Advertisement

الأزمة العقيدية بين الأشاعرة وأهل الحديث







بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الإخوة القائمين على هذا الموقع
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
إليكم هذه الكتب من مؤلفات الدكتور خالد كبير علال ، من عنده شخصيا
لاستفادة الفردية في الموقع و خارجه ،و لا يجوز استغلالها للأغراض التجارية ، و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته .









الأزمة العقيدية بين الأشاعرة
و أهل الحديث
- خلال القرنين:5-6 الهجريين-
مظاهرها ، آثارها ، أسبابها ، و الحلول المقترحة لها




الدكتور
خالد كبير علال
- حاصل على دكتوراه دولة في التاريخ الإسلامي من جامعة الجزائر -



دار الإمام مالك الطبعة الأولي
-البليّدة –الجزائر- -1426ه/2005م-







الإهداء


إلى أهل العلم الباحثين

عن الحقيقة

المتحررين من التعصب المذهبي

أهدي هذا الكتاب








..............................................................................


بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين ،و على آله و صحبه و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، و بعد : خصصتُ هذا البحث لدراسة الأزمة العقيدية التي عصفت بالمذهب السني ، في القرنين الخامس و السادس الهجريين بالمشرق الإسلامي و مغربه ، تناولت فيه جذور الأزمة و مظاهرها الاجتماعية و المذهبية و العلمية و السياسية ، ثم أردفتُ ذلك بفصل خصصته لآثار الأزمة و أسبابها ، و الحلول المقترحة لها بحكم إنها- أي الأزمة – ما تزال قائمة إلى يومنا هذا .
و أقصد بمصطلح الأزمة العقيدية ، ذلك الخلاف العقيدي الذي حدث بين أهل السنة ، في مسألة صفات الله تعالى ،و أدى إلى تفجير نزاع تحوّل إلى صراع عنيف شمل مختلف جوانب الحياة ، و ترك آثارا سلبية كثيرة على السنيين ، ما زلنا نعاني من بعضها في وقتنا الحاضر .
و أما طرفا النزاع في هذه الأزمة ، فهما : أهل الحديث ، و يُعرفون بالسلف ،
و الأشاعرة ، و يُعرفون بالخلف ، و يُضاف إليهم الماتريدية ، و هم أتباع المتكلم أبي منصور الماتريدي ( ت قرن: 4ه)،و لم أركز عليهم في بحثنا هذا ، لأنني لم أعثر لهم على نشاط يُذكر في القرنين الخامس و السادس الهجريين .
و هدفي من هذا البحث هو التعرف على حقيقة هذه الأزمة –التي ما يزال السنيون يُعانون منها – من حيث بداياتها و مظاهرها و تأثيراتها ، قصد السعي لوضع حل صحيح لها ، و الاستفادة من سلبياتها و الاعتبار بها ، لتتجنب الأمة شرورها ، و تسترجع وحدتها و انسجامها الفكري و الروحي معا .
و أنا و إن كنتُ قد تشددتُ في انتقاد طرف دون آخر-في مواضع كثيرة- فذلك ليس تعصبا لطائفة على حساب الأخرى ، و إنما هو عمل يُوجبه الشرع الحكيم و يقتضيه البحث العلمي ، انتصارا للحق ، و تحقيقا للمسائل العلمية المختلف فيها و تحريرا لها .
و أخيرا أرجو أن يكون عملي هذا خطوة إيجابية بناءة ، نحو حل الأزمة العقيدية التي قسّمت أهل السنة إلى سلف و خلف ،و جرّتهم إلى التنازع و التناحر و المصادمات . و الله تعالى أسأل التوفيق و السداد ،و الإخلاص في القول و العمل ، و أن ينفع بكتابي هذا قارئه و ناشره ،و كل من سعي في إخراجه و توزيعه ، إنه تعالى سميع مجيب ،و على كل شيء قدير .

د/ خالد كبير علال
















.................................................................................


التمهيد
جذور الأزمة العقيدية للمذهب السني
-في القرنين : 3-4ه –


أولا : تعريف عام بأهل السنة و مذهبهم .
ثانيا : بدايات الأزمة العقيدية للمذهب السني .











................................................................................


جذور الأزمة العقيدية للمذهب السني
- خلال القرنين: 3-4ه –
أولا : تعريف عام بأهل السنة و مذهبهم :
مثّل أهل السنة و الجماعة جمهور المسلمين منذ أن عُرفوا بذلك الاسم ، على إثر انفصال الخوارج و الشيعة عن جماعة المسلمين ،في أثناء الفتنة الكبرى (35-40ه) ،و ما بعدها ، ثم انفصلت عنهم جماعات أخرى في القرن الثاني الهجري و ما بعده ، كان من بينها المعتزلة ،و الجهمية ، و الكرّامية ، لكن أهل السنة- مع ذلك- ظلوا ظاهرين يمثلون جمهور الأمة الإسلامية ، مقابل هؤلاء الذين انفصلوا عنهم ، كالخوارج الشيعة و المعتزلة و المجسمة1 .
و أما أصولهم المذهبية –أي أصول أهل السنة- فهي معروفة و متواترة ، لا تحتاج إلى توثيق2 ، منها : الاعتماد على الكتاب و السنة الصحيحة ، كمصدرين معصومين وحيدين ، و منها تقديم الشرع على العقل ، و الاعتقاد بأن الإيمان هو اعتقاد بالجنان ،و قول باللسان ،و عمل بالجوارح يزيد و ينقص .
و منها أيضا : موالاة كل الصحابة ،و إنهم عدول غير معصومين من الخطأ ، أفضلهم –بعد رسول الله عليه الصلاة و السلام- الخلفاء الأربعة بالترتيب : أبو بكر الصديق ، و عمر بن الخطاب ،و عثمان بن عفان ، و علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم .
و منها : إثبات كل الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه ،و أو صفه بها رسوله –عليه الصلاة و السلام- في الأحاديث الثابتة عنه ، بلا تشبيه و لا تمثيل ،و لا تأويل ،و لا تعطيل ،و لا تكييف ، و إنما هو إثبات و تنزيه . و هذا الأصل –أي الأخير- هو الذي نركّز عليه في مبحثنا هذا ، لأن دراستنا القادمة-بحول الله تعالى- تقوم عليه أساسا .
و عليه فإن معتقد السلف الصالح في الصفات ، من استواء ، و إتيان ،و نزول ، ، قد صحت فيه (( النصوص و نقلها الخلف عن السلف ، و لم يتعرّضوا لها برد و لا تأويل ، بل أنكروا على من تأوّلها ، مع اتفاقهم عل إنها لا تُشبه نعوت المخلوقين ، و إن الله تعالى ليس كمثله شيء ،و لا تنبغي المناظرة و لا التنازع فيها ، فإن ذلك مخولة للرد على الله و رسوله ، أو حوما على التكييف أو التعطيل ))3 .
و أقوال السلف في إثبات الصفات كثيرة جدا ، منها ، إن الأئمة : سفيان الثوري ، و مالك بن أنس ،و الليث بن سعد ، و الأوزاعي ، كانوا يقولون عن الصفات : أمروها كما جاءت ، مع نفي العلم بالكيفية4 . و كان الفقيه عبد العزيز الماجشون ( ت 164ه) ، يقول : إن الصفات تُمر دون التعرّض لها ، لأن العقول عاجزة عن إدراك صفاته تعالى و تحقيقها ، بدليل عجزها –أي العقول- عن تحقيق صفة أصغر مخلوقاته ؛ و من جحد صفاته تعالى تعمقا و تكلفا ، فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران5 .
و قال الإمام الشافعي إن الصفات نثبتها لله تعالى ،و هي لا تُدرك حقيقتها بالفكر و الروية ، و ننفي عنها التشبيه كما نفاه الله تعالى عن نفسه، في قوله تعالى (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ))- سورة الشورى/11- 6 . و قال عنها الإمام أحمد بن حنبل : تُمر كما جاءت ، و يُؤمن بها ، و لا يُرد منها شيء إذا صحت أسانيدها –أي أحاديث الصفات- ،و لا يُوصف الله تعالى ، إلا بما وصف به نفسه ، بلا تشبيه و لا حد ،و من تكلّم فيها ابتدع7 .
و قال المفسر ابن جرير الطبري(ت310ه) ، إن صفات الله تعالى يجب إثباتها على طريقة السلف ، بلا نفي و لا تأويل ،و لا تشبيه بصفات المخلوقين8 .و نفس الأمر قرره المتكلم أبو الحسن الأشعري (ت 324ه) ، في أربعة من كتبه ، عندما ذكر قواعد مذهب السلف في الصفات ، حيث قال إنها تُمر كما جاءت و لا تُؤوّل 9 .
و قال الحافظ الخطيب البغدادي( ت 463ه) ، إن مذهب السلف في أخبار الصفات الواردة في الصحاح و السنن هو (( إثباتها و إجراؤها على ظواهره ،و نفي الكيفية10 و التشبيه عنها ، و قد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله ،و حققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه و التكييف ، و الأصل إن الكلام في الصفات هو فرع عن الكلام في الذات ، و يُحتذى في ذلك حذوه ، و مثاله إنه إذا كان معلوما إن إثبات وجود الله تعالى ، إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية ، فكذلك إثبات صفاته ، إنما هو إثبات وجود ، لا إثبات تحديد و تكييف ))11 .
و بذلك يتضح جليا أن موقف أئمة أهل السنة-في القرون الثلاثة الأولى- من مسألة صفات الله تعالى، كان واحدا و واضحا ،و هو إثباتها بلا تأويل ،و لا تعطيل ، و لا تشبيه ، مع التنزيه الكامل لها ، لكن ذلك لم يحل دون ظهور أفراد منهم خالفوهم فبي بعض مسائل مذهبهم ، ليكون ذلك بذرة أولى للأزمة الحادة التي ستعصف بالمذهب السني في القرنين الخامس و السادس الهجريين .
ثانيا : بدايات الأزمة العقيدية و تطورها (خلال القرنين:3-4ه ) :
تعود بدايات الأزمة العقيدية – التي نحن بصد دراستها- إلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري ، عندما أظهر المتكلم أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري (ت240ه) ، بعض أفكاره المخالفة لمذهب أهل السنة ، فهو كان من مناظريهم يُثبت الصفات الخبرية الواردة في الكتاب و السنة ، كالعلو ،و النزول ، و الاستواء على العرش ، لكنه خالفهم عندما أنكر قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، المتعلقة بمشيئته و قدرته –كتكلّمه و رحمته بعباده- فوافق بذلك الجهمية في نفيهم لها ، و خالف السلف في إثباتهم لتلك الأفعال12 .
و بناء على ذلك زعم –أي ابن كلاب- إن الله تعالى لا يستطيع التكلّم بمشيئته ، و إن كلامه هو معنى واحد قديم قائم بذاته تعالى ، إن عُبر عنه بالعربية كان قرآنا ،و إن عُبر عنه بالعبرية كان توراة ،و إن عُبر عنه بالسريانية كان إنجيلا . و زعم أيضا أ، القرآن المنزّل ليس هو بحرف و لا بصوت ، و ليس هو كلام الله حقيقة ، و إنما هو حكاية و عبارة عنه لا عينه ، و زعمه هذا لم يسبقه إليه أحد من المسلمين13 .
و بذلك أصبح فكره خليطا ، يجمع بين جوانب من مذهب السلف ،و بين مقالته التي ابتدعها ، و هي –أي مقالته- باطلة من أساسها ، تخالف المنقول و المعقول ، لأن الله تعالى فعال لما يريد و يفعل ما يشاء ، لم يزل متكلما إذا شاء ، و كلامه غير منته ، و سنناقشها و نرد عليها في الموضع المناسب من الفصل الثالث ، بحول الله تعالى .
و قد وجد فكره –أي فكر ابن كلاب- أتباعا آمنوا به و دعوا إليه ، عُرفوا بالكلابية ، و الصفاتية ،على رأسهم المتكلم الحارث بن أسد المحاسبي الصوفي (ت243ه) ، و أبو العباس القلانسي،و كانت جماعتهم نشطة ببلاد خراسان ، لنشر فكرها و الدعوة إليه ، زمن الإمام الفقيه أبي بكر بن خزيمة (ت311ه)14 .
لكن أئمة السلف المعاصرين لابن كلاب و أصحابه ، تصدوا لهم و أنكروا عليهم مقالتهم ، فقد كان الإمام أحمد من أشد الناس إنكارا على ابن كلاب و أتباعه ، فلما سمع بهم ذمهم و نفّر الناس منهم ، و أمر بهجر الحارث بن أسد المحاسبي و حذّر منه ،و و وصفه بأنه جهمي ، و أعلن –ردا عليهم- إن القول بأن القرآن حكاية عن الله هو ضلال ،و أكد أن الله تعالى تكلّم بحرف و صوت15 .
و منهم أيضا الفقيه أبو بكر بن خزيمة ، فإنه لما سمع بوجود طائفة من الكلابية و من المتأثرين بهم بين أصحابه ، ينشرون فكرهم بينهم بخراسان ، أنكر ذلك بشدة و تصدى لهم ، و رد على مقالتهم المنحرفة ،و كذّبهم و لعنهم16 .
لكن مقاومة هؤلاء للكلابية لم تضع لها حدا ،و بقيت –أي الكلابية- مستمرة في نشاطها و نشر فكرها بين أهل السنة ، و قد تمكّنت من إحداث شرخ بينهم ،و جرّتهم إلى نزاع داخلي ، تبادلوا فيه التضليل و التكذيب و اللعن ، ثم ازدادت –أي الكلابية- اتساعا و عمقا و تـأثيرا عندما تبناها مؤسس المذهب الأشعري .
إنه المتكلم أبو الحسن الأشعري البصري ثم البغدادي (ت324أو 333ه) ، أمضى فترة طويلة من حياته معتزليا ، ثم تاب عن الاعتزال و أعلن توبته أمام الملأ بالبصرة ، نحو سنة 300ه ، ثم دخل بغداد و أعلن انتسابه إلى الإمام أحمد و مذهب أهل السنة و الجماعة17 .

و أما فكره الجديد في مسألة الصفات ، فإنه أثبت الصفات الخبرية الواردة في القرآن الكريم و السنة النبوية ،و وافق ابن كلاب في نفيه قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ،و أنكر تكلّمه تعالى بمشيئته18 .و هما و إن انتسبا لمذهب أهل السنة ، فإنهما قد شذا عنه في مسألة الأفعال الاختيارية ، و كلام الله تعالى ، لتقصيرهما في السنة المحضة، و تأثرهما بالمعتزلة و الجهمية ، فالصفات الاختيارية مثلا ، أثبتها السلف كلها دون استثناء ، و نفاها الجهمية مطلقا ،و هما –أي ابن كلاب و الأشعري- وافقا السلف في إثباتها من جهة ،و وافقا الجهمية و المعتزلة في نفي قيامها بذات الله تعالى من جهة أخرى19 .

و مع ذلك فإن فكره –أي الأشعري- تحرّك بفاعلية و جذب إليه كثيرا من الأتباع ، بفضل جهود أصحاب الأشعري الأوائل و تلامذتهم ، كأبي عبد الله محمد بن مجاهد ،و أبي جعفر نقاش الفضة ،و أبي الحسن الباهلي ، و بندار بن الحسين الشيرازي . و من تلامذتهم : القاضي أبو بكر الباقلاني (ت 403) ،و أبو بكر بن فورك (ت 406ه) ،و أبو القاسم الإسكاف الإسفراييني(ت 452ه)20 .

لكن المعارضة السنية تصدت لفكره كما تصدّت من قبل للكلابية ، مما أدي إلى حدوث نزاعات و خلافات ، تعرّض فيها الأشاعرة-خلال القرن الرابع الهجري- للذم و المضايقات ،و المطاردات و التهديدات ، فمن ذلك أولا ، ما رواه المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي (ت597ه) ، من إن أبا الحسن الأشعري عندما خالف أهل السنة في موقفه من كلام الله تعالى ، أصبح خائفا على نفسه ،يبحث لها عن مجير يستجير به ، خوفا من القتل21 . و عندما لُعنت الرافضة و المعتزلة زمن الخليفة العباسي القادر بالله ( 381-422ه) ، رُفع أمر أبي بكر الباقلاني الأشعري إلى الخليفة فهمّ به ثم تركه ،و كان –أي الباقلاني –يختفي و يتستر بمذهب الإمام أحمد ، و يُظهر موافقته له22 .

و ثانيا إنه كان على رأس المعارضين للأشعري ببغداد طائفة من الحنابلة بزعامة شيخها أبي محمد الحسن البربهاري(ت 329ه) ، فهي لم تعترف به عندما أعلن انتسابه لإمامهم أحمد بن حنبل ، و رفضته و أبغضته و ضللته و شتمته و بدّعته و كذّبته ،و حاولت قتله23.

و ثالثا إن الحنابلة المعارضين للأشعري حاولوا مرارا نبش قبره و طمسه نهائيا ، لكن شرطة بغداد منعتهم من هدمه ،و روى الحافظ ابن عساكر أن جماعة من الحنابلة مرت يوما بقبره –أي الأشعري- فتخلّف أحدهم و بال عليه ، فعاتبه فقيه سمع بفعلته ، فرد عليه بقوله : (( لو قدرت على عظامه لنبشتها ،و أحرقتها ))24 .

و رابعا إن إمام الشافعية أبا حامد الإسفراييني (ت406ه) ،و شيخ الجنابلة أبا عبد الله بن حامد ، قاما على أبي بكر الباقلاني الأشعري ، و أنكرا عليه ما كان ينشره من فكر الأشعري المخالف لمذهب أهل السنة25 . و كان الإسفراييني يُطارده -أي الباقلاني-، في مجالسه العلمية ،و شوارع بغداد ، حتى أصبح يخرج إلى الحمام متنكرا خوفا من الإسفراييني ، بسبب مذهبه في كلام الله تعالى26 .
و عندما كان جماعة من الغرباء يحضرون مجالس الباقلاني خفية ، ليأخذوا عنه مذهبه ، كان الإسفراييني يخاف أن يزعم هؤلاء الغرباء ، أنهم تعلّموا ذلك منه إذا رجعوا إلى بلدانهم ، فيُعلن أمام الناس إنه بريء من مذهب الباقلاني في كلام الله تعالى .و قد نهى بعض أصحابه عن الدخول على الباقلاني لدراسة علم الكلام ، و قال له : (( إياك ، فإنه مبتدع ، يدعو الناس إلى الضلالة ، و إلا فلا تحضر مجلسي ))27 .

و أما معارضتهم الفكرية له –أي للأشعري- ، فمنها أولا إنهم أنكروا عليه مقالته في كلام الله ،عندما قال إنه أزلي قائم بذاته تعالى ،و إن القرآن ليس كلامه حقيقة ،و إنما هو عبارة عنه ، و هو نفسه معنى التوراة و الإنجيل و القرآن ، فأنكروا عليه ذلك ،و نسبوه إلى التأثر ببقايا البدعة و الاعتزال ، التي كان عليها قبل توبته28 .

و ثانيا إن ثلاثة من كبار علماء الحنابلة – في القرن الرابع الهجري- كانوا من بين علماء أهل السنة الذين عارضوا الأشعري و خالفوه في موقفه من كلام الله تعالى ، و هم : إبراهيم بن شاقلا البغدادي،و عبد الله بن بطة العُكبري ،و أبو عبد الله بن حامد البغدادي، و للأول رد موسع على الكلابية و الأشعرية في مسألة الصفات ،و كلام الله ، ردّ به على المتكلّم أبي سليمان الدمشقي29 .

و لكي يُعبر علماء الحنابلة عن رفضهم لأبي الحسن الأشعري ، و مقاومتهم له و لمذهبه ، أقصوه من جماعتهم ، فهو رغم انتسابه إلى إمامهم أحمد بن حنبل ، و صداقته الحميمة مع أسرة التميميين الحنبلية30 ، فإنهم لم يُترجموا له في طبقاتهم ، فليس له ترجمة في كتاب طبقات الحنابلة ، لأبي الحسين بن أبي يعلى (ت 526ه) ،و لا في كتاب المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد ، لأبي اليمن العليمي (ت928ه) .
و ثالثا إن شيخ الشافعية أبا حامد الإسفراييني، كان يُعلن أمام الناس صراحة ، إن مذهبه في القرآن الكريم ، هو كلام الله حقيقة بحروفه و معانيه ، و يُنكر على الأشاعرة مقالتهم في كلام الله ، و يتبرأ أمامهم مما يقوله أبو بكر الباقلاني و أصحابه في كلام الله تعالى؛ و كان يقول أيضا ، إن مذهب الأشعري في كلام الله ليس هو مذهب الشافعي ، و لشدته على الأشاعرة ميّز أصول فقه الشافعي ، عن أصول أبي الحسن الأشعري ، و لم يعدهم –أي الأشاعرة- من أصحاب الشافعي ، الذين استنكفوا من الانتماء إليهم و إلى مذهبهم في أصول الفقه ، فضلا عن أصول الدين31 .

و رغم تلك المعارضة الشديدة ، فإن الأشعري و أصحابه الأوائل ، وجدوا ببغداد جماعة من أهل السنة احتموا بها ،و انتسبوا إليها ، و تستّروا بها ، و كانت بينهم و بينها المؤانسة و الموافقة ،و الصداقة و الضيافة ، فمن ذلك أولا ، إن الأشعري لما خاف على نفسه القتل ببغداد ، استجار ببيت أبي الحسن عبد العزيز التميمي الحنبلي32 . و عندما رُفع أمر الباقلاني إلى الخليفة القادر بالله ، و كاد أن يبطش به ، تستر بمذهب أحمد بن حنبل ، و أظهر موافقته له33 .
و ثانيا إنه كانت هناك تأثيرات فكرية متبادلة ، بين بعض متكلمي الحنابلة و متكلمي الأشاعرة ، في مجال أصول الدين ، و كانت لأسرة التميميين الحنبلية ، أقوال متقاربة مع أقوال أبي بكر الباقلاني ، ، الذي كان يكتب في بعض جواباته اسمه هكذا : محمد بن الطيب الحنبلي ، و قد يكتبه هكذا : محمد بن الطيب الأشعري34 . و كان الحنبليان البغداديان أبو بكر غلام الخلال ،و أبو الحسن التميمي يعدان أبا الحسن الأشعري من متكلمة أهل السنة الموافقين لمذهب السلف في الجملة35 .
و ثالثا إن الأشاعرة الأوائل احتموا و تستروا بانتسابهم للحنابلة ، و إظهار موافقتهم لمذهبهم –أي لمذهب الحنابلة-، و في هذا الشأن يقول شيخ الشافعية أبو إسحاق الشيرازي (ت476ه) : (( إنما نفقت الأشعرية عند الناس بانتسابهم إلى الحنابلة ))36 ؛ و كان الباقلاني يكتب في بعض جواباته : محمد بن الطيب الحنبلي،و عندما رُفع أمره إلى الخليفة القادر بالله ، و ضاق عليه الحال ، تستر بالانتساب إلى الإمام أحمد بن حنبل،و أظهر موافقته له ،و كان –أي الباقلاني- أحيإا ينتسب إلى الأئمة الثلاثة : مالك و الشافعي و احمد37 .

و أما ما قاله الحافظ ابن عساكر ، من إن أبا بكر الباقلاني كان يُظهر مذهبه علانية بكل حرية ببغداد ، و عنه انتشر مذهب الأشعري بالمشرق و المغرب ، دون معارضة من خاصة الناس و لا عامتهم ، فهو قول مبالغ فيه جدا ، و ليس صحيحا على إطلاقه ، و ذلك أن الباقلاني كان له نشاط علني في نصرة أهل السنة من الحنابلة و أهل الحديث ببغداد ، زمن دولة بني بويه ( 334-447ه )38 . لكنه عندما كان يظهر مقالة الأشعري المخالفة لمذهب أهل السنة ، في مسألة الأفعال الاختيارية و كلام الله تعالى ، كان يجد معارضة شديدة من السنيين ، و قد سبق أن أثبتنا ذلك بشواهد تاريخية كثيرة ، تعرّض فيها الباقلاني للتشهير و المطاردة ، حتى إن الخليفة القادر بالله همّ به ليُعاقبه ، لو لا اختفاؤه و تستره بمذهب أحمد بن حنبل . فهذا كله يُؤكد ما قلناه من أن قول ابن عساكر غير صحيح على إطلاقه ، و فيه تعميم خاطيء .

و ختاما لما ذكرناه يتبين لنا جليا أن أزمة المذهب السني تعود جذورها إلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري ، عندما خالف ابن كلاب مذهب السلف ، في مسألة الأفعال الاختيارية ،و كلام الله تعالى ، ، فأنكر عليه أهل السنة مقالته و قاوموه ، لكن الأزمة استمرت و ازدادت عمقا و اتساعا عندما تبنّى الأشعري و أصحابه فكره ،و دعوا إليه بحماس ، فتصدى لهم أهل السنة و قاوموهم فيما خالفوا فيه مذهب السلف ؛ لكن مذهبهم –أي الأشعري-تمكّن من الصمود بفضل انتساب أصحابه لمذهب أحمد بن حنبل ، و احتمائهم بالبيت التميمي الحنبلي البغدادي .

و تبيّن أيضا أن الأزمة العقيدية الداخلية - التي عصفت بالمذهب السني- لم تُسفر عن مواجهات جماعية دامية ، بين الطرفين المتنازعين طيلة القرنين الثالث و الرابع الهجريين ، لضعف الكلابية و الأشعرية ، و تبنيهما للعمل السلمي في تعاملهما مع الغالبية من المعارضة السنية من جهة ، و لأن مجال الخلاف و الخصومة و العداء بين الطرفين المتنازعين ، كان يُقابله مجال آخر من الوئام و الاتفاق بين الأشعرية و طائفة أخرى من أهل السنة من جهة ثانية ، الأمر الذي خفف من حدة الأزمة العقيدية في القرن الرابع الهجري ، لكن الوضع سيتغير في القرن الخامس و ما بعده ، حيث يتسع مجال الخلاف و الخصومة ،و يختفي تدريجيا مجال الوئام و الاتفاق ، ليدفع بالسنيين إلى المنازعات و المصادمات الدامية ، تعبيرا عن الأزمة العقيدية الحادة ، التي يُعاني منها مذهبهم .











.........................................................................


الفصل الأول

مظاهر الأزمة العقيدية على المستوى الاجتماعي


أولا: الاحتجاجات و الفتن و الاقتتال .
ثانيا : استخدام الوعظ لنشر المذهب و الرد على الخصوم .
ثالثا: تبادل الذم و الاتهامات و التشنيعات .
رابعا : تبادل التكفير و التضليل و اللعن .












...............................................................................

مظاهر الأزمة العقيدية على المستوى الاجتماعي
-خلال القرنين: 5-6ه -
تجلّت مظاهر الأزمة العقدية-التي عصفت بالمذهب السني- على المستوى الاجتماعي ، في طائفة متنوّعة من المظاهر الاجتماعية ، كالفتن ،و الاتهامات ،و التكفير ، أذكرها ضمن خطوط كبرى ، تمثّل تلك المظاهر على امتداد المشرق الإسلامي و مغربه .
أولا:الاحتجاجات و الفتن و المصادمات و الاقتتال :
ذكرنا في التمهيد أن الأشاعرة في القرن الرابع الهجري، كثيرا ما اخفوا أفكارهم التي أنكرها عليهم طائفة من الحنابلة و أهل الحديث و ضايقوهم بسببها ، لكن حالهم هذا تغيّر في القرن الخامس الهجري و ما بعده ، حين جهروا بمذهبهم علانية ، و أعلنوا صراحة معارضتهم لأفكار روّجها بعض أهل الحديث ، أذكر منها تسع حوادث .
الحادثة الأولى: احتجاج الأشاعرة على كتاب إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى:
كان المتكلم أبو بكر بن فورك الأصبهاني الأشعري (ت406ه) ، قد صنف كتابا في تأويل39 صفات الله تعالى ، سيرا على نهج المؤوّلين للصفات و المعطلين لها ، فجاء القاضي أبو يعلى الفراء الحنبلي البغدادي(ت 458ه) ، و ردّ عليه في كتاب سماه : إبطال التأويلات لأخبار الصفات ، أثبت فيه الصفات التي أوّلها ابن فورك ، و زاد عليها كثيرا ، فاتهمه الأشاعرة بتجسيم الله تعالى و تشبيهه بمخلوقاته ، و كان ذلك سنة 429ه 40 .
ثم تجدد النزاع في سنة 432ه ، و جرت بينهما مناقشات حول ما جاء في كتاب أبي يعلى ، و كثر حوله الكلام ، فتدخل الخليفة القائم بأمر الله (422-467ه) ، و طلب الكتاب ليطّلع عليه ، فقرأه و رده لمؤلفه ، و أمر بعقد اجتماع للنظر فيما حدث بين المتنازعين من خصام ، فاجتمع الفقهاء و درسوا المسألة و ناقشوها ، و انتهوا إلى تأييد القاضي أبي يعلى الفراء ، و كتبوا في ذلك محضرا نصروه فيه ، كان في مقدمتهم الزاهد أبو الحسن القزويني (ت 442ه) ، كتب فيه : (( هذا قول أهل السنة ، و هو اعتقادي،و عليه اعتمادي )) ، ثم أخرج الخليفة الاعتقاد القادري41 الذي كتبه والده القادر بالله ، تأييدا و موافقة لمذهب أبي يعلى الفراء42 .
و يُعد هذا الاحتجاج أول محاولة جماعية علنية معروفة ، قام بها الأشاعرة ، انتصارا لمعتقدهم ،و وقوفا في وجه الحنابلة و أهل الحديث ، الذين وجدوا الدعم المطلق من الخليفة العباسي القائم بأمر الله .
لكن هذه التسوية لم يرض بها الأشاعرة-رغم تظاهرهم بها- ، فأظهروا احتجاجهم مرة أخرى على نفس الكتاب سنة 445ه ، فتدخل الخليفة القائم مرة أخرى و عقد اجتماعا للمتنازعين بدار الخلافة ، حضره القضاة و الأعيان ،و تم الصلح بين الطرفين المتنازعين ، و أُعلن إن القرآن كلام الله تعالى ، و إن الصفات تُمر كما جاءت ، و خرج القاضي أبو يعلى مرة أخرى منتصرا43 .
و إعلانهم هذا هو رد على الأشعرية و إن لم يُسمها ، فقولهم إن القرآن الكريم كلام الله ، يعني إنه ليس هو حكاية و لا عبارة عنه ، على حد قول الأشعرية ، و قولهم ((إن أخبار الصفات تُمر كما جاءت)) ، يعني إنها لا تُؤوّل على طريقة الأشاعرة ، و إنما تُثبت على ظاهرها بلا تشبيه . و واضح أيضا إن هذا الصلح هو أيضا لم يرض به الأشاعرة ، لكنهم أُجبروا على قبوله و التظاهر به ، لأن الاجتماع لم يكن في صالحهم و رد عليهم . و هو أيضا- أي الصلح- لم يضع حدا للأزمة العقيدية القائمة بين أهل الحديث و الأشاعرة ، مما يعني مزيدا من المصادمات و الفتن .
الحادثة الثانية : فتنة بين الحنابلة و الشافعية الأشاعرة ببغداد سنة: 447ه :
بعد عامين من صلح سنة 445ه ، عاد النزاع بين الطرفين سنة 447ه ، عندما اعترض الحنابلة على الشافعية الأشاعرة قراءتهم لدعاء القنوت في صلاة الصبح ، و ترجيعهم للأذان44 ، و جهرهم بالبسملة في الصلاة ، فانقسمت العامة بين مؤيد و مخالف لهم ، ثم انحازت كل طائفة إلى الطرف الذي مالت إليه ، و لم تفلح مساعي ديوان الخليفة في التوفيق بين الفريقين و بقي الخلاف قائما ، ثم توجه الحنابلة إلى أحد مساجد الشافعية ، و نهوا إمامه عن الجهر بالبسملة ، فأخرج مصحفا و قال لهم : (( أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها )) ، ثم تطور النزاع إلى الاقتتال ، فتقوى جانب الحنابلة و تقهقر جانب الشافعية الأشاعرة ، حتى أُلزموا البيوت ،و لم يقدروا على حضور صلاة الجمعة و لا الجماعات ، خوفا من الحنابلة45 .
و هذه الفتنة أسبابها الظاهرة فقهية ، لكن خلفياتها المحركة لها هي أسباب أصولية عقدية ، تعود إلى النزاع القائم بين الحنابلة و الأشاعرة في إطار الأزمة العقيدية التي ألمت بالمذهب السني ، لذا و جدنا المؤرخيّن ابن الجوزي ،و ابن كثير يطلقان على الشافعية اسم الأشاعرة في هذه الفتنة46 . كما إن حدوث الاقتتال بينهما هو دليل آخر على إن الأسباب عميقة ، و لا تقتصر على مسألة فقهية فرعية مختلف فيها .

و تُعد هذه الفتنة أخطر ما تجلّت فيه الأزمة العقيدية –التي عصفت بالمذهب السني- إلى غاية سنة447ه ، عندما تحوّل الخلاف إلى الاقتتال ، بين جناحي أهل السنة المتنازعين ، و واضح أيضا إن الحنابلة يتحملون المسؤولية الكبرى فيما حدث في هذه الفتنة ، حين استغلوا نفوذهم السياسي و الاجتماعي ببغداد ، للاعتداء على الأشعرية ، التي هي ربما أحست من نفسها قوة حين دخلت حلبة الصراع العلني مع الحنبلية ، بعد مرور أكثر من قرن من وفاة مؤسسها أبي الحسن الأشعري (ت324أو333ه) ، لإنهاء مرحلة الصمت و التستر ، لكنها أخطأت في تقدير حساباتها عندما قررت منازلة خصمها القوي الذي ما يزال يُهيمن على العامة ببغداد ، و في مقدوره مطاردة معارضيه و منعهم من الالتحاق بالمساجد ، و بجانبه الخليفة السلفي القائم بأمر الله ، يحميه و يُدافع عنه ؛ و لعلها –أي الأشعرية- كانت على وعي بالظرف الذي تمر به ، و على علم بقدراتها و بإمكانات خصمها ، لكنها أصرت على التصدي له ، و التعبير عن معتقدها جهارا نهارا لوضع حد لمرحلة الضعف و التستر ، لذا لم يُثبّطها ما أصابها ، و أصرت على التمسك بمذهبها و الدعوة إليه ، و لم تبال بمعارضة أهل الحديث لها .
الحادثة الثالثة : خصام بين الحنابلة و الأشاعرة داخل جامع المنصور ببغداد (سنة:461ه) :
انفرد المؤرخ أبو علي ابن البناء الحنبلي ، بذكر هذه الحادثة عن غيره من المؤرخين –الذين طالعت مصنفاتهم- ، و مفادها إن مدرسا أشعريا جلس ذات يوم بجامع المنصور ببغداد ، سنة 461ه ، فشرع في التعريض بأهل السنة من الحنابلة و أهل الحديث ، و أشار إلى فضل أبي الحسن الأشعري و من وافقه ، و أوّهم الحاضرين بأن أصحاب الأثر –أي أهل الحديث- يُشبّهون صفات الله تعالى بصفات البشر ، فقام إليه بعض أهل الحديث ، و أنزله من على الكرسي ، لكنه عاد إليه ، فقاموا إليه ثانية ،و كسروا كرسيه ،و عوّضوه برجل منهم47 .
و لم يذكر ابن البناء تفاصيل هذه الحادثة ، و اكتفى بالعرض الإجمالي لها ، و هي تعبير عن الأزمة التي كانت قائمة بين مذهبي السلف و الخلف ، و هي أيضا محاولة تدخل ضمن مساعي الأشاعرة الرامية إلى الجهر بمقالتهم ،و إثبات ذاتيتهم و لتحدي الحنابلة و أصحاب الحديث الذين فرضوا الاعتقاد القادري48 على طوائف بغداد بقوة السلطة ، دون أن يجرؤوا على الاعتراض عليه علانية ، لكنهم كانوا يتحينون الفرص المناسبة لنصرة مذهبهم بطرقهم الخاصة التي تناسبهم ، و قد جاءتهم الفرصة الذهبية التي كانوا ينتظرونها ، فعندما تُوفي الخليفة القادر بالله سنة 467ه ، كان الوزير السلجوقي نظام الملك (ت 485ه) ، قد تولى الوزارة في الدولة السلجوقية ، و كان هو أشعري المذهب ، تغيّر حالهم –بدعمه لهم- و تمكّنوا من التعبير عن مذهبهم علانية ، في فتنة ابن القشيري التي أدخلت الأزمة العقدية- التي عصفت بالمذهب السني- طورا جديدا ، أكثر حدة و عمقا و اتساعا .
الحادثة الرابعة : فتنة أبي نصر بن القشيري ببغداد ( سنة 469ه ) :
دخل المتكلم أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري الأشعري (ت 514ه) ، مدينة بغداد سنة 469ه قادما إليها من الحج ، فاستقر بالمدرسة النظامية ، و عقد بها مجلسا للوعظ و التدريس ، فتكلم على مذهب الأشعري و مدحه ، و حطّ على الحنابلة و نسبهم إلى اعتقاد التجسيم في صفات الله تعالى49 . فلما سمع به شيخ الحنابلة الشريف أبو جعفر (ت 470ه ) ، تألم لذلك و أنكر عليه فعلته ، ثم جنّد جماعة من أصحابه بمسجده تحسبا لأي طاريء مُحتمل ؛ و أما القشيري فقد التف حوله أصحابه و المتعاطفون معه ، و ساعده أيضا الشيخ أبو سعد الصوفي ،و شيخ الشافعية أبو إسحاق الشيرازي(ت 476ه) , و غيرهما من علماء الأشعرية ، ثم هاجمت جماعة من أصحابه مسجد الشريف أبي جعفر ، فرماهم الحنابلة بالآجر ، و اشتبك الطرفان في مصادمات دامية ، قُتل فيها نحو عشرين شخصا من الجانبين ، و جُرح آخرون ، ثم توقفت الفتنة لما مالت الكفة لصالح الحنابلة50 .
فلما حدث ذلك أجمع علماء الأشاعرة على الخروج من بغداد ، في مقدمتهم شيخهم أبو إسحاق الشيرازي ، إلى بلاد خُراسان حيث الوزير السلجوقي نظام الملك ، فلما سمع بهم الخليفة المقتدي بأمر الله (467-487ه) أسرع إلى طلبهم لُيصلح بينهم و بين شيخ الحنابلة أبي جعفر ، فلما اجتمعوا فشلت محاولة الإصلاح و انفض الاجتماع دون اتفاق ، و كتب علماء الأشاعرة رسالة إلى نظام الملك أخبروه فيها ما حلّ بهم على يد الحنابلة ببغداد ، و وصفوهم له بأبشع الألفاظ القبيحة ،و اتهموهم بأشنع الاتهامات ، و حرّضوه على قطع دابرهم ،و أنه لا يجوز السكوت عنهم51 ، لكن رده عليهم لم يُحقق لهم ما كانوا يرجونه منه52 ؛ و سنتناوله بشيء من التفصيل في موضع آخر من الفصل الثاني إن شاء الله تعالى .
و تُعد فتنة ابن القشيري أخطر ما حدث بين الحنابلة و الأشاعرة من مواجهات دامية إلى سنة 469 ، جراء الأزمة العقيدية التي كان يُعاني منها المذهب السني ، فقد كان سببها –أي الفتنة- المباشر إظهار ابن القشيري لمقالة الأشعرية و ذمه للحنابلة و وصفهم بالتجسيم ، إذ لم يكن الحنابلة و أهل الحديث يُمكّنون الأشاعرة من إظهار مذهبهم علانية و على رؤوس الأشهاد قبل سنة 469ه 53 .
و ذكر الحافظ ابن عساكر (ت 575ه) إن كلمة الحنابلة و الأشاعرة كانت مجتمعة ، ثم تفرّقت في فتنة ابن القشيري ، و وزارة نظام الملك ، و قد وافقه على ذلك شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية (ت728ه)54 . و لا شك إن فتنة ابن القشيري هي أخطر ما حدث بين الحنابلة و الأشاعرة في القرن الخامس الهجري ، و التي أذهبت أمل الوفاق بين جناحي أهل السنة المتنازعين ، لكن مظاهر العداء و الخصومة و الفرقة تعود إلى ما قبل فتنة ابن القشيري ( سنة 469ه ) بعدة عقود ، بدليل الشواهد التاريخية الآتية ، أولها إن النزاع بين الطرفين يعود إلى القرن الرابع الهجري ، عندما خاصمت طائفة من الحنابلة الأشاعرة الأوائل ، و حاولت قتل إمامهم أبي الحسن الأشعري55 .
و ثانيها إنه سبق أن ذكرنا ما حدث بين الحنابلة و الأشاعرة من خُصومات و مصادمات قبل فتنة ابن القشيري ، كاحتجاج الأشاعرة على كتاب إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى ، و ما حدث بينهما في فتنتي 447ه، و 461ه .
و ثالثها إن القاضي أبا الحسين بن أبي يعلى الفراء (ت 526ه) ذكر صراحة إن الأشاعرة لم يكن في مقدورهم إظهار مذهبهم علانية أمام الناس ، لما كان يلحقهم من قمع أهل السنة لهم على حد تعبيره56 ، و يعني بهم الحنابلة و أهل الحديث ، فالقمع إذن هو الذي منع الأشاعرة من إظهار مذهبهم ، مما يدل على إن كلمتهم لم تكن مجتمعة و لا متوافقة .
و الشاهد الرابع هو إن ما حدث بين الطرفين في فتنة ابن القشيري من سباب ،و اتهامات ،و خُصومات ،و اقتتال ، و تشنيعات و تحريضات من الأشاعرة للوزير نظام الملك لقمع الحنبلية و قطع دابرها ، هو دليل قاطع على إن القوم ما كانوا متفقين متحابين متعاونين ، و إنما كان كل طرف يتربص بالآخر الدوائر ، يتحيّن الفرص للانقضاض عليه ، و هو الأمر الذي حدث بالفعل في فتنة ابن القشيري ، فكان ذلك تعبيرا عمليا ، و دليلا صارخا على الأزمة العقيدية التي كان يُعاني منها المذهب السني في القرن الخامس الهجري .
الحادثة الخامسة: تجدد الفتنة بين الحنابلة و الأشاعرة ببغداد سنة 470 ه :
بعد أيام من ورود رد نظام الملك على رسالة الأشاعرة الذي خيّب آمالهم فيه ، نشبت فتنة بين الحنابلة و فقهاء المدرسة النظامية ببغداد ، لأن فقيها أشعريا كفّر الحنابلة ، فتصّدوا له و رموه بالآجر ، فهرب و لجأ إلى أحد أسواق بغداد و استغاث بأهله ، فأغاثوه و اندلع قتال بين الطرفين ، و عم النهب و كثُرت الجراح ، و لم تتوقف المواجهات إلا بتدخل الجند ، و قُتل فيها نحو عشرين شخصا من الطرفين ، و جُرح آخرون ، ثم نُقل المقتولون إلى دار الخلافة ، فرآهم القضاة و الشهود ، و كتبوا محضرا ضمّنوه ما جرى ،و أرسلوه إلي الوزير نظام الملك بخراسان ، و هدأت الأوضاع ببغداد57 .
و هذه الفتنة هي امتداد لفتنة ابن القشيري ، و قد قُتل فيهما نحو أربعين شخصا من الطرفين ، و قد أظهرتا ما يكنه كل طرف للآخر من حقد و كراهية ، بسبب النزاع المذهبي الذي أدخل السنيين في أزمة عقدية مذهبية ، تجلّت مظاهرها في التكفير و الاقتتال ،و السب الشتائم ، دون أن تظهر محاولات جادة لوضع حد نهائي لها ، مما زاد في اتساع نطاقها و اشتداد حدتها .
الحادثة السادسة: فتنة أبي بكر البكري المغربي ببغداد سنة 476ه :
قدم المتكلم الواعظ أبو بكر البكري المغربي الأشعري إلى بغداد سنة 476ه ، و معه كتاب من الوزير نظام الملك للتدريس و التكلّم بمذهب الأشعري ، فاستقبله ديوان الخلافة استقبالا حارا ، و هيأ له كل ما يحتاجه ، و أثناء وجوده ببغداد درّس بالنظامية ،و في كل الأماكن التي أرادها ، فكان ينصر الأشعرية و يذم الحنبلية و يستخف بهم ، فحدث بينه و بينهم سباب و خصام و مواجهات ، من ذلك إنه مرّ ذات يوم بحي نهر القلائين ، فاعترضت جماعة حنبلية من آل الفراء ، بعض أصحاب البكري ، فحدث بينهم عراك و سباب و خصام ، مما جعل البكري ، يستنجد بالوزير العباسي العميد بن جهير ، فأرسل هذا الأخير من حاصر بيوت بني الفراء ، فنهبوها و أخذوا منها كتاب إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى الفراء ، و جعله الوزير بين يديه يقرأه على كل من يدخل عليه ، و يقول : (( أيجوز لمن يكتب هذا أن يُحمى أو يُؤوى في بلد ! ))58 .
الحادثة السابعة : فتنة الواعظ أبي الفتوح الإسفراييني ببغداد :
دخل المتكلم الواعظ أبو الفتوح محمد الإسفراييني الأشعري (ت 538ه) بغداد سنة 515 ، و مكث بها مدة طويلة ، فحدثت بسببه فتن كثيرة كبيرة ، بينه و بين الحنابلة ، لأنه جعل شعاره إظهار مذهب الأشعري و ذم الحنابلة و التهجم عليهم ، و في أحد الأيام مرّ بأحد شوارع بغداد مع جم غفير من أصحابه ، و فيهم من يصيح و يقول : (( لا بحرف و لا بصوت ، بل عبارة )) ، فرجمه العوام ، ثم تراجموا فيما بينهم و حدثت مصادمات عنيفة أدت إلى حدوث فتنة كبيرة لم تصلنا تفاصيلها59 .
و هذا الواعظ كان متكلما ، لذا وجدنا في أصحابه من يردد مقولة أشعرية كلامية ،و هي : (( لا بحرف و لا بصوت ، بل عبارة )) ، و معناها –عند الأشعرية- إن القرآن الكريم ليس كلام الله على الحقيقة ، و ليس بحرف و لا بصوت ، بل هو عبارة و حكاية عن كلام الله النفسي القديم الذي لا يتعدد و لا يتبعّض ،و لا ينفصل عن الذات الإلهية على ما تقوله الأشعرية60 . و هذه المسألة هي من أسباب الأزمة العقيدية التي عصفت بالمذهب السني ، و هي مرتبطة بقضية الصفات ، فأصبح العوام يخوضون فيها ،و يرددونها كشعار للأشاعرة ، و إغاضة للحنابلة و أهل الحديث ، الذين يُعارضونهم في ذلك ؛ مما يشير إلى مدى عمق الأزمة و انتشارها بين مختلف فئات المجتمع الإسلامي .
الحادثة الثامنة: فتنة ابن تومرت بالمغرب الإسلامي:
كان المغاربة على مذهب السلف في أصول الدين زمن دولة المرابطين( 451-541ه) ، فلما اظهر محمد بن تومرت المغربي المصمودي الأشعري (ت 524ه) دعوته ، كفّر مخالفيه من المغاربة ، و اتهمهم بالتشبيه و التجسيم ،و استباح دماءهم و أموالهم ، و دخل في حروب طاحنة مع المرابطين ، و أدخل المغرب الإسلامي في فتنة دامية ، و فرض الأشعرية على الرعية ، و عندما تُوفي واصل أتباعه دعوته ، و ارتكبوا مجازر رهيبة في حق المرابطين عندما دخلوا مدينة مراكش سنة 541ه ، و يُروى إنهم قتلوا منهم سبعين ألف شخص61 . و قد وصف ابن القيم الجوزية ابن تومرت و أفعاله بأنه : (( رجل كذاب ظالم متغلب بالباطل ، قتل النفوس و أباح حريم المسلمين ، و سبى ذراريهم ، و أخذ أموالهم ، و كان شرا على الملة من الحجاج بن يوسف بكثير ، و استباح قتل مخالفيه من العلماء ، و سمى أصحابه موحدين ، و هم جهمية نُفاة لصفات الله تعالى))62 .
الحادثة التاسعة: فتنة نجم الدين الخبوشاني بمصر :
عندما فتح السلطان صلاح الدين الأيوبي (ت589ه) مصر سنة 567ه ، أراد شيخه الفقيه الصوفي نجم الدين الخبوشاني الشافعي الأشعري (ت587ه) نبش قبر المقريء أبي عبد الله بن الكيزاني الشافعي (ت 562ه) المدفون بقرب ضريح الإمام الشافعي بمدينة مصر ، و قال عن ابن الكيزاني : هذا رجل حشوي63 لا يكون بجانب الشافعي. و في رواية أخرى إنه قال عنه : لا يكون زنديق بجانب صديق ، ثم نبش قبره و أخذ رفاته و دفنها في موضع آخر ، فثار عليه الحنابلة و أهل الحديث و تألبوا عليه، و جرت بينهما حملات حربية انتهت بانتصاره عليهم64.
و كان هذا الشيخ –أي الخبوشاني- رجلا طائشا متهورا معروفا بكثرة الفتن منذ أن دخل مصر ، إلى أن تُوفي بها سنة 587ه ، فقد حدثت بينه و بين الحنابلة فتن كثيرة65 لم أعثر على تفاصيلها .
و قد كان الرجلان –أي الخبوشاني و ابن الكيزاني- شافعيين في الفروع فرّق بينهما الاعتقاد في الأصول ، فكان ابن الكيزاني على مذهب أهل الحديث ،و كان الخبوشاني أشعري المعتقد ، لذا فهو قد تعصّب على الرجل تعصبا زائدا ، حين نبش قبره و لم يرع له حرمة ،و وصفه بأوصاف قبيحة ، لذا وجدنا الحنابلة يثورون عليه لأنه اعتدى على حرمة رجل مسلم شافعي الفروع سلفي الأصول مثلهم .
و ختاما لهذا المبحث يتبين لنا منه إن الاحتجاجات و المصادمات و الفتن التي ذكرناها ، كانت أسبابها عقدية مذهبية ، بسبب الخلاف العقيدي بين أهل الحديث و الأشاعرة ، و هي تُعبر بوضوح عن الأزمة العقيدية الحادة التي عصفت بالمذهب السني في القرنين الخامس و السادس الهجريين ؛ و لم تبق في إطارها الفكري الصرف ، و إنما تحوّلت إلى واقع عملي تجلّت مظاهره في الاحتجاجات و المصادمات في شكل جماعي منظم ، فهي لم تكن حالات فردية شاذة معزولة ، بل كانت منظمة و موجهة ذات أهداف مذهبية مسطرة سلفا ، و سيزيد ذلك تأكيدا و إثراء و ترسيخا ما سنذكره في المباحث الآتية إن شاء الله تعال .
ثانيا : استخدام الوعظ لنشر المذهب و الرد على الخصوم :
يُعد الوعظ من أهم المظاهر الاجتماعية التي تجلّت فيها الأزمة العقيدية -التي عصفت بالسنيين- فقد استخدمه دعاة المذاهب وسيلة لنشر أفكارهم و الرد على خصومهم ، و وجدوا فيه ميدانا واسعا و خصبا للاتصال بالجماهير و التغلغل فيهم ، و التمكين لمعتقداتهم من خلاله ، فمن ذلك أولا إن سوق الوعظ في القرنين الخامس و السادس الهجريين كان رائجا ، مارسه كثير من أهل العلم من المشهورين و المغمورين ، و كانت عوام الناس تُقبل عليهم بأعداد كبيرة جدا66 .
و ثانيا إن كثيرا من الوعاظ كانوا علماء ، من متكلمين ، و فقهاء ،و محدثين و أدباء ، لهم خلفيات مذهبية ينطلقون منها في مجالسهم الوعظية خدمة لأفكارهم المذهبية ، لذا وجدناهم ينشرونها بين العوام علانية ، و يُهيجونهم و يدفعونهم إلى التعصب و المواجهات ، فكان ذلك تعبيرا عمليا عن الأزمة العقيدية التي ألمت بالمذهب السني و بأهله في القرنين الخامس و السادس الهجريين .
و ثالثا إن الأمثلة على ذلك كثيرة جدا ، أقتصر على ذكر طائفة منها تخص جماعة من الوعاظ المذهبيين ، الذين ينطبق عليهم ما قلناه آنفا ، أولهم أحمد بن محمد سبط بن فورك (ت قرن: 5ه) ، وعظ بالمدرسة النظامية ،و كان أشعريا داعية لمذهبه ، تسبب في حدوث فتن بين الحنابلة و الأشاعرة67 .
و ثانيهم المتكلم عيسى بن عبد الله الغزنوي الشافعي ، دخل بغداد سنة 495ه وعظ بها و أظهر الأشعرية ، فمن ذلك إنه وعظ ذات يوم بجامع المنصور و أظهر مذهب الأشعري، فمال إليه بعض الحاضرين ،و اعترض عليه الحنابلة ، فنشب عراك بين الجماعتين داخل المسجد68 . و لا ندري ما حدث بعد ذلك بين الفريقين ، لأن ابن الجوزي روى الخبر موجزا . و من ذلك أيضا إن هذا الرجل-أي الغزنوي- مرّ ذات يوم برباط شيخ الشيوخ أبي سعد الصوفي ببغداد ليذهب إلى بيته ، فرجمه بعض الحنابلة من مسجد لهم هناك ، فهب أصحابه لنجدته و التفوا حوله69 .
و ثالثهم الفقيه أبو الحسن برهان الدين علي بن الحسن البلخي الحنفي (ت 548ه) ، شيخ الحنفية ببلده ، قدم دمشق سنة 510ه ، و عقد بها مجلس وعظ و تذكير ، و أظهر فيه خلافه للحنابلة و تكلم فيهم ، فتصدوا له و تعصبوا عليه ، فترك دمشق و توجه إلى مكة المكرمة70 . و رابعهم المدرس أبو علي محمد النصرواني الأصبهاني الأشعري المعروف بابن الفتى (ت 525ه) ، درّس بنظامية بغداد ، و وعظ بجامع القصر ، فكان يُظهر مذهب الأشعري و ينتصر له ، و يميل على الحنابلة و أهل الحديث ، و يطعن فيهم71 .
و الخامس هو الفقيه محمد بن أحمد العثماني المقدسي الشافعي (ت 521ه) ، دخل بغداد و استقر بها ، و كانت له فيها مجالس وعظ بجامع القصر ، أظهر فيها مذهب الأشعري ، و كان مغاليا فيه72 . و السادس هو الواعظ الحسن بن أبي بكر النيسابوري الحنفي ، دخل بغداد مع السلطان السلجوقي مسعود ( ما بين سنتي: 515-530ه ) ، فجلس للوعظ بجامع القصر و لعن أبا الحسن الأشعري علانية ، و كان يقول : كن شافعيا و لا تكن أشعريا ، و كن حنفيا و لا تكن معتزليا ، و كن حنبليا و لا تكن مشبها73 .
و هذا الواعظ لم أتعرّف على مذهبه في أصول الدين ، لكن يبدو من قوله السابق إنه كرّامي المذهب ، أو على مذهب أهل الحديث ، و الراجح إنه على عقيدة أهل الحديث لأنه حذّر من الأشعرية ، و الاعتزال ، و من التشبيه ، و الكرّامية معروف عنهم إنهم مجسمة و مشبهة ، لذا فالأرجح إنه لم يكن كرّاميا إن كان صادقا في قوله ، و الله أعلم .
و السابع هو الواعظ المتكلم أبو الفتوح حمد بن الفضل الاسفراييني الأشعري (ت 538ه) ، دخل بغداد سنة 515ه ،و تفرّغ للوعظ و اتخذه وسيلة لإظهار مذهب الأشعري و الدعوة إليه ،و مهاجمة خُصومه ، و قد مارس ذلك علانية و بالغ في التعصب للأشعرية و الحط على الحنابلة ، فكثُرت بينه و بينهم اللعنات و الفتن ، و في سنة 521ه رجمه العوام أكثر من مرة في الأسواق ، و رموا عليه الميتات ،و لعنوه و سبوه ، لمبالغته في إظهار الأشعرية و الدعوة إليها ، ، فلما سمع بذلك الخليفة العباسي المسترشد بالله ، منعه من الوعظ ، و أمر بإخراجه من بغداد ، و في هذا الظرف ظهر الشيخ عبد القادر الجيلاني البغدادي الحنبلي (ت 561ه ) و جلس للوعظ ، فالتف حوله الناس و انتصر به أهل السنة على حد قول ابن رجب البغدادي74 ، و يعني بهم الحنابلة و أهل الحديث .
لكنه لما تُوفي الخليفة رجع إلى بغداد و استوطنها ، و عاد إلى عادته القديمة ، فأظهر الأشعرية و ذم الحنبلية ، و عادت الفتن و اللعنات كما كانت عليه من قبل ، فأُخرج ثانية من بغداد ،و أُلزم بالمكوث ببلده75 إسفرايين بخُراسان .
و الثامن هو الواعظ أبو المظفر محمد بن محمد البروي الشافعي الأشعري(ت 567ه) ، دخل بغداد و درّس بنظاميتها ، و أظهر الأشعرية و نصرها ،و بالغ قي التعصب على الحنابلة و ذمهم ، و قال فيهم : (( لو كان لي أمر لوضعت عليهم الجزية )) ، فجعلهم بمرتبة أهل الذمة من اليهود و النصارى و غيرهم ، و لم يزل يتحامل عليهم حتى آذوه ، و يُروى إن بعض جهلتهم دسّ إليه من أهدى إليه شيئا مسموما فمات ، و الله أعلم76 .
و آخرهم –أي التاسع- الواعظ الشهاب محمد بن محمود الطوسي الأشعري ( ت 596ه) ، أقام بمصر و أظهر الأشعرية و نصرها ، و كان صاحب حرقة على الحنابلة ، فتصدّوا له مرارا ، و كانت بينه و بين الواعظ الحنبلي ابن نجية خُصومة شديدة ،و كل منهما يتكلم في الآخر ، و لكل منهما أيضا مجلس وعظ بجامع القرافة بمصر ؛ و من طريف ما حدث بينهما حادثتان ، الأولى إنه في ذات يوم كان الواعظان بجامع القرافة كل في حلقته ، فوقع سقف على ابن نجية و أصحابه ، فعلّق الطوسي على ذلك بذكر قوله تعالى : (( فخر عليهم السقف من فوقهم )) –سورة النحل /26- .و الثانية مفادها إنه ذات يوم كان كل منهما في حلقته ، فجاء كلب يشق مجلس الطوسي ، فقال ابن نجية : هذا جاء من هناك ، و أشار إلى جهة حلقة خصمه الشهاب الطوسي77 .
و في سنة 580ه وقعت بين الحنابلة و الأشاعرة خصومة ، عندما أنكر الحنابلة على الشهاب الطوسي تكلّمه في مسألة من مسائل العقيدة –لم تُحدد- في مجلس وعظه ، فحدث خصام بينهما و أطلق كل منهما لسانه في الآخر ، ثم ترافعوا إلى السلطان الأيوبي-لم أُميزه- بمصر ، فأمر برفع كراسي الوعظ عند الطرفين78 .

و هؤلاء الوعاظ الذين ذكرناهم ، هم مجرد عينة فقط ، و إلا فإن عدد الوعاظ كان كبيرا79 ، ساهموا كلهم في نشر أفكارهم و إثارة الفتن الطائفية بين جناحي أهل السنة المتنازعين ، فكان ذلك مظهرا من مظاهر الأزمة العقيدية التي عصفت بالمذهب السني في القرنين الخامس و السادس الهجريين . و كان لهم أيضا دور كبير في تعميق الأزمة و توسيعها و نقلها إلى عامة الناس ، ليخوضوا فيها و يكتووا بنارها ، و كأن الأمر مخطط له سلفا على أيدي هؤلاء الوعاظ ، في حين إن المطلوب منهم شرعا و عقلا ، أن يسعوا جاهدين لتطويق الأزمة ، و التخفيف منها و إبعادها عن الجماهير ، تمهيدا لحلها كلية ، لكن ذلك لم يحدث ،و بقيت الأزمة تنخر بسلبياتها في المجتمع الإسلامي ، بمختلف مظاهرها المتعددة .
ثالثا: تبادل الذم و الاتهامات و التشنيعات:
تبادل أهل الحديث و الأشاعرة الذم و الاتهامات و التشنيعات ، تعبيرا عن النزاع العقيدي الحاد القائم بينهما –خلال القرنين :5-6 الهجريين- و قد قدح كل منهما في الآخر بألفاظ شنيعة لا يجوز لمسلم أن يصف بها أخاه المسلم.
فالأشاعرة وصفوا أهل الحديث بأوصاف ذميمة كثيرة ، منها أولا ، إنهم وصفوهم بالتشبيه و التجسيم ، بمعنى إنهم جسّموا الله تعالى و شبّهوه بمخلوقاته80 . و في فتنة ابن القشيري اتهم علماء الأشاعرة –في رسالتهم لنظام الملك- الحنابلة بالتشبيه و التجسيم دون تمييز ، و جعلوهم كلهم في سلة واحدة81 . و عندما جاء الوزير نظام الملك إلى بغداد ، قال إنه يريد استدعاء الحنابلة ليسألهم عن مذهبهم ، لأنه قيل له إنهم مجسّمة ، فلما سمع به أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي(ت513ه) أعد له جوابا للرد على أسئلة الوزير82 . و قوله هذا دليل على أنه –أي الوزير- وجد من قال له ذلك عن الحنابلة ،و هو يُريد التأكد منه بنفسه ، و واضح إن الذين قالوا له ذلك عن الحنابلة هم الأشاعرة ، في رسالتهم إليه في فتنة ابن القشيري سنة 469ه .
و عندما أظهر ابن تومرت(ت 524ه) دعوته بالمغرب الإسلامي ، اتهم المغاربة المخالفين له بالتشبيه و التجسيم ،و دعاهم إلى الأشعرية كبديل عن مذهب السلف ، فلما انتصر خلفاؤه على المرابطين ، فرضوا الأشعرية على المغاربة و أبعدوهم عن مذهب السلف في الصفات83 .
و ذكر القاضي أبو بكر بن العربي الأشعري (ت543ه)، إن الحنابلة انتهى بهم الأمر إلى أن قالوا : (( إن أراد أحد يعلم الله ، فلينظر إلى نفسه ، فإنه الله بعينه ، إلا أن الله منزه عن الآفات ، قديم لا أول له ، دائم لا يفنى )) ،و قالوا ذلك (( لقوله صلى الله عليه و سلم : إن الله خلق آدم على صورته ))، و في رواية أخرى (( على صورة الرحمن )) ، و هي رواية صحيحة ، فلله الوجه بعينه ، لا ننفيه و لا نتأوله إلى محالات ))84 .
و قوله هذا غريب جدا ، فإنني لم أعثر على قول ثابت لعالم حنبلي من علماء الحنابلة المعتبرين ، قال إن من أراد أن يعلم الله فلينظر إلى نفسه ، لكن المعروف عنهم أنهم أثبتوا حديث الصورة ، و لم يُؤولوه و فوّضوا كيفيته لله تعالى ، مع اعتقادهم إن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته و لا في صفاته ، . و الغريب أيضا إنه قال أن الحنابلة قالت بذلك، مما يعني إنه اتهم الحنابلة كلهم دون تحديد لشخص معين ، أو لطائفة منهم .
و أما بالنسبة لحديث الصورة ، فيجب علينا أن لا ننظر إليه نظرة جزئية ، و إنما علينا أن ننظر إليه نظرة شاملة في إطار كل النصوص الشرعية الأخرى المتعلقة بصفات الله تعالى ، فهو سبحانه (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير)) –سورة الشورة/11- و (( لم يكن له كفوا أحد )) سورة الاخلاص/4- و (( وسع كرسيه السموات و الأرض )) –سورة البقرة/68- . فالله تعالى لا يمكن أن يُشبه الإنسان ، مم يعني غن لحديث الصورة معنى آخر غير الذي ذكره ابن العربي عن الحنابلة ، و لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى ، و هو ليس تأويلا للحديث ، و إنما هو تفسير و فهم له في إطار النصوص الشرعية المحكمة ، لا كما يفهمه المؤولون للصفات على طريقة المتكلمين .
و ثايا إن الأشاعرة أطلقوا على الحنابلة و أهل الحديث ، اسم الحشوية ، بمعنى إنه لا فهم لهم و لا معرفة ، و يحشون الكلام حشوا كالعوام 85 . فمن ذلك إن كبار علماء الأشاعرة ببغداد وصفوا الحنابلة –في رسالتهم لنظام الملك- بأنهم : (( جماعة من الحشوية الأوباش الرعاع المتوسمين بالحنبلية ))86 .
و عندما نبش المتكلم نجم الدين الخبوشاني الصوفي (ت 587ه) قبر المقريء ابن الكيزاني (ت 562ه) ، بمدينة مصر ، علل فعله هذا بقوله : هذا حشوي لا يكون بجانب الشافعي ، ثم أخرج رفاته و دفنها في موضع آخر ،و لم يبال بمعارضة الحنابلة الشديدة له ،و لا راعى حرمة الميت87 .
و ثالثا إن الأشاعرة اتهموا القاضي أبا يعلى الفراء (ت458ه) بالتشبيه و التجسيم ،و احتجوا عليه عندما صنف كتابه التأويلات ، لما ذكر فيه من أحاديث موهمة للتشبيه ، قال عنه المؤرخ ابن الأثير (ت 630ه) : إنه أتى فيه –أي الكتاب- بكل عجيبة ،و ترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض88 .

