Advertisement

الحقيقة الصادقة بخصوص عدم الصدق كيف نكذب على كل من حولنا


الإشادة بهذا الكتاب

"يــرفع آريلــي مســتوى التوقعــات بالنســبة للجمــيع؛ إذ يكتــب بمزيــج مــن الحمــاس والفطنـة فـي مجـال العلـوم المعرفيـة والاقتصـاد السـلوكي الـذي تعـج بـه الكثـير مـن
الكتابات".

_ جريدة واشنطن بوست

"أعتقد أن كتاب آريلي بمثابة ملخص رائع للمناخ الأخلاقي الطيب والمتساهل المميز للعصر".

_ ديفيد برووكز، جريدة نيويورك تايمز

"كنت مصدومًا من كم حالات الغش البسيطة المنتشرة وكم الأذى الذي تسببه, والذي يمكن مقارنته بالاحتيال الصارخ مقارنةً تراكمية. ويُعد هذا الكتاب أكثر كتب
دان آريلي تشويقًا وإفادة".

_ نسيم نيكولاس طالب، مؤلف كتاب The Black Swan

"يجــب علــى أي شــخص يمــارس الكــذب أن يقــرأ هــذا الكتــاب. وأولئــك الــذين يــدعون أنــهم لا يكـذبون هـم كـاذبون. ومـن ثـم، يجـب أن يقـرأوا هـذا الكتـاب أيـضًا. فـهذا
الكتاب كتاب تثقيفي رائع وممتع سيجعلك شخصًا أفضل".

_ إيه. جيه. جاكوبز، مؤلف كتابي The Year of Living Biblically و Drop Dead Healthy

"يكشف لنا دان آريلي على نحو مبدع ومبهج كيف يوازن البشر بين الصدق والغش لابتكار حالة من الواقع المشجع على تعمية الحقائق. ستكتسب فهمًا أعمق
لأخلاقياتك الشخصية ولأخلاقيات كل من تعرفهم".

_ دكتور محمد أوز، نائب رئيس قسم الجراحة وأستاذ الجراحة بجامعة كولومبيا ومقدم برنامج The Dr. Oz Show

"إن إبداع المؤلف صاحب الكتب الأكثر مبيعًا واضح للعيان ... فهو يصحبنا في جولة مفعمة بالحيوية والنشاط عبر الدوافع التي تجعل الكثيرين منا يغشون، يقدم
الكتاب رؤى ثاقبة للطرق التي نؤدي فيها العمل باستهانة في حين أننا نظن أنفسنا أشخاصًا أخلاقيين".

_ موقع Time.com

"آسر وثاقب الفكر ... بأسلوبه الرشيق والمرح، يتعمق آريلي في أحجية "أمانة" و"خداع" النفس البشرية على أمل اكتشاف طرق جديدة لتساعدنا على التحكم في
سلوكياتنا وتحسين نتائجنا".

_ مجلة بابليشرز ويكلي

"يكتب آريلي بنبرة تحاورية قد يربط بينها المرء وبين نبرة المعلم المحبوب، مقدمًا للقراء معرفة عملية لما يشكل أخلاقياتنا ... أو ما ينقصنا منها".

_ مجلة كيركس ريفيوز

"يكتب آريلي بفكر متعمق، وحس الدعابة الذي يتحلى به واضح على مدار الكتاب. ويمثل الكتاب قراءة سهلة وسريعة لأي شخص يريد أن يعرف الأسباب النفسية
والاقتصادية للغش والخداع".

_ مجلة ليبراري جورنال

"ملأ آريلي كتابه بأمثلة مدهشة عن الطريقة التي يُظْهِرُ بها علم النفس الغش والخداع في الحياة اليومية".

_ موقع Bloomberg.com

"من خلال سلسلة استثنائية من التجارب، يقدم آريلي قضية مقنعة مفادها أننا بينما نرغب جميعًا في اعتبار أنفسنا متمتعين بالنزاهة، فإن لدينا رغبة قوية في
جني الفوائد التي يطرحها الغش والخداع مع استمرار رؤية أنفسنا "أشخاصًا متمتعين بالنزاهة ورائعين" .... أسلوب بسيط وبليغ كالعادة دومًا ... يُنصح بقراءة
هذا الكتاب للساسة والمديرين التنفيذيين في بورصة وول ستريت".

_ مجلة Booklist
كتب أخرى لـ دان آريلي

الجانب الإيجابي من اللاعقلانية:

الوجه الآخر للاعقلانية

توقع لا عقلاني:

القوى الخفية التي تشكل قراراتنا
إهداء

إلى أساتذتي ومساعديَّ وطلابي؛ لأنهم جعلوا البحث

ممتعًا وشيقًا.

إلى كل الذي شاركوا في تجاربي

على مدار السنوات - أنتم الوقود المحرك لهذا البحث،

وأنا ممتن للغاية لمساعدتكم جميعًا.
مقدمة

لماذا يكون الكذب مثيرًا للاهتمام جدًّا؟

هناك طريقة واحدة لتعرف ما إذا كان المرء صادقًا؛ ألا وهي أن تسأله مباشرة. فإذا أجابك بـ"نعم"، فتأكد أنه محتال.

ــــ جروشو ماركس

بدأ اهتمامي بموضوع الكذب والخداع في عام 2002، بعد مرور بضعة أشهر فقط على انهيار شركة إنرون. فقد كنت أقضي أسبوعًا في مؤتمر خاص بالتكنولوجيا،
وذات مساء التقيت بـ"جون بيري بارلو". كنت أعرف "جون" كاتب أغانٍ لفريق The Grateful Dead ، ولكن خلال حديثنا اكتشفت أنه كان يعمل أيضًا مستشارًا
لبضع شركات من بينها شركة إنرون.

إذا لم تكن متابعًا لأحداث عام 2001، فقد جاءت قصة انهيار إحدى كبرى الشركات المدللة في بورصة وول ستريت كما يلي: خلال سلسلة من الخدع المحاسبية
المبتكــرة، وبفضــل تعمــد تجــاهل الحقــائق مــن جــانب المســتشارين وهيئــات تصــنيف الائتمــان ومجلــس إدارة شــركة إنــرون نفســها بالإضــافة إلــى شــركة آرثــر أندرســون
للمحاســبة والتــي تمــت تصــفيتها الآن، رفعــت شــركة إنــرون ســقف التوقعــات الماليــة لينــهار كــل شــيء حــين لــم تعــد هنــاك إمكانيـة لإخفـاء المعـاملات. وخسـر حـاملو
الأسهم استثماراتهم، وتبخرت خطط التقاعد، وفقد آلاف الموظفين وظائفهم، وأفلست الشركة.

وفــــي أثنــــاء حــــديثي مــــع "جــــون"، كنــــت مــهتمًّا بصــورة اســتثنائية بتجاهلــه المتعمــد للحقــائق. فبــرغم أنــه كــان يعمــل مســتشارًا لشــركة إنــرون فــي أثنــاء فتــرة التغــيرات
السريعة، فقد قال إنه لم ير حدوث أي شيء ينذر بالشؤم. في الواقع، لقد كان مقتنعًا تمامًا بوجهة النظر التي تقول إن إنرون كانت رائدة الاقتصاد الحديث حتى
اللحظة التي تصدرت فيها القصة العناوين الرئيسية في الجرائد. والمثير للدهشة أكثر أنه أخبرني أيضًا بأنه بمجرد الإفصاح عن المعلومات، لم يستطع تصديق أنه
فشــل فــي رؤيــة هــذه الإشــارات علــى طــول الطــريق. هــذا جعلنــي أتــوقف قليـلًا. قبـل الحـديث مـع "جـون"، كنـت أفتـرض أن السـبب فـي وقـوع كارثـة انـهيار شـركة إنـرون
بالأساس هم ثلاثي الأشرار التنفيذيين بالإدارة العليا بالشركة ("جيفري سكيلنج" و"كينيث لاي" و"أندرو فاستو") الذين اجتمعوا على وضع خطة محاسبية على
نطاق واسع وتنفيذها. ولكني كنت أجلس مع ذلك الرجل الذي أحببته وأعجبت به، والذي حكى قصة تورطه مع شركة إنرون من وجهة نظره وهي قصة تعكس
التجاهل المتعمد للحقائق؛ لا الخداع المدروس.

بالطبع، كان هناك احتمال بأن "جون" وجميع المتورطين في قضية شركة إنرون فاسدون جدًّا، ولكني بدأت أعتقد أن هناك نوعًا مختلفًا من الخداع والتضليل في
العمــل؛ نـوعًا متعلـقًا أكثـر بـالتجاهل المتعمـد للحقـائق ويمارسـه أنـاس مثـل "جـون" وأنـا وأنـت. بـدأت أتسـاءل مـا إذا كـانت مشـكلة التضـليل قـد تـوغلت بشـكل أكبـر
وتجاوزت مجرد بضع ثمار من التفاح التالف لتصيب صندوق التفاح بأكمله, وما إذا كان هذا التجاهل المتعمد للحقائق قد حدث أيضًا في شركات أخرى 1 . وكنت
أتساءل أيضًا ما إذا كنت سأتصرف أنا وأصدقائي بطريقة مماثلة لو أننا كنا نعمل مستشارين لشركة إنرون.

صرت مهتمًّا بموضوع الغش والخداع. من أين بدأ؟ ما قدرة البشر على التحلي بالأمانة أو الاتصاف بعدم الأمانة؟ وربما الأكثر أهمية، هل عدم الأمانة يقتصر فقط
علــى بضــع ثمــار مــن التفـاح العطـن، أم أنـه مشـكلة منتشـرة علـى نطـاق أوسـع؟ أدركـت أن الإجابـة عـن السـؤال الأخـير قـد تغـير تمـامًا الطريقـة التـي ينبغـي أن نحـاول
التعامل بها مع الغش والخداع؛ بمعنى إذا كانت بضع ثمار من التفاح التالف هي المسئولة عن معظم حالات الغش والخداع، فربما يسهل علينا حل المشكلة بكل
سهولة. فبإمكان أقسام الموارد البشرية في الشركات التستر على المحتالين في أثناء عملية التوظيف أو بإمكانها تنظيم الإجراءات للتخلص من الأشخاص الذين يثبت
عدم أمانتهم ونزاهتهم بمرور الوقت. ولكن إذا كانت المشكلة ليست مقتصرة على الدخلاء، فهذا قد يعني أن أي شخص - أنا أو أنت - يستطيع أن يتصرف بخداع
وغش في العمل والبيت. وإذا كنا جميعًا بإمكاننا أن نكون مجرمين بطريقة أو أخرى، فمن المهم أن نفهم أولًا طرق ممارسة الغش والخداع، ثم اكتشاف طرق
لاحتواء هذا الجانب من الطبيعة البشرية والسيطرة عليه.

ما الذي نعرفه عن أسباب الغش والخداع؟ في اقتصادات المنطق والعقل، ترجع الفكرة السائدة للغش إلى عالم الاقتصاد بجامعة شيكاغو، "جاري بيكر" الحاصل
على جائزة نوبل والذي أشار إلى أن الأشخاص يرتكبون جرائم بناءً على تحليل منطقي للموقف. وكما وصف "تيم هارفورد" في كتابه The Logic of Life 2 , كانت
هذه النظرية مكررة تمامًا. وذات يوم، كان "بيكر" يسارع للحاق بحضور اجتماع معين، وبفضل نقص الأماكن المتاحة لوقف السيارات، قرر أن يوقف السيارة في
مكان غير مخصص لذلك والتعرض لخطر دفع غرامة. تأمل "بيكر" عملية التفكير التي يقوم بها في هذا الموقف ولاحظ أن قراره كان مسألة موازنة للتكلفة المحتملة
- الإمساك به وتوقيع غرامة عليه، ويتم سحب السيارة من المكان - في مقابل حضور الاجتماع في موعده. كما أنه لاحظ في أثناء الموازنة بين التكلفة والفائدة، أنه
ليس هناك مجال للتفكير في الصواب أو الخطأ، فالأمر كان بمثابة مقارنة بين النتائج الإيجابية والسلبية المحتملة.

من هنا جاءت فكرة النموذج البسيط للجريمة المدروسة. وفقًا لهذا النموذج، فإننا جميعًا نظن ونتصرف مثلما فعل "بيكر" تمامًا. مثلما يشق اللصوص العاديون
طريقهم، إننا جميعًا نسعى لمصلحتنا ونحن نشق طريقنا في الحياة. سواء أكنا نفعل ذلك من خلال سرقة البنوك أو تأليف الكتب؛ فهذا لا يهم بالنسبة لحساباتنا
المنطقية فيما يخص التكلفة والفوائد. ووفقًا لمنطق "بيكر"، فإذا كنا بحاجة إلى الأموال السائلة وتصادف أننا كنا نمر على متجر مناسب، فإننا نقدر بسرعة المبلغ
الموجود في درج النقدية، ونفكر في احتمال الإمساك بنا، ونتخيل العقاب المتاح في المتجر إذا ما تم الإمساك بنا (وبالتأكيد يحتمل أن تقل مدة العقوبة لحسن السير
والسلوك). وبناءً على الموازنة بين التكلفة والفائدة، نقرر ما إذا كان المكان يستحق السرقة أم لا. يتمثل جوهر نظرية "بيكر" في أن القرارات المتعلقة بالأمانة مثلها
مثل أغلب القرارات الأخرى تعتمد على تحليل التكلفة والفائدة.

يُعد النموذج البسيط للجريمة المدروسة نموذجًا مباشرًا جدًّا للغش والخداع، ولكن السؤال يتمثل في ما إذا كان هذا النموذج يصف بدقة سلوكيات الناس في
العالم الحقيقي. وإذا كان يصفها فعلًا، فللمجتمع وسيلتان واضحتان للتعامل مع الغش والخداع. الوسيلة الأولى هي زيادة احتمالية أن يتم الإمساك بنا (من
خلال تعيين رجال الشرطة ووضع كاميرات مراقبة مثلًا). الوسيلة الثانية هي زيادة حجم العقوبة للأشخاص الذين يتم الإمساك بهم (على سبيل المثال، فرض
عقوبـة سـجن مغلظـة وغرامـة ماليـة كبـيرة). وهـذا هـو النمـوذج البسـيط للجريمـة المدروسـة بتطبيقاتـها الواضـحة لتطبـيق القـانون والعقوبـات والخـداع بوجـه عـام يـا
رفاق.

ولكــن مــاذا لــو كــانت الرؤيــة المبسـطة للخـداع الخاصـة بـالنموذج البسـيط للجريمـة المدروسـة غـير دقيقـة أو ناقصـة؟ إذا كـانت هـذه هـي الحـال، فـإن المنـاهج القياسـية
للتغلب على الخداع والغش ستكون غير فعالة وغير كافية. إذا كان النموذج البسيط للجريمة المدروسة هو نموذجًا معيبًا، إذن فنحن بحاجة إلى التفكير أولًا في
القوى التي تجعل الناس حقًّا يحتالون، ثم نطبق هذا الفهم المعدل للقضاء على الغش والخداع. وهذا بالضبط ما يتناوله هذا الكتاب 3 .

الحياة وفقًا للنموذج البسيط للجريمة المدروسة

قبل أن نفحص القوى التي تؤثر على الأمانة وعدم الأمانة لدينا، هيا نجرِ سريعًا تجربة فكرية. كيف ستبدو حياتنا إذا ما التزمنا بشدة بالنموذج البسيط للجريمة
المدروسة ونفكر فقط في تكلفة تصرفاتنا وفائدتها؟

إذا كنا نعيش في عالم يطبق النموذج البسيط للجريمة المدروسة، فإننا سنجري تحليل التكلفة والفائدة على كل قرار من قراراتنا وسنفعل ما يبدو الأكثر منطقية.
لن نأخذ قرارات بناءً على العواطف أو بناءً على الثقة، ومن ثم فإننا سنغلق الدرج على محافظ النقود في اللحظة التي نخرج فيها من المكتب. وسنحتفظ بالنقود في
حاشية السرير أو نحتفظ بها في خزانة خفية. ولن نرغب في أن نطلب من الجيران أن يحضروا لنا خطابات البريد في أثناء قضاء إجازة خارج المنزل، خشية أنهم قد
يسرقون ممتلكاتنا. وسنراقب زملاءنا في العمل مراقبة الصقور. ولن تكون هناك قيمة لمصافحة الآخرين كنوع من الاتفاق، وسيكون توقيع عقد قانوني أمرًا ضروريًّا
لإتمام صفقة، وهذا ما يعني أيضًا أننا سنقضي جزءًا كبيرًا من أوقاتنا في النزاعات القضائية والدعاوى القضائية. وربما نقرر ألا ننجب أطفالًا لأنهم حين يكبرون،
سيحاولون سرقة ممتلكاتنا، والعيش معنا في المنزل نفسه سيعطيهم الفرصة للقيام بذلك.

بالتأكيد، من السهل ألا نعتبر الناس معصومين. إننا في منأى عن الكمال, ولكن إذا أقررت بأن العالم الخاص بالنموذج البسيط للجريمة المدروسة ليس الصورة
الصحيحة لما نفكر فيه ونتصرف وفقًا له، وليس وصفًا دقيقًا لحياتنا اليومية، فإن هذه التجربة الفكرية تشير إلى أننا لن نغش أو نسرق مثلما كنا سنفعل لو أننا
نتحلى بالمنطقية ونتصرف وفقًا لمصلحتنا الشخصية وحسب.

استدعاء المتحمسين للفنون

في شهر إبريل من عام 2011، عرض برنامج "إيرا جلاس"، This American Life 1 ، قصة "دان فايس"، طالب جامعي كان يعمل في مركز "جون إف. كينيدي"
للفنون الأدائية بـ واشنطن العاصمة. كانت وظيفته جرد المخزن الخاص بمتاجر الهدايا التذكارية التابعة للمركز، حيث تبلغ قوى البيع ثلاثة آلاف متطوع حسن النية - أغلبهم من المتقاعدين المحبين للمسرح والموسيقى - يبيعون السلع للزوار.

كــانت متــاجر الــهدايا التــذكارية تـدار كأنـها أكشـاك لبـيع اللـيمون. لـم تكـن هنـاك خزانـة نقـدية، بـل مجـرد أدراج نقـدية يضـع فيـها المتطـوعون الأمـوال ومنـها يأخـذون
الفكة. وقد حققت متاجر الهدايا التذكارية ربحًا هائلًا من بيع سلع قيمتها أكثر من 400 ألف دولار في العام. ولكن كانوا يواجهون مشكلة كبيرة: كان يختفي حوالي
150 ألف دولار من هذا المبلغ سنويًّا.

وعندما ترقى "دان" ليشغل منصب المدير، تولى مهمة الإمساك باللص. بدأ يشك في موظف شاب آخر كانت وظيفته هي أخذ الأموال السائلة إلى البنك. وتواصل
مع وكالة تحقيقات خاصة تابعة لدائرة الشرطة الأمريكية، وساعده محقق خاص على نصب شراك للإيقاع باللص. وفي إحدى ليالي شهر فبراير، نصب الشرك.
وضع "دان" عملات ورقية بها علامة في درج النقدية وغادر المكان. ثم اختبأ هو والمحقق الخاص بين شجيرات قريبة، في انتظار الشخص المشتبه فيه. وفي النهاية،
عند مغادرة الموظف المشتبه فيه في المساء، انقضا عليه ووجدا في جيبه بعض العملات الورقية الموجودة بها العلامة. أُغلقت القضية، أليس كذلك؟

اتضح أن الأمر ليس كذلك. لقد سرق الموظف الشاب 60 دولارًا في تلك الليلة، وبعد أن تم فصله من العمل، ظلت الأموال والبضاعة تختفي أيضًا. كانت الخطوة
التالية لـ "دان" هي بدء العمل وفق نظام جرد الموجودات من خلال قائمة الأسعار وسجل المبيعات. طلب من المتطوعين المتقاعدين تدوين ما باعوه وما تسلموه -
وخمن ما حدث - توقفت السرقة. لم تكن المشكلة في لص واحد ولكن المشكلة تمثلت في مجموعة من المتطوعين كبار السن حسني النية ومحبي الفنون الذين قد
يأخذون البضائع بأنفسهم ويتركون الأموال بلا حراسة في كل مكان.

الدرس المستفاد من هذه القصة بعيد كل البعد عن التفاؤل. وكما أوضح "دان" قائلًا: "إذا سنحت لنا الفرصة، فسنستولي على ممتلكات بعضنا ... يحتاج الكثيرون
إلى إحكام السيطرة من حولهم لضمان القيام بما هو صحيح".

إن الهدف الأساسي لهذا الكتاب هو اختبار القوى المنطقية للتكلفة والفائدة التي يُفترض أنها تحث سلوك الغش والخداع، ولكن (كما سترى) عادةً ما تحث على
هذا السلوك، وأيضًا القوى غير المنطقية التي نظن أنها غير مهمة ولكنها مهمة عادةً. بعبارة أخرى، حين يُفْتَقد مبلغ كبير من المال، نظن عادةً أنها فعلة مجرم
عديم الإحساس. ولكن كما لاحظنا في قصة محبي الفنون، والاحتيال لا ينسب بالضرورة إلى شخص يجري تحليل التكلفة والفائدة ويسرق الكثير من المال. ولكن
عادةً ما يكون الأمر نتيجة لأن كثيرين من الناس يبررون أخذ القليل من المال أو القليل من البضاعة مرارًا وتكرارًا. على مدار الفصول التالية، سنستكشف القوى
التي تحثنا على الاحتيال، وسنلقي نظرة عن قرب على ما يجعلنا أمناء. سنناقش ما يجعل الخداع يطل بوجهه القبيح وكيف نخدع الآخرين تحقيقًا لمصالحنا،
بينما نحافظ على مظهر إيجابي لأنفسنا - مظهر لسلوكنا يسمح بإخفاء الكثير من خداعنا.

بمجرد أن نستكشف الميول الأساسية التي تخفي وراءها الغش والخداع، سننتقل إلى بعض التجارب التي ستساعدنا على اكتشاف القوى النفسية والبيئية التي
تزيــــد الأمانــــة أو تقلــــل منــها فــي حيــاتنا اليوميــة، مــن بينــها تعــارض المصــالح، والتزويــر وقطــع العــهود والإبــداع والشــعور بالإجــهاد بكــل بســاطة. وســنستكشف أيــضًا
الجوانب الاجتماعية للغش والخداع، من بينها كيف يؤثر الآخرون على فهمنا لما هو صواب وما هو خطأ، وقدرتنا على الغش حين يستطيع الآخرون الاستفادة من
خداعنا. وفي النهاية، سنحاول فهم آليات الخداع والغش، وكيف أنها تتوقف على بنية بيئتنا اليومية، والظروف التي تجعلنا أكثر أو أقل عرضة للغش والخداع.

بالإضــافة إلــى اســتكشاف القـوى التـي تشـكل الغـش والخـداع، تُعـد إحـدى الفوائـد العمليـة الأسـاسية لمنـهج الاقتصـاد السـلو كـي هـي توضـيح الآثـار الـداخلية والبيئيـة
لسلوكنا. وبمجرد أن نتعمق في فهم واضح للقوى التي تحثنا حقًّا، سنكتشف أننا لسنا ضعفاء أمام الحماقات البشرية (ومن بينها الغش والخداع)، وأن بإمكاننا
إعادة بناء بيئتنا ومن خلال القيام بذلك يمكننا بلوغ أفضل السلوكيات والنتائج.

آمــل أن تســاعدنا الأبحــاث التــي ســأصفها فــي الفصــول التاليــة علــى فــهم مــا يجعلنــا نتبنــى ســلوك الغــش والخــداع وتحــديد بعــض الطــرق المثــيرة للاهتمــام لكبـح هـذا
السلوك وتحديده.

والآن، هيا بنا نبدأ الرحلة ....

1 يجيب عن هذا السؤال بكل وضوح سيل الفضائح المؤسسية التي وقعت منذ ذلك الحين.

2 لقائمة كاملة بمراجع كافة المواد العلمية الواردة في كل فصل والكتب المتعقلة بالموضوع، انظر قسم المراجع والمزيد من القراءات في نهاية الكتاب.

3 بعيــدًا عــن موضــوع الخــداع، هـذا الكتـاب بالأسـاس يتنـاول المنطقيـة واللامنطقيـة. وبـرغم أن موضـوع الغـش والخـداع موضـوع جـذاب ومـهم بـاعتباره أحـد جـوانب
النفس البشرية، فإنه من المهم أيضًا أن نضع في الاعتبار أنه ليس إلا مكونًا واحدًا فقط من مكونات النفس البشرية المعقدة والمثيرة للاهتمام.
الفصل 1

اختبار النموذج البسيط للجريمة المدروسة

دعوني أقلها صراحة: إنهم يخدعون الآخرين. أنت تخدعهم. وأجل, أنا أخدعهم من وقت لآخر.

بصفتي أستاذًا جامعيًّا، أحاول خلط الأمور قليلًا لكي أحافظ على اهتمام طلابي بالمادة العلمية المقدمة. ولتحقيق هذا الهدف، من وقت لآخر أدعو ضيوفًا متحدثين
ممتعين للمحاضرة، وهي طريقة لطيفة لتقليل الوقت الذي أستغرقه في التحضير. وهو موقف يعود بالفائدة على جميع الأطراف؛ الضيف المتحدث، والطلاب،
وبالطبع أنا كمدرس.

في واحدة من هذه المحاضرات "الترويحية"، دعوت واحدًا من الضيوف الاستثنائيين لمادة الاقتصاد السلوكي التي أدرسها. ولهذا الرجل البارع عظيم الشأن خلفية
علمية ومهنية رائعة؛ فقبل أن يصير مستشار أعمال أسطوريًّا لبنوك شهيرة ومديرين تنفيذيين معروفين، حصل على درجة الدكتوراه في القانون ومن قبلها حصل
علــى درجتــه العلميــة مــن جامعــة برنســتون. قلــت لطلابــي: "علــى مــدار بضــع ســنوات ماضــية، قــام ضــيفنا الشــهير بمســاعدة النخبـة مـن رجـال الأعمـال علـى تحقـيق
أحلامهم!".

وبهذه المقدمة، صعد الضيف على خشبة المسرح. من البداية، كان مباشرًا. صاح بصوت عالٍ كمدرب رقصات الزومبا: "اليوم، سأساعدكم على تحقيق أحلامكم.
تتمثل أحلامكم في المال ! هل ترغبون يا شباب في جني المال ؟".

أومأ الجميع وضحكوا، تقديرًا لأسلوبه المتحمس غير التقليدي.

سأل قائلًا: "هل يوجد بينكم ثري هنا؟ أعرف أنني ثري، ولكن أنتم لستم كذلك، أيها الطلاب الجامعيون، بل أنتم جميعًا فقراء. ولكن كل هذا سيتغير من خلال
قوة الاحتيال ! هيا لنفعلها!".

ثم ذكر أسماء بعض المحتالين المشهورين؛ بداية بـ "جنكيز خان" وصولًا إلى الرؤساء، من بينهم الرؤساء التنفيذيون؛ "أليكس رودريجيرز"، "بارين مادوف"، "مارثا
ستيوارت" والكثيرون. وقال بنبرة تشجيعية: "أنتم جميعًا ترغبون في أن تكونوا مثلهم! ويمكنكم الحصول على ذلك من خلال الاحتيال. انتبهوا سوف أفشي لكم
السر!".

بــهذه المقــدمة الملــهمة، حــان الــوقت لتمــرين جمــاعي. طلــب مــن الطــلاب أن يغلقـوا أعينـهم ويأخـذوا ثلاثـة أنفـاس عميقـة. قـال: "تخـيلوا أنكـم قمتـم بعمليـة احتيـال
وحصلتم على أول 10 ملايين دولار. ما الذي ستفعلونه بالمال؟ أنت! يا من ترتدي القميص فيروزي اللون!".

رد الطالب بخجل: "سأشتري منزلًا".

"ستشتري منزلًا ؟ نحن - الأثرياء - نسميه قصرًا. وأنت؟"، قالها وهو يشير إلى طالب آخر.

"سآخذ إجازة".

"في جزيرتك الخاصة؟ ممتاز! حين تجني قدر المال الذي يجنيه المحتالون، ستتغير حياتك. هل هناك من بينكم من يحب الطعام؟".

رفع بضعة طلاب أيديهم.

"ماذا عن وجبة طعام يعدها بنفسه الطاهي الفرنسي الشهير "جاك بيبين"؟ أجود أنواع المشروبات اللذيذة؟ حين تجني ما يكفي من أموال، يمكنك أن تعيش حياة
مترفة إلى الأبد. سل رجل الأعمال الشهير "دونالد ترامب"! إننا جميعًا نعرف أنه من أجل 10 ملايين دولار ستدوس على المقربين منك. وأنا هنا لأخبركم بأنه لا بأس
من ذلك، بل وسأساعدكم على ذلك!".

فــي تلــك اللحظــة أدرك معظــم الطــلاب أنــهم لا يجلســون أمـام قـدوة ليحتـذوا بـها جـديًّا. ولكـن بعـد أن قضـوا الـدقائق العشـر الماضـية فـي مشـاركة الأشـياء المثـيرة التـي
سيفعلونها بأول 10 ملايين دولار سيحصلون عليها، كانوا ممزقين بين الرغبة في الثراء وإدراك أن الاحتيال خطأ من الناحية الأخلاقية.

قال المحاضر: "أشعر بترددكم. يجب ألا تسمحوا لعواطفكم بأن تملي عليكم طريقة تصرفكم. يجب أن تواجهوا مخاوفكم من خلال إجراء تحليل التكلفة والفائدة.
ما مميزات تحقيق الثراء من خلال الاحتيال؟".

رد عليه الطلاب قائلين: "أن تصير ثريًّا!".

"هذا صحيح. وما العيوب؟".

"سيلقى القبض عليك!".

قال المحاضر: "آها. هناك احتمال أنه سيتم الإمساك بكم. ولكن ... إليكم السر! الإمساك بكم في أثناء الاحتيال ليس كمثل العقوبة بسبب الاحتيال. انظروا إلى
رجل الأعمال "برنارد إيبرز"، الرئيس التنفيذي السابق لشركة وورلدكوم. تبنى محاميه أسلوب الدفاع عن "المظاليم"، قائلًا إن "إيبرز" لم يكن يعرف ما الذي يحدث
مــن حولـه. أو "جـيف سـكيلنج"، المـدير التنفيـذي السـابق لشـركة إنـرون، الـذي اشـتهر بإرسـال بريـد إلكتـروني يقـول فيـه: "مزقـوا المسـتندات، إنـهم سـيكشفون أمرنـا".
وفيما بعد أثبت "سكيلنج" أنه كان "ساخرًا"! الآن، إذا لم ينجح هذا الأسلوب في الدفاع، فإنه يمكنك دومًا أن تهرب من هذا البلد إلى دولة لا يسري فيها قوانين
تسليم المجرمين!".

كان ضيفي المحاضر - الذي يعمل في الحقيقة ممثلًا كوميديًّا يدعى "جيف كريسلير", ومؤلف كتاب ساخر بعنوان Get Rich Cheating - يشق طريقه ببطء ولكن
بثقة لطرح قضية صعبة بخصوص القرارات المالية بناءً على تحليل التكلفة والفائدة دون مراعاة للاعتبارات الأخلاقية. وبعد الاستماع إلى محاضرة "جيف"، كان
الطــلاب مــدركين أنــه محــق تمـامًا فيمـا يقـول مـن الناحيـة المنطقيـة الصـرفة. ولكـن فـي الـوقت نفسـه، لـم يتمـالكوا أنفسـهم فـي الشـعور بالاضـطراب ورفـض إقـراره بـأن
الاحتيال هو أفضل طريق للنجاح.

في نهاية المحاضرة، طلبت من الطلاب أن يفكروا في أقصى مدى يسمح سلوكهم بالتصرف به وفقًا للنموذج البسيط للجريمة المدروسة. سألتهم: "كم عدد الفرص
المتاحة في اليوم العادي للاحتيال دون إلقاء القبض عليكم؟ كم عدد الفرص التي تنتهزها للقيام بذلك؟ كم عدد حالات الاحتيال التي سنراها من حولنا إذا اتبعنا
منهج "جيف" لتحليل التكلفة والفائدة؟".

إعداد مرحلة الاختبار

كــلا منــهجي "بــيكر" و"جــيف" للغــش والخـداع يتكـون مـن ثلاثـة عناصـر أسـاسية: (1) الفائـدة التـي يجنيـها المـرء مـن الجريمـة، (2) احتمـال الإمسـاك بـه، (3) العقـاب
المتــوقع إن تــم الإمســاك بــه. مــن خـلال مقارنـة أول عنصـر (الفائـدة) مـع العنصـرين الآخـرين (التكلفـة)، يسـتطيع الفـرد العقلانـي أن يحـدد مـا إذا كـان ارتكـاب جريمـة
معينة مجزيًا أم لا.

الآن، يمكن للنموذج البسيط للجريمة المدروسة أن يكون وصفًا دقيقًا للطريقة التي يتخذ بها رجال الأعمال قراراتهم بخصوص التحلي بالأمانة أو القيام بالاحتيال،
ولكــن عــدم الارتيــاح الــذي شــعر بــه طلابــي (وأنــا) والتلميحــات التــي تشــير إلــى أن النمــوذج البســيط للجريمــة المدروســة يســتحق التعمــق أكثــر لفــهم مــا الــذي يحــدث
بالضبط. (الصفحات القليلة التالية ستصف بمزيد من التفاصيل الطريقة التي سنقيس بها الغش والاحتيال على مدار الكتاب، ومن ثم رجاء الانتباه).

قررت أنا وزميلاي "نينا مازار" (أستاذ بجامعة تورنتو) و"أون أمير" (أستاذ بجامعة كاليفورنيا بـ سان دييجو) أن نلقي نظرة عن كثب أكثر على الطريقة التي يحتال
بــها النــاس. قمنــا بنشـر إعلانـات بحـرم معـهد ماسـاتشوستس للتكنولوجيـا (حـيث كنـت أعمـل حينـها أسـتاذًا بالمعـهد)، يعـرض علـى الطـلاب فرصـة الحصـول علـى 10
دولارات مقــــابل إعطــــائنا عشــــر دقــــائق مــــن وقتــــهم. 4 فــــي الــــوقت المحــدد، دخــل المشــاركون الغرفــة وجلســوا علــى كراســي مزودة بمكــاتب صــغيرة (البيئــة النموذجيــة
للاختبــارات). وبعــد ذلــك، تســلم كــل مشــارك ورقــة تحتــوي علــى ســلسلة لعشــرين مصــفوفة مختلفــة (كمــا هــو فــي المثــال الموضـح فـي الصـحفة التاليـة) وقيـل لـهم إن
مهمتهم هي البحث في كل مصفوفة من هذه المصفوفات على رقمين مجموعهما 10 (نطلق على هذا التمرين اختبار المصفوفات، وسنشير إليه كثيرًا على مدار هذا
الكتاب). وكذلك أخبرناهم بأن أمامهم خمس دقائق لحل أكبر عدد ممكن من العشرين مصفوفة وأنهم سيحصلون على خمسين سنتًا عن كل إجابة صحيحة (يختلف المبلغ بناءً على التجربة). وبمجرد أن يقول الممتحن: "ابدأوا" يفتح المشاركون ورقة الإجابة ويشرعون في حل هذه المسائل الحسابية البسيطة بأسرع وقت
ممكن.

في الصفحة التالية نموذج لشكل ورقة المصفوفة، مع تكبير مصفوفة واحدة. هل يمكنك أن تجد بسرعة رقمين مجموعهما 10؟

شكل1: اختبار المصفوفات

?

 

بهذه الطريقة بدأ جميع المشاركين التجربة، ولكن ما حدث في نهاية الدقائق الخمس يختلف باختلاف ظروف معينة.

تخيــل أنــك فــي المجموعــة التــي تخضــع للمراقبــة، تسـرع بحـل أكبـر قـدر ممكـن مـن العشـرين مصـفوفة. وبعـد مـرور دقيقـة، قمـت بحـل واحـدة. وبعـد مـرور دقـيقتين
أخريين، تكون قد توصلت لحل ثلاث مصفوفات. وعند انتهاء الوقت المحدد، ستكون قد أكملت أربع مصفوفات. وستكون قد حصلت على دولارين. ستتوجه إلى
مكتب الممتحن وتسلم له إجاباتك. وبعد فحص إجاباتك، يبتسم الممتحن في استحسان. ويقول: "أجبت عن أربع"، ثم تحسب لك حصيلتك ويسلمها لك قائلًا:
"إليك المبلغ"، ثم تغادر المكان. (درجات المجموعة التي تخضع للمراقبة تعطينا فكرة عن المستوى الحقيقي للأداء بخصوص هذا الاختبار).

الآن، تخيــل أنــك فــي ظــروف أخــرى، وهــي أن تكــون ضـمن مجموعـة تمزيـق ورقـة الإجابـة، والتـي تتـاح لـك فيـها فرصـة الغـش. وهـذه المجموعـة تتشـابه مـع المجموعـة
الخاضعة للمراقبة باستثناء أنه بعد مرور الدقائق الخمس يخبرك الممتحن قائلًا: "الآن، بعد أن انتهيت من الإجابة، احسب عدد الإجابات الصحيحة، وضع ورقة
إجابتك في آلة تمزيق الورق في نهاية الغرفة، ثم تعال إلى مقدمة الغرفة وأخبرني كم عدد المصفوفات التي أجبت عنها إجابة صحيحة". لو أنك في هذه المجموعة،
ستحسب إجاباتك الصحيحة بأمانة، وتمزق الورقة، وتخبر الممتحن بأدائك، وتحصل على النقود، وتغادر المكان.

لو كنت مشاركًا بمجموعة تمزيق ورق الإجابة، فما الذي ستفعله؟ هل ستغش؟ وإن كنت ستفعل ذلك، فإلى أي مدى ستغش؟

مــن خــلال نتــائج كلتـا المجموعتـين، يمكننـا مقارنـة أداء المجموعـة الخاضـعة للمراقبـة؛ حـيث كـان الغـش بـها مسـتحيلًا، بـالأداء المبلـغ عنـه مـن مجموعـة تمزيـق ورق
الإجابة، حيث كان الغش بها ممكنًا. إن كانت الإجابات متشابهة، فسنستنتج أنه لم تقع حالات غش؛ ولكن إذا لاحظنا أن أداء الأفراد كان "أفضل" في مجموعة
تمزيق ورق الإجابة، فمن ثم يمكننا أن نستنتج أن المشاركين بالغوا في تقديرهم للأداء (غشوا) حين سنحت لهم الفرصة للتخلص من الأدلة. ودرجة غش هذه
المجموعة ستتمثل في اختلاف عدد المصفوفات التي يدعي المشاركون الإجابة عنها لتتخطى بكثير عدد المصفوفات التي أجاب عنها المشاركون في المجموعة الخاضعة
للمراقبة.

وربمــا لــيس مــن المســتغرب أن نجــد أن الكثــيرين يُزَوِّرُون درجاتــهم إذا مــا ســنحت لــهم الفرصــة. ففــي المجموعــة الخاضــعة للمراقبــة، حــل المشــاركون متوســط أربــع
مصفوفات من إجمالي عشرين مصفوفة. بينما حل المشاركون في المجموعة التي مزقت ورقة الإجابة متوسط ست مصفوفات؛ أي بزيادة مصفوفتين على المجموعة
الخاضعة للمراقبة. وهذه الزيادة لم تكن نتيجة أن عددًا قليلًا من الأشخاص ادعوا أنهم حلوا عددًا كبيرًا من المصفوفات، ولكن نتيجة أن عددًا كبيرًا من الأشخاص
زوروا قليلًا في عدد إجاباتهم الصحيحة.

هل المزيد من المال يقود إلى المزيد من الغش؟

بعــد إتمــام هــذه التجربــة عــن الغــش والخــداع بنجــاح، كنـت أنـا و"نينـا" و"أون" مسـتعدين للاسـتقصاء عـن القـوى التـي تحـث الآخـرين علـى الغـش أو تمنعـهم منـه.
يخبرنــا النمــوذج البســيط للجريمــة المدروســة بأنــه يجــب أن يزداد الغــش إذا مــا ســنحت للنـاس فرصـة للحصـول علـى المزيـد مـن المـال دون الإمسـاك بـهم أو تعرضـهم
لعقوبة. هذا يبدو بسيطًا وجذابًا من الناحية البديهية، ومن ثم قررنا أن نخضع هذا للاختبار في المرة التالية. أعددنا نسخة أخرى من تجربة المصفوفات، ولكن في هــــذه المــــرة اختلــــف المبلــغ الــذي ســيحصل عليــه المشــاركون عــن كــل إجابــة صــحيحة. فبعــض المشــاركين وعــدوا بالحصــول علــى خمســة وعشــرين ســنتًا عــن كــل إجابــة
صحيحة، في حين وعد آخرون بالحصول على خمسين سنتًا أو دولار واحد أو دولارين أو خمسة دولارات. وعند أعلى مستوى، وعدنا بعض المشاركين بالحصول
على عشرة دولارات عن كل إجابة صحيحة. خمن ما حدث! هل زادت حالات الغش مع زيادة المبلغ المعروض؟

قبل أن أفصح عن الإجابة، أريد أن أخبرك بتجربة ذات صلة في هذا الصدد. ففي هذه المرة، بدلًا من حل تمرين المصفوفات بأنفسهم، طلبنا من مجموعة أخرى أن
تخمن عدد الإجابات التي ستدعي المجموعة التي مزقت ورق الإجابة حلها بطريقة صحيحة عند كل مستوى من مستويات المكافأة المالية. وجاءت توقعاتهم بأن
ادعاءات الإجابة الصحيحة ستزداد مع زيادة المكافأة المالية المعروضة. في الحقيقة، كانت نظريتهم الحدسية مشابهة لفرضية النموذج البسيط للجريمة المدروسة.
ولكنهم كانوا مخطئين. بدا الأمر أنه حين نلقي نظرة على حجم الغش، كان المشاركون يضيفون متوسط درجتين، بغض النظر عن المكافأة المالية التي قد يحصلون
عليها عن كل إجابة صحيحة. في الواقع، كانت حالات الغش أقل قليلًا حين وعدنا المشاركين بأكبر مكافأة مالية وهي عشرة دولارات عن كل إجابة صحيحة.

لماذا لم يزدد مستوى الغش مع زيادة المكافأة المالية المعروضة؟ لماذا كانت حالات الغش أقل قليلًا عند مستوى أكبر مكافأة مالية معروضة؟ عدم التجاوب مع قدر
المكــافأة الماليــة المعروضــة يشــير إلــى أن الخــداع لــيس علــى الأرجـح نتـاج القيـام بتحليـل التكلفـة والفائـدة. لـو كـان الأمـر كـذلك، لأدت زيـادة الفائـدة (قـدر المكـافأة الماليـة
المعروضــة) إلــى المزيــد مــن الغــش. إذن لمــاذا كــان الغــش فــي أقــل مســتوياته عنــد زيــادة المكــافأة الماليــة لأعلــى مســتوياتها؟ أظــن أنــه حــين وصــلت المكــافأة الماليــة للإجابـة
الصحيحة إلى عشرة دولارات، ازدادت صعوبة الغش على المشاركين وهو ما جعلهم يشعرون بالارتياح تجاه إحساسهم بالنزاهة (سنتطرق إلى هذه النقطة فيما
بعد). فعند الحديث عن مكافأة مالية قدرها عشرة دولارات لكل إجابة صحيحة، فإننا لا نتحدث عن حادثة غش تعادل مثلًا سرقة قلم من المكتب، وإنما نتحدث
عن سرقة عدة صناديق من الأقلام والدباسة ورزمة ورق الطابعة، وهو أمر يصعب كثيرًا تجاهله أو تبريره.

لتمسك بلص

تلقي تجربتنا التالية نظرة عما قد يحدث إذا ما شعر المشاركون بوجود احتمال كبير بالإمساك بهم في أثناء الغش. في الواقع، أدخلنا على التجربة ما يعادل ذهنيًّا
كاميرا المراقبة.

طلبنا من مجموعة من المشاركين تمزيق نصف ورقة الإجابة؛ وهذا يعني أنهم إن كانوا مخادعين، فإننا قد نتوصل إلى بعض الأدلة على ذلك. وطلبنا من مجموعة
ثانية تمزيق ورق الإجابة بأكمله، وهذا يعني أن بإمكانهم الإفلات من العقوبة. في النهاية، طلبنا من مجموعة ثالثة أن يمزقوا ورق الإجابة بأكمله ويغادروا لجنة
الامتحان ويدفعوا لأنفسهم المكافأة المالية من صندوق كبير به أكثر من 100 دولار على هيئة عملات نقدية ومعدنية من فئة صغيرة. في هذه الحالة التي يمنح فيها
المشاركون أنفسهم المكافأة المالية، ليس بإمكان المشاركين أن يغشوا ويفلتوا من العقوبة وحسب، بل بإمكانهم أن يسرقوا مبلغًا كبيرًا من المال.

مرة أخرى طلبنا من مجموعة مختلفة أن تتوقع متوسط عدد الأسئلة التي سيدعي المشاركون الإجابة عنها بطريقة صحيحة في كل حالة من الحالات. مرة أخرى،
توقعوا أن النزعة البشرية للخداع والغش ستسير وفق النموذج البسيط للجريمة المدروسة وأن المشاركين سيدَّعون حل عدد أكبر من المصفوفات كلما قل احتمال
الإمساك بهم.

ما الذي وجدناه؟ مرة أخرى لقد غش كثيرون من الناس، ولكن بقدر أكبر قليلًا، وكان مستوى الغش مشابهًا في الحالات الثلاث جميعًا (في حالة تمزيق نصف
ورقة الإجابة، تمزيق ورقة الإجابة بأكملها، تمزيق ورقة الإجابة بأكملها ومنح أنفسهم المكافأة المالية).

الآن، لعلك تتساءل ماذا لو أن المشاركين في تجاربنا كانوا يعتقدون حقًّا أن بإمكانهم أن يغشوا دون أن يتم الإمساك بهم. لأوضح لك أن هذا ما كان واقعًا
بــالفعل، أجــريت أنــا و "راشــيلي بــاركان" (أســتاذ بإحــدى الجــامعات العريقــة)، و"إينــاف مــارحباناني" (طالبـة ماجسـتير تعمـل مـع راشـيلي) دراسـة أخـرى قـامت فيـها
"إيناف" وباحثة مساعدة أخرى، "تالي" بمراقبة الممتحنين. كانت "إيناف و"تالي" متشابهتين في عدة أشياء، باستثناء أن "إيناف" كانت ضريرة، وهو ما يعني أن
الغــش أســهل فــي حالــة إذا مــا راقبــت "إينــاف" الممتحنــين. وعنـدما حـان وقـت منـح المشـاركين المكـافأة الماليـة لأنفسـهم مـن النقـود المـوجودة علـى الطاولـة أمـام المراقبـة،
بحيث يمكن للمشاركين أن يأخذوا أكبر مبلغ من المال يريدونه ولن تتمكن "إيناف" من رؤيتهم يقومون بذلك.

إذن، هل خدعوا "إيناف" أكثر؟ لقد كانوا يأخذون مالًا أكثر قليلًا مما يستحقون، ولكن نسبة الغش كانت متساوية في حالة خضوعهم للمراقبة من قبل "تالي"
و"إيناف" على حد سواء.

تشير هذه النتائج إلى أن احتمال الإمساك بالمشاركين في حالة تلبس بالغش ليس له تأثير جوهري على نسبة الغش. بالطبع، أنا لا أزعم أن المشاركين لم يتأثروا
على الإطلاق باحتمالية الإمساك بهم؛ فعلى أية حال لن يفكر أحد في سرقة سيارة في أثناء تواجد شرطي بالقرب منها، ولكن النتائج أظهرت أن احتمال الإمساك
بالتلبس ليس له تأثير كبير كما كنا نظن، ولم يلعب دورًا في تجاربنا بالتأكيد.

ولعلك تتساءل ما إذا كان المشاركون في تجاربنا يستندون إلى المنطق التالي: "إذا ما غششت في بضعة أسئلة، فلن يشك بي أحد. ولكن إذا ما غششت في كمية
كبيرة من الأسئلة، فهذا قد يثير الشكوك، وقد أتعرض للمساءلة بخصوص هذا الأمر".

لقد اختبرنا هذه الفكرة في تجربتنا التالية. في هذه المرة، أخبرنا نصف المشاركين بأن الطالب العادي يحل أربع مصفوفات في هذه التجربة (وهو ما كان حقيقيًّا).
وأخبرنــا النصــف الآخــر بــأن الطــالب العــادي يحــل ثمــاني مصــفوفات. لمــاذا فعلنــا هــذا؟ لأنــه إذا كــان مسـتوى الغـش معتمـدًا علـى الرغبـة فـي تجنـب لفـت الأنظـار، إذن
فسيغش مشاركونا في كلتا الحالتين بواقع بضع مصفوفات زيادة على ما يعتقدون أنه متوسط الأداء (بمعنى أنهم سيدعون حل ست مصفوفات في حين أنهم
يعتقدون أن المتوسط هو أربع مصفوفات وسيدعون حل عشر مصفوفات في حين أنهم يعتقدون أن المتوسط هو ثماني مصفوفات).

إذن، كيف تصرف مشاركونا حين توقعوا أن يحل الآخرون المزيد من المصفوفات؟ لم يتأثروا بهذه المعرفة ولو بقدر طفيف. لقد غشوا في إجابتهم بمقدار مصفوفتين
زيــادة (قــاموا بحــل أربــع مصــفوفات وأبلغـوا بأنـهم حلـوا سـت مصـفوفات) بغـض النظـر عمـا إذا كـانوا يعتقـدون أن الآخـرين حلـوا متوسـط أربـع مصـفوفات أو ثمـاني
مصفوفات.

توحي هذه التجربة بأن الغش لا تستثيره مخاوف لفت الأنظار، بل تبين هذه التجربة أن إحساسنا بأخلاقياتنا مرتبط بكمية الغش التي نشعر حيالها بالارتياح. في
الواقع، إننا نغش للحد الذي يسمح لنا بالحفاظ على صورة الذات باعتبارنا أمناء إلى حد معقول.

إلى أرض الواقع

استنادًا إلى هذا الدليل المبدئي ضد النموذج البسيط للجريمة المدروسة، قررت أنا و"راشيلي" أن نخرج من المعمل ونغامر بالانخراط في مكان اجتماعي أكثر. أردنا
اختبار مواقف معتادة قد يواجهها المرء في أي يوم. كنا نريد أن نختبر "أناسًا حقيقيين" وليس مجرد طلاب (برغم أنني اكتشفت أن الطلاب لا يروقهم أن تخبرهم
بأنهم ليسوا أشخاصًا حقيقيين). حتى هذه اللحظة كان هناك عنصر مفقود في نموذج تجربتنا ألا وهو إتاحة الفرصة للناس للتصرف بإيجابية وإحسان. في تجاربنا
المعملية، أفضل ما يمكن لمشاركينا أن يفعلوه هو عدم الغش. ولكن في الكثير من مواقف الحياة الواقعية، يمكن للأشخاص أن يستعرضوا سلوكيات ليست فقط
حيادية ولكنها تبدي الخير والإحسان. ومع وضع هذا الفارق الدقيق في الاعتبار، بحثنا عن المواقف التي ستجعلنا نختبر كلا من الجانب الإيجابي والجانب السلبي
من الطبيعة البشرية.

تخيل سوقًا في مكان مفتوح يمتد بطول الشارع. سوق في قلب مدينة بإحدى الدول. كان يومًا حارًّا ومئات الباعة قد وضعوا بضاعتهم أمام المتاجر الموجودة على
جانبي الشارع. يمكنك أن تشم رائحة الأعشاب الطازجة والمخلل اللاذع، والخبز الطازج والفراولة اليانعة وعيناك تطوفان بين أطباق الزيتون والجبن. وتسمع من
حولك صياح الباعة يثنون على بضاعتهم قائلين: " اليوم فقط! "، " حلو! "، " رخيص! ".

دخلت "إيناف" و"تالي" السوق وأخذتا اتجاهين مختلفين، كانت "إيناف" الضريرة تستخدم عصا بيضاء للتجول في السوق. اقتربت كل منهما من باعة الخضراوات
وطلبتا من بائعين أن ينتقيا اثنتين من الطماطم بينما تذهب كل منهما لشراء شيء آخر. وبمجرد أن أعربا عن طلبهما، تركتا البائعين لمدة عشر دقائق، وعادتا
لتأخــــذا الطمــاطم ودفعتــا الثمــن وغــادرتا المكــان. وأخــذتا الطمــاطم إلــى بــائع آخــر فــي أقصــى نــهاية الســوق وافــق علــى أن يحكــم علــى جــودة الطمــاطم التــي باعــها كــلا
البائعين. وبمقارنة جودة الطماطم التي بيعت لـ "إيناف" و"تالي"، استطعنا أن نكتشف أيهما حصلت على منتج أفضل وأيهما حصلت على منتج سيئ.

هل حظيت "إيناف" بصفقة فاشلة؟ ضع في اعتبارك من وجهة نظر عقلانية تمامًا، ربما من المنطقي بالنسبة للبائع أن ينتقي لها أسوأ ثمار الطماطم. وعلى أية
حــال، لــيس بإمكانــها أن تســتفيد بجودتــها الجماليــة. ربمـا يجـادل عـالم اقتصـاد تقليـدي مـن جامعـة شـيكاغو مثـلًا أنـه فـي مسـعى لزيـادة رفاهيـة اجتماعيـة للجمـيع
(البائع، و"إيناف"، والزبائن)، ينبغي على البائع أن يبيع لها أسوأ ثمار الطماطم، محتفظًا بالثمار الجيدة للأشخاص الذين بإمكانهم الاستمتاع بهذا الجانب من الطماطم. وكما ثبت في النهاية، لم تكن ثمار الطماطم المنتقاة لـ "إيناف" سيئة على المستوى البصري، في الواقع، كانت أفضل من تلك الثمار المنتقاة لـ "تالي". لقد
بذل البائعان قصارى جهدهما لخدمة الآخرين، وهذا على حساب مصلحة أعمالهما، من أجل اختيار منتج ذي جودة أعلى لزبونة ضريرة.

وبــهذه النتــائج الباعثــة علــى التفــاؤل، توجــهنا إلــى أصــحاب مــهنة أخــرى كثــيرًا مــا يُنظــر إليــهم بقــدر كبـير مـن الريبـة وهـم: سـائقو سـيارات الأجـرة. فـي عـالم السـيارات
الأجرة، هناك اتجاه شائع بين هؤلاء السائقين يُطلق عليه "لفة طويلة"، وهو مصطلح رسمي لعملية أخذ الركاب الذين لا يعرفون طريقهم في جولة طويلة حول
وجهتهم، وهو ما يضيف بالضرورة لأجرة السائق. على سبيل المثال، دراسة أجريت على سائقي السيارات الأجرة في مدينة لاس فيجاس وجدت أن بعض السائقين
يأخذون أجرة قدرها 92 دولارًا - وهي أجرة رحلة طولها ميلان من مطار ماكاران الدولي حتى منطقة ستريب الشهيرة بالفنادق عبر نفق إنترستايت 215. 1

وبوضع سمعة سائقي السيارات الأجرة في الاعتبار، على المرء أن يتساءل ما إذا كانوا يقومون بالغش بصورة عامة أم أنهم يميلون أكثر لغش من لا يستطيعون
كشف غشهم. في تجربتنا التالية، طلبنا من "إيناف" و"تالي" أن تأخذا سيارة أجرة ذهابًا وإيابًا بين محطة القطار وجامعة في إحدى الدول عشرين مرة. فيما يلي
طريقة تعامل سائقي الأجرة مع هذا الموقف: إذا طُلِبَ من السائق أن يشغل عداد السيارة، تكون الأجرة حوالي سبعة دولارات. ومع ذلك، هناك أجرة ثابتة تبلغ
حوالي 5.50 دولار، إن لم يتم تشغيل عداد السيارة. في تجربتنا، كل من "إيناف" و"تالي" طلبتا دومًا تشغيل العداد. وأحيانًا كان السائقون يخبرون الركاب "غير
المحترفين" بأن الأرخص لهم عدم تشغيل العداد، ومع ذلك، أصرت كلتاهما على تشغيل العداد. وفي نهاية الجولة، سألت "إيناف" و"تالي" عن الأجرة، ودفعتا
الأجرة وغادرتا السيارتين، وانتظرتا لبضع دقائق قبل أخذ سيارة أخرى للعودة إلى المكان الذي تركتاه توًّا.

وبمقارنة الأتعاب، وجدنا أن "إيناف" دفعت مبلغًا أقل من "تالي"، برغم أن الاثنتين أصرتا على دفع الأجرة وفقًا لقراءة العداد. كيف كان ذلك؟ هناك احتمال يفيد
بأن السائق أخذ "إيناف" في طريق أقصر مسافة وأقل أجرة، في حين أُخذت "تالي" في طريق أطول. إن كان هذا هو الوضع، فربما يعني هذا أن السائقين لم يغشوا
"إيناف" ولكنهم غشوا "تالي" بعض الشيء. ولكن لـ"إيناف" وجهة نظر أخرى للنتائج. أخبرتنا قائلة: "سمعت السائقين يشغلون العداد حين طلبت منهم ذلك،
ولكن بعد أن وصلت إلى وجهتي الأخيرة، وجدت كثيرين منهم يغلق العداد بحيث وصلت الأجرة إلى حوالي 5.50 دولار". قالت "تالي": "وهذا بالتأكيد لم يحدث
لي. لم يشغلوا العداد قط وانتهى بي الأمر أنني أدفع دومًا أجرة تبلغ 7 دولارات".

هناك جانبان مهمان بالنسبة لهذه النتائج. أولًا، من الواضح أن سائقي السيارات الأجرة لم يجروا تحليل التكلفة والفائدة من أجل زيادة إيراداتهم. لو أنهم فعلوا
ذلك، لكانوا قد خدعوا "إيناف" أكثر وأخبروها بأن أجرة قراءة العداد أعلى من القراءة الحقيقية من خلال أخذ طريق أطول حول المدينة. ثانيًا، السائقون قاموا بما
هو أفضل من الغش بكل بساطة، لقد أخذوا في الاعتبار مصلحة "إيناف" وضحُّوا بجزء من دخلهم لتحقيق الفائدة لها.

عامل التصحيح

من الواضح أن هناك ما هو أكثر مما يعتقد فيه "بيكر" وعلم الاقتصاد النموذجي. بالنسبة للمبتدئين، تشير نتيجة تجاربنا - التي خلصنا فيها إلى عدم تأثر مستوى
الغش بمبلغ المال الذي نحصل عليه (مهما زادت هذه المبالغ) - إلى أن الغش ليس نتاجًا لتحليل تكاليف الغش وفوائده. بالإضافة إلى ذلك، فإن النتائج - المشيرة
إلى أن مستوى الغش لم يتأثر باحتمال الإمساك بالتلبس - تقلل من احتمالية ربط الغش بتحليل التكلفة والفائدة. في النهاية، توحي حقيقة أن الكثيرين يغشون
قليلًا حين تسنح لهم الفرصة بأن القوى المتحكمة في الغش أكثر تعقيدًا (ومثيرة أكثر للاهتمام) من تلك القوى التي يتكهن بها النموذج البسيط للجريمة المدروسة.

ما الذي يحدث في هذا المقام؟ أود أن أشير إلى نظرية مفادها أننا سنقضي معظم هذا الكتاب في التجربة. بإيجاز، تتمثل الأطروحة الأساسية في أن سلوكنا مدفوع
بحافزين متناقضين. فعلى الصعيد الأول، نريد أن نعتبر أنفسنا أشخاصًا محترمين وصادقين ونريد أن ننظر إلى أنفسنا في المرآة ونشعر بالرضا عن أنفسنا (يطلق
علماء النفس على هذا الحافز الذاتي). وعلى الصعيد الآخر، نريد أن نستفيد من الغش ونحصل على أكبر مبلغ ممكن من المال (وهذا هو الحافز المالي النموذجي).
ومن الواضح أن هذين الحافزين متناقضان. كيف يمكننا تأمين فوائد الغش وفي الوقت نفسه نعتبر أنفسنا أمناء ورائعين؟

في هذا المقام، تُعد المرونة المعرفية عاملًا مهمًّا. والفضل يعود إلى هذه المهارة البشرية، فطالما أننا نغش قليلًا، يمكننا أن نرى أنفسنا أشخاصًا رائعين. هذا التصرف
المتوازن هو عملية تسوية منطقية، وهي أساس ما نطلق عليه "نظرية عامل التصحيح".

ولفــهم أفضــل لنظريــة عــامل التصــحيح، فكـر فـي آخـر مـرة حسـبت فيـها إقـرارك الضـريبي. كـيف تقبلـت القـرارات المبـهمة والملتبسـة التـي أخـذتها؟ هـل مـن القـانوني أن
تحذف الجزء الخاص بتصليح سيارتك باعتباره مصاريف خاصة بالعمل؟ إن كان الأمر كذلك، فما المبلغ الذي ستشعر بالراحة إذا حصلت عليه؟ وماذا لو كانت
لديك سيارة ثانية؟ أنا لا أتحدث عن تبرير قراراتك الخاصة بـ مصلحة الضرائب الأمريكية، ولكني أتحدث عن الطريقة التي نستطيع بها تبرير الخصومات الضريبية
المبالغ فيها.

أو دعنــا نفتــرض أنــك تــذهب إلـى مطعـم مـع الأصـدقاء ويطلبـون منـك شـرح مشـروع كنـت تنفـق الكثـير مـن المـال عليـه مؤخـرًا. وبعـد أن تنتـهي مـن ذلـك، هـل تحسـب
الغداء ضمن المصاريف الخاصة بالعمل؟ لن تفعل على الأرجح. ولكن ماذا لو جاءت نزهة الغداء في أثناء رحلة عمل أو ماذا لو كنت تأمل أن يصير أحد المرافقين
لك على الغداء عميلًا لشركتك في المستقبل القريب؟ إذا كنت تحصل على بدلات من هذا النوع، فأنت تتحايل على الحدود المرنة لأخلاقياتك. باختصار، أؤمن بأننا
جمــيعًا نحــاول تحـديد الخـط الفاصـل بـين اسـتفادتنا مـن الخـداع والغـش والضـرر الـذي يُلحـق بصـورتنا عـن أنفسـنا. وكمـا كتـب "أوسـكار وايلـد": "الأخلاقيـات - مثـل
الفنون - تعني أنك ترسم خطًّا فاصلًا في مكان ما". السؤال هو: أين الخط الفاصل؟

أعتقد أن "جيروم كيه. جيروم" عبر عن هذا الأمر بطريقة صحيحة في رواية له بعنوان: Three Men in a Boat to Say Nothing of the Dog ، التي فيها
يخبرنا بقصة عن أكثر الموضوعات التي تشتهر بكثرة الكذب فيها؛ ألا وهي الصيد. إليك ما كتبه:

كنت أعرف شابًّا، كان ذا ضمير حي، حين عمل في مهنة الصيد بالصنارة، قرر ألا يبالغ في صيده بأكثر من 25%.

قال: "عندما اصطدت أربعين سمكة، كنت أخبر الناس بأنني اصطدت خمسين سمكة، وهكذا. ولكني لن أزيد في كذبي عن ذلك لأن الكذب إثم".

على الرغم من أن الناس لا يحددون بوعي النسبة المقبولة لكذبهم مثلما فعل هذا الشاب، وهذا الأسلوب يبدو دقيقًا جدًّا، لكل منا حدود يلتزمها عند الغش لأنه
إذا تخطاها يصير الأمر إثمًا بينًا.

سنحاول لفت الانتباه إلى الآليات الداخلية لعامل التصحيح - التوازن الدقيق بين الرغبات المتناقضة للحفاظ على صورة الذات وفائدة ممارسة الغش.

4 من قرأ كتاب توقع لا عقلاني ربما يكون على معرفة ببعض المواد العلمية المقدمة في هذا الفصل والفصل الثاني.
الفصل 2

التلاعب بعامل التصحيح

إليك طرفة صغيرة:

عــاد "جــيمي", البــالغ مــن العمــر ثمانيــة أعــوام, مــن المدرســة ومعــه رســالة مــن معلمتــه مكتــوب فيــها: "جــيمي سـرق القلـم الرصـاص مـن التلميـذ الجـالس بجـواره".
استشاط والد "جيمي" غضبًا وأخذ يحاضر "جيمي" بمحاضرة طويلة عبَّر فيها عن مدى انزعاجه وإحباطه، وعاقب الصبي بالحبس لمدة أسبوعين, ثم قال للصبي
منذرًا بالسوء: "انتظر حتى تعود والدتك إلى المنزل!" وفي النهاية، اختتم بقوله: "وعلى أية حال، يا جيمي، إن كنت بحاجة إلى قلم رصاص، فلماذا لم تقل شيئًا؟
لماذا لم تطلبه مني بكل بساطة؟ أنت تعرف جيدًا أن بإمكاني أن أحضر دستة أقلام رصاص من العمل".

إذا رسمت هذه الطرفة ابتسامة على وجوهنا، فهذا بسبب أننا ندرك مدى تعقيد الغش والخداع المتأصل في النفس البشرية. إننا ندرك أن الصبي الذي يسرق من
زميله القلم الرصاص يستحق العقاب بالحبس، ولكننا على استعداد لأخذ الأقلام الرصاص من العمل بدون أدنى تفكير.

بالنسبة لي أنا و"تينا" و"أون"، تشير هذه الطرفة الصغيرة إلى أن أنواع أنشطة معينة يمكن أن تتسبب في انحلال معاييرنا الأخلاقية بسهولة أكبر. وربما نظن أننا
إن زدنا المسافة النفسية بين التصرف المخادع وتداعياته، فسيزداد عامل التصحيح وستزداد نسبة غش مشاركينا. بالتأكيد، تشجيع الناس على المزيد من الغش
لــــيس بشـــيء نريــد تــعزيزه بصــفة عامــة. وبــهدف دراســة وفــهم الغــش، نريــد أن نــرى نوعيــة المــواقف والتــدخلات التــي قــد تتســبب فــي انحــلال المعــايير الأخلاقيــة لــدى
الآخرين.

ولاختبــار هــذه الفكــرة، أجرينــا أولًا تجربــة مماثلــة لطرفــة القلــم الرصــاص داخــل الجامعــة: ذات يــوم، تســللت إلــى الســكن الجــامعي داخــل معــهد ماســاتشوستس
للتكنولوجيا وقمت بوضع واحد من اثنين من المغريات داخل عدة ثلاجات السكن الجامعي المشتركة. في نصف عدد الثلاجات، وضعت ست علب كوكاكولا، وفي
الثلاجات الأخرى، وضعت طبقًا ورقيًّا به ست عملات ورقية من فئة الدولار الواحد. وكنت أتردد من وقت لآخر على الثلاجات لأراقب علب الكوكاكولا والعملات
الورقية، لأقيس ما نطلق عليه, باستخدام المصطلحات العلمية, فترة عمر النصف لكل من الكوكاكولا والعملات الورقية.

وكما يستطيع أي شخص عاش في السكن الجامعي أن يخمن، خلال اثنتين وسبعين ساعة نفدت علب الكوكاكولا كلها، ولكن المثير للدهشة أن ما من أحد اقترب
من العملات الورقية. كان بإمكان الطلاب أخذ العملات الورقية، والذهاب إلى ماكينة قريبة لبيع الكوكاكولا والحصول على علبة وباقي النقود، ولكن لم يفعل
أحد هذا.

يجب أن أعترف بأن هذه ليست تجربة علمية رائعة؛ لأن الطلاب يرون كثيرًا علب الكوكاكولا في الثلاجات، ولكن ليس من المعتاد أن يروا طبقًا به بضع عملات
نقدية. ولكن هذه التجربة الصغيرة تشير إلى أن البشر على استعداد لسرقة شيء ليست له قيمة مالية واضحة؛ أقصد أي شيء باستثناء العملات النقدية. ومع
ذلك، فإننا نتجنب سرقة المال مباشرة لدرجة قد تجعل أتقى رجال الدين فخورين بما يعظون به. وعلى نحو مماثل، ربما نأخذ بعض الورق من العمل لنضعه في
الطابعة الموجودة في المنزل، ولكن من المستبعد تمامًا أن نأخذ 3.50 دولار من صندوق النقدية، حتى لو كنا سنأخذ المال وسنشتري ورقًا للطابعة الموجودة في المنزل.

ومن أجل قياس المسافة الفاصلة بين المال ومدى تأثيره على الغش والخداع بطريقة محكمة أكثر، أجرينا تجربة مماثلة لتجربة المصفوفة، في هذه المرة اشتملت
التجربة على مجموعة كان بإمكانها أن تغش في غياب المقابل المالي المباشر. كما هي الحال في تجربتنا السابقة، كانت لدى المشاركين في تلك المجموعة فرصة الغش
بتمزيق ورق الإجابة والكذب بشأن عدد المصفوفات التي قاموا بحلها بطريقة صحيحة. حين انتهى المشاركون من المهمة، مزقوا ورق إجاباتهم وتوجهوا إلى الممتحن
وقالوا له: "حللت س 5 من المصفوفات، من فضلك أعطني س من الدولارات".

كــان عنصــر الابتكــار فــي هــذه التجربــة هــو تلقــي "عملــة رمزيــة". كــانت المجموعــة المتلقيــة للعملــة الرمزيــة مشـابهة للمجموعـة التـي مزقـت ورق الإجابـة، باسـتثناء أن
المشاركين في تلك المجموعة يتلقون عملات بلاستيكية بدلًا من الدولارات. وبمجرد أن تنتهي تلك المجموعة من تمزيق ورق الإجابة، يتوجهون إلى الممتحن ويقولون:
"أجبت ع ن س من المصفوفات، من فضلك أعطني س من العملات البلاستيكية". وبمجرد أن يتلقوا العملات البلاستيكية يتوجهون إلى طاولة قريبة ويسلمون
العملات البلاستيكية ليحصلوا على عملات نقدية.

