Advertisement

التوجيه والإرشاد النفسي



الكتاب: التوجيه والإرشاد النفسي
المؤلف: الدكتور حامد عبد السلام زهران
الناشر: عالم الكتب
الطبعة: الثالثة
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] مقدمات
تقديم الطبعة الأولى
...
بسم الله الرحمن الرحيم
{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي}
تقديم الطبعة الأولى:
عزيزي القارئ: المهتم بميدان "التوجيه والإرشاد النفسي" أقدم إليك هذا الكتاب راجيا الله سبحانه وتعالى التوفيق.
ومن الطريف أن فكرة تأليف هذا الكتاب نشأت في لندن سنة 1966 حين كان المؤلف مبعوثا ويوم أن حصل على درجة الدكتوراه في الإرشاد النفسي، للاستفادة بما قرأ وبما أجرى من بحوث ودراسات، وعاد المؤلف إلى القاهرة، وشاء الله أن ينشغل بالتدريس في قسم الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس، والإرشاد النفسي بالعيادة النفسية التابعة له. وفي هذه الأثناء تم العمل الذي كان قد بدأ من قبل في سنة 1962 وهو تأليف "قاموس علم النفس" من ثم جاء دور كتاب "علم نفس النمو" ثم كتاب "علم النفس الاجتماعي" ثم كتاب "الصحة النفسية والعلاج النفسي"، هذا بالإضافة إلى عدد آخر من الدراسات والبحوث وفي عملية الإرشاد النفسية والعلاج النفسي"، وهذا بالإضافة إلى عدد آخر من الدراسات والبحوث في عملية الإرشاد والعلاج النفسي، وفي مفهوم الذات، وفي الاتجاهات النفسية، وفي مشكلات الأطفال والشباب ... إلخ وأراد الله أن تظل أصول الكتاب في نمو مستمر حتى أعير المؤلف إلى كلية التربية بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة، وفي هذا البلد الأمين تم هذا الكتاب بحمد الله.
أما عن موضوعات الكتاب فتسير في ترتيب تتصدره مقدمة تتناول مفهوم التوجيه والإرشاد النفسي، ومجالاته، والعلوم المتصلة به، والحاجة إليه، وأهدافه، ومناهجه وماضيه وحاضره ومستقبله كعلم وفن، يلي هذا أسس التوجيه والإرشاد النفسي، وتشمل الأسس العامة، والفلسفية، والنفسية، والتربوية والاجتماعية، والعصبية. ثم يتناول الكتاب نظريات التوجيه والإرشاد، وأهمها نظرية الذات، ونظرية المجال، والنظرية السلوكية، ونظرية السمات والعوامل. ثم يتناول المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد النفسي الخاصة بالبيانات العامة عن العميل، ومشكلته، وشخصيته جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا، وينتقل الكتاب إلى وسائل جمع المعلومات في الإرشاد النفسي مثل الملاحظة، والمقابلة، ودراسة الحالة، وتاريخ الحياة، والسيرة الشخصية، والتقارير، ومؤتمر الحالة، والاختبارات
(1/3)

والمقاييس، والسجلات ... إلخ. ويصل الكتاب إلى أهم فصوله الذي يتناول عملية الإرشاد النفسي ابتداء من مقدمة الإرشاد النفسي، وتحديد الأهداف، وتجميع المعلومات والبيانات المرتبطة بالمشكلة والتشخيص وتحديد المشكلات، وتحديد المآل، وتهيئة الجو النفسي، والعلاقة الإرشادية، والتداعي الحر، والتفسير، والتنفيس الانفعالي، والاستبصار، والتعلم وإعادة التعلم، والنمو وتغير الشخصية، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات، وتعديل السلوك، والتقييم، والإنهاء، والمتابعة، وطوارئ عملية الإرشاد النفسي، مثل المقاومة والتحويل والإحالة، والمفاهيم العامة في عملية الإرشاد النفسي، ومشكلاتها، ومضاعفات الإرشاد غير الناجح، ومكان عملية الإرشاد. وينتقل الكتاب إلى طرق الإرشاد النفسي مثل الإرشاد الجماعي، والفردي، والمباشر، وغير المباشر، والمختصر، والإرشاد النفسي الديني، والإرشاد خلال العملية التربوية، والإرشاد في وقت الفراغ، والإرشاد العرضي، والإرشاد الخياري. يتناول الكتاب مجالات الإرشاد النفسي مثل الإرشاد العلاجي، والتربوي، والمهني، والزواجي، والأسري، وإرشاد الأطفال، والشباب، والكبار، والمعوقين، وأخيرا وليس آخرا، يتناول الكتاب برنامج التوجيه والإرشاد، "في المدرسة" من حيث مدى الحاجة إليه، والأسس التي يقوم عليها، والخدمات التي يتضمنها، وتخطيطه، وتمويله، وتنفيذه، وتقييمه، ومشكلاته، والمسئولون عن عملية التوجيه والإرشاد، مع مثال توضيحي لبرنامج التوجيه والإرشاد في المدرسة، وأخيرا تأتي خاتمة تتضمن التطبيقات العملية للإرشاد النفسي.
وهناك بعض الملاحظات يجدر الإشارة إليها، ومن هذه الملاحظات ما يلي:
- يتكون الكتاب من جزءين أساسيين: أحدهما نظري والآخر عملي، والجزء النظري عام يتضمن المفاهيم الأساسية في التوجيه النفسي، والجزء العملي خاص يتضمن الإجراءات التطبيقية في عملية الإرشاد النفسي.
- يقدم الكتاب أساسا إلى طالب التوجيه والإرشاد النفسي وإلى المرشد والمعالج النفسي، ويرجع ذلك إلى أن مؤلف الكتاب نفسه من أعضاء هيئة التدريس بقسم الصحة النفسية بكلية التربية وأنه يعمل كأخصائي في الإرشاد النفسي بالعيادة النفسية التابعة لكلية التربية.
- يعتبر الكتاب الحالي توأما لكتاب "الصحة النفسية والعلاج النفسي" للمؤلف، يعطيان معا صورة متكاملة للتوجيه والإرشاد والصحة النفسية والعلاج النفسي.
- يفترض المؤلف أن القارئ ملم بالمبادئ والأسس العامة في علم النفس.
(1/4)

- يتبنى الكتاب نظرة مستقبلية فيضع المؤلف في حسابه أن يكون الكتاب مشبعا بتوقعات المستقبل ويهدف إلى إعداد مرشد المستقبل، ذلك لأننا نعيش الآن في عصر أهم ما يميزه التغير الدائم والتقدم العلمي، والتكنولوجي السريع، ومن ثم فإن الأسس والنظريات والوسائل والطرق والمجالات الحالية للتوجيه والإرشاد النفسي يجب أن تؤخذ في إطار تطوري مع تبني التطوير والابتكار.
- يستخدم المؤلف مصطلحات محددة المعنى، من باب الاختصار، مثل:
- الإرشاد = الإرشاد النفسي بمعناه الشامل بجميع مجالاته.
- المرشد أو الأخصائي النفسي وغيرهم من أعضاء هيئة أو فريق الإرشاد والمسئولين عن عملية الإرشاد النفسي.
- العلاج = العلاج النفسي.
- المعالج = المعالج النفسي.
- المريض = الفرد الذي تقدم له خدمات العلاج النفسي.
- العميل = المسترشد الذي تقدم له خدمات الإرشاد.
وهذه بعض التوجيهات حول "كيف تستخدم هذا الكتاب":
- اقرأ مقدمة كل فصل، ثم استعرض العناوين الرئيسية والعناوين الفرعية، والكلمات أو العبارات المميزة، فهي تمثل الفكرة الرئيسية لكل فقرة.
- اسأل نفسك باستمرار: ماذا أريد أن أعرف؟ وماذا يريد المؤلف أن يقول؟
- اقرأ قراءة جيدة فاهمة ناقدة، وسوف تلاحظ ذكر كثير من المراجع في مواضع كثيرة من الكتاب، وذلك من باب إعطاء كل ذي حق حقه. وللقارئ غير المتخصص أن يتجاوز عنها، وعلى القارئ المتخصص الاهتمام بها للتوسع والاستزادة. وقد أشير إلى المراجع بطريقة ذكر اسم المؤلف وسنة نشر المرجع بين علامتي تنصيص، ويرجع إلى قائمة المراجع في نهاية الكتاب، وهي مرتبة ترتيبا أبجديا.
- وجه اهتمامك إلى الأشكال والصور ووسائل الإيضاح الأخرى؛ وهي كثيرة في الكتاب، وأضف إليها ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
- بلور في النهاية كل ما قرأت وكل ما وجدت وكل ما عرفت وحدد فائدته وتطبيقاته العملية.
(1/5)

- راجع الفصل كوحدة متكاملة، انظر مرة أخرى في العناوين الرئيسية والعناوين الفرعية والأفكار الرئيسية في كل فقرة.
- لاحظ سلوك الناس فعلا في الحياة اليومية وفي مواقف الحياة الحقيقة.
- طبق كل ما تعلمته، واجعله واقعا ملموسا له معنى في الحياة العملية، وطبقه مع كل من تتعامل معهم.
- عدل وغير سلوكك الشخصي في ضوء ما تعلمت.
وهذه كلمات شكر أقدمها إلى والدي وأساتذتي اعترافا بفضلهم في تعليمي وتوجيهي وإرشادي، وإلى طلابي على ما تعلمته منهم بقدر ما علمتهم في مادة التوجيه والإرشاد النفسي، وإلى زوجتي الوفية التي دأبت على تشجيعي ومساعدتي.
والله أسأل أن أكون قد وفقت في تقديم خلاصة ما تعلمت وما علمت في التوجيه والإرشاد النفسي، وخلاصة خبراتي في هذا الميدان، وأرجو أن يكون في هذا الكتاب فائدة للقارئ واستثارة للباحث لمزيد من الاطلاع والبحث في التوجيه، والإرشاد النفسين وليدع كل منا الله قائلا: اللهم علمني ما ينفعني وانفعني بما علمتني وزدني علما.
مكة المكرمة في محرم 1397هـ، يناير 1977م.
والله الموفق.
الدكتور حامد زهران.
(1/6)

تقديم الطبعة الثانية:
عزيزي القارئ ...
منذ أن ظهرت الطبعة الأولى من كتاب التوجيه والإرشاد النفسي بدأت مراجعتها وتنقيحها وتطويرها حتى تظهر الطبعة الثانية في شكل أفضل.
ورجائي وأنت تقرأ هذا الكتاب أن تأخذ مما فيه وتنمي أفكارك أنت وأن تتوصل إلى التطبيقات العملية بنفسك وأن تنفذها في عملك.
وسوف تجد -إن شاء الله- عند قراءتك لهذا الكتاب أن التوجيه والإرشاد النفسي علم وفن.
القاهرة في ربيع الأول 1400هـ، يناير 1980م.
والله الموفق.
المؤلف.
(1/7)

تقديم الطبعة الثالثة:
"الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله".
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
وبعد.
يسعدني أن أقدم الطبعة الثالثة من كتاب "التوجيه والإرشاد النفسي" إلى أساتذتي وزملائي وطلابي، وإلى كل من قدمت لهم الطبعتين الأولى والثانية، من المهتمين بالتوجيه والإرشاد النفسي من الموجهين والمرشدين والمعالجين النفسيين، ومن الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، ومن الوالدين والمربين، ومن الشباب الراشدين. ومن مرشدي الصحة النفسية كجيل جديد في ميدان الإرشاد النفسي والصحة النفسية.
وأواصل التعبير عن شكري وتقديري إلى كل من لفت ويلفت نظري إلى ما يحتاج إلى شرح أو تبسيط أو إيضاح أو إضافة في الطبعات المتتالية من هذا الكتاب.
وفي هذه الطبعة، مزيد من المراجعة، وكثير من التنقيح، وعدد من التجديدات، والأشكال والإيضاحات، وبعض الإضافات مثل: إرشاد الصحة النفسية، والإرشاد بالقراءة، والإرشاد الذاتي، وغيرها.
ولقد سرني كثيرا أن هذه الطبعة تصدر بعد أن حقق الله لي حلما طالما لازم مسيرتي في ميدان الإرشاد والصحة النفسية، وهو إنشاء أول مركز للإرشاد النفسي، في كلية التربية جامعة عين شمس، هذا المركز الذي شرفت بالإسهام في إنشائه عام 1990، وتلاه إنشاء مركزين آخرين للإرشاد النفسي بكلية التربية جامعة حلوان، وبكلية التربية جامعة المنصورة، وأرجو أن يكثر الله من هذه المراكز، كما أرجو الله عز وجل أن يحقق حلم حياتي وهو دخول خدمات الإرشاد النفسي في جميع مؤسساتنا التربوية الاجتماعية والإنتاجية في مصر.
وأشكر زوجتي العزيزة الأستاذة الدكتورة إجلال محمد سري، أستاذ الصحة النفسية بكلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر، على مراجعتها المستمرة ونقدها البناء لهذا الكتاب.
وأدعو الله عز وجل قائلا: اللهم علمني ما ينفعني، وانفعني بما علمتني، وزدني علما.
القاهرة في جمادى الآخرة 1419هـ، أكتوبر 1998م.
والله الموفق.
المؤلف.
(1/8)

الفصل الأول: مقدمة
مفهوم التوجيه والإرشاد
...
مفهوم التوجيه والإرشاد GUIDANCE AND COUNSELLING:
تعريفات:
يحسن البدء بتحديد مفهوم ومعنى التوجيه والإرشاد النفسي. وهناك تعريفات كثيرة للتوجيه والإرشاد، كل من وجهة نظر معينة، وكل يركز على وجهة النظر التي يرتكز عليها، ولكنها جميعا تهدف إلى نفس الشيء، وتؤكد نفس المعنى، وهذه التعريفات تحدد وتصف الأنشطة التي يتضمنها الإطار العام للتوجيه والإرشاد النفسي.
ولقد استعرض المؤلف عددا من التعريفات "انظر آرثر جونز Jones؛ 1970، تليلور Taylor؛ 1971، هولدين Holden؛ 1971، دانيل فولمر وهارولد بيرنارد Fullmer & Bernard؛ 1972، فوان Vaughan؛ 1975، ديف كابوزي ودوجلاس جروس Capuzzi & Gross؛1991". وفيما يلي عدد من هذه التعريفات بتصرف على سبيل المثال لا الحصر:
- وهو عملية إرشاد الفرد إلى الطرق المختلفة التي يستطيع عن طريقها اكتشاف واستخدام إمكاناته وقدراته، وتعليمه ما يمكنه أن يعيش في أسعد حال ممكن بالنسبة لنفسه وللمجتمع الذي يعيش فيه.
- هو عملية مساعدة الفرد في فهم وتحليل استعداداته وقدراته وإمكاناته وميوله والفرص المتاحة أمامه ومشكلاته وحاجاته، واستخدام معرفته في إجراء الاختيارات واتخاذ القرارات لتحقيق التوافق بحيث يستطيع أن يعيش سعيدا.
- هو عملية مساعدة الفرد وتشجيعه على الاختيار والتقرير والتخطيط للمستقبل بدقة وحكمة ومسئولية في ضوء معرفة واقع المجتمع الذي يعيش فيه.
- هو عملية مساعدة الفرد في فهم حاضره وإعداده لمستقبله بهدف وضعه في مكانه المناسب له وللمجتمع ومساعدته في تحقيق التوافق الشخصي والتربوي والمهني لتحقيق حياة سعيدة.
- هو عملية مساعدة ليستخدم إمكاناته وقدراته استخداما سليما لتحقيق التوافق مع الحياة.
- هو عملية مساعدة الفرد على تنمية إمكاناته وقدرته من خلال حل مشكلاته.
- هو عملية مساعدة الفرد في تحديد أهداف ملائمة وخطط مناسبة لتحقيقها، وفي تنمية الدوافع لتحقيق حياة أفضل.
- هو عملية مساعدة الفرد في الاستعداد والإعداد لمستقبله وأن يأخذ مكانه المناسب في المجتمع الذي يعيش فيه.
(1/11)

- هو عملية مساعدة الفرد القادر على توجيه ذاته ببصيرة وذكاء وكفاية لتحقيق الصحة النفسية والتوافق في مجالات الحياة المختلفة.
- هو عملية تحقيق الذات حيث يكتشف الفرد نفسه واستعداداته وقدراته مما يؤدي إلى توافقه وسعادته وصحته النفسية.
- هو عملية تعلم وتعليم نفسي واجتماعي.
- هو محاولة واعية مقصودة لتوجيه الفرد ليفهم نفسه واستعداداته وقدراته وميوله، واستغلالها لتحقيق أهداف سليمة لتحقيق حياة ناجحة.
- هو برنامج منظم لمساعدة الفرد في أن ينمو إلى أقصى حد مستطاع وأن ينمي طاقاته، واستعداداته ومواهبه لأقصى درجة ممكنة بحيث يستطيع أن يأخذ مكانه كإنسان صالح في المجتمع.
- هو خدمة مخططة تهدف إلى تقديم المساعدة المتكاملة للفرد حتى يستطيع حل المشكلات الشخصية أو التربوية أو المهنية أوالصحية أو الأخلاقية التي يقابلها في حياته أو التوافق معها.
تعريف المؤلف:
توصل المؤلف "حامد زهران Zahran؛ 1964، 1966، 1967" إلى التعريف الشامل التالي للتوجيه والإرشاد النفسي:
التوجيه والإرشاد النفسي عملية واعية مستمرة بناءة ومخططة، تهدف إلى مساعدة وتشجيع الفرد لكي يعرف نفسه ويفهم ذاته ويدرس شخصيته جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا، ويفهم خبراته، ويحدد مشكلاته وحاجاته، ويعرف الفرص المتاحة له، وأن يستخدم وينمي إمكاناته بذكاء وإلى أقصى حد مستطاع، وأن يحدد اختياراته ويتخذ قراراته ويحل مشكلاته في ضوء معرفته ورغبته بنفسه، بالإضافة إلى التعليم والتدريب الخاص الذي يحصل عليه عن طريق المرشدين والمربين والوالدين، في مراكز التوجيه والإرشاد وفي المدارس وفي الأسرة، لكي يصل إلى تحديد وتحقيق أهداف واضحة تكفل له تحقيق ذاته وتحقيق الصحة النفسية والسعادة مع نفسه ومع الآخرين في المجتمع، والتوفيق شخصيا وتربويا ومهنيا وزواجيا وأسريا.
التوجيه والإرشاد النفسي عملية بناءة، تهدف إلى مساعدة الفرد لكي يفهم ذاته ويدرس
(1/12)

شخصيته ويعرف خبراته ويحدد مشكلاته وينمي إمكاناته، ويحل مشكلاته في ضوء معرفته، ورغبته وتعليمه وتدريبه لكي يصل إلى تحديد وتحقيق أهدافه وتحقيق الصحة النفسية والتوافق شخصيا وتربويا ومهنيا وزواجيا وأسريا.
هذا وقد تبنى هذا التعريف الذي قدمه المؤلف عدد من الكتاب في أوربا مثل تيلور Taylor؛ "1971"، وتوماس Thomas؛ "1975".
مصطلحا التوجيه والإرشاد:
يعبر مصطلحا التوجيه والإرشاد عن معنى مشترك، فكل من التوجيه والإرشاد يتضمن، من حيث المعنى الحرفي، الترشيد والهداية التوعية والإصلاح وتقديم الخدمة والمساعدة، والتغير السلوكي إلى أفضل، وكل من التوجيه والإرشاد مترابطان، وهما وجهان لعملة واحدة، وكل يكمل الآخر.
وفي نفس الوقت توجد فروق بين مصطلح التوجيه ومصطلح الإرشاد، وفيما يلي أهم هذه الفروق "جدول1":
جدول "1" الفروق بين مصطلح التوجيه ومصطلح الإرشاد.
(1/13)

مفاهيم خاطئة عن التوجيه والإرشاد النفسي:
هناك بعض المفاهيم الخاطئة عن التوجيه والإرشاد النفسي تحدد ما ليس توجيها ولا إرشادا نفسيا "انظر نوردبيرج Nordberg؛ 1970". وفيما يلي أهم هذه المفاهيم "جدول2".
جدول "2" مفاهيم خاطئة والمفاهيم الصحيحة عن التوجيه والإرشاد النفسي.
(1/14)

التوجيه والإرشاد النفسي والعلوم المتصلة به:
لا يوجد علم واحد مستقل تماما عن غيره من العلوم. إن كل العلوم يتصل بعضها ببعض أخذا وعطاء، ورغم هذا يبقى لكل منها كيانه المتميز.
والتوجيه والإرشاد النفسي واحد من العلوم الإنسانية يهدف إلى خدمة وسعادة الإنسان. وهذا هدف مشترك بين كل هذه العلوم وإن اتخذ كل منها أسلوبه المتخصص لتحقيق الإنسان. وهذا هدف مشترك بين كل هذه العلوم وإن اتخذ كل منها أسلوبه المتخصص لتحقيق هذا الهدف المشترك تحت اسم مختلف مثل الإرشاد النفسي والعلاج النفسي والخدمة الاجتماعية والتربية ... وغير ذلك من العلوم والتخصصات الفرعية التي تعددت مع نمو المدنية المتطورة والتقدم التكنولوجي السريع في عالمنا المعاصر.
ومن المعلوم أن الناس يذهبون لحل مشكلاتهم إلى أشخاص ذوي تخصصات عديدة، فمنهم من يذهب إلى المعالج النفسي، أو المرشد النفسي، أو الطبيب، أو المعلم أو الأخصائي الاجتماعي، أو المحامي، أو عالم الدين. ومعظم هؤلاء يستخدمون مصطلح التوجيه والإرشاد عندما يتحدثون عن الخدمات التي يقدمونها، وحتى بعض المرشدين المتخصصين كثيرا ما نجد أن تخصصهم الأصلي كان تربية أو علم نفس أو طبا أو دينا ... إلخ.
ومن الضروري تحديد الصلة والعلاقة بين التوجيه الإرشاد النفسي وبين بعض العلوم الإنسانية الأخرى التي يأخذ منها ويعطيها من حيث الأهداف المشتركة والأساليب المتداخلة، وفي نفس الوقت إظهار أهم الفروق الجوهرية بين التوجيه والإرشاد وبين هذه العلوم.
(1/15)

ويجب التمييز بين الإرشاد النفسي وبين خدمات العلوم الأخرى، وبمعنى آخر يجب التمييز بين "الإرشاد النفسي" Psychological Counselling وبين "الإرشاد غير النفسي" Nonpsychological Counselling. وفي نفس الوقت يجب التمييز بين "الإرشاد النفسي" وغيره من "الخدمات النفسية" الأخرى مثل "العلاج النفسي" و"الاستشارة النفسية" "إدوارد بوردين Bordin؛ 1986".
ونظرا للاتصال الوثيق بين التوجيه والإرشاد النفسي من جهة وبين الصحة النفسية والعلاج النفسي وبين التربية والتعليم، وبين الاستشارة النفسية من جهة أخرى، فقد أفرد لكل منها مكان خاص "انظر شكل2".
التوجيه والإرشاد النفسي وعلم النفس:
يدرس علم النفس بصفة عامة السلوك في سوائه وانحرافه، وهو أهم المواد التي يدرسها المرشد في إعداده مهنيا.
(1/16)

ويحتل التوجيه، والإرشاد مكانا كبيرا ومساحة عظيمة في علم النفس، يمثلها مجال "علم النفس الإرشادي" Counselling Psychology.
والتوجيه والإرشاد نفسه فرع من فروع علم النفس التطبيقي، يعتمد في وسائله وفي عملية الإرشاد على علم النفس.
ويستفيد الإرشاد النفسي من علم النفس العلاجي في التعرف على الشخص الصحيح نفسيا والمريض نفسيا، وفي معرفة الدرجات المتقدمة أو المتطورة من الاضطراب النفسي مثل العصاب والذهان.
ويستفيد الإرشاد النفسي من علم نفس النمو في معرفة مطالب النمو ومعاييره التي يرجع إليها في تقييم نمو الفرد هل هو عادي أم غير عادي، متقدم أو متأخر. ويركز على نمو الذات وتحقيق الذات، ويشترك الإرشاد النفسي مع علم نفس النمو في الاهتمام برعاية النمو السوي في كافة مظاهره جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا في مراحل النمو المتتالية، ويؤكد الإرشاد النفسي أهمية مساعدة الفرد في تحقيق النضج النفسي، وهو هدف مشترك مع علم نفس النمو. كذلك فإن عملية الإرشاد عملية مستمرة من الحضانة حتى الشيخوخة.
ويستفيد الإرشاد النفسي من علم النفس الاجتماعي الذي يدرس السلوك الاجتماعي كاستجابات لمثيرات اجتماعية، فالمرشد يتعامل مع الأفراد والجماعات في الإرشاد الفردي والإرشاد الجماعي، وفي الإرشاد الجماعي بصفة خاصة يستفيد المرشد من دراسة سيكلوجية الجماعة ودينامياتها وبنائها والعلاقات الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي وكيف تتكون الجماعات الإرشادية وما هي معايير السلوك في الجماعة وكيف تتوزع الأدوار فيها ودوره القيادي لتحقيق التوافق الاجتماعي.
ويستقي الإرشاد النفسي من علم نفس الشواذ معلومات هامة عن السلوك الشاذ والغريب للشخص غير العادي.
ويستفيد الإرشاد النفسي من علم النفس التربوي الذي يهتم بالتعليم واكتساب السلوك والعادات وإطفائها، وأهمية التعزيز والتعميم وغير ذلك من قوانين التعلم. ويهتم علم النفس التربوي كذلك بالدافعية وموضوعات مثل الذكاء والقدرات ... إلخ، وفوق هذا كله فإن عملية الإرشاد هي في جوهرها عملية تعلم وتعليم.
ويستفيد الإرشاد النفسي من علم النفس الصناعي الذي يطبق المبادئ العامة في علم
(1/17)

النفس على المشكلات العملية في الصناعة والإنتاج والتدريب، ويفيد من ذلك المرشد في مجال الإرشاد المهني.
ويستفيد الإرشاد النفسي من علم النفس الجنائي الذي يهتم بدوافع السلوك المنحرف المضاد للمجتمع والذي يعاقب عليه القانون مثل جناح الأحداث، وكثير من المرشدين النفسين يعملون في مؤسسات الأحداث.
ويستفيد الإرشاد النفسي من علم النفس العام مثلا في دراسة الشخصية وديناميتها ... إلخ.
وعند فحص ودراسة الحالة في الإرشاد النفسي يحتاج المرشد إلى القياس النفسي فالمقاييس النفسية بالنسبة لعملية الإرشاد النفسي مثل سماعة الطبيب ضرورية ولازمة.
التوجيه والإرشاد وعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية:
إن علم الاجتماع الذي يهتم بدراسة الفرد والجماعة يعتبر علما أساسيا في إعداد المرشد والصلة وثيقة بين التوجيه والإرشاد وبين علم الاجتماع نظرا لاهتمام كل منهما بالسلوك الاجتماعي والقيم والتقاليد والعادات الاجتماعية والنمو الاجتماعي والتنشئة الاجتماعية والخبرات الاجتماعية.
وتعتمد طريقة الإرشاد الجماعي على مفاهيم أساسية في علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي الوثيق الصلة بعلم الاجتماع.
ويهتم المرشد في مجال الإرشاد الأسري بدراسة الأسرة باعتبارها أقوى العوامل الاجتماعية تأثيرا في الفرد وفي تنشئته الاجتماعية، ويختلف تأثيرها الحسن أو السيئ باختلاف تركيبها وظروفها.
ويهتم المرشد بمعرفة الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد وأسلوب حياته الاجتماعي في إطار هذه الطبقة سواء العليا أو المتوسطة أو الدنيا، والحراك الاجتماعي الرأسي من طبقة إلى أخرى، لأن كل هذا يؤثر في حياة الفرد.
ويهتم المرشد بدراسة نظام الحياة في الريف والحضر والبدو حيث توجد فروق بين الشخص الريفي والشخص الحضري والشخص البدوي، ولذلك يدرس علم الاجتماع الريفي وعلم الاجتماع الحضري وعلم الاجتماع البدوي ... إلخ "دانيل فوملر وهارولد بيرنارد Fullmer & Bernardk؛ 1972" وكذلك يهتم المرشد بدراسة الحياة في المجتمعات المختلفة. فالتعامل مع عميل مصري يختلف في بعض النواحي عنه مع عميل سعودي عنه مع عميل إنجليزي ... وهكذا.
(1/18)

وينظر إدوارد شوبين Shoben؛ "1962" إلى الإرشاد كعملية "إصلاح اجتماعي" يتطلب قيادة اجتماعية ابتكارية من جانب المرشد الذي يعمل على دمج الأفراد في خبرة الحياة الواقعية.
ويشترك الإرشاد النفسي والخدمة الاجتماعية في أن كلا منهما خدمة ميدانية في مجال المشكلات الإنسانية، ويستعير الإرشاد النفسي من ميدان الخدمة الاجتماعية أساليب هامة مثل دراسة الحالة والمقابلة.
ويشترك المرشد النفسي والأخصائي الاجتماعي في تقديم الخدمات التي تتناول البيئة الاجتماعية بالتعديل حتى يسهل حل المشكلات، ويشتركان معا في الاهتمام بمشكلات الأسرة والدراسة والعمل. ويتعاون المرشد النفسي مع الأخصائي الاجتماعي في خدمة كل من الفرد والأسرة والمجتمع في آن واحد، حتى لنجد أن هذين الأخصائيين هما أقرب أعضاء فريق الإرشاد النفسي إلى بعضهما من حيث الاهتمامات والخدمات.
التوجيه والإرشاد وعلم الطب:
يتضمن الإرشاد النفسي عملية علاجية. ويرتبط العلاج عند الناس بالطب. والإرشاد النفسي مليء بالمصطلحات المشبعة بالمعنى الطبي مثل التشخيص والمآل والعلاج، وليس في هذا إزعاج لمن قد يظنون أن الطب أصبح يمارسه غير الأطباء. وهذه المصطلحات مشتركة بين الإرشاد والعلاج النفسي والطب وخاصة الطب النفسي.
وهناك قدر كبير من المعلومات من علم الطب لا بد أن يحيط بها المرشد والمعالج النفسي بحيث تعينه في الدراسة وتمكنه من العمل مع فريق ضمن أعضائه الطبيب، ونحن نعلم أن هناك أرضية مشتركة بين علم النفس والطب في مجال الطب النفسي والأمراض النفسية الجسمية. ومعروف أن الانفعالات والضغوط النفسية لها رد فعل جسمي وفسيولوجي له أعراض وأمراض معروفة.
ويحدد الدستور الأخلاقي للمرشدين والمعالجين النفسيين حدود العلاقة بين الأخصائيين ومنهم المرشد والطبيب كعضوين في فريق الإرشاد النفسي حيث يجب على المرشد أو المعالج النفسي أن يمارسه عمله في التشخيص والإرشاد والعلاج النفسي، وإذا ظهر ما يستدعي استشارة طبية أو إخالة إلى طبيب نفسي فعليه أن يفعل ذلك. وصحيح أن المرشدين والمعالجين النفسيين يعتبرون -بالنسبة للأطباء- فريقا جديدا نسبيا من الأخصائيين، ويحاول الأطباء جعل قيادة عملية الإرشاد والعلاج النفسي في أيديهم، ويحاول المرشدون نفس الشيء، أي أن كلا من الفريقين يحاول سحب البساط من تحت أقدام الآخر، إلا أنه مع الوقت تتقارب وجهات
(1/19)

النظر ويزداد التفاهم والفهم حيث يعمل الطرفان معا في تعاون، يقدم كل طرف خدماته في حدود تخصصه ويحيل ما ليس من اختصاصه إلى زميله، وهذا يتطلب من المرشد النفسي معرفة الحدود الفاصلة التي عندها يحيل الحالة إلى زميله الطبيب.
التوجيه والإرشاد وعلم الإنسان:
نحن نعلم أن علم الإنسان "أنثروبولوجي" يدرس العناصر الحيوية والعناصر الاجتماعية والثقافية للإنسان، والثقافة هي مجموع السلوك البشري، وبعناصره اللغوية، وغير اللغوية وبمنتجاتها المادية، وغير المادية. وإلى جانب هذا يهتم علم الإنسان بدراسة أنماط الثقافة في الأجزاء المختلفة في العالم مثل الجماعة البدائية، فيدرس ثقافتها وعاداتها وتقاليدها ليفسر الفروق بين الثقافات المختلفة.
ويشترك الإرشاد النفسي في علم الإنسان في الاهتمام بدراسة شخصية الفرد والمجال البيئي والاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه. نحن نعلم أن هناك فروقا بين الثقافات والحضارات لا بد أن يحيط بها المرشد النفسي.
التوجيه والإرشاد وعلم الاقتصاد:
من أهم مجالات الإرشاد النفسي: الإرشد المهني حيث يهتم المرشد بمساعدة العميل في عالم المهنة والاقتصاد تعريفا واختيارا وإعدادا ودخولا وتوافقا. ومن ثم فهو يهتم بدراسة فرص العمل والتغيرات التي تطرأ على المهن مع التقدم والنمو العلمي والتكنولوجي الحديث في عالم الاقتصاد والعمل.
ومن الناحية الاقتصادية البحتة فإن الإرشاد النفسي يرتبط بالاقتصاد كضرورة ملحة حتى لا تحدث خسارة قومية في القوى البشرية التي تستمر أثناء عملية التربية والتعليم، وحتى يعمل حساب ما سيحدث في المستقبل من أن الفرد الواحد سيعمل في عدة منهن مختلفة، وربما يعمل الأفراد في مهن جديدة غير تلك التي أعدوا لها نظرا لسرعة التطور التكنولوجي والتغير الاجتماعي.
وتلعب النواحي الاقتصادية دورا هاما ومؤثرا في عملية وخدمات الإرشاد النفسي. ومن ذلك تأثير تقديم الخدمات والإرشاد مجانا على حساب الدولة مثلا أو كخدمات خاصة يدفع تكاليفها العملاء. ومنها أيضا أن المستوى الاجتماعي الاقتصادي للفرد أمر يؤثر في أسلوب حياته وقد يؤثر في إقباله على خدمات الإرشاد النفسي أو عدم استطاعته الحصول عليها أحيانا، ومنها كذلك أن برنامج التوجيه والإرشاد نفسه فيه جانب اقتصادي كما أن فيه جانبا إدرايا وجانبا علميا ... إلخ، وهذا يحتم الإحاطة بكثير من المفاهيم الاقتصادية.
(1/20)

التوجيه والإرشاد والدين:
من أهم طرق الإرشاد النفسي: الإرشاد النفسي الديني الذي يدخل الدين في ديناميات عملية الإرشاد، لأن التدين والعقيدة الدينية السليمة تعتبر أساسا متينا للسلوك السوي والتوافق والصحة النفسية، وقد أجمع المرشدون على اختلاف أديانهم سواء كانوا مسلمين أو يهودا أو مسيحيين على أن الإرشاد الديني طريقة تقوم على أسس ومفاهيم ومبادئ وأساليب دينية روحية أخلاقية.
ولا بد أن يحيط المرشد النفسي علما بمفاهيم دينية أساسية مثل: طبيعة الإنسان كما حددها الله، وأساليب الاضطراب النفسي في رأي الدين مثل الذنوب والضلال والصراع وضعف الضمير، وأعراض الاضطراب النفسي في رأي الدين مثل الانحراف والشعور بالإثم والخوف والقلق والاكتئاب، والوقاية الدينية من الاضطراب النفسي مثل الإيمان والسلوك الديني والسلوك الأخلاقي، وخطوات الإرشاد الديني مثل الاعتراف والتوبة والاستبصار والتعلم والدعاء وابتغاء رحمة الله والاستغفار وذكر الله والصبر والتوكل على الله. "حامد زهران 1975".
وهناك اعتبارات دينية يجب عمل حسابها في الإرشاد النفسي. فهناك "رقابة" الدين حيث يجب أن تستعرض كل النظريات والطرق المستوردة من الخارج بحيث تجاز كما هي إذا كانت خالية من الضرر أو التعارض، أو تعدل إذا كان بها بعض الاختلافات، أو تمنع إذا كانت من الممنوعات.
ويلاحظ أن بعض العملاء قد يسألون أسئلة تتصل بالدين والعقيدة ويتناولون مشكلات تتصل بالدين. ومن أخلاقيات الإرشاد النفسي أن على المرشد احترام دين العميل مهما اختلف عن دينه، وأنه لا يحق للمرشد التدخل في معتقدات العميل الدينية، وهو مسئول عن أي تدخل من جانبه لتغييرها.
إن الإرشاد النفسي يحتاج إلى المرشد الذي يعرف الله ويخشاه ويراقبه في عمله.
التوجيه والإرشاد والقانون:
كثير من حالات الإرشاد النفسي قد تكون متعلقة بمشكلات قانونية، وبعض الحالات قد تكون من بين المحكوم عليهم قضائيا. وهناك بعض المسئوليات القانونية على المرشد نحو العميل مثل تلك التي على المعلم نحو تلاميذه، وهذه المسئوليات القانونية يجب مراعتها في ممارسة الإرشاد النفسي.
(1/21)

من المسئوليات القانونية على سبيل المثال: أسرار العميل. فمن أسس ومبادئ الإرشاد احترام حق الفرد في الاحتفاظ بأسراره ومحافظة المرشد عليها عند بوح العميل بها أثناء عملية الإرشاد، فالمرشد لا يملك الحق في اقتحام أسوار خصوصيات العميل عنوة أو رغما عنه، وإذا علم وأعطى بعض المعلومات والأسرار الخاصة عن طيب خاطر فليس له الحق في إفشاء هذه الأسرار تحت أي ظرف من الظروف. وإذا فعل المرشد وأفشى وأساء استغلال المعلومات والأسرار بما يعود بالضرر المادي أو المعنوي على العميل فإنه يؤاخذ قانونا "شميت Schmidt؛ 1962".
وبخصوص السلوك الجنائي للعميل، أثناء جلسات الإرشاد أو بعد انتهائها، يوجد جدل حول مدى المسئولية القانونية للمرشد عن سلوك العميل، وحول وجوب أو جواز إبلاغ أو عدم إبلاغ الجهات المختصة في حالة وجود سلوك يعاقب عليه القانون. إن بعض الدول تعطي المرشد نوعا من "الحصانة" ضد هذه المسئولية.
وإذا قام المرشد بأي سلوك مناف للآداب أو الأخلاق يتعارض مع الدستور الأخلاقي للمرشدين والمعالجين النفسيين فإنه يكن بذلك قد تعدى على حدود يؤاخذ عليها قانونا.
وهناك بعض الاعتبارات القانونية الرسمية في ممارسة الإرشاد والعلاج النفسي منها ضرورة حصول المرشد أو المعالج على ترخيص رسمي بممارسة الإرشاد والعلاج. وهنا يكون للمرشد أو المعالج نوع من "الإعفاء" حيث لا يطالب أمام المحاكم مثلا بالإدلاء بشهادة تخص السلوك الجنائي لعميل من عملائه.
التوجيه والإرشاد وعلوم أخرى:
يتصل التوجيه والإرشاد بعدد من العلوم الأخرى، ولا يتسع المجال لتفصيل مظاهر هذا الاتصال، وفيما يلي إجمال للصلة بين التوجيه والإرشاد وعدد من العلوم:
علم وظائف الأعضاء: يأخذ التوجيه والإرشاد النفسي من علم الإحصاء المفاهيم الإحصائية الأساسية اللازمة في إنشاء الاختبارات والمقاييس النفسية وإجرائها وتحليل نتائجها.
الفلسفة: هنا بعض المفاهيم الفلسفية يجب أن يحيط بها المرشد النفسي مثل: مفهوم الحرية والاختبارات والمسئولية، ومفهوم المثالية والواقعية والنفعية والمنطق واختيار فلسفة الحياة وهدف الحياة، ومفهوم الأخلاق.
(1/22)

التوجيه والإرشاد النفسي والصحة النفسية والعلاج النفسي:
يرى البعض أن التمييز أو التفريق بين الإرشاد النفسي والعلاج النفسي تمييز وتفريق اصطناعي، ويعتقد في هذا معظم المرشدين والمعالجين النفسيين أنفسهم. وهم يستخدمون المصطلحين بالتبادل بدون تمييز عملي، ويقصرون التمييز على المستوى الاصطلاحي اللفظي فقط "بروس شيرترز، وشيلي ستون Schertzer & StoneK؛ 1976".
ويعتبر كل من التوجيه والإرشاد والصحة النفسية والعلاج النفسي توأمين. وعلى الرغم من أنهما ليسا توأمين مماثلين فإنهما متشابهان جدا، أي أن أوجه الاتفاق بينهما أكثر من أوجه الاختلاف، وعناصر الائتلاف والتقريب أكثر من عناصر الاختلاف والتفريق.
وقد أكد "ويليامسون Williamson؛ 1939" الطبيعة العلاجية للإرشاد النفسي، ومن بين أقطاب الميدانين "الإرشاد النفسي والعلاج النفسي" كارل روجرز Rogers؛ 1942 في كتابه الإرشاد والعلاج النفسي Counseling and Psychotherapy.
ويلاحظ أن عددًا كبيرا من الكتب في ميداني الإرشاد النفسي والعلاج النفسي أصبحت تجمع بينهما. ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر كتاب لورانس برامر وإفريت شوستروم Brammer & Shostrom؛ "1977" "علم نفس العلاجي: أسس الإرشاد والعلاج النفسي" Therapeutic Psychology: Fundamentals of Coiunseling and Psychotherapy، وكتاب هيلين كولير Collier؛ "1982" "إرشاد النساء: دليل للمعالجين".
Counseling Women: A Guide for Therapists.
ولقد سبق تعريف التوجيه والإرشاد النفسي "راجع".
أما الصحة النفسية Mental Health فيعرفها المؤلف "حامد زهران، 1997" بأنها حالة دائمة نسبيا، يكون فيها الفرد متوافقا نفسيا، ويشعر بالسعادة مع نفسه، ومع الآخرين ويكون قادرا على تحقيق ذاته واستغلال قدراته وإمكاناته إلى أقصى حد ممكن، ويكون قادرا على مواجهة مطالب الحياة، وتكون شخصيته متكاملة سوية، ويكون سلوكه عاديا، بحيث يعيش في سلامة وسلام. الصحة النفسية حالة إيجابية تتضمن التمتع بصحة العقل والجسم، وليست مجرد غياب أو الخلو أو البرء من أعراض المرض النفسي. وللصحة النفسية شقان: أولهما شق نظري علمي يتناول الشخصية والدوافع والحاجات وأسباب الأمراض النفسية وأعراضها وحيل
(1/23)

الدفاع النفسي والتوافق، وتعليم الناس وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وإعداد وتدريب الأخصائيين والقيام بالبحوث العلمية والشق الثاني تطبيقي علمي يتناول الوقاية من المرض النفسي تشخيص وعلاج الأمراض النفسية.
ويعرف المؤلف العلاج النفسي Psychotherapy بأنه نوع من العلاج تستخدم فيه الطرق النفسية لعلاج مشكلات أو اضطرابات أو أمراض ذات صبغة انفعالية يعاني منها المريض وتؤثر في سلوكه، وفيه يقوم المعالج بالعمل على إزالة الأعراض المرضية الموجودة أو تعديلها أو تعطيل أثرها، مع مساعدة المريض على حل مشكلاته الخاصة والتوافق مع بيئته واستغلال إمكاناته على خير وجه ومساعدته على تنمية شخصيته ودفعها في طريق النمو النفسي الصحي بحيث يصبح المريض أكثر نضجا وأكثر قدرة على التوافق النفسي في المستقبل.
والمستعرض لتعريف كل من التوجيه والإرشاد من ناحية والصحة النفسية والعلاج النفسي من ناحية أخرى يلمس اتصالهما الوثيق وتقاربهما الكبير.
ويقترب الإرشاد النفسي والعلاج النفسي داخل علم النفس العلاجي ويميز بينهما داخل هذا الإطار.
وفيما يلي أهم عناصر الاتفاق بين الإرشاد النفسي من ناحية وبين العلاج النفسي من ناحية أخرى:
- كلاهما عملية مساعدة وخدمة الفرد نفسيا بهدف تحقيق فهم النفس وتحقيق الذات وحل المشكلات وتحقيق التوافق النفسي والصحة النفسية.
- المعلومات المطلوبة لدراسة الحالة ووسائل جمع هذه المعلومات واحدة في كل منهما.
- يشتركان في الأسس التي يقومان عليها ويستخدمان لغة مشتركة وأساليب مشتركة مثل المقابلة ودراسة الحالة ... إلخ.
- استراتيجيات وأهداف كل منهما واحدة وهي: الاستراتيجية التنموية والوقائية والعلاجية.
- إجراءات عملية الإرشاد وعملية العلاج النفسي واحدة في جملتها، فمنها في كل من الميدانين: الفحص وتحديد المشكلة، والتشخيص، كحل المشكلات، واتخاذ القرارات، والتعليم، والمتابعة، والإنهاء.
- يلتقي كل منهما في الحالات الحدية Borderline Cases بين السوية واللاسوية أو بين العاديين والمرضى.
(1/24)

- هناك مجال من مجالات الإرشاد النفسي Clinical Counselling يعتبر توأما لطريقة من أشهر طرق العلاج النفسي هي طريقة العلاج الممركز حول العميل.
- يضم علم النفس العلاجي كلا من الإرشاد العلاجي والعلاج النفسي، ويضم مفاهيم ومهارات مشتركة بين عمليات الإرشاد النفسي والعلاج النفسي.
- المرشد النفسي والمعالج النفسي لا يخلو منهما مركز إرشاد أو عيادة نفسية.
وعلى الرغم من وجود عناصر الاتفاق الكثيرة بين الإرشاد النفسي والعلاد النفسي فإن البعض يحاولون تحديد الحدود الفاصلة أو المميزة بين الميدانين ولو على وجه التقريب مع اعترافهم بصعوبة هذا لأنهم لا يعرفون أين ينتهي هذا وأين يبدأ ذلك. وفيما يلي أهم عناصر الاختلاف بين الإرشاد النفسي والعلاج النفسي:
- الفرق بين الإرشاد النفسي والعلاج النفسي فرق في الدرجة وليس في النوع وفرق في العميل وليس في العملية، ومعنى هذا أن عملية الإرشاد النفسي وعملية العلاج النفسي خطواتها واحدة مع فرق في درجة التركيز والعمل، وأن هناك فرقا في العميل. فالعميل في الإرشاد النفسي أكثر استبصارا ويتحمل قدرا أكبر من المسئولية والنشاط في العملية أكثر من المريض في العلاج النفسي.
- هذه الفروق البسيطة تنعكس في بعض الاختلافات البسيطة في التخصص والممارسة.
- يوضح جدول "3" بعض عناصر الاختلاف الأخرى.
(1/25)

ومما يؤكد القرابة الكبيرة بين التوجيه والإرشاد النفسي من ناحية والصحة النفسية والعلاج النفسي من ناحية أخرى، ما يشاهد في الممارسة العملية من خلال برامج التوجيه والإرشاد والخدمات النفسية في المدارس "ليستر داونينج Downing؛ 1968". وفيما يلي نماذج في الممارسة العملية "في المدارس" يمكن أن يقوم بها المرشد النفسي أو المعالج النفسي على حد سواء.
- الإجراءات الوقائية بخصوص المشكلات الدراسية والانفعالية والحيلولة دون الفشل أو التسرب والعمل على تحقيق أفضل مستوى من التحصيل الدراسي.
- القيام بإجراءات التشخيص.
- القيام بالدور التنموي السليم لتحقيق التوافق والصحة النفسية جنبا إلى جنب مع المعلم؛ المرشد.
(1/27)

- تحديد مشكلات الطلاب، ومساعدتهم على حلها.
- تحديد حاجات الطلاب ومساعدتهم على إشباعها.
- القيام بعملية الإرشاد والاستشارة.
وأحدث ما يثبت الصلة الوثيقة بين الإرشاد النفسي والصحة النفسية ظهور مجال جديد يجمع بين الاثنين وهو "إرشاد الصحة النفسية" Mental Health Counselling وهو إرشاد نفسي موجه علاجيا. ويعبر إرشاد الصحة النفسية بحق عن الصفة المزدوجة الجامعة بين الإرشاد النفسي والصحة النفسية، التي يمكن تحقيقها بطرق الإرشاد والعلاج النفسي معا.
"بيتر شيرارد Sherrard؛ 1989".
"انظر "إرشاد الصحة النفسية" كأحد مجالات الإرشاد النفسي، في الفصل الثامن".
هذا، ويحدد جون بيتروفيسا وآخرون.Pietrofesa et al؛ "1978" العناصر المشتركة بين عمليتي الإرشاد والعلاج النفسي كما في شكل "5".
(1/28)

التوجيه والإرشاد النفسي والاستشارة النفسية:
يضع البعض الإرشاد النفسي في مكان وسط بين العلاج وبين الاستشارة النفسية:
والاستشارة النفسية Psychological consultaiton: هي العملية التي تتم بين مستشار نفسي "مرشد أو معالج" ومستشير "عميل سوى" يعاني من قلق واضطراب نفسي بسيط أو عادي ولديه بعض المشكلات الانفعالية أو الاجتماعية أو الشخصية التي لا يستطيع مواجهتها والتغلب عليها وحلها بمفرده. والاستشارة النفسية عبارة عن موقف تعليمي في جملته يؤدي بالمستشير إلى زيادة فهم نفسه وفهم مشكلته وفهم سلوكه وحل مشكلته، وتهدف دائما إلى تحقيق التوافق النفسي أو زيادة التوافق، ويقول كارل روجرز Rogers؛ "1951": إن هدف الاستشارة النفسية قريب من هدف الإرشاد النفسي وهو مساعدة العميل على أن يساعد نفسه على حل مشكلاته، وأن وظيفة المستشار النفسي هي مساعدة المستشير على أن يتخلص من انفعالاته المتعلقة بمشكلته حتى يستطيع أن يفكر بطريقة أوضح وأسلم وحتى يستطيع التوصل إلى حل المشكلة.
ومما يؤكد عناصر الاتفاق بين الإرشاد النفسي والاستشارة النفسية عدد من البحوث حول هذا الموضوع منها بحث مارشانت Marchant؛ "1971" عن محتوى جلسات الإرشاد النفسي وجلسات الإرشاد والاستشارة ونتائجها التي لم يوجد فروق ذات دلالة إحصائية بينها، كذلك درس ثرلو Thurlow؛ "1972" الفرق بين دور المرشد كمرشد ودوره كمستشار في حالات القلق، ولم يجد فروقا جوهرية بين الأسلوبين.
وأوضح مايرهوفر Maierhofer؛ "1971" أثر الجمع بين الإرشاد الجماعي مع استشارة المعلم؛ المرشد في زيادة التوافق السلوكي. ومن عناصر الاتفاق بين كل من الإرشاد النفسي، والاستشارة النفسية ما يلي:
- يتناول كل من الميدانين المشكلات العادية التي لم تصل بعد إلى حد الانحراف السلوكي.
- يقع على عاتق المسترشد أو المستشير أي العميل، في كل من الميدانين مسئولية مساعدة المرشد أو المستشار حتى يساعده.
- المرشد النفسي يعتبر مستشارا نفسيا.
ويستخدم البعض مثل هارولد بيرنارد ودانيل فولمر Bernard & Fullmer؛ "1972" مصطلح المرشد؛ المستشار Counsellor- Consultant ويحددان عوامل تجعل من المرشد النفسي مستشارا نفسيا، ومن هذه العوامل أن الإرشاد عادة يقدم في المدارس والجامعات، غيرها من المؤسسات وفيها أخصائيون آخرون غير المرشد قد يحتاجون إلى مشورته، وأن المرشد النفسي
(1/29)

عادة يتلقى إعدادا خاصا يصل إلى درجة الدكتوراه، وهذا يؤهله إلى أن يكون في وضع المستشار النفسي. ويرى المؤلفان أن وظيفة المرشد النفسي تنقسم إلى تخصصات أدق، فمنها المرشد النفسي العام The Generalist ومنها المرشد النفسي الأخصائي The Specilist، ومنها المرشد المستشار The Consultant أما المرشد العام فيقوم بعملية الإرشاد النفسي العادية كما في الإرشاد الجماعي والإرشاد التربوي والمهني. وأما المرشد الأخصائي فيقوم بالإرشاد العلاجي. وأما المرشد المستشار فيتصل به هذا وذاك وغيرهما من المؤسسات بخصوص الموضوعات التي تحتاج إلى الاستشارة المتخصصة بالإضافة إلى المشورة بخصوص بعض الحالات الخاصة مثل حالات المعوقين أو المتخلفين أو المتفوقين ... إلخ.
ويضيف بروس شيرتزر وشيلي ستون Shertzer & Stone؛ "1976" أن الاتجاه يسير نحو اعتبار المرشد النفسي مرشدا للطلاب ومستشارا للمعلمين والإداريين والوالدين.
هذا، وعناصر الاختلاف بين الإرشاد النفسي والاستشارة النفسية قليلة إلى درجة أن البعض يكاد يحصرها في أن الإرشاد يتناول الشخصية ككل بينما الاستشارة قد تقتصر على جزء واحد أو جانب واحد من جوانب الشخصية.
(1/30)

التوجيه والإرشاد النفسي والتربية والتعليم:
التربية Education كما نعلم هي عملية حياة يتعلم فيها الفرد الحياة عن طريق نشاط وبتوجيه من المعلم. والتربية التقدمية تهتم بتعليم الحياة وليس فقط بتعليم العلوم. إنها تهتم بالتلميذ ككل وبنموه كوحدة واحدة، وبشخصيته من كل جوانبها جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا في توازن وتواز. وفي التربية الحديثة يتركز الاهتمام بحاضر التلميذ في ضوء ماضيه من أجل التخطيط لمستقبله، وفيها أيضا يهتم المربي بتعليم التلميذ أكثر من تعليم المادة ويعتقد أن للتلميذ الحق في تعليم يناسب قدراته وميوله "هولدين Holden؛ 1971".
ويتضح التكامل بين التوجيه والإرشاد والتربية والتعليم من أن التربية الحديثة تتضمن التوجيه والإرشاد النفسي كجزء متكامل لا يتجزأ منها، جزء مندمج وليس مضافا، أي أن الاثنين يمثلان سلسلة من النشاطات المتكاملة "بروس شيرتزر، وشيلي ستون Shertzer & Stone؛ 1979". وعندما حاول بعض علماء التربية تعريف التوجيه والإرشاد أوردوا تعرفات يقول عنها تيلور Taylor؛ "1971" إنها تعريفات واسعة وتشمل الكثير مما يحدث في عملية التربية والتعليم بل تكاد تكون تعريفات للتربية ذاتها. ويقول فوان Vaughan؛ "1975" إنه لا يمكن التفكير في التربية والتعليم بدون التوجيه والإرشاد، ولا يمكن الفصل التام بين التربية والتعليم وبين التوجيه والإرشاد، فالتربية تتضمن عناصر كثيرة من التوجيه، والتدريس يتضمن
(1/30)

عناصر كثيرة من الإرشاد، وعملية الإرشاد تتضمن التعلم والتعليم كخطوة هامة في تغيير السلوك، ويلاحظ أن الخدمات التربوية وخدمات الإرشاد النفسي توجه معظمها إلى نفس الأعمار تقريبا في مرحلتي الطفولة والشباب، كذلك فإن المدرسة وغيرها من المؤسسات التربوية هي أكبر الأماكن التي تقدم فيها خدمات الإرشاد النفسي في جميع أنحاء العالم.
وهناك الكثير من عناصر الاتفاق بين التوجيه والإرشاد وبين التربية والتعليم فيما يلي أهمها:
- تماثل الأهداف الرئيسية لكل من الميدانين إذ هي إعداد الإنسان الصالح الذي يقوم بدور إيجابي فعال في المجتمع عن طريق الإشراف على نموه وتحقيق كفاية "موريتنسن وشمولر، 1965".
- وجود أرضية مشتركة في مجال خدمات الطلاب في الإطار التربوي الذي يركز أساس على التوجيه والإرشاد.
- اهتمام كل من الميدانين بإعداد الفرد للحياة بمساعدته في فهم نفسه وتحقيق ذاته وبلورة أهداف حياته وأسلوب حياته الذي يحقق هذه الأهداف.
- اشتراك عملية الإرشاد مع العملية التعليمية في الاهتمام بالتعرف على الفروق الفردية في القدرات والميول وإعداد برامج خاصة لرعايتهما واشتراك العمليتين في اهتمام كل منهما بتحقيق مطالب النمو لشخصية الفرد النامي.
- استخدام التوجيه والتربية كمترادفين في كثير من المؤلفات واعتبار العمليتين تهدفان إلى توجيه إرشاد الأفراد في حياتهم. على سبيل المثال يتكلم جون بريور Brewer؛ "1955" في كتابه "التربية كتوجيه" Education as Guidance عن التوجيه والتربية كشيء يكاد يكون واحدا، كذلك كتب آخرون عن التوجيه كتربية Guidance as Education.
- يتضمن التوجيه والإرشاد ضمن عمليات "التربية النفسية" Psychological Educaion أو التربية السلوكية "جون بيتروفيسا وآخرون. Pictrofesa et al؛ 1980".
- احتواء برامج إعداد المعلمين في جميع أنحاء العالم على التوجيه والإرشاد النفسي.
وقد اصبح اسم المعلم؛ المرشد Teacher- Consellor هو هدف الإعداد المهني للمعلم وكل معلم -أراد ذلك أو لم يرد- يقوم بعملية إرشاد نفسي كجزء مهم من عمله، وأصبح المعلم؛ المرشد من أهم أعضاء فريق الإرشاد النفسي. ويلاحظ أن المرشد والمعلم من أقرب أعضاء فريق الإرشاد النفسي إلى بعضها البعض.
- الإصرار في الإعداد المهني للمرشد المدرسي School- Consellor على ضرورة دراسة التربية وأسسها وممارسة التدريس بحيث أصبح اسم المرشد؛ المربي مألوفا في كتب الإرشاد والتربية.
(1/31)

- ظهور الإرشاد التربوي Educational Guidance كمجال من أهم مجالات الإرشاد النفسي يهتم بمساعدة التلاميذ في رسم الخطوط التربوية التي تتلاءم مع قدراتهم، وميولهم وأهدافهم وفي اختيار المناهج المناسبة والمواد المساعدة في النجاح في البرنامج التربوي وفي تشخيص وعلاج المشكلات التربوية1.
وعلى الرغم من عناصر الاتفاق الكثيرة يوجد بعض عناصر الاختلاف خاصة بين عملية الإرشاد النفسي وبين عملية التدريس، ويؤكد بعض الكتاب ضرورة التمييز بين الميدانين، ويقولون: إنه إذا كان الاثنان شيئا واحدا، فلماذا الاختلاف في المصطلحات. وفيما يلي أهم عناصر الاختلاف بين الإرشاد النفسي وبين التدريس:
- على الرغم من أن أهداف كل من الميدانين متقاربة جدا، إلا أن أساليب تحقيق هذه الأهداف ليست متطابقة تماما "آرثر جونز Jones؛ 1970".
- التربية والتعليم أعم وأشمل من التوجيه والإرشاد الذي يعتبر خدمة جزئية ولكنها مكملة ومتكاملة معها، أي أن كل التوجيه والإرشاد تربية وتعليم، ولكن بعض عناصر التربية والتعليم ليس توجيها وإرشادا "جورج هيل وإلياتور لاكي Hill & Luckey؛ 1969"، ويلخص الجدول "4" بعض عناصر الاختلاف الأخرى.
__________
1 من توصيات المؤتمر الدولي الأول لمركز الإرشاد النفسي بجامعة عين شمس "ديسمبر 1994"، وإنشاء إدارة خاصة للإرشاد النفسي في وزارة التربية والتعليم، وتعيين المرشدين النفسيين في المدارس، أسوة بالخطوة الإيجابية الخاصة بتعيين الأخصائيين النفسيين المدرسيين، وإلزام أصحاب المدارس الخاصة بتعيين الأخصائي النفسي والمرشد النفسي بها.
(1/32)

ومما يؤكد القرابة بين التوجيه والإرشاد من ناحية التربية والتعليم من ناحية أخرى، دور المعلم؛ المرشد Teacher- Consellor "ليستر داونينج Downing؛ 1968، حامد زهران؛ 1994".
وفيما يلي نماذج في الممارسة العملية للدور الإرشادي للمعلم؛ المرشد إلى جانب دوره التربوي.
- تهيئة المناخ النفسي الصحي في الفصل وفي المدرسة.
- الاهتمام بالطلاب ونمو شخصياتهم.
- الاشتراك في دراسة الحلات مع المرشدين والمعالجين النفسيين.
- الاشتراك في البحوث اللازمة لبرامج الإرشاد.
- تقديم الخدمات الإرشادية اللازمة للطلاب بطريقة الإرشاد خلال العملية التربوية.
- تقديم خدمات الإرشاد التربوي.
(1/33)

الحاجة إلى التوجيه والإرشاد النفسي:
لقد كان التوجيه والإرشاد فيما مضى موجودا ويمارس دون أن يأخذ هذا الاسم أو الإطار العلمي ودون أن يشمله برنامج منظم، ولكنه تطور وأصبح الآن له أسسه ونظرياته وطرقه ومجالاته وبرامجه، وأصبح يقوم به أخصائيون متخصصون علميا وفنيا، وأصبحت الحاجة ماسة إلى التوجيه والإرشاد في مدارسنا وفي أسرنا وفي مؤسساتنا الإنتاجية في مجتمعنا بصفة عامة.
وفي عالمنا العربي نحتاج إلى مزيد من مراكز الإرشاد النفسي والعيادات النفسية.
ومما يؤكد الحاجة إلى التوجيه والإرشاد أن الحاجة إلى الإرشاد نفسه من أهم الحاجات النفسية مثلها مثل الحاجات إلى الأمن والحب والإنجاز والنجاح ... إلخ.
ويتحدث الباحثون والكتاب عن "الحاجة الإرشادية" للفرد ويقومون لها تعريفات منها أنها رغبة الفرد للتعبير عن مشكلاته بشكل إيجابي منظم بقصد إشباع حاجاته النفسية والفسيولوجية التي لم يتهيأ لإشباعها من تلقاء نفسه، إما لأنه لم يكتشفها في نفسه أو أنه اكتشفها ولم يستطع إشباعها بمفرده، ويهدف من التعبير عن مشكلاته إلى التخلص منها والتمكن من التفاعل مع بيئته والتفوق مع مجتمعه الذي يعيش فيه "سهام أبو عطية، "1988".
إن الفرد والجماعة يحتاجون إلى التوجيه والإرشاد، وكل فرد خلال مراحل نموه المتتالية يمر بمشكلات عادية وفترات حرجة يحتاج فيها إلى إرشاد. ولقد طرأت تغيرات أسرية تعتبر من أهم ملامح التغير الاجتماعي. ولقد حدث تقدم علمي وتكنولوجي كبير، تغيرات في العمل والمهنة. ونحن الآن نعيش في عصر يطلق عليه عصر القلق. هذا كله يؤكد أن الحاجة ماسة إلى التوجيه والإرشاد. وفيما يلي تفصيل ذلك1:
فترات الانتقال:
يمر كل فرد خلال مراحل نموه فترات انتقال حرجة يحتاج فيها إلى التوجيه والإرشاد، وأهم الفترات الحرجة عندما ينتقل الفرد من المنزل إلى المدرسة وعندما يتركها وعندما ينتقل من الدراسة إلى العمل، وعندما يتركه، وعندما ينتقل من حياة العزوبة إلى الزواج
__________
1 من توصيات المؤتمر الدولي الأول لمركز الإرشاد النفسي بجامعة عين شمس "ديسمبر 1994"، العمل على تعميم وتطوير خدمات الإرشاد النفسي في وزارات ومؤسسات الدولة الحكومية والأهلية ... والعمل على النوعية بأهمية الخدمات والإرشادية واستثارة الحاجة إليها ...
(1/34)

وعندما يحدث طلاق أو موت، وعندما ينتقل من الطفولة إلى المراهقة، ومن المراهقة إلى الرشد، ومن الرشد إلى سن القعود أو الشيخوخة. إن فترات الانتقال الحرجة هذه قد يتخللها صراعات وإحباطات وقد يلونها القلق والخوف من المجهول والاكتئاب، وهذا يتطلب إعداد الفرد قبل فترة الانتقال ضمانا للتوافق مع الخبرات الجديدة، وذلك بإمداده بالمعلومات الكافية وغير ذلك من خدمات الإرشاد النفسي، حتى تمر فترة الانتقال بسلام.
التغيرات الأسرية:
يختلف النظام الأسري في المجتمعات المختلفة حسب تقدم المجتمع وثقافته ودينه. ويظهر هذا الاختلاف في نواح عديدة مثل نظام العلاقات الاجتماعية في الأسرة ونظام التنشئة الاجتماعية ... إلخ ونحن نلمس آثار هذا الاختلاف في الدراسات الاجتماعية المقارنة بين المجتمعات الغربية، ومقارنة النظام الأسري، في المدينة والقرية والبادية ... وهكذا.
لقد كانت الأسرة فيما مضى غيرها الآن. كانت الأسرة عائلة كبيرة "آل" أي تجمع كبير للأهل، الكل يعيش معا، الجد والأولاد والأحفاد، كبير الأسرة له كلمته وسلطته وله السمع والطاعة، والتعاون سائد بين جميع أفراد الأسرة.
ومن أهم مظاهر التغيرات الأسرية ما يلي:
- ظهور الأسرة الزواجية الصغيرة المستقلة، وضعف العلاقات بين أفرادها. وأصبح الأولاد يتزوجون ويتركون الأسرة ويستقلون، ويعيش الجد والوالدان وحيدين، وحتى الزيارات أصبحت قليلة وربما اقتصرت على المناسبات والأعياد.
- ظهور مشكلات أسرية مثل مشكلة السكن، ومشكلات الزواج ومشكلات تنظيم الأسرة ومشكلات الشيخوخة.
- خروج المرأة إلى العمل لتدعيم الأسرة اقتصاديا مما أدى إلى تغير العلاقات مع الزوج والأولاد وفي المجتمع بصفة عامة وأدى إلى ظهور مشكلات من نوع جديد.
- ظهور مشكلات جديد مثل تأخر الزواج، أو الإضراب عن الزواج والعنوسة وحالات الأم غير المتزوجة، والأب غير المتزوج ... إلخ.
وهكذا نجد أن هناك الكثير من التغيرات في الظروف الأسرية تجعل الحاجة ماسة إلى خدمات الإرشاد النفسي وتعبر عن أهمية الإرشاد الزواجي والإرشاد الأسري.
التغير الاجتماعي Social Change:
يشهد العالم في العصر الحاضر قدرا كبيرا من التغير الاجتماعي المستمر السريع.
(1/35)

ويقابل عملية التغير الاجتماعي عملية أخرى هي عملية الضبط الاجتماعي Social Control التي تحاول توجيه السلوك بحيث يساير المعايير الاجتماعية ولا ينحرف عنها "حامد زهران، 1984".
وهناك الكثير من عوامل التغير الاجتماعي أدت إلى زيادة سرعته عن ذي قبل مثل الاتصال السريع والتقدم العلمي والتكنولوجي وسهولة التزاوج بين الثقافات ونمو الوعي وحدوث الثورات والحروب ... إلخ.
ومن أهم ملامح التغير الاجتماعي ما يلي:
- تغير بعض مظاهر السلوك، فأصبح مقبولا بعض ما كان مرفوضا من قبل وأصبح مرفوضا بعض ما كان مقبولا من قبل.
- إدراك أهمية التعليم في تحقيق الارتفاع على السلم الاجتماعي؛ الاقتصادي.
- التوسع في تعليم المرأة وخروجها إلى العمل.
- زيادة ارتفاع مستوى الطموح، وزيادة الضغوط الاجتماعية للحراك الاجتماعي الرأسي إلى أعلى.
- وضوح الصراع بين الأجيال وزيادة الفروق في القيم والفروق الثقافية والفكرية خاصة بين الكبار والشباب حتى ليكاد التغير الاجتماعي السريع يجعل كلا من الفريقين يعيش في عالم مختلف.
إن التغير الاجتماعي يؤكد الحاجة إلى الإرشاد النفسي لأنه يتطلب المواجهة العلمية لما يتمخض عنه هذا التغير من مطالب وحاجات ومشكلات ويتطلب استمرار التوافق النفسي معه.
التقدم العلمي والتكنولوجي:
يشهد العالم الآن تقدما علميا وتكنولوجيا تتزايد سرعته في شكل متوالية هندسية.
يقول بروس شيرتزر وشيلي ستون Shertzer & Stone؛ "1976" إن العالم يشهد انفجارا معرفيا هائلا، فقد تضاعف كم المعرفة مرتين بين ميلاد المسيح عليه السلام وسنة 1750، وتضاعف مرة أخرى بين 1750 وسنة 1900، وتضاعف مرة ثالثة بين 1900 وسنة 1950، وهكذا أصبح التقدم العلمي والتكنولوجي ما حققه في المائتين سنة السابقة والتي حقق فيها مثل ما حققه التقدم العلمي منذ فجر الحضارة، ومع أواخر القرن العشرين، أصبحنا في عصر المعلوماتية
(1/36)

ويؤكد برنارد بيرينسون Berenson؛ "1990" أهمية العلم والتكنولوجيا في علم النفس الإرشادي.
ومن أهم معالم التقدم العلمي والتكنولوجي ما يلي:
- زيادة المخترعات الجديدة، واستخدام الذرة في الأغراض السلمية، وغزو الفضاء وازدحامه بالأقمار الصناعية والمحطات الفضائية.
- سياسة الميكنة والضبط الآلي "السيبرنتيقا"1 Cybernetics في مجال العلم والعمل والإنتاج.
- دخول الراديو والتليفزيون في كل بيت مما علم الجديد وغير الأفكار والاتجاهات ... إلخ.
- تغير الاتجاهات والقيم والأخلاقيات وأسلوب الحياة.
- تغير النظام التربوي والكيان الاقتصادي والمهني.
- زيادة الحاجة إلى إعداد صفوة ممتازة من العلماء لضمان اطراد التقدم العلمي والتكنولوجي وتقدم الأمم.
- زيادة التطلع إلى المستقبل والتخطيط له وتقدم علم المستقبل Futurology.
- وفرة المعلومات عبر الأقمار الصناعية في أي جزء من العالم ومن أي جزء من العالم.
ونحن نعلم أن التقدم العلمي يتطلب توافقا من جانب الفرد والمجتمع ويؤكد الحاجة إلى التوجيه والإرشاد خاصة في المدارس والجامعات والمؤسسات الصناعية والإنتاجية من أجل المواكبة والتخطيط لمستقبل أفضل.
تطور التعليم ومفاهيمه:
لقد تطور التعليم وتطورت مفاهيمه، ففيما مضى كان المعلم والمتعلم أو الشيخ والمريد أو الأستاذ والطالب ويتعاملون وجها لوجه في أعداد قليلة، ومصادر المعرفة والمراجع قليلة، وكان المعلم يهتم بنقل التراث وبالمادة العلمية يلقنها للتلاميذ، وكانت البحوث التربوية والنفسية محدودة.
والآن تطور التعليم وتطورت مفاهيمه وتعددت أساليبه وطرقه ومناهجه والأنشطة التي تتضمنها. وفيما يلي أهم مظاهر هذا التطور:
- تمركز التعليم حول التلميذ والاهتمام به ككل وبحياته الشخصية والانفعالية والاجتماعية والعقلية والجسمية ونمو الذات ومفهوم الذات قبل المادة الدراسية.
__________
1 السيبرنتيقا أو علم الضبط الآلي يتناول كل ما يتعلق باستخدام الحاسب الآلي "العقل الإليكتروني" والآلات الأوتوماتيكية وغيرها مما يحل محل العمل العقلي الروتيني.
(1/37)

- زيادة عدد المواد والتخصصات وترك الحرية للتلميذ لاختيار المواد الدراسية التي تناسب استعداداته وقدراته وميوله.
- التركيز على استثارة اهتمام التلميذ وجعله أكثر إيجابية في العملية التربوية.
- زيادة مصادر المعرفة لدرجة أصبح من الصعب معها بل من المستحيل تعليم التلميذ وتلقينه كل شيء في شكل جرعة جاهزة كاللقمة الممضوغة، وأصبح الممكن هو تعريف التلميذ كيف يحصل على ما يريد من علم، وأصبح يشجع التكفير الناقد والتفكير الابتكاري.
- ظهور آثار التقدم العلمي والتكنولوجي الحديث واستخدام التعليم المبرمج والدوائر التليفزيونية المغلقة في المدارس والجامعات.
- اتجاه التعليم إلى تخريج الفنيين المتخصصين ذوي الياقات الزرقاء أكثر من تخريج ذوي الياقات البيضاء ليواكب التقدم الصناعي والتكنولوجي.
- زيادة الإقبال على التعليم العالي والجامعي.
- زيادة إقبال البنات على التعليم.
- اشتراك الوالدين بدرجة أكثر فعالية في العملية التربوية وزيادة اتصال المدرسة بالأسرة وزيادة إسهام الوالدين في تربية وتوجيه وإرشاد الأولاد.
- زيادة اهتمام واشتغال المعلم بالإرشاد النفسي، ودخول خدمات التوجيه والإرشاد بشكل متخصص في المدارس وجزء متكامل مع العملية التربوية.
- زيادة التأكيد على التعلم الذاتي وتعليم الفرد لذاته مستقلا، ليستكمل برنامج تعليمه ويستمر في التعليم "التعليم المستمر، مدى الحياة".
هذا كله يؤكد الحاجة إلى التوجيه والإرشاد في مدارسنا خاصة الإرشاد التربوي والإرشاد المهني.
زيادة أعداد التلاميذ في المدارس:
لقد أصبح التعليم حقا للجميع حتى نهاية المرحلة الابتدائية في معظم دول العالم وحتى نهاية المرحلة المتوسطة في بعضها، وحتى نهاية المرحلة الثانوية في الدول المتقدمة. ولقد أصبح من الواضح الآن زيادة الإقبال على التعليم، وزيادة عدد المدارس وحجمها وأنواعها، وإطالة فترة التعليم، وإقبال البنات على التعليم "ميلز Mills؛ 1971".
وهناك بعض المشكلات التي أدت إليها زيادة أعداد التلاميذ في المدارس، ومن هذه المشكلات.
- وجود عدد يتراوح بين 5-10% من تلاميذ المدراس لديهم مشكلات انفعالية تعوق عملية تعليمهم ما لم يتخذ الإجراءات الإرشادية والعلاجية اللازمة.
(1/38)

- زيادة نسبة التسرب من المدارس.
- وجود الطلاب المتفوقين والمتخلفين وذوي الحاجات الخاصة والجانحين في المدارس العامة والخاصة.
وهكذا نجد أن الحاجة ملحة إلى خدمات الإرشاد في كل مجالات حتى لا تتحول المدارس -مع زيادة أعداد التلاميذ- إلى مجرد مصانع لإنتاج المتعلمين بالجملة كما لا كيفا.
التغيرات في العمل والمهنة:
لقد شهد العالم ثورة علمية وصناعية وتكنولوجيا انعكست آثارها في عالم العمل والمهنة والحياة الاجتماعية بصفة عامة، ومن أهم التغيرات في العمل والمهنة ما يلي:
- الميكنة التي غزت عالم العمل والمهنة حيث طردت الآلة العمال من المصانع وحلت محلهم بكفاءة أكثر مما أدى إلى إضرابهم احتجاجا، وإلى زيادة وقت فراغهم بما في ذلك من مشكلات. فالمصنع الذي كان يحتاج إلى آلاف العمال فيما مضى أصبح الآن يحتاج إلى بضعة عمال يعدون على أصابع اليد للإشراف على الأجهزة الآلية حيث تدخل المادة الخام من ناحية فتخرج المادة المنتجة آليا من الناحية الآخرى بسرعة ودقة وإتقان.
- تغير البناء الوظيفي والمهني في المجتمع، فالمهن التي كانت محدودة فيما مضى أصبحت الآن بالآلاف، وزاد التخصص الدقيق في العمل.
- ظهور مهن جديدة واختفاء مهن قديمة نتيجة للتقدم العلمي والتكنولوجي ودخول عصر الفضاء، وعصر المعلوماتية.
ويخشى أن يأتي يوم يصبح فيه الإنسان بلا عمل، ولكن الإنسان لن يسمح بذلك، فالعيش في سعادة وتوافق يجب أن يسبق العيش لكسب لقمة العيش، وهذا يؤكد الحاجة إلى الإرشاد النفسي وخاصة الإرشاد المهني.
ويلاحظ انخفاض إنتاجية الإنسان العربي بصفة عامة مما يحتاج إلى العمل على رفع إنتاجيته، وهذا يؤكد الحاجة الملحة إلى التوجيه والإرشاد المهني. "حامد زهران، 1984".
عصر القلق:
نحن نعيش في عصر يطلق عليه "عصر القلق" ونسمع عن مصطلح "أمراض الحضارة". إن المجتمع المعاصر مليء بالصراعات والمطامح ومشكلات المدنية. وعلى سبيل المثال كان الناس فيما مضى يركبون الدواب وهم راضون، والآن لديهم السيارات والطائرات ولكنهم غير راضين يتطلعون إلى الأسرع، حتى الصاروخ ومركب الفضاء.
إن الكثيرين في المجتمع الحديث يعانون من القلق والمشكلات التي تظهر الحاجة إلى خدمات الإرشاد العلاجي، في مجال الشخصية ومشكلاتها.
(1/39)

أهداف التوجيه والإرشاد النفسي:
يذكر بعض الكتاب أهدافا كثيرة ومتعددة للتوجيه والإرشاد النفسي لدرجة تصل أحيانا إلى التشتيت وعدم التركيز، ويرى البعض أن هذه الأهداف تكاد تكون خاصة بكل عميل فرد حسب حالته وتوقعاته ويتحدث البعض الآخر عنها كوحدة، ومن المهم أن تكون أهداف عملية الإرشاد النفسي ذات مستويات ثلاثة: "ماجي إبراهيم، 1996".
- مستوى معرفي Cognitive: حيث تتناول التفكير والمدركات والتصورات والمعارف والخبرات والمعتقدات.
- مستوى وجداني Affective: حيث تتناول الوجدانيات والانفعالات والاتجاهات والقيم.
- مستوى عملي "سلوكي" Doing: حيث تتناول عملية تعديل السلوك وإكساب مهارات سلوكية عملية.
وعلى العموم فإن أهداف التوجيه والإرشاد النفسي، تحدد وجهة كل من المرشد والعميل وعملية الإرشاد نفسها. ويحدد المؤلف أهم أهداف التوجيه والإرشاد النفسي فيما يلي:
تحقيق الذات Self- actualization:
لا شك أن الهدف الرئيسي للتوجيه والإرشاد هو العمل مع الفرد لتحقيق الذات. والعمل مع الفرد يقصد به العمل معه حسب حالته سواء كان عاديا أو متفوقا أو ضعيف العقل أو متخلفا دراسيا أو جانحا، ومساعدته في تحقيق ذاته إلى درجة يستطيع فيها أن ينظر إلى نفسه فيرضى عما ينظر إليه.
ويقول كارل روجرز Rogers؛ "1959" إن الفرد لديه دافع أساسي يوجه سلوكه وهو دافع تحقيق الذات، ونتيجة لوجود هذا الدافع فإن الفرد لديه استعداد دائم لتنمية فهم ذاته ومعرفة وتحليل نفسه وفهم استعداداته وإمكاناته أي تقييم نفسه وتقويمها وتوجيه ذاته. ويتضمن ذلك "تنمية بصيرة العميل" ويركز الإرشاد النفسي غير المباشر أو الممركز حول العميل أو الممركز حول الذات على تحقيق الذات إلى أقصى درجة ممكنة وليس بطريقة "الكل أو لا شيء".
كذلك يهدف الإرشاد النفسي إلى نمو مفهوم موجب للذات والذات هي كينونة الفرد وحجر الزاوية في شخصيته. ومفهوم الذات الموجب Positive Self - Concept يعبر عنه تطابق مفهوم الذات الواقعي "أي المفهوم المدرك للذات الواقعية كما يعبر عنه الشخص". مع مفهوم الذات المثالي "أي المفهوم المدرك للذات المثالية كما يعبر عنه الشخص". ومفهوم الذات الموجب عكس مفهوم الذات السالب الذي يعبر عنه عدم تطابق مفهوم الذات الواقعي ومفهوم الذات المثالي. ومعلوم أن مفهوم الذات هو المحدد الرئيسي للسلوك "حامد زهران، 1976".
(1/40)

وهناك هدف بعيد المدى للتوجيه والإرشاد وهو "توجيه الذات" Self- Guidance أي تحقيق قدرة الفرد على توجيه حياته بنفسه بذكاء وبصيرة وكفاية في حدود المعايير الاجتماعية، وتحديد أهداف للحياة وفلسفة واقعية لتحقيق هذه الأهداف.
ويعمم هذا الهدف تحت عنوان "تسهيل النمو العادي" وتحقيق مطالب النمو في ضوء معاييره وقوانينه حتى يتحقق النضج النفسي، ويقصد بتسهيل النمو هنا النمو السوي الذي يتضمن التحسن والتقدم وليس مجرد التغيير.
تحقيق التوافق Adjustment:
من أهم أهداف التوجيه والإرشاد النفسي تحقيق التوافق، أي تناول السلوك والبيئة الطبيعية والاجتماعية بالتغيير والتعديل حتى يحدث توازن بين الفرد وبيئته، وهذا التوازن، يتضمن إشباع حاجات الفرد ومقابلة متطلبات البيئة.
ويتطلب تحقيق هذا الهدف تنمية طاقات المسترشد، واكتسابه مهارات التعامل مع المواقف Coping Skills، وخاصة المواقف الضاغطة، النهوض بعملية اتخاذ القرارات "محمد محروس الشناوي، محمد التويجري، 1996".
ويجب النظر إلى التوافق النفسي نظرة متكاملة بحيث يتحقق التوافق المتوازن في كافة مجالاته "مكجوان وشميت McGowan & Shmidt؛ 1962". ومن أهم مجالات تحقيق التوافق ما يلي:
التوافق الشخصي: أي تحقيق السعادة مع النفس والرضا عنها وإشباع الدوافع والحاجات الداخلية الأولية الفطرية والعضوية والفسيولوجية والثانوية المكتسبة، ويعبر عن سلم داخلي حيث يقل الصراع، ويتضمن كذلك التوافق لمطالب النمو في مراحله المتتابعة.
التوافق التربوي: وذلك عن طريق مساعدة الفرد في اختيار أنسب المواد الدراسية والمناهج في ضوء قدراته وميوله وبذل أقصى جهد ممكن بما يحقق النجاح الدراسي.
التوافق المهني: ويتضمن الاختيار المناسب للمهنة والاستعداد علميا وتدريبيا لها والدخول فيها والانحياز والكفاءة والشعور بالرضا والنجاح، أي وضع العامل المناسب في العمل المناسب بالنسبة له وبالنسبة للمجتمع.
(1/41)

التوافق الاجتماعي: ويتضمن السعادة مع الآخرين، والالتزام بأخلاقيات المجتمع ومسايرة المعايير الاجتماعية وقواعد الضبط الاجتماعي وتقبل التغير الاجتماعي والتفاعل الاجتماعي السليم وتحمل المسئولية الاجتماعية، والعمل لخير الجماعة، وتعدل القيم مما يؤدي إلى تحقيق الصحة الاجتماعية، ويدخل ضمن التوافق الاجتماعي التوافق الأسري والتوافق الزواجي.
تحقيق الصحة النفسية:
الهدف العام الشامل للتوجيه والإرشاد النفسي هو تحقيق الصحة النفسية وسعادة وهناء الفرد "راجع تعريف الصحة النفسية".
ويلاحظ هنا فصل تحقيق الصحة النفسية كهدف عن تحقيق التوافق كهدف.
ويرجع ذلك إلى أن الصحة النفسية والتوافق النفسي ليسا مترادفين. فالفرد قد يكون متوافقا مع بعض الظروف وفي بعض المواقف ولكنه قد لا يكون صحيحا نفسيا لأنه قد يساير البيئة خارجيا ولكنه يرفضها داخليا.
ويرتبط بتحقيق الصحة النفسية كهدف حل مشكلات العميل أي مساعدته في حل مشكلاته بنفسه، ويتضمن ذلك التعرف على أسباب المشكلات وأعراضها وإزالة الأسباب وإزالة الأعراض.
تحسين العملية التربوية:
المدرسة هي أكبر المؤسسات التي يعمل فيها التوجيه والإرشاد، ومن أكبر مجالاته مجال التربية، وتحتاج العملية التربوية إلى تحسين قائم على تحقيق مناخ نفسي صحي له مكونات منها احترام التلميذ كفرد في حد ذاته وكعضو في جماعة الفصل والمدرسة، والمجتمع وتحقيق الحرية والأمن والارتياح بما يتيح فرصة نمو شخصية التلاميذ من كافة جوانبها ويحقق تسهيل عملية التعليم.
(1/42)

ولتحسين العملية التربوية يوجه الاهتمام إلى ما يلي:
- إثارة الدافعية وتشجيع الرغبة في التحصيل واستخدام الثواب والتعزيز وجعل الخبرة التربوية التي يعيشها التلميذ كما ينبغي أن تكون من حيث الفائدة المرجوة.
- عمل حساب الفروق الفردية وأهمية التعرف على المتفوقين ومساعدتهم على النمو التربوي في ضوء قدراتهم.
- إعطاء كم مناسب من المعلومات الأكاديمية والمهنية والاجتماعية تفيد في معرفة التلميذ لذاته وفي تحقيق التوافق النفسي والصحة النفسية وتلقي الضوء على مشكلاته وتعليمه كيف يحلها بنفسه.
- تعليم التلاميذ مهارات المذاكرة والتحصيل السليم بأفضل طريقة ممكنة حتى يحققوا أكبر درجة ممكنة من النجاح.
وهكذا نرى أن تحسين العملية التربوية يعتبر من أهم أهداف التوجيه والإرشاد النفسي في المجال التربوي الذي يهمنا بصفة خاصة.
(1/43)

مناهج واستراتيجيا التوجيه والإرشاد النفسي
...
مناهج واستراتيجيات التوجيه والإرشاد النفسي:
هناك ثلاثة مناهج واستراتيجيات لتحقيق أهداف التوجيه والإرشاد هي: المنهج التنموي، والمنهج الوقائي، والمنهج العلاجي. ويدمج بعض الكتاب المنهجين الأولين "التنموي والوقائي" تحت عنوان واحد على أساس أن كلا منهما يسعى إلى تجنب الوقوع في المشكلات والاضطرابات النفسية وذلك عن طريق دعم النمو السوي للفرد "مورتينسن وشمولر 1965". ويظن البعض أن الاستراتيجية الأهم لتحقيق أهداف التوجيه والإرشاد النفسي هي الاستراتيجية العلاجية، ولكن الأصح هو أن الاستراتيجيتين التنموية والوقائية يجب أن تسبقا الاستراتيجية العلاجية "جورج هيل وإليانانورلاكي Hill & Luckey؛ 1969".
وعلى العموم يجب التخطيط الدقيق لهذه المناهج الثلاثة في برنامج التوجيه والإرشاد.
المنهج التنموي Develpmental:
يطلق عليه أحيانا "الاستراتيجية الإنشائية" Strategy of Promotion وترجع أهمية المنهج التنموي إلى أن خدمات التوجيه، والإرشاد تقدم أساسا إلى العاديين لتحقيق زيادة كفاءة الفرد الكفء وإلى تدعيم الفرد المتوافق إلى أقصى حد ممكن.
ولقد ظهرت عدة مؤلفات تؤكد النظر إلى الإرشاد النفسي كعملية نمو، فقد كتب ليتل وشابمان Little & Chapman؛ "1955" كتابا بعنوان Develpmental Guidance in the
(1/43)

Secondary School، وكتب هيرمان بيترز، وجيل فارويل Peters & Farwell؛ "1959" كتابا بعنوان Guidance: A Developmental Approach. ويركز هؤلاء على أهمية رعاية وتوجيه النمو السليم والارتقاء بالسلوك. وهؤلاء وأمثالهم يؤكدون أهمية المنهج التنموي في تخطيط برامج التوجيه والإرشاد وخاصة في المدارس.
ويتضمن المنهج التنموي والإجراءات التي تؤدي إلى النمو السوي السليم لدى الأسوياء والعاديين. خلال رحلة نموهم طوال العمر حتى يتحقق الوصول بهم إلى أعلى مستوى ممكن من النضج والصحة النفسية والسعادة والكفاية والتوافق النفسي. ويتحقق ذلك عن طريق معرفة وفهم وتقبل الذات ونمو مفهوم موجب للذات وتحديد أهداف سليمة للحياة وأسلوب حياة موفق بدراسة الاستعدادت القدرات والإمكانات وتوجيهها التوجيه السليم نفسيا وتربويا ومهنيا، ومن خلال رعاية مظاهر نمو الشخصية جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا.
المنهج الوقائي Preventive:
يحتل المنهج الوقائي مكانا في التوجيه والإرشاد النفسي، ويطلق عليه أحيانا، منهج "التحصين النفسي" ضد المشكلات والاضطرابات والأمراض النفسية.
ويقول المثل المعروف "الوقاية خير من العلاج"، ونحن نعرف أن الواقية تغني عن العلاج، وأن جرام وقاية خير من طن علاج، وأن الطن من الوقاية يكلف المجتمع أقل مما يكلفه جرام واحد من العلاج، إن الوقاية والتحصين أفضل من العلاج. ونحن نعرف أن تحصين المنزل ضد اللصوص أفضل من تركه هدفا سهلا لهم ثم مقاومتهم حين يسطون. فالمعركة فيها احتمال الخسارة، وتجنبها بالوقاية والتحصين أفضل ولا شك.
ويهتم المنهج الوقائي بالأسوياء والأصحاء قبل اهتمامه بالمرضى ليقيهم ضد حدوث المشكلات وتجنبها بالوقاية والتحصين أفضل ولا شك.
ويهتم المنهج الوقائي بالأسوياء والأصحاء قبل اهتمامه بالمرضى ليقيهم ضد حدوث المشكلات والاضطرابات والأمراض النفسية.
وللمنهج الوقائي مستويات ثلاثة هي:
الوقاية الأولية: وتتضمن محاولة منع حدوث المشكلة أو الاضطراب أو المرض بإزالة الأسباب حتى لا يقع المحظور.
الوقاية الثانوية: وتتضمن محاولة الكشف المبكر وتشخيص الاضطراب في مرحلته الأولى بقدر الإمكان للسيطرة عليه ومنع تطوره وتفاقمه.
الوقاية من الدرجة الثالثة: وتتضمن محاولة التقليل من أثر إعاقة الاضطراب أو منع إزمان المرض.
(1/44)

وتتركز الخطوط العريضة للوقاية من الاضطرابات النفسية فيما يلي: "انظر حامد زهران، 1973".
- الإجراءات الوقائية الحيوية: وتتضمن الاهتمام بالصحة العامة، والنواحي التناسلية.
- الإجراءات الوقائية النفسية: وتتضمن رعاية النمو النفسي السوي، ونمو المهارات الأساسية، والتوافق الزواجي، والتوافق الأسري، والتوافق المهني، والمساندة أثناء الفترات الحرجة، والتنشئة الاجتماعية السليمة.
الإجراءات الوقائية الاجتماعية: وتتضمن إجراء الدراسات والبحوث العلمية وعمليات التقويم والمتابعة والتخطيط العلمي للإجراءات الوقائية1.
المنهج العلاجي:
هناك بعض المشكلات والاضطرابات قد يكون من الصعب التنبؤ بها فتحدث فعلا.
وكل فرد يخبر في وقت ما مواقف أزمات Crisis- situations وفترات حرجة ومشكلات حقيقية يحتاج فيها إلى مساعدة ومساندة لتخفيض مستوى القلق ورفع مستوى الأمل.
ويتضمن دور المنهج العلاجي كذلك علاج المشكلات والاضطرابات والأمراض النفسية حتى العودة إلى حالة التوافق والصحة النفسية.
ويهتم المنهج العلاجي بنظريات الاضطراب والمرض النفسي وأسبابه وتشخيصه وطرق علاجه، وتوفير المرشدين والمعالجين والمراكز والعيادات والمستشفيات النفسية.
ويلاحظ أن المنهج العلاجي يحتاج إلى تخصص أدق في الإرشاد العلاجي إذا قورن بالمنهجين التنموي والوقائي، وهو أكثر المناهج الثلاث تكلفة في الوقت والجهد والمال.
كذلك فإن نسبة نجاح الاستراتيجية العلاجية لا تكون 100%، وقد يفلت الزمام من يد المرشد أو المعالج إذا ما بدأ العلاج بعد فوات الأوان.
__________
1 من توصيات المؤتمر الدولي الأول لمركز الإرشاد النفسي بجامعة عين شمس "ديسمبر 1994"، اعتبار الخدمات الوقائية للعمل الإرشادي جانبا أساسيا من خدمات الإرشاد، سواء على المستوى الفردي أو على مستوى الجماعة، في المؤسسات التربوية والاجتماعية والمهنية.
(1/45)

التوجيه والإرشاد النفسي علم وفن:
إن ممارسة الإرشاد النفسي فن يقوم على أساس علمي، بالضبط كما أن ممارسة العلاج الطبي فن يقوم على أساس علمي. ويقول بروس شيرتزر وشيلي ستون Shertzer & Stone
(1/45)

"1970" إن ممارسة الإرشاد النفسي كفن من فنون العلاقات الاجتماعية يقوم على اساس علمي، يحتاج إلى دراسة علمية في الجامعات وتدريب عملي فني قبل الممارسة في مراكز الإرشاد والعيادات النفسية.
وبينما نجد كتابا يتحدثون عن الإرشاد النفسي على أنه علم أكثر منه فن، فإن الواقع يشير إلى أن كل ممارس للإرشاد النفسي يلمس التوازن العلمي بين الإرشاد النفسي كعلم نظري وفن تطبيق حيث يدعم العلم المتاح فن الممارسة.
الإرشاد النفسي علم:
هناك عدة اعتبارات تجعل الإرشاد النفسي علما، ومن هذه الاعتبارات ما يلي:
- الإرشاد النفسي فرع من فروع علم النفس التطبيقي.
- الإرشاد النفسي يقوم على أساس نظريات علمية راسخة مثل نظرية الذات ونظرية المجال ونظرية السمات والعوامل النظرية السلوكية، وهذه النظريات تستند على مناهج البحث العلمي التجريبي، والوصفي الذي من أهم طرقه الملاحظة العلمية، ونحن نعلم أن النظرية يتم التوصل إليها عن طريق تسلسل علمي يبدأ بتحديد ظاهرة تحتاج إلى تفسير، ثم تحديد مشكلة الدراسة التي تدور حول الظاهرة، وتحديد الهدف من البحث العلمي، وهو التفسير والتنبؤ والضبط، ثم تحديد الفروض التي تهدي إلى استكشاف الحقائق العلمية، ثم إجراء التجارب التي تهدف إلى التحقق من صحة الفروض كلها أو بعضها، حيث تستخدم عينات ممثلة واختبارات مقننة لقياس، متغيرات محددة، وهكذا يتم التوصل إلى حقائق متعلقة بالظاهرة، ثم تصاغ القوانين العلمية، ويتم الوصول إلى نظرية علمية.
- هناك حقائق كثيرة معروفة عن الفروق بين الإرشاد السليم والإرشاد غير المؤثر.
- كل مرشد لا بد أن يعد الإعداد العلمي وأن يدرس الأساس العلمي الذي تقوم عليه عملية الإرشاد.
الإرشاد النفسي فن:
هناك عدة اعتبارات تجعل الإرشاد النفسي فنا يحتاج إلى مهارة وخبرة، ومن هذه الاعتبارات ما يلي:
- هناك جوانب من حياة الإنسان وسلوكه مثل طبيعة الإنسان قد لا تخضع -بالدقة الكافية والثقة المطلوبة- للدراسة العلمية البحتة.
(1/46)

- هناك بعض المشكلات النفسية المعقدة لا يوفر العلم وحده تفسيرا كاملا لها.
- المرشد حين يعمل في مركز الإرشاد أو العيادة النفسية أو المدرسة وغيرها من المؤسسات يلتقي بعملاء بينهم فروق فردية واضحة في شخصياتهم وفي نوعية مشكلاتهم.
- عملية الإرشاد يلزمها الإقبال والقبول والتقبل من جانب المرشد والعميل.
- عملية الإرشاد تحتاج إلى خبرة فنية طويلة خاصة في عملية الفحص والتشخيص وتقديم المساعدة الإرشادية وفي مواجهة طورائ عملية الإرشاد مثل المقاومة والتحويل والإحالة.
- كل مرشد يضفي لمسات فنية حين يطبق عمليا ما يعرفه علميا من فنيات وطرق.
- يواجه المرشد في عملية الإرشاد أنواعا مختلفة من العملاء من بينهم العميل السهل، وفي نفس الوقت يوجد "العميل الصعب" مثل "الفهلوي" و"أبو العريف" والمتواكل، والخاضع والمستهتر والممثل والمنسحب، واليائس، والحزين والعدواني وكبش الفداء ... إلخ. ويأتي تفصيل ذلك في الفصل العاشر عند الكلام عن العميل ومسئوليته في عملية الإرشاد.
- يأتي إلى المرشد عملاء في أعمار مختلفة، ولا بد أن يطوع أساليب علمية الإرشاد لتناسب الطفل والشاب والشيخ والرجل والمرأة، ومع هؤلاء وغيرهم تختلف عملية الإرشاد فنيا وليس علميا.
(1/47)

التوجيه والإرشاد بين الماضي والحاضر والمستقبل:
التوجيه والإرشاد النفسي علم وفن له ماض وحاضر ومستقبل. وهو عبارة عن تجمع لجهود أعلام وتجمع لحركات في مناطق مختلفة من العالم وفي فترات تاريخية متتابعة. ومثل الإرشاد النفسي مثل النهر العظيم الذي هو تجميع لفروع صغيرة جاءت من منابع متعددة أصلها جميعا قطرات مطر.
وترجع أهمية دراسة تاريخ وتطور التوجيه والإرشاد النفسي بين الماضي والحاضر والمستقبل إلى ضرورة تتبع نمو النظريات الأساسية والمفاهيم الرئيسية والطرق المتعددة والمجالات الكثيرة، والتعرف على أهم معالمه وأعلامه، والاستنارة بتطورات الماضي، والتعرف على إنجازات الحاضر، وإلقاء الضوء على تطلعات المستقبل.
(1/47)

ماضي التوجيه والإرشاد النفسي:
البداية:
التوجيه والإرشاد بمعناه الواسع قديم قدم العلاقات الإنسانية: فمن طبيعة الإنسان أن يحكي مشكلاته الشخصية لأقاربه وأصدقائه ومعارفه فيلقى مشاركة وجدانية واقتراح حلول لهذه المشكلات. ومعنى هذا أن الإرشاد النفسي يمارس منذ القدم ولكن بدون المصطلح وبدون الإطار العلمي الحالي أو في شكل "توجيه بلدي" Lay Guidance، أو "إرشاد مصاطب" Armchair Counselling.
ونرجع إلى بداية التوجيه والإرشاد النفسي كما نعرفه الآن إلى مائة عام خلت حين انفصل علم النفس الحديث عن أحضان الفلسفة منذ أن أنشأ ويلهيلم فونت Wundt سنة 1879 في ليبزيج بألمانيا أول معمل لعلم النفس التجريبي، وبدأت الدراسات العلمية لعلم النفس، وظهر علم النفس التطبيقي.
اسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
حركة التوجيه التربوي:
في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت مشكلة التخلف الدراسي والضعف العقلي انتباه علماء النفس مما جعلهم يتوافرون على دراستها. ففي فرنسا أنشأ ألفريد بينيه Binet سنة 1905 أول اختبار ذكاء في العالم، وتمت محاولات لدراسة
(1/48)

التخلف الدراسي والضعف العقلي وبدأ بعض الجهد في التعليم وتوجيه وإرشاد هاتين الفئتين من الأفراد.
وفي سنة 1923 نظم مجلس التربية الأمريكي American Council on Education للدراسات في ميدان الخدمات الشخصة للطلبة Student Personnel Work، واتجه الاهتمام إلى فئات أخرى من التلاميذ المعوقين وذوي الحاجات الخاصة، وزاد التوسع والاهتمام بالمناهج وتخطيط المستقبل التربوي بالنسبة للتلاميذ العاديين.
حركة التوجيه المهني:
بدأت حركة التوجيه المهني على يد فرانك بارسونز Parsons الذي أسس سنة 1908 في بوسطون بأمريكا مكتب التوجيه المهني Boston Vaocation Bureau والذي كتب سنة 1909 كتاب "اختيار مهنة" Choosing a Vaocation وهذا الكتاب يعتبر أول وأعظم كتب التوجيه المهني، وهو الذي رشح بارسونز ليلقب "أبو التوجيه المهني".
وفي سنة 1910 عقد في بوسطون أول مؤتمر قومي للتوجيه المهني National Conference on Vacational Guidance.
وفي سنة 1910 صدرت أول مجلة للتوجيه المهني Vacational Cuidance Bulletin
وانتشرت حركة التوجيه المهني وأنشئ في أمريكا سنة 1913 الاتحاد القومي للتوجيه المهني
National Vacational Guidance Assocication.
وفي الثلاثينات جذب التوجيه والإرشاد أنظار رجال الاقتصاد بسبب تطور الآلات والتخصيص المهني، ومشكلات وقت الفراغ والبطالة والتقاعد وغيرها. وزاد الاهتمام بشئون الموظفين والعاملين من حيث الاختيار والتوزيع والكفاية والإنتاجية.
وبعد ذلك تنوعت النشاطات والاهتمامات في مجال التوجيه المهني.
حركة الصحة النفسية والإرشاد العلاجي:
بعد أن كان المرضى النفسيون فيما مضى يوضعون في بيمارستان مقيدين بالسلاسل كالمساجين في ضوء نظريات تؤمن بالمس والجن، تطورت المفاهيم والنظريات في الصحة النفسية الطب النفسي، وتحرر المرضى من السلاسل وهدمت الأسوار وتطورت النظريات وطرق العلاج.
ويحكي لنا تاريخ العلم أنه في سنة 1896، افتتح ليتنر ويتمر Witmer أول عيادة نفسية في جامعة بنسلفانيا بأمريكا، وبدأت بعلاج حالات التخلف الدراسي والضعف العقلي ثم امتد
(1/49)

نشاطها إلى علاج حالات أمراض الكلام والتوجيه المهني، تم تزايد عدد العيادات النفسية وأصبح الاهتمام موجها إلى التوافق النفسي، والمشكلات الشخصية والتربوية والمهنية، والاجتماعية بصفة عامة.
وفي سنة 1908 كتب كليفورد بيرز Beers كتابه: "العقل الذي وجد نفسه" The Mind that found itself ووصف فيه حالته من المرض النفسي إلى الصحة النفسية. وفي العام التالي 1909 تأسست في أمريكا اللجنة القومية للصحة النفسية National Committee for Mental Health وأولت عنايتها لدراسة وعلاج وتأهيل المرضى النفسيين.
وفي سنة 1909 أيضا أسس ويليام هيلي Healy معهد رعاية الأطفال الجانحين في شيكاجوا Chicago Juvenile Psychopaithic Institute وهو يعتبر أول عيادة نفسية لتوجيه الأطفال لعلاج مشكلاتهم الانفعالية ومشكلات سوء التوافق في كل من الأسرة والمدرسة.
وفي الثلاثينات بدأ الإرشاد العلاجي Clinical Counselling يتمايز عن كل من الإرشاد المهني والإرشاد التربوي حيث أخذ يركز على المشكلات الشخصية، وكان يعرف في ذلك الوقت باسم "الإرشاد الشخصي" Personal counselling. وكانت البداية والجادة على يد سيموندز Symonds في كتابه "تشخيص الشخصية والسلوك" Diagnosign Personsality and Conduct سنة 1931، وعلى يد ويليامسون Williamson في كتابه: "كيف نرشد الطلبة" How to Conusel Students سنة 1939.
وفي الأربعينات أثرت مفاهيم التحليل النفسي خاصة على يد سيجموند فرويد Freud في زيادة الاهتمام بالصحة النفسية والعلاج النفسي في نمو الإرشاد العلاجي الذي اهتم بالمشكلات الشخصية والانفعالية.
وفي العقد الخامس ظهر الإرشاد المباشر والعلاج النفسي الممركز حول العميل على يد كارل روجرز Rogers بظهور كتابه "الإرشاد والعلاج النفسي" Counseling and Psychotherapy سنة 1942 الذي عدل أسلوبه المباشر السابق ووجه الأنظار إلى أن المرشد والمعالج يقومان بعلاج الناس وليس المشكلات، وحرك حركة الإرشاد النفسي من القياس النفسي إلى العلاج النفسي "هارمز وشرابير Harms & Schreiber؛ 1963".
حركة القياس النفسي:
كان لحركة القياس النفسي ودراسة الفروق الفردية وإنشاء الاختبارات والمقاييس أثر كبير في تطور التوجيه والإرشاد النفسي.
(1/50)

ففي سنة 1890 ذكر جيمس كاتيل Cattell لأول مرة في تاريخ علم النفس مصطلح الاختبارات العقلية Mental tests.
وفي سنة 1905 أنشأ ألفريد بينيه Binet في فرنسا أول مقياس ذكاء معروف في العالم. وبعد ذلك بأحد عشر عاما نشر تيرمان Terman مراجعة لمقياس بينيه مقننا على المجتمع الأمريكي.
وفي العشرينات اتسعت حركة القياس وظهر اختبار ألفا Alpha Test كأول اختبار جماعي للذكاء في الجيش الأمريكي.
وفي الثلاثينات بدأت تظهراختبارات ومقاييس عديدة وزادت حركة القياس النفسي نشاطا.
وفي الأربعينات ظهرت اختبارات ومقايس خاصة للإرشاد النفسي وكان داورد سترونج Strong من أوائل الذين أسهموا في هذا المجال فأنشأ سنة 1943 اختبار الميول المهنية Storng Vaocational Inteest Balnk للرجال والنساء.
وبعد الحرب العالمية الأولى ظهر العديد من الاختبارات والمقاييس وتأسست مؤسسات للاختبارات والمقاييس لإنشاء وإعداد اختبارات ومقاييس الذكاء والتحصيل والميول والتوافق وإعداد الأجهزة والاختبارات العملية.
وكثرت معامل علم النفس، وتوالت جهود العلماء ولمعت أسماء مثل جوادرد Goddard، وثورنديك Thorndidk، وسبيرمان Spearman، وثرستون Thurstone.
وتطور الاهتمام بالاختبارات والمقاييس النفسية وظهر سنة 1950 كتاب بعنوان: Mental Measurements Yearbook يضم قائمة بالاختبارات الجديدة لقياس الذكاء والشخصية ... إلخ وتعريفاتها.
وهكذا ساعدت حركة القياس النفسي في تطور ونمو التوجيه والإرشاد لأنها أكدت أنه للعمل مع الفرد لا بد من جمع المعلومات الدقيقة والموضوعية عنه واستخدامها بذكاء.
الجمعيات والاتحادات:
في سنة 1913 أسست أول جمعية للإرشاد النفسي في ميتشيجان بأمريكا، ثم تم اندماج الاتحاد القومي للتوجيه المهني مع الاتحاد الأمريكي لمرشدي المدارس سنة 1952 American School Counselors Assocication والاتحاد الأمريكي للإرشاد والتأهيل American Rehabilitiation Counselors Assocication ونشأ الاتحاد الأمريكي للخدمات.
(1/51)

الشخصية والتوجيه سنة 1951 American Persionnel and Guidance Association. في سنة 1947 اعترفت جمعية علم النفس الأمريكية American Psychological Association بالإرشاد النفسي كميدان تمنح فيه الدبلومات والدرجات العليا وتكون في الجمعية سنة 1953 قسم خاص للإرشاد النفسي Diveision of Counseling Psychology وفي سنة 1979 أسست الجمعية الأمريكية لمرشدي الصحة النفسية American Mental Health Counslors Association.
الحربان العالميتان:
في الحرب العالمية الأولى حين تجمعت القوات المسلحة في جميع أنحاء العالم من أجناس مختلفة واشتعلت نيران الحرب، وظهرت مفاهيم جديدة في الاختيار والتنوزيع والقيادة، وظهرت اضطرابات نفسية مثل عصاب الحرب، وظهرت طرق جديدة مثل الإرشاد والعلاج النفسي الجماعي ... إلخ. وأثناء الحرب العالمية الأولى أيضا ابتكرت بعض وسائل الإرشاد مثل بطاقة المؤهلات the qualificaion Card والتي تطورت فيما بعد أثناء الحرب العالمية الثانية إلى ما يسمى السجل المجمع Cumulative Record.
ولما نشبت الحرب العالمية الثانية أثرت في تطور التوجيه والإرشاد إذ بينت الأهمية الكبرى للاختبارات والمقاييس النفسية في اختيار وتوزيع الأفراد ووضع الفرد المناسب في المكان المناسب حسب قدراته واستعداداته وميوله، وأثناء الحرب العالمية الثانية لعب والترسكوت Scott دورا هاما في تطور أساليب ووسائل الإرشاد النفسي وأثناءها أيضا ابتكرت طرق علاجية لاستخدامها مع الجنود العائدين من الميدان.
حاضر التوجيه والإرشاد النفسي:
الإرشاد النفسي كتخصص ومهنة:
تطور التوجيه والإرشاد من خلال ماضيه إلى حاضر أكثر نموا وأصبح في الوقت الحاضر ملء السمع والبصر.
وأصبح الإرشاد النفسي تخصصا معترفا به، وإن كان يتصل بعلوم أخرى أخذا وعطاء كما سبق أن عرفنا "راجع".
وأنشئت أقسام للتوجيه والإرشاد في جامعات العالم، وأصبحت تمنح شهادات ودبلومات عالية ودرجات الماجستير والدكتوراه في تخصص التوجيه والإرشاد.
(1/52)

وأصبح الإرشاد النفسي مهنة وله مكانة في كثير من المدارس والمصانع والقوات المسلحة وغير ذلك من المؤسسات الاجتماعية، بل دخل البيوت، وأصبحنا نسمع عن أخصائي مثل المرشد النفسي the Counselling Psychologist، وأصبحنا نسمع عن تخصصات فرعية للإرشاد النفسي مثل المرشد المدرسي The School Counsellor والمرشد العلاجي the Clinical Counsellor أي أن الاتجاه تحول من إعداد المرشد الممارس العام The Generalist إلى المرشد الأخصائي The Specialist وأصبح العمل في الإرشاد النفسي عمل فريق متكامل يضم إلى جانب المرشد النفسي عددا آخر من المسئولين مثل المعالج النفسي والطبيب النفسي والأخصائي الاجتماعي والمعلم؛ المرشد وغيرهم.
تعدد الوسائل والطرق والمجالات:
تعددت في الوقت الحاضر وسائل الإرشاد النفسي ولم تعد قاصرة على الاختبارات والسجلات المجمعة والملاحظة بل اشتملت على وسائل جديدة متطورة مثل دراسة الحالة والسيرة الشخصية ومؤتمر الحالة والتقارير ... إلخ. وهكذا لم تعد خدمات الإرشاد قاصرة على "الفرح بالاختبارات" كما كان يلذ للبعض سابقا، وتعددت طرق الإرشاد النفسي ولم تعد قاصرة كما كان سابقا على الإرشاد الفردي والإرشاد المباشر، بل ظهر الإرشاد الجماعي والإرشاد غير المباشر، وأصبح من الممكن العمل مع الأفراد والجماعات.
وتعددت مجالات الإرشاد النفسي فخرجت عن مثلث التوجيه the Triangle of Guidance الذي كان يضم التوجيه والإرشاد العلاجي والتربوي والمهني، وأصبح يشمل مجالات مثل الإرشاد الزواجي والأسري وإرشاد الصحة النفسية ... إلخ.
ويعتبر مجال الإرشاد التربوي في الوقت الحاضر من أهم مجالات التوجيه والإرشاد.
وقد أصبح مألوفا الآن إعداد المرشد المعلم، والمعلم المرشد. وأصبح الإرشاد النفسي خدمة مندمجة متكاملة مع البرنامج التربوي العام. ودخل الوالدان كعنصر فعال وضروري لإنجاح تنفيذ برامج التوجيه والإرشاد النفسي.
وأصبح الإرشاد النفسي خدمات ذات برنامج مخطط بعد أن كان مجرد خدمات محدودة، وأصبح متمركزا حول العميل أكثر من تمركزه حول المشكلات.
مراكز وعيادات الإرشاد النفسي:
أخذ الإرشاد النفسي الآن مكانه اللائق في كافة المؤسسات، وكثرت مراكز وعيادات الإرشاد النفسي، وأصبحت متخصصة، فمنها مراكز الإرشاد العلاجي ومراكز الإرشاد التربوي ومراكز الإرشاد المهني ومراكز إرشاد ذوي الحاجات الخاصة ومراكز إرشاد الصحة النفسية ... إلخ.
(1/53)

وفي مراكز وعيادات الإرشاد النفسي، زاد الاهتمام بالمنهج التنموي إلى جانب المنهج الوقائي بدلا من الاكتفاء السابق بالمنهج العلاجي.
وتزايدت في الوقت الحاضر البحوث والدراسات العلمية في ميدان التوجيه والإرشاد النفسي والتي تدور حول وسائله وطرقه ومجالاته ونتائجه ... إلخ والتي تذخر بها المجلات العلمية الدورية.
المجلات العلمية الدورية:
ظهرت أول مجلة علمية دورية للتوجيه Personnel & Guidance Journal في سنة 1915، ومنذ ذلك الوقت توالى صدور المجلات العلمية الدورية المتخصصة في التوجيه والإرشاد مثل The Journal fo Counseling Psychology سنة 1954.
وزاد عدد المجلات العلمية الدورية المتخصصة في نشر البحوث والدراسات في ميدان التوجيه والإرشاد النفسي بصفة عامة وفي مجالاته المختلفة بصفة خاصة. ومن أهم المجلات العلمية الدورية في التوجيه والإرشاد النفسي ما يلي1:
- مجلة الإرشاد النفسي "مركز الإرشاد النفسي، كلية التربية جامعة عين شمس".
- British Journal fo Guidance & Counselling.
- Counseling & values.
- Counseling News & Views.
- Guidance & Counselling.
- Indian Journal fo Guidance.
- Journal of Applied Rehabilitaion Counseling.
- Journal of Consulting Psychologists.
- Journal of Consulting psychology.
- Journal of Consulting & Development.
- Journal of Consulting Psychology.
- Journal of Multicultural Consulting & Development.
- Measurement & Evaluation in Guidance.
- Personnel & Guidance Journal.
__________
1 هناك سجلات علمية دورية أخرى كثيرة عن مجالات الإرشاد النفسي وطرقه ... إلخ، وقد وضعت في مكانها في الفصول القادمة من الكتاب.
(1/54)

مستقبل التوجيه والإرشاد النفسي:
لا بد أن يسبق الكلام عن المستقبل تقديم مشيئة الله قال الله تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [سورة الكهف: آية 23] .
وحين كان علم المستقبل Futurology والتنبؤ في مراحل تطوره ونموه الأولى، واقتصر الكتاب في الكلام عن مستقبل الإرشاد النفسي حتى سنة 2000 "هاريس Harris؛ 1970". وعلى الرغم من ذلك فإن الآمال كبيرة، والكل يتوقع تطورات ضخمة في القرن الحادي والعشرين إن شاء الله.
ومما يطمئن على مستقبل التوجيه والإرشاد النفسي أنه دخل في قلب التربية والتعليم "إدوارد جلانز Glanz 1974".
وتبشر البحوث والدراسات الكثيرة التي تملأ المجلات العلمية الدورية في التوجيه والإرشاد النفسي، تبشر بمستقبل مشرق للإرشاد النفسي إن شاء الله.
ويتوقع أن يحدث في المستقبل إن شاء الله تغيرات درامية في علم النفس الإرشادي.
ملامح المستقبل:
يبدو في الأفق ملامح نمو واطراد وزيادة أهمها:
- اطراد التغير السريع والتقدم العلمي والتقني الضخم كما وكيفا ما سيسفر عن صناعات عالية التقنية، وأجهزة متطورة، وإمكانات اتصال هائلة، واعتماد متبادل بين جميع بقاع الأرض، ومع الكواكب الأخرى التي قد تصبح آهلة بالسكان، وهذا سيؤثر في مستقبل علم النفس بصفة عامة بما في ذلك الإرشاد النفسي.
- التغير المستمر في ترتيب القيم في المجتمع مما يؤثر على سلوك الأفراد والجماعات.
- تغير بناء الأسرة والعلاقات الداخلية فيها مما يؤثر على سلوك أعضائها باعتبارها الجماعة الأولية أكثر أهمية في حياة كل فرد.
- حدوث تطورات غير مرغوبة أو سلبية مثل: تفاقم الإرهاب العالمي، وتزايد الاستهتار الجنسي، مما يحتم على المرشدين النفسيين وضع هذا في بؤرة الاهتمام.
- زيادة الاهتمام بمهنة الإرشاد النفسي واطراد تقبل خدمات الإرشاد النفسي لدى الأفراد والجماعات وزيادة إقبالهم عليها.
- زيادة إمكانات تقديم خدمات الإرشاد النفسي في مؤسسات أكثر مما هي عليه الآن.
- زيادة سيطرة الإنسان وتغلبه على الطبيعة بمعارفه ومعلوماته وتكنولوجيته.
(1/55)

- تقدم علم الكيمياء الحيوية، واستمرار استخدام الطاقة النووية في السلم الحرب، وتأثير غزو الفضاء على كل العلوم ومنها علم النفس والإرشاد النفسي.
- اكتمال ما يسمى "بنوك المهن" Job Banks مما ييسر فرص العمل بين الدول. وهذا إطار جديد من مجال الإرشاد المهني.
مطالب نمو التوجيه والإرشاد في المستقبل:
يبدو أنه يحتمل أن يصبح من مطالب التوجيه والإرشاد النفسي في المستقبل، والتي يجب العمل على تحقيقها ما يلي:
- دراسة علم الضبط الآلي: "السبيرنتيقا" وأثر الآلات في الإنسان خاصة في الإرشاد التربوي والمهني.
- دفع البحوث العلمية في ميدان التوجيه والإرشاد دفعا على يد قادة تقدميين ابتكاريين يتجهون بسرعة في طريق الانفتاح والمرونة والابتكار، وإجراء المزيد من البحوث المحلية والعالمية والبحوث الطولية التتبعية، والبحوث حول وسائل وطرق جديدة للإرشاد خاصة في المجال السلوكي والإرشاد الذاتي ومجال إرشاد الصحة النفسية.
- توجيه خدمات التوجيه والإرشاد نحو خدمة العائلة البشرية أكثر من الفرد.
- تعميم برامج الإرشاد النفسي من الروضة إلى الجامعة، وفي كافة مؤسسات المجتمع، بحيث يشمل كل فرد وكل الفرد.
- إعداد المرشدين في ضوء نظرة مستقبلية، بحيث يستفاد من كل الاكتشافات الجديدة في علم النفس أولا بأول، فالمرشدون الذين نعدهم الآن هم الذين سيمارسون الإرشاد بعد سنة 2000.
- عمل حساب اطراد التغير الاجتماعي والتغيرات الأسرية والنمو الحضري والتقدم العلمي والتكنولوجي والصناعي وزيادة الثروات والدخل القومي والشخصي وزيادة الرفاهية والقلق.
احتمالات نمو التوجيه والإرشاد بعد سنة 2000:
هناك احتمالات كثيرة لنمو التوجيه والإرشاد النفسي بعد سنة 2000.
وعن الإرشاد النفسي في القرن الحادي والعشرين، يستقرئ بروك كوليسون Collison؛ "1991" المستقبل، ويشير إلى أهم الملامح بعد عام 2000 فيما يلي:
(1/56)

- ظهور نظريات جديدة متقدمة في التوجيه والإرشاد النفسي، ووضع بعض النظريات الحالية في متحف علم النفس لتبقى لها القيمة التاريخية فقط.
- اطراد التطور، والتغير الاجتماعي والثقافي والسياسي في إطار "العولمة" و"لنظام العالمي الجديد" مع التطور الهائل في الاتصال والمواصلات، وسيادة عصر المعلومات Information Age، وتأثر جميع الأقطار في مشارق الأرض ومغاربها بأي حدث في أي مكان في نفس الوقت، مما قد يستلزم تطوير "الإرشاد عبر الثقافات" Cross- Cultural Counselling، حيث يتعامل المرشدون النفسيون، عبر الأقمار الصناعية، مع أفراد وجماعات من ثقافات أخرى.
- تطور التوجيه والإرشاد وتبلور وتعدد تخصصاته واتساع مجالاته، وفي نفس الوقت إفادة الإرشاد النفسي أكثر من نتائج التقدم العلمي والبحوث في ميدان علم النفس الاجتماعي وعلم النفس النمو وعلم الإنسان وعلم الاجتماع، وغيرها من العلوم الإنسانية. وربما يصبح الإرشاد النفسي وحتى علم النفس فروعا من "علم نفس حيوي اجتماعي" Biopsychosiocial Science يركز أكثر على إمكانات الإنسان وبيئته النفسية الاجتماعية. وقد يؤدي هذا إلى تغير وإعادة التفكير في نظم التعليم الحالية وأهدافها وطرقها. وينتظر أن يدخل أخصائيون الإرشاد أكثر في العالم الداخلي للإنسان، وأن يقوموا بجهد أكثر إيجابية في تغيير البيئة والمجال الحيوي النفسي الاجتماعي الذي يؤثر في الإنسان، أي أن الاهتمام يكون أكبر بالإرشاد الشخصي الاجتماعي Personal Social Counsellign "ليتون وكرافت Lytto & Craft؛ 1969".
- إتاحة التقدم العلمي والتكنولوجي في أيدي المرشدين وسائل فنية أكثر تقدما لدراسة الفرد والجماعة، وتوافر مهارات عملية معلومات أكثر، وسهولة في حفظ البطاقات والسجلات، وزيادة إمكانات عيادات الإرشاد النفسي عندما يعمم بها الحاسب الآلي وآلات التعليم المبرمج والوسائط المتعددة والدوائر التليفزيونية المغلقة وشرائط الفيديو. وهكذا تتحسن عملية الإرشاد النفسي وخدماتها.
- اهتمام مرشدي المستقبل بإرشاد الفرد تربويا ومهنيا في إطار حضارة الآلات Cyberculture، وازدياد استخدام الآلات، وازدياد فترة التعليم والتدريب، وزيادة الحراك المهني والتنقل بين المهن، وينتظر مشاركة المرأة على قدم المساواة في العمل مع الرجل، وينتظر أن يعمل عدد كبير من تلاميد المدارس حاليا في مهن لا نعرف حتى الآن ما هي لأنها لم تظهر بعد. وينتظر زيادة وقت الفراغ، والإحالة إلى التقاعد مبكرا وتزايد أعداد المسنين، وهذا يحتاج إلى مزيد من التركيز على النواحي العقلية والقيم والأخلاق والدين.
(1/57)

- اتساع مجال مهنة الإرشاد النفسي وتزايد واجباتها وتدخل أكثر في البرنامج التربوي في المدارس وفي المجتمع بصفة عامة، ويتوقع أن يصبح أخصائيو الإرشاد أكثر اشتراكا مع زملائهم المهتمين بالنمو البشري، وأن يكونوا من أهم الأشخاص في عملية التغير الاجتماعي، ويرجى أن تمتد خدمات الإرشاد النفسي إلى الريف والبدو بدلا من اقتصارها على المدن والحضر. وينتظر أن يزداد ظهور وظيفة "المرشد المستشار" وفي نفس الوقت ينتظر أن يدخل في المهنة أعداد كبيرة من مساعدي الأخصائيين والفنيين، وقد يدخل المهنة أخصائيون آخرون، وحتى بعض الفئات من غير المتخصصين بالنسبة لزيادة الحاجة إلى خدمات الإرشاد مع نقص الأخصائيين. ويتوقع أن يدعو ذلك الوالدين إلى مزيد من العمل الإيجابي في توجيه وإرشاد أولادهم، ويحتمل أن يتسع مجال إرشاد الصحة النفسية. ويحتمل أن يزداد استخدام طريقة الإرشاد الجماعي المطور.
- زيادة التركيز على الإرشاد التنموي والوقائي أكثر من العلاجي وهذا يحتاج إلى خدمات الإرشاد قبل سن المدرسة واستمرارها مدى الحياة.
- اعتبار مراكز التوجيه والإرشاد النفسي، مراكز دراسة متخصصة للسلوك البشري، تسعى إلى الناس بدلا من أن يسعى الناس إليها، وينتظر أن يخرج الأخصائيون إلى مدرجات الدراسة والمعامل بدلا من غرف الإرشاد.
- تغير برنامج إعداد وتدريب المرشدين النفسيين إلى برنامج أكثر حرية وتنوعا واتساعا، وزيادة الاهتمام بأخلاقيات التوجيه والإرشاد النفسي.
- زيادة الانفتاح والاتصال والتفاعل الدولي في ميدان الإرشاد النفسي، وامتداد عمل المرشدين إلى المجتمع الدولي. وقد تمتد خدماتهم إلى خارج حدود الدول التي يعيشون فيها. ويحتمل أن يزداد تبادل العاملين بين الدول في شكل إعارات وانتدابات دولية.
وهكذا، وبالنسبة للتغير والتقدم العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي السريع، فإننا نتوقع أن يكون المستقبل أفضل من الحاضر، مليئا بالتغير الإيجابي.
ويا له من تغير يحتاج إلى نظرة مستقبلية متطورة، ويدعو للعمل الابتكاري المتقدم المستمر المتفائل في ميدان التوجيه والإرشاد النفسي ونأمل أن يكون القرن الحادي والعشرين قرن مزيد من التقدم والابتكار.
هذا كله يؤكد ضرورة أن يصبح المرشد النفسي في القرن الحادي والعشرين متطورا ومتجددا وملاحقا للتطورات الاجتماعية والاقصادية والسياسية والعملية والتقنية، ومسايرا للتطورات التي سوف تشمل طرق الإرشاد النفسي ووسائله.
ونحن نتمنى -ولو مع بداية القرن الحادي والعشرين- أن تصبح مهنة الإرشاد النفسي موجودة في مجتمعنا بجميع مؤسساته.
(1/58)

الفصل الثاني: أسس التوجيه والإرشاد النفسي
الأسس والمسلمات والمبادئ
...
(1/60)

الفصل الثاني: أسس التوجيه والإرشاد النفسي:
الأسس والمسلمات والمبادئ:
التوجه والإرشاد النفسي علم وفن يقوم على أسس عامة تتمثل في عدد من المسلمات والمبادئ التي تتعلق بالسلوك البشري والعميل وعملية الإرشاد، وعلى أسس فلسفية تتعلق بطبيعة الإنسان وأخلاقيات الإرشاد النفسي، وعلى أسس نفسية وتربوية تتعلق بالفروق الفردية والفروق بين الجنسين ومطالب النمو، وعلى أسس اجتماعية تتعلق بالفرد والجماعة ومصادر المجتمع، وعلى أسس عصبية وفسيولوجية تتعلق بالجهاز العصبي والحواس وأجهزة الجسم الأخرى.
ويلاحظ أن أسس التوجيه والإرشاد النفسي معقدة وليست بسيطة، ولكن كونها معقدة لا يعني أنها مختلطة أو مشوشة، إن الرياضيات مواد معقدة وليست بسيطة، ولكن له أسس ومبادئ ومسلمات ونظريات واضحة معروفة "كارول ميلر Miller؛ 1965".
والهدف من دارسة أسس التوجيه والإرشاد النفسي هو وضع الأساس الذي يبنى عليه باقي موضوعات التوجيه والإرشاد كما سنرى في الفصول القادمة.
وأسس الإرشاد النفسي كثيرة، ولو تم تناولها جميعا لطال الكلام وضاق المجال، ولذلك فلا مناص من اختيار أهم الأسس والكلام عنها، أما ما يتكرر في مكان آخر فيترك إلى ذلك المكان. فمثلا من الأسس النفسية للإرشاد اعتبار عملية الإرشاد عملية تعلم، وهذا الأساس سوف يأتي الكلام عنه في عملية الإرشاد "في الفصل السادس" ولذلك تم إرجاؤه إلى ذلك الموضع ... وهكذا. وفيما يلي أسس التوجيه والإرشاد النفسي.
(1/61)

الأسس العامة "المسلمات والمبادئ":
ثبات السلوك الإنساني نسبيا وإمكان التنبؤ به:
السلوك هو أي نشاط حيوي هادف "جسمي أو عقلي أو اجتماعي أو انفعالي" يصدر من الكائن الحي نتيجة لعلاقة دينامية وتفاعل بينه وبين البيئة المحيطة به. والسلوك عبارة عن استجابة أو استجابات لمثيرات معينة. ويجب التفريق بين السلوك على أنه استجابة كلية وبين النشاط الفسيولوجي كاستجابات جزئية.
والسلوك خاصة أولية من خصائص الإنسان يتدرج من البساطة إلى التعقيد، وأبسط أنواع السلوك هو السلوك الانعكاسي Refexive Behaviour، ومن أعقد أنماطه السلوك الاجتماعي Socical Bevhaviour مثل سلوك الدور الاجتماعي "انظر شكل 10" فالسلوك
(1/61)

الانعكاسي محصور في الفرد ولا يحتاج إلى استخدام المراكز العقلية العليا في الجهاز العصبي، ومعظمه وراثي لا إرادي وغير اجتماعي. مثل سلوك الدور فإنه يتضمن علاقات بين أفراد الجماعة وبين الفرد والبيئة الاجتماعية، ويحتاج إلى تشغيل المراكز العقلية العليا، وهذا السلوك متعلم عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية ويتضمن اتصالا اجتماعيا، وهو إرادي ومحدود اجتماعيا "حامد زهران، 1984".
والسلوك الإنساني في جملته مكتسب متعلم من خلال علمية التنشئة الاجتماعية والتربية والتعليم، وهو يكتسب صفة الثبات النسبي والتشابه بين الماضي والحضر والمستقبل، وكون السلوك الإنساني ثابتا نسبيا فإنه يمكن التنبؤ به بدقة عند الأشخاص العاديين وفي المواقف العادية تحت ظروف ومتغيرات عادية.
ولكي يكون هذا المبدأ صحيحا لا بد أن يضاف إليه استدراك هو "إذ تساوت الظروف
(1/62)

والمتغيرات والعوامل الأخرى" Other variables being constant or oter things being equal فمثلا إذا نجح تلميذ بتفوق في الشهادة الابتدائية وكذلك في الشهادة الإعدادية وأيضا في الشهادة الثانوية، ويمكن القول -إن شاء الله وإذا تساوت الظروف والعوامل الأخرى- إن هذا الطالب سيكون متفوقا أيضا في التعليم الجامعي، وهذا المثل يدل على ثبات السلوك الإنساني نسبيا وعلى إمكان التنبؤ به إذا تساوت الظروف والمتغيرات والعوامل الأخرى.
والمرشد النفسي أخصائي تغيير وتعديل سلوك، ومن ثم يكون فهم السلوك ودراسة طرق تعديله وتغييره أمرا هاما في عملية الإرشاد، وفي ميدان التوجيه والإرشاد النفسي، لكي يمكن التنبؤ بالسلوك، يجب دراسة عينات ممثلة من سلوك الفرد في مواقف متنوعة في الحياة اليومية ودراسة تاريخ الفرد واستنتاج أسلوب حياته ويجب الإحاطة باتجاهات ومعايير النمو في الشخصية العادية ومعرفة العلاقات الاجتماعية وغير ذلك مما يمدنا به علم نفس النمو وعلم النفس الاجتماعي وغيرهما من ميادين علم النفس والإحصاء "دانيل فولمر وهارولد بيرنارد Fullmer & Bernard؛ 1972".
مرونة السلوك الإنساني:
السلوك الإنساني رغم ثباته النسبي، فإنه مرن وقابل للتعديل والتغيير. والثبات النسبي للسلوك الإنساني لا يعني جموده.
وقد يظن بعض الناس أن تعديل السلوك أمر صعب بسبب ثباته النسبي، ولكن انظر إلى مدرب الوحوش في السيرك، إنه يغير سلوكها ويعدله، ويحول السلوك الوحشي إلى سلوك أليف، ويحول الحيوان المفترس إلى حيوان أنيس، يكون هذا عن طريق التعليم والتدريب والترويض المتخصص. ويحكى لنا تاريخ علم النفس حكاية الطفل المتوحش، الذي عثر عليه في غابة أفيرون بفرنسا سنة 1798 وكان يعيش حتى بلغ الثانية عشرة مع الحيوانات محروما من المثيرات الاجتماعية الإنسانية. وقد وضع إيتارد Itard برنامجا يهدف إلى تنمية الناحية الاجتماعية عند هذا الطفل وتدريبه عقليا، وترويضه سلوكيا بصفة عامة، ونجح إيتارد في تعليم الطفل المتوحش الكلام وقراءة بعض الكلمات وضبط بعض الدافع، إلا أنه فشل في تدريبه على ضبط النفس والتوافق الاجتماعي الانفعالي، فقد كان الطفل ضعيف العقل، ويحكي لنا تاريخ علم النفس أيضا حكاية الطفلتين الذئبتين اللتين عثر عليها في أحد كهوف الهند سنة 1912، وكانتا تعيشان مع الذئاب عاريتان تمشيان على أربع، وتأكلان اللحم النيئ وتعلقان الطعام بالفم، ولغتهما همهمات وأصوات غريبة، وتظهران العداوة للآدميين، ونقلت الفتاتان إلى
(1/63)

مدرسة الإرسالية البريطانية التي عثرت عليهما فأحرزتا تقدما ملحوظا وأنشأتا علاقات اجتماعية عاطفية، وتعلمتا أكل الطعام المطهو باليد وارتداء الملابس، وفهم اللغة البسيطة وحب الأطفال الآخرين.
وهكذا نرى أن السلوك الإنساني مرن وقابل للتعديل، ولا يقتصر مبدأ المرونة على السلوك الظاهري فقط بل يشمل التنظيم الأساسي للشخصية ومفهوم الذات مما يؤثر في السلوك، ولولا هذه المسلمة لما كان الإرشاد النفسي ولا العلاج النفسي ولا التربية ولا أي جهد يقوم أساسا على تعديل وتغيير السلوك المضطرب أو المرضي إلى السلوك سوي وعادي.
السلوك الإنساني فردي جماعي:
السلوك الإنساني فردي جماعي في نفس الوقت. وهناك فرع من فروع علم النفس هو علم النفس الفردي، وفي نفس الوقت هناك فرع آخر هو علم النفس الاجتماعي الذي يدرس سيكولوجية الفرد والجماعة والسلوك الاجتماعي كاستجابة للمثيرات الاجتماعية.
والسلوك الإنساني فردي اجتماعي مهما بدا فرديا بحتا أو اجتماعيا خالصا فسلوك الإنسان هو وحده يبدو فيه تأثير الجماعة، وسلوكه وهو مع الجماعة تبدو فيه آثار شخصيته وفرديته، ونحن نعرف أن الشخصية هي جملة السمات الجسمية والعقلية والاجتماعية والانفعالية التي تميز الشخص عن غيره. والمعايير الاجتماعية Social Noroms هي ميزان أو مقياس السلوك الاجتماعي، وهي السلوك النموذجي أو المثالي المحدد لما هو صحيح وما هو خطأ وما هو جائز وما هو غير جائز وما هو مباح وما هو عيب، أي أنها تحدد وتسهل سلوك الفرد والجماعة وتحدد السلوك المتوقع في المواقف الاجتماعية.
والفرد يلعب عددا من الأدوار الاجتماعية Social Roles أي الوظائف الاجتماعية المتكاملة المتتالية، بمعنى أنه يقوم بدور أستاذ ودور أب ودور زوج ودور أخ ودور قائد أو تابع ... إلخ، وهذه الأدوار يتعلم الفرد المعايير السلوكية المحددة لها من الجماعة.
وللفرد اتجاهات اجتماعية Attitudes كثيرة نحو الأفراد والجماعات والمؤسسات والمواقف والموضوعات الاجتماعية، تتكون من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، ويكون منها اتجاهات موجبة أو سالبة، واتجاهات جامدة واتجاهات منفعلة في شكل تعصب.
وهكذا يمكن القول بأن الجماعة تعتبر بمثابة "نور موستات" السلوك الفردي، أي منظم السلوك الفردي، وأن السلوك الإنساني فردي اجتماعي.
وفي الإرشاد والعلاج النفسي نجد أن أي محاولة لتعديل أو تغيير سلوك الفرد لا بد أن تدخل في الحساب شخصية الفرد ومعايير الجماعة والأدوار الاجتماعية والاتجاهات السائدة
(1/64)

والقيم ... إلخ، بما يحقق صالح كل من الفرد والجماعة. وفي الفصل التالي الذي يتناول نظريات الإرشاد النفسي ونجد نظرية المجال تؤكد أهمية المجال الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد.
استعداد الفرد للتوجيه والإرشاد:
الفرد العادي لديه استعداد للتوجيه والإرشاد مبني على وجود حاجة أساسية لديه للتوجيه والإرشاد، وكل منا حين يلتوي عليه أمر أو تعترضه مشكلة يلجأ إلى الآخرين طلبا للاستشارة والتوجيه والإرشاد1.
والفرد العادي يكون لديه استبصار بحالته ويدرك حاجته إلى الإرشاد ويسعى إليه سعيا ويقبل عليه إقبالا برضى واختيار، وهذا يتضمن وجود الدافعية والإرادة والرغبة في التغيير. وهذا يعتبر أساسا هاما تقوم عليه عملية الإرشاد نفسها، فنحن لا نستطيع أن نقدم شيئا للإنسان ولا يتقبله أو ليس مستعدا لأن يتقبله. وحتى إذا أجبر العميل دون أن يكون لديه الاستعداد والإقبال والاهتمام فإنه يعطي للمرشد كما يقول المثل "أذن من طين وأذن من عجين"، ويكون المرشد في هذه الحالة كمن يطرق في حديد بارد، ولا يجدي الإرشاد ويشعر بالحاجة إليه ويقبل عليه ويثق في عملية الإرشاد ويتوقع الاستفادة منها حتى تحدث الاستفادة فعلا ويتحقق الهدف.
حق الفرد في التوجيه والإرشاد:
التوجيه والإرشاد حاجة نفسية هامة لدى الإنسان. ومن مطالب النمو السوي إشباع هذه الحاجة. وعلى هذا يكون التوجيه والإرشاد حقا من حقوق كل فرد حسب حاجته في أي مجتمع ديموقراطي، أي أن للفرد حقا على المجتمع في أن يوجه كإنسان.
ومن واجب الدولة توفير وتيسير خدمات التوجيه والإرشاد لكل فرد يحتاج إليها، فهي حق لمن ينمو في تطوره العادي ولمن يمر بمراحل حرجة ولمن يتعرض لمشكلات شخصية أو تربوية أو مهنية أو زواجية أو أسرية ... إلخ. فمثلا من حق كل تلميذ أن يتلقى خدمات الإرشاد التربوي والمهني، ومن حق التلميذ المشكل أن يتلقى خدمات إرشادية خاصة، كذلك من حق التلميذ المتفوق الذي لا يستغل كامل إمكاناته أن يتلقى خدمات إرشادية خاصة ... وهكذا.
إن خدمات التوجيه والإرشاد يجب أن تتوافر لكل فرد ولكل الفرد ككائن متكامل لتحقيق سعادته في كل ميادين حياته الشخصية والتربوية والمهنية ... إلخ.
__________
1 يقول الشاعر:
وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيبا ولا تعصه
(1/65)

ونحن نجد من أشهر طرق الإرشاد النفسي طريقة أطلق عليها اسم يدل على كرامة الفرد وحقه في التوجيه والإرشاد، وهي طريقة الإرشاد النفسي الممركز حول العميل "كارول ميلر Miller؛ 1965" وهي الطريقة التي أطلق عليها كارل روجرز أخيرًا "الإرشاد الممركز حول الشخص".
حق الفرد في تقرير مصيره:
من أهم مبادئ التوجيه والإرشاد النفسي الاعتراف بحرية الفرد ومقامه وقيمته وحقه في اختيار وتقرير مصيره.
إن الفرد الحر شخص يعرف ذاته ويحققها وينميها، ويسعى لحل مشكلاته حين يقابلها، مختارا أفضل احتمالات الحلول. وهو يعرف أن حريته تحددها طبيعة شخصيته ومطالب بيته وهو يسعى لتحقيق مزيد من الحرية في إطار من المسئولية في ضوء خبرات الماضي وظروف الحاضر وتطلعات المستقبل، والفرد الحر يعرف أن حريته ترتبط بحريات الآخرين في إطار من التكامل، وأن من أهم مظاهر الحرية حرية الاختيار، وحرية اتخاذ القرار، وحق تقرير المصير والفرد الحر يتحمل مسئولية قراراته ونتائج سلوكه، وهو يسعى للحصول على المساعدة والتوجيه والإرشاد من الآخرين حين يحتاج إلى ذلك "إداورد جلانز Glanz؛ 1974".
إن الإرشاد إرشاد وليس إجبارا. وقد علمنا الله سبحانه وتعالى بقوله: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} وليس في الإرشاد أوامر ولا وعظ، ولا نصح ولا حلول جاهزة، إنه ليس شيئا يعمله المرشد للعميل ولكنه عملية مساعدة تتيح الفرصة للقوى الخيرة والإيجابية في الإنسان أن تعمل وأن تظهر فيستطيع أن يتعلم كيف يحل هو مشكلاته بالطريقة التي يراها مناسبة.
وهناك قاعدة أساسية وهي أنه "ليس هناك من هو أعرف بالفرد من نفسه"1.
وفي معايير النمو السوي نجد أن تقرير المصير وتحديد الأهداف والتخطيط للمستقبل والقدرة على اتخاذ القرارات والاستقلال في السلوك والاعتماد على النفس وتحمل مسئولية الذات علامة هامة من علامات النضج الاجتماعي.
ومن أسس الإرشاد الثقة في الفرد واحترامه مهما كان جنسه أو لونه أو دينه أو مستواه الاجتماعي والاقتصادي، وإتاحة الفرصة أمامه لكي ينمو ويستغل إمكاناته وإمكانات بيئته إلى
__________
1 يقول المثل العامي: "كل واحد ينام على الجنب اللي يريحه".
(1/66)

أقصى حد. إن للفرد الحق في أن يدرس ما يشاء ويختار، وأن يعمل في العمل الذي يفضله، بالضبط كما أن له الحق في أن يأكل ما يشتهي "جين وارترز Wartaers 1964".
والفرد العادي وهو يقرر مصيره، وهو يختار لنفسه، لا يضع نفسه في وضع شقاء ولا يختار لنفسه طريقا منحرفا. فلا أحد يكتب نفسه شقيا عن قصد، اللهم إلا إذا كان مريضا أو مضطربا نفسيا، وهذا موضوع آخر.
وهكذا لا يقدم المرشد للعميل حلولا أو قرارات أو خططا جاهزة، ولكنه يساعد العميل في اقتراح الحلول ورسم الخطط واتخاذ القرارات بنفسه لنفسه، وتصور أننا نقدم لإنسان جائع طعاما ممضوغا، إنه لا يقبله، فضلا عن أنه لا يجوز. والأصوب هو مساعدته في الحصول على طعامه الذي يحبه ويختاره ويجهزه بالطريقة التي يفضلها ويأكله هو ويمضغه هو.
إن المساعدة في الإرشاد النفسي تقدم للعميل الذي له الحق في تقرير مصيره بطريقة "خذها أو اتركها، Take it or leave".
ونحن نجد أن حق الفرد في تقرير مصيره يقابله واجب ومسئولية عن فهم وتحقيق وتحسين وتوجيه ذاته.
تقبل العميل:
يقوم الإرشاد النفسي على أساس تقبل المرشد للعميل كما هو وبدون شروط وبلا حدود. وهذا أمر ضروري لتحقيق العلاقة الإرشادية الطيبة المطلوبة التي تتيح الثقة المتبادلة في العملية الإرشادية.
وميدان الإرشاد النفسي ليس ميدان تحقيق أو إصدار أحكام على السلوك والخبرات. إن العميل حين يلجأ إلى المرشد يلوذ به ليطمئن نفسيا، وله حق التقبل وسعة الصدر والطمأنينة والشعور بالأمن وإزالة الكرب ويجب أن يلمس العميل ذلك من خلال العلاقة الإرشادية.
وعلى العموم فإن الأساس هنا هو تقبل العميل ككل مهما كان سلوكه، وليس تقبل كل سلوكه أيا كان مليحه بقبيحه، فتقبل العميل شيء، وتقبل سلوكه شيء آخر. فقط يقوم العميل بسلوك شاذ أو غير سوي فلا يتقبله المرشد، ولكنه يساعد العميل على تغييره، إن تقبل السلوك السوي مقبول ومرغوب، أما تقبل السلوك غير السوي فقد يفسره العميل على أنه تشجيع لمثل هذا السلوك.
(1/67)

استمرار عملية الإرشاد:
عملية الإرشاد عملية مستمرة متتابعة من الطفولة إلى الكهولة، ومن المهد إلى اللحد. ففي الطفولة يقوم بها الوالدان حين يهرع إليهما الولد بمشكلاته، وفي المدرسة يقوم بها المرشد أو المعلم المرشد حين يلجأ إليه التلميذ. وهكذا في الحياة حين تطرأ المشكلات. يسعى الفرد للإرشاد لدى مرشد متخصص.
ونحن نعلم أن مشكلات الحياة العادية تستمر مع النمو العادي وتصاحبه ولا تقتصر على فترة معينة من النمو.
والمرشد الذي يقدم خدمات الإرشاد عليه أن يتابعها. والمتابعة تؤكد استمرار عملية الإرشاد. فالإرشاد ليس مجرد وصفة طبية أو دفعة مبدئية، ولكنه خدمة مستمرة منظمة.
وهكذا نجد أن الإرشاد عملية مستمرة ما دام الفرد ينمو، والنمو عملية مستمرة، ما دام من مناهجه المنهج التنموي والمنهج الوقائي.
الدين ركن أساسي:
الدين عنصر أساسي في حياة الإنسان. والتربية السليمة تشمل التربية الدينية. والنمو السوي يتضمن النمو الديني. والصحة النفسية تشتمل السعادة في الدنيا والدين.
والمعتقدات الدينية لكل من المرشد والعميل هامة وأساسية لأنها تعتبر ضوابط للسلوك ومعايير مقدسة محددة له وتؤثر في العلاقة الإرشادية.
ويقول بعض الكتاب إن الإرشاد عملية إنسانية يجب ألا تتدخل فيها أو تنعكس عليها المعتقدات الدينية للمرشد والعميل سواء اتفقت أو اختلفت.
وفي مقابل هؤلاء نجد بعد المتحمسين -كل لدينه- يضيفون للمرشد صفة دينية. فتجد كتابات عن "المرشد المسيحي" و"المرشد اليهودي" وفي مقابلها يجب أن يكون هناك كتابات عن "المرشد المسلم". ويحل البعض الموضوع بالحديث عن "المرشد المحترف" وحجتهم في ذلك أننا لا نستطيع أن نتحدث عن الأسلوب المسيحي في عملية جراحية ولا عن الأسلوب اليهودي في تعليم القراءة ولا عن الأسلوب الإسلامي في حل مسائل الحساب "مكجوان وشميت McGowan & Schmidt؛ 1962".
ويجمع المرشدون والمعالجون النفسيون على اختلاف أديانهم سواء كانوا مسلمين، أو يهودا أو مسيحيين على أن الإرشاد والعلاج النفسي يقوم على أساس ومفاهيم ومبادئ وأساليب دينية روحية "حامد زهران، 1975".
(1/68)

الأسس الفلسفية:
طبيعة الإنسان:
يعتبر مفهوم المرشد عن طبيعة الإنسان أحد الأسس الفلسفية التي يقوم عليها عمله، لأنه يرى نفسه ويرى العميل في ضوء هذا المفهوم.
وهناك الكثير من النظريات الفلسفية والنفسية والاجتماعية، التي تحاول تحديد طبيعة الإنسان، وهي تختلف فيما بينهما حول شيء واحد، وهو الإنسان، فمثلا نجد نظرية التحليل النفسي، والنظرية السلوكية، ونظرية المجال، ونظرية الذات، كل لها مسلماتها وفروضها والدراسات التي تقوم عليها وكل لها حقائق وقوانيين تؤكدها، وبينهما فروق "عبد السلام عبد الغفار، 1973".
وبعض النظريات مثل نظرية الذات لكارل روجرز Rogers؛ "1959" تنظر إلى الإنسان -كما نظرإليه جان جاك روسو Rousseau- على أنه خير بطبيعته، وتنظر إليه نظرة متفائلة باعتباره أفضل المخلوقات، وأن بعض الظروف والضغوط هي التي تفسده وتجعل سلوكه مضطربا. ومثل هذه النظرية يقوم عليها الإرشاد النفسي الممركز حول العميل، التي تركز على مساعدة الفرد في إزالة العوامل التي تحول دون تحقيق ذاته وطبيعته الخيرة، وهو يعرف نفسه داخليا بدرجة تفوق معرفته لأي شيء آخر. وفي نفس الوقت نجد نظرية مثل نظرية التحليل النفسي كما قدمها سيجموند فرويد Freud "1993" تنظر إلى سلوك الإنسان في تشاؤم على أنه شهواني عدواني. وبين هاتين النظريتين تقع نظريات مثل النظرية السلوكية، فترى أن الإنسان محايد أساسا وأن سلوكه يكون حسب ما يتعلم خيرا أو شرا سواء أو انحرافا وتوافقا أو اضطرابا "باتيرسون Patterson؛ 1967".
والله خلق الإنسان وهو أعلم بمن خلق. قال الله تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} ولذلك فخير فهم لطبيعة الإنسان هو كما حددها الله سبحانه وتعالى. وأهم سمات طبيعة الإنسان كما حددها الله سبحانه وتعالى ما يلي:
- الإنسان هو أفضل المخلوقات، كرمه الله وفضله على كل خلقه حتى الملائكة. قال الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} وخلقه الله في أحسن تقويم. قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} . وعلمه ما لم يكن يعلم. قال تعالى: {بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} . وميزه بالعقل والتفكير والقدرة
(1/69)

على الاختيار والتخطيط. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما اكتسب أفضل من عقل يهديه إلى هدى أو يرده عن ردى". وهو خير بطبيعته يتميز بالعاطفة الدينية. وهو مخلوق طيب في كل عوامل النمو والصحة والتوافق السليم. وهو مخير في سلوكه وله إرادة حرة، وهو يدرك ذلك، ومن ثم فهو مسئول عن سلوكه. وحرية الاختيار نسبية وليست مطلقة فالإنسان لا يستطيع أن يختار ما لا يستطيع، وهو مسير في بعض أنماط سلوكه. قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} وقال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} . وقال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن} .
- هناك سمات أخرى للإنسان ذكرها الله في كتابه العزيز. ومن هذه السمات أن الإنسان يحب الشهوات من النساء والبنين والمال. قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} والإنسان ضعيف. قال تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} وهلوع، قال تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} عجول، قال تعالى: {وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولًا} يئوس، قال تعالى: {إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ} ، مجادل، قال تعالى: {وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} ، كفور، قال تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَكَفُورٌ} ، قتور، قال تعالى: {وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُورًا} ، يطغى، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى} ، ظلوم كفار جهول، قال تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} ، وقال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} .
ولقد كرم الله الإنسان وزوده بالدوافع التي تدفعه ليشبع حاجاته ويحافظ على حياته وعلى نوعه ويحيا حياة اجتماعية يحقق من خلالها ذاته وينجز وينفع الآخرين. كذلك فقد من الله على الإنسان وزوده بالعواطف والانفعالات التي يعبر بها عن نفسه حين يحب وحين يكره، وحين يخاف وحين يغضب وحين يفرح وحين يحزن، وحين ييأس وحين يغار وحين يحسد ... إلخ "حمدي الغرماوي، 1996".
وهكذا نرى أن عملية الإرشاد النفسي يجب أن تقوم على أساس فهم كامل لطبيعة الإنسان، ذلك أنها عملية فنية معقدة عميقة عمق الطبيعة البشرية نفسها "رسمية خليل، 1968".
(1/70)

أخلاقيات الإرشاد النفسي:
يركز الفلاسفة مثل سارتر Sarter على أهمية الأخلاق Ethics، ويقول: إن الفرد يجب أن يكون سلوكه حسنا صحيحا يؤدي إلى ما يحقق حريته وأمنه وحرية وأمن الآخرين.
ومعظم المرشدين والمعالجين النفسيين يعملون في هدي دستور أخلاقي يحكم سلوكهم ويلتزمون به في المواقف المهيئة لعملية الإرشاد لمصلحة المرشد والعميل والمجتمع والمهنة. ولقد نشرت جمعية علم النفس الأمريكية American Psychological Association؛ "1959" ورابطة المرشدين النفسيين الأمريكية American personael and Guidance Association؛ "1961" ما يمكن أن يسمى "الدستور الأخلاقي للمرشدين والمعالجين النفسيين" "نوردبيرج Nordberg، 1970 جون بيتروفيسا وآخرون. Pietrofesa et al؛ 1980".
وتتوالى الدراسات والبحوث العربية في المؤتمرات والندوات الكاملة حول أخلاقيات ومعايير وضوابط الخدمات النفسية بصفة عامة ومن بينها خدمات التوجيه والإرشاد النفسي1.
ويهدف الدستور الأخلاقي للمرشدين والمعالجين النفسيين إلى تحقيق ما يلي:
- تعريف المرشد ما يجب عليه أن يعمله في عملية الإرشاد بصفة عامة، وفي مواقف الصراع والطوارئ التي قد تنشأ خلال الممارسة.
- تحديد مسئوليات المرشد تجاه العميل.
- تحديد حقوق المرشد وحدوده في العملية الإرشادية.
- تحديد الإطار الاجتماعي وحقوق المجتمع على كل من المرشد والعميل.
ومما هو جدير بالذكر أن أخلاقيات الإرشاد والعلاج النفسي لا تنفصل عن أخلاقيات علم النفس ولا عن أخلاقيات العلم ولا عن الأخلاقيات بصفة عامة.
وتتخلص أهم المبادئ الأخلاقية لمهنة الأخصائي النفسي بصفة عامة كما حددتها الجمعية النفسية الأمريكية في عشرة مبادئ هي:
1- تحمل المسئولية.
2- الكفاءة في العمل.
3- معايير آداب وتشريعات العمل.
4- تدعيم عامة المجتمع للخدمات.
__________
1 على سبيل المثال لا الحصر، عقدت "ندوة المعايير النفسية والاجتماعية والضوابط للخدمات النفسية" في الرياض بالمملكة العربية السعودية "جامعة الملك سعود" في مارس 1989، ومن البحوث التي قدمت فيها: الإرشاد النفسي: الواقع وضوابط ومعايير المهنة، معايير المرشد النفسي الكفء في المجتمعات الإسلامية.
(1/71)

5- الائتمان على الأسرار والثقة.
6- العمل في صالح العميل.
7- توافر العلاقات المهنية الصحية بين العاملين.
8- توافر فنيات التشخيص والتقييم.
9- ضرورة المشاركة ببحوث مع الآخرين.
10- ضرورة استخدام الحيوان في بعض المواقف البحثية المضرة بالإنسان.
هذا وقد وضعت الجمعية المصرية للدرسات: النفسية ميثاقا أخلاقيا للمشتغلين بعلم النفس في مصر، ويتضمن هذا الميثاق الأخلاقي ما يلي1:
1- مبادئ عامة: تتناول أهمية مظهر الأخصائي النفسي، والتزاماته نحو العميل، ونحو المجتمع وإجادته للطرق والأساليب المهنية، ومحافظته على الأسرار والبيانات الشخصية، وتحمله للمسئولية المهنية، ورفع قيمة المهنة في نظر الآخرين.
2- القياس النفسي: يتضمن الميثاق الأخلاقيات الخاصة بإعداد وتأليف وتقنين ونشر الاختبارات والمقاييس النفسية واستخدامها.
3- البحوث والتجارب: يشتمل الميثاق على الأخلاقيات الخاصة بالبحوث والتجارب وأهدافها العلمية وسلامة إجراءاتها علميا وعمليا.
4- التشخيص والعلاج: يحتوي الميثاق على الأخلاقيات الخاصة بالتشخيص الدقيق والعلاج السليم في إطار برنامج مخطط، ودون إرهاق العميل في التكاليف.
5- التدريس والتدريب: يشير الميثاق إلى أخلاقيات التدريس وتدريب الطلاب والأخصائيين الجدد وتوفير الخبرات لهم.
6- العمل في المؤسسات: يشير الميثاق إلى أخلاقيات العمل في المؤسسات المهنية والإنتاجية بالأسلوب العلمي.
وفيما يلي كلمة عن أهم أخلاقيات الإرشاد النفسي:
العلم والخبرة: الإرشاد النفسي خدمات متخصصة. ومن ثم يجب أن يكون المرشد مؤهلا ومزودا بالعلم والمعرفة المتخصصة والخبرات والمهارات اللازمة لذلك، وأن يكون دئما حريصا على التزود بالمعلومات الأكاديمية وعلى دراية بالدراسة والبحوث في ميدان التوجيه والإرشاد.
__________
1 ملاحق الدورة التأسيسية الأولى للأخصائي النفسي المدرسي، مركز البحوث والدراسات النفسية، كلية الآداب جامعة القاهرة "سبتمبر 1996" ص267-274.
(1/72)

الترخيص: هذا شرط أساسي لممارسة الإرشاد النفسي وتحمل مسئولياته، أي أنه لا بد أن يكون من يقوم بعملية الإرشاد النفسي مؤهلا علميا وعمليا ومرخصا له بهذا العمل من قبل الجهات العلمية والرسمية، وهذا من باب إعطاء القوس باريها، وإعطاء "العيش لخبازه".
القسم: وقبل أن يحصل المرشد أو المعالج على الترخيص بممارسة الإرشاد أو العلاج النفسي لا بد أن يقسم قسم المهنة الذي من أهم بنوده مراعاة الله في عمله ومراعاة أخلاقيات المهنة.
سرية المعلومات: وسرية المعلومات تحتل مكانا هاما بين أخلاقيات الإرشاد، ولا شك أن الكثير من ما يدور في مقابلات الإرشاد أمور شخصية وخاصة وسرية. وكما يقول المثل "الناس أسرار"، وسرية المعلومات واجب وأمانة على المرشد، ذلك لأن المرشد يتوصل إلى أسرار وخصوصيات العميل مباشرة أو عن طريق وسائل الإرشاد مثل الاختبارات وغيرها في إطار من الثقة المتبادلة. والسرية واجبة على المرشد وحق للعميل. والمرشد مسئول عن المحافظة على أسرار العميل وليس له الحق في تسجيلها إلا بعد استئذان العميل. والقانون يؤاخذ المرشد أو المعالج إذا أساء استخدام الأسرار وإذا أباح بسر يضر العميل ماديا أو معنويا أو يشوه سمعته ومكانته أو حتى يحرجه. والمعلومات السرية تكون سرية على الجميع حتى على رجال القانون، ولا يمكن أن يباح بأي سر إلا بتصريح من العميل "يحسن أن يكون كتابيا". والسرية نسبية وليست مطلقة تماما وتتوقف على طبيعة المعلومات، فمن المعلومات التي لا تدخل في إطار السرية المعلومات العامة التي يعرفها الجميع، ولا تمس خصوصيات العميل والتي يمكن أن يباح بها في موقف تعليمي دون ذكر الاسم أو ما يدل عليه أو في مؤتمر دراسة الحالة وفقط لأعضاء فريق الإرشاد النفسي، وفي بعض الحالات للوالدين. ويلاحظ أنه إذا كان من الضروري أن يكتب المرشد تقريرا عن العميل فيجب أن يقتصر على تحديد التشخيص وما اتخذ من إجراءات إرشادية ولا يتضمن أي معلومات سرية "وارمان Warman؛ 1963". وتقدير مدى السرية متروك لحكمة المرشد وحسن تقديره. ويرى أليكساندر شنايدرز Schneiders "1963" أن حق السرية يسقط في بعض الحالات منها حالات العدوان المباشر على المرشد أو على سمعته ومكانته، أو الإضرار به، ومنها إلحاق الضرر بطرف ثالث بريء، ومنها العدوان على الصالح العام وحقوق المجتمع، ومنها حدوث ضرر مؤكد للمرشد إذا تم الاحتفاظ بالسر. وفي كل حالات جواز البوح يكون بهدف رفع الضرر عن الطرف المضار بما لا يضر العميل وبشرط أن يكون الذي يباح له بالسر مهنيا ومسئولا بدوره عن الاحتفاظ بهذا السر.
العلاقة المهنية: لا بد أن تكون العلاقة الإرشادية بين المرشد والعميل علاقة مهنية في إطار محدد من المعايير الاجتماعية الدينية والأخلاقية والقانونية المعروفة حتى يجد العميل فيها خبرة حقيقية لعلاقة أخلاقية نظيفة مع إنسان آخر. وينبغي ألا تتطور العلاقة المهنية إلى أي نوع آخر من العلاقات.
(1/73)

العمل المخلص: الإرشاد النفسي عمل إنساني من الدرجة الأولى، ويحتاج إلى الإخلاص ويتضمن ذلك تقديم أكبر قدر ممكن من العمل المخلص، واستخدام أنسب وأجدى الوسائل والطرق الإرشادية التي تتفق مع حاجات العميل ومشكلته، حتى يشعر المرشد بالرضا وراحة الضمير حين يبتغي وجه الله ولا يبتغي مجدا أو فائدة مادية أو شخصية، وبحيث لا تتدخل في العمل أمور شخصية قد تفسده. قال الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، وقال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وقال تعالى: {إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} .
العمل كفريق: يجب أن يقوم بعملية الإرشاد النفسي فريق متكامل متعاون من الأخصائيين مثل المرشد النفسي والطبيب النفسي والأخصائي الاجتماعي، وغيرهم، بحيث يتيح فرصة تقديم الخدمات المتخصصة من كافة النواحي حتى يحقق الهدف، ومن المعروف أن معظم المشكلات، والاضطرابات النفسية لها أسبابها الاجتماعية ومظاهرها الجسمية وعناصرها النفسية وآثارها الاجتماعية ... وهكذا.
احترام اختصاص الزملاء: يجب احترام اختصاص الزملاء في فريق الإرشاد النفسي واحترام عملهم وتقديره وعدم القيام بعمل من اختصاص الآخرين مهما ظن ذلك سهلا يمكن أن يقوم به أي إنسان.
الاستثشارة المتبادلة: يجب القيام بالاستشارة المتبادلة مع الزملاء والخبراء والاستعانة بالأخصائيين الآخرين خاصة في الحالات الحدية أو الغريبة، فأحيانا قد يحتاج المرشد إلى مشورة طبيب الأعصاب أو الطبيب الباطني أو حتى المحامي.
الإحالة: يجب على المرشد إحالة العميل إلا أخصائي آخر إذا تطلب الأمر بمجرد إدراك الحاجة إلى ذلك، كأن تكون الحالة ليست من اختصاصه أو ليست في حدود إمكاناته أو تحتاج إلى الاستعانة بأخصائي آخر، وذلك حفظا على مصلحة كل من المرشد والعميل كما في حالة الشك في وجود مرض عقلي أو عضوي.
كرامة المهنة: الإرشاد النفسي مهنة ولا بد من المحافظة على كرامة المهنة في علاقة المرشد بالعملاء وبالجمهور بصفة عامة. فلا يصح أن يعرض المرشد خدماته الإرشادية على الناس في الأماكن العامة وفي الجلسات العامة وفي وسائل الإعلام، وحتى في حالة الإعلان يجب أن يحافظ على كرامة المهنة. إن الإرشاد النفسي مهنة لها مكانتها ومكانها ولا بد أن يسعى إليها من يحتاج إليها1. كذلك يجب اتباع السلوك الشخصي والمهني الذي يتفق مع كرامة المهنة.
__________
1 يقول المثل العامي: "الخواجه ما يتنقلش للزبون".
(1/74)

التكاليف: في حالة الإرشاد الذي يدفع العميل تكاليفه يجب أن تكون التكاليف بالمعروف دون استغلال، ودون إرهاق للعميل، ويجب ألا تتحكم في عملية الإرشاد نفسها مهما كانت الظروف، وفي حالة الإرشاد المجاني على حساب الدولة يجب أن يعطي المرشد حق العميل كاملا في الخدمة بإخلاص وكأنه يدفع التكاليف فعلا، فالمسألة أولا وآخرا مسألة ضمير وأخلاق.
أسس فلسفية أخرى:
هناك بعض الأسس الفلسفة الأخرى وأهمها:
الكينونة والصيرورة: Being and Becoming الكينونة هي أي ما يوجد أو ما يمكن أن يوجد. وكل الكائنات الموجودة فعلا أو المحتمل وجودها مادية كانت أو روحية بسيطة أو معقدة تدخل في إطار الكينونة والصيرورة تتضمن التغير. والكينونة والصيرورة متكاملان وبينهما تغير يبقى على الكينونة ويؤدي إلى الصيرورة. فمثلا الطفل الصغير ينمو ويصير راشدا كبيرا، أي أن الذي كان طفلا وصار راشدا ما زال نفس الشخص. وكل شيء في الإنسان يتغير مع الزمن والنمو، فلا شيء في الإنسان في لحظة معينة يظل كما كان منذ عشر سنوات خلت أو حتى من عشر ثوان مضت. ولكن الشخص ما زال هو الشخص، أي أن هناك أشياء في الشخص تظل كما هي بينما أشياء أخرى تتغير، ومعنى ذلك أنه ليس هناك جديد لأن ما يسمى جديدا جاء من قديم كائن ولا يمكن أن يأتي من لا شيء، لأنه لا شيء يأتي من لا شيء، ومفهوم التغير قائم لأننا نعيش في عالم متغير. وفي الإرشاد النفسي لدينا المرشد والعميل وعيادة أو مركز الإرشاد، ويكون الإرشاد النفسي فقط عندما يكون هناك شخص يقدم له الإرشاد وينظر إلى هذا الشخص ككائن يتغير رغم بقائه نفس الشخص.
الجماليات Aesthetics: الجماليات فرع من الفلسفة يدرس الفن والجمال، ويهتم المرشدون بالجماليات كأساس من الأسس الفلسفية للإرشاد النفسي على أساس أن تقدير الجمال وتذوقه جزء هام في مساعدة العميل في توافقه للحياة.
المنطق Logic: المنطق فرع من الفلسفة يدرس قواعد التفكير الصحيح، ولمعرفته جيدا يجب دراسة موضوعات مثل الاستقراء والاستنباط والمنطق الرياضي ... إلخ وتحتاج عملية الإرشاد إلى دراسة المنطق وقواعده الأساسية إذ أن كثيرا من المناقشات في المقابلات الإرشادية تحتاج إلى التفكير المنطقي، وهناك من أساليب الإرشاد النفسي المختصر أسلوب الإقناع المنطقي الذي يقوم على تحديد أسباب السلوك المضطرب من أفكار ومعتقدات غير منطقية والتخلص منها بالإقناع المنطقي وإعادة العميل إلى التفكير المنطقي.
(1/75)

الأسس النفسية والتربوية:
الفروق الفردية Individual Differences:
الفروق الفردية مبدأ وقانون عام وأساسي في علم النفس يهتم بدراسته علم النفس الفارق وعلم النفس الفردي، وحيث أن التوجيه والإرشاد حق لكل فرد، فإن مسألة الفروق الفردية تصبح ذات أهمية كبيرة، ونحن نعلم أن أي معلم يدخل الصف الأول الابتدائي حيث التعليم إلزامي للكل يجد التوزيع الاعتدال الذي يبرز الفروق الفردية في القدرات، وغيرها. فبالنسبة للتوزيع العادي للذكاء مثلا "انظر شكل 11" يجد أن العاديين يتابعونه، والمتفوقين يستسهلون ما يقوله، والمتخلفين يحاولون متابعته دون جدوى، ولا بد من وضع هذه الفروق الفردية في الحساب في تعليمهم وإرشادهم.
والأفراد يختلفون كما وكيفا، وعلى نطاق واسع وشامل يظهر في كافة مظاهر الشخصية جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا، وليس هناك معادلات معروفة تنطبق على كل الأفراد في أي جزء من برنامج التوجيه والإرشاد النفسي. إن لكل فرد عالمه الخاص الفريد وشخصيته الفريدة المميزة عن باقي الأفراد وله حاجاته وقدراته وميوله، وهو يختلف عن كل من سواه بسبب سماته الموروثة وخصائصه المكتسبة. ولا يوجد اثنان على وجه الأرض صورة واحدة طبق الأصل. وحتى التوائم المتماثلة التي تنشأ من بويضة واحدة ذات بداية واحدة في النمو من كافة مظاهره سرعان من يختلفان بسبب العوامل البيئية المتعددة التي تؤثر في النمو.
(1/76)

وحتى إدراك الفرد لذاته يختلف عن إدراك الآخرين لها، وإدراكه للبيئة يختلف عن إدراك الآخرين لها. وإدراك الفرد لذاته ولبيئته يتأثر بعوامل كثيرة منها مستوى نموه ومستوى تعليمه وطبقته الاجتماعية والمجتمع الذي يعيش فيه.
وما نراه من اتفاق في الإدراك العام بين الأفراد مرجعه وجود الخبرات المشتركة المتشابهة بصفة عامة، وحتى هذا الاتفاق لا يكون تاما، ولكنه يكون متقاربا. وهذا التقارب هو الذي يؤدي إلى التفاهم والتوافق1.
وهكذا نرى أن الفروق الفردية توضع في الحساب تماما في الإرشاد النفسي. فالمرشد عليه أن يعرف فيما يتعلق بأسباب المشكلات النفسية مثلا أن بعض العوامل المسببة بصفة عامة قد تسبب مشكلة عند فرد ولا تسبب مشكلة عند فرد آخر، ونحن نعرف أن النار التي تذيب الدهن هي نفسها التي تجعل البيض يتجمد. فقد تحدث كارثة في أسرة فتصقل شخصية فرد وتهدم شخصية فرد آخر. ففي ضوء مبدأ الفروق الفردية تعدد طرق الإرشاد وليس ثمة طريقة واحدة تناسب كل العملاء لما بينهم من فروق فردية.
الفروق بين الجنسين Sex Differences:
لقد خلق الله سبحانه وتعالى الجنسين وبينهما فروق فسيولوجية واجتماعية وعقلية وانفعالية، وتلعب التنشئة الاجتماعية دورا هاما في إبراز الفروق بين الجنسين في الأدوار الاجتماعية التي يقوم بها أفراد كل من الجنسين، ويكفي للتمثيل على ذلك بعض الفروق الخاصة في القدرات وفي الاتجاهات وفي الميول في المعايير الاجتماعية المتعلقة باللبس والعمل المتاح ... إلخ.
ومعروف في عالم المهنة أن هناك مهنا تكاد ترتبط بالجنس، أي أنه يوجد مهن "رجالي" ومهن "نسائي". ومن أمثلة المهن التي يفضلها ويجيدها الذكور القوات المسلحة والصناعات الثقيلة والتعدين. ومن أمثلة المهن التي تفضلها تجيدها الإناث السكرتارية والتدريس والتمريض والخدمة الاجتماعية.
وإلى جانب الفروق بين الجنسين حيويا هناك فروق نفسية، ونحن نعرف أن الذكورة النفسية أو الأنوثة النفسية تحدد في ضوء ما إذا كان سلوك الفرد أكثر ميلا نحو السلوك الذكري أو نحو السلوك الأنثوي بصرف النظر عن جنسه حيويا. وفي الإرشاد النفسي نجد أن
__________
1 يقول الشاعر:
والناس يجمعهم شمل وبينهم ... في العقل فرق وفي الآداب والحسب
(1/77)

بعد الذكورة/ الأنوثة Masculinity/ Femininity أمر مهم لأنه لا يمكن القول أن عملية الإرشاد تكون واحدة وينطبق فيها على الإناث ما ينطبق على الذكور.
مطالب النمو Develppmental Tasks:
يتطلب النمو النفسي السوي للفرد في كل مرحلة من مراحل نموه عدة أشياء. وهذه الأشياء يجب أن يتعلمها الفرد لكي يصبح سعيدا وناجحا في حياته، إنها مطالب النمو التي تظهر في مراحله المتتابعة "روبرت هافيجهرست Havighurst؛ 1972".
وتوضح مطالب النمو المستويات الضرورية التي تحدد كل خطوات نمو الفرد، وتصلح مطالب النمو في توجيه العملية التربوية والعملية الإرشادية، وتبين مطالب النمو مدى تحقيق الفرد لذاته وإشباعه لحاجاته وفقا لمستوى نضجه وتطور خبراته التي تتناسب مع مرحلة النمو.
وتنتج مطالب النمو من تفاعل مظاهر النمو العضوي "كما في تعلم المشي" وآثار الثقافة القائمة "كما في تعلم القراءة" ومستوى طموح الفرد "كما في اختيار المهنة".
ويؤدي تحقيق مطالب النمو إلى سعادة الفرد، ويسهل تحقيق مطالب النمو الأخرى، في نفس المرحلة وفي المراحل التالية. ويلاحظ أن تحقيق مطالب النمو يحتاج إلى تعلم واتخاذ قرارات، وهذا واجب أساسي في عملية الإرشاد النفسي وفي العملية التربوية بصفة عامة.
وفي نفس الوقت فإن عدم تحقيق مطالب النمو يؤدي إلى شقاء الفرد وفشله وصعوبة تحقيق مطالب النمو الأخرى في نفس المرحلة وفي المراحل التالية.
وهكذا نلاحظ ترابط مطالب النمو، فإذا أخذنا في الاعتبار النمو المتكامل للشخصية وضرورة تحقيق مطالب النمو وأهميته، نجد أن هناك تكاملا أفقيا ورأسيا في السلوك بمعنى أن الفرد الذي يحقق مطلبا من مطالب النمو تحقيقا حسنا يميل إلى تحقيق باقي المطالب في المرحلة بدرجة حسنة أيضا، وهو أيضا يميل إلى الاستمرار في تحقيق مطالب النمو في المراحل التالية بدرجة مماثلة من النجاح "مارجريت بينيت Bennett؛ 1963".
وفيما يلي أهم مطالب النمو خلال مراحل النمو المتتابعة:
مطالب النمو في مرحلة الطفولة: المحافظة على الحياة، تعلم المشي، تعلم استخدام العضلات الصغيرة، تعلم الأكل تعلم الكلام، تعلم ضبط الإخراج وعاداته، تعلم الفروق بين
(1/78)

الجنسين، تعلم المهارات الجسمية الحركية اللازمة للألعاب وألوان النشاط العادية، تحقيق التوازن الفسيولوجي، تعلم المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، تعلم المهارات العقلية المعرفية الأخرى اللازمة لشئون الحياة اليومية، تعلم الطرق الواقعية في دراسة والتحكم في البيئة، تعلم قواعد الأمن والسلامة، تعلم ما ينبغي توقعه من الآخرين وخاصة الوالدين والرفاق، تعلم التفاعل الاجتماعي مع رفاق السن وتكوين الصداقات والاتصال بالآخرين والتوافق الاجتماعي، تكوين الضمير وتعلم الدور الجنسي في الحياة، تكوين اتجاهات سليمة نحو الجماعات والمؤسسات والمنظمات الاجتماعية، تكوين المفاهيم والمدركات الخاصة بالحياة اليومية، تعلم المشاركة في المسئولية، تعلم ممارسة الاستقلال الشخصي، تكوين مفاهيم بسيطة عن الواقع الاجتماعي، نمو مفهوم الذات واكتساب اتجاه سليم نحو الذات، الشعور بالثقة في الذات وفي الآخرين، تحقيق الأمن الانفعالي، تعلم الارتباط الانفعالي بالوالدين والإخوة والآخرين، تعلم ضبط الانفعالات وضبط النفس.
مطالب النمو في مرحلة المراهقة: نمو مفهوم سوي للجسم وتقبل الجسم، تقبل الدور الجنسي في الحياة، تقبل التغيرات التي تحدث نتيجة للنمو الجسمي والفسيولوجي والتوافق معها، تكوين المهارات والمفاهيم العقلية الضرورية للإنسان الصالح، واستكمال التعليم، تكوين علاقات جديدة طيبة ناضجة مع رفاق السن من الجنسين، نمو الثقة في الذات والشعور الواضح بكيان الفرد، تقبل المسئولية الاجتماعية، امتداد الاهتمامات إلى خارج حدود الذات، واختيار مهنة والاستعداد لها "جسميا وعقليا وانفعاليا واجتماعيا"، تحقيق الاستقلال اقتصاديا، وضبط النفس بخصوص السلوك الجنسي، الاستعداد للزواج، والحياة الأسرية، تكوين المهارات والمفاهيم للازمة للاشتراك في الحياة المدنية للمجتمع، معرفة السلوك الاجتماعي المعياري المقبول الذي يقوم على المسئولية وممارسته، نمو والقيام بالدور الاجتماعي الجنسي السليم، اكتساب قيم مختارة ناضجة تتفق مع الصورة العملية للعالم الذي نعيش فيه، إعادة تنظيم الذات ونمو ضبط الذات، بلوغ الاستقلال الانفعالي عن الوالدين وعن الكبار.
مطالب النمو في مرحلة الرشد: تقبل التغيرات الجسمية التي تحدث في هذه المرحلة والتوافق معها، توسيع الخبرات العقلية المعرفية بأكبر قدر مستطاع، اختيار الزوج، الحياة مع زوجة أو زوج، تكوين الأسرة وتحقيق التوافق الأسري، تربية الأولاد والقيام بعملية التنشئة
(1/79)

الاجتماعية لهم، التطبيع والاندماج الاجتماعي، ممارسة المهنة وتحقيق التوافق المهني، تكوين مستوى اقتصادي مناسب مستقر والمحافظة عليه، ممارسة الحقوق المدنية وتحمل المسئولية الاجتماعية والوطنية، إيجاد روابط اجتماعية تتفق مع الحياة الجديدة، تكوين وتنمية الهوايات المناسبة لهذه المرحلة، تقبل الوالدين والشيوخ معاملتهم معاملة طيبة والتوافق لأسلوب حياتهم، تكوين فلسفة عملية للحياة، تحقيق الاتزان الانفعالي.
مطالب النمو في مرحلة الشيوخة: التوافق بالنسبة للضعف الجسمي والمتاعب الصحية المصحابة لهذه المرحلة، القيام بأي نشاط ممكن يتلائم مع قدرات الشيخ، تحقيق ميول نشطة وتنويع الاهتمامات، التوافق بالنسبة للإحالة إلى التقاعد أو ترك العمل، التوافق بالنسبة لنقص الدخل نسبيا، الاستعداد لتقبل المساعدة من الآخرين وتقدير ذلك، والتوافق بالنسبة للتغيرات الأسرية وترك الأولاد للأسرة واستقلالهم في أسرهم الجديدة، التوافق لموت الزوج أو الأصدقاء، تنمية وتعميق العلاقات الاجتماعية القائمة بين الأقران، تكوين علاقات اجتماعية جديدة، تحقيق التوافق مع رفاق السن، الوفاء بالالتزامات الاجتماعية في حدود الإمكانات، تقبل الواجبات الاجتماعية والوطنية، تقبل التغير الاجتماعي المستمر والتوافق معه ومع الجيل التالي، تهيئة الجو النفسي والصحي المناسب للحياة الصالحة لهذه المرحلة.
مطالب النمو العامة في كل المراحل: نمو استغلال الإمكانات الجسمية إلى أقصى حد ممكن، تحقيق الصحة الجسمية، تكوين عادات سليمة في الغذاء والنوم والتريض والوقاية الصحية، تعلم المهارات الجسمية الضرورية للنمو السليم، حسن المظهر الجسمي العام، النمو العقلي المعرفي، واستغلال الإمكانات العقلية إلى أقصى حد ممكن، تحصيل أكبر قدر ممكن من المعرفة والثقافة العامة وعادات التفكير الواضح، ونمو اللغة وسلامة التعبير عن النفس، تنمية الابتكار، تنمية مهارات جديدة، النمو الاجتماعي المتوافق إلى أقصى حد مستطاع، تقبل الذات والثقة بالذات، تقبل الواقع وتكوين اتجاهات وقيم سليمة، التقدم المستمر نحو السلوك الأكثر نضجا، المشاركة الابتكارية المسئولة في الأسرة والجماعات الأخرى، الاتصال والتفاعل السليم في حدود البيئة، الاستمتاع بالحياة التي يستمتع بها الآخرون، توسيع دائرة الميول والاهتمامات والهوايات، تنمية المهارات الاجتماعية التي تحقق التوافق الاجتماعي السوي، تحقيق النمو الأخلاقي والديني القويم، النمو الانفعالي إلى أقصى درجة ممكنة، تحقيق الصحة النفسية بكافة الوسائل، إشباع الغرائز مثل الغريزة الجنسية والوالدية والميل إلى الاجتماع ... إلخ تحقيق الدوافع
(1/80)

للإنجاز والنبوغ والتفوق ... إلخ، إشباع الحاجات مثل الحاجة إلى الأمن والانتماء والمكانة والتقدير والحب والمحبة والتوافق والمعرفة وتنمية القدرات والنجاح والدفاع عن النفس والضبط والتوجيه والحرية ... إلخ.
(1/81)

الأسس الاجتماعية:
الاهتمام بالفرد كعضو في جماعة:
هذا المبدأ مكمل للمبدأ القائل: إن السلوك الإنساني فردي اجتماعي، فالفرد لا يعيش فردا في المجتمع، وإن الإنسان كائن اجتماعي من اللحظة الأولى لولادته ومنذ أن تلقاه والداه بالفرحة ودأبا على تنشئته اجتماعيا من مهده، تلك العملية التي يسهم فيها مؤسسات ووكالات اجتماعية أخرى كالرفاق والمدرسة ووسائل الإعلام ودور العبادة والثقافة بصفة عامة, والفرد يعيش في واقع اجتماعي له معايير وقيم، وهو يعيش في جماعة ليست مجرد مجموعة من الأفراد وإنما هي كيان اجتماعي يؤثر في الفرد.
وفي الإرشاد والعلاج النفسي توجد طريقة ممتازة وهي الإرشاد الجماعي ينتظر أن تكون أبرز طرق الإرشاد النفسي في المستقبل فالحضارة المتقدمة السريعة التغير وأمراض الحضارة ستصبح من الكثرة بحيث تحتم الإرشاد الجماعي لقلة الأخصائيين مهما كثر عددهم "ويأتي الكلام عن الإرشاد الجماعي في الفصل السابع".
ولأهمية اعتبار الفرد كعضو في جماعة بل في جماعات كثيرة له فيها أدوار اجتماعية يقوم الإرشاد الجماعي على أساس دراسة ديناميات الجماعة وعملية التفاعل الاجتماعي وعمليات المسايرة والمغايرة في السلوك. وهناك نوعان من الضغط الاجتماعي أحدهما توجهه الجماعة إلى الفرد، والآخر ينشأ دخل الفرد، وكلاهما يدفع الفرد دفعا إلى مسايرة معايير الجماعة والالتزام بها، وهذا يستغل تماما في عملية الإرشاد.
ويتأثر السلوك الاجتماعي للفرد بالجماعات التي ينتمي إليها وخاصة الجماعة المرجعية Reference Group وهي الجماعة التي يرجع إليها الفرد في تقييم سلوكه الاجتماعي والتي يلعب فيها أحب الأدوار الاجتماعية إلى نفسه وهي أكثر الجماعات إشباعا لحاجات الفرد، ويشارك أعضاءها الدوافع والميول والاتجاهات، والقيم والمعايير والمثل ويتوحد معها، وهي تؤثر في سلوك الفرد فتحدد مستويات طموحه وإطاره المرجعي للسلوك "حامد زهران، 1984".
(1/81)

كذلك يتأثر الفرد بالثقافة الاجتماعية التي ينتمي إليها بما فيها من عادات وتقاليد وعرف أو أخلاقيات وفولكلور ... إلخ، وكل فرد يتحمس لجماعته المرجعية وثقافته وقد يتعصب لها ويرى ويعتقد أن أساليبها السلوكية هي أصبح الأساليب.
وقد يكون الفرد عضوا في جماعة أقلية في المجتمع الكبير. وجماعة أقلية لها سيكولوجيتها وسوسيولوجيتها. وقد تكون هذه الأقلية دينية أو سلالية أو مهنية أو لغوية، وقد تكون أقلية ممتازة أو مواطنين من الدرجة الثانية ... إلخ.
ونحن نجد أن الفرد يعيش في وسط اجتماعي ثقافي يتأثر به لدرجة أن شخصية الفرد مع وضوح الفرق الفردية تقترب من الشخصية الأساسية التي تأخذ من شخصية الأمة وتعطيها.
وهكذا نجد أنه حتى بالنسبة لهدف الإرشاد النفسي وهو تحقيق الذات والتوافق والصحة النفسية يتضمن شعور الفرد والسعادة مع نفسه ومع الآخرين. أي أن المرشد وهو يتعامل مع العميل يضع في حسابه أنه دائما عضو في جماعة ويعيش في مجال اجتماعي.
الاستفادة من كل مصادر المجتمع:
يستفيد المسئولون عن برنامج التوجيه والإرشاد النفسي من المساعدات الممكنة من سائر المؤسسات الاجتماعية.
ومن أهم المصادر والمؤسسات التي تقدم مساعدات قيمة: المؤسسات الدينية، ومؤسسات الخدمة الاجتماعية، ومؤسسات التأهيل المهني، ومؤسسات رعاية المعوقين ... وغيرها.
وتعتبر المدرسة أكثر المؤسسات الاجتماعية أهمية من حيث قدرتها على تقديم الخدمات الإرشادية لأكبر عدد من أطفال المجتمع وشبابه، سواء عن طريق المرشدين أو عن طريق المعلمين المرشدين.
(1/82)

الأسس العصبية والفسيولوجية:
النفس والجسم:
العميل إنسان له جسم يتكون من عدد من الأجهزة الحيوية مثل الجهاز العصبي والجهاز الدوري والجهاز التنفسي والجهاز الهضمي وجهاز الغدد ... إلخ. وكل جهاز يتكون من أعضاء تتكون بدورها من أنسجة تتكون من خلايا لها خصائص معينة، وتتخصص في أداء وظائف.
(1/82)

مختلفة. فهناك الخلايا العصبية والأنسجة التي تتخصص في التوصيل العصبي، وهناك خلايا وأنسجة الغدد التي تتخصص في الإفراز ... وهكذا.
والإنسان يسلك في محيطه البيئي كوحدة نفسية جسمية، تتأثر الحالة النفسية بالحالة الجسمية -والعكس الصحيح- في توازن تحت الظروف العادية لشخصية سوية متوافقة. والجسم يعتبر وسيطا بين البيئة الخارجية وبين الذات ككيان نفسي، ويؤدي الضغط الانفعالي الشديد المزمن واضطراب الشخصية إلى أن يضطرب هذا التوازن.
ونحن نعلم أنه لا يوجد جسم بدون نفس إلا الجماد والجثث، ولا يوجد نفس بدون جسم إلا الأرواح والأشباح، ولا يوجد اضطراب جسمي بحت يؤثر في الجسم دون النفس، ولا يوجد اضطراب نفسي بحت يؤثر في النفس دون الجسم.
ونحن نعلم أن أهم الأمثلة التي توضح الارتباط الوثيق بين النفس والجسم تأثير الانفعال النفسي على العمليات الفسيولوجية، أي على وظائف أعضاء الجسم. فانفعال الحزن يؤدي إلى انسكاب الدموع، وانفعال الغضب يؤدي إلى إسراع ضربات القلب. وانفعال الخجل يؤدي إلى احمرار الوجه، وانفعال الخوف يؤدي إلى شحوب الوجه، والقلق يؤدي إلى فقدان الشهية، ومن المعروف أنه كما يسبب المرض الجسمي الاكتئاب، فإن الإرهاق العصبي يؤثر في وظائف أعضاء الجسم المختلفة.
وهكذا يحتاج المرشد النفسي إلى دراسة ومعرفة عصبية فسيولوجية حتى يتمكن من مساعدة عملائه، إنه لا بد أن يعرف -إلى جانب دراسته النفسية- شيئا من الجسم حيث التكوين والوظيفة وعلاقتها بالسلوك بصفة عامة، ويكفي للتدليل على ذلك أن عملية الإرشاد نفسها تتضمن عملية تعلم، ويقوم المخ وبقية الجهاز العصبي بدور رئيسي في عملية التعلم عصبيا وفسيولوجيا وبالإضافة إلى ذلك يحتاج المرشد إلى التفريق بين الاضطرابات العادية والاضطرابات الهستيرية والاضطرابات النفسية الجسمية والاضطرابات العضوية.
الجهاز العصبي Neervous System:
الجهاز العصبي هو الجهاز الحيوي الرئيسي الذي يسيطر على أجهزة الجسم الأخرى برسائل عصبية خاصة تنتقل الإحساسات المختلفة "المثيرات" الداخلية والخارجية ويستجيب لها في شكل تعليمات إلى أعضاء الجسم، مما يؤدي إلى تكيف نشاط الجسم وموائمته لوظائفه المختلفة الإرادية واللاإرادية الضرورية للحياة بانتظام وتكامل. وبفضل الجهاز العصبي يستطيع الجسم أن يتفاعل مع بيئته الداخلية والخارجية.
(1/83)

ولا يسمح المجال هنا بالتفصيل دراسة الجهاز العصبي، ولكن يمكن الرجوع إلى مراجع علم النفس الفسيولوجي للتفصيل "للإيجاز انظر حامد زهران، 1997".
ووحدة النسيج العصبي هي الخلية العصبية ومحورها وتشعباته، ومن خصائصها المميزة أنها إذا تلفت لا تتجدد ولا تعوض.
والأعصاب تتكون من حزمة من محاور وألياف عصبية، ووظيفتها هي توصيل الإشارات العصبية بين المخ والحبل الشوكي، والجهاز العصبي الذاتي من جهة وبين جميع أجزاء الجسم من جهة أخرى، أي أنها تعمل في اتجاهين، فمنها: أعصاب مستقبلة "موردة" حسية، وأعصاب مرسلة "مصدرة" حركية، وأعصاب متوسطة "موصلة" مشتركة "حسية حركية".
وينقسم الجهاز العصبي إلى:
الجهاز العصبي المركزي Central Neervous System: وهو الذي يتحكم في السلوك الإرادي للإنسان "انظر شكل 12" ويشمل:
- المخ Brain: لقد كرم الله الإنسان ووهبه مخا كبيرا هو الأساس في تقدير السلوك، يمكنه من السلوك بمرونة وتوافق مع البيئة وتوجيه سلوكه توجيها ذكيا، ويتركب المخ من القشرة واللب، ويحيط به السائل المخي الشوكي والسحايا لحمايته وتغذيته، وله ثلاثة أجزاء رئيسية هي:
(1/84)

المخ المقدمي: ووظيفته بصفة عامة هي العلميات العقلية العليا والإحساس والحركة الإرادية ينقسم إلى فصوص هي: الفص الجبهي "الأمامي" وهو مركز الوظائف العقلية العليا كالإدراك والتفكير، والفص الجداري "الجانبي" وهو مركز الإحساس غير المخصص كاللمس والألم، والفص الصدغي وفيه مركز السمع، والفص القذالي "الخلفي" وفيه مركز البصر، وبينهما شقوق.
- المخ المتوسط: بين المخ المقدمي والمخ المؤخري ويشمل: فخذي المخ "وهما يربطان القنطرة بفصي المخ وبالحبل الشوكي وبالمخيخ ويمر بهما المحاور الحساسة الصاعدة والمحاور الحركية النازلة، والأجسام التأومية الأربعة "التي تتصل بحاسة البصر وحاسة السمع"، ويليه سرير المخ "وهو مركز استقبال الإحساسات وتصنيفها وملتقى المسرات العصبية من قشرة المخ وإليها"، وأسفل منه المهيد "وهو المركز الأساسي للجهاز العصبي الذاتي وهمزة الوصل بين الانفعال وبين الجهاز العصبي الذاتي".
- المخ المؤخري: ويشمل القنطرة "وبها مسارات عصبية تتصل بالنخاع والحبل الشوكي والمخيخ". والنخاع المستطيل "وبه مراكز حيوية ومن وظائفه الهامة التحكم في الجهاز الدوري والجهاز التنفسي"، والمخيخ "ووظيفته تنظيم الحركات الإرادية وتوافقها وحفظ توازن الجسم أثناء الحركة والسكون" "انظر شكل 13".
- أعصاب المخ: وتخرج من المخ "وعددها 12 زوجا" ثلاث للحساسية وثلاثة لحركة العينين وثلاثة حسية حركية وثلاثة للتعبير.
(1/85)

- الحبل الشوكي: "النخاع الشوكي" Spinal Cord وهو مركز توصيل التيارات العصبية من المخ وإليه، كما أنه مركز الانعاكسات العصبية، ويخرج منه الأعصاب الشوكية وعددها 31 زوجا تتوزع على جميع أجزاء الجسم بالعنق والجذع والأطراف.
الجهاز العصبي الذاتي "التلقائي" Autounomic Nervous System "انظر شكل 14". وهو الذي يتحكم في السلوك اللاإرادي للإنسان، وهو جهاز مستقبل يعمل تلقائيا أو ذاتيا أو لا إراديا أو لا شعوريا، وينقسم إلى جهازين فرعيين يعمل كل منهما عملا مضادا لعمل الآخر، ولكنه مكمل له، وهما:
- الجهاز العصبي التعاطفي "السمبتي" Sympathetic وهو ينشط وينبه عمل أجهزة الجسم التي يسيطر عليها.
- الجهاز العصبي نظير التعاطفي "نظير السمبتي" Parasympathetic وهو يثبط أو يكف وينظم عمل أجهزة الجسم التي يسيطر عليها.
ووظيفة الجهاز العصبي الذاتي بصفة عامة هي القيام على أمن الجسم تلقائيا، فهو يسيطر على جميع أجهزة الجسم الحيوية اللاإرادية مثل الجهاز الدوري والجهاز التنفسي والجهاز الهضمي والجهاز البولي، والجهاز التناسلي، وجهاز الغدد والجلد، وهو يعمل وقت تعرض الجسم للخطر بما يشبه إعلان حالة الطوارئ وذلك بتجهيز طاقاته ووضعها في أعلى درجة من الاستعداد والأداء، كذلك فإنه يتصل بالانفعال عن طريق المهيد.
(1/86)

ويهمنا بصفة خاصة تلخيص وظائف الجهاز العصبي وقد عرفنا أنها السيطرة على أجهزة الجسم الأخرى، وربط الجسم بالبيئة الخارجية، ويقوم الجهاز العصبي بوظيفة حسية، ووظيفة حركية، وتتم فيه العمليات العقلية العليا, ويختص كل جزء من أجزاء المخ بوظيفة خاصة، كذلك يختص كل عصب من أعصاب المخ بوظيفته المحددة له، ويغذي كل عصب شوكي منطقة خاصة من الجسم، وتنطلق أعصاب الجهاز العصبي الذاتي بقسميه التعاطفي ونظير التعاطفي إلى الأعضاء الخاصة بها، وفوق هذا كله فإن الجهاز العصبي هو الذي يصدر عنه السلوك السوي واللاسوي، ومن ثم أهميته بالنسبة لنا.
وإذا حدث انفعال مزمن وتحول من طريق الجهاز العصبي المركزي إلى أعراض جسمية في شكل خلل في أعصاب الحس والحركة تصيب أعضاء الجسم التي يتحكم فيها الجهاز العصبي المركزي "الإرادي" مثل الحواس وجهاز المحركة أدى ذلك إلى "الهستيريا" Hysteria ومن الأعراض الحسية للهستيريا: العمى الهستيري والصمم الهستيري والخشم الهستيري وفدقان حاسة التذوق وفقدان الحساسية الجلدية والخدار الهستيري والألم الهستيري. ومن الأعراض الحركية للهستيريا: الشلل الهستيري والرعشة الهيستيرية والتشنج الهستيري، والصرع الهستيري وعقال العضل والخرس الهستيري.
وكذلك إذا حدث انفعال مزمن وتحول عن طريق الجهاز العصبي الذاتي إلى أعراض جسمية تصيب أعضاء الجسم التي يتحكم فيها الجهاز الذاتي "اللغرادي" ظهرت الاضطرابات النفسية الجسمية Psychosomatic Disorders ومن الأعراض النفسية الجسمية في الجهاز الدوري: الذبحة الصدرية وعصاب القلب وارتفاع أو انخفاض ضغط الدم والإغماء، وفي الجهاز التنفسي: الربو الشعبي والتهاب مخاطية الأنف، وفي الجهاز الهضمي: قرحة المعدة والتهاب المعدة المزمن والتهاب القولون وفقدان الشهية العصبي والشراهة والتقيؤ العصبي والإمساك والإسهال، وفي الجهاز الغددي: مرض السكر والبدانة والتسمم الدرقي، وفي الجهاز التناسلي: العنة والبرودة وتشنج المهبل واضطراب الحيض والعقم والإجهاض المتكرر، وفي الجهاز البولي: احتباس البول وكثرة التبول والبوال، وفي الجهاز العضلي الهيكلي: آلام الظهر والتهاب المفاصل الروماتيزمي، وفي الجلد: الأرتيكاريا والتهاب الجلد العصبي والحكاك والأكزيما العصبية وسقوط الشعر وفرط العرق والحساسية وحب الشباب، وفي الجهاز العصبي: الصداع النصفي وإحساس الأطراف الكاذب.
(1/87)

الفصل الثالث: نظريات التوجيه والإرشاد النفسي
أهمية نظريا التوجيه والإرشاد النفسي
...
(1/90)

الفصل الثالث: نظريات التوجيه والإرشاد النفسي THEORIES OF GUIDANCE AND
أهمية نظريات التوجيه والإرشاد النفسي:
التوجيه والإرشاد النفسي علم قائم على نظريات متطورة:
عرفنا أن الإرشاد النفسي علم يقوم على نظريات عملية "راجع". ونحن نعرف أن البحث العلمي يبدأ من دراسة الظاهرات النفسية والفروض مرورا بالدراسات التجريبية التي تعطي نتائج وحقائق وقوانين تلخصها نظرية.
وليس معنى هذا أن النظرية هي نهاية المطاف وأن العلم ينتهي والبحث العلمي يتوقف بمجرد الوصول إلى النظريات. ولكن عند التوصل إلى نظرية تبدأ الحلقة من جديد وتخضع النظرية للبحث العلمي المستمر.
وهكذا تظهر نظريات جديدة توضع نظريات قديمة في متحف علم النفس ولا يبقى لها غير القيمة التارخية فقط، وسوف توضع في المستقبل بعض النظريات الحالية في متحف علم النفس أيضا، ونحن نعرف أنه كان فيما مضى يوجد أشباه نظريات أو نظريات كاذبة في الإرشاد النفسي Pseudo- Guidance theories وأصبحت في ذمة التاريخ ومنها ما كان يسمى النظريات الروحانية ومنها ما كان يتعلق بالتنجيم والفراسة وقراءة الكف وغيرهما "روسيكرانس وهيدين Rosecrance & Hayden؛ 1960".
إن العلم يتطور، والنظريات السابقة والحالية ترتبط بأسماء علماء معينين توصلوا إليها، وهي محددة بعينات وبإجراءات تجريبية وكلينيكية محددة، فنحن نعرف نظرية الذات لكارل روجرز Rogers، ونظرية المجال الرؤية وتضاعف إمكانات الكشف العلمي.
اسكنر
أهمية دراسات النظريات:
لا شك أن المرشد النفسي يجب أن يعمل في ضوء نظرية، والنظرية النفسية إطار عام يضم مجموعة منظمة متناسقة متكاملة من الحقائق والقوانين التي تفسر الظاهرات النفسية، والنظرية يجب أن تتضمن الفروض الأساسية التي بنيت عليها، كما يجب أن تتضمن مجموعة من التعريفات الإجرائية أو التجريبية، والفروض يجب أن تكون ذات صلة بالوقائع التجريبية التي تهتم بها النظرية. وتهدف النظرية إلى اكتشاف العلاقات التجريبية الثابتة بين المتغيرات. والنظرية
(1/91)

يجب أن تكون هادفة ونفعية، بمعنى تفسير الظاهرات وتنظيم الحقائق والقوانين في شمول وتكامل يفيد في العمل ويمكن من الضبط والتنبؤ الدقيق.
والإرشاد النفسي يهتم بدراسة وفهم وتفسير وتقييم السلوك والتنبؤ به وتعديله وتغييره، ومن ثم فلا بد من دراسة النظريات التي تفسر السلوك وكيفية تعديله، وتفيد دراسة نظريات الإرشاد النفسي في فهم العملية الإرشادية نفسها، وفهم أوجه الشبه والاختلاف بين طرق الإرشاد.
ونحن نجد أن بعض المرشدين يفضلون العمل في ضوء النظرية محددة دون غيرها من النظريات مثل نظرية الذات بطريقة الإرشاد غير الموجه أو الإرشاد الممركز حول الذات وهكذا.
ملاحظات:
تختلف دراستنا لنظريات التوجيه والإرشاد النفسي قليلا عن دراسة نفس النظريات في إطار دراسة الشخصية مثلا، فالاهتمام هنا منصب على ما يتعلق بالتوجيه والإرشاد النفسي نظريا وعمليا، أي أن المهم ليس معرفة تفاصيل النظريات بقدر معرفة الأسس التي قامت عليها النظريات، ولن نقارن بين النظريات بقصد التفضيل بينها، ذلك لأن التركيز هنا يكون على عملية الإرشاد ككل في شمول وتكامل آخذين من كل نظرية ما يفيد. إن اتباع نظرية واحدة والتمسك بها لدرجة التعصب يعتبر نوعا من الجمود العلمي غير المرغوب. ونحن نعلم أن أي نظرية مهما كانت لا تعلوا على النقد. وفي نفس الوقت قد يلجأ بعض المرشدين تحت ستار اتباع الأسلوب الخياري، وباسم المرونة، إلى التوفيق والتأليف والتوليف بين النظريات أكثر من اللازم لدرجة تؤدي إلى نتيجة غير علمية وغير مرغوبة.
ونحن نعلم أنه لا توجد قوانين عامة للسلوك البشري تنطبق على كل الناس بصدق كامل والمرشد حين يتعامل مع مشكلات بشرية معقدة لا بد أن يقوم عمله على أساس عدد من النظريات وليس نظرية واحدة، لأنه لا وجود لمثل هذه النظرية الواحدة الشاملة بخصوص السلوك البشري في علم النفس "تيلور Taylor؛ 1971".
وهكذا تعدد نظريات التوجيه والإرشاد النفسي. وهذا التعدد يفيد في مواجهة تعدد المشكلات التي يتناولها الإرشاد النفسي في شخصيات العملاء والمرشدين أنفسهم.
وفيما يلي عينة من نظريات التوجيه والإرشاد النفسي الهامة التي ترتبط ارتباطا مباشرا بطرق الإرشاد النفسي.
(1/92)

نظرية الذات SELF THEPRY:
يتضمن التوجيه والإرشاد النفسي دراسة الذات ومفهوم الذات، والذات هي جوهر الشخصية، ومفهوم الذات هو حجر الزاوية فيها وهو الذي ينظم السلوك، ويقول جوردون ألبورت Allport؛ "1937" إن مفهوم "الذات" مفهوم أساسي في دراسة الشخصية.
وقد استعرض فليب فيرنون Vernon؛ "1964" عددا من نظريات الذات، ويؤكد أن أهمها نظرية الذات لكارل روجرز Rogers.
ونظرية الذات لكارل روجرز Roger's Self Thoeory هي أحدث وأشمل نظريات الذات، وذلك لارتباطها بطريقة من أشهر طرق الإرشاد والعلاج النفسي وهي طريقة الإرشاد والعلاج الممركز حول العميل Client- centred، أو غير الموجه Nondirective وهذه النظرية بنيت أساسا على دراسات وخبرة روجرز في الإرشاد والعلاج النفسي.
وقد بدأ تاريخ نظرية الذات لكارل روجرز عندما بدأ روجرز الإرشاد والعلاج النفسي الممركز حول العميل، واتضح أول معالمها في كتابه "الإرشاد والعلاج النفسي" Counseling and of Psychotherapy سنة 1924، وعندما بلور بعض النقاط الهامة في العلاج النفسي الممركز حول العميل سنة 1946، وعندما كتب مقالا بعنوان "بعض الملاحظات على تنظيم الشخصية" Some Observation of the Organization of Personality سنة 1947، وعندما كتب "العلاج الممركز حول العميل" Client- Centered Therapy سنة 1951، وفي تجميعه الشامل المركز للنظرية في المجلد الثالث من كتاب "علم النفس: دراسة علم" الذي حرره كوش Koch سنة 1959، وفي كتابه: On Becoming a Person: A Therapist's View of Psychotherapy سنة 1964، الذي لخص فيه التغيير الذي طرأ على نظريته منذ سنة 1942 حتى سنة 1961 قائلا: "في السنوات الأولى من تخصصي في الإرشاد والعلاج النفسي كنت أسال السؤال الآتي: كيف أستطيع أن أعالج أو أغير هذا الشخص؟ والآن أعيد صياغة ذلك السؤال بهذه الطريقة: كيف أستطيع أن أوجد علاقة ومناخا نفسيا يستطيع هذا الشخص من خلاله أن يحقق أفضل نمو نفسي؟ ".
(1/93)

وهناك مكونات رئيسية في نظرية الذات لكارل روجرز. وهذه المكونات هي: الذات، مفهوم الذات، الخبرة، الفرد، والسلوك، المجال الظاهري.
الذات Self:
تمثل الذات قلب نظرية روجرز. ومفهوم "الذات" قديم قدم الحضارة المصرية، وقد مر مفهوم "الذات" بنمو ديني فلسفي عبر التاريخ، واقتبسه المفكرون اليونان مثل أفلاطون وسقراط وأرسطو وفلسفوه، ثم احتضنه المفكرون العرب مثل العلامة ابن سينا في القرن العاشر والعالم الفيلسوف أبو حامد الغزالي في القرن الحادي عشر، ولقد علمنا الله ما لم نكن نعلم عن: النفس الملهمة، والنفس اللوامة، والنفس البصيرة، والنفس المطمئنة، والنفس الأمارة بالسوء، ويقول الغزالي: إن الوجهات الأربع الأولى للنفس البشرية حميدة أما الأخيرة فهي غير محمودة وقد ذكر ابن سينا "980- 1037" مفهوم الذات على أنه الصورة المعرفية للنفس البشرية، وتكلم من جاء بعد ذلك من المفكرين عن مفهوم "الذات" متذبذبين بين الروح Soul تارة وبين الذات Self تارة أخرى مثل جون لوك Loke؛ "1632-1704" وجورج بيريكلي Berkeley؛ "1685-1753" وهيوم Hume؛ "1740" وتوماس براون Brown؛ "1778-1820" وجيمس ميل Mill؛ "1829" وكانت Kant؛ "1838" وفي العقد الأخير من القرن التاسع عشر فقط بدأ المفهوم "العجوز" للذات يحتل مكانه الصحيح في علم النفس "الرضيع" كمفهوم نفس خلال كتابات وليام جيمس James؛ "1890" ومنذ بداية القرن الحالي أخذت معظم النظريات النفسية تتبنى مفهوم "الذات" Self أو "الأنا" ego كمفهومين هامين في دراسة الشخصية والتوافق النفسي، ولكن النظريات اختلفت حول طبيعة الذات وبنيتها وتركيبها وأبعادها ووظائفها، وحتى على تعريفها، وكان الخلط كثيرا بين مصطلح الذات ومصطلح الأنا تارة على أنهما مختلفان وتارة على أنهما مترادفان.
وقد وجد علماء النفس في النصف الأول من القرن العشرين أنه لا يمكن الكتابة في علم النفس دون الاهتمام بالذات، ومنذ العقد الرابع من هذا القرن أخذت الذات مكانه الطبيعي في دراسات علم النفس، وأصبح مفهوم الذات الآن ذا أهمية بالغة ويحتمل مكان القلب في الإرشاد والعلاج النفسي، وكثرت الدراسات والبحوث وظهر ما يسمى سيكولوجية الذات Self Psychology. "حامد زهران Zahran؛ 1966".
وهكذا نرى أن مفهوم "الذات" قديم قدم الحضارة المصرية ذاتها، وجديد جدة أي مفهوم نفس معاصر وضع تحت ضبط البحث النفسي العلمي. ويلخص تاريخ الذات ومكانها في علم
(1/94)

النفس قول مأثور "إن علم النفس فقد أولا روحه ثم فقد وعيه وشعوره ثم فقد عقله، ولكنه لحسن الحظ وجد ذاته واكتشف نفسه".
وعلى كل حال فقد اختار المؤلف تعريف الذات كما حدد في نظرية روجرز.
الذات هي كينونة الفرد أو الشخص. وتنمو الذات وتنفصل تدريجيا عن المجال الإدراكي، وتتكون بنية الذات نتيجة للتفاعل مع البيئة، وتشمل الذات المدركة، والذات الاجتماعية، والذات المثالية، وقد تمتص قيم الآخرين، وتسعى إلى التوافق والاتزان والثبات وتنمو نتيجة للنضج والتعلم، وتصبح المركز الذي تنظم حوله كل الخبرات.
مفهوم الذات Self- Concept:
منذ أن بدأ روجرز في بلورة نظرية الذات أصبح "مفهوم الذات" من أهم موضوعات البحث في علم النفس، وأصبح ذات أهمية خاصة في الإرشاد والعلاج الممركز حول العميل، وقد وصفت روث ويلي Wylie؛ "1974، 1979" وحللت عددا كبيرا من الدراسات والبحوث حول مفهوم الذات بأنه تكوين معرفي منظم ومتعلم للمدركات الشعورية والتصورات والتقييمات الخاصة بالذات يبلوره الفرد، ويعتبره تعريفا نفسيا لذاته، ويتكون مفهوم الذات من أفكار الفرد الذاتية المنسقة المحددة الأبعاد عن العناصر المختلفة لكينونته الداخلية والخارجية، وتشمل هذه العناصر المدركات والتصورات التي تحدد خصائص الذات كما تنعكس إجرائيا في وصف الفرد لذاته كما يتصورها هو "مفهوم الذات المدرك" Perceived Self- concept، والمدركات والتصورات التي تحدد الصورة التي يعتقد أن الآخرين في المجتمع يتصورونها والتي يتمثلها الفرد من خلال التفاعل الاجتماعي مع الآخرين "مفهوم الذات الاجتماعي" Social Self- concept والمدركات والتصورات التي تحدد الصورة المثالية للشخص الذي يود أن يكون "مفهوم الذات المثالي" Ideal Self- concept.
ووظيفة مفهوم الذات وظيفة دافعية وتكامل وتنظيم وبلورة عالم الخبرة المتغير الذي يوجد الفرد في وسطه، ولذا فإنه ينظم ويحدد السلوك. وينمو مفهوم الذات تكوينيا كنتاج للتفاعل الاجتماعي جنبا إلى جنب مع الدافع الداخلي لتأكيد الذات، وعلى الرغم من أنه ثابت إلى حد كبير إلا أنه يمكن تعديله وتغييره تحت ظروف معينة "في الإرشاد النفسي الممركز حول العميل" "حامد زهران Zahran؛ 1966".
ومن الملاحظات الهامة حول مفهوم الذات أنه أهم من الذات الحقيقية في تقرير السلوك وأنه
(1/95)

عبارة كل "جشطلت" يتأثر بالوراثة "الجغرافية والمادية والاجتماعية والسلوكية" ويتأثر بالآخرين الهامين في حياة الفرد "مثل الوالدين والراشدين والرفاق" ويتأثر بالنضج وبالتعلم، ويتأثر بالحاجات "الأمن، الحب، احترام الذت، تحقيق الذات" ويتأثر بموجهات "مثل المعتقدات والقيم والاتجاهات والأخلاقيات" ويلخص المؤلف نظرية الذات في شكل "17". كذلك فإن القرد يسعى دائما لتأكيد وتحقيق وتعزيز ذاته وهو يحتاج إلى مفهوم موجب للذات، وأن مفهوم الذات مفهوم شعوري يعيه الفرد، بينما قد تشتمل الذات عناصر لا شعورية لا يعيها الفرد.
(1/96)

الخبرة:
يمر الفرد في حياته بخبرات كثيرة. والخبرة هي شيء أو موقف يعيشه الفرد في زمان ومكان معين، ويتفاعل الفرد معها وينفعل بها، ويؤثر ويتأثر بها. والخبرة متغيرة ويحول الفرد خبراته إلى رموز يدركها ويقيمها في ضوء مفهوم الذات وفي ضوء المعايير الاجتماعية أو يتجاهلها "على أنها لا علاقة لها ببنية الذات" أو ينكرها أو يشوهها "إذا كانت غير متطابقة مع بنية الذات".
والخبرات التي تتفق وتتطابق مع مفهوم الذات ومع المعايير الاجتماعية تؤدي إلى الراحة والخلو من التوتر وإلى التوافق النفسي1. والخبرات التي لا تتفق مع الذات ومفهوم الذات والتي تتعرض مع المعايير الاجتماعية يدركها الفرد على أنها تهديد ويضفي عليها قيمة سالبة، وعندما يدرك الخبرة على هذا النحو تؤدي إلى تهديد وإحباط مركز الذات والتوتر والقلق وسوء التوافق النفسي وتنشيط وسائل الدفاع النفسي التي تعمل على تشويه المدركات والإدراك غير الدقيق للواقع.
الفرد:
والفرد قد يرمز أو يتجاهل أو ينكر خبراته المهددة فتصبح شعورية أو لا شعورية.
والفرد لديه دافع أساسي لتأكيد وتحقيق وتعزيز ذاته، ويتفاعل الفرد مع "واقعه" في إطار ميله لتحقيق ذاته، ولديه حاجة أساسية "رغم أنها متعلمة" للتقدير الموجب "ويشمل الحب والاحترام والتعاطف والقبول من جانب الآخرين". وهذا التقدير الموجب للذات متبادل مع الآخرين المهمين في حياته، وتحدد الفرد ودوافعه كما يدركها أو كما يخبرها جانبا من سلوكه.
السلوك:
والسلوك هو نشاط موجه نحو هدف من جانب الفرد لتحقيق وإشباع حاجاته كما يخبرها في المجال الظاهري كما يدركه.
ويتفق معظم السلوك مع مفهوم الذات، ومع المعايير الاجتماعية، وبعضه لا يتفق مع بنية الذات والمعايير الاجتماعية، وعندما يحدث تعارض هنا يحدث سوء التوافق النفسي.
__________
1 من الشعر الغنائي: أنا حلوة، وعارفة أن أنا حلوة، والناس بيقولوا أن أنا حلوة.
ومن كلمات أحد الموشحات: يا ناعم يا حلاوتك، وأنت فاهم أنك ناعم.
(1/97)

ويمكن تغيير السلوك وتعديله "تبني السلوك أو إنكاره" ويصحبه الانفعال ويسهله. وقد يحدث السلوك نتيجة للخبرات أو الحاجات العضوية التي لم تأخذ صورة رمزية لكونها غير مقبولة ومثل هذا السلوك قد يكون مطابق مع بنية الذات ومفهوم الذات، وفي هذه الحالة قد يتصل الفرد منه، وهذا يؤدي إلى التوتر وسوء التوافق النفسي.
وأحسن فهم لسلوك الفرد يكون من وجهة نظر الفرد نفسه ومن داخل إطاره المرجعي، أي من داخل مجاله الإدراكي. ويعبر روجرز عن ثقته في التقارير الذاتية Self Reports عن السلوك بدرجة أكبر من المعلومات التي تنتجها الاختبارات والمقاييس من إطار مرجعي خارجي.
وأحسن طريقة لإحداث التغير في السلوك هي أولا إحداث التغير في مفهوم الذات. وهذا ما يحاول المرشد إحداثه في طريقة الإرشاد الممركز حول العميل Client -centred وبعبارة أخرى الممركز حول الذات Self- centred.
المجال الظاهري Phenomenal field:
يوجد الفرد في وسط مجال ظاهري أو مجال شعوري، ويسلك الفرد ككل في المجال الظاهري كما يدركه ويخبره والمجال الظاهري هو عالم الخبرة المتغير باستمرار، وهو كل الخبرات أو مجموعها، وهو عالم شخصي ذاتي يتضمن المدركات الشعورية للفرد في بيئته. ويتفاعل الفرد مع المجال الظاهري كما يخبره وكما يدركه. ويعتبر -على الأقل من جهة الفرد- "واقعا" وحقيقة. فمثلا قد يدرك مريض الفصام الهذائي أن كل من حوله يتقولون عليه. وهذا قد يكون صحيحا أو غير صحيح على الإطلاق، ولكن بالنسبة له يعتبر هذا واقعا وحقيقة تحدد استجابته وسلوكه.
ويرتبط المجال الظاهري بالذات الظاهرية Phenomenal Self أي الذات الشعورية كما يدركها الفرد "دونالد سنيج وآرثر كومبس Snygg & combs؛ 1949". ويختلف المجال الظاهري عن المجال غير الظاهري Non- phenomenal Field أي المجال اللاشعوري الذي يتضمن الأجزاء اللاشعورية من الذات والخبرات "هليجارد Hilgard؛ 1949".
تطورات نظرية الذات:
من أهم التطورات في نظرية الذات والإطار الذي قدمه فيليب فيرنون Vernon "1964" فهو يقول إن هناك مستويات مختلفة
(1/98)

للذات. والفرد يشعر أن له "ذات مركزية" أو "ذات خاصة" تختلف عن "الذات الاجتماعية" التي تكشف للناس، ومستويات الذات حسب رأي فيرنون هي:
الذوات الاجتماعية أو العامة Social or public Selves التي يعرضها الفرد للمعارف والغرباء والأخصائيين النفسيين.
الذات الشعورية الخاصة Conscious Private Self: يدركها الفرد عادة ويعبر عنها لفظيا ويشعر بها، وهذه يكشفها الفرد عادة لأصدقائه الحميمين فقط.
الذات البصيرة Insightful Self: التي يتحقق منها الفرد عادة عندما يوضع في موقف تحليلي شامل مثل ما يحدث في عملية الإرشاد أو العلاج النفسي الممركز حول العميل.
الذات العميقة Depth Self "أو المكبوتة": التي تتوصل إلى صورتها عن طريق التحليل النفسي.
وهكذا حدد فيرنون طريقا مفيدا للإرشاد والعلاج موضحا أن الصورة التي يكشفها العميل عن ذاته أو التي يحصل عليها المرشد أو المعالج هي إلى حد كبير ذاتية أو تعتمد على الإطار التصوري للملاحظ، وأن هناك صورا أخرى كثيرة على مستويات مختلفة يمكن التوصل إليها. ويمكن تحقيق التقدم في الإرشاد والعلاج عندما تصبح الذات الشعورية الخاصة أكثر اقترابا من الذات البصيرة، وعندما يحقق اقترابا كبيرا من الذات الفعالة.
وقد قام المؤلف "حامد زهران Zahran؛ 1966، 1967" بدراسة عن نظرية الذات والإرشاد والعلاج النفسي الممركز حول العميل، وأثبتت الدراسة أن مفهوم الذات يعتبر حجرا أساسيا في بناء الشخصية وأن مفهوم الذات لدى الفرد له أهمية خاصة لفهم ديناميات الشخصية والتوافق النفسي، وأنه مفهوم هام في الإرشاد النفسي الممركز حول العميل وتأكد أن مفهوم الذات مفهوم متعدد الأبعاد. وتحددت الصفات التي تميز كلا من مفهوم الذات الموجب ومفهوم الذات السالب، وتأكد أن مفهوم الذات الموجب يعبر عن التوافق النفسي والصحة النفسية، وأن تقبل الذات يرتبط ارتباطا جوهريا موجبا بتقبل وقبول الآخرين، وأن تقبل الذات وفهمها يعتبر بعدا رئيسيا في عملية التوافق الشخصي وإعادة التوافق الشخصي، وأن تكون مفهوم الذات يتأثر بالعوامل الاجتماعية مثل اتجاهات الفرد نحو الآخرين واتجاهات الآخرين نحو الفرد، ومن ثم يجب على الوالدين والمربين والمرشدين أن يقدروا دورهم الهام والخطير في نمو مفهوم الذات عند الأطفال والمراهقين، وبرزت العلاقة القوية القائمة بين مفهوم الذات والتوافق النفسي بأنه كلما كان الفرد سيئ التوافق انحطت نظرته إلى نفسه، وتأكد أن أحسن طريقة لفهم السلوك
(1/99)

هي من الإطار المرجعي للسالك نفسه، كذلك يجب الالتفات إلى الأهمية القصوى للذات وإلى أهمية البيئة الاجتماعية، ولقد برزت من خلال هذه الدراسة أهمية مفهوم الذات الخاص.
مفهوم الذات الخاص Private self- Concept:
وجد المؤلف "حامد زهران، 1972" أن مفهوم الذات الخاص هو أخطر مستويات مفهوم الذات. وهو يختص بالذات الخاصة، أي الجزء الشعوري السري الشخصي جدا أو "العوري" من خبرات الذات، والذي يقع في المنطقة الحدية بين الشعور واللاشعور، ومحتوى مفهوم الذات من خبرات الذات الخاص يكون هاما وخطيرا يحاول الانطمار في اللاشعور قبل أي خبرة أخرى من خبرات الذات، إلا أن لأهميته وخطورته في حياة الفرد يقاوم هذا الانطمار.
ومحتوى مفهوم الذات الخاص يكون معظمه مواد غير مرغوب فيها اجتماعيا "خبرات محرمة أو محرجة أو مخجلة أو معيبة أو بغيضة أو مؤلمة ... إلخ"، ولا يجوز إظهاره أو كشفه أو ذكره أمام الناس، وتنشط الذات تماما للحيلولة دون خروج محتواه، وهكذا يبدو مفهوم الذات الخاص وكأنه العورة النفسية للفرد.
إن من السهل على الفرد الكشف عن مفهوم الذات الواقعي والمدرك والاجتماعي والمثالي بدون اللجوء إلى حيل الدفاع النفسي، ولكن من الصعب جدا الكشف عن مفهوم الذات الخاص، والفرق شاسع بين محتويات مفهوم الذات العام ومحتويات مفهوم الذات الخاص، ويعلم كل المرشدين والمعالجين النفسيين أن من السهل أن يقول العميل أن له زوجا أو زوجة ومن الصعب أن يقول أن له عشيقة أو عشيقا، ويمكن أن يذكر أنه يكسب عيشه من التجارة ولكنه لا يفصح عن أنه يتاجر في المخدرات أو في الدعارة، وقد يعترف بفشله في العمل لنقص ميله إليه أو لنقص عائده وليس من السهل أن يعترف أن فشله يرجع إلى غشه في الامتحانات أو إلى أن الشهادة التي يحملها مزورة، وقد يقرر أن مشكلته الزواجية نابعة من نقص الحب، ولكنه لا يقرر أنها ناتجة عن شذوذ العلاقات الجنسية أو العلاقات الجنسية غير الشرعية.
وهكذا يهتم الإرشاد العلاجي والعلاج النفسي الممركز حول العميل بمفهوم الذات العام "الشعوري المتاح" الذي يتيح فهم الشخصية، ومفهوم الذات الخاص "الشعوري العوري" الذي يهدد الشخصية.
ويرى المؤلف أن أي خبرة مهددة في مفهوم الذات الخاص -إذا لم تظهر للمرشد النفسي وتناقش ويوضع خطة لعلالجها- تكون بمثابة "عاهة نفسية مستديمة".
يجمع الكتاب والباحثون على أن أحد الأهداف الرئيسية للإرشاد العلاجي هو تنمية
(1/100)

مفهوم واقعي عن الذات Realistic Self- concept وأن معظم حالات سوء التوافق هي نتيجة الفشل في تنمية مثل هذا المفهوم الواقعي، ورسم الخطط التي تتلاءم معه، ومن المعلوم أن من ينمي مفهوما منخفضا للذات أو أقل من الواقع يكون لديه مشكلات تماثل في حدتها تلك التي تكون لدى من ينمي مفهوما مبالغا فيه للذات. وقد وجد أن مرضى الذهان يكون مفهوم الذات لديهم مشوها وبعيدا عن الواقع.
ويعتقد معظم الباحثين أن الإرشاد النفسي يتضمن موقفا خاصا بين المرشد والعميل يضع فيه العميل مفهومه عن ذاته كموضوع رئيسي للمناقشة، بحيث تؤدي عملية الإرشاد إلى فهم واقعي للذات وتقبل الآخرين، والتوافق النفسي والصحة النفسية، وتؤكد معظم الدراسات والبحوث العلاقة والارتباط القوي بين مفهوم الذات والتوافق النفسي وأن سوء التوافق ينتج عن إدراك تهديد الذات أو إدراك تهديد في المجال الظاهري، أحدهما أو كلاهما، وأن الأفراد ذوي مفهوم الذات الموجب يكونون أحسن توافقا من الأفراد ذوي مفهوم الذات السالب.
وفي مجال الإرشاد المهني يعتقد الباحثون أن الوعي بمفهوم الذات المهني Vocational Self- concept يعتبر عنصرا هاما في الوعي بالذات. فالفرد مثلا يجب أن يتصور مهنة مثل التدريس على أنها مناسبة لذاته قبل أن يختارها كمهنة لذاته.
وفي مجال الإرشاد الزواجي وجدت إليانور لاكي Luckey؛ "1964" علاقة جوهرية بين مفهوم الذات الموجب وبين التوافق بين الزوجين، وأوصت أن يكون الإرشاد الزواجي ممركزا حول الشخص Person- Cenrred وليس ممركزا حول المشكلة Problem- centred.
وفي مجال الإرشاد العلاجي تأكدت الأهمية الخاصة لمفهوم الذات العام وخطورة مفهوم الذات الخاص وضرورة البوح والتصرف في محتواه المهدد، عن طريق الإرشاد والعلاج الممركز حول العميل حامد زهران، 1976".
نقد نظرية الذات:
يوجه إلى نظرية الذات بعض الانتقادات "نوردبيرج Nordberg؛ 1970".
ومن هذه الانتقادات ما يلي:
- أن النظرية لم تبلور تصورا كاملا لطبيعة الإنسان، وذلك لتركيزها الكامل على الذات ومفهوم الذات.
(1/101)

- يرى روجرز أن الفرد له وحده الحق في تحقيق أهدافه وتقرير مصيره، ولكنه نسي أن الفرد ليس له الحق في السلوك الخاطئ.
- يؤكد روجرز أن الفرد يعيش في عالمه الذاتي الخاص ويكون سلوكه تابعا لإدراكه الذاتي، أي أنه يركز على أهمية الذاتية -وهو يركز عملية الإرشاد حول العميل- وذلك على حساب الموضوعية، ويركز على الجوانب الشعورية على حساب الجوانب اللاشعورية ونسي أن الإنسان يستطيع أن يصل إلى الحقيقة الموضوعية، وأن الجوانب اللاشعورية لها أهميتها.
- يضع روجرز أهمية قليلة أو ثانوية للاختبارات والمقاييس كوسيلة لجمع المعلومات للإرشاد النفسي, واكتفى بأن أشار "كارل روجرز Rogers؛ 1946" إلى أن الاختبارات والمقاييس يمكن أن تستخدم حين يطلبها العميل، وأن المعلومات التي يحصل عليها المرشد فيها يمكن الحصول على أفضل منها عن طريق المقابلة، ونسي أن على المرشد أن يستخدم جميع الوسائل الممكنة للحصول على أكبر قدر من المعلومات لتحقق أكبر نجاح لعملية الإرشاد النفسي.
وعلى الرغم من هذه الانتقادات، فإن نظرية الذات لكارل روجرز تعتبر من أهم وأشهر نظريات الإرشاد والعلاج النفسي.
(1/102)

النظرية السلوكية BEHAVIOUR THEORY:
يطلق على النظرية السلوكية اسم "نظرية المثير والاستجابة" وتعرف كذلك باسم "نظرية التعلم".
والاهتمام الرئيسي للنظرية السلوكية هو السلوك: كيف يتعلم وكيف يتغير. وهذا في نفس الوقت اهتمام رئيسي في عملية الإرشاد التي تتضمن عملية تعلم ومحو تعلم وإعادة تعلم، والتعلم هو محور نظريات التعلم التي تدور حولها النظرية السلوكية.
مفاهيم النظرية السلوكية:
ترتكز النظرية السلوكية وتقوم على مفاهيم ومسلمات ومبادئ وقوانين تتعلق بالسلوك وبعملية التعلم وحل المشكلات، استخصلت من دراسات بحوث تجريبية معملية قام بها رواد وأصحاب هذه النظرية، وفيما يلي أهم المفاهيم وأبرز الرواد.
معظم سلوك الإنسان متعلم: من المبادئ الأساسية التي ترتكز عليها النظرية السلوكية أن معظم سلوك الإنسان متعلم، وأن الفرد يتعلم السلوك السوي، ويتعلم السلوك غير السوي، أي
(1/102)

أنه يتعلم السلوك المتوافق والسلوك غير المتوافق، ويتضمن ذلك أن السلوك المتعلم يمكن تعديله.
المثير والاستجابة Stimulus and Response: تقول النظرية: إن كل سلوك "استجابة" له مثير. وإذا كانت العلاقة بين المثير والاسجابة سليمة كان السلوك سويا والأمر على ما يرام، أما إذا كانت العلاقة بينهما مضطربة كان السلوك غير سوي والأمر يحتاج إلى دراسة ومساعدة. ونضرب مثلا في مجال المدرسة. هب أن معلما سأل تلميذا: "ما الجذر التربيعي للعدد 25؟ ". إذا أجاب التلميذ: "5"؛ فإن الاستجابة صحيحة وتعني أن الأمر على ما يرام، أما إذا أجاب "7" مثلا فالاستجابة خاطئة وتحتاج إلى بحث سبب ومصدر الخطأ، والعملية هنا عملية "هندسية بشرية". فالمعلم يبدأ في عمل مجسات سلوكية ليبحث عن سبب ومصدر الخطأ، فربما يكون الخطأ عند مصدر المثير، قد يكون هناك مؤثر خارجي كصوت سيارة غلب على صوت المعلم، وقد يكون العيب في المستقبل في أذن التلميذ فلا يسمع صوت المعلم جيدا، وقد يكون هناك نقص معرفي في معلومات التلميذ الحسابية كالجهل أو النسيان، وقد يكون هناك عيب اجتماعي فالتلميذ يرتبك عند التعبير أمام زملائه، وقد يكون العيب انفعاليا فالتلميذ يخجل أو يخاف إذا تحدث في الفصل، وهكذا يبحث المعلم كل الاحتمالات إلى أن يضع يده على سبب مصدر الخطأ حتى يساعد في تصحيحه. وهكذا ففي الإرشاد التربوي، وبالمثل في غيره من مجالات الإرشاد النفسي، لا بد من دراسة المثير والاستجابة وما بينهما من عوامل الشخصية جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا.
الشخصية: والشخصية حسب النظرية السلوكية هي التنظيمات أو الأساليب السلوكية المتعلمة الثابتة نسبيا التي تميز الفرد عن غيره من الأشخاص.
الدافع: ترتكز نظرية التعلم على الدافع Motive والدافعية Motivation في عملية التعلم. فلا تعلم دون دافع، والدافع طاقة قوية بدرجة كافية تدفع الفرد وتحركه إلى السلوك، والدافع إما أولي "موروث فسيولوجي مثل الجنس" أو ثانوي "متعلم مثل الخوف". وعن طريق التعلم يكتسب الفرد دوافع ثانوية تقوم على الدوافع الفسيولوجية الأولية. وهذه تسمى الحاجات Needs ولها صفة الدافعية وتحدد السلوك، ووظيفة الدافع في عملية التعلم ثلاثية الأبعاد: فهو يحرر الطاقة الأخرى، وهو يوجه السلوك وجهة معينة ليشبع حاجة معينة عند الفرد "أحمد زكي صالح، 1972".
(1/103)

التعزيز Reinforcement: التعزيز هو التقوية والتثبيت بالإثابة، والسلوك يتعلم ويقوى ويدعم ويثبت إذا تم تعزيزه، والتعزيز قد يكون إثابة أولية مثل إشباع دافع فسيولوجي أو لتكرار السلوك المعزز، ويرتبط مفهوم التعزيز في التعلم باسم كلارك هل Hull. ويرتبط التعزيز أيضا بالأثر الطيب، وقد وضع ثورنديك Thorndike قانون الأثر كقانون رئيسي مسئول عن علمية التعلم، ومؤداه أن الاستجابات التي لها أثر طيب تميل إلى البقاء، ويرتبط التعزيز بالاقتران الشرطي بين مثير حين يتكرر يؤدي إلى ظهور استجابة معينة. وقد أسهم إيفان بافلوف Pavlor إسهاما واضحا حين بين أهمية الاقتران الشرطي. كذلك فإن قانون التعليم الرئيسي عند جون واطسون Watson -الذي يعتبر أبا علم النفس السلوكي- هو قانون التكرار، هذا وقد ركز بورس سكينر Skinner على قيمة التعزيز وقال: إن تعلم أي سلوك يجب يقسم إلى خطوات صغيرة متتابعة وتعزز كل خطوة تتم بنجاح، وكل خطوة يجب أن يتم تعلمها بدرجة صحيحة وتعزز قبل الانتقال إلى الخطوة التالية، وبطبيعة الحال يجب أن ترتب الخطوات الواحدة تلو الأخرى بحيث تؤدي السابقة إلى اللاحقة وتعتبر إعداد لها. ويؤكد سكينر أنه من الأفضل والأكثر فعالية تعزيز التعلم الصحيح بإثابته أكثر من العقاب على التعلم غير صحيح، ويلاحظ أن النموذج الذي قدمه سكينر طبق في التعلم المبرمج وآلات التدريس وفي الإرشاد والعلاج السلوكي خاصة في المخاوف والسلوك القهري، وقد حدد سكينر أهمية مبدأ الإشراط والتعزيز في عملية الإرشاد النفسي بأنه عند تعزيز استجابة صحيحة لدى عميل "متعلم" فإنه يميل إلى تكرارها والقيام باستجابات مماثلة في المستقبل، وبتجنب العقاب والإصغاء والتقبل يعزز المرشد محاولات العميل وهو يتكلم عن سلوكه المضطرب في جو خال من التهديد.
الانطفاء Extimction: وهو ضعف وتضاؤل وخمود واختفاء السلوك المتعلم إذا لم يمارس ويعزز أو إذا ارتبط شرطيا بالعقاب بدل الثواب، ويلاحظ أن العقاب يكف السلوك لأن الفرد يحاول دائما أن يتجنبه، ويلاحظ أيضا أن الاستجابات التي لها أثر محبط تميل إلى الانطفاء.
العادة Habit: وهي رابطة تكاد تكون وثيقة بين مثير واستجابة، والعادات معظمها مكتسب وليس التعلم وتكرار الممارسة ووجود رابطة قوية بين مثير واستجابة، والعادات معظمها مكتسب وليس موروثا، ونحن نعرف أن كل ما هو متعلم له أساس من الاستعداد الوراثين والتعلم هو الذي يظهر هذا الاستعداد فمثلا الإنسان يولد ولديه استعداد موروث للكلام، فإذا تعلم الكلام تكلم
(1/104)

لأنه عنده الاستعداد الموروث، وإذا لم يتعلم لن يتكلم رغم أن عنده الاستعداد للكلام، أما الحيوان الذي ليس لديه استعداد موروث لأن يتكلم فلا يمكن تعليمه الكلام.
التعميم Generalization إذا تعلم الفرد استجابة، وتكرر الموقف فإن الفرد ينزع إلى تعميم الاستجابة المتعلمة على استجابات أخرى تشابه الاستجابة المتعلمة، وإذا مر الفرد بخبرات في مواقف محدودة فإنه يميل إلى تعميم حكم يطبقه على المواقف الأخرى بصفة عامة.
التعلم ومحو التعلم وإعادة التعلم: التعلم Learning هو تغير السلوك نتيجة للخبرة والممارسة، ومحو التعلم Delearning يتم عن طريق الانطفاء. وإعادة التعلم Relearning تحدث بعد الانطفاء بتعلم سلوك جديد، وهذه السلسلة من عمليات التعلم تحدث في التربية والإرشاد والعلاج النفسي وحتى في عملية غسيل المخ Brain Washing أي محاولة محو ما تعمله الفرد ثم إعادة تعليمه من جديد.
(1/105)

تطبيقات النظرية السلوكية في الإرشاد النفسي:
تفسر النظرية السلوكية المشكلات السلوكية: بأنها أنماط من الاستجابات الخاطئة أو غير السوية المتعلمة بارتباطها بمثيرات منفرة، ويحتفظ بها الفرد لفاعليتها في تجنب مواقف أو خبرات غير مرغوبة "أوزيبو ووالش Osipow & Walsh؛ 1970".
ويركز الإرشاد النفسي على ما يأتي:
- تعزيز السلوك السوي المتوافق.
- مساعدة العميل في تعلم سلوك جديد مرغوب والتخلص من سلوك غير مرغوب، ومساعدته في تعلم أن الظروف الأصلية قد تغيرت أو يمكن تغييرها بحيث تصبح الاستجابات غير المرغوبة غير ضرورية لتجنب المواقف غير السارة التي سبق أن ارتبطت بها. فمثلا يمكن تخليص العميل من أفكار وسواسية أو سلوك قهري كان يقوم به لتجنب أفكار مثيرة للشعور بالذنب.
- تغيير السلوك غير السوي أو غير المتوافق وذلك بتحديد السلوك المراد تغييره والظروف والشروط التي يظهر فيها والعوامل التي تكتنفه وتخطيط مواقف يتم فيها تعلم ومحو تعلم لتحقيق التغير المنشود، ويتضمن ذلك إعادة تنظيم ظروف البيئة بما يؤدي إلى تكوين ارتباطات شرطية جديدة فيما يتعلق بمشكلات العميل وأغراضه، وهذا يتطلب فصل المشكلة وتخطيط مواقف تعلم تؤدي إلى إزالة الأغراض وتعديل السلوك وحل المشكلة "جودشتين Good stein؛ 1965".
- الحيلولة بين العميل وبين تعميم قلقه على مثيرات جديدة.
- ضرب المثل الطيب والقدوة الحسنة سلوكيا أمام العميل عله يتعلم أنماطا مفيدة من السلوك عن طريق محاكاة المرشد خلال الجلسات الإرشادية المتكررة "جين وارترز Warters؛ 1964".
(1/106)

ومن أبرز من أسهم في تطبيق النظرية السلوكية في مجال الإرشاد والعلاج النفسي جون دولارد ونيل ميلر Dollard & Miller؛ "1950"، فهما اللذان زاوجا بين النظرية والتطبيق العلمي، وهما يقبلان استخدام مفاهيم وأساليب التحليل النفسي مثل مفهوم الصراع والعمليات اللاشعورية ولكنهما يصوغانها في مصطلحات نظرية التعلم الشرطي. وهما يعتبران السلوك العصابي سلوكا ناتجا عن صراع انفعالي عنيف مثل الذي يحدث عندما يدفع الخوف الفرد إلى تجنب استجابة تتعارض مع استجابة هادفة، وعندما تتوقف الاستجابة الهادفة بسبب الخوف يقل الخوف، ومن ثم يعزز السلوك التجنبي، ولكن التوتر الذي يسبق الدافع لا ينخفض، ويحاول الفرد مرة ثانية سلوكا يقربه من الهدف، وهذا يثير الخوف مرة أخرى ويسبب إيقاف الاستجابة نحو الهدف مرة أخرى. ولما كان إيقاف الاستجابة يقلل الشعور القوي بالخوف فإن الحافز نحو الهدف يكبت. وعلى الرغم من أن الحافز للسلوك قد يكتب بهذه الطريقة، فإن الدوافع غير المشبعة تبقى قوية، ويظل الفرد مشغولا مضطربا بسبب الأفكار التي تصحب ذلك. ويؤدي الخوف والدوافع غير المشبعة لدى الفرد إلى ظهور أعراض عصابية في شكل خوف ووسواس وقهر وما شابه ذلك كوسيلة للتخلص من الخوف وإشباع الدافع مؤقتا "ولو بطريقة مرضية". وبمرور الوقت فإن الأعراض تعزز، وحيث أن الكبت يعفي الفرد من التعبير عن مشاعره فإنه لا يستطيع أن يحدد أو يتعرف على أسباب الأعراض العصابية في سلوكه، وحتى لا يحدث تعزيز الخوف، ولكي ينطفئ بدلا من ذلك، فإن الإرشاد أو العلاج النفسي يجب أن يهيئ مناخا نفسيا صحيا بدلا من المناخ السيئ الذي كان في الخوف والخجل والشعور بالإثم مرتبطا بكلمات معينة ثم عمم منها. ويعزز المرشد استجابة العميل عندما يتكلم وهو قلق بتمام إصغائه وتقلبه وفهمه ومشاركته الوجدانية وإتاحة الحرية ومساعدة العميل على استعادة ذكرياته والتخلص من قلقه وخوفه، وانطفاء الخوف يساعد على أن يصبح أكثر نشاطا وابتكارا وأن يعي ويستخدم قدراته في تعامله مع العالم المحيط به.
ويطلق على تطبيق النظرية السلوكية عمليا في ميدان الإرشاد النفسي اسم "الإرشاد السلوكي" Behavioural Counselling. وفي ميدان العلاج النفسي اسم "العلاج السلوكي" Bevhaviour Therapy. ومن ألمع الأسماء في هذا المجال يوسف فولب Wolpe؛ "1985" وقد حرر جون كرومبولتز Krumblots "1966" كتابا عن الإرشاد السلوكي بعنوان "ثورة في الإرشاد النفسي" Revolution in Couselling.
وفي الإرشاد السلوكي -كما سنرى في الفصل السابع- نجد أن خطوات عملية الإرشاد
(1/107)

تبدأ بتحديد السلوك المطلوب تعديله، ثم تحديد الظروف التي يحدث فيها السلوك المضطرب، ثم تحديد العوامل المسئولة عن استمرار السلوك المضطرب، ثم اختيار مجموعة من الظروف التي يمكن تعديلها أو تغييرها، ثم إعداد جدول لإعادة التعلم.
ويوجد عدد من أساليب الإرشاد السلوكي منها: التخلص من الحساسية أو التحصين التدريجي، والكف المتبادل، والإشراط التجنبي، والتعزيز الموجب "الثواب"، والتعزيز السالب، والخبرة المنفرة "العقاب"، وتدريب الإغفال "الانطفاء" والممارسة السالبة.
نقد النظرية السلوكية:
رغم أن النظرية السلوكية تعتبر نظرية تجريبية موضوعية وظيفية في تفسير السلوك يوجه إليها بعض الانتقادات أهمها:
- يصر أصحاب النظرية السلوكية على أن السلوك الملاحظ الظاهري الموضوعي فقط هو الذي يوضع في الاعتبار من الناحية العلمية.
- تتغاضى النظرية السلوكية عن النظر للفرد ككل وتهمل العناصر الذاتية في السلوك.
- المفاهيم الأساسية للنظرية السلوكية لا تتفق كثيرا مع المفاهيم النظرية والتكوينات الفرضية التي توجد في النظريات الأخرى مثل نظرية التحليل النفسي "كما سيأتي ذلك بعد قليل".
- يتحمس الكثيرون للنظرية السلوكية ويعتبرون أن الإرشاد والعلاج السلوكي في ضوء نظرية التعلم هو الإرشاد والعلاج العلمي الذي يفضل كل ما عداه من الطرق ويطلقون عليه "علاج التعلم" Learnign Therapy وكأن غيره من طرق العلاج لا تتضمن تعلما.
- يقول البعض: إن من أكبر عيوب النظرية السلوكية أن معظم دلائلها العلمية والتجريبية الأصلية مبنية على البحوث على الحيوان أكثر منها على الإنسان.
- يركز الإرشاد السلوكي الذي يقوم على أساس النظرية السلوكية على إزالة الأعراض في حد ذاتها بدلا من الحل الجذري للسلوك المشكل عن طريق التعرف على أسبابه الدينامية وإزالتها، وبذلك قد يكون وقتيا وعابرًا "نوردبيرج Nordberg؛ 1970".
(1/108)

نظرية المجال FIELD THEORY:
ترتبط نظرية المجال في علم النفس باسم كيرت ليفين Lewin. ولقد ظهر أول تأثير لنظرية في الطبيعة على علم النفس في علم نفس الجشطلت Gestalt Pyschology على
يد فيرتايمر Wertheimer وكوهلر Kohler وكوفكا offka. والفكرة الأساسية فيه أن إدراك موضوع ما يحدده المجل الإدراكي الكلي الذي يوجد فيه، وأن الكل ليس مجرد مجموع أجزاء، وأن الجزء يتحدد بطبيعة الكل، وأن الأجزاء تتكامل في وحدات كلية، ونحن نعرف أن بعض علماء النفس مثل السلوكيين يحاولون تحليل السلوك إلى بسط مكوناته مثل المثير والاستجابة، ولكن الجشطلتيين ينكرون مثل هذه "الذرة النفسية" التي يتكون منها السلوك.
وتؤكد نظرية المجال لكيرت ليفين أن السلوك هو وظيفة المجال الذي يوجد في الوقت الذي يحدث فيه السلوك ونتيجة لقوى دينامية محركة، ويبدأ التحليل بالموقف ككل، ومن الموقف الكلي تتمايز الأجزاء المكونة. ويؤكد ليفين أهمية قوى المجال الدينامية التي تسهم في تحديد السلوك، ويعرف المجال بأنه جماع الوقائع الموجودة معا والتي تدرك على أنها تعتمد على بعضها البعض الآخر. "هول وليندزي، 1971".
مفاهيم نظرية المجال:
يرسم ليفين خريطة عقلية معرفية توضح نظرية المجال ومفاهيمها الأساسية، وفيما يلي أهم مفاهيم نظرية المجال:
الشخص: الشخص هو كيان محدد محدود داخل المجال الخارجي الأكبر منه، والشخص له خاصيتان هما "الفصل" عن المجال و"الوصل" مع المجال. وبمعنى آخر "التفاضل أو التمايز" و"التكامل" أي أن الشخص يكون منفصلا عن المجال الكلي الأكبر. ومندمجما في نفس الوقت داخل هذا المجال الكلي، وهذا هو واقع الشخص الذي يمثل جلده حدودا واضحة تفصله عن المجال الخارجي الذي يتحرك فيه والذي يكون في نفس الوقت جزءا منه، ويذهب ليفين إلى أن بناء الشخص بناء متفاضل متمايز أي ينقسم إلى أجزاء منفصلة ومتصلة في نفس الوقت.
المجال النفسي: يوجد الشخص في المجال نفسي أو بيئة نفسية خارج حدوده. ويحدث تفاعل بين الشخص ومجاله النفسي. وهما -أي الشخص والمجال النفسي- يعتمدان على بعضهما البعض داخل "حيز الحياة".
حيز الحياة: Life Space حيز الحياة هو المجال النفسي الكلي الذي يحتوي على مجموع الوقائع الممكنة، التي تحدد سلوك الشخص في وقت محدد مثل حاجاته وخبراته وإمكانات سلوكه كما يدركه، أي أن السلوك هو وظيفة حيز الحياة، ويحيط بحيز الحياة "غلاف غريب" لا حدود
(1/109)

له، فيه وقائع غير نفسية تؤثر في البيئة النفسية في حيز الحياة فتؤثر بدورها في الشخص وقد أطلق عليه ليفين اسم "العالم المادي" أي أن الحدود الفاصلة بين حيز الحياة والعالم الخارجي تتسم بخاصية "النفاذية" فقد تغير واقعة من وقائع العالم المادي مسار الأحداث في حيز الحياة في المجال النفسي للشخص، ونحن نجد ذلك في الحياة اليومية، فقد يؤدي لقاء عارض أو حديث تليفوني غير متوقع أو حادث سيارة مفاجئ إلى تغيير مجرى حياة الشخص، كذلك فإن الحدود الفاصلة بين الشخص وبين المجال النفسي لها خاصية النفاذية، أي أن وقائع المجال النفسي يمكن أن تؤثر في الشخص، كما أن الوقائع الشخصية يمكن أن تؤثر في المجال النفسي.
المجال الموضوعي: المجال الموضوعي أو البيئة الموضوعية يضم كلا الإمكانات التي تخرج من المجال السلوكي للشخص والتي ليست في حيز الحياة، وهذا المجال الموضوعي رغم أنه ليس جزءا من حيز الحياة فإنه يؤثر على الفرد. ومثال ذلك نظام التعليم في الدولة الذي يخرج من حيز حياة التلميذ ولكنه يؤثر عليه لأنه يحدد نوع التعليم الذي يتلقاه في المدرسة.
المناطق: ينقسم المجال الكلي إلى مناطق، وتحتوي كل منطقة على وقائع Facts والذي يحدد عدد المناطق هو عدد الوقائع النفسية المنفصلة التي توجد في أي وقت معين، وقد تكون هناك واقعتان فقط هما الشخص والمجال فتكون هناك منطقتان رئيسيتان فقط في حيزة الحياة. وإذا احتوى المجال على واقعتين هما واقعة العمل وواقعة اللعب تنقسم المجال إلى منطقتين فرعيتين واحدة للعمل وأخرى للعب، وإذا كان هناك أنواع مختلفة من وقائع العمل مثل واقعة العمل الحكومي وواقعة العمل الحر تنقسم منطقة العمل إلى منطقتين جزئيتين، وهكذا بالنسبة لمنطقة اللعب، وبالنسبة للشخص قد يحتوي على واقعتين هما واقعة التوتر وواقعة الفزع، يتحدد عدد المناطق في الشخص بعدد الوقائع الشخصية الموجودة فعلا. وتسمى الوقائع الأساسية للمنطقة الشخصية الداخلية باسم "الحاجات".
الاتصال بين المناطق: وهنا حدود بين المناطق من خصائصها "النفاذية" وتبادل الاتصال، وتتصل المناطق عن طريق الاتصال بين الوقائع الواقعة في كل منها بالأخرى، ويحدث بينها تفاعل وتأثير متبادل ينتج عنه "حدث" Event فالكتاب واقعة والشخص واقعة بينما قراءة الشخص في الكتاب حدث ويتوقف مدى اتصال المناطق على عاملين هما: عامل "القرب البعد"، وعامل "المرونة الجمود" ومعنى ذلك أن الحدود بين المناطق قد تكون قابلة للنفاذية.
(1/110)

بدرجة كبيرة وقد تكون جامدة مقاومة للنفاذية، ويتأثر مدى الاتصال -وبالتالي التأثير المتبادل- بين حيز الحياة والعالم الخارجي بصلابة أو ضعف الحدود الفاصلة بينهما. فإذا كانت الحدود صعبة النفاذية كان الاتصال والتأثير المتبادل صعبا وضئيلا، ويكون الشخص متوقعا داخل مجاله النفسي واتصاله بالواقع المادي ضئيلا كما في حالة الفصام، وإذا كنت الحدود سهلة النفاذية كان الاتصال والتأثير المتبادل سهلا ووثيقا. كذلك يتأثر مدى الاتصال بالتالي التأثير المتبادل بين الشخص والمجال النفسي بصلابة أو ضعف الحدود الفاصلة بينهما، فإذا كانت الحدود صعبة النفاذية كان التأثير المتبادل بين الشخص ومجاله النفسي صعبا وضئيلا وكان الشخص معزولا عن مجاله، وإذا كانت الحدود سهلة النفاذية كان التأثير المتبادل بين الشخص وبين مجاله النفسي سهلا ميسورا. ويلاحظ أن نظام الاتصال بين المناطق يمثل مواقف مؤقتة متغيرة دائما، فمن الممكن أن يضعف حد صلب ويتصلب حد ضعيف، أي أن من الممكن أن تقترب منطقتان بعيدتان وتبتعد منطقتان قريبتان. ومن الممكن أن يتحول وسط مرن إلى وسط جامد وبالعكس. وعلى هذا فإن الواقع النفسي يتغير دائما. ومن ثم فإن ليفين لا يثق في السمات الثابتة أو العادات الجامدة في الشخصية.
الشخص في المجال: الشخص والمجال الكلي أو البيئة الكلية يعتمدان بعضهما على بعض. وهما معا يكونان نظاما يتكون من أجزاء رئيسية وأجزاء فرعية تؤثر باستمرار في بعضها البعض، وموضع الشخص في مجاله النفسي قد يتفق وقد يختلف عن موضعه في مجاله المادي، فقد يكون من الناحية المادية جالسا في حجرة الدراسة في حين يكون من الناحية النفسية في ملعب الكرة وعلى هذا لا يؤثر فيه الوقائع الموجودة في حجرة الدراسة مثل شرح المعلم.
الحركة والاتصال: من الخواص الهامة للمجال النفسي أنه يحدث بداخله حركة واتصال دائما من وإلى وبين المناطق المختلفة. وتحدث الحركة والاتصال كنتاج للتفاعل بين الوقائع، فالحدث دائما نتيجة تفاعل أي حركة واتصال بين واقعتين أو أكثر، وقد أطلق ليفين على هذا اسم "مبدأ الارتباط".
إعادة بناء حيز الحياة: عن طريق الحركة والاتصال ونتيجة للتفاعل بين الوقائع يتغير بناء حيز الحياة. وفي حيز الحياة قد يتزايد عدد المناطق أو يتناقص حسب زيادة أو نقصان الوقائع. وقد يتغير وضع المناطق بالنسبة لبعضها البعض، فقد تقترب منطقتان كانتا بعيدتين عن بعضهما البعض، وقد تبتعد منطقتان كانتا قريبتين من بعضهما البعض. وقد يطرأ التغير على الحدود، فقد يتغير حد مرن إلى جامد أو حد جامد إلى مرن. وقد تتحول منطقة مرنة إلى منطقة جامدة أو منطقة جامدة إلى مرنة، وهكذا يمكن استغلال هذه التغيرات المحتملة في إعادة بناء حيز الحياة.
(1/111)

الواقع: تحدث ليفين عن مفهوم الواقعية واللاواقعية. فالواقعية تتضمن حركات فعلية، واللاواقعية تتضمن حركة تخيلية أو وهمية. فمثلا يستطيع الشخص أن يحل مشكلة حلا واقعيا في إطار الواقع، وقد يحلها حلا لا واقعيا في حلم يقظة.
الزمن: يذكر ليفين أن السلوك الحادث لا يتأثر بالماضي أو الحاضر، ويقرر أن الوقائع الحاضرة وحدها هي التي تستطيع أن تحدث سلوكا حاضرا. أما الوقائع الماضية فلا تؤثر في الحاضر، فوقائع الطفولة لا تؤثر على سلوك الراشد ما لم يظل وجودها مؤثرا طوال رحلة النمو من الطفولة إلى الرشد. وعلى ذلك فإن اتجاهات الشخص ومشاعره وأفكاره الباقية عن الماضي والحاضر وآمال المستقبل قد يكون لها تأثير على سلوكه الحاضر، ولذلك فإنه يجب تمثيل الحاضر بوصفه محتويا على الماضي النفسي وعلى المستقبل النفسي.
ديناميات الشخصية: يشبه ليفين بناء حيز الحياة بالخريطة الجغرافية. فالخريطة الجيدة تحتوي على جميع المعلومات التي يحتاج إليها الشخص لمعرفة الطريق، كذلك فإن البناء الجيد لحيز الحياة أي الشخص ومجاله لا بد أن يحتوي على الوقائع التي تلزم لتفسير السلوك المحتمل للشخص. ولكن كما أن الخريطة لا تحدد أي طريق سيسلكه الشخص، كذلك فإن بناء حيز الحياة لا يحدد كيف سيسلك الشخص بالفعل، ويحدد ليفين خمسة مفاهيم رئيسية في دينامية الشخصية هي:
- الطاقة: يفترض ليفين أن الشخص نظام معقد من الطاقة. والطاقة التي تقوم بالأعمال النفسية هي "الطاقة الشمسية" وهي غير الطاقات الأخرى. وتنطلق الطاقة النفسية عندما يحاول الجهاز النفسي "الشخصي" العودة إلى التوازن حين تطرأ عليه حالة انعدام التوازن الذي ينتج عن التوتر في جزء من أجزاء الجهاز النفسي سواء كان ذلك نتيجة تنبيه خارجي أو تغير داخلي. وعندما يزول التوتر ويتم التوازن داخل الجهاز النفسي يتوقف توليد الطاقة وتسود الراحة.
- التوتر: وهو حالة يكون عليها الشخص نتيجة نقص التوازن، ومن خواص التوتر أن حالة التوتر في منطقة معينة تتجه إلى العبور إلى المناطق المجاورة إلى أن توجد حالة من تساوي التوتر داخل النظام الكلي، ومن خواص التوتر أيضا أنه إذا كانت الحدود بين المناطق صلبة فإن عبوره يكون صعبا ومعوقا، أما إذا كانت الحدود ضعيفة فإن التوتر ينتقل بسهولة وسرعة من منطقة إلى بقية المناطق.
- الحاجة: يسبب ازدياد التوتر في منطقة شخصية استثارة الحاجة التي تكون فسيولوجية
(1/112)

كالجنس أو نفسية كتأكيد الذات. فالحاجة مفهوم دافعي كالدافع أو الباعث. ويؤكد ليفين أن حاجات الشخص تحددها كبير العوامل الاجتماعية. يلاحظ أن مفهوم الحاجة هو المفهوم الذي يربط بين جميع المفاهيم الدينامية الأخرى. فالحاجة تطلق القوة وتزيد التوتر، وتعطي القيمة. إنها المفهوم الرئيسي أو المركزي الذي تنتظم حوله المفاهيم الأخرى.
- القيمة: ويقصد بها قيمة منطقة في المجال النفسي عند الشخص، وهناك نوعان من القيمة: قيمة إيجابية، وقيمة سلبية. وتحديد القيمة أمر ذاتي من وجهة نظر الشخص نفسه. والمنطقة التي يضفي عليها الشخص قيمة إيجابية، هي التي تحتوي على موضوع يخفض التوتر ويشبع الحاجة مثل المنطقة التي تحتوي على طعام بالنسبة للشخص الجائع، يكون لها قيمة إيجابية ولها خاصية الجاذبية. أما المنطقة التي يضفي عليها الشخص قيمة سلبية فهي التي تحتوي على موضوع يزيد التوتر ويهدد بالأذى، مثل المنطقة التي تحتوي على حيوان مخيف بالنسبة للشخص الذي يخاف هذا الحيوان، ويكون لها قيمة سلبية ولها خاصية الطرد.
- القوة الموجهة Vector: يحدث التحرك عندما تؤثر قوة موجهة على الشخص، وتتسق القوة مع الحاجة. وترسل القوة الموجهة دائما خارج الشخص وليس بداخله، وذلك أن القوى النفسية من خصائص المجال وليست من خصائص الشخص. وإذا كانت هناك قوة موجهة واحدة فقط تؤثر على الشخص كانت هناك حركة في وجهة القوة الموجهة، أما إذا كانت هناك قوتان موجهتان أو أكثر فإن الحركة الناتجة تكون محصلة هذه القوى مجتمعة.
التحرك: يتحرك الشخص خلال مجاله النفسي مدفوعا بحاجة تطلق الطاقة وتستثير التوتر وتضفي قيمة إيجابية على المنطقة التي فيها ما يشبع هذه الحاجة، فيتحرك الشخص نحو منطقة إشباع الحاجة، وقد تكون الحدود بين المناطق سهلة العبور فيتحقق الإشباع ويزول التوتر. وقد تكون الحدود صعبة العبور تحول دون الإشباع فيحاول الشخص اتخاذ ممرات جانبية للحركة نحو الهدف وهو إشباع الحاجة. فمثلا الشخص الجائع تكون لديه حاجة إلى الطعام ويكون الهدف هو إشباع هذه الحاجة بوجبة غذاء. وهذه الحاجة تطلق الطاقة وتستثير التوتر في منطقة شخصية داخلية وتوجه وتحرك الشخص نحو الطعام. وقد يكون التحرك سهلا ومباشرا نحو الهدف، وقد يكون صعبا ومعوقا فيحاول الشخص اتخاذ ممر جانبي للتحرك نحو الهدف. وهكذا يمكن تفسير التحرك في ضوء مفاهيم الحاجة والتوتر والقيمة والقوة.
(1/113)

تغير البناء الدينامي للمجال النفسي: يمكن تغيير أو إعادة بناء دينمايات المجال النفسي بإحداث تغييرات في المناطق وخصائصها والحدود بنيهما وفي القوى في المجال النفسي ومن الأمثلة في الحياة العملية تغير البناء الدينامي للمجال النفسي عند اكتشاف حل جديد لمشكلة أو تذكر حدث منسي أو إدراك شيء جديد من المجال لم يكن مدركا من قبل أو اقتحام عوامل غريبة من العالم المادي للمجال النفسي. هذا ويمكن تغيير أو إعادة بناء ديناميات المجال النفسي بالطرق الآتية:
- تغيير قيمة المنطقة كميا كأن تتحول من منطقة أقل إيجابية إلى منطقة أكثر إيجابية، وتغيير قيمتها كيفيا كأن تتحول من منطقة إيجابية إلى منطقة سلبية.
- تغيير شدة القوى الموجهة أو تغيير وجهتها أو تغيير شدتها ووجهتها معا.
- تغيير الحدود الفاصلة بين المناطق لتصبح أكثر صلابة أو أكثر ضعفا أو تظهر حدودا جديدة أو تخفي حدودا قائمة.
- تغيير الخصائص المادية للمنطقة، من المرونة، إلى الجمود أو العكس.
فقد التوازن: وفقد التوازن أو انعدام التوازن هو حالة عدم تساوي التوتر داخل المناطق المختلفة للشخص، وارتفاع التوتر في النظام كله وتزايد الضغط الواقع، على الحدود الفاصلة بين المنطقة الشخصية الداخلية، وبين المنطقة الإدراكية الحركية. وإذا تكرر هذا مرارا وتراكم التوتر الداخلي واشتد لدرجة لا تتحمله حدود المنطقة الشخصية الدخلية، ويحدث اندفاع مفاجئ للطاقة في المنطقة الإدراكية الحركية يؤدي إلى حدوث سلوك هياجي.
العودة إلى التوازن: إن الهدف النهائي لجميع العمليات النفسية هو إعادة الشخص إلى حالة التوازن. وللعودة إلى حالة التوازن عدة طرق يقوم بها الشخص في المجال النفسي منها:
- تحرك مناسب في المجال النفسي يؤدي إلى منطقة إشباع الحاجة وتحقيق الهدف. فالشخص المتوتر لأنه جائع يؤدي حصوله على الطعام إلى إزالة التوتر وإشباع الحاجة والعودة إلى التوازن.
- تحرك بديل يؤدي إلى خفض التوتر والعودة إلى التوازن. ويتحقق هذا في حالة وجود اعتماد متبادل وثيق بين حاجتين بحيث يؤدي إشباع أحدهم إلى إزالة التوتر المصاحب للحاجة الأخرى.
- تحرك خيالي يؤدي إلى خفض التوتر، وهذا ما يحدث في أحلام اليقظة.
نمو الشخصية: تناول ليفين بعض التغيرات السلوكية التي تحدث خلال النمو. ويقول إن هذه التغيرات تنتج عن التنوع في نشاطات الشخص وانفعالاته وحاجاته ومعلوماته وعلاقاته
(1/114)

الاجتماعية التي تتزايد مع نموه، ومع النمو يتزايد تنظيم نشاطات الشخص وفي نفس الوقت يتزايد التعقيد الذي يطرأ عليه. وتمتد مناطق النشاط مع النمو فيستطيع الشخص القيام بسلوك جديد لم يكن ممكنا من قبل. ومع النمو أيضا يزداد الاعتماد المتبادل للسلوك بمعنى حدوث تكامل بين الأفعال المستقلة في شكل سلوك كلي. وتزداد درجة الواقعية واتجاه الشخص نحو الواقع والحقيقة. ويزداد التفاضل أو التمايز في جميع جوانب المجال النفسي مع النمو، ويزداد التفاضل والتمايز بين الماضي والحاضر والمستقبل، وبين الواقع واللاواقع، وبين الحقيقة والخيال، وبين الإمكان والاحتمال، ومع النمو يتزايد عدد الحدود الفاصلة بين المناطق وتختلف من حيث القوة، وتصبح الحدود بين الشخص ومجاله النفسي أقوى من ذي قبل، ويقل تأثير المجال على الشخص عن ذي قبل. ومع النمو يزداد التكامل في السلوك، ويرى ليفين أن النمو عملية مستمرة يصعب تقسيمها إلى مراحل منفصلة، ولكنه يقول إن تغيرات ارتقائية هامة تحدث في حوالي سن الثالثة، وأن فترة من الاستقرار النسبي تعقبها حتى المراهقة التي تعتبر مرحلة إعادة التنظيم الدينامي. ويتم النضج والاستقرار في الرشد. ويشير ليفين إلى أن النكوص Regression قد يحدث في النمو. ويعني بالنكوص تغير السلوك إلى شكل أكثر بدائية بصرف النظر عما إذا كان الشخص نفسه قد مارس هذا السلوك فيما مضى. ويشير أيضا أن الارتداد Retrogression قد يحدث في النمو، ويعني بالارتداد العودة إلى شكل مبكر من أشكال السلوك في تاريخ حياة الشخص. ويقول ليفين إن الإحباط هو أحد العوامل الهامة التي تؤدي إلى النكوص والارتداد. وهكذا فمع تزايد النمو والنضج يتزايد تمايز كل من الشخص والمجال النفسي، ويكون ارتقاء السلوك وظيفة للشخص والمجال النفسي.
تطبيق نظرية المجال في الإرشاد النفسي:
لم يكتب كيرت ليفين مباشرة عن تطبيق نظرية المجال في الإرشاد النفسي، ولكنه طبق مفاهيم نظريته على دراسة السلوك في الطفولة والمراهقة، وديناميات الجماعة، وحل الصراع الاجتماعي، ومشكلات جماعات الأقليات، وإعادة التعلم. وهذا يرتبط بطريق غير مباشر بالإرشاد النفسي.
وقد حاول بعض علماء مدرسة الجشطلت تطبيق نظرية المجال في ميدان الإرشاد والعلاج النفسي، ومن هؤلاء بيرلز Perls الذي استخدم مصطلح علاج الجشطلت Gestalt Therapy منذ سنة 1951.
(1/115)

ومن أهم تطبيقات نظرية المجال في الإرشاد النفسي ما يلي:
عند الاستقصاء عن أسباب الاضطرابات والمشكلات النفسية يوجه الاهتمام إلى أمور هامة مثل:
- شخصية العميل وخصائصها المرتبطة بالاضطراب والمسببة له.
- خصائص حيز الحياة الخاص بالعميل في زمن حدوث الاضطراب.
- أسباب اضطرابه شخصيا وبيئيا مثل الإحباطات والعوائق المادية والحواجز النفسية التي تحول دون تحقيق أهدافه، والصراعات وما قد يصاحبها من إقدام وهجوم غاضب أو إحجام وتقهقر خائف.
ينظر إلى أعراض الاضطراب والمرض النفسي في مجال له عدة مكونات منها:
- مجال الفرد عن بدء ردود الفعل للاضطراب أو المرض.
- مجال البيئة المادي والثقافي والاقتصادي ... إلخ.
- مجال المرشد أو المعالج وتأثيره.
- مجال طريقة الإرشاد نظريا وعمليا.
في عملية الإرشاد والعلاج تؤكد نظرية المجال ما يلي:
- أهمية تغيير الإدراك؛ لأن طبيعة ما يدركه الشخص تقرر بحالة مجاله الإدراكي ولأن سلوكه الشخصي هو وظيفة لحالة مجاله الإدراكي أثناء لخطة الإدراك، والإدراك يتأثر بعوامل الوقت إذ يجب أن يكون التعرض للموقف كافيا حتى يسمح للحواس بالقيام بوظيفتها بكفاءة، وتؤثر قيم الشخص وأهدافه على إدراكه، وهو يدرك عادة ما يرغب في إدراكه أو ما تدرب على إدراكه. ويلعب الإغلاق "أي ميل الخبرة الجزئية لإكمال نفسها" دورا هاما في تضييق مجال الإدراك ويدفع الشخص إلى الاحتفاظ بتكامل تنظيم شخصيته باللجوء إلى حيل الدفاع النفسي المختلفة، وهكذا تحتاج عملية الإرشاد إلى تغيير الإدراك.
- أهمية مساعدة العميل لجعل العوائق الموجودة في شخصية أكثر مرونة. ومعنى هذا جعلها أقل جمودا مما هي عليه، ومساعدته في وضع أهداف حياة ومستويات طموح واقعية حتى لا
(1/116)

يتعرض للإحباط، ومساعدته في توسيع مجال حياته حتى تتوافر لديه المرونة، ومساعدته على التقليل من جمود العوائق التي تحول بينه وبين تحقيق أهدافه.
- أهمية تغيير مفاهيم الفرد واتجاهاته: وهذا يتطلب تغييرا في ثقافته وفي قيمه، وبالتالي يتطلب بدوره -من بين أشياء أخرى- تهيئة جو تتاح فيه حرية الاختيار مما يتيح تحقيق الهدف.
- أهمية التغيير خطوة خطوة Step by Step في إعادة التعليم؛ حيث ينظر إلى هذه الخطوات في إطار تغير تدريجي.
-أهمية الاستبصار Insight في التعليم. وفيه يؤدي البحث عن حل المشكلة إلى إعادة تكوين المجال وإعادة تنظيم المعلومات مما يؤدي إلى حل يبدو وكأنه يأتي فجاة، ويتم التوصل إلى الاستبصار في الإرشاد والعلاج النفسي بمساعدة المرشد للعميل على استرجاع خبراته الماضية وتنظيم خبراته الحاضرة وتعديل مجاله الإدراكي حتى يتم التوصل إلى الحل، ويتطلب الوصول إلى حل بالاستبصار "تلقائيا وفجأة" إلى فترة "حضانة" تستغرق بعض الوقت.
نقد نظرية المجال:
قدمت نظرية المجال العديد من المفاهيم الهامة التي أفادت في ميدان الإرشاد النفسي، فقد تزايد الانتباه إلى أهمية المجال النفسي للشخص، وإلى تأثير العوامل غير النفسية في حيز الحياة، ونظرية المجال نظرية شاملة متعددة الأبعاد تتناول شبكة من التغيرات المتفاعلة وليس مجرد أزواج من المتغيرات المسرفة في التبسيط كما في نظرية "المثير والاستجابة" ولقد ساعدت نظرية المجال على جعل الإطار المرجعي الذاتي للشخص يحظى بالاحترام العلمي في وقت كانت فيه الموضوعية المفرطة هي الصوت الغالب في علم النفس الذي ركز على الأفعال المنعكسة الشرطية والتعلم الارتباطي الشرطي بين المثير والاستجابة، ولقد رفعت نظرية المجال الإنسان إلى مرتبطة الإنسانية بوصفه مجالا معقدا من الطاقة تحركه قوى نفسية ولديه حاجات نفسية وله أهداف وآمال ومطامح وله القدرة على الاختيار والابتكار، بعد أن كادت السلوكية تنجح في خفض الإنسان إلى مستوى الآلة التي تستجيب آليا للمثير وتدفعها محركات فسيولوجية كآلة مجردة من التلقائية والابتكار والحيوية، يكاد يصدق عليها ما يصدق على الكلاب والقطط والفئران. كذلك فإن نظرية المجال أدت إلى إجراء البحث في السلوك الإنساني كما يعبر عنه في مجال نفسي إجماعي، وهذا جعل نظرية المجال تحظى بمنزلة مرموقة في علم النفس المعاصر.
(1/117)

وعلى الرغم من هذا يوجه إلى نظرية المجال انتقادات أهمها:
- استخدام تصويرات معقدة لمواقف نفسية بسطية.
- عدم وضع قوانين محددة تلخص النظرية.
- عدم إمكان التنبؤ بالسلوك في ضوء النظرية.
- إهمال التاريخ الماضي للفرد على أساس أن السلوك يعتمد على الحاضر أكثر من اعتماده على الماضي أو المستقبل، على الرغم من أن التفسير الكامل للسلوك الراهن والتنبؤ بالسلوك في المستقبل يتطلب إطارا مرجعيا تاريخيا.
- إساءة استخدام المفاهيم الطبيعية والرياضية مثل مفهوم القوة الموجهة والقيمة والتوتر وغيرها، وعدم صياغتها صياغة كاملة مما جعل البعض يفهمونها بمفهومها الطبيعي والرياضي.
(1/118)

نظرية السمات والعومل TRAIT AND FACTOR THEORY:
ترجع أصول نظرية السمات والعوامل إلى علم النفس الفارق ودراسة وقياس الفروق الفردية، وتستند هذه النظرية إلى دأب علماء النفس وخاصة المهتمين بدراسة سيكولوجية الشخصية على تحديد سمات الشخصية وتحليل عواملها سعيا لتصنيف الناس والتعرف على السمات والعوامل التي تحدد السلوك والتي يمكن قياسها وتمكن من التنبؤ بالسلوك.
ومن أهم سمات نظرية السمات والعوامل تركيزها على العوامل المحددة التي تفسر السلوك البشري والتي تمكن من تحديد سمات الشخصية.
وقد استفادت نظرية السمات والعوامل من حركة القياس النفسي التي ازدهرت بعد الحرب العالمية الأولى والتي أثرت بدورها في نمو الإرشاد النفسي، وكان من أهم مظاهرها نمو التحليل العاملي كأسلوب إحصائي وارتبطت به نظرية السمات والعوامل ارتباطا صريحا، وجعلها تعتبر تطبيقا عمليا للتحليل العاملي في ميدان الإرشاد النفسي.
مفاهيم ورواد السمات والعوامل:
من أهم مفاهيم نظرية السمات والعوامل ما يلي:
السلوك: تفترض النظرية أن سلوك الإنسان يمكن أن ينظم بطريقة مباشرة، وأنه يمكن قياس السمات والعوامل المحددة لهذا السلوك باستخدام الاختبارات والمقاييس للوقوف على الفروق
(1/118)

والسمات المميزة للشخصية، وترى النظرية أن نمو السلوك يتقدم من الطفولة إلى المرشد من خلال نضج السمات والعوامل.
الشخصية: الشخصية حسب هذه النظرية عبارة عن نظام يتكون من مجموعة سمات أو عوامل مستقلة تمثل مجموع أجزائها، أي أنها عبارة عن انتظام دينامي لمختلف سمات الشخص.
السمات Traits: السمة هي الصفة "الجسمية أو العقلية أو الانفعالية أو الاجتماعية" الفطرية أو المكتسبة التي يتميز بها الشخص، وتعبر عن استعداد ثابت نسبيا لنوع معين من السلوك. وتقول نظرية السمات والعوامل: إن الفرد يمكن أن يفهم في ضوء سمات شخصيته التي تعبر عن سلوكه، فيمكن أن يوصف بأنه ذكي أو غبي أو منطو أو منبسط أو عصابي أو ذهاني ... إلخ. "هيور Hewer؛ 1963" وتمتد السمات على طول متصل أو بعد يوضح أن معظم الناس يقعون في مكان ما حول منتصف هذا المتصل أو البعد، وفي نهاية المتصل من الجانبين يوجد عدد قليل من الأفراد لديهم هذه السمة في أقصى صورها تطرفا. ولقد حاول علماء النفس حصر سمات الشخصية فكان عددها بالآلاف، وعندئذ لجئوا إلى التحليل العاملي وحصلوا عن طريقه على السمات العامة. "انظر شكل 26" وتقسم السمات بصفة عامة على النحو التالي: "انظر هول ولندزي، 1971":
- سمات مشتركة: يتسم بها الأفراد جميعا، أو على الأقل جميع الأفراد الذين يشتركون في خبرات اجتماعية معينة.
- سمات فريدة: لا تتوافر إلا لدى فرد معين، ولا توجد على نفس الصورة بالضبط لدى الآخرين.
- سمات سطحية: وهي السمات الواضحة الظاهرة.
- سمات مصدرية: وهي السمات الكامنة التي تعتبر أساس السمات السطحية.
(1/119)

-سمات مكتسبة: تنتج عن فعل العوامل البيئية وهي سمات متعلمة.
- سمات وراثية: وهي سمات تكوينية تنتج عن العوامل الوراثية ولا تحتاج إلى تعليم.
- سمات دينامية: تهيئ الفرد وتدفعه نحو الأهداف.
- سمات قدرة: تتعلق بمدى قدرة الفرد على تحقيق الأهداف.
العوامل Factors: العامل مفهوم رياضي إحصائي يوضح المكونات المحتملة للظواهر وتفسيره النفسي يسمى القدرة، والتحليل العاملي Factor Analysis أسلوب إحصائي للتوصل إلى أقل عدد ممكن من العوامل المشتركة اللازمة لتفسير مجموعة من الارتباطات والتي تؤثر في أي عدد من الظواهر المختلفة، ويهدف التحليل العاملي -ضمن ما يهدف إليه- إلى تحديد العوامل الأساسية للسلوك بتحديد القدرات الأولية في النشاط العقلي والعلاقة القائمة بين تلك القدرات، وقد تم تقديم الأفكار الأساسية للتحليل العاملي على يد سبيرمان Spearman صاحب نظرية العاملين "العام والخاص" وثرستون Thurstone صاحب نظرية العوامل المتعددة "العامة والطائفية" وسيريل بيرت Burt الذي حدد عوامل عالمية Universal أو عامة General وعوامل خاصة وعوامل الصدفة أو الخطأ، وقد أسهم عدد آخر من العلماء إسهامات يضيق المجال عن حصرها، ومن هؤلاء جوردون أولبورت Allport وستيفينوس Stephenson وجليفورد Guilford. وهؤلاء يعتقدون أن السلوك البشري يمكن التوصل إلى أسراره عن طريق التحصيل العاملي وتدويره المحاور.
إسهام هانز أيزينك Eysenck: من أبرز من أسهموا في نظرية السمات والعوامل هانز إيزينك حيث قدم وصفا منظما للشخصية حيث تكون العادات أساس يقوم عليه سمات الشخصية، وهذه بدورها تتجمع في أبعاد قليلة بناء على تحليل عاملي أدى إلى التوصل إلى الأبعاد الآتية:
الانبساط Extraversion "أي الاجتماعية والمرونة"، وعكسه الانطواء Introversion، والعصابية Neuroticism "أي الاستعداد للمرض العصابي" والذهانية Psychoticism "أي الاستعداد للمرض الذهاني" ويضاف إلى ذلك أبعاد مثل: المحافظة التطرف، البساطة التعقيد، الصلابة الليونة، الديمقراطية التسلطية.
(1/120)

إسهام ريموند كاتيل Cattell: توصل ريموند كاتيل إلى السمات الآتية: الاجتماعية ضد العدوانية، الذكاء العام ضد الضعف العقلي، الثبات الانفعالي أو قوة الأنا ضد عدم الثبات الانفعالي أو ضعف الأنا، التحرر ضد المحافظة، السيطرة ضد الخضوع، الانبساط ضد الانطواء، قوة الأنا الأعلى ضد ضعف الأنا الأعلى، المخاطرة والإقدام ضد الحرص والخجل، الواقعية ضد الرومانسية، البساطة ضد نقد الذات، الثقة الكاملة بالنفس ضد الميل للشعور بالإثم، الاكتفاء الذاتي ضد الاعتماد على الجماعة، قوة اعتبار الذات ضد ضعف اعتبار الذات، قوة التوتر الدافعي ضد ضعف التوتر الدافعي، التبصر ضد السذاجة.
تطبيقات نظرية السمات والعوامل في الإرشاد النفسي:
لقد أسهمت نظرية السمات والعوامل بقدر كبير في التوجيه والإرشاد النفسي. ومن أهم ما تقرره النظرية أن الناس يختلفون في سماتهم، وإذا أمكن فصل وقياس وتقييم السمات فإن من الممكن تحديد عوامل تفيد في عملية الإرشاد.
وتعتبر نظرية السمات والعوامل هي الأساس النظري الذي تقوم عليه طريقه الإرشاد الموجه Derective Counselling أو الإرشاد الممركز حول المرشد Counsellor- centred counselling وأشهر من طبقوا هذه النظرية في الإرشاد النفسي هو ويليامسون Williamson؛ "1965" رائد طريقة الإرشاد الموجه. وكما سنرى في الفصل السابع فإن الإرشاد يتضمن تحليل المعلومات الخاصة بالعميل وتركيبها، بحيث تظهر سماته المميزة، وتشخيص المشكلة بالاستعانة بالاختبارات والمقاييس الموضوعية، والتنبوء بالتطور المتوقع في المستقبل، ومن الافتراضات الأساسية في نظرية السمات والعوامل فيما يتعلق بالإرشاد الموجه ما يلي:
- أن عملية الإرشاد النفسي أساسا عملية عقلية معرفية.
- أن سوء التوافق لدى الأشخاص العاديين يترك جزءا كبيرا من العقل يمكن استخدامه في التعلم وإعادة التعلم.
- أن المرشد مسئول عن تحديد المعلومات المطلوبة وعن جمعها وتقديمها إلى العميل.
- أن المرشد لديه معلومات وخبرة أكثر وقدرة على تقديم النصح وحل المشكلات بطريقة الإرشاد الموجه. ومن ثم يكاد ينظر إلى المرشد نظرة المعلم الذي يوجه عملية التعلم لدى العميل.
(1/121)

وتهتم نظرية السمات والعوامل بالتشخيص النفسي واستخدام طرق الإرشاد التي تناسب اختلاف الشخصية من فرد لآخر، وتهتم كذلك بتحليل العميل وتطبيق الاختبارات والمقاييس النفسية التي تعطي تقديرات كمية لسمات العميل تفيد عمليا في اختياره التربوي والمهني، ويعتبر البعض أن تقدير سمات شخصية العميل يحتل مكان القلب في عملية الإرشاد، ولقد استخدم التحليل العاملي بنجاح في اختبارت الذكاء والقدرات والشخصية.
نقد نظرية السمات والعوامل:
على الرغم من الإسهامات الواضحة لنظرية السمات والعوامل في الإرشاد النفسي، يوجه إليها بعض الانتقادات أهمها:
- لا يوجد اتفاق عام حول معاني السمات والعوامل.
- التحليل العاملي أسلوب إحصائي كثيرا ما أحسن استخدامه، وكذلك أسيء استخدامه في بعض الأحيان.
- تركز النظرية على تبيان ما هو سلوك العميل، ولكنها لا تحدد كيف يسلك العميل أو لماذا يسلك سلوكا دون غيره، ولا توضح توضيحا كاملا دور الدافعية الهام في السلوك.
- لا تمكن النظرية حتى الآن من تقديم وصف كامل للشخصية على كل أبعادها.
- بالنسبة لوحدة وتكامل الشخصية الإنسانية وضرورة فهمها فهما متكاملا، يثار بعض الشك في قيمة نظرية السمات والعوامل كنظرية أساسية في ميدان الإرشاد والعلاج النفسي.
(1/122)

نظرية التحليل النفسي PSYCHOANALYTIC THEORY:
يدور حول نظرية التحليل النفسي جدل كثير. فمن الناس من يرى أن هذه النظرية تخرج عن إطار الإرشاد النفسي لأنها قامت على أساس بحوث عن المرضى النفسيين وليس عن العاديين الذين يهتم بهم التوجيه والإرشاد. ومن الناس من يردد بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة عن التحليل النفسي منها: أنه يدور كله حوله الجنس. وقد نتج هذا الفهم عن أن الدراسات الأولى للتحلي النفسي تضمنت الكثير عن هذه الناحية "التي كان يتغاضى عنها أو يتغافلها أو يتجاهلها المعالجون السابقون" رغم أنه ثبت أن كثيرا من الأمراض النفسية ترجع إلى الصراع الجنسي. كذلك يعتقد البعض أن التحليل النفسي يتنافى مع الدين. ولكننا نعلم أن المحللين النفسيين كبشر ينتمون إلى أديان مختلفة فمنهم اليهود ومنهم المسيحيون ومنهم المسلمون ولا
(1/122)

يتناول التحليل النفسي ولا يتعرض للمعتقدات الدينية ولا يتناولها بالتعديل بأي حال من الأحوال.
ونحن نعلم أن أهدى سبيل هو أن ندرس هذه النظرية في ضوء قول الله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} .
وفي وضوء هذا يرى المؤلف أن هناك ما يبرر وضع نظرية التحليل النفسي ضمن نظريات الإرشاد النفسي.
فهناك من بين المرشدين النفسيين من هو متأثر بهذه النظرية.
وهناك تعديلات دخلت على نظرية التحليل النفسي الكلاسيكي جعلتها أكثر قابلية للتطبيق في ميدان الإرشاد النفسي، وكذلك فإن عملية الإرشاد النفسي تتضمن إجراءات هي أصلا من إجراءات عملية التحليل النفسي مثل التداعي الحر والتنفيس الانفعالي. ومن طوارئ عملية الإرشاد ما يعتبر من المفاهيم الهامة في التحليل النفسي مثل المقاومة والتحويل.
مفاهيم نظرية التحليل النفسي:
الشخصية:
يفترض سيجموند فرويد Freud؛ "1933" مؤسس هذه النظرية، أن الجهاز النفسي يتكون من الهو والأنا والأنا الأعلى. أما الهو Id فهو منبع الطاقة الحيوية والنفسية ومستودع الغرائز والدوافع الفطرية التي تسعى إلى الإشباع في أي صورة وبأي ثمن وهو الصورة البدائية للشخصية قبل أن يتناولها المجتمع بالتهذيب، وأما الأنا الأعلى Super- ego فهو مستودع المثاليات والأخلاقيات والضمير والمعايير والقيم الاجتماعية والقيم الدينية، ويعتبر بمثابة سلطة
(1/123)

داخلية أو رقيب نفسي. وأما الأنا Ego فهو مركز الشعور والإدراك الحسي الخارجي والداخلي والعمليات العقلية والمشرف على الحركة والإدارة والمتكفل بالدفاع عن الشخصية وتوافقها وحل الصراع بين مطالب الهو وبين مطالب الأنا الأعلى وبين الواقع، ولذلك فهو محرك منفذ للشخصية ويعمل في ضوء مبدأ الواقع من أجل حفظ وتحقيق الذات والتوافق الاجتماعي "انظر شكل 29".
ويرى فرويد أن الجهاز النفسي لا بد أن يكون متوازنا حتى تسير الحياة سيرا سويا، ولذلك يحاول الأنا حل الصراع بين الهو والأنا الأعلى، فإذا نجح كان الشخص سويا، وإذا أخفق ظهرت أعراض العصاب.
وأضاف كارل يونج Jung أهمية الذات Self كجهاز مركزي للشخصية يضفي عليها وحدتها وتوازنها وثباتها، وأنها تحرك وتنظم السلوك، وفصل يونج أنا شعوريا أطلق عليه اسم الظل Shadow يغوص في اللاشعور حيث له نموذج أصلي Archetype دفعاته بدائية تهدد الشخصية، وإذا اصطدمت مع التوافق مع الواقع ظهر ذلك في شكل أعراض عصابية، واهتم يونج بمفهوم الشخصية المقدمة Persona التي هي بمثابة قناع يلبسه الشخص للتوافق مع البيئة الاجتماعية، وفروعهما التفكيري والوجداني والحسي والإلهامي.
وتكلم ألفريد آدلر Adler عن مفهوم الذات ومفهوم الآخرين والذات المبتكرة Creative Self وهي العنصر الدينامي النشط في حياة الشخص وتبحث عن الخبرات التي تنتهي بتحديد أسلوب حياة الشخص.
وقدمت كارين هورني Horney مفهوم الذات الدينامي وهي تعتقد أن الشخص يناضل في الحياة من أجل تحقيق ذاته، وتحدثت عن الذات المثالية، والذات الواقعية، والذات الحقيقية، وترى أن العصاب ينشأ عن بعد الشخص عن ذاته الحقيقية والسعي وراء صورة مثالية غير واقعية.
وتحدث أوتو رانك Rank عن نمو الذات من الطفولة وجهود الفرد الدائمة من أجل تحقيق ذاته وتأكيدها وتقبلها، يقول رانك: إن تطور الفردية يمر بأدوار ثلاثة، هي دور الشخص العادي ثم دور الشخص العصابي ثم دور الشخص المتوافق.
ويعتقد هاري ستاك سوليفان Sullivan أن جهاز الذات ينمو بطريقة يحفظ بها نفسه ضد القلق الذي يعتبر نتاجا للتفاعل الاجتماعي. ويعتبر أن دينامية الذات تلعب دورا هاما في تنظيم السلوك وفي تحقيق الحاجة للقبول والتقبل.
(1/124)

ويرى إيريك فروم Fromm أن الشخصية هي مجموعة السمات النفسية والجسمية والموروثة والمكتسبة التي تميز الفرد وتجعل منه شخصا فريدا لا نظير له، ويؤكد دور الأسرة في إكساب الشخص الخلق الاجتماعي Social Character مع احتفاظه بما أسماه "الخلق الفردي".
الشعور واللاشعور وما قبل الشعور:
الشعور Consciousness حسب فرويد هو منطقة الوعي الكامل والاتصال بالعالم الخارجي، وهو الجزء السطحي فقط من الجهاز النفسي. ويطلق يونج على الشعور اسم "العقل الواعي" الذي يتكون من المدركات والذكريات والمشاعر الواعية.
واللاشعور Unconsciousness كما حدده فرويد يكون معظم الجهاز النفسي، وهو يحوي ما هو كامن وليس متاحا ومن الصعب استدعاؤه أي ما هو مكبوت. ويقول إن المكبوتات تسعى إلى الخروج من اللاشعور إلى الشعور في الأحلام وفي أعراض الأمراض النفسية، وتحدث يونج عن اللاشعور الشخصي الذي يتكون من خبرات الفرد المكبوتة والعقد، ويستخدم في استكشافه اختبار تداعي الكلمات. أما اللاشعور الجمعي فهو مشترك بين كل الأشخاص ويتكون من تراث النماذج الأصلية للإنسان مثل نموذج الأم العامة ونموذج الميلاد ونموذج الموت. ويمكن فهم اللاشعور الجمعي عن طريق دراسة الأحلام والطقوس والأساطير.
أما ما قبل الشعور Preconsciousness فهو يحتوي على ما هو كامن وليس في الشعور ولكنه متاح ويسهل استدعاؤه إلى الشعور مثل الذكريات.
الغرائز:
الغريزة Instinct كما عرفها فرويد عبارة عن قوة نفترض وجودها وراء التوترات المتأصلة في حاجات الكائن الحي وتمثل مطلب الجسم من الحياة النفسية، وهدفها القضاء على هذا التوتر، وموضوعها هو الأداة التي تحقق الإشباع، وتوجد الغرائز الأساسية وهي غريزة الحياة Eros ويقابلها غريزة الموت Thanatos ويوجد صراع دائم بينهما، والسلوك يكون مزيجا متوافقا أو متعارضا من الغريزتين، ويؤدي فساد هذا المزيج إلى اضطراب السلوك.
وغرائز الأنا هي القوى التي تعمل على حفظ الأنا وهي القوى المعارضة للغريزة الجنسية، والكبت هو نتيجة تغلب غرائز الأنا. والنرجسية معناها حب الذات.
(1/125)

والغريزة الجنسية لها أهميتها في توجيه السلوك، واضطرابها ومشكلاتها تؤدي إلى أمراض نفسية، ويلاحظ أن فرويد استخدم مصطلح "جنسي" بمعناه الواسع مشيرا إلى أي نوع من النشاط يجلب اللذة بإشباع الحاجات الجسمية، والمظهر الدينامي للغريزة الجنسية هو الطاقة الجنسية أو "الليبيدو" Libido وتحدث فرويد عن مراحل تطور الغريزة الجنسية من المرحلة الفمية في الطفولة إلى المرحلة التناسلية في الرشد. ويرى فرويد أن النمو الجنسي قد يتعرض في أي مرحلة لحالة من التثبيت أو حالة من النكوص.
وقد حدثت حركات انشقاق بين فرويد وبين زملائه وتلاميذه الذين عارضوا رأيه عن الجنسية الشاملة، فقد قلل يونج من شأن سيطرة الميول الجنسية في الحياة النفسية وإن لم ينكر أهميتها، وقلل آدلر من شأن الناحية الجنسية في تسبيب الأمراض النفسية. ورفضت كارين هورني فكرة الليبيدو وعقدة أوديب ولكنها لم تغفل أهمية الغريزة الجنسية كلية، ولم يوافق رانك على أهمية الغريزة الجنسية كدافع أساسي للسلوك. ونقد فروم التركيز على الغريزة الجنسية وأظهر أهمية النواحي الاجتماعية في تحديد السلوك.
النواحي الاجتماعية والثقافية والبيئية والدينية:
معظم العوامل الاجتماعية ترجع في رأي فرويد إلى دوافع غريزية، فالحب يرجع إلى الغريزة الجنسية، والإبداع مظهر من مظاهر إعلائها، والحرب ترجع إلى غريزة الموت.
والدين: عنصر أساسي من عناصر الحياة النفسية، ويقول يونج: إن الدين يؤثر في صفاء الحياة النفسية للإنسان واتزانها وهدايتها وتحقيق هدف الحياة.
والمؤثرات الثقافية والبيئية والاجتماعية: اهتم آدلر بأهميتها في تكوين أسلوب حياة الفرد، وركز على أثر العلاقات الدينامية داخل الأسرة في هذا الصدد.
والعلاقات الإنسانية: من أهم ما أكدته كارين هورني وقالت: إن الإنسان يمكن أن يغير وأن يحسن نفسه ما دام حيا يرزق، وأبرز سوليفان أهمية العلاقات الشخصية وتكامل الشخص مع الوسط الذي يعيش فيه في عملية التنشئة الاجتماعية والتطبيع الثقافي.
والخلق أو الطابع الاجتماعي: يعتبر في رأي فروم نواة تركيب الخلق.
مفاهيم خاصة في نظرية التحليل النفسي:
صدمة الميلاد Birth Trauma: تحدث أوتو رانك عن صدمة الميلاد كصدمة نفسية تصيب الإنسان لأنه يعتبر وكأنه انفصال وطرد من السعادة الأساسية التي كان فيها وهو في الرحم،
(1/126)

وتكمن هنا "باكورة القلق" أو "القلق الأولي" الذي يطمس حالة "السرور الأولي" في مرحلة ما قبل الميلاد، وهكذا يوضع أساس "كبت أولي" ويحاول الفرد التغلب على صدمة الميلاد، وإذا فشل أصبح عصابيا.
عقدة النقص Inferiority Complex: يقول ألفريد آدلر: إن هذه العقدة تتكون نتيجة لوجود قصور جسمي أو عقلي أو اجتماعي أو اقتصادي مما يؤثر على حياة الشخص النفسية ويشعره بالنقص والدونية وعدم الأمن وعدم الكفاية، ويتبع ذلك تعويض أو عدوان لتخفيف الشعور بالنقص.
أسلوب الحياة Life Style: يذكر آدل أن الشخص يتخذ لنفسه أسلوب حياة يؤدي إلى تحقيق الحياة وهو تحقيق الذات، ومن الناس من يتخذ لنفسه أسلوب العلم أو النشاط الاقتصادي أو النشاط الرياضي أو العلاقات الاجتماعية ... إلخ كأسلوب حياة تلعب إمكانات الفرد الموروثة وخبرات نموه منذ الطفولة دورا هاما في تحديده.
الغائية: Finalism اهتم آدلر بفكرة الغائية أو هدف الحياة Life Coal الذي يحدد أسلوب حياة الفرد وسلوكه، ولذلك يجب أن يكون واقعيا ممكن التحقيق. ويؤكد آدلر أن المرض النفسي ينتج عن اتجاه الفرد نحو غاية وهمية أو هدف لا يستطيع تحقيقه.
الإرادة Will: أكد أوتو رانك أهمية الإدارة، أي القوة المتكاملة للشخصية والتي يمثلها الأنا ويظهرها الكفاح بين الذات وبين العالم حين يستطيع أن يعطي ويأخذ وأن يغير ويتغير وأن يحول ويتحول وأن يختار ويتخذ القرار، إن الإدارة مفهوم جوهري لأن الإنسان يعيش في عالم مليء بالعقبات يستلزم الكفاح والجهاد في سبيل الحياة، وقد يتطلب الحال وجود "إرادة مضادة" Counter Will ويتضح ذلك من خلال ما هو معروف من أن "الممنوع مرغوب" ويرى رانك أن تكون "الإرادة الإيجابية الحقيقية" يعتبر عاملا هاما في النمو السوي، وأن "قوة الإرادة" عامل هام في العلاج النفسي1.
تطبيقات نظرية التحليل النفسي في الإرشاد النفسي:
يعتبر التحليل النفسي نظرية نفسية عن ديناميات الطبيعة البشرية وعن بناء الشخصية، ومنهج بحث لدراسة السلوك البشري، وهو أيضا طريقة علاج.
__________
1 يقول الشاعر:
ولم يبعد على نفس مرام ... إذا ركبت له الهمم البعادا
ولم أر بعد قدرته تعالى ... كمقدرة ابن آدم إن أرادا
(1/127)

والمرض في ضوء نظرية التحليل النفسي: من أهم أسبابه الصراع بين الغرائز والمجتمع كما يقول فرويد. وتقول كارين هورني: إن الصراع لا يقتصر تفسيره على الناحية الغريزية ولكنه يرتبط بالحاجة إلى الأمن، وينشأ "الصراع النفسي" في رأيها بسبب تعارض رغبات الفرد واتجاهاته، وكذلك تعتقد هورني بوجود "صراع داخلي مركزي" بين الذات الحقيقية والذات العصابية.
والعصاب Neurosis في رأي فرويد يرجع إلى عوامل حيوية وليس إلى عوامل ثقافية أو اجتماعية، والقلق لب العصاب ومحوره، ويرى أنه لا يوجد عصاب نفسي بدون استعداد عصابي أي بدون عصاب طفلي، ويرى يونج أن العصاب محاولة غير ناضجة للتعامل مع الواقع، ويرجع إلى الذكريات المكبوتة في اللاشعور وإلى مشكلات الفرد التي لم يحل. ويعتقد آدلر أن العصاب ينشأ من خطأ الفرد في إدراك وتفسير بيئته وصعوبة اتخاذ أسلوب العصاب، وأن هناك ثلاثة اتجاهات عصابية: الاتجاه الأول يتميز بالتحرك نحو الناس، والثاني يتميز بالتحرك بعيدا عن الناس، والثالث يتميز بالتمركز حول الذات، ويعتقد رانك أن العصابي هو ذلك الشخص الذي لا ينجح في محاولة التغلب على صدمة الميلاد، ويرى فروم أن العصاب هو أحد مظاهر الفشل الأخلاقي، وأن العرض العصابي يكون في كثير من الحالات تعبيرا عن نزاع أخلاقي، وتمثل الأعراض العصابية غالبا تعبيرات عن مشاكل الإنسان الحديث الذي يعيش في عصر القلق. وعلى العموم فإن العصاب هو أكثر الأمراض النفسية قابلية للعلاج بالتحليل النفسي.
والذهان Paychosis: في رأي فروي صورة خطيرة لاضطراب السلوك، تظهر تغيرات مرضية في إدراك الواقع وفي السيطرة على الذات، ويرجع آدلر الذهان سواء كان فصاما أو ذهان الهوس والاكتئاب إلى خليط من أسباب نفسية وأسباب جسمية.
أما عن خطوات التحليل النفسي التي تدخل ضمن الخطوات العامة في عملية الإرشاد النفسي فمن أهمها "العلاقة العلاجية" الدينامية بين العميل والمرشد المعالج التي يسودها التقبل والتفاعل الاجتماعي السليم. ومنها التطهير أو التفريغ الانفعالي Catharseis للمواد المكبوتة سواء كانت حوادث أو خبرات أو دوافع أو صراعات بمصاحباتها الانفعالية بما يؤدي إلى اختفاء أعراض العصاب، ومنها التداعي الحر أو الترابط الطليق Free Association للكشف عن المواد المكبوتة في اللاشعور عن طريق إطلاق العنان بحرية للأفكار والخواطر والاتجاهات والصراعات والرغبات والإحساسات، مع الاستفادة من فلتات اللسان وزلات القلم وتفسير ما
(1/128)

يكشف عن التداعي الحر. والتفسير يتضمن إيضاح ما ليس واضحا وإفهام ما ليس مفهوما بأسلوب منطقي كامل وصحيح وفي لغة علمية مترجمة إلى لغة يفهما العميل. والتعلم وبناء العادات تدريجيا وإعادة تعليم وتوجيه العميل خطوة هامة أيضا. وهكذا نجد أن التحليل النفسي والإرشاد النفسي يشتركان في هذه الخطوات، وبالإضافة إلى ذلك يهتم كل من التحليل النفسي والإرشاد النفسي بإعادة التوازن بين أركان الشخصية وحل الصراعات وإعادة غرس الإيمان ومعرفة هدف حياة العميل وأسلوب حياته وتنمية مفهوم موجب عن الذات والتقليل من حدة القلق وتكوين الإرادة الإيجابية وتغيير وعلاج البيئة والوسط الاجتماعي وتحسين مفهوم الذات "انظر حامد زهران، 1997".
ويتضح مما سبق أنه طرأ على نظرية التحليل النفسي الكلاسيكي كما وضعها فرويد ورفاقه بعض التعديلات الحديثة التي تناسب الإرشاد النفسي أدخلها زملاؤه وتلاميذه منهم أنا فرويد Anna Freud والفرويديون الجدد New- Freudinansوغيرهم. وقد ركز هؤلاء جميعا على اختصار وتقصير مدة التحليل النفسي. ومن أهم ملامح تعديلات نظرية التحليل النفسي "التحليل النفسي التوزيعي" Distributive Psychoanalysis الذي أتى به أدولف ميير Meyer وهو يتضمن الفحص والتحليل الموجه لخبرات العميل مع التركيز على إمكاناته واحتمالاته ومساعدته على اتخاذ قرارات عملية خاصة بمستقبله، ومن هذه التعديلات أيضا "العلاج التدعيمي" Supportive therapy الذي يتعامل مع الجزء السليم من الشخصية وينميه ويدعمه ويعزز دفاعات العميل السوية، ويستخدم أساليب مثل الإيحاء والحث والتعزيز ولا يتتبع صراعات العميل في عمق أكبر، وهذا الأسلوب يستخدم عادة مع العملاء الذين يعانون من الحساسية النفسية والذين لا تتطلب حالاتهم التحليل النفسي العميق، ومن التعديلات التي ظهرت في شكل التحليل النفسي المختصر ما جاءت به هورني التي تتغاضى عن ماضي العميل وتركز على دراسة الاضطراب في وضعه الحاضر. ومنها أيضا ما جاء به أليكساندر Alexander الذي يركز على تهيئة جو آمن مرن يستطيع فيه العميل تعديل عاداته السلوكية المرضية بسرعة.
وقد ظهر مؤلفات عن "التحليل النفسي المصغر" Micropsychoanalysis "انظر سيلفانو فانتي Fanti؛ 1990". ويلاحظ أن استخدامها أي صورة معدلة من التحليل النفسي في ميدان الإرشاد النفسي يجب أن تقتصر ممارستها على المرشد العلاجي المتخصص.
ويكاد يكون المجال الرئيسي من مجالات الإرشاد النفسي الذي يطبق فيه نظرية التحليل النفسي هو الإرشاد العلاجي
(1/129)

نقد نظرية التحليل النفسي:
التحليل النفسي كنظرية وكطريقة علاج له مزايا أهمها: الاهتمام بعلاج أسباب المشكلات والاضطرابات، وتناول الجوانب اللاشعورية إلى جانب الشعورية في الحياة النفسية للعميل، وتحرير العميل من دوافعه المكبوتة وإعلاؤها واستثمار طاقتها، والاهتمام بالسنوات الأولى من حياة العميل، والاهتمام بأثر الوسط الاجتماعي والثقافي للفرد في نموه وسلوكه، والعودة بالشخصية المضطربة إلى حالة التكامل والنضج ومواجهة الواقع والاستمتاع بالحياة.
وعلى الرغم من هذا، فقد لاقى الاتجاه التحليلي بصفة خاصة في ميدان الإرشاد النفسي معارضة ونقدا شديدين على أساس ما يلي:
- أن التحليل النفسي يهتم بالمرضى والمضطربين أكثر من اهتمامه بالأسوياء والعاديين.
- أنه عملية طويلة وشاقة ومكلفة في الوقت والجهد والمال ويحتاج إلى خبرة واسعة وتدريب عملي طويل قد لا يتوافر إلا لعدد قليل من الأخصائيين.
- أن هناك خلافات نظرية ومنهجية بين طريقة التحليل النفسي الكلاسيكي وبين طرق التحليل النفسي الحديث والمعدل والمختصر "المصغر".
- أن بعض المشتغلين بالإرشاد والعلاج النفسي يرون -في تعصب- أن التحليل النفسي هو الطريقة المثلى وأنه يعلو على كل الطرق الأخرى.
- أن بعض المشتغلين بالإرشاد والعلاج النفسي يحملون نحو التحليل النفسي اتجاها سالبا ينفعل أحيانا حتى يصل إلى تعصب ضده إلى درجة تجعلهم يسقطون نظرية التحليل النفسي من حسباهم تماما أو يجعلون منها محورا لنقدهم ليس في الإرشاد والعلاج النفسي فحسب بل في علم النفس كله، على أساس أن فرويد يهودي صهيوني مغرض صنع نظرية مبهرجة ذات اتجاه يهودي مادي جنسي تقوم على أساس مخلخل ومنهج غير علمي.
(1/130)

أوجه الشبه والاختلاف بين نظريات التوجيه والإرشاد النفسي:
يوجد بين نظريات التوجيه والإرشاد أوجه شبه وأوجه اختلاف يحسن الإحاطة بها، ولحسن الحظ فإن أوجه الشبه أكثر من أوجه الاختلاف. ويرى البعض أن نظريات الإرشاد النفسي تختلف مع بعضها البعض ولكن بدون تعارض، فالأسس واحدة خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين
(1/130)

المرشد والعميل. وعلى العموم فإن سبب أوجه الاختلاف أساسا هو أن كل نظرية تقوم على ملاحظات ودراسات تجريبية وممارسات كلينيكية تختلف عن الأخرى. ولكن المهم هو أن معرفة أوجه الشبه والاختلاف بين النظريات تفيد في أن هذه النظريات مجتمعة تعلمنا الكثير وأن كلا منها منفردة تعلمنا شيئا.
أوجه الشبه بين نظريات الإرشاد النفسي:
فيما يلي أهم أوجه الشبه بين نظريات الإرشاد النفسي:
- كل النظريات تسعى نحو شيء واحد في الواقع، وكل طرق الإرشاد التي ترتبط بها تؤدي إلى نفس الهدف وهو تحقيق الذات.
- كل النظريات تحاول فهم: كيف ينشأ القلق وكيف تهب وسائل الدفاع النفسي وأساليب التوافق وكيف يمكن تعديل السلوك.
- الفرد لديه دوافع وحاجات وقوى حيوية تتحكم في سلوكه.
- البيئة والمجال النفسي أو عالم الخبرة الشخصية مهم جنبا إلى جنب مع البيئة الاجتماعية وعالم الواقع.
- الماضي يؤثر في الحاضر ويشير إلى المستقبل.
- التعلم خطوة أساسية من أجل تحقيق التوافق النفسي عن طريق تغيير السلوك.
- أهم ما في عملية الإرشاد هو العلاقة الإرشادية التي تتسم بالجو النفسي المتقبل الخالي من التهديد، الذي يحرر قوى النمو والتوافق لدى الفرد لتحقيق الصحة النفسية.
أوجه الاختلاف بين نظريات الإرشاد النفسي:
فيما يلي أهم أوجه الاختلاف بين نظريات الإرشاد النفسي:
- بعض النظريات نما في حجرات المعالجين وبعضها خرج من معامل علم النفس وبعضها نتج عن الدراسات الإحصائية.
- يوجد اختلافات حول الأهمية النسبية للمحددات الشعورية واللاشعورية للسلوك.
- تختلف النظريات حول أهمية الدور الذي يلعبه التعزيز وعضوية الجماعة وخبرات الحياة الماضية خاصة في الطفولة في تحديد السلوك.
- تتفاوت النظرة إلى أهمية الخبرات والذاتية، فالبعض يؤكد أهمية الموضوعية والسلوك الملاحظ، والبعض يؤكد أهمية الخبرات الداخلية.
(1/131)

- بعض النظريات تحترم الاختبارات النفسية وتعظمها، بينما بعضها -مثل نظرية الذات- تؤكد أن الأساس الأهم هو مفهوم الفرد عن ذاته الذي يحدد سلوكه بصرف النظر عن درجات الاختبارات.
أوجه الشبه والاختلاف رحمة:
وهكذا نجد أن التشابه والتقارب بين نظريات التوجيه والإرشاد النفسي يفيد في إمكان توحيد وجهات النظر ويبعث على الأمل في الوصول إلى نظرية عامة شاملة. وفي نفس الوقت نجد أن في اختلافات النظريات رحمة بالمرشد الذي يختار من كل منها أو من أي منها ما قد يحتاج إليه عندما يتعامل مع مشكلة فرد أو مشكلة جماعة، وهذا هو الأسلوب الخياري الانتقائي التوفيقي Eclectic ويهمنا في عيادات الإرشاد النفسي أن تتنوع الطرق وأن تتكامل، وفي هذه الحالة يكون المطلوب هو استخدام النظريات المختلفة حتى لا يكون كل المرشدين نسخا متكررة يتبعون طريقة واحدة ونظرية واحدة.
(1/132)

الفصل الرابع: المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد النفسي
أهمية المعلومات
...
(1/134)

الفصل الرابع: المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد النفسي:
أهمية المعلومات:
حلقة الوصل بين النظري والعملي:
يتناول هذا الفصل المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد النفسي، ويبدأ بتناول أهمية المعلومات بالنسبة لعملية الإرشاد.
ويعتبر الحصول على معلومات دقيقة وكافية عن العميل وعن مشكلته وعن بيئته، حلقة الوصل بين الجزء النظري والجزء العملي في التوجيه والإرشاد النفسي، ويعتبر العمود الفقري في عملية الإرشاد، ذلك لأن عملية الإرشاد لا تتم إلا إذا توافرت المعلومات التي تمكن من فهم العميل والتي يحدد على أساسها تشخيص الحالة.
والمعلومات لازمة وضرورية وهامة بالنسبة لكل من الطرفين، المرشد والعميل، فالمرشد لكي يقدم لعميل المساعدة والخدمة النفسية لا بد أن يتوافر لديه قدر واف من المعلومات يتيح فهم وتفسير سلوكه ويعين على تحديد مشكلته وتيسير عملية الإرشاد، وفي نفس الوقت فإن العميل يحتاج إلى معلومات عن ذاته وقدراته ونواحي قوته ونواحي ضعفه وإلى معلومات لا تتوافر لديه تعينه على حسن فهم نفسه وبالتالي على تخطيط مستقبله بثقة كبيرة. وهذا في حد ذاته إنجاز هام من المنجزات التي تميز عملية الإرشاد النفسي.
هذا وهناك مناسبات تلزم فيها المعلومات المجمعة عن الفرد العادي، كما في حالة القيام بالاختيارات واتخاذ القرارت وتقرير المصير.
اسكنر
دراسة سلوك العميل ككل:
عندما يتعامل المرشد مع العميل، ولكي يفهمه فهما كاملا، يجب أن ينظر إليه نظرة كلية شاملة.
إننا لا يمكن أن نتعرف على غابة من مجرد معرفتنا إحدى أشجارها، ولا يمكن أن نتعرف على شخص من مجرد معرفتنا بأحد جوانب شخصيته، وإذا ركز المرشد الاهتمام على ناحية واحدة فقط فإن الصورة التي يحصل عليها تكون ناقصة وربما مشوهة. إن الفرد وحدة متكاملة، إنه كل وليس مجرد مجموع أجزاء.
ومما يجب الإشارة إليه أنه رغم دراسة المعلومات المطلوب معرفتها عن العميل في شكل يبدو منفصلا أو مجزءا، إلا أنه يجب النظر إليها في تكامل وترابط.
وإذا كنا نفك أجزاء الشخصية وأجزاء الإنسان المسئولة عن سلوكه، فإن ذلك يكون فقط من أجل الفهم والدراسة، ويجب إعادة تركيبها والنظر إليها نظرة كلية، وهكذا يكون هذا العمل نوعا من "الهندسة البشرية".
(1/135)

عملية جمع المعلومات:
يطلق على علمية جمع المعلومات أحيانا اسم عملية فحص ودراسة الحالة "انظر شكل 31".
شروط عملية جمع المعلومات:
هناك شروط يجب مراعتها في عملية جمع المعلومات منها:
سرية المعلومات: وهذا أمر هام، ويجب أن يؤكده المرشد للعميل حتى يتحدث بحرية وثقة في جو آمن، خاصة حين تكتب المعلومات وتحفظ في سجلات وحينما تكون بعض المعلومات مما قد يثير متاعب قانونية أو اجتماعية1 ولذلك يجب أن تكون الكتابة في معظمها رمزية، ويلجأ بعض المرشدين للتخلص من الحساسية التي تصاحب كتابة الأسماء إلى
__________
1 يقول الشاعر:
وإفشاء ما أنا مستودع ... من الغدر والحر لا يغدر
إذا ما قدرت على نطقه ... فإني على تركه أقدر
(1/136)

استخدام أرقام للدلالة على العميل، كاستخدام أرقام فردية في حالة الإناث وأرقام زوجية في حالة الذكور مثلا. ويلجأ البعض الآخر إلى استخدام أسماء مستعارة، ويستخدم بعض المرشدين نظام كتابة الحروف الأولى من الأسماء، أو استخدام نظام الشفرة السرية في كتابة الأسماء.
بذل أقصى الجهد: يجب على المرشد بذل أقصى جهد للحصول على معلومات شاملة كافية، واستخدام كافة الطرق والوسائل والأدوات المناسبة، ومن مصادرها السليمة المسئولة المطلعة، واستغلال كل إمكاناته ومهاراته وفنياته في عملية جمع المعلومات.
المهارة في جمع المعلومات: ويتضمن ذلك معرفة ماذا ولماذا وكيف ومتى ومن يسأل، وإتمام عملية جمع المعلومات بطريقة سهلة وطبيعية، وهذا يحتاج إلى تدريب وخبرة.
حث العميل على التعاون: وعلى المرشد حث العميل على التعاون والاهتمام بعملية جمع المعلومات ومساعدة المرشد حتى يستطيع أن يساعده، خاصة في حالات المقاومة وعدم التجاوب.
الدقة والموضوعية: وذلك من أجل الوصول إلى التشخيص الدقيق، ومن أجل تقييم عملية الإرشاد بعد تمامها، حيث يمكن إعادة بعض الاختبارات مثلا لملاحظة مدى التغير الذي طرأ على حالة العميل، ويتطلب ذلك حسن اختيار وسائل المعلومات ومناسبتها "وتفصيل ذلك في الفصل التالي".
الصدق والثبات: والصدق هنا يعني أن المعلومات تعبر فعلا عما تعنيه من دلالة على سلوك العميل، والثبات هنا يعني عدم تغير المعلومات بسرعة بين جلسة وأخرى.
التكرار والاستمرار: نحن نعلم أن المعلومات السلوكية الهامة هي التي تتسم بالتكرار "عدد مرات حدوث السلوك" والاستمرار "كم من الوقت استمر السلوك وكم من الوقت حدث السلوك، أي كم من الوقت مضى منذ حدوث السلوك آخر مرة". ولذلك يجب الاهتمام بحصر تكرار السلوك واستمراره. ذلك لأن السلوك العارض المؤقت الزائل ليس في أهمية السلوك المتكرر والمستمر.
تقدير العوامل المسببة والأعراض: ويجب تقدير العوامل المسببة والأعراض بدقة في ضوء دليل فحص ودراسة الحالة.
الاهتمام بالمعلومات الطولية: وينبغي الاهتمام بالمعلومات الطولية التتبعية، لأن حياة العميل وحدة متصلة مستمرة، وسلوكه الحاضر له جذوره في الماضي ويؤدي إلى سلوكه في
(1/137)

المستقبل، ونحن نعرف أهمية خبرات الطفولة في حياة كل من المراهق والراشد وأهمية خبرات المراهقة في حياة كل من الراشد والشيخ ... إلخ.
التأكد: ومن الضروري التأكد من توافر الأدلة الكاملة على السلوك المرضي عند العميل، الاهتمام بالمظاهر المرضية الدائمة طويلة المدى التي تؤثر في سلوك العميل وعلى حياته، كذلك يجب التأني في الحكم، وعدم الاعتماد على الملاحظة العابرة أو الصدفية أو المؤقتة، والتفرقة بين السلوك الاستكشافي والتجريبي وبين الشذوذ والاضطراب السلوكي الحقيقي، وينبغي أيضا التثبت وتجنب التخمين والاستنتاج الخاطئ، وأخذ المعلومات بحرص قبل اعتبارها نهائية.
الاعتدال: والاعتدال مطلوب ومرغوب، إذ يجب عدم التورط في خطأ التعميم السريع أو غير المحدود، ويجب عدم الإفراط في تطبيق القواعد العامة على حالة العميل الخاصة، ويجب وضع الفروق الفردية في الحسبان، ومراعاة الفروق الثقافية والبيئية، والنظر إلى العميل كإنسان فرد له شخصيته الفريدة.
تجنب أثر الهالة Halo Effect: ويجب تجنب أثر الهالة في الحكم على العمل، أي أثر الفكرة العامة عن العميل أو الفكرة السابقة عنه أو صفة معينة بارزة فيه أو امتيازه في ناحية معينة.
تقييم المعلومات: ومن المفروض أن يقوم المرشد بتقييم المعلومات التي يتم الحصول عليها وتحديد ما إذا كانت حقائق واقعية أو احتمالات، مع سلامة الحكم والتقدير، وتجنب التسامح الزائد أو التشدد، ويمكن مراجعة بعض المعلومات مع الأهل والأقارب والأصدقاء ومن يهمهم الأمر والأخصائيين، ونحن نعرف أن العميل قد يضلل المرشد وقد يختصر المعلومات وقد ينكر وجود مشكلة وقد يكون مضطرب البصيرة لا يدرك طبيعة مشكلاته أو مرضه، ومن ثم لا يتعاون. ويلاحظ ضرورة استمرار عملية تقييم المعلومات وتعديل وتصحيح ما يلزم.
تنظيم المعلومات: ومن المطلوب تنظيم المعلومات وربطها بعضها ببعض وتفسيرها في ضوء بعضها تفسيرا دقيقا يعطي الضوء على شخصية العميل ومشكلته ومجاله النفسي والاجتماعي. كذلك يجب تلخيص المعلومات وتركيزها وتسجيلها في سجلات يسهل الرجوع إليها.
وسيلة وليست غاية: ويجب أن تكون عملية جمع المعلومات وسيلة للوصول إلى تشخيص موفق وعملية إرشاد ناجحة، وليست غاية في حد ذاتها.
ميسرات عملية جمع المعلومات:
هناك أشياء تيسر عملية جمع المعلومات. وأهم هذه الأشياء هو التعاون من جانب العميل والأسرة والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية الأخرى.
(1/138)

تعاون العميل: وهذا أمر هام، ومن حسن الحظ أن خدمات الإرشاد النفسي تقدم للعميل العادي أو العميل المضطرب قليلا المستبصر بحالته، والذي يمكن كسب تعاونه بقليل من الجهد والتشجيع والمهارة.
تعاون الأسرة: ولكل عميل أسرة يهمها أمره، يقضي فيها معظم وقته، وفي كنفها تشكلت شخصيته، وفيها يلعب دورا اجتماعيا هاما، وفيها الكثير من أسباب مشكلاته، وتستطيع الأسرة المتعاونة تقديم قدر كبير من المعلومات عن قطاع أساسي من حياة العميل.
تعاون المدرسة: والعميل إذا كان في المدرسة يقضي وقتا طويلا فيها بين زملائه ومدرسيه، وفيها تنمو شخصيته ويعد تربويا ومهنيا ويتعرض لبعض المشكلات، ومن بين مدرسيه من يكون قريبا منه ويعرف عنه الكثير. وفي المدرسة أخصائيون وبها سجلات، وهذا كله يتيح توافر معلومات مفيدة عن قطاع آخر هام من قطاعات حياة العميل يكمل الصورة التي أعطاها العميل والأسرة لو توافر التعاون.
تعاون المؤسسات الأخرى: وفي المجتمع مؤسسات أخرى غير الأسرة والمدرسة يمارس فيها العميل نشاطه وتؤثر في نموه كجهة العمل والنوادي وغيرها، وهذه المؤسسات يقضي العميل فيها قطاعا آخر من حياته، وفيها معلومات وفيها من لديه معلومات مطلوبة لزيادة إكمال الصورة.
مشكلات عملية جمع المعلومات:
قد تعترض عملية جمع المعلومات بعض المشكلات والصعوبات التي تجعلها عملية صعبة ومن هذه المشكلات والصعوبات ما يلي:
تغليف الذات Encystment of Self: أي الامتناع عن البوح، والإحجام عن كشف الذات أو مقاومته، وذلك بسبب وجود خصوصيات وأسرار خاصة في محتوى مفهوم الذات الخاص ضمن المعلومات اللازمة لفحص ودراسة الحالة، أو بسبب اعتقاد العميل أنه ليس من حق المرشد التدخل في شئون حياته الخاصة، ومن مظاهر تغليف الذات الكشف عن معلومات مخالفة للواقع، فقد يظهر العميل حبا يغطي كرها كامنا أو العكس، وقد يعتبر البعض كشف الذات نوعا من كشف العورة أو العرى النفسي "حامد زهران، 1977".
المعلومات المختصرة: والمعلومات المختصرة تعتبر مشكلة حقيقة وصعوبة كبيرة خاصة إذا جاءت في شكل أنصاف حقائق ومعلومات متناثرة كثيرة الفجوات.
(1/139)

ضرورة فهم الإطار المرجعي للعميل: ومن الضروري -حتى تكون المعلومات مفيدة- أن نفهم وجهة نظر العميل نفسه ومن واقع إطاره المرجعي. وفي بعض الأحيان يجد الراشدون صعوبة في فهم سلوك المراهقين أو الأطفال لعدم القدرة على فهم إطارهم المرجعي1.
نمو وتغير الفرد: والفرد في رحلة نموه دائم التغير. وبمرور الزمن تصبح بعض المعلومات قديمة، ولذلك يجب الحرص على تتبع المعلومات التطورية وأن تظل متجددة.
التغير الاجتماعي: إن التغير الاجتماعي السريع جعل فهم الأفراد عبر الأجيال أكثر صعوبة، فالمراهقون والراشدون يكاد كل فريق منهم يعيش في عالم مختلف عن عالم الآخر. ويظهر هذا بوضوح في القيم والأخلاقيات ... إلخ. وهذا يمثل مشكلة وصعوبة في عملية جمع المعلومات وفحص ودراسة الحالة.
الخريطة العقلية المعرفية لعملية جمع المعلومات:
المرشد النفسي -كمهندس بشري في دراسة سلوك الإنسان ككل- يستند في عملية جمع المعلومات إلى ما يسمى "الخريطة العقلية المعرفية" Cognitive Map التي تكاد تكون مرسومة في مخه كتخطيط مسبق لعملية جمع المعلومات ويتخذها كإطار مرجعي في عمله. وهكذا يكون المرشد أيضا مثله كمثل جغرافي يسير في جمع المعلومات على هدى خريطة عقلية يعرف اتجاه عمله وأهدافه ويعرف طبوغرافية الشخصية ودينامياتها وعوامل الهدم والبناء فيها والعواصف النفسية التي تسبب تفككها والبيئة النفسية التي يعيش فيها إلى جانب العوامل الوراثية ... إلخ.
والسؤال الآن: ما هي المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد النفسي؟
أهم المعلومات المطلوبة هي:
البيانات العامة: عن العميل والأب والأم وولي الأمر والإخوة والأخوات والزوج والأولاد والأفراد الذين يعولهم والأقارب والآخرين الذين يعيشون مع الأسرة والآخرين الذين يمكن الاستعانة بهم ومحيل الحالة وجهة الإحالة.
الشخصية: بناء الشخصية ديناميا ووظيفيا، ويشمل ذلك المعلومات الجسمية والمعلومات العقلية، والمعلومات الاجتماعية ومعلومات عن الحالة الانفعالية، واضطرابات الشخصية.
__________
1 يقول الشاعر:
لا يدرك الشوق إلا من يكابده ... ولا الصحابة إلا من يعانيها
ويقول شاعر آخر:
لا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتى يكون حشاك في أحشائه
إن القتيل مضرجا بدموعه ... مثل القتيل مضرجا بدمائه
(1/140)

المشكلة: تحديد المشكلة الحالية أو المرض الحالي، ودراسة الأسباب والأعراض، وتتبع تاريخ المشكلة أو المرض الحالي، والجهود الإرشادية والعلاجية السابقة، والتغيرات التي طرأت على الحالة، والمشكلات أو الأمراض الأخرى، وطريقة حل المشكلات.
معلومات عامة: وتشمل معدل النمو والغرائز والدوافع والحاجات وحيل الدفاع النفسي، وهدف الحياة، وأسلوب الحياة، ومفهوم الذات، ومستوى التوافق، ومستوى الصحة النفسية.
(1/141)

مصادر المعلومات:
الإرشاد النفسي لا يمكن أن يتم على أساس معادلات ووصفات جاهزة، ولا يمكن في الإرشاد النفسي أن نضغط على أزرار فنحصل على معلومات، وعلى أخرى فتحصل على حقائق، وعلى ثالثة فنحصل على خطط، ولا يمكن أن ندير مفاتيح فنحصل على حلول جاهزة للمشكلات.
إن ضخامة عملية جمع المعلومات عن العميل ومشكلته وبيئته تشير إلى ضرورة اشتراك كل العاملين في ميدان الإرشاد النفسي فيها كل حسب تخصصه.
هذا ويجب أن تتعدد مصادر المعلومات كلما أمكن ضمانا للشمول والموضوعية والتأكد. ولا بد أن يثق كل مصدر للمعلومات في سريتها الكاملة وأنها لا تستخدم إلا لأغرض الإرشاد والعلاج، ويجب في نفس الوقت أن يتوافر الشعور بالمسئولية عند إعطاء المعلومات التي يجب أن تكون دقيقة وكاملة بقدر الإمكان.
وقبل الحصول على معلومات من غير العميل يجب تعريفه بضرورة ذلك واستئذانه.
وأهم مصادر المعلومات هي العميل أولا، ثم أهله وذووه، ورفاقه وأصدقاؤه، والأخصائيون.
المعلومات من العميل:
أحسن مصدر للمعلومات عن العميل هو العميل نفسه، وليس هناك من هو أعرف بالفرد من نفسه، وليس هناك من هو أقدر منه على وصف مشاعره ومشكلاته1. وهناك بعض المعلومات الخاصة جدا التي يتضمنها محتوى مفهوم الذات الخاص والتي لا يعرفها إلا العميل نفسه.
ويجب العمل على إعداد العميل إعدادا جيدا بخصوص دوره ومسئوليته في إعطاء المعلومات حتى يكون فاهما لأهمية عملية جمع المعلومات، وحتى يكون عند مستوى المسئولية
__________
1 يقول الشاعر:
إن رب البيت أدرى ... بالذي فيه يكون
(1/141)

في إعطائها، وحتى يكون كتابا مفتوحا يستطيع المرشد أن يقرأ كل ما فيه من معلومات "حامد زهران، 1976جـ". ومثل هذا العميل يطلق عليه العميل السهل الذي يدلي بمعلومات ذات قيمة دون لف أو دوران أو كذب أو تضليل.
أما العميل الصعب الذي يراعي عامل القبول الاجتماعي Desirability فهو يدافع عن نفسه في موقف آمن لا يحتاج إلى دفاع، والعميل الصعب إذا كذب فإنما يكذب على نفسه، وإذا ضلل فإنما يضل عليها، وعلى كل حال فنحن نجد أن معظم الاختبارات والمقاييس النفسية تحتوي على مقياس لكشف الكذب. وقد أعد المؤلف "حامد زهران، 1977" "مقياس الكذب" بهدف التعرف على مدى كذب أو صدق العميل بصفة عامة وفي المعلومات التي يدلي بها بصفة خاصة، وكذلك مدى مراعاة القبول الاجتماعي في استجاباته للاختبارات والمقاييس النفسية.
وكقاعدة عامة يجب أن تؤخذ المعلومات من العميل برضاه وليس قسرًا.
وهناك ملاحظات عامة يجب وضعها في الحساب عند جمع المعلومات من العميل وهي: مدى فهمه لطبيعة وغرض جمع المعلومات وفهمه للتعليمات، واتجاهه نحو عملية جمع المعلومات واهتمامه بها، ورغبته وتعاونه فيها، والجهد الذي يبذله وقدرته على التعبير عن نفسه، والأمور غير العادية الغريبة التي تصدر منه.
ومن الوسائل المعروفة لجمع المعلومات من العميل، الاختبارات والمقابلة والتقارير الذاتية.
المعلومات من الآخرين:
إلى جانب المعلومات التي تؤخذ من العميل، يمكن أن نجمع معلومات من مصادر أخرى خارجية منها:
الوالدان: يعتبر الوالدن مصدرا غنيا من مصادر المعلومات "خاصة في حالات الأطفال". فهما مسئولان عن الطفل قانونيا واجتماعيا. وهما يعرفان الكثير من التفاصيل عن الطفل بصفة عامة وعن نموه وسلوكه بصفة خاصة، وهما يؤثران في نموه وسلوكه، وربما يكونان سببا من أسباب مشكلاته، وللتعامل مع الوالدين كمصدر من مصادر المعلومات يجب أن يتوافر الاحترام المتبادل والثقة المتبادلة بينهما وبين المرشد حتى يمداه بالمعلومات اللازمة.
الإخوة والأقارب: يعيش الأخوة والأقارب مع العميل وقريبا منه ويتفاعلون معه ويؤثرون فيه، ويعرفون عنه الكثير عن كثب، وقد يكونون عوامل مسببة لبعض مشكلاته، ويمكن الحصول منهم على معلومات قيمة، ولكن حفاظا على السرية المطلوبة في عملية الإرشاد النفسي يجب اللجوء إلى هذا المصدر في حالات الضرورة فقط، وفي ضوء أخلاقيات الإرشاد النفسي وهناك
(1/142)

ملاحظة وهي أن الأخوة والأقارب على الرغم من أنهم قد يعطون معلومات قيمة فعلا إلا أنهم في بعض الحالات قد يكونون منحازين وغير قادرين على إصدار أحكام سليمة، وفي نفس الوقت قد ينقصهم النضج الكافي، والمطلوب للاعتماد عليهم كمصدر للمعلومات.
الأصدقاء: يقضي العميل أوقاتا طويلة مع أصدقائه يلعب معهم أو يذاكر معهم أو يعمل معهم، وهم يعرفون عنه الكثير مما قد لا يعرفه والداه، وإخوته وأقاربه، وهذا الذي يعرفونه يحسن الحصول عليه إذا تطلب الأمر ذلك مع مراعاة حدود السرية، وفي حالات الضرورة، وهناك بعض الحالات لا ينصح باللجوء فيها إلى هذا المصدر مثل حالات المشكلات السلوكية، وحالات الصداقة الحميمة، ففي الحالة الأولى قد يكون هناك افتراءات، وفي الحالة الثانية قد يكون هناك حماية وانحياز.
الأخصائيون: يمكن الحصول على بعض المعلومات المتخصصة من الأخصائيين الآخرين الذين يتعاملوا مع العميل من قبل، مثل المعلم، والأخصائي النفسي، والأخصائي الاجتماعي، والطبيب، في مجال الدراسة أو العمل أو المجال الاجتماعي بصفة عامة.
مصادر آخرى: هناك مصادر أخرى يمكن الحصول منها على معلومات معينة أو خاصة مثل: بعض الراشدين في المجتمع، أو بعض المسئولين، أو بعض الأفراد الذين يهمهم أمر العميل لأمر أو آخر، ويجب أن تكون هذه المعلومات في أضيق الحدود وفي حالات الضرورة القصوى حفاظا على السرية.
(1/143)

البيانات العامة:
يأتي العميل إلى الإرشاد النفسي والمرشد لا يعرف عنه شيئا أو لا يعرف عنه الكثير، ومن ثم يلزم جمع بعض البيانات العامة عن العميل كشخص وعن بيئته المباشرة: عن والديه أو ولي أمره أو أخوته وأخواته، وأولاده، ومن يعولهم، والأقارب والآخرين الذين يعيشون مع الأسرة، ويمكن الاستعانة بهم، ومحيل الحالة أو جهة الإحالة.
والنسبة لهولاء جميعا يلزم معرفة ما يتيسر وما يناسب من المعلومات الآتية:
الجنس: "ذكر/ أنثى".
تاريخ ومحل الميلاد.
العمر: بالسنة والشهر، ويضاف إليه تحديد مرحلة النمو "طفل/ مراهق/ راشد/ شيخ".
العنوان: الدائم والمؤقت، ويوضح عنوان السكن وعنوان العمل "إن وجد".
(1/143)

التليفون: يوضح تليفون السكن وتليفون العمل "إن وجد".
المدرسة أو الكلية أو المعهد أو المؤسسة: اسمها وعنوانها، ورقم تليفونها، والصف الدراسي والقسم.
الحالة الاجتماعية: "متزوج، مطلق، أرمل، أعزب".
المستوى التعليمي والثقافي: "أمي، يقرأ ويكتب، الشهادة الحاصل عليها".
المهنة: يوضح العمل الدائم والعمل بعض الوقت، والعنوان، ورقم التليفون.
الديانة.
الجنسية.
ويضاف إلى المعلومات السابقة ما يلي:
- بالنسبة للوالدين يضاف وجود زوج أم أو زوجة أب.
- بالنسبة لولي الأمر يضاف نوع القرابة.
- بالنسبة للإخوة والأخوات يرتبون حسب الميلاد ومن بينهم العميل، مع ذكر ما إذا كان شقيقا أو غير شقيق، يعيش بالمنزل أو يعيش بعيدا.
- بالنسبة للأولاد يرتبون حسب الميلاد ويوضح الجنس.
- بالنسبة للآخرين الذين يمكن الاستعانة بهم يضاف نوع القرابة أو العلاقة.
- بالنسبة لمحيل الحالة وجهة الإحالة يضاف تاريخ الإحالة وسببها.
(1/144)

الشخصية PERSONALITY:
الشخصية هي ميدان العمل في الإرشاد النفسي:
تركز عملية الإرشاد على دراسة شخصية العميل وظيفيا وديناميا، وعلى دراسة أبعادها وسماتها، وعلى فهمها في توافقها واضطرابها، وعلى معرفتها في تكاملها وتفككها والعوامل المؤثرة في ذلك، ويهتم المرشد كذلك بدراسة سلوك العميل في بيئته ويكرز على إحداث تغيير في الشخصية والبيئة وبالتالي في السلوك "أوسيبو ووالش Osipow & Walsh؛ 1970".
وقد سبق تعريف الشخصية تعريفا بسيطا بأنها جملة السمات الجسمية والعقلية
(1/144)

والاجتماعية والانفعالية التي تميز الشخص عن غيره، ومن أهم تعريفات الشخصية تعريف جوردون ألبورت Allport؛ "1937" وهو أن الشخصية هي التنظيم الدينامي في الفرد لجميع الأجهزة النفسية الجسمية الذي يحدد توافقه الفريد مع بيئته.
بناء الشخصية:
يقصد ببناء الشخصية تركيبها ومكوناتها. ويهتم المرشد بدراسة بناء الشخصية ومدة سلامته وتماسكه ومدى تصدعه أو تفككه وانهياره، والشخصية لها بناءان أو تركيبان هما:
البناء الوظيفي: ويشمل المكونات الجسمية، والمكونات العقلية، والمكونات الاجتماعية، والمكونات الانفعالية "وسيأتي تفصيل ذلك بعد قليل" وهذا المكونات متكاملة متراطبة وظيفيا في حالة السواء، وإذا حدث اضطراب أو نقص أو شذوذ في أي مكون منها أو أكثر أو في العلاقة بينها، أدى إلى اضطراب البناء العام والأداء الوظيفي للشخصية.
البناء الدينامي: ويتكون من القوى المحركة للشخصية والتي تحد السلوك. ويشمل البناء الدينامي الشعور واللاشعور وما قبل الشعور، ويشمل الهو والأنا والأنا الأعلى "راجع نظرية التحليل النفسي في الفصل الثالث" ويلعب الكبت دورا هاما في إبعاد الدوافع والأفكار المؤلمة أو المخزية أو المخيفة المؤدية إلى القلق من حيز الشعور إلى حيز اللاشعور. وقد يحدث صراع بين الهو والأنا الأعلى أو بين الأنا والهو أو بين الأنا والأنا الأعلى. وتعمل الضغوط البيئية الخارجية عملها عن طرق الصراعات والإحباطات والحرمانات والتوترات، وتوجد المقاومة التي تمثل الضمير الذي يتحكم في السلوك بما يتمشى مع التعاليم والمعايير الاجتماعية والقيم الأخلاقية. وتقوم الشخصية ديناميا بإحداث التوازن النسبي بين الفرد وبين بيئته، أي إحداث التوافق النفسي.
أبعاد وسمات الشخصية والعوامل المؤثرة فيها:
يهتم المرشد النفسي بدراسة أبعاد وسمات الشخصية. ولقد سبق الكلام عنها "راجع نظرية السمات والعوامل في الفصل الثالث".
ويهتم المرشد أيضا بدراسة العوامل المؤثرة فيها خلال رحلة النمو، ذلك لأن من أهداف عملية الإرشاد وإحداث تغيير في الشخصية وبالتالي في السلوك، ومن العوامل المؤثرة في الشخصية: العوامل الحيوية والوراثة والبيئة والنضج والتعلم والثقافة والأسرة والمدرسة وجماعة الرفاق ووسائل الأعلام ودور العبادة والأدوار الاجتماعية "حامد زهران، 1997".
(1/145)

سواء وتكامل الشخصية:
من التقسيمات الشائعة في علم النفس وسيكولوجية الشخصية تقسيم البشر إلى نمطين رئيسيين هما: العادي وغير العادي، أو السوي وغير السوي. والشخص السوي أو العادي هو الشخص الذي يتطابق سلوكه مع سلوك الشخص العادي، أي يكون سلوكه مألوفا ومماثلا ومهنيا أما الشخص غير السوي أو غير العادي فهو الشخص الذي ينحرف سلوكه عن سلوك الشخص العادي فيصبح شاذا عما هو سوي ويكون غير سعيد وغير متوافق شخصيا وانفعاليا واجتماعيا ومهنيا.
ويهتم المرشد النفسي بمفهوم تكامل الشخصية أي انتظام مكوناته وظيفيا وديناميا في بناء متكامل منسجم متوازن الأجزاء متسق العلاقات بين هذه الأجزاء كشرط أساسي لتحقيق التوافق النفسي والصحي والصحة النفسية، وأي خلل في تكامل الشخصية يؤدي إلى سوء التوافق والاضطراب النفسي، ونحن نعلم أن الصحة النفسية ينظر إليها على أنها "متصل" Continuum في أحد طرفيه يوجد الشخص كامل التكامل "إذا وجد هذا الشخص" وفي الطرف الآخر يوجد الشخص كامل التفكك "إذا وجد هذا الشخص" وبينهما يوجد المتوافقون والعاديون والعصابيون والذهانيون "نوردبيرج Nordberg؛ 1970".
هذا ويلزم تحديد اضطرابات الشخصية إن وجدت فيوضح:
- اضطرابات سمات الشخصية: مثل الانطواء والعصابية الذهانية.
- اضطرابات شخصية أخرى: مثل الشخصية الاكتئابية أو القهرية أو المزدوجة أو الصرعية أو المتعصبة ... إلخ.
(1/146)

المعلومات الجسمية
...
المعلومات الجمسية:
الجسم ومظهره الخارجي ومكوناته هو عنوان الشخصية، وأبزر سماتها الظاهرة، والمكونات الجسمية هي أهم مكونات البناء الوظيفي للشخصية على أساس أنها أظهر المكونات وأسهلها وأدقها قياسا ووصفا.
ويهتم المرشد النفسي بجميع معلومات جسمية، بعضها معلومات جسمية عامة، وبعضها معلومات طبية، وبعضها معلومات عصبية.
(1/146)

ويعلق البعض على أهمية المعلومات الجسمية الطبية والعصبية ويرون أنها غير ضرورية في الإرشاد النفسي. وهذا غير صحيح، لأن النواحي الطبية والعصبية ترتبط ارتباطا وثيقا بالمشكلات والاضطرابات والأمراض النفسية، ومن ثم فلها أهميتها القصوى في عملية الإرشاد النفسي، وكذلك فإن المعلومات الطبية والعصبية يجب أن تكون متوافرة على الأقل من باب فحص ودراسة العميل ككل، وذلك أضعف الإيمان.
المعلومات الجسمية العامة:
من المعلومات الجسمية العامة ما يلي:
الشكل الخارجي العام: هو بمثابة اللافتة الخارجية للشخصية، وله أهمية خاصة على الأقل بالنسبة للشخص نفسه، وتشمل المعلومات عن الشكل الخارجي العام معرفة الطول والوزن واللون.
نمط الجسم Somatotype: وترجع أهمية تحديد نمط الجسم إلى ارتباطه بصفات نفسية معينة. فالنمط البدين أو داخلي التركيب Endomorphic أو الحشوي الأساسي Viscerotonia، يميل صاحبه إلى الراحة والاسترخاء والنوم، والبطء في الاستجابة، والمحبة والمرح، والاهتمام بالأكل، والروح الاجتماعية والانبساط، والتسامح، والسهولة والتركيب Mesomorphic أو الجسمي الأساسي Somatotonia، يميل صاحبه إلى إثبات الذات والعمل والنشاط والحركة، والسيطرة والعدوان والجرأة وحب المخاطرة والشجاعة، واللامبالاة بمشاعر الآخرين "شكل33". والنمط النحيف أو الجلدي أو خارجي التركيب Ectomorphic أو المخي الأساسي Cerebrotoia يميل صاحبه إلى التوتر واليقظة والحساسية، والسرعة في الاستجابة والنشاط العقلي والتأمل، وضعف العلاقات الاجتماعية، والقلق "شكل 33".
مفهوم الجسم: Body- concept وهو فكرة الفرد عن جسمه كرمز للذات أو الصورة الذهنية للجسم Body- image أو الذات الجسمية Physical- self.
المهارات الحركية: مثل المهارة اليدوية، وزمن الرجع Reaction Time وهو الزمن الذي يمر بين ظهور مثير حسي وبين بدء الاستجابة لهذا المثير، وهذا مهم في الإرشاد التربوي والإرشاد المهني.
(1/147)

المعلومات الطبية:
معظم المعلومات الجسمية اللازمة معلومات طبية، وهذه يمكن الحصول عليها عن طريق الفحص الطبي، وأهم المعلومات الطبية ما يلي:
معلومات طبية عامة: وتشمل معلومات عن الحرارة والنبض وضعط الدم وحالة الدم والبول ... إلخ. ومعلومات عن الرأس: محيطه وطوله وعرضه وارتفاعه وتشكل الجمجمة وعيوبها وإصاباتها، والرقبة وأي علامات مرضية فيها، والحق واللسان والأسنان وأي عيوب فيها.
أجهزة الجسم: ويشمل حالة ووظائف وأمراض كل من الجهاز الدوري "القلب والأوعية الدموية"، والجهاز التنفسي "الصدر والرئتين"، والجهاز الهضمي "المعدة والأمعاء والكبد"، والجهاز العضلي والهيكلي "الحركات النشطة والشاذة والتآزر والإيقاع العضلي وقوة قبضة اليد وهيئة المشي"، وجهاز الغدد، والجهاز البولي، والتناسلي، والجلد "حامد زهران، 1976أ".
(1/148)

الحواس: ويشمل فحص الحواس ووظائفها، السمع "قوته أو أمراضه"، والبصر "قوته ورؤية الألوان ومجال الإبصار، وأمراضه"، وحاسة اللمس والشم والتذوق. ويوضح ما إذا كان العميل يستخدم معينات حسية كالسماعات أو النظارات.
العاهات: وتشمل أوجه الإعاقة الجسمية والتشوهات وضروب العجز، وكيف يعوضها العميل وكيف يتغلب عليها والاتجاه نحوها.
الحالة الصحية العامة والأمراض: ويحدد الحالة الصحية العامة للعميل والأمراض التي يعاني منها خاصة الأمراض النفسية والجسمية.
العوامل العضوية المرتبطة بالمشكلة والتي تسببها: تحدد العوامل العضوية والجسمية المرتبطة بالمشكلة والتي تسببها مثل الأمراض، والتسمم، والإصابات، والجروح، والعمليات الجراحية السابقة، خاصة إصابات الحوادث وإصابات الرأس أو حدوث إصابة في المخ.
المعلومات العصبية:
من المعلومات الجسمية الهامة، المعلومات العصبية، فلا بد من توافر المعلومات عن الجهاز العصبي. وأهم المعلومات العصبية ما يلي:
المخ: الاستدلال على وجود أي دليل على تلف المخ، أو أي إصابة مع تحديد نوعها والمنطقة المصابة في الفصوص الجبهي والصدغي والجداري والقذالي، وتحديد أي إصابة في المخ المتوسط، وقنطرة فارول، والنخاع المستطيل والمخيخ.
الأعصاب المخية: تحديد أي إصابة في العصب الأول "الشمس" والثاني "البصري" والثالث "محرك العين المشترك" والرابع "الاستعطافي" والخامس "ثلاثي الوجوه" والسادس "المبعد" والسابع "الوجهي" والثامن "السمعي الاتزاني" والتاسع "اللساني البلعومي" والعاشر "المتجول أو الرئوي المعدي" والحادي عشر "الإضافي" والثاني عشر "تحت اللسان".
النخاع الشوكي: دراسة الانعكاسات السطحية والعميقة والعضوية، وإصابات النخاع الشوكي.
الأعصاب النخاعية والشوكية، تحديد أي خلل فيها.
الجهاز العصبي الذاتي: تحديد الإصابات الناتجة عن أي اضطراب فيه.
الإحساس: تحديد اضطراباته "للتفصيل انظر حامد زهران، 1976أ".
(1/149)

المعلومات العقلية:
يهتم المرشد النفسي بجمع معلومات عن النواحي العقلية للعميل، أي الجوانب العقلية من بناء شخصيته مثل الذكاء العام والقدرات العقلية والاستعدادت والعمليات العقلية العليا والتحصيل ... إلخ. ويستفيد المرشد حين يجمع هذه المعلومات العقلية في توجيه عملية الإرشاد نفسها، ويستفيد بما جمع في وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فمن المتوقع أن عملية الإرشاد تختلف مع العبقري عنها مع ضعيف العقل. وكم يلاحظ المرشدون النفسيون أن عبقرية تلميذ قد تكون هي سبب سوء توافقه في المدرسة، وأن الضعف العقلي لفرد قد يكون هو سبب شقائه طول حياته.
ويستخدم في جمع المعلومات العقلية الاختبارات والمقاييس المناسبة، وفيما يلي أهم المعلومات العقلية اللازمة لعملية الإرشاد النفسي:
القدرة العقلية العامة:
هي الطاقة العقلية العامة أي الذكاء العام الذي يدخل في كل أنواع السلوك بدرجة أو بأخرى، ولذلك فمن المعلومات الضرورية جدا معرفة مستوى العقلية العامة للعميل ونسبة ذكائه. وهذا مهم بالنسبة لكافة مجالات الإرشاد النفسي.
القدرات الخاصة:
هي كل ما يستطيع الفرد أداؤه في الوقت الحاضر من أعمال عقلية أو حركية. والقدرات الخاصة تتمايز عن القدرة العقلية العامة، ومن أمثلة القدرات العقلية التي يلزم قياسها القدرة اللغوية والقدرة الفنية والقدرة الموسيقية والمهارة اليدوية والمهارات الحركية الأخرى. ولا شك أن معرفة نصيب العميل من القدرات الخاصة أمر هام خاصة في مجال الإرشاد التربوي والإرشاد المهني.
الاستعدادات:
هي قدرات الفرد الكامنة على تحصيل أنواع معينة من المعرفة أو اكتساب مهارات معينة إذا أعطى التدريب المناسب. ومن أمثلتها الاستعداد الموسيقي، وهكذا فالاستعدادات الخاصة عبارة عن حالة حاضرة تبين ما قد يقدر عليه الفرد في المستقبل، ومن المعروف في الإرشاد التربوي والمهني أن بعض الدراسات والتخصصات وبعض المهن تتطلب استعدادات خاصة تتوافر عند الأفراد بدرجات متفاوتة.
(1/150)

المواهب:
هي القدرات الخاصة التي يتفوق فيها الفرد بصفة خاصة مثل الموهبة الموسيقية وموهبة الرسم. والتعرف على المواهب التي قد ينبغ فيها الفرد أمر هام جدا في توجيهه وإرشاده.
الابتكار:
يجب الحصول على معلومات عن التفكير الابتكاري والخيال الابتكاري والسلوك الابتكاري للعميل بمستوياته المختلفة: الطلاقة والأصالة والمرونة والتنظيم والتركيب المبتكر.
التحصيل:
المقصود هنا الإنجاز في كل شيء بمعناه الشامل نتيجة الخبرات والممارسات على نطاق واسع داخل وخارج المدرسة وفي شكل تطوري مجتمع حتى الوقت الحاضر فمثلا بالنسبة للتحصيل المدرسي يتطلب معلومات عن مستوى التحصيل الدراسي، والمواد المحبوبة وغير المحبوبة، والمواد السهلة والمواد الصعبة، والميل العام نحو المواد الدراسية، وسرعة أو بطء، أو صعوبات التعلم، والتفوق أو التخلف الدراسي، وأسلوب الاستجابة للفضل والنجاح.
معلومات عقلية أخرى:
هناك معلومات عقلية أخرى تلزم لعملية الإرشاد النفسي منها: معلومات عن الذاكرة والإدراك والتخيل "حالها واضطراباتها"، وعن التفكير "مجرد، منطفي، ابتكاري، سريع، بطيء"، وعن الانتباه "مداه ومدته وحدته"، وعن الكلام والمهارات اللغوية "حالها واضطراباتها" ... إلخ.
(1/151)

المعلومات الاجتماعية:
يهتم الإرشاد النفسي بالفرد ككائن اجتماعي تمثل المكونات الاجتماعية لشخصيته جانبا هاما يجب العناية بدراسته وجمع معلومات وافية عنه.
ويعتبر البحث الاجتماعي الوسيلة الرئيسية للحصول على المعلومات الاجتماعية.
وتشتمل المكونات الاجتماعية للشخصية على المجال الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد وعلى عملية التنشئة الاجتماعية التي تكسبه صفة الإنسانية وعلى تأثير كل من الأسرة والمدرسة والصحبة ومجال الدين والاتجاهات والقيم والميول والهوايات والخلفية الاجتماعية والاقتصادية ومجال المهنة ... إلخ.
(1/151)

المجال الاجتماعي:
المجال الاجتماعي للعميل هو البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها. وقد سبق ذكر أن العميل يجب النظر إليه كفرد وكعضو في جماعة، كذلك سبق إيضاح اهتمام نظرية المجال بالمجال الاجتماعي للفرد وأهمية العلاقات والتفاعل الاجتماعي والمؤثرات الاجتماعية في السلوك الاجتماعي للفرد، وهذه قد تكون سوية أو مضطربة، ويلزم معلومات عنها.
المجتمع بصفة عامة:
المجتمع الكبير: الذي يعيش فيه العميل مهم في تحديد سلوكه الاجتماعي وذلك بتأثير الثقافة العامة في المجتمع بعناصرها ومتغيراتها وأنماطها، وتأثر المعايير الاجتماعية والاتجاهات العامة والقيم الاجتماعية السائدة ونظام الطبقات الاجتماعية. ويتأثر السلوك الاجتماعي للعميل بصفة خاصة بالظروف الاجتماعية العامة في المجتمع المحلي سواء كان مجتمعا ريفيا أو حضريا أو بدويا ... إلخ، أو إذا كان العميل ضمن جماعة إقليمية، وهذه العوامل كلها يجب معرفة شيء عنها.
ويضم المجتمع المحلي جماعات عديدة ينتمي إليها العميل، ويلزم جمع معلومات عن وضع العميل داخلها ومدى توافقه معها.
عملية التنشئة الاجتماعية:
من المعروف أن عملية التنشئة الاجتماعية هي العملية المسئولة عن تشكيل السلوك الاجتماعي للفرد وعن استدخال ثقافة المجتمع في بناء شخصيته، وعن طريقها يصبح الفرد متوافقا اجتماعيا إذا كانت سليمة أو غير متوافق إذا كانت غير سليمة. ويقوم بعملية التنشئة الاجتماعية مؤسسات ووكالات عديدة هي الأسرة والمدرسة وجماعة الرفاق ودور العبادة ووسائل الإعلام والثقافة بصفة عامة، وفي هذه المؤسسات يتعلم الفرد الأدوار الاجتماعية والاتجاهات والقيم والمعايير الاجتماعية للسلوك.
وفي الإرشاد النفسي تلزم معلومات عن مدى سلامة عملية التنشئة الاجتماعية للعميل ومدى تحقيق مطالب النمو الاجتماعي ومدى تأثير ذلك في توافق العميل.
الأسرة:
الأسرة هي الجماعة المرجعية الأولى الأولية صاحبة أكبر تأثير في تنشئة العميل اجتماعيا، وفيها وضعت البذور الأولى لنمو شخصيته، وفيها يقضي معظم وقته، وفي ضوء ظروفها ومدى قيامها بمسئولياتها في رعاية النمو وتحقيق مطالبه يتحدد توافقه الأسري.
(1/152)

وهكذا يلزم معلومات عن تركيب الأسرة: عن الوالدين "الأب والأم" وعن زوجة الأب، أو زوج الأم، "إن وجد" وعن الإخوة والأخوات وعن الزوج وعن الأولاد وعن الأقارب والآخرين الذين يعيشون مع الأسرة، وبالنسبة لكل من هؤلاء جميعا يحدد اسمه وتوافقه النفسي وصحته العامة واتجاهه نحو العميل واتجاه العميل نحوه وعلاقته بالعميل ومركزه الاجتماعي ومستواه التعليمي ومهنته، ويلزم معلومات عن العلاقات الأسرية وما قد يشوبها من مشكلات مثل العلاقات بين الوالدين والعلاقات بين العميل والوالدين وبينه وبين الإخوة والأخوات وبينه وبين الزوج وبينه وبين الأولاد وبينه وبين الأقارب والآخرين الذين يعيشون مع الأسرة، ويلزم معلومات أخرى عن أسباب الاضطراب في الأسرة، وعن وضعها الاقتصادي العام وعن مشكلاتها الاقتصادية، وعن ظروف السكن، وعن مشكلاتها العامة وعن اتجاهها العام.
وفي نفس الوقت يلزم معلومات عن الجيرة من حيث المستوى الاجتماعي الاقتصادي العام، وعلاقة العميل وأسرته بالجيرة وتوافقه الاجتماعي معها.
المدرسة:
المدرسة كمؤسسة اجتماعية تمثل نموذجا مصغرا للمجتمع، تتم فيه عملية التربية والتنشئة الاجتماعية وتعلم المعايير والاتجاهات والقيم، ويقضي فيها الفرد جزءا كبيرا من وقته، وفيها من الأخصائيين من يوجه ويقيم السلوك.
ومن ثم فإن المعلومات عن السلوك الاجتماعي في المدرسة ضرورية وهامة. فيلزم معلومات عن بداية دخول العميل المدرسة، والمدارس والكلية التي درس بها، والمواد التي درسها أو يدرسها حديثا، والعلاقة بينه وبين أساتذته، وبينه وبين زملائه، ومدى التعاون بين الأسرة والمدرسة، وأسباب الاضطراب في المدرسة، والمشكلات السلوكية والمواقف الشاذة فيها، ومعلومات عن المهارات الخاصة.
الصحبة:
تقوم الصحبة أو جماعة الرفاق بدور هام في عملية التنشئة الاجتماعية وفي النمو الاجتماعي للعميل، فهي تؤثر في معاييره الاجتماعية، ويقوم معها بأدوار اجتماعية متعددة. وتتعدد جماعات الرفاق، فمنها جماعة اللعب وجماعة النادي والثلة ... إلخ.
ويلزم معلومات عن رفاق العميل وأصحابه وأقرانه بصفة عامة1 بخصوص عددهم ومتوسط
__________
1 يقول الشاعر:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
(1/153)

أعمارهم ومستواهم الاجتماعي الاقتصادي وسلوكهم العام، وعلاقة العميل بهم وتوافقه الاجتماعي معهم واتجاههم نحوه، ووضعه بالنسبة للقيادة والتبعية، وعلاقاته مع الجنس الآخر.
مجال الدين:
الدين ودور العبادة لهما تأثير كبير ودور ضخم في عملية التنشئة الاجتماعية لما لهما من خصائص فريدة أهمها إحاطتهما بهالة من التقديس.
ويلزم معلومات عن السلوك الديني للعميل ومشكلاته، وعن أسباب الاضطراب النفسي في رأي الدين مثل الذنوب والضلال والصراع وضعف الضمير، وعن أعراض الاضطراب النفسي في رأي الدين مثل الانحراف والشعور بالإثم والخوف والقلق والاكتئاب، وإلى أي حد تتوافر عوامل الوقاية الدينية من الاضطراب النفسي لدى العميل مثل الإيمان "التربية الدينية" والتدين "السلوك الديني" والأخلاق"السلوك الأخلاقي".
الاتجاهات Attitudes:
الاتجاه النفسي عبارة عن استعداد نفسي متعلم للاستجابة الموجبة أو السالبة نحو أشخاص أو أشياء أو موضوعات أو مواقف أو رموز في البيئة التي تستثير هذه الاستجابة، ونحن نعرف أن الاتجاهات توجه إدراك الإنسان وتضبط سلوكه وتحدد العلاقات الاجتماعية وتيسر عملية الاختيار واتخاذ القرارات1.
ومن المعلومات اللازمة معرفة اتجاهات العميل نحو نفسه ونحو الآخرين ونحو الأشياء والموضوعات والمواقف في مجاله النفسي الاجتماعي.
ويلاحظ أن الاتجاهات الاجتماعية قد تكون خاطئة لأن الاتجاهات غالبا ذاتية أكثر منها موضوعية، وقد تكون الاتجاهات جامدة Stereotyped نمطية صعبة التغيير شبه ثابتة، وقد تكون الاتجاهات مشحونة نفسيا ومنفعلة تصل إلى درجة التعصب Prejudice الذي يعمي ويصم فلا يسمع الفرد إلا ما يريد أن يسمع ولا يرى إلا ما يريد أن يرى. كذلك يلاحظ أن الاتجاه المقاس قد يتفق مع السلوك الفعلي وقد يختلف عنه "حامد زهران وآخرون، 1975". وهكذا تتضح أهمية دراسة اتجاهات العميل وجمع المعلومات عنها.
__________
1 يقول الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
(1/154)

القيم Values:
تمثل القيم عنصرا هاما في كيان شخصية الفرد وتعتبر أحد المحددات الهامة للسلوك الاجتماعي، والقيم عبارة عن تنظيمات لأحكام عقلية انفعالية معممة نحو الأشخاص والأشياء والمعاني وأوجه النشاط، والقيمة مفهوم يعبر عن الاهتمام والتفصيل، والاختيار. والقيم نتاج اجتماعي متعلم مكتسب خلال عملية التنشئة الاجتماعية وعن طريق التفاعل الاجتماعي، وتصنف القيم إلى قيم عامة مثل القوة والثروة والنظافة والعفة والعلم والإيمان، وقيم خاصة مثل القيم المتعلقة بالزواج، والأعياد، وقيم نظرية وقيم اقتصادية وقيم جمالية وقيم اجتماعية وقيم سياسية وقيم دينية، وقيم وسائلية وقيم غائية، وقيم ملزمة وقيم تفضيلية وقيم مثالية، وقيم ظاهرة أو صريحة وقيم ضمنية، وقيم دائمة نسبيا وقيم عابرة "فوزية دياب، 1966".
ويلزم معرفة قيم العميل والترتيب الهرمي لها عنده بما يفيد في إرشاده تربويا ومهنيا وزواجيا، وفي عملية الإرشاد والعلاج النفسي بصفة عامة. "حامد زهران وإجلال سري، 1985".
الميول Interests:
الميول هي ما يحبه الفرد وما يهتم به، والميل شعور بحب شيء أو موضوع أو نشاط أو موقف. ويتدرج الميل على متصل يمتد من الحب إلى الكره عبر الحياد. ومعروف أنه إذا توافقت الميول مع القدرات وتوافرت الدافعية فإن هذا يؤدي إلى أقصى نمو ورضا وسعادة، والعكس صحيح.
ومن المعلوم أن معرفة الاهتمامات والميول المهنية واللامهنية هامة في الإرشاد التربوي والإرشاد المهني، ويجب تحديد الميول الأصلية والميول العارضة. والنوع الأول هو المهم بالنسبة لعملية الإرشاد. فكثيرا ما نجد ميولا غير أصلية ولكنها ميول عارضة حسب الصيت الأدبي والاجتماعي مثل الميل إلى دراسة الطب والهندسة عند بعض الأفراد.
الهوايات Hobbies:
من المعروف أن الهوايات تفيد في شغل وقت الفراغ، وتفيد في الدراسة، ومن أمثلة ذلك فائدة هواية جمع طوابع البريد في تحصيل المعلومات الجغرافية والتاريخية، كذلك فإن الهوايات تكشف عن الاتجاهات المهنية، لدى الفرد وتؤثر في الاختيار المهني. وكم سمعنا عن طيارين مثلا كانت هوايتهم عمل نماذج الطائرات وهم أطفال.
ويلزم جمع معلومات عن الهوايات لأهميتها في مجال الإرشاد التربوي وفي مجال الإرشاد المهني، وفي طريقة الإرشاد في وقت الفراغ.
(1/155)

الخلفية الاجتماعية الاقتصادية Socioeconomic Background:
تؤثر الخلفية الاجتماعية الاقتصادية للعميل في نموه وسلوكه بصفة عامة، وترتبط بمشكلاته بصفة خاصة، ونحن نلاحظ مثلا أثر الطبقة الاجتماعية بعادتها وتقاليدها وإمكاناتها المادية والثقافية على نمو الفرد وسلوكه، ونلمس في بعض الأحيان -في المجال المهني- أن الفرد يختار مهنة الوالد والأسرة حتى لنجد أسرا بأسرها تعمل في مهنة واحدة، ونلمس كذلك تأثير الخلفية الاجتماعية الاقتصادية في الزواج ... وهكذا "جاكسون وجونيبر Jackson & Juniper؛ 1971".
وهكذا نجد أنه يلزم جمع معلومات عن الخلفية الاجتماعية الاقتصادية: المستوى التعليمي والمستوى المهني ومستوى الدخل الشهري للفرد "عبد السلام عبد الغفار وإبراهيم قشقوش، 1987".
مجال المهنة:
تمثل المهنة قطاعا هاما من قطاعات حياة الفرد، ويقضي فيها معظم وقته الهام في الحياة.
وفي مجال المهنة يلزم معرفة المهنة الحالية وظروف العمل، ومدى ملاءمته لاستعدادات العميل وقدرته وميوله، ومدى استقراره ورضاه وتوافقه وتقدمه فيه، وعلاقته برؤسائه وزملائه، والمهن السابقة وأسباب تغييرها، والخطط المهنية المستقبلية، وواضح أن هذه المعلومات أساسية في مجال الإرشاد المهني.
معلومات اجتماعية أخرى:
بالإضافة إلى ما سبق يلزم توافر معلومات أخرى عن النشاط الاجتماعي العام وأوجهه، ومناشط أوقات الفراغ ومشكلاتها، والعادات والتقاليد الغريبة، ومستوى الطموح، وأسباب الاضطراب الحضارية والثقافية.
(1/156)

المعلومات عن الحالة الانفعالية:
الحالة الانفعالية للعميل:
تتضمن المكونات الانفعالية للشخصية أساليب النشاط المتعلق بالانفعالات المختلفة مثل الحب والكره والفرح والحزن والخوف والتوتر والغضب والخجل ... إلخ، وما يرتبط بذلك من ثبات انفعالي أو عدمه، وما يترتب على ذلك من مشكلات انفعالية.
(1/156)

وتنتظم الانفعالات في عواطف. ونحن نعلم أن العاطفة تنظيم انفعالي ثابت نسبيا ومركب من عدة انفعالات تدور حول موضوع معين قد يكون شخصا أو جماعة أو شيئا أو فكرة، مثل عاطفة الأمومة التي تشمل حب الأم لطفلها وفرحها بنجاحه وحزنها لفشله وخوفها من تعرضه للخطر وغضبها عندما يعتدي عليه أحد.
المعلومات الانفعالية اللازمة:
من المعلومات اللازمة عن الحالة الانفعالية للعميل ما يلي:
الحالة الانفعالية العامة: وتشمل مدى ثباته واتزانه أو تذبذبه وتناقضه الانفعالي، وهل انفعالاته متصارعة، وهل لديه سيولة انفعالية، وهل انفعالاته شديدة فإذا حزن تطور إلى اكتئاب وإذا فرح وصل إلى حالة الهوس.
مستوى النضج الانفعالي العام: وذلك في ضوء معايير النضج الانفعالي لمن هم في مثل عمره.
المشكلات والاضطرابات الانفعالية: مثل الخوف والقلق والعدوان، وطريقة حلها والتغلب عليها.
الصدمات الانفعالية: مثل الفشل في الحب أو موت عزيز أو الخسارة المالية أو فقدان المركز الاجتماعي ... إلخ.
الانفعال المزمن: يلزم معرفة تأثير الانفعال المزمن على الجسم ووظائف أعضائه وتحويله إلى هستيريا "حيث تصاب أعضاء الجسم التي يسيطر عليها الجهاز العصبي الذاتي".
الحالة العاطفية: يلزم الإحاطة بالحالة العاطفية للعميل وخاصة ما يتعلق بالأشخاص مثل الغيرة والحسد والتفاؤل والتشاؤم ... إلخ.
(1/157)

المشكلة أو المرض:
من أهم أهداف عملية الإرشاد النفسي حل مشكلة العميل، والعودة به إلى التوافق والصحة النفسية.
والعميل قد يكون لديه مشكلة بسيطة أو مشكلة أكبر تعقيدا، وقد يكون أيضا عصابيا، وقد يكون مريضا ذهانيا.
(1/157)

ويلزم قبل بدء عملية الإرشاد النفسي تحديد المشكلة الحالية أو المرض الحالي وتحديد الأسباب والأعراض والتاريخ، والجهود الإرشادية والعلاجية السابقة، والتغيرات التي طرأت على الحالة والمشكلات أو الأمراض الأخرى، وطريقة حل المشكلات.
تحديد المشكلة الحالية أو المرض الحالي:
يلزم تحديد المشكلة الحالية أو المرض الحالي تحديدا واضحا على لسان العميل ومن وجهة نظره، وعلى لسان الأب والأم أو ولي الأمر، وعلى لسان قريب أو صديق، وكما ورد في خطاب الإحالة.
ويجب تحديد نوع المشكلة، شخصية، اجتماعية، فردية، جماعية، أسرية، مدرسية، مهنية، اقتصادية، جنسية ... إلخ.
ويجب تحديد حجم المشكلة، فقد تكون المشكلة بسيطة يضخمها العميل "حبة يعمل منها قبة" وقد تكون مشكلة كبيرة يتجاهلها العميل "قبة يعمل منها حبة".
ويلزم تحديد المرض الحالي: عصاب "قلق، توهم مرض، ضعف عصبي، خواف، هستيريا، وسواس قهري" أو ذهان "اكتئاب، هوس، فصام، هذاء".
أسباب المشكلة الحالية أو المرض الحالي:
تساعد معرفة الأسباب بدقة في إزالتها وتجعل التنبؤ بنجاح عملية الإرشاد محتملا جدا.
ويلاحظ مبدأ تعدد وتفاعل الأسباب، ويلاحظ كذلك أن السبب أو الأسباب التي قد تؤدي إلى انهيار شخصية فرد قد تؤدي هي نفسها إلى صقل شخصية فرد آخر1.
ومطلوب تحديد أسباب المشكلة الحالية أو المرض الحالي على لسان العميل، وعلى لسان الأب أو الأم أو ولي الأمر، وعلى لسان الزوج، وعلى لسان قريب أو صديق، وكما ورد في خطاب الإحالة.
ويلزم تحديد الأسباب على النحو التالي:
الأسباب الداخلية: في الفرد "الجسمية والنفسية".
الأسباب الخارجية: في البيئة "المادية والاجتماعية".
__________
1 يقول الشاعر الأسمر:
بعض الرجال حديد حين يقرعه ... خطب وبعضهم أوهى من الخزف
(1/158)

الأسباب الأصلية أو المهيئة: التي مهدت لظهور المشكلة مثل العيوب الوارثية والاضطرابات الجسمية والخبرات الأليمة، وخاصة في مرحلة الطفولة وانهيار الوضع الاجتماعي.
الأسباب المساعدة أو المرسبة: التي سبقت ظهور المشكلة مباشرة والتي عجلت بظهورها بعد أن مهدت لها الأسباب الأصلية أو المهيئة فكانت كالقشة التي قصمت ظهر البعير، أو الزناد الذي فجر البارود أو القطرة التي طفح بها الكيل، ومن أمثلتها الأزمات والصدمات والمراحل الحرجة في حياة الفرد.
الأسباب الحيوية: جسمية المنشأ أو عضوية المنشأ مثل العيوب الوراثية كما في التشوهات الخلقية والوراثية، والاضطرابات الفسيولوجية كما في سن القعود والشيخوخة، واضطرابات البنية أو التكوين كما في اضطراب نمط الجسم واضطرابات الغدد، والعوامل العضوية مثل الأمراض والتسمم والإصابات والعيوب والتشوهات الجسمية.
الأسباب النفسية: وهي ذات أصل ومنشأ نفسي ومن أمثلتها اضطرابات النمو أثناء الحمل والولادة والرضاعة والطفولة والبلوغ الجنسي والمراهقة والزواج وسن القعود والشيخوخة، والصراع الذي ينتج عن وجود حاجتين لا يمكن إشباعهما في وقت واحد، مثل صراع الإقدام الذي ينشأ عن وجود موقفين جذابين، وصراع الإحجام الذي ينشأ عن وجود موقفين أحدهما جذاب والآخر منفر، والإحباط الذي يتضمن إعاقة الرغبات أو الحوافز أو المصالح الخاصة بالفرد سواء كان شخصيا أو بيئيا، والحرمان الحيوي أو النفسي أو البيئي، وعدم إشباع الحاجات الأساسية، وإخفاق حيل الدفاع النفسي مثل إخفاق الكبت واستحالة الإعلاء، والخبرات السيئة أو الصادمة الأليمة والعنيفة كالموت والحوادث والخبرات الجنسية الصادمة، والعادات غير الصحيحة، والإصابة السابقة بالمرض النفسي وأسباب نفسية أخرى مثل التناقض الانفعالي والضغوط النفسية والإطار المرجعي الخاطئ.
الأسباب البيئية: وهي التي تنشأ في البيئة أو المجال الاجتماعي مثل اضطراب البيئة الاجتماعية نفسها، واضطراب العوامل الحضارية والثقافية، واضطراب التنشئة الاجتماعية في الأسرة كما يحدث بين الوالدين والفرد والإخوة، وسوء التوافق في المدرسة مع المعلمين والرفاق، وسوء التوافق في المجتمع كما في الصحبة السيئة ومشكلات الأقليات، وسوء التوافق المهني، وسوء الأحوال الاقتصادية، وتدهور نظام القيم، والكوارث الاجتماعية والحرب، والضلال.
(1/159)

أعراض المشكلة الحالية أو المرض الحالي:
نحن نعلم أن الأعراض Symptoms هي علامات المشكلة أو المرض، ويجب ملاحظتها ودراستها وربطها بشخصية العميل. ولا يخلو إنسان من الأعراض، والفرق بين الشخصية السوية والشخصية المضطربة من حيث الأعراض فرق في الدرجة وليس فرقا في النوع، والأعراض تعتبر مظاهر وعلامات تكشف عن الحياة الخاصة للعميل، وتظهر أعراض المشكلة أو المرض في شكل زملة أو تجمع، أو تشكيل معين، والأعراض ترمز إلى وجود اضطراب نفسي أو جسمي وللأعراض معنى، فهي تشير إلى مشكلات العميل الداخلية، وللأعراض وظائف، فهي تعتبر رد فعل أو تعبيرا نفسيا حيويا عن الفرد ككل، وهي تعمل على صيانة قيمة وتقدير الذات وتوضح وتظهر مشكلات العميل وتعتبر محاولة للتوافق، وهي التي تلفت وتوجه الأنظار إلى مشكلة أو مرض العميل، وللأعراض أهداف أولية مثل السيطرة على القلق وحل الصراع، وتحقيق أو تدعيم كبت وكف الدوافع وامتصاص الطاقات النفسية وإخماد نشاط الدوافع المكبوتة وإشباع الدوافع والحاجات وتهدئة الضمير الهائج عن طريق عقاب الذات، وللأعراض أهداف ثانوية مثل استدرار العطف والهروب من المآزق والتملص من المسئوليات وتجنب الأعمال المكروهة، وتبرير الضعف والفشل وتعويض النقص والعجز والإحجام عن المواقف الأليمة والفوز بمحبة الآخرين، والمحافظة على كيان الشخص والتحكم في بعض الأشخاص ووقاية الذات.
ومطلوب تحديد أعراض المشكلة أو المرض الحالي على لسان العميل، وعلى لسان الأب والأم أو ولي الأمر، وعلى لسان الزوج وعلى لسان قريب أو صديق، وكما ورد في خطاب الإحالة.
ويلزم تحديد الأعراض على النحو التالي:
الأعراض الداخلية: التي لا تلاحظ مباشرة ولكن تلاحظ من تعبيراتها السلوكية مثل الخواف.
الأعراض الخارجية: التي تكون ظاهرة وواضحة مثل فرط إفراز العرق أثناء القلق.
الأعراض عضوية المنشأ: التي تنتج عن اضطرابات وتغيرات فسيولوجية كما يحدث في الجهاز العصبي مثل أورام المخ أو العدوى أو التسمم.
الأعراض نفسية المنشأ: التي تنتج عن العمليات النفسية المضطربة التي تسببها عوامل داخلية وعوامل خارجية تعتبر علامات على محاولة الفرد في جهاده ودفاعه ضد مشكلاته.
اضطرابات الإدراك: ومنها الهلوسات أي الإدراك الخاطئ لمثير حسي غير موجود في الواقع الخارجي كما في الهلوسات السمعية والبصرية والشمية والذوقية واللمسية، ومنها الخداع وهو
(1/160)

إدراك خاطئ مع وجود مثير حسي، ومنها اضطرابات الحس مثل الحس الزائد والخدر والحس الزائف والحس المختلط واضطراب حاسة الشم واضطراب الجهاز العضلي.
اضطرابات التفكير: ومنها اضطرابات إنتاج الفكر مثل التفكير الذاتي أو الخيالي والتفكير غير الواقعي أو غير المنطقي، واضطراب سياق التفكير مثل طيران الأفكار وتأخر أو بطء التفكير والترديد أو المداومة والمنع أو العرقلة والخلط أو الإسهاب والتشتت أو عدم الترابط، واضطراب محتوى الفكر مثل الأوهام والوساوس والمخاوف وفقر الأفكار والبلادة الفكرية وضغط الأفكار وانتزاع الأفكار وإقحام الأفكار والانشغال وتناقض الأفكار والسفسطة والرمزية.
اضطرابات الذاكرة: ومنها حدة الذاكرة، وفقد الذاكرة أو النسيان، مثل فقد الذاكرة الرجعي وفقد الذاكرة اللاحق، وخطأ الذاكرة مثل التزييف والتأليف والألفة والجدة، ومنها اضطرابات أخرى مثل اضطراب الحفظ والاسترجاع وفجوات الذاكرة وفلتات اللسان وهفوات القلم ونسيان عمل شيء معين واستخدام الكلمات الخاطئة.
اضطرابات الوعي والشعور: ومنها تقيم الوعي أو تشوش الشعور، واضطراب التوجيه، والذهول، والهذيان، والحالة الحالمة أو الغسقية، والخلط، والتفكك.
اضطرابات الانتباه: ومنها زيادة الانتباه، وقلة الانتباه، وتحول الانتباه، والسرحان والسهيان، والانشغال.
اضطرابات الإرادة: ومنها اضطراب اتخاذ القرارات، واضطراب الفعل الإرادي، واضطراب الدافعية.
اضطرابات الكلام: ومنها اضطرابات الكلام العامة مثل الحبسة وتأخر الكلام والكلام التشنجي والكلام الطفلي واللغة الجديدة، وعيوب طلاقة اللسان مثل اللجلجة أو التهتهة والعقلة، واضطراب كم الكلام مثل الثرثرة وقلة الكلام، واضطراب تكرار الكلام النمطية، واجترار الكلام المصادرة، وصعوبات النطق مثل الإبدال والتردد واللعثمة، واضطراب الصوت مثل الخنف وحدة الصوت وشدته وفقده، واضطرابات أخرى مثل الاندفاع في الصراخ والسباب والسلبية والامتناع عن الكلام والتحدث مع النفس.
اضطرابات الانفعال ومنها القلق، والاكتئاب، والتوتر، والفزع، والتبلد، واللامبالاة، والتناقض الانفعالي وعدم الثبات الانفعالي، وانحراف الانفعال، والزهو أو المرح، والنشوة، أو التجلي، والوجد، ومشاعر الذنب الشاذة، والاستثارية.
(1/161)

اضطرابات الحركة: ومنها النشاط الزائد مثل النشاط الزائد المرتبط بسرعة سريان الفكر وعدم الاستقرار الحركي والتوتر العضلي، والنشاط الناقص مثل التدهور الحركي والوهن والشلل العضلي والخلجات والارتجافات، والنشاط المتكرر أو النمطية، والجمدة أو التصلب، واللازمات الحركية، والآلية مثل الطاعة الآلية والمحاركة، والسلبية، والقهر، والعدوان، والمقاومة، والنفور.
اضطرابات المظهر العام: ومنها اضطراب وتطرف النمط الجسمي النحيف أو البدين أو العضلي والتشوه واللاتعبير، واضطراب حالة الملابس مثل الإهمال والفوضى والقذارة والتمزق، وعدم التناسق والشذوذ وزهو الألوان والبهرجة والتكلف والتصنع والتبرج، واضطراب حالة الشعر مثل التصفيف الغريب والإهمال، واضطراب الوضع في الوقفة والجلسة مثل الوضع الخاص التمثيلي والوضع التعبيري الشاذ.
اضطرابات التفهم: ومنها اضطراب الإدراك الواعي، واضطراب إدراك مضمون الشعور.
اضضرابات البصيرة: ومنها عدم إدراك طبيعة المشكلة أو المرض، وعدم السعي للإرشاد والعلاج.
الاضطرابات العقلية المعرفية: ومنها تدهور الذكاء والضعف العقلي، والتدهور العقلي المعرفي في العمليات العقلية العليا، والخبل.
اضطرابات الشخصية، ومنها اضطراب سمات الشخصية مثل الانطواء والعصابية والتقلب والخضوع وضعف الأنا الأعلى والتشاؤم.
واضطرابات السلوك الظاهر: ومنها السلوك الشاذ الغريب، والانسحاب، والجناح.
اضطرابات الغذاء: ومنها فقد الشهية، والشره، والبطء في تناول الطعام، وتقاليع الأكل، والتقيؤ.
اضطرابات الإخراج: ومنها البوال، وسلس البلول، والإمساك العصبي، والإسهال العصبي، والتبرز اللاإرادي.
اضطرابات العادات: ومنها مص الأصابع، وقضم الظافر، واللازمات العصبية، واللعب بأعضاء الجسم.
اضطرابات النوم: ومنا كثرة النوم، وقلة النوم، والأرق، وتقطيع النوم، والكلام أثناء النوم، والمشي أثناء النوم، والمخاوف الليلية، والأحلام المزعجة والكابوس.
(1/162)

سوء التوافق: ومنه سوء التوافق الشخصي، وسوء التوافق الاجتماعي، وسوء التوافق الأسري، وسوء التوافق التربوي، وسوء التوافق المهني.
الانحرافات الجنسية: ومنها الانحرافات نحو النفس الجنس مثل الجنسية المثلية، ونحو موضوعات مادية مثل الأثرية، ونحو المومسات مثل البغاء، ونحو الذات مثل العادة السرية، وانحراف الدرجة مثل الإفراط والبرود والعنة، وانحرافات مظهرية مثل الاستعراض، وانحرافات إجرائية مثل الاحتكاك الجنسي، وانحرافات إجرامية مثل هتك العرض والاغتصاب، وانحرافات جنسية أخرى مثل جمع الحيوان وجماع المحارم والفرجة الجنسية.
أعراض نفسية جسمية وعصبية، ومنها أعراض هستيرية مثل الأعراض الحسية كالعمى الهستيري، والأعراض الحركية كالشلل الهستيري، والأعراض العامة كالمرض عند الامتحانات. ومنها عراض نفسية جسمية في الجهاز الدوري مثل الذبحة الصدرية، وفي الجهاز الهضمي مثل قرحة المعدة، وفي الجهاز الغددي مثل مرض السكر، وفي الجهاز التناسلي مثل العنة، وفي الجهاز البولي مثل البوال، وفي الجهاز الهيكلي مثل آلام الظهر، وفي الجلد مثل الحساسية، وفي الجهاز العصبي مثل الصداع النصفي.
تاريخ المشكلة الحالية أو المرض الحالي:
يلزم تحديد تاريخ ظهور المشكلة الحالية أو المرض الحالي لأول مرة. فقد تكون المشكلة قديمة ضاربة الجذور في ماضي العميل ويكون حلها أكثر صعوبة ومآلها أقل تفاؤلا.
ويلزم كذلك تحديد الأوقات التي يقل فيها ظهور المشكلة أو المرض.
وفي نفس الوقت تحدد المشكلات أو الأمراض النفسية أو الأمراض العصبية السابقة، والمشكلات الاجتماعية السابقة والأمراض الجسمية السابقة والعمليات الجراحية السابقة. وتحدد المشكلات أو المرض والعمر الذي حدثت فيه والمدة والعيادة أو الأخصائي أو المعالج والنتائج.
كذلك تحدد المشكلات والأمراض النفسية والأمراض العصبية والمشكلات الاجتماعية والأمراض الجسمية في الأسرة، ويحدد الاسم والعمر والمشكلة أو المرض والمدة والعيادة أو الأخصائي أو المعالج والنتائج.
الجهود الإرشادية والعلاجية السابقة:
يلزم تحديد آخر فحص نفسي وآخر اجتماعي وآخر فحص طبي وآخر فحص عصبي، واسم المرشد أو المعالج أو الأخصائي وعنوانه ورقم تليفونه وإمكانية الاتصال به لسؤاله عن الحالة.
(1/163)

ويجب كذلك تحديد الجهود العلاجية الذاتية والمحاولات الأخرى مثل اللجوء إلى غير المختصين أو الدجالين والمشعوذين ... إلخ.
ويحدد أيضا ما إذا كانت عملية الإرشاد والعلاج ستبدأ من الصفر أم من حيث انتهى الآخرون.
التغيرات التي طرأت على الحالة:
يلزم تحديد اتجاه التغير ومداه، وتحديد ما إذا كان التغير إلى أحسن، أم كما هو أم إلى أسوأ.
ويحدد أيضا سبب التغير وما إذا كانت نتيجة للعلاج، أم أنه تلقائي مع مرور الوقت.
المشكلات والأمراض الأخرى:
يلزم تحديد المشكلات والأمراض الأخرى سواء أكانت نفسية أو طبية أو اجتماعية أو تربوية ... إلخ.
ومن المهم معرفة ما إذا كان العميل يعاني من مشكلة واحدة أم أن مشكلاته متعددة ومتفرعة، أي أن لديه مصيبة وليس مجرد مشكلة واحدة.
طريقة حل المشكلات:
ويلزم تحديد طريقة العميل في حل المشكلات سابقا: هل يحلها بالمواجهة أم الهرب أم الانهيار أم اللجوء إلى الأخصائيين أم اللجوء إلى غير المختصين.
(1/164)

معلومات عامة:
هناك بعض المعلومات والبيانات العامة التي يلزم معرفتها عن العميل، وفيما يلي هذه المعلومات العامة:
النمو:
يلزم معرفة معدل نمو العميل: ومعروف أن معدل ومسار النمو تحدده وتؤثر فيه عوامل كثيرة منذ وجد الفرد حتى الوقت الحاضر، ويمكن في ضوء هذا المعدل التنبؤ بمسار النمو إن شاء الله. ويجب دراسة معدل نمو العميل في ضوء معايير النمو.
ويجب تحديد مدى تحقيق مطالب النمو في مراحله المتتابعة حتى الوقت الحاضر.
ويجب كذلك تحديد اضطرابات النمو التي تسبب المشكلات والأمراض النفسية مثل اضطرابات النمو أثناء الحمل كأن يكون غير طبيعي، والولادة إذا حدث أثناءها إصابة أو تشوه، والرضاعة والصناعية، والفطام العنيف، والطفولة ذات الخبرات الأليمة، والبلوغ الجنسي المبكر أو المتأخر، والخبرات الجنسية المؤلمة، والمراهقة كمرحلة انتقال، والإعداد غير الكافي لمرحلة الرشد،
(1/164)

والزواج وما قد يهدده من مشكلات أو العنوسة، وسن القعود والاكتئاب الذي قد يصاحبها، والشيخوخة والتدهور العام الذي يحدث معها.
ويجب أيضا تحديد مشكلات النمو في كل مرحلة من مراحل النمو وخاصة ما يتعلق بالضعف العقلي والتخلف الدراسي والمشكلات الانفعالية واضطرابات الغذاء اضطرابات الإخراج واضطرابات النوم وأمراض الكلام والانحرفات الجنسية وجناح الأحداث ... إلخ.
الغرائز والدوافع والحاجات:
يلزم معرفة شيء عن غرائز العميل ودوافعه وحاجاته النفسية ومدى إشباعها فالعميل له غرائز تحركه للسلوك، وله دوافع تدفعه للسلوك، وله حاجات تشده للسلوك.
ونحن نعرف أن الغريزة Instinct هي استعداد فطري نفسي يحمل الكائن الحي على الانتباه إلى مثير معين يدركه حسيا وينفعل به وينزع إلى الاستجابة بسلوك معين تجاهه، ويصنف ويليام مكدوجال McDougall الغرائز إلى غرائز فردية مثل غريزة البحث عن الطعام وغريزة التملك وغريزة الهرب، وغرائز اجتماعية مثل الغريزة الجنسية وغريزة الوالدية وغريزة التجمع. وقد سبقت الإشارة إلى أن سيجموند فرويد Freud يقول بوجود غريزة الحياة وغريزة الموت وغرائز الأنا ويؤكد أن الغريزة الجنسية تلعب دورا هاما في الحياة.
والدافع Motive هو حالة جسمية أو نفسية داخلية تؤدي إلى توجيه الكائن الحي تجاه مثير معين يدركه وينفعل به ويختار إحدى عدة استجابات محتملة يمكن أن تقابل المثير. وتنقسم الدوافع إلى دوافع فسيولوجية تنشأ عن حاجات جسمية أساسية، ودوافع اجتماعية يثيرها ويشبعها أشخاص آخرون، وإلى دوافع أولية أو فطرية يولد الفرد مزودا بها ويلزم إشباعها لحفظ بقائه مثل الدافع الجنسي، وإلى دوافع ثانوية أو مكتسبة وهي متعلمة ومعظمها دوافع اجتماعية.
والحاجة Need افتقار إلى شيء إذا وجد حقق الإشباع والرضا والارتياح للكائن الحي. والحاجة شيء ضروري إما لاستقرار الحياة نفسها"حاجة فسيولوجية" أو للحياة بأسلوب أفضل "حاجة نفسية"، والحاجات توجه السلوك سعيا لإشباعها1 ومن أمثلة الحاجات الفسيولوجية للفرد الحاجة إلى الهواء والغذاء والماء. ومن أمثلة الحاجات الأساسية الحاجة إلى الحب
__________
1 يقول المثل العايم: "لولا الحاجة ما مشت الرجلين".
ويقول الشاعر:
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجات من عاش لا تنقضي
(1/165)

ومن المهم معرفة هل دوافع العميل وحاجاته مشبعة أم غير مشبعة، ومدى إشباعها وكيفية وطرق إشباعها، هل عن طريق الحلال أم الحرام، أو عن طريق مقبول اجتماعيا أم مستهجن اجتماعيا ... وهكذا.
وكما سبق أن عرفنا فإن المبادئ الأساسية في الإرشاد النفسي ضرورة إشباع الدوافع والحاجات النفسية لأن إشباعها ضروري للنمو السوي للشخصية ولتحقيق التوافق النفسي والصحة النفسية "مارجريت بينيت Bennett؛ 1963".
وكما سنرى -في الفصل التاسع- فإن برنامج التوجيه والإرشاد النفسي يتحدد في ضوء دوافع وحاجات الأفراد العاديين وتحقيق مطالب نموهم التي من ضمنها إشباع الدوافع والحاجات، هذا ويرى هيرمان بيترز وبروس شيرتزر Peters & Shertzer "1969" أنه يجب النظر إلى الحاجات ليس على أنه نقص، ولكن على أنها مطالب نمو، وإشباعها يؤدي إلى التوافق والصحة النفسية.
هدف الحياة Life Gaol:
من المهم معرفة هدف حياة العميل فالعمل له ماض منذ أن وجد أي منذ كان جنينا في بطن أمه، وله حاضر يعيشه، وله مستقبل سيعيشه، وله أهداف أهمها وأشملها هو "هدف الحياة"، وهو الهدف الأساسي الذي يسعى الفرد لتحقيقه في الحياة. وقد يشتمل ذلك على هدف رئيسي أساسي وعلى أهداف فرعية أو ثانوية، وهدف الحياة ينظم حياة الفرد وسلوكه ويتحدد في ضوئه أسلوب الحياة الذي يتبعه لتحقيق هدف الحياة، ويلاحظ أن العميل قد يتخذ هدفا وهميا لا يستطيع تحقيقه.
أسلوب الحياة Life Style:
يلزم معرفة أسلوب حياة العميل لتحقيق أهداف حياته.
وفي سبيل تحقيق هدف الحياة يسلك العميل بطريقة خاصة وأسلوب حياة خاص هو عبارة عن طريقته في سعيه لتحقيق أهدافه.
وتعدد أساليب الحياة، فقد يكون أسلوب الحياة الذي يتبعه العميل أسلوب علم أو أسلوب نشاط اقتصادي أو اجتماعي أو رياضي أو فني أو أسلوب مناورة. وأسلوب العلم يؤدي إلى أن يصبح الفرد عالما وأسلوب النشاط الفني يؤدي إلى أن يصبح فنانا ... وهكذا.
وقد تختلف أساليب الحياة التي تؤدي إلى تحقيق هدف واحد. فمثلا قد يكون هدف الحياة عند فردين واحدا وهو جمع المال وأحدهما يتبع أسلوب حياة شريف والآخر يتبع أسلوب حياة غير شريف لتحقيق هذا الهدف.
(1/167)

حيل الدفاع النفسي Defense Mechanisms:
العميل كإنسان يتعامل مع العالم المحيط به ومعه سلاح نفسي اسمه "حيل الدفاع النفسي"، وعبارة عن أساليب لا شعورية غير مباشرة تحاول الإبقاء على التوازن النفسي وتحقيق التوافق النفسي ولو بتشويه الحقيقة ومسخها، وهي عبارة عن خط دفاع نفسي به نقط دفاع قوية ضد أي مهددات نفسية مثل مسببات القلق والتوتر الناتجة عن الإحباطات والصراعات.
وحيل الدفاع النفسي عادة يلجأ إليها كل الناس، السوي وغير السوي والعادي، والشاذ والصحيح والمريض، ولكن الفرق بينهما في كل حالة هو نجاح الأول وإخفاق الثاني، ووجودها بصورة معتدلة عند الأول وبصورة مفرطة عند الثاني.
وتتعدد حيل الدفاع النفسي فنجد منها:
حيل دفاع انسحابية "أو هروبية": مثل الانسحاب والنكوص والتفكيك والتخيل والتبرير والإنكار والإلغاء والسلبية.
حيل دفاع عدوانية "أو هجومية: مثل العدوان والإسقاط والاحتواء.
حيل دفاع إبدالية: مثل الإبدال والإزاحة والتحويل والإعلاء والتعويض والتقمص وتكوين رد الفعل والتعميم والرمزية والتقدير المثالي.
ويجب تحديد حيل الدفاع التي يلجأ إليها العميل: هل هي حيل دفاع سوية غير عنيفة تساعد على حل أزمته النفسية وتحقيق توافقه النفسي مثل الإعلاء والتعويض والتقمص والإبدال، أم هي حيل دفاع غير سوية عنيفة يلجأ إليها عندما تخفق حيله الدفاعية السوية فيظهر سلوكه مرضيا مثل الإسقاط والنكوص والعدوان والتحويل والتفكيك والسلبية "للتفصيل انظر حامد زهران، 1997".
مفهوم الذات Self- Concept:
للعميل ذات هي جوهر الشخصية، وله مفهوم عن ذاته هو حجر الزاوية في الشخصية ومقرر السلوك, وله مستويات لمفهوم الذات: عام وخاص وواقعي ومثالي واجتماعي، وقد يكون مفهوم الذات موجبا حين يتطابق مفهوم الذات الواقعي والمثالي أو سالبا حين لا يتطابقان، فإذا كان موجبا فمعنى ذلك التوافق، وإذا كان سالبا فمعنى ذلك سوء التوافق "راجع نظرية الذات في الفصل الثالث".
(1/168)

ومطلوب معرفة هل مفهوم الذات لدى العميل موجب أم سالب، وهل هناك نقص في تقدير الذات، ومطلوب معرفة محتوى مفهوم الذات الخاص أهميته الخاصة في الإرشاد العلاجي وخاصة المحتويات ذات الوزن الكلينيكي والمشكلة الرئيسية للعميل ومشكلاته الخاصة ودرجة تغليف الذات والمقاومة "انظر حامد زهران، 1977".
مستوى التوافق Adjustment:
يلزم لعملية الإرشاد معلومات عن مستوى التوافق وعن أبعاد التوافق وسوء التوافق ودرجته.
والتوافق هو عملية دينامية مستمرة تتناول السلوك والبيئة "الطبيعية والاجتماعية" بالتغيير والتعديل حتى يحدث توازن بين الفرد وبيئته، وهذا التوازن يتضمن إشباع حاجات الفرد مقابلة متطلبات البيئة، والعميل له مستوى من التوافق يتوقف على مدى ما تعرض له من مؤثرات في ماضيه وحاضره.
ومن أبعاد التوافق المطلوب معلومات عنها:
التوافق الشخصي: ويتضمن السعادة مع النفس والرضا عنها وإشباع الدوافع والحاجات، ويعبر عن السلم الداخلي حيث يقل الصراع الداخلي، ويتضمن كذلك تحقيق مطالب النمو، ويلزم معلومات عن أسباب سوء التوافق الشخصي.
التوافق الاجتماعي: ويتضمن السعادة مع الآخرين ومسايرة المعايير والقيم الاجتماعية والتفاعل الاجتماعي السليم والسعادة الأسرية والتوافق الزواجي والتوافق المدرسي، ويلزم معلومات عن المشكلات الاجتماعية الرئيسية التي يعاني منها العميل في المجتمع، والسمات الاجتماعية السالبة للعميل وعن أسباب سوء التوافق في المجتمع.
التوافق المهني: ويتضمن الاختيار المناسب للمهنة والاستعداد علما وتدريبا لها والدخول فيها والإنجاز والكفاءة والإنتاج والشعور بالرضا والنجاح، ويلزم معلومات عن أسباب الاضطراب في المهنة إن وجدت.
مستوى الصحة النفسية Mental Health:
من الضروري تحديد مستوى الصحة النفسية للعميل. ونحن نعرف أن الفرد له مستوى من الصحة النفسية يتدرج بين السوية أو العادية وبين اللاسوية والشذوذ، ومعلوم أن الفرق بين الصحة النفسية والمرض النفسي، وبين السوي واللاسوي أو بين العادي والشاذ فرق في الدرجة، أي أن الأفراد يمكن تدريبهم على متصل مستمر بين الصحة النفسية والمرض النفسي.
(1/169)

ويلزم معرفة هل العميل لديه مشكلات عادية، أم تصاعد اضطرابه ووصل إلى العصاب، أم زاد العيار ووصل إلى الذهان، وهل حالته تدخل في إطار ميدان الإرشاد النفسي أم تحتاج إلى علاج نفسي مع إرشاد مساعد، أم أن الحالة حالة ذهان لا مجال للإرشاد معه إلا بعد العلاج الطبي ثم النفسي ثم يأتي دور الإرشاد.
(1/170)

ملخص الحالة:
المعلومات الهامة المتعلقة بالمشكلة:
لا بد أن ينتهي جمع المعلومات إلى ملخص لحالة العميل، يجمع أهم المعلومات عن العميل ومشكلته وبيئته ويحللها ويفسرها.
ويتضمن ملخص الحالة أهم النواحي المرضية ذات الدلالة، في ضوء البيانات العامة وتحديد المشكلة أو المرض، والفحص النفسي والبحث الاجتماعي والفحص الطبي والفحص العصبي والملاحظات العامة.
التوصيات:
توضع التوصيات على أساس ملخص الحالة، وتتضمن التشخيص وتوصيات الإرشاد والعلاج خطته.
(1/170)

دليل فحص ودراسة الحالة في الإرشاد والعلاج النفسي:
لماذا الدليل؟:
في عملية جمع المعلومات لا بد أن يعرف المرشد بالضبط ماذا يريد سلفا، ولذلك لا بد له من دليل، أو إطار عام يحدد اتجاه عملية الفحص والدراسة وجمع المعلومات، ونحن نعلم أن المعلومات قد تكون كثيرة جدا وتستغرق وقتا وجهدا كبيرا وقد لا تكون مطلوبة، وقد تتفرع العملية إلى فروع ومتاهات، وتتشتت المعلومات وتصبح محيرة أكثر منها هادية ومرشدة. وفي نفس الوقت يجب ألا تكون المعلومات قليلة أو مختصرة أو مقتضبة أو بها فجوات قد تكون مضللة أو على أحسن الفروض لا تعطي صورة واضحة، وهذا يذكرنا بالمثل القائل: "الزائد أخو الناقص".
وحيث أن المطلوب هو التركيز حول العمل ومشكلته وبيئته فإن الحاجة ماسة إلى دليل لفحص ودراسة الحالة.
(1/170)

دليل فحص ودراسة الحالة للمؤلف:
لمس المؤلف "حامد زهران، 1976أ" أهمية مثل هذا الدليل فأعد "دليل فحص ودراسة الدلالة في الإرشاد والعلاج النفسي، وهو عبارة عن الخطوط الرئيسية والفقرات المحددة لعملية فحص ودراسة حالة العميل وفي مرونة ليسترشد به المرشد أو المعالج في عملية جمع المعلومات -بتصرف- حسب عمر وجنس وثقافة وحالة العميل، وعلى هدي هذا الدليل يقدر الفاحص السمات والقدرات والاستعدادات ويحدد الأسباب والأعراض ... إلخ.
أما عن محتوى دليل فحص ودراسة الحالة: فيتكون من سبعة مباحث يتضمن كل منها عددا من الفقرات على النحو التالي: البيانات العامة، المشكلة الحالية أو المرض الحالي، الفحص النفسي، البحث الاجتماعي، والفحص الطبي، الفحص العصبي، ويقوم كل أخصائي بالفحص حسب تخصصه.
ملاحظات:
وهكذا نرى أن عملية جمع المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد النفسي -كما ذكرت في هذا الفصل- طويلة وتحتاج إلى وقت وجهد.
وفي ممارسة الإرشاد النفسي، ربما لا يجمع جميع المرشدين المعلومات اللازمة جميعها، ونجدهم يقتصرون على الأهم ويكتفون بالميسر منها، أي أن هناك بعض المرشدين يتبعون دليل فحص ودراسة الحالة المفصل، بينما الكثيرون يكتفون بالقليل والمختصر، وحجتهم في ذلك أنه في الطب مثلا نجد دليل فحص ودراسة الآلة مفصلا وطويلا، ولكن الذي نراه ممارسا في العيادات والمستشفيات هو فحص مختصر يكتفي بالضروري ويرضى بالحد الأدنى من المعلومات، وإذا قيل لهم: لماذا هذا القياس؟ قالوا: تعالوا إلى الدين نفسه، إن علماء الدين عندما يعلمون الناس أصول الدين والعبادة يحددون الفروض والسنن والتطوع، وعلى المسلم أن يؤدي الفروض والأركان ويقوم بما يستطيع من السنن والنوافل والتطوع، قال الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} .
(1/171)

الفصل الخامس: وسائل جمع المعلومات في الإرشاد النفسي
المعلومات ووسائل جمعها
...
(1/174)

الفصل الخامس: وسائل جمع المعلومات في الإرشاد النفسي
المعلومات ووسائل جمعها:
تعتبر وسائل جمع المعلومات في الإرشاد النفسي حجر الزاوية في عملية الإرشاد.
ولقد عرفنا -في الفصل السابق- المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد، فقد كان السؤال الرئيسي: ما هي المعلومات المطلوبة؟ وفي الفصل الحالي نتناول وسائل جمع المعلومات. أي أن السؤال الآن هو: كيف تجمع هذه المعلومات؟ وبمعنى آخر: ما وسائل الحصول على هذه المعلومات؟
أما عن البيانات العامة عن العميل وبيئته المباشرة: عن والديه أو ولي أمره، إخوته وأخواته، وزوجه، وأولاده، ومن يعولهم، والأقارب والآخرين الذين يعيشون مع الأسرة، ومن يمكن الاستعانة بهم، هذه البيانات العامة يمكن الحصول عليها عن طريق المقابلة، ودراسة الحالة، والسيرة الشخصية، والسجلات.
وأما عن شخصية العميل وأبعادها، وسماتها، وتوافقها واضطرابها، وتكاملها، وتفككها والعوامل المؤثرة فيها، وبنائها ديناميا ووظيفيا "جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا"، هذه المعلومات يمكن الحصول عليها عن طريق الملاحظة، والمقابلة، ودراسة الحالة، ومؤتمر الحالة، والاختبارات والمقاييس، والفحوص والبحوث النفسية والطبية والعصبية والاجتماعية والتقارير والسيرة الشخصية، والسجلات، ومصادر المجتمع.
وأما عن المشكلة الحالية أو المرض الحالي من حيث التحديد، وتعيين الأسباب، والأعراض، والتاريخ والجهود الإرشادية والعلاجية السابقة، والتغييرات التي طرأت على الحالة، والمشكلات والأمراض الأخرى، وطريقة حل المشكلات، هذه المعلومات يمكن الحصول عليها أيضا عن طريق الملاحظة والمقابلة، ودارسة الحالة، ومؤتمر الحالة، والاختبارات والمقاييس، والفحوص والبحوث والتقارير، والسيرة الشخصية، والسجلات، ومصادر المجتمع.
وأما عن المعلومات العامة عن النمو، والدوافع والحاجات، وهدف الحياة، وأسلوب الحياة، وحيل الدفاع النفسي، ومفهوم الذات، ومستوى التوافق، ومستوى الصحة النفسية، هذه المعلومات يمكن الحصول عليها من عن طريق الملاحظة، والمقابلة، ودراسة حالة، ومؤتمر الحالة، والاختبارات والمقاييس، والسيرة الشخصية.
وسائل وليست غايات:
قبل البدء في الكلام عن وسائل جمع المعلومات يجب التنبيه إلى ضرورة اعتبارها وسائل لفهم ومساعدة العميل وليست غايات في حد ذاتها، ويرجع تأكيد هذا إلى أن بعض
(1/175)

الأخصائيين يقعون أحيانا في المحظور ويستخدمون وسائل جمع المعلومات كغايات في حد ذاتها. ومثال ذلك في دراسة الحالة حين تتم بدقة وتجمع وتعرض أو تحفظ في سجل أو ملف كمثال للجهد الذي يبذل، أو كاستعراض لمهارة المرشد، ولا يستفاد منها في إرشاد الحالة، وقد يحدث مثل هذا أيضا عندما تعد السجلات المجمعة وتودع في الملفات، وعندما تجري الاختبارات ولا يستفاد من نتائجها في التوجيه والإرشاد "جين وارترز Warters؛ 1964".
إن الغاية المنشودة من اسخدام وسائل جمع المعلومات في الإرشاد النفسي يجب أن تكون دائما هي اعتبارها وسائل دينامية للإرشاد السليم، واستخدام نتائجها في عملية الإرشاد النفسي لتحقيق أقصى نمو وتوافق ممكن.
تعدد الوسائل:
تتنوع وسائل جمع المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد، ولذلك فإن استخدام عدد من هذه الوسائل سهل وممكن. وذلك للتثبت من المعلومات، والتأكد من دقتها وموضوعيتها.
وفي دارسة وفهم العميل من أجل مساعدته، يجب أن تتعدد وسائل جمع المعلومات لأسباب كثيرة. فمن النادر أن يستطيع المرشد الاعتماد بكفاية على استخدام وسيلة واحدة. ونحن لا نعرف وسيلة واحدة تؤدي إلى جميع الأغراض وتصلح لجمع المعلومات المطلوبة لإنجاح عملية الإرشاد. هذا إلى جانب أن بعض وسائل الإرشاد تقوم على تقدير الكمي، وبعضها يقوم على التقدير الكيفي، وبعضها يتسم بالموضوعية وبعضها بالذاتية.
إن تعدد الوسائل يجعلها تكمل بعضها بعضا وتؤكد بعضها بعضا. وصحيح أن هناك وسائل ممتازة وتصلح الواحدة منها لجميع المعلومات اللازمة، ولكن هذا الامتياز يزداد في يد مرشد، قد لا تكون كذلك في موقف آخر أو مع حالة أخرى، أو في يد مرشد آخر، فمثلا هناك بعض الاختيارات التي تعتبر وسائل ممتازة ولكن من المعروف أن بعض العملاء لا يستجيبون استجابات طبية، بدليل حصولهم على درجات عالية على مقاييس الكذب التي تتضمنها هذه الاختبارات، فإذا كنا نقيم ذكاء العميل، فسوف نستخدم اختبارات ذكاء، وإذا استخدمنا اختبار ذكاء واحد فهذا لا يكفي. وتحسب نسبة ذكائه من متوسط نتائج الاختبارات ويجب أن يضاف إلى ذلك تقديرات المدرسين لأنهم أقرب الناس إلى التلميذ وأقدرهم على تقدير مستوى ذكائه.
(1/176)

ومما يلاحظ في ممارسة الإرشاد النفسي أن بعض المرشدين يكتفون باستخدام بعض الوسائل دون الأخرى، أو يفضلون بعض الوسائل ويستغنون تماما عما سواها، فمثلا المرشدون الذين يفضلون طريقة الإرشاد غير المباشر والممركز حول العميل يقيمون وزنا أكبر للسيرة الشخصية والتقرير الذاتي على حساب باقي الوسائل.
الشروط العامة لوسائل جمع المعلومات:
هناك شروط عامة يجب مراعاتها في جميع وسائل جمع المعلومات، وهذه الشروط نذكرها هنا وجملة تفاديا لتكرارها عند الكلام عن كل وسيلة على حدة، أما الشروط الخاصة بكل وسيلة فسوف نذكرها في مكانها تحت عنوان شروطها وعوامل نجاحها.
ومن الشروط العامة لوسائل جمع المعلومات ما يلي:
السرية: يجب تأكيد سرية وأمن المعلومات التي تجمع عن العميل عن طريق جميع الوسائل وطمأنته عن طريق تدوينها وتسجيلها في شكل رمزي لا يستطيع قراءته الأفراد العاديون، ويجب تأكيد أن التقارير والسجلات تحفظ بأمانة وسرية تامة بحيث تكون بعيدة عن أيدي غير المتخصصين وبحيث لا تستعمل إلا لأغراض الإرشاد النفسي، كذلك يجب تأكيد احترام رغبة العميل إذا وحدد من يطلع على المعلومات ومن لا يطلع عليها.
التخطيط، يجب التخطيط والتحديد المسبق لاستخدام وسيلة لجمع المعلومات وتحديد المعلومات المطلوب الحصول عليها، والهدف من الحصول عليها.
التنظيم: يجب تنظيم المعلومات التي يتم الحصول عليها في تسلسل واضح.
الدقة: ويتضمن ذلك الدقة في استخدام وإجراء الوسيلة، والدقة في تحري المعلومات، بحيث تكون مطابقة للواقع، والبعد عن التقديرات الجزافية أو التقريبية أو العامة، ويجب أن يكون للأرقام اعتبارها ومعناها لأنه لغة اصطلاحية مشتركة "مثل متوسط الذكاء 100 وانحرافه المعياري 15" ونحن نلاحظ أحيانا أن بعض المعلمين حين يحصل تلميذ على درجة 95 من 100 يكتب تقديره "جيد" وهذا طبعا خطأ وغير دقيق لأن التقدير في هذه الحالة "ممتاز"، وكذلك يجب تحري الدقة في تفسير المعلومات واستنتاج دلالتها النفسية بأسلوب علمي والبعد عن الأسلوب الإنشائي والدرامي.
الموضوعية: يجب أن تكون وسائل جمع المعلومات موضوعية. ويجب توخي الموضوعية في عملية جمع المعلومات وفي تفسيرها، ويجب البعد عن الذاتية والآراء الشخصية بقدر الإمكان.
(1/177)

المعيارية: ويقصد بالمعيارية هنا معناها العام أي الحكم على العميل في ضوء المعايير الخاصة بجنسه وعمره وثقافته.
التسجيل: يجب تسجيل كل المعلومات التي يتم الحصول عليها حتى لا تكون عرضة للنسيان ويجب أن تسجل المعلومات عقب الحصول عليها مباشرة، ويجب تحديد وتسجيل تواريخ المعلومات، وذلك مهم لمعرفة دلالتها بالنسبة لمرحلة النمو ومعرفة التقدم في الإرشاد، إذا أعيد التقييم أو الاختيار مثلا، ومعرفة مدى التقدم واتجاه التغير الذي يحدث ... وهكذا كذلك يجب تسجيل اسم الأخصائي الذي جمع المعلومات أو أضافها.
الخبرة: ويقصد بذلك خبرة الأخصائي -الذي يستخدم وسائل جمع المعلومات- في استخدامها في دراسة السلوك البشري، ويلزم لذلك التدريب العملي الكافي.
"انظر نورمان جرونلوند Gronlund؛ 1985، سبع أبو لبدة، 1987".
(1/178)

المقابلة INTERVIEW:
المقصود هنا "مقابلة جمع المعلومات" أي المقابلة كوسيلة لجمع المعلومات، وتسمى أيضا المقابلة الشخصية أو الاختبار الشخصي. وليس المقصود المقابلة الإرشادية Counselling Interview أو المقابلة العلاجية Clinical Interview أي المقابلة كجزء من عملية الإرشاد أو العلاج النفسي.
والمقابلة هي الوسيلة الأولى الأساسية في الإرشاد النفسي، وهي كوسيلة لجمع المعلومات ليست قاصرة على الإرشاد والعلاج النفسي، ولكنها وسيلة يستخدمها الأطباء والأخصائيون وأصحاب الأعمال والباحثون والصحفيون ... إلخ.
ما هي المقابلة:
المقابلة علاقة اجتماعية مهنية دينامية وجها لوجه بين المرشد والعميل، في جو نفسي آمن يسوده الثقة المتبادلة بين الطرفين، بهدف جمع معلومات من أجل حل مشكلة. أي أنها علاقة فنية حساسة يتم فيها تفاعل اجتماعي هادف، وتبادل معلومات وخبرات ومشاعر واتجاهات، ويتم خلالها التساؤل عن كل شيء، وهي نشاط مهني هادف، وليست محادثة عادية.
والمقابلة الإرشادية تتضمن مواجهة إنسانية، في مكان محدد، وبموعد سابق، لفترة زمنية معينة، لتحقيق أهداف إرشادية. "ماهر محمود عمر، 1989".
أنواع المقابلة:
تقسم المقابلة بصفة عامة إلى أنواع عديدة نلخصها فيما يلي:
المقابلة المبدئية Initial or Intake Interview: وهي أول مقابلة مع العميل، وفيها يتم التمهيد للمقابلات التالية، ويتم تحديد إمكانات المرشد وما يتوقعه المرشد والعميل كل من الآخر، والتعريف بالخدمات الإرشادية، والإلمام بتاريخ الحالة بصورة مبدئية عامة.
المقابلة القصيرة Brief- talk Interview: وهي مقابلة تستغرق مدة قصيرة عندما تكون المشكلة طارئة وسهلة وواضحة، وقد تكون مقدمة لمقابلات أخرى أطول. وقد تكون كافية وخاصة في حالات المشكلات التي يستطيع العميل بنفسه أن يحلها، ولكنها إذا كانت قصيرة بسبب ضيق وقت المرشد، فقد يكون ضررها أكثر من نفعها، إذ أنها تفتقر إلى التفاعل والعلاقة الكافية بين المرشد والعميل، ويسودها الأسلوب المباشر والإيحاء والإلزام والضغط والسطحية وعدم التعمق المطلوب.
(1/179)

المقابلة الفردية: وهي التي تتم بين المرشد وبين عميل واحد فقط.
المقابلة الجماعية Group Interiew: تتم مع جماعة من العملاء، كما يحدث في جماعة الطلاب الذين يعانون من مشكلات مشتركة فيما بينهم.
المقابلة المقيدة أو "المقابلة المقننة": وهي التي تكون مقيدة بأسئلة معينة محددة سلفا يجيب عنها العميل، وموضوعات محددة مسبقا يتحدث فيها، وبتعليمات محددة يتبعها المرشد ومن مزاياها ضمان الحصول على المعلومات الضرورية المطلوبة وتوفير الوقت، إلا أن من عيوبها الجمود ونقص المرونة وتفويت فرصة الحصول على معلومات يريد العميل سردها.
المقابلة المطلقة أو "الحرة": وهي غير مقيدة بأسئلة ولا موضوعات ولا تعليمات محددة، بل تكون حرة ومرنة حيث تترك الحرية للعميل تتداعى أفكاره تداعيا حرا ويعرضها بطريقته الخاصة، ولا شك أن لكل ما يقوله العميل أهمية لأنه يعبر عن وجهة نظره، ومن مزاياها أنها تسير بطريقة تلقائية، إلا أنها تتطلب خبرة خاصة وتدريبا طويلا وإلا كانت مضيعة للوقت.
وتقسم المقابلة حسب هدفها إلى أنواع منها:
مقابلة المعلومات: وتكون بهدف جمع معلومات جديدة أو التوسع في معلومات أو التأكد من معلومات سبق جمعها بوسائل أخرى.
المقابلة الإرشادية أو العلاجية "الكلينكية": وتكون بهدف تعديل أو تغيير وتوجيه السلوك لصالح العميل، وهي تستغرق وقتا طويلا وتهدف إلى تحقيق أهداف الإرشاد والعلاج النفسي "ويأتي الكلام عنها تفصيلا في الفصل السادس".
المقابلة الشخصية: ويطلق عليها أحيانا مقابلة التوظيف، وتكون بهدف تحديد مدى العمل أو الدراسة أو التخصص "ويلي وأندرو Willey & Andrew؛ 1955".
وتقسم المقابلة حسب الأسلوب المتبع فيها إلى:
المقابلة الممركزة حول العميل أو المقابلة غير الموجهة: وفيها يكون سير المقابلة حرا تحت تصرف العميل يفيد منه كيفما يشاء، ولا يقرر المرشد موضوع المقابلة ولا يحدد خطواتها، وإنما يساعد العميل في عمل ذلك بنفسه لنفسه، وينحصر عمل المرشد في تهيئة مناخ نفسي مناسب، ومساعدة العميل في ازدياد إدراك أن المشكلة مشكلته ومسئولية فهمها وحلها تقع على عاتقه هو. فالعميل هو الذي يحدد ما يذكره للمرشد ومتى ينتقل إلى معلومة أخرى. وهو حر في مناقشة ما يشاء من موضوعات وبالأسلوب الذي يراه. وهو الذي يحدد متى تنتهي المقابلة ... وهكذا.
(1/180)

المقابلة الممركزة حول المرشد أو المقابلة الموجهة: وفيها يكون العبء الأكبر على المرشد. وتنحصر المقابلة في دائرة المشكلة. وتسير المقابلة في خطوات محددة مقننة تبدأ بالإعداد له ثم بدئها في سيره حتى إنهائها وتسجيلها.
ويتناول بنجهام ومور "1961" أنواعا أخرى من المقابلة منها: مقابلة الطلاب، ومقابلة العمال، ومقابلة ذوي المشكلات، ويضاف كذلك المقابلة الاستفسارية بصفة عامة، وحتى المقابلة في الصحافة، والمقابلة الخاصة بالشهادة القانونية.
عوامل نجاح المقابلة:
بالإضافة إلى الشروط العامة التي يجب مراعاتها في جميع وسائل جمع المعلومات التي سبق ذكرها، هناك شروط خاصة لضمان نجاح المقابلة وتحقيق أهدافها نلخصها فيما يلي:
عام: يجب مراعاة السرية والأمانة التامة، والتخطيط المسبق والتحضير والإعداد الجيد، والتنظيم، والدقة، والموضوعية، والمعيارية، وأصول التسجيل، والتدريب العلمي، والخبرة، والتعاون والفهم المتبادل والإخلاص والصدق، وهنا ينصح بأن يتجنب المرشد أخطاء مثل النصح والشرح والأمر والنهي والتفسير والإيحاء واستعجال العميل أو إكمال حديثه.
جعل المقابلة موقف تعلم: يجب الحرص على أن تكون المقابلة موقف تعلم وخبرة بناءة فرصة لزيادة فهم الذات والاستبصار لدى العميل، ومن مظاهر ذلك العميل كيف يدرس ويدرك مشكلته من كافة النواحي، وبوضوح أكثر، وكيف يتناول الخبرات بانفعال متزن، وكيف يفهم الانفعالات التي تكمن وراء سلوكه، واكتساب طريقة التفكير المنطقي، وزيادة قدرته على تحمل مسئولية نفسه.
مؤهلات المرشد: وتشمل المؤهلات الشخصية، ويأتي على رأسها سمعته الطيبة في إجراء المقابلة، كأن يكون مشهورا بالبشاشة والأمانة والإخلاص والعلاقة الإنسانية. ومن مؤهلات المرشد الشخصية، أيضا التوافق الشخصي والنجاح في حياته والحياد والموضوعية والتسامح والتخلص من التفكير النمطي الجامد، ومنها كذلك المظهر الشخصي للمرشد حتى في لبسه الذي قد ينظر إليه كرمز للنضج والقدرة، وتشمل مؤهلات المرشد كذلك المؤهلات المهنية، ويأتي على رأسها الإعداد والتدريب المهني وسعة الاطلاع، والمعارف العامة، ومعرفة شاملة للسلوك البشري ودينامياته، ومن المؤهلات الهامة للمرشد، الذكاء الاجتماعي، ولنذكر ما قيل من أن الإرشاد النفسي علم وفن، إن هذا يصدق بصفة خاصة في المقابلة.
(1/181)

إجراء المقابلة:
يتم إجراء المقابلة في خطوات وعلى مراحل مرنة تعتبر أجزاء أساسية، وهي: "انظر أنيت جاريت، 1958".
الإعداد: أو التخطيط المسبق المرن، ويتضمن إعداد الخطوط العريضة والمحاور الرئيسية التي تدور حولها المقابلة وموضوعات المناقشة، وتحديد أسلوب بدء المقابلة، وتحديد الأسئلة الرئيسية، والاطلاع على ما تيسر من معلومات من الوسائل الأخرى، حتى تحدد النواحي المطلوب فيها المزيد من المعلومات ويتضمن الإعداد كذلك إعداد الأدوات اللازمة للتسجيل وخلافه.
الزمان يجب أن يكون الزمن كافيا لإجراء المقابلة، ويختلف الزمن حسب حالة العميل ومشكلته، ووقت المرشد والمعلومات المطلوبة، ويتراوح الزمن بين نصف ساعة وساعة بمتوسط 45 دقيقة، ويلاحظ أن المقابلة التي تتم بسرعة وعلى عجل لا تؤتي ثمارها المنشودة, ويجب تحديد الوقت الذي تستغرقه المقابلة حتى يحرص العميل على عرض الموضوعات التي يهمه عرضها قبل انتهاء الوقت. ويجب أن يكون موعد المقابلة مريحا بالنسبة لكل من المرشد والعميل، وإذا حدث وطلب العميل تحديد موعد المقابلة، فيحسن أن يكون الموعد في أقرب وقت، بل يفضل أن يكون في نفس الوقت الذي يطلبه العميل، لأن هذه تعتبر اللحظة السيكولوجية المناسبة لإجراء المقابلة، وهذا أحد أسباب ترك وقت في جدول المرشد احتياطيا لمثل هذه المقابلات.
المكان: يجب أن يكون مكان المقابلة غرفة خاصة هادئة خالية من الضوضاء والمقاطعات والتدخل، وكلما كانت في مكان يألفه العميل كان ذلك أفضل، بما يساعد على الراحة والطمأنينة والاسترخاء وييسر سير المقابلة، وحتى أثاث غرفة المقابلة يجب أن يكون مريحا ومناسبا ومنسقا، وبه بعض الزهور، ويحسن ألا تكون المقابلة من وراء مكتب حتى لا يشعر العميل بسلطة المرشد وانفصاله عنه.
البدء: تبدأ المقابلة عادة بحديث ترحيب وحديث عام عن الطقس مثلا حتى لا تكون البداية حادة قبل الدخول في الموضوع على ألا يزيد عن هذا الحد الذي يشعر العميل بالضيق لأنه شخصيا يريد أن يدخل في الموضوع، وعادة يستغرق حديث البدء حوالي ربع
(1/182)

ساعة. ويحتاج المرشد إلى حديث التقديم هذا في المقابلة الأولى فقط، أما باقي المقابلات التالية فالبدء يكون بالدخول في الموضوع مباشرة، والأسلوب الشائع والمقبول لدى معظم المرشدين هو التحية والترحيب، وبعض الملاحظات الودية وإبداء الاستعداد للمساعدة، وتشجيع العميل على الكلام، وطمأنته على السرية ... إلخ.
تكوين الألفة Rapport: إن تكوين الألفة والتجاوب وصلة الوئام نقطة مهمة في إجراء المقابلة، وتتضمن الألفة الاحترام والفهم والاهتمام والإخلاص المتبادل والثقة المتبادلة، وهذه أمور مهمة تمهد لنجاح المقابلة. ويجب أن تستمر الألفة طوال المقابلة، ويتوقف نجاح الألفة في الغالب على نجاح بداية المقابلة ونجاح بداية العلاقة بين الطرفين واستمرار نجاحها في المقابلات المقبلة. ولضمان تكون الألفة، يقترح أن تبدأ المقابلة بالترحيب والبشاشة والاهتمام، وتناول بعض الموضوعات العامة، والموضوعات المشتركة، والخبرات السارة، مع الاهتمام بالمشاركة والانفعالية، والتشجيع، والموافقة، والموضوعية، وضرب الأمثلة، كل ذلك مناخ آمن خال من التهديد، يستطيع فيه العميل أن يقول كل شيء وأي شيء.
الملاحظة: أي ملاحظة سلوك العميل وكلامه وحركاته وتعبيرات وملامح وجهه.
الإصغاء: يجب أن يكون إصغاء المرشد أكثر من كلامه، ويشترط حسن الإصغاء بعقل واع واهتمام وتعبير عن المشاركة الانفعالية والتعبير المناسب، مما يساعد على التنفيس والتطهير الانفعالي من جانب العميل1.
التقبل: ويعني هذا تقبل العميل وما يقوله بكل حرية وتسامح، وليس تقبل سلوكه، ويجب أن يدرك العميل ذلك، فالمرشد يتقبل العميل كإنسان ليس معصوما من الخطأ، ولكنه لا يتقبل سلوكه الخاطئ، ومما يساعد على إظهار التقبل إعادة كلام العميل واستخدام ألفاظ تعبر عن التقبل والفهم.
التوضيح: ويتضمن ذلك ربط الأفكار وتوضيحها، وهذا يساعد على التركيز حول الموضوع الرئيسي للمقابلة واستمرارها وإشعار العميل باهتمام وانتباه ومتابعة المرشد.
التساؤل: يعتبر إعداد وتوجيه الأسئلة اثناء المقابلة مهارة مهمة. ويجب اختيار الأسئلة
__________
1 يقول الشاعر:
إن بعض القول فن ... فاجعل الإصغاء فنا
(1/183)

المناسبة بصيغة مناسبة وفي الوقت المناسب، وتوجهها بطريقة تشعر العميل بأهمية الإجابة عنها بصدق، والأسئلة الجيدة هي تلك التي تهدف إلى الحصول على معلومات مطلوبة وتوجه سير المقابلة في الإطار المرسوم لتحقيق هدفها، والاعتدال والتوسط مطلوب في عدد الأسئلة، فلا تكون قليلة فتظل جوانب كثير غير مطروقة، ولا تكون كثيرة فتشتت العميل. ويجب الحرص بخصوص الأسئلة المباشرة التي قد توحي بأن المقابلة أقرب إلى التحقيق، مما قد يؤدي إلى المقاومة، وبقدر ما تكون الأسئلة مساعدة في توجيه سير المقابلة، فإنها قد تكون معطلة وخاصة في حالات استرسال العميل وصراحته.
الكلام: يقصد هنا كلام وحديث وتعليقات المرشد، ويتضمن ذلك كم كلامه وكيفه. فيجب التعبير بأسلوب يفهمه العميل. وينصح بترك المجال للعمل ليتكلم أكثر مما يتكلم المرشد، وتشجيعه على الكلام، مثل إظهار التقبل والتأييد والتوضيح والأسئلة العامة ... إلخ. أما عن كلام المرشد عن خبراته الخاصة والشخصية أثناء المقابلة، فترى جين وارترز Warters؛ "1964" أنه يجب تجنب الكلام عنها لأنها ليست موضوع المقابلة، بينما يرى مورفي Murphy؛ "1972" العكس ويقول إن إشارة المرشد إلى نفسه وإلى خبراته الشخصية تثري المقابلة وتجعل العميل يقبل أكثر على المقابلة ويقوي العلاقة الإرشادية.
التسجيل: هناك آراء كثيرة حول تسجيل ما يجري في المقابلة، وحول كتابة مذكرات أثنائها، فمن المتفق عليه ضرورة التسجيل والكتابة للرجوع إلى ما يسجل وتحليله والإفادة منه فيما بعد، حيث لا يمكن الاعتماد على الذاكرة وخاصة مع مضي الوقت. ويؤخذ على التسجيل أن المرشد إذا اندمج في تدوين الملاحظات أثناء المقابلة، فإن هذا قد يمنع العميل من ذكر مشكلاته وخبراته الخاصة التي لا يجب أن تدون على الورق، ويلجأ بعض المرشدين إلى استخدام أجهزة التسجيل الصوتي، ولكن ذلك مكلف ماديا بالإضافة إلى أنه قد يزيد حرص العميل بل وامتناعه عن الكلام عن خصوصياته، ويلاحظ أن بعض العملاء بمجرد أن يرى المرشد يكتب ملاحظات يمتنع تماما عن الإدلاء بأي معلومات، وإذا رأى أي جهاز يشك في أنه جهاز تسجيل وتتعقد الأمور. ولتفادي هذه المشكلات، تقترح جين وارترز Warters؛ "1964" ضرورة تعريف العميل بأهمية التسجيل واستئذانه في ذلك، وأن تقتصر الكتابة أثناء المقابلة على الضروري، وإرجاء ما يمكن إرجاؤه إلى نهاية المقابلة حيث يدون بعد إنهائها مباشرة، هذا ويجب تنظيم كل ما يجمع من معلومات خلال المقابلة وحفظها في ملف العميل.
(1/184)

إنهاء المقابلة: يجب أن تنتهي المقابلة عند تحقيق هدفها، وإنهاء المقابلة مهم جدا بقدر أهمية بدئها، ويجب أن يكون إنهاء المقابلة متدرجا وليس مفاجئا بانتهاء الزمن أو انتهاء وقت استعراض وتلخيص ما دار فيها، ويحسن أن يكون ذلك التلخيص على لسان العميل نفسه، والإشارة إلى موعد المقابلة القادم إن شاء الله.
مزايا المقابلة:
تمتاز المقابلة كوسيلة من وسائل جمع المعلومات بما يلي:
- الحصول على معلومات لا يمكن الحصول عليها عن طريق الوسائل الأخرى مثل التعرف على الأفكار والمشاعر والآمال وبعض الخصائص الشخصية، مما يتيح فهما أفضل للعميل ومشكلاته.
- إتاحة فرصة تكوين مناخ من الألفة والتجاوب والاحترام والثقة المتبادلة بين المرشد والعميل، وتكوين علاقة إرشادية ناجحة.
- إتاحة الفرصة أمام العميل للتفكير "بصوت عال" في حضور مستمع جيد، مما يمكنه من التعبير عن نفسه وعن مشكلته.
- إتاحة فرصة الاستبصار والحكم على الأحكام الذاتية التي يصدرها أو يكونها كل من المرشد عن العميل والعميل عن نفسه.
(1/185)

- إتاحة فرص التنفيس الانفعالي وتبادل الآراء والمشاعر في مناخ نفسي آمن.
- تنمية المسئولية الشخصية للعميل في عملية الإرشاد.
عيوب المقابلة:
على الرغم من أن المقابلة تعتبر الوسيلة الأولى في الإرشاد النفسي، ولها مزاياها المهمة، إلا أن لها بعض العيوب منها:
- انخفاض معامل الصدق، وذلك لاختلاف الاستعدادات والقدرات والميول وتقدير المشاعر.
- انخفاض معامل الثبات، وذلك لاختلاف مشاعر العميل تجاه خبراته ومشكلاته من يوم لآخر.
- الذاتية في تفسير نتائج المقابلة، حيث قد يختلف المرشدون المختلفون في ذلك. وقد تختلف هذه النتائج مع الحقائق الموضوعية، وقد يخطئ المرشد في تقدير السمات أو يبالغ فيها حسب خبرته واتجاهاته، وقد يكون متحيزا عند تسجيل ملاحظاته أو عند تحليلها.
- عدم جدواها كثيرا في حالات الأطفال الصغار الذين يصعب عليهم التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، وعلى أي حال، ورغم هذه العيوب، فإنه لا غنى عن المقابلة كوسيلة لجمع المعلومات، ولا بد إذن من الدراسات والبحوث التي تحاول التخلص من هذه العيوب.
(1/186)

الملاحظة OBSERVATION:
المقصود هنا الملاحظة العملية المنظمة: وهي من أقدم وأكثر وسائل جمع المعلومات شيوعا في الإرشاد النفسي، وهي لذلك وسيلة أساسية ومهمة ومورد خصب للحصول على معلومات عن سلوك العميل "سترانج وموريس Strang & Morris؛ 1964".
ما هي الملاحظة:
هي ملاحظة الوضع الحالي للعميل، في قطاع محدد من قطاعات سلوكه، وتسجيل لموقف من مواقف سلوكه. وتشمل ملاحظة السلوك في مواقف الحياة اليومية الطبيعية، ومواقف التفاعل الاجتماعي بكافة أنواعها في اللعب والعمل والراحة، والرحلات والحفلات، وفي مواقف الإحباط والمسئولية الاجتماعية والقيادة والتبعية والمناسبات الاجتماعية بحيث يتضمن ذلك عينات سلوكية لها مغزى في حياة العميل.
(1/186)

وتقوم الملاحظة العلمية المنظمة على ملاحظات السلوك وتسجيله في صورة لفظية لتحقيق الأهداف الآتية: تسجيل الحقائق التي تثبت أو تنفي فروضا خاصة بسلوك العميل، وتسجيل التغيرات التي تحدث في سلوك العميل نتيجة للنمو، وتحديد العوامل التي تحرك العميل سلوكيا في مواقف وخبرات معينة، ودراسة التفاعل الاجتماعي للعميل في مواقفه الطبيعية، وتفسير السلوك الملاحظ، وإصدار توصيات بشأن السلوك الملاحظ.
أنواع الملاحظة:
من أنواع الملاحظة ما يلي:
الملاحظة المباشرة: حيث يكون الملاحظون أمام العميل وجها لوجه في المواقف ذاتها.
الملاحظة غير المباشرة: مثل التي تحدث دون اتصال مباشر بين الملاحظين والعملاء، ودون أن يدرك العملاء أنهم موضع ملاحظة. ويتم ذلك في أماكن خاصة مجهزة لذلك.
الملاحظة المنظمة الخارجية: ويكون أساسها المشاهدة الموضوعية والتسجيل بإزاء الشخص ومظاهر ونواح سلوكية معينة، دون التحكم في الظروف والعوامل التي تؤثر في هذا السلوك، ويمكن أن تكون تتبعية لسلوك معين، ويقوم بها أشخاص خارجيون"أي غير الشخص الملاحظ أو العميل".
الملاحظة المنظمة الداخلية: وهذه تكون من الشخص نفسه لنفسه "التأمل الباطني"، وهي ذاتية وليست موضوعية، ومن عيوبها أنها لا يمكن أن تتبع مع الأطفال الصغار الذين لا يستطيعون القيام بها.
الملاحظة العرضية أو الصدفية: وهي عفوية غير مقصودة، وتأتي بالصدفة، وتكون سطحية وغير دقيقة وغير علمية وليس لها قيمة علمية، ومن أمثلتها الملاحظات العابرة لسلوك العميل في المدرسة أو دار العبادة، وعلى الرغم من هذا فإنها تعطي بعض المعلومات وتستثير بعض الأسئلة، مما يؤدي في بعض الأحيان إلى فهم أكثر.
الملاحظة الدورية: وهذه تتم في فترات زمنية محددة، وتسجيل حسب تسلسلها الزمني كل صباح أو كل أسبوع أو كل شهر ... وهكذا.
الملاحظة المقيدة: وتكون مقدية بمجال أو موقف معين، ومقيدة ببنود أو فقرات معينة مثل ملاحظة الأطفال في مواقف اللعب أو الإحباط أو أثناء التفاعل الاجتماعي مع الكبار.
(1/187)

عوامل نجاح الملاحظة:
للملاحظة شروط يجب مراعاتها ضمانا لنجاحها وضمانا لفائدة المعلومات التي تحصل عليها عن طريقها، ومن هذه الشروط ما يأتي:
عام: سرية المعلومات التي يتم الحصول عليها منها، والموضوعية والبعد عن الذاتية والآراء الشخصية وخاصة في تسجيل وتفسير السلوك الملاحظ، والدقة في إجراء الملاحظة وفي تفسير السلوك الملاحظ، كذلك يحتاج نجاح الملاحظة إلى خبرة وتدريب في دراسة وملاحظة السلوك البشري.
الشمول: ويتضمن ذلك شمول الملاحظة لعينات متنوعة من سلوك العميل وتوضح تفاصيل إيجابيات السلوك وسلبياته، ونقاط القوة مع نقاط الضعف، بما يغطي الجوانب المختلفة لشخصية العميل.
الانتقاء: ويقصد بذلك انتقاء السلوك المتكرر أو الثابت نسبيا، والاهتمام بملاحظته وتمييزه عن السلوك العارض أو الصدفي أو الطارئ.
إجراء الملاحظة:
يتم إجراء الملاحظة في خطوات أبرزها ما يلي:
الإعداد: ويتضمن ذلك التخطيط المحكم بها، والتحديد المسبق للسلوك الذي سوف يلاحظ وأبعاده، وتحديد المعلومات المطلوبة بالضبط, وهدف الملاحظة بصفة عامة. ويتضمن الإعداد كذلك تجهيز الأدوات اللازمة للتسجيل، وتحديد الزمان والمكان الذي تتم فيه الملاحظة.
الزمان: ويحدد الزمان الذي سوف يتم في غرف خاصة مجهزة بالأجهزة، والمعدات اللازمة والأدوات والأثاث اللازم، ولقد تطورت أساليب الملاحظة مع تطور الأجهزة العليمة في معامل ومختبرات علم النفس، وحيث تستخدم آلات التصوير العادي والسينامي والدوائر التليفزيونية المغلقة. وتتم الملاحظة في غرف على شكل قباب تمكن من متابعة وملاحظة السلوك من أعلى ومن كل الجوانب، وتستخدم كذلك غرف بها حجاب الرؤية من جانب واحد One- Way Screen حيث يرى الملاحظون العملاء دون أن يراهم العملاء، وذلك بقصد ضمان
(1/188)

عدم إحراج العملاء، وحتى يكون السلوك تلقائيا وغير مصطنع، ويستخدم فيها الأجهزة الصوتية والبصرية اللازمة "شكل 41" هذا وقد تم الملاحظة في مكان حدوث السلوك كالفصل أو الفناء أوعلى الشاطئ في رحلة أو حتى في الشارع.
إعداد دليل الملاحظة: ويفيد دليل الملاحظة في تحديد عينات السلوك التي تلاحظ. ويستخدم بعض الملاحظين "قائمة مراجعة" Check list كدليل يشمل موضوعات الملاحظة الهامة1.
اختيار عينات سلوكية ممثلة للملاحظة: يجب اختيار عينات متنوعة ومتعددة وشاملة وممثلة لأكبر عدد من مواقف الحياة المختلفة في أوقات مختلفة وفي مناسبات مختلفة وفي مواقف فردية ومواقف جماعية ... وهكذا، بحيث تعطي صورة متكاملة وواضحة لسلوك العميل، فمن
__________
1 من أمثلة الملاحظة "كراسة الملاحظة" لتقدير سمات الشخصية ومميزات السلوك الاجتماعي، إعداد عطية هنا ومحمد وعماد الدين إسماعيل، وتحتوي كراسة الملاحظة على دليل لجمع معلومات عامة، ومعلومات عن الأسرة، والحالة الجسمية، والصحة العامة، والقدرات العقلية والتحصيل المدرسي، وسمات الشخصية، ومميزات السلوك الاجتماعي، وملاحظات عامة عن الشخصية، ونواحي الانحراف النفسي.
(1/189)

الملاحظ أن عميلا قد يكون خجولا عقيل اللسان في موقف ورائدا أو خطيبا في موقف آخر، وأن نجما اجتماعيا أو قائدا في موقف اجتماعي قد يكون معزولا أو مرفوضا في موقف اجتماعي آخر ... وهكذا وهنا يجب مراعاة انتفاء عينات السلوك ذات الدلالة والتي تؤدي إلى إعطاء صورة أوضح لشخصية العميل، كذلك يجب الاهتمام بتكامل الموقف بحيث يكون السلوك الملاحظ موقفا له بداية ونهاية محدودتان.
عملية الملاحظة: تجري عملية الملاحظة بحيث يتم ملاحظة عميل واحد في الوقت الواحد. وفي حال ملاحظة سلوك الجماعة يحسن استخدام الأفلام والشرائط التسجيلية، ويحسن تعدد الملاحظين ضمانا للموضوعية والدقة مع اتفاقهم جميعا على السلوك الذي يلاحظ ومعاني السمات السلوكية التي تلاحظ، حتى إذا أغفل أحدهم أمرا لم يغفله غيره، على أن يكتفي بالقدر من المعلومات الذي يكون موضع اتفاق بين الملاحظين ومن أبرز من أرسوا دعائم الملاحظة في دراسة سلوك الأطفال جان بياجيه Piaget وأرنولد جيزيل Gesell وتبعهما علماء دأبوا على ابتكار أساليب جديدة للملاحظة في الإرشاد النفسي بصفة خاصة، ومن أمثلة ذلك أسلوب سيدني بيجو Bijou؛ "1966" ويبدأ أسلوب بيجو في ملاحظة السلوك بعد تكرار حدوث السلوك غير السوي لكي يحدد تكراره القاعدي Base Line Frequency AE وهذا يتضمن تقدير الأحداث المثيرة السابقة واللاحقة والظروف الخاصة التي ترتبط بحدوث مثل هذا السلوك.
ويتم تحديد التكرار القاعدي قبل أي تدخل من أي نوع، وهنا يحدد التشخيص، وبعد ذلك تتم عملية التدخل بتقديم برنامج إرشادي "أو علاجي" مخطط لإحداث التغيير في السلوك، وبعد ذلك تحدث عملية ملاحظة ومتابعة مستمرة منظمة لتقرير مدى تأثير التدخل الإرشادي، أو بيجو عددا من المقاييس في عملية الملاحظة توضح التغير في سلوك معين في إطار عملية الإرشاد برنامج الإرشاد كان مؤثرا "أي قلل تكرار حدوث السلوك غير السوي"، فإن البرنامج يستمر، أما إذا أظهرت السجلات أن البرنامج كان غير مؤثر فيجب تعديله على الفور.
التسجيل: هذا ويجب أن تسجل الملاحظة، ولكن يجب التعود على الملاحظة بدون الحاجة الماسة إلى الكتابة أثناءها، والتعود على تذكر السلوك الهام، ثم الإسراع بستجيل وتلخيص
(1/190)

الملاحظة بعد إتمامها مباشرة، بحيث تكون الملاحظات محددة ومركزة، كذلك يجب الاهتمام بتسجيل بعض النصوص كلما أمكن ذلك مما يجعل تسجيل الملاحظة حيا، ويجب أيضا تسجيل تاريخ كل ملاحظة ومكانها وزمانها وأسماء من قاموا بها.
التفسير: بعد التسجيل يتم تفسير السلوك الملاحظ، ويجب أن يكون التفسير في ضوء الخلفية الثقافية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية للعميل ومجموع خبراته السابقة التي يجب البحث عنها وبوسائل جمع المعلومات الأخرى. كذلك يجب أن يكون التفسير في ضوء الإطار المرجعي للعميل نفسه.
مزايا الملاحظة:
تستأثر الملاحظة العلمية المنظمة بمزايا أهمها ما يأتي:
- يمكن عن طريقها الحصول على معلومات لا يمكن الحصول عليها عن طريق غيرها من الوسائل.
- تتيح دراسة السلوك الفعلي في مواقفه الطبيعية، وذلك أفضل من قياس السلوك اللفظي أو المقاس عن طريق الاختبارات، والذي قد يختلف إلى حد كبير عن السلوك الفعلي.
عيوب الملاحظة:
للملاحظة بعض العيوب نذكر منها ما يلي:
- بعض الأفراد والجماعات لا يحبون أن يكونوا موضع ملاحظة كالمراهقين والمراهقات والأزواج والأسر.
- تدخل الذاتية، ورجوع الملاحظ في ملاحظته إلى إطاره المرجعي الشخصي وإلى خبراته الشخصية، ويظهر ذلك في الانحياز اللاشعوري، أو إسقاط بعض ما لدى الملاحظ على سلوك العميل. فمثلا الملاحظ المتسلط قد يرى العميل الذي يخالفه في الرأي على أنه مسيطر. هذه النواحي الذاتية قد تجعل الملاحظة عديمة الفائدة.
- لكي تتم ملاحظة السلوك في إطاره الطبيعي لا يخبر العميل بذلك مسبقا، وقد يتعارض هذا مع مبدأ رئيس من أخلاقيات الإرشاد النفسي وهو تعريف العميل بل واستئذانه في ذلك.
(1/191)

دراسة الحالة CASE STUDY:
دراسة الحالة وسيلة شائعة الاستخدام لتلخيص أكبر عدد ممكن من المعلومات عن العميل، وهي أكثر الوسائل شمولا وتحليلا.
ويبدو أن الإرشاد النفسي قد استعار وسيلة دراسة الحالة من الخدمة الاجتماعية "سعد جلال، 1967".
ويرى البعض أن دراسة الحالة ليست "وسيلة" جمع معلومات بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكنها بالأحرى أسلوب لتجميع المعلومات التي تم جمعها بالوسائل الأخرى، مثل المقابلة والملاحظة ومؤتمر الحالة والاختبارات والمقاييس والسيرة الشخصية ... إلخ "ميلتون هان ومالكولم ماكلين Hahn & MacleanK؛ 1950".
ما هي دراسة الحالة:
هي كل المعلومات التي تجمع عن الحالة، والحالة قد تكون فردا أو أسرة أو جماعة "لوفيل ولوسون، 1976". وهي تحليل دقيق للموقف العام للحالة ككل، وهي منهج لتنسيق وتحليل المعلومات التي جمعت بوسائل جمع المعلومات الأخرى عن الحالة وعن البيئة "رسمية خليل، 1986". وهي بحث شامل لأهم عناصر حياة العميل. وهي وسيلة لتقديم صورة مجمعة للشخصية ككل، وبذلك تشمل دراسة مفصلة للفرد في حاضره وماضيه، وهي بذلك تصور فعلا فردية الحالة.
وعادة ما يقوم بها المرشد في الحالات العادية، أما في الحالات المضطربة فقد يقوم بها أكثر من أخصائي، كل من زاوية تخصصه مثل الأخصائي النفسي، والأخصائي الاجتماعي، والمعلم وغيرهم، ويتولى المرشد أو المعالج عملية التنسيق، "بروس شيرتزر وشيلي ستون Shertzer & Stone؛ 1976".
وتهدف دراسة الحالة إلى الوصول إلى فهم أفضل للعميل، وتحديد وتشخيص، مشكلاته وطبيعتها وأسبابها، واتخاذ التوصيات الإرشادية والتخطيط للخدمات الإرشادية اللازمة "حامد زهران، 1997"، والهدف الرئيسي لدراسة حالة هو تجميع المعلومات ومراجعتها ودراستها وتحليلها وتركيبها وتجميعها وتنظيمها وتلخيصها ووزنها كلينيكيا، أي وضع وزن كلينيكي لكل منها. فمثلا قد يكون هناك معلومة أو خبرة لها وزن كلينيكي أثقل من الوزن الكلينيكي لعشرات المعلومات الأخرى "حامد زهران، 1977".
(1/192)

تاريخ الحالة جزء من دراسة الحالة 1:
تعتبر دراسة تاريخ الحالة Case History أو ما يطلق عليه أحيانا "تاريخ الحياة" Life History جزءا من الأخرى، ويتناول الحالة، وهو موجز لتاريخ الحالة كما يكتبه العميل، وكما يجمع عن طريق الوسائل الأخرى، ويتناول دراسة مسحية طولية شاملة للنمو منذ وجوده والعوامل المؤثرة فيه، وأسلوب التنشئة الاجتماعية، والخبرات الماضية، والتاريخ التربوي والتعليمي والصحي، والخبرات المهنية، والمواقف التي تتضمن صراعات، وتاريخ التوافق النفسي، وتاريخ الأسرة، بطريقة شاملة وموضوعية بقدر الإمكان.
ويؤكد ألمان وليم Ullman & LimK؛ "1962" ضرورة استخدام معلومات تاريخ الحالة كجزء من دراسة الحالة، وعلى العموم فإن تاريخ حياة العميل يستوجب أيضا النظر إليه على أنه جزء من الثقافة التي يعيش فيها.
ومما يجب عمل حسابه التأكد من معلومات تاريخ الحالة لأن بعضها قد يتأثر بعامل الزمن والنسيان فلا يكون دقيقا.
ولاحظ أن بعض المؤلفين يستخدمون دراسة حالة وتاريخ الحالة بمعنى واحد. ولكن هناك فرقا بين دراسة الحالة وتاريخ الحالة هو أن دراسة الحالة تعتبر بمثابة قطاعا مستعرضا حياة الفرد، أي أنها دراسة استعراضية لحياة العميل تركز على حاضر الحالة ووضعها الراهن، بينما تاريخ الحالة يعتبر بمثابة قطاع طولي لحياة العميل، يقتصر على الماضين ويختص فقط بماضي الحالة "وإن لم يخل الحال من نظرة على الحاضر وتطلع إلى المستقبل وذلك من باب ربط الأحداث والخبرات" إنها دراسة تتبعية لحياة العميل "جين وارتزر Warters؛ 1964".
تطلعات المستقبل جزء من دراسة الحالة:
الحصول على معلومات عن تطلعات العميل إلى المستقبل جزء مهم من دراسة الحالة.
ويمكن الحصول على مثل هذه المعلومات من كتابة العميل ووصفه للشخص المثالي الذي يود أن يكون في المستقبل بآماله ومطامحه "بعد عشر سنوات مثلا".
وتفيد دراسة تطلعات المستقبل في المطابقة بين حاضر العميل ونظرته المستقبلية إلى نفسه، أي إلى ذاته المثالية ومدى التطابق بين الاثنين، ومدى الرضا بالوضع الراهن والتوافق النفسي والصحة النفسية ... إلخ.
__________
1 يقول الشاعر:
والأمس في فكيف أحسبه انتهى ... أفما رأيت الأصل في الفرع الندى
(1/193)

عوامل نجاح دراسة الحالة:
لكي تنجح دراسة الحالة، ولكي تكون ذات قيمة علمية، يجب أن تراعى الشروط الآتية:
- التنظيم: والتسلسل والوضوح وذلك لكثرة المعلومات التي تشملها دراسة الحالة.
- الدقة: وتلزم في تحري المعلومات وخاصة أنها تجمع عن طريق وسائل متعددة، ومراعاة تكامل المعلومات ومعنويتها بالنسبة للحالة ككل وبالنسبة للمشكلة.
الاعتدال: ويقصد الاعتدال بين التفصيل الممل وبين الاختصار المخل. ويتحدد طول دراسة الحالة حسب العميل وحسب هدف الدراسة، وهنا يجب الاهتمام بالمعلومات الضرورية وعدم تجاهل بعضها، وفي نفس الوقت عدم التركيز على المعلومات الفرعية.
الاهتمام بالتسجيل: وهذا مهم وخاصة مع كثرة المعلومات، مع تجنب المصطلحات الفنية المعقدة.
الاقتصاد: وينصح باتباع قانون أو مبدأ اقتصاد الجهد، أي اتباع أقصر الطرق عملا لبلوغ الهدف.
ماذا تشمل دراسة الحالة:
تعتبر دارسة الحالة بمثابة منظر من بعيد Brid's eye view، وفكرة عامة شاملة عن الحالة، وتشمل كل المعلومات والعوامل والخبرات التي جعلت الحالة على ما هي عليه. أي أنها تشتمل على: المعلومات المهمة اللازمة لعملية الإرشاد "وقد سبق ذكرها في الفصل الرابع". وعلى عينات من السلوك في الحياة اليومية "سترانج وموريس Strang & MorrisK؛ 1964".
ويفضل البعض استخدام إطار معياري مقنن محدد لدراسة حالة، يعتبر بمثابة إطار منظم. وليس هناك شكل واحد لهذا الإطار، ولكن توجد أشكال مختلفة بعضها مفصل وشامل وبعضها مختصر يركز على المعلومات الرئيسية فقط "جورج هيل وإليانور لكي Hill & Luckey؛ 1969".
وفيما يلي إطار مقترح لدراسة الحالة:
المعلومات والبيانات العامة: عن العميل ووالديه وإخوته وزوجه وأولاده، ومن يعولهم.
الشخصية: بناؤها وسماتها وأبعادها واضطراباتها.
الحالة الجسمية والصحية: طبيا وعصبيا، ومعلومات عن الطول والوزن والمظهر الجسمي والعاهات والأمراض.
(1/194)

الحالة العقلية المعرفية: وتشمل الذكاء والقدرات والاستعدادات والتحصيل والتقدم الدارسي، وملاحظات المعلمين والمشكلات التعليمية والاتجاهات نحو المدرسة والخطط الدراسية والمهنية.
النواحي الاجتماعية: وتتضمن المعلومات المتعلقة بالمجال الصناعي وعملية التنشئة الاجتماعية، والخلفية والأسرية وخاصة تركيب الأسرة والعلاقات والاتجاهات، والبيئة المنزلية، والقيم، والميول والهوايات، والجماعة المرجعية والمركز الاجتماعي والشعبية والزعامة والصداقات والتفاعل الاجتماعي والخلفية الاجتماعية الاقتصادية، والسلوك الديني والأخلاقي.
النواحي الانفعالية: وتشمل الحالة الانفعالية، ومستوى النضج الانفعالي والثقة في النفس والاتجاه نحو الذات والصراعات والصدمات الانفعالية والأزمات ... إلخ.
تطور النمو: من حيث معدله، ومدى تحقيق مطالب النمو، واضطراباته ومشكلاته.
النواحي العامة: مثل حاجات العميل، وهدف حياته، وأسلوب حياته، وحيل دفاعه النفسي، ومفهومه عن ذاته.
المشكلة: تحديدها وأسبابها وأعراضها وتاريخها ومدى خطورتها، والمحاولات السابقة لحلها، ومشاعر واتجاهات العميل نحوها، والتغيرات التي طرأت عليها.
الملخص العام: ويشمل خلاصات المعلومات المهمة المرتبطة بالمشكلة.
التفسير: ويجب أن يكون دقيقا وعلميا ومعتدلا غير درامي أو كاريكاتيري، مع تجنب التعميمات غير المدعومة، ويستلزم ذلك دراسة البيئة المادية والاجتماعية والثقافية التي يعيش فيها العميل.
التشخيص: ويحدد فرض التشخيص، أي افتراض لتشخيص قابل للتأكد أو الرفض.
التوصيات: وتشمل الاقتراحات الخاصة بطريقة العلاج العاجل والآجل، وقد تشمل الحاجة إلى معلومات أخرى بوسائل معينة، أو الإحالة إلى أخصائي معين ... إلخ.
المتابعة: وهذه ضرورة لتقدير مدى الإفادة من معلومات دراسة الحالة.
مزايا دراسة الحالة:
تمتاز دراسة الحالة بما يلي:
- تعطي أوضح وأشمل صورة للشخصية، باعتبارها وسائل جمع المعلومات.
- تيسر فهم وتشخيص وعلاج الحالة على أساس غير متسرع، مبني على دراسة وبحث.
(1/195)

- تساعد العميل على فهم نفسه بصورة أوضح، وترضيه حين يلمس أن حالته تدرس دراسة مفصلة.
- تفيد في التنبؤ، وذلك عندما يتاح فهم الحاضر في ضوء الماضي، ومن ثم يمكن إلقاء نظرة تنبؤية على المستقبل.
- لها فائدة كلينيكية خاصة لأنه يحدث خلالها نوع من التفتيش والتطهير الانفعالي، وإعادة تنظيم الخبرات والأفكار والمشاعر، وتكوين استبصار جديد بالمشكلة.
- تسخدم لأغراض البحث العلمي والأغراض التعليمية في إعداد وتدريب المرشدين النفسيين.
عيوب دراسة الحالة:
يؤخذ على دراسة الحالة بعض المآخذ أهمها ما يلي:
- تستغرق وقتا طويلا مما قد يؤخر تقديم المساعدة في موعدها المناسب، وخاصة في الحالات التي يكون فيها عنصر الوقت عاملا فعالا.
- إذا لم يحدث تجميع وتنظيم وتلخيص ماهر للمعلومات، فإنها تصبح عبارة عن حشد من المعلومات غامض عديم المعنى يضلل أكثر مما يهدي.
(1/196)

مؤتمر الحالة CASE CONFERENCE:
يشعر المرشدون في عيادات توجيه الأطفال وفي مراكز الإرشاد النفسي أن مساعدة بعض الحالات تكون أفضل لو تيسر مناقشتها مع الآخرين. ولا شك أن رأي الجماعة أبلغ قيمة من رأي فرد واحد. ولا شك أيضا أن جهد الجماعة التعاوني في جمع المعلومات أبلغ أثرا من الجهد الفردي. وأفضل وسيلة لتحقيق ذلك تكون عن طريق "مؤتمر الحالة" وهو إن كان يسمى مؤتمرا إلا أنه ليس مؤتمرا بالمعنى الحرفي للكلمة. ولذلك يفضل البعض تسميته "مناقشة الحالة".
ما هو مؤتمر الحالة:
هو اجتماع مناقشة خاصة يضم فريق الإرشاد كله أو بعضه، ويضم كل أو بعض من يهمهم أمر العميل، وكل أو بعض من لديه معلومات خاصة به، ومستعد للتطوع والحضور شخصيا للإدلاء بها والمشاركة في تفسيرها وفي إبداء بعض التوصيات بموافقة العميل.
(1/196)

ويضم مؤتمر الحالة عادة الأخصائي النفسي والأخصائي الاجتماعي والمعلم المرشد، ومن أعضائه البارزين الوالدن، ويضم في بعض الحالات محيل الحالة والمدير وغيرهم، وعادة يتولى إدارته المرشد حتى لا يتحول إلى مجرد جلسة عامة.
أنواع مؤتمر الحالة:
هناك عدة أنواع من مؤتمرات الحالة منها:
مؤتمر الحالة الواحدة: وهو الذي يكون خاصا بحالة عميل واحد.
مؤتمر الحالات: وهو الذي يكون خاصا بدراسة حالة مجموعة من العملاء، كما في حالات المتفوقين أو المتسربين أو ذوي المشكلات العامة الشائعة أو المعوقين وغيرهم.
مؤتمر الأخصائيين: ويضم الأخصائيين في الإرشاد فقط لتبادل الآراء والتعاون في إعطاء الرأس والاستماع إلى التقارير واقتراح التوصيات، وهو بهذا يعتبر بمثابة اجتماع لهيئة الإرشاد بخصوص حالة عميل معين. ويمكن أن يتضمن جدول أعماله دراسة أكثر من حالة واحدة.
مؤتمر الأخصائيين وغير الأخصائيين: ويضم إلى جانب الأخصائيين كل من يهمهم أمر العميل من غير الأخصائيين، وهذا يكون خاصا بحالة واحدة فقط.
مؤتمر المرشد والعميل والوالد: ويضم المرشد والعميل وأحد الوالدين أو كليهما، وهو بهذا يكون مؤتمرا محدودا، ويمكن أن ينضم إليه -بناء على طلبهم وبموافقتهم- أي من أعضاء هيئة الإرشاد أو الآخرين. ويلاحظ أن هذا النوع يؤتي ثمارا في المرحلة الابتدائية أكثر منه في
(1/197)

المرحلة الثانوية والعالية، لأن المراهقين والشباب يفضلون الاستقلال عن الوالدين وبصفة خاصة في حالات التي يكون فيها سوء فهم بين العميل والوالدين، ويفيد كذلك في الرابطة بين الأسرة والمدرسة، ويعتبر نموذجا جديا للاتصال بينهما.
عوامل نجاح مؤتمر الحالة:
يساعد على نجاح مؤتمر الحالة ضمان توافر شروط منها:
عقده في حالات الضرورة فقط: يجب أن يقتصر عقد مؤتمر الحالة على حالات الضرورة التي تحتاج إلى عقده، أي أن هذه الوسيلة ليست عامة بالنسبة لجميع حالات الإرشاد النفسي، فهناك حالات لا تستدعي عقد مؤتمر بشأنها، وهناك حالات يرفض العملاء إعلان حالتهم في مؤتمر. أي أن هناك حالات يمكن اعتبارها "حالة مؤتمر" وحالات أخرى لا تصلح كحالة مؤتمر، ولذلك يجب تحديد الحالات التي تعرض على المؤتمر للمناقشة.
موافقة العميل: يجب الحصول على موافقة العميل على عقد مؤتمر الحالة، فبعض العملاء يأتون للاسترشاد بشروط خاصة منها ألا يعرف أهلهم أو ذووهم أو أقاربهم أو معارفهم أو رؤساؤهم أو أزواجهم، وهؤلاء جميعا لا يجوز عقد مؤتمر حالة بخصوصهم.
مراعاة المعايير الأخلاقية: يجب مراعاة أخلاقيات الإرشاد النفسي الخاصة بأسرار العميل. أي أن المؤتمر يجب أن يقتصر على ما لا يعتبر سرا بالعميل نفسه، فضلا عن تأكيد السرية التامة لكل ما يدور في المؤتمر.
الحضور الاختياري: يجب أن يكون حضور المؤتمرين برضا واختيار ودون إجبار، حتى لا يكون حضورهم مجرد حضور روتيني عديم الجدوى، وهذا يجعل حضور المؤتمر متاحا ومفتوحا أمام المهتمين والمتحمسين لحضوره فقط.
اهتمام الحاضرين: يجب أن يكون الحاضرون مهتمين بحالة العميل. ويجب أن يكونوا فاهمين لطبيعة المؤتمر وهدفه والمطلوب من كل منهم. ويجب التزامهم بالجدية والموضوعية في أحكامهم وتفسيراتهم، والنظر إلى الأمور بفهم وسعة أفق.
الجو غير الرسمي: يجب أن يسود المؤتمر جو غير رسمي، ولكن يجب في نفس الوقت أن يتوافر قدر من المسئولية، إذ يجب أن يكون المؤتمرون لديهم معلومات مهمة وحديثة ولازمة فعلا، ويدلون بها في مسئولية.
مراعاة التخصصات: يجب مراعاة التخصصات المختلفة والخلفيات المتنوعة لأعضاء
(1/198)

المؤتمر، وعدم سيطرة بعضهم على الجلسة، وعدم الاستخفاف بما يدلي به بعض الأعضاء من معلومات أو آراء أو تعليقات أو توصيات.
عقد مؤتمر الحالة:
يتطلب عقد المؤتمر اتخاذ خطوات مهمة هي:
الإعداد: قبل عقد المؤتمر يحتاج الأمر إلى إعداد خاص، فيجب على المرشد تحديد خطة عمل أو جدول أعمال المؤتمر جزئيا، وأن يترك مجالا حرا في نفس الوقت. كذلك يجب أن يتزود المرشد بكافة المعلومات التي تم الحصول عليها بالوسائل الأخرى لاستخدامها عند الحاجة إليها. ويجب أن يتصل بالأعضاء المشتركين لإعلامهم مسبقا بطبيعة المؤتمر وهدفه، ويحدد الزمان والمكان والوقت الذي سيستغرقه المؤتمر. وبالنسبة لأعضاء هيئة الإرشاد، يحسن أن يكون للمؤتمرات يوم دوري محدد لعقدها، بحيث يكون الجميع غير مشغولين في أعمال أخرى، كيوم الخميس مثلا أو بعد وقت العمل الرسمي، حتى تتاح فرصة الحضور للجميع. ويمكن أن يسمى اليوم الذي يحدد "يوم المؤتمر".
الافتتاح: ويفتتح المرشد المؤتمر بشرح هدفه، وتقديم ملخص عام عن الحالة بحرص، بحيث لا يؤثر على أفكار وآراء واتجاهات الآخرين، ويحدد بدقة زمن انعقاد المؤتمر وعلى وجه التقريب الزمن الذي يستغرقه، وهذا مهم جدا حتى لا يطول وتتشعب الموضوعات ويضيع الوقت ويخرج الحاضرون عن الموضوع.
جلسة المؤتمر: وتكون رئاسة جلسة المؤتمر عامة للمرشد، ويرى البعض أن الرئاسة يجب أن تكون بالتناوب بين أعضاء فرق الإرشاد النفسي الذين يشتركون فيه، ويجب أن يعمل المرشد على إشعار كل فرد من أعضاء المؤتمر بأهمية وجوده وضرورته، ويجب ألا يسيطر هو ولا غيره على الأخصائيين على جلسة المؤتمر، ثم يطلب من كل من الحاضرين تقديم معلومات عن العميل ومشكلته وبيئته وتقييم حالته العامة، ويتضمن ذلك ما يتيسر من معلومات شخصية عن العميل وظروفه الأسرية وتطور نموه الشخصي والاجتماعي وتوافقه الشخصي والاجتماعي والانفعالي والمهني ... إلخ، مع تقديم التحليل والتفسير اللازم والتوصيات التي يراها.
الختام: وفي ختام المؤتمر يلخص المرشد كل ما قيل، ويحدد نقاط الاتفاق والاختلاف، ويجمع التوصيات الخاصة بالحالة واللازمة للعمل مع العميل، وفي بعض الحالات قد يحتاج الأمر إلى استيفاء بعض المعلومات من وسائل أخرى مثل الاختبارات والمقاييس، وفي هذه الحالة يعهد إلى الأخصائيين باستيفاء هذه النواحي.
(1/199)

مزايا مؤتمر الحالة:
يمتاز مؤتمر الحالة بما يلي:
- يزود المرشد بمعلومات عن العميل وشخصيته وخاصة المعلومات التي لا يمكن الحصول عليها من الوسائل الأخرى التي تفيد في مناقشة الفروض المختلفة التي توضع عن الحالة وفي التشخيص وفي عملية الإرشاد نفسها.
- يفيد في تجميع أكبر قدر من المعلومات من مصادر متعددة ومن وجهات نظر مختلفة في وقت قصير، وبذلك يعتبر بمثابة استشارة وتبادل آراء تفيد في الحكم على التقديرات الذاتية لكل من المرشد والعميل.
- يفيد بصفة خاصة في حالة العميل الجديد في المدرسة أو المؤسسة والذي تكون المعلومات الخاصة عنه قليلة.
- يمكن التعرف من خلاله على من يستطيع أن يسهم في عملية إرشاد الحالة من غير أعضاء هيئة الإرشاد.
- يشعر أعضاء المؤتمر أنفسهم بفائدتهم وإسهامهم المشترك التعاوني في مساعدة العملاء، ويؤدي إلى نموهم شخصيا من ناحية الممارسة وتنوع دراسة الحالات والاستفادة بآراء الزملاء والمشاركين، ويتيح فرصة اطلاع كل عضو من أعضاء فريق الإرشاد على أهمية الدور الذي يقوم به كل من زملائه، وبذلك يعتبر نموذجا عمليا لنشاط فريق الإرشاد.
- يساعد في تبني طريقة الإرشاد الخياري، حيث يطلع أعضاء فريق الإرشاد على وجهات نظر مختلفة لكل منها وجاهتها، ويدركون عمليا أنه باختلاف الحالات والمشكلات يجب أن تتنوع طرق الإرشاد.
- يعتبر الوسيلة النموذجية للاتصال بالأسرة وغيرها من مصادر المجتمع الأخرى في الإرشاد النفسي.
عيوب مؤتمر الحالة:
لمؤتمر الحالة بعض العيوب أوضحها ما يلي:
- قد يستغرق وقتا طويلا ويعطي معلومات قليلة.
- قد تأتي المعلومات التي يسفر عنها المؤتمر شتاتا غير منسق وغير متكامل.
- قد لا يتوفر الوقت لدى الكثيرين لحضور المؤتمر مما يهدده بالفشل.
- قد تعوق نظرة بعض العملاء إلى المؤتمر على أنه تدخل الآخرين فيما لا يعنيهم من خصوصيات العميل، وقد يعبرون عن ذلك بأنه "مؤتمر فضائح".
(1/200)

الاختبارات والمقاييس TESTS AND MEASURES:
كل ما يوجد يوجد بمقدار، وكل ما يوجد بمقدار يقاس. كذلك فإن كل ما يمكن أن يقاس من خصائص الأشخاص يوجد فيه فروق فردية بينهم، وينطبق هذا على الذكاء والقدرات والاستعدادات والتحصيل والشخصية والميول والقيم والاتجاهات والتوافق النفسي والصحة النفسية, وهذه كلها معلومات لازمة في الإرشاد النفسي.
ولقد عكف العلماء منذ بداية القرن الحالي على ابتكار الاختبارات والمقاييس النفسية كأدوات مقننة يمكن بها قياس أوجه السلوك المختلفة بصورة علمية، وكثرت وتعددت الاختبارات والمقاييس، وأصبح من الممكن قياس العديد بل معظم الخصائص النفسية للفرد، ففي العقد الأول من هذا القرن بدأ وضع البذور الأولى للاختبارات النفسية. وفي العقد الثاني كان الذكاء هو الخاصية النفسية الوحيدة التي يمكن قياسها موضوعيا، وفي العقد الثالث أصبح من الممكن قياس بعض القدرات. وفي العقد الرابع أضيف قياس الاتجاهات. وفي العقد الخامس أمكن قياس الشخصية، وبعد ذلك كثرت وتنوعت الاختبارات والمقاييس واستخدمت الأجهزة "انظر شكل 43" "دونالد سوبر وجونكرايتز Super & Crites؛ 1962".
ولا شك أن الاختبارات والمقاييس تعتبر من أهم وسائل جمع المعلومات في الإرشاد النفسي.
والقياس النفسي يتطلب الدقة والتحديد للقيم الكمية التي تقدر بها الصفات وتتخذ أساسا للحكم والمقارنة، ويكون القياس وحدات معيارية، وبدون القياس نجد أنفسنا نعالج مجموعة من العموميات ليس إلا "جيرالد كويتز ونورما كويتز Kowitz & Kowitz؛ 1959".
وهكذا يجب الاهتمام بدراسة الاختبارات والمقاييس النفسية، والتدريب الكافي على استخدامها، ومتابعة الجديد منها. "سبع أبو لبدة، 1987".
أهمية الاختبارات والمقاييس:
مما يبرز أهمية استخدام الاختبارات والمقاييس في الإرشاد النفسي اهتمام الكثير من مراكز وعيادات الإرشاد والمدراس بما يسمى "برنامج الاختبارات والمقاييس"، والذي يتضمن تجهيز عدد متنوع متكامل من الاختبارات والمقاييس الفردية والجماعية في شكل وحدة أو مجموعة أو بطارية، ويقوم الأخصائيون من بين أعضاء هيئة التوجيه والإرشاد بتخطيط البرنامج وإعداده والإشراف على إجرائه وتسجيل نتائجه، وإنشاء وإعداد وتقنين الاختبارات الناقصة والمطلوبة.
(1/201)

وما يوضح أهمية الاختبارات والمقاييس أنه أصبح لها مؤسسات ووكالات خاصة عملها إنشاء وتقنين ونشر وتوزيع الاختبارات والمقاييس والأجهزة النفسية في أنحاء العالم.
كذلك فإن هناك تخصصا في القياس النفسي في أقسام علم النفس في الكليات والجامعات في جميع أنحاء العالم.
شروط الاختبارات والمقاييس:
هناك شروط للاختبارات والمقاييس النفسية الجيدة، وفيما يلي هذه الشروط:
الصدق Validity: أي قياس الاختبار أو المقياس لما وضع أصلا لقياسه. أي أن مقياسا وضع لقياس الذكاء يجب أن يقيس الذكاء ولا يقيس التحصيل مثلا. وهناك طرق لمعرفة صدق الاختبار أو المقياس منها الصدق الظاهري أو صدق المحتوى، كما في حالة اختبار تحصيلي في الحساب وفيه فعلا عمليات ومسائل حسابية، وهناك الصدق الإحصائي أو التجريبي وهو حساب معامل الارتباط بين درجات جماعة من المختبرين على الاختبار ودرجاتهم على اختبار معروف ثبت صدقه وصلاحيته ويعتبر بمثابة ميزان معياري، فمثلا في حالة مقياس جديد للذكاء يعرف مدى صدقه بمعامل ارتباط الدرجات عليه مع الدرجات على مقياس معياري مشهور مثل مقياس ستانفورد بينيه للذكاء.
الثبات Reliability: يقصد به ثبات نتائج الاختبار أو المقياس تقريبا في المرات المختلفة التي يجري فيها على نفس الفرد أو الأفراد، أو إعطاء نفس النتائج تقريبا عندما تجري صور متماثلة أو متكافئة منه ويدرس ثبات الاختبار إحصائيا بحساب معامل الارتباط بين الدرجات التي حصل
(1/202)

عليها أفراد عينة أجرى عليها نفس الاختبار في مرتين مختلفتين يفصل بينهما حوالي أسبوعين. وتسمى هذه الطريقة "إعادة الاختبار" ومن طرق دراسة ثبات الاختبار أيضا طريقة "الصور المتماثلة" وذلك بإعداد صورتين متكافئتين لنفس الاختبار، وحساب معامل الارتباط بين الدرجات عليهما، كذلك تتبع طريقة "التجزئة النصفية" للاختبار إلى وحدات فردية وزوجية مثلا لتكون كل منهما صورة تضم نصف الاختبار، ويحسب معامل الارتباط بين الدرجات عليهما. ويحدد البعض معامل الارتباط 0.90 كحد مقبول للثقة في ثبات الاختبار. ويعلق نوردبيرج Nordberg؛ "1970" على موضوع الثبات قائلا: إن الاختبار هو هو ولا يتغير من مرة لأخرى عندما يجري، وإذا حدث تغيير في النتائج فإن التغيير يعود إلى المفحوصين أكثر مما يعود إلى الاختبار.
التقنين: يقصد به إعداد معايير للاختبار أو المقياس حتى تتحول الدرجات الخام إلى درجات معيارية تمكن من مقارنة العميل برفاق سنه وجنسه وثقافته، وتعتمد المعايير على المتوسطات أو غيرها من مقاييس النزعة المركزية والانحراف المعياري.
الموضوعية: أي أن يكون هناك معنى وتفسير موحد لوحدات الاختبار وأسئلته، يؤدي إلى فهم المقصود منها. ويمكن التأكد من ذلك عن طريق دراسة الوحدات عندما يجري الاختبار تجريبيا للاستطلاع. كذلك تتضمن الموضوعية التخلص إلى أقصى حد ممكن من الذاتية والتحيز الشخصي والاختلاف في التصحيح وتقدير الدرجات وتفسير النتائج.
إظهار الفروق الفردية: يجب أن يكون الاختبار فارقا، أي مظهرا للفروق الفردية ومميزا السهولة والصعوبة وتدرجها وتغطيتها للسمات بحيث تظهر الفروق الفردية، ويمكن معرفة ذلك بدراسة معامل سهولة الوحدات.
سهولة الاستخدام: يقصد بذلك سهولة الإجراء والتصحيح وتفسير النتائج. ويتطلب ذلك أن يكون للاختبار كراسة تعليمات يحدد فيها طريقة الإجراء وأمثلة توضيحية والزمن ومفتاح للتصحيح وجدول المعايير ... إلخ.
تعدد الاختبارات: يجب الاعتماد على أكثر من اختبار واحد في الإرشاد النفسي، لأن الاقتصار على اختبار أو مقياس واحد والاكتفاء به قد يكون مضللا.
الاعتدال في الاختبارات: يجب الاعتدال وعدم التمادي في إجراء الاختبارات، لأن كثرة الاختبارت قد تسبب مقاومة من جانب العميل، من مظاهرها الرفض والكذب والتلفيق، ومن علاماتها أيضا شك العميل في قيمة الاختبارات والمقاييس وفي دلالة نتائجها.
(1/203)

الاحتراس من أثر الهالة Halo Effect: يجب الاحتراس من أثر الهالة عند استخدام الاختبارات والمقاييس وفي التقييم النفسي بصفة عامة، ويقصد بأثر الهالة ميل الفاحص إلى أن يقيم المفحوص متأثرا بفكرة عامة أو انطباع عام عنه على أنه حسن أو رديء أو أعلى من المتوسط أو دون المتوسط. وتؤثر هذه الفكرة العامة أو هذه "الهالة" على تقييم خصائص المفحوص، وتقلل إن لم تقض على فائدة الاختبارات والمقاييس. فمثلا قد يكون العميل تلميذا مختلفا دراسيا، والفكرة العامة عنه أنه "فاشل"، وهذه الفكرة العامة قد تؤثر في تقدير ذكائه فيقدر على أنه أقل من المتوسط على الرغم من أنه قد يكون فوق المتوسط ... وهكذا. "فيليب فيرنون Vernon؛ 1964، لوفيل ولوسون، 1976، نورمان جرونلوند Gronlund؛ 1985".
إنشاء الاختبارات والمقاييس:
يسير إنشاء الاختبار أو المقياس في خطوات نلخصها فيما يلي:
تحديد الهدف أو الأهداف وجانب السلوك المراد قياسه بالضبط، وتحديد جنس وعمر ومستوى ثقافة المراد إجراء الاختبار أو المقياس عليهم.
إعداد وحدات مبدئية تجريبية للاختبار، مع مراعاة مناسبتها للجنس والعمر والثقافة، ومراعاة التوازن بينها إذا كان الاختبار يقيس نواحي متعددة، ويراعى فيها الوضوح.
إعداد صورة تجريبية للاختبار تحتوي ما لا يقل عن 50% من الوحدات زيادة عن عدد الوحدات التي ستتضمنها الصورة النهائية للاختبار.
إجراء تحكيم على الصورة التجريبية بعرضها على الأخصائيين والحكام لنقدها واقتراح التعديلات.
صياغة التعلميات الدقيقة لإجراء الاختبار بحيث تشمل أمثلة توضيحية، ويجهز مفتاح للتصحيح.
إجراء الصورة التجريبية -بعد إدخال التعديلات عليها- على جماعة محدودة من المختبرين في نفس العمر والظروف على سبيل التجربة في دراسة استطلاعية.
تحليل الواحدات إحصائيا من حيث درجة السهولة والصعوبة، وإدخال التعديلات التي أسفرت عنها الدراسة الاستطلاعية للصورة التجريبية.
إعداد الصورة النهائية للاختبار وذلك باختيار أفضل الوحدات على أساس تحليلها السابق وتعليقات الحكام ونتائج الدراسة الاستطلاعية، وتحديد الزمن المناسب.
تحديد معامل صدق ومعامل ثبات الاختبار إحصائيا.
إعداد المعايير لمختلف الأعمار في صورة جداول ورسوم بيانية.
(1/204)

إجراء الاختبارات والمقاييس:
يتطلب إجراء الاختبارات والمقاييس النفسية مراعاة بعض الأمور الأساسية حتى يأتي الإجراء سليما ومؤديا للهدف، ومن هذه الأمور ما يلي:
اختيار الاختبارات: الاختبارت والمقاييس النفسية كثيرة، ومن ثم يجب اختيار أنسبها لتطبيقه حسب ما يراد قياسه وحسب عمر العميل وجنسه ودرجة ثقافته وحسب الموقف والوقت المتاح وحسب مجال الإرشاد. وتعتبر عملية اختيار الاختبارات والمقاييس مهارة أساسية يجب أن يحصلها المرشد حتى يستطيع أن يحصل على أفضل النتائج، ويوصي بأن يختار المرشد أقل عدد ممكن من الاختبارات والمقاييس التي تغطي أكبر مساحة ممكنة من السلوك وتعطي أوفى قدر من المعلومات، وبحيث تتميز بأكبر قدر من الصدق والثبات وسهولة الاستخدام.
الأخصائي: يجب حسن اختيار الأخصائي الذي يقوم بإجراء الاختبارات والمقاييس وتفسير نتائجها. ويتطلب هذا أن يتوفر لديه التدريب والخبرة في استخدام الاختبارات والمقاييس بصفة عامة وفي بعض أنواعها بصفة خاصة مثل الاختبارات الإسقاطية والاختبارات العملية واستخدام الأجهزة.
المفحوصون: يجب إثارة دافعية العميل لأخذ الاختبارات، واختيار الوقت المناسب له، وفي حالة الإجراء الجماعي كلما صغر عدد المفحوصين كلما كان الوضع أفضل، وأفضل أداء هو الأداء الفردي.
المكان: يحسن أن يكون إجراء الاختبارات والمقاييس في "مختبر" أو "معمل" ويجب مراعاة أمور ضرورية مثل المقاعد المريحة والإضاءة الكافية والتهوية المناسبة ... إلخ.
المناخ النفسي: يجب تهيئة مناخ نفسي مناسب لإجراء الاختبارات والمقاييس بحيث تكون الحالة النفسية للعميل مناسبة والظروف المحيطة به من حيث الزمان والمكان ... إلخ مناسبة حتى يشعر بحرية وطمأنينة فيأتي الأداء على أكمل وجه ممكن.
الإجراء: في إجراء الاختبارات والمقاييس يجب الالتزام بتعليماتها.
النتائج: بعد تمام إجراء الاختبارات والمقاييس يتم تصحيحها وتقرير نتائجها في ضوء المعايير. ويجب أن يعرف العميل نتائج الاختبارات التي أجريت عليه، ومن الأفضل أن تعرض نتائج الاختبارات والميول أولا ثم اختبارات القدرات ثم التحصيل، بحيث تعرض النتائج الأفضل التي حصل فيها العميل على درجات عالية قبل تلك التي حصل فيها على درجات أقل، مع
(1/205)

اتخاذ كل الاحتياطات بما يؤدي إلى تدعيم معرفة العميل بذاته وشخصيته دون شعوره بالخيبة وتحطيم الآمال. ويمكن أن تعرض النتائج في صورة تخطيط نفسي يشملها جميعا ويوضح العلاقات بينها، ويمكن في ضوئه مقارنة الصورة الناتجة بتصور العميل لذاته.
تفسير النتائج: بعد تصحيح الاختبارات والمقاييس وتقرير نتائجها لا بد من تحليل هذه النتائج، ويجب أن يكون المرشد موضوعيا وعمليا في تفسيره للنتائج ومتحررا من النظريات الجامدة والقواعد العامة التي قد لا تنطبق على الحالة الفردية موضوع الدراسة والفحص، ويجب أن يكون تفسير النتائج في ضوء بعضها البعض وبالاستعانة بالمعلومات التي يتم جمعها بوسائل جمع المعلومات الأخرى. فمثلا يجب الاحتراس في تفسير النتائج الرقمية مثل نسبة الذكاء فقد تكون نسبة ذكاء عميل كما أظهرها اختبار ما منخفضة، ولكن بحث الحالة بالوسائل الأخرى يدل على أنه في حالة نفسية لا تسمح له بالتركيز في أداء اختبار الذكاء، وهنا تتغير دلالة نسبة الذكاء وتصبح ليس نقص الذكاء وإنما تصبح عاملا مساعدا في تشخيص الاضطراب النفسي الذي يعاني منه العميل. كذلك يجب ألا يعمم الأخصائي أكثر من اللازم وهو يفسر نتائج الاختبارت والمقاييس حتى لا يخرج كثيرا عن حدود التفسير. ويحسن أيضا أن يستعين المرشد بالعميل في تفسير النتائج، ويقترح لوندي وشيرتزر Lundy & Shertzer؛ "1963" أن يعقد لتحقيق هذا الهدف ما أسمياه "مقابلة التفسير" Interpretation Interview ولاحظ الباحثان اهتمام العملاء بالاختبارات والمقاييس ونتائجها وبعملية الإرشاد عندما اشتركوا في التفسير، وجعلهم هذا أكثر اقتناعا بما تدل عليه النتائج وأكثر إقبالا على تنفيذ التوصيات التي تبنى على النتائج في الإرشاد النفسي، وكان لاشتراكهم في التفسير تأثير دافع ومشجع حيث طلبوا إجراء المزيد من الاختبارات والمقاييس حتى يزداد فهمهم لأنفسهم. كذلك فإن اشتراك الوالدين في تفسير النتائج يفيد من ناحيتين، فهم يفيدون فيه ويستفيدون منه، ويجعلهم أكثر قدرة على تحديد ما يتوقعونه من أولادهم في ضوء نتائج الاختبارات والمقاييس، وحين يشترك المعلمون في تفسير نتائج الاختبارات والمقاييس يفيدون ويستفيدون ليس فقط في ميدان الإرشاد ولكن أيضا في عملية التدريس.
مزايا الاختبارات والمقاييس:
تمتاز الاختبارت والمقاييس بما يلي:
- تعتبر أسرع وأوضح من غيرها من الوسائل في الكشف عن الشخصية.
- تعتبر أكثر موضوعية إذا قورنت بغيرها من الوسائل.
(1/206)

- تعطي تقديرا كميا وكيفيا معياريا لشخصية العميل واستعداداته وقدراته ونقاط قوته ونقاط ضعفه، مما يساعد في تحديد التشخيص وطريقة الإرشاد.
- يمكن استخدامها في قياس مدى التقدم أو التغير الذي طرأ على الحالة عند إعادة إجرائها.
- تعتبر وسيلة اقتصادية إذا قورنت بغالبية الوسائل الأخرى.
- تعتبر وسيلة فعالة في التقييم والتصنيف والاختيار واتخاذ القرارات والتنبؤ المبني على معلومات كمية أكثر صدقا وثباتا من التقديرات الكيفية.
- تستخدم في تقييم الإرشاد ودراسة النمو والتغير الذي يطرأ على الحالة.
- تمهد لاستخدام وسائل أخرى مثل المقابلة ومؤتمر الحالة.
- يستطيع المرشد أثناء إجراء العميل لها أن يلاحظ سلوكه ومدى إقباله عليها أو رفضه لها أو تركه بعض الفقرات ... إلخ، وهذا له أهميته الخاصة في عملية الإرشاد.
عيوب الاختبارات والمقاييس:
على الرغم من مزايا الاختبارت والمقاييس، فإن لها بعض العيوب نذكر منها ما يلي:
- بعض الخصائص النفسية التي تقيسها بعض الاختبارات والمقاييس حتى الآن لا يزال غير واضح وغير محدد.
- قد لا تعطي صفات للأفراد تظل ملازمة لهم مما قد يحدث أثرا ضارا وخاصة في الوقع الاجتماعي فيما بعد.
- قد تطغى على غيرها من الوسائل ويستغنى بها المرشد عنها، فتقلل من إمكانات الاتصال الاجتماعي المطلوب في عملية الإرشاد، وتضيع فرصة الحصول على معلومات يصعب التوصل إليها باستخدام الاختبارات والمقاييس.
- قد يكون بها بعض أوجه القصور في إنشائها وتقنينها.
- قد يساء تفسير الدرجات، ويعتقد البعض أن الرقم له معنى محدد يختلف عن معناه الحقيقي وهو كونه معبرا عن مدى درجات وليس درجة واحدة أو نقطة محددة على مقياس.
- قد ينبهر بعض الأخصائيين بها ويعتقدون أنها غاية المراد، ويجرونها كهدف في حد ذاتها أو بطريقة روتينية وبدون هدف محدد.
أنواع الاختبارات المقاييس:
تتنوع الاختبارت والمقاييس فنجد منها:
(1/207)

- اختبارات ومقاييس الذكاء بأنواعها المختلفة من حيث المادة ومن حيث طريقة الأداء.
- اختبارات ومقاييس الاستعدادات والقدرات العقلية.
- اختبارات التحصيل الدراسي بأنواعها التشخيصية والتنبؤية والتدريبية.
- اختبارات ومقاييس الشخصية بأنواعها من استفتاءات ومقاييس تقدير واختبارات إسقاطية.
- اختبارات الميول.
- اختبارات القيم.
- اختبارات ومقاييس الاتجاهات.
- اختبارات ومقاييس التشخيص.
- اختبارات التوافق النفسي.
- اختبارات ومقاييس الصحة النفسية.
- اختبارات الإرشاد النفسي.
- اختبارات ومقاييس أخرى.
وكل هذه الاختبارات والمقاييس تتنوع أيضا، فمنها: الاختبارات التحريرية "أو اختبارات الورقة والقلم" ومنها الاختبارات اللفظية وغير اللفظية، والاختبارات العملية "أو اختبارات الأداء"، والأجهزة والاختبارت الجماعية، والاختبارات الفردية، واختبارات السرعة، واختبارات القوة، واختبارات أقصى الأداء، واختبارت الأداء العادي ... وهكذا.
اختبارات ومقاييس الذكاء:
يهتم علماء النفس بصفة عامة بقياس الذكاء ودراسة السلوك الذكي:
وتعتبر اختبارت الذكاء مقاييس لعينات من مظاهر الحياة العقلية المعرفية العامة.
وتظهر اختبارات ومقاييس الذكاء في صور تتناسب مع التعريف الرئيسي الذي تقوم على أساسه، فمنها ما يتكون أساسا من فقرات تقيس القدرة على إدراك العلاقات والمتعلقات، ومنها ما يتكون من وحدات تقيس القدرة على حل المشكلات ... وهكذا.
وتتخذ اختبارت ومقاييس الذكاء صورا عديدة، بعضها فردي والآخر جماعي، وبعضها لفظي وبعضها مصور، وبعضا تحريري وبعضها عملي، وتعطي كلها وتحدد نسبة ذكاء العميل1.
__________
1 نسبة الذكاء = العمر العقلي ÷ العمر الزمني × 100.
(1/208)

ومن أمثلة اختبارات ومقاييس الذكاء في الوطن العربي ما يلي:
مقياس ستانفورد بينيه للذكاء: وضعه أصلا ألفريد بينيه Binet وراجعه تيرمان وميريل Terman & Merril، وعربه وعدله إسماعيل القباني، كذلك اقتبسه وأعده محمد عبد السلام أحمد ولويس كامل مليكة، وهو مقياس عالمي، ويناسب كل الأعمار من عامين إلى الراشد والمتفوق، ويستغرق حوالي ساعة.
مقياس ويكسلر لذكاء الأطفال: تأليف ويكسلر Wechsler، اقتباس وإعداد محمد عماد الدين إسماعيل ولويس كامل مليكة. ويتضمن اختبارت لفظية تقيس المعلومات والفهم والحساب والمتشابهات والمفردات وسلاسل الإعداد، واختبارت عملية عن تكميل الصور وترتيب الصور ورسوم المكعبات وتجميع الأشياء والشفرة والمتيهات. ويناسب الأعمار بين 5-15 سنة. ويستغرق حوالي ساعة.
اختبار الاستعداد: إعداد مصطفى فهمي، ويتكون من اختبارت فرعية تقيس فهم معاني الكلمات المفردة، وفهم معاني العبارات، والمعلومات العامة، والمزاوجة، والأعداد، والتقليد، وصلح لتلاميذ الصف الأول الابتدائي "عمر 6سنوات".
اختبار الذكاء الابتدائي: إعداد إسماعيل القباني، ويتكون من قسمين متكافئين. ويناسب الأعمار من 7-15 سنة، ويستغرق حوالي ساعة ونصف "للقسمين".
اختبار عين شمس للذكاء الابتدائي: إعداد عبد العزيز القوصي وهدى برادة وحامد زهران. ويناسب الأعمار من 7-12 سنة. ويستغرق حوالي ساعة.
اختبار القدرة العامة للابتدائي: إعداد إدارة البحوث الفنية بوزارة التربية والتعليم في مصر.
اختبار رسم الرجل: وضع فلورنس جودينف Goodenough مصطفى فهمي وأيضا مصطفى سويف في مصر، وعبد السلام عبد الغفار في لبنان، وفؤاد أبو حطب وآخرون في المملكة العربية السعودية1، وغيرهم في عدد آخر من البلاد العربية، ويناسب الأعمار من 6-12سنة.
اختبار الذكاء المصور للأطفال: اقتباس إسماعيل القباني، ويتكون من تسعة اختبارات فرعية من التعليمات، والملاحظة العادية، وتمييز الجمل، والأشياء المقترنة، وتمييز الحجم، وأجزاء الصور، وتكميل الصور، والقصص المصورة، والرسوم بالنقط.
__________
1 اشترك المؤلف في تقنين اختبار رسم الرجل على البيئة السعودية مع زملائه فؤاد أبو حطب وآخرين.
(1/209)

اختبار الذكاء الإعدادي: إعداد السيد خيري. ويناسب الأعمار من 10-17 سنة. ويستغرق نصف ساعة.
اختبار الذكاء العام للمرحلة الإعدادية: إعداد إدارة البحوث الفنية بوزارة التربية والتعليم في مصر. ويشتمل على ثلاث اختبارات فرعية تقيس القدرة اللغوية، والقدرة العددية، والعلاقة بين الأشكال. ويستغرق حوالي 45 دقيقة.
اختبار الذكاء الثانوي: عمل إسماعيل القباني. ويناسب الأعمار من 12-18 سنة. ويستغرق 40 دقيقة.
اختبار الذكاء العام للمرحلة الثانوية: إعداد إدارة البحوث الفنية بوزارة التربية والتعليم في مصر. ويشتمل على أربعة اختبارات فرعية تقيس القدرة اللغوية، والقدرة العددية، والقدرة على التفكير، والقدرة على التصور المكاني، ويستغرق حوالي 45 دقيقة.
اختبار ذكاء الشباب اللفظي: تأليف حامد زهران. ويناسب المرحلتين الإعدادية والثانوية، ويستغرق نصف ساعة.
اختبار ذكاء الشباب المصور: تأليف حامد زهران، ويناسب المرحلتين الإعدادية والثانوية. ويستغرق نصف ساعة.
اختبار الذكاء المصور: إعداد أحمد زكي صالح. ويناسب الأعمار بين 8-17 سنة. ويستغرق 10 دقائق.
اختبار الذكاء غير اللفظي: اقتباس وإعداد عطية هنا. ويناسب الأعمار من 6-16 سنة، ويستغرق نصف ساعة.
اختبار ذكاء العميان وضعاف البصر: إعداد حامد زهران وفتحي عبد الرحيم. ويناسب الأطفال والشباب في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية.
اختبار الزمالك للذكاء: تأليف محمد كامل النحاس، ويحتوي على اختبارات فرعية عن التكميل، والتناسب، والتصنيف، والرموز، والاستدلال، والسخافات، ويستغرق 20 دقيقة.
اختبار القدرة العقلية العامة: إعداد أحمد سلامة. ويتكون من صورتين متكافئتين أ، ب.
اختبار كاتيل للذكاء: إعداد أحمد سلامة وعبد السلام عبد الغفار، ويناسب الشباب في المرحلة الإعدادية والثانوية.
اختبار الاستعداد العقلي للمرحلة الثانوية والجامعات: إعداد رمزية الغريب.
(1/210)

وينقسم إلى خمسة أقسام تمثل القدرات العقلية الأساسية في السلوك الذكي وهو اليقظة العقلية، والقدرة على إدراك العلاقات المكانية، والتفكير المنطقي، والتفكير الرياضي، والقدرة على فهم الرموز اللغوية.
مقياس ويكسلر بيلفيو لذكاء المراهقين والراشدين: تأليف دافيد ويكسلر Wechsler، اقتباس وإعداد لويس كامل مليكة، ويتضمن اختبارات لفظية عن المعلومات والفهم وإعادة الأرقام والاستدلال الحسابي والمتشابهات والمفردات، واختبارات علمية عن ترتيب الصور وتكميل الصور ورسوم المكعبات وتجمع الأشياء، ويناسب الأعمار من 15-60 سنة. ويستغرق حوالي ساعة.
اختبار الذكاء العالي: إعداد السيد خيري، ويناسب المرحلة الجامعية، ويستغرق نصف ساعة.
اختبار الذكاء العام والقدرة على حل المشكلات: تأليف ديفز وايلز، إعداد وتمصير مصطفى فهمي وآخرون.
اختبار المصفوفات المتتابعة: تأليف رافين Raven، إعداد مصطفى فهمي وآخرون1. ويناسب الأطفال والشباب والكبار. ويستغرق حوالي ساعة.
الاختبارات والمقاييس العملية للذكاء: مثل اختبار الإزاحة لأليكسندر Alexander ويناسب الأعمار من 3-17 سنة، ولوحة سيجان Seguin وتناسب الأعمار من 4-13 سنة، واختبار بناء المكعبات ويناسب الأعمار من 6-16 سنة، واختبار رسوم المكعبات ويناسب الأعمار من 5-20 سنة، ومتاهات بورتيوس Porteus وتناسب الأعمار من 3-14 سنة.
اختبارات ومقاييس القدرات والاستعدادات:
في مجال الإرشاد التربوي والمهني بصفة خاصة يلزم استخدام اختبارات القدرات والاستعدادات إلى جانب اختبارات القدرة العقلية العامة، وتقيس اختبارات القدرات والاستعدادات قدرة العميل على النجاح في طائفة معينة من نواحي النشاط العقلي.
وتتنوع اختبارات القدرات والاستعدادات لتقيس القدرة اللغوية، والقدرة الرياضية، والقدرة الفنية، والقدرة الموسيقية، والمهارة اليدوية والمهارات الحركية الأخرى.
ومن أمثلة اختبارات ومقاييس القدرات والاستعدادات المتاحة في الوطن العربي ما يلي:
__________
1 اشتراك المؤلف في إعداد هذا الاختبار.
(1/211)

اختبار القدرة اللغوية "المعالجة الذهنية للجمل": تأليف محمد عبد السلام أحمد ويناسب الأعمار من 18-28 سنة، ويستغرق 10 دقائق.
اختبار القدرة الكتابية "تصنيف الأسماء": تأليف محمد عبد السلام أحمد. ويناسب الأعمار من 18-28 سنة. ويستغرق 15 دقيقة.
اختبار القدرة الكتابية "تصنيف الأعداد": تأليف محمد عبد السلام أحمد. ويناسب الأعمار من 18-28 سنة.
اختبار الاستدلال اللغوي: إعداد محمد عماد الدين إسماعيل وسيد مرسي، ويناسب الثانوية العامة وما في مستواها ويستغرق 20 دقيقة.
اختبار سرس الليان في القراءة الصامتة: وضع محمود رشدي خاطر، ويتكون من قسمين، الأول: بضم ثلاثة اختبارت فرعية عن تعرف المفردات وتعرف الجمل وفهم الجمل، والثاني خاص بفهم الفقرات، ويناسب الصفوف الأربعة الأولى من المرحلة الابتدائية.
اختبار القدرة العددية: إعداد محمد عماد الدين إسماعيل وسيد مرسي، ويناسب الثانوية العامة وما في مستواها ويستغرق 20 دقيقة.
اختبار القدرة الفنية للمصورين والرسامين: تصنيف محمد عماد الدين إسماعيل. ويضم اختبارين فرعيين الأول عن تكميل الأشكال، والثاني عن تكميل الصور.
اختبار سيشور للقدرة الموسيقية: وضع كارل سيشور Seashore إعداد آمال صادق. ويقيس المواهب الموسيقية والقدرة على التمييز الصوتي من حيث حدة النغمات وشدتها والتوقيت وذاكرة الأنغام والإيقاع، وتقدم الموسيقى للمفحوص مسجلة على أسطوانات أو شرائط.
اختبارات القدارت الخاصة للقبول بالمدارس الصناعية: إعداد إدارة البحوث الفنية بوزارة التربية والتعليم في مصر. ويتضمن اختبارات فرعية عن المعلومات الصناعية، ومعرفة الأدوات الصناعية، والقدرة العقلية العامة.
اختبارات القدرات الخاصة للقبول بالمدراس الزراعية: إعداد إدارة البحوث الفنية بوزارة التربية والتعليم في مصر.
اختبار السرعة والدقة: إعداد محمد عماد الدين إسماعيل، ويناسب الثانوية العامة وما في مستواها ويستغرق ربع ساعة.
(1/212)

اختبار تورانس للتفكير الابتكاري: تأليف تورانس Torrance، ترجمة وإعداد عبد الله سليمان وفؤاد أبو حطب. ويشمل اختبارات الأشكال "التفكير الابتكاري باستخدام الصور"، واختبارات الألفاظ "التفكير الابتكاري باستخدام الكلمات"، ولكل منهما صورتان أ، ب. وتناسب جميع مراحل التعليم من الابتدائي حتى العالي.
مقياس الاستعداد الاجتماعي: إعداد سيد مرسي، ويقيس القدرة على التصرف في المواقف الاجتماعية.
اختبارات التحصيل:
اختبارات التحصيل هي اختبارات معلومات ومعارف ومهارات، وتعتبر من الناحية التربوية مقاييس لنتائج عملية التعليم، ويوجد معامل ارتباط مرتفع بين نتائج اختبارات الذكاء ونتائج اختبارت التحصيل.
وتتيح اختبارت التحصيل المقننة إمكانية متابعة نمو التلاميذ وتطور تحصيلهم، حيث تدل الزيادة على التقدم، والنقصان على التأخر، ويمكن على أساس نتائجها معرفة نسبة التحصيل1 مما يفيد في إرشادهم تربويا ومهنيا.
ومعظم اختبارات التحصيل المقننة من النوع الموضوعي الذي يتضمن عددا كبيرا من الأسئلة ذات الإجابات القصيرة أو في شكل تحديد الصح والخطأ وإكمال جمل أو اختيار الإجابة الصحيحة من بين إجابات متعددة.
وفي كثير من الدول تقوم المراكز القومية للبحوث التربوية بإعداد اختبارات تحصيل مقننة في المواد الدراسية على مستوى الدولة بصفة عامة أو مستوى المناطق التعليمية، ومن مزايا قيام المراكز القومية للبحوث التربوية بإنشاء وتقنين الاختبارات التحصيلية، الإمكانات العملية المتاحة بها وإمكان الحصول على عينات كبيرة للتقنين، ومن أمثلة المراكز القومية للبحوث التربوية، المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية في مصر، والمركز القومي للبحوث التربوية في إنجلترا وويلز National Foundation for Educational Research in England and Wales، ومركز البحوث النفسية والتربوية بجامعة الملك عبد العزيز2 بمكة المكرمة.
__________
1 نسبة التحصيل = العمر التحصيل ÷ العمر الزمني × 100.
2 جامعة "أم القرى" حاليا.
(1/213)

ومن أمثلة اختبارات التحصيل ما أعدته إدارة البحوث الفنية بوزارة التربية والتعليم في مصر في المواد الدراسية المختلفة للمرحلة الابتدائية.
اختبارات ومقاييس الشخصية:
يهتم المرشدون النفسيون بقياس سمات الشخصية وأبعادها، وأثرها في السلوك والتوافق النفسي، ومعظم اختبارات ومقاييس الشخصية تؤدي إلى صفحة نفسية تصور موقع العميل بالنسبة لأبعاد الشخصية وسماتها.
ويلاحظ أن قياس الشخصية صعب ومعقد نسبيا، وبعضها قد تشوبه الذاتية، وما زالت جهود العلماء تحاول التغلب على ذلك، فمثلا نجد في مجال الإرشاد المهني محاولات لجعل عملية قياس الشخصية ومزاوجتها مع المهنة ميكانيكيا وعن طريق الحاسب الآلي، حيث تعد قوائم نتيجة تحليل المهن المختلفة وسمات الشخصية المطلوبة والتي تقابلها، وتجري الاختبارات والمقاييس وتعد الصفحات النفسية وتتم مزاوجة بين متطلبات المهن المختلفة وسمات شخصية العميل "جاكسون وجونيبر Jackson & Juniper؛ 1971".
وتتعدد أساليب قياس الشخصية حسب النظرية التي بنى في ضوئها الاختبار أو القياس، حسب وظيفة الشخصية والمراد قياسها، ونمط المثير المعروض في المقياس، ونمط الاستجابة المطلوبة، وظروف الإجراء، وطريقة التفسير، وهدف القياس "سيد غنيم، 1973".
وهناك أنواع من اختبارات ومقاييس الشخصية منها: الاختبارات والمقاييس المقننة "تجريبيا" وتستهدف التصنيف والتفسير، ومنها المقاييس الكلينيكية وتستهدف دراسة وفهم شخصية فردية بعمق، ومن أهم اختبارات الشخصية الاختبارات الإسقاطية Projective Tests وتهدف إلى قياس الشخصية ككل، وفي هذا النوع من الاختبارات يقدم مثير غامض للشخص يستثير استجابات توضح سمات وأبعاد شخصية، ومن أمثلة المثيرات الغامضة التي تقدم بقعة حبر أو صورة أو كلمة أو جملة ناقصة. وتعتبر الاستجابات إسقاطات لداخلية الشخصية، وهي بذلك تعتبر بمثابة أشعة للكشف عن الشخصية من الداخل، أي أنها تكشف ما لا تكشفه الأساليب الأخرى غير الإسقاطية، ويلاحظ أن المعالجين النفسيين يستخدمون الاختبارات الإسقاطية أكثر مما يستخدمها المرشدون النفسيون بصفة عامة، ويهتم بها من بين المرشدين أولئك الذين يتخصصون في مجال الإرشاد العلاجي.
ومن أمثلة اختبارات ومقاييس الشخصية: المتداولة في الوطن العربي ما يلي: "انظر أحمد عبد الخالق، 1993".
(1/214)

اختبار روجرز لدراسة شخصية الأطفال الذكور: تأليف كارل روجرز Rogers، إعداد مصطفى فهمي، ويقيس الشعور بالنقص، وسوء التوافق الاجتماعي وسوء التوافق العائلي. ويناسب الأعمار بين 9-16 سنة، ويستغرق 40-50 دقيقة.
أخبار روجرز لدراسة شخصية الأطفال الإناث: تأليف كارل روجرز Rogers، إعداد مصطفى فهمي، ويقيس نفس الأبعاد السابقة، ويناسب نفس الأعمار، ويستغرق نفس الزمن.
استفتاء الشخصية للمرحلة الأولى: تأليف ريموند كاتيل Cattell، إعداد عبد السلام عبد الغفار وسيد غنيم.
استفتاء الشخصية للمرحلة الإعدادية والثانوية: تأليف ريموند كاتيل Cattell، إعداد سيد غنيم وعبد السلام عبد الغفار.
اختبار عوامل الشخصية للراشدين: تأليف ريموند كاتيل Cattell، إعداد عطية هنا وآخرون.
هذه الاستفتاءات الثلاثة تقيس سمات الشخصية وأبعادها وهي: السيكلوثيميا ضد الشيزوثيميا، الذكاء العام ضد الضعف العقلي، الثبات الانفعالي وقوة الأنا ضد عدم الاتزان الانفعالي وضعف الأنا، والمحافظة ضد التحرر، والسيطرة ضد الخضوع، والانبساط ضد الانطواء، قوة الأنا الأعلى ضد ضعف الأنا الأعلى، المخاطرة والإقدام ضد الخجل والحرص، الواقعية ضد الرومانسية، البساطة ضد نقد الذات، الثقة بالنفس ضد الميل للشعور بالإثم، الاكتفاء الذاتي ضد الاعتماد على الجماعة، قوة اعتبار الذات ضد ضعف اعتبار الذات، قوة التوتر الدافعي ضد ضعف التوتر الدافعي، التبصر ضد السذاجة.
اختبار الشخصية: وضع روبرت بيرنرويتر Bernreuter إعداد محمد عثمان نجاتي ويقيس الميل العصابي، والاكتفاء الذاتي، والانطواء الانبساط، السيطرة الخضوع، الثقة بالنفس، المشاركة الاجتماعية، ويناسب المرحلتين الثانوية والجامعية. ويستغرق حوالي 25 دقيقة.
اختبار الشخصية للشباب: تأليف كارل جيسنيس Jesness، إعداد عطية هنا ومحمد سامي هنا، ويقيس سوء التوافق الاجتماعي، اتجاه القيم للتدهور، تأخر النضج، والنظرة العقلية الذاتية أو الاجترار العقلي، الاغتراب، إظهار العدوان، الانسحاب الانعزالي، القلق الاجتماعي، الكبت، الإنكار، اللااجتماعية، ويستغرق من 20-40 دقيقة.
قائمة أيزينك للشخصية: تأليف هانز أيزينك H. Eysenck، وسيبيل أيزينك
(1/215)

S. Eysenck إعداد جابر عبد الحميد جابر ومحمد فخر الإسلام، وتقيس الانبساط الانطواء، والعصابية الثبات، وتتضمن مقياسا للكذب. ولها صورتان متكافئتان أ، ب.
بطاقة تقييم الشخصية: إعداد محمد عماد الدين إسماعيل وسيد مرسي، وقد أعدت للحصول على معلومات عن المشكلة، والجهود التي بذلت لحلها، والعميل في المدرسة، وبيانات عن البيئة، وعن النمو والتطور، وعن دينامية الشخصية، وتشخيص مشكلات العميل، وتقييم شخصيته، والتوصيات، والتنبؤ.
استخبارات الشخصية: إعداد جيلفورد Guilford تعريب مصطفى سويف ومحمد فرغلي فراج، وهي سلسلة استخبارات لقياس الشخصية.
اختبار مفهوم الذات: تأليف حامد زهران، ويقيس مفهوم الذات الواقعي، ومفهوم الذات المثالي، على طول أبعاد خمسة هي البعد الجسمي، والعقلي، والانفعالي، والاجتماعي وبعد عام. ويصلح لمرحلة الشباب، ويستغرق حوالي 40 دقيقة.
مقياس تينيسي لمفهوم الذات: تأليف وليام فيتس Fitts، ترجمة وإعداد صفوت فرج وسهير كامل، وللمقياس صورتان إحداهما إرشادية، والأخرى كلينيكية بحثية، ويستخرج من الصورة الإرشادية الدرجات الآتية: نقد الذات، الدرجة الموجبة، "تسع درجات فرعية"، درجة التغيرية، درجة التوزيع، درجة الزمن، ويستخرج من الصورة الكلينيكية البحثية الدرجات الآتية: نسبة الصواب إلى الخطأ، درجات محصلة الصراع، درجات الصراع الكلية، المقاييس التجريبية "عددها ستة". ويصلح المقياس للأفراد من سن 12 فأكثر.
اختبار مفهوم الذات للصغار: تأليف محمد عماد الدين إسماعيل ومحمد أحمد غالي، ويقيس مفهوم الذات الواقعية، ومفهوم الذات المثالية، ومفهوم الشخص العادي، والتباعد، وتقبل الذات، وتقبل الآخرين، ويصلح للأطفال.
اختبار مفهوم الذات للكبار: تأليف محمد عماد الدين إسماعيل، ويقيس نفس المفاهيم السابقة، ويصلح للكبار.
مقياس مفهوم الذات للأطفال في سن ما قبل المدرسة: إعداد حليم بشاي وطعلت منصور، ويتكون المقياس من أزواج من العبارات تتضمن إحداهما عبارة إيجابية والأخرى عبارة سلبية، ويطلب من الطفل تحديد أي العبارتين يعبر عنه، ويقيس نظرة الطفل إلى علاقاته بالكبار، وبالرفاق، ونظرته إلى التعليم وإلى الذات الجسمية، والذات الانفعالية.
اختبار بقع الحبر لرورشاخ: وضع هيرمان رورشاخ Rorschach وهو اختبار إسقاطي. ويتكون من عشر بطاقات على كل منها بقعة حبر متماثلة الجانبين، خمس منها باللون الأبيض
(1/216)

والأسود والخمس الأخرى بها ألوان، وتعرض البطاقات على المفحوص الواحدة تلو الأخرى، ويطلب منه ذكر ما يراه في البطاقة، ماذا يشبه وماذا يحتمل أن يكون، ثم يستفسر من المفحوص عن بعض النقط لتحديد أجزاء الاستجابة والحركة والألوان، ... إلخ. وفي التصحيح يتم التحديد الوصفي للاستجابات ودراسة محتواها والنواحي الابتكارية ... إلخ. ويصلح لجميع الأعمار واختبار رورشاخ يقيس الشخصية ككل: القدرة العقلية، الإبداع، المثابرة، الذات، الانبساط الانطواء، قوة الشخصية، ضعف الشخصية، التقمص الانفعال، الإيجابية السلبية، النشاط الخمول، العدوان السلبية، التوافق النفسي، التطبيع الاجتماعي، أهداف الحياة، العصاب، الذهان، إصابة عضوية في المخ، الجنس، الصدمات "سيد غنيم وهدى برادة، 1964" "انظر شكل 45".
اسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
اختبار تفهم الموضوع:
Thematic Apperception Test. TAT، وضع هينري مواري Murray اقتبسه وكتب عنه وأعد استمارة تحليل الاستجابات أحمد سلامة. وهو اختبار إسقاطي، ويتكون من ثلاثين بطاقة عشر منها تصلح للجنسين، وعشر منها للذكور فقط، وعشر للإناث فقط. ويعرض على المفحوص عشرون صورة "العشر الأول وعشر حسب جنسه"، والواحدة تلو الأخرى، ويطلب منه أن يحكي قصة تستثيرها الصورة، لها بداية ونهاية وفيها بطل، وماذا يحدث وكيف وأين ومتى ولماذا ومن الأشخاص ... إلخ. ويستفسر من المفحوص عن بعض النقط. ثم تحلل القصص التي يفترض أن لها صلة بحياة المفحوص النفسية وخبراته وشخصيته، وتفسر القصص من حيث دور البطل "الذي يتوحد المفحوص معه" وصفاته الشخصية ودوافعه وميوله واتجاهاته وعلاقاته الاجتماعية وعوامل البيئة وموضوع القصة. وهكذا يقيس الاختبار الحاجات الرئيسية، وضغوط البيئة، وإدراك الأشخاص، والصراعات الرئيسية،
اسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/217)

والقلق، والدفاعات الرئيسية، وقوة الذات العليا، وتكامل الذات "انظر شكل 46" ويوجد كذلك: واختبار الموضوع للكبار "المسنين" انظر شكل 47".
اختبار تفهم الموضوع للأطفال: Children's Apperception Test وضع ليوبولد بيلاك Bellak. وهو مثل اختبار تفهم الموضوع للكبار، إلا أنه يتكون من عشر بطاقات عليها رسوم حيوانات وطيور في مواقف متنوعة "انظر شكل 48". وتوجد كذلك صورة أخرى للاختبار عليها رسوم آدمية في نفس المواقف "انظر شكل 49" ويصلح للأطفال من 3-10 سنوات.
(1/218)

اختبار ساكس لتكملة الجمل: تأليف ساكس Sax، إعداد أحمد سلامة، وهو اختبار إسقاطي بطريقة تكملة الجمل. ويقيس الاتجاهات الأساسية لشخصية المفحوص في أربعة جوانب أساسية هي الاتجاه نحو الأسرة، والاتجاه نحو الجنس، والاتجاه نحو العلاقات الاجتماعية، الاتجاه نحو الذات، ويصلح للبالغين ويستغرق حوالي 20-40 دقيقة.
اختبار تداعي المعاني Word Association وفيه يذكر الفاحص كلمة ويطلب من المفحوص الاستجابة لها بأول ما يرد إلى فكره، ويلي ذلك عدد من الكلمات، وتصنف الاستجابات إلى عدد من النواحي فتكشف عن الصراعات في الأسرة والمدرسة والجنس ... إلخ.
اختبار رسم المنزل والشجرة والشخص House - Tree - Person "HTP" وضع باك Buck، إعداد لويس كامل مليكة، وهو اختبار إسقاطي. وفيه يطلب من المفحوص أن يرسم رسما جيدا بقدر الإمكان لمنزل ثم لشجرة ثم لشخص، ثم يوجه إليه عدد من الأسئلة تتصل بهذه الوحدات الثلاث، ثم يطلب إليه رسم الوحدات الثلاث بالألوان، وتصحح الرسوم وتحلل كما وكيفا للحصول على معلومات هامة من الناحيتين التشخيصية والتنبؤية عن الشخصية ككل وتفاعلها مع البيئة من النواحي العامة والخاصة.
الرسوم والكتابة العفوية Doodles وهي الرسوم والكتابة غير الهادفة التي يقوم الفرد بعملها دون وعي منه وهو جالس في اجتماع مقابلة أو جلسة، وهو يفكر أو يركز انتباهه في شيء آخر، ودراسة الرسوم والكتابة العفوية تفيد في دراسة الشخصية من الناحيتين التشخيصية والعلاجية، حيث تحلل الرسوم والكتابة العفوية تفيد في دراسة الشخصية من الناحيتين التشخيصية والعلاجية، حيث تحلل الرسوم والكتابة كما وكيفا ومن حيث التعبير والمحتوى والتكرار ... إلخ، للكشف عن الحاجات والصراعات والخيالات ومظاهر التنفيس ... إلخ "لويس كامل مليكة، 1986".
اختبارات الميول:
وهي اختبارت تحاول رسم خريطة لميول العميل. وتقوم على أساس أنه إذا توافر الميل نحو سلوك أو مادة دراسية أو مهنة، وتساوت الظروف والعوامل الأخرى، كان النجاح في هذا السلوك أو المادة أو المهنة أكبر، وتحاول اختبارات الميول قياس الميول المختلفة وتصنيفها وترتيبها ترتيبا تصاعديا.
وعادة تكون اختبارات الميول في شكل قوائم مقننة لاستقصاء الميول التي يعبر الشخص عنها، أي أنها تقوم أساسا على الاختيار والتفضيل.
وهناك بعض الملاحظات على اختبارات الميول، وهي أنها قد تعطي صورة عامة في ضوء
(1/219)

التفضيل العام وليس التفضيل الشخصي، وأن الميول تتغير على الرغم من ثباتها النسبي، وإن هذا التغير سريع في مراحل النمو وخاصة في الطفولة والمراهقة.
ومن أمثلة اختبارات الميول، المستخدمة في الوطن العربي ما يلي:
اختبار الميول المهنية للرجال: وضع إدوارد سترونج Strong، ترجمة وإعداد عطية هنا، ويوجد مثله للنساء، ويناسب الأعمار من 17 سنة فما فوقها، ويستغرق حوالي 45 دقيقة.
اختبار كيودر للميول المهنية: وضع كيودر Kuder، إعداد أحمد زكي صالح، ويقيس الميل الخلوي، والميكانيكي، والحسابي، والعلمي، والإقناعي، والفني، والأدبي، والموسيقي، والكتابي، والميل إلى الخدمة العامة، ويستغرق من 30-50 دقيقة.
اختبار الميول المهنية واللامهنية: إعداد عبد السلام عبد الغفار.
اختبارات القيم:
تفيد اختبارات القيم في الإرشاد المهني بصفة خاصة في انتقاء الأفراد الصالحين لبعض المهن. وتفيد في الإرشاد العلاجي أيضا حيث يلزم معرفة نظام القيم وإعادة بنائها وتنمية القيم الصالحة.
ومن أمثلة اختبارات القيم في الوطن العربي:
اختبار القيم: وضع ألبورت وفيرونون وليندزي Allport, Vernon, & Lindzey، تعريب عطية هنا، ويقيس القيم النظرية والاقتصادية والجمالية والاجتماعية والسياسية والدينية، ويصلح للشباب الجامعي.
استفتاء القيم: وضع حامد زهران وإجلال سري، ويقيس القيم النظرية والاقتصادية والاجتماعية والجمالية والسياسية والدينية، ويصلح للشباب.
اختبار القيم الشخصية: وضع جوردون Gordon، إعداد عبد السلام عبد الغفار، ويقيس القيمة العملية، الإنجاز، التنوع، الجسم، التنظيم، وضوح الهدف.
اختبار القيم الاجتماعية: وضع جوردون Gordon، إعداد عبد السلام عبد الغفار ويقيس: القيادة، مساعدة الآخرين، الاستقلال، التقدير، المسايرة، المساندة.
اختبارات ومقاييس الاتجاهات:
ييسر قياس الاتجاهات النفسية الاجتماعية التنبؤ بالسلوك. ويفيد في تعديل وتغيير الاتجاهات ولقد عكف علماء النفس الاجتماعي على إنشاء وتطوير طرق قياس الاتجاهات تمهيدا
(1/220)

لدراسة الاتجاهات أو تعديلها أو تغييرها، ويأتي على رأس هؤلاء إموري بوجاردس Bogardus صاحب مقياس البعد الاجتماعي Social Distance Scals ولويس ثرستون Thurstone صاحب مقياس الفترات متساوية الظهور Equal Appearing Interval Scale، ورينسيس ليكيرت LiKert صاحب طريقة التقديرات المجملة Summated Ratings، وشارلز أوسجود Osgood صاحب اختبار تمايز معاني المفاهيم Semantic Differential، وجتمان Guttman وغيرهم، ويسترشد بالطرق التي ابتكرها هؤلاء العلماء في قياس الاتجاهات النفسية "انظر حامد زهران، 1984".
ومن أمثلة اختبارات ومقاييس الاتجاهات في الوطن العربي ما يلي:
مقياس الاتجاهات الوالدية: إعداد محمد عماد الدين إسماعيل ورشدي فام. وله صورتان إحداهما جماعية والأخرى فردية. ويقيس أبعاد مثل: التسلط، الحماية الزائدة، الإهمال، التدليل، الألم النفسي، التذبذب، التفرقة في المعاملة، السواء، الكذب.
اختبار الاتجاهات العائلية: وضع ليديا جاكسون Jackson، إعداد مصطفى فهمي، وهو اختبار إسقاطي يتكون مع سبع بطاقات مصورة مقننة تمثل كل منها موقفا عائليا تستعمل لدراسة ما يعانيه الأطفال من صراعات داخلية تنشأ بسبب العلاقات العائلية، ويناسب الأعمار من 6-12 سنة. ويستغرق من 30-40 دقيقة". انظر شكل "50".
مقياس الاتجاهات التربوية للمعلمين: إعداد أحمد زكي صالح وآخرون، ويتكون من اختبارين أحدهما يقيس المعلومات التربوية، والآخر يقيس التصرف في المواقف التربوية.
مقياس الاتجاهات نحو الشعوب الأخرى: إعداد محمد خليفة بركات وآخرون.
اختبار الاتجاهات نحو القرويين: إعداد إبراهيم أبو لغد ولويس كامل مليكة، وهو اختبار إسقاطي مصور لدراسة الاتجاهات نحو القرويين "شكل 51".
(1/221)

اختبارات ومقاييس التشخيص:
يطلق مصطلح اختبارات ومقاييس التشخيص في مجال الإرشاد العلاجي والعلاج النفسي على الاختبارات والمقاييس التي تساعد في تحديد المشكلات وتشخيص الاضطرابات والأمراض النفسية.
ويعترض البعض على هذه التسمية على أساس أن كل الاختبارات والمقاييس النفسية تعتبر اختبارت تشخيص سواء كانت اختبارات قدرات أو شخصية أو اتجاهات أو ميول أو تحصيل ... إلخ.
وعلى أي حال فحسب وجهة النظر الأولى، نجد أن من أسئلة اختبارات التشخيص في الوطن العربي ما يلي:
اختبار التشخيص النفسي: تأليف حامد زهران. ويقيس 14 نوعا من الاضطرابات والأمراض النفسية العصابية والذهانية بقصد التشخيص النفسي، وهي: القلق، توهم المرض، الضعف العصبي، الخواف، الهستيريا، الوسواس والقهر، التفكك، الاكتئاب، الهوس، الفصام، الهذاء، المرض النفسي الجسمي، الاضطرابات الجنسية، السيكوباتية. ويناسب الشباب والكبار. ويستغرق حوالي 45 دقيقة.
(1/222)

اختبار مفهوم الذات الخاص: تأليف حامد زهران. وهو اختبار كلينيكي يهدف إلى استكشاف دخائل وخفايا وأعماق وخصوصيات الذات والمحتويات الشعورية المختزنة في "مستودع" مفهوم الذات الخاص، وهو اختبار إسقاطي أنشئ بطريقة إكمال الجمل، وتدور بدايات الجمل حول مشكلات وأسرار وخبرات ومشاعر ومخاوف واتجاهات وأسئلة وأخطاء ومسالب شخصية وسلوك العميل، ويمكن عن طريقه تحديد المشكلة الرئيسية للعميل، ومشكلاته الخاصة، ودرجة تغليف الذات ودرجة المقاومة، ودرجة المبادرة.
اختبار الشخصية متعدد الأوجه: ويسمى أحيانا اختبار مينيسوتا متعدد الأوجه Minnesota Multiphasic Personality Inventory "MMPI". تأليف ستارك هاثاواي Hathaway وشاولي ماكينلي Mekinley، إعداد عطية هنا وآخرون، ويقيس توهم المرض، الانقباض، الهستيريا، والانحراف السيكوباتي، الذكورة الأنوثة، الهذاء "البارانويا"، السيكاسثينيا، الفصام، الهوس، الانطواء الاجتماعي، ويناسب الكبار ابتداء من سن السادسة عشرة.
اختبار الشخصية السوية: وضع ميتينيكر وتومان Mittenecker & toman إعداد سيد غنيم ومحمد عصمت المعايرجي. ويقيس النقد الذاتي ونقصه، الاتجاه نحو المجمع أو ضده، والانبساط الانطواء، العصابية، الهوس، الاكتئاب، الفصام، البارانويا، ثبات عمل الجهاز العصبي التلقائي أو عدمه.
استفتاء مشاكل الشباب: إعداد أحمد زكي صالح. ويتناول مشاكل الشباب في المدرسة وبعد المدرسة، المشكلات الشخصية، مشكلات السلوك مع الناس وفي المنزل والأسرة، والأمور الجنسية، الصحة، الأمور العامة، ويناسب مرحلة الشباب، ويستغرق 30-40 دقيقة.
قائمة مشكلات الشباب الجامعي: إعداد علي خضر. وتتناول المشكلات الصحية، المشكلات الدراسية، المشكلات الشخصية والاجتماعية، مشكلات تكوين الأسرة، المشكلات الأسرية، المشكلات الاقتصادية، المشكلات الدينية، المشكلات العامة.
حدد مشكلتك بنفسك "قائمة موني للمشكلات" Mooney Problem check List وضع روس موني Mooney ولها أصلا أربعة مستويات للإعدادي والثانوي والجامعة
(1/223)

والراشدين، وأعد منها باللغة العربية قائمتان أحدهما للإعدادي والأخرى للثانوي وقد أعدهما مصطفى فهمي وصموئيل مغاريوس. وتتناول قائمة الإعدادي المشكلات الصحية والمدرسية والعائلة والاقتصادية والشخصية والانفعالية، وتتناول قائمة الثانوي المشكلات الصحية ومشكلات الفراغ والجنس الآخر والتوافق الاجتماعي والمشكلات الانفعالية ومشكلات الدين والأسرة والتوجيه التربوي والمهني والعمل المدرسي والمنهج والدراسة، وتستغرق حوالي 30 دقيقة.
قائمة ببعض مشكلات السلوك: إعداد أعضاء هيئة التدريس بقسم الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس، وتتضمن قائمة بالمشكلات السلوكية عن الطفل في المنزل والمدرسة ومع زملائه ... إلخ، وتراجع مع الطفل أو مع أحد والديه.
مقياس المشكلات الاجتماعية للشباب: وضع حامد زهران، سيد صبحي، سامية القطان، وإجلال سري، وله صورتان: إحداهما للطلبة، والأخرى للمعلمين والأخصائيين ويتضمن المشكلات: الأسرية، والدراسية، والانفعالية، والدينية، والجنسية، والاقتصادية، والصحية، ومشكلات: التفاعل، والرفاق، والفراغ.
اختبار الجشطلت البصري الحركي Bender Visual Motor Gestalt Test، وإعداد مصطفى فهمي وسيد غنيم، والاختبار عبارة عن سلسلة من الأشكال على بطاقة تقدم للمفحوص ويطلب منه رسم مثلها، ويفسر بعد الرسم عن الأصل في ضوء قوانين الجشطلت عن الإدراك والتنظيم. ويكشف عن شخصية المفحوص وما قد يكون لديه من اضطرابات نفسية أو إصابات عضوية في المخ، ويعطي دلالات كلينيكية عن الأفيزيا الحسية، والشلل الجنوني العام، والفصام وذهان الهوس والاكتئاب، والضعف العقلي، والعصاب، والتمارض، ويصلح للأعمار ابتداء من العام الرابع.
اختبار دراسة الاضطرابات الوجدانية: إعداد مصطفى فهمي، ويكشف عن الحالات الانفالية البسيطة، والمخاوف والوساوس والأفكار المتسلطة، والميول العصابية، وميول العظمة والاضطهاد "البارانويا"، والميل نحو الاكتئاب، وتوهم المرض، والسيكاسثينيا، والميول الاندفاعية والصرعية، وعدم الاستقرار ونقص القدرة على الضبط والتحكم، والميول المضادة للمجتمع وخاصة الانحرافات، ويصلح للأعمار ابتداء من السابعة.
(1/224)

اختبارات التوافق النفسي:
يهتم المرشد باختبارات التوافق النفسي، وتقدير التوافق النفسي للعميل شخصيا واجتماعيا ومدرسيا ومهنيا ... إلخ.
ومن أمثلة اختبارت التوافق النفسي المتداولة في الوطن العربي ما يلي:
اختبار التوافق الشخصي والاجتماعي: إعداد عطية هنا. ويقيس التوافق الشخصي والاجتماعي.
اختبار التوافق للطلبة: وضع هيو بيل Bell، اقتباس وإعداد محمد عثمان نجاتي. ويقيس التوافق المنزلي والصحي والاجتماعي والانفعالي1، ويصلح للمرحلتين الثانوية والجامعية.
اختبار الشخصية للمرحلة الإعدادية والثانوية: إعداد عطية هنا. ويقيس التوافق الشخصي، ويتناول الاعتماد على النفس والشعور بالقيمة الذاتية والشعور بالحرية والشعور بالانتماء والتحرر من الميل إلى الانطواء والخلو من الأعراض العصابية، والتوافق الاجتماعي ويتناول المستويات الاجتماعية والمهارات الاجتماعية والتحرر من الميول المضادة للمجتمع والعلاقات في الأسرة وفي المدرسة وفي البيئة المحلية.
مقاييس الصحة النفسية:
يهتم المرشد النفسي بجميع المعلومات عن مستوى الصحة النفسية للعميل:
ومن مقاييس الصحة النفسية المستخدمة في الوطن العربي ما يلي:
مقياس الصحة النفسية: وهو مقتبس عن دليل كورنيل Cornell Index، إعداد محمد عماد الدين إسماعيل وسيد مرسي، ويقيس الخوف، وعدم التكافؤ، والاكتئاب، والعصبية والقلق، والتنفس والدورة الدموية والارتعاش، والسيكوسوماتية، والخوف على الصحة، والاضطرابات الحشوية، والحساسية والشك، والسلوك السيكوباتي.
مقياس الصحة النفسية للشباب: إعداد حامد زهران، فيوليت فؤاد، ويقيس الصحة الجسمية، والهدوء النفسي، والطمأنينة، والصحة النفسجسمية، والاجتماعية، والشعور بالانتماء،
__________
1 في تعديل الأصل الإنجليزي سنة 1962 أضيف مقياسان هما: العدوان، والذكورة الأنوثة.
(1/225)

والتقبل، والتفاؤل، والاتزان الانفعالي، والشعور بالثقة، وتحقيق الذات، والسلوك المعياري، والشعور بالأمن، والضبط الذاتي.
مقاييس الإرشاد النفسي:
توجد مقاييس للإرشاد النفسي يستخدمها المرشدون للحصول على معلومات عن ديناميات ومشكلات الشخصية، وتستخدم مثل هذه المقاييس لإثارة اهتمام المرشدين بعملائهم والتعرف على من يحتاجون منهم إلى خدمات إرشادية، والتعرف على مشكلاتهم ومعاونتهم في الحصول على فهم ناضج للذات، والحصول على معلومات كثيرة لازمة لعملية الإرشاد النفسي.
وأهم مقاييس الإرشاد النفسي المستخدمة في الوطن العربي هو:
مقياس الإرشاد النفسي: إعداد محمد عماد الدين إسماعيل وسيد مرسي، وقد وضع المقياس بيردي وليتون Berdie & Layton باسم مقياس منيسوتا للإرشاد النفسي Minnesota Counseling Inventory وهو يعتبر وليد اختبارين سابقين لقياس الشخصية هما: مقياس منيسوتا للشخصية Minnesota Personality Scale واختبار منيسوتا للشخصية Minnesota Multiphasic Personality Inventory. ويقيس الاختبار: العلاقات الأسرية، العلاقات الاجتماعية، الثبات الانفعالي، الشعور بالمسئولية، الواقعية، الحالة المزاجية، الاستعداد للقيادة ويصلح للشباب في سن المرحلة الثانوية، ويستغرق حوالي ساعة.
اختبارات ومقاييس أخرى:
هناك إلى جانب ما ذكرنا بعض الاختبارات والمقاييس الخاصة الهامة، ونذكرها هنا منفردة لأنها في الواقع ليست اختبارات جاهزة، ولكن يعدها المرشد حسب الطلب وبما يتناسب مع غرضه.
ولا يتسع المجال هنا لذكرها تفصيلا، ولكن نكتفي بالإشارة إليها وإحالة القارئ إلى المراجع التي تتناولها بالتفصيل.
ونذكر من هذه الاختبارات والمقاييس على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: مقياس العلاقات الاجتماعية أو الاختبار السوسيومتري: Sociometric Test وقد ابتكره يعقوب مورينو Moreno، وهو أداة لتقدير الاختيار والرفض داخل الجماعة، ويعطي معلومات هامة عن النجوم والمرفوضين والمعزولين وتقدير العميل لمكانته الاجتماعية، وغير ذلك من الجوانب الهامة في العلاقات الاجتماعية "للتفصيل انظر حامد زهران: 1984".
(1/226)

اختبار تمايز معاني المفاهيم The Semantic Differential وهو طريقة موضوعية لقياس دلالة ومضمون معاني المفاهيم التي يراد معرفة اتجاهات العميل نحوها بما في ذلك ذاته وأسرته وجماعاته وسلوكه ... إلخ، وقد وضع أساس طريقة الاختبار شارلز أوسجود Osgood وزملاؤه، وقد قام المؤلف بعدد من الدراسات والبحوث فيها. ويمكن إنشاء اختبار تمايز معاني المفاهيم حسب هدف المرشد، وبما يناسب حالة كل عميل، وذلك بأن يحدد المفاهيم التي يريد قياس اتجاه العميل نحوها، ويستخدم عددا من مقاييس التقدير التي تقيس وتمثل عوامل متعددة تحدد قيمة ونشاط وقوة المفاهيم. "للتفصيل انظر حامد زهران، 1973أ، 1984".
(1/227)

الفحوص والبحوث:
عرفنا في الفصل السابق أن هناك بعض المعلومات النفسية والاجتماعية والطبية والعصبية والمتخصصة لازمة لعملية الإرشاد النفسي، ويتطلب جمع هذه المعلومات إجراء فحوص وبحوث خاصة يقوم بها الأخصائيون في هذه الميادين، ويلزم إعداد تقارير تلخص نتائج هذه الفحوص والبحوث.
ما هي الفحوص والبحوث:
الفحوص والبحوث وسائل متخصصة منظمة لجمع المعلومات الخاصة اللازمة لعملية الإرشاد النفسي، ويقوم بها أخصائيون في الميدان النفسي والاجتماعي والطبي، يدعم بعضها بعضا، وتنتهي عادة بتقارير تلخص أهم ما توصل إليه الفاحص أو الباحث نتيجة للفحص أو البحث الذي قام به مع العميل أو عنه.
أنواع الفحوص والبحوث:
فيما يلي أهم أنواع الفحوص والبحوث اللازمة لعملية الإرشاد النفسي:
الفحص النفسي: لقد تزايد اهتمام المدارس والمؤسسات المختلفة بالفحص النفسي كوسيلة للحصول على المعلومات، ويقوم به الأخصائي النفسي أو المرشد ليستفسر عن آخر فحص نفسي، والأمراض النفسية السابقة، والأمراض النفسية في الأسرة، ويتم قياس الذكاء وتقدير القدرات العقلية، وسمات الشخصية واضطراباتها، وتحدد الأسباب والأعراض النفسية للمشكلة أو المرض، واضطرابات السلوك الظاهر، ومظاهر سوء التوافق، مع اهتمام خاص بمفهوم الذات لدى العميل.
(1/227)

البحث الاجتماعي: وهو من أهم البحوث التي تدعم الفحص النفسي وتكمله، ويقوم به الأخصائي الاجتماعي سواء في عيادة أو مركز الإرشاد أو عن طريق زيارات ميدانية إلى الأسرة أو مكان العمل مثلا "انظر شكل 53" ومن أهم بنود البحث الاجتماعي الاستقصاء عن آخر بحث اجتماعي، وعن المشكلات الاجتماعية السابقة في الأسرة، وعن تركيب الأسرة والعلاقات المتبادلة بين أعضائها ومشكلاتها، كذلك يتناول البحث ما يتعلق بالمدرسة منذ بداية دخولها حتى التخرج، والعلاقات بين العميل وزملائه وأساتذته، ومشكلاتها، ويتناول أسباب وأعراض الاضطرابات والمشكلات السلوكية في المدرسة، وفي مجال المهنة يتناول البحث الاجتماعي ظروف المهنة الحالية المهن السابقة وأسباب وأعراض الاضطراب في المهنة مع الاهتمام بالخطط المهنية المستقبلية، ويتناول البحث الاجتماعي أيضا حياة العميل الاجتماعية وعلاقاته وتوافقه الاجتماعي مع الجيرة ومع الرفاق في الجماعات التي ينتمي إليها مع تحديد أسباب وأعراض سوء التوافق الاجتماعي. ويهتم البحث الاجتماعي أيضا بتحديد قيم العميل وميوله وأوجه نشاطه الاجتماعي.
الفحص الطبي: تقوم معظم المؤسسات في المجتمع بإجراء الفحوص الطبية ليس فقط على من يحتاجون إلى خدمات طبية ولكن بالنسبة للجميع. ويهمنا هنا الفحص الطبي لحالات الإرشاد النفسي بصفة خاصة، سواء كانت نتائجه مطمئنة أو تشير إلى ضرورة العلاج الطبي، ومما يجدر الإشارة إليه أن يكون الفحص الطبي موجها ومركزا على حالة العميل ومشكلته بحيث يلقي الأضواء اللازمة عليها، أي أنه لا يكون مجرد فحص طبي روتيني "جاكسون وجونيبر Jackson & Juniper؛ 1971". وعادة يقوم بالفحص الطبي الممارس العام وبعض الأخصائيين "انظر شكل 54" ويجب أن يكون الفحص الطبي الحالي للعميل في ضوء
(1/228)

الفحوص الطبية السابقة أو مكملا لها، ويتناول الفحص الطبي: الأمراض الجسمية والعمليات الجراحية السابقة والأمراض الجسمية في الأسرة والإصابات والجروح والعاهات. ويهتم الفحص الطبي، بالحالة الصحية العامة للعميل، وفحص أجهزة الجسم والحواس، وتحديد العوامل العضوية المسببة للأمراض النفسية، مع إجراء فحوص طبية متخصصة حسب الحالة مثل فحص الدم والبول والأمصال والأشعة السينية والرسم الكهربائي للقلب.
الفحص العصبي: والفحص العصبي يحتاج إلى أن يقوم به طبيب متخصص، يستفسر عن آخر فحص عصبي، ويبحث الأمراض العصبية السابقة لدى العميل وفي أسرته، ويقوم بإجراء فحص دقيق لتحديد الإصابات إن وجدت في المخ والمخ المتوسط والمخيخ والأعصاب المخية والنخاع الشوكي والأعصاب النخاعية الشوكية والجهاز العصبي الذاتي والحواس، مع الاهتمام ببعض الفحوص العصبية المتخصصة مثل الفحص المنظاري للعين وقياس المجال البصري الخارجي والأشعة السينية للجمجمة وللعمود الفقري والأشعة المقطعية للمخ والحبل الشوكي ورسم المخ وفحص السائل المخي الشوكي.
تقارير الفحوص والبحوث:
تعتبر التقارير ملخصات متخصصة لنتائج الفحوص والبحوث التي تجري على العميل. وتأتي أهمية التقارير عندما تكون كاملة وواضحة وحديثة وموجزة، وعندما تستخدم بذكاء ومهارة في الإرشاد النفسي هذا ويجب أن تحفظ التقارير في إطار كامل من السرية، وألا تستخدم إلا لأغراض الإرشاد النفسي.
ومن أهم تقارير الفحوص والبحوث ما يلي:
التقرير النفسي: ويلخص كل المعلومات النفسية التي تم جمعها بكل الوسائل من إجراء الفحص النفسي، ويعده الأخصائي النفسي أو المرشد.
(1/229)

التقرير الاجتماعي: ويلخص نتائج البحث الاجتماعي، ويتضمن تقريرا عن الحالة الاجتماعية للعميل بصفة عامة، وبعده الأخصائي الاجتماعي.
التقرير الطبي: وهو وسيلة لتنظيم وتفسير المعلومات الطبية المتعلقة بمشكلة العميل والتي جمعت عن طريق الفحص الطبي، ويعطي التقرير الطبي صورة متكاملة عن التطور الصحي والحالة الصحية العامة للعميل. ويلخص نتائج الفحص الطبي العام والمتخصص للعميل. ويتضمن التوصيات الطبية اللازمة للحالة، ويقدم التقرير الطبي الطبيب، وعادة ما يدونه على بطاقة طبية أو "بطاقة صحية" خاصة بالعميل في شكل يمكن أن يجمع ويودع في سجل العميل.
التقرير العصبي: وهو من أدق التقارير لما يلقيه من أضواء على حالة الجهاز العصبي للعميل والاضطرابات والأمراض العصبية ونتائج الفحوص الطبية المتخصصة وعلاقتها بسلوك العميل ومدى توافقه وصحته النفسية ويعده طبيب الأعصاب المتخصص.
(1/230)

السيرة الشخصية AUTOBIOGRAPHY:
يستخدم مصطلح السيرة الشخصية في ترادف وتبادل مع مصطلح "التقرير الذاتي" Self report ويمكن القول أننا بصدد الكلام عن "التقرير الذاتي عن السيرة الشخصية" ويقترح البعض تحديد عنوان عام هو "قصة الحياة" أو "رواية الحياة".
ما هي السيرة الشخصية:
هي تقرير ذاتي يكتبه العميل عن ذاته بقلمه، وبمعنى آخر هي كل ما يكتبه العميل عن نفسه بنفسه. وهي بهذا تتناول الأشياء الشعورية فقط، وتتناول معظم جوانب حياة العميل مثل قصة حياته في الماضي والحاضر، وتاريخه الشخصي والأسري والتربوي والجنسي، والخبرات والأحداث الهامة حلوها ومرها، والمشاعر والأفكار والانفعالات والميول والهوايات والقيم، والأهداف والمطامح والآمال وخطط المستقبل وفلسفة الحياة وأسلوب الحياة، والمشكلات والإحباطات والصراعات، ومستوى التوافق، والعلاقات الاجتماعية في الأسرة والمدرسة والعمل والأشخاص المهمين في حياة العميل، والاتجاهات والتعصب، ومفهوم الذات.
ويتم جمع المعلومات بوسيلة السيرة الشخصية بناء على المبدأ القائل بأنه ليس هناك من هو أعرف بالفرد من نفسه. فالعميل هو الذي يعرف خصوصياته وخفاياه، ومشكلاته ومتاعبه،
(1/230)

وأفكاره ومشاعره، وما يحب وما يكره، وما يسعده وما يشقيه، وهو الذي يعرف خبراته وما أثر في حياته.
ومن أحسن نماذج السيرة الذاتية "الأيام" لطه حسين، فهذا الكتاب الذي كتبه طه حسين يعتبر من أفضل أمثلة السيرة الشخصية المعروفة، حيث كتب بقلمه سيرته الذاتية وقصة حياته منذ الطفولة، كذلك من النماذج المعروفة "قصة حياتي" لأحمد لطفي السيد، و"قصة حياتي" The Sotry of my Life لهيلين كيلر Keller، "سيرتي الذاتية" لبرتراند راسيل Russel.
أنواع السيرة الشخصية:
هناك أنواع من السيرة الشخصية منها:
السيرة الشخصية الشاملة: وتشمل مدى واسعا من الخبرات في مدى زمني طويل من حياة العميل.
السيرة الشخصية حول موضوع: وتشمل موضوعا محددا أو خبرة معينة.
السيرة الشخصية المحددة: ويحدد فيها الخطوط العريضة والموضوعات الرئيسية والمسائل الهامة المطلوب الكتابة عنها، وبعض الأسئلة، وذلك لاستثارة العميل وتوجيهه إلى المعلومات الهامة، له أن يضيف ما يشاء، فيكتب عن التاريخ الشخصي والأسري والتعليمي والجنسي والخبرات الهامة، والخطط الرئيسية، ومفهوم الذات ... إلخ، بما يضمن الحصول على أكبر قدر من المعلومات. وهذا النوع يفضل في حالات العملاء الذين ليس لديهم الطلاقة اللغوية الكافية، ويفضل في مجال الإرشاد التربوي والمهني، وفي طريقة الإرشاد الجماعي.
السيرة الشخصية غير المحددة "الحرة": وهذه لا يحدد فيها خطوط عريضة ولا موضوعات رئيسية، كأن يطلب من العميل كتابة قصة حياته أو أي موضوعات تتعلق بذاته، وتترك له الحرية يكتب ما يشاء وبطريقته الخاصة، وهذا النوع يفضل في مجال الإرشاد العلاجي الذي يتناول موضوعات محملة انفعاليا عادة، ويفضل كذلك في طريقة الإرشاد الفردي.
وهناك أنواع تجمع بين كل زوج من هذه الأنواع مثل: السيرة الشخصية الشاملة المحددة، والشاملة غير المحددة ... وهكذا "انظر شكل 55".
ويوجد تصنيفات أخرى للسيرة الشخصية: منها السيرة الشخصية في الماضي، والسيرة الشخصية في الحاضر، والسيرة الشخصية في المستقبل.
وتصنف السيرة الشخصية على أساس تحليل محتواها إلى: تاريخ الحياة، دفاع عن الذات، تحليل الذات، اعتراف "أنيس Annis؛ 1967".
(1/231)

مصادر السيرة الشخصية:
تتنوع مصادر السيرة الشخصية، ونجد منها ما يلي:
الكتابة المباشرة: وهي ما يكتبه العميل مباشرة كتقرير ذاتي عن سيرته الشخصية بقلمه، عندما يطلب منه المرشد ذلك.
المفكرات الشخصية: وهذه عادة تحوي أوجه نشاط العميل ومواعيده وعلاقاته الاجتماعية وهواياته الخاصة. ففي مفكرة العميل عادة ما يكتب في يوم كذا تخرجت وتزوجت أو قابلت فلانا أو فعلت كذا ... إلخ. ونحن نعلم أن كل فرد لا يحب أن يفتح أحد غيره مفكرته الشخصية لأن كل ما فيها خاص به، ومما يلاحظ أن عددا قليلا من العملاء هم الذين يكتبون مفكرات شخصية واقعية، وعدد أقل هم الذين يقدمون هذه المفكرات للمرشدين. ولا شك أنه إذا توافرت هذه المفكرات، وإذا سمح العميل باستخدام هذا المصدر، فإنه يكون ذا فائدة كبيرة.
المذكرات اليومية "أو التقرير اليومي" وتشمل تسجيلات للبرنامج اليومي للعميل خلال 24 ساعة في فترة زمنية متفق عليها كأسبوع مثلا. ويقدم العميل عنه تقريرا يتضمن الأنشطة العملية المختلفة موضحا اليوم والساعة وملاحظاته على هذا السلوك، وبهذا يوضح النمط العام لسلوكه اليومي واهتماماته الخاصة.
المذكرات الخاصة: وهذه عادة تضم المذكرات الخاصة بخبرات أو أحداث أو مشكلات معينة هامة في حياة العميل، ويدون المراهقون الكثير من هذه المذكرات ويعتبرونها "وثائق سرية".
(1/232)

المستندات الشخصية: وتفيد أي مستندات شخصية تتناول سلوك العميل وخبراته الهامة في حياته اليومية، ومن ذلك الوثائق الرسمية وحتى الخطابات الشخصية.
الإنتاج الأدبي: كالشعر والنثر مما يعكس ويصور مشاعر وأفكار العميل نفسه.
الإنتاج الفني: ومن خلاله يمكن فهم الكثير عن شخصية العميل مثل قدراته ومشاعره واتجاهاته وميوله وتوتراته الداخلية ومطامحه، وبالإضافة إلى أنه يتيح فرصة التعبير والتنفيس والإسقاط كما في الرسم مثلا.
عوامل نجاح السيرة الشخصية:
من عوامل نجاح السيرة الشخصية التي يجب توافرها ما يلي:
الاستعداد: أي استعداد ورغبة ورضا العميل للكتابة عن نفسه بصراحة.
المسئولية: أي شعور العميل بالمسئولية في الكتابة، ويلاحظ أن كتاب السيرة الشخصية ليست مجرد موضوع إنشاء عادي، إنه وسيلة لفهم الذات وكشف الذات من أجل الإرشاد النفسي.
الصدق: ويقصد به التطابق بين ما يرد بها وبين ما تكشف عنه وسائل موضوعية أخرى.
الترتيب الزمني: وذلك تجنبا للفجوات وتخطي فترات زمنية معينة قد يكون فيها بعض الأحداث الهامة.
الاعتدال في الكتابة: وهذا أمر هام. ونحن نعرف أن الزائد مثل الناقص والإفراط مثل التفريط والمعلومات الزائدة في ناحية تعتبر عيبا مثل المعلومات الناقصة في ناحية أخرى.
التأريخ والتحديد: ويحسن تحديد التواريخ والأماكن وحتى الشخصيات الأخرى، ولو على وجه التقريب.
السرية: أي ضمان السرية الكاملة للمعلومات التي تكشف عنها السيرة الشخصية من جانب المرشد.
إجراءات السيرة الشخصية:
تتم إجراءات السيرة الشخصية على النحو التالي:
الإعداد: ويعتبر ذلك بمثابة تجهيز العميل لكتابة السيرة الشخصية، فيجب أولا أن يعرف ماهية السيرة الشخصية وهدفها وكيفية كتابتها قبل أن يطلب منه ذلك. ويلجأ بعض المرشدين إلى إجراء مناقشة جماعية حول ذلك مع عدم إعطاء نماذج أو أمثلة حتى تترك الفرصة للتعبير الشخصي.
(1/233)

دليل الكتابة: يفضل البعض تقديم دليل للكتابة، يحدد الخطوط الرئيسية حتى لا يستطرد العميل في جانب واحد على حساب الجوانب الأخرى في حياته، ويقدم الدليل والتوجيهات شفوية أو مكتوبة، ويختلف المرشدون في توجيه العميل في كتابة السيرة الشخصية من حيث مقدار التوجيه والتحديد والزمن المتاح للكتابة والطول المقترح.
المكان: يمكن أن تكتب السيرة الشخصية في عيادة أو مركز الإرشاد أو في المنزل، ويمكن أن يكتبها العميل منفردا أو في جلسات جماعية.
الزمن: يختلف الزمن الذي يحدد لكتابة "السيرة الشخصية، فقد يستغرق جلسة أو أكثر في زمن محدد أو غير محدد وقد يطلب من العميل كتابة السيرة الشخصية على الفور أو وقتيا، وقد يطلب منه كتابتها في وقت لاحق حتى تتدعم العلاقة الإرشادية بينه وبين المرشد، وقد يترك للعميل فرصة أسبوع لكتابة السيرة الشخصية. ويحسن أن يطلب من العميل كتابة السيرة الشخصية مرة واحدة في السنة الواحدة.
الكتابة: يجب أن يكتب العميل بانطلاق وحرية، مستخدما الأسلوب الذي يراه حتى بالعامية، ويلاحظ أن الأسلوب الأدبي الذي يكتب به العميل لا يدخل في الحساب، أما عن طول السيرة الشخصية، فقد يحددها البعض ببضع صفحات أو عدد معين من الكلمات "500 كلمة مثلا" وقد يتركها البعض حرة، ويتوقف ذلك على المعلومات المطلوبة وطبيعة المشكلة وغير ذلك من العوامل المحددة.
المناقشة: يناقش محتوى السيرة الشخصية مع العميل الذي يجب أن يعرف ذلك مقدما.
التفسير والتحليل: وبعد كتابة السيرة الشخصية يقوم المرشد بتفسري المعلومات التي جاءت بها في ضوء المعلومات الأخرى التي جمعها عن العميل "فيليب فيرنون Vernon؛ 1964".
وهناك أسلوبان لتفسير السيرة الشخصية هما:
- الأسلوب الكمي: وفيه يحاول المرشد تحويل المعلومات التي تتضمنها السيرة الشخصية إلى معلومات تحسب تكراراتها مما يدل على أهميتها. ويسجل اقتران الأحداث أو الخبرات بعضها ببعض مما يدل على ارتباطها، وتقدير درجة استبصار العميل على مقياس تقدير خماسي أو ثلاثي.
- الأسلوب الكيفي: ويعتمد على فهم حياة وسلوك وخبرات العميل من جهة ونظره هو على طول الخبرات الموضوعات الرئيسية التي حددها هو مرتبة حسب أهميتها.
ويقترح بروس شيرتزر وشيلي ستون Shertzer & Stone؛ "1976" أن يصنف المرشد
(1/234)

المعلومات التي يحصل عليها من السيرة الشخصية إلى أقسام مثل: المشكلات الشخصية، والمشكلات الأسرية، المشكلات الاجتماعية، المشكلات المدرسية، المشكلات المهنية، القيم الشخصية، الأحداث الهامة، الخبرات الأليمة ... إلخ.
ويمكن للمرشد وهو يفسر الشخصية ويحللها أن يستعين بالمحددات التالية:
- تحديد الفكرة العامة التي تكشف عنها السيرة الشخصية، والأشياء الحيوية الهامة في حياة العميل، ومدى ظهور السعادة أو الاكتئاب والتوافق أو سوء التوافق، وتحديد الكلمات المشبعة انفعاليا مثل الحب والكره ... إلخ، ومدى تنظيم الكتابة ووضوح الاهتمام أو الإهمال والقذارة وعدم التنظيم.
- الاستدلال على حذف بعض الخبرات الهامة عن قصد أو غير قصد، وذلك في ضوء وسائل جمع المعلومات الأخرى.
- دارسة طول السيرة الشخصية، وقوة أو ضعف دافعية العميل للكتابة، ومدى سهولة تعبيره ووضوحه، ومدى ظهور حاجته إلى المساعدة في حل المشكلة.
- تحديد مدى تنظيم الكتابة، ومدى التزام العميل برءوس الموضوعات المحددة، وماذا حذف وماذا أكد.
- تحديد مستوى التعبير، ومدى عمقه أو ضحالته، ومدى تناول الأحداث الهامة أو الجانبية، ومدى التهرب والتملص وتغليف الذات وعدم البوح.
- تحديد مدى الدقة في الكتابة، ودلائل وجود تزوير أو كذب أو تشويه للحقائق، أو تناقض في الكتابة، ومدى تعبير الكتابة عن اقتناع أو عدم اقتناع العميل بكتابة السيرة الشخصية.
مزايا السيرة الشخصية:
من مزايا السيرة الشخصية كوسيلة لجمع المعلومات ما يلي:
- تعتبر وسيلة اقتصادية سهلة التطبيق، ويمكن استخدامها كوسيلة جماعية مما يوفر بعض الوقت للمرشد.
- تيسر الحصول على معلومات كلينيكية غنية عن الجانب الداخلي المخفي من حياة العميل وشخصيته والمستعصى على الوسائل الموضوعية، فهي تظهر أشياء لا تتناولها الاختبارات والمقاييس مثلا.
(1/235)

- تتيح فرصة إظهار معلومات يحول الكلام اللفظي دون إظهارها وخاصة في المقابلة وجها لوجه.
- تصلح أكثر من غيرها من الوسائل بالنسبة للعملاء الذين يكتبون عن أنفسهم أحسن ما يتكلمون.
- تدعم المعلومات المستمدة منها المعلومات التي يتم جمعها بالوسائل الأخرى.
- تفيد في دراسة شخصيات الفئات الخاصة كالعباقرة والمعوقين.
- تفيد المرشد حين يقرؤها قبل إجراء المقابلة حيث توجهه نحو الموضوعات الهامة التي تتناولها المقابلة.
- تساعد في فهم الذات والاستبصار بدرجة أكبر، والشعور بالحاجة إلى الإرشاد.
- تتيح الفرصة أمام العميل للتعبير عن المشكلات بأسلوبه وطريقته ومن وجهة نظره.
- يتخلل كتابتها عناصر هامة مثل التنفيس الانفعالي، والتخلص من التوتر، وهذا له قيمة علاجية هامة خاصة في مجال الإرشاد العلاجي.
- تتيح إمكانية الحكم على مدى استبصار العميل بنفسه وبحالته حين تقارن نتائجها بنتائج الوسائل والحقائق الموضوعية.
- تعطي للعميل فرصة المشاركة الحقيقية في عملية الإرشاد.
عيوب السيرة الشخصية:
من عيوب السيرة الشخصية كوسيلة لجميع المعلومات ما يلي:
- تشبعها العالي بعامل الذاتية، واعتمادها الكبير على الاستبطان، فقد نلاحظ أن عميلا يتغاضى في كتابته عن نقاط ضعفه ويركز فقط على نقاط قوته الحقيقية أو المتخيلة.
- تردد بعض العملاء في الكتابة وحذفهم لبعض المعلومات التي يخشون تسجيلها على الورق.
- نقص معامل صدقها وثباتها نسبيا، والحاجة إلى التثبت من المعلومات التي تظهرها بالوسائل الأخرى.
- قد يتخللها بعض الخيال والتأثر بما يشاهده العميل في التليفزيون والسينما والمسرح.
- قد تعمل حيل الدفاع النفسي مثل التبرير عملها في الكتابة فتشوه الحقائق.
- لا تصلح في حالات الأطفال الصغار.
- قد يكون من الصعب تفسيرها وتحليلها وخاصة إذا كان الشخص مشتتا لا ينظم ما يكتب.
(1/236)

وعلى الرغم من هذه العيوب التي يأتي على رأسها الذاتية، إلا أن السيرة الشخصية تعتبر وسيلة ضرورية لجمع معلومات من طبيعتها أنها ذاتية، ولا يمكن جمعها إلا من طريق هذه الوسيلة.
(1/237)

مصادر المجتمع COMMUNTY RESOURCES:
إلى جانب مصادر الإرشاد النفسي وعياداته، توجد مصادر في المجتمع تتعامل مع العميل، هي تشرف على نموه وتربيته وتعليمه وعلاجه وتقديم الخدمات الترفيهية له ... إلخ. وتتشعب المشكلات وتعدد أسبابها مما يحتم ضرورة جمع المعلومات من كل مصادر المجتمع المتاحة. وهكذا يجب التخطيط للاتصال بهذه المصادر الغنية بالمعلومات للاستفادة منها، وعمل حساب ذلك في برنامج الإرشاد النفسي.
ما هي مصادر المجتمع:
هي مصادر أو موارد أو مراجع اجتماعية موجودة في البيئة المحلية، بها معلومات عن العميل، ويمكن الاستفادة بها في عملية الإرشاد النفسي للعميل. ومن هذه المصادر مؤسسات ومنظمات وجماعات منها ما هو رسمي ومنها ما هو غير رسمي أو أهلي، ومنها ما هو متخصص ومنها ما هو غير متخصص، وفيما يلي أهم مصادر المجتمع:
الأسرة: هي أهم مصادر المجتمع التي يمكن أن تمد المرشد بمعلومات عن حياة العميل في أسرته وعلاقاته الأسرية وتوافقه الأسري ومشكلاته الأسرية ... إلخ.
الهيئات التربوية: وتضم المدرسة والمنطقة التعليمية أو إدارة التعليم ومدارس رعاية الفئات الخاصة، وهذه يكون لديها معلومات متجمعة عن العميل تفيد في الإرشاد التربوي والمهني.
العيادات النفسية: وهذه يمكن الحصول منها على معلومات عن التوافق النفسي والصحة النفسية والمشكلات والأمراض النفسية السابقة والإجراءات العلاجية السابقة للعميل.
(1/237)

المؤسسات الاجتماعية: ومنها ما يتبع وزارة الشئون الاجتماعية أو غيرها، ومنها المؤسسات الاجتماعية الخاصة أو الأهلية أو الخيرية مثل مؤسسات الدفاع الاجتماعي ورعاية الطفولة ورعاية المعوقين ورعاية الشيوخ المسنين ... إلخ. ويمكن الاستعانة بالمعلومات التي يجمعها الأخصائيون الاجتماعيون فيها عن طريق بحوثهم الاجتماعية عن العميل وأسرته ومشكلاته الاجتماعية السابقة والمساعدات والخدمات الاجتماعية التي يتلقاها.
مكاتب العمل: وهي مصادر هامة وخاصة بالنسبة للإرشاد المهني، ويكون لديها عادة معلومات وافية عن العميل وفرص العمل المتاحة في المجتمع على المستوى المحلي على الأقل. وتشرف مكاتب العمل على تشغيل الشباب لبعض الوقت أثناء العطلات.
هيئات رعاية الشباب: وهذه توجد في معظم المجتمعات، وتقدم خدمات قيمة للشباب، مثل المنظمات والنوادي الرياضية وجماعة الكشافة والجوالة ونوادي الأطفال وجمعيات الشبان المسلمين والشبان المسيحيين ... إلخ، وكلها توفر مجالا اجتماعيا طبيا للأطفال والشباب، وفيها من الأخصائيين من يستطيعون تزويد المرشدين بمعلومات قيمة عن سلوك الاجتماعي للعميل وخاصة في وقت فراغه، فلديهم فرصة طيبة لملاحظة العميل في ظروف مختلفة عن ظروف المدرسة أو العمل.
نوادي ومراكز خدمة البيئة: وهذه النوادي والمراكز تهتم برفاهية الأطفال والشباب وحتى الشيوخ وأسرهم، ويقضي فيها العميل جزءا من وقته ويتلقى العديد من خدماتها، ويمكن أن تكون مصدرا للمعلومات عن السلوك الاجتماعي للعميل.
دور العبادة والجماعات الدينية: ومنها يمكن التعرف على اتجاهات العميل الدينية وسلوكه الديني، وتستطيع بعض المؤسسات الدينية تقديم معلومات وخدمات قيمة عن طريق جمعات الشباب الدينية مثلا.
المحاكم والسلطات التنفيذية: ومن المحاكم خاصة محاكم الأحداث، ومن السلطات التنفيذية كأقسام ومراكز الشرطة، ويمكن الحصول على معلومات هامة وخاصة في مجلات العملاء الجانحين والمنحرفين، ويمكن الاستعانة بالأخصائيين الذين يعملون في هذه الجهات بإشراكهم في مؤتمر الحالة.
المستشفيات: والمستشفيات العامة والمتخصصة في علاج أمراض القلب والصدر والأنف والأذن والحنجرة والجلد والأسنان ... إلخ، يمكن أن تزود المرشد بمعلومات طبية تكون لديها عن العميل.
(1/238)

شروط مصادر المجتمع:
لنجاح الاتصال بمصادر المجتمع والحصول على المعلومات اللازمة منها، يجب مراعاة الشروط الآتية:
التعرف عليها: يجب التعرف الجيد على مصادر المجتمع المتاحة في البيئة المحلية، وتدعيم الاتصال المستمر به، ومعرفة نوع المعلومات التي يمكن الحصول عليها منها وطبيعة الخدمات التي تقدمها واسم ورقم تليفون الأخصائي الذي يمكن الاتصال به عند الحاجة.
تعريف العميل: يجب تعريف العميل بالحاجة إلى معلومات من مصادر البيئة وتحديدها واستئذانه قبل الاتصال بها بخصوصه.
التأكد من المعلومات: وهذا يتطلب التأكد من أن العاملين بها مؤهلون بدرجة كافية تسمح بالثقة في المعلومات التي جمعت بمعرفتهم.
تبادل الإفادة: يجب تبادل الإفادة وتبادل المعلومات والمساعدات والخدمات مع هذه المصادر بحيث لا يقتصر الأمر على الأخذ دون العطاء.
الاتصال بمصادر المجتمع:
من الضروري التعرف على مصادر المجتمع المتاحة في البيئة المحلية والتي يمكن الاتصال بها لجمع المعلومات وتبادل الخدمات، ومعرفة نوع المعلومات التي يمكن الحصول عليها، ودراسة إمكانات وطرق الاتصال. ويجب التعرف على الأخصائيين بها لتدعيم التعاون المتبادل، وعلى كل حال فإن من واجب القائمين على أمر برنامج التوجيه والإرشاد حصر مصادر البيئة وعمل دليل منظم ييسر التعريف بها وبتخصصاتها وعناوينها، وأرقام تليفوناتها وساعات العمل بها وإمكانات وطرق الاتصال بها ... إلخ. وكذلك يجب العمل على جعل خطوط الاتصال مفتوحة بين مركز الإرشاد النفسي وجميع مصادر المجتمع.
مزايا مصادر المجتمع:
من مزايا مصادر المجتمع بالنسبة لجمع المعلومات اللازمة للإرشاد النفسي ما يلي:
- إكمال الصورة المطلوبة والمعلومات المتكاملة عن العميل في البيئة والمجال الاجتماعي الذي يعيش فيه من كل الزوايا.
- توفير معلومات لا يمكن الحصول عليها عن طريق وسائل الإرشاد الأخرى المتاحة في مراكز الإرشاد النفسي وحدها، فبعض هذه المصادر متخصصة وتعطي معلومات أدق وأثرى من
(1/239)

تلك التي تجمع في مراكز الإرشاد أو بوسائل الإرشاد الأخرى، وذلك كما في حالات مؤسسات رعاية المعوقين أو الجانحين.
عيوب مصادر المجتمع:
على الرغم من مزايا مصادر المجتمع بالنسبة لجمع المعلومات، فإنه يجب الحرص لتحاشي تأثير بعض عيوبها، فقد تكون المعلومات التي تتوافر لدى بعض مصادر المجتمع قديمة أو غير دقيقة أو جمعت لهدف يختلف عن هدف عملية الإرشاد ... وهكذا.
(1/240)

السجل القصصي ANECDOTAL RECORD:
تستلزم عملية الإرشاد النفسي الكثير من المعلومات التي تتطلب دراسة عينة من السلوك الواقعي للعميل، وتحديد المشكلات السلوكية والمواقف التي تحدث فيها، وتحديد السلوك الشاذ والمواقف التي يحدث فيها، وتأثيره على الآخرين، وتحديد التغير السلوكي الذي يطرأ على العميل، ومن أفضل الوسائل لتحقيق هذه الأهداف السجل القصصي ويطلق عليه أحيانا "السجل القصصي الواقعي" أو "السجل القصصي المشهدي":
ما هو السجل القصصي:
هو تسجيل موضوعي لواقعة أو مشهد من سلوك العميل في الواقع في موقف معين كما هو كقصة واقعية، وقد يليه تعليق، وتفسير لما حدث، ثم توصيات، أي أنه صورة كتابية أو عينة سلوكية مكتوبة وقتيا عند حدوث الواقعة السلوكية، أما التعليق والتفسير والتوصيات فتكون منفصلة وليست جزءا من السجل. أي أن الراوي "المرشد أو الأخصائي النفسي أو المعلم مثلا" يقص ما شاهد بالضبط في الواقع، شأنه في ذلك شأن المخبر الصحفي الذي يقص فقط ما شاهده، أما إذا علق عليه فهذا موضوع آخر، إنه يسمى تعليقا، وكذلك الحال إذا فسر أو كتب توصيات، ونحن نعرف أن الأخبار تختلف عن التعليق على الأخبار، وهكذا نجد أن المرشد أو الأخصائي أو المعلم حين يعد السجل القصصي الواقعي يمكن اعتباره بمثابة "مخبر نفسي". والتسجيل القصصي أو الصورة اللفظية لما شاهد الأخصائي يماثل لقطة أو صورة فوتوغرافية يسجل السلوك الفعلي والواقع والحوداث والمشاهد وقتيا On the spot "انظر نورمان جرونلوند Gronlund؛ 1985".
(1/240)

أنواع السجل القصصي:
هناك نوعان رئيسيان للسجل القصصي:
النوع الأول: يحتوي فقط على الوصف الموضوعي للواقعة بدون تعليق أو تفسير.
النوع الثاني: يحتوي بالإضافة إلى ذلك على تعليق وتفسير وتوصيات: "انظر شكل 57".
عوامل نجاح السجل القصصي:
يتوقف نجاح السجل القصصي على مراعاة بعض الشروط مثل:
تعدد التسجيلات: أي تعدد التسجيلات بحيث تغطي عينة من المواقف والخبرات والأحداث وتعطي صورة متعددة الجوانب للشخصية والسلوك. ويلاحظ أن سجلا قصصيا واحدا لا يكفي ولا يمكن أن يعتمد عليه في فهم العميل وشخصيته وسلوكه.
حسن الاختيار: يقصد بذلك حسن اختيار المواقف والخبرات المتنوعة الممثلة التي تسجل قصصيا.
التدريب: يجب أن يتم تدريب من يكتبون السجلات القصصية ضمانا للموضوعية وحسن الأداء.
(1/241)

إجراء السجل القصصي:
يتم إجراء السجل القصصي في ضوء ما يلي:
التسجيل الوقتي: يكون تسجيل الواقعة السلوكية وقتيا وعقبها مباشرة، في أي وقت وفي أي مكان حدثت، ويحدد الزمان والمكان والموقف.
المحتوى: يحتوي السجل القصصي على وصف السلوك الذي حدث بالفعل وبالضبط، إيجابياته وسلبياته، ويتضمن تسجيلا لفظيا دقيقا للواقعة، ويحدد الأشخاص، والتفاعل الاجتماعي معهم، مع اقتباس الحوار والحديث الذي يقوله العميل والذي يقال له خلال المشهد، وتسجيل التغيرات الجسمية والانفعالية ... إلخ.
الكتابة: تكون كتابة السجل القصصي مختصرة متعلقة بموقف واحد محدد في كل مرة.
التجميع: يمكن أن تستمر وتتجمع السجلات القصصية وتتنوع لتغطي عينة ممثلة من المواقف والأحداث في أماكن مختلفة مثلا في الفصل وفي رحلة، وفي أوقات مختلفة، وتتجمع فتعطي صورة متكاملة وتطورية.
التفسير: تفسر السجلات القصصية في ضوء بعضها وفي ضوء المعلومات المجموعة بالوسائل الأخرى.
مزايا السجل القصصي:
يمتاز السجل القصصي بما يلي:
- يعطي صورة حية ولقطة واقعية لعينة من سلوك العميل.
- يعطي معلومات قيمة حين تتعدد المواقف ويقوم بالتسجيل عدد مختلف من المسجلين.
- يمكن أن يملأ الثغرات التي تتركها وسائل جمع المعلومات الأخرى بخصوص معلومات معينة، ويمكن مقارنة المعلومات المأخوذة من الوسائل الأخرى ليؤكد بعضها بعضا.
- يمكن تتبع عدد من السجلات القصصية التي يفصل بينها فاصل زمني لتحديد اتجاه تطور السلوك أو المشكلة، وأثر عملية الإرشاد.
- يصلح كبداية طيبة للمقابلة ومؤتمر الحالة.
- يمكن أن يقوم بإجرائه المعلم العادي بعد التدريب عليه.
(1/242)

عيوب السجل القصصي:
للسجل القصصي بعض العيوب هي:
- يمثل لقطة محدودة من سلوك العميل. وقد لا تغطي التسجيلات كل جوانب حياته، فتعطي صورة ناقصة أو غير ممثلة.
- قد يدخل الإسقاط من جانب المسجل في تسجيل الأحداث، فيسقط مشاعره هو، أو قد يكون منحازًا أو متأثرا بهالة أو فكرة عامة عن العميل فيجيء السجل القصصي ذاتيا وليس موضوعيا.
- قد يقتصر على وقائع ونماذج من السلوك المشكل للعميل مما قد يعطي صورة سلبية فقط عن شخصيته، كذلك قد يحدث أن يسجل السلوك المضطرب دون السلوك السوي لأن الأول يشد الانتباه أكثر. وقد يقتصر السجل على سلوك عارض طارئ غير مميز للعميل.
(1/243)

السجل المجمع CUMULATIVE RECORD:
السجل المجمع أو "السجل التراكمي" هو الوسيلة لتجميع المعلومات في الإرشاد النفسي. ينبغي أن لكل فرد في مدرسته أو في مكان عمله سجل منظم ينمو مع نموه وتسجل فيه كل المعلومات التي يتم جمعها بكافة الوسائل.
ما هو السجل المجمع:
هو سجل مكتوب أو محفوظ في الحاسب الآلي، يجمع ويلخص المعلومات التي جمعت عن العميل عن طريق كافة الوسائل، في شكل متجمع تتبعي أو تراكمي، وفي ترتيب زمني، وعلى مدى بضع سنوات قد تغطي تاريخ حياة الفرد الدراسية مثلا، وهو بهذا يعتبر مخزنا أو أرشيف معلومات عن العميل يتضمن أكبر قدر من المعلومات في أقل حيز ممكن.
ويشمل السجل المجمع كل المعلومات والبيانات التي جمعت عن العميل ومشكلته وبيئته، ويتضمن البيانات الشخصية العامة، والمعلومات عن شخصيته جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا، وعن مشكلته، وجميع المعلومات العامة، وملخص السجلات القصصية، وملخصات التقارير، وملخص الحالة بصفة عامة "راجع الفصل الرابع".
ويقترح بعض الباحثين إضافة قوائم صفات وسلالم تقدير Rating Scales إلى السجلات المجمعة لتحسينها بحيث تكون وسيلة جامعة تمكن من فهم العميل والتنبؤ بسلوكه في
(1/243)

ضوء ما تجمع فيه من معلومات من مصادر متعددة عن سلوكه في الماضي والحاضر. وتتضمن بعض السجلات المجمعة رسوما بيانية، ويستحسن البعض إرفاق بعض البطاقات الإضافية التفصيلية إلى جانب السجل المجمع. ويتضمن السجل المجمع معلومات تعطي صورة طولية وعرضية كاملة عن العميل، أي أنه يتضمن معلومات تاريخية وحاضرة بحيث تمكن من التنبؤ بالسلوك في المستقبل، ومن أهم ما يشمل عليه السجل المجمع التوصيات. ويجب ألا يتضمن السجل المجمع المعلومات السرية التي تعطى أثناء الجلسات الإرشادية، ويفضل أن توضع صورة للعميل على السجل المجمع "وارنكين وسيس Warnkin & Siess؛ 1965".
هذا ويجب عدم الخلط بين السجل المجمع وبين البطاقات المدرسية أو البطاقات الصحية وغيرها، وهي جميعا تعتبر مصادر فرعية تصب في السجل المجمع.
أنواع السجل المجمع:
هناك نوعان معروفان للسجل المجمع هما:
السجل المجمع ذو الصفحة الواحدة: ويكون عادة بسيطا يتضمن فقط المعلومات الأساسية الخاصة بالعميل.
السجل المجمع متعدد الصفحات: وقد يصل إلى حجم الكتيب الصغير، ويسمح بأن تضاف إلى صفحاته صفحات جديدة. وهذا يتضمن المعلومات المفصلة من جميع النواحي.
عوامل نجاح السجل المجمع:
لكي يفيد السجل المجمع في عملية الإرشاد، يجب أن تراعى الشروط الآتية:
الشمول: يجب أن تكون المعلومات المتضمنة في السجل المجمع شاملة وباعتدال دون تفصيل مرهق وغير عملي، وأن تكون لازمة فعلا.
الانتقاء: يجب أن تتناول المعلومات الخبرات الهامة التي تظهر الخصائص المميزة للعميل والتي تستأهل وضعها في السجل.
الاستمرار: يجب أن تكون المعلومات مستمرة خالية من الثغرات والفجوات ومتجمعة ومرتبة ترتيبا زمنيا ومتصلة وحديثة، ويجب أن يوضع التاريخ عند كل إضافة بحيث يظهر صورة واضحة عن تطور المعلومات بحيث يمكن الرجوع إليه للاستزادة والاستيضاح. ويجب أيضا ذكر الوسائل والأدوات التي تم الحصول على المعلومات عن طريقها أو باستخدامها. كذلك يجب أن
(1/244)

يحتوي السجل على مكان يسمح بإضافة معلومات جديدة مع تطور السجل المجمع زمانيا.
المعيارية: يقصد هنا أن تكون المعلومات التي تدون في السلجات معيارية ودقيقة في حدود اللغة المشتركة والمصطلح عليها علميا، بحيث يظل معناها واحد بالنسبة للمرشد وبالنسبة لغيره من الأخصائيين، كذلك يجب أن يكون تقييم العميل في ضوء الجماعة الجنسية والعمرية والثقافية التي ينتمي إليها.
البساطة: البساطة مطلوبة في السجلات المجمعة لأن التعقيد وكثرة الفنيات وازدحام المعلومات قد يضر أكثر مما ينفع. وتؤدي بساطة السجل المجمع إلى سهولة استخدامه، وهذا أمر مرغوب.
التنظيم: يجب تنظيم المعلومات في السجل المجمع بحيث توضع المعلومات في نظام خاص يضمن عدم اختلاط المعلومات الكثيرة التي يتضمنها السجل.
الحفظ: يجب حفظ السجلات المجمعة في مكان آمن، ويكون هناك أخصائي أمين مسئول عن حفظها، ويجب حفظها بطريقة تسهل الرجوع إليها في أي وقت بسرعة ويجب أن يكون السجل قابلا للحفظ والتحميل فترات طويلة، ولذلك يكون عادة من الورق السميك، ويمكن حفظ السجلات على أجهزة الكمبيوتر، ولا يطلع عليها إلا الأخصائيون فقط.
السرية: يجب أن تحفظ السجلات في سرية تامة بحيث تكون بعيدة عن أيدي غير المختصين وبحيث لا تستعمل المعلومات المحفوظة فيها إلا لأغراض الإرشاد. ويسمح بالاطلاع على السجل المجمع للأخصائيين فقط. أما غيرهم ممن لهم الحق في معرفة معلومات عن العميل من غير الأخصائيين كالوالدين مثلا، فيمكن إعطاؤهم معلومات دون إطلاعهم على السجل خشية سوء الفهم أو سوء التفسير، وفي حالة حفظ السجلات المجمعة في الحاسب الآلي يجب استخدام "كلمة مرور" Password ضمانا للسرية.
إعداد السجل المجمع:
يسترشد في إعداد السجل المجمع بالشروط الواجب توافرها فيه حتى يحقق أهدافه، ويضاف إلى ذلك ما يلي:
الإعداد: يعد السجل المجمع وتدون فيه رءوس الموضوعات ومداخل المعلومات والجداول اللازمة، بحيث تكون الكتابة فيه أقل ما يمكن. وينبغي أن يؤخذ في ذلك رأي جميع أعضاء
(1/245)

فريق الإرشاد النفسي لأنهم جميعا سيسهمون في ملئه بالمعلومات. هذا ويجب أن تكون مداخل المعلومات وجداولها كلها قابلة للاستعمال فعلا حسب التجربة والاستخدام العملي.
التوحيد: يفضل أن تكون صورة السجل المجمع موحدة بقدر الإمكان في المناطق التعليمية أو على الأقل في كل منطقة تعليمية، وتعد بعض المناطق التعليمية وبعض المؤسسات وبعض مراكز الإرشاد صورا موحدة مقننة متفقا عليها من السجلات المجمعة تيسيرا للعمل والفهم والاستفادة عندما ينتقل العميل من مدرسة إلى أخرى أو من مؤسسة إلى أخرى. وفي نفس الوقت يتحفظ البعض بخصوص الصور الموحدة لأنها حتما ستكون مفروضة على بعض مراكز الإرشاد أو المدارس أو المؤسسات، ويخشى أن يكون ملؤها في هذه الصورة بطريقة تسديد الخانات فقط.
الدليل: يجب أن يكون مع السجل المجمع دليل يتضمن تعليمات موحدة يسترشد بها الأخصائيون في ملء بياناته واستخدامها.
التدريب: يدرب جميع العاملين في الإرشاد النفسي على استخدام السجل المجمع.
إدخال المعلومات: يشترك جميع العاملين في الإرشاد والمعلمين متعاونين في جمع المعلومات، ولكن يقتصر إدخال المعلومات في السجل المجمع على الأخصائيين المدربين فقط.
ويجب أن يكون السجل المجمع واضح الكتابة قابلا للقراءة والاستفادة منه لجميع العاملين في ميدان الإرشاد، ولذلك يفضل جدا طباعة المعلومات فيه أو كتابتها على الآلة الكاتبة كلما أمكن.
مزايا السجل المجمع:
يمتاز السجل المجمع بما يلي:
- يصاحب الفرد في نموه وفي تنقله من مرحلة نموه إلى مرحلة أخرى ومن مدرسة إلى أخرى ومن المدرسة إلى العمل ومن عمل إلى آخر ومن بلد إلى آخر ... إلخ، ومن ثم فهو مصدر أساسي للمعلومات عن الفرد في أي مكان يذهب إليه.
- يوفر الجهد والوقت في حالة توافر معلومات مسجلة فيه، فلا يعاد الفحص والبحث إلا في الحالات الجديدة.
- يضم كل المعلومات التي تجمع بواسطة كافة وسائل الإرشاد الأخرى والتي يقوم بها كل أعضاء فريق الإرشاد، مما يعطي صورة عن العميل وخلفيته على مدى زمني.
- يعتبر الوسيلة الرئيسية النهائية التي يعتمد عليها المرشد في عملية الإرشاد، فهو يعطي
(1/246)

صورة متكاملة متوازنة تساعد المرشد في سرعة التعرف على العميل، وتيسر أمامه المعلومات، وتتيح إمكانية تتبع نمو العميل، ودراسة التغيرات التي طرأت عليه.
- يعتبر مرجعا شخصيا للعميل يزيد معرفته بنفسه وبتطور نموه في ماضيه وحاضره، ومعرفة نواحي قوته ونواحي ضعفه، ويساعده في التخطيط لمستقبله، ويستثير موضوعات هامة في جلسات الإرشاد.
- يعتبر نموذجا طيبا لتعاون جميع أعضاء فريق الإرشاد النفسي.
- يعتبر أهم وسائل جمع المعلومات في الإرشاد النفسي التي يجوز الاستعانة بها -بشروط خاصة- في البحوث العلمية.
عيوب السجل المجمع:
في بعض الحالات يحدث ما قد يجعل للسجل المجمع بعض العيوب، فمثلا:
- قد يساء فهم أو تفسير بعض المعلومات التي يتضمنها السجل المجمع، وخاصة القديم منها والذي وضعه غير الأخصائي الذي يستخدمه حديثا.
- قد يستغنى بالسجل المجمع عن دراسة الحالة وغيرها من الوسائل، مما يحرم المرشد من وسائل ضرورية وأساسية في عملية الإرشاد.
(1/247)

الفصل السادس: عملية الإرشاد النفسي
معالم عملية الإرشاد النفسي
...
(1/250)

الفصل السادس: عملية الإرشاد النفسي THE PROCESS OF COUNSELLING:
معالم عملية الإرشاد النفسي:
كل ما سبق في هذا الكتاب يمكن اعتباره تمهيدا لعملية الإرشاد النفسي، التي تعتبر بمثابة التطبيق العملي للتوجيه النفسي، بكل ما له من أسس ونظريات وما يتوافر فيه من وسائل، وقد أشرنا في الفصل الأول إلى مفهوم التوجيه والإرشاد وإلى أن عملية الإرشاد النفسي هي العملية الرئيسية في خدمات التوجيه النفسي، وأنها هي الجزء العملي التطبيقي في ميدان التوجيه، وأنها عملية تنطوي على كثير من العلم والفن، وذكرنا في الفصل الثاني الأسس التي تقوم عليها عملية الإرشاد. وتناولنا في الفصل الثالث النظريات التي تستند عليها عملية الإرشاد. وفي الفصل الرابع حددنا المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد. وفي الفصل الخامس أوضحنا وسائل جمع المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد.
وعملية الإرشاد النفسي عملية قديمة من ناحية الممارسة الفعلية، ولو أنها كانت تتم بطريقة غير عملية، فالفرد حين يساعد ولده أو صديقه أو زميله في حل مشكلته، فإنه يمارس نوعا من الإرشاد النفسي ويقوم بعملية إرشاد. إنه يحاول أن يفهم طبيعة المشكلة ويتيح فرصة التنفيس الانفعالي ويقوم بالمساندة الانفعالية والدعم وتنمية البصيرة ويساعد الولد أو الصديق أو الزميل، إلا أن هذا العمل لا يقوم على أساس علمي. ويمكن أن يطلق عليه "إرشاد المصاطب" Armchair Counselling.
ويلاحظ أن الفرق بين عملية الإرشاد النفسي وبين عملية العلاج النفسي هو فرق في العميل وليس في العملية، وهو فرق في الدرجة وليس في النوع، وهكذا سنجد في هذا الفصل بعض التداخل بين عملية الإرشاد النفسي وعملية العلاج النفسي.
وعملية الإرشاد النفسي هي عملية مساعدة العميل ليساعد نفسه. وذلك يفهم نفسه وتنمية شخصيته ليحقق التوافق مع بيئته ويستغل إمكاناته على خير وجه، بحيث يصبح أكثر نضجا وأكثر قدرة على التوافق النفسي في المستقبل، وتستخدم فيها طرق نفسية لحل المشكلات وعلاج الاضطرابات السلوكية التي يعاني منها العميل.
اسكنر
إجراءات عملية الإرشاد النفسي:
عرفنا أن عملية الإرشاد النفسي عملية علمية فنية تقوم على أسس علمية ونظريات متعددة. وهي أيضا عملية لها إجراءات أساسية تعتبر معالم في الطريق لا تتم إلا بها.
(1/251)

وينبغي أن نعرف أن هذه الإجراءت ضرورية لإتمام عملية إرشاد مثالية، وهي ليست إجراءات في شكل خطوات مسلمة رقميا أي أن الأولى تليها الثانية ثم الثالثة ... وهكذا، أو أنه إذا لم تتم خطوة فقد انفرط العقد.
ويلخص شكل "59" إجراءات عملية الإرشاد النفسي.
(1/252)

الإعداد للعملية PREPARATION:
عملية الإرشاد النفسي عملية كبيرة، ولا بد لها من إعداد من جانب المرشد بل وفريق الإرشاد كله. ويتضمن ذلك الاستعداد لها وإعداد العميل ومعرفة توقعاته، وتقديم عملية الإرشاد النفسي له وتنمية مسئوليته إزاء العملية.
استعداد المرشد:
لا بد من استعداد المرشد لعملية الإرشاد. فالعملية تحتاج إلى إعداد مسبق وتخطيط دقيق وتحضير مدروس، ويتوقف نجاح العملية على الإعداد الجيد لها. ويتضمن ذلك استعداد المرشد وإعداد العميل، وتهيئة ظروف العملية ومتطلباتها مثل المكان المناسب والوقت
(1/252)

الكافي الذي يسمح بقيامه بها على خير وجه هو ورفاقه أعضاء فريق الإرشاد، وتوفير جميع وسائل جمع المعلومات والتشخيص والتقييم والمتابعة ... إلخ.
استعداد وإعداد العميل:
يأتي العميل إلى عملية الإرشاد وقد لا يعرف عنها أي معلومات. أو ربما يكون لديه معلومات عامة صحيحة أو خاطئة أو حتى خرافية، ولذلك لا بد من استعداد العميل وإعداده للعملية.
إن أساس عملية الإرشاد النفسي هو الإقبال والقبول والتقبل، والإقبال من قبل العميل أمر هام جدا وضروري لنجاح عملية الإرشاد1. فأفضل العملاء هو الذي يقبل على عملية الإرشاد بنفسه، حيث يكون لديه استبصار بمشكلته ويعرف قيمة الإرشاد ويدرك حاجته إليه، ويقدر مسئوليته فيه، يقبل العميل بدون أن يدفعه أحد دفعا ودون أن يحيله أحد أو جهة إحالة ربما على غير إرداته "إدوارد بوردين Bordin، وهذا هو رأي أصحاب طريقة الإرشاد غير المباشر، أما أصحاب طريقة الإرشاد المباشر، فيعارضون هذا الرأي قائلين إنه لا يجوز أن نقف موقف المتفرج من فرد لديه مشكلة ولكنه لا يبحث عن مساعدة، وقد تزداد المشكلة وتكبر. وقد يكون الشخص نفسه غير مدرك لمشكلته وأبعادها ونتائجها، وقد يكون أساس الشخصية من النوع الماسوكي الذي يتلذذ من المعاناة لا شعوريا، ومن ثم لا يسعى بنفسه إلى التخلص من المشكلة التي تؤلمه. وعلى المرشد في هذه الحالات أن يبحث عن أي وسيلة أو طريقة لبقة ومتدرجة لاستدراج الفرد وإشعاره أنه في حاجة إلى مساعدة، مما يؤدي إلى إقباله على عملية الإرشاد "روبرت ناب Knapp؛ 1959".
أما القبول فهو قبول العميل لعملية الإرشاد دون شروط، واستعداده لها عقليا وانفعاليا. ونحن نعرف أن عملية الإرشاد -على الرغم من فائدتها- فإنها ليست شيئا مرغوبا بالنسبة للعميل فليس منا من ينكر فائدة وقيمة العملية الجراحية لمن يحتاجها، ولكن العملية الجراحية في حد ذاتها غير مرغوبة ولا يقبل عليها الناس، ومن ثم يحتاج قبول العميل لعملية الإرشاد النفسي إلى استثارة دافعية قوية لقبولها وبدئها.
والتقبل أيضا يجب أن يكون متبادلا بدون شروط من جانب العميل والمرشد. ويلازم هذا أيضا الاحترام المتبادل والثقة المتبادلة بين الطرفين "انظر شو Shaw؛ 1955".
ويلاحظ أن الشروط في عملية الإرشاد تعتبر بمثابة "العقدة في المنشار" تعرقل العملية.
__________
1 يقول الشاعر أحمد شوقي:
وما استعصى على قوم منال ... إذا الإقدام كان لهم ركابا
(1/253)

فالعميل ينبغي ألا يشترط شروطا لنجاح عملية الإرشاد، لأن تحقيق هذه الشروط غير مضمون، خاصة إذا كانت تتعلق بأمور خارجة عن إرادة أو سيطرة كل من المرشد والعميل، وهذا هو السبب في النص ألا يكون هناك شروط في عملية الإرشاد.
ويتطلب إعداد العميل تأكيد الألفة معه. وقد سبق تناول أهمية تكوين الألفة عند الكلام عن المقابلة كوسيلة لجمع المعلومات "راجع الفصل الخامس" ونضيف هنا أن تأكيد الألفة مع العميل أمر ضروري لبداية عملية الإرشاد بداية حسنة، ويتطلب ضمان نجاح تكوين وتأكيد الألفة توافر بعض الخصائص الشخصية في المرشد منها: الاهتمام بالعميل ووجهات نظره، والثبات الانفعالي والنضج، والفهم والتفاهم، والتعاطف والتعاون، والمظهر الشخصي السار المريح، والتوازن بين الجد والمزاح، والاحترام المتبادل.
توقعات العميل:
عند إعداد العميل يجب أن نعرف توقعاته ومشاعره وهو يأتي لأول مرة إلى مكتب المرشد، لأن هذه التوقعات تؤثر في اتجاه ونتيجة عملية الإرشاد، إن العميل يأتي وهو يتوقع المساعدة والمساندة وحل مشكلته وتخفيض مستوى القلق لديه، وقد تكون توقعات العميل عامة أو محددة، أو مناسبة أو غير مناسبة، يمكن تحقيقها أو لا يمكن تحقيقها، وهو قد تعلم هذه التوقعات وأخذت شكل اتجاهات اجتماعية كتلك التي تتكون نحو العلاج الطبي على أنه شيء يعمل ويقدم له من أخصائي مسئول عنه "باتيرسون Patterson؛ 1958".
وفيما يلي عينة من توقعات بعض العملاء:
- يتوقع بعض العملاء تحقيق أكثر مما يمكن تحقيقه من جانب المرشد، بينما يتوقع البعض أقل مما يمكن تحقيقه فعلا.
- يأتي بعضهم ولديه ثقة وأمل في عملية الإرشاد، بينما البعض لا يكون لديهم ثقة ولا أمل فيها.
- يأتي بعضهم بمشكلات يعتبرون أنفسم ضحايا لها وللآخرين وليس لهم يد فيها، ومن ثم يلقون بمشكلاتهم على المرشد ويتوقعون منه أن يحلها لهم.
- يأتي البعض ولديه تصور عن المرشد على أنه له صورة "الأب الطيب" الفاهم المتسامح، والبعض يكون لديه تصور للمرشد على أنه "موظف" موضوعي يمثل مهما كان نوعا من السلطة.
(1/254)

- يأتي البعض للإرشاد بحثا عن طريقة يغير بها شخصيته وسلوكه، والبعض يأتي بحثا عمن يغير له شخصيته ويعدل له سلوكه.
- يأتي بعض العلماء ولدى الفرد منهم توقع معين مثل حل مشكلة انفعالية أو لمساعدة في اختيار شعبة دراسية مناسبة أو اختيار مهنة مناسبة، ويأتي فرد آخر وليس لديه إلا توقع عام لمساعدته في نواحي سلوكية عامة.
هذا ويجب في ضوء دراسة توقعات العميل، أن يتم ترشيده وتوجيهه بخصوص عملية الإرشاد حتى نبدأ البدء الصحيح في إطار واقعي بناء.
تنمية مسئولية العميل:
يأتي بعض العملاء للإرشاد لأول مرة ولديهم نوع من الحساسية والميل الدفاعي عن النفس، يصل أحيانا إلى درجة الإنكار وعدم الاهتمام وعدم الشعور بالمسئولية.
ويجب منذ بداية عملية الإرشاد النفسي تنمية مسئولية العميل من حيث قبولها وتحملها، وأن يكون إيجابيا في عملية الإرشاد حتى تحقق أهدافها.
ويجب أن يعلم العميل منذ البداية أن قلب عملية الإرشاد هو عملية التعلم، وهي مسئوليته. إن عليه أن يتعلم من خبرة الإرشاد ما يمكنه من حل مشكلاته مستقلا مستقبلا وأن يتحمل مسئولية نفسه.
تقديم عملية الإرشاد:
في البداية يقوم المرشد بتقديم عملية الإرشاد النفسي، ويتبع المرشدون في ذلك أساليب عديدة.
وقد سبق أن أعد المؤلف "حامد زهران، 1972، 1977" أسلوبا لتقديم عملية الإرشاد للعميل عبارة عن موضوع بعنوان "مقدمة الإرشاد والعلاج النفسي" يقدمه المرشد أو المعالج للعميل قبل بدء عملية الإرشاد كإعداد مسبق، لتعريفه بالدور الإيجابي الذي يجب عليه أن يقوم به والإطار العام لعملية الإرشاد، أما عن محتوى المقدمة فهو على النحو التالي.
تقديم: يتضمن الترحيب بالعميل وتعريفه بموضوع المقدمة، والاستعداد لمساعدته، وحثه على التعاون، وتأكيد السرية المطلقة للمعلومات.
إيضاح الهدف: يوضح هدف عملية الإرشاد، وهو تحقيق التوافق والصحة النفسية وصيانة الشخصية، مع تأكيد أهمية الوقاية كطريق والإرشاد كعمل والصحة النفسية كهدف.
(1/255)

تحديد المشكلة: يتضمن توجيهات للعميل تعينه في تحديد مشكلته بصدق وأمانة ودقة.
أسباب المشكلة: يلفت نظر العميل إلى أن أسباب المشكلات تتعدد وتتفاعل بين داخلية وخارجية، أصلية ومساعدة، حيوية ونفسية واجتماعية، ويستحثه على ذكر الأسباب الخاصة بمشكلته كما يراها هو.
أعراض المشكلة: يعرف العميل بالأعراض التي تدل على وجود المشكلة أو الاضطراب، وأن لها رموزا ومعاني ووظائف وأهداف لا بد من معرفتها، وأن منها أعراضا داخلية وأخرى خارجية، ومنها أعراضا عضوية المنشأ وأخرى نفسية المنشأ، ويلفت نظره إلى تصنيف الأعراض ونماذج منها، ويستحثه على تجميع كل ما قد يكون لديه من هذه الأعراض كما يشعر بها هو.
إجراءات الفحص: يلفت نظر العميل إلى أهمية الفحص وهدفه وأهمية الكشف عن مفهوم الذات ومحتوى مفهوم الذات الخاص، وينبهه إلى أهمية الفحوص والبحوث النفسية والاجتماعية والعصبية والطبية.
أهمية التشخيص: يوجه نظر العميل إلى أهمية التشخيص الدقيق في تحديد المآل وطريقة العلاج المناسبة، ويلفت نظره إلى مسئوليته في إعطاء المعلومات الصادقة بالنسبة لدقة التشخيص.
عملية الإرشاد: هنا بؤرة التركيز والهدف الرئيسي من المقدمة، حيث يعرف العميل بطرق ومجالات الإرشاد وأهم ملامح وإجراءات عملية الإرشاد من بدايتها حتى نهايتها والمتابعة التي تليها.
خاتمة: وأخيرا يعرف العميل بأن العميل تستغرق بعض الوقت، ويعرفه بنظام الجلسات وزمانها ومواعيدها ... إلخ، ويطلب من بدء العمل على بركة الله لتحقيق الهدف وهو الصحة النفسية.
هذا وقد أعد المؤلف من المقدمة ثلاث صور على النحو التالي:
- الصورة الشفوية: ويقدمها المرشد للعميل شفويا وجها لوجه، وهي شخصية يستخدم فيها المرشد ضمير المتكلم "أنا".
- الصورة الكتابية: وتقدم للعميل مكتوبة في كتيب ليقرأها، ويستخدم ضمير المتكلم "نحن" بحيث يمكن أن يستخدمها أي مرشد.
(1/256)

- الصورة الصوتية: وتقدم للعميل مسجلة على شريط بصوت المرشد ليسمعها، ويستخدم فيها ضمير المتكلم "أنا".
وكان هناك صيغتان للمقدمة من كل من الصورة الشفوية والصورة الصوتية:
- صيغة المذكر: وتقدم للذكور.
- صيغة المؤنث: وتقدم للإناث.
وتم تعديل المقدمة حيث أعدت صيغة موحدة تناسب الذكور والإناث في نفس الوقت.
(1/257)

تحديد الأهداف:
لا شك أن الهدف الرئيسي لعملية الإرشاد هو هدف علاجي، ويجب أن يحدد المرشد والعميل أهداف عملية الإرشاد، فيحددا الأهداف العامة، والأهداف المبدئية "القابلة للتعديل"، والأهداف الخاصة، حتى يمكن توجيه عملية الإرشاد لتحقيقها.
الأهدف العامة:
تتعدد الأهداف العامة لعملية الإرشاد النفسي، فنجد منها: تحقيق الذات وفهم الذات، وذلك بتحقيق إمكانات واستعدادات وقدرات العميل وتحويله من النظر إلى خارج نفسه إلى النظر داخل نفسه مع استبصار أكثر، وتحويله من الكلام عن العموميات إلى الخصوصيات، ومن كبت المشاعر إلى إخراجها "نولتون Knowlton؛ 1972" كذلك من الأهداف العامة الهامة تحقيق التوافق النفسي وتحسين السلوك وتحقيق السعادة والصحة النفسية "راجع الفصل الأول".
الأهداف المبدئية:
بعض أهداف عملية الإرشاد النفسي تحدد بصفة مبدئية، لأن عملية الإرشاد النفسي عملية دينامية تتغير أثناءها أو من خلالها بعض الأهداف أو تتعدل أو يقدم أحدها على الآخر ... وهكذا. والأهداف المبدئية قابلة للتعديل، فالعميل قد يضلل المرشد في المراحل الأولى من عملية الإرشاد بسبب إعطائه معلومات ناقصة أو خاطئة أو كاذبة عن قصد أو عن غير قصد. ومع تقدم عملية الإرشاد يزداد وضوح الرؤية والفهم لدى المرشد. وقد يقتنع العميل أكثر بعملية الإرشاد عندما يجني بواكير ثمارها فيفاجئ المرشد بمعلومات صحيحة وحقائق جديدة معدلة أو مخالفة لما سبق أن أدلى به، وهكذا تتعدل الأهداف في الطريق أثناء عملية الإرشاد.
(1/257)

الأهداف الخاصة:
تتحدد الأهداف الخاصة لعملية الإرشاد بالإجابة عن السؤال "لماذا جاء العميل، وماذا يريد؟ " إن أهم الأهداف الخاصة في عملية الإرشاد عادة هي حل مشكلة العميل إجرائيا من خلال علاقة إرشادية ناجحة، ويجب أن يعرف كل من المرشد والعميل بدقة ووضوح طبيعة هذا الهدف الخاص المباشر، وكيفية تحقيقه، ومسئولية كل منهما إزاء هذا. فالمرشد عليه أن يبذل كل جهده في سبيل مساعدة العميل لحل مشكلته وأن يقحمه في مشكلته ويوجهه لحلها في إطار عملية الإرشاد. وإلى جانب هذا الهدف الخاص الرئيسي قد يكون للعميل أهداف خاصة أخرى يجب تحديدها ومعرفتها منذ البداية.
(1/258)

تحديد العملية:
يجب تحديد عملية الإرشاد النفسي كعملية مساعدة، وذلك بتعريف العميل بنظامه العام، وبالمرشد وإمكاناته وما يمكن أن يقدمه للعميل، وما يمكن أن يناقش في جلسات الإرشاد، وما يمكن أن يقدمه من معلومات ... إلخ.
ويحدد البعض عملية الإرشاد النفسي إجرائيا وباختصار بأنها كل ما يحدث بين مرشد نفسي وبين عميل أو أكثر، ويحددها البعض في ضوء أهم معالمها بأنها عملية تعلم، وهي ليست تقديم حلول جاهزة، ويجب أن يكون هذا معلوما للعميل.
حدد أحد العملاء عملية الإرشاد كما تصورها بأنها "أشبه ما تكون برحلة على طريق في ليلة يملؤها الضباب، تركني المرشد أقود سيارتي، ولكنه حدد الخط الأبيض في وسط الطريق، مما ساعدني على بلوغ الهدف".
أبعاد العملية:
حاول آرثر جونز Jones؛ "1970" تحديد أهم أبعاد عملية الإرشاد النفسي فتوصل إلى أربعة هي:
التشخيص والنمو: أي تشخيص وتحديد مشكلة العميل واضطرابه، ومساعدته في النمو، حيث يفهم نفسه بدرجة أفضل من خلال الخبرات والمواقف التي تيسر وتهيأ له.
المعرفة والمشاركة الانفعالية: وذلك أن المحتوى المعرفي والمشاركة الانفعالية من أساسيات عملية الإرشاد اللازمة لنجاحها.
(1/258)

الملاحظة والاشتراك: أي ملاحظة سلوك العميل وتقييمه علميا، والاشتراك عمليا في العلاقة الإرشادية الفعالة بما فيها من تفاعل دينامي.
العمومية والتحديد: حيث تتراوح عملية الإرشاد بين العموميات بالنسبة للأهداف والتوقعات وبين التحديد الدقيق بالنسبة للقرارات والخطط.
وهكذا تحدد أبعاد عملية الإرشاد، ويكون المرشد مسئولا عن صحتها والعميل مسئولا عن تنفيذها وترجمتها إلى سلوك.
(1/259)

جمع المعلومات:
يأتي العميل إلى المرشد، وكلاهما لا يعرف عن الآخر الكثير، أو ربما لا يعرف أي شيء. ولذلك يجب بعد التعارف، جمع جميع المعلومات المرتبطة بالعميل ومشكلته وبيئته.
ويجب أن يعرف العميل أن من أهم مطالب عملية الإرشاد أن يكشف عن ذاته للمرشد ويعرفه بنفسه وبموقفه العام، وتحديد مشكلاته وأسبابها وأعراضها ... إلخ، حتى يستطيع أن يفهمه وأن يتعرف على حاجاته.
وبالنسبة للمرشد، فقد سبق تحديد المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد في الفصل الرابع، وسبق تناول وسائل جمع المعلومات في الفصل الخامس.
ملاحظات:
نضيف هنا أنه يجب أن يتم جمع المعلومات اللازمة لعملية الإرشاد بصورة منظمة منتظمة، من كل مصادرها المتاحة، عن العميل وشخصيته ومشكلته من كل الجوانب، في ضوء دليل فحص ودراسة الحالة، وباستخدام كافة وسائل جمع المعلومات الممكنة، مع مراعاة تعددها والشروط العامة التي تكفل نجاحها والثقة في المعلومات.
وبعد هذا يجب تجميع وتلخيص خلاصة المعلومات المرتبطة بالمشكلة والتوصيات الخاصة بها لتكون جاهزة للاستخدام في عملية الإرشاد، ولتكون أساس تخطيط مبدئي مرن لعملية الإرشاد نفسها، ويستعان في ذلك بالسجلات المجمعة.
ويلاحظ أن جمع وتجميع المعلومات لا يتم مرة واحدة أو دفعة واحدة في كل الحالات، ولكن قد يحدث مع تقدم عملية الإرشاد أن يحتاج المرشد إلى مزيد من المعلومات.
(1/259)

التشخيص وتحديد المشكلة DIAGNOSIS:
التشخيص في الإرشاد النفسي عملية هامة كما في العلاج النفسي والعلاج الطبي.
وينظر المرشدون والمعالجون النفسيون إلى عملية الفحص والتشخيص والعلاج كعملية متصلة ومستمرة ومتداخلة.
والتشخيص هو تحديد المشكلة والتعرف على الاضطراب أو المرض وتعيينه وتسميته. ويقوم التشخيص على أساس نتائج عملية الفحص وجمع المعلومات.
ويفرق ويتربول وبولي Witryol & Boly؛ "1944" بين التشخيص الموجب Positive Diagnosis الذي يعني تحديد الخصائص الإيجابية وسمات وديناميات شخصية العميل، وبين التشخيص السالب Negative Diagnosis الذي يعني تحديد مشكلات واضطرابات وأمراض العميل، ويريان أن كليهما هام في عملية الإرشاد.
وهدف التشخيص: هو الحصول على أساس لتحديد إجراءات وطريقة الإرشاد التي تناسب المشكلة والاضطراب وشخصية العميل. وهو بهذا يوفر الوقت والجهد في عملية الإرشاد ويساعد في تركيز الاهتمام على المشكلة عند تحديدها.
أهمية التشخيص وتحديد المشكلة:
التشخيص وتحديد المشكلة إجراء يهم كلا من العميل والمرشد. فالعميل يهتم بالمشكلة لأنها مشكلته، والمرشد يهتم بها لأنها عمله.
ويدخل التشخيص في صميم عملية الإرشاد نفسها. فالعميل يشعر بالثقة ويكشف الكثير عن نفسه، ويزداد فهم تشخيصه ويضع يده على مشكلته ويستريح لبوحه بها وتخلصه من التوتر الانفعالي، ويطمئن لمشاركة المرشد الذي شخص الاضطراب وحدد المشكلة، ويشعر أن شيئا قد تم وأنجز وحدد طريق عملية الإرشاد مما يزيد الأمل في حل المشكلة.
وعن طريق التشخيص، يمكن تحديد نوع مشكلة العميل، واضطرابه، ومدى أهميته وخطورة المشكلة، وما إذا كان ما يعاني منه العميل مجرد عرض منفرد أم زملة أعراض تدل على اضطراب محدد، وما إذا كان ما يعاني منه هو مجرد "حبة جعل منها قبة أو قبة جعل منها حبة". وقد يكون ما يعاني منه العميل مرضا عصابيا أو ذهانيا لا يدخل في نطاق ميدان الإرشاد النفسي، ويستدعي إحالته إلى العلاج النفسي والطبي في عيادة أو مستشفى للأمراض النفسية ... وهكذا.
ولا يخفى على المرشد أهمية التشخيص المبكر مما يجعل فرصة نجاح عملية الإرشاد
(1/260)

أفضل. ونحن نعرف أن هناك بعض المشكلات قد تظل مستترة أو غير ظاهرة أو ينالها الإنكار والتجاهل مثل التخلف الدراسي وسوء التوافق الأسري، وتظل بعيدة عن التشخيص المبكر حتى تتفاقم آثارها ويصبح علاجها مكلفا وطويل المدى، وأحيانا صعبا أو مستعصيا، وهذا يلفت النظر إلى ضرورة التعاون الكامل بين الوالدين والمربين والأخصائيين في الأسرة والمدرسة وعيادة أو مركز الإرشاد النفسي، حتى تنكشف المشكلات وتشخص الاضطرابات في وقت مبكر بحيث يمكن اتخاذ الإجراءات الإرشادية والعلاجية المناسبة في الوقت المناسب.
إجراء التشخيص:
يلزم لإجراء التشخيص الاهتمام بما يلي:
تهيئة العميل: تهيئة العميل أمر لازم لكي يتم إجراء التشخيص بنجاح، وذلك بتعريفه أنه ليس الوحيد الذي يعاني من مشكلة، وأن كثيرين قبله كانوا يعانون من مشكلات شخصت وعولوجت بنجاح، وأن التشخيص المبكر الدقيق هام جدا وفي مصلحته لأنه أساس تحديد عملية الإرشاد الدقيق والعلاج السليم المناسب والتنبؤ بمستقبل عملية الإرشاد والعلاج. ويستحث المرشد العميل على أن يساعده في معرفة أصل وطبيعة ونوع المشكلة وجمع الأعراض وتحديد الأسباب. ويجب طمأنة العميل إلى أنه عندما يتم تشخيص المشكلة بدقة، فإنها سوف تكون "شدة وتزول"1.
تحديد الأسباب: عرفنا مبدأ تعدد وتفاعل الأسباب، وأن من النادر أن نضع أيدينا على سبب واحد للمشكلة أو الاضطراب إلا في حالات نادرة، ومن الضروري في عملية التشخيص التفريق بين الأسباب الحيوية والنفسية والبيئية، والأسباب المهيئة والمرسبة التي أدت إلى المشكلة أو الاضطراب، ويجب عدم المبالغة في أثر مجموعة من الأسباب الأخرى. ويجب الاهتمام بتحديد الأسباب كما يراها العميل نفسه ويصدق ذلك نتائج الفحص الشامل.
تحديد الأعراض: عرفنا أنه يمكن التعرف بدقة على الأعراض، وبعض الأعراض قد تكون شديدة واضحة يمكن ملاحظتها بسهولة، وبعضها تكون مختفية لا يمكن معرفتها إلا عن طريق التقرير اللفظي من العميل أو مرافقيه، ولا بد من الاهتمام بكل الأعراض الخارجة
__________
1 يقول الشاعر:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكنت أظنها لا تفرج
(1/261)

والداخلية، ونحن نعرف أن العرض الواحد قد يظهر عند شخص نتيجة أسباب نفسية تختلف عن أسبابه عند شخص آخر، ويلاحظ كذلك أن عددا كبيرا من الأعراض قد يكون لها نفس الأسباب. ويجب أيضا تحديد معنى وظيفة وأهداف الأعراض. ولا بد من الاهتمام بدراسة الأعراض وما وراءها من مكاسب آولية وثانوية يحققها العميل.
تفسير المعلومات: يجب أن تفسر المعلومات التي يتم الحصول عليها عن طريق دارسة الحالة. وفي ضوء تفسير المعلومات يتم وضع افتراض تشخيص يكون عادة في ضوء واحدة أو أكثر من نظريات الشخصية والإرشاد والعلاج النفسي مثل النظرية السلوكية أو نظرية الذات أو التحليل النفسي ... إلخ. ولكل من هذه النظريات وجهة تفسير خاصة وتتضمن عددا من المفاهيم التشخيصية المساعدة.
التشخيص الفارق Differential Diagnosis: يلزم الاهتمام بإجراء التشخيص الفارق، أي التفرقة والتمييز بين أعراض مشكلتين أو اضطرابين أو مرضين أو أكثر لتحديد أي منها هو الذي يشكو منه العميل حتى تحدد طريقة وإجراء الإرشاد أو العلاج. ومن دواعي الاهتمام بالتشخيص الفارق التدخل بين حالات الاضطراب نفسية المنشأ وعضوية المنشأ وحالات الأمراض الجسمية التي يصاحبها اضطرابات نفسية والأمراض النفسية الجسمية، ويتطلب الاضطرابات العضوية والاضطرابات الوظيفية وتقييم درجة كل منهما، وتحديد رد فعل الشخصية تجاه الاضطراب، وتقدير شدة الأعراض، واتباع الأساس العلمي والإحصائي في جمع وتصنيف وتحليل المعلومات التي بني عليها التشخيص.
عوامل نجاح التشخيص:
من أهم عوامل نجاح التشخيص ما يلي:
الفحص الدقيق: الفحص الدقيق هو حجر الزاوية للتشخيص الموفق. ومن ثم يجب أن يكون فحص دارسة الحالة موضوعيا وشاملا ومن كافة المصادر المتاحة وبكافة الطرق والوسائل المختلفة بقدر الإمكان ويجب أن تكون المعلومات التي يؤدي إليها فحص ودراسة الحالة منظمة ومخلصة بدقة.
التدريب والخبرة: يحتاج التشخيص إلى تدريب وخبرة من جانب المرشد. وقد يكون التشخيص سهلا ويصل إليه المرشد بسرعة، وخصوصا كلما زادت خبرته الإرشادية العملية، ولكن يجب أن يتأنى المرشد قبل أن يضع التشخيص النهائي، وقد يقتضي الأمر في بعض
(1/262)

الحالات الصعبة أو غير الواضحة اللجوء إلى استثارة أخصائيين آخرين للاستعانة بهم في عملية التشخيص.
تحديد المشكلة:
في تحديد المشكلة يجب التعرف على نوعها: ومن أنواع المشكلات ما يلي:
- مشكلات الشخصية وسوء التوافق الشخصي والاضطرابات الانفعالية.
- المشكلات التربوية وعدم التوفيق في اختيار المواد الدراسية ومشكلات التحصيل المدرسي ونقص الاستعداد الدراسي وسوء عادات الاستذكار وقلق التحصيل وقلق الامتحان وسوء التوافق المدرسي.
- المشكلات المهنية ومشكلات اختيار المهنة والدخول فيها وسوء التوافق المهني.
- المشكلات الصحية ووجود عاهات وما يصاحبها من سوء توافق.
- مشكلات نقص المعلومات لدى العميل، ونقص مهارات يمكن اكتسابها.
ملاحظات في عملية التشخيص وتحديد المشكلة:
يجب الاحتراس من الخطأ في عملية التشخيص حتى لا ينبني كل ما بعده على أساس خاطئ، وكثيرا ما نسمع عن الآثار الضارة للخطأ في التشخيص حيث تسير عملية الإرشاد أو العلاج في طريق خاطئ وتفشل في النهاية، بل قد يسبب ذلك مضاعفات لم تكن موجودة أصلا. ومن مصادر الخطأ في التشخيص عدم ظهور ما يسمى "استجابة الأعراض"، أي الاستجابة السلوكية التي تدل على وجود العرض أو المرض، وقد يخطئ المرشد ويعتبر غياب استجابة الأعراض دليلا على عدم وجود الاضطراب أو المرض، علما بأن الاضطراب أو المرض قد يكون موجودا ولكن لا تظهر استجابة الأعراض "سميدزلوند Smedslund؛ 1969". ومن أسباب الخطأ في التشخيص عدم فهم التعليمات والمصطلحات الخاصة، وعدم فهم المعلومات الأخرى التي تعطي أثناء فحص ودراسة الحالة. ويجب التغلب على هذه الأسباب بتوضيح المعلومات، ويوصي ماركس وسيمان Marks & Seeman؛ "1962" باستخدام كافة الطرق العلمية التي تضمن دقة التشخيص، وهناك اختبارات يمكن الاستعانة بها في عملية التشخيص، ومن أمثلتها اختبار التشخيص النفسي للمؤلف.
ويلاحظ أن بعض العملاء قد ينهارون عند سماع التشخيص، وتزداد حالتهم المرضية.
(1/263)

وقد يهرع العميل إلى قراءة الكتب عن المشكلات والاضطرابات النفسية فيخطئ في فهم وتفسير وتطبيق ما كتب أصلا للمختصين، مما يزيد الحالة تعقيدا. ولذلك يجب أن يعرف العميل التشخيص بأسلوب وطريقة لبقة وبتصرف حسب الحالة، بما يخفف وقع التشخيص عليه.
ويلاحظ أن التشخيص في حالة الأطفال يحتاج إلى اهتمام خاص، لأن الطفل، ما زال ينمو ولم يصل بعد تمام نضج الشخصية، وأن السلوك العادي، وغير العادي عند الأطفال يختلف عنه لدى الكبار، وأن مشكلات الأطفال تختلف مع النمو. هناك فرق بين تشخيص وإرشاد الأطفال وبين تشخيص وإرشاد الكبار. فإمكانات الطفل في التعبير عن نفسه محدودة نسبيا، وقدرته على ضبط بيئته محدودة والتحكم فيها صعب، وتأثره بالكبار واضح وفي كثير من حالات الأطفال نجد أن اضطراب الطفل يعتبر عرضا لاضطراب أحد الوالدين أو كليهما. وعلى العموم، ففي التشخيص في حالة الأطفال يحسن أو يجب الاعتماد على تقارير الكبار وخاصة الوالدين "وبصفة أخص الأم" أو ولي الأمر أو الإخوة أو المربين أو الأخصائيين "ويجب التثبت من مدى صدق وثبات وموضوعية ما يدلي به هؤلاء من معلومات عن الطفل، ويحسن إلى جانب ذلك استخدام الوسائل المناسبة للأطفال مثل اللعب كأداة تشخيصية ذات قيمة كبيرة.
(1/264)

تحديد المآل PROGNOSIS:
المرشد عندما يقوم بعملية الإرشاد، يحاول دائما التنبؤ بنجاح هذه العملية في المستقبل، أي بتحديد مآل المشكلة أو الاضطراب أو المرض.
ويتناول تحديد مآل مستقبل المشكلة أو الاضطراب أو المرض في ضوء الفحص الذي يتناول ماض وحاضر العميل والمشكلة، وعلى هدي التشخيص الذي يتناول حاضر العميل والمشكلة مع نظرة مستقبلية، أي أن المآل هو التنبؤ بمستقبل حالة العميل، ومدى النجاح المحتمل إن شاء الله، ثم إذا تساوت العوامل المؤثرة والظروف المحيطة بعملية الإرشاد.
ومثل المرشد عندما يحدد مآل مثل الطبيب الجراح الذي يحاول التنبؤ بمدى النجاح المحتمل، أي بمآل العملية التي سيقوم بإجرائها فيحدد نسبة مئوية للنجاح المحتمل إن شاء الله.
هذا وتهدف عملية تحديد المآل إلى تحقيق ما يلي:
- توجيه وتحسين عملية الإرشاد في ضوء المآل المتوقع.
- تحديد أنسب طرق الإرشاد لاستخدامها مع الحالة لتحقيق أكبر قدر ممكن من النجاح.
(1/264)

- تعيين حد مرن للنجاح يساعد في تقييم عملية الإرشاد ومدى تحقيقها له أو اقترابها أو ابتعادها عنه.
التنبؤ بالمآل:
يتضمن المآل التنبؤ الذي يحدد في ضوء بداية المشكلة أو الاضطراب أو المرض، ودراسة الأسباب والأعراض والمكاسب، وعلى هدي الفحص والتشخيص وطريقة الإرشاد، وحسب شخصية العميل، وتوافقه وبيئته وظروف حياته وصحته العامة واتجاهاته نحو عملية الإرشاد ... إلخ. ويستخدم في ذلك الاختبارات والمقاييس والمعايير والطرق الإحصائية المناسبة.
وما دام كل من المرشد والعميل يعرف أن تساوي الظروف والعوامل المؤثرة في عملية الإرشاد أساس هام في عملية التنبؤ، فعليهما أن يجعلا الظروف والعوامل الأخرى ثابتة أو مواتية، ويتجنبا تأثير العوامل التي تسيء إلى عملية الإرشاد بقدر الإمكان. فقد تتم عملية الإرشاد على خير وجه، وكل ما يتم عمله تهدمه الظروف الأسرية المضطربة، مثل هذه الحالة يكون مثل بناء يبني فيه البناءون ويهدم الهدامون ما يتم بناؤه، فهذا البناء لا يكتمل أبدأ. فلا بد في مثل هذه الحالة من الاتصال بالأسرة وتعديل ظروفها بحيث تتكامل الصورة ويتفادى تأثير هذا العامل.
وهكذا يعمد المرشد إلى تحديد مآل المشكلة أو الاضطراب ولو على وجه التقريب، استنادا إلى أمور منها أن هناك عوامل تؤكد الثبات النسبي للسلوك وسمات الشخصية، وفي نفس الوقت فإن السلوك مرن وقابل للتعديل، وأن هناك فروقا بين الأفراد، وأن الفرد نفسه يختلف من وقت لآخر.
وتؤكد برادليBradley؛ "1972" أهمية التنبؤ الفعال القائم على أساس دراسة الحالة ودراسة الشخصية، وقد وجدت أن المرشدين دقيقي التنبؤ لا يغالون في دقة تنبئهم كما يغالي المرشدون الذين تنقصهم دقة التنبؤ.
ملامح التنبؤ بالمآل:
يكون مآل المشكلة أو الاضطراب أو المرض أفضل، أي أن الأمل في نجاح عملية الإرشاد يكون أكبر والتفاؤل أكثر، في الحالات الآتية:
- إذا كانت بداية المشكلة أو الاضطراب مفاجئة وحادة.
- إذا كانت المشكلة أو الاضطراب حديثا.
- إذا عرفت الأسباب المهيئة بدقة وعرف سبب مرسب محدد.
(1/265)

- إذا كانت الأعراض بسيطة وغير حادة.
- إذا لم يكن هناك عوامل وراثية في الأسرة.
- إذا كانت المكاسب الأولية والثانوية من وراء ظهور المشكلة أو الاضطراب قليلة.
- إذا كان الفحص شاملا لجميع النواحي النفسية والاجتماعية والطبية والعصبية.
- إذا كان التشخيص دقيقا.
- إذا بدأ الإرشاد مبكرا وفي الوقت المناسب.
- إذا كان الإرشاد سليما وبأسلوب الفريق النفسي والاجتماعي والطبي.
- إذا تحمل العميل مسئولياته في العملية الإرشادية وكان تعاونه صادقا.
- إذا كانت شخصية العميل متكاملة ومرنة وناضجة نسبيا.
- إذا كان العميل ذكيا، وبصريته أفضل، وظروف حياته أحسن، وصحته العامة سليمة.
- إذا كان للعميل تاريخ من التوافق العام والشخصي والاجتماعي والتربوي والمهني والجنسي.
- إذا كانت البيئة الاجتماعية والرعاية الاجتماعية للعميل بعد الإرشاد أفضل.
(1/266)

الجلسات الإرشادية COUNSELLING SESSIONS:
تستغرق عملية الإرشاد النفسي عدة جلسات إرشادية. وتختلف الجلسة الإرشادية عن الجلسة الاجتماعية العادية. فالجلسة الإرشادية جلسة مهنية تتم فيها علاقة إرشادية في مناخ نفسي خاص حيث يشجع المرشد العميل ليعبر عن أفكاره، وليقول كل شيء وأي شيء عن المشكلة، فكل ما يقال مهم. وتحدث في الجلسات الإرشادية كل إجراءات العملية الإرشادية التالية، مثل التداعي الحر والتنفيس الانفعالي والاستبصار والتعلم والنمو وتغير الشخصية واتخاذ القرارات وحل المشكلات والمشورة وتعديل السلوك.
عوامل نجاح الجلسة الإرشادية:
فيما يلي أهم عوامل نجاح الجلسة الإرشادية:
الاستعداد للمساعدة: هذا أمر هام يجب أن يحرص عليه المرشد، ويجب أن يكون لديه اتجاه موجب نحو العميل، ولديه الرغبة المخلصة في مساعدته وبذل الوقت والجهد الكافي لتحقيق
(1/266)

ذلك. ويجب على المرشد إظهار الاستعداد لمساعدة العميل في مجالات أوسع من مجرد المشكلة المحدودة.
الألفة: يجب أن تتوافر الألفة والوئام والوفاق والتفاهم الكامل بين المرشد والعميل.
التقبل: نعني بالتقبل الإيجابي غير المشروط للعميل، أي تقبله على ما هو عليه دون التأثر بأحكام سابقة أو آراء مسبقة، ودون نقد أو لوم. فالمرشد يجب ألا يحمل العميل أكثر من حمولته التي جاء بها، وقد جاء العميل فاقدا الشعور بالتقبل، وهو يحتاج إلى التقبل الإيجابي غير المشروط مما يساعده على تقبل نفسه.
المشاركة الانفعالية Empathy: أي الشعور بمشاعر العميل وجعله يشعر بأن المرشد يشاركه انفعالاته ويفهم مشاعره، ويقدر ظروفه ويفهم عالمه الداخلي والخارجي، وكأنه يرى الأمور من داخل الإطار المرجعي للعميل.
التركيز: يجب أن يتركز الكلام والتفاعل حول موضوع الجلسة الإرشادية أي المشكلة الخاصة والشخصية وليس حول مشكلات عامة غير محددة، وحول الأفكار والمشاعر الشخصية وليس حول الأحاديث العامة. أي أن المطلوب هو التحديد لا التعميم والتخصيص لا التعويم.
الحكمة: يجب أن يسود الجلسة الإرشادية الحكمة في القول والفعل من جانب المرشد الذي يصدق عليه صفة "الحكيم". ومن الحكمة أن يكون المرشد أسوة حسنة للعميل "افعل كما أفعل وليس كما أقول". ويجب أن يتروى في كلامه، وأن يتحلى بالصبر والأناة. كذلك فإن لأسلوب إلقاء الكلام دخلا كبيرا في التأثير في نفس العميل، فالكلام مهما كان عميقا لو ألقي بسرعة وعجلة لا يؤثر التأثير المطلوب بعكس ما إذا ألقي بتأن واتزان، وفي ذلك توقير للحكمة1.
التلقائية: يقصد بها التعبير عن المشاعر الحقيقة في حرية وصراحة وأمانة وبإخلاص وعلى طبيعتها ودون مواجهة مزيفة ودون قناع ودون تصنع، حتى يتعامل المرشد مع العميل شخصيا وليس مع واجهة صناعية، ويقول كارل روجرز Rogers؛ "1961" إن التلقائية تعني تطابق السلوك مع الواقع. ويعبر عنها كذلك مستخدما مصطلح "الشفافية" Transparency بمعنى أن كل ما في داخل المرشد والعميل يمكن للطرف الآخر أن يدركه على حقيقته.
حسن الإصغاء: حسن الإصغاء والاستماع مع الملاحظة وتركيز الانتباه لكل قول وفعل وانفعال يساعد المرشد على إدراك كل الجوانب في الجلسة الإرشادية، والميدان هو ميدن العميل
__________
1 روي أن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه وسلم مسألة فمكث النبي ساعة ثم أجاب عنها، فقال اليهودي: ولم توقفت فيما علمت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "توقيرا للحكمة".
(1/267)

ويجب أن يتاح له فرصة الكلام والسلوك أكثر، ويكون تداخل المرشد بقدر محدود وعند الضرورة بما يساعد العميل على الاسترسال والبوح والتفريغ الانفعالي.
بيع الصداقة: يقول بعض المرشدين إن الإرشاد هو بيع صداقة، ويتضمن ذلك بشاشة المرشد. ومن الأقوال المأثورة " لا تكن تاجرا دون وجه بشوش" وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يصافح الآخر ويده مقبوضه فكيف يتعامل معه وجبهته مقبوضة1.
الثقة المتبادلة: هذا أمر ضروري يعطي العميل الأمان على نفسه وعلى أسراره ويساعده على الاسترخاء والطمأنينة، والبوح والتفكير بصوت عال حين يعرض ذاته ومشكلته، والثقة المتبادلة تشجع المرشد على المساعدة والعميل على التعاون. ويلاحظ أن الجلسات الأولى تكون غالبا "جس نبض" من جانب العميل، ويتوقف على نجاحها مستقبل عملية الإرشاد كلها. والعميل هنا يكون أشبه بمن يريد النزول إلى ماء البحر فيبدأ بجس الماء، فإن وجده باردا فإنه يتردد وقد يمتنع، أما إذا وجده دافئا فإنه ينزل ويستمتع "هولدين Holden؛ 1971".
المسئولية المشتركة: المسئولية في عملية الإرشاد مشتركة بين كل من المرشد والعميل ويتوقف نجاح العملية على فهم كل من الطرفين لدوره ومسئولياته وتحملها.
مظهر المرشد: إن مظهر المرشد المناسب وجلسته وصوته الواضح وتعبيرات وجهه وإظهاره اهتمامه بالعميل أمور هامة، وقد تطرق براسير Pricer؛ "1971" إلى مظهر المرشد ولبسه ووجد أن العملاء الذكور يفضلون اللبس البسيط بينما العميلات الإناث يفضلن اللبس الأنيق.
تحديد المواعيد: يحسن الإسراع بتحديد مواعيد الجلسات للعميل والحرص على هذه المواعيد، ويجب تنظيم الجلسات بما يتناسب مع مواعيد كل من المرشد والعميل.
الزمان: يحسن أن يكون للجلسة الإرشادية زمن محدد. ويحدد البعض الجلسة الإرشادية بمدة لا تقل عن نصف ساعة ولا تزيد عن ساعة. وينبغي ألا تكون مواعيد الجلسات متقاربة جدا كأن تكون يومية، ولا متباعدة جدا كأن تكون مرة كل شهر. ومعظم المرشدين يكتفون بجلسة واحدة أسبوعيا. وعلى العموم فمن المفيد أن يفصل بين كل جلسة وأخرى بضعة أيام على الأقل، لأن ذلك يساعد على منح العميل فرصة تزيد من استبصاره بنفسه.
المكان: يجب أن يكون للجلسة الإرشادية مكان محدد، أي غرفة خاصة، ويجب أن تكون جلسة العميل مريحة، وأن يكون في مواجهة المرشد. وقد وجد برايسر Pricer؛ "1971" أن
__________
1 يقول المثل العامي: "لاقيني ولا تغديني".
(1/268)

العملاء الذكور يفضلون ألا يكون بينهم وبين المرشد مكتب بينما تفضل العميلات أن يكون بينهن وبين المرشد مكتب. ومن ملاحظات الباحث حول العلاقة الإرشادية أن تكوين العلاقة الإرشادية بين المرشد والعميل من جنسين مختلفين يتم أسرع مما بين مرشد وعميل من نفس الجنس.
المناخ النفسي الإرشادي:
المناخ النفسي مصطلح مستعار من الجغرافيا. والمناخ المناسب يساعد على الحياة بطريقة أفضل، والعكس صحيح كذلك فإن المناخ النفسي الصحي السليم الآمن السمح الحر الذي يسوده الاسترخاء والارتياح والألفة والأمل أمر ضروري جدا في الحياة بصفة عامة، وفي الجلسة الإرشادية بصفة خاصة، ضمانا لنجاح عملية الإرشاد، ويجب على المرشد تهيئة مثل هذا المناخ الذي يسوده التقبل وفهم آراء العميل وأفكاره وانفعالاته ومشاعره ودوافعه وحاجاته واتجاهاته وردود فعله نحو مشكلاته وطرق حلها ومعنى أعراضه وأهدافها، إن المناخ الإرشادي المشبع بالدفء والأمن والفهم والتقبل والتسامح والسرية والخصوصية، يعتبر مثيرا لانفعالات سارة ومريحا، ويبعث في العميل الطمأنينة والأمل، ويساعده على استرجاع المواقف والخبرات المثيرة
(1/269)

للقلق مرة ثانية بطريقة رمزية في مناخ نفسي مريح سار، يساعد على الربط بين هذه المثيرات والخبرات وبين الشعور بالراحة الذي يشيع في المناخ الإرشادي الصحي.
ومن مظاهر المناخ النفسي الصحي اللازم لعملية الإرشاد النفسي ما يلي:
السرية والخصوصية Confidentiality: عرفنا أن السرية والخصوصية من البنود الرئيسية في أخلاقيات الإرشاد النفسي، كما رأينا في الفصل الثاني. وضمان السرية والخصوصية فيما يتعلق بالمعلومات الخاصة بالعميل -التي تعتبر أمانة في عنق المرشد-من أهم مظاهر المناخ النفسي الصحي، فأبسط قواعد الإرشاد النفسي هي السرية المطلقة، وإن المحافظة على السرية والخصوصية في حد ذاتها تعتبر دليلا على احترام المرشد لنفسه ولعميله ولمهنته، وتشجع العميل على الصدق والصراحة والتلقائية، فتجده لا يخاف ولا يخفي شيئا ويجعل ما فيه على فيه. والمعلومات التي تظهر من خلال الجلسات الإرشادية يجب أن تكون فقط بين المرشد والعميل. ونحن نعلم أنه إذا لم تكن السرية والخصوصية مضمونة فسوف تهتز الثقة أو تفقد، وسوف يحجب العميل عن المرشد ربما أخطر ما لديه من معلومات مما يقلل من قيمة العملية أو ينسفها نسفا. ويرى البعض أنه يمكن أن نشكف بعض المعلومات لبعض المسئولين في عملية الإرشاد للاستخدام المهني لمصلحة العميل، أو للأخصائيين الذين يحال إليهم العميل لمساعدته، أو في حالة الخوف من احتمال وقوع خطر مؤكد على العميل أو على الآخرين، وفي كل هذه الحالات يشترط أن يكون الكشف عن المعلومات بعد مشاورة العميل وبإذن منه لمصلحته وفي أضيق الحدود. وطبيعي أن كل معلومة تختلف أهميتها ودرجة سريتها، وهذا أمر يحدده المرشد حسب خبرته المهنية وفي ضوء مسئوليته، لدرجة أن هناك بعض المعلومات لا يجوز مطلقا الكشف عنها، وهكذا نجد أن البعض يعارضون الكشف عن أي معلومات وفي أي صورة ولأي أحد وتحت أي ظروف، حتى لو كانت طوارئ أو حتى لو كان في ذلك إضرار بالآخرين، وهذا الرأي يقوم على أساس أن هناك الكثير من المهنيين وظيفتهم ومسئوليتهم حمياة المجتمع، فلتكن وظيفة المرشد ومسئوليته حماية العميل والدفاع عنه "كلارك Clark؛ 1965".
التسامح Tolerance: المرشد ليس إداريا وليس سلطة أو سلطانا، وإذا أصبح كذلك فإنه يتحول من نعمة إلى نقمة. إن حق العميل في تقرير مصيره وتحديد أهدافه واحترام شخصيته كإنسان أمور توجب التسامح وحسن المعاملة والعلاقة الإنسانية.
الاحترام Respect: الاحترام المتبادل أمر هام جدا في السجلات الإرشادية، ويجب على المرشد أن يقدر أهمية الاحترام في المناخ النفسي الإرشادي. وأهم عناصر الاحترام الاندماج
(1/270)

الملموس والاعتراف بقيمة العميل وقدرته على التفكير والسلوك البناء والاستجابة الإيجابية لما يقوله وما يفعله.
الدفء Warmth: الدفء عنصر هام من عناصر المناخ النفسي والإرشادي، ويقصد به دفء العلاقة الإرشادية وحرارة التفاعل واستمرار الأخذ والعطاء والتقبل والاهتمام والانتباه الواضح والمشاركة الانفعالية "جون بيتروفيسا وآخرون Pietrofesa et al؛ 1978".
العلاقة الإرشادية:
العلاقة الإرشادية هي قلب عملية الإرشاد. وهي علاقة شخصية اجتماعية مهنية دينامية هادفة وثيقة، تتم بين المرشد والعميل في حدود معايير اجتماعية، تحدد ما هو جائز وما هو غير جائز، وتحدد دور كل منهما، وتهدف إلى تحقيق الأهداف العامة والخاصة لعملية الإرشاد.
وفي بداية العلاقة الإرشادية: يرحب المرشد بالعميل ويتعارفان. ومنذ البداية يجب أن يعرف كل من الطرفين حدود دوره ومعاييره السلوكية وإمكاناته ومسئولياته تجاه الآخر.
وخلال العلاقة الإرشادية، يتعلم العميل كيف يعبر عن مشاعره ويواجهها ويتعامل معها ومع أفكاره وخبراته، وتزداد ثقته بنفسه، ويتعلم مهارات جديدة لتحسين مستوى توافقه، ويطبق ما تعلمه لتغيير سلوكه "ميرل أولسين Ohlsen؛ 1970".
وقد بذل دونالد سوبر وآرثر كومبس Super & Combps؛ "1962" جهدا في دراسة العلاقة الإرشادية المثالية بمقارنتها بالعلاقة الإرشادية الواقعية، وينصحان ببذل الجهد في تدريب طلاب الإرشاد النفسي على العمل على ترجمة ما يدرسونه كوضع مثالي إلى وضع عملي في صورة أقرب ما تكون إلى الوضع المثالي.
ودرس لوبيتكين Lubetkin؛ "1970" العلاقة الإرشادية كما تتم خلال دائرة تليفزيونية مغلقة وأثرها في عملية الإرشاد، ووجد أن العلاقات الإرشادية وجها لوجه أفضل منها.
أما عن حدود العلاقات الإرشادية التي تميزها عن العلاقة الاجتماعية العادية، والتي يجب أن يحافظ عليها كل من الطرفين فأهمها ما يلي:
- العلاقة المهنية: العلاقة الإرشادية علاقة مهنية لها حدود، وليست علاقة صداقة.
- العلاقة المتبادلة: من أهم عوامل نجاح العلاقة الإرشادية أن تكون العلاقة متبادلة بين المرشد والعميل بصرف النظر عن العمر والثقافة ... إلخ، من حيث الاحترام الموجب Regard غير المشروط، "أي بدون تحفظات وبدون تقييمات وبدون أحكام"، والثقة والفهم والانتباه
(1/271)

والاهتمام والتعاون والمساعدة والود والصداقة ... إلخ. والمسئولية مشتركة بين المرشد العميل لتحقيق ذلك، بحيث إذا طرأ ما يهدد العلاقة المتبادلة السليمة، يجب أن يعمل الطرفان على إزالته فورا والعودة إلى الوضع السليم.
- التفاعل: التفاعل والاتصال بين المرشد والعميل هو الوسيلة التي تقوي أو تقوض العلاقة الإرشادية، وقد تكون الاتصال بلغات عديدة تشمل الاتصال اللفظي وبالإشارات واللمحات والوضع واللبس، وقد يكون رمزيا له معان ضمنية كامنة تختلف عن معناه الظاهري. ويوجه المرشد انتباهه إلى مجرى الاتصال بينه وبين العميل، ويختار عناصر يركز عليها وعناصر يتخطاها وعناصر يستجيب لها استجابة المرشد كلها بناءة في شكل شرح وتفسير وتوضيح وتأكيد وإيحاء ومشاركة انفعالية ... إلخ، وهذا يحتاج إلى ترتيب خاص للوصل على الأهداف الرئيسية للإرشاد. هذا ويجب أن يختار المرشد الوقت المناسب لاستجاباته.
- الاعتدال: يجب أن تكون العلاقة الإرشادية معتدلة بين الحنو الزائد والتعامل الرسمي المتزمت، وأن تكون نموذجا للعلاقة الإنسانية السليمة.
- المدى: للعلاقة الإرشادية مدى يجب أن تقف عنده، فلا يجوز أن تأخذ شكل صداقة شخصية أو علاقة عاطفية، ولا يجوز أن يتدخل المرشد فيما لا يعنيه بين العميل وأهله ورؤسائه، ما لم يطلب إليه كذلك ... وهكذا.
- الزمان: قد تكون العلاقة الإرشادية قصيرة كما في حالة إرشاد الطلاب العاديين، وقد تكون طويلة كما في حالة الإرشاد العلاجي الفردي، ونحن نعلم أن الإرشاد العلاجي عملية طويلة حيث أن أنماط السلوك غير السوي التي تثبت خلال مدة طويلة من الزمن تقاوم التغير السريع.
- خصوصيات المرشد: يحسن البعد عن الكلام عن خصوصيات المرشد وحياته الشخصية وقيمه الخاصة أثناء الجلسات الإرشادية.
(1/272)

ومن أهم إجراءات عملية الإرشاد النفسي أن يمعن العميل النظر في ذاته ويتفحصها بدقة يستكشف ما خفي منها ويكشف ما أخفى منها.
إجراءات استكشاف الذات:
يستمر استكشاف الذات طول عملية الإرشاد النفسي ويوجه المرشد العميل حتى يستطيع:
- وصف ذاته وصفا دقيقا كما يدركها.
- وصف سلوكه الشخصي والاجتماعي.
- تعرف أنماط سلوكه المسطيرة أو الغالبة.
- إدراك الخبرات التي تجعله سعيدا، والخبرات التي تجعله قلقا.
- إدراك آماله وطموحاته المستقبلية.
- معرفة إمكانات التحكم في انفعالاته وضبطها.
- معرفة ما يجب تغييره من سلوكه.
"شيلدون أيزينبيرج، دانيل ديلاني، 1995".
ويتضمن استكشاف الذات، القدرة على كشف الذات Self- disclosure وخاصة مفهوم الذات الخاص أوالعورة النفسية، طواعية وبتلقائية ودون امتناع أو احتراس أو دفاعية. "راجع نظرية الذات في الفصل الثالث".
هذا ويعتبر استكشاف الذات مغامرة مثيرة تتركز على الحاضر أكثر من الماضي، وقد تكون خبرة مؤلمة، ولكنها يمكن أن تصبح معلمة، حتى يصبح الإرشاد ناجحا.
ويلاحظ أن استشكاف الذات يقوم إلى استكشاف جديد ووعي جديد وأعمق للذات وللبيئة وللسلوك.
ويساعد المرشد العميل في إجراء استكشاف الذات عن طريق الاستماع الفعال والتلخيص وعكس المشاعر ودعم الثقة والتصديق والتقبل.
ومعروف أنه كلما زاد استكشاف الذات والوعي بالذات وفهم الذات وتقبل الذات وتحقيق الذات، كلما تحسنت الصحة النفسية.
وخير ما يوضح العلاقة بين استكشاف الذات وكشف الذات وهو ما يعرف باسم "نافذة جوهاري" Johari Window "انظر شكل 61".
(1/273)

1- ذات عامة "منفتحة" Open Self وهي معروفة للشخص "العميل" ومعروفة للآخرين "المرشد".
2- ذات خاصة "مخفية" Hidden Self وهي معروفة للشخص "العميل، ومجهولة للآخرين "المرشد".
3- ذات مجهولة "لا شعورية" Unknown وهي مجهولة للشخص "العميل" ومجهولة للآخرين "المرشد".
وهناك ملاحظات على هذا النموذج، وهي:
- المساحات في الواقع ليست متساوية.
- تتسع المساحة "1" نتيجة للإرشاد النفسي أو التربية النفسية Psychological Education.
- تنحصر المساحة "2" نتيجة للتربية النفسية.
- تنحصر المساحة "3" نتيجة للتغذية المرتدة من الآخرين.
- المساحة "4" قد تتغير وقد لا تتغير، فهي مجهولة للذات واللآخرين.
- الهدف الأساسي للإرشاد النفسي والتربية النفسية هي توسيع المساحة "1".
- إذا حدث تغير في أي مربع لا بد أن يحدث تغير في مربع آخر أو أكثر.
- الإخفاء يستهلك طاقة، والكشف يوسع المساحة "1" ويسبب التحسن.
- إذا كان هناك تهديد، فلن تتسع المساحة "1".
وهكذا ... عن طريق التربية النفسية، يقوم المرشد -بالتعاون مع العميل- بتغيير الوضع وكلما زاد اكتشاف وكشف الذات، اتسعت المساحة "1" "العامة" وانحصرت المساحات "2"، "3"، "4" "المجهولة" وينفتح الطريق لمزيد من فهم الذات من خلال باقي إجراءات عملية الإرشاد النفسي، "انظر شكلي 62-63".
(1/275)

التداعي الحر FREE- ASSOCIATION:
التداعي الحر أو "الترابط الطليق" يعتبر أصلا من الإجراءات الرئيسية في التحليل النفسي، ولكنه يعتبر كذلك من الإجراءات المشتركة في كل طرق الإرشاد والعلاج النفسي.
(1/275)

ويهدف التداعي الحر أساسا إلى الكشف عن المواد المكبوتة في اللاشعور واستدراجها إلى حيز الشعور.
عملية التداعي الحر:
في التداعي الحر، يترك المرشد للعميل الحرية في أن يطلق العنان لأفكاره وخواطره واتجاهاته وصراعاته ورغباته ومشاعره تسترسل من تلقاء نفسها دون تخطيط ودون اختيار أو تحفظ ودون قيد أو شرط، متناولا تاريخ حياته وخبراته الماضية، دون تقيد بمعناها أو تماسكها أو تسلسلها وحتى دون التقيد بالمنطق، ويطلق العميل العنان بحرية للأفكار تتداعى وتترابط بطلاقة مهما بدت تافهة أو معيبة أو مخجلة أو محرجة أو بغيضة أو مؤلمة أو مستهجنة أو سخيفة أو غريبة أو عديمة الصلة بالموضوع.
ويشبه فرويد Freud العميل أثناء التداعي الحر أو الترابط الطليق بالجالس بجوار شباك قطار يصف لشخص آخر "المرشد" المناظر المتغيرة المتلاحقة التي يراها ذاكرا كل شيء وأي شيء.
وأثناء التداعي الحر أو الترابط الطليق يكون المرشد يقظا لما يبدو على وجه العميل من انفعال أو لما يأتيه من حركات عصبية، أو لما يتورط فيه من فلتات اللسان1، أو لما يعتريه من تلعثم أو تردد أو تحرج أو تأخر أو تغير شديد أو توقف مفاجئ في تسلسل التداعي وترابطه، أو لما قد يدلي به من تعليق أو اعتراض على عملية التداعي -وهذه عملية مقاومة- مما يدل على أن العميل يحاول -لا شعوريا عادة- تجنب مواجهة موقف أو خبرة معينة، وهنا يجب أن يتدخل المرشد ليشجع أو يوجه أو يفسر أو يطلب المزيد محاولا الحث على الاسترسال في التداعي الحر والترابط الطليق.
__________
1 من أمثلة فلتات اللسان أن إحدى العميلات كانت كبيرة السن ولا ترغب في تحديد تاريخ ميلادها، أبدلت تحديد تاريخ الجلسة الماضية بتحديد تاريخ الميلاد الذي تحرص على عدم ذكره، فبدلا من تاريخ الجلسة وهو 27 /11/ 1974 ذكرت 27 /11/ 1930 وقد اتضح أن تاريخ ميلادها 21/ 12/ 1930. ومن أمثلة فلتات اللسان أيضا ما جاء على لسان عميلة كانت تقرأ ما كتبته عن نفسها بأسلوب السيرة الشخصية "وأقضي أياما طويلة أفكر في ليالي الحب والغرام والمني والأحلام "مع نطق "المنى" بمعنى السائل المنوي". وهكذا تفلت كلمة الحق وتظهر على اللسان دون قصد أثناء الكلام. وفي بعض الأحيان تكون فلتة اللسان بمثابة شرارة انبعثت من نار مستورة تحت الرماد فترشد إلى تلك النار. ولقد قال علي رضي الله عنه: "ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر من فلتات لسانه وصفحات وجهه" ويحدث هذا أيضا في زلات القلم. ومن أمثلة زلات القلم ما كتبته امرأة على طلب "مرافقة" الزوج في إعارته خارج مصر أنها ترايد "مراقبة" الزوج.
(1/276)

وهكذا يؤدي التداعي الحر إلى استخراج الخبرات اللاشعورية إلى حيز الشعور، وإلى الإدراك الشعوري لتلك الخبرات التي لم تكن متاحة شعوريا، وبمعنى آخر فإنه يؤدي إلى استعادة كل ما استبعد بطريق الكبت من اللاشعور إلى الشعور.
وعندما يتم ذلك يعمل المرشد على تدعيم ذات العميل بدرجة تجعلها قادرة على أن تسيطر على القلق الذي يحركه استدراج المكبوت من اللاشعور إلى الشعور.
وبعد ذلك يتم تفسير ما كشف عنه التداعي الحر أو الترابط الطليق.
هذا وتتأثر عملية التداعي الحر بأربعة متغيرات هي: المثيرات الخارجية، والمثيرات الحشوية الحسية، والمواد الشعورية "مثل ما يريد وما لا يريد العميل أن يقوله مما أودع عن قصد في مستودع مفهوم الذات الخاص"، والمواد اللاشعورية المكبوتة، وهذه المتغيرات تتفاعل أثناء إخراج الأفكار والخبرات والأحداث بحرية وانطلاق مرتبطة بأفكار أخرى سابقة تتصل بدورها بالأفكار المكبوتة في اللاشعور.
تعليقات على التداعي الحر:
هناك عدة تعليقات على التداعي الحر أو الترابط الطليق، فهذه كارين هورني Horney ترى أنه مرغوب فيه ولكنه ليس ضروريا في عملية الإرشاد أو العلاج، وتقول إنه ليس من الضروري أن يتناول كل شيء يرد إلى الذهن، ولكنه يمكن أن يقتصر على الاسترسال التلقائي غير المراقب للخبرات الداخلية، ويرى أوتو رانك Rank أنه لا داعي للتداعي الحر لأنه يلفت نظر العميل إلى ماضيه الأليم مع تركه عاجزا عن مواجهة مشكلاته الحالية.
(1/277)

التفسير INTERPRETATION:
التفسير هو إعطاء معنى للمعلومات يتجاوز نطاق ما عبر عنه العميل أو أعطته وسائل جمع المعلومات، وهو إجابة عن "لماذا" و"كيف" هذه المعلومات.
ويهدف التفسير: إلى إيضاح ما ليس واضحا، وفهم وإفهام ما ليس مفهوما.
أنواع التفسير:
ومن أنواع التفسير ما يلي:
التفسير العام: وهذا قد يشمل جميع البيانات، ويؤدي عادة إلى تعميم يفيد الدارسة الكلية لحالة العميل.
(1/277)

التفسير الخاص: وهذا يقتصر على بعض عبارات العميل أو بعض نتائج الاختبارات أو بعض الخبرات في حياة العميل.
التفسير الصامت: وهذا يحدث في عقل المرشد ولا يقوله العميل. وهذا التفسير الصامت هام في فهم حاجات العميل وأساسي في عملية الإرشاد.
فوائد التفسير في عملية الإرشاد:
من فوائد التفسير في عملية الإرشاد ما يلي:
- إحداث تغيير في إدراك العميل لخبراته ومشكلاته وسلوكه، وربط الماضي بالحاضر والتطلع إلى المستقبل.
- إحداث تغيير في معرفة العميل وتفكيره ومشاعره تجاه نفسه، وإحداث تغيير في سلوكه.
- تنمية بصيرة العميل ووضوح مفهومه عن ذاته وزيادة ثقته في نفسه.
- مساعدة العميل في اتخاذ قراراته وفي حل مشكلاته.
- إبعاد القلق أو تخفيفه.
- كشف الصراعات والمساعدة في حلها.
- تسهيل التداعي الحر.
- تحليل التحويل والتغلب على المقاومة.
- زيادة اهتمام العميل بعملية الإرشاد.
- شعور المرشد بعمل شيء ملموس للعميل.
عملية التفسير:
يقوم بالتفسير كل من المرشد والعميل، ويستعين المرشد في التفسير بمعرفته النفسية التي جمعها من خبرته بالحياة، ومن ثقافته ودراساته، وحالات الإرشاد التي قام بها، ويحتاج التفسير إلى علم واسع ودراية كبيرة بآخر ما وصل إليه علم النفس بكافة فروعه وخاصة المتصلة بالإرشاد النفسي في الدوريات العملية، وكذلك يجب أن يكون المرشد على علم بخصائص الثقافة التي يعيش فيها والثقافات الفرعية كما في الريف والحضر والبدو، وأن يكون على دراية بسيكولوجية الأعزب والمتزوج والعانس والأرمل والشاب والشيخ ... إلخ، ويستفيد المرشد في التفسير بملاحظة سلوك العميل وتتبع فلتات لسانه وكل ما يساعد على فهم عناصر معينة من شخصيته.
(1/278)

ويتيح المرشد للعميل فرصة التفسير، إذا توصل كل من المرشد والعميل إلى نفس التفسير كان في ذلك فائدة كبيرة، ومن هنا تأتي أهمية تعاون العميل مع المرشد في التفسير، ويحذر أنصار طريقة الإرشاد غير الموجه أو الممركز حول العميل من استئثار المرشد بالتفسير لأنه قد يؤدي إلى ظهور اتجاه دفاعي لدى العميل مما يعطل سير عملية الإرشاد.
ويبدأ التفسير عندما تتجمع المعلومات الكافية التي تساعد في التفسير، وعندما يصبح العميل مستعدا عقليا وانفعاليا للمشاركة فيه وتقبله وتحمله، أي أن التفسير يجب أن يقدم في اللحظة السيكولوجية المناسبة لتقبله. وهنا نحذر من خطأ الاستعجال والقيام بالتفسير المبكر قبل أوانه مما قد يضر أكثر مما ينفع، حيث قد يؤدي بالعميل إلى حالة من الفزع واللجوء إلى المقاومة، وقد ينصرف عن عملية الإرشاد.
مواد التفسير:
يتناول التفسير ما يلي:
المعلومات: التي تم جمعها عن العميل مباشرة باستخدام وسائل جمع المعلومات مثل الاختبارات والمقاييس وغيرها.
- الأسباب: وتتضمن أسباب المشكلة أو الاضطراب أو المرض وزملتها وأصلها ورموزها ومعناها ووظائفها وأهدافها.
السلوك: ويتناول ذلك بعض نماذج السلوك في الماضي والحاضر أثناء أو خارج جلسة الإرشاد.
ديناميات العلاقة الإرشادية: بين المرشد والعميل.
- التفاعل الاجتماعي: والعلاقات الاجتماعية مع الآخرين.
- المشاعر والأفكار والرغبات والاتجاهات والصراعات: أي كل ما يكشف عنه التداعي الحر أو الترابط الطليق من مشاعر وأفكار ورغبات واتجاهات وصراعات ... إلخ، وعلاقتها بخبرات العميل ومشكلاته في الماضي والحاضر، مما يساعد العميل في عملية الاستبصار بهذه المواد التي لم يكن يعرفها من قبل.
(1/279)

توريات العميل: وقراءة وتفسير ما بين السطور. ويعتقد أن الكثير مما يقوله العميل عبارة عن تورية لأشياء أخرى, ومن ثم فإن على المرشد استنتاج وترجمة وتفسير المعاني الكامنة وراء ذلك.
المنسيات: ويقصد هنا استنتاج ما نسيه العميل من بين ما يقوله.
طورائ عملية الإرشاد: مثل التحويل والإحالة والمقاومة، وسيأتي تفصيلها في هذا الفصل.
جوانب أخرى: مثل أسلوب الحياة وديناميات الشخصية وحيل الدفاع النفسي.
عوامل نجاح التفسير:
من عوامل نجاح التفسير وفائدته الإرشادية ما يلي:
الوضوح: يجب أن يكون التفسير واضحا وسهلا ومفهوما ومنطقيا، وأن يكون مناسبا لمستوى استيعاب وفهم العميل، وأن يكون خاليا من المصطلحات الفنية الصعبة أو اللغات الأجنبية التي لا يعرفها العميل، وحتى التفسير مع استخدام الأرقام قد لا يجد له العميل معنى، ولذلك يجب أن يكون التفسير وصفيا كيفيا.
الإيضاح: يقصد هنا استخدام وسائل الإيضاح اللازمة كلما أمكن، مثل الصور والرسوم واللوحات التوضيحية مثل صور الجهاز العصبي وبناء الشخصية ... إلخ.
التدرج: يجب أن يكون التفسير متدرجا في شكل "جرعات" مناسبة في وقتها المناسب، ولا يكون كثيرا ودفعة واحدة.
الشمول: يجب أن يكون التفسير شاملا وكاملا ومتكاملا، بمعنى أن تكون التفسيرات للخبرات المختلفة والمشاعر المتنوعة متكاملة، ولا شك أن التفسير الجزئي لا يقنع ولا يكفي.
الدقة: يجب أن يكون التفسير دقيقا وعلميا، أي في ضوء النظريات العلمية. والتفسير الخاطئ له آثاره الضارة.
الإقناع: يجب أن يقنع العميل بالتفسير ويقبله على المستوى العقلي والمعرفي والمستوى الانفعالي حتى يؤدي هدفه.
(1/280)

التنفيس الانفعالي CATHARSIS:
يعرف التنفيس الانفعالي أحيانا باسم "التفريغ أو التطهير الانفعالي". وهو إجراء هام في عملية الإرشاد النفسي.
(1/280)

والتنفيس الانفعالي يقصد به التنفيس عن المواد والخبرات المشحونة انفعاليا، ويتضمن تفريغ العميل ما بنفسه من انفعالاته، أي أنه يعتبر بمثابة تطهير للشحنات الانفعالية، وتفريغ للحمولة النفسية.
إن المشكلة النفسية في حياة العميل كجمرة النار في يده، وكالشوكة في قدمه، يجب أن يخرجها أولا وبأسرع ما يمكن ويطهر مكانها حتى يستطيع أن يتعامل مع الناس وأن يشق طريقه في الحياة.
عملية التنفيس الانفعالي:
تعتبر عملية التنفيس الانفعالي بمثابة "بكاء على كتف المرشد"1. فمن مظاهر التنفيس الانفعالي ما يلاحظ أثناءه من بكاء العميل أو غضبه أو ثورته، أو الإفضاء أو الاعتراف المفاجئ بكل شيء.
ويمكن تشبيه عملية التنفيس الانفعالي بعملية التحنيط أو سحب الروح أو الشحنة الانفعالية من الخبرة المخيفة، فتصبح -رغم ظهورها في حيز الشعور- غير مخيفة. إن الخبرة الانفعالية المتربصة بالعميل مثلها كمثل الوحش المفترس يخيف باستمرار حتى وهو بعيد، أما عندما تفرغ أو تطهر من الشحنة الانفعالية فإنها تكون مثل الحيوان المحنط، كان وحشا ومفترسا يخيف فعلا، ولكن تم صيده والسيطرة عليه وسحب روحه وتحنيطه فأصبح مع وجوده معنا لا يخيف. وهكذا، بعد التنفيس الانفعالي وسحب وتنفيس وتفريغ وتطهير الشحنة الانفعالية من الخبرة المؤلمة أو المشكلة المؤلمة، يمكن للعميل أن يتذكرها ويتكلم عنها دون قلق أو خوف.
ومن وسائل التنفيس إتاحة الفرصة أمام العميل للتحدث في تداع حر وترابط طليق عن كل ما يجول بخاطره: عن صراعاته وإحباطاته وحاجاته ومشكلاته ومخاوفه ونواحي قلقه وأنماط سلوكه المنحرف، في إطار من حسن الإصغاء وتشجيع التعبير عن النفس، وفي مناخ نفسي دافئ آمن خال من الأحكام الأخلاقية واللوم والعقاب، ومن وسائله أيضا الشرح والتفسير وتوضيح الحالات الانفعالية، بما يتيح الفرصة أمام العميل لكي يرى هو نفسه وما يلون سلوكه من
انفعالات.
__________
1 يقول الشاعر:
والدمع مروحة الحزين ... وراحة المتململ
ويقول آخر:
هم أطلقوا الحزن فارتاحت جوانحهم ... وما استرحت بحزن في مدفون
(1/281)

ومما يساعد على نجاح عملية التنفيس الانفعالي، توثيق العلاقة الإرشادية السليمة وتهيئة مناخ نفسي صحي مناسب خال من الرقابة، يتيح فرصة اختفاء حيل الدفاع النفسي.
ومما يعرقل عملية التنفيس الانفعالي تدخل انفعالات مؤلمة "مثل الاشمئزاز والخزي والعار والشعور بالذنب" مما يضطر الأنا إلى اللجوء إلى حيل الدفاع النفسي ضد هذه الانفعالات المؤلمة مثل الإنكار والتكوين العكسي والإلغاء ... إلخ.
وقد يستعين المرشد بوسائل مساعدة في عملية التنفيس الانفعالي، فقد كان فرويد Freud يستعين بالإيحاء أثناء التنويم، ثم لجأ إلى الإيحاء أثناء اليقظة، ثم انتقد هو نفسه هذا الأسلوب لأن بعض العملاء لا يمكن تنويمهم، ولأن هذا الأسلوب يتضمن إقحام مؤثرات نفسية خارجية على العميل عليه أن يتقبلها دون مناقشة، ومن ثم فهي تقرب إلى أن تكون عملية "تضليل نفسي" منها أن تكون عملية إرشاد نفسي. وهكذا لجأ فرويد إلى التداعي الحر أو الترابط الطليق كوسيلة مساعدة للتنفيس الانفعالي.
فوائد التنفيس الانفعالي في عملية الإرشاد:
يفيد التنفيس الانفعالي في عملية الإرشاد على النحو التالي:
- تخفيف ضغط الكبت حتى لا يحدث انفجار وحتى لا يتصدع وينهار بناء الشخصية1.
- التخلص من التوتر الانفعالي، عندما يحدث لدى العميل ما يشبه "الانفتاح الانفعالي".
- اختفاء أعراض العصاب.
- إزاحة الحمولة النفسية الانفعالية الزائدة عن كاهل العميل ونحن نعلم أن الخبرات النفسية والأحداث الشخصية والذكريات والصراعات اللاشعورية بمصاحبتها الانفعالية المكبوتة تعتبر بمثابة حمولة نفسية داخلية. ولا بد أن تتناسب الحمولة النفسية للعميل مع قوته وطاقته وقدرته على التحمل، ويفيد التنفيس الانفعالي في التخلص من الحمولة النفسية والشحنة الانفعالية الزائدة عن طاقة التحمل وخاصة إذا كانت القوة محدودة ومع مرور الزمن.
__________
1 يقول حسان بن ثابت:
يجيش بما فيه لنا الصدر مثلما ... تجيش بما فيها من اللهب القدر
ويقول الشاعر الأسمر:
دعوه يصارحكم بمكتوم صدره ... فثائر بركان والا صدر كاتم
وأفتك عندي من قذائف مدفع ... حبيس كلام كالشجا في الحلاقم
(1/282)

الاستبصار INSIGHT:
الاستبصار هو فهم النفس ومعرفة الذات والقدرات والاستعدادات، وفهم الانفعالات ومعرفة دوافع السلوك والعوامل المؤثرة فيه، ومعرفة مصادر الاضطراب والمشكلات وإمكانات حلها، ومعرفة الإيجابيات والسلبيات ونواحي القوة ونواحي الضعف.
عملية الاستبصار:
الاستبصار أمر يعمل المرشد على نموه عند العميل من خلال عدة جلسات إرشادية، ويجب أن تكون عملية الاستبصار عن طريق نشاط العميل الذاتي الذي يوجهه المرشد.
ويتضمن الاستبصار ما يلي:
- تقبل الذات وفهمها وإعادة تنظيمها، وإعادة تنظيم مفهوم الذات بمستوياته المختلفة، وحل مشكلة عدم التطابق بين مستوياته.
- فهم الواقع وتقبله والتوافق معه، ليس على طريقة المغلوب على أمره، ولكن بطريقة الفاهم للحياة المتبصر بالأمور، أي أن تقبل الواقع يكون في حدود العقل والمنطق، فإذا لم يستطع العميل تقبل ذاته وتقبل واقعه وإصلاح ذاته فليس له أن يطمع في إصلاح العالم من حوله.
- نمو الإرادة التي يقهر بها العميل كل مشكلاته ويسيطر هو عليها بدلا من أن يتركها تسيطر عليه.
- تحويل خبرات العميل من خبرات مؤلمة إلى خبرات معلمة1، والاستفادة من الماضي والحاضر في التخطيط المستنير للمستقبل.
- تحويل نقاط الضعف والسلبية إلى مصادر قوة إيجابية، حيث يستفيد العميل من أخطائه عندما يدركها على حقيقتها.
- نقص واختفاء حيل الدفاع النفسي غير التوافقية مثل الإسقاط وغيرها.
ولكي يقوم المرشد بدوره جيدا في عملية الاستبصار، فعليه أن يكون مثله كمثل المرآة ليرى العميل نفسه بطريقة أوضح وبدرجة أفضل، فالفرد لا يستطيع أن يرى وجهه إلا بمرآة2.
__________
1 يقول المثل العربي: "ما ضاع من مالك ما علمك"
ويقول المثل العامي: "الخسارة اللي تعلم مكسب".
2 يقول الشاعر:
والعين تنظر منها ما دنا ونأى ... ولا ترى ما بها إلا بمرآة
ويقول آخر:
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى
(1/283)

وعلى المرشد أن يكون مستقبلا لخبرات العميل، ويعكس ما يعرض عليه من دوافع واتجاهات ومشاعر العميل، وذلك عن طريق التعبيرات اللفظية وغيرها، وهكذا يستطيع العميل مناقشة مشكلاته التي لم يكن يستطيع مناقشتها من قبل، والتي ربما لم يكن يعترف بها كمشكلات خاصة به، ويصبح أكثر أمانة مع نفسه، ويتخلص من الواجهة المزيفة التي كان يطل بها على العالم، ويعدل مفهومه عن ذاته، ويتقبل ذاته، ويحدث التغير المطلوب في سلوكه بما يؤدي إلى توافقه النفسي.
فوائد الاستبصار في عملية الإرشاد:
يفيد الاستبصار في فهم الذات مما يعتبر أمرا بالغ الأهمية بالنسبة للإرشاد الناجح وتحقيق واحد من أهم أهدافه، ويفيد في إدراك العميل بوضوح أكثر لسلوكه المضطرب وقدرته على التحكم في هذا السلوك، ويؤدي الاستبصار إلى تحقيق تعلم جديد يتغير على أساسه السلوك.
ويتبع نمو وزيادة الاستبصار تفسيرات من جانب المرشد تمهد للمزيد من الجهد الإيجابي من جانب العميل.
ومن المأثورات في فوائد الاستبصار ما ورد في إحدى رسائل أخوان الصفا1: "اعلم يا أخي أيدك الله وإيانا بروح منه ... أن لب العلوم الشريفة، معرفة الإنسان نفسه، لأنه قبيح بكل عالم
__________
1 إخوان الصفا هم جماعة من العلماء والأدباء، ألفوا رابطة بينهم في مدينة البصرة في القرن الرابع الهجري وألفوا نحو خمسين رسالة شبيهة بدائرة المعارف.
(1/284)

يتعاطى الحكمة، أن يدعي معرفة الأشياء وهو لا يعرف نفسه ويجهل حقيقة ذاته، ثم أعلم أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف نفسه على الحقيقة، إلا أن ينظر ويبحث، وذلك من ثلاث جهات، أحدها الجسد مجردا من النفس، والثاني النفس مجردة من الجسد، والثالث الجملة المجموعة من النفس والجسد ... ".
(1/285)

التعلم LEARNING:
يعتبر التعلم واكتساب العادات السلوكية خطوة هامة وضرورية في عملية الإرشاد النفسي. ويرى البعض أن عملية الإرشاد كلها عملية تعلم، يتعلم العميل خلالها عن نفسه وعن قدراته وعن علاقاته الشخصية واتجاهاته وعن العالم الذي يعيش فيه، ويتعلم أساليب تفكير جديدة وعادات سلوكية جديدة "بروس شيرترز وشيلي ستون Shertzer & Stone؛ 1976".
وكما سنرى في الفصل التالي، فإن الإرشاد السلوكي يعتبر تطبيقا عمليا لقواعد ومبادئ وقوانين التعلم في ميدان الإرشاد النفسي.
عملية التعلم في الإرشاد النفسي:
التعلم عملية تحتاج إلى وقت لأنها أساسا عملية تغير في السلوك نتيجة للخبرة والممارسة، والوقت المطلوب لإحداث تغير في السلوك لا يقاس بالساعات ولكنه يقاس بالخبرات التي يمر بها العميل أثناء عملية الإرشاد، فقد يحقق مرشد مع عميل تقدما واضحا في وقت أقصر كثيرا من الوقت الذي يستغرقه نفس المرشد مع عميل آخر.
ويقول البعض إن العملية صعبة بالنسبة لبعض العملاء صحيح أنها قد تكون صعبة، ولكنها ممكنة، ولينظر هؤلاء إلى مدربي السيرك الذين يستطيعون تعليم الوحوش وتدريبهم وتحويلهم إلى حيوانات مستأنسة.
وتتضمن عملية التعلم تهيئة خبرات وممارسات شخصية واجتماعية جديدة سليمة تتيح فرصة تعلم السلوك السوي، وتكوين مدركات جديدة، واكتساب أنماط سلوكية جديدة في حل المشكلات، وتعلم ضبط الانفعالات والتوافق النفسي السليم، وملء الفجوات والفراغات التي تركها الوالدن والمربون أثناء تعلم العميل، كما يحدث مثلا في التربية الجنسية ... إلخ.
(1/285)

ومعنى هذا أن المرشد يعمل على توفير مواقف تعلم تتوافر فيها شروط التعلم الجيد مثل المناخ النفسي المناسب والعلاقة السليمة وإثارة الدافعية الكافية، واختيار المادة المتعلمة وتنظيمها وتدريجها ومناسبتها بما يتفق مع استعداد العميل، وشرحها وتفسيرها واستخدام الثواب والتعزيز ... إلخ، مع تقييم نتائج عملية التعلم.
وهنا يقرب موقف المرشد من موقف المعلم حين يستخدم كل ما يعرفه من نظريات التعلم وطرق التربية والتعليم، وقد تأخذ عملية التعلم هنا شكل المحاولة والخطأ والتعلم الشرطي ... إلخ.
فائدة التعلم في عملية الإرشاد:
إن ما يتعلمه العميل من أساليب سلوكية خلال عملية الإرشاد مكسب كبير والمرشد عادة يضع في حسابه أثناء عملية الإرشاد أن يهيئ الخبرات المناسبة التي تتيح للعميل أن يتعلم مهارات توافقية كثيرة، وأن يتعلم حل مشكلات بنفسه مستقبلا. وهذا خير ألف مرة من أن يحل المرشد له مشكلته التي جاء بها فحسب1.
تعديل وتغيير السلوك
__________
1 يقول المثل الصيني: "إذا جاءك طفل جائع، فلا تعطه سمكة، ولكن علمه كيف يصيد السمك، فإنك إذا أعطيته سمكة، فقد أطعمته يوما، ولكن إذا علمته الصيد، فقد أطعمته طول العمر".
(1/286)

BEHAVIOUR MODIFICATION AND CHANGE:
تعتبر الاضطرابات النفسية تجمعات لعادات سلوكية خاطئة أو غير متوافقة، متعلمة ومكتسبة، نتيجة للتعرض المتكرر للخبرات التي تؤدي إليها، وهذه الاضطرابات السلوكية المتعلمة يمكن علاجها عن طريق تعديلها وتغييرها الواحد تلو الآخر، تعديلا وتغييرا من السيئ إلى الأحسن، ومن الغريب إلى المألوف، ومن الشاذ إلى العادي، ومن اللامتوافق إلى المتوافق، بحيث يصبح السلوك أكثر فعالية وكفاية وواقعية وفائدة "دوجلاس براون Brown؛ 1971".
ولقد تطورت طرق الإرشاد السلوكي مستندة إلى رصيد كبير من نتائج بحوث علم النفس التجريبي كان هدفها تعديل وتغيير السلوك، وأدت إلى تيسير ضبط وتعديل وتغيير السلوك عن طريق محو تعلم السلوك الشاذ أو غير التوافقي المطلوب التخلص منه، وإعادة التعلم من جديد. وأصبح المرشد يستطيع استخدام طرق التعلم ومحو التعلم وإجراءاتها المعروفة مثل التعزيز والانطفاء والإشراط ... إلخ.
(1/286)

عملية التعديل وتغيير السلوك:
عملية تعديل وتغيير السلوك في جوهرها تعتبر عملية محو تعلم Unlearning وإعادة تعلم Relearining
وتتضمن العملية محو تعلم السلوك الخاطئ غير السوي أو غير المتوافق أو غير المرغوب والذي يظهر في الأعراض، وذلك بالعمل على إطفائه بالتخلص منه، ومن الطرق المستخدمة في تلك الإشراط التجني، واستخدام الخبرات المنفردة، وتدريب الأطفال، والممارسة السالبة "انظر حامد زهران، 1997".
وتتمضن العملية إعادة التعليم، وإعادة التنظيم الإدراكي للعميل، وإعادة تنظيم سلوكه، والتعلم من جديد لأنماط سلوكية تحل محل الأنماط السلوكية التي محيت، بحيث ينتقل أثر هذا التعلم والتدريب الجديد من الموقف الإرشادي إلى مواقف الحياة اليومية العلمية خارج عيادة أو مركز الإرشاد، ويتم ذلك عن طريق عملية التعلم حيث يعمم العميل مثلا الاتجاهات التي كونها نحو المرشد والخبرات التي اكتسبها إلى سائر الناس والمواقف في البيئة الخارجية التي يعيش فيها.
وتسير عملية تعديل السلوك وتغيير السلوك على النحو التالي:
- تحديد السلوك المطلوب تعديله أو تغييره: ويقصد بذلك تحديد دقيق للسلوك المضطرب الظاهر الذي يمكن ملاحظته وتقييمه موضوعيا.
- تحديد الظروف التي يحدث فيها السلوك المضطرب: ويقصد بذلك تحديد كل الظروف والخبرات التي يحدث فيها السلوك المضطرب وكل ما يرتبط به وما يسبقه من أحداث وما يتلوه من عواقب. فمثلا إذا كان العميل يشكو من خواف، فإن الانتباه يوجه إلى المناسبات التي تسبق الشعور بالخوف، والمناسبات التي يشعر العميل فيها بالخوف، والأحداث التي تتلو حدوث الخوف.
- تحديد العوامل المسئولة عن استمرار السلوك المضطرب: ويتم ذلك بتقدير ما إذا كان السلوك المضطرب يحدث نتيجة لعوامل بسيطة ونتيجة لارتباط شرطي، أم أن وراء استمراره عوامل أساسية أخرى، أم أنه يستمر بسبب النتائج التي يؤدي إليها.
- اختيار الظروف التي يمكن تعديلها أو تغييرها: ويتم ذلك بالتعاون بين كل من المرشد والعميل.
- إعداد جدول لإعادة التعلم والتدريب: ويتم ذلك بإعداد خبرات ومواقف متدرجة يتم فيها إعادة التعلم والتدريب من خلال ممارسة السلوك الجديد في إطار الخبرة المعدلة
(1/287)

بحيث يتم إنجاز البسيط والقريب قبل المعقد والبعيد. وهنا يلزم ترتيب الإمكانات في شكل سهل وممكن ومستحيل، ويستحث المرشد العميل على أن يبذل ما في وسعه وأن يحاول وأن يتعلم وأن يجرب1.
- تعديل الظروف السابقة للسلوك المضطرب: ويقصد بذلك تعديل العلاقات بين الاستجابات وبين المواقف التي تحدث فيها، كما في حالات نقص القدرة على التفاعل الاجتماعي السليم.
- تعديل الظروف البيئية، ويتضمن ذلك تعديل العلاقات المتبادلة بين الاستجابات ونتائجها التي تؤدي إليه، بما يؤدي إلى حدوث السلوك المرغوب في الظروف التي لم يكن يحدث فيها.
- وتنتهي العملية عند الوصول إلى السلوك المعدل المنشود.
هذا ويقول البعض إن هناك عادات سلوكية تقاوم التعديل والتغيير، ويمكن في مثل هذه الحالات الاكتفاء بتقليل تكرار مثل هذا السلوك. والرد الموجز عليهم أنه ليس هناك مستحيل أمام سلطان الإرادة وقوة العزيمة2.
فوائد عملية تعديل وتغيير السلوك في عملية الإرشاد:
تفيد عملية تعديل وتغيير السلوك في نواح كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
- تعديل مفهوم الذات لدى العميل.
- تعديل وتغيير الانفعالات غير السوية.
- تعديل وتغيير نواحي النشاط العقلي المعرفي مثل بعض أفكار العميل ومعتقداته عن سلوكه وعن الآخرين ... إلخ.
__________
1 يقول الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه".
2 من دعاء الحكماء: "اللهم هبني القوة لتغيير ما أستطيع تغييره من الأمور، والصبر على ما لا أستطيع تغييره من الأمور، والحكمة للتمييز بين هذه وتلك".
ويقول الشاعر:
كل صعب من الأمور إذا ما ... صادف العزم صار بالعزم سهلا
ويقول الشاعر:
إذا أغلقت يوما عن المرء حاجته ... فإن مفاتيح الأمور العزائم
ويقول الشاعر:
ولم يبعد على قوم مرام ... إذا ركبت له الهمم البعادا
ولم أر بعد قدرته تعالى ... كمقدرة ابن آدم إن أراد
(1/288)

- تعديل الاتجاهات السالبة والجامدة وغير المقبولة اجتماعيا والمتعصبة، واتجاهات العميل نحو الآخرين ونحو الحياة بصفة عامة "تولبي ورايت Taublee & Wright؛ 1971".
(1/289)

النمو وتغيير الشخصية:
يؤكد فوان Vaughan؛ "1975" أهمية النمو وتغيير الشخصية كإجراء هام في عملية الإرشاد النفسي. ويقول كارل روجرز Rogers؛ "1958، 1961" إن النمو النفسي نحو النضج وتغيير شخصية العميل نحو التكامل والاستقلال إجراء يجب أن يكون من أهم معالم عملية الإرشاد النفسي.
النمو:
يقول أوزيبو ووالش Osipow & Walsh؛ "1970" إن أكبر هدف لعملية الإرشاد يجب أن يكون تسهيل النمو النفسي العادي للعميل، ويقصد بالنمو النفسي هنا النمو العقلي والانفعالي والاجتماعي للعميل، ونمو الذات لديه وتقبل الآخرين وتحديد فلسفة عامة في الحياة أكثر واقعية.
والنمو يتضمن التغير التقدمي نحو النضج الانفعالي الاجتماعي والعقلي والجسمي. وتهتم عملية الإرشاد النفسي بالنمو الوظيفي "السلوكي" ويشمل نمو الوظائف النفسية للعميل "حامد زهران، 1990".
ويتضمن تحقيق النمو الذي يحدث خلال عملية الإرشاد ضرورة تحسين العوامل التي تؤثر فيه، والتغلب على العوامل التي تعوقه.
إن العميل عندما يبدأ عملية الإرشاد ويستمر فيها لا يمكن أن يظل كما هو -أي كما بدأها- حين ينتهي منها. إن نموا ما وتغيرا ما يحدث إلى أفضل في معظم الحالات. ويمكن أن يلاحظ ذلك بمقارنة حالة العميل في بداية العملية وفي نهايتها.
تغيير الشخصية:
ويحدث التغيير في البناء الوظيفي للشخصية: فمن الناحية العقلية يعرف العميل أشياء لم يكن يعرفها ويكتسب مهارات جديدة، ومن الناحية الانفعالية يتخلص من أسباب وأعراض الضيق والتوتر الانفعالي، ومن الناحية الاجتماعية تتحسن علاقاته الاجتماعية وتتعدل اتجاهاته ... وهكذا.
(1/289)

ومن ناحية البناء الدينامي للشخصية يخف الصراع بين القوى المحركة في الشخصية بين غرائز الهو وبين الأنا الأعلى الضعيف والأنا المغلوب على أمره، ويتخلص من كثير من المكبوتات في اللاشعور.
وهكذا يزداد تكامل الشخصية وانتظام مكوناتها، وظيفيا وديناميا مما يساعد على تحقيق التوافق النفسي والصحة النفسية.
ويلاحظ أن تغيير شخصية العمل أمر جد خطير يحتاج إلى خبرة، وذلك يحتم أن يقتصر إجراؤه على المرشدين والمعالجين والنفسيين والمختصين الحائزين على أعلى المؤهلات العلمية وأوسع خبرة عملية.
(1/290)

اتخاذ القرارات DECISION - MAKING:
يتحدث بعض الكتاب عن "الإرشاد كعملية اتخاذ قرارات"، وعن عملية الإرشاد اتخاذ القرارات" Decision - making Cases "أوزيبو ووالش Osipow & walsh؛ 1971".
ونحن نعلم أن كل أنواع السلوك الانعكاسي والغريزي -فيها اختيار بين عدة احتمالات سلوكية. ومن هنا تأتي أهمية اتخاذ القرارات في حياة كل فرد.
إن حق العميل في تحديد أهدافه وفلسفة حياته واتخاذ قراراته بنفسه لنفسه يجب أن يكون مؤكدا. إن الحياة حياته والسلوك سلوكه والقرارات لا بد أن تكون قراراته، وبهذا تكون عملية الإرشاد عملية تعبر عن الديمقراطية في التعامل.
ولقد بدأ الإرشاد النفسي أيام أن كان في مهده قاصرا على الإرشاد المهني وموجها أساسا نحو مساعدة الأفراد في الاختيار المهني أي في اتخاذ قرار مهنة العمر.
ومن المهم أن نعلم أن عملية الإرشاد لا تهدف إلى اتخاذ قرارات معينة، بقدر ما تهدف إلى تعلم العميل كيف يتخذ القرارات بصفة عامة.
ورغم أن المرشد مسئول عن مساعدة العميل على تحقيق أهداف عملية الإرشاد، فإن مسئولية اتخاذ القرارات التي تحدد تحقيق هذه الأهداف تنفيذها هي مسئولية العميل.
(1/290)

أهمية اتخاذ القرارات في عملية الإرشاد:
يمر الفرد في حياته بصفة عامة بسلسلة متصلة من المواقف التي تتطلب اتخاذ قرارات. ومن هذه القرارات ما هو خطير وهام مثل اتخاذ قرار بخصوص الزواج واختيار المهنة وإكمال التعليم واختصاره، وهذه تدخل في مجالات الإرشاد الزواجي والمهني والتربوي على الترتيب. وهكذا يحتاج الفرد العادي إلى تعلم اتخاذ القرارات، والبعض يحتاجون إلى مساعدة بالنسبة لقرارات خاطئة تم اتخاذها.
كذلك يشهد الفرد في حياته فترات انتقال حرجة عليه أن يتخذ فيها قرارات هامة، مثل انتقاله من المدرسة الإعدادية إلى المدرسة الثانوية في أي اتجاه يسير. وعند انتقاله من المرحلة الثانوية إلى التعليم العالي فأي تخصص يختار ... وهكذا.
وهناك الكثيرون من الأفراد يلاقون صعوبات، ويحتاجون إلى مساعدة في عملية اتخاذ القرارات، ومن هؤلاء من تنقصهم المعلومات التي يحتاجون إليها. ومنهم من يعرفون معلومات لا يحتاجون إليها، ومنهم من يعجزون عن استخدام المعلومات التي يحصلون عليها، ومنهم من يتسم سلوكه بالتردد عن الاختيار بين الاحتمالات المتعددة، وقد يصل الحال إلى درجة الصراع الذي قد يكون صراع إقدام إقدام لاختيار أحد قرارين كلاهما جذاب، كاختيار فتاة بين قرار الزواج أو قرار العمل، وقد يكون صراع إحجام وإحجام لاختيار بين قرارين متعلقين بخبرتين منفرتين كاختيار موظف بين الاختلاس أو الإفلاس، وقد يكون صراع إقدام وإحجام لاتخاذ قرار حاسم في حالة وجود موقفين أحدهما جذاب والآخر منفر مثل قرار الزواج من حسناء منحرفة.
وفي كل هذه الحالات لا بد من حل الصراع واتخاذ قرار.
ويضاف إلى ذلك أن من القرارات ما يجب أن يكون سريعا وحاسما، ومنها ما يتورط فيه الفرد متسرعا، ومنها ما يكون موفقا وناجحا، ومنها ما يكون خاطئا، ومنها ما يؤدي إلى الشعور بالذنب والندم، ومنها ما لا تظهر آثاره إلا بعد عدة سنوات.
عملية اتخاذ القرارات:
عملية اتخاذ القرارات هي في جوهرها مساعدة المرشد للعميل في تيسير الخطوات التي تمكن من وصول العميل إلى قرارات مناسبة، واتخاذ قراراته، بنفسه، وتحمل مسئولية القرارات التي يتخذها، وهذا كما نعلم مطلب أساسي من مطالب النمو النفسي السوي.
وفي عملية الإرشاد كعملية تعلم، ذكرنا أنه يجب تعليم العميل مهارة اتخاذ القرارات، ومساعدته في اتخاذ القرارات التي تعثر في اتخاذها أو أخفق فيها أو أخطأ فيها، بحيث يستطيع القيام بذلك مستقلا مستقبلا.
(1/291)

وتمر عملية اتخاذ قرار بخطوات هي: تحديد الهدف وفهمه، وتجميع المعلومات اللازمة للاستكشاف والاختيار، وتحليل ومناقشة وتفسير المعلومات وتحديد البدائل والاحتمالات، وتقييم البدائل والاحتمالات في ضوء التنبؤ بالنتائج والآثار المحتملة بالنسبة لتحقيق الهدف، واختيار أنسب الاحتمالات أي اتخاذ القرار "جاكسون، وجونيبر Jackson & Juniper؛ 1971".
العوامل التي تؤثر في اتخاذ القرارات:
تتأثر عملية اتخاذ القرارات بعدة عوامل منها: شخصية الفرد، والبيئة المادية التي يعيش فيها، والعوامل الاجتماعية والثقافية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الدوافع والقيم والميول والمعايير الاجتماعية تؤثر في اتخاذ الفرد قرارا بخصوص الزواج أو قرارا بخصوص المهنة أو قرارا بخصوص التعليم.
كذلك فإن عملية اتخاذ القرارات تتضمن مواقف تضم نوعين من المتغيرات: أولهما يتعلق بالفروق بين الأفراد، وثانيهما يتعلق بالفروق بين الاختيارات المحتملة.
(1/292)

حل المشكلات PROBLEM SOLVING:
ذكرنا أن من أهم أهداف عملية الإرشاد حل مشكلات العميل، وذلك بأن يساعده المرشد على إيجاد الحلول واقتراحها بنفسه ويتحدث بعض الكتاب عن "الإرشاد كعملية حل المشكلات".
ويتصور بعض العملاء أن مشكلاتهم حلها عسير، ويجب أن يعمل المرشد على تشجيعهم ومساعدتهم لبذل الجهود لحلها1.
ومن المهم أن نعرف أن عملية الإرشاد لا تهدف إلى حل مشكلات العميل التي جاء بها فحسب، ولكنها تهدف إلى تعليمه كيف يحل ما قد يطرأ عليه من مشكلات مستقلا مستقبلا، وهكذا نجد أن عملية الإرشاد تتطلع إلى المستقبل إلى جانب اهتمامها بالحاضر.
__________
1 يقول الله تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} .
ويقول الشاعر:
عقدة حلها عسير ولكن ... رب عسر أحاله يسرا
ويقول المثل: "كل عقدة ولها حلال".
(1/292)

أسلوب حل المشكلات:
يمكن اعتبار حل المشكلات التي جاء بها العميل كنموذج أو عينة أو تدريب له لكي يستطيع حل مشكلاته بنفسه مستقلا مستقبلا، مستفيدا بخبرة عملية الإرشاد، وقد ذكرنا أن المرشد لا يحل للعميل مشكلته ولا يقدم له حلولا جاهزة، ولكنه يساعده في حل المشكلة بنفسه، ويتبع لتحقيق ذلك ما يلي:
- بعد التشخيص وتحديد المشكلة، يبدأ العمل في حصرها والسيطرة عليها وحلها.
- تدرس المشكلة طولا وعرضا وعقما من كل أبعادها وتفهم جيدا، وتقتلع أسبابها من جذورها، وتزال أعرضها، لأننا إذا أزلنا الأعراض تركنا الأسباب والجذور فسوف تنمو مشكلات جديدة.
- يتم استعراض المحاولات السابقة لحل المشكلة وأسباب إخفاقها ومدى النجاح الذي تحقق.
- يوجه المرشد العميل إلى اقتراح عدد من الحلول الرئيسية والحلول البديلة الاحتياطية، بحيث تكون هذه الحلول ممكنة ومقبولة اجتماعيا ومشبعة للعميل.
- تحديد الحلول المرتضاة وترتب حسب الأولية، وتوضع الخطط لتنفيذها.
- يحرص كل من المرشد والعميل على التأني وعلى تجنب الحل المبكر غير الناضج للمشكلة.
- يقوم المرشد بالمساعدة فقط، ويحرص على توجيه كل شيء نحو الوصول إلى حل المشكلة مع الاحتياط خشية تورط العميل في اقتراح حلول واضح أنها غير موفقة أو خاطئة أو ضارة به أو بالآخرين، ويحاول المرشد تشجيع العميل على المحاولة حين يظن أنه لا يقدر، وعلى التعلم حين يقول أنه لا يعرف، وعلى التجريب إذا تعلل بأن الحل مستحيل. ومثل المرشد هنا مثل المعلم الذي يعلم شخصا قيادة سيارة، إنه يجلس بجواره فقط، والذي يقود السيارة فعلا هو الشخص الذي يتعلم القيادة، وقد يخطئ أخطاء طفيفة يلفت المعلم نظره إليها، ولكنه إذا أقبل على خطأ جسيم فهنا يتدخل معلمه فورا لتفادي حدوث الخطر.
- يقوم العميل بتنفيذ الخطة الموضوعة لحل المشكلة، وهو مسئول عن هذا1.
وجدير بالذكر أن بعض العملاء قد يضعون شروطا لحل المشكلة تكون بمثابة العقدة في المنشار وتعوق العملية، ويجب أن يذكرهم المرشد أنه "لا شروط" في عملية الإرشاد.
__________
1 يجب الاستفادة من تجارب الحكماء: "لكي تحل مشكلاتك كما يحلها العظماء. فعليك أن تحدد مشكلتك، واقصرها على المهم، وتخلص من التفاهات، وقرر خطة لحلها، ثم لا تدع شيئا يمنعك من تنفيذها".
(1/293)

التشاور:
يعتبر البعض -خاصة من أنصار طريقة الإرشاد المباشر- أن المرشد "خبير" نفسي يجب أن يفيد العميل من خبراته وتجاربه وخاصة إذا كان العميل تنقصه الخبرة والتجربة، والمرشد بهذا يكون أكثر إيجابية، وعليه أن يقدم المشورة بخصوص ما يجب أن يتبعه العميل في حل مشكلته مثلا.
وينظر البعض إلى المرشد على أنه "حكيم" يتوقعون منه تقدم النصح Advice Giving للعميل، أو على الأقل الإسهام بقدر من الاقتراحات ويقولون إنه من النادر أن نجد مرشدا لا يقدم نصائح أو اقتراحات على الأقل بطريق غير مباشر أو غير صريح.
ويتناول البعض إجراء التشاور على أنه تشاور بين الأخصائيين فقط بخصوص العميل. وهذا التشاور يتضمن التعاون وتبادل المعلومات والتخطيط المشترك من أجل مصلحة العميل "نيلسون Nelson؛ 1972".
بين التشاور وتقديم النصح:
تقديم النصح من جانب المرشد في عملية الإرشاد يكون غير مباشر وغير إجباري وغير ملزم للعميل. وبهذا المعنى يقرب النصح من المشورة.
وهنا فرق بين النصيحة التي تأخذ شكل الاقتراح، وبين النصيحة التي تحمل معنى الأمر. فالعميل إذا أدرك النصيحة على أنه مجرد اقتراح يقدمه المرشد فلا بأس، أما إذا اعتبرها أمرا، فقد يفسر ذلك بأن المرشد لا يقيم له ولا لرأيه وزنا. وقد لا يستطيع العميل تنفيذ النصيحة، فيعتبر ذلك مخالفة وعصيانا، وقد لا يقبل النصيحة، فيظن ذلك رفضا يغضب المرشد، وقد ينفذها قسرا وبدون اقتناع، وهذا -لا شك- أمر غير مرغوب.
ويعارض البعض تقديم النصح حتى لو كان في ضوء خبرة المرشد، وحتى لو كانت خبرات الماضي تعلم الكثير وتثري الحاضر وتنير المستقبل، ويقولون إن ظروف الحاضر ومشكلاته تختلف عن ظروف الماضي ومشكلاته، وأن حلا كان مرغوبا ومجديا فيما مضى قد يكون غير مرغوب في الحاضر، وأن ما ناسب الكثيرين من العملاء ربما لا يناسب العميل الحالي، ويؤكد هؤلاء استنكارهم لتقديم النصح المباشر على أساس أنه يقحم آراء المرشد واتجاهاته وقيمه وأخلاقياته على آراء العميل واتجاهاته وقيمه وأخلاقياته.
وصحيح أن عملية الإرشاد لا تخلو من الاسترشاد من جانب العميل "المسترشد"، وقد ينطوي ذلك على الاستنصاح، أي طلب النصح والرأس والمشورة. وهنا يجب أن يقدم المرشد
(1/294)

النصح في شكل اقتراحات وبطريقة "خذها أو اتركها" بحرية تامة وبدون أن يحدد بالضبط ما يجب وما لا يجب أن يعمله العميل، بحيث تكون العملية أقرب إلى التشاور المشترك وتبادل الآراء، وأبعد ما تكون عن الأمر والإجبار، ويلى ذلك دراسة وفحص لما أسفر عنه التشاور، وفي حالة الإقناع يكون التنفيذ1.
__________
1 قال الله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} .
ويقول الزبير بن عبد المطلب:
وإن سر أمر عليك التوى ... فشاور حكيما ولا تعصه
(1/295)

التقييم EVALUATION:
يقصد بالتقييم هنا: تقييم عملية الإرشاد النفسي في ضوء نتائجها وآثارها، وتعرف عملية التقييم بأن تقدير نتائج الإرشاد وظروف عملية الإرشاد وجهود كل من المرشد والعميل. ويود المرشد عادة أن يعرف مدى نجاح عملية الإرشاد، وإلى أي حد أثمرت وآتت أكلها.
ويشترك في تقييم عملية الإرشاد كل من المرشد وزملائه والعميل. وقد يشترك معهم بعض الأخصائيين الآخرين والوالدين وحتى الرفاق ومن يهمهم أمر العميل.
والعبرة في عملية التقييم هو الوصول إلى تقدير كيفي لقيمة عملية الإرشاد، أكثر من مجرد تقييم كمي لما يحدث من تغيير نتيجة لها.
أهداف التقييم:
تتلخص أهداف تقييم عملية الإرشاد فيما يلي:
- الكشف عن مدى فعالية ونجاح العملية في تحقيق أهدافها.
- تقرير مدى فعالية طريقة الإرشاد المستخدمة.
- تحديد أفضلية طريقة من طرق الإرشاد على الطرق الأخرى.
- دراسة مدى نمو شخصية العميل ومدى التغير الذي طرأ على حالته ومدى توافقه النفسي وتمتعه بالصحة النفسية.
معايير التقييم:
لا بد لتقييم عملية الإرشاد من معايير أو موازين أو محكات يتم الحكم على العملية في ضوئها.
(1/295)

ومن معايير التقييم ما يلي:
- تحقيق أهداف عملية الإرشاد مثل تحقيق الذات، وحل مشكلة العميل، وتحقيق التوافق النفسي.
- شعور العميل بالراحة والسعادة والرضا والتغير والنمو إلى أفضل في شخصيته وميوله واتجاهاته "انظر جودشتين وجريج Goodstein & Grigg؛ 1959".
أهمية التقييم:
تقييم عملية الإرشاد النفسي إجراء هام وضروري، وتكمن أهمية تقييم عملية الإرشاد فيما يلي:
- طمأنة المرشد على نجاح العملية وعلى فعالية طريقة الإرشاد المتبعة.
- إفادة المرشد في تحسين العملية إذا كان نجاح العملية متوسطا.
- توجيه المرشد إلى تغيير الطريقة أو الأسلوب الإرشادي في حالة تعثر العملية.
- تعريف المرشد بالمدى والشوط الذي قطعه ومقدار ما تبقى.
متغيرات التقييم:
عادة تكون نتيجة عملية الإرشاد إلى أحسن، وأحيانا قد تكون إلى أسوأ، أي أنها قد تنجح أو قد تفشل بدرجات متفاوتة، وبعبارة أخرى قد يكون التحسن كبيرا أو قليلا، ثابتا أو مؤقتا، حقيقيا أو ظاهريا. ومن الملاحظ أن مرشدا معينا قد ينجح في عمله مع نوع معين من العملاء في ظروف معينة، بينما قد يفشل مع نوع آخر من العملاء في ظروف أخرى "وولف Wolf؛ 1970" ويتوقف هذا على متغيرات منها:
المرشد: وتدريبه وخبرته واتجاهاته ومهاراته وأخلاقياته وشخصيته ... إلخ.
العميل: ومدى إقباله واستبصاره وتكامل شخصيته.
المشكلة: ونوعها وعمقها ومدتها، وحدتها.
- ظروف عملية الإرشاد: مثل الزمان والمكان وتوافر المعلومات والوسائل.
- طريقة الإرشاد: ومدى كفاءتها وتمرس المرشد في استخدامها.
مضمون عملية التقييم:
أما عن مضمون عملية التقييم فنجد أنها تشمل:
تقييم عملية الإرشاد نفسها: حيث يكون التركيز على تقييم طريقة الإرشاد.
(1/296)

تقييم نتائج عملية الإرشاد: حيث يكون التركيز على تقييم سلوك العميل وتوافقه النفسي وصحته النفسية أثناء وبعد تمام العملية.
طرق ووسائل التقييم:
تتراوح طرق ووسائل تقييم عملية الإرشاد بين الموضوعية الدقيقة التي تستخدم فيها الأساليب الإحصائية إلى الذاتية والتقريبية، وبين طرق التقييم الخارجي إلى طرق التقييم التي يقوم بها المرشد والعميل ... وهكذا. وفيما يلي أهم طرق ووسائل عملية التقييم:
التقييم التجريبي: ويتم عن طريق الدراسة التجريبية لنتائج عملية الإرشاد أو طريقة الإرشاد المستخدمة بمقارنة جماعة تجريبية "مرت بعملية الإرشاد" وجماعة ضابطة "لم تمر بعملية الإرشاد" وعادة ما تختار الجماعة الضابطة من بين الأفراد الذين حالت بينهم وبين استئناف عملية الإرشاد أسباب معينة، ويجب في هذه الحالة الاحتياط بخصوص عدة اعتبارات منها أن التغيرات التي تحدث بعد عملية الإرشاد قد تكون سطحية وغير جذرية، مؤقتة وليست دائمة، وقد يكون التحسن بطيئا لا تظهر آثاره السلوكية إلا بعد فترة قد تطول بعد عملية التقييم نفسها، وقد تكون المتابعة اللازمة لعملية التقييم بعد إنهاء العملية صعبة، وقد يكون التحسن الذي يطرأ على حالة العميل تحسنا تلقائيا Spontanious Recovery يرجع لعوامل أخرى غير عملية الإرشاد نفسها.
التقييم العام: ويستخدم في عملية التقييم العام وسائل عدة. وعادة ما يجري المرشد بعض الاختبارات قبل إجراء العملية وهو يقوم بفحص ودراسة الحالة وتعتبر بمثابة اختبارات قبلية Pre-tests، بعد عملية الإرشاد يعيد إجراء نفس الاختبارات، وتعتبر بمثابة اختبارات بعدية Post-tests، ويكون الفرق بين النتائج في الإجراء الأول والإجراء الثاني هو دليل التغير، ويعبر عن نتائج عملية الإرشاد "إوينج Ewing؛ 1964". ومن وسائل التقييم العام ما يلي:
- التقارير الذاتية Self - reports وهذه التقارير يكتبها العميل بنفسه عن مدى تقدم حالته إما دوريا أو في نهاية العملية. ونحن نعلم أنه ليس هناك من هو أعرف بالعميل من نفسه، إن هو الذي يعرف بالضبط مدى اضطرابه السابق ومدى ما تحقق من تقدم نتيجة لعملية الإرشاد.
- مقاييس التقدير Rating Scales وتتضمن معلومات وبيانات عن الشخصية والسلوك والمشكلات وتحتها مقاييس تقدير مدرجة، ويقدر العميل مدى التغيير على درجات هذه المقاييس.
(1/297)

- تقدير الذات التصنيفي: Self - rating Q- sort وفيه يصنف العميل عددا من البطاقات التي تحوي أعراض المشكلة أو الاضطراب أو المرض النفسي مرتين: الأولى قبل العملية والثانية بعدها، ويصنف العميل البطاقات إلى ما ينطبق عليه وما لا ينطبق عليه وما يقع بين بين، أو يصنفها إلى ما كان ينطبق عليه قبل العملية وما لا يزال ينطبق عليه بعدها وما يقع بين بين، ويحسب معامل الارتباط بين التقديرين التصنيفيين، ويعتبر دليلا على مدى نجاح العملية "انظر حامد زهران، 1984".
- قوائم المراجعة Check Lists: وتضم أهداف عملية الإرشاد متجمعة في شكل قائمة يراجعها العميل ويحدد أمام كل منها: هل تحقق الهدف أم لم يتحقق. وقد تضم أيضا أعراض الاضطرابات النفسية ليحدد العميل ما زال منها وما لا يزال ... وهكذا.
- اختبارات التشخيص النفسي Diagnostic Tests: وتحوي أعراض وزملات أعراض المشكلات والاضطرابات والأمراض النفسية، وتجري على العميل قبل وبعد العملية وتقارن نتائجها "راجع الفصل الخامس".
- الوسائل الإسقاطية Projective Techniques: مثل اختبار بقع الحبر لرورشاخ واختبار تفهم الموضوع للكبار والأطفال واختبارات تكملة الجمل وغيرها "راجع الفصل الخامس". ويلجأ المرشد إلى استخدامها في التقييم بإجرائها قبل وبعد إجراء العملية، على أساس أن العميل لا يعرف عادة معنى استجاباته مما يقلل من أثر ذاتية، وهي تكشف عن مدى التغير الذي حدث في بناء الشخصية.
- ملاحظة السلوك ويكون هذا في مواقف متنوعة في الحياة اليومية الواقعية أو في مواقف قريبة الشبه منها. وفيها تتم ملاحظة السلوك ووصفه وصفا بسيطا وموضوعيا بقدر الإمكان. ويحسن أن يقوم بالملاحظة عدد من الملاحظين تحقيقا لأكبر قدر ممكن من الموضوعية، ويهتم الملاحظ طبعا بالتغيرات السلوكية الواضحة التي حدثت نتيجة لعملية الإرشاد.
- اختبار تمايز معاني المفاهيم The Semantic Differential: وهو أسلوب يمكن استخدامه لتقييم المفاهيم الهامة في عملية الإرشاد النفسي مثل: المرشد، العميل، عملية الإرشاد، عيادة الإرشاد ... إلخ، على ثلاثة أبعاد هي: التقييم العام "حسن، رديء" والنشاط "نشط، خامل" والقوة "قوي، ضعيف" "انظر حامد زهران، 1984".
صعوبات عملية التقييم:
يكتنف عملية التقييم بعض الصعوبات منها ما يلي: "انظر هيرمان بيترز وبروس شيرتزر Peters & shertzer؛ 1969".
(1/298)

- نقص الوقت والجهد والمال اللازم لإجرائها على الوجه الأكمل.
- عدم التحديد الواضح لأهداف عملية الإرشاد في شكل سلوك إجرائي محدد يمكن قياسه.
- الخلط بين أهداف الإرشاد النفسي بصفة عامة وبين أهداف عملية الإرشاد بالنسبة لكل عميل على حدة.
- الخلط بين الوسائل والغايات، وبين العملية ونتائجها.
- عدم ضبط العوامل والظروف الأخرى التي تؤثر في حالة العميل ومشكلته.
(1/299)

الإنهاء TERMINATION:
يقول سكوت ميير وسوزان دافيز Meier & Davis؛ "1993" إن إنهاء عملية الإرشاد يجب التخطيط له منذ بدايتها.
وعندما تتوالى الجلسات الإرشادية، ويتم اكتشاف الذات، والتداعي الحر، والتفسير، والتنفيس الانفعالي، والاستبصار، والتعلم، وتعديل وتغيير السلوك، والنمو وتغير الشخصية، واتخاذ القرارات، حل المشكلات، والتشاور، وعندما يدل تقييم عملية الإرشاد على نجاحها تنتهي العملية.
إن زمن عملية الإرشاد غير محدد، فقد تنتهي العملية في جلسة واحدة وقد تستغرق أسبوعا وقد تستغرق شهرا وقد تمتد إلى سنة أو أكثر. وهكذا فإن عملية الإرشاد والعلاقة الإرشادية قد تقصر أو تطول، وهي مهما طالت فهي عملية إرشاد وعلاقة مهنية مؤقتة لا بد أن تنتهي ويمضي بعدها كل في طريق. ويتوقف الزمن الذي تستغرقه عملية الإرشاد على عدة متغيرات منها: نوع المشكلة، وحدتها، وشخصية وتجاوب العميل، والمرشد وطريقته في الإرشاد.
وباختصار، يتحدد إنهاء عملية الإرشاد بتحقيق أهدافها، وشعور العميل بقدرته على الاستقلال والثقة بالنفس والقدرة على حل مشكلاته مستقلا ومستقبلا، وشعوره العام بالتوافق والصحة النفسية.
عوامل نجاح إنهاء عملية الإرشاد:
يحتاج إنهاء عملية الإرشاد إلى مهارات خاصة كما احتاج بدؤها وإنجازها، إنها ليست كعملية علاج طبي سريع تنتهي بشكرا ومع السلامة والسلام.
إن إنهاء عملية الإرشاد والعلاقة الإرشادية أمر يكون في بعض الأحيان صعبا أو مؤلما، فقد كانت العلاقة الإرشادية الناجحة قوية وذات أهمية لدرجة أن بعض العملاء لا يودون إنهاءها، وقد يعبر عن ذلك عودة بعض الأعراض في هذا الوقت بالذات -بعد أن تكون
(1/299)

قد زالت- كاعتراض داخلي على عملية الإنهاء أو بسبب الخوف من جراء ترك العون الذي كان العميل يحصل عليه عن طريق العملية الإرشادية، وأحيانا تكون العلاقة قد أصبحت هامة وقوية لدرجة أنها قد تستمر بعد العملية كعلاقة اجتماعية، وبينما يكون هذا ممكنا، إلا أنه قد يكون محاطا بمخاطر منها أن زيادة الانفتاح والتفاعل الاجتماعي مع العميل قد تؤدي إلى فشل عملية الإرشاد، لأنه كما سبق أن ذكرنا يجب أن يستقل العميل عن المرشد. ونحن نعلم أن غالبية المرشدين والمعالجين النفسيين يفضلون ألا يرشدوا أو يعالجوا أصدقاءهم أو أفراد عائلاتهم.
ويجب لفت نظر العميل إلى أنه سيكون هناك عملية متابعة، للتأكد من تمام الشفاء والسعادة، وأن باب المرشد سيظل مفتوحا أمامه، وأنه يستطيع أن يعود في أي وقت يشعر فيه بالحاجة إلى الاستشارة النفسية.
(1/300)

المتابعة Follow-Up:
يقصد بالمتابعة تتبع مدى تقدم وتحسن حالة العميل الذي تم إرشاده. وهي متابعة منظمة لما تم إنجازه أثناء عملية الإرشاد، مثل ما اتخذ من قرارات وما اختير من حلول وما رسم من فلسفة للحياة العملية. أي أن موضوعها هو: ماذا بعد عملية الإرشاد؟
ويجب أن نعرف أن المتابعة جزء لا يتجزأ من عملية الإرشاد، وبدونها تكون عملية الإرشاد ناقصة.
وتهدف المتابعة إلى التأكد من استمرار تقدم الحالة، وتلمس أي فرص أكثر للمساعدة، وتحديد مدى أثر وقيمة ونجاح عملية الإرشاد، وتحديد نسبة التقدم، ومدى استفادة العميل من الخبرات الإرشادية.
أهمية المتابعة:
هناك اعتبارات كثيرة تؤكد أهمية وضرورة المتابعة منها:
- قد تحتاج بعض الخطط المتفق عليها لتعديل السلوك إلى إجراء بعض التعديلات أو الانتفاع بمدى معين من الإنجاز.
- قد يحتاج العميل إلى مزيد من المساعدة والتشجيع بين الحين والحين.
- ضرورة الاحتراس ضد الانتكاس، وهذا أمر قد يحدث وخاصة في الحالات التي يكون فيها حل المشكلة أو الشفاء ظاهريا أو وقتيا، أو قد يطرأ في المجال الاجتماعي الذي يعود إليه
(1/300)

العميل أسباب جديدة وقوية للاضطراب، فربما تحدث نكسة ويعود العميل إلى ما كان عليه أو ربما إلى أسوأ في حالات نادرة.
- الاستفادة من المتابعة في تقييم عملية الإرشاد نفسها، ولهذا قيمته العلمية والعملية الواضحة.
وسائل المتابعة:
من وسائل المتابعة ما يلي:
- الاتصال شخصيا أو تليفونيا أو بالمراسلة للاستفسار والسؤال. وهذا من أسباب الاحتفاظ بعنوان ورقم تليفون العميل إن وجد.
- تحديد مواعيد معينة لحضور العميل إلى عيادة أو مركز الإرشاد لفترة محددة، تزداد الفترة بين كل مرة وأخرى إلى أن ينتهي الاتصال بعد التأكد من تمام الشفاء، كأن يتم الاتصال مرة كل شهر أو شهرين أو ثلاثة أو ستة أشهر حسب الحالة أو حسب الاتفاق أو حسب ما يرى المرشد وحسب ظروف العميل، فقد تكون الموصلات صعبة أو بعيدة ... إلخ.
- قد يستخدم بعض الوسائل المستخدمة في تقييم عملية الإرشاد مثل التقارير الذاتية التي يكتبها العميل عن تطور حالته.
- قد يمتد الاتصال للمتابعة إلى الأسرة أو المدرسة أو مكان العمل في بعض الحالات حسب موافقة العميل.
فوائد المتابعة:
للمتابعة فوائد كثيرة منها: أنها تشعر العميل أن المرشد ما زال يهتم به، وأنه لم يتخل عنه، وأن بابه سيظل مفتوحا وصدره سيبقى رحبا، وأنه دائما على استعداد لتقديم أي مساعدات إذا تتطلب الأمر.
إلا أن الحال لا يكون كذلك لدى كل العملاء، فالبعض -وهم لحسن الحظ قلة- ينظرون إلى المتباعة على أنها نوع من المطاردة غير المرغوبة، تخرج عن حدود عملية الإرشاد، وهذا هو السبب في تأكيد أهمية لفت نظر العميل إلى عملية المتابعة في بداية عملية الإرشاد.
(1/301)

طوارئ عملية الإرشاد النفسي:
في أغلب الحالات: تمر عملية الإرشاد النفسي في سلام، وتحقق أهدافها، وتنتهي على
(1/301)

وفي بعض الأحيان: قد تتعرض عملية الإرشاد لبعض الطوارئ التي تعوقها أو تهددها أو توقفها أو تسبب فشلها فعلا، ومن هذه الطوارئ: المقاومة، والتحويل، والإحالة.
وقبل الكلام عن هذه الطوارئ المحتملة نلفت النظر إلى أهمية الوقاية ضد حدوثها.
المقاومة Resistance:
المقاومة قوة لا شعورية مضادة للعملية الإرشادية من جانب العميل. وتعرقل سير عملية الإرشاد. وهي تعتبر إحدى حيل الدفاع النفسي لدى العميل ضد كشف المكبوتات غير المرغوب في كشفها. أي أنها نوع من التغليف الدفاعي للذات Encystment of the Self.
وتهدف المقاومة إلى الحيلولة دون ظهور المواد المكبوتة في اللاشعور إلى حيز الشعور. وتهدف كذلك إلى مقاومة التغير الذي يحث نتيجة لعملية الإرشاد "ميرل أولسين Ohlsen؛ 1970".
وتظهر المقاومة بصفة خاصة عند العميل غير المقبل على عملية الإرشاد وغير المتعاون أو ما يطلق عليه "العميل المقاوم".
ومن أسباب ظهور المقاومة ما يلي:
- كراهية بعض العملاء لأن يكونوا "عملاء" أو "مرضى" نفسيين.
- وجود مكبوتات بغيضة أو مخيفة أو محرمة أو مخجلة، أو إذا كان ظهورها في حيز الشعور لا يقبله العميل مثل الخبرات الجنسية والعدوان ضد الوالدين أو غيرهما.
- وجود مكاسب ثانوية يجنيها العميل من وراء اضطرابه، ويخشى خسران هذه المكاسب لو حلت مشكلاته وزال اضطرابه وشفي.
- وجود رغبة مرضية في المعاناة والبقاء في حالة الاضطراب رغبة من العميل في تحطيم ذاته لا شعوريا.
- حدوث التحويل الانفعالي السلبي العدواني وفقدان الاهتمام بالعملية الإرشادية وسيرها.
وتتعدد مظاهر المقاومة: فقد تكون سلبية أو نشطة، سافرة أو مستترة، ومن أهم مظاهرها وعلامات حدوثها ما يلي:
- الامتناع عن الإفضاء بأي أفكار للمرشد أو الإفضاء بأفكار ظاهرية.
- الانصراف عن المرشد وعدم الرغبة في الإصغاء إليه، وعدم الرغبة أو عدم القدرة على التعاون مع المرشد لتحقيق هدف عملية الإرشاد.
(1/302)

- الكلام بصوت غير مسموع أو الصمت الطويل.
- البطء أو التوقف أثناء التداعي الحر أو الترابط الطليق.
- توجيه أسئلة غير مناسبة للموضوع لتحويل مسار التداعي الحر.
- الاسترسال في موضوع واحد دون غيره واللف والدوران حوله، التهرب من الكلام عما سواه من الموضوعات.
- الاكتفاء بالكلام عن الحقائق فقط والاحتفاظ بما عدا ذلك.
- إعداد ما يراد قوله في شكل مذكرات حرصا على عدم ظهور أو تسرب أي شيء غير مرغوب التحدث عنه.
- اللجلجة وفلتات اللسان وتصحيح ما يقوله.
- الملل والضيق وظهور علامات القلق مثل اللعب في الملابس وإجراء الجسم والرسم الكتابة العفوية والروتينية الرتيبة، والميل إلى النوم.
- النسيان، والإنكار، والتبرير، والغموض.
- معارضة المرشد وعدم الموافقة على تفسيراته والنضال ضدها، ومحاولة إثبات أن المرشد مخطيء.
- منافسة المرشد في ميدان عمله وادعاء المعرفة.
- الموافقة المفرطة على كل ما يقوله المرشد دون نقاش.
- التشكيك في قيمة عملية الإرشاد وإبراز نواحي القصور فيها، وإنكار الحاجة إليها.
- الحضور متأخرا إلى جلسات الإرشاد أو تناسي مواعيدها، أو الاعتذار عنها.
- التظاهر بالشفاء أو "الهروب إلى الصحة".
ويجب على المرشد مقاومة المقاومة بمرجد ظهورها. إن المواد والخبرات المؤلمة والأفكار والرغبات والصدمات الانفعالية التي تعترض المقاومة ظهورها لها دلالة خاصة في حياة العميل وارتباط وثيق بمشكلاته الأساسية، ومن ثم فلها أهمية خاصة عند المرشد. والمقاومة تمنع العميل من فهم مشكلاته، ومن هنا تأتي ضرورة وأهمية مقاومة المقاومة أو ما يسمى تحليل المقاومة Resistance Analysis وذلك بالعمل على كسر حدتها وإضعافها والقضاء عليها ولفت نظر
(1/303)

العميل إليها وإلى أسبابها ومظاهرها، وتوضيح وشرح أضرارها وكيف أنها تحول دون الوصول إلى أسباب مشكلاته ومواجهة خبراته العنيفة وجها لوجه، ويعتبر التفسير والشرح -في مناخ نفسي دافئ فاهم متقبل- هو الأداة الرئيسية لمقاومة المقاومة تدريجيا. ويفيد التدرج في إظهار الخبرات الأليمة والصادمة والخاصة وعدم البدء بها في مراحل عملية الإرشاد المبكرة. ويساعد على مقاومة المقاومة كذلك المشاركة الانفعالية للعميل ومساندته في الانتقال من جانب المقاومة عبر مرحلة تكافؤ إلى جانب مسايرة التغير، ويمكن استغلال التحويل الانفعالي من جانب المقاومة عبر مرحلة تكافؤ إلى جانب مسايرة التغير. ويمكن استغلال التحويل الانفعالي الموجب أي ميل العميل وحبه للمرشد في تحليل المقاومة والتغلب عليها, هكذا يبذل المرشد كل المحاولات ويطرق كل السبل إلى أن تتحول المقاومة إلى تعاون يؤدي إلى الاستبصار وفهم النفس ومتابعة عملية الإرشاد، مع ضرورة إفهام العميل أنه ما زال -رغم ظهور المقاومة- مقبولا وأن المرشد يفهم هذه الأمور وأنها لم ولن تؤثر عليه ولا على عملية الإرشاد.
ومرة أخرى يلاحظ أنه في بعض الأحيان قد يبذل العميل جهودا لا شعورية في مقاومة تحليل المقاومة، وهذه حلقة جديدة من المقاومة، فالعميل قد يعتبر جهود المرشد لمقاومة مقاومته وتحليلها بمثابة هجوم شخصي عليه يزيد قلقه، وهذا يدعو إلى مزيد من المقاومة، وهنا مرة أخرى يجب أن يصر المرشد على الاستمرار في تحليل المقاومة والتغلب عليها حتى تستمر عملية الإرشاد نحو تحقيق أهدافها.
هذا وقد يعتقد البعض أن ظهور المقاومة قد يضايق المرشد ويشعره بالإحباط، ولكن المرشد الخبير يعرف أنها طارئ محتمل الحدوث، وقد يستفيد من ظهورها في فهم بعض جوانب شخصية العميل المقاوم. ولكنه حين يعمل على تحليلها ومقاومتها فإن آثارها تزول وتستمر عملية الإرشاد. "انظر شيلدون إيزينبيرج ودانيل ديلاني، 1995".
التحويل Transference:
يقصد به التحويل الانفعالي، أي تحويل الانفعال من موضوع إلى موضوع آخر. والتحويل كطارئ من طوارئ عملية الإرشاد هو تحويل العميل لانفعالاته الخاصة بالآخرين وتركيزها وبلورتها عن المرشد.
ويكشف التحويل عن أعمق تجارب العميل الانفعالية. ولكن بالنسبة لطبيعة الموقف الإرشادي فإن الانفعالات تكون أقل شدة من الانفعالات الأصلية.
ويمكن تشبيه المرشد بأنه يكون أثناء عملية الإرشاد بمثابة "شاشة بيضاء" يسقط عليها العميل أي انفعالات يشاء.
(1/304)

ويحدث التحويل أثناء عملية الإرشاد في بعض الحالات التي يتعرض فيها العميل لمشاعر مختلفة تجاه المرشد. ومع تقدم عملية الإرشاد قد تتذبذب انفعالات العميل تجاه المرشد، فهو تارة يحبه وتارة يكرهه، وحيث أن العميل لم تكن له صلة سابقة بالمرشد، والأصل في انفعالاته تجاه المرشد أنها محايدة، فليس هناك ما ييبرر هذا السلوك، ولا بد إذن أن يكون المقصود بهذا السلوك شخصا آخر، وما المرشد إلا "شخص متاح" يرمز إليه، ومن ثم تتحول تجاهه الانفعالات التي يكنها العميل في واقع الحياة لهؤلاء الأشخاص الآخرين، ويسقطها عليه العميل ويضعه في أدوارهم.
ومن أنواع التحويل ما يلي:
- التحويل الموجب: وهو التحويل الذي يتسم بالحب والإعجاب من جانب العميل تجاه المرشد. وقد يأخذ شكل تحويل العلاقة الإرشادية إلى علاقة حب، وقد يبرر العميل ظهور التحويل الموجب بأنه نوع التعبير عن الامتنان وعن الجميل الذي يحمله للمرشد الذي يساعده.
- التحويل السالب: وهو التحويل الذي يتسم بالكراهية والنفور من جانب العميل تجاه المرشد. وقد يأخذ شكل العدوان والمقاومة والتشهير وعدم التعاون وفقدان الاهتمام بعملية الإرشاد وإنهائها. ومن مظاهر التحويل السالب أيضا ظهور ما يسمى "عصاب التحويل" Transference Neurosis وهو تكوين عصابي جديد بدلا من التكوين العصابي الأصلي الذي جاء به العميل، يوجه نحو المرشد ونحو عملية الإرشاد.
- التحويل المختلط: وهو التحويل الذي يجمع بين الموجب والسالب أو الحب والكراهية من حانب العميل تجاه المرشد1.
ولتقريب أنوع التحويل نضرب المثل الآتي: لنفرض أن شخصا خيرا أراد توزيع زكاة الفطر، فأخذ المال وقصد مجموعة يعرفها من الفقراء ليوزعه عليهم، ولكنه لم يجدهم ووجد فقيرا واحد لم يكن يقصده، ولكنه هو "الشخص المتاح" فأعطاه كل المال. إن هذا الفقير الذي أخذ كل المال ونال كل الخير ليس مقصودا شخصيا، لكنه أخذ كل المال ونال كل الخير بدلا من الذين قصدوا أصلا وليسوا موجودين وهو فقط الشخص المتاح، ومن ناحية أخرى لنفرض أن
__________
1 يجب التحذير من احتمال حدوث التحويل المضاد Counter- transferenc فالمرشد يشارك العميل انفعاليا ويتجاوب معه مع ملاحظة وضبط انفعالاته، إلا أن المرشد كإنسان قد يفلت منه زمام الأمر ويستجيب انفعاليا لخبرة التحويل، وهذا قد يحدث في حالات نادرة، ويمثل مشكلة كبيرة بالنسبة للمرشد، ولذلك يجب الحيلولة دون حدوثه.
(1/305)

شخصيا ثائرا على سلطة الشرطة لخبرات سيئة مع عدد معين من أفرادها، فخرج إلى الشارع للاشتباك معهم ولكنه لم يجدهم فقد أنهوا دوريتهم، ووجد شرطيا واحدا فاشتبك معه لأنه الشرطي المتاح وصب عليه جام غضبه، إن هذا الشرطي الذي تلقى كل الغضب ليس مقصودا شخصيا ولكنه يمثل أفراد الشرطة الآخرين الذين قصدوا أصلا، ولكنهم ليسوا متاحين، وهو فقط الشخص المتاح.
هذا ويعزى التحويل إلى أسباب منها ما يلي:
- يفتقر العميل في حياته إلى دور خاص ويعتبر خلو حياته من هذا الدور جزءا من مشكلته، ولا تكاد تتقدم العلاقة الإرشادية حتى يضع المرشد في هذا الدور بكل الانفعالات التي ترتبط به. ومن أمثلة هذه الأدوار دور الوالد أو دور الحبيب ... إلخ.
- يفسر أصحاب مدرسة التحليل النفسي التحويل بأن العميل يحيي انفعالاته الماضية بإزاء الأشخاص المحيطين به ويحياها مع المرشد. أي أنه من خلال عملية التحويل، يعيد العميل، تمثيل هذه الانفعالات التي حدثت في الطفولة، ويرى بعض هؤلاء أن عملية التحويل تشير إلى الخبرات الانفعالية المحبطة مع الوالدين والإخوة أو الزوج أو المحبوب أو الرؤساء أو المدرسين أو الأصدقاء أو الزملاء ... إلخ.
وعلى الرغم من أن التحويل طارئ مهدد لعملية الإرشاد، إلا أنه يمكن للمرشد استغلاله في عملية الإرشاد مؤقتا على النحو التالي:
- تحليل سلوك العميل في موقف التحويل، وفهم الكثير عن حياته الانفعالية، وذلك بدراسة السلوك المتكرر خلال عملية التحويل كعينة سلوكية حية، وخاصة أن عملية التحويل تكون تحت الضبط.
- المساعدة في عملية التنفيس والتطهير الانفعالي لانفعالات مكبوتة عند العميل.
- التغلب على مقاومة العميل، وفي استدراج انفعالاته المكبوتة، ما يتيح فهما أوضح لديناميات الشخصية والاضطراب.
- القضاء على العصاب، وذلك لأنه يتيح للانفعالات الموجبة أو السالبة أو المختلطة فرصة الظهور والتحقق، وبذلك يمكن السيطرة عليها وضبطها وتوجيهها التوجيه السليم.
ويجب على المرشد تحليل التحويل Transference Analysis أي تحرير العميل من التحويل الانفعالي، ويتم ذلك بتفسير التحويل وبيان سببه للعميل وإيضاح أن انفعالاته هذه ليس
(1/306)

مصدرها الوقت الراهن ولا صلة لها بشخص المرشد، ولكنها ترجع إلى فترة سابقة، وتتعلق أصلا بأشخاص آخرين، وأنها أسقطت على شخص المرشد خلال عملية التحويل أنه فقط هو "الشخص المتاح" حاليا وليس الشخص الأصلي، ويلاحظ أن تحليل التحويل السالب أسهل نسبيا من تحليل التحويل الموجب. ويلجأ بعض المرشدين إلى الإرشاد الجماعي للمساعدة في فطام العميل انفعاليا من علاقة التحويل، ففي جلسات الإرشاد الجماعي تتوزع الانفعالات على عدد من الأشخاص المتاحين" فتصبح أقل حدة وتركيزا ويصبح تحليلها أسهل.
الإحالة Referral:
هي إحالة العميل إلى أخصائي آخر أو جهة اختصاص أخرى، لسبب أو لآخر مثل الفحص أو تقديم خدمات نفسية متخصصة غير متوافرة لدى المرشد، أو في عيادة أو مركز الإرشاد الذي يعمل به، وذلك بعد موافقة العميل.
والإحالة تعتبر أحد طوارئ عملية الإرشاد، إذا لزمت بعد أن يكون العميل قد قطع شوطا في عملية الإرشاد، حتى لو كان ذلك الشوط مجرد إعداد العميل وتجميع المعلومات والتشخيص وتحديد المشكلات فقط، ولاحظ أن قرار الإحالة قرار مهني هام ومسئولية خطيرة.
ومن أنواع الإحالة ما يلي:
- الإحالة الجزئية "أو المؤقتة": وهذه تكون لفترة محدودة من الزمن أو بقصد إجراء فحص أو بحث محدد أو الحصول على خدمة، ثم يعود العميل بعد ذلك إلى المرشد مرة أخرى.
- الإحالة الكلية: "أو الكاملة": وفيها يحال العميل كلية أو نهائيا إلى مرشد آخر أو جهة أخرى.
ومن أسباب الإحالة ما يلي:
- قد تحيل بعض المدارس أو المؤسسات حالات للإرشاد، ويتم ذلك أحيانا على أساس تشخيص قد يكون خاطئا ولا يدخل في حدود اختصاص المرشد أو عملية الإرشاد.
- قد يكون هناك نقص في بعض الخدمات في العيادة أو مركز الإرشاد.
- قد يتحتم إحالة العميل إلى أخصائي آخر بحكم القانون، حين تكون حالته تخرج عن اختصاص المرشد ونطاق عمله المصرح به قانونا، كما في الحالات التي تحتاج إلى علاج طبي مثلا.
- قد يبدأ العميل عملية الإرشاد، ثم في منتصف الطريق يجد أنه يفضل لو لم يستمر مع هذا
(1/307)

المرشد بسبب معلومات معينة لا يزيد أن يقولها، أو لأي سبب آخر لا يرتبط بالمرشد ولا بالعميل، وقد يلمس المرشد ذلك أو يلمح به العميل أو يذكره صراحة.
وهناك حالات تتحتم فيها الإحالة مثل:
- حالات المرض العضوي، وهذه تحال إلى الطبيب المختص.
- حالات الذهان، وهذه تحال إلى مستشفى الأمراض النفسية للعلاج الطبي النفسي.
ولقرار الإحالة شروط منها:
- يجب في أول الأمر -كما سبق أن ذكرنا- عند تقديم عملية الإرشاد النفسي لفت نظر العميل إلى أنه قد يستدعي الأمر إحالته إلى مرشد أو أخصائي آخر أو جهة اختصاص أخرى، وأن ذلك ليس تخليا عنه، ولكن الإحالة في صالحه.
- يجب أن تكون الإحالة في حالة الضرورة القصوى فقط.
- يجب إقناع العميل بضرورتها والحصول على موافقته عليها ومناقشة المعلومات التي ترسل مع خطاب الإحالة أو تنقل إلى جهة الإحالة وموافقته عليها.
- يجب متابعة الحالة بعد الإحالة للتأكد من أن العميل يذهب إلى الأخصائي الآخر أو الجهة الأخرى فعلا، وحتى لا يشعر العميل أن المرشد تخلى عنه أو نسيه.
وتتم الإحالة حين يرى المرشد ضرورتها، أو حين يطلب العميل ذلك، أو حين تحتمها الظروف كما في حالات اضطرار المرشد إلى سفر أو انتقاله من بلد إلى آخر ... إلخ.
ومن خطوات ووسائل عملية الإحالة ما يلي:
- تحديد الأشخاص أو جهة الإحالة التي يمكن إحالة العميل إليها بادئا بالبيئة المحلية مثل المعالجين النفسيين، والأطباء وبعض العيادات المتخصصة أو المستشفيات، وعيادات توجيه الأطفال، أو مؤسسات الأحداث، أو مؤسسات رعاية الشيوخ المسنين، ويجب التأكد من كفاءة الشخص المحال إليه أو الجهة المحال إليها قبل الإحالة حتى لا يحدث إحالة أخرى، وفي هذا ما فيه من ضرر بالنسبة للعميل، فقد يفسر ذلك على أنه غير مرغوب فيه، أو أن حالته ميئوس منها.
- الاتصال الشخصي أو عن طريق اتصال تليفوني أو عن طريق خطاب إحالة، مع ذكر أسباب الإحالة والتوصيات اللازمة، حتى تتخذ الإجراءات اللازمة لاستقبال الحالة المحالة.
- تعريف العميل بعنوان المحال إليه ورقم التليفون وموعد المقابلة ... إلخ.
(1/308)

مشكلات في عملية الإرشاد النفسي:
قد تعترض عملية الإرشاد بعض المشكلات، فتؤثر في سيرها أو في تحقيق أهدافها. وتتناول هذه المشكلات للفت النظر إليها للوقاية من حدوثها، ولحلها والتغلب عليها عند حدوثها فعلا.
وفيما يلي أهم المشكلات في عملية الإرشاد النفسي:
- فشل عملية الإرشاد:
في بعض الأحيان قد لا تتم عملية الإرشاد النفسي بنجاح كامل، أو قد تفشل في تحقيق أهدافها، ويرجع ذلك إلى الأسباب الآتية:
- قد يقوم بالإرشاد النفسي بعض غير المختصين، وبطريقة غير سليمة.
- قد يكون العميل غير مستعد وغير متقبل لعملية الإرشاد.
- قد ينقطع العميل عن عملية الإرشاد فلا تتم وتكون مبتورة.
- قد تكون المشكلة مزمنة ومستعصية على الحل.
- قد لا يقوم العميل بمسئوليته في التنفيذ، وقد يكون في بيئته ما يحول دون نجاح عملية الإرشاد.
- قد لا تتم عملية تقييم سليمة لعملية الإرشاد، وقد لا تتيسر المتابعة بعد تمامها.
مضاعفات الإرشاد غير الناجح:
من مضاعفات الإرشاد النفسير غير الناجح ما يلي:
- قد يفهم العميل أن غير المختصين الذين لجأ إليهم علماء فشلوا معه، ومن ثم ينصرف عن عملية الإرشاد.
- قد يزداد القلق عند العميل لعدم تقدم حالته والإخفاق في حل مشكلاته فيزداد يأسا.
- قد يلجأ العميل عن قصد إلى بعض الدجالين -من باب طرق جميع الأبواب- وهناك الكثيرون ممن يتحينون هذه الفرص.
- قد يلجأ العميل إلى إدمان الأدوية والعقاقير أو حتى المخدرات.
- قد يحدث في حالات قليلة "نكسة" وارتداد.
(1/309)

- قد تزداد الحالة سوءا وتتطور إلى عصاب أو حتى إلى ذهان.
- في حالات نادرة قد ييأس العميل ويكتئب، وقد يقدم على الانتحار.
مصادر الإحالة:
قد يحال العميل دفعا إلى عملية الإرشاد بدلا من أن يأتي إليها بنفسه سعيا، وفي مثل هذه الحالة فقد يتخذ موقفا سلبيا في عملية الإرشاد ولا يتجاوب ولا يتعاون، مما يسبب مشكلة من مظاهرها عدم تقدم حالته أو زيادتها سوءا في بعض الأحيان. ونحن نعلم أن الفرد يستطيع أن يقود الحصان إلى الماء ولكنه لا يستطيع أن يجبره على أن يشرب.
وتحيل المدارس بعض الحالات إلى عيادة أو مركز الإرشاد بعد تشخيص قد يكون خاطئا وبعد قطع شوط غير موفق في عملية الإرشاد لا يؤتي ثمارا، مما قد يفقد العميل الأمل في خدمات عيادة أو مركز الإرشاد لاعتقاده بأنها لن تكون إلا امتداد لخدمات المدرسة.
وتحيل الهيئات والمؤسسات أعدادا كثيرة إلى عيادات ومراكز الإرشاد، مما قد يزيد عن إمكانات هذه العيادات والمراكز، فلا تستطيع قبولها، أو إذا قبلتها لا تستطيع تقديم الخدمات الإرشادية لها كما يجب.
وتحيل المحاكم أو مؤسسات الجانحين بعض الحالات، ويكون ذلك أحيانا بهدف إجراء عملية الإرشاد، وأحيانا بهدف التثبت من الحالة النفسية للفرد الذي ارتكب مخالفة أو جريمة، وقد يربط العميل بين عملية الإرشاد وبين جهة الإحالة مثل المحكمة أو المؤسسة التي تعامله كمتهم أو كمذنب وما يلقاه أو قد يلقاه من عقاب.
وقد تطلب جهة الإحالة بعض المعلومات السرية التي أدلى بها العميل أثناء الجلسات الإرشادية، وبالطبع لا يوافق المرشد على ذلك -حسب أخلاقيات الإرشاد النفسي- مما يجعل صدر جهة الإحالة ضيقا بالإرشاد والمرشد، وقد يسبب هذا توقف عملية الإرشاد.
اتجاهات الوالدين وأولياء الأمور:
قد تكون اتجاهات الوالدين سالبة نحو عملية الإرشاد. ونحن نعلم أنه لكي تنجح العملية -وخاصة مع الأطفال- فلا بد من تعاون الوالدين مع المرشد، وفي حالة وجود مثل هذه الاتجاهات السالبة، فإن ذلك يهدد عملية الإرشاد بالفشل.
وأحيانا يعتقد الوالدان أن مشكلة الطفل ترتبط بمشكلات الأسرة، وأن اضطرابه يعتبر عرضا من أعراض اضطرابها، ولذلك ينتابهم الضيق وقد يرفضان مناقشة الموضوع من أساسه، ويمتنعان عن المساعدة في عملية الإرشاد.
(1/310)

وقد يعتقد بعض أولياء الأمور أن مشكلة الطفل تتعلق به وحده ولا يشاركون مشاركة فعالة في عملية الإرشاد، ويعتبرونها مسئولية المرشدين وحدهم.
وقد يلاحظ إساءة فهم عملية الإرشاد لدى الوالدين أو أولياء الأمور. فمثلا في إرشاد الأطفال يسمح المرشح للطفل في حجرة اللعب بالتعبير عن عدوانه فيكسر بعض الأشياء، ويعتبر الوالدان ذلك نقصا في ضبط سلوك الطفل وتعويده الحرية الزائدة، مما قد يؤدي إلى مزيد من العدوان في المنزل، وعادة فإن الوالدين وأولياء الأمور يسألون العميل بمجرد خروجه عما دار في جلسة الإرشاد، وهو يحكي، وقد يساء فهم ما جرى وما يحكى.
وقد لا يقتصر وجود مثل هذه الاتجاهات على الوالدين أولياء الأمور فقط، بل قد توجد لدى الأزواج، وقد تسود في المجتمع بصفة عامة، مما يجعل المرشدين والمعالجين النفسيين وكأنهم يسبحون ضد تيار اجتماعي معاكس.
بعض المفاهيم الخاطئة لدى العميل:
يعلن بعض العملاء أن الاضطراب أو المرض النفسي مرادف لما يعرفه العامة باسم "الجنون"، ويظنون أن العيادة النفسية أو مركز الإرشاد النفسي لا يذهب إليها إلا "المجانين"، ومن ثم يتحاشون الإرشاد النفسي، وإذا بدءوه فقد ينقطعون عن استئنافه خشية أن يشيع عنهم أنهم "مجانين".
ويعتقد بعض المرضى خطأ أن المرشد النفسي يتدخل في شئون حياتهم الخاصة وتفاصيل سلوكهم ودخائل أسرارهم الشخصية بدرجة كبيرة، ومن ثم يبدون مقاومة أثناء عملية الإرشاد.
ويفهم بعض المرضى خطأ أن على المرشد أن يعمل لهم كل شيء، وأن يحل لهم مشكلاتهم، وكأنه يملك قوة سحرية يسخرها في ذلك، فيلقون عليه بمشكلاتهم ليحلها، وكيف لا وهو دكتور وعالم نفسي، ويصعب عليهم أن يفهموا أن على عاتقهم هم مسئولية كبيرة في عملية الإرشاد.
من هو الخبير:
قد يحدث صراع بين المرشد والعميل عندما تتحد المسئولية المشتركة بينهما في عملية الإرشاد. فقد لا يعرف العميل حدود مسئولياته وإسهاماته الخاصة بها. فمن هو الخبير إذن؟ أهو المرشد المتخصص العالم بالنظريات والخبير في الطرق والفنيات، أم هو العميل صاحب المسألة "والذي يده في النار"، والذي عليه مسئولية التنفيذ. إن الأمر قد يصل إلى درجة تضطرب فيها العملية وخاصة عندما يكون العميل زائد الذاتية، كثير الأفكار الخاطئة أو حتى الخرافية.
(1/311)

القدرة العقلية للعميل:
قد يكون العميل ضعيف العقل أو غبيا أو يعاني من اضطرابات في الجهاز العصبي، وهنا تكون إمكانات مساعدته وفرص استفادته من عملية الإرشاد النفسي محدودة.
عمر العميل:
في حالة الأطفال الصغار، لا بد من تعاون أهلهم وذويهم ومربيهم في عملية الإرشاد، وإذا لم يتوافر مثل هذا التعاون، فإن درجة نجاح عملية الإرشاد تصبح مشكوكا فيها.
وفي حالة المراهقين، قد يعتقدون أن المرشدين كراشدين -شأنهم شأن غيرهم من الراشدين- لا يفهمونهم وأنهم نوع من السلطة التي يرغبون التخلص منها والاستقلال عنها.
وفي حالة بعض المسنين الذين تراكمت المشكلات لديهم عبر السنين، والذين تأصلت ورسخت عاداتهم السلوكية وأصبحت تقاوم التغير، والذين يعتبرون أنهم في أواخر حياتهم آمالهم محدودة وما عاد من العمر قدر ما مضى، تكون عملية الإرشاد وما تتضمن من تعلم ومحو تعلم وتعديل وتغيير في السلوك صعبة نسبيا، مما يقلل من أثرها.
الدواء:
يختلط مفهوم وطبيعة عملية الإرشاد النفسي والعلاج النفسي مع العلاج الطبي، فكله عند العامة علاج، والمرشد عادة يكون حاصلا على درجة الدكتوراة، فهو دكتور، ولقب دكتور عند العامة ما زال يرتبط بالطب أكثر منه بالإرشاد والعلاج النفسي، ولذلك نجد الكثيرين من العملاء يتوقعون وصفة دواء، وإذا لم يكتبها المرشد، فإنهم يسألون "أليس هناك دواء؟ " وإذا حاول المرشد إقناعهم بأن الإرشاد النفسي يختلف عن العلاج الطبي، وأن المشكلات والاضطرابات النفسية التي جاءوا بها لا تحل ولا تعالج بالدواء، شعروا بخيبة أمل، واعتقدوا أن العملية عبارة عن كلام في كلام.
عيادة ومركز الإرشاد:
قد تكون ظروف عيادة أو مركز الإرشاد النفسي غير مناسبة، كأن تكون إدارتها غير سليمة، أو أثاثها غير مناسب، أو في مكان فيه ضجيج وصخب، أو ليس بها مكان أمين لحفظ سجلات العملاء بما يضمن سريتها الكاملة.
وقد يربط بعض العملاء بين عيادة أو مركز الإرشاد وبين "مستشفى الأمراض العقلية" أو "مستشفى المجانين" ويخشون أن يراهم بعض معارفهم وهم يترددون عليها، فيعرفون أنهم "مجانين" ومن ثم لا يحبون دخولها.
(1/312)

المواعيد:
قد تتعارض مواعيد جلسات الإرشاد مع مواعيد عمل العميل مثلا، وقد تكون المواعيد ثابتة في يوم وساعة محددة من كل أسبوع مما يفوت انتظام نشاط العمل في كليته مثلا في هذا اليوم والساعة من كل أسبوع.
وقد يعتبر بعض العملاء أن المواعيد أقل مما يرجون أو يتوقعون أو يحتاجون، ويطيلون في كل جلسة، أو يشعرون بالضيق عندما تنتهي وخاصة إذا كانت جلسة كل أسبوع مثلا.
وقد يعتبر البعض الآخر أن المواعيد أكثر مما يتوقعون أو يحتاجون أو يستطيعون، وأنها تؤثر في سير حياتهم العملية، وهذا يجعلهم يتخلفون عن بعضها.
وقد تلعب مشكلة المواصلات دورا معطلا، وخاصة عندما تكون المسافة التي على العميل أن يقطعها طويلة ومرهقة. فقد تعوق التزام العميل بمواعيد الجلسات وتعوق انتظامها.
التكاليف:
في حالة الإرشاد أو العلاج النفسي الخاص، يتكلف تكاليف قد تمثل مشكلة كبيرة حين تكون مرهقة بالنسبة للعميل.
في حالة دفع التكاليف عادة يتوقع العميل مقابلا محسوسا ونتائج سريعة، وعملية الإرشاد تستغرق جلسات قد تطول، ويجد العميل أن مجرد الكلام لا يريحه، وقد يعتقد أنه لا يستحق ما يتكلفه من مال.
وفي حالة الإرشاد المجاني على حساب الدولة، قد ينطبق المثل "أبو بلاش كتر منه"، فلا يكون العميل حريصا على وقت المرشد، ولا يحرص على الاستفادة الكاملة من الجلسات، لأنه يستطيع أن يتردد كما يشاء ما دام ذلك لا يكلفه شيئا.
أدعياء الإرشاد والعلاج النفسي:
يمارس بعض الأطباء النفسيين العلاج النفسي وأحيانا الإرشاد النفسي بطريقة "وضع اليد"، ويهتمون بدرجة أكبر بالنواحي الطبية والعلاج الطبي والعلاج بالأدوية فحسب حسب تخصصهم، وقد لا يتمكنون من إعطاء العميل الوقت الكافي لدراسة حالته، ومن ثم لا يقومون فعلا بالعلاج أو الإرشاد النفسي بالطريقة السليمة.
وما زالت نسبة كبيرة من الجمهور في مجتمعنا -للأسف الشديد- يعتقدون أن سبب مشكلاتهم واضطراباتهم هو السحر والأعمال والجن، وهؤلاء يتلقفهم أدعياء الإرشاد والعلاج وحل المشكلات والعقد من غير المختصين بل من الدجالين، وهؤلاء يوحون إليهم أن على
(1/313)
أيديهم الشفاء من كل داء، وهكذا تزمن المشكلات والاضطرابات والأمراض إلى أن تستعصي على الإرشاد والعلاج، حتى على أيدي الأخصائيين.
الإرشاد والعلاج الذاتي:
قد يحاول بعض الأفراد القيام بإرشاد أو علاج أنفسهم بأنفسهم: فيقرءون كتبا بدون دراسة وهم غير مختصين، فيسيئون الفهم أو يضخمون شيئا بسيطا، وقد ينجح البعض جزئيا أو نسبيا، ولكن معظمهم يزيدون الطين بلة، وهنا نحذر هؤلاء من مثل هذه المحاولات ونوجههم إلى مزيد من المعرفة والمهارة في طريقة الإرشاد الذاتي1 "ويأتي تفصيل ذلك في الفصل السابع".
الأقارب والأصدقاء:
قد يلجأ بعض العملاء إلى عملية الإرشاد عند أقاربهم وأصدقائهم من المرشدين، ونحن نعرف أن المرشد أو المعالج لا يستطيع تناول مشكلات أقاربه وأصدقائه، كما لا يستطيع الجراح إجراء جراحة لأقاربه وأصدقائه، ونحن نعرف كذلك أن الأقارب والأصدقاء يأخذون كلام أقاربهم وأصدقائهم بطريقة ودية وبألفة ويخلطون بينه وبين الكلام الأسري والعادي. ويحتاج الأمر إلى الكلام عن أسرار شخصية جدا تتعلق بالأقارب أو بالمرشد نفسه كقريب أو صديق. وقد تتعدى العلاقة الإرشادية الحدود المهنية بحكم القرابة أو الصداقة. وهكذا يكون الإرشاد والعلاج مع الأقارب والأصدقاء بصفة عامة صعبا وأحيانا غير مجد أو غير ممكن أو ممنوعا2.
__________
1 ينطبق على هؤلاء المثل العامي: "ييجي يكحلها يعميها".
ويقول المثل العربي: "أعط القوس باريها"
ويقول المثل العامي: "أعط العيش لخبازه".
ويقول الشاعر:
يا باري القوس بريا لست محسنها ... لا تفسدنها وأعط القوس باريها
2 يقول المثل: "زامر الحي لا يطرب".
ويقول الشاعر:
لا ذنب لي غير أني من ديارهم ... وزامر الحي لا تشجى مزامره
ويقول آخر:
والسيف مثل العصى إن كان مغتمدا ... وزامر الحي لا يحظى بإطراب
وأزهد الناس في علم وصاحبه ... أدنى الأحبة من أهل وأصحاب
(1/314)

مكان عملية الإرشاد:
في ختام الكلام عن عملية الإرشاد النفسي، هذه كلمة عن المكان الذي يجب أن تجري فيه، وهي عيادة أو مركز الإرشاد النفسي، أو مركز إرشاد الصحة النفسية.
عيادة أو مركز الإرشاد النفسي:
تتم عملية الإرشاد عادة في عيادة أو مركز الإرشاد النفسي، أو مركز إرشاد الصحة النفسية، وفيها يتم استقبال العميل، وإجراء فحص ودراسة وتشخيص حالته، وتتم الجلسات الإرشادية.
(1/314)

وتتخصص عيادات ومراكز الإرشاد النفسي، فنجد منها عيادات توجيه الأطفال والعيادات النفسية ومراكز التوجيه التربوي والمهني وغيرها "انظر تيلور Taylor؛ 1971".
ويجب أن يكون في كل من العيادة أو المركز هيئة كاملة من أعضاء فريق الإرشاد النفسي، مثل المرشد والمعالج النفسي والأخصائي الاجتماعي والطبيب النفسي وعدد من المساعدين الممرضين ... إلخ.
ويحسن أن تضم العيادة أو المركز أخصائيين ذوي اتجاهات متنوعة في الإرشاد والعلاج، مثل الإرشاد والعلاج السلوكي والجماعي والمباشر وغير المباشر ... إلخ.
ويجب أن تكون العيادة أو المركز مكانا هادئا يشرح الصدر ويخلو من المشتتات لأنها تستقبل أفرادا يحتاجون إلى الراحة النفسية.
وتتألف العيادة أو المركز عادة من قاعات استقبال الحالات، ومزودة ببعض المجالات والصحف، وجهاز تليفزيون، وحجرات خاصة بالاختبارات والمقاييس النفسية، وحجرات خاصة ببعض طرق الإرشاد مثل الإرشاد باللعب، وحجرات خاصة بالمرشدين والمعالجين النفسيين والأخصائيين الاجتماعيين والأطباء ضمانا للخصوصية والسرية.
وعندما يأتي العميل إلى العيادة أو مركز الإرشاد النفسي يتم استقباله عادة بواسطة الأخصائيين الاجتماعيين، ويتم ملء طلب فحص الحالة، وتتم في مقابلة مبدئية إجراء بحث مبدئي، ويقدم تقرير عن الحالة إلى مدير العيادة أو المركز، حيث توزع الحالة على أحد المرشدين الذي يتولى مسئولية عملية الإرشاد بكافة إجراءاتها هو وزملاؤه من بدئها حتى إنهائها ومتابعتها.
وهناك عيادات ومراكز إرشاد حكومية تتبع عادة أقاسم الصحة النفسية وعلم النفس بالجامعات وبعضها يتبع وزارة التربية والتعليم ووزارة الشئون الاجتماعية ووزارة الصحة ووزارة الدفاع، هذا إلى جانب عدد منها ملحق ببعض المستشفيات العامة، بالإضافة إلى عدد آخر من العيادات الخاصة1.
__________
1 من العيادات التي عمل المؤلف فيها: العيادة النفسية التابعة لقسم الصحة النفسية بكلية التربية جامعة عين شمس بالقاهرة، والعيادة النفسية التابعة للإدارة العامة للدفاع الاجتماعي بوزارة الشئون الاجتماعية بالقاهرة، والعيادة التابعة لوزارة الشئون الاجتماعية بالزقازيق، ومركز التوجيه والإرشاد النفسي التابع لقسم علم النفس بكلية التربية جامعة أم القرى بمكة المكرمة.
ومن مراكز الإرشاد النفسي التي ساهم المؤلف في إنشائها: مركز الإرشاد النفسي بكلية التربية جامعة عين شمس، ومن بين أهدافه: تقديم الاستشارة النفسية والإرشادية لمؤسسات المجتمع المختلفة، وتخطيط وتنفيذ وتقييم برامج الإرشاد النفسي، وتقديم خدمات الإرشاد النفسي، وإجراء البحوث والدراسات الميدانية في مجال الإرشاد النفسي.
(1/315)

الفصل السابع: طرق الإرشاد النفسي
تعدد طرق الإرشاد النفسي
...
(1/318)

الفصل السابع: طرق الإرشاد النفسي METHODS OF COUNSELLING
تعدد طرق الإرشاد النفسي:
تعدد نظريات ومجالات وطرق الإرشاد:
عرفنا في الفصل الثالث أن نظريات التوجيه والإرشاد النفسي متعددة، وأن من أهمها نظرية الذات، والنظرية السلوكية، ونظرية المجال، ونظرية السمات والعوامل، ونظرية التحليل النفسي.
وترتبط بالنظريات المتعددة طرق متعددة للإرشاد، فمثلا ترتبط بنظرية الذات طريقة الإرشاد غير الموجه "أو الممركز حول الذات"، وترتبط بالنظرية السلوكية طريقة الإرشاد السلوكي.
وتتعدد طرق الإرشاد كذلك حسب ارتباطها بنظريات أخرى من نظريات الشخصية غير ما ذكرنا، فمثلا ترتبط طريقة الإرشاد باللعب بنظريات اللعب، وتتعدد الطرق كذلك، فنجد منها ما يوفق بين طريقتين مثل الإرشاد الفردي والإرشاد الجماعي، وكذلك الإرشاد الموجه وغير الموجه، أو أن تجمع بين عدد من الطرق وعدد من النظريات مثل طريقة الإرشاد الخياري، ومن طرق الإرشاد النفسي، ما يرتبط بأسلوب معين مثل طريقة الإرشاد الديني، ومنها ما قام على أساس بحوث علمية حديثة مثل الإرشاد المختصر، ومنها ما يرتبط بمجال معين من مجالات الإرشاد النفسي مثل طريقة الإرشاد خلال العملية التربوية.
اسكنر
أهمية دراسة طرق الإرشاد المتعددة:
يتحمس بعض المرشدين لطريقة دون أخرى ويعتبرونها طريقة الطرق، وأن ما سواها يعتبر لا شيء وفي الواقع، لا توجد طريقة عامة شاملة، أو جامعة مانعة، ومن ثم فعلى الدارس والممارس أن يعرف كل الطرق.
ومما تجدر الإشارة إليه هو أن العلماء يتابعون دراسة طرق الإرشاد النفسي المعروفة، ويبتكرون طرقا جديدة لا تزال تحت الدراسة، والبحث فعلى سبيل المثال درس هاريس Harris؛ "1971" أساليب ثلاثة مستقلة مشتقة من طريقة الإرشاد الجماعي أطلق عليها: تأثير الخبير، والتقليد الاجتماعي، وتأثير المعايير الاجتماعية، وقارنها بطريقة جديدة وهي الإرشاد بالمراسلة أي عن طريق الخطابات، وبدون اتصال شخصي بين المرشد والعميل، ولكنه وجد أن الأساليب الثلاثة المشتقة من طريقة الإرشاد الجماعي أجدى من الإرشاد بالمراسلة، ورغم هذه النتيجة فإن طريقة الإرشاد بالمراسلة جديرة بالمزيد من البحث والدراسة.
وفي تناولنا لطرق الإرشاد النفسي سوف نركز على عدد منها بصفة خاصة، لأسباب منها مثلا أن طريقة الإرشاد الجماعي تعتبر طريقة المستقبل، وأن طريقة الإرشاد الديني تهمنا في مجتمعنا الذي يضع الدين والسلوك الديني في وضع هام، وأن الأسلوب الديني هو الأسلوب المشترك الذي يعرفه كل الناس ... وهكذا.
(1/319)

الإرشاد الفردي INDIVIDUAL COUNSELLING:
يكاد بعض الكتاب يقصدون بالإرشاد الفردي المصطلح الإنجليزي Counselling، وأنه العملية الرئيسية في خدمات التوجيه Guidance Services، ويقابله الإرشاد الجماعي Group Counslling، وسوف نذكر أوجه الشبه والاختلاف بينهما بعد قليل:
والإرشاد الفردي هو إرشاد عميل واحد وجها لوجه في كل مرة، وتعتمد فعاليته أساسا على العلاقة الإرشادية المهنية بين المرشد والعميل، أي أنه علاقة مخططة بين الطرفين، تتم في إطار الواقع وفي ضوء الأعراض وفي حدود الشخصية ومظاهر النمو "لورانس بارمر وإيفيريت شوستروم Brammer & shostrom؛ 1977" "انظر شكل 67".
والإرشاد الفردي هو أوج عملية الإرشاد، ويعتبر أهم مسئولية مباشرة في برنامج التوجيه والإرشاد، ويعتبر نقطة الارتكاز لأنشطة أخرى في كل من عملية الإرشاد وبرنامج الإرشاد.
ومن الوظائف الرئيسية للإرشاد الفردي، تبادل المعلومات وإثارة الدافعية لدى العميل وتفسير المشكلات ووضع خطط العمل المناسبة.
ويحتاج الإرشاد الفردي إلى توافر أعداد كافية من المرشدين النفسيين، بحيث يقابلون الحاجات الفردية للإرشاد.
(1/320)

حالات استخدام الإرشاد الفردي:
يستخدم الإرشاد الفردي مع الحالات الآتية:
- الحالات ذات المشكلات التي يغلب عليها الطابع الفردي والخاصة جدا، كما في حالات وجود محتويات ذات طبيعة خاصة في مفهوم الذات الخاص، وحالات المشكلات والانحرافات الجنسية ... إلخ.
- الحالات التي لا يمكن تناولها بفاعلية عن طريق الإرشاد الجماعي.
إجراءات الإرشاد الفردي:
الإرشاد الفردي هو تطبيق عملي لكل ما عرفناه من إجراءات العملية الإرشادية" والتي يجب أن تكون مفهومة لدى العميل، ابتداء من المقابلة الأولى حتى إنهاء عملية الإرشاد ومتابعتها، ومن ثم فلا داعي للتكرار "راجع الفصل السادس".
(1/321)

الإرشاد الجماعي GROUP COUNSELLING:
إن العميل الذي يأتي إلى الإرشاد النفسي لا يأتي من فراغ أو عزلة، ولا يعود إلى فراغ أو عزلة، إنه يأتي من جماعات ويعود إلى جماعات، ومعظم خبرات العميل تحدث في مواقف اجتماعية، ومهما كانت أهمية الفروق الفردية، فإن دراسة علم النفس الاجتماعي وسيكولوجية الفرد والجماعة تعلمنا أن كل فرد يشترك سلوكيا مع غيره في كثير من خصائص السلوك وأنماطه، فهو فريد في بعض أنماط سلوكه ومثل غيره في بعض أنماط السلوك الأخرى.
والإرشاد الجماعي هو إرشاد عدد من العملاء الذين يحسن أن تتشابه مشكلاتهم واضطراباتهم معا في جماعات صغيرة، كما يحدث في جماعة إرشادية أو في فصل.
(1/321)

ويعتبر الإرشاد الجماعي عملية تربوية، إذ أنه يقوم أساس على موقف تربوي، ومن ثم لفت أنظار المرشدين والمربين، ويعتبر كذلك طريقة المستقبل، ومن ثم تأتي أهميته الخاصة "كابلان Caplan؛ 1957، وين رايت Right؛ 1959، كوهن وآخرون. Cohn et al؛ 1960، ليو جولدمان Goldman؛ 1959".
الأسس النفسية والاجتماعية للإرشاد الجماعي:
يقوم الإرشاد الجماعي على أسس نفسية واجتماعية أهمها ما يلي:
- الإنسان كائن اجتماعي، لديه حاجات نفسية واجتماعية لا بد من إشباعها في إطار اجتماعي مثل الحاجة إلى الأمن، والنجاح، والاعتراف، والتقدير، والمكانة، والشعور بالانتماء، والشعور بالمسئولية، والحب والمحبة، والمسايرة، وتجنب اللوم، والانقياد، والسلطة والضبط والتوجيه ... إلخ.
- تتحكم المعايير الاجتماعية التي تحدد الأدوار الاجتماعية في سلوك الفرد وتخضعه للضغوط الاجتماعية.
- تعتمد الحياة في العصر الحاضر على العمل في جماعات، وتتطلب ممارسة أساليب التفاعل الاجتماعي السوي واكتساب مهارات التعامل مع الجماعة.
- يعتبر تحقيق التوافق الاجتماعي هدفا هاما من أهداف الإرشاد النفسي.
- تعتبر العزلة الاجتماعية سببا من أسباب المشكلات والاضطرابات النفسية.
الجماعة الإرشادية:
تضم الجماعة الإرشادية عددا من العملاء. وهي تكون إما جماعة طبيعية قائمة فعلا مثل جماعة طلاب في فصل، أو جماعة مصطنعة يكونها المرشد بهدف الإرشاد، وتتم عملية الإرشاد مع الجماعة كوحدة، ومن ثم فلا بد أن يعرف جميع أفراد الجماعة أهدافها وأسلوب العمل الجماعي ومسئولياتهم.
ويجب أن يعتني المرشد عناية خاصة بتكوين الجماعة الإرشادية، وتنمية العلاقات والتفاعل الاجتماعي بين أعضائها، وإنهاء التفاعل الاجتماعي عند انتهاء عملية الإرشاد الجماعي.
القوى الإرشادية في الجماعة:
للجماعة قوى إرشادية هائلة يجب استغلالها، وتعريف أعضاء الجماعة الإرشادية بهذه القوى حتى يمكن الاستفادة منها. وتعبر القوى الإرشادية في الجماعة عن فائدة الجماعة الإرشادية "ميرل أولسين Ohlsen؛ 1970". وفيما يلي أهم القوى الإرشادية في الجماعة.
(1/322)

التفاعل الاجتماعي: للتفاعل الاجتماعي -أي الأخذ والعطاء والتأثير المتبادل بين أعضاء الجماعة الإرشادية- تأثيره الفعال، فهو يجعل الأعضاء يندمجون في النشاط الاجتماعي، ويصبح للإرسال والاستقبال الاجتماعي تأثير إرشادي ملموس بين جميع أعضاء الجماعة، فلا يعتمد الإرشاد على المرشد وحده بل يصبح العملاء أنفسهم مصدرا من مصادر الإرشاد1.
الخبرة الاجتماعية: تتيح الجماعة -كنموذج مصغر للمجتمع- فرصة لتكوين علاقات اجتماعية جديدة، واكتساب خبرات ومهارات اجتماعية تفيد في تحقيق التوافق الاجتماعي، وتعمل الجماعة على إظهار أنماط السلوك الاجتماعي العام إلى جانب السلوك الفردي الخاص، وأنماط السلوك المعياري إلى جانب أنماط السلوك الشاذ "تيلور Taylor؛ 1971".
الأمن: يؤدي انتماء العميل إلى جماعة إرشادية إلى الشعور بالتقبل، والتخلص من الشعور بالاختلاف، والاقتناع بأنه ليس وحده الشاذ وأن المشكلات النفسية تواجه الناس جميعا2. كذلك فإن سماع العميل غيره وهم يتحدثون عن مشكلاتهم، يزيد من اطمئنانه ويقلل من مقاومته للتحدث عن مشكلاته وخاصة عندما يجد أنها مشكلات مشتركة، فهو يرى من هو أسوأ منه حالا فيهدأ روعه، ومن هم أحسن منه حالا فيزداد أمله في التحسن. كذلك فإن العميل يجد في رفاقه من أعضاء الجماعة سندا انفعاليا ومجالا مناسبا للتنفيس والتفريغ والتطهير الانفعالي، وهذا كله يشعره بالأمن.
الجاذبية: للجماعة جاذبيتها الخاصة لأعضائها، وذلك بتوفيرها لأنشطة جماعية تتيح إشباع حاجات أعضائها وإشعارهم بالأمن وتحقيق الأهداف.
المسايرة: الجماعة يكون لها معاييرها التي تحدد السلوك الاجتماعي المتوقع، وتعتبر المعايير بمثابة: "نورموستات" Normostat السلوك الفردي "منظم السلوك الفردي" التي توفقه عند الحدود المقبولة اجتماعيا. ويلتزم أعضاء الجماعة بمسايرة هذه المعايير، ومن أهم المعايير في الجماعة الإرشادية الكلام عن المشكلات في تعبير حر صادق، وإتاحة الفرصة لمناقشتها بهدف الوصول إلى حلها وتغيير السلوك، هذا وتضغط الجماعة على أعضائها لمسايرة هذا المعيار وعدم مغايرته.
__________
1 يقول الشاعر:
وقد يواسي حزين أخاه في الأقدار ... كما يواسي غريب أخاه في الأسفار
2 يقول الشاعر:
في كل بيت محنة وبلية ... ولعل بيتك إن شكرت أقلها
ويقول آخر:
ما جل خطب ثم قيس بغيره ... إلا وهونه القياس وصغرا
ويقول المثل العامي: "اللي يبص لبلوة غيره هانت عليه بلوته".
(1/323)

ومما يبرز أهمية القوى الإرشادية للجماعة، ودراسة فيرنر Werner؛ "1972" عن مدى تأثير ونجاح عملية الإرشاد الجماعي في جماعات بدون قائد "ومن المتخلفين دراسيا"، وأظهرت دراسة عملية الإرشاد الجماعي "عن طريق شرائط التسجيل المسموعة والمرئية" فعالية القوى الإرشادية للجماعة حتى بدون قائد في نجاح عملية الإرشاد.
حالات استخدام الإرشاد الجماعي:
يستخدم الإرشاد الجماعي في عيادات ومراكز الإرشاد النفسي في الحالات الآتية:
- إرشاد جماعات الأطفال والشباب والراشدين والشيوخ والمغتربين ... إلخ.
- توجيه الوالدين للمساعدة في إرشادهم أولادهم.
- الإرشاد الأسري.
- الإرشاد المهني في المدارس والمؤسسات.
- أصحاب الحالات ذات المشكلات العامة المشتركة مثل مشكلات التوافق الاجتماعي والمدرسي.
- حالات التمركز حول الذات والانطواء والخجل والصمت والشعور بالنقص.
- حالات التحويل الذي يطرأ في عملية الإرشاد الفردي، حيث تساعد الجماعة في فطام العميل نفسيا من علاقة التحويل ذات البعد الواحد بينه وبين المرشد فتشعبها وتحيلها إلى علاقة متعددة الأبعاد بينه وبين أعضاء الجماعة، وبذلك يسهل التخلص التدريجي من التحويل.
هذا ويجب ألا تضم الجماعة الإرشادية والأفراد الذين لديهم مشكلات متطرفة، أو المرضى النفسيين أو الجانحين "كوهن وأخرون.Cohn et al؛ 1963".
بحوث في الإرشاد الجماعي:
مما يوضح أهمية الإرشاد الجماعي أن العديد من البحوث والدراسات تدور حوله، فمثلا: وجد بريكبيل Brechbill؛ "1972" أن الإرشاد الجماعي له فعالية تتساوى مع فعالية الإرشاد الفردي في تقليل مشاعر الانطواء والاغتراب الاجتماعي والقضاء على السلوك اللاتوافقي. وهذه النتيجة لها أهميتها في صالح الإرشاد الجماعي الذي يوفر الوقت والجهد والمال.
ودرست كارول لامبيرت Lambert؛ "1971" استخدام شرائط الفيديو في جلسات الإرشاد الجماعي، وأسمت طريقتها Video- model Counselling، وأكدت أهمية أسلوب الإرشاد الجماعي باستخدام شرائط الفيديو.
(1/324)

ودرس ويست West؛ "1972" تأثير الإرشاد الجماعي على التوافق الشخصي والانفعالي والأسري والتغير في مفهوم الذات، وقارن أثر وجود مرشد واحد بوجود مرشد ومرشدة "بهدف تهيئة جو أسري" ووجد أن وجود مرشد واحد أنجح وأسرع "أكثر اختصارا" من وجود مرشد ومرشدة.
الإعداد للإرشاد الجماعي:
الإعداد للإرشاد الجماعي عملية هامة متعددة الجوانب، تتضمن استعداد المرشد وإعداد أعضاء الجماعة، وإعداد العيادة أو المركز للإرشاد الجماعي "مكجي McGee؛ 1969".
أما عن استعداد المرشد، فإنه يدور أساسا حول استعداده، للقيام بدوره في عملية الإرشاد الجماعي، فالمرشد مسئول عن عملية الإرشاد، وعن تهيئة الجو الإرشادي المناسب -كما سبق تحديده في الفصل السابق، ويقوم المرشد بدوره من داخل الجماعة، ويفضل البعض أن يتم الإرشاد بطريقة غير مباشرة أو غير موجهة، بينما بعض المرشدين يميلون إلى اتباع طريقة الإرشاد المباشر، والأفضل هو أن يكون لدى المرشد اتجاه خياري بالنسبة لطرق الإرشاد.
ويشارك المرشد مع زملائه أعضاء فريق الإرشاد النفسي كأعضاء في الجماعة الإرشادية، وليس كقيادة، ويقوم المرشد بدور الإثارة والضبط والتركيب والتفسير والشرح والتعليق، ويهيئ المجال للتفاعل الاجتماعي الحر بين أعضاء الجماعة، ولا يحتكر المناقشة بل يشجع الأعضاء على النشاط والمشاركة والتعليق، هذا ويجب أن يحيط المرشد علما وخبرة وعملا بسيكولوجية الفرد وديناميات الجماعة لأن الإرشاد الجماعي عملية اجتماعية.
وأما عن إعداد أعضاء الجماعة، فيلاحظ فيه ما يلي:
- يتراوح عدد أعضاء الجماعة الإرشادية عادة بين 3-15 عميلا. ويرى البعض أن العدد الأمثل هو 7-10 أفراد، إلا أن العدد قد يصل إلى 50 فردا في بعض الحالات الخاصة.
- يحسن أن تتشابه مشكلات أعضاء الجماعة، مما يكون عاملا مشتركا بينهم، ويعتبر أساس لتماسك الجماعة لوجود اهتمام وتعاطف متبادل ومشاركة انفعالية.
- يفضل أن تكون الجماعة متجانسة عقليا واجتماعيا حتى يتمكن المرشد من التعامل مع جميع أعضائها على مستوى يناسب الجميع، ويرى البعض أن من الأفضل عدم تجانس أو تشابه أعضاء الجماعة، ويفضلون أن تتضمن الجماعة أفرادا من الجنسين ومتفاوتين في المستوى الاجتماعي والاقتصادي وتختلف مشكلاتهم، وذلك حتى يتحقق التوازن في التفاعل الاجتماعي في الجماعة، ويقولون إن ذلك أقرب إلى الواقع في الحياة الاجتماعية، ويتيح
(1/325)

فرصة تعلم الأعضاء وتدريبهم -مشاهدين ومشاركين- على كيفية حل مشكلات أخرى -غير المشكلات الحالية- قد طرأ عليهم مستقبلا.
- يقوم المرشد بإجراء مقابلة فردية مع كل عميل، تخصص لعملية الفحص والتشخيص وإعداده قبل انضمامه إلى الجماعة، ويجب تهيئة العميل بتعريفه بفائدة الانضمام إلى الجماعة بحيث يشعر بالثقة في رفاقه أعضاء الجماعة ويشعر بالراحة، ويتحمل ضغط الجماعة الإرشادية، حتى يستفيد من الجلسات الإرشادية، ويجب تعريفه أنه يستطيع أن يترك الجماعة ويتحول إلى الإرشاد الفردي في أي وقت يشاء.
- في المدارس والمؤسسات التي يعرف العملاء فيها بعضهم بعضا، يحسن استخدام مقياس العلاقات الاجتماعية "الاختبار السوسيومتري" في تكوين الجماعة ضمانا لتماسكها.
وأما عن إعداد العيادة والمركز للإرشاد الجماعي، فمنه إعدد حجرات الإرشاد الجماعي المتسعة والأثاث المناسب والأدوات المطلوبة والأجهزة اللازمة حسب أسلوب الإرشاد الجماعي، مثل إعداد مكان كمسرح في حالة استخدام أسلوب التمثيل النفسي المسرحي ... وهكذا.
أساليب الإرشاد الجماعي:
تتعدد أساليب الإرشاد الجماعي وذلك حسب المعايير الآتية:
- أعضاء الجماعة ومشكلاتهم النفسية من حيث مدى التشابه أو الاختلاف، ومن ناحية الجنس والسن والمستوى الاجتماعي والاقتصادي، ومن حيث نوع المشكلات.
- طريقة تكوين الجماعة من حيث كونها عشوائية أو يراعى فيها بناء العلاقات الاجتماعية "السوسيومتري".
- مدى استغلال دينامية الجماعة في عملية الإرشاد من حيث ترك المجال للتأثير الحر التلقائي، أو التأثير في شكل تلقين يقوم على إعداد سابق.
- حدود الانفتاح أو الانغلاق، من حيث إشراك أشخاص آخرين في عملية الإرشاد، أو جعل الجلسات مغلقة تضم العملاء والمرشد فقط.
(1/326)

- نوع النظرية التي يتبعها المرشد من حيث تركيزها على دينامية الجماعة، أو على شخصيات الأفراد.
- المكان الذي تتم فيه الجلسات الإرشادية مثل العيادة أو مركز الإرشاد أو المنزل أو المدرسة أو مكان العمل أو النادي ... إلخ.
وفيما يلي تفصيل الكلام عن أساليب الإرشاد الجماعي:
التمثيل النفسي المسرحي "السيكودراما" Psychodrama:
التمثيل النفسي المسرحي أو التمثيلية النفسية، أو المشكلات النفسية، أو الإرشاد بالتمثيليات النفسية من أشهر أساليب الإرشاد الجماعي، وهو عبارة عن تصوير تمثيلي مسرحي والتمثيليات النفسية من أشهر أساليب الإرشاد الجماعي، وهو عبارة عن تصوير تمثيلي مسرحي لمشكلات نفسية في شكل تعبير حر في موقف جماعي يتيح فرصة التنفيس الانفعالي التلقائي والاستبصار الذاتي، وقد ابتكر هذا الأسلوب يعقوب مورينو Moreno في فيينا سنة 1921، وأنشأ أول مسرح علاجي لتقديم السيكودراما سنة 1972 في الولايات المتحدة الأمريكية، ويرى مورينو "1966" أن أهم ما في التمثيل النفسي المسرحي هو حرية السلوك لدى الممثلين "العملاء" وتلقائيتهم، بما يتيح التداعي الحر والتنفيس الانفعالي حين يعبرون في حرية تامة في موقف تمثيلي فعلي عن اتجاهاتهم ودوافعهم وصراعاتهم وإحباطاتهم ... إلخ، بما يؤدي في النهاية إلى تحقيق التوافق والتفاعل الاجتماعي السليم والتعلم من الخبرة الاجتماعية، ويعتبر ويلز Wells؛ "1962" التمثيل النفسي المسرحي ابتكارا من أهم الابتكارات الثورية في العلاج والإرشاد النفسي.
أما عن موضوع التمثيلية النفسية: فإن القصة عادة تدور حول خبرات مثل: خبرات العميل الماضية، وخبراته الحاضرة، والخبرات المستقبلية التي يخافها ويحتمل أن يواجهها في المستقبل القريب، ويدور موضوع القصة كذلك حول مواقف هدفها التنفيس الانفعالي، وأخرى تهدف إلى حل الصراع وتحقيق التوافق النفسي، ومواقف متخيلة غير واقعية، وأخرى تهدف إلى تشجيع فهم الذات بدرجة أفضل، وقد تشمل القصة موضوعات متنوعة مثل: الاتجاهات السالبة، والأفكار والمعتقدات الخرافية، والأحلام ... إلخ.
(1/327)

أما عن تأليف موضوع أو قصة التمثيلية النفسية، فيقوم به العملاء أنفسهم مسبقا، وقد يكون التأليف تلقائيا حسب ما يقتضيه الموقف، وفي بعض الحالات قد يساعد المرشد في التأليف، أما عن الحوار "أو السيناريو" فلا يعد لقصة التمثيلية حوار، ولكن يترك ذلك لتلقائية وابتكار العملاء أثناء التمثيل.
أما عن الأدوار التي يلعبها العملاء في التمثيلية، فيمكن أن تتعدد لتغطي أدوار مثل: دور العميل كما هو في الحياة العملية فعلا، ودور المريض النفسي كما يعتقد أن الناس يرونه، ودور المرشد، ودور شخص مهم في حياة العميل كالوالد أو الولد أو الأخ أو المعلم أو التلميذ أو الرئيس أو المرءوس أو الزوج أو الفتى أو الفتاة أو الجار ... إلخ، ودور شخص معاكس مثل قيام العميل العدواني بدور مسالم أو العميل المنطوي بدور انبساطي، أو المرءوس بدور رئيسه أو الابن بدور الأب أو الزوج بدور الزوجة "والعكس".
أما عن الإخراج، فيقوم به أحد العملاء، وقد يساعده بعض زملائه، وقد يشترك المرشد معهم بما يظهر تفاصيل الموقف ويمكن من تخطيط وتحديد كافة الأدوار التي توزع على المشتركين في التمثيل لإظهار أنماط السلوك اللاتوافقي حتى يمكن ضبطه وتقييمه وتقويمه.
والممثلون هم العملاء أنفسهم، ويكون لأحدهم دور البطل الرئيسي أو الشخصية الرئيسية، ويمثل باقي الأعضاء دور الأشخاص المهمين في حياته مثل الوالدين والإخوة والزوج والرئيس ... وغيرهم. وقد يشترك المرشد وغيره من أعضاء فريق الإرشاد في التمثيل بغرض التوجيه والتفسير. ويجب إسناد الأدوار بحرص إلى العملاء، بحيث تكون متدرجة في العنف بما يضمن الاستمرار وعدم الانهيار وهذا يتطلب إثارة الدافع القوي لدى العملاء للقيام بتمثيل الأدوار بحيث يعرفون أن ذلك يؤدي إلى التخلص من القلق والإحباط، وحل الصراع في مواقف تشبه مواقف الحياة الواقعية ويمكنهم من تحقيق ذاتهم في موقف اجتماعي.
وفي عملية التمثيل، يحسن أن يختار كل عضو الدور الذي يرغب في تمثيله، وأهم ما يطلب من الممثلين هو الاندماج الكامل في المشاهد التمثيلية، أي ألا يمثلوا ولكن يكون سلوكهم معبرا عن أفكارهم الخاصة الحقيقية بتلقائية، وحرية كاملة، وأن تبتكر المشاهد التمثيلية ابتكارا أثناء التمثيل. ومما يلاحظ أن العملاء يسلكون سلوكا أقرب إلى الواقع منه إلى التمثيل، فهم ليسوا ممثلين محترفين.
ويكون المتفرجون غالبا من أعضاء الجماعة الإرشادية وأعضاء فريق الإرشاد.
وبعد التمثيل، يبدأ الممثلون والمتفرجون في مناقشة أحداث التمثيلية "من ناحية السلوك وليس من الناحية الفنية"، والتعليق عليها ونقدها، واستعراض ما يمكن استنتاجه من مواقف الممثلين وخبراتهم ومشكلاتهم، وما يظهر من اتجاهات وتجارب ... إلخ.
(1/328)

ويقوم المرشد بتفسير ديناميات التمثيلية وإظهار الشحنات الانفعالية والصراعات الداخلية ومظاهر القلق، مما يزيد استبصار العملاء بهدف تعديل السلوك في الحياة العملية.
وتتعدد فوائد التمثيل النفسي المسرحي. فتأليف التمثيلية وإخراجها يكشف عن نواح هامة في مشكلات العملاء فات ملاحظتها، وقد تكون لازمة للحل. ويكشف التمثيل عن جوانب هامة من شخصية العميل ودوافعه وحاجاته وصراعاته ودفاعاته ومشاعره، مما يفيد في فهم ودراسة حالة وفي عملية الإرشاد، ويؤدي إلى تقمص العميل لشخصيات تتصل بمشكلته وتمثيل أدوارهم كما يخبرها في الواقع، ويؤدي إلى التنفيس الانفعالي والتحرر من التوتر النفسي والقدرة على التعبير عن النفس والاستبصار بالذات، وفهم الآخرين، وشعوره بأن الآخرين يشتركون معه بقصد المساعدة المتبادلة، ويؤدي إلى التنفيس الانفعالي والتحرر من التوتر النفسي والقدرة على التعبير عن النفس والاستبصار بالذات، وفهم الآخرين وشعوره بأن الآخرين يشتركون معه بقصد المساعدة المتبادلة، ويؤدي إلى تدريب العملاء على مواجهة مواقف عملية واقعية يخافون مواجهتها، وتحقيق الكفاية والمرونة في السلوك الاجتماعي. كذلك فإن التفسير الذي يلي التمثيلية يفيد تشخيصيا وإرشاديا.
وقد دأب الباحثون على تطوير التمثيل النفسي المسرحي، ومن ذلك تسجيل أحداث التمثيلية النفسية صوتيا على شريط أو تسجيلها صوتا وصورة على شريط فيديو، وهذا يتيح للمرشد والعملاء فرصة سماعها ومشاهدتها مرة أخرى للاستزادة والنقد الذاتي وتحديد مدى التقدم في عملية الإرشاد، كذلك يستخدم البعض مساعدات إضافية للتحكم في سلوك العملاء وإضعاف مقاومتهم أثناء التمثيل مثل استخدام بعض العقاقير بإشراف الطبيب، وفي بعض الأحيان تستخدم أشكال مساعدة في الأداء التمثيلي مثل ما يسمى "الراقص النفسي Psychodance "فاين وآخرون.Fine et al؛ 1962".
(1/329)

التمثيل الاجتماعي المسرحي"السوسيودراما" Sociodrama: أو التمثيل الاجتماعي المسرحي "السوسيودراما"، والتي تعالج مشكلة عامة لعدد من العملاء، أو المشكلات الاجتماعية بصفة عامة، يعتبر بمثابة توأم للتمثيل النفسي المسرحي، ويطلق عليها أحيانا اسم "لعب الأدوار" Role- Playing "هيد Head؛ 1962".
المحاضرات والمناقشات الجماعية:
المحاضرات والمناقشات الجماعية أسلوب من أساليب الإرشاد الجماعي التعليمي، حيث يغلب فيها المناخ شبه العلمي، ويلعب فيها عنصر التعليم وإعادة التعليم دورا رئيسيا، حيث يعتمد أساسا على إلقاء محاضرات سهلة على العملاء يتخللها ويليها مناقشات. وتهدف المحاضرات والمناقشات، الجماعية أساسا إلى تغيير الاتجاهات لدى العملاء.
ومن رواد استخدام أسلوب المحاضرات والمناقشات الجماعية علاجيا مكسويل جونز Jones أثناء الحرب العالمية الثانية، وكلابمان Klapman؛ "1947" الذي استخدم أسلوب المحاضرات المكتوبة التي يقرأ كل عميل منها فقرة ويلخصها ويعلق عليها ويناقشها الجميع مناقشة حرة. ومن رواد البحوث حول تأثير المحاضرات والمناقشات الجماعية في تغيير الاتجاهات كيرت ليفين Lewin؛ "1947" وكوش وفرينش Coch & French؛ "1948" وقد أدت تجاربهم إلى نتائج تدل على أن المناقشات والقرار الجماعي بين أعضاء الجماعة يؤدي إلى قرار جماعي أكثر صدقا واتزانا من تقدير ورأي فرد واحد مما يؤثر في دقة وكفاية الحكم على إدراك أعضاء الجماعة "انظر حامد زهران، 1984".
وفي مصر، استخدم صموئيل مغاريوس "1960" أسلوب المحاضرة والمناقشة الجماعية بادئا أول الأمر بالمشكلات الاجتماعية العامة ثم متدرجا إلى المشكلات الخاصة لأعضاء الجماعة، وكذلك درست صفاء الأعسر "1970" أثر المناقشة الجماعية في تخفيض مستوى القلق، ووجدت أن الفرد في الموقف العلاجي الجماعي ينشط اجتماعيا وعقليا وانفعاليا ويسهل التنفيس والتعبير عن المشكلات ويزداد الشعور بالانتماء وإدراك التشابه مع الآخرين.
ويفضل أن يكون أعضاء الجماعية الإرشادية -في حالة استخدام أسلوب المحاضرة والمناقشة الجماعية- متجانسين، بمعنى أن يكونوا جميعا يعانون من مشكلات متشابهة مثل المشكلات التربوية والاجتماعية والمهنية.
أما عن موضوعات المحاضرات والمناقشات، فقد تكون الموضوعات عن: الصحة النفسية والمرض النفسي، وأسباب وأعراض المشكلات والاضطرابات النفسية، والعلاقات المتبادلة بين الجسم والعقل، وعمل الجهاز العصبي، وتأثير الحالة الانفعالية على الجسم، والمشكلات الانفعالية، ومشكلات التوافق النفسي، والأحلام، والدين وأثره في السلوك السوي، والإرشاد الديني. وقد يكون الموضوع مناقشة "حالة افتراضية" "حالة س" يطرحها المرشد،
(1/330)

ويراعي فيها أن تجمع بين الصفات الغالبة لأعضاء الجماعة الإرشادية أو مناقشة حالة أحد أعضاء الجماعة -بعد استئذانه- دون ذكر اسمه، أو مناقشة رأي، أو اتجاه أو سلوك متطرف لأحد أعضاء الجماعة، أو مناقشة بعض الأفكار الشائعة في "الفولكلور النفسي" أو مناقشة الأفكار الخرافية والمعتقدات الخاطئة التي قد تلاحظ عند بعض أعضاء الجماعة.
أما المحاضرون، فأهمهم عادة المرشد، وهو يعتمد على تأثيره الشخصي على العملاء، وتتضمن محاضرته الكثير من التوجيهات ويلقي بعض المحاضرون مدعوون لهذا الغرض من تخصصات مختلفة مثل الأطباء والأخصائيين الاجتماعيين والموجهين التربويين وبعض المسئولين في عالم المهنة وبعض علماء الدين ... إلخ، ويمكن أن يقوم بإلقاء بعض المحاضرات -أو المشاركة فيها- بعض أعضاء الجماعة أنفسهم، مع أقل تدخل من جانب المرشد. ويدعى بعض العملاء الذين تلقوا خدمات الإرشاد من قبل واستفادوا منه لإلقاء محاضرات على العملاء الحاليين تتناول خبراتهم أثناء عملية الإرشاد وخلال تقدمهم نحو حل مشكلاتهم.
وفي المحاضرات، تستخدم الوسائل المعينة الممكنة مثل الأفلام والكتيبات "مثل كيف تذاكر دروسك، كيف تنجح في الامتحان، عالم الوظائف والمهن ... إلخ، وغير ذلك مما يساعد في الإيضاح.
هذا وتتم أحيانا المزاوجة بين المحاضرات والمناقشات الجماعية وبين الترفيه والسمر والنشاط الفني وغير ذلك من أوجه النشاط التلقائي الحر، حتى لا تأخذ العملية شكلا أكاديميا أكثر من اللازم.
وتكون المناقشة إما بعد المحاضرة أو أثناءها، ويقوم المرشد عادة بإدارة المناقشة، والمناقشة مهمة جدا لأن العميل الذي يستمع إلى المحاضرة هو أدرى من المحاضر بما يحتاج إليه من معلومات يريد معرفتها أو مناقشتها.
وهكذا تؤدي المحاضرات والمناقشات الجماعية إلى نتائج هامة في تغيير اتجاهات العملاء نحو أنفسهم ونحو الآخرين ونحو مشكلاتهم.
ويلاحظ أن أسلوب المحاضرات والمناقشات الجماعية يستخدم بنجاح وعلى نطاق واسع في الإرشاد الوقائي وخاصة في المدارس والمؤسسات.
النادي الإرشادي:
النادي الإرشادي "الخاص" أسلوب من أساليب الإرشاد الجماعي القائم على النشاط العملي والترويحي والترفيهي بصفة عامة، أي أن النشاط العملي يحل محل الكلام.
ويستخدم أسلوب النادي الإرشادي بصفة خاصة مع العملاء الذين يخلطون بين العيادة
(1/331)

النفسية أو مركز الإرشاد النفسي وبين مستشفى الأمراض النفسية، ولا يحبون التردد عليها، فوقع كلمة "عيادة" غير مريح عند هؤلاء وينفع هذا الأسلوب كذلك مع بعض العملاء، الذين يحتاجون إلى تكوين علاقات شخصية بناءة مع أقرانهم، وإلى خبرات جماعية، ومع الذين يحتاجون إلى تكوين علاقات شخصية بناءة مع أقرانهم، وإلى خبرات جماعية، ومع الذين يعانون من الرفض والحرمان والإحباط في الأسرة أو في المدرسة أو في المجتمع بصفة عامة.
ومن الرواد في هذا الأسلوب سلافسون Slavson؛ "1943، 1947".
وتسير الجلسات الإرشادية في النادي في جو اجتماعي نفسي مناسب، وتبدأ عادة بنشاط رياضي مثل ألعاب الكرة أو ألعاب السمر، أو نشاط فني مثل الموسيقى والغناء، أو مشاهدة فيلم أو تمثيلية، وتعد غرف خاصة للأنشطة الترويحية المختلفة المتنوعة وممارسة الهوايات بما يناسب العملاء المنطوين والمنبسطين والعدوانيين ... إلخ. وفي نهاية الجلسات يجتمع الجميع لتناول الطعام والشراب معا ويتناقشون فيما يرون من موضوعات.
أما عن دور المرشد، فيكون في معظم الأحيان محايدا، ويكون ما يريده العملاء أن يكون، فقد يشاركهم لعبهم وطعامهم ومناقشتهم ... إلخ، ويتناول ما قد يظهر خلال النشاط الاجتماعي من سلوك منحرف بالتعديل والتصحيح.
وهناك ميزات ينفرد بها أسلوب النادي الإرشادي، ففيه يسلك العميل على سجيته كما يسلك عادة في حياته اليومية، مما يتيح لقطات ذات قيمة من سلوكه الاجتماعي، تفيد في التنفيس الانفعالي كما في الملاكمة أو المصارعة في حالة الرغبة في تفريغ النزعات العدوانية، وتنمو من خلال النشاط في النادي الاهتمامات ويتحسن التوافق الاجتماعي، وتنمو الصداقات الاجتماعية داخل وخارج الجماعة، ويتضاءل الخجل والانطواء والانسحاب. وهذا كله يؤدي إلى تقليل وتخفيف السلوك العدواني والتخريبي والهدام في إطار الجماعة، ويؤدي إلى اختفاء التوتر والمخاوف وزيادة الثقة بالنفس والآخرين.
جماعة المواجهة Encounter Group:
ابتكر كارل روجرز Rogers؛ "1970" أسلوب "جماعة المواجهة" في الإرشاد والعلاج النفسي الجماعي، حيث تتاح فرصة "مواجهة أساسية" في إطار "خبرة جماعية مكثفة" Intensive Group Experience "معظم الوقت" تستمر فترة تتراوح من يومين إلى ثلاثة "كعطلة نهاية الأسبوع مثلا"، لمدة أسبوعين أو ثلاثة، ويستغرق إجمالي الجلسات الإرشادية من 20-60 ساعة.
(1/332)

وهذا الأسلوب يمكن استخدامه في مراكز الإرشاد أو العيادات النفسية أو المدارس أو النوادي أو في أماكن قضاء العطلات.
وتضم جماعة المواجهة من 5-10 أفراد، لديهم مشكلات متشابهة "مثل المشكلات الزواجية". "ريتشارد ديمبسي Dempesy؛ 1980".
ويكون التركيز على الحاضر "هنا والآن" Here and Now.
ويقوم المرشد بدور "الميسر" Facilitator" للتفاعل الجماعي، وتنشيط دينامية الجماعة في مناخ آمن نفسيا.
وتلخص إجلال سري "1990" مراحل وإجراءات الخبرة المكثفة في جماعات المواجهة فيما يلي:
- التجمع: حيث يوضح المرشد "الميسر" في البداية الهدف الإرشادي، ويؤكد على الحرية الكاملة، والمسئولية الشخصية والجماعية عن السرية، وقد تبدأ الجماعة في التفاعل المتنوع غير المحدد.
- المقاومة: حيث يقاوم الأفراد في أول مراحل التفاعل الإفصاح عن محتوى مفهوم الذات الخاص.
- وصف المشاعر السابقة: حيث يبدأ التعبير عن بعض المشاعر السابقة "هناك وآنذاك"، مع بعض الحذر، وعدم كشف الذات تماما في الوقت الحاضر.
- التعبير عن المشاعر المباشرة: حيث قد يعبر البعض عن مشاعر موجبة أو سالبة تجاه بعض أعضاء الجماعة أو نحو المرشد، ويتم ذلك في إطار الحرية التي تتمتع بها الجماعة.
- التعبير عن الخبرات الشخصية: حيث يبدأ الكشف عن الذات وعن الخبرات الشخصية بالتدريج، وبعمق أكثر.
- نمو طاقة إرشادية في الجماعة: حيث تنمو تلقائيا من خلال التفاعل مع خبرات الآخرين، في إطار إرشادي ميسر.
- خلع الأقنعة "المكاشفة": حيث تزداد المواجهة عمقا، وتخلع الأقنعة التي يختبئ وراءها الأعضاء بالتدريج أو بطريقة فجائية ودرامية، ويكشف عن محتويات "مفهوم الذات الخاص" ويعتبر هذا بمثابة "عرى نفسي" أو كشف عن "العورة النفسية"1.
__________
من أساليب التنشيط هنا: الكرسي الساخن "كرسي الاعتراف" ولعب الأدوار، والعين في العين، والطلقات السالبة.
(1/333)

- تلقي التغذية المرتدة: حيث يتلقى كل فرد ردود أفعال الآخرين، وتبدو الجماعة بمثابة مرآة جماعية لكل عضو فيها.
- التحدي "وجها لوجه": حيث يواجه الأفراد أنفسهم، وبعضهم بعضا، أخذا وعطاء، وإيجابا وسلبا.
- علاقة المساعدة الجماعية: حيث تنمو علاقة مساعدة متبادلة بين الأعضاء، داخل وخارج الجلسات الجماعية.
- المواجهة الأساسية: حيث يزداد التفاعل عمقا، وتزداد العلاقات قربا، وتصبح في شكل "أنا وأنت"، وتصبح الجماعة بمثابة "كتف يبكي عليه الأعضاء".
- التعبير عن المشاعر الموجبة: حيث يزداد التعبير عن التقبل والمودة نحو الزملاء ونحو الخبرة الجماعية.
- التغيرات السلوكية الموجبة: وتظهر في شكل اتجاهات موجبة، ومشاعر عميقة، ومودة ظاهرة، وثقة متبادلة، وتلقائية، وانفتاح أكثر، واحترام متبادل، وفهم مستنير.
مزايا الإرشاد الجماعي:
تحتل طريقة الإرشاد الجماعي مركزا ممتازا بين طرق الإرشاد النفسي، وذلك لتوافر ميزات عديدة أهمها ما يلي:
- الاقتصاد في نفقات الإرشاد، وتوفير الوقت والجهد، وخفض عدد المرشدين.
- يعتبر أنسب طرق الإرشاد في البلاد النامية التي تعاني من نقص شديد في عدد المرشدين.
- يعتبر أنسب الطرق لإرشاد العملاء الذين لا يتجاوبون ولا يتعاونون في الإرشاد الفردي.
- يعتبر أنسب الطرق الإرشادية لتناول المشكلات التي تحل بفعالية أكثر في المواقف الاجتماعية مثل مشكلات سوء التوافق الاجتماعي.
- يتيح خبرات عملية وأوجه نشاط متنوعة مفيدة في الحياة اليومية، ويتيح فرصة نمو العلاقات الاجتماعية في مواقف أثرى اجتماعيا من الموقف الفردي، وأقرب إلى مواقف الحياة الواقعية العملية، حيث توجد علاقات متعددة متنوعة، ويتيح فرصة خبرة العميل، ويرد فعل الآخرين لسلوكه السوي وغير السوي على حد سواء، أي أن الجماعة تمكن أفرادها من إجراء "بروفة" للسلوك الاجتماعي المتعلم خلال عملية الإرشاد قبل تطبيقه عمليا في المجتمع.
(1/334)

- يستغل تأثير الجماعة وخبرة التفاعل في تعديل اتجاهات وسلوك أعضائها، فيقلل من السلوك العدواني والمخاوف، ويفتح الطريق أمام نمو واكتساب معايير سلوكية ومهارات وقيم وأنماط سلوكية سوية جديدة.
- يستفيد من ديناميات الجماعة في توفير السند الانفعالي المطلوب في الإرشاد النفسي عن طريق العلاقات الاجتماعية، ويتيح فرصة التنفيس الانفعالي.
- يقلل من حدة تمركز العميل حول ذاته، ويوفر الفرصة لتحقيق الذات وإحراز المكانة والتقدير، مما ينمي الثقة في النفس وفي الآخرين يقوي عاطفة اعتبار الذات واحترام الذات والشعور بالقيمة، ويكفل تصحيح وتعديل مفهوم العميل عن ذات وعن الآخرين وعن العالم الخارجي عموما في اتجاه تقدير الذات والتحقق من قدراته، مما يزيد تقبله للآخرين وتقبل الآخرين له.
- يجمع بين خبرات العميل الشخصية وبين واقع اجتماعي مجسد، ويمكن من نقل خبرات التعلم التي تحدث أثناء العملية الإرشادية بطريقة أسهل إلى موقف الحياة اليومية لأنها أقرب إليها.
- يطمئن العميل إلى أنه ليس الوحيد الذي يعاني من مشكلات نفسية، وأن هناك كثيرين غيره، فيقل شعوره بالانزعاج واليأس، ويشجع العملاء "وخاصة في المدارس" على الإقدام على الإرشاد.
- يتيح فرصة الاستفادة من أخطاء الغير والاتعاظ بها حين يسمع قصصهم وتواريخ حياتهم منهم1.
- يشعر العميل بأنه يعطي ولا يأخذ فقط.
عيوب الإرشاد الجماعي:
على الرغم من مزايا الإرشاد الجماعي، فإن له بعض العيوب التي يجب العمل على التغلب عليها، وأهم عيوبه ما يلي:
- صعوبة عملية الإرشاد الجماعي من الناحية الفنية إذا قورن بالإرشاد الفردي، فهو يحتاج إلى خبرة وتدريب خاص قد لا يتوافر لدى كثير من المرشدين.
- عدم التمكن من إحداث تغييرات جوهرية في البناء الأساسي لشخصية العميل.
- شعور بعض العملاء بالحرج والخجل حين يكشفون عن أنفسهم ويتحدثون عن مشكلاتهم
__________
1 روي عن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال: "السعيد من وعظ بغيره، والشقي من انخدع بهواه وغروره".
(1/335)

أمام الآخرين غير المرشد، وقد يعتقدون أن في الإرشاد الجماعي ما قد يهدد مكانتهم الاجتماعية، وهذا يجعلهم يحجمون عن الكشف الكامل عن ذواتهم.
- عدم استفادة البعض بالدرجة المطلوبة في خضم الاهتمام بالجماعة، وقد تتضاءل مشكلات الأفراد الخاصة بالمقارنة بالاهتمام بالمشكلات العامة، وفي نفس الوقت قد تضيع مشكلة فرد واحد وقت الجماعة.
- احتمال ظهور بعض المضاعفات حيث قد يتعلم بعض العملاء أنماطا سلوكية غير سوية لم يكونوا يعرفونها من قبل.
(1/336)

أوجه الاختلاف بين الإرشاد الفردي والإرشاد الجماعي:
هناك أوجه اختلاف تفرق بين الإرشاد الفردي والإرشاد الجماعي، ويلخصها جدول "5".
(1/337)

بين الإرشاد الفردي والجماعي:
يعتبر الإرشاد الفردي والإرشاد الجماعي وجهين لعملة واحدة، كل يكمل الآخر، ولا غنى عن أي منهما في أي برنامج متكامل للتوجيه والإرشاد النفسي. فقد يبدأ الإشارد الفردي قبل الإرشاد الجماعي ويمهد له، وقد يبدأ الإرشاد الجماعي كذلك قبل الإرشاد الفردي ويمهد له، وقد يتخلل جلسات الإرشاد الفردي جلسات جماعية، وقد يتخلل الإرشاد الجماعي جلسات فردية "مارجريت بينيت Bennett؛ 1963".
وقد نشطت الدراسات والبحوث حول مقارنة فعالية الإرشاد الفردي والإرشاد الجماعي ومن أمثلتها دراسة سميث Smith؛ "1972" الذي وجد فيها أن تأثير الإرشاد الجماعي أقوى في مجال الإرشاد المهني ومشكلات النمو والتوافق المهني، بينما من المعروف أن تأثير الإرشاد الفردي أقوى في مجال الإرشاد العلاجي للمشكلات الشخصية.
أوجه الشبه بين الإرشاد الفردي والإرشاد الجماعي:
تتمثل أوجه الشبه بين الإرشاد الفردي والإرشاد الجماعي في أوجه الاتفاق بين كل منهما والتي تتلخص فيما يلي:
- وحدة الأهداف العامة، فكل منهما يهدف إلى مساعدة وتوجيه العميل ليفهم ويساعد ويوجه ذاته.
- وحدة الإجراءات الأساسية في عملية الإرشاد كما سبق تناولها في الفصل السادس.
- كلاهما يتعامل مع الأشخاص العاديين وأقرب المرضى إلى الصحة وأقرب المنحرفين إلى السواء.
- كلاهما عرضة لحدوث طوارئ عملية الإرشاد.
(1/236)

الإرشاد الموجه DIRECTIVE COUNSELLING:
الإرشاد الموجه هو الإرشاد الممركز حول المرشد Counsellor- centred الممركز حول الحقيقة Fact- centred وفيه يقوم المرشد بدور إيجابي نشط في كشف الصراعات وتفسير المعلومات، وتوجيه العميل نحو السلوك الموجب المخطط، مما يؤدي إلى التأثير المباشر في تغيير الشخصية والسلوك، وفيه يتحمل المرشد مسئولية أكبر من تلك التي يتحملها العميل، وهو بهذا يعتبر نوعا من الإرشاد المفروض.
(1/337)

ويقوم الإرشاد الموجه على أساس افتراض رئيسي: وهو نقص معلومات العميل وعجزه عن حل مشكلاته من ناحية، وزيادة معلومات المرشد وخبرته في حل المشكلات من ناحية أخرى.
ويهدف الإرشاد الموجه مباشرة إلى حل مشكلات العميل التي جاء بها، ويعتقد فيه أنه يحل المشكلات يكتسب العميل بالتدريج القدرة على التوافق، ويعتقد أن الإشباع والرضا اللذين يتحققان للعميل نتيجة حل مشكلاته الحالية يزيدان من ثقته بنفسه وبالمرشد وبعملية الإرشاد.
ويستخدم الإرشاد الموجه عادة مع العملاء المتعجلين الذين تنقصهم المعلومات ويحتاجونها ويطلبونها، ويستخدم كذلك مع العملاء ذوي المشكلات الواضحة المحددة. وهو بصفة عامة أكثر استخداما في مجال الإرشاد العلاجي.
وقد سبق أن ذكرنا أن نظرية السمات والعوامل هي الأساس النظري الذي تقوم عليه طريقة الإرشاد الموجه "راجع نظرية السمات والعوامل في الفصل الثالث".
ورائد طريقة الإرشاد الموجه هو ويليامسون Williamson.
أسلوب الإرشاد الموجه:
أسلوب الإرشاد الموجه علاجي "كلينيكي" يكاد يسير في عملية الإرشاد بإسلوب الطبيب "نوردبيرج Nordberg؛ 1970".
ويرى البعض أن أسلوب الإرشاد الموجه يرتبط أكثر بميدان التربية والتعليم لأنه يتضمن قدرا كبيرا من التوجيه وتقديم المعلومات، وحيث يتبع المرشد أسلوبا لتعليم العميل كيف يحل مشكلاته، أي أن الإجراء الخاص بالتعليم وإعادة التعلم والخبرة والنمو في عملية الإرشاد إجراء أساسي في الإرشاد الموجه.
ويرى آخرون أن الإرشاد الموجه يعتبر ببساطة أسلوبا لحل المشكلات.
ويلاحظ أنه في الإرشاد الموجه، تستخدم الاختبارات والمقاييس بكثرة في عملية التشخيص وتحديد المشكلة، حيث يركز على الحقائق الموضوعية أكثر من المعنى الانفعالي والمرتبط بها عند العميل "كرونباخ Cronbach؛ 1970".
(1/338)

ويقوم المرشد بدور إيجابي، حيث يستثير حاجات العميل إلى المعلومات، ويقدمها له ويقدم له مساعدة مباشرة، ونصحا مباشرا، ويناقش معه قرارته، ويقدم له حلولا جاهزة، ويعلمه ويخطط له، وذلك في ضوء علمه وخبرته ومكانته، وهو بذلك يقوم بدور "الحكيم".
أما العميل، فهو مستقبل يأخذ الحلول ويتلقى التعليمات، ولذلك فهو سلبي نسبيا.
إجراءت الإرشاد الموجه:
الإرشاد الموجه بسيط ومحدد، يدور عادة حول مشكلات محددة وواضحة، وتبع إجراءات في شكل خطوات محددة لتحقيق أهدافه، ويأتي العميل إلى المرشد بمشكلته، ويتبع معه المرشد الخطوات التالية:
التحليل Analysis: أي جمع المعلومات المفصلة اللازمة لدراسة العميل وفهمه وفهم مشكلته، وتحليل هذه البيانات، وهنا تجري الاختبارات والمقاييس وغيرها من وسائل جمع المعلومات.
التركيب Synthesis: أي تجميع وتنظيم وتلخيص المعلومات التي تم جمعها وتحليلها.
التشخيص Diagnosis: أي تحديد مآل المشكلة في ضوء مدى حدتها وسهولة أو صعوبة حلها ... إلخ.
الإرشاد الفردي Counselling: أي تقديم الخدمات الإرشادية الرئيسية حسب إجراءات عملية الإرشاد للوصول إلى حل المشكلة، ويتضمن ذلك تفسير المعلومات وتحويل السلوك الانفعالي إلى سلوك عقلي منطقي، وتقديم النصح واتخاذ القرارات واقتراح الحلول للمشكلة وإقناع العميل بها.
المتابعة: Follow- up أي متابعة تطور الحالة بعد إنهاء عملية الإرشاد.
نقد الإرشاد الموجه:
أهم مزايا الإرشاد الموجه هو التركيز الجاد على حل مشكلة العميل، واتباع خطوات محددة للحصول إلى تحقيق هذا الهدف.
ومن عيوبه: أنه ليس من المفروض أن يقدم المرشد حلولا جاهزة للعميل، حتى لو كان ذلك تحت ستار أو شعار رأي العلم، فرأي العلم لا يصلح بالضرورة بالنسبة للجميع، كذلك فإن في الإرشاد الموجه شيئا من السلطة التسلطية من جانب المرشد.
(1/339)

الإرشاد غير الموجه NONDIRECTIVE COUNSELLIGN:
الإرشاد غير الموجه يسمى أيضا الإرشاد غير المباشر أو "الإرشاد الممركز حول العميل"1 Client- centred Counselling أو الإرشاد الممركز حول الذات -Self centred counslling وهو توأم العلاج الممركز حول
العميل Client- centred Therapy أي الذي يضع العميل أو الشخص في مركز دائرة الاهتمام وهو أقرب طرق الإرشاد النفسي إلى العلاج النفسي.
وشيخ هذه الطريقة هو كارل روجرز Rogers؛ "1942"صاحب نظرية الذات -Self- theory "راجع الفصل الثالث" التي توصل إليها من خلال خبرته في الإرشاد والعلاج غير المباشر أو الممركز حول العميل كما بلورها روجرز، وهو روح الطريقة الممتازة وتطوراتها أكثر منها اتباع أسلوب روجرز حرفيا "انظر حامد زهران، 1997".
ولقد لخص روجرز أسلوب طريقة الإرشاد والعلاج الممركز حول العميل في "إقامة علاقة إرشادية وتهيئة مناخ نفسي يمكن العميل من أن يحقق هو أفضل نمو نفسي" أي أن الهدف ليس مجرد حل مشكلة معينة.
وحدد روجرز هدف الإرشاد الممركز حول العميل بأنه مساعدة العميل على النمو النفسي السوي، وإحداث التطابق بين مفهوم الذات الواقعي وبين مفهوم الذات المدرك ومفهوم الذات المثالي مفهوم الذات الاجتماعي "أي التغير من مفهوم الذات السالب إلى مفهوم الذات الموجب" أي أنه يركز حول تغيير مفهوم الذات بما يتطابق مع الواقع، وإذا تطابق السلوك مع هذا المفهوم الأقرب إلى الواقع كانت النتيجة هي التوافق النفسي.
ويستخدم الإرشاد غير الموجه بنجاح مع أنواع معينة من العملاء، وخاصة أولئك الذين يكون ذكاؤهم متوسطا أو أكثر ويكون لديهم طلاقة لفظية، ويفيد جيدا في مجال الإرشاد العلاجي والإرشاد الزواجي، ويستخدم في حل المشكلات الشخصية للشباب، ويفيد بصفة خاصة في حالات مفهوم الذات السالب لدى العميل ورغبته في التغيير.
__________
1 قد يفهم البعض من مصطلح "الممركز حول العميل" Client- centred أن طرق الإرشاد الأخرى لا تهتم بالعميل، ولكن الحال ليس كذلك فكل طرق الإرشاد يمكن أن يطلق عليها مصطلح المهتم بالعميل" Client-concerned.
(1/340)

خصائص الإرشاد غير الموجه:
أهم خصائص الإرشاد غير الموجه هي التمركز حول ذات العميل، وحول هذا المحور تدور العلاقة المميزة بين المرشد والعميل، وفيما يلي تفصيل ذلك.
التمركز حول العميل: أهم خصائص الإرشاد غير الموجه هي التمركز حول العميل الذي ليس هناك من هو أعرف بنفسه منه، والذي هو خير بطبيعته البشرية، ومخير في سلوكه، وله حق تقرير مصيره. وأهم ما يقرر استخدام الإرشاد غير الموجه "والممركز حول العميل" هو نضج العميل وتكامل شخصيته بدرجة تمكنه من أن يمسك هو بزمام مشكلته في يده، وأن يتحمل مسئولية حلها بذكاء تحت توجيه المرشد غير المباشر، وتفترض نظرية الذات -التي يقوم على أساسها الإرشاد غير الموجه- بأن العميل يكون لديه محتوى مهدد في مفهوم الذات الخاص "العورة النفسية" ويدرك ويعي عدم التطابق بين مفهوم الذات المدرك والمثالي "مفهوم الذات السالب" ويدرك ويعي التهديد الناجم عن وجود محتوى مفهوم الذات المثالي ... إلخ" ويخبر العميل شعوريا وفي وعي العوامل الكامنة في عدم التوافق النفسي، ويكون قلقا معرضا لمضاعفات نفسية، ويرغب في التغيير، ويدرك الحاجة للإرشاد1 ويقبل هو عليه ببصيرة نامية، أو قابلة للنمو، ولديه دافع لأن يصبح ناضجا ومتوافقا، ويكون لديه عناصر قوة وقدرة على تقرير مصيره بنفسه وتحديد فلسفة حياته، وعلى استعداد لتحمل مسئوليته في عملية الإرشاد وتوجيه نفسه تحت إشراف المرشد غير المباشر.
دور المرشد: يكون المرشد المتوافق والمتطابق الخبير، الذي يهتم بإخلاص بحالة العميل، متقبلا له كما هو ومشجعا إياه، ويستمع إليه جيدا ويشجعه ويفهم وجهات نظره، في مناخ إرشادي صادق يسوده التفاؤل والبشاشة والتسامح، لا يتخذ موقف الواعظ أو الناصح أو المقيم للسلوك. ويكون المرشد بمثابة مرآة يعكس عليها العميل مشاعره بصدق ويسقط اتجاهاته بوضوح، ويرى فيها المشاركة الانفعالية، وبذلك يكون المؤمن مرآة أخيه. وتتضح رؤية العميل لصورة شخصيته ويزداد استبصاره بنفسه، وهكذا يساعد المرشد بطريق غير مباشر، ويبدو محايدا وأقل نشاطا من العميل، ولكنه ليس سلبيا، إذ أنه يهيئ كل ما يتيح للعميل قيامه بدوره الإيجابي النشط.
العلاقة بين المرشد والعميل: تكون العلاقة الإرشادية بين المرشد والعميل في مناخ حيادي سمح خال من التهديد والرقابة، تتحدد فيه ملامح عملية الإرشاد في شكل مقدمة تركز
__________
1 قال سقراط: "لا تدع أحدا يقنعك أن تعالجه حتى يكون قد أعطاك نفسه لتعالجها".
(1/341)

على السرية المطلقة وعلى تحديد مسئوليات كل من المرشد والعميل وفهم أهمية التقارير الذاتية، وأن أحسن أسلوب لفهم سلوك الفرد هو من وجهة نظره ومن داخل إطاره المرجعي. ولذلك فعلى العميل تقع مسئولية الكشف عن ذاته بمستوياتها المختلفة، وعن محتوى مفهوم الذات الخاص1 وعن أسباب وأعراض مشكلاته، حتى يمكن تحديدها بدقة وعلاجها وتحقيق التوافق والصحة النفسية.
ملامح الإرشاد غير الموجه "الممركز حول العميل":
يمكن تلخيص أهم ملامح الإرشاد غير الموجه أو الممركز حول العميل أو الممركز حول الشخص فيما يلي:
- يتميز بوضوح النظرية التي يستند إليها وهي نظرية الذات.
- هدفه هو التوافق النفسي والصحة النفسية، وذلك بتحقيق نمو الشخصية وتحقيق التطابق بين المجال الظاهري ومفهوم الذات، والتخلص من المحتويات المهددة بمفهوم الذات الخاص والتصرف فيها.
-أحسن وسيلة لفهم العميل هي فهم الإطار المرجعي الداخلي له وفهم عالمه الفردي الخاص، أي فهم سلوكه من وجهة نظره هو.
- عندما يتم التوصل إلى فهم سلوك العميل في هذا الإطار يعمل على زيادة فهم نفسه بدرجة أوضح. وتكون المساعدة للتعرف على التفاوت بين عالم العميل الذاتي كما يدركه وبين العالم الخارجي الواقعي الموضوعي.
- ما دام مفهوم الذات يحدد السلوك، فإن أفضل أسلوب لإحداث التغير في السلوك هو أن يحدث التغير في مفهوم الذات.
- لكي يتم تغيير مفهوم الذات "من سالب إلى موجب" والسلوك من لا متوافق إلى متوافق"، يتم تهيئة مناخ إرشادي آمن خال من التهديد لذات العميل يسوده التفاؤل والأمل، كله حرية وتقبل وثقة واطمئنان على سرية المعلومات، وهذا يتيح فرصة فهم الدوافع والحاجات ودراسة الاتجاهات، والإفصاح والبوح بالمشكلات والكشف عن الذات.
- تزداد الثقة المتبادلة بين المرشد والعميل دون شروط، ويساعد المرشد العميل على تعديل مفهوم
__________
1 يمكن أن يستخدم هنا اختبار مفهوم الذات من إعداد المؤلف "حامد زهران Zahran؛ 1966، 1967، 1976"، واختبار مفهوم الذات الخاص من إعداده أيضا "حامد زهران، 1972".
(1/342)

الذات وأبعاده المتعددة، والبوح بمكنون مستودع مفهوم الذات الخاص والتصرف فيه وتحويل الخبرات المؤلمة إلى خبرات معلمة.
- يقل ثم يختفي التهديد والدفاع، ويخبر العميل شعوريا العوامل التي أدت وتؤدي إلى سوء توافقه النفسي، وخاصة عدم التطابق ومحتويات مفهوم الذات الخاص.
- يجمع العميل خبراته بدقة في بنية الذات، ويصبح أكثر تقبلا لخبراته جزء من ذاته ولا يحاول إسقاطها على غيره أو على بيئته أو يخفيها بحيل دفاع لا شعورية. ويزداد استبصاره، ويترجم البصيرة إلى فعل وسلوك، ويزداد اعتماده على نفسه، ويضع الحلول لمشكلاته، ويتخذ القرارات بنفسه "أي أن الحلول والقرارات تنبع من الداخل ولا تفرض من الخارج"، وإذا احتاج إلى معلومات يطلبها من المرشد الذي يقدمها بناء على طلب العميل.
- يزداد التطابق بين مستويات مفهوم الذات والخبرة والمجال الظاهري، ويتخلص من محتوى مفهوم الذات الخاص وتهديده، ويصبح أكثر موضوعية، وأكثر واقعية، ويخف التهديد ويقل القلق.
- ينظم العميل مفهومه عن ذاته ليصبح متطابقا مع خبراته في المجال الظاهري.
- ترتفع مكانة الذات، ويتقبل العميل ذاته، ويعود ويصير سويا متوافقا صحيحا نفسيا.
مزايا الإرشاد غير الموجه:
تتلخص أهم مزايا الإرشاد غير الموجه فيما يلي:
- مكاسبه كثيرة، وتتجلى في الاستبصار وفهم الذات والثقة في النفس وتعلم العميل حل المشكلات واتخاذ القرارات مستقلا مستقبلا.
- يتمشى ويتسق مع أسس الفلسفة الديموقراطية، إذ أنه يقوم على مبدأ احترام الفرد وحقه في تقرير مصيره، وفي هذا نظرة إنسانية واضحة.
عيوب الإرشاد غير الموجه:
تتلخص أهم عيوب الإرشاد غير الموجه فيما يلي:
- يراعي الإنسان على حساب العلم.
- قد يغالي المرشد في ترك العميل وشأنه، فيغوص الأخير في دوامات ويضيع في متاهات ولا يصل إلى حل محدد.
- أحيانا قد يطلب العميل النصيحة ويشعر بالضيق حين لا يقدمها المرشد، وقد يشعر باليأس من عملية الإرشاد.
- يهمل عملية التشخيص رغم إجماع معظم طرق الإرشاد على أهميتها.
(1/343)

بين الإرشاد الموجه وغير الموجه:
لا شك أن لكل من الإرشاد الموجه وغير الموجه مكانه واستخداماته حسب نوع العميل ونوع مشكلته، فمثلا لا يصلح الإرشاد الموجه حينما يتضح أن المشكلة هي نقص معلومات كما في حالة الإرشاد المهني، بينما يصلح الإرشاد غير الموجه في المشكلات التي تتضمن الصراعات النفسية كما في الإرشاد العلاجي، وهناك من يتحمس للإرشاد الموجه، وينتقد بشدة الإرشاد غير الموجه، والعكس موجود، ويرى بعض المعتدلين أن كلا من الإرشاد الموجه والإرشاد غير الموجه، هما في الواقع طرف متصل إرشادي واحد. ويلاحظ فيليب فيرنون Vernon؛ "1964" أن طريقة الإرشاد غير الموجه يفضلها المرشدون في أمريكا، بينما يفضل المرشدون البريطانيون طريقة الإرشاد الموجه.
وقد أجريت الدراسات والبحوث حول الطريقتين: ومن أمثلتها دراسة راشيل أجزين Ajzen؛ "1971" حول ردود فعل العملاء لكل من طريقة الإرشاد الموجه وطريقة الإرشاد غير الموجه، حيث أجريت العملية الإرشادية مع عينة من طلبة وطالبات الجامعة بالطريقتين. وأوضحت الدراسة أن الإرشاد غير الموجه، أكثر فعالية وخاصة في مواقف الإرشاد الأسري والمسائل الجنسية، أما فيما يتعلق بوضع حلول نفسية لمشكلة العميل، فقد وجدت الباحثة أنه يكون أفضل في حالة الإرشاد الموجه، أما الحلول غير النفسية فتكون أفضل في حالة الأسلوب غير الموجه، ووجدت أيضا أن الإناث يفضلن الإرشاد غير الموجه على الإرشاد الموجه بشكل ملحوظ، وأن التفضيل العام في العينة عموما هو أيضا للإرشاد غير الموجه.
ولقد قامت محاولات للتوفيق بين طريقتي الإرشاد الموجه وغير الموجه، واتخاذ موقف وسط. ومن بين الذين اضطلعوا بهذا نورديبرج Nordberg؛ "1970" الذي حول -على حد تعبيره- الجمع بين موضوعية ويليامسون وتمركز روجرز حول العميل. وقد أطلق نوردبيرج على أسلوبه اسم "الأسلوب غير المجبر" Non- coersive Approach وهو يتفق مع روجرز في أن المرشد يجب ألا يقدم نصائح ويجب ألا يعبر عن آراء، ويتفق مع ويليامسون في أن جمع المعلومات بطريقة موضوعية يجعل هناك إطارا، محددا ومعياريا للحكم على السلوك والرجوع إليه، يمثل الواقع الموضوعي، ويختلف أيضا مع روجرز في أن المرشد يجب أن يحدد التشخيص.
أوجه الاتفاق والاختلاف بين الإرشاد الموجه وغير الموجه:
يركز الكتاب على أوجه الاختلاف بين الإرشاد الموجه والإرشاد غير الموجه، أكثر مما ركزوا على أوجه الاتفاق ويبين جدول "6" أوجه الاختلاف بين الطريقتين:
(1/344)

الإرشاد النفسي الديني:
ذكرنا عند الكلام عن الأسس العامة للتوجيه والإرشاد النفسي أن الدين ركن أساسي "راجع الفصل الثاني".
ونحن نعلم أن من أهم أهداف التربية والصحة النفسية في مجتمعنا العربي الإسلامي تنمية الإنسان العربي المسلم الصالح، والإنسان الحر صاحب الإرادة والعقيدة والإيمان، والفرد الذي يعيش في سلامة وسلام.
والتربية بمعناها الواسع تشمل التربية الدينية، والنمو بمعناه الشامل يتضمن النمو الديني والأخلاقي، والصحة النفسية بمعناها الكامل تشمل السعادة في الدنيا والدين.
والهدف الأسمى للإرشاد مهما كانت طريقته، هو تحقيق الصحة النفسية والتوافق النفسي.
ويأتي الإرشاد النفسي الديني كطريقة أجمع المرشدون على اختلاف أديانهم سواء كانوا يهودا أو مسيحيين أو مسلمين، على أنه إرشاد يقوم على أسس ومفاهيم ومبادئ وأساليب دينية روحية أخلاقية، مقابل الإرشاد الدنيوي، الذي يقصد به بقية طرق الإرشاد النفسي التي تقوم على أسس ومفاهيم ومبادئ وأساليب وضعها البشر.
(1/346)

وهناك فرق كبير بين الإرشاد النفسي الديني وبين الوعظ الديني، فالوعظ الديني فيه تعليم وتوجيه غالبا من جانب واحد، وهو مثل ما نسمع في المساجد وفي البرامج الدينية في الإذاعة والتليفزيون مثلا، ويهدف الوعظ الديني إلى تحصيل معلومات دينية منظمة، أما الإرشاد النفسي الديني فهو يتم بتكوين حالة نفسية متكاملة نجد فيها السلوك متمشيا ومتكاملا مع المعتقدات الدينية، مما يؤدي إلى توافق الشخصية والسعادة والصحة النفسية، والمرشد النفسي يستطيع أن يقوم بالإرشاد النفسي الديني، ولكنه لا يستطيع أن يقوم به وحده "نوردبيرج Nordberg؛ 1970".
وهناك من الدراسات والبحوث العربية حول أهمية الدين ودوره في الإرشاد والعلاج النفسي ما يضيق المجال عن تفصيله، فمثلا يؤكد المؤلف "حامد زهران، 1985" على أهمية دور الإرشاد النفسي المنبثق من الشريعة الإسلامية في معالجة مشكلات الشباب العربي المعاصر. ويقدم سيد صبحي "1987" نموذجا للإرشاد النفسي الإسلامي، ويضيف حامد زهران وإجلال سري "1990" دراسة عن الرعاية النفسية للأولاد في هدي القرآن الكريم. وتوجد دراسات وبحوث يقوم بها علماء يعتنقون أديانا أخرى حول نفس الموضوع، فمثلا درس تيفان Stephan؛ "1971" دور علماء الدين كمرشدين، ووجد أن عددا كبيرا منهم يقوم فعلا بدور إرشادي وخاصة في الإرشاد الزواجي وأنهم ينجحون في ذلك، ووجد أن أصعب أدوار الإرشاد عندهم هو ما يتعلق بحالات الإدمان، واضطرابات الشخصية، ووجد أن علماء الدين يفضلون الإرشاد الفردي والتعاطف والمساندة واتباع طريقة الإرشاد غير المباشر، وعبر معظمهم عن حاجتهم الماسة إلى مزيد من التدريب في الإرشاد النفسي، ولاحظ ستيفان أن الوعظ يغلب على عملية الإرشاد كما قرروا، وأنهم لا يتبعون الأساليب الحديثة في عملية الإرشاد.
وهنا نؤكد ضرورة "رقابة" الدين، حيث يجب أن تستعرض كل النظريات والطرق والأفكار المستوردة من الخارج بحيث تجاز كما هي إذا كانت خالية من التعارض أو الضرر، أو تعدل إذا كان بها بعض الاختلاف، أو تمنع إذا كانت من الممنوعات، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} .
أسس الإرشاد النفسي الديني:
أما عن أسس الإرشاد النفسي الديني فإنه يقوم على أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، والله يعلم من خلق. قال الله تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} . وقال
(1/347)

تعالى: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} والله يعرف كيف يصير الإنسان سويا، ووضع لذلك القوانين السماوية والله يعرف أسباب فساد الإنسان وانحرف سلوكه. وهو الذي يعرف طرق وقايته، وصيانته، وهو بقدرته وحكمته حدد الحاجات النفسية للإنسان، ودبر لها الإشباع عن طريق الحلال، وهو الذي يعرف طرق علاجه وصلاحه، وفيما نرى أن المرشدين يجب أن يستفيدوا من الدين في الإرشاد النفسي، وأن يلتزموا بقوانين الخالق، لأنهم ليسوا أعلم بالإنسان من الله الذي خلقه1. وفي عقيدتنا الإسلامية، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} . خاتم الأديان وجامعها، ولذلك فنحن نسترشد بالقرآن الكريم لأنه خاتم الكتب السماوية، ونسترشد بالحديث النبوي الشريف لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين2. وقال الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} وقال الله تعالى عن القرآن الكريم: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} وقال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ} وقال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ} وقال تعالى: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي".
__________
1 يقول الشاعر أحمد شوقي:
الدين لله من شاء الإله هدى ... لكل نفس هوى في الدين داعيها
الكتب والرسل والأديان قاطبة ... خزائن الحكمة الكبرى لواعيها
محبة الله أصل في مراشدها ... وخشية الله أس في مبانيها
وكل خير يلقى في أوامرها ... وكل شر يوقى في نواهيها
ويقول أيضا:
فهناك طب الروح طب ... العالمين من الضلالة
2 يقول الشاعر أحمد شوقي:
خذ بالكتاب وبالحديث وسيرة السلف الثقات ... وارجع إلى السسن الخليقة واتبع نظم الحياة
ويقول شاعر آخر:
ليس كالدين مصلحا لقلوب ... أفسدتها طبائع الأزمان
ليس كالدين منقذا لنفوس ... حطمتها نوازع الشيطان
(1/348)

أسباب الاضطراب النفسي في رأي الدين:
من الأسباب الرئيسية للاضطراب والأمراض النفسية من وجهة نظر الدين ما يلي:
الذنوب: الذنب هو مخالفة القوانين الإلهية واتباع هوى النفس الأمارة بالسوء، وتعتبر الذنوب والخطايا واقتراف الآثام وارتكاب المعاصي للقلب كالسموم إن لم تهكله أضعفته، وهي لا تصدر إلا عن قلب ضعيف الإيمان فعلا.1 قال الله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْأِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} .
الضلال: إن الضلال عن سبيل الله والكفر والإلحاد والبعد عن الدين، ومعصية الله ورسوله، وعدم ممارسة العبادات، وتشويش المفاهيم الدينية، يؤدي إلى اضطراب السلوك، قال الله تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} وقال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا} ومن الضلال اتباع الشيطان الذي يضل أولياءه ويزين لهم أعمالهم مما يؤدي إلى انحراف السلوك، قال الله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} ومن الضلال الإعراض عن ذكر الله مما يؤدي إلى الشقاء، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} . ومن الضلال الغفلة. قال الله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} وقال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} ومن الضلال ارتكاب ما حرم الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتق المحارم تكن أعبد الناس".
الصراع: أخطر الصراعات لدى الإنسان هو الصراع بين قوى الخير وقوى الشر فيه، وبين الحلال والحرام، وبين الجانب الملائكي والجانب الحيواني في الإنسان، أي أن الصراع قد ينشأ بين
__________
1 يقول الشاعر:
رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها
(1/349)

النفس اللوامة وبين النفس الأمارة بالسوء، فيتأثر بذلك اطمئنان النفس المطمئنة ويحيلها إلى نفس مضطربة، ونحن نعرف أن الصراع إذا استحكم صرع الإنسان وأدى إلى القلق الذي يؤرقه ويخيفه، والصراع بين الخير والشر عند الإنسان دائم ومستمر، وهو كالصراع بين جيشين مع كل منهما سلاحه فأيهما غلب الآخر قهره وكان الحكم له، فالقلب إذا كان ضعيفا والفرد شهوانيا، والحظ قليلا من التوكل والتوحيد، انتصر الشر على الخير، وحين ينتصر الشر على الخير تتسلط الوساوس "شمس الدين بن قيم الجوزية 1957"، وكم يقابل الفرد من صراعات نتيجة للفرق بين القيم المتعلمة والقيم الفعلية والفرق بين المثل التي يتبناها الفرد وبين الواقع الفعلي "حامد زهران، 1967، 1977أ".
ضعف الضمير: يقول البعض إن الأمراض النفسية ومظاهر سوء التوافق النفسي هي أمراض الضمير، أو هي حلية هروبية من تأنيب الضمير، ويضاف إلى ضعف الضمير الضعف الأخلاقي والانحراف السلوكي الذي يترتب على ذلك "مصطفى فهمي، 1970".
أسباب أخرى: هناك أسباب أخرى كثيرة منها الأنانية وإيثار الحياة الدنيا والتكالب عليها، واتباع الغرائز والشهوات، والتبرج والإغراء، والغيرة والحقد وحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، والشك والارتياب.
أعراض الاضطراب النفسي في رأي الدين:
تعتبر أعراض الاضطراب النفسي في رأي الدين استجابة غير سوية لضمير الفرد بسبب ما تعرض له من إهمال، أو نتيجة لقيامه بسلوك يتضمن نوعا من التحدي السافر لتعاليم الدين، ومن الأعراض الرئيسية للاضطراب النفسي من وجهة نظر الدين ما يلي:
الانحراف: ويشمل الانحرافات السلوكية وعلى رأسها الانحرافات الجنسية، ويشمل أيضا الانحرافات الاجتماعية المختلفة مثل الكذب، والسرقة والعدوان والتمرد والإدمان، وغير ذلك من أشكال السلوك المنحرف.
الشعور بالإثم: ويكون الشعور بالإثم والخطيئة والذنب نتيجة لما ارتكبه الفرد من أعمال وسوس إليه بها الشيطان وكان يود ألا يرتكبها، ويعتبر عنصرا أساسيا في تكوين العصاب، وهذا مما يثقل كاهل الإنسان ويجعله يتوقع العقاب، ونحن نعرف أن محور العصاب هو الخطيئة والشعور بالإثم مما يهدد الذات ويسبب حالة عدم الاتزان النفسي وسوء التوافق الاجتماعي، وقال الله تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ} .
(1/350)

الخوف: ونقصد الخوف المرضي الدائم المتكرر الذي لا يمكن ضبطه أو التخلص منه أو السيطرة عليه، والذي يمتلك سلوك الإنسان المخطئ ويحكمه ويصاحبه سلوك عصابي قهري.
القلق: هو آفة عصرنا الذي أصبح يطلق عليه "عصر القلق" وهو خوف غامض غير محدد مصحوب بالتوتر والضيق والتهيب وتوقع الخطر، وعدم الاستقرار العام، مما يعوق الفرد عن الإنتاج، ويجعل سلوكه مضطربا.
الاكتئاب: وهو حالة يشعر فيها الفرد بالكآبة والكدر والغم والحزن الشديد وانكسار النفس والتشاؤم دون سبب مناسب أو لسبب تافه، فيفقده لذة الحياة، ويرى أنها خالية من الأمن والسلام، لا معنى لها ولا هدف له فيها، فتثبط عزيمته ويفقده اهتمامه بعلمه وشئونه، وقد يكره الحياة.
الإرشاد النفسي الديني والوقائي:
يوجه المرشدون اهتماما كبيرا إلى الوقاية الدينية من الاضطراب النفسي، أو ما يطلق عليه "التحصين النفسي الديني". ولأغراض الوقاية وتحقيق التوافق والصحة النفسية يجب الاهتمام ببناء ونمو شخصية المسلم كما حددها الدين "مصطفى عبد الواحد، 1970".
وفيما يلي أهم معالم الوقاية من الاضطراب النفسي من وجهة نظر الدين:
الإيمان "التربية الدينية": لقد أجمعت الأديان السماوية على أن السعادة النفسية هي ثمرة مؤكدة للإيمان1. ويتضمن الإيمان والتربية الدينية ما يلي:
- الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر واليوم الآخر: هذا هو عماد الحياة الروحية ومنبع طمأنينة النفس ومصدر سعادتها، بشرط أن تظهر آثار هذا الإيمان في سلوك الإنسان وعمله الصالح، وهو طريق الهداية ويبعد الإنسان عن اقتراف المعاصي التي تشعره بالإثم، ويبعده عن اليأس والجزع، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} وقال تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} وقال تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وقال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ
__________
1 يقول الشاعر:
أراح نفسي إيماني بخالقها ... ثم الرضا بقضاء الله والقدر
(1/351)

إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} وقال تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} وقال تعالى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا} .
- حب الله وحب رسوله: حب الله هو الإيمان الحق الذي تبدو آثاره في سلوك الإنسان، ومن أحب الله وأحب رسوله وجد حلاوة الإيمان قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: $"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار". ومن أحب الله أحبه الله وأحبته الملائكة وأهل السماء وأهل الأرض، والله يحب من عباده ذوي السلوك السوي ويزيدهم هدى إلى الطريق المستقيم، ففي القرآن الكريم ما يوضح أن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب المتقين، ولا يحب الخائنين، ولا يحب المعتدين، ولا يحب من كان مختالا فخورًا.
- تقوى الله: تتضمن تقوى الله أن يتقي الإنسان ما يضره أو يضر غيره وما يغضب ربه، مما يجعله في وقاية من عذاب الله وسخطه في الدنيا والآخرة، وأن يقف عند حدود الله وأن يطيع أوامره التي فيها الخير، وأن يجتنب نواهيه عما يضر1. قال الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} والتقوى تنير البصيرة وتجعل الإنسان قادرا على التفريق بين الحق والباطل، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} ومن ثمرات التقوى الأمن النفسي والتوفيق والتأييد والنصر في الدنيا والثواب والرحمة في الآخرة قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} والتقوى تفرج الأزمات وتحل المشكلات، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} .
__________
1 يقول الشاعر:
وكل زاد عرضة النفاد ... إلا التقى والبر والرشاد
(1/352)

- خشية الله: خشية الله والخوف منه تؤدي إلى طاعته والبعد عن الشر والشهوات وتربي الضمير وتؤدي بالإنسان إلى السلوك السليم. قال الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} وقال تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} .
- الشكر لله: هذا يعني حمد الله والاعتراف بفضله وإحسانه والثناء عليه، وظهور آثار نعم الله على لسان الإنسان ثناء واعترافا، وعلى قلبه شهادة محبة، وعلى جوارحه انقيادا وطاعة. والشكر يتضمن كل خير يصلح به سلوك الإنسان. والشكر واجب على الإنسان نحو ربه مصدر كل النعم، وفيه منفعة تعود على الشاكر حيث يظهر نفسه ويقربها من الله ويوجهها الوجهة الصالحة في إنفاق النعم في وجوهها المشروعة، قال الله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وقال تعالى {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} وقال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} وقال تعالى: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} .
التدين "السلوك الديني": قال الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} ومن المؤكد أن الإنسان المتدين حقا الذي يترجم الإيمان إلى سلوك ديني يرضاه الله، لا يعاني قط من الاضطراب النفسي، والإيمان والتدين عقيدة خاصة وعمل مخلص، والسلوك يجب أن يكون وفقا لذلك، والسلوك الذي يخرج على الدين، والذي يأخذ شكل العبادة الآلية، والذي يحاكي السلوك المستورد دون تنقية، قد يؤدي إلى نكسة سلوكية وسلوك منحرف يؤدي إلى تشويه الشخصية الفردية والاجتماعية "محمد كامل النحاس، 1964".
ويتضمن التدين والسلوك الديني ما يلي:
- عبادة الله: إن عبادة الله هي سبيل السعادة والطمأنينة النفسية، وهي تحرر الإنسان من الطغيان. وقد خلق الله الخلق ليعبدوه، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} . ولقد أرسل الله الرسل لدعوة الناس إلى عبادته وحده. قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} . وعبادة الله تتضمن إقامة دعائم الدين وهي الصلاة والصوم وإيتاء الزكاة والحج، قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} وقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ
(1/353)

قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وقال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} .
- الإخلاص لله: هذا يتضمن أن يكون سلوك الإنسان سويا خالصا غايته رضى الله قياما بالواجب في سائر العبادات وكافة الأعمال، مسبوقا بالنية الحسنة قاصدا وجه الله، ومخالفا أهواء النفس مما يعود بالخير على الفرد والجماعة، قال الله تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} .
- المسئولية: يأتي على رأسها مسئولية الاختيار. فالإنسان بنعمة العقل مخير. قال الله تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} وقال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} وقال تعالى: {بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} وقال تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} وقال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة لتضع أجنحتها على طالب العلم رضى بما يصنع".
- البعد عن الحرام: هذا أمر ضروري جدا وصريح، ويتضمن الالتزام بالسلوك الحلال. قال الله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .
(1/354)

- العزة والقوة: في الشعور بالعزة والقوة كسب كبير لشخصية المسلم، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وفي كل خير".
الأخلاق "السلوك الأخلاقي" الدين هو أساس بقاء ودوام القيم الأخلاقية التي تعتبر إطارا مرجعيا لسلوك الفرد وأسلوب حياته، وبيان ما ينبغي أن يكون عليه التفاعل الاجتماعي السليم، والأخلاق هو الدعامة الأولى لحفظ كيان المجتمع1.
ولقد جاءت رسالات الأنبياء والرسل كلها تحث على الأخلاق الفاضلة، ومن أصول التربية الإسلامية تربية الأخلاق المستمدة من الدين، التي تنظم السلوك وتنمي في الشخصية ضميرا حيا يحاسب الفرد إن هو أخطأ أو انحرف عن الطريق المستقيم.
ولقد وصف الله تعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم كما أحسنت خَلقي فأحسن خُلقي". وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وقال صلى الله عليه وسلم: "إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا". وسأل الصحابة السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: "كان خلقه القرآن"، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: "نعم الحسب الخلق الحسن".
والأخلاق الفاضلة كما يدعو إليها الدين تقوم على أسس ودعائم أهمها ما يلي:
- الاستقامة: أي الاستقامة على طريق الهدى. قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا} وجاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحد غيرك، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم".
- إصلاح النفس: هذا يؤدي إلى إصلاحها، قال الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} .
- تزكية النفس: أي الطهر من الدنس والسمو عن النقائص، وترفع النفس ورارتفاع قدرها، قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} وقال تعالى: {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} .
__________
1 يقول الشاعر أحمد شوقي:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ... فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ويقول:
على الأخلاق خطوا الملك وابنوا ... فليس وراءها للعز ركن
ويقول:
كذا الناس بالأخلاق يبقى صلاحهم ... ويذهب عنهم أمرهم حين تذهب
ويقول:
ومن طلب الخلق من كنزه ... فإن العقيدة كنز عتيد
(1/355)

- معارضة هو النفس: وخاصة النفس الأمارة بالسوء. قال الله تعالى: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} وقال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، وقال تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} .
- ضبط النفس: ويتضمن ذلك الحلم والتحكم في انفعال الغضب وكظم الغيظ، قال الله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
- الصدق: وهو يؤدي إلى الثقة والتعاون الاجتماعي، ومن أنوع الصدق صدق الوعد. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} .
- الأمانة: وهي فضيلة اجتماعية، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} .
- التواضع: وهو فضيلة هامة: ومن تواضع لله رفعه، قال الله تعالى: {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور} .
- معاشرة الأخيار: وهذه تؤدي إلى الخير والنعمة, قال الله تعالى: {اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} وقال بعض الحكماء: "نبئني من تصاحب أنبؤك من أنت".
- الكلام الحسن: هو مصدر النجاح الاجتماعي وتعبيره عن الذكاء الاجتماعي، ومصدر لمحبة الناس وكثرة الأصدقاء، قال الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وقال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وقال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} .
- احترام الغير: هذا يؤدي إلى وحدة الجماعة وتماسكها ونشر المودة فيها. قال الله تعالى: {لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} .
(1/356)

- الإصلاح بين الناس: هو صفة أخلاقية فاضلة تصدر عن إنسان نبيل يحب الخير قال الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} وقال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} .
- حسن الظن: وهو أفضل من سوء الظن. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} .
- التعاون: أي التعاون على الخير للنهوض بالحياة الاجتماعية مما يؤدي إلى سعادة الفرد ورفاهية الجماعة. قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} .
- الاعتدال: ويتضمن القناعة والحد من الإسراف في الشهوات من طعام وجنس وغير ذلك من متع مادية. قال الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} وقال تعالى: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} .
- الإيثار: وهو صفة كريمة تتحلى بها النفوس الكبيرة الخالية من الأثر الساعية لخير الإنسانية وخدمة المجتمع، قال الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
- العفو: ويتضمن التسامح والرحمة، والعفو حين يصدر عن نفس كبيرة وعقل راجح يطيب النفوس ويؤدي إلى الصداقة، قال الله تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقال تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الله تعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
- العفة: يحث الدين على العفة ويشجع على الزواج وينهى عن الزنا. قال الله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وقال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} .
- الإحسان: أي السلوك الحسن، ومن صفات المحسن حسن عبادة الله، واتباع هدى رسوله، والجهاد في سبيله والتصدق، والصبر، ورعاية ذوي القربى واليتامى والمساكين والجيران والأصدقاء. قال الله تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} وقال تعالى:
(1/357)

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ} . وقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} . وقال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} وقال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} .
- السلام: هو تحية الإسلام: والسلام والتحية والاستئذان من أفضل الآداب الاجتماعية والأخلاق العالية، قال الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} .
- الضمير: والضمير الحي هو الوازع النفسي القوي الذي يرشد الإنسان للسلوك السوي ويبصره بعواقب السلوك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
معالم طريقة الإرشاد النفسي الديني:
الإرشاد النفسي الديني طريقة توجيه وإرشاد وعلاج وتربية وتعليم، وتقوم على معرفة الفرد لنفسه ولربه ولدينه والقيم والمبادئ الدينية والأخلاقية "انظر عبد المنان بار، 1993".
وهدف الإرشاد النفسي الديني تحرير الشخص المضطرب من مشاعر الإثم والخطيئة التي تهدد طمأنينته وأمنه النفسي، ومساعدته على تقبل ذاته وتحقيق وإشباع الحاجة إلى الأمن والسلام النفسي.
ويحتاج الإرشاد النفسي الديني إلى المرشد المؤمن ذي البصيرة القادرة على الإقناع والإيحاء والمشاركة الانفعالية، الذي يتبع تعاليم دينه ويحترم الأديان السماوية الأخرى1.
ويمكن أن يمارس الإرشاد الديني كل من المرشد النفسي والمربي وعلماء الدين، حبذا لو كان ذلك في شكل فريق متكامل.
إن الإرشاد النفسي الديني عملية يشترك فيها المرشد والعميل، والمرشد يتناول مع العميل موضوع الاعتراف والتوبة والاستبصار، ويشتركان معا في عملية تعلم واكتساب
__________
1 قول الشاعر الأسمر:
رجال الدين أقدر من سواهم ... على جلب السعادة بعد يأس
أطباء النفوس همو فمن لي ... بشيخ أو بحبر أو بقس
(1/358)

اتجاهات وقيم. والعميل يلجأ إلى الله بالدعاء مبتغيا رحمته، ومستغفرا إياه ذاكرا صابرا على كل حال، متوكلا على الله مفوضا أمره إليه.
وفيما يلي أهم معالم طريقة الإرشاد النفسي الديني:
الاعتراف: نظرية الاعتراف بالذنب وظلم النفس أمام الله نظرية قرآنية، وضرب القرآن الكريم مثلا من الاعتراف بالذنب بما صدر عن آدم وحواء عليهما السلام عند مخالفتهما أمر الله، إذ قالا كما جاء في قوله تعالى: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وذكر في قصة سيدنا يونس عليه السلام، قال الله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} والاعتراف يتضمن شكوى النفس من النفس طلبا للخلاص وللغفران، إن الاعتراف فيه إفضاء الإنسان بما في نفسه إلى الله. وهو يزيل مشاعر الخطيئة والإثم ويخفف من عذاب الضمير، ويطهر النفس المضطربة ويعيد إليها طمأنينتها1، ويظهر مفهوم الذات الخاص حيث يكشف الفرد عن "عورته النفسية" بقصد الإرشاد. ولذلك يجب على المرشد مساعدة العميل على الاعتراف بخطاياه وتفريغ ما بنفسه من انفعالات ومشاعر الإثم المهددة، ويتقبل المرشد ذلك في حياد، ويتبع الاعتراف التكفير عن الأثم والرجوع إلى الفضيلة.
التوبة: هي طريق المغفرة، وأمل المخطئ الذي ظلم نفسه وانحرف سلوكه وحطمته الذنوب وهو في حالة جهالة، أي اندفاع وطغيان شهوة، وصحا ضميره2، قال الله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} والتوبة
__________
1 يقول المثل العامي: "من قر بذنبه غفر الله له".
2 يقول الشاعر:
يا نفس توبي قبل أن ... لا تستطيعي أن تتوبي
واستغفري لذنوبك ... الرحمن غفار الذنوب
وقال آخر:
وأنا إذا أخطأت يا ربي فعفوك منتظر ... لست الملاك ولا النبي وما أنا إلا بشر
وقال ثالث:
وإن كان ذنبي كل ذنب فإنه ... محا الذنب كل المحو من جاء تائبا
(1/359)

تحرر المذنب من آثامه وخطاياه وتشعره بالتفاؤل والراحة النفسية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التائب حبيب الرحمن، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له". والتوبة تؤكد الذات وتجعل الفرد يتقبل ذاته من جديد بعد أن كان يحتقرها. ونحن نعرف أن "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} والتوبة كما يقول الإمام أبو حامد الغزالي "في إحياء علوم الدين" لها أركان ثلاثة: علم وحال وفعل، فالعلم هو معرفة ضرر الذنب المخالف لأمر الله، والحال هو الشعور بالذنب، والفعل هو ترك الذنوب والنزع نحو فعل الخير، والتوبة لا بد أن يتبعها تغير السلوك المنحرف إلى سلوك سوي صالح. قال الله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ومن شروط التوبة العزم على عدم العودة إلى المعاصي والذنوب، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} وفي الحديث القدسي قال الله عز وجل: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله أفرح بتوبة عبده، من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، وإذا أقبل إلي يمشي أقبلت إليه أهرول".
الاستبصار: هو الوصول بالفرد إلى فهم أسباب شقائه النفسي ومشكلاته النفسية والدوافع التي أدت إلى ارتكاب الخطيئة والذنوب وفهم العميل نفسه وطبيعته الإنسانية ومواجهتها، وفهم ما بنفسه من خير ومن شر، وتقبل المفاهيم الجديدة، والمثل العليا، ويتضمن هذا نمو الذات التي تحكم السلوك السوي للإنسان في ضوء بعدين رئيسيين: البعد الرأسي الذي يحدد علاقة الإنسان بربه، والبعد الأفقي الذي يحدد العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، قال الله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} وقال تعالى: {بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} .
التعلم: ويتضمن تغير السلوك نتيجة خبرة التوجيه والإرشاد واكتساب مهارات وقيم واتجاهات جديدة، ومن خلال ذلك يتم تقبل الآخرين، والقدرة على ترويض النفس وعلى ضبط الذات وتحمل المسؤليات، والقدرة على تكوين علاقات اجتماعية مبنية على الثقة المتبادلة والقدرة على التضحية وخدمة الآخرين، واتخاذ أهداف واقعية مشروعة في الحياة مثل القدرة على الصمود وعلى العمل والإنتاج، وهكذا يتم تكوين وتنمية النفس اللوامة أو الضمير أو الأنا
(1/360)

الأعلى كسلطة داخلية أو رقيب نفسي على السلوك، ويتم تطهير النفس وإبعادها عن الرغبات المحرمة اللاأخلاقية واللااجتماعية، ويستقيم سلوك الفرد بعد أن يتبع السيئات الحسنات فتمحوها، وتطمئن النفس المطمئنة، قال الله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} وقال تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي} .
الدعاء: هو سؤال الله القريب المجيب والاستعانة به والتضرع إليه والالتجاء إليه في كشف الضر عند الشدائد1. قال الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} وقال تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". وفي الدعاء سمو روحي يقوي الفرد بالإيمان، وهو علاج أكيد للنفس التي أشرفت على الهلاك حين يطلب الإنسان العون من القوي القادر فيشعر بالطمأنينة والسكينة ويزول عنه الخوف ويتخلص مما هو فيه من الهم والتوتر والضيق والقلق، قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ويجب أن يستمر الدعاء في السراء والضراء. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "دعوة ذي النون، إذ دعا ربه وهو في بطن الحوت: {لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} ، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له".
ابتغاء رحمة الله: وفي ذلك قوة روحية تؤدي إلى التفاؤل والأمل وتخلص من الآلام والمتاعب، وبالإيمان والأمل يعالج الفرد ما يعتريه من مشكلات متذرعا بالحكمة والصبر مترقبا رحمة الله وانفراج الأزمة، قال الله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} وقال تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} .
الاستغفار: إن الإنسان -غير المعصوم من الخطأ- إذا أخطأ وشعر أنه ظلم نفسه وصحا ضميره، لا يقنط من رحمة الله بل يذكره ويستغفره2، واثقا في قوله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ
__________
1 يقول الشاعر:
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
2 يقول الشاعر:
أتوب إلى الله من زلتي ... وأستغفر الله من فعلتي
(1/361)

غَفُورًا رَحِيمًا} . وقال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} . وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} وقال الله عز وجل في حديث قدسي: "يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم"، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب".
ذكر الله: ذكر الله غذاء روحي يبث الطمأنينة والهدوء والسعادة في الإنسان ويبعد الهم والقلق ويبعد الأفكار الوسواسية والسلوك القهري، ويبعد الشيطان الرجيم1، قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} .
الصبر: الصبر مفتاح الفرج، والصبر تفويض الأمر إلى الله فضيلة خلقية ونفحة روحية يعتصم بها الإنسان فيهدأ ويسكن قلبه ويطمئن، والصبر يبعد الشيطان ويرضي الرب ويسر الصديق ويسوء العدو، والصبر عون نفسي هائل يقي الإنسان من الانهيار أمام الشدائد والبلايا والمصائب، ومن الصبر المثابرة على العبادة، ومنه الشجاعة على المكاره، ومنه كتمان الأسرار، ومنه تحمل أذى الناس، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} وقال تعالى: {بَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} وقال تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} وقال تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وقال بعض الحكماء: "العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعل الجاهل بعد أيام"2.
__________
1 يقول الشاعر:
يا رب ذكراك ملء قلبي ... في كل آن وملء نفسي
فيالها من نعيم أمن ... ويالها من نعيم أنس
2 يقول الشاعر:
ومن يستعن بالصبر نال مراده ... ولو بعد حين إنه خير مسعد
ويقول آخر:
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبة محمودة الأثر
(1/362)

التوكل على الله: التوكل على الله وتفويض الأمر إليه والرضا بمشئيته والإيمان بقضائه وقدره زاد روحي مطمئن ومسكن، يمد الفرد بقوة روحية تخلصه من القلق والخوف من المستقبل. قال الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} . وقال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . وقال تعالى: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} . وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} .
استخدامات الإرشاد النفسي الديني:
يستخدم الإرشاد النفسي الديني بصفة خاصة في مجالات الإرشاد العلاجي والزواجي وإرشاد الشباب، في الحالات التي يتضح أن أسبابها وأعراضها تتعلق بالسلوك الديني والأخلاقي للعميل، كما سبق أن أوضحنا. ويفيد الإرشاد النفسي الديني في حالات القلق، والوساوس، والهستيريا، وتوهم المرض، والخواف، والاضطرابات الانفعالية، ومشكلات الزواج، والإدمان، والمشكلات الجنسية، ويرى البعض أن أفضل استخدام للإرشاد النفسي الديني هو في تناول المشكلات ذات الطابع الديني.
خلاصة:
وبعد، فقد رأينا أن الدين وسيلة لتحقيق الإيمان والأمان والسلام النفسي، وهو هبة من الله لخير الإنسان، يعينه على الحياة السوية، والدين محبة، وهو الطريق إلى الخلاص والسعادة والسلامة والسلام.
وهكذا، نرى أن الإرشاد النفسي والديني يحقق الهدف المطلوب، وهو النفس المطمئنة التي توفق بين النفس الأمارة بالسوء وبين النفس اللوامة، وتنمية البصيرة1.
الإرشاد السلوكي
__________
1 من المجلات الدورية: مجلة "النفس المطمئنة"، التي تصدرها الجمعية العالمية الإسلامية للصحة النفسية.
(1/363)

الإرشاد السلوكي BEHAVIOURAL COUNSELLING:
يستخدم الإرشاد السلوكي أساسا في مجال الإرشاد العلاجي، حيث تعتبر عملية الإرشاد عملية إعادة تعلم، ويعتبر الإرشاد السلوكي تطبيقا عمليا لقواعد ومبادئ وقوانين التعلم والنظرية السلوكية وعلم النفس التجريبي بصفة عامة في ميدان الإرشاد النفسي وبصفة
(1/363)

خاصة في محاولة حل المشكلات السلوكية بأسرع ما يمكن، وذلك بضبط وتعديل السلوك المضطرب، والمتمثل في الأعراض، ولقد تقدم ميدان العلاج النفسي وسبق ميدان الإرشاد النفسي في تبني طريقة التعديل السلوكي للأعراض باعتبارها تجميعات لعادات سلوكية خاطئة مكتسبة "بيتش Beech؛ 1969".
ونحن نجد بعض الكتاب مثل نوردبيرج Nordverg؛ "1970" يشيدون بطريقة الإرشاد السلوكي، ويرى جون كرومبولتز Kumboltz؛ "1966" أن الإرشاد السلوكي يعتبر "ثورة في الإرشاد النفسي" Bevolution in Counselling.
أسس الإرشاد السلوكي:
يقوم الإرشاد السلوكي على أسس نظريات التعلم بصفة عامة، والتعلم الشرطي بصفة خاصة، ويستند إلى أطر النظريات التي وضعها إيفان بافلوف Pavlov وجون واطسون Watson في التعلم الشرطي "الكلاسيكي" ويستفيد من نظريات ثورنديك Thorndike وكلارك هل Hull، وبروس سكينر Skinner؛ "1938" في التعزيز وتقرير نتائج التعلم، مع استخدام التعزيز الموجب عمليا في ميدان الإرشاد والعلاج النفسي جون دولارد ونيل ميلر Dollard & Miller؛ "1950" ويرى هانز أيزينك Eysenck؛ "1960" أن العلاج السلوكي يتضمن أساسا إعادة التعليم Re-euction وإعادة التعلم1 Relearing "راجع النظرية السلوكية".
ويطلق على الإرشاد والعلاج السلوكي أحيانا "إرشاد التعلم"، أو "علاج