Advertisement

قواطع الأدلة في الأصول 001



الكتاب: قواطع الأدلة في الأصول
المؤلف: أبو المظفر، منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفى: 489هـ)
المحقق: محمد حسن محمد حسن اسماعيل الشافعي
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان
الطبعة: الأولى، 1418هـ/1999م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
المجلد الأول
مقدمة المؤلف
...
قال الشيخ.
بسم الله الرحمن الرحيم1.
وهو حسبي وكفى رب يسر ولا تعسر.
الحمد لولي الحمد ومستحقه وصلواته على خيرته من خليقته محمد وآله.
أما بعد2 فإني رأيت الفقه أصل العلوم وأشرفها قال الله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] أمر الله تعالى بالتفقه في الدين وجعله فرضا على فرق الناس قاطبة ليقوم طائفة من كل فرقة به وينتصبوا في قومهم منصب الانبياء في اممهم منذرين ومحذرين دعاة إلى الله تعالى قائمين بدينه ياتين سبيله موضحين للخلق نهجه فصار الفقهاء خلفاء الرسل انذارا وتحذيرا وارثى علومهم قياما به وحملا سالكى طريقتهم بثا ونشرا وهذه مرتبة لا توجد لفرقة من الفرق وناهيك بها من مرتبة ولأن علم الفقه علم على منهج الازدياد لأنه العلم بأحكام الحوادث ولا حصر ولا حد للحوادث ولا حصر ولا حد للعلم بأحكامها ومواجبها وعلم الأصول في الديانات وأن كان علما شريفا في نفسه وهو أصل الأصول وقاعدة كل العلوم ولكنه علم محصور مبناه لأنه معارف محصورة أمر الله تبارك وتعالى بها لا مزيد فيها ولا نقصان منها وأما علم الفقه فعلم.
__________
1 الباء فيه قيل: إنها زائدة فلا تحتاج إلى ما تتعلق به أو للاستعانة أو للمصاحبة متعلقة بمحذوف اسم فاعل خبر مبتدأ محذوف أو فعل أي: أؤلف أو أبدأ أو حال من فاعل الفعل المحذوف أي أبتدئ متبركا ومستعينا بالله أو مصدر مبتدأ خبره محذوف أي ابتدئى باسم الله ثابت والله علم ذات الواجب والمستحق لجميع المحامد وأكثر أهل العلم على أنه اسم الله الأعظم.
والرحمن الرحيم: اسمان بنيا للمبالغة من رحم بتنزيله منزلة اللازم أو بجعله لازما ونقله إلى فعل بالضم.
انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي 4/292 - 344 كشاف القناع للشيخ البهوتي 1/10, 11 قيد الطبع بتحقيقنا.
2 تسمى فصل الخطاب انظر السبع كتب مفيدة لعلوي السقاف ص 62.
(1/17)

مستمر على ممر الدهور وعلى تقلب الاحوال والاطوار بالخلق لا انقضاء وانقطاع له وقد جعل الله تعالى اجتهاد الفقهاء في الحوادث في مدرج الوحى في زمان الرسل صلوات الله عليهم فقد كان الوحى هو المطلوب فى زمان الرسل عليهم السلام كشان أحكام الحوادث وحمل للخلق عليها فحين انقطع الوحى وانقضى زمانه وضع الله تبارك وتعالى الاجتهاد من الفقهاء فى موضع الوحى ليصدر منه بيان أحكام الله تعالى ويحمل الخلق عليها قبولا وعملا ولا مزيد على هذه المنقبة لا متجاوز عن هذه المرتبة:
شاء وزاد الله جنته سؤددا ... وذلك مجد يملأ الحجر واليدا
نعم وما يشبه الفقيه إلا بغواص في بحر در كلما غاص في بحر في بحر فطنته استخرج درا وغيره يستخرج بالخراز وطالب الزيادة في منهج الزيادة معان منصور مطالب الزيادة على مالايزيد عليه مبعد مخذول والله تعالى يفتح عين بصيرة من احب عباده بطوله وفضله ويعمى عين من يشاء بقهره وعدله وقد سبقت منى مصنفات في مسائل الخلاف التي هي بيننا وبين اصحاب الراي نبهت فيها على معاني الفقه واستخرجت لطالبيها قلائد1 وقرائد2 طالما كانوا في طلبها فاعتاصت عليهم إلى أن يسر الله ذلك وتمهدت له قواعدها وطابت لهم مشارعها ونسقت معاني الفقه نسوقا وتعرقت عروقا اظن أن لامزيد عليها ولامحيد للمحققين عنها وقد كان جماعة من اصحابي احسن الله تعالى لهم التولي والحياطة يطلبون مجموعا في أصول الفقه يستحكم لهم بها معانيه ويقوى افرعها ويجتمع اشدها وينسق فروعها ويرسخ أصولها فإن من لم يعرف أصول معاني الفقه لم ينج من مواقع التقليد وعد من جملة العوام وما زلت طول ايامي اطالع تصانيف الاصحاب في هذا الباب وتصانيف غيرهم فرأيت أكثرهم قد قنع بظاهر من الكلام ورائق من العبارة لم يداخل حقيقة الأصول على مايوافق معاني الفقه وقد رايت بعضهم قد اوغل وحلل وداخل غير أنه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل3 وسلك طريق المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه بل لا.
__________
1 ما يوضع في اليد.
2 ما يوضع في العنق.
3 جميع مسألة وهي لغة السؤال.
وعرفا مطلوب خيري يبرهن عليه في العلم انظر السبع كتب مفيدة لعلوي السقاف ص 62.
(1/18)

قبيل لهم فيه ولا وفير ولا نقير ولا قطمير ومن تشبع بما لم يعطه فقد لبس ثوبى زور وعادة السوء قطاع لطريق الحق وصم عن سبيل الرشد واصابة الصواب فاستخرت الله تعالى عند ذلك وعمدت إلى مجموع مختصر في أصول الفقه اسلك فيه طريقة الفقهاء من غير زيغ عنه ولا حيد ولاميل ولا أرضى بظاهر من الكلام ومتكلف من العبارة معول على السامعين ويسبى قلوب الأعتام الجاهلين لكن اقصد لباب اللب وصفو الفطنة وزيدة الفهم وأنص على المعتمد عليه في كل مسألة وأذكر من شبه المخالفين بما عولوا عليها وأخص ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي في تقويم الأدلة بالايراد وأتكلم بما تزاح معه الشبهة وينحل معه الاشكال بعون الله تعالى وأشير عند وصولي إلى المسائل المشتهرة بين الفريقين إلى بعض المسائل التي تتفرع لتكون عونا للناظر وحين أصل إلى باب القياس وما يتشعب منه من وجوه الكلام ومأخذ الحجة وطريقة الأسئلة والأجوبة ووجوه الأعتراض والأخذ الخصوم وتوقيف المجادلين على سواء الصراط وطلب ملازمة حدود النظر وسلوك الجدد وترك الحيد ومجانبة الزيغ والأخذ والمبين المحكم من مخاييل الظنيات وما تعلق به الاصحاب بمحض الاشتباه في كثير من المسائل ووجه صحة ذلك وفساده فسأشرح عند ذلك وأبسط زيادة بسط وشرح على حسب ما يسمح به الخاطر ويجود به الوقت والله المعين على ذلك والميسر له بمنه.
(1/19)

القول في مقدمات أصول الفقه.
اعلم أن أول ما نبدأ في هذا الفصل هو معرفة الفقه وأصوله ثم نبنى عليه ما يتشعب منه فنقول.
الفقه في اللغة من قولهم فقهت الشيء إذا ادركته وادراكك علم الشيء فقه1.
قال أبو الحسن بن فارس وقيل هو في اللغة المعرفة بقصد المتكلم يقول القائل فقهت كلامك أي عرفت قصدك به2.
وأما في عرف الفقهاء فهو العلم بأحكام الشريعة.
وقيل جملة من العلوم بأحكام شرعية.
فإن قال قائل أن في الفقه ظنيات كثيرة فكيف يسمى علما قلنا ما كان فيه من الظنيات فهى مستندة إلى العلميات ولأن الظن منى يسمى علما لأنه يؤدي إليه قال الله تعالى: {يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ} أي يعلمون.
وقيل أن الفقه هو أستنباط حكم المشكل من الواضح يقال فلان يتفقه إذا أستنبط علم الأحكام وتتبعها من طريق الأستدلال قال الله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ.
__________
1 قال الفيروزآبادي الفقه: بالكسر العلم بالشيء والفهم له والفطنة وغلب على علم من جهة لشرفه انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي 4/289.
قال الشيخ الآمدي الأشبه أن الفهم مغاير للعلم إذ الفهم عبارة عن جودة الذهن من جهة تهيئة لاقتناص كل ما يريد عليه من المطالب وإن لم يكن المتصف به عالما كالعامي الفطن انظر أحكام الأحكام للآمدي 1/7.
2 وهذاقاله فخر الدين الرازي في المحصول والمنتخب انظر المحصول لفخر الدين الرازي 1/9.
وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع هو فهم الأشياء الدقيقة فلا يقال: فقهت أن السماء فوقنا.
وقال الآمدي هو الفهم انظر أحكام الأحكام 1/7 قال الشيخ الأسنوي عن قول الآمدي وهو الصواب فقد قال الجوهري الفقه الفهم تقول فقهت كلامك بكسر القاف أفقهه بفتحها في المضارع أي فهمت أفهم قال الله تعالى: {فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} وقال تعالى: {مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ} وقال تعالى: {وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} انظر نهاية السول للأسنوي 1/8.
(1/20)

طَائِفَةٌ} الآية والدليل على أن التفقه أصل الاستنباط والاستدلال على الشيء بغيره حديث زياد بن لبيد قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وقال ذلك أوان ذهاب العلم قلت: كيف يذهب العلم وكتاب الله عندنا نقرأه ونقرأه ابنائنا فقال: "ثكلتك أمك يا زياد أن كنت لأراك من فقهاء المدينة أو من افقه رجل بالمدينة أو ليس اليهود والنصارى يقرءون التوراة والأنجيل ولا يعلمون بشىء مما فيهما" 1 فدل قوله: "أن كنت اعدك من فقهاء المدينة" على أنه لما لم يستنبط علم ما اشكل عليه من ذهاب العلم مع بقاء الكتاب بما شاهده من زوال العلم عن اليهود والنصارى مع بقاء التوراة والأنجيل عندهم حرج عن الفقه فهذا يدل على ماذكرناه من أن الفقه هو استنباط حكم المشكل من الواضح وعلى هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "رب حامل فقه غير فقيه" 2 أي غير مستنبط ومعناه أنه يحمل الرواية من غير أن يكون له أستدلال ولا أستنباط فيها.
"وأما أصول الفقه" فهي من حيث اللغة ما يتفرع عليه الفقه3 وعند الفقهاء هي طريق الفقه التي يؤدى الاستدلال بها إلى معرفة الأحكام الشرعية4 وهي تنقسم إلى قسمين إلى دلالة وإمارة فالدلالة ما أدى النظر الصحيح فيه إلى العلم5 والإمارة ما أدى النظر الصحيح فيه إلى غالب الظن6 ويقال في حد إلا صل ما ابتنى عليه غيره والفرع ما ابتنى على غيره.
وقيل الأصل مايقع التوصل به إلى معرفة ما وراءه والعبارتان مدخولتان لأن من أصول الشرع ما هو عقيم لا يقبل الفرع ولا يقع به التوصل إلى ما وراءه بحال مثل.
__________
1 أخرجه الترمذي في العلم 5/31 - 32 الحديث 2653 وابن ماجه في الفتن 2/1344 الحديث 4048 والإمام أحمد في مسنده 6/30 الحديث 24045.
2 أخرجه أبو داود في العلم 3/322 الحديث 366 والترمذي في العلم 5/33, 34 الحديث 2656 وابن مادجه في المقدمة 1/85 الحديث 231 والدارمي في المقدمة 1/86 الحديث 228 والإمام أحمد في مسنده 1/437 5/183.
3 تقدم الكلام على هذا في أول الكتاب.
4 تقدم الكلام عنه أيضا في أول الكتاب.
5 أو يتوصل به إلى معرفة المدلول انظر الكفاية في الجدل لإمام الحرمين ص 46 تحقيق دكتور فوقية حسين محمود.
6 كالغيم بالنسبة إلى المطر فإنه يلزم من العلم به الظن بوجودالمطر والفرق بين الأمارة والعلامة أن العلامة ما لا ينفك عن الشيء كوجود الألف واللام على الاسم والأمارة تنفك عن الشيء كالغيم بالنسبة للمطر التعريفات للجرجاني ص 29, 30.
(1/21)

ماورد به الشرع من دية الجنين والقسامة وتحمل العقل فهذه أصول ليست لها فروع فالأولى أن يقال أن الأصل كل ما يثبت دليلا في ايجاد حكم من أحكام الدين وإذا حد هذا فيتناول ما جلب فرعا أو لم بجلبه ثم اختلفوا في عدد الأصول قال عامة الفقهاء الأصول أربعة الكتاب والسنة واجماع الأمة والعبرة واختصر بعضهم فقال دلائل الشرع قسمان أصل ومعقول الأصل فالأصل الكتاب والسنة والأجماع ومعقول الأصل هو القياس وأشار الشافعي رحمه الله أن جماع الأصول نص ومعنى فالكتاب والسنة والأجماع داخل تحت النص والمعنى هو القياس وقد ضم بعضهم العقل إلى هذه الأصول وجعله قسما خامسا.
وقال أبو العباس بن القاص الأصول سبعة الحس والعقل والكتاب والسنة والأجماع والعبرة واللغة والصحيح أن الأصول أربعة على ما قدمنا وأما العقل فليس بدليل يوجب شيئا وإنما يكون به درك الأمور فحسب أو هو آلة المعارف وأما الحس فلا يكون دليلا بحال والأمر فيه بين لأن الحس يقع فيه درك الأشياء الحاضرة فهي مالم يوجد كونا ولم يشاهد عينا فلا يكون للحس فيها تأثير وأما اللغة فهي مدرجة اللسان وفطنة لمعاني الكلام وأكثر ما فيها أنها عبارة عن الشيء باسمه تمييزا له عن غيره بوضعه ولاحظ لأمثال هذا في ايجاب شيء واثبات حكم وإذا عرفنا الفقه وأصوله فلا بد من معرفة العلم لأنا بينا أن الفقه هو العلم بأحكام الشريعة فنقول العلم على ضربين ضروري ومكتسب ونعنى به العلم الذي هو يحدث فأما العلم القديم الذي هو للباري عز اسمه فلا نوصفه بواحد منهما فأما علم الاضرار فضربان:
أحدهما: ما كان مبدئا في النفوس كالعلم بأن المسمى لا يخلو من وجود أو عدم وأن الموجود لا يخلو من حدوث أو قدم وأن من المستحيل اجتماع الضدين وكون الجسم في محلين وزيادة الواحد على الأثنين وعلى هذا علم الأنسان بأحوال من نفسه من صحة وسقم وقوة وضعف وشجاعة وجبن ونفور وميل وغير ذلك وهذا النوع من العلم يدرك ببديهة العقل من غير أن يقوم له سبب.
والضرب الثاني: ما كان واقعا عن درك الحواس كالاشخاص المدركة بالبعد والاصوات المدركة بالسمع والطعوم المدركة بالذوق والروائح المدركة بالشم والاجسام المدركة باللمس ويدخل في هذا الضرب العلم بالبلدان التي لم يحضرها والوقائع التي لم يشهدها وكذلك العلم بورود الرسل صلوات الله عليهم ودعائهم إلى الله عز وجل.
(1/22)

وتكذيبهم وتصديقهم وأمثال هذا تكثر وضربى هذا العلم مدرك بغير نظر ولا استدلال وحده ما لا يمكن للعالم به نفيه عن نفسه بشك أو شبهة وأما العلم المكتسب فهو الواقع عن نظر واستدلال وهو على ضربين مسموع ومعقول فالمسموع ما أخذ عن توقيف صار به أصلا والمعقول ما أخذ عن اجتهاد صار به فرعا واختلفوا في حد العلم فقال بعضهم تبين المعلوم أو معرفة المعلوم أو درك المعلوم على ما هو به والأحسن هو اللفظ الأخير والذي قاله بعضهم أنه اثبات الشيء على ما هو به فاسد لأن المعدوم معلوم وهذا الحد يقتضى أن يكون شيئا وهو ليس بشيء عند أهل السنة والذي قاله بعضهم أنه اعتقاد الشيء على ما هو عليه باطل لأن الله تعالى مما لم يعلم على مانطق به الكتاب والسنة ولا نطلق عليه الاعتقاد بحال بل هو من صفات المخلوقين وإذا لم يكن الحد جامعا لم يكن صحيحا وهذا الحد حد المعتزلة وهم ضلال في كل ما ينفردون به وأما من حيث اللغة قال ابن فارس هو من قوله علمت الشيء وعلمت به وهو عرفانه على ما هو به يقال علمته علما قال وقد يكون اشتقاقه من العلم والعلامة وذلك لأن العلامة أمارة مما يميز بها الشيء عن غيره وكذلك العلم يميز به صاحبه عن غيره وعلى هذا قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} [الزخرف: 61] أي نزول عيسى بن مريم به يعرف قرب الساعة وقراءة قوم: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} أي أمارة ودلالة.
"وأما الجهل" فهو اعتقاد المعلوم على خلاف ما هو به ولابأس بلفظ الاعتقاد في حد الجهل بخلاف العلم على ما سبق.
"وأما الشك" فهو الوقوف بين منزلتي الجهل والعلم وقيل تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر فإذا ظهرت المزية لأحدهما على الآخر فهو ظن ويقال غلبه احد طرفي التجويز فإذا قوى سمى غالب الظن وقد ورد الظن بمعنى اليقين وقد ورد بمعنى الشك بدليل قوله تعالى: {إِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] أي يشكون فاليقين منه ما كان له سبب دل عليه والشك منه ماخطر بالقلب من غير سبب يدل عليه.
فإن قال قائل إنكم قلتم أن الفقه هو العلم بأحكام الشريعة فما أحكام الشريعة قلنا هي المنقسمة إلى كون الفعل واجبا ومندوبا إليه ومباحا ومحظورا ومكروها وليست الأحكام هي الأفعال بل هي مضافة إلى الأفعال يقال أحكام الأفعال والشيء لا يضاف إلى نفسه فالواجب مايثاب على فعله ويعاقب على تركه وهو في اللغة من.
(1/23)

السقوط1 قال الله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج: 36] أي سقطت فكأنه الشيء الذي سقط على المخاطب به فلزمه وأثقله كما يسقط عليه الشيء فلا يمكن دفعه عن نفسه والفرض مثل الواجب يقال فرضت عليك كذا أي اوجبته قال الله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] أي أوجب على نفسه ومنه قيل لسهام الميراث فريضة.
وأما الندب: فهو ما فيه ثناء على فعله ولا يعاقب على تركه وأصله في اللغة هو المدعو له والمرغب فيه2 يقال ندبته لكذا فانتدب له والنفل قريب من الندب إلا أنه دونه في المنزلة والنافلة من حيث اللغة الزيادة بعد الواجب وأصله من النفل وهو العطاء ومنه قول لبيد أن تقوى ربنا خير نفل.
والجائز: ما لا ثواب في فعله ولا عقاب في في تركه وأصله من جزت المكان إذا عبرته كأنه الشيء إذا وقع جاز ومضى ولم يحبسه مانع.
والحلال: هو الموسع في إثباته.
وأما المحظور: فهو ممنوع فعله وأصل الحظرا المنع ومنه الحظيرة التي تفعل للدواب لجمعها ومنعها من التفرق وكذلك الحرام هو الممنوع من إتيانه ومنه المحروم وهو الذي منع سعة الرزق ويقال الحرام والمحظور ما يعاقب على فعله.
والمكروه: ما تركه اولى من فعله.
والصحيح: ما يتعلق به النفوذ ويتحصل به المقصود.
والفاسد: مالا يتعلق به النفوذ ولا يحصل به المقصود.
والصواب: [ما] 3 أصيب به المقصود بحكم الشرع.
والخطا: نقيض الصواب في اللغة معناه مخالفة القصد والعدول عنه إلى غيره.
والحق يستعمل على وجهين أحدهما بمعنى الصواب يقال حق عليك أن تفعل كذا أي واجب والطاعة4 مأخوذة من الطوع والأنقياد ومعناها تلقى الأمر بالقبول والمعصية ضد الطاعة.
__________
1 انظر القاموس المحيط 1/136.
2 قال الشيخ الفيروزآبادي ندبه إلى الأمر كنصره دعاه وحثه انظر القاموس المحيط 1/131.
3 سقط من الأصل.
4 هذا هو المعنى الثاني للحق.
(1/24)

والحسن: كل فعل إذا فعله الفاعل لا يستحق الفاعل له ذما.
والقبح: كل فعل إذا فعله الفاعل استحق بفعله الذم.
واذا عرضنا انقسام أحكام الشرع فنقول العلم بأحكام الشريعة ضربان:
أحدهما: ما وجب فرض العلم به على الأعيان وهو ما لا يخلو مكلف من التزامه والعمل به من أفعال وتروك كالصوم والصلاة ووجوب الزكاة والحج لمن يجد المال وتحريم الزنا واباحة النكاح وتحريم الربا واباحة البيع وتحريم الخمر والقتل والسرقة وكذلك كل ما يكثر مواقعته من المحظورات ويجب على كل مكلف أن يعلم وجوبها عليه لاستدامة التزامها واختلفوا في عمله بوجوبها هل يجب أن يكون عن علمه بأصولها ودلائلها فذهب بعضهم إلى وجوب علمها بأصولها ودلائلها فيكون فرض العلم بأصولها على الأعيان كما كان فرض أحكامها على الأعيان وذهب بعضهم إلى أن فرض العلم بأصولها ساقط عنهم لأن الواجب عليهم العمل وأما العلم بالدلائل فيختص بها العلماء وهذا الوجه اوسع وأسهل وهو الأولى.
والضرب الثاني ما كان فرض العلم به على الكفاية وهو ما عدا النوعين من الأحكام التي تجوز أن يخلوالمكللف من التزامها ومعنى الفرض على الكفاية أنه يجب أن ينتدب لعلمه قوم في كل عصر فيرجع من يلزمه في حكمه إلى من يعلمه وإنما لم يجب على الأعيان لأن العلم بها لا يكون إلا مع الانقطاع إليها فإذا أوجبنا على كل ذلك اختل أمر المصالح التي هي مصالح الدنيا لأنهم إذا انقطعوا إلى العلم لم يتفرغوا للقيام بمصالح الدنيا فكان الواجب على الكفاية ليقوم به قوم والباقون يقومون بمصالح الدنيا فتنتظم على هذا الوجه مصالح الدين والدنيا جميعا ويجب أن يجتمع العلم بالأصول والأحكام في كل واحد من أهل الكفاية ولا يختص بكفاية العلم بالأحكام فريق وبكفاية العلم بالأصول فريق فإن تفرد بعلم الأحكام فريق وبعلم الأصول فريق لم تسقط بواحد منهما فرض الكفاية في الأحكام والأصول لأن الأحكام فروع الأصول والأصول موضوعة للفروع فلم يجز انفراد أحدهما عن الآخر.
وذهب من قال أن العالم يجوز له تقليد العالم إلى أنه لا يلزم الجمع بينهما ووأنه إذا انفرد بكل واحد من الأمرين جعل كاجتماعهما في الواحد وسقط بذلك فرض الكفاية واختلفوا بعد هذا في كيفية الوجوب في الواجب على الكفاية فذهبت طائفة من الفقهاء والأشعرية من المتكلمين إلى أنه واجب على كل واحد من أهل الفريضة بعينه.
(1/25)

بشرط أن لم يقم به غيره1.
وذهب طائفة من الفقهاء والمعتزلة من المتكلمين إلى أنه غير واجب على احد بعينه إلا بشرط أن لا يقوم به غيره2 فيكون على الوجه الأول فرضا إلا أن يقوم به الغير.
__________
1 هذا هو مذهب جمهور الأصوليين ففعل البعض مسقطا للطلب الموجه إليهم كما هو مسقط للطلب الموجه إلى غيرهم فمن ظن أو علم أن غيره قد فعل الواجب سقط عنه الطلب.
واستدلوا على ذلك:
أولا: قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} وقوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} فالله تعالى أمر بقتال الكافرين المعتدين ووجه الخطاب إلى جميع المكلفين القادرين على القتال فإن واو الجمع من صيغ العموم والعام يتوجه فيه الخطاب إلى كل فرد من أفراده ولا شك أن قتال الكافرين المعتدين من فروض الكفاية فإذا قال به البعض سقط عن الباقين فيكون الخطاب موجها إلى الجميع لا إلى بعض غير معين.
وثانيا: بأن ترك الواجب الكفائي من الجميع موجب لتأثيم الجميع اتفاقا وتأثيم الجميع موجب لتكليف الجميع لأنه لا يؤاخذ الشخص على شيء لم يكلف به فيكون الخطاب موجها إلى الكل انظر نهاية السول للأسنوي 1/195, 196 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 1/116.
2 واستدلوا لذلك: أولا بأنه لو تعلق الخطاب بالكل لما سقط بفعل البعض لأن شأن الخطاب المتعلق بكل فرد أنه لا يسقط إلا بفعل من تعلق به الخطاب لكن سقوط الخطاب عن الكل بفعل البعض متفق عليه فدل ذلك على أن الخطاب متعلق بالعبض وهو ما ندعيه والجواب: بأن الخطاب لم يقصد بالفعل ذات الفاعل وإنما قصد تحقيق الفعل لحصول المصلحة المترتبة عليه من غير نظر إلى الفاعل.
واستدلوا ثانيا: بقوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} ووجه الاستدلال أن طلب العلم الزائد عما يحتاج إليه كل واحد في عمله الواجب عليه عينا من فروض الكفاية وتوجيه الخطاب هنا لبعض غير معين من المسلمين ولولا الداخلة على الفعل الماضي تفيد اللوم والتنديم من شأنهما أن يكونا عن ترك واجب فأفاد ذلك أن هذه الطائفة قد تركت واجبا عليها وهوطلب العلم فيكون الوجوب متعلقا بها فقط فالخطاب حينئذ وهو الكفائي يكون موجها إلى بعض غير معين وهوالمطلوب.
والجواب: بالتعارض مع الأدلة في الكتاب على توجيه الخطاب إلى الكل والمصير إلى التأويل منعا للتعارض وهوحمل الآية على سقوط الفعل الواجب على جميع المسلمين بفعل هذه الطائفة لأن فعلها لها كاف في سقوط الطلب عن الكل فصح أن يوجه إليها اللوم عند تركها وهذا لأنه أمكن الجمع بين الآيات انظر نهاية السول للأسنوي 1/197 أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 1/17 - 118.
(1/26)

فيسقط وعلى القول الثاني غير فرض إلا أن لا يقوم به الغير فيجب.
وذهب بعضهم إلى أنه أن غلب على ظنه أن يقوم به غيره لا يجب عليه وأن غلب على ظنه أنه لا يقوم به احد وجب عليه وهذا وجه حسن والخلاف الأول محض صورة لاظهور فائدة فلا أرى له معنى1 واذ قد ذكرنا معنى العلم فلا بد أن نذكر معنى العقل وما قيل في حقيقته.
وقد قيل أنه أصل لكل علم وكان بعض أهل العلم يسميه أم العلم وقد اكثر الناس الخلاف فيه قبل الشرع وبعده ومن كثرة اختلاف الناس فيه قال بعضهم.
سل الناس أن كانوا لديك افاضلا ... عن العقل وانظر هل جوات2 محصل
وقد جعله المتقدمون جوهرة وقالوا: أنه جوهر لطيف يفصل به بين حقائق المعلومات قالوا: وهذا فاسد لانه لو كان جوهر لصح قيامه بذاته فجاز أن يكون عقل بلا عاقل كما جاز أن يكون جسم بغير عقل فحين لم يتصور ذلك دل أنه ليس بجوهر وأما عند كافة المسلمين فهو نوعا من العلم يدخل في جملة اقسامه واختلفوا في حقيقته على أقاويل شتى وقد روى عن الشافعي رحمه الله أنه قال آلة التمييز.
وقال بعضهم العقل بصر القلب وهو بمنزلة البصر من العين ندرك به المعلومات كادراك البصر المشاهدات قاله أبو الحسن عن ابن حمزة الطبري.
وقال بعضهم هو قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات وقال بعضهم معنى العقل هو العلم لا فرق بينهما لانه لا فرق عند أهل اللغة وأرباب اللسان بين قولهم علمت وعقلت فيستعملون العلم والعقل على حد ولاحد في معنى واحد ويقولون هذا أمر.
__________
1 بل قال الشيخ أبو النور زهير: تظهر ثمرة الخلاف فيمن علم بوجود ميت مثلا وشك هل قام غيره بما يلزمه له من تغسيل وتكفين أو لم يقم بذلك فعلى رأي الجمهور يجب عليه السعي ليتبين حقيقة الأمر ولا يسقط عند الطلب بهذا الشك لأن الطلب متعلق به على سبيل التحقيق والوجوب المحقق لا يسقط بالشك أما على المذهب الثاني فإنه لا يجب عليه السعي لأن الخطاب لم يتوجه إليه والأصل عدم تعلقه به انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 1/115, 116.
قلت أي لا يرفع يقين بظن ضده والأصل على الثاني عدم تعلق الخطاب به والشك لا يرفع اليقين.
2 قال الفيروزآبادي جوت مثلثة الآخر مبنية دعاء الإبل إلى الماء وقد جاوتها وجايتها أو زجرلها والاسم الجوات انظر القاموس المحيط 1/145.
(1/27)

معلوم ومعقول ويقولون اعلم ما تقول واعقل ماتقول وفي استعمال العلماء يقع على اسمه قدر من العلم يميز من قام به بين خير الخيرين وشر الشرين ويصح منه بحصوله به الاستشهاد بالشاهد على الغائب ويخرج به عن حد المجانين والمعتوهين ويصح معه التكليف والخطاب.
ويمكن أن يقال أنه قوة ضرورية للوجود بها يصح درك الأشياء ويتوجه تكليف الشرع وهو ما يعرفه كل انسان من نفسه ولا يستدل عليه بغيره لأن الاستدلال يفتقر إلى علم ينتظر فيه وأصل يعتمد عليه ولو كان غيره دليلا عليه لكان مكتسبا لا ضروريا ثم أن العقل تختلف مراتبه.
فأولها: إدراك مايدرك بديهة وعلم ما يعلم بأول الراي وأعلاها ادراك الغائبات بالوسائط واسم العقل منتفى عن الله تعالى لأن علمه احاط بالأشياء لا عن جهة الاستدلال ولا بالترقى إلى معرفتها بالاجتهاد ولأن الأصل في اسامي الرب تعالى هو التوقيف ولا توقيف في وصف الله تعالى بالعقل فلا يوصف به واعلم أن محله القلب لأن محل سائر العلوم القلب فكذلك هذا ايضا ولأن الله تعالى قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [قّ: 37] أي عقل دل أن محله القلب حيث عبر به عنه وقال بعض اصحاب ابي حنيفة أن محله الدماغ يقال فلان خفيف الدماغ أى ليس له عقل ولأنه إذا جن الدماغ ذهب العقل والأول اصح وقد قال جماعة أن العقل عقلان عقل غريزى وهو القوة المتهيئة لقبول العلم وهو من حيث القوة موجود في كل خليقة من الادميين وجوده في الطفل كوجود النخل في النواة والسمبل في الحبة.
والثاني: عقل مستفاد وهو الذي تتقوى به تلك القوة وقد يحصل باختيار من العبد ويحصل بغير اختيار منه قالوا: والعقل الغريزي بمنزلة البصر للجسد والمستفاد بمنزلة النور فكما أن المبصر لم يكن له نور من الجو لم يدرك بصره شيئا فكذلك العقل إذا لم يكن له نور من العلم المستفاد لم تعد بصيرة قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] وما ذكرناه أولا من باب الفقهاء وطريقتهم هي الأولى وإذا عرفنا العلم واقسامه فنقول قد بينا أن الأصول أربعة الكتاب والسنة والاجماع والقياس وقال بعض اصحابنا ومعقول أصل واستصحاب الحال وقالوا: دخل في معقول الأصل دليل الخطاب وفحوى الخطاب ولحسن الخطاب وفى استصحاب الحال خلاف سنذكره.
(1/28)

"الكتاب" فأما الكتاب فهو أم الدلائل وقيم البيان لجميع الأحكام قال الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] وقال الله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [ابراهيم: 1] .
قال الشافعي رحمه الله ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا وفي كتاب الله تعالى الدليل على سبيل الهدى فيها.
فإن قال قائل أن من الأحكام مايثبت لهذا بالسنة قلنا ذلك مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة لان كتاب الله تعالى أوجب علينا اتباع الرسول صلوات الله عليه وفرض علينا الأخذ بقوله وحذرنا مخالفته قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [التغابن: 12] وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] .
قال الشافعي فما قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن الله قيل فإن قيل هيئات القبوض في البياعات وكيفية الاحراز في السرقة وغالب العقود في المعاملات ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة.
قلنا قد قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199] والعرف ما يعرفه الناس ويتعارفونه فيما بينهم معاملة فصار العرف في صفة القبوض والإحراز والنفوذ معتبرا بالكتاب فعلى هذا نقول أن الكتاب أمثل الدلائل والسنة ماخوذة منه والقياس مأخوذ من الكتاب والسنة والاجماع ماخوذ من الكتاب والسنة والقياس.
وكتاب الله تعالى هو المنقول إلينا بطريق التواتر على وجه يوجب العلم المقطوع الذي لا يخامره شك ولاشبهة وهو المثبت بين الدفتين فكل من عاين الرسول صلى الله عليه وسلم حصل العلم بالسماع وهو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا هو القران الذي انزله الله تعالى وهو كلامه ووحيه ومن لم يعاين الرسول حصل له العلم بالنقل المتواتر خلفا عن سلف وذلك العلم هو أنه ثبت عندنا أن محمدا صلى الله عليه وسلم بما اقام به الدليل وثبت أنه كان يقول: أن الكتاب الذي جاء به هو هذا القران وانه كلام الله عز وجل ووحيه ولا نقول انا علمنا أنه كلام الله بالاعجاز لانه يجوز أن يعجز الله الخلق عن الاتيان بمثل1.
__________
1 قبيح انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي 1/124.
(1/29)

كلام لا يكون ذلك الكلام كلامه بل بالمعجزات عرفنا نبوة الرسول صلوات الله عليه ونقول عرفنا أن القرآن كلام الله عز وجل ونقول أن القران في نفسه معجز لا يجوز أن ياتي أحد بمثله في جزالته وفصاحته ونظمه وكذلك من حيث معانيه هو معجز الخلق عن الاتيان بمثله ومع تحدي الرسول صلوات الله عليه وسلم وطلبه اياهم أن ياتوا بمثله فعجزوا عنه ولا نقول كما قال بعض المبتدعة أن نفس القران ليس بمعجز فإن فصاحة بعض الفحول من شعراء الجاهلية لا تكون دون فصاحته وإنما الاعجاز في القران هو أن الله عز وجل منع الخلق عن الإتيان بمثله مع قدرتهم عليه وهذا قول باطل وزعم كاذب سمعت والدي رحمه الله يقول: أن هذا قول اخترعه الجاحظ ولم يسبقه إليه احد وقال بعده فاياه اتبع وعلى منواله نسج وهو في نفسه مستسمج مستهجر بالتامل في نظم القران وجزالته وفصاحته وعرضه على كل نظم عرف من اساليب كلام العرب وكل كلام فصيح عرف من كلامهم ثم امتيازه عن الكل بروائه وبهائه وطلاوته وحلاوته واعرافه وابتنائه واعجازه ظاهر لكل ذي لب من الناس لولا خذلان يلحق بعض القوم ونسال الله العصمة بمنه ولا يحتمل هذا الموضوع بيان وجوه الاعجاز في القران وقد كفينا مؤنة ذلك بحمد الله بمنه واعنى بذلك جماعة من علماء أهل السنة والله تعالى يشكر سعيهم ويرحمهم وإيانا بمنه.
والمصحف الامام: هو هذا المصحف الذي بين المسلمين جمع في زمان ابي بكر الصديق رضي الله عنه باجماع الصحابة واخرج في زمن عثمان رضي الله عنه ونسخ منه المصاحف وفرقت في البلدان وعليه الاتفاق.
وفي الباب خطب كبير واقتصرنا على هذا القدر وقد دل اتفاق المسلمين على أن ما بين الدفتين كلام الله تعالى وعلى أن التسمية من فاتحة الكتاب وكذلك هي من القران في كل موضع اثبت في المصاحف وقد اتينا على هذا الدليل في الخلافيات.
" السنة " وأما السنة: فهو الأصل الثاني وهو تلو الكتاب وهي عبارة عن كل ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة قولا وفعلا.
قال أبو سليمان الخطابي هي الطريقة المسلوكة في الأمر المحمود وأصلها من قولهم سننت الشيء بالمسن إذا امررته عليه حتى يؤثر فيه تسنينا أي طرائق فإذا اطلقت السنة اريد بها الطريقة المحمودة وإذا قيدت كانت في الخير والشر لقوله صلى الله عليه وسلم: " من سن سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة
(1/30)

فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" 1.
ويقال السنة عبارة عن السيرة قال الشاعر:
فلا تجزعن من سنة انت سرتها ... فأول راضى بسنة من يسير بها
معناه من سيرة انت سرتها فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الطريقة التي سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لها مراتب ونقل بعضها يوجب العمل ونقل بعضها يوجب العلم وسيرد ذلك في باب الاخبار بعون الله تعالى.
وأما الملة: فهي عبارة عن شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقيل هي عبارة عما يمله الملك على النبي صلى الله عليه وسلم من علم الوحى.
"الاجماع" وأما الأصل الثالث وهو الاجماع فهو حجة خلافا لبعض الناس وسنبين ذلك والاجماع في اللغة العزم على الأمر يقال اجمعت على الشيء وازمعت عليه بمعنى واحد ومنه قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} [يونس: 71] أي اعرضوه فامضوه.
وقد قيل في عبارة أن الفقه استفاضة القول وانتشاره في الجماعة الذي نسب الاجماع اليهم وفي مسائل الاجماع كلام كثير وسياتي بيانه أن شاء الله.
" القياس " والأصل الرابع هو القياس وأصله في اللغه التقدير ولذلك يقال للميل الذي يسد به غور الجرح2 مقياس ومسيار.
قال الشماخ ودلج الليل مهاد قياس أي يصير بالطرق مقدر ليسير فيما يقضى بانتهائه إلى المقصد.
ويقال أنه حمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه لنوع من الشبه وسياتي الكلام فيه على الاشباع ونذكر معنى العله والسبب والشرط والعرف والفرق بين هذه الاشياء لغة وفي عرف الفقهاء وإذا عرفت هذه الأصول فلا بد من النظر في هذه الأصول لتعرف أحكام الشريعة.
__________
1 أخرجه مسلم في العلم 4/2059 الحديث 15/1017 والترمذي في العلم 5/43 الحديث 2675 والنسائي في الزكاة 5/56, 57 باب التحريض على الصدقة 64 وابن ماجه في المقدمة 1/74 الحديث 203 والدارمي في المقدمة 1/140, 141 الحديث 512 والإمام أحمد في مسنده 4/357,
2 ثبت في الأصل "يسير به غوث الجرح" ولعل الصواب ما أثبتناه.
(1/31)

" النظر " فالنظر هو الفكر في حال المنظور إليه والتوصل بأدلته إلى المطلوب1.
يقال تناظر الرجلان إذا تقابلا بنظريهما ايهما المصيب وابهما المخطىء.
وقيل هو تصفح الادلة لاستخراج الأحكام وللنظر شروط.
أحدها أن يكون الناظر كامل الالة على ما نذكره في باب المعنى.
الثاني أن يكون نظره في دليل لا في شبهة.
والثالث أن يستوفى شروط الدليل وترتيبه على حقيقته بتقديم ما يجب تقديمه وتأخير مايجب تأخيره.
يجب أن يكون المطلوب هو علم الاكتساب لا علم الضرورة وفى الاجتهاد كلام كثير في بابه.
"الجدل" والجدل قريب معناه من النظر إلا أن النظر يكون من الناظر وحده والجدل إنما يكون بمنازعة غيره وأصله من الجدل [وهو الفتل] 2 كانه فتل صاحبه بالحجاج عن رايه ومذهبه إلى راى غيره3.
وقال بعضهم الجدل اكثره في الباطل والنظر في الحق.
" الدليل " وأما الدليل هو المرشد إلى المطلوب وقالوا: ايضا هو الدال على الشيء والهادي يقال دل على كذا فهو دال ودليل كما يقال عالم وعليم وقادر وقدير4.
والدلالة مصدر وقد يقال دليلي كذا أي دلالتي والمصدر يوضع موضع الأسماء5.
__________
1 اعلم أن النظر مشترك بين معاني شتى ويقال للانتظار نظر وللرحمة والتعطف نظر وللعناية للغير فيما يحتاج إليه نظر وللمقابلة نظر ويقال للرؤية نظر وللفكر والتأمل نظر انظر الكافية في الجدل لإمام الحرمين ص 16,17.
2 كلمة غير مقروءة الأصل ولعل الصواب ما أثبتناه.
3 قال إمام الحرمين فقيل يقع بين الخصمين جدال لأن كل واحد منهما يفتل صاحبه عما يعتقده إلى ما هو صائر انظر الكافية في الجدل ص 21.
4 قال إمام الحرمين الدليل فعيل من الدال العليم من العالم والقدير من القادر وهوالهادي أو تقول: هوالكاشف عن المدلول وهو الناصب للدلالة الفاعل لها فمن وجد منه نصب الدلالة يقال له دال.
ومن كثر منه نصب الدلالة وفعلها يقال له دليل انظر الكافية في الجدل لإمام الحرمين ص 46.
5 قال إمام الحرمين الدلالة ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى معرفة ما لم يعلم أو إلى معرفة..... المدلول انظر الكافية في الجدل ص 46.
(1/32)

وقد قال اكثر المتكلمين وبعض الفقهاء لا يستعمل الدليل إلا فيما يؤدى إلى العلم فاما فيما يؤدى إلى الظن فلا يقال دليل وإنما يقال له امارة عند عامة الفقهاء أنه لا فرق بينهما لأن العرب لا تفرق في تسمية الدليل من ما يؤدى إلى العلم ويؤدى إلى الظن وأما الدال في ذكرنا إنما الدليل واحد.
وقيل هو الناصب للدليل وهو الله تعالى.
والمستدل: هو الطالب للدليل ويقع على السائل لانه يطلب الدليل من المسئول ويقع على المسئول لانه يطلب الدليل من الأصول1.
والمستدل عليه: هو الحكم الذي يطلب من التحليل والتحريم2.
والمستدل له: يقع على الحكم لانه يطلب له الدليل ويقع على السائل لانه يطلب الدليل3.
والاستدلال: طلب الدليل وقد يكون ذلك من السائل والمسئول جميعا4.
فان قال قائل قد ذكرتم الحد في هذه الاشياء فما معنى الحد الحد وحده قلنا هو اللفظ الوجيز المحيط بالمعنى5.
وقيل هو الجامع المانع6.
وقيل معناه أنه يجمع الشيء المقصود به ويمنع دخول غيره عليه7.
وقد قيل الحد هو النهاية التي إليها تمام المعنى وحدود الدار ماخوذة من هذا لانها نهايات الاملاك وكذلك حدود الله تعالى التي ضربها لفرائضه نهايات لها لئلا تتعدى.
__________
1 قال إمام الحرمين: المستدل هو الطالب للدلالة ويطلق على من ينصب الدلالة وعلى السائل عنها انظ الكافية في الجدل ص 47.
2 قال إمام الحرمين: ويطلق على الخصم المقهور بالدلالة انظر لكافية في الجدل ص 48.
3 قال إمام الحرمين: المستدل له هو الذي أقيمت له الدلالة وقد يكون هو الحكم المطلوب بالدلالة ويكون هو الطالب والسائل عنها انظر الكافية في الجدل ص 47.
4 قال إمام الحرمين: وقد يكون ذلك بالنظر والرؤية وقد يكون بالسؤال عنها انظر الكافية في الجدل ص 47.
5 انظر الكافية في الجدل لإمام الحرمين ص 2.
6 انظر الكافية في الجدل لإمام الحرمين ص 2.
7 واختار إمام الحرمين وقال لأن الحد يرجع إلى عين المحدود وصفته الذاتية في العقليات وفي كثير من الشرعيات انظر الكافية في الجدل لإمام الحرمين ص 2.
(1/33)

وأصل الحد المنع ومنه تسمى النوار حدادا ومنه سمى الحديد حديدا لانه يمنع لابسه ومنه قيل للمحروم محدود لانه منع سعة الرزق وسميت العقوبات حدودا لانها تمنع وتردع وحدود الدار على هذا القول هي الموانع من وقوع الاشتراك في خاص الاملاك ولم نشبع القول في الحدود لانها تاتي في مواضعها من ابواب الكتاب أن شاء الله تعالى.
(1/34)

القول في اقسام الكلام ومعانى الحروف التي لابد من معرفتها في مسائل الفقه.
علم أن جميع ما يتلفظ به في مسائل الفقه قسمان مستعمل ومهمل.
والمهمل كل كلام لا يوضع لفائدة.
والمستعمل كل كلام وضع لفائدة ثم الكلام من جهة اللفظ مقسوم على ثلاثة اقسام اسم وفعل وحرف جاء لمعنى.
ومن جهة المعنى إلى أربعة أقسام أمر ونهى وخبر واستخبار قالوا: فالاسم ما دل على معنى منفرد وذلك المعنى يكون شخصا ويكون غير شخص فالشخص نحو رجل وفرس وحجر وغير الشخص فنحو الضرب والاكل والليل والنهار ونحو باقي الاشياء وإنما قيل ما دل على معنى منفرد ليفرقوا بينه وبين الفعل إذا كان الفعل يدل على معنى وزمان كقولك ضرب وقام ويضرب ويقوم وما اشبه ذلك يدل على زمان أما في الماضي وأما في المستقبل.
واما الحرف: اداة تفيد معنى في الكلام إذا ضم إليه قالوا: واقل ما يأتلف منه الكلام اسم واسم كقولك زيد قائم وكقولك الله الهنا أو اسم وفعل كقولك قام عمرو وضرب زيد ولا ياتلف الفعل ولا الحرف مع الحرف ولا الحرف مع الفعل ولا الحرف مع الاسم وياتلف الاسم والفعل والحرف [كقولك] 1 خرج عبد الله وهل ذهب زيد ونحو ذلك.
ثم الأسماء المعربة على أربعة أضرب:
اسم الجنس الذي بقتضيه من جنس آخر كقولك الحيوان والانسان والدينار والدرهم والاكل والصوت وجميع ما اردت به العموم والالف واللام يدخلان في هذا النوع لعهد.
__________
1 زيادة ليست في الأصل.
(1/34)

الجنس لا التعريف.
الضرب الثاني: اسم الواحد من الجنس نحو رجل وفرس وبعير وحمار ودينار ودرهم وسمى هذا النوع الأسماء الموضوعة وهي تفيد المعرفة بذات الشيء فقط.
والضرب الثالث: ما اشتق لوصف من الجنس نحو ضارب مشتق من الضرب وعالم مشتق من العلم وحسن مشتق من الحسن وهذه الأسماء تسمى الأسماء المشتقة وهي تفيد المعرفة بذات الشيء وصفته وتخبر عن حقيقته وماهيته وقال الحسن بن هانىء اجمع هذا الاسم بين الأمرين:
أن اسم جنس لو جمعها صفة ... ولا أرى ذا لغيرها اجتمعا
وهي إذا سميت فقد وصفت ... فيجمع اللفظ المعنيين معا
والضرب الرابع: مالقب به شيء بعينه ليعرف من غيره نحو زيد وعمرو وما اشبه ذلك وتسمى الأسماء الأعلام وأسماء الألقاب والأسماء المنقولة لأنها منقولة من أصولها إلى غيرها على جهة الاصطلاح وإنما تفيد التشهير وتمييز الشخص من غيره وليس بحثه إلا هذا.
ثم أن الأسماء الموضوعة تنقسم إلى خمسة أقسام:
الأسماء المبهمة كقولك شيء وموجود وحيوان وسميت مبهمة لأنها لا تفيد المعرفة بعين من الأعيان خاص بل يستوى فيها ما تحتها من أنواع الاشياء والحيوانات والموجودات.
والقسم الثاني: في الأسماء المتضادة مثل القرء والجون1 فإن الطهر والحيض على تضادهما يتناولهما اسم القرء والبياض والسواد على تضادهما يتناولهما اسم الجون.
والقسم الثالث: الأسماء المترادفة كقولك ليث واسد وحجر وفهد وخمر وعقار وسائر ما تترادف عليه الأسماء المختلفة ذات العدد مع اتفاق المعنى.
والقسم الرابع الأسماء المشتركة مثل العين هي العين التي تبصر بها ولعين الماء ولعين الميزان وللمهر الكبير ومثل اللون ومثل العرض هو اسم للواحد من العروض لما هو خلاف الطول وعرض لسعة الشيء مثل قوله تعالى: {عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ
__________
1 قال الفيروزآبادي الجون النبات يهرب إلى السواد من خضرته والأحمر والأبيض والأسود والنهار القاموس المحيط 4/211.
(1/35)

وَالْأَرْضُ} [آل عمران: 133] .
والقسم الخامس: الأسماء المختلفة وهي ما اختلفت اسمائها ومعانيها وهي اكثر الأسماء لانها موضوعة للدلالة على المسميات ومن شانها اختلافها في صورة بالفصل بينها وبين غيرها.
كقولك حمار وفرس وجدار وبعير وغيرها من الأسماء هكذا اورده أبو سليمان الخطابي على ما نقلته وهو ثقة فيما ينقله.
معاني بعض الحروف1.
ونذكر الان معاني الحروف التي تقع إليها الحاجة للفقهاء ولا يكون بد من معرفتها وتشتد فيها المنازعة بين أهل العلم فمنها حروف من حروف العطف2.
أولها الواو وقد ادعى جماعة من اصحابنا انها للترتيب واضافوا القول به إلى الشافعي رحمة الله عليه وقد حكى هذا المذهب عن بعض نحاة الكوفيين3.
واما عامة أهل اللغة فعلى خلاف ذلك وإنما هي عندهم للجمع4 واشتراك الثاني.
__________
1 قد جرت العادة بالبحث عن معانى بعض الحروف لاشتداد الحاجة إليها من جهة توقف شرط من مسائل الفقه عليها وكثيرا ما يسمى الجميع حروفا تغليبا أو تشبيها للظروف بالحروف في البناء وعدم الاستقلال والأول أوجه لما في الثاني من الجمع بينالحقيقة والمجاز أو إطلاق للحرف على مطلق الكلمة وتسميتها حروف المعانى بناء على أن وضعها لمعان تتميز بها عن حروف المباني التي بنيت الكلمة عليها وركبت منها فالهمزة المفتوحة إذا قصد بها الاستفهام أو النداء فهي من حروف المعاني وإلا فهي من حروف المباني شرح التلويح على التوضيح 1/99 التوضيح على التنقيح 1/349.
2 وهي عشرة: منها أربعة تشترك في جميع المعطوف عليه في حكم غير أنها تختلف في أمور أخرى وهذه هي الواو والفاء وثم وحتى الإحكام في أصول الأحكام 1/88.
حروف المعاني: أي الحروف التي لها معاني وإطلاق الحروف عليها بطريق التغليب لأن بعضها أسماء مثل إذا ومتى وغيرها شرح المنار 1/131.
3 هكذا حكاه إمام الحرمين في البرهان 1/181 البيضاوي في نهاية السول 2/185.
4 قال أبو علي الفارسي أجمع نحاة البصرة والكوفة على أنها للجمع المطلق وذكر سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه: أنها للجمع المطلق وقال بعضهم: إنها للترتيب انظر المحصول 1/16.
ونقل الإجماع أيضا السيرافي والسهلي والفارسي ونوقش بأنه خالف ثعلب وقطرب وهشام وأبو جعفر الدنيوري وأبو عمرو الزاهد ويقول الإمام الغزالي في المستصفى 1/230. ولعل الناقل أراد إجماع الأكثر.
(1/36)

فيما دخل فيه الأول كقولك جاءني زيد وعمرو وليس فيهما دليل ايهما كان أولا قالوا: إنما يعرف وقوع الترتيب فيه بقرائن ودلائل.
قال الماوردى أبو الحسن الواو لها ثلاث مواضع حقيقة ومجاز ومختلف في حقيقته ومجازه فالحقيقة أن يستعمل في العطف للجمع والاشتراك كقولك جائني زيد وعمرو والمجاز أن تستعمل بمعنى أو كقوله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] والمختلف في حقيقته أن تستعمل في الترتيب لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6] فذهب جمهور أهل اللغة واكثر الفقهاء انها تكون أن استعملت في الترتيب مجازا.
وذهب بعض اصحاب الشافعي إلى انها تكون حقيقة فيه فإذا استعملت في موضوع يحتمل الأمرين حملت على الترتيب دون الجمع لزيادة الفائدة1.
وقال الفراء تحمل على الجمع إذا احتملت الأمرين وعلى الترتيب إذا لم تحتمل غيره2.
وقد رايت بعض اصحابنا ادعى على اصحاب ابى حنيفة انهم يدعون أن الواو.
__________
1 وذكر الإمام البيضاوي في هذه المسألة في الواو العاطفة ثلاثة مذاهب فيما تفيده واو العطف.
أحدها: أنها للبرتيب: نسب إلى الشافعية والثاني أنها للمعية ونسب إلى الحنفية والثالث أنها لمطلق الجمع فلا تفيد ترتيبا ولا معية وهو المشهور عند الشافعية وهو المختار للإمام البيضاوي والآمدي انظر النهاية السول 2/185 اصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/78 قال الآمدي أما الواو فقد اتفق جماهير أهل الأدب على أنها للجمع المطلق غير مقتضية ترتيبا ولا معية ونقل عن بعضهم أنها للترتيب مطلقا ونقل عن الفارء أنها للترتيب حيث يستحيل الجمع لقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} وقيل: أنها ترد بمعنى أو كقوله تعالى: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} قيل: أراد مثنى أو ثلاث أو رباع وقد ترد للاستئناف كالواو في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} تقديره والراسخون يقولون: آمنا به وقد ترد بمعنى مع في باب المفعول معه تقول: جاء البرد والطيالسة وقد ترد بمعنى إذ قال الله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ} إلى قوله تعالى: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} أي إذ طائفة قد أهمتهم أنفسهم ثم ذكر أدلة المذاهب والرد عليها ورد على الاعتراض ثم قال: وبالجملة فالكلام في هذه المسالة متجاذب وإن كان الأرجح هو الأول أي للجوع المطلق في النفس انظر إحكام الأحكام للآمدي 1/88 - 89.
2 وهو منسوب إلى أبي يوسف ومحمد انظر التصريح على التوضيح 9912.
(1/37)

للجمع على سبيل الإقران1 وأخذ يرد عليه كما يرد على من زعم انها للترتيب والتوالى من اصحابنا وليس ما ادعاه مذهب احد من اصحاب ابي حنيفة وإنما يدعون أن الواو للجمع من غير تعرض لاقران أو ترتيب2 فلا معنى للرد وأما دعوى الترتيب على الاطلاق فضعيفة جدا لان من قال رايت زيدا وعمرا وجاءني زيد وعمرو لا يفهم منه السامع ترتيبا بحال ويجوز أن يكون راى عمرا أولا ثم يقول: رايت زيدا وعمرا ويحسن منه ذلك ويقال ايضا رأيت زيدا وعمرا معا فلو كان للترتيب لكان هذا القول مناقضة.
ويدل عليه أن العرب استعملت الواو في باب الفاعل يقال تقابل زيد وعمرو ولو قال تقابل زيد ثم عمرو لم يكن صحيحا.
وأما ما استدل به بعض اصحابنا من أن الواو للترتيب بمسالة الطلاق وهي أنه لو قال لغير المدخول بها أنت طالق وطالق وطالق فانه لا يقع إلا طلقة واحدة فليس هذا لانها للترتيب بل لان الطلاق الأول سبق وقوعه فيصادفها الثاني وهي بائنة فلا يقع وإنما سبق لانه تكلم به على وجه الايقاع من غير أن يربطه برابط أو يعلقه بشيء ما3 وليس الواو بدليل على الاقران على ما سبق وإنما الموجود منه ثلاث ايقاعات متوالية من غير أن يكون للبعض تعلق بالبعض والواو حقها في هذا الموقع عطف الايقاع على الايقاع فصارت قضية الكلام الأول الموقوع وحين وجد من غير انتظار ولا مهلة وكما لو افرده بالذكر وإذا وقع فلا بد أن يكون الثاني والثالث قد صادفا المراة في حال الابانة فسارت الجملة في هذه المسالة أن دعوى كونها للترتيب خطا4.
__________
1 أي الاجتماع في زمان انظر حاشية التصريح على التوضيح 9912.
2 ونصب إلى الإمام الأعظم أنها للترتيب انظر حاشية التصريح على التوضيح 2/99.
3 أي أن قوله "وطالق" معطوف على الإنشاء فيكون إنشاء آخر والإنشاءات تقع معانيها مترتبة بترتيب ألفاظها لأن معانيها مقارنة لألفاظها فيكون قوله "وطالق" إنشاء لإيقاع طلقة أخرى في وقت لا يقبل الطلاق لأنها بانت بالأولى بخلاف قوله: "طلقتين" فإنه تفسير لطالق وليس بإنشاء انظر نهاية السول للأسنوي 2/186 - 187.
4 واستدل ايضا من قال: إنها للترتيب بما روى مسلم أن خطيبا قام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصيهما فقد غوى فقال النبي صلى الله عليه وسلم "بئس الخطيب أنت قال ومن يعص الله ورسوله فقد غوى" فلو كانت الواو لمطلق الجمع لم يكن بين العبارتين فرق.
والجواب أن الإنكار إنما هو لأن إفراد اسم الله تعالى بالذكر أشد تعظيما له يدل عليه أن.....=
(1/38)

ونسبة ذلك للشافعي رحمه الله على الاطلاق لا تصح وإنما نهاية مانقل عنه أنه قال في الوضوء حين ذكر الاية ثم قال ومن خالف ذلك من الترتيب الذي ذكره الله تعالى لم يجز وضوؤه1.
وقد شنع عليه محمد بن داود وغيره في هذا اللفظ وقالوا: أنه خالف أهل اللغة اجمع وادعوا عليه الجهل بالنحو.
ووجه الجواب عن هذا أن الشافعي رحمه الله ما تعلق في اثبات الترتيب بالواو فقط وإنما دليل الترتيب من النظر في معنى الاية على ما ذكرنا في الخلاف بينه أن الوضوء عبادة على البدن وردت بلفظ لا ينفى الترتيب وراينا أن العبادات البدنية اشتملت على افعال مختلفة مترتبة في جميع المواضع مثل الصلاة والحج وراينا ورود هذه العبادات بلفظ صالح لمعنى الترتيب وأن كان غير مقتضى له بكل حال ووجدنا الفوائد مطلوبة من الالفاظ والترتيب نوع فائدة فعند اجتماع هذه الأشياء يقال اثبات الواو ظاهرها للترتيب في هذا الموضع فحمل عليه والظاهر حجة فهذا وجه الكلام لنصرة ما قاله الشافعي رحمه الله وقد اشار إليه أبو الحسن بن فارس.
وأما الفاء فمقتضاها التعطيف والترتيب من غير تراخ كقولك ضربت زيدا فعمرا ففيه أن عمرا مضروب عقيب زيد بلا تراخى ولهذا دخل في الجزاء المعلق على الشرط لان من حكم الجزاء تعلقه بالشرط من غير فصل2.
__________
= الترتيب في معصية الله ورسوله لا يتصور لكونهما متلازمين فاستعمال الواو هنا مع انتفاء الترتيب دليل عليكم.........=
فإن قيل قد قال صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" فقد جمع بينهما في الصغير كما جمع الخطيب فما الفرق فالجواب أن منصب الخطيب قابل للزلل فيتوهم أنه جمع بينهما لتساويهما عنده بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم وايضا فكلام النبي صلى الله عليه وسلم جملة واحدة في إيقاع ظاهر منه موقع المضمر قليل في اللغة بخلاف كلام الخطيب فإنه جملتان انظر نهاية السول للأسنوي 2/186 إحكام الأحكام للآمدي 1/93 - 95.
1 قال الإمام الشافعي على المتوضئ في الوضوء شيئان أن يبدأ عابدا لله ورسوله عليه الصلاة والسلام به منه ويأتي على إكمال ما أمر به فمن بدأ بيده قبل وجهه أو رأسه قبل يديه أو رجليه قبل رأسه كان عليه عندي أن يعيد حتى يغسل كلا في موضعه بعد الذي قبله وقبل الذي بعده لا يجزيه عندي غير ذلك انظر الأم للإمام الشافعي 1/26.
2 ذهب بعض العلماء إلى أن الفاء للترتيب مع التراخي ويدل لذلك قوله تعالى: {لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} فإن افتراء الكذب يكون في الدنيا والإسحات بالعذاب أي....=
(1/39)

وأما حرف ثم فللتعقيب والتراخى1 كقولهم ضربت زيدا ثم عمرا فمقتضاه وجود مهلة بين الضربين ولا دليل على مقداره من جهة اللفظ وقد تستعمل في موضع الواو مجازا اذ قال الله عز وجل: {ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} 2 [يونس: 46] وكقوله عز وجل: {فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد: 13, 14] إلى أن قال تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [البلد: 17] ومعناه فكان من الذين امنوا.
واما بعد فهي اسم في معنى الحرف موضوع للترتيب ويحتمل الفور والتراخى ولا يختص [بالحرفية] 3.
واما مع فهو موضوع للجمع بين الشيئين نقول رايت زيدا مع عمرو واقتضى ذلك اجتماعها في رؤيته.
واما حرف أو فلها ثلاثة مواضع4 تكون لأحد الشيئين بخبر عنه عند شك المتكلم أو قصده أحدهما كقولك اتيت زيدا أو عمرا وجاءني رجل وأمراة هذا إذا شك.
فاما إذا قصد أحدهما فكقولك كل السمك أو اشرب اللبن أي لا تجمع بينهما ولكن اختر ايهما شئت وكقولك أعطني دينارا أو اكسني ثوبا.
والوجه الثالث أن تاتى للاباحة كقولك جالس الحسن أو ابن سيرين وائت المسجد أو السوق وهذا على الاذن فيهما جميعا.
وقد ورد في القران التخيير في الأمر مثل قوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] .
وقد ورد الجمع في النهى مثل قوله تعالى: {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} [الانسان: 24] .
__________
= الاستصال به يكون في الآخرة وبينهما تراخ في الزمن فلا تعقب.............=
وأجاب البيضاوي عن ذلك بأن إفادتها للتراخي في الآية مجاز لا حقيقة لأنها لو كانت حقيقة في التراخي كما هي حقيقة في التعقيب للذم الاشتراك اللفظي وهو خلاف الأصل والمجاز خير منه كما تقدم انظر نهاية السور للأسنوي 2/187 اصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/82.
1 انظر إحكام الأحكام للآمدي 1/97.
2 لاستحالة كونه شاهدا بعد أن لم يكن شاهدا انظر إحاكم الأحكام لآمدي 1/97.
3 تشتبه في الأصل "بإحداهن" ولعل الصواب ما أثبتناه.
4 انظر إحكام الأحكام للآمدي 1/97, 98.
(1/40)

وأما حرف بل فمعناه الاضراب عن الأول والإثبات للثاني1 كقولك ضربت زيدا بل عمرا وجاءني عبد الله بل أخوه.
واما حرف لكن فهى للاستدراك بعد النفى2 كقولك ما جاءني زيد لكن عمرو ما رأيت رجلا لكن امراة وقد يدخل النفى بعد اثبات كقولك حاءني زيد لكن عبد الله لم يات وقيل لترك قصة إلى قصة وفيه كلام كثير للنحاة.
واما حرف لو فيدل على امتناع الشيء لامتناع غيره3 تقول لو جئتنى لحييتك.
وأما لولا فتدل على امتناع الشىء لوقوع غيره4 نقول لولا أنك جئتنى لحييتك وقد تكون لو بمعنى أن قال الله تعالى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [البقرة: 221] أي وأن اعجبتكم وقد تفيد معنى التقليل كقوله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الله ولو بشق تمرة" 5.
فأما الحروف اللازمة لعمل الجر وهي من وإلى وفي والباء واللام فنقول أما من فمعناها ابتداء الغاية6 يقال سرت من الكوفة إلى البصرة وهذا الكتاب من فلان إلى فلان وهذا باب من حديد يعنى ابتداء عمله من حديد قال سيبويه قد تكون للتبعيض مثل قولهم هذه الخرقة من الثوب وهذا الرجل من القوم وقال غيره من حيث وجدت كانت لابتداء الغاية وقوله أخذت من ماله فقد جعل ماله ابتداء غاية وأخذ وإنما دل على البعض من حيث أنه صار ما بقى انتهاء له فالأصل واحد وكذلك قوله أخذت منه درهما وهذا كلام النحويين فيما بينهم فاما الذي تعرفه الفقهاء فهو لابتداء الغاية والتبعيض جميعا7 وكل واحد في موضعه حقيقة وقد ورد مثله يقال ما جاءني من أحد قال الله تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} [نوح: 4] .
__________
1 انظر إحاكم الأحكام للآمدي 1/98.
2 انظر فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت 1/237.
3 أي أنه حرف من حروف الشرط انظر الإحكام للآمدي 1/100 انظر فواتح الرحموت 1/249.
4 قال الشيخ السبكي "لولا حرف معناه في الجملة امتناع جوابه لوجود شرط انظر جمع الجوامع 1/351 وقال الشيخ الجويني هي لامتناع الشيء بسبب وجود غيره البرهان 1/190.
5 أخرجه البخاري في الزكاة 1413 ومسلم في الزكاة 1016.
6 في المكان والزمان انظر أصول الفقه محمد أبو النور زهير 2/83.
7 انظر نهاية السول للآمدي 2/188.
(1/41)

وقد ورد بمعنى على قال الله تعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ} [الانبياء: 77] أي على.
واما عن فيكون بمعنى من1 إلا في مواضع خاصة قالوا: من تكون للانفصال والتبعيض وعن لا تقتضى الفصل يقال أخذت من مال فلان ويقال أخذت من عمل فلان وقد اختصت الاسانيد بالعنعنة ولا تستعمل كلمة من في موضعه وقالوا: من لا يكون إلا حذفا وعن تكون اسما تدخل من عليه يقال أخذت من عن الفرس جله2.
واما من المفتوحة فلها ثلاثة مواضع:
أحدها للخبر كقولك جاءني من أحببت وأعجبني من رايت.
والثاني للشرط والجزاء كقولك من جاءني اكرمته ومن عصاني عاقبته3.
والثالث للاستفهام4 كقولك من عندك فتقول زيد أو عمرو.
واما إلى فلانتهاء الغاية5 يقال من كذا إلى كذا وقال سيبويه إذا قرن بمن اقتضى.
__________
1 نحو: {يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [التوبة: 104] أي منهم بدليل قوله تعالى: {فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا} [المائدة: 27] وتأتي عن للمجاوزة نحو قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] أي يجاوزونه ويبعدون عنه.
وتأتي عن بمعنى البدل نحو قوله تعالى: {لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} [البقرة: 48] .
وتأتي عن بمعنى التعليل نحو قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ} [التوبة: 114] أي لأجل موعدة.
وتأتي عن بمعنى على نحو قوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ} [محمد: 38] أي عليها.
وتأتي عن بمعنى بعد نحو قوله تعالى: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 13] بدليل أن في أخرى: {مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 41] .
وترد عن اسما إذا دخل عليها من وجعل ابن هشام قوله تعالى: {لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} [الأعراف: 17] قال فتقدر معطوفة على مجرور من لا على من ومجرورها انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 2/103.
2 ذكر إمام الحرمين الجويني بنصه وتمامه انظر البرهان 1/191, 192.
3 ونحو قوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] انظر الإتقان في علوم القرآن 2/249 وانظر جمع الجوامع 1/363.
4 ونحو قوله تعالى: {مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يّس: 52] انظر الإتقان في علوم القرآن 2/249 وانظر جمع الجوامع 1/363.
5 قال إمام الحرمين الجويني: وأما إلى فحرف جار وهو للغاية.
(1/42)

للتحديد ولا يدخل الحد في المحدود تقول بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة فلا يدخلان في البيع وإذا لم تقرن بمن يجوز أن تكون تحديدا ويجوز أن تكون بمعنى مع قال الله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] اى مع أموالكم وقال تعالى من أنصاري إلى الله اى مع الله وقال الله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] اى مع المرافق1 وتقول العرب الذود إلى الذود ابل أي مع الذود فالأصل أنه لانتهاء الغاية على مقابلة من فانها لابتداء الغاية يقال من كذا إلى كذا قال سيبويه ويقول الرجل إنما اليك اى انت غايتي ويقول للرجل قم إلى فلان فتجعله منتهاك من مكانك هذا هو الحقيقة في اللغة وما سواه مجاز.
وأما حتى فهي للغاية2 ايضا قال الله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] وقال تعالى: {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230] ولأهل النحو في قوله اكلت السمكة حتى رأسها وتصريف ذلك ومعناه كلام كثير تركت ذكره وقد تذكر بمعنى إلى نقول لا أفارقك حتى تقضينى حقي3 يعنى إلى أن تقضينى حقي وبما في معناه الظرف تقول زيد في البيت يعنى أن البيت قد حواه وكذلك قوله أن المال في الكيس فإذا قلت: فلان عيب فانه على وجه المجاز والاتساع حيث جعلت فلانا مكانا للعيب وهو قولك اتيت فلانا وهو في عنفوان شبابه وأتيته وهو في أمره ونهيه يعنى اتيته وهذه الامور قد أحاطت به وهو طريق التشبيه والتمثيل.
وأما الباء فاللالصاق ويجوز أن يكون معه استعانة4 ويجوز أن لا يكون فاما الذي معه استعانة فكقولك كتبت بالقلم وكقولك عمل الصانع بالقدوم - فأما الذي.
__________
1 ذكره إمام الحرمين الجويني بنصه انظر البرهان 1/192.
2 انظر البرهان 1/193.
3 ذكره إمام الحرمين الجويني بنصه انظر البرهان 1/194.
4 قال الشيخ الآمدي وأما الباء فللإلصاق كقولك: به داء وقد تكون للإستعانة كقولك: كتبت بالقلم والمصاحبة كقولك: اشتريت الفرس بسرجه وقد ترد بمعنى على قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} أي على قنطار وعلى دينار وقد ترد بمعنى من أجل قال الله تعالى: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً} أي لأجل دعائك وقيل بمعنى في دعائك وقد تكون زائدة كقوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} انظر الإحكام للآمدي 1/86.
(1/43)

لا استعانة معه فكقولك مررت بزيد ونزلت بعبد الله وقد تزاد الباء في خبر النفى توكيدا كقولك ليس زيد بقائم وجاءت زائدة كقول الله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} [النساء: 166] وكقول الشاعر تضرب بالسيف وتزخر بالفرح وقد قال بعضهم أن الباء للتبعيض في قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} [المائدة: 6] وقالوا: غلط1 والباء هاهنا صلة لتعدية الفعل قاله الخطابي.
وقال الماوردى الباء موضوعة لالصاق الفعل بالمفعول كقولك مسحت يدى بالمنديل وكتبت بالقلم وقد تستعمل في التبعيض إذا امكن حذفها كقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} اى بعض رءوسكم قال وهو حقيقة في بعض اصحاب الشافعى مجاز في قول الأكثرين.
وأما لام الاضافة قال سيبويه معناه الملك واستحقاق الشيء تقول الغلام لي والثوب لفلان.
وقالوا: أن اللام لها ثلاثة مواضع:.
للتمليك2 من قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60] .
والثاني للتعليل3 قال الله تعالى لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل والثالث للعاقبة قال الله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} .
واعتذارا4 أن هذا على طريق التوسع والمجاز فإن هذا مثال لما زعمه المعتزلة من تأويل قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ} 5 [الأعراف: 179] وقد أنكر.
__________
1 قال إمام الحرمين الجويني وقد اشتد نكير ابن جني في سر الصناعة على من قال ذلك فلا فرق بين أن يقول مسحت رأسي وبين أن يقول: مسحت برأسي والتبعيض يتلقى من غير الباء كما ذكرته في الأساليب انظر البرهان 1/18.
2 انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 2/224.
3 ونحو قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات:8] أي وإنه من أجل حب المال لبخيل انظر الإتقان في علوم القرآن 2/224.
4 أي الشيخ الماوردي وإمام اللغة سيبويه.
5 قال الشيخ الألوسي وفي الكشاف أنهم جعلوا لإغراقهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه وأنه لا يتأتى منهم إلا أفعال أهل النار مخلوقين للنار دلالة على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيها يؤهلهم لدخولها وأشار إلى أن ذلك تذييل لقصة اليهود بعد ما عد من قبائحهم بتسلية.......=
(1/44)

بعض النحويين قولهم اللام للملك وقالوا: إذا قال قائل هذا أخ لعبد الله فهذا الكلام لمجرد المقارنة وليس أحدهما في ملك الآخر وفي قولهم هذا الغلام لعبد الله فإنما هو في الملك بدليل آخر وزعم قائل هذا أن لام الاضافة تجعل الأول لاصقا بالثاني فحسب والذي ذكرناه هو الذي يعرفه الفقهاء.
وأما "على" قال المبرد يكون اسما وفعلا وحرفا وجميع ذلك مأخوذ من الاستعلاء وكذلك قال سيبويه يقال عليه دين يعنى اعتلاه ويقال فلان أمين علينا أي أعتلانا.
وأما حرف ما فلها ثلاثة مواضع:
أحدها: للنفى1 والجحود كقولك ما لزيد عندى حق وما قام عمرو.
والثاني: التعجب2 كقولك ما أحسن زيدا وما أشجع عمرا.
والثالث: الاستفهام3 كقولك ما فعل زيد وما عندك وهي تختص بما لا يعقل.
ويخالف قوله من فإنه يختص بمن يعقل فإذا قيل من عندك تقول زيد أو عمرو ولا تقول فرس أو حمار فإذا قيل ما عندك قلت: ثور أو جمل ولا يحسن أن تقول زيد أو عمرو وقد جوز بعضهم ذلك في الموضعين والصحيح هو الأول.
واما أن وأن فإن مفتوح لما مضى وأن بالكسر لما يستقبل كقولك أن دخلت الدار فأنت طالق وأن دخلت الدار فانت طالق فالأول ايقاع والثاني شرط وقد تختلف معاني الكلام باختلاف الاعراب فلو قال قائل هذا قاتل اخي بالتنوين وقال آخر هذا قاتل اخي بالاضافة يدل التنوين على أنه لم يقتله ودل حذف التنوين على أنه قتله.
__________
= لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل: إنهم من الذين لا ينجع فيهم الإنذار فدعهم واشتغل بأمر نفسك ومن هو على دينك في لزوم التوحيد والآية على ما قال من باب الكناية الإيمائية عند القطب قدس سره ويفهم كلامه أن الذي دعا الزمخشري إلى ذلك لزوم كون الكفر مراد الله تعالى إذا أريد الظاهر وهو خلاف مذهبه وأنت تعلم أن الكثير من أهل السنة تأولوا الآية بحمل اللام على ما علمت...... لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذريات:56] فإن تعليل الخلق بالعبادة يأتي تعليله بجهنم ودخولها انظر روح المعاني للآلوسي 9/118.
1 انظر البرهان لإمام الحرمين 1/185.
2 نحو قوله تعالى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175] انظر الإتقان في علوم القرآن 2/243 والبرهان 1/185.
3 انظر البرهان 1/185.
(1/45)

ومذهب الفقهاء أنه إذا قال لإمراته أن فعلت كذا فأنت طالق أنه على مرة واحدة وكذلك إذا قال إذا فعلت كذا فأما إذا قال كلما فعلت كذا فانه على التكرار وإذا قال متى ما فعلت كذا فحقه في اللغة التكرار1 واصطلح اكثر الفقهاء على أنه للمرة الواحدة كقوله إذا فعلت كذا.
وأما "إنماء" أصله أن دخلت عليه ما وهو مركب من حرفين أحدهما أن الاثبات والآخر من ما الذي هو للنفي فلذلك صار مثبتا من وجه نافيا من وجه2 قال الله تعالى: {إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الأنعام: 19] فيه اثبات الالهية لله تعالى ونفيها عن غيره.
وقيل التحقيق المتصل وتحقيق المنفصل وتكون أن المشددة للتوكيد كقولك أن زيدا عاقلا.
وأما إلا للاستثناء3 مثل قول القائل خرج القوم إلا زيدا ورايت القوم إلا زيدا ولفلان على الف إلا مائة قال الله تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً} [العنكبوت: 14] وقال تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ} [الحجر: 31] .
وقال الفراء وقد تقع إلا لمعنى سوى وذلك في استثناء زائد من ناقص قال الله تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: 107] بمعنى سوى ما شاء ربك من زيادة المضاعفة لا إلى غاية فعلى هذا لو قال لفلان على الف إلا الفين فقد أقر بثلاثة الاف وهذا لا تعرفه الفقهاء.
قال الفراء وقد تكون إلا بمعنى لكن قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً} [النساء: 92] بمعنى لكن أن كان خطأ وهو باب كبير وستاتى المسائل فيها.
وأما "ليس" فلها ثلاثة مواضع قد تقع جحدا كقولك ليس لك على شيء وتكون استثناء تقول ذهب القوم ليس زيدا اى ماعدا زيدا وتكون بمعنى لا التي ينتفى بها كقول لبيد:
واذا جوزتك فرضا فأجزه ... انما يجزى الفتى ليس الجمل
معناه إلا الابل.
وأما "لا" فمقتضاه النفي ويقع في جواب القسم تقول والله لا أدخل الدار.
__________
1 انظر المغني لموفق الدين 8/354, 355.
2 قال الشيخ فخر الدين الرازي: فإما أن نقول: كلمة إن تقتضي ثبوت المذكور وكلمة تقتضي نفي المذكور فهو باطل بالإجماع انظر المحصول 1/168.
3 انظر الإتقان في علوم القرآن 2/159.
(1/46)

وقد تكون زائدة يستقل الكلام دونها والغرض منه تقرير نفى اشتمل الكلام عليه.
قال الله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ} [صّ: 75] معناه أن لا تسجد لكن لما اشتمل الكلام على المنع ومقتضاه النفى كان لا لتاكيد النفى الذي اشتمل الكلام عليه وأما قوله تعالى: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة:1] فقد قيل أنه صلة زائدة والأولى أنه رد لقول الكفار ودعائهم وقوله: {أُقْسِمُ} افتتاح قسم في المعنى ذكره عقيبه.
واما الالف واللام قال ابن كيسان أن الالف واللام يدخلان في الأسماء الثلاثة معانى للتعريف1 كقولك رايت رجلا وضربت دابة ثم تقول رايت الرجل وضربت الدابة فتعرفهما بالالف واللام.
ويدخلان للتجنيس2 كقولك الابل خير من الشاة والذهب خير من الفضة يريد الجنس.
ويدخلان للتعظيم كقولك الحسن بن علي والعباس بن عبد المطلب والالف واللام لم يفيدا ها هنا تعريفا لانهما كانا معرفين بالاضافة إلى غيرهما والشيء الواحد لا يعرف من جهتين وإنما الالف واللام افادا هاهنا التفخيم والتعظيم.
واما بلى ونعم فمعناهما قريب إلا أن بلى لا تستعمل إلا في جواب كلام مشتمل على النفي كقوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] قال سيبويه لو قالوا: نعم لكان نفيا للربوبيه3 وأما نعم فللاثبات فإذا قال القائل أرأيت زيدا فليكن جوابك إذا رايته نعم4 وقال الله تعالى: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُوا نَعَمْ} [الأعراف: 44] .
واما أم فتستعمل للاستفهام5 كقولك اسكت أم نطقت وقد تستعمل بمعنى الواو العاطفة في بعض المواضع وقد تستعمل بمعنى أو في كثير من المواضع.
واما اين فهو اسم موضوع للسؤال عن الكلام ويكون جوابه بذكر المكان6.
__________
1 انظر الإتقان في علوم القرآن 2/156.
2 انظر الإتقان في علوم القرآن 2/157.
3 ذكره إمام الحرمين بنصه انظر البرهان 1/194.
4 ذكره إمام الحرمين وعزاه لسيبويه انظر البرهان 1/194.
5 انظر البرهان 1/186.
6 قال الشيخ السيوطي أين اسم استفهام عن المكان نحو قوله تعالى: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير:26] وترد شرطا عاما في الأمكنة وأينما أعم منها نحو قوله تعالى: {أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ} [النحل: 76] انظر الإتقان في علوم القرآن 2/183.
(1/47)

كقولك اين زيد فتقول في الدار.
واما متى فهو اسم ظرف للسؤال عن الزمان1 ويجاب عنه بذكر الزمان فإذا قلت: متى الخروج فالجواب أن تقول غدا أو اليوم وإذا قلت: متى جاء زيد والجواب أن تقول أمس أو تقول أول من أمس.
وأما اذ وإذا فهما ظرفا زمانا غير أن اذ لما مضى2 وإذا لما يستقبل3 كقولك قمت اذ قام زيد واقوم إذا قام عمر.
واما حيث فظرف مكان4 قال الله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 149] واعلم أن الكلام في معاني الأسماء والحروف كثيرة وذكرنا منها قدر ما تمس إليه الحاجة ويتصل بهذا الباب الاسامى الشرعية واللغوية وجواز النقل فيما تكلم فيه أهل اللغة وسياتي من بعد وكذلك الكلام في افعال المكلفين ومراتبها وأحكامها وافعال غير المكلفين وقد ذكر بعضهم هذا الفصل في هذا الموضع ونحن اخرناه إلى أن نصل إليه في موضعه واقتصرنا في هذا الموضع على هذا القدر ونشرع الان في باب الأوامر ونذكر أحكامها وقضاياها ونورد المسائل التي اختلف فيها العلماء فيما بينهم وننص على القول الصحيح من ذلك ونحل شبه المخالفين على حسب ما يأذن الله تعالى في ذلك ومنه المعونة والتوفيق والتيسير.
__________
1 قال السيوطي ترد استفهاما عن الزمان نحو قوله تعالى: {مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: 214] انظر الإتقان 2/246.
2 انظر الإتقان 2/144.
3 انظر الإتقان 2/148.
4 قال الأخفش وترد للزمان مبنية على الضم تشبيها بالغايات انظر الإتقان 2/194.
(1/48)

باب القول في الأوامر
مدخل
...
باب الأوامر.
القول بالوقف في الأوامر والنواهى: وللأمر صيغة مقيدة بنفسها في كلام العرب من غير قرينة تنضم إليها وكذلك النهى وهذا قول عامة أهل العلم وذهب أبو الحسن الاشعري ومن تبعه إلى أنه لاصيغة للأمر والنهى وقالوا: لفظ افعل لا يفيد بنفسه شيئا إلا بقرينة تنضم إليه ودليل يتصل به.
وعندي أن هذا قول لم يسبقهم إليه احد من العلماء وقد ذكر بعض اصحابنا شيئا من ذلك عن ابن سريج ولا يصح وإذا قالوا: أن حقيقة الكلام معنى قائم في نفس المتكلم والأمر والنهى كلام فيكون قوله افعل ولا تفعل عبارة عن الأمر والنهى ولا يكون حقيقة الأمر والنهى وهذا ايضا لا يعرفه الفقهاء وإنما يعرفوا قوله افعل حقيقة في الأمر وقوله لا تفعل حقيقة في النهي.
واما الواقفية فتعلقوا بما ذهبوا إليه وقالوا: أن صيغة قوله افعل تحتمل وجوها من المعنى فانه قد ورد بمعنى الايجاب مثل قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وورد بمعنى التهديد بدليل قوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] وورد بمعنى التكوين قال الله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] وورد بمعنى التعجيز قال الله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] وورد بمعنى السؤال وذلك في قول العبد رب اغفر لى وارحمنى وورد بمعنى الاباحة وهو قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] وورد بمعنى الندب في قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً} وإذا احتملت هذه الصيغة هذه الوجوه لم يكن البعض أولى من بعض فوجب التوقف حتى نعلم المراد بقرينة واشبه هذا سائر الأسماء المشتركة وهذا لازم احتمل وجوها شتى من المعنى لا يتعين أحد وجوهه إلا بدليل وشبهة القوم أن قوله افعل ليس يختص بمحمل احد من مسالك العقول فإن العقول لا مجال لها في تفصيل العبارات فلئن اختص بمحمل فإنما يختص من جهة النقل عن العرب أو من جهة الشرع.
قالوا: فإن ادعيتم نقلا صريحا من جهة أهل اللسان وهم العرب فهذه مباهته ولانعلم في هذا نقل صريح من العرب ولأن النقل ينقسم إلى المتواتر والآحاد وأن ادعيتم النقل من جهة الاحاد فلا احتمال به لانه لا يوجب العلم والمطلوب في هذه.
(1/49)

المسألة هو العلم.
وان ادعيتم النقل بالتواتر كان ذلك محالا لان النقل من جهة التواتر يوجب العلم الضروري وذلك يوجب استواء طبقات الناس فيه قالوا: ونحن معاشر الواقفية مصرون على أنه لم يقع لنا العلم بذلك وقد مرت علينا الدهور والازمان ونحن مقيمون على هذا الخلاف واين العلم الذي تدعونه وتزعمونه.
قالوا: وأن نسبتم قولكم إلى الشرع فالكلام على النقل الشرعى مثل ما قلناه على من ادعى النقل من جهة العرب وقد بينا التقسيم فيه وبطلان وجهى ذلك فهذا مثله هذا حجة القاضي ابى بكر محمد بن ابى الطيب ونهاية ما قالوا:.
واما حجتنا فنقول اجمع أهل اللغة على أن اقسام كلام العرب أربعة اقسام أمر ونهى وخبر واستخبار وقالوا: الأمر قوله افعل والنهى قوله لا تفعل والخبر قوله زيد في الدار والاستخبار قوله أزيد في الدار ومعلوم انهم إنما ذكروا الاقسام المعنوية في كلامهم دون ما ليس له معنى فإذا قلنا أن قوله افعل ولاتفعل ليس له معنى مقيد بنفسه بطل هذا التقسيم ببينه أن الخبر والأستخبار كلام مقيد بنفسه من غير قرينة تتصل به فكذلك الأمر والنهى وهذا الحقيقة وهى أن وضع الكلام في الأصل إنما هو للبيان والافهام وعلم المراد من الخطاب ولو كان بخلاف ذلك لجرى مجرى اللغو والأخبار التى يقع القصد منها إلى المغايرة وتعمية المراد وذهبت فائدة الكلام أصلا وهذا ظاهر الفساد وإذا ثبت أن القصد من الكلام هو البيان واعلام مراد المخاطب فنقول المعلومات متغايرة في ذواتها مختلفة في معانيها ولا بد لها من أسماء متغايرة ليقع التمييز بتغايرها بين المعلومات فيحصل البيان عن المراد ولا نعرف فيها الاشكال ومن جملة المعلومات التي لابد من البيان عنها الأمر والنهى والعموم والخصوص والتفريق والتخيير إلى ما سوى ذلك من المعلومات والعرب قد جعلت للأمر اسما وللنهى اسما وكذلك للتخيير والعموم والخصوص وغير ذلك وهو مثل ما وضعوا الاسامى المنفردة لمعانى معلومة ووضعوا الحروف التى هي ادوات لمعانى معلومة ايضا وإذا ثبت هذا فالواجب أن يكون كل شيء منها محمولا في الأصل على ما جعل سمة له ودلاله عليه وأن يكون معقولا من ظاهره ما اقتضته صورته إلا أن يرد دليل ينقله عنه إلى غيره ليصير الغرض من الكلام واللبس مرتفعا فالبيان حأصلا والاشكال زائلا ومن حاد عن هذه الطريقة فقد جهل لغة العرب ولم يعرف فائدة.
(1/50)

موضوعها وقد أنزل الله تعالى القران بلسان العرب وعلى اوضاع بيانها فقال تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:195] فعرفنا قطعا أن اوضاعهم مبينة وأن منصوباتهم معتبرة يدل عليه أنه لا خلاف أن المفردات من الأسماء والاحاد من الاجناس التي تتركب منها الجموع والمصادر التي تصدر عنها الافعال مستعملة على ظواهرها غير متوقف فيها وكان حتى ما يبتنى منها وتتركب عليها من الالفاظ الموضوعة للأمر والنهى والعموم والخصوص من أن تكون كذلك إذا كان بعضها متركبا من بعض ومشتقا منه والبيان بكل منها من نوعه واقع به متعلق فإذا توقفنا مع وجود اسمه وحصول الدلاله من جهة الظاهر فقد عطلنا البيان وابدلنا فائدته.
فان قالوا: ما ذكرتم من أصل لكلام وتقسيم انواعه إنما هو منقول عن جماعة من أهل اللغة مثل الخليل وسيبويه واقرانهما والعلم لا يحصل بتعلم بحال وإنما يكون ذلك لكم حجة أن لو نقلتم عن العرب وهم لا يعرفون هذا التقسيم وأما الذي قلتم أن الكلام في الأصل موضوع للبيان مسلم ولكن البيان ليس مقصور على لفظ دون لفظ وعلى حالة دون حالة وأن لم يقع بيان الأمر والنهى بصيغة قوله افعل ولاتفعل فيقع عند اتصال القرائن به ويقع ايضا بغير هذه الالفاظ وعلى أنا ادعينا أن هذه اللفظة من جملة الأسماء المشتركة والأسماء المشتركة باب عظيم منقول عن العرب والبيان يقع بها في محتملاتها عند ارادة بعض وجوهها فكذلك ها هنا.
والجواب أن الذي حكيناه من اقسام كلام العرب وحكى عن جميع أهل اللغة وهم الذين عنوا بمعرفة لسان العرب واخلطوا علما محدود اوضاعه فلما ارادوا أن يحصروا علمه لمن بعدهم ولمن غاب داره عنهم من أهل عصرهم صنفوا كلام العرب اصنافا وقسموا كلام العرب اقساما وقد عدوا الأمر من اقسامه كما عدوا الخبر من اقسامه فلما كان ظاهر الخبر والاستخبار معمولا به فكذلك ظاهر الأمر والنهى وهذا لان طريق العلم في كل واحد والنقل الذي في الجميع كان بجهة واحدة لغرض واحد وهو العلم بكلام العرب فلا يجوز أن نعلم البعض ونجهل البعض هذا محال.
واما قولهم أن البيان يقع ولا يختل مع التوقف الذي صرنا إليه.
قلنا إذا وضعوا للأمر قوله افعل وللنهى قوله لا تفعل ولم يفد بنفسه شيئا اختل البيان.
بيانه أن اللغة وضعت لحاجات الناس فكل ما احتاجوا إليه وضعوا له اسما يدل
(1/51)

عليه ومعلوم أن الأمر والنهى من اشد ما تقع الحاجة إليه وهما داخلان في عامة المخاطبات التي تدور بين الناس ونقل ذلك اكثر من الخبر والاستخبار فيستحيل أن يخلو كلام العرب مع سعته وكثرة وجوهه من صيغة الأمر والنهى ولفظة مفردة تدل عليهما بأنفسهما.
وأما الذي قالوا: أن هذا اسم مشترك مثل سائر الأسماء المشتركة ويقع البيان بهما عند ارادة احد وجوههما.
قلنا نحن لاننكر وجود الأسماء المشتركة في اللغة ولكن ليس هذا من جملتها لانه لو كان يقول القائل لغيره افعل حقيقة في أن يفعل وحقيقة في التهديد الذي يقتضى في أن لا يفعل أو غير ذلك مما ذكروه لكن اقتضاؤه لكل واحد من هذين على سواء لا ترجيح لأحدهما على الآخر ولو كان كذلك لما سبق إلى افهامنا عند سماعها من دون قرينة أن المتكلم بها يطلب الفعل ويدعو إليه كما أنه لما كان اسم اللون مشتركا بين البياض والسواد لم يسبق عند هذه اللفظة من دون قرينة السواد دون البياض ومعلوم أنا إذا سمعنا قائلا يقول لغيره افعل وعلمنا تجرد هذا القول عن كل قرينة فإن الاسبق إلى افهامنا أنه طلب للفعل كما انا إذا سمعناه يقول: رأيت حمارا فإن الاسبق إلى أفهامنا الدابة المعروفة دون الابله الذي يشبه بها وقد بطل بهذا الكلام دعواهم أن الاسم المشترك وإذا بطل الاشتراك لم يبق إلا ما بينا من تعيين وجه واحد له وهو طلب الفعل.
وأما الجواب عن كلامهم أما الأول قولهم أنه قد ورد لكذا وورد لكذا قلنا هذه الصيغة موضوعة بنفسها لطلب الفعل وإنما حملنا على ما سواه في المواضع التي ذكرها بقرائن دلت عليها.
وأما الأسماء المشتركة فقدمنا الجواب عنها وهذا لأن اللون والعين واشباه ذلك لم توضع لشيء معين وإنما قوله افعل وضع لمعنى معين.
ألا ترى أن من أمر عبده أن يضع الثوب يكون لم يستحق له الذم باي صيغ من صيغه فلو قال لعبده اسقنى استحق الذم بتركه السقى ولو كان قوله اسقنى مشتركا بين الفعل والترك واشتراك اللون بين السواد والبياض لم يجز أن يستحق الذم والتوبيخ بترك السقى وهذا لأن أهل اللغة لم يضعوا اسم اللون بعينه وقد وضعوا قوله افعل لمعنى تعينه وهو طلب الفعل على ما سبق.
(1/52)

وأما كلامهم الثاني قلنا قد بينا بطريق النقل عن العرب الذين هم أهل اللسان.
وقولهم أنه لم يقع لنا العلم بذلك قلنا هذه مكابرة ومباهتة.
بيانه أن العرب صاغوا قوله افعل ولاشك انهم صاغوا هذه اللفظة لمعنى مثل ما صاغوا سائر الالفاظ لمعان وليس ذلك إلا لطلب الفعل الذي يعرفه كل احد من معناه.
يدل عليه أنه إذا وجب الوقف بالأمر وجب الوقف بالنهى ايضا ثم حينئذ يصير الأمر والنهى واحدا وهذا محال وعلى أن من مذهب الواقفية أن قوله افعل من الأسماء المشتركة وإذا كان عندهم هكذا فجميع ما قالوه من التقسيم في ثبوت الصيغة للأمر وانها تثبت بالعقل أو بالنقل ودعواهم أن العلم لم يقع لنا بنقل ذلك من العرب ينقلب عليهم فيما ادعوه أنه من الأسماء المشتركة ولا مخرج لهم عن هذا بحال وكل كلام امكن قلبه على قائله ويغير على ما جعله حجة فانه يبطل من أصله والله الهادى إلى الصواب وهو المعين.
(1/53)

فصل: صيغة الأمر
...
فصل: وإذا ثبت أن للأمر صيغة فنقول.
حد الأمر: أنه استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه1 ثم هو أمر بصيغته وليس أمر بالارادة وعند المعتزلة هو أمر بارادة الأمر المامور2.
وقد حد بعضهم الأمر فقال حد الأمر أنه ارادة الفعل بالقول ممن هو دونه وهذه المسألة أصولية فإن عندنا يجوز أن يأمر بالشيء وأن كان لا يريده وقد أمر الله تعالى ابليس بالسجود لادم عليه السلام ولم يرد أن يسجد ونهى ادم عن اكل الشجرة واراد أن ياكل وأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه ولم يرد أن يذبح وهذا لأن ما أراد الله تعالى أن يكون لا بد أن يكون ولأن السيد إذا قال لعبده افعل كذا يقال امره بكذا وأن لم يعلم مراده فدل أن الأمر أمر بصيغته فحسب ثم إذا عرفنا هذا فنذكر بعد حكم الأمر موجبه.
__________
1 وهذا هو قول المعتزلة وتابعهم فيه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ونقله القاضي عبد الوهاب في الملخص عن أهل اللغة أهل العلم واختاره
والعلو هو أن يكون الطالب أعلى مرتبة فإن كان متساويا فهو التماس فإن كان دونه فهو سؤال انظر نهاية السول للآمدي 1/235 المعتمد للقاضي أبو الحسين البصري 1/46.
2 انظر المعتمد لأبي حسين البصري 1/46, 47 إحكام الأحكام للآمدي 2/198.
(1/53)

مسالة موجب الأمر الوجوب عندنا.
وهو قول اكثر أهل العلم1 هذا في الصيغة المتجردة عن القرائن والجملة أن الأمر عندنا حقيقة في الوجوب وعند جماعة من المعتزلة أنه حقيقة في الندب قال أبو هاشم أنه يقتضي الارادة فحسب فإذا قال القائل لعبده افعل افاد ذلك أنه يريد منه الفعل فإن كان الفاعل حكيما وجب كون الفعل على صفة زائدة على حسنه تستحق لاجلها المدح فإذا كان القول في دار التكليف وأجاز أن يكون واجبا وجاز أن لا يكون واجبا ويكون ندبا فإذا لم تدل دلالة على وجوب الفعل وجب نفيه والاقتصار على المتحقق وهو كون الفعل ندبا يستحق فاعله المدح.
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر لا يقتضي إلا الندب2.
وعند جماعة أنه يقتضى الإباحة3 لا غير4 وذهب من قال أنه للندب إلى أن.
__________
1 انظر نهاية السول 2/251 والبرهان 1/216 وأصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/136.
2 قال الشيخ الأسنوي والثاني أنه حقيقة في الندب ونقله الغزالي في المستصفى والآمدي في كتابيه قولا للشافعي ونقله المصنف عن أبي هاشم وليس مخالفا لما نقله عنه صاحب المعتمد كما ظنه بعض الشارحين فافهمه انظر نهاية السول 2/252 والمستصفى 1/411.
3 قال الشيخ الأسنوي الثالث أنه حقيقة في الإباحة لأن الجواز محقق والأصل عدم الطلب انظر نهاية السول 2/252 انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/147.
4 اعلم أنه هناك مذاهب غير التي ذكرها المصنف ولقد ذكرها الأسنوي فقال:
الرابع أنه مشترك بين الوجوب والندب وجزم به الإمام في المنتخب وكذلك صاحب التحصيل كلاهما في أثناء الاشتراك وهذا المذهب نقله الآمدي في منتهى السول عن الشيعة ونقل في الإحكام عنهم أنه مشترك بينهما وبين الإرشاد.
والخامس أنه حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الطلب وفي المستوعب للقيرواني والمستصفى للغزالي أن الشافعي نص على أن الأمر متردد بين الوجوب والندب وهذا محتمل لهذا المذهب ولما قبله.
السادس أنه حقيقة في أحدهما أي الوجوب والندب لكنه لا يعرف هل هو حقيقة في الوجوب مجاز في الندب أو بالعكس ونقله المصنف عن حجة الإسلام الغزالي تبعا لصاحب الحاصل وليس كذلك فإن الغزالي نقل في المستصفى عن قوم أنه حقيقة في الوجوب فقط وعن قوم أنه حقيقة في الندب فقط وعن قوم أنه مشترك بينهما كلفظ العين ثم نقل عن قوم التوفيق بين هذه المذاهب الثلاث قال وهو المختار ونقله في المحصول عنه على الصواب وقال في المنخول وظاهر الأمر الوجوب وما عداه فالصيغة مستعارة فيه هذا لفظه وهو مخالفا لكلامه في المستصفى.
السابع أنه مشترك بين الثلاثة وهي الوجوب والندب والإباحة وقيل إنه مشترك بينهما.....ولكن بالاشتراك المعنوي وهو الإذن حكاه ابن الحاجب.
الثامن أنه مشترك بين الخمسة انظر نهاية السول 2/252.
(1/54)

الأمر طلب الفعل فلا يجوز أن يكون موجبه الإباحة لأن الاباحة لا ترجح جهة الفعل فيها على جهة الترك فلا يكون الأمر طلبا للفعل إذا حمل على الاباحة فاما إذا حملناه على الندب فقد رجح جهة الفعل على جهة الترك لانا جعلنا الفعل أولى من الترك فتحقق طلب الفعل في الأمر فظهرت حقيقته وإذا تحقق الأمر في الندب فلا معنى لاثبات صفة زائدة عليه وهذا لان صفة الوجوب لا دليل عليها لانه لما تحقق معنى الأمر في الندب لم يبق دليل على الوجوب.
قالوا: ولأن صفة الأمر لا تفيد إلا الارادة ولا فرق بين قول القائل افعل كذا وبين قوله اريد أن تفعل كذا وأهل اللغة يفهمون من أحدهما ما يفهمون من الآخر ويستعملون أحدهما مكان الآخر ثم قوله اريد منك أن تفعل كذا لا يفيد الوجوب فكذلك قوله افعل وجب أن لا يفيد الوجوب ايضا ولأن أهل اللغة قالوا: أن قوله افعل إنما يكون امرا إذا كان القائل فوق المقول له في الرتبة فإذا كان دونه في الرتبة يكون سؤالا وطلبا ولا يكون امرا فلم يفرقوا بين السؤال والأمر إلا بالرتبة ومعلوم أن هذه الصيغة في السؤال لا تقتضى ايجاب الفعل على المسئول وإنما تقتضى الارادة فقط فكذلك في الأمر لانه لو اقتضى الوجوب لا يفصل من السؤال شيء زائد على الرتبة وهذا لان الرتبة لا تقتضى الوجوب بحال لأن عالي الرتبة قد يأمر بالندب كما يأمر بالواجب فلم يكن في الرتبة ما يدل على الوجوب.
قالوا: ولأن الأمر ضد النهى ولا معنى لكونه ضدا إلا أن فائدته ضد فائدته وفائدة النهى كراهة الناهى للمنهى عنه لاغير فكان فائدة الأمر ايضا ارادة للأمر المامور به لاغير.
قالوا: ولانا امرنا بالنوافل وسائر الطاعات ونحن مطيعون لربنا بامتثالنا لها ولا صفة لها سوى الندبية فدل أن الأمر يكون حقيقة في الندب وإذا ثبت أنه حقيقة في الندب سقط الوجوب لانها زيادة لا معنى لها وأما حجتنا نستدل أولا بما ورد في قصة ادم عليه السلام وابليس فإن الله تعالى ذكر امره ونهيه في هذه القصة أما الأمر فإن الله تعالى قال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: 50] فإن الله امره بالسجود لادم فخرج عن أمر ربه بقوله تعالى: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ
(1/55)

رَبِّهِ} [الكهف: 50] ومعناه خرج فلعنه واخرجه من رحمته ونهى ادم عن اكل الشجرة فاكله واخرجه من الجنة ووسمه بالعصيان ولم يحك لنا في القصة سببا يقدم به اليهما غير مطلق الأمر.
والدليل عليه أنه قال تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] وقال تعالى في حق ادم: {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 19] فدل هذا القول انهما يصيران ظالمين بمجرد ارتكاب النهى فإن قيل إنما كفر ابليس لا بمخالفة الأمر لكن بالاستكبار وانكار فضيلة ادم عليه السلام التي اكرمه الله بها والدليل عليه قوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] معناه صار من الكافرين باستكباره وأما انكاره فضيلة آدم لأنه قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} .
الجواب انا لاننكر استكباره وانكاره لفضيلة ادم التى وصفها الله تعالى له لكن استدلالنا - بقوله: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] وسمه بالفسق لخروجه عن أمر ربه وايضا قال تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] ووبخه بمجرد ترك الأمر لانه افاد الوجوب ولولا ذلك لم يستقم توبيخه وذمه بنسبة ذلك إلى مجرد ترك الأمر ويدل عليه أن الله تعالى قال: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] فقد حذر الله تعالى خلاف الأمر واوعد عليه وبين تعالى أن امره لنا ليس كأمر بعضنا لبعض في أنه لا يجب فإن لنا فيه الخيرة وقد قال تعالى فى موضع آخر: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] فقد نفى الله تعالى ثبوت الخيرة فى امره وانتفاء الخيرة نص في التحتيم والايجاب ويروى أنه عليه السلام دعا ابى بن كعب أو رجلا آخر من اصحابه وهو يصلى فلم يجبه فلما قضى صلاته جاء فقال لم يمنعنى من اجابتك إلا انى كنت في الصلاة فقال النبى صلى الله عليه وسلم الم تسمع قول الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} 1 فأخبر أن الاجابة واجبة.
__________
1 أخرجه البخاري التفسير 8/158 ح 4647 وأبو داود الصلاة 2/72 ح 1458 وأحمد المسند 3/549 ح 15736 الحديث عن أبي سعيد بن المعلى ولم يذكر أبي ابن كعب.
(1/56)

