Advertisement

التعصب بين المسيحية والإسلام



الكتاب : التعصب بين المسيحية و الإسلام
المؤلف : محمد الغزالي
الناشر : دار نهضة مصر
الطبعة : الأولي بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة هذا بحث استكرهنى أعداء الإسلام على خوضه، وهم لم يحسنوا إلى أنفسهم إذ فتحوا هذا الباب ـ كما ظنوا ـ ولا أساءوا إلى الإسلام ـ كما أحبوا ـ. فالمسألة لا تعدو أن أحمق غرته الأمانى فجاء يناوش القلاع الشم، فأصابته قذيفة أودت به ودمرت عليه مكمنه، وبقيت القمم كما هى ترد الطرف، وعاد المغرورون إلى أوكارهم الهشة فإذا بها مسواة بالرغام... لقد كنا سكوتا عن طمأنينة، مسالمين عن قوة، نخدم ديننا وأمتنا فى بعد عن الجدل و إيثار للمودة. حتى جاء من يحاول ـ بغباوته ـ استفزازنا! وبم؟ بالهجوم على الإسلام، ونبيه، وصحابته، وتاريخه منذ ظهر إلى اليوم..!! ولم؟ لأنه يلمح فى الأفق بوادر تجمع حول الإسلام وإيقاظ لدولته، و إحياء لأمته، فهو يحول دون هذا كله.. بغية إنقاذ العالم من مغبة عودة الإسلام إلى ميدان الحكم والتشريع والسياسة.. وما العالم الذى يرى إنقاذه من الإسلام؟ ألعله يريد إنقاذ الأمريكان وأحلافهم، والروس وأشياعهم؟ إن الإسلام ليس خطرا على أمة بعينها أو جنس بذاته... إنما هو خطر داهم على الإذلال والتعصب والختل، وما يخاف شعب شريف الغاية من عودته، ولا جنس نقى النية من دولته، وإننا لنجزم بأن كل عائق يوضع فى طريق هذا الدين الكريم، إنما هو لحساب القوى الغاشمة، والسلطات العفنة، مدنية كانت، أو كهنوتية... * * * ليس لى فى هذا الكتاب أكثر من سوق الحقائق مجردة عن أهواء المغرضين وأكاذيب المدلسين.
ص_004
(1/1)

وهو جهد ـ وإن كان يسيرا ـ إلا أن الناس فقراء إليه. فإن لبس الحق بالباطل عمل برع فيه كثيرون، وضل به الأكثرون، ولذلك يقول الله لأحبار اليهود: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون). ولا يحسبن القارئ أنى ـ فى هذا الكتاب ـ ضخمت شبها ثم هدمتها، أو عنيت بحملات تافهة ثم رددتها. لا. لقد أبصرت طلائع هجوم منظم على الإسلام، وكيد متين لأمته، فأحببت أن أسحق الطليعة الجريئة حتى أشرد من خلفها، وأعلمها ألا تهيج مرة أخرى أسباب المنايا عليها، و إلا.. فهى التى بحثت عن حتفها بظلفها. * * * وأذكر أن الرجل الذى كلفنى بكتابة هذا البحث قد طلب إلى أن ألتزم حسن العرض، وأن أكتفى بتنحية القذى عن طريق الإسلام، دون غضب أو تحد... وقد بذلت الجهد فى إجابة نصحه، و إن كنت شعرت أحيانا بسورات الغيظ تملكنى وتجرفنى، إذ أجد حقا يغطى الهوى وجهه المبين، وعسفا يراد فرضه على الصراط المستقيم.. وما كان الإسلام ينتظر ممن أحسن إليهم فى أرضه أن يتربصوا به ويعينوا عليه أو يتلمسوا لأهله الأبرياء شتى العيوب. وعلى أية حال، فقد رأينا فى تحامل المغرضين على الإسلام فرصة مواتية لتجلية دعوته وشرح تاريخه وتفنيد المفتريات الموجهة إليه. ومثل هذه الدراسة تلذ للنقاد المجردين، فقد سئل عالم: ما سعادتك؟ قال " فى حجة تتبختر اتضاحا، وشبهة تتضاءل افتضاحا". * * * لقد كتبت هذا البحث وأنا مسلم أحترم دينى وأتمسك به، ولم يكن اعتناقى للإسلام حجابا عن تلمس الحقيقة فى مظانها، والتقاطها حيث وجدتها. ولست أعرف ما يكون وقعه عند أصحاب الأديان الأخرى، ولكنى أعلن أنى ص_005
(1/2)

أتلقى بقبول حسن كل نقد علمى يعتمد على الحق وحده، كما أعلن أنى ـ وكثيرا من إخوانى المسلمين ـ ما اعتدينا، بل رددنا العدوان، وما تحدثنا حتى حملنا غيرنا على الكلام. وربما كانت الحقائق مرة فى بعض الحلوق، ولكن ما حيلتنا؟ وقد أراد نفر من الناس تشويه وجوه الأطهار، فكشفت الأقدار عما يصبغ وجوههم من غبار!؟.. *** إن الأحقاد الطائفية والحروب الدينية غريبة على أرض الإسلام. فقد ألف هذا الدين منذ بدأ أن يعاشر غيره على المياسرة واللطف، وأن يرعى حسن الجوار فيما يشرع من قوانين ويضع من تقاليد.. وهوـ فى ميدان الحياة العامةـ حريص على احترام شخصية المخالف له. ومن ثم لم يفرض عليه حكمه أو يقهره على الخضوع لشرائعه. بل ترك أهل الأديان وما يدينون. خذ مثلا الخمر والخنزير، إنهما ـ بالنسبة للمسلم ـ لا يعدان مالا له قيمة، بل الحكم بحرمتهما ورجسهما معروف. ومع ذلك فالمذاهب ترى أنهما بالنسبة إلى النصارى مال متقوم يصح تملكه وتمليكه، ومن ثم تعترف بالتعامل فيهما. وانظر إلى ما يقوله أئمة الفقه الإسلامي فى كتابى " البدائع " و "المغنى": إن أنكحة غير المسلمين لها أحكام الصحة. لم؟ لأنا قد أمرنا بتركهم وما يدينون... ويبلغ من احترام الحرية الدينية عند المسلمين أن يقبلوا زواج المجوسي من ابنته ما دامت شريعته تبيح له ذلك... وفى " المغنى " مجوسي تزوج ابنته، فأولدها بنتا. ثم مات عنهما فلهما الثلثان...!! إن الإسلام لم يقم بتة على اضطهاد مخالفيه أو مصادرة حقوقهم أو تحويلهم بالكره عن عقائدهم أو المساس الجائر لأموالهم وأعراضهم ودمائهم.. وتاريخ الإسلام فى هذا المجال أنصع تاريخ على وجه الأرض. وليت التواريخ الأخرى تقترب من ليونته وسماحته. أقول : تقترب منه، ولا أقول: تشابهه، لأن الواقع المقبض فيما حفظته الدنيا من ص_006
(1/3)

حروب التعصب وغارات الإبادة والتجنى يجعلنا لا نشطح مع التمنى ولا نسرح مع الخيال. وفى الحروب الدينية التى عرفها التاريخ الأوروبي دلالات يخزى لها أولو الضمائر. * * * والغريب أن نفرا من المستشرقين والمبشرين تعامى عمدا عن هذه الحقائق، وأراد أن يتعامى عن تاريخه القائم، لا، بل أراد أن يلصق بالإسلام مفتريات لا عهد له بها فى تاريخه القديم والحديث. فقام يتهم الإسلام بأنه أساء إلى مخالفيه وأنه صنع بهم كذا وكذا ... وكأنه يريد بذلك ـ إلى جانب إهانة الإسلام ـ خلخلة ثقة أهل الكتاب فى الكثرة المسلمة التى تعيش معها فى سلام منذ أجيال. ونحن على يقين من أمرين: أولهما: أن حبل الباطل قصير، وأن تعاليم الإسلام لن تتأثر أبدا بمحاولات الكذب والاختلاق. وسيبقى مسلك هذا الدين مثلا أعلى لأروع ضروب الاعتدال والتسامح مهما اجتهد المرجفون ونفثوا فى أفقه الدخان. وآخرهما: أن عملاء الاستعمار لن يتحقق لهم أمل فى استغلال الأقليات الدينية، وربط عواطفها بالغرب الصليبى، وإن بدا لهم أن ذلك ميسور الإدراك. وقد تيقظ العقلاء لهذه الخيانات، وتجمعوا ـ مسلمين ونصارى ـ ضد العدو المغير. ورأوا أن لابد من رده على أعقابه وتطهير البلاد ممن يلوذون به ويعتمدون عليه. ولعلنا فى كتابنا هذا نكون قد أنصفنا الحق وكشفنا الغطاء عن أمور ذات بال، ما ينبغى أن تغيب عن الأذهان. محمد الغزالي ص_007

(1)

الإسلام

بين عدويه . . العصبية والتعصب
ص_008
(1/4)

هذه العصبيات: مع غلبة الأوهام وانتشار التفاهات يستكثر الصغار من الأمجاد الكاذبة، ولم لا يستكثرون منها، وهى لا تغرمهم ثمنا، ولا تكلفهم جهدا؟ إن اختلاف البشرة فى ألوانها يعطى البيض فضلا ليس للسود. وميلاد المرء فوق قطعة من الأرض دون أخرى يجعل وطنا أرقى من وطن. وتكوين جنين فى بطن معين من نطفة معينة يخلق نسبة أشرف من نسبة. فإذا اصطنع أقوام من هذه الأحوال وأشباهها فروقا يتشبثون بها، ويدورون حولها، فماذا عليهم؟ لقد صفرت أيديهم من الجد فملأوها بالهزل، ثم شقوا طريقهم فى الحياة وعلى خدودهم صعر، وفى قاماتهم تطاول. وشأن عالمنا هذا غريب، لو أنه يتوقف عن المسير كما تتوقف السيارة حين ينفد وقودها فتتطلب مزيدا تستأنف به رحلتها. إنها لن تسير إلا بوقودها الصحيح.. أما عالمنا هذا فهو مستعد لأن يسير، ولو وضعوا له بدل الوقود ترابا أو قمامة، إنه يسير مهما اضطربت وجهته واختلت حركته. وهل اندفاع العالم بالعصبيات المحضة ـ بعد تنكره للمثل العالية ـ إلا ضرب من هذا السير المجنون؟ عصبيات للأسر، وعصبيات للأوطان، وعصبيات للأجناس. أما الحقائق الكبرى التى تعلو هذه النزعات الطائشة، وتحكمها بحزم، فإن العالم فى جاهليته القديمة أو الحديثة لا يلقى باله إليها.. لأنها تعكر عليه نعيم الأمجاد الزائفة التى ينتجها فى ظلال هذه العصبيات. إن ناسا يريدون أن يسودوا، لأن فروج الأمهات يوم قذفت بهم إلى هذه الحياة أضفت عليهم هالة خاصة. أصغْ جيدا.. إنهم أشراف. ص_009
(1/5)

فلو غربلت التراب السافى عن رفات آبائهم الذاهبين، لبرق بالمواهب الدفينة التى ستنتقل حتما من الأجداد إلى الأحفاد، فيجب أن نحنى الهام إجلالا. وهؤلاء.. إنهم الجنس الأبيض الممتاز، لقد نضح صفاء قلوبهم على لون جسومهم، فكساهم شمائل لا تبلى من الفضل والإيثار. فلنفسح الطريق أمام الجنس المختار، ولندفع الأجناس الأخرى إلى الخلف بمقامع من حديد. ثم هؤلاء الذين ولدوا معنا فى صعيد واحد!. إن لهم حقا أكبر، وأولئك هم مواطنونا الأعزاء، يجب أن ترجح رابطتنا بهم كل رابطة أخرى. إنجلترا فوق الجميع، ألمانيا فوق الجميع، مصر فوق الجميع.. لكن من هم الجميع الذين يجب أن يهبطوا إلى تحت؟ لتنتصب فوقهم الأوطان الخاصة ببعض البشر؟ إن العصبيات لا يعنيها أن تجيب، لأن العصبيات لا تعرف منطق العقل المعتاد. إن العصبية حماس يشتعل وليست حقا يضئ. الدين والعصبيات: هذه العصبيات ـ برغم ما يساندها من قوانين وتقاليد ـ هى فى نظر الدين حماقة كبرى، والاعتراف بها هدم للأركان الأولى من الرسالات التى أنزل الله هداية للعالمين. إذ قوام هذه الرسالات أن الإنسان مسئول بنفسه عن نفسه، يقدمه ما اكتسب من خير فحسب، ويؤخره ما اكتسب من شر فحسب. ولا مكان فى هذا الميزان القسط لتدخل بشر، كبير أو حقير. ولا حساب فى تقويم شخص ما لوطنه أو نسبه. ولا اعتبار البتة لما تواضع الناس عليه من شارات الرفعة أو الخسة. ابن النبى أو ابن البغى سيان. إن تأخر الأول فى سباق الصالحات لم ينفعه حسبه. وإن تقدم الأخير لم يضره نسبه. ص_010
(1/6)

وقد أوضح الله هذه المبادئ لا فى قرآن محمد فحسب، بل فى كتب الأنبياء الأولين كذلك.. (أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى * ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) وتلك قاعدة تمليها العدالة المجردة. ومن ثم فهى قديمة مع الأزل مسترسلة مع الأبد، لا يلحقها نسخ ولا يخدشها استثناء. (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) ولما كان الظن قد يسبق إلى أن اصطفاء الله لبشر ما كيما يحمل أعباء الدعوة إليه، ربما أشعر باختصاص يخرجه عن هذه القاعدة، فإن الله كذب هذه الظنون وبين أن المرسلين كغيرهم أمام هذا القانون العام. (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا * ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما) وحدد الله سبحانه صلة الأتباع المستجيبين، بالنبى الذى علمهم، فكان هذا التحديد القاطع ردا للأقارب والأباعد إلى القانون الذى لا يهتم بقربى ولا قرابة، قانون العمل والجزاء الذى لا يستطيع نبى أن يغير من نتائجه لتطيش براجح أو ترجح بطائش. وإيماء لهذه الحقائق أمر الله رسوله أن : (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله …) ص_011
(1/7)

(قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير) (قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم) هذه الأوامر الصريحة تهدف إلى إفهام كل بشر، أين كان، ومتى كان، إلى أن تحليقه أو إسفافه طوع إرادته الحرة، وأنه وغيره سواسية فى جو طليق رحب، وأن كافة ما اختلقه الدجالون من تفاضل بأوطان أو أنساب أو ألوان هراء فى هراء. هذا هو الحق فى حساب المثوبة أو العقوبة يوم الدين. وهو الحق في مقياس الرذيلة أو الفضيلة فى الدنيا. ولا تحسبن ذلك مقياسا خاصا لضبط أعمال الأفراد، وتسجيل ما تبلغه الأنفس من نقص أو كمال.. أما سياسة المجتمعات والدول فلها قانون آخر!. ذلك هو الضلال البعيد. إن الله شرع دينه نظاما للنفس والمجتمع والدولة جميعا. وما اعتبره شرا فى أحوال النفس هو شر مضاعف يوم يقوم عليه مجتمع وتبنى عليه حكومة. وما دام قد أهدر الأ نساب والألوان والأوطان فى تقدير النفس فبالحرىّ أن يهدرها فى تقدير الدول والشعوب. ومن ثم فأساس الدولة المحترمة عنده أن تنهض على دعائم من الخير والصلاحية لا على مزاعم من الانتفاخ الأجوف والعصبية العمياء. فالمبدأ، والتعارف عليه والاقتراب منه، هو أساس الحكم، لا قطعة الأرض والمعيشة عليها، والجوار فيها. ص_012
(1/8)

والحق الذى تكمل باعتناقه ـ وأنت فرد ـ هو الذى تكمل باعتناقه وأنت دولة. إن الحق ليس الشمعة التى تضيئك من الداخل فقط، بل هو الشعاع الذى تبصر عليه طريقك فى الحياة كذلك. وقد جعل الله من دينه رابطة تقرب البعيد، ورحما تعطف الأفئدة فقال: (إنما المؤمنون إخوة) ، (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) . وترابط الجماعة المؤمنة ليس عصبية من النوع الذى نعيناه، وحاشا أن يكون كذلك!! فإن أول خصائص المجتمعين على الحق أن يسوسوا به أنفسهم وغيرهم، وإذا قلنا: إن الإسلام عروة وثقى بين أتباعه جميعا، فإن ذلك التناصر فى حدود دستور الإسلام القائل: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) وأى مسلك ينافى ذلك من منتسبين إلى الإسلام فهو خروج علي الإسلام. إنما احتقرنا العصبيات كلها لأن قانونها الهوى. واحتفينا بالدين لأن الذى شرعه أخذ به أتباعه أولا، فهم محكومون به قبل غيرهم من الناس. وعندما قام نبي الإسلام يدعو إلى الله تنكر له مواطنوه وآله أقوام. فقرر أن يقطعهم، وآزره على دينه قَبيلٌ غرباء فوصلهم ولحق بهم. ومن المؤمنين بالإسلام ـ على اختلاف منازعهم الأولى ـ قامت دولته الكبرى، قامت على أساس الانخلاع التام من دعوات الجاهلية. إن رجالها كانوا يبصرون الناس على ضياء الإيمان كما نبصر نحن الأشخاص والأشياء على ضوء الشمس. ولما لا. وقد علمهم الله أن وزن الأمور بغير ذلك ضرب من الردة؟؟ روى المفسرون أن " شاس بن قيس " اليهودى ـ وكان شيخا عظيم الكفر شديد ص_013
(1/9)

الطعن على المسلمين ـ مر بنفر من الأوس والخزرج وهم فى مجلس يتحدثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم فى ظل الإسلام، بعد الذى كان بينهم من العداوة فى الجاهلية. فقال: اجتمع ملأ بنى قيلة بهذه البلاد! والله ما لنا معهم ـ إذا اجتمعوا ـ من قرار! فأمر شابا من اليهود كان معه فقال له: اعمد إليهم واجلس معهم، ثم ذكرهم يوم "بُعاث " وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من أشعار!. وكان "بُعاث " يوم قتال مرير بين الأوس والخزرج انتصر فيه الأولون على الآخرين، ففعل الشاب اليهودي ما كلف به، فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا، وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب. وقال أحدهما: إن شئتم ـ والله ـ رددناها الآن جذعة !! وغضب الفريقان جميعا وقالا: قد فعلنا: السلاح السلاح، موعدكم الظاهرة ـ يعنون حرة المدينة ـ. فخرجوا، وانضمت الأوس والخزرج بعضهم إلى بعض على دعواهم فى الجاهلية فبلغ رسول الله ما حدث، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم، وقال: يا معشر المسلمين، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ أبعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا ؟؟ الله الله... فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم، وبكوا، واعتنق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين ونزل قول الله: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين * وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) إن اليهودي الحاقد على الإسلام أراد أن يمكر بأهله فلم يجد أسرع فى نقض غزلهم من إثارة العصبيات القديمة بينهم ص_014
(1/10)

والحق أن تعصب اليهود ضد الدين الناجح لم يكن شرا عليه من استجابة أتباعه لوساوس العصبيات البائدة. والنظر فيما أصاب المسلمين ـ بعد ـ من متاعب يدل على أن العصبيات التى قسمت وحدتهم فى الداخل كانت أنكى بهم من تعصب أعدائهم ضدهم. عودة الجاهلية: فى العالم الحديث عصبيات عنصرية وجنسية لا ضمير لها، تثور بين الحين والحين لتوقع المظالم بالمستضعفين من أجيال الزنوج والهنود وأشباههم. وفيه تعصب لما ألف من أفكار ومبادئ، وتعصب ضد ما جهل من أديان وتواريخ، وحديثنا الآن لا يتناول هذه الأنحاء المتشعبة. إنما حديثنا عن العصبيات التى تسود أرضنا، فإذا انتهينا منها تحدثنا عن التعصب الكامن فى بعض الأنفس ضد إسلامنا. ذلك أن الإسلام اختنق ـ أو كاد ـ بين عصبيات المستحمقين من أتباعه، ثم تعصبات الناقمين على امتداده القديم من أتباع الديانات الأخرى. ما العصبيات التى تنتشر فى بلادنا؟ إنها نزعات بدائية سمجة قسمت الجماهير فى القرى والمدائن إلى قطعان متناحرة، وقبائل متنافرة، وركام من الأشياع يزيده الوهم وينقصه الوهم، وتصرفه قيادات همجية عفنة لا دين لها ولا دنيا. إنها عصبيات قامت ودامت مع قيام الجهل ودوامه وتطاول لياليه وتراخى أيامه. فإذا بأرض الإسلام معرض مشحون بالسخريات. وحدته الصغرى، القرية التى تتنازع سيادتها أسر معينة، ووحدته الكبرى الدولة التى تتنازع حكومتها أسر معينة. فإذا نظرت إلى الخرب والمعمور من أرض الله، واستعرضت القارات الخمس الحافلة بالأحياء، لم تلبث أن ترى هذه البلاد الإسلامية مدموغة بهذا الطابع المخزى، مدموغة به وحده. ص_015
(1/11)

فهى فى ميدان السياسة العالمية حقل العصبيات التى تتضخم فتأكل دولا، أو تتضاءل فتأكل جملة قرى. وقد اختفت قيمة الفرد ـ كإنسان ـ وهانت قيمة الأمم ـ كرأى عام ـ وسط هذه الأغوال الكالحة من العصبيات الكبرى والصغرى. لقد استطاعت الهند ـ وهى أمة وثنية ـ أن تتخلص من أوزار لم تزل بعض بلاد الإسلام تعانى قيودها. وأنواع العصبيات والتعصب التى تشيع فى العالمين ـ الشيوعى والرأسمالى ـ أرقى من الطور البدائى الذى يغلب على أرضنا. فرئيس الولايات المتحدة ـ مثلا ـ وصل إلى منصبه بعد أن تقلب فى ماضيه بين مهن تافهة ـ على ما نفهم ـ أو وضيعة ـ بتعبير أبناء البيوتات الأصيلة (!). ويستحيل على مثله لو كان بين ظهرانينا أن يحوز معشار هذا النجاح، لأن الانتماء إلى أسرة رفيعة العماد شرط الترشيح لرياسة إقليم صغير فى بلادنا العزيزة، وإن لم يكن شرط التقدم لرياسة الدولة الأولى فى العالم أجمع. وهذا مدى فهمنا وفهم غيرنا لحديث محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ". وقوله لابنته: " يا فاطمة بنت محمد لا أغنى عنك من الله شيئا ".. وتحذيره لأسرته بقوله : " لا يأتينى الناس بأعمالهم وتأتونى بأنسابكم "!!! *** وقد تكونت فى بلاد الإسلام عقدتان شنيعتان كأثر حتمى لتغلغل العصبيات فى كيانه وهيمنتها على مقدراته. أولاهما: هوان الكفايات الخاصة وكساد سوقها، وإحساس الكثير أنها لن تصل فى جدواها ما يصل إليه الحظ المواتى، يمده نسب عريق أو جاه وثيق. وقد تخلخل ضغط هذه العصبيات قليلا مع تقدم العلم وشيوعه. ومع ذلك فإن رجلا يقضى فى تحصيل العلم عشرين سنة قد يسبقه رجل يجئ بشهادة ترفع نسبه إلى فلان. ص_016
(1/12)

ولن تكون مناعته الاجتماعية على كل حال مناعة رجل ذى أسرة ضخمة. والعرب يقولون: إذا كان الرجل أبا عشرة، وأخا عشرة، وخال عشرة فقد عز!!. وفى قبائل العرب، وقرى الصعيد، بل عندما كنت فى قطاع غزة، بقية ما أبقى الأقوياء من فلسطين المأكولة، كنت أنظر محسورا إلى هذه العصبيات المتنابزة بالألقاب المعتزة بالأحساب. ثم ألقيت النظر إلى أحوال اليهود داخل إسرائيل حيث لا عزوة، ولا أسرة، ولا سناد، إلا الكفاية الخاصة، يجئ بها الإنسان مطاردا من الدنيا فيأوى فى هذه البقاع إلى جهده وكده فحسب. مع هذا كانت أفواه تنفتح ـ وددت لو حشيت بالنعال ـ تقول: نحن أبناء الأشاوس!... أولئك شذاذ الآفاق الـ… ما هذا العمى؟ لقد اغتاظ نبى الإسلام أشد الاغتياظ من هذه النزعة السخيفة عندما قال: " لينتهين أقوام عن الفخر بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم حطب جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذى يدهده الخرء بأنفه.. إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء!. ما قيمة شريف من بنى هاشم، ثقافته فك الخط، إلى يهودى اخترع الغازات الخانقة؟ وبأى أصل فى دين الله أو فى دنيا الناس يستحق هذا أن يشرف؟ وهذا أن يتضع؟ إذا كان حظ هذا من الإسلام أن يحفظ اسم أبيه، وحظ هذا من اليهودية أن يتعلم؟.. وما زلت أذكر مساخر الحرب الأخيرة بين العرب واليهود، كانت الصحف تنشر أسماء قادتنا الكبار، ومن بين يديها ومن خلفها مجموعة ألقاب!!. والغريب أن الذين هزموهم رجال يعدون فى المجاهيل، لم يطنطن بهم أحد، لأنه فى المجتمعات السليمة تتقدم الأعمال أولا ثم يذكر ـ بعدئذ ـ أصحابها. أما فى المجتمعات المنحطة، فإن الأسماء تذكر أولا ثم تتصيد لها الأمجاد. هذا هو منطق العصبيات المسيطرة. * * * ص_017
(1/13)

وثانية العقدتين اللتين خلقتهما العصبيات، التواطؤ على كتمان الحقائق وتضخيم التوافه وتعميم الفساد. ففى كنف هذه العصبيات المجرمة تفهم الأمة الأمور فهما مقلوبا. فتشبه راكب القطار الذى يعتقد أن الأشجار والأنهار على كلا الجانبين تجرى، وأنه واقف فى مكانه... وهذه الجهالة المركبة أفقدت أمة الإسلام خصائصها الجلى. فإن الله لما أثنى على المسلمين بخير ما فيهم قال: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) أى أن إحقاق الحق وإزهاق الباطل وإقرار الإيمان هى صفاتنا التى نتميز بها... لكن الذى يحدث الآن، أن هناك جرائم خلقية واجتماعية وسياسة لا يجرؤ العتاة على ارتكابها فى أى بلد من بلاد العالم ترتكب فى بلادنا دون نكير ولا محاذرة، والشياطين الخرس مكممو الأفواه!!. وإن هناك أنظمة ومناهج هى الإصلاح المصفى، لا يوجد فى أقطار الدنيا قطر أحوج إلى تطبيقها منا. ومع فقرنا الملح إليها فإن مردة العصبيات يعوقون انتفاعنا بها. وليت الشياطين الخرس بقيت مكممة الأفواه. فلم تأمر بمعروف ولم تنه عن منكر. لقد اشتغلوا بحرق البخور، وإدارة مجامرها لتعطير مجالس الظلمة... والحق أن التعلق بهذه العصبيات ضرب من الوثنية الطاغية، وأن إضراره بعقيدة التوحيد لا يقل عن تعلق الجاهلية بـ "ود" و "سواع " و"يغوث" *** أو ليس من المضحك أن تسمع بعدئذ عن دعاية للإسلام فى الخارج؟ وتبشير بمبادئه، إن أمتنا تأخرت فى داخل حدودها برغم أنف دينها. كم من منكر اجتماعى وسياسى توطدت بيننا أركانه...! وكم من معروف اجتماعى وسياسى مسخت عندنا معالمه...! ص_018
(1/14)

إن المراحل شاسعة جدا بين (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله). وبين الأوضاع المزرية التى ضطرب فيها أمة تقسمتها العصبيات، وإنامتها تحت وطأة رجعية مخرفة ملتاثة.. هى والجاهلية الأولى سواء. وقبل أن ينجح حكماء الإسلام فى إنقاذ دينهم من براثن هذه النزعات، ويخلصوا أمتهم من طغيانهم المجتاح، هبت على أرض الإسلام عاصفة أخرى عقيب سقوطها فى أيدى المحتلين الأجانب، وسعيها الجاهد للتحرر من هذا الاحتلال. فقد تيقظت نزعات وطنية حادة لمقاومة الأعداء الدخلاء. ورأى الوطنيون الجدد أن يجعلوا من مشاعر القومية الخالصة أساسا لبناء الدولة الحديثة فى الشرق الأوسط المجاهد. الإسلام والوطنية: ونحن نفهم أن يحتشد المواطنون صفا واحدا لمقاومة خصم لدود، لكننا لا نفهم أبدا أن يتم ذلك على حساب الإسلام. فبأى وجه؟ ولأى حكمة؟ يطلب من المسلمين أن يتجاهلوا قرآنهم ويجحدوا أحكامه باسم الوطنية؟ وبأى وجه؟ ولأى حكمة؟ تجرح عقائدهم ويلوث تاريخهم، وتصور رسالتهم على أنها نهضة ظهرت فى العصور الوسطى ئم اختفت... وأن تطور الزمن وارتقاء الحياة يجعل الحديث عن العمل بها لغوا..! إننا نتهم النوايا الدفينة وراء هذه الحملات السفيهة، وهى نوايا لا صلة لها بوطن. وإذا كان لابد من بيان صلتها فسنتكلم كثيرا عن سلسلة التآمر الصليبى ضد الإسلام وأهله وحكمه فى شتى العصور. ص_019
(1/15)

إن المسلمين يعرفون دينهم على أنه عقيدة نفسية وشريعة اجتماعية، وكتابهم ينص على هذه الحقيقة الكاملة. والنصارى يعرفون دينهم على أنه عقيدة نفسية فحسب!. وهم لا يبالون- بعد بذل الضمانات لحفظ عقائدهم- أن يحكموا بشرع رومانى أو أسبانى أو أمريكانى. فأية غضاضة فى أن يتركوا المسلمين يطبقون شرائعهم ليعيش الجميع فى ظلها؟ يعيش المسلمون فى ظلها وقد أحسوا أنهم أدوا واجبهم نحو ربهم. ويعيش النصارى فى ظلها لأن الشرائع لديهم سواء. فلماذا يعترضون على أمرينفع غيرهم وليس فيه البتة ما يضيرهم؟ إن الحكم الإسلامى لا يصادر عقيدة أخرى ولا يعطل عبادة أخرى، لأنه يقبل فى يسر أن تجاوره أديان أخرى، وأن يعيش مع أتباعها فى سلام. لذلك نحن نستنكر أن يثار غبار مفتعل حول عودة التشريع الإسلامى. وأن يملأ الجو بالأراجيف! كلما طالب المسلمون بتنفيذ أحكام القرآن. ولنفرض جدلأ أن التشريع الإسلامى قاس فى عقاب بعض الجرائم؟ فما دخل الآخرين فى ذلك، وهو سينفذ فى أرض تسعة أعشارها مسلمون؟. أعنى أنه فى كل مائة مجرم يقعون تحت طائلة القانون سيكون نحو التسعين من المسلمين؟. فالقسوة المزعومة فى هذا التشريع ستنصب على رءوس أتباعه قبل غيرهم. فما معنى الاعتراض بعد ذلك على عودة الشريعة الإسلامية، من أبناء الملل الأخرى، أجانب كانوا أم مواطنين؟ إننا مكرهون بإزاء هذا الموقف النابى ضد التشريع الإسلامى إلى تقرير عدة حقائق، لقد حدث فى الثورة الاستقلالية سنة 1919 أن اتحد المصريون جميعا ضد الإنجليز. ويظهر أن الاتفاق بين زعماء المسلمين والنصارى يومئذ كان على أن ينسى الجميع أديانهم فى سبيل طرد العدو المشترك، وهو اتفاق غريب! وتنفيذه أغرب!. ص_020
(1/16)

