Advertisement

تجربتي في التعامل مع الآخرين







(وهي مجموعة قواعد مختصرة للتعامل مع الآخرين)








المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فهذه ورقات كنت جمعتها منذ عدة سنوات، وألقيتها في عدَّة أماكن، وبعض المناسبات، ونسيتها ولم أذكرها، وكنت أبحث في مكتبتي، وإذا بي أقع عليها، فقلت: لمَ لا أطبعها، وأضيف بعض تجاربي في هذا الموضوع، من باب الفائدة ونفع الآخرين؟ لأن بعض التجارب التي يخوضها الإنسان في حياته، وتأتي بلا تكلُّف، وتُعرَض كما هي، قد تكون أدعى للقبول، والتأثير في النفوس، وهذه الأوراق عبارة عن مجموعة قواعد مختصرة، أسميتها:
(تجربتي في التعامل مع الآخرين).
وإني أعتذر من نقل بعض الأفكار التي لم أستطع إحالتها إلى مصدرها وذِكر مَن كتبَها؛ لأني كتبت هذه الورقات من عدة سنوات، ولم أدوِّن بعض المصادر التي نقلت منها، ولعلي أحصل عليها وأذكرها مستقبلاً بإذن الله؛ من باب الأمانة العلمية؛ لذا فما كان من خطأ وزلل، فإني أستغفر الله منه، وإن كان من خير وصواب، فهو من الكريم الغفور سبحانه، وصلى الله على نبينا وحبيبنا محمد.


إعداد
د. إبراهيم بن فهد بن إبراهيم الودعان
Ebrahim f.w@gmail.com


القاعدة الأولى: اهتمَّ باللقاء الأول
وهذه - في نظري - أهم قاعدة في فنِّ التعامل مع الآخرين؛ فلن يزول اللقاء الأول من ذاكرة الشخص، بل يبقى في مخيلته فترة زمنية؛ ما دام أن هناك بعض اللفتات الجميلة، واللمسات الملحوظة، فتريد أن تكسب الآخرين، وتستحوذ على قلوبهم، فتأكد أنَّ اللقاء الأوَّل مهم جدًّا، وعليك أن تجعله من أولويات اهتماماتك، في كل لقاء أو مناسبة، أو جلسة حوار.
فتأمَّل هذه اللفتة التقديريَّة النَّفيسة، التي حفظتها لنا ذاكرة الصحابي كعب بن مالك الشاعر: "لمَّا دخل هو والبراء بن مَعْرُور على النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم العباس رضي الله عنه - وكان جالسًا بجانبه -: ((هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟))، قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الشاعر؟!))، يقول رضي الله عنه: "فما أنسى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الشاعر))"1، فانظر إلى هذا التأثير العظيم لهذه الكلمة، كيف اهتزَّ لها كيانه، وحفظتها ذاكرته، فلم ينس هذا الموقف، بل ظلَّ عالقًا في ذهنه، محفورًا في عقله.
فالنبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة، والمثال الذي يُحتذى به؛ حيث إنه الخبير في النفوس؛ فيعطي كلَّ شخص قيمته، وكلَّ فرد قدْرَه، فلقد جاءه وفد عبدالقيس، فقال لهم: ((مَن الوفد، أو من القوم؟))، قالوا: ربيعة، فقال صلى الله عليه وسلم: ((مرحبًا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى))2، فالنبي صلى الله عليه وسلم حرص منذ اللقاء الأول أن يقابلهم بهذه الكلمات الجميلة، والعبارات الرائعة المؤثِّرة، التي تحبُّها النفوس، وتتشوَّق لها الأسماع.
- وقد أكَّدت الدراسات في أمريكا بجامعة هارفرد أنَّ الانطباع الأول يتكوَّن خلال 30 ثانية، فيكون الحبّ بمقدار حرارة اللقاء.
ومن الأمور المهمَّة التي ينبغي الاهتمام بها، ومراعاتها في اللقاء الأوَّل:
1 - أظهِرْ محبَّتك للطرف الآخر، وأعلِن ذلك من أوَّل لقاء.
2 - سلِّم عليه ببشاشة وابتسامة (وسأفرد الابتسامة في قاعدة).
3- صافحْه بحرارة وترحاب (وليس معنى ذلك الشدة)، وقد ثبت علميًّا أن هناك تيَّارًا يخرج من اليد المصافِحة إلى اليد المُصَافَحة، يسري ويتَّجه إلى القلب، فترتاح للشخص من أول لقاء، أو تنفر منه كذلك من أول لقاء؛ لذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الأرواح جنود مجنَّدة؛ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف))3.
4 - أثناء الحديث معه نادِه بأحبِّ الأسماء إليه.
5 - كرِّر اسمَه في حديثِك معه، ولقِّبه إذا كان له لقب: كالمهندس، أو الدكتور، أو رتبة ونحو ذلك.
6 - احفظ اسمَ جليسك، وكرِّرْه بينك وبين نفسك؛ حتى لا تُضطرَّ لأن تُعيد عليه السؤال في ذلك مرَّة أخرى.
7 - استخدم لغة الجسد؛ مثل: الاتِّصال باليد، الابتسامة؛ فلقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي عبدالله بن عمر رضي الله عنهما حينما حدَّثه4.
8 - ركِّز على الموضوع الذي يتحدَّث فيه الطرف الآخر، ولا تحقرْه، أو تستهجن كلامَه، ولو قد سمعتَه من قبل، يقول التابعي عطاء بن أبي رباح رحمه الله: "إن الرجل ليحدِّثني بالحديث، فأنصت له كأني لم أسمعْه، وقد سمعتُه قبل أن يُولَد"5؛ فهذا مثال على حال السلف؛ ما كان أحدهم يُحقِّر شخصًا يتكلم، أو يقاطع شخصًا لأنه يعرف حديثَه مسبقًا، بل يدَعُه يُكمل حديثَه، وكأنَّه لم يسمعْه، بل إنَّه يستحثُّه على إتمامه، ويُرِيهِ من نفسه كأنه أوَّل مرَّة يسمعه.
- أذكر أنِّي زُرت صديقًا لي كان مريضًا، فلمَّا دخلتُ عليه وجدتُ أنَّ عنده أحد الدكاترة، ولم يكن ملتحيًا، فما أن دخلتُ ورأى هيئتي؛ حتى تغيَّر وجهه، واشمأزَّت نفسه، وكأني ضربتُه أو سببْتُه، ورأيتُ ذلك ظاهرًا عليه؛ وأنا لم أسلِّم عليه بعدُ، وقبل أن أصافحَه عرَفتُ أنه قد أخذ فكرة عن الملتحين غير جيدة، أو أنَّه يرى أنني سأضايقه؛ كونه غيرَ ملتحٍ أو نحو ذلك، الشاهد أنني وضعتُ في ذهني هذه القاعدة: اهتمَّ باللقاء الأوَّل، فصافحتُه بحرارة، وبششْتُ في وجهه، وابتسمتُ له، وعرَّفني زميلي عليه: الدكتور فلان والمستشار وعضو هيئة التدريس في الجامعة الفلانية، فرحبتُ به، وقلتُ له: إني أتشرَّف بمعرفتك، وأخذتُ أسأله كالتلميذ أمام أستاذه، وأكرِّر كلمة الدكتور، وعبارات التقدير له، وأمُّه تناديه لكي يخرُجَا، وهو يسترحِم والدته للجلوس قليلاً، وهذا الجلوس القليل استغرق الساعتين، وفي نهاية اللقاء أخرَجَ من جيبه بطاقة مكتوبًا فيها اسمُه ومنصبه وجواله، وقال لي: أي خدمة أتشرَّف بها؟ فشكرتُه، وكررت له سعادتي بالجلوس معه، ولما خرج قال لي زميلي المريض: ماذا صنعتَ؟! لقد سحرْتَه.
- أحد جيراننا كنت إذا خرجتُ من بيتنا إلى الصلاة ورأيته، لا أحرص أن ألتقي به، ولكني أسلِّم عليه من بعيد، دون الحديث معه، فذات يومٍ حرصتُ أن أطبِّق بعض هذه القواعد التي كتبتُها في فنِّ التعامل مع الآخرين، وأنظر ما يحدث لي معه! فأحسستُ به وهو يخرج من باب بيتِه، فقاربتُ خطاي حتى ألتقي به وهو خارج، ولمَّا خرج سلَّمت عليه، وصافحته، وابتسمتُ له، فردَّ علي وابتسم في وجهي، ثم ناديتُه بأحب الأسماء إليه، وكنيته (أبو عبدالعزيز)، ثم تحدَّثتُ معه في حديث هو يحبُّه ويعرفه، عن عمله في شركة الكهرباء، وكان الحديث شائقًا، حتى وصلنا بابَ المسجد، وصلينا بجانب بعضنا بعضًا، وخرج قبلي، وإذا به ينتظرني عند الباب، وأكملنا الحديث إلى باب بيته، واستمرَّت هذه المودَّة، كلما خرج من بيته للصلاة يلتفتُ وراءه فإذا رآني انتظرني حتى أصلَ إليه، ونسير معًا إلى المسجد.


القاعدة الثانية: امدَحْ ولا تبالغْ6
الله سبحانه وتعالى يحبُّ المدح؛ ففي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلَّم: ((ولا شخصَ أَحَبُّ إليه المِدحةُ من الله))7، ويقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((ليس أحدٌ أحبَّ إليه المدح من الله))8، هذان حديثان عظيمان يبيِّنان أن الله سبحانه وتعالى يحبُّ المدح والثناء، بل وليس هناك أحد مثل الله يحب المدح، ولا بأسَ بأن تمدح أحدًا من الناس، ولكن المدح يكون باعتدال، وعدم مبالغة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تُطروني9 كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله))10.
ويُشترَط في المدح ألا يُحدِث في نفس الممدوح كِبْرًا واستعلاء وزهوًا؛ لذا فلا تُفرِط في مدح أحدٍ بما ليس فيه؛ حتى لا يكون باطلًا وكذِبًا.
ضوابط المدح:
1 - أن يكون صدقًا. 2 - ألا يكون كذبًا. 3 - ألا يبالغ فيه. 4 - ألا يمدح إذا خشي من فتنة الممدوح، بأن يغترَّ، أو يُفتن، ونحو ذلك.
فمن أمثلة مدح النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم:
- مدح النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه؛ عندما قال: إنَّ إزاري يسقط من أحد شقَّيْه، قال: ((إنَّك لستَ منهم))11، فهذا مدح؛ لكن صاحبه مأمون عليه من العُجب والاغترار بالنفس.
- ومدح النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله بن عمر رضي الله عنهما بقوله: ((نِعْمَ الرجل عبدالله لو كان يصلِّي من الليل))، قال سالم: فكان عبدالله لا ينام من الليل إلا قليلاً12.
فكانت هذه الكلمة منه صلى الله عليه وسلم نعم المُحفِّز والمعين لقيام الليل.
- ومدح صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل أبا بكرة رضي الله عنه فقال: ((زادك الله حرصًا ولا تعُدْ))13، فأثنى عليه بالحرص على الخير، وهو: إدراك ركعة مع الإمام، أو إدراك أفضلية الجماعة، لكنه صلى الله عليه وسلم صحَّح له فعله هذا، وأمره ألا يعود إليه ثانية.
- حاوِلْ أن تقوم بالبحث عن أشياء صغيرة تستطيع أن تُشيد بالآخرين وتُثني عليهم من خلالها: كنوع الثوب، أو جمال الساعة، أو رائحة الطيب، ونحو ذلك، سترى العجب في التأثير.
- اجعل لك عادة من نفسك تُقدِّم فيها التهاني والثناء للآخرين كل يوم.
- يذكر لنا الدكتور فضل الله علي رحمه الله14 ونحن في برنامج الدكتوراه: أنَّ أحد رؤساء أمريكا - أظنُّه قال: ريجان - كان خارجًا من القصر الأبيض، والتفت إلى البستاني الذي يُصلح الحديقة، فقال له: عملك رائع، فانبهر البستاني وتأثَّر، وقال: سيدي الرئيس، لم أسمع مثل هذه الكلمة، وأنا أعمل هنا منذ ثلاثين سنة!
- وأنا أحاسب عند الموظف المختص في أحد الأسواق، أخذتُ أدعو له بالصحة والعافية، وأن يفتح الله عليه، وأن يرزقه من حيث لا يحتسب، فتأثَّر جدًّا، وقال: "الكلام هذا أنا محتاج له، كأنه برد وسلام على قلبي"، وأخذ يبتسم في وجهي، وأخبرني بأنه يعمل من الصباح الباكر إلى ساعة متأخِّرة من الليل، فكان كلامي وملاطفتي له تنفيسًا له.


القاعدة الثالثة: ابتسمْ فلا يكلفُك شيئًا
لو أن إنسانًا دخل المجلس، وسلَّم على الموجودين، وأحدهم ردَّ عليه السلام مبتسمًا، كيف يكون وقع السلام عليه؟ الجواب: مؤثِّر.
- لو عندك معاملة تراجع فيها، ودخلت مكتبًا، ووجدت فيه مجموعة من الموظفين، وأحدهم كان عابس الوجه، والآخر يبتسم في وجهك حينما نظرت إليه، فمن ستذهب إليه؟ بالطبع ستتجه مباشرة إلى ذاك المبتسِم، فالقاعدة الثالثة من قواعد فنِّ التعامل مع الآخرين: الابتسامة.
- هذه امرأة مات عنها زوجُها الثاني، وتزوجت ثالثًا، فتقول هذه المرأة: "عندما يدق جرس الباب في موعد عودة زوجي، وبدون تفكير ولا سابق ذكر، أجد صورة زوجي الثاني الذي توفاه الله عند عودته وهو يبتسم - تسبق إلى فؤادي، وأسرع في لهفة، ثم أتذكَّر في الحال أنه لم يعد زوجي بعد أن مات"15، فانظر إلى أثر الابتسامة، وكيف أن هذه المرأة ما زالت تتذكر هذه الخصلة الجميلة، والصفة النبيلة، في ذلك الرجل المتوفَّى.
إنها الابتسامة؛ الكنز الذي لا يُكلِّف درهمًا، جرِّب الابتسامة عند دخول البيت، لن تُكلِّفك شيئًا، ولن تخسر ريالاً ولا درهمًا، إنَّ من يبتسم كل يوم مقدار ربع ساعة، فإن وجهه لا يصاب - بإذن الله - بالتجاعيد.
والابتسامة عملُ برٍّ وإحسان، فهي تُدخل السرورَ على المسلم، يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ((أحب الأعمال إلى الله تعالى سرورٌ تُدخِلُه على مسلم))16.
فأنت تحتاج للابتسامة للدخول إلى قلوب الآخرين، وقد يكون أحيانًا بلا استئذان؛ فهي مفتاح لكل خير، مغلاق لكل شر، مفعولها كالسحر أو أشد، يقول صلى الله عليه وسلم: ((تبسُّمك في وجه أخيك صدقة))17، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلْق))18.
- ويقول جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه: "ولا رآني - يعني: النبي صلى الله عليه وسلم - إلا تبسَّم في وجهي"19.
فأنت تملك طاقة عظيمة، وبيدك كنز ثمين، فلا تخسره، أو تبخل به على أهلك، فاصنع الابتسامة، وتدرَّب عليها، فالمحروم من حُرم هذا الفضل، وهذه النعمة العظيمة.


القاعدة الرابعة: تهادَوْا تحابُّوا
وهذه القاعدة مأخوذة من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((تهادَوْا تحابُّوا))20، وأذكر موقفين وقعَا لي:
الموقف الأول: كنا مجموعة من الإخوة ونجلس كل أربعاء في إحدى الاستراحات، ويكون فيها درس أو كلمة، ثم مسابقة، ثم وقت مفتوح للحديث مع الإخوة، يتخلَّل ذلك بعض الطرائف والقفشات ونحو ذلك، ومرة من المرات أفاجأ بأحد الإخوة وأنا على وشك الخروج إلى البيت يعطيني ورقة في ظرف، فأخذتها إلى جيبي مبتسمًا، ولما وصلت للبيت قرأتها، وتألمتُ مما كُتب فيها: (بأنني مغرور، ومعجَب بنفسي، وأني أحتقر الآخرين، وأني أستهزئ به، ونحو هذا الكلام) وحقيقةً أقولها: اتهمتُ نفسي، وأن ذلك قد يكون فيَّ وأنا لا أعلم، فكتبتُ له اعتذارًا، وتأسفًا إن كنت أخطأتُ في حقِّه بقصد أو بدون قصد، وبيَّنتُ له أننا إخوة، والأخ مرآة لأخيه، ونحو هذا الكلام، واشتريتُ عطرًا، ووضعتُ الورقة داخله، وسلَّمتُه إياها عند خروجنا من الأربعاء الثاني، ولما جاء الأربعاء (الثالث) الذي بعده، ودخلت الاستراحة، استقبلني مبتسمًا، وقبَّل رأسي معتذرًا عما بدر منه، وقال: أنت شيخُنا، ومنكم نأخذ العلم، ونحو هذا الكلام الجميل.
الموقف الثاني: صليتُ أنا وجار لي حبيب وقريب إلى نفسي، فلما خرجنا من المسجد، كلمته بأني أحبُّه، وأحبُّ كذلك ابنه، وإني أخاف عليه مثلما أخاف على نفسي؛ لذا احرِصْ عليه؛ فإني أراه يمشي مع أناس مدخِّنين، وأخشى عليه أن يكون مُدخِّنًا (وقد صار مدخِّنًا)، فشكرَني ومشى، هذا الكلام كان العصر على أغلب ظنِّي، وما أن صليتُ العشاء، إلا وباب البيت يُطرق، فخرجت وإذا بجاري ومعه ولده، فسلَّما عليَّ، فرددتُ عليهما، فخاطبني الابن قائلاً: أنت قلتَ لأبي بأني أدَخِّن؟! وكان وجهه عبوسًا، وعيناه تقطر شررًا، فقلتُ: أبدًا لم أقل ذلك؛ وإنما أنا خشيتُ عليك، فأخبرت والدك من حبِّي لك، لكن هذا الكلام لم يعجبه، وكانت بيده سبحة وأخذ يديرها بشدة، وصار يدور معها أيضًا، فلما رأيت الموقف وأنه قد يسوء بيننا؛ أخذت أدعو له، وأنهيتُ اللقاء، ومن الغد ذهبتُ إلى السوق، وأخذت شماغًا، وعطرًا، وبعض الأشرطة المفيدة، وكتبتُ رسالة رقيقة، ذيَّلتُها باسمي ورقم جوَّالي، وأني أتشرَّف بخدمته، ووضعتُ ذلك في كيس فاخر، وحملته معي في السيارة حتى قابلتُ عمَّه، فأعطيتُه الكيسَ، وقلتُ: يا أبا سلطان، هذه هدية لابن أخيك (فلان)، احرص على أن تصل إليه، وبعد ثلاثة أيام، إذا بجوَّالي يرن، وإذا به صاحبي الشاب، وهو يعتذر عما بدر منه، ويقول لي: لماذا كلَّفت على نفسك؟ ونحو هذا الكلام، ثم ألزمني بالحضور لشرب الشاي والقهوة في بيتهم، وصارت بيننا علاقة طيِّبة، حتى إنه إذا أُشكلت عليه بعض الأمور اتصل بي.
- قال صلى الله عليه وسلم: ((تهادوا؛ فإن الهدية تُذهِب وحر الصدر))21، وكان صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ويُثيب عليها، وكان أيضًا يحثُّ عليها، ويرغب فيها، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لو أُهدي إليَّ كُرَاع22 لقَبْلتُ، ولو دُعيت إلى كُرَاعٍ لأجبتُ))23.
- وقبل النبي صلى الله عليه وسلم الهدية من الكفار، كهدية كسرى، وقيصر، والمقوقس، وأهدى هو صلى الله عليه وسلم للكفار.
- أهمية الهدية في تأليف القلوب، وتعميق أواصر المحبَّة، وفيها ترغيب غير المسلمين للإسلام، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع صفوان بن أمية رضي الله عنه قبل أن يُسْلم؛ حينما أعطاه واديَيْن من الإبل والغنم، فأسلَمَ وحسُن إسلامه، بل وسخَّر كل ما يملك في خدمة الإسلام، يقول صفوان رضي الله عنه: "والله لقد أعطاني رسول الله ما أعطاني، وإنه لأبغضُ الناس إليَّ، فما برِح يعطيني حتى إنه لأحَبُّ الناس إليَّ"24.
- التنبيه على نقاط مهمة في الهدية:
1 - أن تُخلص النيَّة لله في هديتك. 2 - أن تدعو ربَّك بأن يبارك فيها؛ حتى تكون مفتاحًا لقلب من أهديتَ إليه. 3 - أن تتناسب الهدية مع الشخص المُهدى إليه؛ فهدية الصغير تختلف عن هدية الكبير، وهدية الرئيس تختلف عن هدية المرؤوس، ونحو ذلك.
4 - عدم التكلُّف فيها، وكلٌّ على قدر استطاعته. 5 - ألا تكون رشوة؛ لنهي الشرع عن ذلك. 6 - اختيار الوقت المناسب؛ فلا تأتِ لمن تريد أن تهدي إليه في آخر الليل، وهو وقت نومه، فتُوقظه، وتخبره أن عندك هدية تريد أن تسلِّمه إياها. 7 - أن تقدِّمها ببشاشة، ونفس طيِّبة.
ولقد حصل لإنسان أن صار بينه وبين أمِّه نقاشٌ، فرفع صوته عليها، وأحب أن يُهدي لها هدية؛ لتصفح عنه، ويذهب ما في صدرها عليه، وفعلاً أتى بهديته، لكنه أتى بها ولم يسلِّمْها بيدها، ولم يكن مبتسمًا، فوضعها أمامها بشدة، وقال بصوت أجشَّ: هذه هدية، فلم تتقبَّلها بقبول حسن، بل وقالت: أنا لا أريد هديَّته.
8 - أن يكون منظر الهدية مقبولاً، ويُكتب عليها - إن تيسَّر - كلام جميل. 9 - الإثابة عليها، والإعطاء بدلاً منها.
10 - شكر المُهدي، والدعاء له. 11 - عدم ردِّ الهدية التي لا شبهة فيها؛ لأنَّ فيه كسرًا لقلب المُهدي، وإساءة له.


القاعدة الخامسة: تجاوَزْ عن الهفوات
حاول أن تغُضَّ الطرف، وأن تخفض البصر، خاصة في توافه الأمور وصغيرها، وفي الأمور الدنيوية الدنيئة؛ لماذا؟ لأنك تتعامل مع إنسان كثير الخطأ.
فلا تكن شديد الملاحظة، قويَّ العبارة، على كل هفوة، وأي زلة، تتبع أيَّ عبارة تصدر، فتحملها على تأويل سيِّئ؛ فهناك أخطاء تصدر من الطرف الآخر تكون غير مقصودة؛ فلا تستعجل في الرد، أو الحكم الجائر؛ فأنت كذلك تخطئ.
يقول أنس خادم النبي صلى الله عليه وسلم: "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع سنين، فما أعلمه قال لي قط: لمَ فعلتَ كذا وكذا، ولا عابَ عليَّ شيئًا قط"25.
- خذ باب الصفْح، واجنح إلى العفو ما استطعتَ إلى ذلك سبيلاً، يقول سبحانه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199]، ولأن تخطئ في العفو وتسرف، خيرٌ من أن تتجاوز في العقوبة.
- أوجدْ لأخيك العذرَ فيما قال، وإن لم تجد له عذرًا، فقل: لعلَّ له عذرًا، وأنا لا أدري.
وأسلوب التعامل فيمن يقع في الخطأ مهمٌّ جدًّا، فتذكَّرْ أمريْنِ إذا أردت تصحيح الخطأ:
الأوَّل: النيَّة؛ فاستحضر النيَّة الصالحة، فأنت في عمل يخدم الدعوة، وينير الطريق للمخطئ، وتثاب عليه.
الثاني: تخيَّرْ في الوقت نفسه الأسلوب الجميل، والتصرف الحكيم، والكلمة الطيبة، التي لها تأثير فيما تقول، وذلك حسب المقام والحال، فتتعامل مع المخطئ بروح المُشفق، ولسان العطوف.
وانظر إلى موقف رائع وجميل، يتجلى فيه مكارم الأخلاق، ويشرف فيه خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يتعامل مع الخطأ.
يقول معاوية بن الحكم رضي الله عنه: "صليتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم، فعطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلتُ: واثُكْلَ أُمَّاه، ما شأنكم تنظرون؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرَفتُ أنهم يصمِّتونني، فلما رأيتهم يُسكتونني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - بأبي وأمي - ما ضربني ولا سبَّني، وفي رواية: فما رأيت معلِّمًا قط أرفق من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ((إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس؛ إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن))26.
وقصة الصحابي الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد، فقام الصحابة لينهروه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فتُرك حتى فرغ من حاجته، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، ووجَّهه توجيهًا نبويًّا رفيقًا بقوله: ((إن هذه المساجد لا تصلح لهذا؛ إنما هي لذكر الله والصلاة))، فقال الأعرابي: "اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك: ((لقدْ حَجَّرْتَ واسعًا))27.
وأذكرُ موقفين رائعين في كيفية التعامل مع من ارتكبَ خطأً:
الأوَّل: أن زين العابدين علي بن الحسين خرج من المسجد يومًا، فاعترضه رجل في طريقه فسبَّه، فقام الناس إليه يريدون ضربه، فقال: دعوه، ثم أقبل عليه، وقال: ما ستره الله عنك من عيوبنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل، فألقى عليه خميصة، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل إذا رآه قال: "إنك من أولاد الأنبياء".
الثاني: ومرة كان يتوضأ فصبَّ عليه مولاه ماءً حارًّا، ففزع وغضب، فقال له: والكاظمين الغيظ، قال زين العابدين: كظمتُ غيظي، قال: والعافين عن الناس، قال: عفوتُ عنك، قال: والله يحب المحسنين، قال: اذهب فأنت حرٌّ لوجه الله.
- كلَّمني شخص وقال لي: إن ابني المتزوج حديثًا لديه مشكلة، وإن سمحت لنا نريد أن نقابلك، فممكن تحدِّد لنا وقتًا؟ وبعد يومين أو ثلاثة طرقوا الباب، واستقبلتهم وكانوا ثلاثة، فطلبتُ من صاحب الموضوع أن نجلس وإيَّاه على انفراد، وقلت له: تفضَّلْ تحدَّثْ، فقال: تزوجتُ قريبًا، وذهبت أنا وزوجتي في نزهة، ونحن نتحدث، وفجأة يرن جوالُها، فتقطعه، ثم يرن ثانية وثالثة، ولم ترد، فطلبت منها أن تردَّ، وإذا به يكرر الاتصال، يقول الرجل: فغضبتُ، وتكلمت عليها، ثم اتهمتُها بأنها تعاكس الرجال، وتحولت نزهتنا إلى كدر، وطلبَتْ مني أن أوصلها إلى بيت أهلها، وبعد أيام، أرسلَتْ لي رسالة: "أنت في طريق، وأنا في طريق"، فقلتُ له: لقد أخطأتَ على زوجتك، وأخذتُ في نصحه وتوجيهه في حسن التعامل مع الزوجة، والتغاضي عن مثل هذه الأمور، ونحو ذلك، ثم قلتُ له: هل أنت نادم على فعلك؟ قال: نعم، قالها بحسرة، قلتُ: وهل تريد أن تعيد زوجتَك، وتفتح صفحة جديدة؟ قال: نعم، قلت له: أرني رسالة زوجتك، فلما رأيت الرسالة، وإذا فيها كلمات طيبة، وفي آخرها دعاء له، فقلت: سبحان الله، أرى أن هذه المرأة فيها خير، فلم تشتمْك، أو تدعو عليك؛ لأنَّك اتهمتَها في عرضها.
فكتبتُ له مجموعة رسائل قصيرة، بعبارات جميلة، فيها التأسُّف منه على ما بدر منه، وأنه نادم على فعله، ويتمنَّى أن تعود المياه إلى مجاريها، فاختار واحدة منها، وطلبت منه أن يكتبها في جواله، فلم يستطع أن يكتب، ارتجفت يدُه، فكتبتُها أنا، وطلبتُ منه أن يرسلها، وقلت له: انتظر حتى تردَّ عليك، وأخبِرْني ما سيحصل لك، وبعد ثلاثة أو أربعة أيام وإذا به يتَّصل عليَّ فرِحًا مسرورًا، ويدعو لي: لقد ذهبتُ إلى زوجتي، وهي عندي الآن، وأبشِّرك، الأمور طيبة، فسألتُه: متى جاءك ردٌّ على رسالتك، قال: بعد إرسالها بساعتين تقريبًا، فعلمتُ أن المرأة فيها خير، وأنَّ الخطأ منه.


القاعدة السادسة: قدِّم الخدمة للآخرين
قضاء حوائج الناس، وتلمُّس مطالبهم، والعمل على إنهائها، وملاطفتهم في بعض المواقف: أمر مشروع، ويُؤجَر عليه الإنسان، وهو مطلوب لمن يريد أن يتقن فنَّ التعامل مع الآخرين، وخدمة الناس باب واسع وعظيم لكسب ودهم، والاستحواذ على قلوبهم؛ لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة، فرَّج الله عنه كربة من كُرب يوم القيامة))28.
وقال صلى الله عليه وسلم: ((لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة، أَحَبُّ إليَّ من أن أعتكف في المسجد شهرًا))29.
لكن هناك بعض الضوابط لخدمة الناس لا بد من مراعاتها، وهي:
1 - اجعل للاعتذار مجالاً؛ حتى لا يُحمِّل الإنسان نفسه من الأعمال ما لا يطيق، وربما يُضيِّع حقوقًا أهم، وتكون واجبة عليه؛ فمثلاً يبادر شخص بمساعدة صديقه، وقضاء حوائجه، وفي الوقت نفسه، والدته قد طلبت منه أغراضًا يحضرها لها، وهو يسوِّف، ويعتذر بانشغاله، وهذا من الخطأ، ويدخل في دائرة الإثم والعقوق.
2 - أعمال الخير: الأولى ألا يعتذر الواحد عنها، إلا لسبب وجيه.
3 - لا بد أن يكون عندنا قضية فقه الأولويات: الأهمُّ، ثم الأهم.
4 - الحرص على تنظيم الوقت.
5 - من حسن الخلق: عدم الاعتذار في أمر تستطيع القيام به.
6 - من المبادئ الجميلة التي من المهم تعلمها: فن التفويض، والاستعانة بالآخرين في قضاء بعض الأعمال، وتنفيذ بعض الأشغال.
7 - قدِّم للآخرين ولو فكرة جميلة، قد تلاقي قبولاً لدى الطرف الآخر، وقد تكون أسديت له أعظم خدمة وأنت لا تشعر، أَذْكُرُ أني قابلت أحد الأصدقاء، وكان ضابطًا في أحد القطاعات العسكرية، وقلت له: سأقول لك فكرة جيدة، ضعْها في اعتبارك، فقال لي: ما هي؟ قلتُ: الآن أنت تحمل مؤهِّل البكالوريوس، وما زلتَ شابًّا، وأحس أن لديك الطموح، قال: صحيح، قلت: أنصحك أن تُقدِم على عملك لإكمال دراسة الماجستير، فضحك، وقال: هذا صعب! عملي لا يمكن أن يوافق، قلت: هل حاولتَ؟ قال: لا، قلتُ: الباب مفتوح، قدِّم المرة الأولى ولن يوافقوا، ثم قدم المرة الثانية، ولن يوافقوا، وقدم في الثالثة - وبإذن الله - ستتم الموافقة، ولن يخذلك الله، وذات يوم وأنا أراجع الجامعة لأخذ وثيقة الدكتوراه، وإذا بي أراه أمامي، فقلت له: ما الذي أتى بك هنا؟ فأخذ يدعو لي، ويخبرني بأنه عمل بنصيحتي، والآن هو يدرس الماجستير.


القاعدة السابعة: أتقِنْ فنَّ الإصغاء
هذه قصة حقيقية تُرجمت إلى (فيلم) تتحدث عن شاب أمريكي، تحول من عامل لغسيل الصحون بأحد المطاعم إلى معالج نفسي شهير، والسبب وراء ذلك يعود إلى ميزات يتمتع بها هذا الشاب، وهي (فن الإصغاء)، لقد اكتشف هذا الشاب أن عنده مهارة ذاتية، فوجد أن الكثير من زملائه وأصدقائه تُحلُّ مشاكلهم بمجرد طرحها عليه، فكان دوره في كل مرة هو: الإصغاء، ولا شيء سوى الإصغاء، مع استخدام تعابير الوجه.
فلو دمعت عينا الطرف الآخر، دمعت عيناه، ولو ضحك، ضحك هو.
فأخذَت تتحسَّن أحوال من يأتون إليه؛ بمجرد أن ينصت لهم وتسمَّى (الفضفضة)، ثم بعد ذلك طرأت عليه فكرة أن يكون معالجا نفسيًّا، عندها قام بتزوير شهادة (معالج نفسي)، وترك بلدته إلى بلدة أخرى؛ حتى تضبط الأمور معه، وكسب من ذلك الملايين، إلى أن اكتُشف أمرُه، ورُفعت أوراقه للمحكمة، ولكن خُفِّف عليه الحكم؛ بسبب وقفة المرضى الذين عالجهم، وشُفُوا على يده30.
- كنت خارجًا من المسجد بعدما صليتُ بالجماعة، وإذا بأحد المأمومين؛ يسلِّم عليَّ، ويطلب منِّي أن أستمع إلى مشكلته، فقلتُ: تفضَّل هات ما عندك، قال لي: منذ ثلاثة أيام وأنا لا أنام؛ وإنما أغفو قليلاً، والكوابيس تطاردني؛ لأني دعست قِطَّة، قلت: هل قصدت دعسها؟ فحلف بأغلظ الأيمان إنه لم يقصد، بل حاول الابتعاد عنها، قلت: لا عليك، وإذا به يقول: لقد أرَحْتني، وإني أحس الآن بطمأنينة، لقد أزلتَ ما في نفسي من همٍّ، إنَّ عرْضَ المشكلة وحدها كفيل - بإذن الله - بالتخفيف عن الطرف الآخر، بل وكسب ودِّه؛ لأنه يجد من يشاطره الهم، ويشاركه في المعاناة.
وحسن الإنصات: مبدأ من الأهمية بمكان في الحوار؛ لأنك بحسن الإنصات ستكسب الطرف الآخر، وهو فن عظيم من فنون التعامل مع الآخرين، وكما هو أدب من آداب الحوار، فهو أيضًا أدب مطلوب من آداب الحديث؛ لذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اسْتَنْصِتِ الناسَ))31.
ومما يلاحظ أن الكثير من المجالس مع الآخرين لا يراعى فيها آداب الاستماع، وحسن الإنصات، فما أن يبدأ شخص ما في طرح فكرة معيَّنة، حتى يقوم آخر باقتحام الحديث عليه، والأشرُّ من ذلك أن يسكته ويُكمل هو، ويُمسك دفة الحديث، ولا يبالي بمشاعر المتحدِّث32، ولنقرأ بعض الآيات من كتاب الله يتجلَّى فيها أدب الاستماع، وفنُّ الإنصات، يقول سبحانه حاكيًا على لسان نبيه سليمان عليه السلام: {قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 38]، فسليمان عليه السلام أخذ بتوجيه سؤال لمن حوله، ثم أحسَنَ الإنصات واستمع للإجابة، فكانت إجابة الأول: { قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39]، مع أن الجواب يكفي من دون قوله: {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39]، ومع هذه الإضافة التي مدح فيها العفريت نفسه، إلا أن نبي الله سليمان أرهف له السمع وتركه يتكلم حتى أتمَّ كلامَه.
ثم أجاب الثاني: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40]، فمِن هذا المثال القرآني البديع، وغيره كثير، يتبيَّن لنا أهمية الاستماع، وحسن الإنصات، وأن له شأنًا وقيمة كبرى في التعامل مع الآخرين، وكسب ودهم، والدخول معهم في علاقات طيبة ومثمرة33.
- جاءني أحد الإخوة، يشكو اثنين من أبنائه، في سوء سلوكهم، فقلت: إذا جلستَ معهم في السيارة، افتح موضوعًا، واستمع إلى كلامهم، وأنصت لهم، ولا تتبرَّم، وقدِّر رأيهم، وأخبِرْني بعد ذلك ماذا يحدث! وكلَّمَني بعد يومين أو ثلاثة، وقال لي: أبشِّرك تحسنت الأمور بيني وبين الأبناء.
- أحد الإخوة عرض عليَّ رؤيا طويلة، فقلتُ له: إن الود بينك وبين زوجتك معدومًا، أو شبه ميِّت، فقال لي: صحيح، وقلتُ له: إن لغة التفاهم بينك وبين زوجتك تتسم بالغلظة والقسوة، فقال لي: صحيح، وقلت له: أنت تدخل مع زوجتك في حوار، لكن تخرجان منه بمشاكل محمَّلة بأعاصير وثورات، تستمر أيامًا، فقال لي: نعم، مع أن هذا الرجل أعرفه لفترة طويلة بخُلُقه وأدبه الرفيع، لكن - يا سبحان الله - يوجد على شاكلته الكثير، الذي يكون مع الناس كالحَمَل الوديع، ومع زوجته وأبنائه كالثور الهائج، يقول حبيبنا صلى الله عليه وسلم: ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي))34.


القاعدة الثامنة: الكلمة الطيبة صدقة
- هذه القاعدة مأخوذة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((والكلمة الطيبة صدقة))35، والصدقة في نظري: كلمة جامعة لكل خير، وشاملة لكل برٍّ، تدلُّ على صِدْق صاحبها وإخلاصه، لأجل أن تُقبل وتُؤتي ثمارها.
كنتُ أسير في أحد الشوارع، وغمزت بالإشارة إلى جهة اليسار، ولما رآني صاحب سيارة، كان يسير خلفي لكنه كان بعيدًا، وإذا به يزيد من سرعته؛ ليمنعني من الدخول جهة اليسار، وأنا حقيقة لم أبالِ به؛ لأنه كان بعيدًا عني - كما قلت - لكنه أخذ يؤشر بالأنوار الأمامية، ويضرب بالمنبه بشكل متواصل، وكأنني سددت الطريق عليه، مضيتُ في طريقي، فأخذ يلاحقني، وعلمت أنه يريد أن يقولَ شيئًا، حتى وصلت قريبًا من الإشارة، وتمنَّيتُ أن تُفتَح؛ حتى لا أقف بجانبه، ويكون هناك صراع بالألسن، لكن قدَّر الله أن الإشارة توقفت باللون الأحمر، فوقفت مضطرًّا، وقلت لنفسي: لا بد أن أهدأ، وأتصرف بأدب، وأتى بجانبي من الجهة اليمنى، وفتح نافذته وأنا أرقبه بطرف عيني، وأخذ يشير بيده إشارات، عرفت منها أنه غاضب، ويتكلَّم بكلام لا أفهمه، ففتحت نافذتي، وألقيتُ عليه السلام، وبسرعة قلت له: أسأل الله أن يغفر ذنبك ويُسعدك، ثم قلت له: سامحني وأنا أخوك، لقد أخطأت، فلما رأى ذلك، قال: أنت مثل والدي، وعلى رأسي، وأشار بيده إلى رأسه، وأخذ يقول كلمات جميلة، ويؤمِّن على دعائي.
- إن الألفاظ الجميلة، والعبارات اللطيفة: لها وقع عظيم على النفوس، بل وهي عبادة تتقرَّب بها إلى الله، كما في الحديث السابق؛ فهي صدقة على نفسك، وصدقة مُتَعَدٍّ نفعُها إلى غيرك.
- جلست مع أحد الزملاء، ولأول مرة ألتقي به، وتحدثنا عن العلم وفضله، وهو في الأربعينات، ومتزوج، وله عدة أبناء، وفي وظيفة طيبة، ويقرأ على الناس، وقد نفع الله به الكثير، وسألته عن دراسته وإذا به قد توقَّف عند الثانوية ولم يُكمل، فحثثته على إكمال تعليمه الجامعي، خاصة أن عمله يسمح له بذلك، ولديه القدرة المطلوبة، والهمة المنشودة، لكنه تعذَّر بانشغاله، وأنه سينقطع عن القراءة ونفع الناس، فقلت له: قبل وقت الاختبارات ضع إعلانًا بالتوقُّف إلى التاريخ الذي تنهي فيه الاختبارات، لا سيما أن الدراسة عن طريق الانتساب وموقع الجامعة في الشبكة العنكبوتية، فلم يعجبه كلامي ساعتها، ولكن بعد أسبوع أو أسبوعين، التقيتُ به وتحدثنا عن العلم، وأعطيته جرعات تحفيزية، وكلمات تنشيطية، وإذا بالله سبحانه يفتح صدره لإكمال الدراسة، بل وطلبَ مني أن أكتب له ورقة بخطي؛ فيها اسمه ثلاثيًّا، وقبلها حرف دال، وكتبنا السنة التي سيصبح فيها حاصلاً - بإذن الله - على شهادة الدكتوراه، وها هو الآن قد أنهى البكالوريوس بفضل الله سبحانه، والتحق بالجامعة لإكمال الماجستير، وعنده همَّة عالية إلى الدكتوراه، وهو في الخمسين من عمره.
ابذل الكلمة الطيبة، ولا تقف تنتظر ثمرتها الآنية؛ فقد تراها في وقتها، وقد يبدو صلاحها بعد؛ فأنت مأجور غير مأزور بإذن الله.


الخاتمة
أختم ورقات هذا الكتاب، بهذه الكلمات:
1 - إن قواعد التعامل مع الآخرين كثيرة، ولكني رأيت أن هذه القواعد من الأهمية بمكان.
2 - لا مانع من تطبيق هذه القواعد في الحياة، فإن نتائجها إيجابية وطيِّبة.
3 - من الأمور المهمة التي لا بد منها: استحضار النية في كل عمل نقوم به؛ حتى نُؤجر ونثاب من الله سبحانه.
4 - ضع لك بصمة تعيد مجد الأمَّة؛ من خلال تعاملك الراقي، وحسن أخلاقك مع الآخرين.
5 - عوِّد لسانك على الكلمات الجميلة، والعبارات الرائعة، فلن تخسر أبدًا بإذن الله.
6 - لا تتردَّدْ في تدريب نفسك على الابتسامة، واجعل أوَّل من يفوز بها منك هم أقرب الناس إليك.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.


فهرس الموضوعات

الموضوع الصفحة
القاعدة الأولى: اهتمَّ باللقاء الأول..................................................... 3
القاعدة الثانية: امدح ولا تبالغ........................................................ 6
القاعدة الثالثة: ابتسم فلا يكلِّفك شيئًا................................................ 8
القاعدة الرابعة: تهادوا تحابوا.......................................................... 10
القاعدة الخامسة: تجاوز عن الهفوات.................................................. 13
القاعدة السادسة: قدِّم الخدمة للآخرين............................................... 16
القاعدة السابعة: أتقن فن الإصغاء..................................................... 18
القاعدة الثامنة: الكلمة الطيبة صدقة................................................... 21
الخاتمة................................................................................ 23
فهرس الموضوعات.................................................................... 24

(1) مسند الإمام أحمد 15371، السيرة النبوية لابن هشام 2/288، الروض الأنف للسهيلي 2/261.
(2) صحيح البخاري 53، 87، صحيح مسلم 17.
(3) صحيح مسلم 2638.
(4) صحيح البخاري 6416.
(5) سير أعلام النبلاء للذهبي 5/86.
(6) وقد تم التعديل في هذه الصفحة، وقد نبهني على ذلك الإخوة في شبكة الألوكة، فجزاهم ربي عني وعن الأمة خيرًا.
(7) صحيح مسلم 1499.
(8) المعجم الكبير للطبراني 836، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع 5369.
(9) الإطراء: الإفراط في المدح، (فتح الباري لابن حجر 1/79)، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينكر المدح ذاته؛ وإنما الإنكار على من يبالغ فيه.
(10) صحيح البخاري 3445.
(11) صحيح البخاري 6062.
(12) صحيح البخاري 1121، 3738، صحيح مسلم 2479.
(13) صحيح البخاري 783.
(14) وزير سابق في السودان، تُوفي في الرياض وهو على وظيفة أستاذ الإدارة العامة بجامعة نايف.
(15) العشرة الطيبة مع المرأة، لمحمد حسين 2/55.
(16) الطبراني في المعجم الكبير 13646، وحسَّن الألباني إسنادَه في السلسلة الصحيحة 906.
(17) سنن الترمذي 1956، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع 2908.
(18) صحيح مسلم 2626.
(19) صحيح البخاري 3035، صحيح مسلم 2475.
(20) الأدب المفرد للبخاري 594، السنن الكبرى للبيهقي 12297 وحسّنه الألباني في صحيح الجامع 3004.
(21) سنن الترمذي 213، وضعَّفه الألباني في ضعيف الجامع 2489، وَحَر الصدر أيْ: غلُّه، وغشُّه، وحقده (التيسير بشرح الجامع الصغير 1/929).
(22) الكراع: يد الشاة (المرجع السابق).
(23) صحيح البخاري 2586، 5178.
(24) صحيح مسلم 2313.
(25) صحيح مسلم 2309.
(26) صحيح مسلم 537، سنن أبي داود 930.
(27) صحيح البخاري 6025، صحيح مسلم 284.
(28) صحيح البخاري 2442، صحيح مسلم 2580.
(29) المعجم الكبير للطبراني 13646، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 176.
(30) مقال د. علي بن صحفان الزهراني، جريدة الرياض 24/10/1429هـ، عدد 14732.
(31) صحيح مسلم 188.
(32) كيف تحاورين؟ لعبلة الهرش ص 62.
(33) تعلَّم كيف تحاور ص 24 للمؤلف بتصرف (منشور في النت موقع صيد الفوائد).
(34) سنن الترمذي 3895، سنن ابن ماجه 1977، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع 3314.
(35) صحيح البخاري 2707، صحيح مسلم 1009.
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------