واتضــــح أن الأشــــخاص الــــذين كــــذبوا ليحصــــلوا علــى العمــلات البلاســتيكية تضــاعف المبلــغ النقــدي الحقــيقي الــذي حصــلوا عليــه بعــد بضــع ثــوان مقارنــة بمــن غشــوا
ليحصلوا على المال مباشرة. يجب أن أعترف بأنه على الرغم من أنني شككت في زيادة نسبة الغش من جانب المشاركين في مجموعة العملات البلاستيكية، فإنني
دُهشت من زيادة نسبة الغش طالما أنها في معزل عن المكسب المالي المباشر. وكما اتضح لنا أن الناس أكثر عرضة للخداع والغش في وجود أشياء غير مالية - مثل
الأقلام الرصاص أو العملات البلاستيكية - مقارنة بنسبة الغش في حالة وجود أموال حقيقية.

واستنادًا إلى الأبحاث التي أجريتها على مدار السنوات، كانت أكثر فكرة تقلقني أنه كلما قل تواجد العملات النقدية في مجتمعنا، زاد الانفلات الأخلاقي. إذا كانت
نسبة الغش تزداد في غياب المقابل المالي المباشر إلى درجة كبيرة، فقط تخيل ما الذي يمكن أن يحدث إذا ما اختفت العملات النقدية من المجتمع. هل سرقة رقم
بطاقة الائتمان أقل صعوبة من الناحية الأخلاقية مقارنة بسرقة العملات النقدية من محفظة شخص معين؟ بالطبع، الأموال الرقمية (مثل بطاقات الائتمان) لها
الكثير من المميزات، ولكنها قد تجعلنا نغفل عن حقيقة تصرفاتنا إلى حد ما. إذا كان غياب المقابل المالي المباشر يحرر الناس من القيود الأخلاقية، فماذا سيحدث
مــع تزايــد حجــم المعــاملات المصــرفية علــى شــبكة الإنتــرنت؟ مــا الــذي ســيحدث لأخلاقيـاتنا الفرديـة والاجتماعيـة إذا مـا صـارت المنتجـات الماليـة أكثـر إبـهامًا وأقـل تمـييزًا
بالنسبة للعملات النقدية (فكر في خيارات الأسهم، والعقود الاشتقاقية، ومبادلة مخاطر الائتمان)؟

بعض الشركات تعرف هذا بالفعل!

بصفتنا علماء، أولينا اهتمامًا كبيرًا بتوثيق وقياس واختبار تأثير غياب المقابل المالي المباشر. ولكن ظننت أن بعض الشركات تفهم هذا المبدأ بشكل بديهي ويستغلونه
لمصلحتهم. على سبيل المثال، فكر في هذا الخطاب الذي تلقيته من مستشار شاب:

عزيزي الدكتور "آريلي"،

لقد تخرجت قبل بضع سنوات وحصلت على ليسانس اقتصاد من جامعة مرموقة وأعمل بمكتب استشارات اقتصادية يقدم خدماته لمكاتب المحاماة.

السبب الذي جعلني أقرر التواصل معك هو أنني ألاحظ وأشارك في ظاهرة موثقة جيدًا عن مبالغة المستشارين الاقتصاديين في عدد ساعات العمل مدفوعة الأجر
من قبل العملاء. لتجنب تجميل الحقائق، علينا أن نطلق على هذا غشًّا. بداية من كبار الموظفين وصولًا إلى أقل المحللين، البنية المحفزة للمستشارين تشجع على
الغش، بمعنى أنه لا يوجد من يتحقق من عدد ساعات العمل المخصصة لمهمة معينة، و ليست هناك دلائل إرشادية لما هو مقبول، وإذا ما قلت ساعات العمل
مدفوعة الأجر إلى أدنى مستوياتها بين المحللين الزملاء، فمن المرجح أكثر أن يتم فصلنا من العمل. وهذه العوامل تخلق بيئة مثالية لحالات الغش الطاغية.

ويأخذ المحامون نسبة كبيرة عن كل ساعة من ساعات العمل مدفوعة الأجر، ومن ثم فإنهم لا يهتمون بما إذا استغرقنا وقتً ا أطول لإنجاز مشروع. وبالرغم من
أن المحامين لديهم بعض المحفزات التي تجعلهم يخفضون التكاليف تفاديًا لغضب العملاء، فإن الكثير من التحليلات التي نقوم بها يصعب تقييمها. والمحامون
يعرفون ذلك ويبدو أنهم يستخدمون ذلك لصالحهم. في الواقع، إننا نغش نيابة عنهم؛ ومن ثم فإننا نحافظ على وظائفنا وهم يحصلون على المكسب الإضافي.

إليك بعض الأمثلة المحددة لكيفية حدوث الغش في شركتنا:


- • اقترب موعد نهائي لتسليم العمل وكنا نعمل لساعات طويلة جدًّا. ولم تمثل الميزانية مشكلة, وعندما سألت عن المبلغ الذي ينبغي أن أطلبه كأجر على يوم
العمل، طلب مني مديري ( مدير مشروعات من الإدارة الوسطى) أن أحسب إجمالي الساعات التي قضيتها في المكتب وأطرح منها ساعتين، واحدة لتناول الغداء
وواحدة لتناول العشاء. قلت له إنني آخذ ساعات أخرى للاستراحة في أثناء تحميل البرامج الخاصة بي، فرد قائلًا إنه يمكن أن يحسب هذا استراحة ذهنية مفيدة
ستعزز مستوى أعلى من الإنتاجية فيما بعد.
- • صديق لي بالمكتب يرفض بشدة المبالغة في الأجور المحصلة من العملاء وبالتالي بلغت نسبته الإجمالية للأجور المحصلة 20 % أقل من المتوسط. أنا معجب
بأمانته، ولكن عندما حان الوقت للاستغناء عن الموظفين، كان هو أول من فُ صل من العمل. ما الدرس المستفاد الذي يتعلمه باقي الموظفين من هذا؟
- • هناك شخص يحسب أجره على فحص رسائل البريد الإلكتروني الخاص بالمشروع كل ساعة، سواء أتلقى مهمة لينجزها أم لا. إنه يقول إنه بهذه الطريقة "تحت الطلب" على الدوام.
- • هناك موظف آخر يعمل من المنزل ويبدو أنه يطلب أجرً ا عاليًا كثيرًا، ولكنه حين يكون في المكتب لا يبدو أن لديه عملًا يقوم به.

وهــذا النــوع مــن الأمثلــة لا ينتـهي. لا شـك أننـي أشـتكي مـن هـذا السـلوك، ولكـن ملاحظـة هـذا السـلوك بوضـوح بـالغ تجعلنـي أرغـب فـي حـل المشـكلات. هـل لـديك أيـة
نصيحة؟ ما الذي ستفعله لو كنت في موقفي؟

تفضلوا بقبول فائق الاحترام،

"جونا"

للأسف الشديد فإن المشكلات التي يلاحظها "جونا" هي مشكلات مألوفة، وهي نتيجة مباشرة للطريقة التي نفكر بها في أخلاقياتنا. إليك طريقة أخرى لنفكر بها في
هــذا الأمــر: فــي صــباح أحــد الأيــام اكتشــفت أن أحــدهم كســر نافــذة ســيارتي وســرق هــاتفًا محمــولًا لتحــديد المــواقع GPS . بالتأكيــد كنــت منزعــجًا للغايــة، ولكــن هــذه
الجريمة لها تأثير ضئيل جدًّا فيما يخص الأثر الاقتصادي على مستقبلي المالي. على الجانب الآخر، فكر في المبالغ التي يتقاضاها مني (ومنا جميعًا) المحامون ومديرو
صناديق الاستثمار التعاوني، وممثلو الائتمان وغيرهم على الأرجح على مدار السنوات من خلال المبالغة قليلًا في الأتعاب، ليضيفوا أتعابًا سرية وهكذا. فكل تصرف
مــن هــذه التصــرفات فــي حــد ذاتــه ليســت لــه أهميــة بالغــة مــن الناحيــة الماليــة، ولكــن إجمــالي المبلــغ الــذي تسـتقطعه كـل هـذه التصـرفات يتخطـى ثمـن بضـعة أجـهزة
لتحديد المواقع. في الوقت نفسه، أشك أن هؤلاء الآثمين من المتخصصين في الوظائف المهنية يظنون أنفسهم أصحاب أخلاق عالية - على عكس الشخص الذي سرق
جهاز تحديد المواقع الخاص بي - لأن أفعالهم هذه صغيرة نسبيًّا, والأهم من ذلك أنها بعيدة كل البعد عن السرقة المباشرة من جيبي.

هناك أخبار سارة تفيد بأننا بمجرد أن نفهم إلى أي مدى تزداد نسبة الغش والخداع طالما أننا في معزل عن المكسب المالي المباشر، يمكننا أن نحاول توضيح حلقة
الوصل بين تصرفاتنا والأشخاص المتأثرين بها. وفي الوقت نفسه، يمكننا أن نقلل المسافة الفاصلة بين تصرفاتنا والأموال محل الشك. وباتخاذ مثل تلك الخطوات،
يمكننا أن نصير أكثر وعيًا بالتداعيات الخاصة بتصرفاتنا، وبهذا الوعي تزداد أمانتنا.

?

كيف تقلل من مستوى الغش لدى الآخرين

الآن وبعد أن رأينا آلية عمل عامل التصحيح وكيف يتضاعف، خطوتنا التالية هي أننا أردنا أن نرى ما إذا كان بإمكاننا تقليل عامل التصحيح وتقليل مستوى الغش
لدى الآخرين. وهذه الفكرة أيضًا مدعومة بطرفة صغيرة:

ذات يوم ذهب رجل يبدو عليه الانزعاج ليقابل رجل دين وقال له: "سيدي، لن تصدق ما حدث لي! الأسبوع الماضي، سرق أحدهم دراجتي من أمام دار العبادة!".

انزعج رجل الدين بشدة من هذا، ولكن بعد التفكير لدقيقة، عرض حلاًّ وقال: "في الأسبوع التالي، احضر الدرس الديني، واجلس في الصف الأمامي، وحين أبدأ في
الموعظة التفت وانظر حولك. وحين أصل إلى قولي "لا تسرق"، ابحث عمن لا يستطيع أن ينظر إليك مباشرة وسيكون هذا الشخص هو السارق".

في الدرس الديني التالي، كان رجل الدين فضوليًّا للغاية ليعرف ما إذا كانت نصيحته قد آتت ثمارها أم لا. انتظر الرجل عند باب دار العبادة وسأله: "إذن، هل
أفلحت النصيحة معك؟".

أجابه الرجل: "كالسحر. فحين وصلت إلى قولك "لا تَزْنِ"، تذكرت أين تركت دراجتي".

ما توحي به هذه الطرفة الصغيرة أن نظرتنا تجاه سلوكياتنا قد تتأثر بمدى تذكرنا ووعينا بالأخلاقيات القويمة (مثل التعاليم الدينية).

لقــد أجــريت أنــا و"نينــا" و"أون" تجربــة فــي جامعــة كــاليفورنيا، بمــدينة لــوس أنجلــوس، مســتوحاة مــن الــدرس المســتفاد مــن هــذه الطرفــة. قسـمنا 450 مشـاركًا إلـى
مجموعتين, ثم طلبنا من نصفهم أن يستحضروا التعاليم الدينية, ثم أغريناهم بالغش في تجربة المصفوفات الخاصة بنا, وطلبنا من النصف الآخر أن يستحضروا
عشرة كتب قرأوها في المرحلة الثانوية قبل أن نخضعهم لتجربة المصفوفات ونوفر لهم فرصة الغش. لاحظنا، في المجموعة التي استحضرت عشرة كتب، انتشار
الغش ولكن إلى حد معتدل. وعلى الجانب الآخر، في المجموعة التي طلبنا منها استحضار التعاليم الدينية، لم نلاحظ أية حالات غش على الإطلاق. وهذا برغم
حقيقة أنه لم يستطع أحد استحضار كل التعاليم الدينية المرتبطة بموضوع الغش.

كانت هذه النتيجة مثيرة للاهتمام جدًّا؛ حيث بدا أن مجرد محاولة استحضار المعايير الأخلاقية كان كافيًا لتحسين السلوك الأخلاقي. في محاولة أخرى لاختبار هذا
التــأثير، طلبنــا مــن مجموعــة مــن الأفــراد غــير الملتزمــين علــنًا أن يقســموا باللــه, ثــم وفرنـا لـهم فرصـة الغـش للحصـول علـى المزيـد مـن المكـافآت الماليـة نظـير حـل اختبـار
المصفوفات. ما الذي فعله هؤلاء الأفراد؟ لم يحيدوا عن الصراط المستقيم.

تشير هذه التجارب ذات التذكرة الأخلاقية إلى أن استعدادنا ونزعتنا للغش يمكن أن تختفي إذا ما تم تذكيرنا بالمعايير الأخلاقية. ومن ثم، بدأنا نفكر في طرق عامة
وعملية ومدنية أكثر لتقليص عامل التصحيح، وهو ما يقودنا إلى اختبار القواعد الأخلاقية التي تستعين بها العديد من الجامعات بالفعل.
?

لاكتشاف ما إذا كانت القواعد الأخلاقية تؤتي ثمارها، طلبنا من مجموعة طلاب معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة ييل التوقيع على وثيقة القواعد قبل أن
نعطي لنصف المجموعة فرصة الغش في اختبار المصفوفات. كانت وثيقة القواعد مكتوبًا فيها: "أدرك أن هذه التجربة تخضع للخطوط الإرشادية للقواعد الأخلاقية
الخاصة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا/جامعة ييل". قام الطلاب الذين لم يوقعوا على الوثيقة بالغش قليلًا، ولكن الطلاب الموقِّعين على هذه الوثيقة لم
يغشوا على الإطلاق. وحدث هذا برغم أن كلتا الجامعتين ليست لهما قواعد أخلاقية (هذا الأثر كان أشبه بأثر القسم بالله على الأشخاص غير الملتزمين علنًا).

لقد اكتشفنا أن القواعد الأخلاقية أتت بثمارها في الجامعات التي ليست بها قواعد أخلاقية من الأساس، ولكن ماذا عن الجامعات التي بها قواعد أخلاقية قوية؟
هل هذا يعني أن نسبة الغش بين طلابها أقل طوال الوقت؟ أم أن نسبة الغش تتراجع فقط حين يوقعون على وثيقة القواعد الأخلاقية؟ من حسن الحظ أنه في
الفترة التي كنت أقضي فيها بعض الوقت في معهد الدراسات المتطورة بجامعة برينستون التي كانت بمثابة مكان مناسب لاختبار هذه الفكرة.

لدى جامعة برينستون نظام أخلاقي صارم وُضع منذ عام 1893. يتسلم الطلاب المستجدون الملتحقون بالجامعة نسخة من وثيقة القواعد الأخلاقية وخطابًا من
لجنة الأخلاق بخصوص النظام الأخلاقي للجامعة، والذي يجب على الطلاب التوقيع عليه قبل أن يتم تسجيلهم بالجامعة. كما أنهم يحضرون ندوات إجبارية
بخصــوص أهميــة الالــتزام بالقواعــد الأخلاقيــة للجامعــة خــلال الأســبوع الأول مــن الدراســة. وبعــد هـذه النـدوات، ينـاقش طـلاب جامعـة برينسـتون المسـتجدون هـذا
النظام مع مجموعة السكن الإرشادية. كما لو أن هذا ليس كافيًا، تقوم إحدى الفرق الموسيقية التابعة للنشاط الفني بالجامعة - ذا تراينجل كلوب - بأداء "أغنية
القواعد الأخلاقية" أمام الدفعة المستجدة.

وما تبقى لهم من وقت داخل جامعة برينستون، يتم تذكير الطلاب بالقواعد الأخلاقية مرارًا وتكرارًا؛ حيث إنهم يوقعون على القواعد الأخلاقية في نهاية كل ورقة
يقومون بتقديمها. ("يمثل هذا البحث عملي الخاص فيما يتعلق باللوائح الجامعية"). ويوقعون على تعهد بخصوص كل اختبار أو امتحان ("أتعهد بعدم انتهاك
القواعد الأخلاقية خلال هذا الاختبار")، ويتلقون رسائل بريد إلكتروني من لجنة الأخلاق مرتين في السنة.

لنــرى مــا إذا كــان التشــديد علــى القواعــد الأخلاقيــة لجامعــة برينسـتون لـه تـأثير علـى المـدى الطويـل، انتظـرت أسـبوعين بعـد أن انتـهى الطـلاب المسـتجدون مـن حضـور
التدريب الأخلاقي قبل إغرائهم بالغش؛ أي من خلال توفير فرص الغش لهم التي وفرناها لطلاب معهد ماساشوستس للتكنولوجيا وجامعة ييل (التي ليست لها
قواعد أخلاقية ولا تقدم دورة مدتها أسبوع عن الأمانة الأكاديمية). هل تحلى طلاب جامعة برينستون الذين ما زالوا متأثرين بحضور الدورات التدريبية الخاصة
بالقواعد الأخلاقية، بمزيد من الأمانة حين خضعوا لاختبار المصفوفات؟

للأسف، لم يتحلوا بمزيد من الأمانة. حين طُلب من طلاب جامعة برينستون أن يوقعوا على وثيقة القواعد الأخلاقية، لم يغشوا على الإطلاق (وكذلك لم يفعل
طلاب معهد ماساشوستس للتكنولوجيا وطلاب جامعة ييل). ومع ذلك، حين لم يُطلب منهم التوقيع على وثيقة القواعد الأخلاقية، فإنهم قاموا بالغش بنفس
درجــــة نظرائــــهم بمعــــهد ماســـاشوستس للتكنولوجيــا وطــلاب جامعــة ييــل. يبــدو أن التشــديد علــى القواعــد الأخلاقيــة والتــرويج للأخلاقيــات ووجــود لائحــة القواعــد
الأخلاقية ليس لهما تأثير مستمر على التركيبة الأخلاقية لطلاب جامعة برينستون.

وهذه النتائج واعدة ومحبطة في الوقت نفسه. أما بالنسبة للجانب المحبط، فيبدو أنه من الصعب جدًّا أن نغير سلوكنا بحيث نتحلى بمزيد من الأخلاق، ومن ثم
فإن هذه الدورة التدريبية المكثفة الخاصة بالقواعد الأخلاقية لن تكون كافية. (أشك أن هذا غير مجد بالنسبة لكثير من الدورات التدريبية الأخلاقية التي يتم عقدها
في أماكن العمل والجامعات وكليات الإدارة). بوجه عام أكثر، تشير النتائج إلى أن هذا الأمر يمثل تحديًا كبيرًا لإحداث تغيير ثقافي طويل المدى حين يتعلق الأمر
بالأخلاقيات.

وعلى الجانب الإيجابي، يبدو أنه عندما يتم تذكيرنا بكل بساطة بالمعايير الأخلاقية، فإننا نتصرف بطريقة محترمة أكثر. والأفضل من ذلك أننا اكتشفنا أن أسلوب
التوقــيع علــى لائحــة القواعــد الأخلاقيــة يؤتــي ثمــاره عنــدما تكــون تكلفــة الغــش والخــداع واضــحة وماديــة (حــيث إن فـي حالـة جامعـة برنسـتون قـد تسـتوجب التكلفـة
الفصــل مــن الجامعـة) وعنـدما لا تكـون هنـاك تكلفـة محـددة للغـش (مثلمـا كـانت الحـال مـع طـلاب معـهد ماسـاشوستس للتكنولوجيـا وطـلاب جامعـة ييـل). الخبـر
السار أن الناس يبدون رغبة في التحلي بالأمانة، وهذا يوحي بأنه ربما من الحكمة أن نستعين بالتذكرة الأخلاقية في المواقف التي تغرينا بالغش والخداع 6 .

سئم أحد أستاذة جامعة ولاية تينيسي من حالات الغش التي تحدث بين طلاب ماجستير إدارة الأعمال لدرجة أنه قرر الاستعانة بقواعد أخلاقية أكثر صرامة. على
خلفية تجربة التعاليم الدينية وآثارها على تحلي المرء بالأمانة، طلب "توماس تانج" من طلابه أن يوقعوا على لائحة القواعد الأخلاقية التي تنص على عدم قيامهم
بالغش في الامتحان. وتضمن التعهد على عبارة "إنهم سيندمون على فعلتهم طوال حياتهم وسيذهبون إلى الجحيم"، إذا ما غشوا في الاختبار.

غضــب الطــلاب، الــذين ليســوا بالضــرورة ملتزمــين. وأثــار التعــهد الكثــير مــن الجـدال وربمـا لـيس مـن المسـتغرب أن يتلقـى "تـانج" الكثـير مـن الانتقـاد علـى جـهوده (فـي
النهاية، كانت تتعين عليه العودة إلى تعهد الوقاية من الجحيم).

ومع ذلك، أتخيل أنه بالرغم من وجودها القصير، كان لهذه النسخة من القواعد الأخلاقية تأثير كبير على الطلاب. كما أنني أظن أن غضب الطلاب يشير إلى مدى
فاعلية هذا النوع من التعهد. لابد أن رجال أعمال المستقبل شعروا بأن نسبة المخاطر عالية جدًّا، أو لعلهم لم يهتموا كثيرًا. تخيل نفسك تواجه مثل هذا التعهد.
إلى أي مدى تشعر بالراحة تجاه التوقيع على هذا التعهد؟ هل التوقيع على هذا التعهد سيؤثر على سلوكك؟ ماذا لو تعين عليك التوقيع على هذا التعهد قبل ملء
تقرير المصروفات الخاص بك؟
?

مغامرات مع مصلحة الضرائب الأمريكية

استخدام القواعد الأخلاقية لقمع الغش في الجامعات هو شيء جيد، ولكن هل الاستعانة بالمواعظ الأخلاقية من هذا النوع ستؤتي ثمارها مع أنواع الغش الأخرى
وفي البيئات غير الأكاديمية؟ هل يمكنها أن تمنع استمرار الغش فيما يتعلق بالإقرار الضريبي ومطالبات التأمين؟ لقد بدأت في اختبار هذا أنا و"ليزا شو" (طالبة
مسجلة للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد)، و"نينا مزار" و"فرانشيسكا جينو" (بروفيسور بجامعة هارفارد) و"ماكس بازرمان" (بروفيسور بجامعة
هارفارد).

بدأنا نعيد صياغة تجربة المصفوفات القياسية لتبدو أشبه قليلًا بالإقرار الضريبي. وبعد أن انتهى المشاركون من حل اختبار المصفوفات ومزقوا ورق الإجابة، طلبنا
منهم أن يكتبوا عدد الأسئلة التي أجابوا عنها بطريقة صحيحة على استمارة أعددناها لتشبه نموذج الإقرار الضريبي رقم ( 1040EZ ). ومن أجل جعل الأمر يبدو
أشبه كثيرًا بنموذج الإقرار الضريبي الحقيقي، ذكر في الاستمارة بكل وضوح أنه سيتم خصم ضريبة مقدارها 20% على الدخل. في الجزء الأول من الاستمارة، طُلب
مــن المشــاركين أن يــذكروا "دخلــهم" (عــدد المصــفوفات التــي أجــابوا عنـها بطريقـة صـحيحة). بعـد ذلـك، تتضـمن الاسـتمارة جزءًا خـاصًّا بنفقـات السـفر، حـيث يمكـن
تعويض المشاركين بمقدار عشرة سنتات للدقيقة من وقت السفر (حتى ساعتين أو 12 دولارًا)، وبالنسبة للتكلفة المباشرة للانتقالات الخاصة بهم (مبلغ يقدر حتى
اثنــي عشــر دولارًا). كـان الـجزء الخـاص بالمصـروفات معفـيًّا مـن الضـرائب (مثـل مصـروفات العمـل). ثـم طُلـب مـن المشـاركين أن يضـيفوا كـل الأرقـام ويحسـبوا إجمـالي
المصروفات.

قسمنا المشاركين في هذه التجربة إلى مجموعتين؛ حيث يقوم بعض المشاركين بملء الاستمارة بأكملها ثم يوقعون أسفل الاستمارة، كما يحدث في الاستمارات
الرسمية تمامًا. في هذه المجموعة، يمثل التوقيع الإقرار بصحة المعلومات الواردة في الاستمارة. في المجموعة الثانية، يوقع المشاركون على الاستمارة أولًا ثم يملأون
الاستمارة بعد ذلك. وهذه المجموعة تمثل مجموعة "التذكرة الأخلاقية".

ما الذي وجدناه؟ لقد غش المشاركون الذين وقعوا في النهاية على الاستمارة من خلال إضافة أربع مصفوفات زيادة لدرجتهم النهائية. وماذا عن المشاركين الذين
وقعوا أولًا أعلى الاستمارة؟ حين مثل التوقيع تذكرة أخلاقية، ادعى المشاركون أنهم حلوا مصفوفة واحدة زائدة فقط. لست متأكدًا من شعورك تجاه مصفوفة
واحــدة "فقــط" - فعلــى أيــة حــال، مــا زالــت هنــاك حــالات غــش - ولكــن مــع الوضــع فــي الاعتبــار أن الفــارق الوحيــد بــين المجموعتــين هـو موضـع التوقـيع، أرى أن هـذه
النتيجة نتيجة واعدة لتقليل نسبة الغش والخداع.

سمح لنا نموذجنا الخاص باستمارة الإقرار الضريبي بأن نلقي نظرة على مطالبات بدلات السفر. كنا لا نعرف كمية الوقت التي استغرقها المشاركون في السفر فعلًا،
ولكن إذا افترضنا أنه بسبب الاختيار العشوائي، فإن متوسط مدة السفر كان واحدًا في كلتا المجموعتين، يمكننا أن نرى في أي المجموعتين ادعى المشاركون مصاريف
أعلى للسفر. ما وجدناه هو أن حجم بدلات السفر كان كما يلي: ادعت المجموعة التي وقعت أسفل الاستمارة أن مصاريف السفر بلغت حوالي 9.62 دولار، في حين
أن المجموعة ذات التذكرة الأخلاقية (التي وقعت أعلى الاستمارة) ادعت أن مصاريف السفر بلغت 5.27 دولار.

وبالاستعانة بالأدلة الخاصة بنا ، حين وقع الناس بأسمائهم على ما يبدو تعهدًا، جعلهم هذا يميلون أكثر للأمانة (على الأقل بصفة مؤقتة)، اقتربنا من مصلحة
الضرائب الأمريكية، ظنًّا منا أن العم "سام" سيسعد بالتعرف على طرق لزيادة الإيرادات الخاصة بالضرائب. سار التعامل مع مصلحة الضرائب على هذا النحو:

أنا: يفوت الأوان حين ينتهي دافعو الضرائب من ملء الاستمارة بالبيانات. يكون الغش قد حدث وانتهى، ولن يقول أحدهم: "أوه، لابد أنني سأوقع على هذا،
دعني أعاود ملء البيانات وأعطِ إجابات صادقة". هل تلاحظ؟ إذا وقع الناس قبل أن يملأوا الاستمارة بالبيانات، فإن نسبة الغش لديهم ستقل. ما تحتاج إليه هو
التوقيع أعلى الاستمارة، وهذا سيذكر الجميع بأنهم ملزمون بقول الحقيقة.

مصلحة الضرائب الأمريكية: أجل، هذا مثير للاهتمام. ولكن ليس قانونيًّا أن نطلب من الناس أن يوقعوا أعلى الاستمارة. لابد أن يكون التوقيع تأكيدًا على صحة
المعلومات الواردة في الاستمارة.

أنا: ما رأيكم إن طلبنا من الناس أن يوقعوا مرتين؟ مرة أعلى الاستمارة ومرة أسفل الاستمارة؟ في هذه الحالة، سيكون التوقيع أعلى الاستمارة بمثابة تعهد - يذكر
الناس بأي شيء من قبيل وطنيتهم وأخلاقياتهم والوطن والعلم وحتى الفطير المحلى - والتوقيع أسفل الاستمارة سيكون بمثابة تأكيد على صحة المعلومات.

مصلحة الضرائب الأمريكية: حسنًا، ولكن سيكون هذا مربكًا.

أنا: هل ألقيتم نظرة على قوانين الضرائب أو استمارات الإقرار الضريبي مؤخرًا؟

مصلحة الضرائب الأمريكية: ليس هناك رد فعل.

أنا: ما رأيكم؟ ماذا لو كان أول بند في استمارة الإقرار الضريبي يطلب من دافعي الضرائب أن يتبرعوا بـ 25 دولارًا لتكوين وحدة خاصة لمكافحة الفساد؟ بغض النظر
عن الإجابة في حد ذاتها، سيجبر السؤال الناس على تأمل وجهة نظرهم حيال الأمانة وأهميتها بالنسبة للمجتمع! وإذا تبرع دافعو الضرائب بهذا المبلغ لتكوين
وحدة خاصة، فإنهم لا يعبرون عن وجهة نظرهم وحسب، بل إنهم يدعمون قرارهم بالمال، ومن ثم سيتبعون القدوة الحسنة التي يمثلونها على الأرجح.

مصلحة الضرائب الأمريكية: صمت مطبق.

أنــــا: لــــهذا الأســــلوب فائــــدة أخــــرى مثــــيرة للاهتمـــام، ألا وهــي أن بــإمكانك تحــديد دافعــي الضــرائب الــذين قــرروا عــدم التبــرع لتكــوين وحــدة خاصــة لمكافحــة الفســاد
وإخضاعهم لتفتيش مالي عليهم!

مصلحة الضرائب الأمريكية: هل تريد فعلًا أن تتحدث عن التفتيش والمراجعات المالية؟ 7

بصرف النظر عن رد فعل مصلحة الضرائب الأمريكية، لم نيأس تمامًا، وواصلنا البحث عن فرص أخرى لاختبار فكرة "التوقيع أولًا". وفي النهاية، نجحنا (إلى حد
ما) حين تواصلنا مع إحدى شركات التأمين الكبرى. أكدت الشركة نظريتنا المثبتة بالفعل أن معظم الأشخاص يغشون، ولكن بقدر قليل وحسب. أخبرونا بأنهم
يشكون أن عددًا قليلًا من الناس يغشون بشكل صارخ (يحرقون الممتلكات أو يدعون التعرض للسرقة، وهكذا) ولكن العديد من الأشخاص الذين يعانون خسارة
الممتلكات يبدو عليهم الارتياح عند المبالغة في خسائرهم بنسبة 10 إلى 15%. فتليفزيون 32 بوصة يصير 40 بوصة، وعقد 18 قيراطًا يصير 22 قيراطًا وهكذا.

ذهبت إلى مقارهم واضطررت إلى قضاء يوم كامل مع كبار الموظفين في هذه الشركة، في محاولة لابتكار طرق لتقليل نسبة الغش والخداع فيما يتعلق بتعويضات
التأمين. وابتكرنا الكثير من الأفكار. على سبيل المثال، ماذا لو اضطر الناس إلى الإبلاغ عن خسائرهم بطريقة محددة أكثر وتقديم المزيد من التفاصيل (متى وأين
اشتروا الأشياء) من أجل عدم السماح بتدني الأخلاقيات؟ أو إذا فقد زوجان بيتهما في أثناء الفيضان، ماذا لو اضطرا إلى الاتفاق وتوحيد أقوالهما بشأن ما تم فقده
(كما سنرى في الفصل الثامن والتاسع، فإن هذه الفكرة قد تأتي بنتيجة عكسية). ماذا لو قمنا بتشغيل خطب ومواعظ دينية في أثناء انتظار الناس؟ وبالطبع، ماذا
لو اضطر الناس إلى التوقيع أعلى استمارة التعويضات أو حتى إلى جانب كل بند من البنود المبلغ عنها؟

كما هي الحال مع الشركات الكبرى، طرح المسئولون الذين قابلتهم الفكرة على المحامين. وانتظرنا ستة أشهر وفي النهاية وصلنا الرد من المحامين الذين قالوا إنهم
ليسوا على استعداد للسماح لنا بتجربة هذه الأساليب.

وبعد مرور بضعة أيام، اتصل بي الشخص المسئول عن التواصل معي من شركة التأمين واعتذر لي لعدم قدرتهم على تجربة أفكارنا. وأخبرني بأن هناك استمارة
تأمين على سيارات غير مهمة يمكننا استخدامها في تجاربنا. كانت الاستمارة تطلب من الناس أن يسجلوا قراءة عداد المسافات الخاص بسياراتهم لكي تتمكن شركة التأمين من حساب الأميال التي قطعوها على مدار السنة الماضية. من الطبيعي أن الراغبين في تقليل أقساط التأمين الخاص بهم (ويمكنني أن أذكر الكثيرين) قد
ينجذبون إلى الكذب والتقليل من الرقم الحقيقي للأميال التي قطعوها.

أعطتنا شركة التأمين 20 ألف استمارة استعنا بها لاختبار فكرة التوقيع أعلى الاستمارة في مقابل التوقيع أسفل الاستمارة. وجعلنا نصف الاستمارات تحتوي على
عبارة "أتعهد بصحة المعلومات التي أقدمها" والتوقيع أسفل الاستمارة. بالنسبة لباقي الاستمارات، مسحنا العبارة وجعلنا التوقيع أعلى الاستمارة. بالنسبة لكل
البنود الأخرى، كانت الوثيقتان متشابهتين. أرسلنا الاستمارات بالبريد الإلكتروني إلى 20 ألف عميل وانتظرنا بعض الوقت، وحين تسلمنا الاستمارات مرة أخرى كنا
على استعداد لمقارنة المسافة التي قطعها العملاء كما ذكروا في الاستمارات على اختلاف نوعيها. ماذا وجدنا؟

حين قدرنا المسافة التي قطعها العملاء على مدار السنة الماضية، الذين وقعوا أولًا أعلى الاستمارة بدا أن متوسط المسافة التي قطعوها بلغ 26.100 ميل، في حين
أن العملاء الذين وقعوا أسفل الاستمارة بدا أن متوسط المسافة التي قطعوها بلغ 23.700 ميل؛ أي أن الفارق حوالي 2.400 ميل. لا نعرف بالضبط المسافة التي
قطعها العملاء الذين وقعوا أعلى الاستمارة، ولا نعرف ما إذا كانوا أمناء تمامًا، ولكن ما نعرفه أنهم غشوا بقدر أقل كثيرًا من نظرائهم. من المثير للاهتمام أيضًا
أن نلاحظ أن هذا الانخفاض الكبير في نسبة الغش (وهو ما قُدر بحوالي 15% من إجمالي مسافة القيادة التي ذُكرت في الاستمارات) مشابه لنسبة الغش والخداع
التي وجدناها في تجاربنا المعملية.

توحي هذه النتائج التجريبية بأنه بالرغم من أننا نعتبر التوقيعات بمثابة طرق لتأكيد صحة المعلومات (وبالتأكيد فإن التوقيعات ربما تكون مفيدة جدًّا في تحقيق
هذا الغرض)، فإن التوقيع أعلى الاستمارات قد يمثل واقيًا أخلاقيًّا.

?

بعض الدروس المستفادة

حــين أســأل النــاس عــن كيفيــة تقليــل معــدل الجريمــة فــي المجتمــع، عــادةً مــا يقتــرحون نشــر المزيــد مــن قــوات الشــرطة فــي الشــوارع وتطبـيق عقوبـات أكثـر قسـوة علـى
المعتــدين. وحــين ســألت المــديرين التنفيــذيين فــي الشــركات عمــا ســيفعلونه مــن أجــل حــل مشــكلة الســرقات داخـل الشـركة، والتزويـر، والمبالغـة فـي تقـارير المصـاريف،
والتخريب (عندما يقوم الموظفون بشيء لإلحاق الضرر بصاحب العمل مع عدم وجود فائدة مادية لهم)، عادةً ما يقترحون نظام مراقبة مشددًا أكثر وسياسات
مشددة بعدم السماح بالتجاوزات. وعندما تحاول الحكومات تقليل نسبة الفساد أو تبتكر قوانين لتعزيز الأمانة أكثر، عادةً ما تندفع لتطبيق سياسات الشفافية
كعلاج لأمراض المجتمع. بالطبع، ليس هناك دليل قاطع بأن هذه الحلول تؤتي ثمارها.

على النقيض، فإن التجارب التي نعرضها في هذا الكتاب توضح أن القيام بأشياء بسيطة مثل استحضار المعايير الأخلاقية عند التعرض للمغريات قد يكون له أثر
فعــال لتقليــل ســلوك الغــش والخــداع وربمــا يمنعــه تمــامًا. وهــذا الأســلوب يؤتــي ثمــاره حتــى إن كــانت هــذه اللــوائح الأخلاقيــة ليســت جزءًا مــن منظومــة معتقــداتنا
الشخصية. في الواقع، من الواضح أن المواعظ الأخلاقية تسهل على الناس الاتصاف بمزيد من الأمانة؛ على الأقل على المدى القصير. لو أن المحاسب الخاص بك
طلب منك أن توقع على لائحة قواعد أخلاقية قبل أن تملأ الاستمارة الخاصة بالإقرار الضريبي أو لو طلب منك ممثل شركة التأمين أن تقسم بأنك تقول الحقيقة
الكاملة بخصوص الأثاث الذي دمرته الفيضانات، فهناك احتمال بأن التهرب الضريبي والاحتيال على شركات التأمين سيكون أقل شيوعًا 8 .

مــا الــذي نســتفيده مــن كــل هــذا؟ أولًا، لابــد أن نقــر بــأن الغــش والخــداع يشــجعهما إلــى حــد كبــير عــامل التصــحيح الخــاص بــالمرء ولـيس النمـوذج البسـيط للجريمـة
المدروسة. يوحي عامل التصحيح بأننا إذا كنا نرغب في تقليل معدل الجريمة، فإنه يجب أن نبحث عن طرق لتغيير الطريقة التي يمكننا بها تبرير تصرفاتنا. عندما
تزيد قدراتنا على تبرير رغباتنا الأنانية، يزداد عامل التصحيح الخاص بنا، ما يجعلنا نشعر بمزيد من الارتياح تجاه سوء سلوكنا وغشنا. والعكس صحيح أيضًا،
عندما تتراجع قدرتنا على تبرير تصرفاتنا، يتراجع عامل التصحيح الخاص بنا ما يجعلنا نشعر بقدر أقل من الارتياح تجاه سوء سلوكنا وغشنا. وعندما تفكر في
السلوكيات غير المرغوبة من هذا المنظور - بداية من التعاملات البنكية وحتى التلاعب في تاريخ خيارات الأسهم، وبداية من التخلف عن سداد القروض أو الرهن
العقاري وحتى الغش في الإقرارات الضريبية - سيكون هناك المزيد بخصوص الأمانة والغش والخداع أكثر من الحسابات العقلانية.

بالطبع، هذا يعني أن فهم آليات الغش والخداع أكثر تعقيدًا وأن منع الغش والخداع ليس مهمة سهلة، ولكنه يعني أيضًا كشف أن العلاقة المعقدة بين الأمانة
والخداع ستكون بمثابة مغامرة مثيرة.

5 س تشير إلى عدد الأسئلة التي يدعي المشاركون أنهم قاموا بالإجابة عنها إجابة صحيحة.

6 أحد الأمور المهمة بخصوص الاستعانة بالتذكرة الأخلاقية يتمثل في أنه إذا ما اعتاد الناس بمرور الوقت التوقيع على لوائح القواعد الأخلاقية فسيتسبب ذلك في
جعــل هــذه التــذكرة الأخلاقيــة تفقــد فاعليتــها. ولــهذا أظــن أن الأســلوب الســليم يتمثــل فــي أن نطلــب مــن النــاس أن يعــدوا القواعــد الأخلاقيــة الخاصــة بــهم، وبــهذه
الطريقة سيكون من الصعب التوقيع دون التفكير في الأخلاقيات وما يتبعه بالضرورة من تصرفات تتسم بالأخلاق العالية.

7 * انتهت بي الحال أن أجرت مصلحة الضرائب الأمريكية تفتيشًا ماليًّا عليَّ بعد مرور بضع سنوات على هذه الحادثة، وكانت تجربة طويلة ومؤلمة ومثيرة للاهتمام
جدًّا. ولا أظن أنها تمت بصلة لهذه الحادثة.

8 * أشك أن التأثير سيظل قائمًا بالنسبة لمن هم يكرهون الحكومة أو شركات التأمين، برغم أنه ربما يكون لهذا تأثير مخفف إلى حد ما؛ وهو أمر يستحق الدراسة
في المستقبل.
الفصل 2 ب

لعبة الجولف

ضريبة الدخل جعلت الشعب الأمريكي يكذب أكثر من كذبه في لعبة الجولف.

ــــ ويل روجرز

هناك مشهد من فيلم بعنوان أسطورة باجر فانس The Legend of Bagger Vance عن قصة "رانايلف جونيو" - قام بدوره الممثل "مات ديمون" - الذي يحاول
استعادة مجده في لعبة الجولف، ولكنه ارتكب خطأ خطيرًا وانتهى المقام بكرته وسط الغابة. وبعد أن استعادها إلى الملعب، أزاح فرعًا من فروع الشجر متاخمًا
للكرة من أجل أن يفسح المجال لضربته. وعندما أزاح الفرع، تدحرجت الكرة قليلًا إلى جانب الملعب. ووفقًا لقواعد اللعبة، اضطر إلى احتسابها ضربة. وحتى هذه
اللحظــة مــن المبــاراة، كــان "جونــيو" قــد حقــق تقــدمًا كــافيًا، حتــى لــو تجــاهل قــانون اللعبــة، كــان قــد كســب المبـاراة واسـتعاد مجـده السـابق. تـرجى مسـاعده الشـاب
بالدموع أن يتجاهل حركة الكرة هذه. وقال المساعد: "كانت حادثة عرضية، وعلى أية حال إنه قانون أحمق. بالإضافة إلى ذلك، لن يعرف أحد مطلقًا". التفت له
"جونيو" وقال له بطريقة خالية من التعبير: "أنا أعرف. وأنت تعرف أيضًا".

منافسو "جونيو" أيضًا قالوا إن الكرة ترنحت وعادت إلى موقعها السابق على الأرجح أو أن الضوء خدع "جونيو" ليظن أن الكرة تحركت. ولكن "جونيو" أصر على
أن الكرة تدحرجت بعيدًا. وكانت النتيجة تعادلًا جديرًا بالاحترام.

كان ذلك المشهد مستوحى من حدث حقيقي حصل في أثناء بطولة الجولف المفتوحة بأمريكا عام 1925. لاحظ لاعب الجولف، "بوبي جونز"، أن الكرة تحركت بقدر
قليــل جــدًّا فــي أثنــاء اســتعداده للضــربة مــن داخــل الملعــب. لــم يــر أحــد هــذا، ولـم يكـن لأحـد أن يعـرف أبـدًا، ولكنـه حسـب الضـربة علـى نفسـه وخسـر المبـاراة. وعنـدما
اكتشــف النــاس مــا قـام بـه، بـدأ الصـحفيون يتوافـدون عليـه، وطلـب منـهم "جـونز" ألا يكتبـوا عـن هـذا الحـدث قـائلًا: "كـأنكم تثنـون علـيَّ لعـدم سـرقة بنـك". ومـا زال
محبو اللعبة يشيرون إلى هذه اللحظة الأسطورية من النبل والأمانة.

أظن أن هذا المشهد -السينمائي والحقيقي - يلقي الضوء على الجانب المثالي الحالم من لعبة الجولف. إنه دليل يوضح صراع المرء مع نفسه؛ مبينًا كلًّا من مهاراته
ونبلــه. وربمــا يــرجع الســبب إلــى أن هــذه الصــفات الممـيزة للاعتمـاد علـى الـذات ومراقبـة النفـس والمعـايير الأخلاقيـة رفيعـة المسـتوى هـي مـا تجعـل لعبـة الجـولف مثـالًا
مجازيًّا لأخلاقيات العمل (ناهيك عن حقيقة أن كثيرين من رجال الأعمال يقضون الكثير من الوقت في ملاعب الجولف). وعلى عكس ألعاب رياضية أخرى، لعبة
الجولف ليس بها حكم أو لجنة حكام لضمان أن قواعد اللعبة تُنفذ أو البت بحكم في المواقف الجدلية. ولاعب الجولف، مثل رجل الأعمال، يجب أن يقرر بنفسه
ما هو مقبول وما هو غير مقبول. يجب أن يختار لاعبو الجولف ورجال الأعمال بأنفسهم ما هم على استعداد للقيام به وما هم غير مستعدين له؛ نظرًا لأنه في
معظم الوقت ليس هناك من يراقب أعمالهم أو يراجعها. في الواقع، للجولف ثلاث قواعد أساسية؛ العب الكرة من عند موضعها، العب داخل حدود الملعب كما
تجده، إن لم تستطع تنفيذ أي من هاتين القاعدتين، فافعل ما هو منصف. ولكن من الصعب تحديد ما هو "منصف". وعلى أية حال، كثيرون من الناس يعتبرون
عدم احتساب تغيير موضع الكرة بطريقة عرضية وطفيفة بعد تحرك فرع الشجر أمرًا "منصفًا". في الواقع، ربما يبدو من الظلم توقيع عقوبة بسبب تحرك الكرة
على نحو غير مقصود.

وبرغم الإرث النبيل الذي ينسبه لاعبو الجولف للعبة، يبدو أن الكثيرين يرون اللعبة بالطريقة نفسها التي يراها "ويل روجرز"؛ أي لعبة تجعل من أي شخص
غشــاشًا. وهــذا لــيس مســتغربًا حــين تتــوقف لتفكــر فــي الأمــر قليــلًا. فــي لعبــة الجـولف، يضـرب اللاعبـون كـرة صـغيرة لتمـر فـوق مسـافة شـاسعة، يواجـهها الكثـير مـن
العوائق، لتسقط في حفرة صغيرة جدًّا. بعبارة أخرى، إنها لعبة محبطة وصعبة جدًّا، وحين نكون نحن الحكام على أدائنا، يبدو أننا نكون أكثر تساهلًا حين يتعلق
الأمر بتطبيق القواعد على أنفسنا.

في أثناء رحلتنا لمعرفة المزيد عن الغش والخداع، توجهنا للكثيرين من لاعبي الجولف الأمريكيين. ففي عام 2009، أجريت أنا و"سكوت ماكينزي" (كان وقتها طالبًا
بجامعة ديوك) دراسة وجهنا فيها مجموعة من الأسئلة لآلاف اللاعبين من لاعبي الجولف - مجموعة من الأسئلة بخصوص كيف يلعبون اللعبة، والأهم، كيف
يغشون فيها. طلبنا منهم أن يتخيلوا مواقف لا يستطيع فيها أحد أن يراقبهم (كما هي الحال عادةً مع لعبة الجولف) وبإمكانهم أن يقرروا اتباع القواعد (أو لا)
دون وجود أي تداعيات سلبية للموقف. وبمساعدة شركة تعمل في إدارة ملاعب الجولف، أرسلنا للاعبي الجولف من مختلف أنحاء الولايات المتحدة رسائل بريد
إلكتروني نطلب فيها المشاركة في استبيان عن لعبة الجولف في مقابل الحصول على فرصة للفوز بمعدات جولف متطورة. رد علينا حوالي 12 ألف لاعب جولف،
وفيما يلي النتيجة التي توصلنا لها.

تحريك الكرة

قلنا للمشاركين: "تخيلوا أن لاعب الجولف العادي حين يقترب من الكرة يدرك أنه من المفيد للغاية إن وُضعت الكرة على بعد أربع بوصات من موضعها الحالي. في
رأيك ما احتمالات أن يقوم لاعب الجولف العادي بتحريك الكرة هذه البوصات الأربع؟".

لهذا السؤال ثلاث نسخ مختلفة، كل منها يصف طريقة مختلفة لتحسين موضع الكرة السيئ (بالمناسبة، من المفارقات الغريبة أن موضع كرة الجولف يقال عليه
بالإنجليزية Lie بلغة أهل الجولف (وهي تعني كذبة باللغة العربية)). في رأيك إلى أي مدى سيرتاح لاعب الجولف إلى فكرة تحريك الكرة بمقدار أربع بوصات
باستخدام 1) مضرب الكرة الخاص به، 2) حذائه، 3) بإمساك الكرة ووضعها على بعد أربع بوصات؟

تم تصميم السؤال الخاص "بتحريك الكرة" لنرى ما إذا كانت المسافة الفاصلة عن التصرف المخادع قد تغير نزعة المرء للتصرف بطريقة غير أخلاقية؛ سواء كان هذا
في لعبة الجولف أو في تجاربنا السابقة. إن كانت المسافة تؤتي ثمارها مثلما حدث في تجربة العملات البلاستيكية التي ناقشناها في الفصل الثاني، فإننا نتوقع أقل
مستويات الغش حين يتم تحريك الكرة مباشرة باليد، في حين سنرى مستوى أعلى للغش حين يتم تحريك الكرة بالحذاء، وسنرى أعلى مستويات للغش حين
يتم تحريك الكرة بأداة من أدوات الجولف (مضرب كرة الجولف) وهو ما يبعد اللاعب عن اللمس المباشر للكرة.

ما أظهرته النتائج أن الغش في الجولف، شأنه شأن تجاربنا الأخرى، يتأثر مباشرة بالمسافة النفسية الفاصلة عن التصرف المباشر؛ فالغش يصير أسهل كثيرًا كلما
زادت المسافة الفاصلة بيننا وبين التصرف المخادع. أجاب المشاركون بأنهم شعروا بأن تحريك الكرة بالمضرب كان أسهل فعل، وقالوا إن لاعب الجولف سيقوم بذلك
بنســبة 23% مــن الــوقت. وجــاء فــي المقـام التـالي تحريـك الكـرة بالحـذاء (14%)، وفـي المرتبـة الأخـيرة، جـاء لمـس الكـرة وتحريكـها مباشـرة كأصـعب طريقـة - مـن الناحيـة
الأخلاقية - لتحسين موضع الكرة (10%).

وتشير هذه النتائج إلى أننا إذا أمسكنا بالكرة وغيرنا موضعها، فلا يمكننا أن نتجاهل قيامنا بهذا الأمر متعمدين وعن قصد، ومن ثم، لا يسعنا سوى الشعور بأننا
ارتكبنا فعلًا غير أخلاقي. عندما نركل الكرة بالحذاء، هناك مسافة صغيرة تفصلنا عن الفعل في حد ذاته، ولكن هذا لم يغير شيئًا من واقع أننا قمنا بالفعلة.
ولكن إذا أزحنا الكرة بالمضرب (وبخاصة إذا حركنا الكرة قليلًا بطريقة عرضية وغير ملحوظة)، فإن بإمكاننا تبرير ما قمنا به بسهولة نسبية. وربما نقول في أنفسنا:
"على أية حال، ربما تكون هناك ضربة حظ بخصوص الموضع الذي انتهت إليه الكرة". في تلك الحالة، يمكننا أن نسامح أنفسنا تمامًا.

اللجوء للضربات الإضافية (ضربة موليجان)

وفقًا لأسطورة ترجع إلى عشرينيات القرن الماضي، كان هناك لاعب جولف كندي يدعى "ديفيد موليجان" يلعب الجولف في نادي مدينة مونتريال. وذات يوم، بدأ
اللعب ولكنه لم يكن راضيًا عن ضربته، ومن ثم أعاد وضع الكرة في موضع الضرب وجرب مرة أخرى. ووفقًا لهذه القصة، أطلق عليها "ضربة تصحيحية"، ولكن
اللاعبين المشاركين معه ظنوا أنه من الأفضل أن يطلقوا عليها "ضربة موليجان"، وثبتت في الأذهان بأنها مصطلح يستخدم "للضربة الإضافية" في الجولف.

فــــي هــــذه الآونــــة، إذا كــــانت الضــــربة ســيئة للغايــة، فربمــا يلغيــها لاعــب الجــولف ويحتســب "ضــربة إضــافية"، بوضــع الكــرة مــرة أخــرى عنــد نقطــة البــداية الأصــلية،
ويحتسب أن الضربة لم تتم في المقام الأول (وإحدى صديقاتي كانت تشير إلى الزوجة السابقة لزوجها على أنها "ضربة لم تحتسب"). وإذا ما أردنا الدقة، لا يُسمح
بالضربات الإضافية أبدًا في المباريات الرسمية؛ أما في المباريات الودية، فأحيانًا يتفق اللاعبون فيما بينهم على السماح بالضربات الإضافية. بالطبع، حتى إن كانت
الضربات الإضافية غير قانونية فلا يُسمح بها، ما زال لاعبو الجولف يلجأون لهذه الضربات من وقت لآخر، وتلك الضربات الإضافية غير القانونية كانت محل تركيز
مجموعة الأسئلة التالية.

سألنا المشاركين عن عدد المرات التي يلجأ فيها لاعبو الجولف إلى الضربات الإضافية غير القانونية حين يمكنهم القيام بذلك دون أن يلاحظهم اللاعبون الآخرون.
وفي أحد هذه الأسئلة، سألنا المشاركين عن احتمالية لجوء أحد اللاعبين إلى الضربة الإضافية غير القانونية من عند الحفرة الأولى. وفي سؤال آخر، سألنا المشاركين عن لجوء أحد اللاعبين إلى الضربة الإضافية غير القانونية من عند الحفرة التاسعة.

لنكن واضحين، لا تفرق القوانين بين هاتين الفعلتين: فكلتاهما ممنوعة. وفي الوقت نفسه، يبدو أن تبرير إعادة الضربة مرة أخرى من عند الحفرة الأولى أسهل من
تبرير إعادة الضربة مرة أخرى من عند الحفرة التاسعة. إذا كنت عند الحفرة الأولى وبدأت مرة أخرى، فيمكنك أن تتظاهر بقول: "أنا في بداية المباراة، وبداية من
الآن فصاعدًا كل ضربة ستُحسب". ولكن حين تصل إلى الحفرة التاسعة، ليس هناك مجال للتظاهر بأن المباراة لم تبدأ بعد. وهذا يعني أنك إذا احتسبت ضربة
إضافية، فأنت تعترف لنفسك بأنك لا تحتسب الضربات بكل بساطة.

وكما توقعنا بناءً على ما توصلنا إليه بالفعل من تجاربنا الأخرى بخصوص التبرير للذات، وجدنا أن تفاوتًا كبيرًا بخصوص الاستعداد للجوء للضربات الإضافية.
توقع لاعبو الجولف المشاركون معنا أن 40% من لاعبي الجولف يلجأون للضربات الإضافية عند الحفرة الأولى (فقط؟) و15% من لاعبي الجولف يلجأون للضربات
الإضافية عند الحفرة التاسعة.

حقيقة غامضة

في مجموعة ثالثة من الأسئلة، طلبنا من لاعبي الجولف أن يتخيلوا أنهم سيسددون ست ضربات لحفرة الخمس ضربات (وهي حفرة يستطيع اللاعبون الماهرون
أن يصلوا إليها بخمس ضربات فقط). في أحد هذه الأسئلة، سألنا ما إذا كان لاعب الجولف العادي سيدون من البداية "5" ضربات بدلًا من "6" في كارت النقاط
الخاص به. وفي سؤال آخر من هذه الأسئلة، سألنا عن احتمال قيام لاعب الجولف بتسجيل نقاطه بدقة، ولكن حين يكون الأمر متعلقًا بزيادة نقاطه، فإنه يشطب
الست ضربات ويحسبها خمس ضربات فقط ومن ثم تخصم نقاطه نظرًا لأنه أضاف شيئًا غير صحيح.

أردنا أن نرى ما إذا كان من الأسهل تبرير كتابة النقاط بطريقة خاطئة من البداية؛ لأنه بمجرد أن يتم تدوين النقاط، يكون من الصعب إضافة ما هو غير صحيح
(مثلمــا هــي الحـال مـع تغـيير موضـع الكـرة باليـد). علـى أيـة حـال، إضـافة رقـم غـير صـحيح بمثابـة فعـل مباشـر ومتعمـد للغـش لا يمكـن تبـريره بسـهولة. كـان هـذا مـا
وجــدناه بــالفعل. تــوقع لاعبــو الجــولف أن فــي مثــل هــاتين الحــالتين، أن 15% مــن لاعبــي الجــولف ســيدونون نقــاطًا محســنة، فــي حـين أن عـددًا أقـل (5%) سـيضيفون
لنقاطهم بطريقة غير دقيقة.

قــال لاعــب الجــولف العظــيم "أرنولــد بـالمر" ذات مـرة: "لـديَّ وسـيلة يمكنـها أن تخصـم خمـس ضـربات لأي لاعـب؛ ألا وهـي الممحـاة". ويبـدو أن الأغلبيـة العظمـى مـن
لاعبي الجولف لا يريدون أن يسلكوا هذا الطريق، أو أنهم سينتهزون الفرصة للغش إن لم يدونوا النقاط بطريقة صحيحة من البداية. إليك هذا السؤال الأبدي: إذا
سدد لاعب جولف ست ضربات في حفرة الخمس ضربات، لا يتم تسجيل النقاط، ليس هناك من يراه؛ أكانت درجته 6 أم 5؟

هناك قاسم مشترك كبير بين الكذب بهذه الطريقة بخصوص النتيجة وبين التجربة الكلاسيكية المسماة "قطة شرودنجر". في عام 1935، وصف العالم الفيزيائي
الأسترالي "إرفن شرودنجر" السيناريو التالي: قطة محبوسة في صندوق فولاذي به نظير مشع ربما يتلاشى وربما لا. إذا تلاشى النظير المشع، فسوف تنتج عن هذا
سلسلة من الأحداث التي ستؤدي إلى وفاة القطة. وإن لم يتلاش، فستظل القطة على قيد الحياة. في تجربة "شرودنجر"، طالما أن الصندوق مغلق، تظل القطة ما
بــين الحيــاة والمــوت؛ ولا يمكــن اعتبــارها علــى قيــد الحيــاة أو فــي عــداد الموتــى. لقــد وضــع "شــرودنجر" هــذا الســيناريو بــهدف انتقــاد تفســير لنظريـة فيزيائيـة مفـادها أن
ميكانيكا الكم لا تصف الحقيقة الموضوعية؛ بل إنها تتعامل مع الاحتمالات. لندع الجوانب الفلسفية للفيزياء الآن، ربما تفيدنا قصة قطة "شرودنجر" هنا في هذا
المقــام حــين نفكـر فـي نقـاط مبـاراة الجـولف. ربمـا تتشـابه حسـاب نقـاط الجـولف مـع احتمـالات بقـاء قطـة "شـرودنجر" علـى قيـد الحيـاة أو وفاتـها: لـيس هنـاك احتمـال
مؤكد حتى يتم تدوينه. لا شيء يكتسب صفة "الحقيقة الموضوعية" إلا حين يتم تدوينه.

ولعلك تتساءل لماذا طرحنا تلك الأسئلة بخصوص "لاعب الجولف العادي" على المشاركين بدلًا من أن نسألهم بخصوص سلوكهم داخل ملعب الجولف. سبب هذا
أننا توقعنا أنه - كمثل معظم الناس - سيكذب لاعبو الجولف لو سألناهم مباشرة عن ميولهم للتصرف بطريقة غير أخلاقية. ولكن من خلال سؤالهم عن سلوك
الآخرين، نتوقع أنهم سيشعرون بالارتياح حيال قول الحقيقة دون أن يعترفوا على أنفسهم بارتكاب أي سلوكيات سيئة. 9

أردنا أيضًا أن نفحص السلوكيات غير الأخلاقية التي سيعترف بها لاعبو الجولف طواعية بأنهم يتبنونها. ما وجدناه هو أنه بالرغم من أن كثيرين من "لاعبي الجولف
الآخرين" يغشون، ولكن المشاركين في دراستنا كانوا أنقياء؛ فعندما سألناهم عن سلوكهم، اعترفوا بأنهم حركوا الكرة بمضاربهم فقط ليحسنوا من موضع الكرة
بنسبة 8%. وكان من النادر أن يعترف أحد منهم بأنه حرك الكرة بحذائه (فقط 4 بالمائة)، في حين أن التقاط الكرة وتغيير موضعها لم يحدث إلا بنسبة 2.5% فقط.
وربما تبدو النسب 8% و4% و2.5% أرقامًا كبيرة (مع الوضع في الاعتبار حقيقة أن ملعب الجولف يتكون من 18 حفرة والكثير من الطرق المختلفة للخداع)، ولكن
هذا لا يضاهي ما يفعله "لاعبو الجولف الآخرون".

كما وجدنا اختلافات مشابهة في ردود لاعبي الجولف بخصوص الضربة الإضافية وتسجيل النقاط. وقد أفاد مشاركونا بأنهم قد يلجأون إلى الضربات الإضافية من
عند الحفرة الأولى بنسبة 18% فقط، ومن عند الحفرة التاسعة بنسبة 4% فقط. كما أنهم قالوا إنهم قد يسجلون نقاطًا خطأ بنسبة 4%، وبالكاد نسبة 1% يتم
الإمساك بهم متلبسين بالغش في مجموع النقاط.

وفيما يلي ملخص لنتائجنا:



لا أعرف كيف ستفسر هذه الاختلافات، ولكن الأمر يبدو بالنسبة لي كما لو أن لاعبي الجولف لا يغشون في الجولف وحسب، بل ويكذبون بخصوص الكذب.

ما الذي تعلمناه من هذه المغامرة في ملعب الجولف؟ يبدو أن الغش بخصوص الجولف يلقي الضوء على العديد من الاختلافات الطفيفة التي اكتشفناها بخصوص
الكذب في تجاربنا المعملية. عندما تبتعد تصرفاتنا كثيرًا عن الخداع والغش مباشرةً، حين تكون أفعالنا مؤجلة، وحين نستطيع تبريرها بكل سهولة، وجد لاعبو
الجولف - مثلهم مثل أي إنسان على وجه الكرة الأرضية - أنه من الأسهل أن يكونوا مخادعين. كما أنه يبدو أن لاعبي الجولف - مثلهم مثل الآخرين - لديهم القدرة
على الخداع ولكن في الوقت نفسه يظنون أنفسهم أمناء. وما الذي عرفناه بخصوص الكذب بين رجال الأعمال؟ حسنًا. حين تكون القوانين خاضعة للتفسيرات،
وحــين تكــون هنــاك منــاطق رماديــة، وحــين تتــرك للنــاس فرصــة تســجيل مسـتوى أدائـهم؛ تكـون الألعـاب الجـديرة بـالاحترام مثـل الجـولف عرضـة لسـلوكيات الغـش
والخداع.

9 * فكر في كل الحالات التي يطلب من الآخرين النصيحة بخصوص التصرف في مواقف محرجة تعرض لها "صديق"؛ ولم يتعرضوا لها هم أنفسهم.
الفصل 3

محفزاتنا تعمينا

تخيل موعدك التالي مع طبيب الأسنان؛ تدخل العيادة وتتبادل المزاح مع موظفة الاستقبال، وتبدأ تصفح بعض المجلات القديمة في أثناء انتظار سماع اسمك.

الآن، دعنــا نتخيــل أنــه منـذ زيـارتك الأخـيرة، اشـترى طبـيب الأسـنان الخـاص بـك أحـد أجـهزة طـب الأسـنان المتطـورة والباهظـة؛ وهـو عبـارة عـن جـهاز تصـميم وتصـنيع
باستخدام الكمبيوتر ( CAD/CAM )، وهو جهاز مبتكر يُستخدم لإعادة بناء الأسنان مثل تصميم التيجان وتصنيع تركيبات الأسنان. ويعمل الجهاز على خطوتين.
أولًا، يعرض الجهاز على شاشة الكمبيوتر نسخة ثلاثية الأبعاد لأسنان المريض ولثته، مما يسمح لطبيب الأسنان بأن يتتبع الشكل الدقيق للتاج - أو أيًّا ما كانت
التركيبة - مقارنة بالصورة المعروضة على شاشة الكمبيوتر. وهذا هو الجزء الخاص بجهاز التصميم باستخدام الكمبيوتر. ثم نأتي إلى الجزء الخاص بجهاز التصنيع
باستخدام الكمبيوتر؛ يقوم هذا الجهاز بصب مادة الخزف في التاج وفقًا لمخطط طبيب الأسنان. وسعر هذا الجهاز الممتاز باهظ جدًّا.

ولكــن دعنــا نعــد إليــك. بمجــرد أن انتــهيت مــن قــراءة مقــال عــن المشــكلات الزوجيــة لأحــد الســاسة وأنـا بصـدد قـراءة قصـة عـن فتـاة جميلـة ومثـيرة، سـمعت موظفـة
الاستقبال تنادي اسمك وتقول: "ثاني غرفة ناحية الشمال".

تجلــس علــى كرســي الكشــف ويفتــح معــك الطبــيب المســاعد حـوارًا صـغيرًا، ويتفحـص فمـك لبعـض الـوقت ثـم يتبـع ذلـك بعمليـة تنظـيف. وبعـد فتـرة قصـيرة، يـدخل
طبيب الأسنان الخاص بك الغرفة.

يكرر طبيب الأسنان عملية الفحص العامة وبينما يفحص أسنانك يطلب من المساعد أن يضع علامة على السِّنَّيْنِ الثالثة والرابعة لمزيد من الفحص وأن يعلم على
السن السابعة ويضع بجانبها ملاحظة ظهور خطوط على طلاء المينا.

وتتحدث بصوت غير واضح أو مفهوم وفمك مفتوح ويتدلى أنبوب الشفط من الجانب الأيمن لفمك: "ها؟ خطوط ماذا؟".

يتــوقف طبــيب الأســنان، ويخــرج الأدوات مــن فمــك ويضــعها بحــرص علـى الصـينية المـوجودة بجـواره ويجلـس علـى كرسـيه, ثـم يبـدأ فـي شـرح المـوقف: "هـي عبـارة عـن
خطوط صغيرة تظهر على مينا الأسنان. ولكن ليست هناك مشكلة، لدينا حل رائع لهذا الأمر. سنستخدم جهاز ( CAD/ CAM ) لتصميم تاج لك، وتُحل المشكلة.
ما رأيك في ذلك؟".

تتردد قليلًا، ولكن بعد أن يطمئنك أن هذا لن يؤلمك, توافق. وعلى أية حال، فأنت تتعامل مع طبيب الأسنان هذا منذ فترة طويلة، وبرغم أن بعض معالجته على
مر السنوات لم تكن مرضية تمامًا، ولكنك تشعر بأنه يجيد معالجتك بوجه عام.

الآن، يجب أن أقول - لأنه ربما لا يقول لك طبيب الأسنان الخاص بك - إن هذه الخطوط هي خطوط دقيقة جدًّا جدًّا تظهر في مينا الأسنان، وهي خطوط منحنية
تمامًا، ويعاني الكثيرون منها ولكنهم لا يتضايقون منها ولو بالقدر القليل. في الواقع، ليس من الضروري عادةً معالجة الخطوط التي تظهر على مينا الأسنان.

دعني أحك لك قصة واقعية لصديقي "جيم"، وهو نائب مدير سابق لشركة كبيرة تعمل في مجال طب الأسنان. فعلى مدار سنوات عديدة، أخذ "جيم" نصيبه
كاملًا من الحالات الغريبة في طب الأسنان، ولكنه أخبرني بإحدى القصص الرهيبة للعلاج باستخدام جهاز ( CAD/ CAM ).

بعد بضع سنوات من طرح جهاز ( CAD/CAM ) في الأسواق، اشترى أحد أطباء الأسنان في ولاية ميسوري الجهاز، ومنذ تلك اللحظة بدا كأنه يرى تلك الخطوط
الصغيرة من منظور مختلف. أخبرني "جيم" قائلًا: "كان يريد أن يصمم تاجًا لكل شيء. كان متحمسًا لاستخدام هذا الجهاز المتطور الجديد، ومن ثم أوصى كثيرين
من مرضاه بتحسين شكل ابتسامتهم باستخدام أحدث أجهزة طب الأسنان؛ جهاز ( CAD/CAM )".

وكانت واحدة من مرضاه طالبة في كلية الحقوق تعاني خطوطًا منحنية على مينا الأسنان في أحد ضروسها؛ فأوصى لها بتصميم تاج للضرس. وافقت الشابة لأنها
اعتادت الأخذ بنصيحة طبيب الأسنان المعالج لها، ولكن خمن ماذا حدث لها. بسبب هذا التاج، آلمها الضرس إلى أن مات العصب، مما اضطرها إلى اللجوء لعلاج
جذور الأسنان. ولكن ازداد الموقف سوءًا. فشل علاج الجذور وكانت تتعين عليه إعادته مرة أخرى ولكنه فشل للمرة الثانية. وكنتيجة لذلك، لم يتح للشابة خيار
سوى أن تخضع لعملية جراحية مؤلمة ومعقدة أكثر. هكذا بدأت الحالة مجرد خطوط غير مؤذية على مينا الأسنان وانتهت بألم وتكاليف مالية باهظة بالنسبة
لهذه الشابة.

وبعد أن تخرجت الشابة في كلية الحقوق، طبقت ما درسته في الكلية وأدركت أنها لم تكن بحاجة من الأساس إلى هذا التاج. وكما توقعت، لم تنطفئ شعلة
حماسها؛ ولاحقت طبيب الأسنان لتنتقم منه وقامت بمقاضاته في المحكمة وكسبت القضية.

الآن، ما الذي نستنتجه من هذه الحكاية؟ كما عرفنا من قبل، لا ينبغي أن يكون الشخص فاسدًا ليتصرف بطريقة تسبب المشكلات وتلحق الضرر في بعض الأحيان.
قد يقع الأشخاص حسنو النية في ارتكاب الأخطاء بسبب نزوات البشر، وقد يرتكبون أخطاء فاضحة، ومع ذلك يعتبرون أنفسهم صالحين وملتزمين أخلاقيًّا. لا
حرج من قول إن معظم أطباء الأسنان أكفاء ومراعون لشعور الآخرين ويتعاملون مع مرضاهم بنية حسنة. ومع ذلك، وكما اتضح لنا، فإن المحفزات قد تؤدي -
بل إنها تؤدي بالفعل - إلى انحراف أكثر المهنيين استقامة.