أما أن الاتفاق غريب، فلأن المسلم لا ينبغى أن ينسى فى دينه، ولا أن يكلف غيره بنسيان دينه، ومجاهدة الغاصبين من المستعمرين لا تتطلب شيئا من هذا. وأما أن التنفيذ أغرب، فلأن الذى حدث هو أن الزعماء القوميين من المسلمين نسوا الإسلام والنصرانية جميعا. وأما الزعماء القوميون من النصارى فقد نسوا الإسلام فقط، وذكروا النصرانية جيدا. فلم تمض سنوات قلائل على إبرام الاتفاق الروحى بين الفريقين حتى كانت الإدارات المصرية تعج بكثرة ظاهرة من الموظفين النصارى!!.. *** أهذا اتفاق شريف بين مواطنين مخلصين أم خديعة لإقصاء الإسلام وتغليب غيره عليه. إننا نعترف بأن للحكم الدينى سمعة سيئة. ولكن أى حكم؟ وفى أى دين؟ كتب دولة السيد " محمد ناصر " رئيس وزراء أندونيسيا السابق كلمة يجيب بها على هذا التساؤل قال فيها: "كلما نادينا بحكومة إسلامية فى أى مكان من العالم الإسلامى انزعج لذلك غير المسلمين، وفهموا أننا نريد حكما غامضا رهيبا كالحكم الإلهى الذى عرفته أوروبا المسيحية فى القرون الوسطى. إن ذلك فهم خاطىء للإسلام، ولمعنى الحكومة الإسلامية كما يدركه العاملون لها. فليس فى الإسلام قديسون، ولكن هناك علماء وفقهاء فى مختلف شئون الدين. وهم ليسوا قديسين يؤدون الشعائر باسم الكهنة، إنما هم أئمة بين يدى شريعة واضحة، يستطيع كل مسلم ـ إذا تعلم واجتهد ـ أن يعرف أحكامها. ص_021
(1/17)

ثم إن الأئمة الرسميين ليست إمامتهم فرضا فى هذا الدين، ولكنها تنظيم إداري اقتضته الحاجة العملية للمسلمين. ليس هناك فى هذا الإسلام الذى نؤمن به قديس باسم السلطة الكهنوتية، ولا سلطة قديسية لها دور خاص فى الحكم أو التشريع أو الإدارة أو القضاء. وأوضح من ذلك أنه لا يوجد فى الإسلام كنيسة ذات كيان مستقل داخل الدولة. بل يجب أن يقوم الإسلام ـ كعقيدة ـ فى كل ناحية من حياة المسلمين الفردية والجماعية، الشعبية والرسمية. وهكذا يحتضن الإسلام حياة الأمة كلها، ولا يعترف بالفصل بين الدين والمجتمع والدولة. ويظل مع ذلك بعيدا كل البعد عن الحكم المقدس البغيض. لست أعتذر عن الإسلام، فالإسلام أعز من ذلك، وهو لا يحتاج إلى من يعتذر عنه. وإنما أردت فقط أن أرد شبهة عميقة الجذور فى أذهان الغربيين ومن ذهب مذهبهم. أما إذا كان المقصود أنهم يعيبون علينا تديننا، فليسمحوا لى أن أكون صريحا. إن أكثر الأمريكان يفكرون فى بلادهم وأنفسهم كمسيحيين، ورئيسهم الراحل " روزفلت " كان مسيحيا سافرا. وكان لا يغفل المسيحية فى أى خطاب وجهه إلى العالم فى أثناء الحرب العالمية الأخيرة. والإنجليز كذلك مسيحيون، دولتهم مسيحية، وملكهم هو رأس الكنيسة وحامي الإيمان المسيحى. ولذلك فإن طقوس الكنيسة الدينية تحتل مكانا كبيرا من اهتمام الدولة. والهولنديون مسيحيون، اشترطوا فى دستورهم أن يكون الملك بروتستانتى العقيدة. بل إن هولندا حكمت حكما كنسيا من 1603 ـ 1940. هذه الدول كلها، ومعها غيرها من دول أوروبا المسيحية ـ حتى فرنسا البعيدة ـ عن الدين فى جهازها الرسمي ـ قد ظاهرت النشاط التبشيرى المسيحى فى آسيا وأفريقيا واستراليا، وخاصة فى البلاد المستعمرة وشبه المستعمرة. ص_022
(1/18)

حتى إنه ظل يقال إلى القرن التاسع عشر: إن وسائل " أوروبا " فى حكمها الاستعمارى ثلاث: " التجارة، والتبشير، والحرب ". غارة على الإسلام: بيد أن الإسلام ـ وما يستشف من جراحات العصبيات القديمة ـ هوجم فى رقعته الرحبة بهذا اللون الجديد قن الوطنيات المحدثة. والقصد البين من وراء هذه العصبيات الإقليمية الإتيان على ما بقى من تراث الإسلام وكيان أمته الكبرى حتى تذهب بددا مع الأمس الدابر. وهذه العصبيات الوطنية المبتدعة تخالف الشعوبية التى ظهرت قبلا فى تاريخ الإسلام، واعتبرت حربا عليه. فإن الذين حركوا النزعات الجنسية فى بلاد الإسلام يمزجون قوميتهم المنتحلة بالإسلام نفسه0 فإن افتخر أحدهم بعربيته أو فارسيته أو تركيته ضم إلى هذه النعرة الفارغة أنه مسلم متمسك بتعاليم الإسلام. أى أنه كان يخلط عملا صالحا وآخر سيئا على نحو ما قال مهيار: وأبى كسرى على إيوانه! أين فى الناس أب مثل أبى؟ قد ضممت المجد من أطرافه، سؤدد الفرس ودين العرب وهذا منطق لا يعرفه الإسلام. فكسرى أو رمسيس أو النعمان لا يشرفون أعقابهم، ولا معنى للفخر بهم. والرجل يعتد بعمله وإنتاجه وكفايته فحسب. والإسلام ليس دين العرب، إنما هو دين البشر قاطبة! فليس عنصر أولى به من عنصر. وأيا ما كان الأمر فإن هذه النزعة الشعوبية الباطلة ما كانت تجرؤ على هجر الإسلام ومعاداة أحكامه، كما تريد النزعة الوطنية الحديثة فى أرض الإسلام فى هذه الأيام. ص_023
(1/19)

وقد رأيت أن هذه النزعة الوطنية تخالف كذلك قرينتها فى أوروبا. فليس مفروضا على الوطنيين هناك ولا على الساسة المحترفين أن يشمئزوا ـ كفريق من وطنيينا الأحرار وساستنا الكبار ـ من الاتجاه الإسلامى، وتهيج ثائرتهم كلما طالب المخلصون لدينهم بتطبيق الشريعة الإسلامية فى الداخل، واحترام الجامعة الإسلامية فى الخارج. ونحن نؤكد أن هذه الوطنيات المبغضة للإسلام هى صناعة غربية بحتة، وأنها مظهر لنجاح الغارة الكبرى التى شنتها الصليبية الحديثة على ديننا. وقد اضطرت هذه الصليبية الحديثة أن تكشف النقاب عن وجهها الكالح لما رأت بوادر تقرب شديد بين المسلمين هنا وهناك. إنها أعلنت حربا سافرة على الجامعة الإسلامية ، وبعثرت فى طريقها العوائق، واستأجرت أبواق الدعاية لتلقى على الوحدة الإسلامية المنشودة ظلالا من الريب، وتتهمها ـ قبل ميلادها ـ بأنها أداة لكذا وكذا.! *** وقد راقبنا طلاء هذه الحملات المدبرة، فوجدناها تعتمد على صنفين من الكتاب: صنف لا يزال يحمل اسمه المسلم ـ وإن كان لا يدرى عن الإسلام شيئا ـ وهو يستمد أصول تفكيره من منابع أوروبية خالصة. ويغلب على مسلكه وإدراكه التنكر للأديان جملة. وهو منطقى مع نفسه فى هذا التنكر، ولكنه ليس منطقيا مع نفسه حين يسخر لمحاربة الجامعة الإسلامية لحساب جهات يهمها القضاء على الإسلام وحده، حتى يبقى الميدان خاليا للدول المسيحية وإسرائيل. وقد سخر هذا الصنف بنجاح. ص_024
(1/20)

غير أن النتائج التى وصل إليها أو الظروف التى واجهها آخر الأمر جعلت فريقا جديدا من الكتاب الكاثوليك ينزل إلى الميدان ليكتب ضد الجامعة الإسلامية المنشودة. والكتاب الكاثوليك والذين ظاهروهم فى هذه الحملة يقولون: إنهم فعلوا ذلك خدمة للعلم المجرد! وليس كرما للإسلام وانتصارا للمسيحية! والدليل على هذا أن يؤلف أحدهم رسالة ـ فى أثناء الدعوة إلى الجامعة الإسلامية ـ يتهم فيها النبى وصحابته بأنهم قوم أضراهم الجوع وأغراهم بفتح البلاد!. وأن تاريخ الإسلام ـ مدى أربعة عشر قرنا ـ كان تاريخ هضم وظلم لأبناء الأديان الأخرى (إ).. وكأنه يقول: هذه صفحتكم السوداء، فكيف تطالبون بإعادة الإسلام إلى الحكم؟. من حقنا أن نواجه الصليبية الحديثة بعد هذا التحدى، وأن نكشف الغطاء عن ماضينا وماضيها، وأن نفضح السرائر المغبرة التى تستخدم أحط الوسائل للحيلولة دون عودة الإسلام إلى ميد ان القانون والحكم، و إلى ميادين السياسة الدولية. ولا بأس أن نستعير العبارة التى قدم بها الكاتب الكاثوليكى اعتراضه على إقامة جامعة إسلامية قال: " فى هذا الوقت الذى تفكر فيه الجامعة العربية فى توسيع رقعة نشاطها، وضم جميع الشعوب الإسلامية تحت رايتها. فى هذا الوقت الذى يحبذ فيه نخبة من المسلمين بعث الإمبراطورية العربية القديمة من مرقدها.. لا نشك فى ترحيب عدد كبير من أقطاب السياسة بكل ما يساعدهم على فهم الأوضاع الصحيحة، وتوجيه أفكارهم فى سبيل المحافظة على الوئام بين الأغلبية المسلمة والأقلية المسيحية وإذا تعذر علينا اقتراح حلول لهذه المسألة فلنحاول دراسة بعض وجوهها.. " ص_025
(1/21)

والحق أن الكاتب لم يتعذر عليه اقتراح الحل، كيف وهو مستقر فى بؤرة شعوره؟ إن الحل المطلوب هو إماتة كل محاولة لإقامة دولة إسلامية فى مصر، وإماتة كل محاولة كذلك لإنشاء جامعة إسلامية فى العالم. وليس هذا رأى شخص فذ حتى نطرحه جانبا، بل هو رأى هيئات منظمة مدعمة تواصل الليل بالنهار لبلوغ أهدافها. فهى ـ فى قلب بلاد الإسلام ـ توهم أن الأقليات ترفض كل الرفض عودة المسلمين إلى شريعتهم. وهى خارج بلاد الإسلام توهم أن الوحدة الإسلامية خطر داهم على أمن العالم..! أليس الاستعمار هو سياج الأمن للعالم المنكوب؟ يحب إذن أن نكون ذليلا خسيسا لإحدى الجبهات المتخاصمة، وأن تنتشر الفتوق الخطيرة فى كياننا الكبير، وأن نستورد فقهنا وفكرنا من" أوروبا ". وإلا فنحن دعاة إلى دين خطر على الأقليات وعلى العالم أجمع.. *** إن للصليبية الحديثة مأرب واضحة، إنها تحاول أن تجعل من انكسار المسلمين عسكريا ارتدادا عاما عن الإسلام. ولما كان تنصير هذا الجيل من المسلمين مستحيلا فهى تعمل ابتداء على خلخلة يقينه، وتشكيكه فى فكرة التدين على العموم. والمرحلة الثانية تقوم على حركة تقرب، وموادة بين جيل منسلخ عن عقائده الحقة، وبين أبناء الدول المسيحية الغالبة. أما المرحلة الأخيرة فالمفروض فيها أن تمحى معالم الإسلام من أقطاره العتيدة، وأن ينصر ما يمكن تنصيره، ويستأصل ما يستعصى على الردة. وبهذا الأسلوب تنجح الصليبية الحديثة حيث عجزت جرثومتها فى القرون الوسطى. ص_026
(1/22)

غير أن هذه الخطة سوف يلحقها الفشل الذريع لو قامت فى الشرق الأوسط دولة مسلمة حقا، أو تماسك المسلمون فى جامعة تلم شعثهم وتجمع شملهم. ومن ثم يبذل أعداء الإسلام جهود الجبابرة لتعويق أية نهضة تعمل على إحياء الجامعة الإسلامية، أو تسعى لتحكيم الفقه الإسلامى فى بلاد الإسلام. وليس من الصدف العارضة أن تتولى " جماعة الشبان المسيحيين " فى مصر ـ ورئيسها الفخرى سعادة سفير بريطانيا العظمى ـ أن تتولى علنا المعارضة لفكرة التكتل الإسلامى، وأن تتولى فروعها فى صعيد مصر إثارة الشغب الطائفى كلما اعتدلت نسبة الموظفين الأقباط مع إخوانهم الموظفين المسلمين فى الوظائف الحكومية. والحجة الظاهرة أن هذا اتجاه رجعى ردىء. والعلة الدفينة هى الكره العنيف للإسلام وأهله، وتبييت الشر والغدر لحاضره ومستقبله. فهل يعقل أن يكون التمسك بالإسلام رجعية سخيفة، والتمسك بالنصرانية أو اليهودية تقدمية لطيفة؟ ولنواجه الحقيقة الصارخة: إن إنجلترا وأمريكا وفرنسا ومن لف لفهم، هم قادة الحملة على الإسلام، وواضعو سياسة استئصاله جهرة واغتيالا. وليست الجبهة الشرقية بأقل منهم أضغانا على هذا الدين، ورغبة فى القضاء على حكمه. وما أكثر حكامنا الذين حبسوا فى هذه المصيدة وداروا بأفكارهم داخل جدرانها. قرأت هذا النبأ فى مجلة محترمة: " تتصادم اليوم نظريتان سياسيتان خارجيتان، إحداهما ـ وهى القديمة ـ ترى أنه من المصلحة أن تظل مصر معنية بالشئون الإسلامية والعربية والشرقية، وبشئون القضايا التحريرية المختلفة، ولو أدى ذلك إلى دوام الارتطام مع بعض الدول الكبرى. وأصحاب هذه النظرية لا يتوقعون أى أمل فى عدالة هذه الدول، ولا فى إنصافها للقضية المصرية على أية حال. ص_027
(1/23)

أما النظرية الثانية ـ الجديدة ـ فهى ترى أنها فى حاجة إلى التفرغ للقضية المصرية، والى عدم التشويش عليها بقضايا الآخرين ـ وإن كانت عزيزة ـ إلا فى حدود القدر المعقول من الاهتمام. ونظريتهم ترتكز على أن مثل هذه المهادنة قد تربح لمصر بعض الأنصار فى هيئة الأمم المتحدة ". *** هذا الكلام لا يجوز أن يمر فى هدوء، بل إنه يتيح لنا فرصة إبداء رأينا الصريح فى قضيتنا الخاصة، وقضايا المسلمين عامة، وقضايا المضطهدين والمستذلين فى بقاع الأرض كلها، مهما اختلفت أديانهم وألوانهم. ونحب أن نصف موقف حكوماتنا السابقة والحاضرة وصفا دقيقا. فهى لم تعن بشئون العرب والمسلمين إلا فى حدود ضيقة، وتحت عناوين مبهمة، وبالقدر الذى تسمح به السياسات القومية المنكمشة فى تخومها المنسلخة عن دينها. السياسات التى تتجاهل أحكام الإسلام وتستحيى من الظهور به فى مجامع العالم الضخمة. وأقرب الأمثلة إلى أذهاننا أننا لما اعترفنا بإندونيسيا دولة مستقلة تحررت من طغيان هولندا، واستردت حقوقها المغتصبة بالحديد والنار. قيل لنا: إننا سارعنا إلى تأييد أندونيسيا فى كفاحها الظافر بدافع من التعصب للإسلام. ونعت علينا دول أوروبا الفاجرة هذه العاطفة المعقولة. والغريب أن ساستنا سارعوا إلى الدفاع عن أنفسهم أمام الاتهام الخطير الموجه إليهم، فقرروا أنهم لم يقفوا بجانب أندونيسيا دفاعا عن الإسلام وانتصارا لأهله، بل احتراما للحق المجرد، واستنكارا للعدوان المجرد، دون النظر إلى وحدة الدين بين مسلمى مصر وجاوه. كأن التمسك بالإسلام معرة، والانتساب إليه سبة. ص_028
(1/24)

أما اجتماع أساطيل أوروبا فى مياه اليونان، وتحطيمها للأسطول المصرى، وتخليصها اليونان من سلطان الدولة التركية بدافع من الحمية الدينية المحضة، فذلك أمر لا غبار عليه!!. وفى مأساة فلسطين حرصت دول الجامعة العربية على إقصاء الإسلام عن ميدان السياسة، وأعلنت أنها تدافع عن عرب فلسطين كبشر بائسين أكلتهم عصابات اليهود. ونفذت ولا تزال تنفذ خطتها فى إبادتهم، وإرث أرضهم وديارهم وأموالهم. وقد ناشدت الجامعة المسكينة ضمير العالم المتحضر ليوقف هذه الكارثة الهائلة، ولم تجرؤ فى مناشدتها الطويلة أن تشير إلى الإسلام بكلمة، ولا أن تومئ من بعيد إلى أن هذا العدوان الصارخ يستفز النيام من المسلمين.. كلا، فالجامعة تشكيلة من الدول السائرة فى فلك سياسى مرسوم بمهارة وآصرة العروبة بينها كأصرة اللاتينية بين دول أمريكا الجنوبية مثلا. ولعل إنامة الروح الإسلامى كلما استيقظ من أهم الأعمال التى تقوم بها الجامعة الموفقة. ونحن لا نظلم ساستنا فنكلفهم فوق ما يطيقون. إنهم لا يعرفون الإسلام كدولة ذات منهاج وهدف، تضم الأجناس والألوان كما تضم الشجرة الواحدة أنواع الورود، ترى فيها الأحمر القاني والأصفر الفاقع والأبيض الناصع. إنهم لا يعرفون الإسلام كذلك، فكيف يفقهون سياستة ويبصرون غايته؟ ومنذ سنين سئل رئيس وزارة " مات هذا الرئيس منذ مدة " ماذا صنعت لقضية فلسطين؟ فقال: أنا رئيس وزارة مصر، لا رئيس وزارة فلسطين!! وكان الرئيس المذكور عائدا من لندن بعد مفاوضة فاشلة لحل القضية المصرية. ولولا بقية من المحافظة على التقاليد القديمة، ولولا التوجس من السفور بنبذ الإسلام والعلانية بهجر أحكامه واتجاهاته ولولا غليان الرأى العام بين الحين والحين غضبا لدينه وسخطا على خصومه، ولولا نفر من الحكام لهم ضمائر وشرف تسعد بهم مناصبهم على فترات متباعدة. ص_029
(1/25)

لولا ذلك لانقطعت صلة مصر بالإسلام فى الميدان الدولى، ولصارت صلتنا بشقيقاتنا فى الدين كصلتنا بسويسرا أو اليونان. وقد أثر هذا الموقف النابى فى أحوالنا كلها فزادها تعقيدا وارتباكا، وجر علينا الفشل الذريع فى سلمنا وحربنا على سواء. والعلاج؟.. ما هو؟.. وأين السبيل إليه؟.. العلاج فى أن نبني سياستنا الخارجية على دعائم إسلامية بينة، وأن نعود إلى الإسلام فى باطن أمرنا وظاهره. وأن ننبذ سياسة التأرجح والميوعة أمام الكتل الدولية التى مزقت الحجاب عن نياتها، وبارزتنا بالعدوان والتحدى، ووضعت خططا ماكرة لإهلاكنا. ولن يستطيع جبار مهما أوتى من سلطان أن يفصم عرا الأخوة بين مسلمى الصين ومسلمى المغرب ومسلمى هذا الوادى... إن الاقتراح القائل بفصل السياسة المصرية عن السياسة الإسلامية هو تمش مع رغبات أوروبا فى تفتيتنا دويلات متقاطعة تشغل إحداها بشئونها عن الأخرى. بل لعل أوروبا تطمع فى أن تضرب بعضنا بالبعض، ما دامت آصرة الدين قد شلت تماما عن العمل. وليس ذلك بمستبعد، فإن أوروبا صنعت ذلك بنفسها قديما وحديثا. وهذا الكلام ينطوى على أمل باطل فى عدالة موهومة. لا... بل هو ينطوى على مساومة خسيسة فى سوق ملعونة. إذ كيف نتزلف لفرنسا بالإغضاء عن المذابح الشنيعة التى توقعها اليوم بالمغاربة؟ وهل نتوقع من القدر ـ إذا اقترفنا هذا الجرم ـ إلا أن نلقى المصير نفسه على يد الجزارين أنفسهم؟.. إذا كنا نتبع فى سياستنا منطق الإسلام فهذا كتاب الله يفرض علينا أن نحقق العدالة حيث كنا، وأن ندعو إلى الإنصاف فى كل محفل لا نبالى بقلة أو كثرة، بصداقة أو عداوة، بغنى أو بفقر، ص_030
(1/26)

(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا). وإذا كنا نتبع فى سياستنا منطق الرجولة والخلق، فهل من الرجولة والخلق أن نشتغل أذيالأ لسماسرة المروءات والأعراض ممن يبيعونها بشهوة عارضة؟. وإذا كنا لا نتبع فى سياستنا حقا ولا عدلا، فلماذا نعيب على اكلى حقنا ونهاب خيراتنا؟. إن الخير كل الخير لأمتنا أن تستمسك بالإسلام جملة واحدة وأن تعيش به وله، وألا تفتنها المظاهر التافهة عن هذه الحقيقة الجليلة. روى الحاكم عن طارق قال: " خرج عمر إلى الشام ومعنا أبو عبيدة فأتوا على مخاضة- وعمر على ناقة له- فنزل وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته، فخاض- فى الماء- فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أنت تفعل هذا؟ ما يسرنى إن أهل البلد استشرفوك! فقال عمر: أوه! لو قال هذا غيرك يا أبا عبيدة لجعلته نكالا لأمة محمد! إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله، أذلنا الله ... ". إننا نسوق هذه الحكمة لرؤسائنا... ولعل الرجال الغارقين فى أردية الحرير وألوان الدعة عندنا يستمعون إلى قصة عمر الحافى وهو يحمل نعليه فيتضاحكون من بداوة الحكام الأولين، ويتندرون فيما بينهم بطرائف العصور الأولى... ويسرنا أن نضع تحت أعين ساد تنا الناعمين هذه القصة: روى " الكسندر ويرث " وهو كاتب إنجليزى قضى سنى الحرب الأخيرة فى " روسيا " قال: ص_031
(1/27)

لا ربما لا يكون ستالين منزها عن الأخطاء، ولكنى لن أنسى أبدا هذه القصة التى تكشف عن الجانب الإنسانى فى نفسه. فقد فاجأ مرة مركز قيادة " زوكوف " بزيارة غير مرتقبة، فى أحلك أيام الحرب الألمانية الروسية. وكان " زوكوف " قد عاد من الميدان مرهقا، فاستلقى على فراشه بثيابه، واستغرق فى النوم. ودلف " ستالين " على أطراف أصابع قدميه، فآلفى حذائى القائد مبتلين، وخشى أن يصاب من جراء ذلك بضرر، فخلعهما برفق عن قدميه، وحملهما إلى ياور القائد قائلا: ـ من العار أن تترك عظيما مثله ينام بحذاءيه مبتلين، جففهما فى الحال وأخبره عندما يستيقظ أننى أنتظره. وارتبك الياور فما أن انصرف، ستالين " حتى أيقظ، زوكوف " وأنبأه بالزيارة والرسالة. وأسرع القائد فلبس حذاءيه ولما يجفا، وبادر إلى موسكو. واذ دخل على ستالين، ألقى هذا نظرة على الحذاءين ثم قال: ـ مازالا مبتلين؟. إن ياورك مهمل يا صديقى، وجدير بك أن تتخلص منه ، ثم أرسل يستحضر له حذاءين جديدين ". إن الصغار صغار الأنفس ولو عاشت فى أبراج. وإن العظمة لا يخدشها أن تخوض فى الأوحال ولا أن تحمل الأحذية. وددنا لو أن رجالنا اعتزوا بالإسلام وأشربوا روحه الكريمة، ثم واجهوا ساسة الدنيا أجمعين. ص_033
2 - المسلمون وأهل الذمة ص_034
(1/28)

لا أريد أن أذكر اسم هذا الكتاب ولا اسم مؤلفه . وسأعرض فى فصول متتابعة لحقائق الموضوع الذى عالجه وسأكشف الغطاء عن نواحيه كلها. إن المؤلف يمثل كثيرين ممن يختبئون خلفه، ويؤزُّونه على متابعة نشاطه ضد الإسلام. وكتابه حلقة من سلسلة لا تخفى أطرافها ولا أهدافها. وقد اصطنع موقف الباحث المحايد، ولبس مسوح العالم المتجرد.. وانتهى من تجواله فى ثلاثة عشر قرنا على دخول الإسلام مصر إلى النقط الآتية: * أن الفتح الإسلامى غارة عربية قامت بها قبائل كانت تشتغل قديما بالسلب والنهب، وأن العامل الديني يعتبر ثانويا إلى جانب العامل الاقتصادى. * وأن هؤلاء الغزاة هم بالنسبة إلى الرومان سادة جدد. ومن ثم فهو يصفهم بأنهم محتلون ومستعمرون، وأن مسلكهم فى مصر قام على استنزاف خيرها، واستذلال أهلها ـ يعنى بهم الأقباط ـ. * وأن الشريعة الإسلامية تقوم على تأريث العداوة ضد أهل الذمة، وتضع سياسة دائمة لإهانتهم وعزلهم عن المجتمع العام. * وأن تاريخ الخلفاء والولاة من بدء الإسلام إلى العصر الأخير شاهد يصرخ بما أوقعه المسلمون من مآس ومصائب بغيرهم. * وأن على الذين لم يدينوا بالإسلام أن يفقهوا الطبيعة الجافة لهذا الدين وأن يتوقعوا الصراع الدامى حين يرتبطون بعلائق مع أهله. وتدليلا على هذه النقط التى ملأ بها كتابه نقل نصوصا من القرآن بعد أن حرفها عن موضعها. ونقل كذلك وقائع من التاريخ بعد ما أبعدها عن ملابساتها. وتجاهل من نصوص الإسلام، ومراحل، تاريخه الطويل ما يدحض مزاعمه الجريئة. ص_035
(1/29)

واعتمد على مصادر صليبية وحوادث وهمية فى ملء أكثر من ثلاثمائة صفحة باستقراءات واستنتاجات تزود القارئ بفكرة واحدة. وهى أن الإسلام منذ ظهر وهو يعيث ـ فى مصر وفى غيرها ـ فسادا ويوسع الأقليات النازلة بأرضه نكالا واضطهادا...! ولولا أن المؤلف يحتل وظيفة كبيرة فى هذه البلاد، ولولا أن المصطادين فى الماء العكر سيطيرون بكتابه إلى كل أفق، ولولا ثقتنا من أن الكتاب يخدم فكرة تهيىء لها وسائل شتى، ويسخر لها رجال كثيرون لتركنا هذه الخرافات تموت وحدها ويموت صاحبها معها.. بيد أننا مضطرون إلى تتبع أخطاء المؤلف وخطيئاته لفضحها واحدة بعد أخرى إحقاقا للحق وإبطالا للباطل، وقطعا لدابر المرجفين والمفترين. *** بنى المؤلف فكرته كلها على أساس عجيب اقتنع به وافترض فى الناس جميعا أنهم يقتنعون به، هو أن القرآن يوصى بالتنكر لليهود والنصارى ومجافاتهم، ورفض استخدامهم وموالاتهم والمضى فى نهبهم وسلبهم.. ويتساءل المؤلف فى ص 313 " إذا لم يكن العرب فى حاجة إلى مساعدة الأقباط ،هل كانوا يتبعون معهم سياسة التسامح؟ " ثم يجيب حضرته على هذا السؤال قائلا : " من الواضح أن النصرانى لم يكن هو موضع اهتمام الحكام.. " لماذا ؟ لأن الإسلام يأمر بنبذه والبطش به. ومع ذلك خرق الحكام الشريعة وخرقوا نصائح الفقهاء وأبقوه فى وظيفته لأنهم كانوا فى حاجة إليه.. ولم يتذكروا الشريعة والفقه إلا إذا أرادوا البطش بالأقباط . هذا المؤلف المسكين يرى أن الإسلام قد أصدر حكما مبرما باستئصال النصارى واليهود، وأن حكام الإسلام عصوا أوامر دينهم لحاجتهم إلى كفاية أعدائهم! أرأيت إلى هذا السخف؟. إنه المحور الذى دار عليه الكلام فى مئات الصفحات!!.. ومن أين عرف هذا الباحث الذكى أن الإسلام يقف هذا الموقف من النصارى واليهود؟ ص_036
(1/30)

إنه عقد لذلك فصلا فى أول كتابه أورد فيه ما لديه من أدلة تحت عنوان " الشريعة الإسلامية وأهل الذمة " فذكر ثلاث آيات من القرآن الكريم هى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين …) (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء…) (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم …) والآيات المذكورة لا صلة لها البتة بالموضوع الذى تعرض الكاتب له. بل إننا نكاد نجزم بأنه يعرف ذلك، وأنه يحرف الكلم عن مواضعه عمدا. فهى جميعا واردة فى المعتدين على الإسلام والمحاربين لأهله، وتنفير أفراد الأمة من معاونة خصومها واجب يتجدد فى كل عصر. وقد حدث فى عصرنا هذا ـ بل فى هذه الأيام القريبة ـ أن أصدرت الحكومة قانونا يحرم التعاون مع القوات الأجنبية. فهل يفهم من ذلك أن مصر تكن البغضاء للعالم أجمع؟ وأنها تشترى خصومته من غير مبرر؟ لقد قال السيد المسيح: " ما جئت لألقى سلاما بل سيفا "!. فهل يفهم أحد من ذلك أن رسالة المسيحية إيقاد الحروب فى الأرض، وأنها لا تحيا بين الناس إلا لسفك الدماء؟ إن هذا فهم أخرق. ونحن المسلمين لا نتهم النصرانية به، ولا نفهم من كلمة المسيح هذا المعنى الواسع للخصومة المتحدية أبدا... ولو كان المؤلف متحريا الحق فى فهمه لنصوص الإسلام لقرأ عشرات النصوص الأخرى بل لأكمل الآيات التى استشهد بها، ولخرج من ذلك بالحقيقة الناصعة الوحيدة التى يقررها كتاب الله. ص_037
(1/31)

