Advertisement

البصيرة في الدعوة إلى الله



الكتاب: البصيرة في الدعوة إلى الله
المؤلف: عزيز بن فرحان العنزي
تقديم: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
الناشر: دار الإمام مالك - أبو ظبي
الطبعة: الأولى، 1426هـ - 2005م
عدد الصفحات: 144
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] [تقديم]
البصيرة في الدعوة إلى الله
(/)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تقديم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله تعالى أوضح سبيل الدعوة ومنهاجها بقوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] (1) .
قال ابن كثير رحمه الله: ". . . أن هذه سبيله، أي: سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين وبرهان شرعي وعقلي " (2) .
وقد عرّف العلماء البصيرة، فقال البغوي رحمه الله: " والبصيرة: هي المعرفة التي تُميّز بها بين الحق والباطل " (3) .
وقال القرطبي رحمه الله: {عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف: 108] أي: على يقين وحق " (4) .
_________
(1) يوسف: 108.
(2) تفسير القرآن العظيم (4 / 422) .
(3) معالم التنزيل (4 / 284) .
(4) أحكام القرآن (9 / 179) .
(1/5)

وقال الراغب رحمه الله: {عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف: 108] أي: على معرفة وتحقيق " (1) .
وذكر الكفوي رحمه الله البصيرة بأنها: " قوة في القلب تدرك بها المعقولات، وقوة القلب المدركة بصيرة " (2) .
وبين ابن عاشور رحمه الله البصيرة بأنها: " هي الحجة الواضحة " (3) .
ولأهمية البصيرة كانت من الفرائض، كما أشار إلى ذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مسائل: " كتاب التوحيد ".
قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: " ووجه ذلك: أن اتباعه صلى الله عليه وسلم واجب، وليس أتباعه حقًّا إلا أهل البصيرة، فمن لم يكن منهم فليس من أتباعه، فتعيّن أن البصيرة من الفرائض " (4) .
والبصيرة من أعلى درجات العلم، كما أشار إلى ذلك ابن القيم بقوله: " أعلى درجات العلم: البصيرة؛ التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر، وهذه هي الخِصّيصة التي اختص بها الصحابة عن سائر الأمة، وهي أعلى درجات العلماء " (5) .
والبصيرة في الدعوة لا تختص بالعلم الشرعي فقط، بل تشمل: العلم بالشرع، والعلم بحال المدعو، والعلم بالسبيل الموصل إلى المقصود، وهو الحكمة، فيكون بصيرا بحكم الشرع، وبصيرا بحال المدعو، وبصيرا بالطريق الموصلة لتحقيق الدعوة.
تظهر أهميّة البصيرة في الدعوة في أمور منها:
أن البصيرة صفة من صفات الأنبياء والعلماء الراسخين.
_________
(1) مفردات القرآن ص 127.
(2) الكليات ص 247.
(3) التحرير والتنوير (7 / 65) .
(4) تيسير العزيز الحميد ص 95.
(5) مدارج السالكين (3 / 356) .
(1/6)

2 - أن البصيرة ركن من أركان الدعوة وقاعدة من قواعدها الكبرى.
3 - البصيرة في الدعوة تجنب الداعية الضعف في الرأي، والانحراف في المنهج.
4 - بالبصيرة تستثمر الأوقات، وتعرف الأولويات، ويُعطى كل ذي حق حقه.
وقد أجاد الشيخ عزيز بن فرحان العنزي في كتابه " البصيرة في الدعوة إلى الله " حيث احتوى كتابه على محورين هامين؛ هما. البصيرة فيما يدعو إليه الداعية، والبصيرة في حال المدعوين، وكيفية دعوتهم، وقد ضمَّن المحورين فصولًا مهمة، ربط المؤلف فيه بين المنهج العلمي والعملي في طرحه لهذا الموضوع فجزاه الله خيرا، وشكر الله له صنيعه، ووفقه وإخوانه الدعاة لخدمة الإسلام والمسلمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . .
وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ
(1/7)

[المقدمة]
المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الدعوة إلى الله تعالى: وظيفة جليلة، وقربة عظيمة، لها منزلة عالية في الشريعة، ويكفيها شرفا ومنزلة كونها وظيفة الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة.
قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] (1) .
وقال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] (2) .
وقال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165] (3) .
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث الدعاة إلى الناس؛ ليعلموهم وليفقهوهم، وليرشدوهم إلى الحق، وإلى صراط مستقيم، بل إن الصحابة
_________
(1) النحل: 36.
(2) يوسف: 108.
(3) النساء: 165.
(1/9)

رضوان الله عليهم، فهموا أن الدعوة إلى الله تعالى واجبة، فكانوا يبادرون بسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم تعليمهم وتفقيههم؛ ليقوموا بدعوة أقوامهم من خلفهم، بل كان من يسلم حديثا يدرك أهمية الدعوة إلى الله تعالى، وأن تبليغها واجب، فعن ابن عباس، رضي الله عنهما، في حديث وفد عبد القيس وفيه: قالوا: يا رسول الله، فمرنا بأمر نعمل به، وندعو إليه من وراءنا (1) .
وقد بُوبَ عليه في صحيح الإمام مسلم: " باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه وتبليغه من لم يبلغه " (2) .
لأن الناس لا بد لهم من الدعوة إلى الله تعالى؛ وذلك لإخراجهم من الظلمات إلى النور.
من ظلمات الشرك والكفر إلى نور الإسلام.
ومن ظلمات البدع إلى نور السنة.
ومن ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة والهداية.
ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، كل بحسبه.
فحاجة الناس وضرورتهم إلى الدعوة إلى الله تعالى والهداية أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، بل لا يستقيم أمر العالم إلا بالدعوة إلى الله تعالى، ولولا ذلك لأصبحت الأرض رجراجة متكفئة، ولعاش الناس فوضى كالبهائم؛ فجنس الإنسان لا يستغني عن الأمر والنهي؛ لأنه لا يمكن أن يستقل بمعرفة الحق والخير على الكمال والتمام، وإن كان يدرك الشر والخير بالجملة، وذلك بما وهبه الله من عقل وحواس، إلا أنه لا يعرف حقائق الأشياء على التفصيل إلا بالوحي من الله تعالى، ولذلك احتاج الخلق إلى إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقيام الحجة.
_________
(1) رواه البخاري (1 / 129، 183) ، ومسلم (1 / 179) مع النووي، واللفظ لمسلم.
(2) صحيح مسلم (1 / 46) .
(1/10)

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على الدعوة إلى الله تعالى، ويُلهب حماستهم لذلك، ويبيّن ما لهم من الأجور ورفعة الدرجات عند الله إن هم قاموا بذلك.
فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» (1) .
وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله» (2) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. . .» (3) .
وقد صدقوا رضي الله تعالى عنهم رَبَّهُمْ تعالى بأقوالهم وأفعالهم، وقاموا بالدعوة إليه تعالى أتم قيام، وأدوها أحسن أداء، وقد تسلحوا رضي الله عنهم في دعوتهم بتمام الإخلاص، وصدق التوكل، والفقه عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، واتخذوا الصبر مطية، والأجر الموعود أعظم ثمن وهدية، فاعتلت شجرة دعوتهم تزاحم النجوم في عليائها، وآتت أكلها طيبة الثمار، وما زال المسلمون يتفيؤون ظلال دعوتهم المباركة، وستبقى إلى أَن يرث الله الأرض ومن عليها، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
والمتتبع لنصوص القرآن والسنة وما أُثر عن السلف الصالح يجد أن فضائل الدعوة إلى الله تعالى وخصائصها ومزاياها كثيرة جدا.
_________
(1) رواه البخاري (7 / 476) ، ومسلم (15 / 77) ، في قصة بعث علي بن أبي طالب إلى خيبر.
(2) رواه مسلم (13 / 38) .
(3) رواه مسلم (16 227) .
(1/11)

فمن فضائل الدعوة ومزاياها: أولا: أنها أحسن القول لمن اشتغل بها، مع العمل الصالح.
قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] (1) .
قال ابن كثير: " وهذه عامة في كل من دعا إلى خير، وهو في نفسه مهتد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بذلك. . . " (2) .
وثانيا: كونها من أسباب حصول الخيرية لهذه الأمة، قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] (3) .
قال ابن كثير: " فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها رأى من الناس سرعة فقرأ هذه الآية: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها، رواه ابن جرير.
ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 79] اهـ (4) .
وثالثا: الفلاح متحقق بإذن الله تعالى لمن قام بأعبائها، وتحمل مشاقها، قال الله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] (5) .
_________
(1) فصلت: 33.
(2) تفسير القرآن العظيم (7 / 237) .
(3) آل عمران: 110.
(4) تفسير القرآن العظيم (2 / 131) .
(5) آل عمران: 104.
(1/12)

قال ابن كثير رحمه الله: " والمقصود من هذه الآية: أن تكون فرقة من الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه " (1) .
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، فكفى بها شرفا وعزا وفخرا!! .
ومن شرط صحة هذه الدعوة أن تكون على بصيرة كما بين الله تعالى ذلك في كتابه، حيث قال: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] (2) .
والبصيرة هي: العلم الشرعي المؤصل المبني على الدليل من الوحي المنزل من عند الله تعالى، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، والفهم لمراد الله تعالى فيما أنزله، أي: على علم ويقين وبرهان شرعي وعقلي فيما يدعو إلى فعله، وفيما يدعو إلى تركه، وفي أسلوب الدعوة، وفي حال المدعوين، وسلوك الطريق الصحيح في ذلك.
وأي دعوة تخلو من هذا الشرط وهو: البصيرة فإنها دعوة مهلهلة أساسها غير متين، سرعان ما ينهار ويتقوض فيخر السقف من فوقه.
ولذلك سمى الله تعالى العلم بصيرة؛ لأنه يحصل به الصواب، ويتبين به الحق، وتقوم به الحجة، ويردع به الباطل، ويمكن لصاحب البصيرة أن يُوصل الحق إلى من يستحقه.
وفي الواقع أننا في هذا الوقت نلمس حماسة للإسلام - ولله الحمد - من قبل كثير من المسلمين، وهناك رجوع إلى الدين، وإنه لأمر يثلج صدر كل مسلم، خاصة في ظل تداعيات عالمية وحرب تشن على الإسلام بلا هوادة من أعدائه وكثير من أدعيائه، مما أفرز في هذا الاتجاه الطيب قيام كثير من المتحمسين من أهل الإسلام بالدعوة إلى الله تعالى، وذلك بأساليب
_________
(1) تفسير القرآن العظيم (2 / 117) .
(2) يوسف: 108.
(1/13)

مختلفة ووسائل متعددة أثمرت في بعض جوانبها نتائج طيبة - ولله الحمد والمنة - إلا أن كثيرا من هذه الدعوات بسبب الحماسة والاستعجال في تبليغ الدين وعدم التسلح بالعلم وقعت في أخطاء جسيمة وأرزاء كبيرة، وإن كان كثير منها يقرب من الحق كثيرا؛ فإنه - والحالة هذه - يلزم أهل الاختصاص تصحيح هذه الأخطاء وتثبيت المفاهيم الصحيحة؛ ليستقيم المسار، ولتتضح الرؤية، حيث كان لهذه الأخطاء عواقب وخيمة ونتائج سيئة أثرت سلبا على مستقبل الدعوة إلى الله تعالى، وجعلت المتربصين بهذا الدين يحققون أشياء ليست بالقليلة من أهدافهم.
وبالتتبع والنظر أجد أن سبب ذلك: فقدان شرط البصيرة في الدعوة إلى الله تعالى، وبفقدان هذا الشرط لا تَسلْ عن الأخطاء والمخالفات التي تقع من المشتغلين بهذا الأمر؛ لأن البصيرة هي الميزان الذي يزن به الداعية الأمور، ويقدر الأشياء، ولذلك نجد أن أغلب الدعوات الموجودة على الساحة إنما هي إفراز البيئة العاطفية المحضة؛ مما جعل للعقل العاطفي دورا كبيرا في أن يكون حكمًا على كثير من رموز تلك الدعوات وأتباعها ومناهجها، فأخذت تطوح بهم ذات اليمين وذات الشمال مما أوقع الكثير منهم في أخطاء جوهرية وشكلية ما يزال الناس يعانون من آثارها ونتائجها الوخيمة.
وغالب من يكتب في موضوع الدعوة إلى الله تعالى لا يشبعون مسألة البصيرة بحثا وتقسيما وتفريعا؛ ولذلك تجد غالب المصنفات في هذا الجانب لا تُربي - في تقديري - دعاة يُمكن أن يعتمد عليهم بعد الله تعالى؛ لأن الدعوة إلى الله تعالى ليست مجرد حركة وذهاب وإياب بقدر ما هي اتباع لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن سار على منهجهم وطريقتهم من أهل العلم والدين.
فمن هذا المنطلق أحببت أن أساهم في هذا الموضوع والذي اخترت أن يكون عنوانه: " البصيرة في الدعوة إلى الله " لتبصير نفسي والعاملين في حقل الدعوة إلى الله تعالى بالأمور التي يجب على الداعية أن
(1/14)

يسلكها في دعوته، مع بيان شيء من مسائل وأحكام ووسائل وأساليب الدعوة إلى الله، والأولويات الواجب على الداعية أن يسلكها في دعوته، وشيء من الحكمة في التعامل مع المدعوين وبيئتهم، ولا أزعم الإحاطة فيما أشرت إليه، وإنما هي محاولات وإلماحات ونقولات، وقد جعلت الحديث عن هذا الموضوع يدور في محورين اثنين:
الأول: البصيرة فيما يدعو إليه.
الثاني: البصيرة في حال المدعوين وكيفية دعوتهم.
والله المسؤول أن يوفقنا وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، إنه سميع مجيب.
وكتب
عزيز بن فرحان العنزي
1425 -
(1/15)

[فصل في معنى البصيرة]
فصل
في معنى البصيرة البصيرة، يقال: بصُر بالشيء علم به، وبصر الأمر: عرفه، وبصرته بالشيء: أوضحته له (1) .
وهي: قوة الإدراك والفطنة والعلم والخبرة (2) .
وهي أعلى درجات العلم.
ولذلك يقال للمحقق في العلوم: ذو بصيرة ونظر.
وكثير من ذوي التحقيق من أهل العلم يرى أن: البصيرة لها معان متعددة، وقد تكون هذه المعاني على حسب ما يُساق له الكلام.
فمن معاني البصيرة: المعرفة، والتحقق، والحجة، واليقين، والبرهان الشرعي والعقلي.
فالبصيرة إذا هي: العلم الذي ينير القلب، فهو للأرواح كالماء للأرض اليابسة، وللقلوب كالضياء للبصر.
وأما معنى الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة فهي: أن يكون الداعية
_________
(1) انظر: لسان العرب (4 / 65) ، والمصباح المنير (1 / 50 و 247) ، والنهاية في غريب الحديث والأثر (1 / 132) .
(2) المعجم الوسيط (1 / 59) .
(1/17)

إلى الله عالما بما يدعو إليه، وعالما بحال المدعوين وإيصال ما يصلح لهم وينفعهم، وعالما أيضا بطريقة الدعوة إلى الله تعالى، مؤطرا كل ذلك بالنصوص الشرعية وما عليه سلف الأمة رضوان الله عليهم، مع الأخذ بالأساليب والوسائل الشرعية المتاحة، وترك الوسائل المنهي عنها.
(1/18)

[المحور الأول البصيرة فيما يدعو إليه]
[فصل فيما يدعو إليه الداعية]
المحور الأول
البصيرة فيما يدعو إليه
(1/19)

فصل
فيما يدعو إليه الداعية من البصيرة في الدعوة إلى الله تعالى: أن يكون الداعية (1) إلى الله على علم فيما يدعو إليه، فإن من دعا الناس بجهل فقد خالف أمر الله تعالى بالدعوة إليه على بصيرة وعلم.
قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] (2) .
ولقد سمى الله تعالى العلم بصيرة؛ لأنه يحصل به الصواب، ويتبين به الحق، وتقوم به الحجة، ويردع به الباطل، ولهذا كان أول ما نبئ به النبي صلى الله عليه وسلم هو قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] (3) .
فكانت هذه الآيات الكريمات المباركات أول اتصال بين السماء والأرض في الإسلام، لتُبين فضل العلم، وأنه لا نجاح ولا فلاح إلا بالعلم، وهي رحمة رحم الله بها عباده، ونعمة أنعم الله بها عليهم.
_________
(1) الداعية والداعي لغة صحيحة، تقول العرب: رجل داعية، أي: يدعو إلى دين، وأدخلت الهاء فيه للمبالغة. انظر: لسان العرب (6 / 97) ، ومختار الصحاح (1 / 86) .
(2) يوسف: 108.
(3) العلق 1 - 5.
(1/21)

وفي هذه الآيات أيضا: التنبيه على أن من عظيم كرم الله تعالى وكبير منته على عباده: أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرَّفه وكرَّمه بهذا العلم، وميَّزه عن باقي خلقه، قال الله تعالى مخاطبا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] (1) .
وقال الله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} [النحل: 78] (2) .
والمقصود: أن أول ما بدأ الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالعلم قبل الدعوة والعمل الصالح المقرب إليه، فجعل العلم أصلا والعمل تابعا له.
ولمكانة هذا العلم وعظيم منزلته وجليل قدره عند الله تعالى وطيّب آثاره فإن الله تعالى حث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم على حسن الاستماع إلى هذا العلم الذي نزل به جبريل عليه، وأمره بأخذه بعناية تامة، وأن يطلب المزيد منه، ولم يطلب المولى عزَّ وجلَّ الاستزادة من شيء إلا من العلم الشرعي، قال الله تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ - إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ - فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ - ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 16 - 19] (3) .
وقال الله تعالى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] (4) .
قال ابن حجر رحمه الله: " والمراد بالعلم: العلم الشرعي الذي يُفيد معرفة ما يجب على المكلف من أمر دينه في عبادته ومعاملاته، والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره، وتنزيهه عن النقائص " (5) .
_________
(1) النساء: 113.
(2) النحل: 78.
(3) القيامة: 16 - 19.
(4) طه: 114.
(5) فتح الباري: (1 / 274) .
(1/22)

وأمره تعالى بأن يعتني بأهم المهمات وأوجب الواجبات وهو التوحيد، وذلك بتحقيق كلمة لا إله إلا الله، ولا يتم تحقيقها إلا بالعلم، فقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] (1) وقال جل شأنه: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [إبراهيم: 52] (2) .
فقدم العلم على القول والعمل والدعوة؛ لأن تقدم العلم على العمل ضروري للعامل حتى يعلم ما يريده، ويقصد العمل للوصول إليه، وتكون عبادته صحيحة مقبولة.
والمراد بالعلم هو: ما قام عليه الدليل من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
الأصول الكبرى التي يُدعى إليها: والداعية إلى الله تعالى إنما يدعو إلى دين الإسلام، فهو يدعو إلى التوحيد والسنة، ويحارب الشرك والبدعة، ويبين الأحكام الشرعية لأصول العبادات وفروعها، وينهى الناس عن الخطأ فيها، ويدعو إلى محاسن الأخلاق، وفضائل الآداب، وينهى عن ضدها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " الدعوة إلى الله، هي: الدعوة إلى الإيمان به وما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا " (3) .
وقال العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله: " الشيء الذي يدعى إليه، ويجب على الدعاة أن يوضحوه للناس كما أوضحه الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهو: الدعوة إلى صراط الله المستقيم، وهو: الإسلام، وهو
_________
(1) محمد: 19.
(2) إبراهيم: 52.
(3) مجموع الفتاوى (15 / 157) .
(1/23)

دين الله الحق، هذا هو محل الدعوة كما قال سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} [النحل: 125] (1) .
وقد بيّن رحمه الله الأصول العامة والخطوط العريضة للإسلام والتي يجب على الداعية أن يدعو إليها فقال: " وعلى رأس الدعوة إلى الإسلام: الدعوة إلى العقيدة الصحيحة، إلى الإخلاص لله وتوحيده بالعبادة، والإيمان به وبرسله، والإيمان باليوم الآخر، وبكل ما أخبر الله به ورسوله، هذا هو الأساس الصراط المستقيم، وهو: الدعوة إلى شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
ومعنى ذلك: الدعوة إلى توحيد الله والإخلاص له، والإيمان به وبرسله عليهم الصلاة والسلام.
ويدخل في ذلك الدعوة إلى الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسله مما كان وما يكون من أمر الآخرة، وأمر آخر الزمان، وغير ذلك. . .
ويدخل في ذلك أيضًا: الدعوة إلى ما أوجب الله من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، إلى غير ذلك.
ويدخل أيضا في ذلك: الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والأخذ بما شرع الله في الطهارة، والصلاة، والمعاملات، والنكاح، والطلاق، والجنايات، والنفقات، والحرب والسلم، وفي كل شيء؛ لأن دين الله عز وجل دين شامل، يشمل مصالح العباد في المعاش والمعاد، ويشمل كل ما يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ودنياهم، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وينهى عن سفاسف الأخلاق، وعن سيئ الأعمال. . . " (2) .
وهذه الأصول التي يقوم الداعية بالدعوة إليها لا بد فيها من العلم الشرعي المؤصل وإلا لو دعا إليها بجهل أو بنصف علم لأفسد أكثر مما أصلح.
_________
(1) النحل: 125.
(2) الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص (40 - 42) .
(1/24)

[فصل منهج الأنبياء هو الدعوة إلى الله تعالى لا إلى شخص ولا إلى جماعة]
فصل
منهج الأنبياء هو الدعوة إلى
الله تعالى لا إلى شخص ولا إلى جماعة وإن من أعظم البصيرة أن تكون الدعوة إلى الله تعالى وحده لا إلى شخص أو حزب أو طائفة أو جماعة، أو مذهب.
فإن العبادة إذا لم تكن خالصة صوابا فهي غير مقبولة، قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] (1) .
وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] (2) .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (3) .
ولذلك نجد نصوص الدعوة الواردة في القرآن كلها تضيف الدعوة إلى الله، بأن تكون خالصة لله تعالى، من ذلك:
_________
(1) الكهف: 110.
(2) البينة: 5.
(3) رواه البخاري (1 / 10) ومسلم (13 53) .
(1/25)

قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 108] (1) .
وقال تعالى: {فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} [الحج: 67] (2) .
وقال تعالى: {وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} [القصص: 87] (3) .
وهذا هو منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلم تكن دعوتهم إلا إلى الله تعالى، ولذلك قالت الجن عن نبينا صلى الله عليه وسلم بعدما انتهوا من سماع القرآن: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ - وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأحقاف: 31 - 32] (4) .
ولذلك لما اعتقد المكذبون للرسل أن الأنبياء عليهم السلام ما خالفوا ما هم عليه إلا لطمع دنيوي، عرضوا عليهم شيئا من أمور الدنيا، فكان رد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حاسما وواضحا، بأنهم لم يدعوا لأجل شيء من هذا، وإنما دعوتهم خالصة لله تعالى، ويحتسبون الأجر من عنده وحده.
قال تعالى على لسان نوح: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 109] (5) .
وقال تعالى على لسان هود: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 127] (6) .
_________
(1) سورة يوسف: 108.
(2) الحج: 67.
(3) القصص: 78.
(4) الأحقاف: 31، 32.
(5) الشعراء: 109.
(6) الشعراء: 127.
(1/26)

وقال تعالى على لسان صالح: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 145] (1) .
وقال تعالى على لسان لوط: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 164] (2) .
وقال تعالى على لسان شعيب: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 180] (3) .
والآيات في هذا الباب كثيرة.
خطر الانحراف عن منهج الأنبياء: ومن أخطر ما أضر بالدعوة إلى الله على مدار التاريخ الإسلامي هو ما شابها من الدعوات إلى مذاهب وطوائف وأشخاص باسم الدعوة إلى الله تعالى وإلى دينه، فكل دعوة ترفع شعارا مخالفا لشعار الأخرى، وتستحدث طرقا وأساليب ومصطلحات ومناهج توالي عليها وتعادي مما فرق الأمة حذائق، ومزقها طرائق.
ومعلوم: أن المسميات وإن كانت شرعية أو سائغة في الأصل إذا كان يحصل بسببها ولاء وبراء لغير الحق وتكون سببا في التفريق بين المؤمنين فإنها محرمة من هذا الباب، والدليل على ذلك: ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب فكسع أنصاريا، فغضب الأنصاري غضبًا شديدا، حتى تداعوا؛ فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟ ، ثم قال: ما شأنهم؟ فأُخبرَ بكسعة المهاجري للأنصاري، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوها فإنها خبيثة» (4) .
_________
(1) الشعراء: 145.
(2) الشعراء: 164.
(3) الشعراء: 180.
(4) أخرجه البخاري (6 / 546) ، ومسلم (16 / 137) .
(1/27)