فكر في الأمر. حين يقرر طبيب أسنان أن يشتري جهازًا جديدًا، فإنه بلا شك يؤمن بأن هذا الجهاز سيساعده على خدمة مرضاه بشكل أفضل. ولكن في الوقت نفسه
قد يكون مجازفة تكلفه مبالغ طائلة. إنه يرغب في تحسين طرق رعاية المرضى، ولكنه يريد أن يعوض استثماره المالي هذا من خلال تحصيل الأتعاب من المرضى نظير
استخدامهم هذا الجهاز الجديد الرائع. ومن ثم فإنه يبحث عن طرق للقيام بهذا، سواء أكان يعي هذا أم لا، وها هي النتيجة! انتهت الحال بالمرضى بتركيب تاج،
وهو أمر أحيانًا ضروري وأحيانًا أخرى غير ضروري.

لكي أكون واضحًا، لا أظن أن أطباء الأسنان (والغالبية العظمى من الناس) يجرون مباشرة تحليل التكلفة والفائدة من خلال المقارنة بين مصلحة المرضى ومحفظة
النقود الخاصة بهم، ثم يختارون عن عمد مصلحتهم الخاصة على مصلحة مرضاهم. وعلى العكس، أشك أن بعض أطباء الأسنان الذين يشترون جهاز ( CAD/CAM ) يتفاعلون مع حقيقة أنهم استثمروا مبلغًا كبيرًا من المال ويريدون تحقيق أكبر استفادة منه. وتلون هذه المعلومة الحكم المهني لأطباء الأسنان، ما يقودهم
إلى توصيات وقرارات تصب في مصلحتهم، بدلًا من القيام بما هو في صالح المريض.

ولعلك تظن أن أمثلة كهذه - حين يتمزق مقدم الخدمة بين نقيضين (وهو ما يُشار إليه عمومًا بـ تعارض المصالح) - نادرة. ولكن الحقيقة أن تعارض المصالح يؤثر
كثيرًا جدًّا على سلوكنا على كل المستويات، المهنية والشخصية على حد سواء.

شكل 2: كيفية تأثير تعارض المصالح على أطباء الأسنان

 

 

هل يمكنني أن أجرب الوشم على وجهك؟

قبل فترة قصيرة، واجهت موقفًا غريبًا لتعارض المصالح. في هذا الموقف، كنت أنا المريض. حين كنت شابًّا في منتصف العشرينيات - بعد ستة أو سبعة أعوام من
إصــابتي 10 - تــرددت علــى المســتشفى لإجــراء فحــص دوري. وفــي إحــدى الزيــارات، التقــيت عــددًا مــن الأطبــاء، واســتعرضوا حـالتي, وفيمـا بعـد، التقـيت رئـيس قسـم
الحروق، الذي بدا أنه سعيد جدًّا بمقابلتي.

صاح قائلًا: "دان، لديَّ علاج رائع جديد من أجلك! كما تلاحظ لديك شعر كثيف وداكن على جانب وجهك الأيسر، حين تحلقه - مهما حاولت أن تحلقه لأقصر
طول للشعرة - ستظهر بثور سوداء صغيرة عند منبت الشعر. ونظرًا لأن بالجانب الأيمن من وجهك آثار حروق, فلا ينمو الشعر أو تظهر البثور السوداء الصغيرة
في هذا الجانب من وجهك، ما يجعل جانبي وجهك غير متماثلين".

وعند هذه النقطة، انطلق في محاضرة قصيرة عن أهمية التجانس والتماثل لأسباب جمالية واجتماعية. كنت أعرف مدى أهمية التماثل بالنسبة له؛ لأنني تلقيت
محاضرة مصغرة مشابهة قبل بضع سنوات، حين أقنعني بأن أجري عملية جراحية طويلة ومقعدة؛ حيث سيقوم باقتطاع جزء من فروة رأسي بالأوردة الدموية
الخاصة به، ويعيد ترميم الجانب الأيمن من حاجبي الأيمن. (وأنني سأخضع لعملية جراحية معقدة لمدة 12 ساعة وستعجبني النتيجة).

ثــم جــاء عرضــه: "لقــد قمنــا بوشــم بثــور صــغيرة تشــبه منــابت الشــعر الطبيعيــة علــى الــوجوه المصــابة بــآثار الحــروق مثــل وجــهك، وســعد المرضــى علــى نحـو لا يصـدق
بالنتائج".

قلت: "هذا يبدو مثيرًا للاهتمام. هل يمكنني الحديث إلى أحد المرضى الذين أجروا هذه العملية؟".

رد قــائلًا: "لســوء الحــظ، لا يمكنــك لأن هــذا ينتــهك ســرية المعلومــات الطبيــة". وبــدلًا مــن ذلــك، عــرض علــيَّ صــورًا للمرضــى؛ لــيس لوجوهــهم كاملــة ولكــن لــلأجزاء
المرسومة بالوشم. وبالتأكيد بدت الوجوه التي تعاني آثار الحروق مغطاة ببثور سوداء تشبه منابت الشعر الطبيعية.

ولكنني تذكرت شيئًا وسألته: "ماذا سيحدث حين أتقدم في العمر ويصير لون شعري رماديًّا؟".

رد عليَّ قائلًا: "أوه، ليست مشكلة. حين يحدث ذلك، سنقوم بتفتيح لون الوشم بجهاز ليزر". وبعد أن شعر بالرضا عن إجابته، أضاف قائلًا: "احضر غدًا الساعة
التاسعة. قم بحلاقة الجانب الأيسر من وجهك كما تفعل عادةً، وبنفس طول الشعر الذي تريد الاحتفاظ به، وسأقوم بوشم الجانب الأيمن من وجهك ليبدو
جانبا وجهك متماثلين. وأضمن لك أنه بحلول المساء ستكون أكثر جاذبية وسعادة".

أخذت أفكر في العلاج المحتمل في أثناء قيادة السيارة في طريق عودتي إلى المنزل وعلى مدار باقي اليوم. كما أنني أدركت أنه من أجل تحقيق الاستفادة الكاملة من
هذا العلاج، سيتعين عليَّ أن أحلق ذقني بالطريقة نفسها طوال حياتي. وفي صباح اليوم التالي، دخلت مكتب رئيس قسم الحروق وأخبرته بأنني لست متحمسًا
للعملية.

ولم أكن متوقعًا لما هو آت حيث قال بخشونة: "ما خطبك؟ هل يعجبك أن تبدو غير جذاب؟ هل تستمتع بعدم تماثل وجهك؟ هل تشعر النساء بالشفقة تجاهك
ويتعاطفن معك؟ أنا أعرض عليك فرصة لتصلح من مظهرك بطريقة بسيطة ورائعة جدًّا. لم لا تقبلها وتكون ممتنًّا لي؟".

قلت: "لا أعرف. لا أشعر بالراحة إزاء الفكرة. دعني أفكر في الأمر أكثر".

ولعلك تجد أنه من الصعب أن تصدق أن رئيس القسم يمكنه أن يتصرف هكذا بعدوانية وفظاظة، ولكني أؤكد لك أن هذا ما قاله لي بالضبط. وفي الوقت نفسه،
لــم يكــن هـذا تصـرفه المعتـاد معـي، ومـن ثـم شـعرت بـالارتباك مـن طريقتـه المتعنتـة. فـي الـواقع، كـان طبـيبًا رائـعًا ومجـدًّا فـي عملـه يحسـن معـاملتي ويعمـل بكـد كبـير
ليحســن حــالتي. ولـم تكـن هـذه هـي المـرة الأولـى التـي أرفـض فيـها عـلاجًا. فعلـى مـدار عـدة سـنوات مـن التعـامل مـع المختصـين فـي المجـال الطبـي، لقـد قـررت أن أخضـع
لبعض المعالجات ولا أخضع لغيرها. ولكن لم يحاول أحد من الأطباء المعالجين لي، ومن بينهم رئيس قسم الحروق، إشعاري بالذنب لأقبل علاجًا معينًا.

وفي محاولة لحل هذا اللغز، ذهبت إلى نائبه، كان طبيبًا أصغر في السن ربطتني به علاقة وطيدة. طلبت منه أن يشرح لي السبب وراء قيام رئيس القسم بالضغط
عليَّ بخصوص هذا الأمر.

قال نائب رئيس القسم: "آه، أجل، أجل، لقد أجرى هذه العملية بالفعل لاثنين من المرضى، وهو بحاجة إلى مريض ثالث لكي يتمكن من نشر بحثه العلمي في
إحدى الدوريات العلمية".

بالتأكيد، هذه المعلومة الإضافية ساعدتني على استيعاب تعارض المصالح على نحو أفضل. في هذه الحالة؛ طبيب ماهر أعرفه منذ عدة سنوات وكان يعالجني بكل
حب ورعاية. وبرغم أنه كان مهتمًّا بأمري بدرجة كبيرة بصفة عامة، فإنه في هذه الحالة لم يستطع أن يتجاوز مسألة تعارض مصلحته مع مصلحة مريضه, فهذا
يبين مدى صعوبة التغلب على تعارض المصالح طالما أنها تلون رؤيتنا للعالم.

وبعد سنوات من الخبرة في مجال النشر بالدوريات الأكاديمية، أصبح لديَّ الآن فهم أفضل لتعارض المصالح بالنسبة لهذا الطبيب (سنلقي مزيدًا من الضوء على
هذا في وقت لاحق). بالطبع، لم أحاول قط أن أجبر أحدًا على رسم وشم على وجهه؛ ولكن لم يفت الأوان للقيام بذلك.

التكلفة المستترة للمعروف

إن أحد الأسباب الشائعة لتعارض المصالح هو رغبتنا الفطرية لرد المعروف. نحن - معشر البشر - كائنات اجتماعية جدًّا، ومن ثم حين يسدي لنا أحدهم معروفًا أو يقدم لنا هدية، فإننا نميل للشعور بأننا مدينون لهذا الشخص. ويلون هذا الشعور بدوره رؤيتنا؛ ما يجعلنا نميل أكثر لمساعدة ذلك الشخص في المستقبل.

أجرى كل من "آن هارفي" و"أولريش كيرك" و"جورج دينفيلد" و"ريد مونتيج" (الذين درس جميعهم في كلية بايلور للطب) إحدى أكثر الدراسات المثيرة للاهتمام
على أثر المعروف. في هذه الدراسة، كانت "آن" وزملاؤها يتحققون مما إذا كان يمكن للمعروف أن يؤثر على أفضلية خياراتنا بالنسبة للمسائل الجمالية.

عنــدما دخــل المشــاركون معمــل العلــوم العصــبية بكليــة بـايلور، قيـل لـهم إنـهم سـيقيمون أعمـالًا فنيـة لمعرضـيْ لوحـات فنيـة؛ أحـدهم يُدعـى معـرض "ثـيرد مـوون"،
والآخر يُدعى معرض "لوون وولف". أُبلغ المشاركون بأن المعرضين سيقدمان مقابلًا ماديًّا سخيًّا لمن يشارك في هذه التجربة. قيل للبعض إن المقابل المادي سيتبرع به
معرض "ثيرد موون"، في حين قيل للآخرين إن المقابل المادي سيتبرع به معرض "لوون وولف".

تقدم المشاركون نحو الجزء الأساسي من التجربة متسلحين بهذه المعلومة. وطلب من الواحد تلو الآخر أن يبقى ساكنًا بلا حراك بقدر المستطاع داخل جهاز تصوير
وظائف الدماغ بالرنين المغناطيسي، وهو عبارة عن جهاز ضخم على شكل أسطوانة مفرغة من المنتصف. بمجرد أن أُدخلوا إلى الجهاز، رأوا سلسلة مكونة من ستين
لوحة، تُعرض عليهم تباعًا. كانت جميع اللوحات لفنانين غربيين من القرن الثالث عشر وحتى القرن العشرين, وكانت اللوحات تتراوح ما بين فن تعبيري وفن
تجريدي. ولم تكن الستون لوحة هي كل ما شاهدوه؛ حيث أعلى الجانب الأيسر من كل لوحة يوجد شعار المعرض الفني الذي يمكن شراء اللوحة منه؛ وهذا
يعني أن بعض الصور قُدمت على أنها من المعرض الفني الذي يقدم مقابلًا ماديًّا للمشارك، وبعض الصور الأخرى قُدمت على أنها من المعرض الفني الآخر.

وبمجرد الانتهاء من الجزء الخاص بعرض الصور داخل جهاز الرنين المغناطيسي، يُطلب من كل مشارك أن يلقي نظرة أخرى على كل لوحة تحمل شعار المعرض،
ولكن في هذه المرة طُلب منهم تقييم كل صورة على مقياس مدرج ما بين "عدم الإعجاب" و"الإعجاب".

وبتوافر معلومات التقييم، استطاعت "آن" وزملاؤها أن تحدد أكثر اللوحات التي أعجبت المشاركين، هل اللوحات التي قدمها معرض "ثيرد موون" أم معرض
"لوون وولف". ربما كما ظننت، حين فحص الباحثون نتائج التقييم، وجدوا أن المشاركين أعطوا تقييمًا أعلى للوحات التي عرضها المعرض الفني الذي قدم لهم
مقابلًا ماديًّا.

لعلــك تظــن أن هــذه الأفضــلية للمعــرض الفنــي الـذي قـدم مقـابلًا مـاديًّا جـاءت كنـوع مـن إبـداء الأدب والكياسـة أو كنـوع مـن المـداهنة؛ مثلمـا نمـدح الأصـدقاء الـذين
دعونا على العشاء برغم أن جودة الطعام سيئة. وهنا يأتي دور جهاز تصوير وظائف الدماغ بالرنين المغناطيسي في الدراسة. بافتراض أ ن آثار رد المعروف متأصلة
بــداخل المشــارك، فقــد أظــهرت صــور وظــائف المــخ التــأثير نفســه؛ حــيث زاد وجــود شــعار المعــرض الفنــي الــذي يقــدم مقــابلا مــاديًّا مــن نشــاط المــخ المــرتبط بالمتعــة لــدى
المشاركين (وبخاصة القشرة المخية الجبهية الأمامية؛ وهو جزء من المخ مسئول عن مهارات التفكير العليا، من بينها تداعي الأفكار والمعاني). أوضح هذا أن المعروف
الذي أسداه المعرض الفني له تأثير عميق في تقييم الناس للوحات الفنية. وإليك هذا: حين سُئل المشاركون عما إذا كان شعار المعرض الفني له أي تأثير على أفضلية
اختيار اللوحات، كان الرد العام: "مستحيل، بالتأكيد لا".

الأكثر من ذلك، مُنح المشاركون مبالغ متفاوتة مقابل الوقت الذي قضوه في التجارب. تلقى بعضهم 30 دولارًا من المعرض الفني الذي تكفل بهم، وبعضهم الآخر
تلقى 100 دولار. وأعلى مبلغ تلقاه المشاركون كان 300 دولار. اتضح أن التحيز تجاه المعرض الفني الذي قدم مقابلًا ماديًّا ازداد بزيادة المبلغ الذي يقدمه المعرض.
كان حجم نشاط مراكز المتعة في المخ عند أدنى مستوياته حين كان المقابل المادي 30 دولارًا، بينما سجل مستوى أعلى حين كان المقابل المادي 100 دولار، وبلغ أعلى
مستوى له حين وصل المقابل المادي إلى 300 دولار.

توحي النتائج بأنه بمجرد أن يسدي لنا شخص (أو هيئة) معروفًا، فإننا ننحاز لأي شيء يخص ذلك الطرف المانح، وأن حجم هذا الانحياز يزداد كلما ازداد حجم
المعروف (في هذه الحالة مع زيادة مبلغ المال). ومن المثير للاهتمام كثيرًا أن المقابل المادي يمكن أن يؤثر على أفضلية خيارات المرء بالنسبة للوحات الفنية التي تم
إبداعها في معزل عن المعرض الفني في حد ذاته. ومن المثير للاهتمام أيضًا ملاحظة أن المشاركين كانوا يعرفون أن المعرض الفني سيدفع المقابل المادي بغض النظر
عن تقييمهم للوحات، ومع ذلك فإن المبلغ المالي (وحجمه) أوجد أثرًا لرد المعروف في نفوس المشاركين ما أثر على أفضلية خياراتهم.

التلاعب بالمستحضرات الدوائية

يجيد بعض الأشخاص والشركات فهم هذه النزعة الإنسانية لرد المعروف, ومن ثم ينفقون الكثير من الوقت والمال في محاولة لحث الشعور بالالتزام تجاه الآخرين.
وفي تصوري، أكثر المهن التي تستغل هذا الموضوع؛ أي المهن التي تعتمد على تعارض المصالح؛ بالتأكيد هي المهن التي تتواجد بها جماعات الضغط الحكومية التي
تنفق قليلًا من وقتها في توعية الساسة بالحقائق كما يعلن عنها أصحاب الأعمال, أما باقي الوقت فإنهم يحاولون غرس الشعور بالالتزام ورد المعروف في الساسة
الذين يأملون أن يردوا لهم الجميل من خلال التصويت بخصوص ما يصب في مصلحة جماعات الضغط هذه.

وجماعات الضغط ليست وحدها في سعيها المحموم بخصوص تعارض المصالح، فبعض المهن الأخرى يمكنها المنافسة بقوة في هذا الصدد على نحو مثير للجدال.
على سبيل المثال، هيا نلق نظرة على الطريقة التي يدير بها مندوبو شركات الأدوية أعمالهم. فمهمة مندوبي شركات الأدوية هي زيارة الأطباء وإقناعهم بشراء
المعدات الطبية والأدوية لعلاج جميع الأمراض بداية من الربو وحتى متلازمة "زولينجر إيليسون". في البداية، لعلهم يهدون الطبيب قلمًا عليه شعار شركتهم، أو
ربما مفكرة، أو كوبًا خزفيًّا، أو بعض العينات المجانية من الدواء. وهذه الهدايا البسيطة يمكن أن تؤثر بطريقة غير مباشرة على الأطباء لوصف هذا الدواء عادة؛
فقط لأنهم يشعرون بضرورة رد المعروف 1 .

ولكن الهدايا الصغيرة والعينات الدوائية المجانية ليست سوى بضع حيل نفسية من حيل كثيرة يستخدمها مندوبو شركات الأدوية للتودد للأطباء. قال لي صديقي
وزميلي (دعنا نُطلق عليه إم دي): "إنهم يفكرون في كل شيء". واستطرد ليشرح أن شركات الأدوية، وبخاصة الشركات الصغرى، يدربون مندوبيهم على التعامل
مع الأطباء كما لو أنهم منزهون عن الخطأ. ويبدو أن لديهم احتياطيًّا كبيرًا ومتفاوتًا من المندوبين؛ حيث يتم تنسيق الجهود بدقة متناهية. فكل مندوب يحترم
قــدراته لــديه قاعــدة بيــانات يــدون فيــها الأدويــة التــي وصــفها كــل طبــيب علــى مــدار ثلاثــة أشــهر (أدويــة الشــركة وأدويــة الشــركات المنافســة علــى حـد سـواء). ويجعـل
المنــدوبون شــغلهم الشــاغل هــو معرفــة نوعيــة الطعــام الــذي يحبـه كـل طبـيب وطـاقم العـاملين بعيادتـه، والأوقـات التـي مـن المـرجح أن يقـابل فيـه الطبـيب المنـدوبين
ونوعيــة المنــدوبين الــذين يقابلــهم الأطبــاء وجــهًا لوجــه. فــإذا لــوحظ أن الطبـيب يقضـي المزيـد مـن الـوقت مـع إحـدى المنـدوبات، فربمـا تعـدل الشـركة مـن مناوبـة عمـل
المنــدوبة بحــيث يمكنــها قضــاء المزيــد مـن الـوقت فـي تلـك العيـادة. إذا كـان الطبـيب مغـرمًا بـالتعامل مـع الجنـس الخشـن، فإنـهم يرسـلون إليـه منـدوبًا محنـكًا. ويأخـذ
المنــــدوبون علــــى عاتقــهم التعــرف علــى الأوســاط الخارجيــة للطبــيب، ومــن ثــم حــين يصــل المنــدوب يــوزع الحلــوى والــهدايا الصــغيرة الأخــرى علــى الممرضــات وموظفــي
الاستقبال، ليطمئنوا على علاقاتهم الطيبة مع الجميع من البداية.

وإحدى الممارسات المثيرة للاهتمام دعوة الأطباء إلى مطاعم معينة بكل بساطة وتناول أي شيء يريدونه دون أن يدفعوا حساب ما طلبوه. وحتى طلاب كليات الطب
والمتدربون يقعون ضحية بعض هذه الممارسات. وأحد الأمثلة الإبداعية على هذه الإستراتيجية هو مثال الكوب الأسود؛ حيث يُقدم للأطباء وأطباء الامتياز كوب
أسود عليه شعار الشركة، وتتفق الشركة مع سلسلة مقاهٍ محلية (دون ذكر أسماء) أن يذهب الطبيب لأي مقهى من هذه السلسلة ويحصل على أية كمية من
القهوة أو الكابتشينو كما يريد دون أن يدفع الحساب. والإقبال على هذا الكوب كان كبيرًا لدرجة أنه صار دليلًا على المنزلة الرفيعة بين الطلاب والمتدربين. ونظرًا لأن
مثل هذه الممارسات صارت مفرطة، فقد سنت المستشفيات والجمعية الأمريكية للطب المزيد من القوانين للحد من هذه الأساليب الترويجية المبالغ فيها. بالطبع،
ونظرًا لأن القوانين صارت صارمة أكثر، يواصل مندوبو شركات الأدوية البحث عن طرق جديدة ومبتكرة للتأثير على الأطباء. والسباق مستمر ... 11

قبل بضع سنوات مضت، دعوت أنا وزميلتي "جانيت شوارتز" (بروفيسور بجامعة تولين) بعض مندوبي شركات الأدوية على العشاء. كنا نختبر مندوبي شركات
الأدوية بطريقتهم نفسها؛ حيث أخذناهم إلى مطعم رائع وقدمنا لهم المشروبات المهدئة. وبمجرد أن شعروا بأنهم في حالة مزاجية انبساطية ومنفتحة، كانوا على
استعداد ليخبرونا بالحيل التي يستخدمونها في مجالهم. وما عرفناه كان صادمًا بعض الشيء.

تخيل واحدًا من مندوبي شركات الأدوية، شابًّا جذابًا في بداية العشرينات من عمره. ليس من نوعية الشباب الذي يلقى صعوبة في إعجاب الفتيات به. أخبرنا كيف
أنه أقنع طبيبة مترددة ذات مرة بأن تحضر ندوة تعريفية بدواء كان يروج له؛ وذلك من خلال الموافقة على أن يصحبها في دورة تدريبية لتعلم الرقص. كان هذا
بمثابة تعويض؛ لقد أسدى المندوب معروفًا للطبيبة، والطبيبة أخذت عينات الدواء المجانية ووصفت المنتج لمرضاها.

ومن بين الممارسات المألوفة، كما أخبرنا المندوبون، إهداء وجبات رائعة لطاقم العاملين بعيادة الطبيب (وأظن أن هذا إحدى مميزات العمل كممرضة أو موظفة
استقبال في العيادات الخاصة). وطاقم العاملين في إحدى عيادات الأطباء طلبوا التبديل بين اللحم والسمك كوجبة غداء إذا أراد مندوب شركة الأدوية أن يدخل
إلى الطبيب. وما صدمنا أكثر، أننا وجدنا أن الأطباء أحيانًا يستدعون المندوبين إلى غرفة الكشف (باعتبارهم "خبراء") ليطلعوا المرضى مباشرة على آلية عمل أدوية
معينة.
كان الاستماع إلى القصص التي يرويها لنا المندوبون القائمون على بيع الأجهزة الطبية مزعجًا أكثر. عرفنا أنه من الشائع لدى مندوبي مبيعات الأجهزة الطبية أن
يروجوا لأجهزتهم في غرفة العمليات في أثناء العمل والتجهيز لإجراء عملية جراحية.

تفاجأت أنا و"جانيت" من براعة مندوبي شركات الأدوية في فهم الإستراتيجيات الكلاسيكية للإقناع النفسي وكيف يستغلونها بطرق متطورة وبديهية. ومن بين
الوسائل البارعة الأخرى التي أخبرونا بها هي الاستعانة بالأطباء لإلقاء محاضرة مختصرة أمام أطباء آخرين بخصوص الدواء الذي يحاولون الترويج له. لم يكن
مندوبو شركات الأدوية مهتمين حقًّا بما يستفيد به جمهور الحاضرين؛ ولكن ما كانوا مهتمين به فعلًا هو تأثير المحاضرة على المتحدث نفسه. لقد وجدوا أنه بعد
إلقاء محاضرة قصيرة عن فوائد دواء معين، يشرع المتحدث في تصديق كلماته وسرعان ما يصف الدواء لمرضاه. وتظهر الدراسات النفسية أننا نشرع في تصديق ما
نقوله بأفواهنا على الفور وبسرعة، حتى إن كان السبب الأساسي لإبداء ذلك الرأي لم يعد مناسبًا (ففي حالة الأطباء، يتقاضون أجرًا مقابل إلقاء هذه المحاضرة).
هذا مثال حي على التباين المعرفي؛ إذ يظن الأطباء أنهم طالما يحدثون الآخرين بخصوص دواء، فلابد أن يكون دواءً جيدًا؛ ومن ثم تتغير معتقداتهم لتتوافق مع
حديثهم، ويشرعون في وصف الدواء لمرضاهم على هذا الأساس.

أخبرنــــا منــــدوبو شـــركات الأدويــة بأنــهم يســتعينون بحيــل أخــرى؛ منــها التحــول لشــخصيات أخــرى - التحــول بــين لــهجات مختلفــة وشــخصيات مختلفــة وتوجــهات
سياسية متباينة. إنهم يفخرون بقدرتهم على إشعار الأطباء بالراحة. وأحيانًا تتحول علاقة العمل وتتوسع لتدخل تحت بند الصداقة الاجتماعية؛ حيث إن بعض
مندوبي المبيعات يذهبون للصيد أو لعب كرة السلة مع الأطباء باعتبارهم أصدقاءهم. ومثل هذه الأنشطة المشتركة تجعل الأطباء يسعدون أكثر بوصف الأدوية
التــي يســتفيد منــهم "أصــدقاؤهم". لــم يعتبــر الأطبــاء - بالتأكيــد - أنفســهم يســاومون علــى قيمــهم حــين يخــرجون للصــيد أو لعــب كــرة الســلة مــع منــدوبي شــركات
الأدوية؛ بل إنهم يعتبرون أنفسهم يقضون استراحة يستحقونها مع أصدقاء تصادف أن جمعهم بهم عمل ما وحسب. بالطبع، في العديد من الحالات لا يدرك
الأطباء على الأرجح أنه يتم التلاعب بهم؛ ولكن لا شك أنه تم التلاعب بهم بالفعل.

والمعروف المستتر مجرد مثال واحد، ولكن هناك العديد من الأمثلة التي يتضح فيها أكثر تعارض المصالح. أحيانًا يدفع مصنعو الأدوية للأطباء آلاف الدولارات
كرسوم استشارة. وأحيانًا تتبرع شركة الأدوية بمبنى أو مبلغ من المال لقسم الأبحاث الطبية على أمل أن تؤثر على آراء الباحثين. وهذا النوع من التعامل يخلق
قدرًا كبيرًا من تعارض المصالح وخاصةً في كليات الطب؛ حيث ينتقل التحيز لمصلحة شركة أدوية بعينها من أستاذ بكلية الطب لطلابه وصولًا إلى المرضى في عيادات
الأطباء.

ولقــد وصــف "داف ويلســون"- صــحفي يعمــل بجريــدة نــيويورك تـايمز - مثـالًا علـى هـذا النـوع مـن السـلوكيات. فقبـل بضـع سـنوات، لاحـظ أحـد الطـلاب بكليـة الطـب
بجامعة هارفارد أن البروفيسور الذي يدرس له علم الأدوية والعقاقير يروج بشدة لفوائد أدوية الكوليسترول ويقلل من شأن آثارها الجانبية. وعندما بحث الطالب
على شبكة الإنترنت، اكتشف أن البروفيسور مقيد على كشف أجور عشر شركات أدوية، خمس منها تصنع أدوية الكوليسترول. ولم يكن البروفيسور وحده في هذا
الصدد. كما ذكر "ويلسون" في مقاله: "فبموجب قوانين كشف الفضائح داخل الجامعات، أُبلغ عميد كلية طب جامعة هارفارد بأن 1600 أستاذ ومحاضر من
إجمالي 8900 لهم أو لذويهم مصالح مالية في مشروعات متعلقة بالتدريس أو البحث أو الرعاية الطبية" 2 . فعندما يوصي أساتذة الجامعة بعقاقير معينة على
أساس أنها تستند إلى المعرفة الأكاديمية، فهذا يعني أننا نواجه مشكلة خطيرة.

التلاعب بالأرقام

إذا كنت تظن أن عالم الأدوية يشتهر بتعارض المصالح، فهيا نلق نظرة على مهنة أخرى ينتشر فيها هذا النوع من تعارض المصالح على نطاق أكبر. أجل، أتحدث عن
أرض العجائب الخاصة بالخدمات المالية.

تخيل أنك في عام 2007، وقد قبلت وظيفة رائعة في عالم البنوك والبورصة بـ وول ستريت. وربما تقترب علاوتك من 5 ملايين دولار في العام، ولكن هذا فقط إن
نظرت إلى السندات المدعومة بالرهون العقارية (أو غيرها من الأدوات المالية الجديدة) بنظرة إيجابية. وتتقاضى الكثير من المال لتحافظ على رؤية مشوهة للواقع،
ولكنك لا تلاحظ الحيل التي تمارسها العلاوات الكبيرة على إدراكك للواقع. عوضًا عن ذلك، سرعان ما تقتنع بأن السندات المدعومة بالرهون العقارية أكثر ثباتًا
مثلما تريد أن تعتقد تمامًا.

وبمجــرد أن تقتنــع بــأن الســندات المــدعومة بــالرهون العقاريــة ســتمثل الاتجــاه الســائد فــي المســتقبل، فســوف تتغاضـى نـوعًا مـا عـن مخـاطرها. وعـلاوة علـى ذلـك، مـن
المعــــــروف أنـــــه يصـــعب تقـــييم قيمـــة الســـندات الحقيقيـــة. وبينمـــا تجلـــس أمـــام الجـــداول الحســـابية الضـــخمة والمعقـــدة لبرنـــامج الإكســـيل التـــي تعـــج بـــالقيم المتغـــيرة
والمعادلات، تحاول فهم القيمة الحقيقية للسندات. تقوم بتغيير واحدة من القيم المتغيرة المتعلقة بالخصومات لتصبح 0.936 بدلًا من 0.934، وترى على الفور
مدى ارتفاع قيمة السندات. وتواصل التلاعب بالأرقام، بحثًا عن القيم المتغيرة التي تقدم أفضل تمثيل "للواقع"، ولكنك تضع عينيك على تداعيات اختيارك للقيم
المتغـــيرة المتوافقــة مــع مســتقبلك المــالي علــى المســتوى الشــخصي. وتواصــل التلاعــب بــالأرقام لــوقت أطــول حتــى تقتنــع بــأن الأرقــام تمثــل فعــلًا الطريقــة المثاليــة لتقــييم
السندات المدعومة بالرهون العقارية. ولا تشعر بالذنب لأنك متأكد من أنك بذلت قصارى جهدك لتقدم قيم السندات بموضوعية بقدر الإمكان.

بالإضافة إلى ذلك، أنت لا تتعامل مع نقد حقيقي؛ ولا تفعل شيئًا سوى التلاعب بأرقام بعيدة كل البعد عن النقود السائلة. تسمح لك الأرقام المجردة بأن تنظر
إلى تصرفاتك على أنها أشبه بلعبة، وليست شيئًا يؤثر حقًّا على بيوت الناس وأرزاقهم وحسابات تقاعدهم. ولست وحدك في هذا الصدد. فأنت تدرك أن الموظفين
الماليين الأذكياء يتصرفون مثلك بشكل أو آخر وعندما تقارن تقديراتك بتقديراتهم، تدرك أن عددًا كبيرًا من زملائك في العمل يختارون قيمًا مبالغًا فيها أكثر منك.
وإيمانًا منك بأنك كائن عقلاني، وإيمانًا منك بأن السوق على صواب دائمًا، فأنت تميل أكثر لقبول ما تفعله - وما يفعله الآخرون (سنعرف المزيد عن هذا الأمر في
الفصل الثامن) باعتبارها الطريقة الصحيحة لاستمرار العمل. أليس كذلك؟

بالطبع، هذه الطرق ليست سليمة حقًّا (هل تتذكر الأزمة المالية التي حدثت عام 2008؟)، ولكن نظرًا لمبلغ المال الذي تتضمنه هذه العملية، يبدو أنه من الطبيعي
أن تتلاعب بالأرقام قليلًا. كما أنه من طبيعة البشر التصرف بهذه الطريقة. وتُعد تصرفاتك مثيرة للشك والريبة بدرجة كبيرة، ولكنك لا تعتبرها هكذا. فعلى أية
حال، تعارض مصالحك يكون مدعومًا بحقيقة أنك لا تتعامل مع أموال حقيقية، فالأدوات المالية معقدة على نحو مربك للذهن، علاوة على أن جميع زملائك
يفعلون الشيء نفسه.

يعرض فيلم وثائقي بعنوان Inside Job والحائز على جائزة الأوسكار بالتفصيل كيف أفسد مجال الخدمات المالية الحكومة الأمريكية، ما أدى إلى الافتقار إلى
المراقبــــة علــــى بورصــــة وول ســــتريت وإلــــى الانــــهيار المـــالي الــذي حــدث عــام 2008. ويصــف الفــيلم أيــضًا كــيف أن القــائمين علــى مجــال الخــدمات الماليــة يــدفعون أجــورًا
للأكاديميين البارزين (عمداء الكليات، ورؤساء الأقسام، وأساتذة الجامعات) ليكتبوا تقارير متقنة تخدم مجال المال والأعمال وبورصة وول ستريت. إن كنت قد
شاهدت الفيلم، فأنت تشعر على الأرجح بالارتباك حيال السهولة التي بدت في التصرف المخادع للخبراء الأكاديميين، وتظن أنك لن تفعل أبدًا مثلهم.

ولكــن قبــل أن تؤكــد نزاهــة معــاييرك الأخلاقيــة، تخيــل أننــي (أو أنــك) تقاضـيت مبلـغًا كبـيرًا لأشـارك فـي لجنـة تـدقيق الحسـابات بقسـم الخـدمات البنكيـة الإلكترونيـة
( Giantbank ) لبنــك لانــدمارك. وبــاعتبار أن جزءًا كبــيرًا مــن دخلـي يعتمـد علـى نجـاح قسـم الخـدمات البنكيـة الإلكترونيـة، فلـن أكـون قلـقًا علـى الأرجـح بخصـوص
تصرفات البنك مثلما أنا الآن. ومع وجود مكافآت كبيرة، ربما لا أكرر قولي مثلًا إنه يجب أن تتمتع الاستثمارات بالنزاهة والشفافية وأنه يجب على الشركات العمل
بكد لتحاول التغلب على تعارض المصالح. بالطبع، لم أنضم إلى مثل هذه اللجنة؛ ولذا من السهل عليَّ أن أعتقد أن الكثير من تصرفات البنوك تستحق اللوم.

الأكاديميون يتعارضون أيضًا

عندما أفكر مليًّا في وجود تعارض المصالح بكل مكان واستحالة إدراك هذا الأمر في حياتنا الخاصة، فإنه يجب عليَّ أن أعترف بأنني معرَّض لتعارض المصالح.

فنحــن -الأكــاديميين - أحيــانًا يُطلــب منــا اســتغلال معرفتنــا كمســتشارين وشــهود خبــراء فــي مجــال تخصـصنا. فبعـد حصـولي علـى أول عمـل أكـاديمي بفتـرة قصـيرة،
دعتني شركة محاماة كبيرة لأكون شاهدًا خبيرًا لديها. عرفت أن بعض الزملاء المحنكين يدلون بشهادات متخصصة كعمل إضافي يتقاضون فيه أجورًا سخيةً (برغم
أن جميعهم يصرون على أنهم لا يفعلون ذلك من أجل المال). ودفعني الفضول لطلب الاطلاع على نسخ بعض الحالات القديمة، وعندما أطلعوني على القليل
منها تفاجأت من اكتشاف مدى تحيزهم لنتائج أبحاث بعينها. كما أنني صُدمت نوعًا ما من تقليل أهمية التقارير التي تعرض آراء ومؤهلات شهود خبراء يمثلون
الجانب الآخر؛ وهم في معظم الحالات أكاديميون موقرون أيضًا.

ومــن ثــم، قــررت أن أخــوض التجربــة (لـيس مـن أجـل المـال بـالطبع)، وتقاضـيت أجـرًا كبـيرًا لأعطـي رأيـي المتخصـص. 12 مـن البـداية، أدركـت أن المحـامين الـذين أعمـل
معهم يحاولون زرع أفكار في ذهني قد تدعم موقفهم. إنهم لا يقومون بذلك قسرًا أو بقولهم إن أشياء معينة ستكون جيدة بالنسبة لعملائهم. بدلًا من ذلك،
طلبوا مني وصف كل الأبحاث المتعلقة بالأمر. وأشاروا إلى أن بعض النتائج غير المناسبة لوضعهم ربما تحتوي على بعض الأخطاء المنهجية؛ في حين أن الأبحاث
الداعمة لآرائهم كانت غاية في الأهمية وأُجريت بطريقة جيدة. كما أنهم كانوا يثنون عليَّ جزيل الثناء في كل مرة أفسر بحثًا بطريقة تحقق لهم الاستفادة. وبعد مرور بضعة أسابيع، اكتشفت أنني سرعان ما تبنيت وجهة نظر من يدفعون لي الأجر. (والآن ومع كتابتي عن افتقاري للحيادية، فأنا متأكد من أنه لن يطلب مني
أحد أبدًا أن أكون شاهدًا خبيرًا - وربما كان هذا أمرًا رائعًا).

الرجل الثمل ونقطة البيانات

مررت بتجربة أخرى جعلتني أدرك مخاطر تعارض المصالح، في هذه المرة كان الأمر متعلقًا ببحث خاص بي. في تلك الفترة، كان أصدقائي بجامعة هارفارد كرماء
ليسمحوا لي باستخدام معمل السلوكيات لإجراء التجارب. كنت مهتمًا جدًّا باستخدام المعمل الخاص بهم لأنهم كانوا يستعينون بسكان المنطقة المحيطة بدلًا من
الاعتماد على الطلاب فقط.

وفي أحد الأسابيع، كنت أجري تجربة على اتخاذ القرار - وكما هي الحال عادةً - تنبأت أن يكون مستوى الأداء في مجموعة أعلى من المجموعة الأخرى. وهذا ما
بينته النتائج؛ باستثناء شخص واحد. كان هذا الشخص في المجموعة التي توقعت منها أفضل أداء، ولكن أداؤه كان أسوأ كثيرًا من الآخرين. وكان هذا مزعجًا جدًّا.
فعنــدما راجعــت بياناتــه عــن كثــب أكثــر, اكتشــفت أنــه أكبــر مــن أي شـخص آخـر فـي المجموعـة بحوالـي 20 عـامًا. كمـا أننـي تـذكرت رجـلًا أكبـر كـان يـأتي ثمـلًا للغايـة إلـى
المعمل.

في اللحظة التي اكتشفت فيها أن المشارك المزعج كان ثملًا، أدركت أنه كان ينبغي عليَّ استبعاد البيانات الخاصة به من البداية؛ نظرًا لأن قدرته على اتخاذ القرارات
كانت منقوصة بكل وضوح. ومن ثم، استبعدت بياناته، وعلى الفور بدت النتائج جيدة؛ مبدية ما توقعته بالضبط. ولكن، بعد مرور بضعة أيام، بدأت أفكر في
العملية التي قررت فيها استبعاد الرجل الثمل. سألت نفسي: ماذا كان سيحدث لو أن ذلك الرجل كان بالمجموعة الثانية - تلك المجموعة التي توقعت فيها أسوأ
أداء؟ لو كان الأمر كذلك، ما كنت سألاحظ ردود أفعاله الفردية. ولو كنت فعلت، لما كنت لأفكر على الأرجح في استبعاد بياناته.

وعقب التجربة، كان بإمكاني أن أردد لنفسي بكل سهولة قصة تعفيني من الاستعانة ببيانات الرجل الثمل. ولكن ماذا لو لم يكن ثملًا؟ ماذا لو كان يعاني نوعًا آخر
من الاعتلال ليست له علاقة بالشراب؟ هل كنت سأخترع عذرًا آخر أو حجة منطقية لتبرير استبعاد بياناته؟ كما سنرى في الفصل السابع، "الإبداع والخداع"،
يمكن للإبداع أن يساعدنا على تبرير اتباع الدوافع الأنانية الخاصة بنا في حين نظل نرى أنفسنا أشخاصًا أمناء.

قــررت أن أقــوم بشــيئين: أولًا، أعــدت إجــراء التجربــة لفحــص النتــائج مجــددًا، وهــو أمــر أتــى بثمــاره, ثــم قــررت أنــه لا بــأس مــن وضـع معـايير لاسـتبعاد المشـاركين فـي
التجربــة (بمعنــى أننــا لــن نخضــع الأشــخاص الثملــين أو مــن لا يسـتطيعون فـهم التعليمـات للاختبـار). ولكـن يجـب توضـيح قوانـين الاسـتبعاد، قبـل إجـراء التجربـة،
وليس بالتأكيد بعد فحص البيانات.

ماذا تعلمت؟ عندما قررت استبعاد بيانات الرجل الثمل، كنت أؤمن حقًّا بأنني أقوم بذلك باسم العلم، كما لو أنني كنت أحارب بجرأة لأوضح البيانات لكي تظهر
الحقيقة. ولم يخطر على بالي أنني أقوم بذلك لمصلحتي الشخصية، ولكن كان لدي بكل وضوح دافع آخر لإيجاد النتائج التي توقعتها. وبوجه عام أكثر، تعلمت -
مرة أخرى - أهمية إرساء القواعد التي يمكنها حمايتنا من أنفسنا.

الإفصاح: علاج شامل لكل الأمراض؟

إذن، مــا أفضــل طريقــة للتعــامل مــع تعــارض المصــالح؟ يــرد علــى ذهــن معظــم النـاس فـورًا "الإفصـاح الكـامل". وبـاتباع منطـق "سـياسات الشـفافية"، فـإن الافتـراض
الأســاسي للإفصــاح هــو طــالما أن النــاس يوضــحون علــى المــلأ مــا يقــومون بــه بالضــبط، فــإن كــل شــيء ســيسير علــى خــير مــا يــرام. ولــو أن المــهنيين أوضـحوا بكـل بسـاطة
دوافعــهم وأفصــحوا بــها لعملائــهم، فمــن المنطقــي إذن أن يســتطيع العمــلاء اتخــاذ قراراتــهم بأنفســهم بشــأن الاعتمــاد علــى نصــائحهم (المتحــيزة) ومـن ثـم يتخـذون
قرارات مستنيرة أكثر.

لــو كــان الإفصــاح الكــامل نــاموسًا مــن نوامــيس الكــون، لأطلـع الأطبـاء مرضـاهم بخصـوص الجـهاز الطبـي الـذي يوصـون للعـلاج بـه. أو حـين يتقاضـون أجـورًا لتقـديم
استشارات لمصنعي الأدوية التي بصدد وصفها لمرضاهم. وبإمكان المستشارين الماليين أن يبلغوا عملاءهم بمختلف الأجور والأتعاب والعمولات التي يحصلون عليها
من مختلف البائعين وشركات الاستثمار. ومع توافر هذه المعلومات، يجب أن يكون بمقدور العملاء تجاهل آراء المهنيين واتخاذ أفضل القرارات لصالحهم. ومن
الناحية النظرية، يبدو الإفصاح حلًّا رائعًا, إنه يبرئ المهنيين الذين يعترفون بتعارض مصالحهم ويقدم لعملائهم فهمًا أفضل لمصدر معلوماتهم.

ومع ذلك، يتضح أن الإفصاح ليس دومًا علاجًا فعَّالًا لتعارض المصالح. في الواقع، أحيانًا قد يجعل الأمور تسوء أكثر. لشرح كيفية ذلك، دعني أقدم لك دراسة
أجراهــا "دايلايــن كــاين" (بروفيســور بجامعــة ييــل)، و"جــورج ليووينســتون" (بروفيســور بجامعــة كــارنيجي مــيلون), و"دون مــوور" (بروفيسـور بجامعـة كـاليفورنيا،
بركلي). في هذه التجربة، يلعب المشاركون "لعبة" حيث يؤدون دورًا من اثنين. (بالمناسبة، ما يطلق الباحثون عليه "لعبة" لا يعتبره هكذا أي طفل عاقل). يقوم
بعــــض المشــاركين بــدور المقــيمين, حــيث كــانت مــهمتهم هــي تخمــين - بــأكبر قــدر ممكــن مــن الــدقة - المبلــغ الإجمــالي المــوجود فــي وعــاء كبــير يمتلــئ بفكــة. وكــان هــؤلاء
المشاركون يتقاضون أجرًا وفقًا لمدى قرب تخمينهم من القيمة الحقيقية للنقود الموجودة في الوعاء. وكلما اقترب تخمينهم من المبلغ الصحيح، زاد مبلغ المال الذي
يتقاضونه، ولا يهم فشلهم في تقييم المبلغ الصحيح سواء بالمبالغة في التقييم أو البخس به.

ولعب المشاركون الآخرون دور المستشارين؛ وتمثلت مهمتهم في إسداء النصح للمقيمين بخصوص تخميناتهم. (تخيل شخصًا أشبه بمستشارك بالبورصة، ولكن
بمــهمة أبســط كثــيرًا). كـان هنـاك اختلافـان مثـيران للاهتمـام بـين مجموعـة المقـيمين ومجموعـة المسـتشارين. الاختـلاف الأول هـو فـي حـين أن مجموعـة المقـيمين يلقـون
نظرة على الوعاء من على بُعد ولمدة بضع ثوان، كانت مجموعة المستشارين تحظى بوقت أكثر لتفحص الوعاء، كما أنه يتم إخبارهم بأن المبلغ الموجود في الوعاء
يتراوح بين 10 دولارات و30 دولارًا. وهذه المعلومة تمنح مجموعة المستشارين ميزة تنافسية على مجموعة المقيمين. وهذا ما جعلهم خبراء في مجال تقييم المبلغ
الإجمالي الموجود في الوعاء، وهو ما يعطي المقيمين سببًا قويًّا للاعتماد على نصيحة المستشارين عند صياغة تخميناتهم (مقارنةً باعتمادنا على الخبراء في كثير من
مناحي الحياة).

وكــان الاختــلاف الثــاني بخصــوص دفــع أجــر المســتشارين. فــي المجموعــة الضــابطة، يتقاضــى المســتشارون أجــرهم وفــقًا لــدقة تخمينــات المقــيمين، ومــن ثــم لـيس هنـاك
تعارض في المصالح. أما في مجموعة تعارض المصالح، فقد كان أجر المستشارين يزداد أكثر كلما ازداد المبلغ الذي يخمنه المقيم. فإذا زاد المقيم تخمينه للمبلغ بمقدار
دولار واحد، فهذا يصب في صالح المستشار؛ ولكنه من الأفضل بالطبع أن يزيد من تخمينه بمقدار 3 دولارات أو 4 دولارات. فكلما زاد تخمين المقيم، قلت استفادة
المقيم وزاد المبلغ الذي يتقاضاه المستشار.

إذن، مــا الــذي حــدث فــي المجموعــة الضــابطة وفــي مجموعــة تعــارض المصــالح؟ كمــا خمنــت: فــي المجموعــة الضـابطة، اقتـرح المسـتشارون متوسـط المبلـغ بمقـدار 16.50
دولار، بينما في مجموعة تعارض المصالح، اقترح المستشارون تقييمات تفوق مبلغ 20 دولارًا. لقد زادوا المبلغ بمقدار 4 دولارات. الآن، يمكنك أن تلقي نظرة على
الجانب الإيجابي لهذه النتيجة وتخبر نفسك: "حسنًا، على الأقل لم يبالغوا في قيمة المبلغ لتصل إلى 36 دولارًا أو رقم أعلى من ذلك". ولكن إذا كان هذا ما خطر
على بالك، فإنه ينبغي أن تفكر في شيئين: أولًا، لا يستطيع المستشار أن يقدم نصيحة مبالغًا فيها بكل وضوح لأن المقيم يرى الوعاء على أية حال. فلو كان المبلغ
عاليًا على نحو مبالغ فيه، لتجاهل المقيم النصيحة برمتها. ثانيًا، تذكر أن معظم الناس لا يبالغون في الغش لكي يشعروا بالنزاه ة إزاء أنفسهم. في تلك الحالة،
كان عامل التصحيح متمثلًا في زيادة بلغت 4 دولارات (أو حوالي 25 % من المبلغ).

بدت أهمية هذه التجربة في المجموعة الثالثة؛ مجموعة تعارض المصالح والإفصاح. في هذه المجموعة، كان أجر المستشار مشابهًا لأجر مجموعة تعارض المصالح.
ولكن في هذه المرة، كان يجب على المستشار أن يخبر المقيم بأنه (المستشار) سيحصل على المزيد من الأموال في حالة ما إذا بالغ المقيم في تخميناته. مثال حي على
سياسة الشفافية! بهذه الطريقة، يستطيع المقيم أن يضع في الاعتبار دوافع التحيز لمصلحة المستشار ويتجاهل نصيحته بطريقة ملائمة. وتجاهل هذه النصيحة
بالتأكيد سيساعد المقيم، ولكن ماذا عن تأثير هذا الإفصاح على المستشارين؟ هل الالتزام بالإفصاح يجعل المقيمين يستبعدون النصيحة المتحيزة؟ هل الإفصاح عن
تحيزهم يزيد من عامل التصحيح؟ هل سيشعرون بقدر أكبر من الراحة للمبالغة في قيمة المبلغ بدرجة أكبر؟ وسؤال المليون هو: أي هذين التأثيرين سيُثبت أنه
أكبر؟ هل سيزداد تجاهل المقيم لنصيحة المستشار أم سيقل مقارنةً بقدر مبالغة المستشار في المبلغ؟

ماذا كانت النتيجة؟ في مجموعة تعارض المصالح والإفصاح، زاد المستشارون تقييماتهم بمقدار 4 دولارات أخرى (من 20.16 دولار إلى 24.16 دولار). وماذا فعل
المقيمون؟ كما يمكنك التخمين على الأرجح، لقد قللوا من تقييماتهم، بمقدار دولارين فقط. بعبارة أخرى، برغم أن المقيمين أخذوا في الاعتبار إفصاح المستشارين
عند صياغة تخميناتهم، فإنهم لم يطرحوا المبلغ. لم يدرك المقيمون - مثلنا جميعًا - تأثير وحجم تعارض المصالح بالنسبة للمستشارين.

المحصلة النهائية: لقد زاد الإفصاح من التحيز لمصلحة فئة بعينها؛ فقل المبلغ الذي حصل عليه المقيمون وزاد المبلغ الذي حصل عليه المستشارون. لست متأكدًا من
أن الإفصاح سيزيد الأمور سوءًا بالنسبة للعملاء، ولكن من الواضح أن الإفصاح وسياسة الشفافية لن يجعلا الأمور أفضل دومًا.
إذن ما الذي ينبغي أن نقوم به؟

بعــد أن فــهمنا تعــارض المصــالح علــى نحـو أفضـل قليـلًا، يجـب أن نوضـح المشـكلات التـي تسـببها؛ فـهي لا تتواجـد فـي كـل مكـان وحسـب، بـل يبـدو أننـا لا نـدرك درجـة
تأثيرها على أنفسنا وعلى الآخرين. إذن، ما وجهتنا؟

وتتمثل إحدى التوصيات المباشرة في محاولة استئصال تعارض المصالح تمامًا؛ هو بالتأكيد أمر يسهل قوله عن فعله. ففي مجال الطب، ربما يعني هذا مثلًا عدم
السماح للأطباء بأن يعالجوا أو يفحصوا مرضاهم باستخدام الأجهزة الطبية التي يمتلكونها. وبدلًا من ذلك، ربما ينبغي أن نطلب من هيئة مستقلة - لا تربطها
صــــلة بــــالأطباء أو شــــركات الأجـــهزة الطبيــة - أن تجــري الفحوصــات وتقــدم العلاجــات. كمــا ســنوصي أيــضًا بمنــع الأطبــاء مــن تقــديم اســتشارات لشــركات الأدويــة أو
الاستثمار في المخزون الدوائي. فعلى أية حال، إن كنا لا نريد أن يواجه الأطباء تعارض المصالح، فإنه يجب أن نتأكد من أن دخلهم لا يعتمد على عدد الوصفات
الطبية التي يوصون بها لمرضاهم أو على نوعية الأدوية. وعلى نحو مماثل، إذا أردنا التخلص من تعارض المصالح بالنسبة للمستشارين الماليين، فينبغي ألا نسمح
لهم بالحصول على مكافآت لا تتماشى مع مصالح العملاء؛ لا أجور خاصة للخدمات، لا رشاوى، ولا أجور متفاوتة بناء على النجاح والفشل.

وعلــى الــرغم مــن أهميــة محاولــة تقليــل تعــارض المصــالح، فلــيس مــن الســهل القيــام بــهذا. ولتأخــذ المقــاولين والمحــامين وميكـانيكيي السـيارات مثـالًا؛ فالطريقـة التـي
يتقاضى بها العاملون في هذه المهن أجورهم تعرضهم بشدة لتعارض المصالح لأنهم يقدمون التوصيات ويستفيدون من الخدمة، بينما لا يحظى العميل بأية خبرة
أو نفوذ في هذا الصدد. ولكن توقف لبضع لحظات وحاول أن تفكر في نموذج تعويضات لا يشتمل على تعارض المصالح. إذا استغرقت وقتًا في محاولة ابتكار مثل
هــذا النمــوذج، فــأنت علــى الأرجــح ســتتفق معنــا علــى أن هــذا الأمــر يصــعب جــدًّا - إن لــم يكــن مســتحيلًا - تحقيقـه. مـن المـهم أيـضًا إدراك أنـه بـالرغم مـن أن تعـارض
المصالح يسبب المشكلات، فإنه أحيانًا يحدث لأسباب وجيهة. فكر في حالة الأطباء (وأطباء الأسنان) الذين يقدمون علاجات تعتمد على أجهزة يمتلكونها. وبرغم أن
هذه الممارسات خطيرة من وجهة نظر تعارض المصالح، فهي تحتوي أيضًا على مميزات: فمن المرجح أكثر أن يشتري هؤلاء المهنيون الأجهزة التي يقتنعون بها، ومن
المرجح أنهم سيصيرون خبراء في استخدامها، وقد تكون مناسبة أكثر بالنسبة للمرضى، وربما يجري الأطباء بعض الأبحاث التي قد تساعد على تحسين الأجهزة أو
طرق استخدامها.

إن المحصلة النهائية هي ليس من السهل ابتكار أنظمة تعويضية لا تشتمل بالأساس على - بل وأحيانًا تعتمد على - تعارض المصالح. حتى إن كنا نستطيع التخلص
من كل أشكال تعارض المصالح، فربما تكلفة هذا الأمر من حيث تراجع مستوى المرونة وزيادة البيروقراطية والمراقبة لا تستحق؛ ولهذا السبب لا ينبغي لنا الدفاع
بحماس عن القواعد والقيود المشددة (افترض أن الأطباء لا يمكنهم التحدث إلى مندوبي شركات الأدوية أو اقتناء الأجهزة الطبية الخاصة بهم). في الوقت نفسه،
أعتقد أنه من المهم بالنسبة لنا أن ندرك إلى أي مدى قد تعمينا المحفزات المالية. علينا أن نعترف بأن المواقف التي تشتمل على تعارض المصالح لها أضرار جسيمة
ونحاول أن نقلل منها حين تفوق تكلفتها فوائدها.

كما توقعت على الأرجح، هناك الكثير من الأمثلة المباشرة التي ينبغي فيها التخلص من تعارض المصالح بكل بساطة. على سبيل المثال، تعارض المصالح الخاص
بالمســتشارين المــاليين الــذين يحصــلون علــى أجــور إضـافية، أو المـراجعين الـذين يعملـون كمسـتشارين للشـركات نفسـها، والعـاملين فـي المجـال المـالي والـذين يتقاضـون
مكافآت سخية حين يكسب عملاؤهم أموالًا، ولا يخسرون شيئًا حين يفقد عملاؤهم كل شيء، وهيئات التقييم التي تتقاضى أجرها من الشركات التي تقيمها،
والساسة الذين يقبلون الهدايا والأموال من الشركات ومجموعات الضغط في مقابل الحصول على أصواتهم، في كل هذه الحالات يبدو بالنسبة لي أنه يجب أن
نبذل قصارى جهدنا للتخلص من تعارض المصالح بأقصى قدر ممكن - من خلال القوانين واللوائح على الأرجح.

ولعل الشكوك تساورك بخصوص تفعيل مثل هذه اللوائح. حين لا تفعل الحكومة أو المؤسسات المالية، يجب أن ندرك باعتبارنا مستهلكين خطورة تعارض المصالح
التي تأتي بها ونقوم بأقصى ما بوسعنا لنتواصل مع مقدمي الخدمة الذين يواجهون عددًا أقل من تعارض المصالح (أو لا يواجهونها على الإطلاق). ومن خلال نفوذنا
المالي، يمكننا أن نجبر مقدمي الخدمة على تلبية مطلبنا بتقليل تعارض المصالح.

في النهاية، عندما نواجه قرارات حاسمة ندرك فيها أن الشخص الذي ينصحنا ربما ينحاز لمصلحته - مثل الطبيب الذي عرض عليَّ وشم وجهي - يجب أن نقضي
المزيد من الوقت والجهد للحصول على رأي ثان من جهة ليست لها مصلحة مالية في القرار محل النظر.

10 عندما كنت في مرحلة المراهقة، انفجرت بجانبي ألعاب نارية. وأصبت بحروق شديدة من الدرجة الثالثة وأجريت لي عدة عمليات جراحية وخضعت للعلاج على
مدار سنوات. للمزيد من التفاصيل، اقرأ كتبي السابقة.

11 ربمــا مــن أكثــر الأدلــة الموضــحة لآثــار صــناعة الأدويــة حقيقــة أن الشــخص الــذي أجــريت معــه مقابلــة شــخصية أصــر علــى الحفــاظ علــى ســرية اســمه لتجنـب حظـر
التعامل معه من قبل شركات الأدوية.

12 كــانت هــذه هــي المــرة الأولــى التــي أتقاضــى فيــها أجــرًا كبــيرًا بالســاعة، وقــد أثـار اهتمـامي الطريقـة التـي بـدأت أرى بـها العـديد مـن القـرارات بنـاءً علـى "عـدد سـاعات
العمل". عرفت أن ساعة العمل تمكنني من شراء عشاء فاخر والمزيد من الساعات الأخرى تمكنني من شراء دراجة جديدة. وقد ظننت أن هذه طريقة ممتعة لأفكر
فيما ينبغي وما لا ينبغي أن أشتريه، ويومًا ما سألقي نظرة على هذا الأمر.
الفصل 4

لماذا نستسلم حين نشعر بالإرهاق؟!

تخيل نفسك في نهاية يوم شاق وطويل جدًّا. لنفترض أنه أكثر الأيام إرهاقًا؛ يوم الانتقال إلى منزل جديد. أنت مرهق تمامًا؛ وكل جزء في جسدك متعب. ومن
المستبعد تمامًا أن تطهو طعامك؛ فليست لديك أدنى طاقة فقط لتبحث عن المقلاة والطبق والشوكة، ناهيك عن استخدامها. من الواضح أنك ستتناول طعامك في
الخارج هذه الليلة.

هنــاك ثلاثـة مطـاعم فـي نطـاق سـكنك الجـديد. الأول عبـارة عـن مطعـم صـغير يقـدم السـلطات الطازجـة وشـطائر اللحـم المشـوي بالخضـراوات والجبـن. والمطعـم الآخـر
عبارة عن مطعم صيني تفوح منه روائح دهنية ومملحة تداعب الغدد اللعابية في مؤخرة فمك. أما الثالث فهو عبارة عن مطعم بيتزا صغير؛ حيث يستمتع سكان
المنطقــة بشــطائر الجبــن ذات الحجــم المضــاعف. إلــى أي مطعــم ســتجر جســدك المتعــب والمــرهق؟ أي نــوع مــن المطــاعم الثلاثــة ســتفضل الاســتمتاع بطعامــه فــي شـقتك
الجديدة؟ وعلى النقيض، فكر في الاختيار المحتمل إن كانت هذه الوجبة بعد أمسية قضيتها مسترخيًا في الفناء الخلفي بصحبة كتاب جيد.

في حالة عدم ملاحظتك هذا الأمر، في الأيام المرهقة, الكثير منا يستسلم للمغريات ويختار أكثر البدائل غير الصحية. وتُعتبر الوجبات الصينية الجاهزة والبيتزا خيارًا
عمليًّا في يوم مثل يوم الانتقال إلى سكن جديد؛ إذ تستحضر في ذهنك صورة لزوجين شابين، فاتنين، متعبين ولكنهما سعيدان تحيط بهما صناديق من الورق
المقوى ويتناولان المأكولات الصينية بالأعواد الخشبية. وجميعنا يتذكر الأوقات التي عرض فيها علينا زملاء الجامعة البيتزا والمشروبات الغازية في مقابل مساعدتهم
على الانتقال إلى السكن الجديد.

هــذا الــرابط الغــامض بــين الإرهــاق واســتهلاك الأطعمــة الســريعة لــيس مجــرد قصــة يختلقـها خيـالك؛ ولـهذا السـبب تفشـل الكثـير مـن أنظمـة الحميـة الغـذائية عنـد
الشعور بالتعب والإرهاق؛ ولهذا السبب أيضًا يعود الأشخاص المقلعون عن التدخين إلى التدخين مرة أخرى عقب المرور بأزمة.

هيا نتناول الكعك!

مفتاح حل هذا اللغز مرتبط بالنزاع بين الجانب الاندفاعي (أو العاطفي) والجانب العقلاني (أو المتأني) من أنفسنا. وهذه ليست بفكرة جديدة؛ فالكثير من الكتب
التي تناولت التطورات المستقبلية (والأوراق البحثية) على مر التاريخ طرحت الصراع بين الرغبة والمنطق. فلدينا صراع أزلي. وهناك أيضًا أسطورة "أوديسيوس" الذي
عرف أن أغنية حورية البحر "سيرينا" ستغويه ومن ثم أمر طاقم البحارين أن يقيدوه في ساري السفينة ويملأوا آذانهم بالشمع ليسدوا آذانهم عن النداء المغوي
(وبهذه الطريقة حقق "أوديسيوس" ما أراده؛ استطاع أن يسمع الأغنية دون أن يزعج رجال طاقمه بتحطيم السفينة). وفي واحد من أكثر النزاعات المأساوية بين
العقل والعاطفة، أحب "روميو" و"جولييت" بعضهما البعض في رائعة "شكسبير"، برغم تحذيرات رجل الدين "لورانس" بأن العاطفة الجامحة لا تسفر إلا عن
كارثة.

ومن أجل توضيح رائع للنزاع الدائر بين الرغبة والمنطق، درس "بابا شيف" ( بروفيسور بجامعة ستانفورد) و"ساشا فيدروكين" (بروفيسور بجامعة إنديانا) فكرة أن
الناس يستسلمون للمغريات أكثر عند إرهاق جزء المخ المسئول عن التفكير المتأني. ومن أجل التقليل من قدرة المشاركين على التفكير بفاعلية، لم يستأصل "بابا"
و"ســاشا" أجزاء مــن أمخــاخ المشــاركين (مثلمــا يفعــل البــاحثون أحيــانًا مـع الحيوانـات الخاضـعة للتجربـة)، ولـم يسـتخدموا الـذبذبات المغناطيسـية لتشـتيت التفكـير
(برغم وجود أجهزة تقوم بذلك). وبدلًا من ذلك، قررا إجهاد قدرتهما على التفكير من خلال ما يطلق عليه علماء النفس العبء الإدراكي. بعبارة أبسط، أرادا أن
يكتشفا ما إذا كان إجهاد الذهن سيجعل المرء أقل مقاومة للمغريات ويزيد من احتمال استسلامه للمغريات أم لا.

سارت تجربة "بابا" و"ساشا" على هذا النحو: قسما المشاركين إلى مجموعتين وطلبا من أفراد إحدى المجموعتين أن يحفظوا عددًا مكونًا من رقمين (35 مثلًا) وطلبا
مــن أفــراد المجموعــة الأخــرى أن يحفظــوا عــددًا مكــونًا مــن 7 أرقــام (7581280 مثــلًا). وطلبـا مـن المشـاركين أنـه مـن أجـل الحصـول علـى المقـابل المـادي جـراء المشـاركة فـي
التجربة، لابد أن يذكروا العدد لأحد المختبرين، والذي ينتظرهم في غرفة ثانية عند نهاية الرواق. وماذا لو لم يتذكروا العدد الصحيح؟ لن يحصلوا على المكافأة.

اصطف المشاركون في التجربة، وعُرض عليهم أحد العددين؛ إما عدد مكون من رقمين أو عدد مكون من سبعة أرقام. كان كل فرد من المجموعتين - يستحضر في
ذهنه العدد - يسير عبر الرواق ليصل إلى الغرفة الثانية حيث يُطلب منه ذكر العدد؛ ولكن في طريقهم إلى هناك، يمر المشاركون على نحو غير متوقع على عربة
تمتلئ بكعك شيكولاتة داكنة وطبق يمتلئ بفاكهة متنوعة وصحية. وفي أثناء مرور المشاركين على العربة، يخبرهم ممتحن آخر بأنهم بمجرد أن يدخلوا الغرف
الثانية ويخبروا الممتحن بالعدد الصحيح، بإمكانهم أن يحصلوا على وجبة خفيفة من الوجبتين، ولكن يجب عليهم الاختيار الآن؛ أمام العربة. اختار المشاركون
وتسلموا ورقة بها الوجبة الخفيفة التي اختاروها، ثم توجهوا إلى الغرفة الثانية.

ما الخيار الذي قام به المشاركون تحت وطأة الكثير من العبء الإدراكي أو القليل منه؟ هل فاز خيار "الكعكة اللذيذة"، أم أن المشاركين اختاروا طبق سلطة الفواكه
الصــحية (الخيــار المنطقــي)؟ كمــا تــوقع "بــابا" و"ســاشا"، تــوقفت الإجابــة علــى المجموعــة التــي ينتمــي لــها المشــاركون؛ المجموعــة التــي تتــذكر العــدد السـهل أم العـدد
الصــعب. لقــد اختــار الأفـراد الـذين احتفظـوا فـي أذهانـهم بالعـدد "35" طبـق الفاكـهة أكثـر ممـن عـانوا لحفـظ العـدد المكـون مـن سـبعة أرقـام "7581280". ومـع وجـود
مستويات أعلى من المشاغل المرهقة، كانت المجموعة ذات الأرقام السبعة أقل قدرة على مقاومة الرغبات الغريزية، وانتهت الحال بالكثير منهم بالاستسلام لإغراء
كعكة الشيكولاتة المشبعة.

الذهن المرهق

أظــهرت تجربــة "بــابا" و"ســاشا" أنــه حــين يتــم إرهــاق قــدرتنا علــى التفكــير المتــأني، فــإن الجــانب الانـدفاعي يسـيطر علـى سـلوكياتنا. ولكـن التبـديل بـين التفكـير المنطقـي
وإشباع رغباتنا يصير أمرًا معقدًا أكثر حين نفكر فيما أطلق عليه "روي باومستر" (بروفيسور بجامعة فلوريدا) "استنزاف الأنا".

ولفهم استنزاف الأنا، تخيل أنك تحاول خسارة بضعة كيلوجرامات زائدة من وزنك. وذات يوم في العمل، وقع نظرك على مخبوزات الجبن التي تُقدم في اجتماع،
ولكنك تحاول أن تكون ملتزمًا بالحمية الغذائية، ومن ثم تجاهد نفسك لتقاوم الإغراء وتكتفي باحتساء القهوة بدلًا من ذلك. وفي وقت لاحق من اليوم، تتوق إلى
تناول طبق من مكرونة "فيتوشيني ألفريدو" على الغداء، ولكنك تجبر نفسك على تناول سلطة خضراء ودجاج مشوي. وبعد مرور ساعة، تريد أن تغادر العمل
مبكرًا بما أن مديرك غير متواجد، ولكنك تمنع نفسك وتقول: "لا، يجب أن أنتهي من هذا المشروع". في كل مثل من هذه الأمثلة، تدفعك غرائزك الحسية ناحية
نوع مستساغ من الإشباع، في حين أن تحكمك في ذاتك بدرجة كبيرة (أو قوة إرادتك) يتطلب وجود قوة مناهضة تقف في مواجهة هذه المثيرات.