عليه لهذا الخطاب وعنه عليه السلام أنه قال: "لولا أن اشق على امتى لامرتهم بالسواك عند كل صلاة" 1 دل أنه إذا أمر وجب وأن لحقت المشقة.
واذا قلنا أن الأمر لا يوجب فلا مشقة وايضا فإن المتعارف من أمر الصحابة رضى الله عنهم انهم عقلوا عن مجرد أوامر الرسول صلوات الله عليه الوجوب وسارعوا إلى تنفيذها ولم يراجعوه فيها ولم ينتظروا لها قران الوعيد وارادته اياها بالتوكيد ولوكان كذلك لحكى عنهم ولنقل القرائن المضافة إلى الأوامر كما نقلت أصولها فلما نقلت اوامره ونقل امتثال الصحابة لها من غير تلبث وانتظار ونقل ايضا احترازهم عن مخالفتها بكل وجه عرفنا انهم اعتقدوا فيها الوجوب وهذا كله من الشرع وأما من حيث اللسان فلان العرب تستجيز نسبة المخالف للأمر إلى العصيان احالة له إلى نفس المخالفة يقول القائل منهم لغيره امرتك فعصيتنى وهذا شيء متدأول بينهم لا يمتنع أحد منهم عن إطلاقه عند مخالفة الأمر قال شاعرهم:
امرتك امرا جازما فعصيتنى ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
وقال دريد بن الصمة:
امرتهم امرى بمتعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
فلما عصونى كنت منهم وقد ... ارى غوايتهم واننى غير مهتد
ببينه أن العرب تقول امرتك فعصيتنى فعقب الأمر بالعصيان موصولا بحرف الفاء فدل أنه كان ذلك مما سيق من الأمر ومخالفته كما تقول زرتك فاكرمتنى أو زرتنى فاكرمتك يدلان أن المؤثر في اكرامه كان زيارته كذلك المؤثر في معصيته خلافه لامره وإذا كان هو المؤثر دل أنه موجب فإن قالوا: قد يقول القائل لغيره اشرت عليك فعصيتنى ولاتدل على أن الاشارة عليه موجبة.
قلنا إنما يقال في الاشارة فلم يقبل منى ولا يقال فعصيتنى إلا نادرا ولئن قيل فهو على طريق التوسع لا على أنه حقيقة ودليل آخر معتمد وهو من اقوى الادلة وهو.
__________
1 أخرجه البخاري الجمعة 2/425 ح 887 ومسلم الطهارة 1/220 ح 42/252 وأبو داود الطهارة 1/12 ح 46, 47 والترمذي الطهارة 1/34 ح 22 والنسائي الطهارة 1/36 باب الرخصة في السواك بالعشى للصائم وابن ماجه الطهارة 1/105 ح 287 ومالك في الموطأ الطهارة 1/66 ح 114 والدارمي في الطهارة 1/184 ح 683 وأحمد المسند 2/328 ح 7358.
(1/57)

دليل معقول ووجه ذلك أن قوله افعل طلب الفعل لا محالة وطلب الفعل لا محالة ايجاب وإنما قلنا أنه طلب الفعل لا محالة لان قوله افعل قضية الفعل بلا اشكال من غير أن يكون للترك فيه مشاع لان الترك نقيض الفعل والشيء لانقيض يقتضيه وكذلك لا تخيير فيه لان التخيير يأخذ طرفا من الترك فانه يخبر ليفعل أو يترك والأمر يقتضى الفعل بكل حال من غير أن يكون للترك فيه مشاع فلا يكون للتخيير فيه ايضا مشاع وإذا ثبت بطلان التخيير فيه والمندوب إليه على التخيير لانه وأن كان الفعل منه أولى فالترك فيه جائز من غير أن يكون فيه عيب على تاركه فبطل اقتضاء الندب ايضا على هذا الوجه وبقى ما قلنا أن الأمر لا يقتضى طلب الفعل لا محال إنما يقتضي مجرد إرادة المأمور وارادة المامور لا توجب الفعل قالوا: وهذا لانه لا فرق بين قول القائل لغيره افعل وبين قول القائل اريد منك أن تفعل وهذا ليس بصحيح بل الأمر يقتضى الفعل بكل حال على ما سبق وليس قوله افعل مثل قوله اريد أن تفعل لان قوله اريد منك أن تفعل اخبار بالارادة فحسب وليس بطلب الفعل منه وأما قوله افعل طلب الفعل صريحا فكيف يستويان وقد قال بعضهم في تقرير ما ذكرناه أن الأمر في اللغة لما كان موضوعا لطلب الفعل والفعل لا يحصل إلا بالوجوب لان الفعل إذا لم يكن واجبا لا يحصل لانه ترك فاقتضى الوجوب حتى يحصل فصار وجوبا بايجابه فأوجبناه ليوجد.
يدل عليه أن الائتمار من حكم الأمر كما أن الانكسار من حكم الكسر كما يقال كسر القنديل فانكسر وهدم الجدار فانهدم وأمر بكذا فائتمر وإذا كان الائتمار من حكم الأمر اقتضى حصول الائتمار كالكسر اقتضى حصول الانكسار إلا أن حصول الائتمار لما كان بفعل مختار اقتضى وجوب الفعل ليحصل الائتمار إلا ترى أنه لما لم يكن الائتمار بفعل مختار حصل الائتمار عقيب الأمر بلا واسطة كالانكسار عقيب الكسر قال الله تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] وقال تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} والجواب في هذا الدليل أن الائتمار لما كان حكم الأمر فاقتضى الأمر ثبوت الائتمار ضرورة ولا ائتمار إلا بالأيجاب ليوجد لا محالة فيثبت الوجوب ضرورة هذا الطريق وهذا دليل اورده أبو زيد وفيه تكليف شديد والذي ذكرناه من قبل احسن وقد استدل المتقدمون في هذه المسالة بأمر السيد عبده بفعل من الافعال ثم إذا خالف يجوز تاديبه وحسن منه ذلك عند العقلاء كافة.
(1/58)

ولولا أنه أفاد الوجوب لم يحسن تاديبه إلا بقرينة يصلها بامره ليدل على الوجوب وحين جاز تاديبه ويقول له: اؤدبك لانك خالفت امري وعصيتنى ولاتهجن في ذلك احد يسمع منه هذا المقال عرفنا أنه يفيد الوجوب بصيغته والاعتماد على ماذكرنا وإذا عرفنا هذه الدلائل سهل الجواب عن شبههم.
أما الأول فقولهم أن الأمر طلب للفعل وقد ترجح الفعل على الترك بالندبية.
قلنا وأن ترجح جانب الفعل لكن الترك مدخل في الفعل.
فان قلنا أنه مندوب إليه لانه بتركه فيجوز له ذلك وقد بينا أن قوله افعل يقتضى الفعل لا محالة وذلك هو الوجوب.
واما قولهم أن قوله افعل لا يقتضى إلا ارادة الفعل قد اجبنا عن هذا في اثناء كلامنا وذكرنا الفرق بين قوله افعل وبين قوله اريد منك أن تفعل وعلى انا بينا فيما تقدم أن الأمر لا يدل على الارادة ويجوز أن تأمر الأمر بما لا تريده من المأمور.
واما قولهم أن الأمر إنما يكون أمر بالرتبة.
قلنا ليس فيما قلناه اكثر من أن السؤال لا يقتضى الوجوب وهذا كلام باطل لان السؤال ليس بأمر والكلام في موجب الأمر.
وقولهم انهم فرقوا بمجرد الرتبة قلنا واى مانع من التفريق بالرتبة واللغة منقولة عن أهل اللسان فإذا سمعوا عن هذا امرا وهذا سؤالا وفرقوا بالرتبة لا بالصيغة وقع الفرقان ولم يدل عدم الوجوب في السؤال على عدم الوجوب في الأمر.
بيانه أن القائل لغيره افعل على طريق السؤال نعتقد أن فعله لذلك على طريق التطول والتفضل لا على طريق الخروج عن الأمر حتى أنه إذا لم يفعل لا ينسب إلى العصيان والخلاف وإنما ينسب إلى طريق التفضل والتكرم وهاهنا نعتقد الأمر أن فعله كالمامور على جهة الخروج عن الأمر وينسب إلى العصيان والخلاف عند ترك المامور فإن قالوا: أن الإنسان إذا قال لمن هو فوقه افعل كذا يطلب منه الفعل لا محالة من غير أن يدع له في تركه مساغا مثل ما إذا قال لمن هو دونه افعل.
قلنا ليس كما قلتم لانه سؤال على طريق التذلل والخضوع فيطلب منه الفعل مع اعتقاده أنه على تخييره وأن فعله تفضل منه بخلاف مسالتنا فانه يطلب منه الفعل على طريق الاستعلاء عليه ويعتقد أنه لاخيرة له فيه بحال فكان مقتضيا للإيجاب على.
(1/59)

ما سبق فهذا وجه الجواب عن هذا الفصل وهو معتمدهم وأما قولهم بان النهى يفيد الكراهة فيفيد الأمر والإرادة.
قلنا عندنا أن النهى للتحريم فيكون الأمر للايجاب وسياتى هذا من بعده.
واما قولهم أن النوافل مامور بها.
قلنا بلى ولكن على طريق المجاز لا على طريق الحقيقة فإن قلنا على طريق الحقيقة سيتبين من بعد وقد قال بعض المخالفين لو كان مطلق الأمر ظاهر يدل على الوجوب لم يكن لورود التاكيد عليه معنى فحين دخل عليه التأكيد من ذكر الالزام والايجاب وذكر الوعيد وما يجرى مجراه علمنا أن الوجوب كان بذلك وايضا فانه يحسن الاستفسار من المخاطب ولو كان صيغته الوجوب لم يحسن الاستفسار وليس واحد من هذين الكلام بشيء أما الأول فإن اللفظ قد يؤكد فإن كان له ظاهر معمول به مثل قولهم ثلاثة وسبعة فتلك عشرة والتاكيد واسع في كلام العرب.
قال أبو المكارم الاعرابى هو شيء شد به كلامنا وأما الاستفسار فلا نسلم حسنه بعد أن يكون الكلام معلوما في نفسه وعلى أنه أن قيل فهو نوع استظهار وطلب زيادة شرح وتبيين وهو ايضا داخل في كلام العرب مع كون الكلام صحيحا في نفسه معمولا به والله اعلم بالصواب.
(1/60)

فصل: صيغة الامر إذا وردت إبتداء أوبعد حظر فإنها تقتضي الوجوب
...
فصل
ثم اعلم أن هذه الصيغة سواء وردت ابتداء أو وردت بعد الحظر فانها تقتضى الوجوب1 2.
__________
1 محل الخلاف في هذه المسألة في أن الأمر المطلق ابتداء يفيد الوجوب وهو قول الجمهور أو يفيد الإباحة وهما القولان اللذان انبنت عليهما هذه المسألة وأما القائلون بأن للصيغة حقيقة في الإباحة إبتداء فقد اتفقوا على أنها للإباحة كذلك إذا وردت بعد الحظر والتحريم انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/152.
2 وقد استدل البيضاوي لهذا القول بأن الصيغة حقيقة في الوجوب لما سبق من الأدلة على ذلك فإذا استعملت بعد الحظر في الوجوب فقد استعملت في مقتضياها لغة ووروردها بعد الحظر لا يصلح أن يكون مانعا من إفادتها الوجوب لأن الصيغة قد طلبت الفعل وطلب الفعل بعد منعه يرفع الحرج الذي كان مقررا فيه ولا شك أن رفع الحرج يتحقق في الإباحة كما يتحقق في الوجوب لأن كلا منهما يحقق المنافاة للتحريم.
وحيث كان الانتقال من التحريم إلى الإباحة معقولا كان الانتقال من التحريم إلى الوجوب معقولا كذلك وتكون الصيغة مفيدة للوجوب عملا بالمقتضى السالم عن المعارض.
انظر إحكام الأحكام للآمدي 2/261 نهاية السول للأسنوي 2/272 أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/152, 153.
(1/60)

وقال بعض اصحابنا إذا وردت بعض الحظر اقتضت الاباحة1 وعليه دل ظاهر قول الشافعى2 رحمه الله في أحكام القران3.
وتعلق من قال بالقول الثانى بان الأمر المطلق المتجرد عن القرائن هو الدليل على الوجوب وتقدم الحظر قرينة دالة على الاباحة مثل قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] ولأن عرف الشرع وعرف العادة معتبر والمعروف في الأمر الوارد بعد الحظر في الشرع أنه يفيد الاباحة بدليل قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] وبدليل قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا} [الجمعة: 10] وكذلك عرف العادة فإن من قال لعبده لا تدخل الدار ثم قال ادخل كان المعقول منه رفع النهى المتقدم لا ايجاب الدخول.
واما الدليل على القول الأول وهو الاصح أن صيغة الأمر الوارد بعد الحظر مثل صيغة الأمر الوارد بعد الحظر مثل صيغة الأمر الوارد ابتداء فإذا كانت صيغة الأمر ابتداء فإذا كانت صيغة لمر ابتداء مفيدة للوجوب كذلك الوارد بعد الحظر وهذا لان الموجب هو الصيغة والصيغة لا تختلف بتقدم الحظر وعدم تقدمه ولأن النهى الوارد بعد الاباحة يفيد ما يفيده النهى ابتداء كذلك الأمر الوارد بعد الحظر يفيد ما يفيده في الابتداء وربما يمنعون هذا.
واما قولهم أن تقدم الحظر قرينة لا نسلم وهذا لان الحظر ليس له اتصال بالأمر المتآخر فكيف نجعل قرينة فيه وهذا لان المنع فى الشريعة فى الالفاظ لا الاعراض اذ الاعراض لا يمكن الوقوف عليها فوجب ترك التفتيش عنها ولزم الرجوع إلى حقائق.
__________
1 هذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين واختاره ابن الحاجب ونقله عن الشافعي انظر نهاية السول 2/272 إحكام الأحكام للآمدي 2/261 أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/153.
2 انظر نهاية السول 2/272 إحكام الأحكام للآمدي 2/261 وأصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/153.
3 اعلم أنه يترع على هذه المسألة فروع مهمة ذكرها ابن اللحام في كتابه القواعد فانظرها انظر القواعد 223, 224.
(1/61)

الالفاظ فى الشريعة.
واما قولهم أن الكلام يحمل على عرف الشرع وعلى عرف العادة.
قلنا أما ما ذكروا من الايات فإنما حمل الأمر على الاباحة في هذا الموضوع بدليل.
واما الذي ذكروه من عرف العادة فلا نسلم ذلك والعادة فى ذلك مختلفة فلا يمكن الرجوع إليها فنرجع إلى نفس اللفظ على ماسبق.
ألا ترى أن لفظ الايجاب وهو قول القائل اوجبت كذا والزمت كذا لافرق فيه بين أن يرد به قبل الحظر أو يرد ابتداء كذلك لفظ الأمر الذي يقتضي الإيجاب يكون كذلك.
(1/62)

فصل: اختلاف الاصحاب فى الأمر إذا قام الدليل فيه على انتفاء الوجوب
...
فصل
ثم اختلف اصحابنا فى الأمر إذا قام الدليل فيه على انتفاء الوجوب وحمل على الندب هل هو مأمور به أولا فمن اصحابنا من قال ليس بمأمور به ولئن سمى مامورا به فهو على المجاز.
ومنهم من قال هو مامور به حقيقة.
اما الذين قالوا: بالأول يذهبون إلى أن الأمر حقيقة في الايجاب فإذا استعمل في غير الايجاب يكون مجازا كما لو استعمل فى الاباحة وكسائر الالفاظ التى تستعمل فى غير موضعها أما الذين قالوا: بالثانى ذهبوا إلى أن الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه والندب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه فإذا حمل الأمر على الندب فقد حمل على بعض ما اشتمل عليه الواجب فكان حقيقة فيه كما لو حمل العموم على بعض مدلوله فإنه يكون حقيقة فيه كذلك هاهنا.
والأول احسن لان المندوب إليه غير الواجب قطعا وبان كان يثاب على فعله المندوب إليه لا يذهب هذه الغيرية لأن الشيئين يجوز أن يستويا فى بعض الأشياء وأن كانا مختلفين لعدم التشابه فى باقى الاوصاف وإذا ثبت الاختلاف فإذا حمل الامرعليه عرفنا قطعا أنه استعمل فى غير حقيقته فلا بد أن يكون مجازا.
(1/62)

فصل: أذا ورد الدليل على انه لم يرد بالأمر الوجوب
...
فصل
اذا دل الدليل على أنه لم يرد بالأمر الوجوب لم يجز الاحتجاج به على الجواز ومن اصحابنا من قال يجوز لان الوجوب وأن انتفى فانتفاؤه لا يدل على انتفاء الجواز
(1/62)

والأول اظهر لان اللفظ لم يوضع للجواز أما وضع للايجاب والجواز يدخل فيه على طريق التبع فإذا سقط الأصل سقط ما دخل فيه على سبيل التبع1.
__________
1 وهذه المسألة فريدة لم يذكرها المؤلف وهي المعنون عنها في كتب الأصول إذا نسخ الوجوب بقى الجواز واعلم أن الجواز يطلق بإطلاقات ثلاثة الإطلاق الأول: الإذن في الفعل وهو بهذا الإطلاق يشمل أحكاما أربعة هي: الوجوب الندب الإباحة الكراهة الإطلاق الثاني: الإذن في الفعل والترك وهذا الإطلاق يشمل أحكاما ثلاثة هي: الندب الإباحة الكراهة الإطلاق الثالث: التخيير بين الفعل والترك على السواء وهذا الإطلاق لا يشمل إلا الإباحة.
والوجوب هو: طلب الفعل مع المنع من الترك على ولا شك أن الفعل متى كان مطلوبا صح أن يحكم عليه بأنه ما نحن فيه كما يصح أن يقال: إنه لا حرج فيه ومن هنا صح تعريف الوجوب بأنه الإذن في الفعل مع المنع من الترك كما صح تعريفه بأنه عدم الحرج في الفعل مع الحرج في الترك ويكون الوجوب له تعريفات ثلاثة كلها مقبولة.
فالوجوب حقيقة مركبة من جزءين مما في التعريف الأخير: عدم الحرج في الفعل والحرج في الترك ولا شك أن المركب يرفع بارتفاع أحد جزءين كما يرفع بارتفاع كل الأجزاء.
ومن هنا صح أنه يقال: إن نسخ الوجوب يتحقق بارتفاع الحرج في الترك كما يتحقق بارتفاع الجزءين معا وهما عدم الحرج في الفعل والحرج في الترك ولا شك أن الحرج في الترك نقيض لعدم الحرج في الترك والنقيضان لا يرتفعان كما لا يجتمعان فإذا نسخ الوجوب بارتفاع الحرج في الترك حل محله عدم الحرج في الترك لأنه نقيض له والنقيضان لا يرتفاعان.
وتكون الحقيقة الباقية بعد رفع الحرج في الترك هي عدم الحرج في الفعل مع عدم الحرج في الترك وهذه الحقيقة هي الجواز بالإطلاق الثاني فهي شاملة لأحكام ثلاثة هي الندب والإباحة والكراهة.
وقد اختلف الأصوليون فيما إذا نسخ الشارع وجوب الفعل بدليل لم يتعرض لحكم المنسوخ بعد نسخه بأن قال: الشارع نسخت وجوب الفعل أو قال رفعت الحرج في الفعل عنكم فهل يبقى الجواز بالإطلاق الثاني وهو عدم الحرج في الفعل مع عدم الحرج في الترك ويكون عدم الحرج في الفعل مستفادا من دليل الوجوب لأنه كان يدل عليه والناسخ لم يرفعه وإنما رفع الحرج في الترك ويكون عدم الحرج في الترك مستفادا من الدليل الناسخ لأنه لما رفع الحرج في الترك اقتضى ذلك أن يحل محله عدم الحرج في الترك لأنه نقيضه - والنقيضان لا يرتفعان - وبذلك يكون الفعل بعد نسخه صالحا لأن يكون مندوبا أويكون مباحا أو أن يكون مكروها - ويكون المعين لأحدهما بخصوصه هو دليل آخر أو إذا نسخ الوجوب فلا يبقى الجواز بالإطلاق الثاني وإنما يبقى الجواز بالإطلاق الثالث - وهو التخيير بين الفعل والترك على السواء وهو المعروف بالإباحة.
أو إذا نسخ الوجوب فلا يبقى الجواز وإنما يبقى الندب أو إذا نسخ الوجوب فلا يبقى الجواز بل يعود الفعل بعد نسخ وجوبه إلى ما كان عليه قبل الوجوب فإن كان قبل الوجوب مندوبا........=
(1/63)

............................................................................
__________
= فهو مندوب وإن كان قبل الوجوب مباحا فهو مباح وإن كان قبل الوجوب محرما فهو محرم وإن كان قبل الوجوب مكروها فهو مكروه.
اختلف الأصوليون في ذلك على أربعة مذاهب:
المذهب الأول:
مذهب جمهور الأصوليين وهو إذا نسخ الوجوب بقي الجواز بمعنى عدم الحرج في الفعل وعدم الحرج في الترك ويكون الفعل بعد نسخ وجوبه صالحا لأن يكون مندوبا أو مباحا وخصوص أحدهما يعرف بالدليل.
ووجهتهم في ذلك أن الدليل الذي دل على وجوب الفعل قد دل على شيئين أحدهما: عدم الحرج في الفعل وثانيهما: الحرج في الترك والدليل الذي نسخ الوجوب لم يتعرض لعدم الحرج في الفعل وإنما تعرض لنسخ الوجوب فقط ونسخ الوجوب يتحقق برفع الحرج في الترك - فلا يزال الوجوب بعد النسخ دالا على الحرج في الفعل والناسخ لما رفع الحرج في الترك اقتضى ثبوت نقيضه وهو عدم الحرج في الترك لأن النقيضين لا يرتفعان وبذلك يكون عدم الحرج في الفعل مستفادا من دليل الوجوب وعدم الحرج في الترك مستفادا من الناسخ وتكون الحقيقة الباقية بعد النسخ هي عدم الحرج في الفعل مع عدم الحرج في الترك ويكون الفعل صالحا للأحكام الثلاثة وهو ما ندعيه.
المذهب الثاني:
أن الوجوب إذا نسخ بقي الجواز بمعنى التخيير بين الفعل والترك على السواء وهو المعروف بالإباحة ووجهة أصحاب هذا المذهب أن الوجوب هو طلب الفعل مع المنع من الترك وما دام الوجوب قد نسخ فقد ارتفع المنع من تركه وأصبح دليل الوجوب غير دال على واحد منهما فيكون المكلف مخيرا بين الفعل والترك وهذا هو الإباحة.
المذهب الثالث:
إذا نسخ الوجوب بقي الندب فيترجح الفعل على الترك ووجهة أصحاب هذا المذهب أن الإيجاب هو طلب الفعل مع المنع من الترك فلا يزال الدليل دالا على طلب الفعل والذي يطلب فعله بعد الواجب هو المندوب فقط لأن المباح لا طلب فيه والمكروه إنما يطلب تركه لا فعله وبذلك يكون الحكم الباقي بعد نسخ الوجوب هو الندب فقط وهو ما ندعيه.
المذهب الرابع:
وهو لحجة الإسلام الغزالي أن الوجوب إذا نسخ لم يبق الجواز بل يعود الفعل إلى ما كان عليه قبل الوجوب فإن كان قبل الوجوب محرما كان محرما وإن كان قبل الوجوب مندوبا أو مباحا أو مكروها أخذ الحكم الذي كان عليه قبل الوجوب.
وحجته في ذلك: أن الوجوب حقيقة مركبة من جنس هو عدم الحرج في الفعل ومن فصل هو الحرج في الترك وقد نص ابن سينا على أن الجنس يتقوم بالفصل ويوجد بوجوده بمعنى أن الفصل يكون علة للحصة المعنية من الجنس المتحققة في النوع ومما لا شك فيه أن ذهاب العلة يقضى بذهاب المعلول فيكون دفع الفصل رفعا للجنس فإذا ارتفع الوجوب بارتفاع فصله وهو.............=
(1/64)

مسألة: الأمر لا يفيد التكرار على قول اكثر اصحابنا.
وقال بعضهم يفيد التكرار وهو اختيار الاستاذ ابى اسحاق الاسفرائينى.
وقد قال بعض اصحابنا أنه لا يفيد التكرار ولا يحتمله فالأولى أن تقول أنه يحتمله لكن لا يفيده بمطلقه1.
__________
= الحرج في الترك فقد ارتفع الجنس وهو عدم الحرج في الفعل وبذلك فلا يكون الخطاب الدال على الوجوب دالا على عدم الحرج في الفعل لعدم بقائه بعد النسخ.
ومتى ارتفع الوجوب ولم يوجد دليل يدل على حكم معين في الفعل رجع الفعل إلى ما كان عليه قبل الوجوب وهو ما ندعيه انظر نهاية السول 1/236, 237 والمستصفى للغزالي 1/73, 74. وأصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 1/136, 139.
1 هذه المسألة هي المسألة المعنون عنها في كتب الأصول بأن مطلق الأمر يقتضي التكرار فنبين أولا محل النزاع ثم نذكر المذاهب وأدلتها وهو ما أخذناه لى يد شيخنا حفظه الله الحسيني الشيخ في محاضرته في كلية الشريعة جامعة الأزهر قسم الدراسات العليا.
أولا محل النزاع أن الأمر المقيد بالمرة يحمل على المرة عملا بهذا القيد كإقراء الكتاب مرة والأمر المقيد بالتكرار يدل على التكرار عملا بالقيد كاقرأ الكتاب ثلاث مرات.
والأمر المقيد بشرط أو صفة لا يحمل على التكرار لفظا ولكن يحمل عليه قياسا مثل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} فالصفة في الزنى والسرقة والجنابة.
وقوله قياسا أي عقلا لا أن اللفظ بوصفه يدل عليه إما أنه لا يدل لفظا فلأن لو قال رجل لوكيله: طلق زوجتي ولا تطلقها إلا إذا دخلت الدار لم يتكر الطلاق في هذه الصورة بتكرر الدخول ولو دل عليه لفظا لتكرر كما لو قال: كلما دخلت زوجتي الدار فطلقها دل على التكرار لفظا بقوله كلما.
وضابط الوكالة كل بما يجوز أن يباشر الشخص بنفسه يجوز التوكيل فيه.
وإما أنه يدل قياسا فلأن ترتيب الحكم على الشرط أو الصفة يفيد عليه ذلك الشرط عقلا لا لفظا العلة تدور مع المعلول وجودا وعدما وتلك الصفة لذلك الحكم ولا شك أن المعلول "الحكم" يتكرر بتكرر علته "إذا عدم الشرط ينعدم الحكم".
فإن قيل: إن هذا التعليل منقوض بقوله لوكيله إن دخلت زوجتي الدار فطلقها فإنه أمر معلق على شرط يقتضي أن دخول الطلاق علة فيه ومع ذلك لم يتكرر الطلاق بتكرر الدخول كقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} فلم كرر أمر الطهارة في الجنابة ولم يكرر أمر الطلاق بتكرر الدخول.
أجيب بأن الذي جعل الطلاق معلولا هنا هو الزوج ولا عبرة بجعله لأنه ليس له سلطة التشريع في الأحكام مدة لو صرح بالتعليل كأن قال: طلقتك لأجل دخولك الدار وكانت له زوجة أخرى لا تطلق هذه الأخرى بدخولها هذه الدار فالمولى سبحانه وتعالى يملك سلطة.........=
(1/65)

...................................................................
__________
= التشريع ولذلك يتكرر الأمر المعلق عقلا بتكرر الشرط أو الصفة الزوج لا يملك حق التعليل المطلق ولذلك فلا تطلق إلا من عيبها فالمعتبر إنما هو تعليل الشارع أما الأمر المطلق العاري من هذه القيود المتقدمة فقد اختلف العلماء في دلالته على المرة أو التكرار أو غيرهما على خمسة مذاهب.
المذهب الأول:
أنه لا يدل بذاته على المرة أو التكرار ذاته مادته وحروفه بل بالالتزام فدلالته التزامية فلا يدل بذاته أي دلالة مطابقة فيدل على طلب إيجاد وتحقيق المعدوم فاضرب لا ضرب موجود بل يوجد في الخارج ولما كان وجود المعدوم لا يتحقق إلا بالوجود فيتحقق بالمرة فدل على المرة التزاما فهذا الإيجاد يتحقق بمرة.
وإنما يقيد طلب الماهية من غير إشعار بوجدة أو كثرة غير أنه لما لم يمكن إدخال هذه الماهية في الوجود بأقل من مرة كانت المرة واجبة لهذا للضرورة أثبت الدلالة بالضرورة ونفى الدلالة بنفسه أي لعدم إمكان ماهية الوجود بأقل من مرة فالضرورة اقتضت ذلك لا لأن الأمر يدل عليها بذاته ليس ذلك من دلالته على المرة بل لعدم إمكان التحقق في الوجود بأقل من مرة فكان للضوروة ودلالة الشيء على الشيء للشرورة تكون دلالة التزامية وإلى هذا ذهب الإماموأتباعه واختاره الآمدي وابن الحاجب والبيضاوي واستدلوا على ذلك بما يأتي:
أولا: أن المقصود من صيغة الأمر هو إدخال حقيقة الفعل المطلوب في الوجود كأسقني ماء المقصود إيجاد السقي سواء المرة أو التكرار والأكثر من مرة خارج عن المطلوب والوحدة والتكرار بالنسبة إلى الحقيقة أمر خارجي فيجب أن يحصل الامتثال بالحقيقة والموحدة من ضروريات الحقيقة لأنها المطلوبة مع أيها حصل ولا يتقيد بأحدهما دون الآخر ولذلك يبرأ بالمرة الواحدة لا لأنها تدل على المرة بخصوصها.
ثانيا: أن الأمر ورد في الشرع تارة مع التكرار كآيات الصلاة والزكاة والصوم فلو كان يدل على الوحدة لكان التكرار باطلا وورد عرفا مع التكرار نحو: افظ دابتي أي المداومة إلى أن آتي فدل عليه بمادته وأحسن إلى الناس كما أنه ورد في الشرع وفي العرف مع المرة كآية الحج وكفول القائل لغيره: ادخل الدار واشتر اللحم ويلزم من هذا أي من أن الشرع جاء دالا على التكرار والوحدة وكذا العرف كونه حقيقة في القول المشترك بين التكرار والمرة وإلا للزم الاشتراك اللفظي أو المجاز والأصل عدم المجاز وعدم الاشتراك اللفظي فهو مشترك بينهما.
ثالثا: لو كان الأمر المطلق للتكرار لعم الأوقات كلها "وإذا لضي واجبات أخرى وما أدى إلى إبطال الواجبات الأخرى فباطل" لكن التالي باطل فبطل المقدم "إذا فلا يدل على التكرار" وثبت نقيضه "وهو عدم الدلالة" وهو عدم كون الأمر المطلق مفيدا للتكرار وهو المطلوب.
أما الملازمة فلأن الأوقات كلها بالنسبة للأمر المطلق سواء لعدم دلالته على معين فيهما........=
(1/66)

....................................................................
__________
= بخلاف أوقات الصلاة لأن الشارع بين الأفضلية وامتناع الترجيح بلا مرجح.
وأما الاستثنائية فلأنه يلزم أن ينسخه كل تكليف يرد لا يمكن الجمع بينهما فلا يمكن الإتيان بلا صلاة مع الأمر بالقراءة فعلى هذا القراءة تستغرق الوقت فالأمر بالصلاة ينسخ الأمر بالقراءة لأنه متأخر لأن الأمر المطلق يقتضي الفعل في جميع الأوقات والتكليف بما لا يجامعه الوارد بعده يقتضي دفعه "بتركه" في بعضها "ليؤدي الفيضة" وذلك هو النسخ بعينه "ولا قائئل بعد بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
المذهب الثاني:
أنه يدل على التكرار المستوعب لزمان العمل شرط الإمكان أي الوقت الممكن له وبه قال الأستاذ أيو إسحاق وأبو هاشم القزويلي وطائفة من العلماء واستدلوا لذلك بما يلي:
أولا أن الخليفة الأول رضي الله عنه تمسك في حق أهل البغي على وجوب تكرار الزكاة بعد أن أدوها مرة بمجرد الأمر "متعلق الجار والمجرور قوله تمسك" في قوله تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعا وما ذاك إلا لفهم التكرار من الصيغة.
وأجيب بأنه يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد بين للصحابة وجوب تكرار إيجاب الزكاة قولا أو عملا بأن أرسل العمال كل حول إلى الملاك لأخذ الزكاة فلم ينكره لذلك "والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
ثالثا: الأمر كالنهي في أن كلا منهما موضوع للطلب والنهي يقتضي التكرار فكذلك الأمر.
"الانتهاء عن الزنا لا يتعارض مع أي تكليف والفعل يتعارض لأن التلبيسمع الفعل مع آخر لا يمكن لعدم اتساع الزمن لهما فالزمان يتسع لنواهي وأمر لا أمران أو أكثر".
لأن فيه بقاء على العدم وهو يجامع كل فعل ومقتضى الأمر بالشيء الاتيان به في جميع الأوقات وهو غير ممكن لأنه يؤدي إلى تفويت المأمورات الأخرى التي لا تجامعه فكان قياسا مع الفارق وهو باطل.
ثالثا: الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي يقتضي انتفاء المنهي عنه دائما "فلو تلبس به لما انتهى" وذلك يلزمه وجود المأمور به دائما ولا معنى للتكرار إلا هذا "قم نهى عن القعود والامتناع عن القعود لا يتصور إلا بالقيام وما دام القعود منهي عنه فلا بد أن يستمر في القيام فهو قد لاحظ دلالة النهي على التكرار وهو عدم وجود المنهي عنه دائما والمعنى: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي يتكرر ولا يمكن أن يحقق المنهي عنه إلا بالاستمرار في تحقق المأمور به.
وأجيب بأنا لا نسلم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده سلمنا "هذا مزيد ترقي في الرد" لكن لا.........=
(1/67)

...........................................................................
__________
= نسلم أن النهي الذي يدل عليه الأمر يمنع من المنهي عنه دائما في جميع أحواله بل هو تابع للأمر الذي دل عليه فإن كان الأمر دائما كان النهي المستفاد منه مقيدا به كذلك فالأمر بالحركة دائما منع من السكون دائما والأمر الحركة ساعة منه من السكون دائما ومن هنا نأخذ أن كون النهي الضمني للتكرار فرع كون الأمر للتكرار فإثباته به دور وهو باطل "الأمر هنا أصل والنهي فرع فإذا كان الأمر مفيدا فالنهي كذلك وإذا كان الأمر مطلق فالنهي مطلق فدلالة النهي الذي تضمنه الأمريتبع دلالة الأمر والدور هنا صورته هو توقف دلالة الأمر على النهي في دلالته أي الأمر على التكرار من النهي وتوقف دلالة النهي على الأمر في دلالته أي النهي على التكرار من الأمر بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده واعلم أن الدور هنا اسمه الدور المصرح نوع من الدور السبقي".
المذهب الثالث:
أنه يدل على المرة ويحمل على التكرار وبقرينة وبه قال كثير من الأصحاب واستدلوا على ذلك بأنه لو قال السيد لعبده ادخل الدار فدخلها مرة واحدة عد ممتثلا عرفا ولو كان للتكرار لما عد ممتثلا.
وأجيب بأنه عد ممتثلا لأن المأمور به وهو الحقيقة حصل في ضمن المرة لا بخصوصهما بل لكونهما مما تحصل به الحقيقة مع عدم احتياج صرفه الامتثال إلى أزيد منها.
المذهب الرابع:
أنه مشترك لفظي بين التكرار والمرة فيتوقف إعماله في أحدهما على وجود القرينة.
واستدل له بأنه لم يكن مشتركا بين المرة والمرات لما حسن الاستفسار عند سماع صيغة الأمر بأن المراد ايهما لكن التالي باطل فبطل المقدم وهو عدم الاشتراك ونبت نقيضه وهو أنه مشترك بينهما "لو لم يكن مشتركا لما اسفسر عنه فحسن الاستفسار دليل على اشتراك"
أما الملازمة فلأن سراقة هو من أهل اللسان قال في حجة الوداع: ألعامنا هذا أم للأبد فحسن السؤال مستلزم الاشتراك البتة.
وأجيب عن ذلك بأنا لا نسلم الملازمة لجواز أن يكون متواطئا "أي معنويا ومشترك للقدر المشترك وهو إيجاد المعدوم في الخارج" ومع ذلك يحسن الاستفسار ألا ترى "زيادة توضيح" أنه قد يستفسر عن أفراد المتوطئ كما لو قيل مثلا أعتق رقبة يحسن أن يقال: أمؤمنة أم كافرة سليمة أم معيبة فقد حصل الاستفسار ولن يلزم منه كون اللفظ مشتركا لفظيا كما رأيت.
المذهب الخامس:
التوقف على القول بالمرة أو التكرار على معنى أنه مشترك بينهما أو لأحدهما ولا تفرقة فلا يحمل على أحدهما إلا بقرينة واستدلوا: بأنه لو ثبت مدلول صيغة الأمر لثبت بدليل أي لو ثبت أنه للمرة أو التكرار أو مجرد الوجود لثبت بدليل وهو إما النقل أو العقل ولم يوجد النقل والعقل لا مدخل له أي ثبت في إثبات اللغة والآحاد لا تعتبر أي لأن اللغة لا تثبت فوجب التوقف..........=
(1/68)

أما الذين قالوا: أنه يفيد التكرار تعلقوا بحديث الاقرع بن حابس أنه قال يا رسول الله احجتنا هذه لعامنا أم للابد فقال: "للابد ولو قلت: لعامنا لوجب وما استطعتم" 1.
فقد اشكل عليه أنه على التكرار أو لا على التكرار ولو كان لا يفيد لما اشكل عليه ولم يكن لهذا السؤال معنى ولأن الأمر ضد النهى وهو في طلب الفعل مثل النهى في طلب الكف عن العمل ثم النهى يفيد التكرار وكذلك الأمر حتى لو ترك الفعل مرة ثم فعله يكون مرتكبا للنهى كذلك هاهنا إذا فعل المامور مرة ثم لم يفعله يكون تاركا للأمر ولانه يفيد الفعل ويفيد اعتقاد الوجوب ثم هو يفيد اعتقاد الوجوب على الدوام فيفيد الفعل على الدوام والدوام فيه أن يفعله على وصف التكرار ولو اقتضى الفعل مرة وجب أن لا يجوز عليه النسخ لانه يكون بدءا والبداء على الله تعالى لا يجوز ولأن الأمر لا يتخصص بوقت دون وقت فليس بأن يقال يجب فى بعض الاوقات بأولى من قول القائل يجب فى البعض فوجب فى كل الاوقات وهذا لان القول بالاستيعاب واجب فى الخطاب لطلب كثرة الفوائد والتكرار من الاستيعاب وقد اتفقنا على أن الأمر لا يتناول ما ينطلق عليه الاسم حتى لو قال لغلامه كل فأكل لقمة واحدة لا يكون ممتثلا للأمر وإذا لم يحمل على ادنى ما ينطلق عليه الاسم وجب أن يحمل على جنس ما ينطلق عليه الاسم لأن مالا يحمل على الخصوص يحمل على العموم لأن القول بالعموم فى كل ما يمكن فيه القول واجب.
وأما حجتنا فنقول قوله صل أمر بما قوله صلى خبر عنه كذلك قوله صل لا يقتضى فعل مرة واحدة ليكون قوله صلى خبرا عنه كذلك قوله صل لا يقتضي الفعل.
__________
= وأجيب بما مر من الاستقراء وأن الظن كاف في مدلولات الالفاظ مدلولات الألفاظ تثبت بالآحاد.
ومن هذا العرض يتبين رجحان القول بأن صيغة الأمر لطلب الماهية والمرة من لوازم تحقق الماهية في الوجود وليس للمرة ولا للتكرار وليس مشتركا ولا مجملا وهو المذهب الأول.
انظر البرهان لإمام الحرمين 1/224 - 231 نهاية السول للآمدي 2/274 - 282 اصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/156 - 163.
ومما ذكره شيخس - الحسيني الشيخ - امد الله في عمره ونفع به - ذلك في محاضرته في كلية الشريعة بجامعة الأزهر المحروسة- قسم الدراسات العليا.
1 أخرجه أبو داود 1/379 المناسك 2/143 ح 1721 وابن ماجه المناسك 2/963 ح 2886 وأحمد المسند 1/379 ح 2646 ولفظ الحديث عند أحمد والحاكم المستدرك 1/441 انظر نصب الراية للزيلعي 3/2.
(1/69)

إلا مرة ليكون قول صل امرا به وهذا لأنه قوله صل أحد تصارف الفعل فصار كما لو قال صلى وهذا لأن تصاريف الفعل لا تختلف عن الفعل لأن الفعل واحد فى الكل وإنما اختلفت تصاريفه فإذا كان واحدا فى تصريف الخبر وتصريف المستقبل.
مثل قوله ضرب يضرب كذلك فى تصريف الأمر وهم يوردون على هذا تصريف النهى وسنجيب عنه.
ويمكن أن يقال مثال مأخوذ من المصدر كالخبر.
ألاترى أن ضرب مأخوذ من الضرب فكذلك اضرب مثال مأخوذ من الضرب فثبت استواؤهما من هذا الوجه وهكذا الحقيقة وهو أن الأمر يقتضى الامتثال فلا يتناول إلا قدر ما يصير به ممتثلا للأمر وبالفعل مرة يصير ممتثلا للأمر دل أن الأمر تناوله بلا زيادة فإن قالوا: إنما يصير ممتثلا بعض الأمر دون الكل.
قلنا لا يصير ممتثلا كل الأمر فإن من قال لغلامه اسقنى فسقاه مرة يصير ممتثلا كل ماأمره به وكذلك إذا قال اشتر لحما وخبزا ففعل مرة صار ممتثلا على الإطلاق.
ألاترى أنه لو كرر فى هذه الصورة يجوز أن يعاقبه السيد فيقول: أمرتك مرة فلم زدت عليه وأيضا فإن الغلام يعد نفسه ممتثلا للأمر وكذلك العقلاء يعدونه ممتثلا للأمر ولا يستحسنون عتابه فى ترك الأمر وهذا لأن قوله صل معناه صل صلاة وكذلك قوله صم وكل واشرب وادخل واشتر وقوله صلاة وصوما نكرة فى اثبات وأجمع أهل اللغة أن النكرة فى الاثبات تخص ولا تعم فاقتضى وجود ما سمى صلاة وصوما أو دخولا وخروجا أو شربا أو أكلا وخرج على هذا فصل النهى الذى تعلقوا به لأنه على الصورة التى قلنا بها يكون نكرة فى النفى تعم ولا تخص بالإجماع ونظير النكرة فى النفى قوله ما رأيت رجلا ونظير النكرة فى الإثبات رأيت رجلا.
فإن قالوا: إنما تجعل كأنه قال افعل الصلاة وافعل الصوم أوافعل الدخول وإدخال الألف واللام يقتضى استيعاب الجنس.
قلنا إنما نقدر من المصدر ما يستقبل به الكلام وقد استقل متعد وصلاة منكرة وصوم منكر فلا حاجة إلى تقديره بالألف واللام وقد قال الأصحاب أن الطاعة والمعصية فى الأوامر على مثال البر والحنث فى الأيمان ثم البر والحنث في الأيمان يحصل فى الفعل مرة والأمثلة معلومة كذلك الطاعة والمعصية فى الأوامر وعلى هذا أوامر العباد فى قولهم طلق وأعتق وبع واشتر وتزوج ولا تتزوج فإن فى هذه الصورة
(1/70)

يحصل الامتثال بفعل المأمور مرة واحدة. فإن قالوا: أن الخلاف فى قضية الأمر فلا يجوز أن نلتمس ذلك من قضايا الشرع خصوصا فى الشرعيات التى تثبت على العادات.
قلنا بل هو على ما قلتم فى البر والحنث من قضايا الشرع لكن هذه القضايا جاءت على ما يوافق اللغة وهذا لأنه يجب أن نعرف مقتضى الأفعال ثم نبنى الشرع عليه فيستدل بإجماعهم فى هذه المسائل على أن الأوامر ما اقتضت الفعل إلا مرة واحدة على أنهم علموا أن الأمر لا يقتضى الفعل إلا مرة واحدة حتى بنوا الأحكام على هذا الأصل.
أما الجواب عما تعلقوا به قلنا أما تعلقهم بحديث الأقرع يقال لهم أولا لو كان الأمر يقتضى التكرار لم يقل أم للأبد بل كان ينبغى أن لا يشتبه عليه ذلك ثم نقول إنما سأله لأنه وجد أوامر فى القران مقتضية للتكرار لكن مثال لذلك لأنه ظن من هذا الأمر مثل تلك الأوامر.
فإن قالوا: نحن نتعلق بالأوامر التى وردت فى القران واقتضت التكرار.
قلنا نحن لا ننكر احتمال الأمر للتكرار لكن إنما أنكرنا أن يكون موضوعا لذلك فأما إذا وردت فأريد بها التكرار بدليل يقوم على ذلك فنحن لا ننكره وعلى أنه ورد فى القران من الأوامر ما لا يقتضى التكرار مثل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] ومثل قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] وأما تعلقهم بالنهى واعتبارهم الأمر بذلك فغير صحيح فإنه يمكن أن يقال أولا لا نسلم أن النهى يقتضى التكرار لأن معنى التكرار أن يفعل فعلا وبعد فراغه منه يعود إليه وهذا لا يوجد فى النهى لأن الكف فعل واحد مستدام وليس بأفعال مكررة بخلاف الأمر فإنه يوجد فيه أفعال متكررة على ماذكرنا والأمر فيه دليل على الفعل وليس فيه دليل على إعادة الفعل بعد الفراغ منه وعلى أنه أن بينت الفرق الذى قالوه. فيقال لا فرق بينهما لغة فإن واحدا منهما لا يفيد التكرار لغة وإنما افترقا من حيث العرف فإن من قال لغلامه افعل كذا واخرج إلى السوق فإن هذا الأمر يقتضى أن يفعل مرة فقط وإذا قال لا تخرج أو لا تفعل يقتضى هذا النهى أن لا تفعل أبدا فالفرق كان من حيث العرف لا من حيث اللغة وقد قال بعض أصحابنا فى الفرق بين.
(1/71)

الأمر والنهى إن فى حمل الأمر على التكرار ضيقا وحرجا يلحق الناس لأنه إذا كان الأمر يقتضى الدوام عليه لم يتفرغ لسائر أموره وتعطل عليه جميع مصالحه وأما النهى لا يقتضى إلا الكف والأمتناع ولا ضيق ولا حرج فى الكف والامتناع وهذا لأن الوقت لا يضيق عن أنواع الكف ويضيق عن أنواع الفعل وهذا الفصل يضعف لأن الكلام فى مقتضى اللفظ فى نفسه وأما التضايق وعدم التضايق معنى يوجد من بعد وربما يوجد وربما لا يوجد فلا يجوز أن يعرف مقتضى اللفظ وعلى أنه يلزم على هذا الفصل أن يقتضى الأمر الفعل على الدوام إلا القدر الذي يعتذر عليه ويمنعه من قضاء حاجته وهذا لا يقوله أحد وقد بينا الفرق بين الأمر والنهى فى قولنا أن الأمر لا يقتضى فعلا على وجه التنكير وهو ما يخص فى الأمر ويعم فى النهى وهو جواب معتمد وأيضا فإنه يمكن أن نفرق بينهما بالمسائل التى ذكرناها فى البر والحنث وكذلك مسائل الوكالات.
وأما قولهم أن اعتقاد الوجوب يجب على الدوام.
قلنا لا يجب عليه إلا أن يعتقد وجوب الفعل مرة إلا أنه لا يجوز أن يترك هذا الاعتقاد لأنه يؤدى إلى أن يعتقد الشيء على خلاف ما هو به وهو مثل ما إذا قيل بمرة واحدة فإنه يلزمه إعتقاد وجوبه على ما يلزمه فى الأمر المطلق ومع ذلك هو غير مقيد للتكرار.
وأما قولهم أنه لوأفاد العمل مرة لم يجز عليه النسخ.
قلنا عندنا يجوز نسخ المأمور قبل وجود وقت فعله ولا يكون أداء فكيف يكون هذا أداء وسنبين ذلك من بعد.
وقد قال بعض أصحابنا إنا إذا قلنا أن الأمر على الفور ويقتضى الفعل مرة لا يجوز عليه النسخ وإنما يجوز النسخ عليه إذا دل الدليل على إفادته التكرار وأن قلنا أنه دليل على التراخى والأمر وأن اقتضى الفعل مرة ولكن الأوقات تتناوب فيه فجاز النسخ بعد ما مضى وقت واحد ولا يدل ذلك على الأداء وأما الذي قالوا: أنه ينبغى أن يحمل على العموم فى الجنس.
قلنا قد بينا أن التقدير فى اللفظ صل صلاة أو صم صوما وعلى هذا لا يجوز حمله على الإستيعاب فى الجنس وحين وصلنا إلى هذا الموضع فقد إنتهت المسألة.
(1/72)

ومما يتفرع على هذه المسألة الأمر المعلق بشرط أو صفة هل يتكرر بتكرارها1.
والمذهب الصحيح أنه لا يتكرر بتكرارها وقضيته عند وجود الشرط والصفة مثل قضيته عند إطلاق الأمر.
وزعم بعض أصحابنا أنه يتكرر بتكرارها2 وأن كان لا يفيد التكرار عند.
__________
1 استدل أصحاب هذا القول على أنه لا يفيده من اللفظ بأن الأمر المعلق بشرط أو صفة يقتضي توقف الأمر على هذا الشرط أو تلك الصفة - وذلك التوقف محتمل لأن يكون بالنسبة للمرة الواحدة وبالنسبة لجميع المرات - والدال على الأعم من حيث هو أعم لا دلالة له على الأخص من حيث خصوصه وبذلك لا يكون الأمر المعلق بشرط أوصفة دالا على تكرار الأمر بتكرار الشرط والصفة واستدلوا على أنه لا يفد التكرار من جهة القياس بأن تعليق الأمر على الشرط أقوى من تعليقه على العلة لأن العلة تتعدد والشرط لا يتعدد وتعليق الأمر على الشرط لا يدل على تكرار المشروط بتكرار الشرط فإن من قال لوكيله: طلق زوجتي إن دخلت الدار لا يقتضي هذا القول الإذن للوكيل يتعدد الطلاق تبعا لتعدد الشرط وهو الدخول فتعليق الأمر على العلة لا يدل على تكرار المعلول بتكرار العلة بطريق الأولى وإذا ثبت ذلك ثبت أن تعليق الأمر على الشرط أو الصفة لا يدل على التكرار لأن أقصى ما يفيده التعليق عليهما العلية وقد قلنا: إن تعليق الأمر على العلة لا يفيد تكرا المعلول بتكرار علته.
نوقش هذا: أن العلة أقوى من الشرط لأنها تؤثر بطرفي الوجود والشرط إنما يؤثر بطرف العدم فقط ولذلك قالوا: يلزم من وجود العلة وجود المعلول ومن عدم المعلول - ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط ولا يلزم من وجوده وجود المشروط وإذن يكون تعليق الحكم على العلة أقوى من تعليقه على الشرط وإذا ثبت أن ترتيب الأمر على الوصف أو الشرط يفيد أن كلا منهما علة للأمر فقد ثبت أن تعليق الأمر بكل منهما يفيد التكرار من جهة القياس لأن العلة كلما وجدت يوجد المعلول انظر نهاية السول 2/282 المستقصى للغزالي 712 إحكام الأحكام للآمدي 2/236, 237 أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/164, 165.
2 أي أنه يفيد لفظا
واستدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
لو لم يكن الأمر المعلق بشرط أو صفة مفيدا للتكرار المأمور به بتكرار الشرط أو الصفة لكن المأمور به يتكرر وبتكرار الشرط أو الصفة فكان الأمر المعلق بكل منهما مفيدا للتكرار لفظا لأن الأصل في الإفادة أن تكون بواسطة اللفظ.
دليل الملازمة: أن تكرر المامور به تابع للتكليف به والتكليف إنما يستفاد من الخطاب وإذا لم يكن الخطاب مفيدا للتكرار لم يكن المكلف مكلفا بالتكرار.
دليل الاستثنائية قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} وقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا} فإن الغسل يتكرر بتكرار الجنابة والقطع يتكرر بتكرار السرقة........=
(1/73)

الإطلاق1 وتعلقوا بالأوامر المعلقة بالشروط فى القرآن فإنها تتكرر بتكرار الشروط كذلك ما جاء فى غير القران يكون كذلك ولأن الشروط كالعلة.
ألا ترى أنه إذا وجد الشرط وجد المشروط مثل ما إذا وجدت العلة وجد المعلول ولا خلاف أن المعلول يتكرر بتكرار العلة كذلك وجب أن يتكرر المشروط بتكرار الشرط ولأنه لا خلاف أن النهى المتعلق بالشرط يتكرر بتكرر الشرط فكذلك الأمر يكون كذلك.
__________
= نوقش هذا الدليل بأن تكرر الحكم فيما ذكرتم جاء من جهة أن كلا من الشروط والوصف قد قام الدليل على أنه علة للحكم والمعلول يتكرر بتكرار علته اتفاقا ولذلك إذا لم يثبت أن الشرط على للحكم - لا يتكرر الحكم بتكرر الشرط كالأمر بالحج فإنه معلق بشرط هو الاستطاعة ومن المتفق عليه أن الحجلا يتكرر بتكررها ومن هنا يعلم أن اللفظ بمقتضاه لم يفد التكرار ولكن التكرار قد يستفاد من شيء آخر ككون الشرط أو الوصف علة للحكم - وهذا لا يضرنا انظر نهاية السول 2/282 انظر أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/165.
1 واعلم أن هناك مذهبا ثالثا وهو أنه لا يفيد التكرار من جهة اللفظ ولكنه يفيده من جهة القياس قد استدل البيضاوي على أن الأمر المعلق بشرط أو صفة لا يفيد تكرار من جهة اللفظ بأمرين: الأول: الأمر المعلق بشرط أو صفة يقتضي ثبوت الحكم عند وجود الشرط أو الصفة وثبوت الحكم عند وجود كل منهما محتمل لثبوت عند كل منهما مرة واحدة وثبوته عند كل منهما مرات فاللفظ صالح لكل منهما والصالح للأعم من حيث عمومه لا يصلح للأخص من حيث خصوصه وبذلك لا يكون اللفظ دالا على التكرار بخصوصه.
الثاني لو قال الشخص لوكيله: إن دخلت زوجتي الدار فطلقها لا يقتضي هذا القول الإذن للوكيل في طلاق الزوجة كلما دخلت الدار بل الوكيل لا يملك إلا إيقاع الطلاق عليها مرة واحدة عند حصول الشرط ولو كان الأمر مقتضيا للتكرار لفظا لكان الوكيل مأذونا بإيقاع الطلاق أكثر من مرة.
واستدل على أن الأمر المعلق بالشرط أو الصفة يفيد التكرار قياسا بأن ترتب الحكم على الشرط أو الصفة يدل على أن كلا منهما علة للحكم ولا شك أن المعلول يتكرر بتكرر علته والقياس مأمور به فيكون الأمر المعلق بالشرط أو الصفة مفيدا للتكرار بالقياس.
نوقش هذا الدليل بأنه منقوض بقول القائل لوكيله: إن دخلت زوجتي الدار فطلقها فإن هذا أمر معلق على شرط وهو يقتضي أن الشرط علة في الطلاق كما تقول ومع ذلك لم يتكرر الطلاق بتكرر الشرط.
أجيب عن ذلك: بأن هذا التعليق وإن أفاد أن الشرط على للظلاق إلا أن هذه العلة لا تعتبر لأن الشارع لم يجعل الدخول علة للطلاق وإنما الذي جعله هو المطلق ولا عبرة بجعله هذا لأنه ليس له سلطة التشريع في الأحكام وهذا هو السر في أن الطلاق لم يتكرر بتكرر الدخول انظر نهاية السول 2/282, 283 أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/166, 167.
(1/74)

لأنه ضده ولأن عمل أحدهما فى الفعل مثل عمل الآخر فى الكف عن الفعل وأما الدليل لنا أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار وكذلك المعلق بالشرط لأن الشرط لا يقتضى إلا تآخر الأمر إلى وجود الشرط ثم إذا وجد الشرط تعين الأمر منزلة الإبتداء فى هذه الحالة فلا يفيد إلا ما يفيده عند ابتدائه ولأنه إذا قال لغلامه إذا دخلت السوق فاشتر كذا فإنه لا يفيد أنه كلما دخل السوق يجب عليه أن يشترى اللحم وهذا معلوم قطعا ومن ادعى خلافه فهو مكابر.
وأما تعلقهم بالأوامر الواردة قبل الشرع على التعليق بالشرط.
فقلنا لم يكن ذلك قضيته الأمر بل كان ذلك بدلا دلت عليه قرائن اقترنت بالأمر فأفادت ذلك.
وأما التعلق بالعلة قلنا العلة موجبة للحكم والموجب لا ينفك عن الموجب أو هي دلالة على الحكم والدليل لا ينفك عن المدلول وأما الشرط فليس بموجب للحكم ولا هو دلاله عليه إنما هو علامة على الحكم فحسب ويجوز أن يوجد الشرط ولا مشروط وسنبين بعد هذا الفرق بين العلة والشرط وعلى الإيجاز نقول هاهنا أن الحكم يقتصر ثبوته على العلة ولا يحتاج إلى أمر آخر وثبوت المشروط لا يقتصر على الشرط بل يحتاج إلى موجب يوجبه وهو العله.
مثال هذا أن كون الواحد منا حيا شرط لكونه قادرا وكونه قادرا لا يثبت كونه حيا بمعنى آخر وراء الحياة.
وأما تعلقهم بالنهي فقد أجبنا عنه في المسألة الأولى والله أعلم.
مسألة: إذا ثبت أن الواجب بالأمر الفعل الواحد فهو على الفور أو على التراخى.
اختلف أصحابنا فيه.
فقال ابوعلى بن خيران وأبو على بن أبى هريرة وأبو بكر القفال وأبو على صاحب الإفصاح أنه على التراخى وهو الأصح وهو قول أكثر المتكلمين ونصره أبو بكر محمد بن الطيب وقاله أبو على وأبو هاشم.
وزعم أبو بكر الصيرفى من أصحابنا والقاضى أبو حامد وأبو بكر الدقاق أنه على الفور وهو قول أكثر أصحاب أبى حنيفة وذهب إليه طائفة من المتكلمين.
(1/75)

وقال بعضهم أنه على الوقف ولا يحمل على الفور ولا على التراخى إلا بدليل1.
__________
1 اعلم أن الأمر المقيد بزمن يقع فيه الفعل يدل على وجوب ذلك الفعل في ذلك الزمن سواء تساوى الزمن كله كرمضان أم كان الزمن أكثر من الفعل كوقت الظهر أن الأمر الذي لم يقيد بزمن يقع فيه الفعل فالقائلون بإنه يدل على التكرار يقولون أنه "الأمر" يدل على الفور ضرورة أنالتكرار يستلزم الفور لأن التكرار مطلوب في جميع ما يمكن "التكرار هو شغل جميع الأزممنة الممكنة بهذا الفعل ومن ضمن الأزمنة الوقت الأول" من أزمنة العمر ومن جملتها الزمان الأول فوجب "يستلزم بالتكرار القول بالفور" أن يكون الأمر للفور.
أما غير القائلين بالتكرار فقد اختلفوا في دلالته على الفور أو غيره على أربعة مذاهب:
الأول:
وهو المختار عند جمهور الحنفية والشافعية وغيرهم لا يدل على الفور ولا على التراخي وإنما يفيد طلب الفعل فقط وايهما حصل كان مجزيا.
واستدلوا على ذلك بما يأتي: أن الأمر المطلق ورد استعماله في الفور كما في قوله تعالى: {وآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} وورد استعماله في التراخي كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله كتب عليكم الحج فحجوا" ويلزم من هذا أن يكون حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو طلب الفعل من غير تعرض لوقت من فور أو تراخي والإلزام الاشتراك اللفظي إن قلنا أنه موضوع لكل منهما أو المجاز وإن قلنا أنه موضوع لأحدهما وهو حقيقة فيه مجاز في الآخر وهما خلاف الأصل "العدول من الأصل إلى خلافه ممنوع".
الثاني:
أنه يعمل على الفور فلو أخر المكلف عصى بالتأخير وإليه ذهب الحنفية واستدلوا لذلك لما يأتي:
أولا: إن الله تعالى ذم إبليس عليه اللعنة على ترك السجود لآدم عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} فلو لم يكن الأم رللفور لما استحق الذم ولكان لإبليس أن يقول إنك ما أوجبته على الفور "أي على التأخير ولكن كونه ذم دل على الفور" ففيم الذم.
وأجيب بأن ذلك الأمر الوارد وهو قوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} وفيه قرينتان تدلان على الفور إحداهما: الفاء وهي في اللغة للتعقيب والثانية وهو فعل الأمر وهو قوله تعالى: {فَقَعُوا لَهُ} حيث وقع جوابا لإذا وهي طرف والعامل فيهما جوابهما على رأي البصريين فيكون التقدير حينئذ "فقعوا له ساجدين وقت تسويتي إياه" "الدلالة على الفور ليس من ذات صيغة الأمر بل من القرائن".
ثالثا: قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} وجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بالمسارعة إلى المغفرة والمراد أسبابها اتفاقا والمسارعة هي التعجيل بفعل المأمورات فيكون التعجيل مأمورا به وقت ثبت أن الأمر للوجوب فتكون المسارعة واجبة ولا معنى للفور إلا هذا "أسباب المغفرة........=
(1/76)

......................................................................
__________
= إطاعة الأوامر" ويجاب: بأنا لا نسلم أن حصول الفورية مستفاد من صيغة الأمر بل هو مستفاد من جوهر اللفظ لأن لفظ المسارعة دل عليه كيفما تصرف على ذها الدليل يدل عليه عدم الفورية فهي عليكم وليس لكم لأن المسارعة مباشرة الفعل في وقته مع جواز الإتيان به في غيره إذ الإتيان بالفعل في الوقت الذي لا يجوز تأخيره عنه لا يسمى مسارعة "فالمسارعة الفعل في الوقت لو قال السيد لعبده: اسقني وأخره لغير عذر عد عاصيا ولولا أنه للفور ما عد عاصيا.
وأجيب عن هذا الكلام في أن كلا منهما طلب والنهي يفيد الفور فالأمر مثله يفيد الفور قياسا على النهي.
ويجاب: بأن لا نسلم أن النهي يفيد الفور إذ في إفادته الفورية خلاف سلمنا أنه يفيد الفور "ترقى في الرد" لكنه قياس مع الفارق لأنه "توضيح الفرق" لما كان النهي مفيدا للتكرار في جميع الأوقات ومن جملتها وقت الحال "أي المباشر" لزم ضرورة أن يفيد "دلل عليه باللازم" وإنما فهم هذا من القرينة وهي أنه من المعلوم عادة وطلب السقي لا يكون إلا عند الحاجة إليه عاجلا والكلام يكون مفيدا للفورية بالقرينة وليس محل النزاع بل في المطلق فكان قياسا مع الفارق.
المذهب الثالث:
أنه يدل على وجوب إيقاع الفعل في الحال أو العزم على الفعل في ثاني الحال.
وهو رأي القاضي ومن وافقه واحتجوا له بأنه ثبت في الفعل والعزم حكم خصال الكفارة وهو أنه لو أتى بأحدهما أجزأه ولو أخل بهما عفى وهذا معنى وجوب أحدهما فيثبت.
وأجيب عن ذلك بأنا نقطع أن فاعل المأمور به مطيع لكونه أتى بخصوص "نفس الشيء" ما أمر به لا لكونه أحد الأمرين منهما "الفعل أو العزم أي أنه لم يؤمر بالعزم" وأن ترك العزم على فعل كل واجب إجمالا وتفصيلا من أحكام الإيمان يثبت مع ثبوته سواء دخل الوقت أو لم يخله فإن جوز ترك الواجب بعد مرة أثم وإن لم يدخل الوقت ولم يحن لا انه ترك مخيرا بينه وبين ما أمر به حتى يكون كخصال الكفارة.
المذهب الرابع:
التوقف "أي ليس أيا مما سبق" إما لأنه مشترك بينهما "أي مشترك لفظي" أو لأحدهما "حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر" ولا نعرفه هو رأي الإمام ومن وافقه واحتجوا لذلك بأن طلب الفعل محقق وجواز التأخير مشكوك فيه "أي بالمنع في جواز التأخير بالجواز في آخره" لاحتمال أن يكون للفور فيعطى للتأخير فوجب الفورية ليخرج عن العهدة بيقين.
والجواب: لا نسلم أن جواز التأخير مشكوك فيه بل التأخير جائز حتما بما ذكرنا من الأدلة وبهذا رجح رأي الجمهور وهو أن الأمر المجرد عن القرائن لا يدل على الفور ولا على التراخي وإنما يفيد طلب الفعل فقط اهـ مما ذكر الشيخ الحسيني الشيخ في محاضراته في كلية الشريعة جامعة الأزهر قسم الدراسات العليا وانظر نهاية السول 2/286 - 291 إحكام الأحكام..........=
(1/77)

واعلم أن قولنا أنه على التراخى ليس معناه على أنه يؤخر عن أول أوقات الفعل لكن معناه أنه ليس على التعجيل.
والجملة أن قوله افعل ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب من غير أن يكون له تعرض للوقت بحال.
وعند الآخرين أن قوله افعل يقتضى الفعل في أوقات الإمكان فمنهم من قال أن لفظ الأمر يقتضى كذلك ومنهم من قال أن الواجب المستفاد بالأمر يقتضيه.
أما من قال منهم أن لفظ الأمر يقتضى ذلك فاستدلوا بأمر السيد عبده وصورته أن السيد إذا أمر عبده أن يسقيه الماء فهم منه أن يعجل سقيه الماء ولو لم يفعل استحسن العقلاء ذمة على تأخير سقيه.
قالوا: فإن قلتم أنه اقتضى ذلك بقرينة نقول أن السيد يعلل ذمه لعبده فيقول: أمرته بشيء فأخره فلا يحل الذم إلا على مجرد تأخير الأمر هذا دليل.
واستدل أيضا من قال أن لفظ الأمر يقتضي العجل بأن الوقت وأن لم يكن مذكورا في لفظ الأمر فإن الفعل لما كان إنما يقع في وقت وجب أن يفيد إيقاعه في أقرب الأوقات إليه كما أن ألفاظ البيع والنكاح والطلاق والعتاق يفيد وقوعهما فى أقرب الأوقات إليها.
ببينة أن هذه الأشياء إيقاعات من غير أن يكون فيها تعرض للوقت فإذا كان موضوعها على التعجيل لأن الوقت الأول أقرب الأوقات إلى الإيقاع كذلك الأمر الذي هوطلب الفعل.
وأما دليلهم من حيث النظر في فكرة الأمر فمن وجوه:.
منها أن الأمر قد اقتضى وجوب الفعل في أول الفعل والدليل عليه أنه لو أوقعه المكلف فيه أسقط بذلك الفرض عن نفسه فجواز تأخيره نقض لوجوبه لأن حد الواجب ما لا يسع تركه ولاشك أن تأخيره ترك لفعله في وقت وجوبه فثبت أن في التأخير نقض الوجوب وإلحاقه بالنافلة وهذا باطل وهذا دليل معتمد.
قالوا: فإن قلتم أن التأخير لا ينقض الوجوب ولا يلحقه بالنافلة لأن النافلة يجوز الإخلال بها أصلا وهذا لا يجوز الإخلال به لأنه وأن أخره فلا بد أن يفعله في
__________
= للآمدي 2/242 - 250 وروضة الناظر وجنة المناظر 178 - 179 المعتمد 1/11 أصول الفقه للسرخسي 1/26 أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/167 - 173.
(1/78)

زمان غيره وهذا غير صحيح لأن الإلزم هو وجوبه في أول أوقات الإمكان ثم جواز تركه فقد يلحق بالنافلة في هذا الوقت وليس الإلزام أنه التحق بالنافلة على الإطلاق حتى يفصلوا بينه وين النوافل المطلقة إنما الإلزام الحاقه بالنافلة في وقت وجوبه.
قالوا: وقول بعض أصحابكم أن التأخير إنما جاز ببدل يقيمه مقام فعله وهو العزم على فعله في الوقت الثاني فهذا كلام باطل لأنه أولا إثبات بدل العبادة لادليل عليها.
فإن قلتم وجوب العزم بالإجماع على أداء الفعل في الثاني دليل نقول لكم ومن بسلم بهذا الإجماع بل لو قيل أن الإجماع على سقوط وجوب العزم كان صحيحا فإن من دخل عليه وقت الصلاة فأخرها عن أول وقتها من أن يخطر بباله عزما أو ترك عزم فإنه لا يعلم بين الأمة خلاف أنه يجوز له ذلك وإذا فعل الصلاة من بعد في وقتها لم يكن عليه وزر ولا وبال وقالوا: اللهم إلا أن يكون المعنى من الوجوب العزم الذي هو أصل ما يجب على كل مؤمن من التزام الفعل وكونه على أدائه وترك الإخلال به وهذا أمر لا يختص بالأوقات فإنه يجب على كل إنسان في العبادات قبل دخول أوقاتها بعد دخولها في قضية الأوامر الواجبة بعد وجود أوقاتها قالوا: ولأن العزم لو كان بدلا عن العبادة لوجب أن يقوم مقام العبادة بحال لأن البدل ما يقوم مقام الأصل فى وجوه مصالحها وأجمعنا على أنه لا يقوم مقام العبادة بحال فإن أصل الفعل لا يسقط بالعزم على الفعل بوجه ما.
قالوا: فإن قلتم أنه يقوم مقامه في الوقت الأول دون الوقت الثاني.
نقول إذا قام مقامه في الوقت الأول وقضية الفعل في الوقت الأول سقوط الفرض عن المكلف فينبغي أن يقوم مقامه في هذا الغرض قالوا: ولأنكم اعتقدتم هذا الأمر فرضا آخر معجلا وهو العزم على الفعل من غير أن يكون لصيغة الأمر تعرض له واعتقدتم تأخير الفعل مع اقتضاء الأمر الفعل ولا دليل على التأخير وهذا خطأ فاحش فبطل قول من قال أن العزم يدل وصح الدليل الذي تعلقنا به.
دليل آخر للقائلين بموجب الأمر على الفور وهو أن الأمر بالفعل يقتضي الفعل ويقتضي اعتقاد وجوبه ويقتضى العزم على فعله ثم كان اقتضاؤه اعتقاد الوجوب واقتضاؤه العزم على فعله على الفور والتعجيل فكذلك اقتضاؤه الفعل يكون على هذا الوصف أيضا وتعلقوا بالنهى أيضا فإنه يقتضي الإنتهاء عن الفعل على الفور فكذلك.
(1/79)

الأمر يكون اقتضاؤه بالفعل على الفور ولأن كل واحد نظير صاحبه ومما يعتمدون عليه وهو شبه المسألة وإشكالها أن القول بالتأخير يؤدى إلى أقسام كلها باطلة فيكون باطلا فى نفسه لأن ما يؤدى إلى الباطل باطل وإنما قلنا ذلك لأنه إذا جاز التأخير فلا يخلو أما أن يجوز إلى غاية أو لا إلى غاية فإن جاز لا إلى غاية فإما أن يجوز إلى بدل أو لا إلى بدل فإن قلتم لا إلى بدل فهذا نقض لوجوبه وإلحاق له بالنوافل وهو لا يجوز وأن قلتم يجوز إلى بدل فإما أن يكون البدل هو العزم على فعله فى الوقت الثانى أو الوصية به فأما العزم فقد أبطلنا كونه بدلا والمعتمد فى إبطاله أنه لا دليل على كونه بدلا فلا يجوز تأخير العبادة إلى بدل لا دليل عليه.
فان قلتم أن الإجماع ثابت على وجوب العزم فقد بينا أن لا إجماع وعلى أنه وأن وجب العزم فوجوب الشيء لا يدل على أنه يكون بدلا من غيره بل الأصح أن الأمر يوجب الفعل أصلا ويوجب العزم عليه أصلا إلا أن وجوب أحدهما بالصريح ووجوب الآخر بالدلالة وأما القول بجواز التأخير إلى بدل الوصية فباطل أيضا لأنه ليس كل العبادات مما يجوز الوصاية بفعلها وعلى أنه أن كان أمر الله تعالى لنا أن نفعل العبادة لا يمنع من أن يعزم على الإخلال أو يوصى غيرنا بها لم يمنع أيضا أمرنا الوصى أن يوصى بما وصيناه به ويحل بفعله بنفسه وكذلك القول فى الوصى الثانى والثالث إلى ما لا يتناهى.
قالوا: وأن قلتم يجوز التأخير إلى غاية فلا يخلوا لنا أن تكون الغاية معينة أو موصوفة فالمعينة أن يقال يجوز له التأخير إلى اليوم الثانى أو الثالث أو وقت كذا أو سنة كذا فلا يجوز تأخيره بعده وهذا لم يقل به أحد ولا دليل عليه فهو باطل.
وأما الموصوفة فهو أن يقال يجوز له تأخيره إلى الوقت الذي يغلب على ظنه أنه لو آخر عنه فات وهذا لا يخلوا أما أن يغلب على ظنه لا بأمارة أو يغلب على ظنه بأمارة من شدة مرض وعلو سن وغير ذلك وهذا باطل ايضا أما غلبة الظن لا عن إمارة فليس بشيء لأن الظن لا عن أمارة لا يجوز تعليق حكم الشرع به ولأنه قد يغلب الظن على السوء اى فى الموت وغيره ولا يجوز أن نعتبر مثل هذا الظن فى شيء وأما الظن عن أمارة فهو باطل أيضا لأن كثيرا من الناس يموتون فجأة وبغتة ولا يوجد لهم غلبة الظن فيموتون فما قلتم يقتضى أنه لم تجب عليهم العبادة لأنه قد جاء عندكم التأخير إلى غاية ولا غاية فى حقهم وكان التأخير لهم جائزا على الإطلاق.
(1/80)

فانتقض الوجوب فى حقهم أصلا.
ببينة وهو الإشكال أن الأمر بالفعل يقتضى الفعل لا محالة هذا الطريق صار موجبا للفعل على ما سبق بيانه وعلى ما قلتم لا يكون موجبا للفعل لأنه لا يكون مقتضيا للفعل لا محالة لأنه إذا جاز التأخير ولم يتضيق عليه فى وقت ما فلا وجوب وأن تضيق عليه فى وقت ما فلا يكون ذلك التضييق على العموم فى حق المكلفين فإنه أن يضيق فى حق من يغلب على ظنه لا يتضيق فى حق من لا يغلب على ظنه ويموت بغتة فلا يكون الأمر مقتضيا للفعل لا محالة فينتقض الوجوب.
والحرف أن الأمر إذا أوجب الفعل على العموم فلا يجوز أن يكون علامة الوجوب إلا على الأمر وأما حجة القائلين بالتراخى وهو الأصح فدل أولا أنه ليس فى لفظ قوله افعل دليل على صفة الفور والتعجيل فنقول قوله افعل صيغة موضوعة لطلب الفعل ولا تقتضى إلا مجرد طلب الفعل من غير زيادة كسائر الصيغ الموضوعة للأشياء فإنها لا تفيد إلا ما وضع لها ولا يفيد زيادة عليها وأقرب ما يعتد صيغة طلب الفعل فى المستعمل بصيغة الخبر عن الفعل الماضى ثم لو أخبر عن فعل فى الماضى لم يدل الخبر عن الفعل إلا على مجرد الفعل ويكون خبر الفاعل عن الفعل بعد فعله بمدة قرينة على وجه واحد كذلك هاهنا وهذا لأن قوله لغيره افعل ليس فيه تعرض للوقت بوجه ما وإنما هو مجرد طلب الفعل وليس فيه دليل على وقت متقدم وعلى وقت متآخر ولا يجوز أن يدل اللفظ على ما لا يتعرض له اللفظ وهو دليل على التقييد وهذا لا يجوز كيف وقد جعلوا تقييد المطلق نسخا له فى كثير من المسائل على ما عرف من مذهبهم إيقاع الفعل فحسب إلا أن الزمان من ضرورته لأن الفعل من العباد لا يصير موقعا إلا فى زمان فصارت الحاجة ماسة إلى الزمان ليحصل الفعل موقعا والزمان الأول والثانى والثالث فى هذا المعنى وهو حصول وقوع الفعل واحد وإذا استوت الأزمنة فى هذا المعنى بطل التخصيص والتقييد بزمان دون زمان وصار كما لو قال افعل كذا فى أي زمان شئت فهذه الدلائل من حيث بيان أن الأمر لا يقتضى التعجيل بلفظه ثم يدل على أنه لا يقتضى التعجيل بفائدة فنقول لو كان يقتضى التعجيل بفائدته لكان يقتضيه من حيث أن الأمر يفيد الوجوب ولا يتم الوجوب مع القول بجواز التراخى وهذا لا يصح لأن الفعل يجوز أن يكون واجبا على المكلف وأن كان مخيرا بين فعله فى أول الوقت وفعله فيما بعده فيجوز له التأخير ما لم يغلب على ظنه فواته.
(1/81)

إن لم يفعله فمتى غلب على ظنه فواته أن لم يفعله حرم التأخير فيكون هذا الأمر مقتضيا طلب الفعل منه فى مدة غيره بشرط أن لا يخلوا زمان العلم منه فيصير واجبا عليه بوصف التوسع لا بوصف التضييق والتكليف على هذا الوجه لا يمنع منه معقول ولا مشروع.
أما المعقول فإنه لو صرح بمثل هذا الأمر لم يكن مستنكرا عند أحد العقلاء ولو قال السيد لغلامه افعل كذا غدا أو قال افعل فى شهر كذا أو سنة كذا ومراده أن يأتى به فى أي وقت يختاره من هذه المدة بشرط إلا يخلى المدة منه فإنه يكون صحيحا غير مستبعد ولا مستنكر وأما المشروع فقد ورد الشرع بمثاله وذلك فى الصلوات المفروضات فى الأزمنة المعلومة لها وكذلك القضاء الواجب عند ترك الصوم بعد زوال الكفارات الواجبات والزكوات على أصولهم وبهذا المعنى أجمع أهل العلم على أنه فى أي زمان فعله يكون مؤديا ويحسن أن يوصف بالإمتثال لأمره ولهذا المعنى أجمع أهل العلم أيضا أن الإيمان على الأفعال يحصل البر فيها سواء اتى بالأفعال على الفور أو على التراخى فيثبت أنه لا دليل على صفة الفورية لا من جهة لفظ الأمر ولا من جهة فائدته والقول بالشيء بلا دليل عليه باطل.
فإن قالوا: ليس مع هذا كله أجبتم المسارعة والمبادرة فى الأوامر فكذلك جاز أن وجب ذلك.
قلنا إنما أوجبنا المسارعة والمبادرة بلا دليل من جهة اللفظ ولا من جهة معناه لكن بدليل أجنبى جاء من جهة الشرع استجلب المبادرة إلى كل الطاعات والكلام فى هذا الاقتضاء من حيث اللفظ وقد يدل على ما ذكرناه أيضا قصة عمر رضى الله عنه أنه قال لأبى بكر رضى الله عنه فى زمان الحديبية من صد النبى صلى الله عليه وسلم عن البيت ووقوع الصلح على الرجوع فى ذلك العام أليس أن الله تعالى وعدنا أن ندخل المسجد الحرام فقال له أبو بكر أقال العام قال لا قال فسندخل فسكت عمر وعلم الحق من قوله وكذلك سائر الصحابة رضى الله عنهم علموا ذلك واعتقدوا صدق الوعد بهذا الطريق مع وجوه تراخى الدخول فثبت أنهم علموا ذلك بالطريق الذي قدمناه فكذلك الأمر يكون بمثابته ومنوالهم على ما ذكرناه بما أوردناه فى شبههم وسنفصل عنها ونزيل الإشكال منها بعون الله تعالى.
الجواب أما كلامهم الأول وهو تعلقهم بالسيد إذا أمر غلامه بسقيه الماء.
(1/82)

قلنا إنما عقل التعجيل فى ذلك الأمر بقرينة دلت عليه وهى علم العبد أن السيد لا يستدعى الماء إلا وهو محتاج إلى شربه هذا هو الأغلب ولو لم يوجد إلا فى الأمر فإنه لا يعقل ذلك.
وأما قولهم أن السيد يقول: أمرته بكذا فأخره.
قلنا وقد يعتذر العبد فيقول: أمرنى بكذا ولم يأمرنى بتعجيله ولا علمت أن عليه فى تأخيره مضرة.
وأما كلامهم الثانى قلنا هذه الأحكام التي تعلقوا بها عامة صيغها صيغ أخبار وقد بينا أن صيغة الخبر لا تدل على قرب من المخبر عنه ولا يعد إلا بدليل يقترن به أيضا فإن هذه العقود فى الشرع إيقاعات تقتضى أحكاما على التأبيد فلا بد أن تتصل أحكامها بالعقود ليصح القول بإتيانها على التأبيد فهو مثل النهى فى مسألتنا فإنه لما اقتضى الانتهاء والكف على التأبيد اقتضى الانتهاء على الفور ليصبح القول بثبوتها على التأبيد.
فإن قيل كون الحكم إذا وقع دام لا يمنع من النظر فى ابتداء وقوعه أنه يقع معجلا أو على التراخى وهو كالملك فى الثمن المؤجل فإنه يقع الملك فيه فى المستقبل ثم إذا وقع دام وهو لا يمنع ذلك من النظر فى ابتداء وقوعه أنه على التعجيل أو على التراخى ويكون ذلك بحسب قيام الدليل عليه.
قلنا إذا كان قضية الشيء أن يكون حكم على الدوام فاعتقاد التراخى فيه يفضى إلى اعتقاد الجزم فى صفة الدوامية لأنه يتراخى ويتراخى إلى زمان يوجد حكم اكتسب فى ذلك الزمان ولا يتصور معنى الدوام فيه فلهذا قلنا أنه يكون على الفور على ثبت صفة الدوام ثم نقول فى هذه المسائل التى قاسوا عليها لم تثبت صفة التعجيل بصيغ هذه الألفاظ وإنما ثبتت بإثبات الشرع لها ذلك وكلامنا وقع فى مقتضى صيغة اللفظ فسقط تعلقهم بها من هذا الوجه وهذا جواب معتمد.
وأما دليلهم الذى قالوه من جهة فائدة اللفظ قولهم أن الأمر قد أفاد الوجوب فى أول أوقات الإمكان.
قلنا أي شيء يعنون بهذا أن عنيتم أنه أفاد الوجوب فى أول الوقت على وجه لا يجوز تأخيره عنه فلا نسلم ذلك وأن عنيتم أنه أفاد الوجوب فى أول الوقت على معنى أنه إذا أوقعه فيه يقع من الواجب قلنا لم قلتم إذا كان على هذا الوصف وجب إلا يجوز التأخير.
(1/83)

فإن قلتم لأنه كان واجبا فى أول الوقت وجاز التأخير أدى إلى نقض وجوبه وإلحاقه بالنوافل.
قلنا لا يؤدى إلى ذلك لأنه إنما يؤخر لا لأنه غير واجب بل يؤخر لأنه واجب موسع عليه فى وقته والواجب على وجهين واجب موسع على المكلف فى وقته وواجب مضيق على المكلف فى وقته فالمضيق عليه فى وقته لا يجوز تأخيره فأما الموسع عليه فى وقته يجوز تأخيره وهذا التأخير لا يخل بصفة الواجبية لأنه جوز لنا التأخير عن أول أوقات الإمكان إلى وقت مثله فى الإمكان وشرط عليه أن لا يخلى كل الوقت عن الفعل ولما أخلا عصى وأثم فعلى هذا أفاد صفة الواجبية ولم يلتحق بالنافلة فهذا وجه الجواب عن هذا الدليل وقد سلك بعض أصحابنا طريقا آخر فى الجواب وقال إنما جاز التأخير إلى بدل وهو العزم وزعم أن الإنسان إنما يجوز له التأخير بشرط أن يكون عازما على فعله الثانى.
وذكر القاضى أبو الطيب وجهين للأصحاب فى وجوب العزم وهذه الطريقة صعب تمشيتها شاق مسلكها للمسائل التى ذكرناها وما ذكرناه من الجواب معتمد وهو كاف
ويقال أيضا لهم إنكم تعلقتم بسقوط الأمر عنه بفعله فى أول الوقت بمعنى يستوى فى ذلك الوقت الأول والثانى وذلك لأن الأمر اقتضى إيقاع الفعل فقط من غير تعرض للوقت فإذا فعله فى الوقت الأول فقد أوقع الفعل وإذا فعله فى الوقت الثانى أو الثالث فقد أوقع الفعل فكان سقوط الفرض عنه بفعل المأمور فى أول الوقت لا لمعنى يرجع إلى الوقت بل كان لوجود حصول الفعل على ما اقتضاه الأمر وقد استوى فى هذا المعنى كل الأوقات فصار جميع الأوقات فى هذا الوقت واحدا وصح الفعل فى الوقت الثانى والثالث من حيث صحته فى الوقت الأول ولم يؤد هذا التوسع عليه إلى إلحاقه بالنوافل لما بينا من قبل.
وأما ما تعلقوا به من وجوب الإعتقاد على التعجيل.
قلنا ولم قلتم إذا وجب تعجيل إعتقاد وجوب المأمور به وجب تعجيل المأمور به وما أنكرتم أن تعجيل الاعتقاد وجب لدليل يخصه لا للأمر وإنما كان يلزم ذلك أن لو وجب لقضية الأمر.
فإن قالوا: أن الاعتقاد تابع للمعتقد فإذا تعجل الاعتقاد وجب أن يتعجل المعتقد قلنا والمطالبة مع هذا ولم إذا وجب تعجيل الاعتقاد مع هذا وجب تعجيل المعتقد
(1/84)

ويتصور انفصال أحدهما عن الآخر.
ثم يقال لهم إنما وجب تعجيل اعتقاد الوجوب لأنه إذا كان قام الدليل للمكلف فى أن الأمر يفيد الوجوب وقد وجد الأمر فكيف يتصور أن لا يعتقد وجوب الأمر والأمر على هذا الوجه فأما تعجيل الفعل فيجوز أن يعتقد الوجوب فى المأمور ومع هذا لا يجب عليه تعجيله لما بينا من قبل وعلى أنا نقول يلزمه اعتقاد وجوبه على التوسع كما يلزمه فعله على التوسع وإذا وجب الفعل على حسب ما يعتقده من الوجوب ووجب الاعتقاد على حسب ما يلزمه من الفعل لم يقع الفرقان بوجه ما وأما تعلقهم بفصل النهى فقد أجبنا عنه من قبل وهو أنه يقتضى الانتهاء على الدوام فإنما كان على الفور والتعجيل لأنا إذا لم نعجله على هذا الوقت أدى إلى بطلان صفة الدوامية فيه على ما سبق بيانه ويمكن أن يجاب عن فصل اعتقاد الوجوب بهذا أيضا وأما الذى ذكروه من بعد هذا وهو أن القول بجواز التأخير يؤدى إلى أقسام كلها باطلة قلنا لا يؤدى لأنا نقول يجوز له التأخير إلى أن يغلب على ظنه أنه إذا آخر يفوت المأمور ونقول أن الظن المعتبر هو الظن عن إمارة وهذا قسم صحيح جائز اعتقاده لأن الظن عن أمارة دليل من دلائل الشرع.
فيجوز بناء الأحكام عليه بدليل الاجتهاد فى الأحكام فكذلك هذا الحكم يجوز بناؤه عليه ولأن الله تعالى قد كان أوجب الوصية للأقارب فى ابتداء الاسلام عند حضور الموت على ما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] ولا يعرف حضور الموت إلا بغلبة الظن عن إمارة وقد بين الشرع إيجاب الوصية عليه كذلك هاهنا يجوز أيضا مثله
وأما قولهم أنه ربما يموت بغتة أو فجأة.
قلنا هذا الذى قلتم نادر والظاهر الأغلب فى حق الناس موافقة علامات حضور الموت واحتباس الإنسان بضعفه وحضور أجله ومعرفته بظهور علاماته فيه والنادر لا يدخل فيما بنى أمره على الأعم الأغلب بدليل ما قلناه فى الوصية.
فإن قالوا: ما قولكم إذا مات بغتة يموت عاصيا أو لا يموت عاصيا.
فإن قلتم يموت عاصيا فمحال لأنا أطلقنا له التأخير فاخترمته المنية من غير أن يحس بحضورها لم يتصور إطلاق وصف العصيان عليه لأن وصف العصيان بالتأخير مع إطلاق التأخير محال.
(1/85)

وإن قلتم يموت لا عاصيا فلم يبق للوجوب فائدة.
الجواب أنا نقول يموت لا عاصيا ولا يدل هذا على بطلان فائدة الوجوب وذلك لأنا بينا أن الوجوب على التوسع جائز وردوه مشروعا ومعقولا وبينا أن التأخير لا يدل على أن المأمور غير واجب لأنه يجوز له التأخير عن الوقت الأول فى الفعل إلى وقت مثله فى الفعل فلا يكون محرما عليه لأن المحظور عليه فى الواجبات تركها على الإطلاق والترك على الإطلاق هو الترك على وجه يفوت المأمور والتأخير على هذا الوجه الذي أطلقناه ليس فيه تفويت المأمور ثم إذا أحس بالفوات وهو إذا ظهرت عليه أمارات حضور الموت ضيقنا عليه الأمر ومنعناه من التأخير وأما إذا مات بغتة وفجأة فهو غير مفوت للمأمور لأنه إنما آخر من وقت إلى وقت مثله وقد بينا أن مثل هذا لا يعد تفويتا وإذا صار حيث يؤدى إلى التفويت منعناه من التأخير فصار الفوات عند موته بغتة محالا به على الله تعالى لا على العبد لأنه قد فعل ما كان مطاقا له ذلك فعنذ ذلك الفعل منه لم يجز وصفه بالتفويت على ما سبق بيانه إلا أنه صار فائتا بمعنى من قبل الله تعالى فلم يجز أن يوصف بالعصيان وهو كالأمر المضيق إذا لم تساعده الحياة فى وقته وكان من هذا الوجه على العبد لم يجز أن يوصف بالعصيان وجعل الفوات لمعنى من قبل الله تعالى كذلك هاهنا وعدم وصفه بالعصيان لم يدل على ذهاب فائدة الوجوب لأنا حققنا صفة الواجبية مما يعود إلى فعل العبد من منعه وتفويته فبوجود الفوات من قبل الله تعالى لا نبطل فائدة الوجوب فهذا وجه الجواب عن هذا الفصل ولم نبق على ما قررناه إشكال بوجه ما وهذا الفصل قد أعيى الفحول من الأصحاب حتى رأيت بعضهم يقول فى أصوله لا يستقيم مع قولنا أنه غير عاص إلا أن يحكم أنه لا وجوب وكذلك زعم أن الصلاة فى أول الوقت لا تجب والمفعول فى أول الوقت ينبغى أن يكون نافلة وهذا ترك لمذهب الشافعى رحمه الله ومساعدة للمخالفين وليس سبيل من ينصب للتقدم فى مذهبه ويعتقد أنه الفحل المدافع عن حريمه أنه إذا جاء إشكال فى المسألة يترك مذهب صاحبه ويوافق الخصوم بل ينبغى أن يبذل له جهده ويجعل فكره يحل الإشكال فإن أمكنه ذلك وإلا تركه إلى من يوفقه الله تعالى له ويهديه إليه وبمثل قول عمرو بن معدى كرب
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
فأما أن يترك مذهبه ويوافق خصومه فمحال والله العاصم بمنه.
(1/86)

وإذا عرفنا هذه المسألة يخرج عليها مسألة الحج أنه يجوز تأخيره عن أول أوقات الإمكان وقد ذكرنا وجه الكلام فيها وأما أبو زيد الدبوسي زعم أن الأمر بصيغته لا يدل على صفة الفورية إلا أن فى الحج وجب فعله على الفور لأن تأخيره يؤدى إلى تفويته حقيقة والإدراك فى السنة الثانية على الوهم والشك فلا يجوز القول بتأخير يؤدى إلى الفوات قطعا بإدراك موهوم وهذا فصل قد ذكرناه فى الخلافيات وذكرنا الكلام عليه فى كتاب الاصطلام فتركنا الكلام عليه فى هذا الباب واقتصرنا على ما ذكرناه والله أعلم.
مسألة.
وإذ بينا الكلام فى الأمر المطلق وقضيته فنبين حكم الأمر المؤقت بوقت فنقول اعلم أن الأمر الوارد على التوقيت على وجهين أمر مؤقت بوقت لا يفصل الوقت عنه بل هو وارد بقدر الوقت مثل صوم رمضان فإنه واجب بأول دخول الوقت بلا خلاف ومعنى الوجوب بأول الوقت أنه يجب مباشرته مقترنا بدخول وقته مقترنا من غير تقديم ولا تأخير1 وأما الوجه الآخر فهو الأمر المؤقت بوقت يفصل الوقت عنه وأن شئت قلت: يسع له ولغيره مثل الصلوات الخمس التى هى مؤقتة بالأوقات المعلومة ونعلم قطعا أن أوقاتها تسع لها ولغيرها فعندنا تجب هذه العبادات فى أول أوقاتها وجوبا متوسعا ومعنى الوجوب المتوسع أنه يطلق له التأخير عن أول أوقاتها إلى أوقات مثلها إلى أن يصل إلى وقت يعلم أنه أن آخر فات فحينئذ يضيق عليه ويحرم عليه التأخير وهذا قول أبى شجاع السلمى من أصحاب أبى حنيفة وهو اختيار كثير منهم وإليه ذهب جمهور المتكلمين2.
__________
1 انظر نهاية السول للأسنوي 1/166 أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 1/104.
2 ودليلهم في ذلك: أن الله تعالى لما فرض الصلاة أرسل جبريل عليه السلام ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم أوقاتها وأفعالها فأم جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وصلى به أول يوم الصلاة في أو وقتها ثم صلى به في اليوم الثاني في آخر وقتها ثم أعلم النبي صلى الله عليه وسلم الأمة بهذه الأوقات بقوله: الوقت ما بين هذين - ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الوقت كله من أوله إلى آخره وقت للصلاة وهذا الخبر محتمل لأمور أربعة:
أحدها: أن المكلف يحرم بالصلاة من أول الوقت لا ينتهي منها حتى ينتهي الوقت.
الثاني: أن المكلف يوقعها مرة واحدة في جزء معين من الوقت..........=
(1/87)

وذهب الكرخى وأبو بكر الرازى وأكثر أصحابهم من العراقيين إلى أنه يجب تأخير الوقت والمفعول فى أول الوقت نفل وفعله يمنع الوجوب فى أخره مثل الزكاة المعجلة فى الحول قبل انقضائه1.
ومنهم من قال أنه موقوف أن أدركه آخر الوقت وهو أهل الوجوب كان المفعول واجبا وأن أدركه آخر الوقت وهو ليس من أهل الوجوب كان المفعول تطوعا.
ومنهم من قال المفعول يكون واجبا فكان الوجوب متعلق بأحد شيئين أما آخر الوقت وأما اختيار الفعل2 3.
__________
= الثالث: أن المكلف يوقع الصلاة مرارا حتى ينتهي وقت الصلاة.
الرابع: أن يوقعها المكلف مرة واحدة في أي جزء يختاره من أجزاء الوقت أما الاحتمالان الأول والثاني فباطلان بالإجماع وأما الاحتمال الثالث فباطل لأنه لا دليل على تعيين بعض أجزاء الوقت بأداء الفعل فيه دون البعض الآخر فيكون تخصيص هذا الجزء بالأداء تخصيصا بلا مخصص وهو باطل.
وحيث بطلت الاحتمالات الثلاثة تعين أن يكون الاحتمال الرابع هو المراد من الحديث وبذلك يكون الخطاب المتعلق بالصلاة مقتضيا لإيقاعها في أي جزء من أجزاء الوقت من غير بدل وهو ما ندعيه انظر نهاية السول 1/172 المحصول 1/282 أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 1/105, 106.
1 وقد استدل أصحاب هذا المذهب بأنه لو وجب الفعل فيما عدا الجزء الأخير من الوقت لما جاز تركه فيه لأن شأن الواجب أنه لا يجوز تركه لكن ترك الفعل فيما عدا الجزء الأخير من الوقت جائز اتفاقا فبطل أن يكون الفعل واجبا فيما عدا الجزء الأخير وثبت أنه واجب في الجزء الأخير وهو ما ندعيه انظر المحصول لفخر الدين الرازي 1/281 نهاية السول 1/172, 173 أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 1/110.
2 قال الشيخ محمد أبو النور زهير رحمه الله ولم أعثر لهذا المذهب على دليل ولعل وجهة الكرخي فيما ذهب إليه أن آخر الوقت معتبر في سقوط التكليف عن المكلف كما هو معتبر في إيجابه عليه ابتداء انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 1/111.
3 اعلم أن هذه المسألة مذهبان آخران لم يذكرهما المصنف:
أحدهما: مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة متكلمي الأشاعرة والمعتزلة أن الإيجاب يقتضيس إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت ولكن المكلف إذا لم يفعل في أي جزء من الأجزاء يجب عليه أن يعزم على الفعل في الجزء الذي لم يفعل فيه حتى يأتي الجزء الأخير من الوقت فيتعين عليه الفعل فيه وأما دليلهم على وجوب العزم فقد قالوا فيه: لو لم يكن العزم واجبا عند عدم الإتيان بالفعل للزم ترك الواجب بلا بدل وترك الواجب بلا بدل باطل لأنه يجعل الواجب غير واجب وضرورة أن الواجب هو ما لا يجوز تركه بلا بدل وغير...........=
(1/88)

وتعلق من قال إنها لا تجب بأول الوقت بأن حد الواجب ما لا يسع تركه والصلاة فى أول الوقت واسع تركها من غير حرج فدل أنها غير واجبة قالوا: ولا يجوز أن يقال أن تركها إلى بدل وهو العزم على فعلها فى الثانى لأنا قد أبطلنا طريقة العزم فى المسألة الأولى.
قالوا: ولا يجوز أن يقال أن هذا تأخير وليس بترك لأنا بينا أن الترك فى أول الوقت قد وجد فإن الترك فى أول الوقت هو التأخير الذي قلتم والتأخير هو الترك فى أول الوقت فعلى أي الاسمين ذكر نحوه فالمعنى واحد لا يختلف وربما يقولون الواجب ما يتعين الإقدام عليه فى الزمان الأول لم يكن واجبا فيه وقد قال بعض أصحابنا المتأخرين حين سمع هذه الشبهة للمخالفين قد اتفق أهل التحقيق من الفقهاء أن من آخر الصلاة عن أول وقتها ومات فى أثناء الوقت لم يلق الله تعالى عاصيا فإذا كان كذلك فلا معنى لوصف الصلاة بالوجوب فى أول الوقت إلا على تأويل وهو أن الصلاة لو أقيمت لوقعت فى مرتبة الواجبات إذا أجزأت وهى على القطع كالزكاة تعجل قبل حولان الحول هذا كلامه.
__________
= الواجب ما جاز تركه بلا بدل انظر المحصول 1/282 إحكام الأحكام للآمدي 1/149 نهاية السول 1/166 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 1/106, 107.
والثاني: أن الإيجاب يقتضي إيقاع الفعل في الجزء الأول من أجزاء الوقت فإذا مضى من الوقت ما يسع الفعل ولم يفعل المكلف الفعل فيه وإنما فعله في غيره من الأجزاء كان هذا الفعل قضاء وهل يأثم بهذا التأخير أو لا يأثم - اختلف النقل عن أصحاب هذا المذهب وهذا المذهب فيه إنكار للواجب الموسع وهو مذهب لم يعرف قائله ولكنه نقل عن بعض المتكلمين ونسبه بعض الأصوليين إلى الشافعي وهي نسبة غير صحيحة لأن الشافعية لم تقل بذلك وقد استدل أصحاب هذا المذهب على مدعاهم بقوله صلى الله عليه وسلم "الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخره عفو الله" ووجه الاستدلال من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الصلاة في أول الوقت سبب لرضاء الله ورحمته وثوابه وأن إيقاعها في آخر الوقت موجب للعفو من الله تعالى وذلك يقضي بأن إيقاعها في آخر الوقت فيه معصية تتطلب من الله العفو عنها فإن العفو إنما يكون عن ذنب أو معصية.
فلو كان الوقت كله وقتا للأداء والمكلف خير في إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء لما كان إيقاعها في الجزء الأخير منه موجبا للذنب لأن المكلف قد فعل ما هو مأذون فيه بذلكك يكون الحديث دالا على أن وقت الفعل هو الجزء الأول منه وما بعده بوقت لقضائه وهو المطلوب انظر نهاية السول 1/171 المحصول لفخر الدين الرازي 1/281 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 1/108, 109.
(1/89)

وأما دليلنا فنقول الأمر يفيد الوجوب قد تناول أول الوقت قطعا فأفاد الوجوب قطعا يدل على أن الأمر تناول جميع الوقت على وجه واحد فإن كان لا يفيد الوجوب فى أوله فلا يفيد فى أخره فإذا أفاد الوجوب فى أخره فلا بد أن يفيد فى أوله ولأنا أجمعنا أنه يجب عليه نية الواجب إذا فعل الصلاة فى أول الوقت ولو نوى النفل بطلت صلاته والنية مصححة للفعل ومفسدة له فلو كان المفعول فى أول الوقت يقع نفلا لم يبطل النفل بل كان ينبغى أن يكون نية النفل مصححة لها.
ببينة أنه لما وجبت نية الفرض علمنا قطعا أن المفعول لا يقع نفلا لأنه لا يتصور أن يقع عن النفل مع وجوب نية الفرض وإذا وقع عن الفرض ثبت أنه فرض فإن قالوا: ليس فيما قلناه أكثر من وقوع الفعل عن الواجب قبل الوجوب وأنتم قد فعلتم مثل هذا فى صلاة العصر للمسافر فى وقت الظهر وصلاة العشاء الاخرة له فى وقت المغرب وكذلك الوضوء يجب عند دخول وقت الصلاة وقد صح بالإجماع قبله.
قلنا واحد منهما لا يلزم أما الأول فوقت الظهر وقت وجوب العصر فى حق المسافر إلا أنه واجب موسع وكذا نقول فى العشاء الأخرة أن وقت المغرب وقت وجوبها فى حق المسافر وهذا ثابت عندنا بالنصوص الواردة فى الباب على ما عرف فلم نقل بجواز تقديم الواجب على وقته.
وأما فصل الطهارة قلنا دخول الوقت إنما يوجب الوضوء على المحدث لإزالة الحدث فأما إذا كان تطهر قبل دخول الوقت وجاز على طريق النفل فقد زال الحدث ودخل وقت الصلاة وهو متطهر غير محدث ولم يجب عليه الوضوء أصلا وهذا لأن الوضوء لا يجب لعينه بحال وإنما وجب شرطا للصلاة ليؤديها على طهر من حدث وإذا كان متطهرا عن الحدث عند دخول الوقت فقد وجد شرط الصلاة فلم يتصور وجوب الطهارة عليه.
وأما الجواب عن قولهم أن حد الواجب ما لا يجوز تركه.
قلنا لا ترك هاهنا على وجه يخل بالواجبية فلم قلتم أن الترك الذى لا يخل بالواجبية لا يسع فى الواجب والدليل على أنه لا يخل بالواجبية أن هذا واجب واسع وقته على معنى أن وقته يشتمل على أزمان غيره لهذا الفعل على الترادف والتعاقب فلا بد أن يكون لتوسع الوقت أى فى هذا الواجب وليس ذلك إلا أنه يجوز تأخيره عن أول زمانه إلى زمانه الثانى والثالث والرابع إلى أن يضيق فى أخره فيوجد وقت لا يتلوه
(1/90)

وقت أخر. وجواز التأخير على هذا الوجه لا يخل بالواجبية لأنه أخره عن وقته أو تركه فى وقت إلى وقت مثله فى الوجوب فيفيد فائدة الأمر فى الإيجاب لأن الوقت الثانى فى الحقيقة صار مثل الوقت الأول فكأنه الوقت الأول فكذلك الثالث والرابع ولا يخص ترك وهذا لأن المحظور ترك يؤدى إلى تفويت الواجب وإذا تعددت أوقات الفعل بحكم اتساعه لم يوجد تفويت وإذا قرر على هذا الوجه وقع التفريق بينه وبين النفل ولم يلحق به بحال فقد وقع الانفصال عن هذه الشبهة بأبين وجه وبقى الدليل الذى قدمناه من غير أن يكون لهم غلبة كلام بوجه ما وأما إذا مات فى خلال الوقت فقد بينا أنه غير عاص بقول من قال من أصحابنا أن على هذا لا يصح إلا أن يقال أنه غير واجب فى أول الوقت خطأ وقد بينا الكلام عليه فى المسألة الأولى وحققنا وجود الوجوب مع القول بترك معصيته عند اخترام المنية إياه ولا مزيد على ما قلناه.
وأما الزكاة فعندنا الأمر اقتضى الإيجاب من وقت ما تناوله الأمر وقد تناوله الأمر وقد تناول الأمر ما بعد الحول فلا يجب قبله فكذلك الأمر هاهنا قد يتناول أول الوقت فلا يتآخر عنه الوجوب.
وأما جواز إخراج الزكاة قبل الحول رخصة من الشرع ثبت ذلك بالنص الوارد فيه والرخص لا يجوز إلزامها على الواجبات التى هى عرفيه ولو وردت هاهنا رخصة بجواز فعل الصلاة قبل الوقت لقلنا بذلك.
فإن قال قائل الوقت سبب الوجوب فكيف يتصور أن يجب من أول الوقت إلى أخره وهو يؤدى إلى أن يكون الزمان الأول سببا للوجوب وكذلك الزمان الثانى والثالث فيكون ذلك إيجاب ما هو واجب وهذا لا يجوز الجواب أن عندنا الوقت ليس بسبب الوجوب أما سبب الوجوب خطاب الشرع إلا أنه يجب مرة فى زمان متضيق ويجب مرة فى زمان واسع وكل واحد جائز معقولا ومشروعا على ما سبق بيانه فعلى هذا لم يرد إلى ترادف الإيجاب فى فعل واحد بل الإيجاب حصل مرة واحدة إلا أنه واجب متوسع وقته فصار الترادف فى الوقت لا فى نفس الإيجاب فسقط ما قالوه من هذا الوجه وقد دل ما ذكرناه أن الوجوب لا يستقر بأول الوقت واستقرار الفريضة معتبرة بإمكان الأداة بعد دخول الوقت وهو الظاهر من مذهب الشافعى وإذا استقر بإمكان الاداء كان التأخير جائزا بحكم توسع الوقت بشرط أن
(1/91)

