Advertisement

أشراط الساعة يوسف الوابل

 ‏_
 
 
 
 
 
 
 
 
 
هذا الكتاب
رسالة علمية تقدَّم بها المؤلف لنيل درجة التخصُّص الأولى (الماجستير) من جامعة أم القرى , كلية الشريعة , فرع العقيدة.
وقد مُنح المؤلف عليها درجة (الماجستير) بتقدير ممتاز , وذلك في شهر محرَّم سنة (1404 هـ).
 
 
 
 
 
 
 
بسم الله الرحمن الرحيم
 
 
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعة شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج : 2,1].
وقال تعالى :
{فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } [محمد : 18].

 
 
 
 
المقدمة
إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينُه ونستغفره، ونعوذ بالله من شُرور أنفسنا، ومِن سَّيئات أعمالِنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هاديَ له.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[النساء:  1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }()  [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد:
فإنَّ الله تعالى أرسل محمَّدًا r بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي السَّاعة، فلم يترك خيرًا ؛ إلا دلَّ أمته عليه، ولا شرًا؛ إلا حذرها منه.
ولما كانت هذه الأمة هي آخر الأمم، ومحمَّدٌ r هو خاتَم الأنبياء؛ خص الله تعالى أمته بظهور أشراط السَّاعة فيها، وبيَّنها لهم على لسان نبيه r أكمل بيان وأتمَّه، وأخبر أن علامات السَّاعة ستخرج فيهم لا محالة، فليس بعد محمَّدٍ r نبيُّ آخر يبينُ للناس هذه العلامات، وما سيكون في آخر الزمان من أُمور عظام مؤذِنَة بخراب هذا العالم، وبداية حياة جديدة؛ يُجازى فيها كلُّ بحسب ما قدَّمت يداه، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (8)} [الزلزلة: 7، 8].
ولمَّا كان من العقائد التي يجب الإيمان بها: الإيمان باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، ولما كان نظر الإنسان قد لا يعدو هذه الحياة وما فيها من متاع، فينسى اليوم الآخر، ولا يعمل له؛ جَعَلَ الله بين يدي السَّاعة أماراتٍ تدلُّ على تحقُّقها، وأنها ستقع حتمًا، حتى لا يخامر الناس أدنى شكل فيها، ولا يفتنهم شيءٌ عنها.
فمن المعلوم أن الصادق المصدوق r إذا ذكر من أشراطها شيئًا، ورأى الناس وقوعَ ذلك الشيء؛ علموا يقينًا أن السَّاعة آتيةٌ لا ريب فيها،
فيعلموا لها، ويستعدَّوا لذلك اليوم، ويتزوَّدوا بالصالحات قبل فوات الأوان وانقضاء الأجل المحدود: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ } [الزمر: 56-58]
وكان النبي r  يقول في خطبته: "بُعِثتُ أنا والسَّاعة كهاتين": وكان إذا ذَكَر السَّاعة؛ احمرَّت وجنتاهُ، وعلا صوتُه، واشتدَّ غضبه، كأنه نذير جيش يقول: "صبَّحكم مسَّاكم"().
وقد أشفق الصحابة t  من قيام السَّاعة عليهم، وظهر ذلك جليا عندما وصف لهم النبي r  الدَّجَّال؛ كما جاء في حديث النواس بن سمعان t ؛ قال: ذكر رسول الله r  الدجال ذات غداة، خفض فيه ورفع، حتى ظنَّناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه؛ عرف ذلك فينا، فقال: "ما شأنُكُم؟"، قلنا: يا رسول الله! ذكرت الدجال غداة، فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: "غير الدجال آخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم؛ فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم؛ فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم"().
وقد ظهر كثير من أشراط السَّاعة، وتحقق ما أخبر به المصطفى r ، فكل يوم يزداد فيه المؤمنون إيمانًا به، وتصديقًا له، إذ يظهر من دلائل نبوته وآيات صدقه ما يوجب على المسلمين التمسك بهذا الدين الحنيف.
وكيف لا يزدادون إيمانًا وهم يرون هذه المغيبات التي أخبر بها رسول الله r  تقع كما أخبر؟! فإن كل واحدة من هذه الأشراط التي تحدث لمعجزة بينة لنبي هذه الأمة. فالويل ثم الويل لأولئك الجاحدين لرسالته، الصادين عنها، أو المتشككين فيها.
وتأتي أهمِّيَّةُ هذا البحث في هذا الوقت الذي أخذ فيه بعض الكتَّاب المُعاصِرينَ يشكِّك في ظهور ما أخبر به r  من المغيبات التي يجب الإيمان بها، ومنها أشراط السَّاعة، فمنهم مَن أنكر بعضها، ومنهم من أوَّلها بتأويلات باطلة!
ولهذا وذاك أحببت أن أجمع بحثًا مشتملًا على أشراط السَّاعة الصغرى والكبرى، بأدلَّتها الثابتة من القرآن الكريم والسنة المطهرَّة، ولم يكن البحث في هذا الموضوع سهلًا؛ فإنه يحتاج إلى بحث عن صحة الأحاديث، والجمع بين الروايات المختلفة.
وقد ألَّف بعض العلماء مؤلفات في أشراط السَّاعة، ولكنهم لم يلتزموا فيها الاقتصار على ما ثبت من الأحاديث، بل تجدهم يسردون كثيرًا من الروايات؛ دون تعرض لدرجة الحديث من حيث الصحة والضعف؛ إلا في النادر، وهذا يجعل المطالع لها يختلط عليه الأمر، فلا يميز بين الصحيح من غيره، وكذلك لم يتعرضوا لشرح ما جاء في هذه الأحاديث مما يحتاج إلى بيان، ولكنهم – رحمهم ا لله- جمعوا لنا كثيرًا من الأحاديث، ووفروا علينا كثيرًا من الجهد.
هذه الكتب:
1- "الفتن": للحافظ نُعيم بن حمَّاد الخُزاعي، المتوفى سنة (228هـ) رحمه الله.
2- "النهاية" أو "الفتن والملاحم": للحافظ ابن كثير، المتوفَّى سنة (774هـ) رحمه الله.
3- "الإشاعة لأشراط السَّاعة": للشريف محمد بن رسول الحسيني البرزنجي، المتوفى سنة (1103هـ) رحمه الله.
4- "الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي السَّاعة": للشيخ محمد صدِّيق حسن القنوجي، المتوفى سنة (1307هـ) رحمه الله.
5- "إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط السَّاعة": للشيخ حمود بن عبد الله التويجري النَّجدي المتوفى سنة (1413 هـ) رحمه الله
... إلى غير ذلك من المؤلفات التي تناولت الحديث عن أشراط السَّاعة.
وقد استفدت ممن سبقني، ورأيت أن أسلك في هذا البحث مسلكًا ألزمت به نفسي، وهو أنني لا أذكر  فيه شرطًا؛ إلا ما نص عليه النبي r  أنه من أشراط السَّاعة – صريحًا أو دلالة -، والتزمت كذلك أن لا أذكر فيه إلا ما كان صحيحًا أو حسنًا من الأحاديث؛ مسترشدًا في ذلك بأقوال علماء الحديث في تصحيح الحديث أو تضعيفه.
وإيثارًا للاختصار؛ فإنني لم أذكر جميع الأحاديث الصحيحة في كل شرط، بل اكتفيت ببعض الأحاديث التي تثبت أن هذه العلامة من أشراط السَّاعة.
وذكرت أيضًا ما يحتاج إليه كل شرط؛ من بيان لمعنى لفظ غريب، أو بيان لأماكن التي ورد ذكرها في الأحاديث، وكذلك أعقبت كل علامة بشرح موجز مقتبس من كلام العلماء، أو مما جاء من الأحاديث التي لها علاقة بالعلامة المشروحة، وتعرضت للرد على بعض من أنكر شيئًا من أشراط السَّاعة، أو تأولها بغير ما تدلُّ عليه أحاديثها، وبيَّنتُ أن أشراط السَّاعة من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها كما جاءت، ولا يجوز ردها أو جعلها رموزًا للخير أو للشر أو ظهور الخرافات.
ولما كان كثير من أشراط السَّاعة ورد في أخبار آحاد؛ عقدت في أول البحث فصلًا في بيان حجية خبر الآحاد، وذلك للرد على من أنكر حجية الآحاد، وزعم أنها لا تقوم عليها عقيدة.
وكذلك؛ فإن هذا البحث دعوة للإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر، وتصديق لما أخبر به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وهو أيضًا دعوة للتأهب لما بعد الموت؛ فإن السَّاعة قد قربت، وظهر كثير من أشراطها، وإذا ظهرت الأشراط الكبرى؛ تتابعت كتتابع الخرز في النظام إذا انفرط عقده، وإذا طلعت الشمس من مغربها؛ قفل باب التوبة، وختم على الأعمال، فلا ينفع بعد ذلك إيمان ولا توبة؛ إلا من كان قبل ذلك مؤمنًا أو تائبًا: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158].  
ويومئذ {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنيا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) } [النازعات: 35- 41].
نسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يجعلنا من الآمنين يوم
الفزع الأكبر، وممن يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
خطة البحث:
يشتمل هذا البحث على مقدمة، وتمهيد، وبابين، وخاتمة:
أما المقدمة؛ فتشتمل على أهمية هذا الموضوع، وخطته.
وأما التمهيد؛ فيشتمل على عدة مباحث:
المبحث الأول: تحدثتُ فيه عن أهمية الإيمان باليوم الآخر، وأثر ذلك على سلوك الفرد والمجتمع.
المبحث الثاني: ذكرتُ فيه أن من مظاهر الاهتمام باليوم الآخر – إلى جانب ذكر أشراطه – كثرة ذكره في القرآن بأسماء متنوعة، وذكرت طرفًا من هذه الأسماء، مع ذكر الأدلَّة من القرآن الكريم على ذلك.
المبحث الثالث: تحدثتُ فيه عن حجية خبر الواحد في أمور العقيدة وغيرها، وبيَّنتُ فيه أن الحديث إذا صحَّ، وجب اعتقاد ما جاء فيه.
وتأتي أهمية هذا المبحث أنه رد على الذين لا يأخذون بخبر الواحد في أمور العقيدة، وبيَّنتُ أن قولهم هذا يستلزم رد مئات الأحاديث الصحيحة، وأنه قول مبتدعٌ في الدين، ليس عليه دليل ولا برهان.
المبحث الرابع: بيَّنتُ فيه أن النبي r  أخبر أمته عما كان وما يكون إلى قيام السَّاعة، ومن ذلك أشراط السَّاعة التي نالت من ذلك النصيب الأوفر، ولذلك جاءت أحاديث أشراط السَّاعة كثيرة جدًا، ورويت بألفاظ مختلفة.
المبحث الخامس: تحدثتُ فيه عن علم قيام السَّاعة، وبيَّنتُ فيه أن
علمها مما استأثر الله تعالى به، وذكرت الأدلَّة في ذلك، ثم رددت على من قال بأن النبي r  يعلم وقتها، وكذلك على من قال بتحديد عمر الدُّنيا، وبيَّنتُ أن هذا القول مصادم للقرآن والسنة، وذكرت طائفة من أقوال العلماء في الرد على مثل هذه الأقوال.
المبحث السادس: تحدثتُ فيه عن قرب السَّاعة، وأنه لم يبق من الدُّنيا إلا القليل بالنسبة إلى ما مضى من عمرها.
- وأما الباب الأول؛ فيشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: تحدثتُ فيه عن تعريف معنى الشرط في اللغة والاصطلاح، وكذلك معنى السَّاعة في اللغة والاصطلاح الشرعي، وبيَّنتُ فيه أن السَّاعة جاءت على ثلاثة معان:
1- السَّاعة الصغرى.
2- السَّاعة الوسطى.
3- السَّاعة الكبرى.
الفصل الثاني: تحدثتُ فيه عن أقسام أشراط السَّاعة، وأنها تنقسم إلى قسمين:
1- أشراط صغرى.
2- وأشراط كبرى.
وعر فت كل قسم، وذكرت أن بعض العلماء قسمها من حيث ظهورها إلى ثلاثة أقسام:
1- قسم ظهر وانتهى.
2- قسم ظهر ولا زال يكثر ويتتابع.
3- قسم لم يظهر إلى الآن.
الفصل الثالث: تحدثتُ فيه عن أشراط السَّاعة الصغرى، وهي:
1- بعثة النبي r .
2- موته r .
3- فتح بيت المقدس.
4- طاعون عمواس.
5- استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة.
6- ظهور الفتن.
7- ظهور مدعي النبوة.
8- انتشار الأمن.
9- ظهور نار الحجاز.
10- قتال الترك.
11- قتال العجم.
12- ضياع الأمانة.
13- قبض العلم وظهور الجهل.
14- كثرة الشرط وأعوان الظلمة.
15- انتشار الزنا.
16- انتشار الربا.
17- ظهور المعازف واستحلالها.
18- كثرة شرب الخمر واستحلالها.
19- زخرفة المساجد والتباهي بها.
20- التطاول في البنيان.
21- ولادة الأَمَة لربتها.
22- كثرة القتل.
23- تقارب الزمان.
24- تقارب الأسواق.
25- ظهور الشرك في هذا الأمة.
26- ظهور الفحش وقطيعة الرحم وسوء الجوار.
27- تشَبُّب المشيخة.
28- كثرة الشُّح.
29- كثرة التجارة.
30- كثرة الزلازل.
31- ظهور الخسف والمسخ والقذف.
32- ذهاب الصالحين.
33- ارتفاع الأسافل.
34- أن تكون التحيَّة للمعرفة.
35- التماس العلم عند الأصاغر.
36- ظهور الكاسيات العاريات.
37- صدق رؤيا المؤمن.
38- كثرة الكتابة وانتشارها.
39- التهاون بالسنن التي رغَّب فيها الإسلام.
40- انتفاخ الأهلة.
41- كثرة الكذب وعدم التثبت في نقل الأخبار.
42- كثرة شهادة الزور وكتمان شهادة الحق.
43- كثرة النساء وقلة الرجال.
44- كثرة موت الفجأة.
45- وقوع التناكر بين الناس.
46- عود أرض العرب مروجًا وأنهارًا.
47- كثرة المطر وقلة النبات.
48- حَسر الفرات عن جبل من ذهب.
49- كلام السباع والجمادات للإنس.
50- تمنِّي الموت من شدة البلاء.
51- كثرة الروم وقتالهم للمسلمين.
52- فتح القسطنطينية.
53- خروج القحطاني.
54- قتال اليهود.
55- نفي المدينة لشرارها ثم خرابها.
56- ظهور الريح التي تقبض أرواح المؤمنين.
57- استحلال البيت الحرام وهدم الكعبة.
- أما الباب الثاني؛ فالحديث فيه عن أشراط السَّاعة الكبرى، ويشتمل على تمهيد وتسعة فصول:
والتمهيد: يشتمل على مبحثين:
الأول: ترتيب أشراط السَّاعة الكبرى.
والثاني: تتابع أشراط السَّاعة الكبرى.
وأما الفصول؛ فهي:
الفصل الأول: تحدثتُ فيه عن ظهور المهدي.
ويشتمل الكلام فيه على اسمه، وصفته، ومكان خروجه، ثم ذكرت الأدلَّة من السنة على ظهوره، سواء ما كان فيه النص عليه أو ذكر صفته، وذكرت أيضًا ما ورد في الصحيحين ن الأحاديث التي تشتمل على صفة المهدي، وإن لم يرد ذكر اسمه.
ثم ذكرت كلام العلماء على تواتر أحاديث المهدي، وأعقبت ذلمك
بذكر مؤلفيها من العلماء.
ثم تعرضت لذكر من أنكر ظهور المهدي، والرد عليه.
ثم تكلمت على حديث: "لا مهدي إلا عيسى بن مريم"، وبيَّنتُ أنه لا يصلح حجة لمن أنكر ظهور المهدي.
وأما الفصل الثاني؛ فتحدثتُ فيه عن المسيح الدجال.
وكان الكلام فيه على معنى لفظي المسيح والدجال.
ثم ذكرت صفة الدجال، والأحاديث الواردة في ذلك.
ثم الكلام على حياة الدجال؛ هل هو حي أم لا؟
واستلزم ذلك الحديث عن ابن صياد، فذكرت نبذة عن حياته، واسمه، وأحواله، وامتحان النبي r  له، والاشتباه في أمره، ثم وفاته، ثم تكلمت عن اختلاف العلماء فيه؛ هل هو الدجال الأكبر أم لا؟ فذكرت كلام الصحابة أولًا، وما ورد من الأحاديث في ذلك، ثم ذكرت أقوال العلماء في ابن صياد، ورددت على من قال: إن ابن صياد خرافة جازت على بعض العقول! وبيَّنتُ أنه حقيقة بالأدلَّة الصحيحة من السنة.
ثم تحدثتُ عن مكان خروج الدجال، وأن الدجال يدخل جميع البلدان ما عدا مكة والمدينة.
ثم ذكرتُ أتباع الدجال، وفتنته.
ثم رددتُ على من أنكر ظهور الدجال، وبيَّنتُ أن ما يعطاه من الخوارق أمور حقيقية.
وتحدثتُ كذلك عن كيفية الوقاية من فتنة الدجال، وما يجب على المسلم أن يتسلح به حتى ينجو من هذه الفتنة العظيمة.
ثم الكلام على الحكمة في عدم ذكر الدجال في القرآن صراحة.
ثم ختمتُ الحديث عن الدجال بذكر كيفية هلاكه والقضاء على فتنته.
وأما الفصل الثالث؛ فكان الحديث فيه عن نزول عيسى u آخر الزمان؛ إمامًا مقسطًا، وحكمًا عادلًا.
وقبل الكلام على نزوله تحدثتُ عن صفته التي جاءت بها الروايات الصحيحة، مع ذكر هذه الروايات.
ثم تحدثتُ عن صفة نزوله u، وموضع نزوله.
ثم ذكرت أقوال العلماء الذين نصوا على تواتر الأحاديث الواردة في نزول عيسى u، وأن نزوله آخر  الزمان ذكره طائفة من العلماء في عقيدة أهل السنة والجماعة.
ثم ذكرت أدلة نزوله من الكتاب والسنة؛ علامة على قرب السَّاعة، فبدأت بأدلة نزوله من القرآن الكريم، مع ذكر كلام المفسرين في ذلك، ثم ذكرت الأحاديث الدالَّة على نزوله، وأنها متواترة لا يجوز ردها، بل يجب الإيمان بها.
ثم ذكرتُ الحكمة في نزوله u دون غيره من الأنبياء u، وبيَّنتُ أنه ينزل حاكمًا بشريعة الإسلام لا ناسخًا لها، مع ذكر الأدلَّة على ذلك.
وتحدثتُ كذلك عن عهد عيسى u، وأنه عصر أمن وسلام، تنزل السماء فيه بركاتها، وتُخرِج الأرض خيراتها.
ثم ختمتُ الكلام فيه ببيان مدة بقائه بعد نزوله، ثم وفاته u.
وأما الفصل الرابع؛ فهو عن ظُهور يأجوج ومأجوج، وقد بدأتُ بالحديث عن اشتقاق لفظتي (يأجوج) و(مأجوج)، ثم تكلمت عن أصلهم، وبيَّنتُ أنهم من ذرية آدم u، ثم ذكرتُ صفتَهم، وكيفية خروجهم، مع ذكر الأدلَّة من الكتاب والسنة على ثبوت ظهورهم في آخر الزمان، ثم تحدثتُ عن سد يأجوج ومأجوج، وأن هذا السد غير معروف
مكانه، وبيَّنتُ أن الأدلَّة تدلُّ على أنه لم يندك إلى الآن، ورددت على من قال: إنه قد اندك، وإن يأجوج ومأجوج قد خرجوا، وإنهم التتار الذين ظهروا في القرن السابع الهجري.
وأما الفصل الخامس؛ فكان عن الخسوفات الثلاثة، وهي خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب.
تحدثتُ أولًا عن معنى الخسف، ثم بيَّنتُ أن هذه الخسوفات الثلاثة من أشراط السَّاعة الكبرى، وأنها لم تقع إلى الآن، وأما ما وقع من بعض الخسوفات؛ فإنما هي خسوفات جزئية، ذكرتها في أشراط السَّاعة الصغرى.
وأما الفصل السادس؛ فكان الحديث فيه عن الدُّخان.
ذكرتُ أولًا الأدلَّة من القرآن الكريم على ثبوت ظهوره، وذكرت كذلك أقوال العلماء في هذا الدُّخان: هل وقع أم لا؟ مع بيان الراجح، ثم ذكرت الأدلَّة من السنة المطهرة.
وأما الفصل السابع؛ فتحدثتُ فيه عن طلوع الشمس من مغربها.
ذكرتُ أولًا الأدلَّة من القرآن الكريم، مع ذكر بعض أقوال المفسرين، ثم الأدلَّة من السَّنة، ثم مناقشة الشيخ محمد رشيد رضا فيث رده لحديث أبي ذر t  في سجود الشمس.
ثم بيَّنتُ أنه بعد طلوع الشمس من مغربها لا يقبل الإيمان، ولا التوبة، بل يختم على الأعمال، ورددتُ على مَن قال بخلاف ذلك بالأدلَّة الصحيحة.
وأما الفصل الثامن؛ فتكلمتُ فيه عن خروج دابة الأرض.
وذكرت أولًا الأدلَّة من القرآن الكريم، ثم الأدلَّة من السنة الشريفة. ثم تحدثتُ عن مكان خروج هذه الدابة.
ثم ذكرتُ الأقوال في نوع هذه الدابة، مع ذكر الراجح.
ثم ذكرتُ عمل هذه الدابة إذا ظهرت.
وأما الفصل التاسع؛ فهو عن ظهور النار التي تحشر الناس.
تحدثتُ عن مكان خروجها، والأدلَّة على ذلك، ثم كيفية حشرها للناس، مع ذكر الأدلَّة أيضًا.
ثم تكلمتُ عن الأرض التي يحشر الناس إليها، ثم ذكرت فضل أرض الشام، والأحاديث الدالَّة على الترغيب في سكناه، والرد على من أنكر أن تكون أرض الشام هي أرض المحشر.
ثم بيَّنتُ أن هذا الحشر المذكور في الأحاديث يكون في الدُّنيا قبل يوم القيامة، وذكرت خلاف العلماء في ذلك، وبيان الراجح من الأقوال.
- الخاتمة: ذكرتُ فيها أهم النتائج التي توصلتُ إليها.
وبعد:
فإني أحمد الله وأشكره أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، على تيسيره وتسهيله، وأسأله المزيد من عونه وتوفيقه.
ولا أدعي أنني استكملتُ جميع جوانب البحث؛ فإن الكمال لله U، والنقص من طبيعة البشر، ولكنني بذلتُ وسعي، فما كان فيه من صواب؛ فمن توفيق الله U، وما كان غير ذلك؛ فأستغفر الله منه، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وسبحان ربِّك ربِّ العزّة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمدُ للهِ رب العالمين.
وصلى الله وسلَّم على عبده ورسوله محمد إمام المتقين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
التمهيد
ويشمل على المباحث التالية:
o الأول: أهمية الإيمان باليوم الآخر وأثر ذلك على سلوك الإنسان.
o الثاني: أسماء يوم القيامة.
o الثالث: حجية خبر الآحاد في العقائد.
o الرابع: إخبار النبي r عن الغيوب المستقبلة.
o الخامس: علم السَّاعة.
o السادس: قرب قيام السَّاعة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
المبحث الأول
أهميَّة الإيمان باليوم الآخر وأثره على سلوك الإنسان
الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، وعقيدة من عقائد الإسلام الأساسية؛ فإن قضية البعث في الدار الآخرة هي التي يقوم عليها بناء العقيدة بعد قضية وحدانية الله تعالى.
والإيمان بما في اليوم الآخر وعلاماته من الإيمان بالغيب الذي لا يدركه العقل، ولا سبيل لمعرفته؛ إلا بالنص عن طريق الوحي.
ولأهميَّة هذا اليوم العظيم؛ نجد ان الله تعالى كثيرًا ما يربط الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر؛ كما قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر} [البقرة: 177]، وكقوله تعالى: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}[الطلاق: 2] ... إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
وقلَّ أن تمرَّ على صفحة من القرآن؛ إلا وتجد فيها حديثًا عن اليوم الآخر، وما فيه من ثواب وعقاب.
والحياة في التصور الإسلامي ليست هي الحياة الدُّنيا القصيرة المحدودة، وليست هي عمر الإنسان القصير المحدود.
إن الحياة في التصوُّر الإسلامي تمتدُّ طولًا في الزمان إلى أبد الآباد، وتمتدُّ في المكان إلى دار أخرى في جنة عرضها السماوات والأرض، أو نار تتَّسع لكثير من الأجيال التي عمَّرت وجه الأرض
أحقابًا من السنين():
قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِه} [الحديد: 21].
وقال تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق: 30].
إن الإيمان بالله واليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب هو الموجه الحقيقي لسلوكِ الإنسانِ سبيلَ الخير، وليس هناك أي قانون من قوانين البشر يستطيع أن يجعل سلوك الإنسان سويًا مستقيمًا كما يصنعه الإيمان باليوم الآخر.
ولهذا؛ فإن هناك فرقًا كبيرًا وبونًا شاسعًا بين سلوك من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أن الدُّنيا مزرعة الآخرة، وأن الأعمال الصالحة زاد الآخرة؛ كما قال الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}  [البقرة: 197]، وكما قال الصحابي الجليل عُمير بن الحمام ().
رَكضاً إلى الله بِغيرِ زَادِ?إلا التُّقى وَعَمَل المَعَادِ
والصَّبرِ في الله على الجِهادِ?وكُلُّ زَادٍ عُرضةُ النَّفادِ
غَير التُّقَى والبِرِّ والرَّشَادِ ().
هناك فرقٌ بين سلوك من هذا حاله، وبين سلوك آخر لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب، "فالمصدق بيوم الدين يعمل وهو ناظر لميزان السماء لا لميزان الأرض، ولحساب الآخرة لا لحساب الدُّنيا"()، له سلوك فريدٌ في الحياة، نرى فيه الاستقامة، وسعة التصور، وقوة الإيمان، والثبات في الشدائد، والصبر على المصائب؛ ابتغاء للأجر والثواب، فهو يعلم أن ما عند  الله خير وأبقى.
روى الإمام مسلم عن صهيب t ؛ قال: قال رسول الله r : "عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء؛ شكر؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء؛ صبر؛ فكان خيرًا له"().
والمسلم لا يقتصر نفعه على البشرية، بل يمتدُّ إلى الحيوان؛ كما في القول المشهور عن عمر بن الخطاب t : "لو عثرت بغلةٌ في العراق؛ لظننتُ أن الله سيسألني عنها: لِمَ لَمْ تُسَو لها الطريق يا عمر"().
هذا الشعور هو من آثار الإيمان بالله واليوم الآخر، والإحساس بثقل التبعية، وعظم الأمانة، التي تحملها الإنسان وأشفقت منها السماوات والأرض والجبال، إذ يعلم أن كل كبيرة وصغيرة مسؤول عنها، ومحاسب بها، ومجازى عليها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر:
{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30].
{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49].
وأما الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء؛ فهو يحاول جاهدًا أن يحقق مآربه في الحياة الدُّنيا؛ لا هثًا وراء متعها، متكالبًا على جمعها، مناعًا للخير أن يصل الناس عن طريقه قد جعل الدُّنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، فهو يقيس الأمور بمنفعته الخاصة، لا يهمه غيره، ولا يلتفت إلى بني جنسه؛ إلا في حدود ما يحقق النفع له في هذه الحياة القصيرة المحدودة، يتحرك وحدوده هي حدود الأرض وحدود هذا العمر، ومن ثم يتغير حسابه، وتختلف موازينه، وينتهي إلى نتائج خاطئة ()؛ لأنه مستبعد للبعث، {بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} [القيامة: 5، 6].
هذا التصور الجاهلي المحدود الضيق جعل أهل الجاهلية يسفكون الدماء، وينهبون الأموال، ويقطعون الطريق؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث والجزاء؛ كما صور الله حالهم بقوله تعالى: {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنيا
وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)} [الأنعام: 29]، وكما قال قائلهم: "إنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع".
وتمر القرون، ويأتي العجب، فيحدث من الإنكار أكبر من هذا، فنرى إنكارًا كليًا لما وراء المادة المحسوسة؛ كما في الشيوعية الماركسية الملحدة، التي لا تؤمن بالله تعالى ولا باليوم الآخر، وتصف الحياة بأنها (مادة) فقط! وليس وراء المادة المحسوسة شيء آخر، فإن زعيمهم (ماركس) الملحد يرى أنه لا إله! والحياة مادة! ولذلك فهم كالحيوانات؛ لا يدركون معنى الحياة وما خلقوا له، بل هم ضائعون تائهون، إن تحقق لهم اجتماع؛ ففي ظل الخوف من سطوة القانون.
وتجد هذا الصنف من الناس من أشد الناس حرصًا على الحياة؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت؛ كما قال تعالى في وصف المشركين من اليهود وغيرهم: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) } [البقرة: 96].
فالمشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، واليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي، بما صنع بما عنده من العلم (). فهذا الجنس وما شاكله هم شر الناس، فتجده ينتشر بينهم: الجشع، والطمع، وقهر الشعوب، واستعبادهم، وسلب ثرواتهم؛ حرصًا منهم على التمتع بلذات الحياة الدُّنيا، ولهذا يظهر بينهم الانحلال الخلقي، والسلوك البهيمي.
وهم إذا رأوا الحياة الدُّنيا تربو متاعبها وآلامها على ما يأملون من
لذات عاجلة؛ لم يكن لديهم أي مانع من الإقدام على الموت، فهم لا يقدرون مسؤولية في حياة أخرى، فليس لديهم ما يمنع من إقدامهم على التخلص من هذه الحياة.
من أجل هذا اهتم الإسلام وجاء التأكيد في القرآن على قضية الإيمان باليوم الآخر، وإثبات البعث والحساب والجزاء، فأنكر على الجاهلين استبعادهم له، وأمر نبيه أن يقسم على أنه حق: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)}  [التغابن: 7]، وذكر من أحوال يوم القيامة، وما أعده لعباده المتقين من ثواب، وما أعده للعاصين من عقاب، ولفت نظر الجاحدين له إلى دلائل حقيته؛ استئصالًا للشك من النفوس، وحتى يضع الناس نصب أعينهم هذا اليوم وما فيه من أهوال تقشعر لها الأبدان؛ ليستقيم سلوكهم في هذه الحياة؛ باتباع الدين الحق الذي جاءهم به رسولهم r ، وإليك بعض هذه الأدلَّة:
أ- النشأة الأولى:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ}  الآيات [الحج: 5- 7].
فمن قدر على خلق الإنسان في أطوار متعددة لا يعجز عن إعادته مرة أخرى، بل إن الإعادة أهون من البدء في حكم العقل؛ كما قال تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)}  [يس: 78- 79].
ب- المشاهد الكونية المحسوسة الدالَّة على إمكان البعث:
قال تعالى: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ
وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعة آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)}[الحج: 5- 7].
فإحياء الأرض الميتة بالمطر وظهور النبات فيها دليل على قدرة الخالق جل وعلا على إحياء الموتى وقيام السَّاعة.
ج- قدرة الله الباهرة المتجلية في خلق الأعظم:
قال تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) }  [يس: 81- 82].
فخالق السماوات والأرض على عظمها قادر على إعادة خلق الإنسان الصغير؛ كما في قوله تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (57)}[غافر: 57].
د- حكمته تعالى الظاهرة للعيان والتجلية في هذه الكائنات لكل من أنعم النظر وجرد الفكر من التعصب والهوى:
والحكيم لا يترك الناس سدى، ولا يخلقهم عبثًا؛ لا يؤمرون، ولا ينهون، ولا يجزون على أعمالهم:
قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [المؤمنون: 115- 116].
وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (39)} [الدُّخان: 38- 39].
فمن البين أن من أدار نظره في عجائب هذه المخلوقات، وتدبر ما فيها من نظام وإحكام، فكل شيء خلق بمقدار، وكل شيء خلق لغاية
وأمد في تحقيق هذه الغاية بما يكفل وجودها وقيامها إن هو سار على النهج الذي أراده الله له.
إن النظر في هذا الكون الرحب ليرينا – إلى جانب شمول علمه تعالى وعظم قدرته – بالغ حكمته، فلا يترك الناس يعتدي قويهم على ضعيفهم دون أن يكون له رادع، ولا يترك هؤلاء الذين ينحرفون عن الجادة دون أن يكون لهم من العقاب فيما وراء هذه الحياة ما هم جديرون به، ولا يترك هؤلاء الذي كرسوا جهدهم ولم يدخروا وسعًا في العمل على مرضاة ربهم دون أن يجدوا من فضل الله وإنعامه عليهم في اليوم الآخر ما يعلمون معه أن ما ضحوا به من متاع، وما تحملوا من مشاق في حياتهم الدُّنيا، إن هو إلا نزر يسير بجانب ما يجدون من ثواب ونعيم في جنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
إن الناس لو تأملوا سنن الله الكونية وجليل حكمته تعالى، وعظيم عنايته بالإنسان وتكريمه له؛ لدفعهم ذلك إلى الإيمان باليوم الآخر، فحينئذ لا تطل الأنانية بوجهها البغيض، ولا يكون تكالب على الحياة الدُّنيا، بل التعاون على البر والتقوى.
المبحث الثاني
أسماء يوم القيامة
ومن مظاهر الاهتمام باليوم الآخر – إلى جانب ذكر أشراطه – كثرةُ ذكره في القرآن بأسماء متنوعة ()، لكل منها دلالته الخاصة، ومن هذه الأسماء:
1- السَّاعة: قال الله تعالى: {إِنَّ السَّاعة لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا}  [غافر: 59].
2- يوم البعث: قال تعالى: {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ}[الروم: 56].
3- يوم الدِّين: قال تعالى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}[الفاتحة: 4].
4- يوم الحسرة: قال تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ}[مريم: 39].
5- الدَّار الآخرة: قال تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}[العنكبوت: 64].
6- يوم التَّناد: قال تعالى: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ}[غافر: 32].
7- دار القرار: قال تعالى: {وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ}[غافر: 39].
8- يوم الفَصل: قال تعالى: {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21)}[الصافات: 21],
9- يوم الجَمع: قال تعالى: {وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ}[الشورى: 7].
10- يوم الحِساب:  قال تعالى: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53) }[ص: 53].
11- يوم الوعيد: قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) }[ق: 20].
12- يوم الخُلود: قال تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34)}[ق: 34].
13- يوم الخُروج: قال تعالى: {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42)}[ق: 42].
14- الواقعة: قال تعالى:  {إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ (1)}[الواقعة: 1].
15- الحاقة: قال تعالى: {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)}[الحاقة: 1- 3].
16- الطَّامَّة الكبرى: قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34)}[النازعات: 34].
17- الصَّاخَّة: قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ (33)}[عبس: 33].
18- الآزفة: قال تعالى: {أَزِفَتْ الآزِفَةُ (57)}[النجم: 57].
19- القارعة: قال تعالى: {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3)}[القارعة: 1- 3]().
 
المبحث الثالث
حجِّيَّة خبر الآحاد في العقائد
لهذا المبحث صلة وثيقة بموضوع أشراط السَّاعة، ذلك أن أكثر الأشراط جاء ذكرها في أحاديث آحاد()، وقد ذهب بعض أهل الكلام ()
والأصوليين () إلى أن خبر الآحاد لا تثبت به عقيدة، وإنما تثبت بالدليل القطعي؛ آية أو حديثًا عن رسول الله r .
وهذا القولُ مردودٌ؛ فإن الحديث إذا ثبتت صحته برواية الثقات، ووصل إلينا بطريق صحيح؛ فإنه يجب الإيمان به، وتصديقه، سواء كان خبرًا متواترًا، أو آحاداًَ، وإنه يوجب العلم اليقيني، وهذا هو مذهب علماء سلفنا الصالح؛ انطلاقًا من أمر الله تعالى للمؤمنين بقوله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].
وقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ}[آل عمران: 32].
قال ابن حجر رحمه الله: "قد شاع فاشيًا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد؛ من غير نكير، فاقتضى الاتفاق منهم على القبول"().
وقال ابن أبي العز: "خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول؛ عملًا به، وتصديقًا له؛ يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة، وهو أحد قسمي المتواتر، ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع"().
وسأل رجل الإمام الشافعي عن مسألة؟ فقال: "قضى فيها رسول الله r كذا كذا". فقال رجل للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال:
"سبحان الله! أتراني في بيعة! أتراني على وسطي زنار؟! أقول لك: قضى رسوله الله r ، وأنت تقول: ما تقول أنت؟!"().
وقال الشافعي أيضًا: "متى رويت عن رسول الله r حديثًا صحيحًا فلم آخذ به؛ فأشهدكم أن عقلي قد ذهب"() .
فلم يفرق بين خبر الواحد والخبر المتواتر، ولم يفرق بين ما كان إخبارًا بعقيدة وما كان إخبارًا بأمر عملي، وإنما المدار كله على صحة الحديث.
وقال الإمام أحمد: "كل ما جاء عن النبي r بإسناد جيد؛ أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول، ودفعناه، ورددناه، رددنا على الله أمره؛ قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر : 7]"().
فلم يشترط الإمام أحمد إلا صحة الخبر.
وقال ابن تيمية: "السنة إذا ثبتت؛ فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب اتباعها"().
وقال ابن القيم في رده على من ينكر حجية خبر الواحد: "ومن هذا إخبار الصحابة بعضهم بعضًا؛ فإنهم كانوا يجزمون بما يحدث به أحدهم عن رسول الله r، ولم يقل أحد منهم لمن حدثه عن رسول الله r: خبرك خبر واحد لا يفيد العلم حتى يتواتر...
وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثًا عن رسول الله r في الصفات؛ تلقاه بالقبول، واعتقد تلك الصفة به على القطع واليقين؛ كما اعتقد رؤية الرب، وتكليمه، ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب، ونزوله إلى سماء الدُّنيا كل ليلة، وضحكه، وفرحه، وإمساك السماوات على إصبع من أصابع يده، وإثبات القدم له؛ من سمع هذه الأحاديث ممن حدث بها عن رسول الله r ، أو عن صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرد سماعها من العدل الصادق، ولم يرتب فيها.
حتى إنهم ربما تثبتوا في بعض أحاديث الأحكام... ولم يطلب أحد منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات ألبتة، بل كانوا أعظم مبادرة إلى قبولها، وتصديقها، والجزم بمقتضاها، وإثبات الصفات بها، من المخبر لهم بها عن رسول الله r ، ومن له أدنى إلمام بالسنة والتفات إليها؛ يعلم ذلك، ولولا وضوح الأمر في ذلك، لذكرنا أكثر من مئة موضع.
فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله r  خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة، وإجماع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام، ووافقوا به المعتزلة، والجهمية، والرافضة، والخوارج، الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء.
وإلا؛ فلا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك، بل صرح الأئمة بخلاف قولهم؛ ممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم: مالك،
والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة، وداود بن علي، وأصحابه؛ كأبي محمد بن حزم"().
وأما ما عرض للمنكرين لحجية خبر الواحد من شبهة()، وهي أن خبر الآحاد يفيد الظن، ويعنون به الظن الراجح لجواز خطأ الواحد، أو غفلته، أو نسيانه، والظن الراجح يجب العلم به في الأحكام اتفاقًا، ولا يجوز الأخذ به عندهم في المسائل الاعتقادية.
ويستدلُّون على ذلك ببعض الآيات التي تنهى عن اتباع الظن؛ كقوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا (28)}  [النجم: 28].
فالجواب عن هذه الشبهة أن احتجاجهم بهذه الآية وأمثالها مردود؛ لأن الظن هنا ليس هو الظن الغالب الذي عنوه، وإنما هو الشك والكذب والخرص والتخمين؛ فقد جاء في "النهاية" و"اللسان" وغيرهما من كتب اللغة: "الظن: الشك يعرض لك في شيء، فتحققه، وتحكم به"().
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "{وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم}[النجم: 28]؛ أي: ليس لهم علم صحيح يصدق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع،  {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا}؛ أي: لا يجدي شيئًا، ولا يقوم أبدًا مقام الحق، وقد ثبت في الصحيح أن
رسول الله r  قال: "إياكم والظن؛ فإن الظن! أكذب الحديث"()"().
فالشك والكذب هو الظن الذي ذمه الله تعالى، ونعاه على المشركين، ويؤيد ذلك قول تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الأنعام: 116]، فوصفهم بالظن والخرص الذي هو مجرد الحزر والتخمين، وإذا كان الخرص والتخمين هو الظن، فإنه لا يجوز الأخذ به في الأحكام()؛ لأن الأحكام لا تبنى على الشك والتخمين.
 وأما ما قيل من احتمال غفلة الراوي ونسيانه؛ فهو مدفوع بما يشترط في خبر الواحد؛ من كون كل من الرواة ثقةً ضابطًا، فمع صحة الحديث لا مجال لتوهم خطأ الراوي، ومع ما جرت به العادة من أن الثقة الضابط لا يغفل ولا يكذب لا مجال لرد خبره لمجرد احتمال عقلي تنفيه العادة.
الأدلَّة على قبول خبر الواحد:
وإذ تبين زيف ما بني عليه عدم الأخذ بخبر الواحد في العقائد؛ فالأدلَّة التي توجب الأخذ به كثيرة، جاءت في الكتاب والسنة، ومنها:
أما الأدلَّة من الكتاب؛ فهي كثيرة، أذكر منها:
1- قوله تعالى:  {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)}[التوبة: 122].
فهذه الآية تحث المؤمنين على التفقه في الدين، والطائفة تطلق على الواحد فما فوق.
قال الإمام البخاري: "ويسمى الرجل طائفة؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}[الحجرات: 9]، فلو اقتتل رجلان؛ دخلا في معنى الآية"().
فإذا كان الرجل يؤخذ بما يخبر به من أمور دينية؛ كان هذا دليلًا على أن خبره حجة، والتفقه في الدين يشمل العقائد والأحكام، بل إن  التفقه في العقيدة أهم من التفقه في الأحكام ().
2- قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}[الحجرات: 6]، وفي قراءة: (فتثبتوا)؛ من التثبت().
وهذا يدلُّ على الجزم والقطع بقبول خبر الواحد الثقة، وأنه لا يحتاج إلى التثبت؛ لعدم دخوله في الفاسق، ولو كان خبره لا يفيد العلم؛ لأمر بالتثبت مطلقا حتى يحصل العلم().
3- قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}[النساء: 59].
قال ابن القيم: "وأجمع المسلمون أن الرد إلى الرسول هو الرجوع إليه في حياته، والرجوع إلى سنته بعد مماته، واتفقوا على أن فرض هذا
الرد لم يسقط بموته، فإن كان متواتر أخباره وآحادها لا تفيد علمًا ولا يقينًا؛ لم يكن للرد إليه وجه"().
وأما الأدلَّة من السنة؛ فهي كثيرة جدًا، أقتصر على بعض منها:
1- كان النبي r  يبعث رسله إلى الملوك واحدًا بعد واحد، وكذلك أمراءه على البلدان، فيرجع الناس إليهم في جميع الأحكام العملية والاعتقادية، فبعث أبا عبيدة عامر بن الجراح t  إلى أهل نجران()، وبعث معاذ بن جيل t  إلى أهل اليمن()، وبعث دحية الكلبي t  بكتاب إلى عظيمك بصرى()... وغيرهم من الصحابة y.
2- وروى البخاري عن عبد الله بن عمر t ؛ قال: "بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إ?ذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله r  قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة؛ فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة"().
ولا يقال: إن هذا في حكم عملي؛ لأن العمل بهذا الحكم مبين على اعتقاد صحة الخبر.
3- وعن عمر t ؛ قال: "وكان رجل من الأنصار إذا غاب عن رسول الله r  وشهدته؛ أتيته بما يكون من رسول الله r ، وإذا غبت عن رسول الله r وشهد؛ أتاني بما يكون من رسول الله r"().
فهذا واقع الصحابة y يرينا أن الواحد منهم كان يكتفي بخبر الواحد في أمور دينه؛ سواء كان منها اعتقاديًا، أو عمليًا.
4- وعن عبد الله بن مسعود t ؛ قال: سمعت رسول الله r  يقول: "نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فحفظه حتى يبلغه، فرب مبلغ أوعى من سامع"().
وهذا أيضًا لا يقتصر على أحاديث الأعمال دون غيرها، بل هو عام متناول لأحاديث الأعمال والأحكام الاعتقادية، فلو لم يكن الإيمان بما يثبت عنه r  من عقائد بأخبار الآحاد واجبًا؛ لما كان لهذا الأمر من النبي r  بتبليغ حديثه مطلقًا معنى، بل لبين الرسول r  أن ذلك مقصور على أحاديث الأعمال دون غيرها.
هذا؛ والقول بأن أحاديث الآحاد لا تثبت بها عقيدة قول مبتدع محدث لا أصل له في الدين، ولم يقل به واحد من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، ولم ينقل عن أحد منهم، بل ولا خطر لهم على بال، ولو وجد دليل قطعي يدلُّ على أن أحاديث الآحاد لا تثبت بها
عقيدة؛ لعلمه الصحابة، وصرحوا به، وكذلك من بعدهم من السلف الصالح.
ثم إن هذا القول المبتدع يتضمن عقيدة تستلزم رد مئات الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي r ().
فالذين لا يأخذون بخبر الواحد في العقيدة يلزمهم أن يردوا كثيرًا من العقائد التي ثبتت بأحاديث الآحاد، ومنها:
1- أفضلية نبينا محمد على جميع الأنبياء والمرسلين.
2- شفاعتُه العظمى في المحشر.
3- شفاعته r  لأهل الكبائر من أمته.
4- معجزاته كلها ما عدا القرآن.
5- كيفية بدء الخلق، وصفة الملائكة والجن، وصفة الجنة والنار؛ مما لم يذكر في القرآن الكريم.
6- سؤال منكَر ونكير في القبر.
7- ضغطة القبر للميِّت.
8- الصراط، والحوض، والميزان ذو الكفتين.
9- الإيمان بأن الله تعالى كتب على كل إنسان سعادته أو شقاوته، ورزقه وأجله وهو في بطن أمه.
10- خصوصياته r  التي جمعها السيوطي في كتاب "الخصائص الكبرى"؛ مثل دخوله في حياته الجنة، ورؤيته لأهلها، وما أُعد للمتقين فيها، وإسلام قرينه من الجن.
11- القطع بأن العشرة المبشرين بالجنة من أهل الجنة.
12- عدم تخليد أهل الكبائر في النار.
13- الإيمان بكل ما صح في الحديث في صفة القيامة والحشر والنشر مما لم يرد في القرآن الكريم.
14- الإيمان بمجموع أشراط السَّاعة؛ كخرود المهدي، ونزول عيسى u، وخروج الدجال، وخروج النار، وطلوع الشمس من مغربها، والدابة، وغير ذلك.
ثم إنه ليست أدلة جميع هذه العقائد التي قالوا هي ثابتة بخبر الآحاد، ليست أدلَّتها أحاديث آحاد، بل منها ما دليله أحاديث متواترة، ولكن قلة علم هؤلاء المنكرين لحجية خبر الآحاد؛ جعلهم يردُّون كل هذه العقائد، وغيرها من العقائد، التي جاءت بها الأحاديث الصحيحة().
المبحث الرابع
إخبار النبي r  عن الغيوب المستقبلة
لقد أخبر النبي r  بما يكون إلى قيام السَّاعة، وذلك مما أطلعه الله عليه من الغيوب المستقبلة، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًا، حتى بلغت حد التواتر المعنوي().
فمنها ما رواه حذيفة t ؛ قال: "لقد خطبنا النبي r  خطبة ما ترك فيها شيئًا إلى قيام السَّاعة إلا ذكره؛ علمه من علمه، وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشيء قد نسيتته، فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه"().
وقال t : "أخبرني رسول الله r  بما هو كائن إلى أن تقوم السَّاعة، فما منه شيء إلا قد سألته؛ إلا أني لم أسأله: ما يخرج أهل المدينة من المدينة؟"().
ولم يكن ذلك خاصًا بحذيفة t ، بل لقد خطب النبي r  يومًا
كاملًا؛ ليبين للصحابة y ما كان وما سيكون إلى قيام السَّاعة.
فقد روى أبو زيد عمرو بن أخطب الأنصاري t ؛ قال: "صلى بنا رسول الله r  الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل، فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل، فصلى، ثم صعد، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا". رواه مسلم().
وقال حذيفة بن اليمان t : "والله إنني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين السَّاعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله r  أسر إلي في ذلك شيئًا لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله r  قال وهو يحدث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله r  وهو يعد الفتن: "منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئًا، ومنهن فت كرياح الصيف؛ منها صغار، ومنها كبار"".
قال حذيفة: "فذهب أولئك الرهط كلهم غيري"().
فهذه أدلة صحيحة على أن النبي r  قد أخبر أمته بكل ما هو كائن إلى قيام السَّاعة مما يخصهم.
ولا شك أن أشراط السَّاعة قد نالت من الإخبار بالغيب النصيب الأوفر، ولهذا جاءت أحاديث أشراط السَّاعة كثيرة جدًا، ورويت بألفاظ مختلفة؛ لكثرة من نقلها من الصحابة y.
المبحث الخامس
علم السَّاعة
علم السَّاعة غيبٌ لا يعلَمُه إلا الله تعالى؛ كما دلَّت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ فإن علم السَّاعة مما استأثر الله به، فلم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ()، فلا يعلم أحد متى تقوم السَّاعة؛ إلا الله تعالى.
وكان النبي r  يكثر من ذكر السَّاعة وأهوالها، فكان الناس يسألونه عن وقت قيام السَّاعة، فكان يخبرهم أن ذلك غيب لا يعلمه إلا الله، وكان الآيات القرآنية تتنزل مبينة أن علم السَّاعة مما اختص الله تعالى به نفسه.
ومن ذلك قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187)} [الأعراف: 187].
فالله تعالى يأمر نبيه محمدًا r  أن يخبر الناس أن علم السَّاعة عند الله وحده، فهو الذي يعلم جلية أمرها، ومتى يكون قيامها؛ لا يعلم ذلك أحد من أهل السماوات والأرض:
كما قال تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعة قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعة تَكُونُ قَرِيبًا (63)} [الأحزاب: 63].
وكما قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا (44)} [النازعات: 42- 44].
فمنتهى علم السَّاعة إلى الله وحده.
ولهذا لما سأل جبريل u رسول الله r  عن وقت السَّاعة – كما في حديث جبريل الطويل -؛ قال النبي r : "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"().
فجبريل لا يعلم متى تقوم السَّاعة، وكذلك محمد r .
وأيضًا؛ فإن عيسى u لا يعلم متى تقوم السَّاعة، مع أنه ينزل قرب قيامها، وهو من علامات السَّاعة الكبرى؛ كما سيأتي.
روى الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم؛ عن عبد الله بن مسعود t  عن النبي r ؛ قال: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى".
قال: "فتذاكروا أمر السَّاعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها. فردوا الأمر إلى موسى، فقال: لا علم لي بها. فردوا الأمر إلى عيسى، فقال: أما وجبتها؛ فلا يعلمها أحد إلا الله، ذلك، وفيما عهد إلى ربي أن الدجال خارج. قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني؛ ذاب كما يذوب الرصاص. قال: فيهلكه الله"().
فهؤلاء أولو العزم من الرسل لا يعلمون متى تقوم السَّاعة.
وروى الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله t ؛ قال: سمعت النبي r  يقول قبل أن يموت بشهر: "تسألوني عن السَّاعة؟ وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مئة سنة"().
فهذا الحديث ينفي احتمال أن يكون علمها النبي r  بعد سؤال جبريل عنها.
قال ابن كثير: "فهذا النبي الأمي، سيد الرسل، وخاتمهم، صلوات الله عليه وسلامه، نبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملحمة، والعاقب، والمقفي، والحاشر، الذي تحشر الناس على قدميه، مع قوله فيما ثبت عنه في "الصحيح" من حديث أنس وسهل بن سعد y: "بعثت أنا والسَّاعة كهاتين"()، وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها، ومع هذا كله قد أمره الله تعالى أن يرد علم وقت السَّاعة إليه إذا سئل عنها، فقال: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}[الأعراف: 187]"().
ومن زعم أن النبي r  يعلم متى تقوم السَّاعة؛ فهو جاهل؛ لأن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية السابقة ترد عليه.
قال ابن القيم: "وقد جاهر بالكذب بعض من يدعي في زماننا العلم، وهو يتشبع بما لم يعط، أن رسول الله r كان يعلم متى تقوم السَّاعة. قيل له: فقد قال في حديث جبريل: "ما ا لمسؤول عنها بأعلم من السائل"! فحرفه عن موضعه، وقال: معناه: أنا وأنت نعلمها.
هذا من أعظم الجهل، وأقبح التحريف، والنبي r  أعلم بالله من أن يقول لمن كان يظنه أعرابيًا: أنا وأنت نعلم السَّاعة؛ إلا أن يقول هذا الجاهل: إنه كان يعرف أنه جبريل، ورسول الله r  هو الصادق في قوله: "والذي نفسي بيده؛ ما جاءني في صورة إلا عرفته؛ غير هذه الصورة"()، وفي اللفظ الآخر: "شبه علي غير هذه المرة"، وفي اللفظ الآخر : "ردوا علي الأعرابي، فذهبوا فالتمسوا، فلم يجدوا شيئًا".
وإنما علم النبي r  أنه جبريل بعد مدة؛ كما قال عمر: "فلثبت مليًا،÷ ثم قال النبي r : "يا عمر! أتدري من السائل؟"()، والمحرف
يقول: علم وقت السؤال أنه جبريل، ولم يخبر الصحابة بذلك إلا بعد مدة!
ثم قوله في الحديث: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" يعم كل سائل ومسؤول، فكل سائل ومسؤول عن هذه السَّاعة شأنهما كذلك"().
وأيضًا؛ لا معنى لذكر أشراطها وإخبار السائل بها ما دام يعلمها، ولا سيما أنه لم يسأل عن أشراطها.
وأعجب من هذا ما جاء في كلام السيوطي في "الحاوي" بعد أن ذكر الجواب عن السؤال عن الحديث المشتهر على ألسنة الناس: أن النبي r  لا يمكث في قبره ألف سنة؟
قال: "وأنا أُجيب بأنه باطل، لا أصل له".
وذكر أنه ألَّف في ذلك مؤلفًا سمَّاه: "الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف"؛ قال فيه:
أولًا: الذي دلَّت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد عن ألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها خمس مئة سنة؛ لأنه ورد من طرق أن مدة الدُّنيا سبعة آلاف سنة، وأن النبي r  بُعِثَ في أواخر الألف السادسة"().
ثم ذكر حسابات خلص منها إلى أنه لا يمكن أن تكون المدة ألفًا وخمس مئة أصلًا، ثم ذكر الأحاديث والآثار التي اعتمد عليها في ذلك:
ومنها ما رواه الطبراني في "الكبير" عن الضَّحَّاك بن زمل الجهني؛
قال: رأيتُ رؤيا، فقصصتُها على رسول الله r ، فذكر الحديث، وفيه: إذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات، وأنت في أعلاها درجة. فقال r : "أما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة؛ فالدُّنيا سبعة آلاف سنة، وأنا في آخرها ألفًا"().
وذكر أنه أخرجه البيهقي في "الدلائل"، وأن السُّهيلي ذكر أن الحديث ضعيف() الإسناد، ولكنه روي موقوفًا على ابن عباس رضي الله عنهما من طرق صحاح، وأن الطبري() هذا الأصل، وعضده بآثار.
ثم بين السيوطي أن معنى قوله r : "وأنا في آخرها ألفًا"؛  أي: معظم الملة في الألف السابعة؛ ليطابق ما سيأتي أنه بعث في أواخر الألف السادسة، ولو كان بعث في أول الألف السابعة؛ كانت الأشراط الكبرى كدجال ونزول عيسى u وطلوع الشمس من مغربها؛ وجدت قبل اليوم بأكثر من مئة سنة؛ لتقوم السَّاعة عند تمام الألف، ولم يوجد شيء من ذلك، فدل على أن الباقي من الألف السابعة أكثر من ثلاث مئة سنة().
هذا هو ملخص كلام السيوطي رحمه الله، وهو مصادمٌ لصريح القرآن، وللأحاديث الصحيحة؛ من أن مدة الدُّنيا لا يعلمها أحد إلا الله تعالى؛ فإننا لو عرفنا مة الدُّنيا؛ لعلمنا متى تقوم السَّاعة، وقد علمت فيما سبق من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية أن السَّاعة لا يعلم وقت قيامها إلا الله تعالى.
وأيضًا؛ فإن الواقع يرد ذلك؛ فإننا في بداية القرن الخامس عشر الهجري، ولم يخرج الدجال، ولم ينزل عيسى u، فيقتله، ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، وأن الناس يمكثون بعد طلوع الشمس من مغربها مئة وعشرين سنة، وأن بين النفختين أربعين سنة، فهذه مئتا سنة لا بد منها()، فعلى كلامه لو خرج الدجال الآن؛ لا بد من مئتي سنة، فيكون قيام السَّاعة بعد ألف وست مئة سنة.
وبهذا يتبين بطلان كل حديث ورد في تحديد مدَّة الدُّنيا.
وقد ذكر ابن القيم في كتابه "المنار المنيف" أمورًا كلِّيَّة يُعرَف بها كون الحديث موضوعًا، فقال: "منها مخالفة الحديث صريح القرآن؛ كحديث مقدار الدُّنيا، وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة، وهذا من أبين الكذب؛ لأنه لو كان صحيحًا؛ لكان كل أحد عالمًا أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وأحد وخمسون سنة"().
فإن ابن القيم عاش في القرن الثامن الهجري، فقال هذا الكلام، وقد مر على كلامه هذا أكثر من ست مئة واثنين وخمسين سنة، ولم تنقض الدُّنيا.
وقال ابن كثير: "والذي في كتب الإسرائيليين وأهل الكتاب من تحديد ما سلف بألوف ومئتين من السنين، قد نص غير واحد من العلماء على تخطئتهم فيه، وتغليطهم، وهم جديرون بذلك، حقيقون به، وقد ورد في حديث: "الدُّنيا جمعة من جمع الآخرة"، ولا يصح إسناده
أيضًا، وكذا كل حديث ورد فيه تحديد لوقت يوم القيامة على التعيين لا يثبت إسناده"().
وكما أنه لا يَعْلَمُ أحدٌ متى تقوم السَّاعة؛ فكذلك لا يعلم أحد متى تظهر أشراط السَّاعة، وما ورد أنه في سنة كذا يكون كذا، وفي سنة كذا يحصل كذا؛ فهو ليس بصحيح؛ فإن التاريخ لم يوضع في عهد النبي r ، وإنما وضعه عمر بن الخطاب t ؛ اجتهادًا منه، وجعل بدايته هجرة النبي r  إلى المدينة.
قال القرطبي: "إن ما أخبر به النبي r  من الفتن والكوائن أن ذلك يكون، وتعيين الزمان في ذلك من سنة كذا، يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر، وإنما ذلك كوقت قيام السَّاعة، فلا يعلم أحد أي سنة هي، ولا أي شهر، أما أنها تكونة في يوم الجمعة في آخر ساعة منه، وهي السَّاعة التي خلق الله فيها آدم r ، ولكن أي جمعة؛ لا يعلم تعيين ذلك اليوم إلا الله وحده لا شريك له، وكذلك ما يكون من الأشراط تعيين الزمان لها لا يُعلَم، والله أعلم"().
المبحث السادس
قُرب قِيام السَّاعة
تدلُّ الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الصحيحة على قرب السَّاعة ودنوها؛ فإن ظهور أكثر أشراط السَّاعة دليل على قربها وعلى أننا في آخر أيام الدُّنيا:
قال الله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)} [الأنبياء: 1].
قال تعالى:  {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعة تَكُونُ قَرِيبًا} [الأحزاب: 63].
وقال تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7)}  [المعارج: 6-7].
وقال تعالى: {اقْتَرَبَتْ السَّاعة وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1)}[القمر: 1]
.... إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالَّة على قرب نهاية هذا العالم الدنيوي، والانتقال إلى دار أخرى، ينال فيها كل عامل عمله، إن خيرًا؛ فخير، وإن شرًا؛ فشر.
قال r : "بعثت أنا والسَّاعة كهاتين"، ويشير بأصبعيه، فيمدهما().
وقال r : "بعثت في نسم السَّاعة"().
وقال عليه الصلاة والسلام: "إنما أجلكم – في أجل من خلا من الأمم – ما بين صلاة العصر ومغرب الشمس"().
وعن ابن عمر رضي الله عنها؛ قال: كنا جلوسًا عند النبي r ، والشمس على قعيقعان(). بعد العصر، فقال: "ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من النهار وفيما مضى منه"().
وهذا يدلُّ على أن "ما بقي بالنسبة إلى ما مضى شيء يسير، لكن لا يعلم مقدار ما مضى إلا الله تعالى ولم يجئ فيه تحديد يصح سنده
عن المعصوم حتى يصار إليه، ويعلم نسبة ما بقي بالنسبة إليه، ولكنه قليل جدًا بالنسبة إلى الماضي"().
وليس هناك أبلغ من قوله r  في تقريب السَّاعة: "بعثت أنا والسَّاعة جميعًا، إن كادت لتسبقني"().
 
 
 
 
 
 
 
 
الباب الأول
أشراط السَّاعة
الفصل الأول: تعريف أشراط السَّاعة.
الفصل الثاني: أقسام أشراط السَّاعة.
الفصل الثالث: أشراط السَّاعة الصغرى.
 
 
 
 
 
 
 
الفصل الأول
تعريف أشراط السَّاعة
معنى الشرط:
الشَّرَط – بالتحريك-: هو العلامة، جمعه أشراط، وأشراط الشيء: أوائله، ومنه: شرط السلطان، وهم نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده، ومنه: الاشتراط الذي يشترطه الناس بعضهم على بعض، فالشرط علامة على المشروط().
معنى السَّاعة في اللغة:
هي جزء من أجزاء الليل والنهار، جمعها: ساعات وساع، والليل والنهار معًا أربع وعشرون ساعة.
معنى السَّاعة في الاصطلاح الشرعي:
والمراد بالسَّاعة في الاصطلاح الشرعي: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، وسُمِّيت بذلك لسرعة الحساب فيها، أو لأنها تفجأ الناس في ساعة، فيموت الخلق كلهم بصيحة واحدة ().
 
فأشراط السَّاعة: هي علامات القيامة التي تسبقها وتدلُّ على قربها.
وقيل: هي ما تُنكِرُه الناس من صغار أمورها قبل أن تقوم السَّاعة. وقيل: هي أسبابها التي هي دون معظمها وقيامها ().
والسَّاعة تُطلق على ثلاثة معان:
أ- السَّاعة الصغرى: وهي موت الإنسان؛ فمن مات؛ فقد قامت قيامته؛ لدخوله في عالم الآخرة.
ب- والسَّاعة الوسطى: وهي موت أهل القرن الواحد، ويؤيد ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله r؛ سألوه عن السَّاعة: متى السَّاعة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم، فقال: "إن يعش هذا لم يدركه الهرم؛ قامت عليكم ساعتكم"()؛ أي: موتهم، وأن المراد ساعة المخاطبين ().
ج- والسَّاعة الكبرى: وهي بعث الناس من قبورهم للحساب والجزاء.
وإذا أطلقت السَّاعة في القرآن؛ فالمراد بها القيامة الكبرى:
قال تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعة} [الأحزاب: 63]؛ أي: عن القيامة.
وقال تعالى: {اقْتَرَبَتْ السَّاعة}[القمر: 1]؛ أي: اقتربت القيامة.
وقد ذكر الله تعالى القيامتين الصغرى والكبرى في القرآن الكريم، فتجده يذكر القيامتين في السورة الواحدة؛ كما في سورة الواقعة.
فإنه ذكر في أولها القيامة الكبرى: فقال تعالى: {إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً (7)} [الواقعة: 1- 7].
ثم في آخرها ذكر القيامة الصغر ى، وهي الموت، فقال: {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) } [الواقعة: 83- 85]
وذكر القيامتين أيضًا في سورة القيامة، فقال: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)} [القيامة: 1]، وهذه القيامة الكبرى.
ثم ذكرت الموت، فقال: {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي (26)} [القيامة: 26]، وهو القيامة الصغرى.
وغير ذلك كثير في سورة القرآن الكريم، مما يضيق المقام عن ذكره.
والقيامة الكبرى هي التي نحن بصدد بيان أشراطها التي جاءت فيث الكتاب والسنة ().
الفصل الثاني
أقسام أشراط السَّاعة
تنقسم أشراط السَّاعة إلى قسمين:
1- أشراط صغرى:
وهي التي تتقدم السَّاعة بأزمان متطاولة، وتكون من نوع المعتاد؛ كقبض العلم، وظهور الجهل، وشرب الخمر، والتطاول في البنيان... ونحوها، وقد يظهر بعضها مصاحبًا للأشراط الكبرى، أو بعدها.
2- أشراط كبرى:
وهي الأمور العظام التي تظهر قرب قيام السَّاعة، وتكون غير معتادة الوقوع؛ كظهور الدجال، ونزول عيسى u، وخروج يأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها ().
وقسم بعض العلماء أشراط السَّاعة من حيث ظهورها إلى ثلاثة
أقسام ().
1- قسم ظهر وانقضى.
2- قسم ظهر ولا زال يتتابع ويكثر.
3- قسم لم يظهر إلى الآن.
فأما القسمان الأولان؛ فهما من أشراط السَّاعة الصغرى، وأما القسم الثالث؛ فيشترك في الأشراط الكبرى وبعض الأشراط الصغرى.
 
 
الفصل الثالث
أشراط السَّاعة الصغرى
أشراط السَّاعة الصغرى التي ذكرها العلماء كثيرة جدًا، وقد ذكرت هنا منها ما ثبت بالسنة أنه من أشراط السَّاعة الصغرى، وتركت ما لم يثبت – في حدود علمي القاصر- ، وذلك بعد النظر في هذه الأحاديث، ومعرفة كلام العلماء عليها؛ من حيث الصحة والضعف، أو قد يكون هناك من الأشراط ما هو ثابت، ولم أطلع على حديث ثابت فيه،
وقد سردتُ هذه الأشراط بدون ترتيب؛ لأنني لم أطلع على حديث أو أحاديث تنص على ترتيبها، ذكرت أولًا ما نص العلماء على أنه ظهر وانتهى، ثم تحريت في ذكري لباقي الأشراط بتقديم ما تقتضي الحوادث تقديمه على غيره، فمثلًا؛ ظهور الفتن مقدم على قبض العلم؛ لأن الفتن ظهرت في عصر الصحابة، وقدمت قتال الروم على فتح القسطنطينية؛ لأن الخبر جاء بذلك، وجعلت فتح القسطنطينية مقدمًاُ على قتال اليهود في زمن عيسى u؛ لأن فتحها قبل ظهور الدجال، ونزول عيسى u يكون بعد ظهور الدجال، وهكذا.... وبعض الأشراط يقتضي ذكره في الأخير؛ لأنه لا يظهر إلا بعد الأشراط الكبرى؛ مثل هدم الكعبة على يدي الحبشة، وظهور الريح التي تقبض أرواح المؤمنين.
ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرًا من أشراط السَّاعة قد ظهرت مباديها من عهد الصحابة y، وهي في ازدياد، ثم صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، والذي يعقبه قيام السَّاعة هو استحكام ذلك، فيكون
مثلًا قبض العلم لا يقابله غلا الجهل الصرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم؛ لأنهم يكونون حينئذ مغمورين في أهل الجهل، وقس عليه غيره من أشراط السَّاعة ().
ومما ينبغي التنبيه عليه أيضًا أن بعض الناس يفهم من كون الشيءمن أشراط السَّاعة أنه محذورٌ وممنوعٌ، وهذه القاعدة غير مسلَّمة؛ فإنه ليس كل ما أخبر r  بكونه من علامات السَّاعة يكون محرمًا أو مذمومًا، فإن تطاوُلَ الرعاء في البنيان، وفشو المال، وكون خمسين امرأة لهنَّ قيِّمٌ واحد ليس بحرام بلا شك، وإنما هذه علامات، والعلامة لا يشترط فيها شيء من ذلك، بل تكون بالخير والشر، والمباح، والمحرَّم، والواجب، وغيره، والله أعلم ().
والآن حان الشروع في ذكر أشراط السَّاعة الصغرى، وهي كما يلي:
1- بعثة النبي r :
أخبر r  أن بعثته دليل على قرب قيام السَّاعة، وأنه نبي السَّاعة: ففي الحديث عن سهل t ؛ قال: قال رسول الله r : "بعثت أنا والسَّاعة كهاتين"، ويشير بإصبعيه فيمدهما ().
وعن أنس t : قال: قال رسول الله r : "بعثت أنا والسَّاعة
كهاتين". قال: وضم السبابة والوسطى().
وعن قيس بن أبي حازم عن أبي جُبيرة موفوعًا: "بعثت في نسم() السَّاعة().
فأول أشراط السَّاعة بعثة المصطفى r ، فهو النبي الأخير، فلا يليه نبي آخر، وإنما تليه القيامة كما يلي السبابة والوسطى، وليس بينهما إصبع أخرى، أو كما يفضل إحداهما الأخرى()، ويدلُّ على ذلك رواية الترمذي: "بعثت أنا والسَّاعة كهاتين – وأشار أبو داود بالسبابة والوسطى – فما فضل إحداهما على الأخرى"()، وفي رواية مسلم: "قال شعبةُ: وسمعت قتادة يقول في قصصه: "كفضل إحداهما على الأخرى". فلا
أدري أذكره عن أنس أو قاله قتادة"().
قال القرطبي: "أولها النبي r : لأنه نبي آخر الزمان، وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي"().
قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40].
2- موت النبي r:
من أشراط السَّاعة موتُ النبي r، ففي الحديث عن عوف بن مالك t ؛ قال: قال رسول الله r: "اعدد ستًا بين يدي السَّاعة: موتي..."() الحديث.
فقد كان موت النبي r من أعظم المصائب التي وقعت على المسلمين، فقد أظلمت الدُّنيا في عيون الصحابة y عندما مات عليه الصلاة والسلام.
قال أنس بن مالك t: "لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله r المدينة؛ أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه؛ أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن رسول الله r الأيدي – وإنا لفي دفنه – حتى أنكرنا قلوبنا"().
 قال ابن حجر : "يريد أنهم وجدوها تغيرت  عما عهدوه في حياته من الألفة، والصفاء، والرق؛ لفقدان ما كان يمدهم به من التعليم والتأديب"().
فبموته r  انقطع الوحي من السماء؛ كما في جواب أم أيمن لأبي بكر وعمر y عندما زاراها بعد موت النبي r، فلما انتهيا إليها؛ بكت، فقالا لها: "ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله. فقلت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله r، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء. فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها"().
فقد مات عليه الصلاة والسلام كما يموت الناس: لأن الله تعالى لم يكتب الخلود في هذه الحياة الدُّنيا لأحد من الخلق، بل هي دار ممر لا دار مقر؛ كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)} [الأنبياء: 34- 35].
إلى غير ذلك من الآيات التي تبين أن الموت حق، وأن كل نفس ذائقة الموت، حتى ولو كان سيد الخلق وإمام المتقين محمد r.
وكان موته كما قال القرطبي: "أول أمر دهم الإسلام... ثم بعده
موت عمر، فبموت النبي r انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب، وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير، وأول نقصانه.
قال أبو بكر الصديق t :
فَلتَحدُثَنَّ حَوَادثٌ مِن بعدِه?تُعنَى بِهِنَّ جَوانح وصُدُور
?وقالت صفيَّة بنت عبد المطلب رضي الله عنها:
لعمركَ ما أبكِي النَّبِي لفَقدِه?ولكِنَّ مَا أَخشَى من الهَرجِ() آتِيا ()
3- فتح بيت المقدس:
ومن أشراط السَّاعة فتح بيت المقدس، فقد جاء في حديث عوف بن مالك t أنه قال: قال رسول الله r : "اعدد ستًا بين يدي السَّاعة... (فذكر منها: )فتح بيت المقدس"(). 
ففي عهد عمر بن الخطاب t تم فتح بيت المقدس سنة ست عشرة من الهجرة؛ كما ذهب إلى ذلك أئمة السير، فقد ذهب عمر t بنفسه، وصالح أهلها، وفتحها، وطهرها من اليهود والنصارى، وبنى بها مسجدًا في قبلة بيت المقدس().
وروى الإمام أحمد من طريق عبيد بن آدم؛ قال: "سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب الأحبار (): أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت
عني؛ صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر: ضاهيت اليهودية، لا، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله r، فتقدم إلى القبلة، فصلى، ثم جاء، فبسط رداءه، فكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس"().
4- طاعون عمواس().
جاء في حديث عوف بن مالك السابق قوله r: "اعدد ستًا بين يدي السَّاعة: .... (فذكر منها:) ثم موتان () يأخذ فيكم كقعاص () الغنم ().
قال ابن حجر: "يقال: إن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في
خلافه عمر، وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس"().
ففي سنة ثمان عشرة للهجرة على المشهور الذي عليه الجمهور () وقع طاعون في كورة عمواس، ثم انتشر في أرض الشام، فمات فيه خلق كثير من الصحابة y ومن غيرهم؛ قيل: بلغ عدد من مات فيه خمسة وعشرون  ألفًا من المسلمين، ومات فيه من المشهورين: أبو عبيدة عامر بن الجراح، أمين هذه الأمة، t().
5- استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة:
عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى يكثر فيكم المال، فيفيض، حتى يهم رب المال من يقبله منه صدقة، ويدعى إليه الرجل، فيقول: لا أرب لي فيه"().
عن أبي موسى t عن النبي r ؛ قال: "ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه"().
وأخبر r أن الله تعالى سيعطي هذه الأمة، ويفتح عليها من كنوز الأرض، وأن ملك أمته سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها، ففي الحديث عن ثوبان t أن رسول الله r قال: "إن الله زوى () لي الأرض،
فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض"().
وقال r: "وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض" ().
وعن عدي بن حاتم t ؛ قال: بينما أنا عند النبي r، إذا أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر، فشكا إليه قطع السبيل، فقال: "يا عدي! هل رأيت الحيرة؟". قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: "فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله". قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار ()طيئ الذين قد سعروا البلاد؟! "ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى". قلت: كسرى بن هرمز؟! قال: "كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة؛ يطلب من يقبله منه؛ فلا يجد أحدًا يقبله منه...".
قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالتا بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم r؛ يخرج ملء كفه ().
فقد تحقق كثير مما أخبرنا به الصادق r ، فكثر المال في عهد الصحابة y بسبب ما وقع من الفتوح، واقتسموا أموال الفرس والروم، ثم فاض المال في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فكان الرجل يعرض المال للصدقة، فلا يجد من يقبله.
وسيكثر  المال في آخر الزمان، حتى يعرض الرجل ماله، فيقول الذي يعرض عليه: لا إرب لي ربه.
وهذا – والله أعلم – إشارة إلى ما سيقع في زمن المهدي وعيسى r ()؛ من كثرة الأموال، وإخراج الأرض لبركتها وكنوزها.
ففي الحديث عن أبي هريرة t ؛ قال: قال رسول الله r: "تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة". قال: "فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعون ه فلا يأخذون منه شيئًا" ().
وذكر ابن حجر أنه يحتمل أن يكون استغناء الناس عن المال وتركهم له وقت خروج النار واشتغال الناس بأمر الحشر، فلا يلتفت أحد حينئذ إلى المال، بل يقصد أن يتخفف ما استطاع.
وما ذكره ابن حجر من استغناء الناس عن المال لاشتغالهم بأمر الحشر لا ينافي أن يكون لاستغنائهم سبب آخر، وهو كثرة المال؛ كما يحصل في زمن المهدي وعيسى u، وبذلك يكون الاستغناء يقع في زمنين- وإن تباعدا – بسببين مختلفين، والله أعلم.
6- ظهور الفتن:
الفتن: جمع فتنة، وهي الابتلاء والامتحان والاختبار، ثم كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثم أطلقت على كل مكروه أو آيل إليه؛ كالإثم؛ والكفر، والقتل، والتحريق، وغير ذلك من الأمور المكروهة ().
وقد أخبر النبي r أن من أشراط السَّاعة ظهور الفتن العظيمة التي يلتبس فيها الحق بالباطل، فتزلزل الإيمان، حتى يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، كلما ظهرت فتنة؛ قال المؤمن: هذه مهلكتي. ثم تنكشف ويظهر غيرها، فيقول:  هذه ، هذه. ولا تزال الفتن تظهر في الناس إلى أن تقوم السَّاعة.
ففي الحديث عن أبي موسى الأشعري t؛ قال: قال رسول الله r : "إن بين يدي السَّاعة فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة؛ فإن دخل على أحدكم؛ فليكن كخير ابني آدم".
 رواه الإمام أحمد، وأبو داو، وابن ماجه، والحاكم في "المستدرك" ().
وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله r قال: "بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدُّنيا" ().
وعن أم سلمة زوج النبي r ورضي الله عنها؛ قال: استيقظ رسول الله r ليلة فزعًا؛ يقول: "سبحان الله! ما أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل الله من الفتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات – يريد أزواجه – لكي يصلين؟ رب كاسية في الدُّنيا عارية في الآخرة". رواه البخاري ().
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما؛ قال: نادى منادي رسول الله r: الصلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله r فقال: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدلُّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء الفتنة، فيرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه، هذه... فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة؛ فلتأته منيته، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر". رواه مسلم ().
وأحاديث الفتن كثيرة جدًا، فقد حذر النبي r أمته من الفتن،
وأمر بالتعوذ منها، وأخبر أن آخر هذه الأمة سيصيبها بلاء وفتن عظيمة، وليس هنالك عاصم منها؛ إلا الإيمان بالله واليوم الآخر، ولزوم جماعة المسلمين، وهم أهل السنة – وإن قلوا -، والابتعاد عن الفتن، والتعوذ منها، فقد قال عليه الصلاة والسلام: "وتعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن". رواه مسلم () عن زيد بن ثابت t .
أ- ظهور الفتن من المشرق:
أكثر الفتن التي ظهرت في المسلمين كان منبعها من المشرق، من حيث يطلع قرن الشيطان، وهذا مطابق لما أخبر به نبي الرحمة r.
فقد جاء في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله r وهو مستقبل المشرق يقول: "ألا  إن ا لفتنة ها هنا، ألا إن الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان" (). رواه الشيخان ().
وفي رواية لمسلم أنه قال: "رأس  الكفر من ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان"؛ يعني: المشرق ().
وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: دعا النبي r : "اللهم بارك لنا في
صاعنا ومدنا، وبارك لنا في شامنا ويمننا". فقال رجل من القوم: يا نبي الله! وفي عراقنا. قال: "إن بها قرن الشيطان، وتهيج الفتن، وإن الجفاء بالمشرق" ().
قال ابن حجر: "وأول الفتن كان منبعها من قبل المشرق، فكان ذلك سببًا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة" ().
فمن العراق ظهر الخوارج، والشيعة، والروافض، والباطنية، والقدرية، والجهمية، والمعتزلة، وأكثر مقالات الكفر كان منشؤها من المشرق؛ من جهة الفرس المجوس؛ كالزردشتية()، والمانوية ()، والمزدكية()،
والهندوسية ()، والبوذيَّة ()، وأخيرًا وليس آخرًا: القاديانية ()، والبهائية () ... إلى غير ذلك من المذاهب الهدَّامة.
 
 
 
 
 
 
 
وأيضًا؛ فإن ظهور  التتار في القرن السابع الهجري كان من المشرق، وقد حدث على أيديهم من الدمار والقتل والشر العظيم ما هو مدون في كتب التاريخ.
وإلى اليوم لا يزال المشرق منبعًا للفتن والشرور والبدع والخرافات والإلحاد، فالشيوعية الملحدة مركزها روسيا والصين الشيوعية، وهما في المشرق، وسيكون ظهور الدجال ويأجوج ومأجوج من جهة المشرق، نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
ولا بد لي هنا من أن أنبه على أن بعض الفتن هو من أشراط السَّاعة التي نص عليها رسول الله r ؛ كوقعة صفين، وظهور الخوارج، وسأتكلم بإيجاز عن بعض الفتن العظيمة التي كانت سببًا في تفريق المسلمين، وظهور الشر العظيم.
ب- مقتل عثمان بن عفان t:
لقد كان ظهور الفتن في عهد الصحابة  y بعد مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t؛ فإنه كان بابًا مغلقًا دون الفتن، فلما قتل t ؛ ظهرت الفتن العظيمة، وظهر دُعاتُها ممن لم يتمكن الإيمان من قلبه، وممن كان من المنافقين الذي يظهرون للناس الخير، ويبطنون الشر والكيد لهذا الدين.
ففي "الصحيحين" عن حذيفة t أن عمر بن الخطاب t؛ قال: أيكم يحفظ قول رسول الله r في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ كما قال. قال: هاتِ؛ إنك لجرئ. قال رسول الله r: "فتنةُ الرجل
في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". قال: ليست هذه، ولكن التي تموج كموج البحر. قال: يا أمير المؤمنين! لا بأس عليك منها، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: يفتح الباب أو يكسر؟ قال: لا، بل يكسر. قال: ذلك أحرى أن لا يغلق. قلنا: علم الباب؟ قال: نعم؛ كما أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأله، وأمرنا مسروقًا، فسأله، فقال: من الباب؟ قال: عمر ().
وكان ما أخبر به الصادق المصدوق r ، فقد قُتِلَ عمر، وكُسِرَ الباب، وظهرت الفتن، ووقع البلاء، فكان أول فتنة ظهرت هي قتل الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفان على يد طائفة من دُعاة الشر، الذين تألبوا عليه من العراق ومصر، ودخلوا المدينة، وقتلوه وهو في داره t ().
وقد ذكر النبي r  لعثمان t  أنه سيصيبه بلاءٌ، ولهذا صبر ونهى الصحابة عن قتال الخارجين عليه؛ كي لا يُراقَ دَمٌ مِن أجله t ().
ففي الحديث عن أبي موسى الأشعري t قال: خرج النبي r إلى حائطٍ من حوائطِ المدينة... (فذكر الحديث إلى أن قال:) فجاء عثمان، فقلتُ: كما أنت؛ حتى أستأذن لك. فقال النبي r: "ائذن له،
وبشِّره بالجنة معها بلاءٌ يُصيبُهُ" ().
"وخصَّ النَّبي r عثمان بذكر البلاء مع أن عمر قتل أيضًا؛ لكون عمر لم يمتَحَن بمثل ما امتُحِنَ به عثمان؛ من تسلُّط القوم الذين أرادوا منه أن ينخلع من الإمامة بسبب ما نسبوه إليه من الجَور والظلم؛ بعد إقناعه لهم، ورده عليهم" ().
وبمقتل عثمان t انقسم المسلمون، ووقع القتال بين الصحابة، وانتشرت الفتن والأهواء، وكَثُر الاختلاف، وتشعَّبت الآراء، ودارت المعارك الطاحنة في عهد الصحابة y، وكان النبي r  يعلم ما سيقع من الفتن في زمنهم؛ فإنه أشرف على أطم () من أطام المدينة، فقال: "هل ترون ما أرى؟" قالوا: لا. قال: "فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر" ().
قال النووي: "والتشبيه بمواقع القطر في الكثرة والعموم؛ أي: أنها كثير، تعمُّ الناس، لا تختصُّ بها طائفةٌ، وهذا إشارةٌ إلى الحروب الجارية بينهم؛ كوقعة الجمل، وصفِّين، والحرَّة، ومقتل عثمان والحسين رضي الله عنهما.. وغير ذلك، وفيه معجزة ظاهرة له r "().
ج- موقعة الجمل:
ومن الفتن التي وقعت بعد قتل عثمان t ما وقع في معركة
الجمل المشهورة بين علي t وعائشة وطلحة والزبُّيرy؛ فإنه لما قتل عثمان؛ أتى الناس عليا وهو في المدينة، فقالوا له: ابسُط يَدَكَ نُبايعك. فقال: حتى يتشاور الناس. فقال بعضهم: لئن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان، ولم يقم بعده قائم؛ لم يؤمن الاختلاف وفساد الأمة. فألحوا على علي t في قبول البيعة، فبايعوه، وكان ممن بايعه طلحة والزبير رضي الله عنهما، ثم ذهبا إلى مكة للعمرة، فلقيتهم عائشة رضي الله عنها، وبعد حديث جرى بينهم في مقتل عثمان توجهوا إلى البصرة، وطلبوا من علي أن يسلم لهم قتلة عثمان ()، فلم يجبهم؛ لأنه كان ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه، فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان؛ اقتص منه، فاختلفوا بسبب ذلك، وخشي من نسب إليهم القتل – وهم الخارجون على عثمان – أن يصطلحوا على قتلهم، فأنشبوا الحرب بين الطائفتين ().
وقد أخبر النبي r عليًا أنه سيكون بينه وبين عائشة أمر، ففي الحديث عن أبي رافع أن رسول الله r قال لعلي بن أبي طالب: "إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر". قال: أنا يا رسول الله! قال: "نعم". قال: فأنا أشقاهم يا رسول الله. قال: "لا؛ ولكن إذا كان ذلك؛ فارددها إلى مأمنها" ().
 
ومما يدلُّ على أن عائشة وطلحة والزبير لم يخرجوا للقتال، وإنما للصلح بين المسلمين ما رواه الحاكم من طريق قيس بن أبي حازم؛ قال: لما بلغت عائشة رضي الله عنها بعض ديار بني عامر؛ نبحت عليها الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ قالوا: الحوآب (). قالت: ما أظنني إلا راجعة. فقال لها الزبير: لا بعدُ، تقدَّمي، فيراك الناس، فيصلح الله ذات بينهم. فقالت: ما أظنني إلا راجعة؛ سمعتُ رسول الله r يقول: "كيفَ بإحداكُنَّ إذا نبحتها كلاب الحواب" ().
وفي رواية للبزار عن ابن عباس أن رسول الله r قال لنسائه: "أيتكن صاحبة الجمل الأدبب ()، تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة، وتنجو من بعد ما كادت" ().
قال ابن تيمية: "إن عائشة لم تخرج للقتال، وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها؛ تبكي حتى تَبُلَّ خِمارَها، وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعلي رضي الله عنهم أجمعين.
ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في القتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم؛ فإنه لما تراسل علي وطلحة والزبير، وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنهم إذا تمكنوا؛ طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة، وكان على غير راض بقتل عثمان، ولا معينًا عليه؛ كما كان يحلف، فيقول: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله. وهو الصادق البار في يمينه، فخشي القتلة أن يتفق علي معهم على إمساك القتلة، فحملوا على عسكر طلحة والزبير، فظن طلحة والزبير أن عليًا حمل عليهم، فحملوا دفعًا عن أنفسهم، فطن علي أنهم حملوا عليه، فحمل دفعًا عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم، وعائشة راكبة؛ لا قاتلتن ولا أمرت بالقتال، وهكذا ذكره غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار" ().
د- موقعة صفين:
ومن الفتن التي وقعت بين الصحابة y غير حرب الجمل ما أشار إليه النبي r بقوله: "لا تقوم السَّاعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة". رواه البخاري ومسلم().
فالفئتان هما طائفة علي ومن معه، وطائفة معاوية ومن معه، على ما ذكر الحافظ ابن حجر في "الفتح().
أخرج البزار بسند جيد عن زيد بن وهبن قال: كنا عند حذيفة، فقال: كيف أنتم وقد خرج أهل دينكم يضر ب بعضهم وجوه بعض بالسيف؟ قالوا: فما تأمرنا؟ قال: انظروا الفرقة التي تدعو إلى أمر علي؛ فالزموها، فإنها على الحق ().
وقد وقعت الحر ب بين الطائفتين في الموقعة المشهور بـ(صفين)() في ذي الحجة سنة ست وثلاثين من الهجرة، وكان بين الفريقين أكثر من سبعين زحفًا، قتل نحو سبعين ألفًا من الفر يقين ().
وما حصل من قتل بين علي ومعاوية لم يكن يريده واحد منهما، بل كان في الجيشين من أهل الأهواء متغلبون يحرضون على القتال،
الأمر الذي أدَّى إلى نُشوب تلك المعارك الطاحنة، وخروج الأمر من يد علي ومعاوية رضي الله عنهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأكثرالذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا عليا ولا معاوية، وكان علي ومعاوية رضي الله عنهما أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين، لكن غلبا فيما وقع، والفتنة إذا ثارت؛ عجز الحكماء عن إطفاء نارها.
وكان في العسكرين مثل الأشتر النخعي()، وهاشم بن عتبة المرقال()، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ()، وأبي الأعور السلمي ().
ونحوهم من المحرِّضين على القتال، قومٌ ينتصرون لعثمان غاية الانتصار، وقوم ينفرون عنه، وقوم ينتصرون لعلي، وقوم ينفرون عنه، ثم قتال أصحاب معاوية لم يكن لخصوص معاوية، بل كان لأسباب أخرى.
وقتال الفتنة مثل قتال الجاهلية، لا تنضبط مقاصد أهله واعتقاداتهم؛ كما قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله r متوافرون، فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أُصيب بتأويل القرآن؛ فإنه هدر، أنزلوهم منزلة الجاهلية" ().
هـ- ظهور الخوراج:
ومن الفتن التي وقعت ظهور الخوارج على علي t ، وكان بداية ظهورهم بعد انتهاء معركة (صفين)، واتفاق أهل العراق والشام على التحكيم بين الطائفتين، وفي أثناء رجوع علي t إلى الكوفة فارقه الخوارج – وقد كانوا في جيشه -، ونزلوا مكانًا يقال له (حروراء) ()، ويبلغ عددهم ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشر ألفًا، فأرسل علي إليهم ابن عباس t ، فناظرهم ، ورجع معه بعضهم، ودخلوا في طاعة علي.
وأشاع الخوارج أن عليًا تاب من الحكومة، ولذلك رجع بعضهم إلى طاعته، فخطبهم علي t في مسجد الكوفة، فتنادوا من جوانب
المسجد: لا حكم إلا لله. وقالوا: أشركتَ وحكَّمتَ الرجال ولم تحكِّم كتاب الله.
فقال لهم عليُّ: لكم علينا ثلاث: أن لا نمنَعَكُم من المساجد، ولا من رزقكم في الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادًا.
ثم إنهم تجمعوا وقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين ومر بهم عبد الله بن خباب بن الأرت () ومعه زوجته، فقتلوه وبقروا بطن زوجته عن ولدها، فلما علم بذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t، وسألهم من قتله؟ فقالوا: كلنا قتله. فتجهز علي للقتال، والتقى بهم في الموقعة المشهورة بـ (النهروان)()، فهزمهم شر هزيمة، ولم ينج منهم إلا القليل.
وقد أخبر النبي r  بخروج هذه الطائفة في هذه الأمة، فقد تواترت الأحاديث بذلك، ذكر منها الحافظ ابن كثير أكثر من ثلاثين حديثًا وردت في الصحاح والسنن والمسانيد():
منها ما رواه أبو سعيد الخدري t؛ قال: قال رسول الله r :
"تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق". رواه مسلم ().
وعنه t أنه لما سئل عن الحرورية؟ قال: لا أدري ما الحرورية؟ سمعت النبي r يقول: "يخرج في هذه الأمة – ولم يقل منها – قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم، يمرقون من الدينة مروق السهم من الرمية" (). رواه البخاري.
وقد أمر النبي r بقتال الخوراج، وبين أن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم، وهذا دليل على فساد هذه الطائفة، وبعدها عن الإسلام، وضررها العظيم على الأمة؛ بما تثيره من فتن وقلاقل.
ففي "الصحيحين" عن علي t قال: سمعت رسول الله r يقول: "سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة"().
قال الإمام البخاري: "كان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين().
وقال الحافظ ابن حجر: "عظم البلاء بهم، وتوسَّعوا في معتقدهم الفاسد، فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها، وكفروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرًان وإن لم يكن قادرًا؛ فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفوا عن أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقًا، وفتكوا فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب"().
ولا يزال الخوارج يَظهرون حتى يدرك آخرهم الدجال، ففي الحديث عن ابن عمر أن رسول الله r؛ قال: "ينشأ نشء يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيَهُم، كلما خرج قرن؛ قطع (أكثر من عشرين مرة) حتى يخرج في عراضهم الدجال" ().
و- موقعة الحرَّة ().
ثم تتابع وقوع الفتن بعد ذلك، ومن هذه الفتن موقعة الحرة
المشهورة في عهد يزيد بن معاوية، والتي استبيحت فيها مدينة رسول الله r، وقُتِل فيها كثيرٌ من الصحابة y.
قال سعيد بن المسيب: "ثارت الفتنة الأولى، فلم يبق ممن شهد بدرًا أحد، ثم كانت الثانية، فلم يبق ممن شهد الحديبية أحد".
قال: وأظن لو كانت الثالثة؛ لم ترتفع وفي الناس طباخ" ().
قال البغوي: "أراد بالفتنة الأولة مقتل عثمان، وبالثانية: الحرة" ().
ز- فتنة القول بخلق القرآن:
ثم ظهر بعد ذ?لك في عهد العباسيين فتنة القول بخلق القرآن، وقد تزعم هذه المقالة الخليفة العباسي المأمون، وناصرها، وتبع في ذلك الجهمية والمعتزلة الذين روجوها عنده، حتى امتحن بسببها علماء الإسلام، ووقع على المسلمين بذلك بلاء عظيم، فقد شغلتهم ردحًاٍ طويلًا من الزمن، وأدخل بسببها في عقيدة المسلمين ما ليس منها.
هذا؛ والفتن التي وقعت كثيرة لا حصر لها، ولا تزال الفتن تظهر وتتتابع وتزداد.
وبسبب هذه الفتن وغيرها من الفتن افترق المسلمون إلى فرق كثيرة، كل فرقة تدعو إلى نفسها، وتدعي أنها على الحق، وأن غيرها على الباطل.
وقد أخبر الهادي البشير عليه الصلاة والسلام بافتراق هذه الأمة كما افترقت الأمم قبلها.
ففي الحديث عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". رواه أصحاب "السنن"؛ إلا النسائي ().
وعن أبي عامر عبد الله بن لحي؛ قال: حججنا مع معاوية بن أبي  سيفان، فلما قدمنا مكة؛ قام حين صلى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله r قال: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة – يعني: الأهواء -؛ كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله". والله يا معشر العرب! لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم r؛ لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به ().
ح- اتباع سنن الأمم الماضية:
ومن الفتن العظيمة اتباع سنن اليهود والنصارى وتقليدهم، فقد قلد بعض المسلمين الكفار، وتشبهوا بهم، وتخلقوا بأخلاقهم، وأعجبوا بهم، وهذا مصداق ما أخبر به النبي r ، ففي الحديث عن أبي هريرة t عن النبي r أنه قال: "لا تقوم السَّاعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع". فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ فقال: "ومن الناس إلا أولئك". رواه البخاري ().
وفي رواية عن أبي سعيد: قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟!". رواه البخاري ومسلم ().
قال ابن بطال (): "أعلم r أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء؛ كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والسَّاعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصة من الناس ().
وقال ابن حجر: "وقد وقع معظم ما أنذر به r، وسيقع بقية" ذلك ().
وفي هذا الزمن كثير في المسلمين من يتشبه بالكفار؛ من شرقيين وغربيين، فتشبه رجالنا برجالهم، ونساؤنا بنسائهم، وافتتنوا بهم، حتى أدى الأمر ببعض الناس أن خرجوا عن الإسلام، واعتقدوا أنه لا يتم لهم تقدم وحضارة إلا بنبذ كتاب الله وسنة نبيه r، ومن عرف الإسلام الصحيح؛ عرف ما وصل إليه المسلمون في القرون الأخيرة؛ من بعد عن تعاليم الإسلام، وانحراف عن عقيدته، فلم يبق عند بعضهم من الإسلام إلا اسمه، فقد حكموا قوانين الكفار، وابتعدوا عن شريعة الله، وليس هناك أبلغ مما وصف به النبي r المسلمين في اتباعهم ومحاكاتهم للكفار، فقال: "شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم" ().
قال النووي: "والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله r، فقد وقع ما أخبر به r" ().
هذا؛ والفتن ليس لها حصرٌ، ففتنة النساء، وفتنة المال، وحب الشهوات، وحب السلطان والسيادة والزعامة؛ كلها فتنٌ ربما تهلك الإنسان، وتعصف به إلى مهاوي الرَّدى، نسأل الله العافية والسلامة.
7- ظهور مدَّعي النبوَّة:
ومن العلامات التي ظهرت: خروج الكذَّابين الذين يدعون النبوة،  وهم قريبٌ من ثلاثين كذابًا، وقد خرج بعضهم في الزمن النبويِّ وفي عهد الصحابة، ولا يزالون يظهرون.
وليس التحديد في الأحاديث مرادًا به كل من ادعى النبوة مطلقًا؛ فإنهم كثيرٌ لا يُحصون، وإنما المراد من قامت له شوكة، وكَثُر أتباعه، واشتهر بين الناس ().
ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة t عن النبي r  قال: "لا تقوم السَّاعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين؛ كلهم يزعم أنه رسول الله" ().
وعن ثوبان t؛ قال: قال رسول الله r: "لا تقوم السَّاعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون من أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي" ().
والأحاديث في ظهور هؤلاء الدجاجلة كثيرة، وفي بعضها وقع أنهم ثلاثون بالجزم؛ كما في حديث ثوبان، وفي بعضها أنهم قريب من الثلاثين؛ كما في حديث "الصحيحين"، ولعل رواية ثوبان على طريقة جبر الكسر ().
وممن ظهر من هؤلاء الثلاثين مسيلمة الكذاب، فادعى النبوة في
آخر زمن النبي r، وكاتبه رسول الله r، وسماه مسيلمة الكذاب، وقد كثر أتباعه، وعظم شره على المسلمين، حتى قضى عليه الصحابة في عهد أبي بكر الصديق t، في معركة اليمامة المشهورة.
وظهر كذلك الأسود العنسي في اليمن، وادعى النبوة، فقتله الصحابة قبل موت النبي r.
وظهرت سجاح، وادعت النبوة، وتزوجها مسيلمة، ثم لما قتل؛ رجعت إلى الإسلام.
وتنبأ أيضًا طليحة بن خويلد الأسدي، ثم تاب ورجع إلى الإسلام، وحسن إسلامه.
ثم ظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي، وأظهر محبة أهل البيت، والمطالبة بدم الحسين، وكثر أتباعه، فتغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، ثم أغواه الشيطان، فادعى النبوة ونزول جبريل عليه ().
والذي يقوي أنه من الدجالين ما رواه أبو داود بعد سياقه لحديث أبي هريرة الذي في "الصحيحين" في ذكر الكذابين: "عن إبراهيم النخعي أنه قال لعبيدة السلماني (): أترى هذا منهم – يعني: المختار-؟ قال: فقال عبيدة: أما إنه من الرؤوس" ().
ومنهم الحارث الكذاب، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان، فقتل.
 
وخرج في خلافة بني العباس جماعة ().
وظهر في العصر الحديث ميرزا أحمد القادياني بالهند، وادعى النبوة، وأنه المسيح المنتظر، وأن عيسى ليس بحي في السماء .... إلى غير ذلك من الادعاءات الباطلة، وصار له أتباع وأنصار، وانبرى له كثير من العلماء، فردوا عليه، وبينوا أنه أحد الدجالين.
ولا يزال خروج هؤلاء الكذابين واحدًا بعد الآخر، حتى يظهر آخرهم الأعور الدجال، فقد روى الإمام أحمد عن سمرة بن جندب t أن رسول الله r قال في خطبته يوم كسفت الشمس على عهده: "وإنه – الله- لا تقوم السَّاعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا، آخرهم الأعور الكذاب" ().
ومن هؤلاء الكذابين أربع نسوة، فقد روى الإمام أحمد عن حذيفة t أن نبي الله r قال: :في أمتي كذابون ودجالون سبة وعشرون، منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيين، لا نبي بعدي" ().
8- انتشار الأمن:
عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "لا تقوم السَّاعة حتى يسير الراكب بين العراق ومكة، لا يخاف إلا ضلال الطريق" ().
وهذا قد وقع في زمن الصحابة y، وذلك حينما عم الإسلام والعدل البلاد التي فتحها المسلمون.
ويؤيدُهُ ما تقدم في حديث عدي t حين قال له النبي r: "يا عدي ! هل رأيت الحيرة؟". قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها. قال: "فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة؛ لا تخاف إلا الله..." ().
وسيكون ذلك في زمن المهدي وعيسى u حينما يعمُّ العدلُ مكان الجور والظلم.
9- ظُهورُ نارِ الحجازِ:
عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: " لا تقوم السَّاعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز؛ تضيء أعناق الإبل ببصرى()" ().
وقد ظهرت هذه النار في منتصف القرن السابع الهجري في عام أربع  وخمسين وست مئة، وكانت نارًا عظيمة، أفاض العلماء ممن عاصر ظهورها ومن بعدهم في وصفها.
قال النووي: "خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين
وست مئة، وكانت نارًا عظيمة جدًا، من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، وتواتر العلم بها عند جميع الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة" ().
ونقل ابن كثير أن غير واحد من الأعراب ممن كان بحاضرة بصرى شاهدوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز ().
وذكر القرطبي ظهورَ هذه النار، وأفاض في وصفها في كتابه "التذكرة" ()، فذكر أنها رئيت من مكة ومن جبال بصرى.
وقال ابن حجر: "والذي ظهر لي أن النار المذكورة ... هي التي ظهرت بنواحي المدينة؛ كما فهمه القرطبي وغيره" ().
وهذه النار ليست هي النار التي تخرج في آخر الزمان، تحشر الناس إلى محشرهم ()؛ كما سيأتي في الكلام عليها في الأشراط الكبرى.
10- قِتالُ التُّرك ():
روى مسلم عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى يقاتل المسلمون الترك؛ قومًا وجوههم كالمجان () المطرق()، يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر" ().
وللبخاري عن أبي هريرة عن النبي r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف()، كأن وجوههم المجان المطرقة" ().
وعن عمرو بن تغلب؛ قال: سمعتُ رسول الله r يقول: "من أشراط السَّاعة أن تقاتلوا قومًا عراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة" ().
وقد قاتل المسلمون الترك من عصر الصحابة y، وذلك في أول خلافة بني أمية، في عهد معاوية t .
روى أبو يعلى عن معاوية بن خديج؛ قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان حين جاءه كتاب من عامله يخبره أنه وقع بالترك وهزمهم، وكثرة من قتل منهم، وكثرة من غنم، فغضب معاوية من ذلك، ثم أمر أن يكتب إليه: قد فهمت مما قلت ما قتلت وغنمت، فلا أعلمن ما عدت لشيء من ذلك ولا قاتلتهم حتى يأتيك أمري. قلت: لم يا أمير المؤمنين؟ قال: سمعتُ رسول اله r يقول: "لتظهرن الترك على العرب حتى تلحقها بمنابت الشيخ () والقيصوم" ()، فأنا أكره قتالهم لذلك ().
وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه t؛ قال: كنت جالسًا عند النبي r، فسمعنا النبي r يقول: "إن أمتي يسوقها قوم عراض الأوجه، صغار الأعين، كأن وجوههم الحجف () (ثلاث مرات)، حتى يلحقوهم بجزيرة العرب، أما السابقة الأولى؛ فينجو من هرب منهم، وأما الثانية؛ فيهلك بعض وينجو بعض، وأما الثالثة؛ فيصطلمون () كلهم من بقي منهم". قالوا: يا نبي الله! من هم؟ قال: "هم الترك". قال: "أما والذي نفسي بيده؛ ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين".
قال: وكان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتع السفر والأسقية بعد ذلك للهرب؛ مما سمع من النبي r من البلاء من أمراء الترك ().
وكان مشهورًا في زمن الصحابة y حديث: "اتركوا الترك ما تركوكم" ().
قال ابن حجر: :كان ما بينهم وبين المسلمين مسدودًا إلى أن فتح ذلك شيئًا بعد شيء، وكثر السبي منهم، وتنافس الملوك فيهم، لما يتصفون به من الشدة والبأس، حتى كان أكثر عسكر المعتصم منهم، ثم غلب الأتراك على الملك، فقتلوا ابنه المتوكل، ثم أولاده واحدًا بعد واحد، إلى أن خالط المملكة الديلم، ثم كان الملوك السامانية من الترك أيضًا، فملكوا بلاد العجم، ثم غلب على تلك الممالك آل سبكتكين، ثم آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق والشام والروم، ثم كان بقايا
أتباعهم بالشام – وهم آل زنكي -، وأتباع هؤلاء – وهم بيت أيوب -، واستكثر هؤلاء أيضًا من الترك، فغلبوهم على المملكة بالديار المصرية والشامية والحجازية.
وخرج على آل سلجوق في المئة الخامسة الغز، فخربوا البلاد، وفتكوا في العباد.
ثم جاءت الطامة الكبرى بالططر (التتار)، فكان خروج جنكز خان بعد الست مئة، فأسعرت بهم الدُّنيا نارًا، خصوصًا المشرق بأسره، حتى لم يبق بلد منه حتى دخله شرهم، ثم كان خراب بغداد وقتل الخليفة المستعصم آخر خلفائهم على أيديهم في سنة ست وخمسين وست مئة، ثم لم تزل بقاياهم يخربون إلى أن كان آخرهم (اللنك)، ومعناه: الأعرج، واسمه (تمر)؛ بفتح المثناة، وضم الميم، وربما أشبعت، فطرق الديار الشامية، وعاش فيها، وحرق دمشق حتى صارت على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدته إلى أن أخذه الله، وتفرق بنوه في البلاد.
وظهر بجميع ما أوردته مصداق قوله r: "إن بني قنطوراء أول من سلب أمتي ملكهم"... وكأنه يريد بقوله: "أمتي" أمة النسب، لا أمة الدعوة؛ يعني: العرب، والله أعلم" ().
وعلى هذا يكون التتار الذين يظهرون في القرن السابع الهجري هم من الترك؛ فإن الصفات التي جاءت في وصف الترك تنطبق على التتار (المغول)، وقد كان ظهورهم في زمن الإمام النووي رحمه الله()، فقال
فيهم: "قد وجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها r: صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الآنف، عراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر، فوجدوا بهذه الصفات كلها في زماننا، وقاتلهم المسلمون مرات، وقتالهم الآن" ().
وقد دخل كثير من الترك في الإسلام، ووقع على أيديهم خير كثير للإسلام والمسلمين، وكونوا دولة إسلامية قوية، عز بها الإسلام، وحصل في عهدهم كثير من الفتوحات العظيمة، ومنها: فتح القسطنطينية عاصمة الروم، وهو تهيئة للفتح العظيم آخر الزمان قبل ظهور الدجال؛ كما سيأتي، ودخل الإسلام إلى أوروبا وكثير من البلدان في الشرق والغرب.
وهذا مصداق لما قاله المصطفى r كما جاء في حديث أبي هريرة t بعد ذكره r لقتال الترك؛ قال: "وتجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر، حتى يقع فيه، والناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام" ().
11- قتال العجم ():
عن أبي هريرة t أن النبي r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى تقاتلوا خوزًا" ()
وكِرمان () من الأعاجم؛ حُمرُ الوجوه، فُطسُ الأنوف، صغار الأعين؛ كأن وجوهَهُم المجانُّ المُطرَقة، نعالهم الشعر" ().
مضى في الكلام على قتال الترك ذكر صفاتهم التي جاء ذكرها في أحاديث قتالهم، وذكر هنا في هذا الحديث قتال خوز وكرمان، وهما ليسا من بلاد الترك، بل من بلاد العجم، ومع هذا جاء وصفهم كوصف الترك.
قال ابن حجر: "يمكِن أن يُجاب بأن هذا الحديث غير حديث قتال الترك، ويجتمع منهما الإنذار بخروج الطائفتين" ().
قلت: ويؤيد هذا ما رواه سمرة t؛ قال: قال رسول الله r: "يوشك أن يملأ الله U أيديكم من العجم، ثم يكونون أسدًا لا يفرون، فيقتلون مقاتلتكم، ويأكلون فيئكم" ().
وعن أبي هريرة t : قال: قال رسول الله r: "يوشك أن يكثر فيكم من العجم أسد لا يفرون، فيقتلون مقاتلتكم، ويأكلون فيئكم" ().
وعلى هذا فقتال العجم من أشراط السَّاعة.
12- ضِيَاعُ الأمانَة ().
عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "إذا ضيعت الأمانة؛ فانتظر السَّاعة". قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: "إذا أسند الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر السَّاعة" ().
وبيَّن النبي r كيف تُرفع الأمانة من القلوب، وأنه لا يبقى منها في القلب إلا أثرها.
روى حذيفة t؛ قال: حدثنا رسول الله r حديثين، رأيت إحداهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر () قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها؛ قال: "ينام الرجل  النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر
الوكتِ ()، ثم ينام النومة فتُقبَضُ، فيبقى أثرها مثل المجل ()؛ كجمر دحرجته على رجلك، فنفط ()، فتراه منتبرًا ()، وليس فيه شيءٌ، فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحدهم يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله! وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولقد أتى عليَّ زمانٌ وما أبالي أيَّكُم بايعتُ، لئن كان مسلمًا؛ ردَّه الإسلام، وإن كان نصرانيًا، ردَّه عليَّ ساعيه، فأما اليوم؛ فما كنتُ أُبايعُ إلا فلانًا وفلانًا" ().
ففي هذا الحديث بيان أن الأمانة ستُرفع من القلوب، حتى يصير الرجل خائنًا بعد أن كان أمينًا، وهذا إنما يقع لمن ذهبت خشيته لله، وضعُف إيمانُه، وخالطَ أهلَ الخيانة، فيصير خائنًا؛ لأن القرين يقتدي بقرينه.
ومن مظاهر تضييع الأمانة إسناد أمور الناس من إمارة وخلافة وقضاء ووظائف على اختلافها إلى غير أهلها القادرين على تسييرها والمحافظة عليها؛ لأن في ذلك تضييعًا لحقوق الناس، واستخفافًا بمصالحهم، وإيغارًا لصدورهم، وإثارة للفتن بينهم ().
فإذا ضيَّعَ مَن يتولَّى أمر الناس الأمانة – والناس تَبَعٌ لمَن يتولى أمرَهُم-؛ كانوا مثله في تضييع الأمانة، فصلاحُ حال الولاة صلاح لحال الرعية، وفساده فساد لهم.
ثم إن إسناد الأمر إلى غير أهله دليل واضح على عدم اكتراث الناس بدينهم، حتى إنهم ليولون أمرهم من لا يهتم بدينه، وهذا إنما يكون عند غلبة الجهل، ورفع العلم، ولهذا ذكر البخاري رحمه الله حديث أبي هريرة الماضي في كتاب العلم؛ إشارة إلى هذا.
قال ابن حجر: "ومناسبةُ هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غَلَبة الجهل، ورفع العلم، وذلك من جملة الأشراط" ().
وقد أخبر r أنه ستكون هناك سنون خدَّاعة؛ تنعكس فيها الأمور؛ يُكَّذب فيها الصادق، ويُصَّدق فيها الكاذب، ويخوَّن الأمين، ويؤتمن الخائن؛ كما سيأتي الحديث عنه في أن من أشراط السَّاعة ارتفاع الأسافل.
13- قبض العلم وظهور الجهل:
ومن أشراطها قبض العلم وفشوُّ الجهل، ففي "الصحيحين" عن
أنس بن مالك t؛ قال: قال رسول الله r: "من أشراط السَّاعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل" ().
وروى البخاري عن شقيق؛ قال: كنت مع عبد الله وأبي موسى، فقالا: قال النبي r: "إن بين يدي السَّاعة لأيامًا ينزل فيها الجهل، ويرفع العلم" ().
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج" ().
قال ابن بطال: "وجميع ما تضمنه هذا الحديث من الأشراط قد رأيناها عيانًا، فقد نقص العلم، وظهر الجهل، وألقي الشح في القلوب، وعمت الفتن، وكثر القتل" ().
وعقب على ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: "الذي يظهر أن الذي شاهده كان منه الكثير، مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك، حتى لا يبقى ما يقابله إلا النادر، وإليه الإشارة بالتعبير بقبض العلم، فلا يبقى إلا الجهل الصرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم؛ لأنهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك" ().
وقبض العلم يكون بقبض العلماء، ففي الحديث عن عبد الله بن
عمرو بن العاص رضي الله عنهما؛ قال: سمعت رسول الله r يقول: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا؛ اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا؟ فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا"().
قال النووي: "هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس هو محوه من صدور حفاظه، ولكن معناه: أن يموت حملته، ويتخذ الناس جهالًا يحكمون بجهالاتهم، فيضلون ويضلون" ().
والمراد بالعلم هنا علم الكتاب والسنة، وهو العلم الموروث عن الأنبياء u؛ فإن العلماء هو ورثة الأنبياء، وبذهابهم يذهب العلم، وتموت السنن، وتظهر البدع، ويعم الجهل.
وأما علم الدُّنيا؛ فإنه في زيادة، وليس هو المراد في الأحاديث؛ بدليل قوله r: "فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا"، والضلال إنما يكون عند الجهل بالدين، والعلماء الحقيقيون هم الذين يعملون بعلمهم، ويوجهون الأمة، ويدلُّونها على طريق الحق والهدى؛ فإن العلم بدون عمل لا فائدة فيه، بل يكون وبالًا على صاحبه، وقد جاء في رواية للبخاري: "وينقص العمل" ().
قال الإمام مؤرخ الإسلام الذهبي بعد ذكره لطائفة من العلماء:
"وما أوتوا من العلم إلا قليلًا، وأما اليوم؛ فما بقي من العلوم القليلة إلا القليل، في أناس قليل، ما أهل من يعمل منهم بذلك القليل، فحسبنا الله ونعم الوكيل" ().
وإذا كان هذا في عصر الذهبي؛ فما بالك بزماننا؟ فإنه كلما بعد الزمان من عهد ا لنبوة؛ قل العلم، وكثر الجهل؛ فإن الصحابة y كانوا أعلم هذه الأمة، ثم التابعين، ثم تابعيهم، وهم خير القرون؛ كما قال r: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ().
ولا يزال العلم ينقص، والجهل يكثر، حتى لا يعرف الناس فرائض الإسلام، فقد روى حذيفة t؛ قال: قال رسول الله r: "يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة؟ ويسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير، والعجوز؛ يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة؛ يقولون: (لا إله إلا الله)، فنحن نقولها". فقال له صلة(): ما تغني عنهم (لا إله إلا الله) وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم رددها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة! تنجيهم من النار ثلاثًا ().
وقال عبد الله بن مسعود t: "لينزعن القرآن من بين أظهركم؛ يسرى عليه ليلًا، فيذهب من أجواف الرجال، فلا يبقى في الأرض منه شيء" ().
قال ابن تيمية: "يسرى به في آخر الزمان من المصاحف والصدور، فلا يبقى في الصدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف" ().
وأعم من هذا أن لا يذكر اسم الله تعالى في الأرض؛ كما في الحديث عن أنس t أن رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله" ().
أحدهما: أن معناه أن أحدًا لا ينكر منكرًا، ولا يزجر أحدًا إذا رآه قد تعاطى منكرًا، وعبر عن ذلك بقوله: "حتى لا يقال: الله، الله"؛ كما تقدم في حديث عبد الله بن عمر: "فيبقى فيها عجاجة؛ لا يعرفون معروفًا، ولاينكرون منكرًا" ().
والقول الثاني: حتى لا يذكر الله في الأرض، ولا يعرف اسمه فيها، وذلك  عند فساد الزمان، ودمار نوع الإنسان، وكثرة الكفر والفسوق والعصيان" ().
14- كثرة الشرط وأعوان الظلمة:
روى الإمام أحمد عن أبي أمامة t أن رسول الله r  قال: "يكون في هذه الأمة في آخر الزمان رجال – أو قال: يخرج رجال من هذه الأمة في آخر الزمان – معهم سياط؛ كأنها أذناب البقر، يغدون في سخط الله، ويروحون في غضبه" ().
وفي رواية الطبراني في "الكبير": "سيكون في آخر الزمان شرطة يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله، فإياك أن تكون من بطانتهم" ().
وقد جاء الوعيد بالنار لهذا الصنف من الناس الذين يتسلطون على المسلمين، ويعذبونهم بغير بحق.
روى الإمام مسلم عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون
بها الناس..." ().
قال النووي رحمه الله: "وهذا الحديث من معجزات النبوة، فقد وقع ما أخبر به r، فأما أصحاب السياط؛ فهم غلمان والي الشرطة" ().
وقال r لأبي هريرة t: "إن طالب بك مدة؛ أوشكت أن ترى قومًا يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر" ().
وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله r: "يكون عليكم أمراء هم شر من المجوس"().
15- انتشار الزنا:
ومن العلامات التي ظهرت فُشُوُّ الزنا وكثرته بين الناس، فقد أخبر النبي r بأن ذلك من أشراط السَّاعة.
ثبت في "الصحيحين" عن أنس t؛ قال: قال رسول الله r: "إن من أشراط السَّاعة.. (فذكر منها:) ويظهر الزنا" ().
وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: "سيأتي على الناس سنوات خدَّاعاتٌ.. (فذكر الحديث، وفيه:) وتشيع فيها الفاحشة" ().
وأعظم من ذلك استحلال الزنا، فقد ثبت في "الصحيح "عن أبي مالك الأشعري أنه سمع النبي r يقول: "ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير"().
وفي آخر الزمان بعد ذهاب المؤمنين يبقى شرار الناس؛ يتهارجون() تهارج الحمر؛ كما جاء في حديث النواس t : "ويبقى شرار ا لناس، يتهارجون فيها تهارُجَ الحُمُرِ، فعليهم تقوم السَّاعة" ().
وعن أبي هريرة t  عن النبي r قال: "والذي نفسي بيده؛ لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة، فيفترشها في الطريق، فيكون خيارهم يومئذ من يقول: لو واريتَها وراء هذا ا لحائظ!" ().
قال القرطبي () في كتابه "المفهم" على حديث أنس السابق: "في
هذا الحديث علم من أعلام النبوة، إذ أخبر عن أمور ستقع، فوقعت، خصوصًا في هذه الأزمان" ().
وإذا كان هذا في زمان القرطبي؛ فهو في زماننا هذا أكثر ظهورًا؛ لعظم غلبة الجهل، وانتشار الفساد بين الناس.
16- انتشار الربا:
ومنها ظهور الربا، وانتشاره بين الناس، وعدم المبالاة بأكل الحرام، ففي الحديث عن ابن مسعود t عن النبي r  أنه قال: "بين يدي السَّاعة يظهر الربا" ().
وفي "الصحيح" عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام" ().
وهذه الأحاديث تنطبق على كثير من المسلمين في هذا الزمن، فتجدهم لا يتحرون الحلال في المكاسب، بل يجمعون المال من الحلال
والحرام، وأغلب ذلك بدخول الربا في معاملات الناس، فقد انتشرت المصارف المتعاملة بالربا، ووقع كثير من الناس في هذا البلاء العظيم.
ومن فقه الإمام البخاري رحمه الله أنه أورد حديث أبي هريرة السابق في باب قول الله U: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130]؛ ليبين أن أكل الأضعاف المضاعفة من الربا يكون بالتوسع فيه عند عدم مبالاة الناس بطرق جمع المال، وعدم التمييز بين الحلال والحرام.
17- ظُهور المعازف () واستحلالها:
عن سهل بن سعد أن رسول الله r قال: "سيكون في آخر الزمان خسف، وقذف، ومسخ". قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: "إذا ظهرت المعازف والقينات" ().
وهذه العلامة قد وقع شيءٌ كبيرٌ منها في العصور السابقة، وهي الآن أكثر ظهورًا، فقد ظهرت المعازف في هذا الزمان، وانتشرت انتشارًا عظيمًا، وكثر المغنون والمغنيات، وهم المشار إليهم في هذا الحديث بـ(القينات).
وأعظم من ذلك استحلال كثير من الناس للمعازف، وقد جاء الوعيد لمن فعل ذلك بالمسخ والقذف والخسف؛ كما في الحديث السابق، ولما ثبت في "صحيح البخاري" رحمه الله؛ قال: قال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد (ثم ساق السند إلى أبي مالك الأشعري t أنه سمع النبي r يقول): "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم – يعني: الفقير – لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة" ().
وقد زعم ابن حزم () أن هذا الحديث منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد ()، ورد عليه العلامة ابن القيم، وبين أن ما قاله ابن حزم باطل من ستة وجوه ():
1- أن البخاري قد لقي هشام بن عمار، وسمع منه، فإذا روى عنه معنعنًا؛ حمل على الاتصال اتفاقا؛ لحصول المعاصرة والسماع، فإذا
قال: "قال هشام"؛ لم يكن فرق بينه وبين قوله: "عن هشام" أصلًا.
2- أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشام موصولًاُ؛ قال الإسماعيلي في "صحيحه": "أخبرني الحسن: حدثنا هشام بن عمار"؛ بإسناده ومتنه.
3- أنه قد صح من غير حديث هشام، فرواه الإسماعيلي وعثمان بن أبي شيبة بسندين آخرين إلى أبي مالك الأشعري t.
4- أن البخاري لو لم يلق هشامًًا ولم يسمع منه؛ فإدخاله هذا الحديث في "صحيحه"، وجزمه به؛ يدلُّ على انه ثابت عنده عن هشام، ولم يذكر الواسطة بينه وبين هشام، إما لشهرتهم، وإما لكثرتهم، فهو معروف مشهور عن هشام.
5- أن البخاري إذا قال في "صحيحه": :"قال فلان"؛ فالمراد أن الحديث صحيح عنده.
6- أن البخاري ذكر هذا الحديث محتجًا به، مدخلا له في "صحيحه" أصلًا لا استشهادًا.
فالحديث صحيح بلا ريب.
وقال ابن الصلاح (): "ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رده ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر أو أبي مالك: (فذكره)".
ثم قال: "والحديث صحيح، معروف الاتصال؛ بشرط الصحيح، والبخاري رحمه الله قد يفعل مثل ذلك؛ لكون ذلك الحديث معروفًا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علقه عنه، وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندًا متصلًا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع، والله أعلم" ().
وإنما أطلت الكلام على هذا الحديث؛ لأن بعض الناء يتشبث برأي ابن حزم، ويحتج به على إباحة المعازف، وقد تبين أن الأحاديث الواردة في النهي عنها صحيحة، وأن الأمة مهددة بالعقوبات إذا ظهرت الملاهي، وارتكبت المعاصي.
18- كثرة شرب الخمر واستحلالها:
ظهر في هذه الأمة شرب الخمر، وتسميتها بغير اسمها، والأدهى من ذلك استحلال بعض الناس لها، وهذا من أمارات السَّاعة، فقد روى الإمام مسلم عن أنس بن مالك t؛ قال: سمعت رسول الله r يقول: "من أشراط السَّاعة: ... (وذكر منها) ويشرب الخمر ().
ومضى ذكر بعض الأحاديث في الكلام على المعازف، وفيها أنه سيكون من هذه الأمة من يستحل شرب الخمر.
ومنها ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن عباة بن الصامت؛ قال: قال رسول الله r: "لتستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم
يسمونها إياه" ().
فقد أطلق على الخمر أسماء كثيرة، حتى سميت بـ(المشروبات الروحية)!! ونحو ذلك.
والأحاديث في بيان أن هذه الأمة سيفشو فيها شرب الخمر، وأن فيهم من يستحلها ويغير اسمها كثيرة.
وفسر ابن العربي استحلال الخمر بتفسيرين:
الأول: اعتقاد حل شربها.
الثاني: أن يكون المراد بذلك الاسترسال في شربها؛ كالاسترسال في الحلال.
وذكر أنه سمع ورأى من يفعل ذلك ()، وهو في زمننا هذا أكثر، فقد فتن بعض الناس بشربها.
وأعظم من ذلك بيعها جهارًا، وشربها علانية في بعض البلدان الإسلامية، وانتشار المخدرات انتشارًا عظيمًا لم يسبق له مثيل؛ مما ينذر بخطر عظيم، وفساد كبير، والأمر لله من قبل ومن بعد.
19- زخرفة المساجد والتباهي بها:
ومنها زخرفة المساجد، ونقشها، والتفاخر بها، فقد روى الإمام
أحمد عن أنس t أن رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى يتباهى الناس في المساجد" ().
وفي رواية للنسائي وابن خزيمة عنه t أن النبي r قال: "من أشراط السَّاعة أن يتباهى الناس في المساجد"().
قال البخاري: "قال أنس: يتباهون بها، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا، فالتباهي بها: العناية بزخرفتها. قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى" ().
وقد نهى عمر بن الخطاب t عن زخرفة المساجد؛ لأن ذلك يشغل الناس عن صلاتهم، وقال عندما أمر بتحديد المسجد النبوي: "أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر، فتفتن الناس" ().
ورحم الله عمر؛ فإن الناس لم يأخذوا بوصيته، ولم يقتصروا على التحمير والتصفير، بل تعدوا ذلك إلى نقش المساجد كما ينقش الثوب، وتباهى الملوك والخلفاء في بناء المساجد، وتزويقها، حتى أتوا في ذلك بالعجب، ولا زالت هذه المساجد قائمة حتى الآن؛ كما في الشام ومصر
وبلاد المغرب والأندلس وغيرها، وحتى الآن لا يزال المسلمون يتباهون في زخرفة الساجد.
ولا شكل أن زخرفة المساجد علامة على الترف والتبذير، وعمارتها إنما تكون بالطاعة والذكر فيها، ويكفي الناس ما يكنهم من الحر والقر والمطر.
وقد جاء الوعيد بالدمار إذا زخرفت المساجد، وحليت المصاحف، فقد روى الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء t قال: "إذا زوقتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم؛ فالدمار عليكم" ().
قال المناوي (): "فزخرفة المساجد وتحلية المصاحف منهي عنها؛
لأن ذلك يشغل القلب، ويلهي عن الخشوع والتدبر والحضور مع الله تعالى، والذي عليه الشافعية أن تزويق المسجد – ولو الكعبة – بذهب أو فضة: حرام مطلقًا، وبغيرهما مكروه" ().
20- التطاول في البنيان:
هذا من العلامات التي ظهرت قريبًا من عصر النبوة، وانتشرت بعد ذلك، حتى تباهى الناس في العمران، وزخرفة البيوت، وذلك أن الدُّنيا بسطت على المسلمين، وكثرت الأموال في أيديهم بعد الفتوحات، وامتد بهم الزمان حتى ركن كثير منهم إلى الدُّنيا، ودب إليهم داء الأمم قبلهم، وهو التنافس في جمع الأموال وصرفها في غير ما ينبغي أن تصرف فيه شرعًا، حتى إن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفقر بسطت لهم الدُّنيا؛ كغيرهم من الناس، وأخذوا في بناء الأبنية ذوات الطوابق المتعددة، وتنافسوا في ذلك.
وكل هذا قد وقع كما أخبر الصادق المصدوق r، ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة t أن النبي r قال لجبريل عندما سأله عن وقت قيام السَّاعة: "ولكن سأحدثك عن أشراطها.. (فذكر منها): وإذا تطاو رعاء البهائم () في البنيان؛ فذاك من أشراطها"().
وفي رواية لمسلم: "وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" ().
وجاء في رواية للإمام أحمد عن ابن عباس؛ قال: يا رسول الله ! ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: "العرب" ().
وروى البخاري عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة... حتى يتطاول الناس في البنيان" ().
قال الحافظ ابن حجر: "ومعنى التطاول في البنيان أن كلا ممن كان يبني بيتًا يريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، ويحتمل أن يكون المراد بالمباهاة به في الزينة والزخرفة، أو أعم من ذلك، وقد وجد الكثير من ذلك، وهو في ازدياد" ().
وقد ظهر هذا جليًا في هذا العصر، فتطاول الناس في البنيان، وتفاخروا في طولها وعرضها وزخرفتها، بل وصل بهم الأمر إلى أن بنوا ما يشبه ناطحات السحاب المشهورة في (أمريكا) وغيرها من بلدان العالم.
21- ولادة الأمة لربتها ():
جاء في حديث جبريل الطويل قوله النبي r: "وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها" (). متفق عليه.
وفي روية لمسلم: "إذا ولدت الأمة ربها" ().
وقد اختلف العلماء في معنى هذه العلامة على عدة أقوال، ذكر الحافظ ابن حجر منها أربعة أقوال:
1- قال الخطابي: "معناه اتساع الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية، واستولدها؛ كان الولد منها بمنزلة ربها، لأنه ولد سيده" ().
وذكر النووي أن هذا قول الأكثرين من العلماء ().
قال ابن حجر: "لكن في كونه المراد نظر ()؛ لأن استيلاد الإماء كان موجودًا حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم
واتخاذهم سراري وقع أكثره في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام السَّاعة" ().
2- أن تبيع السادة أمهات أولادهم، ويكثر ذلك، فيتداول الملاك المستولدة حتى يشتريها أولادها وا يشعر بذلك.
3- أن تلد الأمة حرًا من غير سيدها بوطء شبهة، أو رقيقًا بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في الأيدي، حتى يشتريها ابنها أو ابنتها، وهذا من نمط القول الذي قبله.
4- أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته؛ من الإهانة بالسب، والضرب، والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازًا، أو المراد بالرب: المربي حقيقة.
ثم قال ابن حجر: "وهذا أوجه الأوجه عندي؛ لعمومه، ولأن المقام يدلُّ على أن المراد حالة تكون – مع كونها تدلُّ على فساد الأحوال – مستغربة، ومحصلة الإشارة إلى أن السَّاعة يقرب قيامها عن انعكاس الأمور، بحيث يصير المربى مربيًا، والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: أن تصير الحفاة ملوك الأرض" ().
5- وهناك قول خامس للحافظ ابن كثير رحمه الله، وهو: "أن الإماء تكون في آخر الزمان هن المشار إليهن بالحشمة، فتكون الأمة تحت الرجل الكبير دون غيرها من الحرائر، ولهذا قرن ذلك بقوله: "وأن ترى الحفالة العراة العالة يتطاولون في البنيان" ().
22- كثرة القتل:
عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى يكثر الهرج"، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: "القتل، القتل". رواه مسلم ().
وفي رواية للبخاري عن عبد الله بن مسعود: "بين يدي السَّاعة أيام الهرج؛ يزول فيها العلم، ويظهر فيها الجهل". قال أبو موسى: والهرج: القتل؛ بلسان الحبشة ().
وعن أبي موسى t عن النبي r قال: "إن بين يدي السَّاعة الهرج"، قالوا: وما الهرج؟ قال: "القتل"، قالوا: أكثر مما نقتل؛ إنا نقتل في العام الواحد أكثر من سبعين ألفًا. قال: "إنه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضًا". قالوا: ومعنا عقولنا يومئذ. قال: "إنه لينزع عقول أكثر أهل ذلك الزمان، ويخلف له هباء من الناس؛ يحسب أكثرهم أنه على شيء، وليسوا على شيء" ().
وعن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "والذي نفسي بيده؛ لا تذهب الدُّنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قتل، ولا المقتول فيم قتل؟". فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: "الهرج، القاتل
والمقتول في النار" ().
وما أخبر به r في هذه الأحاديث قد وقع بعض منه، فحدث القتال بين المسلمين في عهد الصحابة y بعد مقتل عثمان t، ثم صارت الحروب تكثر في بعض الأماكن دون بعض، وفي بعض الأزمان دون بعض، ودون أن تعرف أسباب أكثر تلك الحروب.
وإن ما حصل في القرون الأخيرة من الحروب المدمرة بين الأمم، والتي ذهب ضحيتها الألوف، وانتشرت الفتن بين الناس بسبب ذلك، حتى صار الواحد يقتل الآخر، ولا يعرف الباعث له على ذلك.
وكذلك؛ فإن انتشار الأسلحة الفتاكة التي تدمر الشعوب والأمم له دور كبير في كثرة القتل، حتى صار الإنسان لا قيمة له؛ يذبح كما تذبح الشاة، وذلك بسبب الانحلال، وطيش العقول، فعند وقوع الفتن يقتل القاتل، ولا يدري لماذا قتل، وفيم قتل، بل إننا نرى بعض الناس يقتل غيره لأسباب تافهة، وذلك عند اضطراب الناس، ويصدق على ذلك قوله r: "إنه لينزع عقول أكثر أهل ذلك الزمان"، نسأل الله العافية، ونعوذ به من الفتن؛ ما ظهر منها وما بطن.
وقد جاء أن هذه الأمة أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، وأن الله تعالى جعل عذابها في الدُّنيا الفتن والزلازل والقتل، ففي الحديث عن صدقة بن المثنى: حدثنا رباح بن الحارث عن أبي بردة؛ قال: بينا أنا واقف في السوق في إمارة زياد إذ ضربت بإحدى يدي على الأخرى تعجبًا، فقال رجل من الأنصار قد كانت لوالده صحبة مع رسول الله r: مما تعجب يا أبا بردة؟ قلت: أعجب من قوم دينهم
واحد ونبيهم واحد، ودعوتهم واحدة، وحجهم واحد، وغزوهم واحد؛ يستحل بعضهم قتل بعض. قال: فلا تعجب! فإني سمعت والدي أخبرني أنه سمع رسول الله r يقول: "إن أمتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة حساب ولا عذاب، إنما عذابها في القتل والزلازل والفتن" ().
وفي رواية عن أبي موسى: "إن أمتي أمة مرحومة، ليس عليها في الآخرة عذاب، إنما عذابها في الدُّنيا: القتل، والبلابل، والزلازل" ().
23- تقارب الزمان: 
عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "لا تقوم السَّاعة حتى ..يتقارب الزمان" ().
وعنه t؛ قال: قال رسول الله r: "لا تقوم السَّاعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالسَّاعة، وتكون السَّاعة كاحتراق السعفة"().
وللعلماء أقوال في المراد بتقارب الزمان؛ منها:
1- أن المراد بذلك قلة البركة في الزمان ().
قال ابن حجر: "قد وجد في زماننا هذا، فإننا نجد من سرعة مر الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا" ().
2- أن المراد بذلك هو ما يكون في زمان المهدي وعيسى u؛ من استلذاذ الناس للعيش، وتوفر الأمن، وغلبة العدل، وذلك أن الناس يستقصرون أيام الرخاء وإن طالت، وتطول عليهم مدة الشدة وإن قصرت ().
3- أن المراد تقارب أحوال أهله في قلة الدين، حتى لا يكون منهم من يأمر بمعروف، وينهى عن منكر، لغلبة الفسق، وظهور أهله، وذلك عند ترك طلب العلم خاصة، والرضى بالجهل، وذلك لأن الناس لا يتساوون في العلم، فدرجات العلم تتفاوت؛ كما قال تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم}().
[يوسف: 76]، وإنما يتساوون إذا كانوا جهالًا. 
4- أن المراد تقارب أهل الزمان بسبب توفر وسائل الاتصالات والمراكب الأرضية والجوية السريعة التي قربت البعيد ().
5- أن المراد بذلك هو قصر الزمان، وسرعته حقيقة، وذلك في آخر  الزمان.
وهذا لم يقع إلى الآن، ويؤيد ذلك ما جاء أن أيام الدجال تطول حتى يكون اليوم كالسنة، وكالشهر، وكالجمعة في الطول، فكما أن الأيام تطول؛ فإنها تقصر ()، وذلك لاختلال نظام العالم، وقرب زوال الدُّنيا.
قال ابن أبي جمرة (): "يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان: قصره؛ على ما وقع في حديث: "لا تقوم السَّاعة حتى تكون السنة كالشهر"، وعلى هذا؛ فالقصر يحتمل أن يكون معنويًا.
أما الحسي؛ فلم يظهر بعد، ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام السَّاعة.
وأما المعنوي؛ فله مدة منذ ظهر؛ يعرف ذلك أهل العلم الديني ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي؛ فإنهم يجدون أنفسهم لا يقدر أحدهم أن يبلغ من العمل قدر ما كانوا يعملونه قبل ذلك، ويكون ذلك، ولا يدرون العلة فيه، ولعل ذلك بسبب ما وقع من ضعف الإيمان؛
لظهور الأمور المخالفة للشرع من عدة أوجه، وأشد ذلك الأقوات، ففيها من الحرام المحض ومن الشبه ما لا يخفى، حتى إن كثيرًا من الناس لا يتوقف في شيء، ومهما قدر على تحصيل شيء؛ هجم عليه ولا يبالي.
والواقع أن البركة في الزمان وفي الرزق وفي النبت إنما تكون من طريق قوة الإيمان، واتباع الأمر، واجتناب النهي، والشاهد لذلك قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعرف: 96] ().
24- تقارب الأسواق:
عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى تظهر الفتن، ويكثر الكذب، وتتقارب الأسواق" ().
قال الشيخ حمود التويجري (): "وأما تقارب الأسواق؛ فقد جاء تفسيره في حديث ضعيف بأنه كسادها، وقلة أرباحها، والظاهر – والله أعلم – أن ذلك إشارة إلى ما وقع في زماننا من تقارب أهل الأرض؛ بسبب المراكب الجوية والأرضية والآلات الكهربائية التي تنقل
الأصوات؛ كالإذاعات والتلفونات الهوائية التي صارت أسواق الأرض متقاربة بسببها، فلا يكون تغيير في الأسعار في قطر من الأقطار إلا ويعلم به التجار – أو غالبهم – في جميع أرجاء الأرض، فيزيدون في السعر إن زاد، وينقصون إن نقص، ويذهب التاجر في السيارات إلى أسواق المدائن التي تبعد عنه مسيرة أيام، فيقضي حاجته منها، ثم يرجع في يوم أو بعض يوم، ويذهب في الطائرات إلى أسواق المدائن التي تبعد عنه مسيرة شهر فأكثر، فيقضي حاجته منها، ويرجع في يوم أو بعض يوم.
فقد تقاربت الأسواق من ثلاثة أوجه:
الأول: سرعة العلم بما يكون فيها من زيادة السعر ونقصانه.
الثاني: سرعة السير من سوق إلى سوق، ولو كانت مسافة الطريق بعيدة جدًا.
الثالث: مقاربة بعضها بعضًا في الأسعار، واقتداء بعض أهلها ببعض في الزيادة والنقصان، والله أعلم").
25- ظهور الشرك في هذه الأمة:
هذا من العلامات التي ظهرت، وهي في ازدياد، فقد وقع الشرك في هذه الأمة، ولحقت قبائل منها بالمشركين، وعبدوا الأوثان، وبنوا المشاهد على القبور، وعبدوها من دون الله، وقصدوها للتبرك والتقبيل والتعظيم، وقدموا لها النذور، وأقاموا لها الأعياد، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة أو أعظم شركًا.
روى أبو داود والترمذي عن ثوبان t ؛ قال: قال رسول الله r:
"إذا وضع السيف في أمتي؛ لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم السَّاعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان" ().
وروى الشيخان عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: "لا تقوم السَّاعة حتى تضطرب أليات () نساء دوس حول ذي الخلصة" ().
و(ذو الخلصة): طاغية دوس التي كانوا يعبدون  في الجاهلية ().
وقد وقع ما أخبر به النبي r في هذا الحديث؛ فإن قبيلة دوس وما حولها من العرب قد افتتنوا بذي الخلصة عندما عاد الجهل إلى تلك البلاد، فأعادوا سيرتها الأولى، وعبدوها من دون الله، حتى قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله بالدعوة إلى التوحيد، وجدد ما اندرس من الدين، وعام الإسلام إلى جزيرة العرب، فقام الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمه الله، وبعث جماعة من الدعاة إلى ذي الخلصة، فخربوها -، وهدموا بعض بنائها – ولما انتهى حكم آل سعود على الحجاز في تلك الفترة، عاد الجهال إلى عبادتها مرة أخرى، ثم لما استولى الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله على الحجاز؛ أمر عامله عليها، فأرسل جماعة من جيشه، فهدموها، وأزالوا أثرها، ولله الحمد والمئة ().
ولا يزال هناك صور من الشرك في بعض البلدان، وصدق الرسول r إذ يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى".
فقالت عائشة: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)} [الصف: 9] أن ذلك تامًا، قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة، فتوفي كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم" ().
ومظاهر الشرك كثيرة، فليست محصورة في عبادة الأحجار والأشجار والقبور، بل تتعدى ذلك إلى اتخاذ الطواغيت أندادًا مع الله تعالى، يشرعون للناس من عند أنفسهم، ويلزمون الناس بالتحاكم إلى شريعتهم، وترك شريعة الله، فينصبون أنفسهم آلهة مع الله تعالى وتقدس؛ كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31]؛ أي: جعلوا علماءهم وعبادهم آلهة يشرعون لهم؛ فإنهم ابتعوهم فيما حللوا وحرموا ().
وإذا كان هذا في التحليل والتحريم؛ فكيف بمن نبذوا الإسلام وراءهم ظهريًا، واعتنقوا المذاهب الإلحادية؛ من علمانية، وشيوعية، واشتراكية، وقومية، ثم يزعمون أنهم مسلمون.
26- ظهور الفحش () وقطيعة الرحم وسوء الجوار:
روى الإمام أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن
رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى يظهر الفحش، والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة"().
وروى الطبراني في "الأوسط" عن أنس؛ قال: قال رسول الله r: "من أشراط السَّاعة الفحش والتفحش وقطعية الرحم" ().
وللإمام أحمد عن ابن مسعود t  عن النبي r أنه قال: "إن بين يدي السَّاعة... قطع الأرحام" ().
وقد وقع ما أخبر به النبي r، فانتشر الفحش بين كثير من الناس؛ غير مبالين بالتحدث بما يرتكبون من معاصي، وما يترتب عليه من عقاب شديد، وقطعت الأرحام، فالقريب لا يصل قريبه، بل حصل بينهم التقاطع والتدابر، فتمر الشهور والسنون وهم في بلد واحد، فلا يتزاورون، ولا يتواصلوان، وهذا لا شك أنه من ضعف الإيمان، فإن رسول الله r حث على صلة الرحم، وحذر من قطيعتها.
وقال: "إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم؛ قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم؛ أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاك لك".
ثم قال رسول الله r: "اقرأوا إن شئتم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) } [محمد: 22- 24]" ().
وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يدخل الجنة قاطع رحم" ().
وأما سوء الجوار؛ فحدث عنه ولا حرج، فكم من جار لا يعرف جاره، ولا يتفقد أحواله؛ ليمد يدد العون إليه إن احتاج! بل ولا يكف شره عنه.
وقد نهى النبي r عن أذى الجار، فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يؤذي جاره" ().
وأمر بالإحسان إلى الجار، فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليحسن إلى جاره" ().
وقال عليه الصلاة والسلام: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" ().
27- تشبب المشيخة:
عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله r: "يكون قوم
يخضبون في آخر الزمان بالسوا؛ كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة" ().
ما جاء في هذا الحديث واقع في هذا الزمن؛ فإنه انتشر بين الرجال صبغ لحاهم ورؤوسهم بالسواد.
والذي يظهر لي – والله أعلم – أن قوله r: "كحواصل الحمام" تشبيه لحال بعض المسلمين في هذا العصر، فتجدهم يصنعون بلحاهم كهيئة حواصل الحمام، يحلقون عوارضهم، ويدعون ما على أذقانهم من الشعر، ثم يصبغونه بالسواد، فيغدو كحواصل الحمام.
قال ابن الجوزي (): "يحتمل أن يكون المعنى لا يريحون رائحة الجنة؛ لفعل يصدر منهم، أو اعتقاد، لا لعلة الخضاب، ويكون الخضاب سيماهم؛ كما قال في الخوارج سيماهم التحليق، وإن كان تحليق الشعر ليس بحرام" ().
قلت: قد نهى النبي r عن صبغ شعر الرأس واللحية بالسواد، ففي "الصحيح" عن جابر بن عبد الله t، قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة () بياضًا، فقال رسول الله r: "غيروا
هذا بشيء، واجتنبوا السواد" ().
28- كثرة الشح ():
عن أبي هريرة t؛ قال: "من أشراط السَّاعة أن يظهر الشح" ().
وعنه t عن النبي r؛ قال: "يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح" ().
وعن معاوية t؛ قال: سمعت رسول الله r يقول: "لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا يزداد الناس إلا شحًا" ().
والشح خلق مذموم؛ نهى عنه الإسلام، وبين أن من وقي شح نفسه؛ فقد فاز وأفلح؛ كما قال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9، والتغابن: 16].
وعن جابر بن عبد الله t أن رسول الله r قال: "اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان
قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم" ().
قال القاضي عياض: "يحتمل أن هذا الهلاك هو الهلاك الذي أخبر عنهم به في الدُّنيا؛ بأنهم سفكوا دماءهم، ويحتمل أنه هلاك الآخرة، وهذا الثاني أظهر، ويحتمل أنه أهكلهم في الدُّنيا والآخر" ().
29- كثرة التجارة:  
ومنها كثرة التجارة، وفشوها بين الناس، حتى تشارك النساء فيها الرجال.
روى الإمام أحمد والحاكم عن عبد الله بن مسعود t عن النبي r أنه قال: "بين يدي السَّاعة تسليم الخاصة، وفشو التجارة، حتى تشارك المرأة زوجها في التجارة" ().
وروى النسائي عن عمرو بن تغلب؛ قال: قال رسول الله r: "إن من أشراط السَّاعة أن يفشو المال ويكثر، وتفشو التحارة" ().
وقد وقع هذا، فكثرت التجارة، وشاركت فيها النساء، وافتتن الناس بجمع المال، وتنافسوا فيه.
وقد أخبر النبي r أنه لا يخشى على هذه الأمة الفقر، وإنما يخشى عليها أن تبسط عليهم الدُّنيا، فيقع بينهم التنافس، ففي الحديث أنه قال عليه الصلاة والسلام: "والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدُّنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم"(). متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: "وتلهيكم كما ألهتهم" ().
وقال r: "إذا فتحت عليكم فارس والروم؛ أي قوم أنتم؟". قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله. قال رسول الله r: "أو غير ذلك: تنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون" أو نحو ذلك ().
فالمنافسة على الدُّنيا تجر إلى ضعف الدين، وهلاك الأمة، وتفرق كلمتها؛ كما وقع فيما مضى، وكما هو واقع الآن.
30- كثرة الزلازل:
عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "لا تقوم السَّاعة حتى تكثر الزلازل" ().
وعن سلمة بن نفيل السكوني؛ قال: كنا جلوسًا عند رسول الله r... (فذكر الحديث، فيه): "وبين يدي السَّاعة موتان
شديد، وبعده سنوات الزلازل" ().
قال ابن حجر: "قد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل، ولكن الذي يظهر أن المراد بكثرتها شمولها ودوامها" ().
ويؤيد ذلك ما روي عن عبد الله بن حوالة t؛ قال: وضع رسول الله r يدي على رأسي – أو على هامتي -، فقال: "يا ابن حوالة! إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة؛ فقد دنت الزلازل والبلايا والأمور العظام، والسَّاعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك" ().
31- ظهور الخسف والمسخ والقذف:
عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: قال رسول الله r: "يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف". قالت: قلت: يا رسول! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا ظهر الخبث" (). 
وعن ابن مسعود t عن النبي r؛ قال: "بين يدي السَّاعة مسخ وخسف وقذف" ().
وقد جاء الخبر أن الزنادقة والقدرية يقع عليهم المسخ والقذف.
روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ قال: سمعت رسول الله r يقول: "إنه سيكون في
أمتي مسخ وقذف، وهو في الزندقية والقدرية" ().
وفي رواية للترمذي: "في هذه الأمة – أو في أمتي – خسف أو مسخ أو قذف في أهل القدر" ().
وعن عبد الرحمن بن صحار العبدي عن أبيه؛ قال: قال رسول الله r: "لا تقوم السَّاعة حتى يخسف بقبائل، فيقال: من بقي من بني فلا؟". قال: فعرفت حين قال: "قبائل" أنها العرب؛ لأن العجم تنسب إلى قراها ().
وعن محمد بن إبراهيم التيمي؛ قال: سمعت بقيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرد تقول: سمعت رسول الله r على المنبر وهو يقول: "إذا
سمعتم بجيش قد خسف به قريبًا؛ فقد أظلت السَّاعة" ().
والخسف قد وجد في مواضع في الشرق والغرب () قبل عصرنا هذا، ووقع في هذا الزمن كثيءر من الخسوفات في أماكن متفرقة من الأرض، وهي نذير بين يدي عذاب شديد، وتخويف من الله لعباده، وعقوبة لأهل البدع والمعاصي؛ كي يعتبر الناس، ويرجعوا إلى ربهم، ويعلموا أن السَّاعة قد أزفت، وأ،ه لا ملجأ من الله إلا إليه.
وقد جاء الوعيد للعصاة من أهل المعازف وشاربي الخمور بالخسف والسمخ والقذف.
روى الترمذي عن عمران بن حصين t أن رسول الله r قال: "في هذه الأمة خسف ومسخ وقذف". فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله! ومتى ذلك؟ قال: "إذا ظهرت القيان والمعازف، وشربت الخمور" ().
وروى ابن ماجه عن أبي مالك الأشعري t قال: قال رسول الله r : "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير" ().
والمسخ يكون حقيقيًا، ويكون معنويًا:
فقد فسر الحافظ ابن كثير رحمه الله (المسخ) في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] بأنه مسخ حقيقي، وليس مسخًا معنويًا فقط، وهذا القول هو الراجح، وهو ما ذهب إليه ابن عباس وغيره من أئمة التفسير.
وذهب مجاهد وأبو العالية وقتادة إلى أن المسخ كان معنويًا، وأنه كان لقلوبهم، ولم يمسخوا قردة ().
ونقل ابن حجر عن ابن العربي القولين، ورجح الأول ().
ورجح رشيد رضا في "تفسيره" () القول الثاني، وهو أنه كان مسخًا في أخلاقهم.
واستبعد ابن كثير ما روي عن مجاهد، وقال: "إنه قول غريب، خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وغيره" ().
ثم قال – بعد سياقه لطائفة من كلام العلماء – "الغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد رحمه الله من أن مسخهم إنما كان معنويًا لا صوريًا، بل الصحيح أنه معنوي صوري، والله أعلم" ().
وإذا كان المسخ يحتمل أن يكون معنويًا؛ فإن كثيرًا من المستحلين للمعاصي قد مسخت قلوبهم، فأصبحوا لا يفرقون بين الحلال والحرام،
ولا بين المعروف والمنكر، مثلهم في ذلك كمثل القردة والخنازير، نسأل الله العافية والسلامة، وسيقع ما أخبر به r من المسخ، سواء أكان معنويًا أو صوريًا.
32- ذهاب الصالحين:
 ومن أشراطها: ذهاب الصالحين، وقلقة الأخيار، وكثرة الأشرار، حتى لا يبقى إلا شرار الناس، وهم الذين تقوم عليهم السَّاعة.
ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله r: "لا تقوم السَّاعة حتى يأخذ الله شريطته () من أهل الأرض، فيبقى فيها عجاجة ()؛ لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا"().
أي: يأخذ الله أهل الخير والدين، ويبقى غوغاء الناس وأراذلهم ومن لا خير فيهم، وهذا عند قبض العلم واتخاذ الناس رؤوسًا جهالًا يفتون بغير علم.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي r أنه قال: "يأتي على الناس زمان يغربلون فيه غربلة، يبقى منهم حثالة () قد
مرجت () عهودهم وأماناتهم، واختلفوا، فكانوا هكذا (وشبك بين أصابعه") ().
وذهاب الصالحين يكون عند كثرة المعاصي، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن الصالحين إذا رأوا المنكر ولم يغيروا وكثر الفساد؛ عمهم العذاب مع غيرهم إذا نزل؛ كما جاء في الحديث لما قيل للنبي r: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا كثر الخبث". رواه البخاري ().
33- ارتفاع الأسافل:
ومن أشراطها ارتفاع أسافل الناس عن خيارهم، واستئثارهم بالأمور دونهم، فيكون أمر الناس بيد سفهائهم وأراذلهم ومن لا خير فيهم، وهذا من انعكاس الحقائق، وتغير الأحوال، وهذا أمر مشاهد في هذا الزمن، فترى أن كثيرًا من رؤوس الناس وأهل العقد والحل هم أقلُّ الناس صلاحًا وعلمًا، مع أن الواجب أن يكون أهل الدين والتقى هم المقدمون على غيرهم في تولي أمور الناس؛ لأن أفضل الناس وأكرمهم هم أهل الدين والتقوى؛ كما قال تعالى:  {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
ولذلك لم يكن النبي r يولي الولايات وأمور الناس إلا مَن هم
أصلح الناس وأعلمهم، وكذلك خلفاؤه من بعده، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ منها ما رواه البخاري عن حذيفة t أن النبي r قال لأهل نجران: "لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين"، فاستشرف لها أصحاب النبي r، فبعث أبا عبيدة" ().
وهذه بعض الأحاديث الدالَّة على ارتفاع أسافل الناس، وأن ذلك من أمارات السَّاعة:
فمنها ما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة t؛ قال رسول الله r: "إنها ستأتي على الناس سنون خداعة؛ يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرُّوَيبِضَة"، قيل: وما الرُّوَيبِضَة ()؟ قال: "السفيه يتكلم في أمر العامة" ().
وفي حديث جبريل الطويل قوله: "ولكن سأحدثك عن أشراطها.. وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس؛ فذاك من أشراطها" ().
وعن عمر بن الخطاب t؛ قال: قال رسول الله r: "من أشراط السَّاعة: أن يغلب على الدُّنيا لكع أبن لكع، فخير الناس يومئذ مؤمن بين كريمين" ().
وفي "الصحيح": "إذا أسند الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر السَّاعة" ().
وعن أبي هريرة t قال: "من أشراط السَّاعة:.... أن يعلو التحوت الوعول"، أكذلك يا عبد الله بن مسعود سمعته من حبي؟ قال: نعم؛ ورب الكعبة. قلنا: وما التحوت؟ قال: فسول الرجال، وأهل البيوت الغامضة يرفعون فوق صالحيهم. والوعول: أهل البيوت الصالحة ().
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "لا تذهب الدُّنيا حتى تصير للكع () ابن لكع"(). أي: حتى يصير نعيمها
وملاذها والوجاهة فيها له ().
وفي رواية للإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان t أن النبي r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى يكون أسعد الناس بالدينا لكع ابن لكع" ().
وفي "الصحيحين" عن حذيفة t فيما رواه عن النبي r في قبض الأمانة: "حتى يقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه ! ما أعقله ! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من أيمان" ().
وهذا هو الواقع بين المسلمين في هذا العصر؛ يقولون للرجل: ما أعقله! ما أحسن خلقه! ويصفونه بأبلغ الأوصاف الحسنة، وهو من أفسق الناس، وأقلهم دينًا وأمانة، وقد يكون عدوًا للمسلمين، ويعمل على هدم الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
34- أن تكون التحية للمعرفة:
ومن أشراطها أن الرجل لا يلقي السلام إلا على من يعرفه، ففي
الحديث عن ابن مسعود؛ قال: قال رسول الله r: "إن من أشراط  السَّاعة أن يسلم الرجل على الرجل، لا يسلم عليه إلا للمعرفة". رواه أحمد ().
وفي رواية له: "إن بين يدي السَّاعة تسليم الخاصة" ().
وهذا أمر مشاهد في هذا الزمن، فكثير من الناس لا يسلمون إلا على من يعرفون، وهذا خلاف السنة؛ فإن النبي r حث على إفشاء السلام على من عرفت ومن لم تعرف، وأن ذلك سبب في انتشار المحبة بين المسلمين التي هي سبب للإيمان الذي به يكون دخول الجنة؛ كما جاء في الحديث عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". رواه مسلم ().
35- التماس العلم عند الأصاغر:
روى الإمام عبد الله بن المبارك بسنده عن أبي أمية الجمحي t أن رسول الله r  قال: "إن من أشراط السَّاعة ثلاثًا: إحداهن: أن يلتمس العلم عند الأصاغر.." ().
وسئل الإمام عبد الله بن المبارك عن الأصاغر؟ فقال: "الذين يقولون برأيهم، فأما صغير يروي عنه كبير؛ فليس بصغير".
وقال في ذلك أيضًا: "أتاهم العلم من قبل أصاغرهم؛ يعني أهل البدع" ().
وعن ابن مسعود t؛ قال: "لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد r ومن أكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم، وتفرقت أهواؤهم؛ هلكوا" ().
36- ظهور الكاسيات العاريات: 
ومنها خروج النساء على الآداب الشرعية، وذلك بلبس الثياب التي لا تستر عوراتهن، وإظهارهن لزينتهن وشعورهن وما يجب ستره من أبدانهن، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ قال: سمعت رسول الله r يقول: "سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج () كأشباه الرحال ()؛ ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات
على رؤوسهم كأسمنة البخت العجاف ()، العنوهن؛ فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم" (). رواه الإمام أحمد.
وفي رواية للحاكم (): "سيكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون
على المياثر ()، حتى يأتوا أبواب مساجدهم، نساؤهم كاسيات عاريات".
وعن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر؛ يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات ()، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة()، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا" ().
وعن أبي هريرة t؛ قال: "من أشراط السَّاعة: ... أن تظهر ثياب تلبسها نساء كاسيات عاريات"().
 
 
 
وهذه الأحاديث من معجزات النبوة، فقد وقع () ما أخبر به النبي r قبل عصرنا هذا، وهو في زمننا هذا أكثر ظهورًا.
وقد سمى النبي r  هذا الصنف من النساء بـ(الكاسيات العاريات)؛ لأنهن يلبسن الثياب، ومع هذا فهن (عاريات)؛ أن ثيابهن لا تؤدي وظيفة الستر؛ لرقتها وشفافيتها؛ كأكثر ملابس النساء في هذا العصر().
وقيل: إن معنى (الكاسيات العاريات)؛ أي: كاسية جسدها، ولكنها تشد خمارها، وتضيق ثيابها، حتى تظهر تفاصيل جسمها، فتبرز صدرها وعجيزتها، أو تكشف بعض جسدها، فتعاقب على ذلك في الآخرة ().
وقد جمع النبي r في وصف هؤلاء النسوة بأنهن: "كاسيات عاريات"، وأيضًا: "مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة"، وهذا إخبار عن شيء مشاهد في هذا العصر؛ كأنه r ينظر إلى عصرنا هذا، ويصفه لنا، فقد أصبح في عصرنا هذا أماكن لتصفيف شعور النساء وتجميلها وتنويع أشكالها في محلات تسمى (كوافير)، يشرف عليها غالبًا رجال يتقاضون الأجور، وليس ذلك فحسب، فكثير من النساء لا يكتفين بما وهبهن الله من شعر طبيعي، فيلجأن إلى شراء شعر صناعي، تصله المرأة بشعرها؛ ليبدو أكثر نعومة ولمعانًا وجمالًا؛ لتجذب إليها الرجال ().
 
 
 
37- صدق رؤيا المؤمن:
ومنها صدق رؤيا المؤمن في آخر الزمان، وكلما كان المرء صادقًا في إيمانه، كانت رؤياه صادقة، ففي "الصحيحين" () عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "إذا اقترب الزمان؛ لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة". هذا لفظ مسلم.
ولفظ البخاري: "لم تكد رؤيا المؤمن تكذب.... وما كان من النبوة فإنه لا يكذب".
قال ابن أبي جمرة: "معنى كون رؤيا المؤمن في آخر الزمان لا تكاد تكذب: أنها تقع غالبًا على الوجه الذي لا يحتاج إلى تعبير، فلا يدخلها الكذب؛ بخلاف ما قبل؛ فإنها قد يخفى تأويلها، فيعبرها العابر، فلا يقع كما قال، فيصدق دخول الكذب فيها بهذا الاعتبار".
قال: "والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبًا؛ كما في الحديث: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا" (). أخرجه مسلم، فيقل أنيس المؤمن ومعينه في ذلك الوقت، فيكرم بالرؤيا الصالحة" ().
وقد اختلف العلماء في تحديد الزمن الذي يقع فيه صدق رؤيا المؤمن على أقوال ():
الأول: أن ذلك يقع إذا اقتربت السَّاعة، وقبض أكثر العلم، ودرست معالم الشريعة؛ بسبب الفتن وكثرة القتال، وأصبح الناس على مثل الفترة، فهم محتاجون إلى مجدد ومذكر لما درس من الدين؛ كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لما كان نبينا r آخر الأنبياء، وتعذرت النبوة في هذه الأمة؛ فإنهم يعوضون بالمرائي الصادقة، التي هي جزء من النبوة الآتية بالتبشير والإنذار، ويؤيد هذا القول حديث أبي هريرة: "يتقارب الزمان، ويقبض العلم" ().
ورجَّح ابن حجر هذا القول.
الثاني: أن ذلك يقع عند قلة عدد المؤمنين، وغلبة الكفر والجهل والفسق على الموجودين، فيؤنس المؤمن، ويعان بالرؤيا الصادقة؛ إكرامًا له وتسلية.
وهذا القول قريبٌ من قول ابن أبي جمرة السابق، وعلى هذين القولين لا يختص صدق رؤيا المؤمن بزمان معين، بل كلما قرب فراغ الدُّنيا، وأخذ أمر الدين في الاضمحلال؛ تكون رؤيا المؤمن الصادق صادقة.
الثالث: أن ذلك خاص بزمان عيسى بن مريم u؛ لأن أهل زمنه أحسن هذه الأمة حالًا بعد الصدر الأول، وأصدقهم أقوالًا، فكانت رؤياهم لا تكذب. والله أعلم.
38- كثرة الكتابة وانتشارها:
جاء في حديث ابن مسعود t عن النبي r؛ قال: "إن بين يدي
السَّاعة... ظهور القلم" ().
والمراد بظهور القلم – والله أعلم – ظهور الكتابة () وانتشارها.
ووقع في رواية الطيالسي والنسائي عن عمرو بن تغلب؛ قال: سمعت رسول الله r يقول: "إن من أشراط السَّاعة.. أن يكثر التجار، ويظهر العلم" ().
ومعناه – والله أعلم – ظهور وسائل العلم، وهي كتبه.
وقد ظهرت في هذا الزمن ظهورًا باهرًا، وانتشرت في جميع أرجاء الأرض، بسبب توفر آلات الطابعة والتصوير التي سهلت انتشارها، ومع هذا؛ فقد ظهر الجهل في الناس، وقل فيهم العلم النافع، وهو علم الكتاب والسنة، والعمل بهما، ولم تغن عنهم كثرة الكتب شيئًا ().
39- التهاون بالسنن التي رغَّب فيها الإسلام:
ومنها التهاون بشعائر الله تعالى؛ كما جاء في الحديث عن ابن مسعود t؛ قال: سمعتُ رسول الله r وهو يقول: "إن من أشراط السَّاعة أن يمر الرجل بالمسجد؛ لا يصلي فيه ركعتين" ().
 
 
 
 
وفي رواية: "أن يجتاز الرجل بالمسجد، فلا يصلي فيه" ().
وعن ابن مسعود أيضًا؛ قال: "إن من أشراط السَّاعة أن تتخذ المساجد طرقًا" ().
وعن أنس t يرفعه إلى النبي r ؛ قال: "إن من أمارات السَّاعة أن تتخذ المساجد طرقًا" ().
وهذا أمر لا يجوز؛ فإن تعظيم المساجد من تعظيم شعائر الله () تعالى، وإن ذلك علامة الإيمان والتقوى؛ كما قال تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].
وقال r : "إذا دخل أحدكم المسجد؛ فلا يجلس حتى يركع ركعتين" ().
ومن أعظم البلايا أن صارت المساجد أماكن للسياحة والفرجة
للكفار بعدما كانت محلًا للذكر والعبادة، وقد حدث هذا في هذا العصر؛ كما في بعض البلاد الإسلامية، والبلاد التي تحت أيدي الكفار، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
40- انتفاخُ الأهلَّة:
عن عبد الله بن مسعود t؛ قال: قال رسول الله r: "من اقتراب السَّاعة انتفاخ الأهلة" ().
وعن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "من اقتراب السَّاعة انتفاخ الأهلية، وأن يرى الهلال () لليلة، فيقال: لليلتين" ().
وعن أنس بن مالك t يرفعه إلى النبي r؛ قال: "إن من
أمارات السَّاعة أن يرى الهلال لليلة، فيقال لليلتين" ().
فقد جاء في هاتين الروايتين تفسير انتفاخ الأهلة بأن ذلك عبارة عن كبر الهلال حين طلوعه عما هو معتاد في أول الشهر، فيرى وهو ابن ليلة؛ كأنه ابن ليلتين. والله أعلم.
41- كثرة الكذب وعدم التثبت في نقل الأخبار:
عن أبي هريرة t عن رسول الله r أنه قال: "سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم" ().
وفي رواية: "يكون في آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا انتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم" ().
وروى مسلم عن عامر بن عبدة؛ قال: قال عبد الله (): "إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم، فيحدثهم بالحديث من الكذب، فيتفرقون، فيقول الرجل منهم: سمعت رجلًا أعرف وجهه ولا
أدري ما اسمه يحدث" ().
وعند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما؛ قال: "إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان، يوشك أن تخرج، فتقرأ على الناس قرآنًا" ().
قال النووي: "معناه: تقرأ شيئًا ليس بقرآن، وتقول إنه قرآن؛ لتغر به عوام الناس، فلا يتغرون" ().
وما أكثر الأحاديث الغربية في هذا الزمان، فقد أصبح بعض الناس لا يتورع عن كثرة الكذب ونقل الأقوال بدون تثبت من صحتها، وفي هذا إضلال للناس، وفتنة لهم، ولهذا حذر النبي r من تصديقهم، وقد جعل علماء الحديث هذه الأحاديث أصلًا في وجوب التثبت من نقل الأحاديث عن رسول الله r، وتمحيص الرواة؛ لمعرفة الثقة من غيره.
وبسبب كثرة كذب الناس في هذا الزمان؛ صار الإنسان لا يميز بين الأخبار، فلا يعرف صحيحها من سقيمها.
42- كثرة شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق:
جاء في حديث عبد الله بن مسعود t قوله r : "إن بين يدي السَّاعة: ... شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق" ().
وشهادة الزور هي الكذب متعمدًا في الشهادة، فكما أن شهادة
الزور سبب لإبطال الحق، فكذلك كتمان الشهادة سبب لإبطال الحق.
قال الله تعالى:  {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283].
وعن أبي بكرة t قال: كنا عند رسول الله r، فقال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر (ثلاثًا)؟ الإشراك بالله، وعقوق ا لوالدين، وشهادة الزور – أو قول الزور-، وكان متكئًا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت" ().
وما أكثر شهادة الزور وكتمان شهادة الحق في هذا الزمن!
ولعظم خطرها قرنها النبي r بالشرك وعقوق الوالدين؛ فإن شهادة الزور سبب للظلم والجور وضياع حقوق الناس في الأموال والأعراض، وظهورها دليل على ضعف الإيمان، وعدم الخوف من الرحمن.
43- كثرة النساء وقلة الرجال:
عن أنس t قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكم أحد بعدي، سمعت رسول الله r يقول: "من أشراط السَّاعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر  النساء، ويقل الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد" ().
قيل: إن سبب ذلك كثرة الفتن، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنهم أهل الحرب دون النساء ().
وقيل: إن سبب ذلك كثرة الفتوح، فتكثر السبايا، فيتخذ الرجل عدة موطوءات.
قال الحافظ ابن حجر: "فيه نظر؛ لأنه صرح بالقلة في حديث أبي موسى... فقال: "من قلة الرجال وكثرة النساء" ()، والظاهر أنها علامة محضة  لا لسبب آخر، بل يقدر الله في آخر الزمان أن يقل من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من الإناث، وكون كثرة النساء من العلامات مناسبة لظهور الجهل ورفع العلم" ().
قلت: ولا يمنع أن يكون ذلك بما ذكره الحافظ ابن حجر، وبغيره من الأسباب التي ينشأ عنها قلة الرجال وكثرة النساء؛ كوقوع الفتن التي تكون سببًا في القتال، فقد جاء في رواية الإمام مسلم ما  يدلُّ على أن كثرة النساء وقلة الرجال يكون بسبب ذهاب الرجال وبقاء النساء، والذي يذهب الرجال غالبًا يكون كثرة القتال، ولفظ مسلم هو قوله r : "ويذهب الرجال، وتبقى النساء، حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد" ().
وليس المراد هنا حقيقة العدد  (خمسين)، فقد جاء في حديث أبي
موسى t: "ويرى الرجل يتبعه أربعون امرأة يلذن به" ()، فيكون ذلك مجازًا على الكثرة ()، والله أعلم.
44- كثرة موت الفجأة:
عن أنس بن مالك t يرفعه إلى النبي r؛ قال: "إن من أمارات السَّاعة... أن يظهر موت الفجأة ().
وهذا أمر مشاهد في هذا الزمن، حيث كثر في الناس موت الفجأة، فترى الرجل صحيحًا معافى، ثم يموتى فجأة، وهذا ما يسميه الناس في الوقت الحاضر بـ(السكتة القلبية)، فعلى العاقل أن يتنبه لنفسه، ويرجع ويتوب إلى الله تعالى قبل مفاجأة الموت.
وكان الإمام البخاري رحمه الله يقول:
"اغتنم في الفراغ فضل ركوع? ?فعسى أن يكون موتك بغته
كم صحيح رأيت من غير سقم? ?ذهبت نفسه الصحيحة فلته"
قال ابن حجر: "و كان من العجائب أنه هو وقع له – أي: البخاري – ذلك أو قريبًا منه" ().
45- وقوع التناكر بين الناس:
عن حذيفة t ؛ قال: سئل رسول الله r عن السَّاعة؟ فقال: "علمها عند ربي، لا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن أخبركم بمشاريطها، وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهرجًا". قالوا: يا رسول الله! الفتنة قد عرفناهان فالهرج ما هو؟ قال: "بلسان الحبشة: القتل. ويلقى بين الناس التناكر، فلا يكاد أحد أن يعرف أحدًا" ().
فوقوع التناكر عند كثرة الفتن والمحن وكثرة القتال بين الناس، وحينما تستولي المادة على الناس، ويعمل كل منهم لحظوظ نفسه؛ غير مكترث بمصالح الآخرين، ولا بحقوقهم، فتنتشر الأنانية البغيضة، ويحيا الإنسان في نطاق أهوائه وشهواته، فلا تكون هناك قيم أخلاقية يعر ف بعض الناس بها بعضًا، ولا يكون هناك من الأخوة الإيمانية ما يجعلهم يلتقون على الحب في الله، والتعاون على البر والتقوى.
روى الطبراني عن محمد بن سوقة؛ قال: "أتيت نعيم بن أبي هند، فأخرج إلى صحيفة، فإذا فيها: من أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب: سلام عليك ... (فذكر الكتاب، وفيه): وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الأمة في آخر زمانها سيرجع  إلى أن يكونوا إخوان العلانية أعداء السريرة.. (ثم ذكر جواب عمر t لهما، وفيه): وكتبتما تحذراني أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها إلى أن يكونوا إخوان العلانية، أعداء السريرة، ولستم بأولئك، وليس هذا بزمان ذلك، وذلك زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة بعض الناس إلى بعض
لصلاح دنياهم" ().
46- عود أرض العرب مروجًا وأنهارًا:
ومنها أن تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا، ففي الحديث عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "لا  تقوم السَّاعة حتى تعود أرض العرب مروجًا () وأنهارًا" ().
وفي هذا الحديث دلالة على أن أرض العرب كانت مروجًا وأنهارًا، وأنها ستعود كما كانت مروجًا وأنهارًا.
قال النووي في معنى عود أرض العرب مروجًا وأنهارًا: "معناه – والله أعلم – أنهم يتركونها ويعرضون عنها، فتبقى مهملة؛ لا تزرع، ولا تسقى من مياهها، وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب السَّاعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به" ().
 
 
 
 
 
والذي يظهر لي أن ما ذهب إليه النووي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث فيه نظر؛ فإن أرض العرب أرض قاحلة شحيحة المياه، قليلة النبات، غالب مياهها من الآبار والأمطار، فإذا تركت واشتغل عنها أهلها؛ مات زرعها – ولم تعد مروجًا وأنهارًا.
وظاهر الحديث يدلُّ على أن بلاد العرب ستكثر فيها المياه، حتى تكون أنهارًا، فتنبت بها النباتات، فتكون مروجًا وحدائق وغابات.
والذي يؤيد هذا أنه ظهر في هذا العصر عيون كثيرة تفجرت كالأنهار، وقامت عليها زراعات كثيرة، وسيكون ما أخبر به الصادق r ، فقد روى معاذ بن جبل t أن رسول الله r قال في غزوة تبوك: "إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها منكم؛ فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي"، فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك  () تبض() بشيء من ماء؛ قال: فسألهما رسول الله r: "هل مسستما من مائها شيئًا؟"،  قالا: نعم. فسبهما رسول الله r، وقال لهما ما شاء الله أن يقول. قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا، حتى اجتمع في شيء. قال: ثم غسل رسول الله r فيه يديه ووجهه، ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء منهمر، أو قال: غزير... حتى استقى
الناس، ثم قال رسول الله r: "يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هُنا مُلِئ جِناناً ().
 
 
47- كثرة المطر وقلة النبات:
عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "لا تقوم السَّاعة حتى تمطر السماء مطرًا لا تكن منها بيوت المدر ()، ولا تكن منها إلا بيوت الشعر" ().
وعن أنس t؛ قال: قال رسول الله r: "لا تقوم السَّاعة حتى يمطر الناس مطرًا عامًا، ولا تنبت الأرض شيئًا" ().
فإذا كان المطر سببًا في إنبات الأرض؛ فإن الله تعالى أن يوجد ما يمنع هذا السبب من ترتب المسبب عليه، والله تعالى خالق الأسباب ومسبباتها، لا يعجزه شيء.
وفي الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله r قال: "ليست السنة بأن لا تمطروا، ولكن السنة أن تمطروا وتمطروا ولا تنبت الأرض شيئًا" ().
48- حسر الفرات () عن جبل من ذهب:
عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون، ويقول كل رجلٍ منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو"().
وليس االمقصود بهذا الجبل من ذهب (النفط/ البترول الأسود)؛ كما يرى ذلك أبو عبية في تعليقه على "النهاية/ الفتن والملاحم" لابن كثير ()، وذلك من وجوه:
1- أن النص جاء فيه: "جبل من ذهب"، والبترول ليس بذهب على الحقيقة؛ فإن الذهب هو المعدن المعروف.
2- أن النبي r أخبر أن ماء النهر ينحسر عن جبل من ذهب، فيراه الناس، والنفط أو (البترول) يستخرج من باطن الأرض بالآلات من مسافات بعيدة.
3- أن النبي r خص الفرات بهذا دون غيره من البحار والأنهار، والنفط نراه يستخرج من البحار كما يستخرج من الأرض، وفي أماكن كثيرة متعددة.
4- أن النبي r أخبر أن الناس سيقتتلون عند هذا الكنز، ولم يحصل أنهم اقتتلوا عند خروج النفط من الفرات أو غيره، بل إن النبي r نهى من حضر هذا الكنز أن يأخذ منه شيئًا؛ كما في الرواية الأخرى عن أبي بن كعب t؛ قال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدُّنيا .... إني سمعت رسول الله r يقول: "يوشك الفرات أن يحسر عن جبلٍ من ذهبٍ، فمن حضره، فلا يأخذ منه شيئًا" ()، ومن حمله على النفط؛ فإنه يلزمه على قوله هذا النهي عن الأخذ من النفط، ولم يقل به أحد ().
وقد رجح الحافظ ابن حجر أن سبب المنع من الأخذ من هذا الذهب لما ينشأ عن أخذه من الفتنة والقتال عليه ().
49- كلام السباع والجمادات للإنس:
ومن أشراط السَّاعة كلام السباع للإنس، وكلام الجمادات للإنسان، وإخبارها بما حدث في غيابه، وتكلم بعض أجزاء الإنسان؛ كالفخذ يخبر الرجل بما أحدث أهله بعده.
فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة t؛ قال: جاء ذئب إلى راعي الغنم، فأخذ منها شاةً، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه. قال: فصعد الذئب على تل، فأقعى () واستذفر ()، فقال: عمدت إلى رزق
رزقينه الله U انتزعته مني. فقال الرجل: تالله إن رأيت كاليوم ذئبًا يتكلم! قال الذئب: أعجب من هذا الرجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم – وكان الرجل يهوديًا-، فجاء الرجل إلى النبي r، وأخبره، فصدقه ا لنبي r، ثم قال النبي r: "إنها أمارة من أمارات بين يدي السَّاعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطه ما أحدث أهله بعده". رواه الإمام أحمد ().
وفي رواية له عن أبي سعيد الخدري (فذكر القصة إلى أن قال: قال رسول الله r): "صدق والذي نفسي بيده؛ لا تقوم السَّاعة حتى يكلم السباع الإنس، ويكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده" ().
50- تمنِّي الموت من شدَّة البلاء:
عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى
يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه" ().
وعنه t؛ قال: قال رسول الله r: "والذي نفسي بيده؛ لا تذهب الدُّنيا حتى يمر الرجل على القبر، فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين؛ إلا البلاء" ().
وتمني الموت يكون عند كثرة الفتن، وتغير الأحوال، وتبديل رسوم الشريعة، وهذا إنلم يكن وقع؛ فهو واقع لا محالة.
قال ابن مسعود t: "سيأتي عليكم زمان لو وجد أحدكم الموت يباع لاشتراه، وكما قيل:
وهذا العيشُ مَا لا خيرَ فيهِ?ألا موتٌ يُباعُ فأشتَريهِ"()
قال الحافظ العراقي (): "ولا يلزم كونه في كل بلد، ولا كل زمن، ولا في جميع الناس، بل يصدق اتفاقه للبعض في بعض الأقطار في بعض الأزمان، وفي تعليق تمنيه بالمرور إشعار بشدة ما نزل بالناس من فساد الحال حالتئذ، إذ المرء قد يتمنى الموت من غير استحضار
لهيئته، فإذا شاهد الموتى، ورأى القبور؛ نشز بطبعه، ونفر بسجيته من تمنيه، فلقوة الشدة لم يصرفه عنه ما شاهده من وحشة القبور، ولا يناقض هذا النهي عن تمني الموت؛ لأن مقتضى هذا الحديث الإخبار عما يكون، وليس فيه تعرُّض لحكم شرعي"().
وأخبر النبي r أنه سيأتي على الناس شدة وعناء، حتى يتمنون الدجال، ففي الحديث عن حذيفة t؛ قال: قال رسول الله r: "يأتي على  الناس زمان يتمنون فيه الدجال". قلت: يا رسول الله! بأبي وأمي مم ذاك؟ قال: "مما يلقون من العناء والعناء" ().
51- كثرة الروم () وقتالهم للمسلمين:
قال المستورد القرشي  عند عمرو بن العاص رضي الله عنهما: سمعتُ رسول الله r يقول: "تقوم السَّاعة والروم أكثر الناس". فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله r ().
وجاء في حديث عوف بن مالك الأشجعي t؛ قال: قال رسول الله r: "اعدد ستًا بين يدي السَّاعة... (فذكر منها): ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر ()، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية()، تحت
كل غاية اثنا عشر ألفًا" ().
وعن جابر بن سمرة عن نافع بن عُتبة؛ قال: كنا مع رسول الله r ... فحفظت منه أربع كلمات أعدهن في يدي؛ قال: "تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله".
قال: فقال نافع: "يا جابر! لا نرى الدجال يخرج حتى تفتح الروم" ().
وقد جاء وصفٌ للقتال الذي يقع بين المسلمين والروم، ففي الحديث عن يسير بن جابر؛ قال: هاجت ريحٌ حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجيرى () إلا: يا عبد الله بن مسعود! جاءت السَّاعة. قال: فقعد – وكان متكئًا -، فقال: إن السَّاعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة. ثم قال بيده هكذا، ونحاها نحو الشام، فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام. قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة، فيشترط المسلمون شرطة () للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون، حتى يحجز بينهم الليل،
فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، ثم تفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب، وتفنى الشرطة، فإذا كان يوم الرابع؛ نهد () إليهم بقية أهل الإسلام، فيجعل الله الدبرة () عليهم، فيقتتلون مقتلة؛ إما قال: لا يرى مثلها، وإما قال: لم ير مثلها، حتى إن الطائر ليس بجنباتهم، فما يخلفهم حتى يخر ميتًا، فيتعاد بنو الأب كانوا مئة، فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح، أو أي ميراث يقاسم؟ فبينما هم كذلك؛ إذ سمعوا ببأس هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ: إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون  ما في أيديهم، ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارس طليعة.
قال رسول الله r: "إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ" ().
وهذا القتال يقع في الشام في آخر الزمان، قبل ظهور الدجال، كما دلَّت على ذلك الأحاديث، ويكون انتصار المسلمين على الروم تهيئة لفتح القسطنطينية، ففي الحديث عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى ينزل الروم بالأعماق () أو
بدابق ()، فيخرج إليهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا؛ قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لا يفتنون أبدًا، فيفتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشام؛ خرج، فبينما هم يعدون للقتال، يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى بن مريم r" ().
وعن أبي الدرداء t أن رسول الله r قال: "إن فسطاط () المسلمين يوم المحلمة في أرضٍِ بالغوطة()، في مدينة يقال لها: دمشق، من خير مدائن الشام" ().
قال ابن المنير (): "أما قصة الروم؛ فلم تجتمع إلى الآن، ولا بلغنا أنهم غزوا في البر في هذا العدد، فهي من الأمور التي لم تقع بعد، وفيه بشارة ونذارة، وذلك أنه دل على أن العافية للمؤمنين، مع كثرة ذلك الجيش، وفيه بشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه" ().
52- فتح القسطنطينية (): 
ومنها فتح مدينة القسطنطينية – قبل خروج الدجال – على يدي المسلمين، والذي تدلُّ عليه الأحاديث أن هذا الفتح يكون بعد قتال الروم في الملحمة الكبرى، وانتصار المسلمين عليهم، فعندئذ يتوجهون إلى مدينة القسطنطينية، فيفتحها الله للمسلمين بدون قتال، وسلاحهم التكبير والتهليل.
ففي الحديث عن أبي هريرة t أن النبي r قال: "سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟". قالوا: نعم يا رسول الله.
قال: "لا تقوم السَّاعة حتى يغزوها سبعون ألفًا من بين إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم؛ قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها – قال ثور () (احد رواة الحديث): لا أعلمه إلا قال: - الذي في البحر، ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر؛ فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا: لا إله إلا الله والله أكبر؛ فيفرج لهم، فيدخلوها، فيغنموا، فبينما هم يقتسمون الغنائم، إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدجال قد خرج، يتركون كل شيء ويرجعون" ().
وقد أشكل قوله في هذا الحديث: "يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق"، والروم من بني إسحاق؛ لأنهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل u ()، فكيف يكون فتح القسطنطينية على أيديهم؟!
قال القاضي عياض: "كذا هو في جميع أصول "صحيح مسلم": من بني إسحاق".
ثم قال: "قال بعضهم: المعروف المحفوظ: "من بني إسماعيل"،  وهو الذي يدلُّ عليه الحديث وسياقه؛ لأنه إنما أراد العرب"().
وذهب الحافظ ابن كثير إلى أن هذا الحديث يدلُّ على أن الروم يسلمون في آخر الزمان، ولعل فتح القسطنطينية يكون على أيدي طائفة منهم؛ كما نطق به الحديث المتقدم، أنه يغزوها سبعون ألفًا من بني إسحاق".
واستشهد على ذلك بأنهم مدحوا في حديث المستورد القرشي، فقد قال: سمعت رسول الله r يقول: "تقوم السَّاعة والروم أكثر الناس". فقال له عمرو بن العاص: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله r. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا  أربع: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم الملوك ().
قلت: ويدلُّ أيضًا على أن الروم يسلمون في آخر الزمان حديث أبي هريرة السابق في قتال الروم، وفيه أن الروم يقولون للمسلمين: "خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا" ()، فالروم يطلبون من المسلمين أن يتركوهم يقاتلون من سبي منهم؛ لأنهم أسلموا، فيرفض المسلمون ذلك، ويبينون للروم أن من أسلم منهم فهو من إخواننا، لا نسلمه لأحد، وكون غالب جيش المسلمين ممن سبي من الكفار ليس بمستغرب.
قال النووي: "وهذا موجود في زماننا، بل معظم عساكر الإسلام في بلاد الشام ومصر سبوا ثم هم اليوم بحمد الله يسبون الكفار، وقد سبوهم في زماننا مرارًا كثيرة، يسبون في المرة الواحدة من الكفار ألوفًا، ولله الحمد على إظهار الإسلام وإعزازه" ().
ويؤيد كون هذا الجيش الذي يفتح القسطنطينية من بين إسحاق أن جيش الروم يبلغ عددهم قريبًا من ألف ألف، فيقتل بعضهم، ويسلم
بعضهم، ويكون من أسلم مع جيش المسلمين الذي يفتح القسطنطينية، والله أعلم.
وفتح القسطنطينية بدون قتال لم يقع إلى الآن، وقد روى الترمذي عن أنس بن مالك أنه قال: "فتح القسطنطينية مع قيام السَّاعة".
ثم قال الترمذي: "قال محمود – أي: ابن غيلان شيخ الترمذي - : هذا حديث غريب، والقسطنطينية هي مدينة الروم، تفتح عند خروج الدجال، والقسطنطينية قد فتحت في زمان بعض أصحاب النبي r"().
والصحيح أن القسطنطينية لم تفتح في عصر الصحابة؛ فإن معاوية t بعث إليها ابنه يزيد في جيش فيهم أبو أيوب الأنصاري، ولم يتم لهم فتحها، ثم حاصرها مسلمة بن عبد الملك، ولم تفتح أيضًا، ولكنه صالح أهلها على بناء مسجد بها ().
وفتح الترك أيضًا للقسطنطينية كان بقتال، ثم هي الآن تحت أيدي الكفار، وستفتح فتحًا أخيرًا بذلك الصادق المصدوق r.
قال أحمد شاكر: "فتح القسطنطينية المبشر به في الحديث سيكون في مستقبل قريب أو بعيد يعلمه الله U، وهو الفتح الصحيح لها حين يعود المسلمون إلى دينهم الذي أعرضوا عنه، وأما فتح الترك الذي كان قبل عصرنا هذا؛ فإنه كان تمهيدًا للفتح الأعظم، ثم هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين، منذ أعلنت حكومتهم هناك أنها حكومة غير إسلامية وغير دينية، وعاهدت الكفار أعداء الإسلام، وحكمت أمتها بأحكام القوانين الوثنية الكافرة، وسيعود الفتح الإسلامي لها إن شاء الله
كما بشر به رسول الله r"().
53- خروج القحطاني:
في آخر الزمان يخرج رجل من قحطان، تدين له الناس بالطاعة، وتجتمع عليه، وذلك عند تغير الزمان، ولهذا ذكره الإمام البخاري في باب تغير الزمان.
روى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه" ().
قال القرطبي: "قوله: "يسوق الناس بعصاه" كناية عن استقامة الناس، وانعقادهم إليه، واتفقاهم عليه، ولم يرد نفس العصا، وإنما ضرب بها مثلًا لطاعتهم له، واستيلائه عليهم؛ إلا أن في ذكرها دليلًا على خشونته عليهم، وعنفه بهم" ().
قلت: نعم؛ سوقه الناس بعصاه كناية عن طاعة الناس له، ورضوخهم لأمره؛ إلا أن ما أشار إليه القرطبي من خشونته عليهم ليس بالنسبة للجميع؛ كما يظهر من كلامه، بل إنما يقسو على أهل المعصية منهم، فهو رجل صالح، يحكم بالعدل، ويؤيد ذلك ما نقله ابن حجر
عن نعيم بن حماد () أنه روى من وجه قوي عن عبد الله بن عمرو أنه ذكر الخلفاء، ثم قال: "ورجل من قحطان".
وأيضًا ما أخرجه بسند جيد عن ابن عباس أنه قال فيه: "ورجل من قحطان، كلهم صالح" ().
ولما حدث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بأنه سيكون ملك من قحطان؛ غضب معاوية t، فقام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد؛ فإنه بلغني أن رجالًا منكم يتحدثون بأحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله r، فأولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها؛ فإني سمعت رسول الله r يقول: "إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد؛ إلا كبه الله على وجهه؛ ما أقاموا الدين". رواه البخاري ().
وإنما أنكر معاوية خشية أنة يظن أحد أن الخلافة تجوز في غير
قريش، مع أن معاوية t لم ينكر خروج القحطاني؛ فإن في حديث معاوية قوله: "ما أقاموا الدين"، فإذا لم يقيموا الدين؛ خرج الأمر من أيديهم، وقد حصل هذا؛ فإن الناس لم يزالوا في طاعة قريش إلى أن ضعف تمسكهم بالدين، فضعف أمرهم، وتلاشى، وانتقل الملك إلى غيرهم ().
وهذا القحطاني ليس هو الجهجاه ()؛ فإن القحطاني من الأحرار؛ لأنه نسبه إلى قحطان الذي تنتهي أنساب أهل اليمن من حمير وكندة وهمدان وغيرهم إليه ()، وأما الجهجاه؛ فهو من الموالي.
ويؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "لا يذهب الليل والنهار حتى يملك رجل من الموالي؛ يقال له: جهجاه" ().
54- قتال اليهود: 
ومنها قتال المسلمين لليهود في آخر الزمان، وذلك أن اليهود يكونون من جند الدجال، فيقاتلهم المسلمون الذين هم جند عيسى u، حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي ورائي، تعال فاقتله.
وقد قاتل المسلمون اليهود من زمن النبي r، وانتصروا عليهم، وأجلوهم من جزيرة العرب؛ امتثالًا لقول النبي r: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلمًا" ().
ولكن هذا القتال ليس هو القتال الذي هو من أشراط السَّاعة، وجاءت به الأحاديث الصحيحة؛ فإن النبي r أخبر أن المسلمين سيقاتلونهم إذا خرج الدجال، ونزل عيسى u.
روى الإمام أحمد عن سمرة بن جندب t حديثًا طويلًا في خطبة النبي r يوم كسفت الشمس ... (وفيه أنه ذكر الدجال، فقال): "وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالًا شديدًا، ثم يهلكه الله تبارك وتعالى وجنوده حتى أن جذم الحائط – أو قال: أصل الحائط، وقال حسن الأشيب (): وأصل الشجرة – لينادي – أو قال: يقول: - يا مؤمن! – أو قال: يا مسلم – هذا يهودي – أو قال: هذا كافر – تعال فاقتله".
قال: "ولن يكون ذلك كذلك حتى تروا أمورًا يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتسألون بينكم: هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرًا؟" ().
وروى الشيخان عن أبي هريرة t عن رسول الله r؛ قال: "لا تقوم السَّاعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم ! يا
عبد الله ! هذا يهودي خلفي، فتعال، فاقتله؛ إلا الغرقد ()؛ فإنه من شجر اليهود" (). وهذا لفظ مسلم.
والذي يظهر من سياق الأحاديث أن كلام الحجر والشجر ونحوه حقيقة، وذلك لأن حدوث تكلم الجمادات ثابت في غير أحاديث قتال اليهود، وقد سبق أن أفردت لهذا مبحثًا خاصًا به؛ لأنه من علامات السَّاعة.
وإذا كانت الجمادات تتكلم في ذلك الوقت؛ فلا داعي لحمل كلام الشجر والحجر على المجاز؛ كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء ()؛ فإنه ليس هناك دليل يوجب حمل اللفظ على خلاف حقيقته، ونطق الجماد قد ورد في آيات من القرآن:
منها قوله تعالى: {أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: 21].
وقوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44].
وجاء في الحديث عن أبي أمامة الباهلي t قال: خطبنا رسول الله r، فكان أكثر خطبته عن الدجال، وحذرناه، فذكر خروجه،
ثم نزول عيسى u لقتله، وفيه: "قال عيسى u: افتحوا الباب، فيفتح، ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي؛ كلهم ذو سيف محلى ً وساج ()، فإذا نظر إليه الدجال؛ ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربًا، ويقول عيسى u: إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها، فيذكره عند باب اللد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء؛ لا حجر، ولا شجر، ولا حائط، ولا دابة؛ إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم لا تنطق" ().
فالحديث فيه التصريح بنطق الجمادات.
وأيضًا؛ فإن استثناء شجر الغرقد من الجمادات بكونها لا تخبر عن اليهود؛ لأنها من شجرهم، يدلُّ على أنه نطق حقيقي، ولو كان المراد بنطق الجمادات المجاز؛ لما كان لهذا الاستثناء معنى.
ولو حملنا كلام الجمادات على المجاز؛ لم يكن ذلك بالأمر الخارق في قتال اليهود في آخر الزمان، وكانت  هزيمتهم أمام المسلمين كهزيمة غيرهم من الكفار الذين قاتلهم المسلمون وظهروا عليهم، ولم يرد في قتالهم مثل ما ورد في قتال اليهود من الدلالة على المختبئ()
بنطق الجمادات، فإذا لا حظنا أن الحديث في أمر مستغرب يكون آخر الزمان هو من علامات السَّاعة؛ دل ذلك على أن النطق في قتال اليهود حقيقي، وليس مجازًا عن انكشافهم أمام المسلمين، وعدم قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم؛ كما قيل، والله أعلم.
55- نفي المدينة لشرارها ثم خرابها آخر الزمان:
حث النبي r على سكنى المدينة، ورغب في ذلك، وأخبر أنه لا يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أخلف الله فيها من هو خير منه.
وأخبر أن من علامات السَّاعة نفي المدينة لخبثها، وهم شرار الناس؛ كما ينفي الكير خبث الحديد.
روى الإمام مسلم عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده؛ لا يخرج منهم أحد رغبة عنها؛ إلا أخلف الله فيها خيرًا منه، ألا إن المدينة كالكير يخرج الخبيث، لا تقوم السَّاعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد" ().
وقد حمل القاضي عياض نفي المدينة لخبثها على زمن النبي r، لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام في المدينة إلا من كان ثابت الإ يمان، وأما المنافقون وجهلة الأعراب؛ فلا يصبرون على شدة المدينة ولأوائها، ولا يحتسبون من الأجر في ذلك.
وحمله النووي على زمن الدجال، واستبعد ما اختاره القاضي
عياض، وذكر أنه يحتمل أن يكون ذلك في أزمان متفرق ().
وذكر الحافظ ابن حجر أنه يحتمل أن يكون المراد كلًا من الزمنين:
زمن النبي r؛ بدليل قصة الأعرابي؛ كما في البخاري عن جابر t: جاء أعرابي إلى النبي r، فبايعه على الإسلام، فجاء من الغد محمومًا، فقال: أقلني. فأبى؛ ثلاث مرار. فقال: "المدينة كالكير، تنفي خبثها، وينصح طيبها" ().
والزمن الثاني زمن الدجال؛ كما في حديث أنس بن مالك t عن النبي r أنه ذكر الدجال، ثم قال: "ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج الله إليه كل كافر ومنافق". رواه البخاري ().
وأما ما بين ذلك من الأزمان؛ فلا؛ فإن كثيرًا من فضلاء الصحابة قد خرجوا بعد النبي r من المدينة؛ كمعاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وابن مسعود، وطائفة، ثم خرج علي، وطلحة، والزبير، وعمار، وغيرهم، وهم من أطيب الخلق، فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس، ووقت دون وقت؛ بدليل قوله تعالى:  [التوبة: 101]، والمنافق خبيث بلا شك ().
وأما خروج الناس بالكلية من المدينة؛ فذلك في آخر الزمان، قرب
قيام السَّاعة، ففي الحديث عن أبي هريرة t؛ قال: سمعت رسول الله r يقول: "تتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي- يريد عوافي السباع والطير – وآخر من يحشر راعيان من مزينة، يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع؛ خرا على وجوههما" (). رواه البخاري.
وروى الإمام مالك عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "لتتركن المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الكلب أو الذئب، فيغذى ()، على بعض سواري المسجد، أو على المنبر". فقالوا: يا رسول الله! فلمن الثمار ذلك الزمان؟ قال: "للعوافي: الطير والسباع" ().
فال ابن كثير: "والمقصود أن المدينة تكون باقية عامرةً أيام الدجال، ثم تكون كذلك في زمان عيسى  بن مريم رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى تكون وفاته بها، ثم تخرب بعد ذلك" ().
ثم ذكر حديث جابر t؛ قال: أخبرني عمر بن الخطاب؛ قال: سمعت رسول الله r يقول: "ليسيرن الراكب بجنبات المدينة، ثم ليقولن: لقد كان في هذا حاضر من المسلمين كثير". رواه الإمام
أحمد ().
وقال الحافظ ابن حجر: "روى عمر بن شبة بإسناد صحيح عن عوف بن مالك؛ قال: دخل رسول الله r المسجد، ثم نظر إلينان فقال: أما والله ليدعنها أهلها مذللة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع".
ثم قال ابن حجر: "وهذا لم يقع قطعًا" ().
فدل هذا على أن خروج الناس من المدينة بالكلية يكون في آخر الزمان، بعد خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، ويحتمل أن يكون ذلك عند خروج النار التي تحشر الناس، وهي آخر أشراط السَّاعة، وأول العلامات الدالَّة على قيام السَّاعة، فليس بعدها إلا السَّاعة.
ويؤيد ذلك كون آخر من يحشر يكون منها؛ كما في حديث أبي هريرة t: "وآخر من يحشر راعيان من مزينة، يريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا" ()؛ أي: خالية من الناس، أو أن الوحوش قد سكنتها، والله أعلم.
56- بعث الريح الطيبة لقبض أرواح المؤمنين:
ومنها هبوب الريح الطيبة لقبض أرواح المؤمنينن فلا يبقى على ظهر الأرض من يقول: الله، الله. ويبقى شرار الناس، وعليهم تقوم السَّاعة.
وقد جاء في صفة هذه الريح أنها ألين من الحرير، ولعل ذلك من
إكرام الله لعباده المؤمنين في ذلك الزمان المليء بالفتن والشرور.
جاء في حديث النواس بن سمعان الطويل في قصة الدجال ونزول عيسى u وخروج يأجوج ومأجوج: "إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس؛ يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم السَّاعة" ().
وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله r: "يخرج الدجال.. (فذكر الحديث، وفيه): فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه" ().
فقد دلَّت الأحاديث أن ظهور هذه الريح يكون بعد نزول عيسى u، وقتله الدجال، وهلاك يأجوج ومأجوج.
وأيضًا؛ فإن ظهورها يكون بعد طلوع الشمس من مغربها، وبعد ظهور الدابة، وسائر الآيات العظام().
وعلى هذا؛ فظهورها قريب جدًا من قيام السَّاعة.
ولا يتعارض أحاديث ظهور هذه الريح مع حديث: "لا تزال طائفة من أمتي؛ يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة" ()، وفي رواية:
"ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" ()؛ فإن المعنى أنهم لا يزالون على الحق حتى تقبضهم هذه الريح اللينة قرب القيامة، ويكون المراد بـ(أمر الله) وهو هبوب تلك الريح ().
وجاء في حديث عبد اله بن عمرو أن ظهور هذه الريح يكون من الشام كما سبق.
وجاء في حديث آخر عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "إن الله يبعث ريحًا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من إيمانٍ؛ إلا قبضته" ().
ويجاب عن هذا بوجهين:
1- يحتمل أنهما ريحان: شامية، ويمانية.
2- ويحتمل أن مبدأها من أحد الإقليمين، ثم تصل الآخر، وتنتشر عنده.
والله أعلم ().
57- استحلال البيت الحرام، وهدم الكعبة:
لا يستحل البيت الحرام إلا أهله، وأهله هم المسلمون ()، فإذا
استحلوه؛ فإنه يصيبهم الهلاك، ثم يخرج رجل من أهل الحبشة؛ يقال له: ذو السويقتين، فيخرب الكعبة، وينقضها حجرًا حجرًا، ويسلبها حليتها، ويجردها من كسوتها، وذلك في آخر الزمان، حين لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله، الله، ولذلك لا يعمر البيت بعد هدمه أبدًا؛ كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.
روى الإمام أحمد بسنده عن سعيد بن سمعان؛ قال: سمعت أبا هريرة يخبر أبا قتادة أن رسول الله r قال: "يبايع لرجل ما بين الركن والمقام، ولن يستحل البيت إلا أهله، فإذا استحله؛ فلا يسأل عن هلكة العرب، ثم تأتي الحبشة، فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده أبدًا، وهم الذين يستخرجون كنزه" ().
وعن عبد الله بن عمر؛ قال: سمعت رسول الله r يقول: "يخرب الكعبة ذو السويقتين () من الحبشة، ويسلبها حليتها، ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه: أصيلع ()، أفيدع ()، يضرب عليها بمسحاته
ومعوله". رواه أحمد ().
وروى الإمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة" ().
وروى الإمام أحمد والبخاري أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي r قال: "كأني أنظر إليه: أسود، أفحج ()، ينقضها حجرًا حجرًا يعني: الكعبة" ().
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة t ؛ قال: قال رسول الله r : "في آخر الزمان يظهر ذو السويقتين على الكعبة – قال: حسبت أنه قال: - فيهدمها" ().
فإن قيل: إن هذه الأحاديث تخالف قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} [العنكبوت: 67]، والله تعالى قد حبس عن مكة الفيل، ولم يمكن أصحابه من تخريب الكعبة، ولم تكن إذ ذاك قبلة، فكيف يسلط عليها الحبشة بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟!
قيل جوابًا عن ذلك: "إن خراب الكعبة يقع في آخر الزمان، قرب قيام السَّاعة، حين لا يبقى في الأرض أحد يقول: الله، الله، ولهذا جاء في رواية الإمام أحمد السابقة عن سعيد بن سمعان قوله r: "لا يعمر بعده أبدًا"، فهو حرم آمن؛ ما لم يستحله أهله.
وليس في الآية ما يدلُّ على استمرار الأمن المذكور فيها.
وقد حدث القتال في مكة مرات عديدة، وأعظم ذلك ما وقع من القرامطة () في القرن الرابع الهجري، حيث قتلوا المسلمين في المطاف، وقلعوا الحجر الأسود، وحملوه إلى بلادهم، ثم أعادوه بعد مدة طويلة، ومع ذلك لم يكن ما حدث معارضًا للآية الكريمة؛ لأن ذلك إنما وقع بأيدي المسلمين والمنتسبين إليهم، فهو مطابق لما جاء في رواية الإمام
أحمد من أنه لا يستحل البيت الحرام إلا أهله، فوقع ذلك كما أخبر النبي r، وسيقع ذلك آخر الزمان؛ لا يعمر مرة أخرى، حين لا يبقى على ظهر الأرض مسلم" ().
 
 
 
 
 
 
الباب الثاني
أشراط السَّاعة الكبرى
o تمهيد.
o الفصل الأول: المهدي.
o الفصل الثاني: المسيح الدجال.
o الفصل الثالث: نزول عيسى u.
o الفصل الرابع: يأجوج ومأجوج.
o الفصل الخامس: الخسوفات الثلاثة.
o الفصل السادس: الدُّخان.
o الفصل السابع: طلوع الشمس من مغربها.
o الفصل الثامن: الدابة.
o الفصل التاسع: النار التي تحشر الناس.
تمهيد
أولًا: ترتيب أشرأط السَّاعة الكبرى:
لم أجد نصًا صريحًا يبين ترتيب أشراط السَّاعة الكبرى حسب وقوعها، وإنما جاء ذكرها في الأحاديث مجتمعة بدون ترتيب، إذ كان ترتيبها في الذكر لا يقتضي ترتيبها في الوقوع، فقد جاء العطف فيها بالواو، وذلك لا يقتضي الترتيب.
ومن النصوص ما خالف ترتيبها فيه ترتيبها في نص آخر.
ولكي يتبين هذا، فسأذكر نماذج من ذلك بذكر بعض الأحاديث التي تعرضت لذكر الأشراط الكبرى جملة أو ذكر بعضها:
1- روى الإمام مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري t؛ قال: اطلع النبي r علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون"؟ قالوا: نذكر السَّاعة. قال: "إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات"، فذكر: الدُّخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم r، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم" ().
وروى مسلم هذا الحديث عن حذيفة بن أسيد بلفظ آخر، وهو: "إن السَّاعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والدُّخان، و الدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعرة عدن ترحل الناس".
وفي رواية: "والعاشرة: نزول عيسى بن مريم" ().
فهذا حديث واحد عن صحابي واحد جاء بلفظين مختلفين في ترتيب الأشراط.
2- وروى مسلم عن أبي هريرة t  أن رسول الله r قال: "بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدُّخان، أو الدجال، أو الدابة، أو الخاصة أحدكم، أو أمر العامة" ().
وروى مسلم هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ آخر: "بادروا بالأعمال ستًا: الدجال، والدُّخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخويضة أحدكم" ().
وهذا أيضًا حديث واحد عن صحابي واحد جاء بلفظين مختلفين في ترتيب بعض الأشراط وفي أداة العطف، حيث جاء مرة بـ(أو) والأخرى بـ(الواو)، وهما لا يدلُّان على الترتيب.
والذي يمكن معرفته هو ترتيب بعض الأشراط من خلال حدوث بعضها إثر بعض؛ كما ورد في بعض الروايات؛ مثل ما جاء في حديث
النواس بن سمعان t؛ كما سيأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى، فقد ذكر فيه بعض الآيات مرتبة؛ حسب وقوعها؛ فإنه ذكر أولًا خروج الدجال على الناس، ثم نزول عيسى u لقتله، ثم خروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى u، وذكر دعاءه عليهم بالهلاك.
وكذلك جاء في بعض الروايات أن أول الآيات كذا، وفي بعضها آخر الآيات كذا، ومع هذا؛ فإن هناك اختلافًا في هذه الأولية بين العلماء، وهذا الاختلاف موجود في عصر الصحابة y، فقد روى الإمام أحمد ومسلم عن أبي زرعة ()؛ قال: جلس إلى مروان بن الحكم بالمدينة ثلاثة نفر من المسلمين، فسمعوه وهو يحدث عن الآيات أن أولها خروجًا الدجال، فقال عبد الله بن عمر: لم يقل مروان شيئًا، قد حفظت من رسول الله r حديثًا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله r يقول: "إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها قريبًا". هذا لفظ مسلم.
وزاد الإمام أحمد في روايته: "قال عبد الله – وكان يقرأ الكتب-: وأظن أولادها خروجًا طلوع الشمس من مغربها" ().
نعم؛ جمع الحافظ ابن حجر بين أولية الدجال وأولية طلوع
الشمس من مغربها، فقال: "الذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض، وينتهي ذلك بموت عيسى u، وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤدنة بتغير أحوال العالم العلوي، وينتهي ذلك بقيام السَّاعة، ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب".
ثم قال: "والحكمة في ذلك أنه عند طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة، فتخرج الدابة؛ تميز المؤمن من الكافر؛ تكميلًا للمقصود من إغلاق باب التوبة، وأول الآيات المؤذنة بقيام السَّاعة النار التي تحشر الناس" ().
ويرى الحافظ ابن كثير أن خروج الدابة هو أول الآيات الأرضية التي ليست بمألوفة؛ فإن الدابة التي تكلم الناس وتعين المؤمن من الكافر أمر مخالف للعادة المستقرة.
وأما طلوع الشمس من مغربها، فهو أمر باهر جدًا، وذلك أول الآيات السماوية.
أما ظهور الدجال ونزول عيسى بن مريم u من السماء، وخروج يأجوج ومأجوج؛ فإنهم وإن كان ظهورهم قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل ظهور الدابة؛ إلا أنهم بشر، مشاهدتهم وأمثالهم من الأمور المألوفة؛ بخلاف ظهور الدابة وطلوع الشمس من مغربها، فهو ليس من الأمور المألوفة ().
والذي يظهر أن المعول عليه ما ذهب إليه ابن حجر؛ فإن خروج الدجال من حيث كونه بشرًا ليس هو الآية، وإنما الآية خروجه في حالته التي هو عليها من حيث كونه بشرًا، ومع ذلك يأمر السماء أن تمطر، فتمطر، والأرض أن تنبت، فتنبت، ويكون معه كذا وكذا مما ليس مألوفًا؛ كما سيأتي في الكلام على الدجال.
فالدجال في الحقيقة هو أول الآيات الأرضية التي ليست بمألوفة.
وقال الطيبي ():
"الآيات أمارات للساعة، إما على قربها، وإما على حصولها، فمن الأول: الدجال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج،  والخسف. ومن الثاني: الدُّخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التي تحشر الناس" ().
وهذا ترتيب بين جملة من الآيات وجملة أخرى منها؛ دون تعرض لترتيب ما اندرج تحت هاتين الجملتين، مع أنه يظهر لي أن الطيبي يرى ترتيب الآيات حسب ما ذكره في كل قسم؛ فإن هذا التقسيم – الذي ذهب إليه – تقسيم حسن ودقيق؛ فإنه إذا خرج القسم الأول الدال على
قرب السَّاعة قربًا شديدًا؛ كان فيه إيقاظ للناس؛ ليتوبوا ويرجعوا إلى ربهم، ولم يكن هنالك تمييز بين المؤمن والكافر، وهذه العلامات التي ذكرها في القسم الأول سبق أن ذكرت أنه جاء ترتيبها حسب وقوعها، وأضاف إ ليها الخسوفات، وذلك مناسب لها.
وأما إذا ظهر القسم الثاني – الدال على حصول السَّاعة – فإن الناس يتميزون إلى مؤمن وكافر؛ كما سيأتي أنه عند ظهور الدُّخان يصيب المؤمن كهيئة الزكام، والكافر ينتفخ من ذلك الدُّخان، ثم تطلع الشمس من مغربها، فيقفل باب التوبة، فلا ينفع الكافر إيمانه، ولا  التائب توبته، ثم تظهر بعد ذلك الدابة، فتميز بين الناس، فيعرف الكافر من المؤمن؛ لأنها تسم المؤمن وتخطم الكافر؛ كما سيأتي ذكر ذلك، ثم يكون آخر ذلك ظهور النار التي تحشر الناس.
وقد جريت فيث ذكري لأشراط السَّاعة الكبرى على هذا الترتيب الذي ذكره الطيبي؛ لأنه – في نظري- أقرب إلى الصواب، والله أعلم.
وقبل ذكري لهذه العلامات العشر الكبرى تحدثتُ عن المهدي؛ لأن ظهوره يكون سابقًا لهذه العلامات، فهو الذي يجتمع عليه المؤمنون لقتال الدجال، ثم ينزل عيسى u، ويصلي خلفه؛ كما سيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
ثانيًا: تتابع ظهور الأشراط الكبرى:
إذا ظهر أول علامات السَّاعة الكبرى؛ تتابعت الآيات كتتابع الخرز في النظام، يتبع بعضها بعضًا.
روى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة t عن النبي r؛ قال: "خروج الآيات بعضها على إثر بعض، يتتابعن كما تتابع الخرز في
النظام()" ().
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قال رسول الله r: "الآيات خرزات منظومات في سلك، فإن يقطع السلك؛ يتبع بعضها بعضًا" ().
والذي يظهر لي – والله أعلم – أن المراد بهذه الآيات هي علامات السَّاعة الكبرى؛ فإن ظاهر هذه الأحاديث يدلُّ على تقارب ظهورها تقاربًا شديدًا.
ويؤيد ذلك ما سبق ذكره في الكلام على ترتيب أشراط السَّاعة الكبرى؛ من بعض الأحاديث ذكرت أن بعض هذه العلامات تظهر في زمن متقارب؛ فإن أول العلامات الكبرى بعد المهدي ظهور الدجال، ثم نزول عيسى u لقتله، ثم ظهور يأجوج ومأجوج، ودعاء عيسى u عليهم، فيهلكهم لله، ثم قال عيسى u: "ففيما عهد إلي ربي U أن ذلك كذلك؛ فإن السَّاعة كالحامل المتم التي لا يدري أهلها متى تفجؤهم  
بولادها ليلًا أو نهارًا" ().
وهذا دليل ع لى قرب السَّاعة قربًا شديدًا؛ فإن بين موت عيسى u وقيام السَّاعة شيء من العلامات الكبرى؛ كطلوع الشمس من مغريها، وظهور الدابة، والدُّخان، وخروج النار التي تحشر الناس، فهذه العلامات تقع في وقت قصير جدًا قبل قيام السَّاعة؛ مثلها كمثل العقد الذي انفرط نظامه، والله أعلم.
وقد وجدت ما يؤيد ما ذكرته، فقد قال الحافظ ابن حجر: "وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك، إذا انقطع؛ تناثر الخرز بسرعة، وهو عند أحمد"().
الفصل الأول
المَهدِي
في آخر الزمان يخرج رجل من أهل البيت يؤيد الله به الدين، يملك سبع سنين، يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، تنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعمها قط؛ تخرج الأرض نباتها، وتمطر السماء قطرها، ويعطى المال بغير عدد.
قال ابن كثير رحمه الله: "في زمانه تكون الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم، والعدو راغم، والخير في أيامه دائم" ().
* اسمه وصفته: 
وهذا الرجل اسمه كاسم رسول الله r، واسم أبيه كاسم أبي النبي r، فيكون اسمه محمد – أو أحمد- بن عبد الله، وهو من ذرية فاطمة بنت رسول الله r، ثم من ولد الحسن بن علي y.
قال ابن كثير رحمه الله في المهدي: وهو محمد بن عبد الله العلوي الفاطمي الحسني t " ().
وصفته الواردة: أنه أجلى الجبهة ()، أقنى الأنف ().
* مكان خروجه:
يكون ظهور المهدي من قبل المشرق، فقد جاء في الحديث عن ثوبان t، قال: قال رسول الله r: "يقتتل عند كنزكم ثلاثة؛ كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلًا لم يقتله قوم... (ثم ذكر شيئًا لا أحفظه، فقال): فإذا رأيتموه؛ فبايعوه، ولو حبوًا على الثلج؛ فإنه خليفة الله المهدي" ().
قال ابن كثير رحمه الله: "و المراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة، يقتتل عنده ليأخذوه ثلاثة من أولاد الخلفاء، حتى يكون آخر الزمان، فيخرج المهدي، ويكون ظهوره من بلاد المشرق، لا من سرداب سامرا؛ كما يزعمه جهلة الرافضة من أنه موجود فيه الآن، وهم ينتظرون خروجه في آخر الزمان، فإن هذا نوع من الهذيان، وقسط كبير من الخذلان، شديد م الشيطان، إذ لا دليل على ذلك، ولا برهان؛ لا من كتاب، ولا سنة، ولا معقول صحيح، ولا استحسان".
وقال أيضًا: "ويؤيد بناس من أهل المشرق ينصرونه، ويقيمون سلطانه، ويشيدون أركانه، وتكون راياتهم سود أيضًا وهو زي عليه الوقار؛ لأن راية رسول الله r كانت سوداء يقال لها: العقاب".
إلى أن قال: "والمقصود أن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق، ويباع له عند البيت؛ كما دل على ذلك بعض الأحاديث" ().
* الأدلَّة من السنة على ظهوره:
جاءت الأحاديث الصحيحة الدالَّة على ظهور المهدي، وهذه الأحاديث منها ما جاء فيه النص على المهدي، ومنها ما جاء فيه ذكر صفته فقط ()، وسأذكر هنا بعض هذه الأحاديث، وهي كافية في
إثبات ظهوره في آخر الزمان علامة من علامات السَّاعة.
1- عن أبي سعيد الخدري t أن رسول الله r قال: "يخرج في آخر أمتي المهدي؛ يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطى المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعًا أو ثمانيًا (يعني: حججًا" ().
2- وعنه t ؛ قال: رسول الله r: "أ بشركم بالمهدي؛ يبعث على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، يرضى عنه ساكن السماء وسكان الأرض، يقسم المال صحاحًا". فقال له رجل: ما صحاحًا؟ قال: "بالسوية بين الناس".
قال: "ويملأ الله قلوب امة محمد r غنى، ويسعهم عدله، حتى يأمر مناديًا، فينادي فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل، فيقول: ائت السدان – يعني: الخازن-، فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالًا. فيقول له: احث، حتى إذا حجره وأبرزه؛ ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفسًا، أو عجز عني ما وسعهم؟!". قال: "فيرده، فلا يقبل منه. فيقال له: إنا لا نأخذ شيئًا أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، ثم لا خير في العيش بعده"، أو قال: "ثم لا خير في الحياة بعده" ().
وفي هذا دليل على أنه بعد موت المهدي يظهر الشر والفتن العظيمة.
3- وعن علي t؛ قال: قال رسول الله r: "المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة" ().
قال ابن كثير: "أي: يتوب عليه، ويوفقه، ويلهمه، ويرشده، بعد أن لم يكن كذلك" ().
4- وعن أبي سعيد الخدري t؛ قال: قال رسول الله r: "المهدي مني أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، يملك سبع سنين" ().
5- وعن أم سلمة رضي الله عنها؛ قالت: سمعت رسول الله r يقول: "المهدي من عترتي، من ولد فاطمة" ().
6- وعن جابر t؛ قال: قال رسول الله r: "ينزل عيسى بن
مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا؛ إن بعضهم أمير بعض؛ تكرمة الله هذه الأمة" ().
7- وعن أبي سعيد الخدري t ؛ قال: قال رسول الله r: "منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه" ().
7- وعن عبد الله بن مسعود t ؛ قال: قال رسول الله r: "لا تذهب أو لا تنقضي الدينا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي" ()، وفي رواية: "يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي" ().
 
 
* بعض ما في الصحيحين من الأحاديث فيما يتعلق بالمهدي:
1- عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم؟!" ().
2- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قال: سمعت رسول الله r يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهر ين إللاى يوم القيامة". قال: "فينزل عيسى بن مريم r، فيقول أميرهم: تعال صل لنا فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة"().
3- وعن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله r: "يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيًا لا يعده عددًا".
قال الجريري()- أحد رواة الحديث-: "قلت لأبي نظرة() وأبي
العلاء(): أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا"().
فهذه الأحاديث التي وردت في الصحيحين تدلُّ على أمرين:
أحدهما: أنه عند نزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من السماء يكون المتولي لإمرة المسلمين رجلًا منهم.
والثاني: أن حضور أميرهم للصلاة، وصلاته بالمسلمين، وطلبه من عيسى u عند نزوله أن يتقدم ليصلي لهم يدلُّ على صلاح في هذا الأمير وهدى، وهي وإن لم يكن فيها التصريح بلفظ: (المهدي)؛ إلا أنها تدلُّ على صفات رجل صالح، يؤم المسلمين في ذلك الوقت، وقد جاءت الأحاديث في السنن والمسانيد وغيرها مفسرة لهذه الأحاديث التي في الصحيحين، ودالة على أن ذلك الرجل الصالح يسمى: محمد بن عبد الله، ويقال له: المهدي، والسنة يفسر بعضها بعضًا.
ومن الأحاديث الدالَّة على ذلك الحديث الذي رواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" عن جابر t؛ قال: قال رسول الله r: "ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدي..." ().
فهو دال على أن ذلك الأمير المذكور في "صحيح مسلم" الذي
طلب من عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام أن يتقدم للصلاة؛ يقال له: المهدي.
وقد أورد الشيخ صديق حسن في كتابه "الإذاعة" جملة كبيرة من أحاديث المهدي، جعل آخرها حديث جابر المذكور عند مسلم، ثم قال عقبه: "وليس فيه ذكر المهدي، ولكن لا محمل له ولأمثاله من الأحاديث إلا المهدي المنتظر؛ كما دلَّت على ذلك الأخبار المتقدمة والآثار الكثيرة"().
* تواتر أحاديث المهدي:
ما سبق أن ذكرته من الأحاديث وغيرها مما لم أنقله هنا – خشية الإطالة – يدلُّ على تواتر الأحاديث في المهدي تواترًا معنويًا، وقد نص على ذلك بعض الأئمة والعلماء، وسأذكر هنا طائفة من أقوالهم:
1- قال الحافظ أبو الحسن الآبري(): "قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله r بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلًا، وأن عيسى u يخرج، فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى
خلفه"().
2- وقال محمد البرزنجي() في كتابه "الإشاعة لأشراط السَّاعة": "الباب الثالث في الأشراط العظام والأمارات القريبة التي تعقبها السَّاعة، وهي كثيرة، فمنها المهدي، وهو أولها، واعلم أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر"().
وقال أيضًا: "قد علمت أن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان وأنه من عترة رسول الله r من ولد فاطمة عليهم السلام بلغت حد التواتر المعنوي، فلا معنى لإنكارها"().
3- وقال العلامة محمد السفاريني(): "وقد كثرت بخروجه – أي:
المهدي – الروايات، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عد من معتقداتهم".
ثم ذكر طائفة من الأحاديث والآثار في خروج المهدي، وأسماء بعض الصحابة ممن رواها، ثم قال: "وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم y بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة"().
4- وقال الشوكاني: "الأحاديث في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونهما في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي؛ فهي كثيرة أيضًا، لها حكم الرف، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك"().
5- وقال صديق حسن(): "الأحاديث الواردة فيه – أي: المهدي –
على اختلاف رواياتها كثيرة جدًا، تبلغ حد التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد"().
6- وقال الشيخ محمد بن جعفر الكتاني(): "والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي الممنتظر متواترة، وكذا الواردة في الدجال، وفي نزول سيدنا عيسى بن مريم "u().
* العلماء الذين صنفوا كتبًا في المهدي:
إضافة إلى كتب الحديث المشهورة؛ كالسنن الأربعة، المسانيد؛ كـ"مسند أحمد"، و"مسند البزار" و"مسند أبي يعلى"، و"مسند الحارث بن أبي أسامة"، و"مستدرك الحاكم"، و"مصنف ابن أبي شيبة"، و"صحيح ابن خزيمة"، وغيرها من المصنفات() التي ذكر فيها أحاديث المهدي؛ فإن طائفة من العلماء أفردوا في المهدي المنتظر مؤلفات ذكروا فيها جمعًا كبيرًا من الأحاديث الواردة فيه، ومن هذه المؤلفات:
1- جمع الحافظ أبو بكر بن أبي خيثمة() الأحاديث الواردة في
المهدي، كما ذكر ذلك ابن خلدون في "مقدمته"؛ نقلًا عن السهيلي().
2- ألف السيوطي جزءًا سماه: "العرف الوردي في أخبار المهدي" مطبوع ضمن "الحاوي للفتاوي"().
3- ذكر الحافظ ابن كثير في كتابه "النهاية/ الفتن والملاحم" أنه أفرد في ذكر المهدي جزءأً على حدة().
4- ولعلي المتقي الهندي(): رسالة في شأن المهدي().
5- ولابن حجر المكي() مؤلفًا أسماه: "القول المختصر في  علامات المهدي المنتظر"().
6- وللملا على القاري() كتابًا ا سمه: "المشرب الوردي في
مذهب المهدي"().
7- ولمرعي بن يوسف ا لحنبيلي(): "فوائد الفكر في ظهور المنتظر"().
8- وللشوكاني: "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح"().
9- وقال صديق حسن: "وقد جمع السيد العلامة بدر الملة المنير محمد بن إسماعيل الأمير اليماني() الأحاديث القاضية بخروج المهدي من آل محمد r ، وأنه يظهر في آخر الزمان"().
* المنكرون لأحاديث المهدي والرد عليهم:
ذكرت فيما سبق طائفة من الأحاديث الصحيحة التي تدلُّ دلالة قاطعة على ثبوت ظهور المهدي في آخر الزمان حكمًا عدلًا وإمامًا مقسطًان ونقلت طائفة من كلام العلماء الذين نصوا على تواتر أحاديث
المهدي، وكذلك بعض المصنفات التي ألفها العلماء في شأنه.
ومما يؤسف له أن طائفة من الكتاب() ظهرت في هذا الزمن تنكر ظهور المهدي، وتصف أحاديثه بالتناقض والبطلان، وأن المهدي ليس إلا أسطورة اخترعها الشيعة، ثم دخلت في كتب أهل السنة.
وقد تأثر بعض هؤلاء الكتاب بما اشتهر عن ابن خلدون المؤرخ() من تضعيف لأحاديث المهدي، مع أن ابن خلدون المؤرخ() من تضعيف لأحاديث المهدي، مع أن ابن خلدون ليس من فرسان هذا الميدان حتى يقبل قوله في التصحيح والتضعيف، ومع هذا؛ فقد قال – بعد أن استعرض كثيرًا من أحاديث المهدي، وطعن في كثير من
أسانيدها-: "فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي، وخروجه آخر الزمان، وهي – كما رأيت – لم يخلص منها من النقد إلا القليل أو الأقل منه"().
فعبارته تدلُّ على أنه قد سلم من نقده القليل من الأحاديث.
ونقول: لو صح حديث واحد؛ لكفى به حجة في شأن المهدي، كيف والأحاديث فيه صحيحة ومتواترة؟!
قال الشيخ أحمد شاكر ردا على ابن خلدون: "إن ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين: "الجرح مقدم على التعديل"، ولو اطلع على أقوالهم وفقهها؛ ما قال شيئًًا مما قال، وقد يكون قرأ وعرف، ولكنه أراد تضعيف أحاديث المهدي بما غلب عليه من الرأي السياسي في عصره"().
ثم بين أن ما كتبه ابن خلدن في هذا الفصل عن المهدي مملوء بالأغاليط الكثيرة في أسماء الرجال ونقل العلل، واعتذر عنه بأنه ذلك قد يكون من الناسخين، وإهمال المصححين، والله أعلم.
وإيثارًا للاختصار فسأذكر هنا ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا في المهدي، وهو نموذج لغيره ممن أنكر أحاديث المهدي:
قال رحمه الله: "أما التعارض في أحاديث المهدي؛ فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيه أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيما أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من رواياتها في صحيحيهما ، وقد كانت أكبر مثارات الفساد والفتن في الشعوب الإسلامية"().
ثم ذكر نماذج من تعارض أحاديث المهدي وتهافتها – كما يزعم – ومن ذلك قوله: "إن أشهر الروايات في اسمه واسم أبيه عند أهل السنة أنه محمد بن عبد الله، وفي رواية: أحمد بن عبد الله، والشيعة الإمامية متفقون على أنه محمد بن الحسن العسكري، وهما الحادي عشر والثاني عشر من آئمتهم المعصومين، ويلقبون بالحجة، والقائم، والمنتظر... وزعمت الكيسانية() أن المهدي هو محمد ابن الحنفية، وأنه حي مقيم بجبل رضوى..."().
وقال: "المشهور في نسبه أنه علوي فاطمي م ولد الحسن، وفي بعض الروايات من ولد الحسين، وهو يوافق قول الشيعة الإمامية، وهنالك عدة أحاديث مصرحة بأنه من ولد العباس"().
ثم ذكر أن كثيرًا من الإسرائيليات دخلت في كتب الحديث، "وكذلك فإن للعصبيات العلوية والعباسية والفارسية دورًا كبيرًا في وضع كثير من الأحاديث في المهدي، وكل طائفة تدعي أنه منها، وإن اليهود والفرس روجوا لهذه الروايات؛ بقصد تخدير المسلمين، حتى يتكلوا على ظهور المهدي، الذي يؤيد الله به الدين، وينشر العدل في العالمين"().
ويجاب عما قاله الشيخ رشيد  رضا بأن الروايات في خروج
المهدي صحيحة ومتواترة تواترًا معنويًا؛ كما سبق أن ذكرت طائفة من هذه الأحاديث، ومن نص من العلماء على صحتها وتواترها.
وأما دعوى أن الشيخين لم يعتدا بشيء من الأحاديث في المهدي؛ فنقول: إن السنة كلها لم تدون في الصحيحين فقط، بل ورد في غيرهما أحاديث كثيرة صحيحة في السنن والمسانيد والمعاجم وغيرها من دواوين الحديث.
قال ابن كثير رحمه الله: "إن البخاري ومسلمًا لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته من الأحاديث، فإنهما قد صححا أحاديث ليست في كتابيهما؛ كما ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده، بل في السنن وغيرها"().
وأما كون الأحاديث قد دخلها كثير من الإسرائيليات، وأن بعضها من وضع الشيعة وغيرهم من أهل العصبيات؛ فهذا صحيح، ولكن أئمة الحديث قد بينوا الصحيح من غيره، وصنفوا الكتب في الموضوعات، وبيان الروايات الضعيفة، ووضعوا قواعد دقيقة في الحكم على الرجال، حتى لم يبق صاحب بدعة أو كذب إلا وأظهروا أمره، فحفظ الله السنة من عبث العابثين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين، هذا من حفظ الله لهذا الدين.
وإذا كان هناك روايات موضوعة في المهدي تعصبًا، فإن ذلك لا يجعلنا نترك ما صح من الروايات فيه، والروايات الصحيحة جاء فيها ذكر صفته واسمه واسم أبيه، فإذا عين إنسان شخصًا، وزعم أنه هو المهدي، دون أن يساعده على ذلك ما جاء من الأحاديث الصحيحة؛
فإن ذلك لا يؤدي إلى إنكار المهدي على ما جاء في الحديث.
ثم إن المهدي الحقيقي لا يحتاج إلى أن يدعو له أحد، بل يظهره الله للناس إذا شاء، ويعرفونه بعلامات تدلُّ علىه، وأما دعوى التعارض؛ فقد نشأت عن الروايات التي لم تصح، وأما الأحاديث الصحيحة؛ فلا تعارض فيها ولله الحمد.
وأيضًا؛ فإن خلاف الشيعة مع أهل السنة لا يعتد به، والحكم العدل هو الكتاب والسنة الصحيحة، وأما خرافات الشيعة وأباطيلهم؛ فلا يجوز أن تكون عمدة يرد بها ما ثبت من حديث رسول الله r.
قال العلامة ابن القيم في كلامه على المهدي: "وأما الرافضة الإمامية؛ فلهم قول رابع ، وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري() المنتظر، من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار، الذي يورث العصا، ويختم الفضا، دخل سرداب سامراء طفلًا صغيرًا من أكثر من خمس مئة سنة، فلم تره بعد ذلك عين، ولم يحس فيه بخبر ولا أثر، وهم ينتظرونه كل يوم!! ويقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون به أن يخرج إليهم: اخرج يا مولانا! اخرج يا مولانا! ثم يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه، ولقد أحسن من قال:
ما آن للسرداب أن يلد الذي?كلمتموه بجهلكم ما آنا؟
فعلى عقولكم العفاء فإنكم?ثلثتم العنقاء والغيلانا
ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم، وضحكة يسخر منهم
كل عاقل"().
* حديث: "لا مهدي إلا عيسى بن مريم" والجواب عنه:
احتج بعض المنكرين لأحاديث المهدي بالحديث الذي رواه ابن ماجه والحاكم عن أنس بن مالك t أن رسول الله r قال: "لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدُّنيا إلا إدبارًا، ولا الناس إلا شحًا، ولا تقوم السَّاعة إلا على شرار الناس،ولا مهدي إلا عيسى تبن مريم"().
ويجاب عليهم بـأن هذا الحديث ضعيف؛ لأن مداره على محمد بن خالد الجندي:
قال الذهبي فيه: "قال الأزدي: منكر الحديث. وقال أبو عبد الله الحاكم: مجهول. قلت – القائل الذهبي -: حديثه "لا مهدي إلا عيسى بن مريم"، وهو خبر منكر ، أخرجه ابن ماجه"().
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد أبو محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه، وليس مما يعتمد عليه، ورواه ابن ماجه عن يونس عن الشافعي، والشافعي رواه عن رجل من أهل اليمن يقال له محمد بن خالد الجندي، وهو ممن لا يحتج به، وليس هذا في مسند الشافعي، وقد قيل: إن الشافعي لم يسمعه من الجندي،
وإن يونس لم يسمعه من الشافعي"().
وقال فيه الحافظ ابن حجر: "مجهول"().
وقد خالف في ذلك الحافظ ابن كثير، فقال فيه: "إنه حديث مشهور بمحمد بن خالد الجندي الصنعاني المؤذن، شيخ الشافعي، وروى عنه غير واحد أيضًا، وليس هو بمجهول؛ كما زعمه الحاكم، بل قد روي عن ابن معين أنه وثقه، ولكن من الرواة من حدث به عنه عن أبان بن أبي عياش عن الحسن البصري مرسلًا، وذكر ذلك شيخنا في :"التهذيب"() عن بعضهم أنه رأى الشافعي في المنام، وهو يقول: كذب على يونس بن عبد الأعلى الصدفي ليس هذا من حديثي. قلت: يونس بن عبد الأعلى الصدفي من الثقات، لا يطعن فيه بمجرد منام، وهذا الحديث فيما يظهر بادئ الرأي مخالف لأحاديث التي أوردناها في إثبات مهدي غير عيسى بن مريم، إما قبل نزوله – كما هو الأظهر، والله أعلم-، وإما بعده، وعند التأمل لا يتنافيان، بل يكون المراد من ذلك ن المهدي حق المهدي هو عيسى بن مريم، ولا ينفي ذلك أن يكون غيره مهديًا أيضًا، والله أعلم"().
وقال أبو عبد الله القرطبي: "يحتمل أن قوله عليه الصلاة والسلام: "ولا مهدي إلا عيسى"؛ أي: لا مهدي كاملًًا معصومًا إلا عيسى، وعلى هذا تجتمع الأحاديث ويرتفع التعارض"().
قلت: وعلى فرض احتمال ثبوته؛ فإنه لا يقوم أمام الأحاديث الكثيرة الثابتة في شأن المهدي، وهي أصح إسنادًا من هذا الحديث الذي اختلفت أقوال العلماء في ثبوته من عدمه. والله أعلم.
 
الفصل الثاني
المسيح الدَّجاَّل
* معنى المسيح:
ذكر أبو عبد الله القرطبي ثلاثة وعشرين قولًا في اشتقاق هذا اللفظ()، وأوصلها صاحب "القاموس" إلى خمسين قولًا().
وهذه اللفظة تطلق على الصديق، وعلى الضليل الكذاب.
فالمسيح عيسى بن مريم u: الصديق، والمسيح الدجال: الضليل الكذاب.
فخلق الله المسيحين، أحدهما ضد الآخر:
فعيسى u مسيحالهدى؛ يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيى الموتى بإذن الله.
والدجال – لعنه الله – مسيح الضلالة، يفتن الناس بما يعطاه من الآيات؛ كإنزال المطر، وإحياء الأرض بالنبات، وغيرهما من الخوارق.
وسمي الدجال مسيحًا؛ لأن إحدى عينيه ممسوحة، أو لأنه يمسح الأرض في أربعين يومًا().
والقول الأول هو الراجح؛ لما جاء في الحديث: "إن الدجال ممسوح العين"().
* معنى الدجال:
أما لفظ (الدجال)؛ فهو مأخوذ من قوله: دجل البعير؛ إذا طلاه بالقطران، وغطاه به().
وأصل الدجل: معناه الخلط؛ يقال: دجل إذا لبس وموه.
والدجال: المموه الكذاب الممخرق، وهو من أبنية المبالغة، على وزن فعال؛ أي: يكثر منه الكذب والتلبيس()، وجمعه: دجالون، وجمعه الإمام مالك عل دجاجلة، وهو جمع تكسير().
وذكر القرطبي أن الدجال في اللغة يطلق على عشر وجوه().
ولفظة (الدجال): أصبحت علمًا على المسيح الأعور الكذاب، فإذا قيل: الدجال؛ فلا يتبادر إلى الذهن غيره.
وسمي الدجال دجالًا: لأنه يغطي الحق بالباطل، أو لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم، وقيل: لأنه يغطي الأمر بكثرة جموعه(). والله أعلم.
* صفة الدجال والأحاديث الواردة في ذلك:
الدجال رجل من بني آدم، له صفات كثيرة جاءت بها الأحاديث؛ لتعريف الناس به، وتحذيرهم من شره، حتى إذا خرج؛ عرفه المؤمنون، فلا يفتنون به، بل يكونون على علم بصفاته التي أخبر بها الصادق r ، وهذه الصفات تميزه عن غيره من الناس، فلا يغتر به إلا الجاهل الذي سبقت عليه الشقوة، نسأل الله العافية.
ومن هذه الصفات أنه رجل، شاب، أحمر، قصير، أفحج، جعد الرأس، أجلى الجبهة، عريض النحر، ممسوح العين اليمنى، وهذه العين ليست بناتئه()، ولا جحراء()؛ كأنها عنبة طافئة، وعينه اليسرى عليها ظفرة() غليظة، ومكتوب بين عينيه (ك ف ر) بالحروف المقطعة، أو (كافر) بدون تقطيع، يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب، ومن صفاته أنه عقيم لا يولد له.
وهذه بعض الأحاديث الصحيحة التي جاء فيها ذكر صفاته ا لسابقة، وهي من الأدلَّة على ظهور الدجال:
1- عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول اله r قا: "بينا أنا نائم أطوف
بالبيت...(فذكر أنه رأى عيسى بن مريم u، ثم رأى الدجال، فوصفه، فقال): فإذا رجل جسيم، أحمر، جعد الرأس، أعور العين، كأن عينه عنبة طافئة؛ قالوا : هذا الدجال أقرب الناس به شبهًا ابن قطن()"؛ رجل من خزاعة().
2- وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r ذكر الدجال بين ظهراني الناس، فقال: "إن الله تعالى ليس بأعور، ألا وإن ا لمسيح الدجال أعو رالعين اليمنى؛ كأن عينة عنبة طافية"().
3- وفي حديث النواس بن سمعان t: قال r في وصف الدجال: "إنه شاب، قطط()، عينه طافية، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن"().
4- وفي حديث عبادة بن الصامت t: قال رسول الله r: "إن مسيح الدجال رجل، قصير، أفجع، جعد، أعور، مطموس العين، ليس بناتئه ولا جحراء، فإن ألبس عليكم؛ فاعلموا أن ربكم ليس بأعور"().
5- وفي حديث أبي هريرة t: قال رسول الله r: "وأما مسيح الضلالة؛ فإنه أعور العين، أجلى الجبهة، عريض النحر، فيه دفأ()"().
6- وفي حديث حذيفة t؛ قال r: "الدجال أعور العين اليسرى، جفال الشعر()"().
7- وفي حديث أنس t؛ قال r: "وإن بين عينيه مكتوب كافر"().
وفي رواية: "ثم تهجاها (ك ف ر)؛ يقرؤه كل مسلم"().
وفي رواية عن حذيفة: "يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب"().
وهذه الكتابة حقيقة على ظاهرها()، ولا يشكل رؤية بعض الناس لهذه الكتابة دون بعض، وقراءة الأمي لها، "وذلك أن الإدراك في البصر يخلقه الله للعبد كيف شاء ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن بعين بصره، وإن كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر، ولو كان يعرف الكتابة؛ كما يرى المؤمن الأدلَّة بعين بصيرته، ولا يراه الكافر، فيخلق الله للمؤمن الإدراك دون تعلم؛ لأن ذلك الزمن تنخرق فيه العادات"().
قال النووي: "الصحيح الذي عليه المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقية، جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله؛ يظهرها الله تعالى لكل مسلم؛ كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك"().
8- ومن صفاته أيضًا ما جاء في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها في قصة الجساسة، وفيه قال تميم t: "فانطلقنا سراعًا، حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط، وأشده وثاقًا"().
9- وفي حديث عمران بن حصين t؛ قال: سمعت رسول الله r يقول: "ما بين خلق آدم إلى قيام السَّاعة خلق أكبر من الدجال().
10- وأما أن الدجال لا يولد له؛ فما جاء في حديث أبي سعيد الخدري t في قصته مع ابن صياد، فقد قال لأبي سعيد: "ألست سمعت رسول الله r يقول: "إنه لا يولد له؟" قال: قلت: بلى"().
والملاحظ في الروايات السابقة أن في بعضها وصف عينه اليمنى بالعور، وفي بعضها وصف عينه اليسرى بالعور، وكل الروايات صحيحة، وهذا فيه إشكال.
فذهب الحافظ ابن حجر إلى أن حديث ابن عمر الوارد في الصحيحين والذي جاء فيه وصف اليمنى بالعور أرجح من رواية مسلم التي جاء فيه وصف عيه اليسرى بالعور؛ لأن المتفق على صحته أقوىت من غيره().
وذهب القاضي عياض إلى أن عيني الدجال كلتيهما معيبة؛ لأن الروايات كلها صحيحة، وتكون العين المطموسة والممسوحة هي العوراء الطافئة – بالهمز -؛ أي: التي ذهب ضوؤها، وهي العين اليمنى؛ كما في حديث ابن عمر. وتكون العين اليسرى التي عليها ظفرة غليظة، وهي الطافية – بلا همز – معيبة أيضًا، فهو أعور العين اليمنى واليسرى معًا، فكل واحدة منهما عوراء؛ أي: معيبة؛ فإن الأعور من كل شيء: المعيب، لا سيما ما يختص بالعين، فكلا عيني الدجال معيبة عوراء، إحداهما بذهابها، والأخرى بعيبها.
قال النووي في هذا الجمع: "هو فيث نهاية من الحسن"().
ورجحه أبو عبد الله القرطبي().
* هل الدجال حي؟ وهل كان موجودًا في زمن النبي r؟
وقبل الجواب عن هذين السؤالين لا بد من معرفة حال ابن صياد؛ هل هو الدجال أو غيره؟
وإذا كان الدجال غير ابن صياد؛ فهل هو موجود قبل أن يظهر بفتنته أو لا؟
وقبل الإجابة عن هذه الأسئلة نعرف بابن صياد:
* ابن صياد:
اسمه هو صافي – وقيل: عبد الله – بن صياد أو صائد().
كان من يهود المدينة، وقيل: من الأنصار، وكان صغيرًا عند قدوم النبي r إلى المدينة.
وذكر ابن كثير أنه أسلم، وكان ابنه عمارة من سادات التابعين، روى عنه الإمام مالك وغيره().
وترجم له الذهبي في كتابه "تجريد أسماء الصحابة"، فقال: "عبد الله بن صياد، أورده ابن شاهين()، وقال: هو ابن صائد، كان أبوه
يهوديًا، فولد عبد الله أعور مختونًا، وهو الذي قيل: إنه الدجال، ثم أسلم، فهو تابعي، له رؤية"().
وترجم له الحافظ ابن حجر في "الإصابة"، فذكر ما قاله الذهبي، ثم قال: "ومن ولده عمارة بن عبد الله بن صياد، وكان من خيار المسلمين، من أصحاب سعيد بن المسيب، روى عنه مالك وغيره".
ثم ذكر جملة من الأحاديث في شأن ابن صياد؛ كما سيأتي ذكرها فيما بعد.
ثم قال: "وفي الجملة لا معنى لذكر ابن صياد في الصحابة؛ لأنه إن كان الدجال؛ فليس بصحابي قطعًا؛ لأنه يموت كافرًا، وإن كان غيره؛ فهو حال لقيه النبي r لم يكن مسلمًا"().
لكن إن أسلم بعد ذلك؛ فهو تابعي له رؤية؛ كما قال الذهبي.
وترجم ابن حجر في كتابه "تهذيب التهذيب" لعمارة بن صياد، فقال: "عمارة بن عبد الله بن صياد الأنصاري، أبو أيوب المدني. روى عن: جابر بن عبد الله، وسعيد بن ا لمسيب، وعطاء بن يسار. وعنه: الضحاك بن عثمان الخزامي، ومالك بن أنس، وغيرهما. قال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال أبو حات: صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان
ثقة قليل الحديث. وكان مالك بن أنس لا يقدم عليه في الفضل أحدًا، وكانوا يقولون: نحن بنو أشيهب بن النجار، فدفعهم بنو النجار، فهم اليوم خلفاء بني مالك بن النجار، ولا يدري ممن هم"().
* أحواله:
كان ابن صياد دجالًا، وكان يتكهن أحيانًا فيصدق ويكذب، فانتشر خبره بين الناس، وشاع أنه الدجال؛ كما سيأتي في ذكر امتحان النبي r له.
* امتحان النبي r له:
لما شاع بين الناس أمر ابن صياد، وأنه هو الدجال؛ أراد النبي r أن يطلع على أمره، ويتبين حاله، فكان يذهب إليه مختفيًا حتى لا يشعر به ابن صياد؛ رجاء أن يسمع منه شيئًا، وكان يوجه إليه بعض الأسئلة التي تكشف عن حقيقته.
ففي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ أن عمر انطلق مع النبي r في رقط قبل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أطم() بن مغالة()، وقد قارب ابن صياد الحلم، فلم يشعر حتى ضرب النبي r بيده، ثم قال لابن صياد: "أتشهد أني رسول الله؟". فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين.فقال ابن صياد للنبي r: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه، وقال: "آمنت بالله وبرسله". فقال له: "ما ترى؟".
قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب. فقال النبي r: "خلط عليك الأمر". ثم قال له النبي r: "إني خبأت لك خبيئًا؟". فقال ابن صياد: هو الدخ(). فقال: "اخسأ فلن تعدو قدرك". فقال عمر t : دعني يا رسول الله أضرب عنقه. فقال النبي r: "إن يكنه؛ فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه؛ فلا خير لك في قتله"().
وفي رواية أن النبي r قال له: "ما ترى؟". قال: أرى عرشًا على الماء. فقال رسول الله r: ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟". قال: أرى صادقين وكاذبًا، أو كاذبين وصادقًا. فقال رسول الله r: "لبس عليه، دعوه"().
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: انطلق بعد ذلك رسول الله r وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه النبي r وهو مضطجع – يعني: في قطيفة له فيها رمزة أو زمرة()-، فرأت أم ابن صياد رسول الله r وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف – وهو اسم ابن صياد-! هذا محمد r. فثار ابن صياد، فقال النبي r: "لو تركته بين"().
وقال أبو ذر t: كان رسول الله r بعثني إلى أمه؛ قال: "سلها كم حملت به؟". فأتيتها، فسألتها، فقالت: حملت به اثني عشر شهرًا. قال: ثم أرسلني إليها، فقال: "سلها عن صيحته حين وقع؟". قال: فرجعت إليها، فسألتها، فقال: صاح صيحة الصبي ابن شهر. ثم قال له رسول الله r: "إني قد خبأت لك خبئًا". قال: خبأت لي خطم شاة عفراء() والدُّخان. قال: فأراد أن يقول الدُّخان، فلم يستطع، فقال: الدخ، الدخ().
فامتحان النبي r له بـ(الدُّخان)؛ ليتعرف على حقيقة أمره.
والمراد بالدُّخان هنا قوله تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10)} [الدُّخان: 10]، فقد وقع في رواية ابن عمر عند الإمام أحمد: "إني قد خبأت لك خبيئًا، وخبأ له: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ}().
قال ابن كثير: "إن ابن صياد كاشف على طريقة الكهان، بلسان الجان، وهم يقرطو – أي: يقطعون – العبارة، ولهذا قال: هو الدخ؛ يعني: الدُّخان، فعندها عرف رسول الله r مادته، وأنها شيطانية، فقال
له: (اخسأ؛ فلن تعدو قدرك)"().
* وفاته:
عن جابر t قال: "فقدنا ابن صياد يوم الحرة"().
وقد صحح ابن حجر هذه الرواية، وضعف قول من ذهب إلى أنه مات في المدينة، وأنه كشفوا عن وجهه، وصلوا عليه().
* هل ابن صيَّاد هو الدَّجَّال الأكبر؟
مضى في الكلام على أحوال ابن صياد وامتحان النبي r له ما يدلُّ على أن النبي r كان متوقفًا في أمر ابن صياد؛ لأنه لم يوح إليه أنه الدجال ولا غيره.
وكان عمر t يحلف عند النبي r أن ابن صياد هو الدجال، ولم ينكر عليه ذلك رسول الله r.
وكان بعض الصحابة y يرى رأي عمر، ويحلف أن ابن صياد هو الدجال؛ كما ثبت ذلك عن جابر، وابن عمر، وأبي ذر.
ففي الحديث عن محمدبن المنكدر()؛ قال: "رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله إن ابن صياد هو الدجال. قلت: تحلف بالله، قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي r، فلم ينكره
النبي r "().
وعن نافع()؛ قال: "كان ابن عمر يقول: والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد"().
وعن زيد بن وهب()؛ قال: "قال أبو ذر t: لأن أحلف عشر مرات أن ابن صائد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف مرة واحدة أنه ليس به"().
وعن ناف؛ قال: لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة، فقال له قولًا أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له: رحمك الله! ما أردت ن ابن صائد؟! أما علمت أن رسول الله r قال: "إنما يخرج من غضبةٍ يغضبها"()؟!
وفي رواية عن نافع؛ قال: قال ابن عمر: لقيته مرتين؛ قال: فلقيته، فقلت لعضهم: هل تحدثون أنه  هو؟ قال: لا والله. قال: قلت: كذبتني، والله لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالًا وولدًا، فكذلك هو زعموا اليوم. قال: فتحدثنا، ثم فارقته. قال: فلقيته مرة أخرى وقد نفرت عينيه، قال: فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري. قلت: لا تدري وهي في رأسك؟! قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه.قال: فنخر كأشد نخير حار سمعت. قال: فزعم بعض أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت، وأما أنا فوالله ما شعرت. قال: وجاء حتى دخل على أم المؤمنين، فحدثها ، فقالت: ما تريد إليه؟! ألم تعلم أنه قد قال: "إن أول ما يبعثه على الناس غضب يغضبه"().
وكان ابن صياد يسمع ما يقوله الناس فيه، فيتأذى من ذلك كثيرًا، ويدافع عن نفسه بأنه ليس الدجال، ويحتج على ذلك بأن ما أخبر به النبي r من صفات الدجال لا تنطبق عليه.
ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري t؛ قال: "خرجنا حجاجًا أو عمارًا ومعنا ابن صائد. قال: فنزلنا منزلًا، فتفرق الناس، وبقيت أنا وهو، فاستوحشت منه وحشة شديدة مما  يقال عليه. قال: وجاء بمتاعه، فوضعه مع متاعي. فقلت: إن الحر شديد، فلو وضعته تحت تلك الشجرة. قال: ففعل. قال: فرفعت لنا غنم، فانطلق، فجاء بعس()، فقال: اشرب أبا سعيد! فقلت: إن الحر شديد، واللبن حار، ما بي إلا
أني أكره أن أشرب عن يده، أو قال: آخذ عن يده. فقال: أبا سعيد! لقد هممت أن آخذ حبلًا، فأعلقه بشجرة، ثم أختنق مما يقول لي الناس. يا أبا سعيد! من خفي عليه حديث رسول الله r؛ ما خفي عليكم معشر الأنصار. ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله r ؟ أليس قد قال رسول الله r: هو كافر. وأنا مسلم؟ أوليس قد قال رسول الله r : هو عقيم لا يولد له. وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله r: لا يدخل المدينة ولا مكة. وقد أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة؟ قال أبو سعيد الخدري: حتى كدت أن أعذره. ثم قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده، وأين هو الآن. قال: قلت له: تبًا لك سائر اليوم"().
وقال ابن صياد في رواية: "أما والله إني لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه. قال: وقيل له: أيسرك أنك ذاك الرجل؟ فقال: لو عرض على ما كرهت"().
وهناك بعض الروايات التي جاءت في شأن ابن صياد، تركت ذكرها هنا خشية الإطالة، ولأن بعض المحققين كابن كثير وابن حجر وغيرهما ردوها لضعف أسانيدها().
وقد التبس على العلماء ما جاء في ابن صياد، وأشكل عليهم أمره:
فمن قائل: إنه الدجال. ويحتج على ذلك بما سبق ذكره من حلف بعض الصحابة y على أنه الدجال، وبما كان من أمره مع ابن عمر وأبي سعيد y.
وذهب بعض العلماء إلى أن ابن صياد ليس هو الدجال، ويحتج على ذلك بحديث تميم الداري t، وقبل أن أسوق أقوال الفريقين أذكر حديث تميم بطوله:
روى الإمام مسلم بسنده إلى عامر بن شراحيل الشعبي()- شعب همدان – أنه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس- وكانت من المهاجرات الأول – فقال: حدثيني حديثًا سمعتيه من رسول الله r لا تستنديه إلى أحد غيره. فقالت: لئن شئت لأفعلن. فقال لها: أجل؛ حدثيني. فذكرت قصة تأيمها من زوجها، واعتدادها عند ابن أم مكتوم، ثم قالت: فلما انقضت عدتي؛ سمعت نداء المنادي منادي رسول الله r ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، فصليت مع رسول الله r، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله r  صلاته؛ جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: "ليلزم كل إ نسان مصلاة"، ثم قال: "أتدرون لم جمعتكم؟". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إني والله ما جمعتكم لرغبةٍ ولا رهبةٍ، ولكن جمعتكم لأن تميمًا الداري()
كان رجلًا نصرانيًا، فجاء، فبايع، وأسلم، وحدثني أ،ه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثم أرفؤوا() إلى جزيرة في البحر، حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب() السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر، لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير()؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمت لنا رجلًا؛ فرقنا منها أن تكون شيطانة. قال: فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا، وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد؛ قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم
على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم()، فلعب بنا الموج شهرًا، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة، فلقينا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر. فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة. قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير؛ فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة. قال: أخبروني عن نخل بيسان()؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها: هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة طبرية؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر()؟ قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل
يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم؛ هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين؛ ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني: إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة؛ غير مكة وطيبة، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة – أو واحدًا- منهما؛ استقبلني ملك بيده السيف صلتًا يصدني عنها، وإن على كل نقب () منها ملائكة يحرسونها".
قالت: قال رسول الله r – وطعن بمخصرته() في المنبر -: "هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة، يعني: المدينة -. ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟". فقال الناس: نعم. "فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه، وعن المدينة ومكة، ألا إنه في بحر الشام، أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، وأومأ بيده إلى المشرق".
قالت: فحفظت هذه من رسول الله r ().
قال ابن حجر: "وقد توهم بعضهم أنه – أي: حديث فاطمة بنت قيس – غريب فرد، وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر"()؛ y.
* أقوال العلماء في ابن صيَّاد:
قال أبو عبد الله القرطبي: "الصحيح أن ابن صياد هو الدجال؛ بدلالة ما تقدم، وما يبعد أن يكون بالجزيرة في ذلك الوقت، ويكون بين أظهر الصحابة في وقت آخر().
وقال النووي: "قال العلماء: وقصته مشكلة، وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره، ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة.
قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي r لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان فيث ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي r لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر t: "إن يكن هو؛ فلن تستطيع قتله".
وأما احتجاجه هو بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له هو، وأنه لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة
وهو متوجه إلى مكة؛ فلا دلالة له فيه؛ لأن النبي r إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض.
ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكاذبين قوله للنبي r : أتشهد أني رسول الله ؟! ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشًا فوق الماء، وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه، وقوله: إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، وانتفاخ حتى ملأ السكة.
وأما إظهاره الإسلام، وحجه، وجهاده، وإقلاعه عما كان عليه؛ فليس بصريح في أنه غير الدجال"().
وكلام النووي هذا يفهم منه أنه يرجح كون ابن صياد هو الدجال.
وقال الشوكاني: "اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافًا شديدًا، وأشكل أمره، حتى قيل فيه كل قول، وظاهر الحديث المذكور أن النبي r كان مترددًا في كونه الدجال أم لا؟...
وقد أجيب عن التردد منه r بجوابين:
الأول: أنه تردد r قبل أن يعلمه الله بأنه هو الدجال، فلما أعلمه؛ لم ينكر على عمر حلفه.
الثاني: أن العرب قد تخرج الكلام مخرج الشك، وإن لم يكن في الخبر شك.
ومما يدلُّ على أنه هو الدجال ما أخرجه عبد الرزاق() بإسناد صحيح عن ابن عمر؛ قال: "لقيت ابن صياد يومًا – ومعه رجل من
اليهود – فإذا عينه قد طفت وهي خارجة مثل عين الحمار، فلما رأيتها؛ قلت: أنشدك الله يا ابن صياد! متى طفت عينك؟ قال: لا أدري والرحمن. قلت: كذبت وهي في رأسك. قال: فمسحها ونخر ثلاثًا"().
وقد سبق ذكر نحو هذه القصة من رواية الإمام مسلم().
والذي يظهر لي من كلام الشوكاني أنه مع القائلين بأن ابن صياد هو الدجال الأكبر.
وقال البيهقي() في سياق كلامه على حديث تميم: "فيه أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر r بخروجهم، وقد خرج أكثرهم.
وكأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا؛ فالجمع بينهما بعيد جدًا، إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه محتلم، ويجتمع به النبي r ويسأله؛ أن يكون في آخرها  شيخًا كبيرًا مسجونًا في جزيرة من جزائر البحر، موثقًا بالحديد، يستفهم عن خبر النبي r هل خرج أو لا؟!
فالأول أن يحمل على عدم الاطلاع.
أما عمر؛ فيحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم، ثم لما سمعها؛ لم يعد إلى الحلف المذكور.
وأما جابر؛ فشهد حلفه عند النبي r، فاستصحب ما كان اطلع عليه من عمر بحضرة النبي r "().
قلت: لكن جابر t كان من رواة حديث تميم؛ كما جاء في رواية أبي داود، حيث ذكر قصة الجساسة والدجال بنحو قصة تميم، ثم قال ابن أبي سلمة(): "إن في هذا الحديث شيئًا ما حفظته؛ قال(): شهد جابر أنه هو ابن صائد. قلت: فإنه قد مات. قال: وإن مات. قلت: فإنه قد أسلم. قال: وإن أسلم. قلت: فإنه قد دخل المدينة. قال: وإن دخل المدينة"().
فجابر t مصر على أن ابن صيَّاد هو الدجال، وإن قيل: إنه أسلم، ودخل المدينة، ومات.
وقد تقدم أنه صح عن جابر t أنه قال: "فقدنا ابن صيَّاد يوم الحرة"().
وقال ابن حجر: "أخرج أبو نعيم الأصبهاني() في "تاريخ
أصبهان"() ما يؤيد كون ابن صياد هو الدجال، فساق من طريق شبيل بن عرزة عن حسان بن عبد الرحمن عن أبيه؛ قال: لما افتتحنا أصبهان؛ كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ، فكنا نأتيها فنختار منها، فأتيتها يومًا، فإذا اليهود يزفنون ويضربون، فسألت صديقًا لم منهم؟ فقال: ملكنا الذي نستفتح به على العرب يدخل، فبت عنده على سطح، فصليت الغداة، فلما طلعت الشمس؛ إذا الرهج من قبل العسكر، فنظرت ، فإذا رجل عليه قبة من ريحان، واليهود يزفنون ويضربون، فنظرت، فإذا هو ابن صياد، فدخل المدينة فلم يعد حتى السَّاعة"().
قال ابن حجر: "ولا يلتئم خبر جاب هذا (أي: فقدهم لابن صياد يوم الحرة) مع خبر حسان بن عبد الرحمن؛ لأن فتح أصبهان كان في خلافة عمر؛ كما أخرجه أبو نعيم في "تاريخها"، وبين قتل عمل ووقعة الحرة نحو أربعين سنة.
ويمكن الحمل على أن القصة إنما شاهدها والد حسان بعد فتح أصبهان بهذه المدة، ويكون جواب (لما) في قوله: "لما افتتحنا أصبهان" محذوفًا تقديره: صرت أتعاهدها، وأتردد إليها، فجرت قصة ابن صياد، فلا يتحد زمان فتحها وزمان دخولها ابن صيَّاد"().
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، "أمرابن صياد قد أشكل على بعض الصحابة، فظنوه الدجال، وتوقف فيه النبي r حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، وإنما هو من جنس الكهان أصحاب الأحوال الشيطانية، ولذلك كان يذهب ليختبره().
وقال ابن كثير: والمقصود أن ابن صيَّاد ليس بالدجال الذي يخرج في آخر الزمان فطعًا؛ لحديث فاطمة بنت قيس الفهرية، وهو فيصل في هذا المقام"().
هذه هي طائفة من أقوال العلماء في ابن صياد، وهي – كما ترى- متضاربة في شأن ابن صياد، ومع كل دليله.
ولهذا فقد اجتهد الحافظ انب حجر في ا لتوفيق بين الأحاديث المختلفة، فقال: "أقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقًاُ، وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة، إلى أن توجه إ لى أصبهان، فاستتر مع قرينه، إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها، ولشدة التباس الأمر في ذلك؛ سلك البخاري مسلك الترجيح، فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صيَّاد، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم").
* ابن صيَّاد حقيقة لا خرافة:
زعم أبو عبية أن "شخصية ابن صيَّاد خرافة جازت على بعض
العقول فعاشت قصتها في بعض الكتب منسوبة إلى الرسول، والرسول عليه صلوات الله لايصدر عنه من القول والفعل إلا ما هو لباب الحق ومصاصه، ولقد آن الأوان لنأخذ بعين الاعتبار والجد روح الحديث معناه، ودلالته ومرماه؛ كما نأخذ سنده وطريقه؛ لتنجو مداركنا الإسلامية من الشطط والغلط"().
هذا ما قاله الشيخ أبو عبية في تعليقه على الأحاديث الواردة في ابن صيَّاد!!
ويرد عليه بأن الأحاديث الواردة في ابن صياد صحيحة، جاءت بها كتب السنة؛ كـ"الصحيحين"، وغيرهما، وليس في أحاديث ابن صياد مخالفة لروح الحديث ولباب الحق، فابن صياد – كما سبق- اشتبه أمره على المسلمين، وكان دجالًا من الدجاجلة، أظهر الله كذبه وباطله للرسول r والمسلمين.
وأبو عبية متناقض في كلامه، فنجده في بعض تعليقاته على أحاديث ابن صياد يقول: "والحق أن ابن صيَّاد قال كلمة بتراء لا معنى لها، على عادة الكهان، وأنه لم يكن يعني شيئًا بكلمته، فهو مشعوذ أفاك"().
فكلامه هنا فيه اعتراف بأن ابن صياد مشعوذ أفاك! فكيف يكون في وقت خرافة وفي وقت آخر رجل مشعوذ؟!
لا شك أن أبا عبية متناقض في كلامه.
والمتتبع لتعليقات الشيخ أبي عبية على كتاب "النهاية/ الفتن
والملاحم"  للحافظ ابن كثير يرى العجب، فقد أطلق أبو عبية لعقله العنان فيما أورده ابن كثير من الأحاديث، فما رآه هو وقبله؛ فهو الحق، وما سوى ذلك؛ أوله بتأويلات مخالفة لظاهر الأحاديث، أو حكم على الأحاديث الصحيحة بالوضع؛ بدون دليل ولا برهان على صحيح.
يقول أبو عبية على أحاديث ابن صيَّاد: "هل الطفل مكلف؟ وهل يبلغ اهتمام الرسول بهذا المزعوم أن يقف إليه ويسأله هذا السؤال؟ وهل من المعقول أن ينتظر حتى يتلقى  جوابه؟ وهل من المقبول أن يسمح له بهذا الجواب الكافر المدعي للنبوة والرسالة؟ وهل يبعث الله أطفالًا؟ أسئلة نسوقها إلى أولئك الذين يشلون عقولهم عن التفكير السديد الرشيد"().
ويجاب عن كلام أبي عبية هذا بأنه لم يقل أحد: إن الطفل مكلف، ولا إن الله يبعث أطفالًا، وإنما أراد النبي r أن يطلع على أمر ابن صياد؛ أهو الدجال حقيقة أم لا؟ لأنه شاع في المدينة أنه الدجال الذي حذر منه النبي r، وكان لم يوح إليه في أمر ابن صياد شيئًا، فرأى رسول الله r أن ما يكشف دجله – وهو مميز يعقل الخطاب – أن يقول له: "أتشهد أني رسول الله؟"..إلى أن قال له: "إني قد خبأت لك خبيئًا؟" إلى غير ذلك من الأسئلة التي وجهها إليه رسول الله r .
فليس المقصود بهذا الكلام تكليف ابن صيَّاد بالإسلام، وإنما القصد إظهار حقيقة أمره، وإذا كان القصد ما ذكرنا؛ فلا غرابة أن يقف الرسول r ليرى جوابه، وقد ظهر من جوابه أنه دجال من الدجاجلة.:
وأيضًاَ؛ فإنه ليس هناك أي مانع في أن يعرض النبي r الإسلام
على الصغير؛ فإن البخاري رحمه الله أورد قصة ابن صياد وترجم لها بقوله: "باب كيف يعرض الإسلام على الصبي"().
وأما كون النبي r لم يعاقب ابن صيَّاد مع ادعائه النبوة؛ فشبهة أثارها عدم اطلاع أبي عبية على أقوال العلماء في ذلك، وقد أجابوا عما ذكره بأجوبة؛ منها:
1- أن ابن صيَّاد كان من يهود المدينة أو حلفائهم، وكان بينهم وبين النبي r في تلك المدة عهد ومهادنة، وذلك أن النبي r عندما قدم المدينة كتب بينه وبين اليهود، وصالحهم على أن لا يهاجوا وأن يتركوا على دينهم.
ويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد  عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في ذكر قصة ذهاب النبي r إلى ابن صياد ومقالته، وقول عمر t: ائذن لي فأقتله يا رسول الله، فقال رسول الله r: "إن يكن هو؛ فلست صاحبه؛ إنما صاحبه عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وإلا يكن هو؛ فليس لك أن تقتل رجلًا من أهل العهد"().
وإلى هذا الجواب ذهب الخطابي() والبغوي().
وقال ابن حجر: "هو المتعين ().
2- أن ابن صيَّاد كان في ذلك الوقت صغيرًا، لم يبلغ الحلم.
ويؤيد هذا الجواب ما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما في قصة ذهاب النبي r إلى ابن صيَّاد، وفيها قوله: "حتى وجده يلعب مع الغلمان عند أطم بني مغالة، وقد قارب يومئذ ابن صياد يحتلم"().
واختار القاضي عياض هذا ا لجواب().
3- وهناك جواب ثالث ذكره الحافظ ابن حجر، وهو أن ابن صيَّاد لم يصرح بدعوى النبوة، وإنما أوهم أنه يدعي الرسالة، ولا يلزم من دعوى الرسالة دعوى النبوة؛ قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ}(). [مريم: 83]
* مكان خروج الدجال:
يخرج الدجال من جهة المشرق؛ من خراسان()، من يهودية أصبهان()، ثم يسير في الأرض، فلا يترك بلدًا إلا دخله؛ إلا مكة والمدينة، فلا يستطيع دخولهما؛ لأن الملائكة تحرسهما.
ففي حديث فاطمة بنت قيس السابق أن النبي r قال في الدجال: "ألا إنه في بحر الشام، أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو، من
قبل المشرق ما هو (وأومأ بيده إلى المشرق)().
وعن أبي بكر الصديق t ؛ قال: حدثنا رسول الله r ؛ قال: "الدجال يخرج من أرض بالمشرق؛ يقال لها: خراسان" ().
وعن أنس t؛ قال: قال رسول الله r: "يخرج الدجال من يهودية أصبهان، معه سبعون ألفًام من اليهود" ().
قال ابن حجر: "وأما من أين يخرج؟ فمن قبل المشرق جزمًا"().
وقال ابن كثير: "فيكون بدء ظهوره من أصبهان، من حارة يقال لها: اليهودية"().
* الدجال لا يدخل مكة والمدينة:
حرم على الدجال دخول مكة والمدينة حين يخرج في آخر الزمان؛ لورود الأحاديث الصحيحة لذلك، وأما ما سوى ذلك من البلدان؛ فإن الدجال سيدخلها واحدًا بعد الآخر.
جاء في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنهما أن الدجال قال: "فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة؛ غير مكة وطيبة()، فهما محرمتان علي كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو
واحدًا- منهما؛ استقبلني ملك بيده السيف صلتًا يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها"().
وثبت أيضًا أن الدجال لا يدخل أربعة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الطور، والمسجد الأقصى.
روى الإمام أحمد عن جنادة بن أبي أمية الأزدي؛ قال: ذهبت أنا ورجل من الأنصار إلى رجل من أصحاب النبي r ، فقلنا: حدثنا ما سمعت من رسول الله r يذكر في الدجال.... (فذكر الحديث، وقال): "وإنه يمكث في الأرض أربعين صباحًا، يبلغ فيها كل منهل، ولا يقرب أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الطور، ومسجد الأقصى"().
وأما ما ورد في الصحيحين() أن النبي r رأى رجلًا، جعدًا، قططًا، أعور عين اليمنى، واضعًا يديه على منكبي رجل، يطوف بالبيت، فسأل عنه؟ فقالوا: إنه المسيح الدجال. فيجاب عنه بأن منع الدجال من دخول مكة والمدينة إنما يكون عند خروجه في آخر الزمان. والله أعلم().
* أتباع الدجال:
أكثر أتباع الدجال من اليهود والعجم والترك، وأخلاط من الناس، غالبهم الأعراب والنساء.
روى مسلم عن أنس بن مالك t أن رسول الله r  قال: "يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة"().
وفي رواية للإمام أحمد: "سبعون ألفًا عليهم التيجان"().
وجاء في  حديث أبي بكر الصديق: "يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة"().
قال ابن كثير: "والظاهر- والله أعلم – أن المراد هؤلاء الترك أنصار الدجال"().
قلت: وكذلك بعض الأعاجم؛ كما جاء وصفهم في حديث أبي هريرة: "لا تقوم السَّاعة حتى تقاتلوا خوزًا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر"().
وأما كون أكثر أتباعه من الأعراب؛ فلأن الجهل غالب عليهم، ولما جاء في حديث أبي أمامة الطويل قوله r: "وإن من فتنته – أي:
الدجال – أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك؛ أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم. فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني! اتبعه؛ فإنه ربك"().
وأما النساء؛ فحالهن أشد من حال الأعراب؛ لسرعة تأثرهن، وغلبة الجهل عليهن، ففي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: قال النبي r: "ينزل الدجال في هذه السبخة بمرقناة()، فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل يرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته فيوثقها رباطًا؛ مخافة أن تخرج إليه"().
* فتنة الدجال:
فتنة الدجال أعظم الفتن منذ خلق الله آدم إلى قيام السَّاعة، وذلك بسبب ما يخلق الله معه من الخوارق العظيمة التي تبهر العقول، وتحير الألباب.
فقد ورد أن معه جنة ونارًا، وجنته نار، وناره جنة، وأن معه أنهار الماء، وجبال الخبز، ويأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض، ويقطع الأرض بسرعة عظيمة؛ كسرعة الغيث استدبرته الريح... إلى غير ذلك من الخوارق.
وكل ذلك جاءت به الأحاديث الصحيحة:
فمنها ما رواه الإمام مسلم عن حذيفة t؛ قال: قال رسول الله r: "الدَّجَّال أعور العين اليسرى، جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار"().
ولمسلم أيضًا عن حذيفة t؛ قال: قال رسول الله r: "لأنا أعلم بما مع الدَّجَّال منه، معه نهران يجريان، أحد هما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج، فإما أدركن أحد؛ فليأت النهر الذي يراه نارًا، وليغمض، ثم ليطأضئ رأسه، فيشرب منه؛ فإنه ماء بارد"().
وجاء في حديث النواس بن سمعان t في ذكر الدَّجَّال أن الصحابة قالوا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم". قالوا: وما إسراعه فيث الأرض؟ قال: "كالغيث إذا استدبرته الريح، فيأتي على القوم، فيدعوهم، فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم() أطول ما كانت ذرًا()، وأسبغه() ضروعًا، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم، فيدعوهم، فيردون عليه قوله،
فينصرف عنهم،  فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل()، ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك"().
وجاء في رواية البخاري عن أبي سعيد الخدري t أن هذا الرجل الذي يقتله الدَّجَّال من خيار الناس، أوخير الناس؛ يخرج إلى الدَّجَّال من مدينة رسول الله r، فيقول للدجال: "أشهد أنك الدَّجَّال الذي حدثنا رسول الله r حديثه. فيقول الدَّجَّال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته؛ هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا. فيقتله، ثم يحييه، فيقول (أي: الرجل): والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدَّجَّال أن يقتله، فلا يسلط عليه"().
وسبق ذكر رواية ابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي t... (وفيها قول النبي r في الدَّجَّال): "إن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك؛ أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم. فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني ! اتبعه؛ فإنه ربك"().
نسأل الله العافية، ونعوذ به من الفتن.
* الرد على منكري ظهور الدَّجَّال:
ما تقدم من الأحاديث يدلُّ على تواتر خروج الدَّجَّال في آخر الزمان, وأنه شخص حقيقة، يعطيه الله ما شاء من الخوارق العظيمة.
وقد ذهب الشيخ محمد عبده إلى أن الدَّجَّال رمز للخرافات والدجل والقبائح()، وتبعه الشيخ أبو عبية، فذهب إلى أن الدَّجَّال رمز لاستشراء الباطل، وليس رجلًا من بني آدم، وهذا التأويل صرف للأحاديث عن ظاهرها بدون قرينةٍ!!
وإليك ما قاله الشيخ أبو عبية في تعليقه على أحاديث الدَّجَّال؛ قال: "اختلاف ما روي من الأحاديث في مكان ظهور الدَّجَّال، وزمان ظهوره، وهل هو ابن صياد أم غيره؟ يشير إ لى أن المقصود بالدَّجَّال الرمز إلى الشر، واستعلائه، وصولة جبروته، واستشراء خطره، واستفحال ضرره في بعض الأزمنة، وتطاير أذاه في كثير من الأمكنة، بما يتيسر له من وسائل التمكن والانتشار والفتنة بعض الوقت، إلى أن تنطفئ جذوته، وتموت جمرته بسلطان الحق، وكلمة الله: {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81]" ().
ويقول أيضًا: "أليس الأولى أن يفهم من الدَّجَّال أنه رمز الشر والبهتان والإفك..." إلخ().
ونرد على هذه الأقوال بأن الأحاديث صريحة في أن الدَّجَّال رجل بعينه، وليس هناك ما يدلُّ على أنه رمز للخرافات والدجل والباطل، وليس في الروايات اختلاف ولا تعارض، وقد سبق الجمع بينها، فبيَّنتُ أن أول ما يخرج الدَّجَّال من أصبهان من جهة خراسان – وكلها في جهة المشرق-، وبيَّنتُ ما قيل عن ابن صياد هل هو الدَّجَّال أم غيره؟ وذكرت أقوال العلماء في ذلك.
وإذا تبين هذا، وأن الروايات ليس فيها اضطراب؛ لا من حيث مكان خروجه، ولا من حيث زمان ظهوره؛ لم يكن هناك ما يدعو إلى ما ذهبا إليه، لا سيما مع ما جاء من صفاته التي نبهت عليها الأحاديث، والتي تدلُّ دون ارتكاب تجوز لا داعي له على أنه شخص حقيقة.
وأيضًا؛ فأبو عبية متناقض في تعليقاته على الأحاديث الواردة في الدَّجَّال في كتاب "الفتن والملاحم" لابن كثير؛ فإنه يعلق على قول النبي r: "إنه مكتوب بين عينيه (كافر)؛ يقرؤه من كره عمله، أو يقرؤه كل مؤمن". وقوله: "تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت".
يقول أبو عبية: "وهذا يقرر كذب الدَّجَّال في دعواه الربوبية قبحه الله، وأتم عليه غضبه ولعنه"().
فهو هنا يرى أن الدَّجَّال إنسان حقيقة، يدعي الربوبية، ويدعو عليه بالغضب واللعنة، وفي موضع آخر ينفي أن يكون هناك دجال على الحقيقة، وإنما هو رمز للشر والفتنة!!
ولا شك أن هذا تناقض واضح منه.
وأرجو أن لا ينطبق على هؤلاء المنكرين لظهور الدَّجَّال قوله r:
"إنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم، وبالدَّجَّال، وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا"().
وسيأتي في الكلام على خوارق الدَّجَّال، والأمر بالتعوذ من فتنته، والإخبار عن هلاكه، ما يدلُّ دلالة قاطعة على أنه شخص بعينه.
* خوارق الدَّجَّال أمور حقيقية:
مضى ذكر بعض الخوارق التي تكون مع الدَّجَّال في الكلام على فتنته، وهذه الخوارق حقيقة، وليست بخيالات وتمويها؛ كما ادعى ذلك بعض العلماء:
فقد نقل ابن كثير عن ابن حزم والطحاوي أنهما يقولان: بأن ما مع الدَّجَّال ليس له حقيقة.
وكذلك نقل عن أبي علي الجبائي() شيخ المعتزلة قوله: "لا يجوز أن يكون كذلك حقيقة؛ لئلا يشبه خارق الساحر بخارق النبي"().
ثم جاء من بعدهم الشيخ رشيد رضا، فأنكر أن يكون مع الدَّجَّال خوارق، وزعم أن ذلك مخالف لسنن الله تعالى في خلقه، فقال في الكلام على أحاديث الدَّجَّال: "ما ذكر فيها من الخوارق تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولي العزم من المرسلين، أو تفوقها، وتعد شبهة عليها؛ كما قال بعض علماء الكلام، وعد بعض المحدثين ذلك من بدعتهم، ومن المعلوم أن الله ما آتاهم هذه الآيات إلا لهداية خلقه التي
هي مقتضى سبق رحمته لغضبه، فكيف يؤتى الدَّجَّال أكبر الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباده؟! فإن من تلك الروايات أنه يظهر على الأرض كلها في أربعين يومًا إلا مكة والمدينة"....
إلى أن قال: "إن ما عزي إليه من الخوارق مخالف لسنن الله تعالى في خلقه، وقد ثبت بنصوص القرآن القطعية أنه لا تبديل لسنته تعالى ولا تحويل، وهذه الروايات المضطربة المتعارضة لا تصلح لتخصيص هذه النصوص القطعية ولا لمعارضتها"().
واستشهد على تعارض أحاديث الدَّجَّال بأنه ورد في بعض الروايات – كما سبق- أن معه جبال الخبز وأنهار الماء والعسل، وأن معه جنة ونارًا.. إلى غير ذلك، وهذا يتعارض مع الحديث الذي في الصحيحين عن المغية بن شعبة؛ قال: ما سال أحد النبي r عن الدَّجَّال ما سألته، وإنه قال لي: "ما يضرك منه؟" قلت: لأنهم يقولون إن معه جبل خبزٍ، ونهر ماء. قال: "بل هو أهون على الله من ذلك"().
وممن أنكر خوارق الدَّجَّال أبو عبية، فقد قال في تعليقه على الأحاديث الواردة في ذلك: "هل يقف أمام هذه الفتنة العظيمة الكثرة الكاثرة من الناس؟! يميت ثم يحيى على ملأ ومسمع من البشر، ثم يكب الله العباد في جهنم لأنهم افتتنوا به!! إن الله U ألطف بعباده وأرحم لهم من أن يسلط عليهم مثل هذا البلاء، الذي لا يستطيع الوقوف له إلا من رزق حظًا غير محدود من ثبات الإيمان وقوة العقيدة، وإن
الدَّجَّال – أي: دجال – أهون على الله من أن يسلطه على خلقه، ويمده بهذه الأسلحة الخطيرة الفتاكة المزلزلة للعقيدة وللدين في قلوب أكثر العالمين"().
والرد على هؤلاء يتخلص في الآتي:
1- أن الأحاديث الواردة في ذكر خوارق الدَّجَّال ثابتة وصحيحة، لا يجوز ردها أو تأويلها؛ لما ذكر من شبه، وليس فيها اضطراب، ولا بينها تعارض.
وما استشهد به رشيد رضا من أن حديث المغيرة الذي في الصحيحين يعارض أحاديث الدَّجَّال، فيجاب عنه: بأن معنى قول النبي r "هو أهون على الله من ذلك"؛ أي: أهون من أن يجعل ما يخلقه على يدي الدَّجَّال من الخوارق مضلًا للمؤمنين، ومشككًا لقلوب المؤمنين، بل ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، ويرتاب الذين في قلوبهم مرض، فهو مثل قول الذي يقتله الدَّجَّال: "ما كنت أشد بصيرة مني فيك اليوم"، وليس المراد من قوله: "هو أهون على الله من ذلك" أنه ليس شيء من ذلك معه، بل المراد أهون من أن يجعل شيئًا من ذلك آية على صدقه، ولا سيما وقد جعل فيه آية ظاهرة تدلُّ على كذبه وكفره، يقرؤها كل مسلم كاتب وغير كاتب، زائدة على شواهد كذبه من حدثه ونقصه()؛ كما مر  في الكلام على صفته.
2- لو سلمنا أن الحديث على ظاهرة؛ فيكون قول النبي r له ذلك قبل أن ينزل على النبي r بيان ما معه من الخوارق؛ بدليل قول المغيرة للنبي r: "يقولون: إن معه...."، ولم يقل للنبي r: إنك قلت
فيه كذا وكذا. ثم جاء الوحي بعد ذلك ببيان ما يكون مع الدَّجَّال من الخوارق والآيات، فلا منافاة بين حديث المغيرة وأحاديث الدَّجَّال.
3- إن الخوارق الدَّجَّال حقيقة، وليست بخيالات ولا تمويهات، وهذه الخوارق من الأمور التي أقدره الله عليها فتنة وابتلاءً للعباد، والدَّجَّال لا يمكن أن يشتبه حاله بحال الأنبياء؛ لأنه لم يثبت أنه يدعي النبوة حال ظهور الخوارق على يديه، بل يكون ظهور الخوارق عنه ادعائه الربوبية().
4- إن استبعاد رشيد رضا لما روي من أن الدَّجَّال يظهر على الأرض كلها في أربعين يومًا؛ إلا مكة والمدينة: ليس عليه دليل، بل جاء الدليل بخلافه؛ فإنه ورد في رواية مسلم أن بعض أيام الدَّجَّال يكون قدر سنة، وبعضها قدر شهر، وبعضها قدر أسبوع... كما سبق ذكر ذلك().
5- أن ما يعطاه الدَّجَّال من الخوارق ليس فيه مخالفة لسنن الله الكونية؛ فإننا لو أجرينا كلام رشيد رضا على ظاهره لأبطلنا معجزات الأنبياء؛ لأنها مخالفة لسنن الله الكونية، وما يقال في خوارق الأنبياء وأنها ليست مخالفة لسنن الله تعالى، يقال في الخوارق التي يعطاها الدَّجَّال على سبيل الفتنة والامتحان والابتلاء.
6- لو سلمنا أن خوارق الدَّجَّال مخالفة لسنن الله الكونية؛ فإننا نقول: إن زمن الدَّجَّال تنخرق فيه العادات، وتحدث أمور عظيمة مؤذنة بخراب العالم وزوال الدُّنيا وقرب السَّاعة، وإذا كان خروجه في زمن فتنة أرادها الله؛ فلا يقال: إن الله ألطف بعباده أن يفتنهم بخوارقه، فهو
اللطيف الخبير، ولكن اقتضت حكمته أن يبتلي العباد به، وقد أنذرهم وحذرهم منه.
وبعد هذا؛ فأرى من المناسب هنا أن أنقل طائفة من كلام العلماء الأعلام في إثبات خوارق الدَّجَّال، وأنها حقيقة جعلها الله فتنة وامتحانًا للعباد:
قال القاضي عياض رحمه الله: "هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدَّجَّال حجة لمذهب أهل الخق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه، ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى؛ من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدُّنيا والخصب معه، وجنته وناره، ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره، ويقتله عيسى u، ويثبت الله الذين آمنوا.
هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار؛ خلافًا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة... وغيرهم في أنه صحيح الوجود، ولكن الذي يدعى مخارف وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنه لو كان حقًا؛ لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
هذا غلط من جميعهم؛ لأنه لم يدع النبوة، فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعي الإلهية، وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه.
ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس؛ لسد الحاجة
والفاقة؛ رغبة في سد الرمق، أو تقية أو خوفًا من أذاه؛ لأنه فتنة عظيمة؛ تدهش العقول، وتحير الألباب، مع سرعة مروره في الأرض، فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله ودلائل الحدوث فيه والنقص، فيصدقه من صدقه في هذه الحالة.
ولهذا حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته، ونبهوا على نقصه ودلائل إبطاله.
وأما أهل التوفيق؛ فلا يغترون به، ولا يخدعون لما معه؛ لما ذكرناه من الدلائل المكذبة له، مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول له الذي يقتله ثم يحييه: "ما ازددت فيك إلا بصيرة"().
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "إن الدَّجَّال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق المشاهدة في زمانه كما تقدم أن من استجاب له يأمر السماء فتمطرهم، والأرض فتنبت لهم زرعًا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم، وترجع إليهم مواشيهم سمانًا لبنًا، ومن لا يستجيب له، ويرد عليه أمره؛ تصيبهم السنة والجدب والقحط والقلة وموت الأنعام ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وأنه يتبعه كنوز كيعاسيب النحل، ويقتل ذلك الشاب ثم يحييه، وهذا كله ليس بمخرقة، بل له حقيقة امتحن الله بها عباده في آخر الزمان، فيضل به كثيرًا، ويهدي به كثيرًا؛ يكفر المرتابون، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا"().
وقال الحافظ ابن حجر: "وفي الدَّجَّال مع ذلك دلالة بينة لمن عقل على كذبه؛ لأنه ذو أجزاء مؤلفة، وتأثير الصنعة فيه ظاهر مع ظهور الآفة به من عور عينيه، فإذا دعا الناس إلى أنه ربهم: فأسوا حال من يراه من
ذوي العقول أن يعلم أنه لم يكن ليسوي خلق غيره ويعدله ويحسنه ولا يدفع النقص عن نفسه، فأقل ما يجب أن يقول: يا من يزعم أنه خالق السماء والأرض! صور نفسك وعدلها وأزل عنها العاهة، فإن زعمت أن الرب لا يحدث في نفسه شيئًا؛ فأزل ما هو مكتوب بين عينيك"().
وقال ابن العربي(): "الذي يظهر على يد الدَّجَّال من الآيات؛ من إنزال المطر والخصب على من يصدقه، والجدب على من يكذبه، واتباع كنوز الأرض له، وما معه من جنة ونار ومياه تجري؛ كل ذلك محنة من الله، واختبار؛ ليهلك المرتاب، وينجو المتيقن، وذلك كله أمر مخوف، ولهذا قال r : "لا فتنة أعظم من فتنة الدَّجَّال"().
* الوقاية من فتنة الدَّجَّال:
أرشد النبي r أمته إلى ما يعصمها من فتنة المسيح الدَّجَّال، فقد ترك أمته على المحجة البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فلم يدع r خيرًا إلا دل أمته عليه، ولا شرًا إلا حذرها منه، ومن جملة ما حذر منه فتنة المسيح الدَّجَّال؛ لأنها أعظم فتنة تواجهها الأمة إلى قيام السَّاعة، وكان كل نبي ينذر أمته الأعور الدَّجَّال، واختص محمد r بزيادة التحذير والإنذار، وقد بين الله له كثيرًا من صفات الدَّجَّال؛ ليحذر أمته؛ فإنه خارج في هذه الأمة لا محالة؛ لأنها آخر الأمم، ومحمد r  خاتم النبيين.
وهذه بعض الإرشادات النبوية التي أرشد إليها المصطفى r أمته؛ لتنجو من هذه الفتنة العظيمة التي نسأل الله العظيم أن يعافينا ويعيذنا منها:
1- التمسك بالإسلام، والتسلح بسلاح الإيمان، ومعرفة أسماء الله ليس بأعور، وأنه لا أحد يرى ربه حتى يموت، والدَّجَّال يراه الناس عند خروجه؛ مؤمنهم وكافرهم.
2- التعوذ من فتنة الدَّجَّال، وخاصة في الصلاة، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة.
فمنها ما رواه الشيخان والنسائي عن عائشة زوج النبي r: أن رسول الله r كان يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدَّجَّال... الحديث"().
وروى البخاري عن مصعب()؛ قال: كان سعد يأمر بخمس ويذكرهن عن النبي r أنه كان يأمر بهن... (منها): "وأعوذ بك من فتنة الدُّنيا (يعني: فتنة الدَّجَّال")().
"وفي إطلاق الدُّنيا على الدَّجَّال إشارة إلى أن فتنة الدَّجَّال أعظم
الفتن الواقعة في الدُّنيا"().
وروى مسلم عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "إذا تشهد أحدكم؛ فليستعذ بالله من أربع؛ يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدَّجَّال"().
وكان الإمام طاوس() يأمر ابنه بإعادة الصلاة إذا لم يقرأ بهذا الدعاء في صلاته().
وهذا دليل على حرص السلف على تعليم أبنائهم هذا الدعاء العظيم.
قال السفاريني: "مما ينبغي لكل عالم أن يبث أحاديث الدَّجَّال بين الأولاد والنساء والرجال... وقد ورد أن من علامات خروجه نسيان ذكره على المنابر()".
إلى أن قال: "ولاسيما في زماننا هذا الذي اشرأبت فيه الفتن، وكثرت فيه المحن، واندرست فيه معالم السنن، وصارت السنن فيه كالبدع، والبدعة شرع يتبع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"().
3- حفظ آيات من سورة الكهف، فقد أمر النبي r بقراءة فواتح سورة الكهف على الدَّجَّال، وفي بعض الروايات خواتيمها، وذلك بقراءة عشر آيات من أولها أو آخرها.
ومن الأحاديث الواردة في ذلك ما رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان الطويل... (وفيه قوله r ): "من أدركه منكم؛ فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف"().
وروى مسلم أيضًا عن أبي الدرداء t أن النبي r قال: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف؛ عصم من الدَّجَّال"؛ أي: من فتنته.
قال مسلم: "قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همام: من أول الكهف().
قال النووي: "سبب ذلك ما في أولها من العجائب والآيات، فمن تدبرها؛ لم يفتتن بالدَّجَّال، وكذلك آخرها قوله تعالى:  {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُو} [الكهف: 102]" ().
وهذا من خصوصيات سورة الكهف، فقد جاءت الأحاديث بالحث على قراءتها، وخاصة في يوم الجمعة.
روى الحاكم عن أبي سعيد الخدري t أن النبي r قال: "إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة؛ أضاء له من النور ما بين الجمعتين"().
ولا شك أن سورة الكهف لها شأن عظيم، ففيها من الآيات الباهرات؛ كقصة أصحاب الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين، وبناءه للسد العظيم حائلًا دون يأجوج ومأجوج، وإثبات البعث والنشور والنفخ في الصور، وبيان الأخسرين أعمالًا وهم الذين يحسبون أنهم على الهدى وهم على الضلالة والعمى.
فينبغي لكل مسلم أن يحرص على قراءة هذه السورة، وحفظها، وترديدها، وخاصة في  خير يوم طلعت عليه الشمس، وهو يوم الجمعة.
4- الفرار من الدَّجَّال، والابتعاد منه، والأفضل سكنى مكة والمدينة، فقد سبق أن الدَّجَّال لا يدخل الحرمين، فينبغي للمسلم إذا خرج الدَّجَّال أن يبتعد منه، وذلك لما معه من الشبهات والخوارق العظيمة التي يجريها الله على يديه فتنة للناس؛ فإنه يأتيه الرجل وهو يظن في نفسه الإيمان والثبات، فيتبع الدَّجَّال، نسأل الله أن يعيذنا من فتنته وجميع المسلمين.
روى الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي الدهماء()؛ قال:
سمعت عمران بن حصين يحدث؛ قال: قال رسول الله r: "من سمع بالدَّجَّال؛ فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات، أو لما يبعث به من الشبهات"().
* ذكر الدَّجَّال في القرآن:
تساءل العلماء عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدَّجَّال في القرآن مع عظم فتنته، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة من فتنته في الصلاة، وأجابوا عن ذلك بأجوبة؛ منها:
1- أنه مذكور ضمن الآيات التي ذكرت في قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158].
وهذه الآيات هي: الدَّجَّال، وطلوع الشمس من مغربها، والدابة، وهي المذكورة في تفسير هذه الآية.
فقد روى مسلم والترمذي عن أبي هريرة t ؛ قال: قال رسول الله r: "ثلاث إذا خرجن لاينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدَّجَّال، ودابة الأرض"().
2- أن القرآن ذكر نزول عيسى u، وعيسى هو الذي يقتل الدَّجَّال، فاكتفى بذكر مسيح  الهدى عن ذكر مسيح الضلالة، وعادة العرب أنها تكتفي بذكر أحد الضدين دون الآخر.
3- أنه مذكور في قوله تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: 57]، وإن المقصود بالناس هنا الدَّجَّال؛ من إطلاق الكل على البعض.
قال أبو العالية(): "أي: أعظم من خلق الدَّجَّال حين عظمته اليهود"().
قال ابن حجر: "وهذا – إن ثبت – أحسن الأجوبة، فيكون من جملة، ما تكفل النبي r ببيانه، والعلم عند الله"().
4- أن القرآن لم يذكر الدَّجَّال احتقارًا لشأنه؛ لأنه يدعي الربوبية وهو بشر ينافي حاله جلال الرب وعظمته وكماله وكبريائه وتنزه عن النقص، فلذلك كان أمره عند الله أحقر وأصغر من أن يذكر، ومع هذا حذرت الأنبياء منه، وبيَّنتُ خطره وفتنته، كما سبق أن كل نبي أنذر أمته منه، وحذرها من فتنته.
فإن اعترض بأن القرآن ذكر فرعون وهو قد ادعى الربوبية والألوهية، فيقال: إن أمر فرعون انقضى وانتهى، وذكر عبرة للناس
وعظمة، وأما أمر الدَّجَّال؛ فسيحدث في آخر الزمان، فترك ذكره امتحانًا به، مع أن ادعاءه الربوبية أظهر من أن ينبه على بطلانه؛ لأن الدَّجَّال ظاهر النقص، واضح الذم، أحقر وأصغر من المقام الذي يدعيه، فترك الله ذكره، لما يعلم تعالى من عباده المؤمنين؛ أن مثل هذا لا يخيفهم ولا يزيدهم إلا إيمانًا وتسليمًا لله ورسوله؛ كما يقول الشاب الذي يقتله الدَّجَّال ويجيبه: "والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم"().
وقد يترك ذكر الشيء لوضوحه؛ كما ترك النبي r في مرض موته أن يكتب كتابًا بخلافة الصديق t لوضوحه، وذلك لعظم قدر أبي بكر عند الصحابة y، ولذلك قال النبي r: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر"().
وذكر ابن حجر رحمه الله أن السؤال عن عدم ذكر الدَّجَّال في القرآن لا يزال واردًا؛ لأن الله تعالى ذكر يأجوج ومأجوج في القرآن، وفتنتهم قريقبة من فتنة الدَّجَّال().
هذا؛ ولعل الجواب الأول هو الأقرب، والله أعلم، فيكون الدَّجَّال قد ذكر ضمن بعض الآيات، ويكون النبي r تكفل ببيان ذلك المجمل.
* هلاك الدَّجَّال:
يكون هلاك الدَّجَّال على يدي المسيح عيسى بن مريم u؛ كما
دلَّت على ذلك الأحاديث الصحيحة، وذلك أن الدَّجَّال يظهر على الأرض كلها إلا مكة والمدينة، ويكثر أتباعه، وتعم فتنته، ولا ينجو منها إلا قلة من المؤمنين، وعند ذلك ينزل عيسى بن مريم u على المنارة الشرقية بدمشق، ويلتف حوله عباد الله المؤ منون، فيسير بهم قاصدًا المسيح الدَّجَّال، ويكون الدَّجَّال عند نزول عيسى متوجهًا نحوم بيتع المقدس، فيلحق به عيسى عند باب (لد) ()، فإذا رآه الدَّجَّال؛ ذاب كما يذوب الملح، فيقول له u: "إن لي فيك ضربة لن تفوتني"، فيتداركه عيسى، فيقتله بحربته، وينهزم أتباعه، فيتبعهم المؤمنون، فيقتلونهم، حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! يا عبد الله ! هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله؛ إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود().
وإليك بعض الأحاديث الواردة في هلاك الدَّجَّال وأتباعه:
روى مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله r: "يخرج الدَّجَّال في أمتي... (فذكر الحديث، وفيه): فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيهلكه"().
وروى الإمام أحمد والترمذي عن مجمع بن جارية الأنصاري t؛ يقول: سمعت رسول الله r يقول: "يقتل ابن مريم الدَّجَّال بباب لد"().
وروى مسلم عن النواس بن سمعان t حديثًا طويلًا عن
الدَّجَّال... (وفيه قصة نزول عيسى وقتله للدجال، وفيه قوله r ): "فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه، حتى يدركه بباب لد، فيقتله"().
وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله r: "يخرج الدَّجَّال في خفقة من الدين وإدبار من العلم... (فذكر الحديث، وفيه): ثم ينزل عيسى بن مريم، فينادي من السحر، فيقول: أيها الناس ! ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث. فيقولون: هذا رجل جني. فينطلقون، فإذ هم بعيسى بن مريم u، فتقام الصلاة، فيقال له: تقدم يا روح الله ! فيقول: ليتقدم إمامكم، فليصل بكم، فإذا صلى صلاة الصبح؛ خرجوا إليه. قال: فحين يرى الكذاب ينماث() كما ينماث الملح في الماء، فيمشي إليه، فيقتله، حتى إن الشجر والحجر ينادي: يا روح الله ! هذا يهودي، فلا يترك ممن كان يتبعه أحدًا إلا قتله"().
وبقتله – لعنه الله – تنتهي فتنته العظيمة، وينجي الله الذين آمنوا من شره وشر أتباعه على يدي روح الله وكلمته عيسى بن مريم u وأتباعه المؤمنين، ولله الحمد والمنة.
الفصل الثالث
نزول عيسى u
قبل أن نتحدَّث عن نزول عيسى بن مريم u يحسُنُ بنا أن نتعرَّف على صفته التي وردت بها النَّصوص الشرعية..
* صفة عيسى u:
صفته التي جاءت بها الروايات أنه رجلٌ، مربوع القامة، ليس بالطويل ولا بالقصير، أحمر، جعدٌ، عريض الصدر، سبط الشعر، كأنما خرج من ديماس – أي: حمام – له لِمَّة() قد رجَّلها تملأ ما بين منكبيه.
الأحاديث الواردة في ذلك:
منها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "ليلة أسري بي لقيتُ موسى... (فنعته إلى أن قال): ولقيتُ عيسى ...(فنعتهُ فقال): ربعةٌ، أحمرُ، كأنما خرج من ديماس (يعني: الحمام)"().
وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله r: "رأيت عيسى وموسى وإبراهيم ، فأما عيسى؛ فأحمر جعد عريض الصدر"().
وروى مسلم عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني ... (فذكر الحديث، وفيه): وإذا عيسى بن مريم u قائم يصلي، أقرب الناس به شبهًا عروة بن مسعود الثقفي()".
وفي الصحيحين عن عبد اله بن عمر t أن رسول الله r قال: "أراني ليلة عند الكعبة، فرأيت رجلًا آدم() كأحسن ما أنت راءٍ من أدم
الرجال، له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم، قد رجلها، فهي تقطر ماء، متكئًا على رجلين أو على عواتق رجلين، يطوف بالبيت، فسألت: من هذا؟ فقيل: هذا المسيح بن مريم"().
وفي رواية للبخاري عن ابن عمر؛ قال: "لا والله؛ ما قال النبي r لعيسى أحمر، ولكن قال: (فذكر تمام الحديث بنحو الرواية السابقة)"().
وفي رواية لمسلم عنه t ؛ قال r: "فإذا رجل آدم... (إلى أن قال): رجل الشعر"().
والجمع بين هذه الرواياتع من كونه في بعضها أحمر، وبعضها آدم، وما جاء أنه سبط الشعر، وفي بعضها بأنه جعد:
إنه لا منافاة بين الحمرة والأدمة؛ لجواز أن تكون أدمته صافية().
وأما ما جاء من إنكار ابن عمر لرواية أن عيسى أحمر؛ فهو مخالف لما حفظه غيره، فقد روى أبو هريرة وابن عباس y أنه عليه السلام أحمر اللون.
وأما كونه في رواية سبط الشعر، وفي أخرى أنه جعد، والجعد ضد السبط، فيمكن أن يجمع بينهما بأنه سبط الشعر، وأما وصفه بأنه جعد؛ فالمراد بذلك جعودة في جسمه لا شعره، وهو اجتماع اللحم واكتنازه().
* صفة نزوله u:
بعد خروج الدَّجَّال، وإفساده في الأرض، يبعث الله عيسى u، فينزل إلى الأرض، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام، وعليه مهرودتان()، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه.
ويكون نزوله على الطائفة المنصورة، التي تقاتل على الحق، وتكون مجتمعة لقتال الدَّجَّال، فينزل وقت إقامة الصلاة، يصلي خلف أمير تلك الطائفة.
قال ابن كثير: "هذا هو الأشهر في موضع نزوله أنه على المنار البيضاء الشرقية بدمش، وقد رأيت في بعض الكتب أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي جامع دمشق، فلعل هذا هو المحفوظ... وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى التي إلى جانب الجامع الأموي بدمشق من شرقية، وهذا هو الأنسب والأليق؛ لأنه ينزل وقد أقيمت الصلاة، فيقول له إمام المسلمين: يا روح الله ! تقدم. فيقول: تقدم أنت؛ فإنه أقيمت لك. وفي رواية: بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة().().
وذكر ابن كثير أنه في زمنه سنة إحدى وأربعين وسبع مئة جدَّد
المسلمون منارة من حجارة بيض، وكان بناؤها من أموال النصارى الذين حرقوا المنارة التي كانت مكانها، ولعل هذا يكون من دلائل النبوة الظاهرة، حيث قيض الله بناء هذه المنارة من أموال النصارى، لينزل عيسى بن مريم عليها، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل منهم جزية، ولكن من أسلم وإلا قتل، وكذلك غيرهم من الكفار().
ففي حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر خروج الدَّجَّال ثم نزول عيسى u قال r: "إذا بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر ، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه – أي: يطلب الدَّجَّال – حتى يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة"().
* أدلة نزوله u:
نزول عيسى u في آخر الزمان ثابت في الكتاب والسنة الصحيحة المتواترة، وذلك علامة من علامات السَّاعة الكبرى.
أ- أدلة نزوله من القرآن الكريم:
1- قال الله تعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57)} إلى قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} [الزخرف: 57- 61].
فهذه الآيات جاءت في الكلام على عيسى u، وجاء في آخرها قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} [الزخرف: 61]؛ أي: نزول عيسى u قبل يوم القيامة علامة على قرب السَّاعة، ويدلُّ على ذلك القراءة الأخرى: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ}؛ بفتح العين واللام؛ "أي: علامة وأمارة على قيام السَّاعة، وهذه القراءة مروية عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أئمة التفسير"().
وروى الإمام أحمد بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ}؛ قال: "هو خروج عيسى بن مريم u قبل يوم القيامة"().
وقال الحافظ ابن كثير: "الصحيح أنه – أي: الضمير – عائد على عيسى؛ فإن السياق في ذكره" ().
واستبعد أن يكون معنى الآية: ما بعث به عيسى u من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من ذوي الأسقام.
وأبعد من ذلك ما روي عن بعض العلماء أن الضمير في {وَإِنَّهُ} عائد على القرآن الكريم ().
2- وقال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُم} إلى قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) }[النساء: 157- 159].
فهذه الآيات؛ كما أنها تدلُّ على أن اليهود لم يقتلوا عيسى u،
ولم يصلبوه، بل رفعه الله إلى السماء؛ كما في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}[آل عمران: 55].
فإنها تدلُّ على أن من أهل الكتاب من سيؤمن بعيسى u آخر الزمان، وذلك عند نزوله() وقبل وموته؛ كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة الصحيحة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جوابه لسؤال وجه إليه عن وفاة عيسى ورفعه: "الحمد لله، عيسى u حي، وقد ثبت في الصحيح عن النبي r أنه قال: "ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا وإماماَ مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضعه الجزية()، وثبت في الصحيح عنه أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأنه يقتل الدَّجَّال، ومن فارقت روحه جسده؛ لم ينزل جسده من السماء، وإذا أحيي؛ فإنه يقوم من قبره.
وأما قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا}[آل عمران: 55]؛ فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت، إذ لو أراد بذلك الموت؛ لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم، ويعرج بها إلى السماء، فعلم أن ليس في ذلك خاصية، وكذلك قوله: {وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا}، ولو كان قد فارقت روحه جسده؛ لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء، أو غيره من الأنبياء.
وقد قال تعالى في الآية الأخرى: {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ
لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ}[النساء: 157-158]، فقوله هنا: {َلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [يبين أنه رفع بدنه وروحه؛ كما ثبت في الصحيح أنه ينزل ببدنه وروحه، إذ لو أريد موته؛ لقال: وما قتلوه وا صلبوه، بل مات...
ولهذا قال من قال من العلماء: إني متوفيك؛ أيك قابضك؛ أي: قابض روحك وبدنك؛ يقال: توفيت الحساب واستوفيته.
ولفظ (التوفي) لا يقتضي نفسه توفي الروح دون البدن، ولا توفيهما جميعًا؛ إلا بقرينة منفصلة.
وقد ير اد به توفي النوم؛ كقوله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}[الزمر: 42]، وقوله: {َهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} [الأنعام: 60]، وقوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا} [الأنعام: 61]"().
وليس الكلام في هذا البحث عن رفع عيسى u، وإنما جاء ذكر ذلك لبيان أنه رفع ببدنه وروحه، وأنه حي الآن في السماء، وسينزل في آخر الزمان، ويؤمن به من كان موجودًا من أهل الكتاب؛ كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} [النساء: 159].
قال ابن جرير: "حدثنا ابن بشار؛ قال: حدثنا سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}؛ قال: قبل موت عيسى بن مريم"().
قال ابن كثير: "وهذا إسناد صحيح"().
ثم قال ابن جرير بعد سياقه للأقوال في معنى هذه الآية: "وأولى الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى"().
وروى بسنده عن الحسن البصري أنه قال: "قبل موت عيسى، والله إنه الآن حي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون"().
وقال ابن كثير: "ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من  قتل عيسى وصلبه وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفع إليه، وإنه باقٍ حي، وأنه سينزل قبل يوم القيامة؛ كما دلَّت على ذلك الأحاديث المتواترة"().
وذكر أنه روي عن ابن عباس وغيره أنه أعاد الضمير في قوله: {قَبْلَ مَوْتِهِ} على أهل الكتاب، وقال: "إن ذلك لو صح لما كان منافيًا  لهذا، ولكن الصحيح في المعنى والإسناد ما ذكرناه"().
ب- أدلة نزوله من السنة المطهرة:
الأدلَّة من السنة على نزول عيسى u كثيرة ومتواترة، سبق ذكر بعضها، وسأذكر هنا بعضًا منها خشية الإطالة:
1- فمنها ما رواه الشيخان عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r: "والذي نفسي بيده؛ ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم
حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدُّنيا وما فيها".
ثم يقول أبو هريرة: "واقرؤوا إن شئتم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)}().
وهذا تفسير من أبي هريرة t لهذه الآية بأن المراد بها أن من أهل الكتاب من سيؤمن بعيسى u قبل موته، وذلك عند نزوله آخر الزمان؛ كما سبق بيانه.
2- وروى الشيخان أيضًا عن أبي هريرة t؛ قال: قال رسول الله r : "كيف أنتم إذا أنزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟!"().
3- وروى مسلم عن جابر t؛ قال: سمعت النبي r يقول: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة؛ قال: فينزل عيسى ابن مريم r ، فيقول أميرهم: صل بنا. فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمه الله هذه الأمة"().
4- وتقدم حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السَّاعة الكبرى،
وفيه: "ونزول عيسى بن مريم r"().
5- وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن النبي r قال: "الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه؛ فاعرفوه"().
* الأحاديث في نزول عيسى u متواترة:
ذكرت فيما سبق بعض الأحادي الواردة في نزول عيسى u، ولم أذكر جميع الأحاديث الواردة في نزوله؛ خشية أن يطول البحث، وقد جاءت هذه الأحاديث في الصحاح والسنن والمسانيد وغيره من دواوين السنة، وهي تدلُّ دلالة صريحة على ثبوت نزول عيسى u في آخر الزمان، ولا حجة لمن ردها، أو قال: إنها أحاديث آحاد لا تقوم بها الحجة، أو: إن نزوله ليس عقيدة من عقائد المسلمين التي يجب عليهم أن يؤمنوا بها()؛ لأنه إذا ثبت الحديث؛ وجب الإيمان به،
وتصديق ما أخبر به الصادق المصدوق r ، ولا يجوز لنا رد قوله؛ لكونه حديث آحاد؛ لأن هذه حجة واهية، سبق أن عقدت فصلا في أول هذا البحث بيَّنتُ فيه أن حديث الآحاد إذا صح؛ وجب تصديق ما فيه، وإذا قلنا: إن حديث الآحاد ليس بحجة؛ فإننا نرد كثيرًا من أحاديث رسول الله r، ويكون ما قاله عليه الصلاة والسلام عبثًا لا معنى له، كيف والعلماء قد نصوا على تواتر الأحاديث في نزول عيسى u؟!
وسأذكر هنا طائفة من أقوالهم:
قال ابن جرير الطبري – بعد ذكره الخلاف في معنى وفاة عيسى-: "وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: "معنى ذلك: إني قابضك من الأرض، ورافعك إلى"؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله r أنه قال: ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدَّجَّال"().
ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في نزوله.
وقال ابن كثير: "تواترت الأحاديث عن رسول الله r أنه أخبر بنزول عيسى u قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا").
ثم ذكر أكثر من ثمانية عشر حديثًا في نزوله.
وقال صديق حسن: "الأحاديث في نزوله u كثيرة، ذكر الشوكاني منها تسعة وعشرين حديثًا؛ ما بين صحيح، وحسن، وضعيف منجبر، منها ما هو مذكور في أحاديث الدَّجَّال... ومنها ما هو مذكور في أحاديث المنتظر، وتنضم إلى ذلك أيضًا الآثار الواردة عن
الصحابة، فلها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في ذلك".
ثم ساقها وقال: "جميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع"().
وقال الغماري(): "وقد ثبت القول بنزول عيسى u من غير واحد من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء من سائر المذاهب على ممر الزمان إلى وقتنا هذا"().
وقال: "تواتر هذا تواترًا لا شك فيه، بحيث لا يصح أن ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ كالقاديانية ومن نحا نحوهم؛ لأنه نقل بطريق جمع عن جمع، حتى استقر في كتب السنة التي وصلت إلينا تواترًا بتلقي جيل عن جيل"().
وقد ذكر من رواه من الصحابة، فعد أكثر من خمسة وعشرين صحابيًا، رواه عنهم أكثر من ثلاثين تابعيًا، ثم رواه تابعو التابعين بأكثر من هذا العدد... وهكذا حتى أخرجه الأئمة في كتب السنة، ومنها المسانيد؛ كـ "مسند" الطيالسي، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وعثمان بن أبي شيبة، وأبي يعلى، والبزار، والديلمي، ومن أصحاب الصحاح: البخاري، ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وأبو عوانة، والإسماعيلين والضياء المقدسي، وغيرهم، ورواه أصحاب الجوامع، والمصنفات، والسنن، والتفسير بالمأثور، والمعاجم، والأجزاء، والغرائب، والمعجزات، والطبقات، والملاحم.
وممن جمع الأحاديث في نزول عيسى u الشيخ محمد أنور شاه الكشميري()في كتابه "التصريح بما تواتر في نزول المسيح"، فذكر أكثر من سبعين حديثًا
وقال صاحب "عون المعبود شرح سنن أبي داود": "تواترت الأخبار عن النبي r في نزول عيسى بن مريم r من السماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب السَّاعة، وهذا هو مذهب أهل السنة"().
وقال الشيخ أحمد شاكر: "نزول عيسىu في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون؛ لورود الأخبار الصحاح عن النبي r بذلك، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، لا يؤمن من أنكره"().
وقال في تعليقه على "مسند الإمام أحمد": "وقد لعب المجددون أو المجردون في عصرنا الذي نحيا فيه بهذه الأحاديث الدالَّة صراحة على نزول عيسى بن مريم u في آخر الزمان, قبل انقضاء الحياة الدُّنيا، بالتأويل المنطوي على الإنكار تارة، وبالإنكار الصريح أخرى! ذلك أنهم – في حقيقة أمرهم – لا يؤمنون بالغيب ، أو لا يكادون يؤمنون، وهي أحاديث متواترة المعنى في مجموعها، يعلم مضمون ما فيها من الدين بالضرورة، فلا يجديهم الإنكار ولا التأويل"().
وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: "اعلم أن أحاديث الدَّجَّال ونزول عيسى u متواترة، يجب  الإيمان بها، ولا تعتر بمن يدعي فيها أنها أحاديث آحاد؛ فإنهم جهال بهذا العلم، وليس فيهم من تتبع طرقها، ولو فعل؛ لوجدها متواترة؛ كما شهد بذلك أئمة هذا العلم؛ كالحافظ ابن حجر.
ومن المؤسف حقًا أن يتجرأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم، لا سيما والأمر دين وعقيدة"().
ونزول عيسى u ذكره طائفة من العلماء في عقيدة أهل السنة والجماعة، وأنه ينزل لقتل الدَّجَّال قبحه الله.
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله r، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة".
ثم ذكر جملة من عقيدة أهل السنة، ثم قال: "والإيمان أن المسيح الدَّجَّال خارج مكتوب بين عينيه (كافر)، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ينزل فيقتله بباب لد"().
وقال أبو الحسن الأشعري() رحمه الله في سرده لعقيدة أهل الحديث
والسنة: "الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله r، لا يردون من ذلك شيئًا... ويصدقون بخروج الدَّجَّال، وأن عيسى يقتله".
ثم قال في آخر كلامه:
"وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب"().
وقال الطحاوي(): "ونؤمن بأشراط السَّاعة؛ من خروج الدَّجَّال، ونزول عيسى ابن مريم u من السماء"().
وقال القاضي عياض: "نزول عيسى وقتله الدَّجَّال حق وصحيح عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك، وليس في العق ولا في الشرع ما يبطله فوجب إثباته"().
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمسيح r وعلى سائر ا لنبيين لا بد أن ينزل إلى الأرض....كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ولهذا كان في السماء  الثانية، مع أنه أفضل من يوسف وإدريس وهارون؛ لأنه يريد النزول إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ بخلاف غيره، وآدم كان في سماء الدُّنيا؛ لأن نسم بنيه تعرض عليه"().
* الحكمة في نزول عيسى u دون غيره:
تلمس بعض العلماء الحكمة في نزول عيسى u، في آخر الزمان دون غيره من الأنبياء، ولهم في ذلك عدة أقوال:
1- الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوا عيسى u، فبين الله تعالى كذبهم، وأنه الذي يقتلهم ويقتل رئيهم الدَّجَّال، كما سبق بيان ذلك في الكلام على قتال اليهود().
ورجح الحافظ ابن حجر هذا القول على غيره().
2- إن عيسى u وجد في الإنجيل فضل أمة محمد كما في  قوله تعالى: {وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح: 29]، فدعا الله أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه، وأبقاه حتى ينزل آخر الزمان مجددًا لأمر الإسلام.
قال الإمام مالك رحمه الله: "بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا" ().
وقال ابن كثير: "وصدقوا في ذلك؛ فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة والأخبار المتداولة"().
وقد ترجم الإمام الذهبي لعيسى u في كتابه "تجريد أسماء الصحابة"، فقال: "عيسى ابن مريم  u: صحابي، ونبي؛ فإنه رأى النبي r ليلة الإسراء، وسلم عليه، فهو آخر الصحابة موتًا"().
3- إن نزول عيسى u من السماء؛ لدنو أجله، ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها، فيوافق نزوله خروج الدَّجَّال، فيقتله عيسى u.
4- إنه ينزل مكذبًا للنصارى، فيظهر زيفهم في دعواهم ا لأباطيل، ويهلك الله الملل كلها في زمنه إلا الإسلام؛ فإنه يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية.
5- إن خصوصيته بهذه الأمور المذكورة لقول النبي r : "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، ليس بيني وبينه نبي"().
فرسول الله r أخص الناس به، وأقربهم إليه؛ فإن عيسى بشر بأن
رسول الله r يأتي من بعده، ودعا الخلق إلى تصديقه والإيمان به()؛ كما في قوله تعالى: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6]. وفي الحديث: قالوا: يا رسول الله ! أخبرنا عن نفسك؟ قال: "نعم؛ أنا دعوة أبي أبراهيم وبشرى أخي عيسى"().
* بماذا يحكم عيسى u؟
يحكم عيسى u بالشريعة المحمدية، ويكون من أتباع محمد r؛ فإنه لا ينزل بشرع جديد؛ لأن دين الإسلام خاتم الأديان، وباقٍ إلى قيام السَّاعة، لا ينسخ، فيكون عيسى u حاكمًا من حكام هذه الأمة، ومجددًا لأمر الإسلام، إذ لا نبي بعد محمد r.
روى الإمام مسلم عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمكم منكم؟!".
فقلت (القائل الوليد بن مسلم) () لابن أبي ذئب(): إن الأوزاعي
حدثنا عن الزهري عن نافع عن أبي هريرة: "وإمامكم منكم". قال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت: تخبرني؟ قال: فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم r ().
وعن جابر بن عبد الله t؛ قال: سمعت رسول الله r يقول: "لا تزال طائفة من  أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة". قال: "فينزل عيسى بن مريم r، فيقول أميرهم: تعال صل بنا. فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء؛ تكرمة الله هذه الأمة"().
قال القرطبي: "ذهب قوم إلى أنه بنزول عيسى u يرتفع التكليف؛ لئلا يكون رسولاَ إلى أهل ذلك الزمان؛ يأمرهم عن الله تعالى، وهذا (يعني: كونه رسولًا بعد محمد) أمر مردود بقوله تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40]، وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا نبي بعدي"()، وقوله: "وأنا العاقب"()؛ يريد آخر الأنبياء وخاتهم.
وإذا كان ذلك؛ فلا يجوز أن يتوهم أن عيسى ينزل نبيًا بشريعة متجددة غير شريعة محمد نبينا r، بل إذا نزل؛ فإنه يكون يومئذٍ من أتباع محمدr؛ كما أخبر r، حيث قال لعمر: "لو كان موسى حيًا؛ ما وسعه إلا اتباعي"()، فينزل وقد علم بأمر الله تعالى له في السماء قبل
أن ينزل ما يحتاج إليه من علم هذه الشريعة للحكم به بين الناس، والعمل به في نفسه، فيجتمع المؤمنون عند ذلك إليه، ويحكمونه على أنفسهم... ولأن تعطيل الحكم غير جائز، وأيضًا؛ فإن بقاء الدُّنيا إنما يكون بقتضى التكليف إلى أن لا يقال في الأرض: الله، الله"().
والذي يدلُّ على بقاء التكليف بعد نزول عيسى u صلاته مع المسلمين، وحجه، وجهاده للكفار.
فأما صلاته؛ فقد سبق في الأحاديث ذكر ذلك.
وكذلك قتاله للكفار وأتباع الدَّجَّال.
وأما حجه؛ ففي "صحيح مسلم" عن حنظلة الأسلمي؛ قال: سمعت أبي هريرة t يحدث عن النبي r ؛ قال: "والذي نفسي بيده؛ ليهلن ابن مرمي بفج الروحاء()حاجًا أو معتمرًا ، أو ليثنينهما"()؛ أي: يجمع بين الحج والعمرة.
وأما وضع عيسى للجزية عن الكفار – مع أنها مشروعة في الإسلام قبل نزوله u -؛ فليس هذا ناسخًا لحكم الجزية جاء به عيسى شرعًا جديدًا؛ فإن مشروعية أخذ الجزية مقيد بنزول عيسى u بأخبار نبينا محمد r، فهو المبين للنسخ() بقوله لنا: "والله لينزلن ابن مريم حكمًا عدلًا، فليسكرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية"().
* انتشار الأمن وظهور البركات في عهدهu:
وزمن عيسى u زمن أمن وسلام ورخاء، يرسل الله فيه المطر العزيز، وتخرج الأرض ثمرتها وبركتها، ويفيض المال، وتذهب الشحناء والتباغض والتحاسد.
فقد جاء في حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر الدَّجَّال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى u ودعائه عليهم وهلاكهم، وفيه قوله r: "ثم يرسل الله مطرًا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة()، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل()، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم
لتكفي الفخذ من الناس"().
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة t أن النبي r قال: "والأنبياء إخوة لعلات()؛ أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل... فيهلك الله في زمانه المسيح الدَّجَّال، وتقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم"().
وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة t أنه قال: قال رسول الله r: "والله لينزلن عيسى بن مريم حكمًا وعادلًا.. وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص() فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال؛ فلا يقبله أحد"().
قال النووي: "ومعناه أن يزهد الناس فيها- أي: الإبل – ولا يرغب في اقتنائها؛ لكثرة الأموال، وقلة الآمال، وعدم الحاجة، والعلم بقرب القيامة.
وإنما ذكرت القلاص؛ لكونها أشرف الإبل، التي هي أنفس الأموال عند العرب، وهو شبيه بمعنى قول الله U: {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4)} [التكوير: 4]، ومعنى: "لا يسعى عليها": لا يعتنى بها" ().
وذهب القاضي عياض إلى أن المعنى: أي: لا تطلب زكاتها إذ لا يوجد من يقبلها.
وأنكر هذا القول النووي().
* مدة بقائه بعد نزوله ثم وفاته:
وأما مدة بقاء عيسى u في الأرض بعد نزوله؛ فقد جاء في بعض الروايات أنه يمكث سبع سنين، وفي بعضها أربعين سنة.
ففي رواية الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: "فيبعث الله عيسى بن مريم... ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذر ة من خير أو إيمان إلا قبضته"().
وفي رواية الإمام أحمد وأبي داود: "فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون"().
وكلا هاتين الروايتين صحيحة، وهذا مشكل؛ إلا أن تحمل رواية
السبع سنين على مدَّة إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافًا إلى مُكثِه في الأرض قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور().
والله أعلم.
 
الفصل الرابع
يأجوج ومأجوج
* أصلهم:
قبل الحديث عن خروج يأجوج ومأجوج أرى من المناسب أن نتعرف على أصلهم، وما?ذا يعني لفظ (يأجوج) و(مأجوج)؟
يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، وقيل: عربيان.
وعلى هذا يكون اشتقاقهما من أجَّت النار أجيجًا: إذا التهبت. أو من الأجاج: وهو الماء الشديد الملوحة المحرق من ملوحته. وقيل عن الأج: وهو سرعة العدو. وقيل: مأجوج من ماج؛ إذا اضطرب. وهما على وزن يفعول في (يأجوج)، ومفعول في (مأجوج)، أو على وزن فاعول فيهما.
هذا إذا كان الاسمان عربيين، أما إذا كانا أعجميين؛ فليس لهما اشتقاق؛ لأن الأعجميَّة لا تُشتَقُّ من العربية.
وقرأ الجمهور "ياجوج" وماجوج"؛ بدون همز، فتكون الألفان زائدتين، وأصلهما (يجج)، و(مجج)، وأما قراءة عاصم؛ فهي الهمزة الساكنة فيهما.
وكل ما ذُكِرَ في اشتقاقهما مناسب لحالهم، ويؤيد الاشتقاق من (ماج) بمعنى اضطرب قوله تعالى: {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ}
[الكهف: 99]، وذلك عند خروجهم من السد().
وأصل يأجوج ومأجوج من البشر، من ذرية آدم وحواء u.
وقد قال بعض العلماء: إنهم من ذرِّية آدم لا من حواء ()، وذلك أن آدم احتلم، فاختلط منيُّه بالتراب، فخلق الله من ذلك يأجوج ومأجوج.
وهذا مما لا دليل عليه، ولم يرد عمَّن يجب قبول قوله().
قال ابن حجر: "ولم نر هذا عند أحدٍ من السلف؛ إلا عن كعب الأحبار، ويرده الحديث المرفوع: أنهم من ذرية نوح، ونوح من ذرية حواء قطعًا"().
ويأجوج ومأجوج من ذرِّيَّة يافث أبي الترك، ويافث من ولد نوح u ().
والذي يدلُّ على أنهم من ذرِّيَّة آدم u ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري t عن رسول الله r قال: "يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبيلك وسعديك، والخير في يديك. فيقول: أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين. فعنده
يشيب الصغير، وتضع كلُّ ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد". قالوا: وأيُّنا ذلك الواحد؟ قال: "أبشروا؛ فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألف"().
وعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله r: "أن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وأنهم لو أُرسِلوا إلى الناس؛ لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحد؛ إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدً"().
* صفتُهُم:
أما صفتهم التي جاءت بها الأحاديث؛ فهي أنهم يُشبِهون أبناء جنسهم من التُّرك الغتم() المغول، صغار العيون، ذلف الأنوف، صهب الشعور، عراض الوجوه، كأن وجوههم المَجانُّ المُطرَقة، على أشكال
الترك وألوانهم().
روى الإمام أحمد عن ابن حرملة عن خالته؛ قالت: خطب رسول الله r  وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب، فقال: "إنكم تقولون: لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى يأتي يأجوج ومأجوج: عراض الوجوه، صغار العيون، شهب الشعاف()، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المَجانُّ المُطرَقة "().
وقد ذكر ابن حجر بعض الآثار في صفتهم، ولكنها روايات ضعيفة، ومما جاء في هذه الآثار أنهم ثلاثة أصناف:
1- صنف أجسادهم كالأرز، وهو شجر كبار جدًا.
2- وصنف أربعة أذرع في أربعة أذرع.
3- وصنف يفترشون آذانهم ويلتحفون بالأخرى.
وجاء أيضًا أن طولهم شبر وشبرين، وأطولهم ثلاثة أشبار().
والذي تدلُّ عليه الروايات الصحيحة أنهم رجالٌ أقوياء، لا طاقة لأحد بقتالهم، ويبعد أن يكون طول أحدهم شبر وشبرين.
ففي حديث النواس بن سمعان أن الله تعالى يوحي إلى عيسى u بخروج يأجوج ومأجوج، وأنه لا يدان لأحد بقتالهم، ويأمره بإبعاد المؤمنين من طريقهم، فيقول له : "حرز عبادي إلى الطور".
كما سيأتي ذكر ذلك في الكلام على خروجهم بإذن الله تعالى...
* أدَّلة خروج يأجوج ومأجوج:
خروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان علامة من علامات السَّاعة الكبرى، وقد دل على ظهورهم الكتاب والسنة:
أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:
1- قال الله تعال{حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97)} [الأنبياء: 96، 97].
2- وقال تعالى في سياقه لقصة ذي القرنين: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ
آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99)}  [الكهف: 92- 99].
فهذه الآيات تدلُّ على أن الله تعالى سخر ذا القرنين() الملك الصالح لبناء السد العظيم؛ ليحجز بين يأجوج ومأجوج القوم المفسدين في الأرض وبين الناس، فإذا جاء الوقت المعلوم، واقتربت السَّاعة؛ اندك هذا السد، وخرج يأجوج ومأجوج بسرعة عظيمة، وجمع كبير، لا يقف أمامه أحد من البشر، فماجوا في الناس، وعاثوا في الأرض فسادًا.
وهذا علامة علامة قرب النفخ في الصور، وخراب الدُّنيا، وقيام السَّاعة()؛ كما سيأتي بيان ذلك في الأحاديث الثابتة
ب- الأدلَّة من السنة المطهرة:
الأحاديث الدالَّة على ظهور يأجوج ومأجوج كثيرة، تبلغ حد التواتر المعنوي، سبق ذكر بعض منها، وسأذكر هنا طرفًا من هذه الأحاديث:
1- فمنها ما ثبت في "الصحيحين" عن أم حبيبة بنت أبي سفيان عن زينب بنت جحش أن رسول الله r دخل عليها يومًا فزعًا يقول: "لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرِّ قد اقترب، فُتِح اليوم من ردم يأجوج  ومأجوج مثل هذه (وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها)". قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله! أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا كَثُرَ الخَبَثُ"().
2- ومنها ما جاء في حديث النواس بن سمعان t، وفيه: "إذا أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجتُ عبادًا لي لا يَدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون()، فيمر أولئك على بحيرة طبريَّة، فيشربون ما فيها، ويمرُّ آخرهم فيقولون: لقد كان  بهذه مرة ماء، ويُحصَرُ نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب إلى الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النَّغَف() في رقابهم، فيصبحون فرسى() كموت نفسٍ واحدةٍ، ثم يُهبَطُ بنبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمُهم ونَتَنُهم،
فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت()، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله"().
رواه مسلم، وزاد في رواية – بعد قوله: "لقد كان بهذه مرة ماء"-: "ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر()، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم() إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا"().
3- وجاء في حديث حذيفة بن أسيد t في ذكر أشراط السَّاعة، فذكر منها: "يأجوج ومأجوج"().
4- وعن عبد الله بن مسعود t؛ قال: لما كان ليلة أسري برسول الله r؛ لقي إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، فتذكروا السَّاعة.. إلى أن قال: "فردوا الحديث إلى عيسى (فذكر قتل الدَّجَّال، ثم قال): ثم يرجع الناس إلى بلادهم، فيستقبلهم يأجوج ومأجوج، {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ}  [الأنبياء: 96]، لا يمرون بماء إلا شربوه، ولا بشيء إلا أفسدوه، يجأرون إلي فأدعو الله، فيميتهم، فتجوى الأرض من ريحهم،
فيجأرون إليَّ، فأدعوا الله، فيرسل السماء بالماء، فيحملهم، فيقذف بأجسامهم في البحر"().
5- وعن أبي هريرة t عن النبي r : (فذكر الحديث، وفيه): "ويخرجون على الناس، فيستقون المياه، ويفر الناس منهم، فيرمون سهامهم في السماء، فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وغلبنا من في السماء قوة وعلوًا". قال: "فيبعث الله U عليهم نَغَفًا في أقفائهم". قال: "فيهلكهم، والذي نفس محمد بيده؛ إن دوابَّ الأرض لتسمن، وتبطر، وتشكر شكرًا()، وتسكر سكرًا() من لحومهم"().
* سدُّ يأجوج ومأجوج:
بنى ذو القرنين سدَّ يأجوج ومأجوج؛ ليحجز بينهم وبين جيرانهم الذين استغاثوا به منهم.
كما ذكر الله تعالى ذلك في القرآن الكريم:{قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95)} [الكهف: 94، 95].
هذا ما جاء في الكلام على بناء السد، أما مكانه؛ ففي جهة المشرق()؛ لقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ} [الكهف: 90].
ولا يُعرَف مكان هذا السد بالتحدي، وقد حاول بعض الملوك والمؤرخين أن يتعرَّفوا على مكانه، ومن ذلك أن الخليفة الواثق() بعث بعض أمرائه ووجه معه جيشًا سرية؛ لينظروا إلى السد، ويعاينوه، وينعتوه له إذا رجعوا، فوصلوا من بلاد إلى بلاد، ومن ملك إلى ملك، حتى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابًا عظيمًا، وعليه أقفالٌ عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعسل في برج هناك
وأن عنده حراسًا  من الملوك المتاخمة له، وأنه منيفٌ شاهقٌ، لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدا أهوالًا وعجائب"().
وهذه القصة ذكرها ابن كثير رحمه الله في التفسير، ولم يذكر لها سندًا، فالله أعلم بصحة ذلك.
والذي تدلُّ عليه الآيات السابقة أن هذا السد بُني بين جبلين؛: لقوله تعالى:{حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} [الكهف: 93]، والسدان: هما جبلان متقابلان. ثم قال: {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} [الكهف: 96]؛ أي: حاذى به رؤوس الجبلين()، وذلك بزبر الحديد، ثم أفرغ عليه نحاسًا مذابًا، فكان سدّاً محكمًا.
قال الإمام البخاري: قال رجل للنبي r: رأيت السد من البر المحبر. قال: "قد رأيته"().
وقال سيد قطب: "كُشِف سدُّ بمقربة من مدينة (ترمذ) ()، عُرف بـ (باب الحديد)، قد مر به في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي العالم الألماني (سيلدبرجر) وسجله في كتابه، وكذلك ذكره المؤرِّخ الإسباني (كلا فيجو) في رحلته سنة (1403م)، وقال: سد مدينة باب الحديد على طريق سمرقند والهند... وقد يكون هو السد الذي بناه ذو
القرنين"().
قلت: ولعلَّ هذا السد هو السور المحيط بمدينة (ترمذ)، الذي ذكره ياقوت الحموي في "معجم البلدان"، وليس هو سد ذي القرنين.
وأيضًا؛ فإنه لا يعنينا في هذا البحث تحديد مكان السد، بل نقف عند ما أخبرنا الله تعالى به، وما جاء في الأحاديث الصحيحة، وهو أن سدَّ يأجوج ومأجوج موجودٌ إلى أن يأتي الوقت المحدَّد لدَكِّ هذا السد، وخروج يأجوج ومأجوج، وذلك عند دُنو السَّاعة؛ كما قال تعالى: {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99)} [الكهف: 98، 99].
والذي يدلُّ على أن هذا السدَّ موجود لم يندكَّ ما روي عن أبي هريرة t عن النبي r في السد؛ قال: "يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه؛ قال الذي عليهم: ارجِعوا، فستخرقونه قال : فيعيده الله U كأشدَّ ما كان , حتى إذا بلغوا مدَّتَهم , وأراد الله أن يبعثهم على الناس ؛ قال الذي عليهم : ارجِعُوا فستخرقونه غدًا إن شاء الله تعالى، واستثنى. قال: فيرجعون وهو كهيئته حين تركوه، فيخرقونه، ويخرجون على الناس، فيستقون المياه، ويفرُّ الناس منهم"().
والذي جاء في حديث "الصحيحين" – كما سبق – أنه فُتحَ منه جزءٌ يسير، ففزع من ذلك النبيُّ r .
ويرى الأستاذ سيد قطب رحمه الله من باب الترجيح لا من باب اليقين أن وعد الله بدكِّ السَدِّ قد وقع، وأنه قد خرج يأجوج ومأجوج، وهم التتار الذين ظهروا في القرن السابع الهجري، ودمَّروا الممالك الإسلامية، وعاثوا في الأرض فسادًا().
وفي هؤلاء التتار يقول القرطبي: "وقد خرج منهم – أي: الترك – في هذا الوقت أممُ لا يحصيهم إلا الله تعالى، ولا يردهم عن المسلمين إلا الله تعالى، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج أو مقدِّمتهم"().
وكان ظهور هؤلا التتار في زمن القرطبي، وسمع عنهم ما سمع من الفساد والقتل، فظنهم يأجوج ومأجوج أو مقدمتهم.
ولكن الذي هو من أشراط السَّاعة الكبرى- وهو خروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان – لم يقع بعد؛ لأن الأحاديث الصحيحة تدلُّ على أن خروجهم يكون بعد نزول عيسى u، وأنه هو الذي يدعو عليهم، فيهلكهم الله، ثم يرميهم في البحر، ويريح البلاد والعباد من شرهم.
الفصل الخامس
الخُسوفات الثلاثة
* معنى الخسف:
يقال: خسف المكان يخسف خسوفًا إذا ذهب في الأرض، وغاب فيها()، ومنه قوله تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ} [القصص: 81].
والخسوفات الثلاثة التي هي من أشراط السَّاعة جاء ذكرها في الأحاديث ضمن العلامات الكبرى.
* الأدلَّة من السنَّة المطهَّرَة على ظهور الخسوفات:
1- عن حذيفة بن أسيد t أن رسول الله r قال: "إن السَّاعة لن تقوم حتى تروا عشر آيات...(فذكر منها): وثلاثة خسوف: خسفُ بالمشرق، وخسفُ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب().
2- وعن أم سلمة قالت: سمعتُ رسول الله r يقول: "سيكون بعدي خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب". قلت: يا رسول الله! أيُخسَفُ بالأرض وفيها الصالحون؟ قال لها رسول الله r: "إذا أكثر أهلها الخبث"().
* هل وقعت هذه الخسوفات؟
وهذه الخسوفات الثلاثة لم تقع بعدُ؛ كغيرها من الأشراط الكبرى التي لم يظهر شيءٌ منها، وإن كان بعض العلماء يرى أنها قد وقعت كما ذهب إلى ذلك الشريف البرزنجي()، ولكن الصحيح أنه لم يحدث شيء منها إلى الآن، وإنما وقع بعض الخسوفات في أماكن متفرقة، وفي أزمان متباعدة، وذلك من أشراط السَّاعة الصغرى.
أما هذه الخسوفات الثلاثة؛ فتكون عظيمة وعامة لأماكن كثيرة من الأرض في مشارقها ومغاربها وفي جزيرة العرب.
قال ابن حجر: "وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرًا زائدًا على ما وُجد، كأن يكون أعظم منه مكانًا أو قدرًا"().
ويؤيد هذا ما جاء في الحديث أنها إنما تقع إذا كَثُر الخبث في الناس، وفشت فيهم المعاصي. والله أعلم.
الفصل السادس
الدُّخان
ظهور الدُّخان في آخر الزمان من علامات السَّاعة الكبرى التي دل عليها الكتاب والسنة.
* أدلة ظهوره:
أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)} [الدخان: 10، 11].
والمعنى: انتظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين واضحٍ يغشى الناس ويعمُّهم، وعند ذلك يٌقال لهم: هذا عذابٌ أليمٌ؛ تقريعًا لهم وتوبيخًا، أو يقول بعضهم لبعض ذلك().
وفي المراد بهذا الدُّخان؟ وهل وقع؟ أو هو من الآيات المرتقبة؟ قولان للعلماء:
الأول: أن هذا الدُّخان هو ما أصاب قريشًا من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النبي r حين لم يستجيبوا له، فأصبحوا يرون في السماء كهيئة الدُّخان.
وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن مسعود t، وتبعة جماعة
من السلف().
قال t: "خمس قد مضين: اللزام()، والروم، والبطشة، والقمر، والدُّخان"().
ولما حدَّث رجل من كندة عن الدُّخان، وقال: إنه يجيء دخانُ يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم؛ غضب ابن مسعود t، وقال: "من علم فليقل، ومن لم يعلم؛ فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ (86)}  [ص: 86]، وإن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي r فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف"، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدُّخان().
وهذا القول رجَّحه ابن جرير الطبري، ثم قال: "لأن الله جلَّ ثناؤه
توعد بالدُّخان مشركي قريش، وأن قوله لنبيه محمد r: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10)} [الدخان: 10] في سياق خطاب الله كفار قريش وتقريعه إياهم بشركهم؛ بقوله: {إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)} [الدخان: 8، 9]، ثم أتبع ذلك قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10)}؛ أمرًا منه له بالصبر ... إلى أن يأتِيَهم بأسه، وتهديدًا للمشركين، فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم قد أحلَّهُ بهم، أشبه من أن يكون أخره عنهم لغيرهم().
الثاني: أن هذا الدُّخان من الآيات المنتظرة، التي لم تجئ بعد، وسيقع قرب قيام السَّاعة.
وإلى هذا القول ذهب ابن عباس وبعض الصحابة والتابعين؛ فقد روى ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن عبد الله بن أبي مليكة()؛ قال: "غدوت على ابن عباس رضي الله عنهما ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت. قلتُ: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدُّخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت"().
قال ابن كثير: "وهذا إسنادُ صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين أجمعين، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها... مما فيه مقنع
ودلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن؛ قال الله تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10)}؛ أي: بين واضح يراه كل أحد، على أن ما فسر به ابن مسعود t إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد.
وهكذا قوله: {يَغْشَى النَّاسَ}؛ أي: يتغشَّاهم ويعمُّهم، ولو كان أمرًا خياليًا يخصُّ أهل مكة المشركين؛ لما قيل فيه: {يَغْشَى النَّاسَ}().
وثبت في الصحيحين أن رسول الله r قال لابن صيَّاد: "إني خبأت لك خبئًا". قال: هو الدُّخ. فقال له: "اخسأ؛ فلن تعدو قدرك". وخبأ له رسول الله r: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10)}().
وفي هذا دليل على أن الدُّخان من المنتظر المرتقب، فإن ابن صيَّاد كان من يهود المدينة، ولم تقع هذه القصة إلا بعد الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة.
وأيضًا؛ فإن الأحاديث الصحيحة ذكرت أن الدُّخان من أشراط السَّاعة الكبرى كما سيأتي.
وأما ما فسر به ابن مسعود t ؛ فإن ذلك من كلامه، والمرفوع مقدم على كل موقوف().
ولا يمتنع إذا ظهرت هذه العلامة أن يقولوا: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)} [الدخان: 12]، فيكشف عنهم، ثم يعودون، وهذا قرب القيامة.
على أن بعض العلماء ذهب إلى الجمع بين هذه الآثار() بأنهما دخانات ظهرت إحداهما وبقيت الأخرى، وهي التي ستقع في آخر الزمان، فأما التي ظهرت؛ فهي ما كانت تراه قريشٌ كهيئة الدُّخان، وهذا الدُّخان غير الدُّخان الحقيقي، الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من أشراط السَّاعة.
قال القرطبي: "قال مجاهدٌ(): كان ابن مسعود يقول: هما دخانات قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض، ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة، وأما الكافر؛ فثقب مسامعه"().
وقال ابن جري: "وبعد؛ فإنه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار
الذين توعَّدهم بهذا الوعيد ما توعَّدهم، ويكون مُحِلاً فيما يستأنف بعد بآخرين دخانًا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله r عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله r قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رويا عن رسول الله r صحيح" ().
ب- الأدلَّة من السنة المطهرة.
مضى ذكر بعض الأحاديث الدالَّة على ظهور الدُّخان في آخر الزمان، وسأذكر هنا مزيدًا من الأحاديث الدالَّة على ذلك:
1- روى مسلم عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "بادروا بالأعمال ستًا: الدَّجَّال، والدُّخان"().
2- وجاء في حديث حذيفة في ذكر أشراط السَّاعة الكبرى: "الدُّخان").
3- وروى ابن جرير والطبراني عن أبي مالك الأشعري t؛ قال: قال رسول الله r: "إن ربكم أنذركم ثلاثًا: الدُّخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه"().
 
 
 
الفصل السابع
طُلوعُ الشَّمسِ من مغرِبِها
طلوع الشمس من مغربها من علامات السَّاعة الكبرى، وهو ثابت بالكتاب والسنة.
* الأدلَّة على وقوع ذلك:
أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:
قال الله تعالى {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158].
فقد دلَّت الأحاديث الصحيحة أن المراد ببعض الآيات المذكورة في الآية هو طلوع الشمس من مغربها، وهو قول أكثر المفسرين().
قال الطبري – بعد ذكره لأقوال المفسرين في هذه الآية-: "وأولى الأقوال بالصواب في ذلك ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله r أنه قال: "ذلك حين تطلع الشمس من مغربها"().
وقال الشوكاني: "فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه؛ فهو واجب التقديم، محتم الأخذ به"().
ب- الأدلَّة من السنة المطهرة:
الأحاديث الدَّابَّة على طلوع الشمس من مغربها كثيرة، وإليك جملة منها:
1- روى الشيخان عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، فرآها الناس؛ آمنوا أجمعون، فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا"().
2- وروى البخاري عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "لا تقوم السَّاعة حتى تقتتل فئتان...(فذكر الحديث، وفيه): وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت؛ آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا"().
3- وروى مسلم عن أبي هريرة t أن رسول الله r  قال: بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها"().
4- وتقدم حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السَّاعة الكبرى، فذكر منها: "طلوع الشمس من مغربها"().
5- وروى الإمام أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنها؛ قال:
حفظتُ من رسول الله r حديثًا لم أنسه بعد، سمعتُ رسول الله r يقول: "إن أول الآيات خروجًا طلوعُ الشمس من مغربها"().
6- وعن أبي ذر t أن النبي r قال يومًا: "أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرِّها تحت العرش، فتخرُّ ساجدةً؛ فلا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخرُّ ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا، حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها". فقال رسول الله r: "أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا"().
* مناقشة ر شيد رضا في رده لحديث أبي ذر في سجود الشمس:
أورد رشيد رضا حديث أبي ذر السابق، وعلق عليه بأن متنه من أعظم المتون إشكالًا، وقال في سنده: "هذا الحديث رواه الشيخان من طرق عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي عن أبي ذر، وهو – على
توثيق الجماعة له مدلِّس-؛ قال الإمام أحمد: "لم يلق أبا ذر". كما قال الدارقطني: "لم يسمع من حفصة، ولا من عائشة، ولا أدرك زمانهما". وكما قال ابن المديني: "لم يسمع من علي، ولا ابن عباس". ذكر ذلك في "تهذيب التهذيب".
وقد رُوِي غير هذا عن هذا عن هؤلاء بالعنعنة، فيحتمل أن يكون من حدثه عنهم غير ثقة.
فإذا كان في بعض روايات الصحيحين والسنن مثل هذه العلل، وراء احتمال دخول الإسرائيليات، وخطأ النقل بالمعنى، فما القول فيما تركه الشيخان وما تركه أصحاب السنن؟!"().
هذا ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله !!
وكلامه هذا كلامٌ خطير جداَ، وطعنٌ في الأحاديث الثابتة عن رسول الله r، وتشكيك في صحَّتها، لا سيما ما كان في "الصحيحين" اللذين أجمعت الأمة على تلقِّيهما بالقبول.
ويا ليت أنه أنعم النظر في سند هذا الحديث، وسلم متنه من الإشكال الذي ادعاه، وتبع ما قاله هنا سلفه من العلماء الأعلام الذين آمنوا بما ثبت عن رسول الله r، ولم يتكلَّفوا ما لا علم لهم به، بل أجرواع كلامه r على المعنى الصحيح المتبادر من الحديث.
قال أبو سليمان الخطابي في قوله r : "مستقرُّها تحت العرش": "لا ننكر أن يكون لها استقرار تحته العرش؛ من حيث لا ندركه، ولا نشاهده، وإنما أُخبرنا عن غيب، فلا نكذب به، ولا نكيِّفه؛ لأن علمنا  لا يحيط به".
ثم قال عن سجودها تحت العرش: "وفي هذا إخبار عن سجود الشمس تحت العرش، فلا ينكر ذلك عند محاذاتها العرش في مسيرها، والتصرف لما سخرت له، وأما قوله U:{حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}  [الكهف: 86]؛ فهو نهاية مدرك البصر إياها حالة الغروب، ومصيرها تحت العرش للسجود إنما هو بعد الغروب"().
وقال النووي: "وأما سجود الشمس؛ فهو بتمييز وإدراك يخلقه الله تعالى فيها"().
وقال ابن كثير: "يسجد لعظمته كل شيءٍ طوعًا وكرهًا، وسجود كل شيءٍ مما يختصُّ به"().
وقال ابن حجر: "وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في  كل يوم وليلة عند سجودها، ومقابل الاستقرار المسير الدائم، المعبَّر عنه بالجري، والله أعلم"().
وعلى كل حال؛ فالكلام هنا ليس على استقرار الشمس، ولا على سجودها، وإنما أردت أن أبين أن حديث أبي ذرٍّ t ليس في متنه إشكال كما زعم رشيد رضا رحمه الله، وأن العلماء قد تلقَّوه بالقبول، وبيَّنوا معناه.
وأما قدحه في سند هذا الحديث؛ فوهمٌ منه؛ فإن الحديث متَّصل الإسناد برواية الثقات، وما ذكره من تدلُّيس إبراهيم بن يزيد التيمي وأنه لم يلق أبا ذر ولا حفصة وعائشة وأنه لم يدرك زمانهما، فيجاب عنه:
1- أن الحديث ليس في سنده رواية إبراهيم بن يزيد التيمي عن
أبي ذر، وإنما سنده – كما في البخاري  ومسلم – من رواية إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه عن أبي ذر.
وأبو إبراهيم هو: يزيد بن شريك التيمي، روى عن عمر وعلي وأبي ذر وابن مسعود وغيرهم من الصحابة y، وروى عنه ابنه إبراهيم وإبراهيم النخعي وغيرهما، وثقه ابن معين وابن حبان وابن سعد وابن حجر، وروى عنه الجماعة، وقال أبو موسى المديني: "يقال: إنه أدرك الجاهلية"().
2- إن إبراهيم بن يزيد قد صرَّح بالَّسماع من أبيه يزيد؛ كما في رواية مسلم؛ فإنه قال: "....حدثنا يونس عن إبراهيم بن يزيد التيمي سمعه فيما أعلم عن أبيه عن أبي ذر"().
والثقة إذا صرح بالسماع؛ قُبِلت روايته؛ كما هو مقرَّر في علم مصطلح الحديث().
* عدم قبول الإيمان والتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها:
إذا طلعت الشمس من مغربها؛ فإنه لا يقبل الإيمان ممَّن لم يكن قبل ذلك مؤمناَ؛ كما لا تقبل توبة العاصي، وذلك لأن طلوع الشمس من مغربها آية عظيمة، يراها كل من كان في ذلك الزمان، فتنكشف لهم الحقائق، ويشاهدون من الأهوال ما يلوي أعناقهم إلى الإقرار والتصديق بالله وآياته، وحكمهم في ذلك حكم من عاين بأس الله تعالى؛ كما قال U: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ
مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)}  [غافر: 84، 85].
قال القرطبي: "قال العلماء: وإنما لا ينفع نفسًا إيمانها عند طلوع الشمس من مغربها لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس، وتفتر كل قوة من قوى البدن، فيصير الناس كلهم – لإيقانهم بدُنوِّ القيامة – في حال مَن حضره الموت؛ في ا نقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانهم من أبدانهم، فمن تاب في مثل هذه الحال؛ لم تقبل توبته؛ كما لا تقبل توبة مَن حضره الموت"().
وقال ابن كثير: "إذا أنشأ الكافر إيمانًا يومئذٍ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنًا قبل ذلك؛ فإن كان مصلحًا في عمله؛ فهو بخير عظيم، وإن كان مخلطًا فأحدث توبة؛ حينئذٍ لم تقبل منه توبة"().
وهذا هو الذي جاب به القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة؛ فإن الله تعالى قال: {يوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158]
وقال r : "لا تنقطع الهجرة ما تُقُبِّلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت؛ طُبعَ على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل"().
وقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله U جعل بالمغرب بابًا عرضه مسيرة سبعين عامًا للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله تبارك وتعالى: {يوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ} الآية().
ويرى بعض العلماء() أن الذين لا يُقبل إيمانُهم هم الكفار الذين عاينوا طلوع الشمس من مغربها، أما إذا امتدَّ الزمان، ونسي الناس ذلك؛ فإنه يقبل إيمان الكفار وتوبة العصاة.
قال القرطبي: وقال r: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"()؛ أي: تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعدة من الجنة ومقعده من النار، فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله، وعلى هذا ينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالشاهد له مردودةً ما عاش؛ لأن علمه بالله تعالى وبنيِّه r وبوعده قد صار ضرورة، فإن امتدَّت أيام الدُّنيا إلى أن يَنسى الناس من هذا الأمر
العظيم  ما كان، ولا يتحدَّثون عنه إلا قليلًا، فيصير الخبر عنه خاصًا، وينقطع التواتر عنه، فمَن أسلم في ذلك الوقت أو تاب؛ قبل منه، الله أعلم").
وأيد ذلك بما روي: "إن الشمس والقمر يُكسَيان بعد ذلك الضوء والنور، ثم يطلعان على الناس ويغربان".
وبما روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي r : "يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومئة سنة".
وروي عن عمران بن حصين أنه قال: "إنما لم تقبل وقت الطلوع حتى تكون صيحة، فيهلك فيها كثير من الناس، فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت ثم هلك؛ لم تقبل توبته، ومَن تاب بعد ذلك؛ قُبِلَت توبته"().
والجواب عن هذا كله: "أن النصوص دلَّت على أن التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها، وأن الكافر لا يقبل منه الإسلام، ولم تفرق النصوص بين من شاهد هذه الآية وبين من لم يشاهدها".
والذي يؤيِّد هذا ما رواه الطبري عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: "إذا خرج أول الآيات؛ طُرِحت الأقلام، وحبست الحفظة، وشهِدت الأجسام على الأعمال"().
والمراد بأول الآيات هنا هو طلوع الشمس من مغربها، أما ما كان قبل طلوعها م الآيات؛ فإن الأحاديث تدلُّ على قَبول التوبة والإيمان في ذلك الوقت.
وروى ابن جرير الطبري أيضًا عن عبد الله بن مسعود t ؛ قال: "التوبة مبسوطة ما لم تطلع الشمس من مغربها"().
وروى الإمام مسلم عن أبي موسى t، قال: قال رسول الله r: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها" ().
فجعل r غاية قبول التوبة هو طلوع الشمس من مغربها.
وقد ذكر ابن حجر أحاديث وآثارًا كثيرة تدلُّ على استمرار قفل باب التوبة إلى يوم القيامة، ثم قال:  "فهذه آثار يشدُّ بعضها بعضًا متَّفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب؛ أغلق باب التوبة، ولم يفتح بعد ذلك، وأن ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتدُّ إلى يوم القيامة"().
وأما ما استدلُّى به القرطبي؛ فالجواب عنه:
أن حديث عبد الله بن عمرو قال فيه الحافظ ابن حجر: "رَفع هذا لا يثبت".
وحديث عمران بن حصين: "لا أصل له"().
وأما حديث: "إن الشمس والقمر يُكسَيان الضوء والنور......" إلخ؛ فلم يذكر له القرطبي سندًا، وعلى فرض ثبوته؛ فإن عودتهما إلى ما كانا عليه ليس فيه دليل على أن باب التوبة قد فُتح مرة أخرى.
وذكر الحافظ أنه وقف على نصٍّ فاصل في هذا النزاع، وهو
حديث عبد الله بن عمرو الذي ذكر فيه طلوع الشمس من المغرب، وفيه: "فمن يومئذٍ إلى يوم القيامة {لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} ... الآية().
 
الفصل الثامن
الدَّابَّة
ظهور دابَّة الأرض في آخر الزمان علامة على قرب السَّاعة ثابت بالكتاب والسنة:
* أدلَّة ظهورها:
أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ}  [النمل: 82].
فهذه الآية الكريمة جاء فيها ذكر خروج الدَّابَّة، وأن ذلك يكون عند فساد الناس، وتركهم أوامر الله، وتبديلهم الدين الحق، يُخرِج الله لهم دابة من الأرض، فتكلم الناس على ذلك().
قال العلماء في معنى قوله تعالى: {وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ}؛ أي: وجب الوعيد عليهم؛ لتماديهم في العصيان والفسوق، والطغيان، وإعراضهم عن آيات الله، وتركهم تدبرها، والنزل على حكمها، وانتهائهم في المعاصي إلى ما لا ينجح معه فيهم موعظة، ولا يصرفهم عن غيهم تذكرة، يقول عز من قائل: فإذا صاروا كذلك؛ أخرجنا لهم دابَّة من الأرض تكلمهم؛ أي: دابة تعقل وتنطق، والدواب في العادة لا كلام لها ولا عقل؛ ليعلم
الناس أن ذلك آية من عند الله تعالى().
وقال عبد الله بن مسعود t: "وَقْعُ القول يكون بموت العلماء، وذهاب العلم، ورفع القرآن".
ثم قال: "أكثرِوا تلاوة القرآن قبل أن يرفع". قالوا: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور الرجال؟! قال: "يُسرى عليه ليلًا، فيصبحون منه قَفرًا، وينسون (لا إلهَ إلا الله)، ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم، وذلك حين يقع القولُ عليهم"().
ب- الأدلَّة من السنة المطهَّرة:
1- روى الإمام مسلم عن أبي هريرة t ؛ قالك قال رسول الله r: "ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها، والدَّجَّال، ودابة الأرض"().
2- وله عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ قال: حفظتُ من رسول الله r حديثًا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله r يقول: "إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدَّابَّة  على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على أثرها قريبًا"().
4- ومضى حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السَّاعة الكبرى، فذكر منها الدابة، وفي رواية: "دابَّة  الأرض"().
 
 
4- وروى الإمام أحمد عن أبي أُمامة t يرفعه إلى النبي r قال: "تخرج الدابة، فتسم الناس على خراطيمهم()، ثم يغمرون() فيكم حتى يشتري الرجل البعير، فيقول: ممَّن اشتريته؟ فيقول: من أحد المخطيين"().
5- وروى مسلم عن أبي هريرة t أن رسول الله r قال: "بادروا بالأعمال ستًا...(وذكر منها:) دابة الأرض"().
6- وروى ا لإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة t عن النبي r قال: "تخرج الدَّابة ومعها عصا موسى u ، وخاتم سليمان u، فتخطم() الكافر – قال عفان() (أحد رواة الحديث):
أنف الكافر –بالخاتم، وتجلو وجه() المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخوان() ليجتمعون على خوانهم، فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر"().
* من أيِّ الدَّوابِّ دابة الأرض:
اختلفت الأقوال في تعيين دابَّة الأرض، وإليك بعض ما قاله العلماء في ذلك:
الأول: قال القرطبي: "أول الأقوال أنها فصيل ناقة صالح، وهو أصحها، والله أعلم"().
واستشهد لهذا القول بما رواه أبو داود الطيالسي عن حذيفة بن أسيد الغفاري؛ قال: ذكر رسول الله r  الدَّابَّة... (فذكر الحديث،
وفيه): "لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام"().
وموضع الشاهد قوله: "ترغو"، والرغاء إنما هو للإبل، وذلك "أن الفصيل لما قُتِلتِ الناقة هرب، فانفتح له حجر، فدخل في جوفه، ثم انطبق عليه، فهو فيه حتى يخرج بإذن الله U".
ثم قال: "لقد أحسن من قال:
واذكر  خروج فصيل ناقة صالح ?يسم الورى بالكفر والإيمان()
وترجيح القرطبي لهذا القول فيه نظر؛ فإن الحديث الذي استند إليه في سنده رجل متروك.
وأيضًا؛ فإنه جاء في بعض كتب الحديث لفظ: (تدنو) و(تربو)؛ بدل: (ترغو)؛ كما في "المستدرك" للحاكم.
الثاني: أنها الجسَّاسة المذكورة في حديث تميم الداري t في قصة الدَّجَّال.
وهذا القول منسوبٌ إلى عبد الله بن عمرو بن العاض رضي الله عنهما ().
وليس في حديث تميم ما يدلُّ على أن الجساسة هي الدَّابة التي تخرج آخر الزمان، وإنما الذي جاء فيه أنه لقي دابَّة أهلب كثيرة الشعر، فسألها: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة.
وسُمِّيت بالجساسة لأنها تجسُّ الأخبار للدَّجَّال().
وأيضًا؛ فما جاء في شأن الدَّابَّة التي نتحدث عنها من تعنيف الناس وتوبيخهم على كفرهم بآيات الله تعالى يُبيِّن أنها غير الجساسة التي تنقل الأخبار للدجال، والله أعلم.
الثالث: أنها الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة.
وهذا القول نسبه القرطبي() إلى ابن عباس رضي الله عنهما؛ منقولًا من كتاب النقاش، ولم يذكر له مستندًا في ذلك، وذكره الشوكاني في "تفسيره"().
الرابع: أن الدَّابَّة إنسانٌ متكلِّم يناظر أهل البدع والكفر، ويجادلهم؛ لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بيِّنة، ويحيا من حيَّ عن بيِّنة.
وهذا القول ذكره القرطبي، وردَّه بأن الدَّابَّة لو كانت إنسانًا يناظر
المبتدعة؛ لم تكن الدَّابَّة آية خارقة وعلامة من علامات السَّاعة العشر.
وأيضًا فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي على أهل الأرض أن يسمُّوه باسم الإنسان أو العالم أو الإمام إلى أن يسمى بالدابة، وهذا خروجٌ عن عادة الفصحاء، وعن تعظيمك العلماء().
الخامس: أن الدَّابَّة اسم جنس() لكلِّ ما يدبُّ، وليست حيوانًا مشخَّصًا معيَّنًا يحوي العجائب والغرائب، ولعل المراد بها تلك الجراثيم الخطيرة التي تفتك بالإنسان وجسمه وصحته، فهي تجرح وتقتل، ومن تجريحها وأذاها كلمات واعظة للناس لو كانت لهم قُلوبٌ تعقل، فترجع بهم إلى الله، وإلى دينه، وتلزمهم الحجة، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال؛ فإن من معاني التكليم التجريح.
وهذا القول هو ما ذهب إليه أبو عبية في تعليقه على "النهاية/ الفتن والملاحم" لابن كثير ()، وهو أي بعيد عن الصواب، وذلك لأمور:
أ- أن  الجراثيم موجودة من قديم الزمان، وكذلك الأمراض التي تفتك بالناس في أجسامهم وزروعهم ودوابهم()، و الدَّابَّة التي هي من أشراط السَّاعة لم تظهر بعد.
ب- أن الجراثيم غالبًا لا ترى بالعين المجرَّدة، وأما الدَّابَّة ؛ فلم يقل أحدٌ: إنها لا تُرى، بل إن النبي r ذكر من أحوالها ما يدلُّ على
رؤية الناس لها، فذكر أن معها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام...إلى غير ذلك مما سبق ذكره.
ج- أن هذا الدَّابَّة تَسِم الناس على وجوههم بالكفر والإيمان، فتجلو وجه المؤمن، وتخطم أنف الكافر، وأما الجراثيم؛ فلا تفعل شيئًا من ذلك.
د- الذي يظهر أن الذي دفعه لهذا القول هو ما ذُكِر في صفة الدَّابَّة من الأقوال الكثيرة المختلفة()، ولكن قدرة الله أعظم، وما صحَّ عن رسول الله r يجب التسليم به.
وكذلك؛ فأي مانع من حمل اللفظ على المعنى المتبادر، ولا نلجأ إلى التجوز إلا إذا تعذَّرتِ الحقيقة، لا سيما أن قوله هذا مخالفٌ لأقوال المفسرين؛ فإنهم ذكروا أن هذه الدابة مخالفة لما يعتاده البشر، فهي من خوارق العادات؛ كما أن طلوع الشمس من مغربها أمرٌ خارقٌ للعادة.
وقد جاء في الحديث أنهما يخرجان في وقت متقارب؛ قال r : "أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها قريبًا"().
والذي يجب الإيمان به هو أن الله تعالى سيخرج للناس في آخر الزمان دابَّة من الأرض تكلِّمهم، فيكون تكليمها آية لهم دالة على أنهم مستحقون للوعيد بتكذيبهم آيات الله، فإذا خرجت الدابة؛ فهم الناس، وعلموا أنها الخارقة المنبئة باقتراب السَّاعة، وقد كانوا قبل ذلك لا يؤمنون بآيات الله، ولا يصدِّقون باليوم الموعود.
والذي يؤيد أن هذه الدَّابَّة تنطق وتخاطب الناس بكلام يسمعونه ويفهمونه هو أنه جاء ذكرها في سورة النمل، وهذه السورة فيها مشاهد وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير والجن وسليمان u، فجاء ذكر الدابة وتكليمها الناس متناسقًا مع مشاهد السورة وجوها العام().
قال أحمد شاكر رحمه الله: "والآية صريحةٌ بالقول العربي أنها (دابَّة)، ومعنى (الدَّابَّة) في لغة العرب معروفٌ واضحٌ، لا يحتاج إلى تأويل... ووردت أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها بخروج هذه (الدَّابَّة) الآية، وأنها تخرج آخر الزمان، ووردت  آثار أخرى في صفتها لم تنسب إلى رسول الله r المبلِّغ عن ربه، والمبيِّن آيات كتابه، فلا علينا أن ندعها، ولكن بعض أهل عصرنا، من المنتسبين للإسلام، الذين فشا فيهم المنكر من القول والباطل من الرأي، الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالغيب، ولا يريدون إلا أن يقفوا عند حدود المادة التي رسمها لهم معلموهم وقدوتهم؛ ملحدو أوروبا الوثنيون الإباحيون، المتحلِّلون من كل خلق ودين، هؤلاء لا يستطيعون أن يؤمنوا بما نؤمن به، ولا يستطيعون أن ينكروا إنكارًا صريحًا، فيجمجمون()، ويحاورون، ويداورون، ثم
يتأولون، فيخرجون بالكلام عن معناه الوضعي الصحيح للألفاظ في لغة الغرب، يجعلونه أشبه بالرموز؛ لما وقر في أنفسهم من الإنكار الذي يبطنون"().
* مكان خروج الدَّابَّة:
اختلفت الأقوال في تعيين مكان خروج الدَّابَّة ,فمنها:
1- أنها تخرج من مكة المكرَّمة من أعظم المساجد.
ويؤيد هذا القول ما رواه الطبراني في "الأوسط" عن حذيفة بن أسيد – أراه رفعه - ؛ قال: "تخرج الدابة من أعظم المساجد، فبينا هم إذ دبت الأرض، فبينا هم كذلك إذ تصدّضعت"().
قال ابن عيينة(): "تخرج حين يسري الإمام جمع، وإنما جعل سابقًا ليخبر الناس أن الدَّابَّة لم تخرج"().
2- أن لها ثلاث خَرَجات، فمرة تخرج في بعض البوادي ثم تختفي، ثم تخرج في بعض القرى، ثم تظهر في المسجد الحرام().
وهناك أقوال أخرى غير ما ذكرته، غالبها يدور على أن خروجها من الحرم المكي()، فالله أعلم بذلك.
* عمل الدَّابَّة:
إذا خرجت هذه الدَّابَّة العظيمة؛ فإنها تسم المؤمن والكافر.
فأما المؤمن؛ فإنها تجلو وجهه حتى يشرق، ويكون ذلك علامة على إيمانه.
وأما الكافر؛ فإنها تخطمه على أنفه؛ علامة على كفره والعياذ بالله.
وجاء في الآية الكريمة قوله تعالى: {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ} [النمل: 82].
وفي معنى هذا التكليم اختلفت أقوال المفسرين:
1- أن المراد: تكلمهم كلامًا؛ أي: تخاطبهم مخاطبة، ويدلُّ على هذا قراءة أُبي بن كعب t : (تنبئهم).
2- تجرحهم، ويؤيد ذلك قراءة (تَكْلمهم)؛ بفتح التاء وسكون الكاف، من الكلم، وهو الجرح، وهذه القراءة مروية عن ابن عباس t؛ أي: تسمهم وسمًا().
وهذا القول يشهد له حديث أبي أُمامة t أن النبي r قالك "تخرج الدابة، فتسم الناس على خراطيمهم"().
وروى عن ابن عباس أنه قال: "كلا تفعل"؛ أي: المخاطبة والوسم.
قال ابن كثير: "وهو قولٌ حسن، ولا منافاة، والله أعلم"().
وأما الكلام الذي تخاطبهم به؛ فهو قولها: {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ} [النمل: 82].
وهذا على قراءة مَن قرأها بفتح همزة (إن)؛ أي: تخبرهم أن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، وهذا قراءة عامَّة قرَّاء الكوفة وبعض أهل البصرة.
وأما قراءة عامة قراء الحجاز والبصرة والشام؛ فبكسر همزة (إن) على الاستئناف، ويكون المعنى: تكلِّمُهم بما يسوؤهم، أو ببطلان الأديان سوى دين الإسلام().
قال ابن جرير: "الصواب من القول في ذلك أنها قراءتان متقاربتا المعنى، مستفيضتان في قراءة الأمصار"().
الفصل التاسع
النار التي تحشر الناس
ومنها خروج النار العظيمة، وهي آخرأشراط السَّاعة الكبرى، وأول الآيات المؤذنة بقيام السَّاعة.
* مكان خروجها:
جاءت الروايات بأن خروج هذه النار يون من اليمن، من قعرة عدن()، وتخرج من بحر حضرموت؛ كما جاء في روايات أخرى.
إليك طائفة من الأحاديث التي تبيِّن مكان خروج هذه النار، وهي من الأدلَّة على ظهورها.
1- جاء في حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط السَّاعة الكبرى قوله r: "وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم". رواه مسلم().
2- وفي رواية له عن حذيفة أيضًا: "ونارٌ تخرج من قعرة عدن ترحل الناس"().
3- وروى الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قالك قال رسول الله r: "ستخرج نار من حضرموت أو من بحر حضرموت، قبل يوم ا لقيامة، تحشر الناس"().
4- وروى الإمام البخاري عن أنس t أن عبد الله بن سلام لما اسلم سأل النبي r عن مسائل، ومنها : ما أول أشراط السَّاعة؟ فقال النبي r: "أما أول أشراط السَّاعة؛ فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب"().
والجمع بين ما جاء أن هذه النار هي آخر اشراط السَّاعة الكبرى وما جاء أنها أول أشراط السَّاعة: أن آخريتها باعتبار ما ذُكِر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة، وأوليتها باعتبار أنها أوَّل الآيات التتي لا شيء بعدها من أمور الدُّنيا أصلًا، بل يقع بانتهاء هذه الآيات النفخ في الصور، بخلاف ما ذُكِر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة، فإنه يبقى بعد كل آية منها أشيا من أمور الدُّنيا().
وأما  ما جاء في بعض الروايات بأن خروجها يكون من اليمن، وفي بعضها الآخر أنها تحشر الناس من المشرق إلى المغرب؛ فيجاب عن ذلك بأجوبة:
1- أنه يمكن الجمع بين هذه الروايات بأن كون النار تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب، وذلك أن ابتداء خورجها من قعر عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها، المراد بقوله :} تحشر الناس من المشرق إلى المغرب"؛ إرادة تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب().
2- أن النار عندما تنتشر يكون حشرها لأهل المشرق أولًا، ويؤيِّد ذلك أن ابتداء الفتن دائمًا من المشرق، وأما جعل الغابة إلى المغرب؛ فلأن الشام بالنسبة إلى المشرق مغرب.
3- يحتمل أن تكون النار المذكورة في حديث أنس كناية عن الفتن المنتشرة التي أثارت الشر العظيم والتهبت كما تلتهب النار، وكان ابتداؤها من قبل المشرق، حتى خرب معظمه، وانحشر الناس من جهة المشرق إلى الشام ومصرن وهما من جهة المغرب؛ كما شوهد ذلك مرارًا من عهد جنكزخان ومَن بعده.
وأما النار التي في حديثي حذيفة بن أسيد ابن عمر، فهي نارٌ حقيقة()، والله أعلم.
* كيفية حشرها للناس :
عند ظهور هذه النار العظيمة من اليمن؛ تنتشر في الأرض ، وتسوق الناس إلى أرض المحشر، والذين يحشرون على ثلاثة أفواج:
الأول: فو جٌ راغبون طاعمون كاسون راكبون.
الثاني: وفوجٌ يمشون تارة ويركبون أخرى، يعتقبن على البعير
الواحد؛ كما سيأتي في الحديث: "اثنان على بعير، ثلاثة على بعير .... إلى أن قال: وعشرة على بعير يعتقبونه"، وذلك من قلة الظهر يومئذٍ.
والفوج الثالث: تحشرهم النار، فتحيط بهم من ورائهم، وتسوقهم من كل جانب إلى أرض المحشر ، ومن تخلف أكلته النار().
ومما جاء من الأحاديث في بيان كيفية حشر هذه النار للناس:
1- روى الشيخان  عن أبي هريرة t عن النبي r ؛ قال: يحشر الناس على ثلاث طواف راغبين وراهبين، وأثنان على بعير، وثلاثة على  بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويَحشُر بقيتَهم النار؛ تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث بانوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أسوا().
2- وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله r : "تبعث نار على أهل المشرق، فتحشرهم إلى المغرب؛ تبيت معهم باتو وتقيل معهم حيث قالوا، يكون لها ما سقط منهم وتخلف، وتسوقهم سَوق الجمل الكسير"().
3- وعن حذيفة بن أسيد t ؛ قال: قام أبو ذر t فقال: يا بني غفار !قولوا ولا تختلفوا ؛ فإن الصادق المصدوق r حدثني "أن الناس
يُحشرون ثلاث افواج: فوجٌ راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون وفو تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار".فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: "يلقي الله الآفة على الظهر حتى لا يبقى ظَهرٌ، حتى إن الرجل لَيكون له الحديقة المعجمة، فيعطيها بالشارف() ذات القتب() ؛ فلا يقدر عليها"().
*أرض المحشر:
يحشر الناس إلى الشام في آخر الزمان، وهي أرض المحشر؛ كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة:
1- منها ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما في ذكر خروج النار، وفيه: قال: قلنا: يا رسول الله! فماذا تأمرنا؟ قال: "عليكم بالشام"().
 
 
 
 
2- وروى الإمام أحمد عن حكيم بن معاوية البهزي عن أبيه .... (فذكر الحديث، وفيه قوله r ): "ها هُنا تُحشَرون، ها هُنا تُحشَرون، ها هُنا تُحشَرون (ثلاثًا)، ركبانأً، ومشاة، وعلى وجوهكم".
قال ابن أبي بكير(): فأشار بيده إلى الشام، فقال: "إلى ها هُنا تُحشَرون"().
3- وفي رواية الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده؛ قال: قلت: يا رسول الله! أين تأمرني؟ قال: "ها هنا (ونحا بيده نحو الشام)"().
4- وروى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو؛ قال: سمعت رسول الله r يقول: "ستكون هجرة بعد هجرة ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تنذرهم نفس الله، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوأ، وتأكل من تخلَّف" ().
قال ابن حجر: "وفي تفسير ابن عيينة عن ابن عباس: من شكَّ أن المحشر ها هنا – يعني: الشام -؛ فليقرأ أول سورة الحشر، قال لهم رسول الله r يومئذٍ: اخرجوا. قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر"().
والسبب في كون أرض الشام هي أرض  المحشر أن الأمن والإيمان حين تقع الفتن في آخر الزمان يكون الشام.
وقد جاء في فضله والترغيب في سكناه أحاديث صحيحة:
منها ما أخرجه الإمام أحمد عن أبي الدرداء؛ قال: قال رسول الله r: "بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتُمِل من تحت رأسي، فظننتُ أنه مذهوبٌ به، فأتبعتُهُ بصري، فعُمِدَ به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام").
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن حوالة t أن رسول الله r قال: "رأيتُ ليلة أُسري بي عمودًا أبيض كأنه لواءٌ تحمله الملائكة، فقلت: ما تحملون؟ قالوا: عمود الكتاب؛ أُمِرنا أن نضعه بالشام().
وروى أبو داود بسنده إلى عبد الله بن حوالة t؛ قال: قال رسول الله r : "سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنودًا مجنَّدة: جندٌ بالشام، وجندٌ باليمن ، وجندٌ بالعراق". قال ابن حوالة: خِرْ لي يا رسول الله إن أدركت ذلك فقال: "عليك بالشام؛ فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما إذا أبيتهم؛ فعليكم بيَمنِكم، واسقوا من غدركم،
فإن الله توكَّل لي بالشام وأهله"().
وقد دعا رسول الله r للشام بالبركة؛ كما ثبت في "الصحيح" عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: قال النبي r : "اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا"().
وقد تقدم أن نزول عيسى عليه السلام في آخر الزَّمان يكون بالشام، وبه يكون اجتماع المؤمنين لقتال الدَّجَّال.
وقد أنكر أبو عبيَّة أن تكون أرض الشام هي أرض المحشر، فقال: "الكلام الذي يحدِّد أرض المحشر لا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع، بل في القرآن الكريم ما ينقضه؛ قال الله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ} [إبراهيم : 48]، فأين أرض الشام إذن؟!"().
ويجاب عنه بأن الأدلَّة متضافرة على أن أرض المحشر هي الشام؛ كما سبق ذكرها.
والحامل له على هذا هو اعتقاده أن هذا المحشر في الآخرة، وليس في الدُّنيا، وسأبين في البحث الآتي أن هذا الحشر في الدُّنيا؛ كما تدلُّ عليه النصوص الصحيحة.
* هذا الحشر في الدُّنيا:
هذا الحشر المذكور في الأحاديث يكون في الدُّنيا، وليس المراد
به حشر الناس بعد البعث من القبور، وقد ذكر القرطبي أن الحشر معناه الجمع، وهو على أربعة أوجه: حشران في الدُّنيا، وحشران في الآخرة:
أما حشرا الدُّنيا:
فالأول: إجلاء بني النضير إلى الشام,
والثاني: حشر الناس قبل القيامة إلى الشام، وهي النار المذكورة هنا في الأحاديث().
وكون هذا الحشر في الدُّنيا هو الذي أجمع عليه جمهور العلماء؛ كما ذكر ذلك القرطبي، ابن كثير، وابن حجر، وهو الذي تدلُّ عليه النصوص كما تقدم بسطها.
وذهب بعض العلماء، كالغزالي()، والحليمي() إلى أن هذا الحشر ليس في الدُّنيا()، وإنما هو في الآخرة؟
وذكر ابن حجر أن بعض شرُّاح المصابيح حمله على الحشر من القبور، واحتجوا على ذلك بعدة أمور:
1- أن الحشر إذا أُطلق في عرف الشرع؛ إنما يُراد به الحشر من القبور؛ ما لم يخصه دليلٌ.
2- أن هذا التقسيم في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى الشام؛ لأن المهاجر لا بد أن تكون راغبًا أو راهبًا أو جامعًا بين الصفتين.
3- أن حشر البقية على ما ذكر، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة، وملازمتها حتى لات تفارقهم: قولٌ لم يرد به التوفيق، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدُّنيا على أهل الشقوة من غير توقيف.
4- أن الحديث يفسر بعضه بعضًا، وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن عل بن زيد عن أوس بن أبي أوس عن أبي هريرة بلفظ: "ثلاثًا على الدواب، وثلاثًا ينسلون على أقدامهم، وثلاثًا على وجوههم "، وهذا التقسيم الذي في هذا الخبر موافق لما جاء في سورة الواقعة في قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً} [الواقعة: 7] ().
والإجابة عما احتجوا به يتلخص فيما يأتي:
1- أن الدليل قد جاء بأن هذا الحشر في الدُّنيا؛ كما سبق ذكر الأحاديث في ذلك.
2- أن التقسيم المذكور في آيات سورة الواقعة لا يستلزم أن يكون هو التقسيم المذكور في الحديث؛ فإن الذي في الحديث ورد على القصد من الخلاص من الفتنة فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر ويسرة من الزاد راغبًا فيما يستقبله راهبًا فيما يستدبره، وهم الصنف الأول من الحديث، ومَن توانى حتى قلَّ الظهر اشتركوا فيه وهم الصنف
الثاني، والصنف الثالث هم الذين تحشرهم النار وتسحبهم الملائكة.
3- أنه تبيَّن من شواهد الأحاديث أنه ليس المراد بالنار نار الآخرة، وإنما هي نارٌ تخرج في الدُّنيا، أنذر النبي r بخروجها، وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة.
4- أن الحديث الذي احتجُّوا به من رواية على بن زيد- وهو مختلف في توثيقه – لا يخالف الأحاديث التي بيَّنتُ أن هذا الحشر في الدُّنيا، وقد وقع في حديث على بن زيد المذكور عند الإمام أحمد() أنهم: "يتَّقون بوجوههم كل حدب وشوك وأرض الموقف يوم القيامة أرض مستوية لا عوج فيها ولا أكمة ولا حدب ولا شوك"().
قال النووي: "قال العلماء: وهذا الحشر في آخر الدُّنيا قبيل القيام، وقبيل النفخ في الصور؛ بدليل قوله r:تحشر بقيتهم النار؛ تبيت معهم وتقيل وتصبح وتمسي"().
وقال الحافظ ابن كثير – بعد ذكره للأحاديث الواردة في خروج النار مبينًا أن هذا الحشر في الدُّنيا -: "فهذا السياقات تدلُّ على أن هذا الحشر هو حشر الموجودين في آخر الدُّنيا من أقطار الأرض إلى محلة المحشر، وهي الأرض الشام... وهذا كله مما يدلُّ على أن هذا في آخر الزمان حيث الأكل والشرب والركوب على الظهر المشترى وغيره، وحيث تهلك المتخلفين منهم النار، ولو كان هذا بعد نفخة البعث لم يبق
موتٌ، ولا ظهرٌ يُشترى، ولا أكل، ولا شرب، ولا لبس في العرصات"().
وأما حشر الآخرة؛ فإنه قد جاء في الأحاديث أن الناس مؤمنهم وكافرهم يحشرون حفاة عراة غرلا() بهما()، ففي الصحيح عن ابن عباس؛ قال: قام فينا النبي r فقال: "إنكم محشورون حفاة عراة غرلًا؛{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه} [الأنبياء: 104] ، وإن أول الخلق يُكسى يوم القيامة إبراهيم الخليل"().
قال ابن حجر: "ومن أين للذين يُبعَثون بعد الموت عراة حفاة حدائق حتى يدفعوها في الشوارف"().
فدلَّ هذا على أن هذا الحشر يكون في الدُّنيا قبل يوم القيامة، ومَن ذهب إلى خلاف ذلك فقد جانب الحق، والله تعالى أعلم.
الخاتمة
وتشتمل على أهم نتائج البحث، وهي:
1- أن  الإيمان بأشراط السَّاعة من الإيمان بالغيب الذي لا يتم إيمان المسلم إلا بالإيمان به.
2- أن الإيمان بأشراط السَّاعة داخلٌ في الإيمان باليوم الآخر.
3- أن ما ثبت عن رسول الله r من الأخبار – سواء كانت متواترة أو آحًاا – يجب الإيمان بها وقبولها، ولا يجوز ردُّها، فالعقائد تثبت بالخبر الصحيح، ولو كان آحادًا.
4- أن الرسول r قد أَخبر أمته بما كان وما يكون إلى أن تقوم السَّاعة، وقد نالت أشراط السَّاعة من أخباره النصيب الأوفر.
5- أن علم السَّاعة مما استأثر الله تعالى به، فلم يطلع عليه مَلَكاً مقربًا ولا نبيًا مرسلًا.
6- لم يثبت حديثٌ صحيح في تحديد عمر الدُّنيا.
7- أن أشراط السَّاعة الصغرى ظهر كثيرٌ منها ولم يبق إلا القليل.
8- أن المراد بظهور أشراط السَّاعة الصغرى ظهورًا كليًا هو استحكام ظهور كل العلامة حتى لا يبقى ما يقابلها إلا في النادر.
9- ليس معنى كون الشيء من أشراط السَّاعة أن يكون ممنوعًا، بل أشراط السَّاعة تشتمل على المحرَّم والواجب والمباح والخير والشر.
10- لم يظهر إلى الآن شيء من أشراط السَّاعة الكبرى.
11- إذا ظهر أول أشراط السَّاعة الكبرى؛ تتابعت الآيات كتتابع الخرز في النظام؛ يتبع بعضها بعضًا
12- أن ما ظهر من أشراط السَّاعة هي معجزات للنبي r ، وعَلَم من أعلام نبوته، حيث أخبر عن أشياء بأنها ستقع، فوقعت كما أخبر.
13- أن ظهور كثير من أشراط السَّاعة دليلٌ على خراب هذا العالم، وأنه قد قربت نهايته، فهي كعلامات الموت التي تظهر على المحتضر.
14- أن باب التوبة مفتوح ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت؛ قفل إلى يوم القيامة
15- أن طلوع الشمس من مغربها ليس هو قيام السَّاعة، بل يكون بعدها شيءٌ من أمور الدُّنيا؛ كالبيع ، والشراء، ونحوهما.
16- أن آخر أشراط السَّاعة الكبرى هو خروج النار التي تحشر الناس إلى الشام، وهذا الحشر يكون في الدُّنيا قبل يوم القيامة.
17- أن السَّاعة لا تقوم إلا على شرار الناس.
نسأل الله العافية، والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
 
 
الفهارس
 
• فهرس الآيات القرآنية.
• فهرس الأحاديث النبوية والآثار.
• فهرس الأعلام المترجم لهم.
• فهرس المراجع والمصادر.
• فهرس الموضوعات.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
فهرس الآيات القرآنية
مرتبة على الحروف ا لهجائية
- {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} - {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ} - {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً} - {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ} - { إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ} - {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى}  - {أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} - {  أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا  } - { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا  } - {اقْتَرَبَتْ السَّاعة}  - {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} -  {لْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2)} - {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2)} - {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ} - { لَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ} - {أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} - {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ} - {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} - {إِنَّ السَّاعة لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا}
- {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} - {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ} - {ن أكرمكم عند الله أتقاكم}
- {أن الناس كانوا بآيتنا لا يوقنون}
- {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا} {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ} - {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} - {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا} - {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ} - {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} - {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} - {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} - {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} - {بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} - {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89)} - {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ} - {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ} - {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ} - {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ} - {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} - {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} - {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} - {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} - {فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ} - {فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} - {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10)} - {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ} - {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} - {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ (83)}
- {فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} - {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا} - {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ} - {قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي} - {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} - {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ} - {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} - {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} - {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} - {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} - {كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي} - {لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} - {لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ} - {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ} - {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ} - {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} - {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} - {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ} - {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} - {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى} - {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} - {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ} - {وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} - {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} - {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} - {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} - {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ}
- {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} - {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} - {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً} - {وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ} - {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} - {وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ} - {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} - {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ} - {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} - {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنيا} - {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} - {وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً} - {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} - {وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} - {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا} - {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا} - {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} - {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} - {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} - {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} - {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً} - {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا} - {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} - {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعة تَكُونُ قَرِيبًا} - {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} - {وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} - {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا} - {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} - {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} - {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ} - {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} - {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} - {وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} - {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} - {لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ} - {َا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)} - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ} - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ} - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا} - {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} - {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ} - {َوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى} - {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعة} {عَنْ السَّاعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43)} {يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي} - {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ} - {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} - {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ} - {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} - {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ}  
فهرس الأحاديث النبوية والآثار
مرتبة على حروف الهجاء
- إن الله تعالى ليس بأعور - إن السَّاعة لن تقوم حتى تروا عشر آيات - إن السَّاعة لا تكون حتى تكون عشر آيات -إن السَّاعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث (أثر) - إن الله يبسط يد ه بالليل - إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل - إن الله يقبل توبة العبد - إن أهل الكتابين افترقوا - إن في البحر شياطين (أُثر) - إن أول ما يبعثه على الناس - إن من أشراط السَّاعة أن تتخذ المساجد طرقًا - إن من أشراط السَّاعة أن يسلم الرجل - إ ن بين يدي السَّاعة تسليم الخاصة -  إن من أشراط السَّاعة أن يفشوا المال - إن بين يدي السَّاعة ....شهادة الزور - إن من أشراط السَّاعة يكثر التجار - إن بين يدي السَّاعة ....ظهور القلم - إن من اشراط السَّاعة أن يمر الرجل بالمسجد - إن  بين يدي السَّاعة فتنًا - إن من أشراط السَّاعة ثلاثًا - إن بين يدي السَّاعة قطع الأرحام - إن من أشراط السَّاعة يظهر الزنا - إن بين يدي السَّاعة لأياماَ - إن من أمارات السَّاعة ...أن تتخذ المساجد - أن بين يدي السَّاعة الهرج - إن من أمارات السَّاعة أن يرى الهلال - إن الدَّجَّال ممسوع العين - إن من أمارات السَّاعة ..أن يظهر موت الفجأة - إن من فتنته أن يقول للأعرابي - تخرج الدابة من أعظم المساجد - تخرج الدابة ومعها عصا موسى - تقوم السَّاعة والروم أ كثر الناس - ستخرج نار من بحر حضر موت - خروج الآيات بعضها على إثر بعض - خلو بيننا وبين الذين سبوا منا - سيخرج قوم في آخر الزمان - سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنودا - خير الناس قرني
- دابة الأرض - الدَّجَّال أعورالعين اليسرى جفال الشعر
- الدَّجَّال يخرج من أرض بالمشرق - سيكون في آخر أمتي أناس - سيكون في آخر الزمان خسف - سيكون في آخر الزمان شرطة - ذلك حين تطلع الشمس من مغربها - سيكون في آخر هذه الأمة رجال
- شبرا بشبر - ذكر رسول الله r الدَّجَّال
- ليست  السنة بأن لا تمطروا - من اقتراب السَّاعة انتفاخ الأهلة - ليسير الراكب بجنبات المدينة - ليشربن ناس من أمتي الخمر - ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر - من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي - ما أبكي أن لا أكون أعلم (أثر) - من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن - ما أعماركم في أعمار من مضى - ما شبه على غاير هذه المرة - ما المسؤول عنها بأعلم من السائل - ما نفضنا أيدينا من دفنه (أثر) - من أشراط السَّاعة أن تظهر ثياب - من أشراط السَّاعة أن تقاتلوا قومًاذ - من اشراط السَّاعة أن يتباهى الناس - من أشراط السَّاعة أن يرفع العلم - من أشراط السَّاعة أن يظهر الشح - من اشراط السَّاعة أن يعلو التحوت - من أشراط السَّاعة أن يغلب - من اشراط السَّاعة أن يقل العلم - من أشراط السَّاعة الفحش - من أشراط السَّاعة .. ويشرب ا لخمر - لا تقوم السَّاعة حتى تخرج - لا تقوم السَّاعة حتى تضطرب - لا تقوم السَّاعة حتى تطلع - لا تقوم السَّاعة حتى تظهر - لا تقوم السَّاعة حتى تعود - لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد - لا تقوم السَّاعة حتى تقاتلوا خوزًا - لا يزال الناس بخير (أثر) - لا تقوم السَّاعة حتى تقاتلوا قومًا - لا يزال الناس مختلفة (أثر) - لا تقوم السَّاعة حتى تقتتل فئتان - لا تقوم السَّاعة حتى تكثر - لا تقوم ا لساعة حتى تكون - لا تقوم السَّاعة حتى تلحق - با ابن حوالة! إذا رأيت الخلافة - لا تقوم السَّاعة حتى تمطر ا لسماء - لا تقوم السَّاعة حتى لا يقال - يأبى على الناس زمان يتمنون - لا تقوم السَّاعة حتى يأخذ - يأتي على الناس زمان يدعو الرجل - لا تقوم السَّاعة حتى يبعث - يأتي على الناس زمان يغربلون - لا تقوم السَّاعة حتى يتباهى - لا تقوم السَّاعة....حتى يتطاول - يا رسول الله ! ومن أصحاب الشاء - لا تقوم السَّاعة حتى ....يتقارب - لا تقوم السَّاعة حتى يحسر   - لا تقوم السَّاعة حتى يخرج - لا تقوم السَّاعة حتى يخسف - لا تقوم السَّاعة حتى يسير - لا تقوم السَّاعة حتى يظهر - لا تقوم السَّاعة حتى يقاتل المسلمون - لا تقوم السَّاعة حتى يكثر فيكم - لا تقوم السَّاعة حتى يكثر - لا تقوم السَّاعة حتى يكون - لا تقوم السَّاعة حتى يمر - لا تقوم السَّاعة حتى يمطر - لا تقوم السَّاعة حتى ينزل فهرس الأعلام المترجم لهم
مرتبة على الحروف الهجائية
 
فهرس المصادر والمراجع
مرتبة على الحروف ا لهجائية
• "القرآن الكريم".
• "الإبانة عن أصول الديانة"، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، نشر دال البيان، دمشق، سنة 1401هـ. والإبانة أيضًا، بتحقيق د. فوقية حسين محمود، طبعة دار الأنصار، القاهرة، الطبعة الأولى، 1397هـ.
• "إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط السَّاعة"، للشيخ محمود بن عبد الله التويجري، طبع مطابع الرياض، الطبعة الأولى، 1394هـ.
• "الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان الجرح والتعديل" ، للشيخ عبد العليم عبد العظيم، رسالة ماجستير بإشراف د. محمد أبو شهبة، فرع الكتاب والسنة، كلية الشريعة، جامعة أم القرى، سنة 1397 – 1398هـ.
• "أديان الهند الكبرى/ مقارنة الأديان"، للدكتور أحمد شلبي، الناشر مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة السادسة، سنة 1978م.
• "الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي السَّاعة"، للسيد محمد صديق حسن القنوجي البخاري، طبع دار الكتب العلمية، بيروت، سنة 1399هـ.
• "الاستيعاب في معرفة الأصحاب"، لابي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، تحقيق: علي محمد البجاوي، مطبعة نهضة مصر، القاهرة.
• "الإسلام عقيدة وشريعة"، للشيخ محمود شلتوت، طبع دار الشروق، بيروت.
• "الإشاعة لأشراط السَّاعة"، للشرف محمد بن رسول الحسيني البرزنجي، طبع دار الكتب العلمية، بيروت.
• "أشراط السَّاعة وأسرارها"، للشيخ محمد سلامة جبر، طبع شركة الشعاع، الكويت، الطبعة الأولى، سنة 1401هـ.
• "الإصابة في تمييز الصحابة"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مطبعة السعادة، مصر، الناشر دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1328هـ.
• "أعلام السنة المنشورة"، المسمى: 200 سؤال وجواب في العقيدة الإسلامية"، للشيخ حافظ بن أحمد حكمي، طبع دار النصر للطباعة الإسلامية، مصر، الناشر: دار الاعتصام ودار الإصلاح.
• "الأعلام/ قاموس تراجم"، لخير الدين الزركلي، طبع دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، 1979م.
• "إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم"، لأبي عبد الله محمد بن خليفة الأبي المالكي طبع دار الكتب العلمية، بيروت.
• "أنوار التنزيل وأسرار التأويل/ تفسير البيضاوي"، لأبي سعيد ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي، طبع مؤسسة شعبان، بيروت.
• "الإيمان/ أركانه، حقيقته، نواقضه"، د. محمد نعيم ياسين، طبع جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان، الطبعة الأولى، 1398هـ.
• "الإيمان باليوم الآخر وبالقضاء والقدر"، لأحمد عز الدين البيانوني، طبع مكتبة الهدى، حلب، الطبعة الأولى، 135هـ.
• "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير"، للشيخ أحمد محمد شاكر، طبع دار الكتب العلمية، بيروت.
• "البداية والنهاية"، للحافظ إسماعيل بن كثير، طبع مكتبة المعارف، بيروت، الطبعة الثانية، سنة 1974م.
• "تاريخ الأمم والملوك"، للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، طبعة دار الفكر، بيروت، التصوير عن المطبعة الحسينية المصرية، سنة 1399هـ.
• "تاريخ الجهمية والمعتزلة"، للشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي، طبع مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1399هـ.
• "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري"، لأبي القاسم على بن الحسن بن هبة الله العسكري، دار الكتاب العربي، بيروت، سنة 1399هـ.
• "تجريد أسماء الصحابة"، للإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، دار المعرفة، بيروت.
• "تحفة الأحوذي/ شرح جامع الترمذي"، أبي العلا محمد عبد الرحمن المباركفوري، تصحيح عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1399هـ.
• "تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي"، لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر ومطبعة السعادة، مصر.
• "تذكرة الحفاظ"،  للإمام شمس الدين، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تصحيح عبد الرحمن بن يحيي المعلمي، دار إحياء التراث العربي.
• "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة"، للحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، المكتبة السلفية، المدينة المنورة.
• "تذكرة الموضوعات/ في ذيلها قانون الموضوعات والضعفاء"، لمحمد طاهر بن علي الهندي الفتني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1399هـ.
• "ترتيب القاموس المحيط للفيروز آبادي"، رتبه الأستاذ الطاهر أحمد الزواي، دار الكتب العلمية، 1399هـ.
• "الترغيب والترهيب"، للحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، تصحيح: مصطفى محمد عمارة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1388هـ.
• "التصريح بما تواتر في نزول المسيح"، للشيخ محمد أنور شاه الكشميري الهندي، ترتيب تلميذه الشيخ محمد شفيع، تحقيق وتعليق: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، مطبعة الأصيل، حلب، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، 1385هـ.
• "تفسيرغريب القرآن"، لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار الكتب العلمية، بيروت، 1398هـ.
• "تفسير القرآن الحكيم/ تفسير المنار"، للشيخ محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، بالأوفست.
• "تفسير القرآن العظيم / تفسير ابن كثير"، للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير، تحقيق: د. محمد إبراهيم البنا وعبد العزيز غنيم ومحمد أحمد عاشور، دار الشعب، القاهرة.
• "تقريب التهذيب"، للحافظ أحمد بن ع لي بن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، 1395هـ.
• "تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث"، للشيخ عبد الرحمن بن علي الشيباني، دار الكتاب العربي، بيروت.
• "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة"، للشيخ أبي الحسن على بن محمد بن عراق الكناني، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف وعبد الله محمد الصديق، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1399هـ.
• "تهذيب التهذيب"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، الهند، حيدر آباد، الدكن، الطبعة الأولى 1325هـ.
• "تهذيب سنن أبي داود"، للحافظ ابن القيم محمد بن أبي بكر الدمشقي، طبع مع "مختصر سنن أبي داود" للمنذري، تحقيق: أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت، 1400هـ.
• "تهذيب سيرة ابن هشام"، لعبد السلام هارون، طبع المجمع العلمي العربي الإسلامي، منشورات محمد الداية، بيروت.
• "تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي، تقديم عبد العزيز رباح وأحمد يوسف دقاق، نسخة مصورة عن النسخة الخطية بدار الكتب المصرية، الناشر دار المأمون للتراث، دمشق وبيروت، الطبعة الأولى، 1402هـ.
• "تيسير مصطلح الحديث"، د. محمود الطحان، دار القرآن الكريم، بيروت، الطبعة الثانية، 1399هـ.
• "جامع الأصول في أحاديث الرسول"، لمجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، مطبعة الملاح ومكتبة البيان.
• "جامع البيان عن تأويل آي القرآن/تفسير الطبري"، للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الثالثة، 1388هـ.
• "جامع البيان عن تأويل القرآن"، تحقيق: محمود محمد شاكر وتخريج أحمد شاكر، دار المعارف، مصر.
• "جامع الترمذي/ مع شرحه تحفة الأحوذي"، للإمام أبي عيسى الترمذي، تصحيح عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1399هـ.
• "الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير/ بهامشه كنوز الحقائق للمناوي"، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت.
• "الجامع لأحكام القرآن/ تفسير القرطبي"، لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
• "الحاوي للفتاوي"، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1395هـ.
• "خطبة الحاجة"، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1397هـ.
• "خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، للعلامة صفي الدين أحمد بن عبد الله الخزرجي، تقديم الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الثانية، 1391هـ.
• "الحلال والحرام في الإسلام"، د. يوسف القرضاوي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية عشرة، 1398هـ.
• "دائرة معارف القرن العشرين"، لمحمد فريد وجدي، مطابع دائرة معارف القرن العشرين، الطبعة الثانية، 1343هـ.
• "دراسات عن البهائية والبابية"، مجموعة رسائل للأساتذة محب الدين الخطيب وعلي علي منصور ومحمد كردعلي ومحمد الفاضل، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية،’ 1397هـ.
• "دراسة حديث (نضر الله امرءًا سمع مقالتي) رواية ودراية"، للشيخ عبد المحسن بن حمج العباد، مطابع الرشيد بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1401هـ.
• "دليل المستفيد عن كل مستحدث جديد"، للشيخ عبد العزيز بن خلف بن عبد الله آل خلف، المطبعة العصرية، دمشق،ـ 1383هـ.
• "ذكر أخبار أصبهان/ تاريخ أصبهان"، للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني، مطبعة بريل، ليدن، 1934م.
• "الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي"، للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد، مطابع الرشيد، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1402هـ.
• "الرسالة"، للإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: وشرح أحمد محمد شاكر، مطابع المختار الإسلامي، دار السلام، الناشر مكتبة التراث، القاهرة، الطبعة الثانية، 1399هـ.
• "رسالة التوحيد"، للشيخ محمد عبده، تصحيح وتعليق محمد رشيد رضا، طبع دار المنار، مصر، الطبعة الحادية عشرة، سنة 1365هـ.
• "الزهد"، للإمام عبد الله بن المبارك، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت.
• "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، دمشق – بيروت ، الطبعة الثانية، 1399هـ.
• "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة"، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى 1399هـ للمجلد الأولى، والطبعة الرابعة 1398هـ للمجلد الثاني.
• "سنن ابن ماجه"، للإمام أبي عبد محمد بن يزيد القزويني، حققه محمد فؤاد عبد الباقي، دار التراث العربي.
• "سنن أبي داود/مع شرحه عون المعبود"، للإمام أبي داود سليمان بن الاشعث السجستاني،  تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر، الناشر: المكتبة السلفية، الطبعة الثالثة، 1399هـ.
• "سنن النسائي/ مع شرح الحافظ السيوطي"، للإمام أبي عبد الرحمن بن شعيب النسائي، المطبعة المصرية بالأزهر، الطبعة الأولى، 1348هـ.
• "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" د. مصطفى السباعي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1396هـ.
• "سير أعلام النبلاء"، للإمام شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1402هـ.
• "شذرات الذهب في أخبار من ذهب"، للعلامة أبي الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت.
• "شرح السنة"، للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط ومحمد زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1390هـ.
• "شرح العقيدة الطحاوية"، للعلامة على بن علي بن أبي العز الحنفي، حققها جماعة من العلماء وخرج أحاديثها الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1391هـ.
• "شرح الكوكب المنير/ المسمى مختصر التحرير"، للعلامة محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي الحنبلي، تحقيق: د. محمد الزميلي ود. نزيه حماد، دار الفكر، دمشق 1400هـ، من منشورات مرك البحث العلمي بجامعة أم القرى.
• "شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر"، للحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، راجعه د. محمد عوض وعله عليه الشيخ محمد غياث الصباغ، منشورات مكتبة الغزالي، دمشق.
• "شرح النووي لصحيح مسلم"، للإمام محيي الدين يحيي بن شرف النووي، طبع دار الفكر، بيروت.
• "الشفا بتعريف أحوال المصطفى"، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي، تحقيق أمين قرة على وزملائه، طبع الوكالة العامة للنشر والتوزيع، مؤسسة علوم  القرآن ومكتبة دمشق.
• الشيخ محمد عبده وآراؤه في العقيدة، د. حافظ محمد الجعبري، رسالة دكتوراه بإشراف د. سليمان دنيا، مقدمة من فرع ا لعقيدة، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى، سنة 1402هـ.
• "صحيح ابن خزيمة"، للإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1391هـ.
• "صحيح  البخاري/ مع شرحه فتح الباري"، للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق الشيخ عبد العزيز بن باز وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي وإخراج محب الدين الخطيب، نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية بالرياض.
• "صحيح الجامع الصغير وزيادته"، تحقيق: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1388هـ.
• "صحيح مسلم، بشرح النووي"، للإمام مسلم بن الحجاج القشيري، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة، 1398هـ.
• "صراع مع الملاحدة حتى العظم"، للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني، دار القلم، دمشق وبيروت، الطبعة الأولى، 1394هـ.
• "ضحى الإسلام"، للأستاذ أحمد أمين، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة العاشرة.
• "ضعيف الجامع الصغير وزيادته/ الفتح الكبير"، تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1399هـ.
• "طبقات الحنابلة"، للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى، دار المعرفة، بيروت.
• "طريق الإيمان"، للشيخ عبد المجيد الزنداني، المكتب الإسلامي، دمشق، الطبعة الثانية، 1398هـ.
• "العبر وديوان المبتدأ والخبر/ مقدمة تاريخ ابن خلدون"، للمؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1967م.
• "العقائد الإسلامية"، للشيخ سيد سابق، دار الفكر، بيروت، 1398هـ.
• "عقد الدرر في أخبار المنتظر"، للشيخ يوسف بن يحيى تبن علي المقدسي السلمي، تحقيق. د. عبد الفتاح محمد الحلو، طبع مكتبة عالم الفكر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1399هـ.
• "العقيدة الإسلامية سفينة النجاة"، د. كمال محمد عيسى، دار الشروق، جدة، الطبعة الأولى، 1400هـ.
• "العقيدة الإسلامية وأسسها"، للشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني، دار القلم، بيروت، الطبعة الثانية، 1399هـ.
• "عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى u "، للشيخ أبي الفضل عبد الله محمد الصديق الغماري، مطبعة المختار، الناشر مكتبة القاهرة.
• "عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر"، للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد، مطابع الرشيد، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1402هـ.
• "العقيدة الركن الأول في الإسلام"، للشيخ محمد الفاضل الشريف التقاوي، دار العلوم للطباعة، القاهرة.
• "العقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين"، للشيخ صالح بن إبراهيم البليهي، المطابع الأهلية للأوفست، الرياض، الطبعة الأولى، سنة 1401هـ.
• "عقيدة المؤمن"، للشيخ أبي بكر جابر الجزائري، مطبعة النهضة الجديدة، الناشر مكتبة الكليات الأزهرية، الطبعة الأولى، 1397هـ.
• "العلل المتناهية في الأحاديث الواهية"، للإمام أبي الفرج عبد الرحم بن على بن الجوزي، تحقيق: الأستاذ رشاد الحق الأثري، الناشر إدارة ترجمان السنة، لا هور.
• "عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير"، اختيار وتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر، دار المعارف، مصر، سنة 1376- 1377هـ.
• "عمدة القاري شرح صحيح البخاري"، للعلامة بدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني، دار الفكر، 1399هـ.
• "العواصم من القواصم"، للعلامة أبي بكر بن العربي المالكي، تحقيق: محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1387هـ.
• "عون المعبود شرح سنن أبي داود"، للعلامة أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، الناشر المكتبة السلفية، الطبعة الثالثة، 1399هـ.
• "علامات يوم القيامة/ مختصر النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير"، للشيخ عبد اللطيف عاشور، طبع مكتبة القرآن، الطبعة الأولى.
• "غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام"، للشيخ محمد ناصر الدين الألبان، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1400هـ.
• "الفتاوى"، للشيخ محمود شلتوت، دار الشروق، القاهرة، الطبعة الثامنة، 1395هـ.
• "فتاوى الإمام النووي"، المسمى: المسائل المنثورة"، ترتيب تلميذه الشيخ علاء الدين بن العطار، دار الكتب العملية، بيروت، الطبعة الأولى، 1402هـ
• "فتح الباري / شرح صحيح البخاري"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: الشيخ عبد العزيز بن باز، نشر إدارات البحوث العلمية والإفتاء، الرياض.
• "الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني"، للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي، دار الحديث، القاهرة.
• "فتح القدير/ تفسير الشوكاني"، للعلامة محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر، الناشر محفوظ على ، بيروت، الطبعة الثالثة، 1393هـ.
• "الفرقان بين أوليا الرحمن وأولياء الشيطان"، لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، مطابع الرياض، الطبعة الثانية، 1375هـ.
• "الفرق بين الفرق"، للعلامة عبد القاهر بن طاهر البغدادي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني، القاهرة.
• "فضائح الباطنية"، للعلامة أبي حامد محمد الغزالي، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية، الكويت.
• "فقه السيرة"، للشيخ محمد الغزالي، تحقيق: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، مطبعة حسان، الطبعة السابعة، 1976م.
• "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة"،  للعلامة محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: عبد الرحمن بن يحي المعلمي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ.
• "في سراة عامد وزهران"، للشيخ حمد الجاسر، منشورات دار اليمامة، الرياض، 1391هـ.
• "فيض القدير شرح الجامع الصغير"، للعلامة محمد عبد الرؤوف المناوي، دارالمعرفة، بيروت، الطبعة الثاني، 1391هـ.
• "في ظلال القرآن"، للأستاذ سيد قطب، دار الشروق، بيروت، الطبعة الشرعية الخامسة، 1397هـ.
• "في العقيدة الإسلامية بين السلفية والمعتزلة"، د. محمود أحمد خفاجي، مطبعة الأمانة، القاهرة، الطبعة الأولى، 1399هـ.
• "القادياني والقاديانية"، للشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، الدار السعودية للنشر، جدة، الطبعة الرابعة، 1391هـ.
• "القادياني ومعتقداته"، للشيخ منظور أحمد الباكستاني، الإدارة المركزية، الدعوة والإرشاد، جنيوت، باكستان.
• "قاضي القضاة عبد الجبار أحمد الهمداني"، د. عبد الكريم عثمان، الدار العربية للطباعة والنشر، بيروت.
• "قبسات من هدي الرسول الأعظم r "، للشيخ علي الشربجي، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 1398هـ.
• "القرامطة وآراؤهم الاعتقادية"، للشيخ سليمان بن عبد الله السلومي، رسالة ماجستير بإشراف الشيخ محمد الغزالي، مقدمة من فرع العقيدة، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى، 1400هـ.
• قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، للعلامة محمد جمال الدين القاسمي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1399هـ.
• "القول المسدد في الذب عن المسند للإمام أحمد"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدرآباد، الدكن، الهند، الطبعة الثالثة، 1400هـ.
• "كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس"، للعلامة إسماعيل بن محمد العجلوني، تصحيح أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، بيروت.
• "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون"، للشيخ مصطفى بن عبد الله الرومي، المعروف بحاجي خليفة، دار الفكر، 1402هـ.
• "كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال"، للعلامة علاء الدين علي المتقي الهندي، نشر مكتبة التراث الإسلامي حلب ومؤسسة الرسالة بيروت.
• "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة"، للحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، دار المعرفة، بيروت.
• "لسان العرب"، للعلامة أبي الفضل محمد بن مكرم بن منظور، دار الفكر، نشر دار صادر، بيروت.
• "لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرر المضية في عقد الفرقة المرضية"، للعلامة محمد بن أحمد السفاريني، تعليق الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين والشيخ سليمان بن سحمان، منشورات مؤسسة الخافقين، دمشق، الطبعة الثانية، 1402هـ.
• "مجلة الجامعة الإسلامية"، العدد ا لخامس والأربعون والسادس والأربعون، سنة 1400هـ.
• "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد"، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الكتاب، بيروت، الطبعة الثانية، 1967م.
• "مجموع الفتاوى"، لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم مطابع الدار العربية ، بيروت، تصوير الطبعة الأولى، 1398هـ.
• "المحلي"، للحافظ أبي محمد على بن أحمد بن حزم، تحقيق: أحمد محمد شاكر، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت.
• "مختصر الأخبار المشاعة في الفتن وأشراط السَّاعة"، للشيخ عبد الله بن سليمان المشعل، مطابع الرياضن الطبعة الأولى.
• "مختصر الترغيبت والترهيب"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، تحقق: الشيخ عبد الله حجاج، مطبعة ا لتقدم، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1402هـ.
• مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، للحافظ محمدبن أبي بكر بن قيم الجوزية، أختصره الشيخ محمد بن الموصلي، الناشر مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.
• "مختصر لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية"، للشيخ محمد نبن علي بن سلوم، تحقيق: محمد زهري النجار، الطبعة الأولى، 1386هـ.
• "المستدرك على الصحيحين/ مع ذيله التلخيص للإمام الذهبي"، للإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري الحاكم، دار الكتاب العربي، بيروت.
• مسند الإمام أحمد بن حنبل/بهامشه منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال"، طبع المكتب الإسلامي ودار الفكر بيروت، الطبعة الثانية، 1398هـ.
• "المسند"، للإمام أحمد بن محمد بن حنبل، شرح تحقيق : الشيخ أحمد محمد شاكر، أتمة د. الحسيني عبد الحميد هاشم، دار المعارف بمصر، سنة 1365- 1375هـ.
• المسيحية/ مقارنة الأديان، د. أحمد شلبي، الناشر مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة السادسة، 1978م.
• مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي أبي الفضيل عياض بن موسى اليحصبي، دار التراث، القاهرة.
• "مشكاة المصابيح"، للعلامة محمد بن عبد الله التبريزي، تحقيق: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1399هـ.
• "المصنف"، للحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: الشيخ حبيب الرحن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1392هـ.
• "لمصنوع في معرفة الحديث الموضوع، الموضوعات الصغرى"، للعلامة علي القاري الهروي تحقيق: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1398هـ.
• "لمطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي.
• " معارج القبول شرح مسلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد"، للشيخ حافظ بن أحمد حكمي، المطبعة السلفة ومكتبتها.
• "معالم السنن على مختصر سنن أبي داود للمنذري"، للحافظ أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي، تحقيق: أحمد محمد شاكر ومحمد حامد الفقي، الناشر دار المعرفة، بيروت، 1400هـ.
• معجم البلدان، للعلامة شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، 1397هـ.
• "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي"، رتبه ونظمه لفيف من المستشرقين، ونشره ده  أ. ي فنسنك، طبع مكتبة بريل، في مدينة ليدن، سنة 1936م.
• "المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وضعه الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
• "ع رسل الله وكتبه واليوم الآخر"، للشيخ حسن أيوب، دار القلم، بيروت.
• المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، للعلامة أبي الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي، تصحيح عبد الله محمد الصديق، وتقديم عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الأدب العربي للطباعة، نشر مكتبة الخانجي، مصر 1385هـ.
• "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين"، للإمام أبي الحسن الأشعري، تحقيق: الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1389هـ.
• مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، للحافظ أبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن الصلاح، دار الكتب العلمية بيروت، 1398هـ.
• "الملل والنحل"، للعلامة أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، 1395هـ.
• "المنار المنيف في الصحيح والضعيف"، للحافظ شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، طبع مكتب المطبوعات الإسلامية، جمعية التعليم الشرعي، حلب 1390هـ.
• "المنتقي من منهاج الاعتدال"،  للحافظ أبي عبد الله محمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: محب الدين الخطيب.
• "منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود"، للشيخ أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي، الناشر المكتبة الإسلامية، بيروت، الطبعة الثانية، 1400هـ.
• منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية"، لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية، الناشر مكتبة الرياض الحديثة.
• "المنهاج في شعب الإيمان"، للحافظ أبي عبد  الله الحسين بن الحسن الحليمي، تحقيق: حلمي محمد فوده، دار الفكر، الطبعة الأولى.
• "المهدي وأشراط السَّاعة"، للشيخ محمد علي الصابوني، منشورات مكتبةالغزالي دمشق ومؤسسة مناهل العرفان بيروت، الطبعة الأولى، 1401هـ.
• مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام"، للأستاذ محمد عبد الله عنان، مطبعة لجنة التأليف والنشر، مؤسسة الخانجي، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1382هـ.
• "الموضوعات"، للعلامة أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن الجوزي، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، الناشر المكتبة السلفية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1386هـ.
• "الموطأ"، للإمام مالك بن أنس، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العلمية، طبعة عيسى البابي الحلبي.
• "موقف المعتزلة من السنة النبوية ومواطن انحرافهم"، لأبي لبابة حسين، دار اللواء، الرياض، الطبعة الأولى، 1399هـ.
• "ميزان الاعتدال في نقد الرجال"، للحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: على محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، 1382هـ.
• "نظم المتناثر من الحديث المتواتر"، للشيخ جعفر الحسني الإدريسي الكتاني، دار الكتب العلمية، بيروت، 1400هـ.
• نهاية البداية والنهاية في الفتن والملاحم"، للحافظ إسماعيل بن كثير، تحقيق: محمد فهيم أبو عبية، الناشر مكتبة النصر الحديثة، الرياض، الطبعة الأولى، 1968م.
• "النهاية/ الفتن والملاحم"، للحافظ إسماعيل بن كثير، تحقيق: د. طه زيني، دار النصر للطباعة، الناشر دار الكتب الحديثة، مصر، الطبعة الأولى.
• "النهاية في غريب الحديث والأثر"، للعلامة مجد الدين المبارك بن الأثير الجزري، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناخي، دار الفكر، الطبعة الثانية، 1399هـ.
• نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، للعلامة محمد بن علي الشوكاني، طبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الأخيرة.
• "هداية الباري إلى ترتيب صحيح البخاري"، للسيد عبد الرحيم عنبر الطهطاوي، دار الرائد العربي، بيروت، 1979م.
• "هدي الساري، مقدمة فتح الباري"، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تصحيح الشيخ محب الدين الخطيب، نشر رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفناء، الرياض.
• وجاء دور المجوس، د. عبد الله محمد الغريب، دار الجيل، مصر، 1981م.
• "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة"، للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، دار العلم، بنها، مصر.
• "الورقات"، لأمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني، تقديم وإعداد د. عبد اللطيف محمد العبد ، دار التراث للطبع والنشر، الطبعة الأولى ، 1397هـ.
• "لا مهد ينتظر بعد الرسول r خير البشر"،  للشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، مطابع على بن علي، الدوحة.
• "اليوم الآخر في ظلال القرآن"، للشيخ أحمد فائز، مطبعة خالد حسن الطرابيشي، الطبعة الأولى، 1395هـ.
 
فهرس الموضوعات
هذا الكتاب?5
بسم الله الرحمن الرحيم?6
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعة شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج : 2,1].?6
وقال تعالى : {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } [محمد : 18].?6
المقدمة?7
التمهيد?23
المبحث الأول?25
أهميَّة الإيمان باليوم الآخر وأثره على سلوك الإنسان?25
المبحث الثاني?33
أسماء يوم القيامة?33
المبحث الثالث?35
حجِّيَّة خبر الآحاد في العقائد?35
الأدلَّة على قبول خبر الواحد:?40
المبحث الرابع?46
إخبار النبي r  عن الغيوب المستقبلة?46
المبحث الخامس?48
علم السَّاعة?48
المبحث السادس?56
قُرب قِيام السَّاعة?56
الباب الأول?59
أشراط السَّاعة?59
الفصل الأول: تعريف أشراط السَّاعة.?59
الفصل الثاني: أقسام أشراط السَّاعة.?59
الفصل الثالث: أشراط السَّاعة الصغرى.?59
الفصل الأول?61
تعريف أشراط السَّاعة?61
معنى الشرط:?61
معنى السَّاعة في اللغة:?61
معنى السَّاعة في الاصطلاح الشرعي:?61
الفصل الثاني?64
أقسام أشراط السَّاعة?64
1- أشراط صغرى:?64
2- أشراط كبرى:?64
الفصل الثالث?66
أشراط السَّاعة الصغرى?66
1- بعثة النبي r :?67
2- موت النبي r:?69
3- فتح بيت المقدس:?71
4- طاعون عمواس?72
5- استفاضة المال والاستغناء عن الصدقة:?73
أ- ظهور الفتن من المشرق:?78
7- ظهور مدَّعي النبوَّة:?96
8- انتشار الأمن:?99
9- ظُهورُ نارِ الحجازِ:?100
10- قِتالُ التُّرك?101
11- قتال العجم?108
12- ضِيَاعُ الأمانَة?110
13- قبض العلم وظهور الجهل:?112
14- كثرة الشرط وأعوان الظلمة:?117
15- انتشار الزنا:?118
16- انتشار الربا:?120
17- ظُهور المعازف () واستحلالها:?121
18- كثرة شرب الخمر واستحلالها:?124
19- زخرفة المساجد والتباهي بها:?125
20- التطاول في البنيان:?128
21- ولادة الأمة لربتها?130
22- كثرة القتل:?132
23- تقارب الزمان:?134
24- تقارب الأسواق:?137
25- ظهور الشرك في هذه الأمة:?138
26- ظهور الفحش () وقطيعة الرحم وسوء الجوار:?141
27- تشبب المشيخة:?143
28- كثرة الشح?146
29- كثرة التجارة:?147
30- كثرة الزلازل:?148
31- ظهور الخسف والمسخ والقذف:?149
32- ذهاب الصالحين:?153
33- ارتفاع الأسافل:?154
34- أن تكون التحية للمعرفة:?157
35- التماس العلم عند الأصاغر:?158
36- ظهور الكاسيات العاريات:?159
37- صدق رؤيا المؤمن:?163
38- كثرة الكتابة وانتشارها:?164
39- التهاون بالسنن التي رغَّب فيها الإسلام:?165
40- انتفاخُ الأهلَّة:?167
41- كثرة الكذب وعدم التثبت في نقل الأخبار:?168
42- كثرة شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق:?169
43- كثرة النساء وقلة الرجال:?170
44- كثرة موت الفجأة:?172
45- وقوع التناكر بين الناس:?172
46- عود أرض العرب مروجًا وأنهارًا:?174
47- كثرة المطر وقلة النبات:?176
48- حسر الفرات () عن جبل من ذهب:?177
49- كلام السباع والجمادات للإنس:?178
50- تمنِّي الموت من شدَّة البلاء:?179
51- كثرة الروم () وقتالهم للمسلمين:?181
52- فتح القسطنطينية?185
53- خروج القحطاني:?189
54- قتال اليهود:?191
55- نفي المدينة لشرارها ثم خرابها آخر الزمان:?195
56- بعث الريح الطيبة لقبض أرواح المؤمنين:?198
57- استحلال البيت الحرام، وهدم الكعبة:?200
الباب الثاني?205
أشراط السَّاعة الكبرى?205
تمهيد?207
أولًا: ترتيب أشرأط السَّاعة الكبرى:?207
ثانيًا: تتابع ظهور الأشراط الكبرى:?212
الفصل الأول?215
المَهدِي?215
* اسمه وصفته:?215
* مكان خروجه:?216
* الأدلَّة من السنة على ظهوره:?217
* تواتر أحاديث المهدي:?224
* العلماء الذين صنفوا كتبًا في المهدي:?227
* المنكرون لأحاديث المهدي والرد عليهم:?229
الفصل الثاني?238
المسيح الدَّجاَّل?238
* معنى المسيح:?238
* معنى الدجال:?239
* أحواله:?247
* امتحان النبي r له:?247
* ابن صيَّاد حقيقة لا خرافة:?263
* مكان خروج الدجال:?267
* الدجال لا يدخل مكة والمدينة:?268
* أتباع الدجال:?269
* فتنة الدجال:?271
* الرد على منكري ظهور الدَّجَّال:?274
* خوارق الدَّجَّال أمور حقيقية:?276
* الوقاية من فتنة الدَّجَّال:?282
* ذكر الدَّجَّال في القرآن:?287
الفصل الثالث?292
نزول عيسى u?292
* صفة عيسى u:?292
* صفة نزوله u:?295
* أدلة نزوله u:?296
أ- أدلة نزوله من القرآن الكريم:?296
ب- أدلة نزوله من السنة المطهرة:?300
* الأحاديث في نزول عيسى u متواترة:?302
* الحكمة في نزول عيسى u دون غيره:?308
* انتشار الأمن وظهور البركات في عهدهu:?313
* مدة بقائه بعد نزوله ثم وفاته:?315
الفصل الرابع?317
يأجوج ومأجوج?317
* أدَّلة خروج يأجوج ومأجوج:?321
أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:?321
ب- الأدلَّة من السنة المطهرة:?322
الفصل الخامس?330
الخُسوفات الثلاثة?330
* معنى الخسف:?330
* الأدلَّة من السنَّة المطهَّرَة على ظهور الخسوفات:?330
الفصل السادس?332
الدُّخان?332
* أدلة ظهوره:?332
أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:?332
ب- الأدلَّة من السنة المطهرة.?337
الفصل السابع?338
طُلوعُ الشَّمسِ من مغرِبِها?338
* الأدلَّة على وقوع ذلك:?338
أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:?338
ب- الأدلَّة من السنة المطهرة:?339
* مناقشة ر شيد رضا في رده لحديث أبي ذر في سجود الشمس:?340
* عدم قبول الإيمان والتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها:?343
الفصل الثامن?349
الدَّابَّة?349
* أدلَّة ظهورها:?349
أ- الأدلَّة من القرآن الكريم:?349
ب- الأدلَّة من السنة المطهَّرة:?350
* من أيِّ الدَّوابِّ دابة الأرض:?352
* عمل الدَّابَّة:?359
الفصل التاسع?362
النار التي تحشر الناس?362
* مكان خروجها:?362
* كيفية حشرها للناس :?364
*أرض المحشر:?366
* هذا الحشر في الدُّنيا:?369
الخاتمة?374
الفهارس?377
فهرس الآيات القرآنية?379
فهرس الأحاديث النبوية والآثار?384
فهرس الأعلام المترجم لهم?393
فهرس المصادر والمراجع?395
فهرس الموضوعات?410