إن الفكرة الأساسية وراء استنزاف الأنا هي أن مقاومة المغريات تتطلب قدرًا كبيرًا من الجهد والطاقة. تخيل إرادتك عضلة. عندما نرى دجاجًا محمرًا أو مخفوق
الشيكولاتة باللبن، تكون استجابتنا الأولى استجابة فطرية كأن نقول: "لذيذ، أريد تناولها!", ثم، نحاول التغلب على الرغبة؛ لذا نبذل المزيد من الجهد؛ فكل قرار
من القرارات التي نتخذها لتجنب الإغراء يتطلب قدرًا من الجهد (مثل رفع الأثقال مرة واحدة)، وإننا نجهد إرادتنا باستخدامها مرارًا وتكرارًا (مثل رفع الأثقال مرارًا
وتكرارًا). وهذا يعني بعد يوم طويل من "الرفض" لعدة مغريات متعددة ومتنوعة، أن تتضاءل قدرتنا على مقاومة هذه المغريات حتى نصل إلى نقطة نستسلم
عنــدها وينتــهي بنــا الأمــر إلــى مــلء معــدتنا بمخبــوزات الجبــن أو بســكويت الشــيكولاتة أو البطـاطس المحمـرة أو أي شـيء يجعـل لعـابنا يسـيل. وبـالطبع، هـذه الفكـرة
مزعجة. فعلى أية حال، تزخر أيامنا بالقرارات التي يجب أن نتخذها إلى جانب وابل من المغريات التي لا تنتهي. إذا كانت محاولاتنا المتكررة للسيطرة على أنفسنا
تستنزف قدرتنا على القيام بذلك، فهل من المستغرب أننا كثيرًا ما نستسلم؟ يساعدنا استنزاف الأنا على شرح سبب فشلنا في محاولات ضبط النفس - فبعد يوم
طويل من مجاهدة النفس للالتزام، نشعر بالإرهاق من كل شيء. ومع دخول المساء، نجد أنفسنا أكثر عرضة للاستسلام لرغباتنا (تخيل الوجبات الخفيفة التي
تتناولها في نهاية يوم طويل كمكافأة على مقاومة المغريات).
?

فحص عضلة الأخلاق

فــي أحــد المســلسلات التليفزيونيــة الشــهيرة وجــدت "ســامانثا جــونز" (فتــاة شــقراء مهووســة بــالعلاقات - معلومــة لمــن لــم يشـاهدوا المسـلسل) نفسـها ملتزمـة بعلاقـة
رســمية. بــدأت تــأكل قســرًا وبــالتالي زاد وزنـها. الأمـر المثـير للدهشـة هـو السـبب وراء هـذا السـلوك المحـير. لاحظـت "سـامانثا" أن هوسـها بـالطعام بـدأ حـين انتقـل رجـل
وسيم إلى الجوار؛ وهو من نوعية الرجال الذين كانت تسعى للارتباط بهم عندما كانت عزباء. أدركت أنها تستعين بالطعام كحصن واق من الإغراء: "أنا آكل لكي
لا أخــون"، قالتــها لتفســر لأصـدقائها سـلوكها. كـانت شـخصية "سـامانثا" الخياليـة مسـتنزفة، مثـل أي شـخصية حقيقيـة. لـم يكـن بمقـدورها مقاومـة كـل المغريـات،
ومن ثم توصلت إلى تسوية ألا وهي الوقوع في هوس تناول الطعام بدلًا من الدخول في علاقات متعددة.

هذا المسلسل لم يكن تحفة سينمائية أو سيكولوجية، ولكنه طرح تساؤلًا مثيرًا للاهتمام: هل الأشخاص الذين يرهقون أنفسهم في جانب واحد من جوانب الحياة
قــد ينتــهي بــهم الأمــر إلــى أن يكــونوا أقــل الــتزامًا مــن الناحيــة الأخلاقيــة فــي الجــوانب الأخــرى؟ هــل يقودنــا الاسـتنزاف إلـى الغـش والخـداع؟ هـذا مـا قـررت أنـا و"نـيكول
ميد" (بروفيسور بجامعة كاتوليكا – لشبونة) و"روي باومستر" و"فرانشيسكا جينو" و"موريس شفايتزر" (بروفيسور بجامعة بنسلفانيا) دراسته. ما الذي سيحدث
مـع الأشـخاص الحقـيقيين مـن هـم فـي مثـل مـوقف "سـامانثا" والـذين تسـتنزفهم مـهمة واحـدة، ثـم يحصـلون علـى فرصـة للغـش والخـداع؟ هـل سـتزيد نسـبة الغـش
والخداع لديهم؟ أم ستقل؟ هل سيتنبأون بأنهم أكثر عرضة للاستسلام للمغريات ومن ثم سيحاولون تجنب المواقف المغرية برمتها؟

اشتملت تجربتنا الأولى على عدة خطوات. أولًا، قسمنا المشاركين إلى مجموعتين. طلبنا من مجموعة أن تكتب مقالًا قصيرًا بخصوص ما فعلوه في اليوم السابق
دون أن يســتخدموا كلمــات تحتــوي علــى حــرفي "ض" و"ظ". ولكــي تفــهم هــذه المــهمة، جربــها بنفســك: فــي المســاحة الخاليــة التاليــة، اكتـب ملخـصًا لواحـد مـن كتبـك
المفضلة، ولكن لا تستخدم حرفي "ض" و"ظ". ملحوظة: لا يمكنك حذف الحرفين من الكلمات بكل بساطة؛ يجب أن تستخدم كلمات لا تحتوي على حرفي "ض"
و"ظ" (مثل دراجة).

لقد سمينا هذه المجموعة "المجموعة غير المستنزفة" لأن - كما تعرف - من السهل أن تكتب مقالًا دون أن تستخدم حرفي "ض" و"ظ".

وطلبنــا مــن المجموعــة الأخــرى أن تقــوم بالشــيء نفســه ولكــن دون أن تســتخدم حـرفي "أ" و"ن". لكـي تحظـى بفـهم أفضـل لمـدى صـعوبة هـذه المـهمة، حـاول أن تكتـب
ملخصًا قصيرًا عن فيلم من أفلامك المفضلة دون أن تستخدم أية كلمات تحتوي على حرفي "أ" و"ن".

وكما اكتشفت على الأرجح من تجربتك مع المهمة الثانية، فمحاولة حكي قصة دون أن تستخدم حرفي "أ" و"ن" تتطلب من مشاركينا استمرارية استبعاد الكلمات
التي ترد على ذهنهم بصورة طبيعية. لا يمكنك أن تكتب جملة مثل: "ذهبوا إلى المتنزه" أو "قابلوا بعضًا مصادفة في المطعم".

وكل هذه المحاولات الصغيرة للاستبعاد تضيف قدرًا أكبر من الاستنزاف.

وبمجرد أن يبدأ المشاركون في كتابة مقالاتهم، نطلب منهم أن يقوموا بمهمة منفصلة لدراسة مختلفة، وهي التجربة الأساسية التي نركز عليها. والمهمة الأخرى
هي اختبار المصفوفة القياسي.

مــا الــذي آلــت إليــه الأمــور؟ بالنســبة لمجموعتــي الضــبط، وجــدنا أن كـلًّا مـن المجموعـة المسـتنزفة والمجموعـة غـير المسـتنزفة لـم يفقـد المشـاركون فيـها قـدرتهم علـى حـل
المســائل الرياضــية، وهــو مــا يعنــي أن اســتنزاف الطاقــة لـم ينتقـص مـن قـدرتهم الأسـاسية علـى حـل المسـائل الرياضـية. ولكـن بالنسـبة لمجموعتـي تمزيـق ورقـة الإجابـة
(اللتين يمكنهما الغش)، سارت الأمور على نحو مختلف. من كتبوا المقالات دون استخدام حرفي "ض" و"ظ"، ثم مزقوا ورقة الإجابة، انغمسوا قليلًا في الغش
مدعين أنهم حلوا مصفوفة واحدة إضافية. ولكن من واجهوا أزمة كتابة المقال دون استخدام حرفي "أ" و"ن" ثم تمزيق ورقة الإجابة استسلموا "لإغراء الكعكة"؛
أي أنهم ادعوا بأنهم حلوا ثلاث مصفوفات إضافية. وكما يتضح، كلما كانت المهمة مرهقة ومستنزفة للطاقات أكثر، زادت نسبة الغش وسط المشاركين.

ما الذي توحي به هذه النتائج؟ بوجه عام، إذا ما أجهدت إرادتك، فستواجه المزيد من الصعوبات للتحكم في رغباتك، وهذه الصعوبة يمكن لها أن تؤثر بالسلب
على أمانتك أيضًا.

وفاة الجدات

علــى مــدار عــدة ســنوات مــن التــدريس بــالجامعات، لاحظــت زيــادة معــدل الوفيــات بــين أقــارب الطــلاب عنــد نــهاية الفصــل الدراســي، ويبــدو أن هــذا يحــدث غــالبًا فـي
الأســبوع الــذي يســبق الاختبــارات النــهائية وقبــل تســليم الأبحــاث. ففــي الفصــل الدراســي العــادي، حوالــي 10% مــن الطــلاب يطلبــون منــي مــد فتــرة تســليم الفـروض
الدراسية بسبب وفاة أحد الأقارب؛ وعادة ما يكون المتوفى هو الجدة. بالطبع، أشعر ببالغ الأسى وأكون على استعداد دومًا للتعاطف مع طلابي وأمنحهم المزيد
من الوقت لإنهاء الفروض الدراسية. ولكن يبقى السؤال: ما الخطر الذي يواجهه أقارب الطلاب في الأسابيع التي تسبق الاختبارات النهائية؟

إن معظم أساتذة الجامعات يواجهون الظاهرة المحيرة نفسها، وأظن أننا بدأنا نشك في وجود علاقة سببية بين الاختبارات والموت المفاجئ للجدات. في الواقع، أحد
الباحثين الشجعان نجح في إثبات هذه العلاقة. بعد جمع البيانات على مدار عدة سنوات، أظهر "مايك آدامز" (بروفيسور مادة الأحياء بجامعة ولاية كونيكتيكت
الشــرقية) أن الجـدات أكثـر عرضـة للوفـاة قبـل اختبـارات منتصـف الفصـل الدراسـي بعشـرة أضـعاف وقبـل الاختبـارات النـهائية بتسـعة عشـر ضـعفًا. عـلاوة علـى ذلـك،
فجدات الطلاب الذين لا يبلون بلاءً حسنًا في الدراسة أكثر عرضة لهذا الخطر مقارنة بالطلاب غير الراسبين.

خمن "آدامز"، في بحثه لاستكشاف سر هذا الرابط الحزين، أن هذه الظاهرة ترجع إلى عدة أبعاد متعلقة بالأسرة، بمعنى أن الجدات مهتمات كثيرًا بأحفادهن
ويقلقــن علــى نتــائج اختباراتــهم إلــى حــد المــوت. وهــذا قــد يفســر ســبب زيــادة حــدوث الوفيـات عنـد ارتفـاع المخـاطر، وبخاصـة فـي حالـة مـا إذا كـان المسـتقبل الأكـاديمي للطلاب في خطر. ومع وضع هذه النتيجة في الاعتبار، من الواضح أنه من منظور السياسة العامة، يجب أن تخضع الجدات - وخاصة جدات الطلاب الراسبين -
للمراقبة المحكمة لأعراض تدهور الصحة خلال الأسابيع التي تسبق الاختبارات النهائية وفي أثنائها. وهناك توصية أخرى وهي أنه ينبغي على أحفادهم - وبخاصة
من لا يبلون بلاءً حسنًا في الدراسة - ألا يخبروا الجدات بشيء عن توقيت الاختبارات أو مستوى أدائهم في الدراسة.

وبــالرغم مــن وجــود احتمــال بــأن تتســبب هــذه الأبعــاد المتعلقـة بالأسـرة فـي وقـوع أحـداث مأسـوية، فـإن هنـاك تفسـيرًا آخـر محتمـلًا لـهذا الوبـاء الـذي يبـدو أنـه يفتـك
بالجدات مرتين في العام. ربما يتعلق الأمر بعدم استعداد الطلاب للاختبارات ومن ثم يتدافع الطلاب طلبًا لمد الوقت دون وجود تهديد حقيقي لأمن هؤلاء المسنات
العزيزات. إذا كان الأمر كذلك، فلعلنا نرغب في التساؤل عن سبب تعرض الطلاب "لفقد" جداتهم (في رسالة بريد إلكتروني لأستاذ المادة) في نهاية الفصل الدراسي.

ربما في نهاية الفصل الدراسي، يصبح الطلاب مرهقين ومستنزفين بفعل أشهر الدراسة الطويلة ويهدرون طاقاتهم لدرجة أنهم يفقدون بعضًا من أخلاقياتهم في
هذه الأثناء ويبدون عدم الاهتمام بحيوات جداتهم. إذا كان التركيز المطلوب لتذكر عدد كبير قد يجعل الناس يختارون كعكة الشيكولاتة، فليس من الصعب تخيل
كيف قد يقود التعامل مع مواد علمية مختلفة ومتراكمة على مدار أشهر الطلاب إلى تلفيق كذبة وفاة الجدة من أجل تخفيف العبء (وليس هذا تبريرًا للكذب
على الأساتذة).

نصيحة لجميع الجدات في كل مكان: انتبهن لأنفسكن في أثناء الاختبارات النهائية.

أحمر وأخضر وأزرق

عرفنا أن الاستنزاف ينال من قدراتنا على التفكير المنطقي وكذلك قدرتنا على التصرف بطريقة أخلاقية.

فــي الحيــاة الواقعيــة، يمكننــا أن ننــأى بأنفســنا عــن المــواقف التــي قــد تغرينــا بالتصــرف بطريقــة غــير أخلاقيــة. إذا كنـا مـدركين لميولنـا للتصـرف بطريقـة مخادعـة عنـدما
نتعرض للاستنزاف, يمكننا أن نأخذ هذا الأمر في الاعتبار ونتجنب الإغراءات تمامًا. (على سبيل المثال، في سياق الحمية الغذائية، قد يعني تجنب الإغراءات أننا نقرر
عدم شراء البقالة عندما نشعر بالجوع الشديد).

فــي تجربتنــا التاليــة، تمكــن المشــاركون مــن اختيـار وضـع أنفسـهم فـي مـوقف قـد يغريـهم بـالغش فـي المقـام الأول. مـرة أخـرى، أردنـا تقسـيم المشـاركين إلـى مجموعتـين:
مجموعة مستنزفة، وأخرى غير مستنزفة. في هذه المرة، استخدمنا أسلوبًا مختلفًا للإرهاق الذهني يسمى تمرين ستروب .

المجموعة غير المستنزفة

الكلمات المتطابقة مع الألوان

?

المجموعة المستنزفة

الكلمات غير المتطابقة مع الألوان










?

في هذا التمرين، قدمنا للمشاركين جدولًا يحتوي على أسماء الألوان ومكونًا من خمسة أعمدة وخمسة عشر صفًّا (إجمالي 75 كلمة). الكلمات الموجودة في الجدول
هي أسماء الألوان - أحمر وأخضر وأزرق - مطبوعة بلون من الألوان الثلاثة وغير مرتبة في نظام محدد. بمجرد أن تُوضع القائمة أمام المشاركين، طلبنا منهم أن
يقولوا لون كل كلمة في القائمة بصوت عالٍ. كانت التعليمات بسيطة: "إذا كانت الكلمة مكتوبة بلون أحمر، بغض النظر عن الكلمة نفسها، فإنه يجب أن تقول
"أحمر". وإذا كانت الكلمة مكتوبة بلون أخضر، بغض النظر عن الكلمة نفسها، فإنه يجب أن تقول "أخضر"، وهكذا. قم بهذا بأسرع ما يمكنك. إذا ارتكبت خطأ
في أية مرحلة من المراحل، فمن فضلك كرر الكلمة حتى تقول الإجابة الصحيحة".

بالنسبة للمشاركين في المجموعة غير المستنزفة، كانت قائمة الألوان تحتوي على اسم اللون مكتوب باللون نفسه؛ بمعنى أن كلمة أخضر مكتوبة باللون الأخضر.
ويقدم للمشاركين في المجموعة المستنزفة التعليمات نفسها، ولكن قائمة الكلمات كانت تحتوي على اختلاف جوهري؛ لم يكن اسم اللون مكتوبًا باللون نفسه
(على سبيل المثال، كلمة "أزرق" مكتوبة باللون الأخضر، والمطلوب من المشاركين أن يقولوا "أخضر").

لتجرب بنفسك تمرين المجموعة غير المستنزفة، اذهب إلى تمرين "ستروب" الأول الموجود في الصفحة التالية واحسب الوقت الذي استغرقته لتقول اللون المكتوب
بـه الكلمـات المـوجودة فـي قائمـة "الكلمـات المتطابقـة مـع اللـون". عنـدما تنتـهي مـن التمـرين، اقلـب الصـفحة وجـرب تمـرين المجموعـة المسـتنزفة واحسـب الـوقت الـذي
استغرقته لتقول اللون المكتوب به الكلمات الموجودة في قائمة "الكلمات غير المتطابقة مع اللون".

ما الوقت الذي استغرقته لإنجاز التمرينين؟ إذا كنت مثل معظم مشاركينا، تستغرق قراءة قائمة الكلمات المتطابقة مع اللون (المجموعة غير المستنزفة) ستين ثانية
تقريبًا، بينما كان تمرين قراءة الكلمات غير المتطابقة مع اللون (المجموعة المستنزفة) أصعب بمقدار ثلاثة إلى أربعة أضعاف وبالتالي استغرق وقتًا أطول.

من المثير للسخرية أن صعوبة ذكر اللون غير المتطابق مع الكلمة تنشأ من مهاراتنا كقراء. فبالنسبة للقراء المتمرسين، فإن معاني الكلمات التي نقرؤها ترد على
أذهاننا بسرعة كبيرة جدًّا، ما ينشأ عنه استجابة تلقائية يجعلنا نقول الكلمة بدلًا من اللون المكتوب به الكلمة. إننا نرى مثلا كلمة "أحمر" مكتوبة باللون الأخضر
ونرغب في قول "أحمر" على الفور! ولكن ليس هذا ما يُفترض القيام به في هذا التمرين، هكذا من خلال بذل بعض الجهد لكبت رد الفعل المبدئي لنا ونذكر اللون
المكتوب به الكلمة بدلًا من الكلمة نفسها. ولعلك لاحظت أيضًا في أثناء قيامك بالتمرين أنك شعرت بالإجهاد الذهني الناشئ من الكبت المتكرر لاستجاباتك التلقائية
السريعة لصالح الاستجابات المحكمة والمجهدة والصحيحة.

بعد الانتهاء من تمرين كتابة المقال أو تمرين "ستروب" الصعب، يمنح كل مشارك الفرصة للمشاركة في اختبار عن جامعة ولاية فلوريدا؛ وهو عبارة عن أسئلة
الاختيار من متعدد. ويشتمل الاختبار على أسئلة مثل: "متى تأسست جامعة فلوريدا؟" و"متى حصل فريق كرة القدم على البطولة المحلية لكرة القدم بين عامي
1993 و2001؟" فــي العمــوم، يشــتمل الاختبـار علـى خمسـين سـؤالًا، كـل سـؤال لـه أربـع إجـابات محتملـة، ويتلقـى المشـاركون أجـرًا وفـقًا لمسـتوى أدائـهم. ويتـم إخبـار
المشــاركين بأنــهم بمجـرد أن ينتـهوا مـن الإجابـة عـن كـل الأسـئلة، سـيتم تسـليمهم ورقـة إجابـة لكـي يتمكنـوا مـن نقـل إجابتـهم مـن ورقـة الأسـئلة، ويُعـاد تـدوير ورقـة
الأسئلة وتقديم ورقة الإجابة فقط للحصول على المقابل المادي.

تخيل نفسك طالبًا في المجموعة التي تتاح لها فرصة الغش. لقد انتهيت من تمرين "ستروب" توًّا (سواء أكنت في المجموعة المستنزفة أو المجموعة غير المستنزفة).
قضيت الدقائق القليلة السابقة في الإجابة عن أسئلة الاختبار، وانتهى الوقت المخصص للإجابة عن الاختبار. وتذهب إلى الممتحن لتتسلم ورقة الإجابة لكي تتمكن
من نقل إجابتك عليها.

يقول الممتحن، زامًّا شفتيه تعبيرًا عن الضيق: "معذرة، ورق الإجابة على وشك النفاد! لديَّ ورقة إجابة نظيفة، وأخرى سبق تظليل الإجابات عليها". ويخبرك بأنه
بذل ما بوسعه ليمسح الإجابات من على ورقة الإجابة التي سبق استخدامها، ولكن ما زالت الإجابات ظاهرة عليها قليلًا. يعترف الممتحن -المتضايق من نفسه - بأنه
يتمنــى أن يجــري اختبــارًا واحــدًا بعــد اختبــارك, ثــم يوجــه كلامــه إليــك ويســألك: "بمــا أنــك أول مشــارك مــن بـين آخـر مشـاركين، يمكنـك أن تختـار بـين ورقتـي الإجابـة
المتبقيتين: ورقة الإجابة النظيفة أو ورقة الإجابة التي سبق استخدامها".
بالطبع، أنت تدرك أن اختيار ورقة الإجابة التي سبق استخدامها سيتيح لك الفرصة إذا ما قررت أن تغش. هل ستختارها؟ وربما تختار ورقة الإجابة التي سبق
استخدامها من منطلق الإيثار لأنك تريد أن تساعد الممتحن لكي لا يقلق كثيرًا بشأن ورق الإجابة. وربما تختار ورقة الإجابة التي سبق استخدامها لتغش منها. أو
لعلك تظن أن اختيار ورقة الإجابة التي سبق استخدامها ستغريك بالغش؛ ولذا ترفض اختيارها لأنك تريد أن تكون شخصًا أمينًا ومستقيمًا وخلوقًا. بغض النظر
عن اختيارك، تنقل إجابتك إلى ورقة الإجابة، ثم تمزق ورقة الاختبار الأصلية، وتعيد ورقة الإجابة إلى الممتحن وتحصل على المقابل المادي على هذا الأساس.

هــل المشــاركون المســتنزفون يعفــون أنفســهم مــن المــواقف المغريــة أكثــر مــن غــيرهم، أم أنــهم ينجــذبون نحوهــا؟ كمـا اكتشـفنا، كـانت المجموعـة المسـتنزفة أكثـر عرضـة
لاختيــار ورقــة الإجابـة التـي تغـري بـالغش مقارنـة بالمجموعـة غـير المسـتنزفة. وكنتيجـة لاسـتنزاف الطاقـة، يواجـهون موقفـين أسـوأ مـن بعضـهما البعـض؛ حـيث إنـهم
اختــاروا ورقــة الإجابـة التـي سـبق اسـتخدامها و(كمـا لاحظنـا فـي التجربـة السـابقة) لقـد غشـوا أكثـر كلمـا كـان ذلـك ممكـنًا. عنـدما فحصـنا طـريقتي الغـش، وجـدنا أننـا
دفعنا أجرًا للمجموعة المستنزفة أكثر من المجموعة غير المستنزفة بنسبة 197%.

الاستنزاف في الحياة اليومية

تخيل أنك تتبع حمية غذائية تعتمد على الخضراوات والبروتينات فقط وذهبت في نهاية اليوم لشراء الخضراوات والفاكهة. تدخل إلى المتجر، ينتابك شعور غامض
بــالجوع، تشــم رائحــة المخبــوزات الســاخنة تنبعــث مــن قســم المخبــوزات الطازجـة. تـرى ثمـرة أنـاناس طازجـة عليـها تخفـيض؛ وبـرغم أنـك تعشـق الأنـاناس، فإنـه غـير
مسموح به. تدفع عربة المشتريات الخاصة بك إلى قسم اللحوم لتشتري دجاجًا. تبدو فطيرة السمك رائعة، ولكنها تحتوي على الكثير من الكربوهيدرات، ومن ثم
تتجاهلها. تلتقط خسًّا وطماطم من أجل السلطة، وتصمد أمام مقرمشات الجبن والثوم. وتشق طريقك ناحية الخزينة وتدفع حساب مشترياتك. ينتابك شعور
رائع تجاه نفسك وقدرتك على مقاومة المغريات. ثم، حين تخرج بأمان من المتجر وفي طريق عودتك إلى سيارتك، تمر على تلاميذ المدارس الذين يبيعون الحلوى من
أجل الأعمال الخيرية، وتقدم لك فتاة صغيرة عينة مجانية من كعك البراوني.

الآن، بعد أن عرفت ما عرفته عن الاستنزاف، يمكنك أن تتوقع ما قد تدفعك إليه محاولاتك البطولية السابقة لمقاومة الإغراءات: فعلى الأرجح ستستسلم وتأخذ
قطعة. وبعد أن شعرت بالشيكولاتة اللذيذة تذوب فوق حليمات التذوق المحرومة، لا تستطيع أن تنصرف. فأنت تتوق إلى المزيد؛ ومن ثم تشتري عددًا كافيًا من
كعك البراوني يكفي لأسرة مكونة من 8 أفراد, وينتهي بك الأمر أن تأكل نصف عدد الكعك قبل أن تصل حتى إلى المنزل.

الآن فكر في مراكز التسوق. تخيل أنك بحاجة إلى شراء حذاء رياضي. وبينما تشق طريقك من محل نيمان ماركوس للأحذية إلى متجر سيرز حيث تمر على مجموعة
متنوعة من المغريات التجارية، ترى كل أنواع الأشياء التي تريدها ولكنك لا تحتاج إليها بالضرورة. فهناك مجموعة أدوات الشواء الجديدة التي تتوق لاقتنائها،
ومعطــف فــراء مناســب للشــتاء القــادم، وعقــد ذهبــي مناســب للحفلــة التــي مــن المـرجح أن تحضـرها فـي رأس السـنة. فكـل شـيء مغـر فـي نوافـذ العـرض تمـر عليـه ولا
تشتريه يمثل دافعًا تم سحقه والتغلب عليه، مما ينتقص تدريجيًّا من احتياطي قوة الإرادة لديك؛ ويزيد من احتمالية استسلامك للمغريات في وقت لاحق من
اليوم.

إننا جميعًا نعاني هذا الجانب بما أننا بشر معرضون للمغريات. فعندما نتخذ قرارات معقدة على مدار اليوم (ومعظم القرارات أكثر تعقيدًا وإرهاقًا من تمرين
الكلمات غير المتطابقة مع الألوان)، فإننا نجد أنفسنا باستمرار في مواقف ينشأ عنها صراع بين الرغبة والمنطق. وعندما يتعلق الأمر بالقرارات المهمة (مثل الصحة
والزواج ومــا إلــى ذلــك)، فــإننا نعــاني صــراعًا أقــوى. ومــن المثــير للســخرية أن المحــاولات اليوميــة البســيطة لإخضــاع دوافعنــا للسـيطرة تضـعف مـن مخزوننـا مـن ضـبط
النفس؛ وهذا ما يجعلنا عرضة أكثر للمغريات.

وبما أنك تعرف الآن آثار الاستنزاف، كيف يمكنك مواجهة مغريات الحياة العديدة على أفضل نحو؟ إليك طريقة اقترحها صديقي "دان سيلفرمان"، عالم اقتصاد
بجامعة ميتشيجان كان يواجه إغراءً خطيرًا بصفة يومية.

كنت أنا و"دان" زميلين بمعهد الدراسات المتطورة بجامعة برنستون. والمعهد مكان رائع للباحثين سعداء الحظ الذين يمكنهم أخذ إجازة لمدة عام للقيام بأنشطة
جانبية أخرى، والخروج للتنزه في الغابات وتناول الطعام جيدًا. كل يوم، بعد أن نقضي فترة الصباح في التفكير بالحياة، والعلوم، والفنون وسبب كل شيء، كنا
نستمتع بغداء لذيذ؛ مثل صدور البط مقدمة مع عصيدة الذرة وقطع المشروم المحمرة. وكانت قائمة الغداء مصحوبة بأطباق حلوى رائعة مثل الحلوى المثلجة،
كريم بروليه، تشيزكيك، كعكة الشيكولاتة المزينة بصوص التوت. كان هذا عذابًا بالنسبة لـ "دان" على وجه الخصوص حيث إنه كان محبًّا للحلوى. ونظرًا لأنه عالم
اقتصاد ذكي وحكيم ويعاني ارتفاع الكوليسترول في الدم، فقد أراد "دان" تناول الحلوى، ولكنه عرف أن تناول الحلوى بصفة يومية هو أمر لا يُنصح به.

فكر "دان" في مشكلته لبعض الوقت وخلص إلى أنه حين يواجه الشخص العقلاني المغريات، فإنه ينبغي عليه أحيانًا أن يستسلم لها. لماذا؟ لأنه من خلال القيام
بــذلك، فــإن الشــخص العقلانــي يحــافظ علــى نفســك مــن الاســتنزاف بــإفراط، والبقــاء قــويًّا أمــام المغريــات المســتقبلية التــي قـد يواجـهها. بالنسـبة لــ "دان"، الـذي كـان
حريصًا للغاية ومهتمًّا بالمغريات المستقبلية، كان مؤمنًا بمبدأ "عيش اللحظة" حين يكون الأمر متعلقًا بالحلوى اليومية. هكذا، أعد "دان" مع "إمري أوذدينرون"
و"ستيف سالنت" بحثًا لتبرير هذ الطريقة.

وإليك ملحوظة أكثر أهمية: تشير التجارب التي أُجريت على الاستنزاف أنه من المفيد لنا - بوجه عام - أن ندرك أننا معرضون باستمرار للمغريات على مدار اليوم
وأن قدرتنا على مقاومة هذه المغريات تضعف مع مرور الوقت وتزايد وتيرة المقاومة. فإذا كنا جادين حقًّا بخصوص فقد الوزن، يجب أن نتخلص من كل المغريات
من خلال تنظيف الأرفف والثلاجة من السكريات والدهون والأطعمة المعالجة والتعود على نكهة الأطعمة الطازجة. ويجب أن نفعل ذلك ليس فقط لأننا نعرف أن
الدجاج المحمر والكعك هي أطعمة مضرة بالنسبة لنا؛ ولكن لأننا نعرف أن تعريض أنفسنا لمثل هذه المغريات على مدار الأيام (في كل مرة نفتح فيها الخزانة أو
الثلاجة) يصعِّب علينا مقاومة هذه المغريات وغيرها على مدار اليوم.

ويعني فهم فكرة الاستنزاف أنه ينبغي علينا مواجهة المواقف التي تتطلب ضبط النفس وبالأخص التكليفات المملة في العمل - في وقت مبكر من اليوم، قبل أن
نشعر بالاستنزاف. وبالطبع، هذه ليست نصيحة سهلة لتتبعها لأن نجاح المغريات التجارية من حولنا (المطاعم، التسوق على شبكة الإنترنت، موقع الفيسبوك،
يوتيوب، ألعاب الإنترنت، وغيرها) يقوم على الانجذاب إلى المغريات والشعور بالاستنزاف، ولهذا السبب فهي ناجحة للغاية.

وبالتأكيد، لا يمكننا تجنب كل المخاطر التي تهدد قدرتنا على ضبط النفس. إذن، هل هناك أمل بالنسبة لنا؟ إليك مقترحًا: وما أن ندرك أنه من الصعب مقاومة
المغريــات التــي نواجــهها، نــدرك أن أفضــل إســتراتيجية للتعــامل مــع المــوقف هـي الابتعـاد عـن المثـيرات قبـل الاقتـراب منـها والتعلـق بـها. ولـيس مـن السـهل تنفيـذ هـذه
النصيحة، ولكن الحقيقة أنه من السهل أن تتجنب المغريات من الأساس بدلًا من محاولة التغلب عليها حين تجدها على طاولة المطبخ. وإن كنا لا نستطيع القيام
بذلك، فإنه يمكننا العمل على قدرتنا على مقاومة المغريات؛ من خلال العد لرقم مائة، أو الغناء أو إعداد خطة عمل والالتزام بها. فالقيام بأي من هذه الأشياء
يمكن أن يساعدنا على إعداد مستودع للحيل للتغلب على المغريات بحيث نكون مسلحين على نحو أفضل لمواجهة هذه المغريات في المستقبل.

في النهاية، يجب أن أشير إلى أن الاستنزاف أحيانًا يكون مفيدًا. أحيانًا، نشعر بأننا نحكم قبضة السيطرة، ونتعامل مع الكثير من القيود، ولا نشعر بقدر كافٍ من
الحرية لاتباع دوافعنا. أحيانًا نجد أنه يجب علينا أن نتوقف عن التصرف باعتبارنا كبارًا مسئولين ونشعر بمزيد من الحرية. إذن، إليك نصيحة: في المرة التالية التي
تريد فيها أن تحظى بكل المغريات، توقف وأتح المجال لرغباتك البدائية، حاول أن ترهق نفسك بكتابة مقال سير ذاتية طويل دون أن تستخدم حرفي "أ" و"ن". ثم
اذهب إلى مركز تجاري وقس ملابس مختلفة ولكن لا تشتر شيئًا. وبعد كل هذه المغريات التي واجهتها، ضع نفسك في موقف مغر تختاره واستسلم للمغريات.
فقط لا تستعن بهذه الحيلة كثيرًا.

وإن كنت تريد عذرًا يبدو رسميًّا أكثر للاستسلام للمغريات من وقت لآخر، فاستعن بنظرية "دان سيلفرمان" الخاصة بالانغماس الذاتي المتعقل باعتباره رخصة
أخيرة.
الفصل 5

لماذا يزيد ارتداء الماركات المقلدة من رغبتنا في الغش؟

دعني أحكِ لك قصة عن دخولي عالم الموضة لأول مرة. عندما انتهى الأمر بـ "جينيفر وايدمان جرين" (وهي صديقة لي منذ الدراسة) بالعيش في مدينة نيويورك،
التقت عددًا كبيرًا من الأشخاص الذين يعملون في مجال الموضة. ومن خلالها التقيت "فريدا فاول - فارح"، التي عملت في مجلة Harper' s Bazaar ، وهي تمثل
علمًا من أعلام صناعة الموضة. وبعد مرور بضعة أشهر دعتني "فريدا" لإلقاء محاضرة في المجلة، ونظرًا لأنه جمع غير مألوف بالنسبة لي فقد وافقت.

قبل بدء محاضرتي، قدمت لي "فريدا" تدريبًا سريعًا بخصوص عالم الموضة في أثناء تناولنا القهوة في مقهى يطل على السلم المتحرك بمبنى مانهاتن الضخم بوسط
مدينة شيكاغو. أعطتني "فريدا" ملخصًا عن الملابس التي ترتديها كل سيدة تمر بنا، بما في ذلك الماركات التي يرتدينها وما تشي به ملابسهن وأحذيتهن عن نمط
حياتهن. وجدت أنه من الرائع أن تلتفت إلى التفاصيل - بالتأكيد المرتبطة بتحليلات الموضة، بطريقة تضاهي طريقة خبراء مراقبة الطيور في ملاحظة الاختلافات
الدقيقة بين أنواع الطيور.

وبعد مرور ثلاثين دقيقة، وجدت نفسي على خشبة المسرح بقاعة تمتلئ بخبراء الموضة. كان من الرائع جدًّا أن أُحاط بكثير من النساء الجميلات والأنيقات. كانت
كل امرأة أشبه بقطعة فنية معروضة في متحف: حليها، مستحضرات تجميلها، وبالطبع حذاؤها الرائع. وبفضل تدريب "فريدا"، استطعت التعرف على بضع
ماركات عندما تطلعت إلى صف العارضات. كنت قادرًا على تمييز الذوق الراقي الذي ألهم المصمم لإبداع كل قطعة على حدة.

لم أعرف لماذا أراد خبراء الموضة حضوري أو ماذا توقعوا مني سماعه. ومع ذلك، بدا أنه بيننا توافق جيد. تحدثت عن كيف يتخذ الناس قراراتهم، كيف نقارن بين
الأسعار عندما نفكر في قيمة الأشياء، وكيف نقارن أنفسنا بالآخرين وهكذا. ضحكوا عندما تمنيت أن يضحكوا وطرحوا أسئلة رصينة وقدموا مجموعة من الأفكار
المثيرة. وعندما انتهيت من المحاضرة، صعدت "فاليري سالامبير" - ناشرة مجلة Harper's Bazaar - على خشبة المسرح وصافحتني وشكرتني وقدمت لي حقيبة
سفر سوداء أنيقة ماركة برادا.

وبعد أن ودعتها ، غادرت المبنى ومعي حقيبة برادا الجديدة وتوجهت إلى وسط البلد لإجراء مقابلتي التالية. كان لديَّ بعض الوقت الإضافي لإضاعته، ومن ثم
قررت أن أتنزه. وبينما كنت أتجول، لم يسعني سوى التفكير في حقيبتي الجلدية السوداء الكبيرة وشعار برادا الكبير الموضوع عليها. وجادلت مع نفسي: هل ينبغي
أن أحمل الحقيبة لأظهر الشعار للمارة بجواري؟ هكذا، يستطيع الآخرون أن يروا ويعجبوا بالحقيبة (أو لعلهم يُدهشون كيف يمكن لشخص يرتدي سروال جينز
وحذاء رياضيًّا أحمر اللون أن يحصل على حقيبة كهذه). أم هل ينبغي عليًّ أن أحمل الحقيبة وأجعل الشعار ناحيتي لكي لا يستطيع أحد التعرف على أنها حقيبة
برادا؟ قررت تنفيذ الخيار الثاني وأدرت شعار الحقيبة ناحيتي.

ورغــم ذلــك كنـت واثـقًا تمـامًا بأنـه لـم يلاحـظ أحـد أننـي أحمـل حقيبـة بـرادا طـالما أن الشـعار مختـفٍ، ورغـم أننـي لا أظـن نفسـي شـخصًا مـهتمًّا بالموضـة مـن الأسـاس،
فهناك شعور مختلف انتابني. كنت واعيًا لماركة الحقيبة. يا إلهي كنت أحمل حقيبة برادا! وهذا جعلني أشعر بالاختلاف؛ وقفت باعتدال أكثر قليلًا واختلت في
مشــيتي أكثــر. وتســاءلت فــي نفســي مــاذا لــو كنــت أرتـدي ملابـس داخليـة ماركـة فـيراري. هـل كنـت سـأشعر بمزيـد مـن الحمـاس والنشـاط؟ مزيـد مـن الثقـة؟ مزيـد مـن
الرشاقة؟ مزيد من السرعة؟

واصــلت الســير ومــررت علــى الحــي الصـيني، الـذي كـان يعـج بالنشـاط والأطعمـة والـروائح والباعـة الجـائلين يبـيعون بضـائعهم علـى طـول شـارع كـانل سـتريت. وعلـى
مقربة مني، رأيت زوجين شابين جذابين في العشرينيات من العمر يتصدران المشهد. اقترب منهما رجل صيني يصيح قائلًا: "حقائب، حقائب!"، وهو يومئ برأسه
ناحية متجره الصغير. في البداية، لم يبديا أية استجابة. ولكن بعد دقيقة أو دقيقتين، سألت السيدة الرجل الصيني: "هل لديك حقائب برادا؟".

أومأ البائع برأسه إيجابًا. رأيتها تتشاور مع زوجها, فابتسم لها وتبعا الرجل إلى منصة العرض.

بالطبع، حقائب برادا التي كان يشير إليها البائع لم تكن أصلية، وكذلك نظارات الشمس المعروضة على المنصة لم تكن ماركة دولتشي آند جابانا الأصلية. وكذلك
عطور أرماني المعروضة إلى جانب أكشاك الأطعمة على طول الطريق؛ كلها مقلدة أيضًا. 13

من فراء النبلاء إلى سترات ماركة أرماني

لنتــوقف لمــدة دقيقــة ونتمعــن فــي دراسـة تـاريخ الملابـس، ولنفكـر تحـديدًا فيمـا يطلـق عليـه علمـاء النفـس المظـهر الخـارجي، وهـي بكـل بسـاطة الطريقـة التـي نظـهر بـها
شخصيتنا للآخرين من خلال ما نرتديه. بالرجوع بالزمن، نص القانون الروماني على مجموعة من القوانين تسمى قوانين الترف ، والتي نُقحت على مدار قرون
لتشكل قوانين كل الأمم الأوروبية تقريبًا. تنص القوانين - من بين أشياء أخرى -على ما يرتديه الأشخاص بناءً على المركز الاجتماعي والطبقة الاجتماعية. وتوغلت
القوانين لمستوى استثنائي من التفاصيل. على سبيل المثال، في إنجلترا في عصر النهضة، كان ارتداء نوع معين من الفراء والأقمشة والشرائط والخرز المزين مقتصرًا
على طبقة النبلاء فقط، في حين كانت الطبقة الأرستقراطية ترتدي ملابس أقل بهرجة. (واستبعد القانون الفقراء بصفة عامة لأنه ليس من المفيد إصدار قانون
بشأن الأقمشة البالية والصوف والثوب الخشن).

وكانت بعض الفئات ترتدي ملابس معينة لتمييزها وعدم الخلط بينهم وبين الأشخاص "المحترمين". فعلى سبيل المثال، كانت الفتيات سيئات السمعة يرتدين
أثــوابًا مخططــة إشــارةً إلــى "ســوء أخلاقــهن"، وأحيــانًا كــان المســتهترون يُجبــرون علــى وضــع رقــع مزدانــة بـأعواد خشـبية كإشـارة لإمكانيـة حرقـهم أو وجـوب حرقـهم.
وبطريقة ما، إذا خرجت الفتاة سيئة السمعة دون ارتداء ثوب مخطط فهي متنكرة، كمثل شخص يرتدي نظارة شمس مقلدة كنظارة جوتشي المقلدة. هكذا، فإن
الثــوب الســميك غــير المخطــط كــان يعطـي انطبـاعًا خطـأ عـن المسـتوى المعيشـي والاجتمـاعي للسـيدة. ومـن ثـم، فالأشـخاص "الـذين يرتـدون ملابـس تتعـدى مسـتواهم
الاجتماعي" كانوا يكذبون - مباشرة وفي صمت - على من هم حولهم. وبرغم أن ارتداء المرء لملابس تفوق مستواه الاجتماعي لم يكن جناية، فإنه عادةً ما كانت
تُوَقَّعُ على الخارجين عن القانون غرامات مالية وعقوبات أخرى. وما قد يبدو استحواذًا مبالغًا فيه من جانب الأثرياء كان في الواقع جهدًا لضمان أن المظهر الخارجي
للناس مؤشر على شخصيتهم وطبقتهم الاجتماعية؛ إذ إن النظام كان مصممًا للتخلص من الفوضى والغموض. (ومن الواضح أنه كان يحظى ببعض المميزات
اللافتة، رغم أنني لا أقترح عودة العمل بهذه القوانين). وبرغم أن نظامنا الحالي لارتداء الأزياء اعتمادًا على الطبقة الاجتماعية غير متعنت مثلما كانت الحال في
الماضي، فإن الرغبة لإبراز النجاح والفردية صارت اليوم قوية مثلما كان شأنها من قبل. فالأشخاص المميزون بأناقتهم الآن يرتدون بذل أرماني الأصلية بدلًا من فراء
النبلاء. وكما تعرف "فريدا" أن أحذية فايا سبيجا ذات الكعب السميك لم تكن متاحة للجميع، فإن الإشارات التي نبعث بها لمن حولنا تخبرهم بأشياء عنا بلا شك.

ولعلك تظن الآن أن من يشترون البضائع المقلدة لا يؤذون المصنعين في شيء لأن الكثيرين لن يشتروا الماركات الأصلية بالأساس. ولكن من هنا يأتي تأثيرات المظهر
الخارجي. فعلى أية حال، إذا اشترى مجموعة من الأشخاص أوشحة ماركة بيربري المقلدة مقابل 10 دولارات، فإن الآخرين - من يستطيعون شراء المنتج الأصلي
ويرغبون في الشراء فعلًا - قد يترددون لدفع عشرين ضعفًا مقابل الحصول على أوشحة ماركة بيربري الأصلية. وإذا كنا حين نرى شخصًا يرتدي وشاحًا ماركة
بيربري أو يحمل حقيبة ماركة لويس فويتون ذات النقشة الشهيرة لحرفي LV ، فإننا نشك على الفور فيما إذا كان ما يرتديه مقلدًا أم أصليًّا، إذن ما القيمة المرتبطة
بشراء الماركة الأصلية؟ ويعني هذا الإدراك أن الأشخاص الذين يشترون الماركات المقلدة يضرون بالمظهر الخارجي ويشككون في أصالة المنتج (ومن يرتديه). وهذا أحد
الأسباب التي تجعل القائمين على صناعة الموضة, من بائعين ومصممين, يهتمون بالمقلدين كثيرًا.

وعندما استرجعت تجربتي مع حقيبة برادا، تساءلت في نفسي عما إذا كانت هناك قوى نفسية أخرى مرتبطة بالماركات المقلدة تفوق المظهر الخارجي. كنت أقف في
الحي الصيني ممسكًا بحقيبة برادا الأصلية، مراقبًا السيدة تخرج من المحل وبيدها حقيبتها مقلدة. وبالرغم من أنني لم أختر حقيبتي ولم أدفع ثمنها، شعرت
باختلاف جوهري بين طريقة اهتمامي بالحقيبة وطريقتها.

وهذا نقلني لمستوى أعم من التفكير, وبدأت أتساءل عن العلاقة بين ما نرتديه وطريقة سلوكنا، ما جعلني أفكر في مفهوم يطلق عليه علماء الاجتماع المظهر
الداخلي. والفكرة الأساسية وراء المظهر الداخلي أنه ليس لدينا تصور واضح بخصوص شخصيتنا رغم أننا نميل لأن نظن العكس. وبصفة عامة، نؤمن بأننا لدينا
رؤية مميزة بخصوص شخصياتنا وما نفضله ولكننا في الحقيقة نحن لا نجيد معرفة أنفسنا إلى هذا الحد (وبالتأكيد نحن لا نجيد معرفة أنفسنا كما نظن). وعوضًا
عن ذلك، فإننا نراقب أنفسنا بالطريقة نفسها التي نراقب بها تصرفات الآخرين ونصدر الأحكام عليهم؛ أي أننا نستنبط شخصياتنا وأفضلياتنا من خلال تصرفاتنا.

علــى ســبيل المثــال، تخيــل أنــك رأيــت شــحاذًا فــي الشــارع. وبــدلًا مــن تجاهلـه أو إعطائـه مـالًا، قـررت أن تشـتري لـه شـطيرة. التصـرف فـي حـد ذاتـه لا يحـدد مـن تكـون أو
أخلاقيــاتك أو شــخصيتك، ولكنــك تفســر التصــرف بــاعتباره دليـلًا علـى شـخصيتك العطوفـة والخـيرة. والآن، بعـد أن زودت بالمعلومـة "الجـديدة"، تعتقـد بشـدة أنـك
شخصية خيرة فعلًا. وهذا مثال حي على المظهر الداخلي.
والمبدأ نفسه قد ينطبق على كماليات الموضة؛ فحمل حقيبة برادا الأصلية - حتى إن لم يعرف أحد أنها أصلية - قد يجعلنا نفكر ونتصرف بطريقة مختلفة قليلًا عما
إن كنا نحمل حقيبة مقلدة. وهذا يجعلنا نتساءل: هل ارتداء المنتجات المقلدة يجعلنا نشعر بعدم الشرعية؟ هل من الممكن أن يؤثر علينا ارتداء الماركات المقلدة
بطرق سلبية وغير متوقعة؟

الاستعانة بمنتجات شركة كلوي

قررت الاتصال بـ "فريدا" وأخبرتها باهتمامي الأخير بآخر صيحات الموضة. (وأظن أنها تفاجأت أكثر مني أنا شخصيًّا). وخلال حديثنا، وعدتني "فريدا" بإقناع أحد
مصممي الموضة ليقرضني بعض الأغراض لاستخدامها في بعض تجاربي. وبعد مرور بضعة أسابيع، تسلمت طردًا من شركة كلوي يحتوي على 20 حقيبة يد و20
زوجًا من النظارات الشمسية. وجاء الطرد مصحوبًا بكشف حساب مكتوب به أن قيمة حقائب اليد مقدرة بحوالي 40 ألف دولار وقيمة النظارات الشمسية مقدرة
بحوالي 7 آلاف دولار 14 .

ومع توافر هذه المنتجات في أيدينا، قررت أنا و"فرانشيسكا جينو" و"مايك نورتون" (أستاذ بجامعة هارفارد) أن نجري تجربة على المشاركين الذين يرتدون منتجات
مقلدة وإلى أي مدى يشعرون ويتصرفون بطريقة مختلفة عمن يرتدون المنتجات الأصلية. فإذا ما شعر المشاركون بأن ارتداء المنتجات المقلدة سيوصل صورة ذاتية
أقل احترامًا (حتى لأنفسهم)، فهذا يدفعنا إلى تساؤل عما إذا كانوا بصدد اعتبار أنفسهم أقل احترامًا. ومع وضع هذا المفهوم المخجل عن الذات في الاعتبار، هل
ستزيد احتمالات استمرارهم على طريق الغش والكذب؟

وباستخدام إغراء منتجات شركة كلوي، قمنا بتسجيل عدد كبير من طالبات ماجستير إدارة الأعمال للمشاركة في تجربتنا. (وفي هذه التجربة، ركزنا على السيدات
لــيس لأننــا نظــن أن الســيدات يختلفــن عــن الرجـال مـن الناحيـة الأخلاقيـة - فـي الـواقع لـم نجـد أيـة اختلافـات متعلقـة بجنـس المشـاركين فـي تجـاربنا السـابقة - بـل لأن
المنتجــات كــانت مصــممة خصــيصًا للســيدات). وكنــا نتســاءل هــل نســتخدم النظــارات الشــمسية أم حقــائب اليـد فـي تجـاربنا الأولـى، وفـي النـهاية اسـتقررنا علـى اختيـار
النظارات الشمسية بعد أن أدركنا أنه من الصعب قليلًا أن نشرح للمشاركات سبب رغبتنا في أن يسرن حول المبنى بحقائب اليد.

في بداية التجربة، قسمنا السيدات إلى ثلاث مجموعات: مجموعة المنتجات الأصلية ومجموعة المنتجات المقلدة ومجموعة ليست لديها معلومات عن المنتج. في
مجموعــة المنتجــات الأصــلية، أخبرنــا المشــاركات بأنـهن سـيتم منحـهن نظـارات شـمسية أصـلية ماركـة كلـوي. وفـي مجموعـة المنتجـات المقلـدة، أخبرنـا المشـاركات بأنـهن
سيلبسن نظارات شمسية مقلدة مطابقة تمامًا لنظارات ماركة كلوي (في الواقع، كانت جميع المنتجات التي استخدمنها منتجات شركة كلوي الأصلية). وأخيرًا في
المجموعة التي ليست لديها معلومات عن المنتج، لم نخبر المشاركات بأي شيء عن أصالة المنتج.

وبمجرد أن حصلت السيدات على نظاراتهن الشمسية، وجهناهن إلى الرواق، حيث طلبنا منهن أن ينظرن إلى ملصقات مختلفة وينظرن خارج النوافذ لكي يتمكن
من تقييم جودة النظارات وتجربة استخدام النظارات الشمسية. وبعد ذلك، قمنا باستدعائهن إلى غرفة أخرى للقيام بمهمة أخرى. ماذا كانت المهمة؟ أجل كما
خمنتها: وبينما لا تزال السيدات يرتدين النظارات الشمسية، أعطيناهن تمريننا القديم؛ تمرين المصفوفة.

الآن تخيــل نفســك مشــاركًا فـي هـذه الدراسـة. تحضـر إلـى المعمـل ويتـم اختيـارك عشـوائيًّا فـي مجموعـة المنتجـات المقلـدة. وأخبـرك المختبـر بـأن نظـارتك الشـمسية مقلـدة
ويطلــب منــك أن تجربــها لتخبــره برأيــك. وتتســلم جــراب نظــارة شــبيهًا بجــراب النظــارة الأصــلية (وعليــه شــعار الشــركة!)، تخــرج النظــارة وتفحصـها وترتـديها. ومـا إن
ترتديها، حتى تسير في الرواق لتفحص ملصقات مختلفة وتنظر خارج النافذة. ولكن في أثناء قيامك بذلك، ما الذي يدور في ذهنك؟ هل تقارن هذه النظارة بزوج
النظارات الموجود في سيارتك أو النظارة التي كسرتها من قبل؟ هل تظن "أنها مقنعة للغاية. ولن يشك أحد في أنها مقلدة"؟ ولعلك تظن أن وزنها لا يبدو على خير
ما يرام أو أن بلاستيك النظارة يبدو رخيصًا. وإذا فكرت في زيف ما ترتديه، فهل هذا سيدفعك أكثر إلى الغش في اختبار المصفوفة؟ أقل؟ أم بالقدر نفسه؟

إليك النتيجة التي توصلنا إليها. كما جرت العادة، الكثير من الناس يغشون بمقدار طفيف. ولكن 30% "فقط" من المشاركات في مجموعة المنتجات الأصلية كذبن
بخصوص حل عدد أكبر من المصفوفات مقارنة بما قمن بحله بالفعل، في حين أن 71% من المشاركات في مجموعة المنتجات المقلدة كذبن بخصوص حل عدد أكبر
من المصفوفات.

وأثــارت هــذه النتــائج ســؤالًا آخــر مثــيرًا للاهتمــام. هــل المنتجــات المقلــدة جعلــت الســيدات يقمــن بــالغش أكثــر ممـا هـو معتـاد؟ أم أن نظـارات كلـوي الأصـلية جعلتـهن
يتصرفن بمزيد من الأمانة على غير عاداتهن؟ بعبارة أخرى، أيهما كان مؤثرًا أكثر: المظهر الداخلي السلبي المتمثل في مجموعة المنتجات المقلدة أم المظهر الداخلي
الإيجابي المتمثل في مجموعة المنتجات الأصلية؟

ولهذا السبب تركنا مجموعة بدون أية معلومات (المجموعة الضابطة)؛ وفي هذه المجموعة لم نذكر أي شيء بخصوص النظارات الشمسية من حيث كونها أصلية
أم مقلدة. إذن، كيف ساعدتنا المجموعة التي ليست لديها معلومات بخصوص المنتج؟ لنفترض أن السيدات اللاتي ارتدين النظارات المقلدة قمنا بالغش بقدر الغش
نفسه الذي قامت به سيدات المجموعة الضابطة. لو كان الأمر كذلك، لأمكننا أن نستنتج أن المنتجات المقلدة لم تجعل السيدات أقل أمانة مقارنة بما هن عليه
بالفعل أو أن المنتجات الأصلية جلعت السيدات أكثر أمانة. وعلى الجانب الآخر، إذا وجدنا أن السيدات اللاتي ارتدين نظارات شمسية أصلية ماركة كلوي قد قمن
بالغش بنفس قدر الغش الذي قامت به سيدات المجموعة الضابطة (وبقدر أقل من مجموعة المنتجات المقلدة)، فإننا نستطيع أن نستنتج أن المنتجات الأصلية لم
تجعل السيدات أكثر أمانة وكذلك المنتجات المقلدة لم تجعل السيدات أقل أمانة مما هن عليه بالفعل.

وكما عرفت، 30% من السيدات في مجموعة المنتجات الأصلية و70% من السيدات في مجموعة المنتجات المقلدة كذبن بخصوص عدد المصفوفات التي قمن بحلها.
وماذا عن المجموعة التي لم تكن لديها أية معلومات؟ في هذه المجموعة، 42% من السيدات كذبن بخصوص الحل. إذن، كانت المجموعة الضابطة بين المجموعتين
الأخريين، ولكنها كانت أقرب إلى مجموعة المنتجات الأصلية (في الواقع لم يكن هناك اختلاف كبير من الناحية الإحصائية بين المجموعتين). وتشير هذه النتائج إلى
أن ارتداء المنتجات الأصلية لا يزيد من أمانتنا (أو على الأقل لا يزيدها بقدر كبير). ولكن بمجرد أن نرتدي منتجًا نعرف أنه مقلد، فإن القيود الأخلاقية تتراخى نوعًا
ما، مما يسهل علينا أخذ المزيد من الخطوات على طريق الكذب.

ما الدرس المستفاد من القصة؟ إذا كنت أنت أو أحد من أصدقائك أو شخص تنوي الارتباط به يرتدي منتجات مقلدة، إذن فكن حذرًا! ربما تأتيك كذبة أخرى في
وقت أقرب مما تتصور.

تأثير "وما الفارق"!

الآن، دعنا نتوقف لدقيقة ونفكر مرة أخرى فيما يحدث عند اتباعك حمية غذائية. عندما تبدأ الحمية الغذائية، تبذل قصارى جهدك للالتزام بالقوانين الصارمة:
نصف ثمرة جريب فروت، شريحة خبز أسمر، وبيضة مسلوقة لوجبة الإفطار؛ أما لوجبة الغداء: شرائح ديك رومي وسلطة خضراء بإضافات خالية من السعرات
الحرارية؛ أما وجبة العشاء فهي عبارة عن سمكة مشوية وبروكلي مسلوق. وكما علمنا في الفصل السابق، "لماذا نستسلم حين نشعر بالإرهاق؟!"، فأنت الآن
تشعر بالحرمان كما هو متوقع, ثم يأتي أحدهم ليضع أمامك كعكة. في اللحظة التي تستسلم فيها للإغراء وتقضم القضمة الأولى، فإن وجهة نظرك تتغير. وتقول
في نفسك: "وما الفارق؟! لقد خرقت حميتي الغذائية، إذن لماذا لا أتناول الكعكة بأكملها - بالإضافة إلى شطيرة البرجر بالجبن المشوية الشهية بالإضافة إلى المقبلات
اللذيذة التي أتوق إلى تناولها طوال الأسبوع؟ وسأبدأ من جديد غدًا أو ربما سأبدأ يوم الاثنين. وفي هذه المرة سألتزم بالحمية الغذائية فعلًا". بعبارة أخرى، لقد
قررت أن تخرق نظام الحمية الغذائية وتستغل صورة الذات غير المتبعة للحمية الغذائية أقصى استغلال (بالطبع، أنت لا تضع في الاعتبار أن الشيء نفسه يمكن أن
يتكرر غدًا وبعد الغد وهكذا).

ومن أجل دراسة نقطة الضعف هذه بمزيد من التفصيل، أردت أنا و"فرانشيسكا" و"مايك" دراسة ما إذا كانت زلة قدم صغيرة (مثل تناول قطعة بطاطس محمرة
بينما من المفترض أنك تتبع حمية غذائية) يمكن أن تجعل المرء يتخلى عن كل ما بذله من جهد.

هذه المرة، تخيل أنك ترتدي نظارة شمسية؛ سواء أكانت ماركة كلوي الأصلية أو نظارة مقلدة أو نظارة غير محددة الماركة, ثم تجلس أمام شاشة جهاز الكمبيوتر
ويُعرض عليك مربع مقسم إلى مثلثين يفصلهما خط قطري, وبدأ عرض الأشكال الهندسية، ولمدة ثانية، تظهر 20 نقطة مبعثرة داخل المربع بصورة عشوائية (انظر
الرســم البيـاني الموضـح أدنـاه), ثـم تختفـي النقـاط، مخلفـة وراءهـا مـربعًا خـاليًا وخـطًّا قطـريًّا وزريـن للاسـتجابة؛ أحـدهما مكتـوب عليـه "المزيـد ناحيـة الـيمين" والآخـر
مكتوب عليه "المزيد ناحية اليسار". وباستخدام هذين الزرين، مهمتك هي تحديد الجزء الذي يحتوي على المزيد من النقاط ناحية يمين الخط القطري أم يساره.
وتقوم بهذا التمرين مئات المرات. أحيانًا تكون النقاط أكثر ناحية اليمين وأحيانًا أخرى تكون النقاط أكثر ناحية اليسار بكل وضوح. وأحيانًا أخرى يكون من الصعب
عليك تحديد أيهما أكثر من حيث النقاط. وكما تتوقع، تعتاد التمرين - وعلى قدر الصعوبة التي قد يبدو عليها - وبعد مائة استجابة يستطيع المختبر أن يخبرك
بمدى قدرتك على إصدار أحكام دقيقة.
الشكل 3: تمرين النقاط

?

 

بعد ذلك، يطلب منك الكمبيوتر إعادة التمرين نفسه مائتي مرة. ولكن في هذه المرة، ستتقاضى أجرًا مقابل إجابتك. وإليك نقطة مهمة: بغض النظر عن مدى دقة
إجابتك، ففي كل مرة تختار زرًّا ناحية اليسار تحصل على نصف سنت، وفي كل مرة تختار زرًّا ناحية اليمين تحصل على 5 سنتات (عشرة أضعاف المبلغ).

ومع وجود هذا النظام المحفز، تواجه أزمة تعارض المصالح. ففي كل مرة ترى المزيد من النقاط على الجانب الأيمن، لن تواجه مشكلة أخلاقية لأن الإجابة الصادقة
(المزيد ناحية اليمين) هي الإجابة نفسها التي ستجعلك تربح مبلغًا كبيرًا من المال. ولكن عندما ترى المزيد من النقاط ناحية اليسار، عليك أن تقرر إما إعطاء الإجابة
الصحيحة الصادقة - وفقًا للتعليمات التي تلقيتها - أو تزيد من أرباحك من خلال الضغط على زر المزيد ناحية اليمين. بعبارة أخرى، تتمثل الأزمة في الاختيار بين
زيادة الأرباح لأقصى درجة أو إعطاء الإجابة الدقيقة. أن تغش أو لا تغش هذه هي المعضلة. ولا تنس أنك تفعل ذلك في أثناء ارتدائك نظارة شمسية.

وكما اتضح لنا، أظهر تمرين النقاط نتائج تمرين المصفوفة نفسها؛ حيث غش الكثيرون ولكن بمقدار طفيف. ومن المثير للاهتمام أننا لاحظنا زيادة نسبة الغش
بصورة لافتة فيما بين الأشخاص الذين يرتدون نظارات مقلدة. والأدهى أننا وجدنا أن النتيجة واحدة بالنسبة لمن يرتدون المنتجات المقلدة؛ ألا وهي أن نسبة الكذب
لــــديهم تزيــــد، حــــيث إن نســــبة كــــذبهم تزيــد حــين يصــعب عليــهم تحــديد أي الجــانبين بــه المزيــد مــن النقــاط، بــل إن نســبة كــذبهم تزيــد أكثــر حــين يتضــح أن الإجابــة
الصحيحة هي وجود المزيد من النقاط على الجانب الأيسر (الجانب ذي العائد المالي الأقل).

كانت هذه هي النتائج الإجمالية، ولكن كان السبب وراء ابتكار تمرين النقاط في المقام الأول هو ملاحظة إلى أي مدى يتطور الكذب على مدار الوقت في بعض المواقف
حين تسنح الفرصة للآخرين كي يتصرفوا على نحو غير أمين. كنا مهتمين بمعرفة ما إذا كان هناك مشاركون قد بدأوا التجربة بالغش حين تسنح الفرصة فقط، في
محاولة منهم للحفاظ على اعتقادهم بأنهم أمناء، ولكن في الوقت نفسه يستفيدون من الغش بين حين وآخر. لقد ظننا أن هذا النوع من الغش المتوازن يمكن أن
يستمر بعض الوقت، ولكن في الوقت نفسه قد يصل المشاركون إلى "عتبة الأمانة". وبمجرد أن يتخطوا هذه العتبة، يقولون في أنفسهم: "وما الفارق؟ طالما أنني
أغش، فلابد أن أحقق أقصى استفادة". ومنذ ذلك الحين، يزداد غشهم أكثر فأكثر - أو بمجرد أن تسنح لهم الفرصة للكذب والغش.

أول شيء كشفت النتائج النقاب عنه هو أن نسبة الغش والكذب تزيد في أثناء مواصلة التجربة. وكما هدانا حدسنا، فقد لاحظنا أيضًا أن الكثيرين قد مروا بتحول
حاد جدًّا عند مرحلة معينة من التجربة، حيث إنهم انتقلوا من مجرد حالة طفيفة من الغش إلى انتهاز كل فرصة تسنح لهم للغش. وهذا النمط العام للسلوك
هــو مــا نتوقعــه مــن تــأثير "ومــا الفــارق؟!"، وقــد ظـهر بـالفعل فـي كلتـا المجموعتـين؛ مجموعـة المنتجـات الأصـلية والمنتجـات المقلـدة. ولكـن مـن يرتـدون المنتجـات المقلـدة
يظهرون ميلًا أكبر للتخلي عن قيودهم الأخلاقية والكذب بأقصى قدر ممكن 15 .

ومن منطلق تأثير "وما الفارق؟!"، لاحظنا أن الأمر حين يتعلق بالكذب، فإننا نتصرف بالطريقة نفسها التي اتبعناها مع الحمية الغذائية. وبمجرد أن ننتهك المعايير
الأخلاقية الخاصة بنا (لنفترض الغش في اتباع الحمية الغذائية أو الحصول على حافز مالي)، يزداد احتمال تركنا المحاولات المستقبلية للسيطرة على سلوكياتنا -
ومنذ ذلك الحين فصاعدًا تكون الفرصة مواتية لنضعف أمام أية محاولة تغرينا بمزيد من السلوكيات السيئة.

 

ومن ثم، يبدو أن الملابس تجعلنا نحكم على الرجال (أو النساء), وأن ارتداء الماركات المقلدة يؤثر على قراراتنا الأخلاقية. وكما هي الحال مع الكثير من نتائج أبحاث
علم الاجتماع، هناك طرق لاستغلال هذه المعلومات إما لأغراض إيجابية أو سلبية. فمن الناحية السلبية، يستطيع المرء أن يتخيل إلى أي مدى تستطيع المؤسسات
استخدام هذا المبدأ لتجعل معايير الموظفين الأخلاقية أقل صرامة بحيث يسهلون عليهم عملية "خداع" عملائهم ومورديهم ومشرعي القوانين ومنافسيهم؛ ومن
ثم يزيدون عائدات الشركة على حساب الأطراف الأخرى. ومن الناحية الإيجابية، قد يوجهنا فهم زلة القدم على المنحدر الأخلاقي إلى أن نولي المزيد من الانتباه نحو
الاكتشاف المبكر لحالات التعدي الأخلاقي ومساعدتنا على كبح جماحنا قبل أن يفوت الأوان.

التصرف بعدم أمانة

بعد الانتهاء من هذه التجارب، جمعت أنا و"فرانشيسكا" و"مايك" الأدلة على أن ارتداء الماركات المقلدة يلون الطريقة التي نرى بها أنفسنا وبمجرد أن نرى أنفسنا
محتالين، نشرع في التصرف بمزيد من عدم الأمانة. وهذا يقودنا إلى سؤال آخر: إن كان ارتداء الماركات المقلدة يغير من الطريقة التي نرى بها سلوكنا، فهل هذا
يجعلنا عرضة أكثر لشكوك الآخرين؟

ومن أجل البحث عن الإجابة، طلبنا من مجموعة أخرى من المشاركين أن يرتدوا ما أخبرناهم بأنها نظارات شمسية ماركة كلوي سواء الأصلية أو المقلدة. كرروا
مــهمة الســير فــي الــرواق متفحصــين الملصــقات المختلفــة والنظــر خــارج النوافـذ. وعنـدما اسـتدعيناهم لـيعودوا إلـى المعمـل، لـم نطلـب منـهم تأديـة تمـرين المصـفوفة أو
تمرين النقاط. بدلًا من ذلك، طلبنا منهم إجراء استبيان مطول في أثناء ارتداء النظارات الشمسية. في هذا الاستبيان، طرحنا عددًا من الأسئلة التي ليست لها صلة
بموضوع التجربة (أسئلة حشو) والتي كان الغرض منها إخفاء الهدف الحقيقي من الدراسة. ومن بين أسئلة الحشو، وضعنا ثلاث مجموعات من الأسئلة مصممة
لقياس الطريقة التي يفسر بها المشاركون أخلاقيات الآخرين ويقيمونها.

في أسئلة المجموعة (أ)، طُلب من المشاركين تقييم احتمالية تورط أشخاص يعرفونهم في سلوكيات مريبة من الناحية الأخلاقية. وفي أسئلة المجموعة (ب)، طُلب من
المشاركين تقييم احتمالية كذب الأشخاص عند قولهم عبارات معينة. وأخيرًا تقدم أسئلة المجموعة (جـ) موقفين لوصف شخص لديه فرصة التصرف بعدم أمانة،
ويُطلب من المشاركين تقييم احتمالية أن ينتهز الشخص في هذا الموقف الفرصة للكذب.

المجموعة (أ): ما مدى احتمالية تورط أشخاص تعرفهم في السلوكيات التالية؟
- • الوقوف في صف الحساب على المشتريات القليلة رغم أن معك الكثير من المشتريات.
- • محاولة ركوب الطائرة قبل النداء على رقم الرحلة.
- • المبالغة في تقرير نفقات العمل.
- • إخبار المدير بأنك حققت تقدمًا في المشروع في حين أنك لم تنجز منه شيئًا.
- • أخذ أدوات مكتبية معك من العمل إلى المنزل.
- • الكذب على شركة التأمين بشأن القيمة الحقيقية للممتلكات التالفة.
- • شراء ملابس وارتداؤها ثم إعادتها مرة أخرى.
- • الكذب على شريك الحياة بخصوص العلاقات العاطفية السابقة.

المجموعة (ب): عند سماع العبارات التالية، ما مدى احتمالية كذب قائلها؟


- • آسف على التأخير، فقد كانت حركة المرور بشعة.
- • تقديري العام امتياز مع مرتبة الشرف.
- • سعدت بمقابلتك. دعنا نتناول الغداء معًا في وقت آخر.
- • بالتأكيد، سأبدأ في العمل في هذه المهمة الليلة.
- • أجل، كان "جون" معي الليلة الماضية.
- • ظننت أنني أرسلت رسالة البريد الإلكتروني بالفعل. إنني متأكد أنني فعلت.