لا يؤخذ تأخيرا يؤدى إلى التفويت على ما سبق وبعض أصحابنا ضم إلى هذا شرطا آخر وهو العزم على أداء المأمور قبل انقضاء الوقت وعندى أن الشرط الأول كاف وقد سبق الكلام فى ذلك والله أعلم.
مسألة
المأمور إذا ترك الإمتثال فى الوقت المضروب للأمر حتى انقضى فلا يجب عليه القضاء بصيغة الأمر فإن وجب يجب بأمر جديد.
وقال بعض الفقهاء يجب القضاء بالأمر الأول1 واحتج فى ذلك بما روى عنه
__________
1 قال الشيخ فخر الدين الرازي هذه المسألة لها صورتان: الصورة الأولى الأمر المقيد كما إذا قال: افعل هذا الوقت فلم يفعل حتى مضى ذلك القت فالأمر الأول هل يقتضي إيقاع ذلك الفعل فيما بعد ذلك الوقت؟ الحق لا لوجهين:
الأول: أن قول القائل لغيره: افعل هذا الفعل يوم الجمعة لا يتناول ما عداه وما لا يتناوله الأمر وجب أن لا يدل عليه بإثبات ولا ينفي بل لو كان قوله: افعل هذا الفعل يوم الجمعة موضوعا في اللغة لطلب الفعل في يوم الجمعة وإلا ففيما بعدها فها هنا إذا تركه يوم الجمعة لزمه الفعل فيما بعده ولكن على هذا التقدير يكون الدال على لزوم الفعل فيما بعد يوم الجمعة ليس مجرد طلب الفعل يوم الجمعة بل كون الصيغة موضوعة لطلب يوم الجمعة وسائر الأيام.
قال ولا نزاع في هذه الصورة وإنما النزاع في أن مجرد طلب الفعل يوم الجمعة لا يقتضي إيقاعه بعد ذلك.
الثاني أن أوامر الشرع تارة لم تستعقب وجوب القضاء كما في صلاة الجمعة وتارة استعقبته ووجود الدليل مع عدم المدلول خلاف الأصل فوجب أن يقال إن إيجاب الشيء لا إشعار له بوجوب القضاء وعدموجوبه.
فإن قلت إنك لما جعلته غير موجب للقضاء فحيث وجب القضاء لزمك خلاف الظاهر.
قلت عدم إيجاب القضاء غير وإيجاب عدم القضاء غير ومخالفة الظاهر إنما تلزم من الثاني وأنا لا أقول به أما على التقدير الأول فغايته أنه دل منفصل على أمر لم يتعرض له الظاهر بنفي ولا إثبات وذلك لا يقتضي خلاف الظاهر.
الصورة الثانية: الأمر المطلق وهو أن يقول: افعل ولا يقيده بزمان معين فإذا لم يفعل المكلف ذلك في أول أوقات الإمكان فهل يجب فعله فيما بعده أو يحتاج إلى دليل؟
أما نفاة الفور فإنهم يقولون: الأمر يقتضي الفعل مطلقا فلا يخرج عن العهدة إلا بفعله وأما مثبتوه فمنهم من قال إنه يقتضي الفعل بعد ذلك وهو قول أبي بكر الرازي ومنهم من قال: لا يقتضيه بل لا بد في ذلك من دليل زائد.
ومنشأ الخلاف أن قول القائل لغيره: افعل كذا هل معناه: افعل في الزمان الثاني فإن عصيت ففي الثالث فإن عصيت ففي الرابع على هذا أبدا أو معناه: افعل في الثاني من غير بيان حال...............=
(1/92)

النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" 1 وقوله فليصلها دليل على أن الأمر الأول باق عليه وأن الواجب بعد خروج الوقت هذا الذى كان واجبا فى الوقت ولأن الواجب عليه بعد الوقت واجب باسم القضاء والقضاء من ضرورته وجوب فقضى عليه فدل أن الأمر الأول باق عليه حتى سمى المفعول قضاء.
ببينة: أنه إذا وجب بأمر لم يتصور أن يكون قضاء.
قالوا: ولأن الأوامر مصالح والمصلحة فى نفس الفعل لا فى وقت الفعل فإذا لم يفعل كان عليه فعله وأن انقضى الوقت المضروب للفعل.
وأما دليلنا هو أن الوجوب بالأمر والأمر يتناول الفعل فى وقت معلوم فلا يكون الفعل فى غير ذلك الوقت مأمورا وإذا لم يكن أمرا بعد الوقت لم يكن وجوب والحق أن المأمور يفوته بفوات الأمر وقد فات الأمر بفوات الوقت فيفوت الوجوب.
ببينة: أن فى الشاهد من قال لغلامه زر فلانا فى الغد لا يكون أمرا بالزيارة بعد الغد حتى إذا ترك الزيارة فى الغد وزار بعد الغد يسمى مخالفا لسيده وأيضا يقال القاضى ليس يمتثل الأمر فإن الممتثل للأمر هو الموافق لصيغة الأمر والموافقة لصيغة الأمر وهى بالفعل فى الوقت المسمى فى الأمر وإذا لم يكن الفعل بعد الأمر امتثالا لم يكن الأمر مقتضيا له فصار فعل المأمور بعد خروج الوقت كفعله قبل دخول الوقت.
__________
= الزمان الثالث والرابع فإن قلنا بالأول اقتضى الأمر الفعل في سائر الأزمان وإن قلنا بالثاني لم يقتضيه فصارت هذه المسألة لغوية.
واحتج من قال أنه لا بد من دليل منفصل بأن قوله: افعل قائم مقام قوله: افعل في الزمان الثاني.
وقد بينا أنه إذا قيل له في ذلك وترك الفعل في الزمان الثاني لم يكن ذلك القول سببا لوجوب الفعل في الزمان الثالث فكذا ها هنا ضرورة أنه لا تفاوت بين اللفظتين واحتج أبو بكر الرازي على قوله: بأن لفظ افعل يقتضي كون المأمور فاعلا على الإطلاق وهذا يوجب بقاء الأمر ما لم يصر المأمور فاعلا انظر المحصول 1/224, 225, 226 إحكام الأحكام 2/262 روضة الناظر وجنة المناظر 180 التمهيد تخريج الفروع على الأصول ص 68.
1 أخرجه البخاري المواقيت 2/84 ح 597 ولم يذكر "من نام" ومسلم المساجد 1/477 ح 315, 684 وأبو داود الصلاة 1/118 ح 442 والترمذي الصلاة 1/335 ح 178 ولفظهما لفظ البخاري والنسائي المواقيت 1/236 باب فيمن نسي صلاة وابن ماجه الصلاة 1/227 ح 696 ولفظ الحديث عند مسلم.
(1/93)

ثم لا يصح ذلك فى الأمر وكذلك بعد خروج الوقت يكون كذلك أيضا.
وأما الجواب عما تعلقوا به أما الخبر قوله ص فليصلها نقول أولا هذا دليل عليهم لأن قوله فليصلها أمر جديد فلو كان الأمر الأول باقيا عليه لم نحتج إلى هذا الأمر الثانى فلما ذكره دل على وجوبه بهذا الأمر لا بالأمر الأول ثم قوله فليصلها يعنى فليصل مثلها لأن الواجب عليه هذا الأمر المحدد صلاة مثل صلاة الأولى فلأجل هذه المشابهة صحت هذه الكتابة وأما الذى تعلقوا به من تسمية المفعول قضاء.
قلنا هذا دليل عليكم لأن الأمر الأول لو تناول الفعل قبل خروج الوقت كان المفعول أداء ولم يكن قضاء مثل المفعول فى الوقت ثم نقول تسميته قضاء هو على طريق المجاز لا على طريق الحقيقة ومعنى المجاز أنه فعل على مثاله الأول قائم مقامه فى إسقاط تبعة الأمر الأول عنه وهذا لأن عندنا وأن وجب القضاء بأمر جديد يعمله قيامه مقام الأول فيسقط عنه تبعة الخلاف فى الأمر الأول فهذا الوجه سمى قضاء وهو على طريق المجاز لأنه لا يقضى عليه فى الحقيقة.
وأما كلامهم الأخير فقوله أن الأوامر مصالح.
قلنا تأجيل المصالح فى الأوامر عندنا باطل والله تعالى لا يجب عليه شيء بوجه ما وقد يفعل الأصلح بالعبد وقد يفعل غير الأصلح وهذه قاعدة تعرف فى غير هذا الموضع وعلى أنه يجوز أن تكون مصلحة العبد فى فعل الشيء في وقت معين ولا يكون فعله فى غير ذلك الوقت مصلحة.
ألا ترى أن فعله فى الوقت مصلحة له وقبل الوقت لا يكون مصلحة والله أعلم.
(1/94)

فصل: هل يتوجه الوجوب حال العذر
...
فصل
وذكر أصحابنا فى أصحاب الأعذار الذين لا يحتم عليهم الصوم فى الحال مثل المريض والمسافر ومن لا يجوز له صوم فى الحال مثل الحائض والنفساء أن الصوم واجب عليهم فى حال العذر.
وقال أصحاب أبى حنيفة لا يجوز القول بإيجاب الصوم على الحائض والمريض فى
(1/94)

حال العذر1.
وأما المسافر فالصوم واجب عليه وله الفطر بترخيص الشرع وحكوا عن بعض من ينسب إلى الكلام أن الصوم لا يجب على المريض والحائض وأما المسافر فعليه صوم أحد الشهرين أما شهر الاداء وأما شهر القضاء وأيهما صام كان أصلا مثل الأنواع الثلاثة فى كفارة اليمين.
واحتج الأصحاب فيما صاروا إليه بأن الله تعالى علق قضاء الصوم بفطر مضمر فى الأية إجماعا وهو قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] ومعناه فانظروا عدة من أيام آخر فدل أن وجوب القضاء معلق بالفطر ولو لم يكن الوجوب ثابتا عند الفطر لما تعلق به القضاء ولأن المفعول لما كان يسمى قضاء لا أداء فالقضاء اسم لواجب قام مقام واجب آخر فأما أداء الواجب فى وقته فلا يسمى قضاء بحال ولأن هذه العبادة مفروضة فى هذا الوقت فلو لم يجب على هؤلاء فى الوقت لم يجب شيء بعد فوات الوقت كالحائض لما لم يجب عليها الصلاة فى.
__________
1 قال الشيخ الآمدي اختلفوا في تكليف الحائض بالصوم فنفاه أصحابنا وأثبته آخرون انظر إحاكم الأحكام 1/221 وفي شرح المنار لابن مالك الحنفي والحيض والنفاس وهما لا يعدمان الأهلية لا أهلية الوجوب ولا أهلية الأداء فكان ينبغي أن لا يسقط بهما الصلاة كما لا يسقط الصوم انظر المنار لابن مالك 350.
وهذا يدل على أن الذي ذكره المصنف هو عكس ما قلناه فعند الأحناف يجوز أن يجب الصوم على المعذور وأما عندنا نحن الشافعية فالحيض مانع من أهلية الوجوب وقت الحيض اهـ.
ثم سطر الشيخ الآمدي قوله فقال: والحق في ذلك إن أريد بكونها مكلفة به بتقدير زوال الحيض المانع فهو حق وإن أريد بكونها مكلفة به بتقدير نزول الحيض المانع فهو حق وإن أريد به أنها مكلفة بالإتيان بالصوم حال الحيض فهو ممتنع وذلك لأن فعلها للصوم في حالة الحيض حرام ومنهي عنه فيمتنع أن يكون واجبا ومأمورا به لما بينهما من التضاد الممتنع دالا على القول بجواز التكليف بما لا يطاق.
فإن قيل فلو لم يكن الصوم واجبا عليها فلم وجب عليها قضاؤه؟ قلنا: القضاء عندنا إنما يجب بأمر مجدد فلا يستدعي أمرا سابقا وإنما سمي قضاء لما فيه من استدراك مصلحة ما انعقد سبب وجوبه في الصوم ولم يجب لمانع الحيض انظر إحاكم الأحكام 1/221, 222 التلويح على التوضيح 2/176, 177.
تنبيه: اعلم وفقك الله أنه من الممكن أن يكون هناك خطأ في عبارة المصنف والصحيح "أن الصوم غير واجب عليهم في حال العذر وقال أصحاب أبي حنيفة يجوز القول بإيجاب الصوم على الحائض في حال العذر والله أعلم".
(1/95)

الوقت لم يجب بعد الوقت.
قال من يخالف هذا كيف يتصور وجوب الصوم على الحائض ولا سبيل لها إلى الأداء ولا إلى إزالة المانع إلى الأداء بل هي منتهية عن فعل الصوم لا إيجاب فعل لا سبيل للمأمور إلى التوصل إليه بحال.
ببينة أنه لو جاز إيجاب الصوم على المرأة فهى منتهية عنه لجاز إيجاب سائر المنهيات عليها هذا فى الحائض وكذلك قالوا: للمريض الذى يستضر بالصوم لا يجوز له فعل الصوم فلا يجوز أن يقال بوجوبه عليه وأما المسافر فالصوم له جائز إلا أنه رخص له تركه والقضاء من بعد.
وأجاب الأصحاب عن هذا وقالوا: المحدث إذا ضاق به وقت الصلاة لا يتأنى له الأداء والوجوب ملاق إياه وكذلك من لا يجد ماء ولا ترابا نظيفا لا يتصور منه الأداء ولا التسبب إليه ومع ذلك صح الوجوب عليه والسكران لأنه خطاب وجوب الصلاة وهو ممنوع من أدائها وهذا لأن الحيض نوع حدث والمرض والسفر نوع عذر والحدث والعذر إنما يؤثران فى الأداء ولا يؤثران فى أصل الوجوب مثل سائر الأحداث والأعذار إلا من الأحداث ما يكون العبد بسبيل إلى إزالته ومنها لا سبيل له إلى إزالته ومن الأعذار ما يكون الأداء جائزا معه وربما يكون الأداء هو الأولى ومنها ما يكون ترك الأداء أولى وذلك فى المريض الذى يستضر بالصوم.
واعلم أن القول بإيجاب الصوم على الحائض مشكل جدا والحرف الذى يمكن الاعتماد عليه أن الخطاب بالإيجاب عام فى حق كل من هو من أهل الخطاب إلا أن هؤلاء أصحاب أعذار وموانع فيعمل العذر والمانع بقدره ولا يفوت الخطاب أصلا والحيض حدث دائم وعمل الأحداث فى المنع من الأداء والمرض عذر مضر بصاحبه والضرر فى الأداء فى الإيجاب والسفر جعل عذرا لأنه سبب المشقة فالمشقة فى الأداء لا غير فهذا الطريق كان عمل هذه الأشياء فى الأداء لا فى الوجوب فيبقى أصل الوجوب وظهرت فائدته من بعد وهو عند زوال هذه الأعذار وهذا غاية ما يمكن ذكره فى هذا الفصل وللقاضى أبى زيد فى كل هذه الأعذار كلام مفرد ذكره فى أحد أصوله الذى صنفه وسنحكى ذلك من بعد ونتكلم عليه مع أخواته التى ضم إليها ونتكلم فيها ونبين الصواب من ذلك والله المعين بمنه.
(1/96)

مسألة: الأمر الوارد على التخيير بين شيئين أو أشياء.
مثل الأمر الوارد فى كفارة اليمين وما يشبه ذلك فالذى عليه جمهور الفقهاء أن الواجب أحد ذلك لا بعينه فأيها فعل يعين واجبا بفعله فيكون مبهما قبل الفعل متعينا بعد الفعل بفعله1.
وقال كثير من المعتزلة وشرذمة من فقهاء العراقيين أن جميعها واجب دون أحدها فإذا فعل أحدها سقط به وجوب باقيها2.
وقد قال بعض أصحابنا أن من عليه الكفارة إذا فعل جميعها كان الواجب أحدها وهو أعلاها ثمنا لأنه مثاب على جميعها وثواب الواجب أكثر من ثواب الندب فانصرف الواجب إلى أعلاها دون أدناها ليكثر ثوابه وأن ترك جميعها كان معاقبا على أحدها.
وهو أدناها ليقل وباله ووزره ولأن الواجب يسقط بفعل الأدنى فينظر فى إلحاق الوزر إلى ذلك القدر ولا وزر فيما زاد عليه3 احتج عبد الجبار الهمدانى لمن قال إن.
__________
1 انظر نهاية السول للأسنوي 1/132 إحكام الأحكام 1/142 المحصول لفخر الدين الرازي 1/273 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 1/93.
2 انظر المعتمد في أصول الفقه للقاضي حسين 1/79 المحصول لفخر الدين الرازي 1/273.
3 هذا المذهب لم اجده ولكن ما وجدته في كتب الأصول هو مذهب لبعض المعتزلة - أن الخطاب يقتضي إيجاب واحد معين عند الله تعالى غير معين للناس وأصحاب هذا المذهب ثلاث طوائف:
الطائفة الأولى: ترى أن المعين عند الله الذي تعلق به الإيجاب هو ما يختاره المكلف من الخصال التي ورد فيها للتخيير - فتعيين الواجب عند الله تابع لاختيار المكلف - ومن هنا كان الواجب مختلفا لاختلاف المكلفين فيما يختارون والواجب على كل مكلف هو ما يختاره.
الطائفة الثانية: ترى أن المعين عند الله تعالى الذي تعلق به الإيجاب شيء واحد بالنسبة لجميع المكلفين هو الإطعام مثلا أو الإعتاق - فإن اختاره المكلف وفعله فقد فعل الواجب وإن لم يختره بل اختار غيره وفعله فقد سقط عنه الواجب لأنه فعل ما يقوم مقامه.
الطائفة الثالثة: ترى أن المعين عند الله تعالى متعد فليس شيئا واحدا لجميع المكلفين كما تقول الطائفة الثانية وليس التعيين تابعا لاختيار المكلفين كما تقول الطائفة الأولى وإنما التعيين راجع إلى والله تعالى والله تعالى قد عين لكل طائفة من المكلفين ما يناسبهم فعين لطائفة منهم الإطعام وعين لطائفة أخرى الإعتاق وعين لطائفة ثالثة الإكساء وعند الحنث يلهم الله كل طائفة أن تفعل ما عينه لها انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 93.
(1/97)

جميعها واجب وقال أن الكفارات الثلاث كل واحدة منها قد أرادها الله عز وجل كما أراد الأخرى وأمر بها كما أمر بالأخرى والصلاح فى إحداها كالصلاح فى الأخرى كان الأمر والصلاح والإرادة اتصل بكل الثلاث على وجه واحد وجب أن يكون وجوب الجميع على وجه واحد وربما يقول: ليس إيجاب البعض بأولى من إيجاب البعض فوجب أن يجب الكل وأيضا فإن كل واحد منها إذا فعله جاز ويكون مؤديا للواجب وهذا صفة بالواجب وحكمه وقالوا: لوكان الواجب أحدها لا بعينه وجب أن يبينه الله تعالى.
لأنه إذا لم يتبين أدى إلى أن يكلف أحد شيئا من غير أن يسأله وهذا لا يجوز.
يدل عليه أنه لو أوجب أحدها لنصب عليه دليلا وميزه من غيره حتى لا يؤدى إلى التخيير بين الواجب وبين ما ليس بواجب فلما لم يميزه ولم ينصب عليه دليلا دل أنه أوجب الكل.
قالوا: أيضا أن الكفارات إنما أمرنا الله تعالى بها لأنها مصالح لنا ولا يجوز أن تكون المصالح موقوفة على اختيارنا لأن العبد لا يهتدى إلى مصالح نفسه لأن رأيه عن عقل مشوب برأيه عن هوى ولا يحصل بمثل هذا الرأي الاهتداء إلى المصالح.
وأما حجتنا هى أنا أجمعنا أنه لو عين أحد الأنواع بالفعل وأداه سقط الواجب عنه ولا يلزم الإتيان بعده وهذا الواجب ما لا يسع تركه إلى غير بدل ولا شك أن المؤدى واحدا من الأنواع تارك غيره بلا بدل فدل أن عليه الذى أداه ليس بواجب وأن شئت قلت: انعقد إجماع المسلمين أنه لو ترك جميع الأنواع لا يستحق العقاب على جميعها وإنما يستحق العقاب على أحدها ولو كان الجميع واجب استحق العقاب على الكل.
قالوا: عندنا يجب الكل على طريق الجمع لكن على طريق التخيير فإذا إدى المكلف إحدها يخرج الباقى عن صفة الوجوب.
قلنا هذا هو الدليل عليكم لأن الجميع لو كان واجبا لم يسقط بفعل أحدهما كالصناعات والصلوات والزكوات المجتمعة عليه لا تسقط بأداء الواحد منها وإذا تركها عوقب على جميعها وقولهم أن الكل واجب على طريق التخيير.
قلنا لو وجب الكل وجب أن لا يثبت التخيير فيها على وجه إذا فعل الواحد منها سقط الكل كسائر الواجبات التى تجتمع عليه فى الوجوب.
قالوا: يجوز مثل هذا كفرض الكفاية فإنه واجب على الكل ومع ذلك إذا فعله.
(1/98)

البعض سقط عن الكل.
قلنا فرض الكفاية دليل عليكم لأنه لما وجب على الكل من وجه ظهر لذلك أثر بوجه ما فإنه العقاب كما إذا كان واجبا على الكل لا على طريق التخيير وأما هاهنا لو ترك الكل لم يكن عقاب وإثم إلا بترك أحدها فلم يكن لوجوب الكل ظهور أثر بوجه ما وإذا كان كذلك لم يكن فيما قالوه إلا مجرد تسمية الواجب أن غير معنى ولا عبرة للأسامى إذا كانت خالية عن المعانى وقد دل على ما قلنا قوله تبارك وتعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] .
وأجمع أهل اللغة أن أو للتخيير والواو للجمع فلو قلنا أن جميع الكفارات الثلاث واجبة لم يبق فرق بين أو وبين الواو مع إجماع أهل اللغة على التفريق بينهما أما الجواب عن كلماتهم.
أما قولهم أن الإرادة تعلقت بكل الثلاث.
قلنا الأمر ليس بأمر بالإرادة حتى يقال أن الإرادة إذا اتصلت بالكل صار الكل واجبا إنما الأمر بصيغة قوله افعل أو بما يقتضى الفعل لا محالة وصيغة طلب الفعل إنما اتصلت بإحدى الكفارات الثلاث لا بعينها بدليل أنه إذا فعل إحداها سقط عنه الطلب وأيضا يقال لهم الأمر أمر بالإرادة والله تعالى إنما أراد من المكلف فعل إحدى الكفارات لا فعل جميعها بدليل أنه لا يلزمه فعل جميعها ولو أريد منه فعل كل الكفارات لزمه فعل كل الكفارات.
ويقال أيضا أن الإرادة اتصلت بمبهم غير معين فى حق المكفر وأن تعين ما يكفر به فى سابق علم الله تعالى.
وأما قولهم أن إيجاب البعض ليس بأولى من إيجاب البعض.
قلنا لم وقد قام الدليل على إيجاب بعضها على إيجاب كلها والعبرة بما قام الدليل عليه.
وأما قولهم أنه لو كفر بكل واحدة يكون مؤديا ما هو الواجب عليه.
قلنا هذا لا يدل على أن الكل واجب وإنما هو دليل على أن الواجب مفوض إلى اختيار العبد هذا كما نقول فى الرقبة والإطعام فإن من ملك مائة رقبة فإنه إذا أعتق يقع عن الكفارة أو ملك ألف مد أي عشرة أمداد أعطى وقع عن الواجب ولا يدل.
(1/99)

على أن الكل واجب وكذلك لوباع قفيزا من صبرة فإنه اى قفيز سلم يكون مبيعا ولا يدل على أن الكل مبيع كذلك هاهنا.
وأما قولهم أنه لو كان الواجب واحد ما لميزه ونصب عليه دليلا قلنا هذا إنما يجب إذا كان الواجب معينا قبل الفعل فيجب أن يكون عليه دليل ليتوصل المأمور إلى معرفته وأداء فرضه بفعله فأما إذا لم يكن معينا وإنما يتعين بفعله فلا حاجة إلى غيره لأن ما يتأدى به فرضه هو ما يختاره منها.
جواب آخر أن ما يستحق الثواب بفعله والعقاب بتركه واحد بالإجماع ولم يجب تمييزه عن غيره ونصب الدليل لكل جواب للمخالف على هذا فهو جوابنا فى وجوب الواحد.
وأما قولهم أن الكفارات كلها مصالح.
قلنا قد تكلمنا على فصل المصلحة من قبل فلأن المصلحة فى كونها واجبا تعلقت بإحداها لا بالكل بدليل أنه لو فعل الكل لا يكون مؤديا للواجب ولو كانت مصلحة الواجبية تعلقت بالكل لوجب أن يجعل هو مؤديا للكل عن صفة الوجوب واعلم أنه لا يتحصل خلاف معنى فى هذه المسألة وإنما الخلاف خلاف عبارة ونحن نمنعهم من إطلاق عبارة الواجب على الكل لأنه يؤدى إلى ما بيناه من قبل ولأن العبارات التى ليس لها معنى لا يجوز التمسك بها لا إجماعا ولا اختلافا فثبت أن الصحيح ما قدمناه والله أعلم.
(1/100)

فصل: الأمر بالشيء لا يكون أمرا بأسبابه
...
فصل
ذكر الأصحاب أن الأمر بالشيء لا يكون أمرا بأسبابه بصيغته1 مثل قوله صل.
__________
1 هذه المسألة هي المعنون عنها بمسألة مقدمة الواجب وهو أن إيجاب الشيء يقتضي إيجاب ما يتوقف عليه.
واعلم أن الواجب يتوقف على شرطه وسببه كما يتوقف على جزئه ويتضح ذلك مما يأتي:
الشرط: هو ما يلزم من عدمه عدم المشروط ولا يلزم من وجوده وجود المشروط ولا عدمه لذاته وأقسامه ثلاثة لأن عدم المشروط عند عدم الشرط إن كان منشأه الشرع فهو شرط شرعي وإن كان منشأه العقل فهو شرط عقلي وإن كان منشأه العادة فهو شرط عادي مثال الشرط الشرعي الطهارة بالنسبة للصلاة فإن عدم الطهارة تستلزم عدم صحة الصلاة ومنشأه الاشتراط..... =
(1/100)

.........................................................................
__________
= هو الشرع والعقل لا دخل له في ذلك ومثال العقلي: ترك ضد من الأضداد التي لا يمكن فعل الصلاة معه فترك هذا الضد شرط لصحة الإتييان بالصلاة والعقل يوجب هذا الاشتراط من حيث إنه يمنع الجمع بين المتنافيان.
ومثال الشرط العادي: نصب السلم بالنسبة لصعود السطح فإن الصعود لا يتحقق عادة إلا بالسلم فإن لم يوجد الصعود عادة وكذلك غسل جزء من الرأس فإنه شرط في تحقيق غسل الوجه والذي قضى بذلك هو العادة فإن غسل الوجه لا ينفك عادة عن غسل جزء من الرأس.
السبب: هو ما يلزم من وجوده وجود المسبب ومن عدمه عدم السبب فالمسبب يؤثر بطرفي الوجود والعدم بخلاف الشرط فإنه يؤثر من جهة العدم فقط وأقسام السبب ثلاثة لأن تأثيره في المسبب إن كان من جهة الشرع فهو سبب شرعي وإن كان من جهة العقل فهو سبب عقلي وإن كان من جهة العادة فهو سبب عادي.
مثال السبب الشرعي: دخول الوقت بالنسبة لوجوب الصلاة وملك النصاب بالنسبة لوجوب الزكاة.
ومثال السبب العقلي: ترك كل ما ينافي الصلاة فهو سبب من جهة أن ترك كل مناف للصلاة يقضي بوجود الصلاة وإن عدم الترك وذلك يكون بإتيان ما ينافي الصلاة يقضي بعدم الصلاة والعقل هو الذي يحكم بذلك فهو سبب عقلي.
ومثال السبب العادي حز الرقبة بالنسبة للقتل الواجب.
وأما الركن هو ما يلزم من عدمه العدم ومن وجوده الوجود مع كونه داخلا في الماهية "فهو يخالف السبب من حيث إن السبب خارج عن الماهية أما الركن فهو داخل فيها - ويتفق الركن مع السبب من حيث إن كلا منهما يؤثر بطرفي الوجود والعدم.
واعلم أن الأصوليين قد اتفقوا على أن وجوب الشيء إذا كان مقيدا بشرط أو بسبب فإن المكلف لا يجب عليه تحصيل الشرط ولا تحصيل السبب لكي يكون مكلفا بذلك الشيء فلو قال الشارع مثلا: إن توضأت فقد أوجبت عليك الصلاة أو قال: إن ملكت النصاب فقد أوجبت عليك الزكاة فلا يجب على المكلف بتحصيل الوضوء ولا تحصيل ملك النصاب ليكون ذلك محققا لإيجاب الصلاة والزكاة عليه.
واعلم أنه إذا كان وجوب الشيء مطلقا غير مقيد بشرط ولا سبب ولكن وجود هذا الشيء في الخارج يتوقف على شرط أو سبب مثل الصلاة فإن وجودها في الخارج صحيحة يتوقف على شروط صحتها من طهارة حدث وخبث واستقبال القبلة وستر العورة - ومثل الصوم فإن وجوده في الخارج يتوقف على شروط صحته كترك الأكل نهارا مثلا ومثل الزكاة فإن وجود ما يتوقف على فرز المال وغير ذلك فهل يكون الخطاب الذي دل على وجوب الشيء دالا ايضا على وجوب ما يتوقف عليه ذلك الشيء من حيث الوجود وهو ما يعرف بمقدمة الوجود أو لا يكون الخطاب دالا على وجوبه وإنما يكون وجوبه مستفادا من الدليل الذي دل عليه استقلالا - ومن هنا يعلم أن وجوب الشرط أو السبب متفق عليه لوجود ما يدل عليه استقلالا وإنما الخلاف.........=
(1/101)

...................................................................
__________
= في أن الدليل الذي دل على إيجاب الشيء يدل أيضا على إيجاب ذلك الشرط والسبب أو لا يدل عليه - اختلف الأصوليون في ذلك على أربعة مذاهب:
المذهب الأول:
ذهب جمهور الأصولين ومنهم البيضاوي وهو أن الخطاب الدال على وجوب الشيء يدل أيضا على وجوب ما يتوقف وجوده عليه مطلقا - أي سواء كان سببا أو كان شرطا وسواء كان كل منهما شرعيا أو عقليا أو عاديا - وبذلك يكون الخطاب دالا على شئين - أحدهما بطريق المطابقة - وهو وجوب الشيء - وثانيهما بطريق الالتزام - وهو وجوب ما يتوقف ذلك الشيء عليه من حيث الوجود واشترطوا لذلك شرطا هو أن يكون ما يتوقف وجود الشيء عليه مقدورا للمكلف بحيث يستطيع فعله كما سبق في الأمثلة.
فإن لم يكن مقدورا له مثل إرادة الله تعالى لحصول الفعل من المكلف ووجوب الداعية على الفعل وهي العزم المصمم من المكلف عليه فلا خلاف في أن الخطاب لا يدل على وجوبه لأن الوجوب إنما يتعلق بفعل المكلف وكل من هذين الأمرين ليس فعلا له - أما إرادة الله تعالى لحصول الفعل من المكلف فواضح أنها ليست من فعل المكلف ولكن وجود الفعل منه يتوقف عليها لأنه لا يقع من المكلف إلا ما أراده الله تعالى - وأما الداعية - وهي العزم المصمم على الفعل - فليس مخلوقة للمكلف ولا من فعله بل هي مخلوقة لله تعالى إذ لو كانت........= = مخلوقة للعبد لانتقل الكلام إليها من حيث إنها تقع في وقت دون وقت فلا بد لها من داعية وداعيتها كذلك تحتاج إلى داعية وهلم جرا فيلزم التسلسل - وهو باطل - فكانت مخلوقة لله تعالى منعا من التسلسل.
ومع كون الداعية مخلوقة لله تعالى وليست من فعل المكلف فإن الفعل يتوقف وجوده عليها لتكون مرجحة لحصول الفعل في وقت دون وقت آخر وإلا لزم أن يكون حصول الفعل في بعض الأوقات دون حصوله في البعض الآخر ترجيحا بلا مرجح وهو باطل.
المذهب الثاني:
أن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يدل على إيجاب السبب فقط سواء كان شرعيا أو عقليا أو عاديا ولا بد على إيجاب الشرط مطلقا.
المذهب الثالث:
أن الخطاب الدال على إيجاب الشيء لا يدل على إيجاب ما يتوقف الشيء الدال عليه سواء كان شرطا أو سببا وسواء كان كل منهما شرطا أو سببا وسواء كان كل منهما شرعيا أو عقليا أو عاديا.
المذهب الرابع:
أن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يدل على إيجاب ما يتوقف عليه إذا كان شرطا شرعيا ولا يدل على إيجاب غيره من السبب مطلقا أو الشرط العقلي والعادي وهو لإمام الحرمين انظر إحاكم الأحكام 1/157 المحصول 1/289 نهاية السول 1/289 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 1/119 - 124.
(1/102)

هذا اللفظ بصيغته لا يكون أمرا بالطهارة وستر العورة لأن هذه الشرائط لها صيغ موضوعة واختلاف الصيغ يدل على اختلاف المسوغ له.
ألا ترى أن صيغة غير الصلاة لا تجعل صيغة لها وصيغة الصلاة لا تجعل صيغة لغيرها واعلم أن لا ننكر أن الصلاة مقتضية للطهارة بالدلالة وإنما ننكر أن تكون من حيث الصيغة مقتضية وهذا لأن المأمور كما لا يستغنى عن الشرائط التى يقف صحة الأداء عليها لا تستغنى عن وقت الأداء ثم الأمر بالشيء لا يدل على الوقت بصيغته وإنما يدل عليه من حيث الضرورة كذلك الشرائط.
فإن قال قائل لما صارت الأسباب من ضرورة فعل الصلاة حتى لا يسمى الفعل صلاة إلا بها كان التنصيص على الصلاة تنصيصا على أسبابها كما كان تنصيصا على أفعالها وأبعاضها.
قلنا أبعاض الصلاة كلها صلاة فيجوز أن نطلق عليها اسم الصلاة والطهارة ليست بصلاة.
ألا ترى أن المصلى لا يجوز له استعمال الطهارة فدل أنها غيرها وأما أفعال الصلاة نفس الصلاة والشيء الواحد يتوقف أوله على أخره ولا ننكر اشتمال الإسم الواحد على جميعه وإنما أنكرنا ذلك فى شيئين مختلفين وقد قال أصحابنا أن الصلاة بصيغتها تدل على الدعاء فقط وما زاد على الدعاء ثبت بالدلائل الشرعية لا من طريق الصيغة واعلم أن ما لا يمكن امتثال المأمور إلا به يلزمه من حكم الدلالة حكم الدلالة إذا كان من كسبه نحو الطهارة وغيرها من شرائط الصلاة وكالسعى إلى الجمعة وقطع المسافة فى الحج وهما أمران لا أمر واحد وأن كان أداء أحدهما لا يتم إلا بأداء الآخر إلا ترى أنه قد يلزمه الحج بلا قطع مسافة ولا ملك زاد وصورة الخطاب فى الموضعين واحدة وأما ما لا يتم إلا بكسب غيره نحو حضور غير الجمعة حتى يصح غير جمعة فلا يكون هو مخاطبا به وإنما يخاطب بفعل نفسه وهو الحضور وأن كان حضور غيره شرطا فى الأداء إلا أنه قد يخاطب بإحداث فعل غيره بقدر ما يتأنى منه كالإمام يلزمه الحضور وإحضار الناس للجمعة ويلزمه الخروج وإخراج الناس للجهاد ويلزمه أيضا تحصيل الماء لإجراء الطهارة وستر العورة لأدائها واعلم أن هذه الأشياء وأن لزم الإنسان بحضوره العبادات وأنه لا يلزمه تحصيل المال لأداء الزكاة وقد كان يجوز ورود الشرع به إلا أن الله تعالى وضع ذلك عن العباد رحمة وأما إذا لم يمكن.
(1/103)

أداء الواجب إلا بأداء ما ليس بواجب هل يصير ذلك واجبا أم لا مثل إمساك جميع النهار لا يمكن إلا بإمساك جزء من الليل وكذلك ستر العورة لا يمكن إلا بستر ما ليس بعورة وغسل جميع العضو لا يمكن إلا بغسل ما ليس من ذلك العضو وكذلك ممن وجب عليه الطهارة ولا يمكنه فعلها إلا بشراء الرشاء واستقاء الماء فالواجب فى هذه المواضع كلها ما علق بها الوجوب فى الشرع.
إلا إنما لا يتأتى أداء الواجب إلا به صار واجبا للتوصل إلى أداء الواجب لا لأنه واجب مقصود بنفسه.
وأما اكتساب المال لاستطاعة الحج واكتساب المال لأداء الزكاة لا يجب لأن ذلك شرط الوجوب دون الفعل ولا يجب عليه أن يفعل ما تجب به العبادة عليه.
وأما فى سائر المواضع فالعبادات واجبة إلا أن لفعلها شرطا لا يمكنه ذلك الفعل إلا به فيجب عليه ذلك ليتوصل به إلى الفعل ومن هذا الفصل إذا زاد على مقدار الواجب زيادة يتأدى الواجب بدونها مثل أن يطيل الركوع أو القراءة.
فالأولى على هذا المذهب أن الزيادة على ما يتناوله الاسم من مقدار الواجب نفل.
وحكى عن بعضهم أن الكل فرض وإنما قلنا أن الزيادة نفل لأنه قضى حق الاسم لما أتى من المأمور بما انطلق عليه بالاسم فكان بالزيادة مستقلا كما لو أدى الفرض مرة ثم أعاد فإن الثانى يكون نفلا.
يدل عليه أنه لو ترك الزيادة لا إلى بدل فإنه لا يأثم وهذا من حد النفل ولا ينظر إلى أن اسم الصلاة يتناول أول الفعل وآخره لأن اسم الصلاة يتناول فرضها ونفلها ثم يختلفان فى الصفة ولا نقول أن من قال لغيره تصدق من مالى أنه لا يتقدر بل يتقدر بأقل ما ينطلق عليه اسم الصدقة واعلم أن الذى قلناه فى المأمورات وهو أنه إذا كان لا يتأتى أداء الواجب إلا بأداء ما ليس بواجب قد يكون مثله فى الكف عن المحضور وهو إذا لم يكن الكف عن المحظور إلا بالكف عما ليس بمحظور وذلك إذا اختلط النجس بالطاهر نحو الدم أو البول يقع فى الماء القليل فيجب الكف عن استعماله ثم اختلفوا فى كيفية التحريم فمنهم من قال يصير كله نجسا وهو اللائق بمذهبنا1 ومنهم من قال إنما حرم الكل لتعذر الإقدام على تناول المباح لاختلاط المحرم به فإنه لا يكاد يستعمل جزءا من الطاهر إلا وقد استعمل جزءا من النجس وهذا.
__________
1وهو مذهب ابن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد وأحمد وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه انظر شرح المهذب 1/112.
(1/104)

يليق بمذهب أبى حنيفة وأصحابه1 فإن عندهم إذا وقعت النجاسة فى الماء الكثير وكان الماء بحيث إذ وقعت النجاسة فى جانب منه لم يخلص إلى الجانب الآخر فيمكن استعمال الماء من الطرف الآخر على وجه لا يكون مستعملا لجزء من النجاسة قالوا: يجوز ذلك2 والأول أحسن لما بينا.
وقد قال أصحابنا أن البول أو الدم إذا وقع فى الماء الكثير ولم يتغير أحد أوصافه3 فإن الكل طاهر ويجوز استعمال جميع الماء وأن تيقنا أنه باستعمال كل الماء يصير مستعملا لذلك القدر من الدم أو البول4 وإذا قلنا يجوز استعمال جميع الماء فنقول أن ما وقع فيه قد حكم بطهارته وهذا ينبغى أن يكون هو المذهب.
وقد قال بعض أصحابنا إذا استعمل الماء الذى وقع فيه مثل هذه النجاسة فإنه ينبغى أن يترك بقدر النجاسة وليس بمذهب5 وأما إذا لم يكن الاختلاط بدخول أجزاء.
__________
1 وعندهم ضابط القليل والكثير بأنه إذا كان بحال يخلص بعضه إلى بعض فهو قليل وإلا فكثير انظر بدائع الصنائع للكساني 1/71.
2 قال ملك العلماء الشيخ الكاساني - رحمه الله - اتفقت الروايات عن أصحابنا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك وهو أنه إن كان بحال لو حول ظرف منه يتحرك الطرف الآخر فهو مما يخلص وإن كان لا يتحرك فهو مما لا يخلص وإنما اختلفوا في جهة التحريك فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يعتبر التحريك بالاغتسال من غير عنف وروى محمد عنه: أنه يعتبر التحريك بالوضوء وفي رواية: باليد من غير اغتسال ولا وضوء واختلف المشايخ: فالشيخ أبو حفص الكبير البخاري: اعتبر الخلوص بالصبغ وأبو نصر محمد بن محمد بن سلام عتبره بالتكدير وأبو سليمان الجوزجاني اعتبره بالمساحة انظر بدائع الصنائع للكاساني 1/72.
3 وأما إن تغير أحد أوصاف فنجس بالإجماع انظر شرح المهذب 1/110.
4 وذلك لأن الحكم بجواز الطهارة منه بناء على طهوريته عام في جميع أجزائه انظر المهذب 1/112 والصحيح باتفاق أصحابنا الشافعية جواز استعمال جميعه انظر شرح المهذب 1/142.
5 نعم هو كما قال الشيخ السمعاني قال الشيخ النووي قال أصحابنا هذا الوجه غلط لأنا نقطع بأن الباقي ليس عين النجاسة فلا فائدة في تركه بل إن وجب ترك شيء وجب ترك الجميع فلما اتفقوا على أنه لا يجب ترك الجميع وجب أن يقال يستعمل الجميع لأن النجاسة استهلكت قال الشيخ النووي: وصورة المسألة أن تكون النجاسة الذائبة قليلة لم تغير الماء صح مخالفتها له في صفاته أو كانت موافقة له في صفاته وكانت بحيث لو قدرت مخالفة لم تغيره انظر شرح المهذب 1/142.
(1/105)

البعض فى البعض لكن كان اختلاط التباس واشتباه ففى قسم منها يجب الكف عن الكل1 كالمرأة التى هى حلال تختلط بالنساء المحرمات والمطلقة بغير المطلقات أو المذكات بالميتات فالكف عن الكل واجب احتياطا وفى قسم تسقط حكم المحرم باختلاطه بالمباح نحو امرأة محرمة تختلط بنساء بلدة عظيمة ولا يحصى عددهن فيسقط تحريم الواحدة وتجعل كالعدم ويباح له نكاح أى امرأة أراد منهن وفى قسم الثالث ثبت التحرى وذلك فى الثوب النجس يختلط بالثياب الطاهرة أو الآنية من الماء النجس اختلط بالأوانى الطاهرة فجعل الشرع لما علم طهارته بالاجتهاد حكم الطهارة وأن كان نجسا فى الحقيقة وأسقط به الفرض عنه إلا أن يزول ذلك العلم الظاهر بيقين يحصل من بعد على ما عرف فى المذهب والله المستعان.
مسألة: نذكر بعد هذا من يتناوله خطاب الأمر ونبتدئ بالكفار فنقول إنهم داخلون فى الخطاب بالشرعيات2 كما أنهم داخلون فى الخطاب بالتوحيد3 والإقرار بالنبوات ومن فوت على نفسه فعلها بترك الإسلام استحق العقاب وهذا قول أكثر أصحابنا وكثير من أصحاب أبى حنيفة4 وقالت طائفة منهم إنهم لا يلحقهم خطاب الشرعيات بحال وهو اختيار الشيخ أبى حامد الإسفراينى5 وأما المتكلمون فأكثرهم معنا فى هذه المسألة وتعلق من قال إنهم لا يدخلون فى الخطاب بكلمات معنوية منها وهو شبهتهم قالوا: تكليف من لا يصل إلى امتثال المأمور على ما ورد به الشرع بحال محال وهذا صفة خطاب الكافر بالشرعيات لأنه لا يتصور من الكافر أداء العبادات فى حال كفره وإذا أسلم سقط وزال التكليف عنه ولا وصول إلى أداء المأمور بحال.
قالوا
__________
1 لأنه مقدمة لترك المحظور.
2 أي بالفروع.
3 وهذا مما لا خلاف فيه.
4 وهو مختار جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد وهو المعروف عن علماء الحنفية العراقيين انظر نهاية السول للأسنوي 1/369 المحصول 1/316 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 1/185.
5 هذا المذهب هو لعلماء الحنفية السمرقنديين كأبي زيد الدبوسي وشمس الأئمة السرخسي وفخر الإسلام واختاره أبو حامد الإسفرايني انظر نهاية السول 1/370 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 1/75 - 76 المحصول 1/316 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 1/185.
(1/106)

وبهذا فارق الإيمان لأنه يصلح من الكافر متى قصد إليه ويفارق المحدث أيضا لأنه بعد الطهارة أمكنه أداء الصلاة بذلك الخطاب فطهارته لا تنافى ما خوطب به وأما إسلام الكافر ينافى ما خوطب به من حيث أنه لا يبقى عليه بعد الإسلام ولهذه الشبهة اختار الشيخ أبو حامد هذا المذهب وربما يقولون هذا أمر لا يفيد فائدة ولا يقتضى قضيته لأنه طلب الفعل فإذا لم يصل إلى الفعل سقطت فائدته والأمر لا يكون إلا لفائدة فإذا سقطت فائدته بطل الأمر بل خطاب الكافر بالشرعيات يؤدى إلى تكليفه ما ليس فى وسعه وأمره بما لا يطيقه وإنما قلنا ذلك لأنه يستحيل أن يفعل الشرعيات مع كفره.
قالوا: ولا يجوز أن يقال أن فائدة الأمر استحقاق العقاب عند تركه لأن الأمر لا يرد من الأمر لفائدة العقاب عند الترك بل الأمر ليس إلا لفائدة الفعل وهو المقصود من الأمر وإنما أوعد عليه عند تركه لتحقيق طلب الفعل منه وترك العقاب عند الترك بمنزلة التبع من المقصود فكما أن العقد مصحح لمقصوده لا لما ليس لمقصوده فكذلك الأمر يصحح لمقصوده لما ليس لمقصوده.
يدل عليه أن الأوامر بالعبادات لنفع العباد ونفع العباد فى فعلهم العبادات فإذا لم يصح منهم فعلها بطل نفعهم منها فإذا كان الأمر لنفعهم بطل نفعهم [وبطل] 1 أمرهم.
وأما حجة أبى زيد أن الكافر ليس بأهل لأداء العبادات لأن أداء العبادة لاستحقاق الثواب فى الآخرة بحكم الله تعالى.
والكافر ليس بأهل الثواب فى الآخرة لأن ثواب الآخرة هى الجنة وهو ليس من أهل الجنة فتبين أنه ليس بأهل للعبادة وإذا لم يكن من أهل هذا العمل لم يكن من أهل الخطاب بالعمل لأن الخطاب بالعمل للعمل وهذا كالعبد لا يخاطب بالعبادات المالية من الكفارات والزكوات وغيرها لأنه ليس من أهل ملك المال فلا يخاطب بواجب المال.
ببينة أن العبادات ثمن الجنة والكافر لا يتصور أن يكون له حظ فى الجنة فأشبه الكافر فى هذا من لا ذمة له في استحقاق حق أصلا وهو [كالبهائم] 2 قال وليس.
__________
1 ثبت في الأصل "بطل" بدون واو.
2 ما بين المعكوفين كلمة غير مقروءة لعلها ما أثبتناه.
(1/107)

كالإيمان لأنه ثبت له الحق فى الجنة فصار الإيمان فى الحقيقة اكتسابا للجنة وهو من أهل اكتسابها.
قالوا: ولا يجوز أن يقال أنه من أهل العبادة إذا أسلم فيصح الأمر ليسلم ويفعل بمنزلة المحدث مخاطب بالصلاة ليتطهر ويصلى.
وهذا لا يصح لأن الكافر فى الحال ليس بأهل للعمل ليثاب عليه والخطاب يتناول العمل فى الحال لأن الخطاب هو قوله صل وصم وهذا تناول الحال وفى الحال ليس هو من أهل هذا العمل ولا الكافر أعد للإسلام ما له حتى يعطى له حكم ما له فى الإعداد له كالمنى فى الرحم وبيض الطير فالكافر ماله مال الإسلام لا حيلة له من الله تعالى ولا عادة لهم بل العادة فى الكافر التمسك بالكفر كالمسلم عادته التمسك بالإسلام وإنما يختار الإسلام كالمسلم يختار الكفر نادما.
قالوا: وليس كالجنب لأنه بنفسه أهل لعمل يثاب عليه غير أنه لا يصح منه الصلاة لفقد شرطه وهو الطهارة فهى شرط لصحة الأداء لا ليصير أهلا لعمل يثاب عليه فى الآخرة فيصح الخطاب له على أن يفعله بشرطه وأما الكافر فليس بأهل لعمل يثاب عليه فى الآخرة أصلا فلا يصح الخطاب معه أصلا وسبيل هذا سبيل المولى يقول لعبده أعتق عن نفسك عبدا أو كفر عن يمنيك بالمال يكون لغوا لأن ملك المال شرط التصرف بهذا الخطاب والعبد ليس من أهل ملك المال وبمثله لو قال لحر أعتق عبدك على ألف فأعتق صح عنه بصحة الأمر لأنه أهل الإعتاق إلا أنه فقد فى الحال شرط الأداء وهو الملك وصح الأمر به على أن يؤدى المأمورية بشرطه قال ولا يجوز أن يقال أن الكفر معصية فلا يجوز أن يجعل شىء لسقوط الخطاب لأنه تخفيف والكفر لا يصلح سببا للتخفيف قال لأنا لا نسقط الخطاب برحمة ليكون سبب العذر بل أسقطنا الخطاب نقمة لأنه سقط لخروجه عن صلاحية الجنة وهذا نقمة ببنية أن الكافر سقط عنه خطاب الله تعالى بالعبادات ليأسه عن الجنة وبخطاب المؤمن بالعبادات لاستحقاقه الجنة وشدة النار فوق ثقل الخطاب وراحة الجنة فوق راحة سقوط الخطاب وهذا كالبهائم لا يخاطبون وليس ذلك لإرادة التخفيف عليها بل لأنها ليست بأهل الخطاب فكان سقوط الخطاب للإزراء بها كذلك سقوط العبادات عن الكفار ليس للتخفيف عليهم بل لإخراجهم عن أهلية الخطاب فيكون على وجه العقوبة والإزراء بهم وإلحاقهم بالبهائم التى لها خطاب عليهم قال وأما المناهى ثابتة.
(1/108)

في حقهم لأنه أن لم يكن من أهل العبادة لأنها ثمن الجنة فهو من أهل المعصية التى هى سبب العقوبة فيستقيم إثبات خطاب المناهي فى حقه وأن لم يستقم إثبات خطاب العبادات قال وهذا يحثهم على المعاصي في الدنيا لأن الحدود عقوبات على إنكار المناهي وخطاب المناهي قد لحقهم ولأن هذه الأعمال للفكاك عن قيد الاستعباد كما أن مال الكتابة يؤديه العبد للفكاك عن قيد الرق وقبل الإيمان بالله عز وجل لا يتصور منه أعمال تتعلق بهذا الفكاك عن القيد وأما الإيمان فيتعلق بنفسه للفكاك أو يثبت عقد الفكاك فاستقام الخطاب بالإيمان دون الأعمال ألا ترى أن المولى يستقيم منه خطاب العبد بأداء المال بعد عقد الكتابة ولا يستقيم قبل عقد الكتابة هذا طريقا إلى هذا الموضع وتعلقوا بالخبر المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن قال له ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فإن أجابوك فأعلمهم أن عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة وفي رواية فأعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد فى فقرائهم1 فقد أخبر أن هذه الواجبات تلزم بعد الإيمان بالله تعالى ولو لزمت مع لزوم الإيمان لم يكن لتأخير ذكر الإيجاب معنى.
وأما حجتنا في هذه المسألة تتعلق أولا بما ورد من السمعيات في الباب والتعلق للأصحاب بما ورد في القرآن والسنة كثيرة غير أن المختار من ذلك قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} [المدثر: 42, 45] فقد ذمهم ووبخهم بترك الصلاة وكذلك بترك الزكاة لأن إطعام الطعام الذى يتعلق بتركه التوبيخ هو الزكاة فلولا أن ذلك توجه عليهم ولحقهم خطابه لم يستقم التوبيخ والذم فإن قيل معناه لم نك من جملة المصلين أي المسلمين قلنا لا يستقيم ذلك لأن قوله: {مِنَ الْمُصَلِّينَ} يفيد أنهم استحقوا الذم لأنهم لم يصلوا كقول القائل عاقبت فلانا لأنه لم يك من المطيعين يدل أنه عاقبه لأنه لم يطعه.
فإن قيل قوله: {لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} يجوز أن يكون إخبارا لأنهم كانوا ارتدوا.
__________
1 أخرجه البخاري الزكاة 3/307 ح 1395 ومسلم الإيمان 1/50 ح 29/19 وأبو داود الزكاة 2/107 ح 1584 والترمذي الزكاة 3/12 والنسائ الزكاة 5/3 باب وجوب الزكاة وابن ماجه الزكاة 1/568 ح 1783 وأحمد المسند 1/306 ح 2076.
(1/109)

بعد إسلامهم ولم يكونوا صلوا في حال إسلامهم قلنا قوله: {لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} لا يقتضي ترك الصلاة في زمان معين بل يقتضي ظاهره أنهم لم يكونوا من المصلين فى جميع زمانهم مثل قول القائل فلان [صرورة] 1 لأنه لم يحج يقتضي أنه لم يحج فى وقت ما وإذا حملت الآية على ما قالوا: كان حملا على ترك الصلاة في زمان معين وهذا خلاف ظاهر الآية وعلى أن الآية عامة فى المرتدين وغير المرتدين وقد أيد هذه الآية قوله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6, 7] أوجب لهم الويل بكفرهم وإخلالهم بالزكاة وهو مثل قول القائل ويل للسراقة الذين لا يصلون فهذا ذم لهم على السرقة وترك الصلاة جميعا كذلك هاهنا ذم وتوبيخ على الشرك وترك الصلاة جميعا ونعتمد على قوله سبحانه وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] وهذا يتناول المسلم والكافر لأن اسم الناس يتناول كليهما على وجه واحد ولا مانع من كون الكافر من أهل الآية لا من جهة ولا من جهة السمع العقل.
أما الدليل السمعي فلأنه لو وجد مانع من هذه الجهة لظفرنا به عند الطلب.
وأما من جهة العقل فلأنه لو كان لكان لفقد التمكن والكافر متمكن من الحج بأن يقدم عليه الإسلام وكل من تمكن من الفعل على بعض الوجوه فهو له مستطيع كما أن المحدث متمكن من أداء الصلاة بأن يقدم عليه الوضوء والخراسانى متمكن من الحج بأن يقدم عليه قطع المسافة وهذا الذى قلناه فى الحج موجود فى كل عبادة فيلزمه كل العبادات بالخطاب العام الذى يتناول المسلمين والكفار وهذا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الناس أحمرهم وأسودهم وقد جاء بالقرآن المشتمل على إيجاب الإيمان وإيجاب الشرائع من الأوامر والنواهي فإن كان بعث بما أنزل معه إلى جميع الناس وجب كل ما أنزل معه على جميع الناس لأنه بعث بهذه الشرائع فكل ما بعث به يجب على من بعث إليه.
فإن قالوا: هذا على ما قلتم إذا أمكن الإيجاب وهاهنا لا يمكن الإيجاب.
قلنا يمكن على ما بينا من قبل ولأنه لما لزمهم النواهي لزمهم الأوامر لأن الأوامر أحد قسمى الشرع فصار كالقسم الآخر والدليل على لزومهم النواهي إجماع الأمة في أن الكافر يحد إذا زنا ويقطع إذا سرق ولو لم يكن مكلفا بترك الزنا.
__________
1 ثبت في الأصل "مؤقت" هكذا ولعل الصواب ما أثبتناه.
(1/110)

والسرقة لم يكن الزنا والسرقة معصية ولو لم تكن معصية لم يعاقب على فعله وهذا دليل معتمد.
فإن قالوا: إنما وجب ذلك عليهم التزامهم أحكام الإسلام.
قلنا هذا ليس بشىء لأن لزوم الأحكام بالتزام العبيد ذلك.
ألا ترى أن الخطاب متوجه على جميع الكفرة بالإيمان بالله عز وجل وأن كانوا لم يلتزموا شيئا من ذلك.
ثم نقول من أحكامنا أن لا يحد الإنسان على المباح فلو كان الزنا غير محظور عليه كان مباحا والحد لا يجب بارتكاب المباح.
قالوا: أن الكافر مع كفره قد كلف ترك الزنا لأنه مع كفره لا يمكنه فعلها فلم يخاطب بفعلها.
قلنا لا يجوز أن يكلف ترك الزنا إلا وقد كلف العلم بقبحه ولا سبيل إلى العلم بقبحه إلا بشريعة الإسلام لأن ما عداه من الشرائع فقد منع المكلفون من الرجوع إليها ولا يمكن مع جحد الإسلام أن يعلم قبح شىء كما لا يمكنه فعل الصلاة فى هذه الحالة فلا فرق بينهما.
ولكن كان وجه التكليف بالعلم بقبح الزنا بأن يسلم قبحه ليتركه فحقق عليه تحريم الزنا بهذا الوجه وكذلك فى الصلاة مثله يتحقق عليه إلزام الصلاة بالوجه الذى حقق عليه تحريم الزنا غير أن ترك إقامة الحد عليهم كان بدليل شرعى قام عليه ونحن لا ننكر سقوط إقامة الحد مع تحقق التحريم بدليل شرعى يقوم عليه وذلك الدليل هو العهد المعقود معهم بترك التعرض لهم فى شرب الخمور وأكل الخنازير إذا لم يظهروا ذلك فيما بيننا وإقامة الحد من التعرض فيكون ذلك إحقار للعهد فلهذا لم نقمه عليهم وقد أجبنا بغير هذا فى المسائل الفقهية.
أما الجواب عن كلماتهم.
أما الأول قلنا لا نسلم أن هذا تكليف بما لا وصول إليه بل الوصول من الكفار إلى فعل هذه العبادات ممكن وذلك بأن يسلم ثم يباشر العبادات ونظير ذلك الجنب مكلف فعل الصلاة بأن يزيل الجنابة ثم يصلي.
وقولهم أنه إذا أسلم سقط عنه الصلاة فلا وصول إليها لا قبل الإسلام ولا بعد الإسلام.
قلنا الوصول ممكن بأن يسلم في الوقت أو يسلم قبل الوقت فإذا دخل الوقت صلى.
(1/111)

فإن قالوا: إذا أسلم صلى بأمر جديد.
قلنا لا كذلك قيل بفعل الصلاة بالأمر الذي كان عليه من قبل.
فإن قالوا: هل كلف الكافر الصلاة قبل الإسلام.
فإن قلتم نعم فهو مستحيل لأنه إذا لم يصح منه فعل الصلاة كيف يكلف فعل الصلاة.
قلنا هذا قد قلتم وقد أجبنا.
ونقول هل كلف الجنب بأن يصلى فى حال الجنابة.
فإن قالوا: أن الطهارة تصلح شرطا للصلاة والإسلام لا يصلح شرطا لأن الشروط اتباع.
قلنا ولم لا يصلح شرطا وليس معنى الشرط إلا ما يقف الشىء على وجوده.
وعلى أن هذا ليس بخروج عن الإلزام فإن وجه الإلزام أن الجنب يكلف فعل الصلاة فى حال الجنابة ثم إذا أداها يكون بشرطها وهو تقديم الإسلام وأيضا فإن الأمة اجتمعت على أن الكافر يخاطب بالإيمان بالرسل وإذا وصل إلى الآخرة ولم يكن أسلم يعاقب على ترك الإيمان بالرسل كما يعاقب بترك الإيمان بالله ومعلوم أنه لا يصح الأيمان بالرسل إلا بشرط تقديم الإيمان بالله مثلما لا تصح الصلاة إلا بعد تقديم الإيمان.
ولكن قيل كلفوا ذلك بشرط تقديم معرفة الله عليه كذلك جاز أن يكون مكلفا بالعبادات بهذه الشريطة أيضا وهذا إلزام عظيم هدم عليهم هذه القاعدة.
وقولهم أنه لا فائدة فى هذا الأمر.
قلنا إذا بينا وجه التمكن من الفعل على بعض الوجوه اتصلت الفائدة بالأمر.
قالوا: بطلت فائدة الأمر فى حال كفر الكافر لأنه عندكم مخاطب بالعبادات فى حال كفره.
قلنا هذا الذى قلتم ليس بشرط لصحة الأمر بدليل الجنب الذي قلناه وعلى أن فائدة الأمر في الحال أنه إذا ترك الإتيان استحق العقاب على ترك الصلاة فى الآخرة ويجوز تصحيح الأمر بهذه الفائدة في الحال بدليل الجنب الذي قدمناه وكذلك من علم الله تعالى منهم أنه لا يؤمن يحسن خطابه بالإيمان وليس يحسن خطابه بالإيمان إلا لفائدة استحقاق العقاب بترك الإيمان لأن الفعل منه غير متصور لأنه يؤدي إلى تجهيل.
(1/112)

الله تعالى وقد تقدس البارى عن ذلك وتعالى عنه علوا كبيرا.
وقولهم أن المقصود من الأمر طلب الفعل فإنا قد ذكرنا وجها للفعل وذكرنا أيضا أن فائدة استحقاق العقاب كان فى تصحيح الأمر فسقط هذا السؤال.
وقد قال الأصحاب على قولهم أن الكافر إذا أسلم يسقط الأمر بالصلاة لأنه إنما سقط بعفو الشرع وذلك بقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] ولأجل أنا إذا أوجبنا عليه قضاء ما سبق من الصلوات والصيامات الفائتة والزكوات [والخراج] 1 [المسير الماء فيه] 2 أدى ذلك إلى تنفيرهم عن الإسلام وقد ذكرنا هذا فى المسائل الفقهية وما ذكرنا أولا كاف.
وأما طريقة أبي زيد فنقول قوله أن الكافر ليس من أهل العبادة.
قلنا ليس معنى هذا إلا أنه إذا فعل العبادة لا يصح وهو باطل بالجنب الذي قدمناه لأن الجنب ليس من أهل فعل الصلاة مثل الكافر ليس من أهل فعل الصلاة.
ولكن قيل هو من أهل الصلاة عند تقديم الطهارة فصح الأمر عن فى حقه وأن لم يكن على طهارة كذلك الكافر من أهل الصلاة عند تقديم الإسلام فصح الأمر فى حقه وأن لم يكن فى الحال مسلما.
وأما قوله أن العبادة لاستحقاق الثواب وهو ثمن الجنة على ما زعم.
قيل له ليس صحة الأمر بالعبادة بكونه من أهل الجنة لأنه ليس لصحة العبادة من المسلم باستحقاق الجنة فإنه قد قام الدليل لنا أن الثواب الموعود محقق بفضل من الله تعالى وأنه لا يجب على الله تعالى حق لأحد وإنما صحة العبادة بورود السمع بها وانضمام شرطها إليها والإيمان بالله تعالى أحد شرائطها غير أن صحة الأمر لا تقف على وجود الشرط بل يكفى فى صحة التمكن من إيجاد الشرط على ما سبق كذلك هاهنا وعلى أنه أن لم يكن تصحيح الأمر ليفعل المأمور فيثاب عليه يمكن تصحيحه حتى إذا ترك يعاقب عليها.
فإن قالوا: لا يصح الأمر لهذا.
قلنا ولم وقد سبق الجواب عن هذا والجواب الأول أولى وأحسن ويبطل هذه الطريقة بالإيمان بالرسل فإنه يخاطب به وكما أنه خوطب بالصلاة ليثاب عليها.
__________
1 أثبتناه من الهامش.
2 ما بين المعكوفين غير مقروء في الأصل ولعله ما أثبتناه والله أعلم.
(1/113)

فكذلك خوطب بالإيمان بالرسول ليثاب عليه فلا فرق بينهما بحال وإذا ثبت لنا هذه المسألة فقد ثبت على هذه المسألة كثير من المسائل من مسألة وجوب القضاء للصلوات المتروكة على المرتد إذا أسلم وجواز إيتاء الحج منه بعد الردة ومسألة الذمى إذا أتلفه المسلم ومسألة استيلاء الكفال وغير ذلك على ما عرف والله أعلم.
(1/114)

مسائل قصار وفصول من المذهب يليق بهذا الموضع.
مسألة: يدخل العبيد فى المطلق من الأوامر والنواهي1 مثل ما يدخل الأحرار وذهبت شرذمة إلى أنهم لا يدخلون إلا بدليل يدل على ذلك2 قالوا: وذلك لأن العبد نفسه مملوكة لغيره ومنافعه مستحقة له والأمر تصريف من مالكه فإذا كان هو في تصريف [مالكه] 3 لم يدخل في تصريف غيره إلا بدليل يدل عليه.
وأما الدليل على أنهم يدخلون مع الأحرار بصيغة قوله افعل يتناول فعل الحر والعبد على وجه واحد وكل واحد منهما يجوز أن يكون مأمورا بهذا الأمر.
ألا ترى أنه لو أراده صح فاشتمل الأمر على الأحرار والعبيد على وجه واحد أيضا ويقال أيضا أنه لما جاز أن يكون العبيد معينين لهذا الأمر دخلوا فى هذا الخطاب إلا أن يوجد مانع سمعى أو نقلى ولم يوجد مانع فإن قالوا: أن المانع قد وجد وهو ما وجد من وجوب خدمته لسيده في أوقات العبادة.
قلنا إنما يكون من خدمة سيده إذا فرغ من العبادات فصارت أوقات العبادات مستثناة من أوقات خدمة السيد كأوقات الأكل والشرب وسعيه بنفسه فيما لا بد به.
قولهم أنه في تصريف سيده فلا يكون في تصريف آخر لنفس الشيء لأنه يجوز.
__________
1 قال الآمدي اختلفوا في دخول العبد تحت خطاب التكاليف بالألفاظ العامة المطلقة كلفظ الناس والمؤمنين فأثبته الأكثرون وعزاه إمام الحرمين الجويني إلى المحققين انظر إحاكم الأحكام 2/393 التلويح على التوضيح 2/170 البرهان 1/356 المستصفى 2/77, 78 المعتمد 1/278 القواعد لابن اللحام 275.
2 قال الآمدي ونفاه القلون إلا بقرينة ودليل يخصه ومنهم من قال بدخوله في العمومات المثبتة لحقوق الله تعالى دون حقوق الآدميين وهو منسوب إلى أبي بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة انظر إحاكم الأحكام 2/393 البرهان 1/356 المعتمد 1/278.
3 بياض في الأصل ولعله ما أثبتناه.
(1/114)

أن يكون في تصريف سيده فى وقت وفى تصريف خالقه في وقت.
ألا ترى أنه لو عنى العبد صح فإذا جاز أن يكونوا معينين بهذا الأمر وحق السيد عليه قائم كذلك يجوز أن يكون الخطاب المطلق متناولا للعبيد أيضا وحق للسيد عليه قائم والله أعلم
مسألة: مذهب الشافعى أن النساء لا يدخلن1 في خطاب الرجال
وذهب أصحاب أبى حنيفة إلى أنهن يدخلن وقالوا: قد دخلن فى أكثر الأوامر المطلقة فى الشرع مثل الأمر بالصلاة والزكاة وبالحج وغير ذلك فدل أن حقهن الدخول بصيغة الأمر ولأن أهل اللغة قالوا: أن الرجال والنساء إذا اجتمعوا أى علامة التذكير على علامة التأنيث فصار الخطاب فى حق الجنسين على وجه واحد.
وأما دليلنا هو أن أهل اللغة فرقوا بين الجنسين فى خطاب الجمع كما فرقوا فى خطاب الفرد فإنهم قالوا: فى خطاب الجمع للرجال افعلوا وللنساء افعلن وفى خطاب الفرد للرجل افعل وللمرأة افعلى وإذا اختلفت الصيغة فى الجنسين دل أن أحدهما لا يدخل فى خطاب الآخر كما لا يدخل الرجال فى خطاب النساء وكما أن فى خطاب الفرد لا تدخل المرأة فى صيغة خطاب الرجل ونستدل بحديث أم سلمة2 أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ماترى الله تعالى لا يذكر إلا الرجال فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35] الآية إلى آخرها فإن قالوا: أرادت الإفراد بالذكر.
قلنا هذا الطلب إنما يصح أن لو وجد إفراد الرجال بالذكر وإذا كان عندكم الخطاب يتناول الجنسين من حيث وضع اللغة فيكون دخول النساء فيه مثل دخول الرجال فلا يستقيم طلبنا بالإفراد بالخطاب لأنه تعالى لم يفرد الرجال بالذكر فى محل ما فى خطاب الجمع فمن أى وجه يطلب النساء أن يفردن بالذكر.
__________
1 ذهب الجمهور من الشافعية والحنفية إلى أنه خاص بالمذكور ولا يتناول الإناث وقال الحنابلة وبعض الظاهرية إنه يتناول الإناث كما يتناول الذكورانظر نهاية السول 2/360 انظر إحاكم الأحكام 2/392 انظر المستصفى 2/79 انظر البرهان 1/358 انظر المعتمد 1/233 انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/226.
2 أخرجه الترمذي في تفسير القرآن 5/354 الحديث 3211 وقال حديث حسن غريب انظر تفسير القرطبي 8/5267.
(1/115)

ببينة أنا إذا قلنا يكون الخطاب للرجال والنساء في صيغة الجمع على وجه واحد لا يبقى لخطاب الرجال على الانفراد صيغة وهذا محال.
وأما الذي قالوا: أن النساء قد دخلن مع الرجال في أكثر خطاب الشرع.
قلنا إنما دخلن بدلالة وقرينة.
وأما كلامهم الثاني وهو قولهم أن الرجال والنساء أن اجتمعوا علمت علامة التذكير على علامة التأنيث.
قلنا هذا لا يعرف لغة إنما هذا قول الفقهاء وعلى أننا لا ننكر دخول النساء فى خطاب الرجال إذا أردن بذلك ويكون ذلك على وجه المجاز كالحمار إذا أريد به البليد تناوله على وجه المجاز والكلام فى الحقيقة وقد بينا أنه لا يجوز أن يدخلن من حيث الحقيقة والله أعلم.
فصل: وأفعال السكران وأقواله داخلة تحت التكليف فى قول عامة الفقهاء.
وقال أهل الكلام لا تكليف عليه وتابعهم بعض الفقهاء1 وقال من يمنع دخوله تحت التكليف أن توجيه التكليف مع عدم علم المكلف بما كلف به محال لأنه لا يدخل هذا فى تكليف االإنسان ما ليس فى وسعه وهذا لا يجوز فى الشرع ولا فى العقل.
قالوا: ولأنه لوجاز تكليف السكران جاز تكليف المجنون والصبي بل جواز تكليف الصبي أقوى من تكليف السكران لأن الصبي له عقل وتمييز وأن لم يكمل مثل ما كمل للبالغين فإذا لم يكلف الصبي فلأن لا يكلف السكران أولى.
قالوا: وأما الصلاة إذا فاتته في حال السكر فإنما القضاء بأمر جديد بعد الصحو.
ويقولون أيضا أن الأمر فيما قلتم متقدم على زوال العقل فإنه يقال له إذا سكرت فى وقت الصلاة أو نسيت أو نمت عنها أو أتلفت شيئا فى حال السكر أو فى حال النوم لزمك ضمانه.
وأما دليل ما صار إليه الفقهاء قوله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا
__________
1 انظر البرهان 1/105, 106 نهاية السول 1/315, 317 المحصول 217 التلويح على التوضيح 2/185 القواعد لابن اللحام 70.
(1/116)

الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] فقد خاطب السكران بها حال السكر بالكف عن الصلاة حتى يعلم ما يقول: فدل أن السكر لا ينافى الخطاب ولأن الأمة أجتمعت على صحة ردته فى حال السكر وأجمعوا على وجوب الحد عليه بالزنا والقذف وكذلك يلزمه ضمان ما يتلفه من الأموال فدلت هذه الأحكام أن التكليف قائم فى حقه وأن زال عقله بالسكر.
وقد قال بعض الأصحاب فى حين أقدم على الشرب كان عاقلا وقد تكلف شيئا محظورا أجرى الله العادة إلى زوال العقل به فجعل الزوال بالسبب المحظور بمنزلة القائم ولهذا المعنى إذا قتل الإنسان مورثه جعل المقتول كالحى حتى لم يورث منه وكذلك نقول أن التكليف متوجه على النائم وجعل كاليقظان بدليل شرعي قام عليه وهو إيجاب الصلاة عليه وأن استوعب النوم جميع وقت الصلاة وكذلك إذا انقلب على شيء أو أتلفه يجب عليه الضمان هكذا قال بعض الأصحاب.
والأصح عندى أن السكران متوجه عليه الخطاب ويجعل عقله بمنزلة القائم بالدلائل التى قامت عليه من جهة الشرع وإذا جعلنا عقله بمنزلة القائم شرعا استقام خطابه وتكليفه.
وأما النائم فالأولى أن يقال لا تكليف عليه فى حال النوم1 لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة" 2 وذكر فيهم النائم ولأن النوم مباح فلا يجعل النائم بمنزلة اليقظان ويعتبر ما وجد من زوال الحس بالنوم ولا يجوز تكليف من لا حس له ولا علم وإنما وجوب القضاء بعد اليقظة للصلاة التي فاتته في حال النوم ووجوب غرامات المتلفات فإنما ذلك بالأمر بعد الانتباه.
قال الأصحاب ولا تكليف على الساهي فيما سها عنه وذلك لعدم علمه بما سها عنه لأنه لو كان عالما لم يكن ساهيا وأما المكره ففعله داخل تحت التكليف لأنه يقدر على تركه بأن يستسلم بما خوف به وهذا بخلاف حركة المرتعش لا يوصف بأنه.
__________
1 انظر روضة الناظر 49.
2 ذكره البخاري الطلاق 9/300 باب الطلاق في الإغلاق معلقا وأبو داود الحدود 4/139 ح 4403 والترمذي الحدود 4/32 ح 1433 والنسائي الطلاق 6/127 باب من لا يقع طلاقه من الأزواج وابن ماجه الطلاق 1/658 ح 2041 وأحمد المسند 1/147 ح 96.
(1/117)

مكره عليها لأنه لا يقدر على تركها فالإكراه لا ينافي العلم والقصد فلا ينافي دخول فعله تحت اقتداره واختياره فلم يسقط التكليف.
وقال بعض المتكلمين أن فعل المكره لا يدخل تحت التكليف وليس لأهل هذه الطائفة تعلق إلا ادعاؤهم فقد الاختيار.
قالوا: ولا تكليف مع عدم الاختيار1 وربما يقولون أنه غير مريد لما أكره عليه.
__________
1 اعلم أن الإكراه هو: حمل الشخص غيره على ما لا يرضاه من قول أو فعل وهو نوعان أحدهما الإكراه الملجئ وهو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار كإلقاء الشخص من أعلى الجبل.
الثاني الإكراه غير الملجئ وهو الذي لا يبقى معه اختيار وإن بقيت معه القدرة "مثل أن يكره شخص غيره على قتل آخر فبقول له: اقتل فلانا وإلا قتلتك ويعلم المكره أنه إن لم يقتل ذلك الشخص قتل هو" ويتحقق الإكراه بقتل النفس أو بذهاب عضو من الأعضاء أو بغير ذلك مما هو معروف في كتب الفروع.
وقد اتفق الأصوليون على أن الإكراه الملجئ يمنع التكليف بالمكره عليه كما يمنع التكليف بضده لأن من شروط التكليف أن يكون الفعل مقدورا للمكلف بمعنى أن يتأتى له فعله كما يتأتى له تركه والإكراه الملجئ لا تبقى معه قدرة للمكلف لا على المكره عليه لأنه أصبح واجب الصدور عقلا ولا على ضده لأنه ممتنع الوقوع عقلا وكل من الواجب العقلي والممتنع العقلي لا يدخل تحت قدرة المكلف فلا يكلف بواجد منهما اللهم إلا إذا قلنا يجوز التكليف بما لا يطاق وأما الإكراه غير الملجئ فللأصوليين كلام فيه يتلخص فيما يأتي به قال جمهور الأشاعرة أن الإكراه غير الملجئ لا يمنع التكليف بضده المكره عليه بل إن المكره قد يكون مكلفا بعين المكره عليه وقد يكون مكلفا بضده فإذا أكره مثلا على شرب الخمر بحيث لو لم يشرب قتل وجب عليه أن يشرب لأن الشرب في هذه الحالة يكون مباحا لأنه مضطر إليه والله تعالى يقول: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} وفعل المباح متى ترتب عليه ترك الحرام كان واجبا ففي هذه الحالة يكون مكلفا بعين المكره عليه.
وإذا أكره على قتل المسلم بحيث لو لم يقتله قتل هو كان مكلفا بضد المكره عليه وهو عدم القتل لأن قتل المسلم بغير حق منهي عنه ولا يجوز الإبقاء على نفسه بذهاب حياة غيره.
وقالت المعتزلة: إن كان المكره عليه مأمورا به كان الإكراه عليه مانعا من التكليف به بمعنى أن فعل المكره له لا يسقط عنه التكليف به لأن فعل المأمور به في هذه الحالة لا يوجب ثوابا عليه لكونه أتى به لداعي الإكراه ولم يأت به لداعي الطاعة وحيث كان الإتيان بالمأمور به لم يحقق الفائدة المقصود منه امتنع التكليف به لما فيه من العبث.
أما إن كان المكره عليه معصية كالقتل أو السرقة أو الغصب كان المكره مكلفا بضد المكره عليه لأن ترك المكره عليه في هذه الحالة أبلغ في إجابة داعي الشرع والثواب عليه أعظم فالإكراه...........=
(1/118)

ولا قصد له فصار فعله كفعل النائم وليس هذا بشيء لأنا قد بينا أن اختياره فيما أكره عليه قائم.
ألا ترى أنه يصبر على ما خوف به فدل أنه إذا لم يصبر وفعل ما اكره عليه فإنه يفعله عن قصد واختيار والدليل على بقاء التكليف فى حقه أنه تنقسم عليه الأحكام فيما أكره عليه ففي بعضها يجب عليه فعله وفي بعضها يحرم وفي بعضها يباح وفي بعضها يرخص فالأول مثل أكل الميتة والثاني مثل القتل والثالث مثل إتلاف مال الغير والرابع مثل إجراء كلمة الكفر على لسانه مع طمأنينة قلبه على الإيمان وانقسام الأحكام عليه دليل قاطع على بقاء التكليف وقد أجتمعت الأمة على أنه لو أكره إنسانا على قتل إنسان لا يجوز أن يقتله ولو قتل أثم إثم القتل ولولا الحظرية عليه قائمة لم يأثم ولما أثم ثبت أن التكليف قائم مستمر عليه وأما الصبيان فلا تكليف عليهم في فعل شيء ما لأن التكليف من قبل الله تعالى والله تعالى وضع عنهم ظلمة الأفعال ولم يوقعهم فى هذه الكلفة رحمة من قبل الله تعالى ونظرا لهم فأما الحقوق المالية التى تجب عليهم فليست فيها إلزام فعل ولا إيقاع لهم فى كلفة ومشقة إنما الإيجاب عليهم يلاقيب ذممهم ولهم ذمم صحيحة وأما فعل الأداء الذى هو كلفة ومشقة فهو متوجه على الأولياء لا على الصبيان والجملة أن إزالة التكليف على الصبيان نظر من الله تعالى ورحمة وذلك فى إسقاط الفعل الذى يتضمن التعب والمشقة وأما أمرهم بالعبادات عند بلوغ السبع فنوع امتران واعتياد وليس على جهة التكليف وكذلك ضربهم على سائر الآداب للرياضة كضرب الدابة.
وأما الذى قاله الشافعى رحمه الله من سقوط الظهر عنه إذا كان فى أول الوقت وهو غير بالغ ثم بلغ فى آخر الوقت1 فإنما كان كذلك لأنه فعل وظيفة الوقت فى.
__________
= في هذه الحالة لا يمنع من التكليف بضد المكره عليه انظر نهاية السول 1/322, 323 البرهان 1/106 إحكام الأحكام 1/220 روضة الناظر ص/ 50 التلويح على التوضيح 3/197 القواعد لابن اللحام 73 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 1/170- 171.
1 أي بعد أن فعل الصلاة فما يجزئه عن الفرض لأنه صلى صلاة الوقت بشروطها فلا.......=
(1/119)

أول الوقت فمنع فعلها من وجوبها عليه فى آخر الوقت إذا بلغ لئلا يؤدى إلى التثنية فى الوظيفة وقد قررنا هذا المعنى فى خلافيات الفروع
مسألة: لا يدخل الأمر فى الأمر عند عامة الفقهاء:
وذهب طائفة قليلة من أصحابنا أنه يدخل والمسألة مصورة فى النبى صلى الله عليه وسلم إذا كان آمرا فإن الأمر الوارد من قبل الله تعالى بذكر الناس وأمرهم بشيء بفعله فقد اتفقوا أن الرسول يدخل فى ذلك1 وتعلق من قال بدخوله فى الأمر قال لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله عز وجل فإذا قال للأمة افعلوا كذا فيصير كأن الله تعالى قال افعلوا كذا فيدخل النبى صلى الله عليه وسلم فيه مثل ما يدخل غيره وربما يقولون أن الأمر يدل على الإيجاب فيصير كأن النبى صلى الله عليه وسلم قال هذه العبادة واجبة فتكون واجبة على الكل وأما دليلنا أنه لا يجوز أن أمرا لنفسه بلفظ يخصه فلا يجوز أن يكون أمرا لنفسه يعمه ويعم غيره وهذا لأنه أمر فلا يكون مأمورا كالمأمور لا يكون أمرا ولأن الأمر قول القائل لمن دونه افعل فصارت الرتبة شرط صحة الأمر ولا يتصور رتبة مع.
__________
= يلزمه الإعادة وحكى عن أبي العباس بن سريج يستحب له أن يعيد وحكى عنه وجوب الإعادة وقال الإصطخري إن بقي من الوقت ما يسع تلك الصلاة بعد بلوغه وجبت وإلا فلا انظر شرح المهذب 3/12 وأما إن لم يفعل الصلاة وليس هذا في كلام المؤلف ففيه تفصيل أولا: إما أن يكون الباقي من الوقت قدر رحعة فتلزمه الصلاة بلا خلاف وثانيا أن يكون الباقي قدر تكبيرة فما فوقها مما لم يبلغ ركعة فقولان: أصحهما باتفاق الأصحاب تلزمه تلك الصلاة لأنه أدرك جزء منه كإدراك الجماعة والثاني لا انظر شرح المهذب 1/65.
1 اعلم أن الأصوليين اختلفوا في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: وهو قول الشافعية وأكثر العلماء أن الخطاب يتناول الرسول صلى الله عليه وسلم كما يتناول الأمة سواء صدر بلفظ "قل" أو لم يصدر.
القول الثاني وهو لبعض الفقهاء والمتكلمين الخطاب خاص بالأمة فلا يدخل فيه الرسول صلى الله عليه وسلم مطلقا سواء صدر الخطاب بلفظ "قل" أو لم يصدر به.
القول الثالث: إن صدر الخطاب بلفظ "قل" كان خاصا بالأمة إن لم يصدر بلفظ "قل" كان عاما يشمل الرسول والأمة وإلى هذا ذهب الحليمي وأبو بكر الصيرفي من الشافعية انظر نهاية السول 2/372 انظر البرهان 1/365 انظر نهاية السول 3/371 إحكام الأحكام 2/397 المستصفى للغزالي 2/80 - 81 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/233.
(1/120)

نفسه لأنه لا يتصور أن يكون الإنسان أعلا رتبة أو أدنى رتبة من نفسه ولهذا لم يصح أمر الإنسان لنفسه على التخصيص وأيضا فإن الأمر قول موضوع لاستدعاء الفعل وطلبه وهذا وضع لطلبه من الغير لأن هذه الصيغ إنما تكلمت بها العرب لحاجتهم إليها وليفهم البعض من البعض مراده وخطابه ولا يتصور منه قول لاستدعاء الفعل من نفسه لأن طبيعته داعية إليه طالبة منه فعل كل ما يسره والكف عن كل ما يضره فلا حاجة إلى قول موسع له من نفسه لطلب فعل منه أو قول وضع لمنعه عن فعل وهذه كلمات قطعية والذى قاله الخصم أنه يصير كأن الله تعالى قال افعلوا
قلنا إذا قال تعالى افعلوا فالنبى صلى الله عليه وسلم يكون مأمورا وإذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فيكون أمرا والكلام فى دخول الأمر فى الأمر فلا يرد عليه الموضع الذي لا يكون فيه أمرا وهذا كالسيد يقول لغلامه اسقنى فإنه لا يدخل العبيد فى هذا الأمر وأن كان يجوز أن يدخل فى أمر غيره وأما قولهم أن أمره يصير كأنه قال هذه العبادة واجبة قلنا ولم يصير هكذا وهذا خبر وذاك أمر والخبر خبر فى حق كل أحد وأما الأمر يتناول الأمر على الخصوص بحكمه وأما الأمر الوارد من قبل الله عز وجل بخطاب النبى صلى الله عليه وسلم الرسول فإنه يتناوله على الخصوص ولا يتناول غيره إلا أن يقوم عليه الدليل وأما الوارد بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} أو: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} أو: {يَا عِبَادِيَ} فإنه يتناول النبى صلى الله عليه وسلم وغيره لأجل عموم اللفظ والله أعلم.
واعلم أن الأصحاب قد ذكروا أن الخطاب الوارد من الله عز وجل ومن رسوله صلى الله عليه وسلم إنما يتناول المكلفين الصالحين لهذا التكليف الوارد الموجودين عند الخطاب وأما الذين يوجدون من بعد ذلك فإنما يدخلون فى الخطاب بالإجماع وهذا لأن خطاب المعدوم لا يتصور إفادته الإيجاب فدخولهم فى الخطاب لا يكون بنفس الخطاب وإنما يكون بدليل آخر وليس ذلك إلا الإجماع فكذلك نقول فى كل خطاب معلق بصفة إنما يتناول أهل تلك الصفة عند مورد الخطاب فأما من يصير بتلك الصفة فى حالة أخرى1.
__________
1 اعلم أن في هذه المسألة قولان:
الأول: هو قول عامة الأصوليين من الشافعية والحنفية لا يتناول الأمة.
الثاني: أن خطاب الرسول خطاب لأمة وهذا القول منقول عن أبي حنيفة وأحمد بن حنبل رضي الله عنهما وأصحابهما انظر نهاية السول 12/358 إحكام الأحكام 2/379 انظر روضة الناظر 183 البرهان 1/367 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/224.
(1/121)

فإنما يتناوله الخطاب بدليل آخر1 وإذا ثبت هذا فخطاب الله تعالى وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم باسم الجمع إنما صار شاملا جميع أهل الإيجاب مع عدمهم عند ورود الخطاب بدليل إجماع الأمة والإجماع فى نفسه دليل قاطع لا شك أنهم عقلوا ذلك حين أجمعوا عليه وقالوا: ما قالوه عن دليل فثبت ما أجمعوا عليه وأن لم ينقل الذى أجمعوا عليه.
مسألة: الأمر بالشيء يدل على أجزائه
وهذا قول جميع الفقهاء2 وذهبت طائفة من المتكلمين أنه لا يدل على أجزائه ولا بد فيه من دليل آخر3 وقال هؤلاء الطائفة لا بد أن نبين المراد من قولنا مجزىء ليصح أن نتكلم عليه قالوا: وعلى أنا لا نريد بقولنا مجزىء أنه يثاب عليه وأنه حلال لأنا نقول أن المأمور لابد أن يكون مثابا عليه ولا بد أن يكون حلا لا لأنه أما أن يكون واجبا أو مندوبا إليه وأيهما كان فلا بد أنه حلال وإنما نريد بقولنا أنه مجزىء أنا إذا قلنا هذه اللفظة فى الصلاة فالمراد بذلك أن القضاء غير لازم فيها فإذا قلناه فى البيع فالمراد أن الملك الصحيح يقع به وإذا قلناه فى الشهادات فالمراد من ذلك أنه يجب على القاضى أن يقضى بها فهذا هو المراد بقولنا مجزىء وإذا عرف هذا نقول أن الأمر لا يقتضى إلا كون المأمور واجبا أو ندبا على خلاف وكونه كذلك لا يمنع كونه مجزئا بل لا متنع أن يكون واجبا أو ندبا ومع ذلك لا يكون مجزئا على المعنى الذى قلناه وهذا كما يقول فيمن ظن أنه على الطهارة وليس على الطهارة وتجب عليه الصلاة وأن كانت الصلاة غير مجزئة وعليه قضاؤها.
__________
1 اعلم أن في هذه المسألة اختلاف فذهب جمهور العلماء إلى أن الخطاب خاص بالحاضرين في زمن الخطاب فلا يتناول غيرهم ممن لم يكن موجودا في زمنه ويكون ثبوت الحكم لمن بعدهم بدليل آخر وذهب الحنابلة وبعض الفقهاء إلى أن الخطاب يعم الجميع من وجد في زمن الخطاب ومن لم يوجد في زمنه انظر نهاية السول 2/364 إحكام الأحكام 2/400 روضة الناظر 186 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/228.
2 انظر البهان 1/255 نهاية السول 1/383 روضة الناظر 181 المستصفى 2/12 المعتمد 1/90.
3 انظر البهان 1/255 نهاية السول 1/383 المستصفى 2/12 المعتمد 1/90 روضة الناظر 181.
(1/122)

إذا علم أنه محدث وكذلك من أفسد على نفسه الحج يجب عليه المضي وأن كان غير مجزيء عنه فهذا كلام ذكره عبد الجبار بن أحمد في العمد.
وأما دليلنا نقول أن معنى الإجراء هو الخروج عن عهده الأمر أو إنهاء ذلك الأمر في حقه فنقول على هذا امتثل الأمر كما أمر فوجب أن يخرج عن عهده الأمر.
كالمولى إذا قال لغلامه اسقني فسقاه يخرج عن عهدته وهذا لأن الأمر لا يقتضي الفعل إلا مرة واحدة فإذا فعل المأمور ما اقتضاه هذا الأمر وجب أن لا يبقي عليه واجب آخر من جهة هذا الأمر وإذا لم يبق عليه شيء من جهة الأمر لا بد أنه حكم بكون المفعول مجزئا وهو يعني خروجه عن عهدته وهو كما لو نهى عن شئ فانتهى خرج عن عهدة النهى.
وأما كلامهم ففي غاية الضعف لأن القضاء يجب بأمر جديد فكيف يستقيم تفسير الإجراء بسقوط القصد ولهذا المعنى صح وورد أمر من الشارع لاقضاء له عن فواته مثل الجمعة وما يشبهها وإنما معنى الإجراء ما بيناه.
ببينه أن المأمور بامتثال الأمر يصير مطيعا لأمر آمره ومتى جعل مطيعا لا بد أن يكون طاعة وأما الذي قالوا: أنه ظن أنه على الطهارة يجب عليه الصلاة ثم يلزمه قضاؤه.
قلنا إنما وجب بناء على طهارة فإذا تبين أنه لم يكن على طهارة ظهر أنه لم يمتثل للمأمور كما أمر فبنى الحكم على ما تبين حقيقته وأعرض عن الحكم الذي كان مبتنيا على ظن منه وكان الأمر بخلافه وكذلك في مسألة الحج الفاسد إذا مضى عليه بها وجب عليه القضاء لآنه ممتثل المأمور كما مر لأنه أمر بالحج الخالي عن الإصابة وقد حج لا على هذا الوجه فلم يخرج عن عهدة الأمر وأما في مسألتنا فقد فعل المأمور كما أمر فلا بد أن يقع المفعول مجزئا عنه على أي وجه فسر الإجزاء والله أعلم.
مسألة: الأمر بالشئ نهى عن ضده من طريق المعنى
وهذا مذهب عامة الفقهاء وذهبت المعتزلة إلى أنه يكون نهيا عن ضده1 وتعلقوا.
__________
1 قال الشيخ الحسيني الشيخ:
أـ لا خلاف بين العلماء في أن مفهوم الأمر سواء كان لفظيا أو نفسيا مخالف لمفهوم النهي كذلك "أي حقيقة الأمر غير حقيقة النهي".......=
(1/123)

.......................................................................
__________
= فقد عرفوا الأمر النفسي بأنه طلب فعل غير كف مدلول عليه بغير لفظ كف ونحوه وعرفوا اللفظي بأنه اللفظ الدال بالوضع على طلب فعل غير كف مدلول عليه بغير كف مدلول عليه بغير كف وعلى هذا فالأمر نوعان: طلب فعل غير كف وطلب كف عن فعل مدلول عليه بكف كدع وذر فالطلب إما إيجابي كافعل أو سلبي ككف ونحوه.
وكما عرفوا الأمر بنوعيه بما سبق عرفوا النهي النفسي بأنه طلب الكف عن الفعل بغير كف ونحوه "أي صيغة لا تفعل" وعرفوا النهي اللفظي بأنه القول الدال على طلب الكف عن الفعل بغير لفظ كف ونحوه.
وكما لا خلا بينهم فيما مضى من أن صيغة الأمر بخالف صيغة النهي وإنما الخلاف بينهم في أن الشيء المعين إذا طلب بصيغة الأمر المعلومة "افعل" فهل يكون ذلك الأمر نهيا عن ضده أو مستلزما له معنى أن ما يصدق عليه أنه أمر نفسي هل يصدق عليه أنه نهي عن ضده أو مستلزما له "كاضرب زيدا" هل هي نهي عن ضد الضرب وهو عدم الضرب أم تستلزم عدم الضرب أي هل تكون أمرا بالضرب ونهيا عن عدم الضرب ولم يجتمع الضدان لأن المحلان مختلفان.
فاضرب دلت على وجوب الضرب واضرب دلت على على عدم الضرب فهذه دلالة وضعية مطابقية لأنها جمعت الأمر والنهي والثانية: التزامية لأنه لتحقق المأمور به لا بد من ترك أضداد المأمور به فدلت التزاما وقبل ذكر المذاهب يجب أن نبين أن عبارة القوم قد اختلفت في التعبير عنها كالآتي:
فمنهم من عبر عنها بقوله "الأمر بالشيء نهي عن ضده أو يستلزم النهي عن ضده" ومنهم من عبر "وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه" والمؤذنة بين هاتين العبارتين تتطلب القرق بين الضد والنقيض لورودهما فيهما وبيانه:
أن كل واجب كالقعود مثلا المطلوب بقولنا: اقعد له منافيان أحدهما ضدا والآخر يسمى نقيضا فالضد القيام - الحركة - والنقيض واحد وهو عدم القيام فالضد منافي وجودي والنقيض منافي عدمي وكل منهما يغاير الآخر "من الضد والنقيض لأن عدم القيام أعم من الخاص" لأن النقيض ينافي الواجب بذاته "فعدم القعود ينافي القعود بالذات والقيام ينافي القعود بواسطة عدم القعود فالقيام يحقق عدم القعود فنافى اقعد بواسطة عدم القعود" وهو عدم القعود إذ النقيضان هما الأمران "الوجوديان" الذي أحدهما وجوديا والآخر عدميا لا يجتمعان ولا يرتفعان "فكونهما لا يجتمعان ولا يرتفعان فهما متنافيان بذاتهما".
كالقعود وعدمه في مثالنا: بخلاف الضد كالقيام فإنه ينافيه بالعرض أي باعتبار أنه يحقق المنافي بذاته وهو النقيض أي: يحقق عدم القعود لأن الضدان هما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان كالقعود والقيام فإنهما لا يجتمعان في شخص واحد في وقت واحد وقد يرتفعان ويأتي بدلهما الاضطجاع مثلا "فلتحقق النقيض لا بد من ترك أضداد المأمور به فتأمل إلا أن كل واحد من أضداد القعود يحقق النقيض لأنه فرد من أفراده فلم يكن التنافي بين الواجب وضده ذاتيا بل لأن أحدهما يحقق نقيض الآخر الذي ينافيه بالذات هذا إذا كان.........=
(1/124)

.....................................................................
__________
= النقيض له أفراد هي أضداد الواجب يحققه كل واحد منها أما إذا لم يكن له إلا فرد واحد هو ضد الواجب لا يتحقق النقيض إلا به اعتبر ذلك الضد مساويا للنقيض كالحركة والسكون "نقيض الحركة عدم الحركة ولا يوجد لعدم الحركة أفراد إلا السكون لأن الشيء لا يكون إلا ساكنا أو متحركا ولم يكن السكون نقيض لأن السكون وجودي والشيء ونقيضه يكون عدميا فتأمل".
فإن السكون يساوي عدم الحركة لأن عدم الحركة لا يتحقق إلا بالسكون وأخذ مع ضده حكم النقيض فلا يجتمعان ولا يرتفعان إذ لا تجتمع حركة وسكون في وقت واحد لشيء واحد لا يرتفعان كذلك بل لا بد أن يكون الشيء متصفا بأحدهما ضرورة أن الشيء الواحد لا يخلو عن حركة أو سكون.
والناظر في هاتين العبارتين يجد بينهما فروقا ثلاثة:
أ - أن التعبير بقولهم وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه لا يفيد إلا حكم النقيض في الوجوب "أي فإن ندب الشيء يستلزم حرمة نقيضه فهذه العبارة قاصرة لا تشمل ما ذكرنا" أما حكمه في الندب فلا "فهي غيرجامعة" بخلاف التعبير بقولهم الأمر بالشيء نهي عن ضده أو يستلزم النهي عن ضده فإنه يفيد حكم الضد فيهما "الوجوب والندب" لأن الأمر بالشيء بصفته عند عدم القرينة الصارفة يدل على الوجوب ومعها يدل على الندب والتعبير بالأمر يتناول الوجوب والندب والتعبير بالنهي يتناول التحريم والكراهة لأن النهي وهو طلب الكف عن الفعل إن كان جازما فهو للتحريم وإلا للكراهة وعلى هذا يكون الأمر بالشيء دالا على التحريم للضد إن كان الأمر للوجوب ودالا على كراهته إن كان الأمر للندب فيكون التعبير بقولهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده مفيدا لحكم الضد إيجابا وندبا.
ب - أن التعبير بقولهم: الأمر بالشيء..الخ فإنه يفيد أن محل النزاع في هذه المسألة هو ضد المأمور به وليس نقيضه.
جـ - أما قولهم "وجوب الشيء الخ" فإنه يفيد الواجب محل النزاع بينهما وأن من العلماء من يقول: إن الأمر بالشيء ليس دالا على النهي عن نقيضه وهو باطل لأن الإجماع منعقد على أن نقيض الواجب منهي عنه لأن إيجاب الشيء هو طلبه مع المنع من تركه والمنع من الترك هو النهي عن الترك والترك هو النقيض فيكون النقيض منهيا عنه فالدال على الإيجاب وهو الأمر دال على على النهي عن النقيض لأنه جزؤه ضرورة أن الدال على الكل يكون دالا على الجزء بطريق التضمن.
"أي فالنقيض ليس محل النزاع بل الضد لأن الواجب ما يذم شرعا تاركه إلخ فالواجب طلب الشيء مع المنع من تركه فالمنع من الترك مدلول للوجوب فهو جزء من الوجوب لأن الوجوب دل عليه تضمنا فالنقيض هو الترك" وإن كان الأمر كذلك تعين أن يكون الخلاف في الضد فقط ووجب أن يكون التعبير عن ذلك النزاع بما يدل صراحة عن محله والذي يفيد ذلك قولهم: "الأمر بالشيء..الخ" لا الثانية فتأمل.
ورجعت الأولى بالرغم من أنها قاصرة بأن ما يستفاد من غير النص محمول على ما أفيد بالنص بالقياس.............. =
(1/125)

.........................................................................
__________
= أ - دلت على محل النزاع
ب - متناولة لحكم ضد الأمر إيجابا وندبا.
جـ - وما ورد عليه من أنها غير متناولة إلا الإيجاب من النص فيجاب:....=
= بأن ما ورود من غير النص محمول على ما فهم من النص بالقياس فتأمل.
وبعد أن حددنا محل النزاع والعبارة المصرحة في الدلالة عليه نذكر المذاهب:
أ - ذهب أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني في أول أقواله أن الأمر بالشيء المعين إيجابا أو ندبا نهي عن ضده الوجودي تحريما أو كراهة سواء أكان الضد واحدا كالتحرك بالنسبة للسكون المأمور به في قوله اسكن أو أكثر كالقيام وغيره بالنسبة إلى القعود المطلوب للآمر بقوله: اقعد ومعنى كونه نهيا أن الطلب واحد ولكنه بالنسبة إلى السكون أمر في المثال وبالنسبة للتحرك نهي كما يكون الشيء الواحد بالنسبة للآخر قريبا والثاني بعيدا "اسكن بالنسبة للسكون أمر وبالنسبة لعدم السكون نهي فالجهة منفكة فلا تنافي".
ومثل الشيء المعين في ذلك الواحد المبهم من أشياء معينة بالنظر إلى مفهومه وهو الأحد الدائر بينهما فإن الأمر به نهي عن ضده الذي هو ما عداها بخلافه بالنطر إلى فرده المعين فليس الأمر به نهي عن ضده منها "ضد المعين المأمور به منهي عنه وأما المطلوب الغير المعين نهي عن ضده في غير أفراده فليس الأمر بالكسوة نهي عن ضده في أفراده وهو الإطعام مثلا فاختيار واحد ليس نهي عن ضده منها بل من غيرها وأما المعين فالأمر به نهي عن ضده بلا خلاف".
ب - وذهب القاضي أبو بكر في آخر أقواله والإمام والآمدي وعبد الجبار وأبو الحسين إلى أن الأمر بالشيء المعين مطلقا يدل على النهي عن ضده استلزاما فالأمر بالسكون يستلزم النهي عن التحرك أي طلب الكف عنه.
جـ - ذهب إمام الحرمين والغزالي إلى أن الأمر بشيء معين مطلقا لا يدل على النهي عن ضده لا مطالقة ولا التزاما استدل أصحاب المذهب الأول:
بأن الشيء المأمور به لما توقف وجوده وتحققه في الخارج على الإقلاع عن جميع أضداده الوجودية وأنه يستحيل وجوده مع التلبس بأي ضد منها لأنها لا يجتمعان كأن طلب طلبا لترك جميع أضداده فالطلب واحد ولكنه بالنسبة إلى أي ضد يكون نهيا تحريما أو كراهة كما يكون الشيء الواحد قريب بالنسبة إلى شيء آخر "لدفع توهم اجتماع الوجوب والتحريم ويقال بأن اعتبارهما مختلف".
فيكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده وهو المطلوب يجاب عن ذلك:
بأن ترك جميع الأضداد "لوجود المأمور به" شرط عقلي لتحقيق الواجب ووجوده والشرط غير المشروط شرورة "إذا كان شرط الشيء في نفسه فيكون باطلا أي الشرط" فلا يكون طلب الواجب طلبا لشرطه لثبوت المغايرة بينهما وإنما يكون مستلزما له حيث قالوا وجوب الشيء يقتضي وجود ما لا يتم إلا به والشرط مما لا يتم الواجب إلا به فيكون وجوبه لازما بوجوب مشروطه "فاقعد لا تدل على الشرط بالوضع بل بالالتزام فالأمر بالشيء ليس نهي عن ضده بل يستلزم النهي عن ضده فتأمل"............=
(1/126)

..........................................................................
__________
= واستدل اصحاب المذهب الثاني:
بأن المأمور به لما لم يتصور وجوده إلا بترك أضداده كان طلبه مستلزما لطلب تركها لما سبق ذكره في الإجابة عن دليل المذهب الأول فيكون تركها واجبا إن كان الأمر للإيجاب ومندوبا إن كان الأمر للندب وهو معنى كونها منهيا عنها غير أن النهي عن أضداد الواجب يكون نهي تحريم وعن أضداد المندوب يكون نهي كراهة أو تنزيه واستدل أصحاب المذهب الثالث بدليلين:
الأول: لو كان الأمر نهيا عن ضده أو متضمنا له لكان الأمر بذلك الشيء متصورا الضد ومتعلقا به لكن التالي باطل فبطل المقدم وثبت نقيضه.
"فكيف يطلب الترك عن مجهول".
أماالملازمة: "الدليل اقتراني أو دليل استثنائي" فلأن الكف عن الضد هو مطلوب النهي فيكون الضد محكوما عليه بالحرمة أو بالكراهة والحكم على الشيء فرع عن تصوره وأما الاستثنائية فلأنا نقطع أن الأمر بالفعل قد يأمر به وهو غافل عن أضداده والكف عنها.
الثاني: لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده أو مستلزما له لكان الأمر بالعبادة مخرجا للمباح عن كونه مباحا وللواجبات الأخرى عن كونها واجبة لكن التالي باطل فبطل المقدم وثبت نقيضه وهو المطلوب "أي سيترتب عليه قلب حقائق فيخرج المباح عن المباح ويقلب الواجب والمباح إلى الحرام وما أدى إلى باطل فهو باطل كاقرأ القرآن فينهى عن ضده من المباحات كالأكل والواجبات كالصلاة فلم يكن نهيا أو مستلزما للنهي عن ضده فيكون المباح والواجب حراما وهو باطل وما أدى إلى باطل فهو باطل" أما الملازمة فلأنه مما لا شك فيه أن أداء العبادة المطلوب بالأمر يتوقف على ترك جميع المباحات والواجبات المضادة لها "ليخرج ما لا يضاده كالصيام مع الصلاة وقراءة القرآن فالعبادة إما:
أ - تتضاد مع بعضها.
ب - توجد مع بعضها.
فتكون هذه المباحات والواجبات منهيا عنها ومحرمة إن كان النهي للتحريم أو مكروهة إن كان النهي للتنزيه ويلزم ذلك خروج المباح والواجب عن أصله من الإباحة والوجوب إلى الحرمة والكراهة أما الاستثنائية فلما فيه من مخالفة الأصل والخروج بالشيء عن وضفه الشرعي الذي وضع فيه.
ويجاب عن الدليل الأول بجوابين:
الأول: لا نسلم غفلة الآمر بالشيء حال أمره عن طلب ترك ما يمنع فعل المأمور به من جهة الجملة "الاستحضار التفصيلي مسلم ولكن الأمر غير مسلم" "الاستحضار الإجمالي أن يترك جميع الأضداد".
وإن كان غافلا عن تفصيله وهذا هو المراد من قولنا: الأمر يستلزم النهي عن ضده لأن الآمر لا يطلب الفعل المأمور به إلا إذا علم أن المامور متلبس بضده لا به "أي لا بالمأمور به لئلا يكون تحصيل حاصل فالضد يكون في العقل" وإلا لزم تحصيل حاصل وهو باطل وإذا.......=
(1/127)