و ذكر القاضي ابن العربي (ت 543ه) إنه لما كان ببغداد سنة 490ه ، أخبره من يثق فيه من مشيخته ، إن القاضي أبا يعلى الفراء رئيس الحنابلة ، كان يقول في مسألة الصفات : إذا ذُكر الله تعالى ، و ما ورد من هذه الظواهر في صفاته ، ألزموني ما شئتم فأني ألتزمه إلا اللحية و العورة ))89 .
و يُروى أنه لما شاع خبر القاضي أبي يعلى بما أتهم به من التشبيه و التجسيم في الصفات ، قال عنه أبو محمد التميمي الحنبلي : (( لا رحمه الله ، فقد خرى على الحنابلة خرية لا تنغسل إلى يوم القيامة )) ،و في رواية : لا يغسلها الماء )) ،و في أخرى إنه قال : (( لا رحمه الله ، فقد بال في الحنابلة البولة الكبيرة التي لا تُغسل إلى يوم القيامة ))90 .
و قد تصدى القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى (ت526ه) للرد على الذين اتهموا والده بالتجسيم و التشبيه ، و ذكر إن والده سار على منهج السلف الصالح في أخبار الصفات ، و هو التصديق بما وصف الله به نفسه ، أو وصفه به رسوله ، مع التسليم و ترك البحث و التنقير في ذلك ، من دون تعطيل ،و لا تشبيه ،و لا تفسير ،و لا تأويل ، و إن تلك الصفات تُمر كما جاءت ، من غير زيادة و لا نقصان ، مع الإقرار بالعجز عن إدراك حقيقتها ، لأن ذلك الإثبات هو إثبات وجود لا إثبات تحديد ، و حقيقتها لا يعلمها إلا الله تعالى ؛ و الكلام في الصفات هو فرع عن الكلام في الذات ))91 .
و ذكر إن والده المُتهم بالتجسيم ، هو نفسه رد على المجسمة في كتاب خصصه للرد عليهم ، و في مصنفات أخرى ، ، و قال إنه لا يجوز أن يُسمى الله جسما ، فمن (( اعتقد إن الله سبحانه جسم من الأجسام ،و أعطاه حقيقة الجسم ، من التأليف و الانتقال فهو كافر ، لأنه غير عارف بالله عز وجل ، لأن الله تعالى يستحيل وصفه بهذه الصفات ))92 .
و مما قاله أبو يعلى في كتابه إبطال التأويلات ، ما نقله عنه الحافظ الذهبي من إنه قال فيه : (( لا يجوز رد هذه الأخبار-أي الأحاديث- ،و لا التشاغل بتأويلها ،و الواجب حملها على ظاهرها ، و إنها صفات الله تعالى ، لا تُشبه سائر صفات الموصوفين بها من الخلق ))93 .
و يرى الشيخ تقي الدين بن تيمية إن الذين تكلموا في القاضي أبي يعلى الفراء شنّعوا عليه بأشياء هو منها بريء ،و ما ذكره أبو بكر بن العربي عنه ، هو كذب عليه ، رواه عن مجهول لم يُسمه ، لكن مع ذلك فإن في كلام القاضي أبي يعلى ، ما هو مردود نقلا و عقلا ، و فيه من التناقض من جنس ما يُوجد في كلام الأشعري و الباقلاني و أمثالهما ، ممن يُوافق النفاة على نفيهم ،و يُشارك أهل الإثبات على وجه مما قالوه . كما إنه أورد في كتابه إبطال التأويلات أحاديث موضوعة ، كحديث رؤية الله عايا ليلة المعراج ،و حديث إقعاد الرسول –عليه الصلاة و السلام- يوم القيامة على العرش 94 .

تلك الأحاديث الموضوعة و الصريحة في التشبيه و التجسيم ، هي التي كانت سببا في اتهام أبي يعلى بالتشبيه و التجسيم ، و إن كان هو في الحقيقة لا يعتقد التشبيه و لا التجسيم ، لأن آثاره شاهدة على ذلك95 ؛ لكن الخلل دخله من روايته للأحاديث الضعيفة و الموضوعة ، الصريحة في التشبيه و التجسيم ، فحملها على ظاهرها من دون تأويل و لا تشبيه ، و قد رواها لأنه كان قليل الخبرة بعلم الحديث ،و بضاعته فيه مُزجاة ، لا يُميز بين صحيح الأحاديث من سقيمها ، فروى أحاديث غير صحيحة متعلقة بالصفات ، جعلت العلماء يُنكرون عليه ذلك ، و يتهمونه بالتشبيه كان الأشاعرة في مقدمتهم .
و واضح أيضا إن خطأه لم يكن بسبب المنهج الذي يتبناه ، فمنهجه صحيح يقوم على أسس منهج السلف في الصفات ،و قد ذكره ابنه أبو الحسين في دفاعه عنه ، و إنما كان بسبب عدم الالتزام به في الأحاديث النبوية ، فتسرّبت إليه أحاديث ضعيفة و موضوعة ، جعلت خطأه هذا خطأ في تطبيق المنهج و عدم الالتزام به ، لا في المنهج ذاته .

و رابعا إن علماء الأشاعرة –في رسالتهم لنظام الملك- اتهموا الحنابلة بسب الإمام الشافعي و لعنه ، و ألحقوا به أئمة أصحابه96 . و هذا في اعتقادي اتهام غير صحيح للشواهد الآتية ، أولها إن الحنابلة يتولون الشافعي ،و يعدونه من أصحاب إمامهم أحمد بن حنبل ، و قد ترجموا له في طبقاتهم و أثنوا عليه كثيرا97 .
و ثانيها إن الحافظ أبا بكر بن أبي داود السجستاني الحنبلي (ت قرن: 3ه) مدح الشافعي و أحمد بن حنبل ، في قصيدة له ، وصفهما بأنهما إماما هدى على طريق الحق و النصيحة98 . و ثالثها أن المؤرخ أبا علي بن البناء الحنبلي البغدادي(ت 471ه) صنف كتابين في فضل الشافعي ، هما : فضائل الشافعي، و كتاب ثناء أحمد على الشافعي و ثناء الشافعي على احمد99 .
و أما قولهم إنهم سبوا أئمة أصحاب الشافعي ، فليس المقصود بهم أصحاب الشافعي الأوائل ، و إنما المقصود أعيان الشافعية الأشاعرة الذين انتسبوا إلى الشافعي ، و هذا ممكن الحدوث ، بحكم الخصومة الشديدة القائمة بينهم و بين الأشاعرة ، في ظل الأزمة العقيدية الحادة التي عصفت بالسنيين كلهم .

و خامسا إن أبا بكر بن العربي (ت 543ه) قال في الحنابلة و أهل الحديث كلاما غليظا ، و وصفهم بأوصاف شنيعة ، فجعلهم ممن كاد للإسلام ، و لا فهم لهم ، و ليس لهم قلوب يعقلون بها ،و لا آذان يسمعون بها ، فهم كالأنعام بل هم أضل . و عدّهم من الغافلين الجاهلين في موقفهم من الصفات ،و شبههم باليهود ،و قال أنه لا يُقال عنهم : بنوا قصرا و هدّموا مصرا ، بل يُقال : هدموا الكعبة ،و استوطنوا البيعة100 –أي كنيسة اليهود .
و سادسا إن كبار علماء الأشاعرة ببغداد ذموا- في رسالتهم لنظام الملك- خُصومهم الحنابلة ذما شنيعا ، و وصفوهم له بأنهم رعاع أوباش ، مجسمة مبتدعة ، شرذمة أغبياء من أراذل الحشوية ، رفضوا الحق لما جاءهم على يد ابن القشيري101 .
و سابعا إن بعض الأشاعرة كان يتعمد رواية الأكاذيب المفضوحة على الحنابلة ، طعنا فيهم و تشنيعا عليهم ، و تحقيقا لمكاسب مذهبية ، فمن ذلك ما رواه ابن الجوزي عن أبي الوفاء ابن عقيل ، من إن الواعظ أبا بكر البكري (ت476ه) لما جاء إلى بغداد حكى عن الحنابلة ما لا يصح أن يُذكر ، فقال إنهم يقولون : إن لله ذكرا ، فرماه الله تعالى بالخبث في ذلك العضو فمات102 . و قوله هذا-إن صح- هو افتراء مفضوح ،و زندقة مكشوفة ، لا يقوله إنسان عاقل ، فضلا عن مسلم .
و منها أيضا ما ذكرناه سابقا من إن القاضي ابن العربي قال إنه لما كان ببغداد أخبره بعض شيوخه بأن أبا يعلى الفراء كان يقول : إذا ذُكر الله ، وما ورد من هذه الظواهر في صفاته ، فألزموني ما شئتم ، فإني ألتزمه ، إلا اللحية و العورة103 . و روايته هذه غير صحيحة للمعطيات الآتية ، أولها إن قوله هذا لم أعثر عليه في المصادر الحنبلية من إنه –أي أبو يعلى- قال ذلك ، و إنما رواه ابن العربي عن مجهول هو من خُصوم القاضي أبي يعلى ، و خبر هذا حاله لا يُقبل في أمر خطير كهذا .
و ثانيها إن ذلك القول القبيح من المستبعد جدا أن يقوله القاضي أبو يعلى ، و هو عالم فقيه زاهد ، متبحر في مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، و لأنه أيضا كان على منهاج السلف في الصفات لا يُثبت صفة إلا إذا وردت في الشرع ، و لا شك إن ذلك القول المذموم لا يوجد في الشرع ما يُؤيده ، و إنما هو منسوب للمجسم الضال داود الجويباري ، الذي كان يقول : (( اعفوني عن الفرج و اللحية ، و اسألوني عما وراء ذلك))104 .
و ثالثها إن الحنابلة قالوا إن بعض الأشاعرة كان يتعمد الكذب عليهم ، نكاية فيهم و انتصارا لمذهبه ، فقالوا إن أعيان الأشاعرة عندما أرسلوا كتابهم إلى نظام الملك ، كذبوا عليهم فيه ، و ذكروا له عنهم أشياء زورا و بهتانا105 . و ذكر المتكلم أبو الوفاء بن عقيل إن الأشاعرة في نزاعهم مع أصحاب الحديث كانوا يكذبون عليهم106 .
و ثامنا إن الأشاعرة كثيرا ما يُشنّعون على الحنابلة و أهل الحديث ، بإثباتهم لصفات وردت في القرآن الكريم ،و السنة النبوية الصحيحة، فيقولون إن هؤلاء يُثبتون صفة النزول، و الاستواء على العرش، و الضحك، و تكليم الله لموسى ، فينسبون إليهم كلام الله الذي وصف به نفسه ، و هم –أي الحنابلة و أهل الحديث- لا يصلحون لذلك و لا يبلغونه107 . حتى إن بعضهم قال عن الحنابلة - في إثباتهم لتلك الصفات- إنه (( ما بين شيوخ الحنابلة و بين اليهود إلا خصلة واحدة )) ، فردّ عليه الحافظ أبو نصر السجزي (ت444ه) بقوله : (( و لعمري إن بين الطائفتين خصلة واحدة، لكنها بخلاف ما تصوّره الساقط ، و تلك الخصلة إن الحنابلة على الإسلام و السنة ، و اليهود على الكفر و الضلالة))108 .
و واضح إن تشنيع الأشاعرة على أهل الحديث بذلك الطريق الملتوي ، هو في حقيقته رد للشرع ،و قدح فيه ، و تحايل على المسلمين ، بإلقاء التهمة على أصحاب الحديث ، بدلا من الإعلان صراحة رفضهم لتلك الصفات التي وردت في الكتاب و السنة الصحيحة ،و هو في النهاية رفض للقرآن و السنة ، فالمفروض إنه كان عليهم أن يُعلنوا موقفهم صراحة من تلك الصفات ليعرف الناس حقيقة موقفهم منها .
و أخيرا –أي تاسعا- هناك أوصاف أخرى أطلقها بعض الأشاعرة على الحنابلة و أهل الحدث ، هي من صميم مبحثنا هذا ، منها إن القاضي أبا المعالي عزيزي بن عبد الملك الشافعي الأشعري (ت494ه) ، كان قاضيا على حي باب الأزج ببغداد ، الذي غالبية سكانه حنابلة ، فكان بينه و بينهم خصام و مهاترات ، فيُروى إنه في أحد الأيام سمع رجلا يُنادي على حمار له ضاع منه ، فقال القاضي : (( يدخل باب الأزج ،و يأخذ بيد من شاء )) . و قال يوما لأحد أصحابه عن الحنابلة : (( لو حلف إنسان إنه لا يرى إنسانا ، فرأى أهل باب الأزج لم يحنث ، فقال له صاحبه : من عاشر قوما أربعين يوما فهو منهم )) ، لذا فإنه –أي القاضي- عندما مات فرح الحنابلة بموته كثيرا109 . ففي قوله الأول ألحقهم بالحمير صراحة ، و في الثاني نفى عنهم صفة الأدمية ، و ألحقهم بالحيوانات ضمنيا ، ثم ألحقه صاحبه هو أيضا بهم ، بحكم إنه معاشر لهم .
و منها أيضا إن النجم الخبوشاني (ت 587ه) ، لما نبش قبر ابن الكيزاني الذي كان بجانب ضريح الشافعي ، وصفه بالزندقة ، و قال : (( لا يكون صدّيق و زنديق في موضع واحد ))110 . اتهمه بذلك لمجرد إنه كان على مذهب أهل الحديث ،و لم يكن مثله أشعريأ ، و لم يشفع له عنده مذهبه الشافعي في الفروع .
و اتهم بعضهم الحافظ عبد الله بن عطاء الإبراهيمي الهروي الحنبلي(ت 476ه) بالكذب و وضع الأحاديث ، و قالوا إنه كان يجتمع بالحنابلة و أهل الحديث ،و يروي لهم أحاديث مكذوبة تتعلق بالصفات هي من وضعه ، لكن الذين يعرفون أحواله من ثقات المحدثين عدّلوه ، فوثّقه المؤتمن الساجي ،و قال عنه خميس الجوزي : (( ما علمتُ فيه ذلك ، و كان يعرفه ))111 .

و أما الحنابلة و أهل الحديث ، فهم أيضا ذموا الأشاعرة بمختلف ألفاظ الذم و التشنيع و القدح ، في إطار النزاع العقيدي القائم بينهم ، فمن ذلك أولا ، إنهم اتهموهم بالتمويه على الناس ، و إخفاء عنهم مقالتهم في صفات الله و كلامه ، فذكر أبو نصر السجزي (ت 444ه) ، إن الأشاعرة يستخدمون التمويه و المصانعة ، و لا يُظهرون حقيقة مذهبهم للناس ، الذي ينتهي إلى دعوتهم إلى مخالفة السنة ،و ترك الحديث ؛ ثم قال إنه إذا خاطبهم من له هيبة و حشمة من أهل الأثر ، قالوا له : (( الاعتقاد ما تقولونه ، و إنما نتعلّم الكلام لمناظرة الخصوم ))، ثم قال أيضا : (( و الذي يقولونه كذب ، و إنما يتسترون بهذا ، لئلا يُشنع عليهم أصحاب الحديث ))112 .
ثم ذكر السجزي إنه كان بمكة رجل كثير الاشتغال بالحديث ، و يُعلن إنه ليس أشعريا ، لكنه يمدحهم ،و يقول : رأيت منهم فاضلا ، التراب من تحت رجله أفضل من أناس . و إذا قدم منهم رجل إلى البلد قصده ليقضي له حاجته ، لكن إذا دخل عليه رجل من أصحاب الحديث ، جانبه و حذّر منه ، و إذا ذُكر عنده شيخ من شيوخ وقع فيه ، و قال : (( أحمد نبيل ، لكنه بُلي بمن يكذب عليه )) ، ثم عقّب السجزي على كلامه بقوله : و هذا مكر منه ، لا يحيق إلا بأهله ،و قول جاهل رقيق الدين و قليل الحياء113 .
و قال أيضا إن بعض الأشاعرة يتظاهر إنه ليس أشعريا ،و يرد عليهم و يُظهر مخالفته لهم ، فيُتابع في ذلك ظنا إنه مخالف لهم-أي للأشاعرة- ، و كثيرا ما انطلى مثل هذا السلوك على أهل السنة على حد قول السجزي114 ؛ و يعني بهم الحنابلة و أهل الحديث .
و قال أبو الوفاء بن عقيل البغدادي الحنبلي(ت 513ه) إن الأشاعرة يردون على أصحاب الحديث بالكذب و التمويه115 .و قال عنهم الموفق بن قدامة المقدسي(ت 620ه) إنهم يُخفون مقالتهم في القرآن الكريم ، من إنه ليس كلام الله حقيقة ، و إنما هو عبارة عنه ، فإنهم لا يتجاسرون على إظهارها و (( لا التصريح بها إلا في الخلوات ،و لو إنهم ولاة الأمر و أرباب الدولة ، و إذا حكيت عنهم مقالتهم التي يعتقدونها ، كرهوا ذلك و إنكروه و كابروه ، و لا يتظاهرون إلا بتعظيم القرآن ،و تبجيل المصاحف، و القيام لها عند رؤيتها ، و في الخلوات يقولون : ما فيها إلا الورق و المداد ،و أي شيء فيها ؟ ! ))116 .
و ثانيا إن أهل الحديث شبّهوا الأشاعرة بالزنادقة فيما اختصوا به في مسألة الصفات و كلام الله تعالى، فشبّههم الحافظ أبو نصر السجزي بالزنادقة في إنهم يُخفون مذهبهم عن قوم ، و يُظهرونه لآخرين ، مما مكّنهم من جذب كثير من العوام إلى مذهبهم ، لأنهم يُظهرون للعامي الموافقة بداية ،و يُكذّبون بما يُنسب إليهم حتى يصطادوه ، ثم يجروه قليلا قليلا ، حتى ينسلخ من السنة117 . و قال السجزي إن القاضي أبا بكر الباقلاني الأشعري ، كان أكثر الأشاعرة استخداما لتلك الطريقة ، فقد وشّح كتبه بمدح أهل الحديث ، و استدل على أقاويله بالأحاديث في الظاهر ، و أكثر الثناء على أحمد بن حنبل ، و قال إنه –أي أ حمد – كان يعرف الكلام ، و لا فرق بينه و بين الأشعري في ذلك ، و قوله –أي الباقلاني- هذا هو عند السجزي من قلة الدين و الحياء118 .
و أقول : نعم كان الإمام أحمد بن حنبل على علم بمقالات المتكلمين المعاصرين له ، و هو رغم ذمه لعلم الكلام و أهله ، فقد ردّ على مقالاتهم في مصنفاته ، كما في كتابه الرد على الزنادقة و الجهمية ، لكنه لم يكن يقول بمقالة الأشعري في مسألة الإيمان ،و السببية، و الأفعال الاختيارية ،و كلام الله تعالى ، و هو من أوائل الذين ردوا على الكلابية ، التي هي سلف الأشعرية119 .
و شبّه الفقيه الموفق بن قدامة المقدسي (ت 620ه) الأشاعرة بالزنادقة – في موقفهم من كلام الله – بقوله: (( و لا نعرف في أهل البدع طائفة يكتمون مقالتهم ، و لا يتجاسرون على إظهارها ، إلا الزنادقة و الأشعرية ، رغم إنهم هم ولاة الأمر و أرباب الدولة ، و مع ذلك لا يُظهرون مقالتهم لعامة الناس ))120 .
و ثالثا إن بعض علماء الحديث اتهموا الأشاعرة بالكذب على أصحاب الحديث ، فذكر أبو نصر السجزي ، إن الأشاعرة يتعمدون الكذب على أهل الحديث ، تسترا و تمويها ، و يُنسبون كل من يخالفهم إلى سب العلماء ، ليُنفّروا قلوب الناس منه ، و تكلموا فيه و نسبوا إليه أقاويل لا يعتقدها ، كذبا و بهتانا عليه ، لأنهم يعتقدون إن الكذب و البهتان لا قبح لهما في العقل ، و إنما الشرع هو الذي حكم بقبحهما ، و المخالفون لهم ضالون لا حرمة لهم121 . بمعنى إنه لا حرمة لهم نقلا و لا عقلا .
و قال المتكلم أبو الوفاء بن عقيل إن الأشاعرة يزدرون على أصحاب الحديث بالكذب و التمويه122 . و ذكر القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى(ت 526ه) إن علماء الأشاعرة الذين أرسلوا الخطاب إلى الوزير نظام الملك ، -في فتنة ابن القشيري- كذبوا فيه على الحنابلة ، و ذكروا له فيه أشياء عن معتقدهم زورا و بهتانا123 .
و رابعا إن بعض علماء الحديث و المنتسبين إليهم ، حذّروا من مقالة الأشاعرة ، و شهّروا بهم و ببعض أفكارهم التي رأوها شنيعة ، منهم أبو الوفاء بن عقيل ، فإنه بعدما أشار إلى إن الأشاعرة – في موقفهم من كلام الله- قد خالفوا الكتاب و السنة ، و الإجماع و اللغة ، قال عنهم محذرا : (( و اجتنبوا مقالتهم ،و احذروا بدعتهم و ضلالتهم ، تسلموا من بِدعهم ،و اخبروا المسلمين مقالتهم و اعتقادهم الفاسد ))124 .
و منهم أيضا الفقيه أبو محمد بن حزم الظاهري (ت 456ه) ، فقد شهّر بالأشاعرة أيما تشهير ، فذكر إنهم يقولون إن محمدا-عليه الصلاة و السلام- ليس رسولا بعد وفاته ، بدعوى إن الروح عرض، و العرض يفنى أبدا و لا يبقى وقتين بعد الوفاة ، و مقالتهم هذه مخالفة للشرع و الإجماع .و ذكر أيضا إنهم ينكرون السببية و طبائع الأشياء ، و يقولون لا يصح إسلام أحد حتى يكون بعد بلوغه شاكا في الله و نبوة رسوله ،و لا يصح إيمان إلا بكفر ،و لا تصديق إلا بجحود ، ثم توسع في شرح مقالتهم و الرد عليهم125 .
و خامسا هناك أوصاف أخرى مذمومة ، وصف بها بعض أهل الحديث الأشاعرة ، كوصفهم بأنهم مبتدعة ،و أهل بدع ، و قد وصفهم بذلك أبو الحسين بن أبي يعلى ،و أبو عثمان الصابوني الشافعي، و الموفق بن قدامة المقدسي126 . و وصف الحافظ عبد الله الأنصاري الهروي الصوفي الحنبلي ( ت قرن: 5ه ) الأشاعرة بأنهم مخانيث المعتزلة .و قال عنهم يحيى بن عمار: الأشعرية الجهمية الإناث ،و المعتزلة الجهمية الذكور127 . و مرُاد هؤلاء مما قالوه ، هو الطعن في الأشعرية ، مما يُفيد بأنها ليست مذهبا مستقلا صافيا ،و إنما هي بدعة و خليط من عدة مذاهب في مقدمتها الاعتزال .
و ختاما لهذا المبحث ، يتبين أولا إن كل طرف – من الطرفين المتنازعين- يتهم الآخر و يذمه و يشنع عليه ، و ينفي عن نفسه التهم الموجهة إليه جملة و تفصيلا ، و يدعي إنه هو الذي على صواب ،و إن خصمه على ضلال .
و ثانيا إن ما استعمله الطرفان من ذم و اتهامات و تشنيعات ، هو دليل قاطع على ما وصلت إليه الأزمة العقيدية ، من حدة و قسوة و ضراوة ، حتى قسّمت المجتمع السني إلى طائفتين متناحرتين ، كل طائفة تتربص بالأخرى الدوائر، و تكن لها الحقد و الكراهية ،و البغضاء ، فتحوّلت الأزمة إلى محنة عامة اكتوى بها السنيون كلهم .

و ثالثا إن ما ذكرناه من مظاهر الذم و الاتهامات و التشنيعات ، التي تبادلها فيما بينهم أهل الحديث و الأشاعرة ، هي دليل دامغ على إن الأزمة العقيدية –التي عصفت بالسنيين- كانت منذ بدايتها في اتساع و تصعيد و تكريس و تعميق ، و لم تجد الحل الشرعي الصحيح الذي يضع لها حدا نهائيا ،و يُرضي الطرفين المتنازعين .
رابعا : تبادل التكفير و التضليل و اللعن :
تبادل أهل الحديث و الأشاعرة التكفير و التضليل و اللعن ، ضمن النزاع القائم بينهما ، من جراء الأزمة العقيدية التي عصفت بهم –خلال القرنين: 5-6ه و ما بعدهما- فمن ذلك أولا إن من علماء أهل الحديث من كفّر الأشاعرة ضمنيا دون تسميتهم ، و منهم من كفّرهم صراحة ، فمن الصنف الأول أبو محمد البربهاري الحنبلي البغدادي(ت 329ه) ، كفّر من أنكر تكليم الله تعالى لنبيه موسى-عليه السلام- بصوت128 . و حكمه هذا ينطبق على الأشاعرة ، لأنه سبق أن ذكرنا - في التمهيد – إنهم يُنكرون تكلّم الله تعالى بصوت .
و الثاني هو الحافظ اللالكائي (ت 418ه) ، قرر إن القرآن كلام الله تعالى ، تكلم به حقيقة ، و ليس هو عبارة و لا حكاية عنه ، و هو مكتوب في المصاحف ،و محفوظ في الصدور، و من قال غير ذلك فهو كافر ضال مضل129 . و حكمه هذا يندرج فيه الأشاعرة ، و قد أشار إليهم عندما قرر إن كلام الله حقيقة ، ليس هو حكاية و لا عبارة عنه ، و المعروف عنهم إنهم هم الذين يقولون بذلك .
و أما الذين كفّروا الأشاعرة صراحة فمنهم الحافظ أبو نصر السجزي (ت 444ه) ، فقرر إن من قال بمقالة أبي الحسن الأشعري في القرآن الكريم ، فهو كافر بإجماع الفقهاء130 . و منهم أيضا ابن حزم الظاهري ، فإنه كفّر من يقول بمقالة الأشعري في كلام الله تعالى ، و جعلها من أعظم الكفر ، و هي مقالة مخالفة للقرآن و تكذيب لله تعالى131 .
و ثانيا إن الأشاعرة هم أيضا لهم أقوال و مواقف كفّروا فيها من خالفهم ، فمن ذلك ما ذكره السجزي إن الأشعري و أصحابه جعلوا عوام المسلمين –الذين لا يعرفون الله بالأدلة العقلية- ليسوا مؤمنين في الحقيقة ،و إن جرت عليهم أحكام الشريعة132 . و الثاني ما رواه المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي(ت597ه) ، من أن المتكلم أبا ذر الهروي الأشعري (ت قرن: 5ه) كان يعتقد كفر المحدث ابن بطة العكبري الحنبلي133 .
و المثال الثالث ما حدث بين الجنابلة و الأشاعرة ببغداد - على إثر فتنة ابن القشيري- إذ أقدم فقيه أشعري من المدرسة النظامية ، على تكفير الحنابلة سنة 470ه ، مما أدى إلى وقوع فتنة دامية بين الطرفين134 . و المثال الرابع هو إنه لما كان الواعظ أبو بكر البكري ببغداد سنة 475ه وعظ بجامع المنصور بحماية من سلطة بغداد ، فكان مما قاله إنه مدح أحمد بن حنبل ، ثم ذكر قوله تعالى: ما كفر سليمان و لكن الشياطين كفروا ))-سورة البقرة/102- ، و قال : ما كفر أحمد بن حنبل ، و إنما أصحابه135 . و المثال الخامس يتمثل في موقف محمد بن تومرت المصمودي الأشعري(ت 524ه) ، من المغاربة المخالفين له في المذهب –كانوا على مذهب السلف- ، فقد كفّرهم و ضللهم ، و استباح أموالهم و دماءهم136 .
و المثال الأخير-أي السادس- ما حدث للحافظ عبد العني المقدسي الحنبلي الدمشقي(ت600ه) ، فإنه لما أظهر مذهبه في صفات الله تعالى أنكر عليه طائفة من الأشاعرة ، و رفعوا أمره إلى ولي الأمر بدمشق ( سنة 596هه) ، و ناقشوه في مذهبه ، فلما أصر عليه كفّروه و بدّعوه137 .
و أشير هنا إلى إن هناك حوادث أخرى تبادل فيها الطرفان المتنازعان التكفير من الجانبين ، منها إن كلا منهما كفّر الآخر في فتنتي ابن القشيري و أبي بكر البكري المغربي138 .
و منها أيضا ما حدث بمصر بين الحنابلة و أهل الحديث من جهة ،و بين نجم الدين الخبوشاني الأشعري و أصحابه من جهة أخرى ، إذ كان كل طرف يُكفّر الآخر ، حتى جرهم ذلك إلى الاقتتال في حادثة نبش قبر ابن الكيزاني139 .
و أما التضليل فهو يندرج في معنى التكفير ،و قد لا يندرج فيه ، استخدمه أهل الحديث و الأشاعرة في نزاعهما المذهبي المرير ، أذكر من ذلك خمسة أمثلة ، أولها موقف الحافظ السجزي من أئمة الكلابية و الأشعرية الأوائل ، كابن كلاب ،و أبي العباس القلانسي ،و أبي الحسن الأشعري ،و ابن مجاهد البصري، و أبي بكر الباقلاني ، فإنه جعل كل هؤلاء من أئمة الضلال و ألحقهم بالمعتزلة ، لأنهم يدعون الناس إلى مخالفة السنة ، و ترك الحديث ، و ضررهم –عند السجزي- أكثر من ضرر المعتزلة140 .
و ثانيها ما قاله ابن حزم عن الأشاعرة في موقفهم من كلام الله تعالى ، فعدّ مقالتهم فيه ضلالا و استهزاء بآيات الله ، و سخرية بالمسلمين141 . و ثالثها ما كتبه علماء الأشاعرة في رسالتهم إلى الوزير نظام الملك ، فكان مما وصفوا به الحنابلة ، إنهم تمادوا في ضلالهم ،و أصروا على جهالتهم142 . و المثال الرابع هو إن المتكلم أبا الوفاء بن عقيل الحنبلي (ت 513ه) ، عدّ مقالة الأشاعرة في كلام الله تعالى ، ضلالة و بدعة و خطرا على المسلمين143 . و آخرها هو إن الحافظ عبد الغني المقدسي(ت600ه) ، لما تألب عليه جماعة من الأشاعرة و كفّروه و اتهموه بالتجسيم ، أصرّ هو على مذهبه و ضللهم كلهم144 .
و أما اللعن فهو أيضا كانت سوقه رائجة بين أهل الحديث و الأشاعرة ، ضمن النزاع المذهبي القائم بينهما ، فمن ذلك إن الحسين بن أمامة المالكي قال إنه سمع أباه يلعن المتكلم أبا ذر الهروي الأشعري (ت قرن: 5ه) بقوله : (( لعن الله أبا ذر الهروي ، فإنه أول من أدخل الكلام إلى الحرم –أي المكي- ،و أول من بثه في المغاربة ))145 .
و المثال الثاني ما رواه ابن حزم الظاهري ، من أن أحد الأشاعرة بمصر ، كان ينكر تكلم الله تعالى بالقرآن ، و يلعن من يقول ذلك ألف لعنة . ثم عقّب عليه ابن حزم بقوله : إن من يقول ذلك ، عليه ألف ألف لعنة تترى ، ثم وصف الطائفة التي تقول ذلك –أي الأشعري- بأنها الطائفة الملعونة146 .
و الثالث يتعلق بالحافظ عبد الله الأنصاري الهروي الحنبلي الصوفي (ت قرن: 5ه) ، فإنه كان يلعن أبا الحسن الأشعري جهارا بمدينة هراة . و عندما سأله الشافعية و الحنفية – في حضرة نظام الملك- عن سبب لعنه للأشعري ، قال لهم : لا أعرف الأشعري ، و إنما ألعن من لم يعتقد إن الله في السماء ، و إن القرآن في المصحف، و إن النبي اليوم نبيا147 .
و المثال الرابع هو إنه لما دخل الواعظ الحسن بن أبي بكر النيسابوري الحنفي بغداد ، بين سنتي: 515-530ه ، كان يلعن أبا الحسن الأشعري جهارا نهارا ، تحت حماية السلطان السلجوقي مسعود148. و المثال الخامس هو إنه لما كان الواعظ أبو الفتوح الاسفراييني الأشعري (ت 538ه) ببغداد و بالغ في الانتصار للأشعرية ، كثُرت اللعنات بينه و بين الحنابلة ، و في اليوم الذي تُوفي فيه الزاهد ابن الفاعوس الحنبلي (ت 521ه) كان العوام ببغداد يصيحون : هذا يوم سني حنبلي ، لا قشيري و لا أشعري ، و تعرّضوا فيه للواعظ أبي الفتوح ، و رجموه في الأسواق ،و لعنوه و سبوه149 .
و المثال الأخير-أي السادس- هو أنه في سنة 555ه ، اجتمع صبيإ من جهلة أهل الحديث بجامع القصر ببغداد ، و قرؤوا شيئا من أخبار الصفات ،و ذموا المؤولين لها –أي الأشاعرة- ثم لعنوا الحافظ أبا نُعيم الأصفهاني –المتأثر بالأشعرية- و سبوه و كتبوا ذلك على بعض مصنفاته ، فتدخلت سلطة بغداد و منعت المحدثين من قراءة الحديث بجامع القصر150 .

و ختاما لهذا الفصل ، يتبين لنا منه أولا ، إن الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين –خلال القرنين:5-6ه- لم تكن أزمة سطحية عرضية آنية ، و إنما كانت أزمة حقيقية عميقة ، امتدت زمنا طويلا ازدادت خلاله تأزما و تكريسا و توسعا ، و مست مختلف المظاهر الاجتماعية ،و لم تبق محصورة في جانبها الفكري .
و ثانيا إن مظاهرها الاجتماعية كانت عامة و مأساوية للغاية ، إذ جرّت أبناء المذهب السني إلى التنازع و التناحر ،و قسمتهم إلى طائفتين متصارعتين ، فاقتتلوا و تسابوا و تلاعنوا ،و تبادلوا الذم و التشنيع ، و التكفير و التضليل ، و تناسوا إنهم أبناء دين واحد يأمرهم بالتآخي و المحبة ،و بالتعاون و التراحم .
و ثالثا تبين بالشواهد التاريخية الكثيرة إن الأزمة و ما ترتب عنها من فتن و محن ، قادها علماء معروفون من الطائفتين ، مستغلين نفوذهم على العوام و السلطان ، لنشر أفكارهم و تقوية صفوفهم ، فساهموا بذلك في نشر التعصب و تعميق الأزمة و تكريسها و توسيعها لتشمل مختلف مظاهر الحياة .








...................................................................
الفصل الثاني

مظاهر الأزمة العقيدية على المستوى الداخلي للطوائف السنية


أولا: مظاهر تأثير الأزمة على الطائفة الحنفية .
ثانيا : مظاهر تأثير الأزمة على الطائفة المالكية بالمغرب الإسلامي .
ثالثا : مظاهر تأثير الأزمة على الطائفة الشافعية .
رابعا: مظاهر تأثير الأزمة على الطائفة الحنبلية .
خامسا : مظاهر الأزمة على الطائفة الظاهرية .
سادسا: مظاهر تأثير الأزمة على الانسجام الفكري لمذهبي السلف و الخلف .











............................................................

مظاهر الأزمة العقيدية على المستوى الداخلي للطوائف السنية

كان للأزمة العقيدية التي عصفت بالمذهب السني-خلال القرنين:5-6ه- تأثير كبير على التكوين الداخلي للطوائف السنية الخمس ، المتمثلة في : الحنفية ،و المالكية ،و الشافعية ،و الحنابلة ، و الظاهرية ؛ و قد تجلى ذلك التأثير في الاختلاف و ضعف الانسجام داخل الطائفة الواحدة من جهة ، و في علاقتها بباقي الطوائف السنية الأخرى من جهة ثانية .
أولا : مظاهر تأثير الأزمة على الطائفة الحنفية :
لم تكن الطائفة الحنفية على مذهب واحد في أصول الدين ، خلال القرنين الخامس و السادس الهجريين ، فقد تجاذبتها أربعة مذاهب أصولية متنازعة فيما بينها ، مما أدى إلى ظهور أربع طوائف حنفية أصولية ، هي: الحنفية المعتزلية، و الحنفية الكرّامية ، و الخنفية السلفية ،و الحنفية الأشعرية .

فالأولى كان لها أتباع كثيرون – في القرنين:5-6ه- انتشروا ببلاد خُوراسان و خُوارزم ،و العراق151. و من أعلامها : المتكلم اللغوي أبو القاسم بن برهان العكبري (ت456ه) ،و المفسر علي بن الحسن الصندلي النيسابوري (ت484ه) ،و المتكلم عبد السلام بن محمد القزويني (ت 488ه) ،و النحوي محمود بن جرير الضبي الأصفهاني(ت بعد: 507ه) ،و الأديب ناصر بن أبي المكارم الخوارزمي(ت 610ه) ، و هذان الأخيران كانا نشطين في الدعوة للاعتزال ببلاد خُوارزم152 .

و هذه الجماعة كانت معتزلة الأصول تنفي كل صفات الله تعالى153، منها نفي صفة الكلام ، و من ثم فإن القرآن ليس كلامه ، و إنما هو مخلوق من مخلوقاته154 ، لذا فإن هذه الطائفة لم تتأثر تأثيرا واضحا بالأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين ، لأنها أصلا ليست من أهل السنة في الأصول ، و لأن سبب الأزمة لا يعنيها مباشرة ، لكنها ستتأثر بها تأثيرا كبيرا في القرن السابع الهجري و ما بعده ، حين يغزوها مذهب الخلف و يتحول معظم الحنفية إليه155 .
و أما الطائفة الثانية –أي الحنفية الكرّامية- فهي مجسمة و مشبّهة في الصفات ،و تنتسب إلى المتكلم عبد الله بن كلاب السجستاني (ت225ه) ، تمذهبت بمذهب أبي حنيفة في الفروع156 .و كان لها أتباع كثيرون في بلاد خُراسان و العراق ، خلال القرنين الخامس و السادس الهجريين157 .
و كان تأثرها بالأزمة العقيدية –التي ألمت بالمذهب السني – ضعيفا في القرنين الخامس و السادس الهجريين ، بحكم أنها ليست من أهل السنة في الأصول ،و المسألة لا تعنيها ، لكنها تأثرت بها في القرن السابع الهجري و ما بعده ، عندما ضعفت كثيرا و تلاشت نهائيا زمن الحافظ الذهبي(ت 748ه)158 ، بسبب اكتساح مذهب الخلف لها ،و تحول أتباعها إليه159 .
و أما بالنسبة للطائفة الثالثة-أي الحنفية السلفية- فهي الطائفة الأصلية لكل الحنفية ، بحكم إن الإمام أبا حنيفة كان على طريقة السلف في أصول الدين ، وفق منهاج أهل السنة و الجماعة160 . و هذه الطائفة سارت على نهجه في أصول الدين و فروعه ، و قد مثّلها في القرن الرابع الهجري الفقيه أبو جعفر الطحاوي المصري(ت321ه) ، صاحب العقيدة الطحاوية المشهورة ، التي شرح فيها مذهب السلف وفق منهاج أبي حنيفة النعمان161 .
لكنها –أي الطائفة الحنفية السلفية- ضعُفت و قلّ أتباعها في القرنين الخامس و السادس الهجريين ، بعدما التحقت الغالبية من الحنفية بالمعتزلة و الكراّمية162 . و أشهر رجالها الذين مثلوها خلال هذين القرنين ثلاثة علماء ، و هم : الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي المكي (ت 444ه) ، و أبو عبد الله بن يحيى الزبيدي البغدادي(ت555ه) ،و المفسر أبو اليمن تاج الدين الكندي الدمشقي (ت613ه) 163 .
و قد كانت هذه الطائفة –أي الحنفية السلفية- طرفا فاعلا في الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين –خلال القرنين: 5-6ه- ، و وقفت بجانب أهل الحديث في نزاعهم مع الأشاعرة ، و قد ذكر أبو نصر السجزي طرفا من ذلك في رسالته إلى أهل زبيد باليمن164 ؛ لكنها ضعفت كثيرا في القرن السابع الهجري و ما بعده ، و فشلت في جذب الحنفية الكراّمية و المعتزلة إلى صفوفها ، الذين تحوّلوا إلى الأشعرية و الماتريدية ، بشكل جماعي ، على ما سنذكره قريبا إن شاء الله تعالى .
كما إن رجالها الممثلين لها اختفوا تقريبا ، فلم أعثر لهم على أي ذكر خلال القرنين السابع و الثامن الهجريين ، ما عدا المتكلم ابن أبي العز الحنفي الدمشقي(ت792ه) ، صاحب كتاب : شرح العقيدة الطحاوية ، شرح فيه العقيدة الطحاوية على طريقة الحنابلة و أهل الحديث165.
و أما الطائفة الأخيرة- أي الحنفية الأشعرية- فأتباعها كانوا قليلين في القرنين الخامس و السادس الهجريين ، حتى قال ابن الجوزي (ت 597ه) إنه من المستطرف أن يكون الحنفي أشعريا166 ؛ لأن الغالبية العظمى من الحنفية كانوا –في زمانه- كرامية أو معتزلة . و أشهر رجالها في القرن الخامس : المتكلم أبو جعفر السمناني الحنفي الضرير (ت444ه) ، كان من تلاميذ أبي بكر الباقلاني ، و عنه أخذ مذهب الأشعري167 . لكن حالها تغير في القرن السابع الهجري و ما بعده ، إذ تمّكنت من التأثير في الحنفية المعتزلة و الكرامية ، و تحويل أكثرهم إلى المذهب الأشعري على حد قول تاج الدين السبكي168 .
و يتبين مما ذكرناه عن الطائفة الحنفية ، إنها لم تتأثر كثيرا بالأزمة العقيدية –التي عصفت بالمذهب السني خلال القرنين:5-6ه- ، لأن الغالبية العظمى من أتباعها كانوا كراّمية أو معتزلة ، و قلة منهم كانوا سلفية أو أشعرية ، لكنها تأثرت بها تأثرا كبيرا في القرن السابع و ما بعده ، عندما تمّكن مذهب الخلف من جذب معظم أتباعها إليه .
كما أنه لا يخفى علينا إن الطائفة الحنفية كانت منقسمة على نفسها ،و تفتقد إلى الانسجام الفكري فيما بينها من جهة ، و بينها و بين إمامها أبي حنيفة من جهة أخرى ، فمن الثابت تاريخيا إنه –أي أبو حنيفة- كان على مذهب السلف في الصفات ، يُثبتها كلها بلا تكييف ، و لا تحديد ، ولا تعطيل ، ولا تأويل، ولا تجسيم ، ولا تشبيه169 . في حين كانت المعتزلة نافية للصفات ، و الكرامية مجسمة و مشبهة لها ، و الأشعرية المتأخرة مُؤولة لسبع منها ، وأما الحنفية السلفية فهي الوحيدة التي كانت على مذهب أبي حنيفة في الصفات .
ثانيا مظاهر تأثير الأزمة على الطائفة المالكية بالمغرب الإسلامي :
كان معظم أهل المغرب الإسلامي –في القرن الخامس الهجري- مالكية الفروع ، سلفية الأصول ، يُثبتون الصفات بلا تشبيه ،ولا تجسيم ، و لا تعطيل ، و لا تأويل ، و لا تحديد ، و لا تكييف ؛ في مقدمتهم علماء كبار لهم شهرة واسعة ، منهم : ابن أبي زيد القيرواني (ت380ه) ،و محمد بن أبي زمنين (ت399ه) ، و أبو الحسن بن علي القابسي (ت 403ه) ،و أبو عمر الطلمنكي الأندلسي(ت429ه) ، و أبو عمر بن عبد البر الأندلسي(ت463ه)170 .
و مع ذلك فإن الأزمة العقيدية التي عصفت بالمشرق الإسلامي لم تبق محصورة فيه ، ، فقد انتقلت أيضا إلى المغرب الإسلامي ، في القرن الخامس الهجري على أيدي أوائل الأشعرية الذين دخلوا المغرب و حرصوا على نشر فكرهم بين أهله ، كان من بينهم ثلاثة من تلاميذ أبي بكر الباقلاني (ت 403ه) ، و هم : أبو عمران الفاسي(ت430ه) ، و أبو طاهر البغدادي، و الحسين بن عبد الله الأذري171 .
ثم ازدادت الأشعرية نشاطا و اتساعا بالمغرب الإسلامي، عندما تبناها بعض كبار علمائه الذين عاشوا في القرن الخامس ، و النصف الأول من القرن السادس الهجري ، بعضهم رحل إلى المشرق طلبا للعلم ، ثم عاد إلى بلاده متأثرا بالأشعرية ، داعيا و متحمسا لها ، كأبي الوليد الباجي(ت474ه) ،و أبي بكر بن العربي(ت543ه) ، و كان المتكلم الأشعري محمد بن خلف الألبيري (ت537ه) مفتونا بحب إمام الحرمين الجويني ، حتى قال فيه :
حسب حبر يدعى أبا المعالي * هو ديني ففيه لا تعذلوني
أنا و الله مغرم بهواه * عللوني بذكره عللوني 172
و هؤلاء –و غيرهم- هم الذين نقلوا الأزمة العقيدية –التي عصفت بالمذهب السني- إلى بلاد المغرب بنشرهم للأشعرية بين أهله ، مما جعل علماء المالكية-معظمهم على مذهب السلف- يتحركون لمقاومتها، خاصة في زمن دولة المرابطين ( 451-541ه) ، التي كانت حاملة راية مذهب أهل الحديث ، و في ظلها قاوم الفقهاء علم الكلام و أهله ، و ألحقوهم بأهل البدع و الأهواء ، و عدّوا الأشاعرة منهم ،و هم –أي الفقهاء- الذين أفتوا بحرق كتب أبي حامد الغزالي(ت505ه) 173 .
و بذلك تمكن أهل الحديث بالمغرب الإسلامي من تحجيم دور الأشعرية ،و التخفيف من حدة الأزمة العقيدية و آثارها على المجتمع المغاربي، طيلة الحكم المرابطي . لكنها –أي الأزمة- برزت من جديد بقوة ،و اشتدت حدتها على يد محمد بن تومرت(ت 524ه) المتحمس للأشعرية ، و المدعي للمهدوية ، و المتطلع للسلطة ، فما إن عاد من رحلته العلمية المشرقية إلى المغرب ، حتى شرع في نشر دعوته ،و تكوين الأتباع ، و دخل في نزاع فكري و عسكري مع المرابطين ، فاتهمهم بالتجسيم و التشبيه ، و كفرهم و استباح دماءهم و أموالهم ، و دعاهم إلى الأشعرية و الخضوع له ، و دخل معهم في حروب طاحنة انتهت بانتصار الموحدين- أي أتباع ابن تومرت- على المرابطين ، فحملوا المغاربة على ترك مذهب السلف و تبني الأشعرية ، فتحّولوا إليها جماعيا174 .
و بذلك و ضع الموحدون حدا للأزمة العقيدية –التي عصفت بالمذهب السني- بالمغرب الإسلامي ، بتبنيهم للأشعرية و فرضها على الرعية، و إقصائهم لمذهب أهل الحديث ، و لم أعثر على ما يُشير إلى تجدد تلك الأزمة ، في دولتهم و لا في الدول التي جاءت بعدهم ، ربما للأسباب الآتية ، أولها عدم وجود معارضة داخلية للأشعرية من بين علماء المالكية ، الذين تخلّوا عن مذهب السلف و اطمأنوا إلى الأشعرية .
و ثانيها عدم وجود معارضة سنية خارج المالكية - أي من الطوائف السنية الأخرى- التي تتبنى مذهب أهل الحديث ، و تدعوا إليه ، لأن الغالبية الساحقة من المغاربة كانت مالكية الفروع أشعرية الأصول . و ثالثها تبني دول المغرب الإسلامي- التي جاءت بعد الموحدين- للأشعرية كمذهب رسمي وحيد لها ، مما قواها و رسخها و حال دون ظهور أية معارضة لها .
و أشير إلى أن الفقيه أبا الحسن محمد بن عبد المالك الكرجي الشافعي(ت532ه) كان قد انتقد المالكية في إقبالهم على الأشعرية انتقادا لاذعا ، قبل تحوّلهم الكلي إليها ، فقال : (( و قد افتُتن أيضا خلق من المالكية بمذاهب الأشعرية ، و هذا و الله سبة و عار ، و فلتة تعود بالوبال و النكال و سوء الدار ، على منتحل مذاهب هؤلاء الأئمة الكبار ))175 ، أي أئمة السلف الكبار ، كمالك بن أنس، و الليث بن سعد، و الشافعي و أحمد بن حنبل .
و كلامه هذا صحيح ، فإن بإقبال المالكية على الأشعرية المتأخرة ، يكونون قد قطعوا علاقتهم بإمامهم مالك بن أنس في مسائل كثيرة من مسائل أصول الدين ، لمخالفتهم له فيها ، كقضية الصفات ، و الإيمان ،و كلام الله ، و السببية، إذ للأشعرية في هذه المسائل مقولاتها الخاصة انفردت بها ، و خالفت فيها مذهب السلف الذي كان عليه الإمام مالك بن أنس ، و بهذا أصبح المالكية يأخذون بآراء إمامهم و أصحابه الأوائل في الفروع ،و لا يأخذون بكثير من آرائهم في الأصول ، و بمعنى آخر أصبحوا مالكية في الفروع ، أشعرية في الأصول .
و الأمر الغريب في موقفهم هذا ، هو إنهم عندما حملهم الموحدون على الأشعرية تبنّوها و تركوا مذهب السلف و لم يعودوا إليه ، لكنهم عندما حملوهم على ترك مذهب إمامهم في الفروع و أحرقوا كتبه ليتخلوا عنه ، لم يستسلموا لهم و تشبّثوا بمذهب مالك و أفشلوا خطة الموحدين في القضاء على مذهب مالك الفقهي176 .
و ختاما لما ذكرناه يتبين إن تأثر الطائفة المالكية بالأزمة العقدية–التي عصفت بالمذهب السني – كان كبيرا و حاسما ، فهي –أي الأزمة- التي صدّرت إليهم الأشعرية ، و قاوموها في البداية ،لكنهم تبنّوها في النهاية و أخلصوا لها ، و بذلك ارتفعت الأزمة عن المغرب الإسلامي ، بانتصار الأشعرية الساحق على مذهب أهل الحديث ، لكنها بقيت قائمة على أشدها بالمشرق الإسلامي .
ثالثا : مظاهر تأثير الأزمة على الطائفة الشافعية :
لم تكن الطائفة الشافعية بالمشرق الإسلامي تتمتع بانسجام فكري داخلي –خلال القرنين:5-6ه- بسبب الأزمة العقيدية التي عصفت بالمذهب السني، فتجاذبتها أربعة تيارات أصولية رئيسية تمثّلت في أربع طوائف متميزة ، هي: الشافعية الأشعرية ، و الشافعية السلفية ،و الشافية المعتزلية ، و الشافعية المجسمة ، فالطائفة الأولى لم يكن لها وجود بارز إلا في القرن الخامس الهجري و ما بعده ، لأن الشافعية –قبل الأشعرية- كانوا على مذهب السلف في أصول الدين اتباعا لإمامهم محمد بن إدريس الشافعي177 . لكنها –أي الشافعية الأشعرية- أظهرت نشاطها في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري ،و سعت إلى التسلل إلى الشافعية ، فوجدت مقاومة شديدة من أئمة الشافعية في مقدمتهم أبو حامد الاسفراييني(ت406ه)178 . لكنها نجحت في النهاية من اختراق الطائفة الشافعية و استحوذت عليها –خلال القرن الخامس الهجري و ما بعده- ، حيث تحوّل معظم الشافعية إلى الأشعرية بشكل جماعي179 .

فهذا النجاح الذي حققته الطائفة الشافعية الأشعرية ، جاء ثمرة للجهود التي بذلها رجالها في نزاعهم مع أهل الحديث من جهة ، و في دعوتهم لمذهبهم بين الشافعية من جهة أخرى ، ضمن الأزمة العقيدية التي عصفت بالمذهب السني ، و التي نجح رجالها في التعامل معها ،و تحويل تيارها لصالحهم ، و لعل أبرزهم : أبو بكر الباقلاني(ت403ه9، و أبو بكر بن فورك(ت 406ه) ، و عبد الكريم القشيري(ت 465ه) ،و أبو إسحاق الشيرازي(ت 476ه) ، و الوزير السلجوقي نظام الملك (ت485ه9 ، و أبو حامد الغزالي(ت505ه) ،و أبو القاسم بن عساكر(ت 575ه) ، و صلاح الدين الأيوبي (ت 589ه) ،و غيرهم كثير جدا180 .
و أما الطائفة الثانية –أي الشافعية السلفية- فهي الطائفة الأصلية ، التي تمثل مذهب السلف الذي كان عليه الإمام الشافعي، غير أنها فقدت معظم أتباعها عندما نجحت الأشعرية في اختراقها و الاستحواذ على أتباعها خلال القرنين الخامس و السادس الهجريين .
و قد كانت الشافعية السلفية طرفا فاعلا مع أصحاب الحديث في نزاعهم مع الأشعرية ، و كان على رأسها أئمة شافعية كبار ، منذ ظهور الأزمة و تطورها . فمن علمائها في القرن الرابع الهجري: أبو بكر بن خزيمة النيسابوري(ت 311ه) الذي تصدى للكلابية ورد عليها ، و هي سلف الأشعرية ، كما سبق أن بيناه في التمهيد . و منهم أيضا : الحافظ أبو بكر الإسماعيلي الجرجاني(ت371ه) ،و الحافظ أبو سليمان الخطابي البستي(ت388ه)181 .
و من رجالها في القرن الخامس الهجري خمسة علماء ، أولهم شيخ الشافعية ببغداد أبو حامد الاسفراييني (ت406ه) قاوم الأشعرية الأولى في سعيها لنشر أفكارها و التسلل إلى الشافعية182 . و ثانيهم الحافظ أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي البغدادي(ت418ه) ، صاحب كتاب شرح اعتقاد أهل السنة ، أثبت فيه مذهب السلف في الصفات و رد على الأشاعرة و غيرهم183 .
و ثالثهم أبو عثمان إسماعيل الصابوني(ت449ه) ، له كتاب في اعتقاد أهل السنة ، نصر فيه مذهب السلف ، و خالف الأشعرية في التأويل و الإيمان و غيرهما184 . و رابعهم الحافظ أبو بكر بن ثابت الخطيب البغدادي(ت 463ه )، له كلام جيد في تقرير مذهب السلف في الصفات185 . و آخرهم – أي الخامس- الحافظ الصوفي أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني المكي(ت471ه) كان من أصحاب الحافظ أبي نصر السجزي ، و له رد على أبي ذر الهروي الأشعري ،و قصيدة في قواعد أهل السنة186 .
و من رجالها في القرن السادس الهجري خمسة علماء ، أولهم الفقيه محمد بن عبد المالك الكرجي(ت532ه) ، له قصيدة مشهورة في عقيدة السلف ،و له كتاب الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول ، حكى فيه مذهب السلف عن عشرة من أئمته ، كسفيان الثوري ، و عبد الله بن المبارك، و الليث بن سعد187 .
و ثانيهم المتكلم أبو الحسن أحمد بن الأبنوسي البغدادي(ت 524ه) ، كان شافعي الفروع معتزلي الأصول، ثم ترك الاعتزال و تحوّل إلى مذهب أهل الحديث في الأصول188 . و ثالثهم المقرئ اللغوي أبو البيان محمد بن محفوظ السلمي الدمشقي (ت551ه) ، كان لهجا بإثبات الصفات ، منافرا للمتكلمين نفاة الصفات . و قد جرى بينه و بين الشيخ الأمين بن تميم الأشعري كلام في مسألة كلام الله تعالى ، فقال له أبو البيان : (( ويحك ، الحنابلة إذا قيل لهم ما الدليل على أن القرآن بحرف و صوت ، قالوا : قال الله كذا ،و قال رسوله كذا ، و سرد الآيات و الأخبار عن ذلك ، ثم قال له : و أنتم إذا قيل لكم : ما الدليل على إن القرآن معنى قائم بالنفس ؟ قلتم : قال الأخطل (( إن الكلام لفي الفؤاد )) ، ثم قال له : (( إيش هذا الأخطل ، نصراني خبيث ، بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله ، و تركتم الكتاب و السنة ))189 .
و الرابع هو شيخ الشافعية باليمن أبو الخير يحيى بن سالم العمراني)ت558ه) ، كان شافعي الفروع حنبلي الأصول ، له كتاب مشهور في مذهب السلف نصر فيه مقالتهم و رد فيه على الجهمية و الأشاعرة190 .و آخرهم-أي الخامس- المقرئ أبو عبد الله الكيزاني المصري(ت562ه) ، تعصب عليه النجم الخبوشاني الأشعري ، فنبش قبره و أخرج رفاته و دفنها في موضع آخر ، لأنه كان على مذهب الحنابلة و أهل الحديث في الأصول ، و لم يكن أشعريا مثله ، فلم تشفع عنده شافعيته ليُبقيه مدفونا بجانب قبر الشافعي191 .
و أما الطائفة الثالثة –أي الشافعية المعتزلية – فقد كانت قليلة العدد ، مثّلها بعض أعيان أهل العلم ، تمذّهبوا للشافعي في الفروع ، و تبنّوا الاعتزال مذهبا لهم في الأصول ، كالمتكلم أبي الحسين علي بن سعيد الأصطخري(ت 404ه) و الفقيه المتكلم شيخ المعتزلة القاضي عبد الجبار الهمذاني(ت415ه) ،و الفقيه المسند علي بن الحسين الربعي البغدادي(ت502ه) أمضى حياته على الاعتزال ، ثم تاب عنه في آخر عمره192 .
و أما الطائفة الأخيرة –أي الشافعية المشبّهة- فأتباعها من الشافعية الأكراد الذين غلب عليهم التشبيه193. و لم اعثر على أي عالم منهم يمثلهم . و أما ما قاله تاج الدين السبكي من إن قلة لا يُعبأ بها من الشافعية التحقت بأهل التجسيم194 ، فهو –في أغلب الظن- لا يقصد الشافعية الأكراد الذين ذكرناهم ، و إنما يقصد الشافعية السلفيين الذين كانوا على مذهب الحنابلة و أهل الحديث في أصول الدين ؛ و اتهامه لهؤلاء غير صحيح بالمرة ، فهم من أعيان الشافعية ، كانوا على مذهب السلف في الأصول ، و لم يكونوا مجسمة ، و لا مشبهة ، و لا معطلة ، و لا مؤوّلة ، و إنما هو –أي السبكي- نظر إليهم بمنظور الأشعرية المتأخرة لمعنى التنزيه و التشبيه ،و لم ينظر إليهم بمنظورهم لمعنى ذلك195 .