ومن نفائس كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الباب، والذي يمثل قاعدة عند أهل السنة والجماعة قوله: " وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن: من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية؛ بل «لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار قال النبي صلى الله عليه وسلم: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ وغضب لذلك غضبا شديدا» (1) .
وقال رحمه الله: " فهذان الاسمان: المهاجرون والأنصار اسمان شرعيان، جاء بهما الكتاب والسنة، وسماهما الله بهما، كما سمانا المسلمين من قبلُ، وفي هذا.
وانتساب الرجل إلى المهاجرين أو الأنصار انتساب حسن محمود عند الله وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من المكروه أو المحرم كالانتساب إلى ما يفضي إلى بدعة أو معصية أخرى، ثم - مع هذا - لما دعا كل منهما طائفته منتصرا بها أنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وسماها: (دعوى الجاهلية) حتى قيل له: إن الداعي بها إنما هما غلامان، لم يصدر ذلك من الجماعة؛ فأمر بمنع الظالم، وإعانة المظلوم، ليبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المحذور إنما هو تعصب الرجل لطائفته مطلقا فِعْلَ أهل الجاهلية، فأما نصرها بالحق من غير عدوان فحسن واجب أو مستحب " (2) .
فيا لله والإسلام من واقعنا الذي تفرق فيه أهل الإسلام إلى طوائف وفرق وجماعات ومذاهب، كل واحدة ترفع شعارا واسما ومنهجا وطريقة تخالف الأخرى، بل إن بعض أصحاب الجماعة الواحدة لأدنى اختلاف ينشب بين رموزها وقد يكون حول أفكار أو رؤى يسعها الخلاف، لا يلبث أن تشتعل بينهم حربُ مصطلحات ومسميات، ويتفرقون إلى جماعتين أو حزبين، ترمي كل واحدة منهما الأخرى بفظائع الأمور، وتبالغ في التنقص منها، وقد يصل الأمر إلى إخراجها من دائرة الإسلام، وسبب هذا مخبآت النفوس والضمائر والذي كَمُنَ فيها تقديس الذات وحب الشهرة
_________
(1) مجموع الفتاوى (28 / 324) .
(2) اقتضاء الصراط المستقيم (1 / 241) .
(1/28)

والهوى والحرص على الدنيا كمون النار في الزناد؛ فاقدح زناد من شئت ينبيك شرره عما في زناده.
قال العلامة ابن باز رحمه الله: " والخلاصة: أن الواجب على الداعية الإسلامي أن يدعو إلى الإسلام كله، ولا يفرق بين الناس، وألا يكون متعصبا لمذهب دون مذهب، أو لقبيلة دون قبيلة، أو لشيخه أو رئيسه أو غير ذلك، بل الواجب أن يكون هدفه: إثبات الحق وإيضاحه واستقامة الناس عليه وإن خالف رأي فلان أو فلان، ولما نشأ في الناس من يتعصب للمذاهب ويقول: إن مذهب فلان أولى من مذهب فلان جاءت الفرقة والاختلاف حتى آل ببعض الناس هذا الأمر إلى ألا يصلي مع من هو على غير مذهبه، فلا يصلي الشافعي خلف الحنفي، ولا الحنفي خلف المالكي، ولا خلف الحنبلي، وهكذا وقع من بعض المتطرفين المتعصبين، وهذا من البلاء، ومن اتباع خطوات الشيطان. . . فالأئمة أئمة الهدى: الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وأشباههم، كلهم أئمة هدى ودعاة حق، دعوا الناس إلى دين الله، وأرشدوهم إلى الحق، ووقع هناك مسائل بينهم اختلفوا فيها لخفاء الدليل على بعضهم، فهم بين مجتهد مصيب له أجران، وبين مجتهد أخطأ الحق فله أجر واحد، فعليك أن تعرف لهم قدرهم وفضلهم، وأن تترحم عليهم، وأن تعرف أنهم أئمة الإسلام ودعاة الهدى، ولكن لا يحملك ذلك على التعصب والتقليد الأعمى فتقول: مذهب فلان أولى بالحق بكل حال، أو مذهب فلان أولى بالحق بكل حال لأنه لا يخطئ، لا! هذا غلط! عليك أن تأخذ بالحق، وأن تتبع الحق إذا ظهر دليله ولو خالف فلانا أو فلانا، وعليك ألا تتعصب وتقلد تقليدًا أعمى بل تعرف للأئمة فضلهم وقدرهم، ولكن مع ذلك تحتاط لنفسك ودينك فتأخذ بالحق، وترضى به، وترشد إليه إذا طلب منك، وتخاف الله وتراقبه جل وعلا، وتنصف من نفسك مع إيمانك بأن الحق واحد، وأن المجتهدين إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد - أعني: مجتهدي أهل السنة، أهل العلم والإيمان والهدى - كما صح بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " (1) اهـ.
_________
(1) الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة (ص 52 - 54) .
(1/29)

[فصل العلم قبل الدعوة]
فصل
العلم قبل الدعوة فإذا عرف الداعية إلى الله تعالى ما يدعو إليه؛ فالواجب عليه قبل أن يباشر الدعوة إلى الله، ويخوض غمارها، ويدخل ساحتها: أن يتسلح بالعلم الشرعي، وهو ما أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من الكتاب، والحكمة، ومعرفة ما أراد الله من ذلك وفهمه على نحو ما فهمه الصحابة والتابعون وأتباعهم من أئمة الهدى والدين في الأمة، حتى يحقق شرط البصيرة في الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن نجاح الدعوة إلى الله تعالى مرهون بهذا العلم الموروث عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي نقله إلينا أصحابه - رضي الله عنهم أجمعين - نقلًا صحيحًا، وهم الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وكانوا أدرى الناس بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم ومراده، وكانوا معه في ظعنه وإقامته، وفي سلمه وحربه، وفي أيام فرحه وترحه، بل لم يفارقوه لا في خلوة ولا جلوة، وهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم على علم، وميزهم من بين عباده بما جبلهم عليه من الأمانة والصدق والفهم، وقد رضي عنهم وأرضاهم، وجعل قلوبهم بيضاء نقية أطهر قلوب العباد بعد قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا على الهدي المستقيم.
الوحي هو مصدر العلم: والمتأمل في نصوص الوحيين يجد أن الله تعالى قد جمع لنبيه صلى الله عليه وسلم أفضل علوم الأنبياء والمرسلين قبله وأصحها وأكملها، وزاده عليها مما
(1/30)

فيه هداية الخلق وصلاحهم ونفعهم في الدنيا والآخرة، وأرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بمهمة التبليغ أتم قيام، وأداها أكمل أداء، فبين للأمة ما أنزل إليه من ربه: بقوله وفعله وتقريره بيانا شافيا لا مزيد عليه، فما من خير يعلمه لهم إلا دلهم عليه، وأرشدهم إليه، وما من شر يعلمه إلا حذرهم منه ونهاهم عنه، تحقيقا لقول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] (1) .
وقول الله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] (2) .
ولما تلا الحسن البصري رحمه الله قول الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] (3) قال: " هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله؛ أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله " (4) .
مدى حاجة العباد إلى الرسل: وضرورة العباد إلى معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق فوق كل ضرورة، وحاجتهم إليه فوق كل حاجة، فإنه لا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث، والصحيح من السقيم، من: الاعتقادات، والأقوال، والأفعال، والأحوال على التفصيل إلا من جهته صلى الله عليه وسلم، ولا سبيل إلى الفوز بالسعادة في المعاش والمعاد إلا من طريقه صلى الله عليه وسلم.
_________
(1) التوبة: 128.
(2) النحل: 44.
(3) فصلت: 33.
(4) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (4 / 102) .
(1/31)

قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] (1) .
وقال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] (2) .
وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] (3) .
فأي حاجة فرضت، وأي ضرورة عرضت؛ فحاجة العباد، وضرورتهم إلى معرفة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الهُدى ودين الحق فوقها بكثير، لأن الأنبياء هم المُبلّغون عن الله تعالى، وهذه المعرفة الضرورية لا تتحقق إلا بالعلم الصحيح، ولا يمكن للناس أن يعرفوا هذه الأمور إلا بالتعليم والدعوة، وهذه هي مهمة الدعاة إلى الله تعالى الذين ورثوا هذا العلم.
فعن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (4) .
_________
(1) الجمعة: 2.
(2) الأعراف: 157.
(3) النور: 54.
(4) صحيح أخرجه: أحمد (36 / 46) ، وأبو داود (4 / 57، 4 / 414) ، وابن ماجه (1 / 81) .
انظر للفائدة والاستزادة: فتح الباري لابن حجر العسقلاني (1 / 147) .
(1/32)

[فصل في فضل العلم والتعليم]
فصل
في فضل العلم والتعليم وقد جاء في فضل العلم ووجوب طلبه وبيان منزلته في الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة نصوص كثيرة، الأمرُ الذي جعل كثيرا من أهل العلم يذهبون إلى إفراد مصنفات بهذا الخصوص، بل لا تكاد تقف على مصنف في دواوين السنة إلا وتجد كتبًا أو أبوابا معقودة في بيان فضل العلم وأهله.
والداعية إلى الله تعالى من أولى الناس حرصا على التأهل بالعلم قبل الدعوة إلى الله تعالى؛ لأن دعوته قائمة على العلم، وهو أحد أهم أركانها، وبدونه يهوي البنيان ولا يتماسك.
وقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تشير إلى فضل العلم وأهله، وفيما يلي ذكر شيء منها: قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة: 11] (1) .
وقال الله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9] (2) .
_________
(1) المجادلة: 11.
(2) الزمر: 9.
(1/33)

وقال الله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} [الأنعام: 83] قال زيد بن أسلم رضي الله عنه: " بالعلم " (1) .
وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر: 28] (2) .
الأحاديث النبوية والآثار السلفية في فضل العلم: وردت أحاديث كثيرة في فضل العلم وأهله منها:
عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة» (3) .
وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «من يُرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (4) .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين» (5) .
وأما أقوال السلف الصالح في هذا الباب فهي كثيرة، من ذلك (6) .
يقول أبو هريرة رضي الله عنه: " لأن أجلس ساعة فأتفقه في ديني أحب إلي من إحياء ليلة إلى الصباح ".
وقال أيضا: " لكل شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه، وما عُبِدَ اللهُ بشيء أفضل من فقه في الدين ".
_________
(1) انظر: فتح الباري (1 / 274) .
(2) فاطر: 28.
(3) رواه مسلم: (17 / 21) .
(4) رواه البخاري (1 / 164) ، ومسلم: (7 / 67) .
(5) رواه مسلم (6 / 98) .
(6) انظرها في: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، والفقيه والمتفقه للخطيب، ومفتاح دار السعادة لابن القيم، والآداب الشرعية لابن مفلح، وتذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة، وفتح الباري لابن حجر شرح كتاب العلم من الصحيح، وغيرها كثير.
(1/34)

وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: " تعلموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، وتعليمه جهاد. . . إلخ ".
وقال أيضا: " لأن تغدو فتتعلم بابا من أبواب العلم خير لك من أن تصلي مائة ركعة ".
وقال ابن عباس رضي الله عنه: " تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها ".
وفي " مسائل إسحاق بن منصور ": قلت لأحمد: قوله " تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلي من إحيائها "، أي علم أراد؟ قال: " هو العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم "، قلت: في الوضوء والصلاة والصوم والحج والطلاق ونحو هذا؟ قال: " نعم ".
وقال محمد الباقر رحمه الله: " عالم يُنتفع بعلمه أفضل من ألف عابد ".
وقال الربيع رحمه الله: سمعت الشافعي يقول: " طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة ".
وقال سفيان الثوري رحمه الله: " ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحت فيه النية ".
يقول سهل التستري رحمه الله: " من أراد أن ينظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء، يجيء الرجل فيقول: يا فلان أيش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا؟ فيقول: طلقت امرأته، ويجيء آخر فيقول. . . وليس هذا إلا لنبي أو عالم فاعرفوا لهم ذلك ".
تحذير السلف من الجاهل: ولقد كان السلف الصالح يعدون من يتصدر للتعليم والوعظ والخطابة ولا علم له من السفلة ومحلا للاستهجان والتندر؛ لأنه يفسد أكثر مما يصلح، ويضل أكثر مما يرشد، ومن قدروا على منعه منعوه،
(1/35)

حسمًا للمفاسد التي تترتب على ولوج هذا الباب العظيم؛ لأن الجاهل بالله وبشرعه وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم وبأصول الدين وقواعده قد يُبغّض الله تعالى إلى خلقه من حيث لا يعلم، وقد يتعاظم عند هذا الجاهل الذنب فيقنط الناس من رحمة الله، ويقطع عليهم طريق التودد إليه سبحانه وتعالى، والتحبب بالطاعة والتوبة والإنابة، وقد يقرأ آثارا وأخبارا صحيحة لا يفهمها على مرادها الصحيح فيتألى على الله تعالى بإخراج مسلم من الإسلام، أو يحدث في الأمة فتنة عظيمة تأتي على الأخضر واليابس، وقد يبيح فروجا محرمة، أو يحرم فروجا مباحة، وقد يجني على مسلم فيذهب نفسه كلها أو بعضها فيستحق دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال» (1) أو قد يفهم نصوصا على غير مرادها، ولذلك يكمن خطر هذا الجنس عند الدهماء والعامة الذين لا يميزون الرغوة من الصريح، وينخدعون بالمظاهر لأول وهلة، فمن تزيا بزي العلماء وحدثهم بأمور الشرع والدين صدقوه على أنه من العلماء، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وقد قال بعض الناس: أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان " (2) ولأجل خطورة هذا الصنف كان الولاة وأهل العلم والفتوى يحتسبون على هؤلاء ويمنعونهم من الحديث، فإن لم يستجيبوا عزروهم بما يستحقون، ويرى كثير من الفقهاء الحجر على المفتي الماجن حسما لمادة شره، فكيف بالجاهل؟ !! ومما يستأنس به في مثل هذا المقام ما ذكره العلامة ابن القيم، قال: " كان بعض خلفاء بني العباس يلعب الشطرنج، فاستأذن عليه عمه، فأذن له، وغطى الرقعة، فلما جلس، قال: يا عم، هل قرأت القرآن؟ قال: لا، قال: هل كتبت شيئا من السنة؟ قال: لا، قال: فهل نظرت في الفقه
_________
(1) أخرجه أبو داود (336) وابن ماجه (572) من حديث جابر وأبو داود (337) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث فيه بحث من جهة سنده.
(2) مجموع الفتاوى (5 / 118- 119) .
(1/36)

واختلاف الناس؟ قال: لا، قال: فهل نظرت في العربية وأيام الناس؟ قال: لا، قال الخليفة: اكشف الرقعة ثم العب، وزال احتشامه وحياؤه منه، وقال له ملاعبه: يا أمير المؤمنين تكشفها ومعنا من تحتشم منه! قال: اسكت فما معنا أحد " (1) .
وبالجملة فإن السلف رحمهم الله كانوا يوصون بالعلم، ويحرضون على طلبه، ويعدونه من أهم وأجل ما ينبغي على المرء فعله، وكانوا يرجون للمتعلم، ويخافون على الجاهل من سوء العاقبة في الدنيا والآخرة.
يقول العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في وصيته للدعاة عن ضرورة طلبهم العلم الشرعي، واعتنائهم به، ويرشدهم إلى الكتب النافعة التي يجب عليهم أن يتعاهدوها ويتعلموها قبل أن يتصدروا لتعليم الناس ووعظهم: " أعظم كتاب وأشرف كتاب أنصح به هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأنصح كل داع إلى الله وكل آمر بالمعروف وناه عن المنكر ومعلم ومدرس ومرشد - ذكرا كان أو أنثى - أن يعتني بكتاب الله ويتدبره، ويكثر من قراءته، فهو أصل كل خير، وهو المعلم وهو الهادي إلى الخير، كما قال عز وجل: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] (2) .
وهو يهدي بهداية الله إلى الطريق الأقوم إلى سبيل الرشاد، فالواجب على الدعاة والآمرين بالمعروف والمعلمين أن يجتهدوا في قراءته وتدبر معانيه، فإنهم بذلك يستفيدون الفائدة العظيمة، ويتأهلون بذلك للدعوة والتعليم بتوفيق الله عز وجل، ثم أنصح بالسنَّة، وما جاء فيها من العلم والهدى، وأن يراجع الداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والمدرس - ذكورًا وإناثا - كتب الحديث وما ألفه الناس من هذا حتى يستفيد من ذلك، وأهم كتب الحديث وأصحها: (صحيح البخاري) ، و (صحيح مسلم) ، فليكثر من مراجعتهما، والاستفادة منهما ومن بقية كتب الحديث
_________
(1) مفتاح دار السعادة (1 / 167) ، ويظهر أن عمه كان يزعم العلم.
(2) الإسراء: 89.
(1/37)

(كالسنن الأربع) ، و (مسند الإمام أحمد) ، و (موطأ الإمام مالك) ، و (سنن الدارمي) وغيرها من كتب الحديث المعروفة، كما أوصي بمراجعة كتب أهل العلم المفيدة، مثل: (المنتقى للمجد ابن تيمية) ، و (رياض الصالحين) ، و (بلوغ المرام) ، و (عمدة الحديث) ، و (جامع العلم وفضله لابن عبد البر) ، و (جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب) ، و (زاد المعاد في هدي خير العباد للعلامة ابن القيم) ، و (إعلام الموقعين) ، و (طريق الهجرتين) ، و (الطرق الحكمية) كلها له أيضا. . . وكذلك ما كتبه أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية في (السياسة الشرعية) ، و (الحسبة في الفتاوى) ، و (منهاج السنة) ، فهو من الأئمة العظماء الذين جربوا هذا الأمر، وبرزوا فيه، ونفع الله به الأمة ونصر به الحق، وأذل به البدع وأهلها، فجزاه الله وإخوانه العلماء عن صبرهم وجهادهم أفضل ما جزى به المحسنين إنه جواد كريم. . . .
فأنا أنصح كل مسلم وكل معلم وكل مرشد أن يعتني بهذه الكتب المفيدة بعد العناية بكتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم. . . ".
فيا لها من وصية عظيمة تكتب بماء الذهب من عالم مجرب وداعية متمرس.
إذا علمنا أن الداعية إلى الله تعالى يجب عليه أن يتسلح بالعلم الشرعي (1) وأن مقدار إصابته الحق تكون بقدر ما يحمله من علم، وأن
_________
(1) إن غالب من يكتب في هذا الشأن يعقدون فصولا عن ثقافة الداعية، ويعنون بهذه الثقافة هي تأهيل الداعية لبناء خلفية معرفية عن الواقع المعاصر - الذي يعايشه - السياسي، والاجتماعي، والنفسي وغير ذلك، ولا يعطون العلم الشرعي المؤصل المبني على الدليل من الكتاب والسنة حقه إلا على سبيل الإشارة، مع أن الذي لا شك فيه أن العلم الشرعي يمثل العمود الفقري للداعية في دعوته؛ لأن به يميز الأمور، ويحافظ على الأصيل، ويستطيع أن يتعامل مع الجديد وفق الضوابط الشرعية والأصول المرعية، ولذلك تجد كثيرا من المعاصرين يغرقون في الجوانب الثقافية المذكورة، وأصبحت قراءة كتب الشرق والغرب من أولى أولوياتهم وأكبر اهتماماتهم، حتى إن بعض من يكتب في مثل هذا تجد استشهاده بنظريات الغرب وذكر أسماء منظريهم أكثر من ذكر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال أئمة العلم والدين في القديم والحديث، ولذلك فإن الخطاب الدعوي في كثير من الجهات مترهل ومهزوز، فالقريحة ترابية، والفكرة سحابية!! والشعارات تأخذ مساحات كبيرة في ذهن غالب الدعاة أكثر من المبادئ والقواعد والأصول، وبسبب هذا تجد الترحل والتقلب سمة بارزة على هذا اللون من المثقفين، ولذلك لا بد من معرفة أن ثقافة الداعية تكمن في العلم الشرعي المؤصل، ولا يعني هذا بالضرورة إغفال النظر في باقي الفنون والعلوم، لكن لا يسمح تمريرها إلا عن طريق غربلتها عبر الأدلة الشرعية والقواعد والأصول المرعية.
(1/38)

الأمان عليه ومنه يكون على قدر فهمه لنصوص الوحيين، فما هي العلوم الواجب عليه تعلمها وإتقانها والدعوة إليها؟ !
(1/39)

[فصل في علم العقيدة]
فصل
في علم العقيدة المقصود بالعقيدة: الأحكام الاعتقادية المتعلقة بأنواع التوحيد الثلاثة: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات (1) .
فيجب على المسلمين عمومًا وعلى الدعاة إلى الله تعالى على وجه الخصوص الاعتناء بمعرفة الله تعالى، بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وآثار ذلك في الأنفس والآفاق، ووحدانيته جل وعلا في ربوبيته وأسمائه وألوهيته، وحقه على عباده، وما أخبر به من النبوة والكتب، وما سيكون في اليوم الآخر من الأحوال والأهوال؛ فيحقق أركان الإيمان الستة وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وحلوه ومره.
فإن هذه أصول الدين التي يجب العلم بها واعتقادها والعمل بمقتضاها، وهي أساس الأحكام العملية؛ فإنها تتوقف عليها ولا تصح إلا بها، والدعاة هم الذي يبلغون الناس ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من العلم والهدى والنور، فلزم أن يكونوا من أولى الناس اعتناء بهذا الجانب ومحافظة عليه.
تصحيح العقيدة واجب الدعاة الأول: ولذا كان تصحيح العقيدة والاهتمام بها هي القضية الأولى التي تصدى لها الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، فإن أهم المهمات،
_________
(1) وهذه مستفادة باستقراء نصوص الوحيين.
(1/40)

وأولى الواجبات التي قاموا بها هي الدعوة إلى تحقيق التوحيد، فيدعون الناس إلى أن يشهدوا ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويُعرّفون الناس بربهم الحق ومعبودهم الذي ليس لهم معبود سواه، وينزهونه عن ضد ذلك.
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] (1) .
وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] (2) .
ولقد ترجم الأنبياء عليهم السلام هذا الأمر إلى واقع من خلال دعوتهم الناس، فكان التوحيد من أولى أولويات دعوتهم وأهمها، ولقد بين الله تعالى ذلك بقوله حكاية عنهم وأن كلمتهم السواء: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 65] (3) .
ومعنى اعبدوا أي: (وحدوا) .
يقول الناظم من أهل السنة:
أول واجب على العبيد ... معرفة الرحمن بالتوحيد
ومعرفة الله تعالى، وتحقيق الإيمان به، والإخلاص له، هو الأصل الأصيل، والركن الركين الذي يقوم عليه الدين، فهو كالقاعدة للبناء، وأي بناء لا يقوم على أصل راسخ وأساس محكم فإنه سرعان ما ينهار، فكل من فقد العقيدة الصحيحة الراسخة التي تجعله يخاف الله ويرجوه، ويرغب إليه، ويرهب منه، فيبادر إلى امتثال أوامره، والانكفاف عما نهى الله، ويعبد الله كأنه يراه، ويعتقد أن الله تعالى رقيب عليه، يسمع أقواله، ويرى
_________
(1) النحل: 36.
(2) الأنبياء: 25.
(3) الأعراف: 85، 73، 65، ذكره الله تعالى حكاية عن هود وصالح وشعيب.
(1/41)

أفعاله، ويعلم أحواله، وسره وعلانيته، وأنه تعالى سيجزيه على ذلك، فإنه لا يبالي بترك فرض أو واجب، ولا يكف عما يعرض له من معصية الله أو ظلم لعباده إذا قدر عليه وأمن من عقوبة السلطان.
ولذا أمضى النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة كلها في الدعوة إلى (لا إله إلا الله) ، فكان يدعو إلى أن يعبد الله وحده، ويُترك الشرك به، وتُكسر الأوثان، وكان يدعو معها أيضا إلى الأمور التي اتفقت عليها شرائع المسلمين قبله من بر الوالدين، وصلة الأرحام، والصدقة، والنهي عن الزنا، وقتل الأنفس المعصومة، وأخذ الأموال بغير حق، ونحو ذلك.
فالتوحيد إذًا هو أصل الدين وقاعدته التي لا تصلح الحياة البشرية كلها في أصولها وفروعها إلا به، فإن الناس إذا عرفوا الله، وآمنوا به، ووحدوه، سهل عليهم الانقياد لفعل الأوامر واجتناب النواهي رغبة في الثواب، وخشية من العقاب والجزاء.
فينبغي للداعية إلى الله تعالى أن يكون بصيرا بهذا العلم، وأن يلتزم مذهب السلف الصالح (أهل السنة والجماعة) في تأصيل العقيدة، والتوحيد، والعمل بها، والدعوة إليها، وذلك ببيان العقيدة الإسلامية الصحيحة، والاهتمام بمصادرها تأصيلا واستدلالا، وفهمًا على نصوص الوحيين، وأقوال الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ومن أهل العلم والدين السائرين على طريقة السلف الصالح، رضوان الله عليهم أجمعين.
ومن أهم ما ينصح الداعية بقراءته كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإنها اعتنت بهذا المنهاج وهي من أفضل ما قرر مسائل العقيدة السلفية، وكذلك تلميذه ابن القيم رحمه الله، وأيضا قراءة كتب أئمة الدعوة، وبالخصوص (الدرر السنية في الأجوبة النجدية (قسم العقيدة) ، ولا ينسى الداعية كتب العقيدة التي أطلق عليها أصحابها كتب السنة مثل: كتاب (السنَّة للإمام عبد الله ابن الإمام أحمد) ، و (السنَّة للطبراني) ، و (السنَّة للخلال) ، و (السنة للأثرم) ، و (السنة لابن أبي عاصم) ، و (شرح السنة للبربهاري) ، والتي صنفت للرد على كتب البدعة والزندقة.
(1/42)