.........................................................................
__________
= كان الحال كذلك لزم أن يكون الآمر متعقلا الضد وليس غافلا عنه وعلاوة على ذلك فإنا لو أخذنا في اعتبارنا أن الآمر هو الله تعالى الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ما تصورنا غفلة الآمر عن ضد المأمور به لا جملة ولا تفصيلا "هذه زيادة في الرد".
الثاني أن هذا الدليل منقوض بوجوب المقدمة "الآمر بالشيء يكون آمرا بالمقدمة قد يأمر به وليس في ذهنه هذه المقدمة وأنتم قلتم بذلك" حيث قالوا إن الخطاب الدال على إيجاب الشيء ويدل على إيجاب ما يتوقف عليه مع أن الآخر بالشيء قد يأمر به وهو غافل عما يتوقف عليه وحينئذ يكون قد حكم على المقدمة بالوجوب وهو غير متصور لها فما هو جوابكم هناك يكون جوابنا هنا "فهناك حكم على المقدمة بالوجوب وهنا حكم على الضد بوجوب الترك".
وعن الدليل الثاني:
بأنه لا مانع "حرمناها وقت التلبس بالمأمور به والتحريم المؤقت جائز كالصلاة في الأوقات المكروهة وصوم يوم الشك حرام مع أن الصيام واجب" من خروج المباحات بل الواجبات المضادة للمأمور به عن كونها مباحة أو واجبة من حيث إنها مانعة بأنها في هذه الحالة.......=
= منهيا عنها من جهة توقف وجود الواجب على تكرها وهذا لا يستلزم كونها منهية عنها من حيث ذاتها حتى يلزم خروج الواجبات والمباحات من أصلها من الوجوب والإباحة إلى الحرمة والكراهة على الإطلاق إذ من المعلوم المقرر أن الصلاة وهي واجبة تكون حراما في الأرض المغصوبة فإنها في ذاتها غير منهي عنها من هذه الجهة لم يستلزم خروجها عن أصلها من وجوبها في ذاتها وعدم النهي عنها.
واستدل أصحاب المذهب الرابع:
بأن الفعل الذي هو ضد المأمور به أمر ندب لا يخرج بفعله والتلبس به الذي يكون به ترك المندوب حال طلبه عن الجواز الذي هو أصله "أمر الندب نهى عن ضده نهي تنزيه فلم يخرجه عن الجواز فليس داخلا معنا ولكن أمر الإيجاب يقلب حقيقة الضد صل ركعتين قبل الظهر ضده الأكل فلا يخرج بفعل الأكل الخروج عن الجواز لأنه مخير في فعله وعدم فعله أي المندوب".
إذ لزم على ترك المندوب "ترك المندوب جائز ففعل الضد أي التلبس به جائز لأن التلبس بالضد ترك للمندوب" "بخلاف الفصل الذي هو ضد المأمور به أمر إيجاب فإنه يخرج بفعله الذي به يكون ترك الواجب من الجواز الذي هو أصله إلى الحرمة وهو المطلوب".
ويجاب بأنا لا نسلم بقاء ضد المندوب على أصله من الجواز حين يكون فعله محققا لترك المندوب "في تلك الحالة لأن الندب ما يثاب. الخ قترى فيه عدم ثواب حيث توقف عليه فعل ما يحقق الثواب ففعل الضد يجلب عدم الثواب فالأمر بالشيء نهى عن ضده ولكن لما توقف على ترك الضد ما يحقق ثواب كان منهيا عنه" بل يكون حينئذ مكروها لأن كل مفوت للمندوب يكون مكروها ولا شك أن الكراهة غير الجواز لأن الكراهة فيها ترجيح جانب الطرفين لا استوائهما فيكون الفعل مكروها والنهي عنه مستفاد من الأمر بضده نهى كراهة........=
(1/128)

في ذلك بوجوه فيها أن القائل به لا يخلوا أما أن يقول: أن الأمر بالشيء نهى عن ضده من حيث اللفظ ومن حيث المعنى فإن قلتم من حيث اللفظ فهذا مدفوع من حيث المشاهدة والمحسوس.
وهذا لأنا سمعنا الأمر من قوله لغيره افعل فكيف تسمع النهى من هذا اللفظ وهو ضده.
فإن قلتم من حيث المعنى فليس المعنى إلا أن الحكيم إذا أراد شيئا فقد كره ضده وإذا حسن شيئا فقد قبح ضده وهذا لا يوجب أن يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده لأن الله تعالى قد أمرنا بالشيء من غير أن يكره ضده كالنوافل فإنه تعالى أمر بها ولم يكره ضدها لأنه لو كره ضدها لم تكن النوافل نوافل بل كانت واجبات فمنها أن الأمر بالشيء لو كان نهيا عن ضده وجب أن يكون العلم بالشيء جهلا عن ضده والقدرة على الشيء عجزا عن ضده كما قلتم أن أرادة الشيء تكون كراهية لضده.
فيؤدي ما قلتم إلى أن يكون الشيء نصفه ضده لأن الكراهة ضد الأرادة فلو كانت الإرادة كراهة لضده لكان الشيء نصفه ضده وهو باطل.
ومنها أن الشيء إذا كان له ضدان مثل السواد فإن البياض والحمرة ضدان له فيجب إذا أراد السواد أن يكون كارها للحمرة والبياض والحمرة ضد البياض كما أنها ضد السواد فكان المحب إذا كره البياض لإرادته السواد أن يكون مريدا للحمرة لأن كراهية البياض إرادة للحمرة لأنها ضده ثم إذا كان مريدا للحمرة وجب أن يكون كارها للسواد والبياض جميعا لأنهما ضدان له فيجب على هذا أن يكون كل واحد من هذه الأضداد مرادا مكروها وهذا باطل وما أدى إليه يكون باطلا.
وأما حجتنا قلنا أن الأمر بالشيء أمر بما لا وصول إليه إلا به ولا يتم إلا بفعله مثل الأمر بالحج أمر بالسعى إلى مكان الحج قبله.
والأمر بالاستقاء أمر بإدلاء الدلو في.
__________
= وتنزيه لأن الأمر كان للندب.
ومن هذا العرض يتبين أن المذهب القائل: إن الأمر بالشيء إيجابا أو ندبا يستلزم النهي عن ضده تحريما أو كراهة هو المذهب الراجح انظر المحصول لفخر الدين الرازي 1/293 - 294 المستصفى للغزالي 1/81 المعتمد لأبي الحسين البصري 1/97 نهاية السول للأسنوي 1/222 شرح المنار لابن مالك ص 192 - 193 القواعد لابن اللحام ص 244 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 1/131.
مما ذكر شيخي: الحسيني الشيخ في محاضرته في كلية الشريعة جامعة الأزهر - قسم الأصول - الدراسات العليا.
(1/129)

البير ونزعه والأمر بصعود السطح أمر بنصب السلم وقد بينا هذا من قبل وإذا كان الأمر بالشىء أمرا بما لا يتم المأمور إلا به فنقول أن فعل الشىء لا يحصل إلا بترك ضده مثل الحركة لا تحصل إلا بتركها السكون وكذلك السكون لا يحصل إلا بترك الحركة فصار الأمر بالشىء نهيا عن ضده معنى هذا الطريق ولهذا يكون الأمر بالإيمان نهيا عن الكفر لأنه ضده وكذلك الأمر باللبث فى المكان نهى عن ضده وهو الخروج والأمر بالقيام نهى عن القعود وأشباه هذا كثير وهذا هو المراد من قولنا أن الأمر بالشىء يكون نهيا عن ضده فإن أعجبهم عن استعمال لفظ النهى وهو الوفاق وأن لم يعجبهم هذا اللفظ وقالوا: إنما قلناه معنى تعينت المخالفة فى نفس التسمية ولا مبالاة بها بعد الموافقة فى المعنى وأن خالفوا فى اللفظ والمعنى جميعا كان خروجا عن المعقول فيكون باطلا.
والأولى أن نقول أن المسألة مصورة فيما إذا وجد الأمر وقضينا أنه على الفور فلا بد من ترك ضده عقيب الأمر كما لا بد من فعل المأمور عقيب الأمر وأما أن قلنا أن الأمر على التراخى فلا تظهر المسألة هذا الظهور فالأولى تصويرها فى الجانب.
وأما الجواب عما ذكروه فأما الأول فتعلقهم بالنوافل باطل لأن النوافل عندنا غير مأمور بها فإن عندنا ما ليس بواجب لا يكون مأمورا به ولئن تناوله الأمر يكون على طريق المجاز ثم نقول الأمر الذى يفيد الوجوب يكون نهيا عن ضده وأما الأمر الذى يفيد الاستحباب إنما يفيد النهى عن ضده بما يناسب الاستحباب والاستحباب أن يكون فعل الشىء أولى من تركه فالحكم فى ضده أن يكون تركه أولى من فعله.
وأما كلامهم الثانى ففى نهاية الضعف لأنه يجوز أن يجتمع العلم بالشىء والعلم بضده وكذلك القدرة على الشىء وضده فأما فعل الشىء وفعل ضده لا يتصور اجتماعهما والأمر يقتضى الفعل فهذا الوجه عمل في ضده بالنهى عنه.
وأما كلامهم الثالث الذى ذكروه فليس بشىء أيضا لأنا نجعل الأمر بالشىء نهيا عن ضده لا من حيث اللفظ ولكن من حيث المعنى وهو أنه لا يتوصل إلى فعل الشىء إلا بترك ضده وهذا المعنى فيما له ضد واحد وفيما له أضداد واحد فسواء كان له ضد واحد وأضداد فلا بد من ترك الكل حتى يفعل المأمور وأما النهى عن الشىء هل يقتضى الأمر بضده فإن كان الشىء له ضد واحد مثل الحركة والسكون.
(1/130)

فكذلك نقول أنه إذا نهاه عن السكون يكون الأمر بالحركة إذ ليس بينهما واسطة فأما إذا كان له أضداد فلا يكون النهى عن الشىء أمرا بها كلها لأنه يتوصل إلى ترك الشىء من غير أن يفعل جميع أضداده ولا يتوصل إلى فعل الشىء إلا بعد أن يترك جميع أضداده فافترقا لهذا المعنى ثم نقول أن هذا الأمر بالشىء نهى عن ضده صيغة حتى يصير في النهى الثابت معنى أن يكون أمرا بضده فإن الذى ادعيناه إنما ادعيناه في صيغة الأمر والنهى ولم ندع ذلك فيما ثبت معنى فسقط ما قالوه.
وادعى أبو زيد في هذه المسألة قولا ثالثا وقال أن الأمر بالشىء يقتضى النهى عن ضده على وجه الكراهة لا على وجه التحريم وهذا ليس بشىء لأن الأمر إذا كان بعد الوجوب فلا بد أن يقتضى الكف عن ضده على وجه التحريم حتى يستقيم حمله على الإيجاب.
وقد أجمع الفقهاء على أن الأمر يفيد الإيجاب ومع هذا لا يكون لما قاله وجه. والله أعلم.
مسألة الفرض والواجب واحد عندنا
وزعم أصحاب أبي حنيفة أن الفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به والواجب ما ثبت وجوبه بدليل مظنون1 وقالوا: لأن الواجب ليس على مرتبة واحدة ألا ترى أن الثابت بدليل مقطوع لا يكون في مرتبة ما ثبت بدليل مظنون بل يكون فوقه فى الرتبة وإذا كان اختلفا في الرتبة اختص كل واحد منهما باسم غير اسم صاحبه.
قالوا: ولأن الفرض في اللغة يدل على ما لا يدل عليه الوجوب لأن الوجوب يدل على اللزوم فإنه مأخوذ من السقوط على ما سبق ولا تأثير للساقط فى المحل ولأن الفرض مأخوذ من الجز والشق ومنه فرض القوس وفرضة الوادى فدل هذا الاسم على التأثير فى المحل وإذا أثر فى المحل أفاد زيادة لا يفيدها اسم الوجوب.
ونحن نقول أن حد الواجب والفرض واحد لأن حدهما جميعا ما لا يسع تركه أو ما لا يستحق الثواب بفعله والعقاب بتركه وإذا اتفقنا فى المعنى اتفقنا فى الاسم ولأنكم فرقتم بين الواجب والفرض بفرق ولا يدل عليه دليل والدليل على.
__________
1 انظر نهاية السول 1/76 جمع الجوامع 1/88 إحكام الأحكام 1/139 شرح المنار لابن مالك ص 195 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 1/55.
(1/131)

أنه لا دليل عليه أنه لو قلت: [قلمكم قال] 1 هذا الفرق وقال الواجب ما ثبت بدليل مقطوع به والفرض ما ثبت بدليل مظنون لم يكن عنه خلاص وأما الذى تعلقوا به من قولهم أن ما ثبت بهذا الدليل مخالف فى الرتبة ما ثبت بذلك الدليل فوجه الجواب المعتمد عنه أن الكلام فى الواجب العملى وهو الذى تتكلم فيه الفقهاء فيما بينهم وأما العلم ليس له تعرض أصلا والواجب عملا تستوى مراتبه سواء كان ثبوت الشىء بدليل قطعى يوجب العلم أو بدليل اجتهادى يوجب الظن والعقاب فى كل واحد عند تركه عملا مثل العقاب في صاحبه وكذلك واحد لا يسع تركه صاحبه إذا استويا من هذا الوجه استغنى عن التفريق الذى ذكروه.
وأما كلامهم الثانى قلنا إذا تراجعنا اللغة فلفظ الوجوب أدل على اللزوم من لفظ الفرض لأن الفرض اسم مشترك يكون بمعنى الإنزال مثل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} [القصص: 85] أى أنزل ويكون بمعنى البيان مثل قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1] ويكون بمعنى التقدير يقال فرض القاضى النفقة أى قدر ويكون بمعنى الإيجاب كقوله تعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} [البقرة: 197] أى أوجب فالإلزام أحد معانى الفرض وأما الوجوب له معنى واحد وهو السقوط وقد اقتضى الإلزام من حيث هذا المعنى الواحد فكان هذا الاسم أخص فى الإلزام من لفظ الفرض فلا أقل أن يستويا وأما التأثير فى المحل فلا معنى له لأن الإلزام على الإنسان لا يظهر له تأثير فى المحل حسا بوجه ما فلا معنى لاعتباره.
مسألة الفعل بوصف الكراهة لا يتناوله الأمر المطلق
وذهب أصحاب أبى حنيفة إلى أنه يتناوله والخلاف تظهر فائدته فى قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] فعندنا هذا لا يتناول الطواف بغير طهارة ولا الطواف منكوسا وعلى مذهبهم يتناوله فإنهم وأن اعتقدوا كراهية هذا الطواف ذهبوا إلى أنه دخل فى الأمر حتى يتصل به الإجزاء الشرعى وعندنا يدخل ولا جواز لمثل ذلك الطواف واعلم أن هذا المثال على أصلهم يتصور وأما عندنا أن ذلك طواف مكروه بل لا طواف أصلا لأنه قام الدليل عندنا أن الطهارة شرط فى.
__________
1 هذا ما استطعنا إثباته والذي في الأصل رسم هكذا "فلم لم قالب" ولعل الصحيح ما أثبتناه أو "فلم لو قال".
(1/132)

الطواف.
مثل كونها شرطا فى الصلاة وكذلك قام الدليل أن الطواف الشرعى هو الطواف على هيئة مخصوصة لا يوجد إذا طاف منكوسا وأما هم زعموا أن الطواف حقيقة دوران حول البيت وذلك موجود سواء طاف بطهارة أو بغير طهارة وسواء طاف مستويا أو منكوسا قالوا: وأما وجود الكراهية الشرعية لا يدل على عدم دخول المفعول فى الأمر بدليل الصلاة فى الأرض المغصوبة والبيع وقت النداء فإن الأول داخل فى الأمر.
والثانى فى الإطلاق.
وأما حجة ما صرنا إليه أن الأمر يفيد الوجوب حقيقة والندب والإباحة مجازا فما ليس بواجب ولا مندوب إليه ولا مباح لا يتصور أن يتناوله الأمر وأما الصلاة فى الأرض المغصوبة فنتكلم فى هذه المسألة ابتداء حتى يظهر الواجب فنقول مذهبنا ومذهب أكثر أهل العلم أن الصلاة فى الأرض المغصوبة جائزة1 وذهبت المعتزلة غير النظام إلى أنها لا تجزىء2 وهو قول داود وأهل الظاهر وقيل أنه مذهب أحمد بن حنبل3 رضى الله عنه.
واحتج من قال أنها لا تجزىء بأن الصلاة طاعة بإجماع المسلمين والصلاة فى الدار المغصوبة معصية لأن الصلاة تشتمل على القيام والركوع والسجود والقعود وهذه الأشياء تصرف فى الدار المغصوبة وشغل لأماكنها وأهويتها ومنع لرب الدار لو حضر من التصرف فيها منزل منزلة وضع ساج فيها وربما يعبرون عما قلنا فيقولون الكون فى هذه البقعة محرم معصية والأكوان التى تقع فى الصلاة لا بد أن تقع طاعة ونقول الكون فى هذه البقعة محرم منهى عنه والأكوان التى تقع فى الصلاة لا بد أن تكون مأمورا بها ويستحيل وقوع الشىء الواحد مأمورا به منهيا عنه وأيضا فإنهم أجمعوا أن من شرائط الصلوات الخمس أن ينوى بها المصلى أداء الواجب وما يدخل فيه أداء الواجب نحو أن ينوى كونها ظهرا أو عصرا والصلاة فى الدار المغصوبة لا يتأتى فيها ذلك لأنه لا يصح أن ينوى الإنسان أداء الواجب بما يعلم أنه ليس بواجب.
__________
1 ذكره الشيخ موفق الدين بن قدامة رواية ثانية عن أحمد وقال وهو قول أبي حنيفة ومالك والقول الثاني للشافعي انظر المغني 1/722 المجموع 3/164.
2 انظر المجموع للنووي 3/164.
3 ذكره الإمام موفق الدين بن قدامة رواية ثانية ونصرها انظر المغني لموفق الدين بن قدامة 1/722.
(1/133)

قالوا: وعلى هذا نقول أيضا لا تجوز صلاة من ستر عورته بثوب مغصوب واختلفوا فيمن ستر عورته بثوب مملوك ثم لبس عليه ثوبا مغصوبا فمنهم من أجازها لأن [فى] 1 الثوب الثانى [زيادة] 2 وفى الثوب الأول كفاية لستر العورة وهو مملوك وقال آخرون لا تجوز لأن قيامه وقعوده وتصرفه فى كلا الثوبين وزعموا أيضا أن المودع أو الغاصب إذا طولب برد الوديعة أو المغصوب فتشاغل بالصلاة مع اتساع الوقت لم تجز صلاته.
وإن كان الوقت ضيقا ويخشى أن تشاغل بالرد أن تفوته الصلاة لم تبطل صلاته أن لم يستضر صاحبها بالتأخير ضررا شديدا وتبطل أن استضر بالتأخير ضررا شديدا وقالوا: لمن صلى وهو يرى من يغرق أو يهلك وهو يرجو أن يخلصه فسدت صلاته والوجه فى ذلك أجمع أن صلاته فى جميع هذه المواضع قبيحة قالوا: ولا يلزم إذا آمن فى الدار المغصوبة حيث يصير مؤمنا لأن ذلك ليس بتصرف فيها فيكون غصبا لها فلم يلزم أن يكون قبيحا غير طاعة قالوا: وليس يلزم إذا صلى فى أرض إنسان غير أن يقصد غصبها ولا زرع فى الأرض لأن العادة جارية أن مالك الأرض لا يكره أن يصلى المارة فى أرضه وكذلك العادة جارية بأن من أذن لغيره فى الدخول فى داره أنه لا يكره أن يصلى فيها فنزل ذلك منزلة صريح الإذن.
قال أبو الحسين البصرى صاحب المعتمد مستدلا فى هذه المسألة أن صحة الصلاة فى الدار المغصوبة إما أن يراد بها أنها داخلة تحت التعبد أو يراد بها أنها تقوم مقام ما دخل تحت التعبد والأول باطل لأن التعبد لا يتناول القبيح المكروه والثانى يكفى فى نفيه أنه لم يدل دليل على أنها تقوم مقام ما دخل تحت التعبد وإذا لم يدل الدليل على ذلك لم يسقط به التعبد الواجب عليه3.
وأما حجتنا [فقد] 4 ذكر بعض أصحابنا أن بعض ما يحتج به فى هذه المسألة إجماع الأمة فإنا نعلم أن المكلفين الذين خوطبوا بالصلاة من شرق الأرض ومغربها ما كان يخلو عصر من الأعصار من فعل بعضهم الصلاة فى الأرض المغصوبة ولو كان.
__________
1 زيادة يستقيم بها المعنى.
2 زيادة ليست في الأصل يستقيم به المعنى.
3 انظر المعتمد 1/172.
4 زيادة ليست في الأصل.
(1/134)

من أهل الاجتهاد من لا يجوز ذلك لم يجز فى مستقر العبادات أن لا يظهر خلافه مع كثرة وقوع ذلك وعموم البلوى به ولجرى بينهم تناظر وتشاجر فى ذلك كيف وأهل القدوة الذين هم أهل القدوة فى الشريعة والأعلام فى معرفة الأحكام أطبقوا على القول بجواز ذلك فلا يعتد بخلاف من خالف فى ذلك لأنه خالف محدث ولم ينقل عن أحد من السلف ذلك وعندى أن هذه الحجة ضعيفة لأنهم يقولون بالإجماع وقد بينا خلاف ذلك.
وقولهم أنه لم ينقل عن أحد من السلف ذلك قالوا: كما لم ينقل الفساد لم ينقل الجواز ولعلهم أن سئلوا عن ذلك أفتوا ببطلان صلاته قالوا: والظاهر ذلك لأن الدليل مضى فى هذه المسألة فما كنا نظن بسلفنا الصالح أنهم يتركون مثل الذى قدمناه وأقمناه إلى ما دليل عليه بل هو مجرد دعوى ونستدل بوجه آخر يعتمد عليه فنقول الصلاة غير منهى عنها لأن النهى وأن ورد ولكنه ينصرف إلى فعل الغضب لا إلى فعل الصلاة.
ألا ترى أن بعد الخروج عن الصلاة هو فاعل للغصب غير فاعل للصلاة.
ألا ترى أنه لو صلى فى مكان من الدار لا يخرج من أن يكون غاصبا لغير ذلك المكان من بقاع الدار.
قالوا: على هذا أن المعقول من الغضب هو الاستيلاء على مال الغير على وجه العدوان وهو بالصلاة شاغل ملك غيره بالعدوان فيصير بغير الصلاة غاصبا فكيف لا يكون النهى منصرفا إليها وصلاته عن الغصب.
الجواب يقال لهم هل يجوز بين أن يكون الإنسان فى فعل واحد مأمورا من وجه منهيا من وجه مطيعا من وجه عاصيا من وجه فإن قالوا: لا قلنا الدليل على جوازه المشروع والمعقول.
أما المشروع فإن المريض الذى يستضر بالصوم فإذا صام فإنه لم يختلف أحد أن صومه يقع وهو مأمور بالصوم من وجه منهى من وجه ولولا أنه مأمور به من وجه لم يتصور وقوعه موقع الصوم المعروض عليه وهو منهى عنه من وجه وهو لتضمنه إضرارا بنفسه.
وأما المعقول فإن السيد إذا قال لعبده احمل هذه الخشبة إلى موضع كذا واسلك بها طريق كذا فحمل الخشبة وسلك طريقا غير الطريق الذى قال فإنه يكون مطيعا من.
(1/135)

وجه عاصيا من وجه.
ألا ترى أنه يحسن أن يقول العبد أن كنت عصيتك فى سلوك هذا الطريق فقد أطعتك فى حمل هذه الخشبة إلى موضع كذا ويقول لهم أيضا هل يجوز أن يشتمل الفعل الواحد على معنيين مختلفين فى حكم الشارع فإن قالوا: لا.
قلنا الدليل على جواز ذلك أن من وقف على جبل مغصوب بعرفات فقد اشتمل وقوفه على ما هو طاعة وهو الوقوف بعرفة وعلى ما هو معصية وهو استعمال جبل الغير وكذلك إذا توضأ بماء مغصوب فإن حركاته فى الوضوء اشتملت على شيئين مختلفين على استعمال ماء الغير وهو معصية وعلى فعل الوضوء وهو طاعة وكذلك إذا ذبح بسكين مغصوب فإن فعله اشتمل على استعمال سكين الغير وهو معصية وعلى ذبح الشاة وهو مباح جائز وإذا نوى الإنسان الصوم ونام فى نهاره فإنه فى حال نومه فاعل للصوم وفاعل للنوم وهذه المسائل كلها مسلمة ولم ينقل عن المخالفين منع شىء منها وأقواها مسألة صوم الشيخ والمريض اللذين يستضران بالصوم ومسألة الوضوء بالماء المغصوب والوقوف على جبل مغصوب فإذا ثبت ما قلناه فنقول إذا صلى فى أرض مغصوبة فنقول النهى فى شغل أرض الغير والأمر بالصلاة فهو مأمور بهذا الفعل من حيث أنه صلاة منهى عنه من حيث أنه شغل ملك الغير والجواز من حيث أنه صلاة لا من حيث أنه شغل ملك الغير وإن شئت عبرت عن هذا بالطاعة والمعصية فقلت: أنه مطيع من حيث الصلاة عاص من حيث شغل ملك الغير وهو مثل مسألة المريض إذا صام والوضوء بالماء المغصوب والوقوف على جبل مغصوب وهو مأمور مطيع من حيث فعل الصوم وفعل الوقوف وفعل الوضوء عاص منهى عنه من حيث الإضرار بنفسه واستعمال مال الغير وجبل الغير وهو لأن شغل ملك الغير ينفصل عن الصلاة والصلاة تنفصل عن شغل ملك الغير فإذا انفصلا حسا فيجوز أن نجعل فعله فيهما كفعلين منفصلين فيكون مطيعا بأحدهما عاصيا بالآخر والدليل عليه المسائل التى قلناها والحرف فى هذه المسألة أنا وجدنا فعلا من حقه أن يكون طاعة وقد وقع قبيحا ومعصية ومع ذلك أجزأ عن الطاعة وكان طريق جوازها ما ذكرنا كذلك هاهنا وأما فصل النية التى قالوا: بها فنحن إذا فصلنا الطاعة عن المعصية استقام فيه النية وقد نقل بعض المتأخرين من أصحابنا عن القاضى أبى بكر الباقلانى كلاما غير مفهوم فى هذه المسألة وهو أن صلاة الإنسان فى الأرض المغصوبة.
(1/136)

لا بد أن تقع مأمورا بها ولكن يسقط الأمر بالصلاة عندنا كما يسقط الأمر بأعذار نظرا من الجنون وغيره وهذا هذيان فأعرضنا عنه والله أعلم.
مسألة إذا قال الصحابى أمرنا بكذا فإنه ينزل منزلة القول المقول فى الأمر1.
وقال داود وأصحابه لا ينزل منزلة ما لم يقل اللفظ2 وقال لأنه يجوز أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر لفظا فى الندب والرواى ظن منه معنى الوجوب فيقبل على ما ظن ونحن نقول قول الصحابى أمرنا بكذا مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم أمرتكم بكذا ومثل قوله أمركم الله بكذا والذى قالوه باطل لأن الأمر عندنا لا يكون أمرا إلا إذا أفاد الوجوب فأما إذا أفاد الندب فإنه لا يكون أمرا فليس ما قالوه بشىء والله أعلم.
__________
1 قال الآمدي والظاهر مذهب الشافعي وذلك لأن من كان مقدما على جماعة وهو بصدد امتثال أوامره ونواهيه فإذا قال الواحد منهم: أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فالظاهر أنه يريد أمر ذلك المقدم ونهيه والصحابة بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم على هذا النحو فإذا قال الصحابي منهم: أمرنا أو نهينا كان الظاهر منه أمر النبي صلى الله عليه وسلم ونهيه انظر إحكام الأحكام 2/138.
2 عزاه الآمدي إلى جماعة من الأصوليين والكرخي من أصحاب أبي حنيفة واستدلوا بأن ذلك متردد بين كون مضافا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبين كونه مضافا إلى أمر الكتاب أو الأمة أو بعض الأئمة وبين أن يكون قد قال ذلك عن الاستنباط والقياس وأضافه إلى صاحب الشرع بناء على أن موجب القياس مأمور باتباعه من الشارع انظر إحاكم الأحكام 2/137, 138.
(1/137)

باب القول في النواهي
باب القول فى النواهى
...
باب القول فى النواهى.
اعلم أن النهى يقارب الأمر فى أكثر ما ذكرناه ونشير إلى ذلك على وجه الاختصار ونبين ما يخالف الأمر فيه.
فأما حقيقة النهى1 فهو استدعاء ترك الفعل بالقول ممن هو دونه وقيل هو قول القائل لغيره لا تفعل على جهة الاستعلاء.
فصل وله صيغة تدل عليه فى اللغة.
وقال أبو الحسن الأشعرى ومن تبعه ليس له صيغة وقد دللنا عليه وأبطلنا قوله من قبل.
فصل وصيغة النهى مقتضية للتحريم 2.
وقال أبو الحسن ومن تبعه لا يدل عليه ولا على غيره إلا بدليل.
والدليل على أنه يقتضى التحريم أن قوله لغيره لا تفعل يقتضى طلب ترك الفعل لا محالة مثلما أن قوله لغيره افعل يقتضى طلب الفعل لا محالة وطلب الفعل لا محالة يقتضى الإيجاب كما ذكرنا فى مسألة الأمر فطلب ترك الفعل لا محالة يقتضى التحريم التحريم وقد سبق وجه الدليل فى هذا ويمكن أن يقال أن النهى لما كان لطلب الامتناع من الفعل والفعل لا يمتنع وجوده بكل إلا بالتحريم فكان مقتضيا للتحريم أى امتناع وجوده بكل حال من حيث الشرع يكون بالتحريم لأن السيد إذا قال.
__________
1 عرفه الأسنوي بأنه هو القول الطالب للترك دلالة أولية انظر نهاية السول 2/293.
2 هذا هو قول الجمهور واختاره البيضاوي.
والقول الثاني: حقيقة في الكراهة مجاز فيما عداها.
القول الثالث: مشترك معنوي بين التحريم والكراهة فهي موضوعة للقدر المشترك بينهما وهو طلب الترك.
القول الرابع: مشترك لفظي بين التحريم والكراهة فهي موضوعة لكل منهما بوضع مستقل.
القول الخامس: التوقف وعدم الجزم برأي معين.
انظر إحاكم الأحكام 2/275, 276 المحصول 1/338 نهاية السول 2/293 المستصفى 2/418 القواعد لابن اللحام 251 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/181, 182.
(1/138)

لغلامه لا تفعل كذا ففعل استحق الذم والتوبيخ ولولا أنه اقتضى التحريم لم يستحق الذم والتوبيخ.
فصل والنهى يقتضى الترك على الدوام وعلى الفور1 بخلاف الأمر يقتضى فعل المأمور مرة واحدة ولا يقتضى الفور إلا بدليل.
وذكرنا الفرق من قبل ببينة أن من قال لغلامه افعل كذا ففعل مرة واحدة يعد ممتثلا آتيا للمأمور وإذا قال لا تفعل كذا لا يعد منتهيا إلا بعد الانتهاء على الدوام وهذا ظاهر للمتأمل.
فصل: قد ذكرنا أن الأمر بالشىء نهى عن ضده فأما النهى عن الشىء هل يكون أمرا بضده2 فإن كان له ضد واحد فهو أمر بذلك الضد كالصوم فى العيدين وأن كان له أضداد كثيرة فهو أمر بضد واحد من أضداده لأنه لا يتوصل إلى ترك المنهى عنه إلا به فأما إثبات الأمر بسائر الأضداد فلا معنى له وقد سبق هذا.
فصل إذا نهى الشارع عن أحد الشيئين كان ذلك نهيا عن الجمع بينهما.
ويجوز له فعل واحد منهما أيهما شاء3 وعند المعتزلة يكون منهيا عنهما4 فلا يجوز له فعل واحد منهما وزعموا أن النهى لا يرد إلا عن قبيح فإذا نهى عنهما ثبت قبحهما فيكونان جميعا منهيين وأن ورد بلفظ التخيير اللهم إلا أن تدل الدلالة على أن أحدهما إنما كان منهيا عنه إذا كان الآخر موجودا وذلك الآخر منهى عنه إذا كان هذا موجودا فيكون للتخيير هاهنا فائدتان يقال لا تأكل ولا تشرب وتدل الدلالة أنه إنما نهى عن الأكل بعد وجود الشرب وكذا إنما نهى عن الشرب بعد وجود الأكل فيكونان منهيين على طريق التخيير على هذا الوجه هذا مذهبهم فى هذا وأما عندنا فالأمر على ما ذكرناه والدليل على أن الأمر أمر بالفعل والنهى أمر بالترك ثم الأمر.
__________
1 انظر نهاية السول 2/294 إحكام الأحكام 2/284, 285 المحصول 1/338 فواتح الرحموت مسلم الثبوت 1/406 القواعد لابن اللحام 252 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/185.
2 انظر نهاية السول 2/310, 311 انظر المحصول 1/350 انظر روضة الناظر 47 انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/192.
3 انظر المحصول 1/352 نهاية السول 2/311, 312 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/193.
4 انظر المعتمد 1/170.
(1/139)

بالفعل فى أحد شيئين لا يقتضى وجوبهما كذا الأمر بالترك فى أحد شيئين لا يقتضي وجوب تركهما وقد سبق هذا أيضا.
مسألة: النهى يدل على فساد المنهى عنه.
وهو الظاهر من مذهب الشافعى وعليه أكثر الأصحاب إلا أنهم اختلفوا فمنهم من قال يقتضى الفساد من جهة الوضع فى اللغة ومنهم من قال يقتضى الفساد من جهة الشرع ويمكن أن يقال يقتضى الفساد من حيث المعنى لا من حيث اللغة وقد ذهب إلى هذا المذهب أيضا جماعة من أصحاب أبى حنيفة ومن أصحابنا من قال أن النهى لا يدل على فساد المنهى عنه وحكى عن الشافعى رحمه الله ما يدل عليه وهذا اختيار أبى بكر القفال الشاشى وهو قول الكرخى ومن معه من أصحاب أبى حنيفة وهو أيضا قول أكثر المتكلمين ومنهم أبو على وأبو هاشم وأبو عبد الله البصرى1 الملقب.
__________
1 قال الشيخ الحسيني الشيخ: مطلق النهي عن الشيء سواء كان ذلك الشيء عبادة أو غيرها "كالنحاح" "مطلق النهي يشمل نهي تحريم ونهي تنزيه" لا يخلو عن حالة من اثنين:
الأولى: أن يكون النهي لأمر خارج عن المنهي عنه غير لازم له كالنهي عن الوضوء بماء مغصوب فإن إتلاف الماء المغصوب قد يحصل بغير الوضوء كالإراقة مثلا وأن الوضوء قد يحصل بماء غير مغصوب ومثله الصلاة في المكان المغصوب أو المكروه وكالنهي عن البيع وقت النداء للجمعة فإن النهي عنه لوصف خارج يمكن انكاكه عن البيع لأن البيع قد يوجد بدون الإخلال بالشيء بأن "الباء بيانية" يتبايعان في الطريق ذاهبين للصلاة والإخلال بالشيء قد يوجد بدون البيع بأن تكون في الطريق بغير بيع.
والنهي في هذه الحالة لا يؤثر شيئا في المنهي عنه فلا يفيد فساده ولا بطلانه إذا خالف المكلف وفعل المنهي عنه عند الأكثرين لأن المنهي عنه في الحقيقة الأمر الخارج فالصلاة لم يتعلق بها نهي وكذا الوضوء وإنما تعلق بالغصب ولا ملازمة بين غصب وصلاة ولا وضوء حتى يكون النهي عن الغصب نهيا عن الصلاة والوضوء والنهي عن البيع وقت النداء في الواقع ليس راجعا لذات البيع وإنما هو نهي عن تفويت الجمعة ولا ملازمة بين التفويت في الجمعة والبيع.
وذهب الإمام أحمد إلى أن النهي في هذه الحالة يدل على الفساد لأن ذلك مقتضاه فلا يعدل عنه "مطلق النهي يدل على الفساد".
ورد: بأن الأمر مراجعة من طلقت في حيضها دليل على صحته وعدم فساده فلو كان دالا على الفساد لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم المطلق في الحيض بالمراجعة لأن الأمر به لا يكون إلا بعد وقوع الطلاق:
الثانية:
أ - أن يكون النهي راجعا إلى ذات المنهي عنه أو لأمر خارج عنه لازم له أو داخلا فيه عبادة.......=
(1/140)

..........................................................................
__________
= أو معاملة والمراد بذات العبادة والمعاملة ما يشمل جزءها وشرط صحتها فالنهي عن الصلاة بدون قراءة أو ركوع نهي عن ذات العبادة ونهي الحائض عن الصلاة وقت الحيض راجع إلى ذات العبادة والنهي عن بيع الحصاة وهو جعل الإصابة بالحصاة بيعا قائما مقام الصيغة وهو أحد التأويلين في الحديث راجعا إلى ذات العقد "فلا إيجاب ولا قبول فيه" "ويعلل رجوعه لذات العقد" لفقدان صيغته والنهي عن بيع الملاقيح وهو ما في بطون الأمهات من الأجنة راجع إلى نفس المبيع الذي هو ركن من أركان البيع وعلة النهي عدم تيقن وجود المبيع "وشروط المبيع العلم به عينا وقدرا وصفة".
ب - وأما النهي لأمر خارج لازم للعبادة أو المعاملة فكالنهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة "لا توجد صلاة مكروهة إلا في الوقت المكروه ولا يوجد الوقت المكروه إلا بالصلاة في هذا الوقت فالجهة مرتبطة من كل محل" كلما "تعبير عن التلازم" وجدت الصلاة في الأوقات المكروهة "أي الأوقات الموصوفة بالكراهة لا الوقت فقط" وكلما وجدت الأوقات المكروهة وجدب الصلاة المكروهة "أي لتكون الصلاة مكروهة فيه لا بد من التلازم وهذا دليل يتضمن دعوى التلازم" لأن الأوقات المكروهة لا شيء كذلك إلا الصلاة فيها والانشغال" إذ معنى كون الوقت مكروها أن الصلاة فيه مكروهة "لا الوقت مكروه فتأمل" وكالنهي عن الربا مثل النهي عن بيع درهم بدرهمين "الربا لا يوجد إلا بالزيادة ولا يكون ربا ومنهي عنه إلا بالزيادة" لاشتمال هذا العقد على الزيادة اللازمة بالعقد عليها لأن الزيادة أمر خارج عن ذات العقد "أي الصيغة لأنه داخل في المعقود عليه" إذ المعقود عليه من حيث ذاته قابل للبيع "للدرهم والدرهمين" "فالنهي للزيادة" وكونه زائدا أو ناقصا وصف خارج لازم لعقد بالفضل والنهي في هذه الحالة اختلف العلماء في دلالته على الفساد وعدمها على مذاهب كالآتي:
أ - قال بعض العلماء إن النهي لا يدل على الفساد مطلقا عبدة أو معاملة.
ب - وقال بعض آخر إنه يدل على الفساد مطلقا عبادة أو معاملة وهؤلاء اختلفوا في جهة الدلالة.
1- فقيل: 2 - وقيل يدل شرعا.
جـ - وقال أبو الحسين البصري إنه يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات.
د - وذهب الحنفية إلى أنه لا يدل على الفساد بل على الصحة مطلقا سواء كان عن الفعل لعينه أو لصفة خلافا "مفعول مطلق لمحذوف" لأبي حنيفة في القسم الأول حيث يرى أن المنهي عنه لعينه غير مشروع الأصل فيه أن ينفي لا أن ينهى عنه فالنهي عنه مجاز عن نفيه "النهي لذات الشيء عند أبي حنيفة في الواقع نفي لأنه ينفي أن يوجد ذلك البيع فهو حقيقة في النهي مجاز في النفي فهو إنشائي لفظا "خبري معنى" كلا تبيعوا الكلب والخنزير إنشائية لفظا "خبرية معنى" فهو إنشاء مستعمل في الإخبار" "ما دام المنهي عنه لعينه غير مشروع لا ينهى عنه بل ينفي".
الأدلة:
استدل الأولون: وهو المستدلون على عدم فساد المنهي عنه لغة وشرعا بما يأتي وإن كان لا.....=
(1/141)

........................................................................
__________
= يلزم إقامة دليل على دعواهم لأنهم نافون والنافي لا يلزم بإقامة الدليل فإن أقامه كان متبرعا بخلاف المثبت فإنه يلزمه الدليل لإثبات دعواه فالنافي لم يدع فلم يطالب بدليل".
لو دل النهي على الفساد لكان ناقصا بالتصريح بالمنهي عنه بكن الثاني منتف فانتفى الأول وهو الدلالة على الفساد وثبت نقيضه وهو عدم الدلالة وهو المطلوب "أتى بدعوى الخصم ورتب عليها وأبطل المرتب فتبطل دعوى الخصم وتثبت دعواه وهذا دليل الخلف" قوله "لكان ناقصا..الخ" رأى لو دل على الفساد لتناقض مع لا تكتب وإن كتبت صح "ما دام لم يدل على الفساد يثبت أنه ممكن أن:
أ - يدل على الصحة ب - لا دلالة له أي مجرد الكف عن الفعل ولذلك قال: عدم الدلالة ولم يقل الصحة"
أما الملازمة فظاهرة "فإن أقام عليها الدليل فهو متبرع ما دامت ظاهرة" لأن الدلالة على الفساد تناقض التصريح بالصحة من غير شك ولا مراء "قوله من غير شك..الخ" وجه كونها ظاهرة فكأنه قال فاسد صحيح وهو تناقض".
وأما الاستثنائية: فلأنه يصح لغة وشرعا أن يقول: نهيتك عن الربا لعينه ولو فعلت لعاقبتك لكنه يحصل به الملك "فصح مع النهي التصريح بالصحة".
ويجاب بمنع الملازمة "الجملة الشرطية" لأن قيام الدليل الظاهر وهو النهي على معنى وهو الدلالة على الفساد لا يمنع التصريح بخلافه بل التصريح يكون قرينة صارفة عن الحمل على الظاهر الذي يجب الحمل عليه عند التجرد عن القرينة "التصريح بالصحة مع النهي قرينة صارفة للنهي من الفساد إلى غير فلا تناقض" "أي من الدلالة على الفساد إلى غيره" "لولا القرينة لوجب حمل دلالته على الفساد".
واستدل قسم من أصحاب المذهب الثاني وهو القائل على دلالته على الفساد شرعا أما أنه لا يدل على الفساد لغة فلأن فساد الشيء عبارة عن سلب أحكامه أي عدم ترتب ثمرته وآثاره عليه وليس في لفظ النهي ما يدل عليه لغة قطعا إذ لو دل عليه لغة لكان في قول القائل لا تبع هذا ولو فعلت لعاقبتك "ولكن يترتب على الفعل أحكامه" تناقض وليس بتناقض اتفاقا "في اللغة" وأما أنه يدل على الفساد شرعا فلما يأتي:
أولا: لو لم تكن العبادة المنهي عنها فاسدة لكانت مأمورا بها "يقابل الفساد الصحة" "واجتماع النقيضين باطل" لأن الصحيح ما وافق الأمر لكنها وقت النهي ليست مأمورا بها وإلا لزم أن تكون مأمورة الفعل بالأمر ومطلوبة النهي بالترك وهو جمع بين الضدين "وقت النهي تكون مأمورا بها للصحة ومنهي عنها للفساد وهو باطل".
ثانيا: إن علماء الأمصار في جميع الأزمنة تمسكوا في استدلالهم على فساد الربا بمجرد النهي عنه من غير نكير عليهم من أحد فكان ذلك إجماعا وإذا ثبت دليل الفساد في النهي عن الربا وهو لأمر خارج لازم للعقد ثبت في غيره مما كان فيه النهي لذات العقد أو لأمر داخل فيه من باب أولى.
ثالثا: لو لم يفسد الفعل المنهي عنه لزم من نفيه حكمة يدل عليها النهي ومن ثبوته يدل عليها............=
(1/142)

[بمصلح المتكلمين] 1 [واختلف هؤلاء] 2 فيما بينهم فقال بعضهم أن كان فى فعل المنهى إخلال بشرط فى صحته أن كان عبادة أو فى نفوذه أن كان عقدا وجب القضاء بفساده وأن لم يكن فيه إخلال بما ذكرناه لم يجب القضاء بفساده.
وقال بعضهم أن كان النهى يختص بالفعل المنهى عنه كالصلاة فى المكان النجس اقتضى الفساد وأن لم يختص بالمنهى عنه كالصلاة فى الدار المغصوبة لم يقتض الفساد.
وقال بعضهم أن كان النهى عن الشىء المعنى فى عينه أوجب الفساد وأن كان المعنى فى غيره لا يوجب الفساد.
وأما المعروف عن طريقة أبى زيد فى هذه المسألة.
قالوا: النهى المطلق نوعان نهى عن الأفعال الحسية مثل الزنا والقتل وشرب الخمر ونهى عن التصرفات الشرعية مثل الصوم والصلاة والبيع.
والنهى عن الأفعال الحسية دليل على كونها قبيحة فى نفسها لمعنى فى أعيانها إلا أن يقوم دليل على ذلك.
وأما النهى المطلق من التصرفات الشرعية فيقتضى قبحا لمعنى فى غير المنهى عنه.
لكن متصلا.
__________
= الصحة "للمنهي عنه" "يترتب أمران:
أ - النهي إن لم يدل على الفساد يكون لحكمة.
ب- وما دام لم يدل على الفساد يكون صحيحا وحكمة الصحة غير حكمة النهي"
واللازم باطل لأن الحكمتين إن كانتا متساويتين تعارضا "حكمة من الصحة وحكمة من النهي" وتساقطتا وكان فعله كلا فعل "فانقلب إلى كونه مباحا" فامتنع النهي عنه لخلوه عن الحكمة وإن كانت حكمة النهي مرجوحة فأولى "أي بعدم النهي" لفوات الزائل من مصلحة الصحة وهي مصلحة خالصة وإن كانت راجحة امتنعت الصحة لخلوها عن المصلحة ايضا بل لفوات الرجحان من مصلحة النهي وأنها مصلحة خالصة فيدل على الفسادهنا "إن تساوت الحكمتان تساقطتا ولم يدل على الفساد لأنه امتنع النهي لخلوه عن الحكمة لمعارضتها لحكمة الصحة فلم يصح النهي لخلوه عن الحكمة" "وهي أي الصحة مصلحة خالصة لم يتعارض مع حكمة النهي عند رجحان الصحة والفساد مصلحة خالصة أي لم يتعارض مع حكمة الصحة "عند رجحان الفساد"
انظر نهاية السول 2/295 انظر المحصول 1/349 انظر إحاكم الأحكام 2/275 انظر المعتمد 1/170 انظر القواعد لابن اللحام 253 انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/185 ومما أملاه الشيخ الحسيني الشيخ في محاضرته في كلية الشريعة جامعة الأزهر قسم الدراسات العليا.
1 غير مقروءة في الأصل فلعل الصواب ما أثبتناه.
2 زيادة يقتضيها السياق ليست في الأصل.
(1/143)

بالمنهى عنه فيتبقى صفة المشروعية عن المنهى من وجه مع تصوره فى نفسه وبقاء حقيقته وربما يعبرون عن هذا فيقولون يخرج عن المشروعية بوصفه ويبقى مشروعا بأصله وبيان هذا قد ذكروه فى مسائل الخلاف.
وأما حجة من يقولون أن النهى لا يقتضى فساد المنهى عنه قالوا: الحال لا يخلوا أما أن يكون النهى مقتضيا فساد المنهى عنه من حيث لفظ النهى ووضعه لغة ومن حيث الشرع أو من حيث النظر إلى معناه.
فأما الأول فباطل لأن النهى طلب ترك الفعل والأمر طلب الفعل لغة وهذا لايدل على فساد ولا على صحة لأن الفساد والصحة أمران شرعيان لا يعرفان من حيث اللغة بحال ولا يدل عليهما من جهة اللفظ بوجه ما.
وأما الثانى فهو باطل أيضا لأن الفساد من حيث الشرع لا يعرف إلا بنقل ولا نقل عن السماع فى فساد المنهى عنه بالنهى شرعا ولو كان لعثرنا عليه بالبحث وقد بحثنا فلم نجده يدل عليه أنا رأينا مناهى وردت فى الشرع ولم تقتض فساد المنهى عنه والدليل عليه الصلاة فى الأرض المغصوبة فإنها منهى عنها وليست بفاسدة وكذلك البيع وقت النداء وكذلك الطلاق فى حال الحيض منهى عنه ومع ذلك هو واقع محكوم بصحته ووقوعه وكذلك البيع فى آخر وقت الصلاة منهى عنه وهو جائز وكذلك الإحرام محكوم بالنهى عنه وهو منعقد وقد قال بعض من نصر هذا القول أنه لابد من معرفة معنى الفاسد والصحيح فإن فى معرفة معناه زوال معظم الشغل فى المسألة.
قالوا: ومعنى الفاسد أنه لايقع موقع الصحيح فى الحكم بحال حتى استعمل فى الصلاة والصيام أفاد أن القضاء واجب وإذا استعمل فى العقود أفاد أن التمليك لايقع بها وإذا استعمل فى الإيقاعات من الطلاق والعتاق أفاد أن لاعضل وإذا استعمل فى الشهادة أفاد أن الحاكم لا يحكم بها وأما معنى الجواز فعلى الضد من هذا فيفيد استعماله فى الصلاة والصيام سقوط القضاء وفى العقود وقوع الملك وفى الإيقاعات حصولها وفى الشهادة يفيد أن القاضى بها إذا عرفنا معنى الفساد والجواز ليس فى المنهى دليل على أنه إذا فعل المنهى لا يقع موقع الصحيح فى الحكم لأنه من حيث صيغته ليس إلا طلب ترك الفعل ومن حيث المعنى يدل على كراهة الناهى لفعل المنهى عنه أو يدل على القبح لأن الناهى إذا كان حكيما فلا بد أن يكون المنهى قبيحا وإلا.
(1/144)

لم يحسن النهى بقبح المنهى وكراهة الناهى له لا يدل على فساده من حيث الحكم بدليل المسائل التى قدمنا.
ويدل عليه أن الذبح بالسكين المغصوب منهى عنه وكذلك التوضؤ بالماء المغصوب وقد وقعا مواقع الصحيح فثبت أن النهى لا يدل على الفساد لا من حيث الصيغة ولا من حيث الشرع ولا من حيث المعنى.
قالوا: ولأن النهى إذا أفاد الفساد لكان ما لا يفسد من الأفعال القبيحة لا يكون منهيا عنه على التحقيق لأن اللفظ المستعمل فى غير ما وضع له يكون مجازا ولا يكون حقيقة.
وقد قال بعضهم أن لفظ النهى لغوى والفساد معنى شرعى ولا يجوز أن يكون اللفظ اللغوى موضوعا له لأن أهل اللسان قد تكلموا بهذا ولم يعرفوا شرعا ما يدل أنه لا يجوز أن يقتضيه لفظ النهى قال ولا يجوز أن يكون الفساد من حيث القبح لأن قبح الشيء لا ينافى ثبوت الحكم لا محالة لأن الحكم قد نهى عن الشيء لنوع مفسدة معلق به وأن وقع موقع الصحيح فى الحكم وذلك أن يتشاغل به عن واجب مثل البيع مع تعين السعى إلى الجمعة أو مع تعين التحريم عليه أو تعين إنقاذ غريق أو حريق وإذا أكن هذا لم يأمن أن يكون النهى عن البيع أو الطلاق وغيرهما كان لغرض سوى أن أحكامها لا تثبت وإذا جاز ذلك لم يقتض صحة الفساد وأما أبو زيد فالذى يحضرنى من كلامه فى هذه المسألة هو أن النهى لا يصح عن غير المتكون لأن النهى يرد والمراد به انعدام الفعل مضافا إلى اختيار العباد وكسبهم فلا بد من أن يكون المنهى عنه ليكون العبد مبتلى بين أن يكف عنه باختياره فيثاب عليه وبين أن يفعله باختياره فيعاقب عليه فثبت أن النهى لا يتصور إلا من متكون من العبد قالوا: ولهذا لا يصح أن يقال للأعمى لا تبصر وللأدمى لا تنظر لأنه لا يكون منه ويجوز أن يقال للبصير لا تبصر كذا وكذلك للسميع لا تسمع كذا لأنه يتكون منه وربما يعبرون عما قلنا فيقولون أن النهى لطلب الامتناع من المنهى عنه فلا بد من تصور المنهى عنه حتى يتحقق النهى عنه فعلى هذا المنهى عنه الصوم فى يومى العيد وأيام التشريق والبيع أيضا هو المنهى عنه مع الشرط الفاسد وكذلك الصلاة عند غروب الشمس والصوم اسم لفعل مخصوص وكذلك الصلاة والبيع اسم لقول مخصوص وهو الذى جعل سببا للملك شرعا فوجب تصور الصوم والصلاة والبيع بعد النهى
(1/145)

ليتحقق النهى عنه شرعا قالوا: ولا يجوز أن يقال أنه تصور صورة الإمساك وصورة أفعال الصلاة وصورة الإيجاب والقبول لأن الصوم إنما صار صوما بصورته ومعناه وكذلك الصلاة وكذلك البيع والمعنى فى الصلاة والصوم كونه صلاة وصوما فى حكم الله تعالى والمعنى فى البيع كونه مفيدا للملك فإذا لم يوجد هذا المعنى فى هذه الأشياء لم توجد هذه الأشياء أصلا وقد بينا أنه لا بد من تصور المنهى عنه ليصبح النهى.
والحرف أن الذى يحقق موجودا ليس بصلاة ولا صوم ولا بيع قالوا: والفسخ ينزل من النهى فى طرف مناقض له لأن النهى إعدام الشيء بفعل العبد فأما الفسخ فهو إعدام الشىء مشروعا لينعدم فعل العبد لا نعدامه مشروعا والنهى لا لا نعدام المشروعية بل لينعدم الشىء بفعل العبد مع بقاء المشروعية.
قالوا: أما كون المنهى عنه محظورا فلا ينافى المشروعية لأنه يجوز أن يكون الشيء مشروعا من وجه محظورا من وجه فصار المفعول مشتملا على حظرية ومشروعية وإنما أثبتنا المشروعية مع الحظر لأجل الضرورة على ما سبق فإن قلتم أن نص الشارع على هذا لا يجوز مثل أن نقول حظرت عليك هذا الشىء وشرعته لك فلا يجوز وعلى أنه يجوز أن ثبت بطريق ما لا يثبت بطريق التنصيص وهذا كالأمر بالشىء نهى عن ضده وكذلك النهى عن الشىء أمر بضده إذا كان له ضد واحد فصار الشرع من مقتضيات النهى ضرورة والحظر من مقتضيات الأمر ضرورة وأن كان لا يجوز ذلك بطريق التنصيص وعلى أن الشىء الواحد يجوز أن يكون مشروعا من وجه محظورا من وجه بدليل المسائل التى قلناها وكذلك وطء الأب جارية ابنه ووطء أحد الشريكين الجارية المشتركة.
وقال بعضهم القبح صفة قائمة بالمنهى فكان تابعا فلا يجوز إثباته على وجه يبطل به ما أوجبه واقتضاه.
وبيان هذا أن النهى أوجب القبح فإذا أثبتناه على وجه يفسد به المنهى عنه وفى فساد المنهى عنه فساد النهى على ما سبق.
كما أثبتناه على وجه يبطل به ما اقتضاه وأوجبه فعملنا بالأصل وهو النهى على ما يتصور معه المنهى وعملنا بالمقتضى وهو الفسخ بقدر الإمكان وهو أن نجعل المنهى عنه غير مشروع بوصفه لأن القبح وصف يبطل المشروعية من حيث الوصف فأبقينا.
(1/146)

المشروعية فى أصله لئلا نبطل أصل النهى فهذا غاية الإمكان فى إظهار العمل بالدليلين.
فإن قلتم كيف يحتمل المشروع وصف الصلاة.
قلنا قد يحتمل بدليل المسائل التى قدمناها ولأن العبرة بالدليل لا بالاستبعاد وخرجوا على هذا الأصل مسائل مثل مسألة البيع الفاسد ومسألة صوم يومى العيد وأيام التشريق وكذلك الصلاة فى الأوقات المنهى عنها وقد ذكرنا وجه كلامهم فى ذلك فى مسائل الفروع ولا معنى لذكرها هنا.
وأما حجتنا فى المسألة قوله صلى الله عليه وسلم: "من أدخل فى ديننا ما ليس فيه فهو رد" 1 روته عائشة رضى الله عنها وغيرها والخبر فى الصحيحين والمنهى عنه ليس بداخل فى الدين فيكون مردودا باطلا وسؤالهم على هذا هو أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم فهو رد أى غير مقبول ولا يثاب عليه.
والجواب أن الظاهر من قوله رد هو بمعنى الإبطال والإعدام كما يقال رد فلان على فلان ماله أى أعدم يده وقوته أو ثبت يد المردود عليه وأوجده وإذا كان الظاهر هذا لم يجز أن يحمل عليه إلا بدليل ولأنا أجمعنا على أن النهى يقتضى حرمة المنهى عنه وحظره ولهذا المعنى إذا ارتكبه يأثم وإذا صار محظورا لا يبقى مشروعا لأن المشروع هو المطلق فعله فى الشرع وهذا أدنى درجات المشروعية والمحظور هو الممنوع عنه فى الشرع فيستحيل أن يكون الشىء الواحد محظورا ومشروعا ببينة أن الله تعالى قد نص على التحريم فى الربا بقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة: 275] والمحرم ما يجب الامتناع عنه وإذا وجب الامتناع عنه لم يجز أن يكون مشروعا لما بينا أن أقل درجات المشروع هو الندب أو الإباحة إذا لم يكن عقد الربا مشروعا لم يثبت الملك المشروع لأن الملك المشروع لا يثبت إلا بالعقد المشروع وتحقيق ما ذكرنا فإن البياعات والأنكحة وسائر العقود ما عرفناها إلا بالشرع فإنه لولا الشرع لم يعرف شىء من هذه العقود وقد شرع الله تعالى هذه العقود على شرط مخصوص فى محل مخصوص من فاعل مخصوص فما وراء ذلك غير مشروع أصلا وهذا لأن الأصل لما كان هو عدم المشروعية فإذا شرع عقدا على وجه فما كان على.
__________
1 أخرجه البخاري في الصلح 5/355 الحديث 2697 ومسلم في الأقضية 3/1343 الحديث 17/1718.
(1/147)

غير ذلك الوجه بقى على العدم وإذا بقى على العدم لا يصلح لثبوت حكم شرعى.
فإذا قالوا: أن قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة: 275] يتناول كل ما يسمى بيعا فيجب أن لايوجد بيع ما إلا وهو داخل تحت الأية فإذا وردت السنة بزيادة شرط أو تسمية محل فلا يخرج العقد من كونه بيعا لظاهر الأية فإذا كان بيعا دخل تحت المشروعية.
قالوا: وعلى أن صحة البيع تعرف بالفعل ولو لم يرد شرع بالبيع لكنا نعرف بالعقل أن من كان له ملك فى شيء فجعله لغيره يصير لذلك الغير وإذا عرف بالعقل لم يكن عدم ورود المشروع دليلا على انعدامه.
والجواب أما الأية قلنا معنى الأية: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} على ما ورد به بيان السنة.
والدليل عليه أنه لايحل إلا على ذلك الوجه الذى وردت به السنة ولأنه تعالى قد قال عقبه: {وَحَرَّمَ الرِّبا} وعندهم الربا عقد منعقد مقيد للملك على ما ينعقل غير الربا ويفيده.
وأما قولهم أن صحة البيع تعرف بالعقل.
قلنا هذا محال لأن البياعات عقود شرعية بإجماع الأمة والعقود الشرعية لا تعرف إلا بالشرع ثم نقول أن سلم لكل مسلم أن البيع وإفادته الملك كان يعرف بالعقل لكنا لم نترك العقل بل رددنا إلى الشرع وقد صارت البياعات شرعية بإجماع الأمة.
ألا ترى أن جواز الإقدام على البيع وغيره كان يعرف بالعقل والأن قد ارتفع ذلك حتى لا يجوز الإقدام على عقد ما إلا إذا كان على مايوافق الشرع وإذا صارت شرعية ظهر ما قلنا أن ما لم يرد به الشرع بقى على عدم المشروعية ولا يجوز أن يفيد حكما شرعيا بحال.
واعلم أن هذا الذى قلناه ظاهر فى البياعات والأنكحة وسائر العقود وهو فى العبادات أظهر وذلك لأن المفعول عبادة فإذا كان منهيا عنه لم يكن عبادة ولأن العبادة ما يتناوله المتعبد من المعبود والمنهى عنه لا يتناوله المتعبد فلا يكون عبادة.
ويمكن أن يقال ما لا يتناوله المتعبد لا يسقط التعبد وإنما قلنا أن المنهى عنه لا يتناوله المتعبد لأن التعبد ما يتناول ماله صفة زائدة على حسنه والمنهى عنه لا يكون حسنا فكيف تثبت له صفة زائدة على الحسن وجميع ما ذكرناه فى كلامهم يمكن.
(1/148)

إخراجه على طريق السؤال على هذه الطريقة وسنجيب عن الكل.
واحتج بعض أصحابنا بأن النهى ضد الأمر ويقتضيه والأمر يدل على إجزاء المأمور به فيجب أن يدل المنهى على عدم اجزائه وإلا لم يكن ضده ولا يقتضيه وقد قالوا: على هذا أن الأمر لما دل على أجزاء المأمور به فالنهى الذى هو ضده لا يدل على إجزاء المنهى عنه فقد ثبتت المخالفة والمضادة من هذا الوجه ونحن وأن قلنا أن المنهى عنه يجزىء فلا نحكم لإجزائه لمكان النهى وقالوا: على قولنا أن المنهى عنه لو كان مجزئا لكان طريق الشرع والشرع أما إيجاب أو ندب أو إباحة والنهى نفى جميع هذا.
قالوا: لا يمتنع أن يثبت الإجزاء مع انتفاء هذه الوجوه.
ألا ترى أنه يجوز أن تقول إذا فعلتم ما نهيتكم أجزأكم عن الغرض أو نقول إذا بعتم ما نهيتكم عنه وقع به الملك فإذا جاز هذا تصريحا جاز وأن لم يصرح به.
ونحن نجيب عن هذا فنقول ما قلتم من التصريح على ما قلتم لا يجوز وأن ورد على ذلك فيكون النهى [مجازا] 1 ولا يكون له حقيقة وإذا ثبت هذا الأصل الذى قلناه خرجت عليه المسائل من مسألة البيع الفاسد ومسألة صوم يومى العيد وأيام التشريق وقد ذكرنا وجه ذلك فى الفروع.
وأما الجواب عن كلماتهم أما الأول فقد قسموا وقالوا: النهى يدل على فساد المنهى عنه بصيغة النهى وبمعناه أو شرعا هذا تقسيم باطل لأنا بينا وجه فساد المنهى عنه فينبغى أن يكون الكلام على ذلك ويمكن أن يقال بصيغته لأن صيغته تدل على عموم المشروعية لأن المشروعية [بأمر وإباحة] 2 والنهى نفى ذلك ويمكن أن يقابل بمعناه لأنه قد دل النهى على قبح المنهى عنه وحظره وهذا مضاد للمشروعية.
وقولهم يجوز أن يكون الشىء مشروعا من وجه ومحظورا من وجه.
قلنا قد ورد النهى عن نفس الشىء مطلقا فصار محظورا مطلقا وإذا صار محظورا مطلقا لم يبق مشروعا بوجه ما.
وقولهم أن النهى ليس إلا طلب الكف عن الفعل قلنا بلى ولكن قد دل على الفساد بالوجه الذى قلنا.
__________
1 ثبت في الأصل [مجاز] بالرفع.
2 ما بين المعكوفين غير مقروء في الأصل.
(1/149)

والأولى أن لا ندعى الفساد بصيغة النهى لكن نقول إنما جاء الفساد من حيث معنى النهى وذلك المعنى على ما سبق.
وأما قولهم أن معنى الفاسد كذا ومعنى الجائز كذا.
قلنا قد قام الدليل أن القضاء يجب بأمر جديد فكيف يكون معنى الفاسد مع أنه يجب قضاؤه والقضاء لا يجب بالأمر الأول بحال وليس هذا بشيء.
وقولهم أنه يجوز أن النهى عن الشىء لنوع مفسدة تتصل بالمفعول وأن كان هو فى نفسه جائز.
قلنا النهى عن نفس الشىء لا يكون إلا لمفسدة فى عينه فلا يتصور أن يكون جائزا وهذا لأنه إذا ورد النهى عن نفس الشىء فإن كان عبادة انتفى منه التعبد وأن كان من عقود المعاملات انتفى منها الإطلاق والإباحة وما لا يكون مباحا لا يكون مشروعا وإذا لم يكن مشروعا لم يبن عليه حكم الشرع.
وأما قولهم أن النهى صيغة لغوية والجواز والفساد شرعيان.
قلنا وأن كان النهى لغة لكن عرفنا أن أهل اللسان عقلوا أن ذلك لما لا يتصل به المطلوب بالفعل والأمر لما يتصل به المطلوب بالفعل ثم قد ذكرنا أن النهى إنما نفى الشرع بالوجه الذى سبق ذكره.
وأما المسائل التى تعلقوا بها فنقول أولا أن الأصول الممهدة من الشرع لا تنتقض لأنه ما من أصل من أصول الشرع إلا وقد وجدنا له موضعا فى الشرع مخالفا له غير أن ذلك لا يعد نقضا لذلك الأصل المشروع الموضوع وإنما عدل فى ذلك الموضع عن ذلك الأصل بدليل يقوم عليه من إجماع ونص أو غير ذلك.
ببينة: أن النهى فى اقتضاء الفساد كهو فى اقتضاء التحريم وقد يعدل به من التحريم إلى التنزيه ولا يخرج النهى من أن يكون دالا على التحريم فكذا تصور النهى فى بعض المواضع عن الفساد لوجود القرائن المانعة من الفساد لا يدل على أن النهى فى وضعه لا يدل على الفساد وأمثال هذا يكثر ثم نقول أن النهى إذا ورد عن نفس الشىء حقيقة فلا بد أن يوجب فساد المنهى عنه.
فأما إذا كان النهى واردا عن نفس الشىء لكن عن معنى آخر غيره وأضيف إلى الشىء مجازا عن ذلك المعنى فإنه لا يوجب فساد المنهى عنه وعلى هذا تخرج المسائل أما الصلاة فى الأرض المغصوبة فالنهى ليس عن الصلاة لكن عن شغل أرض.
(1/150)

الغير وهذا يوجب النهى عن التعدى فى أرض الغير بلا صلاة وقد بينا هذا فيما سبق فلا نعيد وكذلك الطلاق فى حال الحيض فإن النهى ليس لنفس الطلاق لكن لإلحاق الضرر بالمرأة ولهذا يوجد الطلاق فى حال الحيض ولا يكره إذا لم يؤد إلى الضرر وهو أن يطلق فى حال الحيض قبل الدخول وكذلك الوطء فى حال الحيض إنما نهى عنه لا لنفس الوطء [بل] 1 لمباشرة الأذى وقد ورد النص بهذا المعنى وعلى هذا البيع وقت النداء إنما نهى عنه للاشتغال به عن السعى إلا ترى [أنه] 2 لو اشتغل بشىء آخر غير البيع كان النهى متناولا إياه وأما فى سائر ماورد به النهى فقد تناول نفس الشىء فإن النهى عن البيع بالخمر نهى عن نفس البيع وكذلك بيع الدرهم بالدرهمين وكذلك النكاح بغير شهوة وعلى هذا النهى عن صوم يومى العيد وأيام التشريق بدليل أنه لا يتصور وجود النهى إلا عند نقل هذه العقود.
والحرف أنه لا يتصور ارتكاب البيع بالخمر إلا عند مباشرة بيع الخمر ولا يتصور ارتكاب الربا إلا عند بيع الدرهم بالدرهمين وكذلك فى البيع بشرط فاسد لا يوجد ارتكاب ذلك النهى إلا عند وجود البيع وكذلك فى صوم يومى العيد لا يوجد ارتكاب النهى إلا عند فعل الصوم بالنية مع الإمساك حتى لو أمسك ولم ينو الصوم فإنه لا يكون مرتكبا للنهى وفى المسائل التى أوردها يتصور ارتكاب النهى من غير وجود تلك العقود أصلا وهذا جواب معتمد فى غاية الظهور وفيه غنى عن خبط كثير من الأصحاب فيها وأما الإحرام مجامعا فينعقد لا على ما ينعقد إذا أحرم من غير مجامع لأنه ينعقد فاسدا ولأنه لا يفيد المقصود من الخروج عن المفروض عليه والنقص عن عهدته فليكن سائر العقود الفاسدة كذلك النهى لا يفيد المطلوب من الملك فى البيع والحل فى النكاح والخروج عن عهدة النذر فى صوم يومى العيد وأيام التشريق خلاف ما يقوله الخصم فإنهم قالوا: إذا نذر صوم هذه الأيام وفعلها خرج من عهدة النذر فإن قالوا: أليس قد انعقد الإحرام مع هذا كله فهلا قلتم أنه لا ينعقد أصلا قلنا انعقاده على الفساد وإلزامه أفعاله يجرى مجرى نوع معاقبة من الشرع والمؤأخذات من الشرع على أنواع فيجوز أن يقال يكون هذا الأصل وإيقاع المرء فى عهدة أفعال الحج ليفعلها ولا يسقط بها الحج عن ذمة ولا يثاب على فعلها نوع معاقبة من الله تعالى له.
__________
1 زيادة يستقيم بها المعنى.
2 ريادة ليست في الأصل.
(1/151)

لارتكابه النهى وفعله الحج على وجه المعصية فلم تدخل هذه المسألة على الأصل الذى قلناه.
وأما طريقة أبى زيد فاعلم أن معتمده فى طريقته هو أن النهى لا يتحقق إلا مع تصور المنهى عنه فقد قال الأصحاب أنه متصور لولا النهى فلتصوره لولا النهى صح النهى والنهى يعمل عمله على ما قدمناه ويمكن أن يعبر عن هذا فيقال أن النهى لإعدام الشىء شرعا لا لإعدامه حسا فلما أنه متصور حسا صح النهى عنه ولما أن النهى قضيته نفى المشروعية عن المنهى عنه على ما سبق انعدم شرعا.
وقولهم أن المنهى عنه هو الصوم المعلوم والبيع المعلوم فى الشرع وأما مجرد الإمساك فليس بصوم ولو كان صوما فهو صوم لغة لا شرعا فوجب الحكم بتصور الصوم حقيقة والبيع حقيقة حتى يصح النهى وجوز الأصحاب من هذا ما قلناه أنه قد يتصور لولا النهى فهذا لا يدفع الإشكال فليس مما يقنع به الخصم ويمكن أن يجاب فيقال الصوم الذى هو فعل العبد ليس إلا النية مع الإمساك وهذا متصور من العبد وقد صح النهى لتصوره منه وأما خروجه عن كونه صوما شرعا ليس لمعنى من قبله لكن لعدم إطلاق الشرع ذلك أو يقال لعدم قبول الشرع إياه لنهيه عنه والصوم لا يكون صوما إلا بفعل العبد واتصال أمر الشرع به فصار المفعول صوما من حيث النظر إلى فعل العبد وصح النهى لذلك ولم يكن صوما من حيث النظر إلى إطلاق الشرع كذلك أوامره به وليس غرض الحكيم من كلامه إلا تحصيل النهى فإذا تحقق النهى بما قلناه حتى إذا ارتكبه كان عاصيا لارتكابه النهى فاعلا ما منع منه وحظر عليه والمنهى عنه ما يعاقب على فعله وقد وجد بما فعله العبد على وسعه وطاقته وليس فى وسعه الصوم إلا بهذا الذى وجد منه وإذا ثبت تحقق النهى يسقط ما قالوه جملة وهذا لأن الصحة والفساد معنيان متلقيان من الشرع وليس إلى العبد ذلك وإنما العبد ذلك إيقاع الفعل باختياره فإن وقع فعله على وفق أمر الشرع صح شرعا وانبنت عليه الأحكام الشرعية وإذا وقع على خلاف أمر الشرع كان الأمر باطلا ولم يبتن عليه الأحكام الشرعية ولهذا أبطلنا صوم الليل مع تحقق الإمساك الحسى فيه عن المفطرات وكذلك إمساك المرأة عن المفطرات فى حال حيضها متحقق حسا وصورة ولكن لما لم يوافق أمر الشرع لم يثبت له الحقيقة الشرعية.
ونقول أيضا ذكر الصوم والبيع وغير ذلك فى النهى ليس لتحقيق هذه العقود.
(1/152)

ولكن ذكرها لتعريف مايعمل فيه النهى من الإبطال الشرعى وهذا كالنهى عن بيع الحر وعن بيع الخمر وعن بيع الملاقيح والمضامين [و] 1 ليس ذلك لتحقيق البيع ولكن لتعريف ما وقع القصد إلى إفساده وإبطاله.
وإن قالوا: فالصوم والبيع لا يكون منهيا عنه إذا قلنا هو منهى عنه لأن عمل النهى ظهر فيه من فساده وإبطاله ولكن ذكره لم يدل على تحقيقه فى نفسه لأنه لتعريف ما يبطل ويفسد على ما ذكرنا وأما كلامهم على فصل القبح والحظرية فضعيف جدا ومتى سلم أن المفعول محظور لا بد أن يخرج عن كونه مشروعا وقولهم محظور من وجه مشروع من وجه.
قلنا هذا محال لأن الحظرية بالنهى والمشروعية بإطلاق الشرع وإذا لم يتصور اجتماع المنع والإطلاق فى شىء واحد لم يتصور أيضا اجتماع حكمهما فيه.
وأما وطء أحد الشريكين الجارية المشتركة.
فنقول أنه محظور من كل وجه إلا أنه سقط الحد وثبت النسب لوجود الملك فى بعض الجارية لوجود حق الملك للأب فثبت ما ثبت من سقوط الحد وثبوت النسب لوجود نفس الملك أو لوجود نفس حق الملك لا لأجل أن الوطء صار مشروعا من وجه وكذلك الوطء فى النكاح الفاسد لا نقول أنه مشروع بوجه إذا سقط الحد وثبت النسب لاختلاف العلماء.
وفى مسألة ما إذا زفت إليه غير امرأته لأجل الاشتباه الذى وجد فيه وهذا لأنه لما أقدم على الوطء على قصد أنه حلال له وهو موضع يشتبه فيه الأمر فلم يستحق عليه الحد الذى هو عقوبة وثبت النسب احتياطا فهذا وجه الكلام فى هذه المسألة وقد بسطنا الكلام فيها زيادة بسط لوقوع الحاجة إليه فى كثير من المسائل والله المرشد للحق والهادى إلى الإصابة بمنه وعونه تم باب الأوامر والنواهى.
وقد قال بعض أصحابنا أن النهى يكون بمعنى النفى فى كثير من المواضع وضرب لذلك أمثلة غير أن ذلك غير مرضى فى هذه المسألة لأنه يؤدى إلى الحكم بكون المنهى مجازا فى نفسه إذ النهى والنفى بابان مختلفان وإنما ينبغى أن نتكلم فى هذه المسألة مع تبقية النهى على حقيقته وقد ذكرنا بغاية المجهود بعون الله وتوفيقه.
__________
1 سقط من الأصل.
(1/153)

القول في العموم والخصوص
مدخل
...
القول في العموم والخصوص.
اعلم أن الكلام العام هو كلام مستغرق لجميع ما يصلح له هذا هو المعقول من كون الكلام عاما.
ألا ترى أن قولنا الرجال مستغرق لجميع ما يصلح له لأنه يستغرق الرجال دون غيرهم إذا كان لا يصلح لغيرهم وكذلك لفظة من فى الاستفهام نحو قول القائل لغيره من عندك فلأنها تستغرق كل عاقل عنده ولا يتعرض لغير العقلاء ولا لعقلاء ليسوا عنده لأنها لا تصلح فى هذه المواضع لهم وكذلك قولنا كل تستغرق كل جنس يدخل عليه ولا يتناول من لا يدخل عليه لأنه لا يصلح له.
وقد قال بعض أصحابنا العموم كل لفظ عم شيئين فصاعدا وقيل ما استقل لفظه بنفسه ولا يشتمل على مسميات بجنسه وقد يستعمل فى شيئين ويستعمل فى جميع الجنس.
أما الأول فكقولك عممت زيدا وعمرا بالعطاء.
وأما الثاني فكقولك عممت الناس بالعطاء وإذا عرف حد العموم فتبين أولا إثبات الصيغة للعموم فى اللغة والشريعة ثم نذكر عقبه ما يتلوه من الفصول المذهبية والمسائل الخلافية أن شاء الله تعالى.
مسألة للعموم صيغة مقتضية استيعاب الجنس لغة وشرعا.
وهذا قول جملة الفقهاء وكثير من المتكلمين.
وقال أبو الحسن الأشعري ومن تبعه أنه ليس للعموم صيغة موضوعة في اللغة والألفاظ التى ترد فى الباب تحتمل العموم والخصوص فإذا وردت وجب التوقف فيها حتى يدل الدليل على ما أريد بها1.
__________
1 اعلم أن هذه المسألة هي المعنون عنها في كتب الأصول بأنه هل صيغ العموم حقيقة في العموم؟ فالعلماء الذين يعتد برأيهم اتفقوا على أن صيغ السابقة تستعمل في العموم واختلفوا هل استعمال هذه الصيغ في العموم حقيقة أو مجاز على خمسة أقوال:
أحدها: الصيغ حقيقة في العموم مجاز في الخصوص - وإلى ذلك ذهب الشافعي وجمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء واختاره ابن الحاجب والبيضاوي......=
(1/154)

وتعلق من ذهب إلى ذلك بوجوه من الكلام أقواها فى الجدال قولهم أنه لو كان للعموم صيغة موضوعة لكان ذلك معلوما إما بالبديهة أو بإخبار الواضعين كذلك لنا أما بمشافهة أو بنقل عنهم أما بالتواتر أو بالآحاد أو أن يكون طريق ذلك الشرع.
قالوا: وليس الخلاف معكم فى أن ذلك معلوم شرعا لأنكم تدعون العلم بالاستغراق من جهة اللغة قبل الشرع ومعلوم أن العلم فى ذلك ليس من حيث البديهة وما شاهدنا الواضعين ليشافهونا بذلك ولو تواتر النقل عنهم باستغراق ألفاظ العموم كعلمنا من ذلك كما علمتم وأخبار الآحاد ليست بطريق العلم فبان أنه لا طريق إلى العلم باستغراق ألفاظ العموم.
وقالوا: أيضا هذه الألفاظ التى يدعون فيها الاستغراق تستعمل فى الاستيعاب وفيما دونه على وجه واحد فإنها ترد والمراد منها البعض وترد والمراد منها الكل وليس حملها على أحدهما بأولى من حملها على الآخر فوجب التوقف كما تقول فى الأسماء المشتركة من اللون والعين وغير ذلك بل هذه الألفاظ تستعمل فى أكثر هذه المواضع إلا فى البعض دون الكل.
ألا ترى أنه يقال أغلق الناس أبوابهم وفتح الناس حوانيتهم وافتقر الناس وجاع الناس وجمع السلطان التجار وغير هذا والمراد من كل ذلك البعض دون الجميع ولو كان اللفظ حقيقة فى العموم لكان أكثر كلام الناس مجازا ببينة أنه إذا ثبت استعمال الناس لهذه الألفاظ فى الخصوص فالظاهر من استعمال الاسم فى الشىء أن يكون حقيقة فيه إلا أن يمنع مانع من كونه حقيقة فيه وإذا كان حقيقة فى البعض وحقيقة فى الاستيعاب كان الاسم من الأسماء المشتركة وقالوا: أيضا لو كان لفظ العموم للاستيعاب والاستغراق لكان الاستثناء منه نقصا ورجوعا.
__________
= والثاني: الصيغ حقيقة في الخصوص مجاز في العموم.
والثالث: صيغ العموم مشترك لفظي بين العموم والخصوص - وهو أحد قولين للأشعري.
والرابع: الوقف وعدم الجزم لشيء مما سبق من الحقيقة أو المجاز وهو القول الثاني للأشعري ومختار القاضي أبي بكر الباقلاني.
والخامس: صيغ العموم حقيقية في العموم في الأوامر والنواهي ولا يدرى أهي حقيقة في العموم أو مجاز فيه إذا كانت في الأخبار انظر نهاية السول 2/395 البرهان 1/32 المستصفى 2/35 إحكام الأحكام 2/293 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/209, 210.
(1/155)

فإن قلتم لم يكن نقصا وقبيحا نقول لو لم يكن قول القائل ضربت كل من فى البلد إلا بنى تميم نقصا وقبيحا لكان قوله ضربت كل من فى الدار لم أضرب كل من فى الدار غير قبيح ولا مناقصة وحين كان نقصا وقبيحا كان الأول نقصا وقبيحا وربما تعلقوا بالاستثناء من وجه آخر فقالوا: لو كان لفظ العموم يستغرق لجرى للاستثناء منه مجرى أن يعدد الإنسان أشخاص الجنس ثم يستثنى منه شخصا نحو أن يقول: رأيت زيدا رأيت عمرا رأيت خالدا هكذا إلى آخره ثم نقول إلا زيدا فإذا قبح هذا وجب أن يقبح الأول لأنهما فى المعنى واحد على زعمكم ولما حسن الاستثناء علمنا أن لفظ العموم غير مفيد للشمول.
وقالوا: أيضا لو كان لفظ العموم مستغرقا لكل الجنس لما حسن أن يستقيم المتكلم به لأن الاستفهام طلب الفهم وطلب فهم ما قد فهم بالخطاب عبث ومعلوم أن الإنسان إذا سمع رجلا يقول: ضربت كل من فى الدار فإنه يحسن منه أن يقول: ضربتهم كلهم أجمعين وأن يقول: ضربت زيدا فيهم وفى حسن ذلك دليل على ما قلناه كما سبق وكذلك يحسن التأكد وإذا أفاد الشمول لما حسن لأن التأكيد يفيد ما أفاده المؤكد وذكروا شبهة فى لفظ من قالوا: لو كان لفظ من يفيد الاستغراق لاستحال جمعه لأن الجمع يفيد أكثر مما يفيده المجموع وإذا كان لفظ من قد أفاد الاستيعاب عندكم فلا يتصور أن يفيد جمعه شيئا زائدا فينبغى أن لا يصح جمعه وحين صح جمعه دل أن لفظ من لا يفيد الاستيعاب بنفسه والدليل على وجود الجمع فى كلمة من قول الشاعر:
أتوا [بابى] 1 فقلت: [من] 2 أنتم ... فقالوا: الجن قلت: عموا ظلاما
قالوا: ولأن اللفظ الذى يقولون لو كان يفيد العموم وجب إذا حمل على الخصوص أن يكون مجازا لأنه يكون مستعملا فى غير ما وضع له واللفظ إذا استعمل فى غير ما وضع له يكون مجازا كسائر الألفاظ التى استعملت فى غير ما وضع لها وربما يقولون ينبغى أن لا يجوز تخصيص العموم الوارد فى الكتاب بالسنة لأنه إسقاط بعض ما يثبت بالكتاب والسنة أو القياس فينبغى أن لا يجوز كما لا يجوز النسخ وحين جاز دل على ما قلناه.
__________
1 ثبت في الأصل "باري".
2 ثبت في الأصل "منون".
(1/156)

وأما حجة القائلين بالصيغة للعموم قوله تعالى فى قصة نوح عليه السلام: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} [هود: 45] فأخبر الله تعالى عن نوح أنه تعلق بعموم اللفظ ولم يعقب ذلك بنكير بل ذكر جوابه له أنه ليس من أهلك أنه عمل غير صالح فدل أن مقتضى اللفظ العموم وأن له صيغة يتعلق بها فى الحجة وأيضا فإنه روى أنه لما نزل قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الانبياء:98] قال عبد الله بن الزبعرى خصمت محمدا ورب الكعبة فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قد عبدت الملائكة وعبد المسيح فإن دخلوا النار فنحن ندخل كما دخلوا فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} 1 [الانبياء:101] فاحتج على النبي صلى الله عليه وسلم بعموم اللفظ إلى أن أخبر الله تعالى أن الملائكة والمسيح غير داخلان فى عموم اللفظ ولو كان اللفظ لا يقتضى العموم لما احتج به ولكان إذا احتج به أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولأن الله تعالى أخبر أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام فقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} [الأعراف: 11] ثم أخبر ما قال لإبليس بترك السجود ورد الأمر وهو قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ} [صّ: 75] وقال: {فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13] فلما أخبر تعالى عن مبادرة الملائكة إلى السجود دل أنهم عقلوا من مطلق اللفظ الشمول إذ لولاه لتوقفوا ولم يبادروا ولأن إبليس لما امتنع عن السجود واستكبر وعاقبه الله تعالى وطرده لم يقل معتذرا إنى لم أعرف دخولى فى اللفظ فإن الكلام للعموم والشمول بل عدل إلى شىء آخر فقال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] فهذه القصة من أولها إلى آخرها تدل أن للأمر والنهى والعموم والخصوص صيغة معلومة وقضية مفهومة لا يجوز خلافها بمطلق اللفظ وبمحض الصيغة.
ويدل عليه أن إبراهيم عليه السلام لما سمع من الملائكة قولهم: {إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} [العنكبوت: 31] عقل منه العموم ولذلك خاف الهلاك على لوط فقال: {إِنَّ فِيهَا لُوطاً} [العنكبوت: 32] ولم يسكن قلبه حتى أخرج الملائكة لوطا وأهله من المهلكين بضرب تخصيص واستثناء فقالوا: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ} [العنكبوت: 32] .
__________
1 عزاه الحافظ السيوطي إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن مردويه انظر الدر المنثور 4/338.
(1/157)

الآية فهذه الآيات دلائل معتمدة وبراهين ظاهرة ونهاية ما يقولون على هذه الألفاظ هو أن هذه الألفاظ محتملة للعموم عندنا وأن لم يكن للعموم صيغة ولأجل الاحتمال حسن موردها وصح السؤال والجواب عن ما ذكرتم فيها ونحن نقول على هذا لو كان فى هذه الألفاظ مجرد الصلاحية للعموم لأنها صيغة فيها لكان السؤال بطريق الاستفهام وهو أن يقول القائل فى هذه القصص الواردة فى الكتاب كلها هل دخل فلان فى الخطاب أو لا ثم إذا عرف الدخول يبنى عليه ما يقوله.
فإن قالوا: أن هذه الألفاظ حملت على العموم لا بصيغتها لكن لقرائن اقترنت بها.
قلنا لا قرينة تعرف وإنما وجد مجرد اللفظ عريا عن الدلائل فمن زاد على القرائن فعليه البيان وقد استدل الأصحاب أيضا بما نقل عن الصحابة من الاحتجاج بالعمومات فى مسائل كثيرة غير أن فيما ذكرناه من الاحتجاج بالآيات غنية وكفاية.
ونستدل فى إثبات ألفاظ العموم فى اللغة فنقول.
الاستغراق معنى ظاهر لكل أحد والحاجة تمس إلى العبارة عنه ليفهم السامع أن المتكلم أراده فجرى هذا مجرى السماء والأرض والفرس والحمار وما أشبه ذلك فى ظهوره بين الناس ومسة الحاجة إلى العبارة عنها فكما لم يجر مع هذا الداعى الذى هو داعى الحاجة أن تتوالى الأعصار بأهل اللغة ولا يضعوا لهذه الأشياء أسماء تختص لكل واحد منها مع أنهم قد وضعوا الأسماء للمعانى ووضعوا للمعنى الواحد أسماء كثيرة كذلك لا يجوز أن لا يضعوا للاستغراق أسماء مختصة وليس يجوز من أمة عظيمة فى أعصار مترادفة أن يضعوا الأسماء الكثيرة للمعنى الواحد ولا يضعون لمعنى ظاهر تشتد إليه حاجة الناس أسماء تخصه.
فإن قيل ليس بممتنع أن يتفق ذلك من الأمم العظيمة أليس العرب مع كثرتهم لم يضعوا للفعل الحال عبارة تخصه دون الفعل المستقبل ولا وضعوا للاعتماد سفلا ولا للاعتماد علوا ولا للكون الذى هو يمنة أو يسرة عبارة ولا وضعوا لرائحة الكافور أو رائحة العنبر أسماء تخصها والحاجة إلى ذلك شديدة والأمر فى ذلك ظاهر ثم قالوا: لا حاجة بالمتكلم إلى وضع لفظ الاستغراق لأنه يمكن للمتكلم أن يعدد الأشخاص الذين يريد أن يعلمهم بالذكر واحدا واحدا.
قالوا: ولأنهم يمكنهم أن يعبروا عن الاستغراق ويذكروه بلفظه مع قرينة وشاهد.
(1/158)

حال أو يدلوا على الاستغراق بالتعليل بأن يقول: كل من دخل دارى ضربته لأنه دخل دارى فيعرف بالتعليل أنه يريد أن يعم كل من دخل الدار.
والجواب أما الأول فلا يصح لأن الأشياء التى ذكروها غير ظاهرة فيجوز أن لا يضعوا لها عبارات تخصها بخلاف معنى العموم والشمول والمعتمد من الجواب أن تلك الأشياء أن لم تكن لها أسامى مفردة فلها أسامى مركبة.
وبيانه أنه يقال اعتمد سفلا واعتمد علوا أو يقال قال يمنة أو يسرة ويقال رائحة الكافور ورائحة العنبر إلى سائر الروائح ويقال فى الماضى ضرب زيدا وفى المستقبل يضرب زيدا وهذا بخلاف ما تنازعنا فيه لأنه ليس عند خصومنا فى اللغة كلام موضوع ولا مركب منبىء عن الاستغراق من غير قرينة ولا دلالة.
وأما قولهم أنه يعد الأشخاص واحدا واحدا.
قلنا هذا يطول وسبق فلا يجوز المصير إلى مثل هذا.
وقولهم أنه يفيد العموم والشمول بقرينة أو أمارة أو دلالة.
قلنا يبعد أن تضع العرب للشىء الواحد عددا من الأسامى ثم يكتفون فى معنى الشمول والعموم بقرينة أو بإشارة مع اتساع العبارات وضيق القرائن والأشارات وعلى أن العلم من حيث الدلالة أو الإشارة ليس مما يصلح لجميع الناس بل هو شىء خاص يقع للبعض دون البعض فلا يجوز أن يقع الاقتناع به فى مثل هذا المعنى الظاهر وكذلك الجواب عن التعليل الذى ذكروه وعلى أنه ليس كل معنى يعرف علته حتى يعلل بها.
ألا ترى أن الإنسان إذا أراد أن يخبر بأن كل من فى الدار نائم أو ضارب أو آكل وغير ذلك مما لا يحصى كثرة لم يعرف لذلك علة حتى يعلل بها.
قالوا: إنما يصح هذا الدليل الذى ذكرتم أن لو كانت الأسماء مواضعة من أهل اللسان وأما الأسماء توقيف فليس يوجد فيها هذا الدليل.
قلنا ومن يسلم لكم أن الأسماء توقيف وعلى أنا نقول الأسماء بعضها على التوقيف وبعضها على الوضع وهذا هو الأولى فينبغى إذا لم يوجد فى شىء توقيف واشتدت حاجتهم إلى وضع اسم له أن يضعوا كلاما يكون أسماء له كما أن من أحدث آلة جديدة يجوز أن يضع اسما لها ومن ولد له ولد يجوز أن يضع اسما له فالشخص الواحد إذا جاز له ذلك فالأمم الكبيرة بذلك أولى.
(1/159)

دليل آخر أن اللغة فائدتها إفهام المراد بالخطاب لأن المتكلم يعلم ما فى نفسه وأن لم ينطق لسانه وإنما يريد بكلامه إفهام غيره والإبانة له عن المراد الذى فى نفسه فما كان كذلك وجدنا أهل اللغة وأرباب اللسان استعملوا فى أبياتهم ألفاظا تعارفونها ووضعوا لكل شىء أرادوا الإبانة عنه سمة ورسموا لكل معنى منه رسما يعلم به المراد ويقع به التمييز بين الشىء وضده فلا يجوز إبطال ما أصلوه منها وإزالته عما وضعوه عليه وحمل ألفاظهم على ما يؤدى إلى التعرى عن الفائدة كما لم يجز ذلك فيما وجد فى أوائل كلامهم من مفرد إلى الأسماء والحروف التى هى أدوات الكلام فهذه الأسماء المفردة والحروف التى هى أدوات كلها مقيدة والأسماء المركبة وكذلك الأفعال مبنية من الأسماء المفردة ومردودة إليها وخالفوا بين السمات وزادوا ونقصوا من الحروف وفاوتوا بين جهات الإعراب لاختلاف ما يوجد تحتها من المراد وقد قالوا: فى باب الأسماء رجل وفى التثنية رجلان وفى الجمع رجال وقالوا: فى المشتق مشرك ومشركان وقالوا: فى أبنية الأفعال للواحد فى باب الأمر افعل وللاثنين افعلا وللجمع افعلوا وكما قيل فى الإخبار عن الفعل الماضى فعل وفى المستقبل يفعل وفيما يدخله التراخى سيفعل وقالوا: فيما يستدعيه من فعل غيره استفعل وقالوا: فيما تكلفه من الفعل من غير مطاوعة تفعل فلكما خالفوا بين الشىء والشىء فى القصد خالفوا بين المصارف فى الشكل والهيئة لنعلم أنهم لم يضعوا قسمة الألفاظ إلا على قسمة المعانى ولم يرتبوا هذه الأسماء إلا على مراتب المسميات وإذا تقرر ما ذكرناه فكان الأمر فى هذا مشهورا عند أهل المعرفة باللغة وبأن من قال للفظ الجمع الذى ذكروه فى الأسامى والأفعال معنى.
وقالوا: تناوله للعدد الشامل للجنس وللبعض من ذلك أو للواحد والاثنين على وجه واحدا فقد رام الجمع بين ما فرقوا والتفريق بين ما جمعوا وحمل بعضها على البعض مع التفريق من أهل اللسان ومن رام هذا فقد رام قلب اللغة وإبطال البيان وإيقاع العلم فى اللبس والتشكيك وهذا فاسد قطعا بلا إشكال ولا مرية.
قالوا: إذا لم يدع قلب اللغة ولا زعمنا أنه لا بيان فى حملها لكن قلنا أن هذه الألفاظ التى ادعيتم لها العموم محتملة فى وضعها معرضة أن يكون المراد بها الشىء وغيره فإنها توجد والمراد بها العموم والاستغراق وتوجد أخرى والمراد بها الخصوص والإفراد فإذا كان كذلك لم يجر القضاء عليها بأحد وجهى الاحتمال إلى أن يقوم عليها.
(1/160)

دليل المراد وهذا كسائر الأسماء المشتركة.
قلنا قد بينا أن العرب لم تقسم الألفاظ إلا على قسمة المعانى ووجدنا صيغة للعموم صيغة امتاز بها عن صيغة الخصوص ومراتب الأسماء مبنية على مراتب المسميات فلا بد لها من معنى يمتاز بها عن غيرها وقد وجدنا لها ظاهرا يهيأ العلم به فلم وجب التوقف فيه مع وجود سمة امتازت بها عن غيرها من السمات ووضوح دلالة منها يصلح اللفظ لها فهل هذا إلا ضرب الأسماء فى بعضها ببعض وتعكيس اللغة ودفع البيان منها وأما الأسامى المشتركة فهى ألفاظ معدودة وكلمات يسيرة كقولهم حيوان ولون وعين وأمثال ذلك وليس إذا لم يوجد فى اللغة إلا أشياء يسيرة ظاهرة تصار إليه ومعان متعينة لها ما يجب أن تتوقف عن سائر الأشياء التى لها ظواهر معلومة ودلائل معروفة ولهذا إذا ذكر الحيوان واللون والعين لم يتبادر إلى الفهم شىء من معانيها المشتركة دون شىء بل يكون فى موقف واحد من التسابق إلى الفهم والبدار إلى المراد وأما لفظ العموم فيتبادر منه إلى الفهم الشمول والاستغراق وهذا شىء تبين لا خفاء به أصلا.
دليل آخر أن القائل إذا قال من دخل دارى ضربته حسن أن يستثنى منه كل عاقل شاب والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله تحته فإذا لولا الاستثناء لوجب دخول كل عاقل تحت لفظة من فلو كانت لفظة من غير مقتضية للشمول والاستغراق لما وجب دخول كل عاقل تحتها ولما صح الاستثناء منها هذا دليل معتمد قالوا: ما أنكرتم أن يكون الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لصلح دخوله تحته فعلى هذا صح استثناء كل عاقل لأنه يصلح دخوله كل عاقل تحته لأنه دخل تحته حقيقة.
والجواب أنه لو جاز الاستثناء بهذا الوجه لحسن أن نقول اضرب رجلا إلا زيدا أو رأيت رجلا إلا زيدا لأن كل رجل يصلح دخوله تحت قوله ضربت رجلا فقد صلح دخول زيد فى اللفظ ولم يصح استثناؤه فدل أن الاستثناء إنما يصح فى مسائلنا لدخول المستثنى منه تحته حقيقة نبين ما قلناه أن الاستثناء يحسن دخوله فى العشرة مثل أن يقول القائل لفلان على عشرة إلا واحدا واثنين وإنما حسن دخوله على العشرة لأنه أخرج منها ما لولاه لدخل فيها.
ألا ترى أنه لا يحسن استثناء كلها ولا استثناء ما لم يدخل تحتها فكذلك هاهنا لما حسن الاستثناء بأن نقول أعط من دخل دارى إلا الطوال منهم وكان هذا الاستثناء.
(1/161)

حقيقة عرفنا قطعا أن المستثنى كان داخلا تحت الفظ المذكور وأما تعلقهم فى حجتهم بفصل الاستثناء.
وقولهم أنه لو كان اللفظ الوارد فى العموم للاستيعاب والاستغراق لكان الاستثناء نقضا ورجوعا.
قلنا لا يكون نقضا ولا رجوعا لأن ظاهر العموم عنده الاستغراق إذا تجرد عن الاستثناء أو ما يجري مجراه وإذا استثنى فلم تجرد.
ونقول أيضا أن لفظ العموم يقتضى استغراق ما دخل عليه وإذا كان معه استثناء فهو داخل على ما عدا المستثنى ولا جرم هو مستغرق له.
وأما قولهم أنه إذا عدد أشخاصا ثم استثنى شخصا واحدا منهم لا يجوز فيجب أن يكون اللفظ العام كذلك.
قلنا هذا كما يلزمنا يلزمكم لأنكم تقولون أن لفظ العموم حقيقة فى الاستغراق وحقيقة فى البعض لأنه اسم مشترك يتناول الكل ويتناول البعض فيكون حقيقة فيها مثل اللون والحيوان ثم قلتم إذا أراد الاستيعاب واستثنى يصح ولو أنه عدد الأشخاص ثم أنه استثنى لا يصح وهذا لأن الاستثناء إنما يحسن فى لفظ واحد يشمل أشخاصا ثم يستثنى بعض الأشخاص فأما إذا تعدد الألفاظ فيصير كل لفظ كالمنفرد عن صاحبه فإذا استثنى فيكون كأنه استثنى الكل من الكل وهذا لا يجوز لأن الاستثناء حقيقة هو استثناء البعض من الكل.
دليل آخر وهو أن أهل اللغة فرقوا بين العموم والخصوص وجعلوا أحدهما فى مقابلة الآخر فقالوا: مخرج هذا اللفظ العموم ومخرج هذا الخصوص كما فصلوا بين الأمر والنهى وكما وجب أن يكون لكل واحد منهما لفظ يخصه فكذلك العموم والخصوص يدل عليه أنهم خالفوا بين تأكيد العموم والخصوص وجعلو تأكيد أحدهما مخالفا لتأكيد الآخر فقالوا: رأيت زيدا نفسه ولم يقولوا رأيت زيدا أجمعين وقالوا: رأيت القوم أجمعين ولم يقولوا رأيت القوم نفسه وكما أن تأكيدهما مختلفان فكذلك وجب أن يختلفا لأن من حق التأكيد أن يطابق المؤكد.
واعلم أن الفقهاء والمتكلمين قد استكثروا من الدلائل فى هذه المسألة غير أنا اقتصرنا على أعداد منها معتمدة وأصح الدلائل الدليل الأول من الآيات والدليل الثانى من حيث اللغة والدليل الثالث من حيث صحة الاستثناء وقد حرر بعضهم.
(1/162)

فقال استيعاب الجنس حد هو أحسن التعبير فيكون له صيغة يراد بصيغته من غير قرينة كالفرد والتثنية.
أما الجواب عن كلماتهم أما الأول قلنا قد أجبنا عن هذه الشبهة فى ابتداء باب الأوامر فلا معنى للإعادة.
والحرف أنهم يقولون أن لفظ العموم للاستيعاب ولما دونهم فيدخل عليهم هذه الشبهة كما دخلت علينا وأن ارتكب منهم ما ارتكب وقال إنها غير موضوعة للاستيعاب بحال فهذا محال لأنا نعلم بالضرورة وبالنقل عنهم وفى مستعمل كلامهم أن لفظ كل والجميع إذا استعملت فى الاستغراق لم يكن مجازا ولو لم نعلم ضرورة يمكن أن ينقل بالتواتر أنهم أضافوا إلى هذه الألفاظ أحكامها لا يصح إلا إذا كانت الألفاظ عامة نحو الاستثناء والاستفهام وغير ذلك وذكرنا أيضا أن هذا الكلام يدخل على من ادعى التوقف والاشتراك وقد سبق تقرير هذا.
وأما دليلهم الثانى قولهم أن هذه الألفاظ تستعمل فى الاستيعاب وفيما دونه على وجه واحد قلنا أن عنيتم أن هذا اللفظ يستعمل فى الاستيعاب وما دونه على الحقيقة فلا نسلم ذلك وكذلك أن قالوا: أنه يستعمل فى كل واحد منهما من غير قرينة لا نسلمه أيضا.
ونقول ليس استعمال لفظ العموم فيما دون العموم كاستعماله فى الاستغراق فإن استعماله فى الاستيعاب بصيغة وفيما دونه بقرينة تنضم إليه وهو من استعمال اسم الحمار فى البهيمة والبليد واسم الأسد فى الحيوان المخصوص والشجاع وليس كثرة الاستعمال دليل على الحقيقة ولا قلة الاستعمال بدليل على المجاز إنما الحقيقة والمجاز يعرفان بوجوه آخر.
ويقال لهم أليس قولنا أمر يستعمل فى الشأن والفعل وليس بحقيقة فيهما وقد كثر استعمال لفظ الأمر فى الشأن والفعل كثرة استعمال لفظ العموم فيما دون الاستيعاب فإن قالوا: إنا عرفنا كون استعمال الأسد فى الشجاع والحمار فى البليد مجازا بطريق الضرورة فهل تعرفون استعمال لفظ العموم حقيقة فى الاستيعاب فإذا استعمل فيما دونه فلا بد أن يكون مجازا وليس كل مجاز يعرف ضرورة ولكن يعرف دليل يقوم عليه فإن قالوا: أنتم لا تقولوا أن العموم إذا طبق يكون مجازا قلنا قد ذهب جماعة من الأصوليين أنه يصير مجازا ووافقهم على ذلك بعض أصحابنا.
(1/163)

وإن قلنا لا تصير مجازا فلأن المجاز ما استعمل فى غير ما وضع له والعموم والخصوص قد استعمل فى بعض ما وضع له فلهذا لا يوصف بالمجاز عند أكثر الفقهاء واعلم أن الخلاف فى هذه المسألة مع المتكلمين فينبغى إذا تكلمنا معهم أن نقول أنه يصير مجازا وقد قال الأصحاب على قولهم أن أكثر ألفاظ العموم تستعمل فى البعض قال يجوز أن يكون اللفظ حقيقة فى معنى ثم يستعمل فى غيره أكثر.
ألا ترى أن الغائط حقيقة فى الموضع المطمئن ثم أكثر ما يستعمل فى الخارج من الإنسان وكذلك الشجاع عن حقيقة فى الحية ثم أكثر ما يستعمل فى الرجل البطل وكذلك العذرة والمفازة إلى ما يشبه ذلك.
وأما تعلقهم بفصل الاستثناء فقد أجبنا عنه.
وأما قولهم أنه يحسن الاستفهام والتأكيد.
قلنا الاستفهام قد يكون طلبا لمطلق الفهم وإزالة الالتباس وقد يكون طلبا لزيادة الفهم وزيادة الفهم فهم وهذا لأن السامع قد يظن أن المتكلم غير متحفظ فى كلامه ويظن به السهو فيستفهمه ويستبينه بمعنى أن كان ساهيا أزال سهوه.
ألا ترى أنه يحسن أن يقول الرجل ضربت فلانا فنقول أضربت فلانا أو يقول: ضربت كل من فى الدار فنقول أضربتهم كلهم فيقول: نعم ضربتهم كلهم فنجيبه باللفظ الأول فدل أن المراد من الاستفهام هو الاستثبات لظن الغلط.
وأما التأكيد الذى تعلقوا به فيبطل تأكيد الخصوص مثل قول القائل جاءنى زيد نفسه وكذلك تأكيد ألفاظ الفرد وذلك مثل قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196] وكذلك قولهم ألف تام فقولهم ألف قد أنبأ عن التام.
فإن طلبوا فائدة التأكيد.
قلنا فائدته زيادة العلم وهذا لأن بالتأكيد يزداد الأمر جلاء وبيانا فيزداد علمنا وقد يكون فى ذلك مصلحة لنا وأن لم نقف عليها.
ألا ترى أن الله تعالى قد أكثر الأدلة على المدلول الواحد وأن كان المقصود قد حصل بالدليل الواحد وأيضا يجوز أن يكون التأكيد لإزالة مجاز أو احتمال مستعمل وعلى الجملة إذا جاز وجود فائدة للتأكيد لا يوجد فى المؤكد بطل تعلقهم بهذا الفصل.
وأما دليلهم الذى ذكروه فى كلمة من قولهم أنه يجمع بمنون.
(1/164)

قلنا قولهم منون وأن كان لفظه لفظ الجمع فليس بجمع على الحقيقة لأنه يستفاد منه ما يستفاد من قوله من عندنا وعند المخالف ألا ترى أنه لو قال القائل من أنتم كان استفهاما عن جماعتهم كما أن قوله منون استفهام عن جماعتهم وعند المخالف أن ألفاظ العموم كلها مشتركة وليس فى اللغة لفظ يختص بالاستغراق ولفظ منون عندهم مشترك بين الاستغراق والبعض كلفظ من فلم تفد أكثر ما تفيده لفظ من فيثبت أن هذا الكلام يلزمنا ويلزمهم فلم يكن فيه دليل علينا.
وأما الدليل الأخير الذى قالوه فقد أجبنا [عنه] 1 واعلم أن من المتكلمين من حمل لفظ الجمع على أقل الجمع وهو ثلاثة وتوقف فيما زاد.
وقيل أنه قول أبى هاشم وذهب إليه من الفقهاء محمد بن شجاع البلخى والدلائل التى أقمناها فى إثبات الاستيعاب واستغراق اللفظ لكل ما يصلح له يبطل هذا القول وهذا لأنه إذا كان لاستيعاب كل ما يصلح له فالثلاث وما زاد عليه فى الصلاحية واحد فليتناول الكل تناولا واحدا فلم يجز أن يحمل على بعض ما ينتظمه اللفظ دون البعض.
وتعلق من قال بالقول الثانى بأن دخول الثلاثة فى اللفظ يقين وما زاد يحتمل فلا يثبت دخوله بالشك.
والجواب أن دعوى الشك محال فيما زاد على الثلاث لأن اللفظ الموضوع للاستيعاب والاستغراق جميع ما يصلح له اللفظ ويستحيل أن يقال أن بعض ما يصلح له اللفظ يقين وبعض ما يصلح له مشكوك فيه وهذا لأنه لما يتناول كل الأعداد على وجه واحد فلم يجز هذا التفريق بوجه ما.
فإن قالوا: أليس إذا قال لفلان على دراهم يقبل تفسيرها بثلاثة ولا يقبل فيما دون الثلاثة.
قلنا هذا لا يقتضى الاستيعاب.
قالوا: ما قولكم إذا قال لفلان على الدراهم.
قلنا كذلك نقول ولكن إنما لم يحمل على الجميع لأنه لا يتصور حمله على جميع الدراهم لأنه لا يتصور أن يكون أتلف عليه كل درهم فى الأرض أو استقرض كل درهم فى الأرض فعدل عن العموم لأنه لم يكن حمله على العموم.
__________
1 زيادة في الأصل.
(1/165)

ومن فروع هذه المسألة:
أن أبا بكر الصيرفى قال إذا ورد لفظ العموم يجب أن يعتقد العموم بنفس الورود.
وقال ابن سريج يتوقف الاعتقاد إلى أن يعرضه على دلائل الشرع فإذا لم يجد الخصوص اعتقد العموم واحتج من ذهب إلى القول الأول بأن لفظ العموم موضوع للاستغراق فإذا ورد وجب أن تعتقد ما وضع له اللفظ كلفظ الخصوص وكلفظ الأمر والنهى قال ولأن النظر لا يتناهى فيجوز أن لا يجد مخصصا فى النظر ثم نجد فى النظر الثانى وما لا يتناهى لا يصار إليه قال فلأن الذى صار إليه ابن سريج قول بالوقف وقد ذكرنا بطلانه.
وأما الدليل لما ذهب إليه ابن سريج هو أن اللفظ الموضوع للاستغراق هو اللفظ المتجرد عن القرائن المخصصة ولا بد من طلب التجرد ليحمل على المعنى الموضوع له اللفظ وهذا الطلب يعرض للخطاب الوارد على دلائل الشرع لتعرف هل وجد هناك دليل يخص اللفظ أو لا ثم إذا لم نجد فقد أصاب اللفظ المجرد عن قرينة مخصصة فيحمل حينئذ على الموضوع له وهو الاستيعاب ونعتقد ذلك وهذا مثل البحث عن عدالة الشهود ووجوب الحكم هناك مثل اعتقاد العموم هاهنا.
وأما قولهم أنه وضع للاستيعاب.
قلنا بلى ولكن إذا تجرد عن قرينة والمقصود من العرض التوقف إلى أن بعرض طلب هذا التجرد.
وأما قولهم أن العرض لا يتناهى.
قلنا ما لا يتناهى يقطع فى بدايته.
ألا ترى فى البحث عن عدالة الشهود لا يؤمن أن يطلع على جرح عند إعادة البحث ولكن لا يعتبر ذلك لأنه لا يتناهى وكذلك المجتهد إذا رفعت إليه حادثة يعرض الحادثة على الكتاب والسنة لطلب النص ويبحث مرة واحدة وأن كان يجوز أن يجد النص عند إعادة العرض ولكن لا يعتبر ذلك لما بينا وأما الذى قالوا: أن هذا قول بالوقف فليس كذلك لأن الواقفية لا يجعلون العموم صيغة يخصها أصلا وأما ابن سريج فيجعل العموم صيغة إذا تجردت عن قرينة ويطلب التجرد وإذا وجدها لأن تحقق صيغة العموم بها اعتقد العموم والله أعلم.
(1/166)

فصل: في ألفاظ العموم
...
فصل ونذكر الآن ألفاظ العموم فنقول.
أولها ألفاظ الجموع وسواء فيها جمع السلامة وجميع التكسير1 كقوله اقتلوا المشركين واعمروا المساجد وهذا النوع أبين وجوه العموم ثم بعد هذه الأسماء التى يدخلها الألف واللام للجنس2 كقولك الحيوان والنبات والجماد يراد بها تعميم هذه الأجناس ومن هذا الباب قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38] : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور: 2] فلا سارق إلا وعليه القطع بالآية ولا زانى إلا وعليه الجلد بالآية وقد قال بعضهم مثل هذا اللفظ لا يكون للعموم وإنما يكون للعهد قال أبو هاشم يفيد الجنس دون الاستغراق وأما عندنا هو العموم لأن نفس اللفظ وأن كان لفظا مفردا ولا يدل على العموم ولكن دخل عليه ما يوجب عمومه وهو لام الجنس وهذا لأنه لو لم يستغرق قولنا الإنسان جميع الجنس لأفاد واحدا غيره يقينا وإذا قلتم بهذا فقد كان هذا مستفادا بالاسم قبل دخول الألف واللام عليه فلا يبقى لدخول الألف واللام فائدة فدل أن فائدتهما الاستغراق.
قالوا: أنه لو استغرق الجنس لجاز مع أنه لفظة واحدة أن يؤكد كل وجميع كلفظ من نحو قوله كل من دحل دارى أكرمته ولا يستقيم أن يقول الرجل رأيت الإنسان كلهم ولا أن يقول: جاءنى الرجل أجمعون وأيضا فإنه يقبح الاستثناء.
ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول: رأيت الإنسان إلا المؤمنين ولو كان للعموم فحسن ذلك.
قالوا: وأما قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} هو على طريق المجاز ويحتمل أيضا أن الخسارة لما لزمت جميع الناس إلا المؤمنين جاز هذا الاستثناء.
والجواب أن أصحابنا اختلفوا أن العموم من حيث اللفظ فى هذه الصورة أو من حيث المعنى فالأولى أن نقول أن العموم من حيث المعنى وذلك لأن الألف واللام لا بد أن تفيد التعريف وليس التعريف إلا تعريف الجنس وإذا قلنا أن اللفظ يفيد.
__________
1 انظر البرهان لإمام الحرمين 1/322 إحكام الأحكام 2/290 انظر نهاية السول 2/322.
2 المحصول 1/378 إحكام الأحكام 2/301 روضة الناظر 195 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/207.
(1/167)

واحدا من الجنس خرج الألف واللام من كونهما للجنس ولم يبق لهما فائدة وإذا ثبت أنهما للجنس ثبت الاستغراق ولأنه إذا قال الإنسان يفيد دخول كل من كان من جنس الإنسان فى اللفظ ولهذا المعنى صح قولهم أهلك الناس الدينار والدرهم البيض فيعنون كل واحد منهما بالجمع فدل أنهما يفيدان الاستغراق ويقال هلكت الشاة وهلك البعير وهلك الحيوان ويراد به العموم دل أنه مفيد له على الوجه الذى قدمنا وأما الألف واللام إذا دخلا على الجمع فلا بد من كونه مفيدا للاستغراق والدليل عليه حسن الاستثناء فإنه إذا قال اعط المسلمين فإنه يجوز أن يستثنى كل من شاء منهم وكذلك إذا قال رأيت الناس يجوز أن يستثنى أى إنسان أراد من الناس والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه يدل عليه أنه إذا قال رأيت ناسا يفيد أنه رأى من هذا الجنس ولا يفيد الاستغراق فلا بد أن يفيد دخول الألف واللام فائدة ولا فائدة إلا الاستغراق.
ومن ألفاظ العموم الأسماء المبهمة نحو من وما والفرق بين من وما أن كلمة من عامة فيمن يعقل لأنك إذا قلت: من فى الدار استقام الجواب بكل من يعقل ولا يستقيم الجواب عنه بالشاة والثوب وإذا قلت: ما فى الدار ولا يستقيم الجواب عنه بالعاقل1 لكن لا يعقل فنقول حمار أو شاة أو ثوب وما أشبه ذلك ومن أسماء العموم الأسماء المبهمة نحو من وما وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" 2 "ومن أحيا أرضا ميتة فهى له" 3 "وما أكلت العافية فهى له صدقة" 4.
__________
1 انظر إحاكم الأحكام للآمدي 2/290 نهاية السول 2/322 المحصول 1/356 روضة الناظر 195 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/207.
2 أخرجه البخاري الجهاد 6/173 ح 3017 وأبو داود الحدود 4/124 ح 4351 والترمذي الحدود الحدود 4/59 ح 1458 والنسائي تحريم الدم 7/95 باب الحكم في المرتد وابن ماجه الحدود 2/848 ح 2535 وأحمد المسند 1/368 ح 2555.
3 ذكره البخاري الحرث 5/23 باب من أحيا أرضا مواتا معلقا وأبو داود الخراج 3/174 ح 3073 والترمذي الأحكام 3/653 ح 1378 وقال حسن غريب ومالك في الموطأ الأقضية 2/743 ح 26, 27 وأحمد المسند 3/414 ح 14648.
4 أخرجه النسائي في الكبرى 3/404 ح 5756 - 5758 والدارمي البيوع 2/346 ح 2607 وأحمد المسند 3/414 ح 14648 والبيهقي في الكبرى 6/244 ح 11814 وابن حبان 1136/موارد بلفظ العوافي بدل العافية.
(1/168)

وأين وحيث تعمان الأمكنة ومتى تعم الأزمنة وكل تعم الفرد النكرة لقولنا كل رجل وكل زيد وكل الناس1 وكلما تعم الفعل2 لقول القائل كلما فعلت فعلا يتناول الأفعال على العموم واعلم أنه لا فرق فى ألفاظ العموم بين الأسماء المشتقة وأسماء الأجناس وأسماء الصفات كقولك اعط المسلمين اعط الناس اعط الطوال فكل ذلك يستغرق كل ما يصلح له.
وأما ألفاظ النكرات نحو قولك رجل فإنه عام على البدل غير عام على الجمع.
وإنما قلنا أنه عام على البدل لأنه يتناول كل رجل على البدل من صاحبه.
وقد قال عامة أهل العلم أن النكرة إذا كانت نفيا استغرقت جميع الجنس كقولهم ما رأيت رجلا وما رأيت إنسانا وأما إذا خرج على الإثبات فلا يقتضى الاستغراق وأما إذا قال رأيت رجالا ولقيت ناسا فأقل ما يقتضيه ثلاثة من جماعتهم فإن قيل أليس أن الله تعالى قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل:40] وهذا على العموم لأن الله تعالى لم يرد شيئا دون شيء لأن قدرته عامة شاملة جميع الأشياء محيطة بها كلها.
قلنا قد قالوا: فى تأويل الآية وتخريجها وجهين أحدهما أن فيها إضمارا والمعنى أما قولنا لكل شىء أو لشىء شىء فاكتفى بذكر أحدهما لأن فيه دلالة على الأول.
والوجه الآخر أن عمومه من طريق المعنى لا من طريق اللفظ وذلك لأن الأشياء متساوية فى قدرته فإذا أخبر عن نفوذ قدرته فى بعضها فقد دل بالمعنى على نفوذ قدرته فى سائرها وأما كلمة أى فقد قيل هى بمنزلة النكرة لأنها تصحب النكرة لفظا ومعنى يقول القائل أى رجل فعل هذا وأى دار تريدها قال الله تعالى: {أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} [النمل: 38] وهى نكرة معنى لأن المراد بها واحد منهم.
وقد ألحق بعض الأصوليين هذا الباب ما يفيد العموم من جهة المعنى وذلك يكون بأن يقترن باللفظ ما يدل على العموم وأن كان اللفظ لا يدل عليه فمن ذلك أن يكون اللفظ مفيدا للحكم ومفيدا لعلته ليقتضى شيوع الحكم فى كل ما شاعت فيه العلة.
ومن ذلك أن يكون المفيد لعموم اللفظ يرجع إلى سؤال السائل.
__________
1 انظر إحاكم الأحكام 2/290 المحصول 1/ 356 نهاية السول 2/325, 326 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير.
2 انظر نهاية السول 2/326 روضة الناظر 196.
(1/169)

ومن ذلك دليل الخطاب المقتضى للعموم.
فالأول مثل قوله صلى الله عليه وسلم فى الهرة إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات فاقتضى عموم طهارة كل ما كان من الطوافين علينا وأمثال هذا تكثر وأما المقتضى للعموم وما يرجع إلى السؤال نحو أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عمن جامع زوجته فيقول: عليه الكفارة فيعم ذلك كل من أفطر وأما العموم مفهوم الخطاب نحو قوله صلى الله عليه وسلم فى سائمة الغنم زكاة فدل هذا أن لا زكاة فى كل ما ليست بسائمة.
مسألة: واختلف أصحابنا فى المجاز هل يتعلق به العموم على وجهين:
فقال بعضهم لا يدخل فى العموم إلا الحقائق وقال آخرون يدخل فيه المجاز كالحقيقة لأن العرب تتخاطب به كما تتخاطب بالحقيقة واختلف الأصحاب أيضا أن لفظ العموم هل يتناول ما يمنع دليل النقل من إجراء حكمه عليه كقوله تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وكقول القائل اضرب كل من فى الدار ونحو ذلك لأن الله تعالى شىء ويمنع العقل أن يكون خالق نفسه وكذلك يمنع العقل أن يكون المأمور يضرب كل من فى الدار مأمورا بضرب نفسه فقال بعضهم أن موضوع اللفظ يتناوله لأن الدليل يوجب إخراجه منه.
وقال آخرون بل هو خارج منه لسقوطه فى نفسه بما ذكرناه وقالت هذه الطائفة أن اللفظ لم يتناوله أصلا فهذا هو الكلام فى ألفاظ العموم ويلحق هذا الموضع ما صح فيه دعوى العموم ما لا يصح وجملة ذلك أن العموم يصح دعواه فى نطق ظاهر يستغرق الجنس لفظه كالألفاظ التى ذكرناها فيما تقدم وأما الأفعال فلا يصح فيها دعوى العموم لأنها تقع على صفة واحدة فإن عرفت تلك الصفة اختص الحكم بها وأن لم تعرف صار مجملا فيما عرفت صفته مثل ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الصلاتين فى السفر فهذا مقصور على ما ورد فيه وهو السفر ولا يحمل على العموم وما لم تعرف مثل ما يروى أنه عليه السلام جمع بين الصلاتين فى السفر فلا نعلم أنه كان فى سفر طويل أو سفر قصير إلا أنه معلوم أنه لم يكن إلا فى سفر واحد فإذا لم يعلم ذلك تعينه وجب التوقف فيه حتى تعرف ولا يدعى هو العموم وكذلك القضايا فى الأعيان لا يجوز دعوى العموم فيها وذلك مثل ما روى أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة للجار وقضى فى الإفطار بالكفارة وما أشبه ذلك فلا يجوز دعوى.
(1/170)

العموم فيها بل يجب التوقف لأنه يجوز أن يكون قضى بالشفعة لجار بصفة تختص بها أو قضى بالكفارة بجماع أو بغيره فيما يختص به المحكوم عليه فلم يكن دعوى العموم وقال بعضهم أن روى أنه كان يقضى تعلق بعمومه لأن ذلك للدوام ألا ترى أنه يقال فلان كان يقرى الضيف ويصنع المعروف وقال الله تعالى فى إسماعيل عليه السلام وكان يأمر أهله بالصلاة والمراد به التكرار.
(1/171)

فصل: الخطاب الذى يفتقر إلى الإضمار لا يجوز دعوى العموم فيه
...
فصل: وكذلك الخطاب الذى يفتقر إلى الإضمار لا يجوز دعوى العموم فى إضمار.
مثل قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} يفتقر إلى إضمار فبعضهم يضمر وقت إحرام الحج أشهر معلومات وبعضهم يضمر وقت أفعال الحج أشهر معلومات والحمل عليها لا يجوز بل يعمل بما يدل عليه الدليل وهذا لأن العموم من صفاته النطق فلا يجوز دعواه فى المعانى وعلى هذا قالوا: لا يجوز دعوى العموم فى قوله لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد يعنى نفى الجواز والفضيلة وكذلك قوله لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل ولا يجوز دعوى العموم فيه لنفى الجواز والفضيلة وكيف يجوز دعوى العموم على هذا الوجه وإذا انتفى الجواز لا يتصور انتفاء الفضيلة لأنه لا بد من وجود الجواز ليتصور انتفاء الفضيلة وعلى هذا قوله عليه السلام لا نكاح إلا بولى قوله لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض فكذلك قوله عليه السلام رفع القلم عن ثلاثة وقد جعل بعض الفقهاء هذه الألفاظ مجملة وسيأتى من بعد الكلام فى المجمل وبعضهم جعل هذه الألفاظ عامة فى كل ما يحتمله والله أعلم.
مسألة أقل ما يتناوله اسم الجمع عندنا ثلاثة.
وهو أيضا قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وذهب طائفة من الفريقين أن أقل الجمع اثنان وهو اختيار القاضى أبى بكر محمد بن أبى الطيب من المتأخرين وهو أيضا قول محمد بن داود من المتقدمين1 وإليه ذهب بعض من النحويين وتعلقوا بقوله.
__________
1 قال الشيخ الآمدي اختلف العلماء في أقل الجمع هل هو اثنان أو ثلاثة وليس محل الخلاف ما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة وهو: ضم شيء إلى شيء فإن ذلك في الاثنين والثلاثة وما زاد من غير خلاف وإنما محل النزاع في اللفظ المسمى بالجمع في اللغة.
فنقول: مذهب عمر وزيد بن ثابت ومالك وداود والقاضي أبي بكر والأستاذ أبي إسحاق......=
(1/171)

تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الانبياء:78] ورد الكناية إلى الاثنين بلفظ الجمع وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} [صّ: 21] الآية فاستعمل فى الاثنين لفظ الجمع وتعلقوا أيضا بقوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] وإنما لهما قلبان وقد ذكرهما بلفظ الجمع وتعلقوا بقوله عليه السلام الاثنان فما فوقهما جماعة1 والمعتمد لهم شيئان أحدهما أن الجمع فى صيغة اللغة هو ضم الشىء إلى الشىء وهذا فى الاثنين مثله فى الثلاث وإذا وجد الجمع حقيقة فى الاثنين صح أن يتناوله اسم الجمع حقيقة.
والثانى أن الاثنين يقولان فى المخاطبة فعلنا كذا ويقولان دخلنا وخرجنا وأكلنا وشربنا فإذا خاطبا خطاب الجمع دل أنهما جمع مثل الثلاث سواء وأما دليلنا ما روى أن ابن عباس احتج على عثمان رضى الله عنهم فى أن الأخوين لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس بقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وقال ليس الأخوان إخوة فى لسان قومك فقال عثمان رضى الله عنه لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلى وتوارثه الناس ومضى فى الأمصار فلو لم يكن ذلك مقتضى اللغة لما صح احتجاجه وما أقره عليه عثمان وهما من فصحاء العرب وأرباب اللسان.
فإن قيل روى عن زيد بن ثابت أنه قال الأخوان إخوة فصار مخالفا لهما.
قلنا المراد بذلك أنهما كالإخوة فى الحجب.
والمعتمد هو الاستدلال من حيث اللغة فنقول الدليل على أن لفظ الجمع لا يتناوله الاثنين أنه لا ينعت بالاثنين وينعت بالثلاثة فإنه يقال رأيت رجالا ثلاثة ولا يقال رأيت رجالا اثنين ويقال أيضا رأيت جماعة رجال ولا يقال رأيت جماعة رجلين فإن كانت الجماعة لا تنعت بالاثنين بحال عرفنا أنه لا يتناولها اسم الجمع بحال.
__________
= وجماعة من أصحاب الشافعي رضي الله عنه كالغزالي وغيره أنه اثنان ومذهب ابن عباس والشافعي وأبي حنيفة ومشايخ المعتزلة وجماعة من أصحاب الشافعي أنه ثلاثة وذهب إمام الحرمين إلى أنه لا يمتنع رد لفظ الجمع إلى الواحد انظر إحاكم الأحكام 2/324 نهاية السول 2/394 المحصول 1/351.
1 إسناده ضعيف أخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة 1/312 الحديث 972.
(1/172)

ونقول أيضا الأسماء سمات والسمات علامات لما وسم بها من الأعيان فسمة الاثنين مخالفة لسمة الجماعة كما كانت سمة الواحد مخالفة لسمة الاثنين وعلى هذا جرت العادة بالتفضيل فى الأعداد.
وقيل آحاد ومثانى وجموع فكان هذا دليلا أن الجمع بعد التثنية كما أن التثنية بعد الواحد وكذلك هذا الاختلاف فى تفصيل عدد الأجناس قالوا: رجل ورجلان فإذا بلغ العدد ثلاثة قالوا: رجال وقيل امرأة وامرأتان ثم تركوا هذا الاسم فى الجمع قالوا: أيضا فدل أن سمة الاثنين متميزة عن سمة الجماعة فى الوجوه كلها.
وأما الجواب عن دليلهم وتعلقهم بالآية الأولى والثانية فما ذكرنا دليل على أن ذلك مذكور على وجه المجاز لا على وجه الحقيقة وأما قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] فقد قيل أن هذا الباب مخصوص لا يقاس عليه غيره وهو باب مفرد فى ذكر ما فى الإنسان من الجوارح فقوله: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] وكذلك قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] والمراد بذلك اليمين من كل واحد منهما ولو كان لزيد خاتم ولعمرو خاتم لم يصلح أن نقول خذ خواتيمهما والمراد خاتم واحد من كل واحد بل الصحيح أن نقول خذ خاتمهما فصار هذا مخالفا لجوارح الإنسان فافهم هذا فإنه يأت جنس فى العربية وقد قالوا: يوم أعشار وثوب أخلاق ولم يدل ذلك أن الواحد اثنان.
وكان الحجاج يقول: يا غلام اضربا عنقه وخليا عنه ومن هذا قوله تعالى: {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ} [قّ:24] وأما الخبر الذى رووه فلا نعرف صحته وعلى أن المراد به أن حكم الاثنين حكم الجماعة فى ثواب صلاة الجماعة وانعقادها وهذا لأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يحمل على تأويل الاسم اللغوى.
وأما قولهم أن الجمع حقيقته الضم قلنا نعم ولكنه من ضم ثلاثة بعضها إلى بعض وكذلك ما زاد عليه واللغة على ما وردت لا على ما يدل عليه القياس.
ألا ترى أن الواحد يوجد فيه ضم بعض الأشياء إلى البعض لأنه جوهر متركب من أشياء مختلفة ومع ذلك لا ينطلق عليه اسم الجمع وقد نقض الأصحاب ما يصيرون إليه من الاشتقاق فى اسم الجمع بفصل الدابة والجنين والقارورة وغير ذلك.
وأما الكلام الثانى الذى اعتمدوا عليه وهو الخبر عن فعل اثنين بلفظ فقد يتفق اللفظان فى موضع الغنية عن التفريق بينهما ولا يدل ذلك على الجمع فى المعانى.
(1/173)

كقولك للمرأتين أنتما وهما وكذلك تقول للرجلين وكما تقول المرأتان جعلنا كما تقول الرجلان وإنما كان كذلك لأن السمات موضوعة للتمييز ورفع الاشتباه فإذا كان الكلام فى أمر معلوم عند المخاطب وكان الإخبار عن حاضرة علم بالمشاهدة استغنى عن التمييز ولفظ أنتما خطاب لحاضر وكذلك لفظ فعلنا خطاب من المشاهدة وعمن يضاف إليه ممن هو معلوم حالته فأما ما كان بخلاف ذلك مما يدخله الشبهة لا يقاس عليه غيره ولا بد من سمة التمييز والكلام الأول بدون هذا كاف والله أعلم.
(1/174)

فصل: التخصيص
...
فصل نقول فى ابتداء هذه المسألة أن التخصيص تمييز بعض الحكمة بالحكم.
ولهذا يقال خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا أو كذا وخص فلان بكذا وأما تخصيص العموم فهو بيان ما لم يرد باللفظ العام ويجوز دخول التخصيص فى جميع ألفاظ العموم من الأمر والنهى والخبر.
ومن الناس من قال لا يجوز فى الخبر كما لا يجوز فيه دخول النسخ وهذا خطأ لأنا بينا أن التخصيص بيان ما لم يرد باللفظ العام وهذا يصح فى الخبر كما يصح فى الأمر1.
__________
1 اعلم أن في هذه المسألة قولان:
أولا: وهو قول جمهور العلماء فهم متفقون على أن التخصيص جائز وواقع في الخبر وفي غيره من الأوامر والنواهي.
ثانيا: رأى شذوذ من العلماء أن التخصيص غير جائز في الخبر.
وقد استدل الجمهور على الجواز بالوقوع فقد وقع التخصيص في الخبر كما وقع في الأمر والنهي والوقوع أوضح دليل على الجواز.
أما وقوع التخصيص في الخبر فكقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وقوله تعالى: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقوله تعالى في حق الريح: {مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} فإن العقل يقضي بأن هذه الأخبار ليس مرادا منها العموم ضرورة أن الله لم يخلق ذاته ولا صفاته كما أن القدرة لم تتعلق بهما لأن القدرة لا تتعلق بالواجب العقلي - وقد أتت الريح على الأرض والجبال فلم تجعلها كالرميم وإذا كانت هذه الأخبار غير مرادة على العموم يكون التخصيص قد دخلها فيكون التخصيص واقعا في الخبر وأما وقوعه في الأمر فكقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} فإنه ليس كل سارق يقطع بل يقطع من سرق النصاب بشروط معلومة في الفروع - وليس كل زان يجلد بل الذي يجلد هو الزاني غير المحصن.
وأما وقوعه في النهي فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الرطب بالتمر وأجاز ذلك في العرايا فكان....=
(1/174)

مسألة العموم إذا خص لم يصر مجازا فيما بقى بل هو على حقيقة فيه.
والاستدلال به صحيح فيما عدا المخصوص ولا فرق عندنا بين أن يكون التخصيص بدليل متصل باللفظ أو دليل منفصل وذهب قوم من المتكلمين إلى أنه يصير مجازا متصلا كان الدليل المخصص أو منفصلا.
وذهب جماعة من أصحاب أبى حنيفة إلى أنه يصير مجازا فى حال دون حال اختلفوا فى تفصيل الحال فقال بعضهم أن خص بدليل لفظى لم يصر مجازا متصلا كان الدليل أو منفصلا وأن خص بدليل غير لفظى كان مجازا.
وقال آخرون يكون مجازا إلا أن يخص بدليل متصل وهذا يحكى عن عيسى بن أبان وعن أبى الحسن الكرخى ومحمد بن شجاع وأما أبو بكر الرازى فذهب إلى ما ذهبنا إليه1 وذهب من جعله مجازا إلى المنع من الاستدلال بالعموم المخصوص.
__________
= هذا النهي مخصوصا.
أما استدلال المخالفون فقد قالوا: إن تخصيص الخبر يوهم الكذب في خبر الله تعالى وإيهام الكذب محال على الله تعالى كالكذب سواء بسواء فما أدى إليه وهو تخصيص الخبر يكون محالا انظر إحكام الأحكام 2/410 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/244, 245.
1 اعلم أن في هذه المسألة ثمانية مذاهب:
أحدها: العام بعد التخصيص مجاز في الباقي مطلقا سواء كان متصلا أو منفصلا كان المنفصل عقليا أو لفظيا - وهذا القول هو المختار للبيضاوي وابن الحاجب وهو المعروف عند جمهور الأشاعرة.
والثاني العام حقيقة في الباقي مطلقا كان المخصص متصلا أو منفصلا وهذا القول للحنابلة وبعض الحنفية ونقله بعض العلماء عن كثير من الشافعية.
الثالث: العام حقيقة في الباقي إن كان المخصص له شرطا أو صفة فإن كان المخصص له استثناء أو غاية أو كان لفظيا أو عقليا وهذا القول للقاضي أبي بكر الباقلاني.
والرابع العام حقيقة في الباقي إن خص بمتصل وهو الشرط والصفة والغاية والاستثناء مجاز إن خص بمنفصل سواء كان لفظيا أو عقليا وهذا القول لأبي الحسين البصري من المعتزلة.
الخامس: العام حقيقة في الباقي من حيث التناول ولكنه مجاز من حيث الاقتصار عليه والإرادة وهذا المذهب للإمام أبي بكر الرازي وبعض الحنفية.
والسادس: العام حقيقة في الباقي إن كان الباقي جمعا فإن كان الباقي ليس جمعا كان العام مجازا فيه وهو لأبي بكر الجصاص من الحنفية.......=
(1/175)

وأما من ذهب إلى أنه يصير مجازا احتج فى ذلك وقال أن العموم فى وضع اللغة للاستيعاب فإذا اختص فقد استعمل اللفظ فى غير ما وضع له وإذا وجد حد المجاز لا بد أن يصير اللفظ مجازا.
قالوا: لا يجوز أن يقال أن أهل اللغة وضعوا اللفظ العام للاستغراق مع فقد القرينة ووضعوه للخصوص عند وجود القرينة وذلك لأنا لو اعتبرنا هذا لم يبق مجازا فى كلام العرب لأنه يمكن أن يقال أن الألفاظ كلها وضعت مع وجود القرائن لما تدل عليه القرائن فإن هذا رفع المجاز من الكلام أصلا لأن القرائن كثيرة لا تخص فلا يمكن أن يحصروها حتى يضعوا العموم مع كل واحد منهما لما يقتضيه.
ببينة أن العموم ضد الخصوص والخصوص ضد العموم فكيف يتصور مع وجود ضد العموم أن يبقى العموم على حقيقته.
قالوا: وأما إذا كانت القرينة المخصصة متصلة باللفظ مثل الاستثناء والشرط والصفة فإنما لم يصر مجازا لأن هذه الأشياء الثلاثة من جملة الكلام الملفوظ الذى هو العموم.
وإذا صار من جملته فلا يكون لفظ العموم بانفراده حقيقة ولا مجازا ويكون العموم مع الاستثناء أو الشرط أو الصفة بمجموعة حقيقة فيما يقتضيه وبيان هذا أن القائل إذا قال اضرب بنى تميم إلا من دخل الدار أو اضرب بنى تميم الطوال أو اضرب بنى تميم أن كانوا طوالا فإنه لم يرد بعضهم وحده لأنه لو كان كذلك ما كان قد أراد الاستثناء أو الشرط أو الصفة شيئا لأن هذه الأشياء لم توضع لشىء يستقل فى دلالتها عليه فيقال أن المتكلم قد أراد لها ذلك الشىء أو أراد بالعموم وحده البعض ولأنه إذا أراد البعض بلفظ العموم لم يبق شىء زائد بالاستثناء أو الشرط أو الصفة فثبت أنه عبر عن البعض بمجموع الأمرين وإذا ثبت أن المتكلم لم يرد بلفظه.
__________
= والسابع العام حقيقة في الباقي إن كان المخصص له شرطا أو صفة فإن كان المخصص له استثناء أو غاية أو كان المخصص مستقلا مطلقا أو عقليا كان العام مجازا في الباقي وهذا القول للقاضي عبد الجبار من المعتزلة.
الثامن العام حقيقة في الباقي إن كان له دليلا لفظيا سواء كان متصلا أو منفصلا فإن كان المخصص له عقليا كان العام مجازا في الباقي انظر نهاية السول 2/395 المحصول 1/396, 397 إحكام الأحكام 2/330 البرهان 1/410 المستصفى 2/54 المعتمد 1/262 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/255/256.
(1/176)

العموم وحده الاستغراق ولا البعض ثبت أنه إذا كان مع هذه الأمور لم يكن فأراد به حقيقة ولا مجازا وله إذا عنى البعض بمجموع الأمرين وهما لا يفيدان بمجموعهما إلا ذلك البعض ثبت أن ذلك حقيقة فيهما وأما فى القرينة المنفصلة فقد أراد المتكلم بنفس لفظ العموم بعض ما يتناوله فيكون مجازا على ما بينا ثم قالوا: أنه إذا ثبت أنه صار مجازا خرج من أن يكون له ظاهر فلم يجز التعلق بظاهره ولأن العموم المخصوص يجرى مجرى أن يقول الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] ثم يقول: لا تقتلوا بعض المشركين فكما يمنع ذلك من التعلق بظاهر اللفظ كذلك غيره من التخصيص هذا حجة عيسى بن إبان.
وقال بعضهم أن العموم المخصوص يجوز أن يكون فى الأدلة ما يخصه ثانيا فامتنع التعلق به لجواز أن يدل عليه تخصيص آخر.
وقال بعضهم أن العلة المخصوصة لا يجوز التعلق بها كذلك العموم المخصوص وأما حجتنا فتقول أن لفظ العموم يتناول ما عدا المخصوص بأصل وضعه فلا يكون مجازا فيه وتصور موضعها حتى يزول الإشكال فنقول قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] يتناول كل المشركين بعمومه وليس كلهم سوى آحادهم فهو إذا عبارة عن كل واحد منهم ولهذا لو تركنا فظاهره مقارنة قتل كل واحد من آحاد المشركين إلى أن يستوعبوا بالقتل وإذا خرج بعض المشركين عن الآية بدليل دل عليه فيعلم قطعا أنه تناول الباقين بأصل وضعه وإذا تناوله بأصل الوضع كان حقيقة وهو مثل العشيرة إذا أخرج بعضها بالاستثناء فإنها تكون حقيقة فى الباقى كذلك هاهنا.
ببينة أنه إذا كان اللفظ متناولا ما عدا المخصوص على ما بينا فالمتكلم بالخطاب إذا كان حكيما فلا بد أن يعنى ما يتناوله اللفظ إلا أن يدلنا على أنه ما عناه وهذا لأن الحكيم إذا خاطب قوما بلغتهم فإنه يعنى بخطابه لهم ما يدل عليه ذلك الخطاب عندهم وإلا كان ملبسا عليهم ولهذا المعنى إذا أورد العموم ولم يدل دليل على تخصيصه حمل على ظاهره من العموم لما ذكرناه اللهم إلا أن يقوم دليل يوجب تخصيصه وإذا ثبت أنه قد عنانا بالخطاب ما عدا المخصوص ثبت أن الحجة قائمة بالعموم فيما عدا المخصوص وليس يدخل على هذا إذا خص العموم تخصيصا مجملا وهذا نحو قول الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] ثم قال أنا لم أرد بعضهم ولا يدرى من المعنى بذلك البعض فإنه لا يجوز الاحتجاج بمثل هذا العموم المخصوص.
(1/177)

لأن كل من جعل الآية حجة فى مثله يجوز أن يكون هو من البعض مخصوصا.
فأما إذا كان المخصوص معلوما فقد بينا وجه كون العموم حجة فى الباقى وقد ورد من الصحابة التعلق بالعموم المخصوص فإن عليا رضى الله عنه قال فى الجمع بين الأنثتين المملوكتين فى الوطء أحلتهما آية وحرمتهما آية وقد روى عن عثمان رضى الله عنه مثل ذلك1 وعنيا بقولهما أحلتهما آية قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وعنيا بآية التحريم قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} ومعلوم أن قوله تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} مخصوص منه البنت والأخت واحتج ابن عباس رضى الله عنهما فى قليل الرضاع بقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23] وقال قضاء الله تعالى أولى من قضاء ابن الزبير وأن كان وقوع التحريم بالرضاع يحتاج إلى شروط وذلك يوجب تخصيص الآية ولا يعرف لهؤلاء مخالف من الصحابة.
واستدلال الصحابة بالعمومات المخصوصة كثير لأنه لا يعرف عموم يلحقه خصوص إلا فى الندب وعلى الشذوذ فإن عامة ما ينطق به الصحابة والعلماء من بعدهم من العمومات فهى عمومات مخصوصة وقد قال الأصحاب فى أصل المسألة أن إيصال التخصيص بالعموم إيصال بيان اللفظ واتصال البيان باللفظ لا يجعله مجازا ولا يخرجه من أن يكون حجة كالمجمل إذا اتصل به البيان وإنما قلنا أن التخصيص بيان لأنه يبين أن اللفظ لم يتناول المخصوص ولا شمله وهذا باق بلا إشكال والاعتماد على الدليل الأول.
أما الجواب قلنا قولهم العام المخصوص لفظ مستعمل فى غير ما وضع له.
قلنا لا كذلك بل هو مستعمل فيما وضع له فيما سبق وهذا لأن لفظ العموم للاستيعاب إذا لم يقترن به دليل يوجب تخصيصه فأما عند وجود قرينة مخصصة توجب تخصيصه فلا بل اللفظ عند وجود القرينة موضوع لما وراء المخصوص.
وقولهم أن هذا يؤدى إلى رفع المجاز من الكلام لا يصح لأنه إذا كان اللفظ مستعملا فى أصل ما وضع له اللفظ إلا أنه فى البعض دون البعض.
فإذا قيل هو حقيقة فيه كيف يؤدى إلى رفع المجاز نعم لو قلنا أن لفظ الأسد عند اتصال القرينة وضع للشجاع حقيقة كان يؤدى إلى ارتفاع الكلام من الكلام لأنه.
__________
1 أخرجه مالك في الموطأ النكاح 2/538 ح 34.
(1/178)

مستعمل فى غير ما وضع له فى الأصل ويلزم على ما قالوه لفظ العشرة مع استثناء بعضها فإنه حقيقة فيما وراء المستثنى عند أصحاب أبى حنيفة وأن كان قد استعمل لفظ العشرة فى غير العشرة ومع ذلك لم يكن مجازا.
قيل أن لفظ العشرة من غير قرينة موضوع لهذا العدد فأما مع قرينة الاستثناء موضوع لبعضها كذلك هاهنا والعدد الذى قالوه يقال عليه هلا قلتم فى القرينة المنفصلة مثل ما قلتم فى القرينة المتصلة وهو أن المتكلم ما أراد البعض باللفظ العام خاصة لكن أراد باللفظ والقرينة فلا يكون اللفظ العام مجازا مثل ما قلتم فى القرينة المتصلة وهذا جواب معتمد.
وأما الذى قالوا: أن العموم ضد الخصوص فليس بشىء لأنه أن كان بينهما مضادة فهو فى المخصوص من اللفظ فأما فيما وراء المخصوص فلا يتصور مضاده وأما الذى تعلق به عيسى بن إبان فى منع التعلق بالعموم المخصوص فليس بشىء لأن قوله أن العموم المخصوص ليس له ظاهر يخص دعوى بل له ظاهر فيما وراء المخصوص على ما سبق.
وأما كلامه الثانى فقد جمع بين التخصيص المجمل والتخصيص المفصل من غير علة وقد ذكرنا الفرق ونذكر بوجه أوضح مما سبق فنقول أن الله تعالى إذا قال: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} ثم قال لا تقتلوا بعضهم أو قال لم أرد بعضهم ولم يبين ذلك البعض فمن أردنا قتله من المشركين يتناوله قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} إذ هو مشرك ويتناوله قوله لا تقتلوا بعضهم لأنه بعض المشركين فلم يكن بأن يدخل تحت أحد الظاهرين بأولى بأن يدخل تحت الآخر فأما إذا عين البعض وقالوا: لا تقتلوا النساء ولا تقتلوا أهل العهد أمكننا استعمال ظاهر الآية من غير ظاهر يعارضه لأن من علمناه امرأة أو علمناه من أهل العهد أدخلناه تحت التخصيص ومن علمناه رجلا لا عهد له علمنا خروجه من التخصيص فإنه مراد بالآية وهذا لأن الأشياء المعلومة إذا خرج منها أشياء معلومة كنا عالمين بما عداها وإذا خرج منها أشياء مجهولة بقى الثانى مجهولا لأنه لا يدرى الذى خرج منها مما لم يخرج ألا ترى أن العشرة معلومة فإذا علمنا أنه قد خرج منها ثلاثة علمنا أنه قد بقى سبعة وإذا علمنا أنه خرج منها عدد لا نعلمه لم ندر ما بقى منها.
وأما تعلقهم بالعلة المخصوصة فسنبين الفرق بين العلة المخصوصة والعموم.
(1/179)

المخصوص فى مسألة تخصيص العلة.
وإذا عرفنا أن العموم المخصوص لا يصير مجازا حجة فى الباقى فنقول قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة 5] عام مخصوص والاستدلال به جائز على ما سبق وكذلك قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] فإنه عام فى كل سارق سرق قليلا أو كثيرا من حرز أو من غير حرز فقيام الدلالة على اشتراط الحرز وقدر مخصوص لا يمنعنا من العلم بوجوب قطع من سرق نصابا من حرز بالآية وذهب بعض أصحاب أبى حنيفة إلى أنه لا يجوز التعلق بهذه الآية لأنه قد شرط فى القطع شرط لا ينبىء عنه لفظ الآية فلم يكن إيجاب القطع بمجرد قوله سارقا وهو الذى يتناوله لفظ الآية وفى قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} يقتل الحربى لكونه مشركا وربما يقولون بعد قيام الدلالة على اشتراط الحرز ومقدار المسروق ولا يمكن أن يستدل بالآية على قطع من وجد فيه الشرطان إلا بعد أن يضم إلى الآية ما دل على اشتراط الشرطين فثبت أنه لا يجوز التعلق بظاهر الآية.
والجواب أن كلا الكلامين ليس بشىء.
أما الأول فنقول أن كان اللفظ لا ينبىء عن النصاب والحرز فلفظ المشركين لا ينبىء عن عدم العهد ولا عن الذكورة أيضا لكن قيل أن قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} عام فى أهل العهد وأهل الحرب فمنع قتل أهل العهد بتخصيص كذلك قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} عام فى السارق من حرز وغير حرز وكذلك سارق النصاب وما دونه ومنع قطع السارق ما دون النصاب أو من غير حرز تخصيص وكلامه الثالث يدخل عليه أيضا قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} لأنه لا يمكن قتل المشرك الذى هو غير المعاهد إلا بعد أن يضم دليل الشرطين.
فإن قالوا: هناك قتلناه لأنه مشرك فحسب.
قلنا وهاهنا أيضا إذا سرق نصابا من حرز نقطعه لأنه سارق فحسب وهذا لأنه يحتاج إلى إثبات الشرطين بدليلهما حتى لا يقطع بعض السراق لا لتقطع من يجب قطعه مثل أنه قتل المشركين.
إنما احتجنا إلى إثبات الشرطين حتى لا نقتل بعض المشركين لا لنقتل من يجب قتله إلا أن البيان لذلك قد يرد بلفظ النفي بأن يقول: لا تقطعوا من سرق من غير حرز وقد يرد بلفظ الإثبات بأن يقول: الحرز والنصاب شرط فى القطع وكلا القولين قضيته.
(1/180)

نفى القطع عن السارق من غير حرز ولا نصاب فأما إثبات القطع عند وجود الحرز والنصاب معلوم يتناول الآية إياه وقد جهد المخالفون أن يفصلوا بين الاثنين بوجه ما ولا يمكنهم ذلك فاعلمه فإنك تجده كذلك والله الموفق للصواب.
(1/181)

فصل: أقل ما يتناوله تخصيص لفظ العموم
...
فصل.
ذهب أبو بكر القفال إلى أن تخصيص لفظ العموم يجوز إلى الثلاثة ولا يجوز تخصيص اللفظ فيما دون الثلاثة إلا بما يجوز به النسخ.
وذهب سائر أصحابنا إلى أنه يجوز تخصيص اللفظ العام إلى أن يبقى واحد.
وذهب القفال إلى أن لفظ العموم دليل على الجمع بلفظه وأقل الجمع ثلاثة فلا يجوز تخصيصه فيما دونه لأنه يخرج عن كونه لفظا للجمع فينزل منزلة النسخ1.
__________
1 اعلم أن في هذه المسألة أربع أقوال:
الأول: وهو المختار للبيضاوي وأبي الحسين البصري وكثير من الفقهاء أنه يجوز تخصيص العام إلى أن يبقى من العام مقدار كثير غير محصور لا فرق بين أن يكون العام جمعا كالرجال أو غير جمع كمن وما - ولا يجوز استعمال العام في الواحد إلا إذا قصد به التعظيم كقوله تعالى: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ}
القول الثاني: يجوز أن يكون الباقي أقل المراتب التي يطلق عليها اللفظ الذي دخله التخصيص فإن يكون غير جمع كالمفرد المحلى بالألف واللام ومن ما صح أن يكون الباقي واحدا لأنه أقل مراتب الفرد وإن كان الباقي أقل مراتب الجمع وقد سبق الخلاف فيها وهذا هوالمختار للقفال الشاشي من الشافعية.
القول الثالث: يجوز أن يكون الباقي بعد التخصيص واحد مطلقا سواء كان اللفظ الذي دخله التخصيص جمعا أو غير جمع وهذا القول هو المعروف عن الحنفية.
القول الرابع: وهو لابن الحاجب ولم يعرف عن غيره التفصيل الآتي:
أولا: في التخصيص بالمتصل: إن كان التخصيص بالمتصل:
إن كان التخصيص بالاستثناء أو بالبدل جاز أن يكون الباقي بعد الإخراج واحدا نحو علي عشرة إلا تسعة وأكرم الناس العالم.
وإن كان التخصيص بالصفة أو بالشرط جاز أن يكون الباقي اثنين - نحو أكرم الناس العلماء - أو إن كانوا علماء - وقصد من الناس محمدا وخالدا.
وثانيا: في التخصيص بالمنفصل.
إن كان العام محصورا وكان قليلا جاز التخصيص إلى أن يبقى اثنان نحو: قتلت كل زنديق ولم يقتل إلا اثنين من أربعة.........=
(1/181)

وحرفه أن لفظ المشركين لا يحصل للواحد بحال ولا يجوز رد اللفظ إلى ما لا يصلح له وكذا أن المنع من ذلك أما أن يكون لأن الخطاب بهذا التخصيص يصير مجازا أو لأنه إذا استعمل فى الواحد لم يكن مستعملا فى الجمع واللفظ للجمع فيكون قد استعمل الخطاب فى غير موضوعه ولا يجوز أن نمنع الأول لأنه لو كان كذلك لم يجر التخصيص بكل حال لأنه أن صار مجازا بالتخصيص إلى أن يبقى واحدا يصير مجازا بالتخصيص أيضا وأن بقيت ثلاثة ولا يجوز أن يمنع بالثانى لأن اللفظ العام موضوع للاستغراق لا غير وأما الجمع تبع له فإن لم يجز استعماله فى غير الجمع وجب أن لا يجوز استعماله فى غير الاستغراق بل لا يكون المنع هاهنا لأنا بينا أن اللفظ للاستغراق والجمع تبع له وهذه حجة فى نهاية الجودة وقد ظهر فيها الجواب عما قالوه.
وقد قال الأصحاب أن التخصيص من العام كالاستثناء من المستثنى منه والقرينة المتصلة كالقرينة المنفصلة لأن كلام الشرع وأن تفرق فى المورد وجب ضم بعضه إلى بعض وبناء بعضه على بعض ثم صح الاستثناء ما بقى من اللفظ شىء فكذلك التخصيص.
وتحريره أن ما جاز تخصيص العام به إلى الثلاث جاز إلى ما دونه كالاستثناء ولأنه لفظ من ألفاظ العموم فجاز تخصيصه فيما دون الثلاث كمن وما فإن من عام فيمن يعقل وما فيما لا يعقل ثم جاز أن يلحقها الخصوص إلى أن يبقى الواحد كذلك هاهنا وقد سلم القفال ولم يسلمه من وافقه من المتكلمين وهذا وأن قيل ولكن الاعتماد على الأول وأما النسخ فهو رفع الحكم أصلا وأما التخصيص فليس رفع الحكم لكنه نوع بيان اتصل بالآية على ما سبق تقديره ولأن النسخ بمنزلة استثناء العشرة من العشرة والتخصيص بمنزلة استثناء البعض.
__________
= وإن كان غير محصور نحو: قتلت كل من في المدينة أو كان محصورا كثيرا نحو: أكلت الرمان جاز التخصيص إلى أن يبقى من العام عدد قرب مدلوله قبل التخصيص ويعرف ذلك بكون الذي خرج عددا قليلا أو بدليل آخر انظر إحاكم الأحكام 2/412 نهاية السول 1/386 المحصول 1/399 روضة الناظر 210 المعتمد 1/236 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/252.
(1/182)

فصل: فيما يخص به لفظ العموم
...
فصل والكلام يقع الآن فيما يخص به العموم فنقول.
الذى يخص به العموم شيئان عقل وشرع.
فأما تخصيصه بالعقل فى قول جمهور العلماء والمتكلمين وقالوا: هو مثل قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] فدليل العقل قد خص هذه الآية لأنه تعالى غير خالق لذاته ولا لصفات ذاته وكذلك قوله: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] وقوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} [الكهف: 84] فعلم بالمعقول أنه لم يؤت من جميع الأشياء وكذلك فى الآية الثانية.
ومنع قوم من تخصيص العموم بالعقل لأن دليل العقل متقدم على وجود السمع فأجازوا أن يتقدم دليل التخصيص على العموم المخصوص1 وهذا فاسد من وجهين أحدهما أنه لما جاز التخصيص بما لا يوجب العلم من أخبار الآحاد فلأن يجوز بما يوجب العلم من دلائل العقل أولى.
والثانى أنه يستحيل اعتقاد الاستغراق فى قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] وكذلك فى قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} [الكهف: 84] وإذا استحال العموم ثبت الخصوص وأن تقدم العقل على بعض السمع فلا شك أنه إذا خص بما قارنه من دليل العقل لا بما يتقدمه ويقال لمن منع منه أتحمل قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] وقوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً} [الكهف: 84] على الاستيعاب فى كل ما يتناوله اسم الشىء.
فإن قالوا: هذا فهو جهل بالله تعالى وكذلك فى الآية هو جهل منه بالاستثناء وأن قالوا: هو مخصوص فقد قيل ما قلناه.
وأما تخصيص العموم بالشرع فضربان.
أحدهما يتصل به.
والثانى ينفصل عنه.
وأما المتصل به فسنفرد له بابا.
وأما تخصيصه بالمنفصل منه2 فنقول هو على أربعة أضرب.
__________
1 انظر البرهان 1/408 ونهاية السول 2/451 المستصفى 2/98 إحكام الأحكام 2/459 روضة الناظر 214 انظر المحصول 1/427 المعتمد 1/252.
2 المخصص المنفصل: هو ما استقل عن الكلام الذي دخله التخصيص بحيث لا يحتاج إليه في النطق انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/300.
(1/183)

أحدها: تخصيصه بالكتاب.
والثانى: بالسنة.
والثالث: بالإجماع.
والرابع: بالقياس.
فأما تخصيصه بالكتاب.
فلا يخلو حال العموم من أن يكون ثابتا بالكتاب أو السنة فإن كان بالكتاب فتخصيصه جائز بالكتاب مثل قوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] خص بقوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] ومثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} [البقرة: 234] خص بقوله تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4 ومثل قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] خص بقوله تعالى: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} 1 [الأحزاب: 49] .
وإن كان العموم ثابتا بالسنة فيجوز أن يخص بالكتاب لأنه لما جاز أن يخص الكتاب بالكتاب فأولى أن يخص السنة بالكتاب2 وأما النسخ فيستبين فى باب النسخ ونذكر الفرق بين النسخ والتخصيص واعلم أنه كما يجوز التخصيص ببعض الكتاب يجوز التخصيص بفحوى الكلام ودليل الخطاب من الكتاب أما فحوى النص3 فهو جار مجرى النص وأما دليل الخطاب فيجوز تخصيص العموم به على الظاهر من مذهب الشافعى4 لأنه مستفاد من النص فصار بمنزلة النص ومثاله من الكتاب قوله تعالى.
__________
1 انظر نهاية السول 2/457 إحكام الأحكام 2/465 المحصول 1/428 المعتمد 1/254 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/301.
2 انظر إحكام الأحكام 2/470 روضة الناظر 216 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/305.
3 أي مفهوم الموافقة وهو لا خلاف فيه بين علماء الأصول في تخصيص للعام لأنهم متفقون على حجيته وعند تعارضه مع العام يخصص به العام انظر نهاية السول 2/467 المستصفى 2/105 انظر إحاكم الأحكام 2/478 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/316.
4 أي مفهوم المخالفة والحنفية لا يرونه حجة ولذلك لا يخصصون به العام انظر نهاية السول 2/468 إحكام الأحكام 2/68 المستصفى 2/105 انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/316.
(1/184)

{وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} فكان عاما فى كل مطلقة ثم قال: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ} [البقرة: 236] فكان دليله أن لا متعة للمدخول بها فيخص بها فى أظهر قوليه عموم المطلقات وامتنع من التخصيص فى القول الآخر وأما تخصيص عموم الكتاب والسنة بالسنة.
فإن كانت السنة متواترة فيجوز تخصيص العموم بها سواء كان العموم فى الكتاب أو فى السنة وسواء كان العموم المخصوص فى السنة ووروده بالتواتر أو بالآحاد لأن السنة المتواترة كالكتاب فى إفادتها العلم فإذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب جاز بالسنة المتواترة1.
وأما تخصيص الكتاب بالسنة أو السنة المتواترة بالآحاد.
فأخبار الآحاد ضربان.
أحدهما: ما اجتمعت الأمة على العمل به كقوله عليه السلام: "لا ميراث لقاتل" 2 "ولا وصية لوارث" 3 وكنهيه عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وابنة أخيها فيجوز تخصيص العموم به ويجوز ذلك ويصير كتخصيص هذا للعموم بالسنة المتواترة لأن هذه الأخبار بمنزلة المتواترة لانعقاد الإجماع على حكمتها وأن لم ينعقد الإجماع على روايتها.
وأما الضرب الثانى: من الآحاد وهو مما لم تجمع الأمة على العمل به فهو المسألة التى اختلف العلماء فيها.
مسألة يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد عندنا وعند الكثير من المتكلمين.
وقال بعض المتكلمين من المعتزلة لا يجوز وهو قول شرذمة من الفقهاء.
وقال عيسى بن أبان أن كان قد خص العموم يجوز تخصيصه وأن كان لم يخص.
__________
1 انظر نهاية السول 2/456 انظر إحكام الأحكام 2/472 المحصول 1/429.
2 أخرجه الترمذي الفرائض 4/425 ح 2109 وابن ماجه الديات 2/883 ح 2645 والدارقطني سننه 4/96 ح 86 والبيهقي في الكبرى 6/361 ح 12243.
3 أخرجه أبو داود الوصايا 3/113 ح 287 والترمذي الوصايا 4/433 ح 2120 وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه الوصايا 2/905 ح 2713 ونصب الراية 4/403.
(1/185)

لا يجوز1 وتعلق من قال بذلك بأن الكتاب موجب العلم والعمل فلا يجوز أن يخص بما يوجب العمل دون العلم ولأنه إسقاط بعض ما تضمنه الكتاب فلا يجوز بخبر الواحد دليله النسخ.
وأما عيسى بن أبان فقال إذا خص العموم يصير مجازا على ما سبق من قوله وخرج أن يكون له ظاهر فى قضيته فصار تخصيصه بمنزلة بيان المجمل.
وأما إذا لم يخص منه شىء فهو باق على حقيقته وهو مفيد للعلم ما يقتضيه فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد لأنه نوع ترك فيكون ما يفيد العلم بما يفيد الظن.
وأما دليلنا فلأن خبر الواحد دليل موجب للعمل فما دل على وجوب العمل فهو الدليل على جواز التخصيص به وهذا لأن العمل بالدليلين واجب ولا يجوز ترك دليل إذا أمكن العمل به وإذا قلنا بالتخصيص الذى ذكرناه عملنا بالدليلين وإذا قلنا لا يجوز التخصيص تركنا دليل السنة.
وبيان الترك أنها دلت على شىء مخصوص وقد تركوه حيث لم يخصوا بها العموم وأما إذا خصصنا العموم فلم نترك دليله لأنه بدليله باق فيما وراء المخصوص.
فإن قالوا: تركتم القول بالاستيعاب فى العموم.
قلنا قد بينا أن اعتقاد العموم لا يجوز بنفس الورود ما لم يعرض العموم على الأصول الثابتة بالكتاب والسنة ثم إذا عرضنا ولم نجد دليلا مخصصا حينئذ نعتقد عمومه فإذا وجد فى الأصول ما يخصه لم يكن هذا ترك القول بما يقتضيه العموم من الاستيعاب بل هو فى الحقيقة بيان اتصل بالكتاب فظهر أنه ورد مقتضيا حكمه فيما وراء المخصوص ويمكن أن يستدل فى المسألة بإجماع الصحابة على تخصيص قوله تعالى: {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230] فإن عمومه يقتضى إباحتها قبل الدخول وبعد فخصوه بقوله عليه السلام: " لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" 2 وكذلك خصوا قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11] بقوله.
__________
1 انظر نهاية السول 2/459 إحكام الأحكام 2/472 المحصول 432 المستصفى 2/114 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/306.
2 أخرجه البخاري اللباس 10/276 ح 5792 ومسلم النكاح 2/1055 ح 111/1433 وأبو داود الطلاق 2/303 ح 2309 والنسائي الطلاق 6/118 باب الطلاق للتي تنكح زوجا ثم لا يدخل بها وابن ماجه النكاح 1/621 ح 1932.
(1/186)

عليه السلام: "لا يتوارث أهل ملتين شتى" 1 الخبر وكذلك قوله عليه السلام: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" 2 وخصوا قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] بنهيه عليه السلام عن قتل النساء.
وأما دليلهم فنقول استغراق العموم يقتضيه غالب الظن دون اليقين فجاز أن يعارضه من أخبار الآحاد ما يوجب غالب الظن دون اليقين وعلى أن خبر الواحد معلوم الأصل باليقين وهو إجماع الصحابة رضى الله عنهم فإنهم أجمعوا على قبوله والعمل به على ما سنبين من بعد فأجرى عليه حكم أصله كما أن جهة القبلة معلومة وأن كان الاجتهاد عند إشكالها مظنونا فأجرى عليه حكم أصلها وأجزأت الصلاة كذلك هاهنا وأما النسخ فهو يقع الحكم بعد ثبوته فلا يجوز بدليل مظنون إذا كان ثبوت المرفوع بدليل مقطوع به وأما التخصيص فليس برفع للحكم إنما هو فى الحقيقة ما بيناه من اتصال بيان بالعموم فصار بمنزلة اتصال بيان بمجمل الكتاب فيجوز بخبر الواحد.
وأما الذى قاله عيسى بن أبان فقد قاله من أصل اعتقده لا يوافقه عليه فذكرنا بطلانه وضعف الدليل الذى استدل به والله أعلم.
__________
1 أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجه والدارقطني وابن السكن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ورواه ابن حبان من حديث ابن عمر ومن حديث جابر رواه الترمذي واشتغربه وفيه ابن ليلى وانظر تلخيص الحبير 9713.
2 أخرجه البخاري الفرائض 12/8 ح 6730 ومسلم الجهاد 3/1379 ح 51/1758 بلفظ "لا نورث ما تركنا فهو صدقة" وأبو داود الإمارة 3/142 ح 2968 والترمذي السير 4/158 ح 1610 والنسائي الفئ 7/117 كتاب قسم الفئ ومالك في الموطأ الكلام 2/993 ح 27 وأحمد المسند 6/163 ح 25178.
(1/187)

فصل: تخصيص السنة بالسنة
...
فصل وأما تخصيص السنة بالسنة فجائز.
وعن داود أنه لا يجوز3 لأن الله تعالى جعل رسوله صلى الله عليه وسلم مبينا فلا تحتاج سنته إلى بيان وهذا ليس بشىء لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب جاز تخصيص السنة بالسنة.
__________
3 انظر إحاكم الأحكام 2/469 المحصول 1/469 نهاية السول 1/429 نهاية السول 2/457 المعتمد 2/255 وأصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/305.
(1/187)

وقوله أن السنة بيان.
قلنا والكتاب تبيان قال الله تعالى: {تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] فإذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب وأن كان تبيانا كذلك يجوز تخصيص السنة بالسنة موجود كما وجد تخصيص الكتاب بالكتاب فوجب القول به فى الموضعين.
وبيان وجود تخصيص السنة بالسنة قوله عليه السلام: "لا تنتفعوا من الميتة بشىء" 1 قد خص بما روى أنه عليه السلام قال فى شاة ميمونة: "هلا أخذتم إهابها فدبغتموه" 2 وأما تخصيص عموم الكتاب بالسنة بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخصيصه بها.
ومنع أبو الحسن الكرخى من أصحاب أبى حنيفة أن يخص عموم القول بالفعل ولهذا لم يخص نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها بالغائط والبول باستقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بيت المقدس واستدباره الكعبة وقد خصت الصحابة قوله عليه السلام فى الجمع بين الجلد والرجم بفعله فى رجم ماعز والغامدية من غير جلد هكذا ذكره الأصحاب.
وعندى أن هذا بالنسخ أشبه وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال ثم خص عموم نهيه بفعله فى حقه دون غيره.
وأما تخصيص العموم بالإجماع.
فهو جائز لأن الإجماع حجة قاطعة3 وقد خص بالإجماع قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] بأن العبد لا يرث وإذا جاز أن يخص الإجماع الكتاب جاز أن يخص به عموم السنة أيضا.
وأما تخصيص العموم به على ما قدمناه.
وأما إذا ظهر القول فى الحادثة من أحدهم ولم يظهر من أحد منهم خلافة ولا وفاق معه فإن حصل إجماعا لانتشاره جاز تخصيص العموم به.
__________
1 أخرجه البيهقي في الكبرى 1/40 ح 94 انظر نصب الراية 1/120.
2 أخرجه مسلم الحيض 1/276 ح 100/363 وأبو داود اللباس 4/64 ح 4120 والترمذي اللباس 4/220 ح 1727.
3 انظر المحصول 1/430 المستصفى 2/112, 113 نهاية السول 2/456 البرهان 1/442 وإحكام الأحكام 2/477 انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/304, 305.
(1/188)

وإن لم يحصل إجماعا لعدم انتشاره فقد كان الشافعى رحمه الله يجعله فى القديم حجة كالقياس وهو قول أبى حنيفة ومالك ثم رجع عنه فى الجديد وصح أن يكون حجة فعلى هذا القول لا يجوز تخصيص العموم به.
وأما القول القديم فقد اختلف أصحابنا فى تخصيص العموم به فقال بعضهم يجوز لأنه حجة شرعية بمنزلة سائر الحجج وقال بعضهم لا يجوز لأن الصحابى محجوج بالعموم فلا يخص بقوله العموم وقد كانت الصحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا العموم فى خبر النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عمر كنا نخابر أربعين سنة حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة فتركناها بخبره1 ومثل هذا يوجد كثيرا.
وأما تخصيص عموم الخبر بمذهب راويه.
فإنه أجازه أبو حنيفة لأنه أعرف بمخرج ما رواه من غيره مثل ما روى عن أبو هريرة أنه أفتى بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات2 وقد روى غسله سبعا عن النبي صلى الله عليه وسلم3 وخص روايته بمذهبه ببينة أن الرواى لا يترك ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد عرف من النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص الكتاب أو نسخه وهذا فاسد عندنا لأن روايته حجة ومذهبه ليس بحجة فلا يجوز تخصيص ما هو حجة بما ليس بحجة4 ولأنه محجوج بالخبر فلا يجوز تخصيصه بقوله كغيره.
ويبينه: أن مقتضى العموم معلوم وليس فى مقابلته إلا حسن الظن بالراوى ومعنى حسن الظن بالراوى أنه لولا أنه علم قصد الرسول صلى الله عليه وسلم ومراده من العموم لم يخالف وهذا وأن كان كذلك إلا أنه مظنون وكون العموم حجة فى جميع ما يسوغه العموم معلوم ولا يجوز ترك المعلوم بالمظنون وعلى أن خلافه لو كان يعلم مقصد الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينبغى أن يتبين ذلك لكى يزيل عن نفسه الإيهام بمخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم والكلام.
__________
1 أخرجه مسلم البيوع 3/1179 ح 106/1547 ولم يذكر أربعين سنة وأحمد المسند 2/16 ح 4585.
2 عزاه الحافظ الزيلعي لابن عدي في الكامل انظر نصب الراية 1/131.
3 أخرجه البخاري الوضوء 1/330 ح 172 ومسلم الطهارة 1/234 ح 89/279 وأبو داود الطهارة 1/18 ح 71 والترمذي الطهارة 1/151 ح 91 والنسائي الطهارة 1/46 باب سؤر الكلب وابن ماجه الطهارة 1/130 ح 363.
4 انظر المحصول 1/449 وإحكام الأحكام 2/485 نهاية السول 2/474 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/324.
(1/189)

الوجيز فى هذا أن علينا أن نعتقد العموم فى قول الرسول صلى الله عليه وسلم ونجعله حجة على كل من يخالفه وليس علينا أن نتفحص عن قول من يخالفه أنه من أين قال بل يحتمل أنه عن قياس فاسد ورأى باطل وخلاف من ليس بمعصوم عن الخطأ لا يقابل قول من هو معصوم عن الخطأ وعلى هذا نقول قول ابن عباس أن المرتد لا يقتل أن ثبت عنه لا يخص به عموم قوله عليه السلام: "من بدل دينه فاقتلوه" 1 وأما تفسير الراوى لأحد محتملى الخبر يكون حجة فى تفسير الخبر كالذى رواه ابن عمر أن المتبايعين بالخيار ما لم يتفرقا وفسره بالتفريق بالأبدان لا بالأقوال فيكون أولى لأنه قد شاهد من خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ما عرف به مقاصده وكان تفسيره بمنزلة نقله والفرق بين تفسيره وتخصيصه بمذهبه أن تفسيره موافق للظاهر غير مخالف له فأخذ به وأما مذهبه مخالف فلا يخص به على ما سبق.
وأما التخصيص بالقياس.
فقد اختلف فيه مثبتوا القياس فذهبت شرذمة من الفقهاء وكثير من المعتزلة إلى أن تخصيص العموم بالقياس لا يجوز لأن ظاهر العموم أقوى من القياس فلم يجز أن يخص القياس والدليل على أنه أقوى أنه دليل علمى والقياس دليل ظنى ولا شك أن العلمى أقوى من الظنى ولأنه لما لم يجز النسخ بالقياس لا يجوز التخصيص به ولأن العموم نص والقياس يستعمل مع عدم النص.
وقال عيسى بن أبان وهو الظاهر من مذهب أبى حنيفة أنه يجوز أن يخص بالقياس عموم دخله التخصيص ولا يجوز أن يخص به عموم لم يدخله التخصيص وذهب أبو بكر محمد بن أبى طالب الأشعرى وجماعة من متأخريهم إلى أن العموم والقياس إذا تقابلا وجب الوقف عن استعمال أحدهما لتكافئهما من حيث أن كل واحد منهما صار حجة فعليه يتوقف حتى يقوم دليل يوجب ترجيح أحدهما وأما الشافعى ومالك وأكثر الفقهاء ذهبوا إلى جواز تخصيص العموم بالقياس لأنه دليل شرعي منصوب لمدارك الأحكام فيخص به العموم كسائر الدلائل.
ببينة أن فى تخصيص العموم بالقياس استعمالا لدليلى العموم والقياس جميعا فكان أولى من استعمال أحدهما وإسقاط الآخر ولأن القياس يدل على الحكم من.
__________
1 تقدم تخريجه.
(1/190)

طريق المعنى والعموم يدل من طريق الاسم والمعانى والأسامى إذا التقتا كان القضاء للمعانى على الأسامى.
والجواب عما ذكروه أما قولهم أن العموم أقوى من القياس لا نسلمه وقولهم أنه يفيد العلم قلنا إنما يفيد العلم بأصل وروده فأما فى محتملاته فلا نسلم ذلك بل هو مجرد ظاهر فى الاستيعاب ويحتمل خلافه وعلى أنه لا يمتنع أن يخص الأقوى بالأضعف كما يخص الكتاب بالسنة وأما تعلقهم بالنسخ فنقول النسخ رفع حكم ثابت فامتنع بالقياس لضعفه وأما التخصيص فمعرفة ما لم يرد بالعموم والقياس يجوز أن يدل على ذلك تبيين الفرق أن عموم الكتاب يجوز تخصيصه بخبر الواحد على ما قدمناه فلا يجوز نسخه به وأما قولهم أن العموم نص قلنا صيغة العموم إنما يدخل فى النص إذا لم يخصها القياس فإن خصها لم يدخل فيه.
وأما الذى قاله عيسى بن أبان فقد أجبنا من قبل وإذا ثبت جواز تخصيص العموم بالقياس فيجوز بالقياس الجلى فأما بالقياس الخفى فعلى وجهين قال بعض أصحابنا لا يجوز لقوة الجلى وضعف الخفى وقال بعضهم يجوز لأن الخفى ألحق بالجلى فى ثبوت الحكم فيلحق به فى تخصيص العموم1.
__________
1 اعلم أن الأسنوي قد نقل الانفاق على أن القياس القطعي يخصص به العام من الكتاب والسنة المتواترة وأما القياس الظني فهو محل الخلاف وقد اختلف الأصوليون في ذلك على أقوال كثيرة أهمها ما ذكره البيضاوي وهوسبعة أقوال:
القول الأول: وهو المختار للبيضاوي ونقل عن الأئمة الأربعة أنه يجوز تخصيص العام من الكتاب والسنة المتواترة بالقياس.
القول الثاني: لا يجوز مطلقا - وهو المختار للإمام الرازي وأبي علي الجبائي من المعتزلة.
القول الثالث: إن خصص العام بمخصص قبل القياس جاز تخصيصه بالقياس وإن لم يخصص العام قبل ذلك لا يجوز تخصيصه بالقياس وهذا القول لعيسى بن أبان - غير أن الأسنوي قيد هذا القول بما قاله عيسى بن أبان في الخبر وهو أنه لا بد أن يكون مخصص العام قبل القياس قطعيا ولكن ظاهر كلام البيضاوي وصاحب جمع الجوامع أن هذا الشرط غير مطلوب في تخصيص العام بالقياس وقالوا في الفرق إن القياس أقوى من خبر الواحد فلا يشترط في الأقوى ما يشترط في الأضعف وقد استدل عيسى بن أبان بما استدل به في خبر الواحد.
القول الرابع: إن خصص بمتصل أو لم يخصص أصلا لم يجز في تخصيصه بالقياس وإن خصص بمنفصل جاز تخصيصه به - وهذا لأبي الحسن الكرخي.
القول الخامس: إن كان القياس جليا بأن قطع فيه نفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع كقياس........=
(1/191)

وأما التخصيص بدليل الخطاب.
فيجوز تخصيص العموم به.
قال أبو العباس بن سريج لا يجوز وهو قول أكثر أهل العراق لأن عندهم أنه ليس بدليل والكلام معهم يجىء أن شاء الله.
وعندنا هو دليل كالنطق فى أحد الوجهين وكالقياس فى الوجه الآخر وأيهما كان يجوز التخصيص به.
وأما فحوى الخطاب.
فيجوز التخصيص به وقد بيناه.
ثم اعلم أن من تخصيص العموم بالقياس قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] ثم خصت الأمة بنصف الحد نصا بقوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} ثم خص العبد بنصف الحد قياسا على الأمة فصار بعض الآية مخصوصا بالكتاب وبعضها مخصوصا بالقياس ومن ذلك قوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ..} إلى قوله: {فَكُلُوا مِنْهَا} ثم خص منها بالإجماع تحريم الأكل من جزاء الصيد وخص عند الشافعى تحريم الأكل من هدى المتعة والقران قياسا على جزاء الصيد فصار بعض الآية مخصوصا بالإجماع وبعضها بالقياس على الإجماع.
فهذا بيان ما قدمناه.
__________
= العبد على الأمه بجامع الرق ليثبت له تنصيف الحد في الزنا كما ثبت له ذلك لأن الفارق بينهما هي الذكورة والأنوثة وهي غير مؤثرة في الحكم - جاز تخصيص العام به وإن كان القياس خفيا. بأن لم يقطع فيه بنفي تأثير الفارق كقياس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار ليثبت له التحريم كما ثبت في الخمر حيث لم يقطع بنفي تأثير الفارق لجواز أن يكون كونه خمرا هو المؤثر - لم يجز تخصيص العام به وهذا القول لا بن سريج من الشافعية.
القول السادس: لحجة الإسلام الغزالي: العام والقياس متعارضان في الفرد الذي دل عليه القياس فإن ترجح أحدهما على الآخر عمل بالراجح منهما وإن تساويا لم يعمل بواحد منهما فيه بل يتوقف عن العمل بواحد منهما فيه حتى يوجد المرجح.
القول السابع: الوقف وعدم الجزم بشيء حتى يوجد المرجح فيعمل به وهو لإمام الحرمين انظر المحصول 1/436 وإحكام الأحكام 2/491 ونهاية السول 2/463 المستصفى 2/122 البرهان 1/428 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/311.
(1/192)

وأما التخصيص بالعادة والعرف1.
فقد قال أصحابنا لا يجوز تخصيص العموم به2 لأن الشرع لم يوضع على العادة وإنما وضع فى قول بعض أصحابنا على المصلحة وفى قولنا على ما أراد الله تعالى ولا معنى للرجوع إلى العادة فى شىء من ذلك والله أعلم.
مسألة إذا ورد اللفظ العام على سبب خاص وكان مستقلا بنفسه يجرى على عمومه ولا يستقل بنفسه.
وليس المعنى بالسبب السبب الموجب للحكم مثل ما نقل أن ماعزا زنى فرجمه.
__________
1 العادة هي الأمر المتكرر وتعرف عند الحنفية بالعرف.
والعرف نوعان: قولي وعملي.
العرف القولي: هو ما ثبت باستعمال اللفظ في معنى خلاف المعنى الذي وضع له لغة مثل لفظ الدابة.
العرف العملي وهو ما ثبت بالعمل والعفل لا بالاستعمال اللفظي انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/317, 318.
2 اعلم أن المقصود بالعرف هنا هو العرف العملي حيث إن العرف القولي لا خلاف أنه يخصص به العام.
والعرف العملي قد اختلف فيه الحنفية والشافعية فذهب الحنفية إلى أنه كالعرف القولي يخصص به العام والجامع بينهما أن كلا منهما يتبادر من اللفظ عند الإطلاق - غاية الأمر أن منشأ التبادر في العرف القولي هو استعمال اللفظ وذلك يعتبر فرقا مؤثرا في الحكم.
وأما الشافعية فقالوا: إن مجرد العرف العملي الذي لا يستند إلى قرار من الرسول عليه الصلاة والسلام لا يكون مخصصا للعام الوارد على لسان الشرع لأن أفعال الناس لا تكون حجة على الشرع فإن استند إلى قرار منه عليه السلام يكون المخصص هو الإقرار وسيأتي الكلام عليه.
مثال ذلك أن ينهى الشارع عن بيع الطعام بجنسه متفاضلا - ويتعارف الناس على طعام خاص فيما بينهم كالبر أو الذرة مثلا - فالطعام إذا أطلق في عرفهم يتبادر منه هذا النوع بخصوصه فهل يكون العام مخصصا بهذا العرف أو لا يكون مخصصا به في ذلك الخلاف.
انظر نهاية السول 2/469 انظر المحصول 451 انظر البرهان 1/445 إحكام الأحكام 2/486 انظر أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/417, 418.
(1/193)

رسول الله صلى الله عليه وسلم1 أو سها النبي صلى الله عليه وسلم فسجد2 وإنما المعنى بالسبب مثل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن التوضؤ بماء البحر فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" 3 فاقتضى الجواب أن يكون الماء طهورا فى جميع وجوه الانتفاع وكذلك روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن ابتاع عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبا فقال: "الخراج بالضمان" 4 فكان قوله الخراج بالضمان عاما فى هذا الموضوع وفى غيره وكذلك الرخصة فى العرية إنما وقعت بسبب فقراء لم يكن لهم ما يشترون به الرطب فأجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرخصة فى العرية فكان الجواب عاما فى الفقراء والأغنياء واعلم أن من أشرط إجرائه على عمومه هو أن يكون اللفظ المذكور يمكن أن يحمل على عمومه فيكون مفيدا من غير أن يعلق بذلك السبب فأما إذا لم يفد ما لم يصر عن السبب فإنه يكون مقصورا عليه وهذا كما روى أنه عليه السلام قال فى جواب السائل حين سأله عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص إذا جف قالوا: نعم قال فلا إذا5 [ ... ] 6لا يمكن أن يحمل على ظاهره بدون السبب لأنه لا يستقل بنفسه فى الإفادة [ ... ] 7 على سببه.
وقال مالك يقصر على سبببه وهو اختيار المزنى والقفال وأبى بكر الدقاق وقد.
__________
1 مسلم الحدود 3/1319 ح 17/1592 وأبو داود الحدود 4/144 ح 4422 وأحمد المسند 3/466 ح 15098.
2 أخرجه البخاري السهو 3/111 ح 1224 ومسلم المساجد 1/399 ح 85/570 وأبو داود الصلاة 1/270 ح 1034 والنسائي السهو 3/17 باب ما يفعل من قام من اثنتين ناسيا ولم يتشهد؟
3 أخرجه أبو داود الطهارة 1/21 ح 83 والترمذي الطهارة 1/100 ح 69 وقال حسن صحيح والنسائي المياه 1/143 باب الوضوء بماء البحر وابن ماجه الطهارة 1/136 ح 386 ومالك في الموطأ الطهارة 1/22 ح 12 والدارمي الطهارة 1/201 ح 728 وأحمد المسند 2/318 ح 7252.
4 أخرجه أبو داود البيوع 3/283 ح 3510 والترمذي البيوع 3/572 ح 1285 - 1286 والنسائي البيوع 7/223 باب الخراج بالضمان وابن ماجه التجارات 2/754 ح 2243 وأحمد المسند 6/233 ح 25800.
5 أخرجه أبو داود البيوع 3/248 ح 3359 والترمذي البيوع 3/519 ح 1225 وقال حديث حسن صحيح والنسائي البيوع 7/236 باب اشتراء التمر بالرطب وابن ماجه التجارات 2/761 ح 2264 ومالك في الموطأ البيوع 2/624 ح 22.
6 كشط بالأصل بمقدار كلمتين.
7 كشط بالأصل بمقدار كلمتين.
(1/194)

أورد بعض أصحابنا أن الشافعى أشار إلى هذا فى الخبر المروى فى بئر بضاعة وقال قوله صلى الله عليه وسلم: "الماء طهور لا ينجسه شىء" 1 مقصور على سبببه وقال فى قوله: "لا قطع فى ثمر وكثر" 2 أنه خرج على عادة أهل المدينة فى ثمارهم وأنها لم تكن فى مواضع محفوظة وسائر الأصحاب قالوا: إنما قال الشافعى هذه الأدلة دلت عليها فأما إذا لم يكن هناك دليل يدل على التخصيص فمذهبه إجراء اللفظ على عمومه.
واحتج من قال بذلك بأن السؤال مع الجواب كالجملة الواحدة بدليل أن السؤال هو المعتضى للجواب والمميز له وبدليل أن الجواب إذا كان مبهما أحيل به فى بيانه على السؤال وإذا ثبت أنها كالجملة الواحدة فيجب أن يصير السؤال مقدرا فى الجواب فيخصص الحكم به.
ببينة: أن السبب لما كان هو الذى أثار الحكم تعلق به تعلق المعلول بالعلة.
قالوا: ولأن من حق الجواب أن يكون مطابقا للسؤال وإنما يكون مطابقا بالمساواة وإذا أجرينا اللفظ على عمومه لم يكن مطابقا.
يدل عليه أن الخطاب جواب وليس بابتداء كلام وإذا جرينا على ما قلتم كان ابتداء الكلام ولم يكن جوابا ألا ترى أن من قال لغيره تغد معى فقال والله لا أتغدى يكون اليمين مقصورا على التغدى معه حتى لو تغدى لا معه لم يحنث وإنما كان كذلك لما بيناه قالوا: ولأن الراوى لما نقل السبب مع لفظ الجواب فلا بد له من فائدة وليس فائدة النقل إلا اقتصار الخطاب عليه فهذه كلماتهم فى المسألة.
وأما حجتنا نقول أولا كل لفظ وجب إجراؤه على العموم عند تعريه عن سؤال خاص وجب إجراؤه على العموم وأن خرج على سؤال خاص كما لو قالت امرأة لزوجها طلقنى فقال نساؤه طوالق أو كل امرأة له طالق وهذا لأن الطلاق يقع بلفظ الزوج لا بسؤال الزوجة فاعتبر عموم لفظ الزوج وخصوصه فكذا حكم الشريعة يثبت بقول الشارع لا بسؤال السائل فاعتبر عموم لفظ الشارع وخصوصه وهذا كلام.
__________
1 أخرجه أبو داود الطهارة 1/17 ح 66 والترمذي الطهارة 1/95 ح 66 وقال حديث حسن والنسائي المياه 1/141 باب ذكر بئر بضاعة وأحمد المسند 3/38 ح 11263.
2 أخرجه أبو داود في الحدود 4/134 - 135 الحديث 4388 والترمذي في الحدود 4/52 - 53 الحديث 1449 والنسائي 8/86 وابن ماجه 2593 والدارمي 2/174 والإمام أحمد في مسنده 3/463.
(1/195)

لا بأس به إلا أن التعلق بمسألة الطلاق ضعيف لأن الكلام فى عمومه يقبل التخصيص فى الطلاق لو قال نساؤه طوالق وكل امرأة له طالق وقال عنيت بعض نسائى لم يصدق بخلاف خطاب الشارع لو قام الدليل أنه عنى البعض يكون محمولا عليه على الخصوص وصح ذلك والحجة المعتمدة أن الكلام فى جواب له صيغة صالحة للسبب وغيره حتى يوجد الاستيعاب وقد قام الدليل لنا على أن صيغة العموم لاستيعاب كل ما يصلح له فنقول اللفظ العام الصادر عن الشارع أو عن حكم يجب إجراؤه على عمومه إلا أن يمنع مانع ولا مانع من إجرائه على عمومه فيجرى وهذا لأنه ليس من شرط الجواب أن لا يزيد على السبب نعم من شرطه أن لا يقصر عن السبب أما أن يكون من شرطه ترك الزيادة على السبب فلا ببينة أنه لا يلزم المجيب أن لا يجيب إلا بقدر السؤال لا من حيث العادة ولا من حيث الشريعة ألا ترى أن الله تعالى سأل موسى عليه السلام عما فى يمينه فقال {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} طه 17 فأجاب موسى {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} طه 18 فأجاب وزاد فثبت أن السؤال عن شىء خاص لا يوجب قصر اللفظ عليه.
يدل عليه أن تخصيص العموم يكون بالمنافى ولا منافاة بين السبب والخطاب فى شىء ما ولم يجريه التخصيص وهذه كلمات معتمدة فليكن التعويل عليها لا على الأول.
وأما الجواب عن كلماتهم قولهم أن السؤال والجواب كالشىء الواحد.
قلنا أن كان كذلك فهو فى قدر ما يكون جوابا عن السؤال وأما فيما يزيد عليه فلا ثم يدخل عليه مسألة الطلاق ولو جعل الجميع كالشىء الواحد لم يقع إلا على هذه المرأة على الخصوص.
وأما قولهم أن السبب مشير للحكم فصار كالمعلول مع العلة.
قلنا ليس الكلام فى مثل هذا السبب وقد بينا هذا فى أول المسألة حتى لو كان السبب المنقول هو المؤثر كان الحكم متعلقا به.
وأما قولهم أن من حق السؤال أن يكون مطابقا للجواب.
قلنا أن أردتم بالمطابقة مساواة الجواب للسؤال فغير مسلم أنه من شرط الجواب وقد بيناه وإن أردتم بالمطابقة انتظام الجواب لجميع السؤال فذلك يحصل بالمساواة من.
(1/196)

غير مجاورة وبالمساواة مع المجاورة كما فى سؤال موسى عليه السلام عن عصاه وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن التوضؤ بماء البحر.
وأما قولهم أن هذا الخطاب جواب وليس بابتداء كلام.
قلنا بل هو جواب وابتداء كلام على معنى جواب عما سئل عنه وبيان أيضا لحكم ما لم يسأل عنه وهو صحيح غير ممتنع لم بينا أن السؤال يقتضى جواب ما سئل عنه.
فأما أن يمنع الزيادة عليه فلا وقد ذكرنا وجه صحة هذا مثالا ومعنى وأما إذا قال تغد معى فقال والله لا أتغدى قلنا لا نعرف أن المسألة على مذهب الشافعى فعلى ما قالوه وعلى أن الأيمان محمولة على العادة فى الفتاوى لا على حقائق الألفاظ.
وأما قولهم أن الراوى نقل السبب ولا بد له من فائدة.
قلنا فائدته أن لا يجوز تخصيص ما وقع السؤال عنه من العموم.
وقد قال بعضهم فى أصوله أن مذهب أبى حنيفة أنه يجوز وهذا لا يعرف من مذهبه1.
__________
1 انظر نهاية السول 2/476 المحصول 1/448 وإحكام الأحكام 2/488 روضة الناظر 205 القواعد لابن اللحام 363 أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/321.
(1/197)

فصل: تعارض اللفظان من صاحب الشرع
...
فصل: إذا تعارض اللفظان من صاحب الشرع فلا يخلو أما أن يكونا خاصين أو عامين أو أحدهما خاصا والآخر عاما أو يكون كل واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه.
فأما إذا كانا خاصين مثل أن يقول: اقتلوا المرتدة ولا تقتلوا المرتدة أو صلوا ما لا سبب له عند طلوع الشمس ولا تصلوا ما لا سبب له عند طلوع الشمس فهذا لا يجوز أن يرد إلا فى وقتين فيكون أحدهما ناسخا للآخر فإن عرف التاريخ يكون الثانى ناسخا للأول وأن لم يعرف التاريخ وجب التوقف2 وأن كانا عامين مثل أن يقول: من بدل دينه فاقتلوه ومن بدل دينه فلا تقتلوه وصلوا عند طلوع الشمس ولا تصلوا عند طلوع الشمس فإن لم يمكن استعمالها وجب التوقف كالقسم الذى.
__________
2 لاحتمال أن يكون كل منهما منسوخا من غير ترجيح انظر المحصول 2/451 نهاية السول 4/449 المستصفى 2/140 أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 4/203.
(1/197)

قدمنا وإن أمكن استعمالهما فى حالتين استعملا1 ومثال هذا ما قال صلى الله عليه وسلم فى خبر الشهود: "من شهد قبل أن يستشهد" 2 وقال: "شر الشهود من شهد قبل أن يستشهد" 3 وقالوا: الأول محمول على ما إذا شهد ولم يعلم صاحب الحق أن له شاهدا فإن الأول أن شهد وأن لم يستشهد ليصل المشهود له إلى حقه والثانى محمول على ما إذا علم له الحق بشهادة فلا يجوز للشاهد أن يبدأ بالشهادة قبل أن يستشهد.
وأما إذا كان أحدهما خاصا والآخر عاما مثل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 3] مع قوله صلى الله عليه وسلم: "حلت لكم ميتتان ودمان" 4 ومع قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" 5 ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: "فيما سقت السماء العشر" 6 مع قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" 7 قالوا: يجب فى هذا وأمثاله أن يقضى بالخاص على العام ولا فرق عندنا بين أن يتآخر العام ويتقدم الخاص ويتآخر الخاص ويتقدم العام أو يرد ولا نعرف التاريخ بينهما8.
__________
1 انظر المحصول 2/451 نهاية السول 4/455, 451 المستصفى 2/151 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 4/202.
2 أخرجه مسلم الأقضية 3/1344 ح 19/1719 وأبو داود الأقضية 3/303 ح 3596 والترمذي الشهادات 4/544 ح 2295 وابن ماجه الأحكام 2/792 ح 2364.
3 النهي عن الشهادة قبل الاستشهاد أي طلبها أخرجه مسلم والبيهقي في الكبرى 10/269 الحديث 599 202600.
4 أخرجه ابن ماجه الأطعمة 2/1101 ح 3314 وأحمد المسند 2/133 ح 5725 انظر نصب الراية 4/201 - 202.
5 أخرجه مسلم الحيض 7/277 ح 105/366 وأبو داود اللباس 4/65 ح 4123 والنسائي الفرع 7/151 باب جلود الميتة ومالك في الموطأ الصيد 2/498 ح 17 والدارمي الأضاحي 2/117 ح 1985 وأحمد المسند 1/288 ح 1900.
6 أخرجه البخاري الزكاة 3/407 ح 1483 ومسلم الزكاة 3/675 ح 7/981 ولفظ الحديث عند البخاري وأبو داود الزكاة 2/111 ح 1596 والترمذي الزكاة 3/23 ح 640.
7 أخرجه البخاري الزكاة 3/318 ح 1405 ومسلم الزكاة 2/673 ح 1/979 وأبو داود الزكاة 2/96 ح 1558 والترمذي الزكاة 3/13 ح 626 والنسائي الزكاة 5/12 باب زكاة الإبل.
8 انظر نهاية السول 4/463.
(1/198)

وقال بعض أهل الظاهر يتعارض الخاص والعام بكل وجه وهو قول القاضى أبى بكر الباقلانى.
وقال كثير من المعتزلة إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا فإنه ينسخ العام1 وإليه ذهب عامة أصحاب أبى حنيفة وقالوا: فيما إذا كان الخاص متأخرا والعام متقدما فإن كان ورد الخاص قبل أن يحضر وقت العمل بالعام فإنه يكون الخاص مقضيا به على العام وأن ورد الخاص بعدما حضر وقت العمل بالعام فإنه يكون نسخا وبيانا لمراد المتكلم فيما بعد دون ما قبل لأن البيان لا يتآخر عن وقت الحاجة هذا مذهب المعتزلة ويجوز أن يكون مذهب أصحاب أبى حنيفة على خلاف هذا ويذهبون إلى مثل ما ذهب إليه الشافعى رحمه الله.
ورأيت عن أبى الحسن الكرخى أن المتآخر ينسخ المتقدم وسواء فى ذلك كان المتآخر خاصا أو عاما.
وقد ذكر عيسى بن أبان فى الخبرين إذا تعارضا وأن كان أحدهما عاما والآخر خاصا ولم يعرف تاريخ ما بينهما وجوها من الترجيح.
منها أن يكون أحدهما متفقا على استعماله كخبر العشر فإنهم قالوا: أن قوله فيما سقت السماء العشر متفق على استعماله وخبر الأوساق متفق على استعماله.
ومنها أن يعمل معظم الأمة بأحدهما ونعيب على ترك العمل به مثل الخبر فى ربا الفضل والخبر الآخر وهو قوله عليه السلام: "لا ربا إلا فى النسيئة"2 فإن الصحابة عابوا على ابن عباس فى ترك العمل بخبر أبى سعيد وهو الخبر الذى روى فى تحريم ربا الفضل.
ومنها أن يكون الرواة لأحدهما أشهر.
واعلم أنا إذا بينا أن الخاص يقضى به على العام بكل حال سقطت هذه الوجوه التى ذهب إليها فى الترجيح ويقال أن قوله فى خبر الأوساق أن الأمة لم يتفقوا على استعماله فليس ذلك أكثر من أنا تركنا العمل به وهذا لا يضعف الخبر وعلى.
__________
1 انظر المعتمد 2/176.
2 أخرجه البخاري البيوع 4/445 ح 2178, 2179 ومسلم المساقاة 3/1217 ح 101/1596 والنسائي البيوع 7/247 باب بيع الفضة بالذهب وبيع الذهب بالفضة وابن ماجه التجارات 2/758 ح 2257.
(1/199)

أن قوله عليه السلام: "فيما سقت السماء العشر" 1 متفق على استعماله فى الأوساق الخمسة فما زاد فأما فيما دون الأوساق الخمسة فلا واستعمال الأمة الخبر فيما وراء الأوسق الخمسة لا يوجب ترجيحا وأيضا يقال لهم لم قلتم أن استعمال الخبر من الأمة على الجملة يوجب ترجيحا للخبر وكلا الخبرين ورد مورد الصحة ولا عذر لأحد فى ترك العمل بواحد منهما لأن الدليل الذى دل على وجوب العمل بأحد الخبرين هو الدليل الذى دل على وجوب العمل بالخبر الآخر ومتى طولبوا بمثل هذه لم يمكنهم القيام بحجة فيما زعموه ويخص الفصل الذى ذكرناه وهو إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا ونبين أن القول بالنسخ للخاص المتقدم بالعام المتآخر باطل ونقيم الدليل على مذهبنا فى بناء العام على الخاص والقول بقضاء الخاص على العام.
مسألة العام المتقدم لا ينسخ الخاص المتقدم بل الخاص يقضى عليه ويكون الحكم له فيما تناوله المتآخر 2.
وعندهم الخاص المتقدم يصير منسوخا بالعام المتآخر وتعلقوا فى هذا بأشياء منها:
أن اللفظ العام فى تناوله لآحاد ما دخل تحته يجرى مجرى ألفاظ خاصة كل واحد منها يتناول واحدا فقط من تلك الآحاد لأن قوله {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] يجرى مجرى قوله اقتلوا زيد المشرك أو اقتلوا عمرا واقتلوا خالدا ولو قال ذلك ثم قال لا تقتلوا زيدا لكان ذلك ناسخا فكذلك ما ذكرنا ومنها أن الخاص المتقدم يتأتى نسخه والعام يمكن أن يكون ناسخا له فكان ناسخا والدليل على أنه يمكن أن يكون ناسخا لأنه يتناول ما تناوله الخاص مع الثانى وهو متآخر فينسخه.
واستدل من قال بوقوع التعارض بين الخاص والعام أن العام قد تناول ما تناوله الخاص وزيادة فتناوله لتلك الزيادة لا يؤثر فى تناوله لما تناوله الخاص وإذا كان كل واحد منهما متناولا لما تناوله صاحبه وجب أن يكونا متعارضين كالخاص والخاص والعام والعام وهذا لأن تناول العام لزيادة تجرى مجرى خبر آخر تناول تلك الزيادة ولو كان كذلك لم يؤثر فى تعارض هذين فى هذا الشىء الواحد فثبت أنهما متعارضان كالخبرين جميعا وفى ترك بناء العام على الخاص استعملا للخبر العام وتركا للخاص.
__________
1 تقدم تخريجه.
2 انظر المحصول 2/452, 453.
(1/200)

لأن فى القول ببناء العام على الخاص ترك العام لأن العام لاستيعاب كل ما يتناوله فإذا بنى على الخاص ومعنى بناء الخاص على العام أنه يجعل كأنه لم يتناول ما ورد به الخاص فقد تركتم العام لأن فى ترك القول بالاستيعاب ترك القول بالعموم فاستوى الجانبان من هذا الوجه
وأما حجتنا فتقدم الدليل فى أن القول ببناء العام على الخاص واجب على الجملة.
فنقول كل واحد من العام والخاص دليل يجب العمل به فلا يجوز إطراحهما إذا أمكن استعمالهما والقول ببناء العام على الخاص استعمال لهما جميعا وهو استعمال الخاص فيما يتناوله بصريحه واستعمال له فيما وراء ما تناوله الخاص وعلى هذا بطل القول بالتعارض لأن فى القول بالتعارض إنما ترك العمل بهما أو ترك العمل بالخاص فثبت أن القول ببناء العام على الخاص متعين.
فإن قالوا: لم لا تقولون بأن أحدهما ينسخ الآخر.
قلنا لا يمكن القول بالنسخ إلا بعد معرفة التاريخ وهذا الدليل فى بناء العام على الخاص فى الجملة وهو إذا لم نعرف تاريخ ما بين الخطابين أو كان العام متقدما والخاص متأخرا فأما إذا كان الخاص متقدما والعام متأخرا فسنبين القول فيه ببينة أنه لو كان بدل الخاص قياس لبنى العموم عليه والخبر الخاص آكد من القياس وأقوى فلأن بنى عليه العام أولى وأيضا فإن العام والخاص لو وردا معا يبنى العام على الخاص فكذلك إذا وردا ولم يعلم تاريخ ما بينهما لأن الأصل أن كان شيئين وجدا معا ولم نعلم تاريخ ما بينهما يجعل كأنهما وجدا معا كمسألة الغرقى والهدمى إذا لم يعلم وقت موت واحد منهم يجعل كأنهم ماتوا معا حتى لا يحكم بالميراث لواحد منهم من صاحبه وأن كان بينهما سبب يوجب الإرث وهم ربما يعترضون على هذا فيقولون لما اشتبه حال الميتين لم يورث أحدهما من الآخر فكذلك إذا اشتبه حال الخبرين وجب أن لا يعترض بأحدهما على الآخر وأن يرجع إلى أمر آخر والاستدلال فيما قصد بالاستدلال به قائم وهذا لا يوجب مغمزا فيه وأما الدليل فى أن العام المتآخر لا ينسخ الخاص المتقدم هو أن الخاص معلوم دخول ما تناوله تحته ودخول ذلك تحت اللفظ العام مشكوك فيه والعلم لا يترك بالشك وهم يقولون على قولكم هذا أن دخوله تحت اللفظ العام مشكوك فيه ليس بذلك بل تناوله إياه ولما سواه حتى يتم الاستيعاب معلوم أيضا لأنه صيغة موضوعة للاستيعاب لغة وشرعا فكيف يقع.
(1/201)

الشك فى تناوله لما ينسحب عليه الاستيعاب.
ونحن نقول المعنى بما ذكرناه من الشك هو أنه يحتمل أنه لا يتناوله والخاص لا يحتمل أن لا يتناوله وهذا مسلم ونقرر هذا الدليل بوجه آخر وهو المعتمد فنقول الخبر العام يتناول ما تناوله الخاص على ما زعموا ولكن لا تعارض فى هذا التناول لأن الخاص يتناوله بصريح لفظه من غير أن يكون فيه احتمال أن لا يتناوله وأما العام فيتناوله لا بصريح لفظه بل بظاهر عمومه ويحتمل إلا يتناوله وإذا لم يستويا فى التناول لم يقع التعارض فوجب القضاء بما له الترجيح.
وإذا رجحنا سقط النسخ وتصور صورة ليكون الكلام أوضح فنقول قول القائل لا تقتلوا اليهود يمنع من قتلهم أبدا وقوله من بعد اقتلوا الكفار يوجب قتلهم فى حالة من الحالات.
والقول الأول يمنع من قتلهم فى تلك الحالة وإذا تمانعا على هذا الوجه والخاص أخص باليهود وأقل احتمالا وجب القضاء به والكلام الوجيز فى هذا الدليل أن القول بالنسخ من غير دليل على النسخ باطل والقول بترجيح الخاص على العام فيما تناولاه مانع من قيام دليل النسخ.
وأما الجواب عن كلامهم.
وأما الأول قلنا لو جعلنا الجملة كالآحاد المذكورة واحدا واحدا لا متنع تخصيص كل عموم فى العالم كما ذكروا واحدا واحدا لم يجز تخصيص واحد منهم من الأعداد المذكورة ثم نقول اللفظ العام يجرى مجرى الآحاد المذكورة واحدا واحدا فى أصل التناول ولا يجرى مجراها فى امتناع دخول التخصيص عليه ألا ترى أن اللفظ الذى يذكر فيه الأعداد واحدا واحدا لا يجوز أن يخرج شىء منه بالتخصيص بخلاف اللفظ العام.
وأما دليلهم الثانى قلنا مجرد احتمال النسخ لا يدل على النسخ وكذلك المتآخر وعلى أنه كما أن الخاص المتقدم يحتمل أن ينسخ فالعام المتآخر يحتمل أن يخص فلم يكن أحدهما أولى من الآخر وعلى أنا بينا الدليل المانع من النسخ.
وقولهم أن المتآخر دليل النسخ قلنا وهل نوزعتم فى هذا الموضع إلا فى هذا.
وأما اعتراضهم على دليلنا بقولهم أن فى بناء العام على الخاص بترك القول بالعموم.
(1/202)

قلنا لا فإنا عملنا بالعموم وراء المخصوص.
وقولهم أن الصيغة للاستيعاب.
قلنا إذا لم يقم دليل على التخصيص وها هنا قد قام وهذا لأن التخصيص بيان يتصل بالخطاب فيظهر أن الخطاب بالعموم صدر متناولا لما وراء المحل المخصوص فإن قالوا: كيف ثبت اتصال البيان بشىء متقدم على الخطاب ولو جاز هذا لجاز الاستثناء متقدما على المستثنى منه.
قلنا وأى شىء يمنع من أن يكو بيان الخطاب وتخصيصه بسبب متقدم ألا ترى أن دليل العقل يجوز به تخصيص العموم وأن كان متقدما على العموم وقد سبق ذكر ذلك وبيان مثاله أما الاستثناء فكلام تكلم به أهل اللغة وهم لم يتكلموا بالاستثناء المتقدم على المستثنى منه وعلى أن عندنا يجوز ذلك وقد ذهب إليه كثير من الأصحاب وسنبين وروده.
أما الكلام الأخير الذى ذكره ففيما قلنا جواب عنه وقد بينا ترجيح التناول فى هذا الجانب والمرجوح لا يعارض الراجح ولم يستعمل فى هذه المسألة بإيراد الأمثلة فى المواضع التى أجمع الفقهاء فيها ببناء العام على الخاص لأنهم يقولون قد ورد أيضا بناء الخاص على العام وهو قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] فهذا خاص فى الوالدين والأقربين ومع ذلك بنى على عموم قوله لا وصية لوارث"1 والجواب عن هذا سهل والاعتماد على ما سبق والله أعلم.
وأما إذا تعارض خطابان أحدهما خاص من وجه عام من وجه والآخر عام من وجه خاص من وجه وتنافيا فى الحكم الذى ابتنى عليهما فلا بد من التوقف حتى يظهر المرجح2.
وأمثال هذا كثيرة وتوجد فى قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" 3 وقد ورد فى.
__________
1 تقدم تخريجه.
2 انظر نهاية السول 4/466 المحصول 2/453 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 4/203.
3 تقدم تخريجه.
(1/203)

معارضة نهيه عليه السلام عن قتل النساء وأحدهما خاص فى النساء عام فى الحربيات والمرتدين والآخر خاص فى المرتدين عام فى النساء والرجال فينبغى أن يطلب فى هذا الموضع الترجيح لأحدهما على الآخر وقد ذكر الأصحاب وجوها من الترجيح سترد من بعد بمشيئة الله تعالى.
(1/204)

فصل: إذا ورد عقيب العموم تقييد بالشرط أو باستثناء أو صفة أو حكم وكان ذلك لا [يتأتى إلا فى] 1 بعض ما تناوله العموم فالمذهب أنه لا يجب أن يكون المراد بالعموم تلك الأشياء فقط.
وذهب بعض الأصوليين إلى التوقف وهو اختيار أبى الحسين البصرى صاحب المعتمد2.
ومثال التقييد بالاستثناء قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237] وقوله: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} يتناول الكبيرة العاقلة وأول الآية عام فى الصغيرة والكبيرة والعاقلة والمجنونة.
ومثال التقييد بالصفة قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} إلى أن قال: {لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} [الطلاق: 1] تعنى الرغبة فى مراجعتهن وهذا خاص فى الرجعة وأول الآية عام فى الرجعية والبائنة.
ومثال التقييد بحكم قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} ثم قال: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً} [البقرة: 228] وهذا لا يكون إلا فى الرجعية أيضا وأول الآية عام فى البائنة والرجعية.
ومثال الشرط قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4] فقوله تعالى: {إِنِ ارْتَبْتُمْ} خاص وقوله: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ} عام والتقدير واللائى يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلاثة أشهر وأن ارتبتم فالأول على عمومه وأن عقبه بشرط يخص البعض دون البعض.
__________
1 ثبت في الأصل "ينافي" ولعل الصواب ما أثبتناه.
2 وهو مذهب قاضي القضاة وقال صاحب المعتمد والأولى عندنا التوقف في ذلك انظر المعتمد 1/283.
(1/204)