وهى أن الإسلام يدفع عن نفسه إذا هوجم، ويأمر بمسالمة من يتركونه وشأنه، غير متعرضين لسير دعوته فى الأرض، ولا صادين أحدا عن الدخول فيها.. فإذا لمح جبارا يعوق دعوته ويهين أمته، واشتبك معه فى حروب باردة تارة ،وحامية تارة أخرى حتى يؤمن طريقه فحسب. *** وننقل من كتابنا " الإسلام والاستبداد السياسى " تفسيرا لقوله تعالى: (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء…) حتى يعرف المخدوعون مبادئ الدين فى أوضاعها كما نزل بها الوحى. (... يجئ أحدهم إلى هذه الآية فيبترها عما قبلها وما بعدها.. ويفهم منها أن الإسلام ينهى نهيا جازما عن مصادقة اليهود والنصارى ويوجب قطع علائقهم ويهدد المسلم الذى يصادقهم بأنه انفصل عن الإسلام والتحق باليهودية والنصرانية والمعنى بهذا التعميم باطل. والآيات اللاحقة بهذه الآية المرتبطة بها فى موضوعها تحدد الموضوع بجلاء لا يتحمل خلطا. فالحق أن الآيات نزلت تطهيرا للمجتمع الإسلامى من ألاعيب المنافقين، ومن مؤامراتهم التى تدبر فى الخفاء لمساعدة فريق معين من أهل الكتاب أعلنوا على المسلمين حربا شعواء، واشتبكوا مع الدين الجديد فى قتال هو بالنسبة له قتال حياة أو موت. فاليهود والنصارى فى هذه الآية قوم يحاربون المسلمين فعلا، وقد بلغوا فى حربهم منزلة من القوة جعلت ضعاف الإيمان يفكرون فى التحبب إليهم، والتجمل معهم فنزلت هذه الآية ونزل معها ما يفضح نوايا المتخاذلين في الدفاع عن الدين الذى انتسبوا إليه : (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين) ص_038
(1/32)

ثم تستطرد الآيات فى توصية المؤمنين بتدعيم صفوفهم أمام المتربصين. والمتهجمين تطالبهم بمقاطعة المحاربين للإسلام من أهل الكتاب مسوغة هذه المقاطعة بأنها رد للعدوان. (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين * وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا .. .) فهل هناك ضير على دين ما إذا منع أتباعه من مصادقة الذين يتهكمون بتعاليمه، ويسخرون من شعائره؟… ". ا. هـ أما قوله تعالى: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة) فالآية قبلها مباشرة تشرحها : (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم) والمعنى الذى لا يضطرب عاقل فى إدراكه أن المقصود بالآية هم الوثنيون المهاجمون للإسلام، الناكثون بعهودهم معه. وقد أشبعنا هذا الموضوع بحثا فى كتابنا " تأملات فى الدين والحياة ". فكيف ساغ لهذا المؤلف أن ينقل كلاما واردا فى المشركين الناقضين للعهود زاعما أنه نزل فى أهل الذمة؟ إن هذا كذب صريح والآية الثالثة ذكر المؤلف نصفها الأول فقط لأن نصفها الثانى يكذبه. فقول الله : (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء).. ثم قوله (إلا أن تتقوا منهم تقاة) فيه إشارة بينة إلى أن الكلام قيل فى حالة حرب يطارد فيها المؤمنون. ص_039
(1/33)

وقد تضطرهم الأحوال العصيبة إلى اتخاذ وسائل النجاة، فنبهوا إلى الأ يكون ذلك على حساب إيمانهم. وقد بلغ هوس الكتاب فى اتهام القرآن بأنه يغرى بالعدوان إلى الاستشهاد بقوله تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) مع أن الآية قيلت بعد غزوة " أحد " تعزية للنبى فى قتل أصحابه وتثبيتا للمسلمين فى كفاحهم المتعب مع المشركين.. حتى لا تكسر الهزيمة همتهم فيضعفوا أمام الوثنية العنيدة فى جزيرة العرب. *** ولم أر مؤلفا فقد خصائص الأمانة فى البحث والنقل والاستدلال كالخواجة الذى وضع هذا الكتاب. فقد زعم أن الشريعة سنت " المبدأ الذى يشتد أحيانا على أهل الكتاب ويذلهم " ص 52، وأورد من القرآن الكريم الآيات التى رأيتها- وليست لها بموضوعه صلة ـ وغض النظر عن الآيات التى توصى ببر أهل الكتاب فلم يشر إليها. ثم تجاوز السنة المطهرة فلم يعلق بشئ على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قتل رجلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها لتوجد من سبعين عاما ". وكذلك قوله: " من ظلم معاهد، أو انتقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة!. ومر على النصوص الثابتة والسوابق المقررة فى صدر الإسلام، والتى تنطق بما أفاء الدين على أهل الذمة من رعاية ووفاء ومرحمة... فلم يكترث بشىء منها. لأن غايته من كتابه تتضح فى كل صفحة. فهو يريد إهانة الإسلام وتشويه تاريخه واتهام أهله بما هم منه براء، اتهامهم بالتعصب الذميم، واستئصال الأقليات التى تعيش بينهم. فإذا أعوزه الصدق للوصول إلى هذه النتيجة. ففى المعاريض والأكاذيب مندوحة.. ص_040
(1/34)

مسلك عمر نحو الذميين: إن الخليفة الراشد " عمر " من أعرف الحكام بطبيعة الإسلام وأدراهم بما يكنه هذا الدين للبشر جميعا من عطف وود. وإن ما يحفظه التاريخ من مسلك " عمر " نحو البلاد المفتوحة ونحو آلها ليس موضع مراء وريبة. روى أبو يوسف فى كتاب الخراج أن " عمر " مر على قوم قد أقيموا فى الشمس فى بعض أرض الشام، فقال: " ما شأن هؤلاء؟ فقيل له: إنهم أقيموا فى الجزية! فكره ذلك! وقال: هم وما يعتذرون به، قالوا: يقولون: لا نجد؟ قال: دعوهم، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون. ثم أمر بهم فخلى سبيلهم ". وهذا الذى رواه أبو يوسف يوافق ما رواه مسلم فى صحيحه عن حكيم بن حزام: أنه مر بالشام على أناس من الأقباط وقد أقيموا فى الشمس وصب على رءوسهم الزيت! فقال: ما هذا؟ قيل: يعذبون فى الخراج! وفى رواية: حبسوا فى الجزية! فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله يعذب الذين يعذبون الناس فى الدنيا ". فدخل على الأمير فحدثه، فأمر بهم فخلوا. قال أبو يوسف: وحدث أن مر " عمر " بباب قوم وعليه سائل يسأل، وكان شيخا ضرير البصر، فضرب " عمر " عضده، وقال له: من أى أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودى: قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر بيده، وذهب به إلى منزله وأعطاه مما وجده! ثم أرسل به إلى خازن بيت المال وقال له انظر هذا وضرباءه ، فوالله ما أنصفناه إذ أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم. إنما الصدقات للفقراء والمساكين. والفقراء هم الفقراء المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب. ثم وضع عنه الجزية. ص_041
(1/35)

والعاطفة التى جاشت بالرحمة فى نفس عمر نحو هذا اليهودى البائس، نبعت من قلب متحمس للإسلام، متمسك بمبادئه، وقد كان عمر شديدا فى دين الله، ولكن الشدة التى عرف بها لا تعنى التعصب الأعمى والضغينة القاسية على المخالفين للدين من أهل الكتاب الأولين. روى الترمذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاث من كن فيه نشر الله عليه كنفه، وأدخله جنته، رفق بالضعيف، وشفقة على الوالدين، و إحسان إلى المملوك ". وروى يحيى بن آدم فى كتاب الخراج: أن " عمر " لما تدانى أجله أوصى من بعده وهو على فراش الموت بقوله: " أوصى الخليفة من بعدى بأهل الذمة خيرا، وأن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفهم فوق طاقتهم ". وقال الدكتور " ا. س. ترتون " مؤلف " أهل الذمة فى الإسلام ". وفى الأخبار النصرانية شهادة تؤيد هذا القول. وهى شهادة البطريرك "عيشويابه"، الذى تولى منصبه ص7 ـ 657 هـ إذ كتب يقول: ، إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون. إنهم ليسوا بأعداء للنصرانية، بل يمتدحون ملتنا، ويوقرون قديسينا وقسيسينا، ويمدون يد المعونة إلى كنائسنا وأديرتنا " ".. والظاهر أن الاتفاق الذى تم بين " عيشويابه " وبين العرب كان لصالح النصارى، فقد نص على وجوب حمايتهم من أعدائهم، وألا يحملوا قسرا على الحرب من أجل العرب، وألا يؤذوا من أجل الاحتفاظ بعباداتهم وممارسة شعائرهم، وألا تزيد الجزية المجبية من الفقير على أربعة دراهم، وأن يؤخذ من التاجر والغنى اثنا عشر درهما، وإذا كانت أمة نصرانية فى خدمة مسلم، فإنه لا يحق لسيدها أن يجبرها على ترك دينها أو إهمال صلاتها والتخلى عن صيامها " ا. هـ. إن نصوص هذه المعاهدة التى تمت فى مطالع القرن الثالث عشر للميلاد تنبىء عن روح التسامح الذى كان يسود بلاد الإسلام، يومئذ، على عكس ما كان يزحم بلاد المسيحية من مجازر ومخاز فى معاملة المذاهب المخالفة والأقليات
(1/36)

الضعيفة. ص_042
قال الدكتور " توفيق الطويل " فى كتابه " قصة الاضطهاد الدينى " تحت عنوان مذبحة الألبيين فى سنة 1209. " أصدر مجلس أفيون قرارا دعا فيه القساوسة إلى مطالبة السلطة المدنية باستئصال الهرطقة وهد د البابا " أنوسنت " باتخاذ قرار الحرمان ضد كل أمير يرفض الاستجابة لهذه الدعوة. وبعد ستة أعوام قرر مجمع " لا تران " أن يقسم كل حاكم يطمع فى أن يكون فى عداد المؤمنين بأن يجاهد ما وسعه الجهاد، حتى يستأصل من إقليمه كل من تسمهم الكنيسة بالهرطقة. ولنعد إلى الحديث عن مذبحة الألبيين. فشا الإلحاد فى لنجيدوك على يد الألبيين من رعايا أمير تولوز، وكان هذا فى عهد "أنوسنت الثالث " الذى بلغت البابوية على يديه أوجها. فأشار على أميرهم أن يستأصل الهرطقة من إمارته، فأبى الأمير أن يذعن لمطلبه. وعندئذ نهضت الكنيسة لإبادة الحركة وأعوانها، فأعلنت غفران كل ذنب ارتكبه من يجاهد للقضاء عليها، وصبت عذابها على أعدائها، ولو كانوا نساء أو أطفالا وتعقبتهم شنقا وحرقا و إعداما. فانظر إلى الحالة الاجتماعية فى عصر واحد بين بلدين يختلفان فى الدين. وانظر إلى حمق البابوات وضيق عطنهم وغلظة قلوبهم فى معاملة أعدائهم.! وقد تدهش إذا علمت أن الهرطقة التى تحاربها الكنيسة لم تكن إلا مقدمات اليقظة العقلية والتحرر الفكرى الذى شمل أوروبا كلها فى أواخر العصر المدرسى *** ومعاملة الإسلام لمن لا يدينون به من أهل الذمة قامت منذ العصر الأول على قاعدة أصيلة لم يثر حولها نقاش كمبدأ مشروع، ولم يضطرب تطبيقها على توالى الأزمنة، إلا فلتات شاذة لا يجوز الاكتراث بها أو الالتفات إليها. هذه القاعدة تقوم على أن " لهم ما لنا وعليهم ما علينا ". ص_043
(1/37)

وقد استقرت الأقليات فى الشرق الإسلامى دهورا فى ظل هذا المبدأ العادل، بينما بادت الأقليات الإسلامية فى الغرب، لأنها لم تجد مثل هذه المعاملة النبيلة. ومن الأدلة الطيبة على ما كانت تسترشد به الحكومة الإسلامية فى معاملتها الذميين ما جاء فى الأمر الذى وجد بين أوراق البردى اليونانية المحفوظة فى المتحف البريطانى، وعلى الرغم من فساد قسم منها فقد جاء فى الباقى ما يلى: " خوفا من الله وحفظا للعدالة والحق فى توزيع القدر المفروض عليهم... " بياض فى الأصل "، رتب ناظرا يعاونه أربعة من البارزين فى كورتك لمساعدتهم فى جمع الضريبة.. كما جاء بها: ".. ولا تجعلنا نعرف أنك قد خدمت أهل كورتك بأى صورة من الصور فى مسألة الضريبة التى كلفت بها، وأنك حابيت أو ظلمت أحدا ما فى جمعها". لا كما جاء فيها فإذا وجدت أتهم قد عاملوا أحدا بلين زائد نتيجة محاباتهم إياه أو أثقلوا عليه لكراهيتهم له، فإننا سنقتص منهم فى أشخاصهم وأملاكهم تنفيذا للشرع. ومن ثم أنذرهم وحذرهم، وأخبرهم ألا يرهقوا عاملا، وألا يحملوه ما لا يطيق، حتى لو كان بعيدا عنهم، أو ليس من زمرتهم فى جمع الضريبة، وتجب معاملة الجميع بالعدل.. إلخ ". وقد بلغ من مرونة النظام الإسلامى أن اعتبر أهل الذمة جزة من الرعية الإسلامية " مع احتفاظهم بعقيدتهم ". ومن ثم عقد المعاهدات الخارجية ممثلا فيها المسلمين والذميين معا كأمة متحدة. وقد روى أو يوسف فى كتاب " الخراج ": " لما صالح عبد الله بن أبى السرح ملك النوبة تقرر فى الصلح أنه أمان وهدنة جارية بينهم وبين المسلمين ممن جاوروهم من أهل صعيد مصر وغيرهم من المسلمين وأهل الذمة. وأخذ النوبيون على أنفسهم العهد بحماية من نزل ببلدهم أو طرقه من مسلم أو معاهد. ص_044
(1/38)

واستمتاع الذميين بحريتهم الدينية وضمانهم لمصالحهم العامة كان ملحوظا فى المعاهدات التى أبرمت بينهم وبين المسلمين فى إبان الفتوحات الكبرى. و إليك نص المعاهدة التى أمضاها عمر بن الخطاب مع رسل " سفر نيوس " أسقف بيت المقدس كنموذج لموقفه مع المسيحيين، إذ قال ـ كما روى الطبرى ـ: ، بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل "إيلياء " من الأمان. أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها، وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا تنتقص منها ولا من غيرها، ولا من صليبهم، ولا من شئ من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود. وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص. فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم. ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية. ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلى بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم. ومن كان بها من أهل الأرض مما شاء منهم قعد، وعليه مثل ما على أهل "إيلياء" من الجزية. ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع إلى أهله. وأنه لا يؤخذ منهم شئ حتى يحصد حصادهم. وعلى ما فى هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله، وذمة الخلفاء، وذمة المؤمنين، إذا أعطوا الذى عليهم من الجزية ". وختم عمر الكتاب بتوقيعه وشهد عليه خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان. ص_045
(1/39)

وهذا العهد الذى أبرمه " عمر " يتفق مع ما سنذكر بعد من وصايا النبى صلى الله عليه وسلم فى معاملة أهل الكتاب، ومع ما استقرت عليه الأوضاع فى علاقات المسلمين بغيرهم. ولكن الخواجة الأفاك افترى على" عمر بن الخطاب " أنه كان عدو أهل الذمة، وأنه شرع لمن عنده، ولمن بعده من الولاة سنة إهانتهم وإذلالهم وهدم معابدهم وتكسير صلبانهم. وقد ذكر أن لعمر بن الخطاب شروطا تضمنها عهد، تم بينه وبين أهل سوريا نص فيه السوريون على أن " لا يحدثوا بيت عبادة ولا صومعة راهب وألا يجدد ما تخرب من كنيسة أو دير، وألا يمنعوا المسلمين من كنائسهم أن ينزلوا بها ويطعموا فيها ثلاث ليالى " كذا لا وألا يعلموا أولادهم القرآن "!. وتضمن هذا العهد المزعوم كذلك "ألا يتشبهوا بالمسلمين فى شىء من لباسهم قلنسوة أو عمامة أو نعلين أو فرق شعر.. إلخ " وقد بحثنا عن أصل لهذه الشروط فى مصادر الفقه الإسلامى أو كتب الشريعة والسيرة والتاريخ فلم نجد لها أثرا البتة. بل ما وجدناه فى كتاب الله وفى سنة رسوله. وفى معاهدات " عمر " نفسه يناقض هذا العهد المكذوب. وقد علق الدكتور " ا. س. ترتون " مؤلف " أهل الذمة فى الإسلام " على هذا العهد بقوله: ".. فى هذا العهد نلاحظ نقاطا بالغة الغرابة، وذلك أنه لم تجر العادة أن يشترط المغلوبون الشروط التى يرتضونها ليوادعهم الغالب. أضف إلى هذا أنه من الغريب أن يحرم المسيحيون على أنفسهم تناول القرآن هم وأولادهم بأية صورة من الصور، ومع ذلك يقتبسون منه فى خطابهم للخليفة فى قولهم ـ أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. و الأمر المستغرب من الوجهة العامة أنه عهد لم ينص فيه على اسم البلد. فلو كان صادرا عن دمشق ـ قصبة الولاية ـ لوردت الإشارة إليها.. ". ص_046
(1/40)

ثم قال: " ومن ناحية أخرى فإننا لا نجد قط عهدا مع أية مدينة من مدن الشام يشبه عهد " عمر " هذا بحال من الأحوال إذ كلها عهود بالغة البساطة ". ثم قال: ".. إذا تبين لنا هذا ساورنا الشك فى نسبة العهد إلى " عمر".. ". هذا الباحث الغربى يتشكك فى نسبة العهد إلى" عمر ". ولكن الخواجه الجرىء على الافتراء يضع شروط " عمر " المزعومة فى هذا العهد على أنها بيان لموقف الشريعة الإسلامية من أهل الذمة. ومن أى كتب الشريعة نقل هذا العهد؟ من كتاب القلقشندى " صبح الأعشى فى صناعة الإنشا "! ولا يعجب المرء لشىء عجبه من جرأة هذا الخواجة فى اعتبار كتب الإنشاء العربى مصادر للتاريخ. لا بل مصادر للدين نفسه. وكتاب القلقشندى ألف بعد " عمر بن الخطاب " بسبعة قرون. وفيه من الخيالات الأدبية والروايات الشعرية ما يعين التلاميذ على اصطناع الأساليب الحسنة. وقد نسبوا إلى " عمرو بن العاص " كتابا فى وصف مصر " طولها شهر وعرضها عشر وترابها ذهب... إلخ ". وقد جزم الأدباء بأنه موضوع لا أصل له، كعهد عمر هذا. *** أخرج أبو داود عن رجل من جهينة أن رسول الله قال: " لعلكم تقاتلون قوماً فتظهرون عليهم فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وذراريهم، فيصالحونكم على صلح فلا تصيبوا منهم فوق ذلك. فإنه لا يصلح لكم ". وعن العرباض بن سارية قال: نزلنا مع رسول الله قلعة خيبر، ومعه من معه من المسلمين، وكان صاحب خيبر رجلا ماردا متكبرا. فأقبل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد! لكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمرنا وتضربوا نساءنا؟ ص_047
(1/41)

فغضب رسول الله لما حدث- وقال: يا ابن عوف اركب فرسك، ثم ناد: إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وأن اجتمعوا للصلاة، فاجتمعوا، ثم صلى بهم، ثم قام فقال: " أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله تعالى لم يحرم شيئا إلا ما فى القرآن. ألا وإني والله لقد وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء، إنها لمثل القرآن أو أكثر. وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم، إذا أعطوا الذى عليهم". وحدث أن يهود " خيبر " أرادوا رشوة " عبد الله بن رواحة "، ليقلل ما يأخذه من خراج أرضهم ـ على حسب الصلح الذى تم بينهم وبين المسلمين . فقال عبد الله: " تطعمونى السحت؟ والله قد جئتكم من أحب الناس إلىَّ ـ يعنى رسول الله ـ ولأنتم أبغض إلى من عدتكم من القردة والخنازير... ولا يحملنى بغضى إياكم على ألا أعدل فيكم. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض هكذا صنع المسلمون بأهل الكتاب. وعلى هذه العدالة التامة قامت المعاهدات. إن رعاية الحق و إقامة العدل هما أساس الصلة التى ينشئها الإسلام مع أبناء الديانات الأخرى. وعبد الله بن رواحة يمقت اليهود أشد المقت، ولكنه يأبى أن يجور عليهم فى حكم. وقد روى عن " عمر بن الخطاب " أنه قال لقاتل أخيه " زيد بن الخطاب ": والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم! فقال الأعرابى القاتل : أفتظلمنى حقى يا أمير المؤمنين! قال عمر: لا ! فقال الأعرابى: إنما يأسى على الحب النساء! ومسلك " عمر "، " وابن رواحة " وغيرهما ليس إلا استجابة لقول الله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) ص_048
(1/42)

فالعدالة ـ ولو مع الأعداء المبغضين ـ خلق فرغ الإسلام من توفيره فى سياسة الجماعات والأفراد. فكيف إذا كانت هذه السياسة تجاه معاهدين مسالمين؟. قال الخواجة الكذوب تحت عنوان " عدم منح أهل الذمة الانخراط فى خدمة المسلمين ": " أهملت شروط " عمر " نقطة فى غاية الأهمية. وهى هل يستطيع المسلمون استخدام المسيحيين فى أعمالهم؟. لاشك أن الخليفة لما رأى القرآن أجاب على هذه المسألة بالنفى، أهمل ذكرها من جديد، وتمسك بتعاليم القرآن طول مدة خلافته. ص 55. ثم ذكر المؤلف قصة نقاش دار بين " عمر بن الخطاب " و" أبى موسى الأشعرى ". وقصتين أخريين قال: إنهما حدثتا بين " عمر بن الخطاب " و " أبى موسى الأشعرى ". وقصتين أخريين قال: إنهما حدثتا بين " عمر " وبعض قواده. ورابعة حدثت بين " عمر " و " معاوية ". وتتضافر القصص التى ذكرها المؤلف على نسبة أمر واحد لعمر: هو أنه رفض استخدام الذميين لأن القرآن أمر بذلك! والمؤلف هنا يخرج من فرية ليدخل فى أخرى. فليست هناك شروط لعمر على النحو الذى ذكره. ولم يحرم القرآن استخدام أهل الكتاب فى الأعمال التى يصلحون لها. وجميع الآيات التى ذكرها فى منابذة اليهود والنصارى مبتوتة الصلة بهذا الموضوع كما أسلفنا. وجميع القصص التى ذكرها مكذوبة على " عمر " وقادته وصحبه! وربما منع " عمر " توظيف نفر من أهل الكتاب لتهم خاصة، كثبوت الرشوة عليهم مثلا، أو إضرارهم بالمناصب التى يتولونها. وهذا المنع عدالة تطبق على المسلمين واليهود والنصارى جميعا. ص_049
(1/43)

ولكن الخواجة يفترى على كتاب الله ما ليس فيه، وعلى الحكم الإسلامى ما ليس من طبيعته. والواقع أن الإسلام ينظر إلى من عاهدهم من اليهود والنصارى على أنهم قد أصبحوا من الناحية السياسية أو الجنسية مسلمين، فيما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وإن بقوا من الناحية الشخصية على عقائدهم، وعباداتهم وأحوالهم الخاصة. ومن ثم فهو يقيم نظمه الاجتماعية على أساس الاختلاط والمشاركة. ولا يرى حرجا من أن يشتغل مسلم عند أهل الكتاب، أو يشتغل أهل الكتاب عند مسلم. و إن كان كثير من اليهود والنصارى لا يقدرون هذا النبل. وربما استغلوا هذه السماحة فى الإساءة إلى الدين الذى وسعتهم دائرته المرنة. وإلى القارىء الشواهد المبينة على صدق ما أسلفنا. روى الطبرانى عن كعب بن عجرة أنه اشتغل عند يهودى، فسقى له إبله كل دلو بتمرة، وأخبر النبى صلى الله عليه وسلم بذلك فما أنكر عليه شيئا. وروى أبو يعلى مثل ذلك عن " على بن أبى طالب ". وقد استخدم النبى فى هجرته قائدا مشركا. ولما فتح المسلمون الأوائل أقطار الدنيا المعروفة يومئذ أبقوا الموظفين فى أعمالهم الأولى، فلم يكرهوا أحدا منهم على الإسلام، ولم يفصلوا رجلا عن عمله بكفران. قال الدكتور " ترتون ": ".. كانت عادة الحكومة قد جرت على استعمال النصارى الذين قلما خلا منهم ديوان من دواوين الدولة. ونلاحظ فى سنة 253 هـ وجود إيصال ضريبة باللغتين العربية واليونانية. وقد استعملت اللغة العربية لأول مرة فى أعمال الحكومة بأصفهان زمن "أبى مسلم ". ص_050
(1/44)

كما أننا نرى رجلا مسيحيا يتولى إدارة السجن قريبا من الكوفة سنة 26 هـ وقت أن كان " الوليد بن عقبة " عاملا عليها. ولما تم للعرب فتح مصر أبقوا من فيها من العمال البيزنطيين " ا. هـ. *** وقد أسرف الحكام المسلمون فى استخدام أبناء الديانات الأخرى واستغلوا سماحة الإسلام فى معاملته لأهل الذمة استغلالا جعل أحد الشعراء يقول ـ منددا بعلو المنزلة التى وصل إليها اليهود ـ: يهود هذا الزمان قد بلغوا غاية آمالهم وقد ملكوا العز فيهم، والمال عندهمو ومنهمو المستشار والملك يا أهل مصر إنى قد نصحت لكم تهودوا قد تهود الفلك ويبدو أن الموظفين من اليهود والنصارى خانوا الأعمال التى وكلت إليهم، وانتهزوا فرصة توليهم المناصب الهامة، لخدمة الطوائف التى انحدروا منها، وإهانة جمهور المسلمين.! وقد استقرأنا أحوال كثير من أولئك الموظفين، فوجدناهم يكيدون للدولة التى ائتمنتهم، والأمة التى احترمتهم. بين المسيحية والإسلام: والأساس الذى تدور عليه معاملة أتباع الديانات الأخرى يختلف فى المسيحية عنه فى الإسلام. فبينما يقبل المسلمون وجود أديان مغايرة لدينهم، ويرفضون إكراه أحد على ترك ملته، ويرضون أن يتألف المجتمع من مسلمين وغير مسلمين، ويشرعون نظمأ عادلة لتطبق عليهم وعلى من فى ذمتهم من مسيحيين أو يهود. بينما نفعل ذلك نرى المسيحية تتبرم بالديانات الأخرى، وترسم سياستها الظاهرة والباطنة لإبادة خصومها أو تحقيرهم وحرمانهم حتى ترغمهم على ترك دينهم، وتجبرهم على النصرانية جبرا. ص_051
(1/45)

وبينما يقول القرآن : (لا إكراه في الدين) تنسب الكتب المقدسة إلى المسيح أنه قال لحوارييه: أجبروهم على اعتناق دينكم! وقد نشأ عن هذا التفاوت بين المبدأين أن حركات التنصير، أو التحريق والاستئصال، كانت ظواهر عامة فى تاريخ المسيحية. ولا يتصور ـ بداهة ـ فى قوم تلك أحوالهم أن يوظفوا فى حكمهم يهوديا أو مسلما. أما الإسلام فلا تعرف فى تاريخه هذه الفوضى، ولا تعتبر له سياسة عامة ولا خاصة. واستعمال اليهود والنصارى فى الوظائف الكبيرة والصغيرة أمر شائع فى بلاد الإسلام إلى هذا العصر. أما التعصب المسيحى فهو لم يتجه إلى اضطهاد أهل الأديان الأخرى فحسب، وإلى تحريم الوظائف الجليلة والتافهة عليهم. بل إن أتباع المذهب المسيحى الواحد يحرمون أن يلى عملا بينهم صاحب مذهب مسيحى آخر. وقد حدث فى القرن الثامن عشر أن قتل محام بروتستانتى لأن القانون الفرنسي يومئذ يحظر مهنة المحاماة على البروتستانت!! وقد حار هذا الحقوقى البائس بين التعطل والارتداد عن مذهبه إلى الكاثوليكية ليستطيع العمل فى مهنته. ماذا يصنع؟ أيترك عقيدته ابتغاء الرزق. ولكن ارتداده يثير عليه أسرته المتعصبة!! ثم انتهت هذه الحيرة بمقتله، واتهم أبوه باغتياله فأعدم! وقيل: إنه انتحر يأسا، وإن أباه لم يقتله تعصبا لمذهبه الدينى، وتعرف هذه القصة بمأساة " كالا ". ووقعت فى العصر نفسه قصة مشابهة تسمى مأساة " سيرفين ". فإن امرأة كاثوليكية كانت تخدم أسرة بروتستانتية، فأغرت ابنتها بالفرار إلى دير كاثوليكى حيث سيمت سوء العذاب لتغير عقيدتها. غير أن الفتاة تخلصت من عذابها بالانتحار غرقا فى بئر. ص_052
(1/46)

فاتهمت السلطات الكاثوليك أباها بإغراقها ليحول دون ارتدادها عن دينها!.. ثم صدر حكم قضائى (!) بقتل الرجل وامرأته ومصادرة أملاكهما!! هذه المسالك المنكرة شاعت فى معاملة المسيحيين بعضهم مع البعض. وفى هذا الجو الكئيب المكفهر لا يمكن أن تستروح نعمة الحياة الكريمة، والحقوق المصونة أقليات دينية أخرى. بله أن تشغل بعض المناصب فى الدولة!!. فإذا طويت هذه الصحيفة، واستقرأت أحوال الذميين فى ظلال الحكم الإسلامى، انتقلت من النقيض إلى النقيض، ورأيت المناصب من الوزارة فما دونها مباحة للأكفاء من اليهود والنصارى، بل لرأيت من تمكن هؤلاء فى الحكم، واطمئنانهم إلى رسوخ أقدامهم، وشعورهم بخلو الجو لهم ما أغراهم ـ وهم القلة المدللة ـ بمحاولة إيذاء المسلمين وإذلالهم، وبمحاباة طوائفهم فى كل شئ، استغلالا خسيسا لمرونة الدين الذى منحهم حق الحياة الكريمة فى جنباته!. قال الدكتور " ترتون ": " لما لام الناس ابن الفرات ورموه بالكفر لسوقه إمارة الجيش إلى أحد المسيحيين، دافع عن نفسه بأنه اقتدى بالخلفاء السابقين الذين ولوا النصارى وظائف الدولة، وكان هؤلاء العمال النصارى يلقون كل مظاهر الاحترام. إلا أن المسلمين رفضوا تقبيل أياديهم بعد أن فرض ذلك عليهم!. وحدث فى" بغداد " أن دخل أحد الوزراء النصارى، واسمه " عبدون بن صاعد "، على القاضى، إسماعيل بن إسحاق "، فوقف له مرحبا. ولاحظ القاضى أن الشهود وبقية الحاضرين أنكروا عليه هذا العمل. فلما خرج الوزير قال لهم القاضى: قد علمت إنكاركم، وان الله تعالى يقول: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم). وهذا الرجل يقضى حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين خليفتنا، وهذا من البر، فأمن السامعون على قوله ورضوا به. ". *** ص_053
(1/47)