[فصل واجبنا نحو العقيدة]
[شبهات وردود]
فصل
شبهات وردود ومن تأمل في واقع معظم المجتمعات الإسلامية المعاصرة، وجد أن معظم المخالفات الكبرى قد شاعت فيها، وانتشرت بين أهلها إلا من رحم الله تعالى، ومن ذلك: الشرك الأكبر، من عبادة غير الله، وذلك بالسجود لغيره قصدا، وتقديم النذور والقرابين للمقبورين، وتعظيم القبور والعكوف عندها، وكذلك: الشرك الأصغر، وأنواع البدع، وكبائر المعاصي والآثام، واتباع أكثر الناس سنن من كان قبلهم في غير الحق، وسلوكهم سبيلهم حذو القذة بالقذة.
ويكاد يكون محل اتفاق عند المشتغلين بالدعوة إلى الله تعالى على بصيرة أن سبب انتشار الشرك ووسائله والبدع بأنواعها وتأصلها في المجتمعات المسلمة هو التقصير العظيم من قبل الدعاة إلى الله في تقرير مسائل العقيدة، والدعوة إلى التوحيد، والاهتمام والانشغال بأشياء تأتي دون ذلك من جهة الترتيب والأولوية، والإغراق في الأمور السياسية التي استولت على القلوب، وأدى الاهتمام بها من قبل كثير من الدعاة إلى التقصير في الجانب العظيم من الدين.
والأهم من ذلك رسوخ بعض الشبه الإبليسية والدسائس الشيطانية في نفوس كثير من المتصدرين للدعوة إلى الله تعالى، والتي ساهمت وبشكل كبير في إضعاف هذا الجانب العظيم، مما جعل بعضهم يَزهدُ، ويُزهدُ في
(1/43)

الاعتناء بهذا الجانب المهم، وهذه الشبه ليس لها أساس متين، ولا بنيان رصين، بل لا تعدو أن تكون طنين ذباب، أو صرير باب، يردده كثير من الناس.
فمن هذه الشبه:
أ- دعوى بعضهم: أن هذا الزمان يختلف عن زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا يوجد ما يمكن أن يركز عليه في الدعوة إلى الله من الأمور الشركية والقضايا العقدية.
ب- ومن ذلك أيضا: أن الحديث عن العقيدة ومحاربة الشرك وجعلها من أولويات الدعوة يثير مشاعر الكثيرين من المسلمين، ممن ألِفوا البدع والوقوع في الشركيات، فتكون المصلحة في تركه، وذلك لغرض الاجتماع، وعدم الافتراق.
ج- ويقول آخرون: إن الحديث عن العقيدة في مثل هذا الوقت لا تجد من يسمع له، وذلك لانشغال المسلمين بما يفعله عدوهم من الكيد والمكر والعدوان، فيحتاجون إلى التركيز على الجوانب السياسية لمواجهة العدو، فهي من أولى المهمات في الوقت الراهن، وتبقى قضية تصحيح العقيدة راجعة إلى ظرفها.
ونحو هذه الشبه التي يُدرك فسادها ووهاؤها بمقدمات العقول قبل أواخرها.

[فساد العقيدة هو سبب مصائب المسلمين]
فساد العقيدة هو سبب مصائب المسلمين: وفي حقيقة الأمر أنه ما وقعت الفتنة، ولا حصلت الفرقة، ولا تشرذم المسلمون طرائق، وتمزقوا حذائق؛ إلا بسبب إهمال الدعاة والعلماء لجانب العقيدة، فإنا لله وإنا إليه راجعون!!
وما برزت الطفيليات المذهبية على السطح من اشتراكية وشيوعية ورأسمالية وقومية وغيرها كثير، وأُشرب حبها كثير من المسلمين إلا بسبب إهمال الحديث عن العقيدة.
(1/44)

وما استنكر الناسُ بعض مسائل التوحيد، وعسرت على كثير من المسلمين السنن، وما نجمت البدعة، ولا شُيدت القباب والأضرحة إلا بسبب ترك الحديث عن العقيدة، والتي هي قطب رحى الأعمال، ومدار القبول، يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116] (1) .
وقال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] (2) .
وما تسلط العدو، ولا انقلب حال الدهر، ولا سُلب المسلمون عادة الظهور والقهر، وما بدل الله حالنا إلى ما نحن عليه؛ إلا بسبب ضياع العقيدة والتوحيد من نفوس المسلمين وواقعهم، وقيام رموز الوثنية، وانتشار المعالم الشركية، وغربة التوحيد وأهله.
فليكن الداعية إلى الله تعالى على حذر من التلبيسات الباطلة والشبه الباهتة، فنحن كما أننا مأمورون باتباع النبي صلى الله عليه وسلم في العقيدة والعبادة والسلوك، بل وفي قضايانا الاجتماعية، كذلك يجب علينا متابعته صلى الله عليه وسلم في منهجه في الدعوة إلى الله تعالى، وطريقته في التبليغ، وأن نبدأ بما بدأ به، وأن نركز على ما ركز عليه، وألا نجعل من منهج الدعوة إلى الله تعالى محلا للاجتهاد والأخذ والرد، ونُحدث لهذه الدعوة أصولا وقوانين جديدة من عند أنفسنا لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، فنجعل من أمر التوحيد مثلا والدعوة إليه أمرا ثانويا فرعيا، ونزعم أن المصلحة تقتضي ذلك.
إن المصلحة الحقيقية كامنة في اتباعه صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] (3) .
_________
(1) النساء: 116.
(2) المائدة: 72.
(3) النور: 54.
(1/45)

وإن تأخر النصر على المسلمين، أو عدم استجابة المدعوين، أو مرور المسلمين بظرف ما، لا يسوغ أبدا إحداث أمر يخالف ما عليه الرسول صلى الله عليه وسلم فقضية هداية التوفيق، أو نزول النصر والفتح، أو غير ذلك ليست إلينا، فنحن مأمورون بإحسان الطريق فقط، والنتائج ليست إلينا، ولا بأيدينا، إنما هي بيد الله تعالى القائل: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 112] (1) .
وبسبب عدم فهم هذه القضية حق الفهم تفرق الناس طرفين ووسط، فذهب فريق إلى التواكل، وعدم العمل، والاتكاء على كلمة صدق وحق، ولكن أرادوا بها باطلًا، وهي أن الهداية بيد الله تعالى، وأنه مهما عملنا فمن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا، وهذا خلل كبير، وصاحبه على خطر عظيم، خاصة إذا كان ممن عناهم أمر الدعوة والتبليغ، فيخشى أن يضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ويلعنهم كما لعن من كان قبلهم.
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] (2) .
ويقول تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] (3) .
ويقول تعالى واصفا حال هذه الأمة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110] (4) .

[قاعدة الغاية تبرر الوسيلة]
قاعدة الغاية تبرر الوسيلة: والفريق الآخر ذهب إلى استنفار جميع ما يمكن من وسائل وأساليب في سبيل الوصول إلى الغاية، بغض النظر عن حِل الوسيلة أو عدم جوازها،
_________
(1) الأنبياء: 112.
(2) المائدة: 67.
(3) يوسف: 108.
(4) آل عمران: 110.
(1/46)

وهم يسيرون على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، سواء قالوها بألسنتهم أو ترجمتها أفعالهم، ولذلك تجد هذا الصنف كثير التخبط والتقلب والترحل في أمور الدنيا والدين، ويغلب على من سلك هذا السبيل الطيش، والعجلة، والتهور، والمغامرة.
وهذا الفكر ينزع في الغالب إلى التسخط على الناس، ورميهم بالعظائم؛ كتكفيرهم وإخراجهم من الملة لاعتقادهم وجوب استجابة الناس لكل ما يدعون إليه، ولزوم امتثالهم للنصيحة، وهذا ليس من منهج أهل السنَّة والجماعة.
يقول ابن حزم الأندلسي رحمه الله: ". . . ولا تنصح على شرط القبول منك، فإن تعديت هذه الوجوه فأنت ظالم لا ناصح، وطالب طاعة وملك لا مؤدي حق أمانة وأخوة، وليس هذا حكم العقل، ولا حكم الصداقة، ولكن حكم الأمير مع رعيته، والسيد مع عبده " (1) .
وقد يحصل منهم أيضا جناية على الدين وأحكامه، وأيضا جناية على المسلمين، وذلك باستعمالهم وسائل غير مشروعة، قد تعود بالضرر على المسلمين أفرادا أم جماعات.
وأما الوسط فهم أهل الحق والصواب الذين يعتقدون أن هداية التوفيق بيد الله تعالى، ولكن ذلك لا يمنعهم من العمل والدعوة والتبليغ، بل يتفانون فيهما، ويبذلون أقصى ما يمكنهم، ولكن وفق المنهج الشرعي الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.

[أصحاب المنهج الحق]
أصحاب المنهج الحق: وأهل هذا المنهج هم نتاج البيئة العلمية النظيفة التي لم تكدرها بدعة ولا خرافة، ولم يَشُبها شيء من هوى النفوس، المقتدون بالعلماء الربانيين، السائرون على طريقة السلف الصالح، رضوان الله عليهم أجمعين،
_________
(1) الأخلاق والسير ص44.
(1/47)

ولذلك تجدهم من أكثر الناس ثباتا، وألينهم عريكة، وأوسعهم أفقا، وفي التاريخ القريب والبعيد خير شاهد على ما أقول.
وفي الفتن تجد هذا الصنف على طول الزمان من أوفق الناس تعاملا معها، وإعمالا لقواعد المصالح والمفاسد، وفهما للوسائل والمقاصد، فدعوتهم كشجرة أصلها ثابت، وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
فعلى الداعية إلى الله تعالى الانقياد التام، والتسليم الكامل للنبي صلى الله عليه وسلم، وتقديم قوله ومنهجه ورأيه على قول كل أحد من البشر، وأن يجعل هواه تبعا لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] (1) .
_________
(1) النساء: 65.
(1/48)

[فصل في منهج الدعوة إلى الله تعالى]
فصل
في منهج الدعوة إلى الله تعالى ولتعلم - أرشدني الله وإياك للحق والصواب - أن منهج الدعوة إلى الله تعالى أمر توقيفي؛ لأن الدعوة إلى الله عبادة من العبادات، وقربة من القرب.
فالدعوة إلى الله تعالى ليست أرضا مباحة لكل أحد، يجتهد فيها وفق ذوقه ورأيه بل لا بد فيها من التسليم والاتباع التام للنبي صلى الله عليه وسلم.
وأوقفك - أوقفني الله وإياك مواطن رضاه - إلى جواب فصل في هذه المسألة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ذكر فيه نكتا ولُمعا لا يستغني عنها داعية، ولا طالب علم، وذلك في معرض جوابه على سؤال أورد عليه وهو: " وسئل. . . عن جماعة يجتمعون على قصد الكبائر من القتل وقطع الطريق والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك. ثم إن شيخا من المشايخ المعروفين بالخير واتباع السنة قصد منع المذكورين من ذلك، فلم يمكنه إلا أن يقيم لهم سماعا (1) يجتمعون فيه بهذه النية، وهو بدف بلا صلاصل (2)
_________
(1) السماع هو الغناء، وتتمة السؤال مع الجواب توضح المراد منه.
(2) شيء من الحديد أو المعدن يركب على الدف فيحدث رنينا، وأصلها: صَلَّ أي صَوَّتَ، فإن تكررت كمن يرجع أو يسمع له دوي فهي صلصل، والصلصلة: صوت الحديد إذا حُرِّك. انظر " القاموس المحيط " [ص 1022، 1023] ، و " النهاية في غريب الحديث والأثر " [ص 523] .
(1/49)

وغناء المغني بشعر مباح بغير شبابة، فلما فعل هذا تاب منهم جماعة، وأصبح من لا يصلي ويسرق ولا يزكي يتورع عن الشبهات، ويؤدي المفروضات، ويجتنب المحرمات. فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه لما يترتب عليه من المصالح مع أنه لا يمكنه دعوتهم إلا بهذا؟ ".
فأجاب رحمه الله فقال: الحمد لله رب العالمين.
أصل جواب هذه المسألة وما أشبهها: أن يعلم أن الله بعث محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأنه أكمل له ولأمته الدين كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] (1) .
وأنه بشر بالسعادة لمن أطاعه، والشقاوة لمن عصاه، فقال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] (2) وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23] (3) وأمر الخلق أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعثه به، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59] (4) .
وأخبر أنه يدعو إلى الله وإلى صراطه المستقيم، كما قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108] (5) وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ - صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى: 52 - 53] (6) وأخبر أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحل
_________
(1) المائدة: 3.
(2) النساء: 69.
(3) الجن: 23.
(4) النساء: 59.
(5) يوسف: 108.
(6) الشورى: 52 - 53.
(1/50)

الطيبات ويحرم الخبائث، كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ - الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 156 - 157] (1) .
وقد أمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم بكل معروف، ونهى عن كل منكر، وأحل كل طيب، وحرم كل خبيث، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم» (2) وثبت عن العرباض بن سارية قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، قال: فقلنا: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (3) .
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا قد أمرتكم به، وما تركت شيئا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه» (4) . وقال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (5) .
_________
(1) الأعراف: 156 - 157.
(2) رواه مسلم في " الصحيح " (12 / 233) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(3) صحيح أخرجه: أبو داود (5 / 13) ؛ والترمذي (4 / 408) وقال: " حديث حسن صحيح "، وابن ماجه (1 / 15) .
(4) صحيح أخرجه الشافعي في الرسالة (ص (289 و 306) ، والمسند (2 / 413) ، والبغوي في شرح السنة (14 / 303) ، وانظر: الصحيحة (1803) .
(5) صحيح أخرجه: ابن ماجه (1 / 16) ، وأحمد في المسند (4 / 126) عن العرباض بن سارية رضي الله عنه.
(1/51)

وشواهد هذا الأصل العظيم الجامع من الكتاب والسنة كثيرة، وترجم عليه أهل العلم في الكتب " كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة " كما ترجم عليه البخاري والبغوي وغيرهما، فمن اعتصم بالكتاب والسنة كان من أولياء الله المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين.
وكان السلف - كمالك وغيره - يقولون: السُّنَّة كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.
وقال الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة.
إذا عرف هذا فمعلوم أن ما يهدي الله به الضالين ويرشد به الغاوين ويتوب به على العاصين لا بد أن يكون فيما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة، وإلا فإنه لو كان ما بعث الله به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكفي في ذلك لكان دين الرسول ناقصا محتاجا تتمة.
وينبغي أن يُعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر إيجاب أو استحباب والأعمال الفاسدة نهى الله عنها. والعمل إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة فإن الشارع حكيم إن غلبت مصلحته على مفسدته شَرَعَه، وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه، بل نهى عنه، كما قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] (1) .
وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219] (2) .
ولهذا حرمهما الله تعالى بعد ذلك، وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقربا إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله؛ فإنه لا بد أن يكون ضرره أعظم من نفعه وإلا فلو كان نفعه أعظم غالبا على ضرره لم يهمله الشارع، فإنه صلى الله عليه وسلم
_________
(1) البقرة: 216.
(2) البقرة: 219.
(1/52)

حكيم لا يهمل مصالح الدين، ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين.
إذا تبين هذا فنقول للسائل: إن الشيخ المذكور قصد أن يُتَوِّب المجتمعين على الكبائر، فلم يمكنه ذلك إلا بما ذكره من الطريق البدعي، يدل أن الشيخ جاهلٌ بالطرق الشرعية التي بها تتوب العصاة، أو عاجز عنها؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية التي أغناهم الله بها عن الطرق البدعية. فلا يجوز أن يقال: إنه ليس في الطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيه ما يتوب به العصاة، فإنه قد علم بالاضطرار والنقل المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان من لا يحصيه إلا الله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية التي ليس فيها ما ذكر من الاجتماع البدعي؛ بل السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - وهم خير أولياء الله المتقين من هذه الأمة - تابوا إلى الله تعالى بالطرق الشرعية لا بهذه الطرق البدعية.
وأمصار المسلمين وقراهم قديما وحديثا مملوءة ممن تاب إلى الله واتقاه وفعل ما يحبه الله ويرضاه بالطرق الشرعية، لا بهذه الطرق البدعية، فلا يمكن أن يقال: إن العصاة لا تمكن توبتهم إلا بهذه الطرق البدعية، بل قد يقال: إن في الشيوخ من يكون جاهلا بالطرق الشرعية عاجزا عنها، ليس عنده علم بالكتاب والسنَّة وما يخاطب به الناس ويسمعهم إياه مما يتوب الله عليهم فيعدل هذا الشيخ عن الطرق الشرعية إلى الطرق البدعية - إما مع حسن القصد إن كان له دين، وإما أن يكون غرضه الترؤس عليهم، وأخذ أموالهم بالباطل - كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] (1) فلا يعدل أحد عن الطرق الشرعية إلى البدعية إلا لجهل، أو عجز، أو غرض فاسد " (2) اهـ.
_________
(1) التوبة: 34.
(2) مجموع الفتاوى (11 / 621 - 623) .
(1/53)

[فصل في الإكثار من الحديث عن العقيدة]
فصل
في الإكثار من الحديث عن العقيدة فإذا وفق الله الداعية، ونال نصيبا وافرا من هذا العلم العظيم، فعليه أن يكثر من الحديث عن أمور العقيدة، والتوحيد، والنهي عن الشرك ووسائله، والكفر وذرائعه، تأسيا بالأنبياء عليهم السلام، وسيرًا على طريقة السلف الصالح، وأن يجعلها أهم مهماته، وأولى بداياته، فإن هذه هي وظيفة الأنبياء والمرسلين - كما تقدم - وأتباعهم إلى يوم القيامة، وليحذر أشد الحذر من إغفال الكلام عن الشرك، ووسائله، والخرافة، وخصال الجاهلية الباقية في الأمة، والتي تقل في وقت، وتكثر في آخر، وغيرها من القوادح، والانشغال بما هو من نتائجها.
وعليه، إن وُفِّق للتصنيف أيضا أن يشتغل بالكتابة، والرد على المناوئين لهذه العقيدة، والمخالفين لها من أهل الأهواء والبدع من سائر الطوائف، وتفنيد شبههم، والرد على افتراءاتهم في النصوص الشرعية، وتلبيساتهم الكلامية والعقلية، وذلك باستخدام الوسائل الممكنة والمتاحة لإيصال الحق وتبليغه ودفع الباطل وتبكيته.
وقد يكون من الواجب على الداعية مطالعة الردود السلفية التي كتبها علماء السنة على أهل البدع في القديم والحديث، للدُربة أولا، وللوقوف على ما لا يمكن أن يجده الداعية في كثير من الكتب من الأدلة السمعية والعقلية.
(1/54)

[فصل في علم السنة]
[حث السلف على التمسك بالسنَّة]
فصل
في علم السنة ومن العلوم التي يجب على الداعية معرفتها والاعتناء بها علم السنة، فإنه لا يمكن أن يُعرف الصحيح من الضعيف والموضوع من الحديث إلا بمعرفة السنَّة وعلومها.
ولذلك من العي في الداعية ألا يكون ذا معرفة أو اطلاع على هذا الفن العظيم؛ لأنه قد يبني مسألة أو حكما أو يتحدث في قضية يكون مصدرها وأساسها حديثا ضعيفا أو موضوعا، وهذا مما يُعجل في سرعة سقوطه، ويكون سببا في فقدان الثقة به، وفوق ذلك القول على الله بلا علم.
قال الشعبي رحمه الله: إنما هلكتم حين تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس.
ومتى يعرف الناس السنة، إذا كان الداعية إلى الله تعالى لا يحسنها، وهو الموجه لهم، والمصوب لخطئهم، والمقوم لاعوجاجهم.
فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:. . «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (1) .
_________
(1) صحيح تقدم تخريجه في (ص 51) .
(1/55)

ولقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على حمل السنة وتبليغها للناس، وبين ما للداعية إلى السنة من الأجر العظيم، والثواب الجزيل.
فعن زيد بن ثابت رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها» (1) .
حث السلف على التمسك بالسنَّة: وقد وردت آثار كثيرة عن السلف الصالح تحث على الاعتناء بجانب السنة والاهتمام بها، وجعلها من أولويات الطلب والتعليم والدعوة، فمن ذلك (2) .
قول سفيان الثوري رحمه الله: إنما العلم كله بالآثار.
وقول الأوزاعي رحمه الله: عليك بالأثر وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه بالقول، فإن الأمر ينجلي، وأنت فيه على طريق مستقيم.
وقوله أيضا: إذا بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث، فإياك أن تأخذ بغيره، فإنه كان مبلغا عن الله.
وعن سعيد بن جبير رحمه الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم» فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون - أو يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء - أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: نهى أبو بكر وعمر.
ومع هذا الاهتمام الشديد من السلف الصالح - رضوان الله عليهم - فإن هذا الأمر قد يتأكد وجوبه وشدة العناية به على الدعاة إلى الله تعالى
_________
(1) صحيح أخرجه: الترمذي (4 / 393) ، وابن ماجه (1 / 84، 85 و 2 / 1015) .
(2) انظرها في: " جامع بيان العلم وفضله " لابن عبد البر، و " الفقيه والمتفقه "، و " الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع " للخطيب، و " الآداب الشرعية " لابن مفلح، و " فتح الباري " لابن حجر، شرح كتاب العلم من " الصحيح "، وغيرها كثير.
(1/56)

في هذا الوقت بالخصوص؛ وذلك لكثرة انتشار الأحاديث الضعيفة والمكذوبة، وكثرة المروجين لها، ناهيك عن التعصب لأقوال الرجال، ونصبها للانتصار، والموالاة والمعاداة عليها وترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وسنة أصحابه رضوان الله عليهم، فأصبح كثير من الناس سواء في المسائل العملية الفروعية أو في المسائل الفكرية والمنهجية يذكر من أقوال شيخه وإمامه أو من تأثر به من الأشخاص ويستدل بها أكثر من ذكره لسنة النبي صلى الله عليه وسلم واستدلاله بها، وبما قاله أصحابه رضي الله عنهم حتى أصبحت السنة مهجورة، وعندما تذكر فإنها تعرض باستحياء ووجل، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

[احتراز]
احتراز: ونحتاج - أيها الموفق - ونحن في غمرة الحث على التزام السنَّة، وحشد النصوص الكثيرة الآمرة باتباعها، وضرورة إشاعتها، ودعوة الناس إليها، إلى أن نتنبه وإياك إلى أن الدعوة إلى تطبيق السنة ينبغي أن تكون بالرفق واللين لا بالعنف والغلظة والمخاصمة. كلا!
فالواجب في حق الداعية إلى الله تعالى على بصيرة أن يُعرف الناس بالسنة، وأن ينشرها بقوله وعمله، وذلك من غير خصومة ولا عنف، وإنما بالتحبيب واللين خاصة إذا علمنا أن الناس قد ألفوا كثيرا من الأمور المخالفة للسنة، وهم على ذلك منذ عهد بعيد، يَشِبُّ عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير، فكان من البصيرة أن تكون الدعوة إلى السنة باللين واللطف، وقد قرر هذا غير واحد من أهل السنة.
فقد سأل رجلٌ الإمام أحمد رحمه الله فقال: أكون في المجلس فتذكر فيه السنة لا يعرفها غيري أفأتكلم بها؟ فقال: أخبر بالسنة، ولا تخاصم عليها، فعاد عليه القول فقال: ما أراك إلا رجلا مخاصما.
وقال صالح ابن الإمام أحمد رحمه الله: سألت أبي عن رجل يبتلى بأرض ينكرون فيها رفع اليدين في الصلاة، وينسبونه إلى الرفض، إذا فعل ذلك هل يجوز له ترك الرفع؟ قال أبي: لا يترك، ولكن يداريهم.
(1/57)

[فصل في الوسائل لفهم نصوص الوحيين]
فصل
في الوسائل لفهم نصوص الوحيين وينبغي أن يكون للداعية إلى الله تعالى اهتمام في بعض العلوم والفنون، والتي يستطيع من خلالها فهم نصوص الوحيين، ومن ذلك:
أولا: تفسير القرآن العظيم، وليكن اهتمامه منصبا على التفاسير الخالية من البدعة، أو المشحونة بالنقولات عن بني إسرائيل، أو المليئة بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، إلا أن يكون مميزا للصحيح من غيره، وعنده أدوات التمييز في هذا الشأن، ومن أفضل ما يوصى به: تفسير ابن جرير الطبري، وتفسير ابن كثير، وتفسير البغوي، وتفسير السعدي.
ثانيا: شروح الحديث، وسيأتي مزيد بيان عليها.
ثالثا: الآثار الصحابية، فالداعية إلى الله تعالى لا بد أن تكون له عناية كبيرة بالآثار عن الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، فإن من علامة التوفيق للداعية أن يفهم ما يشكل عليه من النصوص بأقوال الصحابة ومن تبعهم، فإنهم شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وقولهم مقدم على من جاء بعدهم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وانظروا إلى عموم كلام الله - عزَّ وجل - ورسوله لفظا ومعنى حتى تعطيه حقه، وأحسن ما استدل به على معناه آثار الصحابة الذين كانوا أعلم بمقاصده، فإن ضبط ذلك يوجب توافق أصول الشريعة، وجريها على الأصول الثابتة " (1) .
_________
(1) مجموع الفتاوى (3 / 228) .
(1/58)

وقال رحمه الله مبينا منزلة الصحابة في الدين: " وللصحابة فهمٌ في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين، كما أن لهم معرفة بأمور السنَّة وأحوال الرسول لا يعرفها أكثر المتأخرين؛ فإنهم شهدوا الرسول والتنزيل، وعاينوا الرسول وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله ما يستدلون به على مرادهم ما لم يعرفه أكثر المتأخرين الذين لم يعرفوا ذلك. . . " (1) .
رابعًا: العلوم المساعدة، والمقدمات في العلوم والفنون؛ كأصول الفقه، والقواعد الفقهية، والمصطلح، وغيرها من هذا الجنس من العلوم.
خامسا: الإعراب: خشية الوقوع في اللحن، ولفهم مراد الشارع الحكيم.
وقد ذكر بعض أهل العلم أن من العلوم التي تلزم صاحب الحديث معرفته للإعراب؛ لئلا يلحن، وليورد الحديث على الصحة.
ولذلك يشين بالداعية إلى الله تعالى أن يلحن في الحديث، ويسقط قدره عند ذلك.
قال عبد الملك بن مروان رحمه الله: اللحن في الكلام أقبح من آثار الجدري في الوجه.
وقال ابن شبرمة رحمه الله: إذا سرك أن تعظم في عين من كنت في عينه صغيرا، أو يصغر في عينك من كان فيها كبيرا، فتعلم العربية؛ فإنها تجرئك على المنطق، وتدنيك من السلطان.
_________
(1) مجموع الفتاوى (19 / 200) .
(1/59)

[فصل في العناية بمعرفة الأحكام]
فصل
في العناية بمعرفة الأحكام والمقصود: ما يحتاجه الناس من أمور العبادات، والمعاملات، وغير ذلك من شؤونهم الخاصة والعامة، فينبغي للداعية أن يكون بصيرا بهذا كله، وأن يعتني بمعرفة الأحكام الشرعية على التفصيل، وتحقيق المسائل، وذلك بالرجوع إلى كتب أهل العلم في كل فن، مثل كتب المحدثين، والمفسرين، والفقهاء، ويراجع الأكابر من أهل العلم المعاصرين للإفادة من تجاربهم في التعليم والفتوى، وفقه الخلاف، ويتدرب على معرفة الراجح فيما فيه اختلاف، ووجه رجحانه، ومعرفة أدلة المخالفين من أهل المذاهب المعتبرة؛ لأن من الفقه معرفة الخلاف، كما قال سعيد بن جبير رحمه الله: أعلم الناس أعلمهم بالاختلاف.
وليس المقصود بمعرفة الاختلاف حفظ الأقوال في المسألة الواحدة عن الأئمة الأربعة وغيرهم فقط، فهذا قد يحسنه كل أحد، وبإمكان أصغر طويلب علم أن يراجع بداية المجتهد لابن رشد، أو المغني لابن قدامة، ويقول: في المسألة قولان، أو ثلاثة أقوال، وإنما المقصود معرفة قواعد الأئمة وأصولهم، وطريقة استنباطهم للأحكام، وكيفية تعامل فقهاء المذاهب مع أصول الأئمة.
فمعرفة هذا الأمر تورث الداعية إلى الله تعالى ملكة في كيفية التعامل مع النصوص الشرعية، وكيفية الاستنباط، وسعة الأفق، ومعرفة الراجح في المسألة، ووجه رجحانه، وتزرع في قلبه محبة لهؤلاء الأفذاذ من أهل
(1/60)

العلم، عندما يقف على اجتهاداتهم واستنباطاتهم، وأنهم على علم عميق، وفهم دقيق، فرحمهم الله، وأعلى درجتهم، آمين.
وينبغي على الداعية إلى الله تعالى على بصيرة أيضا أن يعتني بالكتب التي شرحت الأحاديث على طريقة الفقهاء، وأيضًا لا يغفل قراءة فتاوى وتقريرات العلماء الأكابر المقروءة منها والمسموعة.
فالداعية إلى الله تعالى لا يكفيه أن يعرف ظاهر السنة فقط، بل لا بد من الغوص في فقهها، وجمع الأحاديث في الباب الواحد، وطريقة الترجيح في حال التعارض الذهني بينها.
فإن هذه هي الطريقة السلفية والمحجة الصحابية التي ينبغي أن يكون الدعاة إلى الله تعالى أحق بها وأهلها.
فكما أن السلف الصالح حاربوا ظاهرة اعتماد أقوال الرجال، والتعصب والانتصار لها، وليّ أعناق النصوص وإخضاعها وفق قواعد الأئمة، فإنهم أيضا خطأوا ما ذهب إليه بعضهم من اعتماد ظاهر الحديث دون النظر إلى فقهه، ولقبوا أصحاب هذا النمط من التعامل مع النصوص بالظاهرية، لوقوفهم على ظاهرة النص فقط.
ولذلك نجد في نصوص الأئمة الأكابر تغليظا على صنفين من أهل الحديث، صنف أوغل في معرفة الأسانيد فقط، وذهب فيها أبعد مذهب، وتوسعوا فيها توسعًا زائدًا عن حده في معرفة طرق الحديث وعلله حتى فاتهم الفقه.
وصنف اهتم بظاهر النص، ولم يلتفت إلى فقهه، ولا الحكمة والتعليل فيه، إن كان مما يصلح فيه التعليل.

[حث الأئمة على التفقه]
حث الأئمة على التفقه: وإليك - يا رعاك الله - بعض النقولات عن الأئمة في فضل الفقه (1)
_________
(1) منقولة من كلام ابن الجوزي في " صيد الخاطر "، وابن مفلح في " الآداب الشرعية ".
(1/61)

وضرورة إتقانه، والنهي عن الانشغال عنه، قال أحمد بن الحسن الترمذي رحمه الله: سمعت أبا عبد الله يعني: الإمام أحمد يقول: إذا كان يعرف الحديث ويكون معه فقه أحب إليَّ من حفظ الحديث ولا يكون معه فقه.
وقال الأثرم رحمه الله: سأل رجل أبا عبد الله عن حديث، فقال أبو عبد الله: الله المستعان تركوا العلم، وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم.
وقال الشافعي رحمه الله ليونس بن عبد الأعلى: عليك بالفقه فإنه كالتفاح الشامي يحمل من عامه.
وقال ابن الجوزي رحمه الله: الفقه عمدة العلوم.
وأملى الشافعي رحمه الله على مصعب بن عبد الله بن الزبير أشعار هذيل ووقائعها وأيامها حفظا، فقال له: يا أبا عبد الله، أين أنت بهذا الذهن عن الفقه؟ فقال: إياه أردت.
وقال محمد بن الحسن رحمه الله: كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام، وكان يقول: لعن الله عمرو بن عبيد لقد فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم.
وقال الربيع رحمه الله: مر الشافعي بيوسف بن عمرو وهو يذكر شيئا من الحديث فقال: يا يوسف، تريد تحفظ الحديث وتحفظ الفقه؟ ! هيهات.
ومن البصيرة في هذا الباب العظيم: أن يتفطن الداعية إلى الله تعالى على بصيرة إلى أن العلم ليس هو الحفظ فقط، أو الوصول إلى الراجح من الأقوال بل هو الفقه في أدائه وتبليغه، فليس كل ما يعرف يقال، ولذلك من اللازم على طالب العلم معرفة المعتمد من الفتوى عند أهل البلد، والفقه في التعامل مع هذا المعتمد، الذي خالفه باجتهاد رآه مثلا، مع الأخذ بالاعتبار توفر أدوات الاجتهاد والاستنباط عند الداعية المجتهد،
(1/62)

فقاعدة الشرع التي لا تنخرم هي وجوب الاجتماع، وبذل أسبابه ووسائله، والنهي عن الافتراق وسد ذرائعه ومفضياته، ولذلك من البصيرة أن يحتفظ الداعية في المسألة التي اجتهد فيها، وهو في بلد يعتمد خلاف ذلك، مما يسوغ فيه الخلاف، بل قد يحتفظ بما عنده، ولو كان مما لا يسوغ فيه الخلاف، من اختلاف التضاد، إذا كانت المخالفة تفضي إلى مفسدة راجحة، متحققة كانت أو مظنونة، خاصة إذا كان في بلد قد أوغل أهله في البدعة وفي التعصب لأصحاب المذاهب أو لأقوال الرجال.
ومن البصيرة في أبواب الفقه: أن يحتاط الداعية للعامة في الأشياء الجائزة لسد باب التساهل أو الخلل، وهذا هو منهج الأئمة رحمهم الله، ولعل من المناسب أن نضرب على ذلك مثالا:
فقد سئل مالك - رحمه الله - عن المرة الواحدة في الوضوء، قال: لا، الوضوء مرتان مرتان، أو ثلاث ثلاث، مع أنه لم يحد في الوضوء ولا في الغسل إلا ما أسبغ.
قال اللخمي رحمه الله: " وهذا احتياط وحماية؛ لأن العامي إذا رأى من يقتدي به يتوضأ مرة فعل مثل ذلك، وقد لا يحسن الإسباغ بواحدة، فيوقعه فيما لا تجزئ الصلاة به " (1) .

[خطر الإفتاء بغير علم]
خطر الإفتاء بغير علم: ولا يضر الداعية أن يتوقف في المسائل المشكلة التي لم يتبين فيها وجه الصواب، أو لم يحضره الدليل، فلا شيء يعدل السلامة، فيسعه ما وسع غيره من أهل العلم، بل الجهابذة من العلماء كانوا يتوقفون في المسائل التي لا يحضرهم الدليل فيها، ويقولون: لا نعلم، وجعلوا من نصف العلم قول " لا أعلم " حتى إن التوقف في المسائل الفروعية مذهب مرتضى يذكره الفقهاء في كتب الخلاف.
_________
(1) الموافقات للشاطبي (4 / 120) ، الذخيرة للقرافي (1 / 286) .
(1/63)

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله.
وقال مالك رحمه الله: كان يقال: إذا أَغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله.
وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المسلمين، وسيد العالمين، يُسأل عن الشيء فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء.
وقال الشعبي رحمه الله: لا أدري نصف العلم.
وقال أحمد رحمه الله في رواية المروذي: كان مالك يُسأل عن الشيء فيقدم ويؤخر يتثبت، وهؤلاء يقيسون على قوله ويقولون: قال مالك.
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: مِنْ علم الرجل أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم؛ لأن الله عز وجل قال لرسوله عليه الصلاة والسلام: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] (1) .
وقال الإمام أحمد رحمه الله في رواية المروذي: ليس كل شيء ينبغي أن يتكلم فيه، وذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كان يُسأل فيقول: لا أدري حتى أسأل جبريل» .
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد رحمهما الله تعالى: سمعت أبي يقول: كان سفيان لا يكاد يفتي في الطلاق ويقول من يحسن ذا؟ ! من يحسن ذا؟ !
وقال في رواية أبي الحارث: وددت أنه لا يسألني أحد عن مسألة، أو ما شيء أشد علي من أن أسأل عن هذه المسائل.
وقال سفيان رحمه الله: لقد كان الرجل يُستفتى فيفتي وهو يرعد.
_________
(1) سورة ص: 86.
(1/64)

وقال أيضًا: من فتنة الرجل إذا كان فقيها أن يكون الكلام أحب إليه من السكوت.
وقال المروذي رحمه الله لأبي عبد الله: إن العالم يظنونه عنده علم كل شيء، فقال: قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون.
وكان الإمام أحمد رحمه الله ينكر على من يتهجم في المسائل والجوابات ويقول: ليتق الله عبد، ولينظر ما يقول، وما يتكلم، فإنه مسؤول.
ونقل محمد بن أبي طاهر رحمه الله عن الإمام أحمد أنه: سئل عن مسألة في الطلاق، فقال: سل غيري، ليس لي أن أفتي في الطلاق بشيء.
وقال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا بقول من تقدم وإلا فلا يفتي.
وقال أيضا رحمه الله: من تكلم في شيء ليس له فيه إمام أخاف عليه الخطأ.
قال ابن أبي ليلى رحمه الله: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتوى.
وقال مالك رحمه الله عن القاسم بن محمد: إن من إكرام المرء لنفسه ألا يقول إلا ما أحاط به علمه.
وقال سعيد بن جبير رحمه الله: ويل لمن يقول لما لا يعلم إني أعلم.
وقال ابن مهدي رحمه الله: سأل رجل مالك بن أنس عن مسألة فطال ترداده إليه فيها، وألح عليه، فقال: ما شاء الله يا هذا! إني لم أتكلم إلا فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه.
(1/65)

وقال ابن وهب رحمه الله: سمعت مالكا يقول: العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرق، وكان يقال: التأني من الله والعجلة من الشيطان.
وقال محمد بن المنكدر رحمه الله: العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم.
وقال يحيى بن سعيد رحمه الله: كان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتي فتيا، ولا يقول شيئا إلا قال: اللهم سلمني وسلم مني.
قال ابن معين رحمه الله: الذي يحدث بالبلدة وبها من هو أولى منه بالحديث فهو أحمق.
وقال أيضا: إذا رأيتني أحدث في بلدة فيها مثل علي بن مسهر فينبغي للحيتي أن تحلق، وأمر يده على عارضيه.
وقال سفيان رحمه الله: أدركت الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا، حتى لا يجدوا بُدًّا من أن يفتوا.
وقال: أعلم الناس بالفتيا أسكتهم عنها، وأجهلهم بها أنطقهم فيها.
وبكى ربيعة رحمه الله، فقيل: ما يبكيك؟ فقال: استُفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم.
يقول الشعبي رحمه الله: والله، إني لأستحي أن أعرف الحق ثم لا أرجع إليه.
وقد يستغرب القارئ الكريم من كثرة نقلي عن السلف في هذا الأمر، وغرضي من ذلك إيقاف القارئ على حال السلف، رضوان الله عليهم أجمعين، وخوفهم من الفتوى، وهروبهم عنها، وتمنيهم لو أنهم كُفُوا من غيرهم، بخلاف ما نحن عليه في هذا الزمان من الجرأة العجيبة على الفتوى، والتقول على الله بغير علم من جهال لم يفقهوا، وجذعان لم يقرحوا، وأيضا التسرع لدى كثير من طلبة العلم في إصدار الفتاوى والأحكام من دون روية ولا دراسة، وقد تكون بعض الأحكام التي
(1/66)

توصلوا إليها على صواب بحثا، لكن قد يكون من المصلحة كتمانها، أو تأخير وقت إعلانها، أو غير ذلك مما يدركه أهل الفقه والدين، فنحن في وقت لسنا بحاجة فيه إلى بيان ضرورة التصدر والتعليم؛ لكوننا مبتلين بالتجاوز فيه، فلدينا جرأة غريبة على القول بالتحليل والتحريم من أناس قد يفتقدون إلى أبجديات العلم، فالحاجة ملحة إلى بيان خطورة الفتوى، والتسرع فيها، وبيان عواقبها.
(1/67)

[فصل في ضرورة الاعتناء بمعرفة القواعد والضوابط العامة للدين ومقاصد الشريعة وأصولها]
فصل
في ضرورة الاعتناء بمعرفة القواعد
والضوابط العامة للدين ومقاصد الشريعة وأصولها إن من أهم الأشياء التي يجب على الداعية الاعتناء بها وضبطها هي القواعد والأصول العامة للدين، والألفاظ العامة والخاصة الواردة في القرآن والسنة وضبطها، مثل لفظ: " الظلم والمعصية، والفسوق، والفجور، والموالاة، والتولي، والمعاداة، والركون، والشرك، ونحو ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة التي قد يراد مسماها المطلق وحقيقتها المطلقة، وقد يراد بها مطلق الحقيقة، والأول هو الأصل عند الأصوليين، والثاني لا يحمل الكلام عليه إلا بقرينة لفظية أو معنوية. . . " (1) .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض حديثه عن معرفة حد الأسماء التي علق الله تعالى بها الأحكام في الكتاب والسنة: " منها ما يعرف حده ومسماه في الشرع، فقد بينه الله ورسوله كاسم الصلاة والزكاة، والكفر والنفاق، ومنه ما يعرف حده باللغة كالشمس، والقمر، والسماء والأرض، ومنه ما يرجع حده إلى عادة الناس وعرفهم، فيتنوع بحسب عادتهم كاسم البيع والنكاح، والقبض والدرهم والدينار، ونحو ذلك من
_________
(1) من كلام العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ضمن مجموع (الرسائل المفيدة ص 12) (بتصرف يسير) .
(1/68)

الأسماء التي لم يحدها الشارع بحد، ولا لها حد واحد يشترك فيه جميع اللغة " (1) .
فمعرفة دلالات الألفاظ على المعاني ومباحث الألفاظ والدلالة والحقيقة والمجاز المبسوطة في كتب الأصول وتحريها في مرتبة الضرورة للداعية، وهي تزيد من قيمته، لأنه بهذا المنهج يستطيع أن يتعامل مع الوقائع والأحداث الفردية والعامة، والحوادث، والنوازل، بكل يسر وسهولة، ولا خوف عليه، إنما الذي يخشى عليه من يفقد هذا النوع من الفقه؛ فإن أحكامه في الغالب تأتي مشلولة أو متناقضة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات؛ ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم " (2) .
ويظهر مما سبق ذكره أن من أكثر المجالات التي يحتاج فيها الداعية إلى ضبط ألفاظها ومصطلحاتها هو المجال الفقهي؛ ذلك لأن أكثر أحوال الناس وأعمالهم منضبطة بالشرع من الناحية العملية، لما يترتب عليه من إصدار الفتاوى.
وأيضا مما ينبغي على الداعية التبصر به في هذا الباب المصطلحات العصرية، والألفاظ الدارجة على ألسنة العامة أو أصحاب الاختصاصات، وتخريجها على القواعد والأصول المعروفة في كتب الفقه؛ لأنه لا يمكن أن يكون المرء فقيها بحق إلا بمعرفة هذه الأشياء التي قد تتعلق بالطلاق، والأيمان، وفي العقود، والمعاملات، والسندات، والعولمة، وغيرها كثير.
ولذلك يعظم قدر الداعية إلى الله ويشرف بقدر إحاطته بالنصوص الشرعية، وتتبع أقوال السلف فيها، وإلمامه بالقواعد والضوابط والأصول
_________
(1) مجموع الفتاوى (19 / 235) .
(2) مجموع الفتاوى (19 / 203) .
(1/69)

العامة للدين، ومعرفة أقوال أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين لا سيما سلف الأمة، ومعرفة مقاصد الشريعة، والمصالح والمفاسد وضبطهما؛ لأنه يخاطب الناس، ويتحدث إلى شرائح متنوعة في المجتمعات، ويتعرض لمواقف كثيرة، ونوازل ومستجدات عظيمة، ولذلك تجد الملم بقواعد الدين وأصوله أقرب الناس إلى روح السلف الصالح، والألصق إلى لغتهم في التعبير ولهجتهم في الخطاب، فهو يعرف ما حقه التقديم، وما حقه التأخير، ويعرف خير الخيرين، وشر الشرين؛ فمعرفة الخير من الشر - في الواقع - لا تحتاج إلى إعمال فكر وتعب، ولا يتميز شخص عاقل بأنه يعرف الخير من الشر؛ فهذه تدرك بمقدمات العقول قبل أواخرها، وباستطاعة كل ذي عقل أن يدركها، فهي من البدهيات، إنما الذي يحتاج إلى إعمال فكر وتعب هو معرفة خير الخيرين، وشر الشرين، وأيهما أحق بالتقديم أو التأخير.
إن اللبيب إذا بدا من جسمه ... مرضان داوى الأكبرا
يقول ابن رجب رحمه الله: " فالعلم النافع من هذه العلوم كلها ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق، والمعارف، وغير ذلك، والاجتهاد في تمييز صحيحه من سقيمه أولا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشُغل لمن بالعلم النافع عُني واشتغل " (1) .
والداعية الذي له صلة بالقواعد والضوابط الشرعية والأصول المرعية التي قعَّدها السلف الصالح - وهم الذين أُمرنا بالاقتداء بهم والسير على طريقهم - في جميع أموره وأحواله، ويجعلها منطلقا له في دعوته وتوجيهه الناس سيوفق بإذن الله، وقد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع.
_________
(1) فضل علم السلف على الخلف (ص 150) .
(1/70)

قال ابن القيم رحمه الله: " صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أُعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المُنْعَم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أُمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة؛ وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق، وترك التقوى " (1) .
وأيضا عليه الاهتمام بمقاصد الشريعة، وحِكمها، ومحاسنها، فإن الاهتمام بمقاصد الشريعة من أولى ما ينبغي على الداعية الاهتمام به.
يقول ابن القيم في أول الفصل الذي عقده في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، وأن بناء الشريعة على مصالح العباد في المعاش والمعاد: " هذا فصل عظيم النفع جدا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يُعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل.
فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم، أتم دلالة وأصدقها، وهي
_________
(1) إعلام الموقعين (1 / 87) .
(1/71)

نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء، والدواء والنور، والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود، فإنما هو مستفاد منها وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس، وقوام العالم، وبها يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة " (1) .
فهذه الأمور من المهم للداعية أن يتقنها، وذلك لضمان نجاح دعوته بإذن الله، ولا يعني هذا بالضرورة أن يكون ملما بكل ما سبق، فهذا مما لا يحصل إلا نادرا، بل هناك أشياء يجب وجوبًا عينيا أن يكون محيطا بها، وهناك أشياء هي من مكملات وظيفته تطلب من مظانها.
_________
(1) إعلام الموقعين (3 / 14، 15) .
(1/72)

[المحور الثاني البصيرة في حال المدعوين وكيفية دعوتهم]
[مدخل]
المحور الثاني
البصيرة في حال المدعوين وكيفية دعوتهم
(1/74)

مدخل قد مضى الحديث عن البصيرة فيما يدعو إليه من تصدر للدعوة إلى الله تعالى، وعلمنا أن نجاح الدعوة إلى الله تعالى مرهون بالعلم الشرعي المؤصل، وأن من دعا إلى الله تعالى بجهل، فإنه قد خالف أمر الله تعالى في الدعوة إليه على بصيرة وعلم، وأن ضرره وفساده متحقق ولا شك.
فإذا وفق الله تعالى الداعية إلى العلم الشرعي، ونال نصيبًا وافرًا منه، فإن الواجب عليه أن يعرف كيفية أداء هذا العلم، والطريق المناسبة التي يبلغ بها الدين، وهذا لا يتم إلا بمعرفة أصناف المدعوين، ولن ينجح الداعية إلى الله تعالى إذا لم يعرف من يدعوهم، سواء كانوا مسلمين أو كفارا، ولا مستويات ثقافتهم، وأيضًا لن يوفق إذا لم يكن عنده دراية ومعرفة بوسائل وأساليب وطرق الدعوة إلى الله تعالى، فهذه هي الأدوات التي يستعملها الداعية إلى الله تعالى لكسب المدعوين، وهذا ما سأتناوله في هذا المحور، وهو البصيرة في حال المدعوين وكيفية دعوتهم، مبينًا أصناف المدعوين، ومضمنا الحديث عن الوسائل والأساليب الشرعية التي يمكن للداعية أن يستخدمها في مجال دعوته.
(1/75)

[فصل البصيرة في حال المدعوين وكيفية دعوتهم]
فصل
البصيرة في حال
المدعوين وكيفية دعوتهم من البصيرة في الدعوة إلى الله تعالى: أن يكون الداعية على علم بحال المدعوين، فلا يمكن أن يكون خطاب الداعية إلى الله تعالى واحدا لجميع المدعوين، فالناس فيهم الكبير والصغير، والحاكم والمحكوم، والذكر والأنثى، والكافر والمسلم، والعاصي والمؤمن، والأعجمي والعربي، والمثقف والعامي، وهؤلاء يتفاوتون بلا شك من جهات شتى، فيحتاج كل واحد منهم إلى خطاب يخصه به، وقد يجمع الموفق في الخطاب الواحد ما يناسب الجميع.
وأيضا من البصيرة في حال المدعوين دراسة البيئة المحيطة بهم، ومحاولة ترتيب الأولويات التي ينبغي البدء بها، ومعرفة عادات الناس، وهذه الاهتمامات لا يوفق إليها إلا النابه من الدعاة، الذي يتلمس النجاح لدعوته عن طريق استيعاب هذه الأشياء.
ولذلك علمنا ربنا سبحانه وتعالى كيف ندعو إليه، مبينا لنا أصناف المدعوين والفوارق البينية بينهم في قوله سبحانه وتعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] (1) ويؤكد هذا
_________
(1) النحل: 125.
(1/76)

النبي صلى الله عليه وسلم تأكيدا بينا واضحا بقوله وبفعله، ففي بعثه لمعاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن علمه كيف يدعو القوم هنالك بعد أن أعلمه بحالهم وجنسهم وثقافتهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة» (1) .
وقد سجلت لنا السيرة مواقف عظيمة في استعمال النبي صلى الله عليه وسلم أساليب ووسائل متنوعة في دعوة الآخرين بناء على اختلاف أجناسهم، وأفهامهم، وهيئاتهم، وسيمر معنا شيءٌ من هذا في ثنايا هذا القسم من الرسالة.
فإذا امتلك الداعية إلى الله هذا النوع من البصيرة تجاه المدعوين؛ فهذا يعني بالضرورة أنه قادر على التكيف والانسجام، والتعامل بوضوح مع الحقائق، ولديه الاستطاعة على ترتيب الأولويات، في مخاطبة الجمهور والأفراد.
ولنعد إلى الآية الكريمة التي أمرت بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، فهي تشير في الحقيقة إلى أصناف المدعوين الذين يواجههم الداعية في ميدان دعوته، وهم ثلاثة أصناف:
صنف يدعى بالحكمة.
صنف يدعى بالموعظة الحسنة.
وصنف يجادل بالتي هي أحسن.
وقد بين شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله هذه الأصناف الثلاثة بقوله: " الناس ثلاثة أقسام، إما أن يعترف بالحق ويتبعه، فهذا صاحب الحكمة، وإما أن يعترف به لكن لا يعمل به، فهذا يوعظ حتى
_________
(1) أخرجه: البخاري (3 / 261) ، ومسلم (1 / 196) .
(1/77)

يعمل، وإما ألا يعترف به، فهذا يجادل بالتي هي أحسن؛ لأن الجدال فيه مظنة الإغضاب، فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان كدفع الصائل " (1) .
ولنشرع في ذكر ذلك على سبيل التفصيل:
_________
(1) مجموع الفتاوى (2 / 45) .
(1/78)

[فصل الدعوة إلى الله بالحكمة]
[المعنى اللغوي للحكمة]
فصل
الدعوة إلى الله بالحكمة المعنى اللغوي للحكمة: ذُكرت الحكمة في نصوص الكتاب والسنة، وتطلق ويراد بها معان عديدة، فتطلق ويراد بها العلم، والفقه في الدين، والسُّنة، والعقل، والورع، وأشياء أخرى، قال القرطبي رحمه الله: " وهذه الأقوال كلها قريبة بعضها من بعض؛ لأن الحكمة مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الحبس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم حكمة، وكل ما ذكر من التفصيل حكمة " (1) .
وفي تعريفات اللغويين نجدهم حينما يعرفون الحكمة يرجعونها إلى أصلها اللغوي، وهي (2) حَكَمة اللجام، وهي الحديدة التي تحيط بحنكي الدابة، والغرض منها منع الدابة من الجري الشديد، والمتأمل في هذا يجد أن هناك ارتباطا وثيقًا بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؛ فكأن صاحب الحكمة يمنع نفسه من أن تطوح به بعيدا، ويلجمها بهذه الحكمة، فتأخذ أسهل الطريق وأصوبه (3) .
_________
(1) الجامع لأحكام القرآن (3 / 330) .
(2) مفردات الراغب مادة حكم.
(3) لسان العرب لابن منظور (12 / 143) ، النهاية في غريب الحديث والأثر (1 / 119) .
(1/79)

ولذلك يعرفون الحكيم بأنه: المتقن للأمور، المانع من الفساد (1) .
فنفعه متعد، فهو صالح في نفسه مصلحٌ لغيره.

[المراد من الحكمة في باب الدعوة]
المراد من الحكمة في باب الدعوة: إذا الحكمة كلمة عظيمة، وهي من الألفاظ المشتركة كما تبين تعريفها مما سبق، ويبقى التعريف المناسب لها في المجال الدعوي الذي نحن بصدده، وفي الحقيقة لم أجد أبلغ من تعريف ابن القيم رحمه الله لها حيث ذكر بأنها: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي (2) .
وأما معناها في هذه الآية فيراد منها الأدلة المقنعة الواضحة والكاشفة للحق والداحضة للباطل من الكتاب والسنَّة، والطرق الصحيحة الموصلة لهذه الأدلة من الكتاب والسنة، واستخدام الوسائل والأساليب المشروعة في الدعوة إلى الله تعالى، وذلك لدلالة سياق النص عليها، وأنها جاءت في معرض الدعوة إلى الله تعالى.

[معاني الحكمة في القرآن الكريم]
معاني الحكمة في القرآن الكريم: ويذكر ابن القيم رحمه الله أنواع الحكمة الواردة في القرآن فيقول: " إن الحكمة في كتاب الله نوعان: مفردة، ومقرونة بالكتاب، فالمفردة كقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] (3) وقوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] (4) .
وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان: 12] (5) . . .
_________
(1) لسان العرب (12 / 143) ، الجامع لأحكام القرآن (1 / 288) .
(2) مدارج السالكين (2 / 479) .
(3) النحل: 125.
(4) البقرة: 269.
(5) لقمان: 12.
(1/80)

أما الحكمة المقرونة بالكتاب فهي السنة من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وتقريراته، كقوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129] (1) (2) .
وقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} [البقرة: 231] (3) .
وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] (4) .
ونقل عن الشافعي رحمه الله وغيره من الأئمة تفسيرهم للحكمة هنا بمعنى السنَّة (5) .
والداعية إلى الله تعالى يحتاج إلى الحكمة في بيان أصول الدين وفروعه، وفي طريقة التبليغ، وأسلوب الأداء، وأستطيع الجزم بأن من لم يؤطر دعوته بالحكمة ويجعلها منطلقا له في جميع أموره ومواقفه فإن الفشل حليفه لقول الله تعالى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269] (6) .
_________
(1) سورة البقرة: 129.
(2) مدارج السالكين (2 / 478) .
(3) البقرة: 231.
(4) الجمعة: 2.
(5) مدارج السالكين (2 / 478) لابن القيم.
(6) البقرة: 269.
(1/81)

[فصل في أركان الحكمة]
[الركن الأول العلم]
فصل
في أركان الحكمة يذكر كثير من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل التحقيق والنظر أن الحكمة لها أركان ثلاثة لا بد من توافرها، فهي عمادها وأسها، وهذه الأركان هي: العلم، والحلم، والأناة.
الركن الأول: العلم: فالمقصود به العلم النافع، وقد ذكرت جملة من النصوص والآثار بخصوصه في أول الرسالة، ويذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى تقسيم العلم النافع إلى ثلاثة أقسام (1) .
الأول: العلم بالله وأسمائه وصفاته، مثل سورة الإخلاص، وآية الكرسي، ونحوها.
الثاني: العلم بما أخبر به مما كان وما يكون وما هو كائن، مثل القصص، والوعد والوعيد.
الثالث: العلم بما أمر الله به من العبادة الظاهرة، والباطنة، مثل العلم بأصول الإيمان، وقواعد الإسلام، والأحكام الفقهية، ونحوها من علوم الدين. اهـ.
_________
(1) مجموع الفتاوى (11 / 396 و397) .
(1/82)

[الركن الثاني الحلم]
الركن الثاني: الحلم: وأما الحلم: فهو أيضا أحد أركان الحكمة، ويعرفه العلماء بأنه ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب (1) .
وقد جاء الثناء على صفة الحلم، وعلى المتصفين به في الكتاب والسنة كثيرا، وقد أثنى الله تعالى على عبده وخليله إبراهيم عليه السلام بالحلم فقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود: 75] (2) .
وقال تعالى لخاتم رسله صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] (3) .
وقال تعالى في وصف الصالحين: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] (4) .
وقال تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] (5) .
وقال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] (6) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشج عبد قيس لما وفد عليه مع قومه: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة» (7) .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه» (8) .
_________
(1) انظر: " التعريفات " للجرجاني ص82.
(2) هود: 75.
(3) آل عمران: 159.
(4) آل عمران: 134.
(5) الشورى: 43.
(6) الأعراف: 199.
(7) أخرجه مسلم (1 / 188) .
(8) أخرجه مسلم (16 / 146) .
(1/83)

وعنها أيضا رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (1) .
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم من لا يتصف بالرفق محروما من الخير، فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله» (2) .
فالحلم إذا هو: تجرع الغيظ هنا وهو دعامة العقل، وعلامة على علو الهمة، وثقة النفس، فلا يحركها الغضب بسرعة، فتجد الحليم من أوسع الناس صدرا، وألينهم عريكة، وأشدهم ثباتا، وأقواهم جنانا، لا تستفزه بداءات الأمور، وينظر إلى عواقبها ومآلاتها، ولذلك من يفتقد هذه الخلة قد يفسد أكثر مما يصلح (3) .
قيل لعمر بن الأهتم: من أشجع الناس؟ قال: من رد جهله حلمُه.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، ومروءته خلقه.
وقال الحسن البصري: ما استودع الله أحدا عقلا إلا استنقذه به يوما ما.
وقال بعض الأدباء: صديقُ كل امرئ عقله، وعدوه جهله.

[الركن الثالث الأناة]
الركن الثالث: الأناة: وأما الأناة: فهي التثبت وعدم العجلة، سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن الحلم والأناة، فقال: توأمان ينتجهما علو الهمة.
وقد ورد النهي عن العجلة في نصوص الكتاب والسنة، وفي أقوال السلف، والحكماء، والشعراء، والمقصود بالعجلة في غير أمور الآخرة.
_________
(1) أخرجه مسلم (16 / 146) .
(2) أخرجه مسلم (16 / 145) ، وأبو داود (5 / 157) بزيادة كلمة " كله ".
(3) انظر: مجموع الفتاوى (28 / 136 و137) .
(1/84)

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ - إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ - فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ - ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 16 - 19] (1) .
فأمره سبحانه بعدم العجلة، وذلك بمسابقة المَلَك في قراءته، وتكفل له سبحانه وتعالى أن يجمع له القرآن في صدره، وأن ييسر له بيانه.
وقال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] (2) .
وبين تعالى أن العجلة من طبع الإنسان؛ لتنبيهه على ضرورة التعامل بضدها، فقال عز وجل: {وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء: 11] (3) .
وأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتأني في جميع الأمور، والتثبت منها، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] (4) .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94] (5) .
فنلحظ مما سبق أن أركان الحكمة بينها ارتباط وثيق، وأنها كالقلب والجناحين للطائر.
فالعلم هو القلب، والحلم والأناة هما الجناحان.
_________
(1) القيامة: 16- 19.
(2) طه: 114.
(3) الإسراء: 11.
(4) الحجرات: 6.
(5) النساء: 94.
(1/85)

ولا يمكن للطائر أن يطير إلا بهما، وهكذا الداعية في دعوته.
ويأتي العمل بالحكمة في الدعوة إلى الله تعالى على صور شتى، وذلك على حسب نوعية العمل الذي يقوم به الداعية، ولنأخذ بعض التطبيقات على ذلك.
(1/86)

[فصل تطبيقات الحكمة في أبواب التعليم والفتوى وغيرهما]
[المسألة الأولى الحكمة في باب التعليم]
[اختيار المتعلم]
فصل
تطبيقات الحكمة في
أبواب التعليم والفتوى وغيرهما وأذكر في هذا الفصل المسائل التالية:
المسألة الأولى: الحكمة في باب التعليم: ينبغي على الداعية إلى الله تعالى، أن يكون بصيرا بأحوال المتعلمين، عارفا بهم، مقدما لهم ما يصلحهم وينفعهم، مربيًا لهم على المنهاج الصحيح في التعليم، مؤدبا لهم، يقول الله تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] (1) قال ابن عباس رضي الله عنهما: الرباني: هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره اقتداءً بالرب في تيسير الأمور (2) .
وقد ذكر أهل العلم جملة من الآداب التي ينبغي أن يكون عليها المُعلم مع المتعلمين، وهي من الحكمة في التعليم وذلك لدقتها، ولكونها أكثر نفعا وفائدة من تركها أو التخلي عنها، ولأجل هذا يوصف من يحسنها من أهل العلم، بالفطن، والكيِّس، واللوذعي، والحكيم، ومن ذلك:
_________
(1) آل عمران: 79.
(2) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (4 / 122) .
(1/87)

1 - اختيار المتعلم: فمن البصيرة في هذا الباب احترام هذا العلم وعدم ابتذاله، فالداعية مع المتعلمين كالطبيب الحاذق، يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع، ولذلك كان أهل العلم يوصون بألا يُعلَّم من لا يستحق العلم، كما أنه لا يحرم من يستحقه إجلالًا لهذا العلم وتعظيما له.
يقول الشافعي رحمه الله:
ومن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم
وقد قيل: ما كل تريبةٍ تحتمل القلائد، ولا كل ضريبةٍ تستحق الفوائد.
قيل لأبي سنان رحمه الله: تموت وتدخل علمك معك القبر! فقال: ذاك أحب إلي من أن أجعله في إناء سوء.
فعلى الداعية أن يكون حكيما في هذا الأمر، ولا يعطي العلم إلا من يستحقه، وليحذر من تعليم أهل الأهواء والبدع، وأهل الفسق والمجون، فإن مفاسد تعليمهم عظيمة، ومخاطرها جسيمة، وليتخير لعلمه.

[اختيار الفن المناسب للمتعلم]
2 - اختيار الفن المناسب للمتعلم: فمن الحكمة أن يلتصق المعلمُ بالطالب، وأن يختار له الفن المناسب، وذلك بعد الاجتهاد في حاله، ومعرفة ما يحسنه، أو يكون الأنسب له.
فكثير من العلماء وطلاب العلم بعيدون عن طلابهم، غير سابرين لأغوار نفوسهم، ولا لمدى قدراتهم واستيعابهم، وقد يكون هذا الطالب من الحريصين على التعلم، ما يجعله لا يكاد يغيب يوما واحدا عن الدرس، لكنه لو كان في فن آخر كان خيرا له، فكان مما يوصى به العلماء تفقد الطلبة، والقرب منهم.
قيل: إن يونس كان يختلف إلى الخليل يتعلم منه العروض، فصعب
(1/88)

عليه تعلمه، فقال له الخليل يوما: من أي بحر قول الشاعر:
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
ففطن يونس لما عناه الخليل فترك العروض.
وكانوا يقولون: لكل تُربة غرس، ولكل بناء أُس.

[من الحكمة جعلهم يتفاعلون معه]
3 - من الحكمة جعلهم يتفاعلون معه: يُقال: نشاط المحدث على قدر فهم المستمع، ولذلك يوجد من المُعلمين من لا يبالي بوضع طلابه، أو من يحضر درسه، فقد يصحو الطالب بعد انتهاء المعلم من درسه إثر نوم عميق، وسبات طويل، ولا يتنبه لذلك المعلم، فالفتور الذي يحصل في الدرس غالبا ما يكون على نوعين:
أ- فتور عام من غالب الحاضرين؛ فينبغي والحالة هذه محاولة إزالة ما يمكن أن يكون سببا في ذلك؛ كحر أو برد شديدين، أو ارتفاع صوت مكبرات الصوت (المايكروفون) أو انخفاضه بحيث لا يصلهم صوت المعلم، أو غير ذلك من الأشياء الظاهرة.
فإن لم يكن ثمة سبب واضح، حاول المعلم أن يلطف الجو التعليمي باستطراد غير ممل، يخرجهم فيه عن الرتابة، أو يشوقهم بقصة ما، أو يطرح سؤالا ما، أو يطلب من أحدهم عمل شيء معين، فإن لم ينفع شيء من هذا كله، فعليه أن يمسك عن الحديث، ويختم الدرس، حفاظًا على قيمة العلم، وإبقاء لمودة المتعلمين له.
قال بعضهم: إن للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن مقدار الاحتمال دعا إلى الاستثقال والكلال.
قال بعض أهل العلم: كنا مرة عند بعض إخواننا، فتكلم وأعجبه من نفسه البيان، وحسن الاستماع حتى أفرط، فعرض لبعض من حضر ملل، فقال: إذا بارك الله في الشيء لم يفْنَ، وقد جعل الله في حديث أخينا البركة.
(1/89)

ب- فتور خاص، فإذا أنكر المعلم عين السامع، أو وجده كثير الحركة والتململ، حاول استفهامه عن معنى حديثه، وماذا قال، فإن وجده قد أخلص له الاستماع شكره وأثنى عليه، وإن كان لاهيا عنه نبهه، وعرفه بسوء الاستماع والتقصير في حق المتحدث.
ولقد كان شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله يستعمل هذا الأسلوب مع الطلبة والحضور، بل يستعمله في المحاضرات العامة، فقد يكون مقدم المحاضرة مشغولا عنه، فإذا رأى انصرافه عن المحاضرة طرح عليه سؤالًا مما تقدم من قوله، ليرده إلى روضة العلم، ولينبهه إلى ضرورة الانتباه.

[من الحكمة كتمان بعض العلم للحاجة]
4 - من الحكمة كتمان بعض العلم للحاجة: فمن الحكمة في أبواب العلم: كتمان العلم الذي قد يساء فهمه أو لا يحسن ذكره بحضور العامة، التي لا تتحمله عقولهم، أو قد يفتح بابا من التساهل وعدم المبالاة، فتقود إلى ما لا تحسن عقباه، ولذلك في حديث معاذ العظيم، والذي بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم «حق العباد على الله، وحق الله على العباد، وما لهم من الجزاء إن هم فعلوا ذلك، قال معاذ: أفلا أبشر الناس؟ قال: لا، فيتكلوا» ، وقد بوب البخاري في " صحيحه " بابا أسماه: باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا يفهموا (1) .
وعن قزعة قال: أتيت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه وهو مكثور عليه، أي: عنده ناس كثيرون، فلما تفرق الناس عنه قلت: أسألك عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما لك في ذلك من خير، فأعاد عليه فأجابه، وذكر الحديث.
قال النووي: معناه: أنك لا تستطيع الإتيان بمثلها، وإن تكلفت ذلك شق عليك ولم تحصله، فتكون قد علمت السنة وتركتها (2) .
_________
(1) البخاري (1 / 225) .
(2) شرح النووي على مسلم (4 / 176) .
(1/90)

وقال علي رضي الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكَذَّب الله ورسوله؟ (1) .
ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة (2) .
قال ابن حجر رحمه الله: " وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم في حديث الجرابين، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة، وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب " (3) .
قال المروذي رحمه الله: سألت أبا عبد الله عن شيء من أمر العدل، فقال: لا تسأل عن هذا فإنك لا تدركه.
قال ابن عقيل رحمه الله: حرام على عالم قوي الجوهر أدرك بجوهريته وصفاء نحيزته (4) علما أطاقه، فحمله أن يرشج به إلى ضعيف لا يحمله، ولا يحتمله، فإنه يفسده.
وقال ابن الجوزي رحمه الله: ولا ينبغي أن يُملي ما لا يحتمله عقول العوام.
وقال النضر بن شميل رحمه الله: سئل الخليل عن مسألة، فأبطأ بالجواب فيها، قال: فقلت: ما في هذه المسألة كل هذا النظر؟ قال:
_________
(1) أخرجه البخاري (1 / 225) .
(2) أخرجه مسلم (1 / 76) في المقدمة.
(3) فتح الباري (1 / 424) .
(4) نحيزة الرجل: طبيعته (لسان العرب مادة: نحز) .
(1/91)

فرغت من المسألة وجوابها، ولكني أريد أن أجيبك جوابا يكون أسرع إلى فهمك.
وقال الربيع رحمه الله: سمعت الشافعي يقول: لو أن محمد بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا عنه، لكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا فنفهمه.
فينبغي على الداعية الفطن أن يسالم العوام بالموعظة، وإياه والمشتبهات والغرائب، وما لا تحتمله عقولهم.

[اختيار الوقت المناسب]
5 - اختيار الوقت المناسب: فإن من الحكمة تحري الوقت المناسب للدرس، حتى تنشط همم الطلبة، وتقوى عزائمهم، ولا يمل السامعون عن الاستماع للحق خاصة مثل زماننا الذي فترت فيه الهمم، وضعفت العزائم، ومات الطموح، وحل الكسل والخمول، فأصبح العلماء الكبار يعرضون على الطلبة وقت الدرس، ونوعية الفن، ومع ذلك تجد الكثير ينتقي ما يشاء هو، ويرد على الشيخ بكل خشونة وجلافة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولو عاش هؤلاء العلماء في زمن من مضى لضربت إليهم آباط الإبل، ولعقدت عندهم الخناصر، ولتقاتل الناس على مجالسهم.

[استعمال وسائل للتفهيم وتقنيات التعليم]
6 - استعمال وسائل للتفهيم، وتقنيات التعليم: والمقصود أن يقوم الداعية إلى الله تعالى بتطبيق الشيء الذي يدعو إليه عمليا، أو استخدام وسائل أخرى للتعليم والتفهيم.
مثل تطبيق الوضوء أو الصلاة عمليا أمام الناس لتعليمهم، ومثل استخدام بعض الأجهزة الحديثة التي تساعد على الشرح، مثل: جهاز التلفاز، أو الفيديو، أو ما يسمى بـ " البرجكتور "، وغيرها مما يمكن استعماله.
فإن هذه الوسائل لها أصل مشروع، وفيها فوائد وعوائد كثيرة منها:
(1/92)

* أنها توفر على الداعية إلى الله تعالى الكثير من الكلام المجرد الذي يريد شرحه والإسهاب فيه.
* وأنها تجذب له انتباه المستمعين، وترسخ المعلومة المراد إيصالها إليهم.
* وأنها عامل حيوي في توضيح الفكرة بشكل أكبر من الكلام المجرد.
* وأنها ترسخ غالبا في ذهن المستمع وتنطبع في عقله أكثر من الكلام النظري.

[المسألة الثانية الحكمة في باب الفتوى]
[الزيادة على الجواب]
المسألة الثانية: الحكمة في باب الفتوى (1) .
1 - الزيادة على الجواب: إذا اعتقد الداعية أن السائل يحتاج إلى ذلك فلا بأس بالزيادة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، وليس معنا ماء، أفنتوضأ بماء البحر؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (2) .
وقد يكون من الحكمة عدم الزيادة، وذلك خشية عدم الفهم، أو الالتباس، أو النسيان.

[الإجابة عما فيه فائدة]
2 - الإجابة عما فيه فائدة: فقد يكون السائل لا يحسن السؤال فيسأل عن شيء يريد فعله أو تركه، والعكس هو الصحيح؛ فينبغي على الداعية إرشاده إلى ما فيه نفعه وفائدته، وهذا أسلوب قرآني ومنهج نبوي، يقول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 215] (3) .
_________
(1) أصبحت كلمة الفتوى تطلق على كل إجابة على سؤال، سواء أكانت من عالم توفرت فيه أدوات الاجتهاد، أو من طويلب علم ناقل، ولذلك فإن المتتبع لكلام أهل العلم في صفة الفتوى والمفتي يكاد يجزم أن من يستحق الفتوى في عصرنا أندر من الكبريت الأحمر، وإنما الغالب نقلة لفتاوى العلماء.
(2) صحيح أخرجه أحمد (14 / 349 و35 / 81) ، وأبو داود (1 / 64) ، والترمذي (1 / 111) ، والنسائي (1 / 176) ، وابن ماجه (1 / 136) .
(3) البقرة: 215.
(1/93)

فالسؤال هنا عن جنس المنفَق، فعدل عنه في الجواب إلى ذكر المنفق عليه؛ لأنه أهم وأنه من الأولى أن يعتنى بالسؤال عنه.
وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] (1) فالصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الهلال لِمَ يبدو صغيرا ثم لا يزال يتزايد حتى يكبر، فجاء الجواب الرباني بالعدول عن جوابه إلى ما هو أهم منه وأنفع في معرفة الأهلة، وكونها مواقيت للناس لعبادتهم وحجهم وحقوقهم وغيرها.
وفي السنة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرنس» (2) . فالرجل سأل عن الأشياء التي يلبسها المحرم فعدل الرسول صلى الله عليه وسلم بالجواب إلى الأشياء التي لا يلبسها المحرم؛ لأن الأليق بالسائل السؤال عما يتركه فعدل عن مطابقته إلى ما هو أولى، وهذا الأسلوب يسميه بعض علماء المعاني الأسلوب الحكيم.

[حسم مادة الشر عند المستفتي]
3 - حسم مادة الشر عند المستفتي: فقد يكون المستفتي ناويا الشر، عاقدا العزم عليه، وقد بدت علاماته عليه، ويريد مسوغا شرعيا لذلك، فمن الحكمة أن يجتهد الداعية في حاله، وألا يعطيه ما يريد، وقد روي أن رجلا جاء لابن عباس يسأله عن القاتل، هل له توبة؟ فقال: لا، فقيل لابن عباس في ذلك، فقال: رأيته يريد القتل، فخشيت أن يهلك (3) .
_________
(1) البقرة: 189.
(2) أخرجه: البخاري (3 / 401) ، ومسلم (8 / 73) .
(3) أخرجه السيوطي في الدر المنثور (2 / 629) وقال: " أخرجه عبد بن حميد، والنحاس عن سعد بن عبيدة أن ابن عباس كان يقول. . . "، ويمكن أن يُمثَّل هنا أيضا بكثير من المستفتين في الأمور المالية، فالسائل يبدو وكأنه يريد انتزاع الفتوى ليبرر معاملته بأي شكل كان، فلا بد للمفتي أن يكون حكيما وأن يستفصل من السائل لئلا يُخدع من قبل بعض المستفتين.
(1/94)

[التمييز بين المستفتين]
4 - التمييز بين المستفتين: فمن الحكمة الاجتهاد في أحوالهم في الأشياء التي يسوغ فيها الاجتهاد، فقد يُفتي للشيخ في أمر لا يُفتى به للشباب، فقد صح أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن القبلة للصائم فرخص له، وسأله آخر فلم يرخص له، فتبين أن الذي رخص له كان شيخا كبيرا، وأن الذي منعه كان شابا (1) .
ومن هذا النوع إتقان باب المفاضلات بين العبادات والأقوال والأشخاص وغيرهم، جنسا وقدرا، وتنقيح المناط في المستفتين، والاجتهاد في المسترشدين: " فعلى المتكلم في هذا الباب أن يعرف أسباب الفضل أولا، ثم درجاتها ونسبة بعضها إلى بعض، والموازنة بينها ثانيا، ثم نسبتها إلى من قامت به ثالثا كثرة وقوة، ثم اعتبار تفاوتها بتفاوت محلها رابعا، فرب صفة هي كمال لشخص وليست كمالا لغيره، بل كمال غيره بسواها؛ فكمال خالد بن الوليد بشجاعته وحروبه، وكمال ابن عباس بفقهه وعلمه، وكمال أبي ذر بزهده وتجرده عن الدنيا؛ فهذه أربعة مقامات يضطر إليها المتكلم في درجات التفضيل، وتفضيل الأنواع على الأنواع أسهل من تفضيل الأشخاص وأبعد من الهوى والغرض، وهاهنا نكتة خفية لا ينتبه لها إلا من بصره الله، وهي أن كثيرا ممن يتكلم في التفضيل يستشعر نسبته وتعلقه بمن يفضله ولو بعد ثم يأخذ في تقريظه وتفضيله، وتكون تلك النسبة والتعليق مهيجة له على التفضيل والمبالغة فيه، واستقصاء محاسن المفضل والإغضاء عما سواها، ويكون نظره في المفضل عليه بالعكس، ومن تأمل كلام أكثر الناس في هذا الباب رأى غالبه من هذا، وهذا منافٍ لطريقة العلم والعدل التي لا يقبل الله سواها ولا يرضى غيرها، ومن هذا تفضيل كثير من أصحاب المذاهب والطرائق وأتباع الشيوخ كل منهم لمذهبه وطريقته أو شيخه، وكذلك الأنساب والقبائل والمدائن والحرف والصناعات، فإن كان الرجل ممن لا يشك في علمه وورعه خيف عليه من جهة أخرى،
_________
(1) صحيح رواه الإمام أحمد (2 / 185، 220) ، وأبو داود (2 / 780) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(1/95)

وهو أن يشهد حظه نفعه المتعلق بتلك الجهة، ويغيب عن نفع غيره بسواها؛ لأن نفعه مشاهد له أقرب إليه من علمه بنفع غيره، فيفضل ما كان نفعه وحظه من جهته باعتبار شهوده وغيبته عن سواه " (1) .
5 - النظر في المعتمد عند أهل البلد: درءا للفتنة، وتحقيقا للمصلحة، وقد مر الحديث عنه.

[المسألة الثالثة وسائل تأليف القلوب]
[الشفاعة لمن احتاج إليها]
المسألة الثالثة: وسائل تأليف القلوب: ومن الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى تأليف القلوب على الإسلام، وتقويتها على الإيمان والخير، وذلك ببذل ما يستطيعه الداعية بنظره الثاقب، وخبرته وحنكته من وسائل وأساليب لتأليف القلوب، ومن ذلك:
1 - الشفاعة لمن احتاج إليها: إن من أهم وسائل التأثير قضاء حوائج الناس، والشفاعة لهم عند ولاة الأمر وغيرهم من ذوي الحقوق.
وقد ورد في فضل الشفاعة نصوص كثيرة:
يقول تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا} [النساء: 85] (2) .
ومن السنَّة ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا تؤجروا» (3) .
فالإنسان أسير من أحسن إليه، والنفوس مجبولة على محبة من أسدى إليها معروفا.
_________
(1) من كلام ماتع فريد لابن القيم -رحمه الله- في بدائع الفوائد (3 / 163 - 164) وقد ذكر قبله قواعد علمية رصينة في المفاضلات، ضمنه أمثلة كثيرة، لا يستغني عن الوقوف عليها طالب العلم، وقد قال في آخرها: " فهذه نكت جامعة مختصرة إذا تأملها المنصف عظم انتفاعه بها واستقام له نظره ومناظرته، والله الموفق ".
(2) النساء: 85.
(3) أخرجه: البخاري (3 / 299) ، ومسلم (16 / 177) .
(1/96)

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يشفع، ويحث على الشفاعة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان زوج بريرة عبدا يقال له: مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو راجعتيه فإنه أبو ولدك، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: لا إنما أشفع، قالت: فلا حاجة لي فيه» (1) .
وجاء رجل إلى الحسن بن سهل يستشفع به في حاجة فقضاها فأقبل الرجل يشكره، فقال له الحسن بن سهل: علام تشكرنا ونحن نرى أن للجاه زكاة؟ وفي لفظ: ونحن نرى كتب الشفاعات زكاة مروآتنا، ثم أنشأ يقول:
فرضت علي زكاة ما ملكت يدي ... وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا
فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع ... فاجهد بوسعك كله أن تنفعا
وذكر عن هارون الرقي رحمه الله، أنه قد عاهد الله ألا يسأله أحد كتاب شفاعة إلا فعل، فجاءه رجل فأخبره أن ابنه قد أسر، وسأله أن يكتب إلى ملك الروم في إطلاقه، فقال له: ويحك! ومن أين يعرفني؟ وإذا سأل عني قيل: هو مسلم فكيف يقضي حقي؟ فقال له السائل: اذكر العهد مع الله تعالى، فكتب إلى ملك الروم، فلما قرأ الكتاب قال: من هذا الذي قد شفع إلينا؟ قيل: هذا رجل قد عاهد الله ألا يسأل كتاب شفاعة إلا كتبه إلى أي من كان، فقال ملك الروم: هذا حقيق بالإسعاف أطلقوا أسيره، واكتبوا جواب كتابه وقولوا له: اكتب بكل حاجة تعرض، فإنا نشفعك فيها.
قال الفزاري:
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل
_________
(1) أخرجه البخاري (9 / 408) .
(1/97)

قيل لبعض الناس: أي الناس أحب إليك؟ قال: من أولاني معروفا، قيل: فإن لم يكن؟ قال: من أوليته معروفا.
وقيل: أكرم الناس من كثرت الأيادي إليه.
وكان أبو المظفر الخزاعي يلزم نفسه بقضاء حوائج الناس، ويرفعها إلى المتولي فيوقع عليها بقضائها، فقيل له مرة: أيها الشيخ ربما وقع ضجر من إنهائك ما تنهيه، فقال: أنا لا أزال أكتب، فإن قُضيت حاجة من كتبت فذلك الغرض، وإن لم تُقض فقد أعذرت، ولا أتأثر بذلك.
وجاء في ترجمة الإمام محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي أنه كثيرا ما كان يكتب إلى أرباب الولايات شفاعات لمن يقصده، فقال له المتولي يوما: إنك تكتب إلينا في قوم لا نريد أن نقبل فيهم شفاعة، ونشتهي ألا نرد رقعتك، فقال: أما أنا فقد قضيت حاجة من قصدني، وأنتم إن أردتم أن تقبلوا ورقتي وإلا فلا، فقال له: لا نردها أبدا.
ولقد كان سماحة شيخنا الوالد العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله أنموذجا رائعا في هذا الجانب، فمما اشتهر به رحمه الله من الصفات والأخلاق الطيبة الزاكية شفاعته للناس، فما كان يرد أحدًا (1) .

[الهدية]
2 - الهدية: فلقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على الهدية، وبين أنها سبب من أسباب التحاب، والتآلف، والتقارب؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابوا» (2) ولقد كان صلى الله عليه وسلم يُهدي، ويقبل الهدية، ويكافئ عليها، فالهدية لها تأثير كبير على النفوس والقلوب.
_________
(1) انظر غير مأمور: " وقفات مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز " لراقم هذه الرسالة.
(2) حديث حسن: أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (6 / 169) ، وانظر: صحيح الأدب المفرد ص221، وصحيح الجامع الصغير ص 3004.
(1/98)

قال بعضهم:
أتتنا هدايا منه أشبهن فضله ... ومن علي منعما ومتفضلا
ويحسن اختيار الظرف المناسب للهدية، حتى تكون أكثر وقعا على قلب المهدى إليه.

[عيادة المرضى والشاكين]
3 - عيادة المرضى والشاكين: من حق المسلم على أخيه المسلم أن يعوده إذا مرض لغرض تأنيسه، وإدخال السرور عليه، وطمأنته، والتحدث إليه بما ينفعه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم خمس. . . وذكر منها: وعيادة المريض» (1) .
وعلى الداعية إلى الله إذا زار أخاه المسلم أن يبشره بالبرء والكفارة، ويدعو له، ويجتهد في أن ينتقي له أطيب الكلام، مثل ما ورد: «لا بأس عليك طهور إن شاء الله» (2) .
أو يقول له مثلا: جعل الله علتك ماحية لذنوبك، ومضاعفة لثوابك، والتقيد بالمأثور أولى.
وأيضا ينشطه على شرب الدواء، ويسهل له الأمر، ويفتح له باب الأمل، ثم يدخل عليه بعد ذلك بما يريد أن يعظه، مع الاجتهاد في الحال التي عليها المريض، وإذا كان كافرا دعاه برفق إلى الإسلام.

[الزيارة]
4 - الزيارة: فإن للزيارة سحرا تصنعه في قلوب كثير من الناس خاصة العصاة والمذنبين، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يزور الناس في أنديتهم، وبيوتهم، وأماكن عملهم، بل كان يزور الكفار بغرض دعوتهم وهدايتهم.
_________
(1) أخرجه: البخاري (3 / 112) ، ومسلم (14 / 143) .
(2) أخرجه البخاري (13 / 477) ، ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(1/99)

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار» (1) .
إن كثيرا من الأسر في زماننا قد فقدت السيطرة على أبنائها، بسبب التفلت، والخروج على التعاليم الشرعية، والآداب والأعراف المرعية، فيحتاج الوالدان في الغالب إلى طرف ثالث يعالج هذا الانحراف لدى الأبناء، وليس هناك أقدر على مثل هذا النوع من الداء من أطباء القلوب، وهم الدعاة إلى الله تعالى، فلا بأس بأن يبادر الداعية إلى الله فيعرض على الوالدين مساعدتهما، أو يلبي طلبهما إذا هما دعواه، أو يطلب منهما إحضار ولدهما، فإن مجرد تلبية رغبتهما فيه كسب عظيم لهما؛ فضلا عن توقع تأثر الولد بكلامه.
وأذكر في هذا المعنى قصة جميلة لتنشيط نفوس الدعاة الذين فترت هممهم في هذا الجانب، وأصبحت الزيارة في باب الدعوة والدعاة خاصة بفئة من الناس يعرفون بتجمع معين، وطريقة خاصة في الدعوة، تقوم على الوعظ والتذكير، وتخلو من العلم والتأصيل، مع أن أسلوب الزيارة منهج نبوي، وطريقة سلفية.
هذه القصة حدث بها إبراهيم بن سليمان الزيات قال: كنا عند سفيان الثوري، فجاءت امرأة فشكت ابنها وقالت: يا أبا عبد الله أجيئُك به تعظه؟ فقال: نعم، جيئي به، فجاءت به، فوعظه سفيان بما شاء الله، فانصرف الفتى، فعادت المرأة بعد ما شاء الله، فقالت: جزاك الله خيرا يا أبا عبد الله، وذكرت بعض ما تحب من أمر ابنها، ثم جاءت بعد حين فقالت: يا أبا عبد الله ابني ما ينام الليل، ويصوم النهار، ولا يأكل ولا
_________
(1) أخرجه: البخاري (3 / 219) .
(1/100)

يشرب فقال: ويحك مم ذاك؟ قالت: يطلب الحديث، فقال: احتسبيه عند الله (1) .
وزيارة الوجهاء وزعماء القبائل وكبار العوائل من أشد الأساليب تأثيرًا في نفوسهم، فإن أتباع هؤلاء لهم من المحبة في قلوبهم الشيء الذي ينبغي أن يستثمره الداعية في إيصال دعوته، كما فعله سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وكانا أشياخ قومهما، فقد دعا كل منهما قبيلته، فدخلوا جميعا في الإسلام في ليلة واحدة.
وقد جرب كثير من الدعاة في وقتنا معالجة بعض المخالفات الاجتماعية عن طريق زيارة مشايخ القبائل، وكبار الأسر، فكان لتلك الزيارات من التأثير السريع والنتيجة العجيبة الشيء الذي ينبغي استثماره والتأكيد عليه.
والناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد شيئا كثيرا من هذا.

[الإعانة المالية]
5 - الإعانة المالية: الداعية إلى الله تعالى كالطبيب الماهر، يشخص المرض، ثم يعطي العلاج المناسب، فإذا علم الداعية إلى الله تعالى أن المدعو لا يرسخ الإيمان في قلبه إلا بالمال، فعليه أن يسارع إلى إعطائه، أو يسعى له عند من يعطيه إن لم يكن قادرا، وذلك لأجل تثبيته على الإسلام والإيمان.
وهذا منهج نبوي، فلقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان الأعرابي يرجع منه إلى قومه ويقول لهم: أيها الناس، أسلموا، فوالله إني جئتكم من رجل يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فتسلم القبيلة بأسرها.
ولقد كان عليه الصلاة والسلام يتألف قلوب الضعفاء بالمال خشية أن يكبوا في النار، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال
_________
(1) حلية الأولياء لأبي نعيم (7 / 65) .
(1/101)

النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكب في النار على وجهه» (1) .
وهنا وقفة عظيمة مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «خشية أن يكب في النار على وجهه» وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم حريص على دعوة الناس، وأنه لا يقصد بالإعطاء تكثير السواد، أو تجميعهم حوله، كما يصنع بعضهم ممن سيَّسوا الإسلام، فأصبحوا يدفعون الزكوات والصدقات لغرض كسب الأصوات في الانتخابات أو تكثير الأتباع وشراء ذممهم.
كلا إنما يعطيهم خشية أن يفتنوا فيذهب إيمانهم، فيكونوا من أهل النار.
_________
(1) أخرجه: البخاري (3 / 340) ، ومسلم (2 / 181) .
(1/102)

[فصل الدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة]
[العظة مسلك الأنبياء في الدعوة]
فصل
الدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة يعرف العلماء الموعظة (1) بأنها كلام مصحوب بزجر، وقيل: هي النصح والتذكير بالعواقب، وقيل: هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.
فقد يكون عند بعض المدعوين شيء من الجفاء والإعراض والصدود، مع معرفته بالحق وعلمه به، فهذا يدعى بالموعظة الحسنة، والمتأمل في واقع الناس يجد أن هذا الصنف هو الغالب وذلك بسبب غلبة الشهوة على نفوسهم، من شهوة البطن، أو شهوة الفرج، وغيرها كثير، وإن كانت شهوة البطن وشهوة الفرج أصل كل شهوة، ولذلك تجد العصاة أكثر من المطيعين، والمنحرفين أكثر من المستقيمين، وذلك لاستحكام الشهوات من نفوسهم، وإطباقها على عقولهم وقلوبهم؛ فهذا الجنس من الناس يستخدم معه أسلوب الوعظ العام والخاص، من ذكر نصوص الترغيب والترهيب، على حسب المقام والحال، ومن التذكير بأيام الله، وما جرى للظالمين والعصاة والفاسقين، ويرغبون في الحق، ويبين لهم محاسنه وفضائله، حتى يتركوا ما ألفوه من باطل، فانتزاع ما ألفه الناس من باطل ليس بالأمر الهين، بل دونه مفاوز وعقبات، لا يجتازها إلا من وفقه الله تعالى.
_________
(1) انظر: التفسير القيم ص (344) ، ولسان العرب (15 / 345) ، وتفسير السعدي (4 / 254) .
(1/103)

ولذلك أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالعظة، فقال تعالى: {وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63] (1) .
وهذا مسلك الأنبياء قبله، يقول تعالى عن نبيه هود عليه الصلاة والسلام وقومه يردون عليه موعظته: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} [الشعراء: 136] (2) .
والقرآن أغلبه عظة، ففيه الترغيب والترهيب، وذكر الجنة والنار، وقصص الأولين وما حصل عليهم من المثلات، والتوعد للظالمين، بأن لهم أمثالها.

[القصص وأثرها في الوعظ]
القصص وأثرها في الوعظ: ومن أفضل أساليب الوعظ استعمال الأسلوب القصصي، وضرب الأمثال؛ لأن النفس البشرية مجبولة على محبة القصص، والميل إليها، والانتباه إلى الأمثال، وربطها بالواقع، وحفظها أكثر من غيرها من الأساليب، وبمجرد سردها تُقبل الأسماع عليها، وتتأثر بمضامينها تأثرا عظيما، فالنفوس مولعة بمتابعة القصة، وتهتز لها عند سماعها وتقبل لا سيما جنس العامة؛ فعلى الداعية إلى الله أن يستخدم هذا الأسلوب عند الحاجة أو المناسبة.
ولذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقص القصص فقال تعالى: {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176] (3) .
وقص الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم من أحوال الأمم السابقة، وما جرت عليهم من سنن الله تعالى التي لا تتبدل، وذلك لأخذ العبرة والعظة، فقال تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ} [هود: 100] (4) .
_________
(1) النساء: 63.
(2) الشعراء: 136.
(3) الأعراف: 176.
(4) هود: 100.
(1/104)

بل إن الله تعالى جعل هذه القصص تثبيتا لقلب النبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له أمام طوفان العداء والمكر والكيد الذي كان يواجهه من المشركين، وأيضا تذكرة للمؤمنين الذين هم على هذا الدرب العظيم، فقال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود: 120] (1) وقال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 3] (2) والقرآن مليء بقصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وأحوالهم مع أقوامهم، وحجم المعاناة التي لاقوها في سبيل الله تعالى، وكيف أن الله تعالى جعل العاقبة الحميدة لهم.
وأيضا قصص القرون الخالية من الأمم والشعوب الذين أصبحوا أثرا بعد عين، بعد أن طغوا في البلاد، وأكثروا فيها الفساد، وما أعطاهم الله من القوة والمنعة، وكيف دهمهم أمر الله، فلم تغن عنهم قوتهم ولا كيدهم شيئًا، وهكذا من القصص التي فيها الغنية عن كثير من القصص الواهية والمكذوبة.
وأكثر السور عرضا لهذه القصص: الأعراف، والتوبة، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل، والإسراء، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والنور، والفرقان، والشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والسجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس، والصافات، وص، والزمر، وغافر، ونوح.
وهكذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أسلوب القصص مع أصحابه، وقد كشفت لنا سيرته صلى الله عليه وسلم أنواعا من القصص، وألوانا من أحاديث مَنْ سبق مما أوحاه الله إليه، والتي كان يُذكر بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، بعضها مطول، وبعضها موجز، تصف أحداثا عامة، أو حوادث فردية، وسلوكيات عامة
_________
(1) هود: 120.
(2) يوسف: 3.
(1/105)

وفردية، وتنبه على أسباب نهاية الأمم، وتحرض على التوبة، والأمانة، وغيرها كثير، ليس هذا مجال سردها، ومظانها دواوين السنة.
وقد يكون من السهل سرد القصة، فالكثير يحسن ذلك ولكن شتان بين من يسوق قصة لا يزيد طنينها عن أن يعبر الأسماع كسحابة صيف، ولا يمكن أن يحرك في المستمع شيئًا، وبين من يسوق القصة نفسها، ولكنه يجعلها نابضة بالروح، ضاربة بأعماق المستمع، محركة له قسرا بالتفاعل معها، يربط فيها القاص من يستمع إليه بحلقات الإبداع من جهة استعمال نغمات الصوت حسب مقاطع القصة وفواصلها، رفعًا وخفضا، ومن جهة التركيز على سبكها وربطها وجمع شتاتها، وإخفاء ما يمكن إخفاؤه من أركان القصة لتشويق المستمع وجذبه حتى نهايتها.
لأن مهمة الداعية في قصته هي نقل المستمع إلى حياة القصة التي يسردها، بحيث يتيح له الاندماج التام في حوادثها، ويحمله على المعايشة الكاملة معها.
إذًا ينبغي على الداعية إلى الله إذا تيسر له النجاح في سرد القصة أن ينظر في طرحه للقصة من زاوية الفائدة والمصلحة، وهي كيفية توظيف هذه القصة في التأثير على المدعوين بشكل سليم.

[تحري الصحيح الثابت واجتناب ما سواه]
تحري الصحيح الثابت واجتناب ما سواه: ومن أخطر ما تتعرض له الدعوة إلى الله تعالى هو الكذب في القصص؛ لأجل كسب الناس إلى الخير، سواء ينسبها قائلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى غيره، أو يخترع شيئا من كيسه، ويصوغه على شكل حدث وواقعة، ثم يروجها بين الناس، وهي من الأساليب المحرمة التي نص أهل العلم على حرمتها، وضلال أصحابها؛ لأن القصة تخلد في الأذهان أكثر من غيرها من الأساليب، وانتزاعها بعد رسوخها أمر دونه خرط القتاد.
ولقد جاء من النصوص في حرمة الكذب عامة وعلى الله والرسول خاصة ما فيه رادع لكل من وقع في هذا المرتع الوخيم، ومن لم تزجره
(1/106)

هذه النصوص الشديدة عن هذا الأسلوب، فهو مفتون، لن تملك له من الله شيئا.
قال تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} [النحل: 105] (1) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» (2) .
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» (3) .
وغيرها من النصوص التي لا تخفى على مطلع.

[الأمثال وأثرها في الوعظ]
الأمثال وأثرها في الوعظ: وأما ضرب الأمثال: فهو من الأساليب المؤثرة في النفس البشرية أيضا، وفي الكتاب والسنة من الأمثال المضروبة ما فيه بلاغ للناس، وقد بين تعالى أن هذه الأمثال إنما هي للتذكر والتفكر، والعظة، والعلم.
قال تعالى: {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25] (4) .
وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] (5) .
والأمثال المذكورة في القرآن كثيرة، منها على سبيل المثال:
قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 76] (6) .
_________
(1) النحل: 105.
(2) أخرجه: البخاري (1 / 202) ، ومسلم (1 / 67) في المقدمة.
(3) حديث حسن: أخرجه: أحمد (1 / 512) ، وأبو داود الطيالسي (منحة المعبود) (1 / 38) .
(4) إبراهيم: 25.
(5) الحشر: 21.
(6) النحل: 76.
(1/107)

وقوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [الكهف: 32] (1) .
وقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] (2) .
وقوله تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا} [البقرة: 264] (3) .
وقوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ - صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 17 - 18] (4) .

[بعض الأمثال في السنَّة النبوية]
بعض الأمثال في السنَّة النبوية: وفي السنة جاء ضرب الأمثال على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة ابتداء منه صلى الله عليه وسلم، أو اهتبالًا لموقف عابر، أو لنازلة واقعة، فمن ذلك:
ما جاء عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه (5) » (6) .
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (7) .
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
_________
(1) الكهف: 32 وما بعدها إلى 45.
(2) النحل: 112.
(3) البقرة: 264.
(4) البقرة: 17-18.
(5) أخرجه:.
(6) البخاري (1 / 565) ، ومسلم (16 / 139) .
(7) أخرجه: البخاري (10 / 438) ، ومسلم: (16 / 140) .
(1/108)

«مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا؛ فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، وكان منها أجادب فأمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (1) .
ومن الأمثلة العظيمة التي ضربها الأنبياء لقومهم ما حدث به النبي صلى الله عليه وسلم عن يحيى بن زكريا عليهما السلام، فعن الحارث الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فكأنه أبطأ بهن، فأوحى الله إلى عيسى، إما أن يبلغهن أو تبلغهن، فأتاه عيسى فقال له: إنك أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن، فقال له: يا روح الله، أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي، فجمع بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد، فقعد في الشرفات، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن: أولهن أن تعبدوا الله، لا تشركوا به شيئًا، فإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق، ثم أسكنه دارا فقال: اعمل وارفع إلي، فجعل العبد يعمل، ويرفع إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه، ولا تشركوا به شيئا.
وآمركم بالصلاة، وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا، فإن الله عز وجل يقبل بوجهه على عبده ما لم يلتفت.
وآمركم بالصيام، ومثل ذلك كمثل رجل معه صرة مسك في عصابة،
_________
(1) أخرجه: البخاري (1 / 170) ، ومسلم (15 / 46) .
(1/109)

كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
وآمركم بالصدقة، ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير، حتى فك نفسه. وآمركم بذكر الله كثيرا، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو، سراعا في أثره، فأتى حصنا حصينا، فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان، إذا كان في ذكر الله تعالى.
وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فإن من فارق الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوة الجاهلية فهو من جثاء جهنم، وإن صام وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوة الله، التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله» (1) .

[من صور الحسن في الموعظة]
[الصورة الأولى الاختصار فيها]
من صور الحسن في الموعظة: وهذه الموعظة التي سبق تعريفها، وذكرنا بعض صورها، والأدلة عليها، قد أمرنا الله تعالى بأن تكون حسنة، فقيدها تعالى بالحُسن، والحُسن في الموعظة يأتي في صور عديدة، نذكر بعضها:
1 - الصورة الأولى: الاختصار فيها: فالموعظة الحسنة لا بد أن تكون مختصرة، فالنفس البشرية لا تحتمل الإطالة، ولا يمكن للعقل البشري التركيز في حالة الإسهاب غالبًا، وهو أمر مشتهر ومعروف بالتجربة، والعرب قديما تهرب من التطويل إلى الاختصار، ومن الاستطراد إلى الاقتضاب، والمقدم فيهم من يوجز الجملة، ويضغط
_________
(1) حديث صحيح: أخرجه: أحمد (28 / 404) ، وابن سعد (4 / 359) مختصرا، والترمذي (4 / 544) وصححه، والنسائي في الكبرى (5 / 272) ، وابن خزيمة (3 / 195) ، وابن حبان [4 / 124] ، والحاكم وصححه.
(1/110)

العبارة، وهو منهج أكده الإسلام، وأرشد إليه، ونبه على ضده، فعن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه كان يُذكِّر كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إنا نحب حديثك، ونشتهيه، ولوددنا أنك حدثتنا كل يوم، فقال: ما يمنعني أن أحدثكم إلا كراهية أن أُمِلَّكم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا» (1) .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: حدِّثِ الناسَ ما أقبلت عليك قلوبهم، إذا حدقوك بأبصارهم، وإذا انصرفت عنك قلوبهم، فلا تحدثهم، وذلك إذا اتكأ بعضهم على بعض.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: حدث الناس كل جمعة مرة، فإن أكثرت فمرتين، فإن أكثرت فثلاثا، ولا تمل الناس من هذا القرآن، ولا تأت القوم وهم في حديث فتقطع عليهم حديثهم.
وقال: أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، وإياك والسجع في الدعاء، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلونه.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه كان يقول على المنبر: أيها الناس، لا تبغضوا الله إلى عباده، فقيل: كيف ذاك أصلحك الله؟ قال: يجلس أحدكم قاصا، فيطول على الناس، حتى يبغض إليهم ما هم فيه، ويقوم أحدكم إماما، فيطول على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه.
وقالت عائشة رضي الله عنها لعبيد بن عمير: إياك وإملال الناس وتقنيطهم، وكانت تقول له: إذا وعظت فأوجز.

[الصورة الثانية التنويع فيها]
2 - الصورة الثانية التنويع فيها: فكثير من الدعاة يركز على جانب واحد في الوعظ، أو نوع واحد من الحديث، أو موضوع واحد يكرره في كل مواقفه الدعوية، لا يكاد يتخلف
_________
(1) أخرجه: البخاري (1 / 163) ، ومسلم (17 / 164) .
(1/111)

عنه، وهذا لا شك أنه مدعاة إلى السآمة والملال، فينبغي على الداعية أن ينوع في وعظه، وفي حديثه، وليكن مبدعا، مبتعدا عن التكرار، وألا يلتزم طريقة واحدة في جميع المواعظ، فيحصل أن بعض الدعاة يتردد على مسجد واحد ما بين الفينة والأخرى، وليس عنده إلا نوع واحد من الوعظ أو الحديث، فيكفي رؤيته قائما مواجهة المصلين لتبعث في نفوس الحضور الملل والتململ.
فعلى الداعية أن يحاول دائما التعامل مع كل موعظة بشكل مستقل من حيث الطريقة والأسلوب، وليكن مبدعا في تنويع أساليب العرض، ولا ضير لو وضع في جيبه دفترا صغيرا يقسمه إلى قسمين، قسم يُذكره بعناصر الموعظة بعد تحضيرها، وقسم يذكره بالموعظة السابقة في المسجد الذي يقصده، حتى لا يتكرر كلامه.
كان الزهري رحمه الله: إذا سئل عن الحديث يقول: أَحْمضوا (1) اخلطوا الحديث بغيره، حتى تنفتح النفس.
وقال أيضا: نقل الصخر أيسر من تكرير الحديث.
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يقول: إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان؛ فابتغوا لها طرائف الحكمة.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: أريحوا القلوب؛ فإن القلب إذا أكره عمي.
وقال أيضا: إن للقلوب شهوة وإقبالا، وفترة وإدبارا، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها.
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: تحدثوا بكتاب الله وتجالسوا، وإذا مللتم فحديث من أحاديث الرجال حسن جميل.
_________
(1) في النهاية (1 / 441) : " يقال: أحمض القوم إحماضا: إذا أفاضوا فيما يؤنسهم من الكلام والأخبار. والأصل فيه الحَمْض من النبات، وهو للإبل كالفاكهة للإنسان. لما خاف عليهم المَلال أحب أن يريحهم فأمرهم بالأخذ في مُلح الكلام والحكايات " اهـ.
(1/112)

وقال أيضا لابنه عبد الملك: يا بني، إن نفسي مطيتي، وإن حملت عليها فوق الجهد قطعتها.
وقال بعض الحكماء: حادثوا هذه القلوب بالذكر فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد.
(1/113)

[فصل التنويع في الخطاب الدعوي]
فصل
التنويع في الخطاب الدعوي وهنا تنبيه يجب بيانه، وهو أنه ينبغي على الداعية أيضا أن ينوع أسلوبه الخطابي من عمل لآخر من الأعمال الدعوية، وفق دلالات المعنى الذي تقتضيه الوسيلة من: خطبة، أو درس، أو محاضرة، أو موعظة، وألا يسير على وتيرة واحدة في الإلقاء، سواء في الوسيلة الواحدة، أو في الوسائل المتنوعة، فما تحدثه لغة الصوت من أثر في نفسية المستمع من: قوة وشدة، ونعومة ولين، وخفض ورفع، وما يصاحبها من وضع انفعالي يتناغم مع الحركة والصوت، أمر في غاية الأهمية والضرورة، وأثره يلمسه المشتغل في ميدان الدعوة، والمستقرئ لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد هذا ظاهرا.
وقد أصبحنا نشاهد خلطا كبيرا لدى شريحة من الدعاة والخطباء في العالم الإسلامي بين هذه المناشط من جهة الالتزام بالمنهج الشرعي لها، ومن جهة أسلوب الأداء.
فخطبة الجمعة مثلا قائمة على التنبيه، ولذلك وصفت خطب النبي صلى الله عليه وسلم بالاختصار والإيجاز والقصد، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم قصر خطبة الرجل وطول صلاته علامة على فقهه (1) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل في خطبة
_________
(1) الحديث أخرجه مسلم (6 / 158) من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما.
(1/114)

الجمعة رفع الصوت، حتى يصفه بعض الصحابة بأنه «إذا خطب علا صوته، واشتد غضبه، واحمر وجهه؛ كأنه منذر جيش، يقول صبَّحكم أو مساكم» (1) .
وكان كلامه سهلا مستعذبا، لا تمله الأسماع، يفهمه كل من سمعه.

[من أخطاء الخطباء]
من أخطاء الخطباء: ولقد أصبحنا نشاهد كثيرًا من المخالفات الظاهرة لدى شريحة كبيرة ممن يرقَوْن أعواد المنابر، وأذكر هنا ما يتعلق بالأسلوب الخطابي، من ذلك: الإلقاء المجرد عن الحماس والانفعال المنضبط بالقواعد الشرعية، والأصول المرعية، وجلب اهتمام المصلي وتفاعله مع الخطيب، حتى إن النوم ليتسلل إلى المستمع بسبب برودة الإلقاء وضعفه، خاصة إذا صاحب ذلك قراءة الخطبة من ورقة أو يكون في الخطبة سردُ خلاف أهل العلم في المسائل الفقهية؛ فتجد بعضهم يفصل في المسألة بسرد خلاف الفقهاء، وينتقل إلى الترجيح عن طريق المسالك العلمية، والمدركات، وفي الحقيقة إن المنبر ليس مكانًا لهذا التفصيل، والعرض للمسائل الخلافية، ولا يخفى أن أغلب الحضور من العامة، فإيقافهم على هذا النمط من التعليم إفساد لهم، وتشتيت لأفكارهم، وزعزعة لثوابتهم.
نعم من الممكن أن تكون هيبة الصعود على المنابر قد زالت في هذا الوقت، بسبب عوامل عديدة، من ذلك توافر الخطب المكتوبة، وانتشار الكتب والبرامج التي تدرب على الخطابة، فتجد مثلا بعض الخطباء في الجمعة يستخدم أساليب خطب الاحتفالات: من كثرة الالتفات، والنظر إلى الحضور جميعهم، وكثرة التعبير بالإشارة، والتجاوز بها موضع الحاجة، وأيضًا محاولة استجواب المستمعين عن طريق طرح أسئلة ما، ومطالبة المصلين بالإجابة على سؤاله، سواء كان إنكاريا، أو غيره؛ ظنا منه أنه بهذه الطريقة يستطيع جلب اهتمام المصلين والحفاظ على قدر كبير من حضورهم
_________
(1) الحديث أخرجه مسلم (6 / 153) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(1/115)

وتفاعلهم معه، بل إن بعض الأساليب تمثل خروقا لقدسية الخطبة من خلال تعمد الإتيان بقصص، أو مواقف مضحكة، لا يملك المستمع إلا الضحك معها.
فخطبة الجمعة عبادة لها أركانها، وشروطها، وواجباتها، وسننها، وآدابها، فليس هناك مساحة للاجتهاد في هذه العبادة، ولا تشبه بباقي الخطب؛ وذلك لخصوصيتها الشرعية.

[الأسلوب الأمثل للمحاضرات]
الأسلوب الأمثل للمحاضرات: وفي المقابل نجد في مناشط الدروس العلمية والمحاضرات العامة ظواهر من جهة الأسلوب الإلقائي، من هذه انتشار ظاهرة رفع الصوت رفعا كبيرا، حتى إن المار وهو يسمع صوت الملقي ليظن أنه يخطب للجمعة، أو أنه منذر جيش، ومعلوم أن الدرس العلمي والمحاضرة العامة قائمتان على التفهيم والتفصيل والبسط، ويحتاجان من الملقي إلى: هدوء تام، وخفض صوت بالقدر الذي يمكن أن يصل إلى المستمع، وقد يحتاج الملقي إلى تكرار الكلام ثلاثا للتفهيم كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
«فعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاما فصلا يفهمه كل من يسمعه. وقالت: كان يحدثنا لو عده العاد لأحصاه. وقالت: إنه لم يكن يسرد الحديث كسردكم» (1) .
وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه فإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم ثلاثًا» (2) .
أما رفع الصوت بهذه الطريقة فليس من المنهج الشرعي ولا الطبعي في الدروس العلمية ولا المحاضرات العامة، ولا يمكن أن يخرج المتلقي بفائدة وهو يتلقى بهذه الطريقة التي لم يكن مهيأ لها نفسيا وبدنيا بسبب
_________
(1) أخرجه: البخاري (6 / 567) ، ومسلم (18 / 129) .
(2) أخرجه: البخاري (1 / 188) .
(1/116)

الانفعال، ورفع الصوت، ولا يمكن أن يسير الملقي أيضا على وتيرة ثابتة تربط آخر الموضوع بأوله.
فينبغي للداعية أن يتحرى في الدرس تفهيمه بأيسر الطرق، وأن يذكره مسترسلا، مرتلا، مبينا، واضحا، ويؤخر ما ينبغي تأخيره، ويقدم ما ينبغي تقديمه، ويقف في موضع الوقف، ويصل في موضع الوصل، ويكرر ما يشكل من معانيه وألفاظه، إلا إذا وثق بأن جميع الحاضرين يفهمونه من غير ذلك.
وإذا فرغ من مسألة أو باب أو فصل يسكت قليلا حتى يتكلم من في نفسه كلام عليه، أو يطلب إيضاحا، وهذا ينطبق على المحاضرة أيضا.
وأما الواعظ فهو لا يبعد كثيرا عن خطبة الجمعة من جهة الاختصار، والابتعاد عن كثرة الاستدلال، وضرورة ضغط العبارة، ومن أراد أن يختبر طريقته في الوعظ فلينظر في كتابين عظيمين يحكيان الأسلوب الأمثل والصحيح للواعظ، الأول: " صيد الخاطر " لابن الجوزي رحمه الله، والثاني: " الفوائد " لابن قيم الجوزية رحمه الله.

[الصورة الثالثة ترك وعظ المنشغل عنك]
3 - الصورة الثالثة: ترك وعظ المنشغل عنك: فمن حسن الموعظة أن من كان منشغلا عنك بحديث أو عمل وكذا المستثقل والمكابر أن تترك وعظهم، وأن تؤجله إلى وقت آخر أنفع لك ولهم، وذلك لعدم الفائدة من ذلك، وإبقاء للود، وحفاظا على منزلة الموعظة والنصيحة.
وقد قيل فيمن لا يستمع لوعظه: فلان في وعظه كنافخٍ في قفص، وقاص في مقبرة.
قال ابن عبد البر رحمه الله: كان يقال: ستة إذا أهينوا فلا يلوموا أنفسهم: الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها، وطالب الفضل من اللئام، والداخل بين اثنين في حديثهما من غير أن يدخلاه فيه، والمستخف بالسلطان، والجالس مجلسا ليس له بأهل، والمقبل بحديث على من لا يسمع منه، ولا يصغي إليه.
(1/117)

وقيل: وعظ من لا يعيرك سمعه ولا يشحذ وعظك طبعه كمن وضع مائدة لأهل القبور، ورام بخرقة تليين الصخور.
وقيل: من استثقل سماع الحق فهو للعمل به أكثر استثقالا.
وقد يكون من البصيرة أيضًا ترك من لا يتعظ بالموعظة ممن أشربت قلوبهم حب المعصية، وذلك خشية أن يتجاوز في بغية إلى مفاسد عظيمة كسب الدين، أو الإساءة للشريعة.
وقد قيل: لا ينجح الوعظ في القلوب القاسية كما لا يزكو البذر في الأرض الجاسية.

[الصورة الرابعة اللين في الموعظة]
4 - الصورة الرابعة: اللين في الموعظة: فمن حسن الموعظة أن يستخدم الداعية في وعظه اللين في مكانه والشدة في مكانها؛ فالقاعدة العامة هي استعمال الرفق واللين مع المدعوين، وقد تضافرت نصوص الكتاب والسنة في الأمر بلين القول، وحسن الخلق، والترفق مع الغير.
قال تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] (1) .
وقال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} [طه: 44] (2) .
قال تعالى: {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23] (3) .
قال تعالى: {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} [الإسراء: 28] (4) .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» (5) .
_________
(1) البقرة: 83.
(2) طه: 44.
(3) الإسراء: 23.
(4) الإسراء: 28.
(5) أخرجه: البخاري (1 / 163) ، واللفظ له، ومسلم (12 / 42) .
(1/118)

عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» (1) .
فينبغي على الداعية أن ينتقي ألين الكلمات وأرقها وألطفها ليصيد بها الموعوظ، وليأسر قلبه.
وقد قيل: من لانت كلمته وجبت محبته.
وقيل: البشاشة مصيدة المودة.
قال سفيان بن عيينة: طلاقة الوجه عنوان الضمير، بها يُستنزل الأمل البعيد.
والمستعمل لهذا الأسلوب، موفق بإذن الله تعالى، وفي حُمرة الخد ما يغني عن الخجل.
وقد يحتاج الداعية مع بعض الأشخاص إلى نوع غلظة وشدة في الموعظة، وهذا من الفقه والبصيرة التي ينبغي أن يسلكه الداعية، وهي الاجتهاد في حال الموعوظ.
ولذلك أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى تخصيص المحتضر بأحاديث الرجاء، وألا يذكر عنده شيء من الوعيد، وذلك لاقتضاء حاله، ولجعله يكون على حال من حسن الظن بالله، حتى يغفر الله تعالى له.
فعن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» (2) .
وفي المقابل يجب الوعظ بنصوص الوعيد على من هو مقيم على معصيته، أو متلبس بكبيرة، أو مقيم عليها، فليس من الشرع ولا العقل ذكر أحاديث الرجاء لهذا الجنس من الناس، بل المناسب لحالهم نصوص الوعيد.
_________
(1) أخرجه: مسلم (4 / 259) .
(2) أخرجه: مسلم (17 / 209) .
(1/119)

وقد يكون من المناسب التغيظ على الموعوظ والخشونة معه، وذلك بعد الاجتهاد بحاله، مثل كون العمل الواقع فيه لا يليق بمثله، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لما تغيظ على عمر بن الخطاب حين رأى بيده ورقة من التوراة، فقال: «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والله لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان أخي موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي» ، فقال عمر: أتوب إلى الله (1) .
أو يكون الداعية إلى الله تعالى قد توصل بعد الاجتهاد إلى أن هذا الجنس من الناس لا يمكن أن ينتبه ولا يرعوي إلا بنوع غلظة وشدة، فإن الداعية إلى الله تعالى، أشبه حالا بالطبيب مع المريض، فقد يستعمل الطبيب أشياء مؤلمة كالقطع والبط وذلك لمصلحة المريض؛ فكذلك الداعية إلى الله تعالى، فقد يكون من المناسب له في بعض الأحوال مع بعض الأشخاص أن يستعمل معهم هذا النوع رحمة بهم، وتعبيرا عن خطر ما هم عليه، خروجا عن القاعدة العامة في هذا الباب، وهي اللين والرفق مع المدعوين، وما شرع الجهاد ولا الحدود والتعزير ولا هجر المبتدع وغيرها من الأحكام إلا لهذا الغرض.

[الصورة الخامسة استعمال السر والعلانية في الموعظة]
5 - الصورة الخامسة: استعمال السر والعلانية في الموعظة: فإذا كانت الموعظة تتعلق بمجموع الأمة أو جماعتها فالأصلح فيها التعميم، ولكن من دون ذكر أسماء أو تجريح، أو ذكر كلام يفهم من أن المراد به فلان من الناس أو الجنس الفلاني، فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كره أمرا أحدثه بعض أصحابه يقول: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا» (2) .
من ذلك: ما بلغه عن بعض أصحابه تنزههم من أشياء فعلها
_________
(1) صحيح أخرجه: أحمد (3 / 387) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وينظر: إرواء الغليل (6 / 34) .
(2) أخرجه: مسلم (9 / 175) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(1/120)

هو صلى الله عليه وسلم، فخطب فحمد الله ثم قال: «ما بال أقوام يتنزهون عن شيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية» (1) .
وأيضا بلغه أن أهل بريرة رضي الله عنها شرطوا أن الولاء لهم بعد بيعها، فقام فخطب الناس فقال: «ما بال أناس يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة مرة شرط الله أحق وأوثق» (2) .
وقد جرت عادة علمائنا ومشايخنا على ذكر النصائح العامة، وقد يستعمل في تبليغها وسائل الإعلام الحديثة، وفي الجزء التاسع من " الدرر السنية في الأجوبة النجدية " شيء عظيم من هذا. وأما الموعظة الفردية فيجب أن تكون خاصة، تراعى فيها السرية التامة لا سيما مع ولاة الأمور؛ حتى يتحقق الهدف منها، فعن عياض بن غنم الفهري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذه بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذلك، وإلا كان قد أدى الذي عليه» (3) .
وكانوا يعدون النصيحة بين الناس نوعا من الفضيحة.
وقال الشافعي: من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه.
وقال أبو الدرداء: من وعظ أخاه بالعلانية فقد شانه، ومن وعظه سرا فقد زانه.
يقول الشافعي:
تعمدني بنصحك في انفراد ... وجنبني النصيحة في الجماعه
فإن النصح بين الناس نوع ... من التوبيخ لا أرضى استماعه
_________
(1) أخرجه: البخاري (10 / 513) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) أخرجه: البخاري (4 / 369) ، ومسلم (10 / 144) .
(3) حديث صحيح: أخرجه: أحمد (3 / 403- 404) ، وابن أبي عاصم في السنة (2 / 521) .
(1/121)

[الصورة السادسة الترغيب والترهيب]
6 - الصورة السادسة: الترغيب والترهيب: فالترغيب والترهيب أسلوب قرآني، فالله تعالى كثيرا ما يقرن بين الترغيب والترهيب في القرآن، كما قال تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 165] (1) وقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: 6] (2) وقال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49 - 50] (3) وقال تعالى: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} [غافر: 3] (4) وقال تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ - إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ - وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [البروج: 12 - 14] (5) والنصوص في بيان هذا الأمر كثيرة.
فالداعية الموفق هو الذي يستخدم أسلوب الترغيب والترهيب في مكانه المناسب، وألا يجعل أسلوب وعظه الترهيب على الدوام، ولا الترغيب على الدوام، فقد يحتاج إلى الجمع بينهما في مقام واحد، وقد يحتاج إلى الاقتصار على واحد منهما حسب المقام، وهذا يقتضيه الظرف، وطبيعة المناسبة.
_________
(1) الأنعام: 165.
(2) الرعد: 6.
(3) الحجر: 49-50.
(4) غافر: 3.
(5) البروج: 12-14.
(1/122)

[فصل في المجادلة بالتي هي أحسن]
[أساس المجادلة الرغبة في الوصول إلى الحق]
فصل
في المجادلة بالتي هي أحسن المجادلة هي: مقابلة الحجة بالحجة، وكشف الشبه لدى من تجادله بالأدلة المقنعة والبراهين الواضحة.
فالمجادلة والجدل في الأصل هو الاحتجاج لتصويب رأي ورد ما يخالفه، فهو حوار وتبادل في الأدلة ومناقشتها؛ لأن من الناس من لا تقنعه الموعظة ولا التوجيه والإرشاد، فيحتاج إلى مجادلة ومناظرة لإقناعه وتوجيهه، فقد تكون عند البَعض شبهة، أو يقع في تأويل ما، فهذا الجنس من الناس يحتاج إلى مجادلة ومناظرة، بما يراه المُجادل والمناظر مناسبا من حاله، مع الأخذ بالاعتبار طبيعة الزمان والمكان، وأيضا عقيدة المناظر ومذهبه، فإن هذا من الحكمة.
والمجادلة قد تكون بين مسلمَيْن في أصول الدين وفروعه، وقد تكون بين مسلم وكافر، ولقد أثريت المكتبة الإسلامية بالمناظرات الفقهية، وتفتقت تلك المناظرات عن أشياء خدمت الحركة الفقهية بشكل لم يسبق له نظير.
أساس المجادلة: الرغبة في الوصول إلى الحق: وغالب المناظرات التي وصلتنا كانت تقوم على أساس من الاحترام المتبادل، والرغبة من الطرفين في الوصول إلى الحق، واستخدام أدوات المجادلة الصحيحة، وتصحيح النيات، وعدم استعمال خلفيات مسبقة، وإنما
(1/123)

إحسان الظن بالخصم، وعدم سحب نتائج المجادلة إلى الحياة العملية، إنما تنتهي بانتهاء مجلسها، يقول يونس الصفدي: " ما رأيت أعقل من الشافعي ناظرته يوما في مسألة ثم افترقنا، ولقيني وأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة " (1) .
وأما مع غير المسلمين فالواجب أيضا استعمال الأسلوب الحسن في النقاش، واحترام الخصم المقابل، وإن سوء أدب المقابل، وقلة حيائه لا يسوغ أبدا معاملته بالمثل؛ لأن المسلم يتعامل من منطلق ما يمليه عليه دينه، وما تفرضه أخلاقه إلا الذين ظلموا منهم، فيجوز- والحالة هذه- التعنيف عليهم، وزجرهم بالقول الذي يكون وقعه شديدًا على نفوسهم من باب العقوبة والزجر لهم.

[أدب القرآن السامي في هذا الباب]
أدب القرآن السامي في هذا الباب: وقد أعطانا القرآن الكريم نماذج تطبيقية للمجادلة بالتي هي أحسن تربية لنا وتعليما، منها: قول الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} [آل عمران: 64] (2) .
وقد أمر الله تعالى نبييه موسى وهارون عليهما السلام أن يجادلا الطاغية فرعون بالتي هي أحسن، وأن يُلينا له القول، قال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] (3) .
لأن للرياسة سُكرا والتغليظ لا يناسب من هو في مثل حاله، وقد بين ربنا تبارك وتعالى هذا القول اللين بقوله: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى} [النازعات: 18] (4) فأخرجه
_________
(1) سير أعلام النبلاء (10 / 16) وقد علق الذهبي على هذه القصة فقال: " هذا يدل على كمال عقل الإمام وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون ".
(2) آل عمران: 64.
(3) طه: 44.
(4) النازعات: 18.
(1/124)

مخرج السؤال لا الأمر، وذلك لموضع تجبر فرعون وعتوه.
وقال تعالى مادحا نبيه صلى الله عليه وسلم بما امتن عليه من جعله رحيمًا بالمدعوين، مشفقًا عليهم، وأن ذلك من أسباب إقبالهم عليه فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] (1) .
وأيضا قد يكون في التعنيف والغلظة على الكافر مفاسد كبيرة، فقد يقوده ذلك لسب الله تعالى، أو سب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو سب الإسلام، ولأجل هذا نهى الله تعالى عن سب آلهة الكفار مع أن سبها من الدين، وذلك خشية تولد منكر أعظم قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] (2) .
وإذا كنا قد أُمرنا بمجادلة أهل الكتاب والملحدين بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم فأهل الإسلام أولى بأن يراعى في جدالهم الرفق واللين، وإظهار الرحمة بهم، وليست هذه قاعدة مطردة، فقد يحتاج المجادل إلى نوع إغلاط وشدة حسب مقتضيات الحال، كما بينت في البصيرة في الوعظ وذلك لمصلحته، لكونه قد يستفيد من الإغلاظ أكثر من الترفق.
على كل حال، فإن حسن الخلق مع الغير قيمة أعلى الإسلام من شأنها، وأكد عليها، وأكثر من الإشارة إليها؛ فهي أحد معايير القرب من الله تعالى.
إلا أننا نلحظ في الآية الكريمة تقييد الموعظة والمجادلة بالحسن، وإطلاق الحكمة.
يقول ابن القيم جوابا على هذا: " أطلق الحكمة ولم يقيدها بوصف الحسنة؛ إذ كلها حسنة، ووصْفُ الحسن لها ذاتي، وأما الموعظة فقيدها بوصف الإحسان، إذ ليس كل موعظة حسنة، وكذلك الجدال قد يكون
_________
(1) آل عمران: 158.
(2) الأنعام: 108.
(1/125)

بالتي هي أحسن، وقد يكون بغير ذلك، وهذا يحتمل أن يرجع إلى حال المجادل، وغلظته، ولينه، وحدته، ورفقه، فيكون مأمورا بمجادلتهم بالحال التي هي أحسن، ويحتمل أن يكون صفة لما يجادل به من المطلوب، والتحقيق أن الآية تتناول النوعين " (1) .

[حاجة الداعية إلى فن الجدل والمناظرة]
حاجة الداعية إلى فن الجدل والمناظرة: ومن المتطلبات الضرورية للداعية حاجته إلى فهم أصول الجدال، والحوار، والمناظرة؛ فإن كثيرا من الناس بدافع المحبة والعاطفة للإسلام يفسد أكثر مما يصلح، إما بالسب والشتم للمقابل، أو بعدم التمكن من التحاور لسرعة غضبه وحمقه، وقد يكون البعض من الدعاة صيدا ثمينا لخاتل مارق يريد أن يفسد عليه، وذلك بإثارته، والتشغيب عليه، وجره إلى شبهات ينهزم أمامها في أول جولة، إن لم تتزعزع ثوابته، وتختلط عليه الأمور، وقد رأينا شيئًا من هذا في مناسبات متعددة.
ولذلك ينبغي على الداعية أن ينظر في ما كتب استقلالا في أصول الجدل والمناظرة، وما تضمنته كتب أصول الفقه من شروط وآداب الجدل والمناظرة، وأن يتدرب على ذلك، وألا يدخل الماء إلا وهو يحسن السباحة.
وأيضا قد يكون من المناسب والمفيد أن يطلع على الأجوبة المسكتة، في مناظرات الأئمة، خاصة في أبواب الاعتقاد؛ ليعتاد على مثلها، ولتكون حاضرة إذا ورد عليه شبيهها ومثلها.
ومن أجمل ما وقفت عليه من المناظرات والتي تمثل قواعد المحاورة الصحيحة وكيفية المحاجة ومعرفة تراتيب الأشياء والاستدلال بنصوص الوحيين ما حصل في فتنة القول بخلق القرآن، فقد ذكر صالح بن علي الهاشمي قال: " حضرت يوما من الأيام جلوس المهتدي للمظالم، فرأيت
_________
(1) مدارج السالكين: (1 / 446) .
(1/126)

من سهولة الوصول إليه ونفوذ الكتب عنه إلى النواحي فيما يتظلم به إليه ما استحسنته، فأقبلت أرمقه ببصري إذا نظر في القصص، فإذا رفع طرفه إلي أطرقت، فكأنه علم ما في نفسي، قال لي: يا صالح، أحسب أن في نفسك شيئا تحب أن تذكره، قال: فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فأمسك، فلما فرغ من جلوسه أمر ألا أبرح ونهض، فجلست جلوسا طويلا، فقمت إليه وهو على حصير الصلاة، فقال لي: يا صالح، أتحدثني بما في نفسك أم أحدثك به؟ فقلت: بل هو من أمير المؤمنين أحسن، فقال: كأني بك وقد استحسنت ما رأيت من مجلسنا، فقلت: أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول بقول أبيه من القول بخلق القرآن! فقلت: نعم.
فقال: قد كنت على ذلك برهة من الدهر، حتى أقدم على الواثق شيخ من أهل الفقه والحديث من أذنه من الثغر الشامي مقيد طوال حسن الشيبة، فسلم غير هائب، ودعا فأوجز، فرأيت الحياء منه في حماليق عيني الواثق والرحمة عليه.
فقال: يا شيخ، أجب أبا عبد الله أحمد بن أبي دؤاد عما يسألك عنه.
فقال: يا أمير المؤمنين، أحمد يصغر ويضعف ويقل عند المناظرة.
فرأيت الواثق وقد صار مكان الرحمة عليه والرقة له غضبا، فقال: أبو عبد الله يصغر ويضعف ويقل عند مناظرتك؟ ! فقال: هون عليك يا أمير المؤمنين، أتأذن في كلامه؟ فقال له الواثق: قد أذنت لك.
فأقبل الشيخ على أحمد، فقال: يا أحمد، إلام دعوت الناس؟ فقال أحمد: إلى القول بخلق القرآن، قال له الشيخ: مقالتك هذه التي دعوت الناس إليها من القول بخلق القرآن أداخلة في الدين فلا يكون الدين تاما إلا بالقول بها؟ قال: نعم، قال الشيخ: فرسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إليها أم تركهم؟ ؛ قال: تركهم، قال له: فعلمها أم لم يعلمها؟ قال: علمها، قال: فلم دعوت الناس إلى ما لم يدعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم منه؟ فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين هذه واحدة.
ثم قال له: أخبرني يا أحمد، قال الله تعالى في كتابه العزيز: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] فقلت أنت: إن الدين لا يكون تاما إلا
(1/127)

بمقالتك بخلق القرآن، فالله عز وجل أصدق في تمامه وكماله أم أنت في نقصانك؟ ! فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، وهذه ثانية.
ثم قال بعد ساعة: أخبرني يا أحمد، قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67] فمقالتك هذه التي دعوت الناس إليها فيما بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأمة أم لا؟ فأمسك، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، وهذه ثالثة.
ثم قال له بعد ساعة: أخبرني يا أحمد لما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالتك هذه التي دعوت الناس إلى القول بها اتسع له أن أمسك عنهم أم لا؟ قال أحمد: بل اتسع له ذلك، فقال الشيخ: وكذلك لأبي بكر، وكذلك لعمر، وكذلك لعثمان، وكذلك لعلي رحمة الله عليهم؟ قال: نعم.
فصرف وجهه إلى الواثق، وقال: يا أمير المؤمنين، إذا لم يتسع لنا من اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه فلا وسع الله علينا، فقال الواثق: نعم، لا وسع الله علينا إذا لم يتسع لنا ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه.
ثم قال الواثق: اقطعوا قيوده، فلما فكت جاذب عليها، فقال الواثق: دعوه، ثم قال: يا شيخ، لم جاذبت عليها؟ قال: لأني عقدت في نيتي أن أجاذب عليها، فإذا أخذتها أوصيت أن تجعل بين بدني وكفني حتى أقول: يا ربي، سل عبدك: لم قيدني ظلما وأراع بي أهلي؟ فبكى الواثق وبكى الشيخ وكل من حضر.
ثم قال له الواثق: يا شيخ، اجعلني في حل، فقال: يا أمير المؤمنين، ما خرجت من منزلي حتى جعلتك في حل إعظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقرابتك منه.
فتهلل وجه الواثق وسر، ثم قال له: أقم عندي آنس بك، فقال له: مكاني في ذلك الثغر أنفع، وأنا شيخ كبير، ولي حاجة، قال: سل ما بدا لك، قال: يأذن أمير المؤمنين في الرجوع إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم، قال: قد أذنت لك، وأمر له بجائزة فلم يقبلها.
(1/128)

فرجعت من ذلك الوقت عن تلك المقالة، وأحسب أيضا أن الواثق رجع عنها " (1) .
_________
(1) انظرها في: الاعتصام للشاطبي (2 / 46-48) تحقيق مشهور آل سلمان.
(1/129)

[خلاصة نفيسة للعلامة السعدي]
خلاصة نفيسة للعلامة السعدي: إن البصيرة في حال المدعوين تكون في معاملة " كل أحد على حسب حاله وفهمه، وقبوله وانقياده، ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل، والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة وإلا فينتقل معه إلى الدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها، والنواهي من المضار وتعدادها، وإما ذكر إكرام من قام بدين الله، وإهانة من لم يقم به، وإما بذكر ما أعد الله للطائعين من الثواب العاجل والآجل، وما أعد للعاصين من العقاب العاجل والآجل، فإن كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق، أو كان داعية إلى الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا، ومن ذلك: الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها، فإنه أقرب إلى حصول المقصود، وألا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة، تذهب بمقصودها ولا تحصل الفائدة منها، بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها " (1) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله: " ومن الحكمة إيضاح المعنى وبيانه بالأساليب المؤثرة التي يفهمها المدعو، وبلغته التي يفهمها
_________
(1) تفسير السعدي: (3 / 92-93) .
(1/130)

حتى لا تبقى عنده شبهة، وحتى لا يخفى عليه الحق بسبب عدم البيان، أو بسبب عدم إقناعه بلغته، أو بسبب عرض بعض الأدلة، وعدم بيان المرجح، فإذا كان هناك ما يوجب الموعظة وعظ وذكر بالآيات الزواجر، والأحاديث التي فيها الترغيب والترهيب، حتى ينتبه المدعو، ويرق قلبه، وينقاد للحق، فالمقام قد يحتاج فيه المدعو إلى موعظة وترغيب وترهيب على حسب حاله، وقد يكون مستعدا لقبول الحق، فعند أقل تنبيه يقبل الحق، وتكفيه الحكمة، وقد يكون عنده بعض التمنع وبعض الإعراض فيحتاج إلى وعظه، وإلى توجيه، وإلى ذكر آيات الزجر " (1) .
_________
(1) من أقوال الشيخ ابن باز في الدعوة ص (64) .
(1/131)

[فصل في تأثير القدوة الصالحة على الناس]
[الدعوة بالعمل قبل القول]
فصل
في تأثير القدوة الصالحة على الناس أحببت أن أختم هذه الرسالة بأمر هام وهو أن أعظم أسلوب يقوم به الداعية إلى الله تعالى هو امتثاله الإسلام، وتطبيقه السنة، فما يحمله الداعية من أخلاق المسلم الحق كفيلة بإذن الله تعالى أن يأسر القلوب الشاردة في أودية الضلال، وأن يكون محل الاحترام والتقدير والقبول لدى الصغير والكبير، فدليل الفعل أرشد من دليل القول، ولذلك لما أرادت قريش أن تطعن بالرسول صلى الله عليه وسلم، اختلقت كل خلق مشين لإلصاقه به، فلم يجدوا إلى ذلك سبيلًا، ولم يصدقهم الناس، وذلك لظهور الأخلاق العظيمة، وجريان الآداب الفاضلة على جوارحه، جريان الماء الرقراق في الجداول النقية، وقد قيل: ما تخفيه السريرة يظهر على السيرة.
ولهذا فإن من أبلغ وسائل التأثير على الناس هو القدوة الحسنة؛ فالنفوس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه، ولا ينتفع به؛ ولأجل هذه النفرة قال شعيب عليه السلام لقومه: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] (1) . فكم من داعية أثر على الناس بعلمه وبحاله من دون أن يعظهم ويذكرهم، فسيرته تستنطق الأفواه بالتسبيح، وكم من أمم دخلت في دين الإسلام بسبب القدوة الصالحة، والتاريخ خيرُ شاهد.
_________
(1) هود: 88.
(1/132)

قال بعضهم: ليس الحكيم الذي يلقنك الحكمة تلقينا، وإنما الحكيم الذي يعمل العمل فتقتدي به.
قال عدي:
ونفسك فاحفظها من الغي والردى ... متى تغوها تُغوِ الذي بك يقتدي
فلا يمكن بحال أن يكون الواعظ مقبولا عند شخص يعظه وينهاه عن الغيبة أو النميمة، أو الكذب مثلا، وهو واقع فيها، منغمس في بحرها.
الدعوة بالعمل قبل القول: يقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: " ومن الأخلاق والأوصاف التي ينبغي بل يجب أن يكون عليها الداعية العمل بدعوته، وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه، ليس ممن يدعو إلى شيء ثم يتركه، أو ينهى عن شيء ثم يرتكبه، هذه حال الخاسرين، نعوذ بالله من ذلك، أما المؤمنون الرابحون فهم دعاة الحق، يعملون به وينشطون فيه ويسارعون إليه، ويبتعدون عما ينهون عنه، قال الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 - 3] (1) .
هذه الآية العظيمة تبين لنا أن الداعي إلى الله عز وجل ينبغي أن يكون ذا عمل صالح، يدعو إلى الله بلسانه، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضا، ولهذا قال بعده: {وَعَمِلَ صَالِحًا} [فصلت: 33] فهو داعية إلى الله باللسان، وداعية بالعمل، ولا أحسن قولا من هذا الصنف من الناس هم الدعاة إلى الله بأقوالهم الطيبة، وهم يوجهون الناس بالأقوال والأعمال، فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم وأعمالهم وسيرتهم، وهكذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام دعاة إلى الله بالأقوال والأعمال، والسيرة. . . وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة أكثر مما ينتفعون بالأقوال ولا سيما العامة، وأرباب العلوم القاصرة؛ فإنهم ينتفعون من السيرة والأخلاق الفاضلة والأفعال الصالحة ما لا ينتفعون من
_________
(1) الصف: 2-3.
(1/133)

الأقوال التي قد لا يفهمونها، فالداعي إلى الله عز وجل من أهم المهمات في حقه أن يكون ذا سيرة حسنة، وذا عمل صالح، وذا خلق فاضل، حتى يُقتدي بفعاله وأقواله " (1) .
ومما يفيد في هذا المعنى: أن رجلا جاء إلى ابن عباس، فقال إني أريد أن أعظ، فقال: أوبلغت ذلك؟ ! إن لم تخش أن تفضح بثلاث آيات من كتاب الله تعالى فافعل، قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44] (2) .
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 - 3] (3) .
وقوله تعالى: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88] (4) .
أحكمت هذه الآيات؛ قال: لا، قال:: فابدأ إذا بنفسك.
وقال بعض السلف: إذا أردت أن يقبل منك الأمر والنهي، فإذا أمرت بشيء فكن أول الفاعلين له، والمؤتمرين به، وإذا نهيت عن شيء فكن أول المنتهين عنه.
وقد قيل:
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام من الضنى ... ومن الضنى تمسي وأنت سقيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليم
_________
(1) من أقوال الشيخ ابن باز في الدعوة ص 65- 66.
(2) البقرة: 44.
(3) الصف: 2 - 3.
(4) هود: 88.
(1/134)

مع أنه لا يعني بالضرورة ألا يمتثل الناس إلا ممن يعمل بعلمه، أو كان مطبقا للمأمور، مجتنبا للمنهي عنه، لكن هذا من دواعي القبول، وسرعة التأثير.
قال بعض أهل العلم: لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا أن تعملوا بأحسن ما تسمعون منا.
وقال بعضهم: لا تنظر إلى عمل العالم ولكن اسأله يصدقك.
ووقف رجلٌ - يظهر أنه حاسد - على ابن عيينة وهو يعظ الناس فأنشد:
وغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو مريض
فأنشده ابن عيينة:
اعمل بعلمي وإن قصرتُ في عملي ... ينفعك علمي ولا يضرُرْك تقصيري
والمستقرئ لكتب السنَّة يجد كيف كشفت لنا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم التطبيق النموذجي لتأثيره على الناس، من خلال الخلق العظيم والأدب السامي الذي كان يتصف به صلى الله عليه وسلم، فكان يزور الناس، ويغشاهم في أسواقهم ومجامعهم، وكان يكلمهم ويدعوهم إلى الحق وإلى صراط مستقيم، وكان يستقبل الوفود، ويعفو عمن ظلمه، ويحلم على من أساء إليه، وكان دائم الذكر والفكر، وغيرها كثير، مما يجعلنا نُفعِّل هذا الجانب، ونُعْمِله في واقع دعوتنا.

[كلمة جامعة عن آداب الداعية]
كلمة جامعة عن آداب الداعية: فينبغي على الداعية أن يكون صالحا في نفسه بأن يكون تقيًّا، ورعا، زاهدا، صادقا، مراقبًا، مؤديا الفرائض والأركان والنوافل، متتبعا السنة، يشهد الجمعة والجماعة، تاليا للقرآن، ممتثلا معنى العبودية لله تعالى، مصاحبا للأخيار، مجتنبًا الأشرار.
(1/135)

وأن يكون بارا بوالديه، وبرهما خفض الجناح، ولين الكلام، وألا ينظر إليهما إلا بعين المحبة والإجلال والتقدير، ولا يعلو عليهما في مقال ولا حال؛ إلا أن يريد إسماعهما، ويبسط أيديهما في نعمته، ولا يستأثر عليهما في مطعمه ولا مشربه، ولا يتقدم أباه إذا مشى معه، ولا يتقدمه في القول في مجلسه، ويتوقى سخطهما بجهده، ويسعى في مسرتهما بمبلغ طاقته، وإدخال الفرح عليهما من أفضل أعمال البر.
وعليه أن يمتثل الآداب الشرعية والأخلاق الإسلامية من إفشاء السلام، وإطعام الطعام، وعيادة المريض، وشهود الجنازة، وأن يدل على الخير، ويرشد إليه، وأن يتعاهد النصح للناس، وأن ييسر ولا يعسر، وعليه أن يعتزل شرور الناس، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وأن يحسن الظن، ولا يتجسس، ولا يغتاب، ولا ينم، ولا يكذب، ولا يظلم، ولا يبهت، ولا يسخر من أحد، ويجتنب قول الزور، ولا يغش، ولا يخدع، ولا يغدر، ولا يخلف في الوعد، وليحذر من الجدال والمراء والمزاح الذي فيه كذب، أو أذية لأحد، وعليه أن يتواضع ولا يتكبر، ويحلم ويعفو، ولا يظلم ويحمق، وأن يجل الكبير، ويعطف على الصغير، ويسعى بالصلح بين المسلمين، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتجنب ما يقدح في المروءة، ولو كان من المباحات.
وعليه أن يتعاهد نظافته ومظهره، فلا يجعل الناس يروا أو يشموا منه ما ينفرهم عنه، ويتعاهد السنة في ذلك من نتف الإبطين، أو حلقهما، ويقص شاربه حتى يبدو الإطار، ويقلم أظفاره، وأن يكون طاهر الفم على الدوام، فيستعمل السواك، أو ما يقوم مقامه، والسواك أفضل؛ لأنه مطهرة للفم، مرضاة للرب.
وعليه أن يتأدب بآداب الإسلام مع الآخرين، فيحسن إلى جيرانه، ويكرم ضيفه، وينصر أخاه ظالما أو مظلوما، وإذا دخل مجلسا فليظهر التواضع الذي عليه المسلم، فيجلس حيث تناهى به المجلس، ولا يفرق بين متصافيين، أو أب وابن، أو أخوين، إلا أن يفسحا له، وإذا أكل أو
(1/136)

شرب فليأكل بيمينه، وليشرب بيمينه، ولا يأكل ولا يشرب بشماله؛ إلا من عذر أو ضرورة، وإذا أكل فليأكل مما يليه، إن كان الطعام جنسا واحدا، وأما إن كان مختلفا فلا بأس أن تجول يده في الصحفة، ولا يجوز له إذا أكل مع غيره أن يقرن بين تمرتين، ولا تينتين ونحو ذلك، وحق الطعام أن يسمي الله تبارك وتعالى آكله عند ابتدائه، ويحمده عند فراغه، ويبدأ باليمنى في الانتعال أيضا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في أمره كله.
وينبغي عليه التقيد بجميع آداب الإسلام، فإذا تثاءب فيكظم ما استطاع، ويضع يده على فيه، وإذا عطس فليغض من صوته ما أمكنه، ويعلن بعدها حمده لله تعالى، ويُسمع من يليه، فإذا قال له من سمعه: يرحمك الله فليرد عليه بـ: يهديكم الله ويصلح بالكم كما ورد.
ومن حسن الأدب إذا تجشأ أن يخفي صوته ما استطاع، ويكره له أن يتناجى مع آخر ومعهما ثالث، وغيرها من الآداب التي لا تخفى.
(1/137)

[خلاصة]
خلاصة إن البصيرة في الدعوة إلى الله تعالى في كل ما تقدم من المسائل التي طرحت أثناء هذه الرسالة، تثمر النتائج التالية:
أولا: تحقيق الشخصية الصحيحة للداعية إلى الله تعالى، والذي يتحمل أعباء تبليغ الدين، وذلك بما يحمله من علم يؤهله للاستمرار والبقاء.
ثانيًا: الأمان - بإذن الله - على الدعاة من أن تزل أقدامهم، أو يسقطوا أمام شبه المناوئين لهذا الدين، متى ما حملوا لواء العلم، وتبصروا فيه.
ثالثا: كسب أكبر قدر ممكن من الناس الذين هداهم الله تعالى وذلك عن طريق قنوات متعددة، ووسائل شرعية متنوعة، يُعملها الدعاة في واقع دعوتهم.
رابعا: إقامة مجتمع رباني قائم على توحيد الله تعالى، وتجريد المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، واتباع السلف الصالح، وذلك بفضل الدعوة الصحيحة القائمة على المنهاج النبوي في ترتيب الأولويات، والبدء بالمهمات.
خامسا: الحصول على عدد ليس بالقليل من الدعاة الراسخين، والذين يقودون الأمة إلى بر الأمان ممن لا تستفزهم البدايات، ولا يُحكمون العواطف في قضايا الأمة المصيرية، من خلال ضبطهم لقواعد الدين، وتحكيمهم العلم المؤصل في النوازل والحوادث والمستجدات.
(1/138)

سادسا: ضمان تحقيق قدر كبير من الاجتماع والائتلاف بين الأمة، وذلك بإعمال الدعاة المتبصرين لوسائل الاجتماع، وحسم ذرائع الافتراق وتبصير الأمة بها.
(1/139)