Advertisement

مراعاة المشاعر


مقدمة
‏الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
‏أما بعد:
‏فإن الإسلام دعا إل التلطف وحسن التعامل مع النفوس، ومراعاة المشاعر والخواطر وفق قواعدَ وآداب إسلامية سامية، فاعتنى بالعلاقات الاجتماعية بين الأفراد وأوضح الواجبات والحقوق، وأمر بحسن الخلق وانتقاء الألفاظ المناسبة في المواقف المختلفة كما قال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ([البقرة: 83]، وعدَّ ذلك من الحكمة التي من أُوتيها فقد أوتي خيراً كثيراً، وفي المقابل حذر من الجفاء والغلظة، والإهمال في التصرفات، وإيذاء الآخرين.
‏وفي هذا الكتاب بيان شيء من ذلك مما ورد في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله (، ومما أثر عن سلفنا الصالح.
‏ونسأل الله علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وتوفيقًا لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى أله وأصحابه أجمعين.
محمد صالح المنجد


‏مراعاة المشاعر
‏مراعاة مشاعر الناس من أخلاق الأنبياء عليهم السلام كما قال الله تعالى لنبيه (: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ( [آل عمران: 159].
‏قال القاسمي رحمه الله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ( أي... للمؤمنين عمومًا كما قال تعالى: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ( [التوبة: 128]... (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا (أي سيء الخلق، خشن الكلام: (غَلِيظَ الْقَلْبِ (أي قاسيه وشديدة تعاملهم بالعنف والجفاء (لَانْفَضُّوا (أي تفرقوا (مِنْ حَوْلِكَ( ‌فلم يسكنوا إليك فلا تتم دعوتك. ولكن الله جعلك سهلًا، سمحًا، طلقًا، لينًا، لطيفًا، بارًا، رؤوفًا، رحيمًا. (فَاعْفُ عَنْهُمْ (أي فيما فرطوا في حقك كما عفا الله عنهم (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ (إتمامًا للشفقة عليهم (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ( أي أمر الحرب وغيره توددًا إليهم، وتطيبًا لنفوسهم، واستظهارًا بآرائهم، ... وقال بعض المفسرين: ثمرة الآية وجوب التمسك بمكارم الأخلاق وخصوصًا لمن يدعو إلى الله تعالى ويأمر بالمعروف(1).
وقال السعدي رحمه الله: (... فالأخلاق الحسنة من الرئيس(2) في الدين تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص.
‏والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟ أليس من أوجب الواجبات وأهم المهمات الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما كان يعاملهم به ( من اللين، وحسن الخلق، والتأليف؛ امتثالًا لأمر الله؛ وجذبًا لعباد الله إلى دين الله)(3).
‏وهذا أيضًا خُلُقُ سائر إخوانه من الأنبياء عليهم السلام كما نجد ذلك في موقف نبي الله يوسف عليه السلام حين اعترف إخوته بذنبهم و (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ ءاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ( [يوسف: 91].
وبعد اجتماعه بأهله وقد مكّن الله له في الأرض رحب بهم وبادر: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ( [يوسف: 100].
قال ابن القيم رحمه الله: (ولم يقل أخرجني من الجب؛ حفظًا للأدب مع إخوته وتفتيًا(4) عليهم أن لا يخجلهم بما جرى في الجب، وقال (وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ (ولم يقل رفع عنكم جهد الجوع والحاجة؛ أدبًا معهم، وأضاف ما جرى إلى السبب [وهو الشيطان] ولم يضفه إلى المباشر [وهو إخوته] مع أن المباشر للفعل أقرب من السبب فقال: (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي( فأعطى الفتوةَ والكرمَ والأدبَ حقَّه، ولهذا لم يكن كمال هذا الخُلق إلا للرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم)(5).
‏وقال السعدي رحمه الله: (وهذا من لطفه وحسن خطابه عليه السلام حيث ذكر حاله في السجن، ولم يذكر حاله في الجب؛ لتمام عفوه عن إخوته، وأنه لا يذكر ذلك الذنب، وأن إتيانكم من البادية من إحسان الله إليَّ، فلم يقل: جاء بكم من الجوع والنصب، ولا قال: أحسن بكم، بل قال (أَحْسَنَ بِي ( جعل الإحسان عائدًا إليه، فتبارك من يختص برحمته من ‏يشاء من عباده. (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي( فلم يقل نزغ الشيطان إخوتي بل كأن الذنب والجهل صدر من الطرفين...)(6).
‏فهذا الموقف الجليل من هذا النبي الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يُبين لنا مدى تغلغل هذا الخلق الرفيع في نفوس أنبياء الله تعالى ورسله وصفوته من خلقه، فاللهم ارزقنا الاقتداء بهم، تحقيقًا لقولك: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه( [الأنعام: 90].
صور من مراعاة المشاعر
‏اعتنى الإسلام بصيانة مشاعر الناس، ومراعاة أحوالهم ونفسياتهم، وفيما يلي صور من سنة النبي ( يتجلى فيها ذلك الاعتناء.
‏أولًا:- مراعاة شعور المسلم في المجلس:-
1- مراعاة شعور المتناجيين والمتجاورين في الجلوس إليهما.
‏من الأدب الإسلامي عند الدخول على مجالس المتحدثين - سواء كانوا اثنين أو أكثر - استئذانهم قبل الجلوس إليهم؛ فإن للمتحدثين أسراراً، فربما اطلع هذا الداخل على ما لا يحبون اطلاعه عليه، أو ربما اضطرهم إلى السكوت، أو تغيير موضوع الحديث فيسوؤهم دخوله، والأدب اللائق بالداخل هنا هو الاستئذان ليستأنسوا به، ويفرحوا بقدومه.
‏عن سعيد المقبري قال: جلست إلى ابن عمر رضي الله عنهما ومعه رجل يحدثه، فدخلت معهما فضرب بيده صدري وقال: أما علمت أن رسول الله ( قال: «إذا تناجى اثنان فلا تجلس إليهما حتَّى تستأذنهما»(7).
‏وقريب من هذا أن لا يفرق بين المتجالسَين إلا بإذنهما، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله ( أنه قال: «لا يحلُّ لرجلٍ أن يفرِّق بين اثنين إلَّا بإذنهما»(8).
‏قوله: «بين اثنين»: بأن يجلس بينها.
‏«إلَّا بإذنهما»: لأنه قد يكون بينها محبة، ومودة، وجريان سر، وأمانة، فيشق عليهما التفريق بجلوسه بينهما(9).
?- مراعاة شعور الجالس في التناجي.
‏نهى الإسلام عن المسارَّة في الحديث بين اثنين في المجلس دون مشاركة الثالث ولو كان في خير وبر؛ لأن هذا مظنة إدخال الحزن على من لم يشركاه في كلامهما لظنه أنهما ربما يتحدثان عنه بأمر لا يحبه؛ لما رواه ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (: «إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالنَّاس؛ من أجل من يحزنه»(10).
‏قال النووي رحمه الله: (وهو نهي تحريم فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم إلا أن يأذن)(11).
‏وقال ابن حجر رحمه الله: (قوله «حتَّى تختلطوا بالنَّاس» أي يختلط الثلاثة بغيرهم. والغير أعم من أن يكون واحدًا أو أكثر... ويُؤخذ منه أنهم إذا ‏كانوا أربعة لم يمتنع تناجي اثنين؛ لإمكان أن يتناجى الاثنان الآخران وقد ‏ورد ذلك صريحًا فيما أخرجه المصنف [البخاري] في [الأدب المفرد] وأبو داود وصححه ابن حبان من طريق أبي صالح عن ابن عمر رضي الله عنهما رفعه (قلت فإن كانوا أربعة؟ قال: لا يضره)، وفي رواية مالك عن عبد الله بن دينار (كان ابن عمر إذا أراد أن يُسارر رجلًا ‏وكانوا ثلاثة دعا رابعًا ثم قال للاثنين: استريحا شيئًا فإني سمعت) فذكر الحديث.
‏قوله: (أجل أنَّ ذلك يجزنه) وإنما قال يجزنه لأنه قد يتوهم أن نجواها إنما هي لسُوء رأيهما فيه، أو لدسيسة غائلة له.
‏وأرشد هذا التعليل إلى أن المناجي إذا كان ممن إذا خصَّ أحدًا بمناجاته أحزن الباقين امتنع ذلك إلا أن يكون في أمر مهم لا يقدح في الدين.
‏قال المازريّ ومن تبعه: لا فرق في المعنى بين الاثنين والجماعة لوجود المعنى في حق الواحد زاد القرطبي: بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأشد فليكن المنع أولى وإنما خصَّ الثلاثة بالذكر؛ لأنه أول عدد يُتَصَوَّر فيه ذلك المعنى فمهما وُجِدَ المعنى فيه [وهو حصول الحزن] أُلْحِقَ به في الحكم.
‏قال ابن بطال: وكلما كثر الجماعة مع الذي لا يُنَاجَى كان أبعد لحصول الحُزْن، ووجود التهمة فيكون أولى)(12).
‏قال الخطابي: إنما يحزنه ذلك... [لظنه] أن ذلك من أجل الاختصاص بالكرامة [دونه] وهو محزن لصاحبه(13).
‏وفي رياض الصالحين وشرحه لابن علان: (باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث بغير إذن إلا لحاجة فيغتفر لأجلها؛ ذلك لرجحان المصلحة حينئذ لتحققها على المفسدة لتوهها، ... وفي معناه - أي التناجي- ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه)(14).
3- مراعاة شعور صاحب المكان بعدم إقامته من مقعده والجلوس مكانه.
‏من جلس في مكان فهو أحق به من غيره ولا يحق لغيره أن يقيمه منه، وهذا أدب إسلامي يهدف إلى مراعاة شعور صاحب المكان فهو أحق به؛ لسبقه.
‏ويتأكد النهي عن إقامته إذا كان الذي أقامه يظن لنفسه فضلًا على ‏صاحب المكان.
‏وهذه الأحقية عامة في سائر المجالس ولكنها تتأكد في مجالس الطاعة والعبادة، فإن الإسلام حث على المسارعة إلى الخيرات، والتبكير إلى الصلوات والجمع والجماعات، فمن سبق إلى مكان عام فليس لأحد أن يقيمه منه، فمن أقامه وجلس مكانه فقد جمع حشفًا وسوء كيلة(15).
‏فعن أبي الخصيب قال: كنت قاعدًا فجاء ابن عمر رضي الله عنهما فقام رجل من مجلسه له، فلم يجلس فيه، وقعد في مكان آخر، فقال الرجل: ما كان عليك لو قعدت؟ فقال: لم أكن أَقْعُدُ في مقعدك ولا مقعد غيرك بعد ‏شيء شهدته من رسول الله (: جاء رجل إلى رسول الله ( فقام له رجل من مجلسه، فذهب ليجلس فيه فنهاه رسول الله ()(16).
‏وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ( أنه قال: «لاَ يُقِيُم الرَّجل الرَّجل من مقعده ثمَّ يجلس فيه، ولكن تفسَّحوا وتوسَّعوا»، وفي رواية: قلت: في يوم الجمعة؟ قال: في يوم الجمعة وغيرها. وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه(17).
‏وعن أبي هريرة ( قال: قال رسول (: «لا يقوم الرَّجل للرجل من مجلسه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم»(18).
‏قال الألباني رحمه الله عن هذا الحديث: (وهو ظاهر الدلالة على أنه ‏ليس من الآداب الإسلامية أن يقوم الرجل عن مجلسه ليجلس فيه غيره ‏يفعل ذلك احترامًا له...فالقيام والحالة هذه مخالف لهذا التوجيه النبوي الكريم... والكراهة هو أقل ما يدل عليه قوله (: «لا يقوم الرَّجل للرَّجل... » فإنه نفي بمعنى النهي، والأصل فيه التحريم لا الكراهة والله أعلم)(19).
?- مراعاة شعور صاحب الحق في المجلس إذا رجع إليه.
‏بيَّن الإسلام الحقوق وحفظها لأصحابها حتى لا تختلف الآراء، ويدعي أحد ما ليس له، وينشأ عن ذلك البغضاء والكراهية.
‏ومن ذلك: مسألة المكان، فمن سبق إل مكان عام فهو أحق به فإن قام لحاجة وهو يريد الرجوع فهو أحق بمكانه إذا رجح، ويجب على من جلس في مكانه أن يقوم منه.
‏والأولى أن يكون لصاحب المكان بيِّنةٌ أو دلالة على أنه مكانه؛ تجنبًا لأسباب الشحناء والبغضاء.
‏فعن أبي هريرة ( أن رسول الله ( قال: «إذا قام أحاكم من مجلسه ثمَّ رجع إليه فهو أحقٌ به»(20).
‏وهذه مسألة يغفل عنها بعض الناس خاصة مع ضيق المكان في الجمع والجماعات، ونحو ذلك.
?- مراعاة شعور الكبير في المجلس وتوقيره وأولويته بالكلام وغيره.
وهذا الأمر من مزايا الإسلام الكبرى؛ فلا يتكلم الصغير قبل الكبير، بل عُدَّ حسن الاستماع من قبل الصغير لحديث الكبير من حسن الخلق.
وهذا الأدب الإسلامي الرفيع قد غاب عن بعض أولاد المسلمين - والله المستعان - ولم يولوه اهتماماً في حياتهم، فجدير بالمربين التأكيد على مثل هذه الأخلاق السامية.
‏ومما ورد في إجلال الكبير ما جاء عن أبي موسى الأشعري ( قال: قال رسول الله (: «إنَّ من إجلال الله إكرام ذي الشَّيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السُّلطان المقسط» (21).
‏وعن عبادة بن الصامت ( أن رسول الله ( قال: «ليس من أمَّتي من لم يجلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقَّه»(22).
‏وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ( قال: «أراني ‏في المنام أتسوَّك بسواكٍ فجذبني رجلان أحدها أكبر من الآخر، فناولت السِّواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبِّر، فدفعته إلى الأكبر»(23).
‏بل كان هذا هو خُلُقَ رسول الله ( كما في هذه الحادثة التي وقعت إبان فتح مكة:
‏فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: فلما دخل رسول الله ( ‏مكة، ودخل المسجد أتاه أبو بكر ( بأبيه يقوده، فلما رآه رسول الله ( قال: «هلَّا تركت الَّشيخ في بيته حتَّى أكون أنا آتيه فيه»، قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه، قال ‏فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال له: «أسلم» فأسلم(24).
‏وورد في حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة: أن عبد الله بن سهل ومحيِّصة بن مسعود أتيا خيبر فتفرقا في النخل، فقتل عبد الله بن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل، وحويِّصة، ومحيِّصة ابنا مسعود إلى النبي ( ، فتكلموا في أمر صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن وكان أصغر القوم، فقال له النبي (: «كبِّر الكبر» قال يحيى(25) (أحد الرواة): يعني ليلي الكلام الأكبر فتكلموا في أمر صاحبهم)(26).
‏وفي رواية أخرى للبخاري: «الكبر الكبر»(27)، وفي رواية مسلم: «كبِّر الكبر في السن»(28).
‏قال ابن حجر رحمه الله: (واستدلَّ به على تقديم الأسن في الأمر المهم إذا ‏كانت فيه أهلية ذلك لا ما إذا كان عريا عن ذلك وعلى ذلك يُحمل الأمر بتقديم الأكبر في حديث الباب إما لأن ولي الدم لم يكن متأهِّلًا فأقام الحاكم قريبه مقامه في الدعوى، وإما لغير ذلك)(29).
‏وقال النووي رحمه الله: (وفي هذا فضيلة السن عند التساوي في الفضائل ولهذا نظائر فإنه يقدم بها في الإمامة، وفي ولاية النكاح ندبًا، وغير ذلك)(30).
‏وقد سار أهل العلم على هذا الأدب، فهذا الإمام أحمد رحمه الله- وهو من هو علما، وتقى، ومكانة بين الخلق - يقول عنه المرُّوذي: كان أبو عبد الله من أشد الناس إعظاما لإخوانه ومن هو أسن منه، لقد جاءه أبو همام راكبًا على حمار فأخذ له أبو عبد الله بالركاب. ورأيته فعل هذا بمن هو أسن منه من الشيوخ(31).
‏ثانيًا:- مراعاة شعور المسلمين في مجال الضيافة
1- مراعاة شعور صاحب الدعوة عند اعتذار الضيف عن الضيافة:-
‏قرى الضيف إكرام له، واحتفاء به، وإحسان إليه، وحق الإحسان أن يقابل بمثله، قال تعالى (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ( [الرحمن: 60] هذا هو الأصل، ما لم يكن هناك مانع؛ كأن يكون ثمَّ حرج شرعي، أو ضرر صحي، أو ما أشبه ذلك فعليه (مراعاة جانب الشرع وتقديمه على جانب الخلق وحظوظ النفس)(32). لكن يُخبر بعذره بلطف ولباقة.
‏فعن الصعب بن جثاَّمة الليثي ( أنه أهدى لرسول الله ( حماراً وحشياً وهو بالأبواء أو بودَّان، فرده رسول الله ( ، قال: فلما رأى رسول الله ( ما في وجهي [وفي رواية (من الكراهية)(33)] قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنّا حرم ٌ»(34).
‏قال ابن حجر رحمه الله: (وفيه جواز رد الهدية لعلة وترجم له المصنف [البخاري] (من رد الهدية لعلة)، وفيه الاعتذار عن رد الهدية تطييبًا ‏لقلب المهدي وأن الهبة لا تدخل في الملك إلا بالقبول وأن قدرته على تملكها لا تصيره مالكًا لها، ‏وأن على المحرم أن يرسل ما في يده من الصيد الممتنع عليه اصطياده)(35).
‏وقال ابن الملقن رحمه الله ومن فوائد الحديث: (جواز الهدية وقبولها إذا لم يكن مانع يقتضي ردها... [و] الاعتذار إلى المهدي إذا لم تُقبل هديته فيطيب قلبه بتعيين العذر، ‏قال أبو علي النيسابوري: هذا أصح حديث في الاعتذار)(36).
2- مراعاة شعور المضيف إذا لم يجد ما يكرم به الضيف:
‏قد يفاجأ المسلم في وقت من الأوقات بمقدم ضيف وهو في حالة حرجة، كانشغال، أو مرض، أو ضيق في داره، أو ذات يده.
‏فمن الأدب حينئذ قيام الضيف برفع الحرج عن صاحب المنزل، بكلام لطيف يزيل عنه الغم والهم، وبرفع عنه الحرج الذي يعتريه.
‏والأولى: مراعاة مثل هذه الأحوال في حياة المسلم قبل وقوع الحرج؛ فلا يثقل على قريبه الفقير، ولا يفاجئ من لا يظن عنده ضيافة في وقت عشاء أو غداء.
3- مراعاة مشاعر الضيف:
‏ومن آداب الضيافة التي حث عليها الإسلام مراعاة صاحب المنزل وأهل بيته شعور الضيف وهو يأكل الطعام، فلا يشعرونه بما يوقعه في الحرج، كأن يفعلوا ما يشعره بضيقهم منه، أو أن يتبعوه أبصارهم وهو يأكل، أو أن يعُمَّهم الصمت أثناء، وجوده، مما يشعر الضيف بالحرج ويدعوه إلى التعجل.
‏بل ينبغي أن يرى الضيف سرورهم به، وابتهاجهم بمقدمه، وإيثاره بالقرى إن احتاج الأمر إلى ذلك.
‏فعن أبي هريرة ( قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ( فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك. حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال: «من يضيف هذا اللَّيلة رحمه الله؟» فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؛ قالت: لا إلا قوت صبياني. قال: فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل فإذا أهوى ليأكل فقومي إل السراج حتى تطفئيه.... فهيأت طعامهما وأصلحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان. قال: فقعدوا وأكل الضيف فباتا طاويين، فلما أصبح غدا على النبي ( فقال: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما اللَّيلة»(37).
‏وليس هذا من التكلف المنهي عنه؛ فإن هذا الأعرابي كان مجهودًا؛ وهو ‏ضيف رسول الله ( ، والأنصاري ( آثره بما عنده؛ لقلة ذات يده.
‏أما أن يتكلف المضيف مالا يقدر عليه، أو أن يتحمل ديناً مرهقاً ونحو ذلك فهذا هو المنهي عنه، لقوله (: «لا يتكلفن أحد للضيف ما لا يقدر علمه»(38).
‏عن أبي هريرة ( قال: خرج رسول الله ( وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ما أخرجهم إلا الجوع، فأتوا رجلًا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته فلما رأته المرأة قالت: مرحبًا وأهلًا، فقال لها رسول الله (: «أين فلانٌ؟» قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول ( وصاحبيه ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مني، قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب فقال: كلوا من هذه ء وأخذ المدية، فقال له رسول الله (: «إيَّاك والحلوب» فذبح لهم فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله ( لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: «والَّذي نفسي بيده لتسألنَّ عن هذا النَّعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثمَّ لم ترجعوا حتَّى أصابكم هذا النَّعيم»(39).
‏قال النووي رحمه الله: (وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة؛ لأن ذلك يمنعه من الإخلاص وكمال السرور بالضيف، وربما ظهر عليه شيء من ذلك فيتأذى به الضيف، وقد يحضر شيئًا يعرف الضيف من حاله أنه يشق ‏عليه، وأنه يتكلفه له فيتأذى لشفقته عليه، وكل هذا نحالف لقوله (: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»(40)؛ لأن أكمل إكرامه، إراحة خاطره، وإظهار السرور به، وأما فعل الأنصاري وذبحه الشاة فليس مما يشق عليه، بل لو ذبح أغنامًا بل جمالًا وأنفق أموالًا في ضيافة رسول الله ( وصاحبيه رضي الله عنهما كان مسرورًا بذلك، مغبوطًا فيه. والله أعلم)(41).
4- مراعاة مشاعر الضيف حتى لا يظن أنهم تكلفوا له:
‏ربما شعر الضيف أن صاحب البيت تكلف له فعلى صاحب البيت أن يزيل هذا الشعور عن الضيف، فعن لقيط بن صبرة ( وافد بني المنتفق أنه قال: (انطلقت أنا وصاحب لي حتى انتهينا إلى رسول الله ( فلم نجده، فأطعمتنا عائشة رضي الله عنها تمرًا، وعصدت لنا عصيدة، إذ جاء النبي ( يتقلَّع فقال: «هل أطعمتم من شيءٍ؟» قلنا: نعم يا رسول الله، فبينا نحن كذلك دفع راعي الغنم في المراح على يده سخلة، قال: هل ولدت؟ قال: نعم، قال: فاذبح لنا شاة، ثم أقبل علينا فقال: لا تحسبن إنا ذبحنا الشاة من أجلكما؛ لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد عليها فإذا ولد الراعي بهمة أمرناه بذبح شاة)(42).
‏وفي عون المعبود: (يتقلَّع: مضارع من التقلع، والمراد به قوة مشيه كأنه ‏يرفع رجليه من الأرض رفعًا قويًا...)(43).
‏(ذبحنا الشَّاة) أراد رسول الله ( أنا لم نتكلف لكم بالذبح؛ لئلا يمتنعوا منا وليبرأ من التعجب والاعتداد على الضيف.
‏(أمرناه بذبح شاة): فلا تظنوا بي أني أتكلف لكم، والظاهر من هذا القول أنهم لما سمعوا أمر رسول الله ( بالذبح اعتذروا إليه وقالوا: لا تتكلفوا لنا فأجابهم النبي ( بقوله: لا تحسبن، هذا ما يفهم من سياق الواقعة(44).
?- مراعاة شعور صاحب المنزل بحفظ سلطانه وإمامته بزائريه:
‏فعن أبي مسعود الأنصاري ( عن النبي ( أنه قال: «يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسُّنَّة، فإن كانوا في السُّنَّة سواءً فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سلماً»(45).
‏وصاحب البيت هو السلطان في بيته، ولا يتقدمن أحد على ذي السلطان، والإمامة سلطان بين المأمومين فلا يؤمهم غير صاحب البيت إلا بإذنه؛ ولذا قال ( في آخر الحديث السابق كما في رواية: «ولا تؤمَّنَّ الرَّجل في أهله، ولا في سلطانه، ولا تجلس على تكرمته في بيته إلَّا أن يأذن لك أو بإذنه»(46).
‏ويقرب من هذا أن صاحب الدابة أحق بصدر دابته: فعن بريدة ( قال: بينما النبي ( يمشي إذ جاءه رجل ومعه حمار فقال: يا رسول الله اركب وتأخر الرجل، فقال رسول الله (: «لأنت أحقُّ بصدر دابَّتك إلَّا أن تجعله لي»، قال: قد جعلته لك، قال: فركب)(47).
6- مراعاة شعور صاحب المنزل بعدم الإثقال عليه:
‏عن أنس بن مالك ( قال: لما تزوج النبي ( زينب بنت جحش رضي الله عنها دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، قال: فأخذ كأنه يتهيَّأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام من القوم فقعد ثلاثة، وإن النبي ( جاء ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا. قال: فجئت فأخبرت النبي ( أنهم قد انطلقوا، قال: فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، قال: وأنزل الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا( [الأحزاب: 53](48).
وفي رواية للبخاري علقها جازمًا (وبقي نفر يتحدثون قال [أنس (] وجعلت أغتم)(49).
‏قال ابن حجر رحمه الله: (وقوله «وجعله أغتم ّ» هو من الغم سببه ما فهمه من النبي ( من حيائه من أن يأمرهم بالقيام، ومن غفلتهم بالتحدث عن العمل بما يليق من التخفيف حينئذ)(50).
‏وقال ابن حجر أيضا: (قال ابن بطال: فيه أنه لا ينبغي لأحد أن يدخل بيت غيره إلا بإذنه وأن المأذون له لا يطيل الجلوس بعد تمام ما أُذِنَ له فيه؛ لئلا يؤذي أصحاب المنزل ويمنعهم من التصرف في حوائجهم. وفيه أن من فعل ذلك حتى تضرر به صاحب المنزل أن لصاحب المنزل أن يظهر التثاقل به، وأن يقوم بغير إذن حتى يتفطن له وأن صاحب المنزل إذا خرج من منزله لم يكن للمأذون له في الدخول أن يقيم إلا بإذن جديد والله أعلم)(51).
‏وقال ابن حجر أيضًا: (وقد أخرج ابن مردويه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (دخل رجل على النبي ( فأطال الجلوس، فخرج النبي ( ثلاث مرات ليخرج فلم يفعل، فدخل عمر فرأى الكراهية في وجهه فقال للرجل: لعلك آذيت النبي ( ، فقال النبي (: لقد قمت ثلاثًا لكي يتبعني فلم يفعل، فقال له عمر رضي الله عنه: يا رسول الله لو اتخذت حجابًا، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وذلك أطهر لقلوبهن، فنزلت آية الحجاب)(52).
‏وعن أبي شريح الكعبي ( أن رسول الله ( قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلةٌ، والضِّيافة ثلاثة أيَّامٍ فما بعد ذلك فهو صدقةٌ، ولا يحلُّ له أن يثوى عنده حتَّى يحرجه»(53).
‏قال ابن حجر رحمه الله: (قوله: «حتَّى يخرجه» من الحرج وهو الضيق.
‏والثَّواء الإقامة بمكان معين، قال النووي في رواية لمسلم «حتَّى يؤثِّمه» أي يوقعه في الإثم؛ لأنه قد يغتابه لطول مقامه، أو يعرض له بما يؤذيه، أو يظن به ظنًا سيئًا، وهذا كله محمول على ما إذا لم تكن الإقامة باختيار صاحب المنزل بأن يطلب منه الزيادة في الإقامة أو يغلب على ظنه أنه لا يكره ذلك، وهو مستفاد من قوله: «حتَّى يحرجه» لأن مفهومه إذا ارتفع الحرج أن ذلك يجوز، ... وقال ابن بطال: إنما كره له المقام بعد الثلاث؛ لئلا يؤذيه فيوقعه في الإثم بعد أن كان مأجورًا)(54).
‏ثالثًا:- مراعاة المشاعر في مجال التعليم
?- مراعاة شعور السائل إذا استحيا من السؤال، ومراعاة جانب المفتي عند السؤال:
‏يتحتم على المسلم معرفة ما يتعلق بأمور دينه من الأحكام الشرعية، ومن جهل شيئًا مما فُرض عليه معرفته فعليه أن يطلب العلم، ومن طلب العلم سؤال أهل الذكر.
‏والسؤال واجب فيما هو من الفرائض أو إذا كان الجهل بالحكم سيسبب الوقوع في محرم، لكن إن كان في السؤال ما يستحيا منه لسبب ما فعلى السائل اختيار الأسلوب المناسب عند الاستفتاء، مراعيًا في ذلك الآداب الشرعية في هذا الباب.
‏والعالم والمفتي ينبغي أن يراعي مشاعر الناس، ويتجنب إيقاعهم فيما يحرجهم قدر الإمكان، فعن علي بن أبي طالب ( قال: كنت رجلًا مذّاءً، فاستحييت أن أسأل رسول الله ( فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأل ‏النبي ( لمكان ابنته، فقال: «فيه الوضوء» ، وفي رواية: «توضأ واغسل ذكرك»(55).
‏قال ابن حجر رحمه الله: (وفيه استعمال الأدب في ترك المواجهة بما يستحى منه عرفا، وحسن المعاشرة مع الأصهار، وترك ذكر ما يتعلق بجماع المرأة ونحوه بحضرة أقاربها، وقد تقدم استدلال المصنف به في [كتاب] العلم لمن استحيى فأمر غيره بالسؤال؛ لأن فيه جمعا بين المصلحتين: استعمال الحياء، وعدم التفريط في معرفة الحكم)(56).
‏وبوب البخاري رحمه الله في الصحيح: (باب الحياء في العلم، وقال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر، وقالت عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)(57).
‏قال ابن حجر رحمه الله: («باب الحياء» أي: حكم الحياء وقد تقدم أن الحياء من الإيمان وهو الشرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر وهو محمود. وأما ما يقع سببًا لترك أمر شرعي فهو مذموم وليس هو بحياء شرعي إنما هو ضعف ومهانة وهو المراد بقول مجاهد: لا يتعلَّم العلم مستحيٍ، وكأنه أراد تحريض المتعلمين على ترك العجز والتكبر لما يؤثر كل منهما من النقص في التعليم)(58).
?- مراعاة شعور الجاهل والرفق به:
‏رسالة التعليم رسالة جليلة وهي من أعظم وظائف الأنبياء عليهم السلام، وهي وسيلة عظيمة من وسائل نشر الدين وتبليغه.
‏ومن الأمور التي ينبغي مراعاتها في التعليم الرفق بالمتعلم أثناء تعليمه، حيث إن الناس متفاوتون في مستوى التفكير والفهم والسلوك.
‏فحريٌّ بالمعلم مراعاة هذه الفروق، واللطف بالمتعلم وخاصة إذا وقع المتعلم في خطأ، فإن نفس المخطئ منكسرة غالباً، فعن أنس رضي الله عنه أنه قال: بينما نحن في المسجد مع رسول ( إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله ( مه مه. قال: قال رسول الله (: «لا تزرموه دعوه»، فتركوه حتى بال. ثم إن رسول الله ( دعاه فقال له: «إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا البول ولا القذر، إنَّما هي لذكر الله عزَّ وجلَّ، والصَّلاة، وقراءة القرآن». أو كما قال رسول الله ( ، قال: «فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلوٍ من ماءٍ فشنَّه عليه»(59).
‏قال ابن حجر رحمه الله: (وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عنادًا ولاسيما إن كان عن يحتاج إلى استئلافه. وفيه رأفة النبي ( وحسن خلقه. قال ابن ماجه وابن حبان في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «فقال الأعرابي - بعد أن فقِّه في الإسلام فقام إل النبي ( - : بأبي أنت وأمي فلم يؤنِّب ولم يسبَّ»)(60).
‏أرأيت أخي المسلم إلى هذا الخلق العظيم من النبي ( تجاه من أخطأ، ‏وخاصة الجاهل الذي لا يُدرك أنه أخطأ، ولا يدرك حجم الخطأ، ولا يلاحظ تصرفاته؛ فليكن لنا في رسولنا ( أسوة حسنة.
3- مراعاة شعور من اعتاد على خطأ عند وعظه و تعليمه:
‏من داوم على أمر ما وألفه واستمر عليه، فإنه يصبح من الصعب عليه تركه، ويحتاج في تركه إل إيمان صادق، وقوة عزيمة، وتجرد من حظوظ النفس، وتربيتها على الاستجابة الفورية لله وللرسول بلسان الحال والمقال.
‏ولذا فعلى الداعية مراعاة الحكمة في تذكير الناس ووعظهم، واتباع الهدي النبوي في ذلك، والسعي لإرشاد الناس إلى البديل الشرعي المناسب لأحوالهم، وهذا ما يسمى بأسلوب التخلية والتحلية؛ أي أن يتخلى عما يخالف الشرع، ويتحلى بزينة الإيمان والعمل الصالح.
‏عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: إني رجل أصوِّر هذه الصور فأفتني فيها؟ فقال له: ادن مني، فدنا منه ثم قال: ادن مني فدنا حتى وضع يده على رأسه وقال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ( ؛ سمعت رسول الله ( يقول: «كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً فتعذبه في جهنم» وقال: إن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر، وما لا نفس له(61).
‏وتأمل قول ابن عباس رضي الله عنهما: (أنبئك بما سمعت من رسول الله () فإن هذا من حكمته ( حيث قدم للسائل ما تتهيأ به نفسه لقبول ‏الفتوى التي تحرم عليه ما تعوده وألفه، ولم يذكر له الفتوى من قوله بل عزاها إلى النبي ( ، ثم أرشده إلى البديل الشرعي، وهذا من فقه الفتيا.
‏(ومعلوم من طريقة الشريعة أنها تقدم البدائل عوضًا عن أي منفعة محرمة، فلما حرمت الزنا شرعت النكاح، ولما حرمت الربا أباحت البيع، ولما حرمت لحم الخنزير والميتة وكل ذي ناب ومخلب أباحت الذبائح من بهيمة الأنعام وغيرها وهكذا، ثم لو وقع شخص في أمر محرم فقد أوجدت له الشريعة المخرج بالتوبة والكفارة كما هو مبين في نصوص الكفارات. فينبغي على الدعاة أن يحذوا حذو الشريعة في تقديم البدائل وإيجاد المخارج الشرعية.
‏ومما تجدر الإشارة إليه أن مسألة تقديم البدائل هي بحسب الإمكان والقدرة، فقد يكون الأمر أحيانًا خطأً يجب الامتناع عنه ولا يوجد في الواقع بديل مناسب؛ إما لفساد الحال وبُعد الناس عن شريعة الله، أو أن الآمر الناهي لا يستحضر شيئًا، أو ليس لديه إلمام بالبدائل الموجودة في الواقع فهو سينكر ويغير الخطأ ولو لم يوجد لديه بديل يقوله ويوجه إليه، وهذا يقع كثيراً في بعض المعاملات المالية وأنظمة الاستثمار التي نشأت في مجتمعات الكفار ونُقلت بما هي عليه من المخالفات الشرعية إلى مجتمعات المسلمين، وفي المسلمين من القصور والضعف ما يحول دون إيجاد البديل الشرعي وتعميمه. ولكن يبقى الحال أن ذلك قصور ونقص [فينا] وأن المنهج الإلهي فيه البدائل والمخارج التي ترفع الحرج والعنت عن المسلمين، علمها من علمها، وجهلها من جهلها)(62).
4- مراعاة نفوس طلبة العلم الصّغار الذين طال فراقهم لأهليهم:
‏عن مالك بن الحويرث (:-قال: أتينا إلى النبي ( ونحن شببة مقاربون، فأقمنا مدة عشرين يوماً وليلة، وكان رسول الله رحيماً رفيقاً، فلما ظن أنّا قد اشتهيا أهلنا، أو قد اشتقنا. سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه. فقال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم؛ وعلموهم ومروهم)(63).
‏فرفقًا بهم، ومراعاة لمشاعرهم وشوقهم لأهليهم، أمرهم بالرجوع إليهم، ونشر الإسلام بينهم، وتعليمهم أحكامه وآدابه وشرائعه.
?- مراعاة شعور من نسي أمرًا ينبغي أن يفعله:
‏عن محمد بن حميد قال: عطس رجل عند ابن المبارك فلم يحمد الله، فقال له ابن المبارك: (إيش يقول العاطس إذا عطس؟)، قال: يقول الحمد لله، فقال له: (يرحمك الله)، فعجبنا كلنا من حسن أدبه(64).
‏فهذا الموقف من ابن المبارك رحمه الله وسؤاله للعاطس فيه رفع للحرج عنه، فلعله كان لا يدري ماذا يقول إذا عطس، أو لعله نسي، أو لعله أسلم حديثاً، وهذا من الحكمة في الدعوة إلى الله، قال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ( [البقرة: 269].
‏رابعًا:- مراعاة شعور المحتاجين
?- مراعاة مشاعر المحتاج الذي لا يسأل الناس:
‏قد تمر على المسلم أحوال من العسر المادي والحاجة، ولا يستطيع سؤال الناس لعفته عن السؤال، وواجب المسلمين التحسس عن هؤلاء وسد حاجتهم؛ ليكفوهم مؤونة السؤال، ويحفظوا هم ماء وجوههم.
‏عن أبي سعيد الخدري ( قال: بينما نحن في سفر مع النبي ( إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله (: «من كان معه فضل ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلٌ من زادٍ فليعد به على من لا زاد له، قال: فذكر من أصناف المال ما ‏ذكر حتَّى رأينا أنَّه لا حقَّ لأحد منَّا في فضلٍ»(65).
‏قال النووي رحمه الله في فوائد هذا الحديث: (الحث على الصدقة والجود والمواساة، والإحسان إل الرفقة والأصحاب، والاعتناء بمصالح الأصحاب، وأمر كبير القوم أصحابه بمواساة المحتاج، وأنه يكتفي في حاجة المحتاج بتعرضه للعطاء، وتعريضه من غير سؤال، وهذا معنى قوله (فجعل يصرف بصره) أي: متعرضًا لشيء يدفع به حاجته. وفيه: مواساة ابن السبيل، والصدقة عليه إذا كان محتاجًا، وإن كان له راحلة، وعليه ثياب، أو كان موسرًا في وطنه، ولهذا يعطي من الزكاة في هذه الحال. والله أعلم)(66).
‏ومن صفات القائد الناجح ملاحظة ما على وجوه أصحابه، والتنبه ‏لذلك، وفهم نفسياتهم والتعامل معهم حسبما تقتضيه أحوالهم، وأن يكفيهم عن التصريح بما يستحيون منه كالسؤال للمحتاج ونحو ذلك.
‏فعن أبي هريرة ( أنه كان يقول ألله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ( فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي‌ ‏ثم قال: «ما أبا هر»، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «الحق» ومضى فتبعته فدخل فاستأذن، فأذن لي فدخل فوجد لبنا في قدح، فقال: «من أين هذا اللَّبن؟» قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: «أبا هرٍّ»، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «الحق إلى أهل الصُّفَّة فادعهم لي»، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إل أهل ولا مال، ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ( بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: «يا أبا هرٍّ»، قلت لبيك يا رسول الله، قال: «خذ فأعطهم»، قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم ‏يرد علي القدح فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي ( وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي ‏فتبسم فقال: «أبا هرٍّ»، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «بقيت أنا وأنت»، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: «اقعد فاشرب»، فقعدت فشربت، فقال: «اشرب» فشربت فما زال يقول اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا، قال: «فأرني»، فأعطيته القدح «فحمد الله وسمَّى وشرب الفضلة»(67).
‏قال ابن حجر رحمه الله: ([وعند] الترمذي (وكنت إذا سألت جعفر بن أبي طالب لم يُجبني حتى يذهب بي إلى منزله)(68).
‏قوله (فقلت) أي في نفسي (وما هذا اللبن)؟ أي ما قدره (في أهل الصفة)؟ وفي رواية «وأين يقع هذا اللبن من أهل الصفة».
‏قوله (فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم) في رواية «فرفع رأسه فتبسم» كأنه ( كان تفرس في أبي هريرة ( ما كان وقح في توهمه أن لا يفضل له من اللبن شيء فلذلك تبسم إليه إشارة إلى أنه لم يفته شيء.
?- مراعاة شعور المحتاجين إذا تعرَّضوا للطلب وصيانتهم عن ذل السؤال:
‏عن عمرو بن عوف (: أن رسول الله ( بعث أبا عبيدة بن الجراح ( إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ( هو صالح أهل البحرين وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي ( فقدم أبو عبيدة ( بمال من البحرين،
‏فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة ( فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله (، فلما صلى رسول الله ( انصرف فتعرضوا له، فتبسم رسول الله حين رآهم ثم قال: «أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين»، فقالوا: أجل يا رسول الله، قال: «فابشروا وأمِّلوا ما يسركم..»(69).
‏فبادرهم النبي ( بقوله: «أظنكم..» ثم قال لهم: «أبشروا وأملوا ما يسركم..»، (وهذا تهوين منه عليهم ما هم فيه من الشدة، وبشارة بتعجيل الفتح عليهم)(70).
‏خامسًا:- مراعاة شعور من أراد فعل الخير.
1- مراعاة شعور الذين يريدون الخير ولا يستطيعون فعله لعجزهم أو لحصول مانع:
‏عن أبي هريرة ( عن النبي ( قال: «انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان بي، وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر، أو غنيمة، أو أدخله الجنة. ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله ولكن لا أجد حمولةً ولا أجد ما أحملُهم عليه، ويشق عليّ أن يتخلفوا عني»(71).
‏وعن جابر ( قال: كنا مع النبي ( في غزاة فقال: «إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم المرض»(72).
‏وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إنما تغيب عثمان ( عن بدر فإنه ‏كانت تحته بنت رسول الله ( وكانت مريضة، فقال له النبي (: «إنَّ لك أجر رجلٍ ممَّن شهد بدرًا وسهمه»(73).
?- مراعاة شعور من اجتهد في خير فأنفذه غيره أو لم يصل إل كماله:
‏عن عبد الرحمن بن عوف ( أنه قال: بينما أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيتُ لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدها فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؛ قال: قلت: نعم وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أُخبِرت أنه يسب رسول الله ( والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجلُ منا. قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال مثلها. قال: فلم ألبث أن نظرتُ إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت: ألا تريان؛ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه. قال: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه. ثم انصرفا إلى رسول الله ( فأخبراه. فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلتهُ، فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: ‏لا. فنظر في السيفين فقال: كلاكما قتلهُ، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن ‏الجموح والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء(74).
‏وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حدثه أنه كان في سرية من سرايا رسول الله ( قال: فحاص الناس حيصة فكنت فيمن حاص، قال: فلما برزنا قلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب، فقلنا: ندخل المدينة فنتثبت فيها ونذهب ولا يرانا أحد، قال: فدخلنا فقلنا لو ‏عرضنا أنفسنا على رسول الله ( فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا، قال: فجلسنا لرسول الله ( قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا ‏إليه فقلنا: نحن الفرارون، فأقبل إلينا فقال: «لا بل أنتم العكَّارون» قال: فدنونا فقبلنا يده، فقال: «أنا فئة المسلمين»(75).
‏وجاء في عون المعبود قوله: «بل أنتم العكَّارون»: أي أنتم العائدون إلى ‏القتال.. وقوله: «أنا فئة المسلمين» قال الخطابي: يمهد بذلك عذرهم، وهو تأويل قول الله سبحانه: (أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ( [الأنفال: 61](76).
3- مراعاة شعور المخفقين الذين أرادوا الخير ولم يتمكنوا مع محاولتهم:
‏عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (: «ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم، وما من غازية أو سرية تخفق وتصاب إلا تم أجورهم»(77).
‏وعن عمرو بن عبسة ( قال: سمعت رسول الله ( يقول: «أيما مسلم رمى بسهم في سبيل الله، فبلغ مخطئاً أو مصيباً، فله من الأجر كرقبة أعتقها من ولد إسماعيل»(78).
‏وعن سلمة ( قال: خرجنا مع النبي ( إلى خيبر، فقال رجل منهم: أسمعنا يا عامر من هنيهاتك، فحدا بهم، فقال النبي (: «من السَّائق؟» قالوا: عامر، فقال: «رحمه الله»، فقالوا: يا رسول الله هلا أمتعتنا به، ‏فأصيب صبيحة ليلته، فقال القوم: حبط عمله، قتل نفسه، فلما رجعت وهم يتحدثون أن عامرًا حبط عمله فجئت إلى النبي ( فقلت: يا نبي الله فداك أبي وأمي زعموا أن عامرًا حبط عمله، فقال: «كذب من قالها إنَّ له لأجرين اثنين إنَّه لجاهدٌ مجاهدٌ»(79).
‏سادسًا: مراعاة الشعور في جانب المرض ونحوه
1- مراعاة شعور من به تشوه في الخلقة:
‏من الآداب الشرعية عند رؤية من به مرض أو عاهة أو تشوه أن يحمد الله تعالى على ما فضله به من الصحة والعافية وتمامهما عليه، وأن لا يؤذي المسلم المصاب بدوام النظر إليه؛ لأن ذلك يشعره بالنقص والحسرة، وقد يظن بذلك أن الناس يحتقرونه، وأنهم أفضل منه، والغالب أن من به داء يكره أن مطلع عليه الناس.
‏عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (: «لا تحدُّوا النَّظر إليهم- يعني- المجذومين»(80)، وفي رواية أخرى عنه أيضاً رضي الله عنهما، عن النبي ( أنه قال: «لا تديموا النَّظر إلى المجذومين»(81).
‏وعن زر بن حُبيش عن ابن مسعود ( أنه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله (: «ممَّ تضحكون؟» قالوا: يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال: «والَّذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحُدِ ٍ»(82).
وعن أبي هريرة ( قال: قال رسول الله (: «من رأى مبتلًى فقال: الحمد لله الَّذي عافاني ممَّا ابتلاك به، وفضَّلني على كثيرٍ ممَّن خلق تفضيلًا، لم يصبه ذلك البلادء»(83).
‏وقال النووي رحمه الله: (قال العلماء من أصحابنا وغيرهم: ينبغي أن ‏يقول هذا الذكر سرّاً بحيث يسمع نفسه، ولا يسمعه المبتلى؛ لئلا يتألَّم قلبه ‏بذلك، إلا أن تكون بليّته معصيةً فلا بأس أن يُسمعَه ذلك إن لم يخف من ذلك مفسدة، والله أعلم)(84).
2- مراعاة شعور من أصابه أذى:
‏عن عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة ( في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة فسألته عن فدية من صيام، فقال: حُملتُ إلى النبي ( والقمل يتناثر على وجهي فقال: «ما كنت أرى أنَّ الجهد قد بلغ بك هذا، أما تجد شاةً؟ قلت: لا، قال: صم ثلاثة أيَّام، أو أطعم ستَّة مساكين لكلِّ ‏مسكين نصف صاعٍ من طعامٍ، واحلق رأسك»، فنزلت في خاصة، وهي لكم عامة(85).
‏وعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع النبي ( لا نذكر إلا الحج، فلا جئنا سرف(86) طمثت(87)، فدخل علي النبي ( وأنا أبكي، فقال: «ما يبكيك؟» قلت: لوددت والله أن لم أحج العام، قال: «لعلَّك نفست»، قلت: ‏نعم، قال: «فإنَّ ذلك شيءٌ كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاجُّ غير أن لا تطوفي بالبيت حتَّى تطهري»(88).
‏وفي رواية: وكان رسول الله ( رجلًا سهلا إذا هويت الشيء تابعها عليه(89).
3- مراعاة شعور من سقط أو وُجع:
‏عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (: «ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادِّهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر جسده بالسَّهر والحمَّى»(90).
‏فهم جسد واحد يتأثر أقصاه بما يصيب أدناه، فإذا أصيب أحد المسلمين بسوء فحق الأخوة يقتضي إعانته ومساندته، والتألم لحاله لا السخرية والتندر فهذا خلق مشين.
‏فعن الأسود قال: دخل شباب من قريش على عائشة رضي الله عنها وهي بمنى، وهم يضحكون. فقالت: ما يضحككم؟ قالوا: فلان خرّ على طُنُب فسطاط فكادت عنقه أو عينه أن تذهب. فقالت: لا تضحكوا، فإني سمعت رسول الله ( يقول: «ما من مسلمٍ يشاك شوكةً فما فوقها إلَّا كتبت له بها درجةٌ، ومُحيت عنه بها خطيئةٌ»(91).
?- مراعاة شعور من حصل له شيء يخجل منه:
‏دين الإسلام دين الأدب والخلق الرفيع، فهو يرفع عن المسلم الحرج في كل الأحوال والمواقف، فقد يحرج المسلم إذا كان إماماً أو مأموماً من نقض وضوئه أثناء صلاته مثلًا، فراعى الإسلام هذا الشعور النفسي، ووجه المسلم إلى المخرج من هذا الموقف؛ لئلا تسول له نفسه الاستمرار في صلاته دون وضوء وذلك من تزيين الشيطان له، وهذا المخرج ليس من قبيل الكذب وإنما هو من باب المعاريض، وإن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي (: «إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثمَّ لينصرف»(92).
‏وفي هذا الحديث إرشاد إلى إخفاء ما يوقع في الحرج، واستعمال التورية والمعاريض في ذلك، ولا يُعد ذلك رياء.
‏كما راعى الإسلام شعور من صدر منه أمر محرج خارج عن إرادته في مجمع من الناس، فعن عبد الله بن زمعة ( أن النبي ( وعظ في الضحك من الضرطة فقال: «لم يضحك أحدكم مَّما يفعل»(93).
سابعًا:- مراعاة شعور الصغير والخادم.
‏1- مراعاة شعور الزوجة الصغيرة التي تريد أن تلعب:
حث الإسلام كلا الزوجين على حسن المعاشرة والتلطف فيما بينهما، ولنا في رسول الله ( أسوة حسنة، ومن ذلك:
معاملة الزوجة بما يتناسب مع سنها واهتماماتها، وإعطاؤها ما ترغب فيه وفق الضوابط الشرعية.
فعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله ( قالت: وكانت تأتيني صواحبي فكن ينقمعن من رسول الله، قالت: فكان رسول الله يسرِّ بهنّ إلي(94).
وعنها رضي الله عنها قالت: رأيت النبي ( يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا التي أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو(95).
‏قال ابن حجر رحمه الله: (وفي الحديث... حسن خلقه ( مع أهله، وكرم معاشرته، وفضل عائشة وعظيم محلها عنده)(96).
2- مراعاة شعور الخادم والصغير الذي يحب اللعب:
‏عن أنس ( قال: كان رسول الله من أحسن الناس خُلُقاً، فأرسلني يوماً لحاجة فقلت: والله لا أذهب. وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ( فخرجت. حتى أمُرّ على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله قد ‏قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك. فقال: يا أنس! أذهبت حيث أمرتك؟ قال: قلت: نعم. أنا أذهب يا رسول الله، قال: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته لم فعلت كذا؟ وكذا؟ أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا(97).
‏وفي هذا دلالة على مراعاة الإسلام لحقوق الخدم، والتحذير من احتقارهم وازدرائهم، وتكليفهم ما يشق عليهم.
‏ولما كانت النفس تميل إلى المرح والترويح في مرحلة الطفولة أكثر من أي وقت آخر، لم يهمل الإسلام هذا الجانب، فانظر إلى حال النبي ( مع الصغار، فعن عبد الله بن شداد عن أبيه قال: خرج علينا رسول الله ( في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدم رسول الله ( فوضعه، ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله ( وهو ساجد فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله ( الصلاة، قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه ‏قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك، قال: «كلُّ ذلك لم يكن، ولكنَّ ابني ‏ارتحلني فكرهت أن أعجِّله حتَّى يقض حاجته»(98).
3- مراعاة شعور الخادم والطباخ:
‏وهذا من الآداب التي عُني بها الإسلام، غير أنك تجد كثيراً من الناس يضربون عنه صفحاً ويتعاملون مع الخادم الحر معاملة سيئة مليئة بالغلظة والفظاظة والازدراء والأنفة، مع أن هؤلاء الخدم يلون مسؤوليات كبيرة في بيوت مستخدميهم، متناسين نعمه الله عليهم حيث سخر لهم من يخدمهم ولو شاء سبحانه لجعلهم خادمين غير مخدومين.
‏فعن أبي هريرة ( قال: قال رسول الله (: «إذا أتى أحدكم خادمه بطعام فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين؛ فإنه ولي علاجه»(99)، هذا مع الخادم المملوك فكيف بالخادم غير المملوك أو الأجير.
‏وعن أبي مسعود الأنصاري ( قال: كنت أضرب غلامًا لي فسمعت من خلفي صوما، «اعلم أبا مسعودٍ لله أقدر عليك منك عليه» فالتفت فإذا هو رسول الله ( ، فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله، فقال: «أما لو لم تفعل للفحتك النَّار، أو لمسَّتك النارُ»(100).
‏وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ( يقول: «من ضرب عبده ظالمًا لم يكن له كفارة دون عتقه»(101).
‏ثامنًا: مراعاة الشعور في جانب الخطأ
1- مراعاة شعور المخطيء بعدم تعيينه:
‏في كثير من المواقف ينبه النبي ( على الخطأ دون تعيين فاعله؛ لأن المقصود هو معرفة الخطأ والتحذير منه.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: صنع النبي ( شيئًا فرخص فيه، فتنزَّه عنه قوم فبلغ ذلك النبي ( فخطب فحمد الله، ثم قال: «ما بال أقوامٍ يتنزَّهون عن الشَّيء أصنعه، فوالله إنِّي لأعلمهم بالله، وأشدُّهم له خشيةً»(102).
‏وفي قصة بريرة رضي الله عنها قال عليه الصلاة والسلام: «ما بال أقوامٍ يشترطون شروطُاً ليس في كتاب الله، من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة شرطٍ»(103).
?- مراعاة مشاعر من أخطأ وندم، وهو ينتظر العقاب:
‏عن المقداد ( قال: أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد قال: فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي فانطلق بنا إلى أهله فإذا ثلاث أعنُز، فقال النبي (: احتلبوا هذا اللبن بيننا.قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي ( نصيبه. قال: فيجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً ويسمح اليقظان قال: ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشربه. فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي فقال: محمد يأتي ‏الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم، وما به حاجة إلى هذه الجرعة فأتيت فشربتها فلما أن وغلت(104) في بطني وعلمت أنه ليس إليها سبيل قال: ندّمني الشيطان. فقال: ويحك ما صنعت؛ أشربت شراب محمد فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك.وعليّ شملة إذا وضعتها على قدميَّ خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي. وجعل لا يجيئني النوم. وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعتُ. قال: فجاء النبي ( فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد شيئاً، فرفع رأسه إلى السماء فقلت: الآن يدعو عليَّ فأهلك. فقال: «اللَّهمَّ أطعم من أطعمني، واسق من سقاني...»(105).
‏3- مراعاة شعور من أقيم عليه الحد والعقوبة:
‏عن أبي هريرة ( عن النبي ( أنه قال: «إذا زنت الأمة فتبيَّن زناها فليجلدها ولا يثرِّب...»(106)، أي لا يُعيِّر، من قول يوسف عليه السلام لإخوته: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ( [يوسف: 92] فلا تثريب ولا تعيير؛ لأن الحدود كفارة وتطهير لمن أقيمت عليه:
‏فعن عبادة بن الصامت ( قال كنا عنا النبي ( في مجلس فقال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، وقرأ هذه الآية كلَّها(107)، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا ‏فعوقب به فهو كفَّارته، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه»(108).
‏فمن أقيم عليه الحد فلا عقوبة عليه غير الحد؛ لأنه تطهيركما تقام، بل إنه إذا صدق في التوبة والندم فربما كانت حاله بعد الحد خيراً من ذي قبل كما جاء عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ( قطع يد امرأة، فقالت عائشة رضي الله عنها: وكانت تأتي بعد ذلك فأرفع حاجتها إل النبي ( ، فتابت وحسنت توبتها(109).
‏قال ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث: ([عن] القاسم بن محمد أن عائشة رضي الله عنها قالت: فنكحت تلك المرأة رجلًا من بني سليم وتابت، وكانت حسنة التَّلبٌّس، وكانت تأتيني فأرفع حاجتها «الحديث... وفي آخر حديث مسعود بن الحكم عند الحاكم (قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن النبي ( كان بعد ذلك يرحمها ويصلها)، وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عند أحمد أنها قالت: هل لي من توبة يا رسول الله؟ فقال: «أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمُّك»(110)... وقد حكى ابن الكلبي في قصة أم عمرو بنت سفيان أن امرأة أسيد بن حضير أوتها بعد أن قطعت وصنعت لها طعامًا، وأن أسيدا ذكر ذلك للنبي ( كالمنكر على امرأته فقال: رحمتها رحمها الله)(111).
4- مراعاة شعور من تبينت براءته من الخطأ:
‏من سمات صاحب الكرامة أن لا يرضى بالتهمة ولا يزال يسعى في البراءة منها حتى يبطلها إن استطاع.
‏ولهذا عندما تتبين براءته من التهمة فإنه يحتاج إلى تعزيز الثقة به، ورد اعتباره، فعن زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله ( وكان معنا أناس من الأعراب. فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه، فسبق أعرابي أصحابه فيسبق الأعرابي فيملأ ‏الحوض ويجعل حوله حجارة ويجعل النِّطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من الأنصار أعرابيًا، فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه فانتزع قباض الماء، فرفع الأعرابي خشبته فضرب بها رأس الأنصاري فشجَّه فأتى عبد الله بن أبٍّي رأس المنافقين فأخبره وكان من أصحابه، فغضب عبد الله بن أبيٍّ، ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله يعني الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله ( عند الطعام، فقال عبد الله: إذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمدًا بالطعام فليأكل هو ومن عنده، ثم قال لأصحابه: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال زيد: وأنا ردف رسول الله ( فسمعت عبد الله بن أبيٍّ فأخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول الله ( ، فأرسل إليه رسول الله ( فحلف وجحد، قال: فصدقه رسول الله ( وكذَّبني. قال: فجاء عمي إليَّ فقال: ما أردت إلا أن مقتك رسول الله ( وكذبك والمسلمون، قال: فوقع عليَّ من الهمِّ ما لم يقع على أحد. قال: فبينما أنا أسير مع رسول الله ( في سفر قد خفقت برأسي من الهمِّ إذ أتاني رسول الله ( فعرك أذني، وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها ‏الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر ( لحقني فقال: ما قال لك رسول الله (؟ قلت: ما قال لي شيئًا إلا أنه عرك أذني، وضحك في وجهي، فقال: أبشر، ثم لحقني عمر ( فقلت له مثل قولي لأبي بكر (، فلما أصبحنا قرأ رسول الله ( سورة المنافقين(112).
‏تاسعًا: مراعاة شعور من أصابه حزن أو وجد أو غم ونحو ذلك
1- مراعاة شعور من أصابه حزن بمشاركته في حزنه:
‏من واجب المسلم على أخيه المسلم مشاركته في أحزانه وأفراحه، تعميقاً لمفهوم الجسد الواحد.
‏قال ابن عباس رضي الله عنهما بعد ذكر القتال يوم بدر: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ( لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: «ما ترون في هؤلاء الأسارى؟» فقال أبو بكر (: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله (: «ما ترى يا ابن الخطَّاب»، قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر (‏، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكِّنِّي من فلان نسيبًا لعمر ( فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوي رسول الله ( ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ( وأبو بكر ( قاعدين يبكيان قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء ‏تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله (: «أبكي للَّذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشَّجرة»، شجرة قريبة من نبي الله (، وأنزل الله عز وجل: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَّوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا( [الأنفال: 67- 69] فأحل الله الغنيمة لهم(113).
‏بل إن إحدى الأنصاريات شاركت عائشة رضي الله عنها بالبكاء في محنتها كما ذكرت ذلك عائشة رضي الله عنها في حديث الإفك: كان رسول الله ( إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين النساء ... [فذكرت قصة اتهامها وتأثّرها]... إلى أن قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالقٌ كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنتُ لها فجلست تبكي...)(114).
وقد قال الشاعر: ‏
ولابد من شكوى إلى ذي مروءة
يُواسيك أو يُسليك أو يَتوجعُ
?- مراعاة وجد الأم على ولدها:
‏عن أنس بن مالك ( أن النبي ( قال: «إنِّي لأدخل في الصَّلاة وأنا أريد ‏إطالتها فأسمع بكاء الصَّبيِّ؛ فأتجوِّز في صلاتي؛ مَّما أعلم من شدَّه وجد أمِّه من بكائه»(115).
‏وعن أنس ( قال: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي ( فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع، فقال: «ويحك أوهبلت أوجنَّةٌ واحدةٌ هي، إنَّها جناٌن كثيرةٌ، وإنَّه لفي جنَّة الفردوس»(116).
‏قال ابن حجر رحمه الله: (قوله: «هبلت» بضم الهاء بعدها موحدة مكسورة، أي ثُكِلَتْ وهو بوزنه، وقد تفتح الهاء يقال: هبلته أمه تهبله بتحريك الهاء أي ثكلته، وقد يرد بمعنى المدح والإعجاب، قالوا أصله إذا مات الولد في الهبل هو موضع الولد من الرحم فكأن أمه وجع مهبلها بموت الولد فيه)(117). وفي رواية: (أن حارثة ابن الربيع جاء يوم بدر نظَّاراً)(118)، قال الساعاتي رحمه الله: (قوله (نظاراً) النظار الجاسوس على العدو، ولم يخرج مقاتلًا لصغر سنه كما في رواية للبخاري(119) (أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام) والغلام الابن الصغير. [قال ابن حجر وعند النسائي: (ما خرج لقتال)]، ترددتْ في دخول ابنها الجنة وهو من الشهداء؛ لأنه لم يخرج للقتال وإنما خرج طليعة للجيش، وفهمت هي أن درجة الشهادة للمقاتل وحده)(120).
3- مراعاة مشاعر المغموم وإزالة غمه عنه:
‏عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: دخل أبو بكر (: يستأذن على رسول الله ( فوجد الناس جلوساً ببابه، لم يؤذن لأحل منهم، قال: فأذن لأبي بكر (. فدخل. ثم أقبل عمر ( فاستأذن، فأذن له، فوجد النبي ( جالساً حوله نساؤه واجماً ساكتاً فقال: لأقولنّ شيئاً أُضحكُ به رسول الله ( ، فقال: يا رسول الله: لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقُمت إليها فوجأت عنقها. فضحك رسول الله ( وقال: «هنَّ حولي كما ترى يسألننى النَّفقة»(121).
‏ومن ذلك ما جاء في قصة جابر ( لما تخلف جمله عن الركب لهزال أصاب الجمل فاغتم لذلك، فإذا بالنبي ( يلاطفه بهذا الحوار الممتع.
‏عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خرجت مع رسول الله ( في غزوة ذات الرِّقاع مرتحلًا ‏على جمل لي ضعيف، فلما قفل رسول الله ( جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله ( فقال: «ما لك يا جابر؟» قال: قلت يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا، قال: «فأنخه» وأناخ رسول الله ( ثم قال: «أعطني هذه العصا من يدك»، أو قال: «اقطع لي عصاً من شجرةٍ»، قال: ففعلت، قال: فأخذ رسول الله ( ‏فنخسه بها نخساتٍ، ثم قال: «اركب»، فركبت فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقةً، قال: وتحدث معي رسول الله ( فقال: «أتبيعني جملك هذا يا جابر»، قال: قلت يا رسول الله بل أهبه لك، قال: «لا ولكن بعنيه»، قال: قلت فسمني به، قال: «قد قلت أخذته بدرهمٍ»، قال: قلت: ‏لا إذًا يغبنني رسول الله (، قال: «فبدر همين»، قال: قلت: لا، قال: فلم يزل يرفع لي رسول الله ( حتى بلغ الأوقية، قال: قلت: فقد رضيت، قال: «قد رضيت»، قلت: نعم، قلت: هو لك، قال: «قد أخذته»، قال: ثم قال لي: «يا جابر هل تزوَّجت بعد»، قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: ‏«أثيِّبًا أم بكراً؟» قال: قلت: بل ثيبا، قال: «أفلا جاريةً تلاعبها وتلاعبك»، قال: قلت يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحل وترك بنات له سبعا، فنكحت امرأة جامعة تجمع رءوسهن وتقوم عليهن، قال: «أصبت إن شاء الله»، قال: «أما إنَّا لو قد جئنا صراراً أمرنا بجزورٍ فنحرت، وأقمنا عليها يومنا ذلك، وسمعت بنا فنفضت نمارقها»، قال: قلت والله يا رسول الله ما لنا من نمارق، قال: «إنَّها ستكون فإذا أنت قدمت فاعمل عملًا كيِّسًا»، قال: فلما جئنا صراراً أمر رسول الله ( بجزور فنحرت فأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول الله ( دخل ودخلنا، قال: فأجبرت المرأة الحديث وما قال لي رسول الله ( ، قالت: فدونك فسمعًا وطاعة، قال: فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله ( ، ثم جلست في المسجد قريبًا منه، قال: وخرج رسول الله ( فرأى الجمل فقال: «ما هذا؟»، قالوا: يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر، قال: «فأين جابر ٌ؟» فدعيت له، قال: «تعال أي يا ابن أخي خذ برأس جملك فهولك» قال: فدعا بلالًا، فقال: «اذهب بجابرٍ فأعطه أوقيَّةً»، فأهبت معه فأعطاني أوقية، وزادني شيئًا يسيرًا، قال: فوالله مازال ينمي عندنا ونرى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب الناس، يعني يوم الحرة(122).
‏فكان اغتمام جابر ( لإعياء جمله حتى إنه أراد أن يتركه، وإنه لم يكن له ناضح - أي ما يسقون به زروعهم- غير هذا الجمل، فلاطفه النبي ( بهذا الحوار الماتع ثم تكرم عليه.
‏قال ابن الجوزي رحمه الله: (هذا من أحسن التكرم؛ لأن من باع شيئًا فهو في الغالب محتاج لثمنه، فإذا تعوض من الثمن بقي في قلبه من المبيع أسف على فراقه... فإذا رد عليه المبيع مع ثمنه ذهب عنه الهم، وثبت فرحه وقضيت حاجته، فكيف مع ما انضم إل ذلك من الزيادة في الثمن)(123).
وذكر ابن حجر رحمه الله من فوائد الحديث: (تفقد الإمام والكبير لأصحابه، وسؤاله عما ينزل بهم، وإعانتهم بما تيسر من حال أو مال أو دعاء)(124).
?- مراعاة شعور من تألم لفقد عزيز ومساعدته بشفاعة أو غيرها:
‏عن ابن عباس رضي الله عنهما أن زوج بريرة رضي الله عنها كان عبدًا يقال له مغيث (، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ( لعباس (: «يا عبَّاس ألا تعجب من حبِّ مغيثٍ بريرة، ومن بغض بريرة مغيثاً»، فقال النبي (: «لو راجعته»، قالت: يا ‏رسول الله تأمرني، قال: «إنَّما أنا أشفع»، قالت: لا حاجة لي فيه(125).
‏عاشرًا: مراعاة الشعور في جوانب متفرقة
1- مراعاة شعور من أتاه ما يسره بمشاركته في السرور وتهنئته:
‏كما ذكر كعب ( في قصة تخلّفه عن غزوة تبوك والمحنة التي أصابته بهجر جميع المسلمين إياه خمسين ليلة، ثم نزول توبة الله عليه، وفرح الصحابة بذلك الخبر فرحًا عظيمًا، فقال كعب ( واصفًا ذلك الموقف:
‏فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ. واستعرت ثوبين فلبسهما فانطلقت أتأمم رسول الله يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنؤوني بالتوبة، ويقولون: هنيئاً توبة الله عليك حتى دخلت المسجد. فإذا رسول الله جالس في المسجد وحوله الناس. فقام: طلحة بن عبيد الله ( يهرول حتى صافحني وهنَّاني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: ولا أنساها لطلحة(126).
‏قال ابن حجر رحمه الله في فوائد الحديث: (الاستباق إلى البشارة بالخير، وتهنئة من تجددت له نعمة، والقيام إليه إذا أقبل)(127).
?- مراعاة شعور المرء يما يؤذي قريبة:
‏وشائج القرابة تجعل ما يصيب قريبك كأنها أصابك، وكل ما يؤذي المرء - غالبًا - يؤذي قريبه، فجاء الإسلام بمراعاة هذا الشعور، ما لم تصادم محبة القرابة أوامر الشرع، نهاهنا يسعى المسلم لنيل رضا الله ولو سخط الناس.
‏عن المغيرة بن شعبة ( قال: قال رسول الله (: «لا تسبُّوا الأموات؛ فتؤذوا الأحياء»(128).
‏وعن المسور بن مخرمة ( قال: إن عليا ( ‏خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك فاطمة رضي الله عنها فأتت رسول الله ( فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ( ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله ( فسمعته حين تشهد يقول: «أمَّا بعد: أنكحت أبا العاص بن الرَّبيع فحدَّثني وصدقني، وإنَّ فاطمة بضعهٌ منِّي وأنِّي أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله ( وبنت عدوِّ الله عند رجلٍ واحدٍ»، فترك علي ( الخطبة. وزاد محمد بن عمرو بن حلحلة عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن مسور ( قال: سمعت النبي ( وذكر صهرًا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن، قال: «حدَّثني فصدقني ووعدني فوفى لي»(129).
وفي رواية: «... وإنِّي لست أحِّرم حلالًا، ولا أحلُّ حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله ( وبنت عدوِّ الله أبدًا»(130).
‏ولا يفهم منه منع التعدد أو تحريم ما أحل الله، لكن اجتماع بنت رسول الله ( وبنت عدو الله مع ما يحصل بين الضرائر من الغيرة ربما أدى إلى عداوة بينهما يصل أثرها إلى الوقوع في الآباء؛ فإن أبا إحداهما رأسُ الإيمان، وأبا الأخرى رأسُ الكفر ومن أشد الناس عداوة للنبي عليه الصلاة والسلام، فحين تأخذ بنت أبي جهل حميةٌ لأبيها أو يقع في نفسها ‏شيء على النبي عليه الصلاة والسلام فتهلك حين تقابل العداوة الشرعية الدينية بالحمية الجاهلية لأبيها؛ ولعل هذا ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «والله لا تجتمع بنت رسول الله ( وبنت عدوِّ الله عند رجلٍ واحدٍ» والله أعلم.
‏وربما قيل: إن منصب التزوج من إحدى بنات النبي ( لا يناله كل أحد فعلى من خصه النبي ( بهذا الشرف أن يقابل هذا الإحسان والإفضال بمثله، فلا يفعل ما يؤذي بنت النبي ( كما كان من أبي العاص بن الربيع الذي أثنى عليه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «أنكحت أبا العاص بن الرَّبيع فحدَّثني وصدقني».
‏وقال النووي رحمه الله: (قال العلماء: في هذا الحديث تحريم إيذاء النبي ( بكل حال، وعلى كل وجه، إن تولد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحًا، وهو حي، وهذا بخلاف غيره. قالوا: وقد أعلم ( بإباحة نكاح بنت أبي جهل لعلي بقوله (: «لست أحرِّم حلالًا» ولكن نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوصتين:
‏إحداهما: أن ذلك يؤدي إل أذى فاطمة رضي الله عنها؛ فيتأذى حينئذ النبي (، فيهلك من أذاه، فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علي وعلى فاطمة رضي الله عنهما.
‏والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة. وقيل: ليس المراد به النهي عن جمعهما، بل معناه أعلم من فضل الله أنهما لا تجتمعان، كما قال أنس بن النَّضر (: والله لا تُكسر ثنية الرُّبيِّع. ويحتمل أن المراد تحريم جمعهما، وتكون معنى لا أُحرم حلالًا أي لا أقول شيئًا يخالف حكم الله، فإذا أحل ‏شيئًا لم أحرمه، وإذا حرمه لم أُحلله، ولم أسكت عن تحريمه؛ لأن سكوتي تحليل له، ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله وبنت عدو الله)(131).
‏وقال ابن القيم رحمه الله: (وفيه تحريم أذى النبي ( بكل وجه من الوجوه، وإن كان بقعل مباح، فإذا تأذى به رسول الله ( لم يجز فعله، لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ( ‏[الأحزاب: 53]... وفيه أن أذى أهل بيته ( وإرابتهم أذى له)(132).
‏وجاء في عون المعبود قوله: (وإني لست أحرم حلالًا، ولا أُحل حرامًا، ولكن والله لا تجتمع...: فيه إشارة إلى إباحة نكاح بنت أبي جهل لعلي (، ولكن نهى عن الجمع بينها وبين بنته فاطمة رضي الله عنها؛ لأن ذلك يؤذيها وأذاها يؤذيه (، وخوف الفتنة عليها بسبب الغيرة، فيكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله عليه السلام وبنت عدو الله. قاله العلامة القسطلَّاني)(133).
‏قال ابن داود فيما ذكره المحب الطبري: (حرم الله عز وجل على علي ( أن ينكح على فاطمة رضي الله عنها حياتها لقوله تعالى: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا( [الحشر: 7] ذكره القسطلَّاني)(134).
3- مراعاة شعور البكر عند عقد النكاح:
‏من طبيعة الفتاة الحياء، وأكثر ما يكون لدى البكر، ولذا راعى الإسلام هذه الصفة، عند عقد النكاح، فمع أن رضا الزوجة بالزوج من شروط عقد النكاح ولا يتم العقا إلا به، إلا أن الإسلام راعى شعور البكر وحياءها الذي يمنعها من النطق بذلك، واكتفى بسكوتها واعتبره إقراراً بموافقتها عليه.
‏عن أبي هريرة ( أن رسول الله ( قال: «لا تنكح الأيِّم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا يا رسول الله: وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت»(135).
4- مراعاة شعور حديث العهد بالجاهلية:
‏الداعية الصادق يتبع كل الوسائل المشروعة و الممكنة في ترغيب الناس في دين الله، أسوة وقدوة برسول الله ( حيث فعل ذلك مع من كانوا من قبل من ألدَّ الناس عداوة له وللمسلمين، والذين حاربوا الدعوة وسعوا جاهدين إلى وأدها في مهدها، فتألفهم ( وأعطاهم من غنائم حنين عطاء من لا يخشى الفقر، مما جعل الأنصار يشعرون بالغيرة، فخاطب النبي ( الأنصار بقوله: «إنَّ قريشاً حديث عهدٍ بجاهليَّةٍ ومصيبةٍ وإنِّي أردت أن ‏أجبرهم وأتألَّفهم، أما ترضون أن يرجع النَّاس بالدُّنيا وترجعون برسول ‏الله ( إلى بيوتكم»، قالوا: بلى، قال: «لو سلك النَّاس وادياً وسلكت الأنصار شعباً، لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار»(136).
5- مراعاة الإسلام شعور أصحاب الزرع بإخراج جزء من زكاتهم بأنفسهم:
‏عن سهل بن أبي حثمة ( قال: أمرنا رسول الله ( إذا خرصتم فخذوا ‏ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع)(137).
‏وجاء في تحفة الأحوذي قوله:
‏(إذا خرصتم) أي حزرتم وخمنتم أيما السعاة (فخذوا) أي زكاة المخروص... أي إذا (خرصتم) فبينوا مقدار الزكاة ثم خذوا ثلثي ذلك المقدار واتركوا الثلث لصاحب المال حتى يتصدق به... أمرهم أن يتركوا للمالك ثلث ما خرصوا عليه أو ربعه؛ توسعة عليه حتى يتصدق به هو على جيرانه، ومن يمر به ويطلب منه، فلا يحتاج إل أن يغرم ذلك من ماله(138).
6- مراعاة مشاعر الناس إذا فارقوا أوطانهم:
‏عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما قدم رسول الله المدينة وُعِك أبو بكر و بلال رضي الله عنهما، قالت: فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبَّح في أهله ليلة
والموت أدنى من شراك نعله
‏وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بواد وحولي إذخرٌ وجليلُ
وهل أردن يوماً مياه مجنَّةٍ
وهل يبدون لي شامة وطفيل ‏قالت عائشة رضي الله عنها: فجئت رسول الله ( فأخبرته، فقال: «اللَّهمَّ حبِّب إلينا المدينة كحبِّنا مكَّة أو أشدَّ، وصحِّحها وبارك لنا في صاعها ومدِّها، وانقل حمَّاها فاجعلها بالجحفة»(139).
‏فهذا الدعاء من النبي ( فيه مراعاة لمشاعر أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، وتخفيف لمصابهم.

الخاتمة
‏تلك أمثلة قولية وعملية من القرآن والسنة تدل على الاعتناء بمشاعر الناس، ومراعاة نفوسهم. وما هي إلا نماذج من طرف القلم، فكنوز السنة وتطبيقات السيرة ملآى بمثل هذه المواقف.
‏والمراد من سياق هذه الأمثلة التنبيه على أهمية قيام هذا الأمر بين المسلمين، وأنّ له وزنًا في الشريعة، فلعلنا نلتفت إلى أهمية ذلك في تصرفاتنا مع بعضنا البعض، ونُراعي نفوس إخواننا، ونتمثل وصية الله لعباده: (وَقُلْ لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا( [الإسراء: 53].
‏نسأل الله أن يجعلنا ممن يدخل السرور على نفوس المسلمين، ويراعي مشاعرهم.
‏وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
محمد صالح المنجد


المحتويات
مقدمة 5
‏مراعاة المشاعر 6
صور من مراعاة المشاعر 9
الخاتمة 71
المحتويات 72





(1) تفسير القاسمي (4/ 276).
(2) الشخصية الدينية المعتبرة؛ كالإمام والمعلم وغيرهما.
(3) تفسير السعدي (154).
(4) أي: إحسانًا وتكرمًا.
(5) مدارج السالكين (2/ 380- 381) بتصرف.
(6) تفسير السعدي (405).
(7) رواه أحمد (5949) وصححه الألباني.
(8) رواه الترمذي (2752) وأبو داود (4845) وصححه الألباني.
(9) عون المعبود (13/ 133).
(10) رواه البخاري (6290) ومسلم (2184) واللفظ له.
(11) شرح النووي على مسلم (14/ 167).
(12) فتح الباري (11/ 86).
(13) معالم السنن (4/ 117) بتصرف.
(14) شرح ابن علان (8/ 95).
(15) الحشف: أردأ التمر، ومن أمثالهم: (أحشفا وسوء كيلة) أي أتجمع أن تعطيني حشفا وأن تسيء لي الكيل، وهو مثل يضرب لمن يجمع بين خصلتين مكروهتين. راجع: "أدب الكاتب" (ص 316) – "إصلاح المنطق" (ص 311) – "مجمع الأمثال" (1/ 207).
(16) رواه أبو داود (4828) وأحمد (5567) وهذا لفظه، وقال الألباني: حسن لغيره.
(17) رواه البخاري (6269) ومسلم (2177) واللفظ له.
(18) رواه احمد (10266) وصححه الألباني.
(19) مجموع فتاوى الألباني (221).
(20) رواه مسلم (2179).
(21) رواه أبو داود (4843) وحسنه الألباني.
(22) رواه احمد (22755) وحسنه الألباني.
(23) رواه مسلم (3003) وعلقه البخاري مجزومًا.
(24) رواه أحمد (26956) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 173): رواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات، وقال الساعاتي في الفتح الرباني (21/ 152): سنده صحيح.
(25) يحيى بن سعيد الأنصاري.
(26) رواه البخاري (6142) ومسلم (1669).
(27) رواه البخاري (6898).
(28) رواه مسلم (1669).
(29) فتح الباري (12/ 238).
(30) شرح النووي على مسلم (11/ 146).
(31) الآداب الشرعية (1/ 443).
(32) الإعلام لابن الملقن (6/ 420).
(33) رواه الترمذي (849) وصححه الألباني.
(34) رواه البخاري (1825) ومسلم (1193) واللفظ له.
(35) فتح الباري (4/ 34).
(36) الإعلام لابن الملقن (6/ 419).
(37) رواه البخاري (3798) ومسلم (2054) واللفظ له.
(38) رواه البيهقي (9599) وقال الألباني: الحديث قوي بمجموع طرقه.
(39) رواه مسلم (2038).
(40) رواه البخاري (6138) ومسلم (47).
(41) شرح النووي على مسلم (13/ 213 – 214).
(42) رواه أحمد (16384) وأبو داود (142) و (143) وصححه الألباني.
(43) عون المعبود (1/ 166).
(44) عون المعبود (1/ 164) بتصرف.
(45) رواه مسلم (673).
(46) رواه مسلم (673).
(47) رواه الترمذي (2773) وصححه الألباني.
(48) رواه البخاري مختصرًا (4729) ومسلم (1428).
(49) رواه البخاري (5163).
(50) فتح الباري (9/ 228).
(51) فتح الباري (11/ 65).
(52) فتح الباري (8/ 351).
(53) رواه البخاري (6135).
(54) فتح الباري (10/ 550).
(55) رواه البخاري (132) و (269) ومسلم (303).
(56) فتح الباري (1/ 381).
(57) رواه البخاري (1/ 135) معلقًا مجزومًا به، وقول عائشة رضي الله عنها وصلة مسلم في صحيحه (233)، وقول مجاهد وصله أبو نعيم في الحلية (2/ 022) وصحح إسناده ابن حجر في الفتح (1/ 922).
(58) فتح الباري (1/ 229) بتصرف.
(59) رواه البخاري (221) ومسلم (285) واللفظ له.
(60) فتح الباري (1/ 325).
(61) رواه البخاري (2225) ومسلم (2110) واللفظ له.
(62) الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس (53).
(63) رواه البخاري (631) ومسلم (674).
(64) حلية الأولياء (8/ 170).
(65) رواه مسلم (1728).
(66) شرح النووي على مسلم (12/ 33).
(67) روه البخاري (6452).
(68) فتح الباري (11/ 289).
(69) رواه البخاري (3185) ومسلم (2961).
(70) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (7/ 112).
(71) رواه البخاري (36).
(72) رواه البخاري (4423)، ومسلم (1911) واللفظ له.
(73) رواه البخاري (3130).
(74) رواه البخاري (3141) ومسلم (1752).
(75) رواه أبو داود (2647) وصححه أحمد شاكر.
(76) عون المعبود (7/ 221).
(77) رواه مسلم (1906).
(78) رواه أحمد (17023) وصححه الألباني.
(79) رواه البخاري (6891) ومسلم (1802).
(80) رواه البيهقي (14636) وصححه الألباني.
(81) رواه ابن ماجة (3543) وصححه الألباني.
(82) رواه أحمد (3991) وصححه أحمد شاكر.
(83) رواه الترمذي (3431) وحسنه الألباني.
(84) الأذكار (258).
(85) رواه البخاري (4517) ومسلم (1201) وله ألفاظ متعددة.
(86) ويسمى الآن النورية ويقع شمال مكة بحوالي 13كم.
(87) أي: حضت.
(88) رواه البخاري (305).
(89) رواه مسلم (1213).
(90) رواه البخاري (6011).
(91) رواه مسلم (2572).
(92) رواه أبو داود (1114) وصححه الألباني.
(93) رواه البخاري (4942) ومسلم (2855).
(94) رواه مسلم (2440).
(95) رواه البخاري (5236).
(96) فتح الباري (1/ 549).
(97) رواه مسلم (2310).
(98) رواه النسائي (1141) وصححه الألباني.
(99) رواه البخاري (2557).
(100) رواه مسلم (1659).
(101) رواه أبو يعلى (5782) بسند صحيح، وهو في مسلم بمعناه (7561).
(102) رواه البخاري (6101).
(103) رواه البخاري (456).
(104) بالغين المعجمة المفتوحة أي دخلت وتمكنت منه. انظر: شرح النووي على مسلم (14/ 14).
(105) رواه مسلم (2055).
(106) رواه البخاري (2152) ومسلم (1703).
(107) ذكر ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (12/ 84) أن الآية هي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( [الممتحنة: 12].
(108) رواه البخاري (6784)، ومسلم (1709).
(109) رواه البخاري (6800)، ومسلم (1688).
(110) رواه أحمد (6657).
(111) فتح الباري (12/ 95- 96) بتصرف.
(112) رواه البخاري (4900)، ومسلم (2772) مختصرًا.
(113) رواه مسلم (1763).
(114) رواه البخاري (4750)، ومسلم (2770).
(115) رواه البخاري (710).
(116) رواه البخاري (6550) و (2809).
(117) فتح الباري (7/ 305).
(118) رواه أحمد (13871).
(119) رواه البخاري (3982).
(120) شرح الساعاتي على المسند (22/ 218) بتصرف.
(121) رواه مسلم (1478).
(122) رواه البخاري (2097)، ومسلم (715)، وأحمد (15026) وهذا لفظه.
(123) نقلًا عن فتح الباري (5/ 317).
(124) فتح الباري (5/ 321).
(125) رواه البخاري (5283).
(126) رواه البخاري (4418)، ومسلم (2769).
(127) فتح الباري (8/ 124).
(128) رواه الترمذي (1982)، وصححه الألباني.
(129) رواه البخاري (3729)، ومسلم (2449).
(130) رواه البخاري (3110)، ومسلم (2449)، واللفظ للبخاري.
(131) شرح النووي على مسلم (16/ 3).
(132) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (6/ 55- 56).
(133) عون المعبود (6/ 55).
(134) عون المعبود (6/ 55).
(135) رواه البخاري (5136) ومسلم (1419).
(136) رواه البخاري (4334) ومسلم (1059) واللفظ البخاري.
(137) رواه الترمذي (643)، وأبو داود (1605)، وأحمد (15286).
(138) تحفة الأحوذي (3/ 244) باختصار.
(139) رواه البخاري (3926)، ومسلم (1376)، واللفظ للبخاري.
---------------

= ---------------

=

---------------

------------------------------------------------------------