لكن إغراء السلطة ووساوس التعصب الكامن كانت تكيد كيدها ضد الإسلام من وراء ستار، حتى ضج الناس منها. وحدث فى سنة 387 هـ ـ سنة 977 م أن آلت الرياسة فى بلدة دقوقا إلى اثنين من النصارى وتمكنا بها وتصرفا فيها تصرف الحاكم، واستعبدا المسلمين.. فقدم بعض هؤلاء المسلمين على " جبرائيل بن محمد "، وقالوا له: إنك تريد الغزو ولست تدرى أتبلغ غرضا أم لا؟. ونحن عندنا من هذين النصرانيين من قد تعبدنا وحكم علينا. فلو أقمت عندنا وكفيتنا أمرهما ساعدناك على ذلك. فقبض " جبرائيل " عليهما وصادر أملاكهما. واستوزر "المعز لدين الله" " عيسى بن نسطور " النصرانى واستناب بالشام "منشة " اليهودى، فمال الوزير " عيسى " إلى النصارى، وشجع "منشة " اليهود. فضج الناس بالشكوى! فالقى الخليفة القبض عليهما، وأخذ من " عيسى " ثلاثمائة ألف دينار، وغرم " منشة " مبلغا ضخما. وفى سنة 529 هـ استوزر " الحافظ لدين الله " مسيحيا أرمنيا يدعى بهرام ويلقب تاج الدولة (!) وقد عمد بهرام هذا إلى فصل المسلمين من وظائفهم وتعيين المسيحيين بدلهم ـ انظر جرأة الأقلية وتوقحها على الأمة التى تعيش فى ظلها!. وقد كان مسلك هذا الوزير المتعصب سببا فى إثارة المسلمين ضده. وخصوصا لأنه أوعز إلى النصارى بالإسراف فى بناء الكنائس والأديرة. حتى ظن أن الإسلام سينقرض من مصر. فلما هاج الجمهور ضده عزل عن الوزارة. وقال " ابن الأثير " فى كتابه " الكامل ": بل قتل.. ونحن نتساءل فى أى عهد من التاريخ المسيحى استوزر الملوك المسيحيون يهودا أو مسلمين؟ بل فى أى عهد استوزر الكاثوليك بروتستانتيا أو بالعكس؟ إن المسلمين وحدهم هم الذين فعلوا ذلك. ص_054
(1/48)

ومن الحقائق التى لا يجوز نسيانها، أن هذا الصنيع لم يقابل بحمد ولا تقدير. بل أصاب الإسلام منه ما أصاب صاحب الأفعى حيزا نقلها من برد العراء إلى الدفء وطيب المأوى، فكان الجزاء أن تحركت برأسها تريد أن تلدغه.. ثم يجئ أفاك فى هذا القرن يريد أن يقلب الحقائق، وأن يشوه التاريخ، وأن يتهم المسلمين ـ ومسلمى مصر بالذات ـ أنهم أذلوا الأقباط!!. وهكذا تصل القحة بأصحابها إلى الحضيض. وصدق المثل " رمتنى بدائها وانسلت ". ولنتابع سرد الوقائع: ذكر " المقريزى " فى خططه قصة نحب أن ننقلها لتشهد بأحداثها على موقف المسلمين فى مصر من أقباطها، قال: " لما انتهى الفيضان زمن ولاية، الحافظ لدين الله، انتدب" الموفق بن الخلال " جماعة من العدول والكتاب النصارى إلى الولايات والأعمال لتحرير ما شمله الرى وما زرع من الأرض، وتقدير خراجها، وكتابة المكلفات. وحدث أن خرج إلى بعض الجهات من يمسحها من شاد وناظر وعدول. وتأخر الكاتب النصرانى، ثم لحقهم. وأراد الكاتب عبور النهر إلى الناحية الأخرى فحمله ضامن المعدية حتى إذا بلغ به وجهته المقصودة سأله أجره، فغضب الكاتب وسبه، وقال له:، أنا ماسح هذه البلدة، وتريد حق التعدية؟ ". فقال له الضامن: إن كان لى زرع فخذه. ثم تقدم فخلع لجام بغلة القبطى، وألقاه فى معديته فلم يجد الكاتب بدا من دفع الأجرة حين أخذ لجام بغلته. ولما انتهى من مسح البلد وفرغ من تبييض المكلفة وحملها إلى ديوان الخراج فى العاصمة كما جرت العادة، أضاف عشرين فدانا إلى المجموع، وترك فراغا بإحدى الصفحات، وأطلع الشهود على القائمة فوقعوا بصدقها. ص_055
(1/49)

ثم كتب هو فى البياض الذى تركه " أرض اللجام " باسم صاحب المعدية وقدرها بعشرين فدانا، لكل فدان أربعة دنانير، ثم حمل المكلفة إلى ديوان الأصيل. وكانت العادة قد جرت أنه بعد انقضاء أربعة أشهر من السنة الخراجية ترسل جنود أصحاب بطش وقوة وكتاب وشهود، وكاتب نصرانى إلى الولايات لاستخراج ثلث خراج الأرض وفقا للمكلفات. وكان هذا القدر من المال ينفق على الجند إذ لم تكن لهم وقتئذ إقطاعيات. ولم يكن من المألوف إرسال الرجل الذى قام بمسح الأرض بل يندب آخر مكانه. ولما ذهبت هذه الجماعة وأعنى بها "الشاد والكاتب والعدول، لجمع ثلث مال الناحية استدعوا أرباب الزرع، ومن بينهم ضامن المعدية وأرغموه على دفع ستة وعشرين وثلثى دينار. فأنكر أن يكون مالكا لأية أرض فى هذه الناحية وأيده القرويون فى إنكاره. فرفض الشاد ـ وكان فظا عسوفا ـ الاستماع إلى شهادتهم وضربه بالمقارع، وأرغمه على بيع قاربه وغيره لدفع الثلث الثابت عليه. فسار صاحب المعدية إلى القاهرة، وأبلغ الخليفة قصته، فأعيد النظر فى قوائم الخراج فلم يجدوا أية إشارة إلى أرض "اللجام ". فأمر الخليفة بإحضار الكاتب وسُمِّر فى مركب وقام له من يطعمه ويسقيه، وتقرر أن يطاف به فى سائر الولايات وينادى عليه، كما أمر بكف يد النصارى كلهم عن الخدمة. وكان الحافظ مولعا بالفلك والتنجيم، فعمد النصارى إلى رشوة منجمه الخاص وطلبوا إليه أن يفضى للخليفة بأن مصر ستزدهر إن أقام السلطان فى تدبير الدولة واحدا معينا من النصارى ـ هو "الأكرم بن زكريا " فجازت الحيلة على الخليفة وجعل " الأكرم " أمير الدواوين وبادر " الأكرم " من ساعته إلى زيادة عدد المسيحيين أكثر مما كانوا قبلا، وظهرت عليهم دلائل النعمة، فارتدوا الملابس الجميلة وركبوا البغلات الرائعة والخيول المسومة بالسروج، وبالغوا فى الشدة على المسلمين، وضايقوهم فى أرزاقهم واستولوا على الأحباس الدينية والأوقاف الشرعية، واتخذوا العبيد
(1/50)

ص_056
والمماليك والجوارى من المسلمين والمسلمات، حتى لقد حملوا أحد الكتاب المسلمين على بيع أولاده وبناته بغرامة فرضوها عليه...! أ. هـ.. والتزم الخطة نفسها " أبو نجاح النصرانى " المعروف بالراهب. فقد اقتضت مشيئة الخليفة " المنصور أبو على " الملقب بالآمر ـ وهو عاشر الخلفاء الفاطميين ـ أن يسند إليه منصب الوزارة (!). وباشر الرجل عمله فارتكب مظالم كثيرة، وسار فى سياسة أحفظت عليه النفوس وبغضته لدى العامة. ولم يفلت من بلائه كبار الموظفين ومنهم القضاة والكتاب. بل لقد أثر عنه ما يدل على تنقص لمكانة النبى صلى الله عليه وسلم ثم أخذ يشتد فى مصادرة أموال الناس على اختلاف طبقاتهم (!) إلى أن لقى مصرعه أخيرا فى الحادثة الآتية: ذلك أنه كان يجلس بالجامع العتيق ويرسل فى استدعاء من أراد مصادرة أمواله وفى يوم من الأيام، طلب رجلا من العدول الممتازين، يعرف بابن الغرس، كان قد نال قدرا كبيرا من إجلال الناس واحترامهم. فأهانه. فخرج من عنده ووقف فى المسجد يوم الجمعة، حيث يشتد ازدحام الناس، وعبر عما شعر به من ألام وأحزان قائلا: يا أهل مصر انظروا عدل مولانا "الآمر" فى تمكينه النصرانى من المسلمين! وأهاجت هذه الكلمات عوامل الغضب فى النفوس، وكادت تفضى إلى نشوب الفتن والاضطراب لولا تداخل خواص الخليفة فى الأمر، وأعلموا مولاهم بما حل بالمسلمين من عدوان هذا الوزير، وخوفوه سوء العاقبة. فبعث الخليفة فى طلب أبى نجاح. فلما مثل بين يديه انطلق رجل من الأشراف كان فى حضرة الخليفة وأنشده هذا البيت: إن الذى شرفت من أجله يزعم هذا أنه كاذب يقصد تذكير الخليفة بما أشيع عن الراهب من تهجم على مكانة رسول الله ص_057
(1/51)

وعندئذ التفت الخليفة إلى " أبى نجاح " وقال له: ما تقول يا راهب؟ فسكت، فأمر بقتله.. أرأيت هذا الهوان النازل بالمسلمين؟ وهذا السواد اللاصق بوجوههم؟ إن هذا ـ ومثله كثير ـ يقع عليهم، والدولة لهم، والملك فيهم. وهذا ومثله هو ما استدل به الكاتب الصدوق النزيه: على أن المسلمين يتعصبون ضد مخالفيهم فى الدين، ويقصدون إلى إذلالهم، بل إلى إفنائهم... إن الكاتب المسيحى الذى أرسلته الحكومة المسلمة لمسح الأرض وتقدير الضريبة عليها كان رجلا خرب الذمة. وليست المسيحية هى التى أوصته بأن يظلم ويكذب. ولكننا نفحص تصرفه فلا نجد فيه إلا بطر الحق وغمط الناس. إنه يرتكب ما يرتكب وهو ممتلئ النفس ثقة بأنه مالك عمله وسيد وظيفته ـ والدولة مسلمة كما رأيت ـ. فهل ترى فى مسلكه إثارة من توجس تغريه بتملق الشعب المسلم، أو مراعاة الحكومة المسلمة؟؟. لا. إنه يظلم ويزور، غير محاذر أمة ولا دولة. والمسلمون لا يرون ضيرا ولا عجبا فى أن يساكنهم ويصاحبهم من لا يتفق معهم فى الدين. فانظر كيف تستغل هذه السماحة العالية فى تولى المناصب ـ كبراها وصغراها ـ ثم فى استغلال هذه المناصب للبغى والتعصب والتحزب. ممن؟ وعلى من؟. من الأقلية الممتعة المرفهة على الأكثرية المتراخية!!. إننا سنستعرض أحداثا شتى من هذا اللون عندما نتكلم عن حال الأقباط فى مصر منذ الفتح إلى اليوم. ونريد أن نبين أن هذه المسالك النابية لم تخف على كثير من الحكام الأيقاظ. ص_058
(1/52)

قال فى " سياسة نامة ": أما فى فارس فقد انزعج " نظام الملك " وزير الملك شاه من استعمال الذميين فى الحكومة مكان الترك. لذلك كتب سنة 484 هـ يقول: " ما قام يهودى أو نصرانى أو مجوسى أو قرمطى بعمل جليل ، أو حل محل تركى ـ مسلم ـ إلا كان الإهمال أبرز صفاته. إذ لا احترام عند هؤلاء الناس للدين، ولا إخلاص عندهم للدولة، ولا رحمة فى قلوبهم على الرعية، بل سرعان ما يمسون موفورى الثراء: وإن المؤمن ليخشى العاقبة السيئة ولا يعرف ماذا تؤول إليه الأمور. ولم يحدث فى أيام السلطان محمد مسعود ولا طغرل بك، ولا ألب أرسلان أن تجرأ مجوسى أو يهودى، أو نصرانى، أو كافر على المساهمة فى الحياة العامة " ا.هـ. وعندى أن للعقلية التركية دخلا فى هذا التوجيه. فإن صرامة الترك لا تطيق الجحود والعبث ممن ينبغي أن يشكروا ويحمدوا!!. أما الأمور فى مصر فقد سارت فى اتجاه آخر لأن مصر " بلد كل شئ فيه ينسى بعد حين ". *** والغريب أن هذا الكاتب المتحامل على الإسلام وأهله يمر بهذه الحقيقة فيصورها تصويرا مبتسرا مغرضا. فيقول ـ فى معرض الكلام عن حال الأقباط فى عصر الفاطميين ـ: " فى هذا العصر نال الأقباط من المجد والثروة والحظوظ والسلطان ما أدى إلى غضب الشعب عليهم واضمحلال نفوذهم. ذلك لأن الأقلية الدينية استغلت ثقة الخلفاء بهم ليفوزوا بأكبر نصيب من التسامح للذميين. بينما أظهروا عدم مبالاتهم، بل جهروا بعداوتهم للأغلبية الدينية... ". فالاستهانة بالكثرة، والجهر بعداوة دينها، واستغلال الثقة الممنوحة للتنفيس عن الأحقاد الكامنة... هذا ـ فى نظر الكاتب النزيه ـ دليل على تعصب المسلمين، وعلى سعى الأقلية للفوز بأكبر نصيب من التسامح!! ص_059
(1/53)

بهذا الفكر المريض فى تصوير الحوادث، أرسل الكاتب حكما آخر على الإسلام نفسه فزعم فى ص25. " أن القرآن ـ بتعليماته الدقيقة فيما يجب اتباعه حيال أهل الذمة ـ لم يسهل المهمة الملقاة على عاتق الحكام الذين اضطروا إلى تجاهل بعض تعليمات القرآن والحديث أو تفسيرها حسب أهوائهم... ". كما يقول فى ص 19: ".. استن المشرع المسلم لأهل الذمة عددا من القوانين استلهمها من تعاليم القرآن والحديث. غير أن الفقهاء لم يستطيعوا دائما فرض وجهة نظرهم على الحكام، وكان هؤلاء يحيدون عنها كلما اضطرتهم ظروفهم ومصالحهم إلى ذلك ". وهذا الكلام يتلوى على الصفحات التواء الأفعى الخبيثة. إن قائله يريد ليوهم القراء بأن المبدأ الذى سنه القرآن، وشرعه النبى فى سياسة أهل الذمة، هو الاضطهاد والجفاء!! فلما رأى الكاتب المفترى أن أربعة عشر قرنا مرت على أهل الذمة فى بلاد الإسلام وهم أسعد الأقليات فى العالم، زعم أن هذه المعاملة الحسنة ترجع إلى أهواء الحكام!! وأنهم خرجوا بها عن تعاليم الكتاب والسنة، وعصوا بها نصائح الفقهاء!! فماذا نقول لامرئ تصل به أحقاده على الدين وأهله إلى هذه المنزلة من الكنود والكفران؟ يراك توصي به خيرا، ويرى وصاتك قد نفذت على نحو يوجب الشكر. فينكر أنك نوهت بحقه! ويرد الرعاية التى لحقته ـ على مر القرون ـ إلى شهوات الولاة ومصالح الحكام!. إننا نعرف أن فى البشر أفرادا لا يجدى فى تأليفهم صنيع، ولا يصلح فى معالجتهم لطف. ولا نحب أن نذكر فى وصفهم المثل السائر: " اتق شر من أحسنت إليه ". ص_060
(1/54)

ولا قول الشاعر: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وان أنت أكرمت اللئيم تمردا فإن العلاقات بين الأمم والطوائف لا تنال منها هذه الإساءات العابرة من أفراد غلبت على طباعهم الخسة ـ ولكننا غضبا للحق المنكور ـ نتساءل: هل القرآن لم يسهل المهمة الملقاة على عاتق الحكام فى معاملة أهل الذمة؟؟ كما يدعى هذا المخلوق؟. ونحن نورد القصة الآتية ليرى القراء مبلغ ما شرعه القرآن من عدالة وإنصاف، فى معاملة أهل الكتاب، ثم ندع لهم بعدئذ أن يحكموا: هل القرآن يسر مهمة الحكام فى معاملة الآخرين، أم صعبها كما يدعى هذا المؤلف؟؟. حدث فى " المدينة " أن سطا رجل معروف بالإسلام، " يدعى طعمة بن أبيرق "، على أهل بيت من المسلمين، وسرق منهم درعا ثم خبأها عند يهودى. وبحث أصحاب الدرع عنها فوجدوها فى بيت اليهودى، فاتهموه بأنه سارقها. وذكر اليهودى أنه أخذها من " طعمة " وديعة، وأنه برئ من أية ريبة تتجه إليه!. وكانت القرائن تتضافر على اتهام اليهودى ! فالدرع عنده، ثم هو يهودى! و "طعمة" يحلف أنه ما أخذ الدرع، ولا استودعها أحدا. وقد ذهب قومه إلى الرسول يطلبون منه أن ينصر رجلهم لأنه مسلم ظاهر البراءة وخصمه يهودى. ولا ينبغى أن يخذل رجل معروف بإسلامه أمام آخر معروف بيهوديته.. والقضية أمام الرسول غامضة، فهو لم يؤت معرفة الغيب (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك). وليم تنكشف له طبائع النفوس وخفاياها البعيدة فهى مما استأثر الله بعلمه. ( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم). ص_061
(1/55)

وقد جاء قوم "طعمة" يجادلون عن صاحبهم ويطلبون من الرسول أن يخاصم دونه، وأن يأخذ اليهودى بالعقاب، وأن يدع القضية تمر بظواهرها الغريبة دون مزيد من البحث والاستقصاء.. فإذا بالوحى ينزل كاشفا الغطاء عن الحقيقة المخبأة، مبرئا ساحة اليهودى المحرج دامغا خصمه بأنه خائن أثيم ـ وإن تظاهر بالإسلام ـ مؤنبا قومه لجدالهم عنه وسعيهم لدى الرسول كى يجادل عنه كذلك. وبدأت الآيات الكريمة بخطاب الرسول (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله). فالقرآن مظهر الحق وجوهره والحكم به لإقرار الحق بين الناس قاطبة. فالناس أمام الحق سواء، يهودا كانوا أو نصارى أو مسلمين. فإذا خان رجل ـ يدعى الإسلام ـ فلن يكون أهلا لمخاصمة الرسول عنه. ولو كان ضد يهودى أو نصرانى أو مجوسى. ومن ثم يقول الله له: (ولا تكن للخائنين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما). ثم يتوجه التقريع إلى قوم السارق الذين حسبوا الإسلام عصبية عمياء، والذين توهموا أنه ما دام فى القضية يهودى ظنين فعليه أن يحمل الوزر! ولو كان مظلوما! فيقول الله لهم: (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا * ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أمن يكون عليهم وكيلا). ثم يتجه الوحي إلي السارق بالنصيحة كيما يرجع عن غيه ويتوب من ضلاله: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما). ص_062
(1/56)

ويحذره ويحذر غيره من المسلمين ألا يرموا بالتهم جزافا. فإن إسناد الجرائم إلى الأبرياء إثم كبير، مهما كانت أجناسهم ودياناتهم. فإن السيئة تقع على رأس مرتكبها وحده. (ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما * ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا). ويعود الوحى الكريم مرة أخرى ينبه الرسول إلى التيقظ لألاعيب الخصوم وكيد المتقاضين، فإنهم قد يلبسون الحق بالباطل. وفى سبيل النجاة بأنفسهم وإهلاك أعدائهم يضللون القضاء ويحيرون القضاة. (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما). أرأيت إلى هذه النذر المتتابعة والنصائح الحكيمة؟ أرأيت إلى هذه التعاليم الواضحة والخطوط المستقيمة؟ أرأيت إلى آيات القرآن العزيز وأسلوبها فى خطاب الرسول ومن حوله، وإنصافها للأبرياء أيا كانوا؟ لم هذا كله؟ لإنقاذ يهودى كادت القرائن تدينه وإدانة رجل يعرف بالإسلام بين قوم يتعصبون له بوصف أنهم جميعا مسلمون..!! وبعد ذلك تبلغ القحة بكاتب ملتاث فيقول: إن القرآن لم يسهل مهمة الحكام المتسامحين! أو أن تفسير القرآن مهمة صعبة ودقيقة. كما يقول فى ص 57 ص_063
(1/57)

اليهودية والمسيحية فى الإسلام: يرى اليهود أن موسى نبى الله وأن بنى إسرائيل شعبه المختار، وأن عيسى ومحمدا كليهما رجلان دعيان ليست لهما رسالة، وأن أتباعهما قطعان من المضللين لا يقام لأديانهم وزن، ولا يمنحون أية حرمة. والنصارى ـ فى نظرهم ـ مخدوعون فى لقيط حملت به أمه سفاحا. والمسلمون ـ فى نظرهم ـ مخدوعون فى أعرابى جاء من الصحراء لا يعقل شيئا. والمسيحيون ـ وإن اعترفوا بموسى وتوراته ـ إلا أنهم ناقمون على اليهود افتراءهم على عيسى وأمه، ولذلك سنوا فى معاملتهم قوانين الإذلال والاستئصال، وكما نقموا على اليهود موقفهم من المسيح، فهم كذلك ناقمون على المسلمين. لأنهم يرون الإسلام ديانة ملفقة، جاء بها من عند نفسه رجل كاذب فى دعواه النبوة. والدين الذى نسخ ما قبله، وأنكر ما بعده هو المسيحية، التى يجب أن تنفرد وحدها بالحياة والسيادة. أما المسلمون ففى دينهم قاسم مشترك بين الديانات كلها. فهم يؤمنون بموسى ويوقرونه ويعتبرون التهجم على مكانته كفرا بالإسلام. وهم كذلك يؤمنون بعيسى، ويكرمون مولده وينزهون نسبته، ويرون الطعن فى عفاف أمه أو شرف ابنها كفرا بالإسلام. وهم يضمون إلى إيمانهم بموسى وتوراته، وعيسى وإنجيله، إيمانا جديدا بمحمد وقرآنه، على أساس أن النبوة الأخيرة جاءت تصديقا لما قبلها، ومحوا للفوارق والخلافات التى مزقت شمل العالم أجمع : (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون). فالإسلام هو يهودية موسى ونصرانية عيسى معا، وهدايات من قبلهما من رسل الله الأكرمين جميعا. (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون). ص_0 ص
(1/58)

ومن هذا الشرح تجد أن الانكماش والتعصب، والاتهام والتهجم ليس من طبيعة الإسلام وأهله. ولكنه طبيعة من يرون أن يؤمنوا بموسى فقط، ويتعبدوا لله بالطعن فى عيسى ومحمد. أو يريدون الإيمان بعيسى فقط، ويعتبرون من جاء بعده دجالا يحاربه النصارى بالسيف إن كا نوا أكثرية، ويحاربونه بالدس والمؤامرات إن كا نوا قلة. ومن هذا الشرح ترى لماذا اتسع صدر الإسلام للأديان الأخرى. فهو يعطيها حق الحياة معه، فى الوقت الذى ضن فيه المسيحيون بحق الحياة لا على المسلمين فحسب، بل على المذاهب المسيحية الأخرى. ومن هذا الشرح تعرف السر فى جحود صنيعنا الذى أسديناه طوال أربعة عشر قرنا. إن إخواننا المسلمين الذين أوقعهم سوء الحظ بين جماهير المسيحيين فى روسيا ويوغوسلافيا وأسبانيا وجنوب إيطاليا.. إلخ قد هلكوا جميعا. أما الأقليات المسيحية فى ربوعنا الفسيحة، فقد اغتنت وتكاثرت وعزت، ولكنها مع ذلك لا تستريح لما ترى. ولماذا؟ لأنها لا تقر عينا إلا إذا طمست معالم الإسلام، وارتد عامره بلقعا. إن المسلمين فى نظرهم خوارج على المسيحية. وهم قوم يتبعون أميا أساء إلى الكنيسة وكهنوتها. وعندما تطوى قلبك على شعور التنقص والازدراء لامرئ ما، فإنك لن تقر له بإحسان، ولن تعترف له بجميل. وهذا الشعور الخسيس هو الذى أوحى بتأليف كتاب يقوم فى جملته وتفصيله على الافتراء والتضليل، والنيل من "محمد" صلى الله عليه وسلم ودينه وحكمه. والمؤلف رجل ينال مرتبه من دولة تنص فى دستورها على أن دينها الرسمى هو الإسلام. وأعجب لرجل يأكل من مال المسلمين، ثم لا يطوى بطنه على ما فيه من غل ضد الإسلام، بل يفتح فمه ليتهم المسلمين الذين آووه وأمنوه، بأنهم متعصبون ضد المسيحيين. *** ص_065
(1/59)

إن الغرور والتعصب ليسا حديثين فى هذه المعاملة الشائنة التى يلقاها الإسلام من اليهود والنصارى. فقديما أكد الفريقان أن الدنيا والآخرة لهما وحدهما. فصور القرآن هذا التفكير الضيق ورد عليه فى إيجاز وأدب. (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين * بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). وبين القرآن أن على المسلمين مصابرة هؤلاء اليهود والنصارى ورد عدوانهم على الدين الجديد برقة وحلم. (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير). كما بين القرآن أن محاسنة هؤلاء لن تطفئ نيرانهم أبدا. إذ أن راحتهم الكبرى هى فى محو الإسلام، وهدم مساجده، ورد الناس قسرا إلى الكنائس والبيع. ومع استبانة هذا القصد السيئ فى مسالكهم المعوجة فإن الإسلام لا يعاملهم بالمثل، ولا يوحى لنبيه وأتباعه أن يعفوا على آثار الديانات السابقة ويمحوها من الوجود. بل يكتفى أن يطلب من النبى ومن معه الثبات على الحق وعدم التزحزح عنه، مهما لاقوا من صعاب. (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير). ص_066
(1/60)

وعندما تحولت هذه الأحقاد إلى هجوم مسلح على الإسلام ردها بعنف. وما كان لأحد أن يلومه على ذلك. علاقة الإسلام بغيره من الأديان: عرفت تجهم أهل الكتاب لظهور الإسلام وبعثة نبيه. وأنهم تساءلوا ـ مستغربين ـ ما هذه الدعوة الجديدة؟ أو بتعبير أصرح: ما هذه الدعوى البعيدة؟.. وما حاجة الناس إليها وهم قائمون فى الحياة يباشرون مراسيم العبادة ويربطون الخلق بربهم على النحو الذى يألفون؟ إن ظهور هذا الدين يعنى أن هناك نقصا فى العمل الذى يؤدونه، أو خللا فى المنهج الذى يقدمونه، أو تفريطا فى الواجب الذى يحملونه.. أو.. أو.. الخ. ولما كانوا لا يلمحون فى أنفسهم ولا فيما معهم شيئا من ذلك. فقد اعتبروا ذلك النبى المبعوث من العرب نافلة يستغنى عنها. بل خرافة يعترضون طريقها ويستنكرون تصديقها!!! إن هذه الرسالة الجديدة تحد لوجودهم وإنهاء لبقائهم. ومسايرتها لحظة من الزمن اعتراف بانقضاء أمدهم، وانتقال دور التوجيه إلى غيرهم!! ومن الذى يرضى بترك ما معه من يقين، لينضم إلى هذا العربى المبعوث بين الأميين؟؟ فإذا انضاف إلى ذلك ما يكمن فى طباع نفر من البشر من سورات الحقد وهيجان الحسد أدركنا أن تكذيب اليهود والنصارى للإسلام يعود إلى عوامل شتى تقتضى علاجا معقولا، وتلطفا تاما فى العرض، وإغضاء كثيرا عن الصد، وتحملا موصولا للأذى، ومطاولة متأنية فى الجدل، واعتذارا فى أغلب الأحيان عن البطء فى الإجابة والاسترسال مع التقليد. *** ص_067
(1/61)

وإيضاح الصلة بين الإسلام وما سبقه من أديان نال قسطا كبيرا من القرآن الكريم. والتأمل فى الوحى الشارح لهذه الصلات العتيدة يحمل المنصف على القول بأن الإسلام لم يدع مجالا لظلال التجاهل، ولا لخلال التحاسد. وأنه فسح الطريق لتعاون شامل بين أهل الاعتدال من ورثة الأديان كلها... وأن الإسلام اكره إكراها على انتضاء السيف ليستبقى لنفسه حياة ضن بها الجاحدون والحاقدون.. وهاك صورة للعلاقة التى أقرها الإسلام مع من سبقوه، شرحناها بإسهاب هنا وفى كتبنا الأخرى. ونثبت إيجازا آخر لها بقلم الشيخ الجليل المرحوم " محمد عبد الله دراز " وهذا نصه: .. إذا أخذنا كلمة الإسلام، بمعناها القرآنى نجدها لا تدع مجالا لهذا السؤال عن العلاقة بين الإسلام وبين سائر الأديان السماوية. فالإسلام ـ فى لغة القرآن ـ ليس اسما لدين خاص، وإنما هو اسم للدين المشترك الذى هتف به كل الأنبياء وانتسب إليه كل أتباع الأنبياء. هكذا نرى نوحا يقول لقومه: (وأمرت أن أكون من المسلمين). ويعقوب يوصى بنيه : (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون). وأبناء يعقوب يجيبون أباهم : (قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون). وموسى يقول لقومه: (يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين). والحواريون يقولون لعيسى : (آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون). بل إن فريقا من أهل الكتاب حين سمعوا القرآن: (قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين). ص_068
(1/62)

وبالجملة نرى اسم الإسلام شعارا عاما يدور فى القرآن على ألسنة الأنبياء وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر النبوة المحمدية. ثم نرى القرآن يجمع هذه القضايا كلها فى قضية واحدة يوجهها إلى قوم محمد، ويبين لهم فيها أنه لم يشرع لهم دينا جديدا، وإنما هو دين الأنبياء من قبلهم: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر). ثم نراه ـ بعد أن يسرد سيرة الأنبياء وأتباعهم ـ ينظمهم فى سلك واحد، وبجعل منهم جميعا أمة واحدة لها إله واحد، كما لها شريعة واحدة: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون). ما هذا الدين المشترك الذى اسمه الإسلام، والذى هو دين كل الأنبياء المرسلين؟. إن الذى يقرأ القرآن يعرف كنه هذا الدين: إنه هو التوجه إلى الله رب العالمين فى خضوع خالص لا يشوبه شرك. وفى إيمان واثق مطمئن بكل ما جاء من عنده على أى لسان وفى أى زمان أو مكان، دون تمرد على حكمه، ودون تمييز شخصى أو طائفى أو عنصرى بين كتاب وكتاب من كتبه، أو بين رسول ورسول من رسله. هكذا يقول القرآن : (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين). ويقول: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون). نقول ـ إذا ـ إن الإسلام بمعناه القرآنى الذى وصفناه لا يصلح أن يكون محلا للسؤال عن علاقة بينه وبين سائر الأديان السماوية. وإذ لا يسأل عن العلاقة بين الشئ ونفسه، فهاهنا وحدة لا انقسام فيها ولا اثنينية. ص_069
(1/63)