المجموعة (جـ): ما مدى احتمالية تصرف الأفراد بالطريقة الموصوفة أدناه؟


- • "ستيف" رئيس قسم عمليات التشغيل لمصنع ينتج المبيدات الحشرية والأسمدة للحدائق والمزارع. وخلال عام سيتم حظر استخدام مادة كيميائية سامة ولهذا
السبب فهي رخيصة السعر الآن. فإذا قام "ستيف" بشراء تلك المادة وتصنيعها وتوزيع المنتج بالسرعة الكافية، فسيستطيع تحقيق ربح كبير جدًّا. من فضلك، قدر
مدى احتمال بيع "ستيف" للمنتج في أثناء فترة السماح القانونية.
- • "ديل" رئيس قسم عمليات التشغيل بمصنع أغذية ينتج الأطعمة الصحية. أحد مشروبات الفاكهة العضوية يحتوي على 109 سعرات حرارية لكل زجاجة.
يعلم "ديل" أن الناس حريصون جدًّا بخصوص عدم تعدي حاجز المائة سعر حراري. يستطيع "ديل" أن يقلل حجم الزجاجة بمقدار 10 %. ومن ثم، يُكتب على
الملصق أن الزجاجة تحتوي على 98 سعرًا حراريًّا، ويكتب عليها أيضًا أن كل زجاجة تكفي لشخصين. من فضلك، قدِّر مدى احتمال تقليل "ديل" لحجم الزجاجة
ليتجنب تعدي حد المائة سعر حراري لكل زجاجة.

ماذا كانت النتائج؟ كما خمنتها. عند التفكير في سلوكيات الأشخاص الذين يعرفونهم (الإجابة عن أسئلة المجموعة (أ)) ، كان رأي المشاركين في مجموعة المنتجات
المقلدة أن احتمال تصرف معارفهم بعدم أمانة أكبر مقارنة بالمشاركين في مجموعة المنتجات الأصلية. كما أنهم اعتبروا ما في قائمة الأعذار الشائعة (أسئلة المجموعة
(ب)), ورأوا أن رئيس قسم عمليات التشغيل (في أسئلة المجموعة (جـ)) أكثر عرضة لاختيار السلوك الأكثر تضليلًا ومراوغة. في النهاية، استنتجنا أن المنتجات المقلدة
لا تجعلنا أكثر ميلًا للكذب وعدم الأمانة وحسب، بل تجعلنا نرى الآخرين أقل أمانة أيضًا.

أتقن الكذب حتى تصدقه

إذن، ما الذي نستفيده من هذه النتائج كلها؟

أولًا، دعنــا نفكــر فــي شــركات الموضــة التــي لطــالما كــافحت ضــد المنتجــات المقلــدة بشــدة لســنوات. ربمــا مــن الصـعب أن تتعـاطف معـها؛ فلعلـك تظـن أن خـارج دائرتـها
المباشرة، لا يوجد من يهتم حقًّا "بمعاناة" المصممين أصحاب الذوق الرفيع الحريصين على جني الثروات. وعندما يتم إغراؤك لشراء حقيبة برادا المقلدة، لعلك
تقول في نفسك: "حسنًا، منتجات المصممين الأصلية باهظة الثمن جدًّا، ومن الغباء أن تدفع ثمن المنتج الأصلي". أو لعلك تقول: "لن أفكر في شراء المنتج الأصلي
علــى أيـة حـال، ومـن ثـم لـن يخسـر المصـمم أمـوالًا". أو لعلـك تقـول: "شـركات الموضـة هـذه تكسـب الكثـير مـن المـال وقلـيلون مـن النـاس يشـترون المنتجـات المقلـدة ولـن
يحدثوا فارقًا حقيقيًّا". بغض النظر عن التبريرات التي نخترعها - ونحن جميعًا بارعون في تبرير تصرفاتنا بحيث تكون متوافقة مع الدوافع الأنانية - فمن الصعب
أن نجد الكثير من الناس يكترثون لأي ضرر يلحق بشركات الموضة.

ولكن نتائجنا تشير إلى وجود قصة أخرى أكثر تعقيدًا. ليست شركات الموضة وحدها هي التي تدفع الثمن فيما يتعلق بالمنتجات المقلدة. والفضل يعود إلى المظهر
الداخلي وتأثير "وما الفارق؟!"، فتصرف واحد غير أمين قد يغير سلوك المرء من تلك اللحظة فصاعدًا. الأكثر من ذلك، إذا كان التصرف غير الأمين يأتي مع تذكرة
دائمة (تخيل نظارات شمسية مقلدة عليها شعار كبير لشركة "جوتشي")، فإن تأثير التيار السائد للمنتجات المقلدة قد يدوم ويستمر. وفي النهاية، فإن هذا يعني
أننا جميعًا ندفع ثمن المنتجات المقلدة ولكن بعملة أخلاقية؛ ومن ثم "إتقان الكذب" يغير سلوكنا وصورتنا الذاتية والطريقة التي نرى بها الآخرين من حولنا 16 .

على سبيل المثال، فكر في الشهادات الأكاديمية المعلقة في مكاتب الكثير من المديرين التنفيذيين حول العالم والتي تزين الكثير من السير الذاتية. قبل بضع سنوات،
نشرت جريدة ذا وول ستريت جورنال مقالًا عن المديرين التنفيذيين الذين يسيئون استغلال المؤهلات العلمية، مثل أحد أباطرة المال والأعمال "كينيث كيسر"،
الــذي كــان رئــيس ومــدير عمليــات التشــغيل بشــركة بيبســي أمريكــاز فــي وقــت سـابق. وعلـى الـرغم مـن أن "كـينيث كيسـر" التحـق بجامعـة ولايـة ميتشـيجان؛ فإنـه لـم
يتخرج فيها مطلقًا. وظل لوقت طويل يوقع على الأوراق بختم يدعي أنه حاصل على بكالوريوس من جامعة ميتشيجان 1 . (بالطبع، من المحتمل أن يكون هذا
مجرد سوء تفاهم).

أو فكر مثلًا في حالة "مارلي جونز" - التي شاركت في تأليف كتاب شهير بعنوان Less Stress, More Success: A New Approach to Guiding Your Teen
Through College Administration and Beyond حيث أكدت ضرورة "التصرف بطبيعتك" لتكون ناجحًا في اختبارات القبول في الجامعة والبحث عن عمل.
لقد عملت عميدة معهد ماساتشوستس للتقنية - وعلى مدار 25 عامًا كانت تؤدي عملها بإجادة بالغة بإجماع الآراء. كانت ثمة مشكلة واحدة فقط: كانت تضيف
العديد من الشهادات العلمية المزورة إلى سيرتها الذاتية لتحصل على تلك الوظيفة في المقام الأول. كان هذا كذبًا بينًا وواضحًا. والمفارقة أن فقد الاحترام لم يطل
"جــونز" التــي اعتــذرت عــن عــدم "تحليــها بالشــجاعة" لتصــحيح "الأخطــاء" المــوجودة فــي ســيرتها الــذاتية المزيفــة فــي أيــة فتــرة مــن فتــرات مشـوارها المـهني. عنـدما تنـهار
مصداقية واحدة من أنصار فكرة "التصرف بطبيعتك" بسبب مؤهلاتها العلمية المزيفة، فما الذي يظنه بقية الناس؟

عنــدما تفكــر فـي هـذا النـوع مـن الغـش داخـل إطـار تـأثير "ومـا الفـارق؟!"، ربمـا تـأتي بـداية تزيـيف المـؤهلات العلميـة بحسـن نيـة عـادةً، ولعـل الأمـر أشـبه بـهذه الجملـة
"أتقن الكذب حتى تصدقه"، ولكن بمجرد أن يحدث مثل هذا التصرف، يتوالى انهيار المعيار الأخلاقي ويزداد الميل للكذب في أي منحى من مناحي الحياة. على سبيل
المثــــال، إذا كــــان المــــدير التنفيــــذي صــــاحب الشـــهادات المزيفــة يضــع إشــارة مســتمرة لشــهادته المزيفــة فــي ترويســة المراســلات وبطــاقات العمــل والســيرة الــذاتية والمــوقع
الإلكتروني للشركة، فليس من المستبعد افتراض أن بإمكانه الشروع في تزوير تقارير النفقات أو تحريف أجر ساعات العمل أو إساءة استغلال الموارد المالية للشركة.
وعلى أية حال، وبعد فهم تأثير "وما الفارق؟!"، من الممكن أن يزيد تصرف مخادع بسيط من المستوى العام للكذب والغش القائم على المظهر الداخلي، ما يزيد من
عامل التصحيح، الذي قد يؤدي إلى إثارة المزيد من التلاعب.

المحصلة النهائية هي أنه لا ينبغي أن نعتبر تصرفًا واحدًا للكذب هو مجرد تصرف تافه صغير. إننا نميل لنغفر للناس أول إساءة على أساس أنها المرة الأولى
والجميع يرتكب أخطاء. وعلى الرغم من احتمالية صحة ذلك، فإنه ينبغي أن ندرك أيضًا أن أول تصرف غير أمين ربما تكون له أهمية خاصة بتشكيل الطريقة التي
ينظــر بــها المــرء لنفســه ولتصــرفاته مــن تلــك اللحظــة فصــاعدًا؛ ومــن ثــم فــإن أول تصــرف غـير أمـين هـو أهـم تصـرف يجـب منعـه. ولـهذا السـبب مـن المـهم خفـض عـدد
التصرفات غير الأمينة عديمة الضرر. وإذا فعلنا هذا، فربما يصير المجتمع أكثر أمانة وأقل فسادًا على مدار الوقت (للمزيد عن هذا الموضوع، انظر الفصل الثامن
الغش باعتباره عدوي)

* متوافر لدى مكتبة جرير
?

 

بوضع كل هذا في الاعتبار ، كيف يمكننا مواجهة تدهورنا الأخلاقي، وتأثير "وما الفارق؟!"، واحتمال أن يتسبب تجاوز واحد في آثار سلبية بعيدة المدى على
أخلاقيتنــا؟ ســواء كنــا نتعــامل مــع الموضــة أو غيرهــا مــن منــاحي الحيــاة، يجــب أن نفــهم بوضــوح أن تصــرفًا واحــدًا غــير أخلاقـي يزيـد مـن احتماليـة تكـراره مـرة أخـرى
وتصرفًا غير أخلاقي في أحد مناحي الحياة قد يؤثر على أخلاقياتنا في المناحي الأخرى. ومن ثم، يجب أن نركز على الإشارات المبكرة للسلوكيات غير الأمينة ونبذل كل
ما بوسعنا للقضاء عليها في المهد قبل أن تصل إلى مرحلة متفاقمة.

وماذا عن حقيبة برادا التي دفعتني إلى إجراء مشروع البحث بأكمله؟ لقد اتخذت القرار العقلاني الوحيد والممكن في هذه الحالة ألا وهو إعطاء الحقيبة لوالدت ي!

13 لا تقتصر سوق البضائع المقلدة، بالطبع، على الحي الصيني ومدينة نيويورك. فبعد أن استجمعت هذه الظاهرة زخمًا على مدار أكثر من أربعين عامًا، صارت
الآن ظاهرة منتشرة. وتقليد البضائع محظور في مختلف أنحاء العالم تقريبًا، برغم اختلاف شدة العقوبة من دولة لأخرى، مثلما تختلف وجهات نظر الناس حيال
أخلاقيات شراء البضائع المقلدة. (انظر مقال "فردريك بالفور" بعنوان Fakes! بمجلة بيزنس ويك، عدد 7 فبراير، 2005).

14 انتشرت هذه الشائعة سريعًا بمدينة ديوك وصرت مشهورًا في أوساط المهتمين بعالم الموضة.

15 لعلك تتساءل بخصوص ما إذا تلقيت منتجات مقلدة على سبيل الهدية؛ هل سيكون لها نفس تأثير اختيار المنتجات المقلدة بأنفسنا. راودنا السؤال ذاته وقمنا
بدراسته في تجربة أخرى, واتضح أنه لا فارق بين الحصول على المنتجات المقلدة باختيارنا أو تلقيها على سبيل الهدية، فبمجرد أن نحصل على منتج مقلد، تزداد
نسبة الكذب والغش لدينا.

16 لعلك تتساءل بخصوص ما إذا كان الناس مدركين تداعيات التيار السائد للمنتجات المقلدة. لقد أجرينا تجارب على هذا الأمر أيضًا ووجدنا أنهم غير واعين لهذه
الآثار.
الفصل 6

خداع أنفسنا

تخيل نفسك تقف على شاطئ تكسوه الرمال الناعمة. تنساب الأمواج على الشاطئ لترسم خطًّا عريضًا من الرمال المبللة التي تسير فوقها, ثم تتجه إلى مكان تذهب
إليه من وقت لآخر. أوه، بالمناسبة أنت سرطان أزرق تتنافس مع بعض الذكور الآخرين على كسب الانتباه.

يظهر أمامك شيء صغير جميل له مخالب جميلة. وفي الوقت نفسه، تلاحظ أن المنافسة تقترب منك سريعًا. وتدرك أن الطريقة المثالية للتعامل مع الموقف هي
إخافة باقي السرطانات الأخرى. وبهذه الطريقة لن تضطر إلى خوض المعركة والمجازفة بإيذاء نفسك أو الأسوأ فقد فرصتك لكسب شيء أليف. ومن ثم، يتعين
عليك أن تقنع بقية السرطانات بأنك أقوى وأضخم منها. وبينما لا يفصلك عن المنافسة سوى بضعة سنتيمترات، تدرك أنك بحاجة إلى التأكيد على حجمك. ومع
ذلــك، إذا تظــاهرت ببســاطة بــأن حجمــك أكبــر مــن خــلال الــوقوف علــى أطرافــك والتظــاهر بــالتلويح بمخــالبك فــي الــهواء، فــأنت علــى الأرجــح تسـتعرض نفسـك أمـام
الآخرين. ثم ماذا يتعين عليك فعله؟

ما عليك فعله هو أن تشجع نفسك وتظن نفسك أضخم وأقوى مما أنت عليه بالفعل. وبمجرد أن "تدرك" أنك أضخم سرطان على الشاطئ، تقف على أرجلك
الخلفية بأعلى قدر مستطاع وتنشر مخالبك بأقصى قدر وأعلى قدر يمكنك في الهواء (القرون، وذيل الطاووس، ومظاهر الاستعراض العامة الأخرى التي يستعين
بها الذكور يبدو أن لها التأثير ذاته). إن الإيمان بأكاذيبك يعني أنك على استعداد للقيام بما هو صعب. وثقتك بنفسك (المبالغ فيها) ربما تخيف منافسيك.

الآن لنعد إلى عالمنا. نحن - معشر البشر - لدينا أساليب استعراض متطورة أكثر من الحيوانات. لدينا القدرة على الكذب ليس فقط على الآخرين، بل والكذب على
أنفسنا. ويُعد خداع النفس إستراتيجية مفيدة لتصديق القصص التي نحكيها للآخرين، وإذا كنا نفعل ذلك بنجاح؛ فإننا أقل عرضة للخوف والتردد وأقل عرضة
لأن يكتشــف الآخــرون مصــادفةً أننــا علــى عكـس مـا نتظـاهر بـه. وأنـا لا أعتمـد الكـذب كوسـيلة لكسـب شـريك حيـاة أو وظيفـة أو أي شـيء آخـر. ولكـن فـي هـذا الفصـل،
سنلقي نظرة على الطرق التي نبرع في استغلالها لخداع أنفسنا في أثناء محاولتنا لخداع الآخرين.

بالطبع، لا يمكننا تصديق كل كذبة من أكاذيبنا على الفور. دعنا نفترض مثلًا أنك تلتقي إحدى الفتيات بهدف الارتباط بها ومن ثم تحاول ترك انطباع جيد لديها,
وطرأت على ذهنك فكرة جامحة؛ إذ تخبرها بأن لديك رخصة طيار. وحتى إن أقنعتها بهذه القصة، فليس من المحتمل أن تقنع نفسك بأن لديك فعلًا تلك الرخصة
ولديك القدرة على توجيه الطيارين الآخرين بخصوص تحسين كيفية الهبوط لديهم. وعلى الجانب الآخر، دعنا نفترض أنك خرجت مع صديقك للركض ودخلت
معه في مناقشة بخصوص أفضل الأوقات للركض. وتخبر صديقك بأنك قطعت مسافة ميل واحد في أقل من سبع دقائق، في حين أنك تستغرق في أفضل الأحوال
أكثر من سبع دقائق. وبعد مرور بضعة أيام، تخبر شخصًا آخر بالشيء نفسه. وبعد تكرار هذه القصة بقليل من الادعاءات المبالغ فيها، لعلك تنسى في النهاية أنك
لم تكسر حاجز الدقائق السبع في الواقع. ولعلك تصل إلى درجة من التصديق تجعلك على استعداد لدخول تحدٍّ على ذلك.

اسمح لي بأن أحكي لك قصة عن فترة من فترات حياتي كنت متبنيًا لكذبة خاصة بي. في صيف عام 1989 - بعد مرور عامين تقريبًا على خروجي من المستشفى -
قررت أنا وصديقي "كين" أن نسافر من نيويورك إلى لندن لزيارة صديق آخر. قمنا بشراء أرخص تذكرة طيران إلى لندن، والتي اتضح أنها تذكرة طيران آير إينديا.
عندما أوصلتنا السيارة الأجرة إلى المطار، أفزعتنا رؤية صف طويل من الأشخاص يمتد على طول صالة الركاب. فكر "كين" بسرعة وواتته فكرة وقال: "لماذا لا تجلس
علــى كرسـي متحـرك؟" فكـرت فـي اقتراحـه. فلـن أشـعر بمزيـد مـن الراحـة وحسـب، بـل يمكننـا أن نختـرق الزحـام سـريعًا. (فـي الـواقع، مـن الصـعب علـيَّ الـوقوف لـوقت
طويل لأن الدورة الدموية في قدميَّ ليست على خير ما يرام. ولكني لست بحاجة إلى كرسي متحرك).

كان كلٌّ منا مقتنعًا بأنها خطة جيدة، ومن ثم قفز "كين" من السيارة الأجرة وعاد بكرسي متحرك. ومررنا بسهولة ويسر عبر نقطة التفتيش، وبقيت أمامنا ساعتان
من الوقت لقضائهما، فاستمتعنا بتناول القهوة والشطائر. ولكن بعد ذلك، شعرت بأنني بحاجة إلى الذهاب إلى الحمام. ومن ثم، دفعني "كين" على الكرسي
المتحرك لأقرب حمام موجود في المكان، ولسوء الحظ أنه لم يكن مهيَّأ لمستخدمي الكرسي المتحرك. ومع ذلك، حافظت على أداء دوري، وقربنا الكرسي من المرحاض
بقدر الإمكان وحاولت أن أصيب الهدف من على بُعد، ولكني لم أنجح!

ومــا إن انتــهينا مــن مشــكلة الحمــام، حتــى حــان الــوقت للصــعود علــى متــن الطــائرة. كــان ثمــة مقعــدان فـي الصـف 30، وعنـد اقترابنـا مـن مـدخل الطـائرة، أدركـت أن
الكرســــي المتحــــرك لــن يمــر بــين الصــفوف نظــرًا لأنــه عــريض جــدًّا؛ ومــن ثــم، قمنــا بمــا فرضــه علينــا دوري الجــديد؛ فقــد تــركت الكرســي المتحــرك عنــد مــدخل الطــائرة
وأمسكت بكتفي "كين" وحملني إلى مقعدينا.

وعندما جلست في انتظار الإقلاع، تضايقت لأن الحمام الموجود في المطار غير مصمم لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة وأن شركة الطيران لم توفر لي كرسيًّا متحركًا
أقــل مســاحة لأصــل بــه إلــى مقعــدي. وتزايــد ضــيقي حــين أدركــت أننــي يجــب ألا أتنـاول أي مشـروب لمـدة سـت سـاعات مـدة رحلـة الطـيران لأنـه لا مجـال أمـامي سـوى
الحفــاظ علــى أداء دوري وعــدم دخــول الحمــام. وكــانت الصــعوبة التاليــة التــي واجــهتنا عنــدما وصــلنا إلــى لنــدن. مـرة أخـرى، اضـطر "كـين" أن يحملنـي حتـى مـدخل
الطائرة، واضطررنا إلى الانتظار نظرًا لأن شركة الطيران لم توفر لنا كرسيًّا متحركًا في انتظارنا.

جعلتنــي هــذه المغــامرة الصـغيرة أتفـهم قـدر المعـاناة اليوميـة التـي يلاقيـها ذوو الاحتيـاجات الخاصـة بصـفة عامـة. فـي الـواقع، كنـت منزعـجًا بشـدة لـدرجة أننـي قـررت
التوجه إلى رئيس شركة آير إينديا بلندن والتقدم بشكوى. فبمجرد أن حصلنا على الكرسي المتحرك، أخذني "كين" إلى مكتب شركة آير إينديا، وبضيق مبالغ فيه
وصفت الصعوبات التي لاقيتها والمهانة التي تعرضت لها؛ ووبخت الرئيس الإقليمي لشركة آير إينديا على قلة اهتمام الشركة بذوي الاحتياجات الخاصة في كل
مكان. وبالطبع، تأسف بشدة وبعد ذلك خرجنا من مكتبه.

الغريب أنه خلال هذه المغامرة كنت أعرف أن بإمكاني السير، ولكني لعبت دوري بإتقان وسرعة بالغة لدرجة أن ضميري شعر بأن الأمر حقيقي كما لو أن لديَّ
سببًا شرعيًّا يدعوني للقلق. وبعد كل هذا، ذهبنا لتسلُّم الحقائب، حيث تسلمت حقيبة الظهر الخاصة بي وسرت متحررًا من كل القيود، مثلما فعل "كيسير
سوز" في فيلم The Usual Suspects.

 

وللمزيد من التجارب الجادة على خداع الذات، شرعت أنا و"زوي تشانس" (طالبة بحوث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل) و"مايك نورتون" و"فرانشيسكا جينو"
لمعرفة المزيد حول: كيف نخدع أنفسنا ومتى نؤمن بأكاذيبنا وما إذا كانت هناك طرق لمنع أنفسنا من القيام من ذلك.

في المرحلة الأولى من تجربتنا، عُرض على المشاركين 8 أسئلة أشبه بأسئلة اختبارات الذكاء (أحد هذه الأسئلة مثلًا: "ما العدد الذي يكون نصف ربع عشر الـ400؟).
وبعــد أن انتــهوا مـن الإجابـة عـن الاختبـار, سـلم المشـاركون فـي المجموعـة الضـابطة إجابتـهم إلـى الممتحـن الـذي راجـع إجابتـهم. وهـذا أتـاح لنـا تحـديد متوسـط الأداء فـي
الاختبار 17 .

أما في المجموعة التي كان واردًا بها حدوث غش، فقد كان المشاركون لديهم مفتاح الحل في نهاية الصفحة، وتم إخبارهم بأن مفتاح الحل متاح ليمكنهم من التأكد
من مستوى أدائهم في الاختبار وكذلك لمساعدتهم على تقدير - بصفة عامة - مدى إجادتهم للإجابة عن هذا النوع من الأسئلة. ومع ذلك، طُلب منهم أن يجيبوا
عن الأسئلة أولًا ولا يستعينوا بمفتاح الحل إلا من أجل التأكد من صحة الحل بعد ذلك. وبعد الإجابة عن كل الأسئلة، راجع المشاركون إجابتهم وسجلوا مستوى
أدائهم.

ما الذي أظهرته نتائج المرحلة الأولى من الدراسة؟ كما توقعنا، المجموعة التي أتيحت لها فرصة "مراجعة إجابتهم" سجلت نتائج أعلى قليلًا من المتوسط بمقدار
بضع نقاط، وهو ما أشار إلى أنهم استعانوا بمفتاح الحل ليس فقط للتأكد من صحة إجابتهم بل من أجل تحسين أدائهم. كما كانت الحال مع جميع تجاربنا
الأخرى، وجدنا أن الناس تغش حين تسنح لهم الفرصة، ولكن ليس بمقدار مبالغ فيه.

مساعدة نفسي للحصول على درجة أعلى في اختبارات الذكاء

إن فكرة هذه التجربة مستوحاة من إحدى المجلات المجانية التي تجدها في ظهر مقاعد الطائرة. وفي إحدى رحلات الطيران، كنت أتصفح إحدى المجلات واكتشفت
اختبار ذكاء (اختبار منسا الذي من المفترض أن يقيس نسبة الذكاء). ونظرًا لأنني أحب التحدي والتنافس، فقد كان من الطبيعي أن أجرب حل هذا الاختبار. أوردت
التعليمات أن الإجابات موجودة في نهاية المجلة. وبعد أن أجبت عن السؤال الأول، قلبت الصفحات وصولًا إلى نهاية المجلة لأرى ما إذا كانت إجابتي صحيحة. ويا
للعجب! إن الإجابة كانت صحيحة! وفي أثناء مواصلتي لحل الاختبار، لاحظت أنني أراجع الإجابة الخاصة بالسؤال الذي أجبت عنه توًّا، وتجولت عيناي قليلًا لرؤية
إجابة السؤال التالي؛ ونظرًا لأنني أخذت نظرة سريعة على إجابة السؤال التالي، فقد استطعت الإجابة عن السؤال التالي بمزيد من السهولة. وفي نهاية الاختبار، استطعت أن أجيب عن معظم الأسئلة بإجابة صحيحة، وهو ما سهل عليَّ اعتقاد أنني عبقري نوعًا ما. ولكن بعد ذلك تساءلت عما إذا كانت درجتي عالية لأنني
خارق الذكاء فعلًا أم لأنني رأيت الإجابات بطرف عيني (بالطبع، كنت أميل لأن أعزو درجة الاختبار لذكائي).

والأمر نفسه قد ينطبق على أي اختبار تتاح فيه الإجابات في صفحة أخرى أو مكتوبة بالمقلوب، كما ترد عادةً في المجلات ودليل اختبارات القبول بالجامعات. إننا
عادة ما نستغل الإجابة في أثناء التدريب على الاختبارات لنقنع أنفسنا بأننا أذكياء، وإذا ما كانت إجابتنا خطأ، فإننا ارتكبنا خطأ أحمق ما كنا لنرتكبه مطلقًا في
أثناء الاختبار الحقيقي. وعلى أية حال، نخرج من هذا بفكرة مبالغ فيها لنغتر بمقدار ذكائنا؛ وهو أمر نسعد بتقبله بوجه عام.

نتائج المرحلة الأولى من تجاربنا أظهرت أن المشاركين يميلون نحو الاطلاع على الإجابات كوسيلة لتحسين درجاتهم. ولكن هذه النتيجة لم تخبرنا بما إذا كانوا قد
تورطوا في أساليب الغش المباشرة قديمة الطراز أم كانوا يخدعون أنفسهم بالفعل. بعبارة أخرى، لم نعرف بعد ما إذا كان المشاركون مدركين أنهم يغشون أم
أنهم أقنعوا أنفسهم بأنهم يتحققون من صحة الإجابات بطريقة مشروعة. ومن أجل فهم هذا الأمر، أضفنا عنصرًا آخر لتجربتنا التالية.

تخيل أنك تشارك في تجربة مشابهة للتجربة السابقة؛ حيث تقوم بحل اختبار الأسئلة الثمانية، وتجيب عن أربعة أسئلة إجابة صحيحة (50 %)، ولكن الفضل
يعود إلى مفتاح الحل الموجود في نهاية الصفحة، ثم تدعي أنك أجبت عن ستة أسئلة (75 %). الآن، هل تظن أن قدراتك الفعلية تتراوح في نطاق الخمسين بالمائة أم
أنها تتراوح في نطاق الخمسة والسبعين في المائة؟ على الجانب الأول، لعلك تدرك أنك استعنت بمفتاح الحل لتزيد من درجاتك، وتعرف أن قدراتك الفعلية تقترب
من الخمسين بالمائة. وعلى الجانب الآخر، فما إن تعرف أنك ستتلقى مقابلًا ماديًّا إن قمت بالإجابة عن ستة أسئلة، حتى تقنع نفسك بأن قدراتك للإجابة عن هذه
الأسئلة تقترب من مستوى الخمسة والسبعين بالمائة.

إليك المرحلة الثانية من التجربة: بعد الانتهاء من اختبار الرياضيات، يطلب الممتحن منك أن تتوقع إلى أي مدى ستبلي بلاءً حسنًا في الاختبار التالي، الذي سَتُطْلَبُ
منك فيه الإجابة عن مائة سؤال مشابهة. ولكن في هذه المرة، لن يُتاح لك مفتاح الحل في نهاية الصفحة (ومن ثم لن تتاح لك الفرصة للتأكد من صحة إجاباتك).
ما الأداء المتوقع لك في الاختبار التالي؟ هل ستعتمد درجتك على قدراتك الفعلية كما في المرحلة الأولى (50%)، أم ستعتمد على قدراتك المبالغ فيها (75%)؟ إليك
منطق التفكير: إن كنت مدركًا أنك استعنت بمفتاح الحل في الاختبار السابق لتزيد من درجاتك بالغش، فسوف تتوقع الإجابة عن عدد الأسئلة نفسه في الاختبار
الأول دون الاستعانة بمفتاح الحل (أربعة أسئلة من ثمانية أسئلة أو حوالي 50%). ولكن دعنا نفترض أنك بدأت تؤمن بأنك أجبت عن ستة أسئلة - إجابة صحيحة
- وحدك؛ لا بسبب اطلاعك على الإجابات. حينئذ لعلك تفترض أنك في الاختبار التالي ستحل أكبر عدد من الأسئلة (أقرب لـ 75%). في الواقع، يمكنك الإجابة عن
نصف عدد الأسئلة فقط إجابة صحيحة، ولكن لعل خداع الذات يجعلك تزهو بنفسك - مثل حيوان السرطان الموجود في بداية الفصل - ويزيد من ثقتك بقدراتك.

أظهرت النتائج أن المشاركين مروا بتجربة المبالغة في قدراتهم. وأظهرت توقعات مدى إجادة الأداء في المرحلة الثانية من الاختبار أن المشاركين لم يستعينوا بمفتاح
الحل في المرحلة الأولى للمبالغة في درجاتهم وحسب؛ بل أقنعوا أنفسهم بسرعة بأنهم استحقوا تلك الدرجات أيضًا. إن من أتيحت لهم فرصة التحقق من صحة
إجاباتهم في المرحلة الأولى (وغشوا) شرعوا في تصديق أن درجاتهم المبالغ فيها عكست مهاراتهم الحقيقية.

ولكن ما الذي سيحدث إذا ما دفعنا مقابلًا ماديًّا للمشاركين الذين توقعوا درجاتهم بدقة في المرحلة الثانية؟ مع تعرض المال للمخاطرة، ربما لن يتجاهل المشاركون
بكل سهولة حقيقة أنهم استعانوا بمفتاح الحل لتحسين درجاتهم في المرحلة الأولى. ولهذا السبب، كررنا التجربة نفسها مع مجموعة جديدة من المشاركين، ولكن
في هذه المرة عرضنا مبلغًا يصل إلى 20 دولارًا إذا ما توقع المشاركون أداءهم توقعًا صحيحًا في الاختبار الثاني. وبالرغم من وجود حافز مالي للتحلي بالدقة، فإن
المشاركين ما زالوا يميلون لأن يعزو لأنفسهم درجاتهم ويبالغوا في تقدير قدراتهم. وبالرغم من وجود حافز قوي للتحلي بالدقة، فإن خداع الذات يكسب!

?

حبنا للمبالغة

ذات مرة - في مطلع التسعينيات - سمع المخرج السينمائي الشهير "ستانلي كوبريك" قصصًا من مساعده بخصوص رجل يدعي أنه "ستانلي كوبريك". كان شبيه
"كوبريــك" (واســمه الحقــيقي "ألان كـونواي" الـذي لـم يكـن شـبيهًا للمخـرج صـاحب اللحيـة الـداكنة علـى الإطـلاق) يجـوب مـدينة لنـدن ويقـدم نفسـه للنـاس بـاعتباره
الشخصية الشهيرة (التي يدعيها). ونظرًا لأن "ستانلي كوبريك" الحقيقي كان شخصية منعزلة جدًّا ويتحاشى المصورين، فكثير من الناس لم تكن لديهم أدنى فكرة
عــن شــكله. ومــن ثــم، الكثــيرون مــن الأشــخاص الســاذجين فـرحوا "بمعرفـة" المخـرج الشـهير بصـفة شـخصية، ومـن ثـم ابتلعـوا طعـم "كـونواي" بكـل حمـاس. بـدأت
شركة وارنر برذرز - التي كانت تمول أفلام "ستانلي كوبريك" وتوزعها - تتصل بمكتب "كوبريك" كل يوم تقريبًا بخصوص شكاوى من أشخاص لا يفهمون سبب
تنصل "ستانلي" منهم؛ بعد أن دعوه على الغداء وقدموا له المشروبات ودفعوا له أجرة التاكسي، ووعدهم بأنه سيسند لهم أدوارًا في فيلمه القادم!

وفي أحد الأيام، كان "فرانك ريتش" (الناقد السينمائي وكاتب عمود في صحيفة ذا نيويورك تايمز ) يتناول الغداء في أحد مطاعم لندن مع زوجته وزوجين آخرين.
وصادف أن "كوبريك" المزيف كان جالسًا على مقربة منه مع عضو في البرلمان حاصل على لقب فارس وعدد من الشباب، منتشيًا بقصصه عن معجزاته في صناعة
الأفلام. وعندما رأى "كوبريك" المزيف الناقد "ريتش" يجلس على الطاولة المجاورة، ذهب إليه وأخبره بأنه بصدد مقاضاة جريدة تايمز لأنها قالت عنه إنه "خامل
فنــيًّا". ومــن ثــم، طلــب منــه "ريتــش"- الــذي ابتــهج للقــاء "كوبريــك" المنــعزل - أن يجــري معــه لقــاءً صـحفيًّا، فطلـب منـه "كـونواي" أن يتصـل بـه هـاتفيًّا وأعطـاه رقـم
الهاتف المنزلي ... ثم اختفى.

وبعد مرور فترة قصيرة على هذا اللقاء، بدأت الحقيقة تتكشف بخصوص "كونواي" وفهم "ريتش" وآخرون أنه تم خداعهم. في النهاية، ظهرت الحقيقة عندما بدأ
"كونواي" يعرض قصته على الصحفيين. وادعى أنه ضحية اضطراب ذهني يتعافى منه ("كان أمرًا غريبًا. لقد تملكتني شخصية "كوبريك". وصدقت أنني "كوبريك"
فعلًا!"). في النهاية، مات "كونواي" مفلسًا نتيجة إدمان الكحوليات قبل وفاة "كوبريك" بأربعة أشهر 18 .

وعلى الرغم من أن هذه القصة مبالغ فيها، فلعل "كونواي" كان مؤمنًا بأنه "كوبريك" حين كان يتباهى بنفسه متنكرًا في شخصية المخرج الشهير، الأمر الذي أثار
تســاؤلًا بخصــوص مــا إذا كــان بعضــنا عرضـة لتصـديق أكاذيبـه الخاصـة أكثـر مـن الآخـرين. ومـن أجـل دراسـة تلـك الاحتماليـة، أعـددنا تجربـة كررنـا فيـها مـهمة خـداع
الذات الأساسية، ولكن في هذه المرة قمنا بقياس إلى أي مدى ينزع المشاركون إلى التغاضي عن إخفاقاتهم. ومن أجل قياس هذه النزعة، طلبنا من المشاركين الموافقة أو الاعتراض على بضع عبارات مثل: "انطباعاتي الأولى عن الناس صحيحة عادةً"، "أنا لا أخفي أخطائي مطلقًا". أردنا أن نعرف ما إذا كان المشاركون الذين أجابوا
بـ"نعم" عن عدد كبير من هذه الأسئلة لديهم نزعة أكبر تجاه خداع الذات.

كما رأينا من قبل أن من توافر لهم مفتاح الحل غشوا الإجابات وحصلوا على درجات أعلى. مرة أخرى، توقعوا أن يجيبوا إجابة صحيحة عن عدد أكبر من الأسئلة
في الاختبار التالي. ومرة أخرى، خسروا أموالًا لأنهم بالغوا في درجاتهم وبالغوا في توقع مستوى قدراتهم. وماذا عن هؤلاء الذين أجابوا بـ"نعم" لعدد أكبر من
العبارات الخاصة بنزعاتهم؟ كان هناك عدد كبير من أصحاب الإجابة بـ"نعم"، وهؤلاء من توقعوا أنهم سيبلون بلاءً حسنًا في المرحلة الثانية من الاختبار.

?

 

هناك على الأرجح عدة أسباب وراء مبالغة الناس في شهادة الخدمة الخاصة بهم, ولكن تكرار القصص عن الأشخاص الذين يكذبون بخصوص سيرهم الذاتية
والــدبلومات والخبــرة الشــخصية يطــرح علينــا بضــعة أســئلة مثــيرة: هــل حــين نكــذب علــى المــلأ، تقــوم الكــذبة المســجلة مقــام العلامــة المســجلة للإنجـاز التـي "تـذكرنا"
بإنجازاتنا المزيفة وتساعدنا على تعزيز الوهم بداخل نسيج حياتنا؟ فإذا كان هناك تذكار أو وسام أو شهادة لتمييز شيء لم نحققه قط، فهل ستساعدنا العلامة
المسجلة للإنجاز على التشبث بمعتقداتنا الخطأ بخصوص قدراتنا؟ هل تزيد مثل هذه الشهادات من قدرتنا على خداع الذات؟

قبل أن أخبرك بتجاربنا بخصوص هذا الموضوع، ينبغي أن أشير إلى أنني بكل فخر أعلق شهادتي دبلوم على حائط مكتبي. إحداهما "بكالوريوس علوم الجاذبية من
معــهد ماســاشوستس للتقنيــة" والأخــرى شــهادة "الــدكتوراه فــي الجاذبيــة" مــن معــهد ماســاشوستس للتقنيــة أيـضًا. لقـد منحتنـي شـارم سـكول هـاتين الـدبلومتين،
وشــارم ســكول عبــارة عــن نشــاط مقــره معــهد ماســاشوستس للتقنيــة يقــام خــلال شــهر ينــاير البــارد. ومـن أجـل الوفـاء بالشـروط، يجـب أن أسـتكمل عـدة دروس فـي
الرقص والشعر ورباط العنق وغيرها من المهارات المتعلقة بالرقص. في الواقع، كلما بقيت الشهادات مدة أطول على حائط مكتبي، زاد اعتقادي بأنني أتمتع بالفعل
بقدر كبير من الجاذبية.

لقد اختبرنا آثار هذه الشهادات من خلال منح مشاركينا فرصة للغش في اختبار الرياضيات الأول (من خلال توفير مفتاح الحل). وبعد المبالغة في مستوى أدائهم،
أعطينا بعضًا من المشاركين شهادة تؤكد إنجازهم (الزائف) الذي حققوه في الاختبار. حتى إننا كتبنا أسماءهم ودرجاتهم على الشهادة وقمنا بطباعة الشهادة على
ورق أشــبه بــالأوراق الرســمية. فــي حــين لــم يتلــق المشــاركون الآخــرون أيــة شــهادات. هــل ســيزيد ســجل الأداء مــن ثقــة المشــاركين بأدائــهم المبــالغ فيـه، الـذي يعتمـد فـي
الحقيقة على الاستعانة بمفتاح الحل؟ هل سيجعلهم هذا السجل يؤمنون بأن هذه الدرجات تعكس فعلًا قدراتهم الحقيقية؟

كما اكتشفنا، لست أنا الشخص الوحيد الذي تأثر بوجود شهادات الدبلومة معلقة على حائط مكتبي؛ فالمشاركون الذين حصلوا على شهادات توقعوا أن يجيبوا
عن عدد أكبر من أسئلة الاختبار الثاني إجابة صحيحة. بدا الأمر كأن لديك تذكرة مكتوبًا عليها "أحسنت" تسهل عليك اعتقاد أن هذه الإنجازات هي إنجازاتك فعلًا
بغض النظر عن مدى إجادتك للعمل.

قدمت روائية القرن التاسع عشر "جين أوستن" مثالًا رائعًا على الطريقة التي تدفعنا بها مصالحنا الأنانية - بالإضافة إلى مساعدة الآخرين من حولنا - إلى تصديق
أن أنانيتنا علامة على الإحسان والكرم. في رواية Snse and Sensibility ، هناك مشهد كاشف للحقيقة حيث يفكر "جون" - الوريث الشرعي الوحيد لوالده - في
الوعد الذي قطعه لوالده. على فراش الموت، وعد "جون" أباه العجوز المحتضر أن يعتني بزوجة أبيه المسكينة والطيبة جدًّا وأخواته الثلاث غير الشقيقات. وقرر
بمحض إرادته أن يعطي السيدات الأربع 3 آلاف جنيه إسترليني - وهو مجرد جزء بسيط من ميراثه - وهو مبلغ سيكفيهن. وفي النهاية، برر لنفسه "إنه سيتخلى عن
مبلغ كبير بقليل من الضيق".

وعلى الرغم من أن "جون" رضي بهذه الفكرة وسهولة إمكانية تنفيذها، فإن زوجته البارعة والأنانية أقنعته - من دون صعوبة بالغة وبقدر كبير من المنطق المخادع -
بــأن أي مبلــغ مــن المــال ســيعطيه لأخواتــه غــير الشــقيقات وزوجــة أبيــه، ســيتركه هــو وزوجتــه وابنــهما "فــي حالــة مــن الفقــر المــدقع". وأخــذت تجادلــه - مثــل السـاحرة
الشريرة في قصص الجنيات - بأن والده لابد أنه فقد عقله. على أية حال، كان العجوز على وشك الموت حين طلب هذا الأمر, ثم بدأت تعزف على أوتار أنانية زوجة
الأب. وكيف تجرؤ زوجة أبي "جون" وأخواته غير الشقيقات على ادعاء استحقاقهن المال؟ كيف يبدد زوجها ثروة أبيه على زوجة أبيه وأخواته الطامعات؟ وبعد أن
نجحت في عمل غسيل المخ للابن، توصل "جون" إلى قرار مفاده "ليس من الضروري، وإن لم يكن غير لائق إلى حد كبير، القيام بالمزيد من أجل الأرملة وبنات أبيه
الثلاث ..." وإليك النتيجة: استرضاء الضمير، تبرير الجشع، عدم المساس بالثروة.
?

كما يمكنك أن تلاحظ، يميل الناس إلى تصديق قصصهم المبالغ فيها. إذن, هل يمكن منع أو على الأقل تقليل هذه السلوكيات؟ وبما أن تقديم مقابل مالي لكي
يقيِّم الناس أداءهم بمزيد من الدقة لم يقلل من خداع الذات، فقد قررنا أن نتدخل مقدمًا، في اللحظة المناسبة التي ينتهز المشاركون فيها الفرصة للغش. (وهذا
الأسلوب مرتبط بطريقة الوصايا العشر التي ذكرتها في الفصل الثاني). ونظرًا لأن مشاركينا كانوا قادرين بكل وضوح على أن يتجاهلوا تأثير توافر مفتاح الحل على
درجاتهم, فقد تساءلنا ماذا كان سيحدث لو أننا أوضحنا أنهم يعتمدون على مفتاح الحل في لحظة استخدامه. فإن تم توضيح استعانتهم بمفتاح الحل لزيادة
درجاتهم بكل وضوح، فهل ستقل قدرتهم على إقناع أنفسهم بأنهم عرفوا الإجابات الصحيحة كلها من البداية؟

فــي تجــاربنا المبـدئية (التـي اعتمـدت علـى الاختبـارات المطبوعـة)، لـم يكـن مـن الممكـن تحـديد - بـدقة - متـى يختلـس المشـاركون النظـر إلـى مفتـاح الحـل ومسـتوى وعيـهم
بالمساعدة التي حصلوا عليها من الإجابات المكتوبة. ومن ثم، في تجربتنا التالية، طلبنا من المشاركين أن يحلوا النسخة الإلكترونية من الاختبار نفسه. في هذه المرة
مفتاح الحل موجود أسفل الشاشة ولكنه مختفٍ عن الأنظار في البداية. ومن أجل إظهار الإجابات، يتعين على المشاركين تحريك مؤشر الفأرة لأسفل الصفحة،
وعنــدما يتــم إبعــاد المؤشــر يختفـي مفتـاح الحـل مـرة أخـرى. وبـهذه الطريقـة يُجـبَر المشـاركون علـى التفكـير بـدقة فـي توقـيت ومـدة اسـتخدامهم مفتـاح الحـل بـدقة, ولا
يمكنهم بكل سهولة تجاهل هذا التصرف الواضح والمتعمد.

وعلى الرغم من أن جميع المشاركين تقريبًا استعانوا بمفتاح الحل على الأقل مرة واحدة، فقد وجدنا في هذه المرة (على عكس الاختبارات المطبوعة) أنهم لم يبالغوا
في تقييم أدائهم في الاختبار الثاني. وبالرغم من حقيقة أن الغش كان ولا يزال مستمرًّا، فإن قرارهم الواعي للاستعانة بمفتاح الحل - بدلًا من مجرد اختلاس النظر
لأسفل الصحفة - قلل من ميولهم لخداع الذات. يبدو أننا حين ندرك بوضوح الطرق التي نغش بها، تقل قدرتنا على المبالغة في الإشادة بأدائنا.

خداع الذات ومساعدة الذات

إذن، أين نحن من خداع الذات؟ هل يجب أن نحافظ عليه؟ نقلل منه؟ وأشك في أن خداع الذات مشابه لأقاربه: المبالغة في الثقة والتفاؤل، وكما هي الحال مع
النزعـات الأخـرى، فـإن لـه فوائـد وأضـرارًا. مـن الناحيـة الإيجابيـة، الثقـة المفرطـة وغـير المبـررة بأنفسـنا قـد تزيـد مـن شـعورنا العـام بالسـعادة مـن خـلال مسـاعدتنا علـى
التكيف مع الضغوط، وقد تزيد أيضًا من قدرتنا على المثابرة في أثناء القيام بالمهام الصعبة أو المملة، وقد تحثنا على خوض تجارب جديدة ومختلفة.

إننا نصر على خداع أنفسنا من أجل الحفاظ على صورة إيجابية عن الذات. ومن ثم، نتستر على إخفاقاتنا ونلقي الضوء على نجاحاتنا (حتى إن لم تكن تخصنا
كليةً)، ويروقنا لوم الآخرين والظروف الخارجية عندما تكون إخفاقاتنا جلية. ومثل حيوان السرطان الذي ذكرناه في بداية هذا الفصل، قد نستعين بخداع الذات
لندعم ثقتنا حين لا نشعر بالجرأة. واكتساب مكانتنا على أساس نقاط قوتنا قد يساعدنا على النجاح في الحصول على موعد طيب أو إتمام مشروع كبير أو الحصول
على وظيفة. (وأنا هنا لا أقترح المبالغة في سيرتك الذاتية، بالطبع، ولكن القليل من الثقة الإضافية قد تعمل في صالحك عادةً).

ومن الناحية السلبية، إلى الحد الذي يمكن للآراء التفاؤلية المبالغ فيها أن تشكل أساسيات تصرفاتنا، ربما نفترض افتراضًا خطأ بأن الأمور ستنتهي على أفضل حال
ونتيجة لذلك لا نتخذ أفضل القرارات. وقد يدفعنا خداع الذات إلى "تعزيز" قصص حياتنا من خلال شهادة من جامعة مرموقة، مثلًا، وهو ما يقودنا إلى معاناة
كبيرة عند اكتشاف الحقيقة في النهاية. وبالطبع، هناك تكاليف عامة للخداع. عندما نتصف نحن ومن حولنا بالخداع والكذب، نشرع في التشكيك في الجميع،
وبدون ثقة، تصير حياتنا أصعب في كل شيء تقريبًا.

كما هي الحال في جوانب حياتنا الأخرى، يكمن التوازن بين السعادة (التي نستقيها من خداع الذات بصورة جزئية) والقرارات المثالية للمستقبل (ورؤية أكثر واقعية
لأنفسنا). بالتأكيد من الرائع أن نكون متفائلين - يحدونا الأمل بمستقبل رائع، ولكن في حالة خداع الذات، فإن معتقداتنا المبالغ فيها قد تدمرنا عندما تنكشف
الحقيقة.

بعض الجوانب الإيجابية للكذب

عندما نكذب من أجل مصلحة شخص آخر، نطلق عليها "كذبة بيضاء". عندما نكذب كذبة بيضاء، فإننا نزيد من عامل التصحيح، ولكننا لا نفعل ذلك لأسباب
أنانيـة. علـى سـبيل المثـال، فكـر فـي أهميـة المجـاملات غـير الصـادقة. إننـا جمـيعًا نعـرف المثـال الـذهبي للكـذبة البيضـاء، حـيث تسـأل إحـدى الزوجـات زوجـها عـن رأيـه فـي
فستان مثير ترتديه، وهي أبعد ما تكون عن الرشاقة، قائلة: "هل أبدو سمينة في هذا الفستان؟" فيجري زوجها تحليلًا سريعًا للتكلفة والفائدة، ويمر أمام عينيه
شــريط حياتــه بأكملــها إذا أجــاب عــن ســؤالها بالحقيقــة القاســية. ومــن ثــم، يقــرر أن يقـول لـها: "تبـدين جميلـة، يـا حبـيبتي". هـا هـو قـد أنقـذ ليلـة أخـرى (مـن حياتـه
الزوجية)!

أحيانًا تكون الكذبة البيضاء من المجاملات الاجتماعية، ولكن في أحيان أخرى يكون لها مفعول السحر لمساعدة الناس على تخطي أحلك الظروف، كما تعلمت من
حادثة الحرق التي وقعتُ ضحيتها وأنا في سن الثامنة عشرة.

بعــد أن وقــع لــي حــادث كــاد يــودي بحيـاتي، وجـدت نفسـي فـي المسـتشفى وأنـا أعـاني حـروقًا مـن الـدرجة الثالثـة غطـت 70 % مـن جسـدي. مـن البـداية، واصـل الأطبـاء
والممرضون تأكيدهم لي قائلين: "كل شيء سيصير بخير". ورغبت في تصديقهم. وبالنسبة لذهني الصغير، كانت عبارة: "كل شيء سيصير بخير" تعني أن آثار الحرق
الموجودة على جلدي وعمليات زراعة الجلد الكثيرة في النهاية ستذهب وتنتهي، مثلما يحرق أحدهم نفسه في أثناء إعداد الفيشار أو شواء اللحم على نيران المعسكر.

وذات يوم قرب نهاية عامي الأول بالمستشفى، قالت لي المعالجة إنها ترغب في تقديمي إلى أحد الضحايا المتعافين من الحروق والذي عانى حادثة مشابهة قبل بضع
سنوات. كانت تود أن تؤكد لي أنه يمكنني الخروج إلى العالم والقيام بالأشياء التي اعتدتها - وأن كل شيء سيصير بخير. ولكن عندما دخل الزائر الغرفة، شعرت بالذعر. كانت بشرة الرجل بها آثار حروق شديدة؛ شديدة لدرجة أنه بدا مشوهًا.

لقد كان قادرًا على تحريك يديه ويستخدمهما بكل الطرق الممكنة إلا أنهما تؤديان وظيفتهما بالكاد. كانت هذه الصورة أبعد ما تكون عما تخيلته بخصوص الشفاء
وقدرتي على الأداء والطريقة التي سأبدو عليها بمجرد أن أغادر المستشفى. وبعد هذه المقابلة، شعرت بالاكتئاب الشديد، مدركًا أن آثار الحروق وقدراتي الوظيفية
ستسوء أكثر مما كنت أتخيله عند هذه المرحلة.

أخبرني الأطباء والممرضون بأكاذيب حسنة النية بخصوص نوعية الآلام المتوقعة. وخلال إحدى العمليات الصعبة والطويلة في يديَّ، أدخل الأطباء إبرًا طويلة من
أطراف أناملي عبر المفاصل من أجل فرد أصابعي بشكل مستقيم لكي يتمكن الجلد من الالتئام بطريقة مناسبة. وعلى طرف كل إبرة وضعوا الفلين بحيث لا يمكنني
حك نفسي أو فرك عيني. وبعد مرور شهرين على التعايش مع وجود هذه الأداة الغريبة، وجدت أنه ستتم إزالتها في العيادة، وليس تحت تأثير المخدر. وكان هذا
يقلقني كثيرًا لأنني تخيلت أن الألم سيكون بشعًا. ولكن الممرضات قلن لي: "أوه، لا تقلق. إنه إجراء بسيط ولن يكون مؤلمًا". وعلى مدار بضعة أسابيع تالية، قل
شعوري بالقلق بشأن هذا الإجراء.

وعندما حان وقت سحب الإبر، أمسكت إحدى الممرضات بمرفقي وقامت الأخرى بإخراج كل إبرة بملقاط ببطء. بالطبع، كان الألم شديدًا واستمر لأيام على عكس
ما وصف به الإجراء تمامًا. ومع ذلك، كنت سعيدًا للغاية لأنهم كذبوا عليَّ. لو أنهم أخبروني بالحقيقة بخصوص ما أتوقعه، لقضيت الأسابيع السابقة للعملية
متوقعًا الشقاء والقلق والتوتر ما قد يعرض جهاز المناعة الخاص بي للخطر. وفي النهاية، توصلت إلى الإيمان بأن هناك ظروفًا معينة تكون فيها الكذبة البيضاء
مبررة.

17 لقد استعنا بهذا النوع من الاختبارات الشبيهة باختبارات القبول بالجامعات بدلًا من تمرين المصفوفات المعتاد الخاص بنا لأننا توقعنا أن مثل هذه الأسئلة قد
تقودنا بمزيد من التلقائية إلى شعور "أنا أعرف كل شيء" وخداع النفس.

18 كتب "أنطوني فروين"، مساعد "كوبريك"، هذه القصة في مجلة ستوب سميلينج، وكانت أساسًا لفيلم Colour Me Kubrick الذي قام فيه النجم "جون
مالكوفيتش" بدور "كونواي".
الفصل 7

الإبداع والكذب

إننا جميعًا قصاصون

الحقائق موجودة لمن ينقصهم الخيال لابتكار الحقيقة الخاصة بهم.

- مجهول

ذات مرة، أعد باحثان؛ "ريتشارد نيسبت" (بروفيسور بجامعة ميتشيجان) و"تيم ويلسون" (بروفيسور بجامعة فيرجينيا) مخيمًا في المركز التجاري المحلي ووضعا
أربعة أزواج من الجوارب النايلون على طاولة، ثم سألا السيدات أي جورب من الجوارب الأربعة يروقهن. صوتت الفتيات وبشكل عام كن يفضلن زوج الجوارب
الموجود أقصى اليمين. لماذا؟ بعضهن قلن إن المادة الخام أعجبتهن أكثر, وبعضهن قلن إن القماش أو اللون أعجبهن, والأخريات قلن إنهن شعرن بأن الجودة كانت
ذات مستوى رفيع. كانت هذه الأفضليات مثيرة للاهتمام، مع الوضع في الاعتبار أن الأزواج الأربعة للجوارب كانت متماثلة. ("نيسبت" و"ويلسون" أعادا تجربتهما
في وقت لاحق على بعض البيجامات ووجدا النتيجة نفسها).

وعندما سأل "نيسبت" و"ويلسون" كل مشاركة عن المنطق وراء اختيارها، لم تذكر أي منهن موضع الجورب على الطاولة. حتى حين أخبر الباحثان السيدات بأن
جميع الجوارب متماثلة وأن هناك أفضلية لزوج الجوارب الموجود أقصى اليمين، "أنكرت السيدات الأمر، بنظرات قلقة إلى محاوريهن توحي بأنهن إما أسأن فهم
السؤال أو أنهن تعاملن مع رجل مجنون".

ما الدرس المستفاد من هذه القصة؟ ربما لن نعرف بالضبط سبب قيامنا بشيء معين، أو اختيارنا شيئًا معينًا أو شعورنا بإحساس معين. ولكن غموض دوافعنا
الحقيقية لا يعوقنا عن ابتكار أسبابنا المنطقية لتبرير تصرفاتنا وقراراتنا ومشاعرنا.

ويمكنك أن تشكر (أو ربما تلوم) الجزء الأيسر من مخك على هذه القدرات المدهشة لتلفيق القصص واختلاقها. وكما أوضح العالم المتخصص في علم الأعصاب
الإدراكــي "مــايكل جــازانيجا" (بروفيســور بجامعــة كــاليفورنيا، ســانت بــابرا)، فــإن الــجزء الأيســر مــن المــخ هــو "المفســر"، وهــو النصـف الـذي ينسـج القصـص مـن وحـي
تجاربنا.

لقد توصل "جازانيجا" إلى هذه النتيجة بعد سنوات عديدة من البحث الذي أجراه على مرضى انفصال شقي الدماغ، وهم مجموعة نادرة من المرضى الذين يتم
استئصال الجسم الثفني - أكبر حزمة عصبية تربط شقي الدماغ (كطريقة معتادة لتقليل نوبات الصرع). وهذا الاضطراب يعني أن هؤلاء الأفراد قد يتعرضون لمثير
عصبي يستشعره أحد نصفي الدماغ دون إدراك النصف الآخر.

وفي أثناء العمل مع مريضة تعاني انفصال الجسم الثفني، أراد "جازانيجا" أن يختبر ما الذي يحدث حين تطلب من الجزء الأيمن للمخ القيام بشيء معين ثم
تطلب من الجزء الأيسر (الذي ليست لديه أدنى معلومة بخصوص ما يجري في الجزء الأيمن) أن يبرر ذلك التصرف. وبالاستعانة بجهاز يعرض التعليمات المكتوبة
على الشق الأيمن من دماغ المريض، يوجه "جازانيجا" الجزء الأيمن لدماغ المريضة لتضحك من خلال عرض كلمة "اضحكي". وبمجرد أن تذعن المريضة للطلب،
يسألها عن السبب الذي يجعلها تضحك. ليس لدى المريضة أدنى علم بسبب ضحكها، ولكن بدلًا من أن تقول: "لا أعرف"، تختلق قصة؛ إذ قالت: "أنتم تأتون كل
شهر لتختبرونا. يا لها من طريقة لكسب العيش!". من الواضح أنها حكمت على المتخصص في علم الأعصاب الإدراكي بأنه مسلٍّ للغاية.

هذه الحكاية توضح حالة متطرفة لنزعة نمتلكها جميعًا. إننا نريد تفسيرات لسبب تصرفنا بهذه الطريقة ولطرق العالم من حولنا؛ حتى لو كانت تبريراتنا الواهية
غير متعلقة بالواقع. إننا بفطرتنا مخلوقات تحب الحكايات، ونقص لأنفسنا الحكاية تلو الأخرى حتى نبتكر تبريرًا يروقنا ويبدو منطقيًّا بدرجة كافية للتصديق.
وكلما كانت القصة تصورنا بصورة إيجابية ومشرقة أكثر، كان ذلك أفضل كثيرًا.

خداع نفسي

في خطبة التخرج بمعهد كاليفورنيا التقني عام 1974، قال الفيزيائي "ريتشارد فاينمان": "أول مبدأ هو أنه يجب ألا تخدع نفسك؛ مع الوضع في الاعتبار أنك أسهل
شخص يمكن خداعه". وكما استعرضنا حتى الآن، نحن - معشر البشر - نتمزق في صراع أساسي ألا وهو نزعتنا المتأصلة للكذب على أنفسنا وعلى الآخرين، والرغبة
في اعتبار أنفسنا أشخاصًا أمناء وصالحين. ومن ثم، فإننا نبرر أكاذيبنا من خلال أن نردد لأنفسنا قصصًا بخصوص أسباب تقبل تصرفاتنا؛ بل وأسباب الإعجاب
بها أحيانًا. بالتأكيد، نحن بارعون للغاية في أن نحجب أعيننا.

وقبل أن ندرس بمزيد من التفصيل ما يجعلنا نجيد نسج قصص تمجيد الذات، اسمح لي بأن أروي لك قصة قصيرة تخبرك كيف خدعت نفسي (بسعادة بالغة)
ذات مرة. قبل عدة سنوات مضت (حين كنت في الثلاثين من عمري)، قررت أن أستبدل بدراجتي البخارية سيارة. كنت أحاول اتخاذ قرار بخصوص نوعية السيارة
المناسبة لي. كانت شبكة الإنترنت بدأت تعج بما يمكننا وصفه بلطف "وسائل المساعدة في اتخاذ القرارات"، ومن دواعي سروري أنني وجدت موقعًا إلكترونيًّا يقدم
نصائح لشراء السيارات. كان الموقع الإلكتروني يعتمد على إجراء مقابلة شخصية، وعرض عليَّ الكثير من الأسئلة التي تتراوح بداية من أفضلية السعر ودرجة الأمان
وحتى نوعية المصابيح الأمامية والمكابح التي أريدها.

استغرقت حوالي عشرين دقيقة للإجابة عن جميع الأسئلة. وفي كل مرة أنهي صفحة من صفحات الإجابة، كان بإمكاني أن أرى شريط التحميل مشيرًا إلى أي مدى
أقتــرب مــن اكتشـاف سـيارة الأحـلام وفـقًا لأولويـاتي الشـخصية. انتـهيت مـن الصـفحة الأخـيرة للأسـئلة وضـغطت بكـل حمـاس علـى زر "تقـديم" الإجـابات. وفـي غضـون
بضع ثوان حصلت على نتيجتي. ماذا كانت السيارة المثالية بالنسبة لي؟ وفقًا لهذا الموقع، كانت السيارة المناسبة لي ... تخيلوا ماذا كانت النتيجة ... فورد توروس!

أعترف بأنني لم أكن أعرف الكثير عن السيارات. في الواقع، كنت أعرف القليل جدًّا عن السيارات. ولكن بالتأكيد كنت أعرف أنني لا أريد سيارة فورد توروس 19 .

لا أعــرف مــا الــذي كنــت ســتفعله أنــت فــي مثــل هــذا المــوقف، إلا أننــي فعلــت مــا قــد يفعلـه أي شـخص مبتكـر: أعـدت مـرة أخـرى برنـامج الأسـئلة و"صـححت" إجـاباتي
السابقة. ومن وقت لآخر، كنت أراجع النتيجة لأرى إلى أي مدى تُترجم الإجابات المختلفة إلى توصيات بسيارات مختلفة. واصلت الشيء نفسه حتى تكرم البرنامج
عليَّ وأوصى بشراء سيارة مكشوفة صغيرة؛ بالتأكيد السيارة المناسبة لي. اتبعت هذه النصيحة السديدة وهكذا صرت المالك الذي يفتخر بسيارته المكشوفة (والتي
قضت - بالمناسبة - عدة سنوات في خدمتي).

هــذه التجربــة علمتنــي أننــا أحيــانًا (وربمــا كثـيرًا) لا نقـوم بخيـارات بنـاءً علـى أولويـاتنا الواضـحة. وبـدلًا مـن ذلـك، يراودنـا شـعور حدسـي بشـأن مـا نريـد، ونجـد أنفسـنا
نمــارس رياضــة ذهنيــة؛ حــيث نقــدم كــل أنــواع التبــريرات للتلاعــب بــالمعايير. وبــهذه الطريقــة نحصــل علــى مــا نريــد فعــلًا، ولكــن فــي الــوقت نفســه نحـافظ علـى المظـهر
الخارجي - بالنسبة لنا وللآخرين - بأننا نتصرف وفقًا لأولوياتنا المنطقية والمبررة جيدًا.

منطق العملة المعدنية

إذا تقبلنا أننا نتخذ القرارات بهذه الطريقة في أحيان كثيرة، فربما تمكنا من جعل التبريرات أكثر كفاءة وأقل استنفادًا للوقت. وإليك الطريقة: تخيل أنك تختار بين
كاميرتين رقميتين. كاميرا (أ) بها خاصية تقريب رائعة ولها بطارية ثقيلة، في حين أن كاميرا (ب) أخف وزنًا وذات شكل أنيق. أنت متردد بشأن اختيار أيهما. أنت
تظن أن كاميرا (أ) جودتها أفضل من كاميرا (ب) ولكنك ستكون أكثر سعادة باقتناء كاميرا (ب) لأن شكلها يعجبك. ما الذي ينبغي عليك فعله؟ إليك نصيحتي:
أخــرج عملــة معــدنية فئــة ربــع جنيــه مــن جيبـك وقـل لنفسـك: "كـاميرا (أ) صـورة، وكـاميرا (ب) كتابـة"، ثـم ارم العملـة. إذا سـقطت العملـة وبـرزت الصـورة، وكـانت
كاميرا (أ) هي ما تريد، إذن فاذهب لشرائها. ولكن إن لم تكن سعيدًا بالنتيجة، فكرر التجربة مرة أخرى، وأنت تردد في نفسك: "الرمية القادمة هي الفاصلة". كرر
هذا حتى تحصل على الكتابة. لن تحصل على كاميرا (ب) وحسب - التي كنت تريدها طوال الوقت - ولكن يمكنك أن تبرر قرارك بأنك لم تفعل شيئًا سوى اتباع
"نصيحة" العملة المعدنية. (ويمكنك استبدال أصدقائك بالعملة المعدنية واستشرهم حتى ينصحك أحدهم بالنصيحة التي تريدها).

ربما كان هذا هو الدور الحقيقي لبرنامج توصية السيارات الذي استخدمته لشراء سيارتي المكشوفة. ربما لم يكن البرنامج مصممًا ليساعدك على اتخاذ قرار أفضل،
ولكن لابتكار عملية تسمح لي بتبرير القرار الذي أردت اتخاذه. إذا كان الأمر كذلك، أظن أنه من المفيد تطوير المزيد من التطبيقات المفيدة للمزيد من مجالات الحياة
الأخرى.

دماغ الكذاب
يظن معظمنا أن بعض الناس يجيدون (أو لا يجيدون) الخداع. إذا كان الأمر كذلك بالفعل، فما السمات التي تميز هؤلاء؟ حاول فريق من الباحثين تقوده "يالينج
يانج" (طالبة أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة كاليفورنيا، ولاية لوس أنجلوس) إيجاد إجابة عن هذا السؤال من خلال دراسة من يعانون الكذب المرضي؛ وهم
أشخاص يدمنون الكذب بدون تمييز .

ومن أجل إيجاد مشاركين لهذه الدراسة، ذهبت "يانج" وزملاؤها إلى مكتب عمالة مؤقتة في لوس أنجلوس, وخلصوا إلى أن عددًا قليلًا من هؤلاء الذين لا يعملون
في وظائف دائمة قد يعانون صعوبة في الاحتفاظ بوظائفهم لأنهم يعانون الكذب المرضي. (هذا بالطبع لا ينطبق على جميع العاملين بالوظائف المؤقتة).

قدم الباحثون مجموعة من الاختبارات النفسية لـ 108 أشخاص باحثين عن العمل، وأجروا مقابلات شخصية عديدة معهم ومع زملائهم بالعمل وذويهم من
أجل تحديد الاختلافات الكبرى التي قد تكشف من يعانون الكذب المرضي. في هذه المجموعة، وجدوا 12 شخصًا تضاربت أقوالهم بشدة في القصص التي حكوها عن
أعمالهم، ودراستهم، وخلفياتهم الاجتماعية. وهم الأشخاص أنفسهم الذين يدعون المرض من وقت لآخر أو يتظاهرون بالمرض من أجل الحصول على تعويضات
الإجازة المرضية.

في الخطوة التالية، أخضع فريق البحث الاثني عشر شخصًا الذين يعانون الكذب المرضي - بالإضافة إلى 21 شخصًا آخرين لا يعانون الكذب المرضي ولكنهم ينتمون
إلى نفس مجموعة الباحثين عن عمل (المجموعة الضابطة) - لأشعة مقطعية على المخ لاكتشاف بنية دماغ كل شخص. ركز الباحثون على قشرة الجبهة الأمامية؛
وهي جزء من الدماغ خلف الجبهة مباشرة ويُعد الجزء المسئول عن التفكير المنظم للغاية مثل التخطيط لجدولنا اليومي وتحديد كيفية التعامل مع المغريات من
حولنا. كما أنه جزء من الدماغ نعتمد عليه في أحكامنا الأخلاقية واتخاذ القرارات. باختصار، يعتبر هذا الجزء برج المراقبة للتفكير والمنطق والأخلاقيات.

بصفة عامة، هناك نوعان من المواد التي تملأ أدمغتنا: المادة الرمادية والمادة البيضاء. المادة الرمادية هي اسم آخر يطلق على مجموعة العصبونات التي تكون كتلة
أدمغتنا؛ المادة التي تغذي قدرتنا على التفكير. أما المادة البيضاء فعبارة عن وسيلة لربط خلايا المخ ببعضها. ونحن جميعًا نمتلك المادة الرمادية والمادة البيضاء،
ولكن كانت "يانج" وزملاؤها مهتمين جدًّا بالكميات النسبية للمادتين الموجودة في قشرة الجبهة الأمامية للمشاركين. ووجدوا أن من يعانون الكذب المرضي تقل
لديهم المادة الرمادية بنسبة 14% مقارنة بالمجموعة الضابطة؛ وهي نتيجة مألوفة بالنسبة لكثير من الأفراد الذين يعانون اضطرابات نفسية. وما الذي يعنيه هذا؟
هناك احتمال يفيد بأنه نظرًا لأن من يعانون الكذب المرضي لديهم عدد أقل من خلايا المخ (المادة الرمادية) لتغذية قشرة الجبهة الأمامية (جزء مهم للتمييز بين
الصواب والخطأ)، حيث يجدون من الصعب وضع الأخلاقيات في الاعتبار ما يسهل عليهم الكذب.

ولكــن هـذا لـيس كـل شـيء. فلعلـك تتسـاءل عـن المسـاحة الإضـافية التـي يحظـى بـها مـن يعـانون الكـذب المرضـي حتـمًا طـالما أن كميـة المـادة الرماديـة قليلـة جـدًّا لـديهم.
وجــدت أيــضًا "يــانج" وزملاؤهــا أن مـن يعـانون الكـذب المرضـي تزيـد لـديهم كميـة المـادة البيضـاء المـوجودة فـي قشـرة الجبـهة الأماميـة بمقـدار يتـراوح بـين 22% إلـى 26%
مقارنة بمن لا يعانون الكذب المرضي. ومع وجود كمية كبيرة من المادة البيضاء (تذكر أن هذه المادة هي وسيلة الربط بين خلايا المخ - المادة الرمادية)، فالأشخاص
الذين يعانون الكذب المرضي لديهم قدرة على الربط بين مختلف الذكريات والأفكار، وربما تكون هذه القدرة المتزايدة على الربط والقدرة على الدخول إلى عالم من
الروابط المخزنة في المادة الرمادية الخاصة بهم هي السر الذي يجعل هؤلاء الأشخاص كذابين بالفطرة.

وإذا مــا عرضــنا النتــائج علــى العامــة، فربمــا يمكننــا قــول إن زيــادة قــدرة المــخ علــى الــربط قــد تســهل الكــذب لأي شــخص منــا وفـي الـوقت نفسـه نظـن أنفسـنا أشـخاصًا
محترمين. على أية حال، كلما زادت قدرة المخ على الربط زادت أمامه طرق الاستكشاف عندما يتعلق الأمر بتفسير الأحداث المريبة للشك وشرحها؛ وربما كان هذا
عنصرًا مهمًّا لتبرير تصرفاتنا غير الأمينة.

المزيد من الإبداع يساوي المزيد من المال

جعلتني هذه النتائج أتساءل عما إذا كان هناك رابط ممكن بين نسبة المادة البيضاء المتزايدة وكل من زيادة القدرة على الكذب وزيادة القدرة على الإبداع. وبرغم
ذلك، فإن الأشخاص الذين تزداد قدرتهم على الربط بين أجزاء المخ المختلفة ولديهم الكثير من وسائل الربط يُفترض أن يكونوا أكثر قدرة على الإبداع. ومن أجل
اختبار هذا الرابط المحتمل بين الإبداع والكذب، قمت أنا و"فرانشيسكا جينو" بمجموعة من الدراسات. ونظرًا لطبيعة الإبداع في حد ذاته، فقد تناولنا السؤال من
مختلف الزوايا بدءًا بمنهج بسيط نسبيًّا.

عندما دخل مشاركونا المعمل، أخبرناهم بأنهم سيقومون بحل بعض الأسئلة التي تعقبها أداء مهمة على جهاز الكمبيوتر. واشتملت مجموعة الأسئلة على أسئلة
كثــيرة غــير ذات صــلة بتجاربــهم وعاداتــهم (هــذه الأســئلة كــانت مجــرد أســئلة حشــو مصــممة لتشــتيت الانتبــاه عــن الغــرض الحقـيقي مـن الدراسـة) وثلاثـة أنـواع مـن
الأسئلة التي تركز على موضوع الدراسة.

في المجموعة الأولى من الأسئلة، طلبنا من المشاركين أن يحددوا الصفات التي تصف الجانب "الإبداعي" لديهم (صاحب بصيرة، مبدع، مبتكر، واسع الحيلة، غير
تقليدي، وهكذا). في المجموعة الثانية، طلبنا من المشاركين أن يخبرونا كم مرة يشتركون في الأنشطة المختلفة، بعضها يتطلب قدرًا أكبر أو أقل من الإبداع (لعبة
البولينج، التزلج، القفز الحر بالمظلات، الرسم، الكتابة وهكذا). في المجموعة الثالثة والأخيرة من الأسئلة، طلبنا من المشاركين أن يحددوا إلى أي مدى يشعرون
بالألفة عند سماع عبارات مثل: "لديَّ الكثير من الأفكار الإبداعية"، "أفضل المهام التي تمكنني من التفكير الإبداعي"، "يروقني القيام بالأشياء بطريقة مبتكرة"،
وغيرها من العبارات المشابهة.

بمجرد أن ينتهي المشاركون من الاختبارات الشخصية، نطلب منهم إتمام تمرين النقاط، الذي يبدو غير ذي صلة بالأسئلة. في حالة عدم تذكر هذا التمرين، راجع
صفحتي 127 – 128 من الفصل الخامس: "لماذا يزيد ارتداء الماركات المقلدة من رغبتنا في الغش؟".

ماذا حدث في رأيك؟ هل زاد مستوى الكذب أم قل أم بقي على حاله لدى المشاركين الذين اختاروا أكبر عدد من الصفات الإبداعية، وشاركوا بعدد أكبر من الأنشطة
الإبداعية واعتبروا أنفسهم مبدعين بدرجة أكبر مقارنة بالمشاركين الذين لم يتصفوا بالإبداع؟

وجــدنا أن المشــاركين الــذين ضــغطوا علــى زر المزيــد ناحيــة الــيمين (مـن يحصـلون علـى مقـابل أعلـى) يمـيلون أكثـر لتسـجيل درجـات أعلـى فـي المجموعـات الثـلاث لأسـئلة
قياس مستوى الإبداع. بالإضافة إلى ذلك، كان الاختلاف بين الأشخاص الأكثر والأقل إبداعًا واضحًا أكثر في الحالات التي كانت بها نسبة الاختلاف ضئيلة نوعًا ما
بين عدد النقاط الموجودة ناحيتي اليمين واليسار.

وأشــار هــذا إلــى أن الاختــلاف بــين الأشــخاص المبــدعين والأقــل إبــداعًا يصــير عــاملًا مــهمًّا عنــدما يكتنــف الغمـوض المـواقف التـي نواجـهها مـع وجـود فرصـة أكبـر للتبـرير.
وعندما يكون هناك اختلاف واضح بين عدد النقاط الموجودة على جانبي الخط القطري، كان على المشاركين أن يقرروا إما أن يكذبوا أو يصدقوا. ولكن عندما يزداد
الغموض ويصير من الأصعب تحديد أيهما أكثر نقاطًا ناحية اليمين أم اليسار، هنا يظهر الإبداع - جنبًا إلى جنب مع المزيد من الغش. وكلما زاد إبداع الشخص،
زادت قدرته على شرح أسباب وجود المزيد من النقاط على الجانب الأيمن من الخط القطري (الجانب ذو عائد مادي أكبر).

يبدو أن هناك رابطًا بين الإبداع والكذب من ناحية وقدرتنا - من ناحية أخرى - على إخبار أنفسنا بقصص حول كيف أننا نقوم بالشيء الصحيح حتى إن كان هذا
مخالفًا للحقيقة. وكلما زاد مستوى الإبداع لدينا, زادت قدرتنا على ابتكار القصص الجيدة التي تساعدنا على تبرير مصالحنا الأنانية.

هل الذكاء مهم؟

على الرغم من أن النتيجة مثيرة للاهتمام، فإننا لم نتحمس بعد. أظهرت الدراسة الأولى هذه أن الإبداع والكذب مقترنان ببعضهما، ولكن هذا لا يعني بالضرورة
أن الإبداع مرتبط بالكذب ارتباطًا مباشرًا. على سبيل المثال، ماذا لو كان هناك عامل ثالث مثل الذكاء كان يربط بين الإبداع والكذب؟

يبــدو أن الــربط بــين الــذكاء والإبـداع والكـذب مقبـول جـدًّا عنـدما يفكـر المـرء فـي مـدى تحلـي أشـخاص مثـل النصـاب "برنـارد مـادوف" أو مزور الشـيكات الشـهير "فرانـك
أباجنيل" (الذي تحولت قصته إلى فيلم بعنوان Catch Me If You Can ) بالذكاء الشديد الذي جعلهم يخدعون الكثيرين. وكانت الخطوة التالية هي إجراء
تجربة لمعرفة أيهما أفضل للتنبؤ بالكذب؛ الإبداع أم الذكاء.

مرة أخرى تخيل نفسك أحد مشاركينا. في هذه المرة، تبدأ التجربة من قبل حتى أن تطأ قدمك المعمل. قبل أسبوع، تجلس أمام جهاز الكمبيوتر بمنزلك وتكمل
استبيانًا على شبكة الإنترنت يشتمل على أسئلة لتقييم قدرتك على الإبداع وكذلك قياس نسبة الذكاء لديك. إننا نقيس قدرتك على الإبداع باستخدام المجموعات
الثلاث من أسئلة الدراسة السابقة، ونقيس نسبة الذكاء من خلال طريقتين: الطريقة الأولى، نطلب منك الإجابة عن ثلاثة أسئلة مصممة لقياس اعتمادك على
المنطق في مقابل الحدس من خلال ثلاث مجموعات من الأسئلة التي جمعها "شين فريدريك" (بروفيسور بجامعة ييل). بالإضافة إلى الإجابات الصحيحة، كل
سؤال يأتي بإجابة حدسية يعتبر غير صحيح.
ولإعطائك مثالًا على ذلك، حاول الإجابة عن هذا السؤال: "مضرب وكرة سعرهما الإجمالي 1.10 دولار. ثمن المضرب يزيد على ثمن الكرة بمقدار 1.00 دولار . كم
ثمن الكرة؟".

بسرعة ما الإجابة؟

عشرة سنتات؟

محاولة جيدة، ولكن الإجابة خطأ. فهذه الإجابة خادعة ولكنها ليست صحيحة. على الرغم من أن حدسك يحثك على الإجابة بـ"0.10" دولار، فإنك إذا كنت تعتمد
على المنطق أكثر من اعتمادك على الحدس، فستتحقق من إجابتك لتتأكد أولًا: "إذا كان ثمن الكرة 0.10 دولار، وثمن المضرب 1.10 دولار، فإن إجمالي سعرهما
1.20 وليس 1.10 دولار (0.1 + (1 + 0.1) = 1.2)! بمجرد أن تدرك أن حدسك مخطئ، ستحشد ذاكرتك لتذكر قوانين الجبر التي درستها في المرحلة الثانوية وتحسب
الإجابة الصحيحة (0.5 + (1 + 0.5) = 1.1): 5 سنتات. هل يبدو الأمر كأنك تخضع لاختبار الثانوية العامة مرة أخرى؟ هنيئًا لك إذا كانت إجابتك صحيحة. (وإن لم
تكن صحيحة، فلا تقلق، سيكون من المرجح أكثر أن تحصل على درجة عالية في السؤالين الأخيرين في هذا الاختبار القصير).

في الخطوة التالية، نقيس مستوى ذكائك من خلال الاختبارات اللفظية. في هذا الاختبار، نقدم لك مجموعة من 10 كلمات (مثل "تضاؤل" و"اضمحلال")، وأمام
كل كلمة تختار الأقرب للمعنى بالنسبة للكلمة المستهدفة من بين ستة اختيارات.

وبعــــد مــــرور أســــبوع، تــــأتي إلــى المعمــل وتجلــس أمــام أحــد أجــهزة الكمبــيوتر. وبمجــرد أن تســتقر فــي مكــانك، تســمع التعليمــات: "الــيوم ســتقوم بحــل ثلاثــة تمــارين
مختلفة، ستختبر هذه التمارين قدرتك على حل المسائل ومهارات الإدراك والمعلومات العامة. وبهدف توفير سبل الراحة، جمعنا الأسئلة في جلسة واحدة".

شكل 4

اختبار التفكير الإدراكي

?

 

المجموعة الأولى هي تمرين حل المسائل، وما هو إلا تمرين المصفوفة الذي نثق به. وبعد انتهاء الدقائق الخمس المدة المحددة للاختبار، تغلق ورقة الإجابة وتضعها
في سلة المحذوفات. ما الدرجة التي تدعي الحصول عليها؟ هل ستسجل درجتك الحقيقية؟ أم أنك ستجمل النتيجة قليلًا؟

في التمرين الثاني، تُقاس مهارات الإدراك من خلال تمرين النقاط. مرة أخرى، بإمكانك أن تغش كما تريد. وإليك الحافز المادي؛ يمكنك أن تكسب 10 دولارات إذا
كذبت في كل مرة تُعرض عليك الصور.

أخــيرًا، التمــرين الثــالث والأخــير عبــارة عــن امتحــان معلومــات عامــة للاختيــار بــين متعــدد يتكــون مــن 50 ســؤالًا فــي موضــوعات مختلفــة وبـدرجات صـعوبة متفاوتـة.
تشــتمل الأســئلة علــى موضــوعات تافــهة مثــل: "مــا المســافة التــي يســتطيع الكنغــر قفزهــا؟ (مــن 25 قـدمًا إلـى 40 قـدمًا) "مـا عاصـمة إيطـاليا؟" (رومـا). علـى كـل إجابـة
صــحيحة، تحصــل علــى 10 ســنتات، لتحصــل علــى 5 دولارات كحــد أقصــى. وضــمن تعليمــات هـذا الاختبـار الأخـير، نطلـب منـك أن تضـع دائـرة حـول إجـاباتك قبـل أن
تنقلها في ورقة الإجابة بالتظليل.

عندما تنتهي من الاختبار، ضع قلمك الرصاص جانبًا. يرفع الممتحن صوته قائلًا: "يا إلهي! لقد ارتكبت خطأ أحمق! لقد طبعت عن طريق الخطأ أوراق إجابة مظللة بــها الإجــابات الصــحيحة بــالفعل. أنــا غايــة فــي الأســف. هــل تمــانع اســتخدام ورقــة الإجابــة هــذه؟ ســأحاول مســح كــل العلامــات لكــي لا تكــون واضــحة جـدًّا. اتفقنـا؟"
بالطبع، توافق.

بعد ذلك، يطلب منك الممتحن أن تنقل إجابتك من الاختبار إلى ورقة الإجابة التي سبق لك الحل فيها؛ ثم تقوم بتمزيق ورقة الاختبار التي بها إجاباتك الأصلية؛
حينئذ قدم إجاباتك على ورقة الإجابة التي سبق لك الحل فيها لكي تتسلم المكافأة المالية. بالتأكيد تدرك أن بإمكانك أن تغش في أثناء نقل إجاباتك؛ بدلًا من أن
تنقل إجابتك إلى ورقة الإجابة، يمكنك أن تظلل الإجابات التي سبقت لك الإجابة عنها وتحصل على مزيد من المال. ("لطالما كنت أعرف أن عاصمة سويسرا هي برن.
لقد اخترت زيورخ دون تفكير في الأمر").

الملخص: لقد شاركت في ثلاثة تمارين يمكنك من خلالها كسب مبلغ من المال يصل إلى 20 دولارًا لتشتري وجبتك أو مشروبك أو كتابك القادم. ولكن إلى أي مدى
اعتمدت على ذكائك وحلك لأسئلة الاختبار وكذلك بوصلة الأخلاقيات الخاصة بك. هل ستغش؟ إن كنت ستغش، فهل تظن أن غشك متعلق بمستوى ذكائك؟
وهل الأمر متعلق بمستوى إبداعك؟

إليك ما توصلنا إليه: كما هي الحال في التجربة الأولى؛ الأفراد الأكثر إبداعًا حققوا مستوى أعلى من الكذب. في حين أن الذكاء لم يكن مرتبطًا بالكذب بأي شكل
من الأشكال. وهذا يعني أن من غشوا أكثر في التمارين الثلاثة (المصفوفة والنقاط والمعلومات العامة) حققوا درجات أعلى بالنسبة لمستوى الإبداع مقارنة بمن لم
يغشوا، ولكن درجاتهم التي تقيس مستوى الذكاء لم تختلف كثيرًا.

كما أننا درسنا درجات من حققوا أعلى معدل في الغش؛ أي المشاركين الذين غشوا لأقصى حد ممكن. في كل تمرين لقياس مستوى الإبداع، كانت درجاتهم أعلى
ممن غشوا بدرجة أقل. ومرة أخرى، لم تختلف درجاتهم التي تقيس مستوى الذكاء.

زيادة عامل التصحيح: حالة الانتقام

يُعد الإبداع وسيلة مهمة تمكننا من الغش، ولكنها بالطبع ليست الوسيلة الوحيدة. في كتاب سابق لي (بعنوان الجانب الإيجابي للاعقلانية 20 ) ذكرت تجربة
مصممة لقياس ما يحدث عندما ينزعج الناس من خدمة سيئة. باختصار، استعنت أنا و"إيليت جينزي" (بروفيسور بجامعة كاليفورنيا، سان دييجو) بممثل اسمه
"دنيال" ليجري لنا بعض التجارب بأحد المقاهي المحلية. طلب "دنيال" من رواد المقهى أن يشاركوا في تمرين يستغرق 5 دقائق مقابل 5 دولارات. وعندما وافقوا على
المشاركة، أعطاهم 10 ورقات بحروف عشوائية وطلب منهم البحث عن أكبر عدد ممكن من الحروف المشابهة ووضع دائرة حولها بالقلم الرصاص. وبعد أن ينتهوا
من التمرين، يعود إلى طاولاتهم ويجمع الأوراق ويعطيهم حفنة من النقود ويقول لهم: "تفضل 5 دولارات، من فضلك أحص نقودك وامض على إيصال الاستلام
واتركه على الطاولة، سأعود في وقت لاحق لجمع الإيصالات". ثم يغادر بحثًا عن مشارك آخر. تمثلت الفكرة في أنه أعطاهم 9 دولارات بدلًا من 5 دولارات؛ وكان
السؤال كم عدد المشاركين الذين سيعيدون المبلغ الزائد.

لــم تواجــه هــذه المجموعــة أيــة مضـايقات, أمـا المجموعـة الأخـرى مـن رواد المقـهى - المجموعـة التـي واجـهت المضـايقات - التقـت بنسـخة مختلفـة مـن "دانيـال". فـي أثنـاء
شرحه للتمرين، يتظاهر "دانيال" بأن هاتفه الجوال يرن. يخرج الهاتف من جيبه ويقول: "أهلًا، مايك كيف حالك؟" وبعد فترة صمت قصيرة، يقول بحماسة:
"رائع، سنتناول بيتزا الليلة الساعة الثامنة والنصف. في مكانك أم مكاني؟" ثم ينهي المكالمة بقوله: "أراك لاحقًا". تستغرق المحادثة المزيفة حوالي 12 ثانية.

وبعــد أن يعيــد "دانيــال" هاتفــه الجــوال إلــى جيبــه مــرة أخــرى، لا يعتــذر عــن المقاطعــة ويواصــل شـرح التمـرين بكـل بسـاطة. بعـد ذلـك تسـير الأمـور مثلمـا سـارت مـع
المجموعة التي لم تواجه أية مضايقات.

كنا نريد أن نعرف ما إذا كان الرواد الذين لاقوا تجاهلًا فظًّا سيحتفظون بالمبلغ الزائد على سبيل الانتقام من "دانيال". وبالفعل، كان الأمر كذلك. في المجموعة التي
لم تلق أية مضايقة، أعاد 45 % من الأشخاص المبلغ الزائد، أما في المجموعة التي عانت المضايقة فلم يعد المبلغ سوى 14 % من الأشخاص. وعلى الرغم من أننا
وجدنا أنه من المحزن أن نجد أكثر من نصف الأشخاص في المجموعة التي لم تلق أية مضايقة يغشون، فإنه من المزعج أن نجد نسبة الغش أكبر بكثير في المجموعة
التي عانت مضايقة حدوث مقاطعة استمرت لمدة 12 ثانية.

فمن ناحية الكذب، أظن أن هذه النتائج توحي بأن مجرد أن يضايقنا شيء ما أو شخص ما، فإنه من الأيسر علينا تبرير تصرفاتنا اللاأخلاقية. هكذا يصير تصرفنا
بالغش والكذب مجرد انتقام؛ تصرفًا تعويضيًّا لما يضايقني في المقام الأول. إننا نخبر أنفسنا بأننا لا نرتكب خطأ؛ بل إننا نثأر لأنفسنا. ولعلنا نطور هذا التبرير ونخبر
أنفسنا بأننا نستعيد توازن نظام الثواب والعقاب. ومن الجيد بالنسبة لنا أن نخوض الحروب من أجل تحقيق العدالة!

سجل صديقي "ديفيد بوج" - كاتب عمود في مجال التكنولوجيا بجريدة نيويورك تايمز - بعضًا من المضايقات التي نواجهها عند التعامل مع خدمة العملاء
والرغبــة فـي الانتقـام التـي تصـاحب ذلـك. وأي شـخص يعـرف "ديفيـد" سـيخبرك بأنـه مـن نوعيـة الأشـخاص الـذين يسـعدون بمسـاعدة المحتـاجين، ومـن ثـم فـإن فكـرة
خروجه عن المألوف لإيذاء أي شخص هي أمر يثير الدهشة؛ ولكننا حين نشعر بالجرح، فليس هناك حد لإمكانية إعادة صياغة مفاهيمنا الأخلاقية. و"ديفيد" كما
سترى بعد دقيقة شخص مبتكر جدًّا. إليك أغنية "ديفيد" (من فضلك عن أغنية "صوت الصمت"):

أهلًا بالبريد الصوتي، صديقي القديم،

لقد اتصلت بخدمة الدعم الفني من جديد،

وتجاهلت تحذيرات مديري،

واتصلت صباح الاثنين،

والآن قد جن الليل وعشائي،

أصبح باردًا ثم عفنًا ...

وما زلت منتظرًا على الخط!

أستمع إلى صوت الصمت.

يبدو أنك لم تفهم.

أظن أن خطوط هاتفك غير آدمية.

لقد ضغطت على كل زر حسب التعليمات،

ولكني قضيت 18 ساعة منتظرً ا على الخط.

ولا يكفي أن برنامجك يدمر جهاز ماك الخاص بي،

فهو مشغول باستمرار،

يمحو ذاكرة جهازي!

والآن جهازي يصدر صوت الصمت.

في أحلامي، أتخيل نفسي

أنتقم من رجالك.

تخيل أن دراجتك البخارية تتحطم،

والدم يسيل من جروحك،
وبقوتك الواهنة تتصل برقم الطوارئ،

وتدعو الله أن يرد عليك طبيب متمرس ...

ولكن أرد أنا عليك.

لتسمع صوت الصمت!

قصة إيطالية للانتقام المبتكر

عنــدما كنـت فـي السـابعة عشـرة مـن عمـري وابـن عمـي "يـوآف" فـي الثامنـة عشـرة مـن عمـره، قضـينا الصـيف فـي نزهـة سـيرًا علـى الأقـدام بـأوروبا؛ وأمضـينا وقـتًا رائـعًا.
التقينا عددًا كبيرًا من الأشخاص، وزرنا مدنًا وأماكن جميلة، وقضينا أوقاتًا في المتاحف؛ كانت رحلة أوروبية رائعة لمراهقين لا يملان ولا يفتران مطلقًا.

بدأ خط سير رحلتنا من روما وسافرنا عبر إيطاليا مرورًا بفرنسا ووصلنا في النهاية لإنجلترا. عندما قمنا بشراء تذاكر القطار، أعطانا موظف شباك التذاكر لقطار
أوروبا الموحد بـروما نسخة من خريطة نظام القطارات الأوروبية؛ محددًا لنا خط سير القطار الذي سنستقله بدقة بقلم أسود. أخبرنا بأن بإمكاننا استخدام تذاكرنا
في أي وقت نرغب فيه خلال شهرين ولكننا لن نتمكن من السفر إلا من خلال الطريق الذي رسمه, ثم شبك الخريطة ذات الورق الرقيق بإيصال مطبوع ذي طابع
رسمي أكثر وقدم لنا التذاكر. في البداية، كنا متيقنين أنه ليس هناك محصل قطار سيحترم هذه الخريطة التي تبدو بسيطة، ولكن موظف شباك التذاكر أكد لنا أن
هذا كان كل ما احتجنا إليه، وفي الواقع كان الأمر كذلك بالفعل.

وبعد أن استمتعنا بزيارة روما، وفلورنسا، وفينيسيا، وبضع مدن صغيرة بإيطاليا، قضينا بضع ليال على ضفة إحدى البحيرات خارج مدينة فيرونا. وفي آخر ليلة
لنــا علــى البحــيرة، اســتيقظنا لنجــد أن أحــدهم عبــث بأغراضــنا وبعثرهــا فــي المكــان. وبعــد أن فحصــنا متعلقــاتنا الشــخصية، وجــدنا أن جمـيع ملابسـنا وحتـى الكـاميرا
الخاصة بي ما زالت موجودة. كان الشيء الوحيد المفقود هو حذاء رياضيًّا إضافيًّا خاصًّا بـ "يوآف". وكنا سنعتبرها خسارة بسيطة لولا أن والدة "يوآف" (خالتي
"نــافا") - بحكمتــها المطلقــة - أرادت أن تتأكــد مــن وجــود مبلــغ إضــافي للطــوارئ فــي حالـة سـرقة أموالنـا. ومـن ثـم، دسـت بضـع مئـات مـن الـدولارات فـي حـذاء "يـوآف"
الرياضي الإضافي. كانت سخرية الموقف أليمة.

قررنا أن نأخذ جولة في المدينة لنرى ما إذا كان بإمكاننا ضبط من يرتدي حذاء "يوآف" الرياضي وذهبنا إلى الشرطة أيضًا. وعلمًا بأن معرفة رجال الشرطة المحليين
باللغة الإنجليزية قليلة, فقد كان من الصعب أن نشرح لهم طبيعة الجريمة؛ أي سرقة حذاء رياضي وأن هذا أمر مهم لأن بداخل كعب الفردة اليمنى نقودًا.
وليس من المستغرب أننا لم نستعد حذاء "يوآف" وأن هذه الحادثة جعلتنا نشعر بالمرارة بعض الشيء. من وجهة نظرنا، كان هذا تغيرًا مجحفًا للأحداث، كما أن
أوروبا مدينة لنا بنقود.

بعد مرور حوالي أسبوع على حادث سرقة الحذاء، قررنا أن نضيف زيارة سويسرا وهولندا لخط سير رحلتنا. وكان بإمكاننا شراء تذاكر قطار جديدة للرحلة، ولكن
مــع تــذكر حــادث الســرقة وعــدم تعــاون الشــرطة الإيطاليــة، قررنــا أن نزيــد خيــاراتنا بقليــل مــن الإبـداع. فمـن خـلال الاسـتعانة بقلـم حبـر أسـود مثـل الـذي اسـتخدمه
موظف بيع التذاكر رسمنا طريقًا آخر على نسخة الخريطة. وهذا الطريق يمر على سويسرا في الطريق إلى فرنسا ومن هناك إلى إنجلترا. كان على الخريطة طريقان
محتملان لرحلتنا: الطريق الأصلي والطريق المعدل. وعندما قدمنا الخريطة لمحصلي القطارات الآخرين، لم يعلقوا على أعمالنا الفنية، ومن ثم استمررنا في توسعة
خط سير الرحلة على خريطتنا لبضعة أسابيع.

وقد نجحت خطتنا حتى قطعنا الطريق إلى مدينة بازل بسويسرا. تفحص محصل القطار السويسري تذاكرنا وعبس وهز رأسه وأعاده لنا مرة أخرى.

وأبلغنا قائلًا: "عليكما أن تشتريا تذكرة لهذه الرحلة".

فقلنا له بأدب جم: "أوه، ولكن كما ترى، يا سيدي. مدينة بازل في طريقنا". أشرنا إلى الطريق المعدل الموجود في خريطتنا.

لم يقتنع محصل القطار وأردف قائلًا: "آسف ولكن يجب أن تدفعا ثمن التذكرة إلى مدينة بازل وإلا فسأطلب منكما مغادرة القطار".

جادلنا معه قائلين: "ولكن سيدي، كل محصلي التذاكر السابقين قبلوا تذاكرنا دون مشكلات".

هز المحصل كتفيه في لا مبالاة وهز رأسه مجددًا.

توسل إليه "يوآف" قائلًا: "من فضلك، يا سيدي, إذا سمحت لنا بالذهاب إلى مدينة بازل، فسنعطيك هذا الشريط لفرقة ذا دوورز. إنها فرقة روك أمريكية رائعة".

يبدو أن المحصل لم يبد عليه الإعجاب أو الاهتمام بفرقة ذا دوورز، ثم قال: "حسنًا، يمكنكما الذهاب إلى مدينة بازل".

لــم نكــن متأكــدين مــن موافقتـه لنـا فـي النـهاية أو تقـديره للافتـة الطيبـة التـي عرضـها "يـوآف" أو اسـتسلامه لنـا. بعـد هـذا المـوقف توقفنـا عـن إضـافة خطـوط لخريطتنـا
وسرعان ما عدنا إلى خط السير الأساسي الذي خططنا له من البداية.

وباسترجاع سلوكنا المخادع، حاولت أن أرجع ذلك السلوك إلى رعونة الشباب. ولكني كنت مدركًا أن هذه ليست الصورة كاملة. في الواقع، أشك أن هناك عدة
عوامل للمواقف مكنتنا من التصرف بهذه الطريقة وتبرير تصرفاتنا باعتبارها تصرفات مقبولة تمامًا.

أولًا، أنا متأكد أن تواجدنا في بلد أجنبي وحدنا للمرة الأولى ساعدنا على الشعور بمزيد من الارتياح حيال القواعد الجديدة التي ابتكرناها 21 . ولو أننا توقفنا لنتفكر
أكثر في تصرفاتنا، لأدركنا بالتأكيد خطورتها، ولكن بدون المزيد من التفكير، تخيلنا أن الطريق المبتكر الذي رسمناه كان جزءًا من الطريق المعتاد للسكة الحديدية
الأوروبية. ثانيًا، سرقة بضع مئات من الدولارات والحذاء الرياضي الخاص بـ "يوآف" جعلنا نشعر بأنه لا بأس من الانتقام بعض الشيء ولابد أن تعوضنا أوروبا عن
المبلغ المفقود. ثالثًا، نظرًا لأننا كنا في مغامرة، فربما أردنا القيام بمغامرة أخلاقية أيضًا. رابعًا، لقد بررنا تصرفاتنا بإقناع أنفسنا بأننا لم نؤذ أحدًا أو نلحق ضررًا
بشيء. فعلى أية حال، لقد رسمنا بضعة خطوط إضافية على قطعة من الورقة. وكان القطار يسير في طريقه المعتاد على أية حال؛ بالإضافة إلى أن القطارات لا
تمتلــئ عــن آخرهــا مطلــقًا، ومــن ثـم فـإننا لـم نسـتول علـى مكـان أحـد. كمـا كـان بـإمكاننا فـي هـذه الحالـة أن نبـرر تصـرفاتنا لأنفسـنا بسـهولة بالغـة لأننـا عنـدما اشـترينا
التذاكر، كان بإمكاننا أن نختار طريقًا مختلفًا بالسعر نفسه. ونظرًا لأن الطرق المختلفة كانت واحدة بالنسبة لمكتب قطار أوروبا الموحد عندما اشترينا تذاكر القطار،
لماذا حدثت مشكلة عندما قررنا اختيار طريق مختلف؟ (ربما هذه هي الكيفية التي يبرر بها الأشخاص - الذين يؤرخون خيارات أسهمهم بتاريخ سابق - تصرفاتهم).
والمصدر الأخير للمبررات كان مرتبطًا بوجود طبيعة مادية لتذاكر القطار نفسها. نظرًا لأن موظف تذاكر قطار أوروبا الموحد أعطانا نسخة ورقية رقيقة من الخريطة
مرسومة عليها بخط اليد رحلتنا المخطط لها، فمن السهل لنا من الناحية المادية أن نضيف التغييرات الخاصة بنا - ونظرًا لأننا وضعنا علامات خط السير بنفس
طريقة موظف التذاكر (وضعنا خطوطًا على الخريطة)، فإن التساهل المادي تُرجم بسرعة إلى تساهل أخلاقي.

وعندما أفكر في كل هذه المبررات معًا، أدرك مدى شمولية قدرتنا على التبرير ومدى إمكانية شيوع تلك المبررات لتشمل كل نشاط من أنشطتنا اليومية. إننا نتحلى
بقدرة خارقة لإبعاد أنفسنا عن كل طرق الاعتراف بأننا نخرج عن القوانين، وبخاصة إذا كانت تصرفاتنا على مقربة من إيذاء شخص آخر.

قسم الغشاشين

قال "بابلو بيكاسو" ذات مرة: "الفنان الجيد ينقل أما الفنان العظيم فيسرق". فعلى مر التاريخ، لم يحدث مطلقًا نقص في سرقة الإبداع؛ إذ وجد "وليام شكسبير"
أفكار الحبكات الدرامية في المصادر اليونانية والرومانية والإيطالية والتاريخية الكلاسيكية؛ ثم ألف بعد ذلك مسرحياته الرائعة اعتمادًا على ذلك. وحتى "ستيف
جوبز" كان يتفاخر بذلك من وقت لآخر مثل "بيكاسو"، فشركة آبل لم تشعر بالخجل مطلقًا من سرقة الأفكار العظيمة.

حتــى الآن، توحــي تجــاربنا بــأن الإبــداع بمثابــة قــوة إرشــادية عنــدما يتعلــق الأمــر بــالغش. ولكننــا لــم نــدرك مــا إذا كــان بــإمكاننا زيــادة ابتكـار بعـض الأشـخاص وزيـادة
مستوى الكذب لديهم أيضًا. وهذه هي الخطوة التالية في أبحاثنا التجريبية.

في النسخة التالية من تجاربنا، بحثت أنا و"فرانشيسكا" ما إذا كان بإمكاننا زيادة نسبة الغش من خلال توفير حالة ذهنية إبداعية لمشاركينا (باستخدام ما يطلق
عليه علماء النفس "التهيئة"). تخيل أنك واحد من مشاركينا. تأتي ونقدم لك تمرين النقاط. وتبدأ في حل التمرين دون أن تحصل على أي مقابل مالي. وقبل أن
تنتقــل إلــى المرحلــة الحقيقيــة - المرحلــة التــي تشــتمل علــى المكـافأة الماليـة - ونطلـب منـك أن تحـل تمـرين تكـوين العبـارات. (وفـي هـذه الخطـوة، نعمـل علـى حـث الإبـداع
لديهم باستخدام تمرين العبارات، وسيلة شائعة لتغيير الحالة الذهنية الخاصة بالمشاركين). في هذه المهمة، يُعرض عليك عشرون مجموعة مكونة من خمس كلمات في ترتيب عشوائي (مثل: "السماء"، "تكون"، "لماذا"، "زرقاء")، ويُطلب منك أن تكوِّن عبارة سليمة - طبقًا للقواعد النحوية - من أربع أو ثلاث كلمات في
كــل مجموعــة "الســماء تكــون زرقــاء". مــا لا تعرفــه أن هنــاك نســختين مختلفتــين مــن هــذا التمــرين، وســترى نســخة واحــدة منــه. تتمثــل إحـدى هـاتين النسـختين فـي
المجموعة الإبداعية، فيها تحتوي 12 عبارة من أصل 20 على أية كلمات متعلقة بالإبداع. كان هدفنا هو تهيئة بعض المشاركين لحالة ذهنية أكثر ابتكارًا وتشويقًا
أشبه بالحالة الذهنية لـ "ألبرت أينشتاين" أو "ليوناردو دافنشي" من خلال استخدام كلمات مرتبطة بالإبداع. أما باقي المشاركين فكانوا منهمكين في الحالة الذهنية
المعتادة لهم.

بمجــرد أن تنتــهي مـن تمـرين العبـارات (نسـخة واحـدة مـن النسـختين)، تتجـه إلـى تمـرين النقـاط. ولكـن فـي هـذه المـرة تقـوم بـالتمارين فـي مقـابل الحصـول علـى مكـافأة
مالية. كما هي الحال من قبل، تكسب نصف سنت لاختيار ناحية اليسار و5 سنتات لاختيار ناحية اليمين.

ماذا كانت الصور التي رسمتها البيانات المتوافرة؟ هل توفير حالة ذهنية أكثر إبداعًا يؤثر على أخلاقيات الفرد؟ وعلى الرغم من أن المجموعتين لم يختلف مستوى
أدائهما في تمرين النقاط (بدون مكافأة مالية)، فقد كان هناك اختلاف بعد تمرين ترتيب الكلمات لتكوين عبارة سليمة. وكما توقعنا، فإن المشاركين الذين تمت
تهيئتهم بالكلمات الإبداعية اختاروا ناحية "اليمين" (الإجابة ذات العائد المالي الأكبر) أكثر ممن هم بالمجموعة الضابطة.

حتى هذه النقطة، يبدو أن الحالة الذهنية الإبداعية قد تجعل الناس يغشون أكثر قليلًا. في المرحلة الأخيرة لبحثنا، أردنا أن نرى مدى ارتباط الإبداع بالغش في
العالم الواقعي. توجهنا إلى وكالة إعلانات كبرى وطلبنا من معظم الموظفين الإجابة عن مجموعة أسئلة بخصوص إشكاليات أخلاقية. وطرحنا أسئلة مثل: "ما
مدى احتمالية مبالغتك في تقرير مصاريف العمل؟"، "ما مدى احتمالية أن تخبر مديرك بأنك أحرزت تقدمًا في المشروع في حين أنك لم تنجز شيئًا على الإطلاق؟"،
"وما مدى احتمالية أن تأخذ معك إلى المنزل مستلزمات مكتبية من العمل؟" كما سألناهم عن القسم الذي يعملون به داخل الشركة (قسم الحسابات، قسم
التأليف، قسم إدارة الحسابات، قسم التصميمات، وهكذا). في النهاية، جعلنا المدير التنفيذي لوكالة الإعلانات يخبرنا بقدر الإبداع المطلوب للعمل في كل قسم
من الأقسام.

الآن، كان لدينا علم بالنزعة الأخلاقية لكل موظف من الموظفين، وأقسامهم، ومستوى الإبداع المتوقع من كل قسم. ومع توافر هذه البيانات، حسبنا قدر التساهل
الأخلاقي للموظفين في مختلف الأقسام وإلى أي مدى يرتبط هذا التساهل بقدر الإبداع المطلوب في وظائفهم. وكما اتضح لنا، فإن مستوى التساهل الأخلاقي مرتبط
بدرجة كبيرة بمستوى الإبداع المطلوب في أقسامهم ووظائفهم. احتل المصممون والمؤلفون الصدارة على مقياس التساهل الأخلاقي، بينما جاء المحاسبون في أدنى
المستويات. ويبدو أنه عندما يذكر التوصيف الوظيفي الخاص بنا بند "الإبداع"؛ نكون أكثر "قبولًا" للسلوكيات غير الأمينة.

الجانب المظلم من الإبداع

بالطبع، اعتدنا أن نسمع الثناء على الإبداع باعتباره فضيلة شخصية ومحركًا مهمًّا لتقدم المجتمع. إنها سمة نطمح إليها؛ ليس فقط باعتبارنا أفرادًا ولكن باعتبارنا
شركات ومجتمعات أيضًا. إننا نحترم المبدعين، ونثني على من يتمتعون بعقول مبتكرة ونحسدهم عليها، ونحتج حين لا يستطيع الآخرون التفكير خارج الصندوق.

وهناك سبب وجيه لكل هذا؛ حيث يعزز الإبداع قدرتنا على حل المشكلات من خلال فتح الباب أمام طرق وحلول جديدة. وهذا ما مكن الإنسانية من إعادة تصميم
عالمنا بطرق مفيدة باختراعات تبدأ من أنابيب المجاري وحتى أنظمة المياه النظيفة وحتى محطات الطاقة الشمسية، ومن ناطحات السحاب حتى تقنية النانو. وعلى
الــرغم مــن أن أمــامنا شــوطًا لنقطعــه، فـإننا مـدينون بالشـكر علـى الكثـير مـن التقـدم المحـرز للإبـداع. فعلـى أيـة حـال، فلـولا وجـود المبتكـرين المبـدعين مثـل "أينشـتاين"
و"شكسبير" و"دافنشي" لكان العالم مكانًا أكثر كآبةً.

ولكن هذا مجرد جزء من القصة. ومثلما يمكنِّنا الإبداع من تخيل حلول مبتكرة للمشكلات المستعصية، فإنه يمكِّننا أيضًا من ابتكار حيل للالتفاف حول القوانين،
ما يسمح لنا بإعادة تفسير المعلومات بطريقة تخدم مصالحنا. وقد يساعدنا إعمال العقليات الإبداعية على ابتكار قصة تتيح لنا الحصول على كعكة وتناولها أيضًا،
وخلق قصص نؤدي فيها دومًا دور البطل الطيب، لا الشرير. فإذا كان أساس عدم الأمانة يكمن في قدرتنا على اعتبار أنفسنا أشخاصًا أمناء وخلوقين وفي الوقت
نفســه نســتفيد مــن الغــش، فــإن الإبــداع يمكــن أن يســاعدنا علــى ابتكــار قصـص أفضـل؛ قصـص تسـمح لنـا بـأن نكـون غـير أمنـاء ولكـن فـي الـوقت نفسـه نعتبـر أنفسـنا
أشخاصًا أمناء رائعين.

هكذا، فإن دمج النتائج الإيجابية والنتائج المرغوبة من ناحية، والجانب المظلم للإبداع من ناحية أخرى يتركنا في مأزق. على الرغم من أننا نحتاج إلى الإبداع ونريده،
فمن الواضح أنه ربما يحظى الإبداع بتأثير سلبي تحت ظروف معينة. وكما يصف المؤرخ "إيد باليزين" (وهو زميلي وصديقي أيضًا) في كتابه القادم Suckers,
Swindlers, and an Ambivalent State ، في كل مرة يجتاز عالم الأعمال حدودًا جديدة للتكنولوجيا - سواء تمثل ذلك في اختراع خدمات البريد أو التليفون
أو الراديو أو الكمبيوتر أو أوراق مالية بضمان الرهن العقاري - فإن هذا التقدم يتيح للناس فرصة تخطي حدود التكنولوجيا وعدم الأمانة على حد سواء. وبمجرد
أن تُحدد القدرات والآثار والحدود الخاصة بالتكنولوجيا، أمكننا تحديد الطرق المرغوبة والمراوغة لاستخدام هذه الأدوات الجديدة.

على سبيل المثال، يبين "إيد" أن أحد استخدامات خدمة البريد الأمريكية كان من أجل بيع المنتجات غير الموجودة. ومر بعض الوقت قبل اكتشاف هذا الأمر، وفي
النهاية أسفرت مشكلات تزوير البريد عن مجموعة محكمة من القوانين التي تساعد الآن على ضمان خدمة ذات جودة عالية وكفاءة وتحوز ثقة العملاء. إذا فكرت
في التطور التكنولوجي من هذا المنطلق، فهذا يعني أنه ينبغي علينا أن نكون ممتنين لبعض الغشاشين المبدعين على ابتكاراتهم والتقدم الذي أحرزوه.

إلــى أيــن يقودنــا هــذا؟ ينبغــي علينــا بكــل وضــوح أن نــوظف الأشــخاص المبــدعين, وينبغــي أن نطمــح وراء التحلــي بالإبــداع، وينبغــي أن نواصـل تشـجيعنا للإبـداع لـدى
الآخــرين. ولكــن يجــب أن نفــهم الــروابط المــوجودة بــين الإبــداع والكــذب, ونحـاول حصـر الحـالات التـي قـد يحـاول فيـها المبـدعون أن يسـتعينوا بمـهاراتهم لإيجـاد طـرق
جديدة لسوء التصرف.

بالمناسبة، لست متأكدًا من ذكري لهذا الأمر، ولكني أظن أنني أمين بدرجة لا يصدقها عقل, وأتحلى بدرجة كبيرة من الإبداع.

19 لست معترضًا على سيارة فورد توروس، وأنا متأكد أنها سيارة جيدة، إلا أنها لم تكن سيارة مثيرة لدرجة أني أتخيل نفسي أقودها.

20 متوافر لدى مكتبة جرير

21 أشك أن هناك رابطًا بين الكذب والسفر بشكل عام. ربما لأنه في أثناء السفر تكون القواعد أقل وضوحًا أو ربما لأن الأمر يتعلق بتواجد المرء بعيدًا عن بيئته
المعتادة.
الفصل 8

الغش باعتباره عدوى

كيف نصاب بجرثومة الكذب؟

أقضي كثيرًا من الوقت في إلقاء محاضرات حول العالم بخصوص آثار السلوكيات غير العقلانية. ومن ثم، فأنا بطبيعة الحال أسافر كثيرًا. وإحدى الرحلات المألوفة
بالنسبة لي السفر من مسقط رأسي بولاية كارولنيا الشمالية إلى مدينة نيويورك، ومنها إلى ساو باولو بالبرازيل، ومدينة بوجوتا بكولومبيا، ومدينة زغرب بكرواتيا،
وســــان ديــــيجو بكــــاليفورنيا، ثــــم العــودة مــرة أخــرى إلــى ولايــة كــارولينا الشــمالية. وبعــد مــرور بضــعة أيــام أســافر إلــى مــدينة أوســتن بولايــة تكســاس، ثــم نــيويورك،
وإســطنبول بتركيــا ومــدينة كامــدن، ولايــة ميــان؛ وفــي النــهاية أعــود (متعــبًا) إلــى مســقط رأســي. وفــي أثنــاء قطــع كــل هــذه الأميـال، نلـت عـددًا لا يُحصـى مـن الإهـانات
والشتائم في أثناء الازدحام والتدافع عبر نقاط التفتيش الأمني ومحاولة استعادة الحقائب المفقودة. ولكن كل هذه المشقات لا تساوي شيئًا مقارنة بمشقة الإصابة
بمرض في أثناء السفر، وأنا أحاول دومًا أن أقلل من فرص الوقوع فريسة للمرض في هذه الفترة.

وفي إحدى رحلات الطيران عبر المحيط الأطلسي، في أثناء استعدادي لإلقاء محاضرة في اليوم التالي عن تعارض المصالح، بدا على الراكب الجالس بجواري الإصابة
بنوبة برد شديدة. وربما كان مرضه أو خوفي من العدوى بشكل عام أو قلة النوم أو مجرد الطبيعة العشوائية والمثيرة لتداعيات الأفكار جعلتني أتساءل عن وجه
الشبه بين الجراثيم التي تنتقل بيني وبين الراكب الجالس بجواري وشيوع عدم الأمانة المؤسسية مؤخرًا.

كما ذكرت من قبل، أثار انهيار شركة إنرون اهتمامي بظاهرة الاحتيال والخداع المؤسسي؛ واستمر تزايد اهتمامي بمتابعة موجة الفضائح في شركات كيه مارت،
وورلــــدكوم، تــــايكو، هــــاليبرتون، بريســتول مــايرز ســكويب، والأزمــة الماليــة التــي حــدثت عــام 2008، وبالتأكيــد فضــيحة "برنــارد مــادوف" بخصــوص الاســتثمارات فــي
السندات المالية. وعلى الهامش، يبدو أن تكرار حدوث الفضائح المالية يتزايد. هل هذا كان بسبب تطور طرق اكتشاف الخداع والسلوكيات غير القانونية؟ هل كان
هذا نتيجة للتدهور الأخلاقي والزيادة الحقيقية لنسبة الكذب والخداع؟ أم هل كان هناك عامل العدوى بالخداع والكذب والذي يسيطر أكثر على عالم المؤسسات؟

ومع ازدياد كومة المناديل التي يكدسها الشخص المصاب بالزكام الجالس بجواري، بدأت أتساءل ما إذا كانت الإصابة بـ"جراثيم لا أخلاقية" أمرًا ممكنًا بالنسبة
للمرء. وإن كانت هناك زيادة حقيقية بخصوص الكذب والخداع في المجتمع، فهل يمكن أن ينتشر مثل العدوى أو الفيروس أو البكتيريا القابلة للنقل والانتشار على
مدى أوسع، بحيث تنقل من خلال الملاحظة أو التعامل المباشر؟ هل هناك رابط بين فكرة العدوى وقصص الغش والخداع المنتشرة بتزايد والتي نراها من حولنا
بكثرة؟ وإن كان هناك رابط فعلًا، فهل من الممكن تعقب هذا "الفيروس" في وقت مبكر ومنعه من إحداث دمار؟

كــان هــذا احتمــالًا خــادعًا مــن وجــهة نظــري. بمجــرد أن وصــلت إلــى منزلـي، بـدأت أقـرأ عـن البكتيريـا، وعـرفت أن هنـاك عـددًا لا يُحصـى مـن البيكتيريـا داخـل أجسـامنا
وخارجها وحولها. وعرفت أيضًا أننا طالما نحظى بقدر محدود من البكتيريا الضارة, فإننا نُحكم زمام السيطرة إلى حد ما. ولكن تنشأ المشكلات من عدد البكتيريا
الكثير لدرجة أنه يخل بتوازننا الطبيعي أو عندما تخترق سلالة من البكتيريا جهاز المناعة بأجسادنا.

ولكي أكون منصفًا، لست أول من فكر في هذا الرابط. ففي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كان مصلحو السجون يؤمنون بأن المجرمين أشبه بالأمراض يجب أن
يبقــوا معزولـين وفـي مكـان جيـد التـهوية لتجنـب انتشـار العـدوى. بـالطبع، لـم آخـذ التشـبيه بـين انتشـار الكـذب والمـرض حـرفيًّا مثلمـا فعـل أسـلافي, فلـن يحـوِّل الـهواء
الملوث بالجراثيم الناس إلى مجرمين. ولكن عذرًا على الاستعانة بهذا التشبيه ليمتد إلى الحياة الواقعية، فإنني أعتقد أن التوازن الطبيعي لتحلي المجتمع بالأمانة قد
يصاب بالاضطراب إذا ما اقتربنا من دائرة شخص يغش ويكذب. ولعل ملاحظة الكذب والغش في المقربين منا قد تصير "معدية" أكثر من ملاحظتهما فيمن هم
ليسوا مقربين أو مؤثرين في حياتنا. (فكر مثلًا في العبارة الجذابة للحملة الإعلانية لمكافحة الإدمان في الثمانينيات من القرن العشرين "لقد تعلمته من مراقبتك"؛
حيث إن الإعلان حذر من أن "الآباء الذين يتعاطون المخدرات ينجبون أبناء يقلدونهم").

وحفاظًا على التشبيه المجازي بالعدوي، تساءلت عن حدة التعرض للغش والخداع وإلى أي مدى قد تؤثر السلوكيات غير الأمينة على توازن تصرفاتنا. على سبيل
المثال، إذا رأينا زميلًا يخرج من مخزن الأدوات المكتبية محملًا بحفنة من الأقلام، فهل نفكر على الفور في اتباع خطاه على النهج نفسه وأخذ بعض الأدوات المكتبية؟
وأشك أن الأمر كذلك. وبدلًا من ذلك، فالأمر أشبه كثيرًا بعلاقتنا بالبكتيريا، هناك عملية أبطأ وأكثر تعقيدًا؛ ربما حين نرى شخصًا يغش ويخدع، فإنه يترك لدينا
انطباعًا دقيقًا ونصير أكثر فسادًا. وفي المرة التالية حين نشهد سلوكًا لا أخلاقيًّا، تتراجع أخلاقياتنا أكثر، ونتخلى أكثر فأكثر عن معاييرنا الأخلاقية مع زيادة عدد
"الجراثيم" اللاأخلاقية التي نتعرض لها.

قبل بضع سنوات ، اشتريت ماكينة بيع، ظنًّا مني أنها ستكون أداة مثيرة لإجراء التجارب المتعلقة بالتسعيرة والخصومات. ولمدة بضعة أسابيع، استعنت بها أنا
و"نينــا مــازار" لنــرى مــا الــذي سـيحدث إن وفرنـا تخفيضـات محتملـة بـدلًا مـن التخفيضـات الثابتـة. وهـذا يعنـي أننـا وضـعنا الماكينـة وبـها منفـذ للحلـوى مكتـوب عليـها
تخفــيض بنســبة 30% مــن الثمــن الــذي يبلــغ دولار واحــد، فــي حــين أن المنافــذ الأخــرى توفــر فرصــة للمشــتري للشــراء بسـعر دولار واحـد كاملـة بنسـبة 70%، وفرصـة
استعادة المبلغ كله بنسبة 30% (ومن ثم أخذ الحلوى مجانًا). في حالة ما إذا كنت مهتمًّا بنتائج هذه التجربة، تضاعفت المبيعات بمقدار ثلاثة أضعاف عند توافر
احتمالية استعادة المبلغ بأكمله. ولهذا التخفيض المحتمل قصة أخرى ستأتي في وقت لاحق، ولكن فكرة استعادة الناس لأموالهم مرة أخرى أعطتنا فكرة لدراسة
وسيلة أخرى للخداع والكذب.

ذات صباح، نقلت الماكينة بالقرب من مبنى قاعات المحاضرات بمعهد ماساشوستس للتقنية وجعلت التسعيرة داخل الماكينة صفرًا لكل قطعة حلوى. وخارجها،
كان سعر كل قطعة حلوى 75 سنتًا. وفي اللحظة التي يدفع فيها الطلبة ثلاثة أرباع ويختارون الحلوى، تمنحهم الماكينة الحلوى وتعيد لهم النقود. كما أننا وضعنا
لافتة واضحة على الماكينة مكتوبًا عليها رقم هاتف للاتصال في حالة ما إذا حدث خلل في عمل الماكينة.

جلست باحثة مساعدة على مقربة من الماكينة وتظاهرت بأنها تعمل على جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بها؛ ولكنها كانت تسجل ما فعله الناس حين واجهوا
مفاجأة الحلوى المجانية. وبعد القيام بذلك لبعض الوقت، لاحظت نوعين من السلوك. أولًا، كان الطلبة يأخذون ثلاث قطع حلوى تقريبًا. فعندما كانوا يحصلون
على قطعة الحلوى الأولى وأموالهم، معظم الطلبة تحققوا مما إذا كان الأمر سيتكرر مرة ثانيةً (وهو ما حدث فعلًا). وبعد ذلك، قرر الكثير من الناس تجربة الأمر
للمرة الثالثة. ولكنهم لم يعيدوا التجربة بعد المرة الثالثة. بلا شك إنهم تذكروا المرة التي أخذت فيها ماكينة البيع النقود دون أن تخرج شيئًا؛ ولذا شعروا على
الأرجح بأن هذه الماكينة السخية تعوضهم عن الأموال التي فقدوها من قبل.

كما أننا وجدنا أن أكثر من نصف الأشخاص بحثوا عن صديق، وعندما وجدوا شخصًا يعرفونه، دعوه للمشاركة في أخذ هدية الحلوى. بالطبع، كانت هذه مجرد
دراســة قائمــة علــى الملاحظــة، ولكنــها جعلتنــي أشــك فــي أننــا عنــدما نــرتكب أمـرًا مـريبًا للشـك، فـإن دعـوة أصـدقائنا للمشـاركة فـي الأمـر نفسـه قـد تسـاعدنا علـى تبـرير
سلوكنا المريب للشك. فعلى أية حال، إذا تخطى أصدقاؤنا الحدود الأخلاقية معنا، ألن يجعل هذا تصرفاتنا تبدو مقبولة من الناحية الاجتماعية؟ إن قطع كل هذا
الشوط لتبرير سلوكياتنا السيئة قد يبدو نوعًا من المبالغة، ولكننا عادة ما نشعر بالارتياح حين تتوافق تصرفاتنا مع الأعراف الاجتماعية من حولنا.

عدوى الغش داخل حجرة الدراسة

بعد تجربتي مع ماكينة البيع، بدأت ألاحظ أن للغش طبيعة معدية في أماكن أخرى من بينها محاضراتي. قبل بضع سنوات وفي بداية الفصل الدراسي، سألت
خمســمائة طــالب جــامعي مســجلين فــي مـادة الاقتصـاد السـلوكي التـي أدرِّسـها كـم واحـدًا منـهم يـؤمن بأنـه بإمكانـه الاسـتماع إلـى المحاضـرة فـي أثنـاء اسـتخدام أجـهزة
الكمبــيوتر الخاصــة بــهم فــي أنشــطة غــير متعلقــة بالمحاضــرة (الــدخول علـى مـوقع الفيسـبوك، تصـفح الإنتـرنت، متابعـة البريـد الإلكتـروني وهكـذا). ولحسـن الحـظ أن
معظمهم اعترف بأنهم لا يجيدون تأدية أكثر من مهمة واحدة في الوقت نفسه (وهو أمر حقيقي). ثم سألتهم كم واحدًا منهم يتمتع بالقدرة الكافية للسيطرة على
النفس لتجنب استعمال أجهزة الكمبيوتر المحمول في أنشطة غير متعلقة بالمحاضرة إن كان جهاز الكمبيوتر مفتوحًا أمامهم. لم يرفع أحد منهم يده تقريبًا.

عند تلك اللحظة، كنت أوازن بين منع أجهزة الكمبيوتر المحمول داخل حجرة الدراسة (وهي مهمة بالطبع لتدوين الملاحظات) وبين السماح بها، لمساعدة الطلبة
على مكافحة افتقارهم إلى السيطرة على النفس، مع وضع بعض المحاذير. ونظرًا لكوني متفائلًا، فقد طلبت من الطلبة أن يرفعوا يدهم اليمنى ويرددوا ورائي هذه
العبارة: "لن أستعمل الكمبيوتر الخاص بي في هذه المحاضرة لأي غرض آخر سوى الأغراض المتعلقة بالمادة, ولن أقرأ أو أرسل رسالة بريد إلكتروني، ولن أدخل على
موقع الفيسبوك أو أي مواقع تواصل اجتماعي آخر، ولن أستخدم شبكة الإنترنت لتصفح مواد غير متعلقة بالمنهج في أثناء المحاضرة".

ردد الطلبة ورائي هذه الكلمات، وسعدت بنفسي لبعض الوقت.

ومن وقت لآخر، أعرض فيديوهات في المحاضرة من أجل توضيح نقطة ولأمنح الطلبة فرصة تغيير وتيرة المحاضرة وجذب الانتباه. وفي هذه الفترة أتجول في قاعة المحاضرات وأشاهد الفيديو مع الطلبة من نهاية القاعة. بالطبع، الوقوف في نهاية القاعة يتيح لي رؤية شاشات أجهزة الكمبيوتر الخاصة بالطلبة. وخلال الأسابيع
القليلة الأولى من الفصل الدراسي، كانت الشاشات تعرض مواد كلها متعلقة بالمنهج. ولكن مع مرور الفصل الدراسي، لاحظت كل أسبوع أن المزيد من الشاشات
تعرض مواقع شهيرة غير متعلقة بالمنهج, ولاحظت أن موقع الفيسبوك ومواقع البريد الإلكتروني احتلت الصدارة عادة.

وعند استعادة الأحداث الماضية، أظن أن الظلام الذي صاحب عرض الفيديوهات كان أحد الجناة في تراجع الطلبة عن الوفاء بقسمهم. وبمجرد أن يحل الظلام
على قاعة المحاضرات ويستخدم طالب واحد جهاز الكمبيوتر المحمول في نشاط غير متعلق بالمنهج، حتى لمجرد دقيقة واحدة، يتمكن الكثيرون من الطلاب الآخرين -
ولســت أنــا فقــط - مــن رؤيــة مــا يفعلــه. وهــذا علــى الأرجــح يقــود المزيــد مــن الطلبــة لاتبــاع النمــط نفســه لســوء الســلوك. وكمـا اكتشـفت، كـان قسـم الأمانـة مفيـدًا فـي
البداية، ولكن في النهاية لم يكن له تأثير مثل تأثير الأعراف الاجتماعية التي تأتي من ملاحظة سوء سلوك الآخرين 22 .

التفاحة الفاسدة

بالطبع، كانت ملاحظاتي للغش داخل الحرم الجامعي والأفكار التي راودتني على متن طائرة على ارتفاع 30 ألف قدم عن العدوى الاجتماعية مجرد تخمينات. ومن
أجل اكتساب رؤية أكثر اطلاعًا عن الطبيعة المعدية للغش، قررت أنا و"فرانشيسكا جينو" و"شاهار آيال" (بروفيسور في أحد المراكز متعددة الاختصاصات بإحدى
دول الشرق الأوسط) أن نجري بعض التجارب بجامعة كارنيجي ميلون التي كانت تزورها "فرانشيسكا" في ذلك الوقت. أجرينا تمرين المصفوفة بالطريقة نفسها
التي شرحتها من قبل (رغم أننا استخدمنا نسخة أكثر سهولة من التمرين) ولكن أدخلنا بضعة اختلافات مهمة. كان الاختلاف الأول هو أن الممتحن يوزع مظروفًا
يحتــوي علــى 10 دولارات (8 أوراق ماليــة مــن فئــة الــدولار الواحــد وأربــع عمـلات معـدنية مـن فئـة النصـف دولار) لكـل مشـارك بالإضـافة إلـى ورقـة أسـئلة تحتـوي علـى
تمرين المصفوفة. وهذا التغيير في إجراءات دفع المكافأة المالية يعني أنه في نهاية التجربة سيأخذ المشاركون بأنفسهم المبلغ المتفق عليه ويتركون باقي المبلغ.

بالنســبة للمجموعــة الضــابطة، التــي لــم تُتَحْ لــها فرصــة الغــش، الطــالب الــذي يحــل ســبعة أســئلة فـي الـوقت المخصـص يحصـي عـدد المسـائل التـي أجـاب عنـها إجابـة
صحيحة، ويأخذ المبلغ المناسب من المظروف ويضع المال في محفظته, ثم يسلم المشارك ورقة الإجابة والمظروف بداخله الأموال المتبقية إلى الممتحن الذي يراجع ورقة
الإجابة ويحصي المبلغ المتبقي في المظروف ويصرف الطالب بالأموال التي حصل عليها. سارت الأمور على خير ما يرام حتى هذه النقطة.

وبالنسبة للمجموعة التي مزقت ورقة الإجابة، كانت التعليمات مختلفة قليلًا. في هذه المجموعة، أخبر الممتحن المشاركين قائلًا: "بعد أن تعدوا إجاباتكم، توجهوا
إلى ماكينة تمزيق الورق في نهاية الغرفة، ومزقوا ورق إجاباتكم، ثم عودوا إلى مقاعدكم وخذوا المبلغ الذي كسبتموه من المظروف. وبعد ذلك، يترك لهم مطلق
الحرية لمغادرة المكان. وفي الطريق إلى الخارج، يضع المشارك المظروف بداخله بقية الأموال في صندوق موجود بجوار الباب", ثم يُطلب من المشاركين أن يبدأوا حل
الاختبار ويقرأوا كتابًا كبيرًا (للتأكد من أنه ليس هناك من يراقب). وبعد انتهاء الدقائق الخمس المخصصة لذلك، يعلن الممتحن أن الوقت انتهى، فيضع المشاركون
أقلامهم جانبًا، ويحسبون عدد الإجابات الصحيحة، ويمزقون ورق الإجابة ويعودون إلى مقاعدهم، ويأخذون المقابل المالي من المظروف، وفي طريقهم إلى خارج
الغرفة يضعون المظاريف، التي تحتوي على بقية المبلغ، في الصندوق. وليس من المستغرب أننا وجدنا أن المشاركين في المجموعة التي مزقت ورقة الإجابة ادعوا أنهم
حلوا عددًا أكبر من المصفوفات مقارنةً بالمجموعة الضابطة.

وفرت هاتان المجموعتان نقطة مهمة لنبدأ من عندها إمكانية اختبار ما أردنا التحقق منه فعلًا؛ أي العامل الاجتماعي للغش. في الخطوة التالية، نأخذ المجموعة
التي تمزق ورق الإجابة (أي المجموعة التي تتوافر لها احتمالية الغش) ونضيف لها العنصر الاجتماعي. ما الذي سيحدث لو أن مشاركينا استطاعوا ملاحظة شخص
آخر - في طريقه أن يصير "مادوف" آخر - يغش على نحو سافر؟ هل سيتغير مستوى الغش الخاص بهم؟

تخيــــل أنــــك مشــارك فــي المجموعــة المســماة بمجموعــة "مــادوف". تجلــس علــى مقعــد، ويقــرأ الممتحــن عليــك أنــت وزملائــك المشــاركين التعليمــات؛ إذ يقــول الممتحــن:
"يمكنكم البدء!". وتبدأ في حل سؤال المصفوفات محاولًا حل أكبر عدد ممكن من المصفوفات لتزيد المبلغ الذي ستحصل عليه. تمر حوالي ستين ثانية، وما زلت
تحل السؤال الأول. تسمع صوت دقات الساعة.

يقف شاب أشقر طويل ونحيل وينظر إلى الممتحن قائلًا: لقد"انتهيت من الحل! ما الذي ينبغي عليَّ فعله الآن؟".

تقول في نفسك: "مستحيل. إنني لم أنتهِ من حل المصفوفة الأولى!". وتحدق أنت والجميع إليه في عدم تصديق. بالتأكيد، إنه يغش. لن يستطيع أحد حل العشرين
مصفوفة جميعها في أقل من ستين ثانية.

يقول له الممتحن: "توجه إلى ماكينة تمزيق الورق". يذهب الشاب إلى نهاية الغرفة ويمزق ورقة إجابته، ثم يقول: "لقد أجبت عن كل المصفوفات، وأصبح المظروف
الخاص بي فارغًا من المال. ما الذي يجب عليَّ فعله الآن؟".

يقول الممتحن بثبات: "إن لم يكن هناك مال لتعيده، فضع المظروف الفارغ في الصندوق، ولك مطلق الحرية في المغادرة". يشكره المشارك ويلوح لباقي المشاركين
ويخرج من الغرفة مبتسمًا وفي جيبه المبلغ كله. وبعد أن شاهدت هذا المسلسل، كيف يكون رد فعلك؟ هل تنتابك نوبة غضب عارمة لأن هذا الشاب غش وأفلت
من العقاب؟ هل ستغير من سلوكك الأخلاقي؟ هل ستقل نسبة غشك؟ أم ستزيد؟

ولعلك تشعر بالارتياح قليلًا حين تعرف أن المشارك الذي غش بكل وضوح ومثَّل دور المشارك في التجربة هو "ديفيد" الذي استعَّنا به لتأدية هذا الدور. كنا نريد أن
نختبر ما إذا كان السلوك السافر لـ"ديفيد" سيجعل المشاركين الحقيقيين ينتهجون النهج نفسه؛ ومن ثم يصابون "بالفيروس اللاأخلاقي" ويغشون أكثر.

وإليك النتائج التي توصلنا إليها. بالنسبة لمجموعة "مادوف"، ادعى المشاركون أنهم حلوا متوسط 15 مصفوفة من إجمالي 20 مصفوفة؛ أي أكثر من المجموعة
الضــابطة بمقــدار 8 مصــفوفات، وأكثــر مــن المجموعـة التـي مزقـت ورقـة الإجابـة بمقـدار 3 مصـفوفات. باختصـار، حصـل المشـاركون فـي مجموعـة "مـادوف" علـى المبلـغ
تقريبًا بادعائهم أنهم حلوا ضعف عدد المصفوفات التي أجابوا عنها إجابة صحيحة.

إليك ملخصًا سريعًا:

?

هذه النتائج، برغم أنها مثيرة للاهتمام، فإنها لا تخبرنا بسبب زيادة نسبة الغش في مجموعة "مادوف". وعند رؤية أداء "ديفيد"، يمكن للمشاركين أن يجروا
حسابات سريعة ويقولوا في أنفسهم: "إن كان بإمكانه أن يغش ويفلت من العقاب، فلابد أن هذا يعني أن بإمكاني فعل الشيء نفسه دون الخوف من الإمساك
بي متلبسًا بالغش". إذا كان الأمر كذلك, فإن تصرف "ديفيد" كان سيغير تحليل التكلفة والفائدة الذي يجريه المشاركون من خلال التأكيد بكل وضوح أن بإمكانهم
- في هذه التجربة - أن يغشوا ويفلتوا من العقاب. (وهذا هو النموذج البسيط للجريمة المدروسة الذي وصفناه في الفصل الأول؛ انظر "اختبار النموذج البسيط
للجريمة المدروسة").
وهناك احتمال مختلف تمامًا يفيد بأن تصرفات "ديفيد" أوحت للمشاركين الآخرين والمتواجدين في القاعة بأن هذا السلوك مقبول اجتماعيًّا أو على الأقل مقبول
بين الأقران. وفي الكثير من مناحي الحياة، نراقب الآخرين لنتعلم السلوكيات المناسبة وغير المناسبة في المجتمع. ولعل الكذب إحدى الحالات التي لا يتضح فيها
موقف الأعراف الاجتماعية التي تقبل سلوك الأفراد أو تجرِّمه، ومن ثم فإن سلوك الآخرين - سلوك "ديفيد" في هذه الحالة - يمكن أن يصوغ أفكارنا بخصوص
الصواب والخطأ. ومن هذا المنطلق، فإن تزايد نسبة الغش التي لاحظناها في مجموعة "مادوف" قد لا يكون بسبب تحليل التكلفة والفائدة، ولكن بسبب المعلومات
الجديدة والمراجعة الذهنية لما هو مقبول داخل حيز الحدود الأخلاقية.

ومــــن أجــــل دراســــة أي الاحتمــــالين أفضــــل لشــــرح نســــبة الغــــش المتزايــــدة فـــي مجموعــة "مــادوف"، أجرينــا تجربــة أخــرى بنوعيــة مختلفــة مــن المعلومــات الاجتماعيــة
والأخلاقيــة. وفــي الإعــدادات الجــديدة، أردنــا أن نــرى مــا إذا كــان محـو المخـاوف بخصـوص الإمسـاك لحظـة التلبـس - ولكـن دون توفـير نمـوذج حـي للغـش - سـيجعل
المشاركين أيضًا يغشون أكثر. طلبنا من "ديفيد" أن يعمل معنا مرة أخرى، ولكن في هذه المرة يتدخل بسؤال في أثناء قراءة الممتحن للتعليمات, فيقول للممتحن
بصوت عالٍ: "معذرة! بعد الاستماع لهذه التعليمات، ألا يمكنني أن أقول إنني أجبت عن جميع الأسئلة وأخرج ومعي النقود كلها؟ هل هذا مقبول؟". وبعد أن
ساد الصمت لبضع ثوان، أجاب الممتحن قائلًا: "يمكنك أن تفعل ما شئت". وقد أطلقنا على هذه المجموعة "مجموعة السؤال" لأسباب واضحة. وبعد سماع هذا
الحوار، أدرك المشاركون بسرعة أنه بإمكانهم أن يغشوا في هذه التجربة وأن يفلتوا من العقاب. فلو كنت مشاركًا في هذه التجربة، فهل سيشجعك هذا الإدراك
على المزيد من الغش؟ هل ستجري تحليلًا سريعًا للتكلفة والفائدة وستقرر الخروج بأموال سهلة الكسب؟ فعلى أية حال، لقد سمعت الممتحن يقول: "افعل ما
شئت".

الآن، لنتوقف ونتفكر في كيف ستساعدنا هذه النسخة من التجربة على فهم ما يحدث في مجموعة "مادوف". ففي مجموعة "مادوف"، قُدم للمشاركين مثال حي
على سلوك الغش، وهو ما قدم لهم نوعين من المعلومات: من منظور التكلفة والفائدة، فإن مشاهدة "ديفيد" وهو يخرج بالمال أظهرت لهم أنه في هذه التجربة لا
توجد تداعيات سلبية للغش. وفي الوقت نفسه، قدم لهم تصرف "ديفيد" إشارة اجتماعية إلى أن أشخاصًا مثلهم يغشون - على ما يبدو - في هذه التجربة. ونظرًا
لأن مجموعة "مادوف" تحتوي على كلا العنصرين، فلم نستطع تحديد ما إذا كان تزايد نسبة الغش بسبب إعادة تقييم تحليل التكلفة والفائدة أم بسبب الإشارة
الاجتماعية أم كلا السببين.

وهنا تظهر فائدة مجموعة السؤال. في هذه المجموعة، كان العنصر الأول (منظور التكلفة والفائدة) متواجدًا. عندما طرح "ديفيد" السؤال وأكد الممتحن أن الغش
ليس ممكنًا وحسب؛ بل دون تداعيات، يتضح للمشاركين أن الغش في هذه الحالة ليست له آثار سلبية. والأهم من ذلك، فإن مجموعة السؤال غيرت استيعاب
المشاركين دون أن تعطي لهم مثالًا حيًّا وإشارة اجتماعية لشخص ينتمي لجماعتهم الاجتماعية ليمارس الغش. لو كانت نسبة الغش في مجموعة السؤال تتشابه
مــع نســبة الغــش فــي مجموعــة "مــادوف"، لتوصــلنا إلــى نتيجــة أن مــا تســبب فــي زيــادة مســتوى الغــش فــي كلتــا الحــالتين هـو علـى الأرجـح توافـر معلومـة عـدم وجـود
تداعيات للغش. وعلى الجانب الآخر، لو كانت نسبة الغش في مجموعة السؤال أقل بكثير من مستوى الغش في مجموعة "مادوف"، لتوصلنا إلى نتيجة أن ما
تسبب في زيادة مستوى الغش بمجموعة "مادوف" هو الإشارة الاجتماعية؛ أي إدراك أن الناس من المجموعة الاجتماعية نفسها يجدون أن الغش مقبول في هذا
الموقف.

في رأيك، ما الذي حدث؟ في مجموعة السؤال، يدعي المشاركون أنهم أجابوا عن 10 مصفوفات في المتوسط؛ أي بمقدار 3 مصفوفات أكثر من المجموعة الضابطة
(وهــو مــا يعنــي أنــهم غشــوا بــالفعل) ولكنـها أقـل بمقـدار مصـفوفتين مقارنـة بالمجموعـة التـي تـمزق ورقـة الإجابـة وأقـل بمقـدار خمـس مصـفوفات مقارنـة بمجموعـة
"مادوف". وبعد رؤية الممتحن يخبر "ديفيد" بأنه بإمكانه أن يفعل ما يشاء، قلت نسبة الغش. وهذا كان على عكس ما كان سيحدث إن أجرى مشاركونا تحليل
الفائدة والتكلفة وحده. علاوة على ذلك، أشارت هذه النتيجة إلى أنه حين نكون مدركين لاحتمالية وقوع سلوك لا أخلاقي؛ فإننا نتفكر بتمعن في أخلاقياتنا (مثلما
حدث في تجربة التعليم الدينية وتجارب القواعد الأخلاقية المذكورة في الفصل الثاني؛ "التلاعب بعامل التصحيح"). وكنتيجة لذلك، نتصرف بمزيد من الأمانة.

شهادة من عالم الموضة

على الرغم من أن هذه النتائج كانت مبشرة، فإننا ما زلنا بحاجة إلى الحصول على المزيد من الدعم والدليل المباشر على أن الغش ربما يكون معديًا من الناحية
الاجتماعية؛ ولذلك، قررنا دراسة عالم الموضة؛ حسنًا دراسته جزئيًّا.

كان نسق تجربتنا التالية على النسق نفسه لتجربة مجموعة "مادوف": يقف الممثل بعد مرور بضع ثوان من التجربة ويعلن أنه أجاب عن كل الأسئلة وما إلى ذلك.
ولكن في هذه المرة هناك اختلاف واحد مرتبط بالموضة: الممثل يرتدي قميص جامعة بيتسبرج.

اســمح لــي بــأن أوضــح التجربــة. توجــد فــي مــدينة بيتسـبرج جـامعتان مـن أفضـل الجـامعات فـي العـالم؛ جامعـة بيتسـبرج وجامعـة كـارنيجي مـيلون. ومثـل الكثـير مـن
مؤســسات التعلــيم العــالي التـي تتواجـد فـي المكـان نفسـه، فـإن الجـامعتين تتنافسـان منـذ فتـرة طويلـة. كـان كـل مـا نحتـاج إليـه لاختبـار فرضـية الغـش بـاعتباره عـدوى
اجتماعية تلك الروح التنافسية.

وأجرينــا كــل هـذه التجـارب فـي جامعـة كـارنيجي مـيلون، وكـان كـل مشـاركينا مـن طـلاب جامعـة كـارنيجي مـيلون. فـي مجموعـة "مـادوف" الأسـاسية، ارتـدى "ديفيـد"
قمــيصًا قطنــيًّا ســادة وبنطلــون جــينز ومـن ثـم ظُن أنـه أحـد طـلاب جامعـة كـارنيجي مـيلون، مثلـه مثـل بـاقي المشـاركين الآخـرين. ولكـن فـي مجموعتنـا الجـديدة، التـي
أطلقنا عليه مجموعة "مادوف الدخيل"، ارتدى "ديفيد" قميص جامعة بيتسبرج الشهير بلونيه الأزرق والذهبي. وهذا أعطى إشارة إلى بقية الطلاب بأنه طالب
دخيل - من جامعة بيتسبرج - وليس جزءًا من مجموعتهم الاجتماعية، بل إنه ينتمي إلى مجموعة منافسة.

والمنطق السائد في هذه المجموعة كان أشبه بمنطق مجموعة السؤال. وافترضنا أنه إن كانت نسبة الغش المتزايدة التي لاحظناها في مجموعة "مادوف" كانت بسبب
إدراك أن بإمكان "ديفيد" أن يغش ويفلت من العقاب، ومن ثم يستطيع باقي المشاركين أن يفعلوا الشيء نفسه، ولا يهم إن كان "ديفيد" يمثل دور طالب من
جامعة بيتسبرج أم جامعة كارنيجي ميلون. فعلى أية حال، كانت المعلومة الخاصة بعدم وجود تداعيات سلبية للغش الواضح متوافرة بغض النظر عما يرتديه
الممثــل فــي هــذه التجربــة. وعلــى الجــانب الآخــر، إن كــانت زيــادة نسـبة الغـش فـي مجموعـة "مـادوف" بسـبب عـرف اجتمـاعي ظـاهر للعيـان تكشـف لمشـاركينا أن الغـش
مقبــول فــي وســطهم الاجتمــاعي، فــإن لــهذا أثــرًا فقــط عنــدما يكــون مــؤدي الــدور جزءًا مــن المجموعــة (طــالبًا مــن جامعــة كـارنيجي مـيلون) ولـيس فـردًا مـن مجموعـة
أخرى؛ أي المجموعة المنافسة (طالبًا من جامعة بيتسبرج). والعامل الحاسم في هذه التجربة هو الرابط الاجتماعي الذي يربط بين "ديفيد" والمشاركين الآخرين؛
فعندما ارتدى "ديفيد" قميص جامعة بيتسبرج، فهل لهذا أثر على طلاب جامعة كارنيجي ميلون أم أنهم سيقاومون تأثيره؟

ولإعادة تلخيص النتائج التي توصلنا إليها حتى هذه اللحظة، إليك ما لاحظناه: عندما كان الغش ممكنًا في المجموعة التي مزقت ورقة الإجابة ولكن لم يتواجد
نمــوذج "ديفيــد"، ادعــى الطــلاب أنــهم أجــابوا عــن متوســط 12 مصــفوفة؛ أي بمقــدار 5 مصــفوفات أكثــر مــن المجموعــة الضــابطة. وعنــدما وقــف "ديفيـد" مرتـديًا زي
جامعــة كــارنيجي مـيلون وسـط مجموعـة "مـادوف"، ادعـى المشـاركون أنـهم أجـابوا عـن 15 مصـفوفة تقـريبًا. وعنـدما سـأل "ديفيـد" عـن إمكانيـة الغـش وتلقـى إجابـة
تأكيدية بأنه يمكنه فعل ذلك، ادعى المشاركون أنهم أجابوا عن 10 مصفوفات فقط. وفي النهاية، في مجموعة "مادوف الدخيل" (عندما ارتدى "ديفيد" قميص
جامعــة بيتســبرج)، ولاحــظ المشــاركون أنــه يغــش، ادعــوا أنــهم أجــابوا عــن 9 مصــفوفات فقــط. ومقارنــة بالمجموعـة الضـابطة فمـا زال الغـش مسـتمرًّا (وكـانت نسـبة
الغش زائدة بمقدار مصفوفتين)، ولكن نسبة الغش قلت بمقدار ست مصفوفات عندما أدى "ديفيد" دور طالب ينتمي لجامعة كارنيجي ميلون.

إليك نتائجنا:
?

ولم تبرز هذه النتائج شيوع الغش وحسب، بل أبرزت أنه عدوى يمكن أن تتزايد من خلال ملاحظة السلوكيات السيئة في المحيطين بها. ويبدو أن القوى الاجتماعية
من حولنا تعمل في اتجاهين مختلفين؛ فعندما يكون الشخص الغشاش جزءًا من الوسط الاجتماعي الذي ننتمي له، نشعر بألفة مع هذا الشخص، ونتيجة لذلك
نشعر بأن الغش أمر مقبول اجتماعيًّا. ولكن عندما يكون الشخص الغشاش دخيلًا، يصعب أكثر تبرير سوء السلوك، ونتمسك أكثر بالأخلاقيات بدافع رغبتنا في
أن نبعد أنفسنا عن الأشخاص المنحلين أخلاقيًّا وذلك الشخص (الأقل منا أخلاقيًّا) الدخيل على مجموعتنا.

وبوجه عام أكثر، تظهر هذه النتائج مدى أهمية الأشخاص الآخرين عند تعيين الحدود المقبولة لسلوكياتنا الخاصة، بما في ذلك الغش. وطالما أننا نرى الأشخاص
الآخرين من وسطنا الاجتماعي يتصرفون بطرق ليست مقبولة، فمن المرجح أن نعيد توجيه بوصلتنا الأخلاقية الداخلية ونتبنى سلوكياتهم باعتبارها معيارًا خاصًّا
بنا. وإذا تصادف أن يكون الشخص الذي ينتمي لوسطنا الاجتماعي شخصية ذات سلطة - والدًا أو مديرًا أو مدرسًا أو شخصًا نكن له الاحترام - تزيد احتمالات تدني
أخلاقياتنا.

مع الصفوة

إن الانزعاج من طلاب جامعيين يغشون مقابل الحصول على بضعة دولارات (برغم أن تأثير هذا الغش يتراكم سريعًا) هو شيء؛ بينما تحوُّل الغش للمؤسسات
الكبــرى علـى نطـاق أوسـع هـو شـيء آخـر تمـامًا. عنـدما ينحـرف بعـض الـدخلاء عـن المسـار الصـحيح، فإنـهم يعـدون مـن حولـهم، وهـم بـدورهم يعـدون الآخـرين ممـن
حولهم، وهكذا. وهو ما أشك أنه حدث في شركة إنرون عام 2001، وفي وول ستريت ما أسفر عن الأزمة المالية لعام 2008، وغيرها في الكثير من الحالات.

ويمكن للمرء أن يتخيل بسهولة السيناريو التالي: مصرفي شهير يدعى "بوب" يعمل في بنك جيانت - بنك يتورط في عمليات مشبوهة - رفع أسعار بعض المنتجات
الماليــة، تــأجيل الإبــلاغ عــن الخســائر حتـى العـام التـالي وهكـذا - وفـي أثنـاء تلـك العمليـات كسـب أمـوالًا طائلـة. وسـمع مـوظفون آخـرون بـالبنك مـا كـان "بـوب" بصـدد
القيــام بــه, وخــرجوا لتنــاول الغــداء، وفــي أثنـاء تنـاول المشـويات والمشـروبات ناقشـوا مـا كـان "بـوب" يفعلـه. وعلـى الطاولـة الأخـرى، سـمعهم بالمصـادفة مـوظفون مـن
هيودج بنك. وانتشر الخبر.

وفي فترة قصيرة نسبيًّا، اتضح للكثيرين من العاملين بالبنك أن "بوب" ليس الشخص الوحيد الذي يزور بعض الأرقام. علاوة على ذلك، فإنهم اعتبروه جزءًا من
مجموعتهم. وبالنسبة لهم، صار تزوير الأرقام سلوكًا مقبولًا، على الأقل في نطاق "الحفاظ على التنافسية" و"زيادة القيمة المضافة لحاملي الأسهم" 23 .

وعلى نحو مماثل، فكر في هذا السيناريو: أحد البنوك يستغل كفالة الإنقاذ المالي الحكومية لدفع الأرباح لحاملي الأسهم (أو ربما يحتفظ البنك بالأموال بدلًا من
إقراضها). وسرعان ما يرى المديرون التنفيذيون لبنوك أخرى أن هذا السلوك هو السلوك المناسب. إنها عملية غاية في السهولة، منحدر منزلق. وهو أمر يحدث من
حولنا كل يوم.

وبالطبع، عالم البنوك ليس المكان الوحيد الذي يحدث فيه هذا النوع من التصعيدات العثرة. يمكنك أن تجد هذا في أي مكان، بما في ذلك الهيئات الحاكمة مثل
الكونجرس الأمريكي. وأحد الأمثلة على الأعراف الاجتماعية المتدهورة في الأروقة التشريعية بالولايات المتحدة الأمريكية يتمثل في لجان العمل السياسي. فقبل 30
عامًا مضت، تشكلت هذه اللجان كوسيلة لأعضاء الكونجرس الأمريكي لجمع الأموال من أجل الأحزاب والمشرعين القانونيين لاستغلالها في أثناء معارك الانتخابات
الصــــعبة. وتــــأتي الأمــــوال بالأســــاس مــــن جمــــاعات الضــــغط والمؤســــسات وجمــــاعات التـــأثير علــى القــرار، والمبــالغ التــي يقــدمونها ليســت مقيــدة مثلمــا هــي الحــال مــع
الإسهامات المقدمة للمرشحين الفرديين. وفضلًا عن دفع الضرائب وتقديم التقارير لمفوضية الانتخابات الفيدرالية، فإن القليل من القيود تُفرض على أموال لجان
العمل السياسي.

كما يمكنك أن تتخيل، فإن أعضاء الكونجرس اعتادوا استغلال أموال لجان العمل السياسي ليصرفوا على سلسلة من الأنشطة غير المتعلقة بالانتخابات؛ بداية
من أتعاب جليسات الأطفال وحتى فواتير حساب المطاعم ورحلات التزلج في كولورادو وهكذا. بالإضافة إلى ذلك، فإن أقل من نصف الملايين التي تجمعها لجان
العمــــل الســياسي تُصــرف علــى الســاسة الــذين يخوضــون الانتخــابات؛ أمــا البــاقي فــيتم تخصــيصه لقنــوات مختلفــة مثــل، جمــع التبرعــات والنفقــات العامــة وطــاقم
العاملين وغيرها من النفقات. وكما وصف "ستيف هان" مقدم برنامج Marketplace على موجات إذاعة الراديو الوطني العام، "لجان العمل السياسي تستمتع
بجمع التبرعات" 1 .

ومن أجل التعامل مع سوء استغلال أموال لجان العمل السياسي، أول قانون مرره الكونجرس بعد انتخاباته لعام 2006 كان بغرض تقييد حرية التصرف في
نفقات أعضاء الكونجرس، وإجبارهم على الإفصاح العلني لطريقة إنفاقهم أموال لجان العمل السياسي. ومع ذلك، وعلى حد ما توقعناه من وجهة نظري، بدا أن
هذا التشريع ليس له تأثير. فبعد مرور بضعة أسابيع من تمرير هذا القانون، تصرف أعضاء الكونجرس بطريقة غير مسئولة مثلما كانوا يفعلون؛ فبعضهم أنفق
أمــــوال لجــــان العمــــل الســــياسي فــــي النــــوادي الليلــــة، وبعضــهم أنفــق آلاف الــدولارات ببــذخ علــى الحفــلات، وبعضــهم تصــرف بصــفة عامــة دون أدنــى مظــهر لتحمــل
المسئولية.

كيف يكون ذلك؟ ببساطة شديدة. بمرور الوقت، حين يشهد أعضاء الكونجرس على زملائهم الساسة وهم يستغلون أموال لجان العمل السياسي بطرق مريبة،
فإن الأعراف الاجتماعية الخاصة بهم تتدهور أكثر. وشيئًا فشيئًا، أُثبت أن أموال لجان العمل السياسي قد يتم استغلالها في كل الأنشطة الشخصية و"المهنية"؛
والآن صار سوء استغلال أموال لجان العمل السياسي أمرًا شائعًا مثل شيوع موظفي الحكومة الذين يرتدون الحلل ورباط العنق. وجاء رد "بيت سيشنز" (عضو
كونجرس منتمٍ للحزب الجمهوري من ولاية تكساس) حين سُئل عن إهدار عدة آلاف في نادٍ ليلي بـ لاس فيجاس كما يلي: "يصعب عليَّ التمييز بين ما هو طبيعي أو
معتاد بعد الآن" 2 .

ولعلك تشك - على خلفية الانقسام داخل الكونجرس - في أن هذه التأثيرات الاجتماعية السلبية ستبقى قيد السيطرة داخل الأحزاب. ولعلك تظن أنه إذا خرج أحد
الأشــــخاص المنتمــــين للــــحزب الــــديمقراطي عــــن القــــانون، فــــإن ســــلوكه ســــيؤثر فقــــط علـــى الــديمقراطيين الآخــرين وأن ســوء ســلوك أحــد الأشــخاص المنتمــين للــحزب الجمــهوري ســيؤثر فقــط علــى الجمــهوريين. ولكــن تشــير تجــربتي (المحــدودة) بواشــنطن العاصــمة أنــه بعيــدًا عــن أضــواء الإعــلام فــإن الممارســات الاجتماعيــة لكـل مـن
الديمقراطيين والجمهوريين (رغم اختلاف أيديولوجيتهما) أقرب لبعضهما أكثر مما نظن. وهذا يوفر الظروف التي يتعدى في ظلها السلوك اللاأخلاقي لأي عضو
بالكونجرس حدود حزبه ويؤثر على باقي الأعضاء بغض النظر عن انتماءاتهم.

?

كيف نستعيد صحتنا الأخلاقية؟

توحي فكرة انتقال الكذب من شخص لآخر من خلال العدوى الاجتماعية بأنه يجب علينا انتهاج منهج مختلف من أجل كبت الكذب وعدم الأمانة. وبوجه عام،
فإننا نميل إلى اعتبار المخالفات الصغيرة مجرد أمر تافه وغير مهم. وربما تكون الهفوات غير مهمة في حد ذاتها، ولكن عندما تتراكم داخل الشخص، وعبر الكثير
مــن الأشــخاص، وبــداخل المجموعــات، فإنــها تبعــث برسـالة بأنـه لا بـأس مـن سـوء السـلوك علـى نطـاق أوسـع. ومـن هـذا المنطلـق، مـن المـهم إدراك أن تـأثير المخـالفات
الفرديــــة قــــد يتعــــدى حـــدود التصــرف الفــردي المخــادع. ونظــرًا لأنــه ينتقــل مــن شــخص لآخــر، فــإن للكــذب تــأثيرًا تــآكليًّا متــدرجًا بطــيئًا علــى المســتوى الاجتمــاعي. مثــل
"الفيروسات" التي تتحور وتنتقل من شخص لآخر، تتطور قواعد سلوك جديدة أقل على المستوى الأخلاقي. وعلى الرغم من أن هذا التأثير متدرج وغير واضح،
فربما تكون النتائج الأخيرة كارثية. وهذه هي التكلفة الحقيقية للأمثلة البسيطة للغش والسبب وراء حاجتنا لتوخي المزيد من الحرص إزاء جهودنا لكبح المخالفات
البسيطة.

إذن، ما الذي يمكننا فعله حيال ذلك؟ لعل إحدى الإجابات كانت قد وردت في نظرية النوافذ المحطمة، التي كانت أساس مقال نُشر في جريدة أتلانتيك عام 1982
لكل من "جورج كيلنج" و"جيمس ويلسن". اقترح "كيلنج" و"ويلسون" عنصرًا مهمًّا للحفاظ على النظام في الأحياء الخطيرة، ولم يتضمن ذلك تكليف المزيد من
رجال الشرطة بالقيام بهذه المهمة. ادعى كل من "كيلنج" و"ويلسن" أنه إذا رأى الناس مبنى في منطقة معدمة بالمدينة به نوافذ محطمة مر عليها وقت طويل دون
إصلاحها؛ فإنهم سيشعرون بالإغراء لكسر المزيد من النوافذ وإلحاق المزيد من الأضرار بالمبنى والأماكن المحيطة به، محدثين تأثيرًا متلفًا. واستنادًا إلى نظرية النوافذ
المحطمة، اقترحا إستراتيجية بسيطة لمنع التخريب؛ ألا وهي حل المشكلات وهي في مهدها. فإذا أصلحت كل نافذة محطمة (أو سلوك سيئ) على الفور، فستقل
احتمالية إساءة التصرف من جانب المعتدين المحتملين.

وعلى الرغم من صعوبة إثبات نظرية النوافذ المحطمة أو دحضها، فإن منطق النظرية مثير للاهتمام؛ فهي تشير إلى أننا لا ينبغي أن نبرر أو نتغاضى أو نتسامح في
الجــــرائم الصــــغرى لأن القيـــام بــهذا ســيزيد الأمــور ســوءًا. وهــذا الأمــر بــالغ الأهميــة لمــن تُســلط عليــهم الأضــواء مثــل الســاسة والعــاملين المــدنيين والمشــاهير والمــديرين
التنفيــــذيين. ربمــــا لا يكــــون مــــن العــــدل أن نلزمــــهم بمعــــايير عاليــــة، خاصــــة إذا مــــا انتبــــهنا إلــــى فكــرة أن الســلوكيات التــي يلاحظــها العامــة لــها تــأثير أوســع علــى مــن
يلاحظونها؛ وهذا يعني أن سوء سلوكهم له تداعيات سلبية أعظم على المجتمع بوجه عام. وعلى النقيض من وجهة النظر هذه، يبدو أن المشاهير يتلقون عقابًا أخف على جرائمهم مقارنة بباقي المجتمع، وهو ما قد يوحي للعامة بأن هذه الجرائم والسلوكيات السيئة ليست سيئة على الإطلاق.

ثمة أخبار سارة تفيد بأنه بإمكاننا أن نستفيد من الجانب الإيجابي للعدوى الأخلاقية من خلال الترويج للأفراد الذين يتصدون للفساد. وأشخاص مثل "شيرون
واتكينز" نائب مدير قسم تنمية المؤسسة بشركة إنرون، و"كولين رولي" محققة سابقة بمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، و"سينثيا كوبر" نائب مدير قسم
التدقيق الداخلي بشركة وورلدكوم قدموا نماذج رائعة لأفراد تصدوا للسلوكيات السيئة داخل مؤسساتهم، وقد اختارتهم مجلة تايم ضمن الشخصيات العامة
المؤثرة لعام 2002.

والتصرفات الأمينة مهمة جدًّا لإحساسنا بالأخلاقيات على المستوى الاجتماعي. وعلى الرغم من أنه ليس من المحتمل أن تلقى هذه الأخبار نفس رد فعل الإثارات
الصــحفية، فــإننا إذا فــهمنا العــدوى الاجتماعيــة للكــذب، فــإننا ســندرك حتــمًا أهميــة الإعـلان عـن التصـرفات الأخلاقيـة البـارزة. ومـع توافـر المزيـد مـن النمـاذج البـارزة
والمشرقة للسلوكيات المحمودة، سنكون قادرين على تحسين وجهة نظر المجتمع تجاه السلوكيات المقبولة وغير المقبولة وسنحسن من تصرفاتنا في النهاية.

22 قد يكون من الذكاء أن أطلب من الطلبة حَلِف القسم في بداية كل محاضرة، وربما هذا ما سأفعله في المرة التالية.

23 أشك أن الشركات التي تتبنى أيديولوجية زيادة القيمة المضافة لحاملي الأسهم وتعليها فوق كل شيء يمكنها استغلال هذا الشعار لتبرير نطاق عريض من سوء
السلوك، بداية من الغش المالي وحتى القانوني. وحقيقة أن تعويضات المديرين مرتبطة بأسعار الأسهم لن تفعل شيئًا على الأرجح سوى زيادة التزامهم بالقيمة
المضافة لحاملي الأسهم.
الفصل 9

الغش التعاوني

لماذا ليس بالضرورة أن يكون عقلان أفضل من عقل واحد؟

إن كنت عملت من قبل في أية مؤسسة، فأنت تعرف أن العمل الجماعي يستغرق الكثير من وقتك. وقدر كبير من الأنشطة الاقتصادية وعمليات اتخاذ القرار يتم
من خلال التعاون. في الواقع، أغلبية الشركات الأمريكية تعتمد على العمل الجماعي، وأكثر من نصف موظفي الولايات المتحدة يقضون جزءًا من يومهم في العمل
داخل إطار الجماعة 1 . حاول أن تحصي عدد الاجتماعات، وفرق المشروعات، والأنشطة التعاونية على مدار الأشهر الستة الأخيرة، وستدرك سريعًا عدد الساعات
التــي تســتغرقها هــذه الأنشــطة الجماعيــة. ويلعـب العمـل الجمـاعي دورًا مـهمًّا فـي التعلـيم. علـى سـبيل المثـال، أغلبيـة الفـروض التـي يقـوم بـها طـلاب ماجسـتير إدارة
الأعمال تتكون من مهام تعتمد على العمل الجماعي والكثير من المواد في مرحلة ما قبل التخرج تتطلب مشروعات تخرج تعتمد على العمل الجماعي.

وبوجه عام، يؤمن الناس بأن العمل الجماعي له تأثير على النتائج وأنه يزيد من الجودة الإجمالية للقرارات 2 . (في الواقع، أظهرت الكثير من الأبحاث أن نسبة
التعاون قد تقلل من جودة القرارات. ولكن هذا الموضوع ليس محل نقاش الآن). وعمومًا هناك اعتقاد بأن التعاون لا يسفر أبدًا عن خسارة شيء؛ بل على العكس
يحقــق مكاســب - مــن بينــها تشــجيع الصــداقة الحميمــة وزيــادة الاســتمتاع بــالعمل والاســتفادة مــن مشــاركة الأفكــار الجــديدة وتطويرهــا - وكــل هـذا يضـيف لتحفـيز
الموظفين وزيادة كفاءتهم.

قبل بضع سنوات مضت، في إحدى محاضرات الدراسات العليا، ألقيت محاضرة بخصوص بعض أبحاثي المتعلقة بتعارض المصالح (انظر الفصل الثالث، "محفزاتنا
تعمينا"). وبعد المحاضرة، أخبرتني طالبة (سأطلق عليها "جنيفر") بأن المناقشة أثارت لديها رد فعل معينًا. لقد ذكرتها المناقشة بحادثة حدثت قبل بضعة أعوام،
عندما كانت تعمل محاسبة قانونية معتمدة في شركة محاسبة كبرى.

أخبرتني "جنيفر" بأن مهمتها كانت إعداد التقارير السنوية وبيان التوكيلات وغيرها من الوثائق التي تخطر حاملي الأسهم بالوضع المالي للشركات التي يستثمرون
فيــها. وذات يــوم طلـب المـدير منـها ومـن فريقـها أن يعـدوا تقـريرًا عـن الاجتمـاع السـنوي لحـاملي الأسـهم مـع واحـد مـن أكبـر عملائـهم. واشـتملت المـهمة علـى مراجعـة
جميع الإقرارات المالية للعميل وتحديد الوضع المالي للشركة. لقد كانت بمثابة مسئولية كبيرة، وعملت "جنيفر" وفريقها بكد معًا لإعداد تقرير مفصل وشامل
يتسم بالأمانة والواقعية. وبذلت أقصى ما بوسعها لإعداد التقرير بدقة بالغة بقدر الإمكان، دون المبالغة في أرباح الشركة أو تأجيل تسجيل أية خسائر متعلقة
بالسنة المحاسبية القادمة. وتركت مسودة التقارير على مكتب مديرها، مترقبة (بقلق نوعًا ما) تقييمه.

فــي وقــت لاحــق مــن ذلــك الــيوم، اســتعادت "جنــيفر" التقــرير ومعــه ملحوظــة مــن رئيسـها؛ كـان مكتـوبًا فيـها: "لا تعجبنـي هـذه الأرقـام. مـن فضـلك اجمعـي فريقـك
وســلموا لــي نسـخة منقحـة يـوم الأربعـاء القـادم". هنـاك أسـباب عـديدة وراء عـدم "إعجـاب" المـدير بـالأرقام, ولـم يكـن قصـده واضـحًا تمـامًا بالنسـبة لـها. وعـلاوة علـى
ذلــك، فــإن عــدم "الإعجــاب" بــالرقم يختلــف تمــامًا عــن خطــأ الأرقـام؛ وهـو أمـر لـم تتـم الإشـارة إليـه مطلـقًا. وخطـر علـى ذهـن "جنـيفر" عـدة أسـئلة: "مـا الـذي يريـده
بالضبط؟ كيف أضبط الأرقام بطريقة مختلفة؟ نصف بالمائة؟ واحد بالمائة؟ خمسة بالمائة؟" لم تفهم أيضًا من سيتحمل مسئولية أية "تعديلات" ستجريها. وإذا ما
بالغت التقارير في تفاؤلها، ولابد أن يتحمل شخص ما اللوم على هذا الأمر في المستقبل؛ فهل سيتحمل مديرها أم هي اللوم؟

مهنة المحاسبة في حد ذاتها مهنة بها بعض الالتباس. بالتأكيد، هناك بعض القواعد الواضحة؛ ولكن هناك أيضًا مجموعة مقترحات ذات عنوان مبهم - تُعْرَف
باسم المبادئ المحاسبية المتعارف عليها- يُفترض أن يتبعها المحاسبون. وهذه المبادئ تتيح للمحاسبين الحرية؛ فهي مبادئ عامة جدًّا لدرجة أن هناك تنوعًا كبيرًا
بخصوص الطريقة التي يمكن للمحاسبين أن يفسروا بها البيانات المالية. (وعادةً ما تكون هناك حوافز مالية "للتحايل" على هذه المبادئ لحد معين). على سبيل
المثال، أحد هذه المبادئ هو "مبدأ الأمانة"، الذي ينص على أن تقرير المحاسب يجب أن يعكس الحالة المادية للشركة "بأمانة". وهذا أمر حسن، ولكن كلمة "بأمانة"
تتسم بأنها مبهمة جدًّا وموضوعية جدًّا. بالطبع، لا يخضع كل شيء (في الحياة أو في المحاسبة) للقياس الدقيق، ولكن كلمة "بأمانة" تطرح بضعة أسئلة: هل هذا
يعني أن المحاسبين بإمكانهم التصرف بعدم أمانة؟ 24 وإلى من توجه هذه الأمانة؟ لمن يديرون الشركة؟ أم هؤلاء الذين يرغبون في أن تبدو السجلات مؤثرة ومربحة
(وهو ما سيزيد علاواتهم وبدلاتهم)؟ أم ينبغي أن توجه إلى من يستثمرون في الشركة؟ أم لهؤلاء الذين يرغبون في فكرة واضحة للحالة المالية للشركة؟

إلى جانب مهمتها الأساسية المعقدة والمبهمة، وجدت "جنيفر" نفسها تحت وطأة ضغط إضافي وضعها المدير فيه؛ فلقد أعدت التقرير المبدئي بأمانة بقدر ما بدا
لها، ولكنها أدركت أنه طُلب منها أن تتحايل على مبادئ المحاسبة بعض الشيء. أراد مديرها أرقامًا تصب في صالح الشركة العميلة. وبعد التفكير العميق لبعض
الوقت، توصلت إلى أنه ينبغي عليها هي وفريقها أن يذعنوا لطلب المدير؛ فهو المدير على أية حال، وهو بالتأكيد يعرف المحاسبة أكثر منها، ويعرف طريقة العمل
مع العملاء ويعرف توقعات العملاء. في النهاية، على الرغم من أن "جنيفر" بدأت إعداد التقرير وفي نيتها الدقة بقدر الإمكان، فقد انتهت بها الحال إلى العودة إلى
لوحة الرسم ومراجعة البيانات والعمل من جديد على الأرقام والعودة بتقرير "أفضل". وفي هذا المرة، شعر مديرها بالرضا.

بعد أن أخبرتني "جنيفر" بقصتها، واصلت التفكير في بيئة عملها ومدى تأثير عملها - في فريق مع مديرها وزملائها في الفريق - على قرارها في التحايل على مبادئ
المحاسبة قليلًا. كانت "جنيفر" في موقف يواجهه الناس كثيرًا في مكان العمل، ولكن ما استوقفني في هذه الحالة أن واقعة الغش حدثت في إطار العمل الجماعي؛
وهو أمر مختلف عن أي شيء درسناه من قبل.

في كل تجاربنا السابقة عن الغش، كان شخص واحد فقط يتخذ قرار الغش (حتى لو كان هذا الشخص مدفوعًا لهذا القرار متأثرًا بسلوك غير أمين لشخص آخر).
ولكن في حالة "جنيفر"، كان هناك أكثر من شخص واحد متورط في هذا الأمر بشكل مباشر؛ كما هي الحال عادةً في الأوساط المهنية. كان من الواضح بالنسبة لـ
"جنــــيفر" أن أعضــــاء فريقــــها ســــيتأثرون بتصــــرفاتها بالإضــــافة إلـــى مــديرها وهــي نفســها. وفــي نــهاية العــام، ســيتم تقــييم الفــريق ككــل بــاعتبارهم مجموعــة واحــدة؛
وسيشتمل هذا على العلاوات وزيادة المرتبات وفرص النجاح المستقبلية.

بدأت أتساءل عن آثار التعاون في الأمانة الفردية. عندما نكون جزءًا من جماعة، فهل نميل أكثر للغش؟ أم أقل؟ بعبارة أخرى، هل العمل الجماعي يسهم أم
يهدر فرصة التحلي بالأمانة؟ هذا السؤال متعلق بموضوع ناقشناه في الفصل السابق ("الغش باعتباره عدوى") ألا وهو: هل يمكن للناس "التقاط" عدوى الغش
من بعضهم البعض؟ ولكن العدوى الاجتماعية تختلف عن الاعتمادية الاجتماعية, فملاحظة السلوكيات غير الأمينة على الآخرين - ومن ثم لفت انتباهنا للأعراف
الاجتماعية المقبولة شيء, واعتماد الحالة المالية للآخرين علينا هو شيء مختلف تمامًا.

لنفترض أنك تعمل في مشروع مع زملائك بالعمل, وليس بالضرورة أن تلاحظهم يفعلون شيئًا مشبوهًا، ولكنك تعرف أنهم سيستفيدون (وأنت كذلك) إذا ما
تحايلت على القواعد قليلًا, فهل سيكون من المرجح أكثر أن تفعل هذا إن كنت تعرف أنهم سيستفيدون من هذا؟ وقصة "جنيفر" توحي بأن التعاون قد يدفعنا إلى
المزيد من التحرر تجاه الإرشادات الأخلاقية، ولكن هل هذه هي الحالة العامة؟

قبل أن نأخذ جولة داخل بعض التجارب التي تدرس تأثير التعاون في الغش، هيا نتوقف قليلًا ونفكر في الآثار الإيجابية والسلبية للعمل الجماعي والتعاون على
ميلنا للتصرف غير النزيه.

الغش الإيثاري: التكاليف المحتملة للتعاون

تتسم بيئات العمل بأنها معقدة من الناحية الاجتماعية وبها قوى متنوعة. ولعل بعض هذه القوى تسهل على العمل الجماعي تحويل فرص التعاون إلى فرص
للغش تصل نسبة غش الفرد فيها لمستوى أعلى لأنه يدرك أن تصرفاته قد تفيد أشخاصًا يحبهم ويهتم بأمرهم.

فكر في قصة "جنيفر" مرة أخرى. لنفترض أنها شخصية وفية وراقها أن تفكر في نفسها بهذه الطريقة. ولنفترض أنها كانت تحب مديرها وأعضاء فريقها وأرادت
بإخلاص أن تساعدهم. وبناءً على هذه الاعتبارات، لعلها قررت أن تنفذ طلب مديرها أو حتى تتمادى في إعداد تقريرها - ليس بسبب أية دوافع أنانية إنما بسبب
اهتمامــــها بمصــــلحة مـــديرها وبــالغ تقــديرها لأعضــاء فريقــها. لعــل الأرقــام "الســيئة" تجعــل مــديرها وأعضــاء فريقــها يفقــدون حظوتــهم لــدى العميــل ولــدى شــركة
المحاسبة؛ أي أن اهتمام "جنيفر" بفريقها قد يقودها إلى إساءة التصرف بدرجة متزايدة.

ووراء هذا الدافع ما يطلق عليه علماء النفس المنفعة الاجتماعية. وهذا المصطلح يُستخدم لوصف الجانب غير العقلاني؛ برغم أنه جانب إنساني للغاية وتعاطفي
جدًّا، في شخصيتنا للاهتمام بأمر الآخرين والتصرف لمساعدتهم متى أمكننا ذلك - حتى إن كان ذلك على حساب أنفسنا. نحن جميعًا محفزون للتصرف بما يتوافق
مع مصلحتنا الشخصية إلى حد ما، ولكننا نرغب أيضًا في التصرف على نحو يفيد من حولنا؛ ومن نهتم بأمرهم بوجه خاص. ومثل هذا الشعور الإيثاري يحفزنا
لمساعدة شخص غريب تعطلت به السيارة، وإعادة محفظة وجدناها في الشارع، والتطوع في ملجأ للمتشردين، ومساعدة صديق محتاج، وهكذا.
ويمكن لهذه النزعة للعناية بالآخرين أن تجعلنا نتصرف بقليل من النزاهة في مواقف يستفيد منها الآخرون بالتصرف غير الأخلاقي. ومن هذا المنطلق، قد نفكر في
الغش والكذب حين يصب هذا التصرف في صالح الآخرين على اعتبار أنه تصرف إيثاري؛ كأن نغش لأننا أشخاص صالحون يهتمون بسعادة من حولهم مثل "روبين
هوود".

احذر: الفوائد المحتملة للتعاون

في قصة "أسطورة الملك جيجس" التي حكاها أفلاطون، كان هناك راع يدعى "جيجس" عثر على خاتم؛ إذا ارتداه جعله غير مرئي. ومع توافر هذه القوى الخارقة
التــي عثــر عليـها مؤخـرًا، قـرر الانخـراط فـي نشـاط إجـرامي؛ ولـذا ذهـب إلـى بـلاط الملـك، وأغـوى الملكـة وتـآمر معـها لقتـل الملـك والاسـتيلاء علـى المملكـة. وفـي أثنـاء روايتـه
للقصة، تساءل أفلاطون عما إذا كان هناك أحد على قيد الحياة يمكن أن يقاوم إغراء القوى الخارقة الخاصة بالاختفاء عن أعين الآخرين. هنا يرد سؤال حول ما
إذا كــانت القــوى الوحيــدة التــي تبقينــا بعيــدًا عــن ارتكــاب الآثــام هــي الخــوف مـن أن يرانـا الآخـرون (و بعـد مـرور ألفـيتين مـن الزمـان, تنـاول "جـي. آر. آر. تولكـين" هـذه
الفكرة في روايته ملك الخواتم ). وبالنسبة لي، تقدم أسطورة أفلاطون توضيحًا رائعًا لفكرة أن الأوساط الجماعية قد تعوق نزعتنا للغش. عندما نعمل في فريق،
قد يؤدي بقية أفراد الفريق دور المراقبين بصورة غير رسمية، ومن ثم عندما نعرف أننا مراقبون، تقل نزعتنا للتصرف بعدم أمانة.

تجربة بارعة أجراها "دانيال نيتل" و"ميليسا بيتسون" و"جلبرت روبرتس" (وجميعهم من جامعة نيوكاسل) أوضحت فكرة أن مجرد الشعور بالمراقبة يمكن أن
يمنع السلوك السيئ. أُجريت هذه التجربة في مطبخ قسم علم النفس بجامعة نيوكاسل حيث يُتاح الشاي والقهوة واللبن للأساتذة وطاقم العاملين. وعند مكان
إعداد الشاي كانت هناك لوحة كبيرة مكتوب عليها: ينبغي على الشاربين المعتادين أن يضعوا بعض الأموال في صندوق الأمانة القريب. ولمدة عشرة أسابيع، كانت
اللوحــة مزدانــة بالصــور، ولكــن نوعيــة الصــور كــان يتــم تغييرهــا كــل أســبوع. ولمــدة خمســة أســابيع، كــانت اللوحــة مزدانــة بصــور الزهــور؛ أمــا فــي الأســابيع الخمسـة
الأخرى، فقد كانت اللوحة مزدانة بصور أعين تحملق مباشرة إلى المرتادين. وفي نهاية كل أسبوع، كان الباحثون يعدون الأموال الموجودة في صندوق الأمانة. ماذا
وجدوا؟ كان هناك بعض الأموال في الصندوق بحلول نهاية الأسابيع التي عُلِّقت فيها صور الزهور، ولكن زادت هذه الأموال بمقدار ثلاثة أضعاف في الأسابيع التي
عُلِّقت فيها العين "المراقبة".

كما هي الحال مع العديد من النتائج في مجال اقتصاديات السلوك، فإن هذه التجربة أسفرت عن مزيج من الأخبار السارة والسيئة. فمن الجانب السلبي، توضح
هــذه التجربــة أن أفــرادًا مــن قسـم علـم النفـس - ممـن قـد تظـن أنـهم يعـرفون أكثـر - حـاولوا التسـلل دون دفـع حصـتهم مـن الصـالح العـام. ومـن الجـانب الإيجـابي،
أظــهرت التجربــة أن مجــرد فكــرة مراقبتــهم جعلتــهم يتصــرفون بمزيــد مــن الأمانــة. كمــا أنــها أوضــحت أن فكــرة "الأخ الأكبــر يراقبــك" - التــي طرحــها الــروائي "جــورج
أورويل" كمنهج للتعامل - ليست ضرورية وأن الإيحاءات البارعة كثيرًا الخاصة بالخضوع للمراقبة قد تكون فعالة في زيادة النزاهة والأمانة. ومن يدري؟ لعل لافتة
تحذيرية - عليها أعين مراقبة - معلقة على حائط مدير "جنيفر" تحدث فارقًا في سلوكه.

عند التفكير مليًّا في موقف "جنيفر"، بدأت أنا و"فرانشيسكا جينو" و"شاهار آيال" نتساءل عن آلية عمل الكذب في البيئات التعاونية. هل المراقبة تساعد على
الإقلال من الغش؟ هل الروابط الاجتماعية داخل الفرق والجماعات تزيد من الكذب والإيثارية. وإذا كان لكلتا القوتين تأثير في اتجاهين متعارضين، فأي منهما
ســــتتغلب علـــى الأخــرى؟ ومــن أجــل تســليط الضــوء علــى هــذا الســؤال، عــدنا مــرة أخــرى إلــى تجربــة المصــفوفات المفضــلة لــدينا, وشــملت تجربتنــا المجموعــة الضــابطة
الأساسية (حيث لا توجد فرصة ممكنة للغش)، والمجموعة التي مزقت ورقة الإجابة (حيث توجد فرصة ممكنة للغش)، وأضفنا مجموعة جديدة قدمت عامل
التعاون لمجموعة تمزيق ورق الإجابة.

باعتبارها الخطوة الأولى لاستكشاف آثار العمل الجماعي، لم نرغب في إتاحة الفرصة للمشاركين المتعاونين أن يناقشوا أسلوبهم أو يكوِّنوا صداقات فيما بينهم؛
ومن ثم ابتكرنا المجموعة المتعاونة التي لا تشتمل على أية روابط أو ألفة بين أي عضوين في الفريق. وأطلقنا عليها مجموعة أعضاء الفريق المتباعد (الذين لا تربطهم
علاقة اجتماعية). لنفترض أنك أحد المشاركين في مجموعة أعضاء الفريق المتباعد. كما هي الحال مع مجموعة تمزيق ورقة الإجابة، تجلس على المكتب وتستخدم
قلمًا رصاصًا للإجابة عن تمرين المصفوفات في 5 دقائق. وعندما ينتهي الوقت المحدد، تذهب إلى آلة تمزيق الورق وتمزق ورقة الامتحان.

حتى تلك اللحظة، تتشابه هذه الإجراءات مع إجراءات مجموعة تمزيق ورقة الإجابة؛ ولكننا أضفنا عنصر التعاون. يخبرك الممتحن بأنك جزء من فريق يتكون من
عضوين, وكل عضو منكما سيدفع له نصف المبلغ المخصص للفريق. ويشير الممتحن إلى أن لون ورقة الإجابة بالتظليل إما أزرق أو أخضر ومطبوع عليها رقم في
الزاوية العلوية من الورقة جهة اليمين. ويطلب منك الممتحن أن تتجول في القاعة وتبحث عن الشخص الذي تختلف لون ورقة إجابته عن ورقتك ولكن مطبوع
عليــها الــرقم نفســه فــي الزاويــة العلويــة مــن الورقــة جــهة الــيمين. وعنــدما تجــد شــريكك، تجلســان مــعًا، وكـل منكمـا يكتـب عـدد المصـفوفات التـي أجـاب عنـها إجابـة
صحيحة في ورقة إجابته. والخطوة التالية هي أن تكتب درجة شريكك في ورقتك. وفي النهاية، تحسب الدرجتين من الدرجة الإجمالية لقياس الأداء. وبمجرد أن
تنتهي من هذا، تتوجه إلى الممتحن وتسلم له ورقتي الإجابة. ونظرًا لأنك قمت بتمزيق ورقة الامتحان، فليس أمام الممتحن طريقة ليتأكد من صحة الرقم الذي
سجلته. ومن ثم، يصدق أن ما قلته صحيح، ويدفع لك وفقًا لما سجلته، وتقسم المبلغ مع شريكك.

فــي رأيــك، هــل ســتزيد نســبة الغــش فــي هــذا المــوقف أكثــر مــن مجموعــة تمزيـق الـورق الفرديـة؟ إليـك النتـائج التـي توصـلنا إليـها: عنـدما عـرف المشـاركون أن هنـاك مـن
ســيستفيد معــهم مــن تصــرفهم غــير النزيــه إذا مــا بــالغوا فــي درجاتــهم، انتــهت بــهم الحــال إلــى التــورط فــي مســتوى أعلــى مـن الغـش؛ مـدعين أنـهم أجـابوا عـن ثـلاث
مصــفوفات أكثــر ممــا لــو كــانوا يغشــون لمصــلحتهم وحــدهم. وتوحــي هــذه النتيجــة بـأننا - معشـر البشـر - نعـاني ضـعف تجـاه الغـش الإيثـاري؛ حتـى إن كنـا لا نعـرف
الشخص الذي ربما يستفيد من سوء سلوكنا. وللأسف يبدو أن حتى الإيثارية لها جانب مظلم.

وهذا هو الخبر السيئ، وهذا ليس كل شيء.

بعد توضيح الجانب السلبي للتعاون - بمعنى أن مستوى عدم الأمانة يزداد عندما يستفيد الآخرون، حتى إن كانوا غرباء، من محاولتنا للغش - أردنا أن نوجه
أنظارنا للجانب الإيجابي المحتمل للتعاون ونرى ماذا سيحدث إذا ما راقب أعضاء الفريق بعضهم البعض. تخيل نفسك في القاعة مع بعض المشاركين الآخرين،
ووجدت نفسك مع شريك لم تقابله في حياتك من قبل قد تم اختياره عشوائيًّا. وقد يحالفك الحظ السعيد، حين تنتهي بك الحال بشراكة مع شابة لطيفة. وقبل
أن تتــاح لــك فرصــة الحــديث معــها، عليــك أن تنــهي تمــرين المصــفوفة فــي صــمت تـام. أنـت الشـريك رقـم 1، ومـن ثـم تبـدأ أنـت أولًا. وتنطلـق عبـر المصـفوفة الأولـى، ثـم
الثانيــة، ثــم الثالثــة. وطــوال الــوقت، تــراقب شــريكتك محــاولاتك؛ الناجحــة والفاشــلة. وعنــدما تنتــهي الــدقائق الخمــس، تضــع قلمــك الرصــاص فــي صــمت وتمسـك
شــريكتك بقلمــها. وتبــدأ فــي حــل تمــرين المصــفوفات بينمــا تراقبــها أنــت فــي أثنـاء الإجابـة. وعنـدما ينتـهي الـوقت المخصـص للإجابـة، تتجـهان إلـى آلـة تمزيـق الـورق مـعًا
وتمزقان أوراقكما, ثم يكتب كل منكما درجته على الورقة نفسها، وتجمعان درجاتكما من إجمالي درجة قياس الأداء، وتتوجهان إلى مكتب الممتحن لتأخذا المقابل
المادي؛ وذلك دون أن تتفوها بأية كلمة لبعضكما البعض.

ما مستوى الغش الذي اكتشفناه؟ لا توجد حالة غش واحدة. على الرغم من نزعة الغش العامة التي لاحظناها مرارًا وتكرارًا، وبرغم زيادة نزعة الغش عندما يجد
المتورطون أشخاصًا آخرين سيستفيدون من تصرفهم هذا، فإن المراقبة الدقيقة قضت على الغش تمامًا.

حتى تلك النقطة، أظهرت تجاربنا للغش الجماعي وجود قوتين مؤثرتين على عملية الغش: النزعة الإيثارية تجعل الناس يغشون أكثر عندما ترجح استفادة
أعضاء فريقهم من عدم أمانتهم، ولكن المراقبة المباشرة قد تقلل من تصرفهم بعدم أمانة وقد تقضي عليها تمامًا. واستنادًا إلى وجود هاتين القوتين، يأتي السؤال
التالي: أي قوة من المحتمل أن تتغلب على الأخرى في التعاملات الجماعية النموذجية أكثر؟

للإجابة عن هذا السؤال، تعين علينا أن نبتكر أجواء تجريبية تمثل التعامل الجماعي أكثر في البيئة اليومية الطبيعية. ولعلك لاحظت في التجربتين الأوليين، لم
يتعامل مشاركونا مع بعضهم البعض، بينما في الحياة اليومية تُعد المناقشات الجماعية والدردشة الودية جزءًا أساسيًّا وضروريًّا من التعاون الجماعي. وعلى أمل
إضافة هذا العنصر الاجتماعي المهم لإعداداتنا للتجربة، ابتكرنا تجربتنا التالية. في هذه المرة، تم تشجيع المشاركين على التحدث مع بعضهم البعض، والتعرف على
بعضهم، والتعامل الودي فيما بينهم. وأعطينا لهم قوائم بالأسئلة التي يمكنهم أن يطرحوها على بعض من أجل إحداث التقارب فيما بينهم, ثم يتبادلون الأدوار
فيما بينهم لمراقبة بعضهم بينما يقوم الآخر بحل تمرين المصفوفات.

وللأسف وجدنا أن الغش أطل بوجهه القبيح مرة أخرى عندما أضفنا العنصر الاجتماعي إلى التجربة. فعند خلط كلا العنصرين، سجل المشاركون أنهم أجابوا عن
أربع مصفوفات إضافية. فبرغم أن الإيثارية قد تزيد من نسبة الغش، بينما قد تقلل المراقبة المباشرة منها، فإن الغش الإيثاري يفوق تأثير المراقبة عندما يتواجد
الناس معًا في وسط تتاح لهم الفرصة للاندماج مع المجتمع والخضوع للمراقبة.
?

إليك فيما يلي ما اكتشفناه عن الغش التعاوني حتى هذه اللحظة:

شكل 5

دروس في الغش التعاوني
?

 

ولكن مهلًا، هناك ما هو أكثر! في تجاربنا الأولية، استفاد كل من الغشاش وشريكه من كل درجة إضافية مبالغ فيها. فلو كنت مشاركًا في تجربة الغش وبالغت في
عدد المصفوفات التي أجبت عنها إجابة صحيحة، لحصلت أنت على نصف المقابل المادي الإضافي, ولحصل شريكك على النصف الآخر. وهذا بالتأكيد له مردود مالي
أقل مما لو حصلت على المبلغ كله لنفسك، ومع ذلك تظل مستفيدًا من المبالغة في الأرقام بعض الشيء.

ومن أجل دراسة نموذج للغش الإيثاري الصرف، أضفنا مجموعة فيها سيكون المستفيد الوحيد من غش المشارك في التجربة هو شريكه. ماذا وجدنا؟ كما اتضح لنا
الأمر، الإيثارية بالتأكيد محفز قوي للغش. عندما يتم الغش لأسباب إيثارية بحتة ولا يحصل الشخص الغشاش على أية مكاسب من جراء غشه، يزداد الادعاء
بحل عدد أكبر من المصفوفات بدرجة أكبر.

لماذا جاءت النتيجة على هذا النحو؟ أظن أنه عندما يستفيد الطرفان من التصرف غير الأمين؛ فإننا نتصرف بدافع يمزج بين الأنانية والإيثارية. وعلى النقيض، عندما
يكــون المســتفيد الوحيــد هــو الطــرف الآخــر فقــط - الطــرف الآخـر وحـده - مـن غشـنا، نجـد أنـه مـن الأسـهل كثـيرًا تبـرير سـلوكياتنا السـيئة بطـرق إيثاريـة صـرفة ومـن ثـم
نتساهل أكثر حيال ضوابطنا الأخلاقية. في النهاية، إذا قمنا بشيء ليستفيد به الآخرون وحدهم، ألن نكون أشبه قليلًا بـ "روبين هوود"؟ 25

في النهاية، يجدر بنا قول شيء أكثر وضوحًا بخصوص الأداء في الكثير من المجموعات الضابطة التي استعنا بها في هذه المجموعة من التجارب. بالنسبة لكل
مجموعــة مــن مجموعــات الغــش (مجموعــة تمزيــق الــورق الفرديــة، مجموعــة تمزيــق الــورق الثنائيــة، مجموعــة تمزيــق الــورق التــي لا تــربط بــين أفرادهــا أيــة علاقــة
(الأعضاء المتباعدون)، لمجموعة تمزيق الورق ذات العائد الإيثاري)، أضفنا مجموعة ضابطة لا تتاح فيها فرصة الغش (أي لا يتوافر فيها عنصر تمزيق الورق). وأتاح
لنا النظر إلى هذه المجموعات الضابطة المختلفة رؤية ما إذا كانت طبيعة التعاون قد أثرت على مستوى الأداء. وما وجدناه هو أن مستوى الأداء كان واحدًا خلال
هذه المجموعات الضابطة جميعها. إذن، ماذا كان استنتاجنا؟ يبدو أن الأداء لا يتحسن بالضرورة عندما يعمل الأفراد في مجموعات - على الأقل ليس بالقدر نفسه
الذي دُفعنا إلى اعتقاده.

بالطبع، إننا لا نستطيع العيش بدون مساعدة الآخرين؛ فالعمل الجماعي عنصر مهم لحيواتنا. ولكن من الواضح أن التعاون سلاح ذو حدين. فمن ناحية، يزيد
التعاون من الاستمتاع والوفاء والتحفيز. ومن ناحية أخرى، يحمل التعاون معه احتمالًا متزايدًا بالغش. في النهاية - وللأسف الشديد - لعل الأشخاص الذين
يعتنون بزملائهم في العمل أيما اعتناء تنتهي بهم الحال إلى الغش بأقصى حد. ولكن علينا أن ندرك التكاليف المحتملة للتعاون والألفة المتزايدة.

سخرية العمل التعاوني

إذا كان التعاون يزيد من الكذب وعدم الأمانة، فما الذي يمكننا أن نفعله حيال ذلك؟ وإحدى الإجابات الواضحة هي زيادة المراقبة. في الواقع، يبدو أن هذا الرد
الافتراضي لمشرعي الحكومة يكون عندما يتعلق الأمر بسوء سلوك المؤسسات. على سبيل المثال، تسبب وقوع كارثة إفلاس شركة إنرون في قانون يعرف باسم قانون
"ســاربينز أوكســلي"، والكارثــة الماليــة التــي حــدثت فــي عــام 2008 قــادت إلـى مجموعـة أكبـر مـن القوانـين المنظمـة (التـي نشـأت عـن قـانون إصـلاح وول سـتريت وحمايـة
المستهلك المعروف بقانون "دود - فرانك")، المصممة لتنظيم عملية الرقابة على المجال المالي وزيادتها.

وليس هناك شك في إمكانية أن تكون المراقبة مفيدة إلى حد ما، ولكن من الواضح أيضًا من نتائجنا أن زيادة المراقبة وحدها ليس من المرجح أن تتغلب على قدرتنا
على تبرير سوء سلوكنا (ناهيك عن التكاليف المالية العالية للالتزام بمثل هذه القواعد).

ففي بعض الحالات، بدلًا من إضافة عدد من القوانين والقواعد، لعله بإمكاننا أن نوجه أنظارنا إلى تغيير طبيعة التعاون الجماعي. وأحد الحلول المثيرة للاهتمام
نفــذه مؤخــرًا طــالب ســابق لـديَّ يـدعى "جـينو" فـي أحـد البنـوك العالميـة الكبـرى. ومـن أجـل السـماح لفريقـه مـن موظفـي القـروض بـالعمل مـعًا دون خطـر حـدوث أي
خداع وعدم أمانة (على سبيل المثال، من خلال تسجيل قيمة القروض بنسبة أعلى مما هي عليه فعلًا بهدف إظهار فوائد أكبر قصيرة المدى)، ومن ثم وَضْع نظام
متميز للمراقبة. وأخبر موظفي القروض بأن مجموعة خارجية ستراجع التقدم الذي يحرزونه والتصديق على شروط منح القروض. والمجموعة الخارجية لا تربطها
صــــلة اجتماعيــــة بفــــريق منــح القــروض ولــيس لــديهم حــافز أو دافــع للــولاء لمســاعدة موظفــي منــح القــروض. وللتأكــد مــن أن المجموعتــين منفصــلتان, وضــع "جــينو"
الفريقين في مبنيين مختلفين. وتأكد أنه ليست هناك أية معاملات مباشرة مع بعضهم البعض أو أنهم يعرفون أفراد المجموعة الأخرى.

لقد حاولت الحصول على البيانات من "جينو" من أجل تقييم مدى نجاح منهجه، ولكن المحامين في هذا البنك الكبير منعونا؛ ولذا، لم أعرف ما إذا كان منهج
التعامل هذا نجح أم ما شعور موظفيه تجاه هذه الترتيبات؟ ولكن لا أظن أن هذه الطريقة أسفرت عن بعض النتائج الإيجابية على الأقل. فهي على الأرجح، قللت
من مستوى الاستمتاع بالعمل الذي كان يحظى به فريق منح القروض في أثناء اجتماعاتهم. كما أنه من المرجح أن هذه الطريقة زادت من مستوى الضغوط التي أحاطت بعمليات أخذ القرار داخل المجموعة، وبالطبع لم يكن تنفيذ هذه الطريقة رخيص التكلفة. ومع ذلك، أخبرني "جينو" بأن إضافة عنصر المراقبة المجهولة
والحيادية يبدو أن لها أثرًا إيجابيًّا على الأخلاقيات والمعنويات والمحصلة النهائية.

من الواضح أنه ليس هناك حل سريع وبسيط للمسألة المعقدة الخاصة بالغش في وسط الجماعة. أظن أن لنتائجنا تأثيرات خطيرة على المؤسسات، وبالأخص عند
التفكير في سيطرة العمل الجماعي على حياتنا المهنية اليومية. وليس هناك شك في أن فهمًا أفضل لحدود الكذب وتعقيداته في الأوساط الاجتماعية هو أمر مثير
للاكتئاب. ومع ذلك، فمن خلال فهم العواقب المحتملة للتعاون، يمكننا إحراز تقدم على طريق تصحيح السلوك غير الأمين.

24 هناك مبدأ غامض ألا وهو "مبدأ الحرص" الغريب؛ ووفقًا لهذا المبدأ ينبغي على المحاسبين ألا يجملوا حقيقة الأمور أكثر مما هي في الواقع.

25 بناءً على هذه النتائج، يمكننا أن نخمن أن الأشخاص الذين يعملون في مؤسسات أيديولوجية مثل الجماعات السياسية والمنظمات غير الهادفة للربح لعلهم
يشعرون بمزيد من الارتياح تجاه التحايل على القواعد الأخلاقية لأنهم يفعلون ذلك لأغراض شريفة ولمساعدة الآخرين.
الفصل 10

نهاية شبه متفائلة

الناس لا يغشون بالقدر الكافي!

على مدار هذا الكتاب، لاحظنا أن الصدق والكذب يعتمدان على مزيج من نوعين مختلفين من المحفزات. من ناحية، نريد أن نستفيد من الغش (وهذا هو الحافز
الاقتصادي المنطقي)، ومن ناحية أخرى نريد أن نعتبر أنفسنا أشخاصًا رائعين (وهذا هو الحافز النفسي). ولعلك تظن أننا لا نستطيع تحقيق هذين الهدفين في
الوقت نفسه - أي لا يمكنك أن تحصل على الكعكة وتستمتع بتناولها أيضًا - ولكن نظرية عامل التصحيح التي وضحناها بالتفصيل على مدار هذه الصفحات تشير
إلى أن قدرتنا على التبرير والتفكير بمرونة تتيح لنا القيام بذلك. وطالما أننا نغش بقدر ضئيل، فإن بإمكاننا تحقيق هذين الهدفين معًا. ويمكننا جني بعض الفوائد
من الكذب والغش وفي الوقت نفسه الحفاظ على الصورة الإيجابية لأنفسنا.

وكما لاحظنا، من المدهش أن تؤثر بعض القوى - مثل مبلغ المال الذي سنحصل عليه واحتمال الإمساك بنا في حالة تلبس - على البشر بقدر أقل مما قد نظن. وفي
الــوقت نفســه، هنــاك قــوى أخــرى تؤثـر علينـا أكثـر ممـا قـد نتـوقع: مثـل تـذكرة أخلاقيـة، والبعـد عـن العائـد المـالي، وتعـارض المصـالح، والشـعور بـالإرهاق، والتزويـر،
والتذكرة بإنجازاتنا المصطنعة، الإبداع، مراقبة تصرفات الآخرين غير الأمينة، الاعتناء بأعضاء فريقنا وهكذا.

وعلى الرغم من أن تركيز التجارب المختلفة التي قدمناها هنا على الغش وعدم الأمانة، فمن المهم أيضًا أن نتذكر أن معظم المشاركين في تجاربنا كانوا أشخاصًا
لطفاء من جامعات ممتازة ومن المرجح أن يتقلدوا مناصب ذات سلطة وتأثير في وقت لاحق في الحياة. ولم يكونوا من نماذج الأشخاص المرتبطين عادةً بالغش. في
الواقع، كانوا أشخاصًا عاديين مثلي ومثلك ومثل معظم الأشخاص على هذا الكوكب، وهو ما يعني أننا جميعًا قادرون على الغش بالقدر القليل.

وعلى الرغم من أن هذا يبدو ضربًا من التشاؤم، فإن الجزء الآخر من القصة كاملة هو أن الأشخاص - بوجه عام - يتمتعون بالأخلاقيات أكثر مما تتنبأ به نظريات
المنفعــة المتوقعــة. فمــن المنظــور المنطقـي الصـرف للنمـوذج البسـيط للجريمـة المدروسـة، فنحـن - البشـر - لا نغـش بالقـدر الكـافي. فكـر فـي عـدد المـرات التـي حظـيت فيـها
بفرصة للغش دون أن يتم الإمساك بك في حالة تلبس. ربما تترك إحدى الزميلات حقيبتها على مكتبها وتغيب لمدة طويلة في اجتماع ما. ولعل غريبًا في مقهى
يطلب منك أن تنتبه إلى جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به؛ بينما يذهب هو إلى الحمام. ولعل البقال ينسى أن يحاسبك على أحد مشترياتك أو لعلك تمر على
دراجة غير مقيدة بالسلاسل في الشارع. في أي موقف من هذه المواقف، من المرجح أن تأخذ المال أو الكمبيوتر المحمول أو الدراجة أو تتغافل عن الحساب على أحد
مشترياتك وفقًا للنموذج البسيط للجريمة المدروسة. ومع ذلك، فإننا نفوت الأغلبية العظمى من هذه الفرص كل يوم دون التفكير في استغلال هذه الفرصة حتمًا.
وهذا يعني أننا في طريقنا لبذل مجهود لتحسين النسيج الأخلاقي الخاص بنا.

ماذا عن المجرمين "الحقيقيين"؟

مــــن خــــلال تجــــاربنا جميعــــها، قمنــــا بــــاختبار آلاف الأشــــخاص، ومــــن وقــــت لآخـــر، رأينــا أشــخاصًا غشــاشين يحــاولون كســب أكبــر قــدر ممكــن مــن المــال. ففــي تجربــة
المصــفوفات مثــلًا، لــم نــر أحــدًا قــط يــدعي أنــه أجــاب عــن 18 أو 19 مصــفوفة مــن إجمــالي 20 مصــفوفة. ولكــن مــن وقــت لآخــر، يــدعي أحــد المشــاركين أنــه أجــاب عــن
العشرين مصفوفة جميعها. وهؤلاء الأشخاص - الذين أجروا تحليل التكلفة والفائدة - قرروا أن يهربوا بأكبر قدر ممكن من المال. ولحسن الحظ، لم نقابل عددًا
كبيرًا من هؤلاء؛ نظرًا لأنهم بدوا كأنهم الاستثناء لا القاعدة، فلم نخسر شيئًا سوى بضع مئات من الدولارات. (وهذا ليس مثيرًا تمامًا، ولكنه ليس أمرًا سيئًا
جدًّا). وفي الوقت نفسه، حظينا بآلاف المشاركين الذين غشوا بمقدار بضع مصفوفات "فقط"، ولكن نظرًا لأنهم كانوا كثيرين، فإننا خسرنا بسببهم آلاف الدولارات
-أكثر بكثير من المبلغ الذي خسرناه بسبب الغش الفاضح.

وأشك أن تكون تجاربنا إشارة إلى عدم نزاهة المجتمع - بوجه عام استنادًا إلى خسائرنا المالية التي تراوحت بين الغش الفاضح والغش المستتر. فعدد قليل من الناس
يبــالغون فــي الســرقة أو الغــش. ولكــن الكثــير مــن الأشــخاص الصــالحين يغشــون مــن وقــت لآخــر مــن خــلال زيــادة أجــر ســاعات العمــل المــدفوعة وادعــاء خسـائر أكبـر
للحصول على تعويضات التأمين وتوصية علاجات غير ضرورية وهكذا. وتجد الشركات الكثير من الطرق للغش قليلًا. فكر في شركات بطاقات الائتمان التي تزيد
من أسعار الفائدة بقدر ضئيل بدون أسباب ظاهرية وتخترع كل أنواع الأجور والغرامات المستترة (التي يُشار إليها داخل الشركة بـ "زيادة الإيرادات"). فكر في البنوك
التي تؤخر إصدار الشيكات ليوم أو يومين أو تخصص رسومًا مبالغًا فيها لحماية السحب بدون رصيد ولاستخدام ماكينة الصرف الآلي. وهذا كله يعني أنه بالرغم
من أهمية الالتفات إلى سوء السلوك الفاضح، فالأهم من ذلك هو إحباط كل أشكال عدم الأمانة المستترة والأوسع انتشارًا - سوء السلوك الذي يؤثر علينا جميعًا
أغلب الوقت؛ كل من الجاني والضحية.

كلمة بخصوص الاختلافات الثقافية

أنا أسافر كثيرًا، وهذا يعني أنه يتعين عليَّ مقابلة أشخاص من مختلف أنحاء العالم، وكثيرًا ما أسألهم عن الأمانة والأخلاقيات في بلادهم. ولهذا فهمت إلى أي
مدى تسهم الاختلافات الثقافية - سواء أكانت على مستوى المنطقة أم الأمة أم المؤسسة - في عدم الأمانة.

إن كنت تعيش خارج الولايات المتحدة الأمريكية، ففكر في هذا الأمر لمدة دقيقة: هل يغش الناس في بلادك أكثر من الأمريكان أم أقل؟ بعد أن طرحت هذا السؤال
على أشخاص من عدة دول، اكتشفت أن الأشخاص لديهم معتقدات قوية جدًّا في بلدانهم بخصوص الغش، وأغلب الناس يعتقدون أن أبناء وطنهم يغشون
أكثر من الأمريكان (مع وجود بعض الاستثناءات المتوقعة من كندا والدول الإسكندنافية).

لقــد كنــت مــدركًا أن هـذه مجـرد انطبـاعات شـخصية، ومـن ثـم انتـابني الفضـول لمعرفـة مـا إذا كـان هـذا يمثـل شـيئًا بالنسـبة لـهم, ومـن ثـم، قـررت اختبـار بعـض هـذه
التصورات الثقافية على نحو مباشر جدًّا. ومن أجل اكتشاف الاختلافات الثقافية، اضطررنا إلى ابتكار طريقة لتوحيد الحوافز المالية عبر مختلف المواقع والدول. فلو
أننــا قــدمنا مبلــغًا مــن المـال يسـاوي دولارًا واحـدًا مثـلًا مقـابل الإجابـة عـن السـؤال إجابـة صـحيحة، لتفـاوت هـذا المبلـغ مـا بـين عائـد مـادي كبـير جـدًّا فـي بعـض الأمـاكن
وعائــــد مــادي صــغير إلــى حــد مــا فــي أمــاكن أخــرى. وكــانت أول فكــرة واتتنــي لتوحيــد قيمــة الحــافز المــادي هــي تقــديم منتــج معــروف علــى مســتوى العــالم، مثــل ثمــن
ســاندويتش هــامبورجر مــن ماكــدونالدز. وبــاتباع هــذا المنــهج، عــن كـل مصـفوفة يُجـاب عنـها إجابـة صـحيحة، يتلقـى المشـاركون ربـع ثمـن سـاندويتش هـامبورجر مـن
ماكدونالدز في هذا البلد. (افترض هذا المنهج أن من يضعون الأسعار في ماكدونالدز مدركون للقوى الشرائية في كل بلد من البلدان ويضعون أسعارهم وفقًا لذلك).

في النهاية، قررنا الاستعانة بمنهج مشابه لذلك، ولكننا استعنا بمشروب القهوة. لقد حددنا مقهى محليًّا في كل بلد ودفعنا للمشاركين ربع ثمن مشروب القهوة
في هذه المنطقة عن كل مصفوفة يدعون أنهم أجابوا عنها.

نظر ًا لأنني نشأت في إحدى دول الشرق الأوسط، فقد كنت أريد معرفة نسبة عدم الأمانة في ذلك المجتمع (وأعترف بأنني كنت أظن أن نسبة الغش بهذه الدولة
تفــوق نســبة الغــش فــي أمريكــا). ولكــن مــا وجــدناه أن مواطنـي هـذه الـدولة غشـوا فـي تجـارب المصـفوفة بالقـدر نفسـه الـذي غـش بـه الأمريكـان. ومـن ثـم، قررنـا اختبـار
جنسيات أخرى أيضًا. كانت "شيرلي وانج" - واحدة من المساهمين الصينيين الذين عملوا معي - مقتنعة بأن الصينيين يغشون أكثر من الأمريكان. ولكن مرة أخرى،
أبــدت الصــين المســتوى نفســه مــن عــدم الأمانــة. كــانت "فرانشــيسكا جــينو" - مــن إيطــاليا - متأكــدة مــن أن نســبة الغــش بــين الإيطــاليين هــي الأعلــى؛ حــيث قــالت لــي
"فرانشيسكا" بلكنتها الرائعة: "زر إيطاليا وسنريك ماذا يعنيه الغش بالضبط". ولكن التجربة أثبتت أنها مخطئة. وتوصلنا للنتائج نفسها في تركيا وكندا وإنجلترا.
في الواقع، بدت نسبة الغش متساوية في كل الدول أو على الأقل في الدول التي أجرينا فيها التجارب حتى تلك اللحظة.

كيف يمكننا التوفيق بين حقيقة أن تجاربنا لا تظهر أية اختلافات حقيقية بين عدة دول وثقافات فيما يتعلق بعدم الأمانة وبين المعتقد الراسخ لدى الأشخاص بأن
عدم أمانة الأفراد يتفاوت من دولة لأخرى بدرجات مختلفة؟ وكيف يمكننا التوفيق بين غياب الاختلافات التي لاحظناها في نتائجنا وبين الاختلافات الواضحة في
مستوى الفساد بين الدول والثقافات والقارات؟ وأظن أن كلتا وجهتي النظر صحيحة. وأظهرت البيانات الخاصة بنا جانبًا مهمًّا وحقيقيًّا من الغش، وهو نفس ما
أظهرته الاختلافات الثقافية. وإليك السبب.

لم يندرج تمرين المصفوفة تحت أية تصنيفات ثقافية؛ بمعنى أن هذا التمرين لم ينطو على أي عنصر اجتماعي أو ثقافي. ومن ثم، فإنه يختبر القدرة الأساسية
للبشر على التساهل الأخلاقي وإعادة تأطير المواقف والتصرفات بطرق لها مردود إيجابي علينا. ومن ناحية أخرى، فإن أنشطتنا اليومية تتشابك مع السياق الثقافي
المعقد. وهذا السياق الثقافي يمكن أن يؤثر على عدم الأمانة بطريقتين أساسيتين: الطريقة الأولى: يمكن أن يركز السياق الثقافي على أنشطة معينة ويوجهها إلى
نطاق أخلاقي معين أو يصرفها عنه؛ أما الطريقة الثانية: فيمكن أن يغير نسبة عامل التصحيح المقبول بالنسبة لنطاق معين.

لنأخذ السرقة الأدبية مثالًا. ففي الجامعات الأمريكية، يتم التعامل مع السرقة الأدبية بمنتهى الجدية، ولكن في مجتمعات أخرى، يُعتبر الأمر أشبه بالمغامرة بين الطلاب والجامعة. في تلك المجتمعات، يكون الإمساك بحالة التلبس - أمرًا سلبيًّا. وعلى نحو مماثل، في بعض الدول، يتم استنكار مختلف أنواع الغش - مثل
التهرب من دفع الضرائب، أو الدخول في علاقات غير شرعية، أو تحميل برامج بطريقة غير قانونية، وعدم الوقوف في الإشارة الحمراء، في حين أن مجتمعات
أخرى ترى الأفعال نفسها أمرًا عاديًّا أو حتى حقوقًا مكتسبة.

بالطبع، هناك قدر كبير لنعرفه عن تأثير الثقافة على الغش؛ من حيث الآثار الاجتماعية التي تساعد على كبح الكذب وعدم الأمانة؛ ومن حيث القوى الاجتماعية
التي تجعل حدوث الفساد وعدم الأمانة أكثر ترجيحًا.

ملاحظة: ينبغي أن أشير إلى أنه على مدار تجاربنا الثقافية كلها، هناك مرة واحدة فقط وجدنا فيها اختلافًا. أجريت أنا و"راشيل باركان" تجربتنا في مقهى بمدينة
واشنطن العاصمة؛ حيث يجتمع أعضاء الكونجرس, وأجرينا التجربة نفسها في مقهى بمدينة نيويورك حيث يجتمع كثيرون من موظفي وول ستريت. كانت هذه
هي المرة الوحيدة التي وجدنا فيها اختلافًا ثقافيًّا. برأيك أيهما كانت نسبة غشه أعلى؛ الساسة أم موظفو البنوك؟ كنت متأكدًا أن الإجابة ستكون الساسة؛ ولكن
نتــائجنا أظــهرت العكــس: كــان مــوظفو البنــوك يغشــون بمقــدار الضــعف. (ولكــن قبــل أن تشــرع فـي التشـكك فـي صـديقك مـوظف البنـك علـى نحـو أكثـر، والتشـكك فـي
صديقك السياسي على نحو أقل، يجب أن تضع في الاعتبار أن الساسة الذين شاركوا في تجاربنا كانوا ساسة مبتدئين؛ أعضاء بالكونجرس في الأساس. ولا تزال
أمامهم الفرصة للتنمية والنمو).

?

شكل 6:

ملخص القوى التي تشكل الكذب وعدم الأمانة
?

 

ما الذي ينبغي علينا فعله بعد ذلك؟

ها نحن ذا يحيط بنا الكذب وعدم الأمانة من كل مكان. كما كتب الفيلسوف والحكيم "أبوث إي. كاري" عام 1873:

النصابون، النصابون في كل مكان،

من كل شكل ولون،

أخرج النصب من الرجال،

ولن تجد بداخلهم شيئًا سوى الكذب،

الإحسان اخترُع لتغطية الاحتيال،

فالإحسان والاحتيال متلازمان،

فنحن نحتال في المنزل، ونحتال في الخارج،

ونحتال في كل مكان نذهب إليه.

فالعالم يمتلئ بالخداع والاحتيال،

عالم يتحكم فيه المحتالون،

فأحدهم يغادر، والآخر يأتي،

ويتم التلاعب بنا هنا وهناك.

- أبوث إي. كاري، RECOLLECTIONS OF THE SWINDLE FAMILY 1

كما لاحظنا من قبل، فإننا جميعًا قادرون على الغش وبارعون جدًّا في تأليف قصص بشأن عدم اعتبارنا كاذبين أو فاسدين حين نتصرف بهذه الطريقة. والأسوأ من
ذلــك، أننــا "نلتقــط" فــيروس الغــش مــن الآخــرين، وبمجــرد أن نبــدأ فــي التصــرف بعـدم أمانـة، فمـن المـرجح أن نسـتمر فـي التصـرف بـهذه الطريقـة التـي تنـم عـن سـوء
السلوك.

إذن، ما الذي ينبغي علينا فعله إزاء عدم الأمانة؟ لقد شهدنا مؤخرًا أزمة مالية ضخمة أتاحت لنا فرصة ممتازة لتجربة الفشل ومعرفة الدور الذي يلعبه عدم
العقلانيـــة فــي حيــاتنا وفــي المجتمــع بصــفة عامــة. واســتجابةً لــهذه الأزمــة التــي تســبب فيــها الإنســان، اتخــذنا بعــض الخطــوات تجــاه التعــامل مــع بعــض النزعــات غــير
العقلانية، وبدأنا في إعادة تقييم طريقة تعاملنا مع الأسواق وفقًا لذلك. ولقد تزعزع عرش العقلانية، ومع تعمق فهمنا لعدم العقلانية ينبغي أن نعيد التفكير
والاستثمار في أنواع جديدة من الكيانات التي ستساعدنا على التغلب على مثل هذه الأزمات في المستقبل. وإن لم نفعل ذلك، فستكون بمثابة أزمة لم نتعلم منها شيئًا
?

وبعد توضيح ذلك، تتمثل مهمتنا التالية في التفكير في طرق فاعلة وعملية أكثر لمكافحة الكذب وعدم الأمانة. تضع كليات إدارة الأعمال ضمن مناهجها مادة
للأخلاقيات، وتُعد الشركات ندوات عن قواعد السلوك وتعلن الحكومات عن سياسات. سيدرك أي مراقب لحالات الغش على مستوى العالم سريعًا أن مثل هذه
الإجراءات لا تفلح. وتشير الأبحاث التي قُدمت هنا إلى أن مناهج الإسعافات السريعة محكوم عليها بالفشل بسبب عدم التفاتها إلى الجانب النفسي من الكذب؛
ففي كل مرة توضع فيها سياسات أو إجراءات لمنع الغش، فإنه يتم استهداف مجموعة من السلوكيات والدوافع التي يجب تغييرها. وبوجه عام، عند استعراض
التدخلات، فإنهم يفترضون تنفيذ النموذج البسيط للجريمة المدروسة. ولكن كما رأينا، فإن النموذج البسيط ليست له أية علاقة بالقوى المحركة للغش.

فإذا كنا مهتمين فعلًا بمكافحة الغش، فما أساليب التدخل التي ينبغي علينا تجربتها؟ آمل أن يكون قد اتضح الآن أنه إذا كنا بصدد انتهاز الفرصة لكبح الكذب،
فإنــه يجــب أن نشــرع فــي فــهم الســبب وراء تصــرف النــاس بعــدم أمانــة فــي المقــام الأول. ومــع البــدء مــن هــذه النقطــة، يمكننــا ابتكـار حلـول أكثـر فاعليـة. واسـتنادًا إلـى
معرفتنا بأن الناس يرغبون في التحلي بالأمانة بوجه عام، ولكنهم يشعرون بالإغراء نحو الاستفادة من الكذب وعدم الأمانة أيضًا، يمكننا التوصية بلافتات تذكيرية
لحظة الإغراء، وهي حلول فعالة جدًّا كما لاحظنا من قبل. وعلى نحو مماثل، فإن فهم آلية عمل تعارض المصالح وتأثيرها العميق علينا يوضح أنه يجب علينا
تجنب تعارض المصالح وتنظيم تلك المصالح بدرجة أكبر كثيرًا. يجب علينا أيضًا فهم تأثير البيئة - وكذلك الإرهاق النفسي والجسدي - على الكذب وعدم الأمانة.
وبالطبع، بمجرد أن نتفهم أن الكذب عدوى اجتماعية، يمكننا أن نستقي حلولًا من نظرية النوافذ المحطمة لمكافحة العدوى الاجتماعية للغش.

من المثير للاهتمام أن لدينا بالفعل العديد من الآليات الاجتماعية المصممة خصيصًا لإعادة ضبط بوصلتنا الأخلاقية والتغلب على تأثير "وما الفارق؟!". وتقدم
الشعائر الدينية فرصًا لنجمع شتات أنفسنا، ونمنع التدهور، ونفتح صفحة جديدة. (ويمكنك أيضًا اعتبار قرارات العام الجديد، وتغيير الوظيفة، والانفصالات
العاطفيــة فــرص "إعــادة الضــبط"). وبــدأنا مؤخــرًا إجــراء تجــارب علــى مــدى فاعليــة هــذا النــوع مــن أســاليب "إعــادة الضــبط"، وحتــى الآن يبــدو أنــها تبطــل تــأثير "ومـا
الفارق؟!" بنجاح.

ومــن وجــهة نظــر العلـوم الاجتماعيـة، دعـت الأديـان إلـى تطبـيق طـرق قـد تسـاعد المجتمـع علـى إبطـال النزعـات الـهدامة، مـن بينـها النزعـة تجـاه التصـرف بعـدم أمانـة.
والأديان والشعائر الدينية تذكر الأفراد بالتزاماتهم الأخلاقية بطرق عدة. وهناك الكثير من الفروض والتعاليم الدينية التي تذكرنا بالأخلاقيات القويمة كما ذكرنا في
تجاربنا.

وإلــى الحــد الــذي أثبتــت فيـه هـذه الأسـاليب فائـدتها، لعلنـا نفكـر فـي ابتكـار تقنيـات فـي العمـل والسـياسة. وربمـا يتعـين علينـا جعـل العـاملين المـدنيين ورجـال الأعمـال
يقــومون بحلــف يمــين، أو الالــتزام بقواعــد ســلوك أو حتــى طلــب المغفــرة مــن وقــت لآخــر. ولعــل هــذه النســخة الــدنيوية للتوبــة وطلــب المغفــرة يســاعدان الغشــاشين
المحتملين على الانتباه إلى تصرفاتهم وفتح صفحة جديدة ومن ثم زيادة التزاماتهم الأخلاقية.

وأحد هذه الأساليب المثيرة للاهتمام أكثر لإعادة ضبط قواعد السلوك هي طقوس جلد الذات التي تمارسها بعض الطوائف. لا أتذكر كيف بدأنا بالضبط مناقشة
هذا الأسلوب، ولكن تساءلت ذات مرة أنا و"يوئيل إنبار" (أستاذ بجامعة تيلبورج) و"ديفيد بيزارو" و"توم جيلوفيتش" (كلاهما من جامعة كورنيل)، ما إذا كان
جلد الذات والسلوكيات المشابهة يلقيان الضوء على الرغبة البشرية في تطهير الذات. هل يمكن محو شعور ارتكاب الخطأ من خلال معاقبة الذات؟ هل يساعدنا
فرض الألم ذاتيًّا على طلب المغفرة والبدء من جديد؟

وباتباع الأسلوب المؤلم جسديًّا، قررنا إجراء تجربة باستخدام النسخة العصرية والأقل دموية للجلد بالسوط؛ ومن ثم اخترنا الصدمات الكهربائية المؤلمة باعتبارها
أداة تجريبيــة. بمجــرد أن يــدخل المشــاركون معمــل جامعــة كورنيــل، طلبنــا مــن بعضــهم أن يكتبــوا شــيئًا عـن تجربـة ماضـية جعلتـهم يشـعرون بالـذنب؛ وطلبنـا مـن
المشاركين الآخرين أن يكتبوا عن تجربة ماضية جعلتهم يشعرون بالحزن (عاطفة سلبية ليست لها علاقة بالذنب)، وطلبنا من مجموعة ثالثة أن تكتب عن تجربة
حيادية لم تشعر بالسوء أو التحسن. وبعد أن فكرت المجموعات الثلاث مليًّا في التجارب، طلبنا منهم الاشتراك في تجربة "أخرى" تشتمل على معاقبة أنفسهم
بالصدمات الكهربائية.

في المرحلة التالية من التجربة، قمنا بتوصيل معاصم المشاركين بجهاز مولد للصدمات الكهربائية. وبمجرد أن يكون التوصيل محكمًا، نوضح للمشاركين كيفية
ضــبط مســتوى الصــدمة الكــهربائية وأي زر يضــغطون عليــه ليعــاقبوا أنفســهم بصــدمة مؤلمــة. ونضــبط الجــهاز علــى أقــل مســتوى ممكــن مــن الصــدمات ونطلــب مــن
المشاركين أن يضغطوا على المفتاح الكهربائي، ويرفعوا مستوى الصدمة، ويضغطوا على المفتاح الكهربائي وهكذا حتى لا يصلوا إلى المستوى الذي لا يحتملون عنده
حدة الصدمة.

لسنا ساديين بالدرجة نفسها التي قد نبدو عليها، ولكننا أردنا أن نرى إلى أي مدى سيعاقب المشاركون أنفسهم على مقياس مدرج للألم، وإلى أي مدى سيتوقف
مســتوى معاقبــة أنفســهم بــالألم علـى نوعيـة التجربـة التـي خاضـوها. الأهـم مـن ذلـك، أردنـا أن نختبـر مـا إذا كـانت التـذكرة بتجربـة ماضـية مرتبطـة بالشـعور بالـذنب
ســتجعل مشــاركينا يطــهرون أنفســهم بفـرض المزيـد مـن الألـم. وكمـا اتضـح لنـا، فـي المجموعـة الحياديـة والمجموعـة التـي شـعرت بـالحزن، كـان مسـتوى الألـم مشـابهًا
وقليلًا نوعًا ما، وهو ما يعني أن المشاعر السلبية في حد ذاتها لا تثير الرغبة في معاقبة النفس بالألم. في حين أن المشاركين في مجموعة الشعور بالذنب كانوا أكثر
ميلًا لمعاقبة أنفسهم بمستوى أعلى من الألم.

وبالرغم من صعوبة تقبل هذه التجربة، فإن النتائج تشير إلى أن تطهير النفس من خلال جلد الذات قد يكون طريقة مفيدة للتعامل مع الشعور بالذنب. وربما
يكون إدراك أخطائنا والاعتراف بها ومعاقبة أنفسنا جسديًّا على اقترافها أمورًا مفيدة لطلب الصفح والمغفرة وفتح صفحة جديدة. ورغم أنني لا أوصي بتبني هذا
الأسلوب، فإنني قد أفكر في بعض الساسة ورجال الأعمال الذين لا أمانع في تجربة هذا الأسلوب عليهم لنرى ما إذا كان سيؤتي ثماره أم لا.

هناك أسلوب معاصر (وأكثر رقيًّا) لإعادة ضبط بوصلة الأخلاق أخبرتني به سيدة قابلتها في أحد المؤتمرات قبل بضع سنوات. كانت شقيقة السيدة تعيش بجنوب
أمريكا، وذات يوم أدركت الأخت أن خادمتها تسرق قطعًا صغيرة من اللحم كل بضعة أيام من المجمد. لم تهتم الأخت كثيرًا (باستثناء أنه أحيانًا لم تجد ما يكفي
مــن اللحــم لتطـهوه علـى الغـداء، وهـو أمـر أضـحى مثـيرًا للإحبـاط)، ولكـن عليـها أن تفعـل شـيئًا حيـال ذلـك. وكـانت الخطـوة الأولـى مـن الحـل هـي أن تضـع قفـلًا علـى
المجمــد, ثــم أخبــرت الخادمــة بأنــها تشـك فـي أن بعـض الخـادمين الـذين يـأتون إلـى المـنزل مـن وقـت لآخـر يسـرقون اللحـم مـن المجمـد، ولـذا أرادت ألا يحصـل أحـد علـى
المفــــاتيح ســواهما فقــط. كمــا أنــها منحــت خادمتــها مكــافأة ماليــة صــغيرة مقــابل تحمــل تلــك المســئولية الجــديدة. مــع الــدور الجــديد والقواعــد الجــديدة والمســئوليات
الإضافية، اختفت السرقة.

وأظن أن هذا الأسلوب أتى بثماره لعدة أسباب. أشك في أن عادة السرقة لدى الخادمة تطورت مثلما يتطور الغش كما ناقشنا. ربما بدأ الأمر بتصرف صغير (سآخذ
قطعة صغيرة من اللحم في أثناء تنظيف المجمد)، ولكن بعد السرقة لمرة واحدة، صار من الأسهل الاستمرار في ذلك. ومن خلال وضع قفل على المجمد وتكليف الخادمة بمسئولية إضافية، منحت الأخت فرصة للخادمة لتعيد ضبط مستوى أمانتها. كما أنني أظن أن ائتمان الخادمة على نسخة المفتاح عنصر مهم في تغيير
رؤيتــها لســرقة اللحــم وإرســاء قواعــد اجتماعيــة للأمانــة داخــل المــنزل. بالإضــافة إلــى ذلـك، نظـرًا لـوجود مفتـاح للمجمـد، فقـد أصـبح أي تصـرف للسـرقة أكثـر تعمـدًا
وقصدًا وأصعب تبريرًا للذات. وهذا يختلف عما حدث حين أجبرنا المشاركين على تحريك الفأرة عن عمد لنهاية الصفحة المعروضة على شاشة الكمبيوتر لعرض
مفتاح الإجابة (كما رأينا في الفصل السادس: "خداع أنفسنا").

الفكرة هي أننا كلما طورنا وتبنينا مثل هذه التقنيات، زادت قدرتنا على كبح الكذب وعدم الأمانة. والأمر ليس بهين دومًا ولكنه ممكن.

من المهم أن نلاحظ أن وضع النهاية وتوفير فرصة لبداية جديدة قد يحدثان على نطاق أوسع في المجتمع. تُعد لجنة الحقيقة والمصالحة بجنوب إفريقيا مثالًا على
هذا النوع من النماذج. كان الهدف من هذه اللجنة هو تمكين الانفصال عن حكومة التفرقة العنصرية التي كانت تمارس القمع على الأغلبية العظمى من مواطني
جنــوب إفريقيــا علــى مــدار عقــود مــن التحــول إلــى الــديمقراطية والبــدء مجــددًا. ومثلمــا هــي الحــال مـع الطـرق الأخـرى لمنـع السـلوكيات السـلبية والتـوقف والبـدء مـن
جديد، كان هدف اللجنة هو المصالحة لا العقاب. وأنا أثق بأنه لا يستطيع أحد ادعاء أن اللجنة محت كل الذكريات أو آثار عصر التفرقة العنصرية أو حدثًا مخيفًا
مثل التفرقة العنصرية يمكن أن يُنسى أو تتم معالجته تمامًا. ولكنه بقي نموذجًا مهمًّا على مدى أهمية الاعتراف بالسلوك السيئ وطلب العفو لأخذ خطوة في
الاتجاه الصحيح.

في النهاية، من الجدير أن نحاول تجربة ما تعلمناه عن الكذب من منظور أعم ورؤية ما إذا كان سيعلمنا هذا شيئًا عن العقلانية وعدم العقلانية بوجه عام. على
مدار الفصول المختلفة، لاحظنا وجود قوى منطقية نظن أنها تدفعنا نحو السلوك غير الأمين؛ ولكنها لا تفعل. وهناك قوى غير منطقية نظن أنها لا تدفعنا نحو
السلوك غير الأمين؛ ولكنها تفعل. وعجزُنا عن إدراك أي قوى من الاثنتين مفعلة وأيهما غير ذات صلة هو أمر نلاحظه باستمرار في أثناء اتخاذ القرارات وفي أبحاث
الاقتصاد السلوكي.

ومــن هــذا المنطلــق، يُعــد الكــذب أفضـل مثـال علـى نزعـاتنا غـير المنطقيـة. إننـا لا نعـرف كـيف تؤثـر هـذه النزعـات علينـا كتـأثير السـحر، والأهـم مـن ذلـك، أننـا لا نراهـا فـي
أنفسنا.

وهناك أخبار سارة وسط كل هذا ألا وهي أننا لسنا عاجزين أمام نقاط ضعفنا البشرية (ومن بينها الكذب). فبمجرد أن نتفهم ما الأسباب الحقيقية لسلوكياتنا غير
المثالية، يمكننا أن نشرع في اكتشاف طرق للسيطرة على سلوكنا وتحسين نتائجنا. وهذا هو الهدف الحقيقي للعلوم الاجتماعية، وأنا واثق بأن هذه الرحلة ستصير
أكثر أهمية وإثارة على مدار الأعوام القادمة.

خالص تحياتي غير العقلانية،

دان آريلي
الفصل 11

بعض التأملات عن الصدق والكذب

علــى مــدار الســنوات القليلــة الماضــية، كنــت كلمـا ذهبـت إلـى أحـد المطـاعم، أسـأل المضـيفين عمـا إذا كـانت هنـاك طريقـة لتنـاول الطعـام والمغـادرة دون دفـع الحسـاب.
وأحيانًا كان المضيفون يطلبون مني بطاقة الائتمان الخاصة بي كضمان، ولكن في معظم الوقت كانوا يعرضون عليَّ مقترحات رائعة. على سبيل المثال، أخبروني بأنه
بــإمكاني أن أذهــب إلــى الحمــام وأخــرج مــن البــاب الجــانبي قبــل إحضــار فــاتورة الحســاب, أو أنــه بــإمكاني أن أخــرج محفظتــي وأتظــاهر بــأنني سـأدفع نقـدًا، ثـم أغـادر
الطاولة في عدم اكتراث.

وبعــد أن تزودت بــهذه النصــيحة بخصــوص تنــاول الطعــام والمغــادرة دون دفــع الحســاب، كنــت أســأل المضــيفين عــن عــدد المــرات التــي فعــل فيــها النـاس شـيئًا كـهذا.
وأخبروني جميعًا بلا استثناء بأن هذا لم يحدث مطلقًا، برغم توافر فرصة الحصول على وجبة مجانية وتوافر احتمال كبير للمغادرة دون دفع الحساب. ويوضح
هذا - وغيره من السلوكيات المشابهة - أنه رغم أن تناول الطعام والمغادرة دون دفع الحساب يعود بالنفع علينا وحدنا، فإننا نتصرف في إطار قيود أخلاقية تجعلنا
نتجنب هذا النوع من السلوكيات غير الأخلاقية.

على النقيض من ذلك، هيا نلقِ نظرة على التحميل غير القانوني للموسيقى. أحيانًا أسأل طلابي عما إذا كان لديهم موسيقى تم تحميلها بصورة غير قانونية على
أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، ويعترف جميعهم تقريبًا بأن لديهم هذه الموسيقى على أجهزتهم وأنهم لا يكترثون لاكتشاف أصدقائهم أو آبائهم هذا الأمر. إذن، ما
الفارق بين التحميل غير القانوني والتملص من دفع فاتورة المطعم؟ من الواضح أن المسألة ليست مسألة الإمساك بالفاعل في حالة تلبس نظرًا لأن فرص الإمساك
في كلتا الحالتين ضئيلة جدًّا. كما أن الأمر لا يتعلق بحجم العقوبة لأنه إذا اكتشف أحدهم أنك لم تدفع فاتورة المطعم، يمكنك أن تبرر ذلك بقولك إنك نسيت،
بينما لن تقتنع شركات الإنتاج الفني بمبرراتك: "معذرة، لقد نسيت". ولا يمنعنا من سوء السلوك احتمالية الإمساك بنا في حالة تلبس أو حجم العقوبة؛ بل ما
يمنعنا هو الشعور بالذنب النابع من وجود علاقة مباشرة بطاقم العاملين بالمطعم؛ والتي تثير المراقبة الداخلية لأنفسنا وتحيي ضمائرنا.

وهناك أخبار سارة بأننا جميعًا لدينا بوصلة أخلاقية؛ أما الأخبار السيئة فإنه لا يمكننا افتراض أن ضمائرنا ستحمينا باستمرار دون جهد منا. إذن، كيف نحافظ
على دقة عمل بوصلتنا الأخلاقية؟ من أجل الحصول على الإجابة عن هذا السؤال، هيا بنا نلق نظرة على حكمة القدماء.

بعض الأفكار المستنيرة من الأديان السماوية

لعلك لاحظت أنني أشرت كثيرًا إلى أمثلة من الأديان السماوية على مدار الصفحات السابقة. لقد ذكرت التعاليم الدينية عند مناقشة تجربة استحضار التعاليم
الدينية (أو محاولة استحضارها) وتأثير ذلك على الكذب وعدم الأمانة، وقصة الرجل المتدين الذي منعه شيء ذو دلالة دينية عن ممارسة الرذيلة ، ودورها في إعادة
ضبط بوصلة الأخلاق لمقاومة تأثير "وما الفارق؟!" والربط بين ممارسات جلد الذات وتجربة الشعور بالذنب وفرض العقاب على الذات ، لماذا ذكرت ذلك؟

الإجابــة هــي: تخبرنــا التعــاليم الــدينية بــالكثير بخصــوص مشــكلات البشــر، مــن بينــها الصــدق والأخــلاق. وبــالطبع، اختيــاري البحــث عــن الأفكــار فــي الأديــان قـد يكـون
انعكــاسًا لنضــوجي وســني (أحيــانًا يميــل النــاس للروحــانيات أكثــر مــع تقــدمهم فــي السـن). بغـض النظـر عـن الأسـباب، ، قـد يسـاعدنا تـأمل هـذه النصـوص بـاعتبارها
انعكاسًا للفكر الإنساني والحكمة في تسليط بعض الضوء على الأمانة والكذب ومكانتهما المعقدة في المجتمع. والدروس العملية المحددة التي يمكننا استخلاصها
من هذه القصص بمثابة تذكرة أخلاقية وقواعد وعادات قد تساعدنا على الحفاظ على الصراط المستقيم. ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نتساءل عما إذا كانت النزعة
الحديثة السائدة، في أجزاء من أوروبا وأمريكا الشمالية، نحو المزيد من الروحانيات. لعل ما ينبغي علينا أن نهدف إليه هو زيادة الجانب الروحي مصحوبًا بقواعد
محددة أكثر ترسي مبادئ عامة في حياتنا اليومية. ومن المهم أن نتساءل عن إمكانية ابتكار مثل هذه القواعد ومدى فاعليتها.

وهنــاك طريقــة أخــرى للتفكــير فــي الـدروس المسـتفادة بخصـوص موضـوع الأمانـة؛ وهـي طريقـة مرتبطـة بـالزمن. فـهناك فتـرة زمنيـة قبـل أن تسـنح لنـا فرصـة الغـش،
وفترة زمنية أخرى خلال استغلال فرصة الغش، وفترة زمنية أخرى بعد أن تسنح لنا فرصة الغش. ما أفضل فترة من الفترات الثلاث لتفعيل المكابح الأخلاقية؟

في عالم القانون والمنطق، يتبنى المجتمع أسلوب القصاص بهدف كبح السلوكيات السيئة. وبناءً على ذلك، فإننا نميل إلى التركيز على ما يمكن أن يحدث لنا بعد
استغلال فرصة الغش. ولهذا السبب فإن الطريقة المثالية للتعامل مع إرسال الرسائل النصية في أثناء قيادة السيارة - مثلًا - تتمثل في التأكد من أن الناس يدركون
قيمة الغرامة المفروضة عليهم (في الولاية التي أعيش بها، كارولينا الشمالية، تصل الغرامة إلى 500 دولار). ويفرض النظام القضائي عقوبات قاسية بخصوص
تجارة المخدرات وغيرها من الجرائم، وبعض الدول والولايات تفرض عقوبة الإعدام في جرائم القتل.

والمنطــــق الأســــاسي وراء طريقــــة التعـــامل هــذه هــو النمــوذج البســيط للجريمــة المدروســة، الــذي ناقشــناه فــي الفصــل الأول. ونعتقــد أن المجــرمين ســيفكرون بعقلانيــة
بخصــوص إمكانيــة توقـيع عقوبـة كبـيرة عليـهم إذا مـا تـم الإمسـاك بـهم (وهـو الأمـر الـذي سـيحدث بعـد ارتكـاب الجريمـة). إننـا نظـن أنـهم سـيجرون تحليـل التكـاليف
والفوائد بخصوص ارتكاب الجريمة قبل الشروع في ارتكابها، وسيقررون بعقلانية أن فوائد الجريمة لا تعادل تكاليفها المحتملة.

ومن الواضح أن هذا الأسلوب للحد من الجريمة ليس فعّالًا بالقدر الكافي. إن التهديد بتوقيع الغرامات على الناس لم يمنعهم من إرسال الرسائل النصية في أثناء
قيادة السيارة. لم يوقف التهديد بالسجن ارتكاب السرقات, ولم يوقف السجن لمدة طويلة جرائم العنف.

على النقيض، يتعامل الجانب الروحاني مباشرة مع فترة ما قبل الغش والفترة التي تسنح لنا فيها فرصة الغش. أولًا، يحاول الجانب الروحاني التأثير على عقليتنا
قبل وقوعنا في شرك الإغراء من خلال التعاليم الأخلاقية والشعور بالذنب. وتتمثل الفكرة الأساسية في أنه إذا كنا نريد أن نكبح جماح الكذب والغش، فإنه ينبغي
علينــا أن نفكــر فــي الجــوانب الروحانيــة وإعــادة ضــبط بوصــلة الأخـلاق، بـدلًا مـن التـهديد بـالعقاب بعـد ارتكـاب الخطـأ. ثـانيًا، تحـاول الجـوانب الروحانيـة أن تؤثـر علـى
عقليتنا في لحظة الإغراء من خلال إدماج أنواع مختلفة من التذكرة الأخلاقية في بيئتنا. تتمثل الفكرة الأساسية في أنه بمجرد أن نحظى ببوصلة أخلاقية، فمن
الرائع أن نحافظ عليها تعمل بدقة، مع تعديلها على أرض الواقع، إن كنا نتوقع منها أن تُحدث الأثر المطلوب منها.

إذن، إلى أين يقودنا هذا؟ هناك أخبار سارة بأننا جميعًا نمثل بوصلة أخلاقية. أما الأخبار السيئة فهي أننا لا يمكننا افتراض أن ضمائرنا تحمينا بلا جهد منا
وباستمرار. باعتبارنا مجتمعًا, يجب علينا أن نعرف كيف نغرس في أبنائنا بوصلة الأخلاق وكيف نحافظ على بوصلتنا. هل يمكننا استئصال السلوكيات السيئة؟ على
الأرجح لا يمكننا ذلك، ولكني أؤمن بأننا يمكننا بالتأكيد أن نفعل شيئًا أفضل مما نفعله الآن.
شكر وتقدير

أجد أن الكتابة عن الأبحاث الأكاديمية مجدية ومحفزة، ولكن تتمثل المتعة التي أحصل عليها بصفة يومية في الاشتراك في العمل مع الباحثين/الأصدقاء الرائعين؛
من حيث ابتكار الأفكار، وتصميم التجارب، والبحث عما ينجح وعما لا ينجح، واكتشاف ما تعنيه النتائج. والتجارب التي تم وصفها في هذا الكتاب هي نتاج براعة
المســاهمين وجــهدهم (انظــر الســيرة الــذاتية التاليــة لزملائــي البــارزين)، وأنــا ممتــن لأننــا اســتطعنا الإبحــار مـعًا فـي عـالم الكـذب والغـش وتعلمنـا مـعًا القليـل عـن هـذا
الموضوع المهم والرائع.

بالإضافة إلى ذلك، أشعر بالامتنان أيضًا لعلماء الاجتماع بصفة عامة. والعلوم الاجتماعية عالم مثير تتولد الأفكار فيه باستمرار، وتُجمع فيه البيانات وتُراجع فيه
النظريات (أكثر من أي مجال آخر). وكل يوم أتعلم أشياء جديدة من زملائي الباحثين وأتذكر إلى أي مدى تنقصني المعرفة (انظر نهاية الكتاب للاطلاع على قائمة
المراجع والمزيد من القراءات).

هذا هو كتابي الثالث، ولعل المرء يتوقع مني معرفة ما أقوم به. ولكن الحقيقة أنني لم يكن بمقدوري إنجاز الكثير دون مساعدة الكثير من الناس. وأوجه جزيل
الشكر إلى إيرين ألينجهام التي ساعدتني على الكتابة، وبرونوين فراير وجوليان فاروم اللذين ساعداني على توضيح رؤيتي، وكلير واشتل التي أتمت العمل بلمسة
جميلة منها وروح دعابة نادرًا ما تتوافر في المحررين، وإليزابيث بيتنر التي كانت بمثابة مصدر ملهم للشعور بالسعادة والأمان. وفريق العمل بشركة جرينبيرج
للوكالة الأدبية الذين قدموا لي المساعدة بكل الطرق الممكنة. وآ لين جرونسين التي أسهمت بالعديد من المقترحات، بعضها كان تنويريًّا جدًّا وبعضها الآخر جعلني
أبتســم. وأنــا ممتـن أيـضًا لكـل مـن أنيـا جـاكبيك وصـوفيا تسـوي وكاسـي كـينزر. وأتوجـه بشـكر خـاص لــ ميجـان هوجـري التـي تمثـل لـي ذاكـرتي الخارجيـة ويـديَّ والـذات
الثانية لي.

وفــي النــهاية، أيــن كــانت ســتنتهي بــي الحــال بــدون زوجتــي المحبــة، ســومي؟ كــان الأمــر يتطلــب إنســانة اســتثنائية جــدًّا لتشــاركني الحيـاة طواعيـة، ولـم تسـهل حيـاتي
المحمومة وإدماني للعمل تلك المهمة. سومي، سأنقل الصناديق إلى العلية عندما أعود إلى المنزل الليلة. في الواقع، سأعود إلى المنزل في وقت متأخر؛ ولذا سأنقلها
غدًا. حسنًا، أتعرفين؟ بالتأكيد سأنقلها في عطلة نهاية هذا الأسبوع. أعدك بذلك.

تحياتي، دان.
قائمة بالمساهمين

آلين جرونسين

انضمت آلين لفريقي البحثي بعد أن انتقلت إلى جامعة ديوك بوقت قصير، ومنذ ذلك الحين وهي بمثابة قوى فعالة للطاقة والحماس. ولست متأكدًا مما إذا كان
هــذا جزءًا مــن خطتــها، ولكــن مــع مـرور الـوقت وجـدت نفسـي أعتمـد عليـها بـدرجة أكبـر فـأكبر. وأنـا وآلـين نعمـل مـعًا علـى مجموعـة كبـيرة مـن الموضـوعات، والفكـرة
الرئيسية الموحدة بين تلك الموضوعات هي الابتكار والمرح. وتعمل آلين الآن مديرة مركز الأبحاث المتقدمة للإدراك المتأخر بجامعة ديوك، وأتمنى أن تواصل العمل
معي على مدار أعوام قادمة.

إيليت جنيزي

قبل عدة سنوات مضت، التقيت إيليت في رحلة نظمها أصدقاء مشتركون لنا. تركت لديَّ انطباعًا أوليًّا إيجابيًّا للغاية وقد زاد تقديري لها مع مرور الوقت. وإيليت
شــــخصية رائعــــة وصــــديقة عظيمــــة، ومــــن ثــــم كــــان مــــن الغــريب أن نقــرر التعــاون فــي موضــوعات مثــل الشــك والثــأر. وبغــض النظــر عمــا دفعنــا إلــى اســتكشاف هــذه
الموضوعات؛ إلا أنها مفيدة جدًّا على كلا المستويين الأكاديمي والشخصي. تعمل إيليت أستاذة بجامعة كاليفورنيا، بمدينة سان دييجو.

ديفيد بيتزارو

التقــيت ديفيــد لأول مــرة فــي المعســكر الأكـاديمي الصـيفي بجامعـة سـتانفورد. كـان هنـاك حـائط يفصـل بـين مكتبـي ومكتبـه، فـي الـواقع كـانت هـذه هـي بـداية معـرفتي
بموسيقى الراب. وبعد مرور بضعة أسابيع، بدأت أستمتع بالموسيقى، وكان ديفيد كريمًا بدرجة كافية ليشاركني الاستماع إلى الموسيقى التي اختارها (لا أعرف
مـدى شـرعية هـذا الأمـر). وبمـرور السـنوات، اعتـدت قضـاء الكثـير مـن الـوقت مـع ديفيـد، وكنـت أتعلـم الكثـير وأتحمـس وأتمنـى قضـاء المزيـد مـن الـوقت معـه. يعمـل
ديفيد حاليًّا بجامعة كورنيل.

إيناف محارباني

التقيت إيناف في زيارتي إحدى دول الشرق الأوسط. في ذلك الوقت، كانت طالبة حديثة التخرج تعمل مع راشيل باركان. تركت انطباعًا قويًّا في نفسي بذكائها وأدبها
وحزمها في العمل، وهذا المزيج من القدرات هو ما جعلها مساهمة رائعة. تعمل إيناف حاليًّا بشركة أبيليتز سوليوشن، وهي شركة متميزة تركز على توظيف ذوي
الاحتياجات الخاصة في الشركات التي تعمل بمجال التكنولوجيا.

فرانشيسكا جينو

فرانشيسكا عبارة عن مزيج نادر من الرقة والحنان والمعرفة والإبداع والأناقة. تتمتع بطاقة وحماس لا حدود لهما، ويقضي أناس حياتهم كلها لإنجاز المشروعات
التي تشترك فرانشيسكا فيها في فترة زمنية واحدة بوجه عام. وباعتبارها إيطالية الجنسية، فهي واحدة من أفضل الناس الذين يدعونك على الطعام والشراب.
وكان يومًا حزينًا بالنسبة لي عندما قررت الانتقال من ولاية كارولينا الشمالية إلى مدينة بوسطن. وتعمل فرانشيسكا حاليًّا أستاذة بجامعة هارفارد.

جانيت شوارتز

حــــالفني الحــــظ حــــين أغــريت جــانيت بــالعمل معــي بمــركز الأبحــاث المتقــدمة لــلإدراك المتــأخر لبضــع ســنوات. وجــانيت تــهتم بــالخزعبلات المتعلقــة بالرعايــة الصــحية
(وعددها كبير) واستكشفنا معًا التغذية، وعادات تناول الطعام، والنصيحة وتعارض المصالح ورأي طبيب ثان والمناهج المختلفة لحث الناس على الاهتمام بصحتهم
على المدى البعيد. وتتمتع جانيت بقدرة رائعة على ملاحظة العالم من حولها، وهي تجيد الحكي والسخرية من نفسها ومن الجميع حولها. تعمل جانيت حاليًّا
أستاذة بجامعة تولين، ولكنها لا تزال على اتصال بالمركز.

ليزا شو

لــــيزا شــــخصية متألقــــة يســــتمتع المــرء بصــحبتها. وتتمتــع بالحاســة الســادسة فيمــا يتعلــق بــالطعام وأفكــار البحــث الجيــدة والموضــة. وهــذه الســمات لــم تجعــل منــها
مساهمة مثالية، بل وشريكة رائعة للتسوق. وبالإضافة إلى دراستها للسلوك الأخلاقي، فهي مهتمة بالتفاوض. وعلى الرغم من أنني لم أحظ قط بفرصة للتفاوض
معــها بصــفة شــخصية، فــإنني متأكــد مــن أنــه لــو جــاءتني تلــك الفرصــة لتجــرعت الــهزيمة علـى يـديها. وتسـتعد لـيزا الآن للحصـول علـى درجـة الـدكتوراه مـن جامعـة
هارفارد.

ماري فرانسيز لوك

كانت ماري فرانسيز تسبقني ببضع سنوات في الدراسة للحصول على درجة الدكتوراه, وعادت إلى جامعة ديوك كعضو هيئة تدريس قبلي ببضع سنوات أيضًا.
ومن الطبيعي أن يجعل هذا منها مصدرًا جيدًا للنصيحة على مدار السنوات، ولطالما كانت تقدم الدعم والمساعدة على الدوام. وقبل بضع سنوات مضت، انتقلت
إلى مكتب العميد، ومن أجلي ومن أجل الكلية، أتمنى ألا أسير على خطاها. وتعمل ماري فرانسيز حاليًّا أستاذة بجامعة ديوك.

موريس شيفرتز

يهتم موريس بأي شيء تقريبًا من حوله, ويشرع في المشروعات الجديدة بابتسامة كبيرة وفضول كبير. ولقد أخبرني قبل سنوات بأنه يجيد لعب الإسكواش، وبرغم
أننــي كنــت أريــد التأكــد بنفســي مــن مســتواه، فـإنني قلـق نـوعًا مـا أن أكتشـف أنـه أفضـل منـي. ولطـالما كـان مـوريس مصـدرًا جيـدًا للحكمـة فـي العمـل والحيـاة الأسـرية
والحياة العامة. يعمل موريس أستاذًا بجامعة بنسلفانيا.

ماكس بازرمان

ماكس ملم بأي موضوع تقريبًا يصادفه في البحث أو السياسة أو الحياة الشخصية. وهو لديه دومًا شيء غير متوقع ومثير للانتباه للحديث عنه. وبعد أن اكتشفت
أن كثيرين من طلابه يتغلبون على مشكلاتهم ويتخذون قراراتهم من خلال طرح سؤال على غرار: "ما الذي سيفعله ماكس؟"، وجربت هذه الطريقة بنفسي بضع
مرات ويمكنني التصديق على فائدتها. يعمل ماكس حاليًّا أستاذًا بجامعة هارفارد.

مايكل نورتون

يتمتع مايك بمزيج مثير من الذكاء وتأنيب الذات وحس الدعابة الساخرة. ولديه رؤية متميزة عن الحياة، ويجد أي موضوع مثير للاهتمام. وهو شخص رائع في
تقديم الأفكار، وتقييمه عبارة عن مزيج غريب وغير متوقع وبنَّاء وملهم. وكثيرًا ما كنت أعتبر مشروعات البحث رحلة، ومع مايك اعتدت الخروج في مغامرات من
المستحيل أن أخوضها مع أحد غيره. يعمل مايك حاليًّا أستاذًا بجامعة هارفارد.

نيكول ميد

قابلت نيكول لأول مرة حين كانت طالبة بجامعة فلوريدا. وفي وقت متأخر بعد أن ألقيت محاضرتي جلسنا معًا نحتسي الشراب. وأتذكر أنني أعجبت كثيرًا بالأفكار
التي ناقشناها، ولكن في لحظة ما سألت نيكول ما إذا كانت الأفكار جيدة فعلًا أم أننا شربنا حتى الثمالة. وأكدت لي نيكول أن الأمر لا علاقة له بالشراب، وأظن
أنها كانت محقة بوجه عام. لدى نيكول الكثير من الأفكار الرائعة وهي تعمل حاليًّا أستاذة بإحدى الجامعات في البرتغال.

نينا مازار

جاءت نينا إلى معهد ماساشوستس للتقنية لأول مرة لبضعة أيام لتحصل على تقييم لبحثها وانتهت بها الحال للبقاء في المعهد لمدة خمس سنوات. خلال هذه
الفترة، حظينا بمتعة كبيرة للعمل معًا واعتدت الاعتماد عليها بصورة كبيرة. نينا بمثابة حائط صد للعقبات، واستعدادها لخوض تحديات كبيرة قادنا نحو إجراء
بعض التجارب الصعبة في قرى الهند. وعلى مدار عدة سنوات، تمنيت ألا تقرر الرحيل، ولكن للأسف حان الوقت لذلك. وهي تعمل الآن أستاذة بجامعة تورنتو.
وفي الواقع، تعمل نينا مصممة أزياء في مدينة ميلان.

أون أمير

التحــق أون بمعــهد ماســاشوستس للتكنولوجيــا كطــالب دكتــوراه بعــد عــام مـن انضـمامي كأسـتاذ جـديد وصـار أول طـالب "لـي". وبـهذه الصـفة، لعـب دورًا هـائلًا فـي
تشــكيل مــا أتوقعــه مــن الطــلاب ورؤيتـي للعلاقـة بـين الطـالب والأسـتاذ. بالإضـافة إلـى ذكائـه الاسـتثنائي، يتمتـع أون بمجموعـة رائعـة مـن المـهارات, ومـا لا يعرفـه أنـه
يستطيع تعلم شيء ما في غضون يوم أو يومين. ومن الرائع دومًا العمل وقضاء الوقت معه. يعمل أون حاليًّا أستاذًا بجامعة كاليفورنيا بمدينة سان دييجو.

راشيل باركان

صرت أنا وراشيل صديقين منذ عدة سنوات مضت حين كنا زميلين في الدراسة. وعلى مدار السنوات، تحدثنا عن العديد من المشروعات البحثية معًا، ولكننا لم
نبدأ هذه المشروعات إلا حين قضت عامًا بجامعة ديوك. وكما اتضح، تُعد القهوة عنصرًا مهمًّا لترجمة الأفكار إلى أفعال، ولقد أمضينا وقتًا ممتعًا خلال زيارتها,
وأحرزنا تقدمًا كبيرًا في عدة مشروعات. وتتمتع راشيل بالمعرفة والذكاء والفطنة بقدر لا يصدقه عقل؛ ولا أتمنى شيئًا سوى قضاء المزيد من الوقت معًا. تعمل
راشيل حاليًّا أستاذة في إحدى جامعات الشرق الأوسط.

روي باومستر

روي عبــارة عــن مزيــج فريــد مــن الفيلســوف والملحــن والشــاعر والمــراقب المــهتم بــالحياة البشــرية. واهتماماتــه تشــمل كــل شــيء، ووجــهات نظــره عــادةً مــا تبـدو مربكـة
بالنسبة لي من الوهلة الأولى، ولكني بعد ذلك أدرك الحكمة وراء وجهة نظره وتنتهي بي الحال لأفكر في آرائه لفترة طويلة؛ وكثيرًا ما أتبنى وجهة نظره, وروي
شخص مثالي لتسافر وتستكشف معه, وهو يعمل الآن أستاذًا بجامعة فلوريدا.

سكوت ماكنزي

كان سكوت طالبًا بجامعة ديوك عندما التحق بمركز الأبحاث المتقدمة للإدراك المتأخر. كان شخصية اجتماعية جدًّا ويتمتع بمهارة بارعة تجعل الناس يقومون
بالأشياء التي يريدها منهم، ومن بين هذه الأشياء المشاركة في أبحاثنا. وعندما كان يختار موضوعًا لمشروع بحثي مستقل، اختار الغش في لعبة الجولف, وخلال
المشروع تعلمت منه الكثير عن تلك اللعبة النبيلة. يعمل سكوت حاليًّا في مجال الاستشارات.

شاهار آيال

التقــيت شــاهار لأول مــرة مــن خــلال أصــدقاء مشــتركين لنــا والتقيتــه مــرة أخــرى حــين كــان يــدرس للحصــول علــى درجـة الـدكتوراه تحـت إشـراف صـديق آخـر. وعنـدما
تخــرج، جمعتنــا الحيــاة علــى المســتويين الشــخصي والعملــي، وقضــى بضــع ســنوات فــي مــركز الأبحــاث المتقــدمة لـلإدراك المتـأخر بـاعتباره زميـلًا يقـوم بدراسـات مـا بعـد
الدكتوراه. وعلى مدار تلك السنوات، تعمقت معرفتنا ببعضنا أكثر وتشابهت طريقة تفكيرنا (بالتأكيد تشابهت في الأفضل). ومن المبهج أن تعمل مع شاهار وتقضي
معه الوقت، وأنا أتطلع للعمل معه في أبحاث مشتركة على مدار عدة سنوات قادمة. ويعمل شاهار حاليًّا أستاذًا بأحد المعاهد في إحدى دول الشرق الأوسط.

توم جيلوفيتش

عنــــدما كنــــت أدرس للحصــــول علــــى درجــــة الــدكتوراه، حضــرت أحــد العــروض التقــديمية التــي يقــدمها تــوم، وذهلــت مــن جــودة أفكــاره وإبــداعه. يتمتــع تــوم بقــدرة
استثنائية على طرح الأسئلة المهمة والعثور على الإجابات في أماكن مثيرة للاهتمام. على سبيل المثال، لقد أوضح أن الفرق التي ترتدي زيًّا أسود تحظى بإنذارات
المخالفة أكثر من منافسيها، وأن لاعبي كرة السلة لا يحققون نجاحات متتالية بمحض المصادفة، وأن لاعبي الرابطة الوطنية لكرة السلة يخسرون رميات حرة أكثر
عندما يظنون أنهم لا يستحقون ضربات الجزاء. لطالما رغبت في أن أشبه توم كثيرًا, ويعمل توم حاليًّا أستاذًا بجامعة كورنيل.

يوئيل إنبار

التقيت يوئيل لأول مرة حين كان طالبًا لدى توم جيلوفيتش وديفيد بيتزارو، وبهذه الكيفية بدأنا العمل معًا. يوئيل هو نموذج الشاب المعاصر المطلع على أحدث
التقنيات وصاحب المعرفة العميقة لفرق الإندي روك (ولعلك لم تسمع عن هذه الفرق) ونظام اليونكس. ومن اهتمامات يوئيل إثارة الاشمئزاز، فهو خبير في إيجاد
طرق مثيرة لاشمئزاز الآخرين. يعمل يوئيل حاليًّا أستاذًا بجامعة تيلبورج بهولندا.

زوي تشانس

زوي عبارة عن قوى من الإبداع والإحسان؛ فالحديث معها أشبه بالذهاب إلى الملاهي - تعرف أنها رحلة مثيرة وممتعة، ولكن من الصعب أن تتوقع الاتجاه الذي
ستأخذك إليه تعليقاتها. بالإضافة إلى حبها للحياة والبشرية، فهي تمثل مزيجًا مثاليًّا من الصديق والباحث. تعمل زوي زميلة تقوم بدراسات ما بعد الدكتوراه
بجامعة ييل.
ملاحظات

المقدمة: لماذا الكذب مثير للاهتمام جدًّا؟

1. Ira Glass, "See No Evil," This American Life, National Public Radio, April 1,2011.

الفصل الأول: اختبار النموذج البسيط للجريمة المدروسة

1. "Las Vegas Cab Drivers Say They’re Driven to Cheat," Las Vegas Sun,January 31, 2011, www.lasvegassun.com/news/2011/jan/31/ driven-cheat/.

الفصل الثالث: محفزاتنا تعمينا

1. A. Wazana, "Physicians and the Pharmaceutical Industry: Is a Gift Ever Just a Gift?" Journal of the American Medical
Association (2000).

2. Duff Wilson, "Harvard Medical School in Ethics Quandary," TheNew York Times, March 2, 2009.

الفصل الخامس: لماذا يزيد ارتداء الماركات المقلدة من رغبتنا في الغش؟

1. K. J. Winstein, "Inflated Credentials Surface in Executive Suite,"The Wall Street Journal, November 13, 2008.

الفصل السادس: خداع أنفسنا

1. Anne Morse, "Whistling Dixie," The Weekly Standard (blog), November 10, 2005.

2. Geoff Baker, "Mark McGwire Admits to Steroids Use: Hall of FameVoting Becoming a Pain in the Exact Place He Used to Put
the Needle,"http://seattletimes.nwsource.com/html/marinersblog/201 0767251_mark_mcgwire_admits_to_steroid.html.

الفصل الثامن: الغش باعتباره عدوى: كيف نصاب بجرثومة الكذب؟

1. Steve Henn, "Oh, Waiter! Charge It to My PAC," Marketplace, July21,2008, and "PACs Put the Fun in Fundraising,"
Marketplace, July22,2008.

2. Steve Henn, "PACs Put the Fun in Fundraising," Marketplace, July22,2008.

الفصل التاسع: الغش التعاوني

1. Dennis J. Devine, Laura D. Clayton, Jennifer L. Philips, Benjamin B.Dunford, and Sarah P. Melner, "Teams in Organizations,
Prevalence, Characteristics, and Effectiveness," Small Group Research (1999).John Gordon, "Work Teams: How Far Have They
Come)" Training(1992).Gerald E. Ledford, Jr., Edward E. Lawler Ill, and Susan A ..Mohrman, "Reward Innovations in Fortune
1000 Companies,"Compensation & Benefits Review (1995).Susan A. Mohrman, Susan G. Cohen, and Allan M. Mohrman, jr.,
Designing Team-Based Organizations: New Forms forKnowledge Work (San Francisco: Jossey-Bass, 1995).Greg L. Stewart,
Charles C. Manz, and Henry P. Sims, Team Workand Group Dynamics (New York: Wiley, 1999).

2. Bernard Nijstad, Wolfgang Stroebe, and Hein F. M. Lodewijkx, "The Illusion of Group Productivity: A Reduction of Failures
Explanation," European Journal of Social Psychology (2006).

3. ADA Council on Scientific Affairs, "Direct and Indirect RestorativeMaterials," The Journal of the American Dental
Association (2003).

الفصل العاشر: نهاية شبه متفائلة: الناس لا يغشون بالقدر الكافي!

1. Montpelier [Vermont] Argus & Patriot, March 6,1873.

قائمة بالمراجع والمزيد من القراءات

المقدمة: لماذا الكذب مثير للاهتمام جدًّا؟

مقتبس عن:

Tim Harford, The Logic of Life: The Rational Economics of an Irrational World (New York: Random House, 2008).

الفصل الأول: اختبار النموذج البسيط للجريمة المدروسة

مقتبس عن:

Jerome K. Jerome, Three Men in a Boat (to Say Nothing of the Dog)

(1889; reprint, New York: Tom Doherty Associates, 2001).

Jeff Kreisler, Get Rich Cheating: The Crooked Path to Easy Street (New

York: HarperCollins, 2009).

Eynav Maharabani, "Honesty and Helping Behavior: Testing Situations Involving Temptation to Cheat a Blind Person,"
master’s thesis, (2007).

Nina Mazar, On Amir, and Dan Ariely, "The Dishonesty of Honest People: A Theory of Self-conceptMaintenance," Journal of
Marketing Research (2008).

Nina Mazar and Dan Ariely, "Dishonesty in Everyday Life and Its Policy

Implications," Journal of Public Policy and Marketing (2006).

الفصل الثاني: التلاعب بعامل التصحيح

مقتبس عن:

Nina Mazar, On Amir, and Dan Ariely, "The Dishonesty of Honest People: A Theory of Self-concept Maintenance," Journal of
Marketing Research (2008).

Lisa Shu, Nina Mazar, Francesca Gino, Max Bazerman, and Dan Ariely, "When to Sign on the Dotted Line? Signing First Makes
Ethics Salienr and Decreases Dishonest Self-Reports," working paper, Harvard Business School NOM Unit (2011).

قراءات ذات صلة

Jason Dana, Roberto A. Weber, and Jason Xi Kuang, "Exploiting Moral Wiggle Room: Behavior Inconsistent with a Preference
for Fair Out­ comes," Economic Theory (2007).

Christopher K. Hsee, "Elastic Justification: How Tempting but Task­ Irrelevant Factors Influence Decisions," Organizational
Behavior and Human Decision Processes (1995).

Christopher K. Hsee, "Elastic Justification: How Unjustifiable Factors Influence Judgments," Organizational Behavior and
Human Decision Processes (1996).

Maurice Schweitzer and Chris Hsee, "Stretching the Truth: Elastic Justification and Motivated Communication of Uncertain
Information," The Journal of Risk and Uncertainty (2002).

الفصل الثاني (ب):لعبةالجولف

قراءات ذات صلة

Robert L. Goldstone and Calvin Chin, "Dishonesty in Self-report of Copies Made-Moral Relativity and the Copy Machine," Basic
and Applied Social Psychology (1993).

Robert A. Wicklund, "The Influence of Self-awareness on Human Behavior," American Scientist (1979).

الفصل الثالث: محفزاتنا تعمينا

مقتبس عن:

Daylian M. Cain, George Loewenstein, and Don A. Moore, "The Dirt on Coming Clean: The Perverse Effects of Disclosing
Conflicts of Interest," Journal of Legal Studies (2005).

Ann Harvey, Ulrich Kirk, George H. Denfield, and P. Read Montague, "Monetary Favors and Their Influence on Neural
Responses and Revealed Preference," The journal of Neuroscienc (2010).

قراءات ذات صلة

James Bader and Daniel Shugars, "Agreement Among Dentists’ Recommendations for Restorative Treatment," Journal of
Dental Research (1993).

Max H. Bazerman and George Loewenstein, "Taking the Bias Out of

Bean Counting," Harvard Business Review. (2001).

Max H. Bazerman, George Loewenstein, and Don A. Moore, "Why Good Accountants Do Bad Audits: The Real Problem Isn’t
Conscious Corruption. It’s Unconscious Bias," Harvard Business Review. (2002).

Daylian M. Cain, George Loewenstein, and Don A. Moore, "When

Sunlight Fails to Disinfect: Understanding the Perverse effects of Disclosing Conflicts of Interest," Journal of Consumer
Research (in press) .

Carl Elliot, White Coat, Black Hat: Adventures on the Dark Side of
Medicine (Boston: Beacon Press, 2(10).

الفصل الرابع: لماذا نستسلم حين نشعر بالإرهاق؟!

مقتبس عن:

Mike Adams, "The Dead Grandmother/Exam Syndrome and the Potential Downfall of American Society," The Connecticut
Review. (1990).

Shai Danziger, Jonathan Levav, and Liora Avnaim-Pcsso, "Extraneous Factors in Judicial Decisions," Proceedings of the
National Academy of Sciences of the United States of America (2011).

Nicole L. Mead, Roy F. Baumeister, Francesea Gino, Maurice E.

Schweitzer, and Dan Ariely, "Too Tired to Tell the Truth: Self­ Control Resource Depletion and Dishonesty," Journal of
Experimental Social Psychology (2009).

Emre Ozdenoren, Stephen W. Salam, and Dan Silverman, "Willpower and the Optimal Control of Visceral Urges," Journal of the
European Economic Association (2011).

Baba Shiv and Alexander Fedorikhin, "Heart and Mind in Conflict: The Interplay of Affect and Cognition in Consumer Decision
Making,"

The Journal of Consumer Research (1999).

قراءات ذات صلة

Roy F. Baumeister and John Tierney, Willpower: Rediscovering the Greatest Human Strength (New York: The Penguin Press,
2011). Roy F. Baumeister, Kathleen D. Vohs, and Dianne M. Tice, "The Strength Model of Self-control," Current Directions in
Psychological Science (2007).

Francesca Gino, Maurice E. Schweitzer, Nicole L. Mead, and Dan Ariely, "Unable to Resist Temptation: How Self-Control
Depletion Promotes Unethical Behavior," Organizational Behavior and Human Decision Processes (2011).

C. Peter Herman and Janet Polivy, "A Boundary Model for the Regulation of Eating," Research Publications-Association for
Research in Nervous and Mental Disease (1984).

Walter Mischel and Ozlern Ayduk, "Willpower in a Cognitive-Affective Processing System: The Dynamics of Delay of
Gratification," in Handbook of Self-regulation: Research, Theory, and Applications, edited by Kathleen D. Vohs and Roy F.
Baumeister (New York: Guilford, 2011).

Janet Polivy and C. Peter Herman, "Dieting and Binging, A Causal Analysis," American Psychologist (1985).

الفصل الخامس: لماذا يزيد ارتداء الماركات المقلدة من رغبتنا في الغش؟

مقتبس عن:

Francesca Gino, Michael L. Norton, and Dan Ariely, "The Counterfeit

Self: The Deceptive Costs of Faking It," Psychological Science (2010).

قراءات ذات صلة

Dan Ariely and Michael L. Norton, "How Actions Create-Not Just

Reveal-Preferences," Trends in Cognitive Sciences (2008).

Roy F. Baumeister, Kathleen D. Vohs, and Dianne M. Tice, "The Strength Model of Self-control," Current Directions in
Psychological Science (2007).

C. Peter Herman and Deborah Mack, "Restrained and Unrestrained

Eating," Journal of Personality (1975).

الفصل السادس: خداع أنفسنا

مقتبس عن:

Zoe Chance, Michael I. Norton, Francesca Gino, and Dan Ar iely, "A Temporal View of the Costs and Benefits of Self-Deception,"
Proceedings of the National Academy of Sciences (2011).

قراءات ذات صلة

Ziva Kunda, "The Case for Motivated Reasoning," Psychological Bulletin (1990).

Danica Mijovic-Prelec and Drazen Prelec, "Self-deception as Self­ Signaling: A Model and Experimental Evidence," Philosophical
Transactions of the Royal Society (2010).

Robert Trivers, "The Elements of a Scientific Theory of Self-Deception,"

Annals of the Nell’ York Academy of Sciences (2000).

الفصل السابع: الإبداع والكذب: إننا جميعًا قصاصون

مقتبس عن:

Edward J. Balleisen, "Suckers, Swindlers, and an Ambivalent State: A History of Business Fraud in America," manuscript.

Shane Frederick, "Cognitive Reflection and Decision Making," journal of Economic Perspectives (2005).

Michael S. Gazzaniga , "Consciousness and the Cerebral Hemispheres," in The Cognitive Neurosciences, edited by Michael S.
Gazzaniga (Cambridge, Mass.: MIT Press, 1995).
Francesca Gino and Dan Ariely, "The Dark Side of Creativity: Original

Thinkers Can Be More Dishonest," journal of Personality and

Social Psychology (2011).

Ayelet Gneezy and Dan Ariely, "Don’t Get Mad, Get Even: On Consumers’ Revenge," working paper, Duke University (2010).

Richard Nisbett and Timothy DeCamp Wilson, "Telling More Than We Can Know: Verbal Reports on Mental Processes,"
Psychological Review (1977).

Yaling Yang, Adrian Raine, Todd Lencz, Susan Bihrle, Lori Lacasse, and Patrick Colletti, "Prefrontal White Matter in
Pathological Liars," The British journal of Psychiatry (2005).

قراءات ذات صلة

Jesse Preston and Daniel M. Wegner, "The Eureka Error: Inadvertent Plagiarism by Misattributions of Effort," Journal of
Personality and Social Psychology (2007).

الفصل الثامن: الغش باعتباره عدوى: كيف نصاب بجرثومة الكذب؟

مقتبس عن:

Nicholas A. Christakis and James H. Fowler, Connected: The Surprising Power of Our Social Networks and How They Shape Our
Lives (New York: Little, Brown, 2009).

Robert B. Cialdini, Influence: The Psychology of Persuasion (New

York: William Morrow, 1993).

Francesca Gino, Shahar Ayal , and Dan Ariely, "Contagion and Differentiation in Unethical Behavior: The Effect of One Bad
Apple on the Barrel," Psychological Science (2009).

George L. Kelling and James Q. Wilson, "Broken Windows: The Police

and Neighborhood Safety," The Atlantic (March 1982).

Nina Mazar. Kristina Shampanier, and Dan Ariely, "Probabilistic Price Promotions-When Retailing and Las Vegas Meet,"
working paper, Rotman School of Management, University of Toronto (2011).

قراءات ذات صلة

Ido Erev, Paul Ingram, Ornit Raz , and Dror Sharry, "Continuous Punishment and the Potential of Gentle Rule Enforcement,"
Behavioral Processes (2010).

الفصل التاسع:الغش التعاوني: لماذا ليس بالضرورة أن يكون عقلان خيرًا من عقل واحد؟

مقتبس عن:

Melissa Bateson, Daniel Nettle, and Gilbert Roberts, "Cues of Being Watched Enhance Cooperation in a Real-World Setting,"
Biology Letters (2006).

Francesca Gino, Shahar Ayal, and Dan Ariely, "Out of Sight, Ethically Fine? The Effects of Collaborative Work on Individuals’
Dishonesty," working paper (2009).

Janet Schwartz, Mary Frances Luce, and Dan Ariely, "Are Consumers Too Trusting? The Effects of Relationships with Expert
Advisers,"

Journal of Marketing Research (2011).

قراءات ذات صلة

Francesca Gino and Lamar Pierce, "Dishonesty in the Name of Equity,"

Psychological Science (2009).

Uri Gneezy, "Deception: The Role of Consequences," American Economic

Review (2005).

Nina Mazar and Pankaj Aggarwal, "Greasing the Palm: Can Collectivism Promote Bribery?" Psychological Science (2011).

Scott S. Wiltermuth, "Cheating More When the Spoils Are Split," Organizational Behavior and Human Decision Processes
(2011).

الفصل العاشر:نهاية شبه متفائلة: الناس لا يغشون بالقدر الكافي!

مقتبس عن:

Rachel Barkan and Dan Ariely, "Worse and Worst: Daily Dishonesty of Business-men and Politicians," working paper, Ben-Gurion University of the Negev, (2008).

Yoel Inbar, David Pizarro, Thomas Gilovich, and Dan Ariely, "Moral Masochism: Guilt Causes Physical Self-punishment,"
working paper (2009).

Azim Shariff and Ara Norenzayan, "Mean Gods Make Good People: Different Views of God Predict Cheating Behavior,"
International Journal for the Psychology of Religion (2011).

قراءات ذات صلة

Keri L. Kettle and Gerald Haubl, "The Signature Effect: How Signing One’s Name Influences Consumption-Related Behavior by
Priming Self-Identity," Journal of Consumer Research (2011).
Deepak Malhotra, "(When) Are Religious People Nicer? Religious Salience and the ‘Sunday Effect’ on Pro-Social Behavior,"
Judgment and Decision Making (2010).


 










الفهرس
الإشادة بهذا الكتاب 2
كتب أخرى لـ دان آريلي 3
إهداء 3
مقدمة 3
الفصل 1 7
الفصل 2 16
الفصل 2 ب 26
الفصل 3 31
الفصل 4 43
الفصل 5 53
الفصل 6 65
الفصل 7 74
الفصل 8 87
الفصل 9 99
الفصل 10 107
الفصل 11 115
شكر وتقدير 117
قائمة بالمساهمين 117
ملاحظات 121
قائمة بالمراجع والمزيد من القراءات 122
مكتبة الكندل العربية 132
شكرا خاص للعضو خليفة ضبعون 132








مكتبة الكندل العربية

https://arabic-kindle.com

تليقرام
https://t.me/ArabicKindle

المكتبة السحابية
https://www.goo.gl/g2nusx

شكرا خاص للعضو خليفة ضبعون