Advertisement

إغواء العقل الباطن


إغواء العقل الباطن




إغواء العقل الباطن

سيكولوجية التأثير العاطفي في الدعاية والإعلان

تأليف
روبرت هيث

ترجمة
محمد عثمان
مراجعة
هاني فتحي سليمان



إغواء العقل الباطن

Seducing the Subconscious

روبرت هيث

Robert Heath

الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع ??????/?????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
هيث، روبرت.
إغواء العقل الباطن: سيكولوجية التأثير العاطفي في الدعاية والإعلان/تأليف روبرت هيث.
     تدمك: ???? ??? ??? ??? ??
?
     ?- الإعلان – دعاية
          أ- العنوان

?????

تصميم الغلاف: وفاء سعيد?.

يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
Arabic Language Translation Copyright © 2016 Hindawi Foundation for Education and Culture.
Seducing the Subconscious
Copyright © 2012 Robert Heath.
All rights reserved.
Authorised translation from the English language edition published by John Wiley & Sons Limited. Responsibility for the accuracy of the translation rests solely with Hindawi Foundation for Education and Culture and is not the responsibility of John Wiley & Sons Limited. No part of this book may be reproduced in any form without the written permission of the original Copyright holder, john wiley & Sons Limited.



إلى بيبَّا


تمهيد


يمكن وَصْف الإعلان بأنَّه علم اختطاف عقل الإنسان لفترةٍ كافيةٍ لاستنزاف المال منه.
ستيفن بتلر ليكوك
«كتاب الاقتباسات السياسية»،
مجموعة كراون للنشر (????)
لو أنَّك سألتَ مَن حولك عن الإعلانات، لوجدتَ في أغلب الأحيان أنهم يَجِدون صعوبةً كبيرةً في تذكُّر إعلان واحد منها، وإن ألححْتَ عليهم، فإنهم عادةً ما يذكرون حملاتٍ إعلانيةً قديمةً ومشهورةً من قبيل حملة إعلانات كوكاكولا التي كان شعارها «أودُّ أن أشتري للعالم كوكاكولا …» أو حملة بطاقة أمريكان إكسبريس «لا تغادر منزلك من دونها»، أو راعي البقر الشهير الذي استعانت به مارلبورو، أو العملاق الأخضر الذي استخدمتْه شركة «جرين جاينت» للمواد الغذائية في حملاتها. أما في بريطانيا، فإنهم يذكرون إعلانَ كادبوري الشهير بشخصياته من أهل المريخ، وراكبَ الأمواج في إعلان جِعَة جينيس، والعبارةَ الشهيرةَ في إعلان جِعَة هينكين «أنعش الأجزاء التي لا ينعشها مشروبٌ آخَرُ في جسدك»، والزوجين في إعلانات قهوة «جولد بليند» سريعة التحضير.
والطبيعي بعد تلك الأسئلة أن تتحوَّل دفَّة النقاش إلى مدى تأثير الإعلانات علينا. يرى أغلبنا أنها لا تؤثِّر فينا إلا إذا كنَّا على درجة السذاجة التي تُتيح لها ذلك؛ وهذا لأننا نفترض أن الإعلان يلعب على وتر الإقناع، والإقناع مرتبط لدينا بمحاولة الغَيْر (الآباء غالبًا) إجبارَنَا على القيام بشيء لا نرغب في القيام به. والإقناع عملية شفهية عقلانية، وهكذا لن يكون من الممكن إقناعنا من دون أن نتذكَّر أو نسمع إحدى الرسائل الإعلانية.
ويتَّفق العديد من الخبراء على أن الإعلان ليس مقنعًا بالدرجة التي يعتقدها صُنَّاعه. يقول مايكل شدسون في أُولَى فقرات كتابه «الإعلان: الإقناع الصعب»: الإعلانات أقل تأثيرًا بكثيرٍ مما يدَّعي المعلنون وناقدو الإعلانات، والرسائل التي تقدِّمها وكالات الدعاية والإعلان تقوم على التخمين والمخاطرة أكثر مما تقوم على التحليل الدقيق للوعي الجمعي. (شدسون، ????، تمهيد)
أَتَّفق في الرأي مع شدسون؛ فبعد أن عَمِلتُ في تسع وكالاتٍ إعلانية مختلفة على مدار ?? عامًا، يمكنني أن أعترف بأن صناعة الحملات الدعائية الكبرى تعتمد كثيرًا على الحظ والمصادفة والمغامرة. ربما يرغب المعلنون في أن يَظهَروا بمظهر الخبراء في فن الإقناع، لكنهم في الحقيقة ليسوا سوى مجموعة من الهُواة الموهوبين، بل لا أتردَّد في أن أقول إن أي شاب عادي في موعد غرامي سيكون أكثَرَ لباقة ومهارة في فن الإقناع من فريق إبداعي متوسط القدرات في وكالة إعلانية.
لكن ما دامتِ الإعلانات غير مؤثِّرةٍ هكذا في إقناعنا، فما الذي يجعل الشركات التي تستعين بالإعلانات هي الأكثر نجاحًا على مستوى العالم؟ التفسير في رأيي هو أن للإعلان طُرُقًا للتأثير لسنا على وَعْيٍ بها، وهذه الطُّرق لا تتضمن الإقناع. ولا يوجد خلاف بيني وبين شدسون في هذا الصدد أيضًا؛ فرغم تأكيده على أن الإعلانات ليست على قدْر كبير من الإقناع، فإنه يقول: لا يعني هذا أن الإعلانات تفتقر إلى الفعالية. في الحقيقة … قد تكون الإعلانات التليفزيونية أقوى بكثير؛ لأن المشاهدين قلَّما يلتفتون إليها؛ ومن ثَمَّ لا تنتبه لها مَلَكات الدفاع النقدي لديهم. (شدسون، ????)
يعتمد شدسون في فكرته على وجهة نظر عالِم النفس هيرب كروجمان. أثارتْ نظريات كروجمان جدلًا خلال سبعينيات القرن الماضي؛ لأنها أشارت إلى أن الإعلانات التليفزيونية لا تلقَى سوى القليل من اهتمام المشاهدين. وبطبيعة الحال لم تكن صناعة الدعاية والإعلان لتتقبَّل هذا الرأي بسهولة، وتعرَّضت أفكار كروجمان للتجاهل حتى بدايات القرن الحادي والعشرين، حينما كتبتُ دراسة بعنوان «القوة الكامنة للإعلان» (هيث، ????).
وقد اعتمدتُ في تلك الدراسة على فكرة كروجمان القائلة إن الإعلان التليفزيوني قد يؤثِّر علينا حتى وإن تلقَّيْناه دون انتباه. ومنذ نشر الدراسة عام ????، تنامَى نطاق قبول فكرة أن الإعلان الخاضع للقليل من الانتباه قد يكون فعَّالًا. ومع ذلك، لا يزال كثيرون في صناعة الإعلان يصرُّون على أن الإعلان يؤتي ثماره فحسب عن طريق الإقناع، وأنه يكون أكثر فعالية عندما يَحظَى بقدْر كبير من الانتباه.
ومع أن دراستي تستند في الأساس إلى علم النفس، فإن الوسط الأكاديمي لم يجدْهَا دقيقةً بالقدْر الكافي، ولكي أتغلَّب على هذه المشكلة، قرَّرتُ أن أنتميَ بدوري إلى الوسط الأكاديمي، فانخرطْتُ في الدراسة ونلتُ درجة الدكتوراه، وقرأتُ وكتبتُ مقالات في الدوريات الأكاديمية. لكن كلَّما بحثتُ في الموضوع، تبيَّن لي أن الطريقة «الأخرى» لتأثير الإعلان — أي الطريقة البديلة للإقناع — هي في الأغلب أشد تأثيرًا من الإقناع. أعرب الكثيرون عن قلقهم من كيفية تأثير الإعلان علينا دون معرفتنا، ومن أنه «يتلاعب» بسلوكنا لا شعوريًّا؛ والآن صرتُ أعلم أن هذه المخاوف لم تأتِ من فراغ.
هذه الآلية البديلة لتأثير الإعلان هي ما أُطلِقُ عليه «إغواء العقل الباطن»، وعليَّ أن أؤكد أنه لا علاقة لهذا بالتأثيرات دون الواعية التي ذكرها فانس باكارد في كتابه الشهير «المقْنِعون المستَتِرون». بنَى باكارد زعمَه بشأن الرسائل التي تتكشَّف دون حدود الإدراك الحسي على خدعة، ولا يوجد دليل على الإطلاق على أن الإعلان يؤثر فينا بهذه الطريقة، بل الأكثر إثارة للقلق أن قُدْرة الإعلان على إغواء العقل الباطن تقوم على استخدام عناصر تحت سمعنا وبصرنا ويسهل علينا تمييزها. والإشكالية هي أننا نختار تجاهل تلك العناصر رغم قدرتنا على تمييزها والانتباه إليها.
وهكذا فإن قدرة الإعلان على التأثير بهذه الطريقة إنما تختلف عن فكرة تعرُّض العقل الباطن (تهيُّؤه للتأثُّر) لشيء نستطيع مقاومته أو وضْع حدٍّ له، وأحد أسباب حدوث ذلك هو الآلية التي تعمل بها عقولنا، والسبب الآخر الطريقة التي نتخذ بها قراراتنا. وهذا يعني أن تفسير نموذج إغواء العقل الباطن ليس بالأمر اليسير؛ فهو يتضمن تجميعَ ودراسةَ أفكارٍ مُركَّبة تتعلق بآليات الإدراك الحسي والتفكير والشعور والتذكُّر والنسيان. لم تُطرَح تلك الأفكار إلَّا في العَقدَيْن الأخيرين من قِبَل أكاديميين أمثال: أنطونيو داماسيو، ودانيال دينيت، ودانيال شاكتر، وجوزيف لودو، وستيفين روز. ورغم ما تتَّسم به هذه الأفكار من تعقيد، فإنني قد بذلتُ قصارى جهدي في توصيفها بلُغة يسهل على الجميع فهمها. وسعيتُ إلى تجنُّب الوقوع في مواقف لا أجد في وصفها أفضل من تعليق صديقي العزيز الراحل أندرو إرينبرج: «لا يوجد شيء في العالم بالِغ التعقيد لدرجة أنه لا يمكن أن يصبح بعدها أكثر تعقيدًا عند دراسة مجموعة من العباقرة له.»
إنني مَدِينٌ بالشكر لكثير من الأشخاص الذين ساعدوني في تأليف هذا الكتاب، وأخصُّ بالشكر بول فلدويك وجون هاورد اللذَيْن أَلْهَمَتْ أفكارُهما بحثي، وأشكر أيضًا — دون ترتيب محدد — تيم أمبلر، وديفيد برانت، وجيريمي بولمور، وويندي جوردون، وآرثر كوفر، وأجنيس نيرن، ودوجلاس ويست، وغيرهم كثيرين ممَّن ساهموا مساهماتٍ غير مباشرة في هذا الكتاب. أوَدُّ قبل أي شيء أن أُعرِب عن امتناني وحبي لزوجتي وصديقتي ومحررتي فرانسيس ليارديه، التي من دون مساندتها ما كان لي أن أكون كاتبًا على الإطلاق.

مقدمة


أظن أني لن أرى أبدًاإعلانًا أشد جاذبية من شجرة،لكن إن أردتَ بيع شجرة،فلن يكون لك غنًى عن إعلان!جيف آي ريتشاردز
ردًّا على أوجدن ناش (????)1
الإعلان صناعة لا يُستهان بها، وقصة نجاح هائلة. كل ما عليك هو أن تُلقِي نظرة على عائدات الشركات التي تستعين بالإعلانات بصورة مكثَّفة (بروكتر آند جامبل، وول مارت، يونيليفر، كرافت، نستله، جونسون آند جونسون، ريكيت بنكيزر … إلخ) لتُدرك أن الاستثمار في الإعلانات يؤتي ثماره إلى حدٍّ كبير.
غير أنك تجد صعوبة بالغة إن حاولتَ البحث في «سبب» هذه الفعالية التي تتميز بها الإعلانات، أحد أسباب تلك الصعوبة أن الشركات التي تستعين بالإعلانات لبيع منتجاتها لن يكون لديها أي دافع لإطْلاع الآخَرين على مدى فعالية تلك الإعلانات. وبطبيعة الحال، يكون لوكالات الإعلانات دافع لنشر نجاحها والتعريف به؛ لأن الإعلان هو إعلان لها، إذا جاز التعبير، لكنها ملزَمة ببنود السرية في عقودها المُبرَمة مع الشركات صاحبة الإعلانات، ومع جهات التسويق التي تدفع أتعابها، وجهات التسويق هذه تفضِّل إبقاء النجاح أو الفشل طيَّ الكتمان. أحد أسباب ذلك أنه في حال تحصَّل منافسوها على معلومات حول الأساليب الإعلانية الفعَّالة وغير الفعالة، فعندئذٍ لن يكون على هؤلاء المنافسين سوى محاكاة الإعلانات التي أثبتت نجاحًا.
هذه الحالة من البارانويا التنافسية منتشرة على وجه الخصوص في الولايات المتحدة؛ حيث تفوق الميزانيات المخصَّصة للدعاية مثيلاتها في أي مكان آخر في العالم. وإذا سألتَ إحدى وكالات الإعلان الأمريكية عن حجم إنفاق أحد عملائها على حملة إعلانية، أو عن حجم العائد الذي عاد عليه من هذه الحملة، فلن تحصل على إجابة شافية، وإن حصل ونجحتَ في التوصُّل إلى شخص يمكنه تزويدك بتلك المعلومات، فالأغلب أنك ستحصل على تحذير من نشْر أيٍّ من تلك المعلومات.
على أن الأمر لا يخلو من بضعة استثناءات، فبرنامج جوائز ديفيد أوجيلفي التابع لمؤسسة أبحاث الدعاية والإعلان ينشر سنويًّا سلسلة من دراسات الحالة تعطي المتابع في بعض الأحيان لمحةً عن مدى نجاح إحدى الحملات الإعلانية، لكن البيانات تكون عامة في مضمونها. ستخبرك تلك الدراسات بحجم ما صنعَتْه الحملة من تعريفٍ وتوعيةٍ أو بعدد الأشخاص الذين سجَّلوا إعجابهم بها، بل قد تجد فيها معلومات عن مقدار زيادة المبيعات خلال فترة زمنية معينة، أو إلى أي حدٍّ نَمَتْ حصة الشركة صاحبة الإعلان في السوق. لكن من النادر أن تجد إحصاءً محدَّدًا حول ما حققَتْه الحملة الإعلانية بالفعل.
فكِّر — على سبيل المثال — في حملة «الجمال الحقيقي» التي أطلقَتْها دوف عام ????.2 تقول دراسة الحالة المنشورة في تقرير جوائز أوجيلفي: إن «التفاعل» قد زاد بنسبة ???، لكن هذا لا يخبرنا بالكثير لأنه لا أحد يعرف ما المقصود بكلمة «تفاعل» هنا. وتقول الدراسة أيضًا إن الاستراتيجية العامة قد زادت من حصة الشركة في السوق بنسبة ??? في كلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وألمانيا، لكن ذلك كان على مدى ? سنوات ما بين عامي ???? و????، وكان لجميع الأنشطة التي استمرت خلال هذه الفترة (أي حملات الترويج، محفِّزات التوزيع، حوافز المبيعات، نشاط العلاقات العامة … إلخ). والشيء الذي لن تخبرك هذه الدراسة به أبدًا هو حجم ما جلبه الإعلان التليفزيوني من عائدات. أما في المملكة المتحدة فإن الجهات التسويقية أكثر مرونةً فيما يتعلَّق بالكشف عن بيانات أعمالها، كما أن جائزة فعالية الدعاية والإعلان البريطانية (آي بي إيه) تقدِّم ما هو بمثابة كنز من الأدلة الموثَّقة حول مدى فعالية الحملات الإعلانية.3 لهذا السبب ستجدني أنقل عن دراسات الحالة البريطانية بقدْرٍ أكبر بكثير من نقلي عن مثيلاتها الأمريكية في هذا الكتاب؛ فهناك الكثير من المعلومات التي يمكن لي العمل عليها، وهي تمثل نماذجَ أوضحَ كثيرًا عند الحديث عن الفعالية الإعلانية. غير أن هناك سببًا آخَر وراء خشية شركات الدعاية والتسويق من الكشف عن أسباب نجاح إعلاناتها، وهو أنها هي نفسها لا تعرف تلك الأسباب في أغلب الأحيان. وتحضرني هنا مقولة لرجل الصناعة الشهير جون واناميكر: «نصف إعلاناتي ضاعت سُدًى، ولكنني لا أعرف أي نصف منها هو الذي ضاع.» وقد لا يعرف كثيرون أن نيل فيتزجيرالد، الذي كان حينذاك رئيسًا لشركة يونيليفر، قد قال في حوار: «لو جاء أحدهم وسألني أنا، وليس أحدًا ممَّن سبقوني في هذا المنصب، عن أي نصفٍ من إعلاناتي هو الذي راح هدرًا لقُلتُ له بل ??? منها راحت هدرًا، ولكنني لا أعرف أي ???.» (لانون، ????) ألَا تجد في هذا غرابة؟ أن يكون وصول الإنسان إلى القمر وتجوله على سطحه أسهل بكثير من التيقُّن من نجاح حملة إعلانية من عدمه، والدليل هو كلام رئيس ثاني أكبر شركة مُعلِنة في العالم.
قد يكون من بين تفسيرات هذا الارتباك أنَّ من صفات أداء الإعلان أنه يستعصي على المنطق في كثير من الأحيان. فمثلًا، من المعتقدات السائدة في صناعة الإعلان أن الإعلان الذي يعجبنا يكون أكثر فعالية من الإعلان الذي لا يُعجبنا؛ لأن المشاهدين يكونون أكثر استعدادًا لمشاهدته (بيل، ????). إذن، كيف يمكنك تفسير ما سأعرض له فيما يلي؟
نحب أم نكره؟

على مدار الأعوام القليلة الماضية، نَمَتْ في المملكة المتحدة مجموعة كبيرة مما يُعرَف بمواقع مقارنة الأسعار، وتمكِّنك هذه المواقع من التحقُّق من الحصول على أفضل الخدمات في مجالاتٍ كالطاقة والاتصالات والتأمين بأرخص الأسعار. ويأتي حجم المرور في هذه المواقع مدفوعًا بالكامل بالإعلانات التليفزيونية؛ ومن ثَمَّ فهي تمثل مكانًا جيدًا لاختبار نجاح أو فشل أنواع الإعلانات والدعاية المختلفة.
في يوم السبت الموافق ?? يناير ????، وفي ظل الوضع الاقتصادي المتردِّي الذي أهلك القسم الأعظم من أرباح أكبر قنوات التليفزيون التجارية في بريطانيا، نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية مقالًا بعنوان: «كيف ننقذ صناعة الدعاية والإعلان التليفزيوني؟ شيء بسيط! أرسلوا الميركات أليكساندر.»4 وقد أشارتِ المقالة إلى موقع Compare-the-Market.com، الذي ابتكر موقعًا خياليًّا اسمه «قارن الميركات» Compare the Meerkat. وقد ميَّز الحملة الإعلانية ذات الشعبية الضخمة حيوان «ميركات» (حيوان من فصيلة السموريات) مجسم في صورة بشرية أُطلِق عليه اسم «أليكساندر» ويتحسر على أن الناس يخلطون بين موقعه ميركات الخاص بالمواعدة بين الجنسين وبين موقع Compare-the-Market الذي يمكنك من خلاله شراء تأمين رخيص للسيارات. وقد أعلنتِ الجارديان أن «كثيرًا من الناس قد فاجأهم حجم النجاح الذي حققه أليكساندر.» وقد أشارت المقالة إلى أن «أليكساندر أورلوف»، وهو الاسم المنسوب للميركات، قد نال سيلًا من المتابعين على كلٍّ من تويتر وفيسبوك، وبات هو اللعبة التي يتوق الأطفال لاقتنائها في احتفالاتهم بأعياد الكريسماس ????. وقد نُقل عن جيري بويل، الرئيس التنفيذي لعملاق شراء الوسائط الإعلامية زينيث أوبتيميديا، قوله: «إن النجاح الكبير الذي حققَتْه هذه الحملات في لفت انتباه الجمهور قد أثبت أن ما يقوله مَن يزعمون أن الدعاية التليفزيونية في سبيلها للاحتضار أمر عارٍ من الصحة.»
إذن، ما حجم النجاح الذي حققَتْه دعاية الميركات؟ في هذا الصدد تقول الجارديان، نقلًا عن مينتل، إن دعاية الميركات قد «أعطت دفعة» لموقع Compare-the-Market.com انتقل بعدها من مجرد موقع لصغار المراهقين إلى رابع أشهر موقع لمقارنة الأسعار في بريطانيا، وذلك بعد MoneySupermarket.com وwww.Confused.com. هذا يبدو أمرًا طيِّبًا، بَيْدَ أن المشكلة أن هذا قد وضعها أيضًا في مرتبة متأخِّرة عن موقع ذي حملة إعلانية تتمتع بمستوى التوعية المرتفع نفسه، وهو GoCompare.com. ولأغراض الدعاية، ابتكر موقع GoCompare.com شخصية تُدعَى «جيو كومباريو»، وهو مغنِّي أوبرا يقطع على الناس انغماسهم في أنشطتهم الترفيهية بحضِّهم على «الذهاب للمقارنة» بصوت أوبرالي صادح. وقد حطَّم «جيو كومباريو» بعض الأرقام القياسية في عام ???? بعد أن تمَّتْ تسميته بالحملة الإعلانية الأكثر إثارة للسخط في المملكة المتحدة للعام الثاني على التوالي. ولم يوضِّح أحدٌ أيٌّ من هاتين الحملتين — الميركات أو جيو كومباريو — قد نال أكبر قدر من انتباه الجمهور، بَيْدَ أنه لم يكن هناك شكٌّ حول أيهما كان أكثر ما أحبَّه الناس وأيهما كان أقل. إن ما يجعل الأمر أكثر إدهاشًا أنه حدث بعدها بعام أو أكثر قليلًا أنْ أعلنت صحيفة «صانداي تايمز» البريطانية أن «الإنفاق على الدعاية … قد دفع ? GoComapare إلى موقع التميُّز فيما يعتبر الآن معركة رباعية بين مواقع Confused وMoneySupermarket وCompare the Market». ومن الواضح، وبرغم أنها أثارت ازدراء الأمة بأكملها، أن دعاية Gio Compario حققت نجاحًا كبيرًا. وبتعبير آخر، كانت هذه الدعاية أكثر الدعايات استجلابًا للكراهية في بريطانيا بَيْدَ أنها كانت في الوقت ذاته أكثر فعالية بكثير من أكثر الحملات الإعلانية شعبية في بريطانيا. إن ما توضِّحه هذه القصة أن مؤشراتٍ بسيطة مثل حب أو كراهية الإعلانات لا يمكن الوثوق بها للتنبؤ بفعالية الإعلان. قد يبدو منطقيًّا أن الإعلان الذي تحبه أفضل من الإعلان الذي تكرهه، بَيْدَ أن الإعلانات خبيرة في تحدِّي المنطق. وإليك مثالًا آخَر مستمدًّا من المنطق الحدسي. من المؤكد أن أي إعلان لن يحقق نجاحه المنشود إذا لم يستطِعْ أحدٌ أن يتذكر الرسالة التي يحاول توصيلها، أليس كذلك؟
لغز «أو تو»

تُشتَهر السوق البريطانية لشبكات الهاتف المحمول بكونها من أكثر أسواق العالم تنافسية، ومع انتشار مواقع مقارنة الأسعار، كانت الدعاية هي المحرك الدائم للنجاح؛ فخلال تسعينيات القرن العشرين، هيمنت حملتان إعلانيتان على السوق: الأولى هي «أورانج» بعبارتها الشهيرة «المستقبل ساطع، المستقبل هو أورانج»، والثانية هي حملة «وان تو وان» برسالتها المميزة الواردة على لسان الشخصيات الشهيرة «مع مَن تحب أن تستخدم وان تو وان؟» وإلى جانب هاتين العلامتين الشهيرتين، كانت هناك علامتان أخريان تسترعيان انتباه الجمهور: الأولى كانت فودافون، والأخرى علامة «سيلنت» المملوكة لمشغل الخطوط الأرضية البريطانية بريتيش تيليكوم.
وفي نهاية تسعينيات القرن العشرين، أحدثت فودافون تحوُّلًا في مصيرها بشرائها لسلسلة من الشركات (من بينها أورانج) وأصبحت أكبر مشغِّل لشبكات المحمول، هذا في الوقت الذي لم تصادف سيلنت فيه حظًّا مماثلًا. وفي سنة ????، تمَّت إعادة تنظيم الشبكة التي تعاني سوء الأوضاع وأُعيد إطلاقها تحت اسم «أو تو». ولسنوات أطلقت الشركة الجديدة حملةً إعلانيةً خاليةً من التكلُّف وتُظهِر في إعلاناتها أحيانًا لقطاتٍ لطيور الحمام وهي تنطلق للأعلى فيما يرقص بعض الناس، إلَّا أن أغلب لقطاتها تضمَّنتْ مياهًا زرقاء وفقاعات تتشكل فيها وبعض الموسيقى المَرِحة في الخلفية. وكانت الرسالة الموجزة من وراء ذلك في النهاية هي «أو تو، انظر ما تستطيع فعله».
وقد أنفقت «أو تو» الكثير من المال على هذه الحملة، ورغم عِلم الناس بإعلاناتها، لم يستطع أيٌّ منهم أن يتذكَّر ماذا كانت ترغب «أو تو» في قوله لهم بهذه الإعلانات؛ ويرجع ذلك في جانب منه إلى أن رسالة «انظر ما تستطيع فعله» لم تكن تحمل معنًى لأحد، ولأنه لم يكن هناك شيء يُميِّز الحملة من أسعار أو عروض أو منتجات جديدة جذَّابة تستحق أن يتذكرها أحد. الحقيقة أن الماء الأزرق والفقاعات ليست السمات التي يمكن أن يبحث المرء عنها في أي هاتف محمول.
لذا، بحلول عام ????، هل تستطيع أن تخمِّن ما آل إليه حال كل علامة من هذه العلامات التجارية في المملكة المتحدة؟ إليك الإجابة: لقد استحوذَتْ شركة «تي موبايل» على شركة «وان تو وان» وصار لديها ???? مليون عميل بريطاني. أما شركة فودافون الاستحواذية فقد صار لديها ???? مليون عميل. وقد جلب الإعلان الشهير لشركة أورانج نحو ???? مليون عميل.
ولكن ماذا حقق إعلان الماء والفقاعات عديم المعنى ? «أو تو»؟ حسنًا، لقد ترتَّب عليه أن هذه الشبكة التي كانت على وشك الزوال قد أصبحت أكبر شركة هواتف في بريطانيا، بقاعدة عملاء يبلغ حجمها نحو ?? مليون عميل. لا، هذا ليس خطأً مطبعيًّا! لقد أصبحت «أو تو» في غضون ? سنوات فقط رائدة السوق. الأكثر إثارة في هذه القصة أنها حقَّقت هذا النجاح بدون تقليل أسعارها عن الشركات الأخرى، وبدون أن تتمتَّع بأي مزية فنية معينة، وبدون اللجوء لأي نشاط استثنائي في الدعاية والإعلان. يبدو أن «أو تو» قد حققت ريادتها في السوق بفعل ما هو أكثر من مجرد إعلان الماء والفقاعات.
كيف حدث ذلك؟ كيف استطاعت الدعاية التي لم تَقُم بتوصيل رسالة ذات معنًى أن تدفع بعلامة تجارية إلى الريادة في سوق تنافسية كتلك؟ بمواصلتك القراءة ستعرف الإجابة، كما ستعرف أيضًا كيف استطاعت شركات أخرى كثيرة أن تفعل المثل. السبب هو نظريتي في أن أكثر الحملات الدعائية نجاحًا في العالم ليست تلك التي نحبها أو نكرهها، أو تلك التي تحمل رسائل جديدة أو مثيرة، إنها تلك الحملات على غرار حملة «أو تو» القادرة — وبدون كثير من الجهد — أن تجعل الأشياء تمر تحت أعيننا دون أن ننتبه، وأن تؤثِّر على سلوكنا دون أن نُدرِك أصلًا أنها فعلت ذلك. والطريقة التي تعمل بها هذه الحملات الإعلانية والتي تبدو مسالِمة ظاهريًّا هي «إغواء» عقلنا الباطن.
ولسوء الحظ، فإن الطريقة التي تنجح بها الدعاية في إغواء عقلنا الباطن ليست بالأمر الهَيِّن، حيث يتبيَّن لنا أنها تملك قدرتها تلك على التأثير علينا بهذه الطريقة لأننا كبشر نتأثر بطريقة خاصة ببعض أنواع التواصل. وهذه القابلية للتأثُّر نابعة من الطريقة التي تطورت بها عقولنا، وعليه فلكي نفهم ما يجري، من اللازم أن نتعرف على الكثير من الأفكار الجديدة في علم النفس.
لهذا السبب تناولتُ الموضوع بالعقلية التي يمكن أن يتناوله بها مهندس. وقد بدأتُ بتشريح نماذج الدعاية الراهنة إلى أجزاء ثم أعدتُ بناءها في مراحل وصولًا بها إلى نموذج «إغواء العقل الباطن» الجديد. وفي أثناء ذلك استخدمتُ علم النفس المعرفي وعلم النفس السلوكي والبيولوجيا العصبية والفلسفة كعناصر في هذا البناء. وفي سعيي لذلك حاولتُ توضيح كل مرحلة وشرحها بعدد من دراسات الحالة في مجال الدعاية، وفي نقاط متعددة أوردتُ رسومًا تخطيطية للطريقة التي يتطور بها هذا النموذج.
إنني أعتذر إن كنتم تجدون في هذه المقاربة الجديدة إفراطًا في التحليل، بَيْدَ أنني أرى أن الأمر يقتضيه بشدة؛ ذلك أن الكثيرين منَّا في النهاية لهم مصلحة أكيدة في إثبات خطأ نموذج «إغواء العقل الباطن»؛ فقد بنَى البعض أنشطتهم التجارية على النموذج القديم، فيما يعتقد البعض الآخر اعتقادًا جامحًا بأن الدعاية والإعلان ليسا إلا منظومة من الشرِّ والخِداع … بَيْدَ أن الدعاية ليستْ أيًّا من هذين؛ فهي أكثر تعقيدًا بكثير ممَّا يتخيَّله الكثيرون منَّا.
لقد قسَّمنا هذا الكتاب إلى خمسة أجزاء، وفيما يلي وَصْفٌ موجَزٌ لكلٍّ منها:
الجزء الأول: تحليل الإعلان

يبدأ الفصل الأول بوصف نموذج الإقناع التقليدي، وسرعان ما يتضح أنه حتى العاملون في مجال الإعلان فضلًا عن غيرهم ليسوا بالضرورة على دراية بكيفية تأثير الإعلان علينا؛ فالفكرة المشهورة عن الإعلان أنه يوصِّل نوعًا من المعلومات المُقنِعة التي تقوم بدَوْرها بتوجيهنا وأخذ القرار فيما نريد شراءه.
يستعرض الفصل الثاني الأفكار البديلة التي يقدِّمها مَن يعملون في المجال، وأيضًا مَن يعملون في مجالات ذات صلة مثل المجال النفسي. قدَّم أول هذه الأفكار الاختصاصيُّ النفسيُّ والتر ديل سكوت منذ مائة عام، عندما كان الإعلان المطبوع والإعلان الخارجي هما وسيلة الإعلان الوحيدة حينذاك. وكما أرى فإن سكوت يرى أن الإعلان يستطيع تحفيز العقل الباطن للعميل. ولكن مع الأسف، بالرغم من أن الكثير من المُعلِنين أشادوا بأفكاره في ذلك الوقت، فإن تلك الأفكار لا تتفق مع القائمين على الإعلام. وللعلم فإن معظم أساطين الإعلام كانوا موظفي مبيعات سابقين ممَّن يَرَوْن العرض التقديمي للأسباب المُقنِعة شعار نجاحهم؛ لذا لم يكن تجنُّب أفكار سكوت الثورية ونسيانها أمرًا مفاجئًا.
لم يحدث ثاني أكبر هجوم على عملية الإقناع إلا بعد مرور أكثر من ?? عامًا، وهذا دليل على أن الاتجاه المحافظ كان هو السائد في مجال الإعلان. هذه المرة كان الهجوم من جانب اختصاصيٍّ نفسي يُدعَى هيرب كروجمان، وكان هجومه على الإعلان التليفزيوني. لا يستطيع كروجمان تفسير كيف أن تلك المواد الإعلانية التافهة التي تمثِّل معظم إعلانات التليفزيون بإمكانها إقناع أي شخص بشراء منتج، فبَادَر إلى إثبات أن الإعلانات التليفزيونية تُشاهَد «بمستوًى منخفض من التركيز» إذا ما قورنت بالإعلانات المطبوعة. وممَّا زاد من أفكاره أهميةً جهودُ أحد خبراء الإحصاء، ويُدعَى أندرو إرينبرج، الذي أثبت أنه من المُستبعَد بشدة أن تُغيِّر الإعلانات سلوكيات أي شخص؛ ومِن ثَمَّ يكون من المستبعد جدًّا أن تكون تلك الإعلانات مقنِعة.
ثمة مُشكِلة ضخمة تتعلَّق بمجال الإعلان، وتتصل بمدى تقبُّله لفكرة أننا لا ننتبه إلى الإعلانات وأنها لا تُغيِّر سلوكياتنا. ولم يكن مستغرَبًا أن كانت الاستجابة لأفكار كروجمان إرينبرج — مثلما كان الحال مع سكوت — هي التعبير عن اهتمام بالِغ بتلك الأفكار ثم تجاهُلها بأسلوب مهذَّب.
لكن يبدو أنه لا يمكن إنكار حقيقة أننا لا ننتبه كثيرًا إلى الإعلانات، وبدأتُ في الفصل الثالث في تدعيم ذلك بالأدلة، وتوصَّلتُ إلى أننا قد نقضي وقتًا أكبر بعيدًا عن الإعلانات، وخاصة إعلانات التليفزيون، أكثر من قضاء الوقت في مشاهدتها، ولدينا الكثير من الأسباب التي تدعم تصرُّفنا هذا؛ فأولًا: نحن مُحاطون بإعلانات طيلة الوقت في حياتنا؛ ومِن ثَمَّ لم تَعُدْ شيئًا مبتكرًا. وثانيًا: لزيادة حجم المنافسة هذه الأيام، نرى أن ما سوف يقوم به معظم المعلنين هو تأكيد أن علاماتهم التجارية هي الأفضل من باقي العلامات التجارية. وثالثًا: لأن «جميع» العلامات التجارية ذات جودة عالية فلا حاجة إلى كثرة استعراض جودتها. بمعنًى آخر، نحن لا ننتبه إلى الإعلانات لأننا لا نتوقع منها أي شيء جديد أو ممتع، وفي الواقع لدينا من الأشياء ما هو أفضل للقيام به في حياتنا.
بالتأكيد عن طريق تجاهل الإعلانات لا نرى لها أي تأثير علينا. وفي الجزء الثاني من الكتاب سأبدأ في إثبات ما إذا كانت تلك حقيقة أم لا.
الجزء الثاني: سيكولوجية التواصل

فيما يتعلق بالطريقة التي نتواصل بها، يبدو لعقلنا أن كل شيء أكثر تعقيدًا بكثير مما نتوقع. يستعرض الفصل الرابع كيف يتفاعل التعلُّم والانتباه عند مشاهدة إعلان. فقد أصبح من الضروري أخذ الوجهة التي نركِّز عليها انتباهنا في الاعتبار، وليس هذا فحسب، بل ينبغي أن نضع في الحسبان أيضًا كمَّ الانتباه الذي نمنَحه في كل مرة. أناقش كذلك نظام الذاكرة التي تمكِّننا من التعلُّم حتى مع «عدم الانتباه تمامًا» لأيٍّ من الدعاية، وهي آلية تُعرَف باسم التعلُّم الضمني.
يستعرض الفصل الخامس كيف يحدث التفاعل بين تعلُّمنا من التواصل وأنظمة ذاكرتنا، فمِن الواضح أن ذاكرتنا الصريحة — تلك التي نستخدمها لتذكُّر الأشياء — سِعتُها محدودة؛ لذلك نجد صعوبةً في تذكُّر الإعلانات وسهولةً في نسيانها، ولكن أيضًا لدينا ذاكرة ضمنية تتَّسم بالقوة والاستمرارية. يتم إدخال المعلومات الضمنية إلى الذاكرة الضمنية وهي تخزِّن أغلب الأشياء التي نراها، وهي أيضًا قادرة على ربط هذه الأشياء التي نراها بالذاكرة الدلالية حيث نخزِّن المعاني. هذه الخطوة مهمة للغاية في توضيح كيف أن التعامل مع الإعلان بمستوًى منخفض أو منعدِم من الانتباه قد يؤثِّر علينا.
يستعرض الفصل السادس طريقةً جديدةً لتصنيف تعلُّمنا من التواصل، قسَّمتُها إلى ثلاثة أنواع من النشاط الدماغي: الإدراك، والتصوُّر، والتحليل. تنشط هذه العناصر الثلاثة خلال ثلاثة أنواع من التعلُّم: التعلُّم النَّشِط، والتعلُّم السَّلْبي، والتعلُّم الضِّمْني. تساعدنا هذه التصنيفات في زيادة فهم الكيفية التي نتعامل بها مع الإعلان وكيف نخزِّن ما نتعامل معه. أهم اكتشاف تم التوصل إليه أن التعلم الضمني هو أكثر الطرق شيوعًا في التعامل مع الإعلان، ويَلِيه في المرتبة التعلم السلبي، بينما قلَّما يحدث التعلم النَّشِط. في هذا الفصل، أناقش أيضًا تعرُّض العقل الباطن (تهيُّؤه للتأثُّر) الذي لا علاقة له مطلقًا بالطريقة التي يؤثِّر بها الإعلان علينا، كما أناقش موضوعًا أكبر أهمية بكثير يتعلَّق بالتعرُّض العابر الذي له علاقة «كبيرة» بالطريقة التي يؤثر بها الإعلان علينا.
يبحث الفصل السابع المشكلات التي تحدث عند محاولة المعلنين إقناعَنا بأن ننتبه. إحدى العراقيل هي أنه كلما زاد انتباهنا إلى الإعلانات زادت قدرتنا على «معارضة» رسائلها وقلَّ اقتناعنا بادِّعاءاتها، بل إن هناك سِمة مُربِكة أخرى تتمثل في أننا مزوَّدون بآليةٍ تُدعَى «التصفية العقلية» لتمنَع عقولَنا من التشتُّت، بحيث تمكِّننا تلك الخاصية من تجاهل العناصر التي لا نريد الانتباه إليها. هذا يعني بالتأكيد أننا إنْ لم نكن نتوقَّع أننا سنتعلم شيئًا من إعلان معين، فمن الممكن أن نوجِّه عقولنا للتركيز على ما يُمتِّعنا منه ونستبعد ما لا يمتِّعنا (مثل الرسالة واسم العلامة التجارية المعلن عنها).
لكن هناك عناصر في الإعلان هي التي تضلِّل آليات الدفاع تلك، أبرزها تلك العناصر التي تتصل بالعواطف. يسلِّط الجزء الثالث الضوء على الكيفية التي نتعامل بها مع العواطف وكيف يعمل العقل الواعي واللاوعي.
الجزء الثالث: العاطفة والوعي

حتى وقتٍ قريبٍ إلى حدٍّ ما كان علماء النفس يعتقدون أن العواطف هي نتاج تفكيرنا. في الفصل الثامن أوضِّح أن المعالجة العاطفية هي أول — وليست آخِر — ما نفعله. في الواقع، يتبيَّن أن المعالجة العاطفية هي وظيفة جزء غريزي في أدمغتنا يسبق التفكير الإدراكي بكثير؛ ولذلك يجب أن يعمل تلقائيًّا ولا شعوريًّا.
وحتى نستوعب ذلك، يصبح من الضروري أن نَسبُر أغوار ما نَعنِيه باللاوعي ودَوْره، ونتناول ذلك في الفصل التاسع حيث إنه قد يكون أكثر الأفكار التي نقابلها تعقيدًا. الكثيرون ممَّن يدرسون الوعي يتقبَّلون حاليًّا فكرة أن كل ما نفعله بعقولنا يتم في مستوى اللاوعي، وأن «الوعي» ليس إلا مجرد مراقِب؛ إذن فعقلنا الواعي لا يعمل كالحاسوب، ولكنه أشبه بشاشة الحاسوب. يحدث تفكيرنا في اللاوعي وجزء صغير منه — ما يمكن لعقلنا التأقلم عليه بفعالية — يتم توصيله إلى هذه الشاشة حتى نستطيع النظر إليه؛ لذا حين يبدو الأمر وكأننا نتناقش مع أنفسنا فإن ما «ندركه» نحن هو أن عقولنا تُبلِّغ عن مناقشةٍ أو جدلٍ حدَثَ في اللاوعي أو العقل الباطن في وقتٍ ما قبلَ هذا.
هل تجد هذا غريبًا؟ إنه ليس غريبًا حقًّا. أجد أن هذه الطريقة التي ننظر بها لأنفسنا تحرِّرنا على نحو مُذهِل، فهي توضِّح لماذا يمكننا فعل أشياء على نحو جيد دون التفكير فيها — كأن نسارع تلقائيًّا مثلًا ونُمسك بكوب سقط قبل وصوله إلى الأرض — وهذا يُفسِّر لماذا الأشياء التي نلاحظها أو ندركها أكثر بكثير مما نتخيل. كما يفسر أيضًا أن بداخلنا قابلية كبيرة للتأثر بأنواع معينة من التواصل، وأوضحها الإعلان.
يتناول الفصل العاشر التفاعل بين الانتباه والعاطفة، ويفسِّر سبب عدم نجاح النماذج الإعلانية المعتمِدة على الإقناع. يعتقد العاملون بمجال الإعلان أن إبداعهم يجعلنا نحب الإعلانات أكثر ونُبدِي مزيدًا من الاهتمام بها، ولكنْ يبدو أن ما يحدث فعليًّا هو العكس؛ كلما حاول المُعلِنون إغواءَنا لا شعوريًّا بالإبداع، زاد إعجابنا بالإعلانات وقلَّ شعورنا بخطرها «وقلَّ» شعورنا بأهمية الانتباه لها؛ لذا كلما كانت الإعلانات أكثر إبداعًا، قلَّ انتباهنا لها، وقلَّ تذكُّرنا للرسالة التي تحاول توصيلها لنا.
ولكن النقطة المُهِمَّة هي أنه كلما قلَّ انتباهنا، أصبح إغواء العقل الباطن أو اللاوعي أكثر فعالية. بمعنًى آخر، بتقليل انتباهنا نَمنَح المُعلِنين الإذْنَ بالتأثير على عقلنا الباطن وبفعالية كبيرة.
الجزء الرابع: القرارات والعلاقات

حتى نتفهَّم تمامًا كيف تتأثر سلوكياتنا بالعاطفة في الإعلانات، نحتاج أولًا فهم كيفية اتخاذنا للقرارات. يتناول الفصل الحادي عشر بالتفصيل الأمورَ التي يتقبَّلها علماء النفس في الوقت الحالي، وهي أن عواطفنا تعمل كمراقِب على كافة قراراتنا. في الواقع، تأثير عواطفنا قوي للغاية بحيث إننا لا نستطيع اتِّخاذ قرار إلَّا إذا تدخَّلتْ فيه عواطفنا. وإذا لم يكن لدينا الوقت الكافي للتفكير في قرار ما فستؤدِّي عواطفنا هذا الأمر بالنيابة عنَّا عبْرَ الحَدْس أو البديهة. هذا بالطبع يعني أن العواطف في مجال الإعلان قادرة على التأثير على سلوكنا أكثر مما يمكن لأي شخص أن يتخيل.
هناك المزيد؛ ففي الفصل الثاني عشر نعرف أن العواطف أيضًا هي التي تشكِّل علاقاتنا من خلال ما يُعرَف بالتواصل الفوقي. قد يندهش بعضكم إذا أدركتم أن هناك علاقات بيننا وبين الكيانات الجامدة كالعلامات التجارية، إنَّ هذه العلاقات موجودة بالفعل؛ هؤلاء الذين شهدوا الحب والاهتمام اللَّذَين يُولِيهما بعض الناس بسخاء لسياراتهم سيعرفون بالضبط ما أتحدث عنه.
يقدم لنا الفصل الثالث عشر نموذج إغواء العقل الباطن بشأن الكيفية التي تؤثر بها الإعلانات علينا. يناقش هذا الفصل بعض التأثيرات السياقية التي توجِّه حيواتنا حاليًّا، وهو يَقرِن تلك التأثيرات بالتعلم النفسي في الأجزاء من ? إلى ?. أجد أن هناك طريقتين مهمتين تستطيع الإعلانات عن طريقهما التأثير في سلوكياتنا على مستوى اللاوعي؛ أُولى هذه الطرق هي التكيُّف الترابطي اللاواعي، وتحدث هذه الطريقة حين يَستَثِير شيء ما في الإعلان استجابةً عاطفيةً، وبمُضِيِّ الوقت يقوم بنقْل هذه الاستجابة العاطفية لا شعوريًّا إلى العلامة التجارية. الطريقة الثانية هي التلاعب بالعلاقات لا شعوريًّا، ويحدث ذلك حين يؤثر الإبداع في الإعلانات لا شعوريًّا على طبيعة شعورك إزاء العلامة التجارية. النموذج الذي يَظهَر في هذا الفصل ما زال معقَّدًا إلى حدٍّ ما، ولكنْ، كما قلتُ من قبلُ، ليستْ تلك حالة بسيطة نتعامل معها.
الجزء الخامس: تناول الإعلانات من منظور جديد

في القسم الأخير من الكتاب أبدأ في الكشف عن الآثار المُترتِّبة على نموذج إغواء العقل الباطن. يمنحكم الفصل الرابع عشر فكرةً عن مدى سذاجتنا جميعًا، ومدى سهولة تأثير المثيرات الخارجية مهما كان نوعها علينا؛ على سبيل المثال، إشارتنا أو هزُّنا لرءوسنا أثناء الاستماع يمكن أن تُغيِّر رأينا كما أن أبسط تصرُّف نقوم به، كمَلْءِ استبيان ما بقلم ذي لون محدد، يمكن أن يؤثِّر فيما نشتريه. يفسر هذا الفصل أيضًا كيف أننا نخبِّئ في عقْلنا الباطن كثيرًا من المعرفة عن «تفاصيل» الإعلان أكثر مما نرغب في أن يكون لدينا غالبًا. والأكثر من ذلك هو بسبب أن هذه المعرفة تتواجد في عقلنا الباطن، فلا يوجد أي طريقة نستطيع إخراجها بها.
كثير من الأمثلة التي تَعامَلنا معها حتى الآن من التليفزيون. يناقش الفصل الخامس عشر كيف تؤثِّر الوسائط الإعلامية الجديدة، وخاصة الإنترنت، فينا. كما أتناول أيضًا ما قد يحتمل أن يكون أكثر أنواع الإغراءات للَّاوعي في كل الوسائط الإعلامية، وهو دفع مبالغ مالية مقابل عرض المنتجات في برنامج تليفزيوني.
كل ما سبق يدعونا لنتساءل عمَّا إذا كان السماح للإعلانات بأن تؤثِّر فينا أمرًا صحيحًا أم لا. هذا السؤال يُجاب عنه في الفصل السادس عشر. ويتضح لنا أن السؤال يجب أن يكون على النحو التالي: «هل هناك ما يمكننا فعله بشأن مدى تأثير الإعلانات علينا؟» والإجابة هي «القليل جدًّا». يمكننا أن نمنع الإعلانات المتعلِّقة بالمنتجات التي تضرنا ونقوم بذلك فعليًّا — برغم أن ذلك لم يحدث بالسرعة المطلوبة وفي العدد الكافي من البلدان — لكن المشكلة الكبرى هي أنه إذا منعنا الإعلانات من إحدى وسائل الإعلام فسنجدها تَظهَر في وسائل أخرى، وإذا منعناها تمامًا فستَظهَر في أماكن لا يمكن مراقبتها والتحكم فيها على الإطلاق؛ لذلك فمن أجل مصلحة المجتمع ربما يكون من الأفضل أن نتركها مُعلَنة بوضوح للعامة وفي ذات الوقت نضع أعيننا عليها ونراقبها، كما هي الحال مع المشروبات الكحولية.
في الفصل السابع عشر، أشرح كيف يمكنكم كشف الأمر عندما يتم إغواؤكم لا شعوريًّا بالإعلانات. في أربع دراسات حالة أُظهِر كيف أصبحتِ العلامات التجارية على جانبَيِ الأطلسي علاماتٍ تجاريةً فائقةً بسبب الإعلانات التي تحمل رسائل خفية، وأبادر لأقول إنه لا يوجد شيء سيِّئ بشأنها على وجه الخصوص، بل إنها مجرد مهارة فائقة.
وفي النهاية، أنتهي بالتساؤل عن الهدف من كل هذا. لن يدهشك الأمر إذا عرفتَ أنني أهتم اهتمامًا خاصًّا بمدى تأثير إغواء العقل الباطن على أطفالنا، ولكني أيضًا أتساءل عن سبب عدم استخدام هذه الآلية فائقة التأثير بصورة واسعة النطاق في النشرات الإعلانية العامة حيث ستكون أكثر نفعًا لنا.
لذا، أدعوكم للبدء في هذه الرحلة في مجال الإعلان، وأعتقد أنكم بمجرد إنهائها ستندهشون لمدى تأثير الإعلانات على سلوكياتكم اليومية، وقد تندهشون أكثر بقلة إدراككم لحقيقة أن هذا يحدث بالفعل.
هوامش

(1) http://financial-portal.com/articles/article229.html#Selling.(2) Advertising Research Foundation David Ogilvy Awards on www.warc.com.(3) Institute of Practitioners in Advertising, www.ipa.co.uk.(4) http://www.guardian.co.uk/media/2010/jan/16/aleksander-orlov-price-comparison-ads.
الجزء الأول
تحليل الإعلان



الفصل الأول
نموذج الإقناع


… مَن يُحاول الإقناع لا يفعل ذلك خفيةً؛ فالإعلان يمارس تأثيره بوضوح تحت ضوء شمس ساطع لا يرحم.
روسر ريفز
«الواقعية في الإعلانات» (????)
نظنُّ جميعًا أننا على دراية بآلية عمل الإعلان، فلا يوجد بها ما هو شديد البراعة أو الخصوصية، بل هي في الحقيقة آلية في غاية البساطة. وفي رأيي فإن هذا هو ما يصيبنا بغضب شديد كلما سمعنا عن الرواتب الضخمة التي يتقاضاها رجال الإعلانات واستمتاعهم دومًا بحفلات الغداء الباذخة؛ وهذا لأننا نرى أنهم يتقاضَوْن أموالًا مقابل عملٍ تافِهٍ.
ومنطلق الإعلان في الغالب هو رغبة شركة في إقناعنا بشراء منتجها، وأنا أقول «في الغالب»؛ لأننا نشاهد بين الحين والآخر الحكومات وهي تعلن عن أمور تريد منَّا أن نقوم بها، ولكنني في هذا الكتاب لن أتناول سوى الإعلانات الخاصة بمنتجات أو خدمات ذات اسم تجاري ترغب الشركات في بيعها لنا.
يعود هذا الشكل الإعلاني؛ أي الإعلان عن سلع تجارية، إلى ما قبل ???? عام على الأقل (فليتشر، ????)، غير أن التعامل معه على أنه ضمن نشاط مُمَنهج لعمليات البيع لم يتم على النحو الذي نعرفه إلا منذ نحو ??? عام فحسب. ويعود الفضل في ذلك النهج الجديد إلى سانت إلمو لويس، رجل مبيعات من شركة ناشونال كاش ريجستر؛ فمع نهايات القرن التاسع عشر وضع السيد لويس نهجًا للبائعين المتجوِّلين بين المنازل يتكون من أربع خطوات: الاستحواذ على «الانتباه».
إثارة «الاهتمام».
خلق «الرغبة».
وأخيرًا، الفوز ? «استجابة» عن طريق إتمام صفقة البيع.
أدَّى انتشار هذا النهج الذي يركِّز على أربعة عناصر (الانتباه، الاهتمام، الرغبة، الاستجابة) إلى بزوغ أول نموذج تطبيقي رسمي للإعلان (باري وهاورد، ????)، ولا يزال يؤمن الكثير من الشركات المُعلِنة في عصرنا أن صناعة الإعلان تقوم على أساس هذا النموذج.
ومِن ثَمَّ، وعودةً للحديث عمَّا تريد الشركة أن تَبِيعه، تكمن الخطوة الأولى في تلك العملية في التفكير في الرسالة أو الاقتراح الذي قد يغيِّر معتقداتنا بخصوص المنتج المعروض ويدفعنا لشرائه. من الضروري أن تكون تلك الرسالة قادرةً على إقناعنا بأن المنتج المعروض أجود، أو أفضل، أو أحدث، أو أذكى، أو أكثر إثارة من منتجات المنافسين، وأنا على يقين من فهمكم لهذه النقطة تحديدًا. تستنبط الشركة تلك الرسالة بالتعاون مع وكالة الإعلان، ولدى اطمئنان الجميع بأن الرسالة تتضمن جميع المميزات التي يتَّسم بها المنتج المعروض، يتوجهون إلى مجموعة أكثر أهمية داخل وكالة الإعلان ويُطلَق عليها اسم «الفريق الإبداعي» (لا بد أن هذا الفريق على قدْر بالِغ من الأهمية؛ لأنه، مثلما تمَّ عرضُه في المسلسل الأمريكي «رجال مجانين»، يحصل على مبالغ مالية كبيرة مقابلَ مجرد التواجد في المكان وتقديم القليل جدًّا من العمل).
يبتكر هذا الفريق فكرةً إبداعيةً لتسويغ ما تحصل عليه الوكالة من العميل من مبالغ كبيرة (وأتمنَّى أن تعذروا سخريتي؛ فلقد عملتُ في صناعة الإعلان لفترةٍ طويلةٍ «جدًّا»). لا توجد أي علاقة بين تلك الفكرة الإبداعية وما يتم الإعلان عنه، وفي بعض الأحيان لا توجد أي علاقة بينها وبين الرسالة التي ترغب الشركة في توصيلها. على أي حال، ما يهمُّ هو أنه لدى شعور الجميع بالسعادة بتلك الفكرة الإبداعية، يمكنهم بسهولة استنباط الرسالة منها، وعليه يُصبِح الإعلان جاهزًا للعرض؛ ومِن ثَمَّ يتمُّ عرض الإعلان على شاشة التليفزيون أو بأي جريدة أو أي وسيلة إعلامية أخرى، وفور إتمام هذه الخطوة، يجلسون منتظرين النتائج … أمرٌ بسيط.
هذه فكرة تقليدية جدًّا لدرجةٍ قد تجعلكم تتساءلون عن السبب وراء تأليفي لكتابٍ كاملٍ عنها، بل إن كلود هوبكينز — وهو أحد رُوَّاد صناعة الإعلان — ألَّف كتابًا عام ???? في هذا الموضوع، وقد أكَّد أن «صناعة الإعلان التي كانت في وقت من الأوقات نوعًا من المُقامَرة، أصبحتْ بمثابة مشاريع تجارية آمنة» (هوبكينز، ????). نظر «هوبكينز» إلى البيع عن طريق الإعلان باعتباره عملية عقلانية قائمة على المعلومات، ولا مجال فيها للهَزْل أو الخروج عن المألوف.
ولكن، وعلى غرار المشاريع التجارية كافة، وفَوْر ابتكارك لشيءٍ ما، سيَظهَر شخص ما فجأةً لتقييم ما ابتكرتَه. وفي هذه الحالة، كان هذا الشخص هو دانيال ستارك، وكان تقييمه قائمًا على عرض نسخة من جريدةٍ ما على الناس تحتوي على إعلانٍ بداخلها، وسؤال الناس إذا كانوا قد قرءوا الإعلان، ثم سؤالهم عمَّا «لاحظوه» بشأنه. كان القصد من نظام ستارك صاحب نظام «القراءة والملاحظة» هو إيضاح إلى أي مدًى أصبح دفعنا للانتباه للإعلان أكثر أهمية بكثير.
ولحلِّ معضلة عدم الانتباه، قرَّر القائمون على وسائل الإعلام في عشرينيات القرن العشرين تعيين خبراء لكتابة إعلانات لعملائهم، وهنا أُجدِّد القول بأن هذا الأمر لم يكن يمثل فكرةً جديدةً تمامًا. تأمل على سبيل المثال ما ذكره ريتشارد أديسون في كتاب «تاتلر»: تكمن عظمة فن كتابة الإعلانات في اكتشاف الطريقة المناسبة لجذب انتباه القارئ، التي بدونها يمكن أن يمرَّ على القارئ شيء جيد دون أن يلاحظه. (فليتشر، ????)
ربما تشعرون بالدهشة عندما تعلمون أن أديسون لم يَقُلْ هذا الكلام في عشرينيات القرن العشرين أو التاسع عشر، بل قاله في عام ????؛ أي قبلَ ثلاثة قرونٍ مَضَتْ. وبعدَها بقليل، قال صمويل جونسون الشهير: في هذه الأيام هناك الكثير من الإعلانات التي لا تَلقَى اهتمام الناس إلا ما ندر؛ ولذا صار من الضروري أن تجذب انتباه الناس من خلال وعودٍ هائلة، وعن طريق الإبداع، يُصبِح بعضُها فائقًا والبعض الآخَر مثيرًا للشَّفَقة. (فليتشر، ????)
والآن يمكنكم ملاحظة الدور الذي يلعبه الفريق الإبداعي بالجلوس طيلة اليوم دون بذل كثير جهد. لطالما كانت الإعلانات التي لا تُقرَأ بعناية — أو بعبارة أخرى، تلك التي لا يُلتَفَت إليها كثيرًا — مشكلةً كبيرةً بالنسبة للشركات المُعلِنة، ولطالما كان «الإبداع» (الذي يتمثَّل في الفكرة المبتكرة التي يَخرُج بها الفريق الإبداعي) هو الحل الأكيد.
بطبيعة الحال، لم يكن يمثِّل هذا مشكلةً كبيرةً عندما كانت الإعلانات تقتصر على الجرائد فقط. وقد حدث تغيير في كل شيء نتيجة بزوغ عصر التليفزيون التجاري في الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف خمسينيات القرن العشرين؛ ففجأة وبدون مقدمات، صارت ميزانيات صناعة الإعلان تجارةً كبيرة، وصارت وكالات الإعلانات التي تُصمِّم وتُنتج تلك الإعلانات مشاريعَ تجاريةً ضخمة. أدى التليفزيون التجاري — الذي أتى بالسينما إلى غرف معيشتنا — إلى حدوث ثورة عارمة في الفُرَص الإبداعية التي أُتيحت لوكالات الإعلانات؛ ومِن ثَمَّ صار دفع الناس إلى الانتباه للإعلانات فجأةً هو مصبَّ اهتمام «الجميع».
حسنًا، كان لا بد أن يحدث هذا؛ فقد كان التليفزيون التجاري يتَّسم بتكلفةٍ باهظة، وقد ظهر في الأساس بهدف تحقيق عائد من الإعلانات؛ ولذا كان لِزَامًا أن يعرض هذا التليفزيون شيئًا ما يتميَّز بالاختلاف. كان ما عرضه ذلك التليفزيون هو أن يصاحب عرض الرسالة موسيقى وحركة ودراما ومشاهير، وهي أمور أصبحت مألوفة لنا في أيامنا هذه. عندما ظهر التليفزيون التجاري لأول مرة، الْتَفَّ الناس حول أجهزة التليفزيون وهم في أعلى درجات الانتباه، مثلما يكون حال الأطفال اليوم الذين لم يَسبِق لهم مشاهدة التليفزيون من قبلُ. شهدتْ صناعة الإعلان نجاحًا تحقَّق بينَ عَشِيَّة وضحاها، وحصلتِ الشركات التي استثمرت أموالها في تلك الصناعة على أرباح خيالية. وبطبيعة الحال، لم يَدُمِ افتتاننا بالجهاز ذي الشاشة الصغيرة طويلًا، وهو ما زاد من أهمية دَوْر الإبداع.
ولكنَّ النجاح السريع لإعلانات التليفزيون يعني أنه قد نجح في جذب انتباه جميع الفئات ممن يرغبون في ركوب هذه الموجة الناجحة، وكان مِن بينهم علماء ومتخصصون في علم النفس ممن يعتقدون أن بإمكانهم صنع إعلان أكثر إقناعًا عن طريق مخاطبة تطلعاتنا من خلاله؛ ومِن ثَمَّ فقد أثاروا اهتمام العامة ممن لا يهتمون بالمال الممكن تحقيقه من خلال الإعلانات التليفزيونية، بل يهتمون بالأخلاقيات التي قد يقدِّمها لنا، ولم يكن هناك مفرٌّ مِن المُواجَهَة.
ما تسبَّب في هذه المواجهة هو مجموعة كانت تركِّز على ما أُطلق عليه «أبحاث التعليل» التي كان يرأسها عالِم النفس إيرنست ديشتر. حاولتْ هذه المجموعة من الباحثين تحليل سلوك العميل من خلال دراسة جوانب متعدِّدة؛ منها الرمز والاستعارة والعقل الباطن بمنظور فرويد. كانت النتيجة التي توصلوا إليها هي كتابًا نشره مدير قسم الأبحاث بجريدة «شيكاجو تريبيون» بيير مارتينو عام ????. أتاح مارتينو الفرصة أمام كل المُعلِنين لإقناع الناس بشراء منتجاتهم ليس فقط عن طريق تقديم احتياجات عملية فعلية، ولكن أيضًا عن طريق استخدام الاحتياجات العاطفية الخاصة والكامنة؛ تلك الاحتياجات التي لم يكن الناس على وَعْي حتى بأنهم يمتلكونها في الكثير من الأحيان.
أدَّت أنشطة القائمين على أبحاث التعليل إلى نشر كتابٍ كتبه فانس باكارد وهو صحفي، وصار كتاب باكارد «المُقْنِعون المُستَتِرون» من أفضل الكتب مبيعًا، وسرعان ما حقَّق رواجًا، ولا يزال يحقق رواجًا إلى يومنا هذا. في الفقرة الافتتاحية كتب باكارد يقول: هذا الكتاب بمثابة محاولة لكشف مجال جديد وغير مألوف وغريب على الحياة الحديثة، وهو عن الطريقة التي بها يتم التأثير علينا والتلاعب بنا — بما يفوق إدراكنا — في حياتنا اليومية. هذه الجهود تحدث بشكل عام تحت مستوى وَعْيِنا؛ ومِن ثَمَّ غالبًا ما تكون الرسائل التي تحرِّكنا «خفيةً». (باكارد، ????)
كان موضوع باكارد يتمركز حول استغلال شركات الإعلان الأمريكية بلا خجلٍ الأساليبَ التي قدَّمها مارتينو من أجْل أن تَبِيع لنا منتجات لم نكن نريدها فعليًّا. وصف باكارد أبحاث التعليل التي من خلالها تسبر هذه الشركات أغوار أدمغتنا بأنها «عمل ضد الإنسانية»: في الواقع، هذا امتهان لحقوقنا كآدميين.
فقد وصف باكارد مارتينو وديشتر بأهم نصيرين لأبحاث التعليل هذه، ولكنه ربط ضمنيًّا مجال صناعة الإعلان بأكمله بتلك المؤامرة المفترضة على إرادتنا. لخَّص المشكلة التي طرحها اقتباس نقله عن ديفيد أوجيلفي: شعرتُ بالدهشة عندما اكتشفتُ أن الكثير من المُعلِنين … يعتقدون أن المرأة يمكن إقناعها بالمنطق والجَدَل كي تفضِّل شراء علامة تجارية على أخرى، حتى عندما تتطابق العلامتان التجاريتان من الناحية الفنية. كلما زاد التشابه بين المنتجات، تضاءل الدَّوْر الذي يَلعَبه المنطق في المُفاضَلة بين العلامات التجارية. (باكارد، ????)
شعر باكارد أن التلاعب بمشاعر العميل من جانب المُعلِنين بمثابة استغلال فيه ظلم له، ولكن من العجيب أنَّ ذلك لم يكن السبب وراء التأثير الكبير الذي حقَّقه الكتاب. في الفصل الرابع من الكتاب، أشار باكارد إلى بحث كشف عن سبب اختيار شخص ما لطراز معيَّن من السيارات على نحو متكرر، وكيف أنه تحت تأثير التنويم المغناطيسي «استطاع تكرار إعلانٍ قرأه منذ ما يزيد عن عشرين عامًا كلمة بكلمة» (باكارد، ????). وبعد أن أثار مخاوفنا بشأن ضعفنا أمام كلٍّ من الإعلانات وأساليب التلاعب بالعقول بما فيها التنويم المغناطيسي، يشير باكارد إلى تجربة نشرتْها صحيفة «صنداي تايمز» اللندنية. تمَّت هذه التجربة في سينما نيوجيرسي وتضمَّنتْ صورًا لآيس كريم تم عرضها «تحت عتبة الإحساس» (أي تحت مستوى الإدراك الواعي). وكانت النتيجة «زيادة ملحوظة وغير قابلة للتفسير في مبيعات الآيس كريم» (باكارد، ????). هذه التجربة كانت تمثِّل أول إعلان على مستوى اللاوعي يُنشَر على نطاق واسع.
نعلم الآن أن زيادة مبيعات الآيس كريم كانت بسبب المناخ شديد الحرارة، ونعلم كذلك أنه تم الخلط بين تقرير باكارد وتجربة ثانية قدَّمها جيمس فيكيري في السنة نفسها، حيث عُرضت فيها بسرعة ??? ملِّي ثانية جملتا «اشرب كوكاكولا» و«جوعان؟ تناول فشارًا»، وقيل إن نسبة الاستهلاك لهذين المُنتَجَين زادت بنسبة ??? و??? على التوالي.
اعترف فيما بعد «فيكيري» بأنها كانت حيلةً دعائيةً من شركته الجديدة سابليمينال بروجكشن كومباني (نشر في «بويسي» ????). كما نعلم أيضًا من واقع خبراتنا أن الدعاية الخفية — وهي رسائل تُعرض بمعدل تكرار يقل عن ?? ملِّي ثانية تقريبًا — ليس لها أي قوة تأثير على تصرفاتنا، وبالطبع ليس بإمكانها تحقيق تأثير على المدى الطويل على اختياراتنا للعلامات التجارية. ولكن، كما ذكرتُ سابقًا، سادتْ تلك الفكرة، وهي لا تزال سائدة حتى يومنا هذا. وبالرغم من حظر الدعاية الخفية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة منذ عام ????، فإن فترة انتخابات الولايات المتحدة عام ???? قد شهدتِ انشغال الصحف بإعلان تليفزيوني قام به مرشح الحزب الجمهوري آنذاك (جورج دبليو بوش) مستهدِفًا به مرشَّح الحزب الديمقراطي (آل جور)، وزُعِم أن كلمة «فأر» دُسَّت في الإعلان لتوصيل رسالة خفية (هيث، ????).
عودةً بالزمن إلى الوراء، وبالتحديد إلى عام ????، كان لكتاب باكارد تأثير هائل على صناعة الإعلان. تزامن ذلك مع انتشار نظريات المؤامرة الملتصقة بالشيوعية، وليس من المستغرب في ذلك الوقت أن كانت هناك محاولات مضنية من جانب القائمين على صناعة الإعلان لدحض ما كان يُظن أن باكارد قد كشفه. أوضح روسر ريفز، رئيس مجلس إدارة وكالة تيد بيتس للإعلان، ورجل صناعة الإعلان الأكثر تأثيرًا داخل الولايات المتحدة الأمريكية في تلك الحقبة، آراءه في كتابه «الواقعية في الإعلانات»، وقد ذكر في فصل يحمل اسم «خدعة فرويدية» ما يلي: … مَن يحاول الإقناع لا يفعل ذلك خفية؛ فالإعلان يمارس تأثيره بوضوح تحت ضوء شمس ساطع لا يرحم. (ريفز، ????)
كان «ريفز» يؤمن إيمانًا قويًّا بضرورة التحلِّي بالأمانة في صناعة الإعلان، وكان إيمانه هذا نابعًا من الاعتقاد واسع النطاق بين عموم القائمين على صناعة الإعلان بأنهم جميعًا يَسعَوْن سعْيًا حثيثًا وراء ممارسة نوعٍ صادقٍ من تجارة إرسال رسائل مقنعة لعامة الناس، وأنه لا وجود لأي خداع في عملهم. بحلول عام ????، ذكر أحد رجال صناعة الإعلان في كتاب «زمن الإعلان» أن صناعة الإعلان لا تَخرُج عن كونها «تواصلًا أحاديَّ الاتجاه: ابتكار وإرسال الرسائل» (دنكان وموريارتي، ????). فأيُّ خطأ في هذا؟
بالطبع، ابتكار وإرسال الرسائل هما وجهان لعملة واحدة. وبالطريقة نفسها التي ركَّز بها القائمون على صناعة الإعلان على جذب انتباهنا حتى نهاية خمسينيات القرن العشرين، انصبَّ تركيز القائمين على صناعة الإعلان في ستينيات القرن العشرين وما بعدها على هدفٍ آخَر، وهو جَعْلُنا «نتذكر» الشيء الذي انتبهنا إليه.
كان ريفز يعي جيدًا مدى أهمية هذا الأمر، فقد ذكر في كتابه أن «المستهلك غالبًا ما يتذكر شيئًا واحدًا فقط من الإعلان؛ كأن يتذكر ادِّعاءً قويًّا واحدًا أو مفهومًا قويًّا واحدًا» (ريفز، ????). وللتغلُّب على هذه المشكلة، ابتكر ريفز «وعد البيع الفريد» وهو «الشيء الوحيد الذي سيدفع الناس لشراء منتجك»، وما زال «وعد البيع الفريد» مستخدمًا في جميع شركات التسويق الرائدة، ولكن، وعلى الرغم من استمرار استخدام هذا الأسلوب، صار اسم روسر ريفز طيَّ النسيان هذه الأيام متقهقرًا خَلْف اسمٍ أكثر شهرة بكثير وهو جوردون براون.
يقول البعض إن جوردون براون قد صار الاسم الأكثر تأثيرًا في تاريخ الإعلان، ولا يعود السبب في هذه الشهرة إلى صُنعه أو كتابته للإعلانات أو إدارته لإحدى وكالات الإعلان، ولكن لأنه شارك في تأسيس شركة الأبحاث البريطانية ميلوارد براون. كان نظام تتبُّع إعلانات شركة ميلوارد براون مسئولًا عن نشر استخدام «التوعية بالإعلان عن طريق الأسماء التجارية» وهي أداة بحثية يتم استخدامها في تقييم فعالية الإعلان على مستوى العالم.
ولكن كيف حدث هذا؟ لقد اقتنع جوردون براون بأن التذكُّر العفوي الحقيقي للإعلان لم يَعُد ذا قيمة كبيرة في عالمٍ صارت أركانه تَصدَح بصناعة الإعلان. وبعيدًا عن أي أمرٍ آخَر، صار الناس أكثر عُرْضة للكثير من الإعلانات إلى حدٍّ صار مِن الصَّعْب معه تذكُّرها جميعًا مرةً واحدة؛ لذلك طرح براون سؤالًا أكثر دقة للتأكيد على التذكُّر إذ قال: «نحن نعرض قائمة من العلامات التجارية ونسأل الناس: أيٌّ من تلك العلامات التجارية رأيتموها تُعرَض على شاشة التليفزيون مؤخرًا؟» (براون، ????). صاحَبَ تقييمَ التوعية بالإعلان عن طريق العلامات التجارية سؤالٌ كان يُطرَح على الناس بخصوص بعض التفاصيل التي يتذكرونها من الإعلان. والجمع بين هذين المقياسين، حفَّز على تشكُّل رؤية مبسطة أخرى لفعالية الإعلان، فعلى سبيل المثال، يصف براون الإعلان الذي يفشل في الحصول على نسبة تذكُّر عالية بأنه «كارثة»، ويصف الإعلان الذي ينجح في الحصول على نسبة تذكُّر عالية بكلمة «انتصار» (براون، ????). وكانت النتيجة بكل تأكيد أن صار الإبداع الذي وُجد في الأساس من أجل جذْب انتباهنا للإعلان مطلبًا أساسيًّا جنبًا إلى جنبٍ مع دفعنا لتذكُّر الرسالةِ وجزءٍ من الإعلان الذي عرض تلك الرسالة.
إذن هذا هو نموذج الإقناع، واقتباسًا من معظم القائمين على صناعة الإعلان، فإن الإعلان يتمحور حول توصيل رسائل بسيطة ومقنعة ومنطقية قد تؤدي بدورها إلى تغيير مفاهيمنا وتدفعنا إلى شراء المنتج. يكمن الإبداع في دفعنا إلى الانتباه إلى تلك الرسائل، حيث يؤدي ارتفاع درجة الانتباه إلى نسبة تذكُّر أكبر. يرتبط الإبداع أيضًا بوضع شيء بارعٍ أو استثنائي في الإعلان؛ لأن هذا الأمر سيؤدي إلى زيادة فُرَص التذكُّر ولو جزءًا واحدًا من الإعلان. لا يوجد مكان لخدعةٍ ما، أو حيلةٍ بارعة، أو حتى تلاعب، فكل الأمور واضحة وجلية تحت أنظار الجميع.
إن كان هذا هو الحال — بمعنى أنَّ صناعة الإعلان تحاول توصيل رسالة بسيطة ومقنعة، وأنَّ كل ما يحاول الإبداع فعله هو أن يجعلنا ننتبه إلى هذه الرسالة ونتذكرها — فإننا كعامة الناس بمقدورنا ألَّا نُلقِيَ للإعلان بالًا لأننا إذا نسينا أو اخترنا أن نتجاهل رسالة الإعلان، فلن يكون لهذا الإعلان أدنى تأثير علينا.
ولكني أُومِن بأن نموذج الإقناع هذا مضلِّل، لا أقول إن الإعلان غير قادر البتة على إقناعنا؛ لأنه يستطيع أن يفعل ذلك في بعض الأحيان، ولكنْ إنْ كان هذا هو كل ما يفعله الإعلان في واقع الأمر، فإننا نستطيع أن ننعت إعلان شركة أو تو «عديم الرسالة» بالفشل، وكذلك الحال بالنسبة للإعلان المذكور في دراسة الحالة التالية عن السيارة رينو كليو.
دراسة حالة: السيارة رينو كليو

في عام ????، عانت بريطانيا من موجة ركود نجمت عن التضخم ومشكلاتٍ تعرَّضت لها عُملتها، وتصادف أن كانت شركة رينو للسيارات قد اختارت ذلك العام تحديدًا لإطلاق سيارتها صغيرة الحجم، والتي أطلقت عليها اسم «كليو». كان جانب التميُّز الذي رأتْه رينو في سيارتها كليو يتمثَّل في أنها تجمع بين فخامة المَظهَر التي تُضاهِي السيارات الأكبر حجمًا وبين ما تتميز به السيارات الصغيرة من طابع عملي وقدرة على المناورة أثناء السير. قد لا تشعر اليوم بأن هناك شيئًا جديدًا أو مثيرًا في هذا، ولكنه كان أفضل ما أمكنها التوصل إليه.
أوكلت رينو إلى وكالة الإعلان التي تتعامل معها منذ أمد طويل، واسمها ببليسيز، مهمة ابتكار إعلانات تناسب هذه السيارة الجديدة؛ فتوصلت ببليسيز إلى فكرة مبتكرة تصوِّر أبًا وابنته من الفرنسيين الأرستقراطيين، وكلٌّ منهما يستقلُّ السيارة في أجواء الريف الفرنسي ويُغازِل عشيقَه، وبدا أن رينو لم يَرُقْ لها هذا التصوير النمطي للفرنسيين. وكانت هناك فكرة ترسَّخت في ذلك الوقت في أذهان البريطانيين مفادها أن قيادة الفرنسيين لسياراتهم تنطوي على قدْر كبير من الخطورة؛ ولذلك كانت شركات السيارات البريطانية تتعمَّد ألَّا تقوم بتصوير أي إعلان لها في فرنسا، علاوةً على ذلك لا يمكنك أن تعرض إعلانًا به أرستقراطيون فرنسيون بينما طراز السيارة منخفض السعر ويستهدف بالتأكيد الأشخاص العاديين من عامة الشعب. وهكذا طلبت رينو من وكالة الإعلان تصميم إعلان يتسم بالبساطة الشديدة وتوصيل رسالة مفادها أن السيارة رينو كليو سيارة صغيرة وعملية وفخمة.
أعتقد أن هذا الإعلان الذي طلبتْه رينو استمرَّ يُعرَض لثلاثة أشهر، ولكن مبيعات السيارة كانت كارثة بكل المقاييس. وانتشرت رواية فحواها أن رينو قررت بسبب ذلك ألَّا تعرض كمًّا كبيرًا من الموديل كليو بسبب موجة الركود، وأنها سمحت لببليسيز أن تُنتِج إعلانها الذي ابتكرتْه في البداية وأن تعرضه.
يبدأ الإعلان بلقطة تُظهِر الأب وابنته الأرستقراطيَّيْن جالسَيْن تحت أشعة الشمس على كرسيين خشبيين خارج المنزل. يَظهَر الأب وقد غلبه النعاس، وتَظهَر ابنته الصغيرة الفاتنة (نيكول) تتسلَّل من جانبه — بعدما تتأكد من أنه نائم — لتستقلَّ السيارة رينو كليو (بينما يراقبها السائق فيغض الطرف عنها)، وتنطلق لتلتقي حبيبها، غير أن الأب لم يكن نائمًا. وبمجرد أنْ يرى ابنته تنطلق بالسيارة يأمر السائق بأن يحضر سيارته رينو كليو الخاصة به؛ ومِن ثَمَّ يقوم (رغم الضيق البادي على وجه السائق الذي يظن أن عليه هو أن يقود السيارة بسيده) بقيادة السيارة بنفسه ليلتقي هو بدوره حبيبته، وقد جلب لها باقة من الورد الأحمر الجميل.
بينما نشاهد تلك المشاهد نستمع إلى صوت رخيم معلِّقًا: «ربما تبحث عن سيارة صغيرة عملية، ولكنك ترغب في أن تكون تلك السيارة فخمة أيضًا. ها نحن نقدمها لك: كليو صغيرة الحجم، فخمة ومثالية التصميم.»
ينتقل بنا المشهد إلى نيكول وهي عائدة لاحقًا لتجد الأب وهو لا يزال نائمًا في الظاهر، فتجلس إلى جواره وتناديه ببراءة: «أبي؟» فيجيبها الأب بنفس النبرة البريئة «نيكول؟» عندئذٍ نشاهد اللقطة الأخيرة للسيارة بصحبة المعلق رخيم الصوت: «رينو كليو الجديدة.»
قد تجده إعلانًا لطيفًا ساذجًا إلى حدٍّ ما، ولكن دَعْنا نقُم بتحليله وَفْق نموذج الإقناع المتعارف عليه في مجال الإعلان؛ فالرسالة (الجمع بين الطابع العملي للسيارة الصغيرة وفخامة تصميم السيارة الكبيرة) واضحة من خلال المعلق على الإعلان، ومصوَّرة بشكل لطيف من خلال الاستمتاع الواضح على الأب وابنته بقيادة السيارة. كما أن الاستعانة بالأجواء الرومانسية واللقاء المختلَس بين المحبِّين يَلفِت انتباه المُشاهِد، ومِن المفترض أن الانتباه إلى الشيء يؤدِّي إلى عدم نسيانه بسهولة؛ ومِن ثَمَّ فإن الفكرة المبتكرة تعني أن المُشاهِد يستطيع تذكُّر الرسالة جيدًا، أمر واضح إن فكرتَ فيه.
كانت عملية طرح السيارة رينو كليو مدروسة بعناية، وكذلك أداء الحملة الإعلانية، وما إنْ تمَّتْ إذاعة الإعلان حتى صادف إطلاق السيارة نجاحًا كبيرًا؛ ففي العام الأول وحده تجاوزت مبيعات السيارة النسبة المستهدفة بمقدار ???، وحقَّقت حصة سوقية قَدْرها ?? من سوق السيارات الصغيرة. وعند الاستعراض الشامل لعملية إطلاق الموديل، أرجعتِ الشركة الفضْل في نجاح السيارة إلى الإعلان، والذي استمر يُعرَض لمدة ? سنوات تالية وحقَّق لشركة رينو ما إجماليُّه ?? مليون جنيه استرليني من العائدات طيلة تلك الفترة (تشاندي آند ذيرسبي بيلام، ????). واعتبر قطاع تجارة السيارات في بريطانيا عملية طرح كليو هي الأنجح على الإطلاق بالنسبة لفئة السيارات الصغيرة، خاصة أن طرحها كان في ظل الركود. ويتذكر الجميع الإعلان؛ في الواقع، اعتاد الناس آنذاك التعليق على كثرة عرضه وكم كان ذلك مزعجًا لهم.
تبقى المشكلة الوحيدة، وهي أن الباحثين حينما سألوا المشاهِدين عمَّا يتذكَّرونه من الإعلان، لم يجدوا منهم مَن يذكر رسالة الإعلان التي يفترض كونها مقنِعة؛ «الجمع بين الطابع العملي للسيارة الصغيرة وفخامة تصميم السيارة الكبيرة»، كما لم يكن أحدٌ مقتنِعًا بأن كليو تمتلك تلك المميزات. والشيء الوحيد الذي كانوا يتذكرونه هو مغامرة «الأب» و«نيكول».
كيف إذن يمكن اعتبار عملية الطرح التجارية هذه هي الأنجح، بينما لا أحد يتذكر رسالة الإعلان؟ من هذا يتضح لنا أن الفكرة القائلة بأن الإعلان ليس سوى نقل لرسالة مقنِعة فكرة منقوصة لا تحيط بالموضوع كله، فلا بد أن هناك عوامل أخرى فاعلة.

الفصل الثاني
أفكار بديلة


عقولنا تخضع باستمرار لمؤثِّرات نجهلها تمامًا.
والتر ديل سكوت
«سيكولوجيا الإعلان في النظرية والتطبيق» (????)
كما رأينا في الفصل الأخير، كان التأكيد على خرافة أن الإعلان ليس سوى تواصلٍ برسالةٍ مقنِعةٍ مطمحَ الكثيرين من العاملين في مجال الإعلان والتسويق. ولكن إلى جانب هذه الأغلبية كانت هناك قِلَّة قليلة من الروَّاد الذين يعتقدون خلاف ذلك، ومن بين هؤلاء الروَّاد والتر ديل سكوت، الرجل الذي يرجع إليه الفضل في وضع «أول دراسة أكاديمية جادة عن آلية الدعاية والإعلان» (فلدويك، ????).
والتر ديل سكوت

المكان: نادي أجيت في شيكاجو، وهو نادٍ مرموق لرجال الأعمال. الزمان: عام ????؛ حيث تمَّت دعوة والتر ديل سكوت، الأستاذ المساعد في علم النفس في جامعة نورث وسترن، ليُلقِي كلمة على مجموعة من رجال الأعمال البارزين من ذوي الصِّلة بصناعة الإعلانات الآخِذة في النمو. تضمَّنت كلمة سكوت بالتأكيد مقولته التي أوردناها في بداية هذا الفصل والتي نقلناها عن عمله المزمع صدوره وقتذاك: «سيكولوجية الإعلانات في النظرية والتطبيق» (سكوت، ????).
أشارت التقارير التي كُتبت عن هذا الاجتماع إلى أن رجال الأعمال كانوا سعداء بما قاله سكوت لهم، ولكنهم كانوا في مطلع القرن العشرين، وكان واضحًا أن صناعة الإعلان لا تزال في مهدها. وكان لا يزال هناك أحد عشر عامًا أخرى قبل أن يُهَيْمِن نموذج (الانتباه، الاهتمام، الرغبة، الاستجابة) على الفكر الإعلاني؛ لذلك ربَّما كان ممثلو هذه الصناعة الوليدة أكثر انفتاحًا ممن جاءوا بعدهم.
تمثَّل رأي سكوت في الإعلان في كونه أداة مبيعات تعتمد على الإغراء، وقد سجَّل مقتطفاتٍ من كلمته تلك لاحقًا في مقال نشرتْه مجلة «أتلانتيك»، ومنها هذا التوصيف: قدَّر أحدهم ذات مرة أن خمسة وسبعين في المائة من مجمل الإعلانات لا تحقِّق المرجوَّ منها؛ ومع ذلك فإن نسبة الخمسة والعشرين في المائة المتبقية تحقِّق المرجوَّ منها على نحو جيد لدرجة تجعلك لا تَجِد رجل أعمال يَرضَى أن يَقِفَ متفرِّجًا ومنافسوه يروِّجون لأنفسهم بالإعلانات. (سكوت، ????)
لاحظ هنا أن الإعلان في ذلك الوقت لم يكن يعتبر أداةً للتسويق، فلم يَظهَر مصطلح «التسويق» إلا بعد ذلك بخمس سنوات، وعندما ظهر كان بمثابة أداة اقتصادية تهدف إلى مساعدة المزارعين في تحقيق الإنتاجية المطلوبة على نحو أكثر فعالية. ومن المؤكد أن هذا لم تكن له علاقة بأنشطة المبيعات ومنها الإعلان.
أما ما يميز سكوت عن الجميع فهو أنه فهم بوضوح أن الإعلان «يتلاعب» بعقول المستهلكين؛ حيث قال في محاضرته تلك: أنتم — المُعلِنين — توجِّهون كل جهودكم إلى إحداث تأثيرات معينة على عقول العملاء المحتملين. وعلم النفس، بصفة عامة، هو علم العقل. والفن هو الفعل، أما العلم فهو فهم كيفية الفعل، أو شرح ما تمَّ فعلُه، فإذا كنَّا قادرين على التعبير عن القوانين السيكولوجية التي يستند فن الإعلان إليها، فعندئذٍ نكون قد حقَّقنا تقدُّمًا متميِّزًا؛ وهذا لأننا نكون قد أضفْنَا العلم إلى فن الإعلان. (سكوت، ????)
وفي المقال نفسه، توقَّع سكوت أن «يُعرف المُعلِن الناجح بأنه المُعلِن الخبير بعلم النفس.» وحدَّد على وجه الخصوص الكيفية التي يمكن بها للإعلان أن يؤثِّر على لاوعي المُتلقِّي من خلال ما وصفه ? «الإيحاء». ويروي في كتابه قصة خياط شرع فيما سمَّاه حملة إعلانية «قوية» في شيكاجو. يقول: «لم أكن أتصوَّر أن يكون لإعلانه أي تأثير عليَّ أنا شخصيًّا»، ولكن «بعد بضعة أشهر من بدء الحملة الإعلانية وجدتُني أتوجَّه إلى محلِّ الخياط وأطلب تفصيل بدلة.» ودخل سكوت في حوار مع صاحب المحل، الذي سأله إذا كان صديقٌ له قد زكَّى له هذا المحل، فأجابه أن الأمر كذلك بالفعل. ولاحقًا، وجد أنه لا يتذكر أن أحدًا من أصدقائه قد أوصاه بالتعامل مع المحل، وأدرك أنه قد تأثر بالإعلان من دون وعي منه: كنتُ قد رأيتُ الإعلانات (الخاصة بمحل الخياط) على مدى شهور، ومنها تشكَّلتْ لديَّ فكرة عن المحل. وفي وقت لاحق، نسيتُ مصدر معلوماتي وتصوَّرتُ أنها تزكية صديق. (سكوت، ????)
واللافت أن سكوت أشار قائلًا: «أشكُّ كثيرًا في أن أكون قد قرأتُ محتوى أيٍّ من الإعلانات سوى العنوان.» وهكذا نرى أن العنوان وحده كان كافيًا لدفعه للذهاب إلى المحل وابتياع بدلة.
وفي جزء آخَر من الكتاب، في فصل عنوانه «تأثير اللاوعي في إعلانات الترام»، يقدِّم لنا سكوت ما يمكننا وصفه بأنه أشهر ملاحظاته: أكدتْ لي سيدة شابة أنها لم تُمعِن النظر أبدًا في أيٍّ من المُلصَقات الموجودة على عربات الترام التي اعتادتْ لسنوات أن تستقلَّها. وعندما ألْحَحتُ عليها في السؤال، وجدتُ أنها تَعرِف عن ظهر قلب كل الإعلانات التي تَظهَر عبر خط الترام … وأنها كانت تقدِّر كثيرًا نوعية البضائع والسلع التي يتم الإعلان عنها؛ فهي لا تدرك حقيقة أنها كانت تتأمل الإعلانات، واستاءت تمامًا من تعريفي لها بأنها قد تأثَّرتْ بها. (سكوت، ????)
تكمن أهمية هذا الاقتباس في كونه يُبيِّن — وعن قَصْدٍ فيما يُفترض — أن الإعلان قادر على التأثير على العديد من الناس من دون أن يَفطَنوا إلى أنه يفعل بهم ذلك. ربما لم يكن في هذا الرأي الكثير من الغرابة في عام ????؛ فقد كان الإعلان وقتذاك مقتصرًا على الصحف ولوحات الإعلانات والملصقات الإعلانية في عربات الترام، وأنا متأكد من أنها كانت تَحظَى باهتمامٍ محدودٍ كما هو الحال اليوم مع الإعلانات المطبوعة.
وبالرغم ممَّا حَظِيَ به سكوت في نادي أجيت من تحمُّس كبير لأفكاره، فإن صناعة الإعلانات في عمومها تجاهلت أفكاره المذهلة عن التأثيرات اللاشعورية للإعلانات. وعوضًا عن ذلك، ناصروا وجهة نظر جون كينيدي القائلة بأن الإعلان عبارة عن «فن البيع المطبوع» (جونتر، ????). وبعد مرور سنوات قليلة، وتحديدًا في عام ????، تبنَّتِ الصناعة نموذج (الانتباه، الاهتمام، الرغبة، الاستجابة) مع الاستعاضة عن كلمة «الرغبة» بكلمة «الاقتناع» (برينترز إنك، ????).
كان التناقض كبيرًا بين ملاحظات سكوت حول تأثيرٍ ممكنٍ للإعلانات على اللاوعي والتصنيف الصارم الذي يتضمنه نموذج (الانتباه، الاهتمام، الاقتناع، الاستجابة) لمراحل الإعلان واعتباره قائمًا على الانتباه والإقناع. ولكن صناعة الإعلان في عام ???? كانت تُدار في الأساس من قِبَل مديري مبيعات سابقين كانوا يعتبرون بوضوحٍ غفلةَ العملاء عنهم مرادفًا للفشل. تتضح لنا عصبية هذه الصناعة تجاه وجهة النظر الجديدة من كتابات كلود هوبكينز، رئيس شركة لورد آند توماس، الوكالة الإعلانية الأكثر نجاحًا في العالم آنذاك؛ فقد قام هوبكينز، في محاولة منه لمحاكاة نجاح كتاب فريدريك تايلور «الإدارة العلمية»، وهو الكتاب الأكثر مبيعًا في عام ????، بنشر كتاب بعنوان «الإعلان العلمي» في عام ????. كان هوبكينز يؤمن بأن «الإعلان هو فن البيع، وكتابته بأسلوب بليغ تمثِّل عيبًا فيه؛ فلا أحد يقرأ الإعلانات على أنها نصٌّ أدبي ممتِع. عليك أن تعتبر قُرَّاء الإعلان عملاء يقفون أمامك، ويسعَوْن للحصول على معلومات. عليك أن تمنحهم ما يكفي من المعلومات حتى تتم معهم صفقة البيع» (هوبكينز، ????). وبعبارة أخرى، عندما تكون بصدد كتابة أحد الإعلانات فعليك أن تتقمَّص شخصية البائع المتجوِّل.
هكذا طُويتْ صفحة أفكار سكوت، وصارتِ الغلبة لفكرة «الانتباه» طوال ستين عامًا، بل وزادت أهميةً مع ظهور الإعلانات التليفزيونية التجارية (باري وهاورد، ????). وبطبيعة الحال، ما إنْ أضْحَى الإعلان ظاهرةً وطنيةً في الولايات المتحدة حتى صار الأمر مسألة وقت قبل أن تَظهَر الثغرات في ذلك التفسير الأنيق الذي رسَّخه رجال المبيعات لآلية عمل الدعاية.
ظهرت أولى تلك الثغرات في عام ????، وذلك في مقال نشرتْه مجلة «جورنال أوف أدفرتيزنج». حيث ظهرتِ افتتاحية العدد لتُعلِن أن «[جون] مالوني يقدِّم أدلَّة مُدهِشة ضدَّ وجهة النظر التقليدية التي تقول بأن الإعلان لا بد أن يَحظَى بالتصديق قبل أن يتسنَّى له التأثير على مواقف أو سلوك المتلقِّي» (مالوني، ????). كان هذا في الواقع هو ما توصَّل إليه مالوني، الباحث في مؤسسة ليو بورنيت، وعزَّزه بالأدلة.
ويجدر بي هنا أن أوضِّح الفارق بين التوجهات والمعتقدات. تنشأ المعتقدات من معلوماتٍ قِيلت لنا عن المنتجات والخدمات، ومنها تنشأ الصفات التي نعزوها لتلك المنتجات والخدمات. وهكذا، فإنه قد ينشأ لدينا اعتقاد مثلًا عن طريق الإعلان بأن سيارة فيراري الرياضية يمكن أن تنطلق بسرعة ??? ميلًا في الساعة، أو أن مسحوق الغسيل «بولد» يغسل أكثر بياضًا من غيره.
تكمن الإشكالية هنا في أننا لا نشتري بدافع تلك المعتقدات؛ لأن المعتقدات لا تلبِّي احتياجاتنا، فنحن لا نشتري سيارة فيراري لأن سرعتها ??? ميلًا في الساعة، بل نشتريها لأننا بحاجة إلى سيارة مُثِيرة تكون مثار إعجاب الفتيات أو الجيران. ونحن لا نشتري المسحوق بولد لأنه يغسل أكثر بياضًا؛ بل نشتريه لأننا بحاجة إلى أن تَظهَر ملابسنا نظيفة، وتلك الأفكار الشخصية ذات الصلة بالرغبات والحاجات هي ما نسميه بالتوجهات. المهم هنا أن نعرف أن الإعلان لا يؤثر علينا عن طريق تغيير المعتقدات، بل يكمن تأثيره في قدرته على تغيير توجهاتنا.
فما قصده مالوني هو أن المعتقدات قد تغيِّر توجهات الناس، حتى لو كانوا لا يؤمنون بها، كلُّ ما عليك هو أن تفكِّر في تَبِعات ذلك. يبدو الرأي القائل بأن الإعلان يمكن أن يؤثر حتى من دون الحاجة إلى تصديقه رأيًا ساذجًا، ولكن إذا لم تكن فعالية رسالة الإعلان تتأثر بعدم تصديق الناس لها، فإن هذا يعني أن عنصر «الاقتناع» في نموذج (الانتباه، الاهتمام، الاقتناع، الاستجابة) لا معنى له، أليس كذلك؟ ومِن ثَمَّ فإن انتفاء «الاقتناع» يعني انتفاء النموذج وعدم صحته، وهذا يعني أيضًا أن الإعلان يمثل شيئًا أكبر من مجرد كونه «فنًّا من فنون البيع».
بعد عامين من مقال مالوني، قدَّم جاك هاسكينز أدلةً أكثر إثارة للجدل على قصور فكرة أن الإعلان فن من فنون البيع؛ حيث اكتشف هاسكينز، مدير الأبحاث في شركة فورد، أن الرسائل «الواقعية – العقلانية – المنطقية» كانت «أقلَّ» فعالية في تغيير التوجهات مقارنةً بالرسائل العاطفية أو غير الواقعية. كما وجد أيضًا أن «مقاييس التذكر وانطباع الإعلان في الذهن تبدو، في أحسن الأحوال، غير ذات صلة في تغيير التوجه والسلوك» (هاسكينز، ????). وبعبارة أخرى، فإن الرسائل العقلانية لا تكون من تلقاء نفسها على قدْر كبير من التأثير، ولا أهمية لتذكر تلك الرسالة الإعلانية من الأساس. هذا يشبه إلى حد كبير القول: «لا أهمية لما يقوله البائع، المهم هو مظهره.» وهذا، كما سنرى، أقرب كثيرًا إلى الحقيقة من أي رأي آخر في تلك الأيام.
إلا أن مالوني وهاسكينز لم يحقِّقا نجاحًا في تحدي النموذج الذي يؤمن بإثارة الانتباه، ولكن ما هي إلا ? أعوام حتى بدأت موجة هجوم أكثر جدية، وكانت هذه المرة من هربرت كروجمان، وهو عالم نفس آخر.
هربرت كروجمان

بدأ هربرت كروجمان مسيرته في مجال علم النفس في القوات الجوية الأمريكية، ثم أمضى فترةً أستاذًا في جامعات ييل وبرينستون وكولومبيا. وعلى عكس سكوت، عمل باحثًا متخصصًا في الإعلانات في وكالة تيد بيتس للدعاية والإعلان، وكذلك باحثًا تسويقيًّا لشركة ماربلان للأبحاث. وقد اكتسب كروجمان شهرته من خلال أبحاث الرأي العام، ومن المؤكد أن علاقته المباشرة بجمهور المستهلكين هي التي مكَّنتْه من أن يُصرِّح بتصريحه الأول الذي كان يُعَدُّ مفاجأة؛ ففي عام ????، ومن خلال مقال في دورية «بابليك أوبينيون كوارترلي»، شكَّك في فعالية وسائل الإعلام، واصفًا تأثير الإعلان التليفزيوني بأنه «محدود»، وأشار إلى أن «التليفزيون وسيط يَعِيبه محدودية التفاعل مقارنة بالوسائط المطبوعة» (كروجمان، ????).
يمكنك أن تتخيل ردَّ فعْل قادة الإعلان في ماديسون سكوير على هذا الكلام، فتلك الجملة، التي تقترح أن التليفزيون وسيط قاصر مقارنةً بالمنافس اللدود: الصحافة والإعلان المطبوع، قد وقفت في وجوههم مثل مجنونٍ يحمل سكينًا حادًّا ويهدد بذبْح الدجاجة التي تبيض ذهبًا. ولكنَّ علماء النفس الآخَرين أيَّدوا كروجمان في أن التجاوب مع الإعلان التليفزيوني لم يكن على النحو الذي تتوقعه من التواصل المقنع التقليدي، فعندما طُرِح على المشاركين سؤالٌ حول تأثير الإعلان التليفزيوني، ذكروا (على غرار «فتاة» والتر ديل سكوت) أنهم «قلَّما شعروا أمامه بالتفاعل أو الاقتناع» (كروجمان، ????). علاوة على ذلك، فإن محتوى الإعلان التليفزيوني — لطبيعته الخاصة — يبدو تافهًا وسخيفًا ولا يرتقي إلى مستوى التواصل المقنع. يقول كروجمان: أيعني هذا أنَّنا في حال أمدَّنا التليفزيون بما يكفي من المعلومات البسيطة عن المنتجات سنقتنع ونصدِّق؟ على العكس من ذلك، فهذا يُشير إلى أن الإقناع على هذا النحو … غير فاعل على الإطلاق، وأن مِن الخطأ أن ننظر إلى الأمر … وكأنه اختبار لتأثير الإعلان. (كروجمان، ????)
لكنَّ مقال كروجمان لم يُثِرْ ذلك القدْر من الاهتمام في أوساط مجتمع الإعلان؛ فهو في نهاية الأمر مجرد باحث تسويقي، ولكن بعد عامين صار كروجمان مدير قسم علاقات الرأي العام في شركة جنرال إلكتريك، وهي أكبر الشركات المُعلِنة في الولايات المتحدة، وهذا يعني أنه أضحى الآن يعمل لحساب عميل، وهو ما يعني أن تؤخذ أفكاره بجدية أكثر.
كانت خطوة كروجمان المُقبِلة هي الشروع في تنفيذ سلسلة من التجارب المعملية على آليات حواس «النظر والتفكير والانتباه والاسترخاء». وقام بتنفيذ عمله الأوَّلي باستخدام تقنية تسجيل حركة العين لقياس مقدار تحديق العين في كل إعلان، والفكرة هي أنه كلما زادت مدة تحديق العين زاد مقدار التعلُّم النَّشِط. ولكنه سرعان ما واجه مفارقة؛ فرغم أنه كان من الصحيح — على أساس كل حالة من حالات المشاركين — أن فترة التحديق الأكثر تعني قدْرَ تذكُّرٍ أكبر لمحتوى الإعلان، فقد ظهر على مستوى «العيِّنة» ككل أن الإعلانات التي كان مقدار التحديق فيها «أقل» هي التي تذكَّرها المشاركون بصورة أفضل (كروجمان، ????).
وحتى يَعثُر على تفسير لهذه المفارقة، لجأ كروجمان إلى كتابات ويليام جيمس، أستاذ علم النفس الشهير في جامعة هارفارد (جيمس، ????)، وقد عرَّف جيمس نوعين من الانتباه: الانتباه الطوعي وغير الطوعي، وأكَّد أن الانتباه الطوعي لا يمكن أن يستمر لأكثر من بضع ثوانٍ في كل مرة، وأن مستويات الانتباه العالية التي تستمر لمدة أطول من ذلك كانت «تتحول إلى تكرار جهود متعاقبة تستحضر الموضوع إلى الذهن مرة أخرى». واقترحت تجارب كروجمان أن المتلقِّي قد يستوعب بالفعل أشياء أكثر من الإعلانات التي يشاهدها وهو في وَضْع استرخاءٍ وبعقلٍ خاملٍ (انتباه غير طوعي) مقارنةً بتلك التي تستهدف استثارة حواسه والمشاهدة بعقل حاضر نَشِط (انتباه طوعي متكرِّر). وكان هذا يتماشَى مع نتائج تجربةٍ أجراها فستينجر وماكوبي عام ????.
فقد وجد فستينجر وماكوبي أنه إذا تم تشغيل رسالة الإعلان التليفزيوني نفسها على شريط صوتي يصاحب مقطع فيديو غير ذي صلة بتلك الرسالة فإن الطلاب — موضوع التجربة — يحفظونها بصورة أفضل ممَّا إذا تم تشغيل الشريط مع مقطع فيديو له صلة بالإعلان (فستينجر وماكوبي، ????).
يقول كروجمان: «يبدو أن الإلهاء الناجِم عن مشاهدة شيء لا علاقة له بالرسالة الصوتية قد قلَّل من مقاومة العقل لمضمون الرسالة» (كروجمان، ????). ولمزيد من البحث في هذا الموضوع، قام كروجمان بتنفيذ تجربة في عام ???? بالتعاون مع المختبر العصبي النفسي في نيويورك. وكان الهدف هو البحث في الاختلاف بين الطريقة التي يتعامل المخ بها مع الإعلانات التليفزيونية والإعلانات الصحفية. وممَّا يكشف اتجاهات صناعة الإعلان في ذلك الوقت أن هذه لم تكن سوى المقالة الثانية من مقالات كروجمان التي وجدت طريقها للنشر في دورية بحثية إعلانية (كروجمان، ????).
كان ما فعله كروجمان بالأساس هو إخضاع العينة لجهاز رسم موجات المخ؛ ومن ثَمَّ قياس نوع الموجات المنبعثة أثناء قراءة مجلة وتلك التي تَظهَر أثناء مشاهدة الإعلانات التليفزيونية. وقد قسَّم موجات المخ إلى ثلاث فئات: موجات ألفا، التي تُشِير إلى الاسترخاء، وموجات بيتا «السريعة»، التي تُشير إلى اليقظة والنشاط والاستثارة، وموجات دلتا وثيتا «البطيئة»، التي تشير إلى المَلَل. وافترض كروجمان أن الاختلاف بين انبعاثات موجات المخ «البطيئة» و«السريعة» يبين مستوى اهتمام المشارك بالوسيط الإعلامي الذي تعرَّض له؛ فكلما كانت الموجات أسرع، كان التفاعل أكثر نشاطًا ويقظة، والعكس، كلما كانت الموجات أشد بُطْئًا كان التفاعل سلبيًّا بلا انتباه.
كانت العينة المستخدمة في التجربة سكرتيرة تبلغ من العمر ?? عامًا، وبعد السماح لها بقراءة بعض المجلات، عرض كروجمان عليها ثلاثة إعلانات تليفزيونية، وهو يقوم طوال الوقت بقياس انبعاثات موجات المخ. وجد تغيُّرًا طفيفًا في موجات ألفا؛ ممَّا يُشير إلى أنها كانت مسترخية بشكل عام طوال فترة الاختبار، إلا أنه وجد فارقًا كبيرًا بين الموجات البطيئة والسريعة التي تنبعث أثناء التعرض للوسيطين المختلفين؛ فبينما كانت تقرأ المجلة، كانت النسبة بين الموجات السريعة والبطيئة تبلغ نحو ??:??؛ مما يدل على أنها كانت متنبِّهة ومهتمَّة. ولكن هذه النسبة تحولت لتكون متساوية تقريبًا خلال مشاهدة إعلانات التليفزيون؛ مما يشير إلى أن مستوى اليقظة لديها كان أقلَّ بكثير أثناء قراءتها المجلات. وكانت هذه التجربة تدعيمًا ممتازًا لرأيه بأن تفاعل المتلقِّي مع المحتوى التليفزيوني هو في الواقع أقلُّ بكثير من تفاعله مع الوسائط المطبوعة.
غير أن تجربة كروجمان حفلت بالعديد من العيوب المنهجية الصارخة؛ فأولًا: لم يُجرِ كروجمان التجربة إلا على شخص واحد. وثانيًا: أن جهاز رسم موجات المخ لا يقيس سوى نشاط المنطقة الخلفية لقشرة المخ؛ لذلك لن يتم تسجيل أي نشاط عصبي يَجرِي في منطقةٍ أعمق في المخ. وثالثًا: هناك عدم دقة في سياق قياس موجات المخ؛ حيث إن قياس تأثير الإعلانات المطبوعة قد شمل قراءة المجلة كلها، وليس فقط ما بها من إعلانات، بينما تم عرض إعلانات التليفزيون بمعزل عن أي برامج تليفزيونية. ورابعًا: كانت العينة تجلس في مختبر.
وكما قلتُ سابقًا، لم يكن المعلنون يشعرون بكثير ارتياح لأفكار كروجمان؛ لذلك لم يقتنعوا بكثير مما استنتجه في هذه التجربة أيضًا. ولكنني قمتُ بنفسي بإجراء تجربة كروجمان مستعينًا بعدد من المشاركين، وبمقياس أكثر دقة لمستوى الانتباه، وفي ظل سياق متوازن وأكثر تمثيلًا، وفي بيئة أكثر راحة، ولكن النتائج جاءت متطابقة تمامًا مع تجربة كروجمان (هيث، ????)؛ أي إن تفاعل المتلقِّي مع المحتوى التليفزيوني هو في الواقع أقلُّ بكثير مِن تفاعله مع الوسائط المطبوعة.
كان تأكيد كروجمان تفنيدًا قاطعًا لقناعات المعلنين في ذلك العصر، والذي مفاده أن مشاهدة التليفزيون نشاط يستلزم قدْرًا كبيرًا من الانتباه، أعلى بالتأكيد من قراءة إعلان مطبوع؛ حيث كانوا يَرَوْن أن مشاهدة التليفزيون تحتاج إلى حاستين — النظر والسمع — وليس حاسة واحدة فقط؛ ومِن ثَمَّ تتضاعف عناصر جذْب انتباه المشاهد. ولكنَّ لنتائج كروجمان منطقَهَا؛ فمن السهل نسبيًّا أن تُولِي اهتمامًا عندما تقرأ نصًّا، لأنك تتحكم في زمن تنفيذ هذه المهمة — يمكنك أن تمسح الصفحة بناظريك — وأن تُولِي المزيد من الانتباه إلى الأجزاء التي تهتم بها، وانتباهًا أقلَّ إلى الأجزاء التي لا تهمك، بينما يعتمد تلقين المعلومات في التليفزيون كليًّا على الطريقة التي تم تنفيذ الإعلان بها، فلا سيطرة لك عليه، وليس لديك (إلا إذا كنتَ قد شاهدتَ الإعلان من قبلُ) أيُّ فكرة حقيقية حول مدى استحواذه على اهتمامك. وهكذا يصبح التليفزيون تجربة شاملة؛ فلا يمكنك أن «تمسح» البيانات بشكل انتقائي؛ ومِن ثَمَّ من السهل جدًّا علينا أن نعتقد — كما تنبَّأ جيمس في عام ???? — أن المُشاهِد ينزلق إلى حالة خاملة متدنية الانتباه تجاه ما يشاهده.
لم تكن حقيقة أن التليفزيون كان وسيطًا يعاني من محدودية التفاعل هي الاكتشاف الدراماتيكي الوحيد لتجربة كروجمان؛ فقد كانت النظرية السائدة في تلك الأيام هي أن الاهتمام بالإعلانات التليفزيونية يزداد كلما ازدادت مرَّات عرضه؛ حيث إن المُشاهِد قد لا يُبدِي انتباهًا كبيرًا للعرض الأول، ولكن في كل مرة أخرى تزداد سهولة تفاعل المشاهد مع الإعلان والانتباه إليه. ولأجل اختبار هذه الفرضية، قام كروجمان بعرض ثلاثة إعلانات على المشاركين ثلاث مرات، ووجد في كل حالة أن نشاط موجة المخ «يتضاءل» مع كل مرة عرض؛ أي إن انتباه العينة «يقل»، وذلك على العكس من الافتراض القائل بأن الانتباه «يزيد» مع كل تكرار للعرض. ليس هذا وحسب، وإنما تبدو هذه النتيجة صحيحة بغض النظر عن مدى أهمية الإعلان للمتلقي. ومرة أخرى، تم تكرار تجربة كروجمان والتحقق من صحة النتائج (هوتون وآخرون، ????).
وهكذا نرى أن كروجمان قد توصَّل إلى أن الإعلان التليفزيوني لا يحظى بالانتباه، وأن الاهتمام به يتضاءل مع تكرار المشاهدة. ومن المثير للاهتمام أنه لم يعتبر ذلك قصورًا في الإعلانات التليفزيونية ولكن اعتبره موطن قوة محتملًا؛ فقد خلص إلى أن التعلم يحدث، ولكنه ليس تعلُّمًا بالمعنى التقليدي للكلمة.
يتبين من البيانات الأولية التي استخلصناها من جهاز رسم موجات المخ أن التليفزيون ليس كما كنَّا نعتقد وسيلة تواصل تقليدية؛ حيث إن العينة التي خضعت للتجربة كانت تبذل جهدًا حتى تتعلم شيئًا من الإعلان المطبوع، بينما لم تقم بأي جهد مع التليفزيون، فهي مع التليفزيون كانت أقرب إلى مَن يجلس إلى أريكة في متنزَّهٍ ويتأمَّل المناظر من حوله. ومع ذلك يبقى التليفزيون أداة تواصل.
ويمكننا القول عنه إنه وسيطُ تواصُلٍ ينقُل — من دون جهد يُذكَر — إلى المخ كَمًّا هائلًا من المعلومات التي لا يُعالجها أثناء العرض، ولكن الكثير منها يبقى متاحًا لاسترجاع المخ له لاحقًا. (كروجمان، ????)
كما أنه لم يرَ في نتائجه ما يُشير إلى أن نوعية التعليم «المختلفة» هذه والمستخدمة في التواصل التليفزيوني أقل فعالية من مثيلتها في الصحافة.
وبالنسبة للسؤال «أيهما أفضل؟» فإن ما يعوقنا هو اعتيادنا الكبير على أنواع التعلُّم النَّشِط؛ حيث إن فهمنا لآلية التعلُّم السلبي لا يزال ناقصًا، ولسنا متأكدين بعدُ من كيفية قياس فعاليته بطريقة عادلة.
وعلى الرغم من التنبيه إلى الحاجة إلى مزيد من الدراسة لموجات المخ، فإنه ينبغي التأكيد على أنه لا يوجد أي دليل أو استدلال يقطع بأن التليفزيون وسيط أفضل من العمل المطبوع أو العكس، أو أن موجات المخ الأسرع «أفضل» من تلك البطيئة أو العكس. وعوضًا عن ذلك، فإن لدينا حاجة كبيرة جدًّا لفهم الاختلافات بدرجة أفضل، وربما فهم دلالة موجات المخ البطيئة على وجه الخصوص. (كروجمان، ????)
كان كروجمان متخصصًا في علم النفس وباحثًا في المقام الأول، وربما بسبب هذا لم يَسْعَ قَطُّ لتصميم نموذج من شأنه أن يساعد المعلنين لاستغلال ما سمَّاه التفاعل المتدنِّي، ولكنه أعطى الكثير من الأدلة على ما ينبغي أن يستند إليه هذا النموذج. فبدايةً، استبعد فكرة أن يستند إلى مفاهيم كلامية بحتة، وقال بأن النموذج التقليدي «هو ذاك اللفظي الحَذِر «العقلاني» أو المنطقي. أما مستقبل نظرية التفاعل المتدنِّي فيكمن في الجانب غير اللفظي» (كروجمان، ????). كما فهم أيضًا أهمية تكرار العرض على المتلقِّي: «تؤكِّد نظرية التفاعل المتدنِّي على أنَّ لتكرار العرض تأثيرًا ليس باديًا للعيان فورًا ولا يَظهَر إلا عند تحفيز السلوك» (كروجمان، ????). وأخيرًا، فهم الأهمية الكبيرة للتمييز بين ما سمَّاه بالتعرُّض وبين الإدراك. يقول: قد يكون من المفيد أن ننظر أولًا في مفهومين مرتبطين، وهما: النظر والرؤية؛ حيث يسمح هذان المتغيران بتصنيف رباعي (أي إن بوسع المرء أن ينظر وأن يرى، وأن ينظر ولكن لا يرى، وألَّا ينظر أو يَرى، وربما أن يرى من دون أن ينظر).
تنطوي الرؤية من دون النظر على ظاهرتَيِ الرؤية العابرة والرؤية الواعية، فالنظر إلى الشيء لا يتحقق إلا في إطار قوس من ثلاث درجات؛ حيث لا يتوجب أن تكون واعيًا للشيء الذي تراه على نحو عابرٍ، فأنت حينئذٍ لا تعرف أنك قد رأيتَ، وقد تُنكِر في وقتٍ لاحقٍ أنك قد رأيتَ. وكثير ممَّا يسمِّيه الناس بالإدراك اللاواعي هو مجرد رؤية عابرة؛ أي رؤية من دون نظر، ومن دون أن ندرك أن الرؤية قد حدثت. (كروجمان، ????)
أجد هنا أن مقدرة كروجمان غير عادية في تصوُّر هذه الأفكار التي سبق بها عصره، وكما سنرى في الفصل السادس، فإن فكرتَهُ التي مفادها أنَّ من الممكن التأثير فينا بالإعلان الذي يُعرَض علينا بشكل عابر ومن دون معالجة تفاعلية معه؛ لم تَنَلْ ما تستحقه من الاعتراف والتطبيق إلا بعد ?? عامًا، بل إن هذه الرؤية المستقبلية تصل إلى ما هو أبعد من عالم الإعلان؛ مجال صُنْع القرار. ففي بحثه الذي نشره لأول مرة عام ????، اعتبر أن عدم وجود أدلة على أن الإعلان يغيِّر التوجهات هو نقطة الضعف الرئيسية والوحيدة عند محاولة إقناع الناس بفعالية هذا الوسيط: الأثر الاقتصادي للإعلانات التليفزيونية كبير وموثَّق، ولكنَّ الافتقار إلى تسجيل تاريخي للحالات التي تربط الإعلان بالمواقف المختلفة من المبيعات هو الذي يقف حاجزًا أمام الباحثين ويمنعهم من استنتاج أن الاستخدام التجاري لهذا الوسيط يحقِّق نجاحًا. ونحن نواجه وضعًا غريبًا يتمثَّل في معرفتِنَا أن الإعلان له تأثير وعجزِنَا في ذات الوقت عن شرح السبب. (كروجمان ????)
لاحقًا يطرح كروجمان ما وصفه المحرر في مقدمة المقال ? «الطرح اللافت»: بما أن المعلومات البسيطة تُكتَسَب بالتكرار وتُنسَى باستمرار ثم يُكتَسَب المزيد منها بالتكرار، إذن من المحتمل أن يحدث شيئان: (?) «فرط تعلُّم» يعمل على نقل بعض المعلومات إلى نُظُم ذاكرة طويلة الأمد، و(?) السماح بتعديلات كبيرة في هيكل إدراكنا اللاواعي لعلامة تجارية أو منتج لا تصل إلى حد الإقناع أو تغيير التوجهات. (كروجمان، ????)
فما يطرحه في واقع الأمر هو أن الإعلان يكون مؤثرًا من خلال استغلال نمطٍ من أنماط «التأثير على مستوى اللاوعي». وهو يوجِز فيما يلي هذا الطرح: لقد حاولتُ أن أقول إن الجمهور يُخضِع نفسه للتأثير التجاري المتكرر للتليفزيون، وإنه يُغيِّر وبسهولةٍ من أساليب إدراكه للمنتجات والعلامات التجارية ومن سلوكه الشرائي من دون التفكير كثيرًا في هذا الأمر أثناء مشاهدة إعلانات التليفزيون أو في أي وقت سابق على قرار الشراء، ومن دون أن يُغيِّر من اتجاهاته التي تم التعبير عنها لفظيًّا حتى ذلك الحين. (كروجمان، ????)
وكما سبق أن ذكرتُ، فقد كان من السهل على صناعة الإعلان أن تتجاهل أفكار كروجمان التي سبقتْ عصرها، خاصة وأنها نُشرتْ في دورية «بابليك أوبينيون كوارترلي» التي لا يعرفها سوى المتخصصين. غير أن باحثًا آخَر في بريطانيا كان يبحث في المسألة ذاتها، وتوصَّل إلى أدلة قاطعة أثبتت أوجه القصور في نموذج الإقناع، وكان هذا الشخص هو أندرو إرينبرج.
أندرو إرينبرج

تدرَّب أندرو إرينبرج في مجال الإحصاء الرياضي وعمل على تطوير لوحة بياناتٍ للمستهلك، تقيِّم لوحة البيانات ما يطلب الناس شراءه وتسجِّل ما اشتراه الناس بالفعل. وجد إرينبرج أنَّ من الصعب التوفيق بين هذين المقياسين، على الرغم من تشابُهِهما، في عالمٍ مثالي.
في ذلك الوقت، لم يكن إرينبرج يهتم كثيرًا بصناعة الإعلان وادَّعى أنه لم يأخذ المجال بجدِّيَّة قبل عام ???? عندما تم تعيينه في كلية لندن للأعمال كأستاذ في مجال التسويق والتواصل، على الرغم من عدم اطِّلاعه على أيٍّ من الموضوعين حسبما كان يقول (إرينبرج، ????). إلا أنه في عام ???? نشر بحثًا علميًّا تمكن من خلاله من تحريك المياه الراكدة في مجال الإعلان، وإن لم يُحدث انقلابًا.
تَبِع إرينبرج كروجمان في الإيمان بأن صناعة الإعلانات قادرة على الاستمرار في نشاطها دون تغيير المواقف أو السلوكيات. رأى إرينبرج أنَّ للمستهلك خبرةً كبيرةً، وفي معظم الحالات يتمتَّع بمعرفة واسعة وتوجُّهات راسخة بخصوص كافة المنتجات التي يتم تداولها. تحدى إرينبرج العقيدة التقليدية القائمة على فكرة قدرة صناعة الإعلانات على تغيير المواقف والسلوكيات وإقناع العميل، مؤكدًا على أن «الدور المحوري لصناعة الإعلانات يكمن في تعزيز الشعور بالرضا عن المنتجات المتداولة» (إرينبرج، ????).
في الوقت نفسه الذي نُشر فيه بحث إرينبرج العلمي، ظلت نماذج التسلسل الهرمي للمؤثرات القائمة على الإقناع مثل نموذج (الانتباه، الاهتمام، الرغبة، الاستجابة) تمارِس تأثيرها. حدَّد إرينبرج نقاط الضعف الأربع في تلك النماذج كالتالي: ندرة الأدلة التجريبية على حدوث زيادة في المبيعات نتيجةً للإعلانات.
صمود العلامات التجارية الصغيرة والمتوسطة في وجه حملات الإعلانات الهائلة التي تُموِّلها العلامات التجارية الكبيرة.
حقيقة أن العلامات التجارية تصمد حتى مع توقف تمويل الإعلانات.
معدل الفشل الكارثي للمنتجات الجديدة.
توصَّل إرينبرج إلى تلك النتائج مستخدمًا لوحة البيانات لإثبات أن معظم الأسواق تتمتع بالقليل من المستهلكين الأوفياء بنسبة ???? وأن معظم المستهلكين يشترون أكثر من علامة تجارية واحدة. أوضح إرينبرج أن مستخدمي العلامات التجارية لديهم توجهات تكون أقوى على نحو دائم مقارنة بغيرهم، لا سيما التوجهات التقييمية، ولكنَّه لم يتمكن من الحصول على تفسير منطقي لتغيُّر تلك التوجهات. دفعه هذا الأمر إلى التشكيك بالفرضية المحورية لنماذج التسلسل الهرمي للمؤثرات بأن تغيُّر التوجهات يسبق ويحفِّز تغيُّر السلوك. وعلى الرغم من تقبُّل إرينبرج لفكرة أن متتابعة «الوعي ? التوجهات ? السلوك» قد ولَّدت إحساسًا بديهيًّا، فإنه وجد الكثير من الأمثلة على هذه المتتابعة، حيث أدى السلوك — وهو شراء المنتج نفسه — إلى توعية بالمعلومات التي يتعرض لها الفرد عادةً؛ مما يؤدي في النهاية إلى تغيُّر التوجهات (إرينبرج، ????). كان هذا الأمر بمثابة تحدٍّ للعُرْف السائد والقائم على أن المستهلكين يقتنعون عادةً بالإعلانات التي تغيِّر آراءهم وولاءهم إزاء علامة تجارية معينة. وكبديل لنموذج (الانتباه، الاهتمام، الرغبة، الاستجابة)، طوَّر إرينبرج نظريةً جديدةً أطلق عليها اسم (الوعي – التجربة – التعزيز). ينبغي أن نلاحظ أنه كان يشير هنا إلى الوعي بالعلامة التجارية وليس الوعي بالإعلان. حصل هذا النموذج على شهرة جيدة بين وكالات الإعلان في وقت كان ينظر فيه الكثيرون إلى تأثير الإعلان على المبيعات على أنه أمر يصعب تمييزه حتى بعد حدوثه؛ ومن ثَمَّ يكاد يكون مستحيلًا التنبؤ به. أشار نموذج إرينبرج إلى أن صناعة الإعلان قد تكون قادرة على صناعة، أو إيقاظ، أو تعزيز الوعي بالعلامة التجارية، وقد تكون أحد العوامل التي تسهل عملية الشراء التجريبي. توقَّع إرينبرج أيضًا دورًا جوهريًّا تلعبه صناعة الإعلان في تحويل المستهلكين المجرِّبين إلى عملاء راضين ودائمين. ورأى أيضًا أن الإعلان المتكرر للعلامات التجارية القوية دفاعيٌّ في الأساس، ويلعب دورًا في تعزيز عادات الشراء الموجودة بالفعل لدى العملاء.
في مقال لاحق، أدخل برنارد وإرينبرج (????) تحسيناتٍ على نموذج (الوعي – التجربة – التعزيز) ليتناسب مع ما أطلقوا عليه اسم «المستهلكون ذوو التوجهات المتعددة» (المستهلكون الذين يشترون بانتظام أكثر من علامة تجارية واحدة)، وهنا يكمن دور صناعة الإعلان في «دفع» هؤلاء المستهلكين إلى مزيد من الإقبال على شراء علامة تجارية معينة.
وعلى الرغم من ذلك، لم يحظَ ذلك النموذج بتحمُّس كبير من جانب عموم المسوِّقين. تحدَّث أحد معاصري إرينبرج — وهو جون فيليب جونز — عن شعبية نماذج الإقناع في الولايات المتحدة الأمريكية، مسلطًا الضوء على الإقناع على النحو التالي: الإقناع هو الرؤية التقليدية للإعلان، ويُنظر دومًا إلى الإعلان في الولايات المتحدة الأمريكية باعتباره القوة الدافعة للطلب، ليست القادرة فقط على زيادة مبيعات العلامات التجارية، بل وفئاتٍ كاملةٍ من المنتجات أيضًا. (جونز، ????)
لم يكن جونز يتقبَّل فكرة عدم قدْرة الإعلان على تغيير التوجُّهات؛ إذ يقول: «تزيد صناعة الإعلان الإقناعي من معرفة الناس وتُغيِّر توجهاتهم، علاوةً على قدْرتها على إقناع الناس الذين لم يشتروا من قبلُ منتجًا ما بشرائه مرةً تلو الأخرى» (جونز ????).
من الظاهر لدَيْنا أن نظرة جونز للطريقة التي بلغتْ بها صناعة الإعلان ذلك قد تغيَّرت قليلًا عن نظرة الباحثين التحفيزيين إبَّان ستينيات القرن العشرين. وصف جونز صناعة الإعلان باستخدام القدْرة الإبداعية في «دسِّ» المزيد من المعلومات في عقول «المستهلِكين البسطاء والحَمْقَى عن طريق استغلال الأساليب النفسية التي تحطِّم قدرات المستهلكين الفكرية، وفي بعض الأحيان لا تتمكن هذه الأساليب من اقتحام عقول المستهلكين» (جونز، ????)، وهو ما يتناقض تمامًا مع نظرة إرينبرج للمستهلك: من الطبيعي ألَّا يكون المستهلِكون جاهلين بالمنتجات التي يشترونها كثيرًا، فهم يتمتعون بخبرة كبيرة تتعلق باستخدام تلك المنتجات، ومِن ثَمَّ يهمُّون بشرائها على الفور. وكما أوضحنا سابقًا، يتمتع المستهلكون بتجربة مباشرة تتعلق باستخدام أكثر من علامة تجارية واحدة علاوةً على تجارب غير مباشرة نقلوها عن آخرين. تُعَدُّ ربَّات البيوت هن الأكثر خبرة في شراء المنتجات الاعتيادية مقارنةً بمستهلكي المنتجات الصناعية الذين يشترون محطة طاقة ذرية على سبيل المثال (إرينبرج، ????).
وبطبيعة الحال كان جوهر الخلاف بين جونز وإرينبرج يتمثل في تغيير التوجهات، فكان جونز يرى أن صناعة الإعلانات قائمة أساسًا على تغيير التوجهات، وهو ما يؤدي إلى تغيير السلوك. ولكن إرينبرج كان يرفض، كما أوضحتُ سابقًا، الفكرة القائلة بأن تغيير التوجهات لا بد أن يسبق عملية الشراء: يبدو أن هناك اتفاقًا على الفرضية القائلة بأن تحسين توجهات غير المستفيدين من علامة تجارية معينة يجب أن يجعلهم يُقبِلون على استخدامها أو على الأقل يكونون أكثر ميلًا لاستخدامها. ولكن هذه الفرضية تعني أن توجهات الناس أو آراءهم بخصوص علامة تجارية معينة قابلة للتغيير، وأن هذه التوجهات يجب أن تسبق التغيير المرغوب في السلوك؛ ومن ثَمَّ قلَّما توجد — أو قد لا توجد مطلقًا — أدلة تدعم تلك الفرضيات. (إرينبرج، ????)
يجدر القول هنا بأن صناعة الإعلان لا تقتصر فقط على أفكار كروجمان وإرينبرج؛ ففي عام ????، ظهر بحثٌ علميٌّ يدرس آلية عمل الإعلان، وتمَّ نشره في أكبر مجلات الإعلانات على مستوى العالم، وقد ركَّز هذا البحث العلمي على «النظريات التي تتبنَّى وجهات نظر معلوماتية فقط»، وأكَّد البحث أيضًا أنه «على الرغم من المحتوى والأسلوب المتَّبَعَين، فإن معظم رسائل الإعلانات تتشارك جميعًا في هدفٍ واحد، وهو إقناع المستهلِكين المستهدَفين بشراء منتج، أو خدمة، أو فكرة معينة» (مايرز ليفي وماليفيا ????).
لتفسير مدى ضيق أفق وجهات النظر المعلوماتية التي تقوم في الأساس على الإقناع، يرجى الاطِّلاع على دراسة حالة مستقاة من بحثٍ علميٍّ قمتُ به في عام ???? مع بول فلدويك، وانتهى بالحصول على جائزة. تُركِّز تلك الدراسة على علامة تجارية متخصصة في الشَّعرِية سريعة التجهيز (النودلز).
دراسة حالة: تلما نودلز

في عام ????، قرَّرت شركة اسمها بست فودز طرح منتج غذائي خفيف يستهدف فئة المراهقين في إسرائيل، وسمَّتْه «تلما نودلز». وابتكرتْ وكالة الإعلان التي اتفقت الشركة معها فكرةَ إعلان يصوِّر أغنية من أغاني البوب ذات كلمات لا معنى لها، ويصاحب الأغنية أحيانًا سلسلة من المشاهد السريالية الغريبة، في كل مشهد من تلك المشاهد يَظهَر شخص يتناول المنتج، ولكن لأن كلمات الأغنية بلا معنًى فلا يمكن القول بأن الإعلان يحتوي على ما يمكن اعتباره رسالة مقنعة بشأن المنتج.
وقد أُجرِيَ بحث حول هذا الإعلان بين المراهقين قبل أن يتم عرضه، وكانت مجموعة الأسئلة المطروحة هي تلك الشائعة في ذاك الوقت؛ من قَبِيل: «هل يزوِّدك هذا الإعلان بمعلومات كافية حول المنتج؟» و«هل تعتقد أن المُشاهِد سيجد هذا الإعلان سهل الفهم؟» وعلى أساس هذه الأسئلة، كان يتم وضع درجات لكلٍّ من المواصفات التالية: «سهولة الفهم»، و«قابلية التصديق»، و«الملاءمة»، و«العلامة التجارية»، و«الإقناع». وحيث إن الإعلان ككل غير مفهوم، فقد كانت النتائج المسجَّلة لكل هذه المواصفات سيئة للغاية، ولم يكن هذا مستغربًا. وبالإضافة إلى ذلك، أظهر البحث أن الأغنية لم تلقَ قبولًا من عدد كبير من المشاركين وتنتقص من قيمة المنتج؛ فاقترحت وكالة الأبحاث ألَّا تتم الاستعانة بهذا الإعلان، واقترحت أنه «ربما يكون من الأجدى الاستعانةُ بأسلوب أكثر بساطة يركز بوضوح على اسم العلامة التجارية وفوائد المنتج» (هيث وفلدويك، ????).
يصف هيث وفلدويك لنا ما جرى عقب ذلك: الغريب في هذه الحالة لم يكن يتمثَّل في أسلوب البحث، ولكن كان يتمثَّل في أن المُعلِن قرَّر — لأسبابٍ تتعلق بالتوقيت — أن يُذِيع الإعلان، وكانت النتائج استثنائية؛ فقد أصبح هذا الإعلان الأكثر شعبية بين المراهقين؛ حيث أبدى ??? منهم إعجابهم بالإعلان، لا سيما الأغنية. والأهم من ذلك، أن العلامة التجارية لهذا المنتج اكتسبت حصة كبيرة من السوق. (هيث وفلدويك، ????)
هكذا نرى أن لدينا إعلانًا لاقَى شعبية استثنائية، بَيْدَ أن الفارق هو أن إعلان تلما لا يتضمن أي رسالة تتعلَّق بالحصول على تأمين بأقساط رخيصة على السيارة؛ لا توجد رسالة على الإطلاق، لأن الإعلان يعرض لأغنية كلامها بلا معنًى البتة. ويُعَدُّ هذا مثالًا ممتازًا على نموذج كروجمان للإعلان التليفزيوني «التافه والسخيف»، ولكن على الرغم من عدم وجود رسالة إعلانية، فإنه حوَّل المنتج إلى قصة نجاح حقيقية.
أهمية دراسة الحالة الخاصة بتلما هي أنها تسلِّط الضوء على واحدة من الانشقاقات الكبيرة بين وكالات الإعلان ووجهات التسويق؛ حيث ترفض وكالات الإعلان تمامًا فكرة كروجمان القائلة بأن الناس لا تولي اهتمامًا لإعلانات التليفزيون؛ لأن الانتباه المتدنِّي يعني أن يذهب عملهم الرائع سُدًى من دون أن يتذكره أحد. وهكذا يَجِدون في إعلان مثل إعلان تلما، وما حقَّقه من شهرة وإعجاب، انتصارًا لإبداعهم. بينما ترفض شركات التسويق فكرة إرينبرج القائلة بأن الإعلان لا يُغيِّر من توجهات المتلقِّي؛ لأن عدم تغيير التوجه يعني انتفاء وجود ما يمكن قياسه وانتفاء أي دليل على أن الإعلان قد حقَّق أي شيء للعلامة التجارية، وهكذا يعتبرون إعلان تلما، الذي لا يحوي أي رسالة، مَضيَعةً للمال.
ومع هذا فقد حقَّق النجاح، وكان طرح المنتج الجديد نموذجًا يُحتَذَى به، وكان بوسْع الوكالة الإعلانية أن تستغلَّ هذه الحالة لتدَّعي أن التذكُّر هو الشيء الأكثر أهمية، وأنْ لا أهمية لتغيير التوجُّه. ويمكنك أن تتبين الآن سبب شهرة نموذج إرينبرج (الوعي – التجربة – التعزيز) لدى وكالات الإعلان؛ فهو يعني أن بوسعهم أن يتوقَّفوا عن القلق بشأن توصيل الرسالة، وأن يركِّزوا أكثر على الفكرة الإبداعية التي تصير حديث الناس.
لكنَّ المستهلكين ليسوا مجموعات من السُّذَّج، وهذا ما أشار إليه إرينبرج وهو مُحِقٌّ في ذلك، وأنا على يقين مِن أن المستهلكين الإسرائيليين لم يتحدَّثوا بعضهم إلى بعض عن الإعلان قائلين: «هل شاهدتم إعلان تلما بالأمس؟ إنه هراء؛ ومن ثَمَّ فإنني أفكر في أن أُجرِّب هذا المنتج»، وهذا لأننا في العادة لا نتحدث عن الإعلانات على الإطلاق في محادثاتنا اليومية. وكان كروجمان محقًّا في رأيه بأننا لا نُولِي الكثير من الانتباه للإعلان التليفزيوني، والحقيقة أننا لا نُبدِي الكثير من الانتباه لأي إعلان مهما كان نوعه، ويتضمن الفصل التالي تفسيرًا لهذا.

الفصل الثالث
لماذا لا ننتبه إلى الإعلانات؟


لا يرغب المشاهِد في مشاهَدة إعلانات؛ فهو لا يريد أن يقطع أيُّ شيء متعةَ المشاهدة التي يستغرق فيها؛ لذلك يقاوم عقلُه الإعلان التليفزيوني.
آرثر كوفر
«دورية أبحاث المستهلك» (????)
ثبت لدينا حتى الآن أن هناك اختلافاتٍ حول آلية عمل الإعلان، حيث يؤكِّد نموذج الإقناع التقليدي، والذي يَمِيل إليه كثيرون في صناعة الإعلان، على أن الغرض من الإعلان هو جذب الانتباه وتقديم رسالة مقنعة تحقِّق تغييرًا في اتجاهات المتلقي. وترى وكالات الإعلان في الانتباه أكبر عائق يتوجب التغلب عليه، وتعتبر تذكُّرَ الإعلان المقياسَ الأهم، بينما ترى شركات التسويق أن مهمة توصيل الرسالة الإعلانية هي العائق الأكبر، وأن إحداث تغيير في التوجه هو المقياس الأهم. ثم هناك الآراء المعارِضة التي تقول بأن الإقناع نموذج مغلوط، وأن الإعلان مؤثر من دون لفْت الانتباه ومن دون أن يُغيِّر التوجهات. غير أن هناك مسألة أخرى ترتبط بجميع هذه الآراء المتضاربة: ما هو كمُّ الإعلانات القادِر على دفعنا إلى الانتباه لها؟
لو رجعنا إلى الأساسيات سريعًا فسنجد أنه لا خلاف على أن الشركات تلجأ للإعلان؛ لأن لديها منتجات أو خدمات تريد بيعها لنا. ثم توصلنا بعد ذلك إلى حقيقة أن الجمهور — منذ بداية الإعلانات في القرن الثامن عشر — لم يكن يُبدِي أيَّ استعداد للانتباه لتلك الرسائل الإعلانية، ثم جاء عصر التليفزيون، وافترض الكل أن الصورة ستتغير، والسبب ببساطة أنك بدلًا من أن تخرج لتشتري جريدة، ثم تتصفحها بحثًا عن إعلان، فإن كل ما عليك هو أن تجلس في مقعدك وسوف تصلك الإعلانات في فواصل بين البرامج التي تشاهدها. والأكثر من هذا أنها لن تكون مجرد صور ثابتة، بل عرضٌ مثير كله حركة وصوت. ففي التليفزيون عناصر تشويق أكثر من الوسيط المطبوع، وهكذا يقول المنطق إن الإعلانات التليفزيونية ستكون — بديهيًّا — أكثر جاذبية.
تبدو نظريةً جيدةً، لكن للأسف لم تَثبُت وجاهتُهَا؛ ففي فبراير ???? نشرت صحيفة «الإندبندنت» بيانًا صحفيًّا من كلية لندن للأعمال حول بحث قاموا بتنفيذه باستخدام كاميرات وضعوها في المنازل، وكان عنوان البيان كالتالي: «تقرير حديث من كلية لندن للأعمال يقدِّم تحليلًا لما يقوم به مشاهدو التليفزيون أثناء الفواصل الإعلانية. ومن المؤسف أن نقول لشركات التسويق إنه قد ثبت أن المشاهدين نادرًا ما يشاهدون تلك الإعلانات.»
ورغم أن هذا البحث أُجرِي على عدد محدود من العائلات، فإن أبحاثًا أخرى أكدت على دقة نتائج البحث الذي أَجْرتْه الكلية، بل ذكرتْ أن ذلك البحث قد صوَّر الوضْع على نحوٍ أقلَّ ممَّا هو حادث بالفعل؛ فقد تبيَّن في أوائل ثمانينيات القرن العشرين أن ما بين ??? إلى ??? من المشاهدين يغادر الغرفة عند بداية الفاصل الإعلاني (سولي، ????)، وتبيَّن في تسعينيات القرن ذاته أن ثلثي المشاهدين ينشغل بنشاط آخَر أثناء مشاهدة التليفزيون (كلانسي، ????). وبحلول عام ????، ذكرت دراسة أن نصف عدد المشاهدين لا يرغب في الإعلانات التليفزيونية (ميتال، ????). أما في القرن الجديد، فقد أظهرت دراسة أن مَن يشاهدون البرامج التليفزيونية المسجَّلة سابقًا يَعمِدون إلى تجاهل الفواصل الإعلانية تمامًا والانتقال بالمؤشر إلى ما بعد الفاصل (جوتزل، ????)؛ أيْ إننا قد نَهوَى مشاهَدة البرامج التليفزيونية، بل وربما نحب برامج تتحدث عن صناعة الإعلان، ولكننا نفضِّل أكثر الدردشة مع أفراد العائلة، أو عمل الشاي، أو تفقُّد البريد الإلكتروني، أو مداعبة كلب، على مشاهدة الإعلانات نفسها.
فما هو تفسير عدم رغبتنا في التفاعُل مع الإعلان التليفزيوني؟ أثناء إصرار صناعة الإعلان على رفض أفكار كروجمان وإرينبرج، طرح أكاديميُّو علم النفس تفسيرًا مختلفًا؛ ففي عام ????، أشار اثنان من علماء النفس بجامعة أوهايو، وهما ريتشارد بيتي وجون كاتشوبو، إلى أن مدى الاهتمام بمجال منتج ما هو المسئول عن الطريقة التي يتعامل بها المتلقِّي مع الإعلان، وهو الأمر الذي أدَّى إلى صياغة ما يُعَدُّ «الإسهام النظري الأكثر تأثيرًا» (بيرد، ????) للأوساط الأكاديمية المعنية بالإعلان، وهو «نموذج احتمالية الاستغراق».
نموذج احتمالية الاستغراق

مفاد هذا النموذج هو أن هناك مسارين مختلفين يمكن للإعلان من خلالهما تحقيق تغيير في سلوك المستهلِك، وأن هذين المسارين يختلفان وَفْقَ «مدى ما ينجم من تغيُّر في التوجُّه … بفعل التفكير النشِط» (بيتي وكاتشوبو، ????). وجوهر مقترح بيتي وكاتشوبو هو أن الجمهور المرتبط والمتابع للمجال الخاص بالمنتج يفكر بقدْر أعمق (أي يستغرق) في الرسالة التي يقدِّمها له الإعلان، أما خلاف هذا الجمهور من المشاهدين فلن يُبدُوا ذلك القَدْر من الاهتمام تجاهه. وهذان المساران هما — كما اتُّفق على التسمية — «المسار المركزي» و«المسار المحيطي». أما المسار المركزي فهو ما يمكننا أن نعتبره أسلوب الإقناع التقليدي، الذي يكون فيه التعامل مع الرسالة الإعلانية عملية «محكومة وعميقة ومنهجية وتتطلب جهدًا». ويقدِّم المؤلفان الوصف التالي: عندما تعزِّز الظروف من دافعية الجمهور وقدرته على التفكير في الأمر، يكون مستوى «احتمالية الاستغراق» عاليًا، وهو ما يَعنِي أنه يكون من المرجَّح أن يتم الانتباه إلى الرسالة؛ كما تزداد احتمالات محاولة معالجة ما يتصل بذلك من ارتباطات وصور وخبرات مسترجعة من الذاكرة. (بيتي وكاتشوبو، ????)
وعلى النقيض من ذلك، فإنهما يصفان المسار المحيطي بكونه «تلقائيًّا، وغير عميق، وغير منهجي، وغير منطقي» و«يستند إلى تداعيات وجدانية أو استدلالات بسيطة متصلة بإشارات غير مركزية» (بيتي وكاتشوبو، ????)؛ بمعنى أنه مسارٌ ضعيفٌ غيرُ مقنِعٍ ومُشابِهٌ نوعًا ما لذلك الذي وصفه كروجمان وإرينبرج.
وقد عزَّز بيتي وكاتشوبو نظريتهما بأنْ قاما بإجراء ثلاث تجارب مع طلاب الجامعة؛ حيث اقترحا موضوعًا للمناقشة حول مرحلة اختبارات جديدة، وهما يعرفان أن مِن شأن هذا الموضوع أن يُثِير اهتمام الطلاب ويدفعهم إلى المشاركة، بل والاختلاف حوله. ووجدا في التجربة الأولى أن الطلاب المعنيِّين بالموضوع قد تأثَّروا أكثر بوجاهة الاقتراح الجَدَلي ذاته الذي يتم عرضه، بينما كان أكثر ما أثَّر في مجموعة غير المعنيين بالموضوع هو شكل وهيئة الشخص الذي كان يوصِّل إليهم الاقتراح الجدلي هذا. أما في التجربة الثانية فوجدا أن التأثير على مجموعة المعنيِّين بالموضوع حدث مع عرض هذا الاقتراح الجدلي مرة واحدة، ولكن مجموعة غير المعنيِّين بالموضوع احتاجت إلى تكرار عرض هذا الاقتراح قبل اتخاذهم قرارًا بشأنه. وفي النهاية، وجدا أن تغيُّر التوجُّه الناتج عن عرض الاقتراح المختلَف عليه بين المجموعة المعنيَّة بالموضوع يكون دائمًا وطويل الأمد، بينما تغيُّر التوجُّه لدى المجموعة غير المعنيَّة يكون مؤقتًا وقصير الأمد نسبيًّا.
ليس من المستغرب أن يَجِد بيتي وكاتشوبو أن المسار المركزي الذي يتَّسم بالتفكير النشِط والاهتمام الكبير أكثرُ فعاليةً من المسار المحيطي منخفض الاهتمام. وقد افترضا أن تغيير التوجه ضروري حتى يكون الإعلان فعَّالًا، ووَصَفَا ما وجداه، على حدِّ تعبيرهما، بأن «تغيُّرات التوجُّه من خلال المسار المركزي تكون أكثر ثباتًا ومقاومةً وأكثر تنبؤًا بالسلوك مقارنةً بالتغيُّرات الناجمة عن المسار المحيطي» (بيتي وكاتشوبو، ????). ولكن هذه النتيجة تتماشى تمامًا مع تفكير كروجمان وإرينبرج، حيث تقترح نظرياتهما أن الإعلان عاجز عن إحداث تحولات طويلة الأمد في التوجهات. على أن الفارق بالطبع هو أن كروجمان وإرينبرج قد رَأَيَا في المُعالَجة المحيطية الطريقةَ التي يتم بها التعامل مع «معظم» الإعلانات، واعتبراها وسيلة دعاية جيدة تمامًا للتأثير على السلوك.
على المستوى الأساسي، هناك وجاهة لنموذج احتمالية الاستغراق؛ فنحن نعتقد عمومًا أننا نُولِي المزيد من الانتباه للأشياء التي تحفِّزنا وتدفعنا إلى المشاركة، ويقل انتباهنا إلى الأشياء التي لا نهتمُّ بها. ولكن الأدلة التي لدينا من دراسة كلية لندن للأعمال تشير إلى أن الاهتمام بالسوق لا يفسر في الواقع سلوكنا تجاه الإعلان، فإذا نحن أوْلَيْنا المزيد من الانتباه إلى الإعلانات التي تتناول أشياء تهمُّنا، فسوف يتَّصف سلوك المشاهدة التليفزيونية بتذبذُب مستويات الانتباه. ببساطة، يتوقف انتباهنا أو تجاهلنا للإعلانات على مدى اهتمامنا بالأشياء المُعلَن عنها.
ولكن هذا لم يكن ما توصَّل إليه باحثو الكلية، فقد وجدوا أن الناس في الغالب يتجنَّبون الإعلانات، وخاصةً إذا كان هناك أكثر من شخص واحد في الغرفة. والفترة الوحيدة التي يُشاهِد فيها المشاهد الإعلانات هي خلال الساعات المتأخِّرة من الليل عندما يكون مُتعَبًا جدًّا ويَكسَل في ترك الغرفة. وفي بحثي وجدتُ أن الاهتمام بالمُنتَج لا يُحدِث في الواقع أيَّ فارق في مستوى الانتباه للإعلان التليفزيوني؛ ففي ظل ظروف مصمَّمة بعناية بحيث تحاكي تجربة المشاهدة الطبيعية، وجدتُ أن مستويات الانتباه للإعلانات عن المنتجات والعلامات التجارية التي يستخدمها المشارك (الذي يُفتَرَض أن يكون — بناءً على ذلك — أكثرَ تفاعلًا معها) لم تختلف تمامًا عن مستويات الانتباه للإعلانات عن المنتجات والعلامات التجارية التي لم يَسبِق له استخدامها (هيث وآخرون، ????).
والأمر هنا يعتمد جزئيًّا على الطريقة التي تتبعها وكالات الإعلان عند صُنع الإعلانات التليفزيونية؛ ففي كثير من الأحيان يكون من الصعب التعرُّف على الماركة أو حتى مجال المنتج إلا مع نهاية الإعلان. والفكرة هي أنه طالما أنك تَجهَل المنتج الذي يعرضه الإعلان فإنك سوف تشاهده بعناية أكبر من أجْل معرفة ذلك، ولكن إذا كان المشاهِد متجاهِلًا للإعلانات بوجْه عام فإن هذا النهج يأتي بنتائج عكسية تمامًا؛ فهو إمَّا أنْ يُغيِّر القناة قبل أن ينتهي الإعلان، أو ببساطة يتجاهل مشاهدة الإعلان من الأصل.
على أن هناك سببًا أقوى من ذلك بكثير وراء عدم مشاهدة الإعلانات، وهو سببٌ له علاقة بما ننتظر أن نتعلَّمه منها؛ فقد كان موضوع المناقشة في تجارب بيتي وكاتشوبو أخبارًا تتعلق باختبار جديد، وهو موضوع يعرفان أنه سيكون مهمًّا جدًّا للطلاب المنتظر أن يخضعوا لذلك الاختبار. المؤسف أن شركات التسويق الحديثة نادرًا ما تمتلك فرصة إدراج عناصر بمثل هذا القدْر من الجاذبية في إعلاناتها؛ فالتطور المُذهِل في التكنولوجيا الحديثة يجعل العلامات التجارية في أغلب الأحيان قادرة على استيعاب أي أفكار جديدة في وقت أقل ممَّا يستغرقه صنع إعلان تليفزيوني، فمعظم الإعلانات التليفزيونية تقدِّم رسالة إلى المُشاهِد وهو يعرف محتواها سابقًا؛ فما الحافز الذي يدفعه إلى الانتباه إلى تلك الرسالة إذن؟
بطبيعة الحال، كلما أصبحتْ شركة التسويق أكثر قدرة على مواكبة المنافسين وتحسين المنتج تَوافَر لها نطاق اختيار أكبر. وقد تظن أن هذا من شأنه أن يشجِّعنا على أن نكون «أكثر» انتباهًا للإعلان التليفزيوني، ولكن الواقع العملي يُثبِت العكس.
استبداد الاختيار

صاغ ديفيد ميك — الباحث في الأعمال الأخلاقية في فيرجينيا — مصطلح «فرط الخيارات» لوصف الحالة الذهنية التي تنتاب المستهلكين. كتب ديفيد قائلًا: تنتشر أيديولوجية الاستهلاك في وقتنا الحالي في جميع أنحاء العالم، ومن بين أُسُس هذه الأيديولوجية إتاحة الخيارات أمام المستهلك. غير أنه في الاقتصادات المتقدِّمة اليوم، تحدث عمليات الشراء التي تتزايد يومًا بعد يوم في ظل زيادة المنتجات الجديدة والعلامات التجارية والتوسعات في العلامات التجارية، وذلك في خضم الطلبات التي تتزايد يومًا بعد يوم وزمن اتخاذ القرار الشرائي الذي يتضاءل على نحو دائم. (ميك وآخرون، ????)
يرى ميك وفريقه أن فرط الخيارات يربك الناس، وعلى الرغم من أن كثرة الخيارات تكون جذابة في البداية، فإنَّها تكون «غير مُرضِية في نهاية المطاف، ولها تأثير مرهِق من الناحية النفسية» (ميك وآخرون، ????)، ولكن الأهم هو التأثير الذي يُحدِثه ذلك على استعداد الناس لاتخاذ قرار. وعمومًا، عندما يكون هناك عدد هائل من الخيارات، «يقلُّ» تركيزنا في الغالب عند فحصنا لهذه الخيارات.
ربما تجد صعوبةً في قبول ذلك، فنحن جميعًا نحب أن نوصف بأننا نتَّسم باليقظة والحرص عند اختيار الأشياء التي نشتريها، خصوصًا فيما يتعلق بالسلع المكلِّفة، وبعضنا يتَّسِم بذلك فعلًا. من بين أصدقائي زوجان قَضَيَا أسابيع يتناقشان ليلَ نهارَ عن منتَج آخَر بديلٍ لسيارتهما الثانية القديمة. كانا يتساءلان إذا ما كان ينبغي عليهما شراء سيارة صالون بحيث يستخدمانها بديلًا لسيارة الأسرة حال تعطُّلها أم سيارة هاتشباك يمكنهما استخدامها في نقل البضائع من المتجر. وفي أثناء نقاشهما، تعطَّلتْ غسَّالتهما، وفي غضون ساعة ذهبا على الفور إلى متجَر واشتَرَيَا غسالة جديدة تحمل العلامة التجارية «بوش» (السبب سيتضح فيما بعد). الحقيقة الواضحة تتمثَّل في أنه على الرغم من أنهما كانا يعتبران نفسيهما من الذين يحرصون على فحْص جميع الخيارات ويستخدمون المنطق جاهدين من أجْل التوصُّل إلى أفضل خيار، فإنهما في هذه الحالة لم يستخدما سوى حدسهما واشتريا أول علامة تجارية مقبولة صادفَتْهما.
معظمنا يفعل ذلك عندما «يُضطَرُّ» إلى اتخاذ قرار سريع بشأن عملية شراء معينة، ولكنْ حقيقةً عندما يتعلق الأمر بالعلامات التجارية، فإننا نختصر عملية صنع القرار حتى عندما يكون لدينا مُتَّسع من الوقت للتفكير فيما نشتريه. أظهرتْ دراسة بحثية أجراها فان أوسيلير وألبا — أشرحها بمزيد من التفصيل في الفصل الخامس عشر — أن هؤلاء الذين عُرضت عليهم خصائص المنتج ومميزات العلامة التجارية لا ينشغلون بفحص خصائص المنتج بتعمُّق؛ فهُم ببساطة ينظرون إلى أكبر عدد ممكن من الخصائص الضرورية لتعزيز العلامة التجارية التي يفضِّلونها، ثم يتظاهَرون بأن البقية غير موجودة.
وَلْنضربْ مثلًا لتوضيح الأمر: افترض أنك تشتري جهاز كمبيوتر محمولًا، وفي غياب أي معلومات عن العلامة التجارية، لديك ?? من السمات لتفحصها (خصائص المنتج) وهي: السعر، وحجم الشاشة، وجودة لون الشاشة، ونسبة الارتفاع (نسبة عرض الصورة إلى ارتفاعها على الشاشة)، وكثافة الشاشة، وذاكرة القُرْص الثابت، وذاكرة المُعالِج، وطراز المُعالِج، وعُمْر البطارية، والفترة التي تستغرقها البطارية في إعادة الشحن، والوزن، والسُّمْك، وعدد منافذ اليو إس بي، ومحرِّك القُرْص المضغوط المُثبَّت أو الخارجي، والواي فاي المُثبَّت أو الخارجي، والاتصال السِّلْكي، والضوضاء التي تُحدِثها المروحة، ونظام الصوت، والميكروفون المثبَّت، ونوع الماوس المثبَّت، والسعر، واللون، ومدة الضمان، والموثوقية، والمميزات الأخرى التشغيلية. عند استعراضك لكل ذلك، ستحسم الأمر سريعًا وتقرِّر أنَّ تسع خصائص للمنتج (السعر، وحجم الشاشة، وجودة لون الشاشة، وذاكرة القرص الصلب، وذاكرة المعالِج، وطراز المعالِج، والوزن، والميكروفون المثبَّت، وعدد منافذ اليو إس بي) كافية وتُتِيح لك اتخاذ قرار بشأن الكمبيوتر المحمول الذي تريده، ولن تشغل بالك في التفكير في الخصائص السبع عشرة الأخرى.
ولكن على أرض الواقع، فإنَّ من المرجَّح أن تذهب إلى المتجر المحلي الذي تعتاد عليه والخاص بأجهزة الكمبيوتر، والذي يَبِيع منتجات سوني وسامسونج وتوشيبا وهوليت باكارد وباكارد بيل وبضع علامات تجارية أخرى، وتَجِد أن لاب توب توشيبا لديه ذاكرة كافية وخفيف مثل سوني، ولكنه بنصف الثمن لوجود عرض. تشتريه على الرغم من أنك لم تعتمد إلَّا على تِسْعٍ من خصائص المنتج في اتخاذ قرارك، فما السبب؟ يرجع السبب في ذلك إلى أن توشيبا من العلامات التجارية التي تَحظَى بسُمْعة جيدة وموثوقية وتحديث تقني معقول وإقبال، ثم إنك تدَّخر بعض المال، وهذا ليس سيِّئًا أبدًا. هذه طريقة تفكيرنا عندما يتعلق الأمر باختيار العلامات التجارية.
والسؤال الذي لم تَطْرَحه على نفسك في أي وقت خلال هذه العملية: هل هناك أيُّ شيء ربما تكون قد رأيتَه في أحد الإعلانات عن المنتج وساعدك في اتخاذ القرار؟ توجد أسباب عديدة لعدم طرحك هذا السؤال في الأغلب على نفسك؛ أولًا: إنَّك — كما هو الحال معنا جميعًا — لا تنتبه إلى الإعلانات لأنك تفترض أنها لن تُخبِرك بالمزيد. ثانيًا: لأنك لم تنتبه إلى أي إعلان من الإعلانات، فأنت من ثَمَّ لن تتمكن من تذكُّر أي إعلان لتوشيبا. ثالثًا: لم تكن في حاجة إلى أي معلومات إضافية من أجْل أن تختار خيارًا معينًا، وهذا يُبرِّر تمامًا عدم إرهاق نفسك بالانتباه إلى الإعلان.
وبالطبع، الشيء الذي نسيته هو أنه عندما اخترتَ توشيبا فعلتَ ذلك لأنك تعرف السمعة والموثوقية اللتين تتمتع بهما هذه العلامة التجارية. والسبب في هذه السمعة والموثوقية أنَّك على مدار أشهُر وسنوات رأيتَ «العديد» من إعلانات توشيبا في التلفاز والجرائد، وأنك نسيتَ كل تلك الإعلانات، تمامًا كما هو الحال مع والتر ديل سكوت وزيارته للخياط. فإذا ألحَّ عليك أحدهم في معرفة السبب وراء اختيارك لتوشيبا، فمن المحتمل أن تُخبِرَه أن لديك صديقًا اشتراه، ولكن الحقيقة أنك تأثرت بتلك الإعلانات في عقلك اللاواعي على الرغم من أنك لا تُدرِك تأثُّرك بها.
مما لا شك فيه أنك انتبهتَ إلى إعلانات توشيبا وسوني وأبل وسامسونج وهوليت باكارد وديل، وقد يكون موقفك أفضل في إجراء اختيار منطقي وغير متحيِّز للعلامة التجارية، ولكني أرى أنك ستفعل ذلك على الأرجح إذا كنتَ تعمل في التسويق أو الإعلانات، أو في متجر مثل بي سي وورلد. أما بقية الناس «العاديين»، فلديهم أشياء أخرى أفضل يقضون فيها أوقاتهم.
ولتوضيح كيف يُمكن للإعلانات أن تؤثِّر علينا بسهولة على الرغم من أننا لا ننتبه إليها، نستعرض دراسة حالة مشوِّقة نختتم بها هذا الفصل.
دراسة حالة: شركة أورانج

في يناير ????، في وقت قريب من وقت تدشين شركة أو تو، أذاعتِ العلامة التجارية لشركة أورانج تيليكوم في المملكة المتحدة إعلانًا تليفزيونيًّا بالأبيض والأسود عن خدمات نظام التطبيقات اللاسلكية (الواب) الخاصة بها. عرض هذا الإعلان مجموعةً متنوعةً من الناس ينظرون إلى كاميرا وأفكارهم ينقلها لنا صوت المعلِّق، وتُخبِرنا أفكارهم هذه بدورها أنهم يمكنهم فعل أشياء عديدة منها التنبؤ بوقت هطول المطر ومعرفة أماكن الاختناقات المرورية، وكل ذلك من خلال شبكة أورانج. أقول إن الإعلان كان بالأبيض والأسود، ولكن كان هناك شيء يميِّزه وهو أن جميع مَن ظَهَر فيه كان لديه مربَّع برتقالي في راحة يده؛ مما يدل على أنه مع أورانج تصبح كل هذه المعلومات في متناول يدك. وقد تم دعم الإعلان من خلال حملة ملصقات يَظهَر فيها أيضًا شخص لديه مربع برتقالي في يده، وقد كانت حملةً مؤثرةً بكل المقاييس. وأظهرت الأبحاث أن أكثر من ثلثي الناس زعموا أنهم شاهدوا إعلانات لشركة أورانج على شاشة التليفزيون مؤخرًا، وهو ما يعادل نحو ضعفي مَن زعموا ذلك قبل تدشين حملة الملصقات.
أذاعت شركة أورانج إعلانًا آخَر بعد ستة أشهر لتنشر من خلاله خبرًا مفاده أنه تم تصنيفها رقم واحد من جديد فيما يتعلق بخدمة العملاء في الاستبيان السنوي الذي تُجرِيه شركة جيه دي باور المتخصصة في أبحاث السوق. كان هذا الإعلان غريبًا إلى حدٍّ كبير؛ فقد تضمَّن عِدَّة مشاهد قصيرة كارثية، مثل تدحرُج زهرية ضخمة على سلم وتحطُّمها، وتبسُّم سيدة رغم تدفق الماء على جدران منزلها. وتلخَّصت الفكرة في أن الأشخاص الذين تعرضوا لتلك الكوارث كانوا سعداء لأن أورانج كانت شركة الهاتف المحمول التي يتعاملون معها.
والآن، يتعين على المرء التسليم بأن فكرة إعطاء هاتفك المحمول أهمية كبيرة بحيث يمكنك التغاضي عن غرق منزلك فكرة مستبعَدة. ولكن، من ناحية أخرى، فإن حقيقة أن أورانج قد فازت في استبيان جيه دي باور لعامين على التوالي هي مسألة مثيرة للإعجاب بكل تأكيد. لم تكن مشكلة هذا الإعلان في أن الرسالة تفتقر إلى المصداقية، ولكن كانت تتمثل في أن الإعلان ذاته كان يفتقر إلى التأثير على ما يبدو. ولم يتغير عدد الأشخاص الذين قالوا إن أورانج أذاعت إعلانات على شاشة التليفزيون مؤخرًا على الإطلاق. والأكثر من ذلك، لم يتمكن أيُّ شخصٍ مِن تذكُّر أي شيء عن الإعلان على ما يبدو، ولم يكن هناك أي تأثير إضافي للإعلان في مجمل الصورة الكلية المتصورة عن شركة أورانج. وباختصارٍ، يمكنك القول إن الإعلان كان إهدارًا تامًّا للمال.
عندما كنتُ أعمل مع شركة أبحاث أخرى، قرَّرنا أن نُجرِي بعض الأبحاث فيما يتعلق بإعلان أورانج التي أذاعتْ فيه خبر حصولها على المرتبة الأولى في استبيان جيه دي باور. وما أردنا معرفته لم يكن عدد الأشخاص الذين يمكنهم تذكُّر ما إذا كانت أورانج تعرض إعلانات تليفزيونية لها في ذلك الوقت أم لا، ولكن أردنا معرفة عدد الأشخاص الذين شاهدوا الإعلان بالفعل. وقد عرفنا ذلك ببساطة عن طريق عرض الإعلان على الناس وسؤالهم إذا ما كانوا قد شاهدوه من قبلُ أم لا. كما سنرى لاحقًا، التعرُّف نظام ذاكرة قوي جدًّا؛ لذلك إذا قال الناس إنهم سبق لهم أن شاهدوا إعلانًا معينًا، كنَّا نعلم أنهم يقولون الحقيقة على الأرجح.
شعرنا بالدهشة عندما اكتشفنا أن أكثر من نصف الأشخاص الذين تحدَّثنا إليهم تعرَّفوا على الإعلان عندما تم عرضه عليهم؛ ومِن ثَمَّ لم تكن المشكلة في عرض الإعلان. الأمر السيِّئ أن أقلَّ مِن ربع أولئك الذين تعرفوا على الإعلان عرفوا أنه كان يخص شركة أورانج.
ولكن هل كان يعني ذلك أن الإعلان لم يؤثِّر على مواقفهم تجاه أورانج؟ مِن أجْل معرفة ذلك، طرحنا عليهم بعض الأسئلة المتعلِّقة بالصورة الذهنية التي يحملونها عن العلامات التجارية الأخرى العاملة في سوق الهاتف المحمول قبل أن نعرض الإعلان على أيٍّ منهم. وقد مكَّننا ذلك من مقارنة تقييمات أولئك الذين تعرَّفوا على الإعلان للعلامة التجارية أورانج بتقييمات هذه العلامة من جانب أولئك الذين لم يتعرفوا على الإعلان (ومِن ثَمَّ شبه مؤكد أنهم لم يسبق لهم مشاهدته). وتجنُّبًا للشك، لم نأخذ في الاعتبار سوى النتائج الخاصة بأولئك الذين «لم» يكونوا من بين عملاء أورانج الحاليين.
وهنا كانت المفاجأة الثانية. تذكَّر أن ثلاثة أرباع الذين تعرفوا على الإعلان لم يكن لديهم أي فكرة عن صاحب الإعلان، وعلاوة على ذلك وجدنا أنه بالرغم من أن معظمهم لم يكونوا على دراية بالعلامة التجارية التي يتم الإعلان عنها، فإنهم أعطَوْا باستمرار شركة أورانج تقييمًا أعلى من أولئك الذين لم يتعرفوا على الإعلان. ولم يكن الفارق بسيطًا؛ أعطى المتعرِّفون على الإعلان شركة أورانج تصنيفًا أعلى بنسبة ??? من غير المتعرفين على الإعلان في جوانب «الاهتمام بالعملاء» وكذلك «سهولة الاستخدام»، وأكثر بضعفين في الجوانب التي تتعلق ? «تعاون موظفي خدمة العملاء» و«العلامة التجارية الموصى بها».
بعبارة أخرى، على الرغم من قِلَّة عدد الذين تمكَّنوا من تذكُّر أي شيء عن الإعلان، وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من أولئك الذين شاهدوه على شاشة التليفزيون لم يعرفوا العلامة التجارية التي يتحدث الإعلان عنها، بدا أن هذا الإعلان قد تمكن من التأثير بشكل إيجابي على آراء الذين تم عرضه عليهم. ويبدو أن الإعلان أحدث أثرًا ليس فقط من دون تذكُّر الرسالة، ولكن أيضًا من دون تذكُّر العلامة التجارية أو أي شيء في الإعلان.
يبدو هذا الأمر مستبعَدًا، ولكنَّ هناك دراستَيْن تمَّ نشرهما — واحدة عن العلامة التجارية لأغذية الحيوانات الأليفة «بوتشرز دوج» في المملكة المتحدة، والأخرى عن العلامة التجارية لشركة ستاندارد لايف للتأمين على الحياة في المملكة المتحدة — أظهرتا نتائج تكاد تكون متطابقة (هيث وهايدر). في كلتا الحالتين، تمكَّنتِ الإعلانات من زيادة استحسان العلامة التجارية بين أولئك الذين لا يتذكرون تلك الإعلانات. في الواقع، أشارت النتائج إلى أن زيادة الاستحسان قد تكون أكبر بين أولئك الذين لم يتذكروا الإعلان مقارنة بأولئك الذين تذكروه. وأفخر بأنْ أُبلغكم أن البحث الذي نَشرتُ فيه هذه النتائج أنا وبام هايدر من شركة ستاندارد لايف قد حاز على أرفع جائزتين من جمعية أبحاث السوق في المملكة المتحدة، وكان البحثَ الوحيدَ الذي حقق ذلك.
لذا أرجو أن أكون قد أقنعتُكم بأن جوانب الإعلان لا تنحصر في الإقناع، فإذا كان من الممكن أن يؤثر علينا إعلان من دون أي رسالة، ومن دون أن نهتم بالرسالة أو نتذكرها، ومن دون أن نهتم بالإعلان أو نتذكره، وبغضِّ النظر عمَّا إذا كنَّا نحب الإعلان أو نكرهه، فلا بد أن يكون هناك شيء آخر يحدث. ولكن للوصول إلى جوهر هذا اللغز، علينا أولًا أن نَفهَم المزيد عن سيكولوجية التواصل، وعلى وجه الخصوص نحن نحتاج إلى فهم الكيفية التي نتعلم بها، وأين نخزِّن ما نتعلمه، وكيف يرتبط الانتباه بهذه العملية برُمَّتها. وهذا هو موضوع القسم التالي من هذا الكتاب.
موجز: تحليل الإعلان

تناولنا حتى الآن أربعة نماذج مختلفة للإعلان: الإقناع – التفاعل المتدنِّي – التعزيز – نموذج احتمالية الاستغراق. يقدم الشكل ?-? رسمًا تخطيطيًّا لتلك النماذج. شكل ?-?: رسم تخطيطي موجَز – تحليل الإعلان.
نموذج الإقناع التقليدي هو ذلك النموذج الذي يَحظَى من خلاله الإعلان بالاهتمام ويقدم رسالة واحدة أو عدة رسائل مقنِعة. وتُغيِّر تلك الرسائل من أفكار المتلقِّي عن العلامة التجارية، وهو ما يخلق بدوره توجُّهات ذات صلة بهذه العلامة التجارية، وينجم عن ذلك تجاوب سلوكي عقلاني من قَبِيل القيام بشراء المُنتَج. ونرمز لهذا النموذج في الشكل ?-? بالخط المتصل. بينما يُشِير نموذج التفاعل المتدنِّي لكروجمان إلى أن المتلقِّي يتعامل مع الإعلان بمستويات انتباه متدنية، ومن المستبعَد أن يتمكن من التأثير من خلال توصيل رسالة مقنعة. ونرمز إلى هذا النموذج في الشكل ?-? بالخط المتقطِّع. إشكالية هذا النموذج هي أنه في حال عدم وجود رسالة، لا يوضح النموذج بالفعل «الكيفية» التي يمكن أن يُغيِّر بها إمَّا المعتقد وإمَّا التوجُّه. كما أن أيَّ تغيُّر يحدث في التوجُّه يكون في الغالب محدودًا. ويؤكد نموذج التعزيز الخاص بإرينبرج على أن أي تغيير جوهري في التوجه يحدث بعد استخدام العلامة التجارية أو المنتج، فمن غير المتوقَّع لنموذجه أن يظهر أي تغيير كبير في المعتقدات المرتبطة بالعلامات التجارية والمنتجات، وهكذا يكون الإعلان مؤثرًا عند مستويات الانتباه المنخفضة نسبيًّا. ولكن نموذجه يظهر أن الإعلان يعمل على تعزيز التوجهات المرتبطة بالمنتج، ونحن نرمز لهذا في الشكل ?-? بالخط المنقَّط. أما نموذج احتمالية الاستغراق لكلٍّ من بيتي وكاتشوبو فهو مزيج من نموذجي الإقناع والتفاعل المتدني؛ حيث تُشبِه آليةُ المسار المركزي آليةَ الإقناع (نرمز إليه بالخط المتصل)؛ مما يُحدِث تغييرات كبيرة في التوجهات والمعتقدات. بينما تشبه آليةُ المسار المحيطي آليةَ نموذج التفاعل المتدني لكروجمان (الخط المتقطع)؛ مما ينجم عنه تغيُّرات محدودة قصيرة الأمد في التوجهات.
ويُبرز هذا الرسم التخطيطي إشكاليةً مُفادها أنه على الرغم من قدرة نموذج الإقناع (المعالجة المركزية) الكبيرة على تغيير التوجهات، فإن هذا النموذج غير دائم؛ فنحن لا ننتبه للإعلان بالقدْر الكافي الذي يُتِيح لنا تفسيرَ رسائله وحفظَهَا بأذهاننا على نحو فعَّال. ولكنَّ نموذجَيِ التفاعل المتدنِّي (المعالجة المحيطية) والتعزيز (إرينبرج) ليسا «أكثر» فعالية من نموذج الإقناع التقليدي من الناحية الجوهرية؛ ولهذا السبب لم يَعمِد المعلنون والمسوِّقون إلى تبنِّيهما بجدية. وبدلًا من ذلك انصبَّ تركيزهم على مهمةٍ تتضاءل جدواها؛ ألَا وهي استغلال الإبداع في محاولات تشجيع المُشاهِد على أن يُولِيَ الإعلانَ مزيدًا من الانتباه. أما سبب وصفي لهذه المهمة بكونها بلا جدوى، فهذا موضوع الفصل التالي.

الجزء الثاني
سيكولوجية التواصُل



الفصل الرابع
التعلُّم والانتباه


قد لا يكون العقل على ذلك القدْر من النقاء الذي يظنُّه ويتمنَّاه أغلبنا.
أنطونيو داماسيو
«خطأ ديكارت» (????)
بالطريقة نفسها التي نظنُّ بها جميعًا أننا على دراية بآلية عمل الإعلانات، نظنُّ جميعًا أننا على دراية بآلية تعلُّمنا. ويرجع هذا — في جانبٍ منه — إلى أنَّ أول شيء يوجِّهنا إليه نظام تعليمنا الغربي هو الانتباه؛ ومِن ثَمَّ فقد غُرِس بداخلنا الاعتقاد بأننا إنْ لم ننْتَبِه فلن نتعلم شيئًا. وكما أوضحتُ سابقًا، فإننا نفترض بداهةً أننا إنْ لم ننتبه للإعلان فإننا لن نتعلم منه أي شيء؛ وإن لم نتعلم أي شيء من الإعلان فهذا بدوره يعني أننا لا يمكن أن نتأثر بهذا الإعلان.
يعود الفضل في هذه الرؤية عن التعلُّم إلى هيرمان إبينجهاوس في كتابه «حول الذاكرة» الصادر في عام ????. اشتُهر إبينجهاوس بأعماله عن النسيان، وتوصَّل إلى «منحنى النسيان» الشهير الذي يبيِّن أن التذكُّر خاصية تنمُّ عن قوة الذاكرة والزمن. ولكن إبينجهاوس توصَّل كذلك إلى أن قوة الذاكرة تعتمد على الانتباه والاهتمام، ويقول: «يعتمد التذكُّر والاسترجاع إلى حدٍّ كبير على مدى شدة الانتباه والاهتمام اللذين يرتبطان بالحالات الذهنية للمرء عند أول مرة تَظهَر فيها» (إبينجهاوس ????). وهكذا يقول إبينجهاوس بأنك إذا رغبتَ في تذكُّر شيء لستَ مهتمًّا به اهتمامًا خاصًّا فإن أفضل طريقة تفعل بها ذلك هي أن تنتبه له.
الإشكالية التي نواجهها هنا هي أن الإعلان لا يتبع قواعد إبينجهاوس. لو أنك تتذكر، إنني قد أشرتُ في الفصل الثاني إلى تجربة فستينجر وماكوبي (????)، التي توصَّلا من خلالها إلى أن عرض فيديو «غير ذي صلة» بموضوع الإعلان التليفزيوني يؤدي في الحقيقة إلى تعزيز تعلُّم الرسالة مقارنةً بعرض فيديو «له صلة» بموضوع الإعلان. وقد وجدنا في نهاية الفصل السابق أن مَن لم يتذكروا الإعلان (ومِن ثَمَّ لم ينتبهوا كثيرًا على الأرجح إلى الإعلان) قد تأثروا به — على ما يبدو — أكثرَ ممَّن تذكروا الإعلان (ومِن ثَمَّ «كانوا» قد انتبهوا إليه على الأرجح). يبدو الأمر كما لو أننا نتعلم رسالة الإعلان وعباراته المميزة بصورة أفضل حينما نكون غير منتبهين إليه لا حينما نكون في ذروة انتباهنا، فكيف يحدث ذلك؟
أحد الأسباب هو أن تعلُّم أشياء عن العلامات التجارية أمر يختلف عن تعلُّم معلومات في المدرسة، والمصطلح الذي قد يبدو بسيطًا «معرفة العلامة التجارية» يحتاج إلى أن يشمل ما هو أكثر من الشعارات وخصائص المنتج ومزاياه؛ فهو بحاجة، على سبيل المثال، إلى أن يشمل مجموعة كبيرة وكاملة من الأفكار والإشارات المتنوِّعة، بدءًا من رائحةٍ أو طعمٍ فريدٍ لعلامة تجارية معينة، ووصولًا إلى شكل وألوان العبوة أو الشعار. كل هذه أمثلة عن المعلومات التي نتلقَّاها والتي تساعدنا على التعرف على العلامات. فعلى سبيل المثال، نجد أن اللون الأحمر مهيمن على إعلانات كوكاكولا بينما الأزرق هو اللون المفضَّل لدى شركة بيبسي في علب مشروباتها، وهذه في حد ذاتها «رسائل» تزيد من معرفتنا بالعلامة التجارية، حتى ولو كان معنى تلك الرسائل غير واضح.
ومن منطلق هذا التعريف، يكون من الواضح أننا عُرضة في كل يوم إلى آلاف الرسائل التي تعرِّفنا بعلامات تجارية؛ فمثلًا عندما ندخل الحمام صباحًا ونلتقط معجون الأسنان فإننا طواعيةً نتلقى رسائل عن هذا المعجون. فحتى لو نظرنا إلى المنتج بلا تركيز فسوف نتذكر شعار العلامة التجارية وألوان العبوة وربما عنصرًا أو اثنين من عناصر التصميم. وأضف إلى ذلك بقية العبوات التي قد تكون ظاهرة في الحمام، وتلك التي قد نراها في المطبخ عند تناول الإفطار، وتلك التي نراها في واجهات المحالِّ في طريقنا إلى العمل أو ونحن نتسوَّق. وهكذا نرى أننا محاطون باستمرار بمعلومات عن العلامات التجارية، ومعظمها لا يُعتَبَر طبعًا ذا أهمية بالنسبة لنا. أعني، هل حقًّا يهمك ويشغل بالك لون علبة المياه الغازية؟
لقد قدَّم كروجمان، في بحثه عام ????، وجهة نظر مفادها أن التواصل الإعلاني، في خضمِّ هذا المزيج الهائل من العلامات التجارية، لا يمثِّل أي فارق أو أهمية. والنتيجة هي أن تعلُّمنا يكون أقرب إلى طريقة تعلُّم الأشياء التي لا معنى لها كما يقول إبينجهاوس، فقد وجد إبينجهاوس أننا عندما نحاول تعلم أشياء لا تمثل أهمية لنا فإننا نميل إلى أن نتذكر أول وآخر شيء تعرضنا له على نحو أفضل بكثير من الأشياء التي كانت بين هذين الشيئين (إبينجهاوس ????). ولكن الواقع يقول إن طريقة تعلُّمنا من الإعلان أشد تعقيدًا حتى من هذا.
ولكن، وقبل أن نشرعَ في إيجاد تفسيرٍ، أرى أن من المهم أن أقوم بتقديم تعريف واضح لكل مصطلح من المصطلحات المختلفة التي سوف أستخدمها. وسأبدأ بمصطلح «الانتباه».
الانتباه

يعرِّف معجم أكسفورد الموجز (????) «الانتباهَ» بأنَّه «قُدْرة المرء على تركيز عقله.» غير أن العقل في الأساس يشتمل على الوعي واللاوعي والعقل الباطن؛ ومِن ثَمَّ يمكن القول بأن الانتباه يُهَيْمِن على كل ما «يمكننا» إدراكه حسيًّا. ولتجنُّب الارتباك، نورد تعريف عالِم النفس ويليام جيمس: «انشغال العقل، بصورة صافية وقوية، بواحدٍ من عدة أشياء أو أفكار متزامنة» (جيمس، ????). ومن منطلق هذا التعريف، فإن كان الشيء قابلًا لإدراكه حسيًّا (أي كان في نطاق السماع أو على الأقل في نطاق الرؤية المحيطية)، ولكنك لستَ «واعيًا» بكونك تدركه حسيًّا، فإنك عندئذٍ تكون غير منتبه له. وببساطة نقول إن الانتباه يساوي الإدراك الحسي «الواعي».
هناك طريقتان مختلفتان لتعريف الانتباه: الأولى ما أُسمِّيه بالتعريف «الاتجاهي»، وهو معنيٌّ بما تنظر أو تستمع إليه. على سبيل المثال، إذا كنتَ تنظر بعيدًا عن الشيء، فعندئذٍ تكون «غير» منتبه له.
ولا يكون التعريف الاتجاهي للانتباه مفيدًا في حالة الإعلان، لكونه غير مرتبط بمقدار ما نتعلمه. أما الطريقة الثانية لتعريف الانتباه فهي ما أُسمِّيه «مستوى الانتباه»، وهذا التعريف يُجدِي مع الإعلانات؛ حيث يرتبط مستوى الانتباه ? «مقدار» ما تُولِيه من انتباه للشيء. ويتحدد مستوى الانتباه بناءً على مقدار ما نقوم به من تفكير، فإذا كنتَ مستغرِقًا في التفكير في إعلان معين فأنتَ بذلك وصلتَ إلى مستوًى عالٍ من الانتباه، أمَّا إذا كنتَ لا تفكر فيه إلا قليلًا فعندئذٍ يكون مستوى الانتباه متدنِّيًا؛ ولهذا السبب، يتساوى مستوى الانتباه مع قدْر ما نمارسه من تعلُّم واعٍ.
مستوى الانتباه

حدَّد جيمس مستويين للانتباه: نَشِطًا وخاملًا. فالانتباه النَّشِط يحدث حينما يكون مستوى الانتباه عاليًا والتركيز متعمَّدًا وخاضعًا لسيطرة الفرد. ونحن اليوم نستخدم مصطلح «المعالجة من العام إلى الخاص» للإشارة إلى نشاطٍ مثل هذا تُحرِّكه أهداف بعينها (أيزنك وكين، ????). ومن الأمثلة على الانتباه النشِط عندما تركز على ما يشرحه المعلِّم أو المُحاضِر في الفصل؛ وهذا لأنك تتجاوب مع هدف يتمثل في أن تتعلم إلى درجة تمكنك من النجاح في الاختبارات.
ولأن الانتباه النشط «إرادي» (أي إنه يتم عن قصد) فمن الصعب علينا الاستمرار فيه لفترات طويلة. ولا يصف جيمس الانتباه النشط على أنه عملية متواصلة، بل هو أقرب إلى موجة بها مراحل متكررة من الانتباه العالي في موقف ما.
نقيض الانتباه النشط هو الانتباه الخامل، وهذا يحدث حينما يكون مستوى الانتباه متدنيًا، ويكون التركيز غير موجود وغير خاضع لسيطرة الفرد. وهو ما يتماشى مع ما سمَّيناه «المعالجة من الخاص إلى العام»، حيث إنه نشاط يحتاج إلى مثيرات خارجية (أيزنك وكين، ????). ومثال على ذلك حينما تُولِي انتباهك إلى ذبابة تطن داخل حجرة الدراسة ثم تنتبه فجأة أنك لا تدري ما الذي كان المعلم يتحدث عنه.
طريقة أخرى للتعامل مع هذين الحدين تتمثل في اللجوء إلى فكرة كريك ولوكهارت (????) الخاصة بما سمَّياه «عمق المعالجة». ويشير هذا المصطلح إلى مقدار الانتباه ومقدار الجهد الإدراكي اللذين يتم بذلهما؛ حيث تحدث المعالجة العميقة عند الحد الأقصى من الانتباه النشط ومع بذل أقصى قدْر ممكن من الجهد الإدراكي. وعلى العكس من ذلك تُحِيلنا «المعالجة الضحلة» إلى مواقف نستعين فيها بمعرفة إدراكية محدودة (أيزنك وكين، ????). وهذه المعالجة الضحلة هي ما قصدها بيتي وكاتشوبو عندما تحدَّثا عن «المعالجة المحيطية»؛ ومِن ثَمَّ يمكن تحديد مستوى الانتباه بكونه مقدار ما تمارسه من تفكير نشط، أو مقدار ما تبذله من جهد إدراكي في أي موقف.
ويكتسب تعريفا الانتباه أهميةً كبرى عندما نشرع في التفكير في آلية معالجة الإعلان. تخيل مثلًا أنك جالس أمام شاشة التليفزيون تشاهد مباراة كرة قدم وقد وضعتَ على رِجْليك جهاز كمبيوتر محمولًا، وخلال دقيقة تُولِي انتباهًا اتجاهيًّا عاليًا إلى الشاشة وتبذل مستويات عالية من الجهد الإدراكي، وخلال الدقيقة التالية يأتي فاصل إعلاني فتصرف ناظريك عن الشاشة وتنتقل لتفَقُّد بريدك الإلكتروني. وهكذا يهبط مستوى انتباهك للشاشة التليفزيونية فورًا إلى الصفر.
الآن تخيل أن الكمبيوتر ليس معك، عند ظهور الفاصل الإعلاني تستمر في النظر إلى شاشة التليفزيون، ولكنَّ عقلك غير حاضر، فربما تفكر في آخِر هدف تم تسجيله، أو في المكان الأنسب لقضاء العُطلة. وفي هذا الموقف يكون الانتباه الاتجاهي عاليًا ولكنَّ مقدار الجهد الإدراكي الذي تبذله إزاء الإعلان منخفض جدًّا. وهكذا لا يتلقَّى الإعلان سوى مستوًى متدنٍّ من الانتباه.
لِنتناولِ الآن موقفًا ثالثًا: هذه المرة معك الكمبيوتر المحمول، وتصرف ناظريك عن شاشة التليفزيون وقت الفاصل الإعلاني، ولكنك هذه المرة تسمع وربما تلمح بين الحين والآخر ما يُعرَض من إعلانات، حتى لا تفوتك بداية المباراة. في هذا الموقف يكون الانتباه الاتجاهي مضطربًا ومستوى الجهد الإدراكي متوسطًا. وقد يبدو الأمر معقدًا جدًّا، ولكن هذا هو الواقع الذي علينا أن نتعامل معه حينما نفكر في آلية التعامل مع الإعلان.
ولا بد من الإشارة إلى أن كلًّا من كريك ولوكهارت — على غرار إبينجهاوس — يؤكدان في الأصل على أن المعالجة العميقة ينجم عنها دومًا ذكريات أكثر وضوحًا وثباتًا، ويوردان العديد من التجارب، ومنها تجربة عام ???? التي أجراها تريسمان، وفحواها «إذا كان هناك انتباه للرسالة، فعندئذٍ يمكن معالجة المزيد من المواد المهمة ذات المعنى؛ ومِن ثَمَّ الاحتفاظ بها لفترة أطول» (كريك ولوكهارت، ????). على أن أيزنك تحدَّى هذا التأكيد بعد ذلك بستِّ سنوات (????)، فكان عليهما القبول بأن «فكرة المعالجة العميقة في حد ذاتها غير كافية لمنحنا توصيفًا مناسبًا لعمليات الذاكرة» (لوكهارت وكريك، ????). وفيما بعد، راجع لوكهارت وكريك وجهة نظرهما القائلة بأن المعالجة الضحلة تؤدي إلى النسيان السريع، وسلَّما بأن المعالجة الضحلة للمعلومات الحسية قد تستمر «لساعات، ولدقائق، بل وحتى لشهور» (لوكهارت وكريك، ????). وأنا أذكر هذا لأن علم النفس بتعريفه يتعامل مع تأكيدات عن العقل تشكل الحس السليم، ولكن من الصعب إثباتها، وكثيرًا ما يتضح لنا أن ما يبدو أنه حِسٌّ سليم هو منطق خاطئ في واقع الأمر.
التعلُّم من التواصُل

إن الانتباه ليس آلة يمكن تشغيلها وإيقافها، وقد ننتبه في أي وقت إلى شيء على مستوًى بين النَّشِط والسلبي، ونتعامل معه على مستوًى بين العميق والضحل. وكما وجد إبينجهاوس، فإن قدْرَ أو مستوى الانتباه الذي نُولِيه في وقت معين يؤثر على نوع التعلم القائم.
ويمكننا تعريف التعلم الذي يجري عندما تتم المعالجة المنتبهة العميقة بنشاط وعندما يُستغل الكثير من الجهد الإدراكي بكونه «تعلُّمًا نَشِطًا»، ويسميه إبينجهاوس «التعلم القوي»، ويتماشى مع المعالجة من العام إلى الخاص التي يحركها الهدف. ولا ينحصر هدفها في تسجيل المعلومات، بل «فهمها» وتصنيفها وربطها بطريقة ما بأفكار أخرى تعلَّمناها في الماضي. تصف لنا ريتا كارتر هذا ببلاغة بقولها إن «تفاصيل ودقائق التفكير تتمثل في الاحتفاظ بالأفكار في الذهن ومعالجتها» (كارتر، ????). كما يوصف في مواضع أخرى بكونه «استغراقًا إدراكيًّا» (جرينوالد وليفيت، ????). ويوجز بيتي وكاتشوبو الاستغراق على النحو التالي: ينتبه متلقِّي الرسالة إلى ما تحتوي عليه من حُجَج، ويحاول أن يفهمها، ثم يقوم بتقييمها. عقب ذلك يدمج المتلقِّي كافة المعلومات بطريقة منطقية متماسكة. (بيتي وكاتشوبو، ????)
على الجانب الآخر، فإن التعلُّم الذي يحدث عند المعالجة المنتبهة الضحلة واستخدام جهد إدراكي محدود للغاية يسمَّى «التعلُّم السلبي»، وهو يعتبر عمومًا شكلًا من أشكال التعلُّم الضعيف نسبيًّا ويتماشى مع المعالجة من الخاص إلى العام التي يحركها المثير. ويمكننا أن نفترض أن هذا ما كان بيتي وكاتشوبو يشيران إليه عندما كانا يستخدمان مصطلح «المعالجة المحيطية».
ويتعامل الوعي مع ما يتمُّ تعلُّمه خلال التعلُّم السلبي، ولكن على مستوًى منخفض نسبيًّا. وسوف أُورِد هنا مثالًا بسيطًا يوضح هذا بشكل عملي.
تخيل أنك تقود سيارتك في شارع مزدحم، بينما أنت مندمج في حوار مع رفيق يركب معك، وهَبْ أنك صادفتَ حافلة تعطي إشارة تنبيه، أو أن السماء بدأتْ تمطر. هل ستتوقف عن الكلام في أي موقف من الموقفين؟ ليس بالضرورة. ولكن كل موقف منهما يستدعي أن تُصدِر حكمًا معينًا، وهو الأمر الذي سيكون عليك أداؤه إدراكيًّا؛ فانطلاق الحافلة موقف يتطلب منك أن تقرر ما إذا كنتَ ستستمر في القيادة وتتجاوزها أو أنها مُسرِعة لدرجة تستدعي منك التوقف وتركها تمر أولًا. كما أن المطر يقتضي منك أن تحدد ما إذا كان غزيرًا بما يستدعي تشغيل المسَّاحات أم لا. وبالمثل يمكنك أن تَمضِي في طريقك بالسيارة، وتتوقف عند الإشارات وأماكن عبور المشاة، وتُعدِّل من سرعة السيارة، وتقوم بغير ذلك من المهامِّ الإدراكية، وكل هذا من دون أن يبتعد عقلك عن الحوار الدائر.
الشيء المهم الذي أودُّ منك أن تأخذه في الاعتبار هو أنك عند الانتهاء من هذه الرحلة ووفق جميع الاحتمالات لن تتذكر أيًّا من تلك القرارات التافهة نسبيًّا التي اتخذتَها. والمؤكد أنك سوف تكون قادرًا على تذكر الحوار، أو على أقل تقديرٍ النقاط الرئيسية لذلك الحوار، ولكن سواء تجاوزتَ الحافلة أم لا، أو شغلتَ المسَّاحات، أو توقفتَ لتسمح للمشاة بعبور الطريق فهي كلها أشياء لست بحاجة إلى أن تتذكرها؛ ومِن ثَمَّ سوف تنساها على الأرجح، بنفس الطريقة التي ننسى بها معظم الإعلانات التي نتعرض لها.
لقد تجاهلتْ صناعة الإعلان في عمومها التعلم السلبي؛ وهذا لأنه اعتُبِر — كما عرفنا في الفصل الثالث — عاجزًا عن تغيير التوجهات على المدى الطويل. ووفق ما يقول بيتي وكاتشوبو، فإن التعلم النشط (المعالجة المركزية) يؤدي إلى تغيير مدروس في التوجه، وهو ما قد ينجم عنه نتيجة من اثنتين: إمَّا أن يقتنع الشخص بالحجة ويغيِّر من توجُّهه لصالح العلامة التجارية، وإمَّا أن يرفض الحجة؛ وهو ما يسمونه في هذا المجال «تأثير بوميرانج». ولكن في التعلم السلبي (المعالجة المحيطية) تكون مستويات الانتباه منخفضة وقدْر التفكير المنطقي القائم محدودًا. ويؤكد بيتي وكاتشوبو على أن التغير في التوجُّه ينشأ وفق ظروف معينة: لا نرى وجاهةً في الصورة التي ترسمها تلك المقاربات المحيطية لعملية الإقناع. فإذا كانتِ الرسالة مرتبطة بمصدر جذَّاب، فإنها تَلقَى القبول، أمَّا إذا اتخذَتِ الرسالة موقفًا متضاربًا للغاية فإنها تكون مرفوضة بغضِّ النظر عن قوة حُجتها. (بيتي وكاتشوبو، ????)
عمليًّا، هما يَعنِيان أن التعلم الخامل لا يمكن أن يؤثر في تغيير التوجه إلَّا إذا كان الشخص ميَّالًا بالفعل إلى هذا التغيير بطريقة أو بأخرى، بل وأكثر من ذلك، يزعمان أن هذا التغيير في التوجه لا يكون بنفس قوة وثبات التغيير الناجم عن التعلم النشط.
إنْ لم يكن لدينا الكثير من المعلومات السابقة، أو لم نجد أن الموضوع ذو صلة وثيقة بنا، فعندئذٍ يمكن للمقاربة المحيطية أن تحقق نجاحًا. على أن هذا النجاح يكون قصير الأمد؛ ومِن ثَمَّ يكون من الضروري لمَن يحاول إقناعنا أن يعمل باستمرار على تذكيرنا بمفتاح هذا الإقناع. (بيتي وكاتشوبو، ????)
يحدث كلٌّ من التعلُّم النشِط والسلبي عندما نُوِلي قدرًا ما من الانتباه، وعندما نكون «مدركين» لعملية التعلم القائمة. ولكنك قد تندهش عندما تكتشف أنه من الممكن أيضًا أن تتعلم من دون أن تنتبه على الإطلاق إلى هذه المهمة. يقول أيزنك وكين: «يمكن معالجة المعنى من دون وعي» (أيزنك وكين، ????). ويعرف التعلم الذي يحدث من دون أن تكون على دراية بأنك تتعلم باسم «التعلم الضمني» (أيزنك وكين، ????).
التعلم الضمني

إليك مثالًا بسيطًا على التعلم الضمني: لنَعُدْ إلى الموقف الذي كنتَ فيه تقود سيارتك وأنت تحاور رفيقك، لنفترض أن أحد المارَّة همَّ بالعبور من أمام السيارة. من المؤكد أنك ستُبادِر برد فعل فوري، فتضغط بقوة على الفرامل، وربما تنحرف بالسيارة لتتفاداه، وربما تصرخ فيه بعبارات غير لائقة لعدم يقظته للطريق. ولكنْ نظرًا لأنك منخرط في حوار، وتراقب الحافلات وهي تنطلق بجوارك، وتترقب الطقس تحسبًا لهطول المطر، وما إلى ذلك، فكيف يتسنَّى لك وسط كل هذا أن ترى هذا العابر في الوقت المناسب لتتوقف بالسيارة؟
الحقيقة هي أنك طوال الوقت الذي تقود فيه السيارة، أو تقوم بأي عمل، يكون عقلك في حالة معالَجة مستمرة لكل تفصيلة من تفاصيل ما يجري من حولك، وهذا من دون وعي منك؛ فأنت ليس لديك أي فكرة عمَّا يقوم به عقلك؛ لأن هذه المعالجة تلقائية تمامًا وتتم لا شعوريًّا. وأهمية هذا النوع من المعالجة التلقائية أمر مسلَّم به، وهي السبب في بقاء الجنس البشري؛ فإذا لم يكن لدى أجدادنا مثل هذا النظام الذي سمح لهم بالتمييز بين وقْع أقدام نمر مفترس والصوت الصادر من حفيف العشب بفعل الريح، فلربما لقُوا جميعًا حتْفَهم فرائسَ من قبلِ أن ينتهي العصر الحجري.
وقد سمَّى علماء النفس هذا النوع من المعالجة التلقائية غير المنتبهة «معالجة ما قبل الانتباه» (برودبنت، ????)؛ لأنهم يعتقدون أن الذاكرة لا تسجِّل من هذه المعالجة أي شيء، وأن الوظيفة الوحيدة لهذا النوع من المعالجة هي تنبيهنا الفوري إلى ضرورة أن ننتبه. يَصِف جيب فرانزين، على سبيل المثال، معالَجة ما قبلَ الانتباه على النحو التالي: نحن نقوم باستمرار بعملية مسْح لما يُحيط بنا، بصورة تلقائية غير واعية، حتى نحدد ما إذا كان هناك ما يستحق أن نُولِيَه انتباهنا وكل تركيزنا. والعمل الذهني الوحيد الذي نؤدِّيه هو تحديد علاقتنا بما ندركه حسيًّا حولنا، ولا نتعامل بما هو أكثر من ذلك مع ما نقوم بتجميعه من بيانات؛ لأن كل كلمة وصورة تحتوي على معلومات تفوق بكثير ما لدينا استعداد لمعالجته في هذه المرحلة. (فرانزين، ????)
إن النظريات السيكولوجية الحديثة تسلِّم الآن بأننا نتعلم عند مستويات انتباه متدنية أو من دون انتباه، ولكنها تدرج هذا التعلم في فئات معالجة أخرى. فمثلًا، نجد أن نظرية نورمان وشاليس، (????، في أيزنك وكين، ????) تتحدث عن حالة اسمها «المعالجة التلقائية الجزئية» بين المعالجة التلقائية الكاملة والمعالجة المنتبهة الكاملة. والغرض من هذه المعالجة التلقائية الجزئية هو التعامل مع التضارب؛ أي التوفيق بين الأشياء المتضاربة مثل تلك التي تنشأ عندما تزيد حافلة من سرعتها أمام سيارتك.
يقدم أيزنك وكين أفضل تحليل للمعالجات التلقائية النشِطة في التعلم الضمني حيث يَصِفانها بأنها: (أ) سريعة جدًّا.
(ب) من غير الممكن تجنُّبها (أي إنها فاعلة سواء أكان هناك مثير ضمن مجال الانتباه أم لا).
(جـ) لا تؤثر سلبًا على مهامَّ أخرى (أي لا تستدعي أي انتباه).
(د) غير موجودة في نطاق الوعي.
ولكن بوسعنا إضافة صفة خامسة إلى الصفات التي وضعها أيزنك وكين، ألَا وهي أن المعالجة التلقائية «متواصلة»؛ فهي لا تتوقف أبدًا، وإلَّا فكيف يتسنَّى لوالدٍ نائمٍ أن يستيقظ عندما يصل إلى أذنيه بكاء ابنه ليلًا؟ يمكن لمعظمنا أن يَقبَل بأن المعالجة تتواصل عند ما يمكننا تسميته بمستويات إدراك «شبه واعية». ويحدث هذا النوع من المعالجة حينما لا تكون الظروف مهمة بما يكفي لتستدعي الانتباه «الكامل»، ولا تكون غير مهمة لدرجة أنها لا تستدعي أي انتباه. وهذا مماثل للتعلم السلبي، وهو تحديدًا الموقف الذي نواجهه مع التواصل برسالة العلامة التجارية مثل الإعلانات. فنحن لا نريد أن نتجاهلها تمامًا؛ لأن علينا، شئنا أم أبَيْنا، اتخاذ قرارات نحدد من خلالها العلامات التجارية التي نفضلها. ولكن خبرتنا قادتْنا لندرك أن تلك الرسالة قلَّما تزوِّدنا بشيء ذي أهمية حقيقية؛ لذلك نجد أن لا حاجة بنا إلا أن نوليها انتباهنا الكامل.
تلقَى فكرة المُعالَجة الضحلة (أي التعلم السلبي والضمني) قبولًا جيدًا في علم النفس. أما في صناعة الإعلان فهي مسألة خلافية كبيرة. فعلى سبيل المثال، يقرِّر ماكس ساذرلاند وأليس سيلفستر، في كتابهما «الإعلان وعقل المستهلك»، ما يلي: الإعلان الذي يَحظَى بمعالَجة ضحلة — والذي يفتقر إلى القدرة على إحداث تأثير كبير — يكون على الأرجح مفتقرًا إلى الفعالية والتأثير مقارنة بالإعلان الذي يَحظَى بمعالَجة على مستوى الوعي. (ساذرلاند وسيلفستر ????، في هيث ????)
أعرب ماكس بلاكستون، من شركة ريسيرش إنترناشيونال، عن رأيٍ مماثل بل وأكثر جزمًا، وذلك في معرض ردِّه على أحد مقالاتي: «تحفيز المعالجة النشطة ضرورة لفعالية الإعلان» (بلاكستون، ????).
هناك العديد من شركات التسويق التي ترحِّب بما سبق من آراء، فهو الخيار الآمن بالنسبة لها في نهاية المطاف. فإذا كان الإعلان يَحظَى بمعالَجة نشِطة فلا بد أن له فرصة أفضل لإقناع المتلقِّي — مشاهدًا كان أم مستمعًا — مقارنة بما إذا كان يفتقر إلى هذا النوع من المعالجة.
ولكن تأكيد بلاكستون يكاد يكون النقيض التام لآراء آلان هيدجز: من الغطرسة واللاواقعية أن نفترض أن نسبةً ضئيلةً من الرسائل الإعلانية يتم اختيارها على أساس الانتباه والمعالجة الواعية. الأرجح أن الإعلان «يؤثر» بوجه عام من دون أن تتم معالجته من خلال مستويات عالية من مَلَكَاتنا العقلية. (هيدجز، ????)
إنني أقبل تمامًا بأنه من الصعب علينا أن نتبيَّن آلية حدوث تلك المعالجة البعيدة عن الوعي وكيف أنها تُسهِم في تكوين معرفتنا بالعلامات التجارية. يفترض كثيرون أنه إذا لم يكن التعلم الضمني يسهم في الذاكرة التي نسترجعها؛ فمن ثَمَّ لا يمكن أن يكون له دور كبير في التأثير على المتلقي. غير أن هذا المنطق مغلوط ويمكن الرد عليه بطريقتين؛ الأولى: أن الإعلان — كما أوضحتُ من قبلُ — قادرٌ «بالفعل» على أن يؤثر فينا حتى وإن لم نكن نتذكره. والثانية: أن التعلم الضمني يسهم بالفعل في تكوين الذاكرة طويلة الأمد بطريقة لا يُستهان بها. وحتى نحيط بالكيفية التي تمكِّنه من ذلك ينبغي علينا أولًا أن نستعرض دَوْر الذاكرة في تخزين ما نتعلمه من التواصل.

الفصل الخامس
دور الذاكرة


من الواضح أن المخ يمتلك أنظمة ذاكرة متعددة، يكون كلٌّ منها مخصصًا لأنواع مختلفة من وظائف التعلُّم والتذكُّر.
جوزيف لودو
«المخ العاطفي» (????)
أود أن أبدأ هذا الفصل بتقديم اعتذارين: الاعتذار الأول للأشخاص الذين درسوا علم النفس: أعتذر إذا قمتُ بتكرار الأفكار التي تعرفونها بالفعل. والاعتذار الثاني للأشخاص الذين لم يدرسوا علم النفس: أعتذر عن استخدام المصطلحات الفنية المختلفة التي قد تبدو غريبة. والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن علم نفس الذاكرة، مثل علم نفس الإعلان، معقَّد للغاية.
ما المقصود بالذكريات؟ كان الاعتقاد السائد هو أن الذكريات عبارة عن صور كاملة وتامة نحتفظ بها في عقولنا لجميع الأشياء والأحداث التي مرت علينا. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فقد تَنفَد سعة الذاكرة في الخلايا العصبية المسئولة عن تشكيل أدمغتنا والبالِغ عددها ?? مليارات خلية عصبية قبل وصولنا إلى مرحلة البلوغ بوقت طويل. وتفتقر الذكرى للكمال، وهي لا ترتبط فحسب بالشيء الذي نقوم بتخزينه ولكن تعتمد أيضًا على الطريقة التي نسترجع بها هذا الشيء. كتب جوزيف لودو يقول: على الرغم من أن الذكريات قد تكون قوية وحاضرة، فإنها لا تكون دقيقة بالضرورة؛ فالذكريات الصريحة، بغضِّ النظر عن تضميناتها العاطفية، لا تُعتَبَر نُسَخًا كربونية من التجارب التي شكَّلتْها. (لودو، ????)
لقد تخلَّى علم النفس طويلًا عن فكرة أن الذكريات تُخزَّن بعضها مع بعض في حُزَم منسَّقة ومتمايزة توجد في مناطق خاصة من المخ. ويُعتقد حاليًّا أن الذكريات تُوزَّع في جميع أنحاء المخ وترتبط معًا بواسطة شبكات من الوصلات العصبية. وقد وصف شاكتر نظام الشبكة هذا على النحو التالي: تستند نماذج الشبكة الاتصالية أو العصبية إلى مبدأ أن المخ يقوم بالتخزين (شبكات الذاكرة) عن طريق زيادة قوة الروابط بين الخلايا العصبية المختلفة التي تشارك في تشفير التجربة. (شاكتر، ????)
يستخدم شاكتر مصطلح «إنجرام» (ويعني الأثر الدائم في الفسيولوجيا العصبية وعلم النفس) لوصف هذه الشبكات الخاصة بالذاكرة. وتكمن أهمية هذه النظرية في أن الذكريات، بخلاف تلك التي تتشكَّل لدينا عندما نكون صغارًا، لا تتشكل من نقطة الصفر كل مرة، ولكنها ترتبط بالشبكات القائمة وتتأقلم معها؛ لذلك لا يتصل الإنجرام الخاص بإحدى العلامات التجارية مع الإنجرام الخاص بدعايتها فحسب، بل مع الإنجرام الخاص بالعديد من العلامات التجارية والإعلانات الأخرى، لإنتاج شبكة واسعة من الذكريات المتداخلة والمترابطة.
يحتوي الإنجرام الخاص بالعلامة التجارية أيضًا على اعتقاداتنا المتعلقة بهذه العلامة ومواقفنا منها. وكما أوضحتُ في الفصل الثاني، فإن هذه الأشياء لا تتشابه؛ فالاعتقادات هي الخصائص التي نعتقد أن العلامة التجارية تمتلكها، والمواقف هي طريقة شعورنا «نحن» تجاه هذه العلامة. والتمييز بين هذين الأمرين يُعَدُّ أمرًا مهمًّا جدًّا؛ لأنه على الرغم من أن الاعتقادات يمكن أن تؤثر على المواقف، فإنها «لا تستطيع» أن تؤثر على السلوك؛ فالمواقف فقط هي القادرة على ذلك.
يتم الوصول إلى الإنجرامات الخاصة بالعلامة التجارية من خلال الوصلات الكهربائية المعروفة باسم المسارات. وبسبب نظام الاتصال قد يكون هناك عدد من المسارات التي تقودك إلى إنجرام واحد خاص بعلامة تجارية ما، وقد تحصل عليه عن طريق منتَج آخَر في السوق نفسه، أو عن طريق منتَج آخَر تقدِّمه الشركة نفسها، أو عن طريق الحاجة الماسة المرتبطة بهذا المنتج تحديدًا، أو عن طريق تذكُّر الدعاية الخاصة به، أو عن طريق بعض العناصر الموجودة ضمن هذه الدعاية. تكون المسارات التي تقودك إلى إحدى العلامات التجارية المألوفة محدودة، ولكن عند محاولة عدِّها فإنها تتحول إلى عدد كبير «جدًّا».
هناك حقيقة مهمة حول هذه المسارات، وهي أنه في كل مرة تستخدم هذه المسارات فإنها تصبح أكثر دقة ووضوحًا وتزداد احتمالات استخدامها في المستقبل، وهذا هو ما يُعرَف باسم «الترسيخ». هذا يشبه نوعًا ما السَّيْر في حقل من الأعشاب؛ فكلما زاد عدد مستخدمي طريق معين، تزداد فرص أن تَبلَى هذه الأعشاب، ويزداد وضوح معالم الطريق، ويزداد استخدام الأشخاص الآخرين له وهلمَّ جرًّا. وفي نهاية المطاف، يُصبِح ما كان مجرد علامة باهتة في الأعشاب في النهاية شريطًا من الأرض واضح المعالِم، يستخدمه الجميع كطريق في المستقبل.
على سبيل المثال، سيكون لدى معظمنا ربط قوي جدًّا بين الإنجرام الخاص بمنتج كوكاكولا وذلك الخاص بمنتج بيبسي؛ لأن كليهما مشروب مياه غازية، ولأنه غالبًا ما يتم وضعهما على الأرفف بعضهما بجانب بعض؛ لذلك في كل مرة نشتري أحد هذين المشروبين نرى الآخَر ويتعزَّز المسار الواقع بينهما. وعلى النقيض، قد يكون لدينا مسار أقل قوة بين كوكاكولا وسبرايت، أو كوكاكولا وتانجو؛ لأن هذه العلامات التجارية قليلًا ما توضع معًا على الأرفف.
تنشأ هذه الشبكات والمسارات من خلال عملية تُعرَف باسم التشفير. فإذا تعرفنا على إحدى العلامات التجارية من خلال الدعاية الخاصة بها، فحينئذٍ سيتم تشفير المسار إلى الإنجرام الخاص بهذه العلامة التجارية عن طريق الإعلان. وبمجرد حدوث ذلك، يمكن أن يعمل المسار بعد ذلك في كلا الاتجاهين؛ فيمكن أن يبعث تذكر الإعلان على تذكر هذه العلامة التجارية، وبالمثل يمكن أن يبعث تذكر هذه العلامة التجارية على تذكر الإعلان.
يختلف التشفير باختلاف أنواع نظام الذاكرة، وهذا النوع من التشفير الذي يتم خلال التعلم النشط يتطلب معالجة الأفكار وتقييمها، وأحيانًا إعادة تفسيرها بشكل كامل، ويتم ذلك عن طريق ما يعرف باسم الذاكرة العاملة.
الذاكرة العاملة

عادةً ما تنقسم الذاكرة إلى ذاكرة طويلة المدى (وهي الأشياء التي «نحتفظ» بها لوقت لاحق)، وذاكرة قصيرة المدى (وهي الأشياء التي نتذكرها عند مرورنا بها، ولكن لا يتم تخزينها). ربما يجول بخاطرنا أننا نستخدم الذاكرة قصيرة المدى لإجراء عملية المعالجة خلال التعلم النشط. ولكن جورج ميلر (????) أكد أن الذاكرة قصيرة المدى الحقيقية لا تتسع إلَّا لخمسٍ إلى تسع معلومات، ولذلك ومن أجْل التغلب على هذا التقيد نستخدم نظامًا إضافيًّا من الذاكرات المؤقتة الخفية المعروف باسم الذاكرة العاملة.
كان آلان بادلي هو أول مَن وضع مفهوم الذاكرة العاملة في أوائل سبعينيات القرن العشرين (بادلي وهيتش، ????). وقد عرَّف بادلي الذاكرة العاملة بأنها ذاكرة تتكون من نظام «تنفيذي مركزي» يقوم بالتفكير، مدعومًا بنظامين من أنظمة التخزين المؤقَّتة المتخصِّصة؛ أحدهما لاستيعاب المعلومات المستمَدَّة من الكلام، والآخر للتشفير البصري. وتتساوى الذاكرة العاملة مع الذاكرة القصيرة المدى في هشاشتها. يصف شاكتر هذا الأمر على النحو التالي: جميعنا يُدرِك طريقة عمل الذاكرة العاملة من خلال التجارب التي نخوضها في حياتنا اليومية. تخيَّل أنك في حاجة للبحث عن رقم صديق في دليل الهاتف. تجد الرقم، ثم تسير في أنحاء الغرفة بحثًا عن الهاتف لإجراء المكالمة، وفي هذه الأثناء تردد الأعداد المكوِّنة للرقم على نفسك بتركيز شديد وبأسرع ما يمكن. إذا انشغلتَ لِلحظة واحدة أثناء سيرك نحو الهاتف، فستحتاج إلى الرجوع إلى الدليل مرة أخرى، وإذا نجحتَ في طلب الرقم، فربما تنساه بعد ذلك على الفور. (شاكتر، ????)
كذلك يتم نقل الذكريات من الذاكرة العاملة إلى الذاكرة الطويلة المدى من خلال التشفير. ولكي نتذكر أحد الأشياء عمدًا، نستخدم تقنيةً تُعرَف باسم «التشفير الدقيق». يقول شاكتر: إذا كنَّا نرغب في تحسين احتمالات تذكُّرنا حادثةً ما أو تعلُّم حقيقةٍ ما، فإننا بحاجة للتأكُّد من أننا نقوم بالتشفير الدقيق عن طريق التأمل في المعلومات وربطها بأشياء نعرفها بالفعل. وقد أظهرتِ الدراسات المختبرية أن مجرد وجود النية لتذكر شيء ما لا يكون مفيدًا على الأرجح. (شاكتر، ????)
أحد الأمثلة الشائعة على التشفير الدقيق هو كتابة الأشياء؛ فقد ثبت أن هذا الأمر يزيد من تعلمنا للأشياء بما يصل إلى أربع مرات، حتى إذا لم نقرأ ما كتبناه مرة أخرى. ويُعتقد أن السبب وراء ذلك هو أن الكتابة تزيد من الاتصال مع الإنجرامات الأخرى، وتحسِّن من القدرة على التذكُّر.
وبالطبع تكون عملية التشفير هذه عبارةً عن التفكير الدقيق الذي أشار إليه بيتي وكاتشوبو في نموذج احتمالية الاستغراق الذي وضعاه، ويمكن للمرء أن يدرك السبب وراء الانجذاب الشديد من جانب صناعة الإعلان لهذا النموذج. فإذا استطاع الإعلان إقناع شخص ما بأن يفكر في الرسالة العقلانية التي يحاول الإعلان توصيلها ويشفِّرها، فسيتم تعلم هذه الرسالة على نحو أكثر كفاءة وحتمًا سيكون تذكرها أكثر سهولة. والمشكلة التي تواجه هذه الطريقة في النظر إلى الأمور هي أنها تفترض أن الأنظمة الأخرى تكون أيضًا أقل فعالية؛ لأنها تكون أقل كفاءة.
لفهم كيف يمكن لنظام التعلُّم الأقل كفاءة فعليًّا أن يكون أكثر فعالية من النظام الأكثر كفاءة، فإنني بحاجة إلى شرح كيفية تقسيم الذاكرة الطويلة المدى.
أنظمة الذاكرة الطويلة المدى

يمكن تقسيم المعرفة العقلية الخاصة بنا، في أبسط صورها، إلى نوعين أساسيين: «الذاكرة الإجرائية» و«الذاكرة التقريرية».
تغطي الذاكرة الإجرائية مختلِف المهامِّ التي نتعلَّم القيام بها، بدءًا من سلق البيض وحتى ركوب الدراجات. ويعتقد البعض أن هذه الذاكرة تستقر في نظامها الخاص، حيث تكون قادرة على تزويدنا تلقائيًّا بالمعرفة اللازمة للتمكُّن من أداء هذه المهام، دون أن «نطلبها» أو نفكر فعليًّا فيها على الإطلاق. والذاكرة الإجرائية هي ما نستخدمه لإدارة الجانب العملي المتعلق بقيادة السيارة (تغيير ناقل الحركة، الضغط على الدبرياج، استخدام الفرامل، زيادة السرعة … إلخ) أثناء الانتباه إلى المحادثة التي نُجرِيها مع مَن يركب معنا ومراقبة الحافلات.
إذن تشمل الذاكرة الإجرائية «فعل» الأشياء، ويمكن اكتسابها بشكل صريح أو ضمني. وفي المقابل تشمل الذاكرة التقريرية «معرفة» الأشياء؛ ومِن ثَمَّ — وبحكم تعريفها — فإنها تكون صريحة. ويُعرِّف كوهين الذاكرة التقريرية بأنها: نظام تتم فيه معالجة المعلومات أولًا، وتشفيرها ثم تخزينها في شكل يمكن الوصول إليه بشكل صريح لاستخدامها لاحقًا ثم استرجاعها في نهاية المطاف عند الطلب. (كوهين، ????)
تنشأ المعرفة التقريرية من نظامين مختلفين للذاكرة يُعرَفان باسم الذاكرة الدلالية والذاكرة العرضية. الذاكرة العرضية هي الذاكرة التي ترتبط بتجربة ذاتية؛ والذاكرة الدلالية هي الذاكرة التي تُخزِّن القواعد والإشارات المرجعية والمعاني دون معرفة متى وكيف اكتُسبت هذه القواعد؛ لذلك، وعلى سبيل المثال، فإن «معرفتك» بتجربة تتعلق بانزلاقك وقرب اصطدامك بأحد الأشخاص قد تدخل ضمن الذاكرة العرضية؛ لأنها ترتبط بوقتٍ ومكانٍ لا يُمحَيان من العقل. وقد تدخل كثيرًا «معرفة» أن قيادة السيارة تكون أفضل إذا قمتَ بتغيير ناقل الحركة ضمن الذاكرة الدلالية؛ لأنه من غير المحتمل أن تتذكر متى أو حتى كيف اكتشفتَ هذا الأمر.
تحتاج الذاكرة العرضية إلى تشفيرٍ أكثر دقةً من تشفير الذاكرة الدلالية، وأعتقد أن هذا هو ما يفسر السبب وراء صعوبة تذكُّر الإعلانات؛ فالإعلان الذي نشاهده للمرة الأولى من المستبعَد أن يكون مألوفًا بالنسبة لنا؛ ومِن ثَمَّ فهو يُعَدُّ ذكرى جديدة. ولكي نتذكره يجب أن نكون قد قمنا بتشفيره بدقة كافية لكي تكون هناك «صورة» في أذهاننا لجزء منه، وربما فكرة عن وقت مشاهدتنا له أو سماعنا إياه. إننا بحاجة أيضًا إلى مسارات راسخة تصل إلى الإنجرام الخاص بالعلامة التجارية التي يجري الإعلان عنها؛ لذلك تكون الذاكرة الإعلانية هي المكافئ للذاكرة العرضية الجديدة المعقدة للغاية، ومثل أي ذاكرة عرضية، يمكن طمس المسارات أو فقدانها بالكامل بسهولة تامة. وهذا هو السبب وراء أننا غالبًا ما نتمكن من تذكر أحد مكونات الإعلان، وليس الإعلان نفسه. أو يمكننا تذكر الإعلان، وليس العلامة التجارية التي يعلن عنها.
وهذا الأمر ليس بالضرورة صحيحًا فيما يخص «التأثير» الذي قد يمارسه الإعلان علينا؛ فالإعلان يمكن أن يؤثر على اعتقاداتنا الخاصة بعلامة تجارية معينة، وهذه الاعتقادات بدورها يمكن أن تؤثر على مواقفنا تجاه تلك العلامة. وهذه الاعتقادات والمواقف هما ما يعادلان «القواعد والمعاني»؛ ومِن ثَمَّ فإنهما ستكونان مفاهيم بسيطة نسبيًّا يتم تخزينها في الذاكرة الدلالية. وبطبيعة الحال، فإنهما تظلَّان بحاجة إلى مسارات تربطهما بالعلامة التجارية، ولكن عند مقارنتهما بالإعلانات فإنه يسهل جدًّا تشفيرهما.
ولكنْ مرة أخرى نجد فارقًا مهمًّا بين الاعتقادات والمواقف. وبالعودة إلى السيارات الرياضية التي ذكرتُها في الفصل الثاني، من غير المحتمل إلى حدٍّ كبير أن تكون هناك أي سيارة أخرى تسير بسرعة ??? ميلًا في الساعة؛ ومِن ثَمَّ سيكون هذا الاعتقاد بمثابة ذكرى جديدة. وهذا يعني أنه يجب علينا تشفير المسار الذي يربط الاعتقاد أو الفكرة التي لدينا عن السيارة الفيراري، إضافة إلى تشفير هذا الاعتقاد أو تلك الفكرة نفسها. ومع ذلك، فإن معظم المواقف تتواجد بالفعل وبشكل عام باعتبارها مفاهيم في ذاكرتنا — سنعرف بالفعل ما المقصود من كون الشيء مثيرًا أو مشوِّقًا — لذا فإن كل ما علينا فعله هو تشفير حلقة وصل بين الموقف الحالي والعلامة التجارية فيراري. وهذه المهمة لا تُرهِق أدمغتنا كثيرًا عند أدائها.
ومن خلال تجميع أنظمة الذاكرة مثل الذاكرة العرضية والدلالية معًا تحت راية الذاكرة التقريرية فهذا يعني ضمنًا أنها جميعًا قادرة على أن تكون «معلنة» (أي يتم تذكُّرها ووصفها). وأعتقد أن هذا خطأ كبير؛ لأنه يعني أن أنواع الذاكرة المهمة هذه يمكن أن تتشكل بشكل صريح «فقط»؛ أي عندما «نعي» أننا نتعلم شيئًا ما. ويتضح أن الحال ليست كذلك، كما سنرى عند دراسة التناقض بين الذاكرة الصريحة والذاكرة الضمنية.
الذاكرة الضمنية

الذاكرة الضمنية هي التي نخزن فيها ضمنيًّا (أي تلقائيًّا) المعرفة. ويشرح أيزنك وكين الذاكرة الضمنية على النحو التالي: تختلف الذاكرة الضمنية عن الذاكرة الصريحة في أنها لا تحتوي على تذكُّر واعٍ، وتتضمن المقاييس التقليدية الخاصة بالذاكرة (مثل الإدراك والتذكُّر الحر والتذكُّر بالتلميح) استخدام تعليمات مباشرة لاسترجاع معلومات حول خبرات محددة؛ ومِن ثَمَّ يمكن اعتبارها جميعًا المقاييس الخاصة بالذاكرة الصريحة. وتتكشف الذاكرة الضمنية عند تسهيل أداء إحدى المهام في حالة غياب التذكُّر الواعي. (آيزنك وكين، ????)
تختلف الذاكرة الضمنية عن الذاكرة الصريحة من ناحيتين مهمتين أخريين: الناحية الأولى هي أن سعتها تكون أكبر بكثير، ويجب أن تكون كذلك لأنها تحمل جميع المعرفة الإجرائية التي نستخدمها في حياتنا. فإذا كان لا بد من ملء ذاكرتنا الضمنية فقد ننسَى كيفية التنفُّس أو كيفية الاستيقاظ من النوم في الصباح.
وقد تم تسليط الضوء على سعة الذاكرة الضمنية في سبعينيات القرن العشرين من خلال تجربة شهيرة قام بها ليونيل ستاندينج (????). فقد استخدمت تجربة ستاندينج الإدراك، ووظيفة الإدراك إحدى وظائف الذاكرة التلقائية التي تصل مباشرة إلى الذاكرة الضمنية. وقد عُرض على الأشخاص الخاضعين للتجربة مجموعة أولية من الصور، وبعد مرور يومين عُرض عليهم مجموعة ثانية من الصور. تتكون المجموعة الثانية من أزواج من الصور، كل زوج يحتوي على صورة واحدة كانوا قد رأَوْها في المجموعة الأولى، والصورة الأخرى لم يَرَوْها من قبلُ. وطُلب من المشاركين تحديد الصورة التي رأَوْها من قبلُ. فإذا كان أداؤهم في تحديد الصور التي عُرضت عليهم في المجموعة الأولى أفضل من المتوسط، زيد عدد الصور. وفي نهاية المطاف نَفِدَ التمويل الخاص بستاندينج عندما بلغتِ المجموعة التي يتم عرضها بشكل أولي إلى ?? آلاف صورة، واستمر أداء المشاركين عند هذا المستوى أفضل من المتوسط في تحديد الصور التي عُرضت عليهم لأول مرة.
يتعارض هذا الأمر مع اعتقاد معظمنا (بما في ذلك المسوِّقون) أن تلك الذاكرة الصريحة هي مخزن الذاكرة الأكثر سعة؛ ففي الواقع، تكون الذاكرة الصريحة محدودة للغاية. وقد اكتشف ستيفن روز (????)، مستشهدًا بلعبة التذكُّر التي تختبر الذاكرة الصريحة وتسمى لعبة كيم، أن الأشخاص الخاضعين للتجربة الذين عُرضت عليهم مجموعة من الأشياء العشوائية لمدة دقيقتين وطُلب منهم حفظها يمكنهم تذكُّر نحو ?? شيئًا فقط في المتوسط، ونادرًا ما يمكنهم تذكر ما يزيد عن ?? شيئًا ما لم يتلقَّوْا تدريبًا خاصًّا على هذه المهمة.
الناحية الثانية التي تختلف منها الذاكرة الضمنية عن الذاكرة الصريحة هي أن الأولى تكون أكثر ثباتًا وأطول أمدًا. وقد اكتشف ألين وريبر (????) هذا الأمر لأول مرة في اختبار تعلُّم قواعد اللغة الاصطناعي. وقد ثبت أنه بعد مرور عامين، تُنسَى العديد من القواعد التي تم تعلُّمها بشكل جيد، لكن السلوك النحوي الذي تم تعلُّمه تلقائيًّا و«ضمنيًّا» يستمر تواجده في الذاكرة ويمكن أن يواصل ظهوره بعد مرور عامين.
وقد تأكد لاحقًا الدور الذي يلعبه التعلُّم الضمني في هذا الصدد من خلال اختبارات استكمال أجزاء الكلمات التي أجراها تولفينج وآخرون (????)، ويصف دانيال شاكتر (????) هذه الاختبارات على النحو التالي: تم عرض مجموعة من الكلمات على الأشخاص الخاضعين للاختبار مثل «قاتل»، «أخطبوط»، «أفوكادو»، «غموض»، «عمدة المدينة»، «مناخ»، ثم تمَّتْ دعوتهم مرة أخرى وعُرض عليهم قائمة أخرى تحتوي على بعض الكلمات الأصلية وبعض الكلمات الجديدة، على سبيل المثال: «أخطبوط»، «غسق»، «ديناصور»، «غموض» وسُئلوا عن الكلمات التي يتذكرونها، وقد قاس هذا الاختبار الوعي والذاكرة الصريحة. بعد ذلك عُرض عليهم أجزاء من الكلمات، بعضها من القائمة التي تم عرضها سابقًا وبعضها لم يكن بالقائمة. ويسمح هذا الاختبار بفحص ذاكراتهم الضمنية.
وكانت النتائج بمثابة مفاجأة كبيرة على حد وصف شاكتر: اختبرنا الأشخاص بعد مرور ساعة وبعد مرور أسبوع على دراستهم للقائمة. بالطبع كانت الذاكرة الواعية بعد مرور أسبوع أقل دقة بكثير منها بعد مرور ساعة، ولكن كان هناك تميُّز في اختبار استكمال أجزاء الكلمات بعد مرور أسبوع كما كان بعد ساعة. وقد كان مضمون هذه النتيجة رائعًا: ثمة شيء بخلاف الذاكرة الواعية لرؤية الكلمة هو المسئول عن التميُّز في اختبار استكمال أجزاء الكلمات. (شاكتر، ????)
كانت هذه النتيجة بمثابة مفاجأة؛ لأن الحس السليم يقول إن «تعلُّم» الأشياء بفعالية يرسِّخها في الذاكرة بشكل أكثر قوة من «اكتسابها» ضمنيًّا. في الواقع، يبدو العكس صحيحًا؛ فهذه النتائج تتعارض مجددًا بشكل مباشر مع الافتراضات التي أدلى بها المتمسكون بنموذج الإقناع الدعائي، وهي أن الرسائل التي تتم معالجتها باهتمام تدوم طويلًا، وأن المحتوى الذي تتم معالجته بإهمال يساهم بشكل ضئيل أو ينعدم تأثيره على المدى الطويل في القرارات المتعلقة بالعلامة التجارية.
لا يوجد تفسير نفسي مقبول للسبب الذي يكمن وراء قلة ثبات التعلُّم النشط في الذهن عن التعلُّم الضمني؛ لأنه لا يوجد حتى الآن تفسير عام حول كيفية نسيان ما تم تعلُّمه. يشير شاكتر إلى أن النسيان هو نتيجة التداخل الناتج عن الازدحام المتزايد بالمعلومات: مع مرور الوقت، نقوم بتشفير وتخزين الخبرات الجديدة التي تتداخل مع قدرتنا على تذكُّر سابقاتها. أستطيع أن أتذكر ما تناولتُه خلال وجبة الإفطار اليوم، ولكن لا أستطيع أن أتذكر ما تناولتُه خلال وجبة الإفطار في اليوم نفسه من العام الماضي؛ لأنني مررت بالعديد من وجبات الإفطار منذ ذلك الوقت التي تتداخل مع قدرتي على اختيار وجبة واحدة من وسط هذا العدد الكبير من الوجبات. ويبدو أنه مع مرور الوقت، سيؤدي التداخل الناتج عن الخبرات الجديدة تدريجيًّا إلى زيادة صعوبة العثور على إشارة استرجاع تستنتج الإنجرام الغامض غموضًا متزايدًا. (شاكتر، ????)
وباستخدام الصورة التمثيلية التي أوردناها من قبلُ، فإن ما يُشير إليه شاكتر هو أنه كلما زاد عدد المسارات الأخرى التي يتم إنشاؤها عبر حقل الأعشاب، زادت صعوبة رؤية المسار الأصلي واتباعه.
قد يفسر هذا الأمر السبب وراء زيادة ثبات الذاكرة الضمنية في الذهن، فحفظ شيء ما في الذاكرة الصريحة يُعَدُّ عملًا واعيًا؛ لذلك يمكنك «تذكُّر» كل ما تريد تذكُّره، فأنت تمتلك فعليًّا السيطرة على الحقل ويمكنك ضبط المسارات والإضافة إليها بقدْر ما تشعر بأهميته. ولكنْ لأن الذاكرة الصريحة تكون أصغر من الذاكرة الضمنية، يكون الحقل أكثر محدودية، وهذا يعني أنَّ من السهل نسبيًّا حجبَ المسارات القائمة، وهذا هو السبب في أن من السهل نسبيًّا نسيانَ بعض الأشياء مثل الإعلانات أو الاعتقادات، ولكن الذاكرة الضمنية لا تكاد تنضب وهي ليست واعية، وهذا يعني أن الحقل يكون أكبر بكثير ولا تملك السيطرة عليه؛ لذلك ستبقى المسارات كما هي حتى يتصادف ظهور شيء آخر واستخدام هذا الجزء ذاته من الحقل.
أُجرِيَتْ تجارب شاكتر وتولفينج في أوضاعٍ استطاع فيها الأشخاص الخاضعون للتجربة إيلاء أكبر قدْر من الانتباه كما أرادوا؛ لذلك لم يكونا قادرَيْن على اختبار مقدار الانتباه الذي تم إيلاؤه. ومع ذلك، فقد تكررت هذه التجارب في بيئة ذات انتباه كامل وبيئة ذات انتباه مشتَّت (جاكوبي وآخرون، ????). ولكن النتائج كانت بمثابة مفاجأة أخرى، حيث أظهرتْ أن الانتباه في وقت التعلُّم يمكن أن يكون ذا أهمية حاسمة للتذكُّر الواعي اللاحق، ولكنه لا يتعلق بالذاكرة الضمنية.
ما هي آلية عمل الذاكرة الضمنية؟

والآن ما هو نوع النظام الذي تستخدمه الذاكرة الضمنية؟ كانت التهيئة التي تمت في الاختبارات الأصلية لشاكتر وتولفينج هي ما تُعرَف باسم التهيئة الإدراكية؛ فلم يُضطَرَّ الأشخاص الخاضعون للتجارب إلى فهم ما يُعرَض عليهم من أجْل تهيئة الإدراك. وانطلاقًا من تجربتهما الخاصة بتهيئة الكلمات، فقد بدآ في البحث من أجْل معرفة مدى نشاط تهيئة الأشياء أيضًا. ولاختبار هذه الفرضية فقد عرضا على الطلاب رسومات خطية تحتوي على نوعين مختلفين من الأشياء: أشياء ممكنة، يمكن أن تتواجد في الواقع.
أشياء مستحيلة (كتلك التي صمَّمها إم سي إيشر) لا يمكن أن تتواجد في الواقع.
أسفرتْ هذه التجارب عن أن الأشياء الممكنة تهيِّئ الإدراك تمامًا كما فعلتِ الكلمات، ولكن الأشياء المستحيلة لا تفعل ذلك. ومن هذا المنطلق فقد وضعا نظريةً مفادها أن التهيئة تعتمد على نظام الذاكرة القائم على الإدراك الذي يخزِّن المعلومات الخاصة «بالبنية» العامة للأشياء، فلا يمكن للنظام تخزين الأشياء المستحيلة نظرًا لعدم وجود بنية عامة واحدة يمكن تخزينها.
وباستخدام هذه النتائج، استطاع شاكتر وتولفينج استنتاج النوع الخاص بنظام الذاكرة الذي تستخدمه الذاكرة الضمنية. وقد سَمَّيَا هذا النظام باسم نظام التمثيل الإدراكي: يسمح لنا نظام التمثيل الإدراكي بتحديد الأشياء المتواجدة في بيئتنا اليومية، والتعرف على الكلمات المألوفة؛ [فهو] متخصص في التعامل مع شكل الكلمات والأشياء وبنيتها، ولكنه لا «يعرف» أي شيء حول ما تعنيه الكلمات أو استخدامات الأشياء. يتم التعامل مع الارتباطات ذات الدلالة من خلال الذاكرة الدلالية التي تتعاون بشكل وثيق مع نظام التمثيل الإدراكي. (شاكتر، ????)
ومع وضْع هذا الأمر في الاعتبار إلى جانب ما تعلمناه من قبلُ عن الذاكرة الضمنية، يتم البدء في وضْع نموذج يمكن أن نطبِّقه على العلامات التجارية والإعلان، فلدينا هنا نظام يعمل بشكل جيد عند مستويات الانتباه المنخفضة أو المشتتة، وينتج عنه وجود ذكريات تتضمن معلومات هيكلية خاصة بكلمات وأشياء على نحو مدهش، ولكنه لا يعرف بالضرورة أي شيء عما تعنيه هذه الكلمات والأشياء. ويشير ذلك إلى أن الذاكرة الضمنية هي نظام يمكن أن يشكِّل ارتباطات قوية للغاية بين العلامات التجارية والعناصر الملموسة في الإعلان، ولكن دون فهم المزيد عن أهميتها.
تكمن المشكلة المتعلقة بهذا الأمر برُمَّته في أنه يعزِّز آراء ساذرلاند وسيلفستر وبلاكستون، القائلة بأن الإعلانات التي تتم معالجتها بشكل سطحي، وبمستويات منخفضة أو معدومة من الانتباه، لا ترتبط بأي «معنًى»؛ ومن ثَمَّ تكون غير قادرة على تحقيق أي شيء مهم للتأثير على السلوك. لكن شاكتر وتولفينج قاما بتجربة أخيرة دحضت هذه الفكرة؛ فقد كانت هذه التجربة عبارة عن اختبار لمعرفة ما إذا كان التعلُّم الضمني يمكن أن يتصل بالذاكرة المفاهيمية أم لا.
الذاكرة المفاهيمية

الذاكرة المفاهيمية هي جزء من الذاكرة الدلالية، ويمكن تعريف المفاهيم ببساطة بأنها الأفكار التي تربط المعنى بأي شيء يمكن أن ندركه بحواسنا. إننا نبدأ في تعلم المفاهيم منذ المَهْد، وهي تشكِّل جزءًا مهمًّا من قدْرتنا على الحكم على قيمة الأشياء من حولنا. ولأن المفاهيم ترتبط بتخزين القواعد والإشارات المرجعية والمعاني، فإنها بحُكم تعريفها تندرج ضمن الذاكرة الدلالية.
كان شاكتر وتولفينج يُدرِكان أن الفكرة الراسخة عن التعلُّم الضمني تتمحور حول كونه تعلُّمًا إدراكيًّا بحتًا لا يمكن أن يتفاعل مع الذاكرة الدلالية أو يساهم بأي شيء فيها؛ لذلك فقد قرَّرا اختبار هذه الفكرة والتأكد مما إذا كان بإمكان الذاكرة الضمنية التعامل مع التهيئة «المفاهيمية» أم لا. وللقيام بذلك فقد استخدما أشخاصًا مصابين بفقدان الذاكرة؛ لأن هناك أدلة على أن فقدان الذاكرة يدمر الذاكرة الصريحة وليس الذاكرة الضمنية (شاكتر، ????).
قاما بعرض جُمَل لا تحمل أي معنًى على مرضى مصابين بفقدان الذاكرة، ومن بين تلك الجمل الجملة التالية: «كانت النغمات رديئة لأن حاشية القماش قد تفككت.» ثم عَرَضَا عليهم كلمة دليلية، وقد كانت في هذه الحالة كلمة «مزمار القربة الاسكتلندي». وقد وجدا أنه عندما عُرضت الجُمَل بمفردها، استطاع المرضى المصابون بفقدان الذاكرة في الكثير من الأحيان تذكُّر الكلمة الدليلية حتى بعد مرور عدة أيام، وذلك على الرغم من نفْيِهم المتكرِّر لرؤية الجملة أو الكلمة الدليلية من قبلُ.
كرر فيديا وآخرون (????) هذه التجارب لتوضيح التحولات الأربعة جميعها التي طرأت على المرضى المصابين بفقدان الذاكرة: الإشارات المفاهيمية والإدراكية الضمنية والإشارات المفاهيمية والإدراكية الصريحة. وقد كان أداء مرضى فقدان الذاكرة سيِّئًا في اختبارَيِ الإشارات الصريحة كليهما، وجيدًا في اختبارَيِ الإشارات الضمنية كليهما.
قد يبدو هذا الأمر أبعدَ ما يكون عن موضوع الإعلان، ولكنه في الواقع قد يكون أهم التجارب النفسية المذكورة في هذا الكتاب بأكمله. وكما قلنا سابقًا، تحتاج التهيئة المفاهيمية إلى الوصول إلى الذاكرة الدلالية من أجْل السماح لنا بفهم «معنى» الإشارة. وتوضِّح الآثار المترتبة على هذه التجارب أن الذاكرة الضمنية لا تعمل داخل النطاق «الإدراكي» لنظام التمثيل الإدراكي الذي وضعه شاكتر فحسب، بل أيضًا داخل المجال المفاهيمي للذاكرة الدلالية.
ويؤثر ذلك تأثيرًا ملحوظًا على الطريقة التي نستخدمها في معالجة الإعلان. وكما ترى، فإن مواقفنا تجاه العلامات التجارية تعتمد على المفاهيم التي تعطيها معنًى، فلن تشتري سيارة فيراري للتمتُّع بإثارة القيادة إذا لم يكن لديك «شعور» بمعنى الإثارة. ولكننا الآن قد حددنا الطريقة التي يمكن من خلالها للتعلُّم الضمني الغافل اللاواعي، الذي يرتبط بالذاكرة الضمنية، أن يُخزِّن الأشياء المُدرَكة حسيًّا، وكذلك «المعنى» الموجود في أذهاننا. وقد اكتشفنا بالفعل آلية عقلية قد يكون الإعلان من خلالها قادرًا على التأثير علينا دون أن يكون لدينا أدنى فكرة عن قيامه بذلك.

الفصل السادس
آلية التواصل


حتى يتسنى لي كتابة هذه الجُمَل على جهاز الكمبيوتر، يتوجب عليَّ استرجاع الكلمات والقواعد النحوية التي تعلمتُها منذ أمَدٍ بعيد، ومع هذا فإني لا أمتلك أي ذكرى تتعلق «بتذكُّرها».
دانيال شاكتر
«البحث عن الذاكرة» (????)
حدَّدنا في الفصل الرابع ثلاثة أنواع للتعلُّم؛ النَّشِط: الذي يتطلَّب درجة انتباه عالية، والسلبي: الذي لا يستدعي سوى انتباه محدود، والضمني: الذي لا يتطلَّب أي انتباه. وأكَّدنا في الفصل السابق أنها تتفاعل مع مختلف أنواع أنظمة الذاكرة، كما اكتشفنا أن الذاكرة الضمنية — أي منظومة الذاكرة التي يتَّصل التعلُّم الضمني بها — قادرة على تخزين كلٍّ من الإدراكات الحسية والمفاهيم.
وإذا ما أردنا أن نفهم الآلية التي تتم بها معالجة التواصل من أي نوع فإن علينا أولًا التعرف على العمليات المختلفة التي تشكِّل هذه المعالجة. ربما يبدو هذا الكلام بلا معنًى، ولكنَّ ما أحاول قَوله هو أنه على الرغم من أن الأمر يبدو وكأننا نقوم بمعالجة التواصل ككلٍّ كحدث واحد، فإن هناك من الناحية العملية أنواعًا مختلفة من النشاط العقلي، وهي تتواصل مع أجزاء مختلفة من ذاكرتنا. وأول أنواع هذا النشاط العقلي هو الإدراك الحسي.
الإدراك الحسي

يرى شاكتر فيما يتعلَّق بنظام التمثيل الإدراكي أن أول فعل عقلي في أي معالَجة للتواصل هو إدراك الشيء حسيًّا، فنحن نُدرِك الظواهر التي تحيط بنا من خلال حواسنا، من خلال رؤيتها، والاستماع لها، وأيضًا عن طريق لَمْسها، وتذوُّقها، وشمِّها، أما الحاستان المتصلتان بالإعلان فهما البصر والسمع. ولاحظ أن كلمة «إدراك» لا يتم استخدامها بمعنى التحوُّط أو الحَذَر أو التيقُّظ، ولكن يُقصد بها أبسط معانيها، وهو «إدراك» الظواهر حسيًّا.
لتسليط الضوء على الإدراك الحسي دعني أتحدث عن قصة أخرى تتعلَّق بقيادة السيارة: تخيَّل أنك تقود سيارتك على الطريق السريع وأضاءت مصابيح الفرامل في السيارة التي أمامك، إن ملاحظة هذه المصابيح تعتبر إدراكًا حسيًّا. لاحِظْ أنني لم أقُلْ إن السيارة التي أمامك بصدد التوقُّف، حيث لا يمكنك أن ترى الفرامل وهي تعمل. أنت في الواقع تعجز عن تبيُّن نتيجة تشغيل الفرامل ما لم تُدرِك السيارةَ حسيًّا (أي تراها) وهي تتباطأ بسرعة أو تتوقف.
من المهم بالنسبة لك أن تفهم أن الإدراك الحسي على هذا الشكل عملية تلقائية ولحظية بالكامل؛ ولذلك يجب أن يتم من خلال التعلُّم الضمني. والأمر نفسه عندما تسمع صوتًا، مثل طائرة تحلِّق في السماء فوقك، فلستَ بحاجة إلى أن تنبِّه عقلك إلى إدراك أضواء الفرامل أو صوت طائرة، فهو يقوم بذلك وحسب.
فالأصل في الإدراك الحسي هو أنه تلقائي تمامًا لمنْعنا من الوقوع في مشكلات. فإذا كان الإدراك غير تلقائيٍّ لسقطْنَا في حفرة لا نراها في الرصيف، ولدهستْنا سيارات لم نسمعها وهي تمر، ولَكُنَّا عُرضةً لمختَلِف أنواع المآسي. وأي شخص ارتَطَم رأسه بعارضة منخفضة لأنه فشل في إدراكها حسيًّا (رؤيتها) وهو في منزل قديم سوف يعرف بالضبط ما أتحدث عنه هنا.
لنعد إذن إلى المثال، فلقد أدرك المخ أضواء الفرامل في السيارة الأمامية، وما يحدث بعد ذلك تلقائي أيضًا وهو أننا نقوم «بالتصور». وبعبارة أخرى، نحن نربط معانيَ مختلفة عديدة بالإدراك الحسي.
التصوُّر

كذلك يتحقق التصوُّر تلقائيًّا، بالتوازي مع الإدراك الحسي. وكما ناقشنا في الفصل السابق، فإن المفاهيم تتواجد في الذاكرة الدلالية، ويمكن تعريفها بأنها أفكار تُضفِي المعنى على كلِّ ما يتم إدراكه حسيًّا، فلا بد من توليدها آنيًّا، وإلا فلن تكون هناك فائدة من الإدراك الحسي، فلا جدوى من إدراك وجود حفرة في الرصيف إن لم نكن — في الوقت نفسه — نتصوَّر وقوعنا فيها وإصابتنا.
إذن عندما ندرك أضواء الفرامل حسيًّا؛ أي نراها وهي تُضيء في السيارة التي أمامنا على الطريق السريع، ما المفاهيم التي تتولد لدينا؟ المفهوم الأول هو الخطر؛ فتلك الأضواء لم تُضِئ باللون الأحمر دون سبب. ونحن جميعًا نتصور اللون الأحمر على أنه بمثابة تحذير، فعندما نرى شيئًا أحمر ننتبه بشكل غريزي لا شعوريًّا إلى مشكلات محتملة.
أما المفهوم الآخر الذي يمكن أن يتولَّد من الإدراك الحسي (الرؤية) لأضواء الفرامل الحمراء في السيارة التي أمامنا فهو أنها إما «تتباطأ» وإما «تتوقف». أما حدوث هذا من عدمه فيعتمد على خبرتك في القيادة، فإذا كنتَ سائقًا خبيرًا فعندئذٍ يكون هذا التباطؤ فكرة ضمنية في ذاكرتك الدلالية مرتبطة بالإدراك الحسي لأضواء الفرامل الحمراء على سيارة تتحرك.
المهم هو أن هذا كله يحدث دون اتخاذ أي إجراء من جانبنا، فكلٌّ من الإدراك الحسي والتصور نموذج على التعلُّم الضمني الذي يحدث تلقائيًّا وعلى الفور، وليس لنا سيطرة عليهما ولا سبيل لنا لمنع حدوثهما؛ فهما يحدثان سواء أردنا أم لم نرد. على أن ما يحدث بعد ذلك «يكون» تحت سيطرتنا.
التحليل

مصطلح «التحليل» هو المصطلح الذي أستخدمه لأصف ما نسمِّيه عمومًا بالتفكير. وتعريف التحليل هو «فحص العناصر تفصيلًا» (معجم أكسفورد الموجز، ????). وهذا الفحص، بغضِّ النظر عن مدى كونه عابرًا أو سريعًا، يستلزم منَّا دائمًا توظيف نوع من الجهد الإدراكي مثل الذاكرة للتفكير فيما أدركناه ودراسة أي تصورات تشكَّلت؛ ومِن ثَمَّ فهو إدراك معرفي نبادر به ونتحكم فيه. فلا يمكنك «فحص» الشيء تلقائيًّا بالكامل (على الرغم من أنك تستطيع، كما سنرى أدناه، فحص الشيء على نحو شبه تلقائي).
لذلك أنت أدركتَ أضواء الفرامل الحمراء وربطتَها بمفهوم الخطر أو التباطؤ. وإذا أدركتَ، في الوقت نفسه، أن السيارة التي أمامك تبعد كثيرًا عنك، وربطتَ ذلك بمفهوم «عدم وجود تهديد فوري»، فإن تحليلك للوضْع قد يؤدي إلى ألَّا تفعل شيئًا، أو تزيد من سرعة سيارتك بقدْر ما، ويمكنك أن تفعل هذا بالقليل جدًّا من التفكير. والواقع يجعلك تظن أنك تفعل هذا من دون أي تفكير على الإطلاق. ولكنك على مستوًى ما تكون بحاجة إلى تحليل الوضع و«التفكير» في طبيعة الإجراءات التي يجب اتخاذها.
لماذا نعرف أن هذا يتضمن تفكيرًا؟ حسنًا، لنفترض أن السيارة قريبة جدًّا، أو لنفترض أن الطريق رطبة مبتلَّة، أو لنفترض أنك ترى صفًّا طويلًا من السيارات أمام سيارتك، أو لنفترض أن فرامل سيارتك ليستْ على قدْر عالٍ من الجودة، سيقودك تحليلك في تلك الحالات إلى مسار فعل مختلف تمامًا؛ فربما قمتَ بالضغط على دواسة الفرامل لتبدأ سلسلة من الاستجابات العقلية المماثلة لدى السائق خلفك. وإذا كانتِ السيارة أمامك قريبة جدًّا فربما تقرر الانحراف قليلًا لتفادي الاصطدام بها. وهذه جميعها أحكام تحتاج نوعًا من التفكير التحليلي حتى يتسنَّى تنفيذها.
لكن هذا لا يعني أن هذا التحليل يستدعي الكثير من الانتباه. يجري التفكير في أي نقطة على طيف الانتباه النشط-السلبي، فإذا كان الوضع لا ينطوي على تهديد، فعندئذٍ يجري التفكير من دون أي انتباه على الإطلاق. ومن ناحية أخرى، إذا كان الموقف يَحتمل أن ينطوي على خطورة فعندئذٍ قد يكون التفكير منتبهًا جدًّا، وكأنك تقول لنفسك: «يا إلهي! إنني على وشك أن أصطدم بمؤخرة السيارة التي أمامي.»
كما أن هذا التحليل لا يتم بالضرورة بوعي كامل، وهذا جانب معقَّد، وسوف أتناول في وقت لاحق مسألة الوعي برمَّتها بمزيد من التفاصيل. أما الآن فيمكنك افتراض أن التحليل يجري عند مستوًى من شبه الوعي على الأقل.
نظرية منقَّحة لآلية التواصل

إذن لدينا ثلاثة أنواع مختلفة من النشاط العقلي — الإدراك الحسي والتصور والتحليل — تتفاعل مع ثلاثة أنواع مختلفة من التعلُّم — النشِط والسلبي والضمني — وتتفاعل مع نوعين على الأقل من أنواع الذاكرة هما الصريحة والضمنية، فكيف يحدث تناغم بين كل هذا؟ دعنا نبدأ مع أنواع التعلُّم الثلاثة المختلفة، وحتى يسهُل عليك الرجوع إليها فقد أدرجتُها في الجدول ?-?. جدول ?-?: موجز عن الانتباه والذاكرة والتعلُّم.الوعيالانتباهنوع الذاكرةالسعةالتعلمالوظيفةالثباتصريحعالٍ جدًّاعاملةصغيرةنشطالتحليللا يوجدصريحعالٍعرضيةمتوسطةنشط + سلبيالتحليلضعيفصريحمتدنٍّدلاليةكبيرةنشط + سلبيالتحليلمتوسطضمنيمنعدمدلاليةضخمةضمنيمفاهيمجيد جدًّاضمنيمنعدمإجرائيةهائلةضمنيمفاهيمممتاز
كما ترى في الجدول ?-?، فإن التعلُّم الضمني تلقائيٌّ بالكامل ومستقلٌّ عن الانتباه، وهو ما يعني في الأساس أنه لا يستعين بمَلَكات «التفكير الواعي» لدينا؛ أي ما نسميه جهدنا الإدراكي (داماسيو، ????). والتعلُّم الضمني يكون نَشِطًا طوال فترة يقظتنا، وإلى حدٍّ ما عندما نكون نائمين كذلك؛ لذا نتمكن من إدراك الأشياء حسيًّا في بيئتنا، كما أننا — تمشيًا مع أبحاث تولفينج وشاكتر — نربط هذه التصورات باستمرارٍ بالذاكرة الدلالية لدينا وتوليد المفاهيم منها. أما ما «لا» نقوم به باستمرار فهو التحليل؛ حيث يستدعي التحليل على الأقل درجة من الانتباه وجزءًا من الجهد الإدراكي، والتعلم الضمني مستقل عن هذا وذاك. ولا يُسهِم هذا النوع من التعلم الضمني، حسبما ترى صناعة الإعلان، في شيء ذي قيمة عند التعامل مع الرسالة الإعلانية. إن التعلم السلبي تعلم ينطوي على قدْر من الانتباه كذلك، ولكن مستويات الانتباه فيه تكون منخفضة. فهذا النوع من التعلم شبه تلقائي، وهو الحالة الافتراضية التي تكون عليها حينما لا تكون منهمكًا في تعلُّم نشط. ونحن في وضع التعلم السلبي لا نستخدم الكثير من الجهد الإدراكي، وهو ما يعني أننا سننفِّذ قدْرًا من التحليل للإدراكات الحسية والمفاهيم الناجمة عن التعلم الضمني، ولكن ليس الكثير جدًّا منه. كما أن أي تحليل نقوم به لن يكون فعَّالًا، والأمر أشبه بالاستماع إلى محاضرة عندما تكون في حالة سُكْر؛ فأنت تعتقد أنك تفهم وتتذكر ما يُقال، ولكنك بعد ذلك لا تدري هل فهمتَ فعلًا كل شيء وعلى نحو صحيح أم لا.
قد يفسر هذا سبب نظرة صناعة الإعلان إلى المعالجة المحيطية (أي التعلم السلبي) على أنها ذات تأثير محدود طويل الأمد على التوجهات؛ ومِن ثَمَّ هي بمثابة وسيلة سيئة يتم التعامل من خلالها مع الإعلان (بيتي وكاتشوبو، ????). ولا يعني هذا أن التعلم السلبي لا يغير التوجهات؛ لأنه بالتأكيد قادر على تغييرها، ولكنْ نظرًا لأنه ضعيف في التحليل، فإنه على الأرجح لا يغيِّر تلك النوعية من الأفكار والتوجهات المعلنة التي ترتبط بالإقناع الذي يكون مدفوعًا بالرسالة الإعلانية.
غير أن التعلم السلبي «مفيد» في التعرف على العلامات التجارية. فالمعتاد في الإعلان أن تستعين العلامة التجارية برمز أو شعار معين لتمييز نفسها، وهذا يُسهِّل من عملية تحليلها والتعرف عليها نسبيًّا. بالطبع هذا أمر مهم جدًّا فيما يتعلق بالتعامل مع الإعلان، حيث لا يكون الإعلان فعالًا إلا عندما تكون مُدرِكًا عند مستوًى معين لماهية العلامة التجارية التي يتم الإعلان عنها.
أما التعلُّم النشط فيستدعي درجة عالية من الانتباه، وتحفزه الرغبة في جمع المعلومات؛ ولذلك يستغل مستويات عالية من الجهد الإدراكي، فنحن في حال التعلم النشط نقوم بتحليل ما ندركه حسيًّا، وكذلك المفاهيم بشكل مستفيض وبفعالية كبيرة. ولأن التعلم النشط يقتضي وجود إرادة التعلم فإنه لا يحدث كثيرًا، وعندما يحدث فإنه لا يستمر طويلًا عادةً.
أي إن التعلم النشط هو نوع المعالجة التي يعتبرها معظم العاملين في صناعة الإعلان ضرورة لفعالية الإعلان، ولكن الواقع يقول إن فُرَص تحقق ذلك محدودة. فما لم تكن تعمل في صناعة الإعلان، فإن التعلم النشط هو الطريقة الأقل استخدامًا عند تعاملنا مع الإعلانات. أما التعلم السلبي فهو الطريقة التي تُستخدم كثيرًا نوعًا ما، لأنه يحدث في كل مرة نشاهد أو نستمع فيها إلى أحد الإعلانات. وبالطبع فإن نوع التعلم الأكثر شيوعًا عند التعامل مع الإعلانات — النوع الذي يحدث دائمًا ومن دون توقف — هو التعلم الضمني.
الآن وقد أوضحتُ آلية عمل هذه الأنواع الثلاثة من التعلم، قد تعتقد أن الأمر كله بسيط ومباشر نسبيًّا، لكن المؤسف أنك على خطأ؛ فهناك عدد من الأمور التي تجعل العملية أكثر تعقيدًا، وأهمها مسألتان: مجرد التعرض (ويعرف أحيانًا باسم مجرد التعرض اللاشعوري) والتعرض المحيطي.
مجرد التعرض

صاغ بوب زايونتس (????) مصطلح مجرد التعرض للإشارة إلى فرضية مفادها أن مجرد التعرض للشيء قد يغيِّر من موقفك تجاهه، وبعد بضع سنوات توسعت هذه النظرية لتشمل التعرض عند مستويات لا يمكننا بعدها إدراك أي شيء حسيًّا. ووُصفت هذه المستويات، وهي عادةً ما تكون أقل من ?? ملِّي ثانية، باللاشعورية.
في تجربة شهيرة، قام كونست ويلسون وزايونتس (????) بعرض أشكال غير منتظمة متعددة الأضلاع على مجموعة من الأشخاص لفترات زمنية إن قلت يمكن إدراك تلك الأشكال حسيًّا، وهو ما يعني أن أي معالجة جارية من شأنها أن تحدث في الأساس عند مستويات الصفر من الانتباه الواعي ومستويات الصفر من الوعي. ومن المدهش أن تلك التجربة أظهرتْ أن بمقدور المشاركين إبداء تفضيل لتلك الأشكال غير المنتظمة رغم أنهم من المفترض غير قادرين على إدراكها حسيًّا. ويعرف هذا التأثير باسم «التهيئة»، وهي الآلية نفسها التي استخدمها من قبلُ كلٌّ من شاكتر وتولفينج في التجارب التي تناولناها في الفصل السابق لإيضاح قوة الذاكرة الضمنية.
هل يعني هذا أن فانس باكارد ربما كان على صواب عندما حذَّر الجمهور الأمريكي من أخطار الإعلان اللاشعوري؟ إن الجواب هو بشكل قاطع لا؛ فلقد ظهر أن الإعلان الذي يعمل على مستوًى أقل من عتبة الفهم يكون ضعيفًا في أحسن الأحوال، وغير مؤثر بوجه عام (مور، ????)، وهذه خلاصة يدعمها التحليل الفوقي ? ?? دراسةً أجراها ترابي الذي بيَّن أن «تأثير المثيرات التسويقية اللاشعورية على سلوك المستهلكين في عملية الاختيار هو تأثير يمكن إهماله» (ترابي، ????). لكن هذا لا يعني أن التعرض اللاشعوري ليس له تأثير، فيبدو أن تجارب أُجرِيَت مؤخرًا أظهرتْ أن الكلمات التي تُعرَض بشكل لا شعوري، حتى إنْ لم يتم إدراكُها حسيًّا، يمكن تصوُّرها، ويمكن أن تَجعَلَنا نُبدي المشاعر نفسَها التي كنَّا سنُبدِيها إذا عُرضت على مستويات طبيعية؛ لذا، على سبيل المثال، إذا عُرضت علينا كلمة «مغتصِب» على مستوًى لا شعوري، فإنه يمكن أن يتبيَّن أننا نولد الاستجابة العاطفية ذاتها التي كنَّا سنشعر بها لو أن الكلمة كانت مرئية، إلا أن الاختلاف هو أن الاستجابات تكون ضعيفة جدًّا، مثلما كانت الاستجابة للتعرض اللاشعوري للإعلان.
ما يُبيِّنه هذا هو أنه بالإمكان التأثير علينا بسهولة شديدة من خلال ما يمكن تسميته تعرُّضًا «عرضيًّا». على سبيل المثال، في سلسلة من التجارب نوقشت بتفصيل أكثر في الفصل الخامس عشر، تمكَّن بيرجر وفيتزسيمونز من تبيان أن المواقف تجاه المنتجات ذات اللون البرتقالي مثل المشروبات الغازية البرتقالية تعزَّزت أثناء عيد القديسين، حيث ثمار القرع البرتقالية اللون تكون شائعة، والمشاركون الذين استعملوا قَلَمًا برتقاليًّا أو أخضر لإكمال استبيان اختاروا منتجات برتقالية أو خضراء أكثر من غيرهم (بيرجر وفيتزسيمونز، ????).
استطاع عالِم النفس روبرت بورنستين تفسير نتائج مثل هذه، ونتائج مجرد التعرض، باستعمال ما سمَّاه نموذج الطلاقة الإدراكية الحسية. وعلى حد قوله: «يؤدي الإدراك الحسي الذي يحدث دون وعي إلى أُلْفة لا يُمكن تفسيرها، تزيد بدورها درجة الأفضلية» (بورنستين، ????).
لذا، على الرغم من أننا يمكن أن نقلِّل من أهمية التعرض اللاشعوري للإعلان، من الجدير بالملاحظة أن تفسير الطلاقة الإدراكية الحسية لبورنستين ينطبق أيضًا على مجرد التعرض «اللاشعوري». وأحد الأشكال الأكثر شيوعًا من التعرض اللاشعوري هو التعرض المحيطي.
التعرُّض المحيطي

التعرض المحيطي يدل على الطريقة التي تعمل بها عيوننا. أثناء لحظات تثبيت النظر، يمكن للعينين الوصول إلى ثلاث مناطق للنظر: المنطقة «النُّقْرِية»، وتُعرَف بأنها المنطقة التي تكون فيها التفاصيل مرئية، وهي دائرة حول نقطة التثبيت تقابل زاوية مقدارها نحو درجتين في العين. هذه المنطقة قادرة عادة على تمييز نحو ?–? أحرف. والمنطقة «المجاورة للنقرة»، وهي منطقة تقابل زاوية مقدارها ? درجات تقريبًا، تكافئ ??–?? حرفًا. ويمكن بسهولة تمييز الأجسام والكلمات في المنطقة المجاورة للنقرة والتعامل معها. وتعرف المنطقة التي تقع خارج المنطقة المجاورة للنقرة بالمنطقة المحيطية.
التعرف ممكن داخل المنطقة المحيطية، لكنه من الصعب إنْ لم يكن من المستحيل أن نُولِيَ انتباهًا نشطًا إلى أي شيء يُرَى محيطيًّا. يمكنك أن تجرِّب بنفسك بأن تمسك بصحيفة أمام وجهك، ثم تحركها بضعة سنتيمترات إلى الجانب دون تحريك عينيك؛ ستجد أنك إن حركتَها نحو ? سنتيمترات، سيظل بإمكانك التعرف على الأشكال فيها، لكن عند تحريكها أكثر من ?? سنتيمترات، لن يمكنك فعليًّا تمييز أي شيء. رغم ذلك ليس هناك شك في أنَّ إدراكًا حسيًّا من نوعٍ ما لا يزال يتم. مدى جودة هذا الإدراك الحسي تعتمد كثيرًا على كيفية تعامل دماغنا مع تلك المنطقة، كما يمكن بيانه بالقصة التالية:
قبل بضع سنوات، أَجرَيْتُ تجربةً لبحث الكيفية التي يَقرَأ بها الناس الصحف، ولكي أقوم بهذا، طلبتُ من المشاركين في البحث ارتداء آلة تصوير عينية خفيفة الوزن مثبتة على الرأس ومتصلة بشاشة تليفزيونية. ومن خلال متابعة الخطين المتعامدين الظاهرين على الشاشة والدالَّيْن على موضع تركيز كل مشارك، أمكن تحديد أي جزء من الصحيفة بالضبط يركزون عليه أبصارهم وهم يتصفحونها.
كانتْ إحدى المشارِكات في أوائل الأربعينيات من عمرها، وقد لاحظتُ شيئًا غريبًا جدًّا في سلوك قراءتها؛ كانتْ تركِّز على عنوان المقالة، ثم تنظر نحو ? بوصات إلى اليسار وتبدأ في التتبع إلى أسفل كما لو كانت تقرأ المقالة. المشكلة الوحيدة تمثَّلتْ في أنه لم يكن هناك شيء تقرأه حيث كانت تنظر.
استمرت في فعْل هذا حتى انتهتْ من قراءة الصحيفة، ثم سألتُها عما إذا كانتْ تُعانِي من أي مشكلة في عينيها. أجابتْ أنها أُصيبتْ في وقت مبكِّر بشكْل من أشكال التنكس البقعي، حيث المستقبلات في المنطقتين النُّقْرِية والمجاورة للنقرة (أي أجزاء العين القادرة على رؤية التفاصيل) توقَّفتْ عن العمل. وكان معناه أنه يمكنها تبيُّن الكلمات الكبيرة بالنظر إليها مباشرة فقط، فكان عليها أن تُعلِّم نفسَها قراءة الكلمات الصغيرة باستخدام الرؤية المحيطية.
ما يَعنِيه هذا أمر مدهش جدًّا؛ فعلى الرغم من أننا «نعتقد» أن قدرة الرؤية المحيطية على المعالجة ضعيفة، يتضح على ما يبدو مما استطاعت هذه المرأة فعله أن هذا مجرد شيء تخبرنا به أدمغتنا، فمن المحتمل جدًّا أننا قادرون على إدراك الأشياء حسيًّا على نحو جيد جدًّا في نطاق رؤيتنا المحيطية، لكن أدمغتنا تُوهِمنا بأننا عاجزون عن ذلك لكي تمكِّننا من أن نُحسِّن من درجة تركيزنا على التفاصيل في المنطقتين النُّقْرِية والمجاورة للنقرة.
وبالمناسبة، هذه واحدة فقط من عدد من الخدع والأوهام التي تمارسها أدمغتنا علينا. على سبيل المثال، كما سنناقش لاحقًا، تتحرك عيوننا عبر مجال رؤيتنا في حركات سريعة تسمى رمشات، لكن أدمغتنا تعوض هذه القفزات وتجعل الأمر يبدو وكأننا نحركهما بسلاسة. كذلك تُظهِر عيوننا كل شيء أيضًا على شبكية أعيننا مقلوبًا، ويعكس الدماغ الصورة تلقائيًّا لتظهر في وضعها الصحيح.
على أية حال، سبب أهمية ذلك التعرض المحيطي هو أنه يُبيِّن أنَّ بمقدورنا معالجة الإدراك الحسي في رؤيتنا المحيطية أفضل بكثير ممَّا نعتقد أننا قادرون عليه. وكما ذكرتُ في الفصل الثاني، لاحظ هيرب كروجمان أهمية التعرض المحيطي عندما أشار أننا لا نعي بالضرورة تلك الأشياء التي نراها في نطاق رؤيتنا المحيطية، وأن كثيرًا ممَّا يدعوه الناس إدراكًا حسيًّا لا شعوريًّا هو في الحقيقة مجرد رؤية محيطية.
ولمساعدتك على فهم سبب كون هذا الأمر مهمًّا للغاية، إليك وصفًا لتجربة مثيرة.
قوة التعرُّض المحيطي

في عام ????، قرَّر فريقٌ تحت قيادة ستيوارت شابيرو بحث تأثير التعرض العرضي للإعلان على اختيار المنتج (شابيرو وآخرون، ????). تضمَّن الإعلان الذي تضمنتْه التجربة صورةً خطية لجزرة، مصحوبة بالشعار «زُرعت بطريقة طبيعية وعضوية لتكون ثمرة لذيذة وآمنة.» كذلك أُعِدَّ إعلانٌ مشابِهٌ لفتَّاحة علب. أُعِدَّت مقالة من عمودين مأخوذة من إحدى المجلات على شاشة حاسوب ووُضع الإعلانان السابقان في عمود ثالث على يسار المقالة المذكورة.
كانت الخطوة التالية هي إحضار مجموعة من المتطوعين وإبلاغهم بأن يؤدوا اختبارًا معينًا. طُلب من هذه المجموعة قراءة العمود الأوسط والإجابة عن بعض الأسئلة المتعلقة به. ولضمان قيامهم بهذا، تمَّتْ مساعدتهم بمؤشر ينتقل عبر العمود الأوسط بحيث يتيح لهم قراءته بالسرعة المناسبة لهم. تعاملت المجموعة التجريبية مع العمود الذي يحتوي على إعلانات بينما تعاملت مجموعة ضابطة مع العمود الذي لا يحتوي على إعلانات. وقامت كلتا المجموعتين بمهمةٍ لتشتيت الانتباه مدتها ? دقائق قبل الإجابة عن عدد من الأسئلة حول مدى احتمال شرائهم لمجموعة من المنتجات المختلفة.
كانت النتائج مذهلة. وجد الباحثون أنه في المجموعة التي تعاملت مع العمود الذي يحتوي على إعلانات، كان احتمال شراء الجزر وفتَّاحة العلب أعلى بكثير، على الرغم من أن الإعلانات عُرضت في نطاق رؤيتهم المحيطية فقط.
وللتأكُّد من أن هؤلاء المشاركين لم يختلسوا النظر إلى الإعلانات، تم عرضها عليهم فيما بعدُ وتمَّ التأكُّد من مستوى التعرُّف عليها من خلال الاستعانة بالمجموعة التي لم تُعرض عليها الإعلانات ومقارنتهم بها. لم يكن هناك اختلاف، وكانت الخلاصة حسب تعبير الباحثين أنفسهم على النحو التالي: تشير نتائجنا إلى أن الإعلان له إمكانية التأثير على قرارات الشراء المستقبلية حتى وإن لم يتعامل الأشخاص، المشغولون بمهمة أخرى، مع الإعلان بيقظة، وبهذا لا يتذكرون قط أنهم رأَوا الإعلان. (شابيرو وآخرون، ????)
ما الذي يفسر هذه النتائج الاستثنائية؟ هل أن المواد أُدركت حسيًّا على سبيل المصادفة في نطاق الرؤية المحيطية، كما في اختبار مجرد التعرض، وأن هذا الإدراك الحسي زاد أُلْفَتَهم، التي بدورها زادت درجة التفضيل لديهم؟ أم أنه تم التركيز على الإعلانات والتعامل معها، لكن التعرض كان خاطفًا إلى حدِّ أنها نُسيت بالكامل؟ من المحتمل أن الإجابة مزيج من الاثنين، لكنْ أيًّا كان التفسير، هذا الاختبار يبيِّن أن ما يمكن أن يؤثر على سلوكك لا يقتصر على الأشياء التي تنظر إليها «مباشرة» في إعلان ما.
أختتم هذا الفصل باقتباس السطر الأول من خلاصة هذا البحث، فقد قال الباحثون: «لا بد أن تكون نتائج هذه الدراسة مشجِّعة جدًّا لشركات الإعلانات.» (شابيرو وآخرون، ????) ونحن نتوقع هذا. لكن هذه التجربة، التي نُشرت في مجلة عالمية شهيرة، لم يُعلِنْها القائمون على صناعة الإعلان قط، وعلى حسب علمي لم يتم تكرارها أبدًا. لماذا؟ لأن صناعة الإعلان تتمسك باعتقادها أن النوع الأكثر يقظة فقط من أنواع التواصل الثلاثة — النوع الخاص بالتعلم النشط — هو الذي يتمتع بأهمية فعلية. وأحد أسباب تمسكهم بهذا الخط هو أن وكالات الإعلانات بَنَتْ سمعتَها على كونها قادرة على تشجيعنا على إيلاء المستويات العالية من الانتباه الضرورية لتسهيل التعلم النشط. وهم يفعلون هذا باستخدام قدرتهم الإبداعية، وفي الفصل القادم أوضِّح لماذا هم ليسوا ناجحين بالقدر الذي يعتقدونه.

الفصل السابع
إشكاليات جذب الانتباه


نحن نمتلك أجهزةَ حَجْبٍ وتنقيةٍ متطورةٍ للغاية لمنع المعلومات الجديدة من التكدُّس داخل ذاكرتنا.
ستيفن روز
«صناعة الذاكرة» (????)
لعلك تتذكر أننا أكَّدنا في الفصل الرابع أن الأشخاص لا يُولُون الإعلانات الكثيرَ من الانتباه، خاصةً الإعلانات التليفزيونية. وترى وكالات الإعلانات أن مهمتها الرئيسية تتمثل في «جذب» انتباه الأشخاص للإعلان عن طريق الإبداع، فكيف تقوم الوكالات بهذه المهمة على وجه التحديد؟ والأهم من ذلك، لماذا تبدو هذه المهمة غير فعالة؟
ربما يكون آرثر كوفر الأكاديمي الوحيد الذي أعرف أنه يمتلك الشجاعة الكافية للذهاب إلى وكالة إعلان وإجراء لقاء مع الفِرَق الإبداعية العاملة هناك. هؤلاء هم الأشخاص الذين ذكرناهم في الفصل الأول والذين يبتكرون تلك الأفكار البَلْهاء التي غالبًا ما لا تتصل كثيرًا على ما يبدو بالرسالة التي ترغب شركتهم في توصيلها. وبشكل عام يوجد نوعان من الأشخاص في الفريق الإبداعي: مؤلِّف الإعلان، الذي يتخيل الكلمات ويكتبها، والمخرج الفني الذي يهتم بالصور البصرية. أجرى كوفر لقاءً مع مؤلِّفي الإعلانات، لأنه عادةً ما يُنظر إليهم باعتبارهم أعضاء الفريق الأكثر تأثيرًا. (ومن واقع خبراتي أيضًا، عادةً ما يكونون أكثر وضوحًا واستعدادًا للتواصل من المخرجين الفنيين!)
ما أراد كوفر معرفته هو رأي الفريق الإبداعي فيما يتعلق بالإبداع وأهدافه. لم تكن نتائج هذا البحث، الذي نُشر مرة أخرى في إحدى المجلات الأكاديمية الرائدة في العالم، تحمل الكثير من المفاجأة لأي فرد يعمل في مجال الدعاية والإعلان؛ فقد أكد مؤلفو الإعلانات أن الدور الرئيسي الذي يقوم به الإبداع هو جذب الانتباه والدور الثانوي هو توصيل الرسالة.
كانت النظريات الضمنية للإعلان من وجهة نظر مؤلفي الإعلانات تقول إن هاتين الخطوتين متتابعتان؛ أولًا: عليهم النجاح في جذب الانتباه؛ ثانيًا: عليهم توصيل الرسالة (كوفر، ????). وكان الأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو «الكيفية» التي يعتقدون أنهم يمكنهم جذب الانتباه بها، لا سيما الانتباه إلى الإعلانات التليفزيونية، باعتبارها نوعية الإعلانات السائدة في ذلك الوقت. ويذكر كوفر أنه كانت هناك طريقتان يعتقد مؤلفو الإعلانات أن بمقدورهم فعل ذلك من خلالهما.
بشكل عام ظهرتْ طريقتان لجذب الانتباه: التأثير العاطفي والإجبار. ويُقصد بالتأثير العاطفي عرض الأشياء المُربِكة أو الساحرة؛ الأشياء غير المتوقَّعة بما يكفي لاختراق حاجز عدم الاكتراث خلسة. ويُقصد بالإجبار دفع المشاهدين إلى منح بعض الاهتمام الأولي، بحيث لا يَرَى المشاهد الأشياء غير المتوقَّعة ولا يسمعها. (كوفر، ????)
الطريقة الأكثر شيوعًا من هاتين الطريقتين في الوقت الحالي هي طريقة التأثير العاطفي؛ فالمعلنون يستخدمون كلمات مثل «مُبهِج»، «ساحر»، «مُغْرٍ» لوصف إبداع التأثير العاطفي، الذي يقوي العلاقة بالمحتوى الانفعالي أو العاطفي. وتضم الأمثلة على الإعلان القائم على التأثير العاطفي، الحملات الدعائية الخاصة «بطفل» إطار ميشلان، وجرو قطونيل (علامة تجارية لأوراق التواليت) في الولايات المتحدة، و«الدعاية الغذائية» لسلسلة متاجر ماركس آند سبنسر في المملكة المتحدة. ولكن ربما يكون النهج الأكثر نجاحًا في لفت الانتباه هو الإجبار، حيث إن هناك نوعًا من الصدمة غالبًا ما يزيد من فُرَص جذْب انتباهنا، شئنا أم أبَيْنا. ومن الأمثلة على طريقة الإجبار إعلان شركة آبل الشهير عام ????؛ ففي سينما مليئة برجال أشباه موتى، تَجرِي لاعبة رياضية يُطاردها بعض الحُرَّاس ثم تقوم بقذْف مطرقة في وسط شاشة السينما الكبيرة لتحرِّر هؤلاء الرجال من قبضة الأشخاص الذين يسيطرون عليهم. وهناك مثال آخَر وهو صديقنا القديم جيو كومباريو.
على الرغم من أن إبداع الإجبار يستطيع أن يجذب الانتباه، قال عنه بعض مؤلفي الإعلانات إنه يفقد تأثيره ويصعب تطويره بمرور الوقت، فكلما زاد استخدامك له، اعتاد المزيد من الأشخاص عليه وفقَدَ تأثيره. كتب هوفر يقول: يدرك مؤلفو الإعلانات أن الإجبار يزداد صعوبةً، فعندما يستخدم الإعلان (أو أي رسالة إعلامية أخرى) طريقة إجبار المتلقِّي على أن ينتبه، يصبح الإعلان التالي أو الرسالة الإعلانية التالية أكثر صعوبة بكثير، سواء فيما يتعلق بالعلامة التجارية نفسها أو أي علامة تجارية أخرى. (كوفر، ????)
وبالطبع، بمجرد أن ينجح أسلوب «التأثير العاطفي» أو «الإجبار» في جذب انتباه مشاهد التليفزيون إلى الإعلان، يتعين توصيل الرسالة. ويعتقد مؤلفو الإعلانات أن أفضل طريقة لتوصيل الرسالة هي بدء نوع من الحوار مع المستهلك.
كي تصل الرسالة، يجب أن تكون مرتبطة بحياة المشاهدين واحتياجاتهم. ومن أجْل تحقيق هذا الارتباط، يصوغ المؤلف الرسالة بتخيُّل شخص مستهدَف يتحاوَرون معه بشأنها إلى أن تصبح الرسالة مقبولة لهذا الشخص الافتراضي. (كوفر، ????)
أعتقد أن اللغة المستخدمة هنا تكشف لنا الكثير من الأمور. لاحظ كيف يُنظَر إلى المستهلك باعتباره هدفًا قليل الحيلة، يتم جذب انتباهه ثم تُعرض عليه رسالة «ترتبط» بحياته. يوحي هذا التوجه إزاء المستهلك بأن مؤلفي الإعلانات ينظرون إلينا باعتبارنا — كما يصف جون فيليب جونز — فاتري الشعور وأغبياء نوعًا ما، وبأن المعلومات تُدَسُّ إلينا عن طريق استخدام الأساليب النفسية التي تدمر دفاعاتنا كمستهلكين.
لكننا كمستهلكين، مثل كل البشر، لسنا لعبة في أيدي المُعلِنين ليَفعلوا بنا ما يشاءون، فلدينا آليات دفاع متطورة جدًّا تحمينا من أن يتم استغلالنا عن طريق هذه الأساليب النفسية. وإحدى آليات الدفاع التي كانت معروفة قبل إجراء البحث الخاص بكوفر ببضع سنين هي المعارضة، أو كما يُطلق عليه في علم النفس: الحجة المضادة.
الحجة المضادة

في عام ????، وضع بروك وشافيت ما يُسمَّى بنموذج الاستجابة المعرفية للإقناع. وفي هذا النموذج افترضَا أن قدْرة التواصل على إقناع الفرد لا تكمن في مجرد تذكر الرسالة، ولكن في تفسيرها بأسلوبه الخاص وتكرارها في ذهنه ثم تذكُّره لما كرَّره. وتشير وجهة نظرهما إلى أن: تأثير التواصل على الإقناع يعتمد على مدى قدرة الفرد على التعبير عن أفكاره بوضوح وتكرارها في ذهنه. (بروك وشافيت، ????)
وبعبارة أخرى، يُعتَبَر تكرار المرء لأفكاره الخاصة في ذهنه عنصرًا أكثر حسمًا في استمرار حالة الإقناع من مجرد استحضار الحجج الخاصة بالرسالة في ذهنه. وبالطبع يتطلب هذا الأمر توجيه الكثير من الانتباه للإعلان والفهم التام للرسالة والاستغراق فيها. والآن، قد تسأل أين هي آلية الدفاع في هذا الأمر؟
الجواب بسيط على نحوٍ يدعو للدهشة، فالمشكلة التي اكتشفها بروك وشافيت بخصوص هذا المستوى العالي جدًّا من الانتباه هي أنه يمكن أن يؤدي بسهولة جدًّا لظهور الحجة المضادة. ببساطة، كلما فكرتَ أكثر في الادِّعاء الذي يطرحه الإعلان بخصوص علامة تجارية معينة، سهُل عليك أكثر معارضة هذا الادعاء.
لنأخذ على سبيل المثال الادِّعاء بأن كريمات البشرة تخفِّف تجاعيد المرأة وتجعلها تبدو أكثر شبابًا. يقودُك التفكير لبضع دقائق إلى إدراك حقيقة أنه لو كان هذا الأمر صحيحًا، لتمَّتْ إذاعته في جميع وكالات الأنباء باعتباره إنجازًا علميًّا مذهلًا. ومن ناحية أخرى، فإن وضع المرأة أي كريم قديم على وجهها وفركه قد يجعل بشرتها أكثر مرونة وليونة، وقد يزيل التجاعيد مؤقتًا؛ لذلك، سواء كان الأمر صحيحًا أم لا، هناك سببان قويان للغاية لعدم تصديق ما يدَّعيه المعلنون.
ومع ذلك، فإن هذا لا يمنحنا — نحن المستهلكين المحاصرين — مستوًى كافيًا من الارتياح؛ حيث إنه، من أجْل استخدام الحجة المضادة لأحد الادِّعاءات، لا يتوجَّب علينا السماح لأنفسنا بتفصيل وتفسير جميع الرسائل المقدمة إلينا في الإعلان فحسب، ولكن يجب علينا بعد ذلك قضاء المزيد من الوقت في دراستها ورفضها. وبصراحة، لا يرغب الكثيرون من الأشخاص عدا أولئك الذين يعملون في صناعة الإعلان، في قضاء أوقاتهم في التفكير في الدعاية والإعلان بهذا القدْر الكبير من التفاصيل.
ولحُسن الحظ، زوَّدتْنا أدمغتنا دون عناء منها بآلية دفاعية أخرى تسمح لنا بتجنب القيام بذلك. هذه الآلية الدفاعية هي التصفية الإدراكية الحسية.
التصفية الإدراكية الحسية

كما علمنا سابقًا، فإن أعيننا وآذاننا وأنوفنا — خاصة في هذه المسألة — تصوِّر كل ما يجري من حولنا، فإذا كان لا بد وأن تغذي هذه المعلومات عقولنا الواعية دفعة واحدة فإن قدراتنا العقلية سرعان ما ستصاب بالإرهاق وتتوقف عن العمل على نحو ملائم. ولمنع حدوث ذلك يقوم العقل بالتصفية التلقائية لما يعتبره إدراكات حسية لا صلة لها بالموضوع ولا يسمح إلَّا بمرور عدد قليل منها لمزيد من التفكير فيها. ويتجاهل العقل الواعي أي شيء آخر.
ويتضح ذلك تمامًا من خلال ما يُعرَف باسم متلازِمة حفل المشروبات. ويصف ستيفن روز هذا الأمر وصفًا جيدًا بقوله: التصفية الإدراكية الحسية تضمن أنه، من بين جميع المعلومات التي تصل إلى عينَيِ الفرد أو أذنيه في أي وقت من الأوقات، يتم فعليًّا تسجيل نسبة صغيرة فقط بل وتذكرها لفترة وجيزة أيضًا. ومن الأمثلة على ذلك بالطبع الظاهرة الشهيرة المعروفة باسم متلازِمة حفل المشروبات، فمن خلالها يمكن للفرد في غرفة مليئة بالثرثرة التركيز — بدرجة ما — على صوت شخص يتحدث إلى أحد الأشخاص، ولكنه يمكن أن يتحوَّل وفقَ إرادته إلى محادثة أخرى من المحادثات الدائرة من حوله. ولكن هذا لا يعني أننا صمَمْنا آذاننا عن المحادثات الأخرى، فمِن السهل أن يُقحَم شيء من هذه المحادثات على الفرد دون أن يُرِيد ذلك، كأنْ يسمع مثلًا أحد الأشخاص اسمه وهو يُذكر في أي مكان آخَر في الغرفة؛ ومِن ثَمَّ فإن المعلومات الواردة إلينا، سواء عن طريق السمع أم الرؤية، تدخل أدمغتنا وهناك يَجري تصفيتها حسب أهميتها بواسطة العمليات التي لا ندركها بوعينا إلى حدٍّ كبير. (روز، ????)
ما الذي يُثبِته هذا الأمر؟ أولًا: على الرغم من تركيزك على المحادثة التي تشارك فيها، لا بد أنك كنتَ تلاحظ في الوقت ذاته «جميع» المحادثات الأخرى التي تجري في الغرفة. ثانيًا: لأنك لم تكن تَعِي أنك كنتَ تتابع هذه المحادثات الأخرى، فبالتأكيد كنتَ تقوم بهذا الأمر بشكل ضمني (التعلم الضمني هو أن تتعلم دون أن تدري أنك تتعلم).
وبالمناسبة، نظرًا لأن التعلم الضمني يرتبط بالمفاهيم الواردة في الذاكرة الدلالية، فقد تكون أدركتَ حسيًّا نبرة الصوت التي كانت مستخدمة في هذه المحادثات الأخرى ووضعتَ تصوُّرًا لها؛ لذلك إذا لم تَفهَم أيًّا من الأحاديث التي كانتْ تدور حولك، فربما تمكنتَ من معرفة ما إذا كان اسمك قد تمَّ ذكره في سياق لطيف أو في سياق سيِّئ.
ما علاقة كل هذه الأمور بصناعة الإعلان؟ لكي نفهم هذا الموضوع، دعوني أذكِّركم أولًا بما ذكرتُه في بداية الفصل السابق؛ فعلى الرغم من أننا نتعامل على ما يبدو مع الإعلان باعتباره تجربة شمولية واحدة، فإنه يضم في الواقع عددًا من العناصر المختلفة التي تُدار في وقت واحد. على سبيل المثال، توجد دائمًا علامة تجارية، وعادةً ما تكون هناك رسالة تتعلق بهذه العلامة التجارية، وهذه الرسالة قد تكون رسالة منطوقة أو مكتوبة. وبعد ذلك قد يكون هناك قصة سردية مصاحبة للرسالة، وربما تقوم بعض الشخصيات الموجودة في الإعلان بتمثيل هذه القصة، كما قد يتضمن الإعلان زمكانًا أو مشاهِد. وبالطبع قد تكون هناك بعض الموسيقى المصاحبة.
يمكن التعامل مع جميع هذه المكونات المختلفة للإعلان بمستويات مختلفة من الانتباه، باستخدام نوع مختلف من التعلم. على سبيل المثال، قد تتعامل مع القصة والشخصيات على نحو نشِط (عن طريق التعلم النشط)، بينما تتعامل مع مشهد الخلفية على نحو سلبي (عن طريق التعلم السلبي)؛ وقد تتعامل مع موسيقى الخلفية على نحو ضمني وتستخلص الرسالة بإدراك حسي. غالبًا ما يحدث هذا الأمر إذا كان للإعلان حبكة درامية مُثِيرة للاهتمام، كما كان الحال في حملة سيارات رينو كليو التي ناقشناها سابقًا. وبالطبع، إذا كنتَ شابًّا ومن محبِّي أغاني البوب فقد تتعامل مع الموسيقى على نحو نشِط والشخصيات على نحو سلبي، وهو الأمر الذي قد حدث مع إعلانات تلما نودلز. وقد تتعامل مع الإعلان بالكامل على نحو سلبي وتستخلص العلامة التجارية بواسطة الإدراك الحسي، كما كان الحال مع دراسة الحالة الخاصة بشركة أورانج التي ذكرناها في الفصل الثالث. وهناك مزاوجات مثل هذه لا حصر لها في هذا الصدد، ولكن الشيء المهم الذي يجب وضعه في الاعتبار أنه كلما زاد تأثير أحد العناصر المكوِّنة للإعلان في جذْب الانتباه، زاد انجذاب الانتباه إليه أكثر من العناصر الأخرى الأقل إثارة (مثل العلامة التجارية أو الرسالة).
بالطبع، إذا كنتَ تعمل في مجال الإعلان أو التسويق، فالأرجح أنك ستتعامل مع الإعلان بالكامل على نحو نشِط بما يشمل العلامة التجارية والرسالة والقصة والشخصيات والموسيقى. لماذا؟ لأن هذه هي الطريقة التي تكسب منها قوت يومك. وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل الأشخاص العاملين في صناعة الإعلان يجدون أن فكرة التصفية الإدراكية الحسية هي فكرة يصعب تقبُّلها إلى حدٍّ ما. وهذا الأمر لا يهدد فقط نموذجهم الخاص بآلية الإعلان (على حد وصْف كوفر)، ولكنه ببساطة ليس شيئًا يفعلونه بأنفسهم عندما يتعاملون مع الإعلان.
لا يعني ذلك أن بعض المعلنين الذين يتمتَّعون بالذكاء لا يُدرِكون المَخَاطر التي تشكِّلها محاولة جذب الانتباه لإعلاناتهم بطريقة مصطنعة. في أوائل ستينيات القرن العشرين، ابتُكِرت طريقة بصرية للاستحواذ على الانتباه على حساب فهم الرسالة، حيث يتم التركيز على عنصر ثانوي من عناصر الإعلان. وقد ذاع عن جون كابلز قوله: «بدلًا من عرض صورة كبيرة للسيارة المعلن عنها، تَظهَر لك صورة كبيرة لمارلين مونرو وصورة صغيرة للسيارة، فإذا لم تُفلِح هذه الطريقة، يتم خلع بعض ملابسها.»
وبالمثل نقل ديفيد أوجيلفي تعليقًا كان قد أدلى به المخرج الفني الذي عمل معه، ويُدعَى ديفيد سكوت: «عندما أُريد تحقيق نتيجة جيدة فيما يتعلق بتذكُّر المشاهدين للإعلان، فإن كل ما عليَّ فعله هو إظهار غوريلا ترتدي حزامًا واقيًا للأعضاء التناسلية» (أوجيلفي، ????). ما يعرفه كلٌّ منهما، ولكنهما لم يذكراه، هو أنه إذا كنتَ تضم في إعلانك ممثِّلة فائقة الجمال شبه عارية أو غوريلا ترتدي حزامًا واقيًا للأعضاء التناسلية، فسوف تَلفِت الكثير من الانتباه، وسيتذكرهما المشاهدون، ولكن لن يتذكَّر أحدٌ أشياء أخرى كثيرة.
ومن بين دراسات الحالة التي توضح هذا الأمر جيدًا الإعلان عن إطلاق السيارة سيتروين زارا.
دراسة حالة: سيارات سيتروين زارا

أطلقتْ سيتروين حملة إعلانية لسيارتها زارا عُرضتْ عبْرَ شاشات التليفزيون للمرة الأولى في بريطانيا عام ????. ويُظهِر الإعلان كلوديا شيفر، عارضة الأزياء الشهيرة، وهي ترتدي فستانًا أنيقًا ذهبي اللون وتهبط دَرَج السلم الحلزوني في منزل فخم في حركات كلها إغراء، وتصاحب هذه اللقطات موسيقى صاخبة، وبينما هي تهبط الدَّرَج تَخلَع عنها الجزء السفلي من الفستان، وتركل الحذاء عن قدمها، وتفكُّ عقدة شعرها، ثم تخلع الجزء المتبقِّي من الفستان، وتستكمل هبوط الدرج وهي لا ترتدي سوى ملابسها الداخلية. ثم ينتقل بنا المشهد إلى باب المنزل وهي تخرج منه وتتجه صوب السيارة، بينما يعلق صوت رجل: «سيارة سيتروين زارا كوبيه الجديدة، الشيء الوحيد الذي لا يمكنك أن تتخلَّى عنه.» وبينما يقول المعلق هذا نشاهد شيفر وهي تمسح بيدها على السيارة، ثم تفكُّ حمَّالة صدرها، ثم نشاهدها تمدُّ يدَها وهي داخل السيارة لتُلقِي سروالها الداخلي على الأرض عبر النافذة. ثم تنتقل الكاميرا إلى زاوية أخرى حيث نراها جالسة في السيارة، ونحن نفهم أنها قد صارتْ عارية تمامًا، وتتحدث إلى الكاميرا بلكنة ألمانية: «لماذا أرتدي أي شيء آخر؟»
لك أن تتخيَّل الاهتمام الكبير الذي حازه هذا الإعلان، وليس من المستغرب أنه حقق نِسَب تذكُّر عالية جدًّا بين المشاهدين. وأقصد بالتذكُّر هنا أنك لو سألتَ مجموعة من الناس في ذلك الوقت إذا ما كانوا شاهدوا إعلان سيتروين زارا، فإن نسبة كبيرة منهم ستُجيبك ? «نَعَم». ولكن الأهم هنا، ما هو الذي يتذكَّرونه على وجْه التحديد؟ لقد أُتيحت لي فرصةُ تبيُّنِ هذه المسألة وقت أن قدَّمتُ ورقة بحثية إلى أحد المؤتمرات بُعَيْد إذاعة هذا الإعلان تليفزيونيًّا في بريطانيا.
كان المؤتمر يتمحور حول الأبحاث التسويقية؛ ومِن ثَمَّ كان حضوره — قرابة ??? شخص — مهتمِّين بالإعلان إلى حدٍّ كبير. طلبتُ من الحضور خلال عرض ورقتي البحثية رفع أيديهم إنْ كانوا قد شاهدوا أيَّ إعلانات تخص سيتروين زارا مؤخَّرًا. وجدتُ أن ??? شخصًا رفعوا أيديهم، فسألتُهم إذا ما كانوا يتذكرون الإعلان الذي ظهرتْ فيه كلوديا شيفر وهي تَهبِط الدرج وتخلع ملابسها، فوجدتُ أن نحو ??? شخصًا رفعوا أيديهم من جديد، عندئذٍ سألتُهم إذا ما كانوا يعرفون سبب قيامها بخلع ملابسها، وهنا رُفعتْ ستُّ أيادٍ فقط.
ما حدث هنا أمر واضح وبديهي، فمثلما تمَّ في حملة السيارة رينو كليو الإعلانية، رُبطت قصة الإعلان بالجنس، وهو ما جعله مُثِيرًا للاهتمام بشدة، وهذه الحالة كانت أوضح مع الرجال الذين فحصوا الإعلان جيدًا للتأكُّد ممَّا إذا كانت كلوديا شيفر قد كشفتْ بالفعل عن أجزاء جسدها. وعندما سُئل الرجال، أقرُّوا صراحةً بأنهم، في المقطع قبل الأخير من الإعلان، عندما تجلس شيفر في السيارة عارية، تمكَّنوا من رؤية نهدَيْها العاريَيْن، وبالرغم من أنهما قد أُخفِيا بعناية خلف باب السيارة وبواسطة ذراعها، أقسم لي رجال كثيرون أنهم شاهدوهما. وهكذا أعتقد أن بإمكاننا أن نفترض أنهم كانوا يُعِيرون الإعلان مستويات انتباه مرتفعة للغاية.
على الجانب الآخر، وجدتِ السيدات نوعًا من الإساءة في فكرة أن تتخلَّى كلوديا شيفر عن ملابسها لأجْل أن تُساهِم في زيادة مبيعات سيارة. وقد أَعَرْنَ انتباههن للإعلان من واقع دهشتهن من الاستمرار في استخدام هذا الأسلوب القديم في القرن الحادي والعشرين.
لكن لم يُعَرْ أيٌّ من هذا الانتباه للسيارة ذاتها؛ ومِن ثَمَّ لم يُعَر أيٌّ منه للرسالة التي كان المعلنون يَسعَوْن لإيصالها، ومفادها أن السيارة أكثر جاذبية وتألُّقًا من ملابس عارضة الأزياء الأشهر.
ربما لا تندهش كثيرًا عندما تعلم أن حملة تدشين السيارة لم تحقِّق النجاح التجاري الذي كانت ترجوه سيتروين. أسرَّ لي أحد مديري الإبداع الدنماركيين أن سيتروين لم تفهم سبب تحقيق استغلال عنصر الجنس في بيع السيارة رينو كليو كل هذا النجاح، بينما لم يتحقق هذا القدْر من النجاح مع السيارة سيتروين بالرغم من استغلال العنصر نفسه. ومن المحزن بل والمستهجَن أن يعجز المسوِّقون عن تمييز الفارق في ردة فعل الجمهور بين حكاية خيالية لمغازلة راقية، وبين رؤية واحدة من المشاهير الحقيقيين وهي تتعرَّى قطعة قطعة بكل سخف.
ربما يكون إعلان سيتروين زارا استثناءً، خاصة وأن مشهد خلع النساء ملابسهن ليس شائعًا في الإعلانات التليفزيونية البريطانية، وغير مسبوق في الإعلانات الأمريكية. ومن الأمثلة اللافتة أيضًا حملة إعلانات الخطوط الجوية البريطانية في الفترة ما بين عامي ???? و????. هذه الحملة، وفي اختلاف واضح للغاية عن إعلانات سيتروين زارا، استغلت الإدراك الحسي لصالحها.
دراسة حالة: الخطوط الجوية البريطانية

في عام ????، قدَّمت شركة الخطوط الجوية البريطانية حملة إعلانية تليفزيونية جديدة لإطلاق خدمة درجة «سوبر كلوب كلاس» على طائراتها. كانت الحملة الإعلانية من تنفيذ ساتشي آند ساتشي وإخراج المخرج الشهير توني سكوت، وفي هذه الحملة تم تصوير طائرة من طراز جامبو النفاثة التابعة لشركة الخطوط الجوية البريطانية من الداخل، وهذه الطائرة كان من المزمع تركيب مقاعد درجة «سوبر كلوب كلاس» الجديدة فيها، فهي أوسع المقاعد في العالم.
جَرَتْ مَشَاهِد الإعلان داخل كابينة الطائرة الجامبو. كما شاهدنا، ينفتح سقف الجامبو على نحو يُثِير الدهشة، وتبدأ مجموعة من المقاعد المزدوجة تدريجيًّا في الهبوط إلى داخل الكابينة. وفي تلك الأثناء يعلِّق صوت رجل قائلًا: «هذه هي مقاعد درجة «سوبر كلوب كلاس»، أوسع مقاعد على أي طائرة. ولكونها الأوسع على الإطلاق، لم يكن من السهل إدخالها من الباب. بدءًا من الأول من مايو على متْن جميع رحلاتنا الطويلة، ستكون هذه المقاعد هي الأوسع في العالم.»
عندئذٍ ينغلق السقف ونرى أن طائرًا صغيرًا قد طار إلى داخل الكابينة، فينفتح السقف مجددًا ليسمح للطائر بالخروج، بينما يتابع المعلِّق قائلًا: «من شركة الطيران التي ترعى جميع المسافرين جوًّا وكل ما يَطِير. الخطوط الجوية البريطانية المفضلة في العالم.»
ربما يكون قد تم التعامل مع هذا الإعلان بطُرُق شتَّى. فربما جذب انكشاف سقف الكابينة الانتباه، ولكن إذا تم استخدام الانتباه النشط، فإن هذا قد يؤدي إلى جدل مضاد مفاده أنه إذا كان من الممكن إزالة السقف بهذه الطريقة، فإن هذا يمكن أن يُعرِّض هيكل الطائرة للخطر، ما يؤدي إلى تحطمها في الهواء. وقد تكون مقاعد درجة «سوبر كلوب كلاس» عرضةً لتدقيق يَقِظ من المسافرين الذين اعتادوا السفر على درجة «كلوب كلاس»، ولكنها في ذات الوقت لم تكن لتحظى على الأرجح إلَّا بنظرة سريعة غير مدققة من الغالبية العظمى من المشاهدين الذين يعتبر السفر على درجة «كلوب» بالنسبة لهم حلمًا بعيد المنال. ربما حَظِي تعليق «أوسع مقعد على متن أي طائرة» ببعض الانتباه، ولكن من المؤكد أن هذا الادِّعاء قوبل بجدل مضاد يستند إلى أنه من غير المعلوم هل كان هذا الادِّعاء صحيحًا أم لا. ومن المؤكد أن ذلك الطائر الصغير هو الذي سوف يستحوذ على أعلى درجة من الانتباه، حتى مع حقيقة أن تفكير المشاهد بعمق فيما يراه سيؤدي به إلى أن يُدرِك أنه قد كان من الممكن وبسهولة إخراج الطائر من باب الطائرة.
وفي المجمل، يبدو من المستبعَد جدًّا أن يكون المشاهد قد اعتبر هذا السرد دليلًا على أن الخطوط الجوية البريطانية «تَرعَى جميع المسافرين جوًّا» بحق؛ حيث إن المنطق يقول إن المشاهد سيشعر بأن الشركة ترعى رجال الأعمال الذين يدفعون مبالغ باهظة للسفر على درجة «كلوب كلاس». غير أن الإعلان نجح بدرجة كبيرة على ما يبدو، وأسهم في زيادة شعبية الشركة بين الجميع.
في اعتقادي، سِرُّ هذا النجاح يعود إلى عنصرٍ لم أذكره بعدُ، وهو عنصر نَمِيل جميعنا إلى استبعاده من ناحية الإدراك الحسي، وذلك عندما نُشاهِد إعلانات التليفزيون، وهذا العنصر هو الموسيقى التصويرية؛ فقد قامت وكالة الإعلان في مرحلة لاحقة — حدث هذا في الواقع قبل بثِّ الإعلان بثلاثة أسابيع — بإضافة خلفية موسيقية، وكانت الموسيقى التي اختارتْها الوكالة عبارة عن دويتو إيقاعي جميل من أوبرا «لاكمي» لدليباس، وما كان لأحد من المشاهدين أن يُولِيَ الكثير من الانتباه النشط لهذه الموسيقى؛ وذلك لأن محور الإعلان هو المقاعد الجديدة، ولكن من الممكن أن يكون قد حدث تأثُّر ضمني لا واعٍ بها، تمامًا مثل كل المناقشات في متلازِمة حفل المشروبات.
أما الآن فعندي دليل على أن لهذه الموسيقى تأثيرًا كبيرًا على شعور المشاهدين إزاء السفر على متن الخطوط الجوية البريطانية، وهذا الدليل مستمَدٌّ من أكثر من مائة جلسة وندوة قمتُ خلالَها بتشغيل الموسيقى التصويرية لهذا الإعلان، وكنتُ أطلب من الحاضرين أن يُخبروني بشعورهم تجاه تلك الموسيقى. وفي كل مرة كان الحاضرون يخبرونني بأنها تجعلهم يشعرون بالارتياح والاسترخاء، كما لو أنهم يحلِّقون في الهواء بكل حرية وأن هناك مَن يرعاهم ويعتني بهم.
نحن عندما نشاهد الإعلان لا نسجل تلك المشاعر عن وعي؛ وهذا لأن الموسيقى تولِّدها تلقائيًّا من مفاهيم مختزنة في ذاكرتنا الدلالية، وهذا بالطبع يعني أنه من غير الممكن معارضتها، بل على العكس، فبعد التعرُّض للإعلان عدة مرات سيصبح الإدراك الحسي للموسيقى مرتبطًا لا شعوريًّا بالخطوط الجوية البريطانية، والقِيَم المفاهيمية التي يحفِّزها ستتحول إلى الشركة من خلال عملية تسمَّى «التهيئة» التي سوف أتناولها بمزيد من التفصيل في الفصل التالي، ولكن الآن دعونا نقبل فقط بأن المشاهدين قد ترسَّخ لديهم إحساس بأن الخطوط الجوية البريطانية وسيلة رائعة ومريحة للطيران، ولكن دونما أدنى فكرة عن سبب هذا الشعور.
استخدمت الخطوط الجوية البريطانية هذه المقطوعة الموسيقية في إعلاناتها لنحو ?? عامًا، بل قامت حتى ببثِّها في كبائنها أثناء صعود الركاب الطائرة. ومع مرور الوقت، ربط الجميع بين أوبرا «لاكمي» والشركة، وبهذه الطريقة صارت مثالًا ممتازًا على ما سوف نسمِّيه لاحقًا «الارتباط العاطفي بالعلامة التجارية». ومع ذلك، لم تعترف الوكالة الإعلانية أبدًا بمقدرة هذه الموسيقى على تشكيل رأي عام تجاه شركة الطيران، حتى إن كلمة «موسيقى» لم تَرِد ولو مرة واحدة في المرتين اللتين رُشِّحت فيهما الوكالة للفوز بجائزة فعالية الدعاية والإعلان التي يمنحها معهد ممارسي الإعلان (ماكجيل ونودل، ????؛ داي وآخرون، ????). فالوكالة لم يَخطُر ببالها أن موسيقى الإعلان تمتلك هذا القدْر من التأثير.
فما السبب؟ أحد الأسباب هو أن الموسيقى لم تَحظَ بأي انتباه نشِط، وهو ما يعني أنها لم يتذكرها أحد أثناء البحث؛ لذلك كان من شبه المستحيل «إثبات» دورها في تغيير الآراء، وكان من السهل نسيانها تمامًا. ولكنني أرى أن هناك سببًا أكثر وجاهة، فإذا لم يعترف أحد بمَدَى فعالية عنصر لا يتذكره أحد في تغيير الموقف تجاه شركة الطيران، فإنه يجعل نفسه عرضة لأن يُتَّهم بالتأثير على مشاعر الناس من دون دراية منهم. وهذا، بطبيعة الحال، آخِر ما ترغب صناعة الإعلان في أن يعرفه أحد عنها.
لذلك، من وجهة نظر صناعة الإعلان، يظل دور هذه الموسيقى الساحرة في تحقيق شركة الخطوط الجوية البريطانية هذا النجاح المستمر محض تكهُّنات، ولكن عندما قررت الشركة التوقف عن استخدام هذه الموسيقى في عام ????، بعد ?? عامًا من كونها الناقل الوطني الوحيد الذي يحقق ربحًا مستمرًّا ويتميز على خطوط الطيران الاقتصادية الأخرى، بدأت سمعتها تتراجع؛ ممَّا يدفع المرء إلى أن يتساءل إذا ما كان هذا قد حدث بالمصادفة البحتة.
ولكن الطريقة الوحيدة التي يمكن بها بناء رؤية مقنِعة عن دور الموسيقى في صعود وتراجع الخطوط الجوية البريطانية هي تحديد الكيفية التي يتم بها التعامل مع العناصر العاطفية التي تشمل الموسيقى؛ ومن ثَمَّ إظهار مَدَى قدرتها على التأثير فينا. وهذا هو الجزء التالي من القصة.
موجز: سيكولوجية التواصل

كما نرى في الشكل ?-? فإن النموذج أصبح أكثر تعقيدًا. النصف العلوي من الرسم التخطيطي هو منطقة المُعالَجة المنتبِهة الواعية، والنصف السفلي هو منطقة المعالجة غير المنتبهة التلقائية. وما بين هاتين المنطقتين توجد ثلاث طرق تعلُّم مختلفة.
شكل ?-?: رسم تخطيطي موجز لسيكولوجية التواصل.
الحد الأعلى للمعالجة المنتبِهة هو التعلم النشط، وهو فاعل عند مستويات عالية من الانتباه، ويستغل مستويات عالية من الجهد الإدراكي، وهو جيد جدًّا في تحليل وتفسير الأشياء. ومع ذلك، فإنه يتطلب إرادة لتحقيقه؛ ومِن ثَمَّ فهو لا يُستخدم كثيرًا في التعامل مع الإعلانات.
في الطرف الآخر من طيف التعلم المنتبه، في منتصف الشكل ?-?، يوجد التعلُّم السلبي، وهو فاعل عند مستويات منخفضة من الانتباه، ويستغل مستويات منخفضة من الجهد الإدراكي، وهو ليس جيدًا إلى حدٍّ كبير في تحليل الأشياء؛ ولذلك لا يبدو أنه يُفيد كثيرًا في تغيير المواقف على المدى الطويل. وهو في واقع الأمر لا يُفيد كثيرًا في تحليل نوعية المعتقدات والمواقف التي ترتبط بالإقناع القائم على الرسالة الإعلانية. التعلم السلبي هو الحالة الافتراضية التي نكون عليها ما دُمْنا واعين؛ لذلك فهذا النوع من التعلم غالبًا ما يكون بمثابة الطريقة التي نتعامل بها مع الإعلانات دون أن نُبدِي «أي انتباه على الإطلاق». ويكون التعلم الضمني فاعلًا بغضِّ النظر عن الانتباه، ولا يتوقف أبدًا. ولكن نقطة ضعفه هي أنه غير متصل بالذاكرة العاملة؛ ومِن ثَمَّ لا يمكنه تفسير أو تحليل أي شيء.
هناك أيضًا ثلاثة أنواع مختلفة من النشاط العقلي تحدث عندما نتعلم، فهناك الإدراك الحسي الذي يسجِّل كل الظواهر التي ندركها حسيًّا، وهناك التصور، الذي يربط هذه الظواهر بالقِيَم المختزنة في أذهاننا خلال حياتنا، وهناك التحليل، حيث يمكننا تفسير وتحليل هذه الظواهر. والتعلم الضمني يتضمن إدراكًا حسيًّا وتصورًا، ولكنه لا يتضمن أي تحليل.
ومن أجْل أن يكون الإعلان فعالًا على نحو مقنِع يلزم أن يكون التحليل شاملًا، وهو ما يتطلب الكثير من الجهد الإدراكي؛ مما يعني أن يتم التعامل مع رسالة الإعلان بالاستعانة على الأقل بشيء من التعلم النشط. ويُشار إلى الإقناع بالخط المتصل في الأعلى.
من ناحية أخرى، فإن التعرف على نوعية العلامة التجارية مهمة ذهنية بسيطة نسبيًّا؛ ولذلك يمكن أن يتم باستخدام التعلم السلبي فقط. ويشار إلى هذا بخط متقطع في الوسط.
ويتصف هذان النشاطان — تفسير الرسالة وتحديد العلامة التجارية — بكونهما عرضة للتصفية الإدراكية. وعندما تحدث التصفية الإدراكية من الممكن أن تبطل فعالية الإقناع أو تتسبب في عدم تسجيل العلامة التجارية التي يتم الإعلان عنها. وكثيرًا ما يحدث الأمران معًا.
وبافتراض عدم حدوث التصفية الإدراكية، فإن الإعلان يكون حينئذٍ قادرًا على التأثير في أفكار المُشاهِد وقناعاته الخاصة بالعلامة التجارية، وهو ما يؤثر بدوره على موقفه منها. ومع ذلك، يمكن للإعلان أن يؤثر أيضًا على المواقف مباشرة، كما يبين الخط المتقطع.
ولكن، حتى لو تغلب التواصل على كل هذه العقبات، فإن هناك آلية دفاع أخيرة يمكننا أن نستخدمها، ألَا وهي تقديم الحجة المضادة. فمثل التصفية الإدراكية، تبطل الحجة المضادة فعالية الإقناع. إلا أن هذا يستلزم قدْرًا كبيرًا نسبيًّا من الانتباه لمعارضة رسالة ما؛ ومِن ثَمَّ فإن الحجة المضادة نادرًا ما تعوق تأثيرات تغيير التوجه القائم على مستوى الانتباه المتدنِّي.
يُشار إلى التعلم الضمني بخطٍّ منقَّط. والتعلم الضمني متواصل بلا انقطاع؛ ومِن ثَمَّ لا يمكن أن يخضع للتصفية الإدراكية، ولأنه لا واعٍ لا يمكننا معارضته بحجة مضادة، ولكننا لم نتحقق بعدُ من الكيفية التي يؤثِّر بها على المواقف والسلوك، كما أننا، في هذه المسألة، لم نتمكن من تحديد آلية تفاعل هذه المعالجة مع الوعي. وهذان موضوعان مطروحان للنقاش في الجزء الثالث.

الجزء الثالث
العاطفة والوعي



الفصل الثامن
المعالجة العاطفية


تُمارِس جميعُ الأساليب التي تستثير العاطفة تأثيرًا تلقائيًّا فينا على مستوى اللاشعور.
أنطونيو داماسيو
«الإحساس بما يحدث» (????)
يتفق جميع مَن في صناعة الإعلان على أن العاطفة تحتلُّ موقعًا مهمًّا في الإعلان، وقد ثار الكثير من الجدل حول «سبب» تلك الأهمية.
ينظر المبدِعون إلى العاطفة باعتبارها مكونًا مهمًّا من مكونات الإبداع، بل وتُعَدُّ الاستجابة العاطفية لأحد الإعلانات جزءًا حيويًّا على ما يبدو في عملية التواصل الناجح (كوفر، ????). وبالنظر إلى أسلوبَيْ كوفر المختلفين في جذْب الانتباه — بالإجبار تارةً وبالتأثير العاطفي تارةً أخرى — يصبح من الجليِّ أن كِلَا الأسلوبين يعتمدان في الأصل على العاطفة في نجاحهما. ولكن، كيف نتعامل بالضبط مع المضمون العاطفي في الإعلان؟
قبل خمسة وثلاثين عامًا، كان علماء النفس يظنون أننا نتعامل مع مشاعرنا من خلال أفكارنا، وأن الشعور والعاطفة بالتالي يعقبان المعرفة (شاكتر وسينجر، ????). ومن عدة نواحٍ، يبدو هذا الأمر منطقيًّا إلى حدٍّ كبير، فالأفكار هي التي تجعل الإنسان واعيًا بما يشعر به في أي وقت؛ لذلك فمِن المفترض أن الأفكار هي التي تنشأ أولًا.
ولكن يتضح أن ما يحدث فعليًّا يختلف عن هذا تمامًا، ففي عام ???? أتى أول تحدٍّ للاعتقاد القائل بأن العاطفة تلي المعرفة من قِبَل زايونتس (????). ذهب زايونتس في بحثه الرائد إلى وجود عددٍ من الأسباب التي تدحض الاعتقاد القائل بأن العاطفة تعقب المعرفة.
في بادئ الأمر، أوضح زايونتس أن الاستجابات الوجدانية (العاطفية) أولية بطبيعتها، بمعنى أنها أول ما ينشأ في أي عملية تفكير؛ فقد أشار إلى أنه «عندما نحاول تذكُّر أو فهم أو استرجاع حدث أو شخص أو مقطوعة موسيقية أو قصة أو اسم أو أي شيء، تكون السمة العاطفية للمدخل الأصلي أول عنصر يَظهَر» (زايونتس، ????). مثلًا، أتذكَّر أنه منذ نحو ستين عامًا تعرضتُ للتوبيخ لأنني كنتُ فظًّا مع البستاني الذي كان يعمل في حديقة والدي. لا أعلم بالضبط ما تفوَّهتُ به، ولكني ما زلتُ أذكر إلى الآن الشعور بالخِزْي والذُّلِّ الذي صاحب الموقف.
أشار زايونتس أيضًا إلى أن الاستجابات العاطفية لا يمكن تجنُّبها «فقد يتمكن البعض من التحكم في التعبير عن مشاعره، ولكن لا يمكنه تجنُّب الإحساس بها على الإطلاق» (زايونتس، ????). لو فكرنا في الأمر لِلَحظة لتأكدنا من صحة ذلك. فعلى سبيل المثال، إنْ ذهبتَ إلى جنازة أحد أصدقائك وسمعتَ خطبةً عن المتوفَّى، فلا يمكنك التحكُّم بما ينتابك من حزن حتى وإن استطعتَ منْع نفسك فعليًّا من البكاء. وبالمثل، عندما تستمع إلى نكتةٍ ظريفةٍ ولكن غير مهذَّبة نوعًا ما، فربما تكون قادرًا على منع نفسك من الضحك، بل ربما تكون قادرًا على إخبار نفسك بعد ذلك بأن النكتة لم تكن مُضحِكة بالفعل، ولكنك لا تستطيع أن تمنع نفسك من الشعور بأنها مضحكة في المرة الأولى التي سمعتَها فيها.
ثالثًا: أوضح زايونتس أن الاستجابات العاطفية يصعب التعبير عنها لفظيًّا، فهي تعتمد عمومًا على وسائل التعبير غير اللفظية (زايونتس، ????). فعلى سبيل المثال، عندما تُقابِل أحدًا فإنك تعلم على الفور إن كنتَ تحب هذا الشخص أم لا، ولكن يكاد يكون من المستحيل أن تفهم «من الناحية الإدراكية» سبب حبك له. وإن سألك أحدٌ لِمَ تحب هذا الشخص؟ فإن الإجابة تتلخَّص في صفاتٍ مثل أنه شخصٌ «لطيف» أو «مَرِح» أو «مُثِير للاهتمام». ولكن بناءً على ما جاء على لسان زايونتس، «فإن تلك الصفات توضح ردود أفعالنا إزاء هذا الشخص ولا تَصِف الشخص نفسه، ولا تُعَدُّ تلك الصفات وسائل لفظية دقيقة للتعبير عن «سبب» إعجابنا ببعض الأشخاص والأشياء وما يعجبنا فيها» (زايونتس، ????).
أبدى زايونتس أيضًا بعض الملاحظات بخصوص عملية التواصل، فأشار على سبيل المثال إلى أن «الفشل الذريع في تحقيق تغييرٍ ملموس في السلوك من خلال الأنماط المختلفة للتواصل أو الإقناع يُعَدُّ مؤشِّرًا إلى أن العاطفة مستقلَّة إلى حدٍّ كبير ولا تتأثر بالمعرفة في أغلب الظروف» (زايونتس، ????).
واختتم زايونتس ملاحظاته بالإشارة إلى أن المعرفة والعاطفة تعتمدان على أجهزةٍ نفسية وبيولوجية منفصلة. صقل جوزيف لودو (????) تلك الفكرة لاحقًا، فافترض أن هناك دائرتين عاطفيتين تعملان في حالةٍ من التوتر؛ أولاهما: الاستجابة السريعة التأثير التي تمر بجوار قشرة الدماغ المسئولة عن جزء «المعرفة» وتسمح لنا بالاستجابة السريعة في المواقف التي تنطوي على أي تهديد. وثانيتهما: دائرة الاستجابة بطيئة التأثير التي تمر من خلال قشرة الدماغ وتنتج تقييمًا مفصَّلًا عن المعنى العاطفي للموقف وتسمح لنا أيضًا بالتصرف في تلك المواقف على النحو الأنسب.
فسَّر لودو النظامين من خلال شرح ردِّ فعل أحد الأشخاص إنْ شَاهَدَ عصًا وحسِبَها ثعبانًا على ممر في الأدغال، فالصدمة الأولى تولِّد استجابة سريعة التأثير متمثِّلة في القفز إلى الوراء والتصبب عرقًا. ثم تتعرف الاستجابة المعرفية بطيئة التأثير على الشيء باعتباره عصًا ويَهدَأ روع هذا الشخص. يُلاحظ أن كلتا الاستجابتين يمكن أن توصفا بأنهما نوع من «الإثارة»، ولكن الاستجابة الأولى غريزية بطبيعتها والثانية يدفعها الإدراك أو المعرفة. يستشهد القائمون على صناعة الإعلان بأفكار لودو على نطاق واسع، ولكن جديرٌ بالذكر أنه قد تم تطوير هذا النموذج خِصِّيصَى لتوضيح الاستجابات المرتبطة بالتوتر. تنشأ هذه الاستجابات للعاطفة الشديدة الوطأة من آنٍ لآخَر في بعض أنواع الإعلانات (مثل إعلانات الخدمة العامة)، لكن قلَّما يكون ذلك المضمون العاطفي الشديد حاضرًا في الإعلانات الخاصة بعلامات تجارية.
العاطفة والشعور

ينظر معظم الناس إلى كلمتي «العاطفة» و«الشعور» باعتبارهما لفظتين مترادفتين، وعندما يتعرض الناس لضغط غالبًا ما يقولون إن مشاعرهم هي السبب في استجاباتهم العاطفية. أما في علم النفس، فالعكس صحيح، فالاستجابات العاطفية هي التي تقود مشاعرنا.
يرجع الفضل لأنطونيو داماسيو في فهم الفرق بين العواطف والمشاعر لما بذله من جهودٍ جبَّارةٍ في هذا الصدد. انتقل داماسيو البرتغالي المولد إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليلتحق بالعمل في مركز أبحاث أفيجا في بوسطن، وأمْضَى بعدَها ?? عامًا من العمل بجامعة آيوا. وهناك توصل داماسيو إلى فهمٍ موضوعيٍّ للكيفية التي يتم بها التعامل مع العواطف والدور الذي تؤدِّيه في حياتنا.
يرى داماسيو أن العاطفة هي ردُّ فعلٍ بيولوجي عصبي، وقد أوضح تلك الأفكار في إحدى محاضراته في عام ???? في مركز سمبسون بجامعة واشنطن.1 قال إن العاطفة تُعَدُّ مكوِّنًا شديد الأهمية ليس فقط بالنسبة إلى الطريقة التي نتصرف بها نحن البشر، ولكنه شديد الأهمية أيضًا بالنسبة إلى الطريقة التي تتصرف بها الحياة بأكملها (داماسيو، ????). فيمكن التعرف على ردود الأفعال العاطفية في أي شكل من أشكال الحياة، بل يمكنك حتى ملاحظة السلوك الشبيه بالعاطفة في الكائنات الوحيدة الخلية، والتي إنْ تعرضتْ للتهديد تشرع في الهروب أو الانكماش مثلما يتصرف أي حيوانٍ يمتلك مخًّا؛ ومِن ثَمَّ يبدو أن المكونات الأساسية التي تشكل العاطفة تواجدت في الحياة قبل أن يتطور العقل ذاته بوقت طويل. إذن لماذا نمتلك عاطفةً؟ بدايةً، تلعب العاطفة دورًا هامًّا في بقائنا، فبدونها لن نمتلك آلية رصد أي تهديدٍ، ولن نمتلك أي شيء يولِّد لدينا رغبة في الهرب من هذا التهديد. بدون العاطفة لا يمكنك اكتشاف إحساسك بالجوع وضرورة البحث عن الغذاء، ولن تصبح قادرًا على التعرف على أحد أفراد الجنس الآخر والتزاوج. بكل بساطة، لا يمكننا أن نبقى بدون عواطف.
يرى داماسيو أن أهمية العاطفة لا تقف عند تنظيم أجسادنا، بل تمتد لتصل إلى سلامة المجتمع ورفاهيته؛ فنحن نمتلك قدرة خاصة تمكننا من رصد عواطف الآخرين، بل ويصل الأمر أحيانًا إلى أن نخبر شخصًا ما بمشاعره من تعبير وجهه قبل أن يعلم بها هذا الشخص نفسه. تلعب هذه القدرة الرصدية دورًا محوريًّا في تنظيم سلوكنا. فإن لمستَ ألَمًا — على سبيل المثال — في وجْه أحدهم، فإنك تعرف في الحال أنه يُعانِي من إصابة ما، وإن لمستَ خوفًا، فإنك أيضًا تعرف أنه يشعر بتهديد أو بخطر ما، وإن لمستَ غضبًا من جانب شخص ما، فقد تستنتج أنه ينبغي عليك التوقف عما تفعله، وإن لمستَ سعادةً أو نشوةً لديه، فربما تدرك أنه ينبغي عليك الاستمرار فيما تفعل.
تُبرز ردود الأفعال العاطفية دومًا نوعًا من التغير البيولوجي في حالتنا السلوكية، وحتى إن لم ترصد عاطفةً في وجه شخصٍ ما، يمكنك بكل بساطة ملاحظة ردود أفعاله البيولوجية باستخدام وسائل مختبرية. ولكننا لا نَقدِر على رؤية وجوهنا؛ ومِن ثَمَّ لا يمكننا رصد حالتنا العاطفية على الإطلاق. وهنا يأتي دور المشاعر التي عرَّفها داماسيو بأنها الإدراك الحسي العقلي للتغير السلوكي الناتج عن «العاطفة».
هذا يعود بنا مرةً أخرى إلى السؤال نفسه: «أيهما يحدث أولًا؟» من جديد، يجيب داماسيو إجابة قاطعة إذ يقول إنه على الرغم من أننا قد نعتقد أن الشعور يسبق العاطفة، فإن العكس صحيح؛ فالمشاعر استجابة للعاطفة، ودائمًا تسبق العاطفة المشاعر.
كيف تتولد العاطفة؟

يمكن أن تتولد العاطفة نتيجةً لعددٍ من المُثِيرات المختلفة، فقد تكون استجابة لمُثِير فيسيولوجي مثل العقاقير أو الأقراص الدوائية أو لمُثير ذهني مثل نكتة أو قصة. بل إنه لا يُشترط لتولُّد العاطفة أن يكون هناك سبب خارجي، فمن السهل أن تُستثار عواطفنا بمجرد تذكر شيءٍ ما أو من خلال توقع حدوث أمرٍ ما؛ لذا قد تؤدي الأحلام العادية أو أحلام اليقظة، الخيالية تمامًا والمختَلَقة داخل عقل الإنسان، إلى تولُّد استجابة عاطفية لديه.
يستخدم داماسيو مصطلح «المثير المؤثِّر عاطفيًّا» لوصف أي شيءٍ خارجي قد يؤدي إلى استجابة عاطفية. وأوضح أن هناك نوعين من المثيرات العاطفية: النوع الأول يشمل مثيرات مثل الأصوات العالية، والهزَّة التي تُحدِثها الزلازل، ونئيم الفهد، وجميعها مُثِيرات تولِّد خوفًا لديك، حتى وإنْ لم تكن قد سمعتَها مِن قبلُ. يولد الإنسان بحساسية لهذا النوع الأول من المثيرات العاطفية لأن رد الفعل العاطفي تشكَّل بداخلنا أثناء عملية التطور. وأما النوع الثاني فيشمل مثيرات مثل الموسيقى والرسم، اعتدْنا على أن يَصدر عنَّا إزاءها استجابة عاطفية من خلال رصدنا ردود أفعال الآخرين. في بعض الأحيان تكون المثيرات العاطفية مزيجًا من ردود الأفعال الفطرية والمكتسبة. يطرح داماسيو مثالًا في هذا الصدد وهو صغار القردة التي ترتعد خوفًا إنْ رأتْ ثعبانًا، ولكنها ترتعد خوفًا أيضًا إن شاهدتْ والدتها ترى ثعبانًا. بل ومن المُثير للانتباه أيضًا أنها إنْ لم تَرَ — وهي في مرحلة الرضاعة — والدتها ترتعد خوفًا عند رؤيتها ثعبانًا، فإن هذه الصغار لن تكتسب رد الفعل هذا أبدًا.
من الضروري أن يُؤخَذ بعين الاعتبار أن المُثِيرات العاطفية ليست شرطًا لتولُّد عاطفة ما، فمن الممكن أن تتولد على الفور، ومن الممكن أيضًا استدعاؤها من الذاكرة العرضية.
يمكن استدعاء حادثةٍ وقعتْ لك منذ سنوات وتسبَّبت في إخافتك من الذاكرة فينتابك شعور بالخوف من جديد. وسواء كانت تلك الحادثة وقعتْ لك للمرة الأولى أو استدعيتَها من الذاكرة، يظل لها التأثير نفسه. (داماسيو، ????)
ومن ثَمَّ فإن التعرُّض لمثيرات مؤثرة عاطفيًّا قد يكون له تأثير مؤجَّل، وهذا أمر له أهميته فيما يتعلق بالإعلان.
كيف تتحول العواطف إلى مشاعر؟ يرى داماسيو أن استجابتنا لمُثير مؤثِّر عاطفيًّا تمر بعدة مراحل معقدة: المرحلة الأولى هي التقييم، وهذا على ما يبدو نوعٌ من الاستجابة المعرفية العقلانية يحدث على مستوى الشعور، وهو على الأرجح أحد الأسباب التي تفسِّر مدى صعوبة الاقتناع بفكرة أن العاطفة تسبق المعرفة. ولكن الحقيقة هي أنه على الرغم من إمكانية حدوث عملية تقييم المثير المؤثر عاطفيًّا على مستوى الشعور، فإنه في كثير من الأحيان تحدث هذه المرحلة الأولى تلقائيًّا على مستوى اللاوعي.
بطريقة أو بأخرى، فُسرت فكرة التقييم تفسيرًا حرفيًّا للغاية للدلالة على التقييم الواعي، وكأن المهمة الرائعة لتقييم موقف ما والاستجابة تلقائيًّا له تُعَدُّ إنجازًا بيولوجيًّا ثانويًّا. (داماسيو، ????)
السبب واضح، وهو أنه إنِ انتظرنا إلى أن يصبح عقلنا قادرًا على إجراء تقييم واعٍ لمثير مؤثر عاطفيًّا يهددنا، فلن يكون هناك وقتٌ كافٍ للهرب أو الدفاع عن أنفسنا أو غير ذلك. تعليقًا على فكرة التقييم، كتب داماسيو يقول: «لا يشترط لظهور عاطفة ما أن يتم تحليل الشيء المولِّد لتلك العاطفة على مستوى الوعي، ناهيك عن تقييم الموقف الذي يَظهَر فيه هذا الشيء» (داماسيو، ????).
إن أفضل طريقة لفهم مسألة التقييم هذه تكمن في مجموعة من العمليات الترشيحية يتم خلالها المقارنة بين المثير المؤثر عاطفيًّا وبين ردود الأفعال الفطرية والمكتسبة المخزنة في الذاكرة الدلالية. تكمن أهمية تلك العملية في أنها تؤكد أن العاطفة قد تتولد لديك في أي وقت نتيجة تعرضك لأحد المُثِيرات العاطفية مع «عدم» وعْيِك بأنك تعيش هذه العاطفة أو ذلك الشعور.
أما بالنسبة للمرحلة الثانية من الاستجابة، فيُطلِق عليها داماسيو اسم «الإثارة»، وفي هذه المرحلة تتفاعل مختلف أجزاء المخ لتستجيب وتُصدِر عاطفة أو انفعالًا. مرةً أخرى، هذه عملية تلقائية تمامًا، وهي تُماثِل تولُّد المفاهيم من الذاكرة الدلالية كما أوضحنا في القسم السابق. والعاطفة — مثل الذاكرة الدلالية — لا توجد في جزءٍ واحدٍ فقط من المخ، فالمواضع المختلفة من المخ تثير عواطف مختلفة، وتحدث الكثير من العمليات الترشيحية والتحويلية بين أجزاء المخ المختلفة. وبالطبع إنْ قررتْ تلك العمليات الترشيحية التلقائية أن المثير المؤثر عاطفيًّا ليس مهمًّا أو مهددًا أو جذَّابًا، فقد تبقَى غير مُدرِك بأن عاطفة ما تنتابك مثل ما يحدث عندما تبقى مصابيح فرامل السيارة مضيئة دون أن تفعل شيئًا.
أما المرحلة الثالثة فيأتي دورها عندما تتولد العاطفة ذاتها في نهاية المطاف (أي عندما يصبح لها تواجد فعلي بفعل الوطاء أو جذع الدماغ)، وحسبما يقول داماسيو، عندما يحدث هذا نبدأ في الإحساس بالمشاعر.
لماذا نمتلك مشاعر؟

يمكن للاستجابات العاطفية والسلوك أن يُنقِذا حياتك ويُساعِداك على اقتناص الفُرَص المتاحة أمامك، ولكنهما لا يُعطِيانك الفرصة لتأمُّل حقيقة أن أشياء معينة تتسبب في الشعور بالحزن أو الفرح وغيرهما، ولا يعطيانك الفرصة أيضًا في استخدام التأمل في تشكيل «انشغال» عقلي بأحد الأشياء أو المواقف. ولا يتم هذا الأمر إلَّا من خلال تحويل عاطفتك إلى شعور.
تُعَدُّ المشاعر — مثل العواطف — جزءًا أساسيًّا من بشريتنا. وفقط من خلال تحول عواطفنا إلى مشاعر، نستطيع أن نشكل عالمًا نَعِي فيه حقيقة أن هناك أشياء تولِّد لدينا ولدى الآخرين حالات من الفرح والحزن وما إلى ذلك. وهذه بدورها خطوة مهمة تساعدنا على الاهتمام بالآخرين وعلى وضع أساليب وتقاليد تجنِّبنا وتجنِّب الآخرين المعاناة.
لذا فالمشاعر تُتِيح للشخص الاهتمام الذي يكفي لإثارة حالة من الفرح لدى الآخرين ومنع الألم عنهم. وهذه المشاعر تولِّد لدينا أيضًا نوعًا من الشفقة والتعاطف عند حزن الآخرين، والمشاركة الوجدانية عند فرحهم. أوضح داماسيو أن مشاعر مثل الاهتمام والتعاطف لا تكون مكتسبة بالضرورة لأنها تَظهَر تلقائيًّا في الكثير من الأحيان؛ بمعنى أنه خلال عملية تطورنا، ظهرت لدينا بعض أنماط ردود الأفعال مثل التعاطف عندما ترى شخصًا ما يعاني، والاستياء أخلاقيًّا عند ممارسة أحد الغش. وبالطبع إنْ لم نكن نعرف مشاعر مثل الفرح والحزن والاستياء والخوف، فإن وجودنا سيكون «حياديًّا» جدًّا.
غالبًا ما نكون على وعي بمشاعرنا، وعندما يحدث هذا الوعي تكون تلك المشاعر قادرة على ممارسة أكبر تأثير علينا، ولكن هذا الوعي أيضًا له دور في صنع التوازن، فقد أظهر بحثٌ علمي أجراه روبرت بورنستين (????) حقيقة أنه في حال وعينا «المفرط» بالتأثير على مشاعرنا، فإن هذا التأثير يتضاءل. ويكمن السبب في ذلك أننا حينما نعلم أن مشاعرنا يتم التأثير عليها، فإننا يمكن أن نعارض هذا التأثير عقلانيًّا ونُضعِف من رد الفعل الناتج عنه (كيلستروم، ????). على سبيل المثال، إن علمتَ أن أحد الأشخاص يحاول أن يُنافِقك، فإنك ستكون مُستعِدًّا للدفاع عن نفسك إن كانت لديك الرغبة. ولهذا الأمر علاقة وطيدة بصناعة الإعلان كما سيتضح لنا لاحقًا.
لذا فنحن نكون أكثر عرضة للتأثر فقط عندما نكون مدركين على نحو مبهم غير واضح أن عواطفنا يتم التأثير عليها، ويزداد تعرضنا للتأثر عندما لا يكون لدينا أي فكرة أن تأثيرًا ما يُمارَس على عواطفنا. يشير داماسيو إلى أن معظم الناس يفترضون أنه في حال وجود مشاعر فلا بد أننا سنكون على وعي بها، ولكن ليست تلك هي الحال دومًا.
ألا تدل الحالة الشعورية حتمًا على أن صاحبها واعٍ تمامًا بالعاطفة والشعور اللذين يَظهَران لديه؟ أرى أنها لا تدل على ذلك، فلا يوجد دليل على أننا ندرك كافة مشاعرنا، وهناك الكثير من الأمثلة التي تُعزِّز رأيي. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما ندرك على نحو مفاجئ أننا نشعر بالقلق أو عدم الارتياح أو السعادة أو هدوء الأعصاب، ومن الواضح أن تلك الحالة الشعورية لم تكن بدأت في لحظة الدراية بها بل قبلها. ولم تكن الحالة الشعورية والعاطفة اللتان أدَّتَا إلى تلك الحالة الشعورية الجديدة قد تولَّدتا على مستوى «الوعي». (داماسيو، ????)
من جديد، هذا الأمر له أهمية بالغة فيما يتعلق بصناعة الإعلان، ويمكن أن أوضحها بالعودة إلى المثال الخاص بموسيقى الخطوط الجوية البريطانية. لقد أشرتُ من قبل إلى أن الموسيقى تُعَدُّ مثيرًا عاطفيًّا مؤثرًا ينتج عنه مشاعر مختلفة كالشعور بالارتياح والسرور وهدوء الأعصاب. كما أوضحت أن مشاهدي الإعلانات التليفزيونية لا يدرون عمومًا بالموسيقى التي تعزف في خلفية الإعلان، وفي أفضل الأحوال يتعاملون معها بمستويات منخفضة جدًّا من الانتباه. باستخدام نموذج داماسيو للمعالجة العاطفية، من المؤكد أن عواطف هؤلاء المشاهدين تمت إثارتها بالموسيقى، ومن المرجح جدًّا أن ذلك أدى إلى توليد مشاعر لديهم. ولكن نظرًا لأن انتباههم منصبٌّ على شيءٍ آخَر، فمن غير الوارد أن تكون تلك المشاعر قد تم المرور بها على مستوًى آخَر بخلاف المستوى نصف الواعي.
إذن ما الذي يحدث للمشاعر «نصف الواعية»؟ بناءً على النسبة الهائلة من الناس الذين أدركوا أن الموسيقى التي تم عزفها هي موسيقى الخطوط الجوية البريطانية، يتضح أن هذه الموسيقى باقية في ذاكرتهم. ومن المرجح أن المشاعر التي أثارتْها الموسيقى ظلت مخزنة على مستوًى ضمني ما داخل الذاكرة الدلالية أيضًا. ولكن، هل ترتبط تلك المشاعر بشكل أو بآخر بالخطوط الجوية البريطانية؟
عندما تشاهد الإعلان وتسمع الموسيقى للمرة الأولى، فمن المحتمل ألَّا يكون لذلك تأثير كبير عليك، ولكن يتراوح متوسط عدد مرات مشاهدة إعلان تليفزيوني بين ثلاث مرات إلى ثلاثين مرة؛ ومن ثَمَّ يصبح السؤال الأكثر أهمية هو: ما الذي يحدث بعد مشاهدة إعلان الخطوط الجوية البريطانية خمس عشرة مرة مثلًا؟ الإجابة أنه يكون قد تم «تكييفك» على مشاهدة الإعلان.
الإشراط العاطفي

يُعَدُّ الإشراط (التكييف) من الظواهر المعروفة، وأغلبنا سمع عن تجربة بافلوف الشهيرة، حيث كان يدق الجرس قبل أن يرش مسحوق اللحم على أفواه الكلاب. ومسحوق اللحم كان يُسِيل اللعاب، وقد اكتشف أنه بعد تكرار هذه التجربة عدة مرات كان لعاب الكلاب يسيل لدى سماعها رنين الجرس حتى وإنْ لم يتم رش مسحوق اللحم على أفواهها (سولومون، ????).
الإشراط في الأساس هو تحويل استجابة من مثير شرطي إلى مثير غير شرطي. ومسحوق اللحم من المثيرات غير الشرطية لأنه بطبيعة الحال قادر على جعل الكلب يستجيب بسيلان لعابه، أما بالنسبة للجرس فإنه من المثيرات الشرطية لأنه ارتبط ارتباطًا وثيقًا بمسحوق اللحم وسيلان اللعاب.
يُعتقد أن الآلية التي يستند إليها الإشراط الكلاسيكي — أو التعلم الترابطي كما يُطلق عليه أحيانًا — تتضمن خلايا عصبية مرآتية (ريتسولاتي وكريجيرو، ????). عندما «يفعل» الحيوان شيئًا ما، تنطلق خلايا عصبية متنوعة في دماغه لتمكينه من أداء هذا الشيء. وقد اتضح في الرئيسيات أنه إن راقب أحد الرئيسيات كائنًا آخر من الرتبة نفسها وهو يفعل شيئًا ما، فإن الخلايا العصبية نفسها تنطلق في دماغ الكائن «المراقِب» كما يحدث في دماغ الكائن «المؤدي» للفعل. بمعنًى آخَر، «تعكس» الخلايا العصبية لدى الكائن المراقِب الخلايا العصبية لدى الكائن المؤدي للفعل.
ويُعتقَد بأن العملية نفسها تحدث مع البشر؛ فعلى سبيل المثال، عندما نرى شخصًا يبكي، تقوم الخلايا العصبية المرآتية لدينا بمحاكاة هذا الفعل ونشعر نحن أنفسنا بالحزن، وعندما نشاهد الأب ونيكول يقومان بتصرفات مثيرة في إعلان سيارة رينو كليو، فإن الخلايا العصبية المرآتية تنطلق في أدمغتنا لتسمح لنا بتخيُّل «التجربة» التي يمُرَّان بها.
للتكرار أهمية كبيرة في حدوث عملية الإشراط، لأنه وفقًا لما يقوله سولومون «تزيد حالات التعرض المتكررة من قوة ارتباطات المثيرات والاستجابات وتمنع اضمحلال تلك الارتباطات في الذاكرة» (سولومون، ????). ولأن الخلايا العصبية المرآتية تنطلق غريزيًّا وعلى مستوى اللاوعي، غالبًا ما نكون غير مدركين لعملية الإشراط. يتوقع داماسيو أن عملية الإشراط يمكن أن تحدث بين المشاعر والأشياء، وقد لا يكون لدى المرء أي فكرة عن السبب: بينما تتطور الكائنات وتتفاعل، تكتسب خبرات واقعية وعاطفية من خلال تعاملها مع الأشياء والمواقف المختلفة وتكون لديها فرصةٌ لربط العديد من الأشياء والمواقف المحايدة عاطفيًّا مع الأشياء والمواقف التي يُعرَف عنها أنها تُثِير العواطف. ثمة شكل من أشكال التعلُّم يُعرف ? «الإشراط» وهو أحد الطرق التي يتم بها تحقيق هذا الارتباط؛ ومن ثَمَّ فإن وجه شخص رائع لا تعرفه يشبه وجه شخص ما يرتبط بحدث مخيف قد يسبب لك شعورًا بعدم الارتياح أو التوتر، وقد لا تدري ما السبب أبدًا. (داماسيو، ????)
هذا بالضبط ما يحدث في حالة موسيقى إعلان الخطوط الجوية البريطانية، حيث إن العواطف التي تُثار على مستوى اللاوعي عن طريق الاستماع إلى موسيقى الإعلان تصير مشاعر، وهذه المشاعر يتم ربطها على المستوى نصف الواعي بالخطوط الجوية البريطانية؛ لذا فنحن في نهاية المطاف، نكون قد تكيَّفنا على الربط بين إعلان الخطوط الجوية البريطانية ومشاعر الارتياح وهدوء الأعصاب والسعادة، ولكن كما قال داماسيو، قد لا ندري أبدًا سبب ذلك.
دراسة حالة: أندريكس

من ضمن الأمثلة الجيدة على الإشراط العاطفي حملة أندريكس بوبي في المملكة المتحدة. تُعد أوراق التواليت أندريكس من ضمن أكثر العلامات التجارية نجاحًا في المملكة المتحدة، وقد اعتادت في مرحلة ما أن تتفوق في مبيعاتها على أقرب منافسيها، كلينيكس، بنتيجة ? مقابل ? على الرغم من أنها أغلى ثمنًا. وحتى في الوقت الحالي، تهيمن هذه العلامة التجارية الناجحة هيمنة كاملة على كافة متاجر المملكة المتحدة.
أوضحت بعض دراسات الحالة بمعهد ممارسي الإعلان أن سِرَّ نجاح أندريكس يكمن في حملتها الإعلانية طويلة الأمد التي تزعم دومًا أن منتجاتها «ناعمة، وقوية، وتدوم لفترة طويلة». بالمناسبة، لاحظ أن الشركة لم تدَّعِ أبدًا أن منتجاتها «أنعم، وأقوى، وتدوم لفترة أطول»؛ لأن تلك المزايا لم تكن موجودة. فالمناديل تحتوي على عدد الورقات نفسه الموجود في كلينيكس، وقد أثبتت الاختبارات أن مناديل كلينيكس كانت أنعم من أندريكس. إذن كيف كان لحملة أندريكس الإعلانية هذا التأثير الهائل على نجاح العلامة التجارية؟
كان المكوِّن السِّرِّي الذي ميَّز إعلان أندريكس على مدى أكثر من عشرين عامًا هو جرو لبرادور ذهبي اللون، فكان يتميز بالقدْرة على فعل الكثير من الأشياء اللطيفة مثل النوم في أوراق التواليت أو سرقتها من طفل صغير يجلس في دورة المياه. ولكن لا أظن أن هذه الأفعال اللطيفة هي ما جعلت الحملة الإعلانية ناجحة على هذا النحو؛ فباستخدام ما تعلَّمناه عن العاطفة، أعتقد أنني قادر على إثبات أن أكثر عنصر مؤثر في هذه الحملة هو الإشراط العاطفي.
إليك وجهة نظري؛ أي شخص وضع يده على جرو لبرادور (وهو النوع الأكثر شعبية في المملكة المتحدة) يعلم أن فروه شديد النعومة. علاوةً على ذلك، تُشتَرَى الجِرَاء الصغيرة عادة كهدايا للأطفال ويُعتقد أن هذه الجِرَاء تعبير عن قِيَم الأسرة السعيدة؛ ومن ثَمَّ فإنني أعتقد أن الربط بين الجرو وأوراق التواليت أندريكس قد أدَّى إلى تكيُّفنا على فكرة أن أوراق التواليت أندريكس ليست مجرد مناديل ناعمة بل منتج لشركة تحرص على سعادة الأسرة.
لا يوجد شخص في المملكة المتحدة لا يعرف جرو أندريكس، لا سيما وأن صورته تَظهَر على وجه العبوة التي تسيطر على كافة متاجر المملكة المتحدة كما أشرتُ سابقًا. ولكن المثير للاهتمام أنك إذا سألتَ أحدًا إذا ما كان يشتري أوراق التواليت أندريكس بسبب هذا الجرو، فإنه يُنكِر ذلك تمامًا. لا عجب من هذا الجواب، فلا أحد يريد أن يَظهَر بمظهر الساذج إنْ هو قال إنه اشترى أوراق التواليت أندريكس لمجرد اشتمال الإعلان على جرو. ما يقوله الناس هو أنهم يشترون أوراق التواليت أندريكس؛ نظرًا لأنها أعلى جودة أو أفضل قيمة أو بسبب تفضيل الزوج أو الأطفال لها، أو لأي أسباب عقلانية أخرى.
بالطبع إن سُئِلتَ إذا ما كنتَ تشتري ورق تواليت ذا علامة تجارية معينة لأن الإعلان عنها يتضمن جروًا، فربما تفكر بطريقة أكثر عقلانية فيما تفعله. ربما ستدقِّق أكثر في الأسعار أو حتى تجرِّب علامة تجارية أخرى لترى إذا ما كانت أنْعَم أو أقوى. ولكن إلى أن تُتَحرى مسألة تأثير الجرو، يظل الإشراط مؤثرًا على نحو غامض وعلى مستوى اللاوعي. بمعنى أنك تشتري المنتج مفترِضًا بطريقة أو بأخرى أنه الأفضل من نوعه وأنت جاهل تمامًا أنه «خلف الكواليس» يتم التأثير على قرارك بواسطة القِيَم المرتبطة بالجرو؛ ومن ثَم إن لم يتم طرح السؤال على الإطلاق، فسوف تستمر في شراء المنتج، وكما يقول داماسيو، قد لا تعرف أبدًا سبب ذلك.
هوامش

(1) http://depts.washington.edu/uwch/katz/20022003/antonio_damasio.html.
الفصل التاسع
اللاوعي التكيُّفي


كانت وجهة نظر فرويد القائلة بأن الوعي هو قمة جبل الجليد العقلي غير دقيقة … فحجمه لا يتعدَّى حجم كرة ثلج على قمة هذا الجبل.
تيموثي ويلسون
«غرباء عن أنفسنا» (????)
في الفصل السابق كنتُ قد أوضحتُ وصف داماسيو للعاطفة حال معالجتها على مستوى اللاوعي. ونظرًا لأننا نبحث عن تفسيرٍ للطريقة التي يمكن بها للتعلم الضمني من الإعلان التأثير علينا، بالإضافة إلى الكيفية التي يمارس بها التعلم الضمني تأثيره تلقائيًّا وعلى مستوى اللاوعي، يصبح من الأهمية بمكان الوصول إلى فكرة واضحة عن كيفية عمل عقولنا الواعية واللاواعية معًا.
يتبنَّى داماسيو الفكرة الثورية التي مفادها أن هناك تمثيلًا لأجسامنا داخل أدمغتنا، وقد أطلق على هذا التمثيل اسم الذات البدئية، ويصفها بأنها مجموعة من الخرائط التي تصوِّر أجسامنا بطريقة مفككة إلى حدٍّ ما. نحن لا ندرك تمامًا وجود هذه «الخرائط» لأننا ننتبه فقط إلى الصورة المركبة — إحساسنا بالعافية أو الراحة أو التوعُّك أو اليأس أو أي شعور آخَر قد تكون عليه حالتنا العاطفية ككل.
والمقصود بذلك هو أننا نتصرف كما لو أننا نمتلك جسدين؛ أحدهما لا ندركه تمامًا (الذات البدئية) والآخَر ندركه، والذي يُطلِق عليه داماسيو اسم الوعي الأساسي. ويقدِّم داماسيو أدلةً على أن العواطف والمشاعر تتشكل في الذات البدئية بينما تتشكل الأفكار في الوعي الأساسي. ونظرًا لأن النشاط الحادث في الذات البدئية دائمًا ما يسبق النشاط الحادث في الوعي الأساسي فإن ذلك يعني أن العواطف والمشاعر دائمًا ما تتشكل قبل المعرفة وعلى مستوى اللاوعي (داماسيو، ????).
عادةً ما يستخدم علماء النفس مصطلح «اللاوعي» لوصف النشاط العقلي الذي يحدث دون مستوى الوعي. فقد تحدث المعالجة اللاواعية عندما تكون مستيقظًا (واعيًا) أو نائمًا (لا واعيًا) على حدٍّ سواء، وهذا يحمل شيئًا من التناقض بعض الشيء. لكنني أقتصر في استخدامي لمصطلح اللاوعي هنا على المعالجة التي تحدث دون مستوى الوعي عندما نكون مستيقظين. والسبب وراء ذلك هو أنني لا أعتقد في واقع الأمر أن الإعلان يمكن أن يؤثر علينا عندما نكون نائمين.
وقد أكَّدْنا بالفعل أن بعض جوانب المعالجة تحدث تلقائيًّا ودون مستوى الوعي. ووفقًا لتيموثي ويلسون، الأستاذ بجامعة هارفارد، فقد لاحظ كاربنتر ولايكوك في عام ???? أن النظام الإدراكي الحسي البشري يعمل في الأساس خارج إدراكنا الواعي. وبعد مرور ? سنوات فقط أكد كاربنتر أن: مشاعرنا تجاه الأشخاص والأشياء قد تمرُّ بمعظم التغيرات المهمة دون أن يكون لدينا أدنى درجة من الوعي، حتى يتم توجيه انتباهنا إلى التغيُّر الذي حدث فيها. (ويلسون، ????)
وبعبارة أخرى، فقد تنبَّأ كاربنتر باكتشافات داماسيو المتعلقة بكيفية حدوث المعالجة العاطفية على مستوى اللاوعي منذ وقت طويل يُقدَّر ? ??? عامًا.
وحقيقة أن الإدراك الحسي والتصور العاطفي مستقلان عن الوعي لا تهدد فعليًّا الرأي المؤكد عن كيفية صنعنا للقرار. ويقر داماسيو نفسه بأن العواطف لا تصنع قرارات بمفردها (داماسيو، ????). والرأي المؤكد هو أن الإدراكات الحسية والمفاهيم تعزز ببساطة قدراتنا العقلية العليا وأن هذه القدرات العقلية العليا هي التي تتخذ القرارات فيما بعد. ويفترض هذا الرأي أن عقولنا تعمل بشكل يشبه المحكمة؛ حيث يتم تقديم التصورات والمفاهيم والتحليل إلى المحكمة ثم يقرر القاضي وهيئة المحلفين (نوع ما من المهام «التنفيذية» الواعية العليا) ما سوف يحدث.
لكن كما سنرى، فإن هذا الرأي المؤكد ربما لا يمثل الكيفية التي تعمل بها عقولنا على الإطلاق.
تعريف التفكير الواعي

جزء من المشكلة يتمثَّل فيما يمثِّله الوعي وما لا يمثِّله، والخطوة الأولى المهمة هي إدراك أن التفكير الأكثر تعقيدًا لا يتم باستخدام الكلمات، على عكس ما يحدث في قاعة المحكمة. ذات مرة قال العالِم الكبير أينشتاين إن الكلمات واللغة، في صورتَيْهما المكتوبة والمنطوقة، لم يكن لهما دور على ما يبدو في آلية تفكيره (هيدمان ????).
والتفكير للحظة يجعل المرء يدرك أننا ربما لا يمكننا «التفكير» بالكلمات، وذلك لسبب بسيط؛ وهو أنها تكون شديدة المحدودية والغموض. وكما يقول ستيفن بينكر: لا يمكن أن تكون الأفكار كلماتٍ وجُملًا إنجليزية، على الرغم من الاعتقاد الخاطئ الشائع بأننا نفكر بلغتنا الأم. تحقِّق الجمل الإيجاز من خلال إهمال أي معلومات يمكن للمستمع مَلْؤُها عقليًّا من خلال السياق. وفي المقابل، يمكن ألَّا تترك «لغة التفكير» التي صيغت بها المعرفة أي شيء للخيال؛ لأنها هي الخيال. (بينكر، ????)
المشكلة الثانية التي نُواجِهها في محاولة فهْم الوَعْي هي أنه بمجرد أن تسأل شخصًا ما عمَّا يُفكِّر فيه، يمكنك «تغيير» ما يُفكِّر فيه. كما هو الحال في دراسة الحالة الخاصة بجرو أندريكس، فالسؤال في حدِّ ذاته يدفع الأشخاص إلى تعديل تفكيرهم إلى «التفكير» أكثر وعلى نحو مختلف.
لتوضيح هذا الأمر، تأمَّل ما يلي: عندما تقوم بإعداد كوب من الشاي مضافًا إليه الحليب، فإنك تحتاج إلى التأكد من إضافة الكمية المناسبة من الحليب للحصول على التركيز أو «اللون» المناسب للشاي. إذن هنا يلعب كلٌّ من الحكم والقرار دورًا، ولكنك تتخذ هذه الأحكام والقرارات في كل مرة تُعِدُّ فيها الشاي.
كذلك تخيل لو أنني سألتُك عند مرحلة صبِّ الحليب عمَّا تفكِّر فيه. ستقول لي إنك تفكر في المقدار الذي يجب إضافته للحصول على اللون المناسب، ومن ذلك يمكننا أن نستنتج أن هذا العمل قد تمَّ بشكْل متعمَّد ومركَّز وواعٍ تمامًا، باستخدام المعالجة النشِطة. وهذا صحيح؛ لأنك من خلال طرحِي السؤال قد «حوَّلتَه» إلى عمل يتم بشكل متعمَّد ومركَّز وواعٍ تمامًا، باستخدام المعالجة النشطة. فإذا لم أطرح هذا السؤال فربما قمتَ بصبِّ الحليب تلقائيًّا دون تفكير نشِط على الإطلاق، وسيتم أي حكم اتخذتَه حول اللون في حالةٍ يمكن اعتبارها على أقصى تقدير حالة نصف وعي.
نظرية المسودات المتعددة

يصف دانيال دينيت المشكلة في كتابه «تفسير الوعي» (????). وتتلخص نظرية دينيت في أن عقولنا تصيغ ما يسميه مسودات متعددة باستمرار. وهذه المسودات عبارة عن مجموعات من الأفكار، بعضها فقط «يصنع» ما نطلق عليه الوعي؛ لذلك، وفي الحالة المذكورة أعلاه، إذا لم يسألنا أحد عمَّا نفكِّر فيه، فمن المحتمل جدًّا أن يتم تنفيذ العمل الخاص بإضافة الحليب دون وجود شيء يتم نقله على ما يبدو إلى عقولنا الواعية.
وبالطبع، إذا كنتَ تتصور أن لون الشاي كان داكنًا جدًّا، وهو تصوُّر يرتبط بمفهوم مذاق الشاي الذي يكون مُرًّا وقويًّا جدًّا، فإنك قد ترفع أيضًا هذه المجموعة من الأفكار إلى مستوًى أعلى من الوعي، مع إيلائها المزيد من الاهتمام، وإضافة المزيد من الحليب بحرص؛ لذا فما الذي يقرر أي مجموعة من الأفكار تحقق الوعي، وما هو مستوى الانتباه الواعي الذي تتلقاه هذه المجموعات من الأفكار؟
كما أوضحنا سابقًا، فإن الرأي الثابت هو أن هناك مهمة تنفيذية من نوعٍ ما تتم في عقولنا، وهي تحدد ما إذا كنَّا سننقل شيئًا ما إلى الوعي أم سنتركه في اللاوعي. يعتقد دينيت أن هذا «المكان الذي يتم فيه التفكير ويحدث فيه الوعي» بشكل افتراضي (دينيت، ????) يشبه المسرح الديكارتي (مرحلة ما بعد ديكارت الذي اعتبر التفكير بمثابة النشاط المميز للبشر). وفي رأي دينيت فإن هذا المسرح الديكارتي ببساطة ليس له وجود. وكما قال دينيت: «إن فكرة وجود مركز خاص في الدماغ هي فكرة سيئة ومستعصية تفسد محاولاتنا للتفكير في الوعي.» (دينيت، ????) وقال لاحقًا: إنه «لا يوجد ما يُسمَّى بالمسرح الديكارتي» (دينيت، ????).
ما يؤمن دينيت بحدوثه هو أن العقل اللاواعي يُدِير جميع جوانب نشاطنا الذهني ويُصدِر جميع قراراتنا، ولا يتم إلا عرض بضعةٍ من تلك القرارات على تفكيرنا الواعي بعد ذلك. وهكذا يصف دينيت الأمر: لا يوجد «تيار وعي» واحد محدد؛ لأنه لا يوجد مكان مركزي ولا مسرح ديكارتي «تحدث فيه جميع عمليات التفكير». وبدلًا من وجود تيار واحد، توجد قنوات متعددة تحاول فيها دوائر خاصة، في صخب موازٍ، أن تقوم بالأشياء المختلفة المتعلقة بها، وصياغة مسودات متعددة في غضون ذلك. وتلعب معظم هذه المسودات المجزَّأة أدوارًا قصيرة الأجل في تعديل النشاط الحالي، ولكن بعضها يرتقي لمزيد من الأدوار الوظيفية. (دينيت، ????)
إذن فإن الافتراض الذي افترضه دينيت هو أن ما يحرِّك تفكيرنا وأفعالنا ليس الوعي ولكن عقلنا الباطن (اللاوعي). فعلى الأرجح لا يكون وعينا أكثر من مجرد «دليل» على مستوًى أعلى من المعالجة المستمرة داخل أذهاننا. ويمكنك تشبيه ذلك بجهاز كمبيوتر مزوَّد بشاشة. فجهاز الكمبيوتر يقوم بجميع عمليات التفكير والحساب والمعالجة وبعض من هذه الأشياء يتم عرضه على الشاشة، ولكنَّ الشاشة لا تتخذ فعليًّا أي قرارات أو تقوم بتنفيذ أي مهام.
أفكار دينيت ليست جديدة تمامًا؛ فقبل بضع سنين، أجرى بنجامين ليبيت سلسلة من التجارب على عدد من المرضى، وهذه التجارب كانت تبحث الفكرة الكاملة المتعلقة بطريقة عمل عقولنا (ليبيت وآخرون، ????). وقد اكتشف ليبيت أنه من خلال إثارة جزء معين من الدماغ يمكن أن يتولد لديك شعور ? «تنميل» في يدك، واكتشف أيضًا أنه يمكنك الشعور بتنميل مماثل من خلال إثارة اليد كهربائيًّا على نحو مباشر؛ ومِن ثَم فقد مكَّنه هذا الأمر من مقارنة استجابة اليد التي تمت إثارتها مباشرة بالاستجابة الناتجة عن إثارة الدماغ. وقد فُسِّر هذا الأمر بأنه نظرًا لأن المُثير الذي أثار اليد قد احتاج وقتًا للانتقال إلى الدماغ وإخباره بالأمر، ينبغي أن يستغرق مثير اليد وقتًا أطول قليلًا (نحو ??? ملِّي ثانية) من مثير الدماغ المباشر.
ولكن ليس هذا هو ما حدث، فقد أظهرتِ النتائج أن كِلَا المُثيرَيْن لوحظ أنهما حدثا في الوقت الذي تمت فيه إثارة اليد. وليس من المستغرب أن يكون المجتمع العلمي قد نظر إلى هذه النتائج باعتبارها حالة شاذة. وكما يصف دينيت ذلك الأمر، فإنه يشبه إلى حدٍّ ما وصول مسافر قادم من الضواحي إلى المدينة تمامًا في وقت وصول أحد الأشخاص القاطنين هناك بالفعل. وقد قام العقل بطريقة ما بإعادة مُثير الدماغ المباشر زمنيًّا إلى الوراء للنقطة التي كانت ستتم عندها إثارة اليد حال إثارتها. وهذا بالطبع لم يحدث أبدًا.
اقترح ليبيت أن التنميل قد حدث على مستوى اللاوعي وبعد ذلك تمت إعادته إلى الوعي بجانب إطار زمني تصحيحي جعله يبدو وكأنه متصل بالمثير المفترض لليد. يقول ليبيت نصًّا: «يبدو أن الشروع في تنفيذ عمل إرادي حر يبدأ من الدماغ على مستوى اللاوعي، قبل أن يعرف الشخص على مستوى الوعي أنه يريد القيام به.» (ليبيت، ????)
هذا الأمر ليس غريبًا كما قد يبدو؛ لأننا نعلم أن عقولنا تكون قادرة على القيام بجميع أنواع الوظائف التصحيحية. هل تتذكر من الفصل السادس ما تفعله أدمغتنا في بصرنا، حيث تسهِّل الرمشات التي تقوم بها أعيننا وتعدل كل شيء تعكسه العين على الشبكية في وضع مقلوب؟ ومع ذلك فقد تسبَّبت تجربة ليبيت في إثارة جميع أنواع الجدل مع ادِّعاء بعض المعلِّقين أنها تتحدى مفهوم الإرادة الحرة بأكمله. ولكن من وجهة نظر دينيت، فإن النتائج التي توصَّل إليها تتماشَى تمامًا مع نموذج المسودات المتعددة: فما يفعله الدماغ هو تشفير المثير بما يتوافق مع المنطق قبل أن يعرضه على الوعي.
وقد اعتبر دينيت تجربة ليبيت مَعِيبة؛ لأن الأشخاص الذين خضعوا للتجربة كان عليهم إصدار حكم صعب حول وقت حدوث الإشارة. كما أنهم لم يفعلوا أي شيء في الحقيقة، ولكنهم استجابوا فحسب للمثير الذي سبَّبه شخص آخَر. ويستشهد دينيت بتجربة أكثر أهمية وإثارة للاهتمام تُعرف باسم ناقل جراي والتر الدائري للمعرفة المسبقة.
تجربة جراي والتر وما قبل المعرفة

كان ويليام جراي والتر متخصِّصًا في الفسيولوجيا العصبية، وقد وُلد في ولاية كانساس ودرس في كامبريدج وعمل طوال حياته في المملكة المتحدة (جراي والتر، ????). كان من أوائل مستخدمي تخطيط كهربية الدماغ لتحديد مكان أورام الدماغ. وفي إحدى مراحل عمله مع المرضى كان يكشف لهم أجزاءً من الدماغ — الأمر ليس مروِّعًا كما قد تظن؛ فالدماغ لا يحتوي على أي أعصاب ولا يشعر بأي ألم.
وأثناء قيامه بعمله قرر أن يحاول إجراء تجربة مثل ليبيت. قام بإعطاء المرضى جهازًا لعرض الشرائح مزوَّدًا بناقل دائري للشرائح، وطلب منهم أن يتصفَّحوا الشرائح في أوقات فراغهم. وقد كانت لهم حرية تحريك الشرائح متى أرادوا، باستخدام زر ضغط بسيط.
ولكن كانت هناك خدعة، وهي أنه على الرغم من أن الناقل الدائري كان مزوَّدًا بزر يبدو عاديًّا بالنسبة لهم كي يضغطوا عليه من أجْل تحريك الشرائح، فإن الشيء الذي «لم» يتم إخبارهم به هو أن الزر كان وهميًّا. كان الناقل الدائري مهيأً بالفعل بحيث يتحرك عن طريق إشارة مكبَّرة تصدر من القشرة الحركية داخل أدمغتهم (جراي والتر، ????، في دينيت، ????).
إذا كان الفكر الواعي في مفهوم المسرح الديكارتي هو ما يبدأ في إحداث الفعل، فقد كان ينبغي للمرضى عدم ملاحظة أي شيء بخلاف الشرائح التي ربما كانت تتحرك جزئيًّا قبل أن يضغط إبهامهم بالفعل على الزر. وفي الواقع، لم يكن هذا ما لاحظه جراي والتر. وما حدث هو أن الشرائح بدت وكأنها تتحرك قبل أن يتخذ الخاضعون للتجربة «قرارهم» بنقلها. يقول دينيت: يمكن للمرء افتراض أن المرضى لن يلاحظوا أي شيء خارج عن المألوف، ولكنهم في الواقع تفاجئوا بفعل التأثير، لأنه بدا لهم وكأن جهاز عرض الشرائح كان يتوقع قراراتهم. وقد ذكروا أنهم عندما كانوا «على وشك» الضغط على الزر، كان جهاز عرض الشرائح يحركها قبل أن يقرروا القيام بذلك فعليًّا، ويجدون أنفسهم يضغطون على الزر وهم يتخوفون أن يحرك الجهاز الشريحة مرتين. (دينيت، ????)
لتوضيح هذا الأمر، انظر إلى ما يحدث مع لاعبي التنس. سيُخبرك أي شخص يلعب تنس الدرجة الأولى أنه لا يمكن أن تلعب جيدًا إذا حاولت التفكير في كل تسديدة، فببساطة أنت لا تمتلك الوقت لاستنباط طريقة ضربك للكرة، ولا تمتلك القدرة العقلية على التفكير في جميع الحركات المعقدة اللازمة لرأسك وذراعيك وقدميك. ويقر لاعبو التنس المحترفون أنه فقط عندما يصبح اللعب غريزة تصبح قادرًا على اللعب جيدًا.
ولكن ليس هناك شك في أن لعب التنس هو نشاط معرفي، فعليك مراقبة وحساب الموقف والسرعة ومسار الكرة من تحركات خصمك وتوجيه ذراعيك وقدميك وجذعك للرد وفقًا لذلك. وبطبيعة الحال، عند مستوًى معين، تكون على دراية — أو بالأحرى، يتم جعلُك على دراية — بما قمتَ به. ولا يكفي تمكينك من «التفكير» فيما يجب عليك القيام به بعد ذلك، ولكن يكفي تمكينك من تخزين «صورة» عقلية من حركاتك لدراستها لاحقًا، ربما عند انتهاء النقطة.
في الواقع، ما يحدث هو أن عقلك يلعب اللعبة من أجلك ثم يُعيد إليك مقتطفات مختارة مما حدث؛ فهو يتصرف تمامًا مثل جهاز الكمبيوتر، فيقوم بأداء العمليات الحسابية المعقدة وإرجاع نبذة من المعلومات حول ما يقوم به عن طريق شاشة العرض.
إذن فالوعي، كما ذكرتُ سابقًا، ربما يكون من الأفضل اعتباره تقريرًا لمستوًى أعلى للنشاط العقلي، تمامًا مثلما يكون التغيير الذي يحدث على الشاشة هو تقريرًا للنشاط داخل جهاز الكمبيوتر. في لعبة التنس، ليس هناك وقت لمراقبة ما إذا كان ردُّ فعلك على اللعب يأتي أثناء أو بعد اللعب نفسه، لأن عقلك يكون مشغولًا جدًّا. إلا أن عقول المرضى في تجربة جراي والتر لم تكن مشغولة؛ لذلك فقد تمكَّنوا من ملاحظة الفرق بين أعمالهم الفعلية والتقرير العقلي لأفعالهم. وما لاحظوه هو أن التقرير العقلي الذي تم إرساله إلى وعيهم عن استعدادهم للضغط على الزر قد بدا فعلًا أنه حدث بعد اتخاذ عقولهم بالفعل قرار الضغط على الزر.
وبالأحرى فإن هذا الأمر يشبه شاشةً تستغرق وقتًا لعرض ما قام به جهاز الكمبيوتر بالفعل. والفرق هو أننا نقبَل فكرة أن الشاشة تعتمد على الطريقة التي يعمل بها جهاز الكمبيوتر، لكننا نفترض أن أفعالنا تعمل في الاتجاه المعاكس، ويحركها التفكير الواعي. وما تؤكده تجربة جراي والتر هو أن الوعي يقوم فقط بمراقبة المعالجة التحليلية التي حدثت بالفعل على نحو لا شعوري.
يمكنك في هذه المرحلة أن تتساءل عن علاقة ذلك بالطريقة التي يتم التعامل بها مع الإعلانات. تكمن النقطة المهمة في أنه على الرغم من أن هذه الذاكرة الواعية تدل على وجود نشاط تحليلي، يشير نموذج المسودات المتعددة الذي وضعه دينيت إلى أن «عدم وجود ذاكرة واعية لا يعني بالضرورة عدم حدوث أي نشاط تحليلي.» وبعبارة أخرى، قد نكون قادرين على معالجة إعلانات أكثر من قدرتنا على تذكرها وسردها.
هناك مثال آخَر قد يُسهِّل علينا أيضًا فهم هذا الأمر. يصف دينيت، كما وصفتُ سابقًا، عملية قيادة السيارة.
ربما تكون قد خضتَ تجربة القيادة لأميال أثناء انهماكك في محادثة (أو في مناجاة صامتة) ثم اكتشفتَ أنك لا تتذكر الطريق والمرور والخطوات الخاصة بقيادة سيارتك على الإطلاق. ولكن هل كنتَ غير واعٍ حقًّا بكل تلك السيارات المارة وأضواء الإيقاف والانحناءات الموجودة في الطريق؟ تعتبر ظاهرة «القيادة اللاوعية» على أفضل تقديرٍ حالةً من الوعي المتقلب مع فقدان سريع للذاكرة. (دينيت، ????)
وبعبارة أخرى، تدعم نظرية المسودات المتعددة التي وضعها دينيت فكرة أن مختلف أشكال العمليات المعرفية يمكن أن تحدث فيما يمكن أن نسمِّيه مستوى «الوعي المتقلب» دون أن ندرك أنها حدثت؛ لذلك فإن حقيقة أننا لا نُعِير مستويات عالية من الانتباه للإعلان، وأننا لا ندرك أن هذا الإعلان يُعرَض علينا، لا تعني أننا لم نتأثر بهذا الإعلان ولم نستخرج أي رسالة أو معنًى منه.
وهكذا يضيف نموذج دينيت بطريقة مختلفة إلى ما سبق أن الإعلان يمكن أن يؤثر عند مستوًى منخفض من الانتباه. فلا يمكننا فحسب التعامل مع العناصر العاطفية في الإعلان على نحو لا شعوري، ولكن يمكننا أيضًا أن نقوم بالمهامِّ التحليلية عليه عند مستوى الوعي المتقلِّب، تاركين أنفسنا دون ذاكرة نشِطة ودون إدراك أننا قد نكون أوْلَيْنا أي اهتمام على الإطلاق.
وتتوافق نظرية المسودات المتعددة التي وضعها دينيت على نحو جيد مع رأي داماسيو الخاص بالذات البدئية والوعي الأساسي. ويفسِّر ذلك السببَ وراء إمكانية أن يؤثر التعلم الضمني والذاكرة الضمنية إدراكيًّا ومفاهيميًّا على مستوى اللاوعي. كما أنه يفسر الكيفيةَ التي يمكن بها أن يتفاعل التعلم الضمني مع الذاكرة الدلالية على مستوى اللاوعي. ويفسر أيضًا الكيفية التي يمكن بها أن ترتبط العناصر المُدرَكة حسيًّا على مستوى اللاوعي، مثل الربط اللاواعي بين موسيقى الخطوط الجوية البريطانية وشركة الخطوط الجوية البريطانية دون تذكر هذا الارتباط الذي حدث، ويفسر الكيفية التي يتم بها إثارة العواطف لا شعوريًّا ونقلها عبر تكييفنا على العلامة التجارية لشركة الخطوط الجوية البريطانية، مع عدم تذكر أي عملية تكييف قد حدثت لنا. وباختصار، فإنه يوضح الكيفية التي يمكننا بها أن «نعرف» الأشياء و«نشعر» بها، على الرغم من عدم إدراكنا الواعي لعملية تعلمنا لها.
قد تكون لاحظتَ أنه في الفقرة السابقة تقع المعالجة على ما يبدو بين الوعي واللاوعي بطريقة عشوائية نوعًا ما. والسبب وراء ذلك هو أنه من الصعب فعليًّا التحديد الدقيق لأحد مستويَيِ الوعي هذين الذي يجري استخدامه في أي وقت محدد. فهل يعني ذلك أن المعالجة أصبحتِ الآن فوضوية؟
على الإطلاق. فإذا سلَّمنا بنظرية المسودات المتعدِّدة التي وضعها دينيت، فإن التمييز بين معالجة «الوعي المتقلب» ومعالجة «اللاوعي» يصبح غير مناسب لجميع المقاصد والأغراض. وفي نموذج دينيت، تحدث جميع عمليات المعالجة لا شعوريًّا والفرق الوحيد هو أن بعضها تتم إعادته لاحقًا إلى الوعي. ولكن حتى إذا تمَّت إعادته إلى الوعي فمن المحتمل جدًّا أنه سوف يُنسَى على الفور، كما في «الوعي المتقلب مع الفقدان السريع للذاكرة». وعلى أي حال، لن يكون هناك اختلاف فعلي فيما يتعلق بالتواصل الذي تمت معالجته لا شعوريًّا.
إن ما يحدث هنا هو أن التمييز بين معالجة الوعي المتقلب ومعالجة اللاوعي يصبح غير مناسب. ينظر بعض علماء النفس إلى هذا الأمر باعتباره هرطقة؛ لأنهم متشبِّثون بفكرة أن أي شيء تتم معالجته لا شعوريًّا لا يمكن أن يدخل ضمن الذاكرة الطويلة المدى. ولكننا نعرف أن الأمر ليس كذلك؛ فقد أظهر العمل التجريبي الخاص بشاكتر بوضوح تام أن المعالجة الضمنية (التي من ثَمَّ تكون لا واعية في الأساس) ترتبط بالذاكرة الدلالية. وفي نموذج دينيت، لا بد أن تكون تلك هي الحال لأن «جميع» عمليات المعالجة تتم لا شعوريًّا.
ولذلك يتمحور النقاش في واقع الأمر حول ما إذا كان التواصل المعالَج لا شعوريًّا أو بوعي متقلِّب يكون بطريقة أو بأخرى أقلَّ شأنًا أو تأثيرًا مقارنة بالتواصل المعالَج على مستوًى أعلى من الوعي وبمزيد من الانتباه. ربما نَمِيل إلى طرح هذا السؤال جانبًا بالإشارة إلى أنه في الفصل الثالث كنَّا قد أكَّدْنا على أنه، خارج الصناعة نفسها، لا يكاد يكون هناك أي شخص يُرهِق نفسَه بأن يُعِير أكثر من المستوى الأدنى من انتباهه للإعلان. ولكنني سأتناول المسألة بطريقة أكثر منهجية في الفصل الحادي عشر عندما نُلقِي نظرة على عملية صنع القرار.
دراسة حالة: سيجار هاملت

لتلخيص هذا الأمر برمته سأطرح عليكم مثالًا يتعلق بحملة إعلانية كانت فعَّالة على نحو مذهل.
بين عامي ???? و????، عندما كان الإعلان عن السيجار على شاشة التليفزيون في المملكة المتحدة لا يزال مسموحًا به، حقَّقتْ إحدى العلامات التجارية — وتسمَّى هاملت — نجاحًا هائلًا. فقد كان سيجارًا صغيرًا، ليس طويلًا كالسيجار الرفيع الطويل مثل سيجار كاستيلا أو بنما، وليس قصيرًا كالسيجار الصغير مثل بيكادور أو كافية كريم. ولكن الشيء الغريب في سيجار هاملت هو أنه يسيطر تمامًا على هذه الفئة من السيجار الصغير، وقد كافحت العلامات التجارية الأخرى للحصول على موطئ قدم في هذا القطاع.
حقق سيجار هاملت هذا المركز المهيمن باستخدام حملة دعائية تليفزيونية تحمل شعار «سيجار هاملت هو مفتاح السعادة». وعادةً ما كانت تَعرِض إعلانات العلامة التجارية هذه شخصًا يُعانِي أزمة من نوع ما ثم يواسي نفسَه بسيجار هاملت. وكان أحد أفضل هذه الإعلانات هو الإعلان الذي تمَّت إذاعته عام ????، والذي تم تصويره في ملعب للجولف.
وما أوَدُّ فعلَه هو أنْ أصحَبَكم في جولة لتحليل هذا الإعلان، واصفًا العمليات المختلفة التي أعتقد أنها تحدث. وأودُّ أن أفترض أنكم مثل معظم الأشخاص لا تُولُون الكثير من الانتباه للإعلان، وأن لديكم معرفة مبدئية برياضة الجولف. وهكذا عندما يبدأ الإعلان ترى مسطَّحًا أخضر من العشب وتضع ذاكرتك الدلالية تصورًا لهذا المسطح باعتباره ملعبًا للجولف مع وجود فخ رملي في الجانب. يحدث ذلك تلقائيًّا ولا شعوريًّا بشكل شبه مؤكد، ولكن إذا كنتَ تلعب الجولف فقد تُثار لديك مفاهيم إضافية، مثل السرور أو الإحباط أو حتى الغضب عندما تتذكر المباراة الأخيرة التي لعبتَها، وبعض سلاسل الأفكار هذه قد تنجح في الانتقال إلى الوعي لديك.
تركز الكاميرا على الفخ الرملي، وتدرك حسيًّا أن هناك شخصًا ما بداخله. يمكنك قول ذلك لأنه على الرغم من أنك لا تستطيع رؤية الشخص فعليًّا، فإنه يمكنك أن ترى مضرب الجولف الخاص به حيث يرفعه لتصويب تسديدة. كذلك فإنك تسمع الصوت الخاص بالمضرب وهو يضرب الرمال بشكل متكرر، وترى زخات الرمال تطير في الهواء. ولكنك «لا» ترى كرة تَظهَر على المسطح الأخضر. على مستوى تصورك، فإن الفخ الرملي عميق جدًّا (فلا يمكنك أن ترى رأس لاعب الجولف)، وإن هذا اللاعب يواجه الكثير من الصعوبات في إخراج الكرة، وبالطبع سيصبح محبَطًا للغاية. وقد يُسجِّل ذلك أيضًا في وعيك الخاص، وبالنسبة لعدد قليل من الأشخاص قد يكون من المثير للاهتمام إجراء القليل من المعالجة النشطة.
ثم ترى قبل التسديدة التالية مضرب الجولف وهو يهتز في الهواء. تعطيك هذه الحركة الاهتزازية للمضرب فكرة عن غضب لاعب الجولف وربما تهديده لكرته. تنطلق الخلايا العصبية المرآتية في دماغك وتشعر على مستوى اللاوعي بالإحباط الشديد الذي يشعر به لاعب الجولف، وقد ينتقل هذا الإحباط مرة أخرى إلى مستوى الوعي لديك، وقد تشعر أن هذه هي الضربة البائسة الأخيرة؛ فتقوم بتحليل فوري وواعٍ للاختفاء المستمر للكرة باعتباره إشارة إلى إدراك لاعب الجولف أخيرًا أنه لا توجد وسيلة تمكنه من إخراج الكرة.
والشيء التالي الذي سوف تدركه حسيًّا هو الصمت وصوت إشعال عود ثقاب، وبدء المعزوفة الموسيقية الجميلة لباخ «آير أون إيه جي سترينج». ثم ترتفع سحابة دخان من الفخ الرملي وتدرك عن وعي أن هذا هو إعلان سيجار هاملت. ستدرك ذلك لأن إعلانات هاملت دائمًا ما تستخدم هذه الموسيقى، ولأن الموسيقى تكون مميزة جدًّا، فإنها لا تحتاج إلى الكثير من الانتباه لإجراء هذا الربط. وتنطلق الخلايا العصبية المرآتية في دماغك وتحس بالسكون اللحظي نفسه الذي يشعر به لاعب الجولف، وتستشعر مواساة السيجار له. وقد تشكَّل في عقلك بشكل واعٍ ولحظي صورة له كأنك تراه من الجانب الآخر من الفخ الرملي، وهو يجلس تعيسًا على الرمال يدخن السيجار. وفي الوقت نفسه، تتأثر عواطفك بسماع معزوفة باخ الهادئة العذبة، وتشعر أنت شخصيًّا بشعور كبير من الهدوء والسكينة.
والشيء التالي الذي تراه هو الكرة وهي تَظهَر على المسطَّح الأخضر، فتقوم بتحليل هذا الأمر على أن لاعب الجولف قد استسلم وقذف الكرة إلى الخارج. ويضع هذا الأمر تصورًا بأن هذا الشخص وصل إلى مستوًى من الإحباط حيث عبر الحدَّ الصارم للسلوك الجيد الذي يشكل لعبة الجولف ثم مارس الغش. ولكن في الوقت نفسه يُثار مفهومان آخران: الأول هو التسلية، الذي يرتبط بسيجار هاملت، وهو شعور بأن العلامة التجارية لديها شخصية ذكية وبارعة تجعلك تحبها للغاية؛ والآخر هو أن تقوم بتحليل لحظي للفخ الرملي بأنه لا بد أن يكون شديد الانحدار ومن المستحيل على أي شخص عادي الخروج منه؛ ومِن ثَم يحق له أن يتصرف بالطريقة نفسها. من الناحية الأخلاقية، تتعاطف مع لاعب الجولف ويتولد لديك شعور بالموافقة على فعله. وتضطرم الخلايا العصبية المرآتية ويتولد لديك إحساس لا شعوري بالارتياح والسعادة لأن محنته (ومحنتك، إلى حدٍّ ما) قد انتهت. وفي هذه اللحظة تسمع وترى تعليقًا يحمل عبارة «سيجار هاملت هو مفتاح السعادة»، ويرتبط سيجار هاملت أو يقترن بالمعنى المادي للارتياح والسعادة اللذين تشعر بهما. وقد يحدث ذلك على مستوى الوعي، وإذا ما حدث ذلك فقد تكون قادرًا على معارضة ما يدَّعيه الإعلان وتفنيده. لكن المرجح أنه يحدث لا شعوريًّا؛ ومِن ثَمَّ إما أن تبدأ عملية تكييف لك أو تتواصل هذه العملية إذا كنتَ قد شاهدتَ إعلانات سيجار هاملت من قبل.
انتهى هذا الإعلان وعُرض إعلان آخَر. تمامًا كما في مثال القيادة غير الواعية الذي ضربه دينيت، الأرجح أن تُنسَى بسرعة معظم الذكريات الواعية التي تم تشكيلها. وما يتبقَّى هو شعور غير واعٍ بأن سيجار هاملت هو علامة تجارية ذكية وبارعة، وشعور بتكييفك مبدئيًّا على السيجار، وربط ذلك بالهدوء والسلام والسكينة والمواساة والارتياح والسعادة.
كيف يشجعك ذلك على شراء سيجار هاملت؟ سيتم التعامل مع هذا الأمر بمزيد من التعمُّق في الجزء الرابع. ولكن حاليًّا دعنا نفترض أنك تدخن السيجار من حين لآخر، أو على الأقل لا تكره تدخين السيجار. بعد أن ترى هذا الإعلان عدة مرات، ستبدأ في التكيُّف على ربط تدخين السيجار بالهدوء والسلام والسكينة والمواساة والسعادة. إذن في المرة القادمة التي تمر فيها بفترة من الغضب والإحباط، ألَا يجعلك هذا الإعلان تشعر أن أفضل وسيلة لمواساة نفسك هي تدخين سيجار؟
بالنسبة لاختيارك للعلامة التجارية، مشاهدة هذا الإعلان عدة مرات أيضًا ستجعلك تتكيف على ربط هذه المشاعر بعلامة تجارية واحدة على وجه الخصوص: وهي سيجار هاملت. ونظرًا لأن سيجار هاملت تم ربطه بشخصية بارعة وذكية تشعر أنها جذابة، قد تجد أيضًا من السهل تقبُّل المغالطة الشائعة التي تقول بأن السيجار ليس بضرر السجائر نفسه، وأنه لا يسبب الإدمان.
لذلك تقوم بشراء زجاجة بيرة وسيجار هاملت، ثم تشعل هذا السيجار وتجلس؛ ويا للعجب! عندما يدخل النيكوتين إلى رئتيك، تشعر شعورًا رائعًا بالهدوء والسلام والسعادة! يحدث كل ذلك دون أن تحتاج إلى أن تكون مدركًا أو متذكرًا لإعلان سيجار هاملت.
وتكون النتيجة السيئة وغير المتوقَّعة ألَّا يكون لديك أي سبب عقلاني لعدم إسعاد نفسك بتدخين سيجار هاملت، ويكون لديك حافز عاطفي قوي للقيام بذلك عندما تحتاج إلى بعض السلوى. وبغضِّ النظر عن الطبيعة الإدمانية للسيجار مقارنة بالسجائر، من السهل في هذه الظروف أن يصبح تدخين السيجار عادة لديك. وبعد مرور ?? أو ?? عامًا قد تجد أنك، مثل صديقي الذي يدخن سيجار هاملت، قد أُصِبتَ بسرطان الحلق. وإذا كنتَ محظوظًا، مثله، فقد تنجو منه.

الفصل العاشر
العاطفة والانتباه


تشير كافة الأدلة المتعلقة بوجود رسائل عاطفية في الإعلانات إلى دورها المحوري في جذب الانتباه.
إيريك دو بليسي
«العقل والإعلان» (????)
آمل أن أكون قد تمكَّنتُ إلى الآن من تكوين قضية مقنِعة بخصوص فكرة أن الإعلانات قادرة على التأثير على عواطفنا عند مستوياتٍ منخفضة من الانتباه، وربط هذا التأثير بالعلامات التجارية. ولكننا نواجه مشكلةً في هذا الصدد؛ أفادتْ بعض الأبحاث بأن المستويات المرتفعة للرسائل العاطفية في التواصل «تزيد» من مقدار الانتباه الذي نُعيره إيَّاها.
إن كان هذا الأمر ينطبق على صناعة الإعلان كما يعتقد الكثير من الناس، فإن الشك يَعتَرِي فكرة أن الإعلانات تؤثِّر علينا عاطفيًّا عند مستويات منخفضة من الانتباه. ببساطة، إذا زادت العاطفة في التواصل من مستوى الانتباه، فإن الإعلانات التي تحمل للمُشاهد محتوًى عاطفيًّا كبيرًا تَحظَى على الأرجح بنسبة أكبر من الانتباه. وإنْ حدث هذا الأمر، فإن المحتوى العاطفي في الإعلانات ستتم معالجته على نحوٍ نَشِط وليس العكس. هذا يهدم الاعتقاد بأن العاطفة قادرة على العمل لا شعوريًّا، بمعنى أن المحتوى العاطفي لم يكن لِيَحظَى بهذا التأثير علينا عند مستوياتٍ منخفضة من الانتباه؛ لأنه لا يمكن أن يتلقَّى أبدًا مستويات منخفضة من الانتباه.
تتذكر من بحث كوفر الوارد في الفصل السابع أن الذين يَعمَلون في مجال الإعلان يعتقدون أن المحتوى العاطفي يَزِيد الانتباه، ومنطقُهم في هذا يتمثَّل في أن الإبداع هو ما يُمكِّن الإعلان من نَيْل الانتباه، ويتشكَّل الإبداع في الأساس من المحتوى العاطفي؛ ومِن ثَم يَحظَى المحتوى العاطفي بالانتباه. وكما هو الحال في أغلب الأحيان، هم مُحِقُّون في جانب ومخطئون في جانب أهم، وفي هذا الفصل سوف أُحاول أن أَصِل إلى عمق هذا التناقض الواضح.
الإثارة والانتباه

من المنطقي أن نبدأ في النظر إلى الأبحاث التي تم التوصُّل بناءً عليها إلى هذه النتيجة. ولمعرفة هذا، سنعود بالزمن إلى فترة ستينيات القرن العشرين حيث البحث الذي أجراه دانيال إليس بيرلين. كان الموضوع الأساسي لبحث بيرلين هو دَوْر العاطفة والتحفيز والتعلم، وقد استنتج أن التعلم قائمٌ في الأساس على الفضول الذي تحرِّكه الفروق بين الأشياء التي نتعلمها؛ ففي الأساس، عندما يكون شيء ما واضحًا وبديهيًّا، فإننا لا نضيع الكثير من الوقت في التفكير فيه، بل يكون الأمر غير الواضح هو ما يُثِير فضولَنا ويَأسِر انتباهنا.
تكمن أهمية بحث بيرلين بالنسبة إلى الموضوع الذي نناقشه في مسألة الإثارة؛ فقد عرَّف بيرلين الإثارة بقياس مستوى «اليقظة وجاهزية رد الفعل لدى الفرد» (بيرلين، ????). وباستخدام تجارب الدراسة اللفظية، اكتشف بيرلين أن العلاقة بين التعلم والإثارة علاقة عكسية، وأفاد بأنه: يُعتَقَد أن درجةً ما من درجات الإثارة تكون حاسمة، حيث إن درجة الإثارة المنخفضة قد تستبعد التعلم، إلا أن تلك الدراسات اللفظية تُشِير بقوة إلى أن درجة الإثارة العالية قد تُعِيق التذكُّر أثناء المراحل الأولى للتعلم. (بيرلين، ????)
إذن وصولًا إلى ما يمكن أن نُطلِق عليه المستوى «الأمثل» من الإثارة، يزيد انتباهنا وتصبح قدراتنا المعرفية أقوى ويتحسن تعلُّمنا وتذكُّرنا. وإذا تجاوزنا هذا المستوى الأمثل للإثارة، تتناقص قدرتنا على التركيز والتعلُّم والتذكُّر.
بعبارة أخرى، حتى مستوًى معين، تدفعنا الإثارة إلى أن نكون أكثر تحفُّزًا ودافعيةً ويقظةً، وكذلك تجعلنا أكثر استعدادًا للفهم والتعلم. ولكنْ إنْ تعرضنا للإثارة الزائدة (الإثارة الزائدة عن الحد أو التحفيز المبالَغ فيه)، فإن منحنَى إدراكنا الحسي وتعلمنا يبدأ في الهبوط. ومثال على ذلك عندما تقود سيارتك بسرعةٍ، فكلما زادت السرعة زادت درجة إثارتك، وارتفع مستوى انتباهك، وأصبحتَ أكثر تركيزًا. ولكنْ إذا كنتَ تقود سيارتك بسرعةٍ زائدةٍ عن الحد، فإنك تُصبح مُثارًا إلى حدٍّ مُبالَغ فيه، وتبدأ قدْرتك على التعلم في الانهيار، وهو ما قد يدفعك إلى فقدان التحكم والتعرض لحادث، وبعد وقوع الحادث ستجد نفسك غير قادر على تذكر تفاصيل ما حدث.
تضمَّنت نظرية بيرلين فكرة أن الإثارة لا تحركها فحسب المتغيرات العاطفية السلبية (مثل الخوف أو الصدمة أو غيرهما)، ولكن التحفيز العاطفي الإيجابي والمثيرات التي تنطوي على نوع من الإثابة يزيدان من درجة الإثارة، وقد توصَّل إلى هذه النتيجة فيرنر كروبر ريل، أحد أساتذة التسويق البارزين في جامعة سارلاند. وانطلاقًا من نظرية بيرلين التي تُفيد بأن الإثارة الناتجة عن المثيرات تحدد مقدار الانتباه الذي يُمنَح لتلك المثيرات، افترض كروبر ريل أن المحتوى العاطفي في الإعلان من ضمن محفزات الانتباه. وتُفيد نظريته المعروفة باسم «نظرية التنشيط» بأن المحتوى العاطفي لمُثيرٍ ما يُحفِّز التنشيط «المرحلي» (الإثارة) ويعزز التنشيط معالجة المعلومات (كروبر ريل، ????).
ولاختبار تلك النظرية، اعتمد كروبر ريل على بحث دراسي لتتبُّع حركة العين يُقيِّم مستوى الانتباه للإعلانات المطبوعة التي تم تعديلها بحيث تُعطِي مستويات مختلفة من المحتوى العاطفي. وبحسب كروبر ريل، فإن «تركيز العين يعمل كمقياس سلوكي لمعالجة المعلومات» (كروبر ريل، ????). وكما أكَّدتُ في الفصل السادس، فإن أعيننا لا تتحرك بشكلٍ سلس في مجال الرؤية، ولكنها تثبت تركيزها على نقاط متتالية في مجموعة من الحركات السريعة تُعرف باسم «رمشات» (هيوي، ????). وأثناء حركة تثبيت التركيز هذه يمكننا التعرف على جميع التفاصيل في المنقطة المركزية فقط، وإذا أراد المخ التعرف على المزيد من المعلومات، فإنه يأمر العين على مستوى اللاوعي بجعل الرمشات أسرع وبجعل زمن تثبيت تركيز العين أقصر؛ ومن ثَمَّ فإن عدد مرات تثبيت التركيز في الثانية الواحدة يُعَدُّ مؤشرًا دقيقًا لكمية الجهد المعرفي الذي يتم بذله داخل أدمغتنا، وهو ما يعني أيضًا أن هذا العدد بمثابة مؤشر دقيق لمستوى الانتباه؛ فالعدد الأعلى من التثبيتات (الأقصر زمنًا) يشير إلى مستوًى أعلى من الانتباه والعدد الأدنى من التثبيتات (الأطول زمنًا) يدل على مستوًى منخفض من الانتباه (رينر، ????).
أكدت تجارب كروبر ريل أن الإعلانات المطبوعة التي تتضمن محتوًى عاطفيًّا أكبر تَحظَى بمستوًى أعلى من الانتباه، ويتم تذكُّرها على نحو أفضل من الإعلانات التي لا تتضمن محتوًى عاطفيًّا (كروبر ريل، ????). وكما أشرتُ سابقًا، فإن نتائجه تدعم الفكرة السائدة بين الشركات المعلنة والتي مفادها أن المستهلكين ليسوا بحاجة إلى مشاهدة الإعلانات وأن الجانب العاطفي من الإبداع هو ما يحفزهم لأن ينتبهوا ويتلقَّوا الرسالة.
ولأن الفكرة القائلة بأن «العاطفة تؤدي إلى الإثارة» وأن «الإثارة تؤدي إلى الانتباه» تبدو منطقية، فإنها تحولت من مجرد نظرية إلى فكرة شائعة جدًّا؛ فعلى سبيل المثال، يرى راي وباترا أن «الناس يوجِّهون انتباههم إلى الإعلان الذي ينطوي على مضمون عاطفي» وأن «العاطفة تعزز درجة المعالجة أو التأثر بالإعلان» (راي وباترا، ????). ويزعم بيل أن العاطفة بمثابة محفِّز لتكرار المشاهدة: «الاستجابة العاطفية للإعلان تحكم قرار التأثر به أكثر» (بيل، ????). تبنَّى بيتر دويل رؤية مشابهة لوجهة نظر بيل، وأكد أنه «إذا أثار الإعلان لدى المستهلكين مشاعر سلبية أو محايدة، فإنهم سيتجنبون مشاهدته» (دويل، ????). وربما كان أشهر مَن تبنَّى هذه الرؤية إيريك دو بليسي الذي افترض أن «العاطفة تحكم سلوكنا وتحدد ما يصير ضمن العقل الواعي»، وأفاد بأن «العاطفة تلعب دورًا محوريًّا في توجيه انتباهنا» (دو بليسي، ????).
ولكن، هل كل هؤلاء على صواب؟ هل تحفِّز العاطفة الانتباه وتنشِّط الذاكرة فيما يخص الإعلان؟ أعتقد أن الإجابة هي «لا» لأن الأبحاث التي استندتْ إليها تلك النتائج لا تنطبق على صناعة الإعلان.
عيوب أبحاث الانتباه

إن تحديد مستويات الانتباه بشكل آنيٍّ تُعَدُّ مهمة صعبة، ليس فقط لأن مستويات الانتباه تختلف بسرعة هائلة، ولكن لأن الناس لا يلحظون بوعيٍ ما ينتبهون إليه. وبالطبع هناك أدلة موثَّقة على أن الناس في معظم الأحيان لا يُدرِكون ما ينتبهون إليه أو مقدار الانتباه الذي يعيرونه في لحظة من اللحظات (دينيت، ????). ولهذا السبب، استخدمت دراسات عديدة مقاييس غير دقيقة لتقييم مستويات الانتباه؛ فعلى سبيل المثال، أحد الكتب الأكاديمية الشهيرة استشهد ببحث يشير إلى أن «نسبة فقدان الانتباه تصل إلى ???»، في حين كانت الدراسة تقيس في واقع الأمر نسبة التذكر والإقناع (روسيتر وبيرسي، ????)، وأكدت دراسة أخرى في ثقة أن «الانتباه يُسهِم إسهامًا مباشرًا في زيادة الرغبة في الشراء»، في حين كانت الدراسة تحدد ما إذا كان الناس «يعتقدون» أن الإعلانات يمكن أن تجذب انتباههم (كرامفورن، ????).
ومن أبرز العيوب أيضًا ذلك الافتراض بأن العلاقة بين الانتباه ونمط واحد من العاطفة تنطبق على كافة أنماط العاطفة، فقد أوضحتْ تجارب علم النفس أن الأحداث العاطفية الصادمة تَحظَى بنسبة تذكُّر مرتفعة، وتزيد الوجوه المخيفة مستوى الإدراك الحسي، وتستحوذ الوجوه الغاضبة على انتباهٍ أعلى من الوجوه السعيدة (كرييستيانسن، ????، هانسين وهانسين، ????، فيلبس وآخرون، ????). ولكنَّ مِثْل تلك العواطف السلبية قلما تجده في إعلانات أخرى بخلاف إعلانات الخدمات العامة؛ فإعلانات العلامات التجارية تستخدم المحتوى العاطفي الإيجابي فقط.
هناك عيب مماثل في الافتراض مفاده أن العلاقة بين العاطفة والانتباه تظل كما هي بغض النظر عن مقدار المحتوى العاطفي. عزز كروبر ريل الذي استخدم في تجربته نظام تتبُّعٍ للعين على قدْرٍ عالٍ من الموثوقية لقياس الانتباه مثيراته باستخدام صور شهوانية شبه عارية، وهي شيء يؤدي إلى الإثارة على نحو شبه مؤكد. ولكن الإعلانات في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة ممنوعة من استخدام صور عارية وتتجنَّب استخدام محتوًى عاطفيٍّ مُفرِط أيضًا. تميل الإعلانات المعاصرة إلى استخدام عناصر معينة مثل بعض الشخصيات التي تعبر عن مسحة عاطفية خفيفة (حنو، إثارة، انفعال، ملل، فضول، ترفيه … إلخ) ومواقف هزلية ومؤثرة ومثيرة للمشاعر، ولقطات بصرية مصمَّمة بأسلوب جميل واحترافي، وموسيقى ترفع الروح المعنوية أو تُسعِد مَن يسمعها. بالتأكيد كل هذه وسائل لا تحفِّز الجمهور على التجاوب مع الإعلان بقدْر ما تحفِّزه الصور الشهوانية.
رابعًا: الافتراض بأن استجابة العاطفة-الانتباه ستظل على حالها بغض النظر عن السياق أو الموقف. ولقد أظهرتْ بعض التجارب أن وجود أهداف المعالجة «من العام إلى الخاص» تساهم في زيادة درجة الانتباه، ولكن بعض تجارب العاطفة-الانتباه تعتمد على ردود أفعال الناس على الأحداث المعروضة في نشرات الأخبار والأفلام الوثائقية، وهي مواد إعلامية تَحظَى بدرجة انتباه أعلى بكثير مما تَحظَى به الإعلانات.
في الواقع جميع الأبحاث النفسية التجريبية تقريبًا تحدث في أجواءٍ معملية معروف عنها أنها تثير درجة عالية من الانتباه والمعالجة من «العام إلى الخاص». ومن المتعارف عليه أيضًا أن الناس يُعِيرون قدرًا أكبر من الانتباه في حالة تحفيزهم للمشاركة في التجربة.
وعلى النقيض، تشاهد التليفزيون في منزلك بالأساس رغبةً في الاسترخاء والاستمتاع (باوايز وإرينبرج، ????). لا يَفرِض عليك أحد أن تنتبه، وبالتأكيد لا يفرض عليك أحد أن تُعِير انتباهك للإعلان. وهو ما يطرح في هذا الصدد سؤالًا مهمًّا: هل يُعِير مشاهدو التليفزيون قدرًا من الانتباه يكفي لأن تتم إثارتهم حتى من خلال الإعلانات التي تركز أيَّما تركيز على الجانب العاطفي؟ تشير دراسات حديثة إلى أنه «ليس هناك دليل على ضرورة ظهور تأثيرات منتظمة لمعالجة أهداف الانتباه للإعلانات في ظل ظروفٍ عادية» (بيترز وويدل، ????).
وعندما تفتقر المعالجة لأي تحفيزٍ أو هدف، تصبح حرة (أي لا تدفعها أي مثيرات). وقد اتضح أن هذا الأمر يرتبط بمستويات انتباه «منخفضة» على نحو يفوق المشاهدة الموجهة بالهدف؛ ومن ثَمَّ إن لم تكن تعمل في صناعة الإعلان، فإن الطريقة التي تتعامل بها مع الإعلانات وخصوصًا المعروضة على التليفزيون ستكون على الأرجح مفتقرة لأي تحفيز، وستكون معالجة «حرة» مدفوعة بالمثير. ولكن لم يتم إجراء أي تجارب نفسية تبحث الطريقة التي يستجيب بها الناس للإعلانات التليفزيونية الواقعية التي تُعرض عليهم في برامج تليفزيونية واقعية في ظروف مشاهدة واقعية؛ ومن ثَمَّ فإن النظرية القائلة بأن المحتوى العاطفي للإعلانات يزيد نسبة الانتباه لم يتم اختبارها عمليًّا على الإطلاق.
لذا، قررتُ في عام ???? أن أقوم بالتجربة بنفسي كجزء من رسالة الدكتوراه.
قياس تأثير المحتوى العاطفي على الانتباه

كانت الخطوة الأولى تتمثَّل في معرفة الكيفية التي يتم بها قياس الانتباه بدقة وعلى نحو فوري، وكان الحل متمثلًا في طريقة كروبر ريل باستخدام قياس تثبيت العين. الكاميرات الحديثة لتتبُّع حركة العين صغيرة الحجم وخفيفة الوزن بحيث يمكن إخفاؤها، وهي تسمح بتصوير وقياس عدد مرات تثبيت العين مع كل ثانية بدرجة كبيرة من الدقة.
السؤال الثاني الذي أودُّ طرحَه يتعلق بحقيقة وجود أي خلفية نظرية تشير إلى طبيعة العلاقة بين الانتباه والعاطفة في الإعلانات التليفزيونية. وكما أوضحتُ سابقًا، أفاد داماسيو أن العواطف تتم معالجتها قبل المعرفة لا شعوريًّا وهي مستقلة عن الذاكرة العاملة. وهناك آخَرون يدعمون تلك النتائج إلى حدٍّ كبير؛ فعلى سبيل المثال، هناك بحثٌ علمي أشرف عليه ?? من علماء النفس البارزين برئاسة جافان فيتزيمونز حدد ثلاثة أنماط للاستجابة العاطفية: التقييم والحالة المزاجية والعاطفة. ويضيف فيتزيمونز أن «هناك أدلة كثيرة على العمليات اللاشعورية ضمن كل فئة من الفئات الأساسية للاستجابات العاطفية» (فيتزيمونز وآخرون، ????).
وتتسق نتائج داماسيو أيضًا مع نماذج استخدام الجهد المعرفي التي تتوقع أن تقييم العاطفة في الإعلان يمكن أن يحدث فقط في حال وجود مستوياتٍ منخفضةٍ إلى متوسطة من القدرة المعرفية (ماكينيس ويافورسكي، ????، مايرز-ليفي وبيراكيو، ????). هذا يوحي بأن المحتوى العاطفي في إعلانات العلامات التجارية المتلفزة والمعروضة في ظروف مشاهدة طبيعية هادئة يجب أن تتم معالجته دون استخدام الكثير من الجهد المعرف؛ أي بمستويات انتباه منخفضة.
وقد سمح هذا الأمر بتقديم تفسيرٍ بديل بناءً على نظرية مطابقة الجهد المعرفي (بيراكيو ومايرز-ليفي ????، تشو ومايرز-ليفي ????). وقد تنبَّأ هذا التفسير بأنه ما لم يكن التحفيز ناتجًا عن عوامل أخرى (كعملك بصناعة الإعلان مثلًا)، فسيتم التعامل مع الإعلانات التليفزيونية باعتبارها مثيرات وبدون وجود توجُّه بهدف معين ذي مستوًى أعلى. وفي هذه الحالة، يقرر المخ أن الإعلان الذي تضمن الكثير من المحتوى العاطفي يحتاج إلى القليل من الجهد المعرفي كي يتعامل معه؛ ومن ثَمَّ يتم على الأرجح بذل مستويات منخفضة نسبيًّا من الجهد المعرفي (الانتباه). والموقف المعاكس هو أن يقرر المخ أن الإعلانات التي لا تنطوي على محتوًى عاطفي تحاول توصيل رسالة عقلانية ما؛ ومن ثم قد تكون هناك حاجة إلى بذل جهد معرفي أكبر نسبيًّا (الانتباه).
لذا، فإن الفرضيتين اللتين اختبرتُهما على النحو التالي: إن كانتِ الرؤية التقليدية صحيحة، فستكون معالجة الإعلانات التليفزيونية منهجية وموجَّهة بالهدف؛ ومن ثَمَّ لا يُعير المشاهِدون درجة انتباه عالية للإعلان الذي يتضمن محتوًى عاطفيًّا أقلَّ، ويُعيرون انتباهًا أكبر للإعلانات التي تتضمن محتوًى عاطفيًّا أكبر على اعتبار أن الأخيرة تكون أكثر إبداعًا وأكثر «مشاهدة».
ولكن إن كانت الرؤية القائمة على أساس علم النفس — والتي تقضي بأن التعامل مع الإعلانات التليفزيونية عملية تلقائية في الأساس مدفوعة بالمثيرات — صحيحة، فإن مستويات الانتباه تتحدد بالجهد المعرفي اللازم لمعالجة المُثير أو التعامل معه. وفي هذه الحالة، فإن الإعلانات ذات المحتوى العاطفي الأعلى سوف تَحظَى بانتباه أقلَّ من الإعلانات الأدنى في محتواها العاطفي؛ ومن ثم يُنظر إليها باعتبارها تركز أكثر على التواصل العقلاني.
ولجعل التجربة ذات مصداقية، تعيَّن عليَّ تهيئة ظروف مشاهدة أقرب إلى الواقعية قدْر الإمكان؛ ومن ثَم اخترتُ حلقة من المسلسل الكوميدي الشهير «فريزر»، وقمتُ بإضافة ?? إعلانًا تليفزيونيًّا بطريقة حرفية في ثلاث فقراتٍ إعلانية ضمن المسلسل. تمَّ قياس المحتوى العاطفي للإعلانات في اختبارٍ منفصل، حيث تم عرض ?? إعلانًا كانت تُذاع في تلك الفترة على عينة من بعض الطلاب الجامعيين، وتم قياس المحتوى العاطفي باستخدام مجموعة من المقاييس المأخوذة من دراسة أمريكية واسعة النطاق (هولبروك وباترا، ????). وأخيرًا تم اختيار الإعلانات الست ذات المحتوى العاطفي الأعلى والإعلانات الست ذات المحتوى العاطفي الأقل من أجْل بحثنا.
كان من المهم ألَّا يُدرك أيٌّ من العيِّنات المشاركة في الدراسة البحثية الرئيسية أننا مهتمون بالإعلان. كان المشاركون في الأبحاث الأخرى قد تم تعريفهم بهذا الاهتمام، وهذا التعريف يزيد في الغالب بشكل مصطنع نسبةَ الانتباه للإعلانات (شميت، ????). ولعدم تعريف المشاركين باهتمامنا بالإعلان، تم جمعهم عبر رسالة إلكترونية أرسلها إليهم قسم الصيدلة يطلب فيها منهم المشاركة في إحدى الدراسات لاختبار تأثير مشاهدة التليفزيون على العين.
تم تزويد كل فرد مشارك في التجربة بكاميرا تتبُّع للعين خفيفة الوزن تُركَّب على الرأس، وطُلب منهم الجلوس على مسافة من التليفزيون يَرَوْنها مناسِبة. لم يتم إعطاؤهم أي تعليمات أخرى، وكانت لديهم الحرية في تحريك الرأس والجسم كما يريدون. في الواقع، فضلًا عن ذلك طُلب منهم ارتداء قلنسوة ضيقة خفيفة الوزن وارتداء عدسة شفافة عاكسة في المحيط السفلي من العين اليسرى، وذلك لجعل المشاركين يشعرون وكأنهم في المنزل.
وبخلاف المحتوى العاطفي، كان هناك عددٌ من العوامل يُعتقد أنها تؤثر على مستوى الانتباه للإعلان: مشاهدة الإعلان من قبلُ، وهي الأمر الذي كان من المتوقَّع أن يُقلِّل من مستوى الانتباه للإعلان عند مشاهدته مرة أخرى (كروجمان، ????، بيراكيو ومايرز-ليفي، ????).
استخدام المنتج أو العلامة التجارية المعلن عنها، وهو الأمر الذي كان من المتوقع أن يزيد مستوى التجاوب؛ ومِن ثَمَّ يزيد مستوى الانتباه للإعلان (بيتي وكاتشوبو، ????، ماكينيس يافورسكي، ????).
الإعجاب بإعلان محدد، وهو الأمر الذي كان من المتوقَّع أن يزيد مستوى الانتباه (بيل، ????، دو بليسي، ????).
تعيَّن عليَّ التأكد من عدم تداخل هذه العوامل مع النتائج؛ ومِن ثمَّ تمَّ قياس العوامل الثلاثة (مشاهدة الإعلان من قبل، واستخدام نوعية المنتج المعلن عنه، والإعجاب بإعلان محدد) بعد مشاهدة المشاركين للبرنامج التليفزيوني وقياس تثبيتات العين مع كل ثانية. وأثناء هذه الخطوة أيضًا قمتُ بإعادة تقييم رأي المشاركين في المحتوى العاطفي لكل إعلان معروض.
ولكن كيف كانت النتائج؟ أوضحت التجربة أن هناك علاقة بين المستويات المرتفعة للمحتوى العاطفي وانخفاض لمستويات الانتباه يبلغ متوسطه ???. بمعنًى آخَر، اتَّضَح أن الافتراض العام بأن المحتوى العاطفي يُساهِم في ارتفاع نسبة الانتباه للإعلانات التليفزيونية هو ببساطة افتراض خاطئ، بل على العكس، وكما تتنبأ نظرية علم النفس، فإن المحتوى العاطفي يقلل من نسبة الانتباه للإعلانات التليفزيونية (هيث وآخرون، ????).
تسلِّط هذه النتائج الضوء على نقطة مهمة تتمثل في حالة العقل أثناء مشاهدة الإعلانات التليفزيونية بشكل طبيعي. اعتمد القائمون على صناعة الإعلانات لسنوات على الافتراض القائل بأن الجمهور المستهدَف (أنت وأنا) يتم تحفيزه من خلال حاجتنا للمشاهدة ومحاولة الفهم ولو لجزء بسيط مما نراه عندما نشاهد الإعلانات التليفزيونية. ولكن يبدو أنه في ظل ظروف المشاهدة العادية لم يكن لدى المشاركين هذا النوع من التحفيز فيما يتعلق بتلبية احتياجاتهم. أما بالنسبة للمتغيرات الأخرى، فلم يكن لديهم قدْر من الانتباه لإعلانات العلامات التجارية أو المنتجات التي يستخدمونها أكبر من الإعلانات التي تَعرِض العلامات التجارية أو المنتجات التي لا يستخدمونها. هم كانوا يُعيرون المستوى نفسه من الانتباه للإعلانات التي أعجبتْهم والتي لم تعجبهم. وعندما شاهدوا إعلانات كانوا قد شاهدوها من قبلُ، لم تنخفض درجة الانتباه كثيرًا. ولكن الأمر الأهم أنه عندما كانت الإعلانات إبداعية وتضمَّنتْ محتوًى عاطفيًّا، لم يُعِيروها انتباهًا أكبر بل أقلَّ.
إن التفسير المنطقي الوحيد لتلك النتائج هو أن المشاهدين الذين يكونون في حالة استرخاء عند مشاهدتهم الإعلانات التليفزيونية يميلون على ما يبدو إلى المعالجة المدفوعة بالمثيرات، وليس المعالجة الموجهة بالأهداف. وبالطبع، لهذ الأمر تأثيرٌ مهم على الطريقة التي يتم بها التعامل مع الإعلانات. ولأننا نُعير انتباهًا أقل للإعلانات ذات المحتوى «الإبداعي» العاطفي، فإن قدرتنا تكون أقل على معارضتها، وهذا يعني أننا نكون أكثر استعدادًا لقبول جزء الرسالة الذي نتعامل معه بالفعل. وبالمثل فإن المحتوى العاطفي ذاته — الذي ستتم معالجته بأكمله (لأن المعالجة العاطفية تحدث تلقائيًّا وعلى الفور ودون الحاجة لأي انتباه) — سيدخل حيز اللاوعي دون أي معوقات، فالدور الذي يلعبه الإبداع لا يجعلنا يقظين ومنتبهين بل يجعلنا «أقل» انتباهًا و«أكثر» تأثرًا.
دراسة حالة: أوديسا ليفايز

ختامًا لهذا الفصل، أودُّ أن أُخبركم بتجربةٍ أخرى قمتُ بها تتعلق بقياس مدى انتباهنا للإعلانات. وفي هذه المرة، تمكنتُ من التوصل لعلاقةٍ مباشرةٍ بين انخفاض مستوى الانتباه والنجاح في العمل.
اشتُهرت وكالة الإعلان البريطانية بارتل بوجل هيجارتي بتصميمها إعلانًا مبدعًا للعلامة التجارية ليفايز لبنطلونات الجينز. فمع بداية الألفية الجديدة، أطلقتِ الشركة حملة إعلانية تعرض شابًّا وشابة يرتديان ملابس مهلهلة ويخترقان في صمتٍ الجدران والطوابق وفي النهاية يصعدان الأشجار، ويطيران، بينما تُسمَع مقطوعة موسيقية كلاسيكية في خلفية الإعلان. يبدو المشهد غريبًا، ولكنه يشبه مشهدًا في فيلم «ماتريكس» الذي عُرض منذ فترة. وقد حمل الإعلان شعارًا يَظهَر لبضع ثوانٍ فقط: «بنطال ليفايز … مصمَّم لحريَّتك.»
جدول ??-?: اختبار كاميرا تتبُّع العين لقياس مدى الانتباه للإعلانات التليفزيونية.الحملة الإعلانيةحالات تثبيت العين لكل ثانيةالنسبة المئوية إلى البرمجةفيرست دايركت بنك????????سيتروين سي ?????????صلصة لويد جروسمان????????عدسات بوتس كونتاكت لينسيز????????مزيل العرق لينكس????????جينيس فولكانو????????فولكس فاجن باسات????????أودي ???????????فرازير (برنامج)????????أوديسا ليفايز???????
أُخبرتُ أن هذه الحملة حققتْ نجاحًا كبيرًا وأدت إلى قفزة مهولة في نِسَب مبيعات العلامة التجارية ليفايز، وعندما عرضتُ هذا الإعلان على الطلاب، اتفقوا جميعًا على أن الإعلان مؤثر للغاية وممتع في مشاهدته. ويمكن للمرء أن يستنتج أن مثل هذا الإعلان يحظى بمستويات عالية من الانتباه.
حدث وأن اختبرتُ هذا الإعلان بنظام قياس تثبيتات العين كدليل لتجربة رسالة الدكتوراه التي أشرتُ إليها في هذا الفصل. وقد توقعتُ أن تكون نسبة الانتباه مرتفعة للغاية، بشكلٍ يفوق باقي الإعلانات، ولكني تفاجأتُ عندما اتضح أن العكس صحيح. الجدول ??-? المبين أدناه يعرض النتائج. كما تَرَوْن، عدد مرات تثبيت العين لكل ثانية أو مقدار الانتباه الممنوح لإعلان ليفايز كان «الأدنى» بين كل الإعلانات التي خضعت للاختبار؛ حيث بلغ نصفَ مقدار الانتباه الذي حصل عليه إعلان فيرست دايركت بنك، وثلاثةَ أرباع الانتباه الذي حصل عليه البرنامج التليفزيوني. ولكن ما معنى هذه النتائج؟ كما أشرتُ سابقًا، يقيس عدد مرات تثبيت العين لكل ثانية مقدار الجهد المعرفي المبذول، وهو ما يعادل مستوى الانتباه الممنوح. وفي حالة إعلان ليفايز، لم تكن هناك حاجة إلى تفكير نشط لمشاهدة الإعلان؛ فلم تكن هناك أي حوارات أو تعليقات أو أسعار ولا حتى تحديد للمنتج المعروض إلا بنهاية الإعلان. ولأنه لم يكن من «الضروري» بذل الكثير من الجهد المعرفي، لم يفعل أحد ذلك. وانسجامًا مع نظرية مطابقة الجهد المعرفي، احتفظ المشاهدون بجهدهم المعرفي، ولم يُعِيروا أي انتباه. كل ما هنالك أنهم استرخَوْا واستمتعوا بالإعلان.
بطبيعة الحال، هذا لم يجعل الإعلان أقل فعالية، بل على العكس تمامًا؛ فمن خلال الانتباه الاتجاهي (أي النظر إلى الشاشة) ولكن بمستوًى «منخفض» من الانتباه، تمت معالجة المحتوى العاطفي للإعلان على نحو أكثر فعالية وبقدْر أقل من المعارضة، وهو ما جعل المحتوى العاطفي أكبر تأثيرًا بكثير.
وهذا يوصلنا إلى المرحلة الثانية من رحلتنا. قلنا إن الإبداع العاطفي يمكن بسهولة — وعادة ما تتم — معالجته بمستوياتٍ منخفضةٍ من الانتباه. وبفرض أن تلك القِيَم العاطفية يمكن نقلها إلى العلامات التجارية و«تكييفها»، كيف يقنعنا هذا بشراء المنتج؟ هذا ما سيتم عرضه في الجزء الرابع.
موجز: العاطفة والوعي

تأكدنا من أن المعالجة العاطفية تحدث ضمنًا وقبل المعالجة النشطة والخاملة. وهذا يعني أننا حددنا الآن دور المعالجة التلقائية والتعلم الضمني؛ فهذان هما المسئولان عن معالجة العاطفة في الإعلان والتأثير على مشاعرنا تجاه الإعلان. ونمثل هذا بالخط المنقط في الشكل ??-?. شكل ??-?: رسم تخطيطي موجز لسيكولوجية التواصل.
كذلك نستطيع أن نُظهِر الكيفية التي يتفاعل بها الوعي مع التعلم، فمن خلال نظرية «المسودات المتعددة» لدينيت يمكننا الآن تصور طيف الانتباه والوعي الذي يمتد من أعلى الرسم البياني إلى أسفله.
في الجزء العلوي لدينا المعالجة الواعية تمامًا والمنتبهة على نحو كبير، والتي من الصعب الحفاظ على استمراريتها، ونادرًا ما تتم مع الإعلان.
في الجزء السفلي لدينا معالجة اللاوعي التلقائية تمامًا، والتي تعمل بشكل مستمر ومن دون توقف. وهي لا تعالج إلا الإدراكات الحسية وترتبط بالتصور.
لدينا الآن في منتصف الرسم البياني منطقة تقابل شبه الوعي، حيث التعلم السلبي. ويمكننا الآن إعادة تفسير هذا بكونه «وعيًا متقلبًا مع نسيان سريع» وهو ما يفسر لنا منطقيًّا عدم قدرة التعلم السلبي على التحليل الفعال.
لأن معالجة العاطفة تحدث تلقائيًّا فإنها لا تتأثر بالتصفية الإدراكية الحسية والجدل المضاد. حيث تؤدي المعالجة العاطفية أحيانًا إلى إثارة مشاعر لا يمكن استبعادها أو رفضها (على الرغم من إمكانية كبْت التعبير عن هذه المشاعر). ولكن ما لم نتمكن من التثبُّت منه حتى الآن هو وجود أي رابط بين العواطف والمشاعر وتغيير المواقف وتغيير السلوك. وهو ما سوف نتناوله في الجزء الرابع، الذي يتناول صنع القرار والعلاقات.

الجزء الرابع
القرارات والعلاقات



الفصل الحادي عشر
صُنع القرار


والشَّرَك المعتاد هو افتراضنا بأن الحالات النادرة نسبيًّا من التفكير العملي الواعي هي نموذجٌ جيد للحالات التي تنبع فيها أفعالنا المتعمدة من عملياتٍ لا وعي لنا بها.
دانيال دينيت
«تفسير الوعي» (????)
شهدت السنوات القليلة الماضية ظهور مؤلَّفات علمية أكثر شعبية ركَّزت على موضوع صنع القرار أكثر من تركيزها على أي موضوعٍ آخَر، حيث شملت قائمة هذه المؤلفات إسهامات من مالكولم جلادويل («الوميض»)، وثالر وسنشتاين («الوكزة»)، وباكو أندرهيل («لماذا نشتري؟»)، وجونا ليرر («اللحظة الحاسمة»)، ودان أرييلي («لاعقلانية متوقعة»)، وستيوارت ساذرلاند («اللاعقلانية»)، وروبرت شيلديني («التأثير»)، ودانيال بينك («الدافع»)، وأوري ورون برافمان («الانحراف»)، وجون كاي («الاعوجاج»)، وكثيرين غيرهم. تُعَدُّ هذه المجموعة من بين أشهر المؤلَّفات العلمية الشائعة، كما جاءتْ ستة مؤلَّفات منها على الأقل ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعًا.
تعلن جميع هذه المؤلَّفات في سعادة أن عملية صنع القرار التي اعتقدنا دائمًا بأنها فعل عقلاني واعٍ، هي على النقيض من ذلك تمامًا. وقد استشهد معظمها بعمل عالِمَيْ علم النفس الإسرائيليين، عاموس تفيرسكي ودانيال كانمان، حيث قاما خلال حقبة السبعينيات من القرن العشرين بوضع «نظرية الاحتمال»، وهي عبارة عن مجموعة من الأفكار المعرفية المحيطة بعملية صنع القرار، التي تضمنت عوامل مثل المنهج التجريبي (المؤثرات التجريبية)، والترسيخ (مرادف لكلمة «تكييف»). حصل كانمان على جائزة نوبل في الاقتصاد عن عمله في «نظرية الاحتمال» في عام ????، ولم يتمكن تفيرسكي للأسف من تقاسُمها معه حيث كان قد تُوفِّي قبل ذلك بست سنوات.
وخلال حقبة ثمانينيات القرن العشرين، تعاون كلٌّ من كانمان وريتشارد ثالر ليتمكَّنا معًا من وضع نظرية الاقتصاد السلوكي، التي تُفِيد بأن العقل لديه طريقتان لصنع القرار، هما: النظام الثاني، أو النظام التأملي، ويتمثل في الطريقة التقليدية التي نعتقد أننا نتخذ بها قراراتنا. ويتميز هذا النوع بأنه بطيء ومحكوم وواعٍ، كما أنه استدلالي على نحو منطقي. في المقابل، يتسم النظام الأول، أو ما يُعرَف بالنظام التلقائي، بأنه سريع وغير محكوم وغير واعٍ وحدسي على نحو غير منطقي (ثالر وسنشتاين، ????). لتوضيح هذا أكثر، يتجلَّى أقوى دوافع النظام الثاني عندما يتوفر لدى العلامة التجارية دليل يُثبِت أنها أفضل من نظيراتها؛ في حين يتجلَّى أقوى دوافع النظام الأول إذا استخدم العلامة التجارية شخص نعرفه.
ثمة أسماء كثيرة ومختلفة للتفكير بالنظام الأول؛ فنجد أن مالكولم جلادويل يُفضِّل الوصْف الذي أطلقه جيجرينزر وهو التفكير «السريع والبسيط» (جلادويل، ????). بينما استخدم ستيوارت ساذرلاند في كتابٍ أُعيد نشره في عام ????؛ أي بعد وفاته بتسع سنوات، مصطلح «اللاعقلانية» (ساذرلاند، ????)، كما تحدث دان أرييلي (????) عن «التأثير عديم الصلة». وربطه جونا ليرر «بالمشاعر الطائشة» و«الغرائز»؛ ويصفه جون كاي (????) بصنع القرارات على نحو غير مباشر. ومن المثير أن النظام الأول للتفكير لم يَحدُث إقبال شديد على النشر فيه إلا بعد مُضِي عدة سنوات على ظهوره.
ووفقًا لثالر وسنشتاين، فإن «أنشطة النظام التلقائي (النظام الأول) مقترنة بالأجزاء الأقدم من أدمغتنا؛ الأجزاء الشبيهة بتلك الموجودة في السحالي» (كاي، ????). وهما يُرجِعان هذه المعلومة إلى مصادر يعود تاريخها إلى ما بين عامي ???? و????، ولكن هذه الفكرة تمَّ نشرها في الواقع بواسطة أنطونيو داماسيو، قبل ذلك في عام ????. كما أوضح داماسيو بالتفصيل النموذج النفسي لنموذج صنع القرار ذي الجزأين في عام ????، الذي من غير المستغرب أنه تضمن دور العاطفة. كما قام بتطوير هذا عن طريق استخدام قصة حادثة المنجم الشهيرة التي وقعت عام ????.
قصة فينياس جيج (داماسيو، ????)

كان فينياس جيج، البالغ من العمر ?? عامًا، يعمل رئيسًا للعمال المكلَّفين بتفجير الصخور في أحد المحاجر، وذلك أثناء إعداد طريق سكة حديد روتلاند وبرلينجتون خارج مدينة كافنديش، بولاية فيرمونت الأمريكية. كان يتسم بالأناقة والذكاء، وتركز دوره في تحديد مسار الطريق وتفجير الصخور للحصول على طريق مستقيم قدْر الإمكان، كما قام جيج بالإشراف على حفر ثقوب في الصخور، ليقوم بعد ذلك بنفسه بحشو قضيب حديدي بمسحوق مواد متفجرة وفتيل ورمال، حيث بلغ قطر هذا القضيب الحديدي بوصة وربع البوصة، وقُدِّر طوله بنحو ? أقدام و? بوصات.
وفي الثالث عشر من سبتمبر عام ????، في تمام الساعة ?:?? بعد الظهر، وقع حادثٌ مروِّع، وذلك عندما دفع جيج القضيب الحديدي المحشوَّ بالمواد المتفجرة إلى داخل الحفرة المجهزة بالفعل، فانفجر المسحوق المتفجِّر، ليرتدَّ القضيب الحديدي من داخل الثقب مخترقًا رأس جيج عند العظمة الوجنية أسفل عينه اليسرى، ليخرج من أعلى رأسه، ويطرحه أرضًا على بُعد ??? قدم وهو «مهشَّم الرأس وغارق في دمائه».
سقط جيج على ظهره، لكنَّ المفاجأة أنه لم يلْقَ حتفَه. ومن خلال مقتطفاتٍ اقتبسها داماسيو من مجلة «بوسطن ميديكال آند سيرجيكال جورنال»، أشار إلى ظهور «القليل من الحركات التشنجية» عليه، كما أنه «تحدث خلال بضع دقائق». حُمل جيج بعد ذلك بواسطة عُمَّاله إلى الطريق حيث كانت بانتظاره عربة يجرُّها ثور أقلَّتْه إلى الفندق، حيث «جلس فيها منتصبًا» لمسافة ثلاثة أرباع ميل، «وخرج من العربة بنفسه بمساعدة بعض رجاله» (داماسيو، ????).
بعد ذلك، تماثَل جيج تمامًا للشفاء على الصعيد الجسدي، باستثناء بعض التشوُّه الذي تسبب فيه الجرح، كما أنه لم يُعانِ من أي شلل ولم يفقد أيًّا من حواسه باستثناء فقدانه للرؤية بعينه اليسرى. لكن للأسف لم يكن الأمر كذلك على صعيد حالته العقلية، فقد تغيَّرت لغته لتصبح بذيئة إلى حدِّ أن «النساء كُنَّ يُنصَحْنَ بعدم المكوث طويلًا في حضوره»، وفيما بعدُ اتضح أنه يُعاني من حالة صرع متقدمة. كما أنه لم يَعُدْ قادرًا مطلقًا على العمل مجددًا، وبعد حياةٍ غير مستقرة ومتقلِّبة، تضمنت عمله لفترةٍ قصيرة في السيرك بمتحف بارنوم في نيويورك، توفِّي جيج بعد معاناته من سلسلة من التشنجات في سان فرانسيسكو عن عمر ناهز ?? عامًا.
لم يكن المبرِّر الذي حدا بداماسيو إلى أن يَروي هذه القصة البشعة هو إضفاء مسحة درامية على كتابه المتميز «خطأ ديكارت»، ولكنَّ السبب الذي دفعه لذلك هو أن الإصابات التي عانَى منها فينياس جيج أسفرتْ عن حدوث تغيُّرٍ شديد الأهمية في سلوكه؛ فبعد أن كان شخصًا كفئًا وقادرًا ولديه القدْرة على التركيز الشديد، أصبح «متقلبًا ومتذبذبًا» وغير قادر تمامًا على الفهم أو التحكم في عواطفه. الأهم من ذلك كله أنه تحول إلى شخصٍ ليست لديه القدرة على التخطيط لمستقبله ككائنٍ اجتماعي، بعد أن كان «مفعمًا بالطاقة والنشاط ولديه الإصرار على تنفيذ جميع خططه العملية» (داماسيو، ????). كما أن الجرح الذي أصابه، في الحقيقة، قد جرَّده من القدرة على اتخاذ القرار.
استند داماسيو إلى تجربة مرَّ بها أحد مرضاه (إليوت)، الذي فقدَ هو أيضًا قدرته على التحكم في عواطفه وعلى اتخاذ القرار نظرًا لإصابته بورم، ليستنتج أن ما حدث لكلٍّ من إليوت وجيج لم يكن نتيجةً لفقدان ما قد يُطلَق عليه الوظيفة المعرفية، أو «الذكاء»؛ ففي كلتا الحالتين، لم يتضرر سوى جزء ضئيل للغاية من الدماغ، وهو المادة البيضاء التي لا تمثِّل أيَّ أهمية خاصة للوظائف التي نقوم بها كبشر. قام داماسيو أيضًا بفحص ?? حالة مرضية أخرى تُعانِي من التلف الدماغي نفسه، ووجد أن جميعها كان يُعاني من «قصور في القدْرة على صنع القرار وضعف العاطفة والشعور» (داماسيو، ????).
وخلال سعْيِه لوضْع تفسير لهذا، تبنَّى داماسيو فكرة وجود جهازٍ «حوفي» في المخ، وهو تصوُّرٌ وضَعَه بول ماكلين (????) لتمثيل الدماغ الأصلي للثدييات. يقع هذا الجهاز الحوفي تحت القشرة الدماغية الجديدة الأحدث تطورًا، وهي ذلك الجزء من القشرة الدماغية الذي تطور ليمنحنا قوى التفكير الفريدة. كما أن هذا الجهاز الحوفي الذي يُعرف أيضًا بالدماغ «الحشوي»، كان مسئولًا في الأساس عن الوظائف الغريزية وتلك المتعلِّقة بالبقاء على قيد الحياة (على سبيل المثال، الخوف، والدافع الجنسي، والجوع)، كما يضم هذا الجزء من الدماغ مركز معالجة المشاعر. ونظرًا لأنه نشأ في الأساس باعتباره جزءًا من الجهاز الدفاعي للجسم، فإن الجهاز الحوفي يعمل بطريقةٍ استبصارية وآلية، وإذا لم يفعل ذلك، فربما الْتَهَمَتْنا الحيوانات المفترسة وتعرضنا للانقراض منذ وقت طويل.
توصَّل داماسيو إلى استنتاجٍ مفاده أن التلف الذي حدث للمادة البيضاء التي تبدو غير مهمة قد أدَّى إلى قطع الاتصال بين القشرة الدماغية الحوفية والقشرة الدماغية الجديدة، وكانت النتيجة أن المرضى — على الرغم من استطاعتهم مواصلة التفكير عن طريق قشرتهم الدماغية الجديدة، والتعبير عن مشاعرهم من خلال القشرة الحوفية — لم يتمكَّنوا من «التحكُّم» في تفكيرهم أو مشاعرهم نظرًا لأن هذين الجزأين من الدماغ لم يعودا قادرَيْن على العمل معًا. جعل هذا داماسيو يستنتج ما يلي: يبدو أن الجزء المسئول عن العقلانية الذي يُفترض وجوده ضمن القشرة الدماغية الجديدة، لا يعمل بدون التنظيم الحيوي، الذي من المفترض وجوده فيما تحت القشرة الدماغية. (داماسيو، ????)
يُعَدُّ هذا الاكتشاف رائعًا؛ فمن ناحية، يوضح أن عملية التحكم في العواطف والمشاعر، تلك العملية التي تُعتَبَر أحدَ أهم الجوانب في وظيفتنا كمخلوقاتٍ اجتماعية، تَنتُج عن تطور القشرة الدماغية الجديدة، ولكن الأهم من وجهة النظر هذه، هو أنه يُشير إلى أن عملية صنع القرار، التي يُفترض أنها نشاط «تفكير» عقلاني، تتوقف إلى حدٍّ كبير على مشاعرنا وعواطفنا. وفي ضوء وجهة النظر التي يطرحها داماسيو، فإن وظائفنا المعرفية يتأثر عملها تأثُّرًا كبيرًا بعواطفنا ومشاعرنا.
هذا لا يعني أن العواطف هي التي تفكر لنا أو تصنع قراراتنا؛ ففي عملٍ لاحق، أوضح داماسيو قائلًا: «إنني لم أقُلْ إن العواطف هي بديل للتفكير أو إنها تصنع قراراتنا.» (داماسيو، ????) ولكن لها تأثيرٌ قوي وتقوم بدور «المراقب» على القرارات، من خلال آلية وصفها داماسيو بفرضية الواسمات الجسدية.
الواسمات الجسدية

تخيل أنك طفلٌ صغير، تسير وسط شارعٍ مزدحم مع والدتك، وبينما أنت تعبر الطريق، تُشدِّد والدتك على أهمية النظر إلى كِلَا الاتجاهين للتأكد من عدم قدوم أي سيارات. أنت تُصغِي لها وتتذكر ما تقوله لك، لكنها لم تترك الانطباع القوي لديك، وتمر الأيام لتكبر وتنسَى أن تنظر إلى الطريق وأنت تعبُرُه مثلما كنتَ تفعل، ولا تلاحظ اقتراب سيارة منك. يعلو صوت بوق السيارة بشدة لتتوقف على مقربة شديدة منك، فتقفز وتضطرب مشاعرك بشدة، وتتملَّكك حالةٌ من الرعب، وتتصبَّب عرقًا لتعود مسرعًا إلى الرصيف. تواصل السيارة سيرها، وبعد مدة تنسَى هذا الحادث، ويعود كل شيء إلى طبيعته على ما يبدو.
لكن كل شيء لا يعود إلى طبيعته فعليًّا. سوف تجد نفسك تتوقف تلقائيًّا وتنظر عن كثَب وأنت تعبر الطريق. قد تتذكر حادث التصادم الوشيك هذا، أو قد يمر بخاطرك لفترةٍ وجيزة — على حسب وصف دينيت، يدركه الوعي لمدةٍ قصيرة، ليتم نسيانه سريعًا — أو ربما لا تتذكره على الإطلاق. ولكن السبب وراء توقفك والنظر بعناية، سواء كنت مدركًا حدوث ذلك أم لا، يتمثل في أن الحادثة قد جعلت «جسدك» يصنع «واسمًا» يؤثِّر على سلوكياتك المستقبلية أثناء عبور الطريق.
أطلق داماسيو على الواسمات التي نشأتْ بفعل هذا النوع من التجارب والخبرات الاستدلالية اسم الواسمات «الجسدية»، حيث إنها مستمَدَّة من الكلمة الإغريقية «سوما» وتعني الجسد. جدير بالذكر أنه اعترف باستخدامه هذا المصطلح للتعبير عن الجسد بمفهومه الشامل، بما في ذلك «العقل». وفيما يلي وصفه للواسمات الجسدية: تُعَدُّ الواسمات الجسدية مثالًا خاصًّا على المشاعر التي تم ربطها عبر التعلم بالنتائج المستقبلية المتوقَّعة في سيناريوهاتٍ محددة. عندما يرتبط واسمٌ جسدي سلبي بنتيجة معينة في المستقبل، فإن هذا الربط يصبح بمثابة جرس إنذار، وعندما يكون الارتباط بواسم جسدي إيجابي، يصبح هذا الارتباط بمثابة شعلة للتحفيز. (داماسيو، ????)
يعتقد داماسيو أننا نُنشئ هذه الواسمات على نحو مستمر طوال حياتنا، ولكننا دائمًا لا ندركها أو ندرك تأثيرها. «تعمل الواسمات الجسدية أحيانًا على نحو خفي (دون أن تتوارد إلى الوعي)، أو قد تستخدم استجابة جسدية تقديرية» (داماسيو، ????). بعبارةٍ أخرى، من الممكن جدًّا أن تنظر بعناية كبيرة وأنت تعبر الطريق بعد وقوع حادث تصادم لك، ولكن بعد فترة سوف تنسى «سبب» قيامك بهذا، أو أنك تقوم به أصلًا.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما هي الصلة التي يمكن أن تتواجد بين فرضية الواسمات الجسدية واختيار العلامة التجارية والإعلان؟ أستطيع القول بأنها «صلة قوية» فنحن في مسار حياتنا قد تعرضنا لمئات الآلاف من المعلومات المتعلقة بالعلامات التجارية، وإنْ صحَّ ما يقوله داماسيو فإن كل معلومة من هذه المعلومات قد نَقَشَتْ في وجداننا ألوانًا شتَّى من العلامات العاطفية، حيث يكون منها التافه من الناحية العاطفية الذي قد يكون له تأثير بسيط أو لا يُذكَر على سلوكنا، ومنها ما يحتلُّ أهمية عاطفية كبيرة ويترك انطباعًا دائمًا في وجداننا.
ونتناول فيما يلي بعض الأمثلة. إذا افترضنا أنك تعيش في المملكة المتحدة، فقد ترى أن اتجاهات الموضة الفرنسية هي الأفضل والأكثر أناقة من حيث الملابس والعطور وما إلى ذلك، والأرجح أنك لا تعلم سبب اعتقادك هذا. ربما يتمثل السبب في أن معظم بيوت الأزياء المشهورة تحمل أسماء فرنسية ولها مقرات في باريس، وربما يتمثل في أنه كلما وقعت عيناك على الفرنسيين وجدتَهم متأنِّقين، أو في أن الملابس والعطور الفرنسية هي الأغلى ثمنًا؛ ومن ثم تجعلك تعتقد أنها لا بد أن تكون الأفضل، وقد يرجع الأمر إلى معلومة أَخبَرَك بها أبواك، ولكنْ أيًّا كان السبب فهناك شيء ما مُختزَن من الماضي أوجد هذا «الواسم» في وجدانك الذي يعني أنك تتوقع أن تكون الموضة الفرنسية هي الأفضل على الإطلاق.
أطرح عليك مثالًا آخر، هل سألتَ نفسك يومًا ما لِمَ تُعَدُّ أسعار المنتجات الألمانية من غسالات وملابس وسيارات وأدوات كهربائية أعلى من غيرها؟ سَلْ نفسَك هذا السؤال الآن وسوف تتوصل على نحو شبه مؤكَّد إلى فكرة مفادها أنك تعتَقِد بطريقة أو بأخرى أن تلك المنتجات أفضل من غيرها من حيث التصنيع وقوة التحمل و«التصميم» مقارنة بغيرها من المنتجات. ولا بد أنها كذلك، وإلا لَمَا أقْبَل الناس على شرائها رغم ارتفاع ثمنها مقارنة بغيرها. هذا أمرٌ بديهي.
لكن من أين أتَتْ فكرة أن المنتجات الألمانية أفضل من غيرها من حيث التصنيع وقوة التحمل؟ بالنسبة لي فإنني أتذكَّر والدي وهو يقول لي إننا قُمْنا بإعادة بناء كافة المصانع الألمانية للألمانيين، وهو الأمر الذي يعني أنهم استفادوا من أفضل التقنيات المتاحة، ولكن هذا الأمر قد حدث منذ أكثر من خمسين عامًا، وهو ما يعني أن معظم الناس في أيامنا هذه لم يسمعوا بهذه القصة.
الأمر نفسه ينطبق على الأجهزة الإلكترونية اليابانية الصُّنع (مثل أنظمة الهاي فاي وأجهزة التليفزيون وغيرها)، فالكل يعتقد أنها الأفضل، ولكنني أشكُّ في أن أحدًا منهم يدرك (أو يتذكر، كي أكون أكثر دقة) السبب الحقيقي وراء هذا الاعتقاد. الواقع هو أننا نسينا منذ فترة طويلة تلك الواسمات التي كانت السبب في اعتقادنا أن أنواع المنتجات هذه من تلك الدول هي الأفضل، وأصبحتْ تلك الواسمات تؤثِّر فينا على نحو مستتر.
يُسلِّط الضوءَ على مدى تأثير تلك الواسمات الخفية قصةُ العلامة التجارية لمجموعة ديكسونز-كاريس. ديكسونز هي سلسلة من المحلات التي تعمل في مجال التصوير الفوتوغرافي، والتي استحوذتْ على مجموعة كاريس للمنتجات الكهربائية في ديسمبر من عام ????. كان لكاريس علامة تجارية تُدعَى سايشو وكانت العلامة التجارية لديكسونز تُدعَى لوجيك. وقد قررت المجموعة دمج العلامتين وأجْرَتْ بحثًا لتحديد أفضل اسم للعلامة التجارية الجديدة. قامت المجموعة باقتراح وبحث مجموعة متنوعة من أسماء العلامات التجارية، وكان من بينها اسم ياباني رنان وهو ماتسوي طُرِح في اللحظة الأخيرة.
وأظهرتِ النتائج أفضلية ساحقة لهذا الاسم ماتسوي، وعلى الرغم من أن معظم المنتجات التي تُباع باسم هذه العلامة التجارية كانت تُصنع في ويلز، لم يكن أمام الشركة من خيار سوى هذا الاسم الذي أصبح بعد ذلك من العلامات التجارية الناجحة نجاحًا مذهلًا في حدِّ ذاتها، ولا تزال تستخدمها المجموعة في بيع أجهزة التليفزيون والمنتجات الكهربائية الأخرى.
نموذج صنع القرار لداماسيو

دمج داماسيو فكرة الواسمات التي شرحناها في نموذج صنع القرار، ويوضح هذا النموذج الشكل ??-? الذي يستند إلى رسم تخطيطي ورد في كتاب لداماسيو بعنوان «البحث عن سبينوزا» (داماسيو، ????). يبدأ النموذج بنموذج التفكير التقليدي البسيط وهو المسار «أ»، حيث يدخل المُثير (وهو الإعلان في حالتنا هذه) في «مربع التفكير» الذي تتفاعل فيه الحقائق والخيارات المطروحة لصنع القرار وتمثيلات النتائج المستقبلية بعضها مع بعض لحين الوصول إلى قرار ما. ويتم تفعيل أحد هذه الخيارات ليصبح هو القرار.
في هذا النموذج، نجد أن داماسيو قد أضاف لمربع «الحقائق» آلية للتنظيم والفرز سمَّاها «استراتيجيات التفكير»، ولكن هذا الجانب من جوانب صنع القرار لا يزال منطقيًّا. ما يوضحه داماسيو هو أن هناك مسارًا آخَر يعمل بالتوازي مع عملية صنع القرار العقلانية، وهو ما يُطلَق عليه المسار «ب». ويُسلَك هذا المسار تلقائيًّا في كافة مواقف صُنع القرار، وما يفعله هو أنه يُنشط على نحو خفي «التحيزات المرتبطة بتجارب عاطفية سابقة في مواقف مشابهة» (داماسيو، ????). من هذا المنطلق نجد أنه إذا مرَّ بك موقف مماثل من قبل ونَقَشَ نوعًا من الواسمات الجسدية في وجدانك، فمِن المؤكَّد أنه سيؤثِّر فيك لا شعوريًّا في هذا الموقف الجديد.
شكل ??-?: نموذج صنع القرار (وفقًا لداماسيو، ????).
يُعرِّف داماسيو المسار «ب» على أنه «الشعور الغريزي» أو «الحدس». التفكير في الأمر لبضع لحظات يُظهِر أن هذا أمر شائع الحدوث، فكم من مرة رأيتَ فيها إعلانًا عن منتج وشعرت من داخلك بأنك لا تَثِق به، السبب في حدوث ذلك هو أنك مررتَ في وقت ما في الماضي بتجربة مع إعلان مفرط في الادِّعاء أو مضلِّل. لكن وجود المسار «ب» ليس هو الشيء المهم. المهم هو مدى تأثيره.
بذل داماسيو جهدًا كبيرًا لتوضيح أن الإشارة العاطفية ليست بديلة عن التفكير، ولكنها يُمكن أن تزيد من «كفاءة التفكير وتجعله أسرع». لكنه يشير أيضًا إلى أنه: في بعض الأحيان قد تجعل العاطفة عملية التفكير غير ضرورية، مثلما نرفض على الفور أحد الخيارات التي قد تؤدي إلى كارثة، أو نقفز إلى فرصة جيدة بناءً على احتمالية كبيرة للنجاح. (داماسيو ????)
إذن، ما يقوله داماسيو هو أنه على الرغم من أن القرار لا يزال يأتي من عقلنا الرشيد، فإنه يتم توجيهه فعليًّا بواسطة عاطفتنا. علاوة على ذلك، فإن هذا التأثير لا يستخدم بالضرورة «شعورًا» ملموسًا كي يَظهَر، وإنما يكون خفيًّا على نحو شبه دائم: أولًا: من الممكن أن تصدر مشاعر غريزية دون الاستخدام الفعلي للجسم مع الاعتماد بدلًا من ذلك على الاستجابة الجسدية التقديرية [أي الخلايا العصبية المرآتية]. ثانيًا (والأكثر أهمية): إن الإشارة العاطفية يُمكن أن تعمل بالكامل بمنأًى عن الوعي كما يُمكن أن تُحدِث تحولات في الذاكرة العاملة والانتباه والتفكير بحيث تنحاز عملية صنع القرار نحو اختيار الإجراء الذي من المرجَّح أن يؤدي لأفضل النتائج. (داماسيو، ????)
هذا السلوك يحدث على نحو متكرر في الأوقات التي يكون فيها المنطق أقل فعالية ويكون «التفكير» في القرار أمرًا صعبًا. يقول داماسيو: في بعض الأحيان يُمكن أن يؤدي المسار «ب» إلى قرار ما على نحو مباشر، مثلما يُثير الشعور الغريزي استجابة فورية. أنماط القرار المثيرة التي وصفها دانيال كانمان وعاموس تفيرسكي تكون على الأرجح ناتجة عن سلوك المسار «ب». (داماسيو، ????)
الحالة الكلاسيكية التي تتأثر فيها عملية اتخاذنا لقرار عقلاني تحدث عندما لا يكون لدينا وقت كافٍ؛ على سبيل المثال، عندما يتصل شخص ما بامرأة لا تعرفه من أجْل مُواعَدة في المساء، فالأرجح أنه لا يكون هناك متسع من الوقت أمام المرأة «لتفكِّر» إلى أي مدًى هي تَثِق بهذا الشخص؛ لذلك فإن حدسها يُقَيِّم شعورَها إزاء هذا الشخص والتجارب السابقة التي خاضتْها هي أو إحدى صديقاتها عندما قَبِلْنَ مواعدات من غير تروٍّ ودون استعداد؛ ومن ثم تتخذ قرارًا فوريًّا إما بالقبول وإما بالرفض (وهو الأكثر شيوعًا). بالطبع يمكن أن تتعلَّل هذه المرأة قائلة: «آسفة، أنا مشغولة/عندي مَوعِد آخَر هذا المساء/سوف أخرج في نزهة مع كلبي»، أو أي مبرِّر آخَر غالبًا ما يكون غير مُقنِع.
توضح إحدى التجارب التي نُشرت عام ???? كيف أن سلوك المسار «ب» يؤثر على القرارات اليومية البسيطة (شيف وفيدوريكين، ????). أعطى شيف وفيدوريكين الطلاب مهمة غير ذات صلة ليؤدُّوها، وعَرَضَا عليهم جائزة؛ إما كيك الشوكولاتة أو سلطة الفواكه. طُلب من نصف العينة أن يختاروا قبل بدء المهمة (مقيدة بوقت)، وأُخبر النصف الآخر بأنهم يستطيعون اتخاذ قرارهم بعد إنجاز المهمة (غير مقيدة بوقت). أظهرتِ النتائج أنه في حالة المهمة المقيدة بوقت، كان الطلاب، أكثر ميلًا بكثير لتفضيل كيك الشوكولاتة الأكثر جذْبًا من الناحية الشعورية على سلطة الفواكه الأكثر جذْبًا من الناحية العقلانية، والعكس صحيح.
تكررت النتائج عندما كان الجهد المعرفي محدودًا، عندما طُلب من المشاركين أن يتذكروا إما عددًا مكونًا من سبعة أرقام أو رقمين. يُشير هذا إلى أنه عندما يتخذ المرء قرارًا وعقله منشغل بشيء آخر (على سبيل المثال، التسوق في متجر مزدحم مع الأطفال)، فإن هذا القرار سيكون متأثرًا بالعاطفة إلى حدٍّ كبير.
كانت هناك ملاحظتان مثيرتان للاهتمام؛ تتمثل الأولى في أن هذه الاختلافات لم تَظهَر عندما استُخدمت صور نوعي الحلويات. يوحي هذا بأن السلوك البديهي يتطلب الإحساس «الداخلي» بالعاطفة (باستخدام مصطلحاتنا السابقة، يتطلب الأمر انطلاق الخلايا العصبية المرآتية في دماغك على الفور) قبل أن يصبح التأثير العاطفي فعَّالًا. قد يكون هذا السبب في أن «قِيَم الإنتاج» في الإعلان (أي الجودة والاهتمام اللذين يُنتَج الإعلان بهما) يُمكن أن تكون ضرورية جدًّا كي يكون الإعلان فعالًا.
الملاحظة الثانية هي أن الأشخاص الأكثر اندفاعًا هم فقط مَن تفاعلوا مع عواطفهم؛ مما يوحي بأن المسار «ب» لا ينطبق على نحو متماثل على جميع الأشخاص في جميع المواقف. قد يُفسر هذا السبب في أن الإعلان لا يكون مؤثرًا من الناحية العاطفية على جميع الأشخاص، وكذلك السبب في أن الناس خلال البحث يجدون سهولة كبيرة في إخفاء قابليتهم للتأثر عاطفيًّا.
ولكن، بغضِّ النظر عن قابليتنا للتأثر عاطفيًّا، فإن وجود واسمات بداخل عقلنا الباطن يؤدي فعليًّا إلى تأثُّرنا جميعًا بالإعلان دون أن نُدرِك ذلك. أعتقد أن دراسة الحالة أدناه عن شركة أودي توضح هذا الأمر جيدًا.
دراسة حالة: أودي

في عام ????، عندما بدأ جون بارتل ونايجل بوجل وجون هيجارتي وكالتهم الإعلانية (بي بي إتش)، كانت شركة صناعة السيارات الألمانية أودي من أوائل عُمَلائها. وعندما كان يزور مدير الإبداع المُلهم، جون هيجارتي، مصنع أودي في ألمانيا لاحظ الشعار «فورسبرونج دورش تكنيك»، الترجمة الحرفية لهذا الشعار هي «التقدم من خلال التكنولوجيا»، ولكن بعكس ما نصحه به الجميع، قرر هيجارتي استخدام الشعار بلغته الألمانية الأصلية في إعلانات بريطانية. وحسب وصف صحيفة الجارديان في مقالة نُشرت في ?? يناير ????، فإنه «على الرغم من الشكوك استجاب هيجارتي لشعوره الغريزي، وأصبحتْ هذه العبارة أحد أشهر الشعارات وأكثرها استخدامًا في الإعلانات.»1 عُرض أول إعلان تليفزيوني لأودي عام ????. كان المعلِّق على الإعلان هو الممثل البريطاني جيفري بالمر، ويُظهِر الإعلان ثلاث أُسَر ألمانية مختلفة تقود سياراتها في طريقها إلى البحر المتوسط لقضاء العطلة الصيفية، ويوضح الإعلان أن خاصيتي الديناميكية الهوائية والكفاءة في استهلاك الوقود اللتين تتمتع بهما أودي ??? جعلتاها تصل قبل السيارات الأخرى بوقت طويل. ينتهي الإعلان بالشعار، وينطق بالمر الشعار بصوته الرخيم قائلًا عن العلامة التجارية: ««فورسبرونج دورش تكنيك»، كما يقولون بالألمانية.»
لقد كان هناك الكثير من التعليقات في مجال الإعلان بشأن غرابة القرار الذي اتخذتْه وكالة الإعلانات «بي بي إتش» بعدم ترجمة الشعار. بعد حين خمدت الإثارة وأصبح الشعار مألوفًا وتم تجاهله إلى حدٍّ ما. ولم يكن الحال كذلك بالنسبة إلى العلامة التجارية أودي، التي استمرت لتصبح واحدةً من أكثر العلامات التجارية في المملكة المتحدة تميزًا، حيث اقتربتْ في طموحها من بي إم دبليو ومرسيدس.
المثير في الأمر أنه بعد مُضِيِّ ?? عامًا، إذا سألتَ أحدًا ما هو الإعلان الذي يُمكن أن يتذكره عن أودي فإنه لا يكاد يذكر إعلانًا واحدًا، ولكن الكثيرين يتذكرون الشعار «فورسبرونج دورش تكنيك». وإذا سألتَه عن معنى الشعار، سيبدو عليه عدم الفهم ويرد عليك قائلًا: «ليس لديَّ أدنى فكرة، إنه بالألمانية.» بناءً على هذا فإنك لن تُلام على اعتقادك بأن الشعار لم يكن له دور كبير في بناء سمعة أودي الطموحة.
ولكن باستخدام ما تعلمناه حول الواسمات الجسدية لداماسيو، فإنه من الممكن القول بأن هذا الشعار غير المفهوم ربما كان واحدًا من «أكثر» العناصر تأثيرًا في إعلان أودي. بسبب إثارته لواسماتٍ ثلاثة مهمة جدًّا.
معظمكم سيتعرف على الواسم الأول في الحال، فقد تحدثنا بالفعل عن حقيقة تصنيف ألمانيا بأنها أفضل من جميع الدول تقريبًا في هندستها، ومن الواضح أن عبارة «فورسبرونج دورش تكنيك» ألمانية، ويعني هذا أن أودي ألمانية الجنسية؛ ولذلك فهي تستفيد من جودة الهندسة الألمانية.
وبالسهولة نفسها تقريبًا يمكن تحديد الواسم الثاني؛ فكلمة «تكنيك» مشابهة جدًّا للكلمة الإنجليزية «تكنيكال» بمعنى تقني وكلمة «تكنولوجيا»، وتدل بوضوح على أن سيارات أودي سيارات متطورة من الناحية الفنية وصُنعت باستخدام التكنولوجيا الحديثة. وهذا يُشير إلى أن العلامة التجارية تهتم بالعلم أكثر من اهتمامها بجمال التصميم أو الشكل.
ويمكنني القول إن الواسم الثالث هو أكثر الواسمات تأثيرًا، ومع ذلك قلَّما يتنبَّه إليه المرء على الرغم من أنه واضح وضوح الشمس. إنه الواسم الذي نشأ من قرار هيجارتي بعدم ترجمة الشعار؛ فعن طريق ترك الشعار باللغة الألمانية الأصلية دون ترجمته، أكد هيجارتي على الهوية الألمانية للعلامة التجارية.
حاولتْ معظم السيارات الأجنبية في ثمانينيات القرن العشرين التقليل من أهمية كونها أجنبية المنشأ، واستخدمت الشركات المعلِنة شعارات إنجليزية في إعلاناتها كي تُظهِر أن سياراتها ذات طابع إنجليزي. استخدمت بي إم دبليو شعار «السيارة الأفضل»، واستخدمت رينو عام ???? في إعلانها عن السيارة كليو شعار «طراز متميز»، واستخدمت فولكس فاجن شعار «ليت كل شيء في الحياة يُعتمد عليه مثل فولكس فاجن!» في الإعلان الإبداعي الذي حمل عنوان «الأميرة ديانا» عن سيارة فولكس فاجن جولف. ولكن أودي بتمسُّكها برسالتها الألمانية الأصلية أعطتْ فعليًّا رسالة فائقة الثقة تُفِيد بأن سياراتها ألمانية وأنها فخورة بذلك، وأنها ليس لديها استعداد لأن تقدم تنازلات بشأن هذه الهوية الألمانية. إذا أراد الناس سيارة هجينة تم تعديلها بحيث تتناسب مع السوق المحلي فعليهم أن يشتروا إحدى العلامات التجارية الأخرى، ولكن إذا أرادوا الشيء الأصلي فعليهم شراء سيارة أودي.
بالطبع أنت لا «تفكر» في شيء من هذا عندما ترى شعار «فورسبرونج دورش تكنيك». إنك لا تفكر قائلًا: «يا إلهي! تلك حيلة ذكية من شركة أودي؛ فعن طريق عدم ترجمة الشعار، تخبرني الشركة بأنها ليستْ على استعداد لأن تقدم تنازلات بشأن تصميمها من أجلنا نحن البريطانيين.» أنت لا تفكر على هذا النحو لأنه شعار، وبوجه عام نحن لا نفكر في الشعارات الإعلانية كثيرًا. في الواقع، إذا اجتهدتَ في التفكير في شعار أودي فإنه سيفقد تأثيره في الحال؛ لأنك سرعان ما تعترض قائلًا إن سيارات أودي تم تعديلها بحيث تناسب السوق البريطانية مثلها مثل العديد من العلامات التجارية الألمانية الأخرى.
إذن ماذا يحدث عندما ترى هذا الشعار؟ الإجابة هي أنك لا تفكر فيه، ولكن ينتابك «شعور» ما بشأنه. إنك تدرك حسيًّا الاسم أودي والشعار الألماني، وعلى مستوى اللاوعي، يطلق هذا الإدراك الحسي الواسم المرتبط بالشعور بأن الألمان هم الأفضل في المجال الهندسي عالميًّا، ويقوم أيضًا بإطلاق الواسم الذي يجعلك تشعر بأن التكنولوجيا الموجودة في سيارة ما هامة جدًّا، والأهم من ذلك أنه يطلق الواسم الذي يجعلك تشعر بأن أودي هي أكثر العلامات التجارية تمسكًا بالهوية الألمانية وفخرًا بها، وأنه لا بد وأن الشركة بلغتْ من الثقة والنجاح مبلغًا بحيث لا يؤثِّر فيها عدم ترجمتها الشعار. تُخزن جميع هذه المشاعر الإيجابية في اللاوعي لديك الذي يرتبط باسم أودي، ولأنها مخزنة على مستوى اللاوعي ولأنك لا تدرك أنها موجودة، فلا توجد طريقة تتمكن بها من محوها أو من إيقاف تأثيرها عليك.
هوامش

(1) http://guardian.co.uk/media/2010/jan/22/audi-vorsprung-durch-technik-trademark.
الفصل الثاني عشر
تأثير التواصل غير المباشر


من المألوف جدًّا أن يُعمينا «محتوى» أي وسيلة إعلامية عن طبيعة الوسيلة نفسها.
مارشال ماكلوان
«فهم وسائل الإعلام» (????)
في الفصل السابق، ذكرنا أن العاطفة بمثابة حارس على القرارات، وأنها يمكن أن تؤثر على أي قرارات تتخذها دون أن تدرك ذلك. وقد تكون على استعداد لأن تتقبَّل فكرة أن المحتوى العاطفي في الإعلانات قد يؤثر على مشترياتنا اليومية من السلع والبضائع التي نشتريها من المحلات التجارية، بل ربما تكون على استعداد حتى لأن تتقبَّل فكرة أن المحتوى العاطفي في الإعلانات يمكن أن يُغريك ويجذبك إلى معرض سيارات. لكنني أشك في أن لديك استعدادًا لأن تتقبَّل فكرة أن هذا المحتوى العاطفي ذاته يمكن فعلًا أن يلعب أي دور في القرار النهائي المتعلق بنوعية السيارة التي تشتريها. بالتأكيد قرار مهم مثل هذا القرار من شأنه أن يكون مدفوعًا من الجزء المرتبط بالتفكير العقلاني في دماغك، أليس كذلك؟
قد يتفق العديد من الأكاديميين والمُعلِنين معك، فقد أظهرتِ الأبحاث — على سبيل المثال — أنه على الرغم من أن صناعة الإعلان تَعتَبِر الإعجاب بإعلان ما أحد أهم مؤشرات نجاح هذا الإعلان عند اختبار الإعلانات، فإن تأثيره يكون في الواقع ضئيلًا إنْ وُجد (بيركفيست وروسيتر، ????). وقياسًا على القول المأثور: «تستطيع أن تأخذ الحصان إلى النهر ولكن لا يمكنك أن تُجبِره على الشرب»، تُشير هذه الدراسة إلى أن المحتوى العاطفي في إعلان ما يمكن أن يجذب الناس إلى المعرض، غير أنه لا يمكن أن يُجبرهم على الشراء.
أم إنه يمكن أن يجبرهم على ذلك؟ بالتأكيد لا توجد أدلة على أن مجرد الإعجاب بإعلان ما يمكن أن يقنعك بشراء السلعة التي تحمل العلامة التجارية المُعلَن عنها. ولكن ثمة أدلة قوية تشير إلى أن الشعور بالمَيْل على نحو إيجابي تجاه شركة ما قد يدفعك لشراء منتجاتها؛ وكما نعلم قد يدفعك «عدم» الإعجاب بشركة ما إلى «عدم» شراء منتجاتها. أيضًا، تعتبر أي شركة سيارات — في الواقع — بمثابة علامة تجارية، ويوجد أدلة تثبت أن المحتوى العاطفي في الإعلان يمكن أن يجعلك تشعر بالإعجاب تجاه علامة تجارية. وينبع هذا الدليل من علم النفس السلوكي وسيكولوجية العلاقات بين الناس (فلدويك، ????).
التواصل العاطفي والعلاقات مع العلامات التجارية

يهتم علم النفس السلوكي في الأساس بالعلاج النفسي والسلوك المرتبط بالعلاقات بين الناس، ويلقي بعضًا من الضوء المهم للغاية على كيفية تفاعل التواصل العاطفي مع العلاقات. ويعتبر عمل بول فاتسلافيك أحد النصوص المؤسِّسة التي يستخدمها أولئك الذين يدرسون التواصل بين الأشخاص، حيث رسخ فاتسلافيك وآخرون (????) خمس بديهيات أو قواعد للتواصل؛ تُعتَبَر الثلاثة البديهيات الأولى منها الأكثر انطباقًا على الإعلان.
تنص بديهية فاتسلافيك الأولى على أن التواصل بين الأشخاص يحدث دائمًا حيث يقول: إنه «لا يمكن للمرء عدم التواصل» (فاتسلافيك وآخرون، ????). وقد أثبت فاتسلافيك أنه حتى مع عدم تحدث أي شخصين بعضهما إلى بعض، يكونان منخرطين في عملية تواصل عبر لغة جسديهما كما أن احتفاظهما بالصمت يُعَدُّ شكلًا من أشكال التواصل. والشيء نفسه يمكن أن يُقال عن صفحة فارغة في صحيفة تحمل اسم علامة تجارية؛ فحقيقة أن الصفحة فارغة هي في حد ذاتها جزء من التواصل.
إن السبب في حدوث التواصل — حتى مع عدم التفوُّه بأي شيء — يبدو واضحًا في بديهية فاتسلافيك الثانية التي تنص على أن «لكل عملية تواصل محتوًى وجانبًا علائقيًّا بحيث يصنف الجانب العلائقي المحتوى؛ ومن ثم يكون ضربًا من ضروب التواصل غير المباشر.» (فاتسلافيك وآخرون، ????) وفي رأيه، «التواصل» هو ما يقال، ولكن نبرة الشخص المتواصل ولغة جسده تغيِّران وتعدِّلان من طبيعة هذا التواصل؛ وهذا ما أطلق عليه فاتسلافيك «التواصل غير المباشر». وبالطريقة نفسها تمامًا، يمكن أن يكون لكل إعلان رسالة أو رأي مكتوب أو شفهي، بَيْدَ أن الحالة المزاجية والنبرة وغيرهما من العناصر التي يتألف منها الإبداع في الإعلان تغيِّر هذه الرسالة؛ لذلك فإن الإبداع — في مجال الإعلان — هو الذي يتضمن تواصلًا غير مباشر.
يمثِّل هذا الأمر أهمية كبيرة إذا أردنا فهْم الكيفية التي تؤثر بها الإعلانات فهمًا واضحًا، فليس من غير المألوف في هذه الصناعة أن تسمع عملاءَ يقولون أشياء من قَبِيل «أريد فقط إعلانًا يوصل الحقائق، وليس أكثر من ذلك». وما لا يُدركونه هو أن المرء لا يمكن أن يوصل الحقائق فحسب؛ فلكل إعلان — مهما بلغت بساطته — تواصل مباشر وغير مباشر.
فلنأخذ الصفحة الفارغة التي تتضمَّن اسم العلامة التجارية مثالًا، هنا عملية التواصل دون شك معنية في الأساس باسم العلامة التجارية، ولكنَّ وضْع اسم العلامة التجارية في صفحة فارغة يوصل «رسالة خفية» مفادها: «لا يوجد شيء أكثر من ذلك تحتاج لمعرفته عني»، ويوصل أيضًا رسالة أخرى غير مباشرة مفادها: «إنني أتمتع بما يكفي من الثقة والثراء لشراء صفحة كاملة في هذه الصحيفة دون أن أذكر شيئًا فيها.» لذا، كما ذكرتُ في وقت سابق، لا يمكن أن يخلو الإعلان من رسائل خفية أو غير مباشرة.
وفي البديهية الثالثة له، عقد فاتسلافيك مقارنة بين هذين النوعين من التواصل ومفهوم المحتوى «الرقمي» مقابل المحتوى «التماثلي»، حيث يرى فاتسلافيك «التواصل» رسالةً رقميةً عقلانيةً واضحةً ولا لبس فيها، كما يمكن تحليلها وتصنيفها بسهولة، وغالبًا ما تفتقر إلى القِيَم العاطفية. وفي المقابل، يرى أن التواصل الخفي أو غير المباشر يكون عاطفيًّا جدًّا في طبيعته، وغالبًا ما يكون غامضًا وخفيًّا، كما يكون من الصعب تصنيفه بل يصعب حتى في بعض الأحيان التعرف عليه. ولا يحتاج الأمر منَّا سوى القليل من التخيُّل لنرى أن وصْف فاتسلافيك للتواصل بين الأشخاص يُشبِه المصطلحات التي يستخدمها محترفو الإعلان عند وصف الإعلان: حيثما يتحدث فاتسلافيك عن «التواصل الرقمي العقلاني»، يتحدث محترفو الإعلان عن «الرسالة»؛ وحيثما يصف فاتسلافيك «التواصل العاطفي غير المباشر»، يتحدث محترفو الإعلان عن «الإبداع».
حتى الآن، يبدو الأمر جيدًا للغاية. ولكن ما علاقة هذا بكيفية تأثير المحتوى العاطفي الذي تتضمنه الإعلانات على سلوكنا الشرائي؟ يكمن تفسير هذا الأمر في الطريقة التي يتم بها بناء العلاقات، والطريقة التي يتم بها تفكيك هذه العلاقات.
ركز بحث فاتسلافيك على الطريقة التي نبني بها العلاقات، حيث رصد في الأساس أزواجًا كان لديهم مشكلات، ودرَّبهم على استخدام طرق مختلفة للتغلب على هذه المشكلات. وفي أثناء القيام بهذا، اكتشف شيئًا مهمًّا جدًّا: وجد أنه عندما كانتِ العلاقات بين الزوجين على وشك الانهيار، كان مستوى «التواصل» غالبًا معقولًا ومقبولًا على نحو مثالي، بَيْدَ أن التواصل غير المباشر هو الذي كان سببًا في الانهيار. بعبارة أخرى، كان الناس يقولون أشياء جيدة، ورغم ذلك، كانت «الطريقة» التي تُقال بها هذه الأشياء هي التي تسبِّب النزاع والسلبية؛ لذلك فإن مجرد تحسين «الأشياء» التي يقولها الناس بعضهم لبعض ليس له تأثير كبير على العلاقة فيما بينهم.
وجد فاتسلافيك أنه إذا كنتَ قادرًا على تصحيح التواصل غير المباشر، يمكنك حينها بسهولة نسبيًّا رأب الصدع الذي أصاب العلاقة. في الواقع، كان تحسين التواصل غير المباشر ناجحًا لدرجة مكَّنتِ العلاقة من الاستمرار والبقاء حتى عندما كان يتفوَّه الزوجان بأشياء مدمِّرة وسلبية.
وقد خلص فاتسلافيك من هذا الأمر إلى أن هذا الجانب من التواصل غير المباشر هو المحرك الرئيسي للعلاقات. وبعبارات بسيطة، ليستِ «الأشياء» التي تقولها هي التي تبني العلاقات، بل «الطريقة» التي تقولها بها.
هذا يعني الكثير بالنسبة لمجال الإعلان. فما يُشير إليه بحث فاتسلافيك هو أن الرسالة العقلانية في الإعلان ليستْ هي ما يبني ارتباطًا أو علاقة بعلامة تجارية معينة، ولكن الإبداع العاطفي الذي يُحِيط بتلك الرسالة هو ما يبني تلك العلاقة. وهذا يعني أن توصيل الرسالة في الإعلان — الذي يشغل ??? من وقت وجهد المعلنين والمسوِّقين — قد لا يكون له في واقع الأمر سوى أهمية ضئيلة نسبيًّا فيما يتعلق بالاحتفاظ بنجاح العلامة التجارية على المدى الطويل. وعلى النقيض، قد يصبح الإبداع — الذي يُتْرَك عمومًا وبالكلية لأهواء المبدِعين الذين يعملون بحماس في وكالاتهم الإعلانية — الشيء الوحيد البالغ الأهمية الذي يرتبط بنجاح العلامة التجارية على المدى الطويل. وبعبارة أخرى، قد تنقلب عملية صنع الإعلانات برمتها رأسًا على عقب.
كانت لدى مارشال ماكلوان — الذي افتُتح هذا الفصل بمقولته — الفكرة نفسها إلى حدٍّ كبير. أشهر ما قاله ماكلوان هو: «أحيانًا ينتابنا إلى حد ما نوع من الصدمة عندما يتم تذكيرنا بأن الوسيلة الإعلامية — في الواقع العملي والتطبيقي — هي الرسالة» (ماكلوان، ????). وهذه المقولة تُلمِح إلى فكرة أن ناقل الرسالة يكون أكثر تأثيرًا من الرسالة نفسها. ولكنْ عندما يقول ماكلوان: «من الشائع جدًّا أن يُعمينا «محتوى» أي وسيلة إعلامية عن طبيعة هذه الوسيلة نفسها» (ماكلوان، ????)، فمن الواضح جدًّا أنه يتحدث عن التواصل الذي يُعمينا عن التأثير الذي يمارسه التواصل غير المباشر علينا. هذا هو ما يحدث في الإعلان في كثير من الأحيان؛ نلحظ الرسالة ونعارضها، ولكن، عند القيام بذلك، ينسحب انتباهنا بعيدًا عن التواصل العاطفي غير المباشر للإبداع ويدخل هذا دون أن ندري في عقلنا الباطن. ولأننا لسنا على دراية به، لا يمكننا تقديم حُجَج معارضة له؛ ومِن ثَمَّ، نكون غير قادرين على تخفيف تأثيره فيما يتعلق بعلاقتنا مع العلامة التجارية.
قد تبدو فكرة إقامة «علاقة» مع علامة تجارية مستبعَدة إلى حدٍّ ما لدى البعض منكم، فالشركات والعلامات التجارية ما هي إلا أشياء جامدة. وبالتأكيد، لا نُكِنُّ لها النوع نفسه من المشاعر التي نُكِنُّها لأزواجنا وآبائنا وأطفالنا وأصدقائنا.
في الواقع، هناك الكثير من الأدلة التي تثبت أننا لا نتعامل مع الشركات والعلامات التجارية باعتبارها «جزءًا من عائلتنا»، فمقدار التعلُّق بها أقل كثيرًا من مقدار تعلقنا بالناس، لكن تربطنا بها مشاعر مع ذلك. حسنًا، لا يدَّعي أحد أنك قد تَقَع في غرام منظف المرحاض الخاص بك، ولكنْ ألَا نشعر بالارتباط عاطفيًّا بسياراتنا ودرَّاجاتنا البخارية التي هي من الجمادات؟ يكفيك أن تدخل على شبكة الإنترنت لتَجِد مجموعات هائلة من الناس يكرِّسون حياتهم بالكامل لعلامات تجارية مثل ألفا روميو وفولكس فاجن وهارلي ديفيدسون ودوكاتي وغيرها. في الواقع، هذه العلامات التجارية مؤثِّرة جدًّا لدرجة أن هؤلاء الهواة أصبحوا هدفًا لنشاط تسويقي كبير (وغير ناجح في أغلبه). ويمكن أن نجد النوع نفسه من التعلق في أسواق متنوعة مثل أسواق المزلجات والأحذية الرياضية والخمور والملابس والفيتامينات والمشروبات الغازية وأجهزة الكمبيوتر. تحدَّثْ فقط مع أحد المتحمِّسين ? «آبل» لبضع دقائق وستجد في الغالب أن لديه ارتباطًا عاطفيًّا فعليًّا بأجهزة آبل. ويمكن أن نجد هذا الارتباط العاطفي نفسه بين أولئك الذين يشترون مساحيق الغسيل الحيوية مثل إيكوفر، حتى وإن بدا حماسهم غير واضح نسبيًّا؛ لذلك فنحن «نرتبط» — على مستوًى ما — بكل العلامات التجارية التي نشتريها بانتظام، على الرغم من أننا لا ندرك دائمًا وجود هذه العلاقات.
ولكن حتى إن قبلتَ فكرة أنك قد تشعر بالتعلق بعلاماتك التجارية المفضَّلة، فما هي الأدلة التي تُثبِت أن نظريات فاتسلافيك تنطبق عليها؟ بالتأكيد، إذا كان لدينا تعلُّق بشيء ما، فقد يكون هذا التعلق عقلانيًّا ومستمدًّا من أداء المنتج وليس مستمدًّا مما نشعر به حيال ذلك المنتج. وقد يؤثر التواصل غير المباشر الذي يحدث في سياق التواصل الإنساني على علاقاتنا الشخصية بعضنا مع بعض، ولكن ما الدليل على أنه يمكن للتواصل غير المباشر في الإعلانات التأثير على علاقاتنا مع العلامات التجارية؟ الجواب المختصر هو أنه لم يكن هناك الكثير من الأدلة حتى قررتُ أنا واثنان من زملائي اختبار ذلك بأنفسنا. وإليكم ما توصلنا إليه.
اختبار نظرية فاتسلافيك

من أجل اختبار ما إذا كانت نظرية فاتسلافيك تنطبق على الإعلانات أم لا، كنَّا بحاجة إلى القيام بأمرين: الأمر الأول أنه كان علينا أن نجد طريقة ما مِن أجْل القياس الكمِّي لقوة العلاقة — أو التعلق إذا كنتَ تفضل أن تُطلِق عليه ذلك — التي تنشأ بين الناس والعلامات التجارية. والأمر الثاني أنه كان علينا أن نجد طريقة ما لقياس التواصل المباشر وغير المباشر.
من السهل نسبيًّا قياس العلاقات مع العلامات التجارية، ويُعتَبَر المقياس البسيط للتعلق هو مقدار الاستحسان الذي يعبِّر عنه شخص ما حيال العلامة التجارية. ولا يعتبر هذا الاستحسان مقياسًا يمكن تطبيقه على المستخدمين وغير المستخدمين على حد سواء فحسب، بل يمكن أيضًا قياسه بسهولة باستخدام مقياس دلالي موسع. وقد استخدمنا مقياسًا بسيطًا يتكون من ?? نقاط تبدأ من «مستحسَن للغاية» وتنتهي ? «غير مستحسَن تمامًا».
كان القياس الكمي للتواصل المباشر وغير المباشر في الإعلان أكثر تعقيدًا نوعًا ما، ووصف فاتسلافيك ورفاقه التواصل المباشر بأنه عقلاني في الأساس، كما وصفوا التواصل غير المباشر بأنه في الأساس عاطفي في طبيعته؛ لذلك فإن مستوى التواصل في إعلان ما سوف يعكس حجم «الرسالة» العقلانية التي يُرى أنها وردت فيه. وعلى النقيض، سوف يعادل مستوى التواصل غير المباشر الكم المُدرَك من المحتوى العاطفي أو الإبداع الموجود في الإعلان. والمشكلة الوحيدة هي أنك لا تستطيع في الواقع أن تسأل شخصًا ما مباشرة عن حجم الرسالة أو كمِّ الإبداع الذي يعتقد أنه يوجد في إعلان معين حيث إنه قد ينظر إليك حينها كما لو كنتَ مجنونًا.
كان حلُّ هذه المشكلة أن نستخلص هذه المقاييس من خلال طرح مجموعة من الأسئلة غير المباشِرة عن المحتوى الإعلاني. ولحُسْن الحظ، تم القيام بذلك فعليًّا عن طريق نظام متخصص في أبحاث الإعلانات يُطلَق عليه اختبار «القوة الإدراكية العاطفية».
وقد تم إعداد اختبار القوة الإدراكية العاطفية كجزء من نظام الاختبارات القبلية على الإنترنت للمساعدة في تقييم المستويات المطلقة والنسبية للمحتوى العاطفي والعقلاني في الإعلانات. فعن طريق استخدام مجموعة اختبارات تتألَّف من ?? عبارات، حدد اختبار القوة الإدراكية العاطفية اثنين من المفاهيم: القوة الإدراكية التي تقيس قوة الرسالة والمعلومات العقلانية الواردة في الإعلان، والقوة العاطفية التي تقيس قوة المحتوى العاطفي الموجود في الإعلان. هذان المفهومان يوازيان عن كثب التواصل المباشر وغير المباشر عند فاتسلافيك؛ لذلك إذا تمَّ تطبيق بديهيات فاتسلافيك في مجال الإعلان، ينبغي أن تكون القوة العاطفية حينها هي التي تتصل بالعلاقات القوية التي تجمعنا بالعلامات التجارية، وليس القوة الإدراكية.
أجرَيْنا عمَلَنا التجريبي في عام ???? ونُشِرَ في «جورنال أوف أدفرتيزنج ريسيرش» (هيث وآخرون، ????). وقد نُفِّذت أول تجربة أجرَيْناها عن طريق اثنين من الاستبيانات تمَّ نشرُهما على الإنترنت في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد اختَرْنا في الاستبيان الأول مجموعة من ?? إعلانًا تليفزيونيًّا يتم بثُّها حاليًّا في الولايات المتحدة الأمريكية لعدد من الفئات المختلفة من المنتجات، وقمنا بعرض هذه الإعلانات على عينة عامة من الأفراد. وبعدها طرحنا الأسئلة الموجودة في اختبار القوة الإدراكية العاطفية، وقمنا بإعداد التقييمات الخاصة بالقوة الإدراكية والقوة العاطفية لكل إعلان.
جدول ??-?: معاملات الارتباط في الولايات المتحدة الأمريكية (هيث وآخرون، ????).??إدراكيعاطفيالتحول في الأفضليةالقوة الإدراكيةارتباط بيرسون????ملحوظ (اختبار ثنائي الذيل)????ن????القوة العاطفيةارتباط بيرسون????????ملحوظ (اختبار ثنائي الذيل)????????ن?????التحول في الأفضليةارتباط بيرسون??????????*??ملحوظ (اختبار ثنائي الذيل)????????????ن??????* الارتباط ملحوظ عند مستوى ???? (اختبار ثنائي الذيل).
ومن أجْل قياس مدى تأثير كل إعلان على العلاقات التي تتم إقامتها مع العلامات التجارية، تم توظيف عينة عامة أخرى من الأفراد على الإنترنت. في البداية، لم يكن المشاركون قد شاهدوا الإعلانات ولم يُطلَب منهم سوى تقييم كل العلامات التجارية الواردة على أساس الأفضلية، وذلك من خلال استخدام مقياس عشر النقاط. وبعد ذلك، عُرِضَ عليهم بعض من المقاطع المختارة من كل إعلان من الإعلانات وسُئلوا عمَّا إذا كانوا قد شاهدوا هذه الإعلانات من قبل على شاشة التليفزيون أم لا. وهذا يعني أنه بإمكاننا الآن تقسيم درجات أفضلية العلامات التجارية بين أولئك الذين تعرفوا على الإعلانات، وأولئك الذين لم يتعرفوا عليها. وقد أحدث هذا الأمر «تحولًا» في الأفضلية؛ الأمر الذي أظهر إلى أيِّ مدًى حسَّنتِ الإعلانات درجة التعلق بالعلامات التجارية لدى هؤلاء المشاركين عندما كان الإعلان يُعرَض على الهواء. وقد تم التحكم في مستويات الاستخدام لضمان عدم وجود أي تحيُّز قد يحدث بسبب زيادة عدد المستخدمين بشكل كبير في عيِّنات مَن تعرفوا على العلامة التجارية ومَن لم يتعرفوا عليها على حدٍّ سواء.
وقد جَعَلَنا كلٌّ مِن هذين الاختبارين قادِرِين على دراسة العلاقة بين التحول في الأفضلية فيما يتعلق بالعلامات التجارية والقوة العاطفية والقوة الإدراكية في الإعلان. وما خلصنا إليه هو وجود علاقة إيجابية متواضِعة، ولكنَّها ذات مغزًى، بين القوة العاطفية والتحول في الأفضلية. ولكن لم يكن ثمة أي علاقة ذات دلالة بين القوة الإدراكية والتحول في الأفضلية. وتَظهَر هذه الإحصاءات في الجدول ??-? أعلاه. أظهرت هذه النتائج — كما توقَّعنا — أن القوة العاطفية وحدها في الإعلانات هي التي ارتبطت بتحسين أفضلية العلامات التجارية. وكما أظهر بحث فاتسلافيك، كان للقوة الإدراكية (أو الرسالة) تأثير ضئيل، إنْ وُجد من الأساس.
ومن أجْل معرفة إذا ما كانت النتائج تنطبق فقط على الولايات المتحدة الأمريكية أم لا، أُجريت تجربة مماثلة أخرى في المملكة المتحدة تم فيها استخدام مجموعة من الإعلانات التليفزيونية بلغ عددها ?? إعلانًا تليفزيونيًّا يجري بثُّها حاليًّا في المملكة المتحدة. ويُظهِر الجدول ??-? النتائج. وكما هو واضح، أظهرت البيانات البريطانية وجود علاقة إيجابية ذات دلالة أكثر وضوحًا بين القوة العاطفية والتحول في الأفضلية. وفي هذه الحالة، تم العثور على علاقة «عكسية» ضئيلة بين القوة الإدراكية والتحول في الأفضلية، وهذا يعني ضمنيًّا أنه كلما كانت الرسالة أكثر وضوحًا في الإعلانات البريطانية، قلَّتِ «احتمالات» تأثيرها على الأفضلية تجاه العلامة التجارية؛ لذلك على الرغم من الاختلافات في الأساليب الإعلانية بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، جاءت النتائج متَّسقة بشكل ملحوظ، وأظهرتِ القوة العاطفية وجود علاقة خطية ذات دلالة مع التحول في الأفضلية في حين لم تُظهِر القوة الإدراكية وجود علاقة ذات مغزًى.
توضح هذه النتائج أن نظرية فاتسلافيك يمكن تطبيقها في مجال الإعلان؛ حيث يبدو أنه ليس للرسالة العقلانية في الإعلان سوى تأثير ضئيل — إنْ وُجد أصلًا — على علاقاتنا بالعلامات التجارية تمامًا مثلما أن التواصل العقلاني بين الناس ليس له سوى تأثير ضئيل — إنْ وُجد أصلًا — على العلاقات الشخصية بين الأفراد. وعلى النقيض، يبدو التواصل غير المباشر العاطفي «الإبداعي» في الإعلان قادرًا على بناء علاقات قوية بالعلامات التجارية مثلما أن هذا التواصل العاطفي غير المباشر في التواصل بين الأفراد قادر على بناء علاقات شخصية قوية؛ لذلك فإن الأفكار الإبداعية الغريبة التي ناقشناها في الفصل الثاني — والتي غالبًا ما يبدو أنه ليس بينها وبين ما يتم الإعلان عنه أي علاقة — تَبَيَّنَ فجأة أنه ربما يكون لها تأثير مباشر على مدى تعلقنا وارتباطنا بالعلامات التجارية.
جدول ??-?: معاملات الارتباط في المملكة المتحدة (هيث وآخرون، ????).??إدراكيعاطفيالتحول في الأفضليةالقوة الإدراكيةارتباط بيرسون????ملحوظ (اختبار ثنائي الذيل)????ن????القوة العاطفيةارتباط بيرسون?????????ملحوظ (اختبار ثنائي الذيل)????????ن?????التحول في الأفضليةارتباط بيرسون???????????*??ملحوظ (اختبار ثنائي الذيل)????????????ن??????* الارتباط ملحوظ عند مستوى ???? (اختبار ثنائي الذيل).
ولكن هل هناك أي دليل يُثبت أن هذا النوع من الإبداع الإعلاني له أي تأثير على السلوك أكثر من مجرد تأثير بسيط؟ حسنًا، تذكر دراسة الحالة الخاصة بتلما نودلز التي نوقشت في الفصل الثالث. لقد ذكرنا في السابق هذا الإعلان الذي لم تكن له رسالة على الإطلاق، ومع ذلك نتج عنه بطريقة أو بأخرى علامة تجارية حققت نجاحًا مذهلًا. ونضع الآن بين يديك دراسة حالة أخرى أكثر شهرة شهدتْها المملكة المتحدة قبل أكثر من ? أعوام مضت.
دراسة حالة: إعلان غوريلا كادبوري

أطلقت الوكالة الإعلانية الجديدة لشركة الشوكولاتة البريطانية «كادبوري» إعلانًا تليفزيونيًّا غريبًا لشوكولاتة كادبوري ديري ميلك في ?? أغسطس ????. ويُظْهِر الإعلان ما يبدو أنها غوريلا (كانت في الواقع الممثل جارون مايكل مرتديًا رِدَاءً مكلِّفًا للغاية تم تفصيله على شكل غوريلا تشبه كثيرًا الغوريلا الحقيقية) تقرع الطبول في أغنية فيل كولينز الناجحة «في الهواء الليلة». وقد تم إطلاق هذا الإعلان في أحد الفواصل الإعلانية في المسلسل التليفزيوني الشهير جدًّا «الأخ الأكبر»، وصحب ذلك نشاط واسع النطاق للعلاقات العامة. وفي غضون بضعة أيام من عرضه للمرة الأولى، قلَّما وُجد شخص لم يسمع بإعلان غوريلا كادبوري.
وعندما نحاول وصف ذلك الأمر، لا يبدو الإعلان رائعًا أو لافتًا للنظر. في الواقع، أعتقد أن معظم الناس سوف ينظرون إلى هذا الإعلان على أنه ليس أكثر من هراء مسلٍّ؛ حيث تمرُّ نحو ?? ثانية من الإعلان الذي تبلغ مدته ?? ثانية في لقطات مقربة من الغوريلا وهي تترقب اللحظة التي يمكنها فيها قرع الطبول، وينتهي الإعلان بعد وقت قصير من بدء اللازمة المميزة التي تتكون من ?? ضربات. ولا تَظهَر الرسالة الوحيدة إلَّا في آخر ? ثوانٍ، عندما ترى على الشاشة عبارة «كوب ونصف من البهجة». وهذا كل ما في الإعلان.
من الصعب أن نفهم ما الذي يريد هذا الإعلان توصيله حول المنتج. إذا كنتَ واحدًا من كبار السِّنِّ من المشاهدين مثلي، فقد تتذكر أن كادبوري ديري ميلك طالما زعمتْ أنها تحتوي على «كوب ونصف من اللبن كامل الدسم» ولكن يَظَلُّ من الصعب جدًّا معرفة كيفية ارتباط ذلك بالغوريلا التي تقرع الطبول. قد تكون وكالة الإعلان (فالون لندن) نفسها تعتقد أن الناس سوف تعتبر هذا «دقيقة ونصفًا من السعادة» تقدمها لهم كادبوري، ولكن لأنه ليس هناك أي إشارة على الإطلاق لمدة الإعلان البالغة ?? ثانية، لا يجب أن تأخذ هذا على محمل الجد. إن هذا الإعلان من كافة النواحي إعلان بلا رسالة مثله مثل إعلان تلما نودلز.
ومع ذلك، كان تأثير الإعلان هائلًا. ووفقًا ? «ويكيبيديا»:رغم التحفظات من أن فكرة الحملة قد تكون بالغة التجريد وليس لها سوى تأثير ضئيل، ذكرت كادبوري أن مبيعات ديري ميلك قد زادت بنسبة ?? عن الفترة نفسها من عام ????. وقد أظهرتْ قياسات الإدراك الحسي العام للعلامة التجارية والتي أجرتْها شركة «يوجوف» لأبحاث السوق أن نسبة مَن ينظرون إلى العلامة التجارية باستحسان زادت بمقدار ??? بعد طرح الإعلان مقارنة بما كان عليه الحال في الفترة السابقة.1 يبدو كل ذلك مدهشًا، لكن الأمر في الواقع لم يقف عند هذا الحد؛ ففي وقت لاحق، تبيَّن أن تأثير الإعلان على مبيعات كادبوري ديري ميلك لم يكن استثنائيًّا نظرًا لأن هذه العلامة التجارية خضعت لدعم تسويقي واسع النطاق سبق إطلاق الحملة الجديدة. ولكن ما كان مثيرًا حقًّا هو أن كادبوري شهدت زيادة في مبيعات «جميع» منتجاتها؛ زيادة لا يمكن أن تعزوها إلا إلى إعلان ديري ميلك.
لذلك، فإننا أمام إعلان ليست له رسالة حقيقية أحدث زيادة في مبيعات جميع العلامات التجارية لشركة يبلغ عمرها ??? عامًا. يبدو أن التفسير الوحيد لهذا الأمر أن تعلُّق الناس بالعلامة التجارية ? «كادبوري» قد تأثر بالإعلان، وتدعم نتائج استطلاع يوجوف — الذي أظهر زيادة بنسبة ??? في تفضيل العلامة التجارية ? «كادبوري» — هذا الاستنتاج.
بعد مرور ستة أشهر، أطلقت فالون إعلانًا آخَر تمَّ بثُّه في أحد الفواصل الإعلانية للمسلسل نفسه، ولكن هذه المرة مع مزيد من الدعاية. وقد تضمن هذا الإعلان الجديد مجموعة من شاحنات المطار تتسابق على مَدْرَج الطيران على أنغام موسيقى أغنية كوين الناجحة «وقتًا ممتعًا». ولكن هذا الإعلان باء بفشل ذريع؛ حيث لم تشهد مبيعات العلامة التجارية والشركة أي زيادة وأُوقف عرض الإعلان تمامًا.
إذن ما هو السبب الحقيقي في نجاح إعلان الغوريلا؟ فالون نفسها — كما يبدو — لم تكن تعلم؛ حيث اتصلوا بي في عام ???? ليسألوني إذا ما كان بإمكاني مساعدتهم في فهم سبب فشل الإعلان الثاني؛ فمن وجهة نظر الشركة عَرَض كِلَا الإعلانين أمورًا غير متوقَّعة، وتضمَّن كلاهما موسيقى البوب المميزة، كما تم إطلاق كلا الإعلانين على حدٍّ سواء مع وابل من الدعاية. ومع ذلك، حقق أحدهما نجاحًا منقطع النظير في حين فشل الأخر فشلًا ذريعًا.
استنادًا إلى ما تعلمناه حتى الآن، من الممكن تكوين تفسير معقول جدًّا عن سبب نجاح الإعلان الأول وفشل الآخر. لا بد من الاعتراف بأن الكثير منَّا لا يُضمِر في نفسه رغبة لقيادة شاحنة على مَدْرَج الطيران متسابقًا مع مجموعة من شاحنات المطار الأخرى؛ وحتى لو كنَّا نضمر في أنفسنا رغبة في ذلك، لا نستطيع أن نرى قائدِي السيارات الفعليين في الإعلان؛ لذلك لا توجد تعبيرات وجهية يمكن أن نستخدمها لتحريك الخلايا العصبية المرآتية وخلق مشاعر الإثارة التي يمكن أن نربطها بالإعلان. فعليًّا، لم تكن الأشياء التي وردت في الإعلان سوى مركبات متحركة، وليس من السهولة بمكان أن تشعر بأي نوع من أنواع التقارب مع شاحنة كرتونية متحركة إلا إذا كنتَ طفلًا صغيرًا.
من ناحية أخرى، يحمل معظمنا بداخله جزءًا ضئيلًا يتُوق إلى التصرف مثل الحيوانات البرية، كما أنه يوجد داخل عدد ليس بالقليل منَّا جزء آخَر ضئيل يتوق لقَرْع الطبول مثلما فعل فيل كولينز في أغنيته في الهواء. وبوضع هذين الطُّموحَيْن المحبَّبين إلى قلوبنا بعضهما بجانب بعض، يكون إعلان الغوريلا قد جمع بالفعل بين اثنتين من أعمق الرغبات الأساسية التي نتوق إلى بلوغها. علاوة على ذلك، وُجِّهت التعبيرات الوجهية للغوريلا توجيهًا جيدًا لدرجة مكَّنت خلايانا العصبية المرآتية من استخدامها لتحريك الشعور نفسه بالترقب والإثارة الذي كانت تشعر به الغوريلا. ويمكن للمرء أن يتوقع لأي شركة تتمتع بما يكفي من الذكاء لأخذ كل هذا في اعتبارها أن تكون شركة جديرة بالاحترام والإعجاب.
أود أن أقول إن هذا الاحترام والإعجاب المتزايد ? «كادبوري» وما ترتَّب عليهما من تحسُّن ملحوظ في علاقة الناس بالشركة سيكون كافيًا جدًّا لرفع مبيعات المنتجات التي غالبًا ما يتم شراؤها باندفاع. وكما نعرف، تأثرت الشركة بأكملها إيجابيًّا بالإعلان حيث ارتفعت مبيعات جميع منتجات كادبوري.
وبطبيعة الحال، لو سألني شخص ما عمَّا إذا كان إعلان الغوريلا قد زاد من مستوى الأفضلية عندي تجاه كادبوري وجعلني أشتري المزيد من منتجاتها، لسخرتُ منه وأنكرتُ ذلك بشدة؛ فرغم كل شيء، مهما كانت الغوريلا التي تقرع الطبول مسلِّية، لا أرغب في أن يُنظَر إليَّ على أنني تأثرتُ بمثل هذا الهراء التافِه.
هوامش

(1) http://en.wikipedia.org/wiki/Gorilla_(advertisement).
الفصل الثالث عشر
نموذج خداع اللاوعي


تمارس الإعلانات سحرها على الجمهور غير المنتبه.
مايكل شودسون
«الإعلان: الإقناع الصعب» (????)
بعد عرض الكثير من المعلومات المستحدثة عن الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها الإعلانات علينا، ربما تتساءل عن السبب الذي يدفعنا لإنشاء نموذجٍ جديد. لربما تتساءل أيضًا عن السبب الذي يمنعنا من تطبيق ما حصلنا عليه من معلوماتٍ وموادَّ على نموذج الإقناع الحالي. أقول إن السبب الذي يدفعنا لإنشاء نموذجٍ جديد هو أن بيئة الشراء قد تغيرت بالكامل في العقود الأخيرة الماضية. فلدينا أساليب تكنولوجية جديدة، وطُرُق تفاعل حديثة، وزيادة هائلة في عدد القرارات التي يتعين علينا اتخاذها يوميًّا.
تكنولوجيا حديثة

ليس هناك جدوى من التظاهر بأن العالَم لا يزال على حاله؛ فالأفلام على سبيل المثال كانت الدعامة الأساسية للبث التليفزيوني؛ حيث تجتمع الأسرة أمام التليفزيون عند الظهيرة أو المساء لمشاهدة أحد الأفلام. وهذا قدَّم الفرصة للشركات المُعلِنة كي تَعرِض إعلاناتها على جمهور المشاهدين.
ولكن الحال اختلف الآن، إذ يمكننا شراء الأفلام على أقراص دي في دي من محلات كبيرة أو شركات مثل «لاف فيلم»، فيمكن للمشاهد الاستمتاع بالفيلم أينما شاء (في غرفة النوم أو السيارة أو المطبخ) ووقتما شاء (أثناء تناول الغداء أو مساءً أو حتى في وقت متأخر من الليل). وفي بعض الحالات النادرة عندما يتم عرض فيلم لم يُعرض من قبلُ، يقوم أحدهم بتسجيله وتشغيله من جديد في وقت فراغه، وحينها يكون متاحًا له خيار تخطِّي الإعلانات. ولسنا مضطرين حتى لمشاهدة الأفلام على شاشة التليفزيون مع الآخرين، بل يمكن لأي فردٍ أن يشاهد أي فيلمٍ يعجبه وحده أو على شاشة الكمبيوتر. وبرغم الشاشات العريضة والشاشات المسطحة (وتكنولوجيا الصور ثلاثية الأبعاد)، فإن مشاهدة التليفزيون في جماعة صار إلى حدٍّ كبير شيئًا من الماضي.
إلا أن المسلسلات التليفزيونية وبرامج تليفزيون الواقع لا تزال كثيرة، بل وتقدم أيضًا فرصةً كبيرة للقائمين على صناعة الإعلان للحصول على جمهورٍ جيد. ولكنَّ جمهورًا يشاهد أشخاصًا مشهورين غير ذوي شأن يُضطَرُّون في الغابات لأكل الحشرات ليس مثل أفراد أسرة يجلسون في استرخاء معًا أمام التليفزيون لمشاهدة فيلم جيد. والحقيقة المُحزِنة هي أن الشركات المُعلِنة لم تَعُدْ تضمن عرض إعلاناتها في بيئةٍ ترفيهيةٍ عالية المستوى لجمهورٍ مسترخٍ سهل الانقياد.
البيئة الاجتماعية الجديدة

بموازاة التغير في التكنولوجيا، تغيرت بالفعل البيئة الاجتماعية التي تُمارِس فيها الإعلانات تأثيرها، فبالنسبة لمَن يعيش في الغرب، لم تَعُدِ الإعلانات التليفزيونية بذلك البريق الذي تميزت به عندما ظهرت لأول مرة. وبالتأكيد مَن وُلد في اليوم الذي عُرض فيه الإعلان التليفزيوني لساعات بولوفا في الولايات المتحدة الأمريكية (? يوليو ????) بلغ من العمر سبعين عامًا في ????. وقد تم عرض الإعلان الأول على شاشة التليفزيون في بريطانيا في ?? سبتمبر ???? وكان يتعلق بمعجون أسنان «جيبس إس آر»؛ لذا فمَن وُلد في هذا اليوم بلغ من العمر ?? عامًا في ????. هناك قلة قليلة من الناس قد شهدت عالَمًا دون إعلاناتٍ تليفزيونية، ويتجلَّى هذا في الطريقة التي نتجاهلها بها. يشير مايكل شودسون في مقولته الواردة في بداية هذا الفصل إلى أنه في الحديث عن صناعة الإعلان، لا سيما الإعلانات التليفزيونية، لا تُعير الأغلبية الساحقة من الناس سوى قدر ضئيل من الانتباه لهذه الإعلانات، وهو ما يحدث عمومًا.
ولا يمكننا أيضًا إنكار أن بيئة التسويق التي تعمل من خلالها صناعة الإعلان قد تغيرت. لقد انتهى تقريبًا الزمن الذي كان يُذِيع فيه المُعلِنون تفاصيل منتجاتهم الجديدة على شاشة التليفزيون؛ فالتليفزيون وسيلة إعلامية مكلِّفة للغاية إذا أردتَ الخوض في تفاصيل منتج معين. وفضلًا عن ذلك، فإن أي فكرة أصلية لمنتج جديد غالبًا ما يقلِّدها المنافسون في وقت أقل بكثير من الوقت الذي يمكن أن يُستغرق في صنع إعلان تليفزيوني. وتُعَدُّ المكنسة الكهربائية دايسون دي سي وان مثالًا حيًّا على ذلك؛ فقد طُرحت هذه المكنسة الكهربائية في السوق عام ???? وكانت مزوَّدة بنظام شفاف لا يحتوي على حقيبة ويسمح برؤية الأشياء التي يتم الْتِقاطها من أرضية منزلك خلال عملية التنظيف. بالطبع كان يُنظَر إلى ذلك باعتباره فكرة عبقرية، ولكن في غضون ستة أشهرٍ فقط، وهو تقريبًا الوقت المستغرق في كتابة إعلان تليفزيوني وإجراء بحث بشأنه والتخطيط له وإطلاقه، يُقال إن أربع علاماتٍ تجاريةً على الأقل لمكانس كهربائية شفافة بلا حقيبة ظهرت في السوق.
عندما يكون من الممكن تقليد المنتجات المبتكرة بهذه السرعة، ما الداعي إذن لاستخدام وسيلة إعلامية مكلِّفة كالتليفزيون للإعلان عن أي أفكار جديدة سوى تلك الأفكار التي من شأنها أن تُحدِث تحولًا فعليًّا في المجال؟ ومن ثم النتيجة المباشرة المترتبة على السرعة التي تتمكن بها العلامات التجارية من مسايرة أداء العلامات التجارية المنافسة لها؛ تتمثل في أن الإعلانات التليفزيونية لا تُستخدم هذه الأيام من أجْل بيع المنتج، وإنما بهدف خلق مواقف إيجابية تجاه العلامة التجارية وإقامة علاقات إيجابية معها. وإذا أردتَ تفاصيل عن المنتج فيمكنك أن تجدها على الإنترنت.
ربما يجدر بنا أن نذكِّر أنفسنا بالهدف الذي نشأت من أجله العلامات التجارية، فقد ظهرت في الأساس باعتبارها طريقة للتمييز بين أبقار مزرعة معينة وأبقار مزرعة أخرى أقل جودة، وتحولت إلى طريقة للتمييز بين منتجات شركة معينة ومنتجات شركة أخرى أقل جودة. لكن اتضح بعد ذلك أنه بعيدًا عن كون العلامة التجارية وسيلة بسيطة للتمييز، أمكن استخدامها رمزيًّا لتوسيع نطاق ما تقدمه الشركة وتعزيزه. وقد أصبح هذا مفيدًا من ناحيتين؛ لأننا كمستهلكين وجدنا أننا نستطيع استخدام العلامات التجارية كوسيلة لاختصار المهمة غير السهلة المتعلقة باتخاذ قرار بشأن ما نشتريه.
ويوضح هذه الملاحظة جليًّا التجربة التي ألْمَحْتُ إليها في الفصل الثالث، والتي أُجريت عام ???? على يد شتاين فان أوسيلير وجوزيف ألبا (????). فقد قاما معًا بابتكار زوجٍ من العلامات التجارية الخيالية لقوارب النفخ، وتتميز كلٌّ منهما بخصائص مميزة عن الأخرى. بعد ذلك عرض الباحثان خصائص المنتجين على مجموعاتٍ مختلفةٍ مما أعطاهم مؤشِّرًا على الكيفية التي يتصرف بها الناس عند شراء منتجٍ لا يحمل علامةً تجاريةً. وقد توصلا إلى أن الطلاب فحصوا خصائص المنتجين حتى تأكَّدوا تمام التأكد أي من المنتجين يرمز إلى الجودة ثم تجاهلوا المنتج الآخر كما هو متوقَّع بالفعل.
وبعد ذلك، فحص الباحثان رد فعل الطلاب بعد عرض القوارب التي تحمل علامات تجارية على الطلاب أولًا. وكانت وجهة نظرهم أن العلامات التجارية «مؤشر» على الجودة، ولكنها لا «تُثبِت» تلك الجودة؛ ولذلك عندما تكون خصائص المنتج التي تثبت الجودة متاحة، يتجاهل الناس العلامة التجارية ويعودون إلى دراسة خصائص المنتج، لكن ما حدث بخلاف هذا. عند عرض العلامات التجارية أولًا، سرعان ما تَشكَّل لدى الطلاب تفضيل ما، وبعد ذلك بدلًا من فحص خصائص المنتج لمعرفة الخاصية أو السمة التي تدل على جودته، اكتفَوْا بمجرد فحص الخاصية أو السمة التي تكفي لدعم تفضيلهم للعلامة التجارية. لقد غُضَّ الطرف عن جميع خصائص المنتج الأخرى.
ومن ثَمَّ يبدو أن الفكرة القائلة بأن مجرد وجود العلامة التجارية على منتج معين يعوق سلوكنا التعليمي تبدو غير صحيحة بهذه الطريقة، فنحن نودُّ أن نبدوَ دومًا وأبدًا أناسًا يتصرفون بمنطق وعقلانيةٍ، ولكن المشكلة تتمثل في أننا لا نعيش في عالَمٍ يمنحنا وقتًا كافيًا لنتحلَّى بذلك المنطق وتلك العقلانية؛ فمعظم مَن يعيشون في بلدانٍ متقدمة يعيشون حياةً يملؤها الانشغال، حيث يكون التسوق مجرد نشاط ضمن أنشطة أخرى كثيرة مثل الاهتمام بالزوج، والأولاد، والمنزل، ووسائل الإعلام الاستهلاكية. ولكن ما يعقِّد من مشكلاتنا هو أننا عندما نقرِّر شراء شيءٍ ما نجد أنفسنا محاصَرِين بين منتجاتٍ متكاثِرة لا حصرَ لها يتعيَّن علينا الاختيار من بينها.
ديكتاتورية الاختيار

ما زلتُ أتذكَّر رفوف عبوات سمك التونة المعلَّب في متجر سنسبري الكبير في مدينة جرينفورد في عام ????. شَغَلَتْ هذه الرفوف نحو عشرين قدمًا من المتجر واحتوتْ على عبواتٍ مختلفة الأشكال والأحجام، فمنها العبوات الكبيرة المستديرة، والعبوات الصغيرة المستديرة، والعبوات الصغيرة البيضاوية، والعبوات الكبيرة البيضاوية. امتلأت تلك العبوات بأصناف مختلفة من سمك التونة، فمنه القِطَع الكبيرة، ومنه القِطَع الصغيرة، ومنه الشرائح، ومنه القِطَع المَخلِية. وقد اختلف النوع نفسه من أسماك التونة العادية إلى أسماك التونة الوثابة، وأسماك التونة الآسيوية وأسماك التونة ذات الزعنفة الصفراء. ومن هذه الأنواع ما نُقِع في محلولٍ ملحي، ومنها ما وُضع في زيت دَوَّار الشمس، ومنها ما وُضع في زيت الزيتون، ومنها ما وُضع في صوص الطماطم، ومنها ما وُضع في صوص المايونيز، ومنها ما وُضع في صوص المسطردة وغير ذلك. كل هذه الأنواع على اختلافها كانت تحمل علامات تجارية لأربع أو خمس شركات.
وعندما شعرتُ بأن الاختيار صعب، قررتُ أن أنفِّذ استراتيجيةً بسيطة، وذلك من خلال اختيار علامة تجارية معينة تَصِف نفسها بأنها «صديقة للدلافين»، ومع ذلك وجدتُ أن كل العلامات التجارية الأخرى تحمل نفس الشعار وتنسبه لنفسها، وهي مشكلةٌ أخرى، فمعظم العلامات التجارية تقريبًا تعرض الشيء نفسه ولكن في حُلَّةٍ مختلفة.
ومن ثَمَّ يجد المستهلك نفسه في حالةٍ شديدةٍ من الحيرة والاستنزاف النفسي … نظرًا ? «فرط عدد الخيارات» كما هو مبيَّن في الفصل الثالث. وهذا بالضبط ما جعل فان أوسيلير وألبا يكتشفان أن الطلاب يختارون العلامات التجارية بغضِّ النظر عن خصائص المنتج. لقد صار الأمر طبيعةً إنسانيةً مستحدثة؛ حيث أصبحنا نبحث عن أسهل الطرق وأقصرها حفاظًا على الوقت والجهد. ولا يقتصر الحال على المنتجات البسيطة، بل يمتد إلى المنتجات الكبيرة والمهمة؛ فعلى سبيل المثال، يُقال إنَّ تعطُّل الغسالة الكهربائية من أكثر المشكلات التي نواجهها إرهاقًا (بعد الطلاق وشراء منزل)؛ لذا صار من المنطقي أن يبحث المستهلكون عن أكثر المنتجات والعلامات التجارية موثوقية. ولكن حاوِلْ أن تذهب إلى أحد الأسواق، وستجد نفسك في حَيْرة من أمرك للمفاضلة بين علامات تجارية تختلف فيما بينها من حيث برامج التشغيل، وسرعة الدوران، وكونها صديقة للبيئة من عدمه، وأسعارها، ولن تجد دليلًا واحدًا يرشدك إلى أي المنتجات أو العلامات التجارية أكثر مصداقية. وليس من المستغرب أن جيرارد تيليس يرى أنه «على العكس تمامًا من التصور الشائع، فإن أكثر المستهلكين لا يبذلون جهدًا كافيًا في البحث الجاد، حتى إنْ تعلق الأمر بمنتجات ذات تكلفة مرتفعة أو يشترونها على فترات متباعدة» (تيليس، ????).
والآن، كيف نخرج بقرارٍ مناسبٍ في هذا العالَم المحكوم بفرط الخيارات؟ الإجابة هي أننا نعتمد على الخطة الاحتياطية التي وضعها داماسيو، أو ما سمَّاه «التفعيل الخفي للتحيُّزات المرتبطة بتجارب عاطفية سابقة في مواقف مشابهة»، أو ما يُطلَق عليه اسم «الشعور الغريزي» أو «الحدس».
الحدس

تُعرَّف كلمة «الحدس» في قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية «بالقدرة على فهم الأمور غريزيًّا دون الحاجة إلى تفكير واعٍ.»1 هذا بالضبط ما يُخالِجنا عندما نستخدم الحدس، فعند استخدامه نفهم جيدًا أي المنتجات سنقوم بشرائه حتى ولو لم يكن هناك سببٌ عقلاني لذلك. في الواقع، السبب في اعتقادنا أننا نعرف الشيء الذي سنقوم بشرائه هو أننا وضعنا مؤشراتٍ وجدانيةً تكمن الآن في عقلنا اللاواعي وتحتمل التفعيل الخفي. دعونا نُعطِ مثالًا يوضِّح طبيعة الحدس: قد يُخبِرنا أحد أصدقائنا في وقت ما من حياتنا أن غسالته الكهربائية قد تعطَّلت، ويلوم نفسه على أنه اشترى غسالة رخيصة مصنوعة في بلدٍ ما. وبعد فترةٍ من الزمن ينسَى مَن سمع القصة أحداثها على الرغم من تشكُّل بعض المؤشرات داخل العقل اللاواعي التي تدفعك للابتعاد عن شراء الغسالات الكهربائية الرخيصة المصنوعة من ذلك البلد تحديدًا؛ ومن ثَمَّ، عندما تهُمُّ بشراء غسالة كهربائية جديدة، فإنك تتجنب شراء العلامات التجارية الرخيصة وتلك المصنوعة في ذلك البلد.
في الواقع، وكما هو الحال بالنسبة لطلاب فان أوسيلير وألبا، فإنك لا تعبأ كثيرًا بالعلامات التجارية الأخرى؛ لأنك «تشعر» بأنك تريد أن تشتري العلامة التجارية الألمانية «بوش». ولكن لماذا تريد حدسيًّا أن تشتري منتجًا يحمل هذه العلامة التجارية تحديدًا؟ لأن هناك مؤشرًا لا واعيًا بداخلك يؤكد لك أن المنتجات الألمانية هي الأفضل صنعًا في العالم؛ ومن ثم هي الأكثر موثوقية؛ ومِن ثَمَّ يقع اختيارك على «بوش».
بطبيعة الحال، كون العلامة التجارية الألمانية «بوش» أغلى ثمنًا على نحو بسيط له دور في قرار الشراء. لماذا؟ لأن المؤشر الموجود داخل عقلك يخبرك بألَّا تَثِق في المنتجات الرخيصة، وهو ما يجعلك تَثِق في المنتجات غالية الثمن. وإضافة إلى ذلك، تجد أن هناك خصمًا بقيمة ??? على سعر العلامة التجارية الألمانية، وهو ما يجعلها أغلى من المنتجات الأخرى بنسبة بسيطة؛ ومن ثَمَّ يُصبح الإقبال عليها أكثر. انتبه إلى حقيقة أن نسبة الخصم لا تتعدَّى ??? لأن معظم المستهلِكين الآخَرين يُشبِهونك في أسلوب تفكيرك؛ ومن ثم يختارون العلامة التجارية الألمانية «بوش» حدسيًّا.
في أغلب الأحيان، صُنع القرار بالحدس يحدث على مستوى اللاوعي، وهو سلوكٌ عادي وليس استثنائيًّا. ولكن لا يعني ذلك أن عملية التسويق تقبل بفكرة أن هذا هو ما يحدث دائمًا. يقول جون بارج: على الرغم من النتائج التي توصلتْ إليها الأبحاث الاستهلاكية في العقد الأخير، والتي ركَّزت بدورها على احتمالية وجود اختياراتٍ أو سلوكياتٍ تلقائية أو لا شعورية لدى المستهلك، فإن الأساليب المعرفية ما زالتْ تُهَيْمن على المجال، حيث يتم اتخاذ القرارات والقيام بالأفعال عن قصد. (بارج، ????)
ومن ثم، فإن نوعية القرارات التي نتخذها والتي تتعلق بشراء غسالة كهربائية؛ قد تكون اتُّخذت بالفعل قبل أن تَطَأ قدمنا المتجر، وهذا هو نطاق خضوعنا للمؤثرات الخارجية. وبالطبع لم يلعب الإعلان دورًا فعليًّا في سيناريو الغسالة الكهربائية هذا، ولكن من السهل أن نعرض لكم كيف يمكن أن يكون له دور فعلي.
الآن يأتي دور الإعلان …

لنفرض أنك جالس أمام شاشة التليفزيون لتشاهد حلقةً معادةً من مسلسل «الأصدقاء» أو «نساء حائرات» أو أي مسلسلٍ آخَر حين بدأ عرض فقرة إعلانية. دعنا نفترض أنك لن تنهض من مكانك لإعداد كوبٍ من الشاي أو لن تغيِّر القناة، وستظل جالسًا. للتليفزيون أثرٌ بالغٌ في جعل المشاهد يجلس متسمِّرًا أمامه تمامًا كما لو كان خاضعًا لتنويم مغناطيسي. أتذكر روس جورليش، في دفاعه عن أحد الإعلانات التليفزيونية الذي لم يستغرق أكثر من ?? ثانية وهو يقول: «هناك الكثير من المستهلكين الذين يعودون إلى منازلهم في المساء، ويُلغون عقولهم تمامًا، ويتسمَّرون أمام التليفزيون.»2 هذا هو الهدف الأساسي من مشاهدة التليفزيون؛ أن نستريح ولا نفكر في أي شيءٍ على الإطلاق. وعندما يكون المشاهد في هذه الحالة من الكَسَل والاسترخاء أمام التليفزيون، فإن مستوى انتباهه لن يكون في أفضل حالاته. وباعتبار أننا لا نتوقَّع أن نتعلم شيئًا ذا أهمية كبيرة من إعلانات التليفزيون، فإنه لن يكون هناك أي تحفيز لزيادة مستوى الانتباه عندما تبدأ الفقرة الإعلانية. لكن عندما يبدأ الإعلان، فإنك ستعرف ما إذا كنتَ شاهدتَه من قبلُ أم لا … (تذكَّر وصف ليونيل ستاندينج لقدراتنا الإدراكية بالتفرد من خلال تجاربه المعتمدة على الصور) فإنْ أدركتَ أنك شاهدتَ ذاك الإعلان من قبلُ، فسوف يقلُّ مستوى انتباهك أكثر لأنك تعلم تمام العلم أنه ليس هناك جديد.
والآن دعنا نفترض أنك لم تتعرف على الإعلان وأنه لا يروِّج لشيء ترغب في شرائه بشدة. خلال عرض الإعلان، فإنك تسجل مجموعة من الآراء الحسية، وهذه بدورها تُطلِق مجموعة من التصورات، كل ذلك يحدث تلقائيًّا ولا شعوريًّا. وفي بعض الأحيان تشاهد أو تسمع شيئًا يسترعي انتباهك ولو قليلًا، وقد تقوم فعليًّا بشيء من التحليل. من الأشياء التي تُعيرها عادة شيئًا من انتباهك هُويَّةُ العلامة التجارية التي يتم الإعلان عنها (ألاحظ أنني أقول «هوية»؛ لأنها غالبًا ما تكون شعارًا وليست اسمًا يلفت انتباهنا للعلامة التجارية الفعلية). ولكن في هذه الحالة، لماذا يتوجب علينا الانتباه إلى ذلك؟ ببساطة لأنه بحكم غريزتنا نحن نرغب أن نفكَّ شفرة ما تراه أعيننا وتسمعه آذاننا، ونعلم أن الإعلان لا يكون له معنًى ما لم نَعرِف هدفه وبأي شيء يتعلق. ولكن بناءً على فرضية دينيت، فإن هناك احتمالية أن تكون فترة الانتباه قصيرة ويَلتَقِط الوعيُ العلامة التجارية لفترة وجيزة ثم سرعان ما تُنسَى.
أعتقد أن وكالات الإعلان تتسم بالغباء فيما يتعلق بموضع العلامة التجارية من الإعلان، فتلك الوكالات تَخشَى وضع العلامة التجارية في بداية الإعلان فتُدرِك أنت كمشاهد هدف الإعلان وصاحبه؛ ومِن ثَمَّ تنصرف عنه ذهنيًّا؛ لذا فإنها غالبًا ما تضع العلامة في نهاية الإعلان ظنًّا منها أننا سنُتابع الإعلان إلى النهاية لنتعرف على صاحبه. لكنَّ المؤسف بالنسبة لها أن معظمنا سرعان ما سينصرف عن الإعلان إذا لم نعرف بسرعة الهدف منه وما الذي يُعلِن عنه. وبحلول الوقت الذي تَظهَر وتتضح فيه العلامة التجارية في النهاية، سنكون على الأرجح قد نَسِينا القدْر الضئيل الذي استوعبناه بشأن ما كان يحاول الإعلان أن يقوله عن تلك العلامة التجارية.
من وقت لآخَر، يقودنا فضولنا إلى محاولة فهم رسالة الإعلان. وعندما يحدث ذلك، فإن الرسالة ستحقق أحد شيئين: إما أن تولِّد مجموعة من الأفكار التي بدورها ستغيِّر مِن مَوَاقِفنا. إنْ لم يكن هناك حافِز لنتذكَّر تلك التغييرات (كأن تكون متوقَّعة، أو مبتذَلة، أو ببساطة غير مُثيرة)، فإننا على مستوى الإدراك الحسي نستبعدها وننساها على الفور. وإما أن نُوليها اهتمامًا كبيرًا، وفي تلك الحالة سوف نفنِّدها ونقرِّر أنها هراء.
إذا استطاع الإعلان إيصال رسالة مُثيرة للاهتمام إلى عقولنا وأحدث تغييرًا في مواقفنا، فسوف يكون هناك زيادة في احتمالات شرائنا لمنتج يحمل تلك العلامة التجارية في وقت معين في المستقبل. ولكن من خلال التصفية الإدراكية الحسية والجدل المضاد والخمول العام، لن تتمكن معظم الإعلانات من تسجيل أي رسالة عقلانية لأكثر من ثوانٍ معدودةٍ بعد انتهائها.
وكما أوضحتُ سابقًا، إنْ شاهَدَ المستهلك الإعلان من قبلُ، فإن هناك احتمالًا كبيرًا لأن يكون مستوى انتباهنا أقل مما كان عليه في المرة الأولى؛ ومِن ثَم فإن قدراتنا التحليلية سوف تكون أقل نشاطًا، وسوف تقل احتمالات قيامنا بتفسير أو تذكر رسالة معينة … بالطبع إذا كان الإعلان يذكر شيئًا «جديدًا» بالفعل؛ ومن ثم مثيرًا بالنسبة لنا (كسعرٍ مميزٍ لسيارة أو أريكة أو إجازة أو موقع إلكتروني مُثير للاهتمام أو مُهِم … إلخ)، فسوف يكون هناك احتمال أكبر لأن نتذكره. ولكن بوجه عام لا يوجد الكثير من الإعلانات التليفزيونية التي تحفِّز انتباهنا لنوعية الرسائل العقلانية المتوقَّعة. من السهل أن يتجاهل العقل الادِّعاءات التافِهة من قَبِيل «منتجنا هو الأفضل في السوق»، أو «يتميز منتجنا بطعمٍ جيد لأننا لا نستخدم سوى أفضل المكونات الطبيعية»، أو «نحن نضمن لكم خدمة متميزة، وإلَّا يمكنكم استرداد نقودكم.»
ولكن هناك بعض العناصر التي تتم مُعالَجَتُها على مستوى الوعي وتمتلك فرصةً أفضل لأن تَعلَق في الذاكرة. إنِ اعتمد الإعلان على استخدام الشعار بثبات واستمرار، أو على شخصية شهيرة، أو على رسم أو تصميم فريد من نوعه، أو على مجموعة من الأحداث المتسلسلة، فسوف تربط حتى وإنْ كنتَ في حالة استرخاء بين الإعلان والعلامة التجارية بمُضِيِّ الوقت. من ضمن الأمثلة المألوفة على ذلك «رنين إنتل»، حيث يتميز الإعلان بأربع نغمات: الأولى والثالثة متماثلتان، والثانية أعلى، والرابعة أعلى من الثانية. تقريبًا لن تجد شخصًا في العالم لا يعرف هذا الرنين لأنه يصدر في أي إعلان عن جهاز كمبيوتر يستخدم مُعالِج إنتل.
ولهذه الارتباطات طبيعة طويلة الأمد، حيث ما زال الكثير من الناس في المملكة المتحدة حتى الآن يتذكرون شعارات: «لا تدع شيئًا يوقفك مع شيل»، و«ابدأ يوم عملك ببيضة»، و«جينيس مناسبة لك» حتى بعدما مرَّ عليها نصف قرنٍ من الزمان.
ومن أجل أن تفهم ذلك، اختبر نفسك وحاول أن تعرف اسم العلامة التجارية في هذه الإعلانات الأمريكية: Just do it! (فقط افعلها!)، وwe try harder (نحن نحاول أكثر)، وThat’ll do nicely (هذا كافٍ على نحو مناسب). وإذا كنتَ من سكان المملكة المتحدة، فجرِّب: Beanz meanz (الفاصوليا تعني)، وI bet he drinks … (أراهن على أنه يشرب …)، وLiquid Engineering (الهندسة السائلة). ليس لديَّ أدنى شكٍّ أنك ستَجِد الأمر سهلًا على نحو مذهل. ما الذي تحقِّقه هذه الشعارات كي تَفهَم أنه يتعين علينا ترك الوعي والالتفات ثانيةً إلى اللاوعي؟
التكيُّف الترابطي اللاواعي

دعونا نعُدْ مجددًا إلى تدفُّق التصورات والمفاهيم الذي يَجرِي عندما يُشاهِد المستهلك الإعلانات التليفزيونية. وكما أوضحنا سابقًا، يحدث هذا التدفُّق خلال مشاهدة الإعلان لأننا ببساطة لا نستطيع مقاومة تلك التصورات والمفاهيم؛ ومن ثم فإن أي عنصر من عناصر الحملة الإعلانية يجد له مكانًا وموقعًا داخل العقل يجلب معه تدفُّقًا من التصورات والمفاهيم. وبالطبع هذا الأمر بديهي، حيث أكد فاتسلافيك أن «كل» عنصر تواصل «رقمي» له مفهوم «تناظري» وراء تواصلي.
هناك بعض التصورات التي تفتقر إلى الجانب العاطفي؛ فعلى سبيل المثال، «رنين إنتل» يُعَدُّ شعارًا تجاريًّا بحتًا، ولا يبعث بالكثير من القِيَم المفاهيمية. وباستخدام مصطلحات داماسيو، فإن المثال المبيَّن سابقًا يُعَدُّ ارتباطًا «غير فعَّال» من الناحية العاطفية، لكنَّ معظم الإعلانات تنقل الكثير من القِيَم المفاهيمية هذه؛ فعلى سبيل المثال تُثِير نيكول ووالدها في إعلان سيارة «رينو كليو» الإحساس بالأسلوب الراقي والإغراء الجنسي. ومن ضمن الأمثلة الأخرى جرو ورق تواليت أندريكس الذي يُطلِق أفكار القِيَم الأُسرية والرُّقِي في التعامل، أما موسيقى خطوط الطيران البريطانية، فإنها تثير أفكار الاسترخاء والسرور، وأما غوريلا إعلان «كادبوري» التي تطرق الطبول فتثير إحساسًا بالحرية، وأما موسيقى «سيجار هاملت» فتثير مشاعر المواساة. وفي كل حالة من هذه الحالات المبيَّنة، تعمل الارتباطات الفعالة عاطفيًّا التي نتعرض لها بشكل متكرر على تهيئتنا للشعور بأن العلامة التجارية التي يتم الإعلان عنها تحمل القِيَم العاطفية نفسها.
وبين الفَيْنة والفَيْنة، نصبح أكثر وعيًا بتلك الارتباطات العاطفية المفاهيمية (على سبيل المثال، عندما يسألنا شخص ينتمي لإحدى شركات أبحاث السوق عمَّا يُثِيره جرو أوراق تواليت أندريكس لدينا من أفكار). وفي معظم الحالات تبقَى تلك الارتباطات العاطفية قابعةً في العقل الباطن، وهناك تمارِس تأثيرها بالطريقة نفسها التي تُمارِس بها مؤشرات داماسيو تأثيرها؛ إذ إنه عندما نريد اتخاذ قرار ما، يكون لتلك المؤشرات الجسدية تأثير على الكيفية التي نصنع بها القرار. إنها تعمل أيضًا كمراقبٍ لا واعٍ عندما نحاول أن نتخذ قرارًا يتعارض معها. وإذا كنَّا في عجلة من أمرنا لاتخاذ قرار معين، فإنها يمكن أن توجِّه حدسنا وتصنع القرار بفعالية من أجلنا. يمكننا إيضاح الأثر الناتج عن تلك الارتباطات باستخدام دراسة حالة حملة طفل ميشلان الشهيرة.
دراسة حالة: حملة طفل ميشلان

في عام ????، كلَّفت شركةُ ميشلان وكالةَ دويل دين بيرنباك بتصميم إعلان لها، وابتكرت الوكالة حينها فكرة استخدام الأطفال في الإعلان تحت شعار «مع ميشلان، ستحظَى بأعلى درجات الأمان». قدمت الشركة إعلانات تعرض أطفالًا لمدة ?? عامًا، وذلك حتى أشار أحد الأشخاص العاملين لدَيْهم بقسم التسويق أن المستهلكين قد سَئِموا تلك الفكرة، أو أن هذه النوعية من الإعلانات لم تَذكُر القدْرَ الكافي من المعلومات عن إطارات ميشلان (وهو الأرجح). وسواء كان السبب هذا أم ذاك، تمَّ رَفْع تقرير بهذا الأمر للإدارة في فبراير ????، وخسرت وكالة دويل دين بيرنباك التعامل مع شركة ميشلان. عُرض الإعلان الأخير الذي يعرض أطفالًا في أبريل ????، حيث أُذيع فيه نبأ فوز الشركة بجائزة التميز في خدمة العملاء التي تمنحها شركة جيه دي باور المتخصصة في أبحاث السوق.
ومن ضمن الإعلانات الأكثر تأثيرًا إعلانٌ يعرض طفلًا يجلس داخل إطار سيارة ومعه كلب أشعث يجلس إلى جواره. في الخلفية تَظهَر نشرة أحوال جوية مصطنعة تتوقَّع جوًّا دافئًا قد يتحول إلى عواصف رعدية شديدة وفيضانات ثم إلى جليد يتحول إلى مطر متجمد. وبينما نسمع ذلك، يختفي الكلب عن الشاشة ويعود مرتديًا معطفًا أصفر اللون وحاملًا أحد جِرَائه (الذي يرتدي هو الآخر معطفًا). يُدخِل الكلب جروَه الصغير برفقٍ داخل الإطار إلى جانب الطفل الذي تبدو عليه الحيرة.
أُذيعتْ إعلانات الأطفال تلك خلال عقدين من الزمن وقد عزَّزت صورة العلامة التجارية ميشلان ليس فقط بين الأمهات اللائي لديهن أطفال بل أيضًا بين الناس عمومًا، ولكن كيف حدث ذلك؟ الأمر بسيط؛ فرؤية الطفل لا تعطي فقط إحساسًا باللُّطف والبراءة، بل الإحساس بالضعف أيضًا، وهو ما يثير الحاجة إلى السلامة؛ ومن ثم فإنه دون الحاجة إلى ادِّعاءات عقلانية بشأن أداء المنتج، تمكَّن الطفل الصغير من تكييف المشاهدين على الربط بين إطارات ميشلان والسلامة. وفي ظل غياب أي سببٍ عقلاني يدفع العميل لشراء المنتج، يكون لهذا المؤشر العاطفي أثرٌ كبيرٌ في اختيارنا للإطار؛ ومن ثَمَّ يجعلنا نفضِّل ميشلان على أي علامة تجارية أخرى.
ولكن المستهلك لا يشتري إطارًا جديدًا إلا بعد انفجار إطار سيارته أو عندما نعرف أن الإطارات التي نملكها لم تَعُدْ صالحة للطريق من الناحية القانونية. هذا ما يُطلق عليه الأسلوب المُسمَّى ? «الشراء القائم على حدوث مشكلة»؛ ومن ثَمَّ يجب اتِّخاذ القرار هنا بسرعة. ففي موقف كهذا، يتوقَّع داماسيو أن حدسنا سيوجِّه على نحو مباشر عملية اتخاذ القرار، ولكن ما الذي يُثير حدسنا؟ إنه مؤشر الطفل الذي يكيِّفنا لتصديق أن إطارات ميشلان هي الأكثر أمانًا … هذا هو السبب الذي يدفعنا لشرائها.
هذا التكيُّف الارتباطي اللاواعي قد يكون له أثرٌ طويل الأمد، ويرجع ذلك في جزء منه إلى أنه يحدث على مستوى اللاوعي؛ ومن ثم لا يَلقَى أي معارضة أو جدل مضاد. وفي حالة إطارات ميشلان، ذكرت دراسة حالة جوديير التي كُتِبت بعد انتهاء حملة الطفل هذه بست سنوات أنه:على الرغم من توقُّف عرض حملة الطفل التابعة لشركة ميشلان لسنواتٍ، ربطت هذه الحملة العلامة التجارية للشركة بالسلامة. فوفقًا لنظام تتبُّع العلامات التجارية لميلوارد براون، فإن إطارات ميشلان قد سبقت جوديير في عام ???? من ناحية الرأي ومنظور الشراء، بل وحصلت أيضًا على تقديرات أعلى في بعض السمات المهمة مثل كونها علامةً تجاريةً حازت على ثقة مستهلكيها وتمتُّعها بجودة عالية.3 لذا، هناك طريقة يمكن للإعلانات التليفزيونية أن تؤثر بها على المستهلكين في حالة الاسترخاء من خلال التكيُّف الارتباطي اللاواعي. ولكن هناك طريقة أخرى مختلفة يمكن أن تؤثر بها الإعلانات التليفزيونية على المستهلكين على مستوى اللاوعي، وذلك من خلال التلاعب بعلاقتنا بالعلامة التجارية، وهو ما يحدث بالضبط مع الإعلانات التليفزيونية.
التلاعب بعلاقة اللاوعي

معظمنا لا يُمانِع ما يُعرَض على شاشة التليفزيون من إعلانات، فمُعظَم تلك الإعلانات رُوعِيَ فيها ألَّا تحويَ شيئًا مسيئًا، وبالطبع لا نجد بالضرورة تلك الإعلانات مسلِّية، حيث تُبيِّن الأبحاث أن مقدار التسلية فيها تراجَع بمعدَّل النصف تقريبًا على مدار العشرين سنة الماضية. ولكننا لا نعتبر الإعلانات في أغلب الأحيان على درجة كبيرة من الإزعاج؛ فنحن نعلم تمام العلم أن الإعلانات التليفزيونية هي ما تدفع فاتورة القنوات المفضَّلة لدينا، وأنه يجب علينا ألَّا نشكو أو نتذمَّر منها على الإطلاق.
ولأننا لا نمانع في أن تُعرض علينا الإعلانات التليفزيونية، ولا نتوقع أيضًا أن تخبرنا بالكثير من الأشياء الجديدة المهمة، فإننا نكون على استعداد لمشاهدتها دون اشمئزاز أو إعراض. هناك بعض الإعلانات المصمَّمة بطريقة جميلة، أو تصاحبها موسيقى جذَّابة، أو تعرض لنا قصصًا لطيفة، أو تُبرِز الكثير من المشاهد الطبيعية. وتُعرَض من وقت لآخر إعلانات خفيفة الظل ومسلية، ولكن بما أننا لا نَدَعُ أنفسنا نَقَع فريسة للرسائل التي توجهها هذه الإعلانات، فما العيب في أن نشاهدها إذن؟
ليس هناك عيب في ذلك بشرط ألَّا تُمانِع في أن تخضع علاقتك بالعلامة التجارية للتلاعب اللاواعي وأن يزداد تعلُّقك بها على مستوى اللاوعي؛ وذلك لأن هذا هو ما يحدث في أغلب الأحيان. ويُعَدُّ إعلان دوف سوبر باول مثالًا على ذلك.
دراسة حالة: إعلان دوف سوبر باول

تُعرف دوف دومًا بحملاتها الإعلانية الجريئة، فحملتا «الجمال الحقيقي» و«العودة بالزمن» هما مجرد مثالين على ذلك.
في عام ????، وكجزء من حملتها المشهورة «الجمال الحقيقي»، قررت شركة دوف أن تُنشِئ صندوقًا أطلقتْ عليه اسم «صندوق دوف لتقدير الذات»، ليكون بمثابة عامل مهم في تعليم البنات الصغار والفتيات مفهومًا أشمل للجمال.4 ودعمًا لتلك الخطوة الطموحة، قدَّمتِ الشركة إعلانًا تليفزيونيًّا عُرِض خلال مباريات السوبر باول في عام ????. وباستخدام أغنية المطربة سيندي لوبر «ترو كلرز» (ألوان حقيقية) الشهيرة كخلفية للإعلان، عرضت الشاشة فتياتٍ تتراوح أعمارهن بين ? و?? سنوات كُنَّ يَبدونَ يائساتٍ مكتئبات، ثم يَظهَرْنَ في الإعلان سعيدات ومُفعَمَات بالحيوية وواثقات. كثير من الناس يسخرون جدًّا من إعلانات كهذه، وعلى مستوى الوعي يعترضون على فكرة الإعلان ويشكِّكون في مدى جدواه في إثارة اهتمام المُشاهد، وقد يقول أحدهم شيئًا من قَبِيل: «أراهن على أن الشركة أنفقت مالًا على عرض هذا الإعلان ضمن مباريات السوبر باول أكثر مما أعطت لدعم هؤلاء الأطفال.» ولكن الإعلان الذي يوضِّح التحول من فتياتٍ بائساتٍ إلى فتياتٍ سعيداتٍ وتصاحبه موسيقى جميلة، هو إعلان مؤثِّر ويَبعَث على الشعور بالرضا والاطمئنان. وهناك بعض الأبحاث العلمية التي أكَّدت صحة أنه بعكس الأغلبية الكاسحة لإعلانات السوبر باول، رأى ??? من الناس أن تلك الإعلانات جيدة، ورأى ??? أنها محرِّكة للمشاعر.
ومِن ثَم، بغضِّ النظر عن مدى رفضك لدوافع الإعلان أو بواعثه على مستوى الوعي، فإنه يجعلك تشعر بالفعل بالرضا عن دوف، وسوف يقوِّي تعلُّقَك بالعلامة التجارية. ليس لديك أي اختيار لأن الوسيلة الدفاعية الوحيدة هي حجتك العقلانية المضادة. الأمر أشبه بمشاهدة شخص ما يبكي في فيلم، فبغضِّ النظر عن إخبارك لنفسك أنك تشاهد فيلمًا، فإن خلاياك العصبية العاكسة سوف تجعلك تشعر بالحزن.
وهناك أمران آخران يجب أخذهما بعين الاعتبار أيضًا: الأول هو أنك سترفض إعلان صندوق دوف لتقدير الذات على مستوى الوعي فقط إنِ انتبهتَ له بالقدْر الكافي. والثاني هو أن عقلك الواعي يكون مشغولًا بحق ولا يكون على درجة كبيرة من جاهزية الاستقبال؛ لذا، وكما أوضحنا في الفصل الخامس، يبدو أن الوصلات المؤدِّية إلى إنجرام رفض الحجة المضادة سوف تُنسَى سريعًا وتُستَبدَل بوصلات جديدة. ولكن المشاعر التي تتولَّد بخصوص العلامة التجارية سيتم تخزينها داخل العقل الباطن في ذاكرةٍ ضمنية لا تَنفَد، ولا يمكن تجديد الوصلات العصبية؛ ومِن ثَمَّ سيبقى التحسُّن في علاقتك مع منتج دوف بداخلك دومًا أو حتى ظهور مؤشراتٍ سلبية تجعلك تشعر بمشاعر سيئة تجاه المنتج.
ما يتضح هنا هو أن الإعلان — من خلال عرض المحتوى العاطفي الذي يُشعِرنا بالرضا إضافة إلى عرضٍ سريعٍ للعلامة التجارية علينا — يؤثِّر في تعلُّقنا بالعلامة التجارية. ولا يجب أن يكون هذا المحتوى العاطفي شيئًا يجعلنا نضحك أو نبكي، فمِن الممكن أن يكون هذا المحتوى العاطفي موسيقى تُعزَف في الخلفية تكون جميلة وتحفيزية أو أناسًا يُعبِّرون عن مشاعرهم (الحب، الغضب، الإثارة، المَلَل، الفضول، التقدير، الاستمتاع … إلخ)، أو مواقف ساخرة، أو مثيرة للعواطف، أو درامية، أو مُبهِرة، أو حتى مجرد مشهد مصوَّر بطريقة جميلة وبقِيَم إنتاجية عالية.
ولكن ما أهمية ذلك الأمر؟ لا يهم كثيرًا أن تكون كل علامة تجارية معروضة على أرفف المتاجر مختلفة اختلافًا بيِّنًا عن باقي العلامات التجارية الأخرى. وإن كان الحال هكذا، فإن اختياراتنا لن تعتمد على ما نحمله من شعورٍ تجاه المنتج. ولكن، وكما أوضحنا سابقًا في هذا الفصل، لا يوجد اختلاف كبير بين العلامات التجارية، ونستطيع القول بأن كل المنتجات تلبِّي احتياجاتنا على نحو جيد. وفي ظل هذه الظروف، يمكن أن تكون مشاعرنا هي المسئولة عن تفضيلنا علامةً تجاريةً على أخرى.
حتى وإن كانت العلامات التجارية مختلفة بعضها عن بعض اختلافًا مهمًّا، فإنه يَصِير لزامًا علينا أن نأخذ بعين الاعتبار نموذج داماسيو لاتخاذ القرار الذي أوضح لنا كيف تؤدي مشاعرنا دور المراقب في التأثير على قراراتنا، فنحن بكل بساطة غير قادرين على اتخاذ قراراتٍ عقلانية دون التفاعل مع مشاعرنا؛ ومن ثَمَّ عندما يتعين علينا الاختيار بين علامةٍ تجاريةٍ ليست لها سمة مميزة وأخرى نشعر حيالها بإحساسٍ جيد، سنختار على الأرجح الثانية. باختصار، جميع تلك الصور الحميدة التي نراها في الإعلانات التليفزيونية هي ما توجِّه سلوكنا.
نموذج خداع العقل الباطن

إليك وصفتي للطريقة البديلة التي تؤثِّر بها الإعلانات التليفزيونية علينا في القرن الحادي والعشرين:
تبدأ الوصفة بالمحتوى العاطفي وراء التواصلي. هذا المحتوى العاطفي قد يكون عاطفةً حاضرة خلال الإعلان نفسه وتؤثِّر في الطريقة التي نشعر بها حيال العلامة التجارية (كما هو الحال في صندوق دوف لتقدير الذات)، أو قيمًا عاطفية ترتبط بعنصر من عناصر الإعلان وتصبح مقترنة بالعلامة التجارية؛ ومن ثم تُكيِّفُها بحيث يكون لها القيمة العاطفية نفسها (كما هو الحال في أطفال إطارات ميشلان وجرو ورق تواليت أندريكس).
عمومًا نحن نحب المحتوى العاطفي الإيجابي، ونَثِق فيما نحب. ونحن أيضًا لا نَمِيل إلى الانتباه كثيرًا للإعلانات (وخصوصًا الإعلانات التليفزيونية)، ومن ضمن الأسباب الرئيسية التي تجعلنا نشعر بحاجة فعلية إلى الانتباه أننا نريد أحيانًا أن نعترض على ما يُخبِروننا به. وكلما أحببنا ووثقنا في إعلانٍ ما، قلَّ اهتمامنا بمناقشة الفكرة التي يعرضها ومعارضتها، وقلَّ انتباهنا له.
وكما أكد بورنستين، كلما قلَّ مستوى انتباهنا للإعلان أو محتواه، انحدرت قدرتنا على مناقشته أو معارضة محتواه؛ ومن ثَم يكون الإعلان أكثر قدْرة على التأثير في مشاعرنا.
وكلما زاد تأثير الإعلان في مشاعرنا، زادت قدرته على تكييف العلامة التجارية بحيث تصبح مغلَّفة بهذه المشاعر وتوليد علاقات إيجابية بتلك العلامة التجارية. تلك الارتباطات التكيفية والعلاقات الإيجابية هما ما يجعلاننا أكثر رغبة في شراء المنتج.
كان من بين النتائج الرئيسية التي توصَّل إليها فاتسلافيك أنه على الرغم من أن محتوى التواصل (أي الرسائل الموجودة في الإعلان) يتلاشَى وينتهي سريعًا، فإن المواقف العاطفية الخفية إزاء علامة تجارية معينة، والتي يولِّدها التواصل وراء العاطفي غير المباشر، تُحفَظ في الذاكرة الضمنية لتظلَّ هناك فترةً طويلة جدًّا.
ومن ثَمَّ فإنه في بعض الأوقات في المستقبل، وحين اتِّخاذ قرار شراء منتج يحمل إحدى العلامات التجارية، وخصوصًا في حالة وقوع الاختيار بين علامتين تجاريتين متقاربتين جدًّا، فإننا سنختار حدسيًّا العلامة التجارية التي نفضِّلها. ونظرًا لأننا لا نتذكَّر كيف شكَّلنا وامتلكْنا تلك المواقف والمؤشرات التي أوجدت هذا الشعور الحدسي، فإننا لا يمكننا بسهولة منعها من التأثير فينا.
وهو ما يوضح أيضًا السبب في أننا نجد صعوبة كبيرة في تذكُّر بعض الإعلانات، وذلك لأن تفاصيل الإعلانات تتلاشَى بسرعة؛ لأنها كلها ذكريات معقَّدة عرضية زائفة لا تلبث أن تختفي لتحلَّ محلَّها غيرها. وفي حالة وجود محتوًى عقلاني يتم عرضه من خلال إعلانٍ تليفزيوني — اتفقنا على أننا لا نُعيره اهتمامًا كبيرًا على أي حال — فإن تفاصيل هذا المحتوى أيضًا لن تَجِدَ لها مكانًا داخل الذاكرة؛ لأن ذكرى الإعلان نفسها تتلاشَى. ولكن بالنسبة للذكريات العاطفية وراء التواصلية التي تؤثِّر على مشاعرنا تجاه العلامة التجارية، فإنها ستبقَى طويلًا. وربما لا يكون لدينا أدنى دليل على وجودها.
موجز: القرار والعلاقة

لدينا الآن رسم بياني متكامل لنموذج خداع اللاوعي الجديد (شكل ??-?)، وهو يُظهِر عددًا من الإضافات الهامة. فعلى سبيل المثال، يتم تمييز المواقف المرتبطة بالعلامة التجارية الآن وفقًا لكَوْنها علنية (أي تلك التي نُدرِكها ونكون قادرين على تذكُّرها)، أو غير علنية (أي التي لا ندركها ونجد صعوبة في تذكرها). كما يتم الآن تمييز تغير السلوك وفقًا لكون السلوك عقلانيًّا (أي يستند في معظمه إلى منطق)، أو حدسيًّا (أي يستند إلى مشاعر أو مؤشرات مختزنة في العقل من خبرات سابقة مماثلة). شكل ??-?: نموذج خداع اللاوعي.
أول ما نُشير إليه هو أن خطوط «العاطفة» المنقطة تتصل الآن بخط «الإقناع» في توجيه السلوك العقلاني. وهو ما يعكس دَوْر العاطفة باعتبارها «المراقب» في عملية صنع القرار. وكما رأينا في الفصل الحادي عشر، لا يمكننا اتخاذ قرارات لا تتوافق عواطفنا معها.
الشيء الثاني هو أن التغييرات العلنية في الموقف والسلوك العقلاني قادرة على تقديم الحُجَج المضادة. وهذا يعني أن النصف العلوي من النموذج يصور حالة تتيقَّظ فيها وسائلنا الدفاعية إزاء الإعلان. وعلى العكس من ذلك، فإن النصف السفلي من النموذج يصور حالة تقلُّ فيها وسائلنا الدفاعية أو تنعدم إزاء الإعلان. ويكاد يكون من المستحيل أن ندافع عن أنفسنا ضد التغير غير العلني في الموقف والسلوك المدفوع بالحدس. وفي حالة التغير غير العلني في الموقف، يكون من المستبعَد أن نصبح على دراية بأن توجهاتنا قد تغيَّرتْ ما لم يُخضِعنا أحدُهم للتنويم المغناطيسي، وفي حالة السلوك المدفوع بالحدس يكون من المستبعَد أن نعرف على وجه التحديد محرك هذا الحدس.
ومِن ثَمَّ فإن كل شيء يعمل في اتجاه الجزء السفلي من النموذج سوف يكون قادرًا على ممارسة تأثير علينا يصعب علينا مقاومته. وأول تأثيرات «المستوى الأدنى» هذه هو المربع المميز بعبارة «الارتباطات العاطفية بالعلامة التجارية».
وهناك ثلاثة تأثيرات — الوعي بالعلامة التجارية، المشاعر، العواطف — يغطِّيها هذا المربع المميز بعبارة «الارتباطات الوجدانية بالعلامة التجارية»، وهو أعلى قليلًا من الجزء السفلي. وسبب وجوده هنا هو أن هناك كيانات، مثل «جرو أندركس» و«كاوبوي مارلبورو»، ليست سِرِّيَّة في حد ذاتها، ولكنها معلومة وكثيرًا ما يتم تذكرها جيدًا باعتبارها مرتبطة بالعلامة التجارية. على أن ما لا نعرفه بصورة جيدة هو أن تلك الوسائل مثيراتٌ مؤثرة عاطفيًّا تُطلِق المفاهيم والتصورات العاطفية القوية ذات الصلة، ومن خلال التعرض المتكرر لها تقوم هذه المثيرات ? «تكييفنا» حتى نشعر بأنَّ للعلامة التجارية القيمةَ العاطفيةَ نفسها الخاصة بالكيان. وهكذا يدفعنا «جرو أندركس» إلى الشعور بأن أندركس تمتلك صفتين: ناعمة وعائلية. ويدفعنا كاوبوي مارلبورو، كما سنرى في الفصل السادس عشر، إلى الشعور بأننا إذا قمنا بتدخين ماركة مارلبورو فإن مَن حولَنا سيعتبروننا أقوياء ومستقلِّين. وبهذه الطريقة تُغيَّر توجهاتنا نحو العلامة التجارية بكيفية غير مُعلَنة، ومن دون أن ندرك أنها فعلتْ ذلك.
في أسفل النموذج يوجد مربع العلاقة بالعلامة التجارية. والابتكار في الإعلان قادر على التأثير على عواطفنا، وهي بدورها تؤثر على علاقتنا بالعلامة التجارية من خلال قوة التواصل غير المباشر. وهذا يحدث مرة أخرى بصورة غير معلنة في الغالب؛ فمعظمنا لا يُدرِك حقًّا أن لدينا مشاعر تجاه العلامات التجارية، ناهيك عن أن مقطوعة موسيقية يستخدمها الإعلان، على سبيل المثال، كفيلة بالتأثير عليها. وهذا ليس من الأمور التي نميل إلى التفكير فيها أو التحدُّث عنها.
هذا النموذج من الأمور المهمة. والأمر الأكثر أهمية هو مدى التأثير الفعلي لذلك علينا. وهو السؤال الذي أُجيبُ عنه في الجزء الأخير من هذا الكتاب.
هوامش

(1) http://www.oxforddictionaries.com/definition/intuition?view=uk.(2) Verbatim quote by Bruce Goerlich, Executive Vice President of Zenith Optimedia, at the lunchtime panel of the Advertising Research Foundation (ARF) Conference, April 17, 2007.(3) http://www.s3.amazonaws.com/thearf-org-aux-assets/awards/ogilvy-cs/Ogilvy_08_Case_Study_GoodYear.pdf.(4) http://www.dove.co.uk/cfrb/self-esteem-fund/about.html.
الجزء الخامس
النظر إلى الإعلانات من منظور جديد



الفصل الرابع عشر
خارج دائرة الضوء


عليك أن تقولها على نحو يجعل الناس يشعرون بها داخليًّا؛ لأنهم إنْ لم يشعروا بها، فإنَّ شيئًا لن يحدث.
ويليام بيرنباك
«مأثورات ويليام بيرنباك» (????)
ربما يشعر بعضكم بأنني بالغتُ في طرح القضية، وأنه ليس للإعلان، على الرغم من قدرته على التأثير علينا على مستوى اللاوعي، تأثير حقيقي يُذكر عند التعامل معه بهذه الطريقة. إنني أفترض أنك قد تعتقد أن الأمر يتعلق بنا إذا كنَّا نحن «المستهلكين الأغبياء اللامبالين الذين هم عرضة للأساليب السيكولوجية التي تدمر دفاعاتنا» على حد وصف جون فيليب جونز (????)؛ أم كنَّا مثل ربة المنزل «الأكثر خبرة وحنكة في شراء منتجاتها العادية مقارنة بالمشتري الصناعي الذي يشتري محطة طاقة ذرية» على حد وصف إرينبرج (????).
المؤكد أن الجواب هو مزيج بين هذا وذاك. لا نزاع في أننا مثقفون، بَيْدَ أننا أيضًا لا نُعمِل فكرَنا كثيرًا عندما يتعلق الأمر بشراء العديد من المنتجات. وفي بعض الأحيان — كما اتضح من التجربة التي سأعرضها فيما بعدُ — يمكن أن نَجِد أنفسنا وقعْنا فريسة لأساليب سيكولوجية تجعلنا نبدو أغبياء للغاية.
ما مدى سهولة تأثرنا؟

أجرى هذه التجربة كلٌّ من جاري ويلز وريتشارد بيتي (????)، وقد جَمَعَا مجموعة من الطلاب معًا زعمًا أنهما يريدان منهم اختبار نوع جديد من سماعات الرأس للاستخدام أثناء ركوب الدراجة. وقد مر الطلاب بمجموعة متنوعة من الاختبارات؛ كان أحد هذه الاختبارات الجلوس والاستماع إلى ما بدا كأنه بثٌّ إذاعي. وقد طُلب من مجموعة من الطلاب تحريك رءوسهم بقوة إلى أعلى وأسفل أثناء الاستماع، كما لو كانوا يركبون دراجة على طول طريق وعر. وطُلب أيضًا من مجموعة أخرى تحريك رءوسهم بقوة كما لو كانوا يركبون دراجة، ولكن هذه المرة يمنة ويسرة من جانب إلى آخر وطُلب من المجموعة الثالثة الضابطة الإبقاء على رءوسهم ثابتة.
احتوى البث الإذاعي الذي استمع إليه الطلاب على بعض المقطوعات الموسيقية كما احتوى أيضًا على نقاش حول الرسوم الدراسية. واستمع نصف كل مجموعة من المجموعات إلى مناقشة حول زيادة مقترحة للرسوم الدراسية إلى ??? دولارًا أمريكيًّا في حين استمع النصف الآخَر من كل مجموعة إلى مناقشة حول تخفيض الرسوم الدراسية إلى ??? دولار أمريكي. وفي نهاية الاختبار، سُئل الطلاب أسئلة مختلفة عن مدى إعجابهم بالموسيقى وعن النسبة التي ينبغي أن تتغير بها الرسوم الدراسية.
وكانت النتائج مُدهِشة؛ فمن بين العينة التي استمعت إلى المناقشة الدائرة حول زيادة الرسوم الدراسية، اقترح أولئك الذين كانوا يحركون رءوسهم من جانب إلى آخر يمنة ويسرة متوسط زيادة للرسوم الدراسية يقلُّ بمقدار ??? عن المتوسط الذي اقترحتْه المجموعة الضابطة، أما أولئك الذين كانوا يحركون رءوسهم إلى أعلى وأسفل فقد اقترحوا زيادة بمقدار ??? عن الزيادة التي اقترحتْها المجموعة الضابطة. ومن بين أولئك الذين كانوا يستمعون إلى النقاش الدائر حول خفض الرسوم الدراسية، اقترح أولئك الذين كانوا يحركون رءوسهم من جانب إلى آخر يمنة ويسرة خفض الرسوم الدراسية بمقدار يزيد عن المجموعة الضابطة بنسبة ??، أما أولئك الذين كانوا يحركون رءوسهم إلى أعلى وأسفل فقد اقترحوا خفض الرسوم بمقدار يقلُّ عن المجموعة الضابطة بنسبة ???؛ لذلك فإن أولئك الذين كانوا يومئون برءوسهم اتفقوا بنسبة أكبر مع النقاش الدائر، في حين اتفق أولئك الذين كانوا يهزون رءوسهم باستمرارٍ بنسبة أقل مع النقاش.
يشير هذا إلى أن حركة الإيماء البسيطة أو هز رءوسنا، رغم أنه ليس لها علاقة بالأمر على الإطلاق، يمكن أن تغيِّر بالفعل مواقفنا حول موضوع معين؛ لذا اسأل نفسك هذا السؤال: إذا كان تحريك رءوسنا يمكن أن يؤثر على مشاعرنا على هذا النحو الكبير، فلأي درجة يمكن أن يؤثر علينا التأثير العاطفي اللاواعي المحسوب للإعلان؟
أُجريت دراسة ويلز وبيتي قبل أكثر من ثلاثين عامًا مضت؛ لذلك ربما تعتقد أننا أصبحنا جميعًا أكثر ذكاءً الآن. لذا، هل يوجد أي أدلة حديثة إضافية على تأثير هذه الأنواع من الإشارات البيئية على سلوكنا الشرائي الفعلي؟ حسنًا، إليك مجموعة أخرى من التجارب، وهذه المرة من عام ????. أجرى كلٌّ من جونا بيرجر وجرونيا فيتزسيمونز (????) ست دراسات على آثار الإشارات البيئية المرتبطة إدراكيًّا أو مفاهيميًّا على اختيارنا للعلامة التجارية.
في تجربتهما الأولى، اختبرا المستهلِكين خارج مركز تجاري محلي خلال فترة عيد الهالوين وبعدها. وكان سبب اختيار هذه الفترة الزمنية أنه خلال عيد الهالوين كان ثمة عدد كبير من القرع البرتقالي اللون معروضًا للبيع، وبعد انقضاء فترة العيد، لم يكن هناك أي شيء معروضًا منه. وما استنتجاه هو أن قِطَع الشوكولاتة والمشروبات الغازية البرتقالية اللون ذكرها المتسوِّقون بمعدل يزيد بنسبة ??? أكثر ممَّا ذكروها «قبل» عيد الهالوين، عندما كانت إشارات القرع البرتقالي في كل مكان، عما كان عليه الحال «بعد» ذلك.
بطبيعة الحال، كل ذلك أظهر أن البيئة بإمكانها أن تؤثر على مواقفنا؛ لذلك في التجربة الثانية، أعطيا الأفراد أقلامًا ملونة بألوان مختلفة (البرتقالي والأخضر) لإكمال الاستبيان بها. وبعد ذلك، طلبا منهم أن يختاروا ما بين ?? زوجًا من المنتجات العادية (طعام وشراب ومنظفات … إلخ)، كان بعض هذه المنتجات برتقاليًّا وبعضها أخضر، والبعض الآخر ذا ألوان أخرى. نَعَمْ، تفكيرك في محله؛ لقد وجدا أن أولئك الذين استخدموا الأقلام البرتقالية لإكمال الاستبيان كانوا أكثر ميلًا إلى اختيار المنتجات البرتقالية، وأولئك الذين استخدموا الأقلام الخضراء كانوا أكثر ميلًا إلى اختيار المنتجات الخضراء.
حسنًا، ربما لأن الأمر يتعلق بمشتريات بسيطة مثل هذه المشتريات فإننا يمكن أن نتأثر بسهولة أكبر. ماذا عن المنتجات الأكثر أهمية؟ في التجربتين المقبلتين، درسا شراء مشغِّل موسيقى رقمي. في الدراسة الأولى اختارا مجموعتين من الطلاب: مجموعة منهم كانت قد سافرت مؤخرًا، ومجموعة أخرى لم تكن قد سافرت. وأظهرا للمجموعتين شعارًا يربط مشغل الموسيقى الجديد بالأمتعة. وكانت المفاجأة أن وجدا أن أولئك الذين سافروا في السابق (ومِن ثَمَّ، على اتصال وثيق بالأمتعة) كانوا أكثر ميلًا بنسبة ??? لاختيار مشغل الموسيقى الجديد، وكانوا على استعداد لدفع ??? أكثر كمقابل لذلك. وفي الدراسة الثانية، عرضا الشعارات على صوانٍ، ووجدا أن أولئك الذين يتناولون الطعام في الكانتينات التي استخدمت صوانيَ تأثروا على نحو مشابه، مقارنةً بأولئك الذين تناولوا الطعام في مطاعم لم تستخدم صواني.
يبدو كأنه سِحْر! أليس كذلك؟ ولكن تؤكد كل هذه التجارب بالفعل أنَّ من السهولة بمكان للمعلِنين التأثير علينا من خلال استهداف العقل الباطن.
وكانت التجربة الخامسة عن تناول الفاكهة والخضراوات، واستُخدِمت مرة أخرى شعارات إما مرتبطة بالصواني أو غير مرتبطة بها. وكان للشعارات ذاتها التأثير نفسه على استهلاك الفاكهة والخضراوات، غير أن كمية الفواكه والخضراوات التي تمَّ تناولها في الكانتين الذي استخدم الصواني كانت أكبر كثيرًا بين أولئك الذين رأوا شعارًا مرتبطًا بالصواني، مقارنة مع أولئك الذين رأوا شعارات غير مرتبطة بالصواني.
وفي النهاية، في تجربتهما السادسة المهمة للغاية، أجريا دراستين لا علاقة لهما ظاهريًّا بعضهما ببعض. في إحداهما، عرضا على الناس صور كلاب، وفي الدراسة الأخرى، طُلب من الناس أنفسهم تقييم العلامات التجارية للأحذية، وقد تم فحص الموضوعات البحثية للتأكد من أنهم لم يَرَوْا أي علاقة بين الدراستين. وعلى الرغم من ذلك، وُجد أنه كلما عُرضت على الناس صور أكثر للكلاب في إحدى الدراستين، كان تقييمهم لأحذية «بوما» Puma (ومعناها الكوجر) أكثر إيجابية في الدراسة الأخرى. واستُدل من ذلك على أن الكلاب ترتبط بالقطط، والقطط ترتبط بالكوجر؛ لذلك إذا عُرضت صور الكلاب عليهم، فسيكون الناس أكثر ميلًا لاختيار أحذية بوما. لم يكن بيرجر وفيتزسيمونز أول مَن حدد كيفية تأثُّر سلوكنا بما يحيط بنا؛ حيث وجد آب دايكسترهوس أيضًا أن «سلوك المستهلك يتأثر بقوة بالإشارات البيئية الخفية» (دايكسترهوس وآخرون، ????). بَيْدَ أن دراسة بيرجر وفيتزسيمونز ربما تكون الأولى التي أظهرت أدلة دامغة على مدى تعرض عقلنا الباطن لهذه المؤثرات الخارجية. وعلى حد تعبيرهما: «تدعم هذه النتائج الفرضية القائلة بأن الآثار الأولية التصورية يمكن أن يكون لها تأثير قوي على أحكام المستهلك الفعلية» (بيرجر وفيتزسيمونز، ????).
وسوف أسرد لكم مثالًا شخصيًّا أحدث استوحيتُه من إعجابي بعروض علبة التونة التي تعرضتُ لها في الفصل الثالث عشر، ويوضح كيف أنه يمكن أن نتعرض للتضليل والتأثير بسهولة فائقة. كنتُ في الكثير من الأحيان، نظرًا لكوني دائمًا ما أبتاع التونة المعلبة، أذهب إلى العروض التي بها أربع علب تونة مجمَّعة معًا. ومجموعة العلب هذه دائمًا ما تحمل بطاقة تعلن أن هذا العرض به قيمة إضافية ما بطريقة أو بأخرى. وهذا يعني أن مثل هذه العروض تحلُّ مشكلة بحث العميل عن المنتج المناسب واتخاذ قرار بشرائه، لأنها توفِّر له المال على الأقل.
كنتُ قد لاحظتُ أن هذه العلب المجمَّعة بعضها مع بعض بدأتْ في احتلال مكان كبير من مساحة الرف. وفي أحد الأيام، قررتُ، بدافع من أحد أصدقائي، أن أتحقَّق من سعر إحدى هذه العلب المجمَّعة، والتي تحمل بطاقةً مكتوبًا عليها بشكل واضح باللون الأصفر «سعر خاص». ولم يَعُدْ، في المملكة المتحدة، يوضع في الواقع على أي منتجات معروضة في المتاجر أي بطاقة سعر؛ ولذلك حتى يتسنَّى لك التحقق من السعر، عليك أن تجد البطاقة الموجودة على الحافة الأمامية للرف نفسه. وقد وجدتُها في نهاية المطاف، وكان سعر هذا العرض ???? جنيهات استرلينية؛ أي سعر كل علبة في العرض يتعدَّى ?? بنسًا بقليل. وبعدها، لاحظتُ أن سعر العلبة نفسها خارج العرض يبلغ ?? بنسًا فقط!
من المؤسف أنْ أقول، إنني بالفعل لم أندهش بشدَّة؛ حيث أتمتَّع بأعوام من الخبرة المباشرة في مراقبة كيفية استغلال المَتَاجِر للمستهلِكين. على سبيل المثال، كيف يضعون السلع التي يتم شراؤها باستمرار مثل البيض والطماطم المعلَّبة في جميع أنحاء المتجر حتى يدفعوا المتسوِّقين من ذوي الخبرة إلى المرور على مناطق مختلفة من المتجر ومِن ثَمَّ يَرَوْن أشياء مختلفة. ولكن يجب أن أقول إنه لم يسبِق لي أن فكَّرتُ في أن المتاجر قد تنحدر إلى القيام بهذا النوع من الممارسات. وقد قيل لي في وقت لاحق إن ذلك أمر شائع، وبالطبع السبب في أن بإمكانهم الإفلات بذلك هو أننا — نحن المستهلكين — نتسم بقدْر كبير من الكَسَل، فلا أحد منَّا يرغب في أن يقضي وقتًا أكبر مما يحتاج إليه للتسوق من محلات البقالة؛ ولذلك بمجرد أن نجد طرقًا مختصرة، نستخدمها. ومن الطرق المختصرة الشائعة شراء أي علامة تجارية ما دامت داخل عرض، معتقدين بأن هذا الأمر سيوفر لنا بضعة بنسات.
لذلك، بعد أن أثبتْنا كيف أن من السهولة بمكان أن نتعرض للتأثير، دعونا نعُدْ مرة أخرى إلى موضوع الإعلانات. علم جيدًا بيل بيرنباك، الذي بدأنا هذا الفصل بمقولته، كيف يجب أن يكون الإعلان إذا أراد أن يكون ناجحًا. لقد أدرك — شأنه شأن العديد من المديرين المبدعين الذين حققوا نجاحًا باهرًا — أنه ما لم يؤثِّر الإعلان على عواطف الجمهور المستهدَف، فإنه لن يحقق شيئًا. بل قال أيضًا: «إن لم يلاحظ الإعلان أحدٌ، فإن شيئًا لم يتحقق.» (بيرنباك، ????) وربما لم يكن بيرنباك يعرف أن التأثير العاطفي يحدث على الفور وعلى نحو تلقائي، وعندما يحدث على نحو كهذا، يخترق دفاعاتنا ولا نستطيع ذَوْد هذا التأثير عن أنفسنا.
وتُعتبَر الحملة الدعائية التي أُجريت في المملكة المتحدة في ثمانينيات القرن العشرين لإحدى العلامات التجارية للجعة، التي كانت تُدعَى هوفمايستر، مثالًا ممتازًا على أن المحتوى العاطفي يمكنه التسلُّل داخل عقلنا الباطن والتأثير علينا دون أن نشعر بذلك.
دراسة حالة: جعة هوفمايستر

كانت جعة هوفمايستر ما نطلق عليه في المملكة المتحدة الجعة المعتَّقة. ونظرًا لأن هذه الجعة كان يتم تصنيعها، شأنها شأن كل أنواع الجعة البريطانية في ذلك الوقت، لتُقَدَّم في باينتات ونصف باينتات، كانت نسبة الكحول فيها ضعيفة للغاية؛ إذ كانت تبلغ نحو ????. ونظرًا لأنه يتم تقديمها باردة، كان من المستحيل تقريبًا على أي شخص أن يحدد العلامة التجارية للجعة من مذاقها.
ومن أجل التغلب على عدم القدرة على التمييز بين المنتجات، اتجهت مصانع الجعة إلى الإعلانات، وقد كانت تلك الموجة الحقيقية من الحملات الدعائية الشهيرة نتاجًا لذلك. ولعل أبرز هذه الحملات الدعائية حملة شركة هاينكن، التي تم إطلاقها عام ????، والتي استخدمت بجرأةٍ الفكاهةَ على غرار أسلوب مونتي بايثون جنبًا إلى جنب مع السرد، ويتم في هذا الإعلان تنشيط أقدام رجال شرطة متعَبين للقول بأنه «يمكن لجعة هاينكن فقط فعل ذلك؛ لأنها تُنعِش الأجزاء التي لا تستطيع أنواع الجعة الأخرى الوصول إليها». ومن جهة أخرى، استعانت شركة كارلسبرج بالممثل والمخرج أورسون ويلز للتأكيد باقتضاب على أن كارلسبرج «على الأرجح الجعة الأفضل في العالم»، وقيل حينها عن المجموعة المتنوعة من الشخصيات التي قامت في الإعلان بحركات غير مضحكة: «نُراهِن على أنهم يشربون جعة كارلينج بلاك لابيل.» وقد أدَّى هذا الأمر إلى صك عبارة «شرب الإعلانات» للدلالة على كيفية عدم اهتمام الشباب إلى حد كبير بمذاق المنتج؛ حيث إنهم يختارون — بشكل خالص — العلامة التجارية للجعة على أساس جودة الإعلان.
وفي أوائل ثمانينيات القرن العشرين، قدمت شركة بِروار كاريدج البريطانية جعة هوفمايستر القادمة أساسًا من بافاريا في ألمانيا. وكانت جعة هوفمايستر التي تنتجها تُخَمَّر في المملكة المتحدة، ولم تكن هذه الجعة جيدة للغاية بكل المقاييس، وقد وُصِفتْ في شبكة ا? بي بي سي الإخبارية في عام ???? بأنها مشروب فوار خفيف لا نكهة له.1 وقد كان الجزء المميز إلى حد كبير في العلامة التجارية «هوفمايستر» العلبة التي جاءت فيها، والتي كانت تحمل صورة دب، وقد تضمن الإعلان الأول هذا الدب جنبًا إلى جنب مع بعض الملاحظات الجديرة المتعلقة بمدى جمال الجعة البافارية. ولم يكن لهذا الإعلان تأثير يُذكَر على المبيعات أو التوزيع — في تلك الأيام كان مجرد الوصول إلى مَنفَذ البيع يمثِّل التحدِّي الأكبر للجعة المعتَّقة — لذلك خرجت وكالة بوز ماسيمي بوليت الإعلانية بفكرة استخدام شخصية الدب المائلة قليلًا إلى المغامرة في إعلاناتها. ولم يكن هذا الدب دبًّا عاديًّا؛ فقد كان دب هوفمايستر عبارة عن دبٍّ دمية في حجم الدب الحقيقي مرتدٍ سترة مبطنة الكتفين من القطيفة ذهبية اللون يمثل دور «الشاب المتأنِّق» للغاية. وتقمَّص هذا الدب الدمية بجرأة شخصية فونز في المسلسل التليفزيوني الهزلي «هابي دايز»، بل انتهى الإعلان بمحاكاة حتى الكلمة الشهيرة «آي» التي كان يقولها فونز في المسلسل (الأكبر سِنًّا منكم الذين شاهدوا فونزي سوف يعرفون ما أتحدث عنه بالضبط). وقد تحدث دب هوفمايستر بلكنة عامية مبتذلة ماشيًا باختيال كما كان (طبعًا) نقطة جذب للفتيات الجميلات.
وقد كان البث الأول والأكثر شهرة لإعلانات دب هوفمايستر الجديدة عام ????. ويظهر الدب في الإعلان متحسرًا على حياته الكئيبة التي يعيشها في الغابة مع الأرنب روني، الذي تكمن سعادته وإثارته الكبرى في رؤية ورقة شجر تسقط على الأرض. وفي محاولة منه للتخفيف من حدة الملل الذي أصابه، سرق الدب الدمية هوفمايستر من زوجين كانا يتنزهان في الغابة حينما كان يحتضن ويُقبِّل كلٌّ منهما الآخر ليكتشف صورة لجدِّه على العلبة، ويشرب الزجاجة، مستمتعًا ببرودةٍ أشعرتْه بوخْز في مؤخرة حلقه. كانت رائعة للغاية، قرَّر على إثرها أن يترك الغابة (وتجدر الإشارة إلى أن البرودة التي أشعرتْه بوخز في حلقه ليست لها أي علاقة على الإطلاق بنكهة الجعة وعلى ما يبدو أنها تعود بالكامل إلى كون الجعة قد قُدِّمت باردة للغاية). ولم تكن النتيجة أنه وجد رفقة فقط (أو بعبارة أخرى فتاة) بل اكتشف أن لديه قدرات غير عادية في لعب البلياردو ورمي السهام. ويصاحب الإعلان كله موسيقى ديسكو غير تقليدية، وينتهي مع حث الدب للمشاهدين على تقليد سلوكه قائلًا: «إذا كنتَ تريد شِعْرًا، فانهض وانظر، أما إذا كنتَ تريد جعة رائعة، فاتبع الدب.»
نقل هذا الإعلان هوفمايستر نقلةً كبيرة حيث إنه حوَّل، في غضون أشهر قليلة، هوفمايستر من علامة تجارية فاشلة إلى علامة تجارية ناجحة نجاحًا باهرًا. وقد تم — بعد ذلك — بثُّ عدد من الإعلانات الأخرى على نفس الشاكلة، تُظهِر الدبَّ وهو يلعب ألعاب الحانات، أو في ملهًى ليلي، أو في عطلة على الشاطئ، وهَلُمَّ جرًّا، ولكنْ من المفارقات أن نجاح الحملة كان سببًا أيضًا في سقوطها؛ حيث إنه بمجرد أن رصدت السلطات تأثير الإعلان، تدخَّلتْ لمَنْعه، زعمًا بأن الدب قد أصبح «بطلًا للصغار» (أو بعبارة أخرى: «شخصية مشهورة بين الأطفال»)، واستخدام شخصيات يراها الأطفال أبطالًا في الإعلان عن جعة أمر يحظره على وجه التحديد قانون ممارسي الدعاية والإعلان. ومن المثير أن نلاحظ أنه عند تطبيق هذا القانون، لم تبذل السلطات أي محاولة لمَنْع الإعلانات من عرض القدرات الرياضية أو الجنسية، التي كانت على حدٍّ سواء أيضًا تشكِّل انتهاكًا لقانون ممارسي الدعاية والإعلان، ربما لأن الوكالة الإعلانية جادلت بأن المرتكب كان دبًّا فحسب.
لذا فكيف أقنع إعلان دب هوفمايستر الشباب بشراء جعة هوفمايستر؟ يعرض بحث رائع أجراه كلٌّ مِن روي لانجميد وويندي جوردون (????) تفسيرًا لهذا الأمر. وُصف البحث بأنه «رائع»؛ لأن هذا البحث كان واحدًا من بين عدد قليل من الدراسات البحثية التي تمَّ إجراؤها وتمَّ فيها تنويم المشاركين مغناطيسيًّا؛ الأمر الذي حظرتْه جمعية أبحاث السوق البريطانية بعد ذلك بوقت قصير.
وكان الإجراء البحثي الذي استخدمه كلٌّ مِن لانجميد وجوردون هو سؤال المشاركين إذا ما كان بإمكانهم تذكُّر أيِّ شيء عن الإعلانات التليفزيونية المختلِفة (بما في ذلك إعلانات دب هوفمايستر)، وبعدها يقومان بتنويم المشاركين مغناطيسيًّا ويطرحان عليهم السؤال نفسه مرة أخرى. وكانت إجابة أحد المشاركين، ويُدعَى شون، في المقابلة التي أُجريَت معه قبل مرحلة التنويم المغناطيسي أن كلَّ ما يمكن أن يتذكَّره عن إعلان هوفمايستر هو أنه كان «ذلك الشاب الذي كان مع الدب في الديسكو وكان يرقص مع جميع الناس.» وحتى مع سؤاله مرة أخرى، قال بشكل قاطع إن كل ما يمكن أن يتذكره هو أن الدب كان «يعبث فحسب في الملهى الليلي. كل ما أتذكره هو الملهي الليلي والدب في الملهى الليلي.»
ما بدا مذهلًا أنه عندما تم تنويم شون مغناطيسيًّا، تذكر الإعلان بتفاصيله جميعها: بداية من الطريقة التي رقص بها جورج، وما كان يرتديه حتى القبعة والأشرطة الحمراء التي كانت على سترته، إضافةً إلى الطريقة التي «مشى بها محركًا كتفيه»، كما فهم شون أيضًا رسالة الإعلان؛ وهي أنَّ تناول هوفمايستر يعني اللهو والشعور الرائع. واعترف شون قائلًا: «إنني أرغب في أن أجرِّب القليل منها حتى أشعر بذلك الشعور الرائع الذي شعر به الدب.»
واقترح لانجميد وجوردون في ذلك الوقت أن شون شخص تابعَ إعلانات هوفمايستر بعناية وبمستويات عالية من التركيز والانتباه، غير أنه شعر بالحرج كثيرًا من أن يعترف بأنه يعرف كل شيء بالتفصيل عن الإعلان. وبالنظر إلى ما نعرفه الآن، يبدو ذلك أمرًا غير مرجَّح، إنما السيناريو الأكثر ترجيحًا بكثير هو السيناريو التالي:
ربما شاهد شون، شأنه شأن معظم الشباب في ذلك الوقت، الإعلانات بضع مرات وتابعها بمستوًى منخفض نسبيًّا من الاهتمام. غير أن ما شاهده تمَّ تخزينه في ذاكرة صريحة وذاكرة ضمنية. وربما تكون طريقة سير الدب وكلامه ذكَّرتْه لا إراديًّا ? «فونز»؛ ومِن ثَمَّ تم تخزين مفهوم «عدم الاكتراث» في هذه الذاكرة. أما معظم التفاصيل الأخرى التي كانت في الإعلانات، فقد تم الاحتفاظ بها في ذاكرته الضمنية، غير أن ذاكرته الصريحة سرعان ما قامت بمحوها. ومع ذلك، ثمة جزء من التفاصيل ظلَّ عالقًا في ذاكرته، وهو منظر الدب وهو يتراقص بمهارة في الملهى الليلي ويُثِير إعجاب الفتيات.
أن يتم إخبارك بأنك سيئ في الرقص هو شيء يمر به العديد من الشباب في مرحلةٍ ما من حياتهم، ومن شبه المؤكد أن يكون ذلك قد علِق بذهن شون كعلامة عاطفية لا واعية. والنتيجة هي أنه قد يكون تم الاحتفاظ بهذا الجزء من التفاصيل المتعلق بالرقص في ذاكرته الصريحة، وتم استرجاعه مرة أخرى عندما طُلِبَ منه استرجاع ما يتذكره عن الإعلان. ومع ذلك، على مستوى اللاوعي، ربما يكون شون قد تاق إلى أن يكون مثل الدب، وأن يكون قادرًا على الرقص بطريقة تثير إعجاب الفتيات مثلما فعل الدب؛ لذا ربما يكون قد تم تخزين هذا الأمر في ذاكرته الضمنية، وعندما تم تنويمه مغناطيسيًّا، تم الوصول إلى هذه الرغبة اللاواعية وكشفها جنبًا إلى جنب مع رغبته اللاواعية المترتِّبة على ذلك بشرب جعة هوفمايستر.
ما يشكِّل أهمية كبرى هو أن قوة الإعلان لتحفيز شون على تجريب هوفمايستر كانت مستترة؛ أي إنها لم تكن موجودة في ذاكرته الصريحة، بل كانت موجودة في ذاكرته الضمنية، وكان لها تأثير؛ لذلك إذا حدث وكان «شون» في حانة تُقدم فيها جعة هوفمايستر، فربما يقرر شرب باينت منها دون أن يُدرِك فعليًّا لماذا أراد ذلك.
والآن ماذا يمكن أن نستخلص من هذه القصة؟ الشيء الرئيسي الذي تكشفه هذه القصة هو أن معظم تفاصيل كل إعلان قد شاهدتَه في السابق، وربما أيضًا في مرحلة ما في المستقبل أو حتى في اللحظة الآنية، سوف يتم تخزينها في مكان ما في ذاكرتك الضمنية وسوف تؤثر عليك لا إراديًّا كما أثَّر الدب على شون، وسوف تدفعك إلى تجريب المنتج الذي يتم الإعلان عنه.
وفيما يتعلق بموضوع إعلانات الجعة القادرة على التأثير عليك دون أن تدرك ذلك، إليك دراسة حالة أخرى مثيرة للاهتمام.
دراسة حالة: إعلان بادوايزر «ما الجديد؟»

في عام ????، كتب تشارلز ستون الثالث فيلمًا قصيرًا وأخرجه، أطلق عليه اسم «صحيح». وأظهر هذا العمل ستون وعددًا من أصدقائه وهم يجلسون في أماكن مختلفة ويتحدَّث بعضهم إلى بعض في الهاتف. وفي كل مرة يسلِّمون فيها بعضهم على بعض، كانوا يستخدمون عبارة: «ما الجديد؟»
حقق هذا الفيلم شعبية في عدد من المهرجانات السينمائية، وتم اختيار الفيلم — في نهاية المطاف — من قِبَل فريق عمل إبداعي كانوا يعملون لدى شركة دي دي بي في شيكاجو وقاموا بتحويله إلى إعلان قام بتمثيله معظم فريق العمل الأصلي. وقد كان أول بثٍّ للإعلان في العشرين من ديسمبر عام ????. وقد تبع مشهدَ الرجال الخمسة الذين يسلِّم كلٌّ منهم على الآخَر بعبارة: «ما الجديد؟» التي يقولونها بتمهُّلٍ — تبع ذلك سريعًا — انفجارٌ في الضحك حقَّق على نحو سريع شهرة عالمية.
لم يتضمن الإعلان أي شيء يُذكر عن الجعة فيما عدا ما قيل بعد التحية التي تقال في بداية الإعلان ونهايته عندما يقول شاب: «إذن، ما الجديد؟ بيب.» ويردُّ الشاب الآخر قائلًا: «أنا أشاهد مباراة، وأحتسي بادوايزر.» فيقول الشاب الأول: «صحيح … صحيح!» وبصرف النظر عن تصوير مَن يشربون جعة بادوايزر على أنهم شباب و«حذقون»، من الصعوبة بمكان التعرف على أي فكرة أو رسالة، إنْ وُجدت، يحاول الإعلان إيصالها، غير أنه في غضون فترة قصيرة، كان الناس في جميع أنحاء العالم يقولون بعضهم لبعض: «ما الجديد؟» ثم يضحكون. وقد فاز هذا الإعلان أيضًا بعدد من الجوائز (الجائزة الكبرى في مهرجان كان، والجائزة الكبرى في مهرجان كليو). وفي عام ????، دخل قاعة مشاهير كليو.2 وقد اعتبر الناس إعلان «ما الجديد؟» إعلانًا ناجحًا على نحو مدهش تمامًا مثل الميركات في المملكة المتحدة. ومع ذلك، لم يذكر أي شخص أن الإعلان قد أدَّى إلى زيادة مبيعات جعة بادوايزر، ومع علامة تجارية مثل بادوايزر كان يستحيل معرفة مدى تأثيره في المبيعات. من المؤكد أن هذا الإعلان زاد من الوعي بهذه العلامة التجارية، غير أنه نظرًا لأن جعة بادوايزر هي بالفعل الجعة الأكثر شهرة في العالم، فإنه لم يكن واضحًا ما إذا كان الإعلان قد أضاف أي شيء للعلامة التجارية أم لا؛ لذلك فإن هذا الإعلان كان يحمل نوعًا من التدليل واللهو والانطلاق يهدف إلى جعل جعة بادوايزر أكثر احتكاكًا بعالَم الشباب. بالطبع، عندما تكون غنيًّا مثل بادوايزر، ليس هناك سبب لعدم تدليل نفسك بين الحين والآخر.
أعتقد أن هناك سرًّا آخر في هذا الإعلان. فسواء فعلوا ذلك عن عمد أم لا، أظن أنه قد يكون هذا الإعلان عبارة عن قطعة من الهندسة الاجتماعية تم تنفيذها ببراعة. يمكنك أن تلاحظ أنني حذفتُ في وصفي للإعلان جزءًا بسيطًا من التفاصيل. في إعلان «ما الجديد؟» لم تكن كل الشخصيات بيضاء البشرة بل كانتِ الشخصيات مزيجًا من السود والبيض والصينيين، وقد أظهرتِ الطريقة التي يتحدثون بها خلفيَّاتهم الحضرية والعِرْقية. وأودُّ أنْ أقول إن الصورة التي كانت لدى معظم الناس عن شارب جعة بادوايزر العادي — إلى أن تمَّ بثُّ إعلان «ما الجديد؟» — أنه شاب عادي أبيض البشرة يقوم بالشواء في فناء منزله أو يمسك بعنق زجاجة في مباراة كرة؛ لذلك أعتقد أن ما فعله هذا الإعلان على نحو ذكي للغاية، بأن أصبح معروفًا جدًّا لدى الجميع، هو أنه أعاد هندسة صورة مستخدم بادوايزر، وذلك ببراعة وبطريقة مُستَتِرة. وبعبارات بسيطة، تحوَّلت جعة بادوايزر من جعة يحتسيها الأمريكيون البِيض فقط إلى جعة يحتَسِيها جميع الأمريكيين.
الآن دعونا نتخيَّل للحظة أن هذه الرسالة كانتْ هدف التواصل العلني لهذا الإعلان. تخيَّل الجَدَل إذا تم استخدام الأصل العرقي موضوعًا لإعلان تليفزيوني. تخيل الخطر الذي كان قد يلحق بسمعة العلامة التجارية «بادوايزر». ومع ذلك، فإن هدف هذا التواصل الجدلي تم تحقيقه من خلال إعلان «ما الجديد؟» ببساطة عن طريق إخفاء ذلك الهدف بذكاء في رسالة علنية أكثر وضوحًا عن اللهو والتحلي ? «الحذاقة». وبالقيام بذلك الأمر، لم يتم تناول الرسالة العرقية بصراحة وعلى مستوى الوعي، ولكن بلا وعي وعلى نحو ضمني؛ لذا يتمُّ تخزينها في الذاكرة الضمنية لدى جميع الأشخاص الذين شَاهَدوا إعلان «ما الجديد؟» منتظرين اللحظة التي يسألون فيها أنفسهم عن نوعية الأشخاص الذين يحتسون بادوايزر. وعندما يفعلون ذلك، سيكون الجواب: «الجميع.» وأودُّ أنْ أقول إن هذه الاستراتيجية التسويقية، سواء تمَّ استخدامها عن عمْد أم لا، تُعَدُّ استراتيجية رائعة للغاية.
هوامش

(1) BBC News, Thursday, October 16, 2003.(2) http://en.wikipedia.org/wiki/Whassup%3F.
الفصل الخامس عشر
القوة الكامنة في وسائل الإعلام الجديدة


عادةً ما ينسى منتقدو الإعلانات أنه إذا تمَّ وقْفُها أو إلغاؤها، فسوف تَظهَر بالضرورة طرق أخرى بديلة لها.
دانيال ستارك
«مبادئ الإعلان» (????)
مثَّلت السرعة التي انتشر بها إعلان «ما الجديد؟» في جميع أنحاء العالم مؤشرًا مبكرًا على قوة وسائل الاتصالات الإلكترونية. والتأثير الذي تُحدِثه مثلُ وسائل الإعلام الحديثة هذه على الطريقة التي نتعرض بها للإعلانات ونتعامل بها معها هو الشيء التالي الذي يجب أن نتناوله بالبحث والدراسة.
هناك ضجة كبيرة مُثارة حول قوة شبكة الويب وتأثيرها، ولا سيما بالنظر إلى الشركات التي تنفق القليل نسبيًّا على الإعلانات المدفوعة التي يتم عرضها على شبكة الإنترنت. وبحسب استطلاع الرأي الذي أجرتْه مجلة «ماركتينج» في عام ????، فإن بروكتر آند جامبل، أكبر وكالة إعلان في المملكة المتحدة، قد أنفقت ???? فقط من إجمالي ميزانيتها المخصصة للإعلانات على شبكة الإنترنت، في حين أنفقت شركة يونيليفر ???? من ميزانيتها فقط. وكانت الإحصائية الأكثر إثارة للاهتمام هي أن أكبر الشركات إنفاقًا في هذا المجال هي «أو تو» واحدة من أكثر الشركات نجاحًا في مجال الإعلانات التليفزيونية. ترى هل تعرف الشركة شيئًا لا نعرفه نحن؟
بالتأكيد، للإعلان على شبكة الإنترنت تأثير كبير للغاية، فقد أظهر استطلاعٌ للرأي أُجرِي عام ????، أن المواطنين العاديين في المملكة المتحدة يقضون ??? ساعات يوميًّا في مشاهدة التليفزيون، و??? ساعة للاستماع إلى الراديو، و??? ساعة في استخدام شبكة الإنترنت.1 ولقد شهد استخدام شبكة الإنترنت زيادةً بمعدل ??? خلال العامَيْن الماضيين؛ لذا، ومع مرور الوقت، قد تقفز هذه النسبة لتتخطَّى معدَّل الاستماع إلى المذياع. لا تزال الإعلانات واسعة الانتشار نادرة نسبيًّا، ولكنها عندما تنجح تُصبح طريقةً رخيصةً للغاية للتواصل؛ وعلى كل حال، فإن الإعلان على شبكة الإنترنت هو أقلُّ تكلفة بكثير بالمقارنة بتكلفة بثِّ الإعلانات في وسائل الإعلام التقليدية. في الحقيقة، كلُّ ما يُنفَق هو تكلفة إنتاج المادة الفيلمية للإعلان، ولكنَّ العوائد تكون مذهلةً. وعلى سبيل المثال، فإن علامة جون ويست لأسماك السلمون المُعلَّبة، أصبحتْ واحدة من أشهر العلامات التجارية في المملكة المتحدة، ببساطة عن طريق إطلاق فيلم واسع الانتشار يتسم بروح الدعابة.
دراسة حالة: سلمون جون ويست

لا يُعَدُّ سمك السلمون المُعلَّب، بالنسبة للأشخاص الذين لم يتذوَّقوه، طبقًا للذوَّاقة. يُشاع أن إعلان سمك سلمون جون ويست تم إنتاجه على سبيل الدعابة، وتم إطلاقه دون قصد وبمحض المصادفة، وكانت الشركة على وشك سحْبِه، ولكن النجاح الضخم الذي حقَّقه الإعلان على نطاق واسع جعلها تتجاهل هذه الفكرة ولا تُكلِّف نفسها عناء سحبه.
يبدأ الإعلان بمجموعة من الدببة الضخمة وهي تصطاد سمك السلمون من النهر، في مكانٍ ما في كندا، ثم نسمع صوت المعلِّق وهو يقول: «عند مصبِّ النهر، لا تصطاد الدببة سوى سمك السلمون الألذ والأكثر طراوة، وهذا ما تتميز به أسماك سلمون جون ويست.» وبينما يقول المعلق هذا، يَظهَر رجل مرتديًا حذاءً برتقاليًّا في المشهد وهو يصيح، ويبدأ في مهاجمة الدب الذي اصطاد سمكة سلمون ضخمة بقبضتيه. يسدد الدب في المقابل مجموعة من اللكمات والركلات ليتصدَّى بسهولة لهجوم الرجل الذي أيقن استحالة هزيمة الدب بالوسائل العادلة، فأشار إلى السماء وقال: «انظر، النسر»، وبينما ينظر الدب ليَرَى النسر، ركله الرجل بين رجليه ليسقط الدب المسكين على الأرض وهو يَئِنُّ. الْتَقَط الرجل سمكة السلمون الضخمة ورحل، لنسمع صوت المعلِّق يقول: «جون ويست تتحمَّل الأسوأ، لتجلب لك الأفضل.»
أَستَخدِم هذا الإعلان في محاضراتي لأحاول مساعدة طلابي على فهْم مَدَى التعقيد الذي وصلتْ إليه الإعلانات الجديدة، ويستطيع الطلاب بسهولة تحديد الرسالة التي يهدف إعلان سلمون جون ويست المُعلَّب إلى توصيلها، وهي أنه السلمون الألذ والأكثر طراوة، ولكن المشكلة تتمثل في أنهم جميعًا لم يصدقوا لِلحظةٍ هذه الرسالة (بمعنى أن النقاش تحوَّل بسرعة إلى الحجة المضادة) تمامًا كما لم يصدقوا أن العاملين في شركة جون ويست يذهبون إلى الدببة ليُبرحوها ضربًا للحصول على سمك السلمون.
هل هذا يعني أن الإعلان ليس فعَّالًا؟ على الإطلاق. أتخيل أن اسم جون ويست قد ترسخ في الذاكرة الصريحة للعديد من الأشخاص الذين يشاهدون هذا الإعلان جنبًا إلى جنب مع إدراك وفهم المشهد العام (النهر، والدببة التي تصطاد، والمناظر الطبيعية، وغيرها). وأتخيل أيضًا أن إدراك معظمنا لجميع هذه المناظر الطبيعية يولِّد لدَيْنا مفهوم الخير الطبيعي وربما الاستدامة والذي سوف يستقر بطريقةٍ لا شعورية في ذاكرتنا الضمنية المرتبطة باسم علامة جون ويست التجارية؛ لذا، في حال تمَّتْ مشاهدة هذا الإعلان بالقدْر الكافي، قد يغرس في أذهان الأشخاص الذين يشاهدونه الشعور بأن شركة جون ويست تحترم الطبيعة وتُقدِّم المنتجات الطبيعية الطازجة — ناهيك عن الشعور بروح الدعابة — ومِن ثَمَّ، لا بأس مطلقًا من إنفاق بضعة آلاف من الجنيهات على صناعة هذه المادة الإعلانية.
بطبيعة الحال، لا تَسِير الأمور دائمًا على هذا النحو السَّلِس، فإذا حدث ولم يستحوذ الإعلان أو الشركة المُعلَن عنها على إعجاب الجمهور، فقد يتم الاستيلاء على الإعلان والتعديل فيه بطريقة تجعل أصحاب العلامة التجارية يبدون بُلَهاء. وتُعرَف هذه الممارسة أيضًا ? «إفساد الدعاية». هناك العديد من الأمثلة على الإعلانات التي وقعت فريسة لهذا النوع من الهجمات الإلكترونية، وبالطبع إذا ما حدث هذا، فالجميع سيتهافتون على رؤية النسخة المعدَّلة، ولا أحد سيرى النسخة الأصلية الكاملة من الإعلان، ومثال على هذا، إعلان مياه إيفيان المعدنية الذي يَظهَر فيه مجموعة من الأطفال الرُّضَّع وهم يتزلجون على زلَّاجات ذات عجلات، والذي يوجد منه العديد من النُّسَخ المختلِفة الآن.
لهذا السبب، ونظرًا لأن نشْر الإعلانات على شبكة الإنترنت يمكن أن يكون عملًا يتسم بالتحايل والمكْر، لا تزال الإعلانات الفيروسية نادرة نسبيًّا، ويَبقَى الشكل الأكثر شيوعًا للإعلانات على شبكة الإنترنت هو الإعلانات الصورية.
إعلانات صفحات الويب

كلنا نعرف العلامات التجارية التي تَظهَر في الإعلانات الصغيرة الموجودة على جوانب صفحات الإنترنت، ولكن القليل منَّا ينظر إليها مباشرةً؛ لذا فإن كل ما يهم هو أن تكون هذه الإعلانات مرئية لنا أثناء قيامنا بالبحث عن معلوماتٍ أكثر أهمية؛ لهذا السبب لا تُزعِجنا كثيرًا بشكلٍ عام. ومثلَما نعتَقِد بأننا لا نتأثر بالإعلانات التليفزيونية أو المطبوعة ما لم ننظر إليها، فبالمِثْلِ، نفترض جميعًا أننا لن نتأثَّر بهذه الإعلانات التي يتم وضعُها على صفحات الويب، طالما لا ننظر إليها أو نقرؤها.
الشيء نفسه ينطبق على الصحف، فهي تتكون من صفحات يختلط فيها النص مع الصور، كتلك التي نراها على شبكة الإنترنت. وبالعودة إلى تجاربي التي أَجرَيْتُها في عام ????، وجدنا أن الناس مالوا إلى تجنُّب الإعلانات من خلال قراءة ما حولها فقط، وأحيانًا ينظرون على الإعلان نظرةً خاطفة تستغرق ما بين عُشْر إلى نصف ثانية (خاصةً إذا كانت هناك عروض معينة على منتج ما)، وفي بعض الأحيان قد تطول هذه النظرة لتستغرق ثانية إضافية أو ثانيتين؛ نظر أحد الأشخاص المسنِّين إلى أحد الإعلانات بعناية، حتى إنه قرأ نسخة منه في الجزء السفلي من الصفحة. وإذا كانتْ تجاربي معبِّرة عن الحقيقة، فهذا يعني أن احتمالات قراءة أحد الإعلانات في الصحف قد تكون ? في كل ????.
هذا من شأنه أن يطرح سؤالًا حول كمِّ المعلومات التي يمكننا أن نستخلصها من الإعلان إذا ما اتَّبعنا هذا النوع من السلوك في قراءته. إذا درسنا الإعلان أو نظرنا إليه مباشرة مرة أو حتى عدة مرات فإن أنظارنا ستمرُّ قريبًا جدًّا منه، وسيكون واضحًا تمامًا في مجال الرؤية المحيطية لدينا. دَعْني أذكِّرك بالدراسة البحثية لشابيرو وآخرين (????)، والتي تعرَّضنا لها في الفصل السابع. كشف بحثهم أن تلك الإعلانات الموضوعة في الأعمدة الخارجية لجريدة ثلاثية الأعمدة كان لها تأثيرٌ على اختيار السلع التي يتم الإعلان عنها، حتى وإنْ لم ينظر القُرَّاء لها أبدًا ولم يتذكروا رؤيتهم لها. إذن، هذا يُشير إلى أن الإعلان الذي نتعرَّض له في مجال رؤيتنا المحيطية قد يكون قادرًا على التأثير علينا، حتى عندما لا ننظر مباشرة إليه.
ماذا عن القراءة؟ معظمنا يعتقد أننا غير قادرين على قراءة أي شيء موضوع في مجال رؤيتنا المحيطية. ومع ذلك، دعني أذكِّرك مرة أخرى بحالة المرأة التي ناقشناها أيضًا في الفصل السابع، والتي كانت تُعانِي من تَنكُّس بُقَعي. هذه المرأة كانتْ قادرة على أن تُعلِّم نفسَها القراءة بالنظر حوالي ? بوصات إلى يسار الحروف. إذن القدرة على القراءة في مجال الرؤية المحيطية موجودة، حتى إذا كان عقلنا الواعي لا يَقْبَلها. وحيث إننا مُسلَّحون بمعرفة أكبر حول طبيعة عمل أدمغتنا، يمكننا أن نفهم المزيد عن هذا الأمر.
كيف نقرأ؟

عندما نقرأ الأخبار في الجريدة نَمِيل إلى قراءة العناوين الرئيسية سريعًا وقراءة أجزاء بسيطة من تفاصيل المحتوى باستخدام المناطق النقيرية وشبه النقيرية (مناطق الرؤية عالية الوضوح في الشبكية). نفعل ذلك بسرعة كبيرة جدًّا، بينما نبحث عن أشياء ربما نرغب في قضاء وقت أطول في قراءتها. نحن لا نقرأ بالنظر إلى الحروف كما يفعل الأطفال؛ نحن نقرأ بالتعرف على كلمات وأحيانًا مجموعات من عدة كلمات دفعة واحدة. لكن ربما تندهش حينما تعلم أننا لا نقرأ دائمًا الكلمات في الجُمَل بالترتيب المكتوبة به؛ غالبًا ما نقرأ العناوين الرئيسية بشكل عكسي، وفي كثير من الأحيان نقرأ نص المقالات مثل حرف S، بقراءتنا سطرًا بالطريقة الصحيحة وما يَلِيه بطريقة عكسية. ربما حتى نقرأ فقرة واحدة ثم ننتقل إلى قراءة فقرة سابقة. يبدو الأمر عشوائيًّا وأحمق تمامًا. لكنك إذا فكَّرتَ بشأن الطريقة التي يعمل بها عقلك، فستجد الأمر منطقيًّا. معظم قراءتنا تتم من دون تذكُّرنا لأيٍّ من الكلمات الفعلية التي قرأناها للتوِّ؛ ما نفعله هو القراءة وتكوين صور وتفسيرات بشكل متواصل. الأمر أشبه نوعًا ما بمثال دينيت الخاص بعدم استقرار وعينا أثناء القيادة؛ الكلمات تَدخُل عقْلَنا الواعي وتُغادِر مباشرة تاركةً معناها وراءها.
عندما نقرأ بسرعة فعلًا (كما هو الحال في تصفُّح الصحف في كثير من الأحيان)، من المُرجَّح ألَّا تدخل الكلمات ذاتها في عقولنا الواعية على الإطلاق، ولكن تتم مُعالجتها وتفسيرها بواسطة عقلنا الباطن، ويتم إرسال معنى الجملة فقط إلى وعينا المنتبه «الراصد». على سبيل المثال، تبيَّن أنه يُمكننا في الواقع قراءة جملة من كلمات حروفها غير مُرتَّبة، ما دام الحرف الأول والأخير من كل كلمة في موضعيهما الصحيحين.
ولذلك كل ما نحتاج إليه غالبًا لكي نتعرف على كلمة معينة هو أن نكون قادرين على التعرف على عدد قليل من الحروف، وهذا يعني أننا عندما نقوم بالتصفح على شبكة الإنترنت، قد لا نرى ونعالج الصور الموجودة فقط في محيط رؤيتنا، ولكن من المحتمل جدًّا أن نتصفَّح ونستخرج المعنى من الكلمات في نطاق رؤيتنا المحيطية أيضًا.
والآن أصبحت دلالات التذكر اللاواعي لشون في إعلان هوفمايستر، المذكور في الفصل الأخير، واضحة. وتمامًا، كما هي الحال في الإعلانات التليفزيونية، كل شيء نراه ونسمعه على شبكة الإنترنت ينتقل إلى الذاكرة الضمنية التي لا تَنفَد، ويَبقَى هناك، وكذلك كل شيء ندركه يستدعي المفاهيم التي قمنا بتخزينها قبلًا. والآن، أضِفْ إلى كل هذه الأشياء التي نراها أثناء مُضِيِّنا في حياتنا: اللافتات خارج المتاجر، والصور التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى التي نُشاهِدها أثناء مرورنا على نوافذ المحلات، ولوحات الإعلانات والمُلصَقات وبطاقات السيارات التي نمر عليها في طريقنا من وإلى العمل، وإعلانات الصفحة الخلفية من المجلات التي يقرؤها الآخَرون، وحتى الإعلانات الصغيرة على مقابض مضخَّات وقود السيارات وعلى الجوانب السفلية لمقاعد سيارات الأجرة. ويتم تجميع كل هذه الكمية الهائلة من المواد وتخزينها من قِبَلنا في كل الأوقات. وتظل هناك في انتظار اللحظة التي يُمكن أن تُساعِدنا فيها شعوريًّا عن طريق «توجيه» سلوكنا.
وهذه القائمة من المؤثرات في ازدياد دائم. وبينما أكتب هذه الكلمات، ربما سُمح للنموذج الأكثر مكرًا وخفاءً من الإعلانات هنا في المملكة المُتحدة، أقصد بالطبع توظيف المُنتجات في البرامج التليفزيونية.
توظيف المُنتجات

تحدث فكرة توظيف المُنتجات في الأفلام منذ سنوات، حيث تتحدث شركة ما مع صانعي الأفلام وتعرض مُنتجاتها مجانًا، شريطة أن تُعرض في الفيلم، وكانت سيارات أستون مارتن التي عُرضت في أفلام جيمس بوند واحدة من هذه الصفقات الأكثر شهرة. ولكن فكرة عرض الإعلانات مجانًا قد تغيرت وأصبحت محلَّ تساؤل وشكٍّ عندما استطاعت شركة بي إم دبليو أن تُزايِد على أستون مارتن، لتَظهَر بدلًا منها في أفلام جيمس بوند.
لقد حدث عرض المنتجات في الأفلام والبرامج أيضًا التي تُعرض على شاشة التليفزيون. لا يُمكنك أن تتصور مشهدًا واقعيًّا في حانة أو مقهًى من دون ظهور علبة كوكاكولا في المكان. مرة أخرى، كان هذا يتم لسنوات من دون أي تنظيم، والآن أصبح الأمر صريحًا ومفتوحًا، وهو ما يعني أن عدد العلامات التجارية التي نراها على شاشة التليفزيون ربما في طريقه إلى أن يزداد زيادة هائلة.
لماذا أَصِف هذا الفعل بالمَكْر؟ حسنًا، لقد رأينا في وقت سابق وتحديدًا عند التعرض لنظرية الاقتصاد السلوكي لكانيمان وتفيرسكي، أن أحد التأثيرات الأكثر فعالية على سلوكنا يحدث عندما نرى أشخاصًا آخرين نعرفهم يستخدمون شيئًا ما. إذا كان أحد أصدقائنا يستخدم علامة تجارية معينة، فذلك بشكل واضح هو أحد أفضل الأسباب التي قد تجعلنا نفكر في استخدامها نحن أيضًا.
إذن، الآن، وبالنظر إلى علاقتنا بالشخصيات التي تَظهَر في مسلسلات التليفزيون التي نحرص على مشاهدتها كل أسبوع، دون أن نفوِّت منها حلقة واحدة، أليستْ أقرب إلينا من الأصدقاء؟ بالتأكيد هي كذلك. أيضًا إذا كانوا يستخدمون في العرض التليفزيوني (ومِن ثَمَّ يُظهِرون التأييد) علامة تجارية معينة من الشامبو، أو القهوة، أو البيتزا، ألَنْ نَشعُر بأن هذه العلامات التجارية جيدة وموثوقة وتستحق أخذها بعين الاعتبار؟ بالطبع سنفعل.
بالطبع لن يحدث ذلك على الفور. لفترة من الوقت فإن هذه الفكرة المبتكرة بإظهار المنتجات في البرامج والأفلام ستعني أننا سنكون منتبِهين لها، وأننا سنرصد ونعلِّق على العلامات التجارية التي نراها منتشِرة في كل برنامج. الخطر سيأتي بعد بضعة أسابيع أو أشهُر أو سنوات، عندما نتوقَّف عن ملاحظة هذه المنتجات، لأننا عندما نتوقَّف عن ملاحظتها، نتوقَّف أيضًا عن القدْرة على التفكير في وجودها، والنظر فيه، وابتكار حجة مضادة له. يحدث هذا فور أن تبدأ تلك العلامات التجارية بالتواصل بشكل مباشر وبدون موانع مع عقلنا الباطن.
لتوضيح مدى فعالية هذا النوع من التسويق، لننظر إلى استراتيجية تسويق العلامة التجارية الأكثر نجاحًا في العالم (كوكاكولا).
دراسة حالة: كوكاكولا

هل سبق وسألتَ نفسك: لماذا كوكاكولا هي أكبر وأكثر المشروبات الغازية نجاحًا في العالم؟ ربما لم تفعل، ما لم تكن سيئ الحظ بما يكفي لتعمل في إحدى الشركات المنافِسة لها. حسنًا، اسأل نفسك الآن.
أتوقَّع أنك ستكون قادرًا على الوصول إلى العديد من التفسيرات لنجاحها غير العادي، ولكن أولها سيكون بلا شك التركيبة الفريدة والمذاق الرائع. كوكاكولا مذاقها رائع! الجميع يعرفون ذلك، بالضبط مثلما يعلم الجميع أن التركيبة السرية يُفترَض أن تكون مخبوءة في مكان ما لا يُمكن لأحد الوصول إليه. المذاق الفريد لكوكاكولا هو إحدى المُتَع الأكثر روعة التي نسترجعها من ذكريات طفولتنا، وهي كثيرًا ما تمثِّل إحدى أجمل المكافآت التي يُمكِننا أن نَمنَحها لأنفسنا حتى اليوم.
لكن ينبغي هنا أن نذكر شيئًا: إذا وضعتَ العلامتَيْن التجاريتين الشهيرتين كوكاكولا وبيبسي جنبًا إلى جنب في كوبين زجاجيين متماثلين، وطلبتَ من أشخاص تذوُّقهما، ماذا تعتقد أنهم سيختارون؟ الإجابة، كما قد يُجيب أي شخص شاهَدَ إعلانات تحدي بيبسي في الثمانينيات سيعرف، هي بيبسي. مذاق بيبسي كولا هو المفضَّل من قِبَل معظم الناس في اختبارات التذوق، وهذه حقيقة.
كان هذا هو ما أثار واحدة من أعظم كوارث التسويق في كل العصور: كوكاكولا الجديدة. قرر مدير تسويق كوكاكولا سيرج زيمان أنه بما أن مذاق بيبسي كان المفضَّل من قِبَل معظم الناس، فإنه سيُعِيد إطلاق كوكاكولا بطَعْم مشابِه لبيبسي، ويُسمِّيه كوكاكولا الجديدة.
إلا أن مذاقَها لم يُعجِب أحدًا ممَّن يَشرَبون كوكاكولا. لقد نَادَوْا بإعادة كوكاكولا الأصلية، وفي النهاية هذا ما حدث. نَعَمْ، الناس أرادوا فعلًا استعادة المنتج الذي كان يُعجِبهم بصورة أقلَّ!
الآن بالنسبة لأي شخص مثلي قد درس التسويق لمدة ?? عامًا، لا يُعَدُّ هذا السلوك مستغرَبًا كثيرًا. في خروج وجيز عن الموضوع دعوني أُخبِركم عن دراسة بحثية أُجرِيت من قِبَل كاثرين براون عام ????. أَعَدَّت براون عينات من عصير البرتقال بدرجات جودة مختلفة، حيث كانت تأخذ العصير ذا الجودة العالية وتُضِيف له موادَّ تُغَيِّر الطعم. ثم أعطت مجموعة العصائر إلى أشخاص ليتذوَّقوها، مُدَّعِيةً أنها تجربة لمُنتَج يحمل علامة تجارية جديدة. بعد مهمة إلْهاء أُعطيت لهم، شاهد نصف المشاركين دعاية لتلك العلامة التجارية. وُجِد أن الإعلان أربك قدرة المشاركين على الحكم الدقيق على جودة العصير، ممَّا أدَّى إلى منْح المنتَج الذي هو دون المستوى تقييمًا عاليًا. لقد خلصتْ إلى أن «الإعلان الذي تمَّ عرضُه بعد تجربة مباشرة للمنتج قد غيَّر قدرة المستهلِكين على استحضار كلٍّ من الحِسِّ الموضوعي والعناصر العاطفية لتلك التجربة» (براون، ????).
إذا كنتَ تعتقد أن هذا حَدَثَ مصادفة وليس أمرًا معتادًا، فانظر قصة ستيلا آرتوا، العلامة التجارية للجعة الأكثر نجاحًا في المملكة المتحدة. في عام ????، خطط أصحاب العلامة التجارية، إنتربرو، لإطلاق حملة تليفزيونية كبيرة بدلًا من الإعلانات المطبوعة التي كانت مطروحة في ذلك الوقت وحقَّقت نجاحًا كبيرًا. قبل قيامهم بهذا كان عليهم التغلب على مشكلة خطيرة مشابهة لتلك التي اعتقدت كوكاكولا أنها تُواجِهها، وهي أن ستيلا آرتوا كانت لاذعة جدًّا، وعندما يُختَبَر مذاق هذه الجعة باستخدام أسلوب التعمية (أي تكون الجعة دون عبوة أو غلاف) فإن الكثير من الأشخاص لا يُعجِبهم مذاقها مقارنة بعلامات الجعة التجارية الأخرى؛ لذا فقد تم إعداد عدد من الوصفات المفضَّلة واختبارها. ولكن ما توصلوا إليه أنه على الرغم من أن الوصفات الجديدة كانت مفضلة لدى أربعة من كل خمسة أشخاص، فإنها لمجرد وضعها في زجاجة ستيلا فإن الوصفة «القديمة» باتت مفضَّلة من قِبَل أربعة من كل خمسة أشخاص. بعبارة أخرى، فإن مَن يشربون ستيلا فضلوا شرب منتج لم يكن يُعجِبهم فعليًّا (هيث، ????).
إذن دعونا نعُدْ إلى كوكاكولا ونطرح على أنفسنا السؤال الذي يستدعيه كل هذا: إذا لم يكن مذاق كوكاكولا هو الأفضل، فكيف لها أن تَبِيع أكثر من بيبسي وجميع العلامات التجارية الأخرى للكولا مجتمعة؟ ما الذي يجعلها ناجحة للغاية؟
سيجيب الكثير من الناس بأن الإعلانات هي مفتاح نجاح كوكاكولا. ولكنْ بعيدًا عن الإعلان الذي من الواضح أنه منحنا تصورنا العصري لسانتا كلوز، والحملة الشهيرة «أود أن أعلِّم العالم أن يغني بتناغم مثالي» لعام ????، كم عدد إعلانات كوكاكولا الشهيرة التي يُمكنك تذكُّرها؟ أُراهِن أن إجابتك ستكون: ليس الكثير. لأنه باستثناء حملة كوكاكولا دايت الشهيرة، كنتُ سأقول: لا يوجد فعلًا.
الأمر المهم فيما يتعلق بكوكاكولا هو أنهم لا يهتمون كثيرًا بالإعلانات في وسائل الإعلام. بالطبع هم ينفقون مبالغ طائلة عليها؛ هذا لأن لديهم أموالًا طائلة ليُنفقوها، ولكن بالاقتراب أكثر من قسم التسويق في المقر الرئيسي لكوكاكولا في أطلانطا، فهم يعلمون تمام العلم أن الإعلانات ليست هي ما تجعلهم ناجحين على هذا النحو. إنهم مهتمون أكثر بفكرة أخرى مختلفة جدًّا: الوجود المطلق (أي التواجد والانتشار في كل مكان).
الوجود المطلق معناه أن تكون في كل مكان. يُقال إن الهدف التسويقي لكوكاكولا هو ألَّا تَسِير مسافة تزيد عن ??? ياردة في أي مدينة من مدن العالم من دون رؤية علبة كوكاكولا أو زجاجة كوكاكولا أو اسم كوكاكولا أو شعارها، ولكن ما السبب وراء الأهمية الكبيرة لهذه الفكرة؟ لأنه كلما كثرت رؤيتك لشيء؛ زاد اعتقادك بأن الناس يشترونه، وكلما اعتقدتَ أنه لا بد أن يكون أكثر شعبية، زادت ثقتك به.
لكن الشيء الماكر الذي يتنامى تدريجيًّا مع استراتيجية «الوجود المطلق» هو أنه بعد فترة من الوقت لم يَعُدْ أحدٌ منَّا «يلاحظ» كوكاكولا، فهي موجودة وحسب. لقد أصبحت جزءًا من خلفية عالمنا الحديث. أصبحنا نعتبرها أمرًا مفروغًا منه. كل هذا يعني أنه تقريبًا في كل مرة نشاهد فيها كوكاكولا خلال حياتنا المزدحمة بالأحداث، نشاهدها بعقلنا الباطن. وعقلنا الباطن ليس له قدرة معنوية على الحكم؛ لأن تلك الوظيفة يضطلع بها عقلنا الواعي؛ لذا فإن عقلنا الباطن، إذا استطاع أن يتحدث، فلن يقول للعقل الواعي «مهلًا، استمع، هل تدرك أن جميع مرات التعرض لكوكاكولا تكيِّفك على الاعتقاد بأنها لا بد أن تكون كوكاكولا الأفضل في العالم؟» والشيء الأكثر ترجيحًا هو أن العقل الباطن كان سيقول شيئًا من قَبِيل: «دَعْنا نُواجِه الحقيقة، لو لم تكن كوكاكولا هي الأفضل لكان شخص من بين ملايين الأشخاص في جميع أنحاء العالَم الذين يَشرَبونها فَعَل شيئًا ما حِيَالَها من قبلُ.» بالطبع، لن يقول ذلك أيضًا؛ لأن عقلك الباطن لا يستطيع أن يُخضِع الأمور للمنطق؛ لذا فهو لن يَفهَم أن كوكاكولا الجديدة حاولت القيام بذلك بالضبط وفشلت.
وكما قلت في وقت سابق، سرعان ما سينطبق الأمر على المنتجات التي يتم عرضها على شاشة التليفزيون في برامجنا المفضَّلة، فبَعْدَ فترة من الوقت، لن نلاحظها ببساطة، لكن عقلنا الباطن سيستمر في تسجيلها، ويضع بجانبها شخصياتنا المفضَّلة، بل ويربطها أحيانًا بكونها تُشرَب، أو تؤكَل، أو تُستخدَم من قِبَل شخصياتنا المفضلة. وسيعتبر عقلنا الباطن أن الشخصيات المفضلة التي نعتبرها أصدقاء لنا قد صدَّقت عليها؛ لذلك فإن عرض المنتجات في البرامج والأفلام سيكون بمثابة تصديق شخصي، مما يجعل هذا الأسلوب دائمًا أقوى وسيلة للإعلان.
هل هذا صحيح؟ هل يُسمح للعلامات التجارية بأن تؤثر فينا على هذا النحو؟ ألَا ينبغي أن يصدر قانون ضدها؟ هذه هي الأسئلة التي سوف نتناولها في الفصل القادم.
هوامش

(1) Institute of Practitioners in Advertising (IPA) 2010 Touchpoints survey.
الفصل السادس عشر
قانوني، ومحترم، وصادق، وأمين


الإعلان لا يكون ضارًّا إلا عندما يُعلِن عن أشياء ضارة.
ديفيد أوجيلفي
«أوجيلفي عن الإعلان» (????)
إن ما توصَّلنا إليه حتى الآن هو أن الطريقة التي نتعامل بها مع الإعلان بعيدة للغاية عن البساطة. ومن المناسب القول إن غالبية الإعلانات لها رسالة، وهي التي يختار معظمنا تجاهلها أو التفاعل معها أو نسيانها بسرعة. هذا أمر لا بأس به ومقبول وليس محل خلاف. القضية المهمة هي أن غالبية هذه الرسائل يتم توصيلها بصحبة مجموعةٍ كاملةٍ من المؤثرات العاطفية، والتي تُسمَّى بشكل عام الإبداع.
يكون هذا الإبداع في أغلب الأحيان في صورة ارتباطات فعَّالة عاطفيًّا، ونحن نربط على نحو غريزي هذه الارتباطات بالعلامة التجارية المُعلَن عنها، ولا نكتشف أنها تُكيِّف على مستوى اللاوعي العلامةَ التجاريةَ مع قِيَمها العاطفية. لكنني كنتُ قد قررتُ في الفصل العاشر أن الإبداع لا يَزِيد بالضرورة الانتباه؛ ومن ثم فإن جزءًا كبيرًا من هذا الإبداع يتم التعامل معه على مستوى اللاوعي (أو في أفضل الأحوال على نحو خاطف، باستخدام مصطلح الوعي المتقلِّب لدينيت). لكن كونه غير واعٍ لا يعني أنه يتوقَّف عن التأثير علينا، بل يعني أنه يؤثِّر علينا بشكْل أفضل، ويعمل كمؤشِّر يوجِّه بشكْل خفيٍّ عملية صنع القرار الحدسية.
وفي بعض الجوانب يكون الإعلان الدعائي هذا مجرد قِمَّة لجَبَل الجليد. إن المادة الإبداعية التجارية التي تُعرَض علينا عبْرَ إعلانات التليفزيون تنضمُّ جنبًا إلى جنب مع كل ما يُعرض علينا على الإنترنت وفي الجرائد والمجلات والإذاعة والسينما، ناهيك بكل المواد الأخرى التي ذكرناها في الفصل السابق.
لماذا يحدث ذلك؟ لماذا نَجمَع كل هذه الأشياء في عقولنا؟ من السهولة بمكان تفسير ذلك انطلاقًا من وجهة نظر أنثروبولوجية. لنتأمل الموقف التالي.
تخيل أنك حيوان ثديي تجوب الغابة منذ ?? مليون سنة، ليس لديك عقل يتمتع بقدرة كبيرة على التفكير، لكن لديك بعض الحواس القوية، ولديك قوًى إدراكية جيدة على نحو استثنائي مثل الشم والسمع، وربما كذلك قدْرة جيدة على الإبصار بالدرجة نفسها. لكن هذه القدرات لا تكون ذات فائدة إلَّا إذا كان لديك معانٍ للأمور المتنوِّعة التي تسمعها وتشمُّها وتراها. على سبيل المثال، تحتاج إلى أن تكون قادرًا على التمييز بين الخطوة الهادئة لمخلوق صغير يمكنك أن تَحظَى به كوجبة غَدَاء، والخطوة الهادئة لمخلوق كبير ربما يُراقِبك لتكون أنتَ وجبةَ غَدَاء له. من المفيد أيضًا أن تعرف إنْ كان هذا المخلوق الكبير عدوانيًّا أم مجرد حيوان بدينٍ وكسول.
يتطلب ذلك كله وضْع عدد من المفاهيم والتصورات، فأنتَ تحتاج إلى القدْرة على الشعور الفوري بالفرق بين الغضب والعصبية والخوف؛ لأن ذلك سوف يُنبِئك إنْ كان عليك الجري أو الاختباء أو الهجوم. إن هذه الثدييات التي طُوِّرتْ لديها هذه المشاعر الغريزية الأساسية التي جعلتْها وثيقة الصلة بنُظُم اتخاذ القرار لديها هي التي ستبقى وتعيش، أما البقية فإنها ستنقرض.
وافترض أنك بعد بضعة ملايين من السنوات تتطور إلى إنسان بدائي وتتطور لديك القدرة على التفكير المنطقي، لكن المشاعر الغريزية لا تزال هناك في عقلك الثديي، مرتبطة عن كثب بنظم قرارك. إن قابلية تأثُّرنا بالتواصل العاطفي تُعتبر جزءًا من الكيفية التي تطوَّرنا بها ولا يمكننا فعل أي شيء حِيَالَها.
لنفترض أننا تمكَّنَّا من تعديل جيناتنا بحيث لا تكون لدينا مثل هذه المشاعر؛ سنكون مثل السيد سبوك من ستار تريك، وسيكون كل قرار منطقيًّا، ولن نكون ضعفاء أمام التأثير اللاواعي لجميع المؤثِّرات العاطفية في الإعلان. حسنًا، لن نكون قادرين أيضًا على البكاء عندما نُشاهِد فيلما حزينًا، لكن لا توجد مشكلة حقيقة في ذلك. كما أننا لن نكون قادرين على أن نحب، وهو الأمر الذي يعني أننا سنكون أقل ميلًا لأن يكون لدينا أطفال، وحتى إن كان لدينا أطفال فإننا لن نشعر بالارتباط العاطفي الذي يجعلنا بحاجة إلى تربيتهم وحمايتهم، والذي يمكنهم من النمو ليصبح لديهم أطفال. وهكذا فإن طفرتنا الجينية ستتلاشى في النهاية.
وهكذا فإن علينا من وجهة نظرٍ أنثروبولوجيةٍ أن تكون لدينا مشاعر من أجل أن نكون بشرًا، وهذا يعني أنه لا يمكننا منع أنفسنا من التأثُّر بالإبداع في الإعلان. إن كل ما يمكننا فعله هو منْع الإعلان من أن يكون به أي إبداع.
إن العائق أمام ذلك يتمثَّل في المبدأ البديهي الثاني لفاتسلافيك (انظر الفصل الثاني عشر). ويذكر هذا المبدأ أن كل تواصل يوجد له تواصل ورائي غير مباشر. ومن المستحيل أن نتواصل دون القيام في الوقت نفسه «بتأهيل» هذا التواصل بعناصر مؤثرة على العلاقة. إن ورقةً بيضاء بها طباعة في الوسط ترمز إلى علامة تجارية تقدِّر البساطة، وورقةً سوداء بها طباعة بيضاء في وسطها ترمز إلى علامة تجارية تقدِّر الحسم. وحتى الطريقة التي تُبنى بها تُعتبَر تواصلًا غير مباشر. إن الشخص الذي يقول: «اشترِ علامتنا التجارية؛ إنها الأفضل» له شخصية مختلفة تمامًا عن الشخص الذي يقول: «نحن نعتقد أن علامتنا التجارية هي الأفضل.» إن محاولة محو الإبداع من الإعلان، وبصراحة، بمثابة تمرين بلا هدف.
لذا لماذا لا نحظر جميع الإعلانات؟ علاوة على الأثر التجاري على صحفنا، وقنواتنا التليفزيونية، ومحركات البحث على الإنترنت، والتي تعتمد جميعها تقريبًا على عائدات الإعلانات، فإن كل ما يمكن أن يحدث هو أن شيئًا آخر سيأخذ مكانها. فإذا قمتَ بحظر إعلانات وسائل الإعلام، فهل ستمنع أيضًا الرسائل والتصاميم الموضوعة على العبوات؟ هل ستحظر على الناس توزيع الإعلانات في الشارع لأي شخص يمر أمامهم؟ هل ستمنع الناس من التجول في أنحاء البلاد كما اعتادوا في حقبة سان إلمو لويس، طارقين الأبواب ليبيعوا منتجاتهم مباشرة للناس عند عتبات منازلهم؟ وحتى إنْ تمكنتَ من منْع ذلك في بلدك، هل ستمنعه في البلاد الأخرى؟ لا، وبقَدْر ما يحب الناس قول أمور من قَبِيل: «إنني أكره الإعلانات، عليهم أن يحظروها جميعًا» فإن ذلك ببساطة ليس خيارًا عمليًّا.
ويمكننا بالطبع التحكم في الإعلان، خاصة فيما يتعلق بالمنتجات الضارَّة، ونحن نقوم بذلك فعليًّا. عنوان هذا الفصل: «قانوني، ومحترم، وصادق، وأمين» هو الشعار المستخدَم من قِبَل هيئة معايير الإعلان، وهي الهيئة الحكومية التي تُراقِب المعايير المعمول بها في مجال الإعلان في أنحاء المملكة المتحدة. لكن هذه الهيئة لا تتحرك إلا عندما تكون هناك انتهاكات بالِغة للاحترام والأمانة، وعندما تتحرك فإن نظامها الإجرائي يمكن أن يكون بطيئًا للغاية في إحداث أي تأثير. على سبيل المثال، بسبب عدم تقديم أحد ما شكوى فإنها سَمَحَت لجالاهر بإعلان عن سيجار هاملت على شاشات التليفزيون لمدة ?? عامًا. كما أنها سمحت، كما سنرى في المثال التالي، لمارلبورو أن تُصبِح السيجارة الأكثر شعبية في المملكة المتحدة؛ حتى وإن كان الإعلان عن السجائر محظورًا على نحو تامٍّ.
دراسة حالة: راعي بقر مارلبورو

إنني أدرِّس كلَّ عام مقرَّرين في جامعة باث حول نظرية الدعاية المتقدمة، وأحد هذين المقررين يُدرَّس لطلاب السنة النهائية بالكلية، وجميعهم ما بين ?? و?? عامًا، وهذا يعني أنهم وُلدوا في الفترة بين عامي ????–???? تقريبًا في المملكة المتحدة على أغلب الظن.
وقد عرضتُ عليهم في إحدى محاضراتي صورةً لرجل يرتدي قبعة راعي بقر ويمتطي حصانًا، ويضع هذا الرجل سيجارة في فمه. وعندما سألتُهم مَن هو تعرَّفتِ الغالبية العظمى من الطلاب عليه فورًا وأدركتْ أنه راعي بقر مارلبورو.
اندهشوا عندما أخبرتُهم أن راعي بقر مارلبورو لم يَظهَر في المملكة المتحدة إلا على لوحات الإعلانات، وأن الإعلانات صوَّرت لقطة بعيدة لقطيع من الماشية يقوده بعض رعاة البقر. وأصابهم الذهول عندما أخبرتُهم أن هذه الإعلانات التي عُرضت في المملكة المتحدة لم تستمر سوى ثلاثة أشهر فقط في عام ????؛ أي قبل مولدهم بنحو ?? عامًا.
حسنًا، إن ذلك ليس صحيحًا تمامًا، فما حدث بالفعل هو أن هيئة معايير الإعلان قد حظرت أية لقطات لرعاة البقر، لكن سمحت بالاستمرار في إظهار الريف الواسع وقطعان الرعي من الماشية والخيول، واستخدام عبارة: «مرحبًا في عالَم مارلبورو.» كما استمر السماح باستخدام رمز عبوة مارلبورو ذات السقف الأحمر العلوي، بل وبإظهار أسيجة ذات سروج وعتاد يخص راعي البقر؛ مما يوحي بأن راعي البقر كان موجودًا بالقرب من المكان لكنه خارج هذه اللقطة. واستمر ذلك على الأقل لمدة ثلاث سنوات بعد الحظر، مع إنفاق عشرات الملايين من الجنيهات. وفي مرحلة رأت بعض التقديرات أن شركة فيليب موريس كانت تدفع بالفعل لمنظومة مترو لندن أكثر مما كانت تدفع الحكومة لهذه المنظومة في ذلك الوقت.
لكن كيف يتعرف عدد كبير من الشباب في المملكة المتحدة على راعي بقر مارلبورو، وهو أيقونة الإعلان التي لم تُعرَض قط في المملكة المتحدة خلال حياتهم؟ يرجع ذلك في جانب منه إلى استمرار عرضه في الولايات المتحدة لسنوات كثيرة بعد منْعه في المملكة المتحدة، وفي جانب آخَر بسبب أنه استمر عرضه في وسائل إعلام مثل مجلات خطوط الطيران التي كانت متاحة مجانًا وبلا قيود لكل مَن يسافر جوًّا من وإلى المملكة المتحدة. لكنَّ هناك سببًا ثالثًا مهمًّا، وهو أنه كان يوجد قدْر كبير من الدعاية عن حظر راعي البقر، الأمر الذي «ضمن» معرفة الجميع أن مارلبورو استخدمت راعي بقر في دعايتها.
لماذا يمثل هذا مشكلة؟ دعونا نعُدْ للبداية وتدفق التصورات والمفاهيم الذي يحدث عندما ترى إعلانًا. تذكر أن هذه التصورات والأفكار تحدث خلال مشاهدتك الإعلان، لأنه لا يمكنك أن تمنعها. تخيل أنه جنبًا إلى جنب مع تسجيل واعٍ خاطف لعبوة مارلبورو ذات سقف أحمر ترى راعي بقر. ستتدفق فورًا على مستوى اللاوعي التصورات والأفكار التي كانت لديك في الماضي والتي ترتبط بهذا النوع من الصور: الأرض الريفية الواسعة، قطعان الماشية، ركوب الخيل، الحياة الصعبة في العراء. والعكس صحيح إلى حدٍّ ما. إذا كنتَ تتخيَّل أرضًا ريفية واسعة، وقطعان ماشية، وخيولًا وأسرجة، فالأرجح أنه سوف تتشكَّل لديك على المستوى اللاواعي تصورات وأفكار تتعلق بالغرب الأمريكي ورعاة البقر.
أتخيل أن هذه التصورات والأفكار تكون مؤثرة على نحو خاص إذا كنتَ أمريكيًّا؛ لأن راعي البقر رمز للكيفية التي استُحوذ بها على الغرب الأمريكي وتأسست بها الدولة. وبالطريقة نفسها التي أضْفَتْ بها الدعابة في إعلانات هاملت شرعية على تدخين السيجار في المملكة المتحدة، فإنني أظن أن وجود راعي بقر يضفي على مستوى اللاوعي شرعية على عادة تدخين السجائر في الولايات المتحدة الأمريكية، إن نوع الشعور الذي قد تولِّده يكون: «إن كان رُوَّاد بلادنا يدخِّنون المارلبورو فلماذا لا نفعل نحن ذلك أيضًا؟»
وعلى نحو أكثر أهمية، عندما ترى راعي البقر أو أي شيء مرتبط بأسلوب حياة راعي البقر، سوف تتشكَّل لديك على مستوى اللاوعي تصورات وأفكار تتعلق بنوع السمات الشخصية التي تربطها بأسلوب الحياة هذا (أي الغلظة، والحرية، والاستقلال). وبعدما تكون قد تعرضتَ لهذه الصور عدة مرات فيما يتصل بالعلامة التجارية لمارلبورو، سوف تُنقل السمات التي تربطها براعي البقر إلى مَن يدخنون مارلبورو. بعبارة أخرى، على مستوى اللاوعي ستبدأ في التهيُّؤ للشعور بأن مدخني مارلبورو لديهم على الأرجح سمات الغلظة نفسها، والحرية، والاستقلال التي يتسم بها راعي البقر. ويسري ذلك على أي بلد تعيش فيه؛ لأننا جميعًا عرضة في طفولتنا لأن نشاهد أفلامًا تُظهِر رعاة بقر يتَّسِمون بالغلظة.
من المعلوم الآن أن الشيء الذي يرغب فيه الشباب أكثر من غيره هو الحرية والاستقلالية، وفرصة (في حالة الرجال) لأن يُنظَر إليهم باعتبارهم أشداء؛ ومن ثم لا عجب في أن المزيد من الشباب يدخنون سجائر مارلبورو أكثر من أي نوع آخر من السجائر، ليس من قَبِيل المصادفة أنهم يفعلون ذلك. إن هذا يُعَدُّ نتيجة مباشرة للمواقف المهيئة التي يغرسها راعي بقر المارلبورو لا شعوريًّا في عقولهم.
يجب أن تكون هذه التهيئة لا شعورية كي تكون مؤثِّرة. لو أدرك الجميع أن الإعلان كان يحاول ربط مدخني مارلبورو بسمات مثل الغلظة والحرية والاستقلال، لخضع ذلك لنقاش الشباب وتحول إلى نوع من المزاح: «ها ها، أراك تدخن مارلبورو كي تبدو في صورة رجولية، يا لك من مخنث!» مثل هذا المزاح سيُبطل أثر التهيئة عبر الاعتراض بقوة على فكرة أن مدخني مارلبورو «رجال حقيقيون» ويحلُّ محلَّها فكرة أنهم مجرد أناس عاديين يحاولون التظاهُر بأنهم أشداء ومستقلون. لكنْ نظرًا لأن تصور الغلظة يتم على مستوى اللاوعي، فإنها لم تُناقش أبدًا بشكل علني، ولم تواجَه إطلاقًا بمعارضة.
وفي النهاية، في بداية ثمانينيات القرن العشرين، حظرت هيئة معايير الإعلان أخيرًا الدعاية الخارجية للسجائر. وفي ذلك الوقت فإن الأذكياء في شركة فيليب موريس كانوا قد أدخلوا مجموعة من الملابس التي تُظهِر معالم الرجولة. هذه الملابس شملت جينز دنيم، وقمصان رعاة البقر، وأحزمةً عليها صور عالم مارلبورو، وغيرها من الملابس. لم تكن تلك سجائر؛ لذا كان القائمون على سجائر مارلبورو قادرين لسنوات على الاستمرار في استخدام السقف الأحمر العلوي وعبارة: «هيا إلى عالم مارلبورو» للإعلان عن ملابسهم.
وكان لديهم مشروع آخَر وإنْ كان أكثر دهاءً يسير بموازاة ذلك: رعاية سباقات السيارات.
دراسة حالة: رعاية مارلبورو لسباقات الجائزة الكبرى

في عام ????، وتقريبًا في الوقت نفسه الذي تم فيه حظر ظهور صورة راعي البقر على لوحات مارلبورو الإعلانية، أبرمت شركة ماكلارين ريسنج ليمتد صفقةً مع شركة فيليب موريس كي تقوم الأخيرة برعاية فريق سباق فورمولا وان. وكان الاتفاق يقضي بأن تحمل سيارات السباق تصميمَ مارلبورو ذا اللونين الأبيض والأحمر، وأن يرتديَ السائقان — وهما إيمرسون فيتيبالدي وجيمس هانت — زيًّا يحمل تصميم مارلبورو طوال السباق. وعندما كان جيمس هانت يحتفل بفوزه في بطولة العالم لعام ????، كان يدخِّن على الأرجح سيجارة مارلبورو.
الحصول على لقب بطل العالم في سباق السيارات يمثل حلمًا لدى الكثير من الشباب. وكان أغلب الشباب يتطلعون لأساليب حياة المليونيرات من سائقي سباقات السيارات، وكانوا توَّاقين لنوع الإثارة والمُخاطَرة الذي يرتبط بسباق السيارات، ناهيك بإغراءات الفوز بالحسناوات اللائي يلتَفِفْن حول المشاهير من قائدي سيارات السباق. لكن لو أشار أحدٌ منذ ?? عامًا إلى أن الشباب كان يُهيَّئُون على ربط تدخين المارلبورو بالثروة والإثارة والمخاطرة والنجاح الجنسي، لأصبح محطَّ سخرية. لماذا؟ لأن التهيئة برمتها حدثت على مستوى اللاوعي؛ لم يكن بمقدور أحدٍ البرهنة على أنها تتم؛ لذلك فإنه لم يكن بمقدور أحد منع مارلبورو من القيام بذلك.1 ولم يحاول أحد؛ لأنه لم يكن لأحد في الحكومة اهتمام بفعل ذلك. وكانت سباقات فورمولا وان إحدى الرياضات القليلة التي لم يزل البريطانيون يتفوَّقون فيها، وكان مشروع السجائر هو الذي يرعاها في الواقع (إضافة إلى أن المشروع ذاته كان يسدد مبالغ هائلة كضرائب). وكان حظر رعاية السجائر لسباق السيارات سيُصبح ذا تأثير سيئ للغاية بالنسبة للانتخابات والعائدات.
ومع تزايد شعبية فورمولا وان، ومع تزايد عدد مشاهدي تغطيات السباقات في التليفزيون، فإن معدل عرض مارلبورو أصبح أعلى. وقد كان ذلك بسبب أنه بالرغم من أن لوحات إعلانات مارلبورو بجانب مضمار السباق كانت قد حُظرت في المملكة المتحدة، فإنها لم تحظر في دول أخرى؛ لذا فقد كان يوجد بكل سباقِ جائزةٍ كبرى يُجرى في الخارج مضمارٌ مزخرفٌ بتصميم إعلان مارلبورو. في الواقع، كانت إعلانات مارلبورو لا تزال تُعرض على شاشة التليفزيون.
بل كانت شركة فيليب موريس أكثر ذكاءً؛ ففي عام ????، أبرمت الشركة صفقةً كراعٍ فرعي لفريق آخَر بالجائزة الكبرى وهو فيراري، وفي عام ????، أصبحت الراعي الرئيسي لفيراري. وكانت سيارات فيراري حمراء بالفعل (لون السقف العلوي من شعار مارلبورو)؛ لذلك لم يحتَجِ الأمر لإبداع كبير لإضافة ما تبقَّى من تصميم مارلبورو على السيارة (البيت ذي اللون الأبيض) مكتوبًا عليه كلمة مارلبورو. ظلَّ هذا الشعار واسم مارلبورو على سيارات فيراري فورمولا وان حتى عام ????. أربعة وثلاثون عامًا من تهيئة الشبان لربط مارلبورو بالثروة والإثارة والمخاطرة والنجاح الجنسي، ولم يفعل أحد شيئًا لوقف ذلك.
ولا تنتهي القصة هنا بالمناسبة، وبالرغم من أن فيراري اضُطرَّت إلى التخلِّي عن اسم مارلبورو، فقد توصَّلت إلى شعار على هيئة «رمز شريطي» (باركود) جديد لا يزال يَظهَر إلى اليوم على زيِّ سائقيها، ويسهل رؤيته عندما تُجرَى معهم المقابلات في المضمار أو عندما يفوزون بأي سباق. هذا الرمز الشريطي يعتبره موقع إلكتروني متخصص في فورمولا وان «إعلانًا لا شعوريًّا لمارلبورو، يستحضر تصميم الركن العلوي الأيسر لعلبة سجائر مارلبورو».2 والآن فإن الأدلة التي تربط تدخين السجائر بالمشكلات الصحية قوية للغاية لدرجة أن معظم الدول يسرها أن تحظرها، لكن أين يوجد الحد الفاصل؟ ها هنا دراسة حالة أخرى أقل وضوحًا.
دراسة حالة: ماكدونالدز

ترحب الأقواس الذهبية لشركة ماكدونالدز بملايين الناس كل يوم، ومنذ عام ????، يرتبط هذا الشعار بشخصية مبتهجة اسمها رونالد ماكدونالد تجلب للأطفال من جميع الأعمار المتعة والضحك. ولا ترى شركة ماكدونالدز عيبًا في ذلك؛ فرغم كل شيء، الهامبرجر لا يقتلك مثلما تفعل السجائر، كما أنه لا يسبب إدمانًا، مثلما هو الحال مع الكحول. وإذا كان يُسمح للأطفال بتناوله فلماذا إذن تُمنع إحدى أيقونات الشركة من الدعاية له؟
لأسباب جيدة، وفقًا للطبيب المتقاعد ألفريد ديفيد كلينجر من مجموعة دفاع غير هادفة للربح مقرها بوسطن وهي هيئة المحاسبة الدولية، ينقل عنه قوله:إن رونالد ماكدونالد زمار متعدد الألوان يجذب الأطفال من جميع أنحاء العالم لطعام غني بالدهون والصوديوم والسعرات الحرارية. يَظهَر رونالد ماكدونالد على أنه يقدم للأطفال المتعة بكافة أنواعها عن طريق اللُّعب والألعاب والطعام، لكنَّ هذه الشخصية خطيرة وترسل رسائل ماكرة لصغار السن.3 هل كلينجر على صواب أن يُصِرَّ على وجوب وقْف شخصية رونالد ماكدونالد؟ إن الكمية التي يُستهلَك بها الهامبرجر الآن يمكن القول بأنها لا تُسهِم فحسب في أمراض القلب والسمنة، لكنَّها تَلعَب دورًا رئيسيًّا، من خلال زيادة مراعي الماشية، في انبعاث غازات الدفيئة. أنا شخصيًّا أعتقد أنه يجب علينا أن نقلِّل كمية ما نتناوله من الهامبرجر، وإنْ كانت ثمة طريقة جيدة للتشجيع على ذلك فهي أن نجعله أقلَّ جاذبية للأطفال. ليس هناك شك في أن الأطفال يحبون المهرِّجين، ومن ثم سأتفق على الأرجح مع كلينجر في أن المهرج يجب ألَّا يُستخدم لبيع البرجر.
لكن قد يختلف آخرون كثيرون معي، ربما يأتي في مقدمة هؤلاء نصف سكان الولايات المتحدة؛ فقد يقولون إن الأطفال يحبون الهامبرجر؛ لأن الهامبرجر لذيذ، وإنهم يحبون هامبرجر ماكدونالدز لأنه من بين ألذِّ أنواع الهامبرجر، ولأن يأكل الأطفال الهامبرجر الذي يحتوي على بروتين بقري مغذٍّ وخس وطماطم أفضل لهم من أن يأكلوا البيتزا التي تحتوي في معظمها على كربوهيدرات. إضافة إلى ذلك، فإن رونالد ماكدونالد أصبح الآن صاحب مبادرة لعمل خيري يوفِّر ??? مساكن ليلية لاستضافة الآباء الذي يزورون أطفالهم في مستشفيات رعاية الأمراض المزمنة.
مَنْ على صواب؟ ليست لديَّ فكرة. ولكي أكون أمينًا، ليس هناك شخصية رونالد ماكدونالد في كل إعلان لماكدونالدز، كما أنه لا يوجد مهرِّج مُقِيم في كل مطعم من مطاعم ماكدونالدز. وعمومًا الأمور كلها واضحة، والناس لديهم مطلق الحرية في أن يقرروا الذهاب بأطفالهم إلى ماكدونالدز والاستمتاع بمشاهدة المهرج من عدمه؛ لذا من الناحية الأخلاقية، فإنني أقول لا يوجد أحد هنا يسعى لتضليل أحد.
لكنَّ هناك جانبًا آخَر خفيًّا لماكدونالدز، وينطبق الحال على بعض سلاسل البرجر الأخرى. اذهب إلى ماكدونالدز، أو وينديز أو حتى مطعم برجر كينج، وستجد نفسك محاطًا بالألوان: الأحمر والأصفر، وأحيانًا الأزرق (في المرة الأخيرة التي ذهبتُ فيها إلى مطعم ماكدونالدز كانتِ الموائد والكراسي جميعها من هذه الألوان نفسها أيضًا). هذه بالضبط ظلال اللون الأساسي الغامق نفسه الذي يوجد في ليجو ودوبلو وميجا بلوكس وفيشر برايس وأغلب لعب الأطفال. هذه الألوان ستُشعِر الطفل الصغير بأن هذه المطاعم بيئة وَدودة وآمِنة؛ لأنها «تبدو» بالضبط مثل اللُّعَب التي يشتريها آباؤهم لهم ويشجِّعونهم على اللعب بها. عندما يبلغ هذا الطفل، سيكون مهيَّأً للشعور بأن ماكدونالدز ووينديز وبرجر كينج مرتبطة بألوان طفولته، ولا يمكن أن تكون مطلقًا أماكن سيئة.
بالنسبة لي أنا شخصيًّا، أحب ماكدونالدز ووينديز غريزيًّا ودون سبب واضح، ولا يرجع ذلك لمجرد أنني أحب شطائرهما. في الواقع، بمجرد وضْع قدمي داخل أحد مطاعمهما، أشعر بارتباط وجداني بهما وأحس بأنني في بيتي هناك أكثر مما أحس به في كنتاكي فرايد تشيكن بتصميمه الذي يتضمن اللونين الأحمر والأبيض الفاقعين. ولديَّ شعور مبهَم بخصوص سبب حبي لكلٍّ من ماكدونالدز ووينديز؛ لأن نظام ألوانهما يتضمن الألوان نفسها التي كنتُ محاطًا بها في منزلي وأنا أكبر.
لا أعرف إلى أيِّ مدًى تؤثِّر هذه الألوان على سلوك الآخَرين، ولن نعرف أبدًا لأنه لن يحاول عاقل أن يُجبِر ماكدونالدز أو وينديز أو برجر كينج على تغيير نظام الألوان على شعاراتها وعلى واجهات مطاعمها، مثلما يستحيل أن يحمل أحدهم كوكاكولا على أن تُزِيل ملايين اللافتات التي وضعتْها في أنحاء العالم. إنَّ مَن سيحاول ذلك سوف يجعل من نفسه أضحوكة.
لكن في الفصل الرابع عشر، قدَّمت دراسة حالة ذكر الناس فيها خلال يوم الهالوين قوالب الشوكولاتة والمشروبات الغازية أكثر بينما كانت ثمار القرع الملونة باللون البرتقالي محيطة بهم. وهناك حقيقة أن استهلاك الهامبرجر في الولايات المتحدة الأمريكية في عام ???? كان يعادل ثمانية أونصات هامبرجر أسبوعيًّا لكل شخص في البلاد؛ لذا إذا استبعدتَ أولئك الذين لم يأكلوا الهامبرجر قط، فإن الكمية تكون على الأرجح أربع قطع هامبرجر في الأسبوع للباقين. وسأترك لك الأمر لتقرِّر إنْ كان هناك ارتباط ما أم لا.
هوامش

(1) They could have, of course, by hypnotizing people, but that had been banned as a form of market research.(2) http://en.wikipedia.org/wiki/Marlboro_(cigarette)#cite_note-6.(3) http://www.finance.yahoo.com/news/McDonalds-says-no-way-Ronald-apf-1794463468.html?x=0.
الفصل السابع عشر
كيف ترصد حالات إغواء العقل الباطن؟


صُمِّمت الإعلانات بعناية من قِبَل عقولٍ لها قدرات خاصة للتأثير في الناس على مستوى اللاوعي.
مارشال ماكلوان
«فهم وسائل الإعلام» (????)
ليس بالأمر السهل أن تكتشف خداع الإعلانات لعقلك الباطن، لقد عملتُ في مجال الإعلانات على مدى ?? عامًا، ومع ذلك يفوتني الكثير من التأثيرات الأكثر خفاءً التي تمارسها الحملات الإعلانية علينا.
إحدى الطرق التي تَكتَشِف بها محاولة إعلان معيَّن خداعَ عقلك الباطن هي أن تكون يَقِظًا. انتبه عندما تجد نفسك لأسباب مجهولة تحب أو تفضِّل إحدى العلامات التجارية، ثم ابدأ بالبحث عن الجانب الذي ربما يُمارِس تأثيره عليك. لا يُعَدُّ هذا حلًّا مثاليًّا؛ لأن التأثير ربما يكون شيئًا لا تتذكره، مثل موسيقى ما في خلفية أحد الإعلانات لم يُلاحِظْها عقلك الواعي، ولكنَّ الذي لاحظها كان عقلك الباطن.
هناك مثال رائع على ذلك من الماضي، وهو الإعلان الأمريكي لسيارة بيتل من شركة فولكس فاجن الذي حقق نجاحًا مذهلًا.
دراسة حالة: فولكس فاجن

بالنظر إلى أن السيارة بيتل كانت تمثل «سيارة الشعب» في عهد هتلر، وكانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت قبل ذلك بأقلَّ من ?? عامًا، ربما كان المرء يتوقَّع أن يصاحب انطلاق هذا الموديل في الولايات المتحدة الأمريكية نجاحًا أقلَّ من النجاح المدوِّي الذي حققه. لحُسْن حظ فولكس فاجن أنها عيَّنت دويل دان بيرنباك ليتولَّى الأمر بنفسه.
بدأت الحملة الإعلانية المبدئية المطبوعة لدويل دان بيرنباك في عام ????، وكان يتعيَّن عليها التعامل مع الحجم الضئيل للسيارة بيتل مقارنة بالسيارات كبيرة الحجم التي كان يفضِّلها الأمريكيون في ذلك الوقت. أحد أول الإعلانات التي صُممت عرض صورة صغيرة للسيارة بيتل وحدها في إعلان من صفحة واحدة، مع عنوان بارز تحتها كُتب فيه: «لا تكن طموحًا أكثر من اللازم.» وفي إعلان لاحق تم تناول موثوقية السيارة الثورية ذات المحرك ثلاثي الأسطوانات التي يتم تبريد محرِّكها بالهواء، وذلك بعرض سيارة بمفتاح ساعات دوَّار (كالذي يستخدم في ملء الساعة) يبرز من الجزء الخلفي للسيارة. وكان العنوان المكتوب: «إنها ليست كذلك.» مشيرًا إلى أنه على الرغم من أن السيارة يُمكن أن تعمل كالساعة إلا أنها لا تُدار بمفتاح الساعات. الشيء الذكي بشأن هذه الإعلانات هو أنها كانت أحد الأمثلة الأولى لشركة تسخر من نفسها. هذا النوع من انتقاص الذات يوحي لنا لا شعوريًّا أن الشركة لديها ثقة عظيمة في منتجها، وإلَّا فكيف تجرؤ على أن تكون وَقِحة هكذا في عرضه؟
وفي وقت لاحق في الستينيات ظهرت فولكس فاجن على شاشة التليفزيون. كان أحد أول الإعلانات يدور حول جرافة ثلج، ربما امتدَّ لنصف دقيقة، وكان يعرض رجلًا يركب سيارته وسط ثلوج كثيفة، يشغل المحرِّك (المرة الأولى)، ثم يقود وسط الثلوج. بعد ?? ثانية، يُسمع تعليق صوتي يتحدث متسائلًا ببطء: «هل سبق لك أن تساءلتَ كيف يصل الرجل الذي يقود جرافة الثلج إلى جرافة الثلج؟» يخرج الرجل من السيارة ويشق طريقه عبر الثلج الكثيف، ويستمر الصوت: «هذا الرجل يقود فولكس فاجن؛ لذا يُمكنك التوقف عن التساؤل.» وفي النهاية، من الظلام تَهدِر جرافة الثلج وتبدأ في الحركة ببطء، وتكشف أثناء مرورها عن سيارة بيتل فولكس فاجن واقفة هناك مغطاة بالثلوج.
ربما تقول ليس هناك عيب في ذلك. في الواقع، مثله مثل الكثير من الإعلانات العظيمة، لا يبدو أن هذا الإعلان يخدع عقلك الباطن. لكن فكِّر في هذا، بما أن الإعلان لم يتعرض لموثوقية سيارة بيتل فولكس فاجن، فلا يوجد شيء يُمكن أن تجادل بشأنه. ولا يوجد أي ادِّعاء علني بشأن مدى كفاءتها عند تشغيلها في الأجواء الباردة، ولم يُذكَر شيء حول حقيقة أنه يتم تبريد محركها بالهواء بدلًا من الماء، وبذلك فإنه لا يوجد بها نظام تبريد يُمكن أن يتجمَّد، ولم يذكر أحد كيف أن المحرك في الخلف، على عجلات الدفع، وهو ما يعني أنه يُمكن التحكم فيها بشكل جيد جدًّا في الأراضي الزلقة والظروف الجوية السيئة. في الواقع، لم يُذكر أي شيء محدد على الإطلاق.
والشيء الذكي الآخر بشأن الإعلان هو أنه يستغرق دقيقة من الوقت، على الرغم من أن ما يُقال يُمكن اختصاره لتصبح مدته ?? ثانية فقط. هل يُمكنك تخمين التأثير الذين حققه هذا الإعلان؟ ببساطة، الإعلان مُمِلٌّ. لا شيء يحدث حتى نصف مدة الإعلان، ثم كل ما يحدث أن رجلًا يخرج من سيارة ما ويقود جرافة ثلج. تذكَّر ما قلتُه حول مطابقة الجهد المعرفي في الفصل العاشر، سوف ترى أنه إذا لم يكن هناك شيء لتحلِّله (وصراحة، لا يوجد شيء مهم لتحلِّله في هذا الإعلان) فسوف يقلُّ مستوى الجهد المعرفي الذي تبذله وسوف يقلُّ مستوى انتباهك. وبخفض مستوى الجهد المعرفي والانتباه، تقل قدرتك على صياغة حجة مضادة بشأن ما يحمله الإعلان من ادِّعاء فعلي بشأن السيارة.
لذلك مع نهاية الإعلان لا نكون قد حصلنا على معلومات وحقائق تمكِّننا من مهاجمة السيارة بيتل، ولا نكون في حالة مزاجية تسمح لنا بصياغة حجة مضادة؛ لذلك فإننا فقط نترك الادِّعاء يمر دون تحدِّيه أو مواجهته. بعد بضع مرات من التعرض، سوف نشعر على مستوى اللاوعي بالاقتناع بأن بيتل فولكس فاجن هي في الواقع أفضل في ظروف الطقس السيئة مقارنة بالسيارات الأخرى. وبسبب أن هذا الشعور لا واعٍ، لا توجد طريقة سهلة ? «إزاحة» هذه الحالة من الاقتناع.
كانت جرافة الثلج، في رأيي، فكرة رائعة لخداع العقل الباطن، وأظن أن المحكمين في مهرجان كان للأفلام السينمائية في عام ???? قد اتفقوا معي؛ لأنهم منحوا جرافة الثلج الميدالية الذهبية. لكن إذا لم تقتنع بإعلان جرافة الثلج، يُمكنك النظر في إعلان آخر لفولكس فاجن والذي أُعِدَّ من قِبَل دويل دان بيرنباك وعُرض في عام ????. هذه المرة كان الموضوع جنازة.
يُفتتح إعلان الجنازة بمشهدٍ لموكب جنائزي أمريكي كبير لسيارات أمريكية تقليدية سوداء تسير في طريقها لتمر من أمام الكاميرا. يبدأ عزف موسيقى كنسِيَّة حزينة، ويبدأ صوت رجل عجوز بتمهُّل في قراءة ما يبدو واضحًا أنه نص لوصيته: «أنا ماكسويل إي ستافلي، بكامل صحتي وقواي العقلية، أقوم بتوريث ما يلي لزوجتي روز التي أنفقتِ المال وكأنه لن يكون هناك غدٌ، أترك لها مائة دولار وروزنامة.» وبينما نسمع الصوت، نرى الأرملة المكلومة تمسح عينيها وتجلس وحدها على المقعد الخلفي الواسع لإحدى السيارات. ويستمر الصوت مع وقفة قصيرة: «إلى ابنيَّ فيكتور ورودني، وهما مَن أنفقا كل دايم أعطيتهما إياه على السيارات الفارهة والنساء، أترك لكما خمسين دولارًا.» وبينما نسمع هذا ننتقل من أحد ابنيه إلى الآخَر، وكانا يجلسان أيضًا على مقعد سيارة واسع، أحدهما يرتدي نظارة شمسية والآخر نظارة طبية، وكلاهما يبدو ممتعضًا. يستمر الصوت مع ارتفاع نبرته نلاحظ بعض الغضب ونفاد الصبر: «إلى شريك أعمالي جولز الذي كان شعاره الوحيد: الإنفاق، الإنفاق، الإنفاق، لا أترك له أي شيء.» بينما نسمع هذا نرى جولز، يدخن سيجارًا ضخمًا، يجلس في المنتصف وتواسيه سيدتان متوردتا الخدود. وبينما نستعرض الموكب الجنائزي للسيارات الضخمة، يستمر الصوت، بهدوء مرة أخرى: «وإلى جميع أصدقائي وأقربائي الآخرين الذين لم يعرفوا أو يقدِّروا قيمة الدولار أبدًا، أترك … دولارًا.» أخيرًا، وبعد ذلك مباشرة، نجد في نهاية الموكب الجنائزي سيارة بيتل فولكس فاجن سوداء صغيرة، ونرى عبر النافذة شاب يبدو عليه الصدق يمسح عينيه بينما يقود السيارة. يقول الصوت: «وأخيرًا، إلى ابن أخي هارولد، الذي قال كثيرًا: «الدولار الذي تكسبه هو دولار تدَّخره.» والذي قال أيضًا كثيرًا: «بالتأكيد يا عمي ماكس، امتلاك سيارة فولكس فاجن استثمار جيد للغاية.» أترك ثروتي بالكامل التي تبلغ مائة مليار دولار.» وبينما نسمع هذا نرى أخيرًا نظرة رضًا على وجه هارولد.
ما الذي يُخبرنا به هذا الإعلان؟ حسنًا، الإشارة الوحيدة التي وردت في هذا الإعلان عن المنتج كانت في سطر واحد في نهاية الإعلان: «امتلاك سيارة فولكس فاجن استثمار جيد للغاية.» أو بعبارة أخرى توفِّر لك السيارة الكثير من المال، هذا بالإضافة بالطبع إلى ما يوحي به الإعلان من أن شراءك لسيارة فولكس فاجن يعني أنك شخص تتمتع بالذكاء وتَحظَى بالاحترام، وأنك شخص جدير بالاستفادة من كرم الآخرين. صحيح أن الجزء الأخير بمثابة ادِّعاء طموح، لكنني لا أرى أنه العنصر الذي يمثل خداع اللاوعي في هذا الإعلان.
إذن أين يكمن عنصر الخداع في هذا الإعلان؟ خلال الإعلان تم عرض مجموعة من المواقف التي تعكس سلوكيات مجموعة من الأفراد يتسمون بالجَشَع والطَّيْش والإسراف وهم يَظهَرون في سيارات فارهة، وعلى الرغم من أنه لم يدَّعِ أي ادِّعاء على نحو مباشر، ربط هذا الإعلان بين السيارات الفارهة والأشخاص الجَشِعين الفاسدين، وهنا نجد أن الصورة الذهنية التي رُسمت بمرور الوقت هي أن تلك السيارات مرتبطة بهؤلاء الأشخاص الجَشِعين الفاسدين، وفي نهاية المطاف يتولَّد لدَيْنا شعور على مستوى اللاوعي بأن كلَّ مَن يشتري سيارة أمريكية كبيرة الحجم وتقليدية هو شخص طائش ومبذِّر وغير مسئول.
ربما تكونُ قد أدركتَ أو لم تدرك ما يحدث من خلال وصفي التحليلي لهذا الإعلان. بالتأكيد يمكن أن أقول إنَّ قِلَّة قليلة من الناس هي التي أدركتْ هذا الأمر حينذاك. إن الطريقة الماكرة الخفية التي صُمِّم بها الإعلان والتي يَغِيب عنها أسلوب الإقناع دون أي إشارة صريحة للسيارة كانت تعني أن كل هذه المشاعر السلبية عن السيارات الأمريكية الكبيرة تولَّدت على مستوى اللاوعي، فلو كان واضحًا أن هذا الإعلان ينتقد السيارات الأمريكية من خلال الإشارة إلى أن كل مَن يقودون السيارات الفارهة هم أناس مستهترون، لكان من السهل تفنيد هذا النقد عن طريق الإشارة إلى أن الغالبية العظمى من الأمريكيين ممَّن يتَّسِمون بالاستقامة ونبل الأخلاق في عام ???? كانوا يقودون سيارات من هذا النوع، ولكن نظرًا لأن الفكرة لم تكن موجودة على مستوى الوعي لم يتم تفنيدها ولم يشكُ أحدٌ منها.
ماذا كانت نتيجة هذه الحملة الإعلانية الخفية المتألِّقة؟ بالرغم من أن سيارة بيتل فولكس فاجن ألمانية الأصل، فقد حققت نجاحًا لم يسبق له مثيل؛ فبحلول عام ????، كانت فولكس فاجن قد استحوذت على نسبة ??? من الحصة السوقية لسوق السيارات المستوردة في الولايات المتحدة الأمريكية. وحتى في عام ????، عندما دخل هذه السوق العديدُ من السيارات الجديدة، وكان قد مر على سيارة بيتل عشر سنوات، كانت لا تزال تحقق ??? من الحصة السوقية.
إن أسلوب دويل دان بيرنباك في حملاته الإعلانية يُعَدُّ نموذجًا لكيفية استدراج العقل الباطن. فيما يلي مثال آخَر، وهو الحالة الخاصة بتيسكو.
دراسة حالة: متاجر تيسكو سوبر ماركت

إذا صادفتَ أي شخص في المملكة المتحدة وسألتَه عن إعلان تيسكو الذي كان يُذاع في الوقت الذي أصبحت فيه تيسكو أكبر سلسلة سوبر ماركت في المملكة المتحدة، فسيكون الرد على الفور أنه إعلان دوتي، وهي عبارة عن متسوِّقة مُزعِجة، وقد لعبت هذا الدَّوْر الممثِّلة الكوميدية الإنجليزية برونيلا سكالز. ابتُكرت شخصية دوتي في عام ???? لتُعلِن عن بدء خدمة جديدة تقدِّمها سلسلة تيسكو، وهي سياسة تسمح للعميل بإعادة أي منتج اشتراه مهما كان السبب مع استرداد النقود التي دفعها أو استبدال شيء آخر به.
يبدأ الإعلان الذي يستمر لمدة دقيقة واحدة بالأم دوتي وهي تتسلَّل وتُفاجِئ ابنتها، التي تعمل بهدوء على مكتبها، حاملة في يَدَيْها سمكة من أسماك التروتة الكبيرة الحجم قائلة: «لا يعجبني شكل هذه السمكة.» فتسألها الابنة: ماذا بها؟ وتوضِّح أن السمكة تبدو طازجة. وتُجيب الأم دوتي: «أعلم أنها طازجة، ولكنها تبدو متجهِّمة.» وهنا تبدو علامات الدهشة والتعجُّب على وجه الابنة. وتتابع دوتي كلامها: «إن فمها متجِه لأسفل من جانبيه! انظري.» وتقلِّد دوتي منظر السمكة بأن تجعل جانبي فمِها متجهَيْن لأسفل، وتنتقل الكاميرا لسمكة التروتة المسكينة التي تبدو بائسة للغاية. وفي محاولة من الابنة لتهدئة أمها التي تبدو متوترة بعض الشيء، تقول لها: «أمي، إنها مجرد سمكة تروتة، وقد خُلقت بهذا الشكل.» وهنا تنطلق الأم قائلة: «أعتقد أنه لا بد لنا من إعادة هذه السمكة.» وهنا تسألها الابنة متهكِّمة: «إعادتها إلى أين؟ إلى بحيرة ويندرمير؟» فترد الأم: «لا، إلى تيسكو.» وهنا ترد الابنة التي نَفِد صبرها: «لا يمكن إعادة السمكة لمجرد أنها تبدو بائسة، وماذا تتوقَّعين منهم أن يقولوا لك؟ سيدتي تفضَّلي هذه السمكة المبتَهِجة بدلًا من تلك البائسة؟» وتنتقل الكاميرا إلى بائع الأسماك الذي يعمل في تيسكو والذي يبدو هادئًا ولطيفًا وهو يُعطي دوتي سمكة جديدة مكررًا هذه العبارة نفسها: «سيدتي، خذي سمكة موسى المبتَهِجة هذه بدلًا منها.» عندئذٍ تبتسم الأم في سعادة: «نَعَمْ، هذه هي السمكة التي أريدها.» ويأتي الصوت الرخيم للمعلِّق ليقول لنا: «إذا لم تكن راضيًا عن منتجاتنا لأي سبب كان؛ فإن تيسكو تغيِّرها لك أو تُعِيد إليك ما دفعتَه.» وفي نهاية المطاف، نجد الابنة غاضبة ودوتي تَخرج حاملة سمكتها الجديدة قائلة: «إن السمكة تُشبِه زوجي الأول وسوف أستمتع بطهيها.» وينتهي الإعلان بصوت المعلِّق وهو يقول الشعار: «تيسكو، أشياء بسيطة تصنع فارقًا كبيرًا.»
مما لا شك فيه أن تلك الحملة الإعلانية كانت متميزة، وكان ذلك الإعلان رائعًا كبداية للحملة. استمرت الحملة لما يقرب من عشر سنوات معلِنة عن مبادرات من تيسكو بطريقة نكران الذات نفسها هذه.
لكنْ لم تكن تلك الحملة هي المسئولة عن تحقيق تيسكو الريادة في المملكة المتحدة، تلك كانت حملة أخرى توارت بمرور الزمان، ولكنْ لاستيعاب ما أقوله لا بد لنا من الرجوع إلى بداية قصة تيسكو.
بدأت العلامة التجارية تيسكو عام ???? عندما قام جاك كوهين، أحد التجار المغامرين، بشراء شحنة من الشاي من شخص يُدعَى السيد تي إي ستوكويل، وقرَّر أنْ يَجمَع ما بين الحروف الأولى لاسمَيْهما لتكون كلمة تيسكو. حققت تيسكو سمعة في الأسواق باعتبارها أحد المتاجر التي تحمل شعار: «بِعْ كميات كبيرة بأسعار رخيصة.» وبحلول الثمانينيات استطاعت تيسكو أن تتطور لتصبح أكبر سلسلة متاجِر في أوروبا، غير أنها كانت في المرتبة الثانية بعد متاجر سنسبري في المملكة المتحدة، ومتاجر سنسبري معروف أنها متخصصة في بيع المنتجات الغذائية الطازجة، وتعود سمعتها الطيبة في هذا المجال إلى القرن التاسع عشر.
وفي محاولة من تيسكو لتغيير ذلك الوضْع، أطلقت حملة إعلانية جديدة في عام ???? للحومها الطازجة؛ حيث عرض الإعلان روبرت كاريير صاحب مطعم كاريير الشهير في إيزلينجتون، الذي كان يُعَدُّ أحد المطاعم الأعلى تقييمًا على مستوى العالَم، واتَّبع الإعلان نهجًا بسيطًا في الإقناع، حيث أشاد روبرت كاريير بقطعة لحم، وقال إنها طازجة وقليلة الدسم، موضحًا أنه اشتراها من تيسكو. (دون كل الأماكن الأخرى!)
فشلت الحملة فشلًا ذريعًا، وكان أحد أسباب فشلها كما أوضحت الأبحاث أن الإعلانات كانت تفتقر للمصداقية؛ فمتاجر تيسكو في ذلك الوقت، كما وصفها غالبية الناس، قديمة أو متواضعة في هيئتها، كما أن ممرات المتاجر كانت مكدَّسة بالصناديق وأرضياتها غير نظيفة، ناهيك بالعاملين فيها الذين كنتَ تراهم متجهِّمي الوجْه وغير متعاوِنين. ولا شكَّ أن مكانًا كهذا لا يكون ملائمًا لشراء اللحم الطازج مهما كان روبرت كاريير مُقنِعًا.
هنا تحركت تيسكو لتغيير هذا الوضع وبدأت بثورة في منافذها؛ حيث قامت بتغيير شامل في منافذها من إعادة البناء وتنظيف الممرات من الصناديق وعمَّتِ النظافة أرجاء المكان. أمَّا العامِلون فقد تلقَّوْا تدريبات على الرد على أي استفسارات حول أماكن المنتجات، فأصبحوا لا يقومون فقط بالإجابة عن سؤال بل يصطحبون المشتري إلى مكان تواجد المنتج.
إذن كيف يُعلِنون عن محلاتهم الجديدة؟ كانت المنتجات الغذائية الطازجة هي معركتهم الرئيسية، ومع التجديد الشامل الذي حدث فقد تظن أن تيسكو استعانت بروبرت كاريير لتُظهِر فخرها بهذا التجديد، الحقيقة أن ذلك لم يحدث. في الواقع قامت تيسكو باستخدام وكالة إعلانية جديدة اسمها لوي هاورد-سبينك، وقد صمَّمت حملة على النقيض من ذلك تمامًا، حيث ظهر الممثل الكوميدي الشهير دادلي مور كمشترٍ تعوزه الخبرة أُرسل لشراء دواجن فرنسية تَرعَى طليقةً في المراعي الحرة. في الإعلان الأول الذي ظهر في عام ???? يُقنِعه المُزارِع الفرنسي القليل الحيلة بأن يجوب المزرعة بحثًا عن الدواجن التي يريدها ويناديها: «تشيكي، تشيكي، تشيكي.» وأظهرتِ الإعلانات التي جاءت بعد ذلك هذا المشتري راكبًا منطاده ويكتشف بالمصادفة جبن ستلتون من منطقة ميلتون موبراي الذي بدأ إنتاجه منذ ??? عامًا يصطدم بسيارته الصغيرة ويأتي عبر العنب الإيطالي المتميز وما إلى ذلك. وأخيرًا يصل إلى الدجاج الذي بحث عنه طويلًا ليردَّه بكل شفقة إلى الغابات مرة أخرى طليقًا.
إلى جانب طرائف دادلي مور وتصرفاته الغريبة، فإن هذه الحملة عَرَضَتْ بذكاء مجموعة كاملة من المنتجات العالية الجودة الجديدة والمختلفة، وجميعها كانت متوافرة بصورة منتظمة في متاجر تيسكو. أتذكَّر شرائي المتكرِّر للدجاج الفرنسي العضوي الذي يتغذَّى على الذرة والذي يُباع لدى تيسكو، والذي كان، على نحو مدهش، ذا قيمة جيدة ولذيذًا جدًّا. ولكن لماذا استُخدم هذا الإعلان الغريب الساخر؟ بالتأكيد كانت الرسالة التي وجَّهها للناس هي أن الإنتاج الجيد لدى تيسكو قد حدث عن طريق المصادفة، وأن متاجر الشركة البراقة الجديدة تُخفِي وراءها متاجر قديمة فوضوية وغير منظمة بالصورة التي كانت عليها المتاجر القديمة، فكيف هذا؟
الجواب بالطبع هو أن إعلانات دادلي مور كانت مثالًا رائعًا للإعلانات التي تخدع عقلنا الباطن. ما فعلتْه تلك الإعلانات أنها أظهرتْ أن تيسكو، بعيدًا عن كونها متعجْرِفة على نحو لا يُطاق كما كانت في إعلانات روبرت كارير، كانت سعيدة بالسخرية من هَوَسِها بالجودة والأصالة في أغذيتها. كانت النتيجة هي أننا جميعًا نشعر على مستوى اللاوعي بأن تيسكو لا بد أن تكون ناجحة وجيدة جدًّا فيما تفعله. ومع كل ذلك، نحن نعلم أن أولئك الذين هم واثقون للغاية لا يُمانِعون أن يكونوا مثارًا لنكات الناس وضحكهم؛ والأشخاص الذين يفتقرون إلى الثقة أو لديهم شيء يحاولون إخفاءه هم أولئك الأشخاص الذين يفضلون إخبارهم بمدى روعتهم.
كانت النتيجة أنه على مدى فترة امتدت ? سنوات، تنامت شهرة تيسكو بسرعة فائقة. وبحلول عام ????، وقت نهاية حملة دادلي مور، حققت الشركة هدفها بأن أصبحت أكبر سلسلة متاجر في المملكة المتحدة. لم تمر ثلاث سنوات أخرى إلا وأطلقت الشركة حملة دوتي؛ لذلك لم تكن حملة دوتي هي التي حققت لها الريادة في السوق، ولكن يرجع الفضل في ذلك إلى حملة دادلي مور.
دراسة حالة: ستيلا آرتوا

ربما كانت أكثر الحملات شهرة في المملكة المتحدة هي حملة أخرى أطلقتْها وكالة هاورد-سبينك، هذه المرة كانت لستيلا آرتوا.
لقد أشرتُ في الفصل السابق إلى المذاق المُرِّ لجعة ستيلا آرتوا، ولكني لم أشرح كيف كان الإعلان قادرًا على جعل هذه العلامة التجارية ناجحة للغاية. كانت القصة الإعلانية لستيلا قد بدأت في عام ????، عندما انطلقت باستخدام حملة تحمل الشعار: «مكلِّفة على نحو مطمئن.» كانت الفكرة أن ستيلا أنفقت الكثير من المال على مكوناتها (أفضل جنجل، وأفضل شعير، وغير ذلك) مما اضطر مصانع الجعة إلى زيادة أسعارها. كان هذا في جزء منه صحيحًا، ولكن ليس بسبب أن المكونات كانت حقًّا أكثر كلفة إلى هذا الحد. لقد كان هذا بسبب أن الجعة كان بها ?? كحول، وبذلك فُرض عليها مزيد من رسوم الاستهلاك.
في كلتا الحالتين، فإن وكالة لوي هاورد-سبينك حوَّلت السعر المرتفع لستيلا، بذكاء، إلى مؤشر على جودتها. بالطبع لم تكن مكلِّفة للغاية — فقد كانت الزيادة هي ??? فقط مقارنة بالجعة التي تحتوي على نسبة الكحول المعتادة وهي ???? — لكنها تجعل المرء يصل إلى حالة السُّكْر بسرعة أكبر. وفقًا لمدير أحد مصانع الجعة، والذي تحدَّثتُ إليه، فإن السبب هو أن جسمك يقوم بإزالة ما يُعادل نحو ???? كحول مما تشربه؛ ولذلك فإن نسبة ???? من الجعة المعتَّقة هي فعليًّا ??، ونسبة ?? من الجعة المعتَّقة هي فعليًّا ????، تقريبًا ضِعْف التركيز.
إذن، كان السبب الحقيقي وراء نجاح ستيلا آرتوا متعلِّقًا بتركيزها أكثر من مذاقها. بالطبع، كانت اللوائح البريطانية الخاصة بالإعلان تمنع أي شخص من الادِّعاء بأن الجعة التي يُنتجها هي أقوى تركيزًا من الأنواع الأخرى، ولكن أن تدَّعي بذكاء في الإعلان أن الجعة التي تنتجها أكثر كُلفة فإنك تذكِّر ضمنيًّا بذلك أن بها مزيدًا من الكحول، وبذلك تشعر بأن مذاقها أفضل وتدخلك في حالة السُّكْر على نحو أسرع.
بحلول أوائل تسعينيات القرن العشرين، كانت ستيلا تحقق مبيعات جيدة إلى درجة أن مصانع الجعة أرادت أن تُطلِق حملة إعلانية على شاشة التليفزيون. المشكلة التي كانت تواجههم هي أنه في ذلك الوقت كانت سوق الجعة في المملكة المتحدة قد تحولت إلى الاستهلاك المحلي للجعة المعبَّأة في زجاجات. لقد كانت هناك علامات تجارية لا تُحصَى من الجعة المعبَّأة في زجاجات، والتي كانت أيضًا تحتوي على نسبة ?? من الكحول، وفي الكثير من منافذ البيع لم تَعُد ستيلا آرتوا أكثر كُلفة من العلامات التجارية الأخرى المعبأة في زجاجات. في الواقع، بسبب أن مبيعات آرتوا كانت أعلى بكثير مقارنة بغيرها من العلامات التجارية في محال الخمور، فقد كانت غالبًا أقلَّ كُلفة من غيرها من العلامات التجارية.
قررت وكالة لوي هاورد-سبينك أنها لا تستطيع التخلص من فكرة «مكلِّفة على نحو مطمئن» الناجحة جدًّا، لأنه للقيام بذلك سيستدعي الأمر الإشارة إلى أن ستيلا لم تكن بالجودة نفسها التي اعتادت أن تكون عليها. لقد كنتُ أشارك في تلك المهمة حينذاك، وبعد أن رأيتُ بعض الأعمال من مجموعة إيطالية إبداعية طرأتْ لي فكرة أن «مذاق ستيلا آرتوا رائع إلى درجة تجعل الأشخاص يتخلَّوْن عن أي شيء من أجلها.» قام المدير الإبداعي أدريان هولمز بإعطاء ذلك إلى قسم الإبداع وانتظر ليرى ما يَخرُجون به.
كانتِ النتيجة قطعة من العبقرية الخادعة، كتبها مؤلف الإعلانات تشارلز إنج ومديره الفني، زوجته جين. معظم الأشخاص في ذلك الوقت كانوا يعتقدون بأن ستيلا آرتوا فرنسية، وبمحض المصادفة أصبحت بروفينس أفضل مكان في فرنسا يتطلع البريطانيون إلى زيارته والعيش فيه، ويرجع ذلك في الأساس إلى كتاب مُسلٍّ جدًّا كتبه الصحفي بيتر مايال بعنوان «عام في بروفينس». لقد حدث أن عُرض فيلم في بروفينس بعنوان «جون دو فلوريت»، وقد حصد أرقامًا جيدة ضمن إحصاءات شباك التذاكر، وقد تضمن هذا الفيلم بعض الموسيقى الجذابة جدًّا. وهكذا واتتِ الفريق الإبداعي فكرة عرض إعلان على هيئة مشهد درامي قصير في بروفينس، باستخدام موسيقى فيلم «جون دو فلوريت».
في هذا المشهد الدرامي كان الحوار بكامله باللغة الفرنسية، مع عدم وجود ترجمة (على الرغم من أن الإعلان كان موجَّهًا لسوق المملكة المتحدة)، وتُعزَف الموسيقى في الخلفية طوال عرض المشهد. يعرض المشهد مزارعًا فرنسيًّا يأخذ زهور القرنفل خاصته إلى السوق على عربة يجرها حمار. الجو حار للغاية؛ لذا يتوقف المزارع عند نُزُل. يطلب منه صاحب النُّزُل البَدِين وغير المتعاطِف ?? فرنكات مقابل شطيرة لحم، ولكن تبيَّن أن المزارع لا يحمل معه أي نقود؛ لذلك فقد قَبِل صاحب النُّزُل بضعة عناقيد من القرنفل كوسيلة للسداد.
يتوقف المزارع ليأكل شطيرته، لكنه يقع بطرف عينه على صاحب النزل وهو يقوم بصبِّ كوب من ستيلا آرتوا ليُعطِيها له. نرى المزارع يكابد بضع لحظات من التردد، ثم يأخذ أول رشفة من كوب جعة ستيلا الباردة. أثناء قيامه بهذا يُغلِق عينيه فيما يُمكن فقط أن يوصَف بأنه نشوة تامة. نعود بعد ذلك لنرى النُّزُل بأكمله يكسوه القرنفل. المَغزَى الضمني هنا، بالطبع، أن ستيلا مُكلِّفة للغاية لدرجة أنه تخلَّى عمَّا كانت تحمله عربته بالكامل من أجْل الحصول على تلك الجعة. ينتهي المشهد الدرامي بتعليق على الصورة: «ستيلا آرتوا؛ مكلِّفة على نحو مطمئن.»
بعد ذلك بعام صُمم إعلان ثانٍ. كان الموقع مشابهًا، ولكن هذه المرة كان الإعلان يعرض رسامًا فقيرًا وصاحب نُزُل آخر. مثل المزارع، كان الرسام لا يملك مالًا، ومِن ثَمَّ قايَضَ لوحاته مقابل ربع لتر من جعة ستيلا. وعندما نعود ببصرنا نرى النُّزُل وقد كَسَتْه اللوحات الرائعة التي لا تُقدَّر بثمن والتي من المفترض أنها تلك التي تمَّت مقايضتها بجعة ستيلا آرتوا.
كان تأثير هذين الإعلانين، وغيرهما من الإعلانات التي تبعتْهما، أنْ أصبحتْ ستيلا آرتوا العلامة التجارية الرائدة في سوق الجعة المعتَّقة. إذن، كيف تمَكَّن هذان الإعلانان من ذلك؟ من الناحية المنطقية، فإن الرسالة التي كان يوجِّهها هذان الإعلانان محض هراء. ستيلا آرتوا لم تكن مُكلِّفة؛ لقد كانت تقريبًا بسعر ماركات الجعة الأخرى نفسه، وفي جميع الأحوال لا يوجد شخص عاقل سيخاطر بمصدر رزقه مقابل ربع لتر من الجعة. من الواضح أنه كان هناك بالتأكيد شيء آخَر يجعل الناس تشتري هذه العلامة التجارية. لكنْ عندما كنتَ تسأل الناس لماذا يعتقدون أن الإعلانين رائعان (وكانوا يعتقدون ذلك بالفعل)، فإنهم جميعًا يُمكن أن يردوا بأن ستيلا بطريقة ما تبدو «مختلِفة عن جميع العلامات التجارية الأخرى للجعة المعتقة.»
أعتقد أن السبب في أن الناس لم تَستَطِعْ إيضاح السبب في أن الإعلانين كانا رائعَيْن، هو أن الجمهور الذي يشرب الجعة المعتَّقة لم يكن على دراية بما يحدث. كما ترى، فإن جميع العلامات التجارية الأخرى للجعة المعتَّقة في ذاك الوقت كانت تستخدم النكات، وغالبًا ما كانت تستخدم النكات السخيفة والساذجة في إعلاناتها. كان المقصود من هذه النكات تسلية الشاربين وجذبهم للعلامة التجارية المُعلَن عنها. بالاعتماد على نبرة جادة جدًّا، وضعت ستيلا نفسها في فئة خاصة بها. وبمحاكاة موسيقى فيلم «جون دو فلوريت»، وجعل الحوار بكامله بالفرنسية، أَطْرَت ستيلا على المشاهدين، وجعلتْهم يشعرون أنهم ليسوا أذكياء فحسب، ولكنهم أيضًا «أصحاب ذوق رفيع». كان التأثير الذي كان يشعر به مَن يشرب ستيلا آرتوا هو أنه ذكي و«يتميز تميُّزًا كبيرًا» عن شاربي أنواع الجعة الأخرى. بالطبع هذا التواصل حدث على مستوى اللاوعي؛ حيث إن شعور الشاربين بالتميز كان خفيًّا؛ ولهذا لم يتم التَّثبُّت منه أو معارضته.
لكنْ بأيِّ طريقة حدث التأثير على مستوى اللاوعي؟ لا بد أنه كان واضحًا أن العلامة التجارية كانت تُحاوِل أن تُضفِي على نفسها تأنقًا وترفًا، أليس كذلك؟ حسنًا، كلا. لم يكن الأمر كذلك، للسبب الوجيه جدًّا، وهو أن الإعلانين كان لهما هدف ظاهري مختلف تمامًا هو أن يُقنِعا المشاهدين بأن جعة ستيلا آرتوا مُكلِّفة للغاية. وباحتفاظ وكالة الإعلان بالشعار الأصلي ورسالة الجودة العالية، خدعت المشاهدين بأن جعلتْهم يظنون أن الإعلانين تمحورا فقط حول الثمن الباهظ، في حين أن الحقيقة أنهما كانا يتمحوران حول التأنُّق والتَّرَف؛ ولذلك فإن رسالة «الثمن الباهظ» كانت بمثابة وسيلة لمنع أي تدقيق في الإبداع، بالطريقة نفسها التي مَنَعَتْ بها رسالة «درجة سوبر كلوب كلاس الجديدة» أي إمكانية للتدقيق في الموسيقى الخلفية في إعلان الخطوط الجوية البريطانية.
استمرت الحملة التليفزيونية لستيلا آرتوا لمدة ?? عامًا، ولكنْ في رأيي أنها لم تنجح أبدًا في إدخال تحسين على أول إعلانين. ترك تشارلز إنج العمل ليؤسس وكالته الخاصة، وبدأت فِرَق إبداعية أخرى في لوي هاورد-سبينك العمل في تلك المهمة. فقدتِ الوكالة فهمها لكيفية تأثير مجموعة الإعلانات اللطيفة التي صُوِّرت في ريف بروفينس الهادئ، وأصبحتِ الفُكاهة أكثر سخافة وتطرفًا: صاحب نُزُل تظَاهَر في وقت الحرب بأن الجعة قد نَفِدَتْ ليَحرِم الرجل الذي كان قد أنقذ حياة ابنه من ستيلا؛ ورجل شرب جعة ستيلا التي طلبها والده كرغبة أخيرة قبل وفاته ثم ألْقَى باللوم على الكاهن؛ وشخص طيب وجد أن الأشخاص الذين ساعدهم تخلوا عنه عندما تعيَّن دفع ثمن الجعة التي طلبوها له؛ وأسير على سفينة للمحكوم عليهم زَجَّ بنفسه في زنزانة العقاب المشدد التي لا يُمكن احتمالها حتى يستطيع أن يستمتع بشرب ستيلا من دون أن يُزعجه أحد، وما إلى ذلك. فازت هذه الإعلانات بجوائز إبداعية، لكن ربُما نتيجة لأن الفكاهة فيها كانت بغيضة إلى حدٍّ كبير، فقد أصبحتِ الجعة القوية تُعرَف باسم «قاهرة الزوجات». بحلول عام ????، كانت العلامة التجارية تخسر حصتها السوقية على الرغم من العروض الترويجية وتخفيض الأسعار شبه المتواصل، وتم إيقاف الحملة.1 لكن هذا النوع من التأثير لا يقتصر على الموسيقى والصور المبهرة التي تتم مُعالجتها لا شعوريًّا. في بعض الأحيان يُمكن أن تُخدَع لا شعوريًّا بشيء يحدق فعليًّا في وجهك. وخير مثال على ذلك هو إعلان نايك.
دراسة حالة: نايك

بدأت نايك في عرض إعلانات عن منتجاتها من الأحذية الرياضية على شاشات التليفزيون منذ عام ????، حيث حققت وكالة الإعلانات الخاصة بها والمعروفة باسم «وايدن + كينيدي» شهرة عالمية من خلال حملاتها الإعلانية على شاشات التليفزيون والسينما، ويصوِّر بعض إعلاناتها مشاهير الرياضيين، وأهم ما اشتُهرت به الحملة شعارها المميز: «فقط افعلها.» وقد أُشيع أن دان وايدن هو مَن صاغ هذا الشعار في اجتماع عُقد في عام ????. على المستوى الشخصي، إعلاني المفضَّل هو إعلان مباراة كرة قدم لمدة ?? ثانية ظهر لأول مرة في عام ???? حيث يصور فريقًا من لاعبي كرة القدم المشاهير وهم يلعبون مع فريق اختاره الشيطان. لقد حققوا الفوز رغم كل الصعاب وذلك ببساطة؛ لأنهم يرتدون أحذية نايك.
وفي نهاية هذا الإعلان وكل إعلان لنايك يَظهَر الشعار الخاص بها «سووش»، ذلك الشعار الذي قامت بتصميمه طالبة تدرس علم الجرافيك تُدعَى كارولين ديفيدسون مقابل ?? دولارًا في عام ???? (وإن كان قد قيل إنه قد تم تعويضها بالمزيد منذ ذلك الحين).2 من الواضح أن نايك قد تكبَّدتِ الكثير من المعاناة في توضيح أن شعارها «سووش» هو شعار مستمَدٌّ من جناح إلهة النصر لدى الإغريق «نايك» والتي كانت مصدر الإلهام للعديد من كبار المحاربين الشجعان.3 ولكنْ إليك هذه الحقيقة المذهِلة: عندما دخلتُ على شبكة الإنترنت وكتبتُ في البحث نايك سووش ظهر لي حوالي ??? ملايين نتيجة، وعندما كتبتُ نايك وعلامة صواب ظهر لي حوالي ??? مليون نتيجة.4 مما تقدَّم يتضح أن هناك عددًا كبيرًا من الناس يعتقدون أن شعار نايك هو علامة صواب. إذن هل كون الشعار اسمه علامة صواب أو سووش يصنع فارقًا فعليًّا؟ قد تقول إنه مجرد شعار، غير أنه لا بد من أن أذكِّرك بما ناقشناه في الفصل الرابع عشر حيث توصل كلٌّ من ويلز وبيتي إلى أن الناس قد يتأثرون بمجرد الإيماء برءوسهم أو هزِّها. كما توصل جونا برجر إلى أن الناس قد يتأثرون بمجرد استيفاء استبيانات باستخدام أقلام ذات لون معين، فالأمر لا يتطلب الكثير لدفعنا لشراء الأشياء.
عليك الآن أن تُمعِن النظر في هذا السيناريو. هبْ أنك في سنِّ المراهقة وتحتاج إلى شراء حذاء جديد وأنت على معرفة جيدة بإعلانات نايك وتعرف من بها من مشاهير وتعرف الشعار الخاص بها والرسم المستخدم في الشعار. يرتبط الشعار بمفهوم القيام بالأشياء الصحيحة وإسعاد الناس حيث يُعتَبَر علامة جسدية تُلازِمك؛ لأنك ترى علامة صواب كثيرًا في المدرسة، وإنْ لم تكن في أعمالك المدرسية. لكن هناك العديد من الأسباب الأخرى الأكثر أهمية لرغبتك في الحصول على حذاء من نايك؛ حيث إنها متميزة وغالية الثمن ويرغب جميع أصدقائك في ارتدائها، وفي الغالب لن يكون معظم الآباء على استعداد لدفع ثمنها. وكما نعلم، نحن نرغب بشدة في اقتناء الأشياء التي لا نستطيع الحصول عليها؛ لذلك عندما يأتيك باحث ويسألك عن نوعية الحذاء الذي ترغب في ارتدائه، يكون هناك الكثير من الأشياء التي يمكنك التحدث عنها، وببساطة لن يَرِدَ شعار نايك في محادثتك معه.
الآن تخيل أنك أبٌ في منتصف العمر لهذا المراهق وقد انطفأتْ رغبتك في اقتناء الأحذية المتميزة منذ زمن طويل، ولم تَعُدْ تهتمُّ كثيرًا بإعلانات نايك، تلك الإعلانات المليئة بالأحداث الصاخبة والتي تدور حول موضوع ما، يبدو في كثير من الأحيان غير مفهوم. أنت تبذل القليل جدًّا من الجهد لتتذكر أي شيء نظرًا لأنك غير مهتم. إلا أنك تدرك حسيًّا الشعار: «فقط افعلها»، وتدرك حسيًّا دون شك الشعار: «سووش.»
تخيل أن ابنك طفل ظريف لكنه كسول، وأنك دائمًا ما تنصحه بأن يفعل كذا وكذا. حينذاك تربط لا شعوريًّا بين العبارة التي تقول: «فقط افعلها» وبين فكرة قيام ابنك بأداء ما تطلبه منه.
وكما هو الحال مع ابنك فإن شعار «سووش» يُثِير بداخلك فكرة أنك على صواب وتُسعِد الناس، ومؤشرات كهذه كامنة بداخلنا منذ مرحلة الشباب لها تأثير قوي، ونحن لا شعوريًّا نرغب في أن نرتبط بعلامات الصواب وليس علامات الخطأ.
وعندما ترى ابنك يأتيك حاملًا حذاءه البالي في يديه فإنك تقرر أن تصحبه للسوق لشراء حذاء جديد، فإذا به يُرِيك حذاءً من أحذية نايك غالية الثمن وأنت تعلم في قرارة نفسك أن علامة نايك التجارية من العلامات التجارية الموثوق فيها والتي يمكن الاعتماد عليها، من منطلق أنك ترى حملاتها الإعلانية بشكلٍ منتظم. إنها حقًّا غالية الثمن لدرجة لا تتحملها ميزانيتك، ولكنْ لسبب ما تجد أن حدسك يُخبِرك بأنك إذا ما قمتَ بعمل استثنائي في هذا الصدد وعثرتَ على مزيد من المال فإن ذلك قد يكون نقطة تحول في سلوك ابنك المتكاسِل وأنه قد ينطلق نحو التقدم في حياته.
عليك أن تنتبه إلى أن هناك أمرًا ما لا تدركه، وهو أن هذه المشاعر قد تولَّدت لديك بشكل لا شعوري من خلال القِيَم التصورية لعلامة صواب (أن تفعل الشيء الصواب) والشعار (إن ولدي يتصرف على النحو الذي أريده)، وأخيرًا يأتي الابن ليقول: «هيا يا أبي، فقط افعلها!» فتقوم على الفور بشراء الحذاء له.
الأمر المهم المتعلق بهذا المثال التوضيحي هو أنه إذا ما طَرح أحدُهم عليك سؤالًا عن أسباب شرائك أحذية نايك فإنك على الأرجح لا تَعرِف السبب وسوف تختلق سببًا ما مثل أن هناك تخفيضات على هذا المنتج أو أنه يتمتع بجودة عالية، بل إنك ستُقسِم بكل ما تؤمن به أنك لم تتأثر قطُّ بإعلانات نايك، هذا بالإضافة إلى أنك قد لا تتذكر أيًّا من إعلانات نايك إذا ما سألك أحدهم عنها، كما أنك لن تُشير من قريب أو بعيد إلى شعار علامة صواب؛ وذلك لأن العلامات التي تحركك كلها علامات لا شعورية كامنة بداخلك وسواء عرفتَ أم لم تعرف، وسواء أردتَ أم لم تُرِدْ فإن هناك شيئًا ما قد أغوى عقلك الباطن بمنتهى الذكاء والمهارة ودفعك نحو تحقيق ما يريده منك؛ وهو الشراء.
هوامش

(1) http://www.dailymail.co.uk/news/article-494149/Where-did-wrong-beer-wife-beater.html.(2) http://en.wikipedia.org/wiki/Swoosh.(3) http://www.logoblog.org/nike_logo.php.(4) Test conducted October 2011.
خاتمة


نعتقد أن تأثير الإعلان أشبه بنمو العشب، فأنت لا يمكن أن ترى العشب وهو ينمو، ولكن يتعين عليك تهذيبه في كل أسبوع.
آندي تارشيز، شركة إيه سي نيلسن
مُقتبس في ماير (????)
ختامًا سأحاول أن أوجز ما تناوله هذا الكتاب وماهية خداع العقل الباطن.
بالعودة إلى بداية حديثنا، أوضحْتُ أن التصور السائد في عالم الإعلانات والتسويق يَمِيل إلى القول بأن الهدف الذي تسعى إليه الإعلانات ببساطة هو توصيل رسالة مقنِعة للجمهور بوجهٍ عام. وأثبتت مجموعة كبيرة من الباحثين البارزين أن وجهة النظر هذه مفرطة في تبسيطها للأمور، ومن بين هؤلاء الباحثين سكوت وكروجمان إرينبرج، ولكن نظرياتهم، التي تفترض أن الإعلانات لا تستحوذ على اهتمامٍ كبيرٍ ولا تُغيِّر التوجهات والمواقف، نُظِر إليها على أنها غير مُقنِعة. إن ما عجز هؤلاء الرُّوَّاد عن القيام به هو تقديم تفسير معقول عن كيفية تحقيق هذه الإعلانات لمقاصدها وأهدافها بفعالية «دون» أن تكون مقنعةً.
ومع ذلك، من الواضح أن الإعلانات يُمكن أن تحقق مقاصدها دون أن تكون مقنعةً بشكلٍ واضح. هناك ثلاثة إعلانات، اثنان منها لم يكنْ ممكنًا تذكُّر الرسالة التي حاولا إيصالها («أو تو» رينو كليو) والثالث (تلما) لم يتضمن أي رسالة على الإطلاق، تمكَّنتْ من بناء علامات تجارية ناجحة للغاية. وهناك إعلان رابع (أورانج) تمكن من تغيير التوجهات والمواقف، على الرغم من عدم تذكره وعدم معرفة واستيعاب أي أحدٍ للرسالة من ورائه.
يتمثل أحد الأسباب التي جعلت من الصعب تفسير كيفية تحقيق مثل هذه الإعلانات لمقاصدها وأهدافها، في أننا لم نبلغ المستوى المطلوب في فهم علم النفس إلَّا خلال العَقْدَيْن الماضيين. فخلال هذا الوقت، أحدثنا تغييرًا تدريجيًّا وشاملًا في معرفتنا لكيفية التعلم، ولا سيما في مستويات الانتباه المنخفضة، وكمِّ المعلومات الذي يمكننا تخزينه في الذاكرة الضمنية. لقد حققنا قفزةً على صعيد معرفتنا بالعمليات العقلية التي نستخدمها ونحن نتعلم، واكتشفنا الحِيَل الدفاعية المُثِيرة مثل الحجة المضادة، وتصفية الإدراك الحسي التي يمكن أن تتداخل مع معالجة التواصل، كما أحدثنا تغييرًا شاملًا في معلوماتنا الخاصة بكيفية التأثُّر عاطفيًّا دون انتباهٍ منَّا، حتى إننا غيَّرْنا الطريقة التي ننظر بها إلى الوعي نفسه. وبطبيعة الحال، أصبحنا ندرك الآن أن التواصل العاطفي يضطلع بدورٍ رئيسي في صنع القرار وعلاقاتنا.
ونتيجةً لذلك، تمكنَّا من تغيير ما كان يُروَّج له، ويعتقده التيار المعتنق لفكرة الإقناع، رأسًا على عقب. على سبيل المثال، ثبت عدم صحة الفكرة التي تقول بأن الإبداع يجعلنا نحب ونهتم أكثر بالإعلانات؛ حيث إننا نميل بدرجةٍ كبيرةٍ لعدم الانتباه كثيرًا للإعلانات الإبداعية نظرًا لعدم شعورنا بأنها تمثل تهديدًا لنا. ولكنْ كلَّما قلَّ اهتمامنا، قلَّ لجوءُنا إلى الحجج المضادة؛ ومن ثَم «زادت» فعالية التواصل اللاواعي للتأثير العاطفي.
لذا، وبإيجاز، فإن هذه الاكتشافات الجديدة في علم النفس تُظهِر أننا معرَّضون بشكلٍ غير عادي للتواصل العاطفي. ولقد حددْتُ ثلاث طرق رئيسية يؤثر بها التواصل العاطفي علينا، ولكن يُحتمل وجود طرق أخرى كثيرة.
كيفية تأثير التواصل العاطفي علينا لا شعوريًّا

تتم الطريقة الأولى من خلال المثيرات المؤثرة عاطفيًّا. يُمكن لهذه المثيرات أن تشمل عددًا من العناصر المختلفة، بدءًا من الموسيقى إلى الشعارات إلى الشخصيات إلى التُّحَف الجامدة. وتتمثل القواسم المشتركة بينها في أنها، عندما يتم إدراكها، تُثير تصورًا قادرًا على التأثير في مشاعرنا، ولكنها في حدِّ ذاتها لا يكون لها أي تأثير على سلوكياتنا؛ فهي تُصبِح مؤثِّرة فقط عندما نراها أو نسمعها مرارًا وتكرارًا في الإعلانات مصحوبة بعلامة تجارية معيَّنة. وعندما يحدث هذا، تصبح المُثِيرات المؤثرة عاطفيًّا مرتبطةً بالعلامة التجارية في عقلنا، وتجعلنا لا شعوريًّا نُحِسُّ بأن العلامة التجارية لها القِيَم العاطفية نفسها كتلك التي تولِّدها هذه المثيرات، لتتحول بعد ذلك إلى نوع من الارتباط العاطفي بالعلامة التجارية.
أما الطريقة الثانية فتتم من خلال التأثير على العلاقة التي تربطنا بأي علامة تجارية. وعلى الرغم من أن الأمر يبدو مستبعَدًا نوعًا ما؛ فنحن نشعر بمستوًى معين من التعلُّق بكل شيء نستخدمه تقريبًا، من المقص إلى السيارة. وعادةً ما يكون حجم القِيَم العاطفية لهذه التعلُّقات لا شعوريًّا؛ لهذا يسهل التأثير عليها لا شعوريًّا، فكل عملية تواصل تحدث لنا، بدءًا من إيماءة بسيطة إلى إعلان تليفزيوني يستغرق ?? ثانية، تضم الكثير من العناصر التي «تحدد معالم» الرسالة التي يُرجَى إيصالها. وتُعرَف هذه العناصر باسم «التواصل الورائي» (غير المباشر)، وفي مجال الإعلانات، يمكن أن تُعرف بوجهٍ عام بالإبداع. وغالبًا ما نكون غير واعين على مستوى الشعور بالتواصل غير المباشر، ولكن عقلنا الباطن حسَّاسٌ بشكلٍ غير عادي تجاهه. ويمكننا الشعور به على الفور إذا كانت الإيماءة تعبيرًا عن السعادة أو الحَذَر أو التذمُّر أو الغضب، وما إلى ذلك. وبالطريقة نفسها، نحن قادرون بدرجةٍ كبيرة على فك شفرة الإبداع لا شعوريًّا؛ لذا فإن هذا الإبداع قادرٌ على التأثير في الخفاء على علاقاتنا بالعلامات التجارية، والتي بدورها تؤثر على تعلُّقنا بهذه العلامة التجارية وتجعلنا أكثر (أو في كثير من الأحيان أقلَّ) ميلًا لشرائها.
ثمة طريقة ثالثة تُمارِس بها العواطف تأثيرها علينا، بأن تعمل بمثابة مراقب واعٍ لجميع قراراتنا العقلانية. نحن غير قادرين جسديًّا على اتخاذ قرار إذا كانت عواطفنا لا تسمح لنا بذلك، وفي بعض الأحيان، عندما نكون في عجلة من أمرنا، فإن عواطفنا يُمكن أن تتخذ على نحو فعَّال قرارات بالنيابة عنَّا عن طريق الغريزة؛ لذا فإن المضمون العاطفي في الإعلانات يُمكن أن يؤثر لا شعوريًّا حتى في أكثر قراراتنا العقلانية والمدروسة.
حتى أعطيك فكرةً أفضل عن كيفية «خداع» الإعلانات لعقلنا الباطن، سأسترجع بعضًا من دراسات الحالة للإعلانات التي تعرضنا لها سابقًا في الكتاب، ولكن سأقوم بذلك عن طريق استخدام نموذج إغواء العقل الباطن الذي أعددتُه في الجزء الرابع.
النظر مجددًا في دراسات الحالة

لنبدأ بحملة «أو تو». الطريقة التي نُفذت بها موضحة في ورقة بحثية حاصلة على جائزة عن الحملة اللاحقة التي أُدرجت ضمن المتنافسين على جائزة فعالية الدعاية والإعلان البريطانية (آي بي إيه). أدلى مُعِدُّو الورقة البحثية بالتعليق التالي على الحملة الأولى: شكلت «أو تو» عالمًا منمقًا بُني حول بحر أزرق وتيار من الفقاعات. استحضر هذا الحرية، والصفاء، والهواء النقي. «أو تو» تمنح شعورًا بالهدوء والسكينة، وتمثل نقيضًا للاضطراب والفوضى، على عكس عالم الهواتف المحمولة المحموم غالبًا. (ماوندر وكوك، ????)
باستخدام كتابي «القوة الخفية للإعلان» كمصدر، قالوا: إن «التعلق العاطفي بإحدى العلامات التجارية يتعزز بشكل قوي بهذا التواصل غير العقلاني وغير اللفظي.» وهذا باختصار جانب واحد من نموذج إغواء العقل الباطن. لا يبدو أن من المرجح كثيرًا بالنسبة لأيٍّ منَّا أنه يُمكن للإعلان الهادئ والواضح الذي لا يشتمل على أي رسالة ذات أهمية خاصة أن يحقق الكثير، لأننا نتوقَّع من الإعلان أن يحاول اجتذاب انتباهنا وإخبارنا بشيء ما، وهو ما من شأنه أن يُقنعنا بالقيام بأمر ما. لكننا لا نعبأ كثيرًا عندما يبدو أن الإعلان يعزز تعلُّقنا العاطفي؛ لأن هذا لا يبدو مهمًّا بقدْر كبير. إننا إلى حدٍّ كبير لدينا رهبة من دماغنا «المفكِّر» لدرجة أنه لا يحدث أبدًا لنا أن يؤثِّر الإعلان بهدوء على قراراتنا المتعلِّقة بما نشتريه، وذلك عن طريق خداع دماغنا «العاطفي» لا شعوريًّا.
ماذا عن حملة رينو كليو؟ تذكَّر أن هذه الحملة كانت الأكثر نجاحًا لسيارة صغيرة طُرحت في المملكة المتحدة، بسبب إعلان نيكول ووالدها. أعتقد أنه من السهل الآن أن نرى السبب في ذلك. أولًا: كان إعلان نيكول ووالدها مثالًا على الإغراء الجنسي الرومانسي؛ لقد كانا يحترمان محبِّيهما (يُقبِّلانهم ويَمنَحانهم الزهور) وفوق كل ذلك كانا فرنسيين (كلنا نشعر أن فرنسا هي الأمة الأكثر رومانسية في العالم). ثانيًا: كان إعلان نيكول ووالدها عملًا «راقيًا»: لقد كانا حَسَنَيِ المظهر، وكان لديهما قصر رائع، وكانا يرتديان ملابس جميلة. وهو ما كان من شأنه تعزيز الانطباع بأن كل شخص في المملكة المتحدة يرى أن الفرنسيين يفهمون كل ما تعنيه الأناقة. فبمشاهدة نيكول ووالدها مرارًا وتكرارًا، ارتبط المشاهدون ارتباطًا وثيقًا (وواعيًا) برينو كليو، وهو الأمر الذي كيَّفنا لا شعوريًّا على الشعور بأنها كانت أنيقة بشكل استثنائي وسيارة صغيرة مثيرة وجذابة.
يشرح لنا إعلان كليو أيضًا السبب في فشل إعلان سيتروين زارا. ربما يكون تجرد كلوديا شيفر من ملابسها بينما تهبط السلم مُثِيرًا، ولكنه ليس رومانسيًّا كثيرًا. لقد كان الشعور الذي خلقه هذا الإعلان هو أنه كان إحدى طرق الاستغلال، ولا يحترم النساء. وهذا يناقض تمامًا المعاني التي يرغب الناس في أن يربطوها بسياراتهم.
ولكن بمنظور خداع العقل الباطن، فإن الجزء الأكثر إلهامًا في إعلان كليو هو الرسالة حول رفاهية السيارة الكبيرة إضافة إلى القوة النسبية للسيارة الصغيرة. ولكنْ أُسارع إلى القول بأن ذلك كان بسبب أنها غيَّرت معتقداتنا أو مواقفنا إزاء السيارة. أنا على يقين بأن هذه الرسالة كانت ذات تأثير ضئيل، أو لم تؤثر على موقفنا إزاء السيارة؛ لأن الشك الفطري لدينا كان سيعارض فكرة أن كل السيارات الصغيرة «قوية نسبيًّا» في المطلق، وأن معظمها مريح جدًّا. ولكن الأمر ليس كذلك؛ فالجانب الذكي في الرسالة يتمثَّل في حقيقة أنها كانت موجودة. فلأنه كانت هناك رسالة «بررت» كل التصرفات الغريبة لنيكول ووالدها، لم يؤثر الإعلان فعليًّا على أي شخص بأي طريقة أخرى. فلم ينظر أحد إلى سلوكهما المثير وأناقتهما باعتبارها أمورًا جانبية ممَّا كان يُرجى إيصاله للمشاهدين حول السيارة. وهكذا لم يقم أي شخص بأي محاولة للمعارضة العقلية للإشراط القائم على فكرة الإثارة والأناقة؛ لأننا لم يكن لدينا فكرة فعلًا أن هذا ما كان يحدث بالضبط.
ربما يكون أصعب قليلًا أن أشرح كيف حالف إعلان تلما نودلز مثل هذا النجاح، لأنني لا أستطيع أن أعرض لك الصور أو أعزف لك الموسيقى. فقط عليك أن تعرف أن الصور رسمت شبابًا مبتهجين، ونابضين بالحياة، ومتمردين نوعًا ما، بالمقارنة بآبائهم الغاضبين وسريعي الانفعال. هذه الصور التي عُرضَت مرارًا وتكرارًا، ربما تكون قد أثَّرت تأثيرًا قويًّا في العلاقة بين الشباب والعلامة التجارية. فهم لا شعوريًّا، أحسوا بأن الإعلان يقف في صفِّهم (وليس في صف آبائهم)؛ ومِن ثَمَّ شعروا من داخلهم أن هذه هي نوعية الطعام التي تخصهم؛ ومِن ثَم فضَّلوه على غيره. بالإضافة إلى هذا، فإن الموسيقى التي تم التعامل معها مرارًا بصورة شبه واعية، ربما تكون قد عززت الشعور بالاستمتاع والحيوية، وعملت أيضًا على تعزيز صورة العلامة التجارية تلما. قد نتكهن أنه لو أن الموسيقى لم تكن مشهورة، لربما كان الإعلان قد ذهب طيَّ النسيان. وأخيرًا، فإن الحوار الغامض يُقصَد منه أن تقضي معظم وقت مشاهدتك للإعلان وأنت تحاول فهم الرسالة التي يتضمنها، وهذا من شأنه — كما هو الحال في رسالة إعلان رينو كليو — أن يجعلك أسير الصور والموسيقى ويمنعك من الاعتراض عليهما.
ماذا عن إعلان أورانج جيه ديباور؟ كان هذا الإعلان، كما تذكُر، حول كيفية فوز أورانج بجائزة جيه دي باور في خدمة العملاء للعام الثاني على التوالي. تمكن هذا الإعلان من التأثير على المواقف إزاء العلامة التجارية بين أولئك الذين تعرفوا على الإعلان، على الرغم من أنه لم يكن أحد يعلم على ما يبدو أي قطاع من المشاهدين يستهدفه الإعلان.
أظن أن هذا أثَّر بالطريقة نفسها التي أثَّرت بها حملة «أو تو». العديد من الأشخاص الذين يشترون الهواتف المحمولة هم من الشباب، والشباب حساسون جدًّا في مسألة اقتناء العلامة التجارية الأكثر روعة في السوق. إعلان أورانج جيه دي باور الذي كان بالأبيض والأسود كان بالتأكيد رائعًا وأنيقًا. لقد صُوِّر بطريقة جميلة، وكانت موسيقاه مؤثرة وهادئة للغاية، وأعتقد أن هذه السمات ربما كانت كافية لتجعل الشباب يشعرون بأن أورانج كانت أكثر «رُقيًّا» من العلامات التجارية الأخرى؛ ومِن ثَمَّ كانوا يشعرون بأنهم أكثر انجذابًا إليها أكثر من غيرها. الفكرة في ذلك هي أن تحول الموقف الإيجابي بين أولئك الذين شاهدوا الإعلان تحقق في معظم أبعاد الصورة، وليس فقط بين أولئك المهتمين بالخدمة الجيدة.
بالنسبة لإعلان الخطوط الجوية البريطانية بموسيقاه الجميلة، والذي كنَّا قد تناولناه بشيء من التفصيل، فإنه يُعَدُّ مثالًا على الارتباط بالعلامة التجارية الذي يكيِّفنا لا شعوريًّا كي نشعر بأن السفر على متن خطوط الطيران هذه سيمنحنا الراحة والاسترخاء على نحو رائع. مرة أخرى، الجانب الذكي في ذلك هو أن الإعلان به رسالة، وذلك يعني أننا لا نُعِير الموسيقى اهتمامًا، أو نعترض على تأثيرها؛ لأننا لا نراها باعتبارها جزءًا مهمًّا من عملية التواصل.
مارس إعلان الجرو أندريكس تأثيره بكيفية مماثلة. تُلهينا رسالة «ناعمة وقوية وتدوم لفترة طويلة»، في حين يكيِّفنا الجرو لا شعوريًّا على أن نشعر بأن أندريكس هي شركة تستهدف الأُسَر الحانية، وورق التواليت الذي تُنتجه، مثل الجرو، ناعم في ملمسه. لكن هنا مرة أخرى، مثلما كان الحال مع ستيلا آرتوا، فإن طموح وكالة الإعلان في تعديل وتغيير أسلوب ثبت نجاحه نَتَج عنه ما أعتبره بمثابة سوء تقدير جسيم. أولًا: كان الجرو اللطيف قد أُعطي صوتًا وجعلوه يتحدث، ثم استُبدِل به جرو يتم تحريكه بواسطة الكمبيوتر. في رأيي لم يكن أيٌّ من العرضَيْن قادرًا على تحفيز القِيَم التصورية للنعومة وحنان الأسرة مثلما كان الحال مع الإعلان الأصلي؛ لذلك سيكون من المثير للاهتمام رؤية ما إذا كانت مبيعات أندريكس قد بدأت في الانخفاض على مدى السنوات القليلة القادمة أم لا.
أما بالنسبة لإعلان هاملت فهو أكثر تعقيدًا قليلًا. هنا لا توجد رسالة حقيقية حول المنتج نفسه، والإعلانات في ظاهرها عبارة عن نكات يتم عرضها «تحت رعاية» سيجار هاملت. رُبما يُنظَر إلى هذا باعتباره محاولة من قِبَل العلامة التجارية للتلاعب بالعلاقة التي تربطنا بها، باستخدام آلية «إذا أعجبك إعلاني، فستعجبك علامتي التجارية.» لكن هذا واضح جدًّا، وأنا أعتقد أنه شيء يسهل الاعتراض عليه بالمنطق. بل والأكثر من ذلك أنني أعتقد أن روح الدعابة تُلهِينا عن إدراك أن الإعلان يكيفنا على أن نشعر بأن تدخين السيجار سيجعلنا نسترخي ويُذهِب عنَّا ما يُقلِقنا.
ماذا عن الميركات وجيو كومباريو؟ هل خدعوا عقلنا الباطن؟ لستُ متأكدًا. على الرغم من أن الميركات ربما تبدو لطيفة وجميلة، فإنها ليست ميركات حقيقية، بل تخيلية، ولديها القدرة على التحدث. ربما كان ما تراه — هو قصة سخيفة ملفَّقة تهدف إلى إيصال اسم الموقع الإلكتروني إلى مسامعك — هو كل ما ستحصل عليه. ربما يكون هناك عنصر حسن النية صادر عن الميركات، وربما يحفز هذا بعض الأشخاص على الشعور بانجذاب إلى هذا الموقع الإلكتروني أكثر من المواقع الأخرى، ولكن حتى الآن لم يحقق لهم ذلك الريادة في السوق من حيث عدد زوار الموقع وحركة البيانات عليه.
أما بالنسبة للآخرين — ليفايز، وغوريلا كادبوري، وأطفال ميشلان — فأتمنَّى أن أكون قد شرحت كيف تمارس هذه الإعلانات تأثيرها بالفعل. لكن هذه الأمثلة ليست سوى قمة جبل الجليد، فهناك عدد لا يُحصى من الحملات الإعلانية الأخرى التي تستخدم نموذج إغواء العقل الباطن. هناك بضعة إعلانات، مثل إعلانَيْ هاملت ومارلبورو كاوبوي، أعلنت عن منتجات نعرف الآن أنها ضارة، وينبغي أن يتم حظرها. لكن الصعوبة الكبرى التي نواجهها هي كيف نقرر ما إذا كان هناك ضرر في المنتجات الأخرى.
على سبيل المثال، بافتراض أن نايك شركة محترمة، لماذا ينبغي لها ألَّا تستخدم شعارها القوي للغاية «سووش» الذي يُشبِه علامة صواب كشعار لها؟ ولماذا ينبغي لها أيضًا ألَّا تستخدم عبارةً بمثل تلك القوة: «فقط افعلها» كشعار لها؟ ربما يُمكن للمرء أن يقول إن مَن يُعاني فقط هم المنافسون.
تلك هي المشكلة الشائكة في الإعلانات، وهي أنها تخدع عقلنا الباطن. في الكثير من الحالات، الأمر لا يعدو كونَ شركة ما حالَفَها الحظ أو لديها من الذكاء أو الحس الإدراكي ما جعلها تختار رمزًا أو شعارًا أو فكرة إعلان تَجَاهَلها الآخرون. وإذا لم تكن كلٌّ من رينو وكادبوري وتلما وأورانج وستيلا آرتوا وميشلان وفولكس فاجن وتيسكو ونايك قد استخدمت هذه الطريقة في الإعلان، فربما كانت حققت نجاحًا أقل بكثير، وربما كان قد فاتنا بعض الإعلانات الذكية والمسلِّية على نحو استثنائي.
قوة من أجْل الخير أم الشر؟

من المؤكد أن معظم قُرَّاء هذا الكتاب من الكبار، ولكن الأمر أكثر تعقيدًا وأهمية بالنسبة للأطفال؛ فهل يصح أن نسمح لمصنِّعي الحبوب أن يستخدموا الدعاية بأسلوب يؤثر على الأطفال، حيث يبتكرون شخصيات كرتونية تَلقَى قبولًا وإعجابًا من قِبَل الأطفال بشكلٍ منقطع النظير في حين أن منتجاتهم تحتوي على كميات كبيرة من السكر المضاف؟ وهل يصح أن نسمح لمصنِّعي ألعاب الفيديو باستخدام مَشاهِد الحرب والعنف عند إعلانهم عن لعب الأطفال؛ مما قد يزيد من نمو السلوك المعادي للمجتمع لدى هؤلاء الأطفال؟ وبوضع مخاطر الإدمان في الاعتبار، هل ينبغي أن يُسمح بالإعلان عن الجعة باستخدام إعلانات مضحكة؟ هل ما طرحناه من نموذج لإغواء العقل الباطن يعني أننا لا بد أن نتعامل بشكلٍ يقظٍ مع أنواع الحملات الإعلانية التي يراها أطفالنا؟ نَعَم، أعتقد أن هذا ما يعنيه بالفعل.
إليك هذه القصة الرائعة التي تدور في فلك الموضوع الذي طرحناه للتو: بعد أن تركتُ مجال الإعلانات اتَّجهتُ للعمل كاستشاري لشركة من شركات أبحاث السوق، وكان من بين مهامِّ وظيفتي حضور المؤتمرات، وقُدِّر لي أن أحضر مؤتمرًا بحثيًّا في لندن، والتقيتُ هناك بالمسئول عن التسويق في شركة بي إم دبليو.
تصادف أن تناولتُ أنا وهذا المسئول مشروبًا ودارت أثناء ذلك مناقشة بيننا حول الإعلانات، فشعار بي إم دبليو «السيارة الأفضل» أدَّى إلى وجود دعاية متميزة للشركة على مدار ما يزيد عن ?? عامًا في الولايات المتحدة الأمريكية وما يقرب من ?? عامًا في المملكة المتحدة، ومن المُلاحظ أن مبيعات بي إم دبليو قد زادت ?? ضعفًا1 على مدار هذه الفترة في الولايات المتحدة وحدها، وهنا تساءلتُ بكل براءة ما هي الفئة العمرية التي كانت تستهدفها إعلانات بي إم دبليو، وكنتُ متوقِّعًا أن تكون الإجابة النموذجية «الشباب»، ولكن ما صدمني حقًّا أن أعلم أن الفئة العمرية المستهدفة تبدأ من سِنِّ «السادسة». اعتَبِرْ ذلك نوعًا من البَوْح! فقد اعترفتْ وكالة إعلانية كبرى بأنها تستهدف الأشخاص الذين لن يكون باستطاعتهم شراء سيارة بي إم دبليو لمدة ?? عامًا، ولن يُسمح لهم حتى بقيادة سيارة بي إم دبليو لمدة ?? سنوات أو أكثر؛ إذن السؤال الذي يَطرَح نفسه: لماذا فعلتْ ذلك يا تُرى؟
وهنا خطرتْ لي الإجابة؛ إذا بدأ عرض إعلانات على أشخاص في سنِّ السادسة من عمرهم فهم عندما يبلغون سن السادسة والعشرين يكونون قد تعرضوا للإعلان مدة عشرين عامًا. إنهم بذلك يكونون قد تأثَّروا بكل ما فيه من جمال الصورة والتقدُّم التقني على مدى عشرين عامًا بمشاهدتهم إعلان «السيارة الأفضل». ولا عجب إذن أن هناك الكثير من الناس حول العالم يرغبون في امتلاك سيارة بي إم دبليو!
هل ينبغي السماح لمثل هذه الأمور أن تحدث؟ بل ربما السؤال الأهم الذي يطرح نفسه في هذا الإطار: كيف لنا أن نُوقِف مثل هذه الأمور؟ يمكن استبعاد إعلانات السيارات من برامج الأطفال التي تُعرض على شاشة التليفزيون، ولكن أطفالنا يشاهدون برامج الكبار أيضًا، وحتى إنْ لم يشاهدوها، فمِن المحتمل أن يشاهدوها على لوحات الإعلانات على جوانب الطرقات وعلى صفحات الإعلانات في الصحف والمجلات الموجودة هنا وهناك. هل ينبغي علينا حظر إعلانات السيارات تمامًا؟ بالطبع لا؛ السيارات قد تضر بالبيئة، ولكنها أقل خطرًا علينا نحن البشر من الحلويات والوجبات السريعة والمشروبات الغازية، فإذا ما قمنا بحظر إعلانات السيارات فإن ذلك يُعَدُّ بمثابة خطوة صغيرة تجاه حظر الإعلانات تمامًا. وإذا حدث ذلك، فستنهار معظم وسائل الإعلام من الناحية المالية، ولكن سرعان ما سيجد المُعلِنون طرقًا أخرى مبتكرة للتواصل معنا. هل تتذكر مجموعة ملابس مارلبورو وشعارها: «هيَّا إلى عالم مارلبورو»؟
لكن ثمة طريقة أخرى ننظر بها إلى خداع العقل الباطن في مجال الإعلان، وهي أن ننظر إليه بمنظور إيجابي، ففي كل عام تستخدم الحكومات الإعلانات في محاولة منها لتحسين ظروفنا المعيشية؛ فهي تحذِّرنا من خطر الأمراض كمرض الإيدز، كما تحذرنا من التدخين، وتنصحنا بعدم الإفراط في تناول السكر أو الملح أو الأغذية المشبَّعة بالدهون، ناهيك بتحذيرها لنا من مخاطر القيادة وتوعيتها لنا بالقيادة الآمِنة المتعقِّلة، ولكن العديد من هذه الحملات يستخدم النموذج التقليدي القديم في الإعلان، فهي تحاول إقناع المشاهد بالتصرف على النحو الصحيح، وبالطبع نمتلك القدرة بكل سهولة على دحض وتفنيد ما يقولون ومعارضته.
دعونا نفترض أن هذا القطاع استخدم نموذج إغواء العقل الباطن في تصميم حملاته الإعلانية، وأنه قام بتنفيذه بدرجة الإتقان والفعالية نفسها التي يقوم بها مسوِّقو العلامات التجارية، ألن تتحول لأنْ يكون لها دَوْر إيجابي في المجتمع بدلًا من دورها السلبي؟ ألن تكون قوة محرِّكة للخير لا للشر؟
الإجابة هي أنه لا فكرة لديَّ بهذا الشأن، ولكن الشيء الذي أنا على يقين منه هو أن تأليفي لهذا الكتاب سيمنح العديد من الناس فَهْم مبادئ وأُسس الإعلان في خداع العقل الباطن، ويحدوني الأمل في أنْ سيأتي الوقت الذي تبدأ فيه وكالات الإعلان التي تعمل للجهات الحكومية في تطبيق مثل هذه المبادئ في حملاتها الإعلانية، وربما مع مرور الأعوام أقوم بكتابة تكملة لهذا الكتاب مستعرضًا فيها مدى ذكاء الحكومات في خداع عقلنا الباطن في حملاتها الإعلانية!
وأخيرًا …

أعتقد أنَّ من الأهمية بمكان أن ندرك مدى قوة تأثير الإعلانات على خياراتنا في شراء العلامات التجارية شعوريًّا ولا شعوريًّا على حدٍّ سواء، ولا أجد في واقع الأمر أن هناك وسيلة لمقاومة ذلك، فمجتمعنا الآن هو مجتمع يعتمد على التجارة، وتعتمد العديد من الشركات على ترويج منتجاتها والدعاية لها من أجْل البقاء في السوق، وإذا نظرنا نظرة موضوعية للأمر واضعين جميع الجوانب في الاعتبار، فمِن الأفضل أن نُبقِي على الحملات الإعلانية، ولكن مع شيء من التنظيم والرقابة بدلًا من محاولة التخلص منها.
ولكن هل يعني ذلك أنه يتعيَّن علينا التعايُش مع إخضاع عقلنا الباطن للإغواء والخداع؟ أظن أنه يعني هذا بالفعل؛ وذلك نظرًا لأنني أرى طريقتين فقط لمقاومة خداع العقل الباطن؛ الأولى: استبعاد كافة أنواع الإعلانات من عالَمك الخاص. قُم بغلق القنوات الإعلانية في الإذاعة والتليفزيون. لا تشاهد البرامج التليفزيونية التي يصاحبها إعلانات عن المنتجات. اذهب لدُور السينما بعد انتهاء فترات الإعلانات. تجنب شراء الصحف والمجلات. لا تَجُبِ الشوارع التي تحتوي على لوحات إعلان سيرًا، ولا تنظر إلى واجهات المحلات. وأخيرًا لا تتصفَّح الإنترنت. الأمر جد صعب ما لم تكن على استعداد لأن تعيش حياة كحياة النُّسَّاك.
والطريقة الأخرى هي العكس تمامًا، وتتمثل في الانخراط بالكلية في إعلانات التليفزيون والإذاعة والتحديق في لوحات الإعلانات في الشوارع وإعلانات الإنترنت وواجهات المحلات وقراءة الإعلانات في الصحف والمجلات، والأهم من ذلك هو مشاهدة المنتجات المعروضة في البرامج وأفلام التليفزيون، وكلما ازداد انتباهك واهتمامك بهذه الإعلانات زادت قدرتك على مقاومة ودحض ما تراه وتسمعه؛ ومِن ثَمَّ سيكون تأثيرها عليك أقلَّ. قد يكون الأمر مُمِلًّا ومُزعِجًا وغير مأمون المخاطر، ولكنك على الأقل ستشعر بالرضا لعلمك أنك قلَّلتَ كثيرًا من احتمال تعرُّض عقلك الباطن للإغواء.
هوامش

(1) http://www.autoblog.com/2006/08/07/bmw-drops-ultimate-driving-machine/.
المراجع


Allen, R. & Reber, A.S. (1980) Very long term memory for tacit knowledge. Cognition, 8, 175–185.
Ariely, D. (2008) Predictably Irrational, HarperCollins, London, UK.
Baddeley, A.D. & Hitch, G.J. (1974) Workingmemory, in The Psychology of Learning and Involvement (G.H. Bower, ed.), Vol. 8. Academic Press, London, UK.
Bargh, J.A. (2002) Losing consciousness: automatic influences on consumer judgement, behavior, and motivation. Journal of Consumer Research, 29 (September), 280–284.
Barnard, N. & Ehrenberg, A.S.C. (1997) Advertising: strongly persuasive ornudging? Journal of Advertising Research, 37 (1), 21–31.
Barry, T.E. & Howard, D.J. (1990) A review and critique of the hierarchy of effects in advertising. International Journal of Advertising, 9 (2), 121–135.
Barwise T.P. & Ehrenberg A.S.C. (1988), Television and Its Audience, Sage Publications, London, UK.
Beard, F.K. (2002) Peer evaluation and readership of influential contributions to the advertising literature. Journal of Advertising, 31 (4), 65–75.
Berger, J. & Fitzsimons, G. (2008) Dogs on the street, pumas on your feet: how cues in the environment influence product evaluation and choice. Journal of Marketing Research, XLV (February), 1–14.
Bergkvist, L. & Rossiter, J.R. (2008) The role of ad likability in predicting an ad’s campaign performance. Journal of Advertising, 37 (2), 85–97.
Berlyne, D.E. (1960) Conflict, Arousal, and Curiosity, McGraw-Hill, NewYork, USA.
Berlyne, D.E. (1964) Emotional aspects of learning. Annual Review of Psychology, 15, 115–142.
Bernbach, W. (1989) Bill Bernbach Said, DDB Needham Worldwide, New York, USA.
Biel, A.L. (1990) Love the ad. Buy the product? Why liking the advertising and preferring the brand aren’t such strange bedfellows after all. Admap, September.
Blackston, M. (2000) Pay attention! This advertising is effective. Admap, March, 31–34.
Boese, A. (2002) The Museum of Hoaxes: A Collection of Pranks, Stunts, Deceptions, and Other Wonderful Stories Contrived for the Public from the Middle Ages to the New Millennium, E.P. Dutton, pp. 137-138.
Bornstein, R.F. (1992) Subliminal mere exposure effects, in Perception Without Awareness: Cognitive, Clinical, and Social Perspectives (R.F. Bornstein & T.S. Pittman, eds), Guilford, New York, pp. 191–210.
Braun, K.A. (1999) Postexperience advertising effects on consumer memory. Journal of Consumer Research, 25 (4), 319–334.
Broadbent, D.E. (1958) Perception and Communication, Pergamon Press, London.
Brock, T.C. & Shavitt, S. (1883) Cognitive response analysis in advertising, in Advertising and Consumer Psychology (L. Percy & A.G. Woodside, eds), Lexington Books, Lexington, Massachusetts, pp. 91–116.
Brown, G. (1985) Tracking studies and sales effects: a UK perspective. Journal of Advertising Research, 25 (1), 57.
Carter, R. (1998) Mapping the Mind, Weidenfeld & Nicolson, UK.
Chandy, C. & Thursby-Pelham, D. (1993) Renault Clio: adding value in a recession, in Advertising Works 7 (C. Baker, ed.), NTC Publications, Henley-on-Thames, UK.
Christiansen, S. (1992) Emotional stress and eye-witness memory. Psychological Bulletin, 112 (2), 284–309.
Clancey, M. (1994) The television audience examined. Journal of Advertising Research, 34 (4), 76–86.
Cohen, N.J. (1984) Preserved learning capacity in amnesia: evidence for multiple learning systems, in Neuropsychology of Memory (L.R. Squires & N. Butters, eds), Guildford Press, New York, USA.
Craik, F.I.M. & Lockhart, R.S. (1972) Levels of processing: a framework for memory research. Journal of Verbal Learning and Verbal Behaviour, 11, 671–684.
Cramphorn, S. (2006) How to use advertising to build brands: in search of the philosopher’s stone. International Journal of Market Research, 48 (3), 255–276.
Damasio, A.R. (1994) Descartes’ Error, G.P. Putnam’s Sons, New York, USA.
Damasio, A.R. (2000) The Feeling of What Happens, Heinemann, London.
Damasio, A.R. (2003) Looking for Spinosa, Heinemann, London.
Day, R., Storey, R. & Edwards, A. (2005) British Airways: climbing above the turbulence, in Advertising Works 13 (A. Hoad, ed.), World Advertising Research Centre, Henley-on-Thames, UK.
Dennett, D. (1993) Consciousness Explained, Penguin, London, UK.
Dijksterhuis, A., Smith, P.K., van Baaren, R.B., & Wigboldus, D.H.J. (2005). The unconscious consumer: Effects of Environment of Consumer Choice. Journal of Consumer Psychology, 15, 193–202.
Doyle, P. (1994) Marketing Management and Strategy, Prentice-Hall, Hemel Hempstead, UK.
Du Plessis, E. (2005) The Advertised Mind, Kogan Page, London, UK.
Duncan, T. & Moriarty, S. (1999) Brand relationships key to agency of the future. Advertising Age, 70 (10).
Ebbinghaus, H. (1885) ?ber das Gedchtnis: Untersuchungen zur experimentellen Psychologie, Leipzig: Duncker & Humblot. [English edition: Ebbinghaus, H. (1913) Memory: A Contribution to Experimental Psychology, Teachers College, Columbia University, New York, USA, Chapter 1.]
Ebbinghaus, H. (1902) Grundzuge der Psychologie, Theil, Veit & Co., Leipzig, Germany.
Ehrenberg, A.S.C. (1974) Repetitive advertising and the consumer. Journal of Advertising Research, 14 (2), 25–34.
Ehrenberg, A.S.C. (2004) My research in marketing: how it happened. Marketing Research, 16 (4).
Eysenck, M.W. (1978) Levels of processing: a critique. British Journal of Psychology, 69, 157–169.
Eysenck, M.W. & Keane, M.T. (2000) Cognitive Psychology, 4th edn, Psychology Press Ltd., Hove, UK.
Feldwick, P. (2009) Brand communications, in Brands and Branding (R. Clifton, ed.), Economist Newspaper/Profile Books, London, UK, pp. 127–145.
Festinger, L. & Maccoby, N. (1964) On resistance to persuasive communications. Journal of Abnormal and Social Psychology, 68, 359–366.
Fitzsimons, G.J., Hutchinson, J.W., Williams, P. et al. (2002) Non-conscious influences on consumer choice. Marketing Letters, 13 (3), 269–279.
Fletcher, W. (1999) Advertising Advertising, Profile Books, London, UK.
Franzen, G. (1999) Brands and Advertising, Admap Publications, Henley-on-Thames, UK.
Gladwell, M. (2006) Blink, Penguin Books, London, UK.
Goetzel, D. (2006) New data reveals virtually no viewers for time-shifted spots. Media Daily News, April 6.
Greenwald, A.G. & Leavitt, C. (1984) Audience involvement in advertising: four levels. Journal of Consumer Research, 11 (June), 581–592.
Grey Walter, W. (1963) Presentation to the Osler Society, Oxford University, in D. Dennett (1993) Consciousness Explained, Penguin, London, UK, p. 167.
Gunther, J. (1960) Taken at the Flood: The Story of Albert D. Lasker, Hamish Hamilton.
Hademan, J. (1945) The Psychology of Invention in the Mathematical Field, Princeton University Press, New Jersey, USA.
Hansen, C.H. & Hansen, R.D. (1994) Automatic emotion: attention and facial efference, in The Hearts Eye (P.M. Neidenthal & S. Kitayama, eds), Academic Press, San Diego, California, USA.
Haskins, J.B. (1964) Factual recall as a measure of advertising effectiveness. Journal of Advertising Research, 4 (1), 2–8.
Heath, R.G. (1993) Reassuringly expensive: a case history of the Stella Artois press campaign, in Advertising Works 7 (C. Baker, ed.), NTC Publications, Henley-on-Thames, UK.
Heath, R.G. (2001) The Hidden Power of Advertising, Admap Monograph No. 7, World Advertising Research Centre, Henley-on-Thames, UK.
Heath, R.G. (2009) Emotional engagement: how television builds big brands at low attention. Journal of Advertising Research, 49 (1), 62–73.
Heath, R.G., Brandt, D. & Nairn, A. (2006) Brand relationships: strengthened by emotion, weakened by attention. Journal of Advertising Research, 46 (4), 410–419.
Heath, R.G. & Feldwick, P. (2008) 50 years using the wrong model of advertising. International Journal of Market Research, 50 (1), 29–59.
Heath, R.G. & Hyder, P. (2005) Measuring the hidden power of emotive advertising. International Journal of Market Research, 47 (5), 467–486.
Heath, R.G., Nairn, A.C. & Bottomley, P. (2009) How effective is creativity? Emotive content in TV advertising does not increase attention. Journal of Advertising Research, 49 (4), 450–463.
Hedges, A. (1998) Testing to Destruction: A Critical Look at the Uses of Research in Advertising, Institute of Practitioners in Advertising, London, UK.
Holbrook, M.B. & Batra, R. (1987) Assessing the role of emotions as mediators of consumer responses to advertising. Journal of Consumer Research, 14, 404–420.
Hopkins, C.C. (1923, reprinted 1998) Scientific Advertising, NTC, Lincolnwood, Illinois, USA.
Huey, E.B. (1968) The Psychology and Pedagogy of Reading, MIT Press, Cambridge, Massachusetts, USA (originally published 1908).
Hutton, S.B., Goode, A. & Wilson, P. (2006) Using eye tracking to measure consumer engagement during television commercial viewing. Proceedings of the 5th International Conference on Research in Advertising, University of Bath School of Management, UK.
Jacoby, L.L., Toth, J.P. & Yonelinas, A.P. (1993) Separating conscious and unconscious influences of memory: measuring recollection. Journal of Experimental Psychology: General, 122, 139–154.
James, W. (1890) Principles of Psychology, Dover, New York, USA.
Jones, J.P. (1990) Advertising: strong force or weak force? Two views an ocean apart. International Journal of Advertising, 9 (3), 233–246.
Kay, J. (2010) Obliquity, Profile Books, London, UK.
Kihlstrom, J.F. (1987) The cognitive unconscious. Science, 237, 1445–1452.
Kover, A.J. (1995) Copywriters’ implicit theories of communication: an exploration. Journal of Consumer Research, 21 (4), 596–911.
Kroeber-Riel, W. & Barton, B. (1980) Scanning ads: effects of position and arousal potential of ad elements. Current Issues and Research in Advertising, 3 (1), 147–163.
Kroeber-Riel, W. (1979) Activation Research: Psychobiological Approaches in Consumer Research. Journal of Consumer Research, 5 (2), 240–250.
Krugman, H.E. (1965) The impact of television advertising: learning without involvement. Public Opinion Quarterly, 29 (Fall), 349–356.
Krugman, H.E. (1968) Processes underlying exposure to advertising. American Psychologist, April, 245–253.
Krugman, H.E. (1971) Brain wave measurement of media involvement. Journal of Advertising Research, 11 (1), 3–9.
Krugman, H.E. (1972) Why three exposures may be enough. Journal of Advertising Research, 12, 11–14.
Krugman, H.E. (1977) Memory without recall, exposure without perception. Journal of Advertising Research, 17 (4).
Kunst-Wilson, W.R. & Zajonc, R.B. (1980) Affective discrimination of stimuli that cannot be recognised. Journal of Experimental Psychology: Learning, Memory, and Cognition, 13, 646–648.
Langmaid, R. & Gordon, W. (1988) A great ad: pity they can’t remember the brand. Proceedings of the MRS Conference, Brighton, UK.
Lannon, J. (1998) A Man with a Mission, Market Leader, 1 (2) 20–27.
LeDoux, J. (1998) The Emotional Brain, Weidenfeld & Nicolson, London, UK.
Lehrer, J. (2009) The Decisive Moment, Canongate Books, Edinburgh, UK.
Libet, B. (1999) Do we have free will? Journal of Consciousness Studies, 6 (8-9), 47–57.
Libet, B., Wright, E.W., Feinstein, B. et al. (1979) Subjective referral of the timing for a conscious sensory experience. Brain, 102, 193–224.
Lockhart, R.S. & Craik, F.I.M. (1978) Levels of processing: a reply to Eysenck. British Journal of Psychology, 69, 171–175.
Lockhart, R.S. & Craik, F.I.M. (1990) Levels of processing: a retrospective commentary on a framework formemory research. Canadian Journal of Psychology, 69, 87–112.
MacGill, F. & Gnoddle, K. (1995) BA: 10 years of the world’s favourite advertising, but how much did it have to do with the world’s most profitable airline? in Advertising Works 8 (C Baker, ed.), Admap Publications, Henley-on-Thames, UK.
MacInnis, D.J. & Jaworski, B.J. (1989) Information processing from advertisements: towards an integrative framework. Journal of Marketing, 53, 1–23.
MacLean, P.D. (1952) Some psychiatric implications of physiological studies on frontotemporal portion of limbic system (visceral brain). Electroencephalography and Clinical Neurophysiology, 4, 407–418.
Maloney, J.C. (1962) Curiosity versus disbelief in advertising. Journal of Advertising Research, 2 (2), 2–8.
Martineau, P. (1957) Motivation in Advertising: Motives that Make People Buy, McGraw-Hill, New York, USA.
Maunder, S. & Cook, L. (2007) The best way to win new customers? Talk to the ones you already have, in Advertising Works 15 (L. Green, ed.), World Advertising Research Centre, Henley-on-Thames, UK.
Mayer, M. (1991) Whatever Happened to Madison Avenue? Advertising in the ‘90s, Little, Brown and Company, Boston, MA.
McLuhan, M. (1964) Understanding Media: The Extensions of Man, McGraw Hill, New York, USA.
Meyers-Levy, J. & Malaviya, P. (1999) Consumers’ processing of persuasive advertisements: an integrative framework of persuasion theories. Journal of Marketing, 63 (4), 45–60.
Meyers-Levy, J. & Peracchio, L.A. (1992) Getting an angle in advertising: the effect of camera angle on product evaluations. Journal of Marketing Research, 29 (4), 454–461.
Mick, D.G., Broniarczyk, S.M. & Haidt, J (2004) Choose, choose, choose, choose, choose, choose, choose: emerging and prospective research on the deleterious effect of living in consumer hyperchoice. Journal of Business Ethics, 52, 207–211.
Miller, G. (1956) The magical number seven, plus or minus two: some limitations on our capacity for processing information. Psychological Review, 63, 81–93.
Mittal, B. (1994) Public assessment of TV advertising: faint and harsh criticism. Journal of Advertising Research, 34 (1), 35–53.
Moore, T.E. (1982) Subliminal advertising: what you see is what you get. Journal of Marketing, 46, 38–47.
Norman, D.A. & Shallice, T. (1986) Attention to action: willed and automatic control of behaviour, in The Design of Everyday Things (R.J. Davidson, G.E. Schwarz & D. Shapiro, eds), Doubleday, New York, USA.
Ogilvy, D. (1983) Ogilvy on Advertising, Pan Books, London, UK.
Oxford Compact English Dictionary, 2nd edn. (1996) Oxford University Press, Oxford, UK.
Packard, V. (1957) The Hidden Persuaders, Random House, New York, USA.
Peracchio, L.A. & Meyers-Levy, J. (1997) Evaluating persuasion-enhancing techniques from a resource-matching perspective. Journal of Consumer Research, 24 (2), 178–191.
Petty, R.E. & Cacioppo, J.T. (1986) Communication and Persuasion: Central and Peripheral Routes to Attitude Change, Springer, New York, USA.
Petty, R.E. & Cacioppo, J.T. (1996) Attitudes and Persuasion: Classic and Contemporary Approaches. Westview Press, Boulder, Colorado, USA.
Phelps, E.A., Ling, S. & Carrasco, M. (2005) Emotion facilitates perception and potentiates the perceptual benefits of attention. Psychological Science, 17 (4), 292–299.
Pieters, R. & Wedel, M. (2007) Goal control of attention to advertising: the Yarbus implication. Journal of Consumer Research, 34 (2), 224–233.
Pinker, S. (1997) How the Mind Works, Penguin Books, London, UK.
Printers’ Ink (1910) December 1, p. 74. In Barry, T.E. & Howard, D.J. (1990) Areview and critique of the hierarchy of effects in advertising. International Journal of Advertising, 9 (2), 121–135.
Ray, M.L. & Batra, R. (1983) Emotion and persuasion in advertising: what we do and don’t know about affect. Advances in Consumer Research, 10 (1), 543–548.
Rayner, K. (1998) Eye movement and information processing: 20 years of research. Psychological Bulletin, 124 (3), 372–422.
Reeves, R. (1961) Reality in Advertising, Alfred A. Knopf, New York, USA.
Rizzolatti, G. & Craighero, L. (2004). The mirror-neuron system. Annual Review of Neuroscience, 27, 169–192.
Rose, S. (1992) The Making of Memory, Bantam Books, Uxbridge, UK.
Rossiter, J. & Percy, L. (1998) Advertising, Communications, and Promotion Management, International Edition, McGraw Hill, Singapore.
Schachter, S. & Singer, J.E. (1962) Cognitive, social, and physiological determinants of emotional state. Psychological Review, 69, 379–399.
Schacter, D.L. (1996) Searching for Memory, Perseus Books Group, USA.
Schmitt, B.H. (1994) Contextual priming of visual information in advertisements. Psychology and Marketing, 11 (1), 1–14.
Scott, W.D. (1903) The Psychology of Advertising in Theory and Practice, Small, Maynard & Co., Boston, Massachusetts, USA.
Scott, W.D. (1904) The psychology of advertising. The Atlantic Magazine, January 1904.
Shapiro, S., MacInnis, D.J. & Heckler, S.E. (1997) The effects of incidental ad exposure on the formation of consideration sets. Journal of Consumer Research, 24, 94–104.
Shiv, B. & Fedorikhan, A. (1999) Heart and mind in conflict: the interplay of affect and cognition in consumer decision making. Journal of Consumer Research, 26, 278–292.
Shudson, M. (1984) Advertising: The Uneasy Persuasion, Routledge, London, UK.
Soley, L.C. (1984) Factors affecting television attentiveness: a research note. Current Issues and Research in Advertising, 7 (1), 141–148.
Soloman, M.R. (2006) Consumer Behaviour, 7th edn, Pearson Education, Upper Saddle River, New Jersey, USA.
Standing, L. (1973) Learning 10,000 pictures. Quarterly Journal of Experimental Psychology: Learning, Memory, and Cognition, 19, 582–602.
Starch, D. (1923) Principles of Advertising, A.W. Shaw Company, Chicago, Illinois.
Sunday Times (2011) The Andrew Davidson Interview (March 20, 2011), Business Section, p. 6.
Sutherland, M. & Sylvester, A. (2000) Advertising and the Mind of the Consumer, Allen & Unwin, St Leonards, Australia.
Sutherland, S. (2007) Irrationality, Pinter & Martin, London, UK.
Tellis, G.J. (1998) Advertising and Sales Promotion Strategy, Addison-Wesley, Massachusetts, USA.
Thaler, R.H. & Sunstein, C.R. (2008) Nudge, Penguin Books, London, UK.
Trappey, C. (1996) A meta-analysis of consumer choice. Psychology and Marketing, 13, 517–530.
Tulving, E., Schacter, D.L. & Stark, H. (1982) Priming effects in word fragmentation completion are independent of recognition memory. Journal of Experimental Psychology: Learning, Memory, and Cognition, 8, 336–342.
Vaidya, C.J., Gabrielli, J.D.E., Keane, M.M. et al. (1995) Perceptual and conceptual memory processes in global amnesia. Neuropsychology, 10, 529–537.
Van Osselaer, S.M.J. & Alba, J.W. (2000) Consumer learning and brand equity. Journal of Consumer Research, 27, 1–16.
Watzlawick, P., Bavelas, J.B. & Jackson, D.D. (1967) Pragmatics of Human Communication, Norton & Co. Inc., New York, USA.
Wells, G.L. & Petty, R.E. (1980) The effects of overt head movements on persuasion: compatibility and incompatibility of responses. Basic and Applied Social Psychology, 1 (3), 219–230.
Wilson, T.D. (2002) Strangers to Ourselves, The Belknap Press of Harvard University, Cambridge, Massachusetts, USA.
Zajonc, R.B. (1968) Attitudinal effects of mere exposure. Journal of Personality and Social Psychology Monograph, 9.2 (2), 1–27.
Zajonc, R.B. (1980) Feeling and thinking: preferences need no inferences. American Psychologist, 35, 151–175.
Zhu, R. & Meyers-Levy, J. (2005) When background music affects product perceptions. Journal of Marketing Research, 42 (3), 333–345.
مراجع لمواقع ويب

http://depts.washington.edu/uwch/katz/20022003/antonio_damasio.html Last accessed June 14, 2011.
http://en.wikipedia.org/wiki/Gorilla_(advertisement) Last accessed June 15, 2011.
http://www.en.wikipedia.org/wiki/Marlboro_(cigarette)#cite_note-6 Last accessed June 15, 2011.
http://en.wikipedia.org/wiki/Swoosh Last accessed June 15, 2011.
http://en.wikipedia.org/wiki/Whassup%3F Last accessed August 8, 2011.
http://finance.yahoo.com/news/McDonalds-says-no-way-Ronald-apf-1794463468.html?x=0 Last accessed June 15, 2011.
http://news.bbc.co.uk/1/hi/business/3188382.stm Last accessed June 15, 2011.
http://www.autoblog.com/2006/08/07/bmw-drops-ultimate-driving-machine/Last accessed June 15, 2011.
http://www.dailymail.co.uk/news/article-494149/Where-did-wrong-beer-wife-beater.html Last accessed June 15, 2011.
http://www.guardian.co.uk/media/2010/jan/16/aleksander-orlov-price-comparison-ads Last accessed June 13, 2011.
http://www.guardian.co.uk/media/2010/jan/22/audi-vorsprung-durch-technik-trademark Last accessed June 15, 2011.
http://www.logoblog.org/nike_logo.php Last accessed June 15, 2011.
http://www.oxforddictionaries.com/definition/intuition?view=uk Last accessed June 15, 2011.
http://dove.co.uk/cfrb/self-esteem-fund/about.html Last accessed August 7, 2011.