غير أن كلمة " الإسلام " قد أصبح لها فى عرف الناس مدلول معين، هو مجموعة الشرائع والتعاليم التى جاء بها محمد أو التى استنبطت مما جاء به. كما أن كلمة! اليهودية " أو " الموسوية " تخص! شريعة "موسى" وما اشتق منها. وكلمة " النصرانية" أو " المسيحية " تخص شريعة " عيسى " وما تفرع عنها. فالسؤال الآن إنما هو عن " الإسلام " بمعناه العرفى الجديد. أعنى عن العلاقة بين المحمدية وبين الموسوية والمسيحية. وللإجابة عن هذا السؤال ينبغى أن نقسم البحث إلى مرحلتين: المرحلة الأولى: فى علاقة الشريعة المحمدية بالشرائع السماوية السابقة. وهى ـ فى صورتها الأولى ـ لم تبعد عن منبعها، ولم يتغير فيها شئ بفعل الزمان ولا بيد الإنسان. المرحلة الثانية: فى علاقته بها بعد أن طال عليها الأمد، وطرأ عليها شئ من التطور. أما في المرحلة الأولى: فالقرآن يعلمنا أن كل رسول يرسل، وكل كتاب ينزل، قد جاء مصدقا ومؤكد لما قبله: فالإنجيل مصدق ومؤيد للتوراة. والقرآن مصدق ومؤيد للإنجيل والتوراة ولكل ما بين يديه من الكتب " 5 : 46 ـ 48". وقد أخذ الله الميثاق على كل نبى إذا جاءه رسول مصدق لما معه أن يؤمن به وينصره " 3 : 81". غير أن ها هنا سؤالا يحق للسائل أن يسأله: أليست قضية هذا التصادق الكلى بين الكتب السماوية أن تكون الكتب المتأخرة إنما هى تجديد، للمتقدمة وتذكير بها، فلا تبدل فيها معنى، ولا تغير حكما. وإلا فكيف يقال: إنها تصدق إلخ بينما هى تبدل وتعدل؟. ص_070
(1/64)

وإذا كان من قضية التصادق الكلى بين الكتب ألا يغير المتأخر منها شيئا من المتقدم فهل الواقع هو ذلك؟ الجواب: ليس الواقع ذلك. فقد جاء الإنجيل بتعديل بعض أحكام التوراة. إذ أعلن عيسى أنه جاء ليحل لبنى إسرائيل بعض الذى حرم عليهم" 3 : 50 " وكذلك جاء القرآن بتعديل بعض أحكام الإنجيل والتوراة. إذ أعلن أن محمدا جاء ليحل للناس كل الطيبات، ويحرم عليهم كل الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم " 7 : 157 ". ولكن يجب أن يفهم هذا وذاك، لم يكن من المتأخر نقضا للمتقدم، ولا إنكارا لحكمة أحكامه فى إبانها. وإنما كان وقوفا بها عند وقتها المناسب، وأجلها المقدر.. مثل ذلك مثل ثلاثة من الأطباء، جاء أحدهم إلى الطفل فى الطور الأول من حياته فقرر قصر غذائه على اللبن. وجاء الثانى إلى الطفل فى مرحلته التالية، فقرر له طعاما لينا وطعاما نشويا، خفيفا. وجاء الثالث فى المرحلة التى بعدها، فأذن له بغذاء قوى كامل. لا ريب أن هاهنا اعترافا ضمنيا من كل واحد منهم بأن صاحبه كان موفقا كل التوفيق فى علاج الحال التى عرضت عليه. نعم إن هناك قواعد صحية عامة فى النظافة والتهوية والتدفئة ونحوها، لا تختلف باختلاف الأسنان " الأعمار ". فهذه لا تعديل فيها ولا تبديل، ولا باختلاف فيها طب الأطفال والناشئين عن طب الكهول الناضجين. ص_071
(1/65)

هكذا الشرائع السماوية كلها صدق وعدل فى جملتها وتفصيلها. وكلها يصدق بعضها بعضا من ألفها إلى يائها. ولكن هذا التصديق على ضربين: 1 ـ تصديق القديم مع الإذن ببقائه واستمراره. 2 ـ وتصديق له مع إبقائه فى حدود ظروفه الماضية. ذلك أن الشرائع السماوية تحتوى على نوعين من التشريعات: 1 ـ " تشريعات خالدة" لا تتبدل بتبدل الأصقاع والأوضاع "كالوصايا التسع " ونحوها. فإذا فرض أن أهل شريعة سابقة تناسوا هذا الضرب من التشريع جاءت الشريعة اللاحقة بمثله " أى أعادت مضمونه تذكيرا" وتأكيدا له. 2 ـ وتشريعات موقوتة، بآجال طويلة أو قصيرة. فهذه تنتهى بانتهاء وقتها وتجئ الشريعة التالية بما هو أوفق بالأوضاع الناشئة الطارئة.. وهذا ـ والله أعلم ـ هو تأويل قوله تعالى : (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) ولولا اشتمال الشريعة السماوية على هذين النوعين ما اجتمع فيها العنصران الضروريان لسعادة المجتمع البشرى. 1 ـ عنصر الاستمرار الذى يربط حاضر البشرية بماضيها. 2 ـ وعنصر الإنشاء والتجديد، الذى يعد الحاضر للتطور والرقى اتجاها إلى مستقبل أفضل وأكمل. ص_072
(1/66)

ونحن إذا نظرنا نظرة فاحصة إلى سير التشريع السماوى من خلال الشرائع الثلاث نجد فيه هذين العنصرين واضحين كل الوضوح. إذ نجد كل شريعة جديدة تحافظ على الأسس الثابتة التى أرستها الشريعة السابقة، ثم تزيد عليها ما يشاء الله زيادته. نرى شريعة التوراة مثلا قد عنيت بوضع المبادئ الأولية لقانون السلوك " لا تقتل و لا تسرق ".. إلخ. ونرى الطابع البارز فيها هو طابع الحقوق وطلب العدل والمساواة بينها. ثم نرى شريعة " الإنجيل " تجئ بعدها فتقرر هذه المبادئ الأخلاقية وتؤكدها، ثم تترقى فتزيد عليها آدابا مكملة: " لا تراء الناس بفعل الخير " أحسن إلى من أساء إليك ". ونرى الطابع البارز فيها التسامح والرحمة والإيثار والإحسان.. وأخيرا تجىء شريعة القرآن: فنراها تقرر المبدأين كليهما فى نسق واحد : (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) مقدرة لكل منهما درجته فى ميزان القيم الأدبية، مميزة بين المفضول منهما والفاضل : (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله). (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين). ثم نراها ـ وقد أضافت إليها فصولا جديدة ـ صاغت فيها قانون آداب اللياقة. رسمت بها مناهج السلوك الكريم فى المجتمعات الرفيعة. ففى التحية والاستئذان، والمجالسة والمخاطبة إلى غير ذلك.. كما نراه فى سورة النور والحجرات والمجادلة. هذا مثال من أمثلة الجمع فى سير التشريعات السماوية بين عنصر المحافظة على القديم الصالح، وعنصر الأخذ بالجديد الأصلح. والأمثلة كثيرة لا يتسع لها نطاق هذا البحث. ص_073
(1/67)

هكذا كانت الشرائع السماوية خطوات متصاعدة ولبنات متراكمة فى بنيان الدين والأخلاق وسياسة المجتمع. وكانت مهمة اللبنة الأخيرة منها أنها أكملت البنيان وملأت ما بقى فيه من فراغ. وأنها ـ فى الوقت نفسه ـ كانت بمثابة حجر الزاوية الذى يمسك أركان البناء. وصدق الله حين وصف خاتم أنبيائه بأنه : ( جاء بالحق وصدق المرسلين). وحين وصف اليوم الأخير من أيامه بأنه كان إتماما للنعمة وإكمالا للدين : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي). وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صور الرسالات السماوية فى جملتها أحسن تصوير: " مثلى ومثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة . فأنا اللبنة ، وأنا خاتم النبيين! " (البخارى ، كتاب المناقب ، باب خاتم النبيين). إنها إذا سياسة حكيمة رسمتها يد العناية الإلهية، لتربية البشرية تربية تدريجية لا طفرة فيها ولا ثغرة، ولا توقف فيها ولا رجعة، ولا تناقض ولا تعارض. بل تضافر وتعانق، وثبات واستقرار، ثم نمو واكتمال وازدهار. وننتقل الآن إلى المرحلة الثانية. "المرحلة الثانية " فى بحث العلاقة بين الشريعة المحمدية والشرائع السماوية بعد أن طال الأمد على هذه الشرائع، فنالها شئ من التطور والتحرر. رأينا فى المرحلة السابقة كيف كان القرآن يعلن عن نفسه دائما أنه جاء (مصدقا لما بين يديه من الكتاب). ونرى الآن أن القرآن أضاف إلى هذه الصفة صفة أخرى، إذ أعلن أنه جاء أيضا "مهيمنا" على تلك الكتب " 5 : 48 " حارسا أمينا عليها. ومن قضية الحراسة الأمينة على تلك الكتب ألا يكتفى الحارس بتأييد ما خلده ص_074
(1/68)

التاريخ فيها من حق وخير، بل عليه ـ فوق ذلك ـ أن يحميها من الدخيل الذى عساه أن يضاف إليها بغير حق. وأن يبرز ما تمس إليه الحاجة من الحقائق التى عساها أن تكون قد أخفيت منها. وهكذا كان من مهمة القرآن أن ينفى عنها الزوائد، وأن يتحدى من يدعى وجودها فى تلك الكتب. (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين). كما كان من مهمته أن يبين ما ينبغى تبيينه مما كتموه منها : (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب). وجملة القول أن علاقة الإسلام بالديانات السماوية فى صورتها الأولى هى علاقة تصديق وتأييد كلى وأن علاقته بها ـ فى صورتها المنظورة ـ علاقة تصديق لما بقى من أجزائها الأصلية، وتصحيح لما طرأ عليه من البدع والإضافات الغريبة عنها. هذا الطابع الذى تتسم به العقيدة الإسلامية ـ وهو طابع الإنصاف والتبصير الذى يتقاضى كل مسلم، ألا يقبل جزافا، ولا ينكر جزافا، وأن يصدر دائما عن بصيرة وبينة فى قبوله ورده ـ ليس خاصا بموقفها من الديانات السماوية. بل هو شأنها أمام كل رأى وعقيدة. وكل شريعة وملة، حتى الديانات الوثنية، ترى القرآن يحللها ويفصلها. فيستبقى ما فيها من عناصر الخير والحق والسنة الصالحة، وينحى ما فيها من عناصر الباطل والشر والبدعة. " أما بعد " فهذا هو موقف الإسلام من الديانات الأخرى من الوجهة النظرية. وقد بقى أن نبحث عن موقفه من الوجهة العملية. .. هل يقف منها موقف السكوت عليها والإغضاء عنها اكتفاء بالأمر الواقع؟. .. أم هل يقف موقف المحارب المقاتل، لا يهدأ له بال حتى يطهر الأرض منها ومن أهلها؟. ص_075
(1/69)

قليل من الكتاب الغربيين يجيبنا بالشق الأول. حتى قال قائل، منهم "جوتييه" فى أخلاق المسلمين وعوائدهم : إن المسلم أنانى، وإن الإسلام يشجعه على هذه الأنانية. فالمسلم لا يعنيه ضل غيره أم اهتدى، سعد أم شقى، ذهب إلى الجنة أم إلى السعير. وأكثر الكاتبين يجيبون بالشق الثانى: فالإسلام فى نظر هؤلاء يريد أن يفرض نفسه على الناس بحد السيف. والقرآن ـ فى نظرهم ـ يأمر المسلم بأن يضرب عنق الكافر أينما لقيه.. الواقع أن كلا الفريقين لم يصب كبد الحقيقة فى تصوره لموقف الإسلام. ليس الإسلام فاترا ولا منطويا على نفسه، كما زعم الأقلون. فالدعوة إلى الحق والخير ركن أصيل من أركان الإسلام. والنشاط فى هذه الدعوة فريضة مستمرة فى كل زمان ومكان. يأمر الله نبيه بتبليغ كلامه، وبأن يبذل جهده فى هذا التبليغ. ( وجاهدهم به جهادا كبيرا). والقرآن يحرض المؤمنين على هذه الدعوة: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله). بل يجعل الفلاح والنجاة وقفا على هؤلاء الدعاة. (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون). (إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). ص_076
(1/70)

ولكن الإسلام ـ فى الوقت نفسه ـ ليس ـ كما يزعم الأكثرون ـ عنيفا ولا متعطشا للدماء. وليس من أهدافه أن يفرض نفسه على الناس فرضا حتى يكون هو الديانة العالمية الوحيدة. فنبى الإسلام هو أول من يعرف أن كل محاولة لفرض ديانة عالمية وحيدة هى محاولة فاشلة. بل هى مقاومة لسنة الوجود، ومعاندة لإرادة رب الوجود. (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين). (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين). (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين). (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) ومن هنا نشأت القاعدة الإسلامية المحكمة المبرمة فى القرآن فى قاعدة حرية العقيدة (لا إكراه في الدين). ومن هنا رسم القرآن أسلوب الدعوة ومنهاجها. فجعلها دعوة بالحجة والنصيحة فى رفق ولين. (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن). على أن الإسلام لا يكتفى منا بهذا الموقف السلمى السلبى، وهو عدم إكراه الناس على الدخول فيه، بل يتقدم بنا إلى الأمام فيرسم لنا خطوات إيجابية نكرم بها الإنسانية فى شخص غير المسلمين. هل ترى أسمى وأنبل من تلك الوصية الذهبية التى يوصينا بها القرآن فى ص_077
(1/71)

معاملة الوثنية التى هى أبعد الديانات عن الإسلام فضلا عن الديانات الى تربطنا بها أواصر الوحى السماوى؟ اقرأ فى سورة التوبة : (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه). فأنت تراه لا يكتفى منا بأن نجير هؤلاء المشركين ونؤويهم ونكفل لهم الأمن فى جوارنا فحسب. ولا يكتفى منا بأن نرشدهم إلى الحق ونهديهم طريق الخير وكفى. بل يأمرنا بأن نكفل لهم ـ كذلك ـ الحماية والرعاية فى انتقالهم حتى يصلوا إلى المكان الذى يأمنون فيه كل غائلة. ثم هل ترى أعدل وأرحم وأحرص على وحدة الأمة وتماسكها من تلك القاعدة الإسلامية، التى لا تكتفى بأن تكفل لغير المسلمين فى بلاد الإسلام حرية عقائد هم أو عوائد هم وحماية أشخاصهم وأموالهم وأعراضهم. بل تمنحهم من الحرية والحماية، ومن العدل والرحمة قدر ما تمنحه للمسلمين من حقوق العامة " لهم ما لنا وعليهم ما علينا لمه. هل ترى أوسع أفقا ، وأرحب صدرا، وأسبق إلى الكرم، وأقرب إلى تحقيق السلام الدولى والتعايش السلمى بين الأمم، من تلك الدعوة القرآنية التى لا تكتفى فى تحديد العلاقة بين الأعم الإسلامية وبين الأمم التى لا تدين بدينها، ولا تتحاكم إلى قوانينها. لا تكتفى فى تحديد هذه العلاقة بأن تجعلها مبادلة سلم بسلم (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها). (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا). بل تندب المسلمين إلى أن يكون موقفهم من غير المسلمين موقف رحمة وبر، وعدل وقسط. ص_078
(1/72)

(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين). ليس هذا هو كل شئ فى تحديد الموقف الإنسانى النبيل الذى يقفه الإسلام عمليا من غير أتباعه.. ولضيق المقام نكتفى بكلمة واحدة: إن الإسلام لا يكف لحظة واحدة عن مد يده لمصافحة أتباع كل ملة ونحلة فى سبيل التعاون على إقامة العدل، ونشر الأمن وصيانة الدماء أن تسفك، وحماية الحرمات أن تنتهك، ولو على شروط يبدو فيها بعض الإجحاف. ناهيك بالمثل الرائع الذى ضربه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فى هذا المعنى حين قال فى الحديبية. " والله لا تدعونى قريش إلى خطة توصل فيها الأرحام وتعظم فيها الحرمات إلا أعطيتهم إياها ". فهذا هو مبدأ التعاون العالمى على السلام.. يقرره نبى الإسلام.. ورسول السلام" أ. هـ الفتح الإسلامى فى العصر الأول: هناك سؤال يجب أن يوجه إلينا نحن المسلمين، ونحب أن نستمع إليه فى أناة، وأن نشرح إجابته على ضوء من الفكر الحر والتجرد المطلق، تاركين لكل امرئ بعدئذ أن يمحص هذا الرد وأن يقلبه على وجوهه كلها ثم ليقتنع بما شاء!!. أما السؤال فهو: لماذا خرج المسلمون الأولون من الجزيرة التى انتشر الإسلام فيها زاحفين على مصر والشام وفارس وما وراء هذه الأقطار؟ ولماذا لم يعيشوا بدينهم فى نطاق أرضهم مكتفين بإرسال الدعاة من حين إلى حين للفت الأنظار إلى الرسالة الجديدة وما تضمنت من مبادئ ونظم؟ وإذا كان الإسلام لا يخوض الحروب إلا ردا لعدوان أو منعا لفتنة، فهل هذه الجيوش التى هدمت الممالك المجاورة وأقامت فيها كانت تشن حرب دفاع أم كانت تهاجم فعلا؟.. ص_079
(1/73)

هذا هو السؤال الذى يجب أن نسمعه ، وأن نقدم جوابا مقنعا عنه!. وإلا بؤنا وباء ديننا معنا بالصفة التى يستحقها... ونستحقها معه!.. ونحن نرحب بهذا السؤال، ونود أن نسمعه من كل فم، وأن تسمع الإجابة عليه كل أذن!. *** إن الإسلام يجعل الاعتقاد الصحيح ثمرة الإرادة الحرة. وكما أن المكره على عمل ما لا يتحمل نتائجه، لأن إرادته استعبدتها قوة قاهرة، فكذلك المكرهون بالعنف على الدخول فى دين ما لا يعتبرون متدينين به موضوعا و إن خضعوا له شكلا. وحسابهم الحق عند الله يقوم على اتجاهات قلوبهم وحركات ضمائرهم فحسب. وهذا المبدأ يعتبر حجر الزاوية فى الدعوة الإسلامية. (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين). وقد ظهرت فى العالم أديان كثيرة، وتقسمت حكمه دول شتى. والإسلام لم يبدأ دعوته الكبرى فى الأرض إلا بعد أن سلخت النصرانية قرابة سبعة قرون، فضلا عن اليهودية القديمة، وعن الوثنية الأقدم من الجميع. فلننظر ما هى الطرق التى سلكتها هذه الديانات فى سيطرتها على الشعوب؟ ولنغض الطرف أولاء عن قيمها الذاتية ومدى ما فيها من حق وباطل. ثم لنتساءل هل نال كل فرد من البشر حقه المطلق فى اعتناق الدين الذى يتجه إليه بمحض إرادته؟ وهل الحكومات التى أقامتها هذه الديانات أعطت رعاياها حرياتهم المطلقة فى تخير ما يرون من مذاهب وأفكار؟. ص_080
(1/74)

وهل انفردت الوثنية بالحكم فى فارس لأنها قامت على دعائم مكينة من حرية العقل والضمير؟ وهل انفردت المسيحية بالحكم فى أقطارها الواسعة لأنها كذلك وليدة إيمان حر ورغبة مطلقة؟ وما الرأى إذا كانت الحكومة المسيحية ذات السلطة الهائلة قد قامت على أنقاض مذاهب مسيحية أخرى خنقها الاضطهاد وقتلها الكبح والجبروت النازل بأشياعها عدة قرون؟ وما الرأى إذا كانت المذاهب المنتصرة بقوة السيف مذاهب مخرفة، والمذاهب المنهزمة أدنى إلى الرشد والصدق؟ هل يعتبر الهجوم على هذه الحكومات عدوانا؟ إننا قبل أن نجيب بالتفصيل على هذه الأسئلة. وقبل أن نتبين معالم التاريخ القديم نؤكد من جانبنا: أن الإسلام لو استخدم قوة عسكرية ضد حكومات تعتمد سياستها على تأمين حقوق الفرد و إطلاق حريته الدينية لكان قد ارتكب جريمة من أقبح الجرائم. ولجاز أن يؤاخذ بها إلى يوم الدين.. وحسبنا أن نسرد تاريخ الكنيسة فى القرون السبعة التى سبقت الإسلام، ثم فى القرون الثلاثة عشر التى أعقبته، لنضع تحت أعيننا سلسلة من المأسي والفواجع لطخت جبين البشر بالوحل. وما زال تاريخ الدنيا يئن من ذكرياتها ويفزع إلى يومنا هذا من أشباحها..!! إن اضطهاد المخالفين كان صبغة عامة للمسيحية منذ تحولت إلى دولة على يد الإمبراطور الوثنى قسطنطين. ولم يكن اضطهاد أولئك المخالفين عملا فرديا يبدو حينا ويختفى أحيانا، بل كان سياسة ثابتة حاسمة تستهدف إفناء الخصوم ومحو آثارهم محوا. وكانت المذابح العامة والقوانين الصارمة التى توحى بها تدبر وتنفذ بوحشية بالغة. وليست المسيحية التى أنزلها الله على نبيه عيسى هى التى شرعت للنصارى فى ص_081
(1/75)

العصور الأولى أو الوسطى هذه التعاليم الهمجية المتعطشة إلى السفك و الهلاك. فإن المسيحية الحقة تبخرت بعد وفاة عيسى بأمد قليل. وقد حاول بعض الأتقياء المنصفين أن يعيدوها إلى أوضاعها الصحيحة ـ كأريوس وأتباعه ـ ففشلوا وأبيدوا، على ما سيعرف القارىء بعد. وتولى زمام الديانة المشوهة أقوام انقسموا على أنفسهم فى فهم عقيدة التثليث، ولعن بعضهم بعضا، ونصبوا لأنفسهم المشانق والمحارق، وعانى العالم من تعصبهم وتشفيهم من خصومهم الويل الكبير. مظالم متبادلة: عانى المسيحيون الأولون صنوفا من العسف والأذى تحت حكم الرومان، وشردهم الاضطهاد الدائم فالتمسوا المهارب فى كل فج. وكان اليهود الحقدة، والوثنيون الجهلة أعوانا على التنكيل بالملة الجديدة والكيد لها. ولكن المسيحية ـ برغم ما نزل بها ـ تشبثت بالبقاء حتى أتيح لها على نحو نعتبره نحن المسلمين هزيمة لعقيدة التوحيد، وبداية للون جديد من التدين المعقد المثقل بخرافات الوثنية الأولى!. وامتزاج النصرانية بأفكار أرضية بحتة بدأ من قديم. ولعل ذلك حدث لحاجة الديانة المضطهدة إلى متنفس تتسرب منه وترى ضياء الحياة. قال "ترتليان " سنة 225 م: "... إننا بريئون من الذين ابتدعوا مسيحية رواقية، أو أفلاطونية، أو جدلية بعد المسيح والإنجيل. لسنا بحاجة إلى شئ ". ولكن الذى حدث ـ للأسف ـ أن هذه المبتدعات هى التى قدر لها بعد أن تعيش وأن تسود. وسنشرح وجهة نظرنا فى هذا الموضوع عند الكلام عن اختلاف الفرق النصرانية فى حقيقة عيسى بن مريم. ص_082
(1/76)

ويقول الدكتور الطويل: ".. يذهب صفوة المؤرخين إلى تبرير الاضطهاد الذى أنزلته الدولة الرومانية بالمسيحية وأتباعها. إذ كان الدين الجديد يناصب العقائد الأخرى العداء ولا يلين فى حكمه عليها ورأيه فى اتباعها. وقد بدا من تصرفات المسيحيين واعترافاتهم أنهم على استعد لإبادة المذاهب كلها، وتحطيم الحضارة التى يعيشون فى ظلها، متى تهيأت لهم سلطة تمكنهم من بلوغ هذه الغاية. فكان على الدولة أن تنهض للدفاع عن نفسها، ومحو دين يهدد بإثارة الشقاق بين رعاياها، وينذر بتحطيم الحضارة التى يعتز بها. ولو لم يكن أتباع هذا الدين الجديد طلاب حرية دينية. فالمعروف أن شهداء المسيحية قد راحوا ـ استجابة ـ لنداء ضمائرهم ووحى إيمانهم، ولو يموتوا فى سبيل الدفاع عن مبدأ الحرية الدينية. ". ويقول كذ لك:، صرح المؤرخون من أمثال " بيرى " أن اضطهاد الأباطرة للمسيحيين قد أدت إليه رغبة هؤلاء الأباطرة فى الانتصار لمبدأ التسامح العام ". *** وهذه الآراء تعنى ـ فى جلاء ـ أن المسيحيين الأولين لم يعتمدوا فى دعايتهم على المناقشات والمحاورات التى لا تتطلب أكثر من جو حر لنشر المبدأ الصائب، مع أن الأديان كلها لا تطلب أكثر من ذلك. فهل يعود ذلك إلى أن مبدأ التثليث لا يخضع لمناقشة عقلية حرة؟ ربما. ونحن ـ على أية حال ـ لا نطمئن إلى ضمائر الحكومات الوثنية سواء كانت وثنية دينية تقوم على عبادة الأصنام، أو وثنية سياسية تقوم على تقديس نفر من الحكام.. ونستنكر المظالم التى وقعت على المسيحيين، أو تقع على غيرهم أيا كانوا. على أن النصرانية حكمت فعلا. ص_083
(1/77)

وكان أسلوبها فى الحكم مصدقا لأسوأ الظنون وملصقا بالضمير الدينى أقبح التهم. كتب الدكتور " توفيق الطويل " عن بدء الاضطهاد فى المسيحية، فقال: ، منذ اللحظة الأولى لظفر الكنيسة بسلطة مدنية- فى عهد قسطنطين- دخل مبدأ الكبح العام، واستمر عشرة قرون شداد، رسف فيها العقل والقلب فى الأغلال، وعانى من قسوته اليهود والوثنيون كثيرا.. ". وقال: ،.. وقد حاول قسطنطين أن يضع حدا لشرورهم، فأصدر قانونا يقضى بإحراق كل يهودى يلقى على من اعتنق المسيحية حجرا، وعقاب كل مسيحى تهود. ثم عدل العقاب إلى مصادرة الأملاك، فإن تزوج يهودى بمسيحية أعدم ". قال:".. وقد أبان "نسطريوس " بطريق القسطنطينية عن مبدئه فى الاضطهاد حين قال للإمبراطور: أعطنى الدنيا وقد تطهرت من الملحدين، أمنحك نعيم الجنة المقيم " ثم شرعت عقوبة الإعدام للملحدين ونظم إفنائهم. ووضع، تيودسيوس " فى أواخر القرن الرابع قوانين صارمة تتضمن ستا وستين مادة لمقاومة الهرطقة، ،والى جانبها بنودا أخرى لاستئصال الوثنية، ومناهضة الديانة اليهودية، والارتداد عن الدين ومزاولة السحر، ونحو ذلك. وكان هذا الدستور يقضى بإقصاء الوثنيين عن وظائف الدولة، وتحريم طقوسهم وحظر عباداتهم، وهدم معابدهم، وتحطيم صورهم ". وفى أوائل القرن الخامس ظهر القديس "أوغسطين "، وهو وجل عنيف المشاعر، بالغ القسوة. كانت حياته سوط عذاب على مخالفى المسيحية، ورافضى الدخول فيها. وقد أمد حركة الاضطهاد بالوقود الذى زادها ضراما، ورسم للأخلاق مثلا سيئة للجماح والتوحش. وقد وصفه الدكتور الطويل بأنه: "... صاغ مبدأ الاضطهاد لهداية الأجيال التالية، وأقامه على أساس الكتاب المقدس مستندا إلى كلمات فاه بها المسيح فى مثل من أمثاله " وأجبروهم على اعتناق دينكم ". وتمشيا مع هذا سلم "أوغسطين " بمعاقبة الملحد بالنفى والجلد وفرض ص_084
(1/78)

الغرامات، ووضع للكنيسة دستورا تلتزمه إزاء كل حركة إلحادية... "، ومن رأى " أوغسطين " ـ الذى استمده من عقيدة الخلاص، ومن نصوص العهد القديم ".. أن عقاب الملحدين هو من دلالات الرفق بهم وشواهد الرحمة، إذ كان هذا العقاب ينقذهم من العذاب الأبدى الذى ينتظر المرتدين عن المسيحية... ". " إن الهرطقة توصف فى الكتاب المقدس، وكأنها نوع من الفسق والمروق وعبادة الأوثان، إنها أسوأ أنواع القتل، لأنها قتل للأرواح. من أجل ذلك اقتضت العدالة أن ينال أهلها ما يستحقون من عقاب. واذا كان العهد الجديد قد خلا من رسول استخدم القوة والعنف فى نشر الدين، فقد كان هذا لأن عصرهم قد خلا من وجود أمير يعتنق المسيحية!. هكذا يقول " أوغسطين ". يعنى أن المسيحية لم تستعمل القوة من عهد عيسى، لأنها لم تتح لها، ولم تتيسر وسائلها، ولو أتيحت لها، ما تورعت عن قهر الأمم بها. ويقول القديس الجبار مستدلا على آرائه هذه من حوادث العهد القديم: ألم يذبح "اليشع" بيده أنبياء" بعل "؟ ألم يحطم "حزقيال " و يوشع " ملك "بختنصر" بعد ارتداده؟ ألم يحطم هؤلاء الأنبياء بالقوة عبادة الأوثان فى أقاليمهم؟ ألم يكونوا موضع ثناء محمود من أجل ما انطووا عليه من تقوى؟ قبل بعثة محمد: هذه فلسفة المسيحية قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم تجاه البشر أجمعين. يجب أن نكشف النقاب عنها، إذ لا معنى للمواربة فى الحقائق أو الاستحياء من تقريرها مع قوم لا يبالون بقلب الحقائق، وتلمس العيوب للأبرياء. فعقيدة الخلاص هى لب المسيحية، وأساس فكرة التثليث. وعن عقيدة الخلاص صدر التفكير فى الاضطهاد. ص_085
(1/79)

إذ أخذ المسيحيون بنظرية مؤداها: أن الخلاص لاسبيل إليه إلا عن طريق الكنيسة الكاثوليكية وحدها. وعندما روجوا للإيمان بها أذاعوا: أن الذين لا يدينون بصدق نظرياتها تحيق بهم اللعنة الأبدية لا محالة. فأفضى هذا الاعتقاد إلى الاضطهاد والتنكيل بكل من أبى الإذعان للكثلكة. واعتبرت الهرطقة أعظم خطيئة، لايقاس ما يبتلى به أصحابها فى الدنيا من صنوف الآلام بما ينتظرهم من الجحيم، وأضحى إنقاذ الدنيا من أعداء الله واجبا مقدسا. والاتصاف بالفضيلة لا ينهضى عذرا للمروق. فالطفل ـ على براءته وخلو ساحته من الخطايا ـ متى مات من غير تعميد. مضى بقية حياته الأخروية فى جهنم (!). فالطبيعى- بعد هذا- أن يستهدف المتهمون بالمروق لأشد العذاب. أجل فالكنيسة التى تستبيح عذاب طفل وتتصوره عدالة، لا ينتظر منها أن تعامل جماهير الناس بمنطق سليم. وكذلك مضت المسيحية تشق طريقها في الحياة، على ركام يعلو مع الزمن من جثث الخصوم ورفات الضحايا. كان الوثنى يقول ـ عن المسيحيين فى القرن الأول ـ ".. انظروا كيف يحب المسيحيون بعضهم بعضا ! فما انقضت بضعة قرون حتى كان يقول : هل عرفت الدنيا وحوشا كهؤلاء الذين يفترسون كل من خالفهم فى الدين؟؟ ". أثر الاضطهاد فى النصرانية نفسها: كان ميلاد عيسى لغير أب سببا فى اختلاف واسع الشقة بين من عاصروه ومن جاءوا بعده، وقد جمحت الآراء فى نعت عيسى وأمه، من الضد إلى الضد، فبينما يزعم اليهود أن المسيح لقيط، وأن أمه بغى أتت به لغير رشدة، يذهب النصارى إلى أن عيسى إله فى صورة بشر، وأن ميلاده الخارق ينفصل به عن مشابهة غيره من الأناسى. ص_086
(1/80)

