of Women Prisoners in the U.S.” In The Human Rights Watch Global Report on Women’s Human Rights. New York: Human Rights Watch, 1995.
Human Rights Watch. All Too Familiar: Sexual Abuse of Women in U.S. State Prisons. New York: Human Rights Watch, 1996.
Human Rights Watch. Cold Storage: Super-Maximum Security Confinement in Indiana. New York: Human Rights Watch, 1997.
Irwin, J. The Felon. Englewood Cliffs, New Jersey: Prentice-Hall, 1970.
Irwin, J., and Austin, J. It’s About Time: America’s Imprisonment Binge. Belmont, California: Wadsworth, 1994.
Jacobs, J. Stateville. Chicago: University of Chicago Press, 1977.
Johnson, A. B. Out of Bedlam: The Truth About Deinstitutionalization. New York: Basic Books, 1990.
Martin, D. M., and Sussman, P. Y. Committing Journalism: The Prison Writings of Red Hog. New York: Norton, 1993.
Mauer, M., and Huling, T. Young Black Americans and the Criminal Justice System: Five Years Later. Washington, D.C.: The Sentencing Project, 1995.
Mauer, M., and Young, M. C. Truths, Half-Truths, and Lies: Myths and Realities About Crime and Punishment. Washington, D.C.: The Sentencing Project, 1996.
Menninger, K. The Crime of Punishment. New York: Vintage, 1969.
Miller, J. G. Search and Destroy: African-American Males in the Criminal Justice System. New York: Cambridge University Press, 1996.
Pollock-Byrne, J. Women, Prison and Crime. Pacific Grove, California: Brooks/Cole, 1990.
Prejean, H. Dead Man Walking. New York: Vintage, 1993.
Prison Focus. Quarterly publication of California Prison Focus, 2489 Mission Street, Suite 28, San Francisco, CA 94110.
Prison Legal News. Monthly publication, 2400 N.W. 80th Street, Suite 148, Seattle, WA 98117.
Rideau, W., and Wikberg, R. Life Sentences: Rage and Survival Behind Bars. New York: Times Books, 1992.
Rierden, A. The Farm: Life Inside a Women’s Prison. Amherst: University of Massachusetts Press, 1997.
Rosenblatt, E. (ed.). Criminal Injustice: Confronting the Prison Crisis. Boston: South End Press, 1996.
Rothman, D. The Discovery of the Asylum. Boston: Little, Brown, 1971.
Rothman, D. Conscience and Convenience: The Asylum and Its Alternatives in Progressive America. Boston: Little, Brown, 1980.
Sabo, D., Kupers, T., and London, W. Confronting Prison Masculinities: The Gendered Politics of Punishment. Philadelphia: Temple University Press, 1999, forthcoming.
Scacco, A. Rape in Prison. Springfield: Thomas, 1975.
Selke, W. I. Prisons in Crisis. Bloomington and Indianapolis: Indiana University Press, 1993.
Shapiro-Bertolini, E. Through the Walls: Prison Correspondence. Culver City, California: Peace Press, 1976.
Toch, H. Mosaic of Despair: Human Breakdowns in Prison. Washington, D.C.: American Psychological Association, 1975, 1992.
Toch, H. Corrections: A Humanistic Approach. Guilderland, New York: Harrow and Heston, 1997.
Tonry, M. Malign Neglect: Race, Crime and Punishment in America. New York: Oxford University Press, 1995.