ووجه ما ذكرنا أن اللفظ العام يجب إجراره على عمومه إلا أن يضطرنا شىء إلى تخصيصه وكون آخر الكلام مخصوصا لا يضطر إلى تخصيص أوله فإن ادعى المخالف لهذا ضرورة وقال أن الكناية ترجع إلى جميع ما تقدم لأن قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} معناه إلا أن يعفوا النساء اللوائى طلقتموهن ولو أن الله تعالى صرح بذلك دل ذلك أن النساء المذكورات فى أول الكلام هن اللوائى يصح منهن العفو.
ألا ترى أن من قال من دخل الدار من عندى ضربته إلا أن يتوبوا انصرف ذلك إلى جميع العبيد وجرى مجرى أن نقول إلا أن يتوب عبيدى الداخلون الدار والجواب أن هذا كله لا يوجب ضرورة لأن الضرورة المخصصة هى وجود التنافى بين ظاهر العموم وبين الدليل المخصص ومعلوم قطعا أنه لا ضرورة فى مثل هذا فى مسألتنا لجواز أن يريد المخاطب الاستيعاب من أول الآية ثم يعقبه باستثناء أو صفة تخص تعيين من أريد بالاستيعاب وهذا غير ممتنع بوجه ما فلم تثبت المنافاة وإذا لم تثبت المنافاة يظل التخصيص وأجرى الكلام الأول على عمومه وقد قال من يقول: بالوقف أن هذا العموم المقدم يقتضى الاستغراق فظاهر الكناية يقتضى الرجوع إلى كل ما تقدم فليس التمسك بظاهر العموم والعدول عن ظاهر الكناية بأولى من التمسك بظاهر الكناية والعدول عن ظاهر العموم وإذا لم يكن أحدهما بأولى من الآخر وجب التوقف والجواب عن هذا بالطريق الذى سبق وهذا لأن اللفظ الأول ظاهر فى العموم وما نرى لما ذكروا من الكناية ظاهرا يمكن التوقف فى الظاهر الأول.
مسألة المعطوف لا يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره مما فى المعطوف عليه بل إنما يضمر مما فى المعطوف عليه بقدر ما يفيد ويستقل به.
وعند أصحاب أبى حنيفة يضمر فيه جميع ما سبق مما يمكن إضماره ومثال هذا الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد فى عهده" 1 فعندنا يضمر ولا يقتل ذو عهده على معنى المنع من القتل وعندهم يضمر ولا يقتل ذو عهد فى عهده بكافر2 فعلى هذا قالوا: أن الكافر الذى لا يقتل به ذو العهد هو الحربى فيكون قوله.
__________
1 أخرجه أبو داود الديات 4/179 ح 4530 والنسائي القسامة 8/18 باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس وابن ماجه الديات 2/887 ح 266.
2 انظر المعتمد 1/285.
(1/205)

لا يقتل مؤمن بكافر المراد به الحربى.
واستدل من ذهب إلى هذا فقال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقتل مؤمن بكافر وعطف على ذلك قوله ولا ذو عهد فى عهده بكافر ومعلوم أن ذا العهد يقتل بالذمى ولا يقتل بالكافر الحربى فكان قوله لا يقتل مؤمن بكافر معناه بكافر حربى لأن المضمر فى المعطوف هى المظهر فى المعطوف عليه فإذا كان المضمر فى المعطوف مخصوص فى الحربى فيجب أيضا تخصيص المعطوف عليه بالحربى قالوا: ولا يجوز أن يقال أن الكلام يفيد ويستقل بإضمارنا قوله ولا يقتل فلا يزاد عليه لأن الإضمار لا يقف على ما يستقل عليه الكلام بل يضمر فيه جميع ما سبق.
ألا ترى أن الإنسان لو قال لا يقتل اليهود بالحديد ولا النصارى كان معناه ولا يقتل النصارى بالحديد ولا يقتصر فيه على إضمار القتل فقط وإن كان يستقل به.
وكذلك لو قال رجل لغيره لا تشتر اللحم بالدراهم الصحاح ولا الخبز كان معناه ولا تشتر الخبز بالدراهم الصحاح وإنما كان كذلك لأن العطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى حكم المعطوف عليه وحكم المعطوف عليه فى المثال الأول المنع من القتل بالحديد لا المنع من القتل أصلا وفى المثال الثانى حكم المعطوف عليه هو المنع من شراء الخبز بالدراهم الصحاح لا المنع من الشراء بالدراهم على الإطلاق لأن المنع من الشراء على الإطلاق غير مذكور فلا يتصور فيه مشاركة كذلك هاهنا المنع من القتل ابتداء غير مذكور فلا يتصور المشاركة فيه.
ودليلنا فى أن المعطوف إنما يضمر فيه من المعطوف عليه ما يستقل به ويفيده وهذا لأن فقد استقلاله وعدم فائدته أوجب الإضمار فلا يجب من الإضمار إلا قدر ما يستقل به ويفيده ومعلوم أن قوله ولا ذو عهد فى عهده يستقل ويفيد بإضمارنا قوله ولا يقتل فلا يراد لأنه تكون الزيادة إضمارا من غير حاجة إلى الإضمار يدل عليه أنا إذا أضمرنا الكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده حتى يكون معناه وال يقتل ذو عهد فى عهده بكافر ثم وجب بدليل أن يكون ذلك مخصوصا فى الحربى ولم يجب أن يكون قوله لا يقتل مؤمن بكافر مخصوص فى الحربى.
ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لو صرح وقال: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد فى عهده بكافر" ثم علمنا بدلالة أن ذلك مخصوص فى الحربى لم يجب أن يكون أول الكلام مخصوصا فى الحربى فإذا قام مثل هذه الدلالة يكون معنى الأول لا يقتل مؤمن بكافر.
(1/206)

بحال ومعنى الثانى ولا يقتل ذو عهد فى عهده بكافر ثم قام الدليل أن المراد من الكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده كافر حربى وهذا غير مستنكر ولا مستبدع فجاز الحمل عليه كما يجوز إذا ظهر وقام الدليل.
قالوا: أن العطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فى حكمه وحكمه هو الذى عناه المتكلم بلفظه وإذا زاده دون ما لم يعنه فلو كان الكافر المذكور فى المعطوف عليه عاما وفى المعطوف خاصا لم يجعل العطف مفيدا اشتراكهما فيما قصده المتكلم لأنه قصد بأول الكلام العموم وبآخره الخصوص.
قالوا: وليس كما لو أظهر وقام الدليل لأن الثانى يصير بمنزلة كلام مبتدأ وهاهنا لا يمكن أن يجعل بمنزلة كلام مبتدأ لأنه غير مستقل بنفسه واعترضوا على الكلام الأول بما ذكرنا فى دليلهم.
والجواب أن الواو يوجب العطف فى اللفظ وجعلنا المعطوف والمعطوف عليه مشتركين فى قوله لا يقتل وإذا اشتركا فى هذا اللفظ أفاد العطف فائدته من الاشتراك ثم بعد ذلك يكون الحكم بحسب ما يقوم عليه الدليل صار هذا كما لو أظهر قوله ولا يقتل ذو عهد فى عهد بكافر ثم قام الدليل أن المراد بالكافر فى قوله ولا ذو عهد فى عهده هو الحربى فلا يوجب ذلك أن يكون المراد لا يقتل مؤمن بكافر هو الحربى فقد جاز هذا الاختلاف مع وجود الواو العاطفة وكان العطف مفيدا للاشتراك فى قوله ولا يقتل وأن اختلف الاختلاف الذى ذكرناه وقوله أن ذلك مبتدأ قلنا إنما جعله مبتدأ لأنه يستقل بنفسه وهاهنا إذا أضمرنا مما سبق قوله لا يقتل قد استقل فلا معنى لإضمار الزيادة.
فإن قيل المتكلم إنما يقصد بالعطف اشتراكهما فى الحكم الذى قصده دون العطف قلنا ولم فهل الخلاف إلا فى هذا فعندنا يجوز أن يكون قصده اشتركهما فى اللفظ المذكور دون حكم المقصود.
فإن قيل كيف يقصد لفظا بلا معنى قلنا صح القصد إلى الاشتراط فى اللفظ وصار بمنزلة المصرح به ثم كل يفيد فائدته وهذا لأن كلا الكلامين لم يخل عن فائدته.
ويمكن أن يجاب عن كلامهم الأول فيقال أن الكلام كان يكون صحيحا على ما ذكروا أن لو كان قال ولا ذو عهد واقتصر عليه فلما قال فى عهده وجب أن.
(1/207)

يفيد هذه الزيادة فائدة محدودة وليس ذلك إلا المنع من قتله ابتداء لعهده ونظير هذا أن لو قال القائل لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى فى الأشهر الحرم كان معناه لا تقتلوا اليهود بالحديد ولا النصارى فى الأشهر الحرم أصلا ولا يكون ولا تقتلوا النصارى فى الأشهر الحرم بالحديد.
ببينة: أنه لو قال بدل قوله ولا ذو عهد فى عهده ولا رجل فى عهده لا قتضى أن لا يقتل رجل فى عهده بحال ليكون قوله فى عهده يفيد فائدة محدودة كذلك فى قوله ولا ذو عهد فى عهده يكون المعنى هذا أيضا.
واعلم أن الكلام للخصم ظاهر جدا وهذا الذى قلناه غاية الوضع وتمشيته ممكنة والكلام الذى ذكرناه من قبل أحسن فى التمشية وقد ذكرنا فى الخلافيات أن الخبر قد صح وروده مطلقا برواية على رضى الله عنه من غير هذه الزيادة واحتجاجى فى مسألة قتل المسلم بالذمى وعند ذلك لا نحتاج إلى الخوض فيما قلنا والله أعلم.
(1/208)

فصل: إذا خرج الخطاب فى العموم مخرج المدح أو الذم كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1, 2] إلى قوله: {لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 5, 6] فعموم هذا يقتضى مدح كل من حفظ فرجه إلا على زوجته أو ما ملكت يمينه ويدل أن من وطىء زوجته أو ما ملكت يمينه لم يكن مذموما فهل يصح دعوى العموم فى هذا.
أولا اعلم أنه لا خلاف على المذهب أنه إذا عارض هذا اللفظ خطاب عام لم يقصد به المدح أو الذم فإنه يخصه ويقصره على المدح والذم ولا يحمل على عمومه بل يقضى بعموم ذلك الخطاب عليه ومثل هذا ما قلناه فى قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23] فهذه الآية قصد بها بيان الأعيان المحرمات ذوى العدد وقوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] قصد بها بيان العدد وظاهرها يقتضى إباحة العدد المذكور سواء كان من الأعيان المحرمات أو من غيرهن إلا أنا قضينا بتلك الآية التى قصد بها بيان الأعيان المحرمات على الآية الأخرى التى لم يقصد بها بيان الأعيان المحرمات وإنما قصد بها بيان العدد كذلك هذا مثله.
وأما إذا تجرد اللفظ الواحد على سبيل المدح أو الذم ولم يعارضه لفظ الخبر فهل.
(1/208)

يصح ادعاء العموم فيه أم لا اختلف أصحابنا فى ذلك فمنهم من قال لا يصح ادعاء العموم بل يقتصر على بيان المدح والذم فحسب لأنه إنما قصد به مدح من حفظ فرجه وذمه إذا لم يحفظه لا أنه قصد به بيان الحكم حتى يدعى عمومه1 والمذهب الصحيح أنه يصح ادعاء العموم فى ذلك2 فعلى هذا يصح ادعاء العموم فى هذه الآية التى ذكرناها ويصح أيضا ادعاء العموم فى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] وأن كان قصد بالآية الذم لمن كنز المال.
والدليل على دعوى صحة العموم فى ذلك ما روى عن عثمان رضى الله عنه أنه قال فى الأختين المملوكتين أحلتهما آية وحرمتهما آية وعنى بآية التحليل قوله تعالى: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 6] فقد حمل الآية على العموم مع أن القصد كان هو المدح لمن حفظ فرجه عن الحرام لأن اللفظ إذا ورد عاما فإنه يحمل على عمومه ولا يخص إلا بما يعارضه وينافيه فأما الذى يماثله ولا ينافيه فلا يخصص.
__________
1 وهذا منقول عن الإمام الشافعي حتى أنه منع من التمسك بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} في وجوب زكاة الحلي نصيرا منه إلى أن العموم لم يقع مقصودا في الكلام وإنما سبق لقصد الذم والمدح مبالغة في الحث على الفعل أو الزجر عنه انظر إحاكم الأحكام للآمدي 2/406/407 وقال الشيخ أبي الحسين البصري رحمه الله إنه مذهب بعض الشافعية انظر المعتمد لأبي الحسين البصري 1/279 ونقله أيضا ابن برهان عن الإمام الشافعي انظر نهاية السول للأسنوي 2/372, 373.
2 وصححه الآمدي وابن الحاجب ونصره الشيخ أبي الحسين في المعتمد وأجاب عما نقل عن الإمام الشافعي بقوله والجواب: أن الذم إنما كان مقصودا بالآية لأنه مذكور فيها وهذه العلة قائمة في العموم لأن اللفظ عام فوجب كونه مقصودا وليس يمنع القصد إلى ذم من كنز الذهب والفضة من القصد إلى عموم ذم كل من كنزهما انظر المعتمد 1/179.
وقال الآمدي وهو الحق من حيث إن قصد الذم أو المدح وإن كان مطلوبا للمتكلم فلا يمنع ذلك من قصد العموم معه إذ لا منافاة بين الأمرين وقد أتى بالصيغة الدالة على العموم فكان الجمع بين المقصودين أولى من العمل بأحدهما وتعطيل الآخر انظر إحاكم الأحكام للآمدي 2/407.
وهو مذهب الأحناف حيث قال مفتي الديار المصرية الشيخ بخيت المطيعي رحمه الله وفي كتب الحنفية كالتحرير ومسلم الثبوت أن العام في معرض المدح والذم كـ: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} يعم استعمالا كما هو عام وضعا للشافعي انظر حاشية الشيخ بخيت المطيعي على نهاية السول 2/373.
(1/209)

الآية به وليس بين الخطاب العام وبين قصد المدح أو الذم بذلك منافاة فبطل تخصيصه به ووجب حمل اللفظ على عمومه.
ببينة أن المدح إنما كان مقصودا بالآية أو الذم لا مذكور فيها وهذه العلة قائمة فى العموم لأن اللفظ عام والعموم مذكور فوجب كونه مقصودا وليس يمنع القصد إلى ذم من كنز الذهب والفضة من القصد إلى عموم ذم كل من كنزهما.
(1/210)

فصل: تخصيص العموم بالدليل المتصل
...
فصل: هذا الذى ذكرناه هو بيان تخصيص العموم بالدليل المنفصل. فأما تخصيص العموم بالدليل المتصل فنقول.
الدليل المتصل أربعة: استثناء وغاية وشرط وتقييد.
فأما تخصيص العموم بالاستثناء.
فاعلم أن الاستثناء هو لفظ على صيغة إذا اتصل بالكلام أخرج منه بعض ما كان داخلا فيه وقد حده بعض المتكلمين بأنه إخراج جزء من كل1 والأول أحسن وهو مأخوذ من قولهم ثنيت زيدا عن رأيه إذا أرددته عنه وتقول اثنيت عما كنت عليه إذا رددت نفسك عن شىء كنت عليه وثنيت العود إذا رددته عن عوجه وثنى الثوب ما عطف وكف من أطرافه.
ولا يصلح الاستثناء إلا إذا كان بالمستثنى منه فإذا انفصل منه بطل حكمه.
وهو قول كافة أهل اللغة وجمهور أهل العلم وليس يعرف فيه خلاف إلا ما حكى على جهة الشذوذ عن ابن عباس أنه جوزه منفصلا وأجراه مجرى بيان المجمل وتخصيص العموم وقيد زمان الجواز ببينة فإن استثنى بعدها بطل.
وعن بعض التابعين أنه جوز فى المجلس ولم يجوز إذا فارق المجلس2.
__________
1 عرفه البيضاوي بأنه: هو الإخراج بإلا غير الصفة ونحوها المحترزات الإخراج جنس شامل للمخصصات كلها وقوله: بإلا مخرج لما عدا الاستثناء وقوله: غير الصفة احتراز عن إلا إذا كانت للصفة بمعنى غير وهي التي تكون تابعة لجمع منكور غير محصور وقوله: ونحوها أي كحاشا وخلا وعدا وسوى انظر نهاية السول 2/407 وعرفه الشيخ محمد بخيت المطيعي بأن الاستثناء موضوع لأن يتقيد به المستثنى منه ويفاد بالمجموع المركب مفهوم فيتعلق حكمه بما يصدق عليه انظر حاشية الشيخ المطيعي على نهاية السول 2/412.
2 انظر البرهان 1/385 نهاية السول 2/410 انظر التلويح على التوضيح 2/28 روضة الناظر 223 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/275
(1/210)

وقيل أنه قول الحسن وطاوس وعطاء وحسبك فى الدليل اتفاق أهل اللغة أن المنفصل لا يكون استثناء.
وأيضا فإنه غير مفهوم لأن من قال رأيت بنى تميم ثم قال بعد شهر أو سنة إلا زيدا لم نفهم منه الاستثناء.
وهذا لأن قوله إلا زيدا أو إلا كذا كلام مبتور وتعلقه بالمستثنى منه كتعلق الخبر بالمبتدأ وكتعلق الإجزاء بالشرط فإنما يفهم عند اتصاله بالأول ويستقبح مع انفصاله.
ولأنا لو جوزناه منفصلا لم يوثق بيمين ولم يقع طلاق ولا عتاق على وجه الثبات وكذلك لم ينعقد عقد على هذا الوجه وهذه طامة كبيرة ومخرقة عظيمة.
وأما قول ابن عباس فلا يكون حجة مع مخالفة أهل اللغة ولعل الآفة من الراوى والخطأ من الناقل.
(1/211)

فصل: ويجوز إذا اتصل بالكلام سواء تقدم عليه أو تآخر عن أو تخلله.
فنقول إذا تقدم رأيت إلا زيدا جميع بنى تميم كما يقول: إذا تآخر رأيت بنى تميم إلا زيدا.
ومنه قول حسان بن ثابت رضى الله عنه:
الناس ألب علينا فيك ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر1
فقد استثنى السيوف والقنا من الوزر وتقديره ليس لنا وزر إلا السيوف وأطراف القنا.
ونظير هذا قول الكميت:
وما لى إلا آل أحمد شيعة ... وما لى إلا مشعب الحق مشعب2
وتقديره ما لى شيعة إلا آل أحمد وما لى مشعب إلا مشعب الحق.
فصل ويجوز أن يخرج بالاستثناء أكثر الجملة وأقلها.
وقد شذ بعض أهل اللغة فمنع من استثناء أكثرها واختاره الأشعرى وقيل أنه قول أحمد بن حنبل3.
__________
1 ذكره الشيخ محمد محيي الدين رحمه الله في حاشيته على الألفية 2/235.
2 انظر شرح هاشميات الكميت ص 50 ص 117.
3 اعلم وفقك الله أن في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
الأول: وهو لجمهور العلماء من الفقهاء والمتكلمين وهو المختار للبيضاوي أن ذلك لا يحد........=
(1/211)

وقيل من ذهب إلى هذا أنه يستقبح أن يقول الرجل لفلان على ألف إلا تسع مائة وتسعة وتسعين.
والاستقباح يمنع من الاستعمال والمتروك استعماله متروك.
ببينة أن الاستثناء لاختصار الكلام أو الاستدراك ويبعد كلاهما فى هذه الصورة ولأنه لو جاز استثناء الأكثر لجاز استثناء الكل ولأن المستثنى فرع المستثنى منه ولا يجوز أن يزيد الفرع على أصله وهذا القول مدفوع بالكتاب واللسان والمعنى.
أما الكتاب قوله تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} [المزمل: 2, 4] وفى الزيادة على النصف استثناء الأكثر وبقاء الأقل ولأن الله تعالى قال فى موضع: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر:40] وقال فى موضع: {إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] فمرة استثنى المخلصين ومرة استثنى الغاوين ولا بد أن أحد العددين يكون أكثر.
وأما اللسان فقول الشاعر.
أدوا التى نقصت تسعين عن مائة ... ثم ابعثوا حكما بالعقل حكاما
وأما المعنى فهو أن حد الاستثناء ما قلناه وذلك الحد موجود فى استثناء الأكثر والأقل على وجه واحد كالتخصيص فإذا جاز جريان التخصيص فى أكثر ما دخل تحت العموم فكذلك الاستثناء.
وأما دعوى الاستقباح فغير مسلم وإنما هو استثناء وليس باستقباح.
وأما استثناء الجميع فإنما لم يجز لأنه تخصيص والتخصيص يجرى فى البعض لا فى الكل ولأن استثناء الكل من كلامه نقص لكلامه وإسقاط لفائدته بخلاف استثناء.
__________
= بحد فلو بقي بعد الاستثناء واحد فقط كان الاستثناء صحيحا.
الثاني: وهو للحنابلة يشترط أن يكون الباقي بعد الاستثناء النصف أو أكثر من النصف فيجوز استثناء المساوي والأقل ولا يجوز استثناء الأكثر من النصف كالثلثين.
القول الثالث: وهو أحد قولين للقاضي أبي بكر الباقلاني ونقله الآمدي عن الحنابلة يشترط أن يكون الباقي بعد الاستثناء أكثر من النصف فيجوز استثناء الأقل من النصف ولا يجوز استثناء النصف كما لا يجوز استثناء أكثر من النصف والقول الثاني ما نقل عن الحنابلة أولا انظر نهاية السول 2/411 إحكام الأحكام للآمدي 2/433 التلويح على التوضيح 2/29 المحصول 1/410 روضة الناظر 224 والمعتمد 1/244 البرهان 1/396 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/277.
(1/212)

الأكثر فافترقا.
والذى قالوا: من الفرع والأصل فليس بشىء لأنهم أن عنوا بالفرع أنه لا صحة له إلا به فيبطل بالتخصيص وعلى أن الفرع قد يزيد على الأصل بدليل الحسيات والأمثال تكثر.
فصل وأما ألفاظ الاستثناء فالمستولى على الكل استعمالا هو كلمة إلا ثم تليها ما يقل استعماله وهو سوى وعدا وحاشا وخلا وجميعها فى حكم الاستثناء سواء.
مسألة اختلف أهل اللغة وأهل الفقه فى الاستثناء من غير الجنس.
فمنعت منهم طائفة من طريق اللفظ والمعنى جميعا وهو قول كثير من أصحاب الشافعى.
وهؤلاء جعلوه لغوا.
وقالت طائفة يجوز الاستثناء من غير الجنس لفظا ومعنى.
وقال بعضهم يصح من طريق المعنى دون اللفظ1 إذا كان معنى الجنس يتفقان من وجه فيكون الاستثناء على هذا عائدا إلى المعنى المتجانس لا إلى اللفظ المختلف فيقول لفلان على ألف درهم إلا دينار فيستثنى من الألف بقيمة الدينار.
وهذا القول هو الأولى بمذهب الشافعى رحمه الله وهو قول المحققين من الأصحاب.
واحتج من جوزه على الإطلاق بقوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ*إِلَّا إِبْلِيسَ} [الحجر: 30, 31] قال وإبليس لم يكن من الملائكة بدليل قوله تعالى: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: 50] وتعلق أيضا بقوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:77] وبقوله تعالى: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً، إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً} [الواقعة: 25, 26] وبقوله تعالى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] .
وتعلقوا بقول النابغة فى القصيدة المشهورة:
وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... عيت جوابا وما بالريع من أحد2
إلا أوارى لأياما أثبتها ... والنوى كالحوض بالمطلومة الجلد
__________
1 انظر إحاكم الأحكام للآمدي 2/424/425 البرهان 1/398 المعتمد 1/243 روضة الناظر 224.
2 ديوان النابغة الذبياني ص 30.
(1/213)

وقال غيره:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
فاستثنى الأوارى فى الأول من قوله وما بالريع من أحد وفى الثانى استثنى اليعافير وهى الظبا والعيس وهى الإبل من الأنيس.
وحكى سيبويه عن العرب ما رأيت اليوم أحدا إلا حمارا أو ثورا.
وأما حجة من لم يجوزه على الإطلاق فظاهر وقالوا: الدليل عليه أن الاستثناء إخراج بعض ما دخل فى الجملة وغير الجنس غير داخل فى الجملة فلا يصح استثناؤه منها لأن غير الداخل لا يتخيل استخراجه كما أن غير الخارج لا يتخيل إدخاله ولأنه أحد ما يخص به العام فلم يصح فيما لم يدخل فى العموم كالتخصيص بغير الاستثناء ولأنه يقبح أن تقول جاءنى الناس اليوم إلا الكلاب أو رأيت الحمير إلا الناس ومن قال هذا من أهل اللغة كان ملغزا فى الخطاب عادلا عن تبيين الصواب وهذا لأن الاستثناء مع المستثنى منه يكون صحتها وارتفاع أحدهما بالآخر بنوع من التمانع والتدافع ولهذا يقال أن الاستثناء من المنفي إثبات ومن الإثبات نفى وإنما يتصور التمانع والتدافع والتنافى فى الجنس الواحد لأن اللفظ الأول يدخله والثانى يخرجه فيقع التنافى وأما في غير الجنس فلا يتصور هذا فإن اللفظ الأول إذا لم يتناوله بالإدخال فلا يكون الثانى مخرجا ولا يقع التنافى والتمانع فثبت أن الاستثناء حقيقة لا يكون إلا من الجنس.
وأما الذى تعلقوا به أما الآية الأولى فالصحيح أن إبليس كان من الملائكة ولهذا تناوله الأمر بالسجود ولو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الأمر بالسجود.
وأما قوله تعالى: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ} [الكهف: 50] فقد قيل كان من قبيلة من الملائكة يسمون الجن وعلى أن جميع ما نقلوه هو على طريق المجاز والكلام فى الحقيقة.
وأما المذهب الثالث وهو صحة الاستثناء من طريق المعنى فهو المختار على مذهب الشافعى رحمه الله تعالى وليس فيه نفى ما قلناه أن الاستثناء من غير جنس المستثنى منه لا يكون حقيقة لأن هذا الذى ادعيناه راجع إلى اللفظ وهو على ما ذكرناه وإنما جوزنا الاستثناء حين جوزناه من طريق المعنى وسبب جوازه اتفاق معنى الجنسين من وجه فيصير الاستثناء له إلى المعنى المتجانس لأن اللفظ مختلف.
ولهذا قال الشافعى لو قال لفلان على ألف درهم إلا دينارا أو مائة دينار إلا ثوبا.
(1/214)

فيكون مستثنى بقيمة الدينار أو الثوب1 ولا يصح هذا المذهب إلا إذا صححنا الاستثناء على الوجه الذى قلناه وأما أبو حنيفة فقد ناقض وقال إذا قال لفلان على ألف درهم إلا دينارا يجوز وكذلك إذا استثنى الحنطة أو الشعير قال ولو استثنى الثوب لا يجوز2 وهذا تفريق لا يعرف.
وقد ذكروا فرقا ذكرناه فى مسائل الخلاف وأبطلناه عليهم.
وأما إذا استثنى من زيد وجهه ومن الدار بابها فاختلف الأصحاب أنه استثناء الشىء من جنسه أو من غير جنسه والصحيح أنه من جنسه لأن وجه زيد جزء من زيد مثل الواحد جزء من العشرة وكذلك وجه الدار جزء منها فصار كما ذكرنا والله أعلم.
مسألة إذا تعقب الاستثناء جملا قد عطف بعضها على بعض يرجع إلى الجميع.
وقال أصحاب أبى حنيفة يرجع إلى ما يليه من الجمل.
وقالت الأشعرية هو موقوف على الدليل وقد خبط بعض أصحابنا فى هذه المسألة حتى أداه خبطه إلى العدول عن مذهب الشافعى إلى مذهب الخصم وقال إنما ينعطف الاستثناء على كلام يجتمع فى غرض واحد فأما إذا [اختلفت] 3 المقاصد فى الجمل وكل جملة منها مستقلة بمعناها لا تعلق لها بما بعد فالاستثناء يرجع إلى ما يليه من الجمل4 وزعم أن الواو فى مثل هذا الموضع لاسترسال الكلام وحسن بظنه ولا يكون.
__________
1 انظر المهذب 2/349.
2 انظر الاختيار لتعليل المختار 2/178.
3 في الأصل اختلف ولعل الصواب ما أثبتناه.
4 في هذه المسألة خمسة أقوال:
الأول: وهو لجمهور الشافعية واختاره البيضاوي يرجع إلى الجمل كلها ولا يختص بالأخير وإلى ذلك ذهب مالك من النحاة.
الثاني: وهو للحنفية يختص بالأخير ولا يرجع إلى غيره من الجمل وهو قول أبي علي الفارسي من النحويين.
الثالث: وهو للمرتضى من الشيعة - يتوقف على تقوم القرينة المعينة لأحد الأمرين لأن الاستثناء الواقع بعد الجمل مشترك لفظي بين رجوعه للكل ورجوعه إلى الجمل الأخيرة والمشترك لا يعمل به في أي فرد من أفراد بقرينة.
الرابع: وهو للقاضي أبي بكر الباقلاني والغزالي من الشافعية - يتوقف لعدم العلم بمدلوله فإنه لا يدري أهو موضوع لرجوعه إلى الكل أو لرجوعه للجملة الأخيرة فقط.............=
(1/215)

للعطف1 ثم زعم إذا قال وقفت على بنى فلان دارى وحبست على بنى فلان ضيعتى وجعلت على خدمى وموالى بهيمتى إلا أن يفسق منهم فاسق ولا يظهر اختصاص الاستثناء فى هذه الصورة بالجملة الأخيرة ولا يظهر أيضا انعطافه على الجمل أيضا فيكون الأمر موقوفا على المراجعة والبيان منه قال والسبب فى هذا أن ميثاق الخطاب فى الجمل كلها واحد ولكن الجمل منفصلة فى الذكر على معنى أن كل جملة مستقلة بنفسها فيجوز أن يعود الاستثناء إلى ما يليه ويجوز أن يرجع إلى جميع الجمل فوجب التوقف إلى أن يأتى البيان ويقوم الدليل على واحد من الأمرين.
وعندى أن الأولى أن يقال أنه إذا ذكر جملا وعطف بعضها على بعض ولم يكن فى المذكور إجراما يوجب إضرابا عن الأول وصلح رجوع الاستثناء إلى الكل فإنه يرجع إلى الكل.
وممكن أن يعبر عن هذا فيقال إذا لم يكن الثانى خروجا من قصة إلى قصة أخرى لا يليق بالأول ونظير هذا أن نقول اضرب بنى تميم والأشراف هم قريش إلا أهل البلد الفلانى وهذا لأنه لما عدل عن الأول إلى مثل هذا وأحدهما لا يليق بالآخر أو أحدهما قصة والآخر قصة أخرى هل أنه استوفى غرضه من الأول لأنه لا شىء أدل على استيفاء الغرض بالكلام من العدول عنه إلى نوع آخر من الكلام وعلى هذا إذا قال من استقامت طريقته فأكرمه ومن عصاك فاضربه إلا أن يتوب والاستثناء ينصرف إلى ما يليه وعلى هذا قيل أيضا إذا قال أكرم ربيعة واضرب بنى تميم إلا الطوال منهم ينصرف إلى ما يليه أيضا.
وقد ورد القرآن بانصراف الاستثناء إلى جميع المذكور وورد بانصرافه إلى ما يليه.
__________
= الخامس وهو لأبي الحسين البصري من المعتزلة إن كان بين الجمل تعلق وارتباط في الحكم أو في الاسم بأن يكون حكم الأولى مضمرافي الثانية أو يكون ضمير المحكوم عليه في الأولى موجودا في الثانية مثل: أكرم الفقهاء والزهاد إلا المبتدعة وأكرم الفقهاء وأنفق عليهم إلا المبتدعة فإن الاستثناء يرجع إلى الجميع وإن لم يكن بينهما تعلق وارتباط اختص بالأخيرة فقط انظر نهاية السول 2/431 إحكام الأحكام للآمدي 2/438 المحصول 1/412 انظر البرهان 1/388 المعتمد 1/245 التلويح على التوضيح 2/30 روضة الناظر 226, 227 المستصفى للغزالي 2/174 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/286, 287.
1 غير مقروءة في الأصل.
(1/216)

وورد فيه الخلاف فالأول قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله إلى قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] فهذا الاستثناء ينصرف إلى جميع المذكور بالإجماع.
وقال تعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة إلى قوله: {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء: 92] فهذا يرجع إلى أقرب ما يليه وهو الدية ولا ينصرف إلى التحرير وإنما قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} إلى قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور: 4 , 5] فهذا موضع الخلاف وعندنا ينصرف إلى جميع ما تقدم وعندهم ينصرف إلى ما يليه وهو قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] فأما من قال أن الاستثناء ينصرف إلى ما يليه من الجمل المذكورة فاحتج بوجوه من الكلام.
أحدها أن أول الكلام مطلق فله حكم إطلاقه وآخر الكلام مقيدا بالاستثناء فله حكم تقييده وهذا كقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23] فقد انصرف هذا التقييد إلى الربائب وبقى الأول على إطلاقه وهذا معنى ما روى عن الصحابة فى هذا أبهموا ما أبهم الله.
ببنية: أن أول الكلام لما كان عاما والاستثناء المذكور فى آخر الكلام يحتمل أن ينصرف إلى جميع ما تقدم ويحتمل أن ينصرف إلى ما يليه فلم يجز إبطال صفة العموم عن أول الكلام بالشك وربما يقول: أن أول الكلام عام فمن ادعى تخصيصه فعليه الدليل كسائر العمومات.
وحجة أخرى بأن الاستثناء إنما يرد إلى ما تقدم إذا كان لا يستقل بنفسه لأنه إذا لم يستقل بنفسه لم يقدر فوجب تعليقه بما تقدم ليستقل ويفيد.
ألا ترى أنه إذا استقل بنفسه لم يعلق بما تقدم.
قالوا: وإذا علقناه بالذى يليه فقد استقل وأفاد فلا يعلق بما زاد عليه لأن تعليقه بما زاد على ذلك يجرى مجرى تعليق المستقل بنفسه بغيره لا من ضرورة.
دليل آخر لهم قالوا: الاستثناء من الجمل كالاستثناء من الاستثناء وإذا كان الاستثناء من الاستثناء يرجع إلى ما يليه ولا يفتقر فى إثبات استقلاله إلى أكثر من ذلك فكذلك الاستثناء من الجمل يكون كذلك.
قالوا: وليس هذا كما لو عقب الجمل بشرط حيث يرجع إلى جميع ما تقدم لأن.
(1/217)

الشرط وأن تقدم فهو فى معنى التقدم لوجوب تقدم الشرط على الجزاء والإنسان إذا قال اضرب ربيعة وبنى تميم أن قاموا معناه أن قام بنو تميم وربيعة فاضربهم وليس كذلك الاستثناء الذى اختلفنا فيه لأنه ليس من حقه وجوب تقديمه فلهذا لم ينصرف إلى جميع ما تقدم.
قالوا: وكذلك الاستثناء بمشيئة الله تعالى لأن لفظه لفظ الشرط ولأن من حق الاستثناء بمشيئة أن يوقف جميع الجملة.
وأما الاستثناء بإلا فيدخل على بعض دون البعض.
ألا ترى أنه لو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا أن شاء الله لم يقع شىء1 ولو قال لامرأته أنت طالق إلا ثلاثا لم يصح2 وإنما يصح إذا قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة أو اثنين3 وقد استدلوا بمسألة وهى أنه لو قال لفلان على عشرة دراهم وعشرة دنانير إلا دينارا ينصرف الاستثناء إلى ما يليه وأن كان يجوز الاستثناء للجنس من غير الجنس على قول بعض.
وقد قلتم أن الأصح جواز استثناء الجنس من غير الجنس من حيث المعنى ومع ذلك فى هذه الصورة لم ترد فالاستثناء إلى جميع ما تقدم.
وذكروا كلاما يختص بآية الرمى وقالوا: أن الاستثناء لم ينصرف إلى جميع المذكور بالإجماع إلا أنه لم ينصرف إلى الجلد ولو كان من حقه أن ينصرف إلى جميع ما تقدم لانصراف إلى الجلد أيضا.
ببينة: أنه إذا لم ينصرف إلى جميع ما تقدم فمن حقه أن ينصرف إلى ما يليه لأنه لا قائل يقول: أنه لا ينصرف إلى ما يليه ولا ينصرف إلى جميع ما تقدم.
وأما أبو زيد فقد سلك فى آية القذف مسلكا آخر وزعم أن رد الشهادة حد وقال هو عقوبة مؤلمة مثل الجلد عقوبة مؤلمة وهو معطوف على الجلد ومفوض ذلك إلى الإمام الذى يلى إقامة العقوبات فيكون فى حكمه وإذا كان عقوبة لم يسقط بالتوبة وزعم أن الواو هاهنا للنظم وليس للعطف والتشريك.
__________
1 ذكره موفق الدين بن قدامة رواية عن أحمد وقول طاوس والحكم وأبي حنيفة والشافعي انظر المغني 8/382.
2 وذكر الموفق أنه لا يصح في اللغة اتفاقا انظر المغني 8/307, 312.
3 ذكره ابن قدامة عن ابن المنذر إجماعا انظر المغني 8/311.
(1/218)

وأما دليلنا قال الأصحاب وربما نسبوا إلى الشافعى أن الجملة التى عطف بعضها على بعض بواو العطف تجرى مجرى الجملة الواحدة لأن واو العطف فى الأسماء المختلفة يقوم مقام واو الجمع فى الأسماء المتماثلة ولا فرق عند أهل اللغة بين قولهم أكرم العرب إلا الطوال منهم وبين قولهم أكرم مضر وربيعة وقحطان إلا الطوال منهم وكذلك لا فرق عندهم بين قوله اضرب بنى ربيعة وتميما إلا الطوال وبين قولهم بنو تميم وربيعة اضربوهم إلا الطوال منهم وإذا صار الجميع كالجملة الواحدة انصرف الاستثناء إلى الكل.
قالوا: على هذا أن واو العطف تجرى مجرى واو الجمع فى اشتراك الاسمين فى الحكم مثل قول القائل اضرب فلانا وفلانا أو أكرم فلانا وفلانا.
أما من أين قلتم أنه يجرى مجرى واو الجمع فى انصراف الاستثناء إليها هذا مجرد الدعوى ثم نقضوا ذلك بالجملتين المتباينتين وهو قوله أكرم ربيعة واضرب بنى تميم إلا الطوال وإنما ينصرف الاستثناء إلى بنى تميم خاصة ثم قالوا: فى قوله ربيعة وبنو تميم اضربوهم إلا الطوال منهم إنما انصرف الاستثناء إليها لأن الاستثناء ينفصل بقوله اضربوهم وفيه اسم الفريقين فينصرف الاستثناء إليهما.
وأما إذا قال اضرب بنى تميم وربيعة إلا الطوال فلم يتصل الاستثناء باسم فيشمل الفريقين وقالوا: أيضا أن الواو قد تكون للعطف وقد تكون للنظم على ما بينا.
ومعلوم أنه إذا قال الرجل أكرموا من يزورنا وقد حبست على أقاربى دارى هذه واشتريت عقارى الذى تعرفونه من بيت فلان وإذا مت فأعتقوا عبيدى إلا الفاسق منهم فإن الواو فى هذه المواضع يفيد أن يكون للعطف وجعل الجملة بمنزلة الجملة الواحدة فدل أنها للنظم.
وقوله إلا الفاسق ينصرف إلى ما يليه.
الجواب أنا نقول أن الجمل المعطوف بعضها على بعض تصير بمنزلة الجملة الواحدة إذا لم تكن فى الآخر ما يدل على الإضراب عن الأول لأنه إذا لم يكن إضرابا عن الأول فالإتيان بحرف العطف بين الجملتين والتعقيب بالاستثناء الذى أصل رده إلى الكل يدل على أنه لم يتم غرضه من الكلام الأول.
والدليل على أنه لم يضرب عن الأول بالثانى أنه فى الخطاب أضاف إلى الحكم الأول حكما آخر مبتنيا على السبب الأول وهذا فى آية القذف ظاهر.
(1/219)

ونظيره من الكلام قول القائل ادخل البلد الفلانى وسلم على بنى هاشم واستأمرهم وكذلك يقول: سلم على بنى تميم وربيعة.
وبيان أنه لم يتم غرضه من الكلام الأول إضافته إلى الاسم الأول لمعنى آخر فصار الكلامان من هذا الوجه مع حرف العطف كالجملة الواحدة فينصرف الاستثناء إليها كما ينصرف إلى الجملة.
وقولهم أن الواو للنظم قلنا الأصل أن الواو للعطف والتشريك فإذا أمكن استعماله فى هذا لم يستعمل فى غيره.
يدل عليه أن صرف الاستثناء إلى بعض المذكور ليس بأولى من البعض بحق الصيغة ألا ترى أن كل واحد من الجملة المتقدمة يصح ذكرها موصولا بالاستثناء فإذا جمع بين الكل فى الذكر وأتبعها بالاستثناء كان ابتدار الاستثناء إلى الكل ابتدارا واحدا يوجب أن ينصرف إلى جميعها انصرافا واحدا وهذا كاللفظ العام إذا ورد وجب إجراؤه على عمومه وسحبه على كل ما يصلح له نظمه لأن بعض المسميات ليس بأولى من البعض إذ الكل يبتدر إلى اللفظ ابتدارا واحدا وهو الذى قلناه هو المعتمد.
ومعنى دليل آخر أن الاستثناء فى مسألتنا كالشرط والاستثناء بمشيئة الله فى أنه لا يستقل بنفسه فلما وجب رجوع الشرط والاستثناء بمشيئة الله إلى جميع ما تقدم فكذلك لفظ الاستثناء فى مسألتنا وهذا إلزام عظيم على الخصم والعذر الذى قالوه فى نهاية الضعف لأنه يقال قولكم أن حق الشرط هو التقدم هلا خصصتم الشرط بما يليه وقدرتموه تقدير المتقدم عليه على الخصوص حتى يكون التقدير فى قوله اضرب بنى تميم وربيعة أن دخلوا الدار اضرب بنى تميم وأن دخل الدار ربيعة فاضربهم.
والحرف أنه ينبغى أن يتقدم الشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى على الجملة الأخيرة فثبت ما ذكروه من حق التقدم ولا ينصرف إلى جميع الجملة المتقدمة.
وأما الجواب عن كلماتهم أما قولهم أن المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده قلنا ومن يسلم أن الجملة الأولى مطلقة والثانية مقيدة وهذا لأنه ليس واحدة منهما تخالف صاحبتها فى الإطلاق والتقييد بل الجمل كلها فى الصورة مطلقة وفى المعنى مخصوصة بدليل قام عليه.
وقوله أن الاستثناء يحتمل أن ينصرف إلى الجميع ويحتمل أن ينصرف إلى الواحد الذى يليه فلا يثبت تخصيص ما يستيقن من الألفاظ المطلقة العامة بالشك قلنا لا عام.
(1/220)

هاهنا لأنا قد بينا أن الجميع قد صار بمنزلة الجملة الواحدة فلأنه أن كان فى انصرافه إلى الجملة الأولى شك فكذلك فى انصرافه إلى الجملة التى تليه شك أيضا لأنه يحتمل أن ينصرف الاستثناء إلى ما تقدم ذكره ولا ينصرف إلى ما يليه ألا ترى إلى ما روى فى بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على المسلم فى عبده ولا فى فرسه صدقة إلا صدقة الفطر" 1 وقوله إلا صدقة الفطر ينصرف إلى الأول.
وقال عامة أهل التفسير فى قوله تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً} [النساء: 83] أنه استثناء من قوله عز وجل: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] فهذا موضع الاستثناء بقوله إلا قليلا.
والجواب المعنوى أنه لاشك فى واحد من الردين سواء رد إلى ما يليه أو إلى ما تقدم بل الموجود فى الكل احتمال الرد إليه وصلاحية الرجوع عليه وهذا القدر كاف فى رد الاستثناء إلى المذكور.
فإن قيل كيف تستوى الجملة الأولى والجملة الثانية وفى الجملة الثانية لم يقع فصل بينهما وبين الاستثناء وأما فى الجملة الأولى قد وقع الفصل بينهما وبين الاستثناء بالجملة الثانية ووقوع الفصل مانع من رد الاستثناء إليها.
قلنا قد أجبنا عن هذا بقولنا أن الجميع قد صار بمنزلة الجملة الواحدة ثم نقول بجواز أن يقع فصل بين الكلامين بواو النسق ثم يرد الآخر منهما على الأول دون ما يليه ويعطف عليه بإعرابه ما عداه كقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: 6] فمن قرأ بفتح اللام تسبق الأرجل على الوجه وقد قطع بينهما ذكر مسح الرأس وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر:87] فقد فتح النون ورده بعد واو النسق على أول الكلام ثم ينتقض هذا الذى ذكروه بالشرط والاستثناء بمشيئة الله.
وأما قولهم أنه إنما يرد الاستثناء إلى ما سبق ليفيد.
قلنا ينتقض هذا بالشرط والاستثناء بمشيئة الله تعالى فإنه غير مقيد ولا مستقل بنفسه.
__________
1 أخرجه البخاري الزكاة 3/383 ح 1464 ومسلم الزكاة 2/676 ح 9/982 10/982 وأبو داود الزكاة 2/110 ح 1595 والنسائي الزكاة 5/25 باب زكاة الخيل.
(1/221)

وإنما يفيد إذا علق بما تقدم وقد أفاد بتعليقه بما يليه دفع ذلك رجع إلى جميع ما سبق.
وعلى أنا نقول أن هذا الذى قلتم يمنع أن يكون الرجوع إلى الجملة الأولى بحق الإفادة ولا يمنع أن يرجع بدليل آخر يقوم عليه ونحن لا نرده إلى الجملة الأولى للإفادة بل إنما رجع لدليل آخر قام عليه وأما تعلقهم بالاستثناء من الاستثناء قلنا إنما يرجع إليهما لأن العشرة إثبات والاستثناء منها يكون نفيا والاستثناء من النفى يكون إثباتا ولو رجع الاستثناء إليها لكان نفيا وإثباتا وهذا متضاد.
فإن قيل قلتم رجع إلى الثانى دون الأول قلنا لما رجع إلى ما يليه وأمكن ذلك وتعذر رجوعه إلى ما سبق للتضاد الواقع فصرناه على ما يليه لأجل القرب اللفظى وأما هاهنا قد أمكن رجوعه إلى كل ما سبق بما بيناه ولا تضاد ولا تنافى فرددناه إلى الجميع.
وأما المسألة التى أوردوا من قولهم لفلان على عشرة دراهم وعشرة دنانير إلا دينارا قلنا يحتمل أن يقال ينصرف إليهما جميعا ويحتمل أن ينصرف إلى الدنانير على الخصوص لأن الاستثناء من غير جنس المستثنى منه مجاز على ما سبق فإن كان حقيقة معنى فهو مجاز لفظا لكان رده إلى ما يكون اللفظ فيه حقيقة أولى.
وأما قولهم فى آية القذف فى أن التوبة لا تنصرف إلى الجلد قد أجبنا عنه فى مسائل الخلاف وكذلك عن طريقة أبى زيد والكلام فى ذلك بالفقه أقرب منه بأصول الفقه فتركنا ذكره والله أعلم.
(1/222)

فصل: تخصيص العموم بالشرط
...
فصل: قد ذكرنا تخصيص العموم بالاستثناء.
وأما تخصيص العموم بالشرط1.
فهو موجب لتخصيص المشروط فيه إلا أن يقع موقع التأكيد أو غالب الحال فينصرف بالدليل عن حكم الشرط وهذا مثل قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] وليس.
__________
1 الشرط لغة: هو العلامة ومنه أشراط الشاعة أي علاماتها انظر القاموس المحيط للفيروزآبادي 2/ وعرفه صاحب جمع الجوامع بأنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم انظر جمع الجوامع 2/20 نهاية السول 2/437 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/292.
(1/222)

الخوف بشرط مخصص للفعل بحاله وإنما هو للتأكيد كقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} [النساء: 23] وليس كونهن فى حجورهم بشرط مخصص وإنما ذكر لأنه أغلب الأحوال1.
وإذا أوجب الشرط تخصيص المشروط فيه لم يثبت حكم المشروط إلا بوجود الشرط فيوجد بوجوده ويعدم بعدمه ومثال هذه الطهارة التى جعلها الله تعالى شرطا فى صحة الصلاة بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] وكقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ
__________
1 قال الآمدي اتفق القائلون بالمفهوم على أن كل خطاب خصص محل النطق بالذكر لخروجه مخرج الأعم الأغلب لا مفهوم له وذلك كقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} وقوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} وقوله صلى الله عليه وسلم "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" وقوله صلى الله عليه وسلم "فليستنج بثلاثة أحجار" فإن تخصيصه بالذكر لمحل النطق في جميع هذه الصور إنما كان لأنه الغالب إذ الغالب أن الربيبة إنما تكون في الحجر وأن الخلع لا يكون إلا مع الشقاق وأن المرأة لا تزوج نفسها إلا عند عدم إذن الولي لها وإنابة من يزوجها وأن الاستنجاء لا يكون إلا بالحجارة وكذلك الحكم في كل ما ظهر سبب تخصيصه بالذكر كسؤال سائل أو حدوث حادثة أو غير ذلك مما سبق ذكره من أسباب التخصيص وعلى هذا فلو لم يظهر سبب يوجب تخصيص محل النطق بالذكر دون محل السكوت بل كانت الحاجة إليهما وإلى ذكرهما مع العلم بهما مستوية ولم يكن الحكم في محل السكوت أولى بالثبوت وبالجملة لو لم يظهر سبب من الأسباب الموجبة للتخصيص سوى نفي الحكم في محل السكوت فهل يجب القول بنفي الحكم في محل السكوت تحقيقا لفائدة التخصيص أو لا يجب! إن قلنا إنه لا يجب كان التخصيص بالذكر عبثا جليا عن الفائدة وذلك مما ينزه عنه منصب آحاد البلغاء فضلا عن كلام الله تعالى ورسوله وإن قلنا بموجب نفي الحكم لزم القول بدلالة المفهوم في هذه الصورة.
والوجه في حله أن يقال: إذا لم يظهر السبب المخصص فلا يخلو إما أن يكون مع عدم ظهوره محتمل الوجود والعدم على السواء أو أن عدمه أظهر من وجوده فإن كان الأولى فليس القول بالنفي أولى من القول بالاثبات وعلى هذا فلا مفهوم وإن كان الثاني فإنما يلزم من ذلك نفي الحكم في محل السكوت أن لو كان نفي الحكم فيه من جملة الفوائد الموجبة لتخصيص محل النطق بالذكر وليس كذلك وذلك لأن نفي الحكم في محل السكوت عند القائلين بمفهوم المخالفة إنما هو فرع دلالة اللفظ في محل النطق عليه فلو كانت دلالة اللفظ في محل النطق على نفي الحكم في محل السكوت متوقفة عليه بوجه من الوجوه كان دورا ممتنعا انظر إحاكم الأحكام 3/146.
(1/223)

يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} [المجادلة: 4] فجعل عدم الرقبة شرطا فى جواز الصيام وجعل العجز عن الصيام شرطا فى جواز الإطعام وعلى هذا قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [التوبة: 29] أوجب إطلاق العموم استغراق ما انطلق عليه اسم المشرك فى قتله ومثاله فإذا قال اقتلوا المشركين أن كانوا حربيين وقاتلوهم حتى يعطوا الجزية أن كانوا كتابيين صار هذا1 الشرط مخصصا لعموم الأسماء.
واعلم أن من حق الشرط أن يكون مستقبلا لحكم مستقبل ولا يجوز أن يكون ماضيا لحكم ماض ولا أن يكون مستقبلا لحكم ماض لأنه إذا قال لا أكرم زيدا أمس إلا أن يقدم عمرو اليوم امتنع اجتماع الشرط والمشروط لأنه أن أكرم زيدا بالأمس فهو قبل وجود الشرط وأن لم يكرمه حتى يقدم عمرو فإن المشروط من إكرام زيد بالأمس فلما امتنع اجتماعهما بطل حكم الشرط فبطل حكم المشروط.
وأما أن كان الشرط ماضيا لحكم مستقبل كقوله أن كان زيد قدم فأكرم عمرا فهذا على ضربين.
أحدهما أن يكون الشرط قد وجد قبل الأمر فيكون المأمور مخاطبا بالأمر المشروط ويكون الشرط الماضى تضليلا وليس بشرط فلا يخص به العموم لأنه لم يتقدمه أمر يختص بالشرط.
والضرب الثانى أن يكون الشرط لم يوجد فلا يجوز أن يتعلق الحكم بوجوده بعد الأمر لأنه معقود على ماض وليس معقود على مستقبل.
وأما تخصيص العموم بالغاية.
فالغاية كالشرط فى تخصيص العموم بها مثل قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [لتوبة: 29] فجعل إعطاء الجزية غاية فى قتالهم قبلها والكف عنهم بعدها فصارت الغاية شرطا مخصصا.
وقد يتعلق الحكم المشروط بغاية وشرط فلا يثبت إلا بعد وجود الغاية والشرط مثل قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 222] فجعل انقطاع الدم غاية والغسل شرطا فصارا معتبرين فى إباحة الإصابة.
__________
1 ثبت في الأصل "صارت هذه" ولعل الصواب ما أثبتناه.
(1/224)

والتخصيص واقعا باجتماعهما ولا يقع بوجود أحدهما.
وأما التخصيص بالتقييد.
مثل قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [المجادلة: 3] وكقوله تعالى: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [المجادلة: 4] فلما قيد الرقبة بالإيمان والصيام بالتتابع خص عموم الرقاب وعموم الصيام فلم يجز من الرقاب إلا المؤمنة ومن الصيام إلا المتتابع وكان لولا التقييد الإجزاء بكل رقبة مؤمنة كانت أو كافرة وكل صيام متتابعا كان أو متفرقا وصار التقييد الشرعى تخصيصا لكل عموم ورد به السمع.
ويجوز تقييد العموم بشرطين وأكثر1 وإذا زيدت شروط تقييده كان أضيق لتخصيص عمومه ويجوز أن يجمع فى تقييد العموم بين شرط وصفة وغاية فإذا قال إذا قدم زيد صحيحا إلى رمضان فأعط عمرا درهما كان قدوم زيد شرطا وصحته صفة وإلى رمضان غاية ودفع الدرهم إلى عمرو حكما يلزم بمجموع الشرط والصفة والغاية.
__________
1 اعلم أن الشرط قد يأتي متعددا على سبيل الجمع نحو: إن كان زانيا أو محصنا فارجمه فيحتاج إليهما للرجم وأما على سبيل البدل نحو: إن كان سارقا أو نباشا فاقطعه فيكفي واحد منهما في وجوب القطع انظر نهاية السول 2/441 إحكام الأحكام 2/455, 456 المحصول 1/424 المعتمد 1/240 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/294, 295.
(1/225)

فصل: ومما يدخل فى باب العموم القول فى ألفاظ الشارع فى حكايات الأحوال.
فعند الشافعى رحمه الله أن ترك الاستفصال فى حكايات الأحوال مع الاحتمال يجرى مجرى العموم فى المقال2.
ومثال ذلك ما روى أن غيلان بن سلمة الثقفى رضى الله عنه أسلم وتحته عشر نسوة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" 3 ولم يسأله عن كيفية العقد عليهن هل.
__________
2 في هذه المسألة خالف الإمام أبو حنيفة الإمام الشافعي فقال: إن كان العقد عليهن في وقت واحد فعليه أن يجدد عقد النكاح على أربع منهن أي أربع وقع عليهن اختياره.
وإن كانت العقود مرتبة فعليه أن يمسك الأربع الأول ويفارق ما عداهن لأن العقود الأولى صادفت محلا قابلا للعقد فكانت صحيحة أما ما عداها فلم يصادف محلا قابلا للعقد فكان باطلا انظر نهاية السول 2/367, 368, 369 إحكام الأحكام للآمدي 2/345 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/232.
3 أخرجه الترمذي النكاح 3/426 ح 1128 وابن ماجه النكاح 1/628 ح 1953 والبيهقي في الكبرى 7/294 ح 14041 وابن حبان 1277 - 1278/موارد.
(1/225)

عقد عليهن على الترتيب أو عقد عليهن دفعة واحدة فكان إطلاقه القول من غير استفصال واستبراد حال دليلا دالا على أنه لا فرق بين أن تتفق العقود عليهن معا أو يوجد العقود متفرقة عليهن فإن قال قائل يجوز أن النبي صلى الله عليه وسلم علم كيفية الحال فلهذا لم يسأل وأطلق الجواب وأيضا فإن كان الرسول عليه السلام لم يقف على الكيفية فى هذه الحادثة ولا يعرف استبهام الكيفية فى كل حادثة تنقل على هذا الوجه.
والجواب المطلق إنما يمكن حمله على العموم إذا كان مبتنيا على استبهام الحادثة.
والجواب أن دعوى معرفة النبي صلى الله عليه وسلم لكيفية العقود من غيلان بن سلمة وهو رجل من ثفيف ورد عليه ليسلم والتعرف لأمثال هذه المواقعات يبعد من الآحاد من الناس فكيف يلائم حال الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا غاية البعد.
والذى ذكر ثانيا فنحن إنما ندعى العموم فى كل ما يظهر فيه استفهام الحال ويظهر من الشارع إطلاق الجواب فلا بد أن يكون الجواب مسترسلا على الأحوال كلها وعلى أن وجه الدليل واضح من خبر غيلان بن سلمة فى الأحوال كلها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمسك أربعا فأجملهن ولم يخصص فى الإمساك أوائل عن أوآخر أو أوآخر عن أوائل وفوض الأمر إلى اختيار من أسلم ولذلك قال لفيروز الديلمى وقد أسلم على أختان: " اختر أيهما شئت وفارق الأخرى" 1 فقد علق على اختياره على الإطلاق من غير تعرض لأولى وأخرى.
__________
1 أخرجه أبو داود الطلاق 2/280 ح 2243 والترمذي النكاح 3/427 ح 1129 - 1130 وقال هذا حديث حسن وابن ماجه النكاح 1/627 ح 1951 وأحمد المسند 4/284 ح 18063.
(1/226)

فصل: ورود صيغة متخصة في وضع اللسان بالنبي صلى الله عليه وسلم
...
فصل
وإذا وردت صيغة مختصة فى وضع اللسان برسول الله صلى الله عليه وسلم فالذى صار إليه أبو حنيفة وأصحابه أن الأمة معه فى ذلك سواء ولهذا تعلقوا فى مسألة النكاح بلفظ الهبة بقوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} فالخطاب يختص به والأمة عندهم كالنبى صلى الله عليه وسلم فى موجبه وقد أوقفهم بعض أصحابنا فى هذا2 وقال من ذهب إلى هذا إن.
__________
2 في هذه المسألة قولان:
الأول: وهو قول عامة الأصوليين من الشافعية والحنفية أن الخطاب لا يتناول الأمة.
القول الثاني: أن خطاب الرسول خطاب لأمته وهذا القول منقول عن أبي حنيفة وأحمد بن......=
(1/226)

الأصل أن النبي صلى الله عليه وسلم وأمته فى الشرائع على التسوية والتماثل كما أن الأصل أن الأمة بعضها مع البعض فى الشرع سواء فإن جرى تخصيص فى بعض المواضع فإنما صدر ذلك عن دليل خاص دل عليه وقد روى أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال له فى بعض الأمور إنك لست مثلنا أنه قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تآخر فغضب وقال إنما أرجو أن أكون أخشاكم لله تعالى ثم ذكر كلاما عن النكاح وغيره وقال فى آخره: "فمن رغب عن سنتى فليس منى" 1 وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] فدل أنه صلى الله عليه وسلم قدوة الأمة فى كل شىء.
وقد وجدت أحكام خاصة لأفراد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما روى أن خزيمة ابن ثابت كان مختصا بشهادتين2 وكذلك قال للبراء بن عازب فى الأضحية تجزيك ولا تجزيء عن أحد بعدك3 ورخص للزبير فى لبس الحرير عن حكة به4 ولم ينقل أحد أنه يجوز لغيره ونحن نقول أن رجعنا إلى صورة اللفظ فلا ارتياب أنه مختص بالرسول صلى الله عليه وسلم ثم بعد هذا يقال ما ظهرت فيه خصائص الرسول عليه السلام كالنكاح والمغانم فإذا ورد خطاب مختص به صلى الله عليه وسلم فهو مخصوص به وعلى هذا ينبغى أن نص بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم اعتقدوه وإنما صرنا إلى هذا لأن الصيغة خاصة واختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم فى الباب معلوم فحمل الخطاب على أنه خاص له فأما ما لم يظهر فيه خصائصه وورد خطاب من الله تعالى يختص به فينبغى أن يكون الأمر على ما قاله.
__________
= حنبل رضي الله عنهما وأصحابهما انظر إحكام الأحكام للآمدي 2/379 نهاية السول 2/358 البرهان 1/367 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/224, 225.
1 أخرجه البخاري النكاح 9/5 ح 5063 ومسلم النكاح 2/1020 ح 5/1401 والنسائي النكاح 6/48 ح باب النهي عن التبتل وأحمد المسند 3/295 ح 13540.
2 أخرجه البخاري الجهاد 6/26 ح 2807 وأبو داود الأقضية 3/306 ح 3607 والنسائي البيوع 7/265 باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع وأحمد المسند 5/223 ح 21696.
3 أخرجه البخاري الأضاحي 10/5 ح 5545 ومسلم الأضاحي 3/1553 ح 7/1961 وأبو داود الضحايا 3/96 ح 2800 وأحمد المسند 4/372 ح 18717.
4 أخرجه البخاري الجهاد 6/118 ح 21919 ومسلم اللباس 3/1646 ح 25/2076 وأبو داود اللباس 4/49 ح 4056 والترمذي اللباس 4/218 ح 1722.
(1/227)

وهذا لأنه قدوة الأمة فإذا وضعنا الخطاب على التخصيص الذى يقتضيه ظاهرة وقطعنا الأمة عنه مع جريان عادة أهل اللسان فى خطاب الواحد ويريدون به الجماعة يؤدى إلى خرم قاعدة الاقتداء به وقد أمر الله صلى الله عليه وسلم تعالى باتباعه فى مواضع كثيرة من القرآن وربما يؤدى قطع المشاركة فى الأحكام إلى نفرة القلوب عنه وتباعدها منه فالأولى ما ذكرنا والله أعلم بالصواب.
وأما إذا خصص الرسول صلى الله عليه وسلم واحدا من أمته بخطاب فقد ذكر بعضهم خلافا فى هذا وقال من العلماء من صار إلى أن المكلفين قاطبة يشاركون المخاطب ومنهم من قال لا يشاركون فمن قال بالأول صار أن الأصل أن جميع الأمة فى الشرع سواء بلا تخصيص لواحد من بين الجماعة وقد جرت عادة أهل اللسان أنهم يخاطبون الواحد ويريدون به الجماعة وهذا فى كلام كثير.
وأما من قال بالثانى فقد ذهب إلى صورة الصيغة وهى مختصة بالواحد من بين الجماعة فلا يجعل للتعميم إلا بدليل والأول أولى لأنا وأن كنا إذا نظرنا إلى مقتضى الصيغة كان موجبا للتخصيص ولكن إذا نظرنا إلى ما استمر الشرع عليه فذلك يقتضى المشاركة والمساواة ألا ترى أن اللفظ الذى يخص به أهل عصر يكون مسترسلا على الأعصار كلها ولا يخص به أهل العصر الأول كذلك هاهنا.
مسألة: ومما يتعلق بباب العموم والخصوص مسألة المطلق والمقيد.
اعلم أن الخطاب إذا ورد مطلقا لا تقييد له يحمل على إطلاقه وأن ورد مقيدا لا مطلق له حمل على تقييده وأن ورد مطلقا فى موضع ومقيدا فى موضع ينظر فى ذلك فإن اختلف السبب واختلف الحكم جميعا مثل ما ورد من تقييد الصيام بالتتابع فى كفارة القتل وإطلاق الإطعام فى الظهار لم يحمل أحدهما على الآخر بل يعتبر كل واحد منهما بنفسه لأنهما لا يشتركان فى لفظ ولا فى معنى1.
وإن كان ورودهما فى حكم واحد وبسبب واحد مثل أن يذكر الرقبة مطلقة فى.
__________
1 انظر إحاكم الأحكام للآمدي 3/3 روضة الناظر 230 المحصول 1/457 التصريح على التوضيح 1/63 حاشية الشيخ بخيت المطيعي 2/496 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/333.
(1/228)

كفارة القتل ومقيدة فى كفارة الظهار كان الحكم للمقيد وبنى المطلق عليه ويصير كأن الوارد حكم واحد استوفى بيانه فى أحد الموضعين ولم يستوف بيانه فى الموضع الآخر1.
وأما إذا ورد المطلق والمقيد فى حكم واحد وبسببين مختلفين مثل ما وردت الرقبة مطلقة فى كفارة الظهار ومقيدة بالأيمان فى كفارة القتل فعندنا يحمل المطلق على المقيد.
واختلف أصحابنا فيما يوجب الحمل فمن أصحابنا من قال يحمل المطلق على المقيد بنفس الورود ومنهم من قال من جهة القياس2.
وأما إذا اتفق السبب فاختلفوا فيه فقال بعضهم يحمل المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده مثل ما اختلف بالسبب ومنهم من قال يحمل المطلق على المقيد فى هذه الصورة أما دليلهم قالوا: أن المطلق خطاب على حاله والمقيد خطاب على حاله وربما يقولون نص على حدة ونص على حدة فهما نصان مختلفان فلا يحمل أحدهما على الآخر بل يعمل كل واحد منهما على ما يقتضيه إذ كل واحد منهما موجب للعمل بنفسه وبصيغته قالوا: وعلى هذا سواء كان المطلق أو المقيد فى سببين مختلفين أو سبب واحد يدل عليه أنا نعقل من كلام صاحب الشرع ما يعقل بعضنا من كلام البعض لأن الله تعالى خاطبنا بما يخاطب به العرب بعضهم مع البعض ثم الواحد منا لو أطلق كلامه إطلاقا ثم قيده ثانيا تقييدا فإنا نحمل المطلق على المقيد بل يجرى كل واحد منهما على سببه وقضيته ألا ترى من قال لامرأته أن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال أن دخلت الدار راكبة فأنت طالق فإنها تطلق إذا دخلت الدار راكبة وتطلق إذا دخلت الدار غير راكبة.
وكذلك إذا قال الرجل لغيره أعتق عبدا واحدا من عبيدى وقال لآخر أعتق عبدا واحدا أبيض من عبيدى فإن الأول يملك أن يعتق أى عبد شاء والثانى لا يملك إلا.
__________
1 انظر المحصول 1/457 إحكام الأحكام للآمدي 1/4 التصريح على التوضيح 1/63 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/333, 334.
2 انظر المحصول 1/459 إحكام الأحكام للآمدي 3/5 روضة الناظر 231 التصريح على التوضيح 1/63 حاشية الشيخ بخيت المطيعي 2/499 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/335.
(1/229)

إعتاق عبد أبيض ولا يحمل المطلق على المقيد فكذلك ما جاء من الشرع يكون كذلك وهذا المعنى معقول وهو أن المطلق ضد المقيد فيكون فى حمل المطلق على المقيد نسخ المطلق لا نسخ الحكم رفعه وأنتم قد رفعتم المطلق وحكمه بالمقيد وحكمه.
وبيان رفعه أن قضية المطلق أجزأ كل ما يسمى رقبة وقد ارتفع هذا الإجزاء والرفع نسخه ببينة أن التعبير بمقتضى الآية نسخ فالرفع لأن يكون نسخا أولى.
قالوا: ولهذا لا يشترط فى قضاء رمضان من التتابع لأنه ورد مطلقا بقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] ولم يحمل على صوم اليمين ولا على صوم الظهار وكذلك عندكم لا يحمل الصوم فى كفارة اليمين على الصوم فى كفارة القتل والظهار.
قالوا: وأما فى الشهادة فإنا لا نقول يحمل المطلق فيها على المقيد بالعدالة لكن شرطنا العدالة فى الشهادة التى لم يرد فيها النص تقييدا بالعدالة بدليل آخر وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] والأمر بالتثبت يمنع القبول وكذلك فى زكاة الغنم إنما شرطنا السوم بدليل آخر وهو قوله عليه السلام لا زكاة فى المعلوفة ولا فى المحمولة وكذلك إنما قيدنا الميراث المذكور فى آخر سورة النساء بما قيد به الميراث المذكور فى أولها من تأخيره عن الدين والوصية بالإجماع لا يحمل المطلق على المقيد قالوا: ولا يجوز أن يقال أن المطلق عام وحمله على الرقبة المؤمنة تخصيص لأن دعوى العموم باطلة فى قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] من وجوه منها أن قوله: {رَقَبَةٍ} اسم لرقبة واحدة لأنها نكرة فى الإثبات فتخص ولا تعم والعام ما يشتمل على مسميات كثيرة فأما الذى يشتمل على مسمى فرد ومحل وبلد فمحال أن يدعى فيه العموم ببينة أنه لا شك أنه اسما مفردا.
ألا ترى أنه يجمع فيقال رقبة ورقبات كما يقال رجل ورجال وعبد وعبيد ودعوى التخصيص فى اسم المفرد محالا ولأن إثبات التقييد فى الرقبة المطلقة زيادة على النص والزيادة على النص لا يجوز أن يدعى أنه تخصيص بوجه ما لأن التخصيص نقصان والنقصان زيادة على النص والزيادة على النص لا يجوز أن يدعى أنه تخصيص بوجه ما لأن التخصيص نقصان والنقصان ضد الزيادة ونقيضها فكيف نجوز أن يدعى فى الشىء معنى ضده ونقيضه والدليل على أنه زيادة أن صفة الإيمان لا تشتمل عليها اسم الرقبة فإن الرقبة اسم للبنية بأجزائها والإيمان ليس من إقرار بوجه ما وإنما هو.
(1/230)

معنى يعتقده ويكتسبه بقلبه وكذلك لو كفر وما كان من هذا الوجه لم يتصور أن يشتمل عليه اسم الرقبة.
قالوا: ولا يجوز أن يدعى العموم فى أوصاف الرقبة لأن الأوصاف غير مذكورة فلا يجوز دعوى العموم فيها وما هو المذكور يقع اسما على الرقبة الواحدة وتخصيص المسمى الواحد محال.
قالوا: وليس كالمعيبة والسليمة لأن العيب نقصان جزء من أجزاء البنية فلا تكون رقبة مطلقة وأما الكافر فرقبة مطلقة مثل المؤمنة لأن الكفر والإيمان ليس من أجزاء البنية فعلى هذا لا يكون شرط السلامة زيادة على النص بل يكون اعتبارها اعتبار ما يقتضيه النص.
وأما صفة الإيمان لما كان سببا وراء ما يقتضيه اسم الرقبة فيكون زيادة محضة وإذا بدا أنه زيادة لم يجز إثباتها بالقياس لأن بالقياس لا يجوز الزيادة على النص لأنها نسخ على ما سنبين فى باب النسخ ونسخ القرآن بالقياس لا يجوز ولأن القياس إنما يجوز استعماله فى غير موضع النص وهذا استعمال القياس فى موضع النص لأن كفارة القتل منصوص عليها وكفارة الظهار منصوص عليها وقياس المنصوص عليه على المنصوص عليه باطل كما لا يجوز قياس السرقة على قطع الطريق لإثبات قطع الرجل مع اليد وكذلك قياس التيمم على الوضوء باطل فى إدخال الرأس والرجل فى التيمم وكذلك قياس كفارة القتل على كفارة الظهار باطلة فى إثبات الإطعام والإطعام كفارة مثل الرقبة والصيام.
ببينة أن التقييد بالإيمان زيادة على حكم قد قصد استيفاؤه بالنص فلم يجز كما لا يجوز فى هذه الصورة التى بيناها قالوا: وأما قول من قال من أصحابكم يقيد بنفس ورود المقيد ويحمل عليه بلا قياس ولا دليل يدل عليه فكلام باطل وزعم محال لأن ظاهر المطلق يقتضى أن يجرى على إطلاقه فلو خص بالمقيد مجرد كون هذا مطلقا وكون الآخر مقيدا كان هذا مجرد ميل باطل وينتهى بمحال لأنه لا يكون أن يقيد بأولى من أن لا يقيد به.
ببينة أنه يجوز أن يكون حكم الله تعالى فى أحدهما الإطلاق وفى الآخر التقييد وأيضا كما لا يجوز أن تكون المصلحة الشرعية فيهما التقييد يجوز أن يكون المصلحة الشرعية فيهما الإطلاق ويجوز أن يكون المصلحة فى أحدهما الإطلاق بينما الآخر.
(1/231)

التقييد يدل عليه أنه لو جاز أن يقيد أحدهما بمجرد أن الآخر مطلق من غير أن يكون بينهما وصلة لا لفظية ولا معنوية ولكن بمجرد أن هذا المقيد وجب أن يقيد الآخر ومثله من هذا أيضا أن يكون لأحدهما بدل لأن للآخر بدلا أو يثبت التخصيص فى أحد العموم لأن الآخر مخصوص.
قالوا: وقول بعضكم أن القرآن كله كالكلمة الواحدة يقيد بعضه مما يقيد به البعض الآخر مثل قوله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ} [الأحزاب: 35] لا يصح لأن قولهم أن القرآن كالكلمة الواحدة أن أرادوا بذلك أن كله حق ولا غرر فى شىء منه ولا اختلاف هذا صحيح.
وإن أرادوا أن كله كالشىء الواحد حتى يقيد البعض منه بما يقيد به البعض فهذا كلام لم يقل به أحد وكيف يكون كالكلام الواحد وقد أنزله الله تعالى على سبعة أحرف وقيل معناه سبع جهات أمر ونهى ووعد ووعيد ومتشابه وقصص ومثل ولأن اسم القتل لا ينطلق على الظهار فلا يستعمل فيه حكمه إلا بمعنى يوجب قياسه عليه كالبر لما كان اسمه لا ينطلق على الأرز لم يستعمل فيه حكمه إلا بمعنى يوجب قياسه عليه وهو أما الكيل أو الطعم على حسب ما اختلفوا فيه.
فأما حجتنا نقول فى المطلق والمقيد إذا وردا فى حادثة واحدة أن التقييد زيادة فى أحد الخطابين ورد من الشارع فوجب الأخذ بها دليله الزيادة فى الاحتياط فإنه يجب الأخذ بها كذلك هاهنا وإذا وجب الأخذ بهذه الزيادة لم يكن بد من حمل المطلق عليه لأنا إذا لم نحمل المطلق عليه كان تركا لوصف التقييد.
فإن قالوا: وإذا حملنا المطلق على المقيد كان تركا لوصف الإطلاق قلنا لا يكون تركا بل يكون قولا بتخصيص عموم وأما إذا لم يحمل المطلق عليه كان تركا لصفة التقييد أصلا فإن قوله عليه السلام: "فى سائمة الغنم زكاة" 1 إذا لم يحمل عليه الخطاب الذى ورد فى إيجاب زكاة الغنم تعطلت صفة السوم والغنم ولم يبق لها فائدة ولا بد فى هذا الدليل من الرجوع إلى أن القول بدليل الخطاب واجب وأنه حجة شرعية وسيأتى هذا من بعد.
ونقول أيضا إذا أجرينا المطلق على إطلاقه اعترضنا به على المقيد وإذا اعتبرنا.
__________
1 أخرجه البخاري الزكاة 3/371 - 372 وأبو داود الزكاة 2/98 ح 1567 والنسائي الزكاة 5/19 باب زكاة الغنم وأحمد المسند 1/16 ح 73.
(1/232)

المقيد واعتبرنا التقييد فى إثبات الحكم اعترضنا على المطلق ولا بد من واحد منهما والثانى أولى لأن الأمر المقيد صريح فى وصف التقييد أعنى السوم أو وصف الإيمان فيما إذا قال إذا جنيتم فأعتقوا رقبة ثم قال إذا جنيتم فأعتقوا رقبة مؤمنة واللفظ مختص بهذا الوصف.
وأما المطلق فظاهر فى المعلوفة وليس بصريح فيها وكذلك فى المثال الثانى ليس بصريح فى الكافرة فكان الاعتراض بالصريح على الظاهر وبالنص على العام أولى لأن الخاص مقدم على العام والصريح مرجح على الظاهر هذا هو الكلام فى المطلق والمقيد إذا ورد فى حادثة واحدة والذى ذكروا من المثالين فى مسألة الطلاق والعتاق فلا يعرف ذلك على مذهبنا وإنما هو على مذهبهم.
وأما الدليل فى الفصل الثانى وهو إذا ورد المطلق والخطاب المقيد فى شيئين مختلفين مع إيجاد الحكم وهو المسألة المعروفة ومثال ذلك فى كفارة القتل وكفارة الظهار فوجه الكلام فى هذه المسألة أن يدل على أن قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة 3] لفظ عام يشتمل على جميع الرقاب والتقييد بالإيمان تخصيص وإذا ثبت هذا صح بالقياس لأنا بينا أن تخصيص العموم بالقياس جائز والدليل على أنه لفظ عام أن قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة 3] صالح لكل رقبة لأن الرقبة اسم لكل شخص له رقبة إلا أنه اختص بالعبيد من حيث العرف فهو إذا صالح للمؤمنة والكافرة والمعيبة والسليمة والعاقلة والمجنونة وإذا صلح لكل الرقاب كان عاما فى كل الرقاب إلا أنه لفظ فى كل الرقاب من حيث البدل على معنى أنه لا يتعدد الرقبة الداخلة فى الأمر بالتحرير غير أنه ما من رقبة توجد وتسمى رقبة إلا ويتناولها اللفظ ويشتمل عليها الأمر حتى لو قصدها فيحررها تخرج عن عهدة الأمر فصار معنى قولنا من حيث البدل أنه متناول لكل الرقاب لا من حيث يدخل جميع الرقاب فى الأمر بالتحرير ولكن من حيث استرسال الأمر على الرقاب بوصف التناول وقيام البعض مكان البعض فيكون عاما من حيث المعنى أن لم يكن عاما من حيث صورة اللفظ ويمكن أن يقال أنه عام فى الأوصاف لأنه على أى وصف كانت الرقبة فهى رقبة.
وقولهم أن الوصف غير مذكور فلا يمكن دعوى العموم فيه قلنا الأوصاف لا تنفك الرقاب عنها بل هى من صورة الرقاب فصارت كالمذكورة فصح دعوى العموم فيها.
(1/233)

ثم الدليل الواضح على أنه لفظ عام أنه يحسن منه الاستثناء بإلا وهو أن يقول: أعتق رقبة إلا أن تكون كافرة أو ذمية أو معيبة أو يقول: أعط هذا الدرهم فقيرا إلا أن يكون كافرا والاستثناء بعض ما يتناوله اللفظ ولولا أنه عام لم يتصور فيه الاستثناء لأن الاستثناء تخصيص إلا أنه دليل يتصل باللفظ والذى يتكلم فيه تخصيص بدليل منفصل عن اللفظ وإذا استويا فى معنى التخصيص فإذا قيل هذا اللفظ أحدهما قبل الآخر وقد ظهر هذا الذى قلناه الجواب عن قولهم أنه اسم فرد فهو وأن كان اسم فرد ولكنه عام فى الأوصاف أو نقول هو وأن كان اسم فرد فى الصورة لكنه اسم عام فى المعنى على ما ذكرنا من قبل بالتخصيص إنما يصح لعمومه من حيث المعنى كما صح الاستثناء بهذا الوجه ونزيد ما قلناه إيضاحا فنقول التخصيص على وجهين تخصيص بإخراج بعض المسميات من اللفظ مثل قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5] فإن تخصيصه بإخراج بعض ما تناوله اللفظ من المسميات.
والوجه الثانى من التخصيص هو إفراد بعض ما يصلح له اللفظ عن البعض وأن شئت قلنا تعيين بعض ما يتناوله الاسم المبهم ونظيره قول الرجل رأيت زيدا فهذا اسم مبهم يصلح اللفظ لكل من يسمى زيدا فإذا قلت: رأيت زيدا العالم فقد أفردت بعض من يصلح له اللفظ عن البعض وعنيت بعض من يتناوله الاسم المبهم.
وإذا ثبت أن ما قلناه من حمل المطلق على المقيد بالقياس ومنع إجزاء الرقبة الكافرة تخصيص لفظ عام شامل لمسميات كثيرة بالوجه الذى قدمنا سقط قول أن تقييد الرقبة بالإيمان زيادة فى النص بل هو نقصان لأن التخصيص يكون نقصانا ولا يكون زيادة.
وقولهم أن اسم الرقبة للبنية بأجزائها قلنا نعم ولكن الإيمان والكفر وصف لهذه البنية فقال رقبة مؤمنة ورقبة كافرة كما يقال معيبة وسليمة وكما لا يتصور إلا أن تكون معيبة أو سليمة لا يتصور إلا أن تكون كافرة أو مؤمنة وقد قال الطبرى فى أصوله لا يجوز أن لا يعتقد الكفر ولا الإيمان فيخلو عنهما وهذا هوس لأنه إذا لم يعتقد الإيمان يكون كافرا ولا أن تكون لا مؤمنة ولا كافرة كما لا يتصور أن تكون لا معيبة ولا سليمة وعلى أنه يدعى أن الإيمان والكفر من أجزاء البنية لكن ادعينا أنهما وصفا البنية وادعينا العموم من حيث الأوصاف ولهذا جاز الاستثناء.
(1/234)

وإذا جاز أن لا يكون من أجزاء البنية وصح استثناء الرقبة بهذا الوصف جاز أيضا أن لا يكون من أجزاء البنية ويصح تخصيص الرقبة بهذا الوصف.
واعلم أن فصل الاستثناء يهدم كل كلام لهم فى هذه المسألة ولا يتصور لهم رد وكلام عليه والجواب إنما لا يدعى أن الكفر من أجزاء الرقبة أو الإيمان لكن يدعى أن الكافر رقبة وتناول اللفظ إياه من هذا الوجه لا من وجه الذى قلتم وقد بينا دعوى العموم فى هذه المسألة ولم نحتج إلى أن نبين أن الزيادة فى النص لا تكون نسخا وتركنا الكلام فيه إلى أن نبلغ إلى مسائل النسخ وأما المسائل التى أوردوها فإنا لم نجز استعمال القياس فى هذه المسائل لأن الإجماع منع منه.
وأما مسألة التتابع فى قضاء رمضان أو فى صوم كفارة اليمين فإنما لم نحمل المطلق على المقيد فى ذلك لأن المحل قد تجاذبه أصلان أعنى صوم المتعة حيث نص فيه على التفريق وصوم الظهار حيث نص فيه على التتابع فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من إلحاقه بالآخر على حاله.
والكلام فى مطلق له أصل واحد فى المقيد وحين بلغ هذا الكلام فى هذا الموضع فقد انتهت المسألة والذى قالوا: أن قياس كفارة الظهار على كفارة القتل قياس المنصوص عليه على المنصوص عليه قد أجبنا عن هذا فى الخلافيات فلا معنى للإعادة ثم الكلام فى العموم والخصوص ونتبع القول فى هذا القول فى مفهوم الخطاب ودليله لأنه لائق بفصل المطلق والمقيد وقد انبنى الكلام عليه فى بعض فصوله والله الموفق للصواب.
(1/235)

القول فى دليل الخطاب
القول فى دليل الخطاب
...
القول فى دليل الخطاب.
وبيان اختلاف العلماء فى ذلك ووجه كونه حجة وذكر ما يتصل به وما قيل فى بيان مذهب العلماء فى دليل الخطاب وما ذهب كل فريق منهم فى ذلك.
اعلم أن أصحابنا أوردوا أنه على ثلاثة أنحاء فحوى الخطاب ولحن الخطاب ومفهوم الخطاب وبعضهم ضم إليها قسما رابعا وهو دليل الخطاب وفرقوا بين دليل الخطاب ومفهوم الخطاب.
فأما فحوى الخطاب ما عرف به غيره على وجه البينة1 وطريق الأولى مثل قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} [الاسراء: 23] وقوله تعالى ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار يؤده إليك آل عمران 75 الآية ومثل قوله تعالى: {وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً} [النساء: 124] وعلى هذا ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ردوا الخيط والمخيط وكذلك قوله تعالى مما أفاء الله عليك الأحزاب 5 مثل هذه وضرب بيده إلى وبرة بعيره إلا الخمس والخمس مردود فيكم ويقول القائل فى مستعمل الكلام فلان لا يعطى خردلة ولا يترك من حقه حبة ويقول: لا تقر عين أخيك وأمثال هذا.
وقد سمى الشافعى رحمه الله هذا قياسا جليا وذكر على مثاله قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] قال هذا تنبيه على وجوب الكفارة فى قتل العمد واعترضوا عليه قالوا: ليس هذا بقياس لأنا نعلم هذا باضطراد لا بحكم النظر والاستدلال وهو كما نجد أنفسنا غير مفتقرة إلى النظر والاستدلال فى العلم بالمدركات وما نجده فى أنفسنا من الآلام واللذات وأيضا فإنه يشترك فى هذا العلم العامة والسوقة والنساء وأهل العلم والعلية من الناس وإذا علمه من ليس من أهل النظر والاستدلال دل أنه ليس علمه بطريق النظر والاستدلال ولأنه لو كان معلوما بنظر وقياس جلى أو خفى لجاز أن يغلط فيه غالط أو يشك فيه شاك أو يجوز أن.
__________
1 أي: مفهوم الموافقة الأولوي انظر إحاكم الأحكام 3/94 نهاية السول 2/202, 203 البرهان 1/449 التصريح على التوضيح 1/141 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/98.
(1/236)

يترك الناس هذا القياس وهذا النظر ولا يقفون على قضيته وموجبه أو يعدل عن هذا النظر عادل أو يستعمل غير جهته مستعمل.
وحين لم يتصور شىء من هذه الوجه دل أنه معرفة ضرورية بمعرفة قياسية ويجوز أن يصحح قول الشافعى فيقال إنما قال الشافعى ذلك لأن الضرب والشتم غير مذكور فى خطاب قوله: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الاسراء: 23] وإنما استدرك علمه وأن لم يذكر فى الخطاب من ناحية المذكور ويلقيه من قبله فأثبته علمنا بالفرع من ناحية أصله.
وأيضا فإنه لا بد من نوع نظر فإن ما لم يعرف قصد المتكلم وأنه أخرج الكلام لمنع الأذى لا يجعل له هذا العلم.
ألا ترى أنه يحسن أن يقول الرجل لغيره لا تشتم فلانا ولا تواجهه بقبيح ولكن اقتله ويقول: لا تضربه ولكن اقتله.
وأمثال هذا يوجد كثيرا وإنما حبس ذلك لأن مقصوده لم يكن دفع الأذى عنه ولكن كان مقصوده إيقاع فعل دون فعل ويجوز أن يقصد العاقل فعلا ما فى عينه ولا يقصد فعل ما دونه.
فأما إذا كان قصد المخاطب دفع الأذى بالمنع من التأفيف المنع من الشتم والضرب من طريق الأولى كما سبق فهذا تصحيح ما صار إليه الشافعى وسيأتى بأجلى من هذا فى باب القياس.
وأما لحن الخطاب1 فقد قيل ما أضمر فى أثناء اللفظ وقيل لحن الخطاب ما يدل على مثله والفحوى ما دل على ما هو أقوى منه.
وأما مفهوم الخطاب فما عرف من اللفظ بنوع نظر وقيل ما دل عليه اللفظ بالنظر فى معناه ومن فرق من أصحابنا بين دليل الخطاب ومفهوم الخطاب فلا يتجه له فرق صحيح.
والجملة أن فحوى الخطاب ولحن الخطاب ودليل الخطاب أدلة يستخرج بها ما اقتضته ألفاظ الشارع من الأحكام.
واعلم أن حقيقة دليل الخطاب أن يكون المنصوص عليه صفتان فيعلق الحكم بإحدى الصفتين وأن شئت قلت: فيقيد الحكم بإحدى الصفتين فيكون نصه مثبتا للحكم مع وجود الصفة فدليله نافيا للحكم مع عدم الصفة كقوله عليه السلام: "فى الغنم
__________
1 وهو مفهوم الموافقة.
(1/237)

السائمة الزكاة أو فى سائمة الغنم الزكاة" 1 فنصه وجوب الزكاة فى السائمة ودليله نفى وجوب الزكاة فى المعلوفة وكقوله عليه السلام: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا" 2 فنصه طهارته إذا بلغ الماء قلتين ودليله نجاسته إذا نقص عن القلتين وكقوله: "فى أربعين شاة شاة" 3 فنصه وجوبها فى الأربعين ودليله سقوطها فيما دون الأربعين وكقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] فنصه مقتضى التثبت فى قول الفاسق ودليله قبول قول العدل وترك التثبت فيه.
وإذا عرف دليل الخطاب فنقول اختلف أهل العلم فى كونه دليلا وصحة الاستدلال به فقال مالك والشافعى وجمهور أصحابنا أنه دليل صحيح فى الأحكام ويحتج به وهو قول داود وأصحاب الظاهر وقال به أيضا طائفة من المتكلمين.
وذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه إلى أن دليل الخطاب ليس بحجة ووافقهم على ذلك من أصحاب الشافعى أبو العباس بن سريج والقاضى أبو حامد المروزى وأبو بكر القفال الشاشى وهو قول جمهور المتكلمين من المعتزلة والأشعرية4 واختلف هؤلاء المبطلون بدليل الخطاب فى تعليق الحكم بالصفة إذا علق الحكم بغاية أو شرط فأكثر المتكلمين وطائفة من أصحاب أبى حنيفة ذهبوا إلى أن التقييد بالغاية والشرط مثل التقييد بالصفة وليس يدل على الخطاب على ما سوى المنطوق به أصلا.
وذهب طائفة من الفقهاء إلى القول بدليل الخطاب فى المقيد بالشرط والغاية وأن أبطلوا ذلك فى المقيد بالصفة5 وبعضهم أبطل دليل الخطاب بالصفة والشرط6 وأثبته.
__________
1 تقدم تخريجه.
2 أخرجه أبو داود الطهارة 1/16 ح 63 والترمذي الطهارة 1/97 ح 67 والنسائي المياه 1/142 باب التوقيت في الماء والدارمي الطهارة 1/202 ح 732 وأحمد المسند 2/18 4604.
3 أخرجه أبو داود الزكاة 2/99 ح 1568 والترمذي الزكاة 3/8 ح 621 وقال حديث حسن وابن ماجه الزكاة 1/577 ح 1805.
4 انظر روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة المقدسي 235 التصريح على التوضيح 1/144.
5 انظر البرهان 1/453 نهاية السول 2/206 إحكام الأحكام 3/102, 103 روضة الناظر 244.
6 ذهب إلى إبطالهما من الشافعية الإمام الباقلاني وحجة الدين الغزالي انظر المستصفى 2/204, 205 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/105, 110.
(1/238)

فى المقيد بالغاية.
وأما المثبتون لدليل الخطاب فقد أثبتوه فى المقيد بالشرط والصفة والغاية واختلفوا فى المقيد فى الاسم والعين فأثبته أيضا أبو بكر الدقاق وشرذمة قليلة من الفقهاء والصحيح أنه غير ثابت1.
وأما حجة النافين لدليل الخطاب قالوا: فلو دل الخطاب المقيد بالصفة على نفى ما عداه لدل عليه أما بصريحه ولفظه وأما بفائدته ومعناه وليس يدل عليه من كلا الوجهين فإذا ليس يدل عليه أما صريحه فلأنه ليس فيه ذكر لما عدا الصفة إلا ترى أن قول القائل أدوا عن الغنم السائمة الزكاة ليس فيه ذكر للمعلوفة أصلا وأما المعنى فلو دل من جهة المعنى لكان من حيث أنه لو كانت الزكاة فى غير السائمة كهى فى السائمة لما تكلف الشارع ذكر السوم وتعلق الزكاة باسم الغنم لأن تكلف ذكر السوم مع تعلق الزكاة بمطلق اسم الغنم تكلف لما لا فائدة فيه قالوا: وهذا لا يصح لأن فى تكلف ذكر السوم فوائد أخرى سوى نفى الزكاة عن المعلوفة وإذا أمكن ذلك بطل القول بأنه لا فائدة فى ذكر السوم سوى انتفاء الزكاة عن المعلوفة وذكروا فوائد فى التقييد بالصفة منها أنه قد يكون اللفظ لو أطلق فى بعض المواضع لتوهم متوهم أن الصفة خارجة عنه فتذكر الصفة لإزالة هذا الإيهام وهذا مثل قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الاسراء: 31] لو أطلق لكان يجوز أن يتوهم به متوهم أنه لم يرد عند خشية الإملاق قول الله تعالى: {خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} ليرفع هذا الإيهام وهذا غرض صحيح ومنها أن تكون البلوى تعم بالصفة المذكورة وما عداها لم يثبته على.
__________
1 ليس المراد من اللقب نصوص ما اصطلح عليه النحويون وهو ما أشعر بمدح أو ذم ولم يصدر بأب أو أم وإنما المراد به كل ما يدل على الذات سواء كان عاما أو كنية أو لقبا مثل زيد وأعلى وأنف الناقة وللأصوليين في هذا قولين:
أحدهما وهو المختار للبيضاوي وهو رأي جمهور العلماء أن تعليق الحكم بما يدل على الذات يدل على نفي الحكمعما عدا الذات وإنما يدل على ثبوته للذلك فقط.
وثانيهما أن تعليق الحكم بما يدل على الذات يدل على نفي الحكم عن غير الذات كما يدل على ثبوته للذات وهو لبعض العلماء كأبي بكر الدقاق من الشافعية وابن خويز منداد من المالكية وبعض الحنابلة.
انظر نهاية السول 2/206, 207 إحكام الأحكام للآمدي 3/137 روضة الناظر 240 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/100, 101.
(1/239)

الناس فقيد الله تعالى الخطاب بالصفة لإحداث البلوى بها وهذا أيضا مثل قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} [الاسراء: 31] ومنها أن يكون غرض الشارع أن يعلم حكم المنصوص عليه بالنص ويعرف حكم ما عداه بالقياس أو بدليل وهذا غير ممتنع كما لم يمتنع أن تعرف حكم الأجناس الستة فى الربا بالنص ويعرف حكم ما عداها بالقياس عليها.
وفى تعريض المجتهد للاجتهاد تعريضه للثواب وهو نفع عظيم وغرض صحيح ومنها أن تكون المصلحة المعلومة للشارع أن يبين حكم الزكاة عند وجود صفة السوم وينفى حكم المعلوفة على ما يدل عليه العقل.
فأما إذا لم يجد دليلا يدل على وجوب الزكاة فى المعلوفة نفينا الزكاة عنها لأن العقل يدل على ذلك من حيث أنه مال الغير لا يستحق عليه إلا بدليل شرعى يدل على استحقاقه.
فإن قلتم فقد نفينا الزكاة عن المعلوفة وصرتم إلى ما قلنا نقول بلى ولكن بتعليق الزكاة بالسائمة لكن ينعدم قيام الدليل على وجوب الزكاة فى المعلوفة فإنه حكم العقل ولم ينقلنا عنه دليل شرعى وهذا الذى قلناه دليل معتمد لهم وذكروا دليلا آخر وقالوا: لو كان الحكم المقيد بالصفة فى محل يدل التقييد على نفيه فيما عداها لكان أمر الخبر كذلك ومعلوم أن الإنسان لو قال زيد الطويل فى الدار لا يدل على أن القصير ليس فى الدار ولا على أنه فيها بل هو موقوف على قيام دليل عليه فالأمر يكون كذلك.
دليل آخر لهم هو أن الأسماء مثبتة لتمييز الأجناس والأشخاص فتمييز الأجناس أن يقال خيل أو إبل وتمييز الأشخاص أن يقال فرس أو بعير والصفات موضوعة لتمييز النعوت والأحوال فتمييز النعوت بالأوصاف أن يقال طويل أو قصير وتمييز الأحوال أن يقال قائم أو قاعد فصارت الأسماء والصفات فى وصفها للتمييز شأن فإن كان تقييد الخطاب بالاسم لا يدل على نفيه عما عداه فإنه إذا قيل فى الإبل الزكاة لا يدل على نفيها عن البعير فوجب أن يكون التقييد بالصفات بمثابته فلا يدل تقييد الخطاب بها على نفى الحكم المذكور فى الخطاب عما عداه وهذا أشهر دلائلهم وأعرفها.
دليل آخر لهم قالوا: قد فرق أهل اللغة بين العطف وبين النقض وقالوا: قول.
(1/240)

القائل اضرب الرجال الطوال والقصار عطف وليس بنقض ولو كان قوله اضرب الرجال الطوال يدل على نفى ضرب القصار لكان قوله والقصار نقضا لا عطفا.
دليل آخر قالوا: موضوع الخطاب أن تفهم منه المراد بوصفه فيفهم من الإيجاب إيجابا ومن النفى نفيا ولا يصح لهم الإيجاب من النفى ولا النفى من الإيجاب كما لا يصح أن يفهم من القول الصحيح إلا ما يوافقه وقد قلتم فى دليل الخطاب أن يفهم النفى من الإيجاب والإيجاب من النفى فيكون جمعا بين المتضادين وهذا لا يجوز وليس كالأسماء المشتركة لأنه لا يجمع بين المتضادين هناك فى المراد فإنه إذا قام الدليل على أن المراد به أحدهما انتفى الآخر وفى مسألتنا القول بدليل الخطاب يقتضى الجمع بين الضدين من النفى والإثبات وهذا محال.
دليل آخر قالوا: الخطاب المقيد بالصفة يحسن الاستفهام فيه لما عدا الصفة فيقال للمخاطب ما حكم المعلوفة فى قوله: "فى سائمة الغنم زكاة" 1 ويقال للمخاطب فى قوله البنت أحق بنفسها من وليها ما حكم البكر ولو كان دليل الخطاب ثابتا من حيث لسان العرب لكان يقبح الاستفهام لأن الاستفهام طلب الفهم وما فهم يقبح طلب فهمه واعتمد القاضى أبو بكر الباقلانى فى نفى دليل الخطاب على فصل وقال لو كان الأمر على ما يقوله القائلون بدليل الخطاب لوجب أن لا يعلم إلا سماعا وتوقيفا عن أهل اللغة لأن مثل هذا لا يدرك بموضوعات العقول وإنما يوجد بالمواضعة والمواطأة من أهل اللسان ولو كان من أهل اللغة توقيف فى هذا الباب لوجب أن نعلمه مع كثرة خوضنا فى هذه المسألة وتوفير دواعينا على طلب الحق منها.
قالوا: وأن كان ما يحكيه المخالفون عن أهل اللغة فى هذا الباب لوجب أن ينقل إلينا نقلا مستفيضا حتى يقع لنا العلم بذلك وحين لم يقع لنا العلم فى ذلك بوجه ما عرفنا أنه لا نقل فى ذلك عن أهل اللغة أصلا وإذا لم يثبت النقل ولم يعرف شرع ورد بإثبات دليل الخطاب دل أن الدليل من هذه الجملة ساقطا أصلا وأما أبو زيد قال فى هذه المسألة لا يخلو أما أن يكون الوصف المذكور معنويا أو غير معنوى فإن كان غير معنوى فيعلق الحكم به كتعليقه بالاسم واللقب وأن كان معنويا وهو أن يكون مؤثرا فى إيجاب الحكم فنهاية ما فى الباب أن ينزل منزله العلة والاختلاف بين العلماء أن العلة توجب الحكم عند وجودها ولا يعدم عند عدمها بل الحكم يبقى عند العدم.
__________
1 سبق تحريجه.
(1/241)

على ما كان قبل معرفة العلة قال وكذلك فى الحكم المعلق بالشرط فالشرط يقتضى وجود الحكم عند وجوده ولا يقتضى نفيا عند عدمه بل الحكم عند عدم الشرط يكون موقوفا على قيام الدلالة كما تقول فى العلة.
قال وأما الزكاة إنما لم تجب فى المعلوفة بدليل آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا زكاة فى الإبل العوامل" 1 وبعضهم روى: "لا زكاة فى الحمولة والعلوفة" 2 واستدل من قال لغيره أعتق عبيدى ثم قال أعتق عبدى الأبيض لا يكون نهيا عن عتق غيره وأما أبو الحسن الكرخى من أصحابهم فرق بين المقيد بشرط وبين المقيد بصفة قال لأن التعليق بالشرط يقتضى إيقاف الحكم على وجود الشرط وإذا وقف عليه انعدم بعدمه وليس فى تقييد الحكم بالصفة إيقاف الحكم عليها حتى ينعدم عند عدمها فيبقى ما وراء المذكور موقوفا بل بحسب ما يقوم عليه الدليل والأصح عندهم أن لا فرق بين الشرط والصفة.
وأما دليلنا اعلم أن الأصحاب اختلفوا فى أن دليل الخطاب دليل من حيث اللفظ أو من حيث الشرع والصحيح أنه دليل من حيث اللغة ووضع لسان العرب فيقول الدليل على ذلك أن ابن عباس ناظر الصحابة وهم قطب العرب والفصحاء منهم فى إسقاط ميراث الأخوات مع البنات بقوله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 176] فكان دليله أن لا شىء لها مع الولد وسائر الصحابة لم يدفعوا عن هذا الاستدلال بل عدلوا فى إثبات توريث الأخوات مع البنات إلى حديث ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث الأخوات مع البنات3 والخبر المشهور فى الباب وفى هذا إجماع منهم على القول بدليل الخطاب وبمثل هذا استدل ابن عباس على الصحابة فى قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وزعم أن الأخوين لا يردان الأم من الثلث إلى السدس وقال له عثمان أصحابك جعلوا الأخوين بمنزلة الإخوة ولم يذكر أن هذا الذى يقوله لا يدل عليه لسان العرب.
__________
1 أخرجه أبو داود الزكاة 2/101, 102 ح 1572 انظر نصب الراية 2/360.
2 قال الحافظ الزيلعي: غريب بهذا اللفظ انظر نصب الراية 2/36.
3 أخرجه البخاري الفرائض 12/25 ح 6742 وأبو داود الفرائض 3/120 ح 2890 والترمذي الفرائض 4/415 ح 2093 وابن ماجه 2/909 ح 2721 والدارمي الفرائض 2/447 ح 2890.
(1/242)

ويدل عليه أيضا أن أبا عبيد القاسم بن سلام وهو من أوثق من نقل كلام العرب حكى عن العرب استعمالهم دليل الخطاب واستشهد عليه بقوله صلى الله عليه وسلم وهو من أفصح من ذب ودرج: "لى الواجد يحل عرضه وعقوبته" 1 قال فهذا دليل على أن لى المعدم لا يحل عرضه وعقوبته وكذلك قال فى قوله عليه السلام: " لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا حتى يزيد خير من أن يمتلىء شعرا" 2 وذكر أنه إذا لم يمتلىء فهو مباح فإن قال قائل يحتمل أن أبا عبيد قال ما قاله عن نظر واستدلال من قبل نفسه مثل ما يقولون لا أنه قال ذلك عن أهل اللغة هو رحمه الله إنما فسر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فى كتابه على ما عرفه من لسان العرب لا على ما يعرض فى خاطره ويظن فظنه فسقط ما قالوه ولأن العرب فرقت بين المطلق والمقيد بالصفة كما فرقت بين الخاص والعام وبين المطلق والمقيد بالاستثناء ألا ترى أنهم لا يقولون اعط زيدا الطويل واعط عمرا القصير وهم يريدون التسوية بين الطويل والقصير وبين الغنى والفقير وكذلك يقول القائل من دخل الدار فأعطه درهما ويقول: أن دخله عربى فأعطه درهما فإنه يريد بالأول كل من يدخل ولا يريد بالكلام الثانى غير العربى فدل أن الخطاب دليل مستخرج من اللفظ من حيث اللغة ولسان العرب.
فإن قيل هذا دعوى على العرب لا يعرف ولا يمكنهم أن يوجدوا فى ذلك رواية عنهم ولا حكاية عن فصيح منهم وأن كان على ما يزعمون فنصوا على ما زعمتم وأن لم يمكنهم ذلك فاعلموا أنكم حصلتم على دعوى مجردة لا دليل عليها والجواب أن ما ذكرنا أمر متعارف من كلام العرب وشىء معقول من لسانهم ومعلوم من مذاهبهم وليس من عادة العرب أن تخبرك بذلك عن نفسها وتقول إنا أدرنا بكذا كذا وبكذا كذا وإنما تتكلم بطباعها وبما أودع الله عز وجل فى لسانها من البيان الذى يحصل به علم المعانى عند السامعين فمن كمل معرفته من الناس بلسانها واستدرك مرادهم بكلامهم بما ذكرنا من لغتهم وعرفه من لسانهم وهذا مثل وجوه.
__________
1 ذكره البخاري الاستقراض 5/75 باب لصاحب الحق مقال معلقا وأبو داود الأقضية 3/312 ح 3628 والنسائي البيوع 7/278 باب مطل الغني وابن ماجه الصدقات 2/811 ح 2427 وأحمد المسند 272 ح 17969.
2 أخرجه البخاري الأدب 10/564 ح 6154 - 6155 ومسلم الشعر 4/1769 ح/2257 8/2258 وأبو داود الأدب 4/304 ح 5009 والترمذي الأدب 5/140 ح 2851.
(1/243)

الإعراب من الرفع والنصب والخفض فإنهم لم يقولوا أن لساننا فى الإعراب كذا وكذا ولكن تكلمت بطباعها على وجوه من الإعراب فمن عرف لسانهم عرف وجوه الإعراب من كلامهم وكما عرف من كلامهم ذكر الأدب والتنبيه به على الأعلى مثل قول القائل فلان يحاسب على النقير والقطمير وفلان لا تقع الخردلة من كفه وما أشبه ذلك فكذلك عرف من كلامهم أنهم يذكرون أعلى صفات الشىء وأتمها فى بابه وجنسه ويريدون بذلك أن يكون ما عداه يخالفه فى حكمه كقولهم الشبع فى الخبز والقوة فى اللحم والرق فى البر واللذة فى الماء البارد فنعلم أن ما عدا هذه الأشياء مخالف لها قاصر عنها فى معانيها ونظير هذه الألفاظ قوله صلى الله عليه وسلم: "الولاء لمن أعتق" 1 لأن الإعتاق أجل ما يصطنعه الناس ويسديه السادة من النعم إلى عبيدهم فلم يجز أن يشاركهم فى استحقاق الولاء غيرهم وعلى هذا قوله: "فى سائمة الغنم الزكاة" 2 لما كانت السائمة أعلى جنسها فى توفر المنفعة وخفة المؤنة لم يجز أن يشاركها المعلوفة التى استغرقت مؤنتها عامة منفعتها ولا العوامل التى عدم ماؤها وانقطع درها ونسلها فقد وجد من النبي صلى الله عليه وسلم التكلم بهذا وأشباهه ليدل على المخالفة وذلك على دقاق لسان العرب وما توجبه اللغة ونحن نجد لدلالة اللحن من الغلبة على القلب والتمكن من الفهم ما نجده لنص الكلام قال الله تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30] فدليل الخطاب من لحن القول وبيان اللسان وقد دل اللفظ من جهتين بنصه ومفهومه ففى نصه إلمامنا لشىء وفى مفهومه ما عداه وهذا من لطف لسان العرب وقد قال بعض الشعراء:
والحادثات وأن أصابك نوبها ... فهو الذى إياك كيف نعيم
فاستعمل الدليل من الشىء على نفسه وضده وقد قال أيضا أهل اللغة أن كلمة إنما أنها من أن التى هى لإقرار الشىء وإثباته ومن ما التى هى النفى فاجتمع المعنيان لها وأن كان هذا مشهورا عندهم وموجودا فى كلامهم فكيف بك وجود نظير ذلك من المنطوق ودليل مفهومه.
ببينة أنه المعلوم أن صح الكلام وأبعده من دخول الشركة كلام التحديد ثم.
__________
1 أخرجه البخاري الصلاة 1/655 ح 456 ومسلم العتق 2/141 ح 1504 وأبو داود الفرائض 3/126 والترمذي الوصيا 4/436 ح 2124.
2 تقدم تخريجه.
(1/244)

الحدود جارية على الطرد والعكس وتعمل بركنيها وتعطى الدلالة من جهتيها فيثبت بهذا الذى قلناه أن دليل الخطاب ثابت من جهة كلام العرب وتضمنه لسانها الذى تكلموا بها وقد خرج ما قلناه أخيرا.
الجواب عن كلامهم أنه كيف يعرف دليل الإثبات من النفى أو دليل النفى من الإثبات وأن ما قلتم يؤدى إلى أن يكون الكلام الواحد جامعا لدليلين متضادين وظهر أيضا الجواب عن دليل أبى بكر محمد بن أبى الطيب الباقلانى فى قوله أنه لم يدل على هذا نقل ولا عقل وقد بينا الدليل من جهة النقل عن العرب والمعروف عن كلامهم وقد ذكر الأصحاب ما يزيد هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم فى قصة عبد الله بن أبى واستغفاره له حين نزل قوله عز وجل: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] قال صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "والله لأزيدن على السبعين" 1 وفى رواية: "لو علمت أنه يستجاب لى لزدت على السبعين" 2 فإن قيل كيف يصح الاستدلال بهذا والكلام إنما خرج على جهة تأييس المنافقين من المغفرة.
والجواب أن الاستدلال صحيح لأن الكلام كان محتملا أن يكون المراد به الإياس من المغفرة لهم ومحتملا أن لا تقع المغفرة بالسبعين وتقع بما جاوزها فاستعمل صلى الله عليه وسلم بما جعل الله فى قلبه من الرأفة والرحمة بالعباد حكم اللسان ووضع الاستدلال موضوعه رجاء أن يصادف الإجابة والمغفرة وبين الله تعالى المراد من الآية فى تحقيق الإياس بقوله: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] فهذا وجه الاستدلال بالآية وهو بين جدا وخرج على الطريقة التى ذكرناها طريقة أبى زيد لأنا لم ندع أن دليل الخطاب من حيث العلة والمعلول حتى نلزم ما قال وإنما قلنا بدليل الخطاب من حيث اللغة ووضع اللسان.
نعم قد رأيت لبعض المتأخرين من أصحابنا ذكر هذه المسألة فى أصوله وزيف دلائل الأصحاب من حيث الظاهر ومن حيث المعنى ثم قال المختار عندى أن الخطاب المقيد بالصفة ينظر فى الصفة المذكورة فإن كانت مناسبة للحكم المنوط به دل أن ما عداه بخلافه وأن لم تكن مناسبة لم تدل وذكر صورة المناسبة قوله صلى الله عليه وسلم: "فى خمس
__________
1 أخرجه البخاري التفسير 8/184 ح 4670.
2 أخرجه البخاري التفسير 8/184 ح 4671 والترمذي التفسير 279 ح 3097 والنسائي الجنائز 4/54 باب الصلاة على المنافقين وأحمد المسند 1/21 ح 96.
(1/245)

من الإبل السائمة شاة" 1 فإن السوم يشعر بخفة السوم وتوفر المنافع وذكر فى هذا الفصل عبارات زائفة حسنة فدل توفر المنفعة وخفة المؤنة على وجوب الزكاة فوجب القول بالمفهوم وسقطت الزكاة عن المعلوفة بحكم المفهوم وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "الثيب أحق بنفسها من وليها" وكذلك قوله عليه السلام: "من باع نخلة مؤبرة فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع" 2 ولهذا أمثلة كثيرة.
وعندى أن هذه الطريقة ضعيفة ولا يجوز اختيارها لوجهين.
أحدهما أنه خلاف مذهب الشافعى لأنه جعل المفهوم حجة على العموم فى جميع المواضع من غير اعتبار وجود مناسبة بين الصفة والحكم.
والثانى أنه إذا اعتبرنا المناسبة التى ذكرها فليس ذلك الإتيان علة مؤثرة فى الحكم فيرد عليه ما ذكره القاضى أبى زيد وهو أن الإطراد فى العلل واجب لكن عكس العلة لا يكون حجة فى عكس الحكم والعلة توجد الحكم بوجودها لكن لا يجب أن ينعدم بعدمها والاعتماد على ما ذكرناه وهى الطريقة الصحيحة المختارة.
واستدل كثير من أصحابنا فى هذه المسألة بالفصل المعروف المتداول بين الفقهاء وهو أن الصفة نطق عن صاحب الشرع تكلف ذكره فلا يجوز أن يخلو عن فائدة لأن طلب الفوائد من كلام صاحب الشرع واجب ما أمكن ولا يجوز استعمال طريق تؤدى إلى إلغاء كلامه وإخلائه عن الفائدة وما قلتم يؤدى إلى هذا يدل عليه أن التقييد فى الصفة يخصص الخطاب كتقييد الدلائل المخصصة للعمومات وكالاستثاء من الأعداد فإن قالوا: أن الاستثناء لفظ منطوق به فى النفى مثل ما هو منطوق به فى الإثبات وهاهنا النطق فى الإثبات دون النفى.
فالجواب أن كون النطق فى شىء مخصوص لا يدل على سقوط دليله فيما لم يتناوله النطق دليله الفحوى وعلى أنا قد ذكرنا أن هذا أخذ وجوه البيان فى اللغة وهو من لحن القول على ما سبق.
وأما الفوائد التى ذكروها فليست بشىء لأن المعتبر هو الفائدة التى يدل عليها اللفظ.
__________
1 تقدم تخريجه.
2 أخرجه البخاري البيوع 4/469 ومسلم البيوع 3/1172 ح 77/1543 وابن ماجه التجارات 2/745 ح 2211 ومالك في الموطأ: البيوع 2/617 ح 9 وأحمد المسند 2/87 ح 5305.
(1/246)

فى الأعم الأغلب والفائدة التى يدل عليها اللفظ فى الأعم الأغلب هو ما ذكرنا من كون ما عدا الملفوظ بخلافه.
ويقولون على هذا قلتم أن الأكثر والأغلب على ما قلتم وأيضا فإنا لو اعتبرنا هذا كان الذى يؤدى إليه اللفظ هو غالب الظن دون القطع لأنه يجوز ما قلناه من الفوائد وأن كان قليلا نادرا.
ويمكن أن يجاب عن هذا فيقال نحن لا نلحق المفهوم بالنص لكن نقول هو ظاهر فى المفهوم مثل العموم ظاهر فى الاستيعاب ولهذا نقدمه على القياس ونؤخره عن النص وهذه الطريقة قد حكيناها عن الشافعى وقالوا: ذكرها فى الرسالة ويمكن نسبتها غير أن الاعتماد على الأول وقد استدل بعض أصحابنا بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "الماء من الماء" 1 وقوله: "الأئمة من قريش" 2 وقوله عليه السلام: " الربا فى النسيئة" 3 واحتج ابن عباس فى ذلك فى نفى ربا النقد.
وهم يقولون فى هذا الألفاظ إنما صارت دليلا لا من حيث دليل الكلام لكن لأن صاحب الشرع أدخل الألف واللام وهما لاستغراق الجنس فلأجل هذا حسن الاستدلال بهذه الألفاظ.
أما من الأنصار من منع إيجاب الغسل بدون الإنزال حتى روت عائشة رضى الله عنها ما روت ومن أبى بكر رضى الله عنه فى دفع الخلافة من الأنصار ومن ابن عباس رضى الله عنهما فى نفى ربا النقد4.
__________
1 أخرجه مسلم الحيض 1/269 ح 80/343 وأبو داود الطهارة 1/55 ح 217 والترمذي الطهارة 1/186 ح 112 والنسائي الطهارة 1/96 باب الذي يحتلم ولا يرى الماء واين ماجه الطهارة 1/199 ح 607 وأحمد المسند 3/36 ح 11249.
2 أخرجه أحمد المسند 3/172 ح 12315 والطبراني في الكبير 1/252 ح 725 والبيهقي في الكبير 3/172 ح 5298 انظر تلخيص الحبير 4/49 ح 6.
3 أخرجه البخاري البيوع 4/445 ح 2178, 2179 ومسلم المساقاة 3/1218 ح 102/1596 والنسائي البيوع 7/247 باب بيع الفضة بالذهب وبيع الذهب بالفضة.
4 وهذا مروي أيضا عن أسامة بن زيد وزيد بن أرقم وابن الزبير لقوله عليه السلام: "لا ربا إلا في النسيئة" رواه البخاري ومسلم والمشهور من ذلك قول ابن عباس ثم إنه رجع إلى قول الجماعة روى ذلك الأثرم بإسناد وقاله الترمذي وابن المنذر وغيرهم وقال سعيد بإسناد عن أبي صالح قال صحبت ابن عباس حتى مات فوالله ما رجع عن الصرف وعن سعيد بن...........=
(1/247)

وعندنا يثبت ربا النقد بالأخبار الصحيحة فى الباب1.
واعلم أنه قد دخل الجواب فيما ذكرناه عن معظم ما ذكروه وقد نفيت لهم أحرف ولا بد من الجواب عنها.
أما قولهم أن تقييد الخبر بالصفة لا يدل أن ما عداه بخلافه.
قلنا الدليل بين الأمر والخبر أن المخبر قد يكون له غرض فى الإخبارى وبه زيد العالم أو دخوله الدار أو قدومه ولا يكون له غرض فى الإخبار عن عمرو الجاهل فيخص زيدا بالإخبار عن دخوله ورؤيته وأما الشارع فغرضه أن يبين جميع ما كلف فإذا قال زكوا عن الغنم السائمة علمنا أنه لو كانت الزكاة فى جميع الغنم تعلق بمطلق الاسم.
وأما تعلقهم بالخطاب المقيد بالاسم.
قلنا هو خارج على الطريقة الأولى لأن العرب تجمع بين الأسماء المختلفة فى الأمر الواحد ويحسن منهم ذلك فإنهم يقولون اشتر لحما وخبزا وتمرا وبيضا وتريد الكل بالشراء ولا تقول العرب اشتر تمرا برنيا فاشتر تمرا معقليا واشتر الإزاد حتى تعد جميع أنواع التمر ويعدون هذا عيا من الكلام بل يقولون اشتر التمر وهذا لأن الاسم بمجرد التعريف مثل الألقاب والتعريف فى محل لا يدل على الجهالة فى محل آخر.
وأما الصفة فليس للتعريف المجرد بل هى للتنبيه على المعنى والدليل على الفرق بينهما من حسن اللغة ولسان العرب أن الأسامى تختلف على اتفاق المعانى ولا يتصور اختلاف الصفة مع اتفاق المعنى بل الأوصاف تقع أدلتها خاصة ومعنى هذا أن ذكر.
__________
= جبير قال: سألت ابن عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف فلم ير به بأسا وكان يأمر به انظر المغني 4/123.
1 وعلى ذلك الجمهور وهو الصحيح لحديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق لا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا غائبا بناجز" وروى أبو سعيد أيضا قال جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "من أين هذا يا بلال" قال كان عندنا تمر ردئ فبعت صاعين بصاع ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إن أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به" متفق عليه انظر المغني 4/123.
(1/248)

الصفة يدل على تلك الصفة على الخصوص إذا قال القائل أعط الأسود عقل تخصيص الأسود بالعطاء ومنع الأبيض وإذا قال أعط زيدا لم يعقل منه منع عمرو وعلى طريقة أبى بكر الدقاق قد منع هذا الفصل.
وأما قولهم إلا يصح أن نقول أعط الطوال والقصار ويكون هذا عطفا ولا يكون نقضا.
قلنا عندنا تخصيص الطوال بالأمر بالضرب أو الأمر بالإعطاء يدل على نفى ضرب القصار أو نفى إعطاء القصار فإذا عطف القصار على الطوال لم يوجد تخصيص الطوال بالخطاب حتى يوجد الدلالة على نفى ضرب القصار أو نفى إعطائه وعلى أن هذا يبطل بالغاية والشرط فإن الإنسان إذا قال لغيره صم إلى غروب الشمس أفاد ذلك نفى الصوم بعد غروبها ولو قال صم إلى غروب الشمس أو إلى طلوع القمر لم يكن نقضا وفى الشرط لو قال أعط زيدا درهما أن دخل الدار أفاد أنه لا يجوز العطية إذا لم يدخل الدار ولو قال أعط زيدا درهما أن دخل الدار وأن دخل السوق يكون تقييد عطفا ولا يكون نقضا وأما الذى قالوه من حسن الاستفهام فإنما حسن ذلك لأنا لم ندع أن اللفظ نص فى موضع المفهوم لكن إنما ادعينا أنه نص فى موضع النطق ظاهر فى موضع المفهوم وإذا كان ظاهرا يجوز أن يقوم دليل على خلاف المراد فى موضع المفهوم فيحسن الاستفهام ليصير الظاهر نصا ويسقط الوهم مثل صيغة العموم هى للاستيعاب ثم يحسن الاستفهام فيقول: أردت الجميع إذا أردت الاستغراق والاستيعاب وكان حسن الاستفهام بالطريق الذى قدمنا كذلك هاهنا وقد تبين الجواب عن جميع أدلتهم وهذه المسألة أصل عظيم فى الفقه وعليه مسائل كثيرة وقد وقعت الإشارة إلى بعضها فى أثناء المسألة وباقى المسألة معروفة وقد ذكرت فى خلافات الفروع فاقتصرنا على ذلك والله أعلم.
(1/249)

فصل: الخطاب سبعة أنواع
...
فصل وإذا ثبت القول بدليل الخطاب فنقول الخطاب سبعة أنواع.
الشرط والغاية والصفة والحال والاسم والعين والعدد وأما تعليقه بالشرط فهو ما دخل عليه أحد الحرفين أن وإذا.
فإن كقوله أن دخل زيد الدار فأكرمه.
وإذا كقوله إذا دخل زيد الدار فأكرمه.
(1/249)

وهما حرفا شرط ثبت الشرط بكل واحد منهما ويتعلق الحكم بوجوده وينتفى بعدمه على السواء وإنما يختلف الحرفان فى التحقيق والشك.
فإن تستعمل فيمن لا يتحقق دخوله.
وإذا تستعمل فيمن تحقق دخوله.
وإنما الغاية فهى بلفظ حتى وهو قوله أكرم زيدا حتى يقوم فيستحق الكرامة قبل قيامه ولا يستحقها بعد قيامه.
والفرق بين الغاية والشرط أن حكم الغاية يتعلق بها قبل وجودها وحكم الشرط يتعلق به بعد وجوده.
وأما الصفة فالتعليق بالصفة إنما يكون فيما يختلف أوصافه وأقله أن يكون ذا وصفين فإذا علق الحكم بإحدى صفتيه كان موجبا لثبوت الحكم مع وجوده ودليله موجبا لانتفاء الحكم عند عدمها وإذا قرن الحكم المعلق بالصفة بحكم مطلق فقد اختلف قول الشافعى فى دليل المقيد بالصفة هل يصير مستعملا فى المطلق على قولين ومثاله قول الله تعالى: {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49] وكان نصه أن لا عدة على غير المدخول بها ودليله وجوب العدة على المدخول بها ثم قال: {فَمَتِّعُوهُنَّ} هل يكون إطلاق المتعة معطوفا على العدة فى اشتراط الدخول بها على قولين.
أحدهما أنه تصبير المتعة بالعطف على العدة مشروطة بعدم الدخول.
والقول الثانى أن قوله تعالى: {فَمَتِّعُوهُنَّ} لا يتقيد بما تقدم.
(1/250)

فصل: إذا علق الحكم بالصفة في نوع من جنس وأخرى حكم في جميع الجنس قياسا
...
فصل: وإذا علق الحكم بالصفة فى نوع من جنس وأخرى حكم فى جميع الجنس قياسا.
مثل قوله عليه السلام: " فى سائمة الغنم زكاة" 1 وقد قيس عليها زكاة الإبل والبقر والكل جنس النعم فقد اختلف أصحاب الشافعى أن دليل الخطاب هل يكون مستعملا فى نوع النص أو فى جميع الجنس على وجهين.
أحدهما يكون مستعملا فى نوع النص دون الجنس فيكون دليل هذا الخطاب موجبا بسقوط الزكاة فى معلوفة الغنم على الجنس ويسقط فى معلوفة الإبل والبقر.
__________
1 تقدم تخريجه.
(1/250)

بدليل آخر.
والوجه الثانى أنه يستعمل دليله فى جميع الجنس لأنه لما ألحق جميع جنسه بالنوع قياسا وجب أن يستعمل دليله فى جميع الجنس قياسا1.
وأما تقييد الخطاب بالحال كقوله تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] والحال كالصفة فى ثبوت الحكم بوجودها وانتفائه بعدمها فيكون نصه مستعملا فى الإثبات ودليله مستعملا فى النفى مثل الصفة.
وأما تعليق الحكم بالاسم فهو ضربان.
أحدهما اسم مشتق من معنى كالمسلم والكافر والقاتل فيكون ما علق به من الحكم جرى مجرى تعليقه بالصفة فى استعمال دليله فى قول جمهور أصحاب الشافعى رحمه الله.
وقال بعضهم ينظر فى الاسم المشتق فإن كان لمعنى اشتقاقه تأثير فى الحكم استعمل دليل خطابه فإن ما لا يؤثر فى الحكم لا يكون علة.
والضرب الثانى اسم لقب غير مشتق من معنى كالرجل والمرأة وأشباه ذلك فمذهب الشافعى أن دليل خطابه غير مستعمل وعند أبى بكر الدقاق أنه مستعمل وقد بينا.
وأما تعليق الحكم بالأعيان كقوله فى هذا المال الزكاة أو على هذا الرجل الحج فدليل خطابه غير مستعمل ولا يدل وجوب الزكاة فى ذلك المال على سقوطها عن غيره وهذا عندنا مثل تعليق الحكم بالإسم.
وأما تعليق الحكم بالعدد فدليله مستعمل وهو مثل تعليق الحكم بالصفة2 فهذا.
__________
1 اعلم وفقك الله أن في هذه المسألة قولان:
الأول: تعليق الحكم بالصفة يدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء الصفة وهذا القول لجمهور العلماء من الأشاعرة والمتكلمين منهم: الشافعي وإمام الحرمين وهو المختار للبيضاوي.
الثاني تعليق الحكم بالصفة لا يدل على نفي الحكم عن الذات عند انتفاء الصفة بل يكون ذلك مسكوتا عنه ويعلم النفي من البراءة الأصلية وهذا القول لجمهور الحنفية وبعض الشافعية كالغزالي وابن سريج وأبو بكر الباقلاني واختاره الآمدي انظر نهاية السول 2/206 وإحكام الأحكام للآمدي 3/102, 103 والمستصفى 2/191 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/104, 104.
2 اعلم أنه إذا خصص الحكم بعدد وقيد به مثل قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} ......=
(1/251)

تمام الأنواع التى ذكرناها.
واعلم أن كثيرا من أصحاب أبى حنيفة جعل مفهوم الشرط حجة وإليه ذهب الكرخى ومن تبعه وأبى بعضهم1.
وقال حكم ما وراء الشرط موقوف على الدليل وقال أبو زيد فى الأصول الذى عملها حين ذكر مذهب الشافعى وقال علماؤنا انتفاء المعنى حال عدم الشرط فلا يفهم من التعليق بل يبقى على ما كان قبل ورود النص فقد حكى عن جميع أصحابه وليس على ما زعم بل هو قول بعضهم على ما ذكرنا قالوا: وحأصل الخلاف يرجع إلى أن الشرط هل يمتنع به انعقاد علة الحكم أو لا قالوا: فعندنا الشرط يمنع انعقاد العلة لم تكن العلة وعندهم لا يمنع فإذا لم يكن الشرط عندهم مما يمتنع به انعقاد العلة كانت العلة موجودة وكانت موجبة للحكم والشرط منع وجود الحكم قال وعندنا لما كان الشرط مما يمتنع به انعقاد العلة موجودة حتى توجب الحكم فلم يتصور منع الحكم بالشرط.
ودليلهم قالوا: التعليق دخل فى السبب لا فى الحكم.
قال السبب قوله أنت طالق والتعليق دخل فيه فإن قوله أنت طالق تطليق وقد علقه بدخول الدار إلا ترى أنه قد قصد التطليق عند دخول الدار لا فى الحال وهذا لأنه جعل التطليق جزاء الدخول الدار والجزاء عند أهل اللغة يتعلق وجوده بوجود الشرط فإن من قال لغيره أن أكرمتنى أكرمتك أو قال أكرمك أن أكرمتنى فإنه علق التزام إكرامه بإكرام صاحبه كذلك هاهنا جعل التعليق جزاء دخول الدار.
__________
= فهل يدل اللفط على نفي الحكم من غير ذلك العدد سواء كان ذلك الغير زائدا عن العدد الذي قيد به الحكم أو ناقصا عنه أو لا يدل اللفظ على ذلك اختلف الأصوليون في هذا على قولين:
القول الأول: أن تخصيص الحكم بعدد لا يدل على نفسه عن غير هذا العدد سواء كان ذلك الغير زائدا أو ناقصا - واختار هذا القول البيضاوي وإمام الحرمين وأبو بكر الباقلاني.
القول الثاني: أن تخصيص الحكم بعدد معين يدل على نفيه عن غير هذا العدد زائدا كان العدد أو ناقصا - وقد نقل هذا القول عن الشافعي رضي الله عنه انظر نهاية السول 2/221, 222 وإحكام الأحكام للآمدي 3/135 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/113.
1 انظر حاشية الشيخ محمد بخيت المطيعي 2/217 التصريح على التوضيح 1/146.
(1/252)

فعلق وجود التطليق بوجود دخول الدار فيكون التطليق على العدم قبل دخول الدار فدل أن الشرط امتنع به انعقاد العلة.
ببينة أنه إذا دخل الشرط على الإطلاق وعلقه منع تعلقه وصوله إلى محله والعلة الشرعية لا تصير علة إلا بوصولها إلى محلها ولا تصير علة إذا قصرت عن محلها وهذا بخلاف البيع على أن البائع بالخيار أو على أن المشترى بالخيار فإن كلمة على أن وأن كانت كلمة شرط لكن عملها خلاف عمل كلمة التعليق وهى كلمة أن فإنك إذا قلت: أزورك أن زرتنى كنت معلقا وجود زيارتك بزيارة صاحبك وإذا قلت: لصاحبك أزورك على أن تزورنى كنت معلقا زيارة صاحبك على زيارتك وتكون زيارتك سابقة على زيارة صاحبك وإذا كان عمل كلمة على أن خلاف عمل كلمة أن فلا توجب كلمة على أن تعليق نفس البيع بل توجب تعليق أمر آخر هو مطلوب من البيع وهو الملك فيتعلق حكم المبيع أعنى الملك بالاختيار وأما نفس البيع فانعقد فى الحال يدل عليه أن فى مسألتنا دخل كلمة الشرط على السبب لأنه قال أن دخلت الدار فأنت طالق وفى البيع لم تدخل كلمة شرط على السبب إنما نجز البيع تنجيزا ثم أثبت لنفسه فيه خيارا وحكمه على ما عرف فى الشرع لامتناع اللزوم وعدم الملك.
وقد قال فى تقويم الأدلة قوله لعبده أن دخلت الدار فأنت حر فلا حرية قبل الدخول لانعدام العلة لا لأن الشرط بقاؤها بعد وجود سببها لأن قوله أنت حر كما لا يعمل حتى تتم الصيغة بقوله أنت حر لا يعمل حتى يجد محلا صالحا للتحرير فإنه لو أضافه إلى مبينة أو ثلاثة لغا فقوله أن دخلت الدار منع وصول هذا الإنجاز إلى العبيد لأنه معلق بالدخول فلا يصل إليه قبل وجوده كالقيد بل المعلق يحتمل إلا يكون وأصلا إلى الأرض وإذا لم يصل إلى محله لم يصل بقوله أنت حر علة بل كان بمعرض أن يصير علة بالوصول إليه عند وجود الشرط كالرمى لا يكون سببا للقتل قبل وقوع السهم فى المرمى ولكنه بغرض أن يكون علة إذا وصل إلى محله فحرفهم فى هذا هو أن الشرط يحول بين العلة ومحلها فلا يصير معه علة لأنه داخل على أصل العلة لا على الحكم بخلاف شرط الخيار والآخر فإنهما يدخلان على الحكم على ما ذكرنا ولهذا لو حلف أن لا يبيع فباع أو شرط الخيار بحيث لو حلف لا يطلق فقال لها أنت طالق أن دخلت الدار فإنه لا يحنث.
(1/253)

قال ولهذا جوزنا تعليق الطلاق بالملك لأنه ليس بطلاق ما كان معلق بالشرط غير وأصل إلى المرأة على ما ذكرنا وإنما هو مبين ويصير طلاقا عند الشرط والملك حينئذ لأن الملك أعنى ملك النكاح شرط الطلاق لا اليمين بل محل اليمين هو الذمة مثل اليمين بالله.
قال ولهذا الأمثل لا يجوز تعجيل الكفارة قبل الحنث لأن سبب الكفارة بشرط الحنث فقبل الشرط لا يكون شيئا ويكون أشد وجوب الكفارة حين الحنث فلا يتصور الأداء قبل الحين وكما لا يتصور تعجيل فى الصوم.
قال وقولهم بالبدن والمال ساقط لأن الكفارة عبادة والعبادة عبارة عن فعل العبد ماليا أو بدنيا وإنما يختلف محل الفعل والمالى ما يكون محل فعله المال والبدنى ما يكون محل فعله بدنه وأما الواجب ففعل من العبد فى الحالين بإيجاب الله تعالى.
قال وهذا بخلاف دين العباد الذى يجب عوضا لأن الواجب هناك هو المال والتسليم للعبد الواجب لأن المستحق لصاحبه مال بأداء حقه وليس المستحق لصاحبه فعلا لأنه حق للعبد فى فعل العبد.
وأما البارىء عز اسمه ما استحق على العبد إلا بالعبادة وهى فعل يفعلها العبد قال وعلى هذا الأصل نقول فى قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] أن الله تعالى أباح نكاح الأمة عند عدم الصبر وما حرمه عند وجوده بل لم يذكره أصلا فاستبيح نكاحها فى هذه الحالة بإشارة الآيات فصار نكاح الأمة حال وجود الحرة حلالا بالآيات المطلقة للنكاح وهذه أيضا وتجوز أن تكون حلية الأمة معلقة بوصفين أو بعلتين وبعلل كثيرة إلا ترى أن الرجل يقول لآخر أعتق عبدى أن دخل الدار ثم يقول: أعتق عبدي أن كلم زيدا أو دخل الدار يصح ولو دخل الدار فأعتقه كان جائزا ولو كلم زيدا ودخل الدار فأعتقه كان جائزا أيضا بالأمرين جميعا فيصح الإعتاق بعلة أو علتين وذكر كلاما طويلا ومسائل من الفروع على عادته من الاستشهاد بالفروع على الأصول تركت ذلك لطوله ولأن الفائدة فيما حكيته.
وأما دليلنا فيدل أولا على أن الشرط يمنع من ثبوت الحكم عند عدمه على كل حال أن قول القائل لعبده ادخل الدار أن دخلها عمرو معناه أن الشرط فى دخولك دخول عمرو أو قال سافر أن سافر عمرو وكذلك إذا علق الطلاق أو الإعتاق بالدخول.
(1/254)

لكن صونا فى خطابه لعبده لأنه أظهر ولو قال لعبده شرط دخولك الدار دخول عمرو أو قال شرط سفرك سفر عمرو علمنا أنه لم يوجب عليه السفر مع فقد سفر عمرو وبينته أن الشرط هو الذى يقف عليه الحكم فلو ثبت الحكم مع عدمه لكان كل شىء شرطا فى كل شىء حتى يكون دخول زيد الدار شرطا فى كون السماء فوق الأرض وأن وجد ذلك مع عدم الدخول.
والدليل على أن المعقول من الشرط ما ذكرناه أن يعلى بن منبه سأل عمر بن الخطاب فقال ما بالنا نقصر وقد أمنا فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته فلو لم يعقل من الشرط نفى الحكم عما عداه لم يكن لتعجبهما معنى.
فإن قيل يجوز أنهما إنما تعجبا لأنهما علما من الآيات الواردة فى الكتاب وجود الإتمام وأن حال الخوف مستثناة من الآيات والباقى ثابت على الأصل فى الإتمام فلهذا تعجبا.
والجواب أن هذا كله زيادات وللعلماء كلام كثير فى أن الأصل كيف كان فى الصلاة وقد قالت عائشة رضى الله عنها كانت صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين فأقصرت صلاة السفر وزيدت فى صلاة الحضر وقد قيل غير هذا وإذا اختلفت الروايات فى هذا فكان التعجب مما صرح به الآيات وهو شرط الخوف فى القصر ثم القصر مع الأمن فكان الاستدلال قائما.
واحتج أبو زيد لنا وقال أن تعليق الحكم بالشرط بنفيه عما قبله ويعدمه على اعتبار أنه لولاه كان موجودا إلا ترى أن قوله لعبده أنت حر توجب وجود الحرية صفة للعبد فإذا قال أن دخلت الدار وتعلق به العتق أوجب إعدامه عن محله ونفيه مع وجود قوله أنت حر فثبت أن التعليق كما يوجب الوجود عند الشرط يوجب النفى عما قبله وكذلك التعليق الحسى فإن تعليق المنديل بحبل بسماء البيت توجب وجوده فى الهواء ونفيه عن الأرض والمكان الذى يكون فيه لولا تعلقه وليس الشرط كالعلة فإن العلة يتعلق بها ابتداء ثبوت الحكم وانعدام قبل أوليته الوجود لا يكون علة الوجود ولكن بانعدام علة الوجود فلم يكن من حكم العلة إلا وجود الحكم عندها فإنه السبب لابتداء الوجود والتعليق لتغيير حكم الوجود بعد وجود سبب الوجود فجرى مجرى الأصل هذا كلامه.
(1/255)

ويقال أيضا أن الشرط لا يؤثر فى العلة إنما يؤثر فى حكم العلة فإن من قال لامرأته أنت طالق أن دخلت الدار فقوله أن دخلت الدار لا يؤثر فى قوله أنت طالق إنما يؤثر فى حكمه ولا يمنع ثبوته فإن قوله أنت طالق ثابت مع الشرط كما هو ثابت بدون الشرط ولكن حكمه لا يثبت لأصل الشرط فكان أثر الشرط فى منع حكم العلة لا فى نفس العلة والدليل عليه أنه لو لم يؤثر به الشرط ثبت حكم العلة وقوله أنت طالق ثابت فى الصورتين ولكن الحكم ينعدم عند وجود الشرط ويثبت عند عدمه فثبت أن عمل الشرط فى الحكم تسبب فى تحقيق هذا الفعل وهو أن سبب الطلاق قوله أنت طالق وقد وجد هذا صورته سواء وصل به قوله أن دخلت الدار أو لم يصل.
وكلمة أن يجوز أن تدخل على السبب فتعلقه كما قالوا: ويجوز أن تدخل على الحكم فيكون عمله تأخير الحكم والدليل على جواز ذلك أنه كما يجوز أن يكون معنى قوله أن دخلت الدار فأنت طالق يجوز أن يكون المعنى أن دخلت الدار أنت طالق وقوعا ونزولا لأن النازل فى المحل والواقع قوله أنت طالق.
ألا ترى أنه إذا اتصل الحكم بالسبب تكون هى طالقا من حيث الوقوع وإذا لم يتصل وتعلق بالدخول تكون هى طالقا من حيث التسبب والحرف على هذا إلى المعلق تكون الطالقية فعلا لا الطالقية تسببا فثبت قطعا أنه يجوز أن يدخل الشرط على الحكم ويجوز أن يدخل على السبب فنقول دخوله على الحكم لمنعه أولى لأن قوله أنت طالق كلمة مستقلة صحيحة لثبوت التطليق أو لثبوت [الطلاق بها] 1 عند الإطلاق واتصال حكمه به.
ألا ترى أنه لزم تعليقه بالشرط ثبت كلاهما فإذا أوصل بالشرط فإنما منعنا الحكم لضرورة الشرط ولا ضرورة فى منع السبب وانعقاده عليه فانعقد السبب وتآخر الحكم ولأن الطلاق عقد شرعى له حكم وقد وجدنا فى أصول الشرع وجود عقد بصورته وتآخر العقد عنه وهذا لأن عقد التطليق قوله أنت طالق مضافا إلى محل النكاح فإذا وجد وتحقق فكيف يحكم بتأخره.
نعم يجوز أن يتآخر حكمه لأنه لم يوجد فأما تآخر عقد الطلاق مع وجود تصوره من أهله فى محله فمحال.
__________
1 زيادة ليستقيم بها المعنى.
(1/256)

وخرج على هذا قوله أن أكرمتنى أكرمتك لأنه لا يتصور دخوله على الإكرام فحسب وهاهنا يتصور دخوله على الحكم لا على السبب وهذا لأن الإكرام شىء واحد فلا بد إذا علق شىء أن يتآخر فأما هاهنا فإن هذا عقد شرعى له حكم فيجوز أن يدخل على الحكم فيتآخر وينتجز العقد.
وقد ذكرنا هذا الفصل فى خلافيات الفروع وأجبنا بجوابات مقنعة واقعة والذى ذكرنا هاهنا جواب برهانى فى غاية الوضوح.
وقولهم أن الطلاق ما ينزل فى محله فبينا اتصال العقد بالمحل بصورة قوله أنت طالق فبقوله أنت اتصل اللفظ بالمحل وهذا يكفى للاتصال سببا وأما الاتصال وقوعا ونزولا فيكون عند الشرط والمسائل مبنية على هذا الأصل وقد عرف فى الخلافيات فلا يحتاج إلى الإعادة هاهنا والله أعلم.
(1/257)

القول فى البيان والمجمل والمبين وما يتصل بذلك ويتفرع عليه
البيان
...
القول فى البيان والمجمل والمبين وما يتصل بذلك ويتفرع عليه.
قال أبو بكر الصيرفى: البيان إخراج الشىء من حيز الإشكال إلى حيز التجلى1.
وذكر الشافعى البيان فى الرسالة فقال البيان اسم جامع لأمور متفقة الأصول متشعبة الفروع.
واعترض عليه أبو بكر بن داود وقال البيان أبين من التفسير والذى فسرته وهذا لا يصح لأن الشافعى رحمه الله لم يقصد بقوله حد البيان وتفسير معناه وإنما أراد به أن البيان اسم عام جامع لأنواع مختلفة من البيان فهى متفقة فى أن الاسم البيان يقع عليها ومختلفة فى مراتبها فبعضها أجلى وأبين من البعض لأن من البيان ما يدرك معناه من غير تدبر وتفكر فيه ومنه ما يحتاج إلى تدبر وتفكر فيه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسحرا" 2 فأخبر أن بعض البيان أبلغ من البعض ويدل على ذلك أن الله تبارك وتعالى خاطبنا بالنص والعموم والظاهر ودليل الخطاب وفحواه وجميع ذلك بيان وأن اختلفت مراتبها.
وقال أبو بكر الدقاق البيان هو البيان الذى يبين به العلوم.
وقيل أن البيان هو الأدلة التى يتبين منها الأحكام وبهذا قال الأشعرى والجبائى3 واختار القاضى أبو الطيب الطبرى الحد الذى ذكره أبو بكر الصيرفى وقد اعترض عليه من وجهين.
أحدهما أن البيان المبتدأ من قبل الله تعالى لا يدخل فى هذا الحد وأن كان بيانا فإنه ربما ورد من الله تعالى بيان لما لم يخطر ببال أحد فلا يكون مخرجا لشىء من حد الإشكال إلى حد التجلى.
__________
1 انظر إحاكم الأحكام 3/32.
2 أخرجه البخاري الطب 10/247 ح 5767 ومسلم الجمعة 2/594 ح 47/869 وأبو داود الأدب 4/303 ح 5007 والترمذي البر والصلة 4/376 ح 2028.
3 وعزاه الآمدي إلى أبي هاشم وأبي الحسين البصري واختاره الآمدي انظر إحاكم الأحكام 3/32 المعتمد 1/293.
(1/258)

والثانى أن لفظ البيان أظهر من قوله أنه إخراج الشىء من حيز الإشكال إلى حيز التجلى.
ومن حق الحد أن يكون أظهر من المحدود.
وقد قال القاضى أبو الطيب ما كان إيضاحا لمعنى وإظهارا له فهو بيان له وما دون ذلك فلا يكون بيانا والذى يبينه الله تعالى ابتداء إيضاح لما جهله الناس وما لم يتبينوه فيجوز أن يدخل تحت حد البيان.
والذى قالوا: أنه أغمض من البيان المعروف فليس بشىء لما ذكرناه من دليله.
وحكى القاضى أبو الحسن الماوردى عن جمهور الفقهاء أن البيان إظهار المراد بالكلام الذى لا يفهم منه المراد إلا به وهذا الحد أحسن من جميع الحدود لأن البيان فى اللغة هو الظهور والكشف من قوله بان الهلال إذا ظهر وأبان ما فى نفسه إذا أظهر ويعترض الحد الذى ذكره المتكلم فيقال أن الله تعالى قد قال: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] فى الكتاب دليل فدلت الآية أن البيان غير الدليل.
وقول أبى بكر الدقاق فى الحد حسن أيضا.
وإذا عرفنا الحد فاعلم أن النص والظاهر والعموم ودليل الخطاب والفحوى كل هذا بيان وقد ذكرنا من قبل حد العموم وحد دليل الخطاب وفحواه فنذكر الآن معنى النص والظاهر وحدهما فنقول.
النص ما رفع فى بيانه إلى الحكم غايته ومنه منصة العروس ترتفع عليها على سائر النساء وتتكشف لهن بذلك.
ومما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص معناه رفع فى السير على ما كان يسير من قبل.
ومنه قول امرىء القيس:
وجيد كجيد الريم ليس بفاحش ... إذا هن نصته ولا بمعطل
وقال القاضى أبو حامد النص ما تعرى لفظه عن الشركة ومعناه عن الشبهة وقيل ما استوى ظاهره وباطنه وقيل كل لفظ مقيد لا يتطرق إليه تأويل1.
__________
1 النص لغة: بلوغ الشيء ومنتهاه وعند الأصوليين يطلق بإطلاقين:
أحدهما: ما دل على معناه من كتاب أو سنة وثانيهما: ما دل على معناه من غير احتمال والمراد بالنص هنا هو الإطلاق.
انظر نهاية السول 2/60, 61 والمحصول 1/462 انظر البرهان 1/412, 413 روضة الناظر 156, 157 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/16.
(1/259)

والألفاظ قريبة بعضها من بعض والأول حد حسن والأول عندى هو الأولى واعترض بعضهم على ذكر اللفظ وقال الفحوى نص وليس بلفظ ونحن نقول أن الفحوى ليس بنص ولكنه مقتضى له1.
وقد ذكر أبو زيد من أربعاتة التى ذكرها فى أصوله ونقصد إيراد أربعة أوجه فى كل فصل بذكره إيراد من لا ينظر إلى معنى وإنما ينظر إلى صورة عدد تورده ويكون قصده بلوغ العدد المقصود لا غير فقال فى أقسام الثابت بالظاهر دون الظاهر والرأى هذه الأحكام أقسام أربعة الثابت بعين النص والثابت بدلالة النص والثابت بإشارة النص والثابت بمقتضى النص وزاد غيره فقال والثابت بضم النص.
فالثابت بعين النص يكثر.
وأما الثابت بدلالة النص فذكر قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: 8] فثبت من دلالة النص ملك الكفار أموال المسلمين لأنه جعل لهم أموالا ثم سماهم فقراء والفقير هو عديم الملك لا البعيد من الملك لأنه ضد الغنى والغنى من ملك لا من أصابه بيده.
قال وكذلك قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً} [الاحقاف: 15] فيه دلالة على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر وقد اختص بفهمه عبد الله بن عباس رضى الله عنهما.
وكذلك قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] فيه دلالة على أن الجنابة لا تضاد الصوم لأنه تعالى أباح الجماع إلى مدة الصباح ثم أمره بإتمام الصوم ومن ضرورة إباحة الجماع إلى مدة الصباح وجود الجنابة بعد الصبح وذكر من هذا الجنس مسائل.
وأما إشارة النص فهو مثل قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} [الاسراء: 23] فيه دلالة على تحريم الشتم والضرب.
وكذلك قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] فلما أوجب القضاء إذا أفطر بعذر ففيه دلالة أنه إذا أفطر بغير عذر يوجب.
__________
1 اختاره إما الحرمين انظر البرهان 1/413.
(1/260)

عليه القضاء.
وكذلك ما روى أن ماعزا زنا فرجم1 صار رجم ماعز ثابتا بالنص ورجم غيره ثابتا بدلالة النص وذكر أمثلة لهذا أيضا منها الأكل مع الوطء فى نهار رمضان وغير ذلك وخرج عليه مسألة اللواطة مع الزنا وذكر أنها دونه ومسألة القتل بالمثقل وذكر أنه دون القتل بالسيف وهذه أشياء قد ذكرت في خلافيات الفروع وقد تكلمنا على ذلك.
قال وأما الثابت بمقتضى النص فهو زيادة على النص لا يتحقق مع النص بدونها فاقتضاها النص حتى يتحقق معناه ولا يلغو وصار المقتضى مضافا إلى النص مثل حكمه وشبه هذا بشرى الأب2 فإنها إعتاق حكما وأن لم توجب العتق بنفسه بل بزيادة الملك ولكن لما ثبت الحكم بالشرى صار حكمه وهو العتق مع الملك حكمين للشرى قال وهذا لا خلاف فيه وهو إنما مثل قوله أعتق عبدك عنى على ألف فالملك يقتضى هذا النص ثم أنه ذكر أنه لا عموم للمقتضى.
قال وعند الشافعى رحمه الله له عموم واحتج لنفسه وقال المقتضى ساقط من النص بعينه فى الأصل لا حكم له وإنما أثبتنا ضرورة أن يصير الكلام مفيدا فإذا ثبت بقدر ما صار به الكلام مفيدا زالت الضرورة فيسقط ثبوته كالميتة حكمها الحرمة فى الأصل والحل ثبت ضرورة فيعذر تقديرها وهو قدر سد الرمق دون ما سواها من التمول والجمل والشبع.
ونحن نقول أن المقتضى يجوز أن يدعى فيه العموم لأنه ثابت ضرورة فصار كالثابت نصا ونقول كلما أمكن طلب فائدة العموم منه يجوز أن تطلب لأن الاختصار والحذف عام فى كلام العرب ويعدونه من الفصاحة والبلاغة فصار المقتضى كمضمر الكلام ثم دعوى العموم فى المضمر جائز كذلك فى المقتضى والمضمر مثل قوله: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] معناه أهل القرية وكقوله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً} [مريم: 4] معناه اشتعل شعر الرأس شيبا وغير ذلك وقد ذكروا مضمر النص هذا هو الذى قلناه.
__________
1 تقدم تخريجه.
2 قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا ملك والده أو ولده أنه يعتق عليه ساعة يملكها انظر الأشراف 3/179.
(1/261)

واعلم أن هذا الذى أوردوه ليس فى أكثره ما يعترض عليه وما قالوه على أصولهم فقد أحسنوا فى مواضعه لكن هذه الأقسام ليست بنص إنما النص ثابت بعينه وأما الثابت بعموم ودلالة لا يكون نصا إنما هو دليل مستخرج من النص وإنما المقتضى من الضمير فيجوز أن يقال أنه نص أو بمنزلة النص كما بينا أنه على وفق لسان العرب.
وقد ذكر بعض أصحاب أبى حنيفة أن العموم نص فيما يتناوله من المسميات وقد سمى الشافعى الظواهر نصا فى مجارى كلامه1 والأولى أن لا يسمى العموم نصا لأنه يحتمل الخصوص ولأن العموم فيما يدخل فيه من المسميات ليس بأرفع وجوه البيان ولكن العموم ظاهر.
ونحن نقول حد الظواهر هو لفظ معقول يبتدر إلى الفهم منه معنى مع احتمال اللفظ غيره فعلى هذا العموم ظاهر فى الاستيعاب لأنه يبتدر إلى الفهم ذلك مع أنه يحتمل غيره وهو الخصوص.
وكذلك الأمر يجوز أن يقال هو ظاهر فى الإيجاب لأنه يبتدر الفهم ذلك مع أنه يحتمل غيره وهو الندب والإباحة.
وكذلك صيغة النهى ظاهر فى التحريم ويحتمل غيره من الكراهة والتنزيه وعلى هذا قوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" 2 ظاهر فى نفى الجواز ويحتمل نفى الفضيلة والكمال.
وكذلك قوله لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ظاهر فى نفى الجواز ويحتمل نفى الفضيلة وأمثال هذا تكثر.
ومن ذلك يلقى المفهوم من الخطاب المقيد بالصفة ظاهر فيما يستعمل فيه المفهوم وقد يتبع مثل هذا الظاهر فى الحروف مثل إلى الغاية وغير ذلك.
وهكذا فى الظاهر كل لفظ يحتمل معنيين وأكثر وبعضها أظهر وأولى باللفظ فيحمل على الأولى والأظهر ويكون اللفظ ظاهر فيه وهذا قريب مما ذكرناه من قبل.
__________
1 ذكره إمام الحرمين عن الشافعي والقاضي أبو بكر وصححه انظر البرهان 1/416.
2 أخرجه أبو داود الصوم 2/341 والترمذي الصوم 3/99 ح 730 والنسائي في الصوم 4/166 باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك انظر نصب الراية 2/433.
(1/262)

وأما المجمل فاعلم أنه قد يعلق المجمل على العموم ومن قولك أجملت الحساب إذا جمعت إفادة له وأن أثبته تحت صيغة جامعة ولكن المجمل على اتفاق الأصوليين مخالف للعموم وقيل المجمل ما لا يفهم منه المراد به وقيل ما عرف معناه من غيره1 فإن قال قائل هلا اكتفى الشرع بالبيان عن الإجمال قلنا أجمل ليتفاضل درجة العلاء بالاجتهاد وبدراسة معانيه.
ثم اعلم أن المحتاج إلى البيان ضربان:
أحدهما ما يحتاج إلى بيان ما لم يركب وهو العموم الذى قصد به الخصوص.
والضرب الثانى ما يحتاج إلى بيان ما فيه وهو المجمل الذى لا يفهم منه المراد ونقول الإجمال قد يكون فى الاسم المشترك مثل القرء2 ينطلق على الحيض والطهر والشفق يطلق على الحمرة والبياض والذى بيده عقدة النكاح يطلق على الأب والزوج والمراد من اللفظة واحد من هذين فى هذه المواضع.
والاجتهاد داخل فى المراد باللفظ وكذلك يجوز أن يكون الدليل من قرينة تتصل باللفظ وقد يكون الإجمال فى المراد باللفظ مع أن اللفظ فى اللغة لشىء واحد3 وذلك مثل قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] غير أن البيان فى هذا النوع من المجمل موقوف على الرسول صلوات الله عليه بقول منه أو فعل.
وقد يكون البيان بالاجتهاد مثل قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] وقد اجتهد العلماء فى أقل الجزية وقال سبحانه وتعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] أجمل الله تعالى وكذلك ذكر العدد الذى ينعقد به الجمعة حتى اجتهد العلماء فيه وقال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ
__________
1 اعلم أن المجمل لغة: هو المجموع يقال: أجملت الشيء جمعته ومنه أجمل الحساب جمعه وفي الاصطلاح عرف بتعريفات كثيرة نقتصر منها على تعريفين:
أحدهما: هو ما لم تتضح دلالته أي له دلالة غير واضحة.
وثانيهما: اللفظ الذي أطلق لم يفهم منه شيء انظر نهاية السول 2/61 إحكام الأحكام 3/9 المحصول 1/463/464 البرهان 1/419 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3/3.
2 انظر إحاكم الأحكام للآمدي 3/11 المعتمد 1/306 نهاية السول 2/209 روضة الناظر 159 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3/9.
3 انظر إحكام الأحكام للآمدي 3/13.
(1/263)

مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 7] فأجمل الله تعالى نفقة السر وجاءت فى أكثرها وأوسطها وأقلها حتى اجتهد العلماء فى ذلك فهذا وأنواعه من المجمل الذى يوصل إلى بيانه من أصول أدلة الشرع.
فإن قال قائل ما حكم المجمل قبل ورود البيان.
قد قالوا: أن التزام المجمل قبل بيانه واجب والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله فإن أجابوك فأعلمهم أن فى أموالهم حقا يؤخذ من أغنيائهم ويرد فى فقرائهم" 1 فقد أوجب عليهم التزامها قبل بيانها.
واختلف أصحابنا فى كيفية التزامها قبل البيان.
فقال بعضهم إنهم يتعبدون قبل البيان بالتزامه بعد البيان.
وقال بعضهم إنهم يتعبدون قبل البيان بالتزامه مجملا وبعد البيان بالتزامه مفسرا ومن وجوه المجمل ما يكون المجمل فى بعض الخطاب فيكون مقتضيا لإجمال صيغة وذلك مثل قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] لما كان الحق مجملا صار ما نهى عنه من القتل مجملا ومثل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا"2 لما كان الحرام والحلال مجملين صار المراد بالصلح مجملا.
ومن المجمل ما لا يكون إجمال بعضه مقتضيا إجمال باقيه وهو أن يكون بعضه مستقلا بنفسه وبعضه مفتقرا إلى البيان كقوله تعالى: {وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] فالجنب مجمل والغسل مفتقر لا يصير بإجمال الجنابة مجملا ويكون البيان إذا ورد مقصورا على موضع الإجمال.
وأما المفسر فهو المنصوص ومحاويها ومفهوماتها المستقلة بأنفسها فلا تحتاج إلى بيان بظهور معناه بنفسه.
وحد المفسر ما يفهم منه المراد به وقيل ما يعرف معناه من لفظه وكل خطاب استقل بنفسه وعرف المراد به فهو من المفسر الذى يستغنى عن البيان.
__________
1 تقدم تخريجه.
2 أخرجه أبو داود الأقضية 3/302 ح 3594 والترمذي الأحكام 3/625 ح 1352 وابن ماجه الأحكام 2/788 ح 2353.
(1/264)

فصل: المحكم والمتشابه
...
فصل: وإذا وصلنا إلى هذا الموضع نذكر:
المحكم والمتشابه.
فإنما يعرف معناهما من المجمل والمفسر فنقول أن الله تعالى وصف جميع القرآن بأنه محكم وبعضه بأنه متشابه.
فالأول قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1] ومعناه أن منزله أحكمه على وجه لا يقع فيه تفاوت.
والثانى قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً} [الزمر: 23] ومعناه أنه متماثل فى الدلالة والإعجاز والعلو.
وأما الثالث فقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] واختلف العلماء فى هذا المحكم والمتشابه على أقاويل فقال عبد الرحمن بن زيد المحكم هو الذى لم يتكرر ألفاظه والمتشابه الذى تكررت ألفاظه وعن ابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهم أن المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ.
وقال مجاهد المحكم ما لا يتشابه معانيه والمتشابه ما اشتبهت معانيه.
وقال بعضهم المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا فلم يحتج أى نظر وتدبر والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجها واحتاج إلى تأمل وتفكر فى الوقوف على المراد به1.
وأحسن الأقاويل أن المتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه وكلفهم الإيمان به والمحكم مما أطلع العلماء عليه وأوقفهم على المراد به وهذا هو المختار على طريقة السنة وعليه يدل ما ورد من الأخبار وما عرف من اعتقاد السلف فعلى هذا يكون على قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} وقف تام ثم يبتدىء قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} واو العطف إلا شرذمة قليلة من الناس واختاره البعض من المتأخرين.
وقد كان يعتقد مذهب السنة وعليه يدل كلامه فى كتبه لكنه سها فى هذه المسألة.
__________
1 انظر المستصفى 1/106 البرهان 1/419, 420 شرح المنار لابن مالك 100 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/17.
(1/265)

ولكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة.
وقد نقل بعضهم مثل ذلك عن مجاهد من السلف ولا أعلم تحققه وقد تكلمت فى هذا ودللت على ما يذهب إليه أكثر السلف فى كتاب منهاج السنة وأوردت على مافيه الغنية فاقتصرت فى هذا الكتاب على هذا القدر والله الموفق للصواب والهادى إلى الرشاد بمنه.
(1/266)

فصل: الحقيقة والمجاز وما يتصل بهما
...
فصل: ويذكر بعد هذا الذى ذكرنا:
الحقيقة والمجاز وما يتصل بهما.
كما يشتمل القرآن على المجمل والمبين والمبهم والمفسر والخاص والعام والمحكم والمتشابه فهو يشتمل أيضا على الحقيقة والمجاز وكذلك التشبيه.
وأنكر قوم وجود المجاز فى اللغة1 ولا يخلو كلامهم فى ذلك أما يكون خلافا فى معنى أو عبارة والخلاف فى المعنى ضربان.
أحدهما أن يقولوا أن أهل اللغة لم يستعملوا الأسماء فإما يقولوا أنه مجاز فيه نحو اسم الحمار فى البليد والأسد فى الشجاع وهذا مكابرة لا يرتكبها أحد.
وإما أن يقولوا أن أهل اللغة وضعوا فى الأصل اسم الحمار للبليد كما وضعوا للبهيمة وهذا باطل لأنه كما يعلم لم يضطرد أنهم يستعملون ذلك فى البليد فإنه يعلم أنهم استعملوا ذلك على طريق التشبيه وأن استحقاق البليد هذا الاسم ليس كاستحقاق البهيمة وكذلك يسبق إلى الأفهام من قول القائل رأيت الحمار البهيمة البليد.
__________
1 اعلم أن وقوع المجاز في اللغة فيه أقوال المعروف منها ثلاث:
الأول واقع مطلقا في اللغة والقرآن والحديث وهو لجمهور العلماء.
الثاني: غير واقع مطلقا وينسب هذا القول إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني وأبي علي الفارسي.
الثالث: واقع في غير القرآن وليس واقعا في القرآن وهذا القول لبعض الحنابلة وبعض الرافضة وهو المعروف عن أبي بكر بن داود الأصفهاني الظاهري ونقل البيضاوي عنه أنه منع وقوع المجاز في الحديث أيضا ولم يشتهر هذا عنه انظر نهاية السول 2/148, 149 المحصول 1/130 المعتمد 1/24 المستصفى 1/105 شرح المنار لابن مالك 108 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/64, 65.
(1/266)

ولو كان ذلك موضوعا لهما على السواء لم يسبق إلى الأفهام أحدهما.
فإن قيل فإذا كانت الحقائق تعم المسميات فلماذا تجوزوا بالأسماء فى غير ما وضعت له قلنا المجاز يشتمل على أشياء لا توجد فى الحقيقة يقصدها العرب فى كلامها منها المبالغة وإنا إذا وصفنا البليد بأنه حمار نكون أبلغ فى البيان عن بلادته من قولنا بليد ومنها الحذف والاختصار ومنها التوسع فى الكلام ومنها الفصاحة وأما الخلاف فى الاسم فبأن مبهم المجاز أن استعمال اسم الحمار فى البليد ليس موضوع له فى الأصل وأنه بالبهيمة أخص لكن نقول لا نسميه مجازا إذا عنى به البليد ولأن أهل اللغة لم يسموه بذلك بل أسميه مع قرينة حقيقة.
فيقال له أن أردت أن العرب لم تسميه بذلك فصحيح وأن أردت أن الناقلين عنهم لم يسموه كذلك فباطل تلقيهم كتبهم بالمجاز وأنهم يقولون فى كتبهم هذا الاسم مجاز وهذا الاسم حقيقة وليس إذا لم يشتهر العرب بذلك يمنع أن يضع الناقلون عنه له هذا الاسم ليكون آلة وأدلة فى صناعتهم لأن عبارة أهل الصنايع أنهم يعقلون ذلك ولهذا يسمى النحاة الضمة المخصوصة رفعا والفتحة نصبا ولم يلحقهم بذلك عتب وأما تسمية الخصم مجموع الاسم والقرينة مجموع حقيقة فإنه أوضح ذلك بقدح ذلك فى تسمية أهل اللغة الاسم بانفراده مجازا على ما حكيناه عنهم.
(1/267)

فصل: فى حسن دخول المجاز فى خطاب الله عز وجل وفى أنه قد خاطب به.
ذهب الجمهور إلى أن الله تعالى قد خاطبنا فى القرآن بالمجاز ونفى بعض أهل الظاهر ذلك1 وقالوا: أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز للعجز عن التكلم بالحقيقة وذلك يستحيل على الله تعالى ولو خاطب الله تعالى بالمجاز والاستعارة لصح وصفه بأنه متجوز فى خطابه وبأنه مستعير ولأن المجاز لا يغنى عن معناه بنفسه فورود القرآن به يؤدى إلى الالتباس ولأن القرآن كله حق فيكون كله حقيقة لأن الحق والحقيقة معنى واحد.
أما دليلنا فنقول فى الدليل على حسن ذلك أن القرآن أنزل بلسان العرب وفى.
__________
1 نهاية السول 2/148, 149 المحصول 1/140 المستصفى 1/105 شرح المنار لابن مالك 108 أصول الفقه للشيخ محمد أبو النور زهير 2/64, 65.
(1/267)

إنزال الله تعالى القرآن بلسان العرب يقتضى حسن خطابه إيانا فيه بلغتها ما لم يكن فيه تنفير والتنفير يكون بالكلام السخيف الذى ينسب قائله إلى المجون والغى وليس هذا سبيل المجاز لأن أكثر الفصاحة إنما يظهر بالمجاز والاستعارة ثم الدليل على أن فى القرآن مجازا كقوله تعالى: {جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [لكهف: 77] وقوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] وقوله تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة الإسراء 24 وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب: 57] وقوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} [القلم: 42] أى شدة وقوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} [الفرقان:23] أى ذاهبا وقال تعالى فى حل النساء: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187] وقال تعالى كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله المائدة 64 فليس يخلو أما أن يقول هذه الألفاظ وضعت فى الأصل للمعانى التى أراد الله سبحانه وتعالى وهذا قد أفتاه من قبل وأما أن يقول: هذا الكلام كان مجازا فى اللغة بهذه المعانى ثم نقل إليها بالشرع فصار من الحقائق الشرعية وهذا باطل لأنه لو كان كذلك لسبق إلى أفهام أهل الشرع معانيها التى أرادها الله عز وجل كما يسبق إلى أفهامهم الصلاة الشرعية ومعلوم أنه لا يسبق إلى الأفهام فى قوله: {جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [لكهف: 77] الإرادة التى توجد للإنسان وقوله: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] الصدع الذى هو الشق وكذلك فى قوله: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاسراء: 24] الجناح الذى يكون للطائر فثبت بطلان ما ادعوه وعرف قطعا وجود المجاز فى القرآن.
فأما قولهم أن العدول إلى المجاز عجز إنما يقتضى العجز عن الحقيقة أو لم يحسن العدول إلى المجاز مع التمكن من الحقيقة ومعلوم أن العدول إلى المجاز يحسن لما فيه من زيادة اللفظ والمبالغة فى التشبيه والتوسع فى الكلام والاختصار والحذف على ما هو عادة العرب فدل أن ذلك ليس بعجز.
وأما قولهم أنه لو جاز ذلك لجاز أن يسمى الرب عز وجل متجوزا أو مستعيرا.
قلنا عندنا لا يجوز أن يسمى الرب تعالى أو يوصف بوصف إلا الذى ورد به القرآن والسنة ولأنه لما يقال فى العادة فلان متجوز فى أفعاله وأقواله إذا كان يسمى بالقبح منها.
وأما قولنا مستعير فإنما يفهم من إطلاقه إذا استأذن غيره فى التصرف فى ملكه.
(1/268)

لينتفع به وكل ذلك يستحيل على الله عز وجل.
وأما قولهم أنه يؤدى إلى الالتباس قلنا لا التباس مع القرينة الدالة على المراد.
وأما قولهم أن كل القرآن حق فيكون كله حقيقة.
قلنا ليس الحقيقة من الحق فسنبين أن الحق فى الكلام أن يكون صدق وأن يجب العمل به والحقيقة أن يستعمل اللفظ فيما وضع له وسواء كان صدقا أو كذبا إلا ترى أن قول النصارى ثالث ثلاثة ليس بحق وهو حقيقة فيما أرادوه وقوله صلى الله عليه وسلم: "يا أنجشة رفقا سوقا بالقوارير" 1 ليس بحقيقة فيما قيلت فيه وهو صدق وحق فدلنا أن أحدهما غير الآخر ويقول: أن القرآن نزل بلسان العرب قلنا اشتمل القرآن على أقسام كلامهم فيما عدا المجاز اشتمل أيضا على المجاز ليكون كلام الله تعالى جامعا لأقسام الكلام فيكون أبلغ فى الإعجاز مع التحدى وهذا الكلام وجيز حسن والله الهادى بمنه.
__________
1 أخرجه البخاري الأدب 10/597 ح 6202 ومسلم الفضائل 4/1811 ح 70/2323 وأحمد المسند 3/131 ح 12047.
(1/269)

فصل: وإذا ثبت جواز المجاز فى القرآن والسنة فلكل مجاز حقيقة وليس لكل حقيقة مجاز.
لأن الحقيقة أصل المجاز فافتقر المجاز إلى الحقيقة ولم تفتقر الحقيقة إلى المجاز.
وأما حد الحقيقة والمجاز فقال بعضهم الحقيقة2 هى اللفظة المستعملة فى موضعها والمجاز3 هو اللفظ المستعمل فى غير موضعه.
__________
2 الحقيقة على وزن فعيلة بمعنى مفعول مأخوذ من الحق بمعنى الثبوت - فإن كانت بمعنى فاعل فمعناها الثابتة من حق الشيء إذا ثبت وإن كانت بمعنى مفعول فمعناها المثبتة من أحق الشيء إذا أثبته منه نقلت من الثابت أو المثبت إلى الاعتقاد المطابق للواقع لأنه فرد من أفراد الثابت والعلاقة الكلية والجزئية ثم نقلت إلى القول الدال على الاعتقاد المطابق للواقع من باب اطلاق اسم المدلول على الدال.
والحقيقة اصطلاحا: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب إحكام الأحكام للآمدي 1/36 نهاية السول 2/146 المحصول 1/111, 112 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/51.
3 المجاز أصله مجوز على وزن مفعل مأخوذ من الجواز بمعنى العبور يقال جزت النهر يعني............=
(1/269)

وأحسن من هذا أن يقال الحقيقة ما استغنت بها ما وضعت له والمجاز ما استفيد به غير ما وضع له.
وقال بعضهم ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل فهو حقيقة وما لا ينتظم لفظه معناه أما لزيادة أو نقصان أو نقل فهو مجاز.
واعلم أن للحقيقة والمجاز شروطا يعتبرونها.
أحدهما أن الحقيقة والمجاز لا يدخلان فى أسماء الألقاب ويدخلان فى أسماء الاشتقاق.
والثانى أنه لا يخلو منهما كلام وضعه أهل اللغة لشىء فإن خلت اللغة من وضع لفظ لشىء خرج عن الحقيقة والمجاز.
والثالث ما ذكرنا فإنه لا يجوز أن يكون اللفظ مجازا فى شىء ولا يكون له حقيقة ويجوز أن يكون حقيقة فى شىء ولا يكون له مجازا عن غيره.
والرابع أن الحقيقة مطردة والمجاز غير مطرد.
والخامس أن الحقيقة تتعدى والمجاز لا يتعدى لأنه إذا سمى الرجل أسود لسواده.
__________
= عبرته من الشاطئ إلى الشاطئ - ومجوز مصدر ميمي صالح للزمان والمكان والحدث فهو إما نفس الجواز أو زمانه أو مكانه نقل من هذا المعنى إلى الفاعل وهو الجائز يعني العابر والعلاقة الكلية والجزئية إن كان مأخوذا من نفس الجواز وهو الحديث لن المصدر جزء من المشتق كل له والحالية أو المحلية إن كان مأخوذا من الجواز بمعنى مكان العبور ويكون ذلك من إطلاق اسم المحل على الحال.
المجاز اصطلاحا فهو نوعان: مجاز لغوي وثانيهما: مجاز عقلي وهو ما قصده البيضاوي بالمجاز المركب.
المجاز اللغوي هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب لعلاقة وقرينة ثم المجاز اللغوي إن كانت علاقته خصوص المشابهة فهو مجاز لغوي بالاستعارة مثل قولك رأيت أسدا في الحمام تريد الرجل الشجاع - وإن كانت العلاقة غير المشابهة كالعلاقة التي يأتي ذكرها فيما بعد فهو مجاز لغوي مرسل.
والمجاز اللغوي مطلقا سواء كان مرسلا أو بالاستعارة لا يقع إلا في مركب فلا يقع في المفرد لأن المفرد وحده لا يفيد.
أما المجاز العقلي: فهو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو لعلاقة وقرينة - مثل قول المؤمن: أثبت الربيع النقل فإن إسناده الإثبات إلى الربيع مجاز لأن المثبت هو الله تعالى والعلاقة أن الربيع سبب في الإثبات والقرينة أن القائل مؤمن نهاية السول 2/148, 149 المحصول 1/112, 113 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/63, 64.
(1/270)

جاز أن يسمى كل أسود من غير الرجال وإذا سمى الرجل الشديد أسدا لم يجز أن يسمى كل شديد من غير الرجال أسدا.
واعلم أنه إذا كان للفظة حقيقة ومجاز وجب حملها على الحقيقة دون المجاز1 بحكم الظاهر إلا بدليل يصرفه عن الحقيقة إلى المجاز فيحمل على المجاز بالدليل.
والحقيقة على ثلاثة أضرب لغوية وعرفية وشرعية.
والمجاز على ثلاثة أضرب لغوى وعرفى وشرعى.
فاللغة أصل فيهما والعرف ناقل لهما عن اللغة إلى العرف والشرع ناقل لهما عن اللغة والعرف.
أما الحقائق اللغوية2 فمعلومة لكل أحد فإنه يوجد فى اللغة ألفاظ مقيدة للشىء الواحد على الحقيقة وقد يوجد أيضا ألفاظ مقيدة للشىء وبخلافه حقيقة على طريق اشتراك وضع من هذا قرء والدليل على جواز ذلك أنه لا يمتنع أن يضع قبله أتم القروء للحيض فيضع أخرى للطهر ويشيع ذلك ويجعل كون الاسم موضوعا لهما من جهة قبيلتين فهم من إطلاقه الحيض والطهر على البدل أوعلى أن وجود مثل هذه الأسماء يغنى عن الدليل وقد ذكره أهل اللغة فى كتبهم.
وأما مسألة الحقائق الشرعية فقد ذهب الفقهاء وأكثر المتكلمين إلى أن الاسم اللغوى يجوز أن يتقبله الشرع إلى معنى آخر فيصير اللفظ فى ذلك المعنى حقيقة شرعية ونفى قوم من أهل العلم ذلك وهو اختيار القاضى أبى بكر محمد بن الطيب وذهبوا إلى أنها مقرة على حقائق اللغات لم ينقل ولم يزد فى معناها.
وذهب طائفة من الفقهاء إلى أنها أقرب وزيدت فى معناها فى الشرع3 والأصح.
__________
1 انظر المحصول 1/117 نهاية السول 2/147 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/52/53.
2 انظر المستصفى للغزالي 1/359.
3 اعلم وفقك الله أن الحقيقة الشرعية وهي ألفاظ استعملها الشارع في معان لم تضعها العرب لها إما لمناسبة بينها وبين المعاني اللغوية وإما لغير مناسبة.
مذاهب العلماء ثلاثة:
القول الأول: وهو للقاضي أبي بكر الباقلاني - الحقيقة الشرعية غير موجودة وما يظن أنه موجود منها فهو مستعمل في معناه اللغوي غاية الأمر أن الشارع شرط في اعتبار هذا المعنى شروطا لا يكون معتبرا بدونها فالصلاة في الشرع مستعمل في الدعاء بشرط أن ينضم إليه..........=
(1/271)

هو القول الأول وصوروا الخلاف فى الصلاة والزكاة والحج والعمرة وما أشبه ذلك فإن الصلاة فى اللغة الدعاء وقيل من ملازمة الشىء من قولهم صلى بالنار واصطلى بها1 والزكاة هى النمو2 لغة والحج والعمرة القصد3 وقد حمل الشارع الصلاة لأفعال مخصوصة والزكاة لفعل مخصوص من إخراج مال مخصوص والحج والعمرة لأفعال فى أزمنة معلومة والحج من يتبع ذلك.
وقال أن الله تعالى أتى فى القرآن بلسان العرب وقال بلسان عربي مبين وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [ابراهيم: 4] والصلاة فى لغة العرب الدعاء والحج هو القصد والصوم هو الإمساك فإذا ورد به الشرع وجب أن يحمل على ما يقتضيه لسان العرب.
ببينة: أن هذا النقل يقبح لأن إذا نقل الاسم من معناه إلى معنى آخر اقتضى تغير الأحكام المتعلقة به نحو أن يأمر الله عز وجل بالصلاة ويعنى بها الدعاء فإذا نقل الاسم إلى هذه الأركان تغير به الفرض.
قالوا: فإن لم تغير حقيقة كون الصلاة اسم لهذه الأفعال التى نعرفها وفى اللغة على الدعاء فإذا جعلت اسما [يهدم عينها] 4 فقد تغيرت.
نقول أن اسم الصلاة فى اللغة الدعاء وسميت الصلاة الشرعية بذلك لأن فيها.
__________
= أمور خاصة هي الركوع والسجود والقراءة إلخ - والصوم مستعمل في الإمساك لكن بشرط أن ينضم إليه النية مع ترك الأكل والشرب زمنا معينا والحج مستعمل في القصد ولكن بشرط أن ينضم إليه إحرام وطواف وسعي ووقوف بعرفة.
القول الثاني: الحقائق الشرعية موجودة مطلقا كانت هناك مناسبة بين المعاني اللغوية أو لم تكن وهذا القول للمعتزلة.
القول الثالث: وهو للبيضاوي الألفاظ الشرعية مستعملة في معانيها الشرعية لمناسبة بينها وبين المعاني اللغوية ولم توضع لها ابتداء فهي مجازات باعتبار اللغة ولما كثر استعمالها شرعا في هذه المعاني كانت حقائق شرعية واختار هذا الرأي إمام الحرمين والإمام الرازي إحكام الأحكام للآمدي 1/37 نهاية السول 2/150 المحصول 1/119 جمع الجوامع 1/300 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/53, 54, 56.
1 انظر القاموس المحيط 4/353.
2 انظر كشاف القناع 2/165, 166.
3 الصحاح 1/303 لسان العرب 2/778.
4 طمس في الأصل.
(1/272)

دعاء فلم يختلف معناه والزكاة النماء وسميت الصدقة المفروضة زكاة لما يوجد فيها من زيادة الثواب فى الآخرة والنماء هو الزيادة وسميت الأفعال المعهودة حجا لأن الحج فى اللغة القصد فسميت هذه العبادة المخصوصة حجا لأن فيها قصدا.
قالوا: ولأنه لو قال فى الأسماء شبهة قول لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بيانا يقع به العلم لأن معناه لا بد من وقوع العلم فيه حتى يتوصل إليه ولو بين بيانا يقع به العلم لقلنا ذلك كما علمهم ولما لم نعلم ذلك لأنه لم يفعل ويجوز ما بينا فيدل أولا على إمكان نقل الأسماء.
فنقول أن كون الاسم اسما لمعنى نقل لشىء ولا يجب وإنما هو تابع للاختبار به بدليل انتفاء الاسم عن المعنى قبل المواضعة ولأنه كان يجوز أن يسمى المعنى بغير ما سمى به نحو أن يسمى البياض سوادا أو الحركة سكونا أو غير ذلك وإذا كان كذلك جاز أن يختار مختار سلب الاسم من معناه أو نقله إلى غيره وإذا كان ذلك نافعا للاختبار.
فإذا قال قائل إذا جوزنا ذلك لتباينت الحقائق.
قلنا إنما كان يلزم ذلك أن لو استحال انفكاك الآية عن المعنى وقد جاء أن الأمر بخلاف ذلك ثم نقول قد جاء الشرع بعبادات لم تكن معروفة فى اللغة فلم يكن بد من وضع اسم لها للتميز به عن غيرها كما يجب ذلك فى موارد يؤلفه بلا كتاب وفى آلة يستحدثها بعض الصناع ولا فرق بين أن يوضع لتلك العبادة اسم مبتدأ وبين أن ينقل إليها اسم من أسماء اللغة إلا ترى فى المولود لا فرق بين أن يستحدث له اسما ابتداء وبين أن يظل له اسما نعبر به.
ثم الدليل على أن الشرع قد نقل بعض الأسماء أن قولنا صلاة لم يكن مستعملا فى اللغة بمجموع هذه الأفعال الشرعية ثم صار اسما بمجموعها حتى لا يعقل من إخلافه سواه وكذلك فى الحج والزكاة فثبت الوجود وإذا ثبت وجود النقل ثبت النقل إجماعا.
وأما كلامهم.
أما الأول قولهم أن القرآن والسنة جاءت بلسان العرب.
قلنا نحن نقول أن الله تعالى خاطبنا بلسان العرب وهذه الأسماء كلها عربية والخطاب بها خطاب بلغة العرب وليس إذا استعمل ذلك فى غير ما وضعته العرب.
(1/273)

خرج من أن يكون خطابا بلسان العرب إلا ترى أن الحمار قد يستعمل فى غير ما وضعته العرب وهو الرجل البليد وكذلك البحر يستعمل فى غير ما وضعته العرب وهو الرجل الجواد ولا يخرج الخطاب بذلك عن أن يكون خطابا بلسان العرب.
وأما قولهم أنه يؤدى النقل إلى تغير الأحكام الشرعية.
قلنا هذا النقل كان لتقرير الأحكام الشرعية لا لتغيير الأحكام الشرعية ثم يمنع نقل اسم عن معناه إذا كان قد تعلق به فرض ولا يمنع من نقل اسم لم يتعلق به فرض.
وأما قولهم إنما سميت الصلاة صلاة لأنها تشتمل على الدعاء قلنا أن قلتم أن اسم الصلاة واقع به على جملة هذه الأفعال لأن فيها دعاء فقد سلمتم ما يزيده من إفادة الاسم لما لم يكن يفيده فى اللغة ولا يضرنا أن يتعللوا وقوع الاسم على هذه الأفعال مما ذكرتم وأن أردتم أن اسم الصلاة واقع على الدعاء من جملة هذه الأفعال دون مجموعها فذلك باطل لأن المفهوم من قولنا صلاة جملة الأفعال والمفهوم من قولنا فلان فى الصلاة أنه فى جزء من هذه الأفعال دعاء كان أو غيره والمفهوم من قولنا فلان خرج من الصلاة أنه فارق جملة الأفعال ولو كان الأمر كما ذكروه لوجب إذا قلنا أنه خرج من الصلاة أفاد أنه خرج من الدعاء وإذا عاد إلى الدعاء يجوز أن يقال أنه قد عاد الآن إلى الصلاة فلما لم يقل ذلك دل أن الصلاة اسم الأفعال المعلومة بجملتها وهذا الاسم واقع على جملة الأفعال على وجه واحد فثبت أن النقل قد صح وقد قال الأصحاب أن صلاة الأخرس صلاة حقيقة ولا دعاء فيها فدلت أن الاسم فى الشرع ليس بمعنى الدعاء.
وقد قال بعض أصحابنا معترضا على ما قلناه وقال الدعاء التماس وأحوال المصلى أحوال يخضع المصلى فيها لربه عز وجل ويبغى بها التماسا فالشرع عمم الكل اسم الدعاء تجوزا واستعارة وهذا دعوى المجاز فى هذه الألفاظ والأصح أن هذه الأسماء حقائق شرعية ويجوز أن يقال أن هذه الأسماء شرعية فيها معنى اللغة لأن الصلاة لا تخلو من الدعاء فى أغلب الأحوال والأخرس نادر ولأنا لو اعتبرنا ذلك فقد يخلو فى حق بعض المرضى عن معظم الألفاظ وهذا اللفظ لا بأس به.
وأما قولهم أنه لو حصل لها هذا النقل لوقع لنا العلم به.
قلنا قد أجبنا عن هذا فيما تقدم وعلى أنا نقول أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين ذلك بيانا.
(1/274)

ثابتا إلا ترى فى كل موضع ذكر الصلاة لم ترد إلا هذه الأفعال ولكن ليس من شرط البيان أن يقع العلم به لكل أحد إلا ترى أنه صلى الله عليه وسلم بين الحج بيانا ثابتا ثم لم يقع العلم به لكل أحد حتى اختلف العلماء فى إحرامه فقال بعضهم كان مفردا وبعضهم قال كان قارنا وقال بعضهم كان متمتعا.
(1/275)

فصل: الحقائق العرفية
...
فيصير هو المفهوم عند إطلاقه لكثرة استعمالهم الاسم فيه وهو الفرس وقد دل هذا الذى ذكرناه على وجود النقل كما دل على حسنه وقد قال أهل اللغة أن التروية اسم للجمل وقد صار بالعرف المزادة والغائط للمكان المطمئن وقد صار بالعرف اسما للحاجة وأما إشارة انتقال الاسم فهو أن يسبق الأفهام عند سماعه معنى غير ما وضع له فى الاسم فإن كان السامع الاسم يتردد فى فهم المعنى العرفى واللغوى معا كان الاسم مشتركا فيهما على سبيل الحقيقة.
واعلم أنه كما جاز وجود الحقائق اللغوية والعرفية والشرعية كذلك يجوز وجود المجاز اللغوى والعرفى والشرعى فإن قال قائل ثم تعرفون الحقيقة عن المجاز والمجاز عن الحقيقة قلنا الأصل أن الكلام يحمل على الحقيقة بالإطلاق وعلى المجاز بالدليل ويعرف الفصل بين الحقيقة والمجاز بوجوه منها أن يرد نص أو يقوم دليل أن اللفظ مجاز.
ومنها أن يعلم استعمال العرب اللفظ فى شىء وعدم استعمالها فى غيره فإذا أطلق اللفظ حمل على ما استعملوه ويكون حقيقة.
ومنها أن تكون اللفظة تطرد فى موضع ولا تطرد فى غيره فيعلم أنها قد اطردت فيه حقيقة وفيما لم تطرد فيه مجاز1.
وبيان الإطراد وعدم الإطراد أن قولنا أطول يفيد ما اختص بالطول وإذا علمنا أن أهل اللغة سموا الجسم طويلا عند اختصاصه بالطول ولولا ذلك ما سموه طويلا علمنا أنهم سموه بذلك لطوله فسمينا كل جسم فيه طول طويلا.
وأما فى المجاز فلا يثبت الإطراد بحال وهذا نحو تسميتهم الرجل الطويل نخلة فإنه يجوز أن يسمى كل رجل طويل بذلك ولكن لا يجوز أن يسمى غير الرجل بذلك.
ومنها غلبة الظن وهو أن يرد لفظ يغلب على ظن السامع أنه حقيقة أو ترد لفظة يغلب على الظن أنه مجاز وهذا لأن الفصل بينهما نوع حكم والأحكام تثبت بغالب الظن ومنها أن يستعمل الشىء فى الشىء لمقابلته فيعلم أنه مجاز استعمل لأجل المقابلة وهذا مثل قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] فهذه وجوه.
__________
1 انظر نهاية السول 2/172 المحصول 1/148, 146 إحكام الأحكام 1/41 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/71.
(1/276)

فأصلة بين الحقيقة والمجاز وعند الإشكال والاشتباه يحمل على الحقيقة إلا أن يقوم الدليل على المجاز.
واعلم أن الكلام الواحد يجوز أن يكون له حقيقتان وقد يتفقان على المضادة.
والدليل على جواز ذلك وجوده فإن الاسم العين يطلق على عين الرأس وعين الماء وهو حقيقة فى كل واحد منهما والقرء اسم للحيض والطهر والشفق اسم للحمرة والبياض وليس هذا بأكثر من المحمل الذى يصح وروده لما يقترن به من البيان كذلك هاهنا صح أيضا لما يستعمل فيه من البرهان وقد يكون اللفظ له حقيقتان فيحمل اللفظ عليهما جميعا كاسم الناض فى الذهب والفضة واسم الماشية حقيقة فى كل نوع من الإبل والبقر والغنم فإذا ورد مثل هذا اللفظ فى موضع يحمل اللفظ على كل ما هو حقيقة فيه إلا أن يخص أحدهما دليل.
وأما إذا تناول الاسم الواحد شيئين متضادين كالحيض والطهر فى القرء وما أشبه ذلك والحمرة والبياض فى الشفق فإنه يصار إلى الترجيح بالدليل فيرجح أحدهما على الآخر ويصير الحكم الراجح ويجوز أن يرد تغيير بنيهما فى الشرع فيخير المكلف أحدهما وهذا اللفظ الواحد إذا كان له حقيقتان متضادتان فهذا وجه الكلام فيما قصدنا والله أعلم.
مسألة يجوز أن يراد باللفظ الواحد معنيان مختلفان.
وسواء كانا حقيقتين أو مجازين أو أحدهما حقيقة والآخر مجازا وهذا قول أبى على الجبائى وعبد الجبار وأحمد وزعم أصحاب أبى حنيفة أنه لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد معنيان مختلفان وهو قول أبى القاسم ويزعم الضميرى من أصحابهم أن هذا قول أبى حنيفة على الخصوص وأن عند أبى يوسف ومحمد يجوز ذلك1.
واحتجوا فى ذلك وقالوا: أن الحقيقة هى اللفظ المستعمل فى موضعه والمجاز هو اللفظ الذى يجوز به عن موضعه ولا يجوز أن يكون اللفظ الواحد مستعملا فى موضعه ومستعملا فى غير موضعه فى حالة واحدة بل يستحيل ذلك كما يستحيل الاقتصار على الشىء والمجاوزة عنه فى حالة واحدة.
__________
1 انظر المسودة 166 التصريح على التوضيح 1/87, 88.
(1/277)

وقالوا: يبين ذلك أن العبارة تعتبره عبارة عن الشىء المعبر به عنه بالقصد إلى ذلك فلما استحال القصد إلى ما ذكرناه من هذين الشيئين المختلفين لم يجز أيضا أن يكون اللفظ الواحد عبارة عنهما وقال أبو عبد الله البصرى المعروف يجعل أن الإنسان يجد فى نفسه تعذر استعمال اللفظة فى مجازاتها وحقيقتها قال وجرى مجرى تعظيم زيد والاستخفاف به فى حالة واحدة وقالوا: أيضا أن المستعمل للكلمة فيما هى مجاز فيه لا بد أن يسم فيه كاف التشبيه والمستعمل لحالتها على حقيقة فيه لا يسم فيه كاف التشبيه ومحال أن يضمر الشىء ولا يضمره قالوا: ولهذا نقول فى قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] لما حمل على الوطء لم يجز حمله على اللمس باليد لأنه حمل على المجاز ولا يحمل على الحقيقة.
والدليل على أن الآية قد تناولت الوطء جواز التيمم للجنب ولهذا من حمل الآية على اللمس باليد لم يجوز التيمم للجنب مثل ابن مسعود ومن حمله على الوطء جوزه مثل ابن عباس.
وأما دليلنا نقول إنكم لا تخلون أما أن تقولوا يستحيل فى مطلق اللفظ المشترك إرادة المعنيين معا أو تقولوا لا يستحيل منه إرادتهما.
فإن قلتم يستحيل إرادة المعنيين فهذا جحد الضرورة ومعاندة المعقول فإنا نعلم قطعا جواز إرادة المعنيين المختلفين غير المتناقضين بلفظة واحدة إلا ترى أنه لا يستحيل أن نقول إذا أحدثت فتوضأ يريد به البول والغائط وكذلك تقول إذا لمست فتوضأ وتريد به الوطء واللمس باليد جميعا وهذا أمر قطعى لا يمكن خلافه.
وإن قلتم لا يستحيل إرادة المعنيين ولكن لا يفهم من مطلق اللفظ جميع المعنيين من غير قرينة فهذا نحن نقول به فإنه إذا احتمل إرادة المعنيين واحتمل تخصيص اللفظ بأحدهما فيتوقف فى معنى اللفظ على قرينة تدل على الجمع والتخصيص.
فإن قالوا: هذا الدليل فى المعنيين المختلفين فما دليلكم فى الجمع بين إرادة الحقيقة والمجاز بكلمة واحدة وقد بينا استحالته يدل عليه أن المجاز لا يعقل من الخطاب إلا بقرينة وتقييد والحقيقة تعلم منه بالإطلاق من غير قرينة وتقييد ويستحيل أن يكون الخطاب الواحد جامعا بين الأمرين فيكون مطلقا مقيدا فى حالة واحدة وهذا كقرينة الخصوص وقرينة الاستثناء فإنه يستحيل أن يكون اللفظ الواحد عاما خاصا مستثنى منه غير مستثنى منه.
(1/278)

الجواب أن اللفظ الواحد يجوز أن يحمل على الحقيقة والمجاز إذا تساويا فى الاستعمال لكن إذا عرى عن عرف الاستعمال لم يجز أن يحمل على المجاز إلا أن يقوم الدليل على أنه مراد به وقيام الدلالة على إرادة المجاز لا ينفى عن اللفظ إرادة الحقيقة والدليل على جواز ما ذكرناه صحة تعلق القصد والإرادة بهما جميعا وصحة التصريح بهما متعلقين بلفظ واحد إلا ترى أنه يصح أن نقول لا تنكحوا ما نكح آباؤكم عقدا ووطئا وتوضئوا باللمس مبينا وجماعا فإذا صلحت الكلمة إنما كان الجمع بينهما مثل الجمع بين المعانى التى تشتمل عليها الكلمة الواحدة كشمول لفظ العموم لجميع الآحاد ولفظ الأمر للإيجاب والإباحة.
وأما قوله أن المجاز لا يعلم بتناول اللفظ بلا تقييد والحقيقة تعلم بالإطلاق فلا جزم لأنا إنما ذكرنا هذا فى اللفظ الذى اشترك فى عرف استعمال الحقيقة والمجاز معا وفى هذه الصورة لا ينافى جواز دخول العرف على كل واحد منهما.
فإن قيل فعلى ما قلتم تكون الكلمة الواحدة مجازا وحقيقة وهذا يستحيل.
قلنا هذا لا نأباه لكن المجاز متعلق فيها بغير ما تعلق به الحقيقة وهذا كالأمر الذى هو نهى عندنا عن جميع أضداد ما تناوله الأمر فهو إذا أمر ونهى لكن اجتماعهما فى جهتين مختلفتين وقد ظهر بما ذكرنا الجواب عن معتمدهم وهو الكلام الأول والثانى وهذا لأنه ليس بين إرادته وبين أن تكون الكلمة مستعملة فى موضعها فى شىء ومعدولا بها عن موضعها فى شىء آخر تنافى كما لا تنافى فى أن يريد به معنى ويريد به معنى آخر إنما التنافى أن نقول أراد أن يستعملها فيما وضع له اللفظ وأراد أن لا يستعملها فيما وضعت له اللفظة وهذا لا يقول به أحد.
وأما حجة أبى عبد الله البصرى قلنا قولك أن الإنسان يجد من نفسه تعذر ذلك دعوى بل المعلوم فى نفسه صحة ذلك وأما إجراؤه هذا مجرى تعظيم زيد والاستخفاف به فذلك مفارق لما نحن فيه إلا ترى أنه يجوز أن نريد الحقيقة والمجاز بخطابين فى وقت واحد ولا يجوز أن يعظم زيد ويستخف به بفعلين فى وقت واحد وعلى أن الفرق بين الموضعين أن الاستخفاف ينبىء عن اتضاع حال ذلك الغير والتعظيم ينبىء عن ارتفاع حاله ومحال أن يكون الإنسان فى حالة واحدة مرتفع الحالة ومتضع الحال وأما فى مسألتنا فلا تنافى إلا ترى أنه يستقيم أن نقول أنهاك عن مسيس النساء.
(1/279)

ونريد به اللمس باليد والجماع وأما الذى قال من كأن للتشبيه وترك كاف التشبيه.
قلنا إذا قال الإنسان رأيت السباع وأراد به أنه رأى أسدا ورجالا شجعانا فإنه لا يمتنع أن يضمر كاف التشبيه فى بعضهم دون بعض ثم يدل على فساد مذهبهم من أصولهم كأنهم قالوا: لو حلف لا يضع قدمه فى الدار فدخل راكبا أو ماشيا حنث وقد تناول اللفظ الحقيقة والمجاز.
وكذلك قالوا: لو قال اليوم يدخل فلانا الدار فعبده حر فدخل ليلا أو نهارا حنث وقالوا: في السير الكبير لو أخذ الأمان لبنيه يدخل فيه بنوه وبنو بنيه وأن كان فى أول اليوم من النهار حقيقة والليل مجازا وفى الثانى البنون بنوه من صلبه حقيقة وبنو بنيه على وصف المجاز.
واعلم أنه قد ذكر بعضهم أنه لا يجوز هذا من جهة اللغة لأن أهل اللغة وضعوا قولهم حمارا للبهيمة وحدها وتجوزوا بها فى البليد وحده ولم يستعملوه فيهما معا إلا ترى أن الإنسان إذا قال رأيت حمارا لا يفهم منه البهيمة والبليد جميعا وإذا قال رأيت حمارين لا يفهم منه أربعة أشخاص بهيمتين وبليدين.
والجواب أنا ادعينا ذلك إذا انضم إلى ذلك عرف الاستعمال وإذا كان كذلك فلا يأباه العربى ولا غير العربى وعلى أنه إذا جاز فى الإرادة وأمكن العبارة عنهما بأى وجه كان فقد ثبت ما رتبناه.
(1/280)

فصل: ما يرجع إلى لغه العرب ووجوه استعمالها
...
فصل.
وحين وصلنا إلى هذا الموضع فنذكر ما يرجع إلى لغة العرب ووجوه استعمالها اعلم أن الألفاظ لا بد من الاعتناء بها لأن الشريعة عربية وقد نزل القرآن بلسان العرب وجاءت السنة بلسانهم وقد قال بعضهم أن القرآن يشتمل على ما ليس من لسان العرب وهذا ليس بشىء لأن الله تعالى قال: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} [يوسف: 2] وقال: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:195] وهذا يدل على أن كل القرآن عربى وأنه ليس فيه شىء من غير لسان العرب وأيضا لو كان فيه من غير لسان العرب لاختل أمر التحدى ولم يثبت الإعجاز لأنه يكون طريقا لهم فى أن يقولوا أن القرآن الذى جاء به يشتمل على لسان العرب وغير لسان العرب ونحن لا نعرف إلا لسان العرب فى بلدنا من قبل هذا فيؤدى هذا القول إلى نفى أمر الإعجاز.
(1/280)

وأما الألفاظ التى يذكرون أنها وردت فى القرآن ليست من لغة العرب وسموا ذلك فى مواضع فاعلم أنها من لسان العرب ولا نقول إنها ليست من لسانهم لكن يجوز أن يقع موافقة بين لغة ولغة وكلمات معدودة وهذا غير مستنكر ولا مستبدع وقد قيل أن مثال هذا ما يقال بالعربية للسما سماء بالسريانية سمسا ويقال فى العربية حياة وبالعبرانية حيا ويقال سروال بالعربية وبالعجمية شروال لما يلبس وقد ذكروا أشباها آخر كهذا وإذا ثبت ما ذكرناه أن الشريعة عربية فينبغى للمجتهد أن يعلم من لغة العرب ما يحتاج إليه ويعرف طريق استعمالهم ووجوه مخارج كلامهم من مثلها.
ثم اعلم أن الأصوليين اختلفوا فى مأخذ اللغات فذهب ذاهبون إلى أنها توقيف من الله عز وجل1 وصار صائرون إلى أنها ثبتت اصطلاحا تواطؤا2 والمختار أنه يجوز كل ذلك أما التوقيف فلا يحتاج إلى دليل فلا يجوزه وقد قال الله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31] فيجوز أن تكون الأسماء أو حيت ويجوز أن يثبت الله فى الصدور علوما بصيغ مخصوصة لمعانى فيبين للعقلاء الصيغ ومعانيها فيكون معنى التوقيف أن يلقوا وضع الصيغ على حكم الإرادة والاختيار.
وأما الدليل على تجويز وقوعها اصطلاحا أنه لا يبعد أن يحرك الله تعالى رأس العقلاء لذلك ويعلم بعضهم مراد بعض ثم ينشئون على اختيار منهم صيغا لتلك المعانى التى يريدونها إلا ترى أن الإنسان يولد له مولود فينشىء له اسما وكذلك يجوز أن يستحدث صيغة وآلة فيصيغ اسما ولآلتها اسما فدل أن التوقيف جائز والاصطلاح جائز والظاهر فى الأسامى هذه أن بعضها كان توقيفا من الله عز وجل على ما نطق به الكتاب وبعضها كان اصطلاحا وتوقيفا.
وإذا عرف هذا فنذكر بعد هذا مسألة معروفة فى الأصول يبنى عليها مسائل وهى مسألة جواز أخذ الأسماء من جهة القياس:
فنقول اختلف أصحابنا فى جواز أخذ الأسماء من جهة القياس فذكر الأكثرون من أصحابنا أن ذلك جائز وهو اختيار ابن سريج وقد دل عليه من مذهب الشافعى.
__________
1 ذكره الآمدي قول الأشعري وأهل الظاهر وجماعة من الفقهاء انظر إحاكم الأحكام للآمدي 1/105 المحصول 2/57, 58 روضة الناظر 151 البرهان 1/107.
2 ذكره الآمدي قول بهشمية وجماعة من المتكلمين إحاكم الأحكام للآمدي 1/106 المحصول 2/57, 58 روضة الناظر 151 البرهان 1/170.
(1/281)


قوله فى مسألة شفعة الجار وقال أن الشريك جار واستدل عليه بقوله امرأتك أقرب إليك أم شريكك فقياس الاسم معنى القرب واحتج فى الأمر باشتقاق اللفظ.
وذهب جماعة من أصحابنا إلى أن إثبات اللغة بالقياس لا يجوز وهو قول أصحاب أبى حنيفة وأكثر المتكلمين1 واحتج على ذلك وقال أن اللغة أما توقيف واصطلاح فلا معنى للرجوع إليه ببينة قوله ما من شىء إلا وله اسم فى اللغة توقيفا فلا يجوز أن يثبت له اسم آخر بالقياس كما إذا ثبت الحكم بالنص لم يجز أن نثبت له حكما آخر بالقياس.
والمعتمد لهم أن الخلاف فى الأسماء المشتقة والعرب تلتزم وجود الاشتقاق فإنهم سموا الدابة دابة لدبيبها ولم يسموا كل ما يدب دابة وسموا الجنين جنينا لاستتاره ولم يسموا كل مستتر جنينا وسموا المجن مجنا لأنه يستتر به الإنسان ولم يسموا كل ما يستتر به مجنا.
وأقرب من هذا أن الخمر ليس فى معنى اسمها الإطراب إنما هى من المخامرة والتخأمر والتخمير فلو ساغ الاستمساك بالاشتقاق لكان كل ما يخأمر العقل خمرا وأن لم يطرب الخمر يدل عليه أن العرب خالفوا بين المتشاكلين فى الاسم فسموا الفرس الأدهم أدهم وسموا الحرير الأسود أدهم وسموا الفرس الأبيض أشهب ولم يسموا الحمار الأبيض أشهب فدل عليه أنه لا مجال للقياس فى هذا.
قالوا: ولأنكم أن أثبتم هذه الأسماء لغة للعرب فلا يجوز أن تكون اللغة أسبق من الشرع ولتقدم اللغة خاطبنا الله تعالى بها فلا يجوز إثبات الأسماء فيها بأمور طويلة.
تنبيه أن الدليل بإثبات الأسامى قياسا أن كان يزعم أن العرب أرادت هذه الأسماء وأن لم يبوحوا بذلك فهو تحكم من غير تثبت ولا نقل فيما يزعمه وأن قال أن العرب لم تمنع بذلك فى مواضع يلحق ذلك بلسانهم وهذا محال لأن إلحاق شىء بالشاهد ليس من لسانهم لا يعرف وأما دلائل من جوز ذلك فى الأسماء المشتقة لأن الاسم الموضوع يبنى على ذلك الشىء فحسب والاسم المشتق يبنى على ذات الشىء وفعله وخاصيته والدليل على جواز تعليله أنه نقل عن الصحابة تعليل الأسماء قال عمر رضى الله عنه الخمر ما خأمر العقل وقال ابن عباس [رضى الله عنهما] 2 إشارة كل مخمر خمر.
__________
1 انظر إحكام الأحكام للآمدي 1/78 روضة الناظر 152 البرهان 1/172.
2 بياض بالأصل.
(1/282)

فالأول إشارة إلى التعليل بالشدة المضرة لأنها بشدتها والتصاقها يمازج السكر منها العقل وكذلك قول ابن عباس رضى الله عنهما إشارة إلى أنها تغطى العقل بالسكر كما يغطى الإناء بالغشاء.
ببينة: أن أهل اللغة جعلوا الأسماء على أقسام فجعلوا المشتقة أحد تلك الأقسام والاشتقاق بأنه القياس وربما استعاروا فى الأسماء الموضوعة واستخرجوا من ذلك أسامى وتصريحات فى مواضع من ذلك قولهم أشياء شد الرحيل إذا نوى وأسدته على كذا إذا شببه وقالوا: كلب أشياء وكلب الدهر علينا وسبع فلان فهذه اشتقاقات من اسم السبع والكلب والأسد.
قال الخطابى ومثل ذلك فى كلامهم كثير وقد استعمله النبي صلى الله عليه وسلم فى كلامه قال صلى الله عليه وسلم: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" 1 وقال صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه عز وجل: "أنا الرحمن وهى الرحم شققت لها من اسمى من وصلها وصلته ومن قطعها ثنيته" 2.
وقد أحدث فى الشرع أسماء لم تكن فى الجاهلية كالمنافق وإنما اشتق من نافقة السرجوح3 وكالفاسق يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وإذا ثبت أنهم وضعوا الأسماء وصرفوا الكلام تصريفات من جهة الاشتقاق ذلك أنهم جعلوا المشتق بمنزلة الفرع والمشتق منه بمنزلة الأصل والمعنى الذي اشتق لأجله بمنزلة العلة هذا الذى قلناه قدر الإمكان واعلم أن كلماتهم فى نفى إثبات الأسامى لغة العرب بالقياس قوى جدا فالأولى أن نقول يجوز إثبات الأسامى شرعا ولا يجوز إثباتها لغة وهذا هو الذى اختاره ابن سريج والدليل على جواز ذلك أنا نعلم أن الشريعة إنما سمت الصلاة صلاة لأجل صفة من الصفات متى اشتقت تلك الصفة عنها لم تسم صلاة ونعلم أيضا أن ما شاركها فى تلك الصفة تكون صلاة ونبين هذا بثبوت الأسماء الشرعية بالعلل وأن شئت قلت: أن الشريعة وسعت هذه الأسماء الشرعية مثل الصلاة الزكاة الحج وغير ذلك لاختصاصها بأحكام من الشريعة فإذا ثبت هذا الأمر لمعان جاز قياس كل محل وجد فيه ذلك المعنى وتسميته بذلك المعنى الاسم وعلى هذا خرجت الأسماء.
__________
1 أخرجه البخاري الإيمان 1/70 ح 11 ومسلم الإيمان 1/65 ح 64/40 والترمذي صفة القيامة 4/661 ح 2504.
2 أخرجه البخاري في الأدب 10/430, 431 الحديث 5988 5989.
3 السرجوج: أي االأحمق انظر القاموس المحيط 1/193.
(1/283)

اللغوية وأن لم يلزم ما ذكروه من تركهم اطراد معانى الأسماء فعلى هذا ثبت اسم الخمر للنبيذ شرعا ثم حرم بالآية وكذلك ثبت اللواط اسم الزنا شرعا ثم يجب الحد بالآية وثبت اسم السارق للنباش شرعا ثم يجب القطع بالآية والله أعلم.
(1/284)

فصل: فى ذكر وجوه المجاز وطرق استعماله.
اعلم أنا بينا أن الكلام ينقسم إلى الحقيقة والمجاز والصريح والكناية والمبين والمجمل والمفسر والمبهم والخصوص والعموم والمطلق والمقيد وقد بينا ذلك وهذه الوجوه كلها بلسان العرب وجاء الكتاب والسنة بها والبيان المطلوب متعلق بجميع ذلك وقد كنى الله تعالى عن النساء بالنعاج فقال تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً} [صّ: 23] وكنى عن الوطء بالإفضاء وكنى عن النساء بالحرث وكنى عنهن باللباس وكنى عن ما يخرج من الإنسان بالغائط وكنى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوطء بالعسيلة وكنى عن النساء بالقوارير وكنى عن قرب المشركين بلفظ النار وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تستضيئوا بنار المشركين" 1.
وقد قيل أن الكناية عند العرب أبلغ من الصريح فى معنى البراعة وأكثر أمثال العرب على مجاز من الكنايات ويقولون فلان عفيف الإزار طاهر الذيل وكنوا عن الاقتضاض بثقب اللؤلؤ وكنوا عن بنت الرجل بكريمته وعن الصغير بالريحانة وعن الأخت بالشقيقة وعن الأعمى بالمحجوب وعن الأبرص بالوضاح وعن الأسود الذى قد شاب رأسه بالغراب وعن البخيل بالمتقصد وكنوا عن البخيل بأنه جعد الأصابع وقالوا: فيمن اكتهل سدل الأدهم2 بالأبلق3 وقالوا: استبدل المسك بالكافور وأمثال هذا كثير.
واعلم أن المجاز على وجوه كثيرة ويذكر بعضها من ذلك تسمية الشىء باسم غيره4 إذا كان لسبب كتسميتهم البنت ندى لأنه من الندى يكون بما سموا النجم ندى لأنه عنه.
__________
1 أخرجه النسائي الزينة 8/154 باب لا تنقشوا على خواتيمكم عربيا وأحمد المسند 3/122 ح 11960.
2 الأدهم: الأسود القاموس المحيط 4/115.
3 الأبلق: الأبيض القاموس المحيط 3/214.
4 انظر المحصول 1/135.
(1/284)

ينعقد ومن هذا تسميتهم الوطء نكاحا لأن العقد الذى هو حقيقة النكاح سبب له فسمى باسم سببه كتسميتهم المطر سماء لأنه من السماء ينزل.
تقول العرب ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم وقال الشاعر
إذا سقط السماء بأرض قوم ... وأرض القوم ليس لهم حجاب
ومن هذا قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران:107] يعنى الجنة لأن دخولهم الجنة برحمته يكون.
ومن المجاز أيضا تسمية الشىء باسم ما يقارنه ويجاوزه قال امرؤ القيس.
إذا ما الثريا فى السماء تعرضت
وفى شعر زهير سمى عاقر الناقة أخا عاد وأراد ثمود لقرب ما بينهما وسموا أهداب العين أشفارا وإنما الأشفار مبيت أهداب العين وعبروا أيضا عن الجفن بالعين وبالمحاجر عن الوجه قال الشاعر.
هن الحرائر الأرباب لعمرى ... سود المحاجر لا يقرأن بالسور
وقال بعض أصحابنا أن الوجه يعبر به عن العين مجازا ومن هذا قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:23] معناه أعين يومئذ ناضرة ويعبرون عن الوجه بالناصية فيقولون فلان مبارك الناصية أى مبارك الوجه ومن المجاز تسميتهم الشىء باسم ما يؤول إليه1 قال الله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً} [يوسف: 36] وقال تعالى لهما يأكلون في بطونهم نارا ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم فى الذى يشرب فى آنية الذهب والفضة: "إنما يجرجر فى بطنه نار جنهم" 2.
ومن المجاز تسميتهم الشىء باسم مكانه قال الله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ} [قّ: 37] أى عقل فكنى عن العقل بالقلب لأنه مكان العقل ومن هذا قوله تعالى: {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ} [الحاقة:45] أى بالقوة لأن اليمين محل القوة ومن هذا أيضا تسميتهم قضاء الحاجة غائطا والشىء النجس عذرة ومن هذا تسمية الولد لهوا قال الله تعالى لو أردنا أن نتخذ لهوا أى ولدا لأنه وضع اللهو.
__________
1 انظر المحصول 1/134.
2 أخرجه البخاري الأشربة 10/98 ح 5634 ومسلم اللباس 3/1634 ح 1/2065 وابن ماجه الأشربة 2/113 ح 3413 ومالك في الموطأ صفة النبي صلى الله عليه وسلم 2/924 ح 11 وأحمد المسند 6/339 ح 26667.
(1/285)

ومن المجاز تسميتهم باسم بعض1 يقول القائل من على رأس كذا يريد نفسه وقال تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} النساء 3 أى ملككم ومن ذلك قوله فظلت أعناقهم لها خاضعين الشعراء 4 أى فظلوا ومن ذلك قوله عليه السلام: "على اليد ما أخذت حتى ترد" 2 وقد فرع مشايخنا على هذا مسألة إضافة الطلاق إلى اليد والرجل وقد بينا فى الخلافيات وعلى هذا الأصل تفريعات كثيرة.
ومن المجاز تسميتهم الشىء باسم الشىء على معنى التشبيه3 قال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: "هو سيف من سيوف الله عز وجل" 4 أى كالسيف فى إمضائه وركب فرسا لأبى طلحة فقال وجدناه بحرا شبهه به لسعة الجرى ومنه تسمية الشجاع أسدا والبليد حمارا والشرير كلبا.
ومن وجوه المجاز أيضا تسمية الشىء باسم ما يقابله5 مثل قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] سمى الثانى سيئة وأن كان جزاء السيئة حقيقة لأنه يقابله وكذلك قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] فسمى الثانى اعتداء لمكان المقابلة ومن المجاز تسمية الشىء باسم غيره إذا قام مقامه وسد مسده وقد ورد هذا فى الأشعار.
ومن المجاز حذفهم بعض الكلام على وجه لا يؤدى إلى الالتباس قال الله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] أى أهل القرية وقال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] أى وقت الحج أشهر معلومات.
ومن المجاز أيضا الاستعارة فإن العرب تستعير الشىء لنوع مقاربة بينهما قال الله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] .
__________
1 انظر المحصول 1/136.
2 أخرجه أبو داود البيوع 3/294 ح 3561 والترمذي البيوع 3/557 ح 1266 وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه الصدقات 2/802 ح 2400 وأحمد المسند 5/12 ح 20109 انظر نصب الراية 4/167.
3 انظر المحصول 1/135.
4 أخرجه البخاري فضائل الصحابة 7/126 ح 3757 ومسلم الزكاة 2/743 ح 135/1064 ولفظ الحديث عند البخاري والترمذي المناقب 5/688 ح 3846 وأحمد المسند 4/112 ح 16829.
5 انظر المحصول 1/134.
(1/286)

فالاستعارة فى لفظ الخيط ومن الاستعارة قوله تعالى: {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً} [مريم: 4] وإنما الاشتعال للنار ومن ذلك أيضا قوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاسراء: 24] فاستعار اسم الجناح وهو العلو المعروف وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "رجل أخذ بعنان فرسه كلما سمع ضيعته طار إليها" 1 أى أسرع إليها فاستعار اسم الطير للإسراع.
ومن المجاز المعروف قوله تعالى: {جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77] أى قارب وأشرف قال الشاعر:
إن دهرا يلف شملا بشملى ... لزمان قد هم بالإحسان
ووجوه المجاز كثيرة فاقتصرنا على ذكر بعضها وتركنا الباقى لئلا يطول.
واعلم أنه قد ذكر أبو زيد ومن نظر طريقته فصلا فى الحقيقة والمجاز لا بد من ذكره لأنه يتعلق بذلك أصل كبير فى مسائل الخلاف الذى بينهم وبيننا قال أبو زيد فى تقويم الأدلة أنواع استعمال الكلام أربعة حقيقة ومجاز وصريح وكناية.
أما الحقيقة كل كلام أريد به ما وضع واضع اللغة الكلام له.
والمجاز كل كلام أريد به غير ما وضع واضع اللغة الكلام به يقال حبك لى مجازا أى هو باللسان لا بالقلب الذى هو معدنه وهذا الوعد منك مجاز لأنه لم يرد به التحقيق قال وقد ظهر المجاز ظهورا عظيما فى كتاب الله عز وجل ورسائل الكتبة وأشعار العرب حتى كاد يغلب على الحقيقة وجودا واستحسانا وبه توسعت اللسان وصلحت ثم قال فالحقيقة تبقى ولا يوقف عليه إلا بالنقل عن واضع اللغة كالنصوص فى باب الشرع وأما المجاز فلا حاجة بنا إلى سماعه ثبت لغه فلا يعتبر فيه السماع بل يعتبر المعنى الذى اعتبره أهل اللغة فإذا تكلم على ذلك المعنى صح والمجاز آت والاستعارات أمر شائع بين الخطباء والكتبة والشعراء حتى استحق الواحد منهم المدح بإبداع اللغة فإذا تكلم بالاستعارات والتعريضات دل أنه ليس بسمعى قال ومن الناس من ظن أن المجاز لا عموم له وهو غلط لأن ما أمكن اعتبار العموم فيه يعتبر ولأن الاستعارة تقم المستعار من اللفظ مقام الحقيقة لذلك المسمى الذى استعير له ولولا هذا لكان المتكلم به مخلا بالغرض وكان لا يحسن به المتكلم فلما كان المستعار أحسن من.
__________
1 أخرجه مسلم الإمارة 3/1503 ح 125/1889 وابن ماجه الفتن 2/1316 ح 3977.
(1/287)

الحقيقة دل أنه مثله فى البيان أو أكثر.
قال ويتبين مما قلنا أن اللفظ الواحد لا يشتمل على الحقيقة والمجاز لأنهما مختلفان لا يجتمعان كالثوب الواحد لا يجوز أن يكون عارية وملكا قال ولهذا لم يجعل علماؤنا المس حدثا لأن الجماع مراد بقوله: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43] فبطل أن يكون الحقيقة مرادا وكذلك قال علماؤنا أن النص المتناول لتحريم الخمر لا يتناول سائر الأشربة لأن الاسم الذى من العنب إذا غلا واشتد حقيقة ولغيره مجاز لاتصال بمعنى مخامرة العقل فلا يدخلان جميعا تحت هذا الكلام وهذا كلام أبى زيد وخرج على هذا سائل له وذكر غيره ممن ينظر طريقته من جملة العصريين وهو أن المعنى الذى اعتبره أهل اللغة فى المجاز هو أن يكون بين المستعار منه والمستعار اشتراك فى المعنى وذلك المعنى فى المستعار منه أبلغ وأبين هكذا قاله أهل اللغة فيما زعمه وحكاه على بن عيسى الريانى صاحب التفسير قال وإنما شرطنا هذا لأن ترك الحقيقة مع القدرة على الاستعمال لها والميل إلى المجاز وفيه نوع إيهام وتلبيس لا يجوز إلا لفائدة لا تجوز إلا فى الحقيقة وذلك ما بينا وهو أن يكون فيه زيادة بيان لا توجد فى الحقيقة قال وهذا مثل قوله فاصدع بما تؤمر ومعناه امتثل بما تؤمر فقد استعار قوله فاصدع فى مكان قوله امتثل والصدع هو الشق والصدع بمعنى الشق مستعار منه والامتثال مستعار له وقوله فاصدع مستعار والمعنى المشترك بين الشق هو التأثير فإن الشق له أثر فى الشقوق والامتثال له أثر فى المأمور به إلا أن تأثير الشق فى المشقوق أبين من تأثير الامتثال فى الشق وكأن فى المجاز زيادة بيان فإن طلب الامتثال بقوله فاصدع بما تؤمر أبلغ من طلب الامتثال بقوله فائتمر وكذلك يقال فى بنى آدم أسد لاشتراكهما فى المعنى وهو الشرط فيه وهذا المعنى فى الأسد أبلغ لأنه أشجع الحيوانات وكذلك أيضا استعارة اسم الحمار فى البليد وزعم على هذا أنه لا يجوز أن يجعل لفظ الطلاق كناية ومجازا عن العتق لأن هذا الشرط لا يجوز أن يوجد فى هذه الصورة لأن العتق أبلغ فى الإزالة والطلاق دونه1 وأما لفظ الهبة أو التمليك يجوز أن يجعل مجازا فى النكاح2 لأن.
__________
1 في هذه المسألة قولان للعلماء: الأول: وهو رواية عن أحمد لا تعتق وهو قول أبي حنيفة والقول الثاني: تعتق به الأمة إذا نوى العتق وهو قول مالك والشافعي انظر المغني 12/237.
2 وهذا قول الثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأبو عبيد وجاود انظر المغني 7/429.
(1/288)

لفظ الهبة والتمليك لإثبات الملك أبلغ من لفظ النكاح إلا ترى أنه يفيد من التمليك ما لا يفيده لفظ النكاح قالوا: ولهذا قلنا فى قوله لعبده وهو أكبر سنا منه هذا ابنى أنه يعتق ويصير قوله هذا ابنى مجازا عن العتق لاشتراكهما فى المعنى فإن كل واحد من اللفظين يوجب حرية العبد وقوله هذا ابنى أبلغ فى إفادة الحرية لأنه يوجب الحرية قبل قوله بزمان كثير لأنه يولد حرا لو ثبت ما قال وقوله أنت حر يوجب الحرية فى الحال وكان المعنى فى المستعار منه أبلغ منه فى المستعار لذلك وصحت الاستعارة قال وإنما استعملنا على جهته المجاز لأن المجاز أحد فسمى الكلام استعمالا على ما مر إلا أن الحقيقة ما سبقهما ثبوتا فإذا تعذرت الحقيقة بصرفه دلالة تعين المجاز مرادا وحمل الكلام عليه وهذا الذى ذكره لا يعرف فى استعمال المجاز ولم يذكر فى كتاب من كتب اللغة وإنما الاستعارة فى الكلام ضرب من التوسع وليظهر براعة المتكلم وحسن تصرفه في الكلام واقتداره عليه وليس لأن الاستعارة أفادت معنى زائدا على ما يفيده حقيقة الكلام إلا ترى أنهم تكلموا بالصريح والكناية وقد استكثروا من الكناية على حسب ما استكثروا من الاستعارة ومعلوم أن الكناية لا تفيد زيادة على ما يفيده الصريح ولا يقال أنهم لما تركوا الصريح مع قدرتهم عليه وجب أن يكون تركهم الصريح إلى الكناية لنوع فائدة لا توجد فيه بل قيل أنه ضرب من التوسع فى الكلام ونوع من البراعة واللمس واقتدار على تصاريف الكلام وفنونه والدليل على أن ما قالوه ليس بشرط أنهم استعاروا لفظ المس للوطء ولفظ القربان للدخول ونحن نعلم قطعا أنه ليس فيه زيادة على ما يفيده لفظ الجماع بل للفظ الجماع والوطء وصريح لفظ النيل من الزيادة على هذه الألفاظ وكذلك لفظ الخيط الأبيض والأسود استعير لضوء النهار وسواد الليل وليس لمعناه زيادة على معنى الضوء والظلام إلا أنا مع هذا كله لا ننكر أن يتفق مثل ما قالوه اتفاقا فإما أن يكون ذلك من شرطه فلا وأما قولهم أنه يقال للشجاع أسد وللبليد حمار وللشرير كلب والمعنى الذى استعير لأجله هذه الأسامى أبلغ فى هذه المعانى قلنا فى هذه الصورة قدر كاف التشبيه فكأنه قيل شجاع كالأسد وللبليد كالحمار أو شرير كالكلب وإنما يشبه الشىء بالشىء فى المعنى إذا كان المشبه به أبلغ فى ذلك المعنى فأما الاستعارة باب آخر وقد ذكرنا أن ما ظاهره ليس بشرط بوجه عام وأما الذى قالوه فى أول الفصل أن الكلام لا يجوز أن يراد به الحقيقة والمجاز وقد بينا وجه صحة ذلك وذكرنا من أصولهم ما ينقض أصلهم الذى زعموه وأما استعمال لفظ.
(1/289)

الهبة والبيع فى عقد النكاح فلا يجوز لأن الاشتراك فى المعنى لم يوجد وكذلك السببية التى يدعونها لم توجد أيضا لأن ملك المتعة نكاحا غير ملك المتعة يمينا ويظهر ذلك بأحكامها فعلى هذا لا تكون الهبة والبيع سببا لملك المتعة الذى ثبتت بعقد النكاح بوجه ما وأما لفظ الطلاق فقد بينا صلاحيته كناية ومجازا عن لفظ العتاق وأما إذا قال لغلامه وهو أكبر سنا منه هذا ابنى فإنما لم يصح عندنا مجازا عن العتق لأن اللفظ إنما يصلح مجازا إذا كان له حقيقة وهذا اللفظ فى هذا المحل لا حقيقة له لأنه لغو وهذا باب الكلام وأن قلتم أن النسب فى الجملة يوجب العتق فإنما يوجب فى محل يتصور فيه النسب فأما فى محل لا يتصور فيه النسب فلا يوجب العتق وإذا لم يوجب العتق لم يمكن استعمال اللفظ مجازا فى هذا المحل نعم يجوز هذا المجاز فى معروف النسب لأن النسب فيه متصور فإن لم يثبت كان مجازا عن العتق فأما فى هذه المسألة فبعيد جدا.
أيضا قد بينا وجوه الكلام بقدر ما ذكر فى أصول الفقه والبيان يتعلق بجميعها فنعود الآن إلى ذكر المجمل وما يقع به بيانه وما ألحق بالمجمل وليس منه فنقول قد ذكرنا حد المجمل وحد المبين وقد قيل أن المجمل ما لا يستعمل بنفسه فى معرفة المراد به وقيل أيضا أنه الكلام المبهم الذى لا يطاوع التقييد أولا ببيان ولا يفهم منه المراد بنفسه حتى فضائه تعين كشف هذه.
وقد قال الأصحاب أن المجمل على أوجه1.
منها أن يكون اللفظ لم يوضع للدلالة على شىء بعينه2.
كقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] .
كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإن قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل" 3 فإن الحق يشتمل على أشياء كثيرة وهو فى هذا الموضع مجهول لا يعرف ولا بد فيه من بيان يتصل به.
__________
1 أي أقسام المجمل.
2 انظر نهاية السول 2/508 إحكام الأحكام للآمدي 3/9, 10 المحصول 1/464 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 2/5.
3 أخرجه البخاري الإيمان 1/94, 95 ح 25 ومسلم الإيمان 1/52 ح 34/21.
(1/290)

ومنها أن يكون اللفظ فى الوضع مشتركا بين شيئين كالقرء يقع على الحيض والطهر فيفتقر إلى البيان1.
ومنها أن يكون اللفظ موضوعا لجملة معلومة إلا أن دخلها شيئا مجهول كقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 1] فإنه قد صار مجملا ما دخله من الاستثناء وفى هذا المعنى العموم الذى علم أنه مخصوص ولم يعلم ما خص منه ومنها أيضا أن يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلا يحتمل وجهين احتمالا واحدا مثل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين2 فى السفر فهو محتمل لأن السفر يحتمل الطويل والقصير فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل وكذلك ما روى أن رجلا أفطر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة3 وهذا مجمل لأنه يجوز أنه أفطر بجماع ويجوز أنه أفطر بالأكل ولا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر لا بدليل فهذه الوجوه لا يختلف المذهب فى إجمالها لافتقارها إلى البيان واختلف المذهب فى ألفاظ فمنها قول الله عز وجل: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة: 275] فعلى حد قول الإمام الشافعى رحمه الله هو مجمل لأن الله تعالى أحل البيع وحرم الربا والربا هو الزيادة وما من بيع إلا وفيه زيادة فافتقر إلى بيان ما يحل وبيان ما يحرم وعلى القول الثانى ليس بمجمل وهو الأصح لأن البيع معقول فى اللغة فحمل اللفظ على العموم إلا ما خصه الدليل ومنها الآيات التى ذكر فيها الأسماء الشرعية وهى قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97] فمن أصحابنا من قال هذه الآيات عامة غير مجملة فتحمل الصلاة على كل دعاء والصوم على كل إمساك والحج على كل قصد إلا ما قام الدليل عليه ومن أصحابنا من قال هى مجملة لأن المراد بها معان لا يدل اللفظ عليها فى اللغة وإنما تعرف من جهة الشرع فافتقر إلى البيان مثل قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] وهذا هو.
__________
1 نهاية السول 2/508 إحكام الأحكام للآمدي 3/11 المحصول 1/464 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3,5.
2 أخرجه البخاري تقصير الصلاة 2/675 ح 1107 ومسلم المسافرين 1/488 ح 42/703.
3 أخرجه مسلم الصيام 2/782 ح 83/1111 وأبو داود الصوم 2/324.
(1/291)

الأصح لأنا بينا هذه الأسماء منقولة من اللغة إلى الشريعة ومنها الألفاظ التى علق التحليل والتحريم فيها على البيان كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23] فقال بعض أصحابنا إنها مجملة لأن العين لا توصف بالتحليل ولا بالتحريم وإنما الذى يوصف بذلك أفعالنا وأفعالنا غير مذكورة فافتقر إلى بيان ما يحرم من الأفعال وما لا يحرم ومنهم من قال إنها ليست مجملة1 وهو الأصح لأن التحريم والتحليل فى مثل هذا إذا [....] الأفعال مقصورة فى هذه الأيمان ولا يراد أنه إذا قال لغيره هذا الطعام عقل منه تحريم الأكل وكذلك إذا قال حرمت عليك هذا الشراب يعقل منه الشراب فصار المراد معقولا من هذا اللفظ وما عقل من اللفظ لا يكون مجملا فصار هذا الطريق أولى من الأول.
ومنها الألفاظ التى تتضمن النفى والإثبات كقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" 2 وكقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلى بولى" 3 وكقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" 4 وكقوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام لمن لا يبيت الصيام من الليل" 5 وما شبه هذا.
فقد زعم بعض أصحاب أبى حنيفة أن هذا مجمل لأن الذى نفاه هو العمل أو النكاح أو الصلاة وهذه الأشياء موجودة لا يمكن نفيها فيكون المراد بالنفى نفى صفة غير مذكورة فافتقر إلى بيان تلك الصفة وقال الكرخى وأبو عبد الله البصرى إذا لم يكن المراد به نفى صوة الصلاة والصوم كان المراد بذلك نفى الحكم شرعا فيجوز أنه أراد به نفى حكم الجواز ويجوز أنه أراد به نفى الفضيلة فلا يمكن الحمل عليها جميعا لأن نفى الفضيلة من ضرورته وجود الجواز ولأنه مضمر ودعوى العموم فى المضمر لا يجوز وإذا لم يصح دعوى العموم وجب التوقف إلى أن يعلم المراد وأما أصحابنا فقد زعموا أن هذه الألفاظ ليست مجملة وهو الأصح6 لأن صاحب الشرع لا يثبت ولا.
__________
1 انظر المحصول 1/466 إحكام الأحكام 3/14 نهاية السول 2/519, 520.
2 أخرجه البخاري بدء الوحي 1/15 ح 1 مسلم الإمارة 3/1515 ح 155/1907.
3 أخرجه أبو داود النكاح 2/236 ح 2085 والترمذي النكاح ح 82/ 398 ح 1101 وابن ماجه النكاح 1/605 ح 1881 والدارمي النكاح 1/184 ح 82/2 وأحمد المسند 4/481 ح 19537.
4 أخرجه البخاري الأذان 2/276 ح 756 ومسلم الصلاة 1/295 ح 34/394.
5 تقدم تخريجه.
6 انظر نهاية السول 2/514, 515 المحصول 1/468 إحكام الأحكام للآمدي 3/20, 21 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3/7, 8.
(1/292)

ينفى المشاهدات وإنما يثبت وينفى الشرعيات فكأنه صلى الله عليه وسلم قال لا عمل فى الشرع إلا بالنية ولا نكاح فى الشرع إلا بولى وذلك معقول من اللفظ فلا يجوز أن يكون مجملا.
وزعم جماعة من أصحاب أبى حنيفة أن قوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه مجمل لأن ظاهر اللفظ رفع الخطأ والنسيان والإكراه وهذه الأشياء موجودة قطعا فيجب أن يكون المراد منه معنى غير مذكور فافتقر إلى البيان.
وأما عندنا فالأصح أنه ليس مجمل لأن معقول المعنى فى الاستعمال1 ويمكن أن يقال أنه معقول المعنى لعلة أيضا لأن المراد من مثل هذا اللفظ رفع المؤأخذة ألا ترى أنه إذا قال لعبد رفعت عنك جنايتك عقل منه رفع المؤأخذة ورفع كل ما يتعلق بهذه الأفعال من التبعات وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبى رمثة وابنه حين قدما عليه: " أما أنه لا يجنى عليك ولا تجنى عليه" 2 وليس المراد منه رفع صورة الجناية ولكن المراد منه نفى المؤأخذة فإن معناه لا تؤخذ بجنايته ولا يؤخذ بجنايتك وزعم بعض أصحاب أبى حنيفة أيضا فى قوله عز وجل: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] فقوله أيديهما مجمل لأنه يجوز أن يقال أنه أراد من المنكب ويجوز أنه أراد من المرفق ويجوز أنه أراد من الزند لأن الجميع تناوله باسم قطع اليد ويقال أيضا إذا برى القلم وجرح شيئا من أصابعه قطع فلان يده.
وقيل فى قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 31] أنه أراد بذلك خدش اليدين لا القطع حقيقة.
والصحيح أن الآية ليست بمجملة بل هى عامة وحملها على القطع من المنكب صحيح لو لم ترد السنة بالقصر على الزند فقد خص ذلك بدليل دل عليه وقال دليل على التخصيص لا يخرج اللفظ من عمومه.
__________
1 انظر إحاكم الأحكام للآمدي 3/18, 19 المحصول 1/472 نهاية السول 2/518.
2 أخرجه أبو داود الديات 4/167 ح 4495 والنسائي القسامة 8/47 باب هل يؤخذ أحد بجريرة غيره؟ وأحمد المسند 4/202 ح 17505.
3 إحاكم الأحكام للآمدي 3/23 المحصول 1/471 نهاية السول 2/522 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3/11.
(1/293)

فصل فيما يقع به بيان المجمل.
اعلم أن بيان المجمل يقع من ستة أوجه.
أحدها بالقول وهو أكبرها وأوكدها كبيان نصيب الزكوات وكقوله صلى الله عليه وسلم: "لا قطع فى كثر" وكقوله: "القطع فى ربع دينار فصاعدا".
والوجه الثانى بالفعل مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتمونى أصلى" وكقوله صلى الله عليه وسلم فى الحج: "خذوا عنى مناسككم".
والوجه الثالث بيانه بالكتاب كبيانه لأسنان الديات وكذلك ديات أعضاء البدن بالكتاب وكذلك الزكوات وكذلك ما بين بما كتب إلى عماله من الأحكام ومن دعاء الملوك إلى الإسلام.
والوجه الرابع بيانه بالإشارة مثل قوله صلى الله عليه وسلم الشهر هكذا وهكذا وهكذا يعنى ثلاثين يوما ثم أعاد الإشارة بأصابعه ثلاث مرات وحبس إبهامه فى الثالثة يكون تسعة وعشرون يوما.
والوجه الخامس بيانه بالتفسير وهو المعانى والعلل التى نبه بها على بيان الأحكام كقوله صلى الله عليه وسلم فى بيع الرطب بالتمر أينقص إذا يبس وكقوله صلى الله عليه وسلم فى قبلة الصائم: "أرأيت لو تمضمضت".
والوجه السادس اختص العلماء ببيانه عن اجتهادهم وهو ما قدمت فيه الوجوه الخمسة إذا كان الاجتهاد موصلا إليه من أحد وجهين أما من أصل يعتبر هذا الفرع به وأما من طريق أمارة يدل عليه1.
فهذه وجوه البيان والله أعلم.
__________
1 انظر المحصول 1/473, 474 إحكام الأحكام 3/34, 35 نهاية السول 2/525, 526, 527 روضة الناظر 163 المعتمد 1/311 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3/16, 17.
(1/294)

فصل: وقت البيان
...
فصل: وأما الكلام فى وقت البيان.
اعلم أن لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل ولا اختلاف أيضا أنه يجوز تأخير البيان إلى وقت الفعل لأن المكلف قد يؤخر النظر وقد يخطىء إذا نظر فهذان الضربان متفق عليهما لا اختلاف بين أهل العلم فيهما.
وإنما اختلفوا فى تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة إلى الفعل فى بيان المجمل وتخصيص العموم ولهذا قال من أصحاب الشافعى أبو العباس بن سريج وأبو سعيد الإصطخرى وأبو على بن أبى هريرة وأبو على بن خيران وطائفة من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أبى الحسن الأشعرى واختيار القاضى أبو بكر.
والمذهب الثانى: أنه لا يجوز تأخيره عن وقت الخطاب فى بيان المجمل وتخصيص العموم وبه قال من أصحاب الشافعى أبو إسحاق المروزى وأبو بكر الصيرفى والقاضى أبو حامد ومذهب طائفة من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أكثر المعتزلة.
والمذهب الثالث: أنه يجوز تأخير بيان المجمل ولا يجوز تأخير تخصيص العموم وهذا قول أبى الحسن الكرخى وهو اختيار أبى الحسين البصرى صاحب المعتمد وبهذا قال أصحاب الشافعى.
والمذهب الرابع: أنه يجوز تأخير تخصيص العموم ولا يجوز تأخير بيان المجمل وبهذا قال بعض أصحاب الشافعى رحمه الله.
والمذهب الخامس أنه يجوز تأخير بيان الأوامر والنواهى ولا يجوز تأخير بيان الأخبار1 حكاه الماوردى عن الكرخى وبعض المعتزلة وعندى أن مذهب الكرخى هو ما قدمنا من قبل قال الماوردى ولم يقل بهذا القول أحد من أصحاب الشافعى رحمة الله عليه.
مسألة: واعلم أن الذى ننصره جواز التأخير فى الكل وهو المذهب الأول خلافا لما ذهب إليه طائفة من أصحاب أبى حنيفة وأكثر المعتزلة ونصره عبد الجبار الهمذانى فى العمد وحكاه عن أبى على وأبى هاشم رجلى رجال المعتزلة من المتأخرين.
__________
1 انظر المحصول 1/477 نهاية السول 2/531, 532, 533 إحكام الأحكام للآمدي 3/41, 42, 43 المعتمد 1/315 روضة الناظر 164 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3/20.
(1/295)

قال أبو زيد فى أصوله بعد أن جعل البيان أربعة أقسام أن بيان المجمل إذا لم يكن تبديلا ولا تغييرا يجوز مقارنا وطارئا وذكر أن بيان الاستثناء بيان تغيير ولا يجوز طارئا بحال ثم ذكر أن الخلاف بيننا وبين الشافعى فى بيان الخصوص فعندنا هو من قبيل بيان الاستثناء فلا يجوز إلا مقارنا وعند الشافعى هو من قبيل بيان المجمل فيصح مقارنا وطارئا قال ولهذا قال علماؤنا إذا قال أوصيت لفلان بهذا الخاتم ولهذا بفصه بكلام متصل فالفص كله لصاحب الفص ويكون تخصيصه بيانا كالاستثناء ولو فصل وقال وأوصيت لهذا بفصه كان الفص بين الأول والثانى ولا يصير بيانا عند الفصل قال وأما بيان المجمل منفصلا جائز إلا ترى أن أصحابنا قالوا: فيمن أقر لفلان على شىء يكون البيان إليه متصلا ومنفصلا وهو تفسير منهم قالوا: لذلك إذا قال لامرأته أنت بائن فالبيان إليه ويجوز متصلا ومنفصلا وذكر مسائل سوى ما ذكرنا واحتج من أثبت تأخير بيان المجمل بقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] وقال لا يخلو أما أن يكون أراد منها الاعتداد بالطهر أن شاءت أو بالحيض أن شاءت أو أراد منها الاعتداد بواحد منهما بعينه وأى الأمرين أراده فقد أراد منهما ما لا سبيل إلى فهمه من اللفظ لأن اللفظ لا يجنى عن التخير ولا عن واحد منهما بعينه وأن قلتم أنه لم يرد منها شيئا فهو محال ولم يقل به أحد.
وقالوا: أيضا لو حسن الخطاب المجمل من غير بيان فى الحال لحسن خطاب العربى بالزنجية مع القدرة على مخاطبته بالعربية وكذلك مخاطبة الزنجى بالعربية فيخاطب ثم لا يبين فى الحال وحين قبح ذلك فليقبح هاهنا أيضا لأنه لا يعرف السامع مراد المخاطب بكلامه فإن قلتم لم يحسن مخاطبة العربى بالزنجية لأن العربى لا يعرف بكلام الزنج شيئا ويعرف بكلام المجمل شيئا وهو أن المتكلم أراد بخطابه إيجاب شىء عليه أو نهيه عن شىء فى الاسم المشترك يعلم أن المتكلم أراد بخطابه أخذ معنى الاسم المشترك قالوا: هذا لا يصح لأنه لا يخلو لنا أن يعتبروا فى حسن الخطاب العلم بكل المراد ويعتبروا العلم ببعض المراد فإن اعتبرتم المعرفة بنقد المراد لزمكم أن لا يجوز تأخير بيان المجمل لأنه لا يمكن مع فقد معرفة كمال المراد وأن اعتبرتم المعرفة ببعض المراد لزمكم حسن المخاطبة العربى بالزنجية لأن العربى إذا عرف بحكمه الزنجى المخاطب له علم أن أراد بخطابه له شيئا أما الأمر وأما النهى وأما غيرهما فهذا دليلهم المعتمد.
وقال بعضهم أن المجمل مع البيان بمنزلة الشىء الواحد مثل المبتدأ مع خبره ثم لا.
(1/296)

يجوز فصل المبتدأ من خبره مثل أن يقول زيد ثم يقول بعد مدة قائم كذلك هاهنا لا يجوز أيضا تأخير البيان عن المبين قالوا: وأما تأخير بيان النسخ فنسلم أنه يجوز ولكن للفصل بينهما أن تأخير بيان النسخ لا يخل بالمعرفة بصفة العبادة فلم يمكن أداؤها وأيضا فإن النسخ بيان مدة الحكم وحقيقته سقوط الأمر عنه عند وجود مدة ينتهى إليها والخطاب المطلق يعلم قطعا أن حكمه يرتفع عنه لعلمنا بانقطاع التكليف وليس كذلك العموم لأنا لا نعلم خصوصه بإطلاقه وكذلك المجمل لا نعلم بيانه بإطلاقه.
وأما الذين منعوا تأخير بيان العموم وتأخير المجمل فقد قالوا: بهذا المذهب فى كل كلام له ظاهر وذكروا أنه لا يجوز تأخير بيانه.
واستدلوا فى ذلك وقالوا: أن بيان العموم خطاب لنا فى الحال بالإجماع ولا يخلو المخاطب أما أن يقصد أنها منا فى الحال أو لا يقصد ذلك فإن لم يقصد أنها منا بطل كونه مخاطبا لنا ونحن نعلم أنه باللفظ العام قصد اتهامنا وأنه لو لم يقصد اتهامنا كان عبثا لأن الفائدة فى الخطاب إفهام المخاطب ولأنه لو جاز لا يقصد إفهام المخاطب بالخطاب لجازت مخاطبة العربى بالزنجية وهو لا يحسنها إذا كان غير واجب إفهام المخاطب على زعمكم وليس من هذا الخطاب إلا ترك إفهام المخاطب وأن كان أراد اتهامنا فى الحال فلا يخلو أما أن يريد أن يفهم مراده على ظاهر اللفظ وعلى غير ظاهر اللفظ فإن أراد منا أن نفهم على ظاهر اللفظ فلفظه فظاهره العموم وهو مخصوص عنده فقد أراد منا اعتقاد غير الحق وأن أراد منا أن نفهم على غير ظاهره وهو بعد لم ينصب دليلا على تخصيصه فقد أراد منا أن من ما لا سبيل إليه فيكون تكليف لنا كما ليس فى وسعنا وطاقتنا وهذا باطل قالوا: فعلى هذا لا بد أن يبين لنا الخصوص متصلا بالعموم أو يشعر بالخصوص وكذلك النسخ لا بد أن يشعر بالنسخ وهذا لأن الخطاب مع هذا الإشعار يصير مفيدا فى الجملة ولا يكون إغراء باعتقاد غير الحق قالوا: والإشعار بالتخصيص أن يقول: اعلموا أن هذا العموم مخصص لا يبين ما الخارج عن العموم أو يقول: جوزوا خصوصه حتى أبينه وقال صاحب هذه الطريقة يجوز تأخير بيان المجمل لأن المجمل لا ظاهر له فلا ينكر الإجمال ثم تأخير البيان لأنه لا يجوز من الحكيم أن يفيد غير مراده على الجملة كما يجوز أن يفيد مراده على التفصيل إلا ترى أن زيدا قد يعلم أن فى الدار عمرا بعينه فيكون له غرض أن يعرفه أن فى الدار عمرا ويكون له غرض أن يعلم خالدا أن فى الدار عمرا ويكون له غرض أن يعرفه أن فى
(1/297)

الدار رجلا ويكره أن يعرفه أنه عمرو فيقول: أن فى الدار رجلا ولا يبين له أنه عمرو ولغرض له كذلك فى المجمل يكون الأمر هكذا وهو أن يريد المخاطب أن يعلم المخاطب أن عليه حقا فى الجملة ولا يبين فى الحال لمعنى له ثم يبين ذلك فى ثانى الحال فهذا معتمد هؤلاء الطائفة
وأما أبو زيد فقال فى هذا الفصل أن لفظ العموم للعموم والاستيعاب على سبيل القطع بلا احتمال خصوص كالألف اسم للعدد لكن ذلك العدد على سبيل القطع بلا احتمال لغيره فيكون التخصيص رفعا للحكم عن بعضه بعد ثبوته كما فى الألف إذا استثنى منها شىء فيكون بيان تعيين مثل الاستثناء ولا يجوز الاستثناء إلا متصلا باللفظ كذلك هذا البيان هذا كله وأما دليلنا فيدل أولا على وجود بيان تأخير المجمل والعموم فى الشرع ويتعلق أولا بقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 18, 19] وكلمة ثم للتراخى وقال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الانبياء:98] وكان المراد بذلك الأصنام دون عيسى والملائكة عليهم السلام وإنما بين ذلك ببيان التراخى فإن من المزهر الشاعر خاصم فى ذلك على ما ورد فى القصة المعروفة وقال أن دخلها عيسى والملائكة فنحن ندخل أيضا فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الانبياء:101] وهم يقولون على هذا الدليل أن الملائكة وعيسى لم يكونوا دخلوا تحت الآية لأنه تعالى قال: {وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وما لا يعقل ومن لم يعقل وقد كانت الكفرة متعنتين معارضتهم فيمكن أن يقال أن الاحتجاج صحيح ولو كان الأمر كما قالوا: لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يسكت حتى نزل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} وتعلق الأصحاب أيضا بقوله تعالى مخبرا عن الملائكة أنهم قالوا: {إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ} [العنكبوت: 31] والمراد غير لوط وأهله وتأخير البيان إلى أن قال إبراهيم عليه السلام: {إِنَّ فِيهَا لُوطاً} [العنكبوت: 32] قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله قال الله تعالى لنوح عليه السلام: {احْمِلْ فِيهَا} [هود: 40] يعنى فى السفينة من كل زوجين اثنين وأهلك والمراد غير ابنه وتآخر إلى أن قال نوح: {رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود: 45] وقال الله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] وهم يقولون على هذا أن البيان كان معروفا بالخطاب لأن الله تعالى قال: {إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} [العنكبوت: 31] وهذا اللفظ يخرج لوطا ومن أسلم معه من الخطاب وقد قال تعالى فى.
(1/298)

موضع آخر مخبرا عن الملائكة: {إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ*إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا امْرَأَتَهُ} [الحجر: 58, 60] وكذلك قالوا: فى قصة نوح أن البيان كان مقرونا لأن الله تعالى: {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} والجواب عن السؤال ممكن بمراجعة إبراهيم ونوح عليهما السلام ولو كان البيان مقرونا لم يكن لمراجعتهما وجزائهما عن ذلك معنى وتعلق الأصحاب بقوله تعالى فى خمس الغنائم: {وَلِذِي الْقُرْبَى} [الأنفال: 41] تآخر البيان فى إخراج بنى عبد شمس وبنى نوفل إلى أن سأل عثمان بن عفان رضى الله عنه وجبير بن مطعم عن ذلك وهم يقولون على هذا أن آية القربى لا عموم لها لأن القربى تحتمل ضروب قرب وضروب قرابات بنفسه وبأبيه وجده وجد جده إلى آدم عليه السلام فلم يمكن تعميمها وكل لفظ لا يمكن إثبات عمومه يجب التوقف فيصبح البيان فيه متراخيا وهذا ضعيف لأن القرن معلوم يعرف الاستعمال ولم يكن يخفى عليهم وإنما خفى على هؤلاء الأعتام الجهال الذين خلوا من بعد وعلى هذا الدليل فى المجمل قائم.
وتعلق الأصحاب أيضا بأمر الله تعالى بذبح بقرة مطلقة فى بنى إسرائيل وتأخير بيان أوصافها إلى أن سألوا وهم يقولون على هذا أنه قد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنهم لو عمدوا إلى بقرة فذبحوها لكفاهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم1.
ونحن نقول هذا خلاف ظاهر الآية لأن بنى إسرائيل قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ثم قالوا: ثالثا: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} ولو كان البيان حصل لم يكن لهذه الأسئلة معنى.
وتعلق الأصحاب أيضا بما روى أن جبريل قال للنبى صلى الله عليه وسلم فى ابتداء الوحى اقرأ فقال وما أقرأ ولست بقارىء إلى ثلاث مرات وجبريل عليه السلام يكرر القول وهو يجيب هذا وروى أنه كان يغطه حتى بلغ منه الجهد إلى أن قال اقرأ باسم ربك2 فقد آخر البيان قال الشافعى محتجا أن الله تعالى أثبت المواريث بين الناس ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين إلا ميراث بين الكفر والإسلام وبين أيضا أن الله تعالى أمرنا بالصلاة مطلقا والزكاة.
__________
1 أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قاله الحافظ السيوطي انظر الدرر المنثور للسيوطي.
2 أخرجه البخاري التعبير 12/368 ح 6982 ومسلم الإيمان 1/139 ح 252/160 وأحمد المسند 6/259 ح 26014.
(1/299)

مطلقا وتآخر بيان ذلك وأمرنا بالحج مطلقا وتآخر بيان ذلك حتى حج حجة الوداع وقال: "خذوا عنى مناسككم" 1 وسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فقال: "يكفيك آية القيد" 2 وهى الآية التى فى آخر سورة النساء وكان عمر رضى الله عنه يقول: اللهم من يبين لهم فإن عمر لم يبين وأمثال هذا تكثر فهذه الظواهر والنصوص دلائل سمعية وفيها مقتصر لو اقتصرنا عليها ثم مع هذا نبين من الدلائل العقلية ما يدل على ما ذكرناه فنقول أن البيان ما يجب لتمكن المكلف من إذا ما كلف والتمكين من ذلك غير محتاج إليه عند الخطاب وإنما يحتاج إليه قبل التعليق بلا فعل فلم يجب تقديمه عند الخطاب وهو كالاقتصار على الفعل فإنه لما كان ليتمكن من أداء الفعل لم يجب تقديمه على وقت الحاجة إلى الفعل وأيضا لو صح تأخير البيان لكان وجه متجه فقد بين المكلف ما أمر به وذلك يقتضى فتح الخطاب إذا لم يبين المكلف وأن بين له ولا يقال أنه إذا لم يبينه فقد أتى بالجهل من قبل نفسه بخلاف إذا لم يبين له ذلك وذلك لأن الجهل لا يختلف سواء أتى الإنسان ذلك من قبل نفسه أو من قبل غيره إلا أن الإنسان سقط تكليفه إذا مات سواء أماته الله تعالى أو قتل نفسه.
ودليل آخر معتمد أنه لو قبح تأخير البيان لكان وجه متجه أنه لا يمكن للسامع له أنه يعرف به كمال المراد ولو قبح ذلك لقبح تأخير بيان النسخ أيضا لأنه فى معناه وهو أنه لا يعرف به كمال المراد مثل التخصيص.
يبينه أن النسخ تخصيص من حيث الزمان وتخصيص العموم تخصيص من حيث الأعيان.
أما الجواب عن دلائلهم أما ما تعلقوا به من أنه أمر بالاعتداد.
قلنا نقول أن الله عز وجل إنما أراد بالآية اعتداد النساء بواحد بعينه من الطهر والحيض إلا أنه لو لم يرد من المخاطبين أن يفهموه فى الحال لأنه لم يدلهم فى الحال بلفظ الحيضة فيريد منهم فهمه وإنما دلهم على الجملة فهو يريد منهم فهم الجملة كما لو كان اعتد بواحد من أحد شيئين بعينه أما الطهر وأما الحيض وسأبين ذلك وكما لو قال.
__________
1 أخرجه مسلم الحج 2/943 ح 310/1297 وأبو داود المناسك 2/207 ح 1970 وأحمد المسند 3/390 ح 14432.
2 أخرجه مسلم الفرائض 3/1236 ح 9/1617 وانن ماجه الفرائض 2/910 ح 2726 وأحمد المسند 1/33 ح 180.
(1/300)

القائل لغيره اضرب رجلا واعلم أنه رجل معين وسأبين ذلك وكما لو علم أن زيدا فى الدار وأراد إعلام عمرو أن فى الدار رجلا فإنه قد عنى به زيدا ولم يرد أن يعرفه أنه زيدا.
وأما الثانى الذى قالوه وهو تعلقهم بكلام العربى الزنجى بالعربية أو الزنجى العربى بالزنجية فهذا تعلق فاسد والفرق بين الموضعين أن العرب لا تعرف ما وضع له خطاب الزنج فلم يحسن أن يخاطبه به منفصلا عن بيان ذلك الخطاب أما أن يكون أمرا أو نهيا أو خبرا أو استخبارا أو غير ذلك والسامع من العرب غير متمكن من معرفة ذلك وأما هاهنا فإن المخاطب بالمجمل متمكن من معرفة ما يفيده الخطاب فى الجملة فإنه يعلم أنه أمر أو نهى أو خبر أو استخبار أو غير ذلك وكذلك يعرف ما وضع له الاسم المشترك لأنه وضع لواحد من هذين على انفراده وتصور هذا فى القرء فإنه يعلم أنه يريد بالخطاب أما الاعتداد بالطهر أو الاعتداد بالحيض ألا ترى أن القائل إذا قال للمرأة أريد منك أن تعتدى بشىء يعنى من شيئين أما الطهر وأما الحيض فإنها قد فهمت معنى هذا الخطاب من التردد بين الطهر والحيض وأنها مأمورة بالاعتداد بأحد هذين وكذلك فى قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] يفهم المخاطب أن المراد بالخطاب إيجاب شىء فى ماله وهذا مثل قول القائل فى الدار رجل فإنه يعلم بهذا وجود شخص بوصف الدخول فى الدار وأن لم يعلم حقيقة وهذا لأن الأمر ابتلاء فإذا لزمه أن يعتقد أن الله تعالى أراد منه حقا فى ماله وقد حصل الابتلاء وهذا لعلة أعظم من الابتلاء بالعقل.
قال أبو زيد فى أصوله وهذا كما أن فى القرآن ما هو متشابه أجبنا عن بيانه وقد صح وروده لإيجاب اعتقاد الحقيقة فى الجملة قال ولهذا لو قال لفلان على شيئا يكون البيان إلى المقر منفصلا ومتصلا لأنه تكلم بكلام مجمل وإذا قال لفلان على ألف درهم وفى البلد نقد يختلف كان البيان إليه منفصلا ومتصلا وإذا قال لامرأته أنت بائن فالبيان إليه متصلا ومنفصلا وأما كلامهم فى منع تأخير بيان التخصيص للعموم فنحن نقول إذا ثبت جواز بيان تأخير المجمل ثبت جواز تأخير بيان التخصيص لأن فى الموضعين الموجود بيان متصل بما يحسن فيه البيان.
والذى قالوا: أنه يريد إفهام المخاطب أو لا يريد.
قلنا يريد به إفهامه وقد فهم بالمجمل شيئا فى الجملة وهو الخطاب بإيجاب شىء.
(1/301)

عليه وفارق هذا فصل المتكلم بالزنجى مع العربى لأنه لا يفهم منه شيئا ما.
وأما قوله أنه كيف يريد إفهامه مقتضى اللفظ من العموم وأن لم يتصل به دليل يوجب التخصيص والخطاب على هذا الوجه حسن إلا ترى أن لو صرح به حسن فكذلك إذا لم يصرح به وأراده صح أيضا وعلى أن فصل النسخ داخل على ما قالوه وليس لهم على فصل النسخ عذر بيان وقولهم أنه يموت هوش لأن أمده ينقضى بموته إذا مد كل إنسان مدة حياته وأما النسخ فيه قطع الأمد الموت إنهاء الأمد فكيف يتشابهان وأما الذى قالوا: أنه لا بد من إشعاره بالنسخ فنقول مخترع لم يقل به أحد ويبطل بما ورد من نسخ تحليل الخمر ونسخ التوجه إلى بيت المقدس وما أشبه ذلك فإنه قد صح هذه الوجوه من النسخ ولم يتقدم إشعار بذلك من قبل ولا يمكنهم دعوى وجوده فبطل هذا وأما طريقة أبى زيد فضعيفة ولا نسلم أن لفظ العموم فيما يتناوله من الأعيان مثل لفظ الألف فى الأعداد التى اشتمل عليها وإنما العموم مجرد ظاهر فيما يتناوله من الأعيان وهو محتمل الخصوص وتأخير بيان التخصيص عنه لا يمنع منه شرع ولا عقل وهذا خير الكلام فى البيان وما يتصل به القول فى أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وما يتصل بها يذكر أو لا مقدمة فنقول اعلم أن الأفعال على ضربين.
أحدهما ما لا صفة له زائدة على وجوه وهو كبعض أفعال التناهى وبعض أفعال الناس فقد لا توصف بحسن ولا قبح وهذا الفعل الذى لا مضرة فيه ولا منفعة من فعل النائم والساهى وأما ما يكون من أفعال الساهى فيه مضرة أو منفعة فقد قال بعضهم أنه لا بد أن يوصف بالحسن أو القبح وقال بعضهم لا يوصف بشىء من ذلك وهذا هو الأولى لأن الحسن والقبح يتبع التكليف فمن لا يكون عليه تكليف لا يوصف فعله بشىء من هذين وعلى هذا كل فعل يفيد زمن لا تكليف عليه.
وأما الضرب الثانى وهو أفعال المكلفين فينقسم خمسة أقسام واجب وندب ومباح ومحظور ومكروه وقال بعضهم ينقسم إلى قبيح وحسن ثم ينقسم القبيح إلى مكروه ومحظور والحسن إلى مباح وندب وواجب وقد بينا حدود هذه الأشياء ثم اعلم أن الواجب والندب والمباح يصح وقوعها من جميع المكلفين فأما المحظور فقد اتفقوا على صحة وقوع ذلك من بنى آدم وهل يصح وقوع ذلك من الملائكة فذهبت.
(1/302)

المعتزلة1 وكثير ممن سواهم إلى أنه لا يصح وقوع ذلك منهم وتعلقوا بقوله تعالى: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] وعند أهل السنة أنه يصح وقوع ذلك منهم بدليل قصة إبليس وقد كان من الملائكة وقصة هاروت وماروت وقد كانا من الملائكة وأما قوله تعالى: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] فيجوز أن يكون ذلك فى طائفة منهم أو فى زمان مخصوص والله أعلم وأما الأنبياء عليهم السلام فلا يصح منهم وقوع الكبائر لعصمة الله تعالى إياهم عن ذلك فأما الصغائر فقالوا: لا يصح منهم وقوع ما ينفر عنهم مثل الكذب وما يضع من أقدارهم وما يدعوا إلى البعد عنهم مثل الغلظة والفظاظة ولا يصح منهم أيضا وقوع ما ورد السمع بحظره عليهم من الكبائر وقول الشعر فى حق نبينا صلى الله عليه وسلم.
وعندى أن هذا الحد لا يصح فى حق سائر الأنبياء وقد ورد السمع بحظر الأكل من الشجرة وصح منه ذلك وأما ما عدا ما ذكرناه من الصغائر فقد أبى بعض المتكلمين وقوع ذلك من الأنبياء أيضا والأصح أن ذلك يصح وقوعه منهم ويتداركون ذلك إبان موته قبل اخترام المنية وأما الخطأ والسهو فيجوز وقوع ذلك من الأنبياء وقد حمل كثيرا مما فعلوه مما حكى الله تعالى على ذلك وفى الباب خطب كثيرة وليس هذا موضعه.
وإذا تقرر هذا رجعنا إلى أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم فنقول أفعاله على ثلاثة أضرب.
أحدها: حركاته التى تدور عليها هواجس النفوس كتصرف الأعضاء وحركات الجسد فلا يتعلق بذلك أمر باتباع ولا نهى عن مخالفة.
والضرب الثانى: أفعاله التى لا تتعلق بالعبادات كأحواله فى مأكله ومشربه وملبسه ومنامه ويقظته فيدل فعل ذلك على الإباحة دون الوجوب.
وأما الضرب الثالث: ما اختص بالديانات وهو على ثلاثة أضرب.
أحدها: ما يكون بيانا.
والثانى: ما يكون تنفيذا وامتثالا.
والثالث: ما يكون ابتداء شرع فأما البيان فحكمه مأخوذ من المبين فإن كان المبين واجبا كان البيان واجبا وأن كان ندبا كان البيان ندبا ويعرف أنه بيان بأن يصرح بأنه بيان كذلك ويعلم فى القرآن أنها مجملة تفتقر إلى البيان ولم يظهر بيانها بالقول فنعلم أن.
__________
1 انظر المعتمد 1/342 المحصول 1/501 إحكام الأحكام للآمدي 2/242 نهاية السول 3/7 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 87.
(1/303)

هذا الفعل بيان لها والثانى أن يفعل امتثالا وتنفيذا له فيعتبر أيضا بالأمر وأن كان الأمر على الوجوب علمنا أنه فعل واجبا وأن كان الفعل على الندب علمنا أنه فعل ندبا والثالث أن يعمل ابتداء من غير سبب ولم يوجد منه فى ذلك أمر باتباع ولا نهى عنه فاختلف أصحابنا فى ذلك على ثلاثة مذاهب وكذلك سائر الفقهاء والمتكلمين وهذا الاختلاف فيما يرجع إلى حقوق الأمة.
المذهب الأول: أن اتباعه فى هذه الأفعال واجب على الأمة إلا ما خصه ذلك وهذا مذهب مالك والحسن وبه قال من أصحاب الشافعى أبو العباس بن سريج والإصطخرى وأبو على بن أبى هريرة وأبو على بن خيران وهذا هو الأشبه بمذهب الشافعى رحمة الله عليه وبهذا قال من أصحاب أبى حنيفة أبو الحسن الكرخى وهو قول طائفة من المتكلمين.
والمذهب [الثانى] 1: المستحب للأمة اتباعه فى هذه الأفعال ويندب إلى ذلك ولا يجب وهو قول الأكثر من أصحاب أبى حنيفة وهو قول أكثر أهل المعتزلة وبه قال من أصحاب الشافعى أبو بكر الصيرفى وأبو بكر القفال.
والمذهب [الثالث] 2 أن الأمر فى ذلك على الوقف حتى يقوم دليل على ما أريد منا فى ذلك وإلى هذا ذهب أكثر الأشاعرة واختاره من أصحاب الشافعى أبو بكر الدقاق وأبو القاسم بن كج3.
__________
1 سقط من الأصل.
2 ثبت في الأصل "الأول".
3 لا خلاف بين العلماء في أن أفعله صلى الله عليه وسلم إذا كانت مما تقتضيه الجبلة والطبيعة كالقيام والقعود والأكل والشرب لا تدل على الإباحة بالنسبة له ولأمته.
ولا خلاف بينهم أيضا في أن ما ثبت خاصا به عليه السلام لا يتعداه إلى أمته كتزوجه بأكثر من أربع سنوة ودخوله حلالا ووجوب التهجد والمشاورة.
ولا نزاع بينهم أيضا في أن فعله المبين للمجمل الذي علمت صفته من الوجوب والندب يكون حكمه حكم ذلك المجمل الذي بينه الفعل فإن كان واجبا كان الفعل واجبا وإن كان مندوبا كان الفعل مندوبا لأن المبين يأخذ حكم المبين.
وإنما الخلاف بينهم في أفعاله عليه السلام التي لم يقم دليل على اختصاصها به وليست من الأفعال التي تقتضيها الطبيعة البشرية ولم تكن بيانا لمجمل معلوم الصفة.
وجملة ما قالوه في ذلك أن الفعل إذا لم تعلم صفته من الوجوب أو غيره إما أن يظهر فيه قصد القربة أو لا يظهر فيه ذلك..........=
(1/304)

............................................................................
__________
= فإن ظهر فيه قصد القربة ففيه أقوال ثلاثة:
أحدها: أنه يفيد الندب وهو المختار للإمام الرازي والبيضاوي وابن الحاجب.
ثانيهما: أنه يفيد الوجوب وهذا القول نقله القرافي عن مالك رضي الله عنه.
وإن لم يظهر في الفعل قصد القربة: ففيه أقوال الأول: يدل على الإباحة وإليه ذهب الإمام مالك وابن الحاجب وجماعة.
ووجتهم في ذلك: أن الفعل باعتبار صدوره عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو حكمه عن واحد من أمور ثلاثة: الوجوب أو الندب أو الإباحة ولا يكون فعله محرما لأنه كبيرة والرسل معصومون من الكبائر ولا يكون مكروها كذلك لأن صدور المكروه من عدول المسلمين نادر فكيف بمن هو أشرف الخلق أجمعين ولا سك أن كلا من الوجوب والندب جانب الفعل فيه أرجح وجانب الترك مرجوح والأصل استواء الفعل والترك من غير رجحان لأحدهما على الآخر: فلا يكون الفعل واجبا ولا مندوبا لأن ذلك خلاف الأصل وهو لا يثبت إلا بدليل والمفورض أنه لا دليل لواحد منهما فلم يبق إلا الإباحة نوقش هذا: بأن الغالب في أفعاله عليه السلام التي علمت صفتها الوجوب أو الندب والإباحة قليلة بالنسبة إليهما فإذا وجد فعل لم تعلم صفته وجب أن يلحق بالكثير الغالب وهو الوجوب أو الندب ولا يلحق بالقليل وهو الإباحة لأن الحمل على القليل فيه عمل بالمرجوح وترك للراجح وهو مخالف لما تقتضيه العقول السليمة وبذلك تنتفي الإباحة ويثبت إما الوجوب أو الندب.
القول الثاني: يدل على الندب وإليه ذهب الشافعي واستدل عليه بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}
ووجه الدلالة من الآية: أن الله قال "لكم" ولم يقل: "عليكم" وهذا مشعر بأن الاقتداء به عليه السلام في الفعل الذي لم يقم دليل عليه وجوبه ليس واجبا لانتقاء ما يدل على الوجوب وهو "عليكم" ووصف الأسوة بأنها حسنة وذلك يوجب رجحان الاقتداء به عليه السلام على ترك الاقتداء به فتنتفي الإباحة لانتفاء استواء الطرفين "الاقتداء وعدم الاقتداء" كما ينتفي كل من التحريم والكراهة لأن جانب الترك فيها راجح والثابت من الآية ترجح جانب الفعل فلم يبق بعد ذلك من الأحكام إلا الندب وهو المطلوب.
نوقش بأن التأسي والاقتداء والمتابعة ألفاظ مترادفة معناها: الإتيان بمثل الفعل الذي فعل على الوجه الذي فعل عليه من الوجوب أو الندب أوالإباحة فهذه الأمور الثلاثة لا تكون إلا في الفعل المعلوم الجهة وبما أننا نتكلم في الفعل الذي لم تعلم جهته تكون الآية في غير محل النزاع.
القول الثالث: يدل على الوجوب وإليه ذهب بعض الشافعية كابن سريج وابن خيران وأبي سعيد الإصطخري.
واستدلوا على ذلك بالكتاب والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ} ووجه الاستدلال أن: {اتَّبِعُوهُ} في الآية أمر والأوامر يدل على الوجوب لأنه لا قرينة تصرفه.........=
(1/305)

مسألة: التأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا واجب فى القرب.
وعند من ذكرناه لا يجب1 واستدل من ذهب إلى ذلك بوجوه من الدليل وقالوا: تقدم أولا معنى التأسى فمعناه أن يفعل صورة ما فعله على الوجه الذى فعله لأجل أنه فعل وما لم يكن على هذا الوجه لا يكون تأسيا وقالوا: يدل أولا أنه لا يجب علينا أن.
__________
= عنه إلى غيره فكانت متابعة الرسول واجبة من غير فرق بين ما علمت صفته وما جهلت وبذلك يكون الفعل غير معلوم الصفة واجبا ويجاب عن هذا بأن الآية ويجاب عن هذا بأن الآية في غير محل النزاع لأن المتابعة كما تقدم لا تتحقق إلا في الفعل الذي علمت جهته وموضوع الخلاف الفعل مجهول الجهة.
وأما الإجماع فإن الصحابة رضوان الله عليهم اتفقوا على وجوب الغسل من التقاء الختانين بدون إنزال بعد أن كانوا مختلفين فيه ومستندهم في الاتفاق قول عائشة رضي الله عنها لمن سألها عن ذلك فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا فلو كان فعله عليه السلام غير مفيد للوجوب ما أجمع الصحابة على وجوب الغسل مما ذكر لمجرد فعله عليه السلام ذلك ولوجد منهم من يقول بالندب أو الإباحة لأن الفعل من حيث هو محتمل وأجيب عن هذا بأن الصحابة لم يجمعوا على ذلك لمجرد الفعل بل لأن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا يعتبر من باب المناسك وهم مأمورون بأخذ المناسك عنه لقوله عليه السلام: "خذوا عني مناسككم" فيكون فعله عليه السلام مبينا لواجب فيكون واجبا تبعا لما بينه وبذلك يكون الدليل في غير محل النزاع كذلك لأن الفعل المبين لما هو معلوم الصفة ليس من محل النزاع.
القول الرابع: وهو المختار للبيضاوي والصيرفي وجماعة الوقف بمعنى أنه لا يحكم لا بالوجوب ولا بالندب ولا بالإباحة حتى يدل الدليل الخاص على واحد من هذه الأمور.
ووجهتم في ذلك أن فعله عليه السلام محتمل للوجوب والندب والإباحة وأنه ليس خاصا به بل الأمة مثله في ذلك ومحتمل لأن يكون خاصا به فلا تكون الأمة تابعا له فيه وليس هناك ما يعين واحدا من هذه الأمور السابقة فوجب التوقف وعدم الحكم بشيء بخصوصه حتى يقوم الدليل عليه دفعا للتحكم
ويمكن لأصحاب المذاهب السابقة أن تناقش هذا الدليل فتمنع احتمال الخصوصية بأن الأصل عدمها ثم يعين كل واحد منهم ما اختاره من الندب أو الإباحة أو الوجوب بالدليل الذي ساقه عليه. فلا يتم للواقف مدعاه وللواقف أن يرد هذه المناقشات بأن الأدلة السابقة لم تسلم من المناقشات فلم تثبت مدلولاتها فلا عبرة بها وبذلك يسلم دليل الواقف مما ورد عليه ويترجح مذهبه لترجيح دليله انظر البرهان 1/487, 488, 489 وإحكام الأحكام للآمدي 1/245 والمعتمد 1/343 نهاية السول 3/17 المحصول 1/502 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3/88, 89, 90.
1 انظر البرهان 1/488 المحصول 1/511 إحكام الأحكام للآمدي 1/245 المعتمد 1/353, 354 نهاية السول 3/18, 19.
(1/306)

نفعل مثل ما فعله على جهة الواجب فنقول أنه لا يجوز أن يعلم ذلك بالعقل لأنه لو علم ذلك بالعقل لكان من أحد الوجهين أما أنه لا يجوز أن يختص بوجوب شىء عليه وما وجب عليه لا بد من كونه واجبا علينا أو لأنا إذا لم نتبعه فى أفعاله أدى ذلك إلى التنفير عنه والأول باطل لأنه عليه السلام إنما تعبد بالفعل لأنه مصلحة له ولسنا نعلم وجه كونه مصلحة حتى نعلم شياعه فى جميع الناس وهذا لأنه ليس يجب اشتراك المكلفين فى المصالح فيجوز أن يكون هذا الفعل مصلحة له ولا يكون مصلحة لنا إلا ترى أنه قد أبيح له ما لم يبح لنا مثل العدد فى الأنكحة والصفى من المغنم وغير ذلك وقد أوجب عليه ما لم يوجب علينا مثل قيام الليل والوتر والتضحية وغير ذلك والثانى باطل لأنه أما أن يقال أن التنفير يحصل إذا فارقناه فى فعل واحد أو يحصل إذا فارقناه فى جميع الأحوال والأول لا يصح لأن المفارقة قد حصلت فى أشياء كثيرة مثل المفارقة فى صلاة الضحى والمناكح فقد حصل التنفير إذا والثانى لا يصلح لأنه إذا كان التنفير يحصل بالمفارقة فى جميع الأفعال لا فى بعض الأفعال فلا بد من دليل غير العقل يميز لنا ما تعبدنا به من أفعاله وبين ما لم نتعبد به ولأنه لو قال اعلموا إنما تفعلوه مصلحة لكم دونى أو ما أفعله مصلحة لى دونكم لم يكن هذا مؤديا إلى التنفير فكذلك ما ذكرناه لا يؤدى إلى التنفير أيضا.
قالوا: وليس الأفعال كالأقوال من الأوامر والنواهى لأن الأقوال موضوعة لمعان معلومة على ما ذكرناه من قبل فإذا لم يقتض ذلك الإيجاب أو التحريم علينا إذا كان أمرا ونهيا يطلب معانيها وهذا لا يوجد فى الأفعال لأن الأفعال مفيدة صحيحة فى حق فاعليها فالقول فى ترك إيجاب أمثالها علينا لا يؤدى إلى إبطالها وإلغائها وإذا ثبت أنه لا يجب التأسى به من حيث العقل وأن عرفنا أنه فعل واجبا فكيف يجب علينا أنه فعل ما فعل على وجه الوجوب وهذا لأنا إذا لم نعلم الجهة التى فعل عليها لم يكن ما يفعله تأسيا لوجه ما إلا ترى أنه لو صار واجبا فتطوعنا لم نكن متأسين به وكذلك إذا فعل تطوعا وفعلنا فرضا لم نكن متأسين به أيضا وحرفهم فى هذا الدليل أنه لا دليل على ما قلتم من وجوب التأسى لا من حيث العقل ولا من حيث السمع فسقط لعدم الدليل واستدلوا أيضا بأنه لو دل فعله على وجوب مثله علينا لدل على وجوب مثله عليه وحين لم يكن دليلا عليه فلا يكون دليلا علينا لدل أنه كان واجبا عليه لأنا إنما نفعله تبعا له فإذا لم يدل على أنه كان واجبا عليه فالأولى أن لا يدل على أنه يجب علينا.
(1/307)

مثله وإذا ثبت انتفاء الوجوب علينا مجرد فعله فقد قال بعضهم أن فعله1 يدل على الإباحة لأنها أقل الأحوال2.
وقل بعضهم3 يدل على الندب4 لأن الكلام فى القرب وأدنى أحوال القرب الندبية فأخذنا بها أخذ باليقين ومنهم من يوقف ليقوم الدليل على أحد هذه الأمور وأما دليلنا فاعلم أن المعتمد هو الاستدلال بالشرع فى وجوب الاتباع والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158] وقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ} [الأعراف: 157] الآية وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] فأمر الله تعالى فى هذه الآيات باتباعه واتباعه قد يكون فى قوله وقد يكون فى فعله فكان بيان الشريعة من جهته واقعا بالأمرين جميعا إلا ترى أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا كما رأيتمونى أصلى" 5 وقال: "خذوا عنى مناسككم" 6 والصلاة والحج من الأحكام المجملة وقد حصل بيانها بالفعل فثبت أن مجمل الفعل فى البيان محل القول وأن من اتبعه فى فعله كان كمن اتبعه فى قوله وإنما يكون بيان الفعل أوكد من بيان القول.
ألا ترى أنه إذا أمر بشىء فأراد تحقيقه حققه بفعله كحلقه حين أحصر عام الحديبية وقد كان أمر فلم يفعلوا وتربصوا وتوقفوا فلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم تبادر الناس عند ذلك إلى الحلق فدل أن الفعل من المكانة فى القلوب ما ليس للقول ومما يدل أن محل فعله محل قوله أنه عليه السلام لما سئل عن القبلة للصائم فقال أنا أقبل وأنا صائم فقال السائل إنك لست كأحدنا فغضب وقال: "أرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بحدود الله" 7 ولما قيل لابن عمر أن ناسا يقولون إذا قعدت لحاجتك فلا تستقبل.
__________
1 أي المجرد.
2 وهذا مذهب مالك وجزم به الإمام الرازي انظر نهاية السول 3/21.
3 وهو قول الشافعي انظر نهاية السول 3/12.
4 وقد قال بالوجوب أبو سعيد الإصطخري وابن خيران من الشافعية واختاره الإمام فخر الدين الرازي في معالم السنة انظر نهاية السول 3/21, 22.
5 أخرجه البخاري الأذان 2/131 ح 631 والدارمي الصلاة 1/317 ح 1253 وأحمد المسند 5/65 ح 20555.
6 تقدم تخريجه.
7 أخرجه مسلم الصيام 2/779 ح 74/1108 ومالك في الموطأ الصيام 1/291 - 292 ح 13.
(1/308)

القبلة ولا تستدبرها قال لقد ارتقيت على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليقين مستقبل بيت المقدس لحاجته1 فاستدل ابن عمر بذلك على جواز فعله ودل به على بطلان قولهم وأجزأه مجزءا قوله لوروده بإطلاقه وإباحته وقد قال عامة أهل العلم قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا أجمعين" 2 بفعله حين أم قاعدا فى مرضه الذى توفى فيه وهم قيام وغفلوا أن نسخ القول واقع بالفعل منه وأنهما فى بيان الشريعة على السواء وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أصبح جنبا فقد أفطر" 3 ثم زاد أنه منسوخ بما روى أنه كان يصبح جنبا ثم يغتسل ويتم صومه وكذلك زاد أنه قوله صلى الله عليه وسلم: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم" 4 منسوخ بترك جلد ماعز والغامدية وأن قوله فى السارق: " فإن عاد فاقتلوه" 5 منسوخ بترك قتله حين أتى فى المرة الخامسة ومن هذا الباب جلوسه صلى الله عليه وسلم: "بين الخطبتين يوم الجمعة" 6 وليس فيه إلا فعله فقط وروى الشافعى رحمه الله فساد الصلاة بتركه7 ومما يزيد ما قلناه بيانا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خلع نعله فى صلاته خلع أصحابه نعالهم فلما سلم قال: "ما لكم خلعتم نعالكم" فقالوا: رأيناك خلعت نعلك فقال: " أن جبريل أخبرنى أن بهما قذرا" 8 وأيضا فإن عمر رضى الله عنه لما قبل الحجر قال إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولكنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك9 فيرى أن متابعته على الظاهر من فعله واجبة مع علمه أنه لا يقع فيه أكثر من الاتباع وأمثال هذه الأخبار كثيرة فهذه الأخبار تبين أن أفعاله جارية فى بيان الشرع.
__________
1 أخرجه البخاري الوضوء 1/297 ح 145 ومسلم الطهارة 1/224 ح 61/266.
2 أخرجه البخاري الأذان 2/204 ح 689 ومسلم الصلاة 1/308 ح 77/411.
3 أخرجه مسلم الصيام 2/779 ح 75/1109 بلفظ "من أدركه الفجر جنبا فلا يصم" ومالك في الموطأ الصيام 1/290 ح 11 ولفظ الحديث عند مالك.
4 أخرجه مسلم الحدود 3/1316 ح 12/169 وأبو داود الحدود 4/142 ح 4416 والترمذي الحدود 4/41 ح 1434 وابن ماجه الحدود 2/852 ح 2550.
5 أخرجه أبو داود الحدود 4/140 ح 4410 والنسائي السارق 8/83 باب قطع اليدين والرجلين من السارق انظر نصب الراية 3/371.
6 أخرجه البخاري الجمعة 2/471 ح 928 ومسلم الجمعة 2/589 ح 34/862.
7 انظر روضة الطالبين 2/27.
8 أخرجه أبو داود الصلاة 1/172 ح 650 والدارمي الصلاة 1/370 ح 1378 وأحمد المسند 3/113 ح 11883.
9 أخرجه البخاري الحج 3/540 ح 1597 ومسلم الحج 2/925 ح 25/127.
(1/309)

مجرى أقواله ومن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يعتقدون ذلك ويرون أن المبادرة إلى أفعاله فى المتابعة مثل المبادرة إلى أقواله وقد دل على هذا الأصل الكبير قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] وأمره هو شأنه وذلك مشتمل على أفعاله وأقواله ألا ترى إلى قوله تعالى: {لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا} [يوسف: 15] أى شأنهم وإلى قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود: 97] أى شأنه وطريقته ومذهبه وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدخل فى أمرنا ما ليس فيه فهو رد" 1 يريد دينه وشريعته وأقواله وأفعاله وأن ادعوا أن الأمر حقيقة فى القول مجاز فى الفعل نقول فى هذا الموضع لما كان المعنى الثانى كان منتظما بالقول والفعل على وجه واحد ودل أيضا قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] وهذا على الإلزام والإيجاب بدليل أن أتبعه قوله: {لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21] وهذا وعند التعقيب بالمواعيد دليل الوجوب ويبين هذا الجواب عن قولهم أنه لو كان المراد بالآية الإيجاب لقال لقد كان عليكم ولم يقل لكم لأن الذى قلناه من ذكر الوجوب واللزوم والشىء الواجب علينا إذا فعلناه كتب لنا أمره فهو لنا من هذا الوجه وقد دل أيضا على ما ذكرناه قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً} [الأحزاب: 37] فجعل فعله صلى الله عليه وسلم علما على القدرة والأسوة وثبت بالآية أن الائتساء به صلى الله عليه وسلم ثابت على العموم حتى ورد دليل الخصوص إلا ترى أنه لما جاء الخصوص قال تعالى: {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50] فثبت أن الائتساء وجب شرعا والذى ذكرناه يعرف من الدلائل القطعية التى يحرم خلافها ولا يدخل الاجتهاد فى تجاوزها وعلى هذا الأصل الذى ثبتناه لا يحتاج إلى الجواب عن شىء من كلامهم لأنهم إذا ادعوا انتفاء الوجوب من حيث العقل ونحن ادعينا وجوبه من حيث الشرع ولا ملاقاة بين طرفى الدليلين فوقعت الغنية عن الاشتغال بم ذكروه وأوردوه والله المشكور بالهداية إلى ما يوافق السنة فإن ذكروا شيئا اختص به النبي صلى الله عليه وسلم نقول قام دليل التخصيص مع ذلك فلا يدخل على الأصل الذى أصلناه.
فإن قيل لو كان الفعل منه صلى الله عليه وسلم على الوجوب لكان الترك على الوجوب قلنا نقول.
__________
1 أخرجه البخاري الصلح 5/355 ح 2697 بلفظ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" ومسلم الأقضية 3/1343 ولفظه لفظ البخاري.
(1/310)

إذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من الأشياء وجب علينا متابعته فيه إلا ترى أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم إليه الضب فأمسك عنه أصحابه وتركوه إلى أن قال لهم إنى أعافه وأذن لهم فى تناوله وهذا وجه الكلام فى هذه المسألة وقد تبين جدا وقد رأيت لبعض المتأخرين فى هذه المسألة كلاما مختلطا ورأيته متردد الرأى فى المسألة وأشار إلى طرف مما ذكرناه من أن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يبتدرون إلى أفعاله صلى الله عليه وسلم ابتدارهم إلى أقواله وهو صلى الله عليه وسلم إمام الخليقة فى جميع أموره وذكر أنه يبنى فعله على الإيجاب والإلزام أخذا بالأحوط ثم رأيته يميل إلى القول بالإباحة على معنى أنه إذا ظهر منه صلى الله عليه وسلم فعل لم يكن على الأمة حرج أن يفعلوا مثل فعله قال وأما القول بالإيجاب والندب فلا دليل عليهما ونحن نحمد الله عليهما قد دللنا على ذلك بأبين وجه وأظهر مسلك فليعتقد المرء ذلك يجد نفسه على سواء الصراط والله المغنى بمنه.
وإذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم شيئا وعرف أنه فعله على وجه الوجوب أو على وجه الندب كان ذلك شرعا لنا إلا أن يدل الدليل على التخصيص بذلك فقال أبو بكر الدقاق لا يكون ذلك شرعا لنا إلا بدليل يدل عليه هكذا ذكر الأصحاب وعندى أن ما فعل فى القرب سواء عرف أنه فعله على جهته أو لم يعرف فإنه شرع لنا إلا أن يقوم الدليل على تخصيصه والذى ذكرناه فى المسألة الأولى دليل في هذه المسألة ولا معنى للإعادة والمعتمد رجوع الصحابة إلى أقواله وأفعاله جميعا على السواء.
وإذا ثبت هذا فنقول اعلم أنه يحصل بالفعل جميع أنواع البيان من بيانه المجمل وتخصيص العموم وتأويل الظاهر والنسخ فأما بيان المجمل فهو كما روى من فعله صلى الله عليه وسلم الصلاة والحج وتصمن فعله بيان المجمل الذى فى القرآن وأما تخصيص العموم فهو كما روى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس1 ثم روى أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر صلاة لها سبب2 وكان ذلك تخصيص عموم النهى وأما تأويل الظاهر فهو كما روى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن القود فى الطرف قبل الاندمال ثم روى أنه أفاد قبل الاندمال فيعلم أنه صلى الله عليه وسلم أراد بالنهى الكراهة فى وقت دون التحريم وأما النسخ فقد بيناه فى موضعين فلا يفيد
وإن تعارض قوله وفعله فى البيان ففيه أوجه من أصحابنا من قال القول أولى من.
__________
1 أخرجه البخاري المواقيت 2/73 ح 586 ومسلم المسافرين 1/567 ح 288/827.
2 أخرجه البخاري السهو 3/126 ح 1233 ومسلم المسافرين 1/571 ح 297/834.
(1/311)

الفعل لتعديه بصيغته.
ومنهم من قال الفعل أولى لأنه أدل وأقوى فى البيان على ما سبق من خبر حلق الرأس فى الحديبية.
ومن أصحابنا من قال هما سواء1 وعندى أن هذا هو الأولى ولا بد من دليل آخر لترجيح أحدهما على الآخر ووجه التسوية بينهما ما ذكرنا فى المسألة الأولى وهو اتفاق الصحابة رضى الله عنهم على التسوية بين القول والفعل وأخذهم بيان الشرع منهما على وجه واحد من غير ترجيح والكتاب يدل أيضا على ذلك وهو فى المواضع التى ذكرناها والله أعلم.
ونذكر حكم ما أقر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عصره فنقول وإذا شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على استدامة أفعال فى بيعات أو غيره من معاملات يتعاملونها فيما بينهم أو مأكول أو مشروب أو ملبوس أو أبنية أو مقاعد فى أسواق فأقرهم عليها ولم ينكرها منهم فجميعها فى الشرع مباح إذا لم يتقدم إقراره إنكار لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستجيز أن يقر الناس على منكر ومحظور كما وصفه الله تعالى فى قوله: {النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الأعراف: 157] فدل أن ما أقرعليه داخل فى المعروف خارج عن المنكر فإن مدح فاعله وذم تاركه دل على وجوبه وأن ذم فاعله ومدح تاركه دل على حظره وهكذا لو أمره بالتوبة لأنه لا يأمر بها إلا فى معصية وأن مدح فاعله ولم يذم تاركه دل على استحبابه وهكذا لو وعد فاعله بالثواب أو لم يتوعد تاركه بالعقاب دل على استحبابه وأن لم يمدح فاعله ولم يذم تاركه دل على إباحته وأن أقر فاعلا بعد ذمه على فعل مثله دل على.
__________
1 اعلم ان في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: وهو رأي الجمهور أن القول هو المبين سواء علم تقدمه وتأخر الفعل أو بالعكس أو لم يعلم شيء من ذلك.
القول الثاني: لأبي حسين البصري: وهو أنه عند علم التقدم والتأخر يكون المتقدم هو المبين قولا أو فعلا وعند عدم العلم يجعل القول لجحانه من جهة أنه لا يفتقر في إفادته البيان إلى غيره بخلاف الفعل فإنه يفتقر إلى واحد من الأمور الثلاثة السابقة.
القول الثالث: وهو المختار للآمدي: أنه إن علم تقدم القول على الفعل كان القول مبينا وكان الفعل على استحباب الطواف الثاني انظر نهاية السول 3/45, 46 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3/18, 19.
(1/312)

إباحته بعد حظره وأن ذم واحدا على فعل وأقر آخر على مثله فإن علم افتراقهما فى السبب تعلق الحظر والإباحة بالسبب الذى افترقا فيه وأن جهل بسبب الافتراق عليه حكم الآخر منهما فإن كان الآخر الإقرار بعد الذم دل على الإباحة بعد الحظر وأن كان الآخر الذم بعد الإقرار دل على الحظر بعد الإباحة وإذا علم من حال مرتكب المنكر الإنكار أن كان الإنكار عليه يزيده إغراء على فعل مثله فإن علم به غير الرسول لم يجب عليه الإنكار لئلا يزداد من المنكر بالإغراء.
وإن علم به الرسول ففى وجوب إنكاره وجهان أحدهما لا يجب لهذا التعليل وهو قول المعتزلة والوجه الثانى يجب إنكاره ليزول بالإنكار توهم الإباحة وهذا الوجه أظهر وهو قول الأشعرية من هذا الوجه يكون الرسول مخالفا لغيره لأن الإباحة والحظر شرع مختص بالرسول دون غيره.
مسألة وإذا قال الصحابى كانوا يفعلون كذا فهو على ثلاثة أضرب.
أحدها أن يضيفه إلى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والآخر إلى عصر الصحابة رضى الله عنهم والثالث أن ينطق فإن أضافه إلى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وكان مما لا يخفى مثله حمل على إقرار الرسول وصار شرعا وأن كان مثله يخفى كأن يكرر منهم وكثر حمله على إقراره لأن الأغلب فيما كثر منهم أنه لا يخفى عليه كما روى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال كنا نخرج صدقة الفطر فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من بر أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر1 الخبر وعلى هذا إذا أخرج الراوى الرواية مخرج التكثير بأن قالوا: كانوا يفعلون كذا حمل الرواية على علمه وإقراره فصار المنقول شرعا وأن تجرد عن لفظ التكثير كقوله فعلوا كذا فهو محتمل ولا يثبت شرع باحتمال وأما أن أضيف الفعل إلى عصر الصحابة رضى الله عنهم نظر فإن كان مع بقاء عصر الصحابة لم يكن حجة وأن كان انقراض عصرهم فهو حكاية عن إجماعهم فيكون حجة وأن أطلقه ولم يضفه إلى أحد العصرين نظر فإن كان عصر الصحابة باقيا فهو مضاف إلى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وأن كان بعد عصر الصحابة فالماضى قبله عصر الصحابة.
وإذا قال الراوى من السنة كذا كما قال على رضى الله عنه من السنة أن لا يقتل حر بعبد فقد اختلف فيه الفقهاء فعند أبى بكر الصيرفى من أصحاب الشافعى وأبى.
__________
1 أخرجه البخاري في الزكاة 3/434 الحديث 1506 ومسلم في الزكاة 2/678 الحديث 17/985.
(1/313)

الحسن الكرخى من أصحاب أبى حنيفة أنه لا يحمل ذلك على سنة الرسول1 لأن الصحابة ربما سنوا بالقياس والاجتهاد أحكاما كما قال على رضى الله عنه جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الخمر أربعين وجلد أبو بكر رضى الله عنه ثمانين فى كل سنة2 وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" 3 وأما مذهب الشافعى رحمه الله أن مطلق السنة ما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم وأضافها إلى غيره4 فجاز لا قتدائه فيها بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فوجب أن يحمل الإطلاق على حقيقته دون مجازه وأما قول على رضى الله عنه وكل سنة يعنى بالزيادة أنها تقرير جاءت به السنة وقوله صلى الله عليه وسلم: "وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى" ما أخبروكم به عن سنتى وأن كان ذلك حجة نظر فإن كان الراوى لذلك صحابيا كان روايته مسندة يجب العمل بها وأن كان تابعيا كان روايته مرسلة فحكمها حكم المراسيل.
مسألة: وإذا قال الصحابى أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا فلا يوجب هذا أن يقطع بأنه عن الرسول ولا يقطع بأنه ليس عن الرسول صلى الله عليه وسلم لجواز الأمرين.
واختلفوا فيما يوجب هذا الظاهر فحكى عن أبى الحسن الكرخى من أصحاب أبى حنيفة وأبى بكر الصيرفى من أصحاب الشافعى أنه يحمل على أنه من الصحابة دون الرسول صلوات الله عليه إلا أن يقوم دليل على أنه من الرسول عليه السلام.
ومذهب الشافعى أنه يحمل على أنه من الرسول صلوات الله عليه دون الصحابة5 لأن الصحابة لقربهم من عصر الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يستعملون هذه اللفظة فى أوامره ونواهيه فوجب أن يحمل على عرف الاستعمال وهذا مثل ما روى عن أنس أنه قال.
__________
1 انظر إحاكم الأحكام 2/139 نهاية السول 3/187, 188 البرهان 1/649 المحصول 2/220 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3/130.
2 أخرجه مسلم الحدود 3/1331 ح 38/1707 وأبو داود الحدود 4/162 ح 4480 وابن ماجه الحدود 2/858 ح 2571.
3 أخرجه أبو داود السنة 4/200 ح 4607 والترمذي العلم 5/44 ح 2676 وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه المقدمة 1/16 ح 43 وأحمد المسند 4/156 ح 17149.
4 انظر إحاكم الأحكام 2/139 نهاية السول 3/187, 188 البرهان 1/649 المحصول 2/220 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3/130.
5 انظر إحاكم الأحكام للآمدي 2/139 نهاية السول 3/186 المحصول 2/219,. 220 روضة الناظر 84 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3/130.
(1/314)

"أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة"1 وهذا محمول على أن الأمر هو النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنهم من جعل الأمر على الوقف حتى يقوم دليل والصحيح ما قدمنا ومما يلحق بالفصل الذى ذكرناه من قبل أن تقرير النبي صلى الله عليه وسلم غيره على ما يشاهده منه شرع استدل به الشافعى فى إثبات القافة2 من خبر محرز المدلجى ونظره إلى أسامة بن زيد وهما نائمان وعليهما قطيفة وقد بدت أقدامهما فقال هذه الأقدام بعضها من بعض3 وسرور النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وذكره لعائشة رضى الله عنها مستبشرا بقوله ووجه الاحتجاج بالخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسره إلا الحق وقد قال محرز ما قاله بالقافة فإنه كان معروفا بهذا العلم فلما سره قوله تبين أنه مسلك صحيح وقوله مصدر عما صدر عنه حق وهذا هو الجواب عن قول من قال معترضا على الخبر أن قول محرز كان موافقا للشرع فإن أسامة ولد على فراش زيد والقول الصادر على وفق الشرع لا يكون دليلا على أنه فى نفسه حق وحجة ألا ترى أن الفاسق لو قال أن هذه الدار لفلان وعزاها إلى مالكها فلو قرر الشرع مثل هذا على قولكم لم يكن دليلا على أن قول الفاسق مقبول محكم به.
والجواب على هذا ما سبق ويقال: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لو لم يكن معتقدا قبول قول القائف لعده من الزجر والفال وما يقال بالحدس والتخمين ولما أبعد أن يخطىء فى تواضع أن أصاب فى هذا الموضع وكان ينبغى أن لم يكن القافة حقا أن ينبهه على غلط وهو قوله بهذا الطريق حتى لا يتخذه مسلكا يسلكه فى سائر المواضع فيخطىء فى غير هذا الموضع وأن أصاب فى هذا الموضع فمقداره الاحتجاج بالخبر وهو وجه حسن واضح داخل فى أستار القلوب والله أعلم.
مسألة: ويلحق بهذا الفصل الكلام فى تعبد نبينا عليه السلام بشريعة من قبله
اعلم أنه يجوز أن يتعبده الله تعالى بشريعة من قبله من الأنبياء ويأمره باتباعها ويجوز أن يتعبده بالنهى عن اتباعها ولا لبس فى وجوب هذا أو عدمه استبعاد ولا استنكار ولأن.
__________
1 أخرجه البخاري الأذان 2/92 ح 603 ومسلم الصلاة 1/216 ح 2/378.
2 انظر البرهان 1/498.
3 أخرجه البخاري الفرائض 12/57 ح 6771 ومسلم الرضاع 2/1082 ح 39/1459.
(1/315)

مصالح العباد قد تتفق وقد تختلف فيجوز أن يكون الشىء مصلحة فى زمان النبى الأول دون الثانى ويجوز أن يكون مصلحة فى زمان الثانى دون الأول ويجوز أن يكون مصلحة فى زمان الأول والثانى وإذا جاز هذا فيجوز أن تختلف الشرائع وتتفق فإن قيل إذا جاء الثانى بمثل ما جاء به الأول لم يكن لبعثه وإظهار المعجزة عليه فائدة لأن الشريعة معلومة من قبل قلنا الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وعلى أن فيه فوائد كثيرة منها أنهما وأن اتفقا فى بعض الأحكام فيجوز أن يختلفا فى بعضها ومنها أنه يجوز أن يكون الأول مبعوثا إلى قومه والثانى إلى غيرهم ومنها أن يندر من شريعة الأول فلا يعلم إلا من جهة الثانى ومنها أن يحدث فى الأول بدع فيزيلها الثانى فيعلم أن الأمرين جائزان.
ثم اختلف أصحابنا وغيرهم هل تعبده لله تعالى أعنى نبينا صلى الله عليه وسلم باتباعها أعنى شريعة من قبلنا أم كان منهيا عن اتباعها على ثلاثة مذاهب.
أحدها: أنه لم يكن متعبدا باتباعها بل كان منهيا عنها وقد ذهب إلى هذا جماعة من أصحابنا وأكثر المتكلمين وطائفة من أصحاب أبى حنيفة.
والمذهب الثانى: أنه صلى الله عليه وسلم كان متعبدا باتباعها إلا ما نسخ منها وإلى هذا مال أكثر أصحابنا وكثير من أصحاب أبى حنيفة وطائفة من المتكلمين.
والمذهب الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعبد فيها بأمر ولا نهى وقال بعض الفقهاء كان متعبدا بشريعة إبراهيم عليه السلام على الخصوص دون غيره1 وهو قول شاذ والمعروف ما قدمنا من قبل والمذهب الصحيح هو الأول وإنه كان المذهب الثانى قد نصره كثير من أصحابنا وقد أومىء إليه الشافعى فى بعض كتبه وقيل أنه بنى عليه أصلا من أصوله فى كتاب الأطعمة غير أنا نقول أن العقل لا يحل اتباع شريعة من قبلنا غير أنه قد ثبت شرعا أنا غير متعبدين بشىء من أحكام الشرائع المتقدمة فأما وجه قول من قال إنا تعبدنا بذلك قوله تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [آل عمران: 95] فهذا نص أن هذه الشريعة ملة إبراهيم ونحن نعلم أنها لم تجعل الملة فى الحال فثبت أنها ملة له على معنى أنها كانت ملة له فبقيت حقا لذلك وصارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل عليه.
__________
1 انظر نهاية السول 3/47 انظر البرهان 1/503 وانظر المحصول 1/518 انظر الإبهاج في شرح المنهاج 2/302 شرح المنار 251 أصول الفقه للشيخ أبو النور زهير 3/97, 98.
(1/316)

قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] والهدى اسم الإيمان والشرائع جميعا لأن الاهتداء بها كلها ويدل عليه قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} [المائدة: 44] وقوله النبيون الذين أسلموا قد دخل فيها النبي صلى الله عليه وسلم وقيل أنه أراد بها النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص وقوله فى قصة اليهوديين اللذين زنيا ورجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوراة وحكمه بها على هذا القول أكثر أهل التفسير وبه وردت الرواية ويدل عليه أن ابن عباس رضى الله عنهما سئل عن سجدة ص فقال سجدها داود وهو ممن أمر نبيكم أن يقتدى به1 وأيضا فإن الله تعالى قال: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} [الشورى: 13] والدين اسم لما يدان الله به من الشرائع ولأن ما أنزله الله تعالى من الشرع شرع ثبت لكل الناس ما لم يثبت نسخه وليس فى بعث الرسول الثانى ما يدل على نسخ ما كان شرعا من قبل لما بينا أنه غير ممتنع أن يكون شرع الأول شرعا للثانى فعلى هذا شرائع من قبلنا شرائع الله تعالى ولم يعرف نسخها ثبت حقا وشرعا إلى أن يعرف نسخها قال أبو زيد فى أصوله والصحيح هذا المذهب وهو أنه كان متعبدا بشرع من قبله إلا أن بقاء ذلك الشرع لا يثبت بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلا لحكايته أنها ثابتة لأن الله تعالى أنبأنا أنهم حرفوا الكلم عن مواضعها وخانوا فى النقل فصاروا مردودين الشهادة ولأن عداوة الدين كانت ظاهرة منهم واتهموا بالحيل واللبس فيما يظهرون من شر لبعض فلم يصر كلامهم حجة علينا إلا ما نقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرنا أنها ثابتة بوحى متلو وغير متلو قال فالشرائع التى كانت من قبل تبقى حقا فى نفسها لأنها كانت مطلقة غير مقبولة فبعث نبى آخر ولكن لا يثبت شرعهم بنقلهم ولكن بنقل الثانى.
قال وفيه كان عرف المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث لم يصدق غيره عليه ولزم الماضين من الرسل اتباعه لو كانوا أحياء قالوا: ولهذا لم يرجع إليهم ولم يراجعهم فى معرفة الأحكام وربما يستدل من ذهب إلى هذا المذهب بحال النبي صلى الله عليه وسلم قبل الوحى بأنه كان متبعا شريعة من قبله بدليل أنه صلى الله عليه وسلم كان يحج ويعتمر ويفعل وجوه الخيرات ويذبح وينحر ويطوف ويعظم البيت ولا بد أن هذه الأفعال كانت منه باتباعه شريعة من قبله لأنه لم يكن ينزل عليه الوحى بشرع يدل عليه أن الله تعالى لا يخلى زمانا من شرع وإذا لم يكن عليه شرع فلا بد أن يكون الذى عليه شريعة من قبله فأما دليلنا قوله تعالى.
__________
1 أخرجه البخاري التفسير 8/405 ح 4807.
(1/317)

{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران: 81] والرسول الذى ذكر هاهنا هو رسولنا صلى الله عليه وسلم فقد جعلهم بعد مبعثه بمنزلة أمته فدل أن شرائعهم قد انتهت بمبعثه ويدل عليه قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا المائدة 48 قال أبو زيد على هذه الآية فيه دليل على جواز النسخ فى الجملة وليس فيه دليل على انتساخ كلى فإن تبدل الطريقة يثبت بتغيير الأحكام ولا شك أن بعض الأحكام قد تغيرت بتبدل الطريقة فاستقام قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} [المائدة: 48] قال يبينه أنهم أجمعوا كلهم على طريقة واحدة بالإيمان بالله تعالى وطاعتهم إياه فى أوامره ونواهيه ويمكن أن يجاب عن هذا فيقال أن هذه الآية تقتضى تفرد كل واحد من الأنبياء بشرعة ومنهاج إلا ما قام عليه الدليل والدليل على أن شرائع من قبلنا انتهت بمبعث نبينا صلى الله عليه وسلم ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صحيفة فى يد عمر رضى الله عنه فقال له ما هذه الصحيفة فقال فيها شىء من التوراة فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعى1 فجعله بمنزلة واحد من أمته لو كان حيا فهذا نص أن شريعته انتهت ببعثه ولأن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يرجعون فى الحوادث إلى الكتاب والسنة والاجتهاد إذا لم يجدوا متعلقا من الكتاب والسنة والدليل عليه قول معاذ حين بعث إلى اليمن الخبر المعروف ولم يرو أن أحدا منهم رجع إلى شىء من أحكام الكتب المنزلة من قبل ولا بحث عنها ولا أمر أحدا بالبحث عما فيها ولو كانوا متعبدين بذلك لنقل عنهم أو نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولو فعل لنقلوا عنه عليه السلام ذلك وهذا دليل معتمد لكن نبسط بساطا لهذا الدليل ليظهر وجه الاعتماد عليه فيقول القائل بوجوب اتباع شريعة من تقدمه لا يخلو أما أن نقول أن الله تعالى أوحى إليه بلزوم العبادات التى تعبد بها من قبله وأوحى إليه تلك العبادات وصفاتها وهيئاتها فرجع إلى ما أوحى إليه منها ولم يرجع إلى النقل عمن تقدم أو يقول: أنه رجع فى معرفة شرع من تقدم إلى النقل كما نفعله نحن فى شرع نبينا صلوات الله عليه أو نقول رجع فى البعض إلى الوحى وفى البعض إلى النقل ولا يجوز الأول لأن هذا مجرد دعوى ولا بد.
__________
1 أخرجه أحمد المسند 3/473 ح 15164 وقال الحافظ الهيثمي فيه مجالد بن سعد ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما وعزاه أيضا إلى أبي يعلى والبزار انظر مجمع الزوائد 1/179 8/265.
(1/318)

فى ذلك من نقل وأما الظن والتخمين لا يثبت ولأنه لا يخلو أما أن نقول أن جميع ما أوحى إليه شرع نبي متقدم أما موسى عليه السلام أو غيره وأما أن نقول أن بعض ما أوحى إليه شرع نبى متقدم والبعض لا والأول باطل لأن كثيرا من شرعه لا يوافق شرع موسى والمسيح وغيرهما وهذا معلوم قطعا وأما الثانى فغير ممتنع أن يكون بعض شرعه موافقا لشرع من تقدمه ولكن وقوع الاتفاق لا يدل أنه متعبد بشريعة من تقدمه لأنه عليه السلام إنما علمه بالوحى فصار شريعته وإذا صار شريعته بالوحى ولا سند إلى أنه شريعة له بكونه شريعة من قبله وأن قال أنه أنزل إليه أن هذه شريعة من قبلك وأنت متعبد بها فاتبعها فهذا لا بد فيه من نقل على هذا الوجه وأن رجعوا إلى الآيات التى ذكروها فليس فيها ذكر شرع من شرائعهم وحملها على جميع شرائعهم لا يمكن لما ذكرنا من قبل ولا يجوز الثانى وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى نقل من تقدم وهو باطل لما بينا أنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع فى شىء من الحوادث إليها بل كان ينتظر الوحى مثل ما انتظر فى الظهار والإيلاء واللعان وغير ذلك ولم يرو أنه سأل أحد من أهل التوراة والإنجيل عن حكم من الأحكام ولو كان متعبدا بما فيها لم يتصور أن لا يرجع ولذلك أحد من السلف لم يرو أنه رجع إلى نقل أحد من أهل الملل ولا سألهم عن شرائعهم ولو كانوا متعبدين كما قلتم لكانت كتب الأنبياء المتقدمين عليهم السلام فى الأحكام بمنزلة الكتاب والسنة فكان ينبغى أن يجب الرجوع إلى ذلك كما أوجب الرجوع إلى الكتاب والسنة فإن ذكروا الرجوع إلى أمر الرجم سنجيب عنه فإن قالوا: إنما امتنع ذلك لأن أهل الأديان السالفة حرفوا كتبهم وغيروها عن الوجوه التى عليها نزلت قلنا إذا ثبت أن الرجوع إلى نقل من تقدم ممتنع ولم ينقل الوحى بذلك ولا ثبت فساد الرجوع فإذا سقط عرفنا قطعا أنه لم يكن متعبدا بشرع من قبله ولأنه لو كان متعبدا بشرع من قبله على ما زعموا وكانوا قد حرفوا وغيروا ونحن نعلم قطعا أنهم لم يحرفوا الجميع فكان ينبغى أن يقع التنبيه من الله تعالى على مواضع اللبس والتمويه والتحريف حتى لا يتعطل مرجع الأحكام ويدل عليه أنه كان قد أعلم من أحبارهم جماعة مثل عبد الله بن سلام وزيد بن شعبة وغيرهما فى زمان النبي صلى الله عليه وسلم ومثل كعب الأحبار وغيره بعده فكان يمكن أن يعرف مواضع التحريف من غير مواضع التحريف منهم وقد استشهد الله تعالى بعبد الله بن سلام فى نص التنزيل وهو قوله: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: 43] وهو عبد الله بن سلام فى قول جماعة المفسرين فإن قالوا.
(1/319)

بقول الواحد والاثنين لا نعرف قلنا فيما طريقة العلم يعرف وعلى أنه كان يخالط أهل العلم النقل للكتب المتقدمة ليعرف ما فيها بطريق التواتر حتى لا يذهب عليه شرع من الشرائع التى تعبد به والذى قاله أبو زيد فى حجتهم أنه لا يثبت بما شرعهم إلا بقول من الرسول صلى الله عليه وسلم قلنا فإن ذلك القول وكان ينبغى أن يوقفه الله عليه وليس أوقفه الله عليه وكان ينبغى أن يعلمنا ذلك حتى لا يذهب علينا شريعة من الشرائع التى تعبدنا الله تعالى بها وقد قال بعض من ذهب إلى هذا المذهب أنه لو كان متعبدا بشرع من سلف لم ينسب جميع شرعه إليه كما لا ينسب شرعه عليه السلام إلى بعض أمته وفيما قالوه جعل الرسول كأنه أمة من تقدمه وهذا غض من درجته وحط عظيم من مرتبته ومنزلته واعتقاد أنه تبع لكل نبى من تقدمه وهذا لا يستجيزه أحد من أهل الملة بل فيه التنفير عنه لأنه يكون تابعا بعد أن كان متبوعا ومدعوا بعد أن كان داعيا أما الجواب عما تعلقوا به قلنا أما الآية الأولى فلا تعلق لكم بها لأن المذكور اسم الملة واسم الملة لا يقع إلا على الأصول من التوحيد والإخلاص لله تعالى بالعبادة وغير ذلك ولا يقع هذا الاسم على فروع الشرائع التى يقع اختلافنا فى ذلك ولهذا لا يقال ملة أبى حنيفة وملة الشافعى ويقال مذاهبهما مختلفة ولا يقال ملتهما مختلفة ويدل عليه أن الله تعالى قال: {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123] فعلمنا أنه أراد بالملة أصل الدين ويدل عليه أن شريعة إبراهيم قد انقطع نقلها وكيف يحثه الله تعالى على اتباع ما لا سبيل له.
وأما قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] فقد أمر الله تعالى باتباعه هدى يضاف إلى جماعتهم والهدى المضاف إلى جماعتهم هدى التوحيد الذى اجتمعوا عليه دون الشرائع التى اختلفوا فيها وأما قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} [المائدة: 44] قلنا ظاهر هذا يقتضى أن يحكم بها كل النبيين فعلى هذا لا بد من حمله على التوحيد ليدخل جميع النبيين فيه لأننا نقطع أن بعض الشرائع قد تنسخ بعضا على تفاصيل معلومة وأما قولهم أنها نزلت فى شأن اليهوديين اللذين زنيا قلنا قد يسقط استدلالكم بالطريق الذى قلناه ويجوز أن يكون المراد بالذين أسلموا جماعة من أنبياء بنى إسرائيل بعثوا على شرع التوراة والدليل على أن المراد بالآية ما ذكرنا أنه لم ينقل رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى التوراة فى طلب الأحكام وأما قصة اليهوديين فليس يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إليها مستفيدا لحكم منها ويجوز أن نرجع إليها لنتبين كذبهم فيما ادعوا أنه ليس حد الزنا.
(1/320)

هو الرجم فى التوراة وقد كان إلى ذلك لأن اليهود كانوا يموهون على المسلمين ويقولون أنه لم يوجد صفة محمد صلى الله عليه وسلم فى التوراة فأراد أن يبين كذبهم فيما ادعوا من حكم الزانى ليعرف كذبهم فى غير ذلك مما يدعونه وأيضا يجوز أنه عليه السلام حكى أن الرجم هو حد الزانى فى التوراة فرجع إليها ليقررهم على صدقه فى حكاية أن الرجم موجود فيها ولو رجع فى استفادة الحكم منها لرجع إليها فى غير ذلك من الأحكام ورجع إليها في شرائط الإحصان وغيره.
وأما قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} [الشورى: 13] قلنا اسم الدين يقع على الأصول دون الفروع ولهذا لا يقال دين الشافعى ويراد به مذهبه ولا يقال دينه ودين أبى حنيفة مختلف وعلى أن قوله: {أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] دليل على أن الدين شرعه لنا ما وصى به نوحا وهو ترك التفرق وأن يتمسك بما شرع وأما قولهم أن الشريعة التى شرعها الله تعالى وأنزلها لا يثبت نسخها إلا بدليل قلنا قد قام الدليل على نسخها على ما سبق وقد أقمنا الدلالة على ذلك وهذا لأن جميع الشرائع السابقة قد انتهت بشرع رسولنا صلوات الله وسلامه عليه ونستدل بما ذكرناه على انتهائها وقد سبق بما فيه وأما قولهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متعبدا بشرع من قبله قبل الوحى قلنا هذا لا نسلمه أيضا والدليل عليه أنه لو كان متعبدا بذلك لكان يفعل ما تعبد به ولو فعل ذلك كان يخالط من ينقل ذلك الشرع من النصارى واليهود وغيرهم ولو فعل معهم ما كانوا يفعلونه وقد نقلت أفعاله قبل البعث وعرفت أحواله ولم ينقل أنه كان يخالط أحدا من النصارى واليهود أو يفعل شيئا من أفعالهم والحق أنه لو تعبد بها لفعلها ولو فعلها لظهرت منه ولو ظهرت لاتبعه فيها الموافق لنازعه فيها المخالف وقد عدم هذا كله فدل أنه لم يكن متعبدا بذلك وأما قولهم أنه كان يحج ويعتمر ويطوف قلنا لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حج واعتمر قبل المبعث ولم يثبت أنه تولى التذكية وأمر بها ويمكن أن يقال أنه وجد قومه على أدب من أدب إبراهيم عليه السلام فوافقهم فيما فعلوه من الأفعال التى كانوا فيها على طريقة إبراهيم وهذا غير ممتنع فعله وموافقته قومه فيها خصوصا إذا كانوا قوما نشأ فيهم وكان فيما بينهم ولم يكن الفعل مما هو محرم فى شريعة معروفة فهذا وجه الكلام فى هذه المسألة والله أعلم.
(1/321)

القول فى الأخبار ومواجبها وما يقبل منها وما لا يقبل
مدخل
...
القول فى الأخبار ومواجبها وما يقبل منها وما لا يقبل.
وإذا بينا أفعال الرسول صلوات الله وسلامه عليه وأحكامها فالواجب أن نبين أقواله صلى الله عليه وسلم ومواجبها وما يتعلق بها وأيضا فإن السنة تلو الكتاب فإذا بينا طرفا مما يتعلق بالكتاب فنبين السنة وما يبتنى عليها فنقول فى مقدمة الكلام فى الأخبار أن سنة الرسول صلوات الله عليه فى حكم الكتاب فى وجوب العمل بها وأن كانت فرعا له لأن الله تعالى ختم برسوله النبوة وأكمل الشريعة وجعل إليه بيان ما أجمله فى كتابه وإظهار ما شرعه من أحكامه وقال تعالى فى محكم تنزيله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] .
ولما جعله بهذه الرتبة أوجب الله عليه أمرين لأمته وأوجب له أمرين على أمته وأما ما أوجب عليه لأمته منه الأمرين:.
فأحدهما التبليغ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] .
والثانى البيان قال الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] .
وما أوجب له على أمته من الأمرين:
فأحدهما: طاعته فى قبول قوله والعمل به قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] .
والثانى: أن يبلغوا عنه ما أخبرهم به وأمرهم بفعله لأنه ما كان يقدر على أن يبلغ جميع الناس وما كان يبقى على الأبد حتى يبلغ أهل كل عصر فإذا بلغ الحاضر لزمه أن ينقله إلى الغائب وإذا بلغ أهل عصر لزمهم أن ينقلوه إلى أهل كل عصر عمن تقدمهم لينقلوها إلى أهل العصر الذى يتلوهم فينقل كل سلف إلى خلفه فيدوم على الأبد نقل سنته وحفظ شريعته.
قال النبى صلى الله عليه وسلم: "ليبلغ الشاهد الغائب" وقال صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عنى ولا تكذبوا على" وقال أيضا: "نضر الله امرءا سمع مقالتى فوعاها وبلغها من لم يسمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".
(1/322)

وإذا كان أمر السنة على هذا الوجه فللسنة حالتان.
إحداهما: أن يأخذها الحاضر عن الرسول صلى الله عليه وسلم سماعا منه.
والحالة الثانية: أن ينقل إلى الغائب خبرا عنه.
فأما الحالة الأولى: فإذا سمع عن النبي صلى الله عليه وسلم وسمع لفظه فالعلم بذلك