ولما نزل القرآن فى أواخر القرن السابم لميلاد "ابن مريم " كان مبينا فى تخطئة الفريقين وناسبا كليهما إلى الغلو القبيح والشرود عن الحق، قال الله عز وجل: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا). (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل). والواقع أن المسيحية فى العصور الأولى لم تظفر برعاة يبسطون حمايتهم عليها ولا دعاة مطمئنين يجمعون الناس فى هدوء على حقيقتها. وقد كانت ولادة " عيسى " الخارقة ووفاته الخارجة على السنن المعتاد كذلك، مثارا لانطلاق الأخيلة فى ظلمات الاضطهاد النازل فى كل مكان. أخيلة تضفى على عيسى هالات من المجد مازالت تتضاعف حتى سلخته تماما عن مصاف البشر!!. ولكن أين تضعه هذه الأساطير المتحمسة؟. إن النبيين من لدن آدم لم يدعوا إلا إلى رب واحد، لا شريك له، ولا ند ولا ضد. والعهد القديم بين أيدى النصارى شاهد على ذلك. فما تكون صلة " عيسى " بهذا الإله الواحد، إذا لم يكن عيسى بشرا؟؟ هذا ما حير الغالين فى فهم حقيقة المسيح، النازعين إلى إشراب طبيعته معنى الألوهية. وقد انقسموا فرقا شتى لحل هذا اللغز المعمى، ولم يعودوا من خلافهم بطائل. لأن الفرض إذا كان خطأ، فإن الاستدلال عليه صعب، والدعوة إليه أصعب. وتأليه " عيسى " فرض موغل فى الضلال، ولم يتحول هذا الفرض إلى مذهب ص_087
(1/81)

رسمى للكنيسة إلا فى القرن الرابع للميلاد، على عهد الإمبراطور " قسطنطين "، وهو حاكم وثنى تزعم التواريخ المسيحية أنه تنصر، وأصدر مرسوما بإبطال عبادة الأوثان. ولسنا هنا بصدد مناقشة هذه المزاعم، ولا الموازنة بين رواياتها المتضاربة. والكنسيون الجانحون إلى تأليه " عيسى "، والذين ساندتهم السلطات بعدما أتيح للمسيحية أن تعتمد على سلطات، لهم آراء غريبة فى " عيسى ". فهناك اليعاقبة القائلون: "بأن الطبيعة الإلهية والبشرية امتزجتا فى المسيح وصارتا فيه طبيعة واحدة. فكان عند التجسد ذا طبيعتين! أما بعده فصار ذا طبيعة واحدة ". أما الملكانية فيقولون: " إن الابن مولود من الأب قبل الدهور غير مخلوق وهو جوهره ونوره، والابن اتحد بالإنسان المأخوذ من " مريم " فصارا واحدا هو المسيح". وفى القرن الخامس قرر مجمع أفسوس " ألوهية المسيح وإنسانيته معا، ولكنه أنكر وحدتهما فى شخصية واحدة شاعرة بنفسها. ومن ثم انشطرت الوحدة إلى اثنينية ". ومن حق كل امرئ أن يسأل: هل كانت هذه الفروض القائمة على تأليه " عيسى " والمضطربة فى تحديد وضعه بالنسبة إلى الإله الكبير، هل كانت هذه الفروض التى انتصرت وشاعت هى الصورة الفريدة للتفكير المسيحى فى العصور الأولى؟؟ والجواب: لا..! فقد كان هناك كثيرون يشعرون من أعماق قلوبهم بأن " عيسى " لا يعدو أن يكون بشرا ميزه الله ببعض الخصائص الجليلة، وأن الألوهية أسمى مكانا وأعز شأنا من أن يشاركها فى أوصافها القديمة المطلقة الخالدة أحد من الخلق ظهر فى عصر من العصور ثم اختفى. وقد كان هؤلاء النصارى الموحدون يفقهون دينهم على أصوله الصحيحة، إلا أن تحول المسيحية إلى دولة أيام " قسطنطين " وما طرأ على سيرها فى هذا التحول، جعل عقيدة التوحيد وأشياعها تتعرض ويتعرضون معها لما عرف به الحكم الكنسى من فظاظة و إرهاب. ص_088
(1/82)

فى سنة 336 م قرر " آريوص " محاربة ما شاع فى عصره من بدعة التثليث وبين أن " عيسى " لا يمكن أن يكون مساويا لله فى جوهره وطبيعته. بل هو خلق حادث شأن سائر المخلوقات الخاضعة فى وجودها وفنائها لإرادة الله الواحد القهار. وانتشرت تعاليم " آريوس " وبدأ الناس يثوبون إليها. ولكن الإمبراطور " قسطنطين " الذى لم يستأصل الوثنية فى بلاده الواسعة، وتركها تعيش من بعده قرابة مائة عام حتى استأصلها " تيودوسيوس "، هذا الإمبراطور أمر بتشكيل مجمع "نيقية" الذى حكم بأن المسيح يساوى الله فى جوهره وطبيعته، ثم قرر مطاردة " آريوس " وأتبا عه. وبدأت الكنائس الواهمة والسلطات الحاكمة تتضافر على محاربة الوحدانية الحقة فأحرقت كتبها، وحرم اقتناؤها، وتعرض رجالها لما يتعرض له كل خارج على الدين والدولة، موسوم بالإلحاد والمروق.. وقد استتب الأمر للكنيسة، وتفكك الموحدون كجماعة لها شأن وقوة، وانفردت الكثلكة بالسيطرة العامة فى أقطار المسيحية الجديدة، المسيحية القائمة على التثليث وملء الكنائس بالتماثيل والبخور والتعاويذ. حول مؤتمر " نيقية " : اجتمع فى مدينة " نيقية " 2048 من الأساقفة والبطاركة، وكانوا مختلفين جدا فى آرائهم وعقا ئدهم. فمنهم من كان يقول: " المسيح ومريم إلهان من دون الله ". ومنهم من يقول: " إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار توقدت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى لإيقاد الثانية منها ". ومنهم من كان يقول: " لم تحبل " مريم " لتسعة أشهر، وإنما مر نورفى بطن " مريم " كما يمر الماء فى الميزاب، لأن كلمة الله دخلت من أذنها وخرجت من فرجها لساعتها ". ومنهم من كان يقول: " بثلاثة آلهة صالح، وطالح، وعدل بينهما ". ومنهم من يقول: " ربنا وإلهنا يسوع المسيح " ص_089
(1/83)

ومنهم من يقول : " إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا فى جوهره، وأن ابتداء الابن من " مريم "، وأنه اصطفى ليكون مخلصا للجوهر الإنسانى، صحبته النعمة الإلهية. فخلق منها بالمحبة والمشيئة، فلذلك سمى ابن الله ". ويقولون: " إن الله جوهر واحد، وأقنوم واحد يسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمنون بالكلمة ولا بروح القدس ". ومنهم من يقول؟ " إن المسيح إله حق، وإنسان حق، بطبيعتين مختلفتين، ومشيئتين كذلك ". ومنهم من يقول:" إنه بطبيعة واحدة ومشيئة واحدة ". إلى غير ذلك من الآراء والاعتقادات المختلفة المتناقضة. وقد اجتمع هؤلاء عند " قسطنطين " وتناظروا واختلفوا. وصار كل منهم يؤيد رأيه وعقيدته وينكر ما عداها. واشتد الخلاف والنزاع بينهم حتى لعن بعضهم بعضا، وانسحب كثير منهم من المجمع، فلم يبق إلا 318 أسقفا. هؤلاء هم الذين بقوا فى المجلس ووضعوا أساس العقيدة الجديدة للمسيحيين، التى يلعن من خالفها ويطرد من الكنيسة. ووافق الملك " قسطنطين، على ذلك، وأصدر أمره به. أصل هذه العقيدة منقول عن عقيدة الهنود القدماء فى الشمس التى كانوا يعبدونها. قال " مالفير " فى كتابه المطبوع عام 895 1وترجمه إلى العربية " نخلة بك شفوات " سنة 1913م ما يلى: " لقد ذكر فى الكتب الهندية القديمة التى ترجمت إلى اللغة الإنكليزية شارحة عقيدة الهنود القدماء ما نصه: ص_090
(1/84)

نؤمن " بسافسترى " أى الشمس، إله واحد، ضابط الكل، خالق السموات والأرض، وبابنه الوحيد " آتى " أى النار، نور من نور، مولود غير مخلوق، تجسد من "فايو" أى الروح فى بطن "مايا " العذراء. ونؤمن "بفايو" الروح الحى المنبثق من الأب والابن، الذى هو مع الأب والابن، يسجد له ويمجد. ". والثالوث القديم وهو " بسافسترى الشمس " أى الأب السماوى، وآتى " النار" أى الابن وهو النار المنبثقة من الشمس. وفايو "نفخة الهواء" أى الروح، هو أساس المذاهب عند الشعوب الأربانية، أى الهنود القدماء. ويلاحظ أن المجامع المسكونية القديمة للنصارى قد انتهت إلى إقرار عقيدة عامة للنصارى جميعا، تنص على مايلى: " نؤمن بإله واحد، ضابط الكل، خالق السماوات والأرض، كل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الأب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للأب فى الجوهر، الذى من أجلنا نحن، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، ومن مريم العذراء، وتأنس وصلب على عهد " بيلاطس النبطى " وتألم وقبر وقام فى اليوم الثالث كما فى الكتب وصعد إلى السماء، وجلس عن يمين الأب، وسيأتى بمجده ليدين الأحياء والأموات، الذى لا فناء لملكه، وبروح القدس، الرب المحيى المميت المنبثق من الأب المتحد مع الأب والابن المسجود له.. إلخ ". اضطهاد الموحدين فى العالم المسيحى: لكن صوت الفطرة لا يخفت مهما أشيع حوله من إرهاب وسلط عليه من أخطار. فبين الحين والحين يصرخ رجل حر باستنكار التعدد فى الألوهية ويعلن ضيقه بثالوث الأب والابن وروح القدس. ونحن نقرر ـ آسفين ـ أن الكنيسة تكون أسرع من البرق فى إخفات هذا الصوت وإخفاء معالمه. ومصرع المصلح الأسبانى الكبير " سرفتيوس " دليل على صدق ما نقول.. ص_091
(1/85)

فإن هذا الرجل ما إن جهر برأيه فى خطل التثليث حتى اقتيد إلى السجن، ثم قدم للمحاكمة، فقرر القضاء العادل (!) إعدامه حرقا سنة 1553. م وتبادل رجال الدين والدنيا التهانى عقب إحراقه!!.. واستعاد الموحدون نشاطهم فى إيطاليا وألفوا طائفة انشقت على الكنيسة وعرفت "بالصوصنية" وأظهر هؤلاء مبادئهم التى تتلخص فى إنكار ألوهية المسيح ونسبة الربوبية إلى الله وحده. ومن البديهى أن تناصب الكنيسة هذه الحركة العداء، وأن تشن عليها حربا شعواء مكررة التهمة التى ترمى بها خصومها من القرن الأول تهمة الهرطقة. مما اضطر معه هؤلاء الموحدون إلى الفرار من وطنهم إلى سويسرا، فكان حظهم هناك أسوأ إذ هاجمتهم الكنيسة البروتستانتية، ففروا من وجهها إلى بولندة وترنسيفاليا. وهناك أذاعوا عقيدتهم القائمة على مبدأ التوحيد. قال الدكتور الطويل: " تحت تأثير الروح الصوصنى أعلن " كاستيلون السافوى " مبدأ التسامح فى رسالة شهر فيها بتعصب " كلفن " وحقده، وندد بموقفه من إحراق " سرفتيوس " والقضاء والقدر. وأعلن أن الدين إذا صاحبه الاضطهاد كان لعنة ". والحق أن الحرية العقلية تلازم دائما عقيدة التوحيد. فإن الرجل الذى يبنى يقينه على الفكر الصائب، لا يبالى أية مناقشة حرة. ويرى أن سداد المنطق فى كل شئ عون له على تدعيم مبدئه وإظهار حقه. أما الرجل الذى يشعر بالريبة والغموض فى أساس عقيدته فهو يعزلها عن العقل أولا، ثم يجتهد أن يهون من قيمة العقل ومنطقه فى سائر الحياة فإذا حدثت مجادلة بينه وبين مخالف له فى مذهبه اعتمد فى الغلب على السنان لا على البرهان. ودعوى القوى كدعوى السباع من الناب والظفر برهانها ص_092
(1/86)

ولئن كان الكاثوليك قد نكلوا بالعلماء والأحرار والمفكرين، أفنظن أن البروتستانت كانوا أهدى منهم سبيلا؟. إن " لوثر " نفسه كان يسمى " أرسطو" الخنزير الدنس الكذاب!. وقال عن "كوبر نيكوس " ـ وهو أول رائد عرفه علم الفلك الحديث ـ : " إنه منجم مأفون مصاب بمس!! ". ولم يستقر الموحدون الصونيون فى بولندة طويلا، فقد طاردتهم الكنيسة ففروا إلى ألمانيا وهولاندة، حاملين معهم عقيدتهم المضطهدة، ومبشرين كذلك بالحرية العقلية والتسامح الدينى. بيد أن أصابع الكنيسة مازالت تدس وراءهم وتتعقب أشياعهم، حتى سحقتهم سحقا. هذه سطور قليلة من صفحات طويلة لتاريخ الكنيسة التى دار بينها وبين الإسلام قتال تراجعت بعده عن مصر والشام وغيرهما.. إن الإسلام ينهض على أساس فذ، هو توحيد الله. فهل رأيت فى تاريخ الكنيسة أن هذا الأساس منح حق البقاء يوما، أو اعترف بأصحابه كمؤمنين مخلصين؟؟. لقد حرقوا وأبيدوا.. وسنسرد الكثير من هذه المأسي المخزية لمرتكبيها إلى آخر الدهر. ولنسأل كل منصف، هل صودر مبدأ التثليث فى ظل الدولة الإسلامية الموحدة؟ أم بقيت كنائسه وأشياعه تتكاثر إلى اليوم فى قلب الإسلام وفى أرجاء وطنه الكبير؟؟. من نتائج الاستبداد: إذ ذابت حرية الفرد فى سلطان الحكم المطلق، وشعر جمهور الأمة بالانزواء والانكماش أمام إرادة واحدة مكنتها المصادفات من السيطرة والامتداد. ص_093
(1/87)

فمن العبث أن تتجه عناية المصلحين إلى أفراد فقدوا ثقتهم وأعطوا قيادتهم لغيرهم، بل يجب حسم الأمر أولا مع صاحب السلطة المطلقة. فإن بقاءه فى وضعه العاتى يتنافى مع كل إصلاح. والعالم فى عصوره الأولى لم يسلم، بل لم يخل من أولئك المستبدين الجبارين، وقد كانت أقطار المسيحية كغيرها أو أشد تعرضا لهذا اللون من الطغيان. ونلاحظ أن حرب الثلاثين عاما التى اشتعلت فى أوروبا خلال القرن السابع عشر للميلاد قد انتهت بصلح عجيب. إذ منحت كل أمير الحق فى اختيار الدين الذى يفرضه على شعبه!! وهذا المسلك النابى يدل على قيمة الحرية الفردية فى أوروبا قديما. والواقع أن هذا المسلك يطرد مع الفهم القديم لمكانة الإنسان فى البلاد التى يسودها الاضطهاد والاستبداد. وتاريخ الكنيسة يعرف هذه الشئون حق المعرفة.. وقد كان الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يدرك الأحوال العامة فى فارس والروم فلم يرسل دعاته إلى الشعوب المضطهدة المأكولة. فأنى لها سماع هدية؟ والاقتناع بوحيه؟ وهى مغلوبة على أمرها، مستسلمة لآكليها؟. فأرسل دعاته إلى الرؤساء المتكبرين أولا. روى مسلم عن أنس قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشى ـ وليس بالنجاشي الذى صلى عليه ـ وإلى كل جبار عنيد يدعوهم إلى الله عز وجل. ولو أرسل إلى الشعوب المحكومة نفسها، أفترى أصحاب الحكم المطلق يدعونهم لحظة لإبلاغ رسالتهم؟. إن السلطة الضاغطة على الشعوب تمنعها أن يصلها من الخارج نداء، وتقتل أية محاولة لذلك.. ولم تجد هذه الرسائل التى بعث بها النبى الجديد إلى حكام عصره. ص_094
(1/88)

وهى ـ فى حقيقتها ـ لا تعدو أن تكون إعذارا إلى الله بإبلاغ الحق لكل امرىء عظم شأنه أم هان. كما أنه إبانة لمنهج الدين الجديد فى إرشاد الناس إلى أصوله. إن " موسى " الفريد الأعزل لا يتصور فى حقه أن يكره فرعون على الإيمان بالله، ومحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ المعلم فى قلب الصحراء المنقطعة لا يتصور فى حقه كذلك أن يكره كسرى وقيصر على الدخول فى دين. وإبلاغ الدعوة لا يتطلب أكثر من عرض حقائقها على صفحة قرطاس ثم (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). فأما " كسرى " فقد تناول الخطاب ثم مزقه، وأمر بإرسال اثنين لاستحضار المتجرىء على دعوته، كيما ينزل به ما يستحق من عقاب. وأما " قيصر " فقد دار بينه وبين حاشيته نقاش طوى الكتاب بعده من غير رد. ومشت الأمور على منطقها المألوف فى تاريخ الكنيسة الرومانية من سبعة قرون فأعدت الجيوش لمقاومة الديانة الناشئة بالقوة ومنع تعاليمها أن تعبر حدود الدولة. ولاشك أن المسلمين لو كانوا رعية رومانية من نشأتهم الأولى لأبيدوا وطمست عقيدتهم، كما حدث لأسلافهم الموحدين الخاضعين لسلطان الكنيسة. ولكن القدر فى هذه المرة درع الموحدين بالحديد ذى البأس الشديد. فلما فغرت الكنيسة فمها وأطبقته لتعض الموحدين الجدد تهشمت أسنانها وانكسر عدوانها..! وكان ذلك بعد سنين من هزيمة المسلمين فى معركة " مؤتة " ومقتل دعاتهم عند حدود الشام على عهد النبى نفسه.. *** وأبشع نتائج الاستبداد تحدث من تواصل أحزانه وتتابع عدوانه، وإجلابه بخيله ورجله على المستضعفين يقلق آمنهم ويروع ساكنهم. ص_095
(1/89)

وإذا وضع المستبدون سياسة بعيدة المدى لتغيير عقائد ومحو أجيال وقست قلوبهم فلم يبالوا بما يعترض سياستهم من صعاب ومغارم، فإنهم واصلون لا ريب إلى غايتهم الآثمة على أنقاض من الأشلاء والخرائب. قال الدكتور الطويل: " إن الاضطهاد نجح فى مجال الاعتقاد الدينى، فأخفت كل صوت ارتفع بالمقاومة، وأثارت القسوة والصرامة فزع العامة وملأت أفئدتهم هلعا. فارتد عن دينه أصلب الناس قناة، أو تفانوا فى سبيل عقائدهم فذهبوا شهداء، أو ولوا الأدبار فرارا بدينهم، فأخلوا الطريق للظالمين. وهذه الحالات جميعا تعتبر نصرا للاضطهاد، إذ تنبت الأجيال الجديدة ـ فى البلد المضطهد ـ وقد طبعها الاستبداد على ما يريد فرضه من مذاهب وآراء ". وقد باد المسلمون فى أوروبا المسيحية تحت أطباق هذه الرحى المجنونة. إذ لم يكن الاضطهاد النازل بهم أزمة تعرض ثم تزول، أو غيمة تظلم ثم تنجلى. بل كان مجزرة نضاخة بالدم، مرعدة بالردى، سيقت إليها النساء والرجال والأولاد والشيوخ، فإما الاستشهاد أو الارتداد. ومن نجا بجلده ترك من بعده بلدا حكم عليه أن يتنصر إلى الأبد!!. حدث ذلك لمسلمى أسبانيا إبان القرون الوسطى، إذ استأصلتهم عن آخرهم محاكم التفتيش. وحدث مثل ذلك لمسلمى البلقان فى هذا العصر. فإن المذابح التى أوقعها القائد اليوغسلافى "مخايبلوفتش " بألوف المسلمين هنالك قد تطاير إلينا رشاشها القانى . وإن كانت " أوروبا " المتحضرة (!) قد تكتمت أنباءها ليطويها النسيان ثم نغفو ونصحو فإذا بأنقاض الإسلام فى البلقان قد زالت أو كادت. وهذه النزعة المجرمة إلى إفناء الخصوم ومحق الآراء المخالفة، توارثها سدنة الكنائس المسيحية من أول يوم تمكن فيه رجالها من الاستيلاء على السلطة التنفيذية. ص_096
(1/90)

وقد استطاع الكاثوليك قبل ظهور الإسلام أن يوطدوا سلطانهم المطلق عدة أجيال متعاقبة، قضوا فيها على مذهب الموحدين فلم يعد له كيان متماسك. وطاردوا اليهودية فهام أبناؤها على وجوههم فى مشارق الأرض ومغاربها. وأبادوا الوثنية المحضة ودمروا معابدها، ثم استدار الكاثوليك على مخالفيهم فى المذهب يريدون إفناءهم فبطشوا بأقباط مصر. وقد أحس الأحياء قاطبة بضرورة تجريد الكنيسة من سلطتها التى أساءت بها إلى العالم أبلغ إساءة. وذنب الإسلام أنه فعل بالكنيسة المسيحية ما فعله المسيحيون أنفسهم بها بعد بضعة قرون...!! حرمان المسيحيين من الحكم: ماذا صنع الإسلام بالمسيحية عندما اصطدم بها فى ميدان القتال؟ إنه لم يحاربها كدين، بل حاربها كدولة، وهذا ما فعله المسيحيون أنفسهم. إنه لم يغلق أبواب الكنيسة، ولم يحرم أحدا من الدخول فيها، أو الخروج منها. بل جرد الكنيسة من السلطة التى أوغرت صدور البشر عليها، وجعلتها تتنكر لأصلها وتخرج عن شرعتها... ولم يشرع الإسلام ـ كما شرعت الكنيسة ـ قوانين لاستئصال الوثنية بالسيف، وتنصير اليهود بالعنف، وإبادة الخصوم فى الرأى ـ ولو كانوا مسيحيين ـ كما فعلت الكنائس المتخاصمة عندما أعلن بعضها على البعض حرب فناء أو ردة.. بل أقر الإسلام حرية العقل والضمير، فكان المسيحيون الذين حكمهم الكاثوليك أول من رحب بزوال الكنيسة التى طالما ذاقوا بطشها وعانوا ويلها.. وقد رحبت مصر والشام بزوال الحكم الكاثوليكى الذى فرضته دولة الروم الشرقية على هذه البلاد. *** ص_097
(1/91)

فأما مصر فقد أراد "هرقل " أن يفتنها عن مذهبها المسيحى، وأن يلزمها بتنفيذ قرار مجمع " خلقدونية ". فأبى الأقباط ترك معتقدهم، فصب عليهم الرومان سوط عذاب، وتحولت الكنائس والأديار القبطية إلى سجون تحفل بألوان الأذى. وجىء بأخى الأسقف الأكبر "بنيامين " فوضع على منصة أوقدت تحتها المشاعل وسلطت نارها على بدنه، فأخذ يحترق حتى سال دهنه من جانبيه على الأرض! ولما لم يتزحزح عن عقيدته، خلعت أسنانه، ثم قاده الجلادون إلى الشاطئ، وعرضوا عليه أن يترك دينه، ويخضع لقرار المجمع، فأبى، فرموا به فى البحر وابتلعته أمواج اليم.. فلما طرد المسلمون الروم من مصر، تنفس الأقباط الصعداء . ولم يكن عجبا أن يعاونوا العرب الفاتحين على الخلاص من سطوة حكم غاشم، وأن يتطلعوا إلى المسلمين كمنقذين لهم من هذا العذاب الأليم. فإن المسيحيين فى هذا القطر الخصب أصابهم من استنزاف الرومان لخيراتهم، واضطهادهم لمذهبهم ما جعلهم ناقمين على الدولة، متمنين من أعماق قلوبهم أن يسقط لواؤها. ولم يستطع المؤلف المفترى على الإسلام أن يغض من هذه الحقيقة فهو يقول فى ص 18: " لا نغالى إذ قلنا إن توطيد السيادة العربية مكان السيادة البيزنطية. أدخل على نفوس مسيحيى الشرق بادرة من الأمل. فقد كتب "ميخائيل " السورى بطريرك أنطاكية يقول: إن رب الانتقام استقدم من المناطق الجنوبية أبناء إسماعيل، لينقذنا بواسطتهم من أيدى الرومانيين. واذا تكبدنا بعض الخسائر لأن الكنائس! التى انتزعت منا وأعطيت لأنصار مجمع " خلقدونية " بقيت لهم، إلا أننا قد أصابنا خير ليس بالقليل، بتحررنا من قسوة الرومان وشرورهم، ومن غضبهم وحفيظتهم علينا. هذا من جهة، وسكن جهة أخرى سادت الطمأنينة بيننا ". ص_098
(1/92)

وهذا البطريرك يعقوبى، وهو هنا يستبشر بعهد الحرية الدينية التى صحبت دخول المسلمين، ويأسى لما أصاب مذهبه من خسائر على عهد الروم. ولا ينسى الكنائس التى انتزعت منهم وأعطيت لخصومهم فى هذا العهد المشئوم. والمسلمون لم يفكروا فى نبش هذا الماضى، ولم يحاولوا التدخل فيما بين المسيحيين من خلاف. إلا أنهم احترموا رغبة المسيحيين فى ألا يجاورهم ببيت المقدس يهودى. ولم يروا فى هذا ظلما لليهود. وحسب اليهود فى ظلال الحكم الجديد أن أمنوا على عقيدتهم ما بقوا مسالمين لغيرهم. وكان آخر ما نزل بهم قبل الحكم الإسلامى فى الشام الأمر الذى أصدره الإمبراطور هرقل: " بتعميد جميع اليهود والسامريين الذين يقطنون مختلف الولايات الخاضعة له " (!). ومثل هذا الأمر مألوف فى تاريخ الكنيسة قديما. وقد انقطع بزوال حكمها فى الشرق. وبقى فى " أوروبا " حتى هدم المسيحيون بأنفسهم الحكم الكنسى فى العصر الأخير. *** قام الحكم الإسلامى على تسامح واسع النطاق، وسنتابع سير الفتوح لنرى مصداق هذا من وقائع التاريخ. وقبل هذه النقلة نريد أن نقرر حقيقة أخرى. وهى أن هذا التسامح فى منح الحرية الدينية لم يظفر به الغرب إلا بعد قرون متطاولة وتضحيات فادحة. ص_099
(1/93)

ولو قدر للمسيحيين فى الغرب أن يتخلصوا من حكم الكنيسة كما تخلص إخوانهم فى الشرق لنجوا من مأس جمة، ولكان تاريخ " أوروبا " أنظف مما هو عليه الآن. على أن التسامح الذى ساد دول أوروبا، بدأ ناقصا، وانتهى مشوها، وأشرفت عليه نوايا مدخولة. ولكنه ـ على كل حال ـ أقل شرا من حكم الكنيسة المباشر. ولم تستطع دول الغرب الخلاص من أغلال الكهنوت والفرار من مأزقه الكريهة إلا بعد مراحل متطاولة، كان النزاع فيها حادا بين شعوب تنشد الانطلاق، وكهان مردوا على السيطرة والتزمت. *** وللمؤرخ المسلم أن يلحظ تبرم المسيحيين بعقيدة التوحيد، حتى فى العصور التى بدأت تحارب التعصب. ففى إنجلترا ـ مثلا ـ حاول أتباع الكنيسة المسيحية سنة 1 ص8 استصدار قرار من البرلمان بإعدام كل من يشير برأى يتعارض مع عقيدة التثليث والتجسيد!!. وفى سنة 1688 أصدر البرلمان الإنجليزى قانون الحقوق وهو ينص على جعل البروتستانتية دينا رسميا لإنجلترا، ويحرم على الكاثوليك القيام بعبادتهم فى البلاد الإنجليزية!!! وفى السنة نفسها صدر قانون التسامح وهو يعطى الحرية الدينية بعض الطوائف وينص عل حرمان الكاثوليك والموحدين هذه الحرية التى استمتع غيرهم بنيلها!!! وقد ظفر الموحدون بعد فترة طويلة بحرية العبادة. ويوجد إلى عصرنا هذا جمهور كبير من الأوروبيين يعتقدون أن " عيسى " عليه السلام لا يعدو أن يكون بشرا نبيلا ومصلحا كريما، وأن ألوهيته المزعومة وهم مغرق فى الاستحالة. غير أن هؤلاء الموحدين أوزاع لا تضمهم روابط قوية، ولن يستطيعوا فى وسط العالم المسيحى السادر أن يتحولوا إلى قوة هادية موجهة. ص_100
(1/94)

وقد قرأنا الكلمات التى فاه بها فريق من رجالات ألمانيا قبل وفاتهم فرأيناها تنضح بهذه الحقيقة. *** لكن القدر الساهر على إصلاح الأرض، وفى سبيل هذا الإصلاح يدفع الناس بعضهم ببعض لم يدع هذا المذهب المضطهد يموت، ولئن ظل مطاردا فى أرجاء الممالك المسيحية قرونا بعد قرون. فقد شاء الله أن تجدد حياته الرسالة الخاتمة التى جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يحوطه بسياج متين تتكسر حوله أمواج العدوان.!! وهكذا عاد مبدأ التوحيد الذى نزل به آدم من السماء إلى الأرض. وحمل ألويته، نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى. عاد هذا المبدأ إلى حياته ونمائه بعدما أوشك على الذبول والتلاشي تحت وطأة المسيحية الرومانية الشاردة عن أصولها الصحيحة. أما هذه المسيحية المثلثة المتجسدة المتعصبة فقد لقيت مصيرها فى أوروبا نفسها، لقيته منذ بدأت النزعة إلى تحكيم العقل تسيطر على التفكير الغربى. فجردت المسيحية من سلطتها التنفيذية كما يجرد المعتدى من سلاحه. وظفرت الجماهير المروعة بالأمان الذى ظفر به إخوانهم من قبل يوم حرر الإسلام مصر والشام وغيرهما من نير الكنيسة وحمق الكهان...!!! *** ص_101

3-أسلوب التوسع المعاملة
في تاريخ الديانتين
ص_102
(1/95)

تلك نبذة يسيرة عن الأسلوب الذى عاشت به المسيحية بعد وفاة رسولها. وهو أسلوب لا يجرؤ منصف على تبريره أو تبرئة رجاله. بل إن منازع العدوان والجبروت تصبغه وتزرى به، وتتنادى بضرورة وقاية العالم أجمع من فتكاته وغدراته.!! وقد عد هذا البغى من خصائص التاريخ الكنسى. حتى إن " شوقى " اعتذر به وهو يتحدث عن تسخير الفلاحين فى تشييد الأهرام، كأن القساوسة فريق من الفراعنة قال: وربة بيعة عزت، وطالت.. بناها الناس أمس مسخرينا مشيدة لشافى العُمْى عيسى وكم سمل القسوس بها عيونا فهل من عجب أن يتعهد القدر الأعلى هذه الدنيا البائسة فيبعث إليها من يأسو جراحاتها ويستنقذها من إسار الحكام والكهان الذين تواطأوا على إهانتها وإساءتها؟؟ (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين). إن اليهود والنصارى كذبوا هذا النبى، كما كذبه الوثنيون. بل إن أصحاب الكتابين السابقين انضموا إلى عبدة الأصنام فى مصاولة الدين الجديد، ومحاولة القضاء عليه. ونفذت مشيئة الله فانتصرت قوى الخير انتصارا قطع دابر المعتدين، وأيأسهم من معاودة الكيد والمكر بالبلاد والعباد.. ولم تخل الحياة ولن تخلو من أبرار يتبعون الحق حين يعرفونه، ويستمسكون به حين يذودون عنه. إن الذى خلق الحقيقة علقما لم يخل من أهل الحقيقة جيلا وقد انشرحت صدور كثيرة بالإسلام. ثاب إلى مبادئه الراشدة من انخدعوا قبلا بعبادة الأصنام. ص_103
(1/96)