و هنا أتساءل : هل تلك الطوائف الأربع المنتمية للشافعي ، يصح انتماؤها إليه في الأصول ؟ لا شك أولا إن الشافعية المشبهة و المعتزلية لا يصح انتماؤهما للإمام الشافعي ، فهو لم يكن مجسما و لا معتزليا ، و هذا معروف عنه و مشهور لا يحتاج إلى توثيق ؛ فهم انتموا إليه في الفروع لا في الأصول ، فيأخذون بأقواله في الفقه ،و يردونها في أصول الدين ! ! .
و ثايا إن الشافعية الأشعرية تنقسم إلي فرعين ، الأول هو الأشعرية المتقدمة الذي يمثل الأشعري و أصحابه الأوائل ، و هو يتفق مع مذهب السلف- الذي هو مذهب الشافعي- في جوانب كثيرة كإثبات الصفات الخبرية ،و إن خالفه في مسائل أخرى ، كقضية الأفعال الاختيارية ،و كلام الله تعالى،و مسألة الإيمان196 . و الفرع الثاني مثّلته الأشعرية المتأخرة ، قالت بما قاله الفرع الأول ،و زادت عليه تأويل الصفات الخبرية التي وردت في الشرع197 .
و قد تعرّضت الأشعرية – بفرعيها- لانتقادات لاذعة من أبي الحسن الكرجي الشافعي(ت532ه) ، حين قال : ( و من قال : أنا شافعي الشرع –أي الفروع- أشعري الاعتقاد ، قلنا له : هذا من الأضداد ، لا بل من الارتداد ، إذ لم يكن الشافعي أشعري الاعتقاد ، و من قال أنا حنبلي في الفروع معتزلي في الأصول ، قلنا له : قد ضللت إذن عن سواء السبيل فيما تزعمه ، إذ لم يكن أحمد معتزلي الدين و الاجتهاد))198 . و هذه الطائفة –أي الشافعية الأشعرية- هي التي عناها المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي(ت597ه) عندما قال : (( حتى تركت الشافعية معتقد الشافعي ، و دانوا بقول الأشعري))199.
و أما الطائفة الشافعية السلفية ، فواضح من تاريخها و أفكارها و مواقف رجالها إنها هي التي كانت تمثل مذهب الإمام الشافعي تمثيلا كاملا ، أصولا و فروعا .
و يتبين مما ذكرناه عن الطائفة الشافعية ، إنها لم تكن تتمتع بانسجام فكري بين اتجاهاتها الفكرية الداخلية ، لاختلاف مواقفها من مسائل أصول الدين ، التي فجّرت الأزمة العقيدية التي عصفت بالمذهب السني –خلال القرنين:5-6ه - ، مما أدى إلى انقسامها على نفسها إلى أربع طوائف ؛ كانت من بينها طائفة كبيرة هي التي احتضنت الأشعرية و تعصبت لها و دافعت عنها ، فكانت الطرف الأساسي الممثل لمذهب الخلف في نزاعه مع مذهب السلف الذي مثّله الحنابلة و أهل الحديث .
رابعا : مظاهر تأثير الأزمة على الطائفة الحنبلية :
كانت الطائفة الحنبلية طرفا أساسيا في الأزمة العقيدية التي عصفت بالمذهب السني –خلال القرنين: 5-6ه- فتأثر بها أتباعها تأثرا واضحا ،و قسّمتهم إلى خمسة أصناف ضمن الانتماء العام للحنبلية ، و هي : حنابلة متأثرون بالأشعرية ، و حنابلة متأثرون بالاعتزال، و حنابلة متأثرون بالفلسفة اليونانية، و حنابلة متأثرون بالمجسمة ، و حنابلة سلفيون على مذهب أهل الحديث .
فالصنف الأول – المتأثر بالأشعرية- أذكر منه خمسة شخصيات ، أولها القاضي أبو يعلى الفراء(ت458ه) ، و هو وإن كان يُخالف الأشعرية في مسألة التأويل ، فإنه قد تأثر بها و وافقها في بعض أفكارها ، فمن ذلك إنه تأثر بالكلابية و الأشعرية في نفيهما قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، فقال برأيهما مرة ،و خالفهما مرة أخرى ، فكان متذبذبا في هذه المسألة200، رغم إن الشرع قال فيها كلمته النهائية الفاصلة ، في إن لله تعالى الإرادة المطلقة في الكون ، يفعل ما يشاء و يختار ،و هو على كل شيء قدير كقوله تعالى: (( و ربك يخلق ما يشاء و يختار )) –سورةالقصص/68- ، و (( فعال لما يريد )) –سورة البروج/16- ، و (( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون )) –سورة يس/82- . و أما عقلا فهي أيضا ظاهرة البطلان ، لأن الإله الذي لا يستطيع أن يفعل ما يريد ، ليس إلها ،و الذي ليس فعالا لما يريد لا فرق بينه و بين مخلوقاتها .
و تأثر أيضا بقول الأشاعرة في مسألة تقبيح العقل و تحسينه للأشياء201 ، فقال إنه لا مجال للعقل في تحسين شيء من المحسنات ،و لا تقبيح شيء من المقبحات ، و إنما يُعلم ذلك من الشرع202 . و قوله هذا ليس صحيحا على إطلاقه ، فإذا كان العقل يعجز عن تقبيح و تحسين أشياء كثيرة ، فإنه من جهة أخرى يستطيع تحسين و تقبيح أشياء أخرى كثيرة أيضا ، فالعقل يُقبح الظلم ،و السرقة، و الكذب ، و يُحسن العدل و الصدق ، و الوفاء و التعاون ، و هو في ذلك يتفق تمام الاتفاق مع الشرع ، كما أنه –أي العقل- في مقدوره التمييز بين الأنبياء الصادقين ،و بين أدعياء النبوة ، و لو لم يكن في مقدوره التحسين و التقبيح ، لما كانت أية فائدة من مخاطبة الله تعالى لعباده في كتبه ،و أمرهم بتدبرها و تفهّمها و تطبيقها .
كما أنه-أي أبو يعلى الفراء- وافق الأشعرية في نفيها لحكمة الله تعالى في مخلوقاته203 ؛ مما يدل على أنه كان مضطربا يفتقد إلى الرسوخ في هذا الأمر ، تتجاذبه الأشعرية من جهة ، و الحنبلية من جهة أخرى فيما يخص بعض مسائل أصول الدين .
و الثاني هو المتكلم أبو الوفاء بن عقيل ، تأثر بالأشعرية في إنكاره قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، و كان مضطربا في مسألة التأويل ، متأثرا بها أيضا ، فتارة يُوجبه و تارة يُحرمه و يذمه و ينهي عنه ، لكنه تخلّص من ذلك في آخر عمره ، و عاد إلى السنة المحضة204 ، و صنف في الرد عليها كتبا ، منها كتاب الرد على الأشاعرة العزال ، و قد استخدمناه في بحثنا هذا مرارا .
و يرى الشيخ تقي الدين بن تيمية إن أبا الحسن الأشعري كان أقرب إلى أصول الإمام أحمد من ابن عقيل ،و أتبع لها منه ، لأنه (( كلما كان عهد الإنـسان بالسلف أقرب ، كان أعلم بالمنقول و المعقول ))205 . لأن السلف الأول كانوا أكثر صوابا ، لكثرة الخير و قلة الشر في زمنهم ، و لسلامة الفهم القائم على الكتاب و السنة ، الموافق للمنقول و المعقول معا ، لكن قوله ليس حكما عاما ، فهو يصدق على كثير من الناس ، و لا يصدق عليهم كلهم ، و إلا كانت السبئية ،و الجهمية و المعتزلة ، أعلم بالمنقول و المعقول من كبار أئمة السلف الذين عاشوا في القرن الثالث الهجري ، كالشافعي، و أحمد ،و إسحاق بن راهويه، و القاسم بن سلام ، و البخاري و مسلم ، بحكم إن أولئك أسبق زمنيا من هؤلاء .
و الثالث هو المتكلم أبو الحسن بن الزاغوني البغدادي(ت527ه) ، قال بعدم تحسين العقل للأشياء و تقبيحها ، و أنكر قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، و نفى حكمة الله في مخلوقاته ، بتأثير من الأشعرية و أصحابه المتأثرين بها206 .
و الرابع هو المتكلم صدقة بن الحسين البغدادي (ت573ه) ، اتبع رأي الأشعرية في القرآن الكريم ، فقال : (( إن ما في المصحف ليس بكلام الله حقيقة ، و إنما هو عبارة عنه ، و دلالة عليه ، و إنما سُمي كلام الله مجازا ))207 . و قوله هذا مجرد زعم ، لا دليل عليه من النقل و لا من العقل ، و سنناقشه في موضعه المناسب من الفصل الثالث ، إن شاء الله تعالى
و آخرهم –أي الخامس- هو عبد الرحمن بن الجوزي(ت597ه) ، أوّل بعض الصفات ،كالنزول و الوجه ، و قال إن الخلق هو المخلوق ،و الفعل هو المفعول ، بتأثير من الأشعرية208 . مما جعل المتكلم ابن الأهدل اليمني الأشعري(ت 855ه) ، يدعي إن ابن الجوزي كان أشعري الأصول ، حنبلي الفروع ، و وافقه على ذلك الكاتب المعاصر محمود صبحي ، و قال أنه كان من الممكن التحاق بعض الحنابلة بابن الجوزي ، غير أنه يبدو إن ارتباط الأشعرية بالصوفية حال دون ذلك209 .
و قولهما هذا -عن تحوّل ابن الجوزي إلى الأشعرية- غير ثابت ، و تدفعه طائفة من الشواهد التاريخية ، أولها إن ابن الجوزي كان مضطربا في مسألة الصفات ، فيثبتها مرة و ينفيها مرة أخرى ، فقد ذكرنا –مثلا- أنه أوّل صفة الوجه ، لكنه أثبتها في مواضع أخرى من كتبه210 . و ثانيها إن علماء الحنابلة ببغداد أنكروا على ابن الجوزي نفيه لبعض الصفات ،و ميله للتأويل ، و تأثره بالأشاعرة ، و أرسلوا إليه خطابا طويلا مشحونا بالتحذير و النصح و التهديد و التخويف ، و قالوا له فيه أنه أساء لمذهب الإمام أحمد الذي ينتسب إليه211 ؛ فلو كان قد ترك مذهبه في الأصول و التحق بالأشاعرة ، ما جاء خطابهم إليه بذلك الأسلوب ،و لصرّحوا فيه بأنه ترك مذهبهم ،و ربما ما أرسلوه إليه أصلا .
و الشاهد الثالث هو إن لابن الجوزي أقوالا ذم فيها أبا الحسن الأشعري و أصحابه ، فقال عن الأشعري أنه جاء بمقالة خبّطت عقائد الناس ،و أوجبت الفتن المتصلة212 ،و عرّض بأصحابه و وصفهم بأهل البدع ،و أنهم يقولون : (( ما في السماء أحد ، و لا في المصحف قرآن ، و لا في القبر نبي ، ثلاث عورات لكم ))213.
و الشاهد الرابع هو أنه انتقد الأشاعرة في موقفهم من كلام الله تعالى ، و شهّر بهم و رد عليهم ،و خالفهم في مفهوم التشبيه ، فهو عنده أن يُقال : (( بصر الله كبصر الإنسان ، و يده كيده ))214 . و عندهم هو إثبات الصفات الخبرية بلا تأويل215 .
فيتبين مما ذكرناه عن ابن الجوزي ، أنه كان متذبذبا في مسألة الصفات مضطربا في موقفه منها ، بين الحنبلية و الأشعرية . و إن تأثره ببعض أفكار الأشاعرة لم ينقله عن مذهبه إلى مذهبهم ، لكنه جلب عليه إنكار علماء الحنابلة ، و انتقادهم إياه .
و أما ما ذهب إليه الكاتب محمود صبحي ، فلا توجد علاقة تلازم بين الأشعرية و التصوّف ، لأن أكثر الحنابلة المتأثرين بالأشعرية هم خُصوم ألداء للصوفية ، كأبي الوفاء بن عقيل ،و ابن الجوزي216 . كما إن كبار صوفية الحنابلة لم يكونوا أشاعرة ، بل كانوا خصوما لها ، كعبد الله الأنصاري الهروي (ت481ه)، و عبد القادر الجيلاني(ت561ه)217 .
و أشير في هذا المقام إلى ثلاثة أمور لها علاقة بالحنابلة المتأثرين بالأشعرية ، أولها إن الحافظ ابن عساكر ذكر إن الفقيه أبا الخطاب الكلوذاني الحنبلي البغدادي(ت510ه) ، نُُسب إلى الأشاعرة218 . بمعنى أنه كان شديد التأثر بالأشعرية ، حتى نُسب إليهم ، لكنني بحثت كثيرا في كتب التاريخ العام و التراجم و طبقات الحنابلة ، و لم أعثر على ما يُشير إلى ما ذكره ابن عساكر،و إنما عثرت على ما يُضعف ما قاله تماما ، و ذلك إن للكلوذاني قصيدة دالية مشهورة ، في أصول مذهب الحنابلة، تخالف بعض ما عليه الأشاعرة في أصول الدين ، فأثبت فيها الاستواء على العرش، و النزول، و قرر إن القرآن كلام الله حقيقة، و إن الإيمان عمل و تصديق 219 .
و الأمر الثاني هو أن المتكلم ابن الأهدل اليمني الأشعري ، ادعى إن الشيخ عبد القادر الجيلاني كان أشعري المعتقد حنبلي الفروع220 ، مسايرا للمؤرخ اليافعي المكي الصوفي(ت 768ه ) الذي روى إن الشيخ الجيلاني غيّر اعتقاده في آخر عمره ، مدعيا إن الشيخ نجم الدين الأصفهاني أخبره إن الجيلاني لما (( بلغه إن الفقيه الإمام البارع المشكور تقي الدين بن دقيق العيد المشهور تعجّب من شذوذ الشيخ عبد القادر المذكور ، في اعتقاده عن موافقة الجمهور العارفين،و العلماء المحققين في مسألة الجهة المعروفة )) غيرّ-أي الجيلاني- عقيدته في الجهة و المكان ، في آخر عمره221 .ثم أضاف اليافعي أنه لا يشك في الشيخ نجم الدين-الذي أخبره بذلك- لأنه من ذوي الكشف و النور ، و يسكن في العراق ، فهو قريب من موطن الشيخ الجيلاني222 .

و أقول-ردا عليه- : إن ما ادعاه اليافعي باطل لا يصح لعدة و جوه ، أولها إن الشيخ عبد القادر أثبت الصفات الإلهية ، كالعلو ، و الجهة ، و الاستواء على العرش ، في كتابه الغنية و لم يؤوّلها ، و رد فيه على الأشاعرة في مسألة النزول و الصوت و الحرف ، و ذمهم و وصفهم بالابتداع223 . و الثاني هو إن اليافعي انفرد بهذا الخبر عن غيره من المؤرخين ، فأنني لم أعثر عليه في كتب التراجم و التواريخ ، و الطبقات التي اطلعت عليها . لذا فمن المستبعد جدا أن يغيّر الجيلاني اعتقاده الحنبلي ، و لا يشتهر ذلك عنه بين الحنابلة و الطوائف الإسلامية الأخرى ، و بين خصومه الحنابلة الذين يبحثون عن أي شيء للطعن فيه224 . و الثالث إن خبره يحمل في ذاته الدليل القاطع على بطلانه ، لأن فيه إن الشيخ عبد القادر غيّر اعتقاده ، عندما بلغه ما قاله عنه الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد . فكيف يبلغه ذلك و هذا الأخير قد ولد في سنة 625ه ، و توفي في سنة 702ه ، و والده مجد الدين قد ولد في عام 581ه ، و توفي في عام 667ه225 ، و الشيخ الجيلاني توفي في سنة 561ه ، فبينه و بين الابن أربع و ستين سنة ، و بينه و بين الأب عشرين سنة ؟ أليس هذا دليل قاطع على بطلان خبر اليافعي ؟ و الرابع هو إن اليافعي كان متعصبا للأشعرية ، و يذم كبار علماء الحنابلة226، لذا يبدو أنه عزّ عليه أن يكون أحد أقطاب الصوفية حنبليا أصولا و فروعا، و لا يكون أشعريا ، لذلك روي خبر تغيير الجيلاني لاعتقاده في آخر عمره و هو يعلم ما بينه و بين ابن دقيق العيد من زمن طويل ، و لم يُبال بذلك .
و الأمر الثالث هو إن الفقيهين العز بن عبد السلام (ت قرن: 7ه) ،و تاج الدين السبكي (ت قرن: 8ه) قالا إن فضلاء الحنابلة كانوا على عقيدة الأشعري ، و أضاف السبكي إن الرعاع من الحنابلة هم الذين خرجوا عن عقيدة الأشعري، و التحقوا بأهل التجسيم227 .
و أقول : أولا إنهما لم يذكرا لنا من هم فضلاء الحنابلة الذين كانوا على عقيدة الأشعري ، لكي نتحقق من ذلك ؛ و أغلب الظن إنهما يقصدان بعض من ذكرنا إنهم تأثروا بالأشعرية ، كابن الجوزي ،و ابن عقيل، و أبي الخطاب الكلوذاني ، و هؤلاء سبق أن بينا إنهم تأثروا ببعض مقالات الأشعرية و لم ينتموا إليها و لا التحقوا بأهلها ، وذكرنا إنهم ذموها و ردوا عليها ردا عنيفا . فأين إذن هؤلاء الفضلاء الذين كانوا على مذهب الأشعري ؟ ! .
و ثانيا إن ما قاله السُبكي من إن الحنابلة الذين رفضوا الأشعرية ، هم رعاع التحقوا بالمجسمة ، هو اتهام خطير ، وبهتان مكشوف، و دعوى لا دليل عليها ،و مجازفة دافعها التعصب المذموم ، لأن معنى زعمه أن الغالبية الساحقة من علماء الحنابلة كانوا رعاعا مجسمة ، فأعيان الحنابلة الذين كانوا على مذهب السلف ، كغلام الخلال ، و ابن شاقلا، و الشريف أبي جعفر، و أبي البركات الأنماطي، و ابن هبيرة ، و الحافظ عبد الغني، و الموفق بن قدامة، و الحافظ الضياء، و مجد الدين بن تيمية ، و تقي الدين بن تيمية ، و ابن القيم الجوزية ، و غيرهم كثير ، هؤلاء كلهم هم عند التاج السُبكي رعاع مجسمة ، و هذا-بلا شك – ادعاء باطل مردود على صاحبه ، دافعه تعصب ممقوت .
و أما الصنف الثاني –أي المتأثرون بالمعتزلة- ، فمنهم أبو الوفاء بن عقيل ، تلقى علم الكلام سرا على يد المعتزلة ، فتأثر بهم و أظهر تعظيمه لهم ،و تأويله لبعض الصفات ، فنقم عليه أصحابه سنة 461ه ، و أصر هو على موقفه ، فضيقوا عليه و طاردوه ، و كفّروه و أهدروا دمه ، فهرب منهم و اختفى خوفا من القتل ، و بعد 5 سنوات من المطاردة و التحدي ، وضع ابن عقيل حدا لمحنته سنة 465ه ، فرجع إلى أصحابه و أعلن توبته عما كان عليه ،و كتبها بيده في حضرة أعيان الحنابلة228 . و في آخر أيام حياته استقام منهجه الفكري ،و تخلّص من تأثيرات الأشعرية و الاعتزال ، و عاد إلى السنة المحضة229 .
و بالنسبة للصنف الثالث –المتأثرون بالفلسفة- فقد وجدت طائفة من علماء الحنابلة تأثروا بالفلسفة اليونانية ، في أثناء النزاع العقيدي الحاد الذي كان قائما بين أهل الحديث و الأشاعرة ، فساهم ذلك النزاع في تأثر هؤلاء بالفلسفة اليونانية ، التي أفسدت لهم كثيرا من أفكارهم و سلوكياتهم ، و هم : أبو الفضل محمد بن زبيبا البغدادي (ت511ه) ،و قاضي المارستان محمد بن عبد الباقي البغدادي(ت 535ه) ،و صدقة بن الحسين الحداد البغدادي (ت 573ه) ، و الفخر إسماعيل غلام بن المني(ت610ه) ،و عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلاني(ت611ه)230 .
و أما الصنف الرابع –المتأثرون بالمشبهة- فهم المبالغون في إثبات صفات الله تعالى ، لتعلّقهم بأحاديث غير صحيحة أوهمت التشبيه ، أو صرّحت به ، مما جعل بعض العلماء يتهمهم بالتشبيه و التجسيم ، كاتهام ابن الجوزي لثلاثة من أعلام الحنابلة بالتشبيه ، و هم : ابو عبد الله بن حامد ، و القاضي أبو يعلى الفراء ، و أبو الحسن الزاغزني231 . و قد صنف كتابه دفع شبه التشبيه ردا على هؤلاء الثلاثة ، لكن رده لم يكن ردا كاملا صحيحا في كل جوانبه ، فكثيرا ما رد باطلا بباطل ، و خطأ بخطأ ، لأنه انتقد هؤلاء المبالغين في الإثبات بمنهج التأويل على طريقة الأشاعرة ، الذي هو نفي للصفات الخبرية و تعطيل لها232 . و الصواب هو إنه كان عليه أن يرد عليهم بمنهج الكتاب و السنة و السلف الصالح ، في إثبات الصفات الواردة في القرآن و السنة الصحيحة ، بلا تشبيه و لا تأويل ، ولا تعطيل و لا تكييف .
و أشير هنا إلى إن هؤلاء المتهمين بالتشبيه و التجسيم لا يُقرون بما اتهموا به ، و ينفونه جملة و تفصيلا ، و يقولون إنهم يُثبتون لله تعالى ما أثبته لنفسه ،و ما أثبته له رسوله-عليه الصلاة و السلام- ، و هو منهج أهل السنة في مسألة الصفات233 . و منهجهم هذا صحيح بلا شك ، لكن الخلل دخل عليهم من أنهم لا يُميزون بين صحيح السنة من سقيمها ، فأخذوا بأحاديث- غير صحيحة- صريحة في التشبيه أفسدت عليهم عقيدتهم و منهاجهم في الصفات . فكان هذا هو السبب الرئيسي في وجود طائفة من الحنابلة مُتهمة بالتشبيه و التجسيم ، مما جهل الشيخ تقي الدين بن تيمية يعترف –ضمنيا- بوجود جماعة مشبهة تنتمي إلى الإمام اجمد ، عندما ذكر إن التجسيم وُجد في الشافعية ،و الحنفية ، أكثر مما وُجد في الحنابلة ، ثم أكد إن الحنبلية المحضة ، بريئة من ذلك234 .
و أما الصنف الأخير- أي الخامس- فهم الحنابلة السلفيون المتمسكون بمنهج الإمام أحمد و أهل الحديث في أصول الدين ، و هم يُمثلون الغالبية الساحقة من علماء الحنابلة ، و يُعدون بالمئات نجدهم في مصنفات تراجم الحنابلة ، كطبقات الحنابلة لأبي الحسين بن أبي يعلى ، و الذيل على طبقات الحنابلة ، لابن رجب البغدادي ، و المنهج الأحمد للعليمي ، و منهم : الخلال ، و غلام الخلال ، و ابن شاقلا ، و ابن بطة ، و ابن البناء ، و الشريف أبو جعفر، و أبو العلاء العطار ، و ابن ناصر السلامي، و ابن هبيرة ، و الشيخ أبو عمر المقدسي ، و الحافظ عبد الغني ، و الموفق بن قدامة المقدسي ، و الحافظ الضياء ، و ابن تيمية ، و ابن القيم ،و غيرهم كثير جدا .
و يُستنتج مما ذكرناه عن الطائفة الحنبلية ، إنها لم تعرف تحولا عاما عن مذهبها الأصلي إلى الأشعرية أو إلى مذهب آخر ، كما حدث للطوائف السنية التي سبق ذكرها ؛ و إنما حدث فيها تأثر بعض منهم بأفكار مذاهب أخرى ، دون الذوبان فيها و الانتقال إليها ، مما يدل على إن الأزمة العقيدية –التي عصفت بالمذهب السني- كان تأثيرها عليهم في دفعهم إلى التمسك أكثر بمذهبهم ، لا إلى تركه و الالتحاق بمذاهب أخرى ، مما أهلهم ليكونوا في مقدمة أهل الحديث في نزاعهم العقيدي مع الأشاعرة ، خلال القرنين الخامس و السادس الهجريين .
خامسا : الطائفة الظاهرية :
تنتمي الطائفة الظاهرية إلى الفقيه داود بن علي الظاهري البغدادي(ت 270ه) ، كان يأخذ بظاهر النصوص في الفقه ،و ينكر القياس ، و يتبنى مذهب أهل الحديث في صفات الله تعالى ، و يقول بقيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى235 . لكن أتباعه من بعده اختلفوا فيما بينهم ، و جرفهم تيار الأزمة العقيدية الذي عصف بالمذهب السني –حلال القرنين:5-6ه- ، فمنهم من سلك طريق المعتزلة و الفلاسفة ،و منهم من سلك طريق المشبهة ، و منهم من تمسك بمنهج إمام المذهب .
فمن المتأثرين بالمعتزلة و الفلاسفة ، ابن حزم الظاهري (ت456ه) كان منهجه الفكري مضطربا ، يأخذ بالظاهر في الفروع و ينكر القياس الجلي و الخفي ، و يُبالغ في تأويل آيات و أحاديث الصفات ، و ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى،و كان يزعم إن أسماء الله الحسنى ، كالحي و العليم ،و القدير ، هي بمنزلة أسماء الأعلام لا معنى لها ، فلا تدل على حياة ، و لا على علم ، و لا على قدرة ، و لا فرق بين الحي و العليم و القدير في المعنى أصلا236 . و قوله هذا –عند ابن تيمية- هو سفسطة في العقليات ،و قرمطة237 في السمعيات ، فنحن نعلم بالاضطرار الفرق بين الحي و القدير و العليم ، و الملك و القدوس و الغفور ، و إن العبد إذا قال : ربي أغفر لي ،و تُب علي ّ إنك أنت التواب الغفور ، كان قد أحسن في مناجاة ربه ، و هو تعالى ذكر إن له أسماء حسنى ، فله سبحانه الحسنى دون السوأى ، فلو كانت بمنزلة الأعلام الجمادات التي لا تدل على معنى ، ما انقسمت إلى حسنى هي لله ، و إلى سوأى ليست له ، فابن حزم سمى معبوده بالميت و العاجز و الجاهل ، بدلا من الحي و العالم و القادر238 .
و أقول : إن ما زعمه ابن حزم غلط فاحش ،و طعن في الله و رسوله ، لأن معنى زعمه إن الله تعالى عندما حثنا على دعائه ليغفر لنا ، و يتوب علينا ، و يرحمنا ،و يرزقنا ،و يلطف بنا ، كان يستهزئ بنا و يكذب علينا ، لأنه حسب زعمه-أي ابن حزم- إن الله تعالى هو ذاته غير موصوف بتلك الصفات ، فكيف يستجيب لنا ؟ ؟ !! ، و حاشا لله تعالى أن يصدر منه ذلك الزعم الباطل ، الذي يستلزمه قول ابن حزم ، فالله تعالى مُتصف بصفات الجلال و العظمة على الحقيقة لا على المجاز ، و آثارها واضحة جلية في كتابه المنظور-الكون- ،و في كتابه المسطور –أي القرآن الكريم - .
و مع ذلك نجد ابن حزم يدعي إنه يأخذ بظاهر النصوص ،و إنه على مذهب أصحاب الحديث و السلف الصالح، ،و إن قوله هو قول أهل السنة و الجماعة ، و نجده أيضا يُبالغ في ذم الأشعري و أصحابه ،و يقول إنهم خرجوا عن مذهب أهل السنة ، في الصفات ، في حين إن حقيقة مذهبه إنه قريب جدا من مقالة المعتزلة و الفلاسفة ، و الأشاعرة الذين ذمهم هم أقرب منه بكثير إلى مذهب السلف في مسألة الصفات239 .
و يعود سبب غلط ابن حزم و انحرافه ، في باب التوحيد و الأسماء و الصفات إلى أنه تأثر –أيام شبابه- بالفلسفة و الاعتزال عن طريق بعض شيوخه ، فلم يتفق له أن وجد من يُبين له خطأ ما أخذه عن هؤلاء240 ؛ فلما كبُر-على ما يبدو- لم يُراجع نفسه في إعادة تحقيق معلوماته و تمحيصها في مجال الصفات ، بعرضها على صحيح المنقول و صريح المعقول ، فبقي على ذلك الانحراف الذي يتصادم مع مذهب السلف و مذهب إمامه الذي ينتمي إليه.
و أما الظاهرية المتأثرون بالمشبهة فالمشهور منهم : الحافظ أبو عامر بن سعدون الميورقي الأندلسي ثم البغدادي(ت524ه) ، اتُهم بالتشبيه ،و رُوي إنه كان يعتقد في أحاديث الصفات التشبيه ، و يُقال إنه قرأ يوما ببغداد قوله تعالى: (( يوم يكشف عن ساق ))-سورة القلم/42- ، فضرب على ساقه و قال : ساق كساقي ، ثم قال: أهل البدع يحتجون بقوله تعالى : (( ليس كمثله شيء ))-سورةالشورى/11- ، و معناه ليس كمثله شيء في الألوهية ، و أما في الصورة فهو مثلي و مثلك ،و قد قال تعالى عن زوجات نبيه : (( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)) –سورة الأحزاب/32- ، أي في الحرمة لا في الصورة241 .
و كلامه هذا مردود عليه ، لما فيه من التغليط و التمويه و الفهم الخطأ ، لأن قوله تعالى : (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير )) ، هو كلام مطلق غير مقيد ، يشمل ذات الله تعالى مطلقا دون تفريق بين صفاته ، و كذلك قوله تعالى: (( لم يكن له كفؤا أحد ))-سورة الإخلاص /4- ، ففيه نفي مطلق من أن يكون لله كفؤ في ذاته و صفاته ؛ و هذا الظاهري المخدوع هو المطالب بدليل التقييد ،و لن يجده إلا في هواه و جهله ، و متى كان كتاب الله يُفسر بالجهل و الهوى ؟ ! .
و أما استشهاده بقوله تعالى: (( يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)) ، فلا يصح الاستشهاد به أصلا ، لأن زوجات النبي لهن مثيلات في الصورة و الحرمة ، فبخصوص الصورة فهن يشبهن نساء العالم، و بالنسبة للحرمة ، فلهن مثيلات في زوجات الأنبياء السابقين ، و أما الله تعالى فليس له مثيل و لا شبيه في الذات و لا الصفات ، و بذلك فإن المقارنة باطلة من أساسها .
و يُستنتج مما ذكرناه عن الطائفة الظاهرية ، إنها تأثرت أيضا بالأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين في القرنين الخامس و السادس الهجريين ، حتى أخرجت بعض أقطابها عن مذهب إمامهم السلفي الاعتقاد ، فأدخلت ابن حزم في التأويل و التعطيل ، و زجّت بأبي عامر الميورقي في التشبيه و التجسيم .
و ختاما لما أوردناه عن تأثير الأزمة العقيدية على الطوائف السنية ، يتبين لنا منه إن تأثيرها على الحنفية و المالكية و الشافعية كان كبيرا ، إذ نقلتهم من مذهب أئمتهم –أي مذهب السلف- إلى مذهب الخلف-أي الأشعرية و الماتريدية- ، إلا قلة منهم قاومت التأثير ،و كانت طرفا فاعلا في الأزمة ، و ظلّت متمسكة بمذهب أهل الحديث ، الذي هو مذهب السلف الصالح .
و أما تأثيرها على الحنابلة فتمثل في دفعهم لمقاومة الأشعرية ،و القيام بعمل فاعل أساسي في الدفاع عن مذهب أهل الحديث ، و التمسك به ، إلا قلة منهم تأثرت بالأشعرية و الاعتزال ،و الفلسفة و التجسيم . فالفارق الواضح بينهم و بين الطوائف السنية الأخرى –في تأثرهم بالأزمة- هو إنهم ظلّوا متمسكين بمذهب السلف ، إلا قلة منهم تأثرت بغيره من المذاهب، مقابل الطوائف السنية الأخرى التي تحوّلت إلى مذهب الخلف ، إلا قلة من أتباعها لم تتحوّل إليه ، و ظلت متمسكة بمذهب السلف ، فكان ذلك مظهرا من مظاهر الأزمة العقيدية التي عصفت بالمذهب السني في القرنين الخامس و السادس الهجريين .
سادسا : مظاهر تأثير الأزمة على الانسجام الداخلي لمذهبي السلف و الخلف :
تركت الأزمة العقيدية –التي عصفت بالمذهب السني- تأثيرا كبيرا على الانسجام الداخلي لكل من مذهبي السلف- أي أهل الحديث- و الخلف- أي الأشعرية – مما يدل على مدى عمق الأزمة ،و ما أحدثته من اختلافات و اتفاقات داخل المذهب الواحد .
(أ) تأثيرها على الانسجام الداخلي للأشعرية :
كان للأزمة العقيدية تأثير سلبي واضح على الانسجام المنهجي الداخلي للأشعرية ، تجلى ذلك بوضوح في أمرين ، الأول القول بأن للأشعري قولين في مسألة الصفات . و ثانيهما رجوع شخصيات أشعرية كبيرة عن التأويل . فبالنسبة للأول يقول الأشاعرة إن لهم و لإمامهم الأشعري قولين في مسألة الصفات ، الأول هو الإثبات و الامرار مع اعتقاد التنزيه ،و الثاني هو تأويل الصفات 242 .
لكن بعض العلماء لم يوافقهم على ما رووه عن إمامهم ، فذكر الحافظ شمس الدين الذهبي إنه رأى لأبي الحسن الأشعري أربعة كتب في أصول الدين قرر فيها مذهب السلف في الصفات ،و قال إنها تُمر كما جاءت243 . و أكد شيخ الإسلام ابن تيمية إنه ليس للأشعري و أصحابه الأوائل في مسألة الصفات إلا قول واحد ، هو الإثبات لا التأويل ، و إنما أتباعه هم الذين لهم قولان في ذلك ، و أدخلوا في مذهبه –أي مذهب الأشعري- أشياء من أصول المعتزلة244 .
و ذكر أيضا-أي ابن تيمية- إن الأشعري اُبتلي بطائفتين ، واحدة تبغضه و أخرى تحبه ، و كل منهما يكذب عليه ، و يقول عن الأشعري إنه صنف كتبه التي أثبت فيها الصفات الخبرية – كالإبانة و المقالات- تقية و إظهارا لموافقة أهل السنة من الحنابلة و أهل الحديث ، و هذا عند ابن تيمية ، كذب على الرجل ، فإنه لم يُوجد له قول باطن يُخالف الأقوال التي أظهرها ، و لم ينقل عنه خواص أصحابه –و لا غيرهم- ما يُناقض الأقوال الموجودة في مصنفاته ، فتلك الدعوى إذن مردودة شرعا و عقلا . ثم ذكر غن الذين يُحبون الأشعري و يُخالفونه في الصفات الخبرية، يقصدون من نفيهم ذلك عنه ، لئلا يُقال إنهم خالفوه في موقفه من الصفات245 .
و الذي يهمنا هنا هو إن في المذهب الأشعري قولين في مسألة الصفات ، و هذا مظهر من مظاهر الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين ، فإذا ثبت أن الأشعري تبنى قولين في الصفات فهذا يعني إنه كان مضطربا في هذه المسألة ، لم يتوصل فيها إلى حل صحيح ، و اتخذ منها موقفا متناقضا ، لأن الجمع بين إثبات الصفات و تأويلها هو تناقض ، فيه جمع بين النفي و الإثبات في مسألة واحدة ، و لا يصح أن يُقال إن موقفه هو تنوّع في الحلول ، لأن موقفه هذا هو اختلاف تناقض لا اختلاف تنوّع ، و من ثمّ فإن من كان هذا حاله فلا يصح الإقتداء به ، فيما أخطأ فيه .
و أما إذا كان الأشاعرة المتأخرون هم الذين اختلقوا ذلك و نسبوه لإمامهم ، فإن الاعتراض السابق يُوجه إليهم ، و يصبح موقفهم هذا هو خروج عن مذهب إمامهم الأشعري و افتراء عليه ، و لا يصح نسبته إليه . و هم في إثباتهم لسبع صفات و تأويلهم لباقي الصفات –أي الخبرية- هم متناقضون مع أنفسهم ، لأن المنطق الذي أثبتوا به سبع صفات ، هو نفسه يفرض عليهم إثبات التي أوّلوها ، و المنطق الذي أوّلوا به- ما عدا التي أثبتوها- يفرض عليهم أيضا تأويل السبع التي أثبتوها . كما إن تسميتهم للتي أثبتوها بأنها عقلية ،و التي أوّلوها بأنها خبرية ، هو تقسيم غير صحيح و لا مبرر له ، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته ، و من ثمّ فلا فرق بين صفة السمع و صفة النزول ، و لا بين البصر و الحكمة من حيث الثبوت ، لذا فإن المفروض هو إثبات كل الصفات التي وردت في الشرع ، بلا تشبيه و لا تكييف، و لا تأويل و لا تعطيل ، لأنها كلها من الله تعالى و رسوله –عليه الصلاة و السلام- . و بذلك يتبين لنا إن القول بوجود قولين في المذهب الأشعري في مسألة الصفات ، هو مشكلة و ليس حلا ، جعلت المذهب متناقضا غير منسجم .
و أما الأمر الثاني –في تأثير الأزمة سلبا على انسجام الأشعرية داخليا- فهو اضطراب شخصيات أشعرية كبيرة الشأن في مسألة الصفات ، و رجوعها عن التأويل إلى الإثبات ، فهؤلاء و بتأثير من الأزمة العقيدية –التي عصفت بالمذهب السني – و إحساسهم بالتناقض الذي عليه مذهبهم ، دخلوا في صراع فكري و اضطراب نفسي ، بحثا عن الحقيقة بين المثبتين للصفات و المؤولين لها ، فانتهى بهم المطاف إلى ترك التأويل –في آخر أعمارهم- و الاستقرار على الإثبات ، على منهاج السلف الصالح ، كان في مقدمتهم الفقيه المتكلم أبو محمد بن يوسف الطائي الجويني (ت 438ه) ، و ابنه المتكلم أبو المعالي إمام الحرمين الجويني (ت 478ه) ، و حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (ت505ه) ، و المتكلم المفسر الفخر الرازي(ت606ه)246 .
و مع ذلك فقد كان للأزمة العقدية-التي عصفت بالسنيين –تأثير إيجابي على انسجام الطائفة الأشعرية المتأخرة ، عندما جذبت إليها المالكية و الشافعية و الحنفية ، و جمعتهم على مذهب واحد قائم على تأويل الصفات الخبرية ، و جنّدتهم لمقاومة تيار أهل الحديث المناوئ لها .
(ب) تأثير الأزمة على الانسجام الداخلي لطائفة أهل الحديث :
أثّرت الأزمة العقيدية –التي عصفت بالمذهب السني- إيجابا على أهل الحديث في إنها لم تُحدث في مذهبهم قولين في مسألة الصفات - كما حدث للأشعرية - و ظل متماسكا في موقفه منها ، فساهم ذلك بفاعلية في وحدة أهل الحديث و انسجامهم منهجا و سلوكا .
و أما تأثيرها السلبي عليهم – طائفة و مذهبا- فإن جماعتهم –رغم تماسكها العام- قد شهدت نزاعات داخلية حادة أضعفت ترابطها و انسجامها ؛ فمن ذلك ما حدث بين أصحاب الحديث بمدينة أصفهان في إنكارهم على الحافظ أبي نعيم الأصفهاني(ت429ه) ، فهو مع إنه كان على مذهب أهل الحديث في الصفات و كلام الله تعالى ، فإنهم أنكروا عليه ميله الشديد للأشعرية المتقدمة في بعض مسائل الاعتقاد ، و هجروه ،و تكلّموا فيه ،و تكلّم هو فيهم أيضا ، حتى إنهم قاموا إليه بأقلامهم و كادوا يقتلونه247 .
و كان على رأس المخالفين لأبي نعيم : الحافظ أبو عبد الله بن مندة الحنبلي (ت470ه) ، و قد طعن كل منهما في الآخر ، بسبب التنازع في مسائل الاعتقاد ، منها مسألة اللفظ بالقرآن ، فصنّف أبو نعيم كتاب الرد على الحروفية الحلولية ، ورد عليه ابن مندة في كتابه الرد على اللفظية248 .
و المثال الثاني ما حدث بين أهل الحديث بدمشق ، فقد تأثرت طائفة منهم بالأشاعرة في تأويل الصفات ، و قالوا إن أحاديثها مشكوك فيها ،و ما صحّ منها فهو من أخبار الآحاد249 ، و هي لا تُوجب العلم ، و لا يصح الاحتجاج بها، فأحدث ذلك فتنة و بلبلة بين أهل الحديث بدمشق ، مما دفع المقرئ أبا العباس أحمد بن الحسين العراقي (ت قرن: 6ه) إلى الاستنجاد بالمقرئ الحافظ أبي العلاء العطار الهمداني الحنبلي(ت 569ه) ،و كتب إليه يُخبره و يستشيره و يستفتيه في الأمر ، فرد عليه بجواب مختصر لما سأل عنه250 .
و المثال الثالث هو ما حدث من نزاع بين القاضي نصر بن عبد الرزاق الحنبلي البغدادي (ت633ه) من جهة ، و بين عبد الرحمن بن الجوزي (ت597ه) ،و أبي البقاء العكبري الحنبلي الضرير ، من جهة أخرى ، بسبب أحاديث الصفات ، فأصر القاضي على إقرارها كما جاءت من غير تأويل و لا إنكار ، و انتشر الكلام بين الناس ، فتدخل الخليفة –لم أميزه- و أمر بالسكوت من الجهتين حسما للفتنة251 . و يبدو من الحادثة إن ابن الجوزي و العكبري قد مالا إلى القول بتأويل أحاديث الصفات أو بعضها .
و من ذلك أيضا إن أصحاب الحديث لم يكونوا في مستوى واحد في موقفهم من قضية الصفات ، فمنهم قلة مالت إلى تأويل بعض الصفات تأثرا بالأشعرية ، كأبن الجوزي و أبي نعيم الأصفهاني . و منهم قلة أخرى بالغت في إثبات الصفات حتى أوهمت التشبيه و التجسيم أو باحت بهما ، و هم يروون الأحاديث الضعيفة و الموضوعة و يعتقدونها و يحتجون بها ، كحديث عرق الخيل ، الذي فيه إن الله تعالى ينزل عشية يوم عرفة ، و يُصافح المشاة و يُعانق الركبان252 . و قد دخلهم هذا الخلل من قلة المعرفة و الفهم ، فيحتجون بضعيف الأخبار و موضوعها ، و بما لا يُصلح أصلا للاحتجاج ، و لا يفهمون معنى الأحاديث الصحيحة ، و يقولون بالقولين المتناقضين و لا يهتدون للخروج منهما ، ثم هم بذلك (( المنقول الضعيف ،و المعقول السخيف قد يُكفرون و يُُضللون و يُبدّعون أقواما من أعيان الأمة و يُجهلونهم ، ففي بعضهم من التفريط في الحق ، و التعدي على الخلق ، ما يكون بعضه خطأ مغفورا ،و قد يكون مُنكرا من القول و زورا ، و قد يكون من البدع و الضلالات الني تُوجب غليظ العقوبات)) ، و هذا موجود فيهم لا ينكره إلا جاهل أو ظالم ،و قد رأى منهم الشيخ تقي الدين بن تيمية عجائب لم يذكر لنا منها أمثلة ، و مع ذلك فقد جعلهم أحسن من غيرهم253 . و لعل أشهر من مثّلهم هو المقرئ أبو علي الحسن الأهوازي (ت446ه) ،و أبو عبد الله عبد الرحمن بن مندة (ت470ه) ،و أبو الحسن علي بن شكر ، و لهؤلاء مصنفات جمعوا فيها الغث و السمين ،و ربما جمع بعضهم بابا كل أحاديثه ضعيفة254 .
و منهم طائفة ثالثة تمثل جمهور أهل الحديث ، في موقفهم من مسألة صفات الله تعالى ،فهي معتدلة في موقفها منها بلا إفراط و لا تفريط ، تُثبتها كلها بلا تشبيه و لا تكييف ،و لا تأويل و لا تعطيل ، و قد كان في مقدمتها علماء كبار من مختلف الطوائف السنية ، كابن خزيمة ، و أبي نصر السجزي، و أبي الحسن الكرجي، و عبد الله الأنصاري الهروي ، و ابن عبد البر، و ابن زمنين ،و غيرهم كثير255 .
و ختاما لهذا المبحث يتبين إن الأزمة العقيدية –التي عصفت بالسنيين خلال القرنين:5-6ه- أثرت سلبا على الانسجام الداخلي للأشعرية في موقفها من الصفات ، لكنها أثرت فيها إيجابا من حيث تماسكها الداخلي عندما نجحت في تجميع المالكية و الشافعية و الحنفية من حولها . و اتضح أيضا إنها أثرت إيجابا على الانسجام الداخلي لأهل الحديث في تمسّكها بمذهب السلف ، و أثرت عليها سلبا في ميل قلة منهم إلى المذاهب المخالفة لهم .
سابعا : تجاذب الطائفتين الانتماء إلى مذهب أهل السنة :
تجاذب أهل الحديث و الأشاعرة الانتماء إلى أهل السنة و الجماعة ، و ادعى كل طرف إنه هو الذي على مذهبهم حقيقة ، و إن الطرف الآخر انحرف عنه ،و لا يُمثّله تمثيلا صحيحا ، فمن الذي يمثّله تمثيلا صحيحا ؟ و من الذي انحرف عنه ؟ .
فبخصوص أهل الحديث فقد عبّروا عن ذلك صراحة ، فقال أبو القاسم اللالكائي الشافعي(ت418ه) إن القرآن كلام الله حقيقة ، ليس بحكاية و لا عبارة عنه ، و من أنكر ذلك فهو كافر ضال مُضل مُبتدع ، مُخالف لمذهب أهل السنة و الجماعة256 . فهو هنا قرر مذهب السلف في كلام الله تعالى ، و عرّض بالأشاعرة و طعن فيهم دون تسميتهم ،و عدّهم من المخالفين لمذهب أهل السنة و الجماعة .
و الثاني هو الحافظ أبو نصر السجزي(ت444ه) ، قرر إن أهل السنة هم أهل الحديث الذين على نهج السلف، و أخرج المتكلمين من الطائفة السنية ، و عدّهم مُبتدعة ، كعبد الله بن كلاب، و أبي الحسن الأشعري، و أبي العباس القلانسي ،و الجبائي المعتزلي257 . و معنى كلامه إن الكلابية و الأشعرية و المعتزلة ، كلهم مبتدعة ليسوا من أهل السنة .
و ثالثهم المؤرخ أبو علي بن البناء البغدادي الحنبلي (ت471ه)، ذكر إن واعظا أشعريا جلس بجامع المنصور ببغداد (سنة461ه) و أشاد بمذهب الأشعري و ذمّ أهل السنة من الحنابلة و أهل الحديث258 . فأهل السنة عنده هم الحنابلة و أهل الحديث ، و لم يجعل الأشاعرة منهم .
رابعهم المتكلم أبو الوفاء بن عقيل أخرج الأشاعرة من أهل السنة بسبب موقفهم من القرآن الكريم ،وقال إنهم موّهوا على الناس عندما تسمّوا بأهل السنة ،وما أبعدهم عن ذلك ، لأنهم كذّبوا بصريح القرآن في إن الله تعالى كلّم موسى-عليه السلام- و خصّه بكلامه عن غيره من الأنبياء، في قوله تعالى : (( و كلّم الله موسى تكليما ))-سورة النساء/ 164- و (( اني أصطفيتك على الناس برسالاتي و بكلامي )) –سورة الأعراف/144-259 .
و الخامس هو القاضي أبو الحسين بن أبي يعلى(ت526ه) جعل الحنابلة من أهل السنة ،و ألحق الأشاعرة بأهل البدعة ،و جعل اعتقاد والده هو نفسه اعتقاد السلف ،و هو منهج أهل السنة في الأسماء و الصفات ، فتُمر كما جاءت بلا تأويل و لا تفسير،و لا تجسيم و لا تشبيه260 . و هو بتعريفه هذا يكون قد أخرج الأشاعرة من مذهب أهل السنة و الجماعة .
و السادس هو المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي (ت597ه) ، جعل الحنابلة و أصحاب الحديث من أهل السنة ،و ألحق الأشاعرة بأهل البدع المخالفين لأهل السنة في مسألة كلام الله تعالى، عندما قالوا إن القرآن الكريم ليس كلام الله حقيقة ، و إنما هو عبارة عنه261 .
و آخرهم -أي السابع- شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية ، جعل الأشاعرة المتقدمين-أي الأشعري و أصحابه- من أهل السنة ، و عدّ الأشاعرة المتأخرين من المخالفين لمذهب السلف ، و القريبين من الاعتزال و الفلسفة262 .
و أما الأشاعرة فهم أيضا قالوا إنهم هم الذين يمثلون مذهب أهل السنة و الجماعة ، و إن غيرهم انحرف عنه ، فالصوفي عبد الكريم بن هوازن القشيري (ت ق :5ه) جعل الأشاعرة هم أهل السنة ،و مذهب إمامهم هو مذهب أصحاب الحديث ، تكلّم على طريقتهم في الرد على المخالفين263 . و ثانيهم الفقيه أبو إسحاق الشيرازي الشافعي (ت476ه) ذم الحنابلة و جعل الأشاعرة من أهل السنة ، و عدّ أبا الحسن الأشعري إمام أهل السنة264 .
و ثالثهم حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (ت505ه) قرر مذهب الأشاعرة في الصفات و كلام الله تعالى، و قال إنه هو مذهب أهل السنة265 . و رابعهم القاضي أبو بكر بن العربي (ت 543ه) جعل الأشاعرة هم أهل السنة ،و ألحق الحنابلة و أهل الحديث بالمشبهة266 . و آخرهم –أي الخامس- تاج الدين السبكي (ت قرن: 8ه) سمى الحنابلة مبتدعة ،و جعل الأشاعرة هم أهل السنة ،و إن إمامهم –أي الأشعري- كان على عقيدة الصحابة ،و إنه قرر مذهب السلف267 .
و أما الباحثون المعاصرون فهم أيضا تباينت مواقفهم من هذه المسألة ، فألحق محمد زاهد الكوثري الحنابلة بالحشوية ، و جعل الأشاعرة من أهل السنة268 . و ذكر مصطفى الشكعة إن (( لقب أهل السنة أُطلق أول ما أُطلق على جماعة الأشاعرة ، ثم اتسعت دائرته لتشمل أصحاب أبي حنيفة و مالك و الشافعي و احمد269 . و قوله هذا خطأ تاريخي واضح ، يتعارض تماما مع الحقائق التاريخية الثابتة ، فمن المعروف إن أهل السنة تميّزوا عن الشيعة و الخوارج منذ القرن الأول الهجري و ما بعده ، و لم تظهر الأشعرية إلا في القرن الرابع الهجري ، و لم تنتشر إلا في القرن الخامس الهجري و ما بعده 270 ،و لعله زلة قلم ، فالذي ذكرناه حقيقة معروفة لا تغيب عن أصغر الباحثين .
و قسّم محمود صبحي السنيين إلى سلف و هم أهل الحديث ، و إلى خلف و منهم الأشاعرة ، و ذكر إن الأشعرية كانت أشد الفرق إصرارا على الانتساب إلى السنة ، لتطمئن الناس على إن مذهبها ليس مُستحدثا271 . و فرّق علي أبو ريان بين السلف و الأشاعرة ،و قال إنه يمكن التقريب بينهما لو كان للأشعري كتاب الإبانة ،و قسم من المقالات ، أما و قد تمسك أتباعه بنسبة مؤلفاته إليه ، فلا بد من شجب كل محاولة للربط بين الجماعتين272 .
و أدخل سفر عبد الرحمن الحوالي الأشاعرة في مفهوم أهل السنة إذا اُستخدم مقابلا للشيعة ،و أخرجهم منه إذا ضُيّق معناه ،و جعلهم من أهل القبلة فقط273 . و يرى ناصر عبد الكريم العقل ، إن مصطلح أهل السنة و الجماعة لا يصدق إلا على أصحاب الحديث ، لأنهم هم الذين كانوا على نهج رسول الله –عليه الصلاة و السلام- و أصحابه274 . و ذكر أحمد أمين إن الأشعرية التحقت بجماعة أهل السنة بعد انتساب إمامها إلى أحمد بن حنبل ، لكن مذهبها هو مذهب المعتزلة مُعدّل في بعض مسائله275.
و تحريرا للمسألة و تعقيبا على هؤلاء أقول : أولا إنه من الطبيعي و من اللازم أن يحرص كل طرف من المتنازعين على الانتماء لمذهب أهل السنة و الجماعة ، لأن عدم الانتماء إليه هو اعتراف بالخروج عنه ، و انحراف عن جادة الصواب ، و هذا لا يجرؤ أي طرف على قوله .
و ثانيا إن المؤرخ المقريزي الأشعري المتأخر(ت 885ه) ذكر إن المذهب الأشعري انتشر في زمانه ، حتى لم يبق من يخالفه إلا مذهب الحنابلة ، فإنهم كانوا على مذهب السلف ، لا يرون تأويل ما ورد من الصفات276 . و قوله هذا يتضمن اعتراف منه بأن الأشاعرة خالفوا مذهب السلف بتأويلهم للصفات ، و إن الحنابلة ظلوا متمسكين به .
و ثالثا إنه لابد من تجاوز دعاوى277 و تصريحات كل طرف - في احتكاره الانتماء إلى مذهب أهل السنة- و الاحتكام إلى الأدلة و الشواهد الفكرية و التاريخية ، للوصول إلى الحقيقة ، دون تعصب لأي طرف . لذا فنحن إذا رجعنا إلى مذهب أهل السنة الذي كان عليه السلف الأول ،وجدنا إن من أهم أسسه : الاحتكام إلى الكتاب و السنة ، و إثبات الصفات ،و موالاة الصحابة ، و الإيمان يزيد و ينقص ،و هو اعتقاد بالجنان ، و نطق باللسان، و عمل بالجوارح278 . و نحن إذا نظرنا إلى الأشعرية المتقدمة ، نجدها وافقت مذهب السلف في مسائل و خالفته في أخرى ، فهي قد خالفته عندما نفت قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى، و قالت إن القرآن ليس كلام الله حقيقة ،و إن الإيمان مجرد التصديق القلبي فقط 279 . و لما ظهرت الأشعرية المتأخرة قالت بمقالة المتقدمة ،و زادت عليها تأويل الصفات الخبرية –الواردة في الشرع- ،و لم تُثبت إلا سبع صفات سمتها عقلية280 .
و أما أهل الحديث ، فالثابت و المعروف عنهم إنهم كانوا على مذهب السلف في العقائد ، كالإيمان و الصفات ، و كلام الله تعالى ، و قد اعترف بذلك المؤرخ الأشعري المقريزي (ت885ه)281 .
و بناء على ذلك يمكننا أن نقرر إن كل من أصحاب الحديث و الأشاعرة –أي السلف و الخلف- يدخلون في دائرة أهل السنة و الجماعة ، اعتمادا على المبادئ الأساسية التي تجمعهم ، لكن مواقعهم بداخلها –أي الدائرة- تختلف حسب قربهم من مذهب السلف و بعدهم عنه ، فأصحاب الحديث يحتلون مركز الدائرة ، ثم يليهم الأشاعرة المتقدمون ، ثم يليهم الأشاعرة المتأخرون المحتلون للموقع المحصور بين محيط الدائرة و الأشاعرة المتقدمين ، و الله أعلم بالصواب .
و ختاما لهذا الفصل –أي الثاني- يتبين إن الأزمة العقيدية –التي عصفت بأهل السنة خلال القرنين:5-6ه- كانت لها تأثيرات كثيرة و حاسمة على مستوى التكوين الداخلي للطوائف السنية ، فحملت المالكية و غالبية الشافعية و الحنفية على ترك مذهب السلف في مسألة الصفات ،و التحوّل إلى الأشعرية في التأويل و مسائل أخرى ؛ لكنها أثرت في الحنابلة عكس تأثيرها في هؤلاء ، فدفعت معظمهم إلى التمسك أكثر بمذهب السلف و مقاومة التأويل .
و تبيّن أيضا إنها أثرت سلبا و إيجابا على الانسجام الداخلي-منهجا و سلوكا- لكل من طائفتي أصحاب الحديث و الأشاعرة ، فكان ذلك مظهرا من مظاهر الأزمة العقيدية التي امتدت آثارها إلى مختلف جوانب الحياة الأخرى .



....................................................................................

الفصل الثالث

مظاهر الأزمة العقيدية على المستويين العلمي و السياسي
-خلال القرنين :5-6 الهجريين-

أولا: مظاهر تأثيرها على القضايا الفكرية العقائدية .
ثانيا : مظاهر تأثيرها على الإنتاج الفكري .
ثالثا : انتشار المدارس الطائفية المذهبية .
رابعا : تعرّض بعض العلماء للمحن و الأزمات .
خامسا : مظاهر تأثيرها على السياسيين .








................................................................................

مظاهر الأزمة العقيدية على المستويين العلمي و السياسي
- خلال القرنين:5-6ه-
أثرت الأزمة العقدية-التي عصفت بالمذهب السني- تأثيرا كبيرا على حياة السنيين العلمية خاصة و السياسية عامة ، تجلّت مظاهرها في إثارة شتى القضايا الفكرية العقائدية ،و في تصنيف الكتب في مختلف مسائل العقيدة ، و التأثير على سلوكيات رجالات العلم و السياسة .
أولا: مظاهر تأثيرها على القضايا الفكرية العقائدية :
أثارت الأزمة العقيدية –التي عصفت بالسنيين- قضايا فكرية عقائدية كثيرة ، شغلت المسلمين قرونا عديدة ، أذكر منها طائفة ، أولها قضية تأويل الصفات ، و قبل الخوض فيها لابد من تحديد مفهوم التأويل عند المتكلمين ، أولا إن للتأويل عدة معان ، منها البيان و التفسير ، و هو الشائع عند المفسرين و الفقهاء و المحدثين .و ثانيا إن معناه الاصطلاحي عند المتكلمين – الذي نقصده في بحثنا هذا- هو صرف المعنى الراجح الظاهر للفظ ، إلى معنى آخر مرجوح ، كتأويل اليد بالنعمة و القدرة ،و الاستواء بالاستيلاء282 .
هذه القضية أحدثت خلافا عريضا و عميقا بين أهل الحديث و الأشاعرة ، فالأولون –أي أصحاب الحديث- قالوا لابد من إثبات الصفات الواردة في الشرع ، بلا تكييف و لا تحديد ، و لا تشبيه و لا تجسيم ، و لا تأويل و لا تعطيل ، سيرا على منهاج السلف الصالح ،و من جاء بعدهم من أهل الحديث283 .
و من أقوالهم في التأويل و المجاز ما قاله الحافظ محمد بن علي الكرخي القصاب(ت360ه) من إن كل (( صفة وصف الله بها نفسها ، أو وصفه بها نبيه ، فهي صفة حقيقية لا مجاز )) ، فعقب عليه الذهبي بقوله : (( نعم ، لو كانت صفاته مجازا لتحتّم تأويلها ، و لقيل إن معنى البصر كذا و كذا ،و معنى الحياة كذا ،و لفُسرت بغير السابق إلى الأفهام ))284 .
و القول الثاني للحافظ إسماعيل الصابوني الشافعي(ت 449ه) قال فيه إن الصفات الواردة في الشرع يجب إثباتها بلا تشبيه و لا تكييف ، مع اجتناب كل ما يُؤدي إلى ردها بتأويل مُستنكر لم ينزل الله به سلطانا ،و لم يجر للصحابة و التابعين و السلف الصالح لسانا285 .
و الثالث قول القاضي أبي يعلى الفراء (ت 458ه) قال : (( لا يجوز رد هذه الأخبار و لا التشاغل بتأويلها ، و الواجب حملها على ظاهرها ، و إنها صفات الله عز وجل ، لا تُشبه سائر صفات الموصوفين بها )) ، ثم قال : (( و يدل على إبطال التأويل إن الصحابة و من بعدهم ، حملوها على ظاهرها و لم يتعرضوا لتأويلها ،و لا صرفها عن ظاهرها ، فلو كان التأويل سائغا لكانوا إليه أسبق ، لما فيه من إزالة التشبيه))286 . و واضح من قوله هذا إن مقصوده من حمل آيات الصفات على ظاهرها ، هو إثباتها كما جاءت بلا تشبيه و لا تعطيل ، و ليس مقصوده من ذلك أخذها على ظاهرها بأنها تُشبه صفات المخلوقين .
و القول الرابع للحافظ عبد الرحمن بن مندة الأصفهاني(ت470ه) مفاده إن التأويل عند أهل الحديث هو نوع من الكذب287 . و الخامس لأبي الحسين بن أبي يعلى الفراء قال فيه إن المعتزلة و الأشاعرة لهم جسارة على تأويل الصفات التي نطق بها القرآن ،و نقلها الأئمة الأثبات و العلماء الثقات ،و عدّ فعلهم هذا هو تعطيل للصفات على مذهب الجهمية ،و إن من تأوّلها على مقتضى اللغة و المجاز فهو جهمي288 .
و القول الأخير-أي السادس- هو للفقيه أبي الحسن بن عبد المالك الكرجي الشافعي(ت 532ه) مفاده إنه يجب قبول أخبار الصفات بلا تحريف و لا تكييف ،و لا تعطيل و لا تأويل ، و لا تُحمل على العقول ، و لا تُشبّه بصفات الخلق ،و لا نعمل فيها فكرنا و رأينا ، و لا نزيد عليها و لا ننقص منها ، بل نُؤمن بها و نكل علمها إلى عالمها ، كما فعل السلف الصالح289 .
و أما الأشاعرة فإن المتقدمين منهم-الأشعري و أصحابه- أثبتوا الصفات الخبرية و لم يُؤولوها ؛ لكن متأخريهم لم يثبتوا إلا سبع صفات سموها عقلية – كالسمع و البصر و العلم و الحياة- و أوّلوا الصفات الخبرية –التي وردت في الشرع- ، فقالوا إن معنى اليد : المنة و العطية ، و معنى الاستواء : الاستيلاء ، و النزول يعني القرب290 .
و من تأويلاتهم ما رواه المؤرخ ابن البناء البغدادي من أن المتكلم الأشعري ابن فورك سئل عن حديث النزول إلى السماء الدنيا ، فقال : (( لا أدري ماذا تقولون إذا ضرب الخليفة الدرهم و الدينار ، تقولون : فلان اليهودي الضراب ضربه ، أو يُقال الخليفة ؟ ، فقالوا : الخليفة ، ثم قال : (( هكذا ينزل مَلَك ،و يُقال الله نزل ))291 .
فأوّل نزول الله الذي صرّح به الحديث بنزول الملك الذي لا توجد قرينة تدل عليه ، و كلامه هذا فيه مغالطة ،و لا يصدق على إطلاقه ، و لا يثبت إلا بوجود قرينة صريحة تدل عليه ، فإنه من المعروف إن الذي يضرب النقود ،و يُجهز الجيوش ، و يبني مؤسسات الدولة ، ليس الخليفة بيده ، لكن ذلك لا يتم إلا بأمره ، ففي ذلك قرينة تدل على من قام بالفعل ، لكننا إذا قلنا : صلى الخليفة صلاة الجمعة بجامع المنصور ، و عين ابنه الصغير وليا للعهد من بعده ،و أمر الوزير ببناء دار الخلافة ، فلا يُقال في هذه الحالة إن الوزير-مثلا- هو الذي فعل ذلك ، لأن الكلام واضح و صريح ،و لا توجد أية قرينة ، في إن الذي قام بذلك شخص غير الخليفة ، فالفرق كبير بين الحالتين . و عليه فإن المثال الذي ضربه ابن فورك لا ينطبق على الحديث الذي أوّله ، لأنه –أي الحديث- صريح في إن الله تعالى هو الذي ينزل ،و لا توجد أية قرينة تدل على ما ذهب إليه .
و من تأويلاتهم أيضا تأويل أبي بكر بن العربي لصفتي الضحك و النزول ، فقال عن الأولى –أي صفة الضحك- أن الأمة أجمعت على إنها ليست بصفة ، و إنما هي عبارة عما يكون من فضل الله و فيض عطائه ، فهي كما يُقال : (( ضحكت الأرض إذا أبرزت زينتها ))292 .
و ردا عليه أقول: أولا إن ما ذهب إليه ، لا دليل عليه من الشرع ، و لم يذكر نصا يُؤيد ما قاله ، و قد خاض في أمر غيبي ، الكلمة النهائية فيه للشرع وحده . و ثانيا إن قوله بأن الأمة أجمعت على إن صفة الضحك ليست من الصفات ، و إنما هي من باب المجاز كقولنا : ضحكت الأرض إذا أبرزت زينتها ؛ فهو قول غير صحيح تماما ، فقد أثبت صفة الضحك لله تعالى دون تأويل ، صحابة و علماء كبار ، منهم : عبد الله بن مسعود ،و عبد الله بن عمر بن العاص –رضي الله عنهم- ،و محمد بن إدريس الشافعي، و أحمد بن حنبل، و أبو سعيد الدارمي، و ابن جرير الطبري، و والد إمام الحرمين يوسف الجويني، و عبد الله الأنصاري الهروي، و ابن بطة العكبري ،و أبو الحسين بن أبي يعلى الفراء، و أبو الحسين الكرجي، و ابن تيمية293. فهل يصح بعد هذا أن يُقال إن الأمة أجمعت على تأويل صفة الضحك ؟ ! .
و ثالثا إنه قد صحت أحاديث نبوية صريحة في إثبات صفة الضحك لله تعالى ،و تأبى أي تأويل ، منها قوله عليه الصلاة و السلام : (( يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر فيدخلان الجنة ، يُقاتل هذا في سبيل الله فيُقتل ، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد ))294 . فالحديث صريح في نسبة الضحك لله-على ما يليق به تعالى- ،و لا يصح تأويله و حمله على المجاز، و المثال الذي ضربه القاضي ابن العربي لا تصح مقارنته بالحديث و حمله عليه ، لأن ضحك الأرض معروف و واضح إنه مجاز ، لأنها –أي الأرض- لا تضحك بطبيعتها ، فالمجاز في حقها هو الصحيح ؛ لكن هذا المثال –أي مثال الأرض- لا ينطبق على الإنسان ، فإذا قلنا : ضحك الإنسان ، فهذا ليس مجازا ، لأن الإنسان من طبيعته إنه يضحك . و لله المثل الأعلى ، فصفة الضحك التي نص عليها الشرع ، هي صفة تليق به تعالى ، فهو ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته .
و أما تأويله للصفة الثانية-أي النزول- فقال إن حديث : (( ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا )) ، يحتمل أمرين ، أحدهما النزول بمعنى الحركة و الانتقال ،و هذا محال في حقه تعالى ، و الثاني بمعنى نزول بركته و إحسانه ،و هذا هو الصحيح حيث عبّر الله عن بركته و إحسانه بالنزول295.
و ردا عليه أقول : أولا إنه وقع في خطأ منهجي كبير ، عندما قاس نزول الخالق بنزول المخلوق ، بدعوى إن الحركة نقص و لا تليق به تعالى ، و نسي إن كيفية نزول الله تعالى لا يعلمها إلا هو ، فهو سبحانه ليس كمثله شيء ، مما يعني إن اختلاف الذات يستلزم حتما اختلاف الصفات ، فصفاته تعالى لا تشبه صفات مخلوقاته .
و ثانيا إنه عندما قاس الله تعالى بمخلوقاته ، نفى عنه صفة هي صفة كمال عند الإنسان ، و هي الحركة ، و وصفه بصفة هي صفة نقص عند الإنسان ،و هي عدم الحركة ، أي صفة الجمود .
و ثالثا إن الحديث النبوي واضح بيّن في إثبات صفة النزول لله تعالى ، في قوله (( ينزل ربنا ...)) ، فالله تعالى هو الذي ينزل بكيفية لا يعلمها إلا هو ، و ليس فيه-أي الحديث- ما يُشير من قريب و لا من بعيد إلى نزول رحمته و بركته و إحسانه ، فالحديث لا يحتاج إلى تأويل ، و من تأوّله فهو المُطالب بالدليل الشرعي على ذلك ، و إلا فيكون فعله تحريفا للنص و تعطيلا له .
و رابعا إن تأويله للنزول بالرحمة و الإحسان و البركة ، ليس حلا لمشكلة التشبيه التي فرّ منها ، فهل رحمته و إحسانه تعالى ، كإحسان البشر و رحمتهم ؟ فإن قال : لا ، قيل له : كذلك نزوله تعالى ، لا يُشبه نزول مخلوقاته ؛ و إن قال : نعم ، قيل له : وقعت في التشبيه الذي فررت منه . كما أنه نسي إن تأويله للنزول بالرحمة و الإحسان ، يُخالف مذهبه ، لأن الأشعرية المتأخرة –التي ينتمي إليها- لا تُثبت إلا سبع صفات تسميها عقلية ، ليس من بينها صفة الرحمة و لا الإحسان ، اللتان هما صفتان خبريتان و عقليتان معا .
و أشير هنا إلى إن هناك قلة من علماء الأشعرية كانوا يُؤوّلون صفات الله تعالى ، على طريقة الأشعرية المتأخرة ، ثم تراجعوا عن تأويلها ، منهم : الفقيه أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني(ت438ه) ، و ابنه أبو المعالي إمام الحرمين الجويني296 ؛ لكن موقفهما هذا من الصفات ، لم يكن له تأثير كبير في مسيرة الأشعرية المتأخرة التي استمرت في تبنيها للتأويل .
و للأشاعرة – في تبنيهم للتأويل و دفاعهم عنه- مبررات يتذرّعون بها ، فيقولون إن في الشرع نصوصا تُوهم النقص في صفات الله تعالى ، كالاستواء ، و النزول ،و المجيء ،و الوجه، و اليدين ،و العينين ، فإثباتها على ظاهرها يُؤدي إلى التشبيه في اعتقادهم297 .
و نظرتهم هذه ناقصة و خطأ ، لا تعتمد على أساس شرعي ولا عقلي ، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء ،و لم يكن له كفؤا أحد ، و هو موصوف بصفات الجلال و العظمة و الإكرام ، و الصفات التي اعترض عليها الأشاعرة هو –أي الله – الذي وصف بها نفسه ، فهي إذن صفات كمال ،و ليست صفات نقص ، و يجب علينا أن ننظر إليها بما يليق به تعالى و يجب له من كمال و عظمة و جلال ،و في إطار نصوص التنزيه ، فنزوله تعالى لا نقيسه بنزول الإنسان ، و إنما نثبته بلا تحديد و لا تكييف و لا تشبيه،و لا تأويل . فنحن إذا نظرنا لتلك الصفات في إطارها الشرعي الكامل ،و أرجعنا المتشابه-إن وُجد- إلى المحكم زال الأشكال المُتوّهم نهائيا بلا تأويل و لا تعطيل .
و أما ما قاله التاج السبكي، من إن التأويل و الإثبات هما مسألتان اجتهاديتان298 ، فهو قول غير صحيح ، كان عليه أن يذكر لنا دليلا شرعيا يؤيد ما ذهب إليه . لأن المسألة التي أصدر حكمه فيها هي مسألة غيبية ، لا يدركها العقل إدراكا كاملا صحيحا ، لذا فإن القول الفصل فيها للشرع وحده ،و هذا ما يقتضيه النقل و العقل معا .
و للكاتب حسن السقاف رأي مفاده إن التأويل ليس خاصا بالأشاعرة وحدهم ،و إنما هو موجود في القرآن و السنة ،و مارسه بعض الصحابة و السلف الصالح299 . فهل ما قاله صحيح ؟ .
أولا إنه عرّف التأويل بأنه عدم إرادة ظاهر النص الوارد في الشرع300 . و تعريفه هذا يختلف عن تعريف التأويل الذي ذكرناه سابقا و قلنا إنه هو المعتبر عند المتكلمين ، و هو الذي نقصده نحن في استخدامنا له ، لذا يجب التنبّه لذلك ، لكي لا نسايره فيما يذهب إليه و يسميه تأويلا ، و هو ليس بتأويل ،و إنما هو تفسير و بيان ، و شرح للنصوص و توضيح لها .
و ثانيا إننا نؤكد هنا إنه قد صحت الأخبار المتواترة إن السلف الصالح من الصحابة و من جاء بعدهم ، كانوا يُثبتون الصفات و لا يُؤوّلونها ،و لم يختلف الصحابة إلا في آية الساق ، في قوله تعالى: (( يوم يكشف عن ساق ))-سورةالقلم/42- ، فقالت طائفة إنها من آيات الصفات ،و قالت أخرى إنها ليست منها ،و معناها الشدة يوم القيامة301 . فهم لم يُؤوّلوها ، فالذين عدّوها من الصفات أثبتوها لله صفة،و الذين لم يعدوها صفة فسّروها على مقتضى لسان العرب .
و ثالثا إنه –أي السقاف- قال إن القرآن الكريم هو الذي علمنا التأويل ، و معناه عدم إرادة ظاهر النص الوارد في الشرع ، كقوله تعالى: (( نسوا الله فنسيهم ))-سورة التوبة/67- ، و (( إنا نسيناكم )) – سورة السجدة/74- ، ثم قال إنه لا يصح أن نثبت لله صفة النسيان ، بناء على هاتين الآيتين ،و لا يجوز أن يُقال : إن لله نسيانا ليس كنسياننا ، لأن الله تعالى يقول: (( و ما كان ربك نسيا ))302 –سورة مريم/64- .
و قوله هذا غير مستقيم و فيه تغليط ، لأنه لا يُوجد من السلف و أهل الحديث من أثبت لله صفة النسيان ، لأن القرآن نفاها صراحة (( و ما كان ربك نسيا )) ،و (( لا يضل ربي و لا ينسى ))-سورة طه/52- و لأنها أيضا صفة نقص يستحيل أن يتصف بها الله تعالى ، لأن صفاته تعالى صفات حسنى و كمال ، لذا فلا يصح أن يُقال إن له نسيانا ليس كنسياننا . و هذه القاعدة لا يُطبقها أهل الحديث إلا على الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه ، أو وصفه بها رسوله –عليه الصلاة و السلام- ، فهذه الصفات هي التي يُثبتونها ، و يقولون إنها لا تُشبه صفات المخلوقين ، و هم لا يختلقون صفات من عندهم ،و يقولون إنها لا تُشبه صفات البشر303 .
كما إن تعريفه للتأويل غير صحيح ، و لا ينطبق على قوله تعالى: (( نسوا الله فنسيهم )) ،و (( إنا نسيناكم )) ، فليس في الآيتين عدم إرادة ظاهر النص الوارد فيهما ، لأنه معنى النسيان فيهما هو الترك ، و ليس عدم الذكر الذي ذهب إليه هو –أي حسن السقاف- ، لأن الله تعالى لا ينسى ، و لأن النسيان في اللغة العربية له معنيان ، هما : الترك ، و عدم الذكر304 . و عليه فليس في الآيتين تأويل اصطلاحي ،و لا إرادة باطن ، فهما واضحتان ، فسرناهما بالقرآن و لسان العرب .
و أما وجود التأويل في الحديث على ما قاله الكاتب حسن السقاف ، فذكر الحديث القدسي : (( يا ابن آدم مرضتُ فلم تعدني ، قال : كيف أعودك ، و أنت رب العالمين ؟ ، قال : أما علمت إن عبدي فلان مرض فلم تعده ، أما علمت لو عدته لوجدتني عنده ... ))305 ،ثم قال-أي السقاف- : فهل يجوز أن نُثبت لله صفة المرض ، لكن ليس كمرضنا ؟ و هل نقول : إذا مرض العبد مرض الله ، فنأخذ هذا على ظاهره و حقيقته306 .
و قوله هذا غير مستقيم أيضا ،و فيه تغليط ، لأن أهل الحديث سبق أن بينا إنهم لا يُثبتون لله إلا صفات الكمال التي صحت نسبتها إليه ، و صفة المرض صفة نقص ،و ليست صفة له سبحانه و تعالى . و أما ورودها في ذلك الحديث فهي صريحة في أنها من باب التمثيل و التشبيه ، لإظهار مدى اهتمام الله تعالى بعباده المؤمنين ،و رعايته لهم و إحسانه إليهم ، فالحديث لا يحتاج إلى تأويل باطن ، لأنه فسّر نفسه بنفسه ، من إن المراد من ذلك هو التمثيل بإظهار تكريم الله تعالى لعبده المؤمن المريض ،و حث المؤمنين على زيارته .
و رابعا إنه –أي السقاف- قال إن الصحابي عبد الله بن عباس –رضي الله عنه- أوّل آيات من القرآن الكريم ، أولها قوله تعالى : (( يوم يكشف عن ساق)) –سورة القلم/42- فقال إن معناها يكشف عن شدة307 . و هذه الآية تعرّضنا لها سابقا ، و تبيّن إن بعض الصحابة لم يعدها من الصفات ، كابن عباس ، الذي لم يعدها من الصفات و لم يُؤوّلها ،و إنما فسُرها على ما يقتضيه اللسان العربي .
و الآية الثانية ، قوله: (( و السماء بنيناها بأيد و إنا لموسعون ))-سورة الذاريات/47- ، فقال السقاف إن ابن عباس أوّل الآية بمعنى بنيناها بقوة308 . و قوله –أي السقاف- هذا غير صحيح ، و فيه تدليس ، لأن ابن عباس فسّر الآية ، و لم يؤوّلها بالمعنى الاصطلاحي للتأويل ، لأن كلمة بأيد ، ليست جمعا لليد ، حتى يُقال إنه أوّل اليد بالقوة ، لأن جمع اليد هو : الأيدي و ليس الأيد ، و جمع اليد التي بمعنى النعمة هو : الآيادي309 ؛ و عليه فإن معنى (( بنيناها بأيد )) هو بنيناها بقوة ، كقوله تعالى(( و اذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب ))-سورة ص/17- أي ذو القوة ، لأن الأيد في اللغة العربية ، معناها القوة ، و منه يقال : أيده تأييدا ، أي قوّاه ،و تأيّد الشيء ، أي تقوّى310 .
و الآية الثالثة قوله تعالى: (( و قيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومهم هذا ))-سورة الجاثية/ 34-، قال السقاف إن ابن عباس أوّلها بمعنى الترك311 . و قوله غير مستقيم أيضا ، فقد سبق أن بينا إن معنى النسيان هو الترك ، و هو الذي فسّر به ابن عباس الآية ، و لم يُؤوّلها بمعنى التأويل الاصطلاحي عند المتكلمين ،و لا بالمعنى الذي يُريده السقاف ، و إنما فسّر الآية و شرحها انطلاقا من فهمه للشرع ،و على ما يقتضيه لسان العرب .
و خامسا إنه –أي السقاف- ذكر إن سفيان الثوري أوّل قوله تعالى : (( هو معكم أينما كنتم ))-سورة الحديد /4- ، بمعنى إنه معهم بعلمه، ثم قال السقاف : (( و هذا تأويل ظاهر ، و صرف اللفظ عن ظاهره، و لا سيما إن لفظة : هو ، الواردة في قوله تعالى (( هو معكم أينما كنتم )) ، تعود على الذات لا على الصفات أصلا ، و مع ذلك لما كان ظاهرها مستحيلا ، صُرفت إلى المجاز ))312 .
و قوله هذا غير صحيح أيضا و فيه تلبيسات ، لأنه نظر للآية نظرة جزئية دون الرجوع إلى النصوص الشرعية الأخرى المُحكمة ، لكي يُفسر القرآن بالقرآن ، و يُفسره أيضا بالسنة النبوية الصحيحة ، فمن الثابت شرعا إن الله تعالى بائن عن خلقه ، مستو على عرشه خارج العالم ،و حادثة الإسراء و المعراج الثابتة بالقرآن و السنة ، دليل قاطع على ما نقول ، و عليه كان من اللازم فهم تلك الآية انطلاقا مما أثبتناه ، فيكون معنى الآية إنه تعالى مع خلقه بعلمه و إرادته و بصره ، لا بذاته.
كما إنه لم يفسر هذه الآية بالنظر إلى آيات أخرى شبيهة لها ، و فيها تصريح بالمقصود من المعية ، كقوله تعالى: (( ألم تعلم إن الله يعلم ما في السموات و ما في الأرض، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، و لا خمسة إلا هو سادسهم ، و لا أدنى من ذلك و لا أكثر ، إلا هو معهم أينما كانوا ، ثم يُنبئهم بما عملوا يوم القيامة ، إن الله بكل شيء عليم ))-سورة المجادلة /7- فهذه الآية أكدت صراحة إن الله تعالى مع كل إنسان بعلمه ، و قد بدأ الآية بالعلم و ختمها به .
و حتى الآية التي قال إن سفيان الثوري أوّلها ، لو ذكرها كاملة و تدبّرها لوجد فيها المقصود من المعية ، فهي تقول: (( يعلم ما يلج في الأرض ،و ما يخرج منها ، و ما ينزل من السماء ،و ما يعرج فيها ، و هو معكم أينما كنتم ، و الله بما تعملون بصير ))-سورة الحديد/4- فالآية صرّحت إن الله مع خلقه بعلمه و بصره ،و ليس معهم بذاته ، لأنه تعالى بائن عن خلقه كما سبق أن ذكرنا ذلك . فتفسير سفيان الثوري للمعية بالعلم ، هو تفسير صحيح ، ليس بتأويل على طريقة المتكلمين ،و لا على طريقة حسن السقاف ، و إنما هو تفسير للقرآن بالقرآن .
و سادسا إنه-أي السقاف- ذكر روايتين عن الإمام مالك أوّل فيهما حديث النزول ، بنزول أمره تعالى313 . فهل صحّ ذلك عن مالك ؟ . كلا لم يصح ذلك عنه ، فإن الرواية الأولى في إسنادها كاتب الإمام مالك حبيب بن أبي حبيب ، و هو كذاب و وضاع للحديث باتفاق أهل الجرح و التعديل . و الثانية في إسنادها مجهول لا يُعرف حاله ؛ و حتى أصحاب مالك لم يتفقوا على نقل ذلك عنه ، و المشاهير من أصحابه لم ينقلوا عنه شيئا من ذلك314 . هذا فضلا على إنه ثبت إن مالكا كان على منهاج السلف في إثبات صفات الله تعالى ، بلا تشبيه ولا تحديد ، و لا تأويل و لا تعطيل315 .
و سابعا إنه-أي السقاف- قال إن الإمام أحمد أوّل طائفة من النصوص ، أولها قوله تعالى: (( و جاء ربك و الملك )) –سورة الفجر/22- ، قال إنه أوّلها بجاء ثوابه316 . و الآية كاملة : (( و جاء ربك و الملك صفا صفا )) ، فهي صريحة في مجيء الله تعالى يوم القيامة ،و لا تحتاج إلى أي تأويل ، ينفي صفة المجيء الذي يليق به تعالى ، بلا تشبيه و لا تجسيم ،و لا تكييف ولا تحديد، و لا تأويل و لا تعطيل .
و هذه الرواية التي رُويت عن أحمد ، هي رواية شاذة تخالف النصوص المتواترة عنه في منعه من تأويل مجيء البقرة و آل عمران ,و مجيء الله تعالى ،و منعه تأويل النزول و الاستواء ،و نحوهما من الأفعال317 .
و لعلماء الحنابلة ثلاثة أقوال في موقفهم من هذه الرواية ، أولها إنها –أي الرواية- غلط من حنبل –هو ابن أخ أحمد بن حنبل- التي انفرد بها عن غيره من الذين ذكروا ما حدث لأحمد يوم المناظرة في محنة خلق القرآن ، كابنيه صالح و عبد الله ،و أبي بكر المروزي ، الذين لم يرووا ما رواه حنبل ، الذي هو معروف إنه انفرد بروايات غلّطه فيها طائفة من علماء الحنابلة ، كأبي بكر الخلال ، و علام اللخلال ، و ابن شاقلا ، الذي قال عن تلك الرواية أتها غلط من حنبل بلا شك318 .
و القول الثاني مفاده إن أحمد بن حنبل ، قال ذلك إلزاما للخصم على مذهبه، لا إنه يقول هو بذلك ، لأن مذهبه ترك التأويل .و القول الثالث قالت به طائفة من علماء الحنابلة ، فقبلت الرواية و لم تنكرها ،و قالت قد يختلف كلام الأئمة في مسائل كهذه .و إن كان الصحيح المشهور عن أحمد هو رد التأويل319 .
و عليه فإن تلك الرواية إما إنها غير صحيحة ، و إما إن أحمد قالها من باب إلزام الخصم، لا من باب التأويل و الاعتقاد ، و إما إنها زلة لسان ، و الصحيح إنها غير صحيحة ، لأن إسنادها فيه شذوذ ،و لأنها تخالف الروايات الصحيحة المتواترة عنه في الإثبات و ترك التأويل .
و النص الثاني – الذي قال السقاف إن أحمد أوّله- هو قوله تعالى : (( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ، إلا استمعوه و هم يلعبون ))-سورة/لأنبياء/2- فقال أحمد إنه يُحتمل إن يكون التنزيل إلينا هو المحدث لا الذكر نفسه ، و في رواية أخرى قال إنه يُحتمل أن يكون ذكرا آخر غير القرآن . ثم قال السقاف : (( و هذا تأويل محض ظاهر واضح ، و هو صرف اللفظ عن ظاهره ، و عدم إرادته حقيقة ظاهرة ))320 .
و قوله هذا هو أيضا ليس تأويلا بالمعنى الاصطلاحي عند المتكلمين ، فإن أحمد فرض احتمالين لتفسير الآية ، و هما احتمالان واردان تُوحي بهما الآية ، فهذا المُنزّل المُحدث هو كلام الله تعالى الجديد المُنزّل ، فيُحتمل أن يكون تنزيله هو المُحدث، لا كلامه –فهو غير مخلوق- ،و يُحتمل إن المُنزّل هو ذكر آخر غير القرآن ، ،و يُحتمل أن يكون المُحدث هو الذكر، لكن بمعنى الجديد ،و ليس بمعنى المخلوق ، فالله تعالى فعال لما يرد ، يتكلم بما شاء ، و متى شاء ؛ فالذي قلناه هو احتمالات تتقبلها الآية ، لتفسيرها بها ، و ليس تأويلا بالمعنى الاصطلاحي .
و النص الرابع –الذي قال السقاف إن أحمد أوّله- هو قول عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه- : (( ما خلق الله من سماء ،و لا أرض أعظم من آية الكرسي )) ، فذكر السقاف إن أحمد بن حنبل أوّل هذا القول عندما أوردوه عليه يوم المحنة ، فقال : (( إن القول واقع ههنا على السماء و الأرض ،و هذه الأشياء ، لا على القرآن ))321 .
و هذا القول ليس تأويلا أيضا بالمعنى الاصطلاحي عند المتكلمين ، لأن ما ذهب إليه أحمد هو وجه مُحتمل راجح ، شرح به قول ابن مسعود ، فبما إن القرآن كلام الله غير مخلوق، فهذا يعني إن معنى قول ابن مسعود هو إنه ليس في الموجودات المخلوقة ، أعظم من آية الكرسي لأنها غير مخلوقة ، بحكم إنها كلام الله ، و تلك الموجودات مخلوقة ، فهو كما يُقال : الله أكبر من كل شيء ،و إن كان ذلك الكبير مخلوقا ، و الله تعالى ليس بمخلوق . فوجه المقارنة هنا ليس في الخلق ، و إنما في العظمة ، و لهذا قال ابن مسعود : ما خلق الله من سماء ،و لا أرض ، ولم يذكر خلق القرآن من بين تلك المخلوقات .و في هذا قال سفيان بن عُيينة : ما خلق الله من شيء ، إلا و آية الكرسي أعظم مما خلق . لأن القرآن ليس بمخلوق،و كلامه تعالى أعظم من خلقه322 .
و أشير هنا إلى أن حجة الإسلام أبا حامد الغزالي ذكر إنه سمع بعض الحنابلة يقول إن الإمام أحمد لم يُؤوّل إلا ثلاثة أحاديث ، هي : (( الحجر الأسود يمين الله في الأرض )) ،و (( قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن )) ،و (( إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن ))323 . لكن رواية هذا الحنبلي غير ثابتة ، قال عنها ابن تيمية إنها كذب على أحمد ، لم ينقلها أحد عنه بإسناد ،و لا يُعرف أحد من أصحابه نقلها عنه ، و هذا الحنبلي الذي روى عنه أبو حامد الغزالي مجهول ، لا (( يُعرف علمه بما قال ،و لا صدقه فيما قال ))324 .
و ثامنا إن السقاف ذكر إن أبا بكر البيهقي روى إن البخاري أوّل حديث الضحك ، بمعنى الرحمة325 . و هذا القول غير ثابت عن البخاري، فقد رواه البيهقي بلا إسناد، و قال عنه ابن حجر العسقلاني، إنه لم يعثر عليه326 . و هذا التأويل المزعوم يخالف الأحاديث الصحيحة التي صرّحت بصفة الضحك بلا التباس ،و قد ذكرنا طرفا منها فيما سبق ذكره . كما إن تفسير الضحك بالرحمة لا يحل الإشكال ، فهل رحمته تعالى كرحمة الإنسان ، أم لا ؟ فإن قيل مثلها ، كان هذا تشبيها ،و إن قيل ليس مثلها ، قيل هذا نفسه ينطبق على صفة الضحك ، فهي صفة لله تعالى تليق به ، تختلف تماما عن صفة الضحك عند الإنسان ، و من ثم فلا داعي لتأويلها أصلا .
و تاسعا إنه – أي السقاف- قال إن الترمذي صاحب السنن أوّل كلمة في حديث رؤية الله يوم القيامة ، و هي (( فيُعرّفهم نفسه )) ، فقال الترمذي إن معناها (( يتجلى لهم ))327 . و هذا أيضا ليس تأويلا اصطلاحيا ، فإن الرجل –أي الترمذي- فسّر الحديث بمعنى الشرح و التبيين ، لا بمعنى التأويل الاصطلاحي ، لأن كلمة التجلي مُتضمّنة في التعريف ، فالله تعالى عندما يتجلى لعباده يكون قد عرّفهم بنفسه ، فالتجلي من التعريف . لذا فإن الترمذي لم يعد ما قاله تأويلا بالمعنى الاصطلاحي، فوجدناه يقول-بعدما ذكر ذلك- إن أحاديث الصفات تُروى كما جاءت ،و نُؤمن بها و لا يُقال كيف،و لا تُفسّر ،و لا تُتوهم328 .
و أخيرا –أي عاشرا- ذكر السقاف إن الطبري أوّل الاستواء في قوله تعالى : (( ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات )) 329-سورة البقرة/29- . و قوله هذا فيه تمويه و تدليس ، لأن الاستواء المذكور في قوله تعالى: (( ثم استوى إلى السماء )) ، يختلف عن الاستواء المذكور في قوله تعالى : (( الرحمن على العرش استوى )) –سورة طه/5- ، فالطبري فرّق بين الاستوائين ، و فسّر كل استواء حسب موقعه في الآية ، و على ما يقتضيه السياق و المعنى ، فهو إذن لم ينف و لم يُؤول الاستواء على العرش ،و أثبته لله تعالى ، و قال إن الاستواء على العرش هو العلو و الارتفاع330 .
و ختاما لهذه المناقشة المُطولة يتبين لنا إن ما قاله الكاتب حسن السقاف عن وجود التأويل –بالمعنى الاصطلاحي- في القرآن و السنة ،و في أقوال بعض علماء السلف ، هو قول غير صحيح ،و الثابت مما قاله –أي السقاف- هو التأويل بمعنى التفسير و البيان ،و الشرح و التوضيح ، و ليس بمعنى التأويل عند المتكلمين ، مما يُؤكد مرة أخرى صحة الروايات التي ذكرت إن السلف الصالح لم يُؤوّلوا الصفات الخبرية ،و إنما تأويلها ظهر بين أهل السنة عن طريق الأشاعرة المتأخرين ، بتأثير من الأزمة العقيدية التي عصفت بالمذهب السني في القرنين الخامس و السادس الهجريين .
و أما القضية الثانية –من القضايا العقيدية للأزمة- فهي قضية الأفعال الاختيارية المتعلقة بذات الله تعالى ، فنفاها عبد الله بن كلاب ،و أبو الحسن الأشعري، و الأشاعرة من بعده ، و قالوا أن أفعاله تعالى لا تتعلق بمشيئته و قدرته ، فهو لا يقدر –مثلا- على التكلّم و مخاطبة مخلوقاته ، لذا قالوا إن القرآن ليس كلامه الله حقيقة ، و إنما هو حكاية و عبارة عنه ، و بسبب ذلك تكلّم فيهم الناس ،و نسبوهم إلى بقايا البدعة و الاعتزال331 .
و هم سموا الأفعال الاختيارية حوادث ، و قالوا إنه لو جاز قيامها بذات الله لم يخل منها ، و ما لا يخلو من الحوادث ، فهو حادث ، فنفوها عنه كلية هروبا من ذلك الذي ادعوه332 . و زعمهم هذا ينطوي على خطأ منهجي كبير ، هو إنهم سوّوا بين الخالق و المخلوق ، و قاسوا ما يجري في المخلوق الحادث بالخالق الأزلي ، و ألحقوا به ما يجري بالأول ، و هذا زعم باطل من أساسه ، فالله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته ، و قد سمى ما يقوم به بمشيئته أفعالا ، في قوله تعالى : (( فعّال لما يريد)) –سورة البروج/16- ،و هم غيّروها و سموها حوادث ، و تكلّموا في أمور غيبية لا يمكن للعقل البشري إدراكها و لا تصوّرها ، و ليس له فيها كلمة ، إلا ما يقوله الشرع فيها ؛ فأوصلهم انحرافهم المنهجي إلى وصف الله تعالى بالعجز، و وصف الإنسان بحرية الاختيار ، و هذا –بلا شك- زعم باطل لا يقوله إنسان عاقل يحترم عقله الفطري .
و مع ذلك فقد تأثر بهم بعض أهل الحديث ، و قالوا بمقالتهم في نفي قيام الصفات الاختيارية ، بذات الله تعالى ، منهم : أبو سليمان الخطابي البستي (ت 388ه) ،و أبو الحسن التميمي ،و أبو الوفاء بن عقيل ، و القاضي أبو يعلى الفراء الذي كان متذبذبا بين نفيها و إثباتها333 .
لكن عامة أهل الحديث عارضوا أولئك و هؤلاء ، و ردوا عليهم و أثبتوا قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، منهم : أبو بكر بن عبد العزيز الحنبلي، و أبو عبد الله العكبري ،و أبو عبد الله بن مندة ، و أبو نصر السجزي، و عبد الله الأنصاري الهروي ،و يحيى بن عمار السجستاني334 .
كانت هذه القضية من القضايا العقيدية الحادة التي شغلت العقل المسلم ، بتأثير من الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين ، و إنه من المؤسف جدا أن يختلف فيها السنيون ، و يقولون فيها كلاما متناقضا ، و قد قال فيها الشرع الحكيم قوله الفصل ، بقوله : (( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ))-سورة يس/82- ، و (( ربك يخلق ما يشاء و يختار ))-سورة القصص/68-، و (( فعال لما يريد )) –سورة البروج/16 ، فتركت طائفة منهم كلام الله وراء ظهرها ،و خاضت في تلك القضية بظنونها و أوهامها ، و خيالاتها و وجدانها ، بلا نقل صحيح ،و لا عقل صريح ،و لا علم صحيح ، و فيها قال ابن القيم الجوزية : إنهم خرجوا عن المعقول الصريح ، و كابروا أبين مكابرة ، و التزموا لأجله تعطيل الحي الفعال عن كل فعل ، و التزموا لأجله حصول مفعول بلا فعل ، و مخلوق بلا خلق ، فإن الفعل عندهم عين المفعول ، و الخلق نفس المخلوق ، و هذا مكابرة لصريح المعقول335 .
و القضية الثالثة : قضية كلام الله تعالى ، و هي مرتبطة بمسألة الأفعال الاختيارية ، فإذا كان الله تعالى لا يتصف بها ، فهذا يعني إن القرآن ليس كلامه حقيقة ، و إذا كان يتصف بها ، فالقرآن كلامه حقيقة ، و قد أثارت هذه القضية جدلا كبيرا بين أهل الحديث و الأشاعرة ، فقد كان السلف الأول يقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق ، منه بدأ و إليه يعود ، ثم لما ظهر ابن كلاب استحدث قولا ثالثا بين أهل السنة و المعتزلة ، فزعم إن القرآن ليس كلام الله حقيقة ، و إنما هو حكاية عنه ، ثم انتشرت مقالته بين طائفة من المتكلمين ، إلى إن تبناها أبو الحسن الأشعري و أصحابه الأوائل ، و زعموا إن كلام الله هو معنى قائم بالنفس ، إن عُبر عنه بالعربية كان قرآنا ،و إن عُبر عنه بالعبرية كان توراة ،و إن عُبر عنه بالسريانية كان إنجيلا336 .
و قال القاضي أبو بكر بن الباقلاني الأشعري(ت403 ه) ، إن كلام الله هو (( الكلام القديم القائم بالنفس شيء واحد لا يختلف و لا يتغير )) ،و هو ليس بصوت و لا حرف ، وقد جعل الله على كلامه النفسي علامات تدل عليه ،و كل رسول يُفهم قومه كلام الله بلغته فموسى عليه السلام فهّم قومه بالعبرية ،و محمد –صلى الله عليه وسلم- فهّم قومه بالعربية337 .
وبما أن كلام الله عند الباقلاني قائم بنفسه لا يختلف و لا يتغير ، يستلزم أن يكون كلامه المنزل على رسله ليس هو كلامه حقيقة ؛ لأن كلامه قائم به ، وإنما هو علامات و عبارات عنه ،، و بما إنه لا يتغير فكل الكتب المنزلة فيها كلام واحد بلغات مختلفة ، فقوله تعالى: (( تبت يدا أبي لهب و تب ))-سورة المسد/ 1- و (( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ))-سورة الأحزاب/37 – فهو كلام واحد ، و هو نفسه موجود في الكتب السابقة . و هذا من الكلام الباطل ، و من الغرائب المضحكات .
و نفس الكلام قرره أبو حامد الغزالي ، فقال إن كلام الله أزلي قديم ، قائم بذاته تعالى ، و إن القرآن مقروء بالألسنة مكتوب في المصاحف، محفوظ في القلوب ، و هو مع ذلك قديم (( قائم بذات الله تعالى ، لا يقبل الانفصال و الافتراق بالانتقال إلى القلوب و الأوراق ))338 . و قوله هذا فيه تناقض و لا يستقيم تصوّره في العقل ، فإذا كان القرآن قائم بالنفس لا يقبل الانفصال و الافتراق بالانتقال إلى القلوب و الأوراق ، فلا يصح أن يُقال إنه مكتوب في المصاحف ،و محفوظ في الصدور !! فهذا الكلام مجرد لعب بالألفاظ ، و تمويه و تدليس على الناس .
و قال المتكلم الأشعري أبو المظفرالإسفراييني (ت 471ه ) إن كلام الله قديم واحد ، أمر و نهي ، و خبر و استخبار على معنى التقدير ، و إن كل الكتب المنزلة على اختلاف لغاتها كلها عبارات عن كلام الله القديم ، تدل على معنى كتاب الله339 . و كلامه هذا هو ترديد لما قاله الباقلاني و الغزالي.
وأما المتكلم أبو الفتح الشهرستاني الأشعري (ت548 ه) فكرر ما ذكره الباقلاني دون تفصيل ، و أكد إن كلامه تعالى عند الأشاعرة هو معنى قائم بالنفس ، و العبارات و الألفاظ المنزلة على لسان الملائكة هي دلالات على الكلام الأزلي ، و هي مخلوقة محدثة و المدلول قديم أزلي340 .و هذا يعني إن سور القرآن و حروفه و آياته دلالات محدثة ،و ليست كلام الله على الحقيقة ، لأن كلامه أزلي قائم به ، لكنه لم يقل لنا من الذي تكلم بالألفاظ و العبارات التي هي دلالات على المدلول الأزلي ؟ ، و لم يقل لنا كذلك من أين جاء بذلك التقسيم لكلام الله هل له دليل من الكتاب و السنة الصحيحة ، أم هي تخمينات ورجم بالغيب ؟
و ذهب الشيخ العز بن عبد السلام الشافعي الأشعري(ت660 ه) إلى القول بأن كلام الله قديم أزلي قائم بذاته لا يشبه كلام البشر ،،و هو ليس بحرف و لا صوت . ومع ذلك فإن كلامه تعالى مكتوب في المصاحف و محفوظ في الصدور ، و مقروء بالألسنة341 . و كلامه هذا فيه تناقض و مغالطة ، ولا يختلف في حقيقته عما قاله الباقلاني و الغزالي و الشهرستاني ، فبما إن كلامه تعالى قديم أزلي قائم بذاته ، وليس بحرف و لا صوت ، فهو إذاً لا يصدر عنه ، ولا يكتب بالحروف ،،و هذا يستلزم إن القرآن الكريم بحروفه و سوره و آياته ليس من كلام الله ، لأنه تعالى-حسب العز بن عبد السلام- لا يتكلم بحرف و لا صوت ، ثم نجده يقول إن كلامه تعالى مكتوب في المصاحف و محفوظ في الصدور ، و مقروء بالألسنة ؛ فكيف يكون القرآن كلامه ، و حروفه ليست كلامه ، لأنه لا يتكلم بحرف و لا صوت ؟ ! . و يلاحظ عليه كذلك إنه لا يفرق بين الكلام كصفة أزلية ، وبين تعلقها بمشيئته تعالى في التكلم ، وفق ما شاء ، و بما شاء ،و كيفما شاء .
وأما تاج الدين السبكي الشافعي الأشعري(ت771 ه) فكرر ما قاله سابقوه مع التلاعب بالألفاظ ، فقرر إن كلام الله قديم غير مخلوق ،و لا يزال قائما و لا يجوز أن ينفصل عن ذاته . ثم قال إن القرآن مكتوب على المصاحف حقيقة342 .و ليس أمام السبكي فيما قاله إلا حلاّن ، إما أن يكون القرآن بحروفه و معانيه هو كلام الله ، وهذا يستلزم إنه انفصل عنه ، منه بدأ و إليه يعود ، وهذا قد أنكره السبكي .و إما أن يكون كلامه تعالى قائما بذاته لا ينفصل عنه ، وهذا يستلزم إن المكتوب في المصاحف ليس هو كلامه على الحقيقة ، لأن كلامه-عند السبكي- واحد لا يتجزأ ، وإنما هو حكاية و عبارة عنه تعالى ، وهذا هو الذي تقوله الأشعرية ، و أراده السبكي و لم يصرح به .
و مع إن الغالبية العظمى من الأشاعرة قالوا بذلك في موقفهم من كلام الله ، فإن أحد أعيانهم خالفهم و قال بمذهب أهل الحديث ، و هو الفقيه عبد الله بن يوسف الجويني(ت 438ه)- والد إمام الحرمين- فذكر إن شيوخه الأشاعرة لم يفهموا من كلام الله ، إلا ما فهموه من كلام المخلوقين ، فقالوا إن القول بالحرف يعني القول بالجوارح و اللهوات ،و القول بالصوت يعني القول بالحلق و الحنجرة ، ثم قال إن كلام هؤلاء هو تخبيط وقعوا فيه ، كما وقعوا في مسألة الصفات ، و ذلك إنهم فهموا من كلام الله ما فهموا من كلام البشر ؛ ثم قرر إن الله تعالى تكلم بحرف و صوت ، بما يليق به ،و لا يحتاج إلى جوارح و آلات ، لأنه قادر ، و القادر لا يحتاج إلى ذلك ، و بهذا ينشرح الصدر،و يستريح الإنسان، من تعسّف و تكلّف الأشاعرة ، في قولهم إن القرآن هو عبارة عن كلام الله ، ثم قرر إن القارئ للقرآن الكريم يقرأ كلام الله حقيقة ، لأن الكلام يُنسب لمن قاله مبتدئا ، لا لمن قاله مؤديا مبلّغا 343 .
و كلامه هذا منطقي صحيح ، جمع بين النقل و العقل ، فالله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته ، ولا يصح قياسه بمخلوقاته ، و كلامه تعالى يليق به، و لا يُوجد تلازم بين الكلام و الحنجرة و اللهوات ، فالله سبحانه أخبرنا إنه يوم القيامة يجعل أرجل أعدائه و أيديهم تنطق لتشهد عليهم ، و ليس لها حناجر و لا لهوات ، و نحن في عصرنا الحالي لدينا أجهزة تتكلم بلا حناجر و لا لهوات و لا أحبال صوتية .
و قد كانت لمقالة الأشاعرة في القرآن آثار سيئة في تعامل بعضهم مع القرآن الكريم ، فمن ذلك أولا إنه في سنة 555ه جلس الواعظ أبو جعفر بن المشاط الأشعري بجامع ببغداد ، فكان يُسأل : هل (( ألم ذلك الكتاب ))-سورة البقرة--/1- كلام الله ؟ ، فيقول : لا ، و يقول في القصص القرآني : هذا كلام موسى ، و هذا كلام النملة ، و عندما قيل له : (( التين و الزيتون )) قال : التين في الريحانيين ،و الزيتون يُباع في الأسواق ، فأفسد بذلك عقائد الناس344 .
و ثانيا إنه في سنة 521ه لما طُرد الواعظ أبو الفتوح الاسفراييني الأشعري من بغداد ، وُجد عند رجل من أصحابه كراريس فيها ما يتضمن الاستخفاف بالقرآن الكريم ، فطيف به في البلد و نُودي عليه ،و همّت العامة بإحراقه345 .
و ثالثا إنه وُجد من الأشاعرة من كان يمتهن القرآن الكريم ،و يقول إنه مجرد ورق و مداد ، و صار يدوسه برجله ،و يكتب أسماء الله الحسنى بالنجاسة اسقاطا لحرمة ما كتب في المصحف ،و كان بعضهم يطأ المصحف برجله ،و عندما قيل له : (( ويحك هكذا يُصنع بالمصحف ،و فيه كلام الله تعالى ! ، قال : ما فيه إلا السخام و السواد ،و أما كلام الله فلا )) ،و قال آخر : (( على من يقول إن الله قال : (( قل هو الله أحد الله الصمد )) ، ألف لعنة ))346 . و قد ذكر شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية إن المسلمين أجمعوا على أن من يفعل ذلك بالمصحف إهانة له ، فهو كافر حلال الدم347 .
و أما أهل الحديث فهم لما ظهرت مقالة الكلابية و الأشعرية في القرآن الكريم ، أنكروها و قاوموها بشدة ، و أظهروا مذهبهم في مسألة كلام الله تعالى ، منذ القرن الثالث و ما بعده348 . فمن ذلك إن الفقيه أبا جعفر الطحاوي الحنفي(ت321ه) قال : (( القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفبة قولا، و أنزله على رسوله وحيا ،و صدقه المؤمنون على ذلك حقا ، و أيقنوا إنه كلام الله بالحقيقة ، ليس بمخلوق ككلام البرية))349 .و كلامه هذا يتضمن الرد على الكلابية و الأشعرية ، لأنه قرر فيه إن القرآن كلام الله علىالحقيقة ، مما يعني إنه ليس حكاية و لا عبارة عنه .
و الثاني هو الفقيه أبو حامد الإسفراييني الشافعي(ت406ه) أعلن صراحة إن مذهبه في القرآن الكريم ، يخالف مذهب الأشعرية ، و إنه على مذهب الشافعي و فقهاء الأمصار ، و هو إن القرآن كلام الله حقيقة ، حمله جبريل مسموعا من الله تعالى إلى رسوله ، -صلى الله عليه وسلم- و منه سمعه الصحابة ، و هو الذي نتلوه بألسنتنا الموجود بين الدفتين ، مسموعا و مكتوبا و محفوظا و منقوشا ، و كل حرف منه كالباء و التاء هو كلام الله غير مخلوق350 . و كلامه هذا فيه رد مفصّل لمقالة الأشعرية في القرآن الكريم.
و الثالث هو الحافظ اللالكائي الشافعي (ت418ه) رد على مقالة الأشاعرة في كلام الله حين قال : إن القرآن تكلّم الله به على الحقيقة ،و هو متلو في المحاريب،و مكتوب في المصاحف ،و محفوظ في الصدور، ليس بحكاية و لا عبارة عن قرآن351 .
و الرابع الحافظ أبو نصر السجزي الحنفي(ت444ه) ناقش الأشاعرة في كثير من أفكارهم في رسالة كتبها إلى أهل زبيد باليمن ، منها قضية كلام الله تعالى ، فقال إن الأشاعرة مخالفون للعقل ، و إن أقوالهم متناقضة في مسألة كلام الله ، فالأشعري يقول إن كلام الله شيء واحد لا يتبعّض ، ثم هو يقول من جهة أخرى أن الله تعالى أفهم موسى-عليه السلام- كلامه ، و هذه الحالة لا تخلو من أمرين ، الأول إنه تعالى أفهمه كلامه كله ، فصار موسى-عليه السلام- فاهما عالما بكلام الله ، من الأزل إلى الأبد ، مشاركا له في علم الغيب ، و هذا كفر صريح بالاتفاق ، و يخالفه قوله تعالى : (( تعلم ما في نفسي ،و لا أعلم ما في نفسك ))-سورة المائدة/116- .
و الأمر الثاني هو إن الله تعالى أفهمه ما شاء من كلامه ، و هذا يعني التبعيض الذي ينكره الأشاعرة ، و يُكفّرون من يقول به من أهل الحديث. ثم انتقدهم أيضا بأنهم يقولون إن كلام الله لا يجوز أن يُوجد في غيره ، و ينزل إلى محل، و ليس لغة و لا حرفا ، و لا يصل إليه الخلق ، ثم إنهم يقولون من جهة أخرى إنه –أي كلام الله- يُتلى و يُقرأ ، و هذا ممتنع عقلا . و يقولون أيضا ، إن كلام الله مكتوب في المصاحف على الحقيقة لكنه ليس بحرف ،و هذا ممتنع عقلا ، لأن العقل يقتضي إن المكتوب يجب أن يكون حروفا352 .
و خامسهم الحافظ عبد الله الأنصاري الهروي الصوفي الحنبلي ، قال إن حقيقة قول الأشاعرة في القرآن الكريم هو إنه غير موجود أصلا ، ثم نجدهم مع ذلك يقولون إنه –أي القرآن- غير مخلوق ،و من قال مخلوق فهو كافر، و هذا من فخاخهم يصطادون بها قلوب عوام الناس353 .
و سادسهم أبو الوفاء بن عقيل البغدادي الحنبلي(ت513ه) ردّ على الأشاعرة في موقفهم من كلام الله تعالى ، و قال إنه ينتهي بالضرورة إلى القول بخلق القرآن ،و هو نفس مقالة المعتزلة ؛ و أما دعواهم موافقتهم لأحمد بن حنبل في مسألة كلام الله ، فهي دعوى باطلة ، لأنه –أي أحمد – قال أن الله تكلّم بصوت ،و لا ينكر هذا إلا الجهمية ، و هم-أي الأشاعرة- أنكروا تكلّم الله بالحرف و الصوت354 .
و سادسهم الحافظ المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي(ت597ه) انتقد أبا الحسن الأشعري ،و قال إنه جاء بمقالة خبّطت عقائد الناس ، فادعى إن كلام الله هو صفة قائمة بذاته تعالى ، ما نزل و ما هو مما يُسمع ، فأوجبت دعواه إن ما عندنا مخلوق . وذكر أيضا إن جماعة من وعاظ الأشاعرة ببغداد كانوا يقولون ليس لله في الأرض كلام ، و ليس في المصحف إلا الورق .و يقولون أيضا : أين الحروفية الذين يزعمون إن القرآن حرف و صوت ، و إنما هو عبارة جبريل ، فأدى ذلك إلى أن هان تعظيم القرآن في صدور أكثر العوام ،و صار أحدهم يقول : القرآن شيء يجيء به جبريل في كيس355 .
و آخرهم –أي السابع- الفقيه الموفق بن قدامة المقدسي (ت 620ه) انتقد الأشاعرة انتقادا لاذعا ، في موقفهم من كلام الله ، و نسبهم إلى التناقض حين قالوا أن موسى –عليه السلام- سمع كلام الله من الله ، ثم قالوا إن كلامه ليس بصوت .و قالوا أيضا : القرآن مكتوب في المصاحف ، لكن ليس فيها-أي المصاحف- إلا الحبر و الورق . ثم قال إن مقالتهم في القرآن هي خزي و مكابرة ، و تُوجب أن يكون الأمر هو النهي، و الإثبات هو النفي، و قصة نوح هي قصة هود و لوط ، و أحد الضدين هو الآخر، و هذا قول من لا يستحي ،و يُشبه قول السفسطائية . و قال أيضا إن مقالتهم في القرآن لا دليل لهم عليها من النقل و لا من العقل و لا من الإجماع ، و ينبغي عليهم أن يقولوا: قال محمد ،و أو قال جبريل، و لا يقولون : قال الله تعالى ، و قولهم هذا ينتهي إلى موافقة المعتزلة في قولهم بخلق القرآن ، لكنهم يخفون ذلك عن الناس لكي لا يعلمون بهم ، فارتكبوا (( مكابرة العيان ،و جحد الحقائق ،و مخالفة الإجماع ، و نبذ الكتاب و السنة وراء ظهورهم ، و القول بشيء لم يقل به قبلهم مسلم و لا كافر))356 .
و للمحقق ابن قيم الجوزية رأي في القضية مفاده ، إنه من البلية العظمى نسبة مقالة الأشعرية في كلام الله إلى رسول الله –عليه الصلاة و السلام- و إن جمهور العقلاء يقولون إن تصوّرها –أي مقالة الأشعرية- كاف للجزم ببطلانها ، و هي لا تُتصوّر إلا كما تُتصوّر المستحيلات الممتنعات ، و هي مبنية على مسألة إنكار قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، التي يسمونها حلول الحوادث، و حقيقتها إنكار أفعاله و ربوبيته ،و إرادته و مشيئته 357 .
و تعليقا على ما ذكرناه أقول: أولا تبيّن إن مسألة كلام الله تعالى ، هي امتداد لقضية الأفعال الاختيارية المتعلّقة بذاته تعالى ، و قد أثارت جدالا واسعا و حادا بين طائفتي أهل الحديث و الأشاعرة المتنازعين ، جراء الأزمة العقيدية التي عصفت بهما خلال القرنين الخامس و السادس الهجريين ، و واضح أيضا إن الأشاعرة لا يمكنهم أن يقولوا إن القرآن كلام الله حقيقة ، ما داموا ينُكرون تكلم الله تعالى أصلا ، فهو بما أنه لا يتكلم-حسب زعمهم- فبالضرورة إن القرآن ليس كلامه ، بل و لا يُوجد لله كلام أصلا ، و من ثم لا توجد كبير فائدة في مناقشتهم في مسألة : هل القرآن كلام الله ؟ ، لأتهم ينفون أصلا قيام الأفعال الاختيارية به تعالى ،و منها صفة الكلام .
و ثانيا إن الشرع الحكيم قد حسم مسألة كلام الله حسما نهائيا ، المفروض على كل مسلم الالتزام به ، لكن طائفة من أهل السنة لم تقتنع بذلك –بتأثير من المعتزلة -،و خاضت فيها بظنونها و خيالاتها و أوهامها . فالقرآن الكريم ذكر صراحة إن الله تكلّم و يتكلم ، و إن القرآن هو كلامه مدوّن في المصحف و محفوظ في الصدور،و ليس فيه أية إشارة إلى إنه حكاية أو عبارة عن كلام الله ، فلو كان كذلك لبينه ، قال الله سبحانه تعالى: (( حتى يسمع كلام الله))-سورة التوبة/6- و (( و قد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يُحرّفونه ))-سورة البقرة/75- و ((يريدون أن يبدلوا كلام الله ))-سورة الفتح/15- و ( و ما كان لبشر أن يُكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يُرسل رسولا فيوُحي بإذنه ما يشاء ، إنه علي حكيم ) –سورة الشورى/51 - و ( هو الذي نزّل عليك الكتاب بالحق))-سورة آل عمران /3- و (( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم))-سورة الزمر /1- و (( تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين))-سورة السجدة/2- و (( بل هو آيات بينات في صدور الذين أُتوا العلم ))-سورة العنكبوت/49 .
و في السنة النبوية إن الرسول-عليه الصلاة و السلام- سمى القرآن صراحة بأنه كلام الله في قوله : ((و أحسن الكلام كلام الله ))358 . و عندما قرأ أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- سورة البقرة ، على قريش ، و قالت له : هل هذا كلامك أم كلام صاحبك ؟ ، قال : ليس كلامي،و لا كلام صاحبي ، و لكنه كلام الله ))359 .
و ثالثا إن قول الكلابية و الأشعرية يستلزم إنكار القرآن جملة و تفصيلا ، و ذلك إنه إذا كان الله لا يتكلم و لا يقدر على الكلام ، و كلامه لا يتعدد و لا ينفصل عنه ، فهذا يستلزم بالضرورة إن الذي بين أيدينا ليس كلام الله ، و هذا يخالف أمرا معروفا من الدين بالضرورة إن القرآن الذي في المصحف هو كلام الله حقيقة معنى و لفظا . لكن المؤسف حقا إن طائفة من أهل السنة أنكرت ذلك و زعمت إن الله تعالى لا يتكلّم ، فكانت سببا في ظهور الأزمة العقيدية التي عصفت بأهل السنة منذ القرن الرابع الهجري و ما بعده ،و ما تزال قائمة إلى يومنا هذا !! .
و رابعا إن قول الأشاعرة في كلام الله و ما ترتب عنه ، من حكاية الكلام النفسي و إنكار الحرف و الصوت ، هو رجم بالغيب ،و قول على الله بلا علم ، ليس لهم فيه سند من نقل و لا عقل ، إلا اتباع الظن ،و ما يلزمهم به مذهبهم من إلزامات .
و القضية العقيدية الرابعة-التي أثارتها الأزمة- هي قضية الحرف و الصوت ، التي هي امتداد لمسألتي الأفعال الاختيارية، و كلام الله تعالى ، و هي أيضا أدخلت أهل السنة في نزاع عقدي حاد ، فقال أهل الحديث إن الله تعالى تكلّم بحرف و صوت ، و أنكر الأشاعرة ذلك ، بحكم إن الله عندهم لا يتكلّم و القرآن ليس كلامه حقيقة .
فمن أقوال الأشاعرة و مواقفهم من تلك المسألة ، ما قاله القاضي أبو بكر الباقلاني (ت403ه) ، فإنه نفى تكلّم الله بحرف عندما قرر إن الحروف و الأصوات في تلاوة القرآن هي من صفات القارئ ،و ليست من كلام الله ،و قال إنه لا يحوز لقارئ القرآن أن يقول إني أتكلّم بكلام الله360 .
و قوله هذا مجمل ،و فيه تمويه و تلاعب بالألفاظ ، و ذلك إن الذي لا شك فيه هو إن الحروف المنطوقة ،و المكتوب بها المصحف الشريف، هي قطعا من كلام الله تعالى ،و ليست من كلام القارئ ، لأنها منفصلة عنه تماما ، و هي موجودة في المصحف قبل القراءة و في أثنائها و بعدها ، . كما إنه يجب أن نفرّق بين الكلام المتلو-أي المقروء- الذي هو كلام الله تعالى ،و بين التلاوة التي هي قراءة القارئ و صوته ، فهي من القارئ بلا شك ، و هذا أمر مُشاهد يُدركه كل إنسان بداهة . و أما قوله إنه لا يجوز للقارئ أن يقول إنه يتكلم بكلام الله ، فهو خطأ فاحش ، أوقعه فيه نفيه لقيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، و قد سبق التطرق لذلك ؛ و إذا لم يقل المسلم إن القرآن كلام الله ، فماذا يقول يا ترى؟ ! فهل يقول إنه كلام الملائكة ، أم كلام الجن ، أم كلام البشر ؟ ؟ !!
ثم زعم الباقلاني إن الدليل الشرعي على ما قاله ، هو حديث مفاده أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كان إذا قام للصلاة ليلا مرة يُخفض القراءة،و مرة يرفعها ،و في حديث آخر إن قراءته كانت مفسّرة حرفا حرفا ، و موضع الدليل هنا هو إن القراءة أُضيفت للرسول بالرفع و الخفض361 .
و استدلاله هذا غير صحيح أيضا ،و فيه تلبيس واضح ، لأن الحديثين بخصان طريقة القراءة و التلاوة ، و لا يخصان المحتوى –أي المقروء المتلو- و لا شك إن القراءة-التلاوة- هي صوت العبد ، و أما المقروء المتكوّن من الحروف و المعاني ، فهو كلام الله تعالى منفصل عن الإنسان تماما ، حروفا و معاني و أحكاما . و يُلاحظ عليه –أي الباقلاني- إنه نسي أو تناسى النصوص الشرعية الكثيرة – سبق ذكر بعضها- التي نصت صراحة على إن القرآن كلام الله تعالى ، و ذهب إلى نصوص أخرى لوى أعناقها ، و أوّلها كما يريد خدمة لمذهبه .
ثم إنه قال-أي الباقلاني- إن الدليل العقلي على ما ذهب إليه ، هو إن القراءة أحيانا تكون جيدة ،و أحيانا أخرى سيئة يلحقها اللحن و الخطأ . و كذلك الكتابة مرة تكون جيدة ، و مرة وحشة يُذم كاتبها ، فالكتابة صفة الكاتب ،و المكتوب بها هو كلام الله- لاحظ تناقضه- 362 و الكتابة هي أيضا يلحقها المحو ، و يُتصوّر عليها الغرق و الحرق ،و كلام الله القديم لا يُتصوّر عليه شيء من ذلك363 .
و كلامه هذا هو أيضا غير صحيح ، و فيه تدليس و تلاعب بالألفاظ ، و قول على الله بلا علم ، و ذلك لأن القراءة الجيدة و السيئة ،و الكتابة الحسنة و الوحشة ، و محوها و غرقها و حرقها ، كل ذلك لا يمس كلام الله تعالى ، و إنما يمس الأوراق و الحبر، و الخط و الكتابة ، و أما كلامه تعالى فهو منفصل عن كل ذلك تماما ، فإذا أُحرقت المصاحف ، فذلك لا يمس كلام الله مطلقا ، لأنه لا يحترق ، و محفوظ في الصدور بلا أوراق ، و قد أحرق المسلمون المصاحف منذ زمن الخليفة عثمان بن عفان-رضي الله عنه- و لم يضر ذلك القرآن شيئا ، و ما قال الصحابة و التابعون إن حرقهم للمصاحف يضر القرآن ، فهو كلام الله منه بدأ و إليه يعود .
و القول الثاني هو لأبي حامد الغزالي (ت 505ه) أنكر فيه تكلّم الله بحرف و صوت ،و قال إن موسى-عليه السلام- سمع كلام الله بلا حرف و لا صوت364 . و قوله هذا هو خوض في غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، و ليس له فيه دليل من النقل و لا من العقل ، إلا إتباع الظن ، فالله سبحانه أخبرنا إنه كلّم موسى-عليه السلام- تكليما ، و ناداه من جانب الطور ، و لم يقل لنا إنه غيّر لموسى طبيعته البشرية ليسمع منه ، و لم يقل لنا كيف أسمع لموسى كلامه ، مما يُشير إلى إن موسى –عليه السلام - سمع كلاما فيه حرف و صوت ، نحن لا نعلم كيفية ذلك ، بحكم إن الله تعالى ليس كمثله شيء و فعال لما يريد ، و أن موسى بشر لا يسمع إلا بحرف و صوت . و قبل موسى-عليه السلام- كان الله تعالى قد أخبرنا إنه كلّم الملائكة و آدم و الشيطان ، و إنه تعالى سيُكلّم عباده يوم القيامة ، فهو تعالى يُكلّم من شاء، و متى شاء ،و كيفما يشاء .
و القول الثالث للقاضي أبي بكر بن العربي (ت543ه) ذكر فيه أن الحنابلة و أهل الحديث – سماهم المشبهة- قالوا بالحرف و الصوت ، و نسب الحنابلة ذلك لإمامهم أحمد بن حنبل ، و قالوا أيضا بقدم الحرف و الصوت ، فجاءوا بما لا يُعقل ،و لا هو في حد النظر و المجادلة , ثم قال أن هؤلاء المشبّهة –أي أصحاب الحديث- اعتمدوا على ظواهر شرعية غير صحيحة ، منها حديث البخاري الذي فيه : (( يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ، فيناديهم بصوت ... )) ، و هذا حديث مقطوع –أي منقطع- ، و هو يحتمل أن الصوت قد لا يعود إلى الله تعالى ،و فيه : (( يُناديهم و ليس فيه يتكلم بصوت ، ثم يقول ابن العربي لهؤلاء : فَلِمَ تركتم الظاهر و جعلتم الكلام و الصوت واحد ،و هما قد وردا في موطنيين ؟ و بين الكلام و النداء ما بين السماء و الأرض ))365 .
و قوله هذا غير صحيح ، و فيه التمويه و التهويل ،و التلاعب بالألفاظ ، فمن ذلك أولا إنه ضعّف حديث البخاري بدعوى إنه منقطع ، و قوله هذا صحيح من حيث أن البخاري رواه في صحيحه بإسناد منقطع ، لكن الحديث صحّ من طرق أخرى ،و قد رواه البخاري نفسه بإسناد متصل في كتابيه خلق أفعال العباد ،و الأدب المفرد ،و سنتوسع في تحقيق هذا الحديث لاحقا إن شاء الله تعالى.
و ثانيا إنه قال أن هنالك فرقا كبيرا بين الكلام و الصوت ،و بين الكلام و النداء ، و هذا غير صحيح تماما ، لأن الصوت هو نوع من الكلام ، بل هو كلام بصوت مرتفع ،و كل صوت يتضمن الحرف و الكلام ، .و كذلك الكلام و النداء ، فإن النداء نوع من الكلام ، بل هو كلام بصوت مرتفع ، و النداء يتضمن بالضرورة الكلام و الصوت ، فأين الفارق المزعوم بما بين السماء و الأرض ؟ ! ،و الحقيقة إن كلا من الصوت و النداء هما مظهران من مظاهر الكلام ، و القرآن الكريم أثبت الكلام و النداء في حق الله تعالى ، فأخبرنا سبحانه و تعالى إنه كلّم موسى-ع- و ناداه في قوله تعالى: (( و كلّم موسى تكليما ))-سورة النساء /164- و (( إذ ناده ربه بالواد المقدس طوى )) –سورة النازعات /16- و (( و إذ نادى ربك موسى ، أن أئت القوم الظالمين ))-سورة الشعراء /10-،و أخبرنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم –أن الله تعالى ينادي الناس بصوت يوم القيامة ، على ما سنبينه لاحقا بحول الله تعالى.
و ثالثا بما إنه ثبت في الشرع أن الله تعالى كلّم آدم و إبراهيم و موسى-عليهم السلام- ،و إنه سيكلم عباده يوم القيامة ، فهذا لا يمنع من إنه تعالى كلّمهم بحرف و صوت بحكم أن الذين كلمهم بشر ،و لا يفهمون الكلام إلا بحرف و صوت ، فهو تعالى فعال لما يريد يتكلم بما شاء، و متى شاء، و كيفما شاء، فتكلّمه تعالى بصوت و حرف لا علاقة له بحكاية حلول الحوادث المزعومة ، فهي خاصة بالمخلوقات لا بالخالق ، فهو تعالى متصف بكل صفات الكمال الأزلية و مُنزه عن النقائص ، و لا تسمى صفاته حوادث .
و القول الرابع هو للمتكلم أبي المظفرالإسفراييني (ت 471ه) و مفاده أن كلام الله تعالى ليس بحرف و لا بصوت ، لأن ذلك يتضمن جواز التقدم و التأخر ، و هو مستحيل في حقه تعالى366. و كلامه هذا أقامه على منهج خطأ ، هو قياس الخالق بالمخلوق ، و بمعنى آخر تشبيه الخالق بالمخلوق ، عندما نفى الحرف و الصوت عن الله تعالى ، بدعوى أن ذلك يتضمن جواز التقدم و التأخر في كلامه تعالى ، و هذا زعم باطل من أساسه ، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته ، و من ثم فكلامه بحرف و صوت يختلف تماما عن حروف و أصوات المخلوقين ، و هذا أمر مُطرد في كل الصفات ، فنحن – مثلا - عندما أثبتنا صفتي العلم و السمع لله لم نقل أن العلم مرتبط بالمخ و الأعصاب و الحواس ، و أن السمع مرتبط بالأذن و مكوناتها العضوية و العصبية ،و إنما قلنا أن ذلك خاص بالإنسان الذي لا يستطيع أن يعلم و يسمع إلا بتلك الأجهزة و الأعضاء ، أما الله تعالى فله المثل الأعلى فهو الخالق الأزلي العظيم الذي له الأسماء الحسنى ،و لم يلد و لم يُولد ، و ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته. فكذلك إثباتنا للحرف و الصوت في كلامه تعالى ، فهو يختلف كلية عن حروف و أصوات البشر، و لا يجمعها إلا في الاسم لا غير .
وذلك هو المنهج السليم الصحيح الوحيد الذي يقوم على النقل الصحيح و العقل الصريح ،و العلم الصحيح ، الذي يمكنه حل قضية صفة الكلام و باقي صفات الله تعالى الحسنى ، لأنه إذا قلنا مثلا أن الله لا يتكلم ، نكون قد شبهناه بالأبكم و الجماد . و إذا قلنا إنه يتكلم كالمخلوق نكون قد شبهناه بالمخلوقات التي تتكلم . و إذا قلنا إنه يتكلم بحرف و صوت ، نكون قد شبهناه بالإنسان ، فما هو الحل إذن ؟ ، إنه لا يوجد حل إلا فيما قررناه سابقا ، من أن نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من صفات في إطار قوله تعالى (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير)) و (( لم يكن له كفؤا أحد )) .
و القول الخامس هو للمؤرخ الرحالة ياقوت الحموي الرومي الأشعري الشافعي(ت626ه) و مفاده إن القول بالحرف و الصوت هو بدعة ، لم يثبت عن النبي-عليه الصلاة و السلام- ،و لا عن الصحابة و التابعين ، ثم قال إن العقل يُرجح بالبديهة قول أبي الحسن الأشعري ، و لا يُرجّح ما يقوله الحنابلة367 .
و كلامه هذا مجازفة و قول بلا علم ، لأنه أولا قد صحت روايات عن الرسول-عليه الصلاة و السلام- و السلف الصالح ، فيها القول بأن الله تعالى تكلم بالحرف و الصوت ، سنذكرها قريبا إن شاء الله تعالى .
و ثانيا إن قوله بأن العقل يُرجّح رأي الأشعري بالبديهة ، فهو قول لا يصح ، لأنه لو كان بديهيا ما اختلف فيه الناس ، لأن البديهي –كما هو معروف- لا يختلف فيه اثنان ، لظهوره و عدم احتياجه للدليل ؛ لكنه بديهيا بالنسبة للأشاعرة ، بحكم إن مذهبهم ينكر تكلّم الله ، فلا وجود إذن للحرف و الصوت أصلا .
و ثالثا إن الأقرب إلى التصديق و الصواب هو قول الحنابلة و أهل الحديث ، و ليس رأي الأشعري، لأن قولهم تشهد له النصوص الشرعية و أقوال السلف ، و يتقبّله العقل ، فهو سبحانه فعال لما يريد و على كل شيء قدير ، يتكلّم بما شاء، و كيفما شاء ، و متى شاء ، لكن قول الأشعرية بالكلام النفسي و إن القرآن حكاية و عبارة عنه ، هو البعيد عن التصديق و المُستغرب جدا ، و ليس له دليل يُسنده من النقل و لا من العقل ، حتى إن اثنين من كبار علماء الأشاعرة قالوا بالحرف و الصوت ، الأول هو الفقيه أبو محمد الجويني (ت438ه) والد إمام الحرمين ، ذكر إن شيوخه الأشاعرة لم يفهموا من كلام الله إلا ما فهموه من كلام المخلوقين ، فقالوا إن القول بالحرف يعني القول بالجوارح و اللهوات ، و إن القول بالصوت يعني القول بالحلق و الحنجرة ، و هذا تخبيط وقعوا فيه ، لكن التحقيق هو إن الله تعالى تكلّم بحرف و صوت ، كما يليق به تعالى ، و لا يحتاج إلى جوارح و حنجرة و حلق ، لأنه سبحانه قادر و القادر لا يحتاج إلى ذلك ،و بذلك ينشرح الصدر،و يستريح الإنسان من التعسف و التكلف368 .
و الثاني هو المتكلّم عضد الدين الإيجي الشافعي( ت756ه) فإنه قال إن الله تعالى يتكلم بحرف و صوت ، و عندما قال ذلك و صرّح به ، أحدث ضجة في أوساط الأشاعرة ،و هبوا للرد عليه ، مستنكرين ما صدر عنه369 .
و أما أهل الحديث فهم أيضا كانت لهم أقوال و مواقف من مسألة الصوت و الحرف ، أثبتوا فيها الحرف و الصوت ،و استنكروا على الأشاعرة نفيهم لهما ، فمن ذلك أولا ما قاله شيخ الشافعية أبو حامد الإسفراييني (ت 406ه) ، فإنه أعلن أمام الناس إن مذهبه في القرآن يخالف مذهب أبي بكر الباقلاني الأشعري في كلام الله ، و نص على أن مذهبه هو مذهب الشافعي و فقهاء الأمصار ، من أن القرآن كلام الله حقيقة ، و كل حرف منه كالباء و التاء ، كله كلام الله370 .
و القول الثاني للحافظ أبي نصر السجزي (ت 444ه) توسع فيه في الرد على الأشاعرة في موقفهم من كلام الله و الحرف و الصوت ، فمن ذلك إنه قال إن إنكار الأشعري للحرف و الصوت هو سخف و تلاعب بالألفاظ ، سببه التحيّر و قلة الحياء ، لأنه أقر إن القرآن هو الذي بين أيدينا ، ثم هو من جهة أخرى يقول إن الحرف و الصوت لا مدخل لهما في كلام الله تعالى ، رغم إن القرآن شاهد بين أيدينا إنه مُكوّن من حروف . ثم ذكر السجزي إن الأشعري أظهر مخالفة المعتزلة في مسألة الكلام ، لكنه أثبت ما لا يُعقل ،و وافقهم في أصل مقالتهم في نفي الصفات و القول بخلق القرآن371 .
و معنى كلامه إن المعتزلة نفوا الصفات ، و الأشعري أثبتها و نفى قيامها بذات الله تعالى ، فعطّلها عن فعلها و أصبح هو و المعتزلة متقاربين جدا .و هم قالوا بخلق القرآن ،و هو نفى خلقه و أنكر أن يكون القرآن كلام الله حقيقة ، و قال إنه حكاية و عبارة عنه ، و بما إنه ليس بكلام لله فهو إما كلام جبريل –عليه السلام- ،و إما كلام محمد-عليه الصلاة و السلام- و هذا يعني بالضرورة إن القرآن مخلوق ، لأن مخلوقا تكلّم به هو جبريل أو الرسول . و بذلك انتهى قول الأشعري في القرآن إلى مقالة المعتزلة في نفي الصفات و القول بخلق القرآن .
و القول الثالث هو للفقيه المتكلم أبي الوفاء بن عقيل ذكر فيه إن الأشاعرة قالوا إن كلام الله ليس بصوت و لا حرف ،و شنّعت على رسول الله –صلى الله عليه و سلم- عندما قال : (( إذا تكلم الله بالوحي سُمع صوت كجر السلسلة على صفوان )) ، فقالوا : كيف يُشبّه القديم بالمحدث ؟ ‍، و لم يُشنعوا عليه في حديث رؤية الله تعالى –هم يُثبتونها- في قوله : (( ترون ربكم كما ترون القمر )) ، فإن أوجب ذكر القمر تشبيها لله به، أوجب ذكر السلسلة تشبيها للكلام به ، فلم يبق إذا إلا إنه شبه الرؤية بالرؤية ،و السماع بالسماع ، و لم يُشبه المرئي و المسموع372 .
و القول الرابع للقاضي أبي الحسين بن أبي يعلى الفراء (ت 526ه) قرر فيه إن القرآن الكريم كلام الله حقيقة ، و هو حرف و صوت مسموع من التالي للقرآن373 .
و القول الخامس هو للفقيه الموفق بن قدامه المقدسي و مفاده إن القرآن الكريم شاهد على أن الله تكلم بحرف لأنه – أي القرآن-مكون من حروف ،وفيه 29 سورة بدأت بالحروف .و إنه سبحانه و تعالى تكلم بصوت بدليل الكتاب و السنة ،و إجماع الصحابة و التابعين 374 .فمن القرآن قوله تعالى : ((و كلّم الله موسى تكليما ))-سورة الأنبياء /164-و (( منهم من كلم الله ))-سورة البقرة/253- و ((إذ نادى ربك موسى ))-سورة الشعراء /10-، ولا خلاف إن موسى عليه السلام قد سمع كلام الله منه بغير واسطة ،ولا يُسمع إلا الصوت وهو ما يتأتى سماعه 375.وأما من السنة فقد صح عن النبي -صلى الله عليه و سلم –إنه قال : ((إن الله يجمع الخلائق فيناديهم بصوت يسمع من بعد كما يسمع من قرب :أنا الملك أنا الديان )) 376. وعن الصحابة ما روي عن عبد الله بن مسعود –بإسناد صحيح –إنه قال : (( إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء ))377 .وعن السلف ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد إنه كذّب الجهمية في إنكارهم تكلم الله بصوت 378.
ثم ناقش الموفق المنكرين لصفة الصوت في قولهم : إن الصوت اصطكاك في الهواء ،و ما ثبت في حقنا يكون في الغائب-أي الله- مثله379 . فيرى إن هذا هذيان محض ،و دعوى مجردة عن الدليل ، لا يشهد لصحتها خبر ، و لا مع قائلها فيها أثر ،و هم بذلك قد نفوا ما ثبت في الكتاب و السنة ،و جعلوا الخالق مقيسا على عباده ،و مشابها لهم في صفاته و أسمائه ،و هذا هو التشبيه بعينه . ثم بين لهم إنهم متناقضون في الصفات التي أثبتوها في مذهبهم ، كالسمع و البصر ،و الحياة و العلم ، فهي لا تكون في حقنا إلا من أدوات ، فالسمع من انخراق ، و البصر من حدقة ،و العلم من قلب ،و الحياة في جسم ، و جميع الصفات لا تكون إلا في جسم ، فإن قلتم إنها كذلك في حق البارئ ، فقد جسمتم و شبهتم و كفرتم ، و إن قلتم إن تلك الصفات لا تفتقر إلى الأدوات ،قيل لكم وصفة الصوت هي أيضا لا تحتاج إلى أداة و لا إلى اصطكاك في الهواء380 .
و يرى الشيخ تقي الدين بن تيمية إن من أنكر وجود القرآن في المصحف ،و قال إنه عبارة عن ورق و مداد ،و إنه حكاية عن كلام الله ، فهو ضال مبتدع .و من قال إن الله تعالى لا يتكلم بحرف و صوت ، فهو مبتدع منكر للسنة ، ثم قرر إن القرآن الكريم بحروفه و معانيه و جميعه هو كلام الله . و أشار أيضا إلى أن من قال أن ألفاظ العباد و أصواتهم بالقرآن قديمة ، فهو ضال مبتدع ،و من قال إن مداد القرآن قديم ، فهو ضال جاهل381 .
و تعليقا على ما ذكرناه أقول: أولا إن حديث الصوت الذي ضعّفه ابن العربي و محمد زاهد الكوثري ،و قالا إن البخاري رواه بإسناد معلّق-مقطوع-382 ، نصه هو (( يحشر الله العباد فيناديهم بصوت ، يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب : أنا الملك أنا الديان ))383 ، لكنهما نسيا أو تناسيا إن البخاري وصل الحديث في كتابيه خلق أفعال العباد ،و الأدب المفرد بإسناد صحيح384 . و قد حسّنه –أي الحديث- طائفة من الحفاظ ، منهم : الحاكم ،و البيهقي، و المنذري، و الذهبي، و الهيثمي، و الألباني385 .
و ثانيا إن بعض كبار علماء السلف قالوا بتكلم الله تعالى بحرف و صوت ، منهم : الصحابي عبد الله بن مسعود ،و أحمد بن حنبل ، و محمد بن القاسم صاحب مالك بن أنس ، و البخاري صاحب الصحيح386 . و في مقابل ذلك لم أعثر على أي أحد من كبار علماء السلف أنكر تكلّم الله بحرف و صوت .
و ثالثا إننا إذا نظرنا إلى مسألة الحرف و الصوت بموضوعية دون خلفيات مذهبية متعصبة ، فإننا نجد إن الشرع قد نصّ صراحة على تكلّم الله تعالى بحرف و صوت ، بطريقة لا نعلم كيفيتها ،لأنه تعالى ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته ، و القرآن الكريم الذي هو كلام الله متكون من حروف و معان ، فهو إذن شاهد مادي ، و دليل دامغ على تكلّم الله بحرف ، فالسور و الآيات هي مجموعة حروف بيّن بها الله تعالى عن كلامه . و القرآن الكريم أخبرنا في مواضع كثيرة إن الله تعالى كلم آدم و موسى و إبراهيم-عليهم السلام- ،و هؤلاء بحكم بشريتهم لا يفهمون إلا إذا كان الكلام مكوّنا من حرف و صوت ، و بما أن الله تعالى لم يُخبرنا إنه غيّر لهم طبيعتهم البشرية ، دلّ ذلك على إنه تعالى خاطبهم بكلام فيه حرف و صوت بطريقة لا نعلم كيفيتها .
و أما القضية العقيدية الأخيرة-أي الخامسة- التي أثارتها الأزمة ، فهي قضية مصدر تلقي معرفة صفات الله تعالى ، فقد كان السلف الأول يتلقى معرفتها من الكتاب و السنة مباشرة ، ثم حدث نزاع بين أهل الحديث و الأشاعرة في مصدر تلقيها ، هل هو النقل ، أم العقل ، أم الوجدان ؟ ،و بمعنى آخر هل مصدر التلقي هو الله تعالى ، أم الإنسان ؟ فأهل الحديث سبق أن ذكرنا مرارا ، إنهم لا يُثبتون من الصفات إلا ما أثبته الشرع ، فهو مصدر التلقي الوحيد عندهم فيما يخص صفات الله تعالى . و أما الأشاعرة فقدموا العقل على النقل في مسألة الصفات ، فنفت الأشعرية المتقدمة قيام الأفعال الاختيارية بذات الله و أوّلت صفة الكلام ، ثم لما ظهرت الأشعرية المتأخرة زادت على ذلك بتأويل الصفات الخبرية ،و الاكتفاء بإثبات سبع صفات سمتها عقلية ، و قلة منهم –أي الأشاعرة- اتخذت الوجدان مصدرا للتلقي و قدمته على النقل و العقل معا387 .
فمن ذلك أولا ما رواه الحافظ الذهبي من أن الشيخ اللغوي أبا البيان محمد بن محفوظ السلمي الدمشقي الشافعي (ت551ه ) قال للشيخ الأمين بن تميم الأشعري : و يحك ، الحنابلة إذا قيل لهم : ما الدليل على أن القرآن بحرف و صوت ؟ قالوا : قال الله كذا ، و قال رسوله-عليه الصلاة و السلام- كذا ، و سرد له الشيخ الآيات و الأحاديث التي تدل على ذلك ، ثم قال له : (( و أنتم إذا قيل لكم ما الدليل على أن القرآن معنى في النفس ، قلتم : قال الشاعر الأخطل : إن الكلام لفي الفؤاد )) ، ثم قال له : (( إيش هذا الأخطل ، نصراني خبيث بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله ،و تركتم الكتاب و السنة ))388 .
و هذه الحادثة شاهد تاريخي بيّن على الاختلاف في مصدر التلقي بين أهل الحديث و الأشاعرة ، فالأولون بنوا قولهم على الشرع ، و الآخرون بنوا موقفهم على قول شاعر نصراني ، فكانت حجة أبي البيان –في رده على ابن تميم- قوية دامغة لا تصمد أمامها دعوى الأشاعرة في اعتمادهم على قول شاعر ، في مسألة غيبية لا يدركها العقل ،و لا يعلمها إلا الله تعالى . و يُؤخذ عليهم أيضا-أي الأشاعرة- إنهم فروا من التشبيه فوقعوا فيه ، لأن مثالهم الذي ضربوه بقول الشاعر ، شبّهوا به كلام الله ،و قاسوه عليه ،و هذا لا يصح نقلا و لا عقلا ، و لا يهم أكان كلام الإنسان في الفؤاد أو في اللسان أو فيهما معا ، لأن النتيجة واحدة و هي قياس كلام الله تعالى بكلام البشر .
و ثانيا ما روُي إن المتكلم ابن فورك الأشعري دخل على السلطان محمود بن سبكتكين (ت421ه) ، فقال له : (( لا يجوز أن يُوصف الله بالفوقية ، لأن لازم ذلك وصفه بالتحتية ، فمن جاز أن يكون له فوق ، جاز أن يكون له تحت ، فقال السلطان : ما أنا وصفته حتى يلزمني ، بل وصف نفسه –أي الله تعالى- فبُهت ابن فورك و سكت ))389 .
فالسلطان كان جوابه حاسما ، فنبهه إلى انحرافه المنهجي ، في إنه خاض في مسألة غيبية قال فيها الشرع كلمته النهائية ، في أن الله تعالى هو الذي وصف نفسه بالعلو ،و كل مسلم يقول في سجوده : سبحان ربي الأعلى ، سبحان ربي الأعلى ، سبحان ربي الأعلى ، و ليس للعقل أن يتقدم بين يدي الله و رسوله ، فإذا تقدمهما فهو مُتبع لهواه وشيطانه لا لعقله.
و هو –أي ابن فورك- ارتكب خطأين ، أولهما تكلّم بجزم فيما لا يُدركه عقله و حواسه ، و ثانيهما إنه نظر لصفة علو الله تعالى نظرته للمخلوقات ، فقاس الله بمخلوقاته ، و هذا خطأ فاحش ، لأنه تعالى ليس كمثله شيء ، فعلّوه سبحانه على مخلوقاته ، هو صفة كمال لا صفة نقص ، و لا يعلم كيفيتها إلا هو ، و لا يجوز وصفه بالتحتية لأن الله لم يصف بها نفسه ، و حتى إذا افترضنا جدلا إننا وصفناه بالتحتية ، فهي صفة كمال لا نقص، لأنه تعالى فوق كل مخلوقاته ،و هي –أي مخلوقاته – التي تحته ، فهذه التحتية صفة كمال لا نقص ، تعني إن كل مخلوقاته تحته ،و الله أعلم، و مع ذلك فلا يصح وصفه تعالى بصفة لم يصف بها نفسه ،و لم يصفه بها رسوله عليه الصلاة و السلام .
و ثالثا ما رُوي إن الحافظ عبد الله الأنصاري الهروي ، كان يذم أبا الحسن الأشعري علانية ، فلما حضر الوزير السلجوقي نظام الملك( ت 585ه) إلى مدينة هراة و معه طائفة من علماء الأشعرية ، طلبه و اقترح عليه مناظرة الأشاعرة الذين كانوا معه ، فوافق على ذلك ، شريطة إن يُناظرهم على أساس الكتاب و السنة ، فلم يجرؤ أحد منهم على مناظرته على منهاج القرآن الكريم و السنة النبوية390 .
فلم يُناظروه لأنهم يعلمون مسبقا إن الرجل سيناقشهم ، و يرد عليم ، و يُقيم عليهم الحجة ، انطلاقا من الكتاب و السنة ، و هم غير مستعدين لمناظرته وفق طريقته ، لأن منهجهم مغاير لمنهجه ، بتقديمهم للعقل على النقل في مسألة الصفات ،و هم في موقفهم هذا على خطأ فاحش ، فما كان لمؤمن أن يتقدم على الله و رسوله ، بظنون و أوهام و خيالات سماها عقيلة ،و العقل منها بريء .
و وُجد في الأشاعرة من استبعد العقل كمصدر لمعرفة الصفات ،و قدم عليه المعرفة الباطنية الوجدانية كمصدر مُقدم على النقل و العقل معا ، فمنهم أبو حامد الغزالي ، فإنه قال عن إثبات الصفات و تأويلها ، إن حد الاقتصاد فيها دقيق و غامض، لا (( يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع-أي الشرع- ؛ فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه ،و ما خالف أولوه . فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد-أي الشرع- فلا يستقر له فيها قدم ، ولا يتعين له موقف . و الأليق بالمقتصر على السمع المجرد مقام أحمد بن حنبل رحمه الله ))391 .
و يرى ابن تيمية إن مضمون كلام الغزالي إنه لا يُستفاد من الشرع شيء من الأمور العملية ، و إنما يدرك كل إنسان بما يحصل له من المشاهدة و النور ، و هذا-عند ابن تيمية- أصل للإلحاد ، لذا يجب على كل ذي مكاشفة باطنية أن يزنها بالكتاب و السنة ، و إلا دخل في الضلالات ، لأن ما يقع لأهل القلوب فيه صواب و خطأ ، يجب عرضه على نور الوحي392 .
وأقول-تعقيبا على الغزالي- إنه ادعى إن الوحي لا يكفي و لا يوصل إلى قرار في مسألة الصفات ، وجعل المرجع فيها إلى ما يدعيه أرباب القلوب من نور و مشاهدة ،و هذا –في اعتقادي- قدح في الشرع خطير ،و تقدم بين يدي الله و رسوله مرفوض ، لأن محصلة دعواه إن الوحي ناقص و لا يكفي وحده ، و أرباب المشاهدة ليسوا في حاجة إليه ؛ و يقدمون عليه أحوالهم و وجدانياتهم . و بذا ينفتح الطريق أمام كل إنسان أن يقول ما يشاء اعتمادا على هواه و وجدانه ، جاعلا الوحي و راء ظهره . ثم ألم يتنبه -أي الغزالي - لخطر ما قاله ، عندما قدم كلامه و إحساساته على كلام الله الحق الذي نحن أمورون باتباعه ؟ ! و كيف يرجو أن يحصل له نور من الله و هو قد أبعد كتابه الذي أنزله نورا لعباده ؟ . و ما موقفه من قوله تعالى: (( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ))-سورة القصص/50- و (( و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور ))-سورة النور/40- و ((و إن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ))-سورة الأنعام/153- و الذي أوقعه في هذا الانحراف المنهجي هو هروبه من علم الكلام و الفلسفة و ارتماؤه في أحضان التصوف، ظنا منه إنه يوصله إلى اليقين ،و ينتهي به إلى بر الأمان ، على ما حكاه هو عن نفسه في كتابه المنقذ من الضلال393 ، لكن التصوّف خيّب آماله أيضا ،و اكتشف في آخر حياته إن الشرع هو الوحيد الذي يوُصل إلى سعادة الدنيا و الآخرة ، و ما العقل و الوجدان إلا وسيلتان محدودتان لتحصيل المعرفة الإيمانية القائمة على النقل ، و ليسا مصدرا لها ، فأقبل على دراسة الحديث الشريف و مات و صحيح البخاري على صدره394 .
و منهم أيضا –أي الذين اعتمدوا على الوجدان- الصوفي عبد الكريم بن هوازن القشيري الأشعري(ت 465ه) ، فقد ذكر ابن الجوزي إن عبد الكريم القشيري قال : (( حجج الصوفية أظهر من حجج كل أحد ، و قواعد مذهبهم أقوى من قواعد كل مذهب ، لأن الناس إما أصحاب نقل و أثر ،و إما أرباب عقل و فكر ، و شيوخ هذه الطائفة –أي الصوفية- ارتقوا عن هذه الجملة ، و الذي للناس غيب فلهم ظهور، فهم أهل الوصال ،و الناس أهل الاستدلال ))395 .
و قوله هذا يُشبه ما قاله الغزالي ، لكنه أشمل و أخطر منه ، لأنه قدّم منهجه على النقل و العقل في كل أبواب المعرفة ،و لم يخصه بمسألة الصفات كما فعل الغزالي ، فقد حدد مصادر المعرفة في : النقل ، و العقل ، و الوجدان ، و جعل المعرفة الصوفية الوجدانية ، أرقى مصادر المعرفة ،و أهلها أحسن الطوائف . و قد عقّب عليه ابن الجوزي بقوله : (( من له أدنى فهم يعرف إن هذا الكلام تخليط ، فإن من خرج عن النقل و العقل فليس بمعدود في الناس ،و ليس أحد من الخلق إلا و هو مستدل .و ذكر الوصال حديث فارغ ، فنسأل الله العصمة من تخليط المريدين و الأشياخ ))396 . و قول القشيري هذا خطير جدا ، ينتهي بمن يأخذ به إلى إبعاد الشرع ،و تعطيل العقل معا ، ليعبد الله –بعد ذلك- على هواه ، فلا يفرق بين الحلال و الحرام ،و لا بين ما يجب لله و ما لا يجب له ، فيضل و يُضل و يصدق عليه قوله تعالى: (( ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ))-سورة القصص/50- .
و أما لماذا قدم الأشاعرة العقل على النقل في مسألة الصفات ؟ فهم قالوا إن كثيرا من آيات الصفات تُوهم التشبيه ،و إن معظم أحاديث الصفات هي أخبار آحاد397 و ليست متواترة ، لذا فهي تفيد الظن و لا تُوجب العلم اليقيني ، فكان هذا كله سببا في استخدامهم –أي الأشاعرة- للتأويل العقلي للخروج مما رأوه إشكالا398 ، فما حقيقة ذلك ؟
أولا قد سبق أن ناقشنا مسألة الصفات بتوسع ، ،و بينا إنه لا يُوجد في القرآن الكريم أي إشكال فيما يخص الصفات إذا التزمنا بمنهجه الصحيح ، الذي يقوم على إثبات كل الصفات الواردة في الشرع، في إطار التنزيه المطلق ،و إرجاع المتشابه إلى المحكم ، مع الاعتقاد الجازم إن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته . و أشير هنا إلى أمر هام جدا ، هو إن مسألة الصفات قد تطرّ‍ق لها القرآن الكريم في أصولها و تفاصيلها ، مما يعني إنها قطعية الثبوت ، و ليست أحاديث الآحاد هي التي تكلّمت عنها وحدها فقط ، لكي لا يقول المشككون و المؤولون إن مسألة الصفات من أساسها ظنية و غير قطعية الثبوت ،و لا تفيد علما .
و ثانيا إن موقفهم-أي الأشاعرة- من خبر الآحاد فيه تفصيل يجب ذكره ، فمن ذلك إن القاضي أبا بكر الباقلاني الأشعري قال عن الصفات التي وردت عن طريق أخبار الآحاد : لا يُثبت العلماء بها صفة، و إن الذي أقحمها في ذلك هذه الطائفة العوجاء399 ، أي الحنابلة و أهل الحديث . و قوله هذا مجازفة لا تصح أن تصدر عن عالم مثله ، فمن هم العلماء الذين قصدهم ؟ فإن قصد علماء الأشاعرة ، كان عليه أن يحدد هم بدقة لنعرف مقصوده ؛ و إن كان يقصد كل علماء أهل السنة ، فهذا غير صحيح بتاتا ، لأنه قد أخذ بخبر الآحاد- في الفروع و الأصول – علماء كبار ، منهم : أبو حنيفة، و مالك، و الشافعي، و أحمد بن حنبل، و داود الظاهري ، و أبو نصر السجزي،و أبو إسحاق الشيرازي الشافعي،و أبو الخطاب الكلوذاني،و و الموفق بن قدامة المقدسي400
و قبل هؤلاء كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يرسل الآحاد من أصحابه في مهام مختلفة ،و يثق فيهم و يقبل أخبارهم ،و قد سار على نهجه صحابته الكرام ، فعملوا بخبر الآحاد و اجمعوا عليه401 . و القرآن الكريم قد أمرنا باتباع السنة مطلقا ، دون تفريق بين آحادها و متواترها ، و لا بين أصولها و فروعها ،و قال لنا : (( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تُصيبوا قوما بجهالة ، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ))-سورة الحجرات/6- فالله تعالى أمرنا بالتبيّن و التثبّت لكي نقبل خبر الواحد الفاسق، و لم يأمرنا برفض خبره مطلقا مع فسقه ، فما بالك بخبر الواحد العدل الضابط الثبت الثقة ؟
و لا شك إن الخبر المتواتر أقوى بكثير من خبر الآحاد ، لكن هذا لا يعني رفض خبر الآحاد مطلقا ،و إنما المطلوب منا هو إخضاعه للتحقيق إسنادا و متنا ، فإن صحّ قبلناه ،و إن لم يصح تركناه ، و من ثمّ فإنه لا يصح أن يُقال إن خبر الآحاد لا يُفيد العلم مطلقا ، و إنما يُقال هو حسب الدليل الدال عليه. و هؤلاء الرافضون لخبر الآحاد متناقضون مع أنفسهم ، فهم في الوقت الذي يرفضونه ، يقبلون كثيرا من مقالات شيوخهم و علمائهم التي رواها آحاد الناس ، و قد يُعارضون بها ما جاء في الشرع الحكيم و يُقدّسونها ،و هذا انحراف خطير ، فليس من العقل أن يتقدم الإنسان على خالقه ، و إنما العكس هو الصحيح ، و هو أن يقدم النقل على العقل ، و ما على العقل إلا التسليم المطلق للشرع و الالتزام به ، دون تقدم عليه ، بلا منازعة ،و لا منافسة، و لا مزاحمة ، و هذا الموقف هو العقل بعينه . و أما ما يُثيره أدعياء العقلانية ، من شبهات حول ما قررناه ، فهي مجرد أوهام و ظنون ،و أهواء و تلبيسات و فقاقيع ، لا تصمد أمام حجج العقل الفطري السليم المنوّر بنوري الوحي و الفطرة .
و بذلك يتبين لنا إن المبرر الذي اعتمد عليه الأشاعرة في تقديمهم للعقل على النقل ، هو مبرر غير صحيح ، لكنهم مع ذلك أخذوا به و أوصلهم إلى التقدم بين يدي الله و رسوله في مسألة الصفات ، و دخلوا بسب ذلك في نزاع عقدي حاد مع أهل الحديث خلال القرنين الخامس و السادس الهجريين .

و للكاتب جلال محمد موسى رأي مفاده إن الحنابلة كانوا هم السبب في توسع الأشاعرة في استخدام العقل و إعطائه الصدارة ، و في اقترابهم من المعتزلة و انكماش النص عندهم ، لأنهم-أي الحنابلة- (( بالغوا في إجراء النصوص على ظاهرها ، فأصبحوا هم و المشبهة و المجسمة سواء ))402 .و قوله هذا غير صحيح على إطلاقه ، لأن السبب الرئيسي في توسع الأشاعرة في استخدام العقل على حساب النص ، ليس ما ذهب إليه هذا الكاتب ، و إنما هو طبيعة المذهب الأشعري نفسه ، لأن مؤسسه أبا الحسن الشعري هو عقلاني بالدرجة الأولى ، و قد عاش على الاعتزال عمرا مديدا ، ثم عندما تخلى عنه لم يتخلّص من شوائبه نهائيا403، و هو و أصحابه يُقدمون العقل على الشرع في مسألة الصفات ، و هو أيضا يُحبذ الاشتغال بعلم الكلام و له في ذلك رسالة : استحسان الخوض في علم الكلام404 . كما إن في مذهبه مسائل غامضة تتعارض مع ظاهر الشرع405 ، دفعت أتباعه من بعده إلى التوسع في استخدام العقل لشرح تلك المسائل و الدفاع عن مذهبه . كل ذلك جعل المؤرخ أحمد أمين يقول عن المذهب الأشعري : (( فنحن إذا انصفنا قلنا إن مذهبه هو مذهب المعتزلة معدلا في بعض مسائله ))406 .
ثم بعد ذلك فمن الجائز أن يكون بعض علماء الأشاعرة ، قد بالغ في استخدام العقل و تأويل الصفات ، كرد فعل معاكس لمواقف بعض علماء الحنابلة الذين بالغوا في إثبات الصفات . كما إن جلال موسى قد تحامل على الحنابلة و افترى عليهم ، عندما اتهمهم بالتشبيه و التجسيم ؛ و قد سبق أن بيّنا إن الغالبية العظمى من علمائهم يثبتون الصفات دون تشبيه و لا تأويل407 .و إجراء هؤلاء للنصوص على ظاهرها لا يعني التجسيم على ما فهمه الكاتب ؛ وإنما المقصود منه هو إثبات الصفات الواردة في الآيات و الأحاديث الصحيحة ، مع الاعتقاد بمغايرتها لصفات المخلوقين ، و بمعنى آخر هو إثبات وجود لاخوض في الكيفية ، و واضح إن الكاتب نظر لمسألة الصفات من منظور الأشعرية ، فرأى في إثبات الحنابلة و أهل الحديث للصفات الخبرية تشبيها و تجسيما ،و هذا غلظ فاحش، لأن الإثبات لا يستلزم التشبيه و لا التجسيم ، إلا إذا أثبتنا صفات الله و قلنا إنها تشبه صفات مخلوقاته ، و هذا لا يقوله الحنابلة و لا أهل الحديث ، كما سبق أن بيناه مرارا .
و ختاما لهذا المبحث يتبين إن تأثير الأزمة العقدية- التي عصفت بأهل السنة- على القضايا الفكرية العقيدية ، كان عميقا و شديدا ، تركّز أساسا على مسألة صفات الله تعالى ، و ما يتعلق بها من الأفعال الاختيارية ،و كلام الله تعالى ، فخاض- من خلالها- أهل الحديث و الأشاعرة معارك فكرية مليئة بالردود و المجادلات العلمية الحادة .
ثانيا : مظاهر تأثير الأزمة العقيدية على الإنتاج الفكري :
كان للأزمة العقدية- التي عصفت بالمذهب السني – تأثير كبير على الإنتاج الفكري السني ،، لأنها دفعت الأشاعرة و أهل الحديث إلى الاهتمام أكثر بتصنيف الكتب ، و كتابة الرسائل و الخطابات ، خدمة للمذهب ،و دفاعا عنه ، و ردا على الخصوم .
فبخصوص أهل الحديث فقد صنفوا عددا كبيرا من المؤلفات ، منها : المنقذ من شُبه التأويل، للفقيه علي بن محمد القابسي القيرواني (ت403ه).و كتاب ذم الكلام لأبي عبد الرحمن السلمي الصوفي(ت 412ه)408 . و كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة من الكتاب و السنة و إجماع الصحابة، للحافظ هبة الله بن الحسن اللالكائي (ت418ه) ،و كتابه هذا مطبوع في عدة أجزاء ،و متداول بين أهل العلم .
و منها أيضا كتاب الوصول إلى معرفة الأصول ، للحافظ أبي عمر الطلمنكي المالكي الأندلسي(ت429ه) . و كتاب الاعتقاد للحافظ أبي نعيم الأصفهاني(ت430ه) .و الإبانة في مسألة القرآن ،و رسالة إلى أهل زبيد باليمن ، و هما للحافظ أبي نصر السجزي(ت444ه) ، خصصهما للرد على الأشاعرة في موقفهم من كلام الله تعالى .و منها : الرد على الأشعرية ،و كتاب الرد على الكرامية ، و الرد على الباطنية، و الرد على المجسمة، و إبطال التأويلات ، و هي –أي الكتب- كلها للقاضي أبي يعلى الفراء409 .
و منها أيضا : الرد على الجهمية ،و كتاب الرد على من زعم إن الله في كل مكان،و على من زعم إن الله ليس له مكان و على من تأوّل النزول على غير النزول، و هما للحافظ عبد الرحمن بن مندة الأصفهاني(ت479ه) ،و واضح من كتابه الأخير إنه رد فيه على المعتزلة و الأشاعرة في موقفهم من صفات الله تعالى. و منها أيضا : الاعتقاد و كتاب إيضاح الأدلة في الرد على الفرق الضالة المضلة، و هما للفقيه أبي الحسين بن أبي يعلى(ت526ه) .و كتاب البرهان في أصول الدين ،و الرد على الأشعرية ،و هما للفقيه عبد الوهاب بن الحنبلي الدمشقي(ت 536ه) .و كتاب الانتصار في الرد على القدرية الأشرار ، للفقيه أبي الخير العمراني اليمني الشافعي(ت558ه) ، نصر فيه عقيدته ،و رد فيه على القدرية و الأشعرية. و كتاب مناظرة في القرآن العظيم ، و تحريم النظر في كتب أهل الكلام ،و البرهان في بيان القرآن ، و ذم التأويل ، و هي كلها للفقيه الموفق بن قدامة المقددسي410 .
و منها أيضا ستة كتب أذكرها بشيء من التفصيل ، أولها كتاب الرد على من أنكر الحرف و الصوت ، للحافظ السجزي ، كتبه لأهل زبيد باليمن ردا على سؤال ورد إليه من عندهم ، خصصه للرد على الأشاعرة في موقفهم من كلام الله تعالى ، و قسّمه إلى أحد عشر فصلا ، فخصص الأول لإقامة الدليل على أن موضوع الحرف و الصوت هو موضوع شرعي ، و النقل هو الوحيد الذي له فيه كلمة الفصل و ليس العقل، الذي هو مجرد آلة للتمييز فقط . و أفرد الثالث لإظهار مخاطر مقالة الأشعرية في القرآن ،و إنها تُؤدي إلى نفي القرآن كلية،و تكذيب النصوص،و رد الأخبار الصحيحة، و رفع أحكام الشريعة .و تناول في الرابع إقامة الدليل على أن الأشاعرة في مخالفتهم للقرآن ، مخالفون أيضا لمقتضى العقل ،و إن أقاويلهم متناقضة فيما بينها .و أفرد الفصل الخامس لكشف حال الأشاعرة للناس في إنهم موافقون للمعتزلة في كثير من أصولهم ،و زائدون عليهم في القبح ،و سوء القول في بعضها411 .
و يُلاحظ عليه –أي السجزي- في كتابه هذا أ إنه في مناقشته للأشاعرة و رده عليهم ، جمع بين المنقول و المعقول ، و أظهر معرفة واسعة بمقالات عصره الكلامية ، و أبان عن كفاءة عالية على الجدال و المناظرة .
و الكتاب الثاني عنوانه : مثالب ابن أبي بشر ، للمقريء أبي علي الحسن بن علي الأهوازي (ت 446ه) ، خصصه لذكر مثالب أبي الحسن الأشعري ، فوصفه فيه بأقبح الأوصاف ، حتى قال عنه : (( و للأشعري لعنه الله و أخزاه كتاب ... ))، ثم زعم إن توبته –أي الأشعري- غير مقبولة ، لأنه لم يكن صادقا فيها412 .و يُؤخذ عليه-أي الأهوازي- إنه تحامل على الأشعري تحاملا مكشوفا ، و ذكر في مثالبه أشياء غير صحيحة413 ، لشدة بغضه له ،و تعصّبه عليه ، كما هو واضح من كتابه .
و الكتاب الثالث للقاضي أبي يعلى الفراء، و عنوانه : إبطال التأويلات ، رد به على المتكلم الأشعري ابن فورك ، في كتاب صنّفه في تأويل صفات الله تتعالى ، فاتهم الأشاعرة أبا يعلى بالتشبيه و التجسيم ،و احتجوا عليه مرارا ، على ما سبق أن ذكرناه في الفصل الأول. و الحقيقة هي إنه-أي أبو يعلى –بالغ في إثبات الصفات معتمدا على أحاديث تُوهم التشبيه ،و بعضها صريح في ذلك ، و هي من الأحاديث الضعيفة و الموضوعة ، كحديث الإسراء و المعراج الذي فيه إن الرسول –عليه الصلاة و السلام- رأى ربه عيانا ، و هو حديث موضوع باتفاق أهل العم414 .
و مع ذلك فإنه –أي أبو يعلى- لم يكن يعتقد التشبيه و لا التجسيم –وفق مفهوم أهل الحديث- و له مصنفات في الرد على المجسمة و المشبّهة ، و قد دافع عنه ولده أبو الحسين ، -صاحب الطبقات- و بيّن عقيدة والده في مسألة صفات الله تعالى ،و برّأه مما اُتهم به415 . و قد دخله –أي أبو يعلى- الخلل من إنه كان ضعيفا في علم الحديث ، لا يُميّز بين صحيح الأحاديث من سقيمها ، فروى الضعيف و الواهي و الموضوع دون تمييز ، و بنى عليه كتابه416 . لذا فإن كتابه هذا يجب الحذر منه عند الاستفادة منه ، و لا يُؤخذ بأحاديثه و نصوصه إلا بعد تحقيقها .
و الكتاب الرابع للمتكلم أبي الوفاء بن عقيل البغدادي (ت 513ه) عنوانه : الرد على الأشاعرة العزال و إثبات الحرف و الصوت في كلام الله الكبير المتعال ، خصّه لمناقشة الأشاعرة و الرد عليهم في موقفهم من كلام الله تعالى، و قال إن موقفهم من القرآن ينتهي بالضرورة إلى القول بخلق القرآن موافقة للمعتزلة، و إنهم موّهوا على الناس في انتسابهم لأهل السنة ، ثم توسع في الرد عليهم بالقرآن و السنة ،و حذّر الناس من مقالتهم ،و وصفهم بأنهم أهل بدعة و ضلالة417.
و الكتاب الخامس للفقيه المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي ، عنوانه : دفع شبه التشبيه ، خصصه للرد على ثلاثة من كبار علماء الحنابلة اتهمهم بالتشبيه ، و قال إنهم صنفوا كتبا شانوا بها المذهب الحنبلي ،،و نزلوا إلى رتبة العوام ،و حملوا الصفات الإلهية على مقتضى الحس ، و هم : أبو عبد الله بن حامد، و القاضي أبو يعلى الفراء، و أبو الحسن الزاغوني418 . فتصدى له الشيخ تقي الدين بن تيمية للرد عليه ، فوصف كلام ابن الجوزي- الذي احتج به على هؤلاء-، بأنه كلام لا حجة فيه و لا دليل ، و لا يستحق إن يخاطب به أهل العلم ، لأن الرد بمجرد الشتم و التهويل لا يعجز عنه أحد ، فعلى المناظر أن يبين الحق الذي معه ،و الباطل الذي عند غيره 419 .و الذين رد عليهم ابن الجوزي هم عند جميع الناس-على رأي ابن تيمية- أعلم منه في الأصول و الفروع ، و هو لم يأت بحجة عقلية و لا نقلية ، وإنما قلد طائفة من المتكلمين فيما زعمته إنه حجة عقلية .و الذي يرد على الناس بالعقول دون دليل عقلي فقد أحالهم على مجهولات420 .
ثم انتقده في قوله عن الذين اتهمهم بالتشبيه بأنهم : (( يكابرون العقول )) ، مبينا إن هذا اتهام باطل لأنه حتى المجسمة المحضة الغالية في التجسيم ، لم يرد عليهم خصومهم من الحجج العقلية ، إلا بحجج تحتاج إلى نظر و استدلال لإثباتها ، و لم يقولوا لهم كابرتم العقول . و حتى الذين انتصر بهم421 ابن الجوزي لم يزعموا إن قول معارضيهم مكابرة للعقول ، بل إنهم (( يزعمون إن العلم بفساد قولهم ، إنما يعلم بالنظر و الاستدلال . . . و لا يزعمون إن العلم بفساد-قول- المثبتة معلوم بالضرورة ، و لا إن قولهم مكابرة للعقول ، و إن شنعوا عليهم بأشياء ينفر عنها كثير من الناس ليستعينوا بنفرة النافرين على دفعهم ، و إخماد قولهم . لا لأن نفور النافرين عنهم يدل على حق و باطل ،و لا لأن قولهم مكابرة للعقل ، أو معلوم بضرورة العقل أو ببديهيته فساده )) 422 .

و رد عليه أيضا في قوله عنهم : (( كأنهم يخاطبون الأطفال )) ، مبينا إن الحنابلة لم يخاطبوا غيرهم إلا بما ورد عن الله و رسوله ، وعن الصحابة و التابعين لهم بإحسان ، الذين هم أعرف بالله و أحكامه من غيرهم423 . فهو –أي ابن تيمة- هنا قد عاب على ابن الجوزي اتباعه أسلوب التهويل و التشهير في اتهاماته لابن حامد،و القاضي أبي يعلى ، و أبي الحسن الزاغوني ، بالتشبيه ، انتصارا للأشعرية في مسألة الصفات . دون أن يقدم بين يديه دليلا نقليا و لا عقليا على ما يراه ابن تيمية .
و آخرها –أي الخامس- كتاب الفصول في اعتقاد الأئمة الفحول ، للفقيه أبي الحسن بن عبد المالك الكرجي الشافعي (ت 532ه) ، ذكر فيه مذهب السلف من خلال عرض أقوال عشرة من كبار أئمة السلف في أصول العقائد ، منهم : سفيان الثوري، و عبد الله بن المبارك ، و الليث بن سعد، و مالك بن أنس ، و الشافعي ، و أحمد بن حنبل ، إسحاق بن راهويه .و تعرّض فيه أيضا لمعارضة أبي حامد الإسفراييني الشافعي للقاضي أبي بكر الباقلاني في موقفه من كلام الله تعالى ، و انتقد فيه الشافعية و المالكية في تركهم لمعتقد مالك و الشافعي ، و تبنيهم للأشعرية في المسائل التي خالفت فيها مذهب السلف ،و انتقد فيه أيضا أبا الحسن الأشعري و أظهر ذمه له424 .
و أما الأشاعرة فهم أيضا كانت لهم مصنفات كثيرة في أصول الدين ، منها: الإنصاف ، و تمهيد الأوائل و تلخيص الدلائل ، للقاضي أبي بكر الباقلاني ، و هما مطبوعان و متداولان بين أهل العلم .و منها كتاب في تأويل الصفات لأبي بكر بن فورك(ت406ه) ، سار فيه على نهج المتكلمين النافين للصفات ،و تعطيلها باستخدام التأويل ، و هو الذي رد عليه أبو يعلى الفراء بكتابه إبطال التأويلات425 .
و منها أيضا تأويل متشابه الأخبار ، للمتكلم عبد القاهر البغدادي(ت429ه)426 مؤلف كتاب الفرق بين الفرق . و كتاب شرح مقالة الإمام الأوحد أبي عبد الله أحمد بن حنبل ، للمتكلم أبي محمد عبد الله الأصفهاني المعروف بابن اللبان (ت446ه) ، قال عنه الحافظ أبو نصر السجزي : إن هذا الرجل ذكر في كتابه هذا مذهب أبي الحسن الأشعري و نسبه إلى الإمام أحمد ، تدليسا على الناس و مغالطة لهم ، فأعطى نسخا من كتابه هذا لطائفة من أصحابه و أمرهم بالطواف بها في بغداد و ما جاورها ، و قالوا للناس إن مؤلفها هو إمام من أئمة أصحاب أحمد بن حنبل ، شرح فيه مقالته ، فأنكر عليه أهل بغداد فعلته تلك ، و أخرجوه من البلد ، فالتحق ببلده أصفهان427 .
و منها مصنفات أبي حامد الغزالي ، كإحياء علوم الدين ،و إلجام العوام عن علم الكلام ، و الرد على الباطنية ، و شرح أسماء الله الحسنى، و مقاصد الفلاسفة، و تهافت الفلاسفة . و قد أحرق المرابطون كتبه ، في مقدمتها : إحياء علوم الدين ، بأمر من كبار فقهاء المالكية بالمغرب الإسلامي في الدولة المرابطية (451-541ه) ، لما وجدوا فيها من مقالات كلامية ،و أشعرية ،و فلسفية ،و صوفية تخالف ما هم عليه من مذهب السلف و أهل الحديث428 .
و منها أيضا كتاب منهاج السداد في شرح الإرشاد ، للمتكلم أبي الحسن علي بن محمد الفزاري الغرناطي(ت522ه) ، شرح فيه كتاب الإرشاد لأبي المعالي الجويني429 . و كتاب العواصم من القواصم ، للمتكلم أبي بكر بن العربي ، تطرق فيه لقضايا عقائدية كثيرة ، و رد فيه على الحنابلة و أهل الحديث ، و ألحقهم بالمشبهة ،و وصفهم بأقبح الأوصاف430 . و كتاب تنزيه الإله و كشف فضائح المشبهة و الحشوية ، للمتكلم علي بن أبي القاسم التميمي القسنطيني المغربي(ت591ه) 431 . و المطالب العالية ، و كتاب نهاية العقول ، و تأسيس التقديس في تأويل الصفات ، للمتكلم المفسر الفخر الرازي (ت606ه)432 .
و منها أيضا ثلاثة مصنفات أذكرها بشيء من التفصيل ، أولها كتاب النصيحة في إثبات صفات الرب تعالى ، و نُشر أيضا تحت عنوان: رسالة في إثبات الاستواء و الفوقية433 ، للفقيه والد إمام الحرمين أبي محمد بن يوسف الجويني(ت438ه) ، خصصه لمسألة الصفات ، كالاستواء ، و النزول،و كلام الله تعالى ، و توسع في الموضوع ،و رد فيه على الأشاعرة في موقفهم من المسألة ، و انتهى إلى تقرير مذهب السلف و استبعاد الأشعرية في تأويلها للصفات434 .
و ثانيها الرسالة النظامية ، للمتكلم إمام الحرمين أبي المعالي الجويني(ت 478ه) ، تراجع فيه عن مذهبه الأول في تأويله للصفات ، الذي ذكره في كتابه الإرشاد ، ثم تركه و تبنى مذهب السلف الذي قرره في الرسالة النظامية ،و مما قاله فيه : (( و الذي نرتضيه رأيا ،و ندين الله به عقدا : إتباع سلف الأمة ، و الدليل السمعي القاطع في ذلك ، إن إجماع الأمة حجة متبعة ، و هو مستند الشريعة ، و قد درج صحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم- على ترك التعرّض لها ... و هم صفوة الخلق ، فلو كان تأويل هذه الظواهر مشروعا أو محتوما ، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة ،و إذ انصرم عصرهم على الإضراب عن التأويل ، كان ذلك هو الوجه المتّبع ... ))435 .
و ثالثها كتاب تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري، للحافظ أبي القاسم بن عساكر(ت 575ه) ، صنفه ردا على المقرئ أبي علي الحسن الأهوازي(ت446ه) في ذمه لأبي الحسن الأشعري في كتابه مثالب بن أبي بشر ، فترجم فيه للأشعري و أصحابه ،و رد على ما أثاره الأهوازي حول الأشعري و أصحابه من شبهات و أكاذيب ، لكنه مع ذلك-أي ابن عساكر- كان شديد التعصب لهؤلاء ، و ذكر في كتابه أخبارا غير صحيحة436 .
و يُلاحظ على مصنفات الطائفتين المتنازعتين ما يأتي ، فبالنسبة لمؤلفات أهل الحديث- التي ذكرناها- ففيها تركيز على إثبات الصفات ،و ذم علم الكلام ،و رفض القول بالتأويل و المجاز في الصفات ،و التأكيد على ربط مذهبهم بمذهب السلف ،و إنه امتداد له ، قائم على الكتاب و السنة و منهاج الصحابة و التابعين . و فيها أيضا –أي مؤلفاتهم- تركيز شديد على الرد على الأشاعرة و المعتزلة بأسلوب عنيف .
و أما مصنفات الأشاعرة ، ففيها تركيز على إقامة الدليل بوجوب الأخذ بالتأويل و المجاز في صفات الله تعالى ، و البحث لذلك عن مختلف المبررات النقلية و العقلية لتأويلها . و فيها أيضا الرد على المخالفين لهم ، مع التركيز على المشبهة و المجسمة ، و منهم الحنابلة و أهل الحديث الذين ألحقوهم بهؤلاء .
و أما بالنسبة لكتابة الرسائل –التي هي مظهر من مظاهر الأزمة العقدية- فسأذكر منها ستا ، أولها الاعتقاد القادري ، نسبة للخليفة العباسي القادر بالله (381-422ه)، أصدره في العقد الأول من القرن الخامس الهجري437 ، انتصارا لمذهب أهل السنة عامة ،و الحنابلة و أهل الحديث خاصة ، و هو رسالة صغيرة في أربع صفحات تضمّنت تقرير جملة من عقائد أهل السنة ، منها أولا إثبات صفات الله تعالى و إنها صفات حقيقية لا مجازية ، و إنه استوى على العرش كيف شاء بلا استقرا و لا راحة ، و إنه قادر بقدرة ،و عالم بعلم ،و سميع بسمع ،و بصير ببصر438 .
و ثانيا فيه تأكيد على إن الله تعالى متكلّم بكلام بلا آلة مخلوقة ،و كلامه غير مخلوق ، و من قال إنه مخلوق على أي حال من الأحوال ، فهو كافر حلال الدم بعد استتابته439 . و ثالثا فيه التأكيد على إن القرآن هو كلام الله حقيقة على كل الأحوال ،و انزله الله تعالى على رسوله على لسان جبريل ، بعدما سمعه منه ، فتلاه جبريل-عليه السلام- على محمد – عليه الصلاة و السلام- ،و هو متلو محفوظ ،و مسموع مكتوب في المصاحف 440 .
و رابعا فيه التأكيد على إن الإيمان قول و عمل و نية ، فهو قول باللسان ،و عمل بالأركان و الجوارح ، و تصديق بالقلب ، يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية ، و هو أجزاء و شُعب . و نص أيضا على أن تارك الصلاة كافر حتى و إن لم يجحدها ، و يجب الاعتراف بفضل الصحابة و حبهم ، دون طعن في أي واحد منهم441 .
و واضح مما ذكرناه ، إن الاعتقاد القادري تضمن تقرير أصول عقائد أهل الحديث ، و فيه رد على المعتزلة ، و الشيعة ،و الجهمية ،و المجسمة ،و المشبهة ،و الأشاعرة ، دون أن يُسمي أية طائفة باسمها . فبالنسبة لرده على الأشاعرة ، فتمثل في إثبات صفة الاستواء على العرش ،و نفي المجاز ، و التأكيد على أن القرآن كلام الله تكلّم به حقيقة . و تمثّل أيضا في تعريفه للإيمان من إنه ليس هو مجرد تصديق بالقلب ، و إنما هو تصديق و قول باللسان , و عمل بالجوارح يزيد و ينقص ، فهذه المسائل التي قررها الاعتقاد القادري هي رد على الأشاعرة الذين يخالفون فيها أهل الحديث ، كما هو معروف عنهم .
و أشير في هذا المقام إلى جملة فوائد تخص الاعتقاد القادري ، أولها إن هذا الاعتقاد لم أعثر عليه كاملا إلا عند المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي في كتابه المنتظم ، رواه عن شيخه أبي الفضل بن ناصر السلامي ، عن أبي الحسين بن أبي يعلى الفراء442 . و هو –أي الاعتقاد- نص تاريخي نادر ، له أهمية كبيرة في التأريخ للحياة المذهبية ببغداد في القرن الخامس الهجري .
و الثانية هي إن هذا الاعتقاد مشهورة نسبته للخليفة القادر بالله حتى عُرف به ، تحت اسم الاعتقاد القادري و العقيدة القادرية ، لكن كاتبه الحقيقي ليس الخليفة ، و إنما هو الفقيه أبو أحمد القصار الكرجي(ت قرن: 5ه) ، كتبه للخليفة القادر ، الذي هو أيضا ربما زاد عليه أشياء على ما يبدو443 .
و الثالثة هي إن هذا الاعتقاد عُرف أيضا باسم الاعتقاد القادري-القائمي ، عندما تبني الخليفة القائم بأمر الله ( 422-467ه) عقيدة والده القادر بالله ، و هو –أي القائم- الذي أصدره مرارا تأييدا للحنابلة و أهل الحديث ، في نزاعهم مع الأشاعرة 444 .
و أما الرسالة الثانية فهي للحافظ الصوفي أبي القاسم سعيد بن علي الزنجاني المكي(ت471ه) ، كتبها ردا على سؤال ورد إليه من مكة المكرمة ، سُئل فيه عن مذهب السلف في مسألة الصفات المذكورة في الكتاب و السنة ، فأجاب بأنه يجب وصف الله تعالى بما وصف به نفسه ، و وصفه به رسوله-صلى الله عليه وسلم- ، لأنه (( حرام على العقول أن تُمثل الله سبحانه و تعالى ، و على الأوهام أن تحده، و على الظنون أن تقع-كذا- ،و على الضمائر أن تعمق ، و على النفوس أن ُتفكر، و على الأفكار أن تُحيط ،و على الألباب أن تصف )) ،و قال عن التأويل و التشبيه : (( و لا نقول بتأويل المعتزلة و الأشعرية و الجهمية ، و الملحدة المجسمة المشبهة ، و الكرّامية و المُكيفة ، بل نقبلها-أي الصفات- بلا تأويل ،و نؤمن بلا تمثيل ،و نقول الإيمان بها واجب ،و القول بها سنة ،و ابتغاء تأويلها بدعة ))445 .
و الرسالة الثالثة هي خطاب علماء الأشاعرة ببغداد إلى الوزير السلجوقي نظام الملك (ت485ه) ، أرسلوه إليه على إثر فتنة ابن القشيري مع الحنابلة سنة 469ه ، ذكروا له فيه ما حدث لهم على يد الحنابلة ،و حرّضوه عليهم لقطع شأفتهم ، و استنجدوا به لنصرتهم ،و قالوا له إن ابن القشيري دعا إلى التوحيد ، فعارضته الحنبلية المشبهة المجسمة الحشوية و أبت اتباعه ؛ ثم أنهوا خطابهم بالتوقيع عليه ، على رأسهم شيخ الشافعية أبو إسحاق الشيرازي (ت476ه)446 .
و أشير هنا إلى أمرين هامين ، الأول هو إن علماء الأشاعرة في خطابهم لنظام الملك ، أظهروا صراحة عداءهم للحنابلة دون مواربة ، فوصفوهم له بأبشع الأوصاف، و طلبوا منه أن يقطع دابرهم ،و لا يجوز له السكوت عنهم447. فأظهروا بذلك ما كانوا يكنونه لهم من حقد و كراهية و تربص .
و الأمر الثاني هو إن خطاب الأشاعرة لنظام الملك ، هو نص تاريخي نادر ، لم أعثر عليه كاملا إلا عند ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري ، و لم أعثر عليه في المصادر الحنبلية التي اطلعتُ عليها و اكتفت بالإشارة إليه فقط .
و أما الرسالة الرابعة ، فهي رد الوزير نظام الملك على خطاب علماء الأشاعرة الذي أرسلوه إليه ، و قد وصل إلى بغداد سنة 470ه ، ذكر فيها الوزير إن سياسة الملك تقتضي العدل بين الناس و ليس الميل إلى مذهب دون آخر، و نبّه الشيخ الشيرازي إلى أن مدرسته النظامية ببغداد ، لم يبنيها إلا للمصلحة و صيانة أهل العلم ، و لم يبنيها للاختلاف و تفريق الكلمة ، ثم اعترف له –أي للشيرازي- إنه لا يقدر على مقاومة مذهب الحنابلة الغالب على بغداد ، ثم ختم رسالته بملاطفة الشيخ الشيرازي بقوله : (( و الشيخ الإمام أبو إسحاق وفّقه الله ، رجل سليم الصدر ، سلس الانقياد ، و يُصغي إلى كل ما يُنقل إليه و السلام ))448 .
فواضح من رده –أي الوزير- إنه اتخذ موقفا موضوعيا من القضية ، فلم يُسارع إلى تصديق و تنفيذ ما طلبه منه علماء الأشاعرة ، و أخبرهم إن سياسة الملك تستدعي العدل بين الرعية ، و إخماد الفتن لا إشعالها . كما إن رسالته هذه هي نص تاريخي نادر ، لم أعثر عليه كاملا إلا عند ابن الجوزي في كتابه المنتظم ، لكن الغريب إنني لم أعثر عليه في المصادر الأشعرية-التي أطلعتُ عليها – ، و يبدو إن سبب ذلك هو إنه –أي رد الوزير- خيّب آمالهم التي كانوا يرجونها من نظام الملك .
و الرسالة الخامسة أصلها سؤال أرسله المقرئ أحمد بن الحسين العراقي الدمشقي (ت قرن: 5ه) إلى الحافظ المقرئ أبي العلاء العطار الهمذاني الحنبلي(ت 569ه) سنة 562ه ، ذكر له فيه إن طائفة من الحنابلة و أهل الحديث ، تأثروا بالأشاعرة في مسألة تأويل الصفات ، و خرجوا عن مذهب أهل الحديث ، و فُتنوا بالتأويل ، و أحدثوا فتنة بين الأصحاب بدمشق ، ثم طلب منه أن يكتب له جوابا شافيا كافيا يرد به على شبهات هؤلاء ؛ فكتب له جوابا مختصرا قرر فيه مذهب أهل الحديث ،و ذم الاختلاف و حذّر من الفتن449 . لكن جوابه لم يكن في مستوى السؤال ،و حاجة السائلين إليه ، فجاء موجزا ناقصا ، يفتقد للإجابة العلمية المقنعة الرزينة ، التي تناسب حال تلك الطائفة المفتونة بالتأويل .

و أما الرسالة الأخيرة-أي السادسة- فهي رسالة الفقيه طلحة العلثي البغدادي الحنبلي (ت 634ه) إلى المؤرخ ابن الجوزي)ت597ه) ، و هي رسالة مطوّلة ذكرها ابن رجب البغدادي مختصرة في كتابه الذيل على طبقات الحنابلة ، و مما جاء فيها إن طلحة العلثي قال له فيها إنه وافدة الناس و العلماء و الحفاظ إليه ليُبلّغه انتقادات هؤلاء له في سلوكياته و أفكاره ، منها إنهم أنكروا عليه تأويله لبعض الصفات ،و تظاهره بالاجتهاد المطلق، و اعتداده بنفسه ،و تكلّمه في الشرع بواقعاته الوجدانية الشخصية ؛ ثم حذّره من مغبة الاستمرار على ما هو عليه ،و إن لم يتب عن ذلك فسينشرون خبره في البلاد ،و يُحذرون منه العباد450 .
و هذه الرسالة هي أيضا نص تاريخي نادر، لم أعثر عليه إلا في كتاب الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب البغدادي ، و هو يُصوّر جانبا من النزاع المذهبي الحاد الذي حدث داخل الجماعة الحنبلية ذاتها ، بسبب الأزمة العقيدية التي عصفت بأهل السنة في القرنيين الخامس و السادس الهجريين و ما بعدهما .
و ختاما لما ذكرناه يتبين إن الأزمة العقدية- التي ألمت بالمذهب السني- دفعت الأشاعرة و أهل الحديث إلى الاهتمام أكثر بتصنيف الكتب و كتابة الرسائل ، لنصرة المذهب ،و الدفاع عنه، و الرد على خصومه ، فصنّف كل طرف مؤلفاته حسب مذهبه و منهاجه الفكري في موقفه من القضايا العقيدية المتنازع حولها ، و أصبح إنتاجهم الفكري شاهدا على ضراوة المعارك الفكرية التي دارت بينهم ، و مصدرا هاما في التأريخ للحياة المذهبية لأهل السنة خلال القرنيين الخامس و السادس الهجريين .
ثالثا: انتشار المدارس الطائفية المذهبية :
كان للأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين ، أثر كبير في ظهور المدارس الطائفية المذهبية بين الطوائف السنية ، فأصبح لكل طائفة مدارسها و طلابها و شيوخها ، تُدرّس فيها مذهبها أصولا و فروعا ، و تنافست فيما بينها في بنائها و الإكثار منها ، بمساعدة و تشجيع من أرباب المال و رجال السياسة451 ، فمن ذلك إن الوزير السلجوقي نظام الملك بنى مدارس للشافعية ،و بني السلطان صلاح الدين الأيوبي(ت589ه) مدارس للشافعية و المالكية و الحنفية ، و بني السلطان نور الدين محمود(ت569ه) مدارس للحنفية و الشافعية و الحنابلة و المالكية ،و بنى كل من الوزير عون الدين بن هبيرة (ت قرن: 6ه) ،و زوجة الخليفة المستضيء السيدة بنفشة (ت 558ه) مدرسة للحنابلة452 .
و تُعد مدارس نظام الملك أشهر المدارس الطائفية المذهبية بالمشرق الإسلامي –خلال القرنين :5-6ه- ،و أكثرها قوة ،و تأثيرا ،و نشاطا ،و تعصبا ؛ فقد بنى للشافعية مدارس عديدة عُرفت بالمدارس النظامية ، في كثير من المدن ، كبغداد ،و مرو ، و بلخ، و البصرة ، و أصفهان ، و أشهرها نظامية بغداد الذائعة الصيت ، ذات النشاط العلمي المذهبي الأشعري الواسع ، لأنها وجدت المجال خاليا ،و المناخ ملائما لنشر فكرها و مهاجمة خصومها ، لغياب المنافسة من مدارس أهل الحديث، إذ لم أعثر لهم على أية مدرسة في القرن الخامس الهجري ، و الحنابلة لا تُعرف لهم مدرسة إلا في مطلع القرن السادس الهجري ، و هي مدرسة أبي سعد المخرمي البغدادي (ت513ه)453 .

