Advertisement

تكوين المفكر عبد الكريم بكار



تَكْوِيْن المُفَكِّر
خٌطَواتٌ عَمَلِيّةٌ









أ.د.عَبْد الكَرِيّم بَكَّار
دَارُ السْلامِ
للنْشر والتوزيع والطباعة والترجمة








تَكْوِيْن المُفَكِّر

خٌطَواتٌ عَمَلِيّةٌ










مُنْتَدى? مَجَلّة الإبْتِسَامة
www.ibtesama.com
مايا شوقي







كَافّة حقُوق الطبع والنشر والترجمة محفوظة
للناشر
دَارُ السْلامِ للطبع والنشر والتوزيع والترجمة
لصاحبها
عبد القادر محمود البكّار
الطبعة الثانية
والأولى? لدار السلام
????ه -????م
**بطاقة فهرسة..
فهرسة أثناء النشر إعداد الهيئة المصرية العامة لدار الكتب والوثائق القومية-إدارة الشؤون الفنية.
بكار،عبد الكريم.
تكوين المفكر:خطوات عملية /تأليف:عبد الكريم بكار ،ط?-القاهرة:دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة .[????م].
???ص ؛??سم.
تدمك ? ??? ??? ??? ???
?-التفكير
?-طرق البحث
أ –العنوان
???،?? **دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة ..ش.م.م
تأسست الدار عام ????م وحصلت على جائزة أفضل ناشر للتراث على مدار ثلاثة أعوام مُتتالية ????م.????م.????م.هي عمر الجائزة تتويجاً لعقد ثالث مضى لصناعة النشر.
جمهورية مصر العربية-القاهرة-الإسكندرية
الإدارة ،القاهرة:شارع?? عمر لطفي موزي لشارع عباس العقاد خلف مكتب مصر للطيران عند الحديقة الدولية وأمام مسجد الشهيد عمرو الشربيني –مدينة نصر،هاتف:???????? -???????? (???) فاكس ???????(???)
المكتبة:فرع الأزهر:???شارع الأزهر الرئيسي هاتف:???????? (???+)
المكتبة:فرع مدينة نصر:?شارع الحسن بن علي متفرع من شارع علي أمين بامتداد شارع مصطفى النحاس،مدينة نصر هاتف:???????? (???+)
المكتبة :فرع الإسكندرية ???شارع الإسكندرية الأكبر الشاطبي بجوار جمعية الشابان المسلمين هاتف :??????? فاكس:???????(???+)
بريدياً: ص ب:???-الغورية- الرمز البريدي:?????
البريد الإلكتروني:info@dar-alsalam.com
موقعنا على الإنترنت:www.dar-alsalam.com






تَكْوِيْن المُفَكِّر
خٌطَواتٌ عَمَلِيّةٌ









أ.د.عَبْد الكَرِيّم بَكَّار
دَارُ السْلامِ
للنْشر والتوزيع والطباعة والترجمة













بِسْمِ اللهِ الرحمَنِ الرْحِيّم














?
فِفْرِسُ المَوضُوعَاتِ

المُقَدِّمَة ............................................................??
من هو المفكر؟....................................................??
?-المتخصص .....................................................??
?-العالم ...........................................................??
?-المصلح ........................................................??
?-الداعية ........................................................??
?-المثقف .......................................................??
?-الفيلسوف ...................................................??
?-المفكر........................................................??
من صفات المفكر؟.............................................??
?-حث للمعرفة واحتفال بالجدية..............................??
?-كل مفكر نسيج وحدة.......................................??
?-الشعور بالمسؤولية.........................................??
?-استغلالية المفكر............................................??
أ-قيد المحيط..................................................??
ب-قيد الإنتماء.................................................??
ج-قيد الذاكرة..................................................??

?-من الجزئي إلى الكلي ......................................??
?-المفكر والمفكر المسلم ....................................??





?


فهرس المحتويات ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 7
د ـ الارتباط بين جمود المشاعر وجمود العقل................................56
7 ـ التفكير واللغة :..................................................................57
1ـ اللغة مرآة العقل والقلب.......................................................57
2 ـ اللغة وسيلة لتخزين الأفكار..................................................58
3 ـ اللغة أداة لصناعة الأفكار....................................................58
أ ـ الاهتمام بالحصيلة اللغوية.................................................59
ب ـ تنمية العربية من مسؤولية المفكر ......................................59
جـ ـ اللغة ترسم حدود عمل العقل............................................59
د ـ اللغة أسلوب لرؤية الحياة ................................................59
هـ ـ كيف نثري معرفتنا باللغة ؟.............................................60
8 ـ التفكير والعقل الجمعي :........................................................60
1 ـ معظم الناس لدينا مبرمَجون من قبل العقل الجمعي........................61
2 ـ العقل الجمعي يميل إلى السطحية............................................61
3 ـ العقل الجمعي والميل إلى الاستحواذ على عقل الفرد .....................62
أمثلة على توجهات العقل الجمعي لدينا :..........................................62
أ ـ العرب يخضعون لمؤامرة كبرى ..............................................62
ب ـ غير المسلمين يد واحدة على المسلمين ......................................63
جـ ـ تقديس العمل الجماعي ........................................................63
د ـ النجاح مرادف للذكاء ...........................................................63
ما العمل تجاه هذا ؟ .................................................................63
1 ـمحاولة التمايز عن العقل الجمعي ............................................64
2 ـ الخروج من صندوق البيئة ...................................................64
3 ـ النظرة الصحيحة للوحي ......................................................65



8 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فهرس المحتويات
تنمية الإبداع .........................................................................67
ـ التغلب على المعوقات أولاً : ......................................................68
1ـ ضعف الثقة بالنفس ..............................................................69
2 ـ الإسراع في تقبل الأفكار .......................................................70
3 ـ التبعية للآخرين .................................................................70
?
4 ـ ضآلة المحصول المعرفي ......................................................71
طريق الإبداع ........................................................................72
1 ـ وجود الدافع .....................................................................72
2 ـ التركيز والاهتمام ...............................................................73
3 ـ المجال الرحب ..................................................................73
4 ـ تعامل خاص مع المعرفة .......................................................75
التفكير النقدي ........................................................................77
أهمية الممارسة النقدية : ............................................................77
1 ـ الرؤية النقدية للمجتمع , هي محك التفرقة بين المفكر والعالم ...............78
2 ـ انفصال وعي الناقد عن وعي مجتمعه ........................................78
3 ـ أهمية الرؤية المستقبلية .......................................................79
4 ـ دور النقد في ترشيد المسيرة الاجتماعية ......................................80
كيف نؤسس للعقلية النقدية ؟ ........................................................80
1 ـ الشعور بالمسؤولية ..............................................................81
2 ـ رؤية ما هو خارج المألوف .....................................................81
3 ـ فن التساؤل .......................................................................82
4 ـ السعي إلى الوضوح .............................................................86
عقبات أمام الممارسة النقدية .........................................................88
1 ـ المحيط الثقافي ....................................................................88



فهرس المحتويات ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 9
2- الخوف من المنتقدين ............................................................89
3- القصور الذاتي للناقد ............................................................91
كيف نفهم الواقع .....................................................................92
ـ بداية الفهم ..........................................................................92
?
ـ الخريطة الإدراكية .................................................................93
ـ أمثلة على الخريطة الإدراكية .....................................................94
ـ الواقع طبقات .......................................................................96
مفاهيم تساعد على مقاربة الواقع : .................................................98
1ـ الواقع ليس انعكاساً للقيم .........................................................99
2- التغير سمة كل واقع ............................................................100
3 ـ من ظروفهم تعرفونهم :........................................................101
أ - تأثير المكان في المشاعر والعلاقات .........................................101
ب ـ تأثير الغنى والفقر ..........................................................103
4 ـ الامتثال للنظم والقوانين ....................................................107
5 ـ العيش على هامش الحياة مصدر للتحلل الذاتي : .........................109
أ ـ الدول الصناعية الكبرى تشكل عقل العصر .................................109
ب ـ محاور بارزة تدفع عجلة التقدم ............................................110
جـ - كيف يكون التهميش للأفراد ؟ ..............................................110
د ـ كيف يكون التهميش للشعوب ؟ ...............................................111
6ـ طابع الحياة الحضارية أنثوي .................................................112
مظاهر الطابع الأنثوي ............................................................112
7 ـ تعايش النظم المتباينة : .......................................................114
الحكم على الواقع ..................................................................116
1 ـ الحكم على الواقع اجتهادي ....................................................116

10 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فهرس المحتويات
2 ـ رؤيتنا للواقع تعتمد على المعلومات .......................................117
3 ـ لكل حكم اعتباراته ..........................................................117
4 ـ وقع الأحداث على الناس متفاوت ..........................................118
5 ـ لا ارتباط بين الحكم بالخطأ وتوجيه اللوم .................................119
6 ـ في وجه التعميم .............................................................119
تعانق المطلق والنسبي ..........................................................121
ـ ما المطلق ؟ وما النسبي ؟ .....................................................121
ـ النسبي مدخل لتحسين الرؤية ..................................................123
1 ـ الكليات مكمن المطلق : .....................................................123
?
أ ـ ليس هناك من لا يؤذيه التقدم في السن ......................................124
ب ـ معظم القيم مشترك بين الأمم ...............................................124
2 ـ الحرمان من الضروريات يدمر الاهتمامات العليا .........................125
3 ـ الكم لا يكون إلا على حساب الكيف ........................................126
ما النسبي في معادلة الكم والكيف؟ .............................................128
4 ـ التفكير النسبي مدخل لتحسين الوعي ......................................129
أ ـ ترسيخ المنهج الاحتمالي ....................................................129
ب ـ فهم جذور ما لدى الآخرين ...............................................129
جـ ـ الميل إلى التفصيل ........................................................131
5 ـ النسبية تسهّل تجاوز القيم .................................................135
6 ـ المطلق أساس في تفسير الماضي ........................................136
أ ـ لماذا حدثت الردة ؟ ........................................................136
ب ـ الجهل مصدر شرور ....................................................137
جـ ـ تاريخنا صراع بين المبادئ والظروف الصعبة :........................140
ـ الصعيد الاجتماعي ............................................................140



فهرس المحتويات ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 11
ـ الصعيد السياسي .................................................................142
المعرفة وقود العقل ................................................................147
1 ـالتزود المستمر بالمعرفة .......................................................147
2 ـ العمل في البحث العلمي يستقطب المزيد من المهتمين والموظفين .........148
3 ـ اللقاء بأهل العلم ...............................................................150
4 ـ التخصص والتركيز ...........................................................151
5 ـ فهم تاريخ الأفكار والقضايا ...................................................152
6 ـ فهم مدلولات التقدم التقني .....................................................154
7 ـ التفريق بين المعلومات والتحليل الشخصي ..................................155
8 ـ التفكير عند شح المعلومات ...................................................156
أمور تستحق الحذر ................................................................159
1 ـ الجزم حيث ينبغي التوقف ....................................................159
2
??
2 ـ المجاملة على حساب الحقيقة .................................................161
3 ـ تحجيم الخيارات : .............................................................162
أ ـ المال عصب الحياة .............................................................162
ب ـ الوحدة الإسلامية ..............................................................163
4 ـ سطوة الانتشار .................................................................164
أ ـ الانتشار يشجع الانتشار ........................................................165
ب ـ تأثير الهالة ....................................................................165
جـ ـ سطوة الانتشار ................................................................166
5 ـ ثقافة التحيز ....................................................................167
أ ـ المقصود بالتحيز ...............................................................167
ب ـ التفاضل بالتقوى ..............................................................168
جـ ـ الحذر عن التنميط ............................................................169



12 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فهرس المحتويات
د ـ دور المناضل ..................................................................169
هـ ـ مقاومة التحيز ................................................................171
6 ـ الانسياق خلف الخرافة .......................................................172
7 ـ الرضوخ للطبيعة والعادة .....................................................174
أ ـ السرعة في التفكير .............................................................174
ب ـ الكسل الذهني .................................................................175
جـ ـ عدم الاعتراف بالخطأ ........................................................175
د ـ وهم الإكتفاء المعرفي ..........................................................176
هـ ـ مقاومة الجديد ..................................................................176
و ـ التطرف في التشاؤم والتفاؤل ..................................................176
ز ـ تبسيط ما هو معقّد ..............................................................177
تطوير الأفكار........................................................................181
1 ـ وضع الأفكار في نطاق أوسع..................................................182
2 ـ التداعي المنطقي والثقافي
??
......................................................184
3 ـ التدرج في تطوير الأفكار ......................................................186
4 ـ وضع الفكرة موضع التنفيذ ....................................................187
5 ـ المقارنة بالأفكار والمشروعات الشبيهة .......................................188
6 ـ عصف ذهني جيد وواثق .......................................................191
الخاتمة ...............................................................................194
مراجع مختارة .......................................................................196
فهرس الأفكار والمقولات العامة ...................................................198
السيرة الذاتية للمؤلف ...............................................................220

....
















المقدمة
الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آلة وصحبه أجمعين وبعد :
فإني لا أُخفي أنني ترددت كثيراً قبل الإقدام على تأليف هذا الكتاب ، وذلك خشية أن يتوهم متوهم أنه إذا اطلع على كتاب أو كتابين أو عشرة كتب ... في تحسين المحاكمة العقلية ، وتحسين أسلوب ممارسة التفكير وفي تنمية الحس النقدي ... فإنه يصبح مفكراً، وهذا بالطبع غير صحيح ، لما سأذكره بعد، لكن الذي جعلني أتجاوز التردد في الشروع في هذا العمل ، هو الاتصالات التي تأتيني من كثير من الشباب الذين يرغبون في الولوج في عالم الفكر والتفكير والمفكرين ، وذلك بسبب جاذبية ما تدل عليه هذه الألفاظ في هذه الأيام ؛ تلك الجاذبية التي نشأت بسبب ما يراه الناس من تباين بين ما يطرحه المتحدثون والمؤلفون في تخصصاتهم وبين ما يطرحه من يُلقبون بـ ( المفكرين) حول القضايا والمشكلات السياسية والاجتماعية والحضارية على نحو عام .
وإذا عدنا إلى الوراء نحوًا من عشرين سنة ، فسنجد أن كثيرًا من طلاب العلم لم يكونوا يُظهرون أي قدر من الارتياح والاطمئنان لتحليلات المفكرين ومقارباتهم ، ولعل ذلك يعود إلى هشاشة المعرفة الشرعية لدى كثير من أصحاب الطرح الفكري ، مما ولدَّ لدى المتابعين لهم الخوفَ من الابتعاد عن النصوص والضوابط والآداب الشرعية أثناء التنظير لتوصيف المشكلات المعاصرة وأثناء البحث عن حلول لها.
وأعتقد أن لهذا الحذر ما يسوغه ، لكن الناس أدركوا فيما بعد أن المفكرين يقدّمون للأمة زادًا فكريَّا ومعرفيَّا مهماَّ ، قد لا يستطيع غيرهم من أهل الاختصاصات الدقيقة تقديمه ، وقد كان هذا الإدراك ثمرة طبيعية لتحسن وعي الناس بالحاجة الماسة إلى الكثير من الرؤى والتحليلات والمقاربات التي تساعدهم على الارتقاء بنوعية الحياة التي يحبونها ، كما تساعدهم على تجاوز المشكلات التي يرزحون تحت وطأتها ، ومن هنا فإن هذا الكتاب هو هدية متواضعة لإخواني طلاب العلم الذين لم تسعفهم دراساتهم




??


المتخصصة بامتلاك المفاهيم والقواعد الأساسية التي يحتاجون إليها في استيعاب التحديات المعاصرة والتعامل معها. لكن لابد لي من القول : إن كلمة ( مفكر) غامضة الدلالة ، وسأبذل جهدًا من أجل توضيحها ، لكن مهما كانت درجة الوضوح التي سنصل إليها ، فإن مدلولها لن يكون أفضل وضوحًا من كلمة ( عالم) أو ( مثقف) أو ( فيلسوف)، وسنظل نتجادل فيما إذا كان فلان من الناس يستحق أن يُطلق عليه لقب من هذه الألقاب أو لا؟ من هنا فإن عنوان الكتاب يشير بوضوح إلى أنني أحاول أن أسلك مع قرائي الكرام الطريق التي تمضي بنا نحو إعداد المفكر وتكوينه ، وهذه الطريق طويلة وطويلة ؛ ولهذا فإن هناك من يقطعها على نحو كامل فيصبح فعلاً في عداد الأشخاص الذين لا يختلف الناس في أنهم يتربعون على قمة الفكر والوعي الثقافي في بلادهم أو في أمتهم أو في عصرهم ، وهناك من يقطع ربع الطريق أو نصفه ... ثم لا يجد من الوقود الروحي ومن الإمكانات الشخصية ومن الظروف المواتية ما يساعده على الاستمرار ، فيتوقف ، أو يتراجع.
ليس في الجامعات أي تخصص يمكن أن نقول : إنه يجعل من دارسيه مفكرين صغارًا ، حتى الأقسام التي تهتم بالكثير من قضايا الفكر والتأصيل الفكري – مثل قسم أصول الفقه ، وقسم الفلسفة ، وقسم النقد – لا تفعل هذا ؛ وذلك لأن معرفة القواعد والأصول والأفكار مهما كانت ممتازة لا تصنع بالضرورة مفكرًا ممتازًا ؛ فهناك شروط وحيثيات عديدة أخرى تؤثر في هذا الشأن تأثيرًا كبيرًا ، وذلك مثل توفيق الله – تعالى- للعبد ، ومثل حدة الذكاء وجودة الاستعداد الطبيعي إلى جانب تلك الموهبة الغامضة التي تجعل من الشخص فنانًا مبدعًا ؛ بالإضافة إلى تأثير التربية والبيئة والظروف المحيطة ... قد يقول قائل منكم : إذن ما مسوغ تأليف هذا الكتاب ؟ وما الفائدة من قراءته ؟
أقول في الجواب : إن هذا الكتاب يهدف – كما تهدف كل الكتب المشابهة- إلى تحسين المحاكمة العقلية لدى القارئ وتمليكه قدرًا جيدًا من الرؤى والمفاهيم التي تساعده على فهم ذاته وفهم عصره ، كما تساعده على امتلاك رؤية نقدية للواقع الذي يعيش فيه ولسبل تطوير ذلك الواقع والارتقاء به ، وبعبارة أخرى : إنني أهدف إلى أن أساعد القارئ الكريم على أن يفكر بطريقة أوضح ، وقد يكون هذا الكتاب بالنسبة إلى بعض القراء هو الشرارة الصغيرة التي تتحول بفضل عبقريتهم وجهدهم





??



إلى نور عظيم يضيء كل أرجاء المكان ؛ وما ذلك على الله بعزيز .
بقي أن أقول : إنني بذلت كل ما أملك من جهد في سبيل جعل أسلوب الكتاب سهلاً وقريًبا حتى ينتفع به أكبر شريحة ممكنة من القراء الأفاضل ، لكن بما أنني أعالج موضوعًا معقَّدًا ، فلا بد من أن يكون ما أحققه ناقصًا ، وأحيانًا مخيبًا للأمل ! إني قانع بتعبيد طريق ضيق في قلب بحر من الرمال المتحركة ، وبإضاءة بعض الزوايا المظلمة ، وقانع بإزالة بعض الحجارة من طريق شديد الوعرة ، سائلاً المولى عز وجل أن يبارك في ذلك ، وينفع به ؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أ.د. عَبْدالكَرٍيم بَكَّار
الرياض في 3 من شوال 1430 هـ
***













??










من هو المفكر ؟
ما دمنا نتحدث عن تكوين المفكر ، فلا بد أن نبدأ بتعريفه أولاً ، والحقيقة أن لدينا عددًا من المصطلحات التي نستخدمها في حياتنا الدعوية والعلمية ، ونُطلقها على أشخاص يعملون في حقول المعرفة والإصلاح والإبداع ، ومن أهم تلك المصطلحات : ( العالم ، ، ( المصلح ) ، ( الداعية) ، ( المتخصص) ، ( المثقف) ، ( الفيلسوف) ، وأود أن أقول ابتداءً: إن من الصعوبة بمكان وضع فواصل واضحة بين مدلولات هذه الكلمات ، وهذا يعود إلى أمرين أساسيين ، الأول هو : أن ( العقل) ليس مجهزًا بفطرته للتعامل مع (الصفات)بكفاءة، على خلاف تجهيزه للتعامل مع ما هو من قبيل ( الكم) و ( الرقم) ، والثاني: أن كل الألقاب التي ذكرناها تُطلق على أشخاص يعملون في حقل العلم والمعرفة ، ويستخدمون الأفكار والمفاهيم والمصطلحات المتعلقة بالحضارة والإصلاح ، ويمارسون نوعًا من النقد للواقع؛ ومن ثم فإن تحديد تعريف كل واحد منهم وتحديد أوصافه على نحو دقيق أمر متعذر، وإذا ألححنا عليه فقد ندخل في باب التعسف والقسر ، ولعلي أشير إشارات سريعة إلى مفهوم كل لقب من تلك الألقاب قبل أن أفصل القول في مدلول ( المفكر) :
1. المتخصص:
هو طالب علم صَرَفَ قدرًا من عمره في دراسة تخصص من التخصصات العلمية ، وهكذا نقول اليوم : فلان متخصص في التاريخ ، وفلان متخصص في الكيمياء ، وفلان متخصص في إدارة الأعمال...
2. العالم :
هو شخص برع في تخصص من التخصصات حتى فاق أقرانه أو صار بين المتفوقين من أقرانه ، وقد كانت كلمة ( عالم) تطلق في العديد من الأوساط على المتمكن في علوم الشريعة ؛ حيث إن المتخصصين في علوم الشريعة كانوا قبل عصر



??
النهضة الحديثة يشكلون السواد الأعظم من مثقفي الأمة ، أما اليوم فإننا في الغالب نقول : فلان عالم في الشريعة ، وعالم في الجغرافيا ، وعالم في الفيزياء.. إذن العالم اليوم هو شخص متبحر في تخصصه على نحو ظاهر.
3. المصلح :
هو شخص لديه رؤى وأفكار إصلاحية ذات طابع سياسي أو أخلاقي أو اجتماعي، وهو يستند في العادة إلى الرصيد العقدي والثقافي الموجود لدى أمته ، وهكذا نجد أن كل من سميناهم مصلحين في تاريخنا الإسلامي كانوا ينطلقون من عقيدة الإسلام ومن أصالته وأصوله ومفاهيمه الكبرى ... المصلح يملك أفكارًا لكنه في الغالب ليس منتج أفكار، ولا صاحب نظريات معرفية، إنه يتحرك على أرض الواقع بما لديه من رؤية إصلاحية حركةً حثيثة ، ويغلب على أفكاره الطابع العلاجي والنهضوي ، وليس الطابع التنظيري الفلسفي.
4. الداعية :
شخص لديه علم وفكر وهم إصلاحي، وعمله الأساسي هو التبليغ والتذكير والهداية ودفع الناس في طريق الصلاح ، لكنه لا ينتج في الغالب الأفكار والمفاهيم، كما أنه لايقوم في الغالب بإجراء الدراسات والبحوث ؛ لأن همَّه منصرف إلى الحركة اليومية بين صفوف الجماهير وتجمعاتهم ، وبما أن كل مسلم مطالب بأن يدعوا إلى الخير، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر، على مقدار معرفته وظروفه ، فإن من المألوف أن نجد من يجمع بين التخصص والدعوة ، وبين المفكر والدعوة؛ فهناك أطباء ومهندسون ومتخصصون في علوم مختلفة ، وأهل غيرة وديانة، لم يدرسوا أي تخصص ... يقومون بجهود عظيمة في خدمة الدعوة الإسلامية وإرشاد الأمة إلى الطريق الصحيح.
5. المثقف:
شخص تجاوز تخصصه الأساسي ، ووسَّع دائرة اهتمامه على صعيد القراءة والمطالعة وعلى صعيد التأثير ، فهو في خطابه يستهدف شريح واسعة من الناس ، وهو في الوقت





??


نفسه يمتلك ملاحظات نقدية ويُنتج بعض الأفكار والمفاهيم ذات الطابع التقني والعلاجي والمتصلة بتطوير الواقع واستشراف المستقبل، وهو على خلاف الداعية.
والمصلح لا يوسع دوائر احتكاكه بالجماهير، فقلمه ولسانه هما الجسر الذي يعبُر من خلاله إلى عقول الناس وقلوبهم، وربما كان هذا اللقب ينطبق أكثر ما ينطبق على من يمكن أن نسميهم (الشخصيات العامة) من فئة المتعلمين بالإضافة إلى الكتّاب الصحفيين ومعدي البرامج الإذاعية والتلفازية وكتّاب القصص والروايات والممارسين للنقد الأدبي... وإذا نظرنا في تعريفات كثير من الكتّاب المعاصرين لـ (المثقف) فإننا نجد أنهم يؤكدون على أن (المثقف الحقيقي) هو صاحب دور نضالي في الوقوف إلى جانب الحق وفي نقد الممارسات الاجتماعية والإدارية الخاطئة إلى جانب امتلاك روح التضحية بالكثير من مصالحه من أجل الجهر بآرائه وأفكاره وملاحظاته، وفي هذا يقول (نعوم تشومسكي): " المثقف هو من حمل الحقيقة في وجه القوة "، وهناك من المثقفين من يتحدث عن (المثقف الوهمي) والذي يجنح في خطابه إلى التبرير والتخدير والتزييف.. ومن الواضح من كثير من الكتابات أن هناك شكوى مريرة من بعض المثقفين الذين سخَّروا أقلامهم لخدمة جهة أو لخدمة مصالحهم الخاصة، ونسوا واجبهم في قول الحق ومحاصرة الشر وإنصاف المظلوم وحماية المصالح العامة... ويبدو لي أن من سميناهم (مثقفين) ألصق بالواقع من الفلاسفة والمفكرين، وحديثهم كثيراً ما يصطدم بالقوى والاتجاهات الفاعلة في الساحة؛ ومن ثم فإن كثيرين منهم يجدون أنفسهم في مواجهة تحديات أكبر منهم، ويشعرون أحياناً أنهم مهددون في لقمة عيشهم، مما يدفعهم -بطريقة لا واعية- إلى الانخراط في تيار آمن...
6 – الفيلسوف:
يختلف الفيلسوف اختلافاً ظاهراً عن العالِم والداعية والمصلح؛ وذلك لأن الفلسفة –هذه الكلمة ذات الأصل اليوناني- تعني: (حب الحكمة)؛ ومن ثم فإن البحوث الفلسفية تلبي في معظم الأحيان حاجات العقل، على حين أن العلم والاختراع يلبيان الحاجات المختلفة للناس. العالم يبحث، ويترتب على بحثه في كثير من الأحيان القيامُ بعمل ما، أما الفيلسوف فإنه يبحث في التعريفات والمصطلحات والقيم والأهداف... العالم يشتغل بالجزئيات؛ وذلك لأن العلم يبحث أصلاً في قضايا جزئية تم تنظيمها وفق
??
منهجية معينة، أما الفيلسوف فإنه يبحث في مسائل وقضايا كلية، ويحاول اكتشاف قوانين وسنن الوجود على مستوى وسنن الوجود على مستوى الطبيعة المادية وعلى مستوى المجتمع الإنساني. العالِم يستخدم في عمله المفاهيم والأفكار الناجزة، أما الفيلسوف فإنه يقوم بصناعة المفاهيم وإبداعها ونقدها وتطويرها وغربلتها. العالم يحاول حل المشكلات المعرفية والعلمية التي تصادفه في عمله، أما الفيلسوف فيركز من خلال الأسئلة الكبرى التي يطرحها على إثارة المزيد من المشكلات واكتشاف المزيد من التناقضات في الحياة العامة. ومن المهم أن أشير هنا إلى أن الوعي الإسلامي جفل في وقت مبكر من تاريخ هذه الأمة من الفلسفة والفلاسفة؛ وذلك بسبب الطروحات الفلسفية لكثير من فلاسفة المسلمين؛ حيث إن كثيراً منها كان بعيداً جدَّا عن مدلولات النصوص الشرعية وبعيداً عن القيود والضوابط والقواعد التي وضعها علماء العقيدة وعلماء أصول الفقه.
وما زال كثير من الناس إلى يومنا هذا ينظرون بعين الريبة والشك لكل أولئك ينظِّرون ويتفلسفون خوفاً من بثِّ أفكار ومفاهيم تنافي التصور الإسلامي للحياة والأحياء...
هذا الكلام الذي ذكرته حول أصناف المشتغلين بالعلم والتنوير والإرشاد وصناعة المفاهيم هو كلام اجتهادي، قد يوافقني فيه كثيرون، وقد أخالف فيه كثيرين، ولا يستطيع أحد أن يقول كلاماً قاطعاً في هذه المسائل، وأود قبل أن أتحدث عن المفكر والمفكر المسلم أن أشير هنا إلى أننا لو فرضنا جدلاً أننا اتفقنا على تعريف الفيلسوف والمثقف والمصلح... يظل لدينا إشكال كبير جدَّا، وهو ما سمَّاه الأصوليون (تحقيق المناط) أي تحديد الشخص الذي يستحق لقب مفكر أو عالم أو مثقف.. وهذا الإشكال لا حل له؛ لأن الذين يُطلقون هذه الألقاب مختلفون اختلافاً كبيراً في معاييرهم وفي الزوايا التي ينظرون منها؛ ولهذا فإننا نلاحظ بكثرة وجود من يطلق لقباً معيناً على شخص ما، ومن يستنكر ذلك الإطلاق بشدة، وهذا بسبب ما أشرت إليه.
7-المفكر:
كل الناس يفكرون، ولكنَّ هناك فروقاً كبيرة بين من ينصرف في تفكيره إلى حل المشكلات اليومية التي تواجهه في معيشته وعمله، وبين تلك الصفوة من الناس الذين
يحاولون توفير أسس لقراءة الماضي والاستفادة منه، كما يحاولون توفير قواعد لفهم الحاضر واكتشاف العلاقات بين القوى المؤثرة فيه... ??
في اعتقادي ان المفكر يتبوأ منزلة ثقافية وعقلية هي فوق منزلة المثقف ودون منزلة الفيلسوف، وهذا التصنيف لا يقوم على أساس التفوق الذهني أو على أساس النفع للناس أو على أساس الأهمية في المجتمع؛ لأن هذه الأمور لا تصلح أسساً للتصنيف الذي نحن في صدده، وإنما يقوم على أساس مقدار التجريد والتنظير والتعالي عن الواقع لدى هذه الفئات الثلاث؛ فالفيلسوف أبعد غوراً في التجريد وفي إبداع المفاهيم وأشد اشتغالاً بالقضايا الكبرى من المفكر، والمفكر أبعد غوراً في هذه الأمور وأشباهها من المثقف، ومن هنا يمكن القول: إن كل فيلسوف مفكر، وليس كل مفكر فيلسوفاً، وإن كل مفكر مثقف، وليس كل مثقف مفكراً، وسأظل أؤكد على أن الفصل بين جميع من ذكرناهم هو فصل غير حاسم، والتداخل بينهم سيظل أمراً وارداً.
المفكر يتردد بين صناعة المفاهيم وبلورة الرؤى واستخلاص العبر وكشف السنن... وبين إصلاح الواقع وتشخيص الازمات التي يعاني منها الناس، وهو يحاول باستمرار أن تكون العلاقة بين محصوله الفكري والمعرفي وبين الواقع علاقة جدلية؛ بمعنى أنه يُعمل فكره في تحديد المشكلات الراهنة، ويقوم بنقدها ومحاولة العثور على حلول لها، ويعدّل في رؤيته للواقع وفي حكمه عليه وفي أسس إصلاحه بناء على المعطيات التي يحصل عليها من وراء كل ذلك؛ ومن هنا فإن المفكر يشبه الفيلسوف في أنه يظل في حالة مستمرة من التلمس للمنهجية الصحيحة في التفكير، كما أنه يشبهه في الشعور بعدم الحصول على اليقين تجاه كثير من الأمور، وهذا الشعور يعصمه من الكبر ويدفعه إلى الاستمرار في البحث والتأمل والتعلم.
وهذه الوضعية تشكل فارقاً مهماً بين العالم والمفكر؛ فالعالم يجد نفسه شديد اليقين في كثير من المواقف وعند بحث كثير من المسائل؛ وذلك لأنه يتعامل مع أمور جزئية، ويجد دائماً ما يدلي فيه بالقول الفصل، أما المفكر فإنه بسبب اشتغاله بأمور كلية وبسبب اشتغاله باكتشاف الحقائق، واستخدامه الموسَّع للنقد... يجد نفسه بعيداً من القطع والحسم في كثير مما يقوله، وهذا يشكِّل مصدر إزعاج لكثير من الناس




??

الذين يريدون شيئاً يقبضون عليه ويمضون به، ولا أريد أن أقلل هنا من قيمة أحد، ولا من دوره في إصلاح الحياة والأحياء، وإنما أرمي إلى توضيح طبيعة كل صنف من الأصناف التي أشرت إليها، وإن فضل الإنسان يعود في نهاية المطاف إلى استقامته الشخصية ومدى مساهمته في رقي أمته.
***





??



















من صفات المفكر
المفكر مخلوق لله –تعالى- والمفكر إنسان ذو حاجات، والمفكر مثقف وصاحب تطلعات، والمفكر عضو في هيئة اجتماعية؛ ولهذا فإننا حين نتحدث عن شيء من صفات المفكر، فإننا نتحدث عن أمور مشتركة بينه وبين غيره، كما نتحدث عن أمور خاصة به، وأخرى موجودة لديه على نحو ظاهر، وعلى سبيل المثال فإن المفكر يبحث عن الحقيقة ويناصرها ويحترمها، ويحاول إبرازها، وهذه الأمور موجودة لدى بعض الناس العاديين، وموجودة لدى العالم والمثقف والداعية على درجات مختلفة، وعلى من يريد سلوك طريق المفكرين والدخول على عالمهم الرحب أن يحاول جعل ما سنذكره من أخلاق وصفات وعادات ومهمات المفكرين أموراً راسخة في عقله وقلبه وسلوكه؛ فالمرء في نهاية الأمر ليس شيئاً أكثر من اهتماماته ومهامه وأخلاقه.
وهذا عرض مختصر لما أعتقد أنه من صفات المفكر، مع الإشارة إلى أن بعض ما سأذكره هنا قد أؤكد عليه في مواضع أخرى من هذا الكتاب:
1- حب للمعرفة واحتفالٌ بالجديد:
لعل هذه الصفة أهم صفة من بين صفات المفكر؛ لأن الوَلَهَ الشديد بمعرفة الجديد وبصياغة المفاهيم والرؤى الكلية هو الذي يملِّك طالب العلم فضيلة المتابعة في تنمية عقليته وإثراء مفاهيمه واكتشاف الوجود الذي يعيش فيه. إن طلاب العلم المبتدئين يفرحون بالمعلومة التي يحصلون عليها، ولا سيما إذا كانت من باب الغريب والطريف؛ أما المفكر فيبتهج أشد الابتهاج بقانون يكتشفه أو ملاحظة ذكية يلتقطها أو رؤية جديدة يبلورها، وإنك لترى الواحد من المفكرين يطرب لمقولة عظيمة يقوم بصياغتها أياماً عديدة، وهو يتنغم بها، وكأنه عثر على كنز من الكنوز أو مفتاح لمنجم ذهب، وما ذلك إلا لأن المفكر يعرف قيمة المفاهيم الجيدة، ويعرف دورها المحوري في تقدم الحياة الفكرية.
??

??
يقول أرسطو: إن الفلسفة تتطلب ممن يعمل فيها شروطاً معينة، منها عشق لاذع، وذهن بارع، وصبر مقيم. وسُئل أنشتاين ذات مرة عن الفرق بينه وبين الإنسان العادي، فقال: إذا طلبتَ من الإنسان العادي أن يحاول العثور على إبرة في كومة قش، فسوف يتوقف ذلك الشخص عن البحث حين يعثر على الإبرة، أمَّا أنا فسوف أقفز على كومة القش بحثاً عن الإبر المحتملة. هذا هو المفكر الحق؛ إنه يظل في حالة مستمرة من الأمل بالعثور على شيء جديد، ويملك مع هذا وقوداً روحيّاً عظيماً، يساعده على المضي قدماً في عمله مهما كانت الصعاب. ومن المؤسف في هذا السياق أن مدارسنا وجامعاتنا لا تنمي هذه الروح لدى الطلاب؛ بل كثيراً ما تقوم بقتلها من خلال المناهج المختزلة والامتحانات السهلة والسخاء البالغ في منح الدرجات! إن على من يسعى لأن يكون بين المفكرين أن يدرك أن طريق المفكرين يبدأ بحب البحث، وينتهي بالتفاني في البحث، وإني أعرف من المفكرين من هم اليوم في الستينيات من أعمارهم، وهم أشد شوقاً إلى المعرفة، وأشد حرصاً على اكتشاف المجهول منهم حين كانوا في الثلاثينيات، هذا هو طريقهم، وليس هناك أي طريق آخر للوصول إليهم.
2- كل مفكر نسيج وحده:
المجال الذي يتحرك فيه المفكر مجال رحب للغاية، إنه الشأن الإنساني كله، والحضارة الإنسانية كلها، وهذا يعني إتاحة مدى واسع للاختلاف بين المفكرين، ونحن نعرف أننا حين نتحدث في تفسير التاريخ وتشخيص الواقع، وحين نجتهد في البحث عن حلول للمشكلات المتأسنة... نجد أن النصوص ذات الدلالة المحددة شحيحة للغاية، مما يجعل الاختلاف بين مفكر ومفكر أمراً لا مندوحة منه. المفكر يختلف مع غيره من المفكرين؛ لأنه يختلف مع نفسه في الأصل، أعني أنه يقوم بكسر اتساقه الفكري الذاتي، إنه مثل الذي ينظر في مرآة متشظية؛ فهور يرى في كل مرة شيئاً جديداً، إنه دائم التعرف على ما لديه، وكلما رأى شيئاً جديداً وجد نفسه يتبنى بعض الأفكار الجديدة، ويتخلى عن بعض الأفكار القديمة، وهذا يشكِّل نوعاً من الصدمة لطلابه والمعجبين بنهجه، إن التفكير في مستوياته العليا اجتهاد، وإن الله عز وجل حين كتب الأجر على الاجتهاد أذن لنا بالاختلاف وبالتراجع عن شيء رأيناه؛ بل إنه















??




??

لايحل للعالِم ولا المفكر أن يجهر للناس بقناعات قديمة، ويُخفي في نفسه 
قناعاته الجديدة، إلا في أحوال دقيقة وقليلة، أما في المنهج العام، فإن على المرء أن يقول بصدق وجرأة، كما قال السابقون: ذلك رأي رأيناه بالأمس، وهذا رأي نراه اليوم، وفي تراث فقهائنا الأجلاء من الشواهد العلمية على هذا ما يفوق الحصر، ويكفي ما فعله الإمام  الشافعي من ذلك بعد أن خرج إلى مصر، واستقرَّ بها. إن المفكرين يكرعون من مناهل وموارد ثقافية مختلفة، وينظرون من زوايا متباينة، ولهم بنًى عقلية متفاوتة ومتنوعة، ولهذا فإن اختلاف بعضهم مع بعض أمرٌ لا مفرَّ منه، وإن الإختلاف هو مصدر ثراء وغنى إذا كان في إطار الثوابت والأصول التي نؤمن بها.

?- الشعور بالمسؤولية:
حين يبلغ الباحث مرتبة عالية في العلم والفكر، ويجد نفسه في القمة، فإن 
اكتراثه بنقد المخالفين يصبح أقل أهمية لديه، كما أن جرأته على صوغ المفاهيم والمقولات وتقديم الطروحات الجديدة تصبح أكبر ،
 وهذا ملموس ومشاهد، لكن من المهم أن يدرك المفكروالمنظّر والداعية... أن هناك الألوف أو مئات الألوف من الشباب الذين يتلقفون كلامه، 
ويتدارسونه ويغيرون في قناعاتهم واتجاهاتهم بناء عليه، ومن هنا نجد في النصوص الكريمة مايؤكد تأكيدًا شديدًا على 
توخي الدقة والحذر تجاه كل كلمة ينطق بها الإنسان أو يكتبهاعلى نحو ما 
نجده في قوله -سبحانه- :( مايلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) [ق:??] وقوله:(إنا نحن نحي الموتى ونكتب ماقدمواوآثارهم وكل شيء 
أحصيناه في إمام مبين)[يس:??] وهذه الآية واضحة في مسؤولية الإنسان عن الآثار التي يتركها في الآخرينمن خلال سَنَّة سُنة سيئة ، أو من خلال 
نشر أفكار خاطئة أو ضالة .
ويقول (:( إن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت،
 فيهوي بها في النار سبعين خريفًا، وإن الرجل يتكلم بالكلمة من رضوان الله، مايظن أن تبلغ مابلغت، فيرفعه بها في عليين)1، 
ولهذا نجد المفكر الحق شديد الدقة في أحكامهواستنتاجاته وتعميماته ، لأنه  يعرف أن هناك من يتلقى كلامه بشكل حرفي، وهناك

من يمكن أن يستغل غموض صياغته على نحو سيَّىء.

?- استقلالية المفكر:
لايستطيع أي إنسان أن مهما بلغ من النضج أن يكون مستقلَّا تمام الإستقلال،
 وهذا من جملة القصور المستولي على البشر، لكن علىمن يريد أن يكون 
مفكرًا أن يدرك أن عليه أن يبذل جهدًا متواصلًا في بناء عقلية متحررة من كثير من القيود التي يواجهها في حياته،ولعل أهم تلك القيود ثلاثة:

أ- قيد المحيط:
إن في كل بيئة من البيئات مفاهيم ومسلَّمات وعادات ومعلومات ومعطيات
 معتمدَة اعتمادًا عاليًا لدى أبناء تلك البيئة: ينطلقون من مدلولاتها في 
تصوراتهم للواقع وفي أحكامهم على الأشخاص والأحداث...... وأنا أجزم 
أن تلك البيئة مهما كانت متعلمة وصالحةوراقية، فإنه سيظل فيها ماهو غير مقبول، أو هو مثار جدل، ومن هنا فإن على المفكر أن يتطلع دائمًا إلى 
ما هو خارج الصندوق الذي وجد نفسه فيه، وأن يقوم بعملية(مقارنة) واعية حتى يكتشف بعض العطب 
الثقافي الموجود في بيئته،ويعمل على الفكاك من إيحائه وتأثيره، وهذا الانعتاق من تأثير البيئة هو الذي يمهّد الطريق أمام المفكر للإنتقال من المحلية إلى العالمية.

ب- قيد الانتماء:
المقصود بالانتماء هنا تحديدًا الانتماءُ إلى قبيلة أو حزب أو جماعة أو جهة أو مؤسسة، لأن مراعاة المفكر لهذه الأمور أثناء تفكيرهوتنظيره وإصداره للأحكام، لايساعده على أن يكون مخلصاً للحقيقة وموضوعيَّا في مواقفه، وقد عانت أمة الإسلام في الماضي،ومازالت تعاني في الحاضر- من هذه المسألة، إن المفكر حين يتخذ من شيء مما أشرنا إليه إطارًا يفكر في داخله أو خلفية يستند إليها يفقد طلاقته وحياده ويعرَّض عقله إلى نوع من التشويه، وبعض الناس 
??
لديهم ذكاء وعلم وتمرس في الكتابة والجدل ولكنهم تحولوا إلى أبواق أو أشياء استعمالية، ففقدوا الجدارة باسم مثقف أو مفكر، وفقدوا مع
 ذلك النزاهة والقيام لله تعالى بالقسط، كما فقدوا إلى جانب ذلك ثقة الناس 
واحترامهم!
إن الانتماء يكون فضيلة بل شيئًا أساسيًا في حياة الإنسان حين ينحاز المرء إلى 

الكليات والثوابت والمعطيات المتفق عليها، إنه بذلك يوفر لنفسه أرضية 
صلبة يقف عليها وإطارًا مرجعيَّا يحتكم إليه، وإلا فقد يفقدالاتجاه، ويضيع 
في فضاء المطلق، كما تاه كثير من الفلاسفة في الماضي والحاضر.
رأيت في حياتي أشخاصًا يتمتعون بقدر كبير من الذكاء والفطنة، ومع هذا 
فقد كانت لهم طروحات فجة وأقوال تدعو إلى العجب، وماذلك إلا لأنهم 
منحوا العصمة لأشخاص غير معصومين، ونصبوا أنفسهم بالتالي للدفاع 
عن أخطائهم وعيوبهم، وقرأت لأعلام تعصبوالجماعة أو مذهب فقهي أو 
حزب سياسي، فحملهم ذلك على الاستدلاب بأدلة أقل مايقال فيها أنها 
مضحكة!

جـ- قيد الذاكرة:
قوة الذاكرة نعمة كبرى من الله تعالى وإن رجلاً من غير ذاكرة، هو رجل 
من عير جذور ولا معرفة ولاتراكم معرفي، لكن بما أنالخير المحض نادر، فإن علينا أن نتلمس المشكلات التي تثيرها الذاكرة في وجه العقل بما هو 
بنية للإبداع والتجديد والنقد والحكم على الموروث.... وهذه المشكلات تنبع من ماهية التضاد بين طبيعة الذاكرة، ومايريده الإنسان من العقل. إن الواحد منا يشعر بالفخروالثراء حين يتذكر الحجم الضخم لما يحفظه من نصوص وشواهد وقصص وعبر وتجارب وخبرات، وهي فعلاً مصدر اعتزاز، لأن العقل من غير معرفة أشبه بحاسب آلي من غير برامج،أو صحن من غير طعام، ونحن حتى نحافظ على مخزوننا المعرفي فإن الذاكرة تلح علينا بأن
 نشرح مالدينا من محفوظات، ونبدع في تلخيصه وتعليله، وتطلب دوام 
مراجعته والإهتمام به حتى لانفقده، وهذايعني اشتغال العقل به وانصرافه 
إليه، وهذا مايفعله الذين وهبهم الله تعالى ذاكرة ممتازة، فهم يحفظون الكثير وينشغلون بالمحافظةعليه من خلال شعورهم بقيمة مايحفظونه وزهوهم به.??
??
الذاكرة أيضاً تحاول المحافظة على مكنوناتها ومقتنياتها من خلال العمل 
على مقاومة أي حذف أو غربلة أو نقد لتلك المقتنيات، أيتطلب من العقل أن ينصرف عن التفكير في الماضي، والإنصراف إلى أي شيء آخر،
 والتاريخ يدل على أن سطوة الذاكرة هائلة ،وأن معظم العقول تخضع لها 
بالفعل، والدليل هو قلة المجتهدين والمفكرين وكثرة الحفظة والمقلدين... 
المرء في حاجة إلى علاقة متوازنة مع الذاكرة، فهو لا يستغني عن أن يكون

لديه الكثير من المنقول عن الأجيال السابقة، وعن المفكرين الكبار من أهل زمانه، وهو حتى يصبح مفكرًا يحتاج إلى شيء جوهريجدًّا، هو امتلاك 
رؤية نقدية للماضي والواقع، وهذه الرؤية تستند إلى النقص والقصور الذي يشوب أفعال البشر وأحكامهم في كلزمان ومكان، إذن على الواحد منا أن
 يغترف من الذاكرة دون أن يبلل ثيابه بمائها، أي أن يقترب منها اقتراب 
منتفع دون أن يغرقفي مياهها، إنه يقترب ليبتعد، ويبتعد ليقترب، يأخذ من
عبرة الماضي لإصلاح الحاضر، ويحكم بمعطيات الحاضر على كثير 
من أحداث الماضي ووقائعه، وعلى كثير من موروثاته.
إن من اللافت للنظر في هذا السياق أن الله عز وعلا قد تعهد للأمة بحفظ 
القرآن الكريم، فقال: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر:?] وطلب من المسلمين العمل على فهمه ووعيه واستيعاب مقاصده ومراميه فقال سبحانه (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبرواآياته وليتذكر أولوا الألباب) [ص:??] وقال: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) [محمد:??] لكن الذي حدث هو اتجاه السواد الأعظم من الناشئة والشباب
 إلى الحفظ مع إهمال شبه تام للتدبر والتفكير في معاني القرآن الكريم 
ومراداته. في تاريخنا الإسلاميوعي بالفرق بين من هو مهتم بالحفظ، ومن هو مهتم بالاستنباط والاستدلال وتثوير النصوص، ويذكرون في هذا 
الإطار أن أبا حنيفةالنعمان كان عند الأعمش، وكان الأعمش يُلقي عليه 
مسائل، فيجيبه أبو حنيفة فيقوله له الأعمش: من أين لك هذا؟ - يسأل عن مستنده في إجاباته- فيقول أبو حنيفة : أنت حدثتنا عن إبراهيم بكذا، وحدثتنا عن الشعبي بكذا، 
فكان الأعمش يقول : (يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة).
وإذا تأملنا في تراجم المحدِّثين المعروفين بحفظ السنة فإننا نجد أنهم لم 
يكونوا من المتفوقين في الفقه، كما أن الذين اشتغلوا بالفقه لم يكونوا يُعَدون
 بين أئمة المحدثين، ولهذا استثناءات قليلة، وإن كان الأصل في الفقيه 
الممتاز أن يكون محدثاً ممتازًا أولًا، لكن النبوغفي هذين الأمرين ليس 
بالأمر السهل ولهذا لم يفز به إلا القليل. تعامل المفكر مع الذاكرة ينبغي أن يكون مصحوبًا بحذر أشبه بحذر الذي يمشي على حبل مشدود، فهو يخاف ويتحاشى السقوط يمنةأويسرة ،وأنا 
هنا أدعو المشتغلين بالفكر إلى الإنفتاح على النصوص والتراث عامة، 
وأدعو المشتغلين بالحفظإلى الإصغاء لما يقوله المفكرون، فوجود الفجوات بين هؤلاء وأولئك لا يخدم أحداً.
?- من الجزئي إلى الكلي:الانطلاق من الجزئي إلى الكلي ومن ضيق النظرة إلى اتساع الرؤية، من 
أهم مايفرِّق بين العالم والمفكر، ذلك أن العلم عبارة عنمسائل جزئية تم 
تنسيقها على نحو معين لتشكل تخصصاً محددًا كما هو الشأن في الكيمياء
 والفيزياء والجغرافيا والفقه وقواعد اللغة...وإن المتخصص في أي علم 
كلما تعمق في تخصصه، وجد نفسه يشتغل بمسائل أصغر حجمًا، كما هو
 الشأن في رسائل (الماجستير)و (الدكتوراه) حيث إنك تجد الواحد من 
طلاب الدراسات العليا يكتب بحثًا مطولًا في مسألة صغيرة جدًا، ربما لم 
يكتب فيها السابقونسوى صفحات قليلة،حتى في إمكانك أن تقول : إن 
بعضهم يكتب أشياء كثيرة عن (لاشيء)!أما المفكر فإن له شأنًّا آخر، فهو لايحفلبالجزئيات إلا من أجل عبورها إلى الكليات ، بل إن (العبور) على نحو عام هو أحد مشاغل المفكرين، حيث إنك تجد الواحد منهم قدعَبَر تخصصه إلى فضاء المعرفة الأرحب، وعَبَر معارفه بالماضي إلى توظيفها في فهم 
الحاضر وإصلاحه، وبعد ذلك يعبر رؤيتهللواقع من أجل استشراف 
المستقبل....ومن الممكن في هذا السياق أن ننظر إلى تخلف العالم الإسلامي واهتمام الباحثين به، وسنجد أنعالِم الاقتصاد ينظر إلى المشكلات
 الإقتصادية التي يعاني منها الناس،ويحاول إعطاء أهمية بالغة لتأثير 
ضعف الاقتصاد في تخلفالأمة،كما أنه يمنح المال والاقتصاد دورًا أساسيًّا
في تحضر الأمة ورقيها، أما الداعية فإنه ينظر إلى دور الانحراف 
العقدي والأخلاقي والسلوكي في تخلف الأمة، ويعدَّ تصحيح تلك 

??


??
الانحرافات كافيًا لتحقيق النهضة والازدهار، ويفعل مثل ذلك السياسي و
الجغرافي والمعلم والمربي.... كل واحد منهم ينظر إلى تخلفالأمة من أفق تخصصه ، ويطرح رؤاه الإصلاحية من أفق ذلك التخصص، وهذا واضح.
أما المفكر فإنه لاينظر إلى الأمور من أفق تخصصه الأصلي، وإنما يحاول بلورة رؤية مركبة تستند إلى وعيه بجوانب التخلف المختلفة، ثم يسعى إلى
 إدراك العوامل الأساسية في إيجاد ذلك التخلف، وإدراك ما يمكن أن يسهم
 فيه كل تخصص من التخصصات العلمية والعملية في تحقيق التقدم

المفكر لايكتفي بالقول: إن كل جوانب الحياة لدينا متخلفة وتحتاج إلى 
نهضة، وإن كل الجهات والفئات مسؤولة عن ذلك التخلف،ويمكنها 
المساهمة في إزالته والخلاص منه.. بل يحاول أن يعرف المقدار الذي 
يمكن أن يسهم به الحكم الرشيد -مثلًا- في الخلاص من التخلف، وأن يعرف المقدار الذي يمكن أن يسهم به اهتمام أرباب الأسر بأسرهم، ومايمكن أن يسهم به إصلاح نظام التعليموإصلاح نظام الضرائب وإيجاد بنية تحتية في تحقيق التقدم، إنه يحاول معرفة كل ذلك ومعرفة مالايستطيع أهل تخصصٍ أو مجالٍ ماإصلاحه، إنه يعرف أن من مظاهر 
التخلف مالايمكن إصلاحه عن طريق الوعظ أو عن طريق نشر العلم 
الشرعي أو عن طريق سنالمزيد من القوانين أو ضج المزيد من الأموال في السوق، وهذه المعرفة نابعة من فهمه العميق لطبائع الأشياء وسنن الله- تعالى- فيالخلق وفهمه للعلاقات التي تربط بين الجوانب المتعددة للتخلف.
المفكر -كما أشرنا قبل قليل- يعشق العبور في كل الاتجاهات، ويتأبى على الحشر في الزوايا الضيقة، ولهذا فإنه لايعبر الجزئي إلىالكلي فحسب، ولكنه يعبر الكلي إلى الجزئي 
أيضاً،وإن الملاحظ أن التربويين -مثلاً- مشغولون في البحث عن أوجه القصور فيالنظام التعليمي والعمل على 
تلافيها من أجل تحقيق النهضة التعليمية، أما المفكر فإنه لا يدخل في
 تفاصيل النظام التعليمي،لكنه يوضحللتربويين أن النظام التعليمي هو جزء من كل، و أنهم لو حصلوا على أفضل نظام تعليمي في العالم،فإن هذا 
لا يعني الحصول على أفضل تعليم، وذلك لأن للنظام السياسي والاقتصادي ، والاجتماعي و 
لوضعية الأسرة والتنمية الشاملة وأمور أخرى من هذا القبيل....تأثيراً مهمًّا في المخرجات التعليمية، أي أن المفكر يرى الجزئي في ضوء الكلي ،
 ويدرك أنه ليس هناك مجال مستقل بنفسه، كما أنه لا يمكن لأهل أي
 تخصص أن يضمنوا نتائج جهودهم فيه على نحو مطلق، وذلك بسبب 
التشابك بين النظم والمجالات المختلفة. هذاكله لايعني أن كل من يظن نفسه مفكرًا أو يظنه الناس كذلك- يملك طاقة فعلًا كبيرة على العبور من الجزء إلى الكل وعلى رؤية الجزئي في ضوء الكلي، هذا لايكمل لأحد، ويكون ناقصًا نقصًا ظاهرًا عند بعض المفكرين، لكن ماذكرناه هو مايسعى إليه المفكرونمن الطراز الرفيع، وصدق الله عزوجل إذ يقول:(وفوق كل ذي علم عليم) [يوسف:??].














??



??

6-المفكر والمفكر السليم:
قد ثبت بما لايدع مجالاً للشك أن العقل البشري لايستطيع العمل في فضاء مطلق وخالٍ من الثوابت والأطر والمسلّمات، ومن هنا فإنه مامن مفكر في العالم يستطيع أن يدعي أنه سيسلك طريقاً في الاستنتاج والفهم والتعقيد، لم يسلكه أحد من قبل ، وإنما على العكس من هذا، الجميع يبنون علو المعطيات التي توصل إليها من سبقهم من أهل العلم والفكر، وإن كانوا يختلفون فيما بينهم في الكثير من المسائل,لكن دائماً هناك ثوابت تجاوزت مرحلة النقاش، وهذا هو الذي أتاح لنا أن نتحدث عن شيء اسمه التقدم العقلي.ومهما يكن من أمر فإن المفكر في أمس الحاجة إلى التمسك بالقيم الإنسانية العليا التي لقيت نوعاً من الاجماع على مدى العصور بسبب اتصالها بالفطرة التي فطر الله الناس عليها، وبسبب تعزيز الرسالات السماوية لمضامينها وتأكيد الخبرات البشرية على ضرورة الانحياز لها،ومن تلك القيم؛القيم الثلاث المشهورة:الحق والخير والجمال, ولاشك في اننا قد نختلف هل هذا الموقف أو العمل أو الحدث من الخير أو الشر,وهل الحق مع فلان أو فلان في مسألة كذا وكذا, كما قد نختلف في تقويم المشاهد الجمالية,هذا كله يحدث كثيراً في كل يوم,لكن مجرد الالتزام بأصول هذه القيم والعزم على الدفاع عنها يوفر للمفكر نوعاً من الاستقامة السلوكية, كما يضع أمامه بعض الحواجز عند رغبته استخدام افكاره في تحقيق مصالح خاصة على حساب الأمة أو على حساب النزاهة,ويوفر له صمام أمان من أن يصبح بمثابة المستأجر الذي يعمل لحساب هذه الجهة أو تلك ,وهذا الانحياز للقيم الكبرى مطلوب في الحقيقة من كل الناس لكنه بالنسبة إلى المثقفين والمفكرين والعلماء عامةً بشكل ضرورة من الضرورات.
المفكر المسلم:
لو أردنا أن نحصي ماهو مشترك بين المفكرين عامة وبين المفكرين المسلمين خاصة لأعيانا ذلك, ونحن لانحتاج إليه, لمن من المهم أن أشير

??
إلى بعض مايتميز به المفكر المسلم عم غيره حتى نزيل اللبس الذي شاب هذه القضية منذ زمان بعيد.
المفكر المسلم هو مسلم أولاً ومفكر ثانياً, وهذا يشكل فارقاً جوهرياً بينه وبين المفكر العلماني أو اللاديني والذي لايملك من العقائد والثوابت المعصومة مايتجاوز ماهو متوفر من المناهج العقلية والفكرية لبني البشر,والحقيقة أنه إذا كان لابد للمرء
من أن يستند إلى ثوابت وهو يمارس عملية التفكير,فإن مما لاينسجم مع عقائدنا الرجوع إلى أطر أو مسلّمات والقواعد القطعية التي جاءت بتا الشريعة الغراء,وهذا التوجه من المفكرين المسلمين ينظر إليه من قِبَل المفكرين غير المسلمين علو أنه ثيد على الفكر والإبداع, وهو يجعل مجال الحركة أمام عقل المفكر محدوداً, وهذا أمر متوقع من أناس لايرون في عقيدة الاسلام وشرائعه مانراه, ونحن من جهتنا ننظر بعين الاشفاق إلو أولئك الذين حُرموا من نعمة الهداية ومن أنوار الوحي, وننظر إلى مايعده غيرنا قيوداً وعقبات في وجه الطلاقة الفكرية, وأمام الإبداع على أنه موجِّهات تسدد العقل في عمله, وتحفظه من الضياع في فضاءات المطلق واللانهائي.
إن الانسان يستخدم العقل منأجل الارتقاء بالنوع البشري وحل مشكلاته وتوفير الهناء والأمن له, وحين توفر نصوص الشريعة وأحكامها وآدابها مايساعدنا على الحصول على ذلك, فإن علينا أن لانتردد في الأخذ بت والركون إليه,لكن حكمة الله تعالى اقتضت أن يظل الانسان محتاجاً إلى التفكير والتأمل؛ ولهذا فإن من الملاحظ أن مالايغير بتغير الزمان والمكان من شؤون البشر وأوضاعهم , جاءت أحكامه مفصَّلة غاية التفصيل في الشريعة الاسلامية, كما هو الشأن في العقائد وأحكام العبادات, مما يحصر حركة الفكر آنذاك في مجال الفروع والجزئيات على نحو أساسي, أما ما يختلف باختلاف الزمان والمكان مثل شؤون الإدارة والحكم والعلاقات الدولية وتنظيم الحياة الحضرية,فإن النصوص فيه قليلة, وهذا يتيح للعقل المسلم أن يتحرك فيه حركة واسعة جداً على صعيد القضايا الكبيرة والصغيرة, إن من المهم دائماً ألا تصطدم اجتهادات المفكر المسلم واطروحاته بالاجماع والنصوص الثابتة والصريحة في دلالتها,أما المسكوت عنه والمختلف فيه,فمجال النظر فيه واسع,وأنا دائما اقول:إذا اتفقنا في الثوابت والكليات لم يضرنا الخلاف في المتغيرات والجزئيات.لاشك أن الأمور ليست بهذه السهولة واليسر؛فهناك مسائل
??

كثيرة شائكة قد نختلف فيها:هل هي من الأصول أو الفروع؟ كما أن من مثقفينا من يشتغل بالفكر, ويجتهد في بعض القضايا ذات الامتداد الشرعي دون أن يملك الثقافة الشرعية المطلوبة, وأنا اشعر أن الأمور تتجه على التحسن في هذا الشأن,
والله المستعان في كل حال.



العقل والدماغ
لانستطيع التحدث عن تكوين المفكر دون أن نعطي لمحة سريعة عن كلِّ من الدماغ والعقل والعلاقة بينهما, وذلك حتى نعرف عظم المنة التي تفضل الله تعالى بتا على عباده, ونعرف شيئاًعن اعجازه في خلقه,ولايخفى ذلك الفارق الضخم بين الانسان وبين غيره من المخلوقات ,وقد قال الله تعالى((وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ)) الجاثية 13وقال تعالى((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا))الإسراء70 إن جوهر تفضيل الله تعالى للانسان منوط بتلك القدرات العظيمة التي مكنت الانسان من التفكير والإبداع والنطق والكتابة, ومنوط بنعمة الايمان وإرسال الرسل مما يستوجب الحمد لله والثناء عليه.
الدماغ:
إن الدماغ عبارة عن كتلة من النسيج الدهني والبروتيني,تزن حدود (1400) غرام,أي مايقرب من (2%)من وزن الجسم وسطيا لكنه يستهلك أكثر من(20%)من الطاقة الواردة إلى اجسامنا.هذه الكتلة تتشكل من نحو مئة مليار خلية, ولكل خلية عشرة آلاف اتصال مع الخلايا الاخرى, فهل سمعت بشبكة أعقد وأدق من هذه الشبكة؟الشعيرات الواصلة بين الخلايا تجمع بين مواصفات الاسلاك الكهربائية والانابيب, هي اسلاك لكونها تنقل الشحنات الكهربائية من خلية إلى خلية, وهي أنابيب لأنها ليست أسلاكاً صماء,وإنما مواسير مجوفة,تنقل مواد كيماوية بين الخلايا وتسمى هذه المواد الموصِّلات العصبية,ولكل من هذه الموصلات مستقبلات خاصة, كل موصل ينقل رسالة محددة؛تحفيز,تثبيط,فرح,حزن,غضب.
يولد كل انسان مزوداًبعدد من الخلايا وبوصلات بين هذه الخلايا,وهي محمََّلة





??






بغرائزه الحيوية ومجهزة بمهارات فطرية,لايحتاج المرء إلى تعلمها, وتنطلق عند الحاجة اليها, وتتشكل بعد ذلك الوصلات الخاصة بكل شخص, والعجيب إن المرء كلما تعلم شيئاً, أو مر بتجربة،أو اكتسب مهارة تم اختزانذلك في دماغه,وتصبح له دائرته الخاصة.إن بيئة الانسان وتقاليده وديانته وجنسه وجنسيته تسهم في تشكيل دماغه عبر ماترسمه فيه من اخاديد, وماتحدثه من وصلات بين الخلايا, وتشير بعض الدراسات إلى إن الدماغ يعمل بأعلى كفاءه حين يكون المرء في التاسعة والثلاثين من عمره,ثم يبدأ بالتراجع بعد سن الاربعين حين تقل كفاءة الجسم في إصلاح مايتآكل من الطبقة التي تغطي الخلايا العصبية,أما الذاكرة فإنها تبدأ في التراجع في سن مبكرة, ربما تكون عند بلوغ الانسان الخامسة والعشرين من عمره. وقد تم اكتشاف أمر مهم, هو إن عدد الخلايا المخ اقرب إلى أن يكون ثابتاً,ولكن الذي يتغيرهو كيفية تواصل وتلاحم هذه الخلايا؛فكلما درب الانسان نفسه واجتهد دماغه بالتفكير زاد عدد الوصلات وتحسَّن التحامها,وهو مايؤدي إلى مقدرة اكبر على الاستيعاب,ويرفع في درجة الذكاء والعكس صحيح وهذا يعني أن الله تعالى وهبنا آلة بالغة العظمة والتعقيد وابتلانا بها؛ حيث ترك لنا مساحة للمحافظة عليها والارتقاء بها,وعد استغلال تلك المساحة سيعني تدهور ادمغتنا وتراجعها. ولابد من القول بعد كل ماذكرناه:إن معرفة الشر بالدماغ مازالت محدودة وهو فعلا اشبه بصندوق مغلق ننظر اليه من ثقب صغير للغاية,فنرى شيئاً منه وتغيب عنا اشياء وان البحث العلمي المتواصل يوسِّع ذلك الثقب, ويجعلنا نطَّلع على المزيد من أسرار هذا المخلوق العجيب, وإنك حين تطلع على مدلولات العلماء والباحثين في شأن الدماغ وعظمته لاتملك إلا أن تقول((هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ )) لقمان11
العقل وعلاقته بالدماغ:
??
إذا كان الدماغ هو شيء محسوس معاين مازال محاطاً بالكثير من الاسرار فإن العقل وهو شيء معنوي سيظل غارقاً في الكثير من الغموض, والذي قد لانجد له اية نهاية, فإن كل مايقال في هذا الشأن لايخلو من شيء من التخمين وسوف يستمر حوله الكثير من الجدل.






العقل مصطلح يستخدم عادة لوصف الوظائف العليا للدماغ البشري,ولاسيما تلك الوظائف التي يكون فيها الانسان واعياً على نحو شخصي,وذلك حين يجادل ويتذكر ويحلل الاحداث ويلوم نفسه ويراجع مشروعاته, وحين يثور ويتعاطف ويفرح.. الدماغ اذن ليس هو العقل؛ بل هو المكان الذي يتواصل العقل من خلاله مع الجسم البشري؛حيث يستخدمه لايصال الرسائل والأوامر اليه. الدماغ هو المنفذ لإرادة العقل ووسيط التركيز الذهني. بعض العلماء ينظرون إلى العقل علو انه مجموعة من الافكار والمشاعر والعواطف والاحاسيس وما إلى ذلك.. وبعضهم ينظر اليه على أنه ذاتُ مستقلة عليا, تتضمن الافكار والمحاكمات العقلية والمشاعر واذا قلنا إن العقل ذاتُ مستقلة فانه يرد علينا سؤال حول ماهية المادة التي يتألف منها العقل: هل هي نفس مادة الاجسام الطبيعية أو هي مادة اخرى؟ واذا قلنا إن العقل ليس أكثر من حوادث عقلية, وان كل مايفعله العقل هو تصميم سلسلة الحوادث الفيزيائية؟
واذا كان جمهور الاطباء والعلماء اليوم لايكادون يختلفون في إن وظائف العقل وانشطته موجودة مجتمعة في الدماغ, فان السابقين كانوا مختلفين في هذا, وقد كان كثيرون منهم يعتقدون ذلك ايضاً, لكن كان يُشكل عليهم ماورد في كثير من النصوص مما يدل علو أن الة الفهم والادراك هي(القلب) كما في قوله تعالى((لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا))الاعراف179وقوله((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا))محمد24وقوله((فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَ?كِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ))الحج46 وقد كانوا يدركون أن القلب الحسي ليس هو المقصود,وإنما هو مضخة الدم إلى اجزاء الجسم ولهذا فإن منهم من قال:إن المراد بالقلب في الايات التي ذكرناها هو قلب معنوي وروحاني متصل بالقلب اللحمي,ومنهم من قال:إن قلب الشيء هو باطنه؛ومن ثم فإن
??
اداة الفهم هي في باطن الانسان وهذا الباطن هو القلب اللحمي أو الدماغ. ويذكر بعض الباحثين اليوم إن بعضاً ممن زرعت لهم قلةب طبيعية أو صناعية قد تغيرت عواطفهم على نحو جذري, مما يدل فعلاً علو إن القلب اللحمي المادي هو مركز للعواطف والمشاعر.. لكن في اعتقادي إن مايذكر في ذلك لايعدو أن يكون عبارة عن حالات فردية,







هي إلى الشذوذ اقرب واحتمالات الوهم والخلط في هذه المسائل كبيرة جداً, والله أعلم واحكم.
العقل عقلان:
من المعروف إن اهل العلم يقسمونالعقل إلى عقلين: عقل أول وعقل ثان, والعقل الثاني هو في الحقيقة المعرفة والخبرة المكتسبة, وسأتحدث عن ذلك فيما بعد,بإذن الله تعالى.
العقل الاول هو تعريف سهل قريب هو:مجموعة من الامكانات والاستعدادت والمبادئ الاولية التي وهبها الخالق سبحانه بني البشر؛اذ كل واحد منا مزود بالقدرة على التذكر والتخيل والربط بين الاشياء والقدرة على التحليل والتركيب.. كما إن كل واحد يملك مبادئ اولية تشكل ركائز اساسية لبنيته الفكريه,وهذه المبادئ عالمية, لاتختلف باختلاف الاعراق والاجناس واللغات والاديان كما لاتختلف باختلاف الازمنة والامكنة.
وهذه بعض الامثلة الشارحة لتلك المبادئ:
* الجميع يعرف إن النقيضين لايجتكعان, السيارة التي في الشارع اما إن تكون متحركة أو ساكنة,ويستحيل إن تطون ساكنة ومتحركة فيآن واحد, ونقول ايضاً يستحيل إن تكون تلك السيارة خالية من احد النقيضين أي ليست سلكنة ولامتحركة.
* الناس جميعاً يدركون إن الكأس الصغير لايتسع لماء الكأس الكبير, ويدركون إن الظرف اكبر من المظروف,ويدركون إن الكل أكبر من الجزء, فأُذن زيد لاتكون اكبر منه, والنجم لايكون اكبر من المجرة.
* نحن نعرف إن فاقد الشيء لايعطيه وحين نقول لطفل اعطني رغيفاً, ويقول لق ليس عندي رغيف وتلح انت عليه في طلب الرغيف فانه سيقول لك: قلت لق ليس عندي رغيف غكيف اعطيك اياه,أي هذا مستحيل.
* نحن نعرف إن الترجيح بغير مرجح باطل وعلى سبيل المثال فإنه اذا كان لدينا ميزان له كفتان, فان العقل يقضي بأن تكونا في مستوى واحد مالم يكن في














??



??


إحداهما شيء يجعلها أثقل ، فتكون أخفض ، أو يحركها الهواء ، أو يضغط عليها أحد …
قال المناطقة : الدور باطل أي : مستحيل ، لا يتصور العقل وجوده ، وللدور أمثلة كثيرة ، منها أن يكون زيد حاملاً لعمرو ، ويكون عمرو حاملاً لزيد ، فيتصف كل منهما بصفتين متناقضتين ، وكأن يكون الشيء علة ومعلولاً في آنٍ واحد ، وذلك كأن تقول : المكان المنخفض يجذب إليه الماء ، والماء يجذب إليه المكان المنخفض ، وهكذا …
الطفل ابن الخامسة يمتلك هذه المبادئ ، ويفكر على أساسها ، ولا أريد أن أخوض هنا في البحث حول وقت امتلاكها ، وهل كان يملكها عند الولادة ، ولو لم يكن يملك اللغة المعبرة عنها ، أو أنه امتلكها عن طريق الحس والمشاهدة ، المهم أن الناس جميعاً يملكون هذه المبادئ ، ويفكرون على أساسها . ومن الواضح أن عقولنا - كما أشرنا - هي عبارة عن مفاهيم وأفكار وملاحظات وآراء ومشاعر تتشكل على نحو عام من واردات الحواس : السمع والبصر والشم والذوق واللمس ، تلك الواردات يأتي معظمها مترابطاً ، وذلك من خلال التزامن والحدث المتزامن ؛ فتتشكل بنيات فكرية أولية وأساسية بناء عليها وانطلاقاً منها ، إن الطفل يظهر ابتهاجه لرؤية (الرضَّاعة) ؛ لأنه يتذكر المتعة التي يجدها عند مصها ، وتلك المتعة ترسخت في ذهنه من خلال تكرارها مرات عديدة ، وكثير من الأطفال يبكون حين يرون أمهاتهم وقد ارتدين عباءاتهن السوداء ؛ وذلك لأن لبس العباءة ارتبط من خلال التكرار بخروج أمهاتهم من البيت وتركهم فيه . وحين يمر محسن من جانب شخص فقير ، فقد يخفق قلب الفقير فرحاً إذا رأى المحسن يُخرج محفظته من جيبه ؛ وذلك لأن ذلك المحسن قد تصدق على ذلك الفقير مرات عديدة ؛ فارتبط مرور المحسن مده ليده إلى جيبه بالحصول على المال ؛ أما الشخص الذي يتعرض للناس بالمسأله فإن بنيته الفكرية تجاه المحسنين والصدقات والعطاء تكون أوسع بكثير ، إنه يعرف أين يجلس وممن يطلب الصدقة ، ويعرف ماذا يقول كما يعرف المظهر الذي ينبغي أن يظهر فيه حتى يستدر عطف الآخرين ، إن (الشحاذة) فن كامل له أصوله وأدبياته ، وله رجاله وفرسانه وخبراؤه ! الطفل الصغير يتعرف على (الماء) في وقت مبكر ، وهو يبحث عنه ، ويطلبه عند الشعور بالظمأ ، ويظن الطفل أن كل السوائل التي لها لون يمكن أن تُشرب



??
ويكون لها نفس الطعم ، ويكتشف مع الأيام أن الأمر ليس كذلك ؛ بل يكتشف بعد مدة أن الماء ماهو عذب ، ومنه ماهو ملح لايصلح للشرب ، وهكذا يتكون عقل الإنسان من خلال بناء المزيد من البنى الفكرية ، ومع كل بنية فكرية وتصنيف جديد للأشياء يحدث نمو لمشابك ومحاور عصبية داخل الدماغ ، وبذلك ينمو الدماغ مع نمو الفكر ، ويتحول الدماغ النامي والمبادئ والبنيات الفكرية التي تم ترسيخها إلى أدوات نستخدمها خلال فهمنا للوجود وحكمنا على الأشياء ، و لا شك أن تلك البنيات لا تكون دائمًا صحيحة ، وما فيها من صحة وصواب وحداثة يختلف من شخص إلى آخر ، ومن هنا تنشأ لدينا (عقليات) مختلفة ، وبسبب اختلاف تلك العقليات تختلف نظرتنا للأشياء ، وتختلف الأحكام التي تُصدرها عليها . ربما وقعت في التبسيط وأنا أشرح هذه القضية الشائكة جدَّا ، ولهذا فلعل القارئ الكريم يتلقى هذا الشرح على أنها مقاربة وطرح غير حاسم .
بقي أن أقول : إن علماءنا القدامى نظروا إلى العقل على أنه أداة لإرشاد صاحبه إلى الطريق القويم ، كما أنه أداة للانضباط الذاتي ولجم الأهواء والبعد عن طريق الرذيلة ، وكل ما يُخلُّ بالمروءة ، وحين نقرأ ما قالوه في هذا الشأن يخيل إلينا أنهم جعلوا مفهوم (العقل) شيئًا أشبه بالمرادف لمفهوم (الحكمة) ، وفي هذا يقول سفيان الثوري : ( ليس العاقل هو الذي يعرف الخير من الشر ، ولكن العاقل هو الذي يعرف الخير ، فيتبعه ، ويعرف الشر ، فيتجنبه ) ، ويقول محمد بن ورد بن نصروية : (العقل أن يغلب حلمك جهلك وهواك ) . وعن سفيان بن عيينه أنه قال : ( لاتنظروا إلى عقل الرجل في كلامه ، ولكن انظروا إلى عقله في مخارج أموره ) أي في حسن تدييره لشؤونه . هذا المنحى الأخلاقي السلوكي في توضيح معنى العقل ، يشكل نوعًا من الارتباط بين ثمرات استعمال العقل وبين منهج الرباني والآداب الشرعية التي يؤمن بها المسلم ، ولا شك في أن أعظم وظيفة للعقل أن يساعد صاحبه على العيش وفق مرادات الَّله - تعالى - وأن يساعده على النجاة من عذابه ، وحين نغض الطرف عن هذا المعنى ، فقد يصبح لدينا في الأمة الكثير من الأذكياء والمبدعين والمخترعين والقليل من الحكماء أرباب البصيرة والعقول النيرة وهذا لا يكون أبداً أمارة على الرشاد والفلاح .






??
الحقيقة أولاً
الحق والحقيقة هما ركنا الحياة الإنسانية ، فإحقاق يعني استقامة المجتمع وقدرته على مقاومة شرور العدوان والطغيان والنزوات … وفهم الحقائق يعني أننا نعرف أنفسنا ، ونعرف المحيط الذي نعيش فيه ، ونعرف ماضينا وسنن الله - تعالى - الماضية في خلقه ، وهذا يشكل شرطاً مهمًّا لتقدم البشرية وازدهارها وشرطاً مهمًّا لتجاوز الكثير من المشكلات التي تعاني منها .
خدمة الحق والحقيقة والدفاع عنهما والامتثال لمدلولاتهما شأن من شؤون النفوس الكبيرة ، وقد أخبرنا ربنا - سبحانه - أن من الناس من يتفاعلون مع الحق ويغتبطون بمعرفته إلى درجة البكاء : "وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى? أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ? يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ " [المائدة ??] .
الشغف بمعرفة الحقائق من صفات المفكرين العظام ؛ حيث إن من الصعب أن نجد مفكراً كبيراً لا يهتم بالحصول على درجة عالية من الوضوح لكل القضايا والمسائل التي يفكر فيها ؛ وذلك لأن الاهتمام بذلك والسعي إليه من الأمور التي تشكل فارقاً جوهريًّا بين المفكر وبين غيره من المتخصصين اللذين قد يكون في حوزتهم الكثير من المعلومات ، لكن لايستهويهم البحث عن الحقائق أو صياغة الأفكار العظيمة .
قضايا اكتشاف الحقيقة وفهمها واحترامها وخدمتها قضايا ذات تفريعات كثيرة ، وفيها الكثير من الغموض ، وتحتاج إلى الكثير الكثير من الشرح ؛ ولهذا فسأحاول إلقاء بعض الأضواء عليها من أجل تقريبها للقارئ الكريم قدر الاستطاعة :
?- الحقيقة هي الشيء الثابت يقيناً ، ولا ريب أن من الحقائق ماهو واضح الثبوت حتى لو لم نره ؛ حيث لايشك أحد أن وجود النبي صلى الله عليه وسلم في مرحلة تاريخية معينة كان حقيقة ساطعة ، ولا شك أن هناك بلداً اسمه الصين .. هذا النوع من الحقائق راسخ وإدراكه بسيط ، لكن هناك مالا يحصى من الحقائق التي مازالت موضع جدل .











??
إن لكل شئ وجودين : وجودًا ماديًّا في الواقع ووجوداً معنويًّا في عقولنا ، وهو الصورة الذهنية التي رسمناها عن ذلك الشيء أو الحكم الذي أصدرناه عليه ، وعلى سبيل المثال : فإننا حين نقول : إن فلاناً هو أعلم الناس بالمذهب المالكي ، فإن هذا يشكل الصورة الذهنية التي رسمناها عنه ، والحكم الذي أصدرناه عليه ، وأما الواقع فقد يكون كذلك فعلاً ، وقد لايكون ، والدليل على ذلك هو أن أهل العلم كثيراً مايختلفون في كون فلان هو أعلم أهل زمانه أم فلان ؟ وفي كون فلان أشجع أم فلان …؟ الواقع واحد ، والحقيقة واحدة ، لكن الصور الذهنية التي رسمناها عنها مختلفة .
وهذا يعني أن الواحد منا أن يدرك أنه وهو يصدر الأحكام يمارس الاجتهاد ، ونحن نعلم أن المجتهد يخطئ ويصيب . بعبارة أخرى : هناك حقائق متفق عليها ، وهناك آراء شخصية لأهل العلم ، وإن المسيرة العلمية على كل الأصعدة تمضي نحو تمحيص الآراء وتجاوزها في اتجاه بلورة المزيد من الحقائق ، ومن خلال فرز المزيد من الآراء ، وفي خضم الحراك المعرفي والعقلي قد يتحول رأيٌ ما إلى حقيقة راسخة ، وقد تتحول حقيقة كانت موضع اتفاق في يوم من الأيام إلى مجرد قول يقوله أحد أهل العلم ، ويختلف فيه غيره ، والحقيقة أنه حين يسود الجهل ويخيم الجمود العقلي يسارع الناس إلى تصديق كل مايسمعونه ويتلقونه على أنه حقيقة ثابتة ، مع أنه في الواقع لا يعدو أن يكون رأيًا من الأراء ، انظر مثلاً إلى آراء كثير من الأطباء القدامى ونظرياتهم في تشخيص الداء ووصف الدواء تجد أن أهل زمانهم تلقوها على أنها حقائق ثابتة ، ويتبين اليوم أن كثيراً منها لم يكن صحيحًا ، وهذا ماحدث في كل العلوم دون استثناء .
?- إن العقل الإنساني محدود - إلى مدى بعيد - بحدود الحواس التي متَّعنا الله - تعالى - بها ، وبما أن طاقة حواسنا على التواصل مع الأشياء وعلى التماسّ مع المدركات محدودة وضئيلة ، فإن من المتوقع أن لا نظفر إلا برؤية محدودة للحقائق ، وإن من سنن الله سبحانه وتعالى في هذا الشأن ، أننا كلما اقتربنا من الشئ الذي نريد رؤيته ومعرفته - رأينا مساحات أقل وتفاصيل أكثر ، وكلما ابتعدنا عنه رأينا مساحة أكبر وتفاصيل أقل ، وهذا ينطبق على المعنويات والماديات ، وعلى سبيل المثال فإن المتخصص في التاريخ المعاصر لمدينة من المدن يرى من التفاصيل والجزئيات أكثر بكثير






??
مما يراه المتخصص في تاريخ دولة فيها عشرات المدن ، وإن المتخصص في مناسك الحج يعرف تفريعات أكثر بكثير من الذي يقرأ في كل أبواب الفقه … مالذي يعنيه هذا بالنسبة إلى من يريد تحسين سوية المحاكمة العقيلة لديه ؟
إن هذا يعني شيئًا مهمَّا ، هو أن تركيز البحث والفهم والخبرة في موضوعات صغيرة يجعلنا نفهمها بشكل جيد ، لكن هذا يحرمنا من فهم شئ مهم ، هو الامتداد المعرفي لتلك الموضوعات والعلاقات التي تربطها بالعلوم الأخرى ، وإذا عدنا إلى مثال التخصص في تاريخ إحدى المدن نجد أن من المهم للمتخصص أن يعرف شيئًا عن تاريخ المدينة في العصور السابقة ، وأن يعرف نوعية العلاقات الثقافية والتجارية ….
التي تتبادلها مع المدن الأُخرى ، وهذا يتطلب منه أن يقرأ في الجغرافيا واللغة وعلوم الإنسان وعلوم أخرى ، وإذا لم يفعل ذلك سيجد أن معرفتة بتلك المدينة محاصرة ومخنوقة ومشوهة . أما الذي يقرأ في عدد من التخصصات دون أن يهتم بأي منها ، فإنه يخوض في حقول معرفية أوسع ، ويطلع على معلومات أكثر ، لكنه يجد نفسه عاجزًا عن التحقيق في المسائل الكثيرة التي يطلع عليها ، وعاجزًا عن الإضافة إلى أي علم يقرأ فيه ؛ بل ربما شكلت قراءاته التفرقة عقلاً مملوءًا بالأوهام والمعارف غير الممحَّصة والمدقَّقة ، إذن سيكون من المفيد أن يبذل طالب العلم (???) من جهده ووقته في تخصص محدد ، وأن يترك (???) من ذلك للقراءة في فضاءات ذلك التخصص وامتداداته ، وفي العلوم الشرعية والعامة .
?- يهدف القرآن الكريم - في جملة مايهدف إليه - إلى بناء (إنسان الحقيقة) ؛ الإنسان الذي يبحث عن الحقيقة ويعترف بها ، ويبتهج عند العثور عليها ، ويغيِّر في تفكيره وأوضاعه وفق معطياتها … وفي هذا الإطار نجد أن الله - تباركت أسماؤه - يعلِّم المسلمين أن يسموا الأشياء بأسمائها : النصر نصر ، والهزيمة هزيمة ، والخير خير ، والشر شر …. بل إن القرآن الكريم يعاتب نبيه صلى الله عليه وسلم على بع مابدر منه وعلى بعض اجتهاداته ، وذلك حتى تظل راية الحقيقة خفاقة ، وحتى تظل معالمها واضحة . في غزوة أحد شعر المشركون أنهم حققوا نصرًا على المسلمين ، وغسلوا العار الذي لحق بهم يوم بدر ، مع أنهم لم يحققوا كل أهدافهم ، وحين كان المسلمون يلعقون جراحهم ويحاولون استعادة توازنهم ، نزل القرآن الكريم ليضع النقاط على الحروف في أسباب






??
الهزيمة وملابساتها حيث يقول سبحانه وتعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:152]
وقال : [ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى? هَ?ذَا ? قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ] [آل عمران ???]

إن القرآن الكريم هنا لم يوضح للمسلمين أسباب هزيمتهم في أحد ، ولكن حدثهم بما تكنه صدور بعضهم من إرادة الدنيا والسعي إلى مغانمها . ويقول ـ سبحانه ـ معاتباً رسوله صلى الله عليه وسلم [ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ? …[الأحزاب ??] تقول عائشة رضي الله عنها : ( لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من القرآن لكتم هذه الآية ) وآيات العتاب عديدة ومعروفة ، والمقصود هو ظهور الحقائق وإطلاع الناس عليها ليعرفوا كيف يتعاملون معها .
?- البحث عن الحقيقة واحترامها والجهر بها يحررنا من كثير من الأمراض الخلقية والنفسية والاجتماعية ، وأهم ما تحررنا الحقيقة منه هو الوهم وخداع النفس ورؤية الأشياء على غير ماهي عليه . إن من الواضح أن الإنسان يملك قدرة فائقة على تسمية الأشياء بغير أسمائها ، وإن ما تملكه اللغة من مرونة وثراء وأساليب ، يساعد على ذلك مساعدة كبيرة ، وعلى سبيل المثال ، فإن بإمكاننا أن نعبر عن الدول المتخلفة على الصعيد العمراني بقولنا : إنها متخلفة ومتخلفة جدًّا ، ويمكن أن نقول : إنها نامية ، وناهضة ، وواعده ، وماضية في طريق التقدم ، ونقول : إن لديها الكثير من الجوانب المشرقة ونقول : إنها متفوقة على الدول المتقدمة في بعض المجالات .. فأي هذه التعبيرات ياترى أدق في الدلالة على الواقع ؟ وهل يمكن أن تشترك جميعاً في درجة واحدة من صدق الدلالة ، أو أن ذلك غير ممكن ؟
مهما يكن الجواب فإنه يكفي إدراك الحقيقة والاعتراف بها - فضلاً وأهمية - أنهما يفتحان أمامنا باباً لنقد أنفسنا ومراجعة أخطائنا وتشخيص أدوائنا وعيوبنا ، وهذه مهمة المصلحين والدعاة والمفكرين وقتدة الرأي . حتى تحررنا الحقيقة فإن علينا أن




??


??
نتحمل الأوجاع التي تثيرها والانكسارات الي تفضحها, وعلى المذنبين أن يتحملوا مسؤولية ذنوبهم, وعلى الذين حازوا ما ليس من حقهم أن يكفوا عن التمادي في ذلك, وأن يعيدوا ما اغتصبوه إلى أهله إذا أرادوا للحقيقة أن تحررهم من التخبط الداخلي, وأن تمنعهم من المضي في طريق الهلاك. الحقيقة تحررنا بشرط أن نقبل تحريرها, وإلا زادتنا خبالاً واضطراباً.
5 – لدينا عدد من القواعد التي تساعدنا -إذا عملنا بمقتضاها- على بناء مجتمع الحقيقة, ومن تلك القواعد الآتي:
أ – حين نريد معرفة الحقائق في شؤوننا الاجتماعية, وحين نريد تحليل التاريخ واستخراج العبر منه, وحين نريد فهم واقعنا الأخلاقي والحضاري وتحديد ملامحه, فإننا نتحرك حينئذ في مناطق معتمة, ويكون إدراكنا للحقائق جزئيّاً ونسبيّاً, وعلى سبيل المثال, فإننا حين نقول: إلى أي مدى يُعدّ مجتمع المدينة الفلانية ملتزماً بالأحكام الإسلامية, فسنواجه في الوقوف على الجواب الصحيح مشكلة تعريف الالتزام, كما سنجد مشكلة في معرفة واقع الناس, وإذا سألنا الناس عن التزامهم, فهل سيعرفون على نحو جيد معنى الالتزام؟ وإذا عرفوه, فهل سيُعبِّرون عن حقيقة أوضاعهم؟ من هنا نقول: إن علينا أن نبحث عن الحقيقة لأننا فعلاً لا نعرف, كما أن علينا أن نُدرك أن الحقائق التي سنعثر عليها في الميادين التي أشرنا إليها هي حقائق هشة ونسبية وغامضة, ويجب أن نأخذ هذا بعين الاعتبار حين نُعبّر عنها, فلا نستخدم القطع والجزم والعبارات الحادة.
ب – كل واحد من المتخصصين والباحثين في المجالات الحضارية كافة يملك جزءاً من الحقيقة, وهناك أمور لا يعرفها أي باحث؛ حيث مضت سُنّة الله في خلقه أن يجعل في كل حقيقه من الحقائق الكبرى عناصر غيبية استأثر بعلمها وحجبها عن عباده؛ فقد نعرف -مثلاً- أن النوع الفلاني من السيارات يخدم ثلاث سنوات دون الحاجة إلى صيانة, ولكن لا يعرف أحد مقدار نسبة الذين يقودون ذلك النوع من السيارات بمهارة عالية وحكمة, ولا نسبة الذين يشعرون بالمتعة عند قيادتها, ولا نسبة الذين يستخدمونها في الدعوة إلى الله -تعالى- , أو في الذهاب إلى الملاهي.....
إذن سيكون البحث المشترك والحوار ومقارنة الآراء بعضها مع بعض... مطلوباً من أجل تكامل معلوماتنا وخبراتنا حول تلك الحقائق.
ج – لا ننظر إلى الحقائق من أُفق واحد, ولا من منطلق شروط واحدة؛ ولهذا فإن الحقيقة الواحدة تُرى بطرق مختلفة, وتترك في أذهاننا ونفوسنا آثاراً متباينة, وأعتقد أن اختلاف طبائع الناس واختلاف مصالحهم وتباين المعلومات والمعطيات المتوفرة لديهم, ودرجة الوعي الاجتماعي السائد... ??إن كل ذلك يجعلهم يختلفون تجاه الكثير الكثير من الحقائق, وعلى سبيل المثال فإن نظرة المسلم إلى (العسل) وإلى (الحبة السوداء) تنطلق من أُفق النصوص الكريمة الدالة على ما جُعل فيهما من شفاء عظيم, أما غير المسلمين فإن نظرتهم إليهما تكون من أُفق التحليل الكيميائي في المخابر. ولك أن تقول مثل هذا في (الربا)؛ حيث إن الاقتصادي المسلم يرى فيه تخريباً للاقتصاد وللحياة الاجتماعية ومُجلبة لغضب الله –تعالى-, أما الاقتصادي الرأسمالي فإنه يرى فيه عماداً أساسياً للنظام الاقتصادي؛ بل لا يتصور نهضة اقتصادية من غير ربا. وعلى صعيد المصالح نجد نظرة الناس للغيث مختلفة؛ فالفلّاح ينتظره بلهف شديد, على حين أن الذي تعهد تعبيد طريق, وحفر فيه الحفر الكثيرة, يرى في المطر مُعوِقاً كبيراً في عمله.
في حالات الإعراض عن الدين الانغماس في المعاصي ينظر كل واحد من الناس إلى أمور مثل البسملة في افتتاح الخطاب وإلقاء السلام وقول: (إن شاء) – على أنها أمارة على التدين والالتزام, ولا يكون الأمر كذلك في حالات إقبال الناس على التدين, والالتزام بتعاليم الإسلام, وإنما يتطلعون إلى أداء الفرائض والبُعد عن المحرّمات...
وقد عبّر عن هذه الوضعية أحد الشعراء الأذكياء حين قال:
يُقضى على المرء في أيام محنته أن يرى حسناً ما ليس بالحسن
الأزمات والعقبات من الأمور التي تتباين نظرة الناس إليها من زمان إلى زمان, وفي هذا السياق فقد كان معظم الخلق –إن لم نقل جميعهم- ينظرون إلى الأزمات والمعوقات على أنها شر خالص, ويجأرون بالشكوى منها, لكننا اليوم نرى فيها محرضاً إلى الإبداع, ومُحفّزاً لروح المقاومة – كما نرى فيها سدّاً في وجه الترهل والتراخي والتسيُّب.. ما الذي يعنيه هذا الكلام؟
إنه يعني أن الحقائق تتلون بحسب الأُفق الذي ننظر منه إلبها, ومن هنا فإن علينا أن نفكر ونتحاور في كثير من المسائل, وكأنها لا تتمتع بحقيقة واحدة, وإنما بحقائق متعددة ومتباينة؛ فالعالم في نهاية المطاف ليس شيئاً غير ما نراه.
6 – كثيراً ما تظهر أمانة المُفكِّر من خلال تعامله مع الحقيقة وعرضه لها, وهذه المسألة في غاية الأهمية؛ لأن اكتشاف الزغل فيها صعب. المُفكِّر إنسان أسلس له الكثير من العقول القياد, ليُقدم لها الأفكار والمفاهيم والرؤى التي تُنير طريقها وهذا يُحمّله مسؤولية البحث عن الحقيقة بصدق وإخلاص وتقديمها في الأسلوب المناسب لها.
حين يتوصل المُفكِّر إلى نظرية, أو مفهوم أو يصوغ مقولة... فإنه يطَّلع في كثير من الأحيان على العديد من الآراء التي تُخالفه فيما يقول ويطرح, كما أنه يُدرك أحياناً أنه تسرّع في إصدار حُكم, أو عمّم القول بأوسع مما يحتمله الواقع... وفي كل هذه الأحوال فإن الأمانة تقتضي إعادة الصياغة وتعديلها بما يتلاءم مع الوعي المتنامي.
ومن المهم في هذا السياق ألا نعرض ما نعتقد أنه يقيني في صيغة تفيد الظن, وأن لا نعرض ما هو شك وتردد في صيغة جزم وقطع, كما أن من المهم أن نحترز أشد الاحتراز من (التعميم)؛ وذلك لأن النفوس تنجذب إليه بصوره كبيرة جدّاً.
المُفكِّر يحترس, ويحاول أن يكون دقيقاً وأميناً فيما يعرضه؛ لأن هذا هو استحقاق الريادة الفكرية, وهو بهذا يُخالف نمطين من عرض الحقائق, لا يخلو كل واحد منهما من شيء من الزغل وتشويه الحقيقة:
1- الأسلوب الذي يتبعه المحامي المُصرّ على كسب دعوى موكّله, إنه يُظهر كل الأدلة التي تساعده في الفوز بالقضية, ويُخفي كل ما يعثر عليه من أدلة تدعم وجهة نظر خصم موكّله, والواقع يشهد أن المحامين الذين يرفضون الترافع في قضايا لم يقتنعوا بعدالتها دائماً قليلون, والأكثرية تبحث عن نصوص قانونية وسوابق قضائية تدعم قضايا موكّليهم, هذا الطريق في التعامل مع الحقائق بعيد عن طريق المُفكِّر الحُر والأمين.
2- الأسلوب الذي يتبعه بعض الساسة في التعامل مع الأحداث, وقد صار من المألوف القول: إن هذا الحكم الصادر في حق فلان ليس قانونياً, وإنما هو حكم سياسي, إننا حين نسيّس الحدث أو الواقعة أو الفعل, فإننا ننظر إليه بعيون المصلحة أو بعيون العاطفة, وكلا النظرتين غير دقيق, ومن المألوف أن يعترك جيشان عراكاً شديداً ويحقق أحدهما نصراً حاسماً, ثم يدّعي الجيش الآخر أنه هو المنتصر, وما ذلك إلا لأنه سيَّس المعركة وسيَّس نتائجها, فخرج الحكم من دائرة الاعتبارات العسكرية إلى دائرة الاعتبارات السياسية. والحقيقة أن هذا النوع من التعاطي مع الحقائق يبعث المرارة في النفوس, ويؤدي إلى حدوث شرخ كبير في القاعدة الشعبية العريضة, وينبغي الابتعاد عنه على مقدار ما نستطيع.


??
ما التفكير؟
وهب الله –عز وجل- الإنسان دماغاً مختلفاً عن أدمغة باقي الحيوانات, وهذا الدماغ يظل في حالة من العمل المتواصل خلال أوقات اليقظة, لكن ما يشتغل عليه يتعلق غالباً بتسيير أمور الحياة اليومية, وتحليل المواقف الصغيرة, وبعض التفكير هو عبارة عن تحريك للهموم وتحريك للمواجع ليس أكثر. الإنسان كائن ناطق, وحين لا يجد من يتحدث إليه يتحدث مع نفسه, والمحادثة مع النفس في تفكير, وبهذا الوصف يمكن القول: إن كل إنسان هو مُفكِّر, ويُمارس التفكير, وهذا بالطبع ليس هو المقصود في بحثنا هذا, إنما المقصود ذلك النوع من عمل الدماغ الذي يستهدف حل مشكلة أو الوصول إلى شيء مجهول أو اكتشاف علاقة غير ظاهرة... ولعلي أحاول الجواب على السؤال الذي أثرته في العنوان عبر المفرات التالية:
1- التفكير انتقال من حال إلى حال:
يقول ابن سينا عن التفكير: إنه انتقال الذات العارفة مما هو حاضر إلى ما هو ليس بحاضر. وهذا تعريف جيد ولتوضيحه نقول: إن الإنسان لا يرى سوى جزء صغير من الواقع, ونظرته للماضي تخمينية, وهو يودُّ استشراف المستقبل من أجل التعامل معه والاستعداد له, ولدى كل واحد منا مشكلات يودُّ التخلُّص منها ومعالجتها....
وهذا كله يتطلب شيئاً واحداً, وهو تجاوز ما هو موجود ومعلوم إلى ما ليس موجوداً ومعلوماً, وهذا التجاوز يتم عن طريق استخدام إمكاناتنا الذهنية فيما نملكه من معلومات ومُعطيات وأفكار ومُلاحظات... إننا إذ نفكر نشبه الذي يخُضّ اللبن ليستخرج منه (الزبد), وكما أن اللبن قد يكون قليل الدسم, وبالتالي فإن ما سنحصل عليه من الزبد سيكون قليلاً, كذلك قد تكون المعلومات والخبرات التي لدينا حول ما نفكر فيه ضئيلة أو غير كافية, وحينئذ فإن الأفكار الجديدة التي سنحصل عليها ستكون ضحلة أو خاطئة. وإذا كانت إمكاناتنا الذهنية متواضعة, فإننا حينئذ سنشبه آلة الخض للبن حين تكون غير مناسبة, وسنشبه الذي يقوم بالخض حين يكون ضعيفاً أو غير خبير, النتيجة أيضاُ القليل من الزبد والقليل من الأفكار الجيدة.
2- التفكير استقصاء للخبرة:
التفكير في بعض الأحيان يكون عبارة عن عملية استقصاء للخبرة وتقليب لمحصولها من أجل اتخاذ قرار أو حل مشكلة أو إصدار حكم, هذا قاضٍ جاءه زوجان يريدان الطلاق, وأحَب أن يسعى في الصُلح بينهما, إنه بعد أن يسمع من كل واحد منهما ما لديه تجاه صاحبه, يقوم وعلى نحو سريع جداً باستعراض الكثير من الحالات المماثلة التي عُرضت عليه, ويحاول فرزها واستحضار أكثرها شبهاً بالحالة التي أمامه, ثم يقوم بانتقاء الحالة التي نجح فيها في الإصلاح بين الزوجين, ومع ذلك الاستحضار يحاول أن يتذكر الأمور التي نصح بها الزوجين في تلك الحالة حتى ينصح بها الزوجين اللذين أمامه, وفي الغالب يفلح ذلك. ماذا لو لم يمر به مثل هذه الحالة؟ ماذا لو كانت قدرة القاضي على التذكّر ضعيفة؟ إن النتيجة هي أن استقصاء القاضي لخبراته سيكون محدود الفائدة.
3- التفكير بناء للنماذج:
من أعظم ما يمكن أن نفكر من أجله (بناء النماذج)؛ حيث إن عقولنا تكره الفوضى, وتكره الغموض, وتجد صعوبة بالغة في التعامل مع الأمور العائمة, وغير المتعينة؛ ومن ثم كان بناء النماذج عملاً عظيماً؛ لأنه يُسهّل علينا عملية فهم العالم وعملية التربية والتعليم أيضاً, النموذج الذي نبنيه في عقولنا لشخص أو حالة أو وضعية... هو عبارة عن صورة عقلية نرى من خلالها الواقع, أو هو أشبه بخريطة معرفية, نزعم أنها تحكي الواقع, وتُرشِد إليه. النموذج مكوَّن من عدد من العناصر, بعضها يتم التقاطه من الواقع المشاهَد, وبعضها يتم استخراجه من الخبرة الشخصية, وبعضها يتم إحضاره عن طريق الخيال. دعونا الآن نقوم بمحاولة لبناء (نموذج) للشخص (الكذاب), فما قسمات ذلك النموذج؟
1- يميل إلى الإكثار من الكلام دون الشعور بالمسؤولية حيال دقة ما يقول.
2- يُكثر من الأيمان حتى يقطع الطريق على من يتشكك, أو يُشكّك في صدقه.
3- مولّع بسوق الغرائب, وميّال إلى المُبالغة.
??















4- ينظر إلى نفسه على أنه ذكي , ويعرف كيف يثير إعجاب الآخرين .
5- لا يبالي بالعهود التي يقطعها على نفسه .
6- تشعر وهو يحدثك أنه رجل المصادفات والمفاجآت الغريبة , فما يجري معه من أحداث لا يجري مع غيره .
7- ماهر في سوق البراهين على صحة قوله بسبب استسهاله الكذب .
هذه السمات المكونة لهذا النموذج الكذاب اجتهادية , وقد لا تتوفر مجتمعة لدى بعض الكذابين , لكن أعتقد أنها موجودة لدى معظمهم , وقد تكون هناك سمات أخرى لم أهتد إليها, النموذج الذي نبنيه قد يكون لأشخاص وقد يكون لمنتجات ؛ فالمهندسون يبنون نماذج للأبنية الأقتصادية منخفضة التكلفة , كما بنو نماذج للسيارات الفارهة .
أنا هنا أدعو القارئ الكريم أن يشحذ ذهنه وخياله , وينمي قدرته على التفكيك والتركيب من خلال محاولة بناء عدد كبير من النماذج , ثم عرضها على بعض الأساتذة والزملاء من أجل مناقشتها , وما يمكن أن يكون فيها من نقص , وهذه بعض العناوين لنماذج يمكن العمل على بنائها :
- الطالب المجدّ .
-الإنسان المتسامح .
-الشخص المسوِّف .
-الشخص الجشع .
- الإنسان الميال إلى النقد .
- مدرسة ممتازة .
-بيئة عمل يسودها التسيب والغموض .
- أب حازم في تربيته .
- ضيف ثقيل الظل .
- مزرعة ناجحة .
-طالب مهمل .




??




إن النموذج الذي نبنيه يشكل أداة لفهم صاحبه والاقتراب منه , ومن هنا فإننا من خلال العثور – مثلاً – على صفتين من صفات الإنسان الجشع لدى شخص من الأشخاص , يمكن أن نتأمل وندقق لنتأكد من وجود باقي مكونات النموذج , فإذا لم نجدها , قلنا: فلان لا يعد شجعًا , والعكس صحيح , وهكذا يكون فن بناء النماذج هو نفسه فن مكافحة العماء والغموض وفن تسهيل الإدراك والقبض على الحقائق .
4 – التفكير في طرح الأسئلة :
طرح الأسئلة حول القضايا المختلفة من صميم عمل المفكر ومن صميم التفكير الراقي , وإنما كان طرح الأسئلة مهمًّا وحيويًّا ؛ لأنه يفتح طريقًا جديدة للتبصر والفهم , ويكسر الاتساق المصطنع للثقافة . ومن الواضح أن أفكارنا حول الموضوعات المختلفة تتناسق في أشكال تحاول أن تكون منطقية ومفهومة ,وهذا ملموس جدًّا في البيئات الأمية والبدائية ؛ حيث تسود المعارف الضحلة , ويأتي المفكر ليوضح أن م يُظن انه منطقي ليس كذلك , وما يُظنُّ أنه مكتمل ومفهوم ليس كذلك , إن السؤال الكبير يشبه حجرًا كبيرًا نلقيه في بحيرة صغيرة , والسؤال الصغير يشبه حجرًا صغيرًا نلقيه في بحيرة كبيرة , ولعل من الأسئلة التي تعبر عما نريده الأسئلة التالية :
- لماذا نجد أن معظم المسلمين فقراء مع أننا نملك أفضل نظرية اقتصادية في العالم ؟
- لماذا تنفق المرأة المسلمة على الحليّ والزينة والملابس أضعاف ماتنفقه المرأة الأمريكية , مع أن المسلمة تعتقد أن الآخرة خير من الأولى , وتعتقد بأهمية الزهد وخطورة التبذير ؟
- لماذا لا يستطيع معظم الشعوب الإسلامية التخلص من حكومة سيئة حتى لو اراقوا الدماء , وتستطيع الشعوب الغريبة فعل ذلك دون أن تريق الدماء مع أن النزاهة في الحكم والشورى وتغليظ سفك الدماء والزهد في المناصب امور أساسية في ديننا ؟
- لماذا لا نجد لدينا من الأعمال الخيرية والتطوعية ما يداني ما هو موجود لدى بعض الأمم غير المؤمنة , مع أننا نملك عددًا كبيرًا من النصوص والآداب التي تمجّد العمل الخيري ؟
- لماذا ينتحر الناس بنسب مرتفعة في دول مرتاحة في معيشتها إلى حد الترف








??




كما هو الشأن في الدول الإسكندنافية ؟
- كثيرًا ما نقول : إن تسلط الغرب علينا هو سبب ضعفنا .... لماذا لا نقول : إن ضعفنا هو سبب تسلطه علينا ؟
إن سؤالًا واحدًا قد يفجر من المعرفة مالا يفجره ألف جواب ؛ وذلك لأن السؤال الجيد يبعثنا على أعادة النظر في بعض المقدمات والمنطلقات والمسلّمات , وهذا ضروري جدًّا للتقدم العقلي والحضاري .
5- التفكير من أجل تخطي الحلول القائمة :
كثيرًا ما يواجه الفرد – كما تواجه الشركات والحكومات – مشكلات عديدة , ويتم أعتماد بعض الحلول في مرحلة من المراحل , وكثيرّا مايكون الحل غير ملائم أو يكون باهض التكاليف , وحينئذ يأتي دور العقل الذكي ليوجد بدائل للحلول المستخدمة , تفي بالغرض , وتكون أقل كلفة , أو تكون أكثرفعالية وأعظم جدوى , ولو كانت كلفتها أعلى . المعروف أن الإنسان لم يستخدم سوى جزء يسير من طاقاتة وقدراته الذهنية , كما أن من الواضح أن ضعف الإمكانات المادية في البلاد النامية أدى إلى قلة (البرامج البحثية) وضعفها , مما حرم عقول أبنائنا من العمل في أطرٍ حيَّةٍ وملائمة .
المال الوفير أحيانًا يصرف العاقل عن الإبداع والبحث عن حلول أقتصادية عن طريق البحث والتطوير ,وهذا مشكل آخر , ومما يستشهد به في هذا السياق مايُذكر من أن علماء وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا), حين كانوا يجهزون الرحلات للفضاء الخارجي واجهتهم مشكلة كبيرة , هذه المشكلة تتمثل في أن رواد الفضاء لن يستطيعوا الكتابة بالأقلام بسبب أنعدام الجاذبية ,بمعنى أن الحبر لن ينثال من القلم على الورق , فماذا يفعلون لحل هذه المشكلة ؟
قام العلماء ببحوث أستمرت عشر سنوات , وتم أنفاق أكثر من اثني عشر مليون دولار من أجل تطوير قلم جاف تمكن الكتابة به في حالة أنعدام الجاذبية , كما تمكن الكتابة به أيضا على سطح أملس مثل (الكريستال) , وحين واجه الروس هذه المشكلة حلوها بطريقة بسيطة جدًا , ومن غير أنفاق أي مال أنهم قرروا أستخدام






??







أقلام الرصاص بدلا من أقلام الحبر!
مثال آخر على تخطي الحلول الناجزة يأتينا هذه المرة من اليابان ؛ فقد كان هناك مصنع عملاق لصناعة الصابون , وحدث أن وقع اختلاط كبير بين الصناديق المعبأة والصناديق الفارغة , فماذا فعلوا لحل تلك المشكلة ؟ إنهم قاموا بصناعة جهاز يعمل بالأشعة السينية متخصص بالكشف عن الصابون بداخل الصناديق , ووضعوه امام خط خروج الصناديق بقسم التسليم , وعينوا عمالًا جددًا , مهمتهم إبعاد الصناديق الفارغة التي كشفها الجهاز . بعد مدة حدثت المشكلة نفسها في مصنع للصابون أصغر من المصنع الأول , فما كان من القائمين على المصنع ألا أن ابتكروا بديلًا للأشعة السينية , وهو عبارة عن مروحة إلكترونية , قاموا بضبط قوة دورانها بما يناسب وزن الصندوق الفارغ , وتم توجيهها إلى خط خروج الصناديق بقسم التسليم ؛ حيث يسقط الصندوق الفارغ من فوق السير من تلقاء نفسها بفعل اندفاع الهواء . إنه حل أقل تكلفة , وأيسر , بسبب وجود عقل مبدع . في الهند تعمل إحدى شركات الحاسب الآلي على تخطي النماذج الحاسوبية السائدة , والتي يصعب اقتناؤها على كثير من أبناء الفقراء في العالم , وهذا التخطي سوف يتجسد في حاسب آلي بسيط يلبي الكثير من حاجات طلاب المدراس , ولا يتجاوز ثمنه خمسة عشر دولارًا!
هل نستطيع أذن القول : إن كل واحد منا يحمل فوق كتفية منجمًا لأفكار لا تُقدَّر بثمن ؟ نعم ولا شك , لكن بشرط أن ندخل إلى ذلك المنجم ونبدأ في الأستفادة منه .
6- التفكير والعواطف :
الإنسان وحدة واحدة , ولكن كثيرًا ما نجد أنفسنا مضطرين لتجزئته إلى أجزاء مختلفة بغية تسهيل الفهم , وإذا كان للجانب الروحي والنفسي تأثير في الجانب الجسمي , وكان للجانب الجسمي تأثير في الجانب الروحي والنفسي , فإن تبادل التأثير بين الجانب العقلي والعاطفي كائن من باب أولى .
العواطف والأحاسيس تتسم بالفوضى وبالغموض والقليل من العقلانية والمنطقية ؛ فللقلب حين يحب ويبغض ويفرح ويحزن ... أسبابة التي لايحتاج إلى الموافقة عليها من عقل أو خبرة أو تجربة .. وأعتقد أن من المهم لنا ونحن نحاول تكوين عقلية راشدة














وناضجة أن تحاول التعرف على طبيعة العلاقة التي تربط أفكارنا بعواطفنا ؛ لأننا من غير الوعي بهذا العلاقة لانعرف مدى صواب آلية التفكير والمحاكمة العقلية لدينا ولعلي أشير إلى ذلك عبر النقاط الآتية :
أ – إذا تساءلنا عن المكمن الذي يكمن فيه الجوهر الإنساني : هل هو الفكر أو العواطف والمشاعر ؟ فإنني لا أتردد في القول : إن عواطفنا وأحاسيسنا هي التي تشكل البنية العميقة لنا ؛ فالإنسان يكون إنسانًا ليس على مقدار تفكيره , ولكن على مقدار مشاعره وعواطفه ؛ وعلى الصعيد العملي كثيرًا ما يكون من الصعب أن نفكر أولًا , ثم نشعر , ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس الأذكياء يُصدرون حكمًا فوريًّا بناء على مشاعرهم , وبعد ذلك يحاولون استخدام ذكائهم في تسويغ ذلك الحكم ودعمه , ويذكرون في هذا السياق أن رجلًا كان يقود سيارته , فإذا بامرأة مطروحة أرضًا فنزل الرجل من سيارتة ليسعفها , وجاءت بعده سيارة , فنزل السائق وضربه ظنًّا منه أنه هو الذي صدم المرأة . السائق خضع لشعوره , وتصرف تجاوبًا معه دون أن يحاول معرفة الشخص الذي صدم المرأة فعلًا . المشاعر كثيرًا ما تكون صادقة , ولكن ليست على حق دائمًا, فنحن نشعر في حدود إدركنا , وبما أن إدراكنا محدود , فأن مشاعرنا قد تكون مبنية على معطًى ناقص وحسير . ولا بد من الإشارة هنا إلى شيء آخر هو العواطف والمشاعر ميالة إلى التطرف ؛ فنحن قد نحب شخصًا أو شيئًا حتى إننا لا نتصور كيف تستمر حياتنا من غيره , وبعد مدة ننصرف عنه , حتى إننا لنعجب من تعلقنا به في السابق , ومن هنا جاء إرشاده صلى الله عليه وسلم وتوصيته لنا بالاعتدال في حالتي الحب والبغض حيث يقول (( أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما , وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا )) 2
ب – حين نُعمل عقولنا من أجل إنتاج بعض الأفكار , فإنها تتفاعل مع ما نراه أو نسمعه أو مع المعلومات التي نحصل عليها , أو فإن الفكرة التي نحصل عليها تثير من مشاعرنا وعواطفنا مايتناسب معها , وهذا يعني أن الأفكار تولد المشاعر وتوجهها , كما أنها تغيّرها وتطفئها أيضًا , والحقيقة أن الشواهد على هذا أكثر من أن تحصى , ولدى كل
واحد منًّا تجارب ثرية في هذا الشأن , ومع هذا فلا بأس بعرض بعض الأمثلة :
- حين تريد دولة مستكبرة ضرب شخص أو دولة أو مصالح جهة من الجهات , فإنها تمهد لذلك بفتح سجلاته وتوجيه الأنظار إليه , وهم بالطبع لا يقرؤون ولا ينشرون الحسنات والإنجازات , وإنما السلبيات والفضائح , ويسخّرون لذلك آلتهم الإعلامية الضخمة ذات الوسائل المتعددة : في كل يوم خبر عن الفساد والرشوة , أو عن
??
انتهاك حقوق الإنسان , أو البذخ والترف في الإنفاق , أو عن الجوع والمرض بسبب السياسات الغبية .... والهدف من ذلك واحد رسم صورة ذهنية قائمة لذلك المستهدَف , وترسيخ تلك الصورة يستمر طويلًا , والغاية من وراء كل ذلك هي حرمان من يستهدفونه من أي نوع من مشاعر المؤازرة والتعاطف ؛ فهو شرير أو ( محور من محاور الشر ) , ولهذا فإنه يستحق كل مايمكن أن يحل به من قتل وتشريد ونهب وحصار ... وقد تزعمت الولايات المتحدة الغربَ في حملات إعلامية عدة ضد العديد من الأشخاص والدول وحققت نجاحات لايستهان بها .
- ركب رجل قطار ومعه طفلان , وقد كانت حركة الطفلين داخل العربة مزعجة لكثير من الركاب فاستنكروا ذلك , وطلبوا من الأب أن يتحمل مسؤوليته , ويضبط أولاده , وكان جواب الأب عبارة عن دمعة حرّى نفرت من عينه حين قال : توفيت والدة الطفلين قبل ساعتين من الآن , ولا أستطيع في هذا الظرف العصيب أن أضغط عليهما . هنا حدث تغير مفاجئ في موقف الركاب ؛ حيث صاروا يتسابقون إلى إكرام الطفلين وملاعبتهما , وأحاطوهما بالكثير الكثير من الحنان والرعاية والاهتمام . لماذا كل هذا ؟ إن ما سمعوه من الأب محا مشاعر الضيق التي كانت لديهم تجاه الطفلين , وأحلّ محلها مشاعر من نوع آخر . إن الواحد منا تنتابه مشاعر الأسى والحزن حين يفكر في موت أحد الأعزاء , أو فقدان عمله , أو الفشل في تحقيق هدف شخصي مهم . وهو يشعر بالغضب حين يفكر في الاستغلال , أو العدوان , أو الظلم الذي تعرض له من قِبَل جهة من الجهات أو شخص من الأشخاص , وهو يشعر بالنقص وضعف الكفاءة حين يقارن نفسه بالزملاء والأصدقاء , وتنتهي به المقارنة إلى الاعتقاد بأنه ليس ناجحًا أو مثقفًا , ولا يملك شيئًا خاصًّا يمتاز به على غيره ... ما الذي يعنيه هذا ؟
إنه يعني شيئًا مهمًّا , هو أن نحذر كل الحذر من الأفكار والمفاهيم والتصورات


الخاطئة واليائسة والمحبطة والمشوهة فهي قادرة دائماً على جعل مشاعرنا تتجه الوجهة الخاطئة أو تكون سوداوية تعكر حياتنا وتسلبنا الطمأنينة والهناء وليس هذا السياق هو الموضوع المناسب لشرح ذلك
جـ / كما أن الافكار تثير المشاعر وتطفئها وتغير اتجاهها فإن المشاعر أيضا تؤثر في الأفكار تأثيراً لا يستهان به وقد أكدت بعض الدراسات الحديثة على هذا الصعيد أن المنظومة الوجدانية لدى الانسان معقدة ومركبة وشديدة المقاومة للتغيير وهي تحدد معالم شخصية الانسان منذ وقت مبكر وأكدت تلك الدراسات أن عدد الالياف العصبية المتجهة من المراكز الوجدانية في المخ إلى المراكز المنطقية يفوق كثيراً التي تسير في الاتجاه المعاكس وهذا يعني أن تأثير الانفعال والوجدان في السلوك والتعليم والمحاكمة العقلية يفوق كثيراً تأثير الافكار في المشاعر ويمكن لنا الاشارة في هذا الاطار الى الامور التالية:
تقوم العواطف بترتيب الاولويات الفكرية وتوجه انتباهنا أكثر فأكثر للمعلومات الأكثر أهمية وهكذا نجد أن الناس الذين طغى عليهم حب المال وجمعه يفكرون في الليل والنهار في استنباط طرق جديدة للربح وعقد الصفقات الناجحة كما أنهم يهتمون بتحليل الاخبار المالية ويطالعون الصفحات الاقتصادية في الجرائد والمجلات ويحصرون بعض الدورات التدريبية التي تساعدهم في الحصول على عقود جيدة ولك في هذا السياق أن تتخيل باحثاً في علم الاورام أصيب ولده الوحيد بورم خبيث كيف
??
ستدعوه شفقته على ولده الى تركيز البحث في نوعية الورم الذي أصيب به ابنه والى مضاعفة عمله في سباق مع الزمن
تؤثر العواطف ولاسيما المتأجج منها في الأحكام التي نصدرها على الاشخاص والاشياء والاحداث ونحن في حالة الحب والتعاطف لانكاد نرى سوى الايجابيات والمحاسن وفي حالة النفور والكره لا نكاد نرى سوى السلبيات والمعائب والظاهر أن العاطفة تجعل من نفسها ما يشبه الغشاء أمام عيون العقل من هنا حذرنا الله تعالى من ان يحملنا بغض الناس بعض الناس على الجور في الاحكام التي نصدرها عليهم حيث يقول سبحانه (  يَا أَيُّهَآ ?لَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِ?لْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى? أَلاَّ تَعْدِلُواْ ?عْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى? وَ?تَّقُواْ ?للَّهَ إِنَّ ?للَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) المائدة 8
أي لا يحملنّكم بغض قوم على ترك العدل فيهم ومسألة تأثير العواطف في اصدار الاحكام معروفة في كل الثقافات الحية وهي جزء من التجربة الانسانية ومما يروى عن العرب في المثل : ( حبك الشيء يعمي ويصم )3 ان الذي يسترسل في اتباع هواه لا يبصر قبيح افعال من استرسل في حبه ولا يستمع الى نهي من ينصحه في ترك مصاحبته ومما يروى عن الامام الشافعي قوله:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة كما أن عين السخط تبدي المساويا
ويقول أحدهم:
إذا شئت أن تلقى المحاسن كلها ففي وجه من تهوى جميع المحاسن
وحين قيل لجميل بثينة : ان من استغرقك حبها ليست حسناء بل انها تذكر بالسواد قال:
أحب لحبها السودان حتى أحب لحبها سود الكلاب
د- العواطف كما أشرنا ميالة الى التقلب على مستوى الاتجاه وعلى مستوى الشدة والخمود وهذا التقلب موجود لدى كل الناس بدرجات متفاوتة وقد تبين أنه يؤثر أيضاً في اتجاهاتنا الفكرية حيث ان من الملموس ان الذين لديهم نوع من الجمود العاطفي تكون عقلياتهم أقرب الى التصلب على حين ان الحيوية العاطفية تبعث من يتمتع بها على تقبل بعض وجهات النظر المخالفة لمعتقداته ومن المعروف ان احساس الانسان بالمرح والسعادة يساعده على الوصول الى افكار جديدة ومبدعة كما ان اولئك الذين يفكرون وهم في حالة يأس واحباط او في حالة ارهاق أو في حالة خوف ينحون نحو انتاج افكار مطبوعة بطابع التشاؤم والسوداوية
ان الذي نستفيده من هذه الملاحظات هو اخضاع مشاعرنا قدر الامكان للحكم العقلي واقامة نوع من الرقابة المستمرة عليها ولاننسى في هذا السياق ما للمعرفة من تأثير جوهري في ارشاد العواطف فنحن حين لا نملك القدر المطلوب من المعلومات نتعاطف حيث لا ينبغي التعاطف وننفر حيث لا معنى للنفور وهذا يجعل احكامنا ايضا من غير اساس صحيح
7/ التفكير واللغة:
نعمة الايمان ونعمة العقل ونعمة الكلام نعم ثلاث تتوج نعم الخالق عز وجل علينا وبهذه النعم الثلاث يصبح للحياة معنى ونمتاز عن سائر المخلوقات
علاقة التفكير باللغة لاتخلو من شيء من الغموض وهناك الكثير من الاختلاف والتساؤل : هل التفكير سابق على اللغة او اللغة سابقة على التفكير؟ هل اللغة متصلة بالتفكير او هي منفصلة عنه ؟ تساؤلات كثيرة واجابات قابلة للنقاش والطعن وبما أنني لا أنزع في هذا الكتاب منزعا فلسفيا فلندع التعليلات والخلافات جانبا ولنتحدث عما هو عملي وقريب الفهم:
1/ من السهل دائماً أن نقول: ان اللغة هي مرآة العقل والقلب ولهذا كان سقراط يقول" تكلم حتى أراك" وكانت العرب تقول" تكلموا تعرفوا" اللغة هي أداة التعبير الاساسية عما نريد التعبير عنه وهذا ما كان القدماء يرونه بوضوح تام وقد عرّف ابن جني اللغة أنها " اصوات يعبر عنها كل قوم عن أغراضهم " وهذه الوظيفة للغة موضع اتفاق لكن لابد من القول: ان النظام اللغوي هو نظام نام على نحو مستمر ولهذا فان سيطرتنا على اللغة تكون دائما غير كاملة ووعينا بمفرداتها وأساليبها ودلالاتها ورمزياتها يظل ناقصا ورحم الله الامام الشافعي اذ يقول " لا يحيط بلغة العرب الانبي" وهذا في الحقيقة ليس خاصا بلغة العرب فاللغات الحية كلها عصية على الخضوع الكامل للّاغين بها وهذا يعني اننا سنظل نعاني من قصور تعبيراتنا عن افكارنا ومشاعرنا وسنظل نعاني في احيان كثيرة من قصور فهمنا لما نسمع ونقرأ ولذا فان سوء الفهم شيء رائج ومنتشر في كل مكان وهذا يتطلب من المفكر ان يحاول توضيح طروحاته ومقولاته كما يتطلب من كل واحد منا ان يحاول التأكد من انه فهم ما قرأه وسمعه على نحو جيد قبل برمجته في عقله او اصدار حكم عليه. ??
ان اللغة تمارس نوعا من العنف ضدنا فنحن اسرى لنظامها واملاءاتها فانا حين اود ان اعبر عن اعجابي بذكاء شخص ما مثلا اجد نفسي مضطرا لاستخدام الكلمات التي تستخدم عادة في الثناء واستخدام الاساليب المعهودة في ذلك واذا قلت ماهو شائع ظهر كلامي وكأنه مكرور وخال من الابداع واذا اسرفت في المديح فربما ظن بعض الناس ذلك انه مجاملة زائدة واذا اقتصدت في الثناء فسنجد من يقول : انه اثنى من غير رغبة او لم يعط ما اثنى عليه حقه اللغة فضاء واسع ومملوء بالرموز والمعاني والدلالات وسوف نجد انفسنا تائهين فيه مالم نحاول تحسين مستوى استخدامنا للغة بجدية ومثابرة على مستوى التعبير وعلى مستوى الفهم والتفسير.
2/ اللغة وسيلة لتخزين الافكار والمفاهيم والمعلومات ووصيلة لاسترجاعها من الذاكرة ايضا اننا حين نودع ذاكرتنا ما امتلكناه من معان نودعه مجسدا في كلمات وجمل وتعبيرات وقصائد وامثال وحكم فانا اذا اردت ان اتذكر ماجرى بيني وبين زيد من الناس في المجلس الفلاني من تبادل للافكار والمشاعر احاول ان اتذكر الكلمات والتعبيرات التي سمعتها منه والتي قلتها له وهذا طبيعي فاللغة هي التي أتاحت لنا فرصة الوعي بأفكارنا ولولاها لكان مافي عقولنا عبارة عن خليط من التهويمات الغامضة والمختلطة ومن الواضح انه كلما وفقنا لصياغة افكارنا في تعبيرات جميلة ورصينة ومبدعة كان اختزاننا لها واسترجاعنا اياها يتم بطريقة اسهل وهكذا فان الحكم والامثال والمقولات الاخاذة والمبتكرة تظل على طرف الالسنة وفي متناول اليد وحين يكون التعبير ضعيفا او متنافرا فان الذي ينتظره هو الغوص في اعماق الذاكرة ثم الضياع الابدي ومن وجه اخر فان منطقية الافكار وترابطها يجعل استدعائها من الذاكرة ايسر واسهل كما اننا كلما كنا اكثر انتبها وحضورا وقت اختزانها صار الاسترجاع اسهل والعكس صحيح
3/ اللغة أداة لصنع الافكار ان الفكرة تتمتع ولاشك بدرجة من الاستقلال النسبي عن اللغة وذلك حين في طور التخمر والتكون الاولي وهذا بسبب ما حبانا الله به من نعمة الخيال الذي يحرك القوى الذهنية نحو فهم المدركات المختلفة لكن الافكار في هذه المرحلة مرحلة التخمر تكون جنينية غير واضحة الملامح او كما يقول ( دي سوسير) عبارة عن كتلة من الضباب لاشيء فيها يبدو متميزاً وقد أثبت علم نفس الطفل ان الاطفال يتعلمون التفكير في الوقت الذي يتعلمون فيه اللغة ان الطفل في شهوره الاولى يرى العالم من حوله لكنه لا يبصر شيئا وحين يبدأ باكتساب الكلمات يبدأ العالم أمامه بالتمايز ويبدأ عقله بالاشتغال ومن الملاحظ ان الواحد منا حين تلتمع في ذهنه فكرة ما فانه يبحث عن كلمات يعبر بها عنها والحقيقة انه حينئذ لا يبحث عن كلمات لكن يبحث في الفكرة نفسها لشعوره انها لم تبلغ حد البلورة والنضج وتكون الكلمات والجمل هي الادوات التي يستخدمها الدماغ في عملية البحث هذه وقد كان ( هيجل ) من اكثر الفلاسفة الذين اهتموا ببحث العلاقة بين اللغة والفكر وهو يرى أن التفكير بدون كلمات محاولة عديمة المعنى لان الكلمة تمنح الفكرة وجودها الاسمى والاصح ماذا يعني تقرير هذه المسألة؟
انه يعني الاتي:
أ/ اذا كان توهج الفكر مرتبطا الى هذا الحد باللغة التي نتحدث ونكتب بها فان هذا يعني ان علينا ان نعطي لحصيلتنا اللغوية الشخصية المزيد من الاهتمام فالمتمكن من اللغة يستطيع ان يصل الى افكار دقيقة ومنظمة بل ان المتمكن في اللغة يستطيع ان ينمي اللغة نفسها من خلال ابداعه لاساليب واستخدامات جديدة ومن خلال اثرائه الصور والتشبيهات المتداولة
ب/ الحفاظ على العربية ورفدها بالجديد من مسؤوليات المفكرين والمثقفين عامة وذلك من خلال محاولة الارتقاء والتقدم في استخدام اللغة والاصرار على نقائها من العامية والكلمات والاساليب الاعجمية
ج/ في بعض الاحيان نشبه الفكر بالروح ونشبه اللغة بالجسد وهذا التشبيه صحيح ولكننا نعرف ان الروح مهما متوثبة ومنطلقة تظل في النهاية محدودة بحدود الجسد وهكذا فان اللغة ترسم لتفكيرنا حدودا لايستطيع تجاوزها وهذا يعني اننا لانستطيع ان ننتج من الافكار الا ما تسمح به اللغة التي نستخدمها وان درجة خصوبة الفكر تتحدد بمستوى نمو اللغة ومن هنا فان الشخص الذكي جدا لو فكر في مسألة من المسائل وكان أميا او كانت مهارته اللغوية ضعيفة فانه لايستطيع الاهتداء الى حل معقد لما يفكر فيه بسبب قصور معرفته باللغة واذا انه اهتدى الى حل عظيم فانه لايستطيع التعبير عنه وهذا يشكل خسارة كبيرة جدا للشخص ولامته وهكذا نجد ان الجهل باللغة اكبر قاتل للموهبة لانه يفقرها بل يجعلها اشبه بالعدم
د/ ان المرء حين يفكر في واقعه الشخصي او يفكر في واقع مجتمعه وامته فانه في الحقيقة يقوم باستحضار ذلك الواقع من خلال الخيال ومن خلال اللغة ونحن حين نستحضر الواقع نستحضر احداثه واشخاصه واشياءه ومايجري فيه من تطورات متلاحقة وان اللغة هي التي تساعدنا على تنظيم كل ذلك وجعله في وحدة متماسكة قابلة للفهم والتفسير وحين تكون الحصيلة اللغوية لدى من يفكر في الواقع ضعيفة فان الواقع يبدو له في صورة ظواهر مشتتة ملفوفة بظلام دامس وحينئذ فان رؤيته لذلك الواقع تكون مشوهة ومضطربة وتكون احكامه المبنية على تلك النظرة كذلك
كيف سأرى الحرية في مجتمعي وانا لا اعرف ماذا تعنيه الحرية؟ وكيف سأحكم على مجتمعي بأنه صالح وملتزم بتعاليم الاسلام وانا لا استطيع تعريف الصلاح ولا اعرف حدود مدلولاته؟
من هنا نقول: ان اللغة ليست عبارة عن رموز ومواصفات فنية لقدرتنا على النطق وانما هي اسلوب وتصور وطريقة نظر الى الحياة والاحياء وعلى مقدار مهارتنا وحذقنا بها تتحسن منهجية تفكيرنا
هـ/ التمكن من اللغة يتطلب معرفة نحوها وصرفها ويتطلب معرفة معاني عدد كبير من الفاظها ان المفكر قد يحتاج الى معرفة عشرين او ثلاثين الف كلمة على حين ان الانسان العادي لايستخدم اكثر من خمسة الاف الى ستة الاف كلمة
ان القراءة في كتب المفكرين وكبار الروائيين والادباء والقراءة في دواوين الشعراء العظماء ان كل ذلك يثري معرفتنا باللغة ويزيد في سيطرتنا عليها ان على الشباب الطامحين لان يكونوا مفكرين كبارا ان يجعلوا من اكتساب المهارات اللغوية شيئا مهما في تكوينهم المعرفي
8/ التفكير والعقل الجمعي:
يولد الطفل وهو لايملك أي شيء من أي نوع ولاسيما على صعيد المعارف والمشاعر كما قال سبحانه (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ) النحل 78
المجتمع هو الذي يمنحنا اسماءنا التي نحملها وهو الذي يعرفنا على ذواتنا ويمنحنا النظارات التي نرى بها العالم ولهذا فان سطوته علينا اكبر من ان توصف
للمجتمع تصوراته ومفاهيمه وعاداته وتقاليده وانطباعاته وتقييماته الخاصة للاشياء والتي تراكمت عبر الكثير من السنين وهي على درجة من الرسوخ تجعلها تشكل




















ضمير الفرد ووجدانه وعقله وروحه التي تسري في كل كياناته , ومن اللافت أن كل ذلك قد تكوَّن بطريقة غير واعية , ويصعب جدًّا تحديد مصادر ذلك التكوين , وتحديد المسؤولين عنه .
السؤال الذي يطرح نفسه أولاً هو : ما الطبيعة العامة للعقل الجمعي؟
يمكن أن نذكر من طبيعة العقل الجمعي الآتي :
1. مجتمعاتنا العربية والإسلامية تعاني معاناة شديدة من انخفاض مستوى التعليم ,ومن وجود أعداد كبيرة من الأميين , الذين تزيد نسبتهم في المتوسط على (30%),وهذا يعني أن معظم الناس لا يستطيعون فهم تركيبة العقل الجمعي الذي يبرمج عقولهم, ولا معرفة ما فيه من قصور ومن خلل, ولهذا فإن انصياعهم له سيكون شديداً, وإنما نقول هذا لأن عقل الفرد يقيم نوعًا من الحوار والجدال مع عقل المجموع , و حين تكون الإمكانات العلمية محدودة لدى الأفراد , فإن ذلك الحوار يضعف إلى حد العدم , وهذا ما نشاهده في كل أنحاء العالم ؛ حيث نجد أن الناس في المجتمعات المتعلمة أقل رضوخاً لما هو سائد من أفكار ومقولات وعادات ,على حين أنهم في المجتمعات التي تغلب عليها الأمية وضحالة المعرفة , يستكينون لما هو عام ومسيطر , ويُظهرون نوعًا من المباهاة بتلك الاستكانة. النتيجة لهذا وذاك تتمثل في تقدم المجتمع وجموده ؛ فحين يكون التفاوت بين وعي الفرد ووعي مجتمعه واضحًا وقويًّا ,فإن درجة التحرر والتغير تصبح أكبر ؛ لأن تأثير الأفراد حينئذ يكون أعظم, و يستجيب العقل الجمعي لهم أكثر . أما حين يقل التفاوت فإن العقل الجمعي يصاب بالجمود والتكلس , وتزداد بذلك مساهمته في تكريس التخلف.
2. يعاني العقل الجمعي – على نحو عام – من السطحية وانخفاض مستوى الفهم, كما يعاني من نوع من المجافاة للتحليل والتفصيل والتفلسف , ولن نعرف على وجه الدقة الأسباب الجوهرية لذلك , لكن ربما كان حرص العقل الجمعي والثقافة الشعبية على التلاحم و التضامن الأهلي – هو الذي يجعل الناس يسيرون بسير الأضعف فيهم, ويخفّضون مستوى الفهم لكل الأمور , ويُظهرون الكثير من المراءاة والمراعاة والمجاملة, مع التقليل من النقد لمفردات العقل الجمعي, وكل ذلك من أجل تعزيز الشعور التضامني والظهور بمظهر التوحد . ومن الملاحظ في هذا السياق أن

الأفكار والمفاهيم والمقولات الأكثر سهولة وسطحية هي التي تظفر بنصيب الأسد من الانتشار والتعْميم والتداول, مما يكبح أي فكر عميق لدى الأفراد, ويدفع بالصفوة إلى العمل في مجال خاص وحدود . هذا يعني أن التيار العريض في المجتمع ليس هو التيار الأكثر علمًا أو فهمًا أو صلاحًا ..., ويمكن أن نستشف ذلك من قول اللَّه - تعالى - : ( وَمَآ أَكْثَرُ اْلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) } يوسف :103 { . وقد أشار القرآن الكريم في كثير من المواضع إلى أن أكثر الناس لا يعلمون و لا يشكرون ولا يعقلون , كما أن أكثرهم للحق كارهون, وعنه معرضون ..
3. موقف العقل الجمعي من العقل الفردي قائم في معظم الأحيان على الاستحواذ وعلى الخوف من التفلت والابتعاد, وهو بذلك يشبه الأم الرؤوم التي لم تنجب سوى ولد واحد , فهي متعلقة به إلى حد الهوس والولّه , وتعتبر كل من يقترب منه منافسًا لها بوجه من الوجوه , وكلما كانت سيطرة الجهل على المجتمع أشد كان خوف العقل الجمعي من شذوذ العقل الفردي عنه أكبر وأعظم ؛ ولهذا نجد أن كثيرًا من الناس عندنا لا يرتاحون للجديد , ولا يحبون من أحد أن يجرب , أو يحاول شيئًا غير مألوف , وإذا حاول أحدهم ذلك انتظروا إخفاقه حتى يقدموا له النصيحة بعدم التكرار , وكل هذا من أجل استمرار التشابه وبقاء كل شيء على حاله!.
أمثلة على توجهات العقل الجمعي لدينا :
أ‌- يسيطر على عقلنا الجمعي أن العرب يخضعون لمؤامرة كبرى من قِبل العالم الغربي على وجه الخصوص , ويتبع هذا الاعتقادُ بأن الغرب لو تَرَكَنا وشأننا لكنا بخير , ولتخلصنا من الفرقة والتخلف , ومع أنه ليس بوسع أحد أن ينكر أن الغرب يتحرك عبر العالم كله لتحقيق مصالحه – والتي قد تتنافى مع مصالح غيره – وكان أنه ليس في وسع أحد أن ينكر أن الغرب قد ألحق بنا الكثير من الأضرار إلا أن من الواضح ان بداية المشكلة كانت في ضعفنا , وضعفُنا هو الذي أعطى المجال للغرب كي يتدخل في شؤوننا , ويعوق مسيرتنا ؛ ولهذا فالحل لن يكون في رفع الغرب يده عنا ؛ لأن هذا غير وارد , وإنما يكون في تخلصنا من القصور الذاتي والأسباب الداخلية للتخلف .
ب‌- يرى معظم الناس لدينا أن غير المسلمين في العالم يد واحدة على المسلمين, ويلخّصون هذا بقولهم: "الكفر ملة واحدة ", ويرون كذلك أن غير المسلمين يمكن

أن يختلفوا في كل شيء إلا في عدواتنا والإساءة إلينا ...
أهل الرأي والخبرة والعلم لا يرون هذا , ويختلفون مع العقل الجمعي في هذا الطرح ؛ حيث أن معظم الدول اليوم لا تقيم علاقاتها مع بعضها على أساس عقدي , وإنما على أساس المصالح , ولنا أن نقول: إن الغرب المسيحي أقرب إلينا على مستوى العقيدة – وكذلك اليهود – من اليابان والصين , لكن الوضع يختلف كثيرًا على الصعيد السياسي , وحين وقع العدوان الإسرائيلي على غزة قطعت ( فنزويلا ) علاقاتها مع اليهود في فلسطين , على حين كان موقف الغرب مختلفًا جدًا .
جـ - العقل الجمعي المسيطر على الجماعات الإسلامية يميل إلى منح نوع من القداسة للعمل الجماعي , ولهذا فإن معظم أفراد تلك الجماعات ينظرون باستخفاف لأي جهد دعوي يبذله أفراد, وهذا الموقف لا يقوم على قراءة الواقع, وإنما ينطلق من نظرتهم للعمل الجماعي على أنه غاية في حد ذاته وليس وسيلة . أنا شخصيًّا لا أهوِّن من شأن أي جهد جماعي على أي مستوى كان , لكنني أنظر إليه على أنه وسيلة , وشأنه كشأن كل الوسائل ؛ فقد ينجح , وقد يخفق , كما أننا جميعًا نلمس بقوة أن في العلماء والدعاة والمفكرين أشخاصًا تركوا في ساحات الصحوة من التأثير ما يزيد على ما تركته جماعات بأكملها .

د- في العقل الجمعي لدينا اعتقاد بأن النجاح مرادف لتفوق الإمكانات الذهنية , وبناء على هذا ينظر معظم الناس إلى الفشل على أنه نوع من الغباء مع أن ما يترسخ اليوم في الدراسات والبحوث المتعلقة بالذكاء والنجاح , هو أن التفوق الذهني ليس سوى سبب واحد من أسباب النجاح , ومن هنا فقد ينجح الإنسان لأنه درس في جامعة ممتازة , أو لأنه أتيحت له فرصة نادرة, أو لأنه يتمتع باستقامة عالية, أو يتمتع بذكاء اجتماعي أو عاطفي غير عادي ... وهذا هو التفسير المقبول لما نراه من إبداعات واختراعات عظيمة لأشخاص عاديين , لكنهم يملكون قدرة عالية على المثابرة على البحث وإجراء التجارب , ويعملون في مراكز بحثية ممتازة .
ما العمل تجاه هذا ؟
لا بد للمفكر ومن يسير على طريقه أ ينظر إلى علاقة وعيه وعقليته بالعقل

الجمعي على أنها مَعقد من معاقد الابتلاء والاختبار ؛فالواحد منا مطالب بعلاقة متوازنة مع العقل الجمعي , وهذه العلاقة ينبغي أن تقوم على فهم تركيبة العقل الجمعي وفهم أوجه الخلل فيه , ثم البقاء على مسافة محسوبة منه ؛ حيث أن تجاهله على نحو تام مشكلة تشبه مشكلة الاندماج فيه . ولعلي أشير في سياق التعامل مع العقل الجمعي إلى الأمور الآتية :
1- ميزة المفكر كثيرًا ما تتجلى في تمكنه من بلورة وعي فردي مستقل , يمكِّنه من اتخاذ موقف متمايز مع الموقف الاجتماعي العام , وهذا التمايز هو الأساس الذي تقوم عليه الرؤية النقدية للمجتمع , وقد دعا القرآن الكريم إلى شيء من هذا التمايز حين قال : ( قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَ فُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ )
} سبأ : 46{ هذه دعوة من اللَّه – تعالى - لمن يريد الوصول إلى الحقيقة بأن ينعزل بوعيه وجسمه عن الوسط الذي يعيش فيه وعن أفكاره ومفاهيمه ورواسبه ومقولاته , ثم يقوم بالتفكير والتأمل ليرى الأشياء بعيدًا عن سلطة الجماهير وسلطة العقل الجمعي القاهر , ولا بأس أن ينعزل اثنان عن ذلك الوسط من أجل التحاور وتلقيح الأفكار في سبيل استبانة الحق وفهم الأمور على ما هي عليه . هذه العملية ليست سهلة , إنها أشبه بانفصال الرضيع عن أمه ؛ لهذا فإنها تحتاج إلى طاقة روحية , ويصحبها الكثير من الآلام وأحيانًا الكثير من المخاطر , لكن ليس أمام المفكر من أجل تحرير فكره من سلطان العادات والتقاليد والمفاهيم الرائجة أي طريق آخر .
2- الخروج من صندوق البيئة لنفكر خارجه – أمر مطلوب , وينبغي أن يصحبه في الوقت نفسه انفتاح على الخبرات العالمية , ومن الواضح كما نقول دائمًا : أن معرفة نقائص بيئاتنا تتطلب مقارنتها بالبيئات الأخرى , إننا من خلال المقارنة نعرف ما لدينا من أخلاق ومن عادات وتقاليد وما لدينا من تعليم وصناعة وبحث علمي ...
المشكل أن بعض الناس يرفضون المقارنة ؛ لأنها تضعفهم أمام المرآة , فيرون عيوبهم وأنواع قصورهم , فيقومون بنوع من الالتفاف والتشويش : إذا قلت لك لدى اليابانيين جدية منقطعة النظير جاء من يقول لك : إنهم جادون حتى لا يموتوا من الجوع , فهم شعب من غير موارد , وهو بهذا يريد أن يقول : لا تقارن , فنحن لسنا بحاجة إلى جديتهم ؛ لأن
عندنا موارد . وما درى هؤلاء أن في إفريقيا جياعًا كثيرين ولم يصنع منهم الجوع أشخاصًا جادين ؛ بل إن في إفريقيا ثروات هائلة تحتاج إلى تنظيم وجهد وعلم وجدية حتى يستفيد أهلها منها , ولم نر شيئًا من ذلك عند السواد الأعظم منهم !.
وإذا قلت : زعماء اليهود تمكنوا خلال نصف قرن من تجميع اليهود من أكثر من ( 125 ) دولة ليبنوا بهم دولة متقدمة ومزدهرة ومستقرة , وينتجوا آلات في غاية التطور .... جاء من يقول لك : لولا مساعدات الغرب لم يستطيعوا فعل أي شيء من ذلك , ونسي هؤلاء أن من المسلمين من دخل خزائنهم أضعاف أضعاف ما تسلمته إسرائيل من مساعدات , ولم يصنعوا طائرات ولا صواريخ . كما أن اليهود لا يشكون من حرب أهلية داخل كيانهم , على حين أن أكثر مند دولة عربية وإسلامية منغمسة في صراعات داخلية دامية منذ سنوات طويلة ....
الصدق مع اللَّه – تعالى – ومع النفس يقتضي منا أن لا نحاول الالتفاف على المعطيات التي لا تعجبنا ؛ بل نرضخ لها ونعقلها ونستفيد منها .
3- في مجتمعاتنا الإسلامية – ككل المجتمعات – قيم وعادات وتقاليد ورمزيات ومفاهيم .... بعضها قديم يعود غلى عشرات القرون وبعضها حديث يعود إلى سنوات قليلة , والوعي الجمعي يستوعب الجديد ويركم به القديم , وبعد مدة كافية يجد نفسه منخرطًا في الدفاع عنه بوصفه الناظم الجامع للحياة الاجتماعية في بعدها النفسي والعقلي والقيمي , ولا شيء في هذا , وإلا كيف يمكن للناس أن يشعروا بالتضامن وبوحدة المصير وضرورة العمل المشترك ...؟
لكن الشيء الذي يحتاج غلى علاج بعيد المدى هو أن العقل الجمعي لا ينظر إلى الأحكام والآداب الشرعية على أنها شيء قادم من خارج خبرته , وأنه ليس من وضع البشر , وإنما ينظر إليه على أنه جزء من الثقافة الاجتماعية العامة ؛ صحيح أن بعض الناس يميز بين الوحي وبين العادات والتقاليد , لكن معظم الناس يتعاملون مع الدين على أنه جزء من ثقافتهم أو يحاولون دمجه في حياتهم العامة , مع أن مهمة الدين هي توجيه العقل العام وبناء الثقافة العامة والحكم عليها , ونحمد اللَّه حمدًا كثيرًا أن وهبنا منهجًا واضحًا وشاملًا نستطيع من خلاله نقد العقل الجمعي وإعادة تشكيله .
على أهل الوعي والفكر القيام بأمرين مهمين : الأول : هو الخروج من دائرة سيطرة

العقل الجمعي ثم الإسهام في ترشيد ذلك العقل من خلال تعريفه على ذاته ونقد اعوجاجه وإثرائه بالآداب والأخلاق الإسلامية السامية , والثاني : دفعه في اتجاه الانفتاح على الفضائل التي لدى الآخرين والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم , وهذا هو ميدان جهاد الفكر المستنير والعلم النافع .


































تنمية الإبداع
قد صار في إمكاننا اليوم أن نقول: إن الإنسان كائن مبدع؛ حيث يزداد يقيننا يومًا بعد يوم بأن الخالق سبحانه وتعالى قد زود كل واحد منا بإمكانات كافية لجعله يبدع في جانب من جوانب الحياة أو في موقف من المواقف... قد كان الناس يظنون أن الإبداع شيء مرادف للذكاء أو العبقرية, وقد كانوا يظنون ان الذكاء هو شيء وهبي مرتبط بتفوق ذهني غامض, وليس في يد المرء تجاهه أي حيلة؛ ولهذا فلا معنى في سبيل التمتع به لأي جهد يبذل, كل هذا قد تغير الآن؛ حيث إن من الواضح أن الإبداع في شيء أو مجالٍ ما قد لا يتطلب أكثر من التدريب أو التركيز, أو مجاهدة النفس أو التضحية أو الشعور بالمسؤولية... ومن هنا جاز لنا أن نتحدث عن الإبداع بوصفه شيئًا موجوداً وقابلًا للتنمية والتعزيز, وهذا يتناسب تمامًا مع ما نعتقده من تكريم الله - تعالى- للإنسان, ومن اعتقادنا بحب الإنسان للحرية, والتي يشكل الإبداع واحداً من عوامل توسيع نطاقها, لكن لا بد من الإشارة هنا إلى ان الإبداع يظل عبارة عن إمكانية و استعداد كامن, وما لم يستغل الإنسان تلك الإمكانية, و يستثمر ذلك الاستعداد, فإنه سيجد له متسعًا في مقابر الموهوبين الذين خرجوا من هذه الحياة دون أن يعرفوا عن مواهبهم, ودون أن يعرف العالم عنهم أي شيء!.
إن الإبداع ليس شيئاً معقَّدًا أو كبيرًا على نحو مستمر؛ فقد تُبدع امرأة في تنظيم أثاث بيتها, وقد يبدع رجل في إضفاء لمسة جمالية على علاقته بأحد أصدقائه, وقد يبدع محاضر في تقديم محاضرة مبهرة في موضوع من الموضوعات, وقد تبدع امرأة في تربية ابنتها اليتيمة, ويبدع معوق في التعامل مع إعاقته, وقد يبدع مكروب في التعامل مع كربه...
أنا أرى أن ننظر إلى الإبداع على أنه إبداع في موقف أو في وضعية, أو في حالة من الحالات, تمامًا كما نظر بعض الأصوليين إلى مسالة الاجتهاد حين قرَّروا وجود



67




(مجتهد المسألة)؛ حيث إن العالِم قد يتخصص في باب من أبواب العلم, فيملك فيه أدوات الاجتهاد والترجيح ويكون مقلدًا في علم آخر؛ لأنه لم يعطه من العناية والدرس والتأمل والتمحيص ما يستحقه.
الإبداع هو المجيء بشيء غير مسبوق, والوصول إلى نتائج لم تكن معروفة من قبل, وصور الإبداع ومظاهره أكثر من أن تحصى - كما أشرنا – لكن مساراته الأساسية تتمثل في نقد الأفكار القديمة وتحليلها وفي تقديم أفكار حديثة وإضافة تفاصيل جديدة للمعلومات السابقة في أمر من الأمور, أو ما يمكن أن نسميه ( توسيع مدى المعرفة ) ومن المهم هنا أن ألفت النظر إلى أن الفكرة الإبداعية أو الشيء الإبداعي كثيرًا ما يرتكز على إبداعات وعطاءات سابقة, لكن تكون فيه إضافة جديدة صغيرة أو كبيرة, وبما أن الإبداع عمل إنساني, وبما أن كل ما يتصل بالإنسان هو نسبي - باعتبار من الاعتبارات - فإنه يمكننا القول: إن الواحد منا قد يُفتن بصورة بيانية في بيت شعري على حين أن شخصًا آخر لا يرى فيها ذلك الإبداع المثير, ومن هنا تم إنشاء الهيئات والمنظمات التي تسجل الأرقام القياسية وبراءات الاختراع من أجل الحد من مسألة النسبية التي أشرنا إليها, وإذا كان هذا ممكنًا في الأمور المادية, فإنه مستحيل الأمور الرمزية والمعنوية, وما ذلك إلا لأن ما يجعلنا نرى الإبداع فيها ليس الخصائص المتوفرة في العمل أو الشيء البديع, وإنما ما لدينا من اعتبارات ومنظورات شخصية. لا يصبح الإنسان مفكرًا بمعنى الكملة إلا إذا كان فعلًا يمارس الإبداع, ومجاله محدد جدًّا, إنه صناعة الأفكار والمفاهيم الجديدة التي تفتح آفاقًا جديدة, وتدل الناس على حقول جديدة للعمل, وتساعدهم على فهم واقعهم على نحو أفضل, ومن هنا فإن على من يسير في طريق المبدعين أن يجعل من الإبداع أحد مشاغله الأساسية, عليه أن يقرأ ويتعلم ويناقش ليقول وليكتب وينظِّر, وعليه أن يضفي على كل ذلك مسحة إبداعية ذات نكهة شخصية.
التغلب على المعوقات أولًا:
مشكلة الإنسان مع الأوهام التي تحول بينه وبين أن يبدع مشكلة قديمة جديدة, والحقيقة أن هناك الكثير من المفاهيم والمشاعر الخاطئة التي تتحكّم بنا في هذا الأمر, إنها أشبه بالنظارة التي ترى من خلفها الأشياء, أو المرآة التي نرى بها وجوهنا, وحين

68






تكون المرآة محدَّبة أو مقعَّرة, فهذا يعني أننا لا نرى وجوهنا على حقيقتها, ويؤسفني القول: إن السواد الأعظم من الناس يحتاجون إلى تغيير مراياهم! ولعلي أحاول المرور على أهم الأوهام التي تحول دون تنمية الإبداع ودون استثمار الطاقات المبدعة التي في حوزتنا, وذلك من خلال الحروف الصغيرة الآتية:
1- ضعف الثقة بالنفس:
إن ضعف الثقة بالنفس باب كبير من أبواب الشرور التي نفتحها على أنفسنا؛ لأن الذي لا يثق بقدراته ومواهبه يُحجم عن تحمل المسؤوليات, ويخشى من القيام بأي مبادرة أو مخاطرة, ولهذا فإنه يفضل أن يبقى في الظل وفي المقاعد الخلفية... ضعف الثقة بالنفس يجعل المرء يبتعد عن تجريب أي شيء جديد؛ وذلك خوفًا من الإخفاق ولوم الرؤساء والزملاء وشماتة الأعداء.. ومصدر ضعف الثقة بالنفس قد يكون التجارب الفاشلة التي خاضها الإنسان في حياته؛ فالذي عقد عشر صفقات تجارية, وخسر فيها جميعًا, والذي حاول أن ينظم قصيدة, أو يكتب كتابًا أو يصلح بين زوجين... محاولات كثيرة, وكانت عاقبة كل محاولة أسوأ من الأخرى... هؤلاء وأشباههم كثيرًا ما ينتهون إلى انطباع واحد: أنا غبي, أنا فاشل, أنا لا أصلح لأي شيء, أنا غير محظوظ, لو عثرت على وظيفة آمنة لكان خيرًا لي من الأعمال الحرة... قليلون أولئك الذين يبحثون في أسباب إخفاقهم, وقليلون أولئك الذين يعتقدون أن الإخفاق في مجال من المجالات لا يعني نهاية العالم, وأن عليهم تجريب شيء جديد أو بذل الجهد في مجال آخر على حد قول الشاعر:
إذا لم تستطـع شيئًا فدعـه وجاوزه إلـى مـا تستطيع
الخبر السار في هذا الشأن هو ما كان مدرَكًا من قبل لدى كثير من الناس, لكن لم يكن مبلورًا واضحًا بالقدر الكافي, وهو ما انطوت علية نظرية (الذكاءات المتعددة ) والتي نشرها (هوارد جاردن ) في كتابه (أطر العقل ) منذ نحو ربع قرن من الآن, وقد كان الرجل يعتقد أن الأنسان يمتلك سبعة أنواع من الذكاءات, ثم أجرى عليها بعض التعديلات ليصل بها إلى تسعة أو عشرة, ومن تلك الذكاءات:
- الذكاء اللغوي, ويعني حساسية المرء نحو اللغة والقدرة العالية على تعلمها واستخدامها...

69
-
-

- الذكاء المنطقي الرياضي, ويعني امتلاك القدرة على تحليل المشكلات منطقيًّا وتنفيذ العمليات الرياضية, كما يعني القدرة على اكتشاف الأنماط والاستنتاج والتفكير المنطقي.
- الذكاء الاجتماعي, وهو يعني القدرة على فهم الآخرين ومعرفة رغباتهم, مما يعني العمل معهم بكفاءة عالية التأثير فيهم.
- الذكاء الشخصي الذاتي, الذي يمكِّن صاحبه من فهم ذاته وفهم مشاعره ومخاوفة ودوافعه الشخصية.
- الذكاء العاطفي, والذي يعني إدارة العواطف المختلفة وتوجيهها والتحرر من إغوائها...
الرسالة التي تبعث بها إلينا هذه النظرية هي: لدى كل واحد منا فرصة لأن يبدع في مجال من المجالات؛ فالمحرمون من كل أنواع الذكاء قليلون جدًّا, والذين فازوا بكل أنواعه أيضاً قليلون جدًّا. الثقة بالنفس والإيمان بأن الله - تعالى – يعين ويجيب السائلين, ولا يضيع أجر العاملين؛ كما لا يحرم أحدًا من ثمار جهده... هذه المعاني أساسية في اجتياح السدود التي تحول بيننا وبين ان نبدع في كثير من المجالات.
2- الإسراع في تقبل الأفكار:
هذا عائق كبير من عوائق الإبداع؛ حيث أن معظم الناس لا يميلون إلى بذل الجهد في استقصاء الإمكانات أو اختبار البدائل؛ ومن ثم فإنهم يتخلصون من عناء التفكير بقبول أي طريقة يجدونها أو أول حلٍّ يعثرون عليه؛ مع أن من الثابت أن الأفكار العظيمة تأتي متأخرة عادة بعد أن نكون قد عصرنا أدمغتنا عصرًا, إن الفكرة البديعة لا تكون في الغالب عبارة عن ومضة ذهنية خلابة, إنما تكون أشبه بنبتة عزيزة تحتاج إلى سقاية ورعاية وحماية حتى تشتد ويكتمل نموها, وإذا رجع الواحد منا إلى القرارات الخاطئة في حياته, فسوف يجد أن كثيرًا منها كان بسبب العجلة وعدم التروي وقل الصبر على البحث عن بدائل أخرى.
كثيرون منا يسوِّغون ما لديهم من عجلة بضيق الوقت وتسارع وتيرة الحياة, وهذا في الحقيقة ليس عذرًا؛ فالإنجازات الكبرى في تاريخ البشرية مدينة للعمل الدؤوب مدة طويلة من الزمان.

70



3- التبعية للآخرين :
الإبداع سلوك لطرق جديدة ، و الولوج من مداخل مبتكرة ، والتفكير بعقلية حرة ، وهذا كله يتطلب درجة من الاستقلال الفكري والنفسي عن المحيط الذي يعيش فيه الإنسان ، ومن المعروف أن الثقافة الشعبية لدينا تتمحور حول التلاحم والتضامن الأهلي ، ولهذا فإن معظم الناس يستوحشون ممن يبتعد بطروحاته و مرئياته عنهم ، وربما سفَّهوه، وإن شواهد التاريخ تدل على أن كثيرًا من العباقرة والمبدعين كانوا في نظر الجماهير أشخاصًا غير طبيعيين، وهذا تعبير مهذب ، ومن هنا قالوا : إن بين العبقرية والجنون شعرة رفيعة .
ليس هناك شيء من غير ثمن، وإن من جملة ثمن الإبداع والتجديد سلوكَ الطرقِ الموحشة، والإتيان بالأفكار التي قد لا تكون مستساغة أو موضع ترحيب من قِبَل معظم الناس. إن العاديين من الناس يسألون: من أين نبدأ؟ وأين الطريق ؟ أما المبدعون والرواد ، فإنهم يعلمون أنه ليس أمامهم طريق، فخطاهم هي التي ستشق الطريق !.
4- ضآلة المحصول المعرفي:
مهما كانت قدراتنا الذهنية والنفسية عظيمة وممتازة ، فإنها لن تغنينا عن أن نكتسب المزيد من العلم وأن نطَّلع على الأفكار والآراء ووجهات النظر التي تتصل بالقضية التي حاولنا ، ونحاول أن نصل فيها إلى شيء غير مسبوق، وهذا واضح جدًّا في الأعمال العلمية والأدبية العظيمة ، فكاتب الرواية الشهيرة جدًّا يقرأ حول محاورها وأشخاصها و أحداثها عشرات و أحيانًا مئات الكتب المختلفة ، وذلك من أجل تكوين خلفية ثقافية ثرية لما يريد الكتابة فيه ، والذين يريدون اختراع شيء يطِّلعون على كل المحاولات السابقة التي تتصل به وبأشباهه، وحين س~ل المخترع الأمريكي الشهير ( أديسون) عن السر الذي يقف خلف مخترعاته التي تجاوزت الألف – قال: العبقرية (1%) موهبة ، والباقي عرق جبين. أي: علم وبحث وتجربة وتفكير. إن المعرفة كما أشرت سابقًا – هي عتاد العقل ، وإن الإنسان الذكي جدًّا يبدو أشبه بالأبله حين يفكر في موضوع ليس لديه أي معلومات عنه ، من هنا كان التعلم المستمر شيئًا يتطلبه الإبداع ، وكان الأعراض عن العلم هو العدو الأول له .

71






طريق الإبداع :

ما دام كل واحد من الناس يملك نوعًا من الذكاء ، يمكنه من خلال الاستفادة منه أن يكون مبدعًا و مبتكرًا ، فلماذا نجد أن معظم الناس عاديون أو أقل من عاديين ؟
الجواب يكمن في رغبة الناس في أن يكونوا متميزين ومبدعين، وفي تخلصهم من الأوهام التي تحول بينهم وبين رؤية ما يمكنهم إبداعه بجدارة واقتدار، ولا شك أن للبيئة التي ينشأ فيها الواحد منا أكبر الأثر في إعداده للسير في طريق الريادة والتفوق؛
ومن ثم كان علينا جميعًا أن نهتم بالناشئة، وأن نمنحهم من الرعاية ما يساعدهم على ذلك. الآن عليَّ أن أوضّح ما تتطلبه تنمية الإبداع ، وما يقتضيه السير في طريقه وذلك عبر المفردات الآتية :
1- وجود الدافع :
طريق الإبداع هو طريق العمل و الجهد ، وهو طريق طويل وغير ممهد ؛ ولهذا فلا بد من وجود الرغبة في السير فيه ، ولابد من وجود الحافز والدافع على بذل الجهد، ولا شك في أن أرقى الدوافع هو ذلك الذي يتصل برضوان الله – تعالى – إنه يدفع المسلم إلى إضافة شيء جديد للحياة حتى يساعد الناس على أن يحيوا حياة أطيب وأكرم ، وحتى يتمكنوا من التغلب على المشكلات التي تواجههم ، وعلى مقدار ما نُخلص لله – تعالى – في مقاصدنا ، نجد من توفيقه ومعونته ...
الدوافع متنوعة ، منها القوي ، ومنها الضعيف ، ونحن نحتاج إلى الدافع القوي ...
الذي يحرِّكنا دائمًا نحو الأمام ، وهذا الدافع يمكن لنا أن نولِّده وندعمه باستمرار من خلال تذكر الثواب العظيم للعاملين المثابرين ، ومن خلال تذكر المشاعر الجميلة والفوائد العظيمة التي نتمتع بها حين نكون في المقدمة ، ومما يذكر في هذا السياق أن شابًّا جاء إلى حكيم ، وسأله : كيف يمكن أن أكون ناجحًا ؟ فقال له : عليك أن تمتلك الدافع بذلك . قال الشاب : وكيف أمتلك ذلك ؟ هنا قال الحكيم للشاب : اقترب ، فاقترب منه ، وكان إلى جوار الحكيم بحيرة صغيرة ،فما كان منه إلا أن أخذ برأس الشاب وغمسه في الماء ، وبعد ثوانِ قليلة أخذ الشاب يتضايق ، ويشعر بنفاد الهواء من رئتيه ، وصار يحاول رفع رأسه والتخلص من ضغط يد الحكيم ، وقد نجح في ذلك بعد.
72




لأي , فقال له الحكيم : هذا هو الدافع , إنه الشعور بضرورة القيام بعمل ما للانتقال من الوضعية الراهنة إلى وضعية أفضل .
2- التركيز والاهتمام :
إذا سئلت عن الجناحين اللذين يطير بهما الإنسان في آفاق الإبداع لقلت من غير تردد : إنهما الاهتمام والتركيز , إنهما فضيلتان متداخلتان ; فالواحد منا إذا اهتم بشيء , فإنه يركز عليه , وإذا ركز على شيء استنفر كل طاقته للاهتمام بكل ما يتعلق به , السؤال هو : كيف يثبت الإنسان لنفسه ولغيره أنه فعلًا صاحب اهتمام بما يريد الإبداع فيه وصاحب التركيز عليه ؟
الجواب هو الآتي :
- يقرأ ويطالع حوله , ويتتبع الكتب الأفكار الجديدة ,ويشترك في المجلات المتخصصة فيه
- يسأل المتخصصين , ويناقشهم , ويحضر الدورات والندوات والمؤتمرات التي تعقد حوله
- يحدد ما يريده بالضبط , ولا يهمه ما إذا كان صغيرًا أو كبيرًا , المهم هو المجي بشيء جديد نافع
- يفكر فيه ويتأمل , ويسجل كل الخواطر التي تخطر له حوله
- يتخيل باستمرار المكافاة العظيمة التي يحصل عليها إذا ما نجح في خطته
- يدخل إلى عالم أحد الناجحين المبدعين في مجال اهتمامه ويحاول الاستفادة من أسلوبه في ممارسة الإبداع
3- المجال الرحب :
مجال الإبداع رحب للغاية وفسيح اكثر مما نتصور , وذلك لأننا إذا تأملنا في أسلوب عيشنا اليومي , وفي الأدوات التي نستخدمها وفي الأفكار والمفاهيم التي نمتلكها ... وقارنا كل ذلك بما كان عليه الناس قبل مئة عام لوجدنا أن بين الزمانين مسافة واسعة في كل شيء , وهذه المسافة صنعها في الحقيقة عشرات الملايين من المبدعين الصغار والكبار , ومن هنا فإن على من يريد أن يسير في طريق الإبداع أن يعتقد أن معظم ما في حياتنا من أشياء وأعمال وعلاقات ... يمكن أن يوجد ويؤدى بطريقة تقليدية عتيقة , ويمكن أن يؤدى بطريقة إبداعية مبتكرة وإليك بعض الأمثلة على ما نقول :
- أنت مدرس لمادة الفيزياء , وتحاول ممارسة تدريسك لطلابك بطريقة إبداعية غير مسبوقة
- جاءت والدتك لزيارتك بعد انقطاع طويل , وأحببت أن يكون استقبالك لها بشكل غير مسبوق فيما تعلم
- كلفت برئاسة أحد الأقسام في شركتك , وعزمت على إدارته بطريقة إبداعية
- تريد أن ترفع نسبة استغلالك لأوقات فراغك بنسبة (40%)
- وجدت نفسك مسؤولا عن رعاية يتيم ,فأحببت أن تتبع في رعايته أسلوبا نموذجيا مدهشًا
- ستذهب غدًا إلى مكة المكرمة وتقيم فيها يومين , فأحببت ان تستثمر إقامتك فيها في طاعة الله على أفضل وجه ممكن , فكيف يكون ذلك ؟
- أنت مستشار إداري , وقد طلب منك وضع خطة لتحويل شركة من الخسارة إلى الربح دون إنفاق أي مال ضافي
- لديك سيارة قديمة , أحببت ان تتمتع بشعور من يقود سيارة جديدة , فما الذي يمكنك أن تفعله ؟
- أنت مهندس مدني في بلد فقير , كيف تستطيع تصميم منازل شعبية للفقراء بتكاليف تقل (30%) عن التكاليف المعروفة الآن على هذا الصعيد ؟
- أنت مستشار للإصلاح بين الزوجين , كيف ترفع نسبة نجاحك في الإصلاح بنسبة (20%) ؟
إن في إمكاني أن أعدد عشرات النماذج الشبيهة بما ذكرته وذلك حتى أرسخ في وعي القارئ شيئا مهمًا , هو أنه ما من شخص في أي مجال يعجز عن أن يمارس عمله أو شيئًا منه بطريقة إبداعية لو أحب
4- تعامل خاص مع المعرفة :
يطلع الطالب في الجامعة ومراحل التعليم التي قبلها على الكثير الكثير من المعلومات والنظريات والأفكار , ويكون همه في الغالب هو النجاح في الاختبارات والحصول على درجات عالية , وهذا شيء جيد في المجمل , لكن هذا ليس هو طريق المبدعين , وليس هو الشيء الذي يستحوذ عليهم . إن معظم الناس عاديون لأسباب كثيرة , وإن تدهور مستوى التعليم في كل المراحل ووجود عدد قليل جدًا من المؤسسات التعليمية الممتازة , على علاقة وثيقة بضمور الإبداع والاختراع في أمتنا , فالمدرسة الرديئة والجامعة المتآكلة تخفض سقف الطموحات لدى طلابها , بل تجعلهم في حالة من اليأس والإحباط والسأم , كما أن الإرشاد النفسي والأكاديمي فيها يكون في الغالب ضعيفًا , وهي لذلك لا تستطيع الأخذ بيد الطالب في اتجاه كسر المألوف وفتح أفق جديد, ومن هنا فإني أؤكد وأشدد على أن نختار لأبنائنا أفضل المؤسسات التعليمية المتوفرة, وعلى أن ننفق على ذلك بسخاء بالغ , ونعطيه الأولوية على أي مشروعات أو استثمارات أخرى , فالاستثمار في الأبناء هو أعظم جدوى من أي استثمار آخر
المدرسة الجيدة والجامعة الجيدة توفر لمنسوبيها جوًا نفسيا مريحا , وتفتح أذهانهم على توظيف المعرفة التي يحصلون عليها من خلال كثرة التطبيقات والتجارب العلمية التي تتيحها لهم , وبذلك تدلهم على استثمار المعرفة , وتدلهم على إمكانات توظيفها في خدمة الإنسان , ومن هنا أقول : إن الإبداع لا يحتاج إلى تحصيل علمي رفيع ومتميز بمقدار حاجته إلى ارتفاع المرء من الاهتمام بالمذاكرة والحفظ والنجاح في الاختبارات إلى مرتبة الفهم والتحليل والاستنباط والتوظيف الجديد للمعرفة المتاحة , ولهذا فإننا نرى أن كلًا من المبدع والسائر في طريق الإبداع يتعامل مع المعرفة على النحو الآتي :
أ‌- كلما اطلع على معلومة جديدة سأل نفسه السؤال التالي : كيف يمكن أن أستفيد فائدة علمية من هذه المعلومة ؟ وما متطلبات ذلك ؟
ب‌- لا يكتفي بالدراسة المنهجية , وإنما يحاول الاطلاع على بعض المراجع والمصادر والمجلات والتحقيقات الصحفية التي تناولت المسألة التي يهتم بها
جـ- يحضر الدورات والندوات والمؤتمرات التي تعقد في مجال اهتمامه
د- يتتبع أخبار الإبداعات والاختراعات ويحضر المعارض المعنية بذلك
هـ- يحاول الاحتكاك بالأشخاص الذين عرف عنهم الاهتمام أو الإبداع بما يحب أن يبدع فيه
تبدو هذه الأمور في نظر الإنسان مكلفة لأول وهلة , وهذا صحيح ومن الذي يقول : إن طموح المرء لأن يكون مبدعًا يمكن أن يتحقق من غير أي جهد ومن دون دفع أي ثمن ؟ طريق المعالي المفروش بالأشواك لكن نهايته سعيدة وعظيمة ومثمرة
و- الانتباه للأفكار الصغيرة , حيث إن عصر الأفكار الكبرى وعصر القادة والعلماء العظام الذين يغيرون مجرى الحياة قد انتهى , وجاء عصر الأفكار والإبداعات الصغيرة التي تتراكم , فتغير ببطء معالم الحياة وملامحها , كما أنه جاء عصر الأبطال الصغار الذين يسدون الثغرات , ويحققون النجاحات المحلية
المبدع إنسان لماح يحاول التقاط الأفكار العابرة والإشارات السريعة التي تصدر من هنا وهناك , إن هناك مئات الملايين من الناس الذين شاهدوا الأشياء وهي تسقط من الأعلى إلى الأسفل دون أن يفكروا في القانون الذي يحكم تلك الظاهرة إلى أن جاء إسحق نيوتن فاكتشف قانون الجاذبية , وعانت النساء قرونًا كثيرة من كنس الأرض وظهورهن محنية بسبب كون المكانس قصيرة , إلى أن جاء إنسان مبدع فرأى إمكانية الخلاص من ذلك بإضافة عصا طويلة للمكنسة , فتكنس المرأة وهي واقفة , إنها فكرة صغيرة جدًا لكنها غيرت حياة الملايين ! حين نسمع أن شركة صينية سجلت عام 2008م ما يزيد على 1700 براءة اختراع في مجال الاتصالات أدركنا أن تلك الاختراعات متناهية الصغر , وهي تجسيد لأفكار صغيرة جدًا , والحقيقة أن المبدع يهتم بما ينظر إليه غيره نظرة استخفاف , ومن هذا الفارق بين هذا وذاك تتخلق الأفكار والإبداعات الصغيرة , وبها تستمر مسيرة التطور


التفكير النقدي
رسخ في أذهان الناس أن التفكير الناقد عبارة عن نشاط ذهني يستهدف إبراز النقائص والعيوب والأزمات التي يشاهدها الناقد على مسرح الحياة , وهذا في الحقيقة غير صحيح , وربما كان سببه هو أن معظم ما يرونه من ملاحظات وتعليقات صادرة عن اطراف متعددة-يميل فعلا إلى ذلك , ومن هنا فإن الناس ينظرون إلى النقد على أنه نوع من الشكوى والتظلم والتعبير عن السخط تجاه قضايا لا يملكون تجاهها أي حيلة , وهذا يشكل في الحقيقة نوعا من الصد عن ممارسة النقد والاهتمام به
إن النقد في جوهره هو مجموعة من العمليات الذهنية التي تستهدف تقييم بعض الحقائق والمعلومات والأفكار والظواهر ... وتمييز ما فيها من خير وحق وصواب وجمال عما فيها من باطل وخطأ وقبح , إن المفكر وهو ينقد يستخدم ما لديه من قيم ومعايير وأفكار ومعلومات , وهذا الاستخدام كثيرا ما يكون عبارة عن تطبيق وتوظيف للمعارف والأفكار الجديدة في فهم الواقع وتحديد المشكلات الاجتماعية ; بالإضافة إلى تفسير التناقضات التي يعيش فيها الناس . ومن هنا فإن التفكير النقدي عمل متفوق جدا لأن الناقد يثبت أن وعيه متحرر من سلطان البيئة والنماذج الشائعة ومتحرر من برمجة التيار الاجتماعي العام , والذي لا يكون في الغالب رشيدا وواعيا .
الذي يمارس النقد يدرك أنه يعبر عن فهم مقارب لما ينبغي أن تكون عليه الأشياء وفهم مقارب لما هي عليه الآن , وعمله الأساسي هو توضيح ذلك الفارق وتشريحه وبيان خطورته , وحين يجد الناقد الاجتماعي صورا متفوقة وخيرة , فإنه يعبر عنها ويشجعها , كي يرسخها , ويمكن لها في الحياة العامة , وكي ينشر روح البِشر والاستبشار في نفوس الناس
أهمية الممارسة النقدية :
إن القرآن الكريم هو الذي أسّس لممارسة النقد في المجتمع الإسلامي , فقد كانت الآيات تنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم متتابعة ومتتبعة لتقلبات المجتمع وأنشطته وأحداثه العامة , ونجد – على سبيل المثال – أنه ما من غزوة أو معركة كبرى إلا كان هناك بيان قرآني يتحدث عن منة الله – تعالى – على المسلمين بالنصر والتثبيت وعن سلوك الصحابة رضي الله عنهم خلال المعركة وما يستلزمه من إرشاد وتوجيه ومعاتبة , ونحن نعرف أن القرآن الكريم عاتب النبي صلى الله عليه وسلم شخصيًّا على بعض اجتهاداته , كما هو الشأن في قبول فداء الأسرى والإعراض عن عبد الله بن أم مكتوم وغير ذلك ...
المجتمع إذن في أمس الحاجة إلى النقد , وذلك لأن هناك عوامل كثيرة تؤدي إلى وجود مفارقات بين التنظير والتطبيق وبين الاعتقاد والسلوك العملي , وأنا أود هنا أن أؤكد على أهمية الممارسة النقدية بالنسبة إلى المفكر والساعين في طريقه , وبالنسبة إلى المجتمع أيضا وذلك عبر المفردات التالية :
1- الرؤية النقدية للمجتمع وأوضاعه بما فيها من إيجابيات وسلبيات , هي الشيء الجوهري الذي يميز (المفكر) عن (العالم) و(الداعية) و(المتخصص) ; لأن صناعة المفاهيم , هي الشغل الشاغل للمفكر , والمفاهيم التي يصنعها تتمحور على نحو أساسي حول الواقع الاجتماعي وحول إمكانية تطويره والارتقاء به , ومن هنا فإن في الإمكان القول : إن امتلاك المرء لعدد كبير من الأفكار والملاحظات حول واقع الأمة , والفرص التي أمامها والتحديات التي تواجهها , وحول جذور كل ذلك , وحول العلاقات التي تربط بين المسارات الحضارية المختلفة ... هو الذي يرشِّح العالم والمتخصص لنيل لقب (مفكر) ,وذلك لأن العالم قد يصبح عالِمًا , لأنه يحمل في رأسه الكثير من المعلومات , ومع ذلك يكون مقلّدا لغيره في تحليل الواقع الحضاري المعيش , أما المفكر فهو مجتهد وذو نظرة مستقلة – نسبيًّا - , كما أنه يسعى باستمرار إلى تفحص مقولاته وإعادة النظر في طروحاته , كي يمنحها المزيد من التماسك والنضج .
2- المفكّر يقوم بدور (الجرَّاح ) وهو في هذا بحاجة إلى أمر مهم , هو برهنته على أنه يملك مساحة فاصلة بين وعيه ووعي مجتمعه , أي أن وعيه ليس مندمجا في الوعي الجمعي , وبسبب ذلك يستطيع المفكر تقويم المجتمع ونقده وقيادته فكريَّا وثقافيًّا ; وإن الذي يدعو إلى هذا الكلام ما نلمسه من حرص المجتمعات على أن تكون منسجمة مع ذاتها وعلى لملمة شؤونها , لتبدو وكأنها منطقية وصحيحة ,















والدافع لذلك تحقيق التلاحم الأهلي ودفع شرور الفتن والإنقسام الداخلي ,والناس في سبيل ذلك يتسترون على كثير من المشكلات الهائلة ,وعلى كثير من الأمراض والعلل الخلقية التي تفتك بهم ,إن أوضاعهم تكون فعلا أشبه بالجرح الذي التأم على فساد,وهم يستخدمون في ذلك المجاملة والمداهنة والمداراة والتعاطف الإجتماعي.هنا يأتي دور المفكر (الجراح)لينكأ الجرح ,ويخلصه من الجراثيم المتجمعه فيه ,والتي قد تكون في مرحلة من المراحل خطرة جدا وقاتلة.
لك أن تنظر-على سبيل المثال- إلى ماابتُليت به بعض المجتمعات المسلمة من التعصب للقبيلة ,حيث التقديس لتاريخها ورجالها وعاداتها وتقاليدها ,وحيث التستر المتعمد على كل العيوب والمشكلات التي تعاني منها ,إن هذه الظاهرة تحتاج إلى نقد وعلاج مستمر من أجل التخفيف منها ,وتعميم الرؤية الموضوعية عند تلك القبائل قدر الإمكان .
3- تحتاج الأمم دائما إلى من يفحص لها مساراتها ,ويتحسس مآلات أعمالهاومن يمد لها قرون الإستشعار في جوف المستقبل حتى تضبط إيقاع حركتها اليومية برؤيتها المستقبلية وهذه المهمة العظيمة من المهام الجوهرية للمفكر ,بل إن المفكر يكاد يكون هو المؤهل الوحيد للقيام بذلك,والمرء كثيرا مايكتسب أهميته من أهمية الأشياء المكلف بإنجازها كما هو الشأن هنا,وإن المفكر بمايعرفه من طبائع الأشياء وسنن الله-تعالى-في الخلق,وبما يعرفه من طبيعة الأفكار السائدة وطبيعة القوى المؤثرة في الساحات المحلية والعالمية,يستطيع أن يحذر الناس من كثير مما هو قادم من التحديات كما يستطيع تبصيرهم بالفرص والإمكانات المستقبلية وقد قال سفيان الثوري رحمه الله "الفتنة حين تدبر يعرفها كل الناس لكن حين تقبل فإنه لايعرفها إلا العالِم"
وكثيرا ماحذرالمفكرون المسلمون الأمة من مغبة إعراضهاعن القراءة ومغبة وهن مؤسساتها التعليمية كما حذروها من عواقب ضمور الجانب الروحي في شخصيات شبابها ومن انتشار الكذب والرشوة والفساد المالي والإداري بوصف هذه الأوبئة عوامل نخرفي وجودها المعنوي ,كما أن المفكرين المسلمين كثيرا ماشرحوا للأمة الفرص التي تلوح أمامهم ,وذلك حين أكدواعلى أهمية الإلتزام بالمنهج الرباني الأقوم والاستفادة من العنصر البشري المتكاثر بقوة في ديار المسلمين,وذلك من خلال
تعليمية وتدريبية كما أكدواعلى أهمية الوحدة الإسلامية والإهتمام بالتربية الأسرية وتجديد الصحوة وتحقيق العدالة الإجتماعية ..
4- إن المجتمعات كثيرا ماتجد نفسها في حمأة الرتابة والجمود على الموروث ,وكثيراماتجد نفسها غارقة في تقليد الآخرين وتجد نفسها أيضا مستكينة أمام التحديات ومستسلمة للمشكلات والأزمات , وهنا يأتي دور النقد الإجتماعي البناّاء ودور المفكرين العظام الذين يجددون المفاهيم وينقدون السلوكيات , وعلى سبيل المثال فإن المفكرين المسلمين يحثون الناس على الإنفتاح على الآخر , وعلى محاولة الاستفادة مما لديه من رؤى وخطط وبرامج ,كما أنهم يحاولون إحياء روح المبادرة في الأمة من خلال التأكيد على معنى جوهري , هو أن في إمكان الأمة أن تقدم ملايين القادة والمبدعين والعلماء المحليين الذين يقدمون نماذج صغيرة جيدة ويسجلون نجاحات محدودة ومن خلال تراكم إنجازاتهم يتغير حال الأمة نحو الأحسن ,كما نلاحظ أن المفكرين المسلمين يُشيعون في الأمة روح الإستبشار والأمل بغد مشرق وواعد من خلال بث الثقة في نفوس الناس وبيان مكاسبهم خلال الخمسين سنة الماضية ,وكيف أنهم اليوم في حالة أفضل مما مر على المسلمين عبر الرون السبعة السابقة على أقل تقدير .. النقد هو الرئة التي تتنفس بها الأمة ,وهو المصباح الذي يضيء لها الطريق ,وهو لايؤذي إلا الحالات المريضة ولايتضايق منه إلا من لديهم نوع من الإعوجاج والتفريط!
كيف نؤسس للعقلية النقدية ؟
من الواضح أن النقد يعطي لصاحبه تفوقا فوريا عن جلسائه,حيث يستطيع من يمارسه خطف الأضواء بسرعة فائقة, على حين أن ثمار التفكير الإيجابي لاتظهر إلا ببطء شديد , ويظل الناس غير متأكدين من وجودها , ولكن المشكل لدينا , هو ميل معظم الناس إلى إطلاق العبارات النقدية دون تدقيق ولاتحديد ودون قدرة على البرهنة على مايقولونه أو تعليله ,مما جعلنا مجالسنا العامة عبارة عن محافل للتذمر والشكوى والاتهام والكثير من كلام غير الدقيق وغير المسؤول , وكم سمعنا من يقول :المجتمع فاسد,الغزو الفكري حطّم الناس , الأمة تتدهور , الشباب ضاع , ليس هناك أي أمل في الإصلاح , الغرب هو سبب بلائنا , الجامعة الفلانية فاشلة , العـــالِم
الفلاني مداهن للحكومة ..إن هذا النوع من النقد يزيد الطين بلة بسبب مافيه من تعميم وعجلة,وبسبب افتقاره للبرهان والتفصيل وهذا كله بسبب عدم وجود عقل نقدي عام راشد وحذر وخبي ومن هنا فإن على الواحد منا أن يبذل الكثير من الجهد حتى لايقع في مصيدة (النقد المطلق)ولعل أهم ماينبغي القيام به من أجل ذلك هو تأسيس العقلية النقدية وتغذيتها بالأفكار الواضحة على نحو مستمر ومما يساعد على هذا الآتي :
1- الشعور بالمسؤولية
حين يتفضل الله تعالى على عبده بدرجة حسنة من الوعي والفهم والإدراك وحين يمكِّنه من محاكمة الأمور على نحو جيد فإن عليه أن يقدم شكره على ذلك , وشكره يكمن في كشف الزغل والانحراف في الحياة العامة سواء كان ذلك في الأفكار والمفاهيم أو كان في المواقف والسلوكيات ,المصلحون يعرفون أنهم إذا لم يتكلموا فقد لايتكلم غيرهم وقد يتكلم من يهرف بما لايعرف ومن يسيء ويؤذي , ولهذا فإنهم يحملون على كواهلهم هموما لايشعر بها الكثير من الناس ..الشعور بالمسؤلية هو ذلك الشعور النبيل الذي يحوّل الصغير إلى كبير ,والهامشي إلى محوري ,إنه فيزياء العظمة,وماأجمل قول (مارتن لوثر كينج):"لست فقط محاسبا على ماتقول,أنت محاسب أيضا على مالم تقل حيث كان لابد لك أن تقول "
نعم إن الفرض الكفائي قد يتحول في لحظة ما إلى فرض على شخص بعينه ,فأنت إذا رأيت شخصا يغرق ,وكنت أقرب الناس إليه فإن عليك أن تبذل كل ماتستطيع من أجل إنقاذه .نحن حتى نشعر بالمسؤلية نحتاج إلى صدق مع الله تعالى وصدق مع الناس وشيء من أصالة الشخصية والشعور بالإستقلال الذاتي النابع من عمق الإحساس بالكرامة .
2- رؤية ماهو خارج المألوف :
العاديون من الناس يرون كل شيء عاديا لأن بنيتهم العقلية والمعرفية هشة وضحلة ولهذا فإنهم لايفرقون بين ماهو متفوق وماهو عادي وبين ماهو طبيعي وماهو غير طبيعي وهم لذلك محرومون من الشعور بالدهشة الذي يتمتع به المبدعون والمثقفون الكبار.في المجتمع صورة رائعة من البذل والعطاء والتفوق والسمو والإبداع
يستحق أصحابها التشجيع والإشادة والمؤازرة ,وفي المجتمع صور من الانحراف والتقاعس والتخريب ..تحتاج إلى من يسلط الضوء عليها ,وينقدها حتى لاتستمر وتنتشر,والمفكرون أصحاب البصيرة النقدية هم الذين يجب عليهم القيام بذلك .المطلوب في نظري هو بذل جهد واسع لإدراك حدود الأمور الطبيعية على المستويات الأخلاقية والعلمية والسلوكية , ويحتاج من يحاول ذلك إلى أن يستخدم المقارنة بين الأشخاص والأسر والمدارس والشعوب ..إنها مقارنة بين أي شيء يريد فحصه والحكم عليه وبين نظرائه ,بالإضافة إلى شيء من الدراسة الكمية ,أي معرفة نسبة انتشار هذا الشيء ,فالشيء الطبيعي بمعيار من المعايير – كثيرا مايكون منتشرا ومتقبلا من غير نكير , كما أن الشيء النادر جدا يدهش له كثير من الناس ,وأعتقد أن معرفة الأشياء الشاذة والخارجة عن المألوف تحتاج إلى نوع من الدربة ودرجة من الإبداع ,ومع الدراسة والمحاضرة والتدريب يحصل الإنسان على الكثير الكثير من الأشياء في هذا الحقل وفي غيره
3- فن التساؤل :
إن طرح الأسئلة حول أي شيئ نريد فهمه و نقده ,يشكل أداة نقدية مهمة للغاية , لأننا من خلال الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها نمتلك نوعا من الإحاطة الشاملة يكل جوانب المسألة أو القضية أو النص الذي نود نقده وأنا سأذكر نموذجا توضيحيا لذلك
هذا النموذج عبارة عن قول أحد الكتّاب " دلت إحدى الدراسات على أن متوسط مايقرؤه العربي في اليوم هو (6)دقائق يوميا على أن الأوروبي يقرأ مامتوسطه (38)دقيقة , والحقيقة أن العرب لايقرأون وإذا قرأوا لايفهمون ..وهذه الوضعية بسبب انتشارالأمية و الفقروالذي يجعل قضاء الحاجات الأساسية في نظر الناس مقدما على شراء الكتب كما أن المدارس أخفقت في تحبيب الكتاب إلى الطالب "
ماموضوع هذا النص ؟ ومالرسالة التي يود الكاتب إيصالها إلى القاريء؟
موضوع النص هو:إعراض العرب عن القراءة ,والرسالة الخفية للكاتب عبارة عن حث الناس على تجاوز الأسباب التي منعت كثيرا منهم من القراءة ,فالحصول على المعرفة يستحق التضحية.




عن أي نوع من القراءة يتحدث الكاتب ؟
من الواضح أنه لايقصد ذلك النوع المعمّق من القراءة ,والذي يتناول تحليل النص ومحاورة الكاتب ونقده وإنما يقصد أساسا النوع البسيط من القراءة الذي يمارسه عامة الناس .
كيف ننظر إلى الأرقام الواردة في النص؟
في النص رقمان يتحدثان عن متوسطة مدة القراءة اليومية لدى العرب ولدى الأوروبيين ,والرقمان واضحان ,ولكن إلى أي مدى يمكن أن يكونا دقيقَين ؟وهل يتناولان كل أنشطة القراءة لدى الفريقين ؟
هناك شيء نسميه (بلاغة الرقم) حيث إن التحديد الذي تمنحنا إياه الأرقام في إدراك الظواهر لايمنحنا إياه أي شيء آخر لكن علينا أن نشير إلى شيئين مهمين :
الأول :أن وضوح دلالة الأرقام يجعل الطلب عليها شديدا ويجعل تداولها واسعا جدا وهذا يؤدي إلى أمرين :الأول تعرض الأرقام إلى التحريف الشديد وعلى سبيل المثال فإن ماذكر في النص أن متوسط قراءة العربي في اليوم هو(6) دقائق قد تم تحريفه في بعض الكتب أثناء التداول إلى (6)دقائق في السنة وهو تحريف خطير للغاية ! الأمر الثاني هو المتاجرة في الأرقام ,حيث أن كشف الكذب في الأرقام كثيرا مايكون صعبا للغاية ولهذا فإن بعض الجهات تحاول تحقيق أرباح ومكاسب ومصالح عن طريق تضخيم بعض الأرقام وتقليل أرقام أخرى ,ولهذا فلابد من الانتباه الشديد ,وإلا كان وعينا وإدراكنا هو الضحية القادمة .
الثاني: هو أن الرقمين الموجودين في النص يشيران إلى ظاهرتين كبيرتين لهما علاقة بـ(700)مليون شخص ,ودلالة الأرقام على الظواهر الكبرى دائما ظنية ,ويشوبها الكثير من القصور ,ولهذا فإننا ننظر إلى أرقام من هذا النوع على أنها مؤشرات مرنة أكثر من أي شيء آخر . وهذا كله على افتراض أن الدراسة عليمة وجادة وعلى افتراض أنها حديثة ,فإذا اختل أحد هذين الأمرين كان من حقنا أن نتوقف أمامها أكثر وأكثر
أما ماأوردناه من التساؤل عن شمول الدراسة لكل أنشطة القراءة فجوابه هو : أن





الدراسة ركزت –على مايبدو- على نشاط القراءة الحرة ,فهي لاتشير إلى نشاط القراءة داخل المدارس والجامعات ,كما أنها لاتشير إلى زمن القراءة الذي يمضيه الموظفون في أعمالهم وإلا لتغيرت الأرقام .
هل الإعراض النسبي عن القراءة لدى العرب ذو علاقة بطبيعة الإنسان العربي وتركيبه الجيني؟ وهل العربي وحده هوالذي يفقد الشهية للقراءة ؟
من الواضح جدا أنه ليس هناك أي علاقة بين الموروث الجيني للإنسان وبين رغبته في التعلم والاطلاع ,وإن في العرب من يقرؤون أكثر من الأوروبيين واليابانيين ,وإن التفسير الملائم لظاهرة ضعف القراءة لدينا هو أن نعزو ذلك إلى (التخلف الحضاري ) الذي يجثم على صدورنا منذ مايزيد عن ثمانية قرون ,التخلف الذي يجعل الإنسان لاينتفع بمبادئه ولابتراثه لأنه يجعله يفقد الحس والحدس التاريخي ,ويجعله لاينتفع بمعطيات زمانه , لأنه يُفقده روح المعاصرة والوعي بالفرص التي تتيحها , وحين يذهب الشاب العربي إلى الغرب فإنهم ينخرطون في الدراسة والتعلم كما ينخرط زملائهم الغربيون ..ومن هنا نجد أن الشعوب المتخلفة في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية ,هي الأخرى تفقد الشهية للقراءة مع أنها ليست عربية ولامسلمة ,مما يعني أن التخلف الحضاري فعلا هو أساس المشكلة .
- هل صحيح ماذكره الكاتب من أن العرب إذا قرؤوا لايفهمون ماقرؤوه؟
هذاغير الصحابي ,فالعربي لايقرأ لأنه يعاني من التخلف ,لكنه حين يقرأ فقد يفهم وقد لايفهم ,شأنه في ذلك شأن كل القراء من كل الأمم ,حيث أن الفهم مرتبط بالخلفية المعرفية للإنسان وبمستواه العلمي ,كم أنه مرتبط بمدى مالديه من دربة في قراءة النصوص وبطريقته في القراءة , وبمدى نجاحه في اختيار الكتاب المناسب له .
-هل ماذكره الكاتب من أسباب تفصيلية لإعراض العرب عن القراءة صحيح؟
وهل هي الأسباب الوحيدة؟
إن ماذكره الكاتب صحيح في الجملة حيث إن (30%) من العرب هم حتى هذه اللحظة أميون , فهم طبعا لايقرؤون ,وكثير منهم لايعرفون قيمة العلم ولاقيمة القراءة ولايحفزون أسرهم على المطالعة ,ولايساعدون أبنائهم في شراء الكتب ,أي أنهم يوسعون دائرة الإعراض عن القراءة .



مستند‏11‏.docx



أما الفقر فإنه يشكِّل سببًا ثانويًّا في الحقيقة، حيث إننا نجد كثيرًا من الأثرياء لا يقرؤون، كما أن المكتبات العامة كثيرًا ما تكون خاويةً على عروشها، على الرغم من أن المطالعة فيها مجانية، كما أن كثيرًا من الفقراء الذين لا يقرؤون ينفقون الأموال الطائلة على الأكل والشرب واللباس وأمور مظهرية كثيرة.  
أما إخفاق المدارس في تحبيب الكتاب إلى الطلاب، فهذا ثابت وملموس، وهو يعود إلى تخلف البيئة التعليمية وإلى كون أساليب التعليم تقوم على التلقين وتهميش دور الطالب في عمليات التعلم، كما أن قلة التطبيق والورش العملية وقلة المعامل والمختبرات والتجهيزات المدرسية وضعفها من الأمور التي تورث السأم، وتجعل التعلم عبئًا ثقيلاً. وعندي أن هناك سببًا آخر للإعراض عن القراءة، وهو يتعلق هذه المرة بسياسات الحكومات في التنمية وتوفير فرص العمل، حيث إننا نجد أن معظم الوظائف لا يتصل بالمعرفة من قريب أو بعيد، ولا يتطلب ممن يشغلها الاستمرار في القراءة والبحث، ولهذا فإن الإنسان العربي لا يجد في وظيفته - غالبًا - ما يدفعه إلى القراءة أثناء ممارسة الوظيفة في الصباح ولا بعد عودته إلى بيته في المساء، وقد أفاد بعض الدراسات أن ( ??? ) من الوظائف في أوروبا على صلة بالمعرفة، وتحفز على التزود المستمر منها. العمل الذي لا يتصل بالعلم يتطلب - في كثير من الأحيان - جهدًا عضليًا عاليًا، مما يجعل المرء يأوي إلى بيته كي يرتاح بعد أن استنفد كل طاقته في وظيفته.  
السؤال الأخير في مسألة الإعراض عن القراءة هو: إذا صحَّ أن الناس يٌعرضون عن القراءة بسبب التخلف، وكان الإقبال على القراءة يساعد على التقدم. فإن النتيجة قد تكون: الناس يعرضون عن القراءة لأنهم متخلفون، وهم لا يتقدمون حتى يقرؤوا، وبهذا نكون قد وضعنا أنفسنا فيما يشبه الدائرة المغلقة؟ هذا في التنظير العام صحيح إلى حد ما، لكن إذا جئنا إلى التفاصيل، لا يكون صحيحًا، حيث يمكن للناشئة أن يحبوا الكتاب والمطالعة إذا ظفروا بأسرة مهتمة بالعلم أو درسوا في مدرسة جادة أو عملوا حين يكبرون في شركات ( متعلمة ) أو ذات صبغة بحثية أو تقنية عالية. . . إذن دائمًا هناك مخرج، وهناك إمكانية لعمل شيء جيد. لدينا مجال واسع لطرح المزيد من الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها، ولكن لا أريد






??










الاستطراد في هذا، حيث اتضح أننا إذا تعلَّمنا كيف نسأل، فإننا سنجد في الأسئلة محفزًا قويَّا للخيال كي يعثر على بعض الأجوبة، والمهم أن ندرك أن كل ما قلناه هو عبارة عن مقاربة ومحاولة اجتهادية مبدئية تحتمل النقد والمراجعة والتصحيح.
?- السعي إلى الوضوح:
السعي إلى الوضوح والحرص عليه وسلوك كل السبل المؤدية إليه، هو دأب كل المفكرين، وذلك لأنهم يشعرون أن الغموض والانبهام متصلان بنقص المعرفة أو نقص الإدراك أو بهما معًا، ومن هنا لسنا نبالغ إذا قلنا: إن المفكر يعمل على امتداد حياته على مكافحة العماء و ( اللاَّتكوّن ) مع أنه يدرك تمامًا أن الجلاء التام قد لا يكون متاحًا في كل الأحيان، ولهذا فالمطلوب أعلى درجة من الفهم والرؤية والإحاطة، ولعلي أشرح ما أريده عبر الآتي:
أ- حين نود أن نفكر في شيء تفكيرًا نقديًّا صحيحًا، فإن هذا يتطلب أن تقوم بتحديد ذلك الشيء وتصور ماهيته بدقة، لأننا ما لم ننجز هذا، فإن كل الجهود اللاحقة قد تكون غير ذات معنى، ولهذا قال المناطقة: « الحكم على الشيء فرع عن تصوره » . والمشكل أن الوصول إلى تعريف وتشخيص واضح ومتفق عليه للأشياء والأحداث التي نهتم بها، ليس بالأمر السهل، وكلما كان الشيء الذي نحاول تعريفه وتحديده ضخمًا أو معقدًا أو كثير التفاصيل - وجدنا أنفسنا منقسمين تجاهه على نحو بيِّن، وهكذا فقد قام بعض الشباب بقتل أشخاص من غير المسلمين ممن يعيشون في بلاد إسلامية، وحين قيل لهم: إن هؤلاء ذميون أو مستأمنون، ولا يصح قتلهم قالوا: هؤلاء ليسوا ذميين ولا مستأمنين، إنهم عبارة عن محتلين ومستعمرين، أو هم عملاء وجواسيس يعملون ضد مصلحة البلد، ولهذا فإنهم يستحقون القتل، وكلنا نعرف الارتباك الذي حصل بين أتباع معاوية حين تناقل الناس قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار ابن ياسر: « ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية »، وقد كان عمار في جملة من قٌتِل من جيش علي - رضي الله عنهم جميعًا - وقد وجد معاوية مخرجًا لذلك حين قال: نحن لم نقتله، وإنما قتله من أخرجه - يقصد عليًّا - وكان الرد عليه: إذا كان ما تقوله صحيحًا، فهذا يعني أن كل من قٌتل مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع غيره من قادة الجيوش لم يقتلهم الكفار، وإنما قَتَلهم من كان أميرًا عليهم!
??
































اللغة بطبعها حمّالة أوجه، وقابلة لكثير من الاستخدام غير النزيه، والشيء المهم هو أن ندرك أن ( التعريفات ) ستظل قابلة للتحيز والتعبير عن وجهات النظر الشخصية، ولهذا فإن علينا أن نتحدث عنها في بداية كل بحث وكل نقاش. وأن نسعى إلى أعلى درجة ممكنة من الوضوح والتحديد.
ب- حين يتحدث أمامنا شخص في قضية ما فإن من المهم أن نعرف مدى قدرة ذلك الشخص على الفصل بين أفكاره وعواطفه حيث إن من الثابت أن الأفكار تؤثر على العواطف فنحن حين نسمع ثناءً عاطرًا على شخص يتحسن موقفنا الشعوري تجاهه وحين نتعاطف مع شيء فإن تعاطفنا يحرّض العقل على إنتاج الأفكار الإيجابية نحو - كما أشرنا سابقًا - ومن الملاحظ أن سيطرة العاطفة على النساء أكبر من سيطرتها على الرجل كما أن العاطفة تكون أشد كلما كان المستوى المعرفي للإنسان منخفضًا والعكس صحيح إن الإنسان حين يتحدث عن خطأ فادح وقع فيه أحد أبنائه يتحدث بلهجة مختلفة عن اللهجة التي يتكلم بها فيما لو كان المخطئ شخصًا غريبًا أو معاديًا وهذا من جملة الضعف المستولي على البشر.
ج- دائمًا هناك تساؤل مشروع حول جوهر الكلام الذي يستخدمه الكاتب أو المتحدث أو المحاور.
هل ما يقوله عبارة عن حقائق ثابتة متفق عليها؟ وهل تلك الحقائق منقولة عن أشخاص آخرين أو أنه شاهدها أو سمعها بنفسه؟ أو أن ما يقوله عبارة عن رأي وتحليل شخصي؟ كثير من الناس لا يدركون الفروقات بين ما ذكرناه ولهذا فإنهم يتحدثون بطريقة مبهمة وغامضة حين يرى الإنسان وقوع حدثٍ ما بنفسه فإن إمكانية تصديقه تكون أكبر لكن حين يقول: أنا لم أشاهده لكن حدثني من شاهده فإن القضية تصبح مختلفة فقد يكون الذي شاهد غير قادر على تفسير ما شاهده على نحو صحيح وقد يكون غير صادق فيما يقوله وكلما طالت سلسلة الإسناد صارت إمكانات الوهم والخطأ والتخليط أكبر ومن هنا برزت قيمة الأسانيد العالية لدى علماء الحديث أما حين يكون ما يطرحه الكاتب أو المتحدث عبارة عن رأي شخصي فإن التأكد من صحته يصبح غير ممكن فالذي نتأكد من صحته هو الحقائق المشاهَدة من قِبَل شخص
??
















والمنقولة عن أشخاص آخرين أما التحليل الشخصي فإنه يحتاج إلى محاكمة عقلية منطقية لأنه قد يكون مبنيًّا على أسس صحيحة وقد يكون مبنيًّا على أسس غير صحيحة وقد وضع علماؤنا قاعدة جميلة تشير إلى ما ذكرناه حين قالوا: « إن كنت ناقلاً فالصحة وإن كنت مدعيًا فالدليل ».
د- من المهم ونحن نسعى إلى الوضوح أن نبحث عن العلاقة التي تربط راوي الحديث أو صاحب الرأي بما يرويه ويطرحه وأنا دائمًا أقول: إن تجرد الناس من أهوائهم وغضَّ طرفهم عن مصالحهم ليس بالأمر اليسير إننا لو نظرنا إلى ما تنشره الصحف اليومية تجاه الأحداث المختلفة فإننا سوف نصاب بالفزع لأن تفسير الصحف الموالية للحكومات للأحداث متباين إلى حد بعيد لتفسير صحف المعارضة ومن المؤسف أن ما يقال اليوم سوف يصبح جزءًا من تاريخ هذه الأمة وسوف يأتي من يتخذ منه مادة يوظفها في فهم أوضاعنا وأحوالنا مع أننا نعرف أن موضوعية معظم الصحف ليست مٌرضية بالقدر الكافي ومن هنا فإن نقد أي شيء مسموع أو مكتوب ينبغي أن يهتم بفهم مصلحة صاحب الكلام في الطرح الذي يطرحه وإلا فإننا لن نفهم الأمور على الوجه الصحيح.
عقبات أمام الممارسة النقدية:
لا تحدث الأشياء المهمة والمطلوبة في حياة الناس ييسر وسهولة فالوعي النقدي مع أنه هو الذي يوقظ حس المجتمع على مشكلاته وقضاياه وأشكال قصوره إلا أن ممارسة النقد ليست بالأمر السهل.
النقد نقدان: ذاتي وغيري النقد الذاتي يشمل نقد الذات - بما هي شأن شخصي ويشمل نقد الذات بما هي جزء من أمة وجزء من ثقافة وتاريخ وحضارة أما النقد الغيري فهو موجَّه إلى ( الآخر ) القريب والذي قد يكون أخًا أو ابنًا أو صديقًا أو واحدًا ممن ينتمي إلى ثقافة الناقد كما أنه قد يكون بعيدًا ينتمي إلى حضارة مغايرة أو منافسة ولا أود هنا أن أخوض في تفاصيل هذا الموضوع لكن لعلي أتحدث عن أهم ثلاث عقبات تواجه الممارسة النقدية:
?- المحيط الثقافي الذي يغلّف عقولنا ومشاعرنا ويمدها بالأفكار والرموز
??





























والمفاهيم بشكل أكبر عائق أمام نضج الوعي وممارسة النقد. الناس يميلون دائمًا إلى التفكير في إطار الثقافة التي تشبعوا بها منذ الصغر وهم يجدون أنفسهم - من غير وعي منهم - منخرطين في دفاع مستميت عن صواب تلك الثقافة وجمالها بل تفردها بين الثقافات وتفوقها عليها ، من هو الشخص الذي يستطيع استعراض كل مفردات ثقافة قومه ليغربلها ويميز بين غثها وسمينها؟ ومن أين يأتي بالأسس والأدوات التي يحتاجها في كل ذلك؟ هذه هي المشكلة في بعض البلدان الإسلامية أفكار خاطئة بل مميتة تغير نكهة العيش وأسلوب الحياة على نحو كامل وعلى سبيل المثال فإن جزءًا من مواطني إحدى الدول العربية الواقعة على المحيط يعتقدون أن ( السمك ) طعام العبيد ولا يليق بالأحرار وبما أنهم ليسوا عبيدًا فهم لا يأكلون السمك ويٌظهرون استعدادًا قويًّا لمعاناة الجوع والمسغبة! وفي بعض البلدان لا يٌطلب من المرأة حسن التبعل لزوجها فحسب بل عليها إلى جانب ذلك أن تعامل أبوي الزوج وإخوته وأخواته كما تعامل الأَمَةٌ سيدها وعليها أن تتحمل كل ما لديهم من انحراف في المزاج وكل ما يعانونه من عٌقد نفسية وهذا جزء من واجباتها اليومية مع أننا نعيش في القرن الحادي والعشرين!
في بعض البلدان الإسلامية يعامَل الخدم في المنازل من رجال ونساء معاملة لا تراعى فيها حقوق الإنسان بل يعاملون معاملة أدنى من المعاملة التي يحظى بها الحيوان في بلدان أخرى فليس هناك ساعات محددة للعمل ولا للراحة وليس هناك أي تقدير للمشاعر مع أن أولئك الخدم مسلمون موحِّدون والمجتمع يغض الطرف عن كل ذلك ويتعامل معه على أنه شيء عادي وقد لا يخلو من مصلحة!
أمثلة كثيرة تفوق الحصر تدل أن الوعي النقدي مهما كان عظيمًا ويقظًا إلا أنه في النهاية محدود بحدود البيئة والمجتمع والثقافة ومن هنا فإن المفكر يكون مفكرًا حقيقيًّا بمقدار تحرره من وطأة الثقافة الشعبية التي يتغذى عليها ويكون مفكرًا على مقدار مده نظره إلى خارج الصندوق الذي ولد فيه وعلى مقدار تحكيمه الأصول الشرعية والمبادئ الأخلاقية وتحكيم المنطق السليم في الفاهيم والتقاليد السائدة.
?- الخوف عقبة أساسية أمام ممارسة النقد وذلك لأن كثيرًا من الناس - كما أشرنا سابقًا - يٌعدون أنفسهم حراسًا على الثقافة السائدة ومدافعين عنها وهم في
??





























حمأة الحماسة لذلك لا يميزون بين الجيد من مفردات تلك الثقافة وبين رديئها ومن ثم فإنهم يٌظهرون نوعًا من الهلع تجاه من يوجّه سهام النقد إلى ما يعدون أنفسهم مسؤولين عن حمايته وأذكر أنني كنت أتحاور مع بعض الزملاء والأصدقاء حول بعض الانكسارات في تاريخنا الإسلامي وإذا بي أفاجأ أن هناك مثقفين يفتقرون إلى الحد الأدنى من الموضوعية فهم إذا وجدوا نصًّا يشير إلى موقف مجيد أو نصر مؤزر أو براعة لقائد من القادة أو نجاح لتجربة قبلوه دون أي تردد أو مناقشة وإذا ذٌكر أمامهم نص يفيد ما هو مغاير لهذا قالوا: وما أدراك أن هذا النص صحيح؟ وأذكر أنني قلت وقتها: إذا كان تاريخنا عبارة عن أمجاد وانتصارات فإن علينا أن نجيب عن الأسئلة حول أسباب تراجع أمة الإسلام من مقدمة الأمم لتبحث عن مكان في المؤخرة نحن مع الَحميَّة للثقافة والتاريخ لكن الحمية من غير نقد ومن غير مراجعة قد تفضي بالثقافة وأهلها إلى مزيد من الانحطاط! هناك خوف من قبل الأشخاص المؤهَّلين لممارسة النقد فالمنافحون عن استمرار ما هو سائد أشكال وأنواع فمنهم أخيار طيبون ونواياهم حسنة. لكنهم مبتلَون بشيء من عدم الاطلاع وشيء من ضيق الأفق وهؤلاء يهاجمون على نحو شرس كل من يوجِّه سهام النقد إلى أي شيء سائد الآن ، أو كان سائدًا في يوم من الأيام وأقل ما يمارسونه هو عزل الناقد والتحذير منه واتهامه بشتى أنواع التهم، وقد منحت شبكة ( الإنترنت ) هؤلاء أدوات إضافية لذلك وإلى جانب هؤلاء هناك أشخاص مستفيدون من كل أزمات الواقع ومشكلاته إنهم ما بين مالمخلوقات من الروائح الطيبة ولهذا فإنهم يحاولون إبقاء كل شيء على حاله، ويمارسون في سبيل ذلك نوعًا من الإرهاب والتخويف لكل من يحاول فتح وعي الناس على الظلم الذي يتعرضون إليه. المؤسف حقًّا أ هذه الفئات التي تنحط أحيانًا إلى درجة ( عصابات المافيا ) موجودة في شتى أنحاء العالم، وإمكاناتهم في الضغط كبيرة جدًّا، وتجاهلهم صعب ومكلف ولهذا فإن على المجتمع كله أن يسعى إلى أن يكون لديه قضاء نزيه وسريع في حسم القضايا، وأن تكون لديه صحافة تتمتع بالصدق والحرية والمسؤولية حتى يشعر الناس بالأمن والطمأنينة.
??














3- هذا العائق يتعلق بالقصور الذاتي للمفكر/ الناقد ، حيث إن المرء قد يدرك تماماً ما الذي عليه أن يقوله ، لكن يمنعه من ذلك ليس الخوف من العزلة أو الأذى ، ولكن الخوف على المكاسب التي حصل عليها أو الخوف من عدم تحقيق الطموحات المادية التي يتطلع إليها .
إن هناك حقيقة ساطعة ، هي أنه حين تشتد رغباتنا ، وتتسع دائرة مصالحنا يخفت صوت عقولنا ، فيتحول الصوت الجهوري إلى همس خفي لا يكاد يسمعه أحد غير صاحبه ، لا أحد يطالب المفكر بالتخلي عن همومه الشخصية والمعيشية من أجل هموم الأمة ، لكن الجميع يطالبونه بن لا يزيد في طموحته إلى درجةٍ يصبح تحقيقها رهناً بتخليه عن مبادئه و رسالته و دوره المرتقب . نحن لا نستطيع أن نحصل على كل شيء، ولا بد من التضحية ببعض الأشياء حتى نحصل على بعضها الآخر ، والمهم في كل الأحوال أن يسعى المفكر لأن يكون في وضعية لا تحمله على قول الباطل إن لم يستطيع قول الحق .


















كيف نفهم الواقع ؟
أشرت فيما مضى إلى أن امتلاك العالم و المتخصص لرؤية نقدية للواقع و المجتمع الذي يرتقي به إلى درجة ( مفكر ) ومن الواضح أن القدرة على نقد الواقع تعني توفر درجة حسنة من فهمه و الوعي به لدى الذي يقوم بالنقد ، و إنما كان فهم الواقع على هذه الدرجة من الأهمية و الخطورة ، لأن المفكر و العالم و الداعية و المصلح و الباحث جميعاً يستهدفون في نهاية المطاف شيئاً واحداً ، هو تطوير الواقع و إصلاحه و الارتقاء به و تجاوز عقباته وحل مشكلاته ، وعلى مقدار تمكننا من تشخيص الواقع و تحديد ملامحه يكون نجاحنا في كل ذلك . ومن الملاحظ أن كثيراً من المصلحين و الدعاة باتوا يركزون على نحو واسع على مسألة ( فقه الواقع ) وهذا منهم مؤشر إلى النضج و الوعي بمتطلبات المرحلة .
بداية الفهم :
أخبرنا الله – تعالى – بأننا نولد و نحن جاهلون بكل شيء حيث قال – سبحانه - : ( واللَهُ أَخرَجَكُم من بُطُونِ أُمهَاتِكُم لاَ تَعلَمُونَ شَيئًا و جَعَلَ لَكُمُ السَمعَ وَ لأَبصَارَ و الأَفئِدَةَ لَعَلكُم تَشكُرُونَ ) [ النحل : 78 ] لكنه – سبحانه- زودنا بالأدوات التي في إمكانها التقاط الكثير من صور الواقع ومعطياته و الكثير من المعارف و الخبرات و التجارب التي تراكمت لدى البشرية، وتلك الأدوات هي الحواس الخمس : السمع و البصر و الشم و الذوق و اللمس ، وقد كانت العرب تسميها ( المدارك الخمس ) ، لأننا بواسطتها ندرك الوجود ، وكل ما يحيط بنا . إن لأذن ليست هي التي تسمع ، كما أن العين ليست هي التي تبصر ، وإنما الذي يقوم بهذا وذاك هو الدماغ ، و الحواس الخمس عبارة عن وسائل أو قنوات لتمرير الإشارات و المعطيات و الصور إلى الدماغ ، ومن الوضح أن قدرة هذه الحواس على التقاط الواقع و تمريره محدودة ، وهي جميعاً تعمل في ظل شروط محددة ، كما أن هناك أشياء كثيرة لا تقع في مجال عمل أي حاسة من الحواس الخمس ، لكننا
نؤمن بوجودها ونلمس آثارها بل إننا نستخدمها ونستفيد منها ، أضف إلى كل هذا أننا لا نرى سوى جزء صغير جدَّا من الأحداث الجارية ، ولا ندرك سوى جزء محدود من الأوضاع السائدة ، فإذا كنت تسكن في مدينة كبرى - مثلاً – فإنك لا ترى ولا تسمع إلا القليل جداً من الأحداث و الوقائع و التطورات الجارية فيها مهما بذلت من جهد ، ومهما امتلكت من وسائل .ما الذي يعنيه هذا ؟
إن هذا يعني شيئاً مهمًّا ، هو أننا سنحاول فهم بعض ما يجري في الواقع وبعض ما هو سائد فيه ، و سنحاول فهم نماذج عنه ، أما الإحاطة به ، فهي فوق طاقة أي بشر .وهذا يقودنا إلى شيء آخر ، هو أن كثيرين منا يطّلِعون على أشياء لا يطّلع عليها غيرهم ، ويجهلون أشياء كثيرة يعرفها غيرهم ، مما يعني أننا لن نحصل أبداً على رؤية واحدة و موحدة للوقع ، وهذا من جملة القصور البشري .
الخريطة الإدراكية :
حين تستقبل حواسنا البيانات و المعلومات و المشاهدات و المسموعات عن ظاهرة من الظواهر أو حدث من الأحداث .. فإنها تنقل ذلك إلى الدماغ ،وهنا يقوم الدماغ في النظر فيها من خلال ما لديه من مبادئ ومفاهيم وانطباعات سابقة ، ويحاول بالتالي إصدار حكم عليها أو تحديد موقف منها أو تنظيم رد فعل معين تجاهها ، ومن الواضح أن الإنسان مع الأيام تصبح لديه قناعات ومسلمات و أفكار راسخة حول عدد كبير من القضايا المتربطة ، ومن هذه المسلمات .. يتشكل لدى الإنسان ما يمكن تسميته ( الخريطة الإدراكية ) ، الخريطة الإدراكية يتخذ منه صاحبها مرجعًا و إطارًا لفهم ما يراه و يسمعه ، ويشعر به و مرجعاً و إطاراً لتفسير الأحداث الجارية .. بل يمكن القول إن الخريطة الإدراكية التي يمتلكها الواحد من هي نموذجه الشخصي الذي يجعله يركز على بعض التفاصيل التي يطلع عليها ، ويهمل تفاصيل أخرى لأنها تافهة أو غير مهمة ، ولا شك في أن الجهات الأساسية التي تسهم في رسم الخريطة الإدراكية لدى الشعوب و الأفراد، ثلاثة : الأسرة و المدرسة و وسائل الإعلام . ولنضرب بعض الأمثلة الشارحة لمسألة الخريطة الإدراكية :
أ‌- يذكرون أن ( ماري أنطوانيت ) ملكة فرنسا قبل الثورة كنت تحيا حياة مترفة ومرفهة و معزولة تماماً عن العالم الخارجي ، وقد حدث أن وجد بعض الحرس فلاحاً مغمى عليه من شدة الجوع ، فأتوا به إليها ، فأشفقت عليه ، وقالت : لا يصح لك أن تتبع هذا ( الريجيم) القاسي !. وفي رواية أخرى أن بعض حاشيتها أخبروها أن بعض الفلاحين مضى عليهم أسبوع دون أن يتناولوا شيئاً من الخبز ، فقالت : لماذا لا يأكلون ( الجاتو ) ؟!
إن الجوع و الفقر ليسا موجودين في خريطتها الإدراكية ، ولهذا فإنها استبعدتهما في تفسير ظاهرة إغماء الفلاح و في ظاهرة عدم عثور الفلاحين على الخبز .
ب‌- لدى كثير من الجماعات الصوفية ارتباط قوي بين المريد وشيخه ، فهو يحدَّثه عن كل شيء ، ويسمع منه كل شيء ، و إن الخريطة الإدراكية لدى كثير من المريدين تقوم على اعتقاد قوي بمعرفة الشيخ وحكمته وصلاحه وحسن تدبيره لأمور طلابه ومريديه ...وهذه المسلمات جعلت المريد يلتمس كل الأدلة و البراهين التي تؤيد صواب ما يسمعه من شيخه ، كما جعلته يُعرِض إعراضاً شبه تام عن كل نقد يوجه إلى الشيخ ، لأن وقوع الشيخ في الخطأ ، وقيامه بشيء غير لائق أو مجافٍ للحكمة ليس داخلاً في خريطته الإدراكية ، وقد عبروا عن هذا المعنى بعدد من المقولات ، منها : من قال لشيخه : ( لِمَ) لم يفلح أبداً . و مرادهم : أن من سأل شيخه – في الطريق و السلوك – عن سبب تصرف من تصرفاته على وجه الاعتراض لم يستفد منه ، ولم يرتق في مراتب السالكين ! ومنها قولهم : على المريد أن يكون بين يدي الشيخ كالميت بين يديّ المغسِّل. أي أن يستسلم لتوجيهاته استسلاماً كاملاً كاستسلام فاقد الإرادة ! ومنها قولهم : المريد بين شيخين كالرجل بين سيفين ، وهذا كناية عن الضرر العظيم الذي يلحق المريد إذا ما تلقى التوجيهات من شيخين ، حيث إن الأصل أن لا يكون له سوى شيخ واحد حتى لا يمزقه التشتت و التجاذب بينهما . وقد اعترض كثير من المريدين على بعض شيوخهم حين طلبوا العلم الشرعي مما أدى إلى تغيير في خرائطهم الإدراكية ، وصاروا يرون الأخطاء الشنيعة التي كانت لدى بعض أولئك الشيوخ .
جـ - لدى القبائل المعزولة في الصحراء خرائط إدراكية متشابهة ، فقلّة اختلاطها بالأغراب وضعف اتصالها بالمدينة جعلها تنظر إلى العالم بأسره عبر عدد من المفاهيم القليلة القائمة على التعصب للقبيلة وعلى اعتقادها بحيازة كل الفضائل ، حيث يعتقد أفراد القبيلة أن هواءهم هو أنقى الهواء و طعامهم أصح الطعام ، وعاداتهم وتقاليدهم واجبة الاحترام ، كما أن حياة البادية هي الحياة الطبيعية الصحيحة ..وحين يأتي من يشكك في شيء من هذه الأمور فإنه قد يُنظر إليه على أنه عدو أو جاهل .. لكن حين يذهب أبناء تلك القبائل إلى المدن ، ويدرسون في الجامعات يرون أنماطاً جيدة وفاضلة مغايرة لما ألفوه ، وحينئذ تبدأ خرائطهم الذهنية في التغير .ما هو موجود عند القبائل المعزولة موجود أيضاً عند الصهاينة و موجود لدى المذاهب و التنظيمات السرية ، و الذي يجمع بينها جميعاً هو العزلة و التحيز و الشعور بالفرادة .
د- اعتقاد المسلم الحق يسهم في رسم خريطته الإدراكية على نحو واضح ، فإيماننا بالقضاء و القدر ، و إيماناً برحمة اللَّه وحكمته البالغة إلى جانب إيماننا بأن هذه الدنيا دار ابتلاء ، و أن الابتلاء تارة يكون بالخير وتارة يكون بالشر .. إن كل هذا يجعل الواحد منا ينظر إلى كثير من الأحداث نظرة مختلفة عن نظرة الآخرين ممن لا يعتقدون مثل عقيدتنا ، ويكفي في هذا المقام أن نستحضر دلالات قوله صلى الله عليه وسلم : ( عجباً لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ) (1). 4 إن المسلم حين يفقد ماله أو ولده ، أو يصاب بمرض من الأمراض فيحمد الله على ما أصابه ،ويثني عليه ، ويتحصن بالصبر ، ويبث همه إلى ربه –سبحانه – وهو حين يفعل ذلك ينتظر من مثوبة الله –تعالى- وتعويضه أفضل و أبقى مما فقد ، وحين يُنعم لله –تعالى – على عبده بنعمة من نعمه التي لا تحصى فإنه يشعر بفضل الله عليه و توفيقه له ، ومن ثم فإنه يسعى إلى شكره وحمده واستخدام نعمه فيما يرضيه ، وهذا التصور يولد لدى المسلم حالة من التوازن الشخصي في حالة النعمة وحالة النقمة ، ومن هنا وجِدتْ تلك الظاهرة العالمية ، ظاهرة أن المسلم لا ينتحر ..
ما الذي يعنيه كل هذا ؟
إنه يعني الآتي :
1) الخريطة الإدراكية التي يملكها كل واحد من ينسجها عقله ، لكنها فيما بعد تصبح أشبه بالسياج الذي يحول دون عمل العقل بطلاقة وحرية .
2) يظل العقل قادراً على تغيير خريطته بشرط أن يفهم القصور الذي تسببه له تلك الخريطة .
3) تغيير الخريطة الإدراكية يكون بقيام الواحد منا بدراسات موسَّعة حول آرائه و أفكاره العامة في الحياة ، و إن للمقارنة نصيب الأسد في تطوير الخريطة الإدراكية ، بل في امتلاك أعلى درجات الوعي بأنفسنا و بالعالم من حولنا .
الواقع طبقات :
حين نريد دراسة الواقع وفهمه على نحو جيد ، فإن من الضار الاستهانة بهذا الأمر ،لأن اعتقادنا بأن فهم الواقع سهل ميسور ،سوف يحول دون بذل جهد جيد في سبيل فهم ما نريد فهمه ، وحين تنظر إلى مداولاتنا في واقع الأمة على الصعيد الشعبي- و أحياناً على الصعيد الأكاديمي و النخبوي – تجد أننا نتكلم كلام الواثق العارف بدقائق الأمور ، لكن نفاجأ بعد نقاش طويل أننا لم نملأ أكفنا من أي شيء ، و أننا بدأنا مختلفين في رسم حدود الظاهرة موضع البحث ، وانتهينا كذلك مختلفين، مما يدل على أن تبسيط الأمور هو الطريق إلى الإخفاق في فهمها !
لا بد من التسليم من أن محاولة اجتراح الواقع و امتلاك صورة واضحة و موثوقة عنه تشبه محاولة رجل يريد حفر بئر لاستخراج الماء منه، وقد وجد ذلك الرجل أنه كلما تعمق في الحفر أكثر، جابهته طبقة صخرية أصلب و أعتى من سابقتها ، و الفارق بين الحالتين هو أن بحثنا في الواقع سوف يوصلنا في نهاية المطاف إلى حزمة من الأسئلة التي لا نملك أي إجابة عليها ، حيث إن من الثابت أن في كل ظاهرة من الظواهر عنصراً غيبيَّاً استأثر الله – تعالى – بعلمه، وحَجَبَه عن جميع الناس ، كما أن في كل ظاهرة كبرى عناصر يعرفها بعض الباحثين ويجهلها آخرون ، و أنا هنا لن أشرح ما أريد توضيحه من خلال الحديث عن الوضع الأخلاقي لدولة أو مدينة أو قرية ،




وإنما أود أن أطرح بعض الأسئلة حول واقع أسرة من الأسر المسلمة: اسئلة حول مدى صلاحها وترابطها في الحياة لنعرف مدى صعوبة معرفة الواقع...

أسرة زيد مكونة من سبعة أشخاص: الأبوان و ثلاث بنات وابنان, وهذه معلومة يقينية.
السؤال: هل يمكن وصف هذه الأسرة بأنها صالحة ومترابطة؟ هل يمكن وصفها بأنها ناجحة في مهماتها المختلفة ؟
الجواب: علينا أولا أن نعرّف المقصود بـ( الصلاح), وهنا سندخل منطقة اجتهادية, فأنا شخصيًّا أعتقد أن الشخص الصالح هو الذي يؤدي الفرائض و الواجبات, ويبتعد عن الكبائر والموبقات, وإذا قصًّر في واجب, أو وقع في كبيرة, سارع إلى التوبة النصوح. هذا رأيي, وهناك من قد يخالفني فيه, لكن لو فرضنا الاتفاق على هذا, فسوف يثور في وجهنا موضوع الكبائر؛ حيث إن من أهل العلم من يقول: إنها إلى السبعين أقرب منها إلى السبع الواردة في الحديث, ومن هنا فإننا إذا عرفنا أحوال تلك الأسرة على نحو حسن, فسوف يبرز لنا الخلاف في تعريف الكبائر, وبناءً على ذلك الخلاف فقد يحكم عليها بعض الناس بالصلاح, وبعضهم سيقولون: إن صلاحها منقوص..
سؤال: إذا قلنا: إننا لا نعرف عن وضع أسرة زيد إلى الخير فيما يبدو لنا, لكن ما العمل إذا كنا نرى اثنين من أبنائها يسافرون مع أصدقائهم( العزاب) إلى بلاد موبوءة بالجرائم الجنسية ومعروفة بالتحلل الأخلاقي؟ أليس في هذا ما يثير الشكوك حول صلاحها؟ طبعا سيكون الجواب: إن هذا مؤشر غير جيد, لكن لا يصلح للاحتجاج, فإذا جاء من يقول: إن للشابين هناك مصالح تجارية, فإن الموقف سيختلف اختلافا كبيرا, وسنجد أن نقاش مثل هذا الموضوع يدخل في حيز سوء الظن و تتبع عورات المسلمين, لكن هذ لا يعني أن الشكوك قد انقطعت على نحو نهائي...
أما السؤال عن ترابط تلك الأسرة ونجاحها فإن الجواب عليه سيكون أصعب؛ لأن مسألة الصلاح مسألة شرعية, ولها حدود شبه واضحة, أما الترابط والنجاح فهما من الأمور الغامضة التي سنلاقي الكثير من العنت في تعريفها؛ ولهذا فإن أي جواب على هذا التساؤل سيكون ظنيًّا, وكل ما سيُذكر في هذا الشأن سيكون عبارة عن شيء نسبي يختلف باختلاف الناظرين .
نستطيع أن نطرح الكثير من تلك الأسئلة حول وضع تلك الأسرة, دون أن نجد عليها أي جواب بسبب غموض التعريفات للأمور التي نسأل عنها أو بسبب عدم توفر المعلومات الكافية, وهكذا سنجد أننا كلما طرحنا سؤالا جديدا وجدنا أنفسنا أمام طبقة أعمق من طبقات واقع تلك الأسرة, مما يجعلنا نتقلب في الظنون والأوهام .

ما الذي يعنيه هذا الكلام؟
إنه يعني الآتي:
1- لدينا دائما معرفة سطحية بما يجري, والإحاطة الجيدة تحتاج إلى المزيد من التعمق.
2- إذا كان لوقع كل ظاهرة من الظواهر طبقات, بعضها فوق بعض, فإن المهم أن ندرك أن اختراق أي طبقة من طبقاته يحتاج إلى وسائل جديدة, وأحيانا إلى منهج جديد, وهكذا يكون التعمق في فهم الواقع مشروطا بوفرة ما لدينا من مناهج ووسائل تسعفنا في ذلك.
3- مهما كانت قدرتنا على فهم الواقع عظيمة, ومهما كانت مناهجنا وأدواتنا فعالة, فإن كثيرا من النتائج التي سنحصل عليها سيكون غير حاسم؛ ولهذا فإن علينا أن نكون حذرين في إطلاق الأحكام المتعلقة بها, وإلا كنا مجازفين وغير موضوعيين .
4- الواقع يحتمل دائما اجتهادات مختلفة ووجهات نظر متباينة؛ فلنعذر المخالف في ذلك, وليعذرنا أيضا من يخالفنا.
مفاهيم تساعد على مقاربة الواقع:
تدرك عقولنا الواقع, وتحلل أحداث الماضي, وتستشرف أحداث المستقبل عبر ما في حوزتها من تعريفات ومصطلحات وأفكار ومفاهيم ومعلومات, وطبيعة إدراكها لكل ذلك تنسجم إلى حد كبير مع طبيعة المفاهيم... من حيث الصحة والوثاقة والدقة... وبما أن الواقع عبارة عن بحر متلاطم الأمواج, كما أنه ذو طبيعة زئبقية, فإن من المهم أن نمتلك أكبر قدر من المفاهيم التي تساعدنا على الاقتراب منه وملامسته قدر الإمكان, ولعل من أهم هذه المفاهيم الآتي:
1- الواقع ليس انعكاسا للقيم:
يعتنق الناس في كل مجتمع من المجتمعات عددا من المبادئ والقيم, وإن الذي يتبادر للذهن في أول الأمر أن الذي يرى أن الصدق فضيلة من أمهات الفضائل, يصر على أن يكون صادقا, كما أن الذي يعتقد أن التبسم في وجوه الناس محبوب من محبوبات الله -تعالى- يحرص على أن يكون بسّاما دائما, كما أن الذي يرى حرمة شرب الخمر, يمتنع عنه على نحو قطعي وهكذا... وهذا الذي يتبادر هو الشيء المنطقي, وهو المأمول, لكنه ليس واقعيا, والسبب أن وضوح هذه القيم ورسوخها في عقول الناس ونفوسهم لا يكون دائما على الدرجة المطلوبة, ومع أن الناس يحاولون تحقيق مصالحهم في إطار المبادئ والقيم التي يحترمونها, لكن بما أن مطامع الناس ومخاوفهم ورغباتهم كثيرا ما تكون غير محدودة بحدود, فإن معظم الناس قد تعودوا تجاوز القيم التي يؤمنون بها, أو الضغط عليها أو تأويلها وإيجاد نوع من التكيف معها...

ومسألة التأويل هذه مهمة في هذا الشأن؛ حيث إن من السهل على أي إنسان أن يقول: أنا رب أسرة كبيرة ومرتبي قليل؛ ومن ثم فإن من حقي أن أقبل( الرشوة)حتى أطعم أولادي وأعلمهم... كما أن في إمكان أي إنسان أن يقول: أنا كذبت لأنني إذا صدقت فسوف تنزل بي عقوبة ظالمة, لا أستحقها, ولهذا فإن الكذب بالنسبة إليّ مشروع, أو هو ارتكاب لأخف الضررين, وقد كان بعض السلف يقولون: إنا لنعجب لطالب علم لا يقوم الليل! وذلك لأن طالب العلم هو أعرف الناس بفضل هذه العبادة, لكن الواقع يدل على أن كثيرا من العامة الطاعنين في السن يحرصون على قيام الليل أكثر من كثير من طلاب العلم.
إن الظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها الناس تجعل وعيهم يتجه إلى البحث عن وسيلة للبقاء أحياء, ولتأمين الحد الأدنى من حاجاتهم الضرورية, وهذا يجعل قيمهم تتوارى, وتبتعد عن سطح الوعي؛ ومن ثم يكثر خروجهم عليها, وهكذا فقد ذكرت بعض الدراسات أن في إحدى العواصم الإسلامية ما يزيد على مئتي فتاة يكسبن رزقهن من وراء احتراف الرذيلة مع إيمانهن بحرمة الزنا ومع رفض المرأة بطبيعتها لمعاشرة الرجال على هذا النحو البهيمي, لكن الفقر الأسود يحمل الناس على ارتكاب المحظورات واستساغة ما لا يُستساغ!
هذا كله يعني شيئا واحدا وهو أن لا نفسر الواقع على أساس القيم المعلنة لدى الذين يعيشون فيه مع أننا نسلَّم بتأثير القيم – ولو على نحو جزئي- في سلوك الناس, لكن لا بد مع ذلك من قراءة الواقع على نحو مباشر.

2- التغير سمة كل واقع:
الناس لا يحبون التغيير لأنه موحش ومكلف, إنهم يريدون لكل شيء أن يظل على حاله, وحين يصل المرء إلى الثلاثين يبدأ في التحديق المرآة مراقبا صفاء بشرته وسواد شعره, يريد لكل شيء أن يظل في القمة, لكن هيهات فقد مضت سنة الله – تعالى- في العالمين أن ينتقلوا من حال إلى حال في مضمار الابتلاء الطويل, ومن هن فإن ما نتمناه ونظنه ثابتا تخترقه تحولات داخلية عميقة, لكنها بطيئة ومتدرجة, حين ننظر في المرآة قد لا نجد أي فرق بين ما تعكسه من ملامح وجوهنا اليوم وبين ما عكسته من خمسة أيام, لكن سنجد فرقا واضحا إذا كانت المدة الفاصلة عشر سنوات .
هكذا الواقع يتغير على نحو بطئ, وحين تود معرفة حجم التغيير الذي حدث فحاول مراقبة التغيرات عبر عشرين سنة: كيف كان حال التعليم في البلد- مثلا- قبل عشرين سنة, وكيف أصبح الآن؟ وستجد قطعا تغيرات بعضها جيد وإيجابي, وبعضها سلبي ومحزن... حين تغيب عن بلدك عشرين سنة, وترغب في العودة إليه فإنك تتخيل بشوق بالغ لحظة وقوع عينك على مواقع الصبا ومعاهد الطفولة, وتتخيل بشوق أشد لحظة عناقك مع أهلك وأقربائك وأصدقائك, لكن حين يتحقق الحلم وتجلس مع الناس يوما أو يومين تجد أن كل شيء قد تغير, وأن ما كان يجمعك بالأصدقاء من حميمية وقيم ومفاهيم مشتركة لم يبق على حاله؛ بل أتت عليه يد الزمان فغيّرت فيه ما شاء الله أن يتغير, وبعض الناس عادوا بل أتت عليه يد الزمان فغيّرت فيه ما شاء الله أن يتغير, وبعض الناس عادوا إلى أوطانهم بعد ثلاثين سنة من الغربة وندموا على العودة؛ لأنهم وجدوا واقعا اجتماعيا لا يسر فتمنوا أننهم لم يعودوا حتى يظلوا محتفظين بالذكريات الجميلة عن تلك الأوطان!

لننظر معا إلى العربية؛ فهذه اللغة العظيمة والجميلة مقعّدة على نحو دقيق على مستوى النحو والصرف, فنحن حين ننطق بجملة فصيحة نرفع وننصب ونجر... على النحو الذي فعله الأجداد قبل ألف وخمسمائة عام, لكن هل كثرة القواعد وشمولها استطاعت حماية العربية من التغير والتحول؟ تستطيع معرفة الجواب من خلال مقارنة الأسلوب الذي تلمسه وأنت تقرأ هذا الكتاب مع أسلوب كتاب( الرسالة) للشافعي, أو كتاب من كتب الجاحظ أو ابن رشيق .. كما تستطيع معرفة الجواب من خلال مقارنه أسلوب القصيدة لعمر أبي ريشة مع قصيدة لحسان بن ثابت أو الفرزدق .. لا شك أنك ستلحظ فروقاً كبيرة, وستجد صعوبة بالغة في فهم نثر السابقين وشعرهم حتى لو وضعت بين يديك معجماً كبيراً مثل( لسان العرب) لابن منظور. نعم الواقع يتغير لأن التقنية التي نستخدمها تتغير وتغيّرنا معها على مدار التاريخ كانت التقنية ذات اليد الطولى في تغيير الناس والواقع, رؤيتنا للأشياء تتغير وطموحاتنا, أيضاً تتغير, ومع تغير هذه وتلك يتغير العالم أيضاً .
ما الذي يعنيه هذا؟ إنه يعني:
1- كل واقع يتغير, لكن بوتيرة مختلفة بحسب العوامل المؤثرة فيه .
2- البحث عن أمور تظل ثابتة غير منطقي ولا واقعي .
3- إذا أردنا فهم اتجاهات تغير أي واقع, فلننظر إلى طبيعة القوى المحركة له .
4- تغير الواقع قد يكون نحو التحسن وقد يكون نحو التدهور .
5- حتى لو رأينا الشكل ثابتًا فإن مضمون يتعرض للتطور .

3- من ظروفهم تعرفونهم:
أنا لا أسلِّم بوجود الحتمية في القضايا الإنسانية والاجتماعية؛ فالخالق عز وجل فطر الإنسان على شعور بكرامته وعلى المقاومة للمكارة, كما أنه متّعه بنعمة الإرادة الحرة؛ لهذا فإنه يحاول دائمًا أن يعيش وفق اختياره وقناعته كما أن الوتيرة الروحية حين يرتفع لدى الإنسان, فإنه يجد نفسه قادرًا على التضحية بكل شيء- حتى حياته- من أجل هدف نبيل أو سلامة شخص عزيز- كما يفعل الشهيد- هذا كله صحيح وثابت وملموس, لكن علينا أن نقول أيضًا: إن الناس يخضعون في معظم الأحيان للظروف التي يعيشون فيها المعطيات التي تطرأ على حياتهم الشخصية, هذا ما أود توضيحه هنا, إن اهتمامنا بفهم الواقع هو في الأساس من أجل فهم واقع الناس حتى نتمكن من مساعدتهم والتعامل معهم وتوجيههم إلى ما في خيرهم وصلاحهم وهذه بعض المؤشرات في هذه القضية:

أ- للمكان الذي يسكن فيه الإنسان تأثير في نفسيته وأخلاقه وعلاقته ومدى تنظيمه لشؤونه, كما أنه يؤثر في طموحاته وتطلعاته.. في الأحياء الراقية من المدن الكبرى تلاحظ الآتي:
- يشعر الناس أكثر بالرفاهية
- طموحاتهم واسعة؛ لأن ما هم فيه من رخاء يُغريهم بطلب المزيد.
- يميلون إلى العزلة عن المحيط, وتمتد عزلتهم أحيانًا إلى التقصير في التواصل مع الأرحام وأداء الصلاة جماعة في المساجد .
- يتحدثون في الكماليات وفي الصفقات الكبيرة .
- لا يميلون إلى سماع أخبار الكوارث وحالات الفقر الشديد, وكل ما يعكر المزاج.
- لا يتدخلون كثيرًا في شؤون الآخرين .
- يحبون الدقة في المواعيد ويميلون إلى اللقاءات القصيرة .

أما في الأحياء الشعبية المزدحمة فيختلف الكثير مما ذكرنا ه, من ذلك :
- يعرف الناس الكثير عن بعضهم بعضًا, وتربط بين الكثير منهم قرابات وصلات نسب .
- كثيرًا ما يشتغل السكان هنا بالحديث عن أسعار المواد الاستهلاكية, وكثيرًا ما يتحدثون عن النقص في الخدمات الأساسية .
- يتدخل الناس في شؤون بعضهم كثيرًا, ويكثر بينهم التحاسد .
- ينفتح الناس على بعضهم في الأحياء الشعبية أكثر, كما أن تعاونهم وتلاحمهم في السراء الضراء أشد .
- يكون للعرف قوة ضاغطة وموجهة للسلوك, ويخشى الناس كثيرًا على سمعتهم من أن تلحقها أي شائبة .
- المستوى المعرفي والثقافي يكون في العادة أقل, ونسبة البطالة تكون أعلى .
- المشاعر الدينية أقوى ولا سيما تلك المتعلقة بأحوال المسلمين وقضاياهم الكبرى.
- كثيرًا ما تكون في الطموحات محدودة بسب صعوبة الظروف المعيشية وبسب قلة النماذج الناجحة .
- يستمدون كثيرًا من سعادتهم من بساطة عيشهم وانفتاحهم على بعضهم, ويميلون إلى أن تكون أفراحهم جماعية, ويبحثون عن أسباب للاجتماع المتكرر والمتواصل .
ب- للغنى والفقر تأثير كبير في حياة الناس, ومع أن الله- سبحانه- ابتلانا بالرخاء والشدة والعطاء والمنع, إلا أن كل واحد منهما يترك تأثيرًا مختلفًا عن تأثير الآخر في حياة البشر.
وهذه بعض الإشارات السريعة في هذا :
- من المهم أن نفرِّق في نظرتنا للفقر والغنى بين الثراء الفاحش والغنى المعتدل, كما أن علينا نفرِّق بين الفقر المدقع وبين الفقر الخفيف الذي يكون الفقير معه قادرًا على اقتناء بعض الكماليات وعاجزًا عن اقتناء بعضها الآخر, وفي هذا الإطار يمكن أن نقول: إن المجتمع حين يشتمل على كتلة صغيرة من الأثرياء الكبار وكتلة كبيرة من الفقراء المدقعين يكون مجتمعًا مريضًا, والمجتمع الجيد هو الذي تشكل الكتلة الكبرى في الفئة التي تجد كل حاجاتها الضرورية من المطعم وملبس والمسكن وتعليم وعلاج؛ بالإضافة إلى شعورها بالقدرة على الحصول على بعض الكماليات والمرفهات, وهذه الكتلة هي الطبقة الوسطى, وتُذكر( اليابان) بوصفها نموذجًا للدولة التي تقال فيها الفروق في الدخل بين كبار الموظفين وصغارهم, وهذا ما على مجتمعنا السعي إلية. إذن نحن سنتحدث هنا عن تأثير الثراء الفاحش والفقر المدقع بوصفها مصدرًا لتشكيل بيئة متكاملة للأثرياء والفقراء, وهذه مقاربة سريعة في هذا الشأن:
- لا بد أن نفرِّق بين الآباء الذين صنعوا الثروة وبين الأبناء والأحفاد الذين يستمتعون بها, الذين صنعوا الثروة يتمتعون بروح عصامية, ويكونون أكثر توازناً في الإنفاق, وقد يميلون إلى الإمساك, أما الذي يستمتعون بالثروة فلهم شأن آخر؛ حيث أن الثروة تصبح مصدر إفساد لكثير منهم, ولهم في بعض الأحيان أخلاق المتواكلين عديمي الأهداف .

- إذا نظرنا في تفاصيل الحياة الأسرية للأثرياء جدًا, فإننا نجد أنهم لا يعرفون الكثير عن أطفالهم؛ حيث أن الكبار مشغولون في تثمير الأموال تارة والاستمتاع بها تارة أخرى, وكثير من شؤون الصغار موكول للخدم والسائقين والمساعدين والمساعدات... ولهذا فإن الترابط الأسرية بينهم أقل, وإن كانت هناك درجة عالية من احترام الصغار للكبار, ودرجة عالية من تدليل الكبار للصغار, وحين تحدث مشكلة كبرى لأحد الأبناء يدركون أنهم قد فرَّطوا وغفلوا عن أسرهم أكثر مما هو مألوف.

أما في الأسرة الفقيرة جدًا, فإن الترابط الداخلي يكون على أشده, وبسبب الحيرة في تدبير الشأن اليومي وبسب البطالة الجزئية أو الكلية الضاربة أطنابها لدى الأسرة, فإن الكبار يعرفون كل شيء عن الصغار, ويتدخلون في كل تفاصيل حياتهم, كما أن رقابتهم عليهم تكون صارمة, مما يجعل الفرصة أمام نمو الوازع الداخلي لدى الأطفال ضعيفة.

- الحساسية نحو الإهانة واستخفاف الآخرين لدى الأثرياء تكون أعظم, وهذا الشيء طبيعي؛ لأن الثروة تصونها عن الحاجة إلى الناس, وتدفع الآخرين إلى أن يكونوا في خدمتهم, كما أن طبيعة الأعمال التي يمارسونها تمنحوهم التميز في المجتمع وكثير من النفوذ, أما الفقير فقرًا مدقعًا فإنه يشعر بأنه في أمسّ الحاجة إلى مساعدة الآخرين وإحسانهم, كما أنه قد يجد نفسه وقد افترش الطريق, أو السكن في خيمة أحد مخيمات اللاجئين, كما أنه كثيرًا ما يجد نفسه في عمل طفيلي أو عمل بسيط يخدم من خلاله الموظفين وغيرهم على نحو المباشر, وهذه الأوضاع كلها تجعله في وضع مهين, وتجعل إحساسه بالكرامة التي يشعر بها الأثرياء أقل, ولك حتى تعرف الصواب ما أقول أن تتأمل في التاريخ والواقع؛ إذا أن الإنسان لا يشعر بالكرامة ولا يصون نفسه من إهانة الآخرين له بمجرد تقدير لذلك أو بمجرد حثنا له على أن يكون كذلك؛ فالروح مهم كانت عظيمة ومتوثبة تظل محدودة بحدود الجسد والمشاعر لا تعيش في فراغ؛ بل لابد لها من معطيات تُغذيها, وتمدها بأسباب البقاء, ومن هنا نجد أنه-علية الصلاة والسلام- سأل الله- تعالى- التقى والغنى, واستعاذ به من الكفر والفقر وعذاب القبر, أن الفقر ظل ينهش في كرامة الكثير من المسلمين في كثير من بقاع الأرض قرونًا متطاولة, مما رسًّخ لديهم فكرة الاستسلام للظروف الصعبة والرضوخ للظالمين من كل الأشكال والألوان!

- لدى الأثرياء وعي صحي أفضل, وهم يجدون العلاج الممتاز, كما أن هناك مؤشرات تدل على أن اهتمامهم بطعام الصحي أكبر, وأحيانًا يأكلون أقل, ومن هنا نجد أن الناس في البلدان الغنية والمتقدمة يعيشون أكثر, وهذا من الأخذ بأسباب الصحة, أما الفقراء فوعيهم الصحي أقل, وكثير منهم يدخنون بشراهة, كما أنهم في





















أحيان كثيرة لا يجدون ثمن الدواء، كما لا يجدون الطبيب الجيد ، ولهذا تفشو فيهم الأمراض ، ويعيشون أقل (1) .
ــ الثراء يعطي الشعور بالقوة والنفوذ ، وهذا هو الذي يجعل كثيرًا من الناس على ما يبدو – يسعون من غير ملل ولا كلل إلى تكديس أموال لا يعرفون كيف ينفقونها ، ويوقنون أنهم لا يحتاجون إلى كثير منها ، والغريب الهجيب أنه من أجل هذا الشعور يُبدي عدد كبير من أثرياء المسلمين الاستعداد للخروج عن الطرق المشروعة في جمع الثروة ، ويدخلون في منطقة المحظور غير آبهين بالعواقب الوخيمة لذلك !
الثروة توسِّع الخيارات أمام أصحابها في كل مجالات الحياة ، وامتلاك الخيارات الكثيرة يجعل الإنسان يشعر بأنه حر ، لأن الحرية في جوهرها ليست شيئًا غير القدرة على الاختيار ، ولهذا فإن الثري يستطيع أن يبدع ويستثمر ، وينتقل من مشروع إلى مشروع ، كما أن كثرة الخيارات هي اختبار جدِّي للواحد منا ، حيث يكون عليه الابتعاد عن الخيارات السيئة والمنحرفة ، كما يكون عليه محاولة اختيار أفضل الخيارات ، وقد رسي كثير من الناس في اختبار السراء وفتنة الرخاء . أما الفقير فإنه يجد نفسه دائما في علم الضروة ، فقلة المال في عصر يُعدّ المال محوره الأساسي ، جعلت الفقراء يشعرون بالعجز عن تأمين حاجاتهم الضرورية ، وإن من المحون أن نقول : إن لدينا مئات الملايين من المسلمين الذين يكافحون من أجل الحصول على دولار واحد في اليوم ! العجز عن تأمين الأساسيات جعل معظم الفقراء يشعرون بالحرمان والدونية وهيأهم لاستغلال الأثرياء والأقوياء أسوأ استغلال ، والعاقبة الأشد ضراوة للفقر الشديد تكمن في شعور الفقير بأنه محاصر ، وأنه لا يجد الفرصة للقيام بأي عمل عظيم ، ولهذا فأنك حين تحدث أحدهم عن النجاح الباهر والتفوق العظيم والسعي لنيل أعلى الشهادات ... فإنه يضحك في سره مما تقول ، ويتهمك بجهل الوضعية المأساوية التي يعيش فيها !
إذا كانت الثروة الطائلة تملّك صاحبها أسباب القوة والمكنة ، وتمنحه الشعور بالتفوق والنفوذ ، فإنها في الوقت نفسه تهدده بالبغي والطغيان والعدوان ، وهذا واضح
(1) هذا الكلام لا يتعلق بالأفراد وإنما بالشعوب والبلدان ، فقد يكتب الله – تعالى – طول العمر لفقير مدفع ، فيعيش مئة سنة ، وقد يموت أثرى الأثرياء في الخمسين من عمره .






جدًا في قول الله تعالى : [ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى? * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى? ] (العلق : 6 ،7) ، وقوله : [ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَ?كِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ? إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ] ( الشورى : 27) ، والحقيقة أنه بمجرد أن تخف الرقابة على طرق جمع الثروة ،وبمجرد أن يضعف الفضاء في تأين حقوق الناس والدفاع عن المظلومين تتعاظم الثروات غير المشروعة ، وتزيد سطوة البغي والعدوان على الضعفاء والمساكين ، وليس لهذه القاعدة أي ظاهرة استثنائية . أما الفقير ، فإن الفقر المدفع الذي يعاني منه يهدده بشيئين خطيرين : العيش هامش الحياة من غير تأثير يُذكر في مساراتها ، وأنى له أن يؤثر في غيره وهو يبحث ما يسد رمقه !! . الثاني : قبول المهانة والذبة ، لأن الحاجات الأساسية تلح عليه بأن يقبل بأي شيء في سبيل تلبيتها ، إذ إن بقاء المرء منوط بذلك ، والواقع في كل مكان من العالم يشهد بهذا وذاك .
ــ الثراء الريض كثيرًا ما يسبّب لأصحابه نوعًا من الشعور بالسأم والملل ما لم يكن الإيمان قد ملأ العقول والقلوب ، كما أن الثريّ يشعر بنوع من الهشاشة والضعف في مواجهة الشدائد والمحن . الشعور بالسأم والملل سببه أن المال بمفرده لا يستطيع تلبية الأشواق الروحية للإنسان ، فيمضي للتعويض عن ذلك خلف المزيد من متع الجسد ، والتي من طبيعتها التكرار والتشابه . أما الهشاشة في وجه المحن ، فسببها أن المترف يتذوق طعم الرفاهية والدعة ونعومة الحياة ، كما أنه يعدّ كل ما يحصل عليه من أنواع المتع حقًا مكتسبًا ، ومع الأيام يتحول إلى ما يشبه الضرورة ، ثم إن الثراء الكبير يوسّع طموحات الموء ، ويجعله يطلب المزيد من كل شيء ، وكل حسارة تثير الأسى ، ومن هنا فإن في الدول الثرية والمتقدمة أكبر نسبة من المنتحرين ، على حين أن نسبة الانتحار في الدول المختلفة ، حتى لو كانت غير إسلامية تُعد متدنية .
أما الفقير فإنه أصلب عودًا في مواجهة الأزمات الشدائد ، وذلك لأنه برضى بالقليل في الأحوال العادية ، وعند حصول مشكلات كبرى بجد أنه لييس لديه الكثير مما يمكن أ نيخسره ، كما أن الفقير فد تعوّد الشدائد ، ولهذا فإنه لا يرى فيها شيئًا جديدًا .
الشيء الذي سأعيد التأكيد عليه هو أننا نتحدث هنا عن ظواهر عامة ، لها استثناءات كثيرة ، لكن مع كثرة الاستثناءات ، فإن من المهم أن نعي ما يُحدثه المال والحرمان منه في حياة معظم الناس .






4 – الامتثال للنظم والقوانين :
أرسل الله – تعالى – الرسل ، وأنزل الكتب ليوضَح للناس المنهج الذي ينبغي أن يسيروا عليه ، والقواعد التي يجب أن يلتزموا بها في تعاملهم مع خالقهم وفيما بينهم ، وجعل العدل وصون الدماء والأموال والأعراض وتكافؤ الفرص من الأمور الجوهرية التي لا يصح المساس بها ، ولو نظرنا في ساتير الدول والنظم المدونة لديها ، فسنجد أنها في الجملة منطقية ومعقولة ، ويمكن شرحها والدفاع عنها من وجهة نظر كثير من الناس ، إذن لماذا نشاهد شعوبًا تغلب على حياتها ومعاملاتها الاستقامة والنزاهة ، وشعوبًا ينهش الفساد في كل جوانب حياتها ؟ المشكلة لا تكمن في عدم صلاحية القوانين ، ولكن في عدم تطبيقها والتحايل عليها أو تطبيقها على أناس دون أناس بشكل انتقائي . النبي صلّ الله عليه وسلم شدَّد لى مسألة شمولية التطبيق للأحكام والعقوبات في كثير من المواقف ، ومن أوضحها ما روي في الصحيح من أن قريشًا أهمَّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت ، فكلموا أسامة بن زيد رضي الله عنه ليشفع عند رسول الله صلّ الله عليه وسلم فكلَّمه أسامة ، فقال رسول الله صلّ الله عليه وسلم : (( أتشفع في حدّ من حدود الله ؟ )) ثم قام فخطب ، فقال : (( إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعبف أقاموا علي الحد ، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )) (1) .
الآن كيف يمكن أن يؤثر تطبيق النظم والقوانين ، وكيف يمكن أن توثر عدالة القضاء في أخلاق الناس وأوضاعهم وعلاقاتهم .. ؟ وكيف يمكن أن يؤثر الفساد الإداري والمالي والظلم والجور في كل ذلك .. ؟
أ – حين تُطبق النظم والقوانين بعدل وشمولية وأمانة / فإن الناس يمتلكون جرأة عالية في قول الحق ، إنهم يعرفون أنهم لن يؤذّوا بسبب نصحهم لهذا أو ذاك من العباد ، كما يرفون أنهم لن يُهمَّشوا ، ولن تضيع مصالحهم إذا نقدوا الوضاع السيئة ، ولهذا فإنهم يعلنون آرائهم دون خوف أو ول ، وهذه سنة مطردة ، حيث إن من الواضح أن الخوف من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو ناتج من نواتج الظلم والفساد ، وذلك لأن الفاسدين يمتلكون النفوذ والقدرة على إسكات خصومهم من

(1) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.






الأشراف وأهل الاستقامة . الناس في حالة الخوف لا يسكنون ، لكنهم يتحدثون بكل شيء في السر وفي المجالس الخاصة والمحدودة ، أما في العلن فيكون نقدهم غامضًا وملفوفًا ، ومشوبًا بكثير من الاعتذار ومسبوقًا بكثير من المقبّلات والمسوغات ، وإذا أردت أن تعرف ظروف الناس في بلد في الشأن الذي نشير إليه ، فيكفي أن تطالع صفحة واحدة في جريدة لتفهم كل شيء.
ب – في حالات الاستقامة الإدارية يتحسن وضع الاقتصاد ، وتنشط حركة الاستثمار ، وذلك لأن طبع الناس أنهم لا يُدخلون ما لديهم من مال في الدورة الاقتصادية إلا إذا كانوا مطمئنين على سلامته من النهب والاستيلاء من قبل الآخرين ، وهذا واضح في كل الدول التي نجحت في النهوض باقتصادها على نحو قوي ، كما أنه واضح في كل الدول التي نجحت في استدراج استثمارات أجنبية ضخمة ، كما هو الشأن في ماليزيا والصين وتايلند وسنغافورة وغيرها .. أما حين ينتشر الفساد المالي والإداري ، وتصبح القوانين والنظم عبارة عن هياكل مجوَّفة ، فإن الناسيعزفون عن الاستثمار في المشروعات الضخمة ، وأحيانا يهاجر رأس المال الوطني ، ليعمل في دول أخرى .
ج – حين يشعر الناس بأن حقوقهم مصونة، وأن قضاءهم عادل ونزيه ، ويشعرونأن الفرص أمامهم متكافئة ... تترعرع فيهم مشاعر الوطنية والانتماء للبلد ، وليست الوطنية في الحقيقة سوى الشعور بشرف الانتماء للوطن والمكان . أما حين ينتشر الفساد .. فإن الأوطان تفقد قدرتها على جذب مشاعر المواطنين إليها ، أي إن الشعب يفقد آنذاك الناظم الشعوري الموحَد ، وتلاحظ حينئد بروز الطائفية والقبلية والعائلية بوصفها محاور صغير تستقطبكل أولئك الذين فقدوا القواسم العظمى التي تشكل الأرضية العامة لمشاعرهم ومصالحهم .
د – يشعر الناس في حال سيادة القانون بشعورين عظيمين ومهمين ، هما : الشعور بالتفاؤل ، والشعور بالكرامة .
الشعور بالتفاؤل ، مصدره إحساس الناس بأن بلدهم تسير في الطريق الصحيح وشعورهم بوجود فرص للعمل وآفاق للنمو والازدهار ، وذلك بسبب قوة النشاط الاستثماري ، أما الشعور بالكرامة فهو الشعور بالذي يبحث عنه الناس فطريًا ودون الحاجة إلى تحريض من أحد ، ومن أعظم الدلالات عليه ندرة المديح الكاذب























واضمحلال الثناء بلا رقيب ولا حسيب . أما في حالات الفساد فإن اختلاق الفائل والحديث عن الإنجازات الوهمية يصبح بابًا من أبواب الارتزاق لكثير من الناس .
أؤكد مرة أخرى أن كل ما ذكرناه على مستوى تأثير الظروف في الناس لا يشمل كل الناس ، حيث إن هناك دائمًا من يملك إرادة المقاومة لكل الرذائل الاجتماعية ، ولكن من يقوم بذلك لا يمتثلون في العادة سوى شريحة صغيرة قد لا تتجاوز في أحسن الأحوال نسبة ال (20%) .
وإذا أردنا أن نعرف واقع العالم الإسلامي بالنسبة إلى الاستقامة الإدارية والمالية لدى موظفي الدول ، فإن في إمكاننا العودة إلى تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام (2008م) ، حيث إننا نجد أن التقرير تحدث عن الأوضاع في ( 180 ) دولة ، ونجد أنه ليس بين الدول العشر الأولى الأكثر نزاهة أي دولة عربية ، أو إسلامية ، ونجد أن أفضل دولة عربية في الشفافية تحتل الموتبة الثامنة والعشرين عالميًّا على حين أننا نجد أن أربعًا من الدول العربية والإسلامية موجودة في القائمة التي تضم ثماني دول ، هي الأكثر فسادًا في العالم !!. ومهما قلنا في نزاهة تلم المنظمة ودقة عملها ، فإنها تظل منظمة غير حكومية ، ويكفي أن ننظر إلى ما تنشره على أنه مؤشرات ، وليس محددات ، وليس لدينا دراسات أو مؤشرات مناقضة لها.
5 – العيش على هامش الحياة مصدر لتحلل الذاتي :
أوجدنا الخالق عز وجل على هذه الأرض ، لنعمل ونأخذ ونعطي ، ونؤثر ونتأثر ... وجعل استقامة معاشنا وحياتنا كلها رهنًا بذلك ، ومن ثم فإن تعطيل هذه الفعاليات يُخل بتوازننا العام ، ويؤثر سلبيًا في كل شيء لدينا. أود أن أشرح هنا ما أقصده من العيش على هامش الحياة وعلى مستوى الأفراد وعلى مستوى الشعوب عبر النقاط الآتية :
أ – لا أعتقد أننا نختلف في أن الدول الصناعية الكبرى هي التي تشكل اليوم روح العصر وعقله ، وهي التي تضع شروط الحياة العصرية ، وسواء أكان ذلك صحيحًا أو غير صحيح ، سواء أكان يعجبنا ، أو لا يعجبنا ، فإن هذه هي الحقيقة الساطعة ، وقد كنا أيام ازدهار الحضارة الإسلامية نشكل روح العصر لمن حولنا ، وكنا نضع لهم مواصفات التقدم وشروطه.





ب – في عصرنا محاور بارزة تشكل مصدرًا عظيمًا لكثير من المعايير والأنشطة والمعطيات الفرعية ، وهذه المحاور هي : المؤسسات التعليمية الجيدة ، الجودة العالية في المنتجات ، الاستقرار والأمن ، الاقتصاد القوي ، النزاهة والشفافية في الحكم ، الانفتاح على ما لدى الآخرين ، التواصل العالمي ، الإبداع التقني ، أكبر قدر ممكن من الرعاية لحقوق الإنسان ، أعلى درجة ممكنة من الوعي بمتطلبات العيش الكريم والتفوق في الأعمال ، أداء الأعمال بجدية ومثابرة .
ج – العيش على هامش العصر يعني في إطار ما أشرت إليه في الفقرة السابقة أمورًا عديدة محددة من أهمها :
انحراف خلقي وسلوكي يجعل المرء صغيرًا في عين نفسه ، وفي عين الجهات التي يمكن أن يعمل لديها .
التشبع بمفاهيم متخلفة تحجب عقله عن رؤية الواقع ، وينتج عنها بالتالي التخبط في التعامل معه .
جهل مطبق أو درجة متدنية من التعلم .
الانشغال بالماضي ، وعدم النظر إلى المستقبل باهتمام .
عدم التمكن من تحقيق إنجازات محسوسة يشعر بها المرء ، ويمكن أن يتحدث عنها بوضوح . الخضوع للظروف الصعبة واليأس من التقدم ، وجلد الذات , هذه الأمور وأخرى قريبة منها تؤدي إلى عزلة الإنسان عن التواصل مع عناصر القوة في هذا الزمان ، وتحرمه بالتالي من أن يحتل موقعًا مؤثرًا في قطاع الإنتاج والأعمال .
السؤال: كيف يؤدي عيش الإنسان على هامش العصر إلى التحلل الذاتي ؟ في مقاربة أولية أقول :
إن العيش على هامش العصر بالمعنى الذي أشرت إليه يحرم الإنسان من التعرف على طاقاته وإمكاناته الكامنة ، وذلك لأن الإمكانات لا تظهر إلا من خلال ممارسة الأعمال الراقية والمعقدة ، وهذا يجعل المرء يشعر بالدونية والضعف ، كما أن ضعف التأهيل الشخصي يعرّض الإنسان لأن يجد نفسه عاطلًا عن العمل في أحيان كثيرة ،
























وقدثبت أن البطالة تغيُر في نظرة الانسان لنفسه ,وفي نظرة أسرته له,وكم من شخص خيم عليه اليأس , ووجد نفسه غير جدير بسلوك طريق المعالي بسبب عجزه عن كسب رزقه؟وكم من أسرة تفككت , وانفرط عقدها بسبب عدم قدرة الزوج على الإنفاق؟!ولعل أسوأ مافي العيش على هامش العصر, فقدُ الشعور بالمسؤولية نتيجة عدم القيام بأعمال كبيرة ولا ننسى الفراغ المدمر الذي يجتاح كثيرا من الناس بسبب عدم امتلاكهم أهدافا جيده وواضحة وبسبب عدم وجود مايكفي من المهمات لاستثمار طاقاتهم على وجه جيد...إن عدم التمكن من استنفار الذات للقيام بالأعمال الجليلة يعرِضها لمخاطر الانحدار نحو المعاني البهيمية الكامنة في النفوس كما يعرضها لفقد اللياقة واللباقة الاجتماعية واذا نظرت الى (المشردين) في الدول المتقدمه فسوف تحصل على نموذج واضح جدا للإنسان الذي خسر نفسه وخسرته بلاده وأمته.
د- بالنسبة إلى الشعوب والدول فإن العيش على هامش العصر يكون بضعف الخطط التنموية وعدم ملائمتها للزيادة السكانية كما يكون بتخلف الاعمال والمهن التي يعمل فيها معظم السكان , ولا ننسى إلى جانب هذا انتشار الفساد والرشوة والاستبداد والظلم وعدم نزاهة القضاء واختلال الحياة الحزبية , فإن هذه العلل تجعل الشعب وجماهيره العريضة يعيشون في زمان غير زماننا وإذا نظرت إلى بعض الدول الأفريقية المتخلفة جداً فإنك سترى إلى جانب كل ماذكرناه تخلف النظم وأدوات الاتصال والمؤسسات التعليمية والوعي الصحي بالإضافة إلى الفقر المدقع طبعاً ومع هذه المشكلات الاجتماعية سترى التحلل الذاتي في أوضح صورة حيث انتشار الرذيلة على أوسع نطاق وانتشار الإدمان والأامراض الجنسية الفتاكة إلى جانب الحروب الهلية المهلكة ويتوج ذلك كله تكبل الوعي بأفكار ومفاهيم بالية وقاتلةوالنتيجة لكل ذلك هي أن يصبح البلد المتخلف مجالا رحبا لممارسة النفوذ من قبل الدول التي تقود الحضارة وتضع شروط المعاصرة والتقدم .
إن المؤشرات التي ذكرناها تملي علينا أن نمتلك درجة عالية من اليقظة لمقاومة التهميش والعيش على حافة التيار الحضاري العام وإن من سوء الفهم الظن بأن العزلة التامة عن العالم ممكنة أو نافعة كما أن من سوء الفهم الظن بأن الخمول والكسل والعطالة والبطالة يمكن أن تساعد أي أحد على النجاة من التأثيرات الضارة للحضارة الحديثة .

6- طابع الحياة الحضارية أنثوي :
لاشك في أن فهم مايحدثه التقدم الثقافي والعملراني من آثار الحياة الاجتماعية من الأمور التي تساعد على فهم الواقع وقراءة اتجاهاته والحقيقة التي نود أن نجعل منها مدخلا لمزيد من الوعي بالأوضاع الجديده هي أن الناس كلما درجوا في سُلم الحضارة علت الحياة العامة مسحة أنثوية وهذا يعني بالطبع أن الطابع العام للحياة البدوية ومايقترب منها من الحياة الريفية هو طابع ذكوري يميل إلى الخشونة والصلابة وشيء من الجفاء .السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا يحدث هذا ؟!
يبدو لي أن الجواب يتلخص في أمرين :
الأول :هوأن الانسان المتحضر يكون أفضل وعيا بمصالحه ومايجلب له السعادة والاستقرار ولاأحد يشك في أن الوئام بين الزوجين وفهم أحدهما للاخر على نحو جيد يصب في مصلحة كل منهما وكما نعرف فإن الانسجام هو أحد نواتج التكيف , والذي يعني دائما الضغط على النفس والمراعاة وملاحظة مرغوبات ومتطلبات الطرف الاخر وهذا يرفع من قيمة المرأه ويتيح لها فرصة أفضل لإثبات وجودها والتاثير في محيطها .
الثاني:هو أن الناس حين يسكنون المدن ويسخدمون الأدوات الحديثة يشعرون بالإستقرار ويتذوقون طعم الرفاهية , ويتحول مع الأيام العديد من المرفهات إلى أشياء ضرورية أو شبه ضرورية وإن المرأة في نظر الرجل من الأمور التي يترفه بها - والرجل طبعا مصدر رفاهية للمرأه-
وقد مضت سنة الله في أن الرجال لايستطيعون الترفه بالنساء إلا اذا رفهوهن , وإن جزءا من ترفيههن يكمن في الإصغاء إليهن واجابة طلباتهن وماوفقة الكثير من أهوائهن .. وهذا كله يتيح للمرأه درجة من النفوذ لاتظفر بها المراه في البادية وفي البيئات الشديدة التخلف.
(مظاهر الطابع الأنثوي):
لاشك في أن مكونات المسحة الأنثوية مشتقة من طبيعة المرأة وذوقه ومشاعرها وتفضيلاتها ومصالحها وحاجاتها ...
ولعل من مظاهرها الآتي :
1- مع المزيد من التحضر يتوقع الناس من بعضهم لطفا ورقة أكبر ي التعامل إنهم يصبحون حساسين أكثر للجفاء والغلظه وعدم الاهتمام وهذا يشتمل على العديد من الأمور , منها مخاطبتهم بلطف وتقدير مشاعرهم وعدم مفاجأتهم بأمور يكرهونها , كما أنهم يميلون للنقد الغير مباشر والى التلميح عوضا عن التصريح وهذا كله متصل بالطبيعة الأنثوية والأسلوب الأنثوي في التعامل والمخاطبة .
2- المرأة بطبيعتها ميالة الى الاستهلاك فما تنفقه النساء على الملابس وأدوات الزينة والحلي والاستعداد للحفلات والمناسبات يساوي خمسة أو عشرة أو عشرين ضعف مما ينفقة الرجال على هذه الأمور والحقيقة أن الميل للاستهلاك لدى المرأه مربط بشيء اخر هو (الشكلية)فالنساء هن منبع الألوان وهن معلمات الاهتمام بالكمال الشكلي ف يكل شيء ونحن نلاحظ اليوم أن الميل إلى الاستهلاك وان مراعاة الاشكال والشكليات والاهتمام بالزخرفة صار من سمات المجتمعات الحديثة وأنا هنا لاأود أن أمتدح الأمور كما لا أريد ذمها لأن هذه المسائل تشتمل على تفاصيل كثيرة ودقيقة ولايصح اطلاق الأحكام فيها جزافا.
3- إن من نتائج النفوذ المتزايد للمرأة وكا مايتصل بها مانشاهده وما سنشهده من ابراز لمعاني المساواة بين النساء والرجال ولعل قول الله تعالى : ( وَلَهُنَّ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالمَعرُوفِ ) البقرة:228 وقوله صل الله علية وسلم "النساء شقائق الرجال" (1) - من النصوص التي يستشهد بها اليوم على نحوٍ لم يسبق له مثيل عبر التاريخ الاسلامي .
4- موضوع قوامة الرجل على المرأه ومسألة قيادته للاسرة ومدى مايتمتع به من صلاحيات في كل ذلك من الأمور التي سيتم بحثها بتوسع وسيكون الميل فيها إلى ترجيح الأقوال التي تخفف من سلطة الرجال على النساء إلى أدنى حد ؛ بل إن من لايعرفون اصول الشريعة ووجه الاستدلال بالنصوص سوف يرفضون المبدأ (مبدأ القوامة) جملة وتفصيلا وكل هذا من آثار التقدم الحضاري وطباعة الأنثوي. .

5

?- في ظل التقدم الحضاري والعمراني تقوم دعوات كثيرة إلى تقليل اعتماد المرأه على الرجل ،وإلى توسيع دائرة استقلالها وذلك من خلال نيلها أكبرحظ من العلم والمعرفة ومن خلال التأهل لشغل الوظائف المختلفه ،وقد لقيت هذه الدعوه استجابة واسعه وترتب على ذلك ارتفاع مستوى الشروط التي تشترطها الفتيات من خلال تقدم الخُطّاب لهن ، وكثر الرفض وترتب عليه ارتفاع العنوسه.
?- اللغة اليوميه واسلوب الخطاب المتبادل بين الناس صار اليوم يميل إلى اللطف والرقه والجمال أكثر من أي وقت مضى وصارت كلمات مثل (رائع ، جميل ، مذهل ، ناعم ، بهيج ...) تستخدم بكثرة لافته كما أن الكلمات التي فيها (تاء التأنيث) صارت أيضا واسعة الانتشار ، ولك أن تراقب استخدام كلمات مثل (معرفة ومعلومه) في مقابل ماكان شائعاً (العلم والعلوم والمعارف)وهناك أمور أخرى من هذا القبيل .. في بلدان غير اسلاميه وفي بعض البلدان بلغ تأنيث الحياة طوراً خطيراً ، أفضى ببعض الشباب إلى تقليد النساء في كل شيء مما ينذر بتحلل أخلاقي واسع المدى !
?- تعايش النظم المتباينة:
ان كل حضارة من الحضارات تتكون من المجموعات من النظم والأنساق الثقافية المختلفه ، وقد اعتدنا إصدار الأحكام الإجمالية فنقول : هذه دولة متقدمه وهذه دولة مختلفة ، ممايعطي انطباعا بأن كل ما في هذه الدولة متقدم ، وكل مالدى هذه الدولة متخلف ، وإذا ألقينا نظرة على التاريخ وأخرى على الواقع وجدنا شيئا لافتا هو أن الأمم وهي في قمة ازدهارها تشهد نوعا من التعايش بين نظم متقدمه وجيده وبين نظم متخلفه ورديئه ، وهذا مع أن النظم الاجتماعيه والثقافية والسياسية والاقتصاديه والتربوية ...تتبادل فيما بينها على نحو من التأثر والتأثير ، لكن يبدو أن كلا منها في النهاية قادر على الاحتفاظ بالكثير من مقوماته ، وهذا الفهم يدفعنا إلى التفتيش في الواقع لنرى مافيه من جوانب مشرقة ، فنزكيها ومافيها من جوانب باهته ومتخلفه ، فنعمل على اصلاحها وهذه بعض الأمثلة الشارحه لها :
أ – المجتمع مكون من أفراد ، وكما أن الحضارات والمجتمعات قادرة على الاشتمال على نظم متخلفه ومتقدمه في آن واحد ، فإن الأشخاص قادرون على مثل ذلك ، حيث إن هناك أعداد كبيره من المسلمين –وغيرهم- يؤدون الشعائر بتمامها لكنهم يقعون في الكبائر مثل أكل الربا وشرب الخمر والزنا وأكل حقوق الناس ....، ولاأريد أن أتحدث عن فلسفتهم الداخلية ، في هذا الشأن لكن أريد أن أقول : إنهم يستطيعون في الغالب ايجاد درجه من المصالحه مع أنفسهم ، ودرجة في اقناع الذات في جمعه للمتناقضات .. والمشكل أن كثير من الناس لايعرفون هذا المعنى فيقرضون مبالغ كبيره لشخص رأوه يصلي ظنّا منهم أن كل من يصلي يكون صادقاً وأمينا والمطلوب هو الحذر والانتباه .
ب- كانت العلوم وفنون الصناعة لدى المسلمين مزدهرة جدا في القرن الرابع الهجري لكن الوضع السياسي كان يسير في اتجاه التدهور وربما كان يعود إلى أن دور الدولة في النهوض العمراني والعلمي لم يكن جوهريا وشاملا كما هو الشأن اليوم ، كما أن التأثير اليوم الذي تتبادله المنظومات المختله داخل الحضاره الواحده ليش فورياً ، فهناك دائما فترة سماحات قد تطول ، وقد تقصر ، وهذا يعود إلى أن المنظومه التعليمية –مثلا- تملك مقوماتها الذاتيه ، وتملك ماتدافع به عن نفسها في وجه الانحطاط الذي قد يحدث في منظومة أخرى لكن على المدى البعيد قد يؤدي الانهيار في المنظومه السياسيه أوالأخلاقية أو الاقتصاديه إلى تراجع برمتها . وهذا ماحدث بالنسبة لدينا فعلا ؛ حيث إن تفكك الدولة العباسية وتحولها إلى دويلات غير منسجمه ، بل متحاربة هو السبب الأظهر للنفق المظلم الذي دخلت فيه الحضارة الإسلاميه فيما بعد.
جـ - إن الولايات المتحده الأمريكية قد خسرت كثيرا من ملامح صورتها البراقه بوصفها دولة عظمى ، وهي بتورطها في (أفغانستان والعراق) صارت في موقف حرج للغاية إلى درجه أنها تستنجد ببعض من تصنفهم بأنهم أشرار من أجل مساعدتها على الخروج من المستنقعات التي صنعتها بنفسها لنفسها ، لكن مع هذا أنا أشعر أن الثقافه والأدبيات الأمريكية – والغربية عامة- تكسب كل يوم أرضا جديدا بفضل عمليات العولمة التي تجتاح العالم من أدناه إلى أقصاه ، وهكذا نجد أمريكا القوة والبطش تخسر،لكن أسلوب الحياة الأمريكية ينتشر ويذيع في أماكن كثيرة من العالم.
د- في الغرب نشاهد تفككا اجتماعيا واسع النطاق ، وقد صار الاطفال الذين يعيشون في منزل ليس فيه إلا الأب أو الأم يشكلون نسبة عالية جدا من مجموع أطفالهم ،كما أن الصلات بين الأقرباء والأرحام تمضي أيضا في طريق التدهور لكن مع هذا نجد أن القوم هناك يجمعون أموالا ضخمه للعمل الخيري ، ويكفي القول : أن أمريكا تجمع سنوياً مايزيد على مئتي مليار دولار لإنفاقها في وجوه الاحسان ، كما أن عدد المتطوعين هناك تشكل (???‏)من السكان ، وهذا شيء كبير بكل المقاييس وهو يدل على الاحساس بالاخرين والتعاطف معهم ، مع أن من المظنون أن تفكك الأسر ناتج –جزئياً-عن نمو مشاعر العزله والأنانية والانكفاء على الذات ، كل هذا يؤكد شيئا واحدا ، هو أن الواقع في تركيباته المختلفة لا يخضع للمنطق ولا للترابط أو التداعي الحتمي ولا بد حتى نفهمه على نحو جيد من سعة الأفق والمرونه والتسامح و المرونه مع المعايير والمؤشرات.

الحكم على الواقع :

لاأبالغ إذا قلت اننا نسعى في الأصل إلى فهم الواقع على نحو جيد ،حتى نتمكن من بعد ذلك من محاكمته والحكم عليه ، وإذا تأملنا في علاقتنا مع الواقع المعيش ، نجد أننا فعلا منخرطون فيه بوعي وبغير وعي ، وهذا يعود إلى أن تنظيم ردود أفعالنا على الواقع يتطلب إصدار حكم عليه وعلى سبيل المثال فإن الطالب حين يشرع في التحضير بالامتحان لماده من المواد فإنه يحاول تكوين انطباع أولي عنها ، ويكون الحكم على مدى صعوبتها وسهولتها، أبرز مافي ذلك الانطباع وما في ذلك الا مقدمه لحدسه بما يتطلبه النجاح في تلك الماده من جهد ووقت :
?-الحكم على الواقع الاجتهادي :
لامطمع لنا في أن نصدر حكما قطعيا ودقيقا على نحو مطلق أي على أي ظاهره من الظواهر ، حتى لو كانت تلك الظاهره أميل إلى البساطه مثل واقع من الناس ومدى ماهو فيه من صلاح وانحراف وغنى وفقر أو واقع المدرسه الفلانية ، ومافيها من جودة ورداءه في التعليم وحزم وتراخ في التعامل مع الطلاب ..وهذا يعود الى








شيء جوهري ؛ هو أننا ننظر إلى الواقع عبر تعريفات ومفاهيم ، كما أن كل واحد منا يرى الواقع من زاويته الخاصة ؛ ولهذا فإن ما أراه من الواقع هو حكم اجتهادي ؛يحتمل الصواب والخطأ؛ كما يحتمل الاقتراب من أحدهما بنسبة معينة .
2- رؤيتنا للواقع تعتمد على المعلومات :
كلما حصل تقدم حضاري وتقني أكبر وجدنا أنفسنا نتعامل مع معطيات غير محسوسة ولا ملموسة ، وعلى سبيل المثال فإن الطبيب حين يريد أن يعرف ما في دم مريضه من دهون ، فإنه لا ينظر غلى الدم ، وإنما ينظر في أرقام يبعث بها مختبر الدم إليه ،وحين تذهب إلى ورشة مجهزة بتجهيزات تقنية حديثة ، فإن عامل الورشة لا ينظر بعينه المجردة إلى القطع التي حان وقت استبدالها في سيارتك ، وإنما ينظر إلى المعلومات التي تقدمها له الأجهزة الإلكترونية التي استخدمها في فحص السيارة ، وهكذا الشأن في الأمور المعنوية ، فنحن حين نجتمع في ندوة لبحث مشكلات التعليم لا نطوف على المدارس حتى نتحدث عن واقعها ، وإنما نعود إلى الدراسات والإحصاءات والاستطلاعات المتعلقة بما نود التحاور حوله وهكذا ... ما الذي يعنيه هذا ؟إنه يعني شيئاً مهمًّا ، هو أننا إذا كنا اليوم ندرك الواقع بواسطة معلومات وأرقام ومقولات ومفاهيم ، فإن من المهم التأكد من جودة هذه الوسائط ووثاقتها ، فإذا قيل لنا : إن ( 40% ) من طلاب المدارس المتوسطة في البلاد لا يستطيعون كتابة ثلاثة أسطر دون الوقوع في خطأ إملائي ما ، فإن علينا التأكد من صحة الأسس التي قام عليها هذا المسح ، وإلا فإن أحكامنا ستكون هشة جدًّا بسبب هشاشة المعطيات التي استندت إليها ، وكم من طبيب يطلب اليوم من مرضاه إجراء تحاليل طبية جديدة؛ لأنه لا يثق بالمختبرات التي أجرت التحاليل السابقة ؟







3- لكل حكم اعتباراته :
الواقع خليط من الصلاح والفساد والرشد والضلال والنجاح والإخفاق ... ومن هنا فإن المهم هو فهم نسبة ما في الواقع من كل ذلك . كثير من الناس لا يدركون هذا المعنى فيسوّون بين كثير الخير وقليله وكثير الشر وقليله، كما يسوّون بين ما هو مطرد وشاذ؛ لأنهم يفقدون حس ( النسبية ) . في زمانه صلى الله عليه وسلم من زَنى وسَرقَ وكذبَ وأكلَ حقوق الناس واغتاب غيره .. وفي زماننا من يفعل ذلك ، ومع هذا فإننا نقول :
إن الصحابة والتابعين وتابعيهم هم أهل القرون المفضَّلة ، وما ذلك إلا لأننا ندرك أن الخير فبهم أعظم من الخير الذي فينا ، والشر الذي فيهم أقل بكثير من الشر الذي فينا ،وهذا واضح جدَّا ، إذن ،المطلوب هو إصدار الحكم على النسبة ، وليس على أصل الوجود . شيء آخر يتصل بمسألة النسبية وإصدار الحكم ، هو أن الثناء على إنجازٍ ما والتقليل من قيمته مرتبط على نحو جوهري بالإمكانات المتاحة لصاحب الإنجاز ؛فالطالب المكفي مؤونة تحصيل الرزق والإنفاق على دراسته ، مطالب بإنجاز أعلى بكثير من الطالب الذي يعمل كل يوم ست ساعات من أجل مساعدة أسرته ، والجرّاح الذي توفرت له كل متطلبات العملية الجراحية الناجحة ، مطالب بنسبة نجاح في عمله أعلى بكثير من جراح يتوفر له الحد الأدنى من تلك المتطلبات وهكذا ...
4- وقع الأحداث على الناس متفاوت :
دائمًا هناك أحداث طارئة وغير عادية تحل بالأفراد والأسر والمجتمعات ، وإن أي شيء طارئ يترك تأثيرًا ما في حياة الناس ، لكن من المهم ــ ونحن نقرأ الواقع ،ونحكم عليه ــ أن ندرك أن تأثير الأحداث الكبرى في الناس ليس واحدًا ، والسبب أن كل شخص وكل مجتمع يتلقى الحدث من زاوية نظرته إليه وعبر منظومته القيمية والأخلاقية ، حين قُطعتْ الكهرباء في أحدى المدن الأمريكية الكبرى نشط كثير من الناس في السلب والنهب إلى حدود غريبة جدًّا ، على حين أن الكهرباء تنقطع في بلدان كثيرة على نحو شبه يومي، ولا يترك ذلك خللًا يُذكر في الأمن ، ونحن نعرف أن هناك من الرجال والنساء من يُبدي انزعاجًا شديدًا إذا تم التعرض لأحد أبويه بأي شيء غير لائق ، وهناك أيضًا من تراهم يسبون آباء أصدقائهم وأمهاتهم بأقذع الشتائم ، وهم جميعًا في مرح وهرج ومرج ! بين صالحي هذه الأمة من يقولون لأبنائهم إذا وقعوا في ضائقة مالية : أكثروا من الصدقة ، فإن اللَّه يُخلف عليكم ما تنفقونه أضعافًا كثيرة ، ويوسّع عليكم ، وهناك من إذا وقع أبناؤهم في أزمة مالية حثوهم على أن يدبروا المال لتجاوز الأزمة عن أي طريق ممكن ، وبغض النظر عن القيود الشرعية والقانونية على طريقة الكسب .
ما الذي يعنيه هذا ؟

إنه يعني أن لا نصدر الأحكام على أي شخص أو بلد أو مجتمع بسبب الظروف الطارئة التي يمر بها ؛ وذلك لأن ردود النايس على الأحداث متفاوتة تفاوتًا شديدًا .
5- لا ارتباط بين الحكم بالخطأ وتوجيه اللوم :
من المهم أن ندرك أن اللوم لا يرتبط بالحكم بالخطأ؛ إذ إن من يقع في خطأٍ ما قد يلام على خطئه ، وقد يكون معذورًا فيه ومأجورًا ؛ وإنما نقول هذا لأن العالِم والمجتهد والمصلح والمخترع ... يعملون في ظل المعطيات التي تتوفر في زمانهم ؛ ولهذا فإننا لا نلوم مثلًا الأطباء المسلمين في القرن الخامس إذا شخّصوا كثيًرا من الأمراض تشخيصًا خاطئًا وإذا وصفوا لها علاجات غير ناجحة ...نحن نحكم أنهم أخطؤوا ، لكن لا نلومهم ؛ لأن ما كان متراكمًا ومنظمًا من المعرفة الطيبة آنذاك لم يكن يسمح بأكثر من ذلك ، ولا ننسى أنهم كانوا أفضل ، أو من أفضل
أطباء عصرهم ، نعم يلام الإنسان في إحدى حالتين :
الأولى : إذا لم يستفد من معارف وخبرات عصره كما لو أن طبيبًا نصح اليوم بدواء أُجريت حوله دراسات كثيرة ، تدل على عدم جواز وصفه للمرضى .
الثانية : إذا تكلم أو اجتهد الإنسان في علم أو مجال ليس من أهله ، ولا يُحسنه ،كما لو أن مهندسًا تحدث في أمور شرعية أو طبية أو حقوقية ... وقد أدى عدم إدراك عدم ارتباط توجيه اللوم بالحكم بالخطأ بكثير من الناس إلى أن لا يُدلوا برأيهم في كثير من الأحداث ؛ وأن لا يسلِّطوا الضوء على كثير من الأخطاء الكبرى ، مع أننا نقول : إن من حق الأجيال الجديدة أن تمتلك أفضل درجة من البصيرة بالوقائع والأوضاع التي نسجت تاريخهم وتُحرِّك واقعهم .
6- في وجه التعميم :
نوَّهت في مواضع عدة إلى صعوبة فهم الواقع ، وصعوبة إصدار أحكام واضحة عليه ، والشيء الذي أود أن أؤكد عليه الآن ، هو أن الحكم سيكون صعبًا وغير دقيق كلما كانت الواقعة أو الظاهرة أو الوضعية التي نود الحكم عليها أكبر ؛ وذلك لأنها تكون حينئذ متعددة الجوانب وكثيرة التفاصيل .الحل يكمن في تفتيت الظاهرة ،لنُصدر على كل جانب من جوانبها الحكم الخاص بها ، وعلى سبيل المثال ، فإننا إذا
أردنا أن نحكم على وضعية مرسة من المدارس الأهلية ، فإن علينا أن نتحدث عن أسلوب التدريس فيها وعن علاقة الإدارة بالمعلمين بالطلاب ، كما أن علينا أن نتحدث عن المناهج التي تدرَّس فيها وعن البرامج الإضافية والأنشطة اللاصفية ،كما أن علينا أن نشير إلى مدى ملاءمة المال الذي يدفعه آباء الطلاب لجودة التعليم الذي تقدمه ... وحين نفعل ذلك ، فإننا سنجد أننا سنُصدر عددًا من الأحكام ، وليسحكمًا واحدًا ، وهذا مطلوب من أجل الوصول إلى أعلى درجة من الدقة ،وقد فعل شيئًا من هذا علماؤنا الأقدمون ، وكان لعلماء الجرح والتعديل خصوصًا وعلماء الحديث عمومًا القِدح المعلّى في هذا ؛ حيث إنهم يفرِّقون أحيانًا بين الحكم على الحديث والحكم على الإسناد ، وذلك إذا لم تطمئن نفوسهم لإصدار حكم واحد عليهما معًا ، فيقولون : حديث صحيح الإسناد ، وكأنهم بهذا التعبير يبحثون على النظر في شأن ( المتن ) فقد يكون فيه علة قادحة أو شيء من الاضطراب ، كما أنهم حين نظروا في أحوال الرواة فصَّلوا القول فيهم تفصيلًا مدهشًا ، وعلى نحو عام فرقوا بين أمرين أساسَّيين : عدالة الراوي ، وضبطه وإتقانه لما يرويه ، ولا بد لقبول روايته من أن يجمع بينهما معًا . أن من الواضح أن التعميم هو أكبر خطأ نقع فيه أثناء الحكم على الواقع والتاريخ ، وعلى الدول والأفراد وعلى كل شيء ، وإن من العدل والقيام للَّه ــ تعالى ــ بالقسط أن نتريَّث قبل إصدار الأحكام ، وأن ندرك ما في الشيء الواحد من وجوه التفاوت .
...













تعانق المطلق والنسبي
من الواضح جدًا أن الفلاسفة والمفكرين وغيرهم من صناع الرأي ومؤسسي التيارات الثقافية يحاولون الاستفادة من النظريات والكشوفات
العلمية في ترسيخ مفاهيمهم المتصلة بعلاقة الإنسان بخالق الكون
ــ سبحانه ــ والمتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ، ونحن نعرف
أن الغرب تشرَّب نظرية ( داروين ) في النشوء والارتقاء كما تشرَّب
نظرية ( أنشتاين) في الفيزياء الرياضية والمعروفة بـ ( النسبية ) ،
ونتيجة لهذا وذاك تطورت النظريات في الغرب، وحدث شقاق واسع
المدى بين المفكرين هناك ، ولا أريد أن أدخل في ذلك المعترك ، وأشوش
ذهن القارئ ، لكن أود أن أشير إلى أن مفكري ( ما بعد الحداثة ) تلقفوا ما انتهى إليه ( أنشتاين ) من أن الثابث الوحيد هو ( الضوء ) وأن ما سواه نسبي ليقولوا : إن كل الأشياء وكل القيم والمعايير والأفكار نسبية ، تختلف
قيمتها من شخص إلى ومن زمان إلى زمان ومكان إلى مكان ، وهذا يعني
التأسيس لزعزعة وإعادة صياغة المقومات والمسلمات العلمية التي تحاول
الوصول إلى المزيد من المعارف اليقينية حول حقيقة معرفية يرشِّدون من
خلالها مسيرتهم الدنيوية . وعلى المستوى الأخلاقي أصبحت الخلاعة والإباحية المفرطة سمة لسلوك كثير من الناس ، وحجتهم في ذلك عدم وجود معايير ما هو لائق وغير لائق ؛ ومن ثَم فإن استنكار الناس نسبي ،
فما يزعج فلانًا من الناس قد يُدخل السرور على غيره ، أما القيم الاجتماعية فهي ليست إلا أعرافًا وتقاليد تتناقلها الأجيال ، وإن من حق أي أن يتحلل منها ، ويفعل ما يجده أفضل له !

ما المطلق النسبي ؟
نحن في حاجة ملحَّة إلى فهم الحيثيات المتعلقة بالمطلق والنسبي؛ لأنها تساعدنا على بناء قاعدة فكرية جيدة ، وتساعدنا على تنقية تصوراتنا من كثير الأوهام ، لكن علينا قبل كل شيء أن نوضح المقصود بكٍّل منهما ، إن المطلق هو التام والكامل المتعري من كل قيد ، والمتجاوز للزمان والمكان ، والمطلق كذلك المبدأ المتفرد والمركز ، أما النسبي ، فهو ما يُنسب إلى غيره ، ويتوقف وجوده عليه ، وهو مقيَّد وناقص ومحدود ، ومرتبط بالزمان والمكان ويتغير بتغيرهما ؛ ولهذا فإن النسبي ليس بعالمي ، ولا ينطبق على كل البشر .
إن وجود المطلق الثابت والمتيقَّن في حياتنا شيء جوهري ،وإن جميع الرسل ــ عليهم الصلاة والسلام ــ قرروا الكثير من الحقائق الكبرى ، منها وجود اللَّه ــ تعالى ــ وأنه الواحد الأحد الصمد القادر الكريم الرحيم المنتقم الجبار ... وقرَّروا وجود بعث ونشور بعد الموت ووجود حساب وجزاء ونعيم وعذاب ، ودعوا إلى الصدق والأمانة والتراحم والعدل وكف الأذى ونفع العباد ... هذه كلها أمور مطلقة في نظر المؤمنين بالأديان السماوية .
وهناك مطلقات كثيرة أخرى ؛ فحاصل جمع واحد مع واحد هو اثنان ، والكأس الصغير لا يتسع لماء الكأس الكبير ، والتغير في أجسامنا بين الشباب والشيخوخة ، وكون الإنسان ذا حاجات ورغبات .. كل هذا من المطلقات ، وهل يستطيع القائلون بالنسبية المطلقة أن يُرونا رجلًا حافظًا
وهو في التسعين على القوة والنضارة والحيوية التي كان عليها وهو في الثلاثين ، إنهم عاجزون لأن هذه الحقيقة من جملة المطْلَقات .
الأمور النسبية كثيرة جدًّا ؛ بل هي أضعاف الأمور المطلقة ، ويكفي لمعرفة شيء من ذلك أن تتخيل أنك جالس في قاعة محكمة تنتظر سماع الحكم في جناية قتل ، ولك حينئذ أن تتأمل في وجوه أهل القاتل وأهل المقتول : كيف تكون ملامحها عند صدور الحكم بالإعدام على القاتل ؟
إن الحكم واحد لكنه سيكون على أهل القاتل بمثابة الصاعقة ، وسيكون على أهل المقتول بردًا وسلامًا ، وسيجدون فيه بعض العزاء في فقيدهم .
وقل مثل هذا في قصيدة عظيمة سمعها عدد من النقاد الكبار ؛ حيث ستجد
من يثني عليها ، ومن ينتقدها وهكذا و هكذا ... لو أردنا أن نلتمس بعض الأدلة والشواهد المأثورة على النسبية ، فإننا سنجد منها الكثير الكثير ،
ولك أن تتأمل في قول اللَّه ــ تعالى ــ: { إِنَّهُم يَرَونَهُ بَعِيدًا " 6 " وَنَرَاهُ قَرِيبًا } [ المعارج : 6 ، 7 ] حيث إن المكذبين والمستهزئين يرون عذاب يوم القيامة بعيد الوقوع ، فهو أشبه بالمستحيل ، وإن صح أنه








وإن صح أنه سيقع فإنه لن يكون إلى بعد زمن بعيد، أما الخالق سبحانه بشمول علمه ، فإنه يراه قريبا. وقال صلى الله عليه وسلم :" الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"6 ، قال بعض أهل العلم في تفسيره: إن المؤمن في هذه الدنيا مقيد بإيمانه عن الوقوع في المحظورات، أما الكافر فإنه مطلق التصرف ، وأما الذي أرجحه فهو أن المؤمن مهما أصاب من نعيم ورفاهية في هذه الحياة، فإنه بالنسبة إلى ما أعد الله له من خير ورفاهية في الآخرة ، هو الآن في سجن، أما الكافر فإنه مهما لاقى في الدنيا من الشقاء بالنسبة إلى ما ينتظره في الآخرة من العذاب ، فهو الآن في جنة، وهذا لا يحتاج إلى شرح .
النسبي مدخل لتحسين الرؤية:
نحن نؤمن أن في حياتنا ما هو مطلق، وما هو نسبي، كما أن في حياتنا ما هو ثابت، وما هو كتغير، ومن الواضح أننا نستطيع أن نتخذ من معرفة الثوابت والمطلقات أدوات لفهم المتغيرات والنسيبات ، كما نستطيع أن نستبدل بالمتغيرات والنسبيات على فهم الثوابت والمطلقات، لكن هناك شيئا آخر ، وهو الارتباك في فهم ما هو نسبي وما هو متغير ، لأن من السهل على عقولنا أن لا تدخل في التفاصيل والشروح ، ولهذا فهناك ميل عميق إلى إدراك الثوابت والمطلقات وعدم التوقف عند كل ما هو نسبي ومتغير، وهذه الوضعية تجعل عقولنا تجمد وتتحجر ، وتتخلف عن فهم المعطيات الجديدة . إن حديثنا عما هو نسبي لا يكتمل إذا لم نتحدث عن بعض السنن والقوانين التي بثها الله تعالى في الوجود ، إذ إن عدم صرامة سنن الأنفس والمجتمعات يجعلها تلتبس بالنسبي ، ومن هنا كان لا بد من العمل على تشكيل درجة حسنة من الوعي بهذه المسائل ، حتى نؤسس لـ (التفكير السنني ) المرن والمنفتح على المتغير والمتحول ، وما هو شخصي وخاص، والحقيقة أن تجليات ذلك كثيرة جداّ، وسأقتصر هنا على ما أظنه مهمّا ، ومنه الآتي :
1ـ الكليات مكمن المطلق:
إن من سنن الله تعالى في خلق أن القضايا والمسائل الكلية تتسم في معظم الأحيان بسمة الإطلاق، كما أن القضايا الجزئية والفرعية تتسم بسمة ( النسبية ) وهذا يعني شيئًا مهمّا ، هو أن الظاهرة الواحدة تكون مطلقة على مستوى من المستويات ، وتكون نسبية على مستوى آخر ، ولدينا ما لا يحصى من الأمثلة على تقرير هذه الحقيقة الناصعة ، وسأكتفي هنا منها بمثالين:
أ ـ التقدم في السن يترك وطأته السلبية على كل أجزاء البدن ، ويؤدي إلى إضعاف كل القوى والحواس لدى الإنسان ـ والحيوان طبعا ـ فنحن لانعرف أي شخص صار بصره وهو في التسعين أقوى من بصره وهو في العشرين ، كما لانعرف نحوا من ذلك في السمع والذاكرة والقدرة على التحمل ومقاومة الأمراض والتوازن ونضارة الوجه ... وهذا لا يشمل بالطبع الأشخاص الذين كانوا يعانون من أمراض خَلقية ، وهو في سنن الشباب ثم عُوفوا منها في سن الكهولة أو الشيخوخة ، فنحن هنا نتكلم عن الأوضاع الطبيعية ، إذن ما أشرنا إليه هو حقيقة كلية ، لكن تأثير تقدم السن في الناس لا يكون على درجة واحدة ، فنحن نعرف أشخاصا كثيرين في السبعين أفضل صحة وقوة وحيوية من أشخاص في الستين ، والوضع في هذه الحالة شبيه جدا بأوضاع الناس تجاه الأمراض، حيث إن من الثابت أن تناول المواد المسرطنة لا يجعل كل من يتناولها يبتلى بالسرطان ، فالمسألة نسبية تختلف من شخص إلى آخر استعداد الجسم ومدى قابليته لتأثير تلك المواد ، ونحن نشاهد فعلا من يدخن بشراهة ، ويموت وهو في الثمانين دون أن يصاب بالسرطان، وهناك من يصاب به وهو في الأربعين مع أنه يدخن مع شيء من التحفظ وهكذا ....
ب ـ أنا لا أبالغ إذا قلت: إن ما لا يقل عن (89%) من القيم مشترك بين جميع الأمم ، حيث لا تجد شخصا سويّا يرى في أمور مثل الكذب وعقوق الوالدين والخيانة والقذارة والذل فضيلة ، يمكن للمرء أن يثني عليها ، ويفتخر باتصافه بها ، وعلى سبيل المثال فإن سبيل المثال فإن بر الوالدين شيء فطري لدى الناس، وشيء يقضي به القلب ولا يناقشه العقل ، هذا في المجمل. لكن إذا جئنا إلى التفاصيل ، فسنجد أن بر الناس لآبائهم وأمهاتهم نسبي ، ويكاد أن يكون شخصيا في أحيان كثيرة : هذا شاب قسا عليه والده في صغره ، وكان يكثر من ضربه عند أي هفوة ، على حين أن معاملته لأخيه غير الشقيق لينة ومتسامحة ، فصار ينظر إلى أبيه على أنه قاسٍ وغير عادل في التعامل مع أبنائه، فإنه لا يشعر بأنه يُكنُّ لأبيه قدرًا كبيرًا من الاحترام ، وهذا يدفعه إلى عدم المسارعة إلى برِّه ومساعدته، بل إنه ينفذ طلباته بتثاقل ، وبطء، وإذا وجد فرصه للإقلال من زيارته استغلّها ... في المقابل هناك شاب ينتمي إلى أسرة فقيرة ، وقد تمكن من إتمام تعليمه الجامعي في جامعة جيدة، ودفعت له أسرته مبالغ طائلة من أجل ذلك، وقد كان يرى بأم عينه كيف كان والده يعمل عملاَ إضافيَّا من أجل توفير تكاليف الدراسة ، كما رأى أمه وهي تحرم نفسها من كثير من المرفهات للغرض نفسه، إن هذا الشاب يشعر بالكثير من الامتنان والولاء لأسرته، وينتظر اليوم الذي يبرهن فيه على حبه لها واعتزازه بها . هكذا نرى أن الاطلاق صفة لما هو كلي وعام ، ونرى النسبية كامنة في الجزئيات والتفاصيل والذي يساعدنا على فهم الأوضاع والأحوال الخاصة ليس ما هو عام ، وإنما ما هو خاص وتفصيلي .
2 ـ الحرمان من الضروريات يدمر الاهتمامات الثقافية العليا :
خلق الله بني البشر مسربلين بالضعف والعجز ، مقهورين بالعوز إلى تلبية الحاجات والضروريات ، فبقاؤنا على هذه الأرض مشروط بتناولنا للطعام والشراب والدواء ، وتمكننا من الحصول على الملبس والمأوى ، كما أن استمرار النوع الإنساني مرهون بالتزاوج والتكاثر ، ونحن مع هذا كله في حاجة إلى الشعور بالأمن ، لأن الخطر الداهم المباشر يجعل كل انتباهنا واهتمامنا موجهًا إلى حماية أنفسنا منه . الإنسان بفطرته وخبرته يرتِّب حاجاته الأساسية ، ويصرف ما يتناسب مع أهميتها من جهده ووقته من أجل تلبيتها وقضائها ، وقد امتن الله عز وجل على قريش بنعمتي الشبع والأمن حين قال: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)
" قريش 1 ـ 4 " . وما ذلك إلا لأن الجوع هو طريق الهلاك وطريق الذل والانكسار .. والخوف يشل قدرات الإنسان ويجعله حسيراً حائرَا في أمره ، ومع هذا وذاك لا يكون هناك مجال للاهتمام بمعالي الأمور . حين يمضي على الإنسان يومان لم يتذوق فيهما أي شيء من الطعام ، ويجد نفسه على وشك الانهيار ، فإنه لن يجد الطاقة ، ولا الشهية ، لنظم قصيدة ، أو التأمل في لوحة فنية ، ولن يجد أي توجه لديه للتفكير في أمر إخوان له يتعرضون للعسف والظلم ، كما أنه لن يجلس مع مجموعة من الطيبين للتفكير في تأسيس مشروع لمساعدة الشباب على الزواج ... وحين يكون الإنسان مجهدًا بعد يوم من العمل الشاق والمضني ، فإنه لن يجد الطاقة الروحية للخشوع في صلاته والإطالة فيها ، ولن يجد لديه الطاقة الروحية للجلوس على المكتب للمطالعة في كتاب مهم مدة ساعتين، وحين يكون الإنسان خائفًا من خطر كبير يدهمه أو حدوث خسارة كبرى في شيء عزيز عليه ، فإنه لن يشارك في جلسة للعصف الذهني حول أسباب تخلف العالم الإسلامي ... هذه سنة من سنن الله في الخلق ، ويتجلى فيها العديد من الظواهر المطلقة ، لكن علينا أن لا ننسى أيضا أن حرمان الإنسان من غرائزه الأساسية نسبي التأثير في سلوكه واهتماماته ، فنحن نعرف في تراجم أهل العلم من كان يكابد الجوع في كثير من أيامه ، ومع هذا فقد كان له إنتاج علمي غزير ، كما أننا نعرف كذلك أن التوتر الروحي العظيم الذي يجده المستغرق في ذكر الله تعالى والغارق في أحاسيس العبودية له والقرب منه ... يجعل المرء يتحمل الكثير من الصعوبات والآلام دون أن تلين له قناة، ودون أن تنكسر له شوكة ، ونحن نعرف أيضا أن الزاهد في الدنيا عن قناعة شديدة وإيمان عميق بأهميته التقليل من متاعها ، يعيش عيش الفقراء ، وقد يعاني من الجوع المنهك لكن حالته الروحية تكون متفجرة ، كما تكون همته في توثب دائم .. نعم هذا كله موجود ، وهو الذي يجيز لنا أن نقول : إن عدم تلبية الحاجات الأساسية يترك آثارا متباينة ونسبية في نفوس الناس وسلوكياتهم لكن الحالات التي أشرنا إليها تشكل استثناء من السنة التي تحدثنا عنها ، ونحن نعرف أن الاستثناء يؤكد القاعدة ، ولا يلغيها . الهيجان العاطفي العاصف شديد الوطأة على النفس وعلى الجملة العصيبة ، ولهذا فإنه لا يستمر طويلا لدى الإنسان ، وحين تخمد الشعلة في داخلنا ، فإننا نخضع لسلطان حاجاتنا الجسدية ، ولهذا فإن الإسلام اهتم على نحو استثنائي بالطرق والوسائل التي تمكننا من تلبية رغباتنا وقضاء حاجاتنا على النحو الصحيح، وغن فهم المفكر لهذا المعنى وإدراكه لتداعياته يدفعه إلى التأكيد على أهمية النهضة وتوفير الحاجات الأساسية ، وتحقيق درجة من الرفاهية حتى تستقيم حياة الناس.
3 ـ الكم لا يكون إلا على حساب الكيف
لكل الأشياء التي نتعامل معها خصائص ذاتية ، وهذه الخصائص منحها الخالق العظيم للمخلوقات ، كي تحافظ من خلالها على وجودها واستمرارها ، وهذا بالنسبة إلينا معاشر المنتفعين بالأشياء ، يشكل تحديًا كبيرًا، إذ إن ما نريد الانتفاع به يبدي دائمًا نوعًا من التأبي والممانعة ، ويجعلنا بالتالي أمام خيارات محددة ومحدودة ، وهذا يعني أن الإنسان منخرط في نوع من الصراع مع الزمان والمكان والأشياء ، وقد نجم عن ذلك الصراع خبرة واسعة توضح بعض ما يحكمه ، وكان من جملة مفردات تلك الخبرة مفردتان جوهريتان :
الأولى هي : أن الصراع يجب أن يفضي إلى نوع من التعاون ، ولهذا فنحن حين نريد الاستفادة من حيوان ، فإننا نطعمه ونسقيه ونطببه وأحيانا نتيح له أن يمارس الرياضة ، كما أنا نبحث عن الأمور التي تجعله يشعر أكثر بالارتياح ..
الثانية هي : أننا لا نستطيع أن نحصل على ( الكم ) بأقصى حجم نريده مع حصولنا على
( الكيف ) بأقصى ما نرغبه من كماله، وهذه الخلاصة التي وصل الإنسان إليها قائمة على أن قدراتنا والزمن المتاح لنا ومواهبنا وأخيلتنا .. كلها محدودة ، والمحدود لا يفضي بك إلى شيء غير محدود . إذن المطلق هنا هو عدم تمكننا من الحصول على كم مطلق مع الحصول على كيف مطلق في آن واحد ، وعلى سبيل المثال، فإن الأم في المنزل إذا كانت تملك ثلاث ساعات من الوقت يوميًّا للجلوس مع أبنائها والتحدث إليهم ومساعدتهم في حل واجباتهم ، فإنها لا تستطيع أن تجلس مع أولادها السبعة كما تجلس أمّ لديها اهتمام مماثل للأولى ، لكن لديها طفلان، والسبب واضح وهو أن ساعات الفراغ سوف تقسم على الأطفال، وسيكون نصيب الواحد من السبعة أقل من ثلث نصيب أي واحد من الطفلين ، وقريب من هذا ما نحصل عليه من تجويد الأداء ، فالواحد منا لا يستطيع أن يكتب في الساعة الواحدة عشر صفحات بخط يده، وتكون جودة وأناقة ما يكتبه مثل ما إذا كتب ثلاث صفحات في تلك الساعة ، وقد صرح أحد مشاهير كتبه المصحف الشريف أن كتابة المصحف تستغرق منه نحوا من عامين ونصف، وذلك بسبب ما يتطلبه عمله المبارك من إتقان وتدقيق.
بناء على هذا نجد أن من البلاد من اختارت لمنتجاتها الكيف، فهي تنتج القليل من السلع لكن بجودة وتكلفة عاليتين إيثارًا للكيف والنوعية ، كما هو الشأن في اليابان وأوروبا الغربية ، ومن الدول من اختارت الكم ، فأغرقت الأسواق بالبضائع منخفضة الجودة والثمن، كما تفعل الصين وغيرها، وسيظل الوصول إلى أكبر ( كم ) مع أعظم ( كيف ) حلمًا يراود الناس، وربما حدثت اختراقات في هذا الشأن عن طريق تصنيع مواد جديدة مبتكرة أو الوصول إلى طرق جديدة وخارقة في معالجة المواد، وتعد تقنية (النانو) بشيء من هذا ، لكن لن يتم كسر معادلة (الكيف والكم) على نحو كامل. المشكل أن بعض الناس لا يؤمنون بما ذكرناه من كون الكم لا يكون إلا على حساب الكيف وكون الكيف لا يكون إلا على حساب الكم ، ويستشهدون على صحة معتقدهم بأمثلة شاذة ، وقد سمعت كثيرا من الناس يقولون : إن فلانة لديها عشرة أولاد ، وقد ربتهم تربية أفضل بكثير من فلانة التي ليس لديها إلا ثلاثة أولاد ..
وهذا خطأ في التصور يتبعه فساد في الحكم، إذ إننا نتحدث هنا عن امرأتين متماثلتين في قدرتهما واهتمامهما بتربية الصغار ، لكن لديهما عدد متخلف من الأولاد. أيضًا هناك اليوم من يتحدث عن القراءة السريعة والقراءة الضوئية ، ويزعم أن الإنسان إذا تمرن على هذين النوعين من القراءة ، واكتسب المهارة اللازمة ، فإنه يستطيع أن يقرأ في عشر دقائق قراءة مستوعبة وواعية .. ما يقرؤه شخص غير مدرب في ساعة ! وهذا لا يخلو من المبالغة ، فالنصوص الفلسفية الصعبة والعميقة لا يستطيع الشخص متوسط الثقافة أن يقرأها، ويستوعبها بسرعة ، لأن فيها تعريفات ومصطلحات ومفاهيم ، هي خارج متناوله ، مهما بذل من جهد في تعليم القراءة السريعة.
السؤال هو : ( ما النسبي في معادلة الكم والكيف؟)
النسبي هنا واسع الأمداء ، صحيح أننا نتعامل مع أشياء محدودة وصماء ومعاندة، لكن الناس مختلفون: اليوم هو أربع وعشرون ساعة بالنسبة إلى كل البشر ، لكن هناك من يستغل يومه أفضل استغلال ، ويحقق إنجازات متتابعة ، وهناك من يبدد أوقاته سدى، حيث ينهكه فراغ الروح وفراغ العقل .. الحديد مادة معروفة ، وذات صفات محددة ، قيمة الكيلو غرام منها ما يقارب نصف دولار ، وهو أن نستفيد منه عبارة عن ( كم ) أو مادة خام ، وعلينا أن نحوله إلى ( كيف ) ، الحداد يأخذ الكيلو من الحديد ، فيصنع منه منجلاً، يبيعه بأربعة دولارات ، ويشتريه شخص أفضل مهارة ، فيصنع منه مسدسا، ويبيعه بمئتي دولار، ويشتريه شخص ثالث ماهر جدا، فيصنع منه (عقارب للساعة) فيبيعه بعشرين ألف دولار ... هكذا يكون الحديد عبارة عن مادة مقاومة، لكن بالمهارة الفائقة يطوّعه الناس ، ويستفيدون منه بحسب مهاراتهم، ونحن نشاهد أن تحديات الحديد لنا تختلف باختلاف الناس واختلاف معارفهم







ومهاراتهم، أي أن ممانعته نسبية لا تنفي أصل الفكرة، وهي أن الكم لا يكون إلا على حساب الكيف... وإنما تؤكدها مع إضافة معنى التنوع.
4- التفكير النسبي مدخل لتحسين الوعي:
نحن نعتقد أن الخير المحض نادر، كما أن الشر الخالص نادر؛ ومن ثم فإننا مع إيماننا بخطأ من يقول : إن كل شيء نسبي، وخطأ نفي المطلقات، إلا أننا مع هذا نلمس في ( النسبية الثقافية ) ما يساعد الوعي على أن يكون أعظم نضجاً وتفتحاً؛ وذلك لأن الاعتقاد بأن فهمنا للأشياء ليس موحَّداً، والاعتقاد بأن الزوايا التي ننظر منها مختلفة... يجعلنا مستعدين لإعذار بعضنا في حالة الاختلاف، ومستعدين لمراجعة أوضاعنا والانفتاح على أولئك الذين نختلف معهم في الكثير من الأمور، والاستفادة مما لديهم، وهذه بعض الأمثلة الشارحة لهذه الفكرة :
1- قال الشافعي رحمه الله ( مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيرنا خطأ يحتمل الصواب ) ، هذا القول من ذلك الإمام العظيم يرسِّخ المنهج الاحتمالي في مقابل التوجه القطعي الجازم والمغلَق الذي نلمسه لدى كثير من أصناف المتعلمين ، إن الفقيه يشتغل في الحقيقة على مسائل جزئية، والأمور الجزئية دائماً هي مناط للاختلاف والتباين، والاتفاق فيها كثيراً ما يكون قليلاً أو نادراً. وحين نفكر في المجال الحضاري، وذلك كأن نبحث في أسباب وجود ظاهرة ما، أو نبحث في إصلاح وضعية من الوضعيات، فإن مجال الاختلاف يصبح أوسع مما هو متاح للفقيه؛ ولهذا فإننا حين نؤمن بنسبية اقترابنا من الحق والحقيقة، فإن ذلك يحفزنا على رفع شعار ( الصواب يكتشفه الجميع ) ؛ فقد نعثر على عشرة أسباب أساسية لتفشي الانحلال الخلقي في أحد البلدان، ويكون الذين يعثرون عليها مفكرين وعلماء اجتماع ينتمون إلى خمسة أو عشرة بلدان، وقد يأتي من يزيد سبباً أو سببين، وقد يأتي من يقول لك: إن الأسباب الجوهرية للانحلال في ذلك تنحصر في ثلاثة، وقد يكون هذا الاختلاف بسبب التفاوت في فهم تاريخ الانحلال، وقد يكون بسبب الاختلاف في تعريف معنى الأساسي والجوهري... هذا التنظير يجعلنا نتمتع بعقول منفتحة ومرنة، وهذا ما نحتاج إليه في كل زمان ومكان...
ب - من النادر أن يتحدث الناس لدينا عن حالتنا الحضارية وعن أوضاعنا الثقافية





















دون أن يذكروا ما لدى الغرب من أمور يمتدحونها، وأخرى يذمونها، ويفعلون ذلك وهم شبه مكرهين؛ لأنهم يشعرون أن الوعي بالذات كثيراً ما يكون فرعاً عن الوعي بالآخر، وأعتقد أن الجدل يحتدم لدينا في كثير من ذلك بسبب اعتقادنا بالصواب المطلق لكل ما لدينا من أفكار وتقاليد، واعتقادنا بضرورة أن يكون الآخرون مطابقين لنا، وإلا كانوا على خطأ. لن يكون من الصواب أن نتشكك في صحة ماهو قطعي لدينا، ولكن في الوقت نفسه علينا أن نفرِّق بين ماهو من قبيل العادات وماهو من قبيل العقائد والأحكام، وعلينا في كل حين أن نتفهم نظرة الآخرين لأوضاعهم، وأن نتفهم جذورها ومدلولاتها، وهذه بعض الأمثلة:
- نحن نعتقد أن مسّ الرجل لامرأة لاتحل له أمر غير جائز، وقد بايع رسول الله ? النساء دوم مصافحة لأي منهن، أما في الغرب، فأنهم ينظرون إلى مصافحة المرأة على أنه مثل مصافحة الرجل ، ويتجاوزون ذلك إلى التقبيل؛ فتقبيل الرجل للمرأة على الخد لا يعبر في نظرهم عن شهورة أو ريبة؛ بل يعبر عن المودة المشفوعة بالاحترام، وهو عندهم مغاير تماماً لتقبيل الفم، كما هو معروف، وبعض المسلمين اليوم – مع الأسف – يفعلون ما يفعله الغربيون، ويرون أنه مثل المصافحة تماماً.
- نحن نعرف أن نبينا ? لم يغال في أي مهر دفعة لأيِّ من زوجاته، كما أنه لم يغال في مهر أي من بناته، ونعرف أنه قال ( خير النكاح أيسره ) (1) ، ونعرف أنه ليس للمهور حد أعلى، ومن هنا فإن بعض المسلمين كانوا يغالون في مهور بناتهم متجاوزين هدي نبيهم ? لكنهم يعتذرون لذلك بأنهم يريدون أن يعلم الخاطب وأهله أن ابنتهم كريمة وعزيزة على أهلها، أو حتى يجعلوا من المهر الكبير شيئاً احتياطاً تستفيد منه المرأة في أيام الشدائد، وبعض الأولياء يعتقد أن الحصول على أعلى مهر ممكن هو من مسؤولياته تجاه موليته ومن نصحه لها... وبعض المسلمين اليوم يطلب لابنته مهراً رمزياً جداً اتباعاً للسنة، وبعضهم يفعلون ذلك من أجل إعطاء الانطباع بالاستغناء عن مال الخاطب، وأنهم قادرون على تجهيز ابنتهم وتحليتها -إلباسها الحلي- وبعضهم يجعل من الرضا بالمهر القليل يداً عند الزوج ومنّة في عنقه، ولدى بعض الشعوب الإسلامية وغيرها أعراف عجيبة في مسائل المهر، ومن المهم أن ندرك أن كل



















________________

(1) حديث صحيح أخرجه أبو داود.

شعب يحاول أن يضفي المنطقية على أعرافه وتقاليده، ويحاول الوصول إلى أهداف مشروعة بطرق مشروعة وغير مشروعة...
- لاشك في أن الترابط الأسري لدينا -على ما أصابه من وهن- لا يزال أفضل مما هو موجود لدى الشعوب الغربية، وإن من المألوف جداً أن ينفق الرجل على أولاده وهم يتعلمون حتى لو بلغ الواحد منهم الثلاثين، أما البنت فهي جزء عزيز من الأسرة مدى الحياة إذا لم تتزوج... ونحن تعودنا في مجالسنا أن ننقد الغربيين نقداً لاذعاً بسبب انفصال الأبناء والبنات لديهم عن أسرهم في وقت مبكر جداً، وقد يكوم من المهم أن نفهم حيثيات هذه الوضعية لدى القوم، إنهم لا يجدون مشكلة في أن تنام البنت خارج منزل الأسرة؛ لأن نظرتهم للعِرض والشرف بعيدة عن نظرتنا، كما أنهم قد ربوا أولادهم -كما رباهم آباؤهم- على الاستقلالية والاعتماد على النفس، ولهذا فإن على الواحد منهم أن يخطط حياته على أساس أنه بعد سن الثامنة عشرة قد لا يتلقى أي معونة من والديه، وقد أوجدوا النظم والجمعيات، وهيئوا الظروف التي تساعد الشباب على إكمال دراستهم الجامعية من غير مساعدة الأهل...
وإذا كان أسلوبنا في التعامل مع الأبناء هو الأسلوب الأفضل، فأن مافيه من فضل هو شيء نسبي؛ حيث إن كثيراً من الشباب تعلموا التواكل، وأثقلوا كواهل آبائهم بكثير من المتطلبات، كما أن تربية الأبناء على الاستقلال والاعتماد على أنفسهم مع ما فيها من إيجابية، لكنها قد تعرِّضهم للدخول في مداخل مهلكة، وقد تجعلهم يسيئون اختيار طريقهم، وإن الفائدة المرتجاة من هذا الوعي هي الوصول إلى صيغة تجمع بين ما لدينا ولدى الآخرين من محاسن، وتستبعد ما لدينا ولديهم من نقائص.
جـ - نحن بفطرتنا نميل إلى إصدار الأحكام التعميمة والمطلقة؛ لأن مؤونتها أقل، ولأنها تعبر عن وثوقية وتماسك في الرؤية، أما الأحكام والأفكار ذات المسحة النسبية والتفصيلية، فإنها تحتاج إلى علم أكثر وجهد أكبر، ويبدو صاحبها وكأنه متردد أو متشكك، لكن تظل ملاحظة النسبية في كثير من الأمور أقرب إلى الموضوعية وأقرب إلى القيام لله – تعالى – بالعدل والقسط ، إن الخير والكمال والسمو والتفوق أمور لاتبلغ منتهاها أبداً، وليس لها سقف محدد يمكن أن نرمقه؛ وذلك بسبب عدم ملاءمة البيئة ومدافعة الأشرار وحضور القصور الذاتي... كما أنه ليس للانحطاط




















والتدهور والقبح قعر ينتهي إليه؛ وذلك بسبب قصور الأدوات ومدافعة الأخيار، وحضور شيء من القيم والمُثل على نحو دائم، وهذا كله يعني أنه لا مناص من التخلص من الأحكام المطلقة على الشعوب و الأشخاص والأوضاع والأحداث، وسأسوق هنا نموذجين لأحكام شتى، أحدهما مطلق، والآخر نسبي؛ لنرى أن كل نموذج يمثِّل موقفاً فكريَّاً وشعوريَّاً مختلفاً عن النموذج الآخر:
النموذج الأول:
1- التاريخ الإسلامي تاريخ حروب داخلية وثورات وفتن واستبداد.
2- الشعب الفلاني كسول، والكسل جزء من طبيعته، ولافائدة من تحفيزه أو محاولة تنشيطه.
3- رجل يقول عن زوجته : إنه يختلف معها في كل شيء، ولهذا فإن الحياة معها مستحيلة.
4- أب يقول عن ابنه : إنه غبي وفاشل، وليس لديه أي طموح، ومستقبله سيكون سيئاً جداً.
5- واقع الأمة الإسلامية متدهور، وهو من سيِّئ إلى أسوأ، والهوة بينها وبين الغرب تتسع يوماً بعد يوم.
6- من أراد لنفسه مستقبلاً زاهراً فليدرس الطب أو الهندسة أو إدارة الأعمال.
7- اللون الأخضر هو أجمل الألوان، ولا يلبس الثياب الخضراء إلا أصحاب الذوق الرفيع.
السؤال الآن : ما الذي يترتب على هذه الأحكام على المستوى الفكري و الشعوري ؟ وما وجه الخلل فيها؟
الجواب يكمن في الآتي :
1- اليأس من الإصلاح والتقدم والاندفاع في طريق الاستسلام أو طريق الفوضى.
2- عدم الصدق والافتقار إلى الإنصاف؛ فالتاريخ الإسلامي لم يكن كله استبداداً وحروباً ، وليس هناك شعب كل أفراده كسالى، كما أنه ليس هناك رجل يختلف مع زوجته في كل شيء.

3- التسرع في إصدار الأحكام، وكم من شخص حكم عليه أساتذته وأهله بالفشل، وكان بعد ذلك في عداد المتميزين والمبدعين.

4- المستقبل الزاهر لا يكون في دراسة أي تخصص، وإنما يكون بعد توفيق لله – تعالى – في تقدم الإنسان في تخصصه، وكونه من الحجج والمرجعيات فيه,

5- التعسف ومحاولة تعميم ماهو ذوقي وخاص، فإذا كان فلان يفضل اللون الأخضر، فإن هناك كثيرين يفضلون عليه ألواناً عديدة.

النموذج الثاني:
سنحاول الآن إعادة صياغة الأحكام السابقة من منظور النسبية الثقافية:
1- التاريخ السياسي لأمة الإسلام كان مملوءاً بالاضطرابات والفتن، على حين أن التاريخ العلمي والتقني والاجتماعي كان فيه الكثير من الملامح المشرقة التي تدعو إلى الفخر والاعتزاز.
2- معظم أبناء الشعب الفلاني كسالى، وذلك بسبب الحرارة الشديدة مع الرطوبة وعدم وجود تنظيم جيد للبيئة، ويمكن لكثير منهم أن يصبحوا أكثر نشاطاً إذا تغيرت الظروف.
3- أنا أختلف مع زوجتي في أمور كثيرة، وأعتقد أننا لو تحاورنا وتواصلنا أكثر، فإن كثيراً من خلافاتنا سيزول.
4- يبدو أنني عجزت عن اكتشاف نقاط القوة لدى ابني، كما أنني لم أهتم بتنميته رغبة في التعلم، وأنا خائف على مستقبله، ولابد من التحرك لعمل شيء ما.
5- على الرغم من أن وضع أمة الإسلام اليوم أفضل – على العموم – من وضعها قبل مئتي سنة، لكن التقدم لدى معظم دولها مازال ضعيفاً، كما أنها تفتقر إلى السياسات النهوضية الصحيحة، مما يجعل الهوة بيننا وبين الغرب تتسع في كثير من الحالات.
6- معظم الدارسين للطب والهندسة وإدارة الأعمال يحصلون على وظائف جيدة والحقيقة أن أي إنسان يبرع في أي تخصص، ويصبح من الأوائل فيه، فإنه يحصل على وظيفة جيدة، كما أن هناك من درس الطب... وعاش حياته كلها فقيراً





















ومغموراً؛ لأنه لم يكن أكثر من طبيب عام وعادي جداً .
7- أنا شخصيَّاً أفضِّل اللون الأخضر؛ لأنه يرمز إلى النمو، وهناك من يفضل الأبيض ، ومن يفضل الأسود...
السؤال الآن : ما الانطباعات التي تتركها هذه الصياغة؟ وماوجه ما فيها من صواب وموضوعية؟
الجواب:
1- الأحكام في هذه الصياغة معلَّلة ، على حين كانت في النموذج الأول صلبة ومغلفة وقطعية؛ ومن ثم فإن من يقرأ الصياغة الثانية، يتفاعل معها أكثر، وهي قادرة على إثارة التساؤل لديه.
2- هناك إجماع على أن المسلمين قد شيدوا حضارة عظيمة، ولا يتعارض هذا مع كون بعض جوانب تاريخها كانت رمادية أو مزعجة...
3- هذه الصياغة أكثر موضوعية وصدقاً؛ فالكسل عند بعض الشعوب ليس عامَّا، وهو ليس جزءاً من طبيعة أبنائها، وإنما هو وليد المناخ والتلخف وضعف درجة التصنيع...
4- تقدِّم هذه الصياغة الأمل في الإصلاح ووجود مخرج من التأزم على نحو ما نشاهده في تشخيص خلاف الرجل مع زوجته في البند الثالث، وعلى نحو ما نجده في توصيف أحد الآباء لحالة ابنه في البند الرابع.
5- وضع اليد على مكمن من الداء كما هو الشأن في البند الخامس؛ حيث وضّحنا أن القصور في السياسات، وليس النقص في الإمكانات، هو السبب الجوهري في اتساع الهوة بيننا وبين الغرب.
6- منحت هذه الصياغة حق الاختلاف في الأذواق، وهذا ما يؤسس للتعددية الثقافية، ويجعل الأرضية الثقافية المشتركة أعظم رحابة.
هكذا نجد أن النسبية الثقافية تساعد فعلاً على رؤية كثير من الأمور بطريقة جيدة، كما تساعد على أن نكون أقوم لله بالعدل، وأن نكون أشد موضوعية وصدقاً .







???

5- النسبية تسهل تجاوز القيم:

نحن نحاول هنا النظر إلى النسبي والمطلق بوصفهما وجهين لعملة واحدة؛ حيث لا معنى للنسبي من غير وجود المطلق، ولا معنى للمطلق من غير وجود النسبي، تمامًا كما أنه لا معنى للخير من غير وجود الشر، ولا معنى للشر من غير وجود الخير، وكما أنه للجمال من غير وجود القبح، ولا معنى للقبح من غير وجود الجمال... نحن مسلمين ننظر إلى القيم الكبرى على أنها ثابتة وراسخة، والمحافظة عليها تستحق التضحية، أما النسبية فإنها الشيء المتصل بالقيم لكنه غير عام وغير ثابت، أو هي الشيء الذي يحد من إطلاقيه القيم إلى درجة محقها بالكلية!
يقول أحد الباحثين شارحًا صورة من صور المآسي التي تركتها النسبية في الغرب:
كنت مرة أجلس أمام التلفزيون البريطاني، وشاهدن برنامجًا من برامج الأحاديث (توك شو) وكان يجلس على المنصة رجل وزوجته وأطفالهما مع إضافة بسيطة للغاية، وهو عشيق الرجل (نعم عشيقه لا عشيقته) الذي يعيش معهم تحت سقف المنزل، لكنة بموافقة الزوجة والأطفال، وقد واجه الجمهور إشكالية حقيقية، هي أن جميع أعضاء الأسرة موافقون على هذا الوضع الشاذ، فمن ناحية توجد الموافقة، وهي الشرط الأساسي والوحيد لأي علاقة جنسية في العالم الغربي ، ومن ناحية أخرى يوجد الشذوذ الذي يتسم به هذا الوضع، ومصدر المشكلة يكمن في عدم وجود مرجعية دينية أو أخلاقية أو إنسانية يؤمن بها الجميع، ويستمدون منها معياريةً ما، لهذا كلما كان أحد الحاضرين يحتج على شيء، كان الزوج الذي أحضر عشيقه ليعيش معه يرد بكل ثقة بأن زوجته موافقة وسعيدة، وأن أولاده أيضًا موافقون وسعداء، وإن أي تدخل في شؤونهم سيكون إهدارًا لحريتهم وحقهم في الاختيار! (?)، هكذا حين أعرضَ الغرب عن الوحي الذي يمنح المطلقات والثوابت صارت النسبية هي سيدة الموقف، وصار من الممكن لأمر شنيع جدا أن يكون سائغًا إذا تم برضا أصحاب العلاقة! ولعلنا نلاحظ أن من أكثر العبارات تداولًا في خطابنا اليومي: ((لكل واحد منَّا ظروفه الخاصة )) ، ((تمارس علينا ضغوط كثيرة، ولا بد من المرونة )) ، ((البيئة التي نعيش فيها لا تساعد على الصدق ولا على الاستقامة))... هذه التعبيرات وأشباهها
(?) رحلتي الفكرية ( 198 ، 199 ) بتصرف يسير.



مع أنها تعبر عن جانب من الحقيقة إلا أن الرسالة البليغة التي تنطوي عليها، هي: التمسوا لنا العذر، ولا تصدروا علينا حكمًا واحدًا، وهذا في الحقيقة هو جوهر التفكير النسبي، ونحن في حاجة إلى نوع من اليقظة العقلية حول هذه المسألة حتى لا نصاب بالترهل الأخلاقي، وأنا أعتقد أن الارتقاء بمستوى الالتزام بالأحكام والآداب الشرعية يحتاج إلى ثلاثة أمور: نسبة جيده من الأشخاص الأخلاقيين، ونظم تحرس الفضيلة، وأعراف وتقاليد صارمة تجاه التحلل الأخلاقي والانحراف السلوكي.

6- المطلق أساس في تفسير الماضي:
إذا كان فهم الواقع معقَّدًا وعسيرًا، فإن فهم الماضي والوقوف على أسباب وقائعه وأحداثه أشد عسرًا وتعقيدًا؛ وذلك لأننل نحاول استيعابه وتفسيره من خلال روايات كثيرة يشوبها التناقض والنقص، وبعضها يعاني من التزوير المتعمَّد، وكثير منها يعاني من نقص كفاءة المؤرخ في الإحاطة بالحدث وفي فهمه... وإذا رجعنا إلى كتب التاريخ الإسلامي وجدنا أن مؤلفيها اتبعوا – في الغالب – أسلوب السرد وسوق الأحداث دون تأمل في مضامينها ودون تعليل لها ودون ترجيح لرواية على أخرى، وهذا جعل الفائدة من قراءاتها قليلة؛ ومن هنا فإن اعتماد ( المطلق ) – وهو هنا السنن الربانية في الأنفس والمجتمعات – أساسًا في فهم التاريخ – سوف يكون عملًا مثيرًا وموثوقًا إلى حد بعيد، وسوف أشرح ما أراه في هذا الشأن عبر الأمثلة الآتية:

أ‌- لماذا حدثت الردة؟
حين توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ارتد معظم العرب، ومن المؤرخين من يقول: إن الذين ثبتوا على الإسلام هم أهل مكة والمدينة والطائف، وتفسير هذا واضح، وهو أن الذين ثبتوا على الإسلام هم الذين أتيح لهم التضلع من هديه صلى الله عليه وسلم وأتيح لهم الاحتكاك به، ثم إن دخول أهل مكة والمدينة استغرق وقتًا طويلًا نسبيًا؛ فنحن نعرف أن ثمار ثلاث عشرة سنة من العمل الدعوي الشاق في مكة المكرمة كانت عبارة عن إسلام بضع مئات من الرجال والنساء، وهذا العدد القليل جدًا بالنسبة إلى الأعداد التي دخلت فيما بعد؛ حيث يذكر علماء السيرة أنه بعد فتح مكة وانتهاء غزوة تبوك حدث يقين عند قبائل العرب بأن الإسلام قوة لأتُغلب، فما كان منها إلا أن أخذت


???
???



في التوافد على النبي صلى الله عليه وسلم حتى إن العام التاسع من الهجرة صار يسمى عام الوفود، كما قال جل شأنه: ( وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فىِ دِينِ اللهِ أَفْواَجًا ) [النصر:2] وقد ذكر بعض المؤرخين أن ذلك العام شهد قدوم قرابة ستين وفدًا على النبي صلى الله عليه وسلم من سائر أنحاء الجزيرة العربية، وقد كانت القبيلة كلها تسلم إذا أسلم رئيسها وأهل زعامتها، وإذا تذكرنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم قد توفي في الربع الأول من السنة الحادية عشره عرفنا أن ما أتيح له من الوقت من أجل تمكين العقيدة والدين الحنيف في قلوب المسلمين الجدد كان في حدود سنتين، وهذه مدة قصيرة جدًا في عالم التربية والتنشئة الأخلاقية.

المطلق في هذا الموضوع هو: أن ما يتكون بطريقة سهلة وسريعة يمكن أن ينتقض أيضًا بطريقة سهلة وسريعة، ولهذا المطلق من الاستثناء ما لغيره من المطلقات، ولكن العبرة بالغالب والنادر لا حكم له. وأنا أعتقد أن على الشباب الماضي في طريق المفكرين أن يحاول توسيع مدلول مثل هذا المطلق من خلال استخدامه في تفسير كثير من الأحداث الماضية والحاضرة.

ب – الجهل مصدر شرور:

كثيرًا ما نتعامل مع (العلم) على أنه الأصل؛ ولهذا فإننا نستغرب من جهالة الجهلاء، لكن الحقيقة الراسخة هي أن الأصل في الناس الجهل إلا إذا تعلموا، وقد ثبت بأن الخرافة والشعوذة والأباطيل والأوهام موجودة ومقيمة على نحو دائم كما يقيم الظلام في كهف عظيم، أغلق بابه بإحكام، وكما أن النور هو الذي يبدد الظلام، فإن العلم هو الذي يبدد الخرافة، ورحم الله ابن القيّم حين قال: (( الجهل شجرة تنبت فيها كل الشرور ))

لو تأملنا في حالنا اليوم لوجدنا أن لدينا عددًا هائلًا من المدارس، ومع هذه فنسبة الأمية لدى المسلمين مازالت في حدود (??% )، فكيف كان الحال إذن يوم لم يكن التعليم إلزاميا؛ بل لم يكن هناك مدارس حكومية؟ وكيف كان الحال لما كان السواد الأعظم من الناس أميين، وكان مستوى ما لدى معظم المتعلمين منهم من معرفة لا يتجاوز مستوى ما لدى طالب في الصف الخامس الابتدائي في هذه الأيام؟

???


الذي أود أن أؤكد عليه هنا هو أن البنية العميقة لعقول البشر هي بنية خرافية ، وإن التخلص منها يحتاج إلى الكثير من العلم الجيد والتربية المنهجية الراشدة، وبما أن هذا لا يتوفر بالقدر الكافي في كثير من الأحيان فإن عقول الناس تظل عند رؤوس أصابع الوهم والخرافة، ويمكن لها القبض عليها حين تسنح الفرصة. والان كيف يمكننا الاستفادة من هذه السُّنة في تفسير التاريخ؟

في الجواب على هذا التساؤل أشير إلى الاتي:

الناظر في تاريخنا يلحظ وجود أعداد كبيرة من المذاهب المختلفة، ويلحظ في كثير منها أقوالا وآراء مضحكة وضاربة في الخرافة، وإن إلقاء نظرة سريعة على ما كتبه ابن حزم والشهر ستاني في الملل والنحل، تجعل المرء يُدهش من كثرة ما أنتجه الجهل والهوى من آراء فاسدة وبعيدة كل البعد عن الصواب ، ولو تأملنا في وضعنا اليوم حيث ينتشر العلم ، ويتحسن الوعي ، فإننا سنجد أنه ليس لدينا ولا عُشر النّحَل والمذاهب التي مزقت وحدة الأمة على مدار القرون العشرة الأولى من تاريخ الإسلام، ولا غرابة في هذا، فإن انتشار العلم الصحيح يجعل المجال أمام الفكر المنحرف والرأي الفطير ضيقُا.
في حالة التقدم الحضاري تكون المعرفة هي مركز السلطة ، وهي أداة التوجيه والتفكير والضبط المجتمعي ، وحين ينتشر الجهل تصبح القوة المسلحة هي أداة السيطرة والتحكم ، ومن هنا فإن انحسار العلم في مجتمعاتنا على مدى عصور الانحطاط أدى إلى انحسار التفاوض السياسي والحلول المتوسطة، وصار السائد هو الحرب الأهلية، فما تكاد تهدأ ثورة في بلد حتى تنفجر ثورة في بلد اخر ونحن نلاحظ اليوم كيف أن الحروب الطاحنة و المدمرة تجري في البلاد البعيدة عن تيار الحضارة على حين أن الدول المتقدمة أوجدت أرضيات مشتركة للوئام الاجتماعي ، وحلت مشكلات الحدود مع جيرانها وتفرغت للتنمية وتلبي احتياجات الناس.
الخلاصة: العلم يساعد الناس على حل مشكلاتهم والوصول إلى حقوقهم من غير إراقة الدماء, أما الجهل فيدفع إلى الاقتتال الخالي من الرحمة، ليجدوا بعد مدة أنهم أراقوا دماء ، ولم يحصلوا على الحقوق !

-إن سلاح العقل هو العلم ، وعقل بلا معرفة جيدة، أشبه بجنديِّ أعزل ، ومن هنا فإن ضغف السوية العلمية لدى الإنسان تّجعله أسيرّا لعواطف ومشاعره، ونحن نعرف

???

أن العواطف عمياء ، وميالة الى التطرف ، وإن العقل المثقف هو الذي يبقها في الحيز الإيجابي ، ويحول بينها وبين ان تكون طريقًا للغلو والانتقام ، وقد كان الناس في الجاهلية يتصرفون تحت ضغط عواطفهم وحرب (داعس والغبراء) دليل واضح على ذلك ، وحين جاء الإسلام وأنار العقول والقلوب ثاب الناس إلى رشدهم ، لكن بعد مرور ستة او سبعة قرون ، فَقَد العلم ما كان له من توهج ونفوذ في المجتمع وعمَّ الجهل ، فعاد الناس إلى عادات الثأر القبلي ، وصارت الافعال وردود الأفعال على المستوى الاجتماعي أكثر خضوعًا لفورات العاطفة منها لأحكام العقل. ومن الملاحظ اليوم أن الشخص المتعلم - رجلاً كان أو امرأة – أشد سيطرة عل عواطفه من غير المتعلم وذلك لأن العلم يُرشد المرء إلى النقطة التي يجب أن يتوقف عندها الانفعال.

-الجهل مصدر للتناقض ، إذ إن النسان يستطيع ولو لم يكن متعلمّا ، كشف التناقضات الكبرى أو البديهية ، مثل أن يكون الإنسان داخل داره وخارجها وأن يكون جائعاً وشبعان وطفلًا وشيخا000 في آنٍ واحد أما التناقضات المتعلقة بالمعتقد والسلوك والحكم على الأمور فإن كشفها يحتاج إلى قدر من العلم والمعرفة ، ومن هنا فإنا نجد الأميين وأشباهم يناقضون أنفسهم بأنفسهم ، وكم رأينا من المسلمين من يقول : إنه يحب الله ورسوله وإن روحه فداء للإسلام ، وهو لا يصلي ، وربما شرب المسكر!!!

إن الجهل الذي يخيم عليه يمنعه من فهم مقتضيات ادعاء حب الله وروسه ، وهي القيام بالواجبات والكف عن المعاصي ، كما أننا رأينا من يضرب زوجته ويشتمها بأقذع الألفاظ ، ثم يدعي أنه يحبها حبًّا جمّا، ولا يستطيع العيش من دونها00 أما المتعلم فإنه يحاول على نحو دائم أن يكون منسجمًا مع نفسه، وأن يوجد نوعا من الانسجام بين ما يقول وبين ما يفعل .

وإذا عدنا إلى التاريخ وقرأنا أحوال الناس ، فسترى أن ما لديهم من تناقض أكبر بكثير مما هو موجود الآن ، وقد قال ابن الجوزي المتوفي سنة (597 ه) في كتابه (صيد الخاطر): وفي زماننا من لو جلدته حتى يفطر رمضان ما أفطر ولو انك جلدته حتى يصلي ما صلى ! وهذا مع ان الصلاة اهم وإن في زماننا هذا من العامة من هو نموذج مطابق لمن ذكرهم ابن الجوزي !





-الجهل مصدر للخوف والتوهم من أشياء لا يقول بالخوف منها عقل ولا نقل ، وإن العامة قد توارثوا جيلاً عن جيل الخوف من كثير من الأشياء التي لا يخاف منها من لديه حظ من العلم , إن لديهم خوفاً شديداً من الجان والعفاريت ، وهم يتحدثون كثيراً عن رؤية بعض الاشباح , كما أنهم يخافون من ذكر بعض الأمراض توهمًا منهم أن المرض إذا ذُكر حضر، أو صار الناس مهيئين للإصابة به ، وكم رأينا من يقول عمن ابتلي بالسرطان: إنه مصاب بذاك المرض، وهناك من يخاف من أن يعير صحناً او قدْرَا في معين من الأسبوع، ومن يخاف كنس البيت , ومن يخاف من قص اظافره في وقت معين من اليوم000 كلما رجعنا إلى الوراء رأينا هذه الامور أشد رسوخاً في نفوس الناس بسبب فشوّ الجهل ، و إذا نظرنا في واقعنا اليوم وجدنا أن كل هذا قد اختفى تقريبًا إلا في البيئات الجاهلة والتي تشكل امتداداً للبيئات الجاهلة عبر التاريخ. لهذا كله ندرك الحكمة البالغة في كون أول كلمةٍ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي كلمة (اقرأ) لنقرأ حتى نعرف ربنا وديننا، ولنقرأ حتى نشعر بالأمن ونعرف كيف نحقق مصالحنا وننال حقوقنا من غير اقتتال.

ج- تاريخنا صراع بين المبادى والظروف الصعبة:

أكرم الله - جلّ شأنه- هذه الأمة بدين ، هو آخر الاديان وأكثرها تفصيلاً في شؤون الحياة وقد صارت تعاليم الإسلام الحنيف بالنسبة إلى المسلم هي السراج الذي يضيء له الطريق، وهي الزاد الروحي الذي يعينه على المسير وهي الأداة التي يغالب بها مشاقّ الحياة على حين أن الأمم التي لم تظفر بالهدي الرباني وتلك هي حرفته وأجهضته من كل معانيه الأساسية – صارت في حالة واسعة من الحيرة والاضطراب وفقدت المرجعية التي يمكن أن تحتكم إليها في حسم النزاع في الكثير من الأمور ولهذا فإن علينا ونحن نحاول فهم التاريخ الإسلامي أن تركز على قطعيات الدين بوصفها ثوابت ومطلقات تتعارك مع شهوات النفوس وصعوبات الحياة والظروف اغير الملائمة ولعلي المس في هذا الإطار الأمور التالية:

الصعيد الاجتماعي: من الامور المطْلقة في الحياة العامة وجود نوع من المفارقة بين ظاهر المجتمع

???


وباطنه ، وهذا موجود لدى كل الأمم؛ إذا إن الناس يعملون في السر أمورًا يستحيون من ممارستها في العلن، وهناك نصوص تحث على عدم المجاهرة بالمعصية على ما هو معروف ومشهور ، والنسبة إلى الإسلام فإن هناك نوعًا من الخصوصية في هذا الشأن ؛ حيث إن إيمان المسلم باللَّه -تعالى- ويقينه بأنه مطلع عليه... يدفعه إلى أن يكون مستقيمًا في سرِّه وعلانيته؛ بل إن الإخلاص والورع يدفعان بالمسلم إلى أن يحرص على أن يكون باطنه خيرًا من ظاهره ، هذا من ناحية ،ومن ناحية أخرى فإن كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحتساب على العصاة من معالم الحياة الاجتماعية في الإسلام ، فإن هذا يدفع بمن خفّ لديهم الوازع الديني إلى أن يكون ظاهرهم خيرًا من باطنهم، أي أن يكون سلوكهم في بيوتهم وخلواتهم تبعًا لشهواتهم، وأن يكون سلوكهم الاجتماعي العام منضبطًا بالعرف الصالح وبآداب الشريعة الغراء، ولدينا شيء مهمٌ جدًّا في هذا الشأن ، هو أن كثيرًا من الناس في الماضي كانوا يعيشون في قرى صغيرة ، أما في المدن فإن الذين ينتمون إلى عائلة أو قبيلة واحدة، كانوا يميلون إلى السكنى في حيِّ واحد ، وهذا يجعل سلطان العرف أقوى؛ حيث يراقب الناس بعضهم بعضًا بسهولة، ويجعل الخوف من الفضيحة كبيرًا ، والخلاصة : هي أن السلوك الشخصي للناس في بيوتهم وخلواتهم يظل محكومًا بما لديهم من إيمان حيّ وبما تلقوه من تربية رشيدة في حياتهم الأسرية ، أما سلوكهم الاجتماعي المعلّن والظاهر فإنه يظل محكومًا بمدى اهتمام الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالبيئات التي يسكنون فيها؛ فالبيئات كلما كانت أضيق كان سلوك الناس أميل إلى التحفظ ومراعاة العرف والعكس صحيح.
ما الذي يعنيه كل هذا؟
إنه يعني الآتي:
1- قراءة الأحوال الاجتماعية في أي مرحل تاريخية هي قراءة ظنية اجتهادية؛ ولهذا فإن علينا توقع الخطأ، كما أن علينا أن نكون رفيقين في أحكامنا حتى لا نظلم أحدًا، وحتى لا نقع في قبضة التصلب الفكري.
2- السلوك الشخصي والاجتماعي لمعظم الناس في الخفاء يكون أقل استقامة من سلوكهم على الملأ.

3-
حين ينتشر الجهل وتعم القلاقل الداخلية، فإن الوعي بالمضامين الحضارية يصبح ضعيفًا، وتقوم التربية حينئذ على اتخاذ العادات والتقاليد والأعراف محاورَ تدور في فلكها أدبيات التربية، كما أن المجتمع يرضخ لها رضوخًا شديدًا، وهذا ما نلاحظه في القرون السبعة الأخيرة-على الأقل- من تاريخ المسلمين، ولا شك أن الوضع قد تحسّن في الخمسين سنة الماضية تحسنِّا كبيرًا.

4- كان المصلحون على مدار التاريخ الإسلامي يشكون من قلة المربين الجيدين ومن قلة الأسر المؤهلة لأن تربي أبناءها تربية جيدة، وهذا يجعل تأثير الوازع الداخلي في السلوك أقل من تأثير الضغط الاجتماعي وضغط الظروف الصعبة، ولن أملَّ من التأكيد بأن هناك دائمًا استثناءات كثيرة، ونحن نتكلم عن الطابع العام، أو ما يشكل ظاهرة.

5- في القرى والبيئات الضيقة يمشي الشخص في الشارع وهو مراقَب من قِبل عشرات الناس الذين يعرفونه، على حين أنه قد يمشي في مدينة كبرى ساعة دون أن يلتقي بأحد شاهده من قبل، ومن هنا فإن رقابة المجتمع في القرى تكون صارمة جدَّا ، ويخشى الناس على سمعتهم خشية شديدة ، وهذا يعني أن الهوة التي تفصل بين السلوك الخفي والسلوك المعلن في الشارع ، تكون في العادة كبيرة، وتضيق تلك الهوة في المدن بسبب ضعف رقابة الشارع ، وهذا هو الذي يفسّر الظاهرة التاريخية البارزة ، وهي أن النساء في الريف الإسلامي-على نحو عام- يغطين رؤوسهن وكل بدنهن مع أن المرأة الريفية قد تكون غير مهتمة بإقامة الشعائر ، أما في المدن الكبرى – كما هو مشاهد اليوم- فإن الناس يجدون مساحات أوسع للتعبير عن معتقداتهم وخصوصياتهم.

* الصعيد السياسي:
للَّه سنن في كل مجال من مجالات الحياة وكل شأن من شؤونها، وهذه السنن هي ما سميناها بالمطْلَقات؛ لأنها ماضية في توجيه حركة البشر إلى يوم الدين، وبما أن المجال السياسي هو مجال قيادي بين المجالات، فإن فهمه يستحق اهتمامًا خاصَّا؛ وحيث إن المطلقات فيه كثيرة، فإني سأعرض لأهمها عبر الآتي:
1- الشورى ركن ركين في الحياة العامة وفي الحياة السياسية خاصة، وهي في الإسلام أسلوب حياة، بمعنى أن المسلمين يتشاورون في كل شؤونهم على كل


المستويات وفي كل المجالات، وهذا ما أشار إليه قول اللَّه – تعالى -: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الشورى: 38].
والمطلق في مسألة الشورى هو أن اللَّه فطر الخلق على السمع والطاعة والتفاعل والإذعان في الأمور التي يشاوَرون فيها؛ لأنهم يشعرون أنهم يفعلون ما هم مقتنعون به، أو ما هو قناعة لأكثرهم دون إجبار أو إكراه ، أما حين تُسن النظم، وتصدر القرارات بعيدًا عن الناس ، فإنهم يرون في الامتثال لها مصدرًا للإهانة ، ونحن نعرف كيف كان نبينا يستشير أصحابه حتى في بعض ما يشبه أن يكون شأنّا شخصيًّا له – كحادثة الإفك مثلًا – كما نعرف أن الخلفاء الراشدين مارسوا الشورى على نطاق موسَّع جدَّا ، وذكر ابن كثير عن عبدالرحمن بن عوف أن أعضاء الشورى التي شكّلها عمر لاختيار خليفة بعده، أوكلوا الأمر إليه كي يستطيع آراء الناس في ترجيح واحد من اثنين بعدما انحصر الاختيار بينهما ، فأخذ عبد الرحمن يتعرف على آراء رؤوس الناس حتى خلُص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الوِلْدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بليالهن ، فلم يجد اثنين في تقدم عثمان بن عفان إلا ما يُنقل عن عمار والمقداد ، فإنهما أشارا بعلي، ثم بايعا مع الناس . بعد عصر الخلفاء الراشدين أخذت رقعة الدولة الإسلامية تتسع اتساعًا عظيمًا، وكان ذلك يقتضي توسيع دائرة الشورى وتنظيمها لتعبر عن إرادات الشعوب الإسلامية، لكن الذي حدث هو العكس؛ حيث تمّض تهميش أهل الحل والعقد، ومن يستشار منهم يستشار في غير الأمور الجوهرية، وليس لرأيه أي قوة إلزامية، وقد كان هذا معولًا من أقوى المعاول التي هدمت في صرح الحضارة الإسلامية العتيدة. إن الناس مهما كانت درجة معرفتهم متدينة، ومهما كان تدينهم سطحيًّا، فإنهم يظلون أقرب إلى الرشد في حسم أمورهم والدراية بمصالحهم.
2- إذا كان الإنسان لا يشبع من المال مهما كثر وفاض، فإن الدولة لا ترتوي من النفوذ والتوسع والتحكم مهما امتد وتضخم، هذه سنة من سنن اللَّه -تعالى- في الحكومات، سواء أكانت مسلمة أو غير مسلمة، متقدمة أو متخلفة، ويشير إلى هذا قول اللَّه -تعالى -: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الّرِزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ[الشورى :27]،


وقوله: إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى??? (6) أَن رَّءَاهُ اسْتغْنَى? [العلق: 6،7]]، إن البسط في المال والجاه والقوة والسلطة والذكاء والمنصب ورفعة النسب ... إن كل ذلك يُغري الإنسان بالتمدد والبغي، ويدفعه دفعًا إلى تجاوز الحدود مالم يوجد رادع من دين أو خُلق أو مانع من أي نوع ... وعلينا أن نقرأ تاريخنا من أفق هذا (المُطْلَق) أي نحاول البحث عن مدى صلابة الرادع الذي كان يردع كبار موظفي الدولة عن البغي والعدوان والظلم والفساد واستغلال السلطة. وهناك ملاحظة ذكية تضفي شيئًا من التفصيل على هذا، وهي أن الدولة كلما كانت صغيرة ومستقرة أمكن ضبط أمورها، ووضع حدود لتجاوز موظفيها، كما أن الدولة كما أن رأس الدولة الصغيرة حين يكون صالحًا يحتاج إلى القليل من الأعوان والمساعدين، ويمكن أن يحصل عليهم، لكن بالعثور على ملايين الموظفين الممتازين أمر صعب جدًا، وواقع الأمم اليوم يشير إلى شيء من هذا لمن يحب أن ينظر، ويقرأ، ويحلل.
قد كان الحل لمعضلة بغي الأقوياء يكمن في حرية النقد للتصرفات الخاطئة وفي الرقابة الاجتماعية على شاغلي الوظائف العامة، وحين يتَّوج ذلك باستقلال القضاء تكون الأمة قد حصلت على كثير من الضمانات لاستقامة أمور الدولة، لكنَّ ما تراكم من خبرات ومعارف في هذا الشأن كان ضعيفًا جدًا في الأزمة الماضية ؛ ولذلك لم تستطع الدول الإسلامية المتعاقبة إيجاد صيغة يعبِّر من خلالها الناس عن آرائهم دون ممارسة العنف؛ ولهذا ابتليت المجتمعات الإسلامية بثورات وفتن داخلية لا حصر لها ، ويكفي أن نقول : إن ثورة الزنج- على ما ذكر بعض المؤرخين- استمرت خمسة عشر عامًا أيام العباسيين ،وقُتل فيها نحو مليون ونصف من الأنفس ، وهذا أضعف الدولة والمجتمعات الإسلامية على حدٍّ سواء ، ولم يتوقف الفساد والظلم؛ لأن الحروب الداخلية لا تقضي على الفساد، وإنما توفر فرصًا جديدة له.
3- في علم السياسة: كل شيء فردي إذا صار جماعيًا صار سياسياًّ، أي كل نشاط فردي مهما كان نوعه -ولو قيام الليل- يظل غير مهم إلا إذا تحوّل إلى نشاط جماعي، فإنه يصبح في نظر الحكومات ذا بعد سياسي، ويصبح بالتالي مُقلقًا، وإذا تضخم إلى حد كبير ولَّد الشعور بالخطر، وهذا المطلق موجود أيضًا لدى كل الدول وفي كل الأزمنة، ويكمِّل ذا المطلق مطلقٌ آخر، هو أن الحكومة مهما كانت صالحة


ومستقيمة، ومهما كان أداؤها ممتازًا ومتقدمًا، فإنها لا تستطيع الحصول على الإجماع؛ وذلك لأنه سيظل هناك من يتأذى من إقامة العدل وتشييد صروح الحق، ورحم اللَّه الماوردي حين قال:
إن نصف الناس أعداء لمْن ولِّيَ الأحكام هذا إن عدل
كما أن بعضًا من إجراءات وتصرفات أي دولة مهما كانت صالحة، يظل مثيرًا للجدل لدى بعض الناس، ويظل قابلًا للتأويل السيئ والقراءة غير النزيهة، وهذا المطلق يفسِّر النزاعات المستمرة في تاريخنا الإسلامي بين أهل العلم والفكر والدعوة وبين رجالات الدولة؛ وذلك لأن العلم يؤسس لأصحابه سلطة، ويجعل منهم منافسين أقوياء لأهل السياسة، وهذا موجود لدى كل الأمم وفي كل الأزمنة.
4- الاضطرابات الداخلية والحروب والنزاعات الخارجية، تُضعف من قدرة الحكومة على سن القوانين وإنشاء النظم والأحكام إلى الثقافة في تسيير أمور المجتمع، وتُلجئها إلى استخدام القوة والعنف، وذلك أن خوض الدولة للحروب مع دول أخرى وتمددها في أراضي الآخرين -كما حصل للدولة الإسلامية في عدد من المراحل التاريخية -ووجود قلاقل واضطرابات داخليه، مما يصرف وعي الدولة نحو امتلاك أكبر قدر من القوة المسلحة مستشعرة قداسة الدفاع عن الوجود واستمرار الكيان، ويترتب على هذا العديدُ من الأمور، أهمها أمران:
أ‌- يكون هناك نوع من ضعف الاهتمام بالحياة المدنية، على مستوى القضاء والصحة والتعليم، وتضعف الرقابة على تطبيق النظم والقوانين، وهذا يؤدي إلى توسع رقعة الفساد.
ب‌- حين تتضخم القوى المسلحة تبدأ بفرض مصالحها على الأجهزة السياسية ، وتسعى رويدًا رويدًا إلى عسكرة الحياة العامة، واللجوء إلى القوة في حل الإشكالات التي يمكن حلها في الأصل عن طريق السياسة و (الدبلوماسية ) ، وذكر بعض الباحثين في حركة الفتوح الإسلامية أنه قد لوحظ بعد انقضاء القرن الأول الهجري أن اهتمام كثير من قادة الجيوش الإسلامية بإسلام أهل البلاد التي دخلوها صار ضعيفًا ، ولهذا فلم نعد نسمع بعرض الإسلام عليهم، فإن أبوا طُلبت منهم الجزية، فإن ابوا قُوتلوا، كما هو الحكم الشرعي في ذلك، وإنما صار القتال هو الشيء الذي


يبدؤون به حرصًا على الغنائم، وقد كان ذلك من أجل مصلحة الجيش، وليس من أجل مصلحة الدولة أو الأمة.
كنت أود لو تتسع المساحة أمامي كي أذكر كيف أثّرت السُّنن التي أشرت إليها في مسيرة التاريخ الإسلامي ، وكيف أدى عدم مراعاتها إلى توقف الحضارة الإسلامية عن العطاء، لكن هذا غير متاح الآن ؛ فعلي أبحثه على نحو مستقل في يوم من الأيام بحول اللَّه وطَوْله، هو أن طبيعة السنن و (المطلقات) التاريخية والاجتماعية، غير صارمة ، وهي- كما أشرنا من قبل – أقل صلابة من السنن الطبيعية كسنن الفلك والفيزياء والكيمياء ، وعلى سبيل المثال فإن عدم تنظيم الشورى على النحو المطلوب وعدم جعلها ملزمة في أي مرحبة من مراحل التاريخ الإسلامي -فيما نعلم- لم يكن له تأثير واحد، فإذا كان الخليفة أو السلطان صالحًا تقيًّا ذا كفاءة عالية كان ضرر ذلك أقل بكثير مما لو كان غير صالح أو غير كفء ، وهذا ما نقصده بتعانق النسبي مع المطلق في القضايا الإنسانية .
الشيء الذي أو التأكيد عليه، هو أن فهم طبائع الأشياء والسنن الربانية في الخَلْق يشكل العمود الفقري للتفكير المنهجي الموثوق، وإن من الصعب جدًا أن نرى شخصًا يمكن أن نطلق عليه لقب مفكر، وهو ضعيف الحساسية نحو هذه القضية؛ ومن ثم فإن الإبحار فيها يأتي بما ل يمكن تقديره من الفهم والبصيرة؛ وللَّه المنة في الأولى والآخرة.


* * *
















المعرفة وقود العقل
العقل آلة جبارة وعظيمة , ميّز الخالق – جل وعز – الإنسان بها عن سائر الحيوان , وهذا لا يعارض كونه محدوداً , كما لا يعارض افتقاره افتقاراً شديداً إلى العلم والخبرة كي يقوم بعمله , أو حتى يكون لعمله قيمة ومعنى . أحياناً نشبّه العقل بالسراج , ونشبّه ما ندخله عليه من معلومات ومعارف بالزيت الذي نزوده به حتى ينير , ويقوم بوظيفته , وأحيانا نشبّه العقل بـ ( الرحى ) ونشبّه العلم بالحبوب التي نضعها فيها حتى يكون لدورانها معنى أو فائدة , وهذا التشبيه جيد وواضح , فهو يدل على أن للرحى والسراج وجوداً مستقلاً عن وجود الحبوب والزيت , كما يدل على أن كل منهما يحتاج إلى غيره , ويعمل في نطاقه , ونحن نعلم حين نزوّد الرحى بحب فاسد أو مخلوط بالتراب , فإن الطحين سيكون كذلك , وحين نزود السراج بزيت عكر , أو فيه شيء من الماء فإن ضوءه لن يكون صافياً , إنما سيخالطه شيء من الدخان , وكذلك العقل يُنتج الأخطاء والأوهام والضلالات حين نزوّده بمعلومات خاطئة أو مضللة , لكن العقل يختلف عن الرحى وعن السراج من بعض الوجوه , فهو لا يكف عن العمل , ولا يتوقف عن النظر والاستنتاج , ولو لم نزوّده بالمعارف المطلوبة , كما أنه – كما أشرنا من قبل – قادر على محاكمة بعض المعلومات واتخاذ موقف منها , ولا يستطيع السراج وكذلك الرحى التحكم بالزيت والحَب ، إذن نحن أمام مشهد معقد للغاية ، وحسم كثير من تفاصيله مازال غير ممكن ، ولله الحكمة البالغة في كل ذلك .
الآن سأقوم بذكر بعض القواعد والملاحظات التي توضّح أهمية المعلومات والمعارف المطلوبة لرشاد العقل وفاعليته ، وتوضّح كذلك نوعية المعلومات التي نحتاج إليها ونوعية العلاقة بينها وبين العقل ، وذلك عبر المفردات الآتية :
1- إن الذي يسعى إلى أن يكون مفكراً يُعتدُّ به محتاج إلى أن يكون اشتغال دماغه مختلف عن نوعية اشتغال أدمغة معظم الناس ، وهذا يخضع لعدد من الشروط ربما كان أهمها : التغذية المستمرة بالمعلومات ، والمعارف المتجددة . إن العقل من غير وافدات معرفية جديدة يستطيع أن يفكر ، لكن المعطيات التي يعمل عليها تكون متقادمة ، ولهذا فإن أحكامه لا تكون دقيقة ، وأحياناً خاطئة ،
تصور معي رجلا جاء ليطلب منك الموافقة على تزويج ابنتك لابنه الشاب ، وسارعت إلى الموافقة لأن أهل الشاب كانوا جيرانك قبل خمس عشرة سنة ، وكان الشاب وقتها في المرحلة الابتدائية ، وكان من رواد المسجد ، وبعد الزواج تبين أن الشاب لا يصلي كيف سيكون الموقف ؟ الموقف موقف ندم وأسف على التعويل على خبرة قديمة ، ليس هناك أي ضمان لاستمرارها ! العقل من غير معرفة هباء وإن لدينا ما لا يحصى من الشواهد التي تشير إلى أن الشاب الذي لديه ذكاء متوسط مع تحصيل علمي ممتاز يستطيع أن يحقق نجاحاً أعظم من شاب مفرط الذكاء لكنه غير مهتم ولا متعلم ولا متابع للمعرفة الجديدة . إن العصر الذي نعيش فيه مختلف عن كل العصور ، حيث إن التقدم التقني لم يعد يستند إلى وفرة المواد والموارد البشرية – وهي بطبيعة الحال ليست متوفرة بالقدر الكافي – وإنما صار يعتمد على الذكاء الإنساني وعلى المهارات الفنية الراقية كما يعتمد على المعرفة والقيادة ، وهذه كلها متوفرة ، أو يمكن الحصول عليها ، لكن بشرط توفر الوعي بقيمتها وأولويتها ، وهذا ماتعاني منه الدول النامية ، وتلك الدول التي تُنتج التخلف !
2- العمل في البحث العلمي وفي استخدام المعلومات ومعالجتها يستقطب المزيد من المهتمين والموظفين ، ولا عجب في هذا فالتطور التقني المذهل هو نتيجة وجود جيوش من الباحثين في شتى المجالات ، المهم هنا أن البيانات والمعلومات والأرقام صارت مطلوبة بشدة اليوم ، والشيء إذا كثر تداوله او اشتد الطلب عليه فإنه يتعرض للتخليط غير المقصود وللتحريف المقصود ، ومن هنا فإن علينا أن نتأكد من سلامة المعلومات التي ندخلها إلى رؤوسنا كما نتأكد من سلامة الطعام الذي ندخله إلى بطوننا ، وهذا يعني – فيما يعنيه – الآتي :
أ / الحرص على أخذ المعلومة من مصدرها الأساسي كلما كان ذلك ممكناً ، ونحن نعرف أن علماءنا القدامى – كما أشرت من قبل – كانوا يحرصون على علو الإسناد ، والذي يعني قلة عدد الرواة بين الشيخ وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه كلما قل ّ الرواة قلّت فرص التحريف والتخليط و ( ما راءٍ كمن سمعا ) .
ب / الحرص على تلقي المعلومات من المتخصصين المشهود لهم بالجدارة والخبرة المرموقة ، فالباحث المحقق قد يخطئ لكن خطأه خطأ المجتهدين الذين إن لم لم يضعوا الموسي على المفصل وضعوها قريباً منه .
ج / الأفكار والمعلومات والمصطلحات والتعريفات ، تعبر عن حقائق ووقائع ومدركات ، لكن البشر هم الذين يصوغونها ويُخرجونها ، ويقدمونها لبعضهم ، ولهذا فإنها تظل تعبر عن شيء شخصي وذاتي ، وذلك بسبب خضوعها لمعالجة أناس لهم رؤاهم وعواطفهم وأهواؤهم وقصورهم ، ومن هنا فإن من المهم أن ننتبه إلى ( السياق ) الذي تصاغ فيه الأفكار ، وتساق فيه الأخبار والمعلومات ، وعلى سبيل المثال فإن علينا أن نحذر من التحريف والتزيد والتخليط في الآتي :
- من الواضح أن العلم يساعد الإنسان على ممارسة نوع من الرقابة على عواطفه ، وهكذا فكل ما كانت الحصيلة العلمية للمرء أعظم كانت قدرته على الفصل بين أفكاره وآرائه وبين عواطفه أكبر والعكس صحيح مع الأخذ بعين الاعتبار أن التحرر الكامل من تأثير العواطف على أحكام العقل غير ممكن ، إن الجاهل لا يملك من دقة الفهم والتمكن من اللغة ما يجعله ينقل ما سمعه أو يعبر عن مما أدركه على النحو المطلوب .
- ما يقال في سياق المدح والفخر والاعتزاز ، إذ إن القائل يحرص على إبراز تفوق نفسه أو تفوق من يثني عليه ، وهذا الحرص يدفع إلى تجاوز الحقيقة ، وهم يذكرون أن أحد الشعراء مدح أحد الوجهاء فأطنب في المديح ثم حدث بينهما جفوة فقال شعراً وأقذع في الهجاء فلما كلمه أحدهم عن سبب ذلك التناقض قال رضيتُ فقلت أحسن ما أعلم ، وغضبتُ فقلت أسوأ ما أعلم ! إنه كان يفتقر للاتزان والإنصاف في الحالتين .
- ما يقال في وقت الغضب ، وما يقال عند دفع المرء لاتهام وجّه إليه في حالة الغضب يفقد جزءًا كبيراً من سيطرته على لسانه ، كما أن المتهم يتجاوز حدود الموضوعية ويتجاوز ما هو راسخ من الحقائق في سبيل الحصول على البراءة ودفع التهمه ، وهذا مفهوم .
- الحقائق والأفكار حين توضع في سياق إعلامي : حوار ، حديث شخصي مباشر ، دعاية .. تتعرض لضغط جديد ، وتنال حظها من التزيد والتشويه ، وقل مثل ذلك عند ارتباطها بمصالح مادية ، وإن بعض الناس مستعد لأن يحلف يميناً كاذبة من أجل الحصول على مبلغ زهيد ، والمشكل أن فن الدعاية والإعلان من أوله إلى آخره قائم على المبالغة واختلاق فضائل غير موجودة ، ولهذا فإن ما يقال في الإعلانات التجارية كثيراً ما يجافي الحقيقة
- هناك أشخاص أوتوا قدرة كبيرة من التحدث عن أمور كثيرة وفي كل المجالات مع حلاوة في اللسان واستحضار للطرفة الذكية ، وهؤلاء يسيطرون في أحيان كثيرة على المجالس ، ويستمتع الناس بحديثهم وكثير من هؤلاء يسوقون لك الكثير من الطرائف والعجائب والغرائب التي حدثت معهم أو سمعوها ممن حدثت معهم ... وحين تستمع إليهم تُدهش من أنه لا يجري معك ما جرى معهم ، وتُحار في تأويله وتفسيره . لا بد أن نتعرف أولاً أن الناس في ظروفهم وفي قوة ملاحظتهم ليسوا سواءً، لكن علينا أن نقول أيضا : إن ما يخالف الشائع والمألوف حتى يدخل في حيز الغريب والمستهجن يستحق منا وقفة حذر وتأمل ورحم اللخ – تعالى – الإمام أحمد ابن حنبل حين قال : (( اتقو هذه الغرائب ، فإن عامتها مناكير )) . وأذكر أني كنت قبل سنوات في بيت الله الحرام وقد جلس الى جواري رجل متحمس للجهاد الأفغاني حماسة قوية ، وحين سألته عن أخبار الناس هناك قال لي : أبشر فقد تمكن المجاهدون من قتل خمسة آلاف جندي أمريكي خلال أيام قليلة ولكن الإعلام العالمي لا ينشر ذلك ! قلت في نفسي : هل كان أولئك الجنود في ملعب لتشجيع لا عبي كرة القدم ، أو كانوا في عرس لابن أحد الوجهاء العظام ؟ ثم إن ذلك لو حدث فإن خبر قتلى بهذا الحجم الضخم أكبر بكثير من أن يتمكن أحد من التستر عليه .
3 – الإنسان صانع للمعرفة ولديه الكثير من أسرارها وخباياها ، ان لديه ما يقال وما لا يقال ، وما يستحق النشر وما لا يستحق النشر ... ومن ثم فإن اللقاء بأهل العلم والتجربة والخبرة يشكل مورداً مهمًّا لاكتساب المزيد من المعارف والخبرات التي قد لا نحصل عليها في الكتب ، قد يكون لدى العالم تعليقات حول بعض الأفكار والمواقف ، لكنه – حوفا من شيء ما – لا يرى التحدث عنها في الملأ ، وقد يكون لديه ملاحظات علمية دقيقة وتجارب وخبرات شخصية ، لا يرى من المناسب أن تنشر وإن كثيرا من العلماء يحبون نقل العلم إلى غيرهم عن طريق الكلام المباشر ولا يميلون إلى التأليف الى جانب كل هؤلاء هناك أشخاص منخرطون في الإدارة أو التجارة أو الصناعة أو السياسة .. ولديهم خبرات مهمة جدا ويصعب الحصول عليها من غير الاحتكاك بهم ، من هنا فإن زيارة أهل العلم ومجالستهم ومحاورتهم ذات فائدة عظمى ، إن كل واحد منا بحاجة إلى ذلك ، وإن ترتيب زيارة لأحد العلماء او الخبرات كل شهر يعد عملا ً مثمراً . وحبذا لو ان المدارس والجامعات تقوم بالتواصل مع أهل العلم والخبرة والقيادة من اجل ترتيب زيارات لهم من قبل طلابها فهذا أنفع لهم من كثير مما يقرؤونه . وقد كان من رأي ابن خلدون ان حصول الملكات عن طريق المشافهة والمباشرة اشد استحكاماً واقوى رسوخاً من التلقي من الكتب ، وكان علماؤنا القدامى يفاخرون بكثرة الشيوخ الذين أخذوا منهم وكان ذلك أحد أهداف رحلاتهم العلمية الكثيرة ، ويفيد أحد الدارسين أن المدراء يحصلون على ثلثي معرفتهم من الاحتكاك المباشر مع أشخاص آخرين ، وعلى ثلثها من الوثائق والحاسبات الآلية .
4 – نحن نعرف فضيلة التركيز في اكتساب المعرفة ، ونعرف أن تقدم كل العلوم والفنون مدين لأولئك الباحثين الذين يشتغلون على الجزئيات ويبحثون في التفاصيل الصغيرة ، لكن التركيز في علم معين يساعد على تكوين متخصص ومرجع ولا يساعد على تكوين مفكر ، بل إن الإيغال في التخصص يولد لدى صاحبه نوعاً من التعصب وضيق الأفق ، فيجد نفسه في سبيل غير سبيل المفكرين ، من هنا نقول : إن المفكر – والذي كثيراً ما يكون متخصصاً – يتأبى على الانغماس في علم محدد ، وإنما يسعى دائماً الى توسيع مداركه وآفاق رؤيته من خلال توسيع دوائر اطلاعه . إنه يقرأ في العلوم الشرعية والإنسانية والطبيعية وينظر في تجارب أهل التجربة وهو في ذلك أشبه بالطائر الذ يرفرف على سطح البحر ليخطف رزقه من سمك وغيره ، إنه يصطاد ويقتات مع الحذر الشديد من الغرق في الماء ، هكذا المفكر يلتقط الأفكار الذكية والملاحظات القيّمة ويبدأ بعجنها وخبزها في دماغه بعد أن يمزجها بماء فهمه وعلمه ، إن المفكر يبتهج ابتهاجاً لا نظير له حين يتوصل إلى قانون أو مفهوم تمتد تطبيقاته في المجال التربوي والاجتماعي والأخلاقي والسياسي والطبي ... إنه يفرح
























بصياغة المفاهيم ولمّ شمل الأفكار المبعثرة وصهرها في بوتقة واحدة كما يفرح أب طاعن في السن باجتماع شمل أسرته بعد طول شتات . إن الغاية الأساسية للمفكر من وراء توسيع دوائر مطالعاته وقراءاته ليست الوقوف على الأرقام المثيرة او المعلومات الموثوقة والدقيقة وإنما اكتشاف السنن الربانية في الأنفس والمجتمعات وفي الخَلق عامة ، لأن الإنسان يمتلك من صلابة الرؤية وقوة المنهج على مقدار ما يعقل ويكتشف من تلك السنين ، ولهذا فإنك تشعر بالذهول وأنت تقرأ لمفكر متمكن حين ترى الحدود الفاصلة بين العلوم تذوب بين يديه وحين تشعر انه يتحدث إليك عن معانٍ حاضرة غائبة ، وسهلة ممتنعة ، ومتماسكة منفتحة ... إن المفكر يبدو لنا أحياناً كمن يبحث عن إبرة ذهبية في كومة قش ، وهو من اجل ذلك يعاني ويعاني ، لكن الثمار مذهلة وفريدة . إن أعظم النفائس التي سنحصل عليها ، تلك التي نجدها في غير نظامها ، وهذا ما يعيه المفكر بعمق .
5 – فهم تاريخ الأفكار والقضايا :
يبحث الإنسان دائماً عن الوضوح ، ويبحث عن التحديد وهذا من أكبر فضائل البشر ، لكن من المهم أن ندرك أن النفاذ إلى أعماق الأفكار والقضايا المطروحة على الساحة ليس بالأمر اليسير ، وذلك بسبب امتداداتها في الماضي والذي قد يكون بعيداً ، وبسبب تداخلاتها مع الكثير من الأفكار والقضايا الراهنة ، لكن قد نستعين على ما نبغيه بمحاولة فهم تاريخ ما نريد فهمه والبحث في أسبابه ، والواقع اننا حين نبحث في فكرة او قضية من غير فهم تاريخنا فإننا نكون كمن دخل غرفة مظلمة لم يدخلها من قبل ، ومن ثم فإن علينا ان نبدأ أولاً بفهم التاريخ ، لأن فهمه يعني فهم الدواعي والجذور والأسباب وظروف النشأة / خذ – مثلاً – سقوط الدولة العثمانية بوصفه حدثاً من أكبر الأحداث التي وقعت خلال القرون السبعة الماضية بالنسبة إلى أمة الإسلام – هذا الحدث لن نعي مدلولاته ولن نستطيع فهمه حق الفهم اذا نظرنا الى سنة حدوثه أو عشر سنوات قبلها ، فهذا غير كافٍ بل علينا أن نجيب على التساؤلات التالية :
- كيف كان الوضع الإيماني والأخلاقي لكبار موظفي الدولة خلال السنوات الثلاثين التي سبقت سقوط الدولة ؟
- كيف كان الوضع التعليمي والصناعي داخل البلاد مقارنة بما كان عليه الوضع

























في محيط ولايات الدولة وبما كان عليه لدى منافسيها؟
_ما نسبة مساهمة النزاعات الداخلية في تفكك الدولة؟
_ما حجم تأثير الدول الأوروبية في ذلك؟
كيف كان موقف معظم الأتراك من ذلك؟ وإذا كانوا كارهين ,فلماذا لم يدافعوا عن دولتهم ؟
_هل أصبح النظام السياسي المعتمد آنذاك غير قابل للإنعاش حتى جرى ماجرى؟
هكذا ينبغي علينا أن نطرح الكثير من التساؤلات حول الأوضاع التي اكتنفت سقوط الدولة ,وعن الأوضاع التي سبقت ذلك بمدة زمنية لاتقل عن ثلاثين أو أربعين سنة,وبعض ملابسات سقوط الدولة يحتاج فهمه إلى أن نعود قرنا من الزمان قبل حدوثه, إذ إن عوامل النخر في الدول العظمى تستمر في العمل مدة طويلة .
الآن خذ على سبيل المثال الفكرة التي تقول: ((لاتنزعج لوجود التحديات والصعوبات فهي نعمة ,لأنها تحميك من الترهل وخيانة الرخاء, وتجعلك تتوقف عن الاستمرار في ممارسة الأخطاء)). تأمل في هذه الفكرة على نحو جيد ,وحاول فهم مدلولات ألفاظها ومعناها العام ,ثم حاول الإجابة عن الأسئلة التالية:
_هل هذه الفكرة صحيحة؟_من الذي أطلق هذه الفكرة؟
_متى بدأ استعمالها بكثافة؟_هل هي إسلامية الجذور؟
_هل كان الناس قبل ثلاثة قرون على وعي بها؟
_مالظروف التي ساعدت على نضوج هذه الفكرة واعتمادها بين مفردات التحفيز الشخصي؟إن الإجابة على هذه التساؤلات أو معظمها ستجعل الفكرة المشار إليها متألقة وواضحة, وستمكننا من شرحها للشباب بطريقة ممتازة




???



6_ فهم مدلولات التقدم التقني:
لاشك في أن (الكتب )هي الأطر المعرفية الأكثر غنى ,والتي نحتاج إلى قراءتها أكثر من أي شيئ آخر ,ففيها الفكر والعلم اللذان يوجهان مسيرة البشرية ,لكن لايصح لنا مع هذا أن نغفل دور الأشياء التي تحيط بنا في تغيير معادلاتنا وخياراتنا ,وفي إيجاد عوامل جديدة في تطوير الحياة ,وفي جعلها أكثر هناء وطمأنينة . وما لك إلا لأن إمكاناتنا في تديير أمور معاشنا محدودة ,ولهذا فإننا نحتاج إلى الأدوات التي تساعدنا في ذلك , وسأضرب هنا بعض الأمثلة:
أ_إن(التلفاز)قد أحدث تغيرا هائلا في حياة الناس,لأنه مد في إمكانات العين والأذن معا ,فنحن بسبه بتنا نرى الأحداث ساعة وقوعها مع أنها تبعد عنا آلاف الأميال,كما أن التلفاز قد ملأ كثيرا من أوقات الفراغ ,وأوجد ملايين الوظائف لأولئك الذين يصنعون ثقافة الصورة ويقومون بتسويقها .قبل التلفاز كان معظم الناس ينامون مبكرين ,وكان هذا يساعدهم على القيام لصلاة الفجر وأدائها في وقتها , والآن صار الواحد يحتاج إلى مجاهدة نفسه كيلا يطيل جلوسه أمام التلفاز. قبل التلفاز كنا نربي في بيئات مغلقة, وكان الطفل ينظر إلى أهله وأقربائه على أنهم هم العالم , ويمثلون كل العالم في ثقافته وتقاليده ,أي كانت القيم التي يؤمنون بها تشكل مرجعا يستلهمه , ويحاكم سلوكه إليه , أما بعد التلفاز فقد صار الطفل بكبسة زر يستطيع أن يطلع على عشرات البيئات , ليرى الكثير من القيم والأخلاقيات المتقاطعة والمتنافرة, ومن ثم فإنه يقارن مايراه في أسرته ومحيطه بما يراه في (التلفاز), وهذه المقارنة ستجعل تأثير بيئته فيه _في الغالب_أقل, بل قد تجعله يزدري مالدى أهله من عادات ومعتقدات ومفاهيم, وهذا واضح للعيان اليوم.
ب_لدى الدول المتقدمة اليوم قطارات تصل سرعتها إلى نحو ثلاثمائة كيلو متر في الساعة, وحين تسير لاتلامس الأرض ,كما أنها مزودة بكثير من التجهيزات التي تجعل السفر ممتعا.... هذه القطارات جعلت أبناء تلك الدول لا يحتشدون في المدن الكبرى بسبب مافيها من مصانع وفرص عمل, وإنما ظلوا في ديارهم بين أهلهم


???


وجيرانهم ,حيث إن في إمكان الواحد منهم أن يعمل في مكان يبعدعن مدينته مسيرة أربعمائة كيلو متر في الساعة, ويعود في اليوم نفسه دون شعور بالعنت أو الإرهاق , وهذا قلل من مشكلات الهجرة إلى المدن ,وما يترتب عليها من تفكك وتبدل في العلاقات الإجتماعية .
ج_كثرة المرفهات إلى جانب كثرة الأدوية الفعالة ,وكثرة الوعود بتأخير الشيخوخة إلى أنيبلغ الإنسان مئة سنة أو يزيد ...كل هذا زاد في إطمئنان الناس إلى الدنيا والحرص عليها, وزاد في طول آمالهم في عيش مديد ورغيد,وهذا في الرؤية الإسلامية ينطوي على خطورة كبيرة , لأنه يؤدي إلى خطورة القلوب,والتراخي في الإستعداد للإنتقال إلى حيث تكون الحياة الحقيقية وحيث الإستقرار في الوطن النهائي .
وهكذا فإن المفكرين يتخذون من قراءة مفرزات التقنية وتطورها مداخل لفهم أوضاع الناس وتحليلها على الوضع الصحيح.
7_التفريق بين المعلومات والتحليل الشخصي:
كثيرا مانلتقي بأشخاص مطلعين على بعض الخفايا أو متابعين لبعض القضايا, وهذا يثير في العادة شهيتنا نحو إلقاء الكثير من الأسئلة عليهم وسماعهم بشغف, لكن علينا أن ننتبه لأمر مهم, هو: هل الكلام الذي يقولونه لنا يعبر عن شيئ رأوه أو شيئ سمعوه , أو هو عبارة عن تحليل شخصي لهم , أو تحليل شخصي سمعوه من غيرهم , أو هو خليط من هذا وذاك؟ الخبراء المتخصصون تكون لهم عادة رؤية تحليلية , لكن هذه الرؤية لاتنشأ من فراغ , وإنما تعتمد على بعض المعطيات ,وقد تعتمد على تحليل خبراء آخرين , أما غير الخبراء والمتابعين , فإن مايقولونه يكون في الغالب منقولا عن غيرهم مع شيئ من التلوين الشخصي,الأكثر أهمية بالنسبة إلينا هو أن نفرق بين مايقوله المتحدث بناء على رؤية الشخصية , وبين مايقوله بناء على معلومات حصل عليها , وذلك لأن مدى مصداقية يتوقف على ذلك.


???








مثال: شخص يقول لك :إن من المتوقع ارتفاع أسعار معظم المواد التموينية خلال الأشهر الثلاثة القادمة, هذا الكلام يحتمل أن يكون مبنيا على معلومات حول قرارات أو إجراءات ستتخذها الحكومة خلال فترة قصيرة, مثل قرار برفع أسعار الوقود, أو رفع الدعم عن بعض السلع الغذائية , أو فتح باب التصدير لها بعد أن كان مغلقا, أو وضع ضرائب
على استيرادها.... في هذه الحالة يكون علينا حتى نأخذ هذه المعلومات مأخذ الجد ونبني عليها بعض القرارات التي سنتخذها:أننتأكد من صدق نقل المتحدث, ومدى موثوقية المصدر الذي تحدث عن القرارات المشار إليها. ولايخفى أن تأثير القرارات لايكون دقيقا وواضحا على نحو دائم.
الأمر يختلف كليا حين يكون الكلام مبنيا على التحليل الشخصي لحدث من الأحداث, كما لو أن كاتبا شرع في تحديد أسباب نكبة سنة(1948م), أو شرع في تحديد أسباب نهضة الصين أو انفصال بنغلاديش عن باكستان...إننا في هذه الحالة سننظر إلى خبرته في الموضوع الذي يتحدثحوله , وننظر إلى إمكاناته الذهنية في التشخيص ,وهو بالطبع سيستخدم بعض المعلومات في تحليلة , وسيكون لدقة تلك المعلومات وصحتها شأن وأهمية ,وعلى كل حال فإن مايقوله عبارة عن وجهة نظر شخصية ,لاتلزم أحدا بشيئ , ولاتفوز بأكثر من الظن. علينا أن ننتبه أكثر وأكثر حين تختلط وجهة النظر الشخصية بالمعلومات, وهذا يحدث حين تكون القضية موضع الشرح كبيرة أو معقدة .
8_التفكير عند شح المعلومات :
صار من الواضح خلال ماتحدثنا عنه مدى حاجة العقل إلى المعرفة حتى يقوم بعمله على نحو جيد,ومن الواضح أيضا أن ماهو متوفر من المعلومة لاتخاذ قرار مهم, أو تحليل حدث تاريخي كبير سيظل أقل من المطلوب , أي أن العلم مثل المال , نشعر دائما بنوع من العوز نحوه.في بعض الأحيان يكون مطلوبا أن نتخذ القرار بسرعة حتى لاتفت علينا فرصة نادرة , وتكون المعلومات موجودة , لكن الوقت المتاح للحصول عليها غير كافٍ ,

???


كما لو فرضنا أن القرار هو عبارة عن تسجيل في قسم من الأقسام الدراسية في إحدى الكليات , حيث يجد كثير من الشباب أنفسهم مخيرين بين كليتين أو ثلاث , وكثيرا مايكون وقت التسجيل محدودا , ومن الطبيعي أن الطالب اليوم يدرس ليتخرج, ويتوظف,ولهذا فإنه في حاجة إلى معلومات عن الجامعة التي سيدرس فيها , وعن طبيعة التخصص الذي سيدرسه , وعن سوق العمل المتاح لذلك التخصص, وأمور أخرى من هذاالقبيل ....فما الذي على الطالب القيام به في ظل شح المعلومات حول كل ماذكرناه؟أعتقد أن عليه القيام بالآتي:
_تأخير اتخاذ القرار إلى آخر لحظة ممكنة من أجل التمكن من جمع أكبر قدر من المعلومات .
_بمجرد أن نتخذ قررا من أجل الإنطلاق في تخصص أو عمل من الأعمال....نكون قد وضعنا أنفسنا في سياق المستقبل, أي في دائرة المظنون والموهوم , وذلك لأن الله وحده هو الذي يعرف بالضبط مالذي ستؤؤل إليه الأمور بعد سنة أو خمس سنوات , ومن هنا فإن الواحد منا يجمع يجمع المعلومات , ويفكر ويتأمل ويسأل ليس من أجل الحصول على قرار صائب ,وإنما من أجل الحصول على أفضل قرار ممكن في تقديره.
_سؤال الطلاب الذين يدرسون في الكليات التي وجدت نفسك ملزما بالدراسة في واحدة منها ,سؤالهم عن مدى شعورهم بالفائدة وعن قوة المناهج والجو العام, وسؤال بعض الخريجين عن مجالات العمل لتلك التخصصات , ومدى توفر الفرص فيها ,المهم أن يعرف المرء كيف يتعامل مع كلام اولئك الذين يستشيرهم , لأنه قد لايخلو كلامهم من شيئ من التضارب والتناقض.
_استخارة الله تعالى والإلحاح عليه بأن يرشد إلى الصواب والخير ..
_لكل قرار يتخذه الإنسان ميزات وحسنات , وله بعض المخاطر والتحديات, والمهم فصل ماهو حقيقي ومتوقع فعلا من كل ذلك عما هو وهمي أو مضخم , والفصل بين ماهو معقول وماهو غير معقول...
ستأتيك معلومات كثيرة لا علاقة لها بموضوعك , أو لاتؤثر في قرارك , حاول حذفها والتخلص منها, لأن كثرة المعلومات تربك العقل في التعامل معها , ومما يذكر في هذا السياق أن أحد القضاة نظر في قضية شائكة وطلب وثائق تتعلق بها , فأحضر له مليون وثيقة , فطوى ملف القضية وسجل الجريمة ضد مجهول!
_استخدام الحدس والفراسة وطمأنينة الفلب ,ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال: ((من لم ينفعه ظنه _أي حدسه_لم تنفعه عينه)) والحدس ذو طبيعة غامضة , إنه يشبه أن يكون معرفة الإنسان بشيئ دون أن يعرف كيف عرفه ,وقد يكون الحدس نتيجة لتجمع والخبرات والمعلومات السابقة وتفاعلها مع بعضها , مما ينتج عنه نوع من الانفجار في الوعي أو الإدراك.




















???



_ لاتكمن فائدة الفلسفة وفهم طبائع الأشياء والسنن الربانية في الخلق في سد الفجوات المعرفية والتعويض عن نقص المعلومات , بل إنها تتجاوز ذلك إلى الحكم على المعلومات وتقويمها ,وكشف مايمكن أن يكون فيها من زغل, وفي سياق مانحن فيه من مسألة اختيار التخصص ,قد يأتي من يقول لك: إن الطلب على تخصص الطب سيظل مستمرا, ولن تجد طبيبا عاطلا عن العمل ,لأن الناس يزيدون والأوبئة والأمراض تزداد , لهذا فهو تخصص ممتاز دائما , وحين ينظر المرء في هذا الكلام ,من أفق القوانين العامة التي تحكم مسيرة الحياة ,فإنه سيستحضر المؤشرات والمعاني التالية :
1_من يتحدث إلى يتحدث عن الطلب على مهنة الطب بعد ست أو سبع سنوات وهي فترة طويلة نسبيا, ولاأحد يدري كيف ستكون الأوضاع وقتئذ.
2_الطب تخصص مرموق جدا , وستظل له أهمية لكن على أن لاأنسى أن موقعي في ذلك التخصص أعظم أهمية,فهناك طبيب مغمور , يكسب رزقه بصعوبة ,وهناك طبيب بارز يشار إليه بالبنان ورزقه يفيض عن حاجته مرات عديدة.
3_الإقبال على العلاج والتردد على الأطباء مرتبط بالحالة الإقتصادية للبلد فإذا كانت سيئة ,فإن إقبال الناس على الأطباء سيكون ضعيفاً, وبذلك يكون العرض أكثر من الطلب .
4_الطب ليس هو التخصص الممتاز لكل الناس,ولهذا فلابد للمرء حتى ينبغ فيه من امتلاك الرغبة القوية والقدرة الظاهرة.
_تساءل عن اتخاذ القرار عن أسوأ ما يمكن أن يتمخض عنه ذلك القرار, وتأمل في نفسك هل تستطيع تحمل ذلك؟وكيف يمكن أن تتصرف؟
أن تتخذ قرارا يعني أن تخاطر ومهما كانت النتائج , فإن ذلك أفضل من العيش من غير قرار ومن غير مخاطرة , فالحياة الجيدة هي الحياة التي نعطي فيها للحياة, ونأخذ منها بما يصلحنا , ويصلحها..





???


???

أمور تستحق الحذر
مهما كانت منهجية التفكير لدى الواحد منا ناضجة ، ومهما كانت إمكاناته الذهنية عالية ، فإنه يظل مهدداً بأن يزلَّ عن الطريق القويم ، وهو يحاول فهم الواقع أو التنظير لأمر من الأمور أو معالجة مشكلة من المشكلات ، وذلك يعود إلى عدم تمتع الإنسان بما يكفي من اليقظة الفكرية ، وبما يكفي من التجرد من الهوى والتحلي بالإنصاف ، ومن هنا أحببت أن أشير إلى بعض الأمور التي ينبغي على من يريد امتلاك عقلية جيدة أن يكون على حذر منها ؛ حتى لا يقع في المصيدة التي وقع فيها الجاهلون والخرافيون وأهل الأهواء :
1- الجزم حيث ينبغي التوقف :
فُطر الإنسان على كراهية الغموض والتضايق من المكوث في منطقة (اللاقرار) ، ولهذا فإنه يتساءل ، ويتطلع إلى معرفة المزيد عن الأمور المحيطة به كي يكوِّن قدراً من العلم الذي يساعده على بلورة رؤية واضحة أو اتخاذ قرارٍ ما ، أو تشكيل انطباع يطمئن إليه ... لكن على الواحد منَّا أن يدرك الآتي :
أ- إن الذين يحدثونك عما شاهدوه من أحداث ، قد لا يكونون شاهدوا كل الواقعة التي يروونها ، كم رأى سيارة مصدومة ، ورأى رجال الإسعاف ينقلون سائقها إلى المستشفى ، إنه قد لا يكون رأى السيارات وقت اصطدامها ، وقد لا يعرف السرعة التي تسير عليها آنذاك ، كما لا يعرف مدى خطورة إصابة السائق ... لكن الطبيعة -كما يقولون- تكره الفراغ ؛ ومن ثم فإن معظم الناس حين يروون ما شاهدوه يحاولون ملء الفراغات الموجودة في معرفتهم بالحادث من خلال التخمين المرتكز على معارفهم وخبراتم السابقة ، أي يقومون بعمل اجتهادي ، والمجتهد يخطئ ويصيب ؛ ومن ثم فإنه ليس من المنهجية أن نتلقى بالتسليم كل مانسمعه ممن رأى حدثاً من الأحداث .

ب- في معظم الأحيان يكون الناقل لحدث من الأحداث بعيداً عن موقع الحدث وبالتالي فإنه يروي عمن شاهد الحدث ، أو يروي عن أشخاص رووا عمن شاهدوا الحدث... وفي هذه الحال فإن إمكانية وقوع الغلط تصبح أكبر ، وأذكر أنني منذ مدة قصيرة كنت مسافراً من مدينة إلى مدينة بالطائرة ، وحين درجت الطائرة على مدرج المطار بسرعة كبيرة انفجر أحد إطاراتها ، مما اضطرَّ الطيار إلى إيقاف الطائرة وإنزال الركاب وإلغاء رحلة الطائرة ، وخلال ساعات بدأت مواقع الإنترنت تتحدث عن هبوط اضطراري لإحدى الطائرات مع أن الطائرة لم تقلع حتى تهبط !
جـ - الناس يرون الأحداث فعلاً ، لكن لا يعرفون في أحيان كثيرة أسبابها ، وهذا مزعج بالنسبة إليهم؛ ومن ثم فإنهم يبدأون بالظن والتخمين ، لكن الذين يروون عنهم لا يدركون ذلك ، فينقلون الخبر الأصلي مشفوعاً بذكر أسبابه من غير تحرز ولا تحوط ، فيظن السامع أن الذي شاهد الحدث يعرف أسبابه على وجه اليقين ، ولا يكون الأمر كذلك .
د - انتهى عصر البراءة والطيبة ، وجاء عصر المكر والخداع والتخطيط الملوَّن بألف لون ، وفي هذا السياق تجد أنك تدخل على موقع من مواقع ( الإنترنت ) المشهورة ، وتقرأ ما فيه من أخبار ، وتقرأ التعليقات ، وتظن لأول وهلة أنها تعبر عن آراء وتوجهات قائليها ، وهي بالتالي تحكي الحراك الثقافي والفكري في المجتمع ، ولا شك أن شيئاً مما تظنه صحيح ، لكنْ هناك شيئاً آخر ، هو أن عدداً من المعلِّقين هم عبارة عن موظفين لدى دول كبرى وصغرى ، مهمتهم كتابة تعليقات تخدم سياسات الدول التي يعملون لديها ، وتدافع عن الانتقادات الموجَّهة إليها ، وحين تكون مهمة شخص الدفاع عن سياسات بلد... فهذا يعني أن عليك أن تتوقع منه أن يخلط الصواب بالخطأ ، والحق بالباطل ، والحقيقة بالوهم... وبعد ذلك تأتي إدارة الموقع لتقول : إن ( 70% ) من الذين دخلوا على الموقع يرون كذا ، أو يتوقعون كذا ، أو يرفضون كذا ...!
إذن لابد من الآن فصاعداً من التحرز والتدقيق ومحاولة قراءة مابين السطور وماخلفها ، والتريث قبل اتخاذ أي موقف أو أي حكم، والله -تعالى- أمرنا بالتثبت والتبين حتى لا نظلم أحداً ، وحتى لا نتهور في اتخاذ القرارات ، وحثنا على التحري وتلمس اليقين .. في عدد من الآيات الكريمة ، منها قوله –سبحانه- : ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ? ]الحجرات:6[ فكيف يكون الخبر إذا كان من ينشر الخبر ، ويقول القول – مجهول الاسم والدين والجنس والعرق والموطن والانتماء والارتباط... إن التريث والتشكك ينبغي أن يكون أكبر . ويقول - سبحانه - : ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا ) ] الإسراء: 37 [ ، وقد فسّر ابن عباس رضي الله عنه : ( لاتقف ) بـ ( لا تقل ) وروي أنه فسرها ب ( لا ترم أحداً بما ليس لك به علم ) ، وقال قتادة : ( لا تقل : رأيتُ ول تر ، وسمعتُ ولم تسمع ، وعلم ولم تعلم ، فإن الله ??? سائلك عن ذلك كله ) . وخلاصة ذلك ما ذكره ابن كثير بقوله : ( إن الله. نهى عن القول بلا علم ؛ بل بالظن الذي هو التوهم والخيال )7. إن من الواضح أن على المسلم أن يتثبت ويتأنى حيال ما يسمع ، وحيال ما يريد اعتقاده والإيمان به ، وحيال ما يريد قوله والتعبير عنه ، وذلك حتى تبرأ ذمته أمام الله تعالى .
2- المجاملة على حساب الحقيقة :
احترام الحقيقة والحصول على الوقوف عند حدودها سمة من سمات المسلم الصادق والواعي ، وهي ركن رئيس في منهج الباحث والمفكر ، والذي يحدث أحياناً أننا نعرف الحقيقة بشكل جيد ، لكن نخاف من قولها ، وهذا الخوف قد يكون منبعه كون الحقيقة حادة وصارخة ؛ ولذا فإن قولها سيكون مؤذيا ، وقد يكون منبعه الخوف على مصالحنا ؛ ومصالح الناس ليست فقط مادية أو مالية ؛ فقد تكون معنوية تتعلق بتقدير الناس لنا أو بنفوذنا فيهم ، وقد نخاف من الجهر بالحقيقة ، لأنها قد تُفهم على نحو خاطئ بسبب التوتر السائد أو بسبب جهل من يتعلق الأمر بهم... وبما أن الدعاة والمفكرين وعموم المثقفين هم من البشر ، فإنهم يتعرضون لكثير من المواقف المحرجة ، وأنا انطلاقاً من هذه الحيثية لن أذكر كل أشكال الحرج التي يتعرضون لها ولكن سأشير إلى نقطتين مهمتين :
أ- إذا كان المرء في ظروف حرجة جداً ، لا تسمح له بأن يقول الحق ، فإن عليه أن لا يقول الباطل ؛ حيث لا يُنسب لساكت قول ، لكن من المهم أن ندرك أن التزام السكوت وتجاهل الأخطاء الفادحة من أي جهة كانت يصبح بالغ الضرر إذا تحول إلى ظاهرة عامة ، كما أن من المهم أن ندرك أن الريادة الثقافية تحمِّل المثقف مسؤوليات لا يتحملها غيره ، ولهذا فإن عليه أن يبحث دائماً عن طريقة ما لقول الحق وكشف الحقيقة ، وإن تنوعَ وسائل النشر والإعلان اليوم يسمح بهذا ، ويساعد عليه .
ب- أحياناً يخاطب الواحد منا جهة أو جماعة أو أهل بلد... بينه وبينهم نوع نوع من التباعد أو نوع من التباين في الانتماء أو نوع من الخلاف في وجهات النظر ، ويرغب في إيصال فكرة إليهم ، أو نقد شيء لديهم ، ويجد نوعاً من الصعوبة في قول ذلك مجرداً من أي مقدمات ، فما يكون منه إلا أن يتوسل إلى ذلك بمديحهم وقول أمور لا يعتقدها فيهم ، أي يخالف ما يعتقده ، ويمتدح ما هو في نظره خاطئ ، وهذا لا يصح ؛ حيث لا يجوز للمرء أن يغش الناس ويكرِّس الأخطاء في حياتهم من أجل نصيحة أو ملاحظة يوجهها إليهم ، وإذا نظرنا إلى الواقع ، فإننا نجد أن الذين ينجون من هذا قليلون ، نسأل الله العافية والسلامة .
3- تحجيم الخيارات :
إن من سنن الله -تعالى- في الخلق اتجاه الحياة نحو المزيد من التوسع ؛ حيث تتوفر تفاصيل وخيارات وإمكانات و عطاءات أكثر وأكبر ، وهذا بسبب التقدم الحضاري ، أو هو مظهر من مظاهره ، ومن هنا فإننا كلما خطونا خطوة إلى الأمام وجدنا المزيد من البدائل والخيارات ، وفي إمكانك أن تلمح ذلك اليوم في وسائط النقل والاتصال الرئيسية والفرعية ؛ حيث نجد أنها تنمو على نحو مذهل ؛ ليجد المرء نفسه في سعة من أمره ، لكن مشكلة الإنسان أنه يتعامل مع الأمور المادية بطريقة أسلس من تعامله مع الأمور المعنوية ، كما أن الوعي على صعيدها يتقدم على نحو أبطأ ، وهذا يجعل كثيرين منا ينزعون إلى التضييق والتحجير في تصوراتهم للحلول وفي إدراكهم لمسارات العمل وإمكانات التقدم .
إن كثيرين من شبابنا يفكرون وفق مبدأ : إما هذا وإما ذاك ، إنهم لا يرون إلا خيارين كثيراً ما يكونان عسيرين ، وتكون النتيجة هي الاستمرار في التأزم وبطء التقدم ، وسأكتفي بمثالين اثنين لتوضيح ما أريده :
أ- يقولون : المال هو عصب الحياة ، وإذا لم يكن لديك المال ، فلن تستطيع أن تتحرك ؛ لأن أي حركة على صعيد الإنتاج والتطوير تحتاج إلى مال ، وهذا يعني أن مَن عنده مال فمن حقه أن يحلم وأن يتحرك ، وسيجد أمامه الأبواب مشرعَة ، ومن ليس لديه مال فلا بد أم يرضى بما هو فيه ، ويخفِّض من طموحاته ، وينتظر شيئاً يأتيه من حيث لا يحتسب . وأود أن أعلق على هذا بالآتي :
- نحن في عصر شديد التعقيد ، ومن العجيب أنه كلما كانت الوضعية المعيشية والحضارية أكثر تعقيداً صارت الإمكانات والبدائل أكثر على خلاف ما هو مدرَك وشائع ؛ ولهذا فإن كل المقولات التي ترتكز على خيارين أو التي تحشر الناس في مسار واحد ، باتت متقادمة وغير دقيقة ، ولا بد من التخلي عن كثير منها .
- مع أن عصرنا يوصف بأنه عصر المادة إلا أنه أيضاً عصر الإنسان ؛ حيث لم يمر على البشرية زمان قدَّرت فيه البراعة الشخصية لأبنائها مثل هذا الزمان ؛ إذ إن لصفات ومهارات مثل : القيادة والذكاء والجدية وحسن التنظيم والمبادرة – قيمةً عليا في الحياة ، وإن الأبواب مشرعَة في كل مكان من الأرض أمام الذين يملكون قدراً عالياً جداً منها .
- في الماضي لم يكن هناك ارتباط قوي بين العلم والفكر وتحصيل الرزق ، واليوم ينال العلماء أرقى الوظائف ، ويحصلون على أعظم الجوائز ، كما أن الأفكار ممثَّلة في ( براءات الاختراع ) إلى جانب دراسات الجدوى – تباع اليوم بأرقام فلكية ، وأعرف بعض الشباب الذين قاموا بشيء من ذلك ، و كوّنوا من ورائها ثروة انطلقوا منها إلى مشروعات جيدة .
- صار من المألوف في قطاع الأعمال القول : إن الأساس في إقامة أي مشروع ناجح شيئان : الفكرة الذكية و الإدارة الممتازة ،
وهما عنصران بشريان لا علاقة لهما بالمال ، وحين يتوافران لدى جهة فإن التمويل يأتيها من كل مكان .
- الخُلُق الجميل وحسن التعامل مع الناس باب من أبواب الرزق ، وكم من شخص حصل على فرص عظيمة بسبب حسن خلقه واطمئنان النفوس إليه.
- من المعروف أن المرء حين يكون في وظيفة متواضعة أو عمل صغير ، ويؤدي واجبه فيه بإتقان عالٍ ، فإن ذلك كثيراً ما يرشحه لعملٍ أكبر أو منصبٍ أعلى .
ب – وحدة العالم الإسلامي وانضواء شعوبه تحت راية واحدة حلم يداعب أخيلة معظم أبناء الأمة ، وهو – ولا شك – أُمنية عزيزة جداً ، لكن نحن نعرف أن لكل عصر روحه و ظروفه ومواضعاته ... وعصرنا هذا بترتيباته السياسية وبتقاسم القوى العظمى للنفوذ فيه ، وبأبنيته الثقافية المتنوعة – يأتي قيام الإمبراطوريات ، ونحن نعرف أن القرن العشرين قد شهد تفكك ما أقامه الغرب من إمبراطوريات واسعة عن طريق الاستعمار ؛ ومن هنا فإن التفكير في قيام خلافة إسلامية تحكم العالم الإسلامي ، هو تفكير بعيد عن الواقع ؛ ولهذا فإن الوقوف عنده يضعنا أمام خيارين سيئين : خيار طلب ما هو – الآن على الأقل – غير ممكن ، وخيار التمزق والتشتت الذي نعيش فيه اليوم .
المفكر يحذر من السير الطويل في الطرق المسدودة ، كما يحذر من الصيرورة إلى وضعية يضيِّع فيها الناسُ الممكنَ في طلب المستحيل ، ومن هنا فإن علينا أن نخرج من فخ المعادلات المقفلة والعمل على توسيع دائرة الخيارات ؛ فنحن إذا كنا لا نستطيع تكوين دولة واحدة نستطيع ألا نعيش ممزقين ، ونستطيع تحقيق نوع من التعاون الذي يحقق كثيراً من ميزات الوحدة ، وذلك مثل :
- إقامة تجمعات إسلامية على مستوى الأقاليم مثل ( مجلس التعاون الخليجي ) و ( الاتحاد المغاربي ) ؛ حيث يمكن لكل ثلاث أو أربع دول إسلامية متجاورة و متقاربة في أوضاعها أن تؤسس اتحاداً يربطها ببعضها ، ويسعى إلى إحداث التكامل بين مؤسساتها .
- إقامة اتحادات نشطة وفاعلة بين الصناع والتجار و أصحاب المهن العليمة مثل : المعلمين والأطباء والمهندسين والكيميائيين المسلمين...
- بناء السياسات الاقتصادية بين الدول الإسلامية على أساس التكامل ، وتوسيع التبادل التجاري ، وإقامة السوق الإسلامية المشتركة .
تفعيل الروابط والاتحادات القائمة مثل : رابطة العالم الإسلامي ، والمؤتمر الإسلامي ، وجامعة الدول العربية .
إن هذا الأسلوب في جمع كلمة المسلمين ممكن وقليل التكاليف مع أنه عظيم المنافع .
4- سطوة الانتشار :
لدينا الكثير من الدلائل التي تشير إلى أنه ليس هناك علاقة طردية بين صحة

























الشيء ، وشدة انتشاره ، وسعة شهرته ، بل إن الدلائل تشير إلى أن الأفكار والمعلومات السطحية والسهلة وغير المدقَّقة بالقدر الكافي ، هي التي تحظى بالانتشار الواسع ، ولنا أن نلاحظ أن المجلة أكثر انتشارًا من الكتاب ، كما أن الجريدة أكثر انتشارًا من المجلة ، وما ينشر على ( الإنترنت ) أوسع انتشارًا مما يقال في الفضائيات ، كما أن من الملاحظ كذلك أن مصداقية الكتاب أعلى من مصداقية المجلة ، كما أن مصداقية المجلة أعلى من مصداقية الجريدة و مصداقية الجريدة أعلى من مصداقية الكلام الذي يقال في الفضائيات ، ويأتي في ذيل القائمة ما ينتشر على الإنترنت ، وأعتقد أن سبب هذه الظاهرة يعود إلى شيء واحد ، هو أن التيار العريض في المجتمع لا يكون هو الأدق فهمًا والأوسع ثقافة والأكثر اهتمامًا بالوصول إلى الحقيقة الصلبة ، وهذه بعض الملاحظات حول هذا الشأن :
أ – إن من شأن الانتشار الإغراء بالمزيد من الانتشار ، فالناس يظنون أن كلام فلان من الناس لو لم يكن رائعًا ومفيدًا وجذابًا لما اجتمع ألوف من الناس من أجل استماعه ، وهذا الظن يُغري المزيد من الناس بالحضور ، وهم بدورهم يُغرون آخرين بمثل ذلك ، وحين يبكي شخص تأثرًا بما يسمع – فإنه يشجع البقية على التصفيق ... وحين يصفِّق كل من حولك ، وتمتنع عن ذلك تلمح في موقفك نوعًا من التمرد والشذوذ عن الروح الجماعية المحيطة بك ، ولهذا فإنك تصفق ولو كنت غير مقتنع بذلك ، وهكذا تتسع بعض الظواهر من غير أسباب منطقية وسلَّم بها .
ب – هناك تأثير ، يمكن أن يسمى ( تأثير الهالة ) ، حيث إن من اكتسب شهرة واسعة بسبب كونه بارزًا في العلم أو الرياضة أو الثراء ... يجعل الناس يعتقدون أنه يحسن الكلام في كل شيء كما أن اختياراته في شؤونه الخاصة تكون مسددة وراقية ، وتقوم وسائل الدعاية والإعلان بتغذية ذلك حين تقول : إن معجون الأسنان الفلاني يستخدمه النجم الفلاني ، وإن العطر الفلاني هو ما يفضله الرياضي الفلاني .... ولا شك في أن هذا يطوي نوع من الخداع ، وقد سمعت رؤساء وزارات سابقين يتحدثون في شؤون عامة كثيرة ، فلم أجد لديهم العمق الذي لدى المتخصصين ، لكن لأنهم أصبحوا من الشخصيات العامة ، فإنهم يُدعَون إلى حضور




المؤتمرات وإلقاء المحاضرات لأسباب دعائية ، حيث إنهم يضفون على اللقاءات التي يحضرونها أهمية خاصة ، أما من يسمون بنجوم المجتمع ، فإن الواقع يدل على أنهم بارعون في تخصصاتهم ومهاراتهم التي برزوا بسببها ، أما في باقي شؤونهم فإنهم أشخاص عاديون جدًا ، وكثير منهم مخفقون وتعساء . إن النجاة من تأثير هالات المشهورين تكمن في الأخذ بالحكمة العظيمة : " اعرف الرجال بالحق ، و لا تعرف الحق بالرجال " . في المجال العلمي هناك كتب مشهورة ومتداولة جدًا ، وهي تستحق ذلك فعلًا لأنها نفيسة ، وهناك كتب مشهورة جدًا ، لكن لا تستحق ما لقيته من حفاوة ، وإنما اشتهرت لأسباب غير موضوعية ، أو لأنها تتصل بأهواء الناس وغرائزهم ، وأحيانًا ينتشر الكتاب بسبب تعاطف الناس مع مؤلفه ومساندتهم له في ظلم وقع عليه ... ومن المهم أن أشير في هذا السياق إلى أن الكاتب الممتاز قد يكتب كتابًا غير ممتاز ، كما أن كاتبًا مغمورًا قد يكتب كتابًا جيدًا ، وأذكر أنني دخلت ذات يوم مع أحد الزملاء إلى أحدى المكتبات ، ووقعت عيوننا على كتاب لكاتب مشهور جدًا وهممنا بشراء نسختين من الكتاب ، فقلت لصاحبي لنشتر الآن نسخة واحدة ، فإذا وجدنا أن الكتاب جيد اشترينا منه نسخة أخرى ، وبعد مدة نظر صاحبي في الكتاب ، ونظرت فيه بعده ، فلم نجد فيه أي شيء قيّم يتناسب مع شهرة صاحبه ! لهذا فإن من المهم فهم مثل هذه الأمور على النحو الصحيح .
جـ - سطوة الانتشار تصيب في بعض الأحيان المشاهير أنفسهم ببعض الأضرار المنهجية والأخلاقية ، حيث إن الشخص حين يكتسب سمعة عالية جدًا ، ويصبح معروفًا على مستوى عالمي أو إقليمي ، يميل إلى الاعتداد بنفسه ، ويجد من اليسير عليه أن يتساهل في أمور كثيرة ، إنه لا يبالي بملاحظات القريبين منه ، ولا يقيم أي وزن لانتقادات المنتقدين ممن هم أقل شهرة ، إنه يتصرف على أنه محور ومقياس وأصل ... وبعضهم يمضي في حياته على النحو الذي يفعله من يضع أصبعه على الأرض ، ويقول : هنا محور الأرض وعلى من لا يوافق أن يقيس ! وما أبلغ قول الله – تعالى – في هذا النموذج من البشر : " إن الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى " [ العلق : 6 ، 7 ]. المفكر الحق يحاول حماية نفسه من شرور الشهرة ، ويحاول أن يحمل كل الانتقادات الموجهة إليه على محمل الجد ، ويدرك أن المسألة قبل أن تكون تقديرًا للآخرين هي تلمُّس لما هو



أصوب ، وأفضل ، وما هو مطلوب من الإذعان للحق .
5- ثقافة التحيز :
لو تأملنا في الحروب التي كانت تشتعل على مدار التاريخ لوجدنا أن كثيرًا منها نشأ بسبب الرؤية الزائفة للذات والرؤية الجائرة للآخرين ، وقد كان فهم الآخرين على ما هم عليه – ومازال – معضلة من المعضلات الكبرى التي تواجه بني البشر في تعاملهم مع بعضهم ، ومن هنا كان المهم إلقاء الضوء على مسألة ( التحيز ) بوصفه جزءًا من ثقافة متغلغلة في ثقافات الأمم وبوصفه أحد مكونات طرائقهم في التفكير ، وهذه إشارات سريعة في ذلك :
أ – المقصود بالتحيز امتلاك المرء لمجموعة من المفاهيم والقيم ، التي تدفعه إلى إصدار الأحكام ووقوف المواقف المنسجمة معها ، بعيدًا عن النظر إلى الواقع ، وبعيدًا عما تقضي به التجربة الناجزة ، إن المتحيز إلى جماعته يوافق تلك الجماعة في اتجاهاتها ويناصرها في قضاياها بقطع النظر عن الحيثيات والمعلومات الجديدة ، وإن المتحيز ضد فئة من الفئات بنفر منها ، ويتعصب ضدها بقطع النظر عن الحالة التي هي فيها ، وذلك لأن المتحيز ينظر من منظور قديم وضيق ، ولهذا فهو لا يرى التفاصيل ، ولا يرى الأشياء الجديدة ، مما يتصل بمن يتحيز ضدهم ، وقد كانت العرب في الجاهلية تناصر ، وتبني تحالفاتها بعيدًا عن مسألة العدل والحق على ما صوّره الشنفرى في لاميته حين قال :
هم الأهل لا مستودع السر ذائع لديهم ولا الجاني بما جرَّ يُخذَل
وقول الآخر :
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
إن الظالم يكون في حمى قومه ، فيدافعون عنه دون النظر إلى كونه معتديًا أو معتدًى عليه ، ويقرر البيت الثاني قوة حمية القبائل الكريمة في الجاهلية وقوة مناصرتها لأبنائها وحلفائها ، حيث يستجيبون لندائهم ، ويهبّون للقتال معهم دون أي سؤال عن سبب ندائهم أو سبب الشدة التي هم فيها ، وهذه صورة عظيمة من صور التحيز التي كانت تعج بها الحياة الجاهلية ، ولا ينبغي أن يُظن أن هذا قد أصبح في


ذمة التاريخ ، فثقافة التحيز ما زالت تعمل بنشاط في القرن الحادي والعشرين حتى لدى أكثر الدول تقدمًا ، فأمريكا – مثلًا – تمنع مثول مواطنيها أمام محكمة الجنايات الدولية مهما كانت جرائمهم ودفاع الأمريكيين عن جرائم الإسرائيليين ، واستخدام حق النقض في مجلس الأمن لمنع أي إدانة لهم من الأمور المشهورة المشهودة !
ب – يذكّرنا القرآن الكريم من أجل مقاومة التحيز ببعض المعاني الجوهرية ذات الدلالات الكبرى حيث يقول – سبحانه - : " يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير " [ الحجرات : 13 ]. إن الله – جل شأنه – يوضح لعباده عددًا من الأمور منها : أنهم في الأصل إخوة من أب واحد وأم واحدة ، وهذا يعني أن الأصل فيهم التساوي أو التقارب في أمور كثيرة ومنها أنَّ توزّع البشر على شعوب وقبائل ينبغي أن يكون مدعاة للتواصل والتعارف والتكامل ، وليس التعانف والتقاتل ، ومنها أن معيار التفاضل هو شيء بعيد عن الحسب والنسب والمال والمكان والزمان والقوة والجمال والكثرة ... إنه ( التقوى ) والصلاح والاستقامة .
ويؤكد القرآن الكريم على مسألة مقاومة التحيز في آيات أخرى في السورة نفسها إذ يقول – سبحانه - :" يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن تكونوا خيرًا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرًا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون [ الحجرات : 11 ]. إنها دعوة لكسر النظرة الجادة للذات وللآخرين ، ودعوة للانفتاح على الواقع والبحث في تفاصيل حياة أولئك الذين يمكن أن نستهزئ بهم بسبب قصور في نسب أو مال أو هيئة أو مهنة ، وهذا مضاد للتحيز ، والذي يقوم دائمًا على تعظيم الذات والتهوين من شأن الآخرين من أفق نظرة متحجرة ومقفلة ومعزولة . يقول القرطبي في تعليقه على هذه الآية : " وبالجملة فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رثّ الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبِق في محادثته ، فلعله أخلص ضميرًا وأنقى قلبًا ممن هو على ضد صفته ، فيظلم نفسه بتحقير من وقّره الله " 8 ، هذه هي أصولنا ، لكن التاريخ يتحدث ، والواقع يخبرنا بأنه حين تتراجع درجة التثقيف ، وتنخفض




درجة التوتر الروحي لدى شخص أو جماعة أو شعب – فإن التحيز للجنس والعرق والقبيلة والعائلة ... يجتاح النفوس والعقول فهو أشبه بالوحش الذي ينتظر الفرصة للانقضاض ، مما يجعل التحصن من ويلاته مرتهنًا لتقدم الوعي ومجاهدة النفس .
جـ - تنميط الناس وتكوين انطباعات جامدة عنهم ركيزة من ركائز ثقافة التحيز ، وذلك لأن التنميط يريح العقل من التفكير ، ويكِّنه من تجهيز الأحكام وتعليبها والبناء عليها من غير جهد يُذكر ، ولهذا فإن المجتمعات المتخلفة تموج بالتصنيفات للشعوب والقبائل والأفراد : القبيلة الفلانية جاهلة ، والشعب الفلاني كسول ، والجماعة الفلانية متعصّبة ، وأهل البلد الفلاني بخلاء ... وذوو البشرة السمراء فوضويون وأغبياء ، وأصحاب العيون الزرقاء حاقدون ... تصنيفات كثيرة تفتقر إلى الموضوعية ، ولا تستند إلى أي أساس علمي ... ونحن نعرف أن الله – تعالى – لم يخص شعبًا أو قبيلة بالفضائل أو الرذائل ، لكن المريض بالتحيز يكون مصابًا بعمى الألوان ، فهو لا يرى إلا الأبيض والأسود ، مع أن بينهما في الواقع مئات الألوف من الألوان . التنميط كما ترى قائم على التعميم الظالم ، إذ يكفي للمتحيز أن يلمس البخل أو اللؤم لدى خمسة من شعب أو قبيلة حتى يعمم ذلك على الألوف والملايين ، وقد أغلظ رسول الله صلى الله عليه وسلم القول فيمن يفعل ذلك حين قال : " إن أعظم الناس عند الله فرية لرجل هاجى رجلًا فهجا القبيلة بأسرها ، ورجل انتفى من أبيه وزنَّى أمه " 9 في الأوساط الإسلامية فشا داء ( التصنيف ) : هذا سلفي ، وهذا إخواني ، وهذا إسلامي ليبرالي ، وهذا إسلامي يساري ، وهذا الاتجاه موالٍ لكذا ... كلام كثير يقال في المجالس ، ويردِّده الشباب على الإنترنت ، وحين ندقق فيه نجد أن معظمه بُني على ظنون وأوهام ومجازفات ، حيث نسي كثير من الناس أنهم مسؤولون عن كل ما يقولون ونسوا ما يترتب على كلامهم من ضرر يكون أحيانًا كبيرًا ، والمرجو تراجع ذلك مع تقدم الوعي .
د – دور المناضل :
شيء جميل أن يكون للمرء مبادئ وقيم يلتزم بها في المنشط والمكره ، ويدافع عنها بحماسة وتصميم ، ويحاول نشرها وتعميمها قدر الاستطاعة ، وقد لا نعرف قيمة



كون المرء متحمسًا للدفاع عن شيء يؤمن به إلا إذا تمثلنا في أذهاننا رجلًا ليس له رسالة سامية ، ولا يهتم بشيء خارج مصالحه المادية ، إننا سنشعر أنه أقل من إنسان ، لأن الإنسان لا يكون إنسانًا إلا إذا كان له أشواق وتطلعات تتجاوز المصالح المادية المباشرة ، ومن هنا فإنني أعتقد أن معنى ( النضال ) يساء إليه من قِبَل بعض الناس حين لا يذكرون إلا السلبيات حتى لا يتشوَّه هذا المعنى الجميل ، والتي منها الآتي :
- حين يعتبر الإنسان نفسه مدافعًا عنيدًا عن فكرة أو مشروع أو قبيلة أو جماعة أو قضية ... فإن الذي يهدده على نحو مؤكد هو الوقوع في التعصب لما يدافع عنه ، والمبالغة في بيان مزاياه ، وقد رأيت كثيرًا من الشباب المسلم المنتمي إلى جماعات وتيارات وتجمعات إسلامية لديها الكثير من الخير ، ورأيت تزايدات كثيرة في الثناء على جماعاتهم ، وهم كثيرًا ما يكونون ضحية لأولئك الذين يقودونهم ويجعلون في المبالغة في ذكر فضائل جماعتهم وسيلة لزيادة ارتباط أولئك الشباب بها ، إنك حين تلتق بهم تسمع عن كثير من الإنجازات الوهمية ، وتسمع عن كثير من الميزات المتوهمة ، وهذا ينافي القيام بالحق والعدل ، وينافي ما تقتضيه المنهجية الإسلامية من اقتصاد في مديح للذات .
- الخطر الثاني الذي يهدد نقاء الدور النضالي هو ذم المنافسين وإبراز عيوبهم ، وهذا مفهوم جدًّا ، لأنه ما دامت الأشياء لا تظهر ولا تتميز إلا بأضدادها فإن المتعصب لشيء لا يستطيع توضيح الكثير من ميزاته من غير أن يذكر معائب ما يغايره ويضاده ، وهذا يذكي روح التعصب ويزيد في مشكلة التصنيف ، لأن الطرف الآخر سيرد بمثل ذلك .
- الخطر الثالث : الإعراض عن النقد الذاتي ، لأن الهمَّ الذي يسيطر على المناضل هو تعميم فكرته ، وذلك يتطلب إبراز محاسنها لا نقدها ، وهذا شيء خطير جدًّا في عالم الأفكار ، لأن الفكرة حين تُحرَم من النقد تذبل وتتراجع ، إذ إن النقد هو ماء الأفكار وهواؤها .
- الخطر الرابع هز التضايق من الناصحين وضعف الاستعداد لتلقي الملاحظات التي ترد إليه من هنا وهناك ، وأذكر أن أحدهم وجه نقدًا وجيهًا لبعض السلوكيات عن إحدى الجماعات فما كان ممن سمع النقد إلا أن وضع أصبعيه في أذنيه وأنشد









قول البوصيري:
محَّضتني النصح لكن لست أسمعه إن المحبَّ عن العُذَّال في صمم
إن الإعراض عن السماع لما يأتي من خارج المجموعة أو الجماعة من ملاحظات يؤدي إلى تعفن الداخل وتراكم الأخطاء، وهذا ما شاهدناه لدى الكثيرين.
هـ ـ مقاومة التحيّز:
علينا أن نعترف أن التخلص من التحيز على نحو نهائي غير ممكن; وذلك لأن من الطبيعي للمرء أن يتحيز لمبادئه وقيمه العليا، ومن الفطري أن يتحيز لقومه وتاريخه; ولهذا فإننا نتحدث هنا عن مقاومة التحيز للعادات والتقاليد وما هو من بيل الذوقيات والاجتهادات، ونتحدث عن التحيز المشتمل على الظلم للآخرين وبخسهم أشياءهم; ولهذا ـ ولا شك ـ علاج يخفف من حدته إلى حدٍّ بعيد، وهو يقوم على الآتي:
* الانفتاح شيء مهم للتخفيف من التحيز; فالناس المنغلقون على أنفسهم يظنون أن حياتهم بكل تفاصيلها ما هي إلا نموذج عظيم لما ينبغي أن يكون عليه حال البشرية; ولهذا فإنهم يوسَّعون دائرة الخصوصية، وينفرون على نحو جماعي من كل ما يخالف ما هم عليه، ويظهر لك ذلك جليَّا حين تنظر إلى طريقة تفكير إنسان يسكن في قرية نائية عن المدن وبين إنسان سافر إلى عشرين دولة، إن هذا الأخير سيدرك أن هناك من يخالف جماعته في أمور كثيرة، وأن لدى أولئك الخالفين أشياء كثيرة جيدة تستحق الاهتمام والتعلم .
* المقارنة التفضيلية مهمة جدّاً في مقاومة التحيز; فإذا كان لدينا ـ مثلاً ـ جماعتان إسلاميتان تعملان في ساحة واحدة، وبينهما تنافس وتحازب، فإن من المفيد جدًّا لمن يريد الحق، ويبحث عن الكمال أن يقوم بمقارنة مرجعية تفضيلية، تساعده على معرفة ما تمتاز به كل جماعة، ويمكن أن تكون المفردات الآتية أساساً لتلك المقارنة:
أ ـ مدى ما لدى الجماعة من اهتمام بالاستقامة السلوكية ومدى تمتع أفرادها بدرجة عالية من التقوى والورع بالمعايير الفقهية .
ب ـ الصدى الشعبي والسمعة الحسنة لكل منهما .
ت ـ مدى رضا أفراد الجماعتين عن رشد القيادات وتحقيق الأهداف .
د ـ درج التماسك الداخلي لدى الجماعة ومدى اتساع صدر قيادتها للنقد الذاتي.
هـ ـ انفتاح الجماعة على المجتمع وحسن تعاملها مع المعطيات والمعلومات الجديدة.
* من المهم لنا جميعاً أن نقر بأن عندنا تحيزات، وعندنا رؤية ناقصة للآخرين مهما تحسنت درجة الوعي لدينا; وذلك لأن الموقف الصحيح تجاه غيرنا يتوقف على فهمه على نحو جيد، وإذا كنا نقرّ بقصور فهمنا لأنفسنا، فإن قصور فهمنا لغيرنا لا شك سيكون أعظم .
* في كثير من الأحيان لا نستطيع أن نتصور حجم الإساءة للآخرين إلا إذا وضعنا أنفسنا في موضعهم، أو إذا تفحصنا فيما يسيء إلينا من أقوالهم وتصرفاتهم، نحن نكره من يغتابنا، ومن يقلل من شأننا، ومن يزاحمنا على موارد محدودة، ومن ينتقدنا بلهجة قاسية... وسوف تقل درجة التحيز لدينا إذا ابتعدنا عن هذه الأمور قدر الاستطاعة، وفي هذا يقول نبينا صلى الله عليه وسلم : ( فمن أحب أن يُزحزح عن النار، ويدخل الجنة;فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ) (?) .
? ـ الإنسياق خلف الخرافة :
يظن كثير من الناس أن عصر الخرافة قد انتهى بحلول العلوم المتقدمة، ويظنون أيضاً أن الخرافة طارئة على الأمم لاعتقادهم أن الرشد والتفكيد الراشد هو الأصل لدى الشعوب، وكلا الظنين صحيح; فالبنية العقلية العميقة لبني الإنسان هي بنية خرافية بامتياز، والخرافة سابقة في وجودها على كل من العلم والفلسفلة معاً;وذلك لأن لدى الإنسام شوقاً عارماً لتفسير الأشياء المحيطة به، كما أن لديه نزوعاً قويَّا لاجتراح عتمة المستقبل، وحين لا يجد من العلم ما يكفي لهذا وذاك فإنه يجد في الخرافات والأساطير وسائل مثالية لبلوغ ما يصبو إليه. الخرافات عبارة عن أفكار وممارسات وعادات لا تستند إلى تسويغ عقلي، ولا تخضع لأي مفهوم علمي لا على مستوى النظرية ولا على مستوى التطبيق; ومن ثم فإنها بعيدة عن المنطق وعن الموضوعية، ولا يستطيع الذي يتمتع بتفكير منطقي عالً أن يعصم ذهنه من الخرافة إذا لم يكن يملك قدراً جيداً من العلم; وذلك لأن المنطق هو القواعد الفكرية التي نستنتج بواسطتها معرفة معينة من معرفة مسلّمة سابقة. تستقي الخرافة وجودها واستمرارها من ذخيرة الأوهام التي يحتفظ بها المجتمع بسبب ما عاناه ويعانيه من جهل مطبق10 وتخلف سياسي واجتماعي واقتصادي شامل. الإسلام يقدم لأبنائه ما يحميهم من التفكير الخرافي، لكن حين يشيع الجهل تفسد عقائد الناس وتصبح مشكلتهم الأساسية سوء فهم الإسلام;ومن ثم فإنك ترى الخرافة والسحر والشعوذة وقراءة الكف والفنجان منتشرة في المجتمع المسلم غير المتعلم قريباً من انتشارها في المجتمع غير المسلم، وقد لاحظ علماء الاجتماع أن انتشار الخرافة، يتسع كلما زادت درجة الجهل والقهر والعجز وفقد الصقة بالنفس; لأن من شأن هذه الأمور أن تنأى بالإنسان عن البحث الموضوعي و المنهجي لمشكلاته، مما يجعله يلجأ إلى الخرافة بوصفها أداة جيدة لتفسير الظواهر .
ستظل الخرافة موجودة، وربما يتاح لها المزيد من الانتشار اليوم بسبب وسائل الإتصال العجيبة والمتاحة للصغير والكبير، ونحن نلاحظ أن كثيراً من الناس يشيُعون عبر ( البريد الإلكتروني ) الكثير من الكلام حول فوائد بعض الأغذية والمشروبات والأعشاب، ويتبادلون الكثير من الكلام حول ما يسمونه براهين على قدرة الخالق ـ سبحانه ـ كما يتناقلون أخباراً عن مصائب حلت بفلان لتركه الصلاة وبفلان لشربه الخمر... مما لا ينهض على ثبوته دليل، ولا يصل للتمحيص والتجريب.
القائدة الأساية في التعامل مع كثير مما ذكرته تقوم على مفهوم العالمية;حيث لا يكون العلم علماً إلا إذا كان عالمياً فإذا جاء من يدعي خصائص وفوائد لطعام أو شراب لأي شيء، دون أن ينال موافقة علم الطب، فإن علينا أن نقف من إدعاءاته موقف الشّاك إلا أن يُثبت الطب إدعاءه، أو ينفيه. في بعض الأحيان تحاك قصة خرافية لأسباب غير اجتماعية، أو قل: لأسباب صحية تحديداً، وعلى سبيل المثال فإن مريض الفصام يصاب باضطراب في الإدراك فيرى ويشعر أن في بابه من يحاول التجسس عليه، وقد يسمع بعض الأصوات، ويأخذ في تحليلها، ويكون كل ذلك غير موجود في الواقع، وإذا حدث ورم في منطقة البصر في الدماغ، فإن المريض يرى وكأن حية مرَّت من أمامه، وليس هناك في الحقيقة حيةٌ ولا ثعبان، فإذا كان المريض من أهل الصدق والعلم، فإن كلامه يؤخذ على أنه حقيقة راسخة، ويشعر من سمعه بتحليله والبناء عليه، وإذا بنى أمامه خرافه تروى بسند صحيح عن مصدر موثوق! إن الإنسان لا يرى كل أحداث الحياة، ولا يفهم كل أسباب ما يجرى من حوله، ولا يعرف كيف يفسِّر كثيراً منه; ولهذا فإن العقل سيظل وهو يفكر مصدراً لإنتاج الأوهام والأباطيل، وإن التأني في اعتماد تفسير ما أو تصديق خبر ما، بالإضافة إلى سؤال أهل الاختصاص... من الأمور التي تساعد على حماية عقولنا من استيلاء الخرافات والأساطير عليها .
? ـ الرضوخ للطبيعة والعادات :
يولد الطفل وقد زوده الباري ( عز وجل ) بخصائص شخصية، هي بمثابة النواة لشخصيته في المستقبل، لكن الطفل ينشأ في أسرة، وهذه الأسرة لها مسحة عامةٌ، ومن خلال عيشه فيها يكتسب العديد من العادات، وتدل بعض الدراسات على أن ( ??? ) من الخطوط العميقة في شخصية الطفل يتم رسمه في السنة الأولى، وحين يبلغ السادسة يكون (???) من تلك الخطوط قد تم رسمه بالفعل;ولهذا فإن سطوة المجتمع في تشكيل ذهنية الطفل هائلة، وفي دراسةٍ ذات معنى أجريت على ( البراغيث ) ; حيث قام أحد الباحثين بوضع عدد كبير من البراغيث في زجاجة كبيرة، وأحكم إغلاقها، وبعد ثلاثة إيام رفع الغطاء عن فوهة الزجاجة، وظهر شيء مذهل، هو أن ( البراغيث ) لم تعد ترتفع في طيرانها فوق مستوى الزجاجة حتى الصغار الذين ولدوا فيها تعلموا سلوك المجموعة، وصاروا يطيرون مثلها ! هكذا المجتمع يرسم لنا الكثير من ملامح السلوك وعادات التفكير;ومن ثم فإن الطامح إلى أن يكون مفكراً حرّاً ومبدعاً محتاج إلى أن يتحرر من العديد من عادات التفكير التي وجد نفسه مقيداً بها، ومن تلك العادات الآتي:
أ ـ السرعة في التفكير:
معظم الناس في عالمنا الإسلامي، ما بين أميين وما بين متعلمين تعلماً ضعيفاً لا يُملِّكهم أسس التفكير المنهجي، وبيئاتنا على نحو عام بعيدة عن تقاليد البحث العلمي ومحرومة من معرفة قواعد التفكير القويم;ولهذا فإن ما نلاحظ وجود سرعة مذهلة في إصدار الأحكام والتقييمات، ونلاحظ هذا جليّاً في أحاديث المجالس;حيث يجيب بعض الحاضرين على المتحدث قبل أن ينتهي من حديثه أو طرح سؤاله، إن المطلوب عند التفكير في أمرٍ النظرُ مليّاً في المعلومات المتوفرة والإحاطة بالقضية المشكلة أو المشكلة موضع التفكير، والتحقق من مصداقية البراهين التي سنستخدمها، إلى جانب الإصغاء إلى وجهات النظر المعارضة والجديدة بالإهتمام، وإذا كانت هناك خيارات مفتوحة فلا بد دراستها قبل أن نقدِّم الخيار الذي نرتاح إليه;فقد يكون في ما قاله غيرنا مما هو أفضل مما سنقوله.

ب ـ الكسل الذهني :
التفكير عملية شاقة جدّاً، ولو خيِّرتَ كثيراً من الناس بين أن يجلس الواحد منهم ساعةً يفكر فيها في أمر، وبين أن يمشي تلك الساعة لاختار المشي;ومن هنا فإن معظم الناس يحملون همّ مسألة من المسائل سنة أو سنين دون أن يجلسوا ساعة أو ساعتين للتفكير في الأسلوب الأمثل للتعامل معها، ولا شك أن هناك فرقاً كبيراً بين همّ أمر من الأمور وبين التفكير فيه على نحو جاد.
إن الله عزّ وجل متَّعنا بالكثير من القدرات التي تساعدنا بالتغلب على الصعاب، ومن تلك القدرات;القدرة على التخيل والمقارنة، وفهم الفروق بين الكائنات والأفكار، واستخدام الحجج المنطقية في إقناع الآخرين... إن من المؤسف أن مدارسنا وجامعتنا لا تقدم أي تدريب في هذا الشأن، كما أن أسلوب التعليم يركِّز على التلقين والحفظ، وليس على التفكير;ولهذا فإن ما سميناه الكسل الذهني أو البطالة الذهنية هو الأصل في حياتنا، والتخلص منه يحتاج إلى إرادة ومجاهدة وتمرين.
ج ـ عدم الإعتراف بالخطأ :
كثير من الناس يجد صعوبة بالغة في أن يتحدث عن الأمور التي أخطأ فيها، أو يتحدث عن المشروعات التي فشل في إنجازها;وذلك يعود إلى أن مجتمعاتنا لم تتعود ( البوح ) ، وقليلاً ما تمارس فضيلة الإعتراف بالقصور، وأرى أن على العلماء والمفكرين مسؤولية خاصة في هذا; إذ أن من واجبهم أن يتحدثوا عن بعض نقاط ضعفهم، وعن الموضوعات التي لم يتمكنوا من إنضاجها أو بلورة رؤية جيدة فيها، ومصدر المشكلة يعود إلى أننا نظن أن إعترافنا بالأخطاء يحطّ من قدرنا في أعين الناس، وهذا وهمٌ; فالناس كلهم يشعرون بضعف الفهم في بعض الأمور، ويقعون في بعض الأخطاء السلوكية نتيجة لحظات الضعف التي يمرون بها;ومن ثم فإنهم يلمسون في الذي يتراجع عن خطئه الشجاعة التي افتقدوها في أنفسهم.
مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم كان مجتمعاً فاضلاً، ومع هذا فإن كثيراً من الصحابة اعترفوا بأخطائهم وسألوا عن أمور غير معقدة; وذلك لاعتقادهم بأن ذلك لا ينقص من قدر الإنسان; بل يرفعه .
د ـ وهم الإكتفاء المعرفي :
حين يعيش الإنسان في بيئة غير متعلمة، ويكون قد حصل على قدر حسن من المعرفة والعلم، فإنه يقارن نفسه بمن حوله، ويرى أنه متقدم عليهم، وهذا يجعله يتوانى في طلب العلم ومتابعة الاطلاع، ويأخذ في التحدث بأمور كثيرة، وتصدر عنه آراء غير ناضجة... إن المطلوب ممن يتحدث في التاريخ أو الفقه أو الطب ـ مثلاً ـ أن لا يقارن نفسه بمن حوله من العامة، إن ما عليه أن يقارن نفسه بأهل الاختصاص الذي يتحدث أو يحاضر أو يكتب فيه; لأن الحكم الصحيح على ما يقوم به محصور فيهم . إن الشجاعة في العطاء والجراءة في طرح الرأي من الأمور المحمودة، لكن مع التزود بالقدر الكافي من الذخيرة العلمية المرموقة .
هـ ـ مقاومة الجديد :
حين تُناقش بعض الناس تشعر أنك أمام بعض الناس تشعر أن لديهم قدر كبير من الممناعة ضد التغير، وتشعر أنك أمام عقليات عسيرة الصقل، وهذا يعود في الأساس إلى البيئات التي نشأوا فيها، وهذه مشكلة عويصة وكثيراً ما تعرقل التقدم الذهني لدى شعوب بأكملها... إن من أهم صفات المفكرين أنهم يملكون القدرة على الإستجابة للمعلومات الجديدة، إنهم ينظرون إلى رؤيتهم للحياة والأشياء على أنها مشروع تحت التأسيس، أو أشبه بطبخة ما زالت فوق الموقد; ولهذا فإنهم لا يرون مشكله في إضافة شيء من الماء أو الملح... إليها; بل إن المفكر يبتهج بالرأي الذي يخالف رأيه; لأنه سوف يساعده على إثراء ما لديه ويجعله يجدد في طرحه العام وهذا ما ينبغي علينا جميعاً أن نتعلمه، ونفرح به .
و ـ التطرف في التشاؤم والتفاؤل :
من الناس من يميل بفطرته إلى التفاؤل والمرح، ولديه طيبة وحسن طوية وسماحة،





ثم يكرمه الله – تعالى – بزوجة صالحة وأولاد صالحين ناجحين , ويرزقه عملاً جيداً ... وهكذا فإنه يكون مؤهلاً على نحو تام لأن يكون مفرطاً في تفاؤله , لأنه يعيش في وضعية جيدة , ولم ير شيئاً من الظلم أو عذابات الحياة القاسية , وهذا يدفعه بطريقة غير واعية إلى التقاط الصور والمؤشرات الإيجابية والجميلة في المجتمع , ثم يأخذ بتجميعها وفلسفتها , ثم الحديث عنها وتقديمها للناس على أنها تمثل الواقع , وما عداها قليل أو نادر .
في المقابل هناك أشخاص لديهم نوع من السوداويه في المزاج , ومرَ عليهم من حوادث الحياة المظلمة والظالمة ما جعلهم محبطين ويائسين من كل شيء , ومنهم من يعمل في عمل يتعلق بسوءات المجتمع و أهل المشكلات من أبنائه , مثل : الشرطة والقضاة والمرشدين الأسريين ... وهؤلاء جميعاً معرَضون لأن يُفرطوا في التشاؤم تجاه المستقبل , و لهذا كثيرين منهم يُصدرون الأحكام القاسية , وينتجون الأفكار التي تشير إلى تراجع الحالة الأخلاقية والحضارية في المجتمع . المطلوب من هؤلاء و أولئك الاعتقاد بأن الوضع العام قابل دائماً لأن يقُرأ بطرق مختلفة , وقابل لأن يجد فيه كل فريق أو طرف ما يعزز معتقداته , ولهذا فإن الاحصاءات و الأرقام و التقارير المتخصصة والمقارنة هي التي تساعدنا على إصدار الأحكام الرشيدة , وينبغي أن نحتكم إليها كلما أردنا القيام بذلك .
ز – تبسيط ما هو معقَد :
حين نحاول فهم ظاهرة كبرى مثل التدين أو البطالة أو تخلف التعليم أو التواصل الاجتماعي أو العولمة ... فهذا يعني أننا نحاول فهم ظاهرة مركَبة ومعقَدة وذات أبعاد مختلفة , والخطأ الذي ينبغي أن نحذره هو أن نعمل على بحث أي ظاهرة من الظواهر بعيداً عن امتداداتها المختلفة , فلا نحصل إلا على فهم مبتَسر , وعلى سبيل المثال فإن كثيرين منا ينظرون إلى العولمة على إنها أمركة , أو على أنها حركة استعمارية جديدة , أو على أنها فرصة أمام الدول الفقيرة لاكتساب خبرا تقنية وتجارية كبرى ... وكثيرون ينظرون إلى أزمة التعليم لدينا على أنها أزمة مناهج أو ضعف معلمين أو ضعف تجهيزات أو ضعف متابعة من الأهالي لأولادهم ... هذا كله عبارة عن تبسيط لظواهر كبرى , ولهذا فإن كثيرين منا لا يخرجون من وراء بحثها والتفكير فيها

???
بأي نتيجة , وسأذكر هنا نموذجاً للتفكير في ظاهرة مركبة بعيداً عن التبسيط من أجل توضيح ما أريد قوله , واخترت الحديث عن ( الالتزام الأخلاقي ) موضوعاً لذلك النموذج بوصفه شأناً مهماً في نظر المسلمين , وذلك عبر المفردات الآتية :
- نعني بالالتزام الأخلاقي : مطابقة سلوك المسلم للقيم و الأخلاق الأساسية في الإسلام مثل الصدق و الأمانة و الحياء واللطف في التعامل والصبر والوفاء بالوعد ...
- تشعر أحياناً أن بعض الناس ولدوا ليكونوا خلوقين , حيث تلمس فيهم الكثير من النبل واللطف والخلق الرفيع مع أنهم لم ينشأوا في أسر ممتازة , ولا تعلموا في مدارس جيدة .
- يخرج المرء في بعض الأحيان على خلق يلتزم به على نحو جيد بسبب بعض الظروف القاسية , فالصبور قد يفقد صبره حين يٌحمَل عبئاً ثقيلاً يفوق طاقته , والصادق قد يكذب حين يدخل في موازنة يرى فيها أن الكذب أهون الشريَن و أخف الضررين عليه , وقد يكذب المرء بسبب مروره في لحظة ضعف ثم يتوب بعد ذلك , وقد ورد في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اطَلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة , لم يزل معرضاً عنه حتى يُحدث توبة .
- للظروف الاقتصادية تأثير كبير في الالتزام الأخلاقي , فحين يكون الناس في حالة شديدة من الفقر والعَوَز , فإنهم يستسهلون الخروج على قيمهم ومبادئهم , ولهذا تجد من يكذب ومن يقبل الرشوة , ومن يُظهر نوعاً من الأنانية الشديدة ... في الأوقات الصعبة . و أحياناً تضعف الأخلاق لدى الناس بسبب اتساع طموحاتهم الدنيوية , كما هو مشاهد لدى الذين يقبلون الرشوة وهم أثرياء , وأحياناً يسلك الناس مسلك غير أخلاقية بسبب ضعف النظم الرقابية , فالزجاج المكسور يشجع اللصوص على السرقة .
- التزام الشخص الواحد بالأخلاق ليس على درجة واحدة , إذ إن الأسرة قد تركز في تربيتها على خلُق بعينه أكثر بكثير من تركيزها على باقي الأخلاق , وعلى سبيل المثال , فإن الناس في أكثر الأحيان يشدّدون في تربية أبنائهم على أن يكونوا لائقين اجتماعياً , ويحذرونهم مما ينظر إليه المجتمع على أنه معيب , ويتساهلون فيما يتعلق بالحلال والحرام , ونحن نعرف أن النساء في الريف الإسلامي – مثلاً – كنَّ
يحرصن على الحجاب ويتمسكن به أكثر من حرصهن على أمور أساسية جداً مثل الصلاة , كما نعرف أن الناس في القرى والأحياء الضيقة يحرصون على خلق المعاونة والإسعاف أكثر من حرصهم على خلق إمساك اللسان على الكذب والغيبة والنميمة وقد كان العربي في الجاهلية ينظر إلى الكرم والشجاعة و إغاثة الملهوف نظرة تنطوي على كثير من الاهتمام والاحترام , لكنه لم يكن يهتم كثيراً بالعدل واحترام الحقوق , وقد كانت أحب أموال العرب إليهم ما يكسبونه عن طريق التجارة وعن طريق الغزو والقتال , وإن معظم المسلمين في معظم المراحل التاريخية كانوا يهتمون بصيام رمضان أكثر من اهتمامهم بالصلاة مع أن شأن الصلاة أعظم , كما أشرت من قبل .
سيظل وعي الناس بمنظماتهم الأخلاقية , وسيظل فهمهم لدرجة أهمية كل مفردة من مفرداتها منقوصاً , ومن ثم فإن الوعي بها يتسع ويتعمق بحسب الحالة الحضارية التي يعيشون فيها , أي أن الظروف المعيشية وتطور العلاقات الاجتماعية ومدى ما يتراكم لديهم من معارف وخبرات ... هو الذي يتحكم في كثير من أشكال التطور الأخلاقي , وعلى سبيل المثال : فإن سكان العواصم والمدن الكبرى – على نحو عام – يصبح لديهم اهتمام أكبر بما يمكن أن نسميه أخلاقيات العمل و أخلاق التمدن , وذلك مثل الدقة والإنجاز والجدية والمثابرة , والمرونة والاستيعاب للآخرين واللطف في التعامل معهم , كما أنهم إلى جانب هذا يتذوقون طعم الرفاهية , ويَخْبرون أشكالاً جديدة من المُتَع , وهذا يؤدي إلى أن يُعيدوا ترتيب أولوياتهم في سُلَّمهم الأخلاقي .
أما في البوادي والقرى والأحياء العشوائية التي تنشأ على تخوم المدن , فإن الناس يهتمون أكثر بأخلاق مثل : الاعتزاز بالحسب والنسب والانتماء إلى القبيلة والحرص على سمعتها , ويجيزون لأنفسهم اللجوء إلى القوة في حل مشكلاتهم , كما أنهم يملكون طاقة هائلة على التعايش مع عذابات الحياة , وهم إلى جانب هذا سريعو الانسحاب من مواجهة التحديات , وللياقة الاجتماعية والسمعة الحسنة بالإضافة إلى أخلاق مثل المروءة والشهامة والنجدة والغيرة على العرض ... شأن وأي شأن في خرائطهم الأخلاقية ???

من هذا العَرض يتضح لنا مسألة ( الالتزام الأخلاقي ) مسألة معقدة غاية التعقيد , ويتبين لنا أن تحسين مستوى التزام الناس بالأخلاق الفاضلة لا يتم بمجرد







???
النصح أو تحسن مستواهم الاقتصادي أو الارتقاء بحصيلتهم المعرفية ... إن مسألة أعقد من ذلك بكثير , وتبسيطها وتبسيط مثيلاتها من المسائل المركَّبة , هو من المطبَّات الكثيرة التي يقع فيها كثير من المثقفين فضلاًعن غيرهم .
كنت أود أن أفيض أكثر في الأمور التي تستحق الحذر , لكنَّ الحرص على عدم تضخم الكتاب يُلجم القلم في كل مرة عن الاسترسال , وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق .
???

تطوير الأفكار
مضت سنة الله - تعالى – في هذا الكون بأن تظل أجزاء ملفوفة بالغموض , ومضت مشيئته بتسخير ما في السماوات والأرض لهذا الإنسان المميز و المفضَّل على العالمين , وإن جزءاً من تميزنا يكمن فيما أمدنا به من خيال وذاكرة وقدرة على التحليل ... ومن الواضح جداً أن اكتشافنا للحقائق يتم دائماً على سبيل التدرج , وإن تطوير المنتجات بكل أشكالها قائم على هذه الحقيقة . إن لدى كل واحد منا العديد من الأفكار التي يرى أنها جيدة ونافعة لو تم توظيفها بشكل جيد , وتمضي الأيام والسنين ونحن نردد أفكارنا في المجالس ظانين أنها تتأبى على الذبول مهما تقادمت , وهذا أحد أكبر الأوهام التي يقع فيها كثير من الناس . إن الفكرة سواء أكانت نظرية فلسفية أو كانت علمية تنفيذية تظل غير مكتملة , أي تظل قابلة لنوع من التشذيب والتعديل والإثراء , فإذا لم نقم بتطويرها فربما تتحول مع الأيام إلى شيء يشبه تخيلات وتنظيرات الحمقى , وبعد ذلك تذهب أدراج الرياح , وما ذلك إلا لأن الشيء الذي أفكر فيه ليس حكراً عليّ , فالمشاهدة تُثبت أن الواحد منا حين يُنضج فكرن من الأفكار , أو يمتلك رؤية أو طرحاً لمشروع من المشروعات , لا يكون وحيداً في ذلك , بل يكون هناك عشرات أو مئات العقول الذكية التي تفكر في مثل ما فّكر فيه , وربما على نحو أكثر عمقاً , وإذا استطاع بعض أولئك وضع أفكارهم في سياق تنفيذي , فإنهم سيحصلون على فرصة عظيمة لتطويرها بما يكتشفونه من نقاط قوتها ومن وجوه قصورها وعيوبها وتتحول الأفكار التي يتكرر طرحها على نحو جامد إلى ما يشبه خردوات التاريخ , لتؤشر على أن صاحبها بات يفكر لزمان سابق على زمانه .
أنا هنا سأحاول ذكر بعض الأفكار و الأساليب التي تساعد على تنمية الأفكار مع الاعتراف بصعوبة هذه المحاولة ووعورة الطرق المفضية إلى نجاحها , لكن ليس أمامي أي خيار آخر , ولعلي أقارب ذلك عبر النقاط التالية :
???





???




1– وضع الأفكار في نطاق أوسع :
حين نفكر في أي قضية من القضايا , فإن هناك إغراءات كثيرة بالتركيز على جوهر القضية , ونعلَل ذلك عادة بالخوف من التشتت والبعد عن لُبَ المسألة , لكن إذا تأملنا في الواقع فإنا سنجد أن أي مشكلة من المشكلات التي نعاني منها , هي ذات امتدادات وعلاقات تتجاوز مجالها , حتى الأفكار والمفاهيم فإنها تكره القطيعة والحصر في حيَّز ضيق , وتتلهف لأن تكون في فضاء أرحب , وسأسوق مثالين على ما أود تقريره :
أ‌- حين يلاحظ المسؤولون عن الأمن في بلد من البلدان زيادة حوادث القتل بالنسبة إلى الأعوام السابقة , فإن الأفكار التي يتم التركيز عليها في العلاج غالباً ما تكون بناء المزيد من السجون والتشدُد أكثر في حصول المواطنين على رخص حمل السلاح وتسريع عمل المحاكم , وهذه كلها حلول مطلوبة , لكنها غير كافية , وإن تطوير أفكار المعالجة لانتشار هذه الجريمة يكمن في فهم الأسباب على نحو تفصيلي وفي توسيع آليات العلاج , وعلى صعيد الأسباب يكون علينا البحث في دوافع تلك الجريمة , وهل مساهمة تلك الدوافع في حدوثها ثابتة أو متطورة ؟ وإذا كانت متطورة فما الدوافع التي صارت أشد تأثيراً ؟ نحن نعرف أن الإنسان يقتل أحياناً بسبب ضعف إيمانه ويقينه , وغفلته عن ربه وعن العقوبة العظيمة التي رتبها على القتل العمد وقد يقتل لأسباب صحية بسبب اضطراب عمل الغدد أو تغير في كيمياء الدماغ , وقد يقتل دفاعاً عن العرض والشرف والسمعة , كالذي يقتل أخته للتخلص من العار الذي ألحقته بالأسرة بسبب انحرافها السلوكي , وقد يقتل لدوافع اقتصادية كما يفعل اللصوص في بعض الحالات , كما أنه قد يقتل لأسباب بيئية تربوية , كما هو الشأن في البلدان التي ينتشر فيها القتل بدافع الثأر وعلى مبدأ أخذ الحق باليد ... وهكذا فإن التوسع في فهم أسباب الجريمة هو تطوير لأفكارنا حول واقع الجريمة وامتداداتها الصحية والثقافية والاقتصادية ... هذا بالطبع يجعلنا نوسّع أفكارنا حول آليات علاج الجريمة , وسنجد أن علينا آنذاك أن نراعي في التركيز على الآليات ما أفضى إليه البحث عن الأسباب , فإذا وجدنا أن ضعف الإيمان – مثلاً – هو الدافع الأقوى في زيادة حوادث القتل عملنا على معالجة الفراغ الروحي والفكري لدى الشباب بتركيز و استمرارية أعلى وهكذا ...










???















???

ب – مشكلة عزوف الشباب عن القراءة من المشكلات الخطيرة لدينا , ونحن حين نتحدث عن هذه المشكلة الخطيرة نعيدها إلى إلى أسبابها المباشرة , مثل أمية كثير من الأسر , وفشل المدارس في تحبيب الكتاب إلى الطالب وغلاء أسعار الكتب بالنسبة إلى كثير من الناس ... وإذا أردنا تطوير رؤيتنا لهذه المشكلة ، فقد يكون علينا التفكير في الآتي :
- معظم المسلمين فقراء ، و بعضهم تحت خط الفقر ، وحين يشعر الإنسان بعدم القدرة على تلبية حاجاته الأساسية كالطعام و الشراب و المسكن و الملبس ... فإنه لا يتجه إلى تلبية ما هو من قبيل الاهتمامات
الثقافية العليا ، كما هو شأن القراءة ؛ ولهذا فإن فريقاً من المسلمين لن يحتفلوا بالكتاب ، ولن يداوموا على فعل القراءة حتى يتحسن وضعهم المادي ، وهذا السبب ثانوي في نظري .

- تدل بعض الدراسات على أن نحواً من (70%) من القراء في أوروبا يقرأون من أجل التسلية و التخلص من الفراغ ، وربما صلح هذا لأن يكون مؤشراً إلى وضع القراء في كل أنحاء العالم ، وعلى هذا فإن الكتاب اليوم يجد أكثر من منافس على تحقيق التسلية: الفضائيات ، الانترنت ، الجوال ، الألعاب الإلكترونية ... ومن هنا فإن المطلوب هو توفير وضعية حضارية يقرأ فيها كثير من أجل الفائدة و الارتقاء بمستواهم الثقافي .

- كثير من الأعمال في العالم الإسلامي مبتوت الصلة بالمعرفة و الدرس ، أي أن معظم الموظفين و العمال لدينا لا يحتاجون في أداء أعمالهم اليومية إلى القراءة و البحث على حين أن نحواً من (40%) من الوظائف في الغرب يحتاج إلى ذلك ، وهذا أدى إلى عدم تكوّن ألفة بين الفرد المسلم و الكتاب ، أضف إلى هذا أن معظم الأعمال عندنا يحتاج إلى بذل جهد عضلي كبير ، وهذا يستنفد الطاقة الروحية و البدنية لدى الكثيرين ، فإذا جاء المساء شعروا أن ما يحتاجون إليه هو الراحة ، و ليس القراءة ، وهذا يعني أن جزءًا من تغيير وضعية العزوف عن القراءة سيظل متوقفاً على تحسن الوضع الحضاري و تغير طبيعة العمل الوظيفي لدى المسلمين .

- أسلوب التعليم لدينا يقوم في معظم الأحيان على الحفظ و التلقين ، وهذا يشكل ضغطاً هائلًا على الروح و الذاكرة ويحرم الطالب من الرجوع إلى المصادر و المراجع ، و النتيجة الملموسة هي كره التعليم و الفرار من القراءة ، و يتحول هذا بالنسبة إلى كثير


من الطلاب إلى موقف عام طيلة الحياة . ???
- لم تقم الجامعات ببذل جهد يذكر ( تبسيط المعرفة ) ولم تبذل الحكومات جهودًا واضحة في دعم المؤلفين أو دعم صناعة النشر ؛ ولهذا فإن عالم النشر هو عالم ضعيف ، وقد انعكس هذا على مستوى الكتب التي تُؤلّف وعلى قدرتها على جذب الجماهير إليها ؛ ومن ثم فإن الكتب التي يوزع منها مئات الألوف ، و الكتب التي تترجم إلى عدد جيد من اللغات قليلة جداًّ .
- معظم الأسر المسلمة أمية أو حديثة عهد بأمية أو نصف مثقفة ، وهذه لا تبذل الجهد المطلوب لغرس حب القراءة في نفوس الصغار وجعلها إحدى العادات لديهم .
إن مثل هذا التوسيع للقول في المشكلات و الظواهر يتيح لنا فتح آفاق جديدة في فهمها و معالجتها ، ويشكل في الأساس تطويراً لرؤيتنا لها ، وإذا استطعنا تتويج ذلك بحوار معمق حول ما ذكرناه فإننا سنشعر فعلاً أننا حصلنا على ثروة من الأفكار القيمة .
2_التداعي المنطقي و الثقافي :
إن الله –سبحانه- فطر العباد على طبائع و تطلعات و حاجات واستجابات موحَّدة على المستوى العام متباينة على مستوى الجزيئيات و التفاصيل ، وهذا يمكَّننا من بلورة رؤى ومفاهيم جيدة حول علاقة الإنسان بأخيه الإنسان وعلاقته بما هو ثابت من حوله ، وبما هو متطور ، وإن الكشف عن تلك العلاقة قد يتم أحياناً عن طريق فهم الترابط المنطقي و الترابط الثقافي بين ظاهرة وظاهرة وبين وضعية و وضعية ، وهذا كله يطوِّر أفكارنا ، ويجعلها أكثر رحابة ، وسأشرح ما أريده من خلال مثال يتعلق بتأثير التحضر في علاقة الرجل بالمرأة ، وذلك عبر التداعيات الآتية :
أ‌- حين يحدث تقدم حضاري و عمراني فإن وعي الناس يتفتح على كثير من الأشياء الجديدة ، و يبدؤون بتذوق طعم الرفاهية ، ويَخْبرون المشاعر التي يُفضيها التمتع بالكماليات .
ب‌- يشعر الرجل بحاجة ماسَّة إلى زوجة تعيش معه تحت سقف واحد ، و الإنسان المتحضر الذي ذاق طعم الرفاهية يتطلع إلى أن يترفَّه بالمرأة من خلال درجة

عالية من التمتع بها ، وهذا متوقف على تجاوبها مع تطلعات الرجل ورغباته وعلى حرصها على مسايرة مزاجه .

ت‌- المرأة ليست شيئاً أو متاعًا يمكن للرجل التمتع به من غير إرادته ، ولهذا فإن تجاوب المرأة مع رغبات الرجل وترفيهها له ، مرتبط بإحساسها بأنه يحبها، و يحترمها ، ويحرص على ترفيهها .
ث‌- إن من جملة ترفيه المرأة العمل على تلبية طلباتها ومراعاة مشاعرها و العد عن مغاضبتها .
ج‌- هذا يعطي للمرأة نفوذاً جديداً ، لم يكن لها من قبل ، لهذا يمكن القول : إنه كلما درج الناس في سُلَّم الحضارة و المدنية أكثر ، اتسع المجال الحيوي للمرأة ، وصار لها سطوة أكبر في حياة الأسرة ، من هنا نلاحظ أن نفوذ المرأة في المدينة أقوى من نفوذها في القرية ، ونفوذها في القرية أقوى من نفوذها في البادية ، وما ذاك إلا لأن حياة البادية هي حياة ضروريات لا حياة كماليات . وأنت تلمس من صدى قوة نفوذ المرأة في المدن انحسار تعدد الزوجات فيها و ضآلته إذا ما قورن بما في القرى و البوادي .
ح‌- نخلص من هذا إلى أن روح الحضارة ، أنثى ، وكلما ازداد الناس تحضرًا اكتست الحياة مسحة أنثوية ، ويظهر ذلك في لطف الخطاب و نعومة التعامل و الخضوع المتزايد للرغبات مع نمو الوعي التصالحي .
خ‌- بما أن النساء أشد ما يُفتن به الرجال فإن المزيد من التقدم الحضاري يفتح وعي النساء على المزيد من خبرات الإغراء للرجال ، وهذا يعني المزيد من الابتلاءات الجديدة .
د‌- مواجهة ابتلاءات إغراء النساء تحتاج إلى تيسير الزواج وخفض تكاليفه وإلى إثراء الجانب الروحي و الاستعداد لمزيد من الصبر و المجاهدة .
إن فهم التداعيات والارتباطات الثقافية و المنطقية يحتاج الخيال الخصب مع العمق في معرفة الطبيعة البشرية و طبائع الأشياء ، لكن ما نحصل عليه آنذاك من صقل للوعي لا يقدَّر بثمن .
???

3- التدرج في تطوير الأفكار:
إن معرفتنا بالطبيعة البشرية مثل معرفتنا بالعقل البشري, ومثل معرفتنا بالأجسام والمواد المنتشرة في الكون ، إنها معرفة ناقصة و غير نهائية ، وينبغي أن نلزم الدقة والحذر حين نريد تقرير الحقائق المتصلة بذلك ، أو نريد إصدار أحكام عليها ، ويمثّل التدرج في بناء الفكرة وتطويرها وتوسيع مدلولها تعبيراً جيداً عن تلك الدقة وذلك الحذر ؛ وهذا مثال ذلك :
قالت العرب قديما « تكلَّموا تُعرفوا »أي أننا حين نلتقي بشخص لا نعرفه فإن الذي يكشف لنا عن عقله وعلمه هو كلامه ، وهذا صحيح إلى حد بعيد ، وفي إمكاننا تطوير هذا المفهوم من خلال توسيع ملاحظتنا للشأن الإنساني و البحث عن الأشياء التي تساعدنا على معرفة ذلك الشأن ، ومن هنا فإن إمكان المرء أن يقول :
أ‌- من سياراتهم تعرفونهم ؛ حيث إن سيارة المرء تشير إلى إلى الحالة المادية لصاحبها ؛ فثمن سيارة واحدة لثري جدًّا قد يساوي ثمن مئة سيارة من أمثال سيارة رجل فقير جدًّا ، كما أن سيارة الشخص قد تدل على مدى ما عند صاحبها من حرص على النظافة ، وأنت تلاحظ أن بعض الناس يركبون سيارات قذرة من الداخل و الخارج ، وهذا لا علاقة له بالغنى و الفقر .
ب‌- من أماكن سكناهم تعرفونهم ، إذ إن من المؤسف أنك تجد في معظم المدن أحياء للأغنياء وأحياء للفقراء ، وتجد في أحياء الأغنياء توفرًا واضحًا للخدمات، كما تجدها فسيحة الشوارع، وأقل ازدحامًا ، كما أن فيها درجة عالية الأمن ، وليست كذلك أحياء الفقراء ، وهذا يجعل الساكنين في أحياء الأغنياء أكثر تفاؤلاً من الفقراء ، وتجد لديهم اهتمامات أرقى من اهتمامات الفقراء .
ت‌- من أصحابهم تعرفونهم ، فأهل الصلاح يحرصون على مصاحبة أشباههم من أهل الاستقامة ، وأهل الفساد يبحثون أيضًا عن أشباههم من الفاسدين ؛ ولهذا قيل في الحكمة « قل لي من تصاحب أقل لك من أنت » .
ث‌- من اهتماماتهم تعرفونهم ؛ فالكبار الكبار في الرؤية الإسلامية الرشيدة هم الذين تمكنوا من الخروج من دوائر اهتمامهم بأنفسهم و مصالحهم ومتعهم الشخصية
???

ليدوروا في فلك مصالح الأمة و حاجاتها ، إن الذي يؤرقهم هو ما يؤرق الأمة ، كما أن ما يُفرحهم هو ما يفرحها ، أما الصغار فإن الذي يستولي عليهم هو همّ الحصول على الطعام الفاخر و المسكن الرحب و المركب الباذخ ... إن اهتمامات الإنسان تلخَّص فعلاً رؤيته للحياة ، و تترجم مشاعره على نحو دقيق و جميل .
هـ- من برامجهم اليومية تعرفونهم، فالواحد من أهل العلم و الهمم و العلية يبحث عن ساعة إضافية في اليوم كي يتقدم خطوة نحو أهدافه العظيمة ، على حين أن معظم الناس العاديين ومَنْ دونهم يبحثون عن شيء يملأون به الفراغ الضاغط على نفوسهم وعقولهم ، ويبحثون عن شيء يقتلون به الوقت .
بعد هذا يمكن للواحد أن ينتهي إلى المقولة التالية : كل سلوك للإنسان ، وكل شيء له علاقة به من وجه من الوجوه ، يدل على شيء من شخصيته و جوهره ، ويرسل لنا إشارات واضحة حول ما خفي علينا من ِانه واتجاهاته .
لابد من الإشارة إلى شيء مهم ، هو أن كل ما نتحدث به عن الإنسان يظل غالبًا وغير مطرد؛ فالسنن هنا مرنة و غير حاسمة .
4-وضع الفكرة موضع التنفيذ :
حين نفكر في مشروع –مثلا- فإننا نستخدم الخيال و المعلومات المتوفرة ، وما في ذاكرتنا من انطباعات عن مشروعات مماثلة قائمة ، لكن لابد من القول : إن أفكارنا عن أية مشروعات قادمة لا تكون أبداً كاملة؛ لأن لكل مشروع مكاناً وزماناً مختلفين عن مكان وزمان أي مشروع آخر ، ويتبع هذا الاختلاف اختلاف في كثير من الحيثيات ، ثم إن أي تفكير نظري يصطدم بتمنّع المواد التي سيتم استخدامها في المشروع، والمواد تشمل هنا كل ما يستخدم في التنفيذ حتى العمال و المدراء ، فهم لن يتصرفوا كما يريد صاحب فكرة المشروع ، كما أنه تطرأ حوادث كثيرة تعطي لبعض عناصر النجاح أو الفشل وزناً غير محسوب ، كما لو كان المشروع عبارة عن إقامة ( محطة وقود ) ، فإن تحويل الشارع الذي أقيمت فيه طريق دولي يضج بالحركة قد يضاعف النتائج الإيجابية المتوقَّعة ، كما أن فتح محطة وقود ممتازة إلى جانبها قد يؤدي إلى فشلها وبالتالي إغلاقها . حين يُقدم شاب على الزواج ، فإنه يرسم في ذهنه
???

صورة وردية ورائعة للحياة التي سيحياها مع زوجته ، وبعد الزواج تدخل كل الأفكار في حيز التطبيق ، ويظهر للشاب أنه يحب العديد من الأشياء التي لا تحبها زوجته ، ويكره العديد من الأشياء التي تحبها ، كما يظهر له حجم تكاليف قيادة أسرة و خدمتها مما لم يكن يتوقعه ، وهذا كله يجعل الواقع مغايرًا للصورة التي كان قد رسمها في ذهنه لحياته الأسرية .
إن وضع الفكرة في موضع التنفيذ يساعد على تطويرها من حيث :
أ‌- اكتشاف ما فيها من إيجابيات و نقاط قوة ، مما يدفعنا إلى التركيز عليها و تنميتها .
ب‌- اكتشاف ما فيها من عيوب ونقاط ضعف تحتاج إلى تلافي و معالجة .
ت‌- الوقوف على تكاليف التنفيذ ، والتي قد تكون أكثر أو أقل مما كنا نظن .
ث‌- اكتشاف ما لدينا من قدرة وموهبة في قيادة المشروعات و تحقيق الأحلام .
ج‌- اكتشاف الواقع الذي نطبق فيه الفكرة ؛ حيث إننا لن نعرف التسهيلات والعقبات والفرص الموجودة في ذلك الواقع إلا إذا بدأنا بالحركة فيه .
ح‌- حين ننفّذ فكرة ونحوّلها إلى مشروع نستطيع أن نقارن مشروعنا بمشروع آخر منافس له ، ومن خلال المقارنة نطَّلع على الكثير من المميزات و الكثير من أوجه القصور ، أما المقارنة بين فكرتين ، فهي في الغالب غيره مفيدة، وأنت ترى أن كل دساتير العالم تشتمل على مبادئ وحقوق عظيمة و رائعة، ولا تبدو الفوارق الحقيقة إلا إذا نظرنا إلى أوضاع الدول التي تملك أروع الدساتير .

الخلاصة من ذلك هي : أنه ما من فكرة تدخل حيز التنفيذ إلا و تتعرض لشيء من التغير بسبب تفاعلها مع التجربة الإنسانية واحتكاكها بالواقع ، وفي هذا إنضاج عظيم لها .
5- المقارنة بالأفكار و المشروعات الشبيهة :
المقارنة مصدر من أعظم مصادر تكوين الوعي البشري ، ومن أعظم مصادر التعليم ، وسيكون من المفيد جدَّا لمن كان لديه مشروع أن ينظر إلى الأفكار و المشروعات الشبيهة بما لديه ، ويحاول اثراء أفكاره و خططه من خلال رؤية المفارقات و الإضافات و الاختصارات ووسائل التنفيذ وأسلوب العمل بين المشروعين .. وفلسفة جدوى

???
???



المقارنة تقوم في الأساس على ما في المعرفة البشرية من توحد وعلى تشابه كثير من الخبرات في مختلف المجالات؛ وإليك مثالين لتوضيح ما أعنية:
أ‌- لديك رغبة في كتابة بحث حول (( الإدارة النموذجية للأسرة ))؛ حيث تعتقد أن كثيراً من الآباء لا يقودون أسرهم ولا يُديرون شؤون بيوتهم بطريقة جيدة، لا شك أن لديك بعض الأفكار في ذلك، لكن ليست كافية بسبب أن التنظير الأساسي للموضوع ليس في المجال التربوي، وإنما في المجال الإداري، لكن ستظل إدارة الأسرة شيئاً مختلفاً عن إدارة مصنع أو شركة، فما وجوه الشبه بين إدارة شركة وإدارة أسرة، حتى تستفيد من المعلومات والمعطيات المتوفرة حول النجاح في إدارة شركة؟
لعل من وجوه الشبه الآتي:
- مدير الشركة أو المنشأة مسؤول عن سلامتها ونجاح خططها وكذلك رب الأسرة.
- مدير الشركة يتعامل في نشاطه اليومي مع بشر، هم موظفون وعمال ومستخدمون، وكل عمل رب الأسرة مع بشر.
- كلٌّ من قائد الأسرة ومدير المؤسسة محتاج إلى شيء من الحزم في إرادته وإلى كثير من اللطف والتهذيب.
- مدير الشركة محتاج إلى الوضوح في تعامله مع موظفيه وكذلك رب الأسرة.
- مدير المؤسسة في حاجة إلى أن يفهم أكثر وأكثر خلفيات موظفيه وحاجاتهم، وربُّ الأسرة مثله.
- مدير المؤسسة في حاجة إلى استخدام المكافأة والعقوبة في عمله، وكذلك رب الأسرة...
وجوه الشبه هذه توفر لنا خريطة لطبيعة المعلومات والأفكار التي سنقتبسها من قيادة مؤسسة ناجحة لقائدة أسرة يريد أن ينجح.
ب‌-
???
ت‌- مجموعة من الشباب الخيِّرين يريدون القيام بحملة دعوية وإعلانية ضخمة لترسيخ فضيلة ( الصدق ) في نفوس الناس وفي سلوكهم؛ ولديهم بعض الأفكار في ذلك لكن أفكارهم بدائية، ويخشون من الفشل ثم الإحباط أخذوا يبحثون



حملات مشابهة قامت بها بعض الجهات الحكومية، وقد عثروا على خطط العديد من الحملات، منها حملة قام بها المرور لإقناع الناس بأن يقودوا سياراتهم وفق قواعد السلامة، وحملة قامت بها وزارة الإسكان لتشجيع الناس على العيش في الريف من أجل تقليل حجم الهجرة إلى المدينة، وقد استقر رأيهم على القيام بدراسة مفصَّلة لحملة المرور، ومحاولة تلمُّس وجوه الشبه بين الحملتين كي يحصلوا على المعلومات والأفكار التي يحتاجون إليها، فما الذي يمكن أن يجدوه؟
قد يجدون الآتي:
- توقَّف نجاح حملة المرور على استجابة الناس وتفاعلهم، مما يعني أن القائمين عليها لم يكونوا متأكدين من النتائج التي يمكن أن يحصلوا عليها، وهكذا كل الجهد الإنساني الذي يُبذل في ظل نظم مفتوحة، وهذا يعني أن الجميع في حاجة إلى التفكير في كيفية إقناع الناس بأهمية الخضوع لقواعد السير واستخدام المركبات بالأسلوب اللائق، وهدف حملة الصدق أيضاً إقناع الناس بقول الحقيقة واحترامها وتنفيرُهم من الكذب والخداع.
- ما دامت الأهداف من الحملتين تتمحور حول تغيير قناعات الناس وسلوكياتهم، فلنا أن نتوقع من القائمين عليهما أن يستخدموا وسائل إعلانية ودعائية واحدة، والتفاوت سيكون في وسائل الإيضاح.
- التحدي الذي واجه حملة المرور هو وضع تصور للوصول إلى كل أولئك الذين يقودون سيارات داخل حدود الدولة، وقد كان إيصال الرسالة إلى الأميين وأولئك الذين يسكنون في المناطق النائية – محور ذلك التحدي. والمشكلة نفسها ستواجه القائمين على حملة الصدق.
??? - كثير من الناس لا يخضعون لقواعد المرور لأنهم يجدون تأويلاً شخصيًّا يظنون أنه يسوِّغ لهم ذلك، فهذا يتجاوز السرعة القانونية؛ لأنه أن لم يفعل ذلك لم يسمحوا له بدخول قاعة الاختبار، وفي هذا ضرر بالغ عليه، وهذا لا يشد حزام الأمان؛ لأنه يرى أنه يسير داخل المدينة ببطء، وبالتالي فإنه لا خطورة من عدم شده، وثالث يمشي عكس السير؛ لأن الوقت قبل الفجر، وليس هناك من يمكن أن يجده في وجهه...

القائمون على حملة الصدق سيواجهون نحوًا من ذلك، فهذا رجل يكذب على زوجته في مرتَّبه؛ لأنه لو ذكر لها مرتَّبه الحقيقي، فإنها سوف تتمادى أكثر في الإنفاق، وستقوم بتبديد المرتب، وهذا كّذّب وقال لمديرة: إنه غاب أمس؛ لأن إحدى قريباته توفيت، وذلك لأنه فقير، وحاله لا يحتمل خصم مرتب يوم، وهذا مدير مؤسسة يكذب ويقول لعماله: إن المؤسسة قد خسرت السنة الماضية حتى لا يزيد لهم في المرتبات، وهو يعتقد أن عدم زيادة الرواتب في صالحهم؛ لأنه لو زاد لهم فيها قد يضطر إلى تسريح بعضهم من العمل، وفي هذا ضرر كبير عليهم...
- أدرك القائمون على حملة المرور أنهم في حاجة ماسة إلى أصدقاء وحلفاء من المجتمع من أجل الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس، ومن أجل مراقبة سائقي المركبات والإبلاغ عن مخالفاتهم، وإن القائمين على حملة الصدق في حاجة إلى أعداد كبيرة من المتطوعين حتى يتمكنوا من مخاطبة أكبر عدد ممكن من الأشخاص.
- أدرك القائمون على حملة المرور أن حملة واحدة لا تكفي، وأنه لا بد من حملات تنشيطية سنوية أو كل سنتين، والظاهر أن القائمين على حملة الصدق في حاجة إلى الشيء نفسه؛ لأن الناس ينسون، ويغفلون، ولا بد من استمرار تذكيرهم وتوعيتهم.
- مادام القائمون على الحملة المرورية والقائمون على حملة الصدق في يحاولون إقناع الناس بشيءٍ ما، فإنهم جميعًا معرَّضون للوقوع في سلبية المبالغة، أي تجاوز الحقيقة وتضخيم فضائل الصدق وفضائل الالتزام بقواعد المرور وتعليمات رجاله، وكذلك المبالغة والتهويل في سلبيات الكذب وفي سلبيات خرق القواعد المرورية، وأنَّ سلبية الوقوع في المبالغة معرَّ لها الدعاة والمتحدثون ومندوبو المبيعات والمسئولون عن التسويق والحملات الإعلانية.. حين ندرك وجوه الشبه بين مشروعنا والمشروعات التي سبقتنا فإننا نستطيع حينئذ أن نثري مشروعنا بخبرات ??? عظيمة، ونستطيع أن ندرك أيضًا وجوه المفارقة، وما يشكِّل خصوصية لمشروعنا، وكلٌّ من هذا وذاك ضروري جدًّا لتحقيق النجاح.
6- عصف ذهني جيد وواثق:
العصف الذهني القديم في مضمونه حديث في أساليبه وأدبياته؛ فالناس منذ قديم

الزمان يجتمعون لحل مشكلة اعترضتهم، أو لتدبير مؤامرة ضد عدو... العصف الذهني نوع من تحريض الدماغ على العمل من أجل توليد فكرة أو تطويرها أو من أجل إيجاد مشكلة لخصم أو منافس... للعصف الذهني أساليب كثيرة تصل إلى ما يزيد على مئة أسلوب، واليابانيون أكثر الشعوب تفننًا في العصف الذهني.
المبدعون ينظرون اليوم إلى العصف الذهني – ولا سيما الجماعي منه – على أنه أفضل وسيلة مجانية متاحة لتطوير الأفكار، ومبادئه التي يقوم عليها ليست كثيرة، ولعل أهمها أربعة:
الأول: تأخير التقييم لأي فكرة تُطرَح إلى حين انتهاء جلسة العصف الذهني.
الثاني: إطلاق حرية التفكير وتحفيز الحاضرين على أن يقولوا كل ما لديهم، وكل ما يخطر في بالهم، ولو كان تافهًا جدًّا أو كان مستحيل التطبيق.
الثالث: الكم قبل الكيف؛ حيث أن المطلوب من المشتركين في العصف، هو أن يقدموا أكبر عدد ممكن من الأفكار والمقترحات أو تكون وليس أفضل شيء منها.
الرابع: لا يشترط في أي فكرة تطرح أن تكون جديدة كل الجدة؛ فقد تكون عبارة عن تحوير جزئي لفكرة موجودة أو تكون تفريعًا عليها.
لا بد لنجاح تطوير فكرة عن طريق العصف الذهني من الآتي:
- أن تكون الفكرة التي لدينا واضحة تمام الوضوح ومحددة على نحو جيد، ولا بأس عند الشك والتردد من تعريفها بأكثر من تعريف وصياغتها بأكثر من طريقة؛ لأن الفكرة التي لدينا هي المحور التي سيدور حولها العصف الذهني، وعلى سبيل المثال: إذا كان العصف يدور حول تساؤل يقول: (( هل أمتنا في حالة تقدم أو تأخر؟ ))، فإن المطلوب أولاً هو تعريف التقدم والتأخر، وإلا فإن نتائج العصف ستكون مشوَّشة ومخيبة للآمال. ???
- الثقة بأن العصف الذهني يساعد فعلاً على توليد وتطوير الأفكار، وإذا رجعنا إلى التاريخ وجدنا عددًا كبيرًا جدًّا من الأفكار والمشروعات التي طورها أشخاص، لا تُعرف عنهم عبقرية نادرة أو تفوق ذهني خارق، لكن كانوا يملكون ثقة عظيمة بأنفسهم ونظرة إيجابية قوية لذواتهم. إن النظرة الإيجابية للذات تحرّض الدماغ على
بذل جهود استثنائية، كما أن التفاؤل بإمكانية الحصول على شيء قيِّم يبعث في الإنسان روح الاستمرار والصبر على معاناة التفكير.
- إعطاء العصف الذهني الوقتَ الكافي؛ حيث إن كون التفكير شاقًّا على النفوس، يدفع بالناس إلى تقصير مدته إلى أقل قدر ممكن، وهم يشعرون بنضوب معين أفكارهم قبل الأوان. لا بأس بفترات للراحة أثناء العصف الذهني والجماعي، والانصراف بعد كل ( 25 دقيقة ) من التفكير إلى التحدث في أمور بعيدة جدًّا عن موضوع العصف أو تناول شيء من الطعام والشراب؛ فالدماغ يتعب كما يتعب البدن؛ بل على نحو أسرع.
- الناس يستوحشون في العادة من التفرد بالرأي، ويشعرون ضمنًا بمحاسن التوافق مع الآخرين، وهذا مضاد تمامًا لجوهر العصف الذهني؛ لأن الهدف من العصف الذهني، هو توليد أكبر قدر ممكن من الأفكار المختلفة، ولهذا قلنا: ؟إننا لن ننظر إلى قيمة الفكرة المقدَّمة في جلسات العصف، فهمُّنا الأساسي هو الحصول على أكبر عدد ممكن من الأفكار والملاحظات العلمية.
بعد الشعور بالنضوب التام للأفكار والتي تم تسجيلها على نحو واضح، تبدأ مرحلة الفرز للأفكار والتأمل فيها، ويمكن تقسيم الأفكار إلى الآتي:
أ‌- أفكار مفيدة، ويمكن الاستفادة منها عمليًّا في تطوير المشروع الذي كان مدار العصف الذهني.
ب- أفكار مفيدة، ولكنها غير قابلة للتطبيق المباشر؛ لأنها تحتاج إلى مزيد من البحث أو إلى توفير إمكانات غير متوفرة الآن، أو لأن الاستفادة منها تتوقف على موافقة جهات أخرى.
جـ - أفكار غير عملية وغير قابلة للتطبيق؛ فيتم إلغاؤها وسحبها.
- العصف الذهني يمكن – كما أشرنا – أن يقوم به شخص بمفرده، ويمكن أن تقوم به مجموعة من الأفراد، وهذا أحسن، لكن إذا زاد عدد الأفراد على عشرين، فإنه يُستحسَن تقسيمهم إلى مجموعات متعددة.

???
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي هدى إلى هذا العمل بلطفه وأعان على إنجازه بكرمه ومعروفه...
لم يكن التصدي لقضية تكوين المفكر بالأمر اليسير؛ حيث إن من المعروف أن المفكر يتكون بطريقة تلقائية وغير مقصودة؛ فالباحث من خلال جهوده الحثيثة في القراءة والتأمل والبحث والكتابة والحوار يصبح مع الأيام صاحب رؤية خاصة وطرح متميز، وليس هناك أي آلية واضحة ومقننة للوصول إلى ذلك، لكنني أردت من خلال هذا العمل أن أنبه بأسلوب غير مباشر وعي طلاب العلم والمتخصصين المبتدئين في مختلف المجالات إلى أهمية ما يشتغل عليه المفكرون من العناية بإصلاح الشأن العام ومحاولة فهمه وتحليل أسبابه والعمل على الارتقاء به، وأنا أعرف أنك حين تحاول شق طريق جديدة في صحراء مترامية الأطراف، فإنك قد تكون بمغامرة كبيرة لا تعرف بالضبط نتائجها، والتي قد تكون مخيبة للآمال، وقد تشعر أنك قمت بعمل جيد تنتفع به الأجيال، وهذا وارد وهذا وارد؛ ولهذا فإن كثيرًا من عباراتي كان يتشح بوشاح الاحتمال، كما أنني آثرت الطرح اللين والبعيد عن الجزم والصرامة، وهذا مع أنه يُظهر الكاتب وكأنه غير واثق من منهجيته، فإنه سيظل من القطع وتقديم المفاهيم على أنها ناضجة ونهائية، وقد حاولت تبسيط أسلوب المعالجة إلى أقصى حدٍّ ممكن، وأكثرت من الأمثلة وحاولت أن أوصل الفكرة الواحدة بأساليب متعددة، وذلك من أجل تمكين أكبر شريحة من القراء من الانتفاع بهذا الكتاب.
إنني من خلال العديد من العناوين حاولت تأسيس منهج لفهم الواقع يقوم على ما لدينا من خبرة بطبائع الأشياء ومعرفة بسنن الله في الخلق، وذلك من أجل تخفيف الضغط عن المعلومات في محاولاتنا الدائبة لفهم ما يجري من حولنا، ومن أجل سد الفراغات المعرفية التي لا تخلو منها حالة من الحالات أو وضعية من الوضعيات...





???


???

مراجع مختارة
- الاصول الفلسفية للتربية, هارود اوزمون, صموئيل كرافر , ترجمة : د.بدر جويعد الحربي, الرياض , مكتبة الرشد, طبعة اولى, عام (1426هـ)
- الانسان والمعرفة في عصر المعلومات , تأليف:كيت دفلين, تعريب شاد اليافعي,الرياض , مكتبة العبيكان, طبعة أولى, عام(1322هـ)
- تعليم التفكير , تأليف : ادوارد دي بونو, ترجمة: د.عادل ياسين وزميليه, الكويت , مؤسسة التقدم العلمي, طبعة اولى, عام (1989م)
- التفكير العلمي, د.فؤاد زكريا, الكويت , سلسلة عالم المعرفة (1978م)
- التفكير المستقيم والتفكير الاعوج, تأليف: روبرت ه.ثاولس , ترجمة: حسن الكرمي, الكويت, سلسلة المعرفة , عام (1979م)
- التفكير النقدي, د. فادية الفقير, مقال منشور على (الانترنت)
- ثلاثون عادة عقل , تأليف: د.يوسف قطامي , نشر دييو نو للطباعة والنشر, الاردن, عمان, عام (2005م)
- درس الحقيقة , بقلم : محمد الهلالي, مقال منشور على (الانترنت)
- الدماغ... كيف يفكر , بقلم: نبيل حاجي نائف, مقال منشور على (الانترنت)
- رحلتي الفكرية في البذور والجذور الثمر, د. عبدالوهاب المسيري, القاهرة, دار الشروق , طبعة ثانية, عام (2006م)
- عقبات على طريق التفكير النقدي, بقلم : فهد بن راشد المطيري, مقال منشور على (الانترنت)
- فصول في التفكير الموضوعي , تأليف: د. عبدالكريم بكار, دمشق,دار القلم,الطبعة الخامسة, عام (2008م)
- ما العقل؟ بقلم: جمال الخطيب, جريدة الحوار المتمدن الالكترونية, العدد (2219), عام (2008م)
- ما فائدة تدريس الفلسفة؟ بقلم: عبدالجليل الكور, مقال منشور على (الانترنت)
- مدخل الى التنمية المتكاملة, بقلم د.عبدالكريم بكار, دمشق , دار القلم, الطبعة الثالثة, عام (2006م)
- المعرفة والتجربة عند ديفيد هيوم, انصاف احمد,دمشق,وزارة الثقافة السورية,عام (2006م)
- المفاهيم معالم, د.محمد مفتاح , المركز الثقافي, ,طبعة اولى,عام (1999م)
- من هو المثقف؟ بقلم: د. خالص جلي, مقال منشور على (الانترنت)
- مفهوم الحقيقة بين الحداثة وما بعدها, بقلم: د. توفيق شومر, مقال منشور على (الانترنت)
- النقد والوعي الاجتماعي, بقلم: محمد محفوظ, مقال منشور على (الانترنت)










???







فهرس الافكار والمقولات العامة
- المثقف الحقيقي هو: من حمل الحقيقة في وجه القوة.
- الفلسفة تلبي حاجات العقل, أما العلم والاختراع ؛ فإنهما يلبيان حاجات مختلفة للناس.
- العالم يحاول حل المشكلات المعرفية والعلمية التي تصادفه في عمله اما الفلسوف فيركز من خلال الاسئلة الكبرى التي يطرحها على اثارة المزيد من المشكلات واكتشاف المزيد من التناقضات في الحياة العامة.
- يتبوأ المفكر منزلة ثقافية وعقلية, هي فوق منزلة المثقف , ودون منزلة الفيلسوف.
- كل فيلسوف مفكر, وليس كل مكفر فيلسوف, وكل مفكر مثقف, وليس كل مثقف مفكر.
- ان فضل الانسان يعود في النهاية الى استقامته الشخصية, ومدى مساهمته في الارتقاء بأمته .
- المرء في نهاية المطاف ليس شيئاً أكثر من اهتماماته ومهامه وأخلاقه.
- اكتشاف القوانين, وبلورة الرؤى, والتقاط الملاحظات الذكية, هو أعظم ما يثير مباهج المفكرين.
- يمتلك المفكر قدراً هائلاً من الأمل المتجدد في العثور على شيء جديد.
- طريق المفكرين يبدأ بالبحث، وينتهي بالتفاني في البحث.
- كل مفكر نسيج وحده, وهو يختلف مع غيره؛ لانه في الاصل يختلف مع نفسه.
- المفكر في نمو مستمر , بسبب ما يقوم به من كسر متواصل لاتساقه الفكري.
- ليس للعالم والمفكر ان يجهر للناس بقناعاته القديمة, ويخفي في نفسة قناعاته الجديدة الا في احوال قليلة ودقيقة.
- يحرص المفكر على صوغ مقولاته بدقة متناهية ؛ لانه يعرف ان هناك ألوف الشباب الذين يتلقفون كلامه ويفسرونه على نحو حرفي. ???
- الانعتاق الشجاع من تأثيرات البيئة المحلية , هو الذي يمهد الطريق للمفكر كي ينتقل من المحلية الى العالمية.
- يفقد العالم الذكي ثقة الناس كما يفقد استحقاق اسم مفكر حر, حين يجعل من نفسه بوقاً لاي جهة او سلطة.
- تصبح طروحات المثقف فجة ومضحكة , حين يمنح العصمة لغير معصوم, ويجنّد نفسه للدفاع عن اخطائه ومواقفه.
- مع ان قوة الذاكرة نعمة عظمى من الله تعالى الا ان على المرء ان يحذر من الوقوع تحت سطوتها, فهي بطبيعتها تنفر من التفكير والابداع.
- من المهم ان نترك بيننا وبين ما نحفظ مسافة, كما يفعل الذي يحاول الاغتراف من الماء دون ان يبلل ثيابه.
- الرؤية النقدية للماضي والحاضر , والانطلاق من ان معظم ما لدينا من معارف يحتمل المراجعة والتمحيص؛ هو الذي يجعل علاقتنا بالذاكرة متوازنة.
- على المشتغلين بالفكر الانفتاح على النصوص والتراث , وعلى المشتغلين بالحفظ , الاصغاء لما يقوله المفكرون.
- الانطلاق من الجزئي الى الكلي , ومن ضيق النظرة الى اتساع الرؤية من اهم مايفرّق بين المختص والمفكر.
- العبور من اهم ما يشتغل عليه المفكر, انه يعبر تخصصه الضيق الى فضاء المعرفة الارحب كما يعبر رؤيته للواقع من اجل استشراف المستقبل.
- يحاول المفكر عبر معرفته بالسنن ان يقف على ما لا يمكن لصاحب التخصص ان يصلحه عن طريق تخصصه.
- يرى المفكر الجزئي في ضوء الكلي , ويدرك انه ليس هناك مجال مستقل بنفسه.
- يبني المفكر على منجزات أسلافه؛ ولهذا فإن كل المفكرين العظماء يتردّدون كثيراً قبل القول: انهم يسلكون طريقاً لم يسلكه احد من قبل.
- من المهم للمفكر ان يلتزم التزاماً صارماً بالقيم العليا؛ مثل: قيم الخير والحق والجمال.
- ???
- المفكر المسلم هو مسلم أولاً ومفكر ثانياً؛ أي أن عقله يعمل في إطار مبادئه ومعتقداته الكبرى، وهذا يشكل فارقاً جوهرياً بينه وبين المفكر العلماني أو اللاديني.
- ماكان يتغير بتغير الزمان والمكان جاء في الشريعة مجملاً؛ كي يجد العقل مجالاً للاجتهاد.
- بيئة الانسان وتقاليده وديانته وجنسه, تسهم في تشكيل دماغه عبر ما ترسمه فيه أخاديد, وما تحدثه من وصلات بين خلاياه.
- كلمات درَب الانسان نفسه, وأجهد دماغه بالتفكير زاد عدد الوصلات الدماغية , وهذا يؤدي الى رفع درجة الذكاء, وتحسين الاستيعاب؛ والعكس صحيح.
- حين ننظر في مداولات العلماء حول الدماغ لا نملك الا ان نقول (هذا خلق الله, فأروني ماذا خلق الذين من دونه)
- الدماغ ليس هو العقل؛ لكنه العضو الذي يتواصل العقل من خلاله مع الجسم البشري.
- العقل عقلان: أول وثانٍ, وان العقل الاول هو مجموعة الامكانات والاستعدادات, والمبادئ الاولية التي زوّد بها الخالق سبحانه بني البشر.
- كل واحد من الناس الاسوياء يملك مبادئ اساسية, تتمحور حولها البنية الفكرية لديه, وهي لا تختلف باختلاف اللغات, الاديان والاعراق ...
- عقولنا عبارة عن مفاهيم ومبادئ وافكار, وملاحظات , ومشاعر تتشكل على نحو عام من واردات الحواس: السمع والبصروالذوق والشم واللمس.
- نحن نكتشف الوجود على سبيل التدرج؛ فالطفل يظن ان كل السوائل التي لا لون لها يمكن ان تشرب , ثم يكتشف مع الايام ان الامر ليس كذلك, وهذا يلازمنا الى اخر الحياة.
- يتكون عقل الانسان من خلال بناء المزيد من البنى الفكرية, ومع كل بنية فكرية جديدة يحدث نمو لمحاور ومشابك جديدة داخل الدماغ, وبذلك ينمو الدماغ مع الفكر.


???


- نظر علماؤنا القدامى إلى العقل على أنه أداة لإرشاد صاحبه إلى الطريق القويم، كما نظروا إليه على أنه أداة للانظباط الذاتي.
- حين نغض الطرف عن دور العقل في الارتقاء للسلوك الشخصي ؛ فقد يصبح لدى الأمة الكثير من الأذكياء والمبدعين، والقليل من الحكماء، وأرباب البصيرة النيرة.
- من الصعب أن نجد مفكرًا كبيرًا لا يهتم بالحصول على درجة عالية من الوضوح لكل المسائل التي يعمل على معالجتها.
- إن لكل شيء وجودين ؛ وجودًا ماديًا ووجودًا معنويًا، وهو الصورة التي رسمناها عن ذلك الشيء في عقولنا ، وكثيرًا مايفتقران إلى التطابق.
- حين يسود الجهل ويخيم الجمود العقلي ؛ فإن كثيرًا من الناس يتلقون الآراء الشخصية لأهل العلم على أنها حقائق قطعية ثابتة.
- تركيز البحث والفهم في موضوع صغير يساعدنا على فهمه بشكل جيد، لكنه يحرمنا من فهم الامتداد المعرفي لذلك الموضوع، وفهم العلاقات التي تربطه بالموضوعات القريبة منه.
- لامعنى للبحث عن الحقيقة إذا لم نعترف بها عند العثور عليها، ولامعنى للعثور عليها إذا لم نغير من أوضاعنا بما يتلائم معها.
- لنعترف بالحقيقة ، والحقيقة تحررنا من أشياء كثيرة؛ منها الوهم، وخداع النفس، ورؤية الأشياء على غير ماهي عليه.
- الحقيقة تحررنا بشرط أن نقبل تحريرها وإلا زادتنا خبالًاواضطرابًا.
- كثيرًا ما ينظر الناس إلى الحقيقة الواحدة من آفاق متباينة، فعلى حين ينظر المسلم إلى (العسل) و (الحبة السوداء) من أفق النصوص الواردة فيها، ينظر إليهما غير المسلم من أفق التحليل الكميائي لهما.
- يختلف النظر إلى الحقيقة من زمان إلى زمان ؛ فقد كان الناس في الماضي ينظرون إلى الأزمات والمعوقات على أنها شر خالص؛ أما نحن فننظر إليها على أنها محرض للتقد وفرصة للمراجعة.
- ما دامت الحقائق تتلون بحسب المنظور الذي نراها من خلاله،
فإن علينا أن


???


نتحاور في بعض المسائل، كما لو كنا أما حقائق متعددة.
- المفكر إنسان أسلس له القياد كثير من العقول، ليقدم لها الرؤية والفكرة، وهذا يحمله قول الحقيقة كاملة ، والدقة في التعبير عنها.
- حين نسيَّس الحدث أو الواقعة أو الفعل؛ فإنا ننظر إليه بعيون العاطفة أو عيون المصلحة، وكلا النظرتين بعيد عن الموضوعية.
- حين يفشؤ تسيس الحقائق في مجتمع تنبعث في نفوس الناس مرارة شديدة، وتتعرض القاعدة الشعبية العريضة إلى شرخ خطير.
- بعض التفكير يكون عميقًا؛ لأن عبارة عن تحريك للهموم والمواجع ليس أكثر.
- الإنسان كائن ناطق، وحين لايجد من يتحدث معه، يتحدث مع نفسه
والمحادثة مع النفس لون من التفكير.
- التفكير المنتج هو عمل ذهني، لتجاوز ماهو معلوم إلى ما ليس معلومًا.
- التفكير الجيد لايكون من غير معلومات جيدة يستخلص منها الدماغ مانحتاج إلى معرفته، وهو يشبه عملية خض اللبن، فإذا كان اللين منزوع الدسم ، فإن الخض لن يأتي بالزبد.
- النموذج الذي نبنيه في عقولنا لشخص أوحالة...هو عبارة عن صورة نرى من خلالها ذلك الشخص وتلك الحالة، أو هو خريطة معرفية نزعم أنها تحكي الواقع.
- إنما كان طرح الأسئلة مهمًّا ؛ لأنه يفتح طرقًا جديدة للتبصر، ويكسر الاتساق المصنع للثقافة.
- السؤال الكبير يشبه حجرًا كبيرًا تلقيه في بحيرة صغيرة، والسؤال
الصغير يشبه حجرًا صغيرًا تلقيه في بحيرة كبيرة.
- إن سؤالًا واحدًا قد يفجر من المعرفة مالا يفجره ألف جواب.
- إن كل واحد منا يحمل فوق كتفيه منجمًا لأفكارٍ لاتقدر بثمن.
- تتسم العواطف والأحاسيس بالفوضى والغموض، وبالقليل من المنطقية والعقلانية.
- العواطف هي مكمل للذات الإنسانية، والإنسان لايكون إنسانًا على مقدار


???

ما لديه من أفكار، ولكن مقدار مالديه من مشاعر.
- نحن نشعر أولًا ثم نفكر.
- نحن نشعر في حدود أفكارنا، وبما أن إدراكنا للأشياء محدود فإن مشاعرنا كثيرًا ما تبنى على معطى ناقص وحسير.
- الأفكار تولد المشاعر وتوجّهها، كما أنها تغيرها وتطفئها أيضًا.
- علينا أن نحذر كل الحذر من الأفكار اليائسة والمحبطة؛ لأنها تملك دائمًا القدرة على توجيه مشاعرنا الوجهة الخاطئة.
- تأثير الانفعال والوجدان في السلوك والتعلم والمحاكمة العقلية أكبر بكثير من تأثير الأفكار في المشاعر.
- إن العاطفة تجعل من نفسها ما يشبه الغشاء أمام عيون العقل.
- الذين لديهم نوع من الجمود العاطفي تكون أفكارهم أقرب للتصلب.
- إحساس المرء بالمرح والسعادة يساعده على الوصول إلى أفكار جديدة ومبدعة.
- نحن حين لانملك القدر المطلوب من المعلومات نتعاطف حين لاينبغي التعاطف، وننفر حيث لاينبغي النفور.
- يتكون تاج نعم الله على عباده من الإيمان والعقل والقدرة على الكلام.
- إن النظام اللغوي نظام نامٍ على نحو مستمر؛ ولهذا فإن سيطرتنا على اللغة هي سيطرة دائمًا غير كاملة.
- إن اللغة تمارس نوعًا من العنف ضدنا، ونحن أسرى لنظمها وإملاءتها.
- اللغة فضاء مملوء بالرموز والدلالات، وسوف نجد أنفسنا تائهين فيه مالم نعمل على تحسين مستوى التعبير والفهم لدينا على نحو مستمر.
- اللغة هي التي تتيح لنا فرصة الوعي بأفكارنا، ولولاها لكان مافي عقولنا عبارة عن خليط من التهويمات الغامضة.
- منطقية الأفكار وترابطها تجعل إستدعاءها من الذاكرة إيسر وأسهل.
- إن الطفل في شهوره الأولى يرى العالم من حوله، لكنه لايبصر شيئًا ، وحين


???

يبدأ في إكتساب الكلمات يبدأ العالم أمامه، بالتمايز ويبدأ عقله بالاشتغال.
- التفكير بدون كلمات محاولة عديمة المعنى؛ لأن الكلمة تمنح الفكرة وجودها الأسمى والأوضح.
- اللغة ترسم لتفكيرنا حدودًا، لايستطيع تجاوزها؛ فنحن لانستطيع أن ننتج من الأفكار إلا بقدر ما تسمح بها اللغة التي نستخدمها.
- إن الجهل باللغة من أكبر العقبات أمام تجسد الموهبة ؛ بل إنه يفقرها ويجعلها أشبه بالعدم.
- كيف للمرء أن يدرك حجم الحرية في بلده ، وهو لايعرف بالضبط ماذا تعنيه الحرية؟
- اللغة ليست عبارة عن رموز ومواصفات فنية لقدرتنا على النطق ؛ إنما هي أسلوب وتصور، وطريقة نظر إلى الحياة والأحياء.
- يقيم عقل الفرد نوعًا من الحوار مع عقل المجموع ، وحين تكون الإمكانيات العلمية محدودة لدى الأفراد ؛ فإن ذلك الحوار يضعف إلى حد العدم، وتكون السيطرة للعقل الجمعي.
- كلما كان التباين بين وعي الفرد ووعي مجتمعه أكبر، كانت الفرصة للتغير والتحرر أعظم.
- يعاني العقل الجمعي – على نحوٍ عام- من السطحية ، كما أنه ينفر من التحليل والتفصيل والتفلسف.
- الأفكار والمفاهيم الأكثر سهولة وسطحية هي التي تحضى بنصيب الأسد من الذيوع والانتشار.
- لايكون التيار العريض في المجتمع هو التيار الأكثر علمًا أو نضجًا أو صلاحًا.
- كلما كانت سيطرة الجهل على المجتمع أشد؛ كان خوف العقل الجمعي من شذوذ العقل الفردي عنه أقوى وأعظم.
- القصور الذاتي هو الذي منح الفرصة للغرب كي يسيطر علينا ، ولا سبيل للتخلص من تلك السيطرة إلا بالتخلص من ذلك القصور.



???



تمنح الجماعات الإسلامية نوعًا من القداسة للعمل الجماعي، وهذا يدفعها للاستهانه بإنجازات الأفراد.
- أنا لا أقلل من أهمية أي ترابط إجتماعي، ولا أهوّن من قيمة أي أنجاز لأي جماعة، لكنني أنظر للعمل الجماعي على أنه مجرد وسيلة، ليس أكثر.
- من المهم أن ننظر إلى علاقة وعي الفرد بوعي المجتمع على أنها معقد من معاقد الابتلاء، والعلاقة الناجحة هي التي تكون حية ومتوترة.
- كثيرًا ماتكمن ميزة المفكر في قدرته على بلورة وعي فردي مستقل يمكنه من اتخاذ موقف متمايز مع الموقف الاجتماعي العام.
- بعض الناس يرفضون على نحو خفي أي مقارنه لمجتماتتا بالمجتمعات الأخرى حتى لانقف أمام المرآة، ونرى مالا يسر.
- الصدق من الله – تعالى – ومع النفس يملي علينا أن لا نلتف على المعطيات التي لاتعجبنا؛ بل نرضخ لها ، ونستفيد منها.
- إن الخالق عز وجل قد زوّد كل واحد منا بإمكانات كافية ؛ ليبدع في موقف من المواقف أو مجال من مجالات الحياة.
- من المهم أن نتحدث عن الإبداع على أنه شيء موجود وقابل للتنمية والتعزيز.
- الإبداع هو المجيء بشيء غير مسبوق، والوصول إلى نتائج لم تكن معروفة من قبل.
- قد يبدع شخص ما في إضافة لمسة وفاء على علاقته بأحد أصدقائه، وقد تبدع امرأة في تنظيم أثاث بيتها،وقد يبدع متحدث في تقديم محاضرة آخاذة...
- تكمن مسارات الإبداع الأساسية في نقد الأفكار القديمة، وفي تقديم أفكار جديدة وإضافة تفاصيل للمعلومات السابقة في أمر من الأمور.
- لايصبح الإنسان مفكرًا بمعنى الكلمة إلا إذا كان فعلًا يمارس الإبداع
في صناعة الأفكار وإنتاج المفاهيم الجديدة.
الثقة بالإمكانيات الذاتية شرط لوضع القدم لطريق المبدعين.



???

تتيح نظرية ( الذكاءات المتعددة) مجالات واسعة أمام الناس كي يبدعوا في شتى جوانب الحياة.
- الفكرة البديعة لاتكون في الغالب عبارة عن ومضة ذهنية ، وإنما تكون أشبه بنبته عزيزة، حظيت بسقاية ورعاية وحماية حتى اشتدت، وكمل نموّها.
- الإنجازات الكبرى في تاريخ البشرية مدينة للعمل الدؤوب مدة طويلة.
- إن من ثمن الإبداع سلوك الطرق الموحشة، والمجيء بأفكار قد لاتكون مستساغة لدى عامة الناس.
- العاديون من الناس يسألون : من أين نبدأ وأين الطريق؟ أما الرواد والمبدعون فيعلمون أنه ليس أمامهم طريق، فخطاهم هي التي ستشق الطريق.
- المعرفة هي عتاد العقل، وإن الذكي جدًا قد يبدوا أشبه بالأبله حين يفكر في موضوع ليس لديه أي خلفية عنه.
- معظم الناس لايبدعون بسبب افتقادهم للرغبة في ذلك، وبسبب الأوهام التي تحجبهم عن رؤية مايمكن أن يبدعوا فيه.
- طريق الإبداع هو طريق العمل والجهد، وهو طريق طويل، وغير ممهد ؛ ولهذا فإن السير فيه يتطلب دوافع قوية جدًا.
- إن الجناحين اللذين يحلّق بهما المرء في سماء الإبداع، هما الإهتمام والتركيز.
- إن الفرق بين الأوضاع الحضارية اليوم للعالم اليوم وبين ماكان قبل مئة سنة كبير جدًا ، وهو من صناعة ملايين المبدعين الكبار والصغار.
- المدرسة الرديئة والجامعة المتآكلة تخفّض سقف الطموحات لدى طلابها ؛ بل تدفع بهم في طريق القنوط.
- إن الإبداع لايحتاج إلى تحصيل علمي رفيع بقدر حاجته إلى أن يتجاوز المرء الأهتمام بالحفظ ، والنجاح في الاختبارات إلى ممارسة الفهم، والتحليل، والاستنباط، والتوظيف الجيد للمعرفة.
- طريق المعالي مفروش بالأشواك، لكن نهايته سعيدة وعظيمة ومثمرة.


???
- المبدع إنسان لمّاح يحاول التقاط الأفكار العابرة، والإشارات السريعة التي تصدر من هنا وهناك.
حين تهممّ بما ينظر إليه غيرك نظرة استخفاف؛ فإنك تكون من المؤهَّلين للسير في طريق المبدعين.
- النقد في جوهره مجموعة من العمليات الذهنية التي تستهدف تقييم بعض الحقائق والمعلومات والأفكار، وتمييز ما فيها من خير وحق وجمال عما فيها من شر وباطل وقبح.
- الناقد الجيد يعمل على توضيح الفارق بين ما عليه الأشياء الآن، وبين ما ينبغي أن تكون عليه في المستقبل.
- هناك عوامل كثيرة تؤدي إلى وجود مفارقات بين التنظير والتطبيق، وإن الكشف عنها من مسؤولية الناقد.
- امتلاك عدد كبير من الأفكار، والملاحظات حول الواقع وجذوره، وما يمكن أن يؤول إليه... من أهم ما يفرق بين العامل والمفكِّر.
- المفكر يقوم بدور الجراح حين يحاول استئصال المفاهيم الخاطئة في المجتمع؛ وهو لذلك في حاجة إلى البرهنة على أنه يملك مساحة فاصلة بين وعيه ووعي مجتمعه.
- كثيراً ما يكتسب الإنسان أهميته من أهمية الأشياء التي يقوم بإنجازها.
- يحاول المفكر إحياء روح المبادرة بالخطوات الصغيرة؛ وذلك لمعرفته بأن زمان القادة العظام الذين يغيِّرون مسيرة التاريخ قد انتهى.
- المشكل هو أن معظم الناس لدينا يميلون إلى إطلاق العبارات النقدية دون تدقيق في معانيها، ودون القدرة على البرهنة على صحتها.
- إن شكر الله –تعالى- على ما أنعم به من وعي متفوق وذكاء متوقد، كثيراً ما يتجلى في كشف الزيف والإنحراف في الحياة العامة.
- الشعور بالمسؤولية؛ هو ذلك الشعور النبيل الذي يحوّل الصغير إلى كبير والهامشي إلى محوري.
???
- المرء ليس محاسَبًا على ما يقول فقط؛ بل هو محاسب عل مالم يقله إذا كان لابد من أن يقوله.
- من ركائز العقلية النقدية؛ تلك القدرة الباهرة على تحديد ما هو عادي وطبيعي وتمييزه عما هو شاذ وغير مألوف.
- إن طرح الأسئلة حول أي شيء نريد فهمه ونقده، يشكِّل أداة نقدية مهمة للغاية.
- دلالة الأرقام على الظواهر الكبرى دائمًا ظنية، ويشوبها شيء من النقص.
- من الواضح أنه ليس هناك أي علاقة بين الموروث الجيني للإنسان، وبين الرغبة في القراءة، وإنما يعود الأمر إلى التربية.
- يشكِّل الفقر سببًا ثانويًا للإعراض عن القراءة؛ حيث تدل الشواهد الكثيرة على أن كثيرًا من الأثرياء لا يقرؤون.
- إذا تعلّمنا كيف نسأل، فإننا سنجد في التساؤل محفِّزًا قويًا للخيال كي يعثر على بعض الأجوبة.
- الغموض والابهام متصلان بنقص المعرفة أو نقص الإدراك، أوبهما معًا.
- ستظل التعريفات قابلة للتحيُّز والانتقاء.
- من المؤسف أن ما يُكتب في الصحف اليومية كثيرًا ما يعبر عن أهواء وتحيزات، ومن المؤسف أكثر أنه سيصبح يومًا جزءًا من تاريخ هذه الأمة!
- يشكِّل المحيط الثقافي الذي نعيش فيه أكبر عائق أمام نضح الوعي وممارسة النقد.
- الوعي النقدي مهما كان يقظًا وعظيمًا إلا أنه في النهاية يظل – إلى حدٍّ ما- مؤطرًا بحدو البيئة والمجتمع الثقافة.
- نحن مع الحميَّة للثقافة والتاريخ، لكن الحمية من غير نقد ومراجعة قد تقضي بالثقافة وأهلها إلى المزيد من الانحطاط.

- هناك حقيقة ساطعة، هي أنه حين تشتد رغباتنا، وتتسع دوائر مصالحنا، يخفت صوت عقولنا. ???
???
-في الأحياء الشعبيّة والضيّقة يتدخّل الناس في شؤون بعضهم كثيراً ،وتكثر الشائعات؛ كما تكثر صور التضامن الأخوي،وصور الحسد.
-يستمد الفقراء كثيراً من سعادتهم من بساطة عيشهم،وكثرة تواصلهم مع بعضهم .
-حين يصنع الإنسان ثروة ،فإنه يملك روح الكفاح،ويكون مُتّزناً في الإنفاق منها.
-يمكن للثروة الطائلة أن تُصبح مصدر إفساد لأولئك الذين لم يتعبوا في تكوينها .
-كثير من الأثرياء جداً لايعرفون عن أولادهم الكثير فهم يقضون جُزاءً من أوقاتهم في تثمير الأموال والجُزء الآخر في الاستمتاع بها.
-في الأسر الفقيرة يكون الترابط داخل الأسرة على أشدّه،وكثيراً مايتدخّل الأهل في الصغيرة والكبيرة من شؤون أولادهم، وهذا لايساعد على نموّ الوازع الداخلي.
-حساسية الأغنياء نحو الإهانة أشد بسبب ظروفهم وموقعهم الإجتماعي.
-لايسعى كثيرُ من الناس إلى تكوين الثروات من أجل تحسين قدرتهم على الاستهلاك والشراء،ولكن من أجل تقوية شعورهم بالقوة والنفوذ.
-العاقبة الأشد ضرارة للفقر الشديد تكمن في شعور الفقير بأنه محاصر ،وأنه لايجد الفرصة للقيام بالعمل العظيم.
-إذا كانت الثروة تمنح صاحبها الشعور بالقوّة والمكانة ،فإنها أيضاً تجعله مُهدداً بالوقوع في البغي والطغيان.
-طالما هدد الفقر صاحبه بالعيش على هامش الحياة والشعور بالذلّة والمهانة.
-الثراء العريض كثيراً مايسبب لأصحابهً نوعاً من الشعور بالسأم والملل ،مالم تكن القلوب والعقول مليئة بالإيمان.
-من طبيعة متع الجسد التكرار والتشابه .
-لايستطيع المال بمُفرده تلبية الأشواق الروحية للإنسان.
- من المهم أن يسعى المفكر إلى أن يكون في وضعية لا تحمله على قول الباطل إن لم يستطع قول الحق.
- لن نحصل أبدًا على رؤية واحدة وموحدة للواقع؛ وهذا من جملة القصور المستولي على عامة البشر. ???
- إن الخريطة الإدراكية التي يمتلكها الواحد منا هي في الحقيقة نموذجه الشخصي الذي يجعله يركّز على بعض التفاصيل، ويهمل تفاصيل أخرى.
- تبسيط الأمور كثيرًا ما يكون هو الطريق إلى الإخفاق في فهمها.
- الواقع ليس انعكاسًا للقيم السائدة؛ فهناك من الأسباب المعقدة والكثيرة ما يحمل الناس على فعل ما لا يعتقدونه.
- الواقع ليس انعكاسًا للقيم لأن وضوح القيم في أذهان الناس يختلف من شخص إلى آخر؛ كما أن مخاوف الناس، ومطامعهم، وشهواتهم تحول دون ذلك.
- الظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها كثير من الناس تجعل وعيهم يتجه إلى البحث عن وسيلة للبقاء، مما يشكِّل ضغطًا كبيرًا على تمسكهم بالمبادئ التي يؤمنون بها.
- الفقر الأسود يحمل كثيرًا من الناس على ارتكاب المحظورات واستساغة ما لا يُستساغ.
- الناس لا يحبون التغيير؛ لأنه موحش ومكلف.
- الواقع يتغير؛ لأن التقنية التي نستخدمها تتغير.
- لا ينبغي أن نغترّ بجمود الشكل؛ فالمضمون يتغير باستمرار.
- مع أني لا أسلِّم بالحتمية في القضايا الإنسانية والاجتماعية، إلًّا أن معظم الناس يخضعون للظروف التي تطرأ على حياتهم الشخصية.
- طموحات الذين يعيشون في الأحياء الراقية واسعة؛ لأن ماهم فيه من رخاء يغريهم بطل المزيد.
- لا يميل المرفّهون إلى سماع أخبار الكوارث، وحالات الفقر الشديد، وأخبار كل مايعكّر المزاج.
- من المهم دائمًا أن نعي مايُحدثه المال والحرمان منه، من تغيرات في حياة الناس.
- كثير من الخلل في حياتنا يعود إلى عدم تطبيق القوانين، وليس إلى مافيها من ضعف أو خطأ.
- تطبيق النظم والقوانين بعدل وشمول يملِّك الناس جرأة عالية على قول الحق. ???
- الخوف من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ هو ناتج من نواتج الظلم والفساد.
- من جرائدهم ولهجتها في الطرح ومعالجة المشكلات تعرفونهم...
- حين ينتشر الفساد المالي والإداري في بلد تذبل المشاعر الوطنية، ويكف الناس عن تأسيس مشروعات عملاقة بسبب الافتقار إلى الشعور بالأمان.
- حين يفقد شعب من الشعوب القواسم المشتركة التي تجعل منه شعبًا واحدًا، فإن لنا أن نشاهد بروز الطائفية والقبلية بوصفها محاور لاستقطابٍ جديد.
- حين يسود النظام والقانون يشعر الناس بشعورين مهمين: الشعور بالتفاؤل، الشعور بالكرامة.
- حين ينتشر الفساد يصبح اختلاق الفضائل، والحديث عن الانجازات الوهمية بابًا من أبواب الارتزاق لكثير من الناس!
- لا ينبغي أن نختلف في أن الدول الصناعية الكبرى هي التي تشكِّل روح العصر وعقله.
- الانحراف الخلقي والسلكي يجعل المرء صغيرًا في عين نفسه، وفي عين الجهات التي يمكن أني عمل لديها.
- العيش على هامش العصر يحرم الإنسان من التعرف على إمكاناته الكامنة؛ وذلك لأن الإمكانات لاتظهر إلا من خلال الانخراط في ممارسة الأعمال الراقية والمعقدة.
- عدم التمكن من استنفار الذات للقيام بالأعمال جليلة يعرِّضها لمخاطر الانحدار نحو المعاني البهيمية الكامنة في النفوس.
- كلما درج الناس في سلم الحضارة، علت الحياةَ العامةً مسحة انثوية.
- مضت سنت الله في الخلق أن الرجال لا يستطيعون الترفه بالنساء إلا إذا رفًّهوهن.


- ???
- مع التقدم الحضاري يزداد نفوذ المرأة، ويترتب عليه مراجعة كل مايتعلق بـ( قوامة الرجل) من أجل تخفيض سلطته وصلاحياته إلى أدنى حدٍ.
- من الممكن أن تتعايش منظومات متقدمة ومنظومات متخلفة في ظل حضارة واحدة، بسببب ماتملكه كل منظومة من مقومات داخلية تتحكم في قوتها وضعفها.
- إن الواقع في تركيباته المختلفة، لايخضع للمنطق، وللترابط أو التداعي الحتمي.
- كلما حصل تقدم حضاري وتقني أكبر، وجدنا أنفسنا نتعامل أكثر فأكثر مع معطيات غير ملموسة.
- إذا أردنا إصدار حكم على ظاهرة كبرى؛ فإن المنهجية الصحيحة تتطلب تفتيت تلك الظاهرة إلى أجزاء عديدة، ثم نصدر على كل جزء الحكم الذي يناسبه.
- قد دفع فكر (مابعد الحداثة) بكثير من الناس نحو التحلل والإباحية من خلال ماقرره من عد وجود معايير أخلاقية ثابتة ومتفق عليها.
- هل يستطيع مفكرو مابعد الحداثة أن يرون رجلًا في التسعين حافظ على ماكان لديه من نضارة وقوة وحيوية لما كان في العشرين؟ أم أن اتجاه الإنسان نحو الضعف كلما تقدمت به السن هو أحد المُطلقات التي لا يختلف فيها اثنان؟
- في حياتنا ما هو مُطلًق، وماهو ثابت، ونحن نستدل بالمتغيرات والنسبيات على الثوابت والمطْلقات؛ كما نستدل بالثوابت والمطلقات على النسبيات والمتغيرات.
- إن من سنن الله –تعالى- في الخلق أن القضايا الكلية تتسم في معظم الأحيان بسِمة الإطلاق، كما تتسم الجزئيات والفرعيات بسمة النسبية.
- الحرمان من الضروريات يدمِّر الاهتمامات الثقافية العليا.
- حين يمضي على المرء يومان لم يتذوق فيهما الطعام، ويجد نفسه على وشك الانهيار؛ فإنه لن يجد الطاقة ولا الشهية لنظم قصيدة أو التأمل في لوحة فنية. ???
- سيظل حرمان الإنسان من غرائزه الأساسية شديد الوطأة عليه لكن درجة شدة ذلك تختلف من شخص إلى آخر.
- إن الهيجان العاطفي يشكل عبئًا ثقيلًا على النفس وعلى الجملة العصبية؛ ولهذا

















???














???



فإنه لا يستمر طويلاً .
- لكل واحد من المخلوقات خصائص ذاتية منحه إياها الخالق – سبحانه – كي يحافظ على وجوده واستمراره .
- ترسَّخ خبرة البشرية أن الصراع يجب أن يُفضى في نهاية المطاف إلى شيء من التعاون .
- نحن لا نستطيع أن نحصل على ( الكم ) بأقصى حجم نريده مع حصولنا على ( الكيف ) بأقصى كمالٍ نرغبه ؛ وذلك بسبب محدودية إمكانياتنا.
- حين تفسد التصورات تفسد الأحكام المبنية عليها .
- إن اعتقادنا بأن الزوايا التي ننظر منها للأشياء مختلفة , يجعلنا مستعدين لإعذار بعضنا في حالة الخلاف .
- حين نؤمن بنسبية اقترابنا من الحق والحقيقة ؛ فإن ذلك يحفزنا على رفع شعر : ( الصواب يكتشفه الجميع ).
- إن كل شعب يحاول أن يُضفي المنطقية على أعرافه وتقاليده , كما يحاول أن يصل إلى أهداف مشروعة بطرق مشروعة وغير مشروعة
- إن الخير والكمال والسمو والتفوق , أمور لا تبلغ منتهاها أبداً , وليس لها سقف محددّ يمكن أن نرمقه .
- القصور في السياسات , وليس النقص في الإمكانات هو السبب الجوهري في اتساع الهوة بيننا وبين الغرب .
- حين يُعرض أي شعب عن الوحي الذي يمنح المطلقات والثوابت , تصبح النسبية هي سيدة الموقف .
- يحتاج الارتقاء بالأخلاق إلى نسبة جيدة من الأشخاص الأخلاقيين ’ وإلى نظم تحرس الفضيلة , وإلى أعراف وتقاليد صارمة تجاه التحلل الأخلاقي .
- ما يتكوّن بريقة سهلة وسريعة يمكن أيضاً أن ينتقض بطريقة سهلة وسريعة .
213

- الخرافة والشعوذة والأوهام موجودة مقيمة على نحوٍ دائم , كما يقيم الظلام في كهف أُغلق بابه بإحكام , وكما أنه لا يبدد الظلام سوى النور , فإنه لا يبدد الخرافة غير العلم .
- الجهل شجرة تنبت فيها كل الشرور .
- انتشار العلم الصحيح يجعل المجال أمام الفكر المنحرف والرأي الفطير ضيقاً .
- انحسار العلم في مجتمعاتنا على مدى عصور الانحطاط أدى إلى انحسار التفاوض السياسي والحلول المتوسطة ؛ وصارت الحرب الأهلية هي الشيء السائد .
- العلم الصحيح يساعد الناس على حل مشكلاتهم , والوصول إلى حقوقهم من غير إراقة دماء .
- سلاح العقل هو العلم , وعقل بلا معرفة جيدة أشبه بجندي أعزل .
- العواطف عمياء وميَّالة إلى التطرف , والعقل المثقَّف هو الذي يبقها في الحيز الإيجابي .
- العلم يرشد المرء إلى النقطة التي يجب أن يقف عندها الانفعال .
- الجهل مصدر عظيم للتفكير المضطرب , والمواقف المتناقضة .
- الجهل مصدر للخوف من الأشياء لا يقول بالخوف منها عقل و لا نقل .
- تاريخنا عبارة ع صراع بين المبادئ , والظروف الصعبة
- حين تكون سطوة التقاليد كبيرة , ويكون الضبط الإجتماعي عالياً , فإن لنا أن نتوقع أن يكون ظاهر كثير من الناس خيراً من باطنهم .
- حين ينتشر الجهل , وتعم القلاقل الداخلية ؛ فإن الوعي بالمضامين الحضارية يصبح ضعيفاً .
- إذا كان الفرد لا يشبع من المال مهما كثر ؛ فإن من طبيعة الدولة ألاَّ ترتوي من النفوذ والتوسع مهما أمتدّ , وتضخم .
- كلما كانت الدولة أقل حجماً أمكن ضبطها , واختيار العناصر الصالحة للعمل لديها , والعكس صحيح .

214
- مهما كانت الدولة صالحة وذات كفاءة عالية , فإنها لن تستطيع الحصول على الإجماع ؛ حيث إن هناك دائماً من له رأي مغاير ومصلحة مختلفة ووجهة مباينة .
- الاضطرابات والفتن الداخلية , والنزاعات الخارجية تُضعف من قدرة الحكومة على سن القوانين , والاحتكام إلى الثقافة في تسيير شؤون المجتمع , ويكون استخدام القوة المفرطة هو البديل الجاهز .
- من الصعب أن نطلق على شخص لقب مفكر , ويكون ضعيف الحساسية نحو أهمية فهم السنن الربانية وطبائع الأشياء .
- العلم بالنسبة إلى العقل أشبه بالزيت الذي نزود به السراج , حتى يضيء , ويقوم بعمله .
- إن الذي يسعى إلى أن يكون مفكرٍ يُعتدُّ به يحتاج إلى أن يغذي عقله بالمعارف والمعلومات الجيدة والمتجددة .
- من الآن فصاعداً , سيكون الوقود الأهم للتقدم ليس المواد الطبيعية , وإنما المعرفة والذكاء والقيادة .
- التحرر الكامل من تأثير العواطف على أحكام العقل غير ممكن .
- مايقال في سياق الغضب والاتهام والدفاع عن النفس , يظل مظنة للكذب والمبالغة والتجاوز .
- مايخالف الشائع والمألوف , ويدخل في حيَّز الغريب والمستهجن – يستحق دائماً وقفة حذر وتأمل .
- يتأبى المفكر على الانغماس في علم محدد ؛ وإنما يسعى إلى توسيع مداركه وآفاق رؤيته من خلال توسيع دائرة اطلاعه .
- إن المفكر يفرح بصياغة المفاهيم ولمِّ شمل الأفكار المبعثرة , كما يفرح أبٌ طاعن في السن باجتماع شمل أسرته بعد طول شتات !
- يمتلك الإنسان من صلابة الرؤية وقوة المنهج على مقدار مايكتشف , ويعقل من سنن الله – تعالى – في الخلق .
- إن أعظم النفائس تلم التي سنجدها في غير مظانها , وهذا مايعيه المفكر بعمق .
215
- إذا بحثنا في قضيةٍ ما دون أن نعرف تاريخها كنا كمن دخل غرفة مظلمة لم يدخلها من قبل .
- على مدار التاريخ كان التطور التقني من أكثر العوامل تثيراً في تطوير الناس ونقلها من وضع إلى وضع .
- المفكرون يتخذون من قراءة مفرزات التقية وتطورها مداخل لفهم أوضاع الناس وتحليلها على النحو الصحيح .
- العلم مثل المال ؛ نشعر دائما بنوع من العَوَز إليه .
- نحن نجمع المعلومات , ونسأل ونستشير .. ليس من أجل اتخاذ قرار صائب , وإنما من أجل الحصول على أفضل قرار ممكن .
- الحدس ذو طبيعة غامضة ؛ وهو يشبه أن يكون مثل معرفة الإنسان بشيء دون أن يعرف كيف عرفه .
- من فوائد التفلسف وفهم طبائع الأشياء ؛ سد الفجوات المعرفية , والتعويض عن نقص المعلومات .
- أت تتخذ قراراً يعني أن تخاطر , ومهما كانت النتائج ؛ فإن ذلك أفضل من العيش من غير قرار ومن غير مخاطرة .
- الحياة الجيدة ؛ هي الحياة الني نعطي فيها للحياة العامة , ونأخذ منها بما يُصلحنا , ويُصلحها .
- الإنسان مفطور على كراهية الغموض والتضايق من المكوث في منطقة (اللاقرار) .
- حين تكون مهمة شخص ما , الدفاع عن سياسات بلد أو فئة , فإن لك أن تتوقع خلط الصواب بالخطأ والصدق بالكذب .
- حين تكون الحقيقة حادة وصارخة أو صادمة , فإن كثيراً من الناس لا يعبرون عنها بشكل واضح ودقيق من باب المجاملة أو المداراة .
- إذا لم تستطع قول الحق , فاسكت , ولا تقل الباطل مع التذكر بأن السكوت عن الخطأ حين يصبح ظاهرة عامة ؛ فإن ذلك يسبِّب أضراراً فادحة للمصالح العليا للناس .


216
- أحياناً نبالغ في التركيز على دور المال في التقدم , مما يلقي في قلوب الفقراء اليأس والقنوط ؛ مع أن التقدم الحضاري يمنح هوامش جديدة للذكاء والمهارة والمعرفة .
- يقولون في عالم الأعمال : إذا كان لديك فكرة لمشروع ناجح , ولديك إدارة جيدة يمكن أن تدير ذلك المشروع بكفاءة ؛ فإن الحصول على تمويل لن يشكل عقبة , وفي هذا نوع من ردِّ الاعتبار للإنسان .
- يحذر المفكر الحق من السير الطويل في الطرق المسدودة , كما يحذر من الصيرورة إلى وضعية يضيِّع الناس فيها الممكن طلباً للمستحيل .
- لدينا دلائل كثيرة على أنه ليس هناك علاقة طردية بين صحة الشيء وانتشاره .
- تكمن النجاة من تأثير هالات المشهورين في الحكمة العظيمة القائلة : " اعرف الرجال بالحق , ولا تعرف الحق بالرجال " .
- المفكر الحق يحاول حماية نفسه من شرور الشهرة , ويحاول حمل كل الانتقادات إليه على محمل الجد .
- إن النظرة الزائفة للذات , والنظرة الجائرة للآخرين ربما كانت السبب وراء الكثير من الحروب عبر التاريخ .
- تنميط الناس ,وتكوين انطباعات جامدة عنهم , ركيزة من ركائز ثقافة التحيُّز .
- التنميط يُريح العقل من التفكير , ويمكنِّنه من تجهيز الأحكام وتعليبها , والبناء عليها من غير جهد يذكر .
- لا يكون الإنسان إنساناً إلاَّ إذا كانت له شواق وتطلعات تتجاوز مصالحه المادية .
- قد لا نعرف فضائل المتحمسين للدفاع عن بعض الأفكار والمبادئ ... إلا إذا تصورنا حال شخص ليس له رسالة . ولا يهتم بأي شيء سوى منافعه الخاصة .
- الخطر الذي يهدد نقاء الدور النضالي لكثير من الناس , هو ذم المنافسين والمخالفين وإبراز عيوبهم .
- النقد هو ماء الأفكار وهواؤها , وحين لا تجد الفكرة من ينتقدها ؛ فإنها تتعرض للجمود والذبول .
217

تظن الجماعات المنغلقة على ذاتها أنها تشكل نموذجاً ممتازاً لما ينبغي أن تكون عليه البشرية .
- الموقف الصحيح تجاه الآخر متوقف على فهمه على نحوٍ جيد , وإذا كنا نقر بقصور فهمنا لأنفسنا , فإن قصور فمهنا لغيرنا ولا شك سيكون أعظم .
- الخرافة سابقة في وجودها على كل من العلم والتفلسف !
- لدى الإنسان شوق عارم لاجتراح عتمة المستقبل , وحين لا يجد من العلم ما يكفي ؛ فإنه يلجأ إلى الخرافات والأساطير على أنها وسائل مثالية لبلوغ ذلك .
- لا يستطيع الذي يتمتع بتفكير منطقي عالٍ أن يعصم ذهنه من الخرافة إذا لم يكن يملك قدراً جيداً من العلم .
- الإسلام يقدّم لأبنائه مايحميهم من التفكير الخرافي ؛ لكن حين يشيع الجهل تفسد عقائد الناس , وتصبح مشكلتهم الأساسية سوء فهم الإسلام.
- يتسع انتشار الخرافة كلما زادت درجة الجهل والقهر والعجز .
- لنحارب الأوهام, والتقولات. والادعاءات بعالمية العلم ؛ حيث لا يكون العلم علماً إلا إذا كان عالمياً ؛ أي متداولاً وقابلاً للشرح والفحص.
- للأسرة والمجتمع سطوة كبيرة , ودور مؤثر في رسم ملامح شخصية الطفل وتوجيه اختياراته.
- هناك فرق كبير بين حمل همِّ أمر من الأمور, وبين التفكير الجاد فيه .
- لا يتحدث أحد عن الأمور التي أخطأ فيها ؛ وذلك لأن مجتمعاتنا لم تتعود البوح , ولا ممارسة فضيلة التعبير عن القصور .
- إن الجرأة في طرح الآراء ممدوحة , لكن مع التزود بالقدر الكافي من الذخيرة العلمية المرموقة .
- المفكر الناضج ينظر إلى رؤيته للحياة والأحياء على أنها مشروع تحت التأسيس , وينظر إلى نفسه على أنه مازال يتلمّس ملامح طريق طويل .
- حين يعيش الإنسان في ظروف جيدة , ولا يعاني من ظلم وعسف ؛ فإن وعيه
218

يلتقط الصور الجميلة والإيجابية , ثم يشرع من حيث لا يشعر بالنظر إلى المجتمع من خلال تلك الصور .
- من المهم أن نعتقد أن الوضع العام قابل دائماً لأن يُقرأ بطرق مختلفة , وقابل لأن يجد فيه كل فريق أو طرف ما يعزز معتقداته .
- للظروف الاقتصادية تأثيرها الكبير في الالتزام الأخلاقي ؛ فحين تشتد وطأة الفقر والعَوز يستسهل كثير من الناس الخروج على الضوابط الأخلاقية والشرعية .
- حين يَخبر الناس ألواناً جديدة من المتعة ؛ فإنهم يعمدون إلى إعادة ترتيب أولوياتهم الأخلاقية .
- مضت سنة الله – تعالى – في هذا الكون أن تظل أجزاء منه ملفوفة بالغموض والإعتام .
- تكره الأفكار والمفاهيم أن تُحصر في حيِّز ضيِّق , وتتلهف أن تكون في قضاء أرحب حتى يظهر تألقها .
- إن التوسع في فهم أسباب مايقع من جرائم ؛ هو تطوير لأفكارنا حول واقع الجريمة , وامتدادتها المختلفة .
- فطر الله – تعالى – العباد على طبائع وتطلعات وحاجات واستجابات موحَّدة على المستوى العام , ومتباينة على مستوى الجزئيات والتفاصيل .
- كلما مضى الناس في سُلّم الحضارة زاد خضوعهم للرغبات , ونما لديهم الوعي التصالحي .
- يكون المرء كبيراً كلما استطاع الخروج من دائرة إهتماماته الشخصية والانغماس في دائرة هموم الأمه ومصالحها .
- اهتمامات الإنسان تلخص فعلاً رؤيته للحياة , وتترجم مشاعره على نحوٍ دقيق وجميل .
- ما من فكرة تدخل حيز التنفيذ إلاَّ تعرضت لشيء من التعديل بسبب تفاعلها مع التجربة الإنسانية واحتكاكها بالواقع .
- العصف الذهني هو أفضل وسيلة مجانية متاحة لتطوير الأفكار .
- النظرة الإيجابية للذات تحرِّض الدماغ على بذل جهود استثنائية .
219

1) أخرجه الترمذي و غيره.
2 حديث صحيح رواه الترمذي وغيره .





??













































??






3 أورد بعض المحدثين هذا المثل بين الاحاديث المرفوعة وحكموا عليه بالضعف وبعضهم قال هو موضوع
4 ) رواه مسلم .
5 حديث صحيح أخرجه أحمد وغيره.
6 أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما
7 تفسير ابن كثير( 5/47 ، 75 ) .
8 - تفسير القرطبي ( 16 / 325 ) .
9 - صحيح الجامع الصغير ( 1 / 326 ).
( 1 )   رواه مسلم
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------