كما أن جماهير غفيرة من اليهود والنصارى رأت فى هذا الدين الكريم الأصول الصحيحة لليهودية والنصرانية، فأمنت بمحمد وعيسى وموسى جميعا، واعتنقوا الإسلام عن رغبة وإعزاز. إلا أن هناك طوائف أخرى من الوثنيين واليهود والنصارى بقيت على ما ورثت، وحرصت على تجريح الإسلام ونبيه. ولم يزدها تطاول الأيام إلا افتراء على الرسالة العظمى وصاحبها الأمين. وهم ـ بعد ألف من السنين وأربعمائة ـ لا يزالون يتحدثون عن رواية دامية صنعها خيال رجل لا صلة له بالسماء!!. ما أشبه أولئك المتخلفين بقطيع من العميان، كلما طلع عليهم النهار واستفاضت على الناس أشعته بقوا فى ليلهم الدائم لا يحسون جديدا، ولا يدركون نقصانا، ولا مزيدا.. أفترى حجاب أولئك المحرومين قادحا فى مطلع الشمس، أو كاسفا من بريقها؟؟. إن الأدلة التى تثبت بها نبوة محمد أرسخ ـ فى عصرنا هذا ـ من الأدلة التى تثبت نبوة موسى وعيسى. ومن الإزراء بالعقل أن نزعم القرآن كتابا بشريا وأن نطالب بعدئذ بعد التوراة والإنجيل تراثا سماويا محضا..!! والمؤلف الذى تناول قصة الفتوح على أنها غارة شعواء، وتعرض لأصحاب محمد من ساسة وقادة على أنهم رجال ذوو مطامع وأهواء، من طراز، " الإسكندر" و " نابليون " وغيرهما. هذا المؤلف المسكين، ليس إلا مثلا للتعصب الذميم. تعصب العميان ضد الضياء. تعصب الكهان المشدوهين ضد الديانة التى أسقطت وساطتهم ونسخت خرافتهم. وسنذكر خلطه فى الكلام عن الفتوح الأولى معقبين عليه بالحق المبين. قال فى ص 21:".. الواقع أن الفرس والروم كانوا ينشدون الراحة لأن الحروب التى وقعت بينهم أنهكتهم. ص_104
(1/97)

ثم هم لا يتوجسون خيفة من القبائل التى تسكن الفيافى العربية المترامية الأطراف. نقول هذا لنقيم البرهان على أن الفتوحات العربية لم ترتكز على أغراض دفاعية ". صحيح أن الفرس والروم أتعبتهم الحروب التى نشبت بينهم آمادا طويلة، ولكن لماذا كانت تشتعل هذه الحروب بين الفريقين؟. ألم يثرها تنازعهما على سيادة العالم والانفراد فى أقطاره الفسيحة بالسطوة والجاه؟. كانت "مصر" مزرعة لروما يكدح أهلها فى واديهم الأغبر ليفيض من عرقهم سيل الضرائب الفادحة التى تذهب إلى أشراف " الرومان ". فإذا حدث أن احتل الفرس البلاد بدل الروم، لم يتغير إلا المصب، وبقى المنبع المستنزف على حاله الأولى. فهل إعياء اللصوص عقب معارك قاسية بين عصاباتهم يحبس رجال الأمن عن أداء واجبهم فى قطع دابر الجميع؟ وإذا أغضينا الطرف عن هذا الواقع المنكر، ونظرنا إلى الجانب الدينى فى هذا النزاع الطاحن، فماذا نجد؟. نجد الكثلكة فى بلاد الروم تحارب المذاهب كلها ما عداها. وقد استطاع أسلاف الإمبراطور "هرقل " أن يقضوا على مذهب التوحيد فى أرجاء الإمبراطورية. فلما انقسم المثلثون على أنفسهم فى فهم الطبيعة الجديدة لديانتهم، أبى الإمبراطور أن يعطى حق الحياة والأمان للآراء المخالفة وذويها. فهل كان يعقل أن يعطى الرومان حق البقاء والامتداد لدين يقوم على التوحيد، وهم الذين قضوا بالقوة على مبدأ التوحيد من قبل؟ أو كانت صدورهم تتسع لمساجد يذكر فيها اسم الله، وهم الذين انتزعوا الكنائس من مسيحيين أمثالهم لأنهم خالفوهم فى تقرير العلاقة بين أطراف الثالوث؟ وليس لمسيحى فى الأرض كلام عن الحرب التى دارت بين المسلمين والوثنية المجوسية فى فارس. ص_105
(1/98)

فإن المسلمين أذنوا للمجوس بالبقاء على دينهم، ولم يحاولوا استكراههم على إيمان. أفهذا ما صنعه المسيحيون الظافرون بالوثنية وأهلها؟ كلا! لقد أعلنوا عليهم حرب فناء فى أرجاء ملكهم حتى استأصلوهم، فلما دارت رحى الحرب بينهم وبين الفرس عجزوا ـ بعد مئات السنين ـ عن النتيجة الموفقة الرائعة التى وصلت إليها جيوش الإسلام فى بضع سنين. بل سنرى فى سير الفتح أن المسيحيين قد انضموا إلى الوثنيين فى مقاتلة الإسلام والنيل منه! وإنه لأمر عجاب أن يتحالف المشركون وأتباع " الإنجيل " على مقاتلة الدين الذى يدعو إلى عبادة الله الواحد القهار. ولكنه الحقد الأعمى، ولكنه نسيان المسيحية لأصلها السماوى ونزعتها الطارئة إلى جعل الألوهية شركة، مما سول لأشياعها أن يشبعوا ضغينتهم على مبدأ التوحيد، ولو حالفوا الشيطان فى سبيل القضاء عليه، ويأبى الله إلا أن يتم نوره. ولعل من بقايا هذه السخيمة المتقدة أن يجىء هذا المؤلف المسيحى فيرد انسياب الجيوش الفاتحة إلى أسباب اقتصادية قائلا: " إن الحاجة تبرر كل عمل عدائى، وان العرب كثيرا ما قاموا بأعمال عدوانية بحثا عن القوت.. " ص 22. ثُم ينقل زعما لباحث فى علم الجغرافيا يقول: " إن مناخ الجزيرة أصيب بجفاف فى القرن السابع مما دفع العرب إلى الهجرة منها ومهاجمة البلدان التى تتاخمها ". ونحن لا نقف عند هذا اللغو، ولكن قبل أن ندوسه وننتهى من سخفه نحب أن ننقل حوارا جليلا دار بين نفر من فرسان المسلمين وبين قواد كسرى وحاشيته ليرى أولوا الألباب مبلغ فقه الصحابة الفاتحين لدينهم، ومعرفتهم العميقة لأحوال الشعوب التى قدموا عليها، وأنواع الحكم التى قرروا إسقاطها. وليروا كذلك: بأى ضمائر نقية وأسلحة عفيفة كان حملة الإسلام يلقون خصومهم بها؟. ص_106
(1/99)

لما نزل "رستم " قائد الفرس بالقادسية أرسل إلى " سعد بن أبى وقاص " أن ابعث لنا رجلا نكلمه. فأرسل إليهم " ربعى بن عامر "، فجاءه وقد جلس على سرير من ذهب، وبسط النمارق والوسائد منسوجة بالذهب، فأقبل ربعى على فرسه، وسيفه فى خرقة ورمحه مشدود بعصب. فلما انتهى إلى البساط وطئه بفرسه، ثم نزل وربطها بوسادتين شقهما وجعل الحبل فيهما ثم أخذ عباءة بعيره فاشتملها فأشاروا عليه بوضع سلاحه، فقال: لو أتيتكم فعلت ذلك بأمركم، وإنما دعوتمونى.. ثم أقبل يتوكأ على رمحه، ويقارب خطوه، حتى أفسد ما مر عليه من البسط.. ثم دنا من "رستم " وجلس على الأرض، وركز رمحه على البساط، وقال: إنا لا نقعدعلى زينتكم. فقال له رستم: ماجاء بكم؟ قال: " الله جاء بنا! وهو بعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله.. ومن ضيق الدنيا إلى سعتها.. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.. فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه ! ومن أبى قاتلناه حتى نفضى إلى الجنة أو الظفر.. ". فقال رستم : قد سمعنا قولكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه؟ فقال: نعم وإن مما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نمكن الأعداء أكثر من ثلاث! فنحن مترددون عنكم ثلاثا.. فانظر فى أمرك واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل.. الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزية فنقبل ونكف عنك وإن احتجت إلينا نصرناك، أو المنابذة فى اليوم الرابع إلا أن تبدأ بنا، وأنا كفيل بذلك عن أصحابى. فقال رستم: أسيدهم أنت؟ قال: لا. " ولكن المسلمين كالجسد الواحد. بعضهم من بعض، يجيز أدناهم على أعلاهم ". ثم انصرف، فخلا رستم بأصحابه وقال : أرأيتم كلاما قط مثل كلام هذا الرجل؟ فأروه الاستخفاف بشأنه!. ص_107
(1/100)

فقال رستم: ويلكم، إنما أنظر إلى الرأى والكلام والسيرة، والعرب تستخف اللباس وتصون الأحساب. فلما كان اليوم الثانى من نزول " رستم " أرسل إلى " سعد" أن ابعث إلينا هذا الرجل! فأرسل إليه " حذيفة بن محصن الغطفانى"! فلم يختلف عن " ريعى " فى العمل والإجابة. فقال له رستم: ما قعد بالأول عنا؟ قال: " أميرنا يعدل بيننا فى الشدة والرخاء، وهذه نوبتى". فقال له رستم: والمواعدة إلى متى؟. قال: إلى ثلاث من أمس!! وفى اليوم الثالث. أرسل إلى " سعد ": أن ابعث إلينا رجلا. فأرسل إليه " المغيرة بن شعبة " فتوجه إليه، ولما كان بحضرته جلس معه على سريره. فأقبلت إليه الأعوان يجذبونه، فقال لهم: " قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوما أسفه منكم. إنا معشر العرب لا يستعبد بعضنا بعضا!.. إلا أن يكون محاربا لصاحبه- فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى.. وكان أحسن من الذى صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض ! وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم. وإنى لم آتكم، ولكنكم دعوتمونى، اليوم علمت أنكم مغلوبون. وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول. فقالت السوقة : صدق والله العربى!. وقالت الدهاقين ـ الزعماء ـ لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا تنزع إليه، قاتل الله سابقينا حيث كانوا يصغرون أمر هذه الأمة. ثم تكلم " رستم " بكلام عظم فيه شأن الفرس وصغر شأن العرب، وذكر ما كانوا عليه من سوء الحال وضيق العيش. فقال المغيرة: أما الذى وصفتنا به من سوء الحال، والضيق والاختلاف، فنعرفه ص_108
(1/101)

ولا ننكره، والدنيا دول، والشدة بعدها الرخاء، ولو شكرتم ما آتاكم الله، لكان شكركم قليلاعلى ما أوتيتم. وقد أسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال. إن الله بعث فينا رسولا.. ثم ذكر ما تقدم وختم كلامه بالتخيير بين الإسلام والجزية والمنابذة، ثم رجع. فخلا رستم بأهل فارس. وقال: أين هؤلاء منكم؟. ألم يأتكم الأولان فجسراكم واستخرجاكم، ثم جاءكم هذا، فلم يختلفوا وسلكوا طريقا واحدا، ولزموا أمرا واحدا؟ هؤلاء والله الرجال، صادقين كانوا أم كاذبين! والله لئن بلغ من أدبهم وصونهم لسرهم ألا يختلفوا فما قوم أبلغ فيما أرادوا منهم، لئن كانوا صادقين فما يقوم لهؤلاء شئ.. *** هل وعيت هذه المفاوضة؟ إنك تستبين منها وجهة نظر الإسلام فى الوثنية السياسية التى مدت جذورها قرونا فى هذه البلاد المستعبدة!. وتستجلى منها كيف تتحول عقيدة التوحيد إلى سياج يحفظ الحقوق العامة للإنسان، ويوطد أركان العدالة فى المجتمع!! فممثلو هذه المفاوضات لا يناقشون الفرس فى عبادة النيران بل يخبرونهم أنهم جاءوا ـ كما قال " ربعى " ـ ليخرجوا من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله.. إنهم يتركون الناحية الشخصية، ولكنهم يحطمون العبودية السياسية، ثم ينقلون الناس ـ كما قال " ربعى " أيضا ـ من ضيق الدنيا إلى سعتها، أى أنهم يمهدون للناس ـ باسم الإسلام ـ حياة رخية تتوفر فيها أسباب الأمان والراحة والترفيه.. وقد أبرز المفاوضون العرب هذه الحقائق فى كلامهم أولا وأخرا. وأكدوا لخصومهم أنها طرق الإصلاح التى ينشدها الإسلام لهم ولسواهم. فأما " ربعي " فقد حقر زينة الأشراف التى يتيهون فيها، خرق برمحه بسطهم! ورفض الجلوس على العرش المذهب المعد لقائدهم. وكأنما يعلن تمرد الإسلام على هذا الجاه الكاذب.. ص_109
(1/102)

وأما " المغيرة" فقد أوغر صدور العامة على كبرائها. وقال: " إنا ـ معشر العرب ـ لا يستعبد بعضنا بعضا ". ثم رماهم بهذه الكلمة الخطيرة: " ظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى "! فلما وثب إلى جوار القائد المستعلى على سريره، كانت وثبته تلك إيماءة ذكية إلى أن الإسلام يرفع المستضعفين إلى مصاف السادة. وسواء كان توافق المفاوضين العرب فى آرائهم عفوا أو عمدا، فهو بيان حاسم عن طبيعة المبادىء التى يحملها الفاتحون.. أى عار فى هذه المبادئ؟ إنها- والله- لو لم تكن دينأ لكانت فى حياة الأمة نظاما حسنا. فماذا ينقم الكاتب الصليبى على هذه الفتوح؟ إنه يزعم فى ص 22 أن أسباب الفتح الإسلامى لم تكن دينية فحسب، بعد أن يزعم أن الجدب والبحث عن القوت هما اللذان اضطرا العرب للغارة على الأمم المجاورة!. لئن كان جوع العرب هو الذى حملهم على التطواف فى الأرض بهذه المبادئ الرائعة فإنه جوع يفضل شبع المبطونين من رجال الكهنوت الذين مهدوا للإلحاد فى العالم كله بتحجر عواطفهم وسقم أفكارهم. أم إنه الحقد الذى يغشى على البصائر والأبصار؟.. (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون) *** وهذه محاورة أخرى بين " كسرى " نفسه وبين وفد آخر من مفاوضى العرب سبقت المحاورة الأولى. فقد أرسل " سعد " دعاة إلى " يزدجرد " منهم "النعمان بن مقرن " و " قيس بن زرارة " و "الأشعث بن قيس " و " فرات بن حبان ".. إلخ. فلما وصلوا المدائن أدخلوا على "يزدجرد" فسألهم بواسطة ترجمانه: ص_110
(1/103)

ما جاء بكم ودعاكم إلى غزونا والولوغ ببلادنا؟ أمن أجل أنا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا؟ فتكلم " النعمان بن مقرن "، وقال: " إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولا يأمرنا بالخير وينهانا عن الشر، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة. فلم يدع قبيلة إلا قاربه منها فرقة، وتباعد عنه منها فرقة. ثم أمر أن نبتدئ بمن خالفه من العرب فبدأنا، فدخلوا معه على وجهين مكره عليه فاغتبط، وطائع فازداد. فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذى كنا عليه من العداوة والضيق. ثم أمر أن نبتدئ بمن جاورنا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف. فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين حسن الحسن، وقبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر أهون من آخر شر منه. الجزية. فإن أبيتم فالمناجزة. فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمنا ـ اتفقنا ـ على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم. وإن بذلتم الجزاء قبلنا منكم ومنعناكم ـ حميناكم من عدوكم ـ وإلا قاتلناكم.. ". فقال " يزدجرد ": " إنى لا أعلم أمة فى الأرض كانت أشقى ولا أقل عددا ولا أسوأ ذات بين منكم فقد كنا نوكل بكم قرى الضواحى فيكفونا أمركم! ولا تطمعوا أن تقوموا لفارس! فإن كان غرر لحقكم فلا يغرنكم منا.. وإن كان الجهد فرضنا لكم قوتا إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم، وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم! ". ص_111
(1/104)

فقام قيس بن زرارة فقال: أما ما ذكرت من سوء الحال فكما وصفت أو أشد. ثم ذكر من عيش العرب ورحمة الله بهم بإرسال النبى مثل مقالة "النعمان".. ئم قال: اختر، إما الجزية عن يد وأنت صاغر، أو السيف، وإلا فنج نفسك بالإسلام. فقال " يزدجرد ": لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شئ لكم عندى. ثم استدعى بوقر من تراب، وقال لقومه احملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن. فقام " عاصم بن عمرو " وقال: أنا أشرفهم! وأخذ التراب فحمله وخرج إلى راحلته فركبها، ولما وصل إلى " سعد " قال له: أبشر، فوالله لقد أعطانا الله مقاليد ملكهم!. ثم إن " رستم " خرج بجيشه الهائل مائة ألف أو يزيدون من " ساباط ". فلما مر على " كوثى " لقيه رجل من العرب، فقال له "رستم ": ما جاء بكم؟ وماذا تطلبون منا؟؟. قال العربى: جئنا نطلب موعود الله بملك أرضكم وأبنائكم إن أبيتم أن تسلموا. قال رستم: فإن قتلتم قبل ذلك؟ قال: من قتل منا دخل الجنة، ومن بقى أنجزه الله وعده! فنحن على يقين. قال " رستم " : قد وضعنا إذن فى أيديكم!. قال العربى: أعمالكم وضعتكم، فأسلمكم الله بها، فلا يغرنك ما ترى حولك فإنك لست تجادل الإنس وإنما تجادل القدر. فغضب منه "رستم "وقتله. فلما مر بجيشه على " البرس " غصبوا أبناء أهله وأموالهم وشربوا الخمور، ووقعوا على النساء. فشكا أهل "البرس " إلى " رستم " فقال لقومه: والله لقد صدق العربى! والله ما أسلمنا إلا أعمالنا، والله إن العرب مع هؤلاء ـ وهم لهم حرب ـ أحسن سيرة منكم... ص_112
(1/105)

إنه لا مكان للمقارنة بين هذه الطليعة المؤمنة من جند الإسلام، وبين حملة الحضارة الحديثة إلى الأقطار المجهولة والبلاد المتأخرة. فدول الغرب استغلت تفوقها المادى فى السلب والنهب، وحرصت ألا تهب الشعوب المغلوبة قسطا من المعرفة، وألا تنقل إليها من مظاهر حضارتها إلا بمقدار ما تعلم أنه ينفعها وحدها، تبقى الأرض المفتوحة وسكانها فى أغلال رق مؤبد. أما العرب فقد صنعوا من حيهم وشهيدهم جسرا تعبر عليه عدالة السماء ودعوة الإنصاف، وأبدوا استعدادهم ـ على لسان " النعمان " ـ أن يعودوا من حيث أتوا تاركين دينهم وديعة لمن شاء الانتفاع بها. ولو نظرت إلى تاريخ الثورة البيضاء فى فرنسا، والحمر فى روسيا لوجدت المبادىء التى تهفو إليها الشعوب قد امتزجت بأحقاد لا تعرف موضعا لعفو. فقتل " القيصر " فى روسيا وأهلكت أسرته، كما قطع رأس " الملك " فى فرنسا . وسالت دماء الأشراف أنهارا فى كلتا الدولتين. وكانت فكرة القصاص لمظالم القرون السالفة هى التى تحرك أسلحة الثوار، وتهيج مشاعر النقمة فى أنفسهم. فانطلقوا ـ وهم عبيد الأمس ـ يدمرون قصور السادة ، ويتشفون برؤية دمائهم وأشلائهم وأنقاضهم. والناس يغتفرون للرسالات التى تنطوى على نية إصلاح وتقويم، كثيرا من الجرائم التى يقترفها الجمهور الساخط ضد خصومه الأولين. ولو أن حملة الإسلام الأوائل ـ وهم يقوضون ملك " كسرى " و " قيصر " ـ ارتكبوا بعض الأخطاء الدقيقة أو الجليلة لما ضاق بهم ضمير التاريخ الذى اتسع للكثير!. ومع ذلك فإن الجيوش " الإسلامية " الفاتحة سارت على منهج لم تختل فيه موازين المثل العليا شعرة. ص_113
(1/106)

والتزموا فى كفاحهم ـ لملوك الدولتين الباطشتين بالعالم يومئذ ـ حدودا من الحق والعفة والاستقامة لا تعرف أبدا إلا فى مواريث النبوات النابعة من السماء. وكان المسلمون فى هذه المعارك جميعا أقل من أعدائهم عددا وعدة. بيد أن إيمانهم الدافق وحماسهم البالغ وسباقهم الفذ إلى موارد المنايا، يطلبون الاستشهاد ويفرحون بنيله أشد مما يفرحون بالعودة إلى الوطن والأهل. ذلك كله صنع المعجزة التى لم يعرف تاريخ الأرض مثيلا لها. ألم يعجز " الروم " أن يهزموا " الفرس " فى قرون طوال مع بسطة المال والرجال؟. ولكن " الروم " و" الفرس " جميعا هزموا فى سنين معدودات أمام القبائل التى وحد الإسلام صفوفها وغرس الحق فى أفئدتها.. ذلك أن الأمر كما قال العربي لرستم : إنك لا تجادل الإنس، وإنما تجادل القدر. والقضاء النازل لا يدفعه الخلق، مجتمعين ولا مفترقين. وانتشار الإسلام فى الأرض وانهدام معاقل الطغيان أمام مده العريض يتمشى مع سنن التطور التى تفسح الطريق لنظام حسن بعد أن تخليه من نظام سيئ. وقد ألمح " رستم " إلى هذه الحقيقة وهو يقول للفسقة من ولاة الفرس ـ لما اعتدوا على الجمهور: والله إن العرب مع هؤلاء ـ وهم لهم حرب ـ أحسن سيرة منكم. والواقع أن أسلافنا من المسلمين الفاتحين لم يرثوا الأرض إلا وهم لقيادتها أهل، وكانت مصلحة العالم أجمع، فى انتقال هذا القياد إلى أيديهم اللبقة، بعدما لعبت به الروم والفرس. ولن يعود هذا الزمام الضائع إلى أيديهم إلا يوم يكونون أرجح فى موازين الصلاحية العامة من غيرهم، مصداق قول الله فى كتابه: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون). ص_114
(1/107)

وخير للمسلمين أن يفقهوا سنن الله فى كونه، فإن هذه السنن لا تلين لأحد. إن أحق الناس بامتلاك التربة التى نحيا عليها من يحسن استغلالها، واستخراج الدفين من كنوزها والخبىء من خيراتها. وأحق الناس بالتمكين فى الأرض من يستطيع ـ إذا ساد فيها ـ أن يقيم الموازين القسط بين أهليها. وكلما اضطربت طاقة أمة، وتطرق الفشل إلى سياستها فى ميادين التعمير والإصلاح، والعدالة والإنصاف، بدأت تتدحرج إلى حافة الهاوية ويسرع بها عسفها إلى حتفها. (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون). ولو أن صلاحية السيادة فى الأرض بقيت للدولة الإسلامية فى العصور الأخيرة ما سقط لها لواء فى حرب أو سلام. ومن أين تأتيها الصلاحية المنشودة إذا كان أمراؤها أفسق الحكام، وأغنياؤها أبخل الملاك، وعامتها أضيع الرعايا ؟؟؟.. لا غرو أن ينفذ القدر فيهم حكمه القاهر.. إن السبب فى انتصار المسلمين قديما، هو السبب فى انهزام المسلمين اليوم. إن النظام يجب أن يغلب الفوضى، والعلم يجب أن يمحق الجهل، والأخلاق ترجح حتما على الضعة والتحلل. وقد كانت فضائل القوة كلها إلى جانب الصحابة الفاتحين. أما أملاك " كسرى " و " قيصر " فكانت مباءة خصبة للأهواء المسلطة والخرافات السائدة والتعصب الأعمى لما لا يفيد. ومن ثم تفهم كلام " النعمان بن مقرن " لكسرى وهو يقول له: ص_115
(1/108)

ندعوكم إلى ديننا، وهو دين حسن الحسن، وقبح القبيح كله... وقد تسأل: فما هذه الجزية التى طلبها الفاتحون؟. أهى ثمن منحهم حريتهم الدينية؟. نقول: إنها ليست ثمن شئ من ذلك!. ولو أن ألوفا مؤلفة من البشر تمنت أن تدفع هذا الثمن للمسيحية الحاكمة فى روما والقسطنطينية وتظفر ـ بعد دفعه ـ بحريتها الدينية. ولكن رجال الكنيسة رفضوا، فإما الموت، وإما الدخول فى المسيحية.. إن الكنيسة لم تخير اليهود والوثنيين فى أنحاء العالم إلا بين شيئين، فإما التنصر وإما الفناء . بل إن المذاهب المسيحية المتناحرة لم تعرف هذا التخيير فى علاقاتها فوقعت المذابح البشعة بين الأشياع المتعصبين. وكم كانت الأقليات الدينية فى الشرق والغرب تتمنى لو ظفرت بالأمان على أموالها ودمائها لقاء دريهمات تدفعها. ومع ذلك عز عليها هذا الأمل البعيد. أما الإسلام فقد أوضح ـ على لسان ممثليه من القادة الفاتحين ـ أن هذه الجزية فى مقابل دفاع المسلمين أنفسهم عن الأمم التى دخلت فى ذمتهم. وذلك معنى قول " النعمان " لكسرى: " إن بذلتم الجزاء قبلنا منكم ومنعناكم ". ومن الظلم أن يتولى المسلمون وحدهم نفقات جيش يقوم بالدفاع عنهم وعن غيرهم. وقد تقول: فلم لا يترك المسلمون هؤلاء يعدون من القوة ما يشتغلون به فى حماية أنفسهم؟؟. ص_116
(1/109)

والجواب: أن لهم هذا الحق!! وما يتدخل الإسلام فى شئون دولة أخرى إلا إذا رآها تستغل قوتها فى الإفساد والاضطهاد، ومصادرة الآراء، وإيقاع المظالم. فإذا رأى دولة تصنع ببنيها أو جيرانها ذلك، جردها من السلاح الذى أساءت استخدامه، دون أن يجبرها على اعتناق دين، وترك آخر!. وهذا ما فعله المسلمون الأولون. كانت مصر والشام واليمن والعراق وكثير غيرها من أقطار الأرض موزعا على الدولتين الكبيرتين تحكمانه بالقوة أسوأ حكم. فلما جاء الإسلام هذه الأوطان المغلوبة على أمرها رد إليها حريتها ومالها وكرامتها، فاستقبله أهلوها أحسن استقبال. فكيف يعاب الإسلام على هذا الصنيع الكريم؟؟ ما الذى يحزن الأمم التى تستذلها فرنسا الآن إذا جاء جيش فهدم أسوار" باريس " وأسقط حكومتها؟؟ وما الذى يحزن المستعمرات التى تستغلها إنجلترا اليوم إذا زحفت قوة على " لندن " فدكتها على من فيها؟ لقد طلع الإسلام على العالم كما تطلع الأشعة المدفئة عقيب ليل قارس البرد كالح الظلام. وما إن جثت القوى الباغية على ركبتيها أمام جيوشه المظفرة حتى تنفس الناس الصعداء. ونجا المسيحيون أنفسهم من بطش الكنائس التى طالما استعبدتهم وفتنتهم. ولا ننكر أن الجماهير الغفيرة دخلت فيه أفواجا إذ آثرته على عقائدها الأولى. وقد حدث ذلك بعيدا عن تدخل الحكام. بل سترى أن ذلك حدث على الرغم من بعض الحكام. ص_117
(1/110)

الإسلام وحرب الأجناس: لم يعرف الإسلام حرب الأجناس، ولا ينبغى أن تنسب هذه الحروب الداعرة لدين ما. فإن الله لم يفضل لونا على لون، ولم يؤثر بكرامته جنسا دون جنس. وما يزعمه الأقوياء لأنفسهم من ميزات هو ادعاء يسنده الناب والظفر، لا الحق والبرهان. وقد استطاع العرب ـ برحمة الله وتأييده ـ أن يهيمنوا على العالم كله، وأن يكونوا الدولة الأولى فيه. وربما جاء من أعقابهم من افتخر بدمه أو اعتز بعنصره ـ وهو فى ذلك دعى مغرور ـ ولكن الإسلام نفسه ورجاله الأولين كانوا أبعد أهل الأرض عن اقتراف هذا المنكر. بل قد رأينا كسرى "يزدجرد" يقول لوفد العرب: إنى لا أعلم أمة فى الأرض كانت أشقى، ولا أقل عددا، ولا أسوأ ذات بين منكم.. فما يجيبه أحد منهم بكلمة ينوه فيها بالدم العربى، ويرد اتهامات العاهل الفارسى. وانما كان كلام " قيس بن زرارة " له: أما ما ذكرت من سوء الحال، فكما وصفت أو أشد. ثم إن الإسلام هو الذى رفع شأن العرب وأعز جانبهم.. *** لذلك أخذتنا دهشة بالغة عندما تحدث الكاتب الصليبى فى ص 26 عن التفوق العنصرى عند العرب. وقد نقل تحت هذا العنوان جملة مفتريات يجزم السذج بافتعالها. قال: " إن الإقامة فى شبه جزيرة العرب والتفوه باللفة العربية لم يكونا كافيين لاعتبار القاطنين فيها عربا إذا كانوا من المهاجرين، حتى لو كانت هجرتهم ترجع إلى عدة قرون... ص_118
(1/111)

إن كلمة " عربى " لم يكن يراد بها المعنى الوطنى كما هو منصوص عليه الآن، ذلك لأن العرب كانوا يجهلون ما هو التجنس وما هو فقدان الجنسية... ". هذا الكلام من أبطل الباطل، وقد نسبه الكاتب إلى مستشرق يدعى "بولياك" ولابد أن هذا المستشرق كان مخمورا وهو يقول هذا الكلام. لأن النبى الذى بعثه الله من صميم العرب كان من ولد إسماعيل. وإسماعيل عبرانى نزح من بلاده مهاجرا إلى الجزيرة حيث اكتسب فيها جنسيته العربية الجديدة. ومعروف أن الاستعراب أصل فى تكوين العرب، وأن من تعلم لغة العرب وامتزج بهم صار منهم. فالعربية لسان لا دم. *** ولا يفوق هذا الكلام فى بطلانه إلا إيغال الكاتب فى بهتانه عندما قال فى ص 27: ".. بقى عرب شبه الجزيرة متمسكين بهذا المبدأ " كذا " حتى قبض العباسيون على زمام الحكم، ويلاحظ، الأب جانو " أن معتنقى الإسلام من الموالى والمسيحيين واليهود والسامريين الذين لم ينحدروا من أصل عربى كانوا لا يدخلون فى المجتمع العربى الإسلامى دخولا كليا بمجرد إسلامهم " كذا " بل كان عليهم أن يتلمسوا انتسابهم لإحد ى القبائل العربية، وكانوا يدفعون ثمن الانتساب غالبا، ومع ذلك لا يعتبروا إلا مسلمين من الدرجة الثانية... ". هذا ما يلاحظه الأب الكذوب. ئم يمضى الكاتب الصليبى موغلا فى الافتراء فيقول: ... يستنتج من ذلك أن الشعوب المغلوبة التى اعتنقت الإسلام فى السنوات الأولى من الدعوة الإسلامية لم يستقبلهم العرب بعاطفة من الفرح والأخوة. بل وضعوهم فى مركز أدبى وضيع بالنسبة لهم.. ". ص_119
(1/112)