و قد ذكر كثير من الباحثين المعاصرين إن نظام الملك بنى مدارسه لتوحيد المذهب السني ،و محاربة الشيعة ،و تكوين الموظفين الإداريين لتولي مناصب في الدولة454 . و رأيهم هذا صحيح ، لكنهم لم يذكروا هدفا أساسيا آخر لا يصح إغفاله ، كان نظام الملك يسعى لتحقيقه ، هو نصرة المذهب الأشعري على حساب مذهب أهل الحديث ، و الدليل على ذلك الشواهد التاريخية الآتية ، أولها إن من شروط التدريس في المدرسة النظامية ببغداد إن يكون المدرس شافعيا455 . و قد سبق أن ذكرنا إن معظم الشافعية كانوا أشاعرة ابتداء من النصف الثاني من القرن الخامس الهجري و ما بعده ، مما يُشير إلى إنها –أي المدرسة-كانت حكرا على الشافعية الأشاعرة ، هدفها خدمة مذهبهم .
و ثانيها إن طلاب نظامية بغداد كانوا يدرسون المذهب الأشعري ، و يقولون إن القرآن ليس كلام الله حقيقة، و إنما هو معنى قائم بالذات ، و ما الحروف و الأصوات إلا عبارة عنه456 . و ثالثها إن بعض متكلمي و وعاظ الأشاعرة اتخذوا المدرسة النظامية منبرا لهم في الدعوة للأشعرية ،و مهاجمة الحنبلية ، كأبي نصر بن القشيري، و أبي بكر البكري المغربي الذي دخل بغداد سنة 475ه ، و معه كتاب من نظام الملك للتدريس بالنظامية ، و التكلم بمذهب الأشعري457 .
و الشاهد الرابع هو إنه كان مكتوبا على باب المدرسة النظامية ببغداد ، اسم إمام الأشعرية أبي الحسن الأشعري ، فلما دخل السلطان السلجوقي مسعود(ت قرن: 6ه ) بغداد أمر بإزالته و تعويضه باسم الإمام الشافعي458 . فكتابة اسم الأشعري عل نظامية بغداد ، دليل واضح على الصبغة المذهبية الأشعرية لتلك المدرسة .
و آخرها –أي الخامس- شاهد أثري يعود إلى العصر الأيوبي ، و هو اليوم بدار الآثار العربية المصرية ، و يخص المدرسة التي بناها السلطان صلاح الدين لشيخه نجم الدين الخبوشاني، و محتوى الشاهد هو : (( بُنيت هذه المدرسة باستدعاء الشيخ الإمام الزاهد نجم الدين ركن الإسلام ، قدوة الأنام مفتي الفرق ، أبو البركات الموفق الخبوشاني ، أدام الله توفيقه لفقهاء أصحاب الشافعي ، رضوان الله عليه ، الموصوفين بالأصولية الموحدة الأشعرية المنصورة على الحشوية و غيرهم من المبتدعة ، و ذلك في شهر رمضان سنة خمس و سبعين و خمسمائة ))459 . فواضح من هذا الشاهد إن المدرسة مخصصة للشافعية الأشعرية ،و فيه تعريض بالحشوية ،و المقصود بهم الحنابلة و أهل الحديث ، لأنهم هم خصوم نجم الدين الخبوشاني الذين منعوه من نبش قبر ابن الكيزاني ، عندما نبشه ليبني مدرسته ، فحدثت بينه و بينهم مواجهات دامية ، سبق ذكرها في الفصل الأول ، كما إن الحنابلة و أهل الحديث هم خصوم الأشعرية ،و هي قد أطلقت عليهم اسم الحشوية و المبتدعة ، على ما سبق أن ذكرناه .
رابعا : تعرّض بعض العلماء لمحن و أزمات فكرية :
تعرّض بعض علماء أهل السنة-من الطائفتين- لمحن و أزمات فكرية حادة ، بسبب الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين ،و اشتداد النزاع المذهبي بين الأشاعرة و أهل الحديث ، فمن ذلك أولا ما حدث للفقيه والد إمام الحرمين أبي محمد بن يوسف الجويني(ت438ه) ، فقد حكى عن نفسه ما حدث له من قلق و اضطراب و حيرة ، في مسألة صفات الله تعالى ، فذكر إنه كان متحيرا برهة من الدهر في ثلاث مسائل ، هي: مسألة الصفات ، و مسألة الفوقية –أي العلو- ، و مسألة الحرف و الصوت في القرآن الكريم ، فوجد نفسه مضطربا أمام الأقوال المختلفة التي تتجاذبها ثلاثة تيارات أساسية ، هي: التأويل ، و التعطيل، و الإثبات460 .
ثم ذكر إنه لم يُعجبه ما يقوله شيوخه الأشاعرة الشافعية في تأويلهم لبعض الصفات ،و إنكارهم تكلم الله بحرف و صوت ، و قال إنه إذا نظر للكتاب و السنة وجدهما يُثبتان ذلك ،و إذا نظر لشيوخه وجد لهم في قلبه مكانة ، فهم شيوخه الذين لهم عنده مكانة عالية لفضلهم و علمهم ، لكنه مع ذلك وجد في نفسه حزازات من تأويلاتهم ،و لم يطمئن إليها قلبه ،و وجد منها الكدر و الظلمة ، و ضيق الصدر و عدم انشراحه ، فأصبح (( كالمتحيّر المضطرب في تحيّره ، المتململ من قلبه في تقلّبه و تغيّره)) ، و كان من جهة أخرى يخاف على نفسه الحصر و التشبيه إن هو أثبت الاستواء و العلو و النزول461 .
ثم حكى عن نفسه بقوله: (( فلم أزل في هذه الحيرة و الاضطراب من اختلاف المذاهب و الأقوال ، حتى لطف الله ، و كشف لهذا العبد الضعيف عن وجه الحق ، كشفا اطمأن إليه خاطره ، و سكن إليه سره ، و تبرّهن الحق في نوره )) ، و ذكر إنه لم يتخلّص من حيرته و قلقه و اضطرابه ، إلا بصدق الطلب ،و التجرّد من الهوى و التعصب المذهبي ،و تجاوز الشيوخ ، ثم التدبر في القرآن و السنة بعقل متحرر من التعصب طلبا للحق462 .
و ثانيا حالة الفقيه أبي محمد بن حزم الأندلسي(ت456ه) ، كان مخلطا حائرا في مسألة صفات الله تعالى ، يفتقد إلى الانسجام الداخلي مع نفسه و فكره ، فهو مع نفيه للقياس الجلي و الخفي في الفقه ، كان من أشد الناس تأويلا لآيات و أحاديث الصفات463 . بمعنى إنه كان يأخذ آيات و أحاديث الأحكام على ظاهرها ، و يُؤوّلها فيما يخص منها الصفات و ينفيها ، فكان ظاهري الفروع باطني قرمطي الأصول في باب توحيد الله تعالى و صفاته ،و مع ذلك كان يدعي إنه على منهاج السلف الصالح، و يُعظم أحمد بن حنبل ،و يشتد في انتقاد الأشاعرة ، و ينسبهم إلى الضلال و الانحراف و الكفر ، رغم إنهم أحسن منه في باب ابصفات464 . فكل ذلك يدل على إنه –أي ابن حزم- كان مخلطا مضطربا حائرا ، يفتقد للانسجام المنهجي في الفروع و الأصول معا ، فكانت حالته هذه نموذجا لضحايا الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين .
و ثالثا حالة إمام الحرمين أبي المعالي الجويني(ت478ه) كان كوالده يُؤوّل الصفات في مرحلة من حياته ،و هو أول من اُشتهر من الأشاعرة بتأويل الصفات ، قال بذلك في كتابه الإرشاد ، ثم غيّر موقفه منها كوالده ، في كتابه الرسالة النظامية ، فأثبتها و حرّم تأويلها ، و بيّن إجماع السلف على ذلك-أي تحريم تأويلها-و أكد على أن التأويل مُحرّم ،و ليس بواجب و لا بجائز465 . و تحوّله هذا يبدو إنه جاء ثمرة بحث طويل ، ساده القلق و تجاذبته الآراء ، فانتهى به الأمر إلى اتخاذ قرار حاسم نهائي في مسألة الصفات ، سيرا على منهاج والده .
و رابعا حالة حجة الإسلام أبي حامد الغزالي (ت505ه) ، كان مضطربا في مسألة الصفات ، فمرة يُثبتها على طريقة الأشاعرة المتأخرين ، فيُثبت سبع صفات و يُؤوّل الباقي ، و مرة أخرى ينفي التي أثبتها و يردها إلى العلم موافقة للفلاسفة، و أحيانا يقف حائرا لا يتخذ منها موقفا واضحا ، و في آخر حياته استقر حاله ، فرجع إلى السنة و اعتصم بها ، و اشتغل بالحديث و عليه مات466 .
و خامسا حالة الفقيه المتكلم أبي الوفاء بن عقيل البغدادي(ت513ه) ، تعرّض لأزمة عقيدية ،و لمحنة مع أصحابه في آن واحد ، و ذلك إنه تأثر بالمعتزلة و أصبح يُؤوّل بعض الصفات ،و يُعظم الصوفي ابن منصور الحلاج البغدادي(ت309ه) ، مخالفا بذلك مذهب الحنابلة في موقفهم من الصفات و الحلاج ، فأنكروا عليه ما صدر منه ،و أهدروا دمه و طاردوه ، فاختفى منهم و أصر على موقفه ، من سنة 461إلى 465 هجرية ، ثم وضع حدا لأزمته و محنته ، فعاد إلى أصحابه و أعلن توبته أمامهم ،و كتب محضرا أشهدهم على نفسه بأنه تاب عن الاعتزال ،و رجع إلى مذهب أهل السنة467 .
فما الذي دفعه إلى التوبة و وضع حد لأزمته و محنته ، بعد أربع سنوات من التحدي و الصبر و الإصرار و الاختفاء ؟ . أولا لم تذكر المصادر –التي رجعت إليها- سببا واضحا لتوبة ابن عقيل ، إلا ما ذكره الفقيه الموفق بن قدامة المقدسي ، من إنه رُوي إن ابن عقيل ركب سفينة ، فسمع شابا يقول : (( لو لقيتُ هذا الزنديق ابن عقيل ، حتى أتقرّب إلى الله تعالى بقتله و إراقة دمه )) ، فخاف ابن عقيل و غادر السفينة ،و اتصل برفاقه ليُعلن توبته468 . و هذا تعليل ضعيف جدا ، لأن ابن عقيل كان على علم من أن أصحابه أهدروا دمه ، لذلك هرب و اختفى عن الأنظار خوفا من القتل ، فالأمر إذن ليس جديدا عليه ، اللهم إلا أن يُقال إن تلك الحادثة كان لها تأثير كبير في نفسه ، مما دفعته إلى إعادة النظر مما هو فيه .
و ثانيا يبدو إن ابن عقيل وضع حدا لأزمته و محنته لعدة اعتبارات ، أولها تخلّصه من التأثر و الانبهار الفكري بالاعتزال و رجاله في قضايا الاعتقاد . و ثانيها إحساسه بالذنب فيما تسبب فيه من خلاف و شقاق بين أصحابه الحنابلة. و ثالثها خوفه من القتل ،و رغبته في استرداد حريته المُصادرة ، بعدما ضاق ذرعا من المطاردة و الحصار المفروض عليه مدة أربع سنوات .
و سادسا حالة الحافظ أبي الفضل بن ناصر السلامي الشافعي البغدادي (ت 550ه) ، حكى عن نفسه إنه تأثر بالأشاعرة في مسألة كلام الله تعالى ، و أصبح يقول بمقالتهم ، دون أن يحصل له اطمئنان ، فظل مضطربا حائرا مدة طويلة ، يدعو الله أن يهديه إلى الحق ، و في ذلك يقول عن نفسه : (( كنتُ أسمع الفقهاء في النظامية يقولون : القرآن معنى قائم بالذات، و الحروف و الأصوات عبارات و دلالات عن الكلام القديم القائم بالذات ، فحصل في قلبي شيء من ذلك ، حتى صرتُ أقول بقولهم موافقة )) ، ثم قال : (( و كنتُ إذا صليتُ أدعو الله أن يُوفقني لأحب المذاهب و الاعتقادات إليه ، و بقيتُ على ذلك مدة طويلة أقول : اللهم وفقني لأحب المذاهب إليك ،و أقربها عندك )) ، ثم ذكر إنه رأى في المنام رسول الله –عليه الصلاة و السلام- فحثّه على اتباع مذهب أبي منصور الخياط البغدادي الحنبلي(ت499ه) ،و في الصباح اتصل به و أخبره بالأمر ، فقال له أبو منصور : (( يا بني مذهب الشافعي حسن ، فتكون على مذهب الشافعي في الفروع ،و على مذهب أحمد و أصحاب الحديث في الأصول ، )) ، فقال ابن ناصر: (( يا سيدي ما أريد أن أكون لونين )) ، ثم أشهده على نفسه إنه على مذهب أحمد بن حنبل أصولا و فروعا469 .

و يُروى إنه –أي ابن ناصر- لما انتقل إلى المذهب الحنبلي أعاد صلاته التي صلاها منذ احتلامه إلى أن تحنّبل ، و غسل جميع ما في منزله من أوانٍ و أفرشة و ثياب ، حتى جدران بيته غسلها ، بسبب ما كان يعتقده من مذهب الأشعري470 . و إن صح عنه هذا الخبر ، فيعني إنه كان يرى في الأشعرية نجاسة معنوية و مادية يجب التطهّر منها ، و فعله هذا مبالغة لا مسوّغ لها شرعا و لا عقلا .
و سابعا حالة المتكلم صدقة بن الحسين البغدادي الحنبلي(ت573ه) ، كان متأثرا بالمعتزلة و الأشاعرة و الفلاسفة ،و خاصة بابن سينا و كتابه الشفا ، فأصبح مُزلزل العقيدة ، مُضطرب النفس و الفكر، بسبب ما أحدثته فيه الأزمة العقيدية التي عصفت بالمذهب السني ، فكان يظهر منه ما يدل على سوء عقيدته ، من ميل لمذهب الفلاسفة ،و إنكار بعث الأجساد ، و اعتراض على القدر و نقمته عليه ،و كانت تنتابه حيرة و شك ، يظهران على أشعاره ، كقوله :

و احيرتا من وجود ما تقدمنا × فيه اختيار و لا علم فنقتبس
و نحن في ظلمات ما لها قمر × يضيء فيها و لا شمس و لا قبس471
و قوله :
نظرت بعين القلب ما صنع الدّهر × فألفيته غرّا و ليس له خبر
فنحن سدا فيه بغير سياسة × نروح و نغدوا وقد تكنّفنا الشر472
فإن صحّ هذا الشعر عن صدقة بن الحسين ، فيكون قد فقد إيمانه بالإسلام كلية ، لأن التساؤلات و الشبهات التي أثارها ، أجوبتها في الشرع الحكيم معروفة . فلماذا يبحث عن أجوبة لها ؟ ! كما إنه قد رُوي عنه –في اعتراضه على القدر- إنه مرض يوما و اشتدّ به الألم فقال عن الله تعالى : (( إن كان يريد أن أموت فيميتني ، فأما هذا التعذيب فما له معنى ))473. إنّه بقوله هذا قد سقط فريسة لشبهات المتكلمين و الفلاسفة ، ولم يستطع فكها و الردّ عليها ، فأمرضه كتاب الشفاء ولم يشفه و فقد إيمانه و ثقته بالله ،و هجمت عليه الوساوس و الشكوك .
و يدل اعتراضه على القدر على جهله بسنن الله و حكمته في خلقه،لأنه تعالى يبتلي عباده بالسراء و الضراء ، وهو العادل الرحيم الحكيم ؛ فقد تكون رحمته في المنع و نقمته في العطاء ،وقد يُمرض عبده قبيل وفاته ليعطيه فرصة الرجوع إليه ،و يفتح له بابا للدعاء و الإخلاص و التضرع إليه ، لذا يبدو إن صدقة بن الحسين غفل على إن الاعتراض على الحكيم شكّ و جهل، وإن التسليم له علم و يقين .

و الحالة الأخيرة –أي ثامنا- محنة الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي(ت600ه) ، جلس يوما بجامع دمشق (سنة 595ه) ، و ذكر شيئا من العقائد ، منها أحاديث في النزول و صفات أخرى ، فأنكر عليه جماعة من الأشاعرة من الشافعية و الحنفية و المالكية ، كالقاضي ابن الزكي،و ضياء الدين الدولعي، و رموه بالتجسيم ، و رفعوا أمره إلى السلطان ، و والي دمشق صارم الدين برغش ،و أخبروهما بأمر الحافظ عبد الغني ، و قالوا للوالي إن عبد الغني أضل الناس ،و يقول بالتشبيه ، فأمر الوالي بعقد مجلس لمناظرته ، فلما حضر ناقشوه في مسألة الاستواء و النزول و رد عليهم ، فأصر كل طرف على موقفه ، لأن كلا منهما نظر للقضية من زاوية مذهبه الذي يعتقده ، فهو ضللهم ، و هم كفّروه ، و قالوا للوالي: إنه مُبتدع ،و لا يجوز أن يُترك بين المسلمين ، و لا يحل لولي الأمر أن يُمكّنه من المقام معهم . ثم تدخل الوالي و قال لعبد الغني: كل هؤلاء على الضلالة و أنت على الحق ؟ قال : نعم ، فغضب عليه و أمر بنفيه من البلد ، فاستنظره عبد الغني ثلاثة أيام فأنظره ، فارتحل الحافظ إلى بعلبك ، ثم توجه منها إلى مصر ، فآواه أهل الحديث ،و حنوا عليه و أكرموه474 .
و قد أنكر الحافظ الذهبي ما رواه المؤرخ سبط بن الجوزي من إن الفقهاء أجمعوا على تكفير الحافظ عبد الغني ، و إنه مبتدع لا يجوز أن يُترك بين المسلمين . فيرى –أي الذهبي- إن السبط مجازف فيما رواه ، و إنه قليل الورع في نقله دعوى إجماع هؤلاء ، و يعتقد الذهبي إن الذين أفتوا بذلك هم طائفة من الذين قاموا عليه ، لأنه لو أجمع الفقهاء على تكفيره لقتلوه475 .
و كلامه هذا صحيح ، فإن الروايات التي اطلعتُ عليها ذكرت إن الذين قاموا عليه،و رفعوا أمره إلى السلطان هم طائفة من الأشاعرة ، وهم الذين ناقشوه و كفّروه ، و حرّضوا عليه السلطان ، و ليس فقهاء دمشق هم الذين فعلوا ذلك . و إنه من المؤسف حقا أن يقوم عالم مسلم بقراءة أحاديث صحيحة ، فتقوم عليه طائفة من الأشاعرة فتمنعه من قراءتها ، و تتهمه بالتشبيه و تكفّره ، و ترفع أمره إلى السلطان و تحثه على نفيه و إخراجه من البلد !! .
إن ذلك هو التعصب الأعمى الممقوت ،و الإرهاب الفكري المتسلّط على النفوس و العقول ، الذي ولّدته الأزمة العقيدية الحادة الني جرّت على كثير من العلماء أزمات و محن ، ذكرنا منهم طائفة ، و قد رجع كثير منهم إلى مذهب السلف في نهاية الأمر .
خامسا: مظاهر تأثير الأزمة العقيدية على السياسيين :
تركت الأزمة العقيدية –التي عصفت بالمذهب السني- تأثيرا كبيرا على كثير من السياسيين –خلال القرنين :5-6ه- ، تجلّت مظاهرها فيما يأتي .
أولا تمذهب كثير من السياسيين بمذهب إحدى الطائفتين المتنازعتين ، منهم : الخليفة العباسي القادر بالله (381-422ه) ، كان على مذهب الحنابلة و أهل الحديث ، و إليه يُنسب الاعتقاد القادري476 . و ثانيهم الخليفة القائم بأمر الله (522-567ه) ، سار على نهج والده القادر بالله في تبني مذهب أهل الحديث و الانتصار له ، و معروف إنه وقف بجانب القاضي أبي يعلى الفراء في نزاعه مع الأشاعرة عندما اتهموه بالتشبيه ، بسبب كتابه إبطال التأويلات477 .
و ثالثهم الوزير السلجوقي نظام الملك (ت 485ه) ، كان شافعيا أشعريا ، مكّن للأشاعرة في دولته ،و كان يتعصب لهم ،و بنى لهم المدارس478. و رابعهم الفقيه عبد الله بن ياسين المرابطي المغربي(ت451ه) ، كان على مذهب السلف ،و عليه قامت دولته ،و عليه أيضا سار خلفاؤه ، الذين قاوموا علم الكلام و الفلسفة ، و أحرقوا كتب أبي حامد الغزالي،و مكّنوا للفقهاء السلفيين في دولتهم479. وخامسهم السلطان نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي(ت569ه) ، كان حنفي المذهب ليس فيه تعصب على المذاهب السنية الأخرى ، لكنه كان يُراعي مذهب الشافعي و مالك480 , و قد بنى كثيرا من المدارس للحنفية و الشافعية ،و غيرهم من أهل السنة ، على ما تقدم ذكره .
و السادس هو الفقيه المتكلم محمد بن تومرت المصمودي المغربي(ت524ه) ، مؤسس الدولة الموحدية ، كان أشعريا جلَدا متعصبا ، كفّر المرابطين و اتهمهم بالتشبيه و التجسيم ،و استباح دماءهم و أعراضهم ،و على نهجه سار خلفاؤه من بعده481 .
و آخرهم –أي السابع- السلطان صلاح الدين الأيوبي(ت589ه) ، كان شافعيا أشعريا ، تربى على الأشعرية منذ صباه ، و حفظ كتابا في العقيدة الأشعرية للمتكلم القطب النيسابوري الأشعري ، و كان يُعلّمها لأولاده منذ صغرهم و يُحفّظهم إياها ، و عندما فتح مصر مكّن للأشاعرة في دولته ،و على نهجه سار أولاده في التمكين لهم482 .
و ثانيا إن من مظاهر تأثيرها على السياسيين ، دعم كثير منهم لطائفة دون أخرى ، و الأمثلة التي ذكرناه في أولا ، هي شواهد تاريخية تؤيد ما نحن في صدد إثباته . و منها أيضا إن الحنابلة و أهل الحديث ببغداد قمعوا الشافعية الأشاعرة ،و استطالوا عليهم بدعم و حماية من الخليفة القادر بالله وابنه القائم بأمر الله483 . و ارتفعت رايتهم أيضا أيام الوزير العباسي عون الدين بن هبيرة (ت560ه) ، فقد كان حنبليا على مذهب أهل الحديث، فمكّن لهم في دولته و نشر فكرهم484 .
و منها أيضا الدعم الكبير الذي وفّره الوزير نظام الملك للشافعية الأشاعرة ، فرفع عنهم المحنة التي فرضها عليهم الوزير السلجوقي عميد الملك الكندري المعتزلي في سنة 445ه . و منع من سبهم و لعنهم ،و أدّب من فعل ذلك .و دعمهم ماديا و معنويا حين بنى لهم المدارس ، و أجرى عليهم الأرزاق ،و شجّعهم على نشر الأشعرية، و أطلق يدهم في دولته، حتى عظُم أمرهم في البلاد ،و انتقموا من الحنابلة و أهل الحديث ، و تطاولوا عليهم تتطاول السلاطين ، و استعدوا عليهم بالسجن و الأذي و السعايات ، و نبزوهم بالتجسيم485 .
و آخرها الدعم السافر و الكبير الذي قدّمه السلطان صلاح الدين للشافعية الأشاعرة على حساب الحنفية و المالكية عامة ، و على الحنابلة و أهل الحديث خاصة ، فإنه عندما فتح مصر سنة 567ه ، مكّن للأشعرية في دولته ، فجعلها المذهب الرسمي لدولته ،و نشرها بين رعيته، و أسند القضاء لأتباعها ،و بنى لهم المدارس لتدريسها486 .
و ثالثا إن من مظاهرها أيضا-في تأثيرها على السياسيين- مشاركتهم فيما حدث بين الأشاعرة و أهل الحديث من خلافات و منازعات و مصادمات ، و الشواهد التاريخية على ذلك كثيرة ، أولها دور سلاطين المرابطين –بالمغرب الإسلامي- في دعم أهل الحديث و التضييق على خصومهم من الفلاسفة و الصوفية و المتكلمين و إحراق مصنفاتهم487 .
و ثانيها دور السلاطين الموحدين-بالمغرب الإسلامي- في مقاومة مذهب أهل الحديث ،و القضاء على دولة المرابطين الممثلة لهم ،و تكفيرهم و استباحة أموالهم و دمائهم من جهة ، و التمكين للأشعرية من جهة أخرى488 .
و ثالثها دور الوزير نظام الملك في فتنة ابن القشيري ببغداد سنة 569ه ، فهو الذي أرسله إليها ، و لما حدثت الفتنة و قُتل فيها عدد كبير من الناس استدعاه إليه ، فلما التحق به أكرمه و عظّمه ، و جهّزه و أرسله إلي بلده نيسابور489 . و سلوكه هذا مع ابن القشيري غريب جدا ، لأن هذا الرجل ظالم و فتان ، و معتد و مجرم ، ذهب إلى بلد غير بلده ،و سب معظم أهله ،و اتهمهم بالتشبيه ،و تسبب في حدوث فتنة قُتل فيها نحو عشرين شخصا ، فالواجب على الوزير أن يُعاتبه و يُحذّره ، و يُوبخه و يُعاقبه ، لا أن يُكرمه و يُعظمه و يُكافئه ، فهو –أي الوزير- بسلوكه هذا قد شارك في فتنة ابن القشيري، و شجّع أشاعرة آخرين على القيام بنفس ما قام به ابن القشيري .
و الشاهد الرابع هو ما قام به الوزير نظام الملك في فتنة أبي بكر البكري المغربي ببغداد سنة 475ه مع الحنابلة ، فالوزير هو الذي أرسله إلى بغداد ، و معه كتاب للتدريس في المدرسة النظامية ،و التكلّم بمذهب الأشعري ، فكان ذلك سببا في حدوث فتنة بينه و بين الحنابلة490 .
و الشاهد السادس هو دعم سلطة بغداد –الموالية للسلاجقة- للواعظ أبي بكر البكري الأشعري أثناء وجوده بالبلد، فلما وصله أكرمه ديوان الخلافة و أغدق عليه الأموال و الهدايا ، و سماه علم السنة ، و عندما كان الحنابلة يتصدون له و يعجز في التصدي لهم ، يستنجد بعساكر السلطة ببغداد ، فيلبي العساكر طلبه لنصرته491 .
و الشاهد السادس هو مشاركة والي دمشق صارم الدين برغش في المحنة التي ألمت بالحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي سنة 595ه ، فلما حرّضه عليه الأشاعرة ، أيدهم و سمع لهم ، و نفاه من دمشق ، و أمر بكسر منبر الحنابلة بالجامع الأموي ، فتعطّلت صلاة الحنابلة فيه ،و أحرقت الصناديق و الخزائن التي كانت فيه492 .
و الشاهد السابع هو ما حدث للحافظ عبد الغني المقدسي(ت600ه) بمدينة أصفهان ، فلما حل بها و ردّ على الحافظ أبي نعيم الأصفهاني (ت430ه) في كتابه الصحابة ، و انتقده في 290 موضعا ، و سمع به رئيس البلد الصدر أبو بكر الخجندي الأشعري(ت592ه) ، طلبه و أراد قتله ، فاختفى عبد الغني ،و أخرجه أصحابه من البلد خُفية ، و سبب تعرّض الخجندي للحافظ ، هو إنه كان أشعريا يتعصّب لأبي نعيم الأصفهاني493 .
و الشاهد الثامن هو موقف السلطان العزيز بن صلاح الدين الأيوبي(ت 595ه) من الحنابلة و أهل الحديث ، بسبب محنة الحافظ عبد الغني سنة595ه ، فإنه لما سمع بما حدث بين الحافظ و خصومه ، - كان قد خرج للصيد- قال إنه إذا رجع من سفرته هذه ، فإنه سيُخرج الحنابلة و من قال بمقالتهم ، من مصر و الشام ، لكن الموت لم يُمهله ليعود إلى القاهرة ، فقد قتله فرسه عندما رماه و وقع عليه و خسف صدره494 . و تصرّفه هذا غريب جدا ، لا حكمة فيه ، و لا يمت بصلة لسياسة الحكم الرشيد بصلة ، و يبدو إنه كان واقعا تحت تأثير طائفة من خصوم الحنابلة و أهل الحديث ، هم الذين حرّضوه عليهم .
و الشاهد الأخير –أي التاسع- هو بناء السياسيين لكثير من المدارس الطائفية المذهبية ، فمن ذلك بناء الوزير نظام الملك مدارسه النظامية للشافعية ، و بناء السلطان نور الدين محمود مدارس كثيرة للحنفية و الشافعية ، و بناء السلطان صلاح الدين مدارس عديدة للشافعية و الحنفية و المالكية ، فهؤلاء ببنائهم لتلك المدارس الطائفية قد شاركوا في الأزمة العقيدية –التي عصفت بأهل السنة – توسيعا و تعميقا و تكريسا .
و رابعا إن من مظاهر تأثيرها عليهم أيضا-أي السياسيون- سلبيتهم في التعامل مع الأزمة العقيدية و عدم السعي الجاد لإيجاد حل جذري لها ، فقد سبق أن ذكرنا أمثلة كثيرة على تمذهب السياسيين ، و تعصبهم لطائفة دون أخرى ، الأمر الذي جعلهم سلبيين تجاه إيجاد حل صحيح لتلك الأزمة ، و من الشواهد التاريخية التي تُثبت ذلك و توضحه أكثر ، النماذج الآتية :
أولها موقف الخليفة القائم بأمر الله من كتاب القاضي أبي يعلى و احتجاج الأشاعرة عليه ، فإنه طلب منه الكتاب و اطلع عليه ، ثم أرجعه إليه دون أي إنكار –على ما روته الأخبار- ، و أخرج الاعتقاد القادري تأييدا له على حساب الأشاعرة الذين ثاروا على القاضي و كتابه ، و المفروض إنه كان عليه أن ينتقد الكتاب في المسائل التي بالغ فيها مؤلفه في إثبات الصفات معتمدا على أحاديث ضعيفة و موضوعة ، على ما سبق أن بيناه .
و ثانيها موقف الوزير نظام الملك السلبي من وعاظ الأشاعرة في بغداد ، فقد كانوا يأتونها ،و بعضهم هو الذي أرسلهم إليها ، فيسبون أهل الحديث ،و يذمونهم و يّكفّرونهم ، و ينشرون الأشعرية ، و تحدث بسببهم الفتن و المصادمات الدامية ، و يموت فيها خلق كثير، و لا نعلم إنه اتخذ منهم موقفا حاسما لردعهم و معاقبتهم ، و إنما كان يُكرمهم و يُعظمهم و يُزودهم بما يحتاجونه ، و يأمرهم بالرجوع إلى بلدانهم بعد عودتهم من بغداد495 .
و ثالثها موقف السلطان صلاح الدين من شيخه النجم الخبوشاني ، فقد كان هذا الرجل مشاغبا طائشا متهورا ، مثيرا للفتن بمصر ، و هو الذي نبش قبر رجل مسلم صالح كان مدفونا بجانب قبر الشافعي، فأخرج رفاته ،و زعم إنه زنديق ، فحدثت بسبب ذلك ثورة بينه و بين أهل الحديث ، فانتصر عليهم و بنى مدرسة بجانب قبر الشافعي496 . و مع كل هذه الأفعال القبيحة لم أعثر على ما يدل أن صلاح الدين منعه من ذلك ، أو أنكر عليه فعله ، أو اتخذ منه موقفا حاسما فيما أحدثه من فتن ، بل رُوي إن الخبوشاني كان مخالطا لصلاح الدين و لأهله ،و هو الذي أعطاه المال لبناء المدرسة التي أقامها بجانب الشافعي497 . مما يعني إن الرجل كان مدللا ،و من المقرّبين من البيت الحاكم ، يفعل ما يحلو له دون رادع .
فهؤلاء السياسيون كانوا سلبيين تجاه الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين ، لأنهم كانوا طرفا فيها ،و واقعين تحت تأثير علماء الطرف الذي ينتمون إليه ، مما أفقدهم الموقف الحازم ،و النظرة الشرعية الصحيحة- القائمة على المصلحة العامة لأهل السنة – لوضع حد نهائي عادل للأزمة .
لكنهم مع ذلك فقد كانت لهم مواقف سعوا فيها للإصلاح بين الأشاعرة و أهل الحديث ،و الحد من النزاع القائم بينهما ، لكنها كانت مواقف ظرفية سطحية محدودة الأثر في الواقع ، ترمي إلى احتواء الأزمة و التخفيف منها و التحكم فيها ، و لم تكن ترمي إلى وضع حد نهائي لها ، و الشواهد على ذلك كثير ة ، أذكر منها خمسة، أولها ما حدث في فتنة ابن القشيري سنة 469ه ، فقد تدخل فيها كل من الخليفة المقتدي بأمر الله ،و وزيره العميد بن جهير، و الوزير نظام الملك ، للإصلاح بين الحنابلة و الأشاعرة ،و احتواء الفتنة ،و لم يسعوا لوضع حد للأزمة القائمة بين الطائفتين المتنازعتين ، لذا وجدنا الفتنة تكررت بينهما سنة 470ه، قُتل فيها نحو عشرين قتيلا من الجانبين498 .

و ثانيها هي أنه لما دخل الواعظ أبو الفتوح محمد بن أبي الفضل الأشعري(ت 538ه) إلى مدينة بغداد ،و حدثت فتن مذهبية بينه و بين الحنابلة ، تدخل الخليفة العباسي المسترشد بالله و أخرجه من بغداد499 . و الشاهد الثالث هو أنه لما وعظ أبو الفضل بن شقران الأشعري (ت 561ه) ببغداد و بالغ في نصرة الأشعرية ، تدخل الوزير العباسي عون الدين بن هبيرة(ت قرن: 6ه) ومنعه من الوعظ ،و حُطّ من على المنبر500 .
و الشاهد الرابع هو إنه لما حدث خلاف بين ابن الجوزي(ت 597ه) و نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر الجيلاني ، في مسألة صفات الله تعالى ، و انتشر ما حدث بينهما بين الناس ، تدخل الخليفة العباسي-لم أُميّزه- و أمر بالسكوت من الجهتين حسما للفتنة501 .
و آخرها –أي الشاهد الخامس- هو إنه لما خاض الأشاعرة و أهل الحديث ، في مسألة الحرف و الصوت ، أصدر السلطان صلاح الدين (ت589ه) مرسوما منع فيه الخوض في تلك المسألة ، و توعّد من يخالفه بالعقاب الشديد ،و قُرئ مرسومه على المنابر بمصر502 .
فهذه الحوادث-و غيرها- شواهد تاريخية تدل على إن تدخلات السياسيين للحد من الأزمة العقيدية ، كانت تدخلات للتخفيف و التهدئة و الاحتواء ، و لم تكن تدخلات فعالة لحل الأزمة نهائيا ، و اجتثاثها من جذورها .

و أخيرا-أي خامسا- فإن من مظاهر تأثيرها –أي الأزمة- على السياسيين ، ما حققه الأشاعرة من انتصار سياسي كاسح على أهل الحديث بالمشرق الإسلامي و مغربه، منذ النصف الثاني من القرن الخامس الهجري و ما بعده ، تحقق لهم ذلك على يد كبار سياسييهم ، و الشواهد على ذلك كثيرة ، أولها أثر الوزير السلجوقي نظام الملك ، فهو أول سياسي مشهور-حسب علمي- تبنى الأشعرية مذهبا ، و مكّن لها في دولته ماديا و معنويا ، و بنى لأتباعها المدارس ،و أغدق عليهم الأموال ،و وفر لهم الحماية على ما سبق أن بيناه .
و ثانيها هو إن الموحدين بالمغرب الإسلامي اتخذوا الأشعرية مذهبا رسميا لدولتهم ، فقد فرضوها على الرعية بالقوة منذ انتصارهم على المرابطين سنة 541ه، فاختفى مذهب أهل الحديث ، و سادت الأشعرية المغرب الإسلامي ،و تجذّرت فيه503 .
و الشاهد الثالث هو ما قام به السلطان صلاح الدين الأيوبي (ت589ه) في دعم الأشعرية ، فقد جعلها مذهبا رسميا لدولته ، و ربى عليها أولاده ، الذين ساروا على نهجه في تبنيها و اتخاذها مذهبا رسميا للدولة الأيوبية504 .و الشاهد الثالث هو ما ذكره الفقيه الموفق بن قدامة المقدسي (ت620ه) من أن الأشاعرة في زمانه كانوا هم ولاة الأمر ،و أرباب الدولة بالشام505 .
و الشاهد الخامس ما أشار إليه الفقيه تاج الدين السبكي (ت قرن: 8ه) من أن الأشاعرة كانوا يُهيمنون على بلاد الشام ، عندما قال إن شيخه الذهبي لم يذكر مسألة الصفات عندما ترجم للفقيه أبي الحسن الكرجي الشافعي(ت532ه) خوفا لا نسيانا ، فقال: إنه خشي صولة الشافعية ،و سيف السنة المحمدية506 . فقوله هذا فيه اعتراف صريح بهيمنة الشافعية الأشاعرة على البلاد ، و استخدامهم للسيف مع معارضيهم في المعتقدات ، و استمرار هيمنتهم السياسية عل الشام من زمن الموفق بن قدامة إلى زمن التاج السبكي .
و آخرها –أي الشاهد السادس- ما رواه المؤرخ المقريزي(ت885ه) من إن الأشعرية في زمانه ( ق: 9ه) كانت عقيدة جماهير الأمصار الإسلامية ، من جهر بخلافها أُريق دمه507 . فلو لم تكن الأشعرية تتمتع بدعم السلطان و قوته ، ما كان في مقدورها قتل من يُجاهر بخلافها ، و لا حققت ذلك الانتشار الواسع في الأقطار الإسلامية ، مما يُؤكد إن العامل السياسي هو العامل الأساسي الحاسم في انتشارها-أي الأشعرية- بالمشرق الإسلامي و مغربه .

و ختاما لهذا الفصل –أي الثالث- يتبين لنا إن الأزمة العقيدية- التي عصفت بالمذهب السني خلال القرنين:5-6- تجلت مظاهرها في المجالين العلمي و السياسي بشكل كبير جدا ، ففي المجال الأول أثارت قضايا عقائدية كثيرة ، مرتبطة كلها بمسألة صفات الله تعالى ، تجاذبها الأشاعرة و أهل الحديث نفيا و إثباتا ، فكانت سببا في اشتداد وطأة الأزمة على بعض علماء أهل السنة ، تعرّضوا خلالها لمحن و أزمات فكرية و نفسية حادة .
و في المجال السياسي كان تأثيرها –أي الأزمة- فيه كبيرا و خطيرا ، أدى إلى تمذهب السياسيين و تعصبهم لمذهب دون آخر، و تحوّلهم إلى طرف فاعل فيها –أي الأزمة- و مؤثر في سيرها ، مما أدى إلى تكريسها ،و تعميقها ،و تحقيق الأشعرية للنصر الكاسح على حساب أهل الحديث .











...........................................................




الفصل الرابع

آثار الأزمة العقيدية و أسبابها و الحلول المقترحة لها


أولا: آثارها .
ثانيا : أسبابها .
ثالثا: الحلول المقترحة لها .











..................................................................................

آثار الأزمة العقيدية و أسبابها و الحلول المقترحة لها

نخصص هذا الفصل لإبراز الآثار التي تركتها الأزمة العقيدية على أهل السنة ، و البحث عن الأسباب التي كانت من ورائها ،و العوامل المساعدة لها ، مع طرح طائفة من الحلول لعلها تكون طريقا لاجتثاثها من أساسها ،و تخليص أهل السنة من شرورها ،و تعيد إليهم وحدتهم و أخوتهم الجامعة ، إن هم أخذوا بها .
أولا: آثار الأزمة العقيدية على أهل السنة :
تركت الأزمة العقيدية –خلال القرنين:5-6- آثارا سلبية كثيرة على أهل السنة ، اجتماعيا و فكريا و سياسيا ، فمن ذلك أولا أنها قسمتهم إلى طائفتين متنازعتين متصارعتين ، هما : الحنابلة و أهل الحديث ،و يُعرفون أيضا بالسلف ، و الأشاعرة و الماتريدية ، و يُعرفون أيضا بالخلف ، مخالفين بذلك الشرع الحكيم الذي أمرهم بالوحدة و الإخاء و التعاون ،و حذّرهم من التنازع و التفرّق و التناحر .
و ثانيا إنها –أي الأزمة-أدخلت السنيين في نزاع فكري عقدي حاد ،و مواجهات دامية – سبق ذكرها- قُتل فيها خلق كثير من الطرفين ، كما حدث في فتنتي 469ه، و 470ه ، ببغداد .
و ثالثا إنها أدت إلى ظهور مدرستين مذهبيتين متميزتين متنافرتين ، لكل منها رجالها ،و منهجها ، و خصائصها ، و تراثها العلمي في العقائد ، الذي كان غزيرا ، غلب عليه التعصب و النزاع العقيدي الحاد ، الممزوج بالتكفير و التضليل ،و التبديع و التفسيق ، و المبالغة في الانتقاد ، و استخدام المصطلحات الشنيعة و المذمومة في وصف الخصم ، كمصطلح المشبهة ،و المجسمة ، و الحشوية، و المعطلة ،و الجهمية .
و رابعا إنها –أي الأزمة – تمخّضت عن تحقيق الأشاعرة لانتصار سياسي كاسح ، بالمشرق الإسلامي و مغربه، على حساب أهل الحديث ، الذين هم بدورهم لم يستسلموا و ظلوا يُقاومون بكل طاقتهم ، بصفتهم معارضة فاعلة وحيدة في وجه الأشعرية ، طيلة قرون عديدة بالمشرق الإسلامي دون مغربه، الذي اختفى فيه مذهبهم –أي اهل الحديث- على يد الموحدين .
و رابعا إن الأزمة العقيدية بذاتها و آثارها ، لم تجد حلا صحيحا و نهائيا ، فقد ظلت قائمة منذ ظهورها إلى يومنا هذا ، تظهر آثارها جلية في أدبيات الجماعات الإسلامية المعاصرة ،و في المقررات الدراسية بالجامعات و المعاهد الإسلامية ، و في الشبكة العنكبوتية –الأنترنت- حيث نجد فيها العديد من المواقع ذات الطابع المذهبي الصريح و الخفي ، بعضها ينتمي إلى أهل الحديث ،و بعضها الآخر ينتمي إلى الأشاعرة و الماتريدية ، و كلهم في نزاع و صراع ،و سباب و شتم ، و تشنيع و تهويل و تبديع و تنافس ، كسبا للنفوذ ،و إلحاقا للأذى بالآخر ، فأصبحت هذه الشبكة مجالا للنزال و التفاخر ،و التفنن في الذم و عرض المثالب .
و خامسا إنها-أي الأزمة- أدت إلى انتشار التعصب المذهبي المذموم بين عامة الناس و خاصتهم ،و تميّز كل طائفة عن الأخرى باسمها و أتباعها ،و مدارسها و مساجدها ، و شيوخها و مؤلفاتها ، الأمر الذي أدى إلى إحداث اضطرابات فكرية و نفسية بين أهل العلم ، تجلّت بوضوح في ظهور شخصيات قلقة افتقدت القناعة العلمية و الاطمئنان الروحي ، كالذي حدث للجويني الأب ،و ابن عقيل ،و صدقة بن الحسين .
و أما عن إيجابيات الأزمة العقيدية-التي عصفت بالسنيين- فهي قليلة جدا - بالمقارنة إلى كثرة سلبياتها- و لعل أهمها : إقامة الدليل على أن العقل إذا ابتعد عن كتاب الله و سنة رسوله-عليه الصلاة و السلام- الصحيحة ،و أخطأ في التعامل معهما ، فإنه سيضل و يُضل ، و يفقد الاطمئنان النفسي و اليقين العقلي و القلبي معا . و الإيجابية الثانية هي إنها كانت سببا في ظهور مصنفات متميزة و قيمة للغاية ، جمعت بين صحيح المنقول ،و صريح المعقول، كمؤلفات أبي نصر السجزي، و ابن تيمية ،و تلميذه ابن قيم الجوزية .
و ختاما لهذا المبحث أشير هنا إلى جملة استنتاجات لها علاقة بما نحن فيه ، أولها إنه وجد قمع و إرهاب بين الأشاعرة و أهل الحديث ، فكان كل من تقوى على الآخر تسلّط عليه و أذله ، و فرض عليه فكره ، و منعه من التعبير عن رأيه بحرية .
و ثانيها إن الأشاعرة المتأخرين لم يستفيدوا من تجربة بعض كبار علمائهم في موقفهم من التأويل ، حين تخلّوا عنه ، و عادوا إلى مذهب السلف في صفات الله تعالى ، كالجويني الأب ،و ابنه أبي المعالي، و أبي حامد الغزالي ، فلو أنهم اتبعوهم فيما انتهوا إليه ، لضيّقوا الخلاف بينهم و بين أهل الحديث ، و صححوا مذهبهم في عدم إثباته للصفات الخبرية و تأويله لها ، لكنهم و للأسف الشديد لم يفعلوا ذلك ،و تجاوزوا تجربة هؤلاء و تناسوها ، كأنها لم تكن ، و أصروا على موقفهم من التأويل .
و ثالثا إن كلا من أهل الحديث و الأشاعرة يتحمل مسؤولية ما حدث بينهما من خلاف ، و نزاع ، و انشقاق ، و قتال ، مع اختلاف نسبة التحمل ، فمن الواضح إن الأشاعرة يتحملون القسم الأكبر من المسؤولية ، لأنهم هم الذين أظهروا الخلاف و عمقوه ، و شقوا صف أهل السنة ، و خالفوا مذهب السلف في مسائل عقائدية ، سبق التطرق لكثير منها ، . كما إن أهل الحديث فيهم من يتحمل قسطا من المسؤولية لأنهم بالغوا في إثبات الصفات اعتمادا على أحاديث غير صحيحة ، ظاهرها يُوهم التشبيه و التجسيم ، فساهموا بذلك في تطرّف معارضيهم ،و تعميق الأزمة العقيدية بينهما .
و رابعا إن الأزمة العقيدية –التي عصفت بالسنيين- قامت على أيدي طائفة من العلماء و السياسيين و العوام ، فالعلماء أفتوا و شجعوا ،و وعظوا و ألّبوا ؛ و السياسيون حموا و شجعوا ، و مولوا و مونوا ، و بنوا المدارس و تدخلوا بالعساكر ؛ و العوام اتبعوا- فهم على دين ملوكهم و علمائهم- و خاضوا الفتن و المصادمات الدامية في الأسواق و الأحياء ، في جو مشحون بالتعصبات و الأحقاد و الثارات ، فساهم كل منهم بنصيب في جرّ الأمة إلى أزمة اكتوت بنارها الطوائف السنية كلها قرونا عديدة .

و خامسا إن علم الكلام-الذي قامت علية الأزمة العقيدية- جنى على الأمة جناية كبرى ، و كان ضرره عليها أكثر من نفعه ، بدليل المعطيات الآتية ، أولها إنه –أي علم الكلام- لم يقم على منهج علمي صحيح ، يجمع بين النقل الصحيح و العقل الصريح و العلم الطبيعي الصحيح ، و إنما قام –في الغالب- على الدعاوى العريضة،و الأوهام و الظنون و الخيالات ، و الرجم بالغيب ، و القول على الله بلا علم ،و الاعتماد على الأقيسة التجريدية الظنية في معظم مباحثه العقيدية .
و ثانيها إنه –أي علم الكلام- أخذ من علماء المسلمين-الذين خاضوه- أعمارا طويلة،و أوقاتا ثمينة ، فكانت حصيلته باطل كثير و حق قليل ، و خطأ كثير و صواب قليل ، و جاءوا بالطامات الكبرى ،و المضحكات المبكيات ، فقالوا لنا : إن الله لا يستطيع أن يفعل شيئا ،و لا يتكلم بإرادته ، و لا يتصف بأي صفة ، و إن القرآن ليس كلامه حقيقة ، و إنه تعالى لا داخل العالم و لا خارجه ، و إنه لا يُوصف بالحكمة و الرحمة و المغفرة و... قالوا كل ذلك و غيره باسم العقل و العقلانية ، و هو افتراء مفضوح ،و بهتان كبير على العقل و العقلانية .
و ثالثها إنه-أي علم الكلام- صرف العقل المسلم عن التدبّر الصحيح في كتاب الله المسطور الذي هو قرآنه الكريم ،و في كتابه المنظور الذي هو كونه العظيم ، فأبعده بذلك عن اكتشاف سنن الله تعالى في كتابه المقروء ،و مخلوقاته من عالم الغيب و الشهادة .
و أما ما يُقال من إن علم الكلام كان سلاحا للرد على اليهود و النصارى و غيرهم من الكفار ، فهو زعم فيه مبالغة كبيرة ، لأن من الواضح إن معظم تراث المسلمين في علم الكلام ، كان موجها أساسا للرد على بعضهم بعضا ،و القليل منه وُجّه لغيرهم ،و هذا القليل كان في معظمه على أسس غير صحيحة ، بحكم إن علم الكلام برمته لم يقم على قواعد صحيحة ، فردّ المتكلّمون بباطلهم و صوابهم على باطل غيرهم ، مع العلم إن في القرآن الكريم الرد الكافي على اليهود و النصارى و غيرهم من الطوائف الضالة .
ثالثا : أسباب الأزمة العقيدية :
تناولنا فيما تقدم من فصول هذا الكتاب مظاهر الأزمة العقيدية – التي عصفت بأهل السنة - ،و أشرنا إلى أهم آثارها على أهل السنة و الجماعة ، فما هي أسباب ظهورها ؟ ،و ما هي العوامل المساعدة على تطوّرها و تفاقمها ؟ .
فبالنسبة للأسباب فيمكن تركيزها في سببين رئيسيين ، أحدهمما مباشر ، و الآخر غير مباشر ، فالمباشر –أي الأول- هو الاختلاف في مسألة صفات الله تعالى ، فقد كان أهل السنة يُثبتون صفات الله تعالى الواردة في الكتاب و السنة ، بلا تشبيه و لا تأويل ، ، ثم خالفتهم الكلابية و الأشاعرة ، عندما أنكروا قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، و تأويلهم لها ، مع إثبات الصفات الخبرية لله تعالى ، لكن الخلاف ازداد اتساعا و عمقا بظهور الأشعرية المتأخرة ، التي أنكرت الافعال الاختيارية و الصفات الخبرية معا ، و أوّلتها كلها و لم تُثبت إلا سبع صفات فقط ، على ما تقدم ذكره . لكن هؤلاء وجدوا معارضة شديدة من أهل الحديث منذ القرن الثالث الهجري و ما بعده ، و دخل الطرفان في نزاع عقيدي مذهبي حاد ، تحوّل إلى أزمة عقيدية مست مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية .
و الثاني –أي السبب غير المباشر- هو الانحراف في منهج التفكير ، و ذلك إن الكلابية و الأشاعرة نظروا إلى صفات الله و أفعاله ، بعقولهم القاصرة ، و قاسوها بصفات مخلوقاته ، و قالوا إن إثباتها يُؤدي إلى التشبيه ، لذا يجب إنكار أفعاله الاختيارية ،و تأويل صفاته الخبرية ، فوقعوا بذلك في ثلاثة أخطاء فادحة ، أولها قاسوا الله تعالى بمخلوقاته ،و هو ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته .و ثانيها إنهم أوّلوا و نفوا الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه ،و وصفه بها رسوله ،-عليه الصلاة و السلام- . و ثالثها إنهم خاضوا بعقولهم القاصرة في غيوب لا تدركها العقول ،و لا يعلمها إلا خالق العقول .
و أما العوامل المساعدة ، فهي بمثابة أسباب ثانوية ، تولّدت عن ظهور الأزمة و تطوّرها ، ثم ساهمت هي كذلك في اشتدادها و اتساعها ، أذكر منها طائفة ، أولها اختلاف مفهوم التشبيه عند كل من أهل الحديث و الأشاعرة ، فالأولون –أي أهل الحديث- عندهم التشبيه هو أن يُقال مثلا : يد الله كيد الإنسان ، و سمعه كسمعه ، و أما إذا قيل : لله يد ليست كيد الإنسان ، و بصره ليس كبصره ، فهذا ليس تشبيها . و أما الأشاعرة فالتشبيه عندهم هو إثبات الصفات الخبرية التي وردت في الكتاب و السنة ، كالاستواء على العرش،و النزول ، و لا يعدون الصفات السبع التي أثبتوها تشبيها .
و قد كان لهذا الاختلاف في مفهوم التشبيه بين الأشاعرة و أهل الحديث ، الأثر السيئ في علاقة الطرفين فيما بينهما ،و في اشتداد النزاع و تطوّره إلى مواجهات دامية ، و قد رأينا ما حدث للحافظ عبد الغني المقدسي ، فإنه قرأ شيئا من أحاديث الصفات من صحيح البخاري ، فتألب عليه جماعة من الأشاعرة ،و اتهموه بالتشبيه و التجسيم ،و رفعوا أمره إلى والي دمشق ، الذي أمر بنفيه من دمشق . فالحافظ لا يرى تشبيها في قراءة أحاديث البخاري في الصفات ،و هم يرونها تشبيها و تجسيما !! و لا شك إن المفهوم الصحيح لمعنى التشبيه ، هو ما ذهب إليه أهل الحديث و ليس الأشاعرة ، لأن مفهومهم –أي أهل الحديث- مأخوذ من قوله تعالى: (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير )) ، فهو سبحانه سميع بصير ، لكن صفاته لا تشبه صفات مخلوقاته .
و السبب المساعد الثاني هو انتشار التعصب المذهبي بين الأشاعرة و أهل الحديث ، الذي كان الأرضية التي قامت عليها الأزمة العقيدية ، و محركها الذي دفع الطائفتين إلى المنازعات و المصادمات الدامية ، فتراكمت الأحقاد ،و كثُرت الفتن و الجراحات .
و أشير في هذا المقام إلى أنه قد شاع بين أهل العلم إن أهل الحديث –و على رأسهم الحنابلة- كانوا أكثر الطوائف السنية ، تعصبا و تشددا و اعتداء ؛ فقال عنهم الكاتب مصطفى الشكعة : (( و لقد كان الحنابلة على رأس المعتدين دائما ، و اشتهروا بالعنف في معاملة خُصومهم من أبناء المذهب الشافعي ، فقد ثاروا عليهم ،و ألحقوا بهم الاعتداء)) ،و اتخذوا مسجدا لهم ببغداد مركزا للانقضاض على خصومهم508 . و قوله هذا ليس صحيحا على إطلاقه ، فهو يخص فترة زمنية محدودة و مكان معين ، لأنه سبق أن ذكرنا حوادث تاريخية كثيرة كان الحنابلة هم ضحية تعصب الشافعية الأشاعرة عليهم ، في عهد نظام الملك و الأيوبيين و المماليك . و أما الحادثة التي بنى عليها حكمه ، فهي جرت زمن حكم الخليفة العباسي الراضي بالله ( 322-329ه) ، و فيها ازداد نشاط الحنابلة في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و الاعتراض على مخالفيهم في بعض المسائل الفقهية ، فأصدر الخليفة الراضي منشوره المشهور في زجر الحنابلة و تهديدهم بالقتل و التشريد ، إن هم لم يُوقفوا أعمالهم509 .
فهو قد بنى حكمه على الحنابلة انطلاقا من هذه الحادثة ، و نسي أو تناسى ما حدث من فتن و تعصّبات في القرن الخامس الهجري و ما بعده إلى زمن الدولة العثمانية ، حيث ضعُف جانب أهل الحديث ضعفا شديدا ، فكانوا ضحية تعصب الأشاعرة و الماتريدية عليهم ، المدعومين من السلطان ، بالمشرق الإسلامي و مغربه ، لمدة قرون عديدة . و كلامي هذا لا أقوله تعصبا لأهل الحديث و ، إنما أقوله تعصبا للحق ، و يكفينا –شهادة على ذلك- ما قاله المقريزي ( ت قرن:9ه)، فقد اعترف صراحة إن الأشاعرة كانوا يقتلون من يجرؤ على إظهار مخالفة الأشعرية ؛ و قد اعترف بذلك –ضمنيا- تاج الدين السبكي في القرن الثامن الهجري ، على ما تقدم ذكره .
و ترى المؤرخة أمينة البيطار إن الحنابلة على كثرتهم ، لم يقووا على مقاومة أوضاع البلاد ، بسبب تعصبهم على معارضيهم حتى من أهل السنة ، و استخدامهم القوة ضدهم ، فزاد العداء ضدهم ، كمهاجمتهم للشيعة بمسجد براثا ببغداد ، و تعرّضهم للمفسرأبي جعفر محمد بن جرير الطبري ،و اعتدائهم على فقهاء المدرسة النظامية ببغداد510 .
و قولها هذا غير صحيح ، ليس فيه من الصواب إلا القليل ، لأنه أولا إن الحنابلة ما كانوا كثيري العدد بالمشرق الإسلامي ، بالمقارنة إلى الشافعية و الحنفية ، فهم –أي الحنابلة- يأتون في المرتبة الثالثة بعد هؤلاء من حث العدد و الانتشار511 . و ثانيا إن التعصب المذهبي و استخدام القوة ، لم يكن خاصا بالحنابلة و أهل الحديث ، فقد مارست ذلك كل الطوائف عندما وجدت من نفسها قوة و دعما من السياسيين ؛ و نحن إذا ما قارنا تعصبهم –أي الحنابلة و أهل الحديث- بتعصب غيرهم ، من حيث الشدة و اتساع الرقعة ،و امتداد الزمن ، وجدناه أقل بكثير مما صدر عن خصومهم من تعصبات ، و الشواهد التاريخة على ذلك كثيرة جدا ، منها ما فعله الشيعة الإسماعيليون العبيديون –الفاطميون- بأهل السنة بالمغرب الإسلامي و مصر ، فاضطهدوهم ،و أذلوهم ،و قتلوا منهم ألاف الشهداء ، لأنهم رفضوا أن يطعنوا في الصحابة و يسبوهم512 .
و منها ما فعله شيعة بغداد بأهل السنة زمن دولة بني بويه الشيعة الزيديين ، فقد اظهروا شعاراتهم و ذكرياتهم و مآتمهم ، و تعدوا على أهل السنة ، و تعصبوا عليهم ،و سبوا الصحابة علانية ، حتى بلغ بهم الأمر إلى سب رسول الله- عليه الصلاة و السلام- و أزواجه –رضي الله عنهن- . و فعلوا بأهل السنة الأفاعيل عندما دخل القائد التركي البساسيري –الموالي للفاطميين- مدينة بغداد سنة 450ه ، فاستباحها و أطلق يد الشيعة فيها513 .
و منها ما فعله الأشاعرة بالحنابلة و أهل الحديث زمن قوتهم و نفوذهم أيام الوزير نظام الملك ،و في عهد دولتي الأيوبيين و المماليك . و الغريب إنها قالت إن الحنابلة اعتدوا على فقهاء المدرسة النظامية ببغداد ، و نسيت أو تناست إن كثيرا من طلابها و مدرسيها و وعاظها هم المعتدون ، فاتخذوها منبرا لنشر مذهبهم و مهاجمة أهل الحديث بدعم من الوزير نظام الملك ،و قد ذكرنا على ذلك شواهد تاريخية كثيرة .
و خلاصة القول إن التعصب المذهبي كان قائما بين كل الطوائف الإسلامية ، و لم تختص به طائفة دون أخرى ، فكانت كل طائفة تجد في نفسها قوة ،و دعما من السياسيين تتطاول على مخالفيها ، لكن من الخطأ إلصاق تهمة التعصب بالحنابلة و أهل الحديث ، و السكوت عن الأشاعرة الذين كان تعصبهم أقوى و أوسع و أكثر ، بسبب الانتصار السياسي الساحق الذي حققوه بالمشرق الإسلامي و مغربه ، فاستخدموا القوة السياسية و العسكرية ، في مواجهتهم لأهل الحديث ، كالذي حدث للمرابطين على يد الموحدين ، و كالذي جرى للحافظ عبد الغني ،و الشيخ تقي الدين ابن تيمية و أصحابه في القرن الثامن الهجري ، فطاردوهم ،و ضيقوا عليهم ،و ضللوهم ،و سجنوا بعضهم .514
و السبب المساعد الثالث ، هو الدور السلبي لكثير من العلماء و السياسيين في التعامل مع الأزمة العقيدية –التي عصفت بالسنيين- فالعلماء هم الذين فجّروها ،و السياسيون هم الذين رعوها و دعموها ، و لم يعملوا بصدق و جد لوضع حد لها ، و قد ذكرنا كثيرا من الفتن و المصادمات ، تسبب فيها علماء بدعم و حماية من السياسيين ، و المحاولات القليلة التي بُذلت للإصلاح بين الطرفين المتنازعين ، كانت شكلية و ظرفية ، هدفها تخفيف الأزمة و تهدئتها و احتوائها ، و ليس حلها نهائيا .
و العامل المساعد الرابع ، هو التطرّف في التمسك بالمذهب من الطائفتين ، فوُجد في أهل الحديث جماعة بالغوا في إثبات الصفات ، تمسكا بأحاديث غير صحيحة ، و صريحة في التشبيه، و لم يلتزموا بأصول مذهب السلف التزاما كاملا . و في مقابل هؤلاء ، وُجد في الأشاعرة جماعة كبيرة العدد-هي الأشعرية المتأخرة- لم تلتزم بمنهاج إمامها أبي الحسن الأشعري في موقفه من الصفات الخبرية ، فخالفته فيها بنفيها و تأويلها لها ، فكانت النتيجة إن كلا من الجماعتين المتطرفتين ابتعدت عن الصراط المستقيم ، و كانت عامل تكريس للأزمة و تعميق لها .
و العامل المساعد الخامس هو ظهور المدارس الطائفية المذهبية و انتشارها بكثرة ، فأصبح لكل طائفة مدارسها و أساتذتها و طلابها و برامجها ، الأمر الذي كرّس الأزمة و عمّقها ،و أدخل الأشاعرة و أهل الحديث في تنافس للإكثار منها ، فتحوّلت إلى معاقل طائفية للتحريض على الفتن و التعصب ،و الدعاية للمذهب .
و تعليقا على ما ذكرناه عن الأسباب و إثراء لها أقول : أولا إن للكاتب بركات محمد سعيد رأي مفاده إن معارضة الحنابلة للأشعري تعود إلى استخدامه لعلم الكلام في تأييد الدين ، فقالوا له : إن الكلام بدعة ، فقال لهم : إنه ليس كل ما لم يفعله الرسول-صلى الله عليه و سلم- بدعة و ضلالة ، و قد بحث الصحابة و التابعون في أشياء لم يرد فيها نص ، . ثم تساءل الكاتب قائلا : لماذا إذن يُحرّم الحنابلة على الأشعري دراسة المسائل المتعلقة بأصول الدين ، ليردها إلى الأصول المتفق عليها من العقل و الحِس و البديهة515 .
و ردي عليه يقوم على الشواهد و التعليقات الآتية ، أولها إن معارضة الحنابلة للأشعرية تعود بداياتها إلى زمن الإمام أحمد بن حنبل(ت421ه) ، عندما أنكر على ابن كلاب نفيه للأفعال الاختيارية،و تكلم الله تعالى ، ثم استمرت معارضة أهل الحديث للكلابية بعد أحمد بن حنبل ،إلى زمن أبي بكر بن خزيمة (ت311ه) ، ثم لما جاء الأشعري تبنى فكر الكلابية و نشره ، فعارضه الحنابلة و اهل الحديث ، كما عارضوا من قبله سلفه ابن كلاب516 ؛ مما يعني إن معارضتهم قديمة ، و لم تكن خاصة بالحنابلة ، و إنما شملت أهل الحديث كلهم .
و ثانيها إن السبب العميق في معارضة الحنابلة و أهل الحديث للأشعري ، ليس هو ما قاله الكاتب بركات محمد سعيد، و إنما هو ما قررناه سابقا من الاختلاف في منهج الاستدلال ، و في مسألة الأفعال الاختيارية المتعلقة بذات الله تعالى ، فأهل الحديث أنكروا على الكلابية و الأشعرية خوضهم بعقولهم فيما لا تدركه ،و تركهم للكتاب و السنة وراء ظهورهم فيما يخص الصفات و ما يتعلق بها .
و ثالثها إن ما قاله الكاتب من خصومة الحنابلة للعقل هو اتهام باطل ، هدفه الطعن فيهم و التشنيع عليهم ، لأن أئمة الحنابلة و أهل الحديث لم يُنكروا استخدام العقل ،و إنما أنكروا على معارضيهم استخدامه في غير محله ،و تقديمه على الشرع ، و تراثهم العلمي الذي وصلنا شاهد على ما أقول ، و قد سبق أن ذكرنا منه عددا كبيرا ، و منها –على سبيل المثال لا الحصر- كتاب الرد على الزنادقة و الجهمية لأحمد بن حنبل، و خلق أفعال العباد و الرد على الجهمية للبخاري، و كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ، و التوحيد لابن خزيمة ، و رسالة السجزي لأهل الثغر باليمن ، و منها أيضا كتب أخرى لابن قدامة المقدسي و ابن تيمية و ابن القيم . و هؤلاء في مصنفاتهم لم يُخاصموا العقل و لم يعبدوه ،و لم يقدموه على النقل و لم يجعلوه ندا له ، و إنما جمعوا بينه و بين النقل ، وفق منهج وسطي سليم جمع بين صحيح المنقول و صريح المعقول .
و رابعها إن ما قاله الكاتب من أن الأشعري رد مسائل أصول الدين إلى الأصول المتفق عليها ، من العقل و الحس و البديهة ، هو قول مبالغ فيه جدا ،و لا يصدق على كل المسائل ، لأن هناك مسائل عديدة خالف فيها الأشعري النقل و العقل ،و الحِس و العلم الصحيح ، كنفيه قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، و إنكاره أن يكون القرآن كلام الله حقيقة، و نفيه للسببية و طبائع الأشياء ، و قوله إن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي فقط .
و ثانيا إنه سبق أن ذكرنا إن السبب الرئيسي المباشر في ظهور الأزمة ، هو الاختلاف في مسألة قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، و ما ترتب عنها من تأويل للصفات ، و إنكار لكلام الله تعالى ، فكانت هذه المسألة هي التي فجّرت الأزمة العقيدية بين أهل السنة أنفسهم ، لكن الغريب في الأمر و المؤسف أيضا ، إن تلك المسألة قامت على مشكلة وهمية ، لا حقيقة لها في النقل و لا في العقل ، و ذلك إن الذين نفوا قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى ، توهّموا إن إثباتها لا يليق بالله تعالى ، بدعوى إنها حوادث ، و ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ، و بما أن الله تعالى ليس بحادث ، فلا بد من نفيها –أي الحوادث- عنه .
لكن قولهم هذا غير صحيح ، و قد أوقعهم في أخطاء فادحة ، أولها إنهم خاضوا في مسألة غيبية ، لا يدرك حقيقتها إلا الله تعالى . و ثانيها إنهم بموقفهم هذا قد خالفوا الشرع مخالفة صريحة ،و ردوا نصوصه الكثيرة التي ترد على زعمهم ، فالله تعالى أخبرنا إنه يتكلم ،و إنه كلّم بعض مخلوقاته ،و إنه فعال لما يُريد، كقوله تعالى: (( و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ))-سورة البقرة/30- , (( فعال لما يريد ))-سورة البروج/16 و (( ربك يخلق ما يشاء و يختار )) –سورة القصص/68- , و (( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ))-سورة يس /82 و(( إن الله يفعل ما يشاء)) –سورة الحج/18- .
و ثالثها إنهم قاسوا أفعال الله تعالى بأفعال مخلوقاته ، و هذا خطأ منهجي فادح واضح ، فإذا كانت الأفعال التي تطرأ على الإنسان تدل على حدوثه ، فذلك لأنه هو أصلا مخلوق ، و هذا لا يصدق على الله تعالى ، فهو سبحانه الخالق الذي ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته و أفعاله التي تليق به ، و هي لا تُوصف بالحدوث و لا أنها مخلوقة ، لأنها غير حادثة و لا مخلوقة .
و رابعها إنهم أطلقوا على أفعال الله تعالى المتعلقة بذاته ، اسم الحوادث ، و هي تسمية غير صحيحة ، لأنها لم ترد في الشرع ، إذ سماها الله تعالى أفعالا ،و لم يُسمها حوادث ، في قوله تعالى: (( فعال لما يريد )) –سورة البروج /16-،و (( إن الله يفعل ما يشاء)) –سورةالحج/18- ، و هي أيضا تسمية مجملة مشتبهة المعني ، فقد تعني في الإنسان المرض و الموت و النوم ، و قد تعني الحركة و الصحة و الحياة و العلم ، فهي إذن لا يصح إطلاقها على الله تعالى .
و آخرها –أي الخامسة- انهم عندما نفوا قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ،و صفوه بالعجز من حيث أرادوا تنزيهه ، فهل يصح في العقول أن يُقال : إن خالق هذا الكون العظيم العجيب ، عاجز عن الفعل ، و حرية الإرادة و المشيئة ؟؟ !! , هل يُعقل أن يكون الإنسان المخلوق الضعيف يتمتع بحرية الفعل و خالقه عاجز عنها ؟؟ !! .
و الوجه الثاني للتوهّم هو إنهم قالوا إن إثبات الصفات الخبرية يُؤدي إلى التشبيه و التجسيم ، لذا فلابد من تأويلها . فأدى بهم هذا التوهّم إلى نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه ، و غاب عنهم إن إثبات الصفات لا يستلزم التشبيه ولا التجسيم ، إلا إذا قلنا إن صفاته تعالى تُشبه صفات مخلوقاته ، و هذا لم يقله السلف و لا أهل الحديث ؛ و بذلك يتبين إن توهمهم-أي الأشاعرة- أوصلهم إلى وصف الله تعالى بصفات الجمادات و المعدومات ، عندما نفوا عنه ما وصف به نفسه ، فأثبتوا له العكس من حيث لا يريدون . و غاب عنهم أيضا إنه لا بد لكل كائن من صفات تليق بكينونته ، لأن الذي ليس له صفات هو المعدوم لا الموجود ، و بما أن الله تعالى موجود فلا بد له من صفات تليق به ، و إثباتها لا يستلزم تشبيها و لا تجسيما ، لأن سبحانه و تعالى يقول : (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير )) ، فمع إنه ليس كمثله شيء ، فإنه يسمع و يبصر .
و بذلك يتبين لنا جليا إن السبب الذي فجّر الأزمة العقيدية بين أهل السنة –طيلة قرون عديدة- ، قام على مشكلة وهمية لا حقيقة لها في النقل و لا في العقل ،و لا في مذهب السلف الصالح ، و هذه الحقيقة الخطيرة التي توصّلتُ إليها ، أشار إليها الفقيه أبو محمد بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين في القرن الخامس الهجري ، عندما قال إن شيوخه الأشاعرة الذين أوّلوا الصفات : (( ما فهموا في صفات الرب ، إلا ما يليق بالمخلوقين ، فما فهموا عن الله استواء يليق به ، و لا نزولا يليق به ،و لا يدين تليق بعظمته ، بلا تكييف و لا تشبيه ، فكذلك حرّفوا الكلم عن مواضعه ،و عطّلوا ما وصف الله به نفسه ))517 .
و ثالثا يبدو إن قول الأشاعرة بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله ،و تأويلهم للصفات ، هو من مظاهر تأثرهم بالمعتزلة ،و قد اعترف المتكلم أبو جعفر السمناني الأشعري (ت قرن: 5ه) بوجود مسائل من المذهب المعتزلي في المذهب الأشعري518 . و عن ذلك يقول المتكلم خلف المعلم المالكي المغربي (ت قرن:5ه) : (( قام الأشعري أربعين سنة على الاعتزال ، ثم أظهر التوبة ، فرجع عن الفروع ، و ثبت على الأصول ))519 .

ثالثا : الحلول المُقترحة لحل الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث:
أفردنا هذا المبحث لعرض طائفة من الحلول المقترحة ، لحل الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين منذ القرن الرابع الهجري ،و التي ما تزال قائمة إلى يومنا هذا ،و لم تجد لها حلا مرضيا صحيحا ، و قبل التطرق لذلك لابد من الإشارة إلى رأي بعض الباحثين المعاصرين ، مفاده إن ظهور الأشعرية كان حلا و ليس أزمة ، لأن المذهب السني-في رأيهم- كان يُعاني من أزمة عقيدية داخلية في القرن الرابع الهجري ، جعلته عاجزا عن رد التحديات التي تهدده ، فكان ظهور الأشعرية حلا ضروريا لابد منه ، لإنقاذ المذهب السني و أهله من الأزمة التي ألمت به ، فطرح الأشعري مذهبا وسطا كان بديلا عن مذهب الحنابلة و أهل الحديث ، قال عنه الكاتب زهدي جار الله : إنه طريق وسط بين المعتزلة و الحنابلة.و قال عنه الكاتب علي أبو ريان : إنه طريق وسط بين السلف و المعتزلة . و قال عنه الكاتب أبو الفتوح بدوي: إنه اتخذ منهجا وسطا بين المشبهة و المنزّهين520 . و هؤلاء في أقوالهم هذه ، يبدو إنهم اتبعوا المؤرخ المقريزي عندما قال إن أبا الحسن الأشعري سلك طريقا بين (( النفي الذي هو مذهب الاعتزال ،و بين الإثبات الذي هو مذهب أهل التجسيم))521 .

و في مقابل هؤلاء يُوجد علماء آخرون لهم تفسير آخر لمعنى وسطية المذهب الأشعري ، يخالف ما ذهب إليه هؤلاء الباحثون ، فمن ذلك قول الحافظ أبي نصر السجزي و مفاده إن الأشاعرة اتخذوا موقفا بين أهل السنة-أي أهل الحديث- و المعتزلة ،و هم –أي الأشاعرة- أضر على أهل السنة من المعتزلة522 .
و الثاني هو قول المتكلم أبي الوفاء بن عقيل(ت513ه) ، و مفاده إن الأشاعرة –في موقفهم من كلام الله- اتخذوا موقفا غير مستقر ، بين أهل الحديث و المعتزلة ، فيقدمون (( رجلا نحو الاعتزال فلا يتجاسرون ،و يُؤخرون أخرى نحو أصحاب الحديث ليستتروا فلا يتظاهرون ))523 .
و القول الثالث للشيخ تقي الدين بن تيمية ، و مفاده إن أبا الحسن الأشعري و أمثاله ، كانوا برزخا بين السلف و الجهمية ، أخذوا من السلف كلاما صحيحا ،و من الجهمية أصولا عقلية ظنوها صحيحة،و هي فاسدة524 . و آخرها قول الفقيه ابن القيم الجوزية ،و مفاده إن الأشاعرة سلكوا طريقا بين السلف و الجهمية ، فلا للسلف اتبعوا و لا مع الجهمية بقوا ، و لا للإسلام نصروا ،و لا لأعدائه كسروا525 .
و تعليقا على ما ذكرناه أقول: أولا إن مذهب السلف-هو مذهب أهل الحديث- لم يكن يُعاني من أزمة فكرية عقدية داخلية ، على مستوى أصوله و قواعده الأساسية ، فهي واضحة صحيحة ، متينة مستقيمة مع المنقول و المعقول ، و مع ما كان عليه الصحابة و السلف الصالح526 . لكن ذلك لم يمنع من انتساب بعض أهل العلم إليهم ،ممن كان عندهم قُصور و تفريط في فهم المنقول و المعقول على حد سواء527 . فأساءوا بذلك إلى مذهب السلف ،و هذا الصنف من المنتسبين للعلم يُوجد في كل المذاهب و العلوم ،و بين كل طوائف العلماء .
و هو –أي مذهب السلف- و إن كان في حاجة إلى التوسيع و الإثراء –انطلاقا من أصوله الثابتة- ليواكب التطورات الفكرية ،و يواجه التحديات العقيدية-خلال القرنين:3-4ه- ، فإنه لم يكن عاجزا عن الرد العلمي الصحيح ، لما يملكه من أصول صحيحة ،و منهج علمي قويم ،و طاقات علمية كثيرة ، و قد سبق أن ذكرنا طائفة من مصنفات أهل الحديث التي ردوا بها على التحديات التي واجهتهم في القرنين الخامس و السادس الهجريين .

كما أنه يبدو إن كثيرا من أهل الحديث لم يتوسّعوا في الرد على معارضيهم ، ليس عجزا عن الرد ،و إنما تورعا من مسايرة المتكلمين في كثرة كلامهم و هذيانهم ، فكان موقفهم هذا أسلوبا من أساليب ردودهم على هؤلاء . و مع ذلك فقد وصلنا من تراثهم العلمي في مجال العقائد ، مصنفات قيمة تعود إلى القرن الثالث الهجري و ما بعده ، منها : الرد على الزنادقة و الجهمية ، لأحمد بن حنبل، و خلق أفعال العباد للبخاري، و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، و الرد على الجهمية لأبي سعيد الدارمي ،و التوحيد لابن خزيمة ، و رسالة السجزي لأهل اليمن ، و مناظرة في القرآن للموفق بن قدامة المقدسي ، و منها أيضا مصنفات ابن تيمية ،و تلميذه النجيب ابن قيم الجوزية . و تميزت مصنفات هؤلاء بأنها جمعت بين صحيح المنقول ،و صريح المعقول .
و ثانيا إن القول بأن الأشعرية كانت هي الحل المناسب لأزمة المذهب السني ، هو قول غير صحيح ، و إنما الصحيح هو إن الأشعرية بذاتها كانت مشكلة و لم تكن حلا ، بدليل المعطيات الآتية ، أولها نه سبق أن بينا إن مذهب السلف لم يكن يُعاني من أزمة داخلية تمس أصوله و قواعده الأساسية، مما يعني إنه لم يكن في حاجة إلى أي حل يمس أصوله ، لأنه لم يكن يعاني أصلا من أزمة حقيقية .
و ثانيها إنه بما أننا سبق أن أثبتنا إن الأشعرية قامت على أساس مشكلة وهمية لا وجود لها في مذهب أهل السنة و الجماعة ، فهذا يعني إنه لم يكن لظهور الأشعرية -بين أهل السنة- أي مبرر نقلي و لا عقلي ، و لا توجد أية مشكلة عالقة لتحلها .
و ثالثها إن كثيرا من المسائل التي انفردت بها الأشعرية و تميزت بها ، خالفت فيها مذهب السلف ، و جانبت فيها الصواب ، كنفيها قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، و تأويلها للصفات الخبرية ، و إنكارها للسببية و طبائع الأشياء ، و قولها بالكسب ،و إن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي528 . فهي إذن جاءت بأخطاء ،و لم تأت بحلول .
و رابعها إن رفض عامة أهل الحديث للأشعرية ، هو دليل على إنها كانت مشكلة و لم تكن حلا ، فلو رأوها حلا لقضاياهم العقيدية ، و أنها على صواب في طروحاتها ، لتقبّلوها و ما رفضوها و ما قاوموها ، خاصة و إنهم –أي أهل الحديث – هم أكثر أهل العلم صدقا و صلاحا و التزاما بالشرع ، و هذا معروف عنهم لا يحتاج إلى توثيق .
و ثالثا إن مسألة وسطية الأشعرية هي أمر ثابت ، فقد اتخذت موقفا بين مذهب السلف الصحيح و مذهب المعتزلة الباطل ،و بمعنى آخر إنها اتخذت موقفا بين الصواب و الخطأ ،و بين الحق و الباطل ، و من كان هذا حاله فسيجمع بين الحق و الباطل ، و بين الصواب و الخطأ ، فلا هو حق كله ،و لا هو باطل كله ،و لا هو يمثل مذهب السلف على حقيقته ،و لا هو يمثل مذهب المعتزلة على حقيقته ،و إنما هو يمثل طائفة ثالثة هي برزخ بين المذهبين ، فهذا هو حال الأشعرية في دعوى الوسطية !! .
و رابعا إن ما قاله هؤلاء الباحثون من إن ظهور الأشعرية و انتشارها كان حلا ضروريا للأزمة ، التي كان يُعاني منها مذهب السلف ، هو قول غير صحيح ، لأنه سبق أن أثبتنا إن مذهب السلف لم يكن يُعاني من أزمة داخلية تمس أصوله الفكرية العقائدية ، و إن الأشعرية لم يكن لظهورها مبرر حقيقي ، و إنما ظهرت بناء على مشكلة وهمية ؛ و قد سبق أن ذكرنا شواهد تاريخية كثيرة ، تُثبت إن انتشار الأشعرية ،و انتصارها على أهل الحديث ، يعود أساسا إلى العامل السياسي الذي وفّر لها الدعم و الحماية و المدارس ،و شجّعها و مكّنها من التسلّط على مخالفيها ،و لا يعود أساسا إلى العاملين العقيدي و الاجتماعي ، فهما عاملان ضعيفان بالمقارنة إلى العامل السياسي الفاعل و الحاسم .
و خامسا إن قول المقريزي بأن الأشعرية اتخذت موقفا بين نُفاة الصفات و هم المعتزلة ،و بين أهل الإثبات و هم المجسمة ، هو قول غير صحيح في تعريفه للمجسمة ، لأن المجسمة ليسوا هم الذين يثبتون الصفات فقط ، و إنما هم الذين يُثبتونها و يُشبهونها و يُجسّمونها بالمخلوقات ، و أما الذين يثبتونها بلا تشبيه و لا تجسيم ، فهم ليسوا مجسمة و لا مشبّهة ، و إنما هم أهل إثبات منزهون لله تعالى ، وهم السلف الصالح و أهل الحديث ، كما إن قوله هذا يستلزم أن يكون الأشاعرة هم أيضا مجسمة ، في إثباتهم لله سبع صفات . فتعريفه –أي المقريزي- للمجسمة غير صحيح ،و فيه تلبيس و تدليس ،و اتهام ضمني لمذهب السلف و أهل الحديث بالتجسيم ،و للأشاعرة أيضا .
و بذلك يتبين إن ظهور الأشعرية في القرن الرابع الهجري ، لم يكن حلا لمشكلة ، و إنما كان امتدادا لمشكلة الكلابية ،و ميلادا لمشكلة أخرى أعوص من الأولى ، فجّرت أزمة عقيدية بين أهل السنة في القرن الرابع الهجري و ما بعده ، و ما تزال قائمة إلى وقتنا الحاضر ، فلم تنفع معها المسكنات و لا المخففات و لا الملطفات التي أطالت في عمرها و لم تحلها ، فهي ما تزال تنتظر الحلول الصحيحة المرضية ، فما هي الحلول الناجعة التي يمكنها-بتوفيق من الله تعالى- وضع حد نهائي لتلك الأزمة التي عمرت طويلا و لم تجد طريقها إلى الحل ؟ .

يبدو لي إن حلها لا يتحقق إلا باتباع جملة من الخطوات ، أولها إخلاص النية و التجرّد للحق و ترك التعصب للمذاهب و الشخصيات ، إلا للحق ، لأن التعصب لغيره-أي الحق- يحول دون الوصول إلى الحقيقة . و ثانيها التسليم المطلق للشرع و الاستسلام له في كل ما أمر ، مع اتباع منهج صحيح في فهمه ، كإرجاع متشابه النصوص إلى محكمها ، و تفسير القرآن بالقرآن ،و تفسيره بالسنة الصحيحة ،و بفهم و منهج الصحابة و التابعين لهم بإحسان-رضي الله عنهم- .
و ثالثها التخلّص نهائيا من المشكلة التي أدت إلى ظهور الأزمة العقيدية بين أهل السنة ، و قد بيّنا إنها كانت وهمية قامت على قضيتين ، الأولى نفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، و الثانية تأويل الصفات ، فالأولى أثبتنا إن نفيها يتعارض مع النقل و العقل معا ، و قلنا إنه لا يصح في الشرع و لا في العقل وصف الله تعالى بالعجز عن فعل شيء يريده ، و إن مخلوقاته تدل دلالة قاطعة على كماله و مطلق إرادته و مشيئته ؛ فلابد إذن من التخلّص نهائيا من دعوى عدم قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى .
و القضية الثانية ناقشناها مرارا في مواضع كثيرة من كتابنا هذا ، و بيّنا إن تأويل الصفات لا يصح نقلا و لا عقلا ، لكنني أضيف هنا جملة من الفوائد متعلقة بمسألة التأويل ، أولها هي إن الشرع الحكيم أجمل في التنزيه و نفي التشبيه بوضع قواعد عامة ، كقوله تعالى : (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ))-سورة الشورى/11-، و (( لم يكن له كفوا أحد )) –سورة الإخلاص/4- ؛ لكنه فصّل في إثبات الصفات لله تعالى ، كالسمع و البصر ،و العلم و الحكمة ، و الرحمة و التوبة ، على أن يتم إثباتها و فهمها في إطار آيات التنزيه .
و ثايها هي إن التأويل لو كان مطلوبا شرعا لأمرنا الله تعالى به ،و قال لنا إن المقصود من صفة الرحمة ، و اليد، و العين، و الاستواء ، هو كذا و كذا ، و بما إنه لم يقل لنا ذلك و لا أمرنا به، دل ذلك على إن التأويل غير مشروع .
و ثالثها هي إنه يجب أن يترسخ في عقولنا و قلوبنا إن إثبات الصفات لا يقتضي التشبيه و لا التجسيم ، و لا يُؤدي إليهما إلا إذا قلنا إن صفاته تعالى تُشبه صفات مخلوقاته ، و أما إذا أثبتناها و نفينا عنها مشابهتها لصفات المخلوقين ، فهذا ليس تشبيها ، و إنما هو إثبات و تنزيه مصداقا لقوله تعالى: (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير )) .
و رابعها هي إن التأويل مشكلة و ليس حلا ، لأنه غير مشروع شرعا ،و يُحرّف نصوص الكتاب و السنة ، و لا يُقدّم حلا في تأويله للصفات ،فنحن إذا ما قلنا مثلا إن إثبات الاستواء و اليد لله تعالى يُوهمان التشبيه ،و لابد من تأويلهما ، فأولنا الاستواء بالاستيلاء ، و اليد بالنعمة و القدرة ، فإن الإشكال لا يزول ، و يبقى السؤال مطروحا ، و هو : هل ذلك الاستيلاء كاستيلاء الإنسان ؟ ،و هل النعمة و القدرة ، كالنعمة و القدرة عند الإنسان ؟ فإن قيل : نعم ، فهذا تشبيه صريح ، و إن قيل : لا ، فلا حاجة لنا إذن للتأويل أصلا ، و نقول : إن استواء الله تعالى ليس كاستواء البشر، و إن يده ليست كيد الإنسان ، و إن نزوله ليس كنزول مخلوقاته ،و إن رحمته ليست كرحمة البشر ... و هكذا مع كل الصفات الثابتة لله تعالى ، و بذلك يكون التأويل لم يُُقدم لنا حلا ، بل أدخلنا في متاهة لا مخرج منها ، إلا بإتباع القاعدة الشرعية ، التي تنص على إثبات الصفات مع التنزيه و عدم التشبيه .
و الفائدة الخامسة هي إنه لا فائدة من التأويل ، لأنه ينفي ما أثبته الله تعالى لنفسه ، و يُعطل النصوص الشرعية و يُحرّفها ، و يزُج بالعقل في مسائل غيبية لا يدركها ،و لا يعلمها إلا الله تعالى . و لأنه أيضا اعتداء على النصوص ،و اتهام للدين بالنقصان ،و يُؤدي إلى اختراع صفات لله تعالى لم يصف بها نفسه ، و تشبيهه بالجمادات و المعدومات و المنقوصات .
و الفائدة الأخيرة –أي السادسة- أذكر فيها طائفة من أقوال أهل العلم في خلافهم من الجدوى من التأويل،
أولها قول الموفق بن قدامة المقدسي(ت620 ه) ، و مفاده إن التأويل لا طائل منه،ولا عمل تحته،ولا ضرورة تدعو إليه.وهو تكلف و حمق ، و تنطع و كلام بالجهل،و قول في كتاب الله و سنة رسوله بالرأي.لذا يكفي الإيمان بالصفات دون العلم بكيفيتها.والسكوت عن تفسير ما لا يعلم ليس عيبا،بل هو الواجب والكلام فيه حرام529.والمؤوّل ينفي عن الله صفة أثبتها لذاته ، ويصفه بما لم يصف به نفسه،كالذي ينفي عنه صفة الاستواء على العرش ويجعل مكانها الاستيلاء ، ألم يكن الله قادرا على استعمال كلمة الاستيلاء حتى جاء هذا المؤول واستعملها ؟! .
ويرى الموفق إن الذي أوصل النفاه إلى التأويل هو اعتقادهم التشبيه،حتى جعلوا الله مقيسا على عباده و مشابها لهم في صفاته و أسمائه فلجؤوا إلى نفي صفاته الواردة في الكتاب و السنة.530 ثم قال إن في إثبات الصفات فوائد كثيرة ، منها موافقة الشرع،و السلامة،و إتباع منهج السلف من الصحابة و التابعين ومن جاء بعدهم531. و أضيف إليها التخلص من التناقض و الحيرة ، و التعبّد بها لقوله تعالى: ((ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ))-سورة الأعراف/180- فيقول العبد-مثلا- :يا حكيم يا رحمان ارض عنا وارحمنا و ارزقنا.

و ثانيها هو قول ابن قيم الجوزية و مفاده إن المؤوّلين لم يستفيدوا من تأويلهم إلا التناقض و تعطيل حقائق النصوص الشرعية ، فإذا أوّلوا المحبة و الرضا و الرحمة بالإرادة ، قيل لهم ما معنى الإرادة ؟ أليست هي لدى الخالق و المخلوق ؟ فيلزمهم نفيها كما نفوا غيرها من الصفات.و إذا أوّلوا اليد بالقدرة،قيل لهم :كيف هي ؟ لأن العبد يتصف بها هو أيضا ، وإذا أوّلوا الوجه بالذات،قيل لهم :ما معناها ؟ لأنها تطلق على الأزلي و الحادث،فيلزمهم نفيها كما نفوا الوجه وقل كذلك في باقي الصفات532 .
و القولان الثالث و الرابع هما للباحثين محمد الشنقيطي و سليمان بن ناصر ، و مفادهما إن نفاة الصفات يعتقدون التشبيه لأنهم لا يفهمون من صفات الخالق إلا ما يفهمونه من صفات المخلوق ؛ فدفعهم ذلك إلى تأويلها ، مما أوقعهم في التعطيل و رد النصوص ، و وصف الله بالناقصات و الجمادات ، فهم مشبهة أولا،و معطلة ثانيا533 .

و الخامس هو قول الشيخ محمد أبي زهرة ذهب فيه إلى عكس ما قاله هؤلاء مؤكدا إنه لا فائدة من التفسير الظاهري 534 لآيات الصفات لأنه لا يؤدي إلى معرفة حقيقية ، و يوصل إلى متاهات واثبات ما ليس بمعروف كالوجه و الاستواء و اليد535.
و كلامه هذا لا نوافقه عليه ، لأنه لا التأويل ولا الإثبات يؤدي إلى المعرفة الحقيقية بكنه الصفات الإلهية ، فهي كالذات يستحيل على العقل إدراكها . لذلك فهي عند المثبتين لها إنما هي إثبات وجود ، لا معرفة كيفية و كنه .و المؤوّلون لها عطلوها أولا،و اخترعوا لها صفات من عندهم ثانيا،ولم يعرفوا حقيقتها فعندما أوّلوا اليد بالقدرة،لم يعرفوا كنهها و لم يحلوا الإشكال ، فهل هي كقدرة البشر ؟ وهل هي مرتبطة بالجسم كالإنسان ، فإن قيل لا ، قيل كذلك صفة اليد ليست كيد الإنسان ، وإنما هي يد لله تليق به لأنه (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ))-سورة الشورة/11-ونحن عندما نقول:يد الإنسان ، ويد المحفظة ؛ و وجه الإنسان و وجه الثوب،و وجه الحائط ، نعلم إن ذلك مجرد اشتراك في الاسم بين الماديات ، وإن الفرق بينها كبير جدا ، فما بالك بالنسبة للذات الإلهية ، و لله المثل الأعلى ؟!
و فرّق أبو زهرة بين إثبات صفتي القدرة و العلم دون تأويل لهما لأنهما صفتان معنويتان، وبين تأويل صفة اليد التي ترمز لجارحة536. وهذا خطأ ظاهر،فكيف سمح لنفسه أن يتصور إن إثبات اليد لله يعني إنها جارحة يجب تأويلها ؟ و على أي أساس فرق بين هذين النوعين من الصفات ؟ إنه قاس الخالق بالمخلوق في صفات دون أخرى، فهو قد شبه قبل أن يؤوّل . و أليس الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته و صفاته و أفعاله ؟! ولماذا أثبت صفتي السمع و البصر لله ولم يؤوّلهما ، وهما جارحتان عند الإنسان ؟ و أليس صفات العلم و الحياة، و القدرة و الإرادة ، التي أثبتها لله هي في الإنسان مرتبطة بجسمه و قلبه و عقله و أعضائه ؟ فلماذا لم يؤوّلها دفعا للتشبيه كما أوّل اليد ؟ و أليس لكل من الله و الإنسان وجود وذات ؟! فلماذا لم يؤول ذات الله و وجوده لكي لا يشبه الإنسان ، لأننا لا نعرف ذاتا ولا وجودا في الواقع إلا وهما من مادة و في حيز مكاني ؟ ! فمن الذي دخل في ضياع و متاهات ، المثبت للصفات الملتزم بالنصوص أم المؤوّل لها ؟ !
و السادس هو قول للشيخ عبد الحليم محمود اتخذ فيه موقفا سليما من مسألة الصفات ، و جديرا بالتدبر و التنويه ، مفاده إن البحث في الذات الإلهية و صفاتها-الموهمة للتشبيه- نفيا و تأويلا ، إنما هو (( تهجم من الإنسان إلى مقام لا يرقى إليه وهم متوهم ، و لا خيال متخيل ، و إنه لحق إن كل ما خطر على بالك فالله بخلاف ذلك )) ،و المؤوّلون للصفات تجاوزوا حدودهم كبشر ،و تطاولوا إلى مقام الألوهية ،و (( غرّهم عقلهم و خدعهم شيطانهم ، فحاولوا بعقولهم أن يفتروا على الله ما لم ينزل به سلطانا )) فأدى ذلك إلى إثارة مشكلة الصفات التي أوصلت إلى (( الجدل و الخصومة ،و التفرق بين المسلمين،و جعلتهم فرقا تتخاصم ، و يرمي بعضها بعضا بالانحراف و الضلال )) . و لحل هذه المشكلة يجب الرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح ، من إثبات للصفات بلا تشبيه و لا تعطيل ، و وصف لله بما وُصف به في الكتاب و السنة ، و بهذا يمكننا نزع مبحث الصفات من علم الكلام ،و إبعاده من محيط الفكر الإسلامي537 .
و الخطوة الرابعة-من الحلول المقترحة- الرجوع إلى مذهب الصحابة و السلف الصالح في العقائد ،-قبل ظهور الأزمة العقيدية- فهم من القرون الثلاثة المفضّلة ، و أكثر من غيرهم صوابا و استقامة و صلاحا ، و لهم عند أهل السنة و الجماعة مكانة مرموقة عليا ، فحري بأهل السنة أن يرجعوا إلى مذهب هؤلاء و منهجهم في أصول الدين و فروعه ، قال تعالى (( فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ،و إن تولوا فإنما هم في شقاق ))-سورة البقرة/137- ، فهو سبحانه و تعالى لم يقل : (( بمثل ما آمنت به أنت يا رسولي يا محمد))،و إنما قال (( بمثل ما آمنتم به )) ، فيشمل رسول الله-عليه الصلاة و السلام- و صحابته الكرام .و قال تعالى أيضأ (( و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى،و يتبع غير سبيل المؤمنين ، نوله ما تولى ،و نصليه جهنم و ساءت مصيرا))-سورة النساء/115- ،و المؤمنون الذين تقصدهم الآية هم الصحابة –رضي الله عنهم- بلا شك . و قال عليه الصلاة و السلام: (( خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ))538 .
و الخطوة الخامسة هي تبني منهج علمي صحيح يقوم على تقديم الشرع على العقل مطلقا ، مع الاعتماد أيضا على العقل البديهي الصريح ،و العلم الموضوعي الصحيح ، لفهم النصوص الشرعية فهما صحيحا يتفق مع منهج السلف الصالح ،و لا يُخالف ما أجمعوا عليه ، مع إبعاد كل الأحاديث الضعيفة و الموضوعة في مجال العقائد و الشرائع ، في إطار من الفهم الشامل المتوازن للمنقول و المعقول معا .
و الخطوة السادسة هي إتباع طريقة إيجابية في التعامل مع تاريخ الأزمة العقيدية و ما ترتب عنها ، فنستفيد منها إيجابيا ، و نتخلّص من سلبياتها ، فمن ذلك استخلاص العبر مما حدث من منازعات و مصادمات ، و الاستفادة من تراث الأزمة الفكري ، فنأخذ النافع و نترك الضار ، مع الابتعاد عن التكفير و التضليل ،و عدم التسرّع في ذلك ، مع الالتزام بالضوابط الصحيحة و القواعد المتينة ، و الاعتذار للجميع ،و الاستغفار لهم ،و الترحم عليهم دون الأخذ بأخطائهم ، على أن لا يمنعنا ذلك من التحقيق العلمي للقضايا العقدية المطروحة ، و إظهار صحيحها من سقيمها ، فمن أصاب فله أجران و من أخطأ فله أجر واحد .
و قد يعز على كثير من الناس القول بتصويب مذهب السلف على مذهب الخلف ، و يقولون : كيف نخطئ الخلف في موقفهم من مسألة الصفات و ما يتعلق بها ، و فيهم أعيان كبار ، كالعز بن عبد السلام ، و النووي ،و ابن حجر العسقلاني ، و ابن خلدون ، ؟ ! ،و نحن نقول : أولا إن المسألة ليست مسألة رجال ،و إنما هي مسألة دليل ، فالحق لا يُعرف بالرجال ، و إنما يُعرف بالدليل الذي يحمله .
و ثانيا إننا إذا نظرنا إلى أعيان العلماء عددا و عظمة ، فهم في مذهب السلف أكثر مما هم في مذهب الخلف ، فكل علماء أهل السنة قبل ظهور الأشعرية-في القرن 4ه- كانوا على مذهب السلف و أهل الحديث ، كالأئمة الأربعة ،و سفيان الثوري،و سفيان بن عيينة ،و الليث بن سعد ، و إسحاق بن راهويه ، ،و القاسم بن سلام ، و البخاري، و مسلم ، و الدارمي ، و غيرهم كثير . و إذا نظرنا إليهم بعد ظهور الأشعرية ، وجدنا طائفة كبيرة من أعيان أهل السنة كانوا على مذهب أهل الحديث ، و لم يكونوا أشاعرة ، كأبي حامد الإسفراييني ،و أبي نصر بن السجزي، و ابن أبي زيد القيرواني،و ابن عبد البر و أبي القاسم الزنجاني، و أبي عثمان الصابوني، و الجويني الأب ، و ابنه أبي المعالي ،و القاضي أبي يعلى الفراء، و عبد الله الأنصاري الهروي، و أبي الخير العمراني اليمني، و أبي الحسن الكرجي، و أبي الوفاء بن عقيل ، و الموفق بن قدامة ، و الحافظ عبد الغني المقدسي ،و أبي عمر بن الصلاح ، و ابن تيمية ، و الحافظ الذهبي، و ابن قيم الجوزية ، و ابن كثير539 ، و غيرهم كثير .
و الخطوة الأخيرة-أي السادسة- هي التوقف نهائيا عن البحث في موضوع الصفات على طريقة المتكلمين ، و سحبه كلية من مباحث علم الكلام ،و الاعتماد الكلي في ذلك على ما جاء في الشرع وحده ، مع فتح باب الصفات من جهة التعبّد بها ، فنحن في أمس الحاجة إلى التعرّف على الله تعالى عن طريق أسمائه الحسنى و صفاته العليا ،و هو القائل : (( و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها ))-سورة فالتعبد بها غذاء للقلوب و العقول ،و اطمئنان و طهارة للنفوس ؛ ثم بعد ذلك نوفر أوقاتنا ،و نسخر قدراتنا و طاقاتنا لبناء أمتنا و اكتشاف سنن الكون الذي سخره الله تعالى لنا .
و ختاما لهذا الفصل يتبين إن الأزمة العقيدية التي عصفت بأهل السنة –خلال القرنين:5-6ه- كانت لها أثار سلبية كثيرة ، مست مختلف جوانب الحياة ، و قسّمت أهل السنة إلى طائفتين متنازعتين متصارعتين ، منذ القرن الخامس الهجري إلى يومنا هذا .و تبيّن أيضا إن أسباب الأزمة و العوامل المساعدة لها ، كانت كثيرة ، أهمها سببان رئيسيان ، أولهما نفي الكلابية و الأشعرية قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، و ثانيهما تأويلهما للصفات الخبرية ، و قد تبيّن إنهما بنيا نظرتهما لهاتين القضيتين على أساس مشكلة وهمية ، لا وجود لها في النقل و لا في العقل .
و اتضح من الحلول المطروحة إن ما قاله بعض الباحثين من إن الأشعرية كانت حلا لأزمة كان مذهب السلف يُعاني منها ، هو قول غير صحيح ، و إن الصحيح هو إن الأشعرية كانت مشكلة و لم تكن حلا ، فتسببت في تفجير أزمة عقيدية عصفت بالسنيين قرونا طويلة ،و ما تزال قائمة إلي يومنا هذا ، لم تجد طريقها إلى الحل الصحيح ،و قد اقترحنا لذلك جملة من الخطوات لعلها تساعد على حلها إن أخذنا بها ،و الله الموفق لما يحبه و يرضاه .















.........................................................
الخاتمة

ختاما لكتابنا هذا أُبرز أهم النتائج التي توصلّتُ إليها في بحثي هذا ، منها أولا إن الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين-خلال القرنين:5-6ه- تعود بداياتها إلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري ، عندما خالف المتكلم عبد الله بن كلاب مذهب السلف في مسألة قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، فنفى قيامها به تعالى ،و زعم إن القرآن ليس كلامه حقيقة ، و إنما هو حكاية عنه ، ثم لما جاء الأشعري و أصحابه في القرن الرابع الهجري تبنوا مقالته تلك ، و نصروها بحماس ، فوجدوا معارضة شديدة من أهل السنة ، لكنهم –أي الأشاعرة- تمكنوا في القرن الخامس الهجري من جذب طائفة كبيرة من أهل السنة إلى مذهبهم ، فانقسم بذلك السنيون إلى طائفتين متنازعتين ، هما : أهل الحديث ، و الأشاعرة .
و ثانيا إنه تبين إن الخلاف الذي ولّد الأزمة العقيدية ، لم يبق في مجاله النظري ، و إنما تحوّل إلى واقع عملي مؤثر شمل مختلف جوانب الحياة ، و غلب عليه التعصب و العنف المذهبيين ، مما جرّ الأشاعرة و الحنابلة إلى فتن و مصادمات دامية قٌُتل فيها خلق كثير ، وقد ذكرنا منها نماذج كثيرة ، هذا فضلا عن المهاترات و الشتائم ،و التكفير و التضليل، و التشهير و الاتهامات .
و ثالثا تبيّن إنها-أي الأزمة- أحدثت في التكوين الداخلي للطوائف السنية اضطرابا فكريا ، و قلقا نفسيا و انقساما مذهبيا، و ضعفا داخليا ، من جراء شدة وقع الأزمة عليها ، فكانت الطائفة الواحدة تضم بداخلها عدة اتجاهات فكرية مختلفة و متصارعة ، لكن حالها هذا تغير في القرن السابع الهجري و ما بعده ، و استقر-عموما- حال الطوائف السنية على تبني أحد المذهبين ، هما مذهب السلف و مثّله الحنابلة و أهل الحديث ، و مذهب الخلف و مثّله الأشاعرة و الماتريدية .

و رابعا تبيّن إن تأثيرها على المستويين العلمي و السياسي كان كبيرا و حاسما ، فعلى المستوى العلمي فإنها أحدثت حركة علمية نشطة ، بما أثارته من قضايا فكرية و عقيدية ، تتعلق بمسألة صفات الله تعالى و كلامه ،و قد تناولنا بعضها بشيء من التفصيل . و أما تأثيرها على السياسيين ، فقد كان بارزا و حاسما ، دفعت بعضهم إلى التمذهب و التعصب لطائفة دون أخرى ، فساهموا في تكريس الأزمة و تعميقها و توسيعها ، و دعمها ماديا و معنويا ، و قد ضربنا على ذلك أمثلة كثيرة ، كحال الوزير نظام الملك ، و السلطان صلاح الدين و أولاده .
و أخيرا تبيّن إن الأزمة العقيدية التي عصفت بالسنيين قرونا طويلة ، قامت على مشكلة وهمية ، لا حقيقة لها في النقل الصحيح و لا في العقل الصريح ، لكنها مع ذلك كان لها تأثير على أهل السنة ، و ما تزال أصولها و مظاهرها السلبية قائمة إلى يومنا هذا ، متجلية فيما يُنشر من مطبوعات ،و ما يُعرض في الفضائيات و شبكة الأنترنت ، في وقت نحن فيه في أمس الحاجة إلى إيجاد حل صحيح لتلك الأزمة ، يجتثها من أساسها ، و قد اقترحت لذلك طائفة من الخطوات العملية كحلول مقترحة ، رأيتُ –و الله أعلم- إنها كفيلة بحلها نهائيا-بإذنه تعالى- لو أخذنا بها ، و صلى الله على محمد و آله و صحبه أجمعين ، و لله الحمد أولا و آخرا .

د/ خالد كبير علال
شوال/1425ه-نوفمبر-2004م





..............................................................

أهم المصادر و المراجع :
1-القرآن الكريم
2- ابن تيمية: دقائق التفسير ، حققه محمد الجليند ، دمشق ، 1404ه .
3- = = : درء التعارض بين العقل و النقل ، حققه رشاد سالم ، الرياض، دار الكنوز
4- = =: النبوات ، القاهرة ، المطبعة السلفية ، 1386ه .
5- = = :منهاج السنة النبوية ، حققه رشاد سالم ، ط1 ، مؤسسة قرطبة ، 1406ه .
6- =- =: دقائق التفسير ، حققه محمد الجليند، دمشق ، 1404 .
7- = = : مجموع الفتاوى ، حققه ابن القاسم ، ط1 ، الرياض، 1381 ه
8- = = :: الاستقامة ، حققه رشاد سالم، ط1 ، المدينة المنورة ، 1403ه .
9- = = : نقض المنطق ، حققه محمد حامد الفقي، القاهرة ، مكتبة السنة المحمدية ، د ت .
10- = = : منهاج السنة النبوية ، حققه محمد رشاد سالم بيروت مكتبة دار العروبة د ت
11- = = : بيان تلبيس الجهمية ، ط1 ، مكة ، مطبعة الحكومة ، 1392
12- = =: العقيدة الاصفهانية ،ط1، الرياض، مكتبة الرشد ، 1415ه
13- = =: موافقة صحيح المنقول، حققه محمد محي الدين ، ط2 ، القاهرة، مطبعة السنة المحمدية ، 1950 .
14-ابن أبي العز الحنفي : شرح العقيدة الطحاوية . حققه نخبة من العلماء، ط9 ، بيروت ، المكتب الإسلامي .
15-ابن الأثير: الكامل في التاريخ ، بيروت ، دار صادر، 1965
16-ابن كثير : البداية و النهاية ، بيروت ، مكتبة المعارف ، د ت
17 - ابن البناء : يوميات ابن البنا ، ، نشرها جورج مقدسي، في مجلة مدرسة الدراسات الشرقية و الافريقية ، بجامعة لندن ، ج18، 1956، ج19 ، 1957
18- ابن النجار: ذيل تاريخ بغداد ،بروت ، دار الكتاب العربي، د ت
19-ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة ،حققه سامي الدها، و لاوست ، دمشٌ المعهد الفرنسي ، 1951 .
20-ابن القيم: مختصر الصواعق المرسلة ، حققه جامع رضوان ، بيروت ، دار الفكر ، 1997.
21- = = :مدارج السالكين ، ط2 ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 1973 .
22- = = : المنار المنيف ،ط2 ، الرياض، دار العاصمة،
23- = = : اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الجهمية و المعطلة ، مصر ، مطبعة الإمام ، دت
24- ابن قدامة المقدسي: تحريم النظر في كتب علم الكلام نشره جورج مقدسي ، لندن، مطبعة لوزاك .
25- = = :البرهان في بيان القرآن ،مجلة البحوث الإسلامية ،الرياض ،العدد 19 ، 1407ه .
26- = = :البرهان في بيان القرآن ، مجلة البحوث الإسلامية الرياض، العدد 19 ، 1407ه .
27- = = : مناظرة في القرآن ، ط1 ، الكويت ، مكتبة ابن تيمية ، 1990
28- ابن خلكان : وفيات الأعيان بيروت ، دار الثقافة ، 1968
29- ابن الأهدل: كشف الغطاء ، تونس ، الاتحاد العام التونسي للشغل ، د ت ،
30- ابن جرادة : بغية الطلب في تاريخ حلب، ط1، بيروت ، دار الفكر،1988
31- ابن حجر : فتح الباري ، بيروت ، دار المعرفة ، 1379ه . ،
32- = = : لسان الميزان ، ط3 ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي، 1986
33-ابن الجوزي: المنتظم ، ط1 ، دار صادر، 1358ه
34- = = : دفع شبه التشبيه ، حققه حسن السقاف ، ط3 ، الأردن ، دار الإمام الثوري ، 1992
35- = = : صيد الخاطر ، حققه محمد الغزالي ، الجزائر، مكتبة رحاب
36- = = : تلبيس إبليس ، حققه نخبة من العلماء، د م ن ، دار النور الإسلامية .
37-ابن منظور: لسان العرب ، ط1 ، بيروت ، دار صادر ، د ت . ج
38-أبن أبي العز الحنفي: شرح العقيدة الطحاوي، حققه نخبة من العلماء، ط9 ، بيروت، المكتب الإسلامي ، ص: 180 .
39-ابن خلدون: المقدمة ، ط1 بيروت ، المكتبة العلمية ، 1993
40-ابن هشام : مختصر سيرة ابن هشام، الجزائر مكتبة النهضة الجزائرية ، د ت .
41-ابن فرحون: الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، بيروت، دار الكتب العلمية ، دت .
42- ابن عساكر: الأربعين البلدانية ، بيروت ، دار الفكر المعاصر ، ذ413ه
43 – ابن عساكر: تبيين كذب المفتري ، حققه زاهد الكوثري، ط3 بيروت ، دار الكتاب العربي، 1984
44- الذهبي : العبر في خبر من خبر ، ط2، الكويت ، مطبعة حكومة الكويت، 1948ه .
45-الذهبي: العلو للعلي الغفار، ط1 ، الرياض، مكتبة أضواء السلف ، 1995 .
46-الذهبي :سير أعلام النبلاء ، ط 9 ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1413
47- أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة ، حققه محمد حامد الفقي، مصر ،
48-أبو بكر الخلال : السنة ،الرياض ، دار الراية ، 1410ه .
49-أبو الفداء : المختصر في أخبار البشر ، بيروت ، دار الكتاب اللبناني، د ت
50-البيهقي : الاعتقاد و الهداية ، ط1 ، بيروت ، دار الأفاق الجديدة ، 1401 .
51- الشهرستاني: الملل و النحل ، حققه علي مهنا، بيروت ، دار المعرفة ، 1998
51- أبو المظفر الاسفراييني : التبصير في الدين ، ط1 ، بيروت ، دار عالم
52-أبو يعلى الفراء: المعتمد في أصول الدين ، بيروت ، دار المشرق، 1973
53-عبد القادر الجيلاني: الغنية لطالبي طريق الحق، ط1 ، بيروت ، دار صادرن 1996
54- الأدفوي كمال الدين: الطالع السعيد ، الدار المصرية للتأليف ، 1966 .
55-السيوطي: بُغية الوعاة ، ط1 ، القاهرة ، البابي الحلبي، 1965 ، ج 2 ص: 276 .
56-السيوطي: تاريخ الخلفاء، ط1 ، مصر ، مطبعة السعادة
57-الصفدي: الوافي بالوفيات، نشررته جمعية المستشرقين الألمانية ، دار فرانز شتاير .
58-السبكي تاج الدين: طبقات الشافعية الكبرى، حققه محمود الطناجي، ط2 ، الجيزة ، دار الهجرة ، 1992ه .
59-السبكي معيد النعم و مبيد النقم، ط1 ، القاهرة ، جماعة الأزهر للنشر، 1948 .
60 – السفاريني : لوامع الأنوار البهية ، حققه رشيد رضا ، القاهرة ، مطبعة المنار ، 1332ه .
61- الجويني الأب : رسالة في إثبات الاستواء و الفوقية، ، حققه أحمد بن علوان ، الرياض، دار الوطن ، 1998
62-الغزالي: إحياء علوم الدين، بيروت ، دار الكتاب العربي، د ت
63- البخاري: الصحيح ، حققه ديب البغا، ط3 ، بيروت ، دار ابن كثير ، 1987
64-العواصم من القواصم ، الجزائر ، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع ، 1981 .
65-مسلم : الصحيح ،حققه فؤاد عبد الباقي، بيروت ، دار احياء التراث العربي، د ت .
66- محمد الرازي: مختار الصحاح ، بيروت مكتبة لبنان ، 1995
67- المناوي : الكواكب الدرية ، ط1 ، بيروتت ، دار صادر، 1999 ، ج 3 ص : 36 .
68- المقري: نفح الطيب ، بيروت ، دار صادر ، 1968 . 9 .
69- المقريزي : كتاب السلوك ،لمعرفة دول الملوك ، ط1 ، بيروت ، دار صادر، 1999
70-المقريزي : الخطط و الاعتبار ، القاهرة ، مكتبة الثقافة الدينية ، د ت
71 - الحاكم : المستدرك على الصحيحين ،ط1، بيروت دار الكتب العلمي، 1990 .
72-الهيثمي: مجمع الزوائد ،القاهرة، دار الريان للتراث، 1407ه
73-الداودي : طبقات المفسرين ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، دت
74-عبد القادر القرشي : الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية ، كراتشي، مير محمد كتب خانة، د ت
75-اليافعي المكي: مرآة الجنان ، بيروت، منشورات الأعلمي، 1970
76-إبراهيم التهامي: جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة، ط1، الجزائر، دار الرسالة، 2002
77-الألباني ناصر الدين : صحيح الأدب المفرد ، ط1 ، د م ن ، دار الصديّق ، 1421 ه
78-أحمد أمين : ظهرالإسلام ، ط3 ، مصر ، مكتبة النهضة العربية ، 1962
79-أحمد أمين : ظهر الإسلام ط 3 مصر مكتبة النهضة المصرية ، 1964
80- أبو زهرة: ابن تيمية ، القاهرة ، دار الفكر، د ت .
81-أسعد طلس : التربية و التعليم في الإسلام، ط1 ، بيروت ، دار العلم للملايين، 1957 .
82-أمينة البيطار: تاريخ العصر العباسي، دمشق ، مؤسسة الوحدة ، 1981 .
83- بركات محمد سعيد: أبو الحسن الأشعري و منهجه الوسطي، مجلة المسلم المعاصر، السنة 11 ، العدد 44 ، 1405ه .
84-حسن خان القنوجي: قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر . ، ط2 ، الجزائر ، دار الإمام مالك ، 1414 ه .
85-عبد اللطيف محمد كرد علي: خطط الشام ، دمشق ، مطبعة الترقي، 1926
86- حمزة: الحركة الفكرية في مصر ، ط 8 ، دار الفكر العربي، 1968، د م
87 - زهدي جار الله : المعتزلة ، بيروت، الدار الأهلية، 1974، ص: 254
88- جلال محمد موسى : نشأة الأشعرية و تطورها ، ط 1 بيروت دار الكتاب اللبناني ، 1975
89- الشكعة مصطفى : إسلام بلا مذاهب ،القاهرة ، دار القلم ، 1961
90 - علي أبو ريان :تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام،دار الجامعات المصرية ، 1974.
91- عمر سليمان الأشقر : المدخل إلى دراسة المدارس و المذاهب الفقهية ، ط2، الأردن، دار النفائس، 1998 .
92- محمد صالح العثيمين : القواعد المثلى في أسماء الله الحينى ، الجزائر ، الدار السلفية ، 1990
93- محمود الطحان : تيسير مصطلح الحديث ، الجزائر دار رحاب ، د ت .
94- محمود صبحي: الأشاعرة ، ط5 ، بيروت ، دار النهضة العربية ، 1985
95- محمد الأمين الشنقيطي: منهج و دراسات لآيات الصفات ، الجزائر ، مؤسسة اتحاد المغرب العربي، د ت
95- محمد الأمين الشنقيطي : مذكرة أصول الفقه على روضة الناضر، الجزائر ، الدار السلفية ، د ت
96- ناصر العقل : مجمل أصول أهل السنة في العقيدة ، ط1 ، الجزائر ، دار ابن تيمية ، د ت .
97- ناصر العلوان : اتحاف أهل الفضل و الانصاف ، الرياض، دار الصميعي، . 1990 .
98- ناصر بن عبد الكريم العقل : مباحث في عقيدة أهل السنة، ط1 الرياض ، دار الوطن ، 1412ه
99- الناصري أحمد بن خالد: الاستقصاء ، ط1 ، الدار البيضاء،دار الكتاب ، 1997 .



........................................................................


فهرس المحتويات

- المقدمة :
- التمهيد : جذور الأزمة العقيدية للمذهب السني (خلال القرنين:3-4ه)
أولا : تعريف عام بأهل السنة و مذهبهم
ثانيا :بدايات الأزمة العقيدية للمذهب السني
- الفصل الأول: مظاهر الأزمة على المستوى الاجتماعي (ق:5-6ه)
أولا: الاحتجاجات و الفتن و الاقتتال
ثانيا:استخدام الوعظ لنشر المذهب و الرد على الخصوم
ثالثا :تبادل الذم و الاتهامات و التشنيعات
رابعا :تبادل التكفير و التضليل و اللعن

-الفصل الثاني: مظاهر الأزمة على المستوى الداخلي للطوائف السنية(ق:5-6ه)
أولا : مظاهر تأثير الأزمة العقيدية على الطائفة الحنفية
ثانيا : مظاهر تأثير الأزمة العقيدية على الطائفة المالكية
ثالثا : مظاهر تأثير الأزمة العقيدية على الطائفة الشافعية
رابعا :مظاهر تأثير الأزمة العقيدية على الطائفة الحنبلية
خامسا :مظاهر تأثير الأزمة على الانسجام الفكري لمذهبي السلف والخلف
- الفصل الثالث :مظاهر الأزمة على المستويين العلمي و السياسي (ق: 5-6ه)
أولا : مظاهر تأثيرها على القضايا الفكرية العقائدية
ثانيا : مظاهر تأثيرها على الإنتاج الفكري
ثالثا :انتشار المدارس الطائفية المذهبية
رابعا : تعرّض بعض العلماء لمحن و أزمات
خامسا: مظاهر تأثيرها على السياسيين

- الفصل الرابع :آثار الأزمة العقيدية ،و أسبابها ،و الحلول المقترحة لها
أولا : آثارها
ثانيا : أسبابها
ثالثا : الحلول المقترحة لها
- الخاتمة :
- أهم المصادر و المراجع :
- فهرس المحتويات :














................................................................

مصنفات للمؤلف :
-صفحات من تاريخ أهل السنة و الجماعة ببغداد .
-الداروينية في ميزان الإسلام و العلم .
- قضية التحكيم في موقعة صفين – دراسة وفق منهج علم الجرح و التعديل –
- الثورة على سيدنا عثمان بن عفان – دراسة وفق منهج علم الجرح و التعديل-
-مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه .
- الصحابة المعتزلون للفتنة الكبرى – دراسة وفق منهج أهل الجرح و التعديل –
1 الذهبي : سير أعلام النبلاء ، ط 9 ، بيروت ، مؤسسة الرسالة ، 1413 ه، ج11، ص: 236 .
2 لكن انظر مثلا : أبو العز الحنفي : شرح العقيدة الطحاوية . حققه نخبة من العلماء، ط9 ، بيروت ، المكتب الإسلامي ، و حسن خان القنوجي: قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر . ، ط2 ، الجزائر ، دار الإمام مالك ، 1414 ه .
3 الذهبي : المصدر السابق ، ج11، ص : 376 .
4 أبو بكر الخلال : السنة ،الرياض ، دار الراية ، 1410ه ، ج1 ص: 259 .و البيهقي : الاعتقاد و الهداية ، ط1 ، بيروت ، دار الأفاق الجديدة ، 1401 ، ص: 117 . و الذهبي : السيّر، ج11 ص: 376 .
5 الذهبي : نفس المصدر ، ج 7 ص: 312 .
6 نفس المصدر ، ج10 ص: 80 .و أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة ، حققه محمد حامد الفقي، مصر ، 1962 . ج 1 ص: 284 .
7 أبو الفضل التميمي : عقيدة الإمام احمد، ص: 127 .
8 الذهبي : المصدر السابق ، ج 4 ص: 279-280 .
9 نفس المصدر ، ج15 ، ص: 86 .
10 أي نفي العلم بالكيفية .
11 نفس المصدر ، ج10 ص: 284 .
12 الذهبي : السيّر ، ج 11 ص: 174، 175 .و ابن تيمية: دقائق التفسير ، حققه محمد الجليند ، دمشق ، 1404ه ، ج 2 ص: 187 .و درء التعارض بين العقل و النقل ، حققه رشاد سالم ، الرياض، دار الكنوز، 1399 ، ج 2 ص: 18 .و مجموع الفتاوى ، حققه ابن القاسم ، ط1 ، الرياض، 1381 ه ، ج 12 ص: 178، 366 .
13 الذهبي : نفس المصدر ، ج 11ص: 174، 517 .و ابن تيمية : دقائق التفسير ، ج 2 ص: 187.و مجموع الفتاوى ، ج 12ص: 178، 557 .و ابن حجر : فتح الباري ، بيروت ، دار المعرفة ، 1379ه ، ج 13 ص: 493 .
14 انظر: الذهبي : المصدر السابق، ج 14ص: 378، 379 .و تذكرة الحفاظ، ج 2 ص: 724، و ما بعدها . و تاج الدين السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، حققه محمود الطناجي، ط2 ، الجيزة ، دار الهجرة ، 1992ه ، ج2 ص: 117 . و ابن خلدون : المقدمة ، ص: 376 .
15 الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 2 ص: 727 .و ابن تيمية: النبوات ، القاهرة ، المطبعة السلفية ، 1386ه ، ج 1 ص: 46 . و أبو الفضل التميمي: عقيدة الامام احمد ، ص: 107 . و ابن حجر : لسان الميزان ، ط3 ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي، 1986 ، ج 3 ص: 290 .
16 الذهبي : السيّر، ج 14 ص: 378، 379 .و تذكرة الحفاظ ، ج 2ص: 727 .و ابن تيمية: درء التعارض ، ج2ص: 82 .و الاستقامة، ج 1 ص: 107، 108 .
17 الذهبي : السيّر ، ج 15 ص: 89 .و ابن تيمية: مجموع الفتتاوى، ج 3 ص: 228 .و ناصر بن عبد الكريم العقل : مباحث في عقيدة أهل السنة، ط1 الرياض ، دار الوطن ، 1412ه، ص: 43 .
18 ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 3 ص: 155، ج 6 ص: 53 .
19 نفسه ، ج 3 ص: 155 ، ج6 ص: 53 .
20 الذهبي: السيّر، ج 16 ص: 416، ج17 ص: 191، 651 ، ج 18 ص: 117 .و السبكي: المصدر السابق ، ج3 ص: 368-369 .
21 ابن الجوزي: المنتظم ، ط1 ، دار صادر، 1358ه ،ج 6 ص: 332-333 .
22 ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 16 .
23 انظر : ابن الجوزي: المنتظم ، ج 6 ص: 332 .و ابن الوردي: تتمة المختصر في أخبار البشر، ج1 ص: 410 .و الذهبي : السيّر ، ج 15ص: 86 . ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 3 ص: 228 .و نقض المنطق ، ص: 12 .و منهاج السنة النبوية ، حققه رشاد سالم ، ط1 ، مؤسسة قرطبة ، 1406ه، ج 2 ص: 165 .
24 ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، ص: 68 . و ابن الوردي: المصدر السابق ، ج ج3 ص: 113 .
25 ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية ، ط1 ، مكة ، مطبعة الحكومة ، 1392 ، ج 2 ص: 333 .
26 ابن تيمية : العقيدة الاصفهانية ،ط1، الرياض، مكتبة الرشد ، 1415ه ، ص: 58 .
27 ابن تيمية : درء التعارض ، ج 2 ص: 96 . و نفسه ، ص: 58 .
28 ابن تيمية: دقائق التفسير ، ج 2 ص: 187 . و درء تعارض العقل و النقل ، ج2 ص: 18 .
29 ابن تيمية: درء التعارض، ج 2 ص: 16-17 .و أبو الحسين بن أبي يعلى : طبفات الحنابلة ، ج 2 ص: 128 و ما بعدها .
30 سنتطرّق لها قريبا إن شاء الله .
31 ابن تيمية: العقيدة الأصفهانية ، ص: 58 .. و مجموع الفتاوى، ج 12 ص: 558 .و درء التعارض ، ج 2 ص: 96 .
32 ابن الجوزي: المنتظم ، ج 6 ص: 332 .
33 ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، ج 4 ص: 16 . ابن القيم الجوزية : اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الجهمية و المعطلة ، ص: 137 . و ابن تيمية : موافقة صحيح المنقول، حققه محمد محي الدين ، ط2 ، القاهرة، مطبعة السنة المحمدية ، 1950 ج 2 ص: 10 .
34 ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، ج 6 ص: 53 . و درء التعارض ، ج 2 ص: 16، 17 .
35 ابن القيم الجوزية : اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الجهمية و المعطلة ، مصر ، مطبعة الإمام ، دت ، ص: 137 . و ابن تيمية : موافقة صحيح ج 2 ص: 10.
36 ابن تيمية: مجموع الفتاوى ج 3 ص: 228 .
37 نفس المصدر، ج 4 ص: 16 . و درء التعارض، ج 1ص: 270، ج 2 ص: 100 .
38 الذهبي: السيّر ، ج 17 ص : 558-559 .
39 للتأويل عدة معان ، منها : البيان و التفسير ، لكن للمتكلمين معنى آخر للتأويل فيما يخص مسألة الصفات ، و هو الذي نقصده في بحثنا هذا ، و معناه صرف المعنى الظاهري للفظ ، إلى معنى آخر مرجوح ، و سنفصل هذا الأمر في الفصل الثاني ، إن شاء الله تعالى .
40 ابن الأثير: الكامل في التاريخ ، بيروت ، دار صادر، 1965ج 8 ص: 16، 104 ، 228 .و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 6 ص: 54 .
41 سنتكلم عنه في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى .
42 أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 197، 198 .
43 نفسه ، ج 2 ص: 198 .
44 الترجيع في الآذان هو أن يردد المؤذن الشهادتين مرتين بصوت منخفض ، وأما القنوت فهو عند الحنابلة والحنفية فهو غير مشروع إلا في النوازل ، و يكون في كل أوقات الصلاة ، غير مخصوص بصلاة الفجر، و هو عند الشافعية – و المالكية- سنة في صلاة الصبح . السيد سابق : فقه السنة ،ط7 ، بيروت ، دار الكتاب العربي، د ت، ج 1ص: 198 .
45 ابن الجوزي: المنتظم ، ج 8 ص: 163 .و ابن الأثير : الكامل ، ج 8 ص: 73 . و ابن كثير : البداية و النهاية ، بيروت ، مكتبة المعارف ، د ت ، ج 12 ص: 66 .و أبو الفداء : المختصر في أخبار البشر ، بيروت ، دار الكتاب اللبناني، د ت ، ج4 ص: 77 .
46 ابن الجوزي: نفس المصدر، ج 8 ص: 163.و ابن كثير: نفس المصدر، ج 12 ص: 66 .
47 ابن البناء : يوميات ابن البنا ، ، نشرها جورج مقدسي، في مجلة مدرسة الدراسات الشرقية و الافريقية ، بجامعة لندن مج19 ص:: 15 .
48 نسبة للخليفة العباسي القادر بالله ،و سيأتي التعريف به لاحقا ، في المبحث الثاني من الفصل الثالث .
49 ابن الجوزي: المنتظم ، ج 8 ص: 30 ، و ما بعدها .و السيوطي: تاريخ الخلفاء، ط1 ، مصر ، مطبعة السعادة ، 1952 ، ص: 224 . و ابن أبي يعلى : طبقاتت الحنابلة ، ج 2 ص: 239 . و ابن رجب البغدادي : الذيل على طبقات الحنابلة ، ج 1 ص: 25 . و السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ، ج 7 ص: 162 .
50 ابن أبي يعلى : نفسه ، ج 2 ص: 239 .و ابن رجب: نفسه ، ج 1 ص: 25 . و ابن كثير : البداية ، ج 12 ص: 115 . و الأثير : الكامل ، ج 10 ص: 1104 . و السبكي : المصدر السابق ، ج 4 ص: 234 .
51 سنتوسع في ذلك في مبحث خاص من الفصل الثالث إن شاء الله تعالى .
52 ابن أبي يعلى : المصدر السابق ، ج 2 ص: 239 .و ابن عساكر : تبيين كذب المفتري، ص: 310 ، و ما بعدها . و ابن الجوزي: المنتظم ، ج 8 ص: 312 .
53 ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة ، ج 2 ص: 239 .
54 انظر: تبيين كذب المفتري، ص: 163.و مجموع الفتاوى ،جمعه ابن القاسم، ط1 الرياض، 1381 ، ج3 ص: 229 , و ج5 ص: 340 ، و ج 6 ص: 52-53 .
55 راجع التمهيد .
56 ابن أبي يعلى: المصدر السابق ، ج2 ص: 239 .
57 ابن الجوزي: المنتظم ، ج 8 ص: 312-313 زو ابن كثير : البداية و النهاية ، ج 12 ص: 117 .
58 ابن الجوزي : المنتظم ، ج 9 ص: 3-4 . و ابن النجار: ذيل تاريخ بغداد ،بروت ، دار الكتاب العربي، د ت ، ج 2 ص: 185 .
59 الذهبي : العبر في خبر من خبر ، ط2، الكويت ، مطبعة حكومة الكويت ، 1948ه ، ج 4 ص: 105 . و السبكي: المصدر السابق ، ج 6 ص: 172 .
60 سنناقش هذه المسألة في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى .
61 انظر : الذهبي : السيّر ، ج 19 ص: 645-646 . و الناصري احمد بن خالد: الاستقصاءلأخبار دول المغرب الأقصى ط1 ، الدار البيضاء، دار الكتاب، 1997 ، ج 1 ص: 96، 196 .
62 ابن القيم : المنار المنيف ،ط2 ، الرياض، دار العاصمة، 1998 ، ص: 153 .
63 عن هذا المصطلح أنظر مبحث الاتهامات و التشنيعات من هذا الفصل .
64 الذهبي: السيّر ، ج 20، ص: 454 ، و ج 21 ص: 205 .
65 ابن تغري بلدي: النجوم الزاهرة، ج 6 ص: 116 .
66 سيأتي ذكر نماذج كثيرة من هؤلاء الوعاظ في هذا الفصل بحول الله تعالى .
67 ابن حجر: لسان الميزان ، ج 1 ص: 304 .
68 ابن الجوزي: المنتظم ، ج 9 ص: 131 .
69 نفسه ، ج 9 ص: 131 .
70 ابن عساكر: تاريخ دمشق، ج 41 ص: 339 .و اليافعي المكي: مرآة الجنان ، بيروت، منشورات الأعلمي، 1970 ، ج 3 ص: 388 .
71 الذهبي: السيّر ، ج 19 ص: 612 . و ابن الجوزي: المنتظم ، ج 10 ص: 22 .
72 الذهبي : نفس المصدر، ج 20 ص: 45 .
73 نفس المصدر ، ج 20ص: 140 .و ابن الجوزي ، المصدر السابق ، ج 10 ص: 110 .
74 ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة ،حققه سامي الدها، و لاوست ، دمشٌ المعهد الفرنسي ، 1951 ج1 ص: 211.و ابن الجوزي: المنتظم ، ج 10 ص: 108، 110 .و الذهبي : السيّر، ج 20 ص: 140 .و العبر ، ج 4 ص:105.و السبكي: طبقات ، ج6 ص: 172 .
75 ابن الجوزي: نفسه ، ج10 ص: 110 .و الذهبي: نفسه، ج 20 ص: 140 .و نفسه ، ج 4 ص:105.و السبكي: نفسه ، ج 6 ص: 172 .
76 انظر : ابن كثير: طبقات فقهاء الشافعية ، ج 2 ص: 671 . و ابن الجوزي: نفس المصدر، ج 10 ص: 239 . و سبط ابن الجوزي: مرآة الزمان ، ج 8 ص: 292 . و الصفدي: الوافي بالوفيات، نشررته جمعية المستشرقين الألمانية ، دار فرانز شتاير ج 1 ص: 280 .
77 الذهبي: السيّر ، ج 21 ص: 395 .
78 نفسه ، ج 21 ص: 395 .و الصفدي : المصدر السابق ، ج5 ص: 5 ص: 9 .و المقريزي : كتاب السلوك ،لمعرفة دول الملوك ، ط1 ، بيروت ، دار صادر، 1999 ، ج 1 ق: 1 ص: 88 .
79 انظر مثلا : ابن كثير: البداية و النهاية ، ج 12 ص: 191، ج13 ص: 9 .و ابن الجوزي: المنتظم ، ج 10 ص: 219 .
80 انظر: ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 208 . و فتوى و جوابها ص: 33 . و الذهبي: تذكرة الحفاظ ، ج 3 صث: 1167، 1188، 1189 .
81 ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، ص: 311 و ما بعدها .
82 انظر : ابن الجوزي: المنتظم ، ج 9 ص: 58 .
83 الناصري :: الإستقصاء، ج 1ص: 196، 197 .
84 العواصم من القواصم ، الجزائر ، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع ، 1981، ج 2ص: 283 .
85 هو مصطلح يثقصد به الحشو في الكلام ،و قله الفهم و المعرفة ، أطلقه المعتزلة على كل من خالفهم ، ثم أطلقه الأشاعرة أيضا على من خالفهم . ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 23-24 .و بيان تلبيس الجهمية ، ج 1 ص: 242 ، 245 .
86 ابن عساكر: تبيين ، ص: 310 .
87 الذهبي: السيّر ، ج 20 ص: 454 .
88 الكامل في التاريخ ، ج 8 ص: 378 .
89 العواصم من القواصم ، ج 2 ص: 283 .
90 انظر: ابن الأثير : الكامل، ج 8 ص: 378 . و ابن عساكر: تاريخ دمشق، ج 52 ص: 356 .و الصفدي: الوافي ، ج 3 ص: 864 .
91 طبقات الحنابلة ، ج 2 ص: 208 .
92 نفس المصدر، ج2 ص: 212 .
93 الذهبي: ط1 ، الرياض، مكتبة أضواء السلف ، 1995 ، للعلي الغفار ، ص : 251 .
94 ابن تيمية: درء التعارض ، ج 5 ص: 237 ، 238 .
95 أنظر مثلا ، ما كتبه عنه ابنه في طبقات الحنابلة ، ج 2 ص: 208 .
96 ابن عساكر: تبين كذب ، ص: 315 و ما بعدها .
97 نظر طبقات الحنابلة ، ج 1 ص: 315 ، و ما بعدها .
98 أبو بكر بن أبي داود : قصيدة ابن أبي داود ، ص: 59 .
99 ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة ، ج 1 ص: 46 .
100 العواصم من القواصم ، ج2 ص: 282، 288، 303 .
101 ابن عساكر: تبيين ، ص: 310 و ما بعدها .
102 المنتظم ، ج 9 ص: 4 .
103 العواصم ، ج2 ص: 283 .
104 الشهرستاني: الملل و النحل ، حققه علي مهنا، بيروت ، دار المعرفة ، 1998، ج 1 ص: 1057 . و أبو المظفر الاسفراييني : التبصير في الدين ، ط1 ، بيروت ، دار عالم الكتب ، 1983، ص: 120 .
105 ابن أبي يعلى الفراء: طبقات الحنابلة ، ج 2 ص: 239 .
106 ابن عقيل : الرد على الأشاعرة ، ص: 91 .
107 الموفق المقدسي: نشره جورج مقدسي ، النظر في كتب أهل الكلام ، لندن، مطبعة لوزاك ، ص: 58 .و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 186 .
108 السجزي: رسالة السجزي ، ص: 45 .
109 ابن كثير : البداية ، ج 12 ص: 160 .
110 السبكي: طبقات الشافعية ، ج 7 ص: 15 .
111 ابن رجب: الذيل ، ج 1 ص: 58 . و ابن حجر : لسان الميزان ، ج3 ص: 316 .
112 السجزي: المصدر السابق، ج 57 . و ابن تيمة: درء التعارض ، ج 2 ص: 91 .
113 السجزي: نفس المصدر، ص : 60 .
114 نفسه ، ص: 60 .
115 ابن عقيل : الرد على الأشاعرة ، ص: 91 .
116 الموفق بن قدامة: مناظرة في القرآن ، ط1 ، الكويت ، مكتبة ابن تيمية ، 1990، ص: 58 .
117 السجزي: رسالة السجزي، ص: 51 .
118 نفسه ، ص: 51 .
119 راجع التمهيد .
120 ابن قدامة : مناظرة في القرآن ، ص: 58 .
121 السجزي: رسالة السجزي، ص : 51، 57 .
122 ابن عقيل : الرد على الأشاعرة ، ص: 91 .
123 ابن أبي يعلى : طبقات الحنابلة ، ج 2 ص: 239 .
124 ابن عقيل : المصدر السابق ، ص: 86 .
125 ابن حزم : الفصل في الملل و الأهواء و النحل، القاهرة ، مكتبة الخانجي ، د ت ، ج 1ص: 34، 75 .
126 ابن قدامة المقدسي: مناظرة في القرآن ، ص: 35 .و ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة ، ج2 ص: 239 .و ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية ،ص : 106 .
127 ابن تيمية : مجموع الفتاوى، ج 6 ص: 359 ، ج 14 ، 349 .
128 ابن أبي يعلى: المصدر السابق، ج 2ص: 26 .
129 اللالكائي: شرح اعتقاد أهل السنة ، ج2 ص: 330 .
130 السجزي: رسالة السجزي ، ص: 15 .
131 ابن حزم ، الفصل ، ج 3 ص: 4 ، 5 ، ج4 ص: 159 .
132 السجزي: المصدر السابق، ص: 50 .
133 ابن الجوزي: المنتظم ، ج 7 ص: 114 .
134 نفس المصدر، ج 8 ص: 312،313 . و ابن كثير: البداية ، ج 12 ص: 117 .
135 ابن النجار: ذيل تاريخ بغداد ، ج 2 ص:185 .
136 الذهبي: السيّر ، ج19 ص: 646 .و السلاوي : الاستقصاء، ج 1 ص: 16، 196 . و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 11 ص: 478 .
137 الذهبي: نفس المصدر، ج 21 ص: 446 .
138 انظر: ابن رجب: الذيل ، ج 1 ص: 27، 87 . و ابن كثير: البداية، ج 12 ص: 160 .
139 ابن تغري بلدي: النجوم الزاهرة ، ج 6 ص: 116 .
140 رسالة السجزي ، ص: 57 .
141 الفصل في الملل ، ج 4 ص: 160 .
142 ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، ص: 311 .
143 ابن عقيل : الرد على الأشاعرة،
144 الذهبي: السيّر ، ج 21 ص: 464 .
145 ابن تيمية: درء التعارض ، ج 2 ص: 101 .
146 ابن حزم : الفصل ، ج 4 ص: 160 .
147 الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 3 ص: 1188 . و السبكي: طبقات ، ج 4 ص: 273 .
148 الذهبي: السيّر، ج 20 ص: 140 .
149 ابن الجوزي: المنتظم، ج 10 ص: 110 . و ابن رجب: الذيل، ج1 ص: 211 .
150 ابن الجوزي: نفس المصدر، ج 10 ص: 192 .
151 انظر : الذهبي : السيّر ، ج 21 ص: 43 . و تذكرة الحفاظ، ج 4 ص: 1326 . و ابن العربي: العواصم ، ج 2 ص: 287 . و ابن رجب: الذيل ، ج 1 ص: 72 . و السيوطي: بُغية الوعاة ، ط1 ، القاهرة ، البابي الحلبي، 1965 ، ج 2 ص: 276 .
152 عبد القادر القرشي : الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية ، كراتشي، مير محمد كتب خانة، د ت، ج 1 ص: 315، 357 . و السيوطي: بغية الوعاة ، ج2 ص: 276 .و الذهبي: السير، ج 8 ص: 125 .و ابن خلكان : وفيات الأعيان بيروت ، دار الثقافة ، 1968ج 5 ص: 6 .
153 معروف عن المعتزلة أنهم ينفون صفات الله تعالى و يقولون بخلق القرآن .
154 لسنا نحن هنا قي صدد مناقشة المعتزلة في موقفهم من الصفات ، لكن لا شك من مذهبهم هذا باطل من أساسه ، يرفضه النقل و العقل معا
155 السبكي: طبقات ، ج 3 ص: 378 .
156 الذهبي: ميزان الاعتدال، ج 6 ص: 314 . و السير،ج 7 ص: 486 . و ابن تيمية : مجموع الفتاوى، ج 3 ص: 185، 187 .
157 انظر: الذهبي: السير، ج 11 ص: 524 .و أبو الفدا : المختصر في أحبار البشر، ج 3 ص: 96-97 . و ابن العربي: العواصم من القواصم ، ج 2ص: 287 .
158 الذهبي: السيّر، ج 11 ص: 524 .
159 السبكي: المصدر السابق ، ج 3 ص: 378 .
160 طبقات الحنفية، ج 1 ص: 461 .
161 انظر: أبو العز الحنفي : شرح العقيدة الطحاوية ، فقد اشتملت على المتن و الشرح معا .
162 ابن العربي: المصدر السابق، ج 2 ص: 287 .
163 الذهبي: السير، ج 20 ص: 316، ج 22 ص: 38-39 .و ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج3 ص: 1332 .و طبقات الحنفية ، ج1 ص: 338 .
164 سبق أن نقلنا عنها أخبارا كثيرة ، و سنتكلم عنها في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى .
165 انظر مثلا طبعة المكتب الإسلامي ، فهي من أحسن الطبعات .
166 المنتظم ، ج 8 ص: 287 .
167 الذهبي: السيّر ، ج 16 ص: 416 . و ابن العربي: العواصم ، ج 2 ص: 287 . و ابن تيمية: درء التعارض، ج 2 ص: 102 .
168 طبقات الشافعية الكبرى، ج 3 ص: 378 .
169 انظر : طبقات الحنفي’ ، ج 1 ص: 461 .
170 انظر : السلاوي: الاستقصاء، ج1 ص: 196.و الذهبي: العبر، ج 4:ص: 60 .و ابن العربي: العواصم، ج2 ص: 290 .و الديباج المذهب، ج1ص: 201 . و ابن تيمية: درء التعارض، ج 6 ص: 250 .و الفتاوى الكبرى، ج 5 ص: 248 . و مجموع الفتاوى ، ج 5 ص: 54 ،و ما بعدها .
171 إبراهيم التهامي: جهود علماء المغرب في الدفاع عن عقيدة أهل السنة، ط1، الجزائر، دار الرسالة، 2002، ص: 320 و ما بعدها.
172 إبراهيم التهامي: جهود علماء المغرب ، ص: 303 . و المقري: نفح الطيب ، بيروت ، دار صادر ، 1968 ،ج 3 ص: 344 .
173 السلاوي : الاستقصاء، ج1 ص: 74، 75 .و ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، ج 5 ص: 248 . و الذهبي: العبر، ج 4 ص: 60 .
174 ابن خلدون : المقدمة، ص: 230 . و السبكي: طبقات الشافعية، ج 3 ص: 378 . و السلاوي: الاستقصاء، ج 1ص: 83، 196، 197 .
175 ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج4 ص: 177.
176 انظر: الذهبي: السيّر، ج 21، ص: 314 . و الناصري: الاستقصاء، ج 1 ص: 125 .
177 ابن كثير: البداية، ج 10 ص: 254 . و ابن القيم: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة و الجهمية ، ص: 71 .
178 ابن تيمية: العقيدة الأصفهانية، ص: 58 و ما بعدها .
179 ابن الجوزي: المنتطم ، ج 6 ص: 333 . و السبكي: طبقات الشافعية ، ج 3 ص: 376 .
180 هؤلاء معروفون بأنهم من كبار الأشاعرة و قد سبق ذكر الكثير منهم ،و سيأتي ذكر الآخرين لاحقا ، بحول الله تعالى .
181 الذهبي: تذكرة الحفاظ ، ج 3 ص: 949، 1019 .
182 راجع التمهيد .
183 انظر مثلا: ص: 330 و ما بعدها .
184ابن جرادة : بغية الطلب في تاريخ حلب، ط1، بيروت ، دار الفكر، 1988 ، ج 4 ص: 1688 و ما بعدها .
185 الذهبي : تذكرة الحفاظ، ج 3 ص: 1142 .
186 الذهبي: السير، ج18ص: 385 و ما بعدها .و ابن تيمية: العقيدة الأصفهانية ، ج1 ص: 204 .
187 ابن كثير: طبقات فقهاء الشافعية، ج 2 ص: 311، 331 .
188 نفس المصدر، ج2 ص: 619-620 . و ابن الجوزي : المنتظم ، ج 10 ص: 126 .
189 الذهبي : العلو للعلي الغفار ، ص : 266 .
190 ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ، ج 6 ص: 309-310 .و ابن القيم : اجتماع الجيوش الإسلامية ، ص: 112 .
191 انظر المبحث الثالث من الفصل الأول .
192 انظر : الذهبي : السير، ج17 ص: 244 ، ج 22 ص: 28 .و ميزان الاعتدال ، ج8 ص: 160 .
193 ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، ج 3 ص: 183، 185 .
194 طبقات الشافعية الكبرى، ج 3 ص: 37 .
195 سنفرد لاختلاف مفهوم التنزيه و التشبيه مبحثا في الفصل الثالث بحول الله تعالى .
196 انظر التمهيد .
197 سنناقش ذلك في الفصل الثالث .
198 ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 177 .
199 المنتظم ، ج 6 ص: 332-333 .
200 ابن تيمية : درء التعارض، ج 5 ص: 19 .
201 الأشاعرة يقولون بعدم تحسين العقل و تقبيحه للأشياء ، و الأمر كله يرجع للشرع . أنظر : السجزي : رسالة السجزي، ص: 29 . و الحوالي : منهج الأشاعرة في العقيدة ، ط1 ، الجزائر، الدار السلفية ، 1990 ، ص: 62 .
202 أبو يعلى الفراء: المعتمد في أصول الدين ، بيروت ، دار المشرق، 1973 ، ص : 22 .
203 ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 8 ص: 37 .
204 ابن تيمية: درء التعارض ، ج 5 ص : 19 ،ج 8 ص: 61 . و نقض المنطق ، ص: 133 .
205 ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج3 ص: 228 .
206 ابنة تيمية: درء التعارض، ج 4 ص: 101 ، ج 5 ص: 19 .و مجموع الفتاوى ، ج 8 ص: 37 .
207 ابن رجب : الذيل على طبقات الحنابلة ، ج 1 ص: 342 .
208 ابن الجوزي: صيد الخاطر ، حققه محمد الغزالي ، الجزائر، مكتبة رحاب ، ص : ذ62 .
209 ابن الأهدل: كشف الغطاء ، تونس ، الاتحاد العام التونسي للشغل ، د ت ، ص : 83 .و محمود صبحي: الأشاعرة ، ط5 ، بيروت ، دار النهضة العربية ، 1985 ، ص: 33 .
210 انظر: ابن الجوزي: تلبيس إبليس ، حققه نخبة من العلماء، د م ن ، دار النور الإسلامية ، ص: 101، 102 . و ناصر العلوان ، اتحاف أهل الأثر و الانصاف بنقض كتاب ابن الجوزي في دفع شبهة التشبيه ، ص: 15 .
211 ابن رجب : الذيل ، ج 2 ص: 106 .
212 ابن الجوزي: المنتظم ، ج 6 ص: 332 .
213 الذهبي: السيّر، ج 21 ص: 376 .و ابن رجب : الذيل ، ج 1 ص: 403 .
214 ابن الجوزي: صيد الخاطر، ص: 182 .و تلبيس إبليس ، ص: 29 .
215 ابن عساكر: تبيين كذب المفتري ، ص: 311-312 .
216 انظر : ابن الجوزي: تلبيس إبليس ، ص: 240، 371، 415 ، و ما بعدها .
217 انظر مثلا: ابن رجب: الذيل ، ج 1 ص: 59، 67 . و عبد القادر الجيلاني: الغنية لطالبي طريق الحق، ط1 ، بيروت ، دار صادرن 1996 ، ص: 71 ، و ما بعدها .
218 ابن عساكر: تبيين ، ص: 390 .
219 ابن الجوزي: المنتظم ، ج9 ص : 191 . و العليمي: المنهج الأحمد ، ج 2ص: 200 و ما بعدها .
220 ابن الأهدل : المصدر السابق ص : 83 .
221 اليافعهي : المصدر السابق ج 3 ص : 362 ، 363 .
222 نفسه ج 3 ص : 362 .
223 عبد القادر الجيلاني : الغنية لطالبي طريق الحق ج 1 ص : 71 ، 72 ، 74 ، 78 .
224 منهم عبد الرحمن ابن الجوزي الذي كان خصما للجيلاني .
225 الأدفوي كمال الدين: الطالع السعيد ، الدار المصرية للتأليف ، 1966 ، ص : 432 ، 575 .و ابن العماد الحنبلي : المصدر السابق ج 5 ص : 324 ، 325 ، ج 6 ص : 5 .
226 المناوي : الكواكب الدرية ، ط1 ، بيروتت ، دار صادر، 1999 ، ج 3 ص : 36 .
227 السبكي: طبقات الشافعية، ج 3 ص: 365-366 . و معيد النعم و مبيد النقم، ط1 ، القاهرة ، جماعة الأزهر للنشر، 1948 ، ص: 75 .
228 انظر: ابن رجب: الذيل، ج 1 ص: 173 . و ابن الجوزي: المنتظم ، ج 8 ص: 254 . و الموفق بن قدامة : تحريم النظر ، ص: 1 و ما بعدها . و
229 ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 165 . و نقض المنطق، ص: 133 .
230 ابن الجوزي: المنتظم ، ج 10 ص: 276 . و الذهبي: تاريخ الإسلام ،/521-540ه- ص: 392 . و ابن رجب: الذيل ، ج 1 ص: 167 ، و ج2 ص: 71 و ما بعدها .
231 ابن الجوزي: دفعع شبه التشبيه ، حققه حسن السقاف ، ط3 ، الأردن ، دار الإمام الثوري ، 1992 ، صك 17 و ما بعدها .
232 سنتطرق لكتاب ابن الجوزي هذا ، في مبحث الانتاج العلمي من الفصل الثالث .
233 انظر مثلا : ابن تيمية : بيانتلبيس الجهمية ، ج1 ص: 56، 416 .
234 ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، ج 1 ص: 410 . و مجموع الفتاوى ، ج 3 ص: 185 .
235 عمر سليمان الأشقر : المدخل إلى دراسة المدارس و المذاهب الفقهية ، ط2، الأردن، دار النفائس، 1998 ، ص: 27، 28 . و ابن تيمية: درء التاعرض، ج5 ص: 19 . و العقيد الأصفهانية، ج1 ص: 107 .
236 ابن كثير: البداية، ج 12 ص: 92 . و ابن حزم : الفصل ، ج 2 ص: 116-117 .و ابن تيمية : درء تعارض العقل و النقل ، ج 5 ص: 12 . و العقيدة الأصفهانية ، ج1 ص: 106 .
237 من القرامطة ، و هم الذين يأخذون بالتفسير بالباطني للنصوص الشرعية .
238 ابن تيمية : العقيدة الأصفهانية ، ج 1 ص: 106-107 .
239 ابن تيمية : نفسه ، ج ذ ص: 107-108 . و درء تعارض العقل و النقل ، ج 5 ص: 250 .
240 ابن تيمية : منهاج السنة ، ج 2 ص: 584 .
241 ابن عساكر: تاريخ دمشق ، ج 53 ص: 60 .
242 الذهبي: السير، ج 19 ص: 417 . و السبكي: طيقات الشافعية ، ج5 ص: 191-192 .
243 الذهبي: نفس المصدر، ج 15 ص: 86 .
244 ابن تيمية : درء التعارض، ج 2 ص: 16-17 .و مجموع الفتاوى، ج 12ص: 203 .
245 ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 12 ص: 203 .
246أنظر: الجويني الأب : رسالة في إثبات الاستواء و الفوقية، ، حققه احمد بن علوان ، الرياض، دار الوطن ، 1998 ، ص: 4 و ما بعدها . و السبكي: طبقات ، ج5 ص: 191 . و ابن تيمية : درء التعارض، ج 2 ص: 249 . و ابن كثير : البداية، ج 13 ص: 55 .
247 الذهي: السيّر، ج 17 ص: 459 .و العلو للعلي الغفار ، ص: 243 . و ابن كثير: البداية ، ج 12 ص: 45 .
248 ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 12 ص: 209 . و الذهبي: السيّر، ج 17 ص: 462 .و تذكرة الحفاظ، ج3 ص: 1034 .
249 سنناقش مسألة خبر الآحاد في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى .
250 أبو العلاء العطار: فتيا و جوابها ، ص: 27 و ما بعدها .
251 ابن مفلح : المقصد الأرشد ، ج 3 ص: 57 .
252 ابن تيمية: نقض المنطق، ص: 119-120 .
253 ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 4 ص: 23-24 .
254 ابن تيمية . التفسير الكبير، ج 6 ص: 416 .
255 انظر مثلا: ابن تيمية: درء التعارض ، ج 2 ص: 10 .
256 اللالكائي: شرح اعتتقاد أهل السنة ، ج2 ص: 330 .
257 السجزي: رسالة السجزي ، ص: 13 .
258 ابن البناء : يوميات ابن البناء ، نشرة الرداسات الشرقية ، ج 21، 1957، ص: 15 .
259 ابن عقيل : الرد على الأشاعرة العزال ، ص: 91 .
260 ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 210، 239 .و كتاب الاعتقاد ، ص: 16 .
261 ابن الجوزي: صيد الخاطر ، ص: 181 . و المنتظم ، ج 6 ص: 332 .
262 ابن تيمية: موافقة صحيح المنقول ، ج 2 ص: 9 .
263 السبكي: طبقات ، ج 3 ص: 374، 400 .
264 نفس المصدر، ج 3 ص: 376 . و ابن عساكر : تبيين كذب المفتري ، ص: 313 .
265 الغزالي: إحياء علوم الدين، بيروت ، دار الكتاب العربي، د ت ، ج 1 ص: 154، 157 .و المقصد الأرشد ، ص : 170 .
266 العواصم من القواصم ، ج 2 ص : 282 و ما بعدها .
267 السبكي : طبقات الشافعية ، ج 3 ص: 356، 366 ، 391،و ج4 ص: 312 ، ج6ص: 144، ج8 ص: 237 .
268 ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، طبعة الكوثري ، تعليق المحقق هامش ص : 319 .
269 الشكعة : إسلام بلا مذاهب ،القاهرة ، دار القلم ، 1961 ، ص: 269 .
270 راجع التمهيد .
271 محمود صبحي: الأشاعرة ، ص: 17 .
272 علي أبو ريان :تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام،دار الجامعات المصرية ، 1974 ، ص: 223 .
273 سفر الحوالي: منهج الأشاعرة في العقيدة ، ص: 16 .
274 ناصر العقل : مجمل أصول أهل السنة في العقيدة ، ط1 ، الجزائر ، دار ابن تيمية ، د ت ، ص: 6 .
275 احمد أمين : ظهرالإسلام ، ط3 ، مصر ، مكتبة النهضة العربية ، 1962 ، ج4 ص: 65 ، 94 .
276 المقريزي : الخطط و الاعتبار ، القاهرة ، مكتبة الثقافة الدينية ، د ت ، ج 2 ص: 358-359 .
277 لأن الدعاوى ما أسهلها ،و لا يعجز عنها أحد .
278 انظر التمهيد .
279 سبق ذكر ذلك مرارا ، و انظر أيضا : السجزي : رسالة السجزي ، ص: 43 .
280 سبق توثيق ذلك مرارا .
281 انظر : الخطط ، ج2 ص: 358-359 .
282 انظر: ابن القيم: مختصر الصواعق المرسلة ، حققه جامع رضوان ، بيروت ، دار الفكر ، 1997، ص: 40-41 . ومدارج السالكين ، ط2 ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 1973 ، ج 2 ص: 87 . ابن أبي العز الحنفي : سرح العقيدة الطحاوية ، ص : 212، 213 . و محمد الأمين الشنقيطي: منهج و دراسات لآيات الصفات ، الجزائر ، مؤسسة اتحاد المغرب العربي، د ت، ص : 16 . و محمد صالح العثيمين : القواعد المثلى في أسماء الله الحينى ، الجزائر ، الدار السلفية ، 1990 ، ص: 37، 38 ، 40 .
283 انظر: ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 208، 209 . و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 4 ص: 181 و ما بعدها . و ابن كثير : البداية ، ج 3 ص: 142 ، ج 8ص: 402 .
284 الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج 3 ص: 939 .
285 بغية الطلب ، ج 4 ص: 1689 .
286 الذهبي : العلو للعلي الغفار ، ص : 251 .
287 ابن العماد الحنبلي : شذرات ، ج 5 ص: 304 .
288 ابن أبي يعلى: طبقات ، ج 2 ص: 148 .و الاعتقاد ، ص: 16 .
289 ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، ج 4 ص: 185 .
290 انظر : ابن تيمية : مجموع الفتاوى، ج 12 ص: 203. و درء التعارض، ج2 ص: 18 . و بيان تلبيس الجهمية ، ج1 ص: 272 .و ابن العربي: العواصم ، ج 2ص: 296-297 . و الذهبي: السير ، ج 15 ص: 86 . و ابن خلدون : المقدمة ، ص: 376 .
291 يوميات ابن البناء ، ج19 ص: 290 .
292 العواصم من القواصم ، ج 2ص: 303 .
293 انظر : ابن تيمية : مجموع الفتاوى، ج4 ص: 18، 180 . ج 6 ص: 121 و ما بعدها .و أبو سعيد الدارمي: نقض الإمام الدارمي على المريسي ، ج2 ص: 771 و ما بعدها .و ابن بطة : الإبانة ، ج3 ص: 111 . و ابن أبي يعلى: الاعتقاد ، ص: 14 . و طبقات الحنابلة ، ج1 ص: 284 . و ابن القيم : اجتماع الجيوش ، ص: 120 . و الذهبي : السير، ج 4 ص: 279 .و الجويني الأب : النصيحة ، ص: 23 ، 26 .
294 البخاري: الصحيح ، حققه ديب البغا، ط3 ، بيروت ، دار ابن كثير ، 1987، ج 3 ص: 1040، ج 6 ص: 2705 . و مسلم : الصحيح ،حققه فؤاد عبد الباقي، بيروت ، دار احياء التراث العربي، دد ت ، ج 1 ص: 166، 177 .
295 العواصم من القواصم ، ج 2 ص: 293 .
296 الجويني الأب : النصيحة ، ص: 10، 11 .و ابن تيمية: درء التعارض، ج 2 ص: 18 . و السبكي: طبقات ، ج5 ص: 191 .
297 ابن خلدون : المقدمة ، ص: 194 ، 230، 367، 376 .
298 طبقات السبكي، ج 5 ص: 192 .
299 ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه ، حققه حسن السقاف ، الأردن ، دار الإمام النووي، 1992 ، مقدمة المحقق ، ص: 8 و ما بعدها .
300 نفسه ، ص: 8 .
301 ابن تيمية : درء التعارض، ج 2 ص: 108، 109 .و مجموع الفتاوى، ج 6 ص: 394 . و دقائق التفسير ، حققه محمد الجليند، دمشق ، 1404 ج 2 ص: 482 .و الموفق بن قدامة : ذم التأويل ، ص: 222 ،و ما بعدها . و الذهبي: السير ، ج 8 ص: 402 .
302 ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه، مقدمة المحقق ، ص: 8-9 .
303 سبق ذكر منهج السلف و أهل الحديث في الصفات ، عدة مرات ، راجع التمهيد مثلا .
304 لسان العرب ، ط1 ، بيروت ، دار صادر ، د ت ، ج 15 ص: 322 .و محمد الرازي: مختار الصحاح ، بيروت مكتبة لبنان ، 1995 ، ص: 274 .
305 رواه مسلم و غيره ، صحيح مسلم ، ج 4 ص: 1990 .
306 دفع شبه التشبيه ، ص: 10 .
307 دفع شبه التشبيه ، ص: 11 .
308 نفسه ، ص: 11 .
309 ابن تيمية : بيان تلبيس الجهمية ، ج2 ص: 23 .
310 مختار الصحاح ، ص: 14 .
311 دفع شبه التشبيه ، مقدمة المحقق ، ص: 12 .
312 ابن الجوزي: دفع شبه النشبيه، مقدمة المحقق ، ص: 18 .
313 نفسه ، ص: 18 .
314 ابن القيم : مختصر الصواعق ، ص: 617 .
315 انظر : الخلال : السنة ، ج 1 ص: 259 . ابن تيمية : مجموع الفتاوى، ج 5 ص: 39 .و درء التعارض، ج 2 ص: 108-109 .و الذهبي: السير، ج 8 ص: 402 .
316 دفع شبه التشبيه، م م ص: 12 .
317 ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 16 ص: 405 .
318 نفسه ، ج 16 ص: 405 .
319 نفسه ، ج 16 ص: 406-406 .
320 ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه ، مقدمة المحقق ، ص: 13 .
321 نفسه ، ص: 13-14 .
322 ابن تيمية : الفتاوى الكبرى ، ج 5ص: 175. و البخاري: خلق أفعال العباد ، ص: 33، 34 .
323 الغزالي: إحياء علوم الدين ، ج1 ص: 179 ، و ما بعدها . و ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، ج5 ص: 198 .
324 مجموع الفتاوى ، ج 5 ص: 398 .
325 ابن الجوزي: المصدر السابق ، ص: 14 .
326 ابن حجر:فتح الباري، ج 8 ص: 632 .و ناصر العلوان : إتحاف أهل الأثر ، اتحاف أهل الفضل و الانصاف ، الرياض، دار الصميعي، 1990 ، ص: 82 .
327 ابن الجوزي: المصدر السابق ، ص: 18 .
328 الترمذي: السنن ، ج4 ص: 691 ، رقم الحديث 4557 .
329 ابن الجوزي ، المصجر السابق، م م ، ص: 16 .
330 الطبير: تفسير الطبري، ج 1 ص: 192 . و الذهبي: السيّر، ج 4 ص: 279-280 .
331 ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل ، ج 2 ص: 18 .
332 ابن تيمية : العقيدة الأصفهانية ، ص: 99 . و ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، ص: 312 .
333 ابن تيمية: درء التعارض، ج 5 ص: 19 .
334 نفس المصدر، ج 5 ص: 19 .
335 الصواعق المرسلة ، ج 2 ص: 26 .
336 انظر: ابو المظفر الإسفراييني: التبصير في الدين ، ص: 167 . و ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 12 ص: 557 . و أبن أبي العز الحنفي: شرح العقيدة الطحاوي، حققه نخبة من العلماء، ط9 ، بيروت، المكتب الإسلامي ، ص: 180 . ابن حجر : الفتح ، ج 13 ص: 455 .
337 الباقلاني : الإنصاف ص : 89 ، 106 ، 107 .
338 الغزالي: إحياء علوم الدين ، ج1 ص: 156-157 .
339 الاسفراييني: التبصير في الدين ، ص: 167 .
340 الشهرستاني : الملل و النحل ، ج 1 ص : 109 .
341 الداودي : طبقات المفسرين ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، دت ، ج 1 ص : 227 ، 326 .
342 السبكي : طبقات الشافعية الكبري ج 3 ص : 417 .
343 الجويني الأب : النصيحة ، ص: 27-28 .
344 ابن الجوزي: المنتظم ، ج 10 ، ص: 194، 218 .
345 ابن رجب: الذيل ، ج 1ص: 211 .
346 ابن حزم : الفصل في الملل و الأهواء و النحل ، ج 4 ص: 160 . ابن تيمية : مجموع الفتاوى، ج 8 ص: 425 .
347 ابن تيمية: نفسه ، ج8 ص: 425 .
348 انظر التمهيد .
349 ابن أبي العز الحنفي : شرح العقيدة الطحاوية ، ص: 168 .
350 شرح قصيدة ابن القيم ، حققه زهير الشاويش ، ط3 بيروت ، المكتب الإسلامي ، 1406 ، ج1 ص: 277 .و انظر أيضا التمهيد .
351 اللالكائي: شرح اعتقاد أهل السنة ، ج2 ص: 330 .
352 السجزي: رسالة السجزي، ص: 24 .
353 ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية ، ج 1 ص: 272 .
354 ابن عقيل: الرد على الأشاعرة العزال ، ص : 73، 87، 91، 93 .
355 ابن الجوزي: صيد الخاطر، ص: 181، 183 . و المنتظم ، ج 6 ص: 332 .
356 الموفق بن قدامة: مناظرة في القرآن ، ص: 21-22، 38، 57 .
357 ابن القيم : مختصر الصواعق، ص: 647 .
358 النسائي : السنن ، كتاب السهو ، رقم الحديث ، 1311 .
359 ابن حجر: فتح الباري، ج13 ص: 454 .
360 الباقلاني: الإنصاف ، ص: 71، 89 .
361 نفسه ، ص: 89 .
362 هو متناقض مع نفسه ، مرة ينفي وجود كلام الله –أي القرآن- ،و مرة يُثبت وجوده بين أيدينا !! .
363 الإنصاف ، ص: 92 .
364 الغزالي: إحياء علوم الدين ، ج 1 ص: 156-157 .
365 ابن العربي: العواصم ، ج2 ص: 283، 294 .
366 أبو المظفّر الاسفراييني: التبصير في الدين ، ص: 150 .
367 الصفدي: الوافي بالوفيات ، ج 5 ص: 105 -106 .
368 الجويني الأب : النصيحة ، ص: 28 .
369 السفاريني: لوامع الأنوار البهية ، حققه رشيد رضا ، القاهرة ، مطبعة المنار ، 1332ه ، ص: 89 .
370 شرح قصيدة ابن القيم ، ج1 ص: 277 . و انظر أيضا التمهيد .
371 السجزي: رسالة السجزي، ص: 15، 28 .
372 ابن عقيل : الرد على الأشاعرة العزال ، ص: 87 .
373 ابن أبي يعلي: الاعتقاد ، ص: 13 .
374 ابن قدامه المقدسي :البرهان في بيان القرآن ،مجلة البحوث الإسلامية ،الرياض ،العدد 19 ، 1407ه ، ص: 238 ،270 و ما بعدها .
375 ابن قدامى :مناظرة في القرآن ص:63 .
376 نفس المصدر ص:70 .
377 نفس المصدر ص: 73 .
378 نفس المصدر ص :72 .
379 نفس المصدر السابق 48 ، 50 .
380 ابن قدامة : تحريم النظر ص : 51 .
381 ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، ج 3 ص: 403 ، 404 .
382 ابن العربي: العواصم، ج 2 ص: 294 . و ابن عساكر: تبيين كذب المفتري ، هامش ص: 150 .
383 البخاري : الصحيح ، ج 6 ص: 2719 .
384 انظر: خلق أفعال العباد ، ص: 98 .و الألباني: صحيح الأدب المفرد ، ط1 ، د م ن ، دار الصديّق ، 1421 ه ص: رقم الحديث : 570/970 .
385 الحاكم : المستدرك على الصحيحين ،ط1، بيروت دار الكتب العلمي، 1990، ج 2ص: 475 .و الهيثمي: مجمع الزوائد ،القاهرة، دار الريان للتراث، 1407ه، ج10 ص: 133، 345، 351 . و صديق خان: قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر ، ط2 ، الجزائر، دار الإمام مالك ، 1414 ، ص: 76 . و ابن أبي عاصم : السنة ، حققه الألباني، ج1 ص: 225، 226 .
386 ابن القيم : مختصر الصواعق ، ص: 680، 681 .
387 انظر مثلا: ابن تيمية: درء التعارض، ج 5 ص: 328 . و الغزالي: إحياء علوم الدين ، ج1 ص: 104، 154 .
388 الذهبي : العلو للعلي الغفار ، ص: 266 .
389 الذهبي: السير، ج17 ص: 486 .
390 الذهبي: تذكرة الحفاظ ، ج 3 ص: 1187 .
391 أبو حامد الغزالي : إحياء علوم الدين مج 1 ص : 180 .
392 ابن تيمية : درء تعارض العقل و النقل ج 3 ص : 81 .
393 انظر ص: 7 ، 14 ، 16 ، 43 .
394 ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل ، ج 5 ص: 249 .
395 ابن الجوزي: تلبيس إبليس ، ص: 246 .
396 ابن الجوزي : تلبيس إبليس ص : 246 .
397 هو الذي يرويه عدد قليل من الناس ، واحد فأكثر و لم يجمع شروط المتواتر ،و هو يفيد العلم النظري المتوقف على النظر و الاستدلال .و يقابله الخبر المتواتر ،و هو ما رواه عدد كبير من الناس في كل طبقة من طبقات إسناده التي يحكم العقل-في العادة – باستحالة تواطئهم على الكذب .و من شروطه كذلك أن ينتهي إلى الحس و المشاهدة ، كقولهم : سمعنا و رأينا و لمسنا .و هو –أي المتواتر- يفيد العلم الضروري اليقيني ، يضطر الإنسان إلى التصديق به تصديقا جازما ، لذا فهو مقبول و لا حاجة للبحث عن أحوال رواته . محود الطحان : تيسير مصطلح الحديث ، الجزائر دار رحاب ، د ت ، ص : 18 ، 19 ، 20 .و ابن بدران الدمشقي : نزهة الخاطر ج 1 ص : 210 ، 211 .و الشنقيطي : مذكرة أصول الفقه على روضة الناضر، الجزائر ، الدار السلفية ، د ت ، ص : 100 ، 103 .
398 انظر: ابن العربي: العواصم، ج2 ص: 302 .و الغزالي: إحياء علوم الدين ، ج1 ص: 103 و ما بعدها . و ابن خلدون: المقدمة ، ط1 بيروت ، المكتبة العلمية ، 1993 ،ص: 376 . و السجزي: رسالة السجزي، ص: 50 .
399 العواصم من القواصم ، ج 2 ص: 302 .
400 ابن رجب: الذيل، ج 2ص: 66 .و ابن القيم: مختصر الصواعق، ص: 713، 715 ، 722 . و ابن بدران: نزهة الخاطر، ج2 ص:222 .
401 ابن هشام : مختصر سيرة ابن هشام، الجزائر مكتبة التهضة الجزائرية ، د ت ، ص: 199، 200 . و ابن القيم : مختصر الصواعق ، ص: 739 و ما بعدها . و ابن بدران : نزهة الخاطر، ج2 ص: 222، 229 .
402 جلال محمد موسى : نشأة الأشعرية و تطورها ، ط 1 بيروت دار الكتاب اللبناني ، 1975 ص : 202 .
403 ابن تيمية : منهاج السنة النبوية ، حققه محمد رشاد سالم بيروت مكتبة دار العروبة د ت ج 2 ص : 205 .
404 الزركلي : الأعلام ج 5 ص : 69 .
405 كمسالة الكلام النفسي ،و نفي قيام الصفات الاختيارية بذات الله ،و إنكار الحكمة و السببية و قد تم التطرق لهذه المسائل في الفصل الثالث .
406 احمد أمين : ظهر الإسلام ط 3 مصر مكتبة النهضة المصرية ، 1964 ج 4 ص : 65 .
407 انظر المبحث الأول من الفصل الثالث .
408 ابن فرحون: الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، بيروت، دار الكتب العلمية ، دت ، ، ص:201 . و ابن تيمية: الاستقامة ، حققه رشاد سالم، ط1 ، المدينة المنورة ، 1403ه ج 1 ص: 109 .
409 ابن تيمية: درء التعارض، ج 2 ص: 87 نو ج6 ص: 250 .و ابن أبي يعلى : طبقات الحنابلة، ج 1 ص: 328، ج 2 ص: 205 . و الذهبي: العلو للعلي الغفار، ص: 243 . و ابن القيم : الصواعق المرسلة ، ج 4 ص: 284 .
410 انظر: ابن أبي يعلى: كتاب الاعتقاد، ص: 7 ، 11 . و ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 5 ص: 380 .و الذهبي: العبر، ج 3 ص: 276 .و ابن رجب: الذيل ، ج 1 ص: 212 ، 238 . و الموفق بن قدامة : مناظرة في القرآن ، ص: 44 .و البرهان في بيان القرآن ، مجلة البحوث الإسلامية الرياض، العدد 19 ، 1407ه، ، 238 .
411 السجزي: رسالة السجزي، ص: 6، 7 .
412 مثالب بن أبي بشر ، ص: 4، 5 .
413 الذهبي: السير، ج 15 ص: 89 ،و ج 18 ص: 16 و ما بعدها .
414 ابن تيمية : منهاج السنة النبوية ، ج 2 ص: 634، 636 .
415 انظر : طبقات الحنابلة ، ج 2 ص: 208 و ما بعدها .
416 الذهبي: السيّر، ج 18 ص: 90 .و الصفدي: الوافي بالوفبات ، ج 3 ص: 864 .
417 انظر ص: 88 ، و ما بعدها .
418 دفعع شبه التشبيه ، ص: 97 و ما بعدها .
419 ابن تيمية : نقض المنطق ، حققه محمد حامد الفقي، القاهرة ، مكتبة السنة المحمدية ، د ت ،ص : 135 ، 152 ، 154 .
420 نفسه ص : 152 .
421 هم الأشاعرة في أغلب الظن .
422 نفس المصدر ص : 154 .
423 نفسه ص : 154 .
424 ابن تيمية: العقيدة الأصفهانية ، ص: 58 .و درء التعارض ، ج 1 ص: 284 .و نقض المنطق، ص: 144 . و ابن كثير: طبقات فقهاء الشافعية ، ج2 ص: 311 .
425 ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 6 ص: 54 .
426 السبكي: الطبقات، ج 5 ص: 140 .
427 السجزي: رسالة السجزي ، ص: 59 .
428 ابن العماد الحنبلي: شذرات ، ج 6 ص: 60 و ما بعدها . و الناصرياحمد بن خالد: الاستقصاء ، ط1 ، الردار البيضاء،دار الكتاب ، 1997 ج1 ص: 74، 75 .
429 إبراهيم التهامي: جهود علماء المغرب ، ص: 331 .
430 انظر مثلا : ج 2 ص: 282 و ما بعدها .
431 ابن عساكر: الأربعين البلدانية ، بيروت ، دار الفكر المعاصر ، ذ413ه ، ج4 ص: 349 . و ابن كثير: الطبقات ، ج2 ص: 66 .و ابن العماد الحنبلي: المصدر السابق ، ج7ص: 41.
432 ابن العماد الحنبلي: نفس المصدر، ج 7 ص: 41 . و ابن قاضي شهبة :: طبقات الشافعية ، ج2 ص: 66 .
433 نشره المكتب الإسلامي ببيروت ، باسم العنوان الأول ،و نُشر بالرياض بالعنوان الثاني، بدار الوطن ، 1998 .
434 النصيحة ، ص: 9 و ما بعدها .
435 الذهبي: السيّر ، ج 18 ص: 473، 474 . و ابن تيمية: درء التعارض، ج 2 ص: 18 .و ابن العما الحنبلي: شذرات ، ج 4 ص: 341 .
436 ابن الجوزي: المنتظم ، ج10، ص: 261. و الذهبي: السيّر ، ج 15 ص: 89 .
437 ابن تيمية: الصفدية ، ج2 ص: 162 .
438 البن الجوزي: المصدر السابق، ج 8 ص: 109، 110 .
439 نفسه ، ج8 ص: 110 ,
440 نفسه ، ج8 ص: 110 .
441 نفسه ، ج8 ص: 110، 111 .
442 نفس المصدر ، ج8 ص: 109
443 ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية ، ج 2 ص: 331 . و الصفدية، ج2 ص: 162 . و ابن القيم : الصواعق المرسلة، ج 4ص: 1286 .
444 انظر مثلا : ابن أبي يعلى : طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 198 . و ابن كثير: البداية ، ج 12 ص: 115 .
445 ابن القيم : اجتماع الجيوش الإسلامية ، ص: 99 ، و ما بعدها .
446 انظر: ابن عساكر: تبيين كذب المفتري ، حققه زاهد الكوثري، ط3 بيروت ، دار الكتاب العربي، 1984، ص: 310 و ما بعدها .
447 نفسه ، ص: 310 و ما بعدها .
448 ابن الجوزي : المنتظم ، ج 8 ص : 312 .
449 أبو العلاء العطار: فتيا و جوابها ، ص: 27 ، و ما بعدها .
450 ابن رجب: الذيل ، ج 2 ص: 206 و ما بعدها .
451 انظر مثلا : عبد القادر النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس .
452 ابن الجوزي: المنتظم ، ج 10 ص: 203، 253 .و ابن كثير: البداية ، ج 12 ص: 296، ج 13 ص: 23، 61 . و محمد كرد علي: خطط الشام ، دمشق ، مطبعة الترقي، 1926 ، ج6 ص: 115 .
453 الذهبي: السيّر ، ج 19 ص: 94 و ما بعدها، ج20 ص: 450 . و ابن كثير : المصدر السابق ، ج12 ص: 185 .
454 انظرمثلا: أسعد طلس : التربية و التعليم في الإسلام، ط1 ، بيروت ، دار العلم للملايين، 1957، ص: 32 . و عبد اللطيف حمزة: الحركة الفكرية في مصر ، ط 8 ، دار الفكر العربي، 1968، د م ن ، ص: 82 .
455 اليافعي المكي: مرآة الجنان ، ج 4 ص: 24 .
456 ابن رجب: الذيلأ ج 1ص: 121 .
457 ابن الجوزي: المصدر السابق، ج 8 ص: 305 . و ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة ، ج 2 ص: 239 .و ابن رجب: الذيل ، ج 1ص: 25 .
458 الذهبي: السيّر ، ج 20 ص: 140 .
459 عبد اللطيف حمزة: الحركة الفكرية ، ص: 82 .
460 الجويني الأب : النصيحة ، ص: 18 و ما بعدها .
461 نفس المصدر ، ص: 9-10 .
462 نفس المصدر ، ص: 18 .
463 ابن كثير: البداية ، ج 12 ص: 92 .
464 ابن حزم : الفصل في الملل و النحل، ج 3 ص: 5، ج 4 ص: 157 ، و ما بعدها . و ابن تيمية: العقيدة الأصفهانية ، ج 1 ص: 107 . و منهاج السنة النبوية ، ج 2 ص: 854 .
465 الذهبي: السيّر ، ج18 ص: 473-474 . و ابن تيمية: درء التعارض ، ج2 ص: 18 . وابن حجر: فتح الباري، ج13 ص: 407 .
466 الغزالي: إحياء علوم الدين ، ج 1 ص: 180 . و قواعد العقائد، ص: 58-59 . و الذهبي: السيّر ، ج 19 ص: 344 . و ابن تيمية: درء التعارض، ج 5 ص: 249 .
467 انظر مثلا: ابن الجوزي: المنتظم ، ج 8 ص: 254 . و ابن رجب: الذيل ، ج 1 ص: 173 و ما بعدها .
468 الموفق بن قدامة : تحريم النظر في كتب أهل الكلام ، ص: 3-4 .
469 ابن رجب: الذيل على طبقات الحنابلة ، ج 1 ص: 121-122 .
470 الصفدي: الوافي بالوفيات ، ج 5 ص: 105-106 .
471 ابن الجوزي : المصدر السابق ج 10 ص : 277 .
472 نفسه ج10 ص :277 .
473 ابن مفلح : المصدر السابق ج2 ص :203 .
474 أبو شامة : ذيل الروضتين ، ج2 ص: 47 . و ابن كثير: البداية، ج 13 ص: 21 . و الذهبي: السير، ج 21 ص: 455 ، 459 ، 463، 464 .
475 السيّر ، ج 21 ص: 464 .
476 ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 118 .
477 نفسه ، ج 2 ص: 198 . و ابن كثير: البداية ، ج 12 ص : 96 .
478 الذهبي: السير ، ج 19 ص: 94، 96 . و السبكي: الطبقات ، ج 7 ص: 296، 297 .
479 الذهبي: العبر، ج 4 ص: 60 . و السلاوي: الاستقصاء، ج 1 ص: 74- 75 .
480 الذهبي: السير، ج 22 ص: 534 . و أبو شامة : كتاب الروضتين ، ج1 ص: 37 .
481 ابن خلدون : المقدمة ، ص: 290 . و السلاوي: الاستقصاء، ج1 ص: 83، 196 .
482 أبو شامة: الروضتين ، ج4 ص: 382. و المقريزي: الخطط ، ج2 ص: 343، 358 .
483 ابن أبي يعلى: الطبقات ، ج 2 ص: 197، 239 . و ابن مفلح : الفروع ، ج2 ص: 14 .
484 العليمي: المنهج الأحمد ، ج 2 ص: 289 .
485 ابن الجوزي: المنتظم، ج 9 ص: 93 . و الذهبي: السيّر ، ج 19 ص: 94 . السبكي: الطبقات، ج3ص: 393 . و ابن مفلح : الفروع، ج 2 ص: 14 .
486 ابن الأثير: الكامل في التاريخ ، ج 9 ص: 10 . و ابن تغري بلدي: النجوم الزاهرة، ج 7 ص : 133، 134 .و المقريزي: الحطط ، ج2 ص: 343 ، 358.
487 انظر مثلا: الذهبي: العبر، ج 4 ص: 60 . و السلاوي، الاستقصاء، ج 1 ص: 74، 75 .
488 ابن خلدون: المقدمة، ص: 290 . و اللاوي، نفس المصدر، ج 1 ص: 83، 196 .
489 الذهبي: السير، ج 19 ص: 425 . و ابن خلّكان : وفيات الأعيان ، ج 3 ص: 208 .
490 ابن الجوزي: المنتظم، ج 3 ص: 3، 4 ، 220 .و ابن النجار: ذيل تاريخ بغداد، ج 2 ص: 185 .
491 نفسه ، ج9 ص: 3، 4 . و نفسه، ج 2 ص: 185 .
492 ابن كثير: البداية ، ج 13 ص: 21 .
493 الذهبي: السيّر ، ج 21ص : 458-459 . و ابن كثير: البداية ، ج 13 ص: 39 . و ابن عبد الهادي: طبفات علماء الحدبث، ج 4 ص: 154 .
494 الذهبي: السيّر ، ج 29 ص: 292 . و ابن كثير: البداية ، ج 13 ص: 18 .
495 سبق توثيق ذلك مرارا .
496 انظر: الذهبي: السيّر، ج21 ص: 205 . و ابن تغري بلدي: النجوم الزاهرة ، ج 6 ص: 116 .
497 ابن تغري بلدي: نفسه ، ج 6 ص: 116 .
498 ابن الجوزي: المنتظم، ج 8 ص: 312-313 . و ابن كثير: ج 12 ص: 117 . و ابن رجب: الذيل، ج 1 ص: 27 .
499 السبكي: الطبقات ، ج 6 ص: 172 ,
500 ابن الجوزي: المصدر السابق، ج 10 ص: 219 .
501 ابن مفلح الجنبلي: المنهج الأحمد ، ج3 ص: 57 .
502 السبكي: المصدر السابق ، ج 7 ص: 351 .
503 ابن خلدون: المقدمة ، ص: 290 . و الناصري: الاستقصاء ج 1 ص: 83، 196 .
504 المقريزي: الخطط ، ج2 ص: 343، 358، 359 .
505 ابن قدامة المقدسي: مناظرة في القرآن ، ص: 58 .
506 السبكي: الطبقات، ج 6 ص: 142 .
507 المقريزي: المصدر السابق، ج 2 ص: 343 .
508 مصطفى الشكعة : إسلام بلا مذاهب، ص: 291 .
509 انظر: ابن الأثير : الكامل، ج8 ص: 308-309 .
510 أمينة البيطار: تاريخ العصر العباسي، دمشق ، مؤسسة الوحدة ، 1981 ، ص: 271 .
511 تبيّن لي ذلك من خلال الشواهد التاريخية الكثيرة ، في دراستي للحنابلة لنيل شهادتي الماجستير و الدكتوراه .
512 انظر مثلا : الذهبي: السيّر ، ج 15 ص: 151 و ما بعدها .
513 انظر مثلا : ابن الجوزي: المنتظم ، ج 9 ص: 49 . و ابن كثير: البداية ، ج 11 ص: 243 . و ج 12 ص: 62، 80 ، 83 .
514 عن ذلك انظر : ابن كثير : البداية و النهاية ، حوادث سنة 700ه .
515 بركات محمد سعيد: أبو الحسن الأشعري و منهجه الوسطي، مجلة المسلم المعاصر، السنة 11 ، العدد 44 ، 1405ه ، ص: 82 .
516 انظر التمهيد .
517 الجويني الأب : النصيحة ، ص: 22 .
518 ابن حجر: فتح الباريء ، ج 1 ص: 71 .
519 السجزي : رسالة السجزي، ص: 29 .
520 انظر: زهدي جار الله : المعتزلة ، بيروت، الدار الأهلية، 1974، ص: 254 . و بركات محمد سعيد: المرجع السابق، ص: 182 . و أبو الفتوح بدوي: التاريخ السياسي و الفكري للمذهب السني، ص: 222-223 . و علي أبو ريان : تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام ، ص: 218.
521 المقريزي: الخطط ، ج 2 ص: 342-243 .
522 السجزي: المصدر السابق، ص: 13، 44، 57، 99 .
523 ابن القيم : مختصر الصواعق ، ص: 678 .
524 ابن تيمية : التفسير الكبير، ج 6 ص: 447 .
525 ابن القيم : المصدر السابق، ص: 211 .
526 انظر التمهيد .
527 ابن تيمية : مجموع الفتاوى، ج 12 ص: 33 .
528 سبق توثيق ذلك مرارا ، و عن الإيمان و السببية ، انظر : السبكي: الطبقات ، ج 8ص: 227 ،و ج 3 ص: 419 . و السجزي: رسالة السجزي، ص: 43 .
529 الموفق ابن قدامة: لمعة الاعتقاد ص: 256 . و تحريم النظر ص :32 ،33 ،36 .
530 ابن قدامة: تحريم النظر ص: 33-34 ،51.
531 ابن قدامة:لمعة الاعتقاد ص: 256 .
532 ابن قيم الجوزية: مختصر الصواعق ج1 ص: 104 ..
533 الشنقيطي :منهج و دراسات ص: 3 ،17 ،18 .وسليمان بن ناصر: اتحاف أهل أهل الأثر ج1 ص: 24 ..
534 اطلاق هذا التعبير على اثبات الصفات دون تأويل و تشبيه ، ،فيه التباس قد يوهم أن المثبتين للصفات يأخذونها على ظاهرها،بمعنى إنها تشبه صفات المخلوق وهذا خطا بين.و لهذا التعبير وجه صحيح إذا قصد به أن الصفات تثبت على ظاهرها من حيث أنها صفات حقيقية لله مع عدم مشابهتها لصفات المخلوق .
535 أبو زهرة: ابن تيمية ، القاهرة ، دار الفكر، د ت ، ص :277
536 نفسه ص: 277.
537 عبد الحليم محمود : الإسلام و العقل ، القاهرة دار المعارف ، 1980 ، ص : 126 ، 129 .
538 ناصر الدين الألباني : سلسلة الأحاديث الصحيحة ، مج 2 ، حديث رقم : 699، 700 .
539 سبق توثيق ذلك فيما تقدم من مباحث هذا الكتاب .
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------




1