ياغوثاه! هل يبلغ الحقد بذويه حتى يتدلوا إلى هذا الدرك السحيق من الإسفاف؟ من قال من مؤرخى الأولين والآخرين: إن صحابة رسول الله كانوا ينظرون إلى الأمم التى دخلت فى الإسلام نظرة تنقص؟ أو أنهم كانوا يحلونهم فى مراتب وضيعة؟ إن الأجناس التى دخلت فى الإسلام لم تلق فى وجهها أحدا يزعم أنه أولى منهم بالله أو أحق برسوله. كانت الأجيال المتفاوتة تدخل فيه كما تدخل الجماهير المرحة إلى حديقة عامة ، لا حظر عليها ولا بواب، ولا يفخر فيها أحد على أحد بأى ادعاء. ولقد قال الله للرعيل الأول من أصحاب محمد ـ محددا لهم مسلكهم من المشركين المقاتلين ـ: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون). ولم يجعل للقائمين بأمر الدعوة إلى الله منزلة معينة يستحقون بها تسمية خاصة، بل زجهم فى الغمار العام الذى يسوى بينهم وبين غيرهم تحت عنوان واحد: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين). لا سيادة ولا تبعية، ولا مراكز أولية وأخرى ثانوية، إنه من المسلمين فحسب. وقد جرت نصوص القرآن متراكضة تؤكد هذا المبدأ. فهدد الله العرب فى إبان نزول الوحى أنهم إن لم يستقيموا على سواء الصراط، وينهضوا بأعباء الرسالة التى وكلهم بها، فسوف يحرمهم من أفضالها ويلقى إلى غيرهم بمقاليدها. فإن الكل فى ساحته سواء، لا يمتاز عنصر على عنصر إلا بمدى بلائه ووفائه لهذا الدين العام. ص_120
(1/113)

(يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم). (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم). ومن أولئك القوم؟. روى الترمذى أنهم الفرس، لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عنهم فضرب على عائق سلمان الفارسى وقال: " هذا وذووه ". وصح كذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سورة الجمعة، فلما بلغ قوله تعالى: (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) بعد قوله : (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم). قال له رجل: يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يحلقوا بنا، يعنى لم يعاصرونا. فوضع يده على " سلمان الفارسى " وقال: " والذى نفسى بيده، لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء ". يشير إلى أنهم أهل " فارس ". ويرى بعضهم أن الحديث من باب الاقتصار والتمثيل، ولذلك قال " ابن جبير " هم الروم والعجم.. وقد جرت فى موقعة " اليرموك " محاورة طريفة بين " خالد بن الوليد "، وهو عربى مسلم، وبين " جورج بن تيودور "، وهو نصرانى رومى. وهذه المحاورة تشهد لعواطف الاستبشار والغبطة التى لقى بها العرب الأوائل أى داخل فى دين الله . ص_121
(1/114)

ولا حرج من أن ننقل المحاورة كلها لما تضمنته من دلالات شتى: " نادى جورج: ليخرج إلى خالد، فخرج خالد حتى التقى به بين الصفين. فلما أمن كلاهما صاحبه، قال جورج: يا خالد، أصدقنى ولا تكذبنى، فإن الحر لا يكذب ولا تخادعنى فإن الكريم لا يخادع المسترسل. بالله هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟ قال: لا! قال: فيم سميت سيف الله؟. قال: إن الله عز وجل بعث فينا نبيه، فدعانا، فنفرنا عنه، ونأينا عنه جميعا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا باعده وكذبه! فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله. ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به فتابعناه. فقال: أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين ودعا لى بالنصر، فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين. قال: صدقتنى. ثم أعاد إليه جورج: يا خالد أخبرنى.. إلام تدعونى؟. قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله. قال: فمن لم يجبكم؟ قال: فالجزية، ونمنعهم ـ أى نحميهم ـ من أعدائهم. قال: فإن لم يعطها؟ قال: نؤذنه بحرب ثم نقاتله. قال: فما منزلة الذى يدخل فيكم، ويجيبكم إلى هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا: شريفنا ووضيعنا، وأولنا وآخرنا. ص_122
(1/115)

ثم أعاد عليه جورج: هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد مثل ما لكم من الأجر والذخر؟ قال: نعم وأفضل. ! قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه! قال: إنا دخلنا فى هذا الأمر، وبايعنا نبينا صلى الله عليه وسلم وهو حى بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء، ويخبرنا بالكتب، ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع. وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل فى هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا.. قال جورج: بالله لقد صدقتنى؟ ولم تخادعنى؟ ولم تتألفنى؟ قال: بالله لقد صدقتك، وما بى إليك ولا إلى أحد منكم وحشة، وإن الله تولي ما سألت عنه! فقال: صدقتنى، وقلب الترس ومال مع خالد وقال علمنى الإسلام. فمال به خالد إلى فسطاطه، فشن عليه قربة من ماء. ثم صلى ركعتين.. إلخ ". *** من ذلك الحوار تحكم: أكان المسلمون العرب يحتقرون الداخل فى الدين من الأجناس الأخرى ـ كما يقول الكاتب الصليبى ـ أم كانوا يرحبون به ويقدمونه على أنفسهم؟ وماذا يقول المبطلون إذا عرفوا أن الرسول جعل قائد جيشه إلى الروم ! أسامة بن زيد ـ وهو من الموالى ـ وكان أبو بكر وعمر جنودا فى هذا الجيش؟ وماذا يقولون إذا رأوا رجلا من صميم العرب كأبى ذر يلصق بالتراب خده، ويبيح لعبده الأسود أن يقتص منه؟ إن المسلمين الأوائل كانوا أنأى الناس عن النزعات العنصرية السفيهة، وليس لها فى تاريخ الفتوح أثر قط. ص_123
(1/116)

وفرحة المسلمين بالداخل فى دينهم تتوارثها العصور إلى يوم الناس هذا. والمسلم الذى يوفق إلى هداية امرىء حيران، ويستطيع شرح صدره بالإيمان، يحس بأنه ادخرلنفسه من المثوبة عند الله ما يقر عينه ويشيع الغبطة فى حياته كلها. وكيف لا؟ وهو يستمع إلى قول النبى صلى الله عليه وسلم " لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها ". لا جرم أن السلف الصالح خفوا إلى استقبال الأفواج الداخلية فى دين الله. وعواطف الترحيب تهز جوانحهم. حتى إذا مضت الأيام على استقرارهم فى الديانة التى آثروها، أضحى السابق واللاحق شركاء متساوين فى حمل مغارمها ومغانمها. فإن يكن موضع الملاحظة من القبيل الذى أشار إليه الكاتب الصليبى آنفا فإن المؤرخ المنصف لن يفوته أبدأ تسجيل المزايا التى حصلت عليها الشعوب الداخلة فى الإسلام على حساب العرب أنفسهم. ذلك أن خلو الدين من تفضيل جنس على جنس، وتسويته المطلقة بين من اعتنقوه كافة، سمح للفرس والروم والترك وسائر الموالى أن يزاحموا العرب بالمناكب فى ميادين النشاط العلمى والأدبى والفنى، وأن ينتزعوا القياد منهم فى هذه الآفاق الحرة. فلم تمض خمسون سنة على ظهور الإسلام حتى كانت الكثرة الساحقة من فقهاء الأمصار الكبرى رجالا من الأعاجم وغيرهم، وصلوا إلى أماكن الصدارة دون أن يجدوا أمامهم عائقا.. وإننا لنلقى نظرة على تاريخ الإسلام الطويل فنجد أن علوم الشريعة من تفسير وسنة وتشريع، بل علوم اللغة العربية نفسها، قد بلغت تمامها واعتلت قمتها على أيدى رجال لا ينتمون للعروبة إلا بصلة التجنس. ولولا الإسلام وما بثه فى النفوس والجماعات من سماحة مشكورة ما حدث هذا قط. ص_124
(1/117)

ولما وقع أول فساد فى الحكم بتحوله من خلافة راشدة إلى ملك عضوض حاولت أسرة " أمية " ـ بعد أن احتكرت الملك فى بيتها ـ أن تحيى ما أمات الإسلام من نزعات عنصرية، وأن تجعل من الحكم العربي دعامة لعصبية جنسية طائشة. غير أن هذه المحاولات ذهبت سدى، فتغلبت طبيعة الإسلام، واستجاب لها جمهور الأمة، وأخذ الموالى حظوظهم كاملة فى الحياة العامة. قال الخضرى فى كتابه " تاريخ التشريع ": " إنهم ـ أى الموالى ـ وجدوا فى جميع الأمصار، وشاركوا الصحابة وكبار التابعين من العرب فى العلم والتعليم. فقلما يذكر عبد الله بن عباس إلا ومعه راويته ومولاه "عكرمة ". وقلما يذكر عبد الله بن عمر إلا ومعه مولاه " نافع ". وقلما يذكر أنس بن ملك إلا ومعه مولاه " محمد بن سيرين ". وكثيرا ما يذكر أبو هريرة ومعه مولاه " عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ". وهؤلاء الأربعة أكثر الصحابة حديثا وفتوى، ولمواليهم الأربعة فضل كبير. ومن الخطأ أن يحسب أن حظ العرب من الفقه ورواية الحديث كان أحسن، وإنما كانت المشاركة، فلم يوجد مصر إلا وفيه من الفريقين عدد وافر. إلا أن بعض الأمصار كان الامتياز فيه للموالى كالبصرة، وعلى رأسهم الحسن بن أبى الحسن البصرى. وفى بعضها كان الامتياز لفقهاء العرب كالكوفة. هل نفهم من ذلك أن نشاط الموالى انحصر فى نطاق العلم والبحث فقط؟ كلا.. فقد زاد شأنهم رفعة، وزاد سلطانهم سعة حتى بدأ الحكم العربى ينكمش أمام نفوذهم الممتد. ثم كان قيام الدولة العباسية أثرا لنشاط الموالى من أهل خراسان والعراق. ص_125
(1/118)

وبذلك استطاعت الأجناس الداخلة فى الإسلام أن تجمع بين السيادتين العلمية والسياسية. *** إنه منذ كون الإنجليز "إمبراطوريتهم " ما تحول الحكم عن جنس معين ولا انتقل من عاصمة معينة. أما الدولة التى أقامها الإسلام، فما أكثر الأجناس التى امتلكتها! وما أكثر العواصم التى تنقلت فيها بين الشرق والغرب!. ذلك أن الإسلام ـ كالعلم ـ لا وطن له، وليس له مستقر يأرز إليه إلا القلب الإنساني الكريم. بل نستطيع القول بأن عدالة الإسلام المطلقة فى المساواة بين الأجناس ومحق الفوارق الخاصة، قد استغلت ضده استغلالا قبيحا. فقد تطلعت إلى حكم المسلمين جميعا عناصر من الأتراك والأعجام واهية الصلة بالعروبة، مع أن الرسوخ فى لغة العرب ضرورة لابد منها لفهم الدين قبل الحكم به. ومن ثم قامت دول إسلامية قوية من الأتراك، لم تحسن سياسة رعاياها، ولا سياسة الأجانب عنها، فألحقت بالدين وأهله أضرارا فادحة. أفترى أن العرب يتحولون إلى رعية فى ميدان العلم، ثم إلى رعية فى ميدان الحكم، لو أن أسلوبهم فى أيام الفتوح كان قائما على إهانة الأمم المغلوبة ووضع أبنائها فى مراكز دنيئة ؟ إن العرب الأوائل أدوا رسالتهم على نحو لم يعرف التاريخ ـ ولن يعرف ـ مثيلا له فى نزاهته وترفعه. وإذا ذكر الصحابة الأمجاد الذين حرروا الأمم من إسار " كسرى " و " قيصر "، فلنذكر رجالا آثروا الموت على الحياة، وآثروا ما عند الله على متاع الدنيا. إنها فطر من طراز لا تعرفه دنيانا الغاصة بالمطامع والأهواء، ولا يستطيع أن يفقه سموها كتاب ملوثون وباحثون مغرضون. ص_126
(1/119)

مع ألوية المنتصرين: عندما نقرأ أنباء الجيوش الزاحفة فى عصرنا هذا أو فى العصور السالفة، تمر بأعيننا صور من الدمار الشامل والهلاك المبين وتتقزز أنفسنا من سيطرة البغى والأثرة على الساسة والقادة الذين يشعلون الحروب الدامية إشباعا لكبريائهم وإرضاء لأطماعهم، غير مكترثين لما يحل بالبلاد والعباد من نكبات طامة وفتن عمياء. والحق أن أكثر الحروب التى ثارت فى العالم قديما وحديثا كانت وليدة غرور فردى أو طيش عنصرى، وأن أغلب "الإمبراطوريات " الكبرى سواء منها ما تأسس فى عصرنا هذا أو فى العصور الأولى لم يتكون إلا على أنقاض الحق والخير وسائر المثل العليا. أما الحروب التى اشتبك الإسلام فيها مع خصومه فهى ضرب آخر من القتال يخالف فى بواعثه ونتائجه ما ألف الناس رؤيته فى ساحات الوغى، وما كف التاريخ تسطيره فى صحائفه القانية. إن الفارق بين هذا القتال وغيره كالفارق بين حكم إعدام يصدره قضاء عادل على مجرم أثيم، وبين حادثة اغتيال يرتكبها امرؤ شرير لغرض سافل. إن الأمر فى كلتا الحالين تمخض عن سفك دم، ولكن شتان بين قتل وقتل!!. وسنذكر هنا إشارات خفيفة إلى موقف الإسلام من أصحاب الكتابين السابقين ليرى القراء: على من تقع تبعة القتال الذى دار بين المسلمين وبين اليهود والنصارى؟ إن دعاية الإسلام القوية إلى توحيد الله وإقرار المساواة بين خلقه كافة لقيت مقاومة عنيدة فظة من الوثنية التى هيمنت قرونا طويلة على جزيرة العرب. وكان حق الإسلام أن يلقى عونا على مجالدة هذه الوثنية الطاغية من حملة الكتاب الأولين، أتباع موسى وعيسى عليهما السلام. فهل أدى اليهود والنصارى بعض هذا الحق؟ كلا. إنهم لم يؤدوه، بل إنهم لم يلتزموا الحياد الدقيق فى هذا الصراع الخطير! ص_127
(1/120)

إنهم انضموا ـ بعواطفهم ـ أول الأمر إلى عبدة الأصنام! فلما رأوا كفة الإسلام توشك أن ترجح، انضموا بأسلحتهم إلى الجانب المناوئ للدين الجديد، دين التوحيد والأخوة!!. وقد غير المسلمون موقفهم تبعا لما طرأ على معسكر خصومهم من تغيرات. فقبل أن ينضم اليهود إلى جانب الوثنيين كان القرآن يوصى بالصفح عن أذاهم. (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير). على حين يقول فى السورة نفسها قاصدا عباد الأصنام: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين) فلما انحاز اليهود إلى المشركين فى معركة الأحزاب وحاولوا معهم إسقاط المدينة وهى عاصمة الإسلام يومئذ، قال الله عز وجل ـ واصفا ما نشب بين المسلمين واليهود من عراك ـ: (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا). اتسع نطاق القتال بعد ما تظاهر المشركون وأصحاب التوراة ضد الإسلام ثم زادت حدته بعد ما تكاتف سكان الجزيرة كلها على حرب المسلمين. فنزل قوله تعالى: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين). *** ص_128
(1/121)

أما النصارى فلم تكن لهم داخل الجزيرة نفسها مراكز عسكرية ذات بال، إذ كان جمهورهم يعيش على الأطراف البعيدة، جنوبا فى اليمن أو شمالا، شرقا نحو العراق والشام. وربما جاءت وفود منهم إلى النبى فى " مكة " أو " المدينة " تناقشه فى حقيقة الإسلام وتتبين أمر هذا الدين الجديد. ولا شك أنهم أرق قلوبا، وألطف إجابة من عامة اليهود. من هذه الوفود المسيحية من عرف الحق فأسلم. روى محمد بن إسحاق فى السيرة: أن وفدا من النصارى ـ قيل من الحبشة أو من نجران ـ يبلغون العشرين رجلا. قدموا على النبى صلى الله عليه وسلم وهو فى المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال قريش فى أنديتهم حول الكعبة. فلما فرغوا من مساءلة الرسول فيما أرادوا دعاهم إلى الله وتلا عليهم القرآن. فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم فى كتابهم. فلما قاموا عنه اعترضهم " أبو جهل بن هشام " فى نفر من قريش قائلين لهم: " خيبكم الله من ركب! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال!! ما نعلم ركبا أحمق منكم..! فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه لم نأل أنفسنا خيرا ". وفى هؤلاء النصارى نزلت آيات من القرآن: ص_129
(1/122)

(لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون). الواقع أن النصراني المعتدل يجد أحسن ما يطمئن إليه من ديانته واضحا فى الإسلام. ولا يجد فى الإسلام النقائض المستحيلة التى يجدها فى ديانته. وهذا سر إسلام الألوف المؤلفة من الشعوب المسيحية. على أن هناك وفودا أطالت الكلام مع النبى فى شأن" عيسى " وأصرت على إشراب شخصه معنى الألوهية!. وقد وقف النبى من هذه الوفود موقفا يعتبر آية فى الإخلاص، والفناء فى نشدان الحق. إذ طلب من مجادليه أن يصلوا لله جميعا مستنزلين اللعنة على من يكذب ويظلم: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ). (إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم) وثبت من وقائع التاريخ أن الوفد المسيحى رفض أن يردد مع الرسول هذه الدعوات. وهو رفض يدل على أن أولئك المتنصرين من العرب ما كانوا يجزمون بفكرة قاطعة فى شأن عيسى. وأن تأليههم له لا يعدو أن يكون اتباعا لظنون، وتقليدا لآباء. وما أكثر هؤلاء الواهمين بين جمهور المسيحيين.. إلا أن النصرانية بدأت تناوش الإسلام فعلا عندما أحست بدائرته تنداح، وبدأت ص_130
(1/123)

الموجة المقبلة من داخل الجزيرة تصل إلى اليمن جنوبا والشام شمالا على عهد النبى نفسه. وكانت الأولى محتلة بالفرس والأخرى خاضعة للروم. وبذلك بدأ الصدام مع الدولتين الكبيرتين اللتين اقتسمتا الأرض والعباد بينهما. *** ونحن فى هذا الكتاب لا نعنى بتدوين الوقائع المفصلة لهذا الصدام الطويل، وإنما يهمنا أن نبرز الأوامر الحربية التى كانت جيوش الإسلام تتلقاها من الرسول وخلفائه، لنعرف حقيقة الروح التى توجه أولئك المقاتلين. ويهمنا كذلك أن نبرز موقف النصارى من الدعوة الجديدة، وكيف استأنفت الكنيسة الكاثوليكية عدوانها القديم، وأحدت شفرتها تبغى ضم ضحية جديدة إلى ضحاياها الأولين.. استطاع المسلمون قطع الصلة بين اليمن ودولة الفرس. وأرسل النبى " معاذ بن جبل " معلما يتنقل بين البلاد ليرشد الناس إلى الإسلام، فأوصاه بهذه الكلمات: " إنك تأتى قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله. فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم بأن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات فى كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم بأن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. فإن هم أطاعوا لذ لك، فإياك وكرائم أموالهم. واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ". ومن هذه الوصية نرى أن الدين يعرض على الناس عرضا مجردا من شائبة ضغط. ص_131
(1/124)

وأن النصارى ـ وهم سكان اليمن يومئذ ـ كانوا مطلقى الحرية فى إجابة داعى الله أو الإعراض عنه. وأن الرسول حرم على ولاته ظلم الناس ولو كانوا كفارا، فإن اختلاف الدين لا يبيح التظالم بين المتعاملين والمتجاورين. بل إن الظلم حرام ولو على امرىء سيىء. روى أحمد عن أبى هريرة: " دعوة المظلوم مستجابة، ولو كان فاجرا، ففجوره على نفسه ". إن الرسول الكريم لما تمكن من بسط رواق الإسلام على الجزيرة كلها أخذ صحابته بتعاليم مشددة فى ضرورة إشاعة العدل وتحرى الدقة فى تطبيقه على كل فرد وإظهاره فى كل عمل. روى أحمد عن ابن مسعود أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام فى أرض العرب، ولكنه سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقرات وهى الموبقات يوم القيامة. اتقوا الظلم ما استطعتم، فإن العبد يجىء بالحسنات يوم القيامة يرى أنها ستنجيه فما زال عبد يقول: يا رب ظلمنى عبدك مظلمة، فيقول: امحو من حسناته، ولا يزال كذلك حتى ما يبقى له حسنة، من الذنوب ـ المظالم ـ هان مثل ذلك كسفر نزلوا بفلاة من الأرض ليس معهم حطب، فتفرق القوم ليحتطبوا فلم يلبثوا أن حطبوا فأعظموا النار، وطبخوا ما أرادوا، وكذلك الذنوب ". هذه تعاليم المنتصر، وتلك أوامره فى معاملة الناس. وكانت " نجران " ـ إحدى القبائل المسيحية التى تقطن الجنوب ـ من بين الذين شملهم هذا العدل الرحب، فما وقع على فرد منهم غبن ولا أكره على إيمان. ولماذا يستثنون من التعاليم التى ذكرناها آنفا؟.. لكن الكاتب الصليبى الحقود لا يعلق بحرف على خضوع اليمن كلها لمجوس فارس. وإنما تشتعل نيرانه لسيطرة الإسلام على العرب فى وسط الجزيرة وجنوبها. ص_132
(1/125)

فإذا بخياله المريض يصور العهد الذى تم بين المسلمين ونصارى " نجران " تصويرا ينكره الواقع كل الإنكار. قال: " ذهب الوفد إلى مكة ، وبمجرد وصوله دخل المسجد حيث كان النبى، وأخذ الأعضاء يصلون على الطريقة المسيحية متجهين عكس القبلة، فاغتاظ المسلمون لهذا المسلك ولكن محمدا أمرهم أن يتركوهم وشأنهم. وعندما انتهوا من صلاتهم توجهوا إلى النبى فأدار لهم ظهره ورفض أن يحييهم محتجا بأنهم وارفون فى حلل غالية ثمينة. وفى اليوم الثانى قابلوا النبى الذى دعاهم إلى اعتناق الإسلام. ولما احتد النقاش صرفهم بعد أن عيل صبره. غير أن الوفد عرض عليه إبرام معاهدة على أساس منح صاحب الدعوة الإسلامية بعض الفوائد المادية..، ص 29. أى والله بعض الفوائد المادية!! أرأيت إلى الكاتب الكذوب كيف يتخبط فى مفترياته؟ إن نصارى نجران كنصارى اليمن جميعا أسلم منهم جم غفير حبا فى الإسلام، وغضاضة من البقاء على لوثة التثليث. وبقى منهم من آثر الاستمرار على نصرانيته. فاشترط عليهم أن يعاونوا المسلمين فى الحرب إذا حاولت فارس العودة إلى احتلالها. ومنحوا حريتهم كاملة فى شئونهم كافة مقابل أن يدفعوا للمسلمين ضريبة قدرها ألف ثوب فى السنة هى قيمة الجزية التى تجب عليهم. وكانت الألف ثوب تؤخذ منهم لتوزع على العراة من الفقراء. ص_133
(1/126)

فإن محمدا لم يحبس فى بيته هذه الثياب، وهو الذى عرف بين خصومه وأحبائه أنه " يرقع ثوبه ويخصف نعله ". ولاشك أن ألف ثوب يكسى بها عرب الصحراء أرفق بنصارى اليمن من القناطير المقنطرة التى كان يدفعها النصارى صاغرين لرسل كسرى كى يزدان بها إيوانه الأبيض فى المدائن. لكن وثنية فارس أحب إلى هذا الكاتب الصليبى من دين محمد. ولذلك يظهره فى كتابته التافهة كأنه زعيم قبائل ثارت بحثا عن الفوائد المادية(!). فوائد مادية لمن؟ إن القرآن يقول : (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل). والنبى يقول: " ليس لى من مغنمكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم ". والعلة فى الاستيلاء على الخمس وإعادة توزيعه على الجهات المحتاجة تعود إلى إقامة التوازن الاقتصادى بين طبقات المجتمع، كما نص القرآن فى تقسيم الفىء، قال عز وجل: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ..). فأى نفع مادى يزعمه الكاتب فى هذه الشئون؟ ثم يمضى الأفاك فى هذره قائلا: " لم يجرؤ أحد على فرض الجزية على هؤلاء العرب النصارى ". وهذا كذب فقد فرضت عليهم الجزية ودفعوها. ويقول كذلك فى ص 29: ".. حرص المسلمون أشد الحرص على عدم جرح عواطف مواطنيهم المسيحيين ". والواقع أن المسلمين لم يجرحوا عواطف النصارى عرباً وروماً. ص_134
(1/127)

وإيهام القارىء أن العرب خضعوا لنزعة جنسية فحاربوا مواطنيهم وجاروا على غيرهم، باطل لا أصل له. والعهود الثابتة بين المسلمين وسائر الملل والأجناس الأخرى تكذب ذلك، *** استطاع المسلمون فى هذه المرحلة من قتالهم الفرس أن يؤمنوا جنوب دولتهم، وعجزت الإمبراطوربة المتداعية أن تعيد " اليمن " إلى حظيرتها. بل إن القبائل النازلة على شطآن الخليج الفارسى بدأت تدخل الإسلام أو تقر صلاتها به فى معاهدات متكافئة، لا وكس فيها ولا شطط. فترك المسلمون هذه الجهة إلى حين، ورموا بأبصارهم نحو الشمال حيث تبدأ حدود الدولة الرومانية الكبرى، ممثلة النصرانية فى الأرض. أو بتعبير أدق، ممثلة المذهب الكاثوليكى من هذه الديانة.. وحكومة الروم تعرف ما الإسلام؟ وما أهدافه العامة. والإمبراطور " هرقل " نفسه يدرك الكثير عن الإسلام ونبى الإسلام وعن أسلوب دعوته ونمو أنصاره. والرسالة التى جاءته لم تكن نزوة رجل طامح دفعه حمقه إلى مخاطبة الملوك ثم راح فى مطاوى الفناء. كلا. كلا. إن هذه الرسالة هى البداية الجريئة لعمل متواصل تجاوز السنين إلى القرون، ومن ثم فتح الرومان أعينهم يرمقون- بتوجس- سير الدعاية النشطة لهذا الدين الحديث. وربما حسبته الكنيسة الكاثوليكية مذهبا مبتدعا فى تبيين حقيقة " عيسى " يشبه مذهب " آريوس " الذى وأدته قبلا. على أية حال يجب أن تحارب هذه النزعة فى فهم طبيعة " عيسى ". فإن كل إنكار لمبدأ التثليث لابد من القضاء عليه . هكذا صنع الكاثوليك الرومان بأنفسهم وبخصومهم فى الرأى. ص_135
(1/128)

وأوعزوا إلى القبائل النصرانية المتاخمة لحدود الشام أن تقف سدا منيعا دون أى تقدم قد يحرزه الإسلام فى هذه البقاع. فلما بعث النبى وفدا من الدعاة المسلمين يعلمون الناس مبادئ الإسلام، وثبت عليهم جموع العرب الموالين للروم فقتلتهم جميعا فى مكان يسمى " ذات الطلح " وكانوا خمسة عشر داعيا، واستطاع رئيسهم النجاة بأعجوبة... وتمكن أعرابى من قبيلة " كسان " أن يقتل رسولا بعثه النبى إلى الوالى الروماني على " بُصْرى " يدعوه إلى الإسلام. وأشيع أن هذا الاغتيال كان برضا "هرقل " نفسه. ونحن نستبعد هذه الإشاعة، ونرى أن المتعصبين من القساوسة هم الذين ارتضوا هذه الخطة فى مقابلة الدعاية إلى الإسلام. فإن موقف " هرقل " من الرسالة التى جاءته ينبئ عن حصافته وتنزهه عن ارتياد هذا المسلك الدنيء. وليس أمام المسلمين بإزاء هذه الحوادث إلا أن يردعوا الروم وأشياعهم حتى لا يعاودوا هذا التهجم. فأرسل النبى حملة تأديبية من ثلاثة آلاف مقاتل أخذت طريقها إلى الشام. بيد أن الروم كانوا قد استعدوا بجيش كثيف للقاء هذه الكتيبة من المؤمنين المتحمسين. فجمعوا نحو مائتى ألف من رجالهم، ومن انضم إليهم من قبائل لخم وجذام والقين وبهراء وبلى. وماذا عسى يصنعه ثلاثة آلاف أمام مائتي ألف؟. ولكن حرارة اليقين جعلت الكتيبة المتفانية تجازف بالاشتباك مع جيش يربو عليها سبعين مرة، فقتل قادتها الثلاثة على التعاقب، زيد بن حارثة، وجعفر بن أبى طالب، وعبد الله بن رواحة. ص_136
(1/129)

وشعر " خالد بن الوليد " أن قتالا من هذا النوع ميئوس العواقب، فاحتال للخلاص منه مع الحافظة على سلامة الجيش وسمعة المسلمين. فما زال يناوش الرومان حتى أفقدهم روح الهجوم ثم انسحب قافلا إلى المدينة. وتسمى هذه المعركة وقعة "مؤتة ". على أن هذه المعركة المحدودة قد أدت المقصود منها. قال الدكتور حسين هيكل: " إن القبائل العربية المتاخمة للشام نظرت إلى أفعال المسلمين بإعجاب. وكان من ذلك أن أحد زعمائهم " فروة بن عمرو الجذامى " ـ وهو قائد فرقة من جيش الروم ـ ما لبث أن أعلن إسلامه. فقبض عليه بأمر من " هرقل " بتهمة الخيانة. وكان، هرقل على استعداد للإفراج عنه إذا هو عاد إلى المسيحية. بل كان على استعداد أن يرده إلى مركز قيادته الأولى. لكن " فروة " أبى، وأصر على إبائه وعلى إسلامه، فقتل. وكان من ذلك أيضا أن ازداد الإسلام انتشارا بين قبائل نجد المتاخمة للعراق وللشام حيث كان سلطان الرومان فى ذروته. وزاد فى انضمام الناس إلى الدين الجديد اضطراب أحوال الدولة البيزنطية اضطرابا جعل أحد عمال "هرقل " ـ وقد كلف أن يدفع للجيش رواتبه ـ يصيح فى وجه عرب الشام الذين اشتركوا فى الحرب: "انسحبوا فالإمبراطور لا يجد ما يدفع منه رواتب جنده إلا بمشقة! وليس لديه لذلك ما يوزعه على كلابه "!! فلا عجب أن ينصرف هؤلاء عن الإمبراطور وجنده، وأن يزداد ضياء الدين الجديد أمامهم نورا يهديهم إلى صدق حقيقته السامية التى يبشر الناس بها.. لذلك اعتنق الإسلام فى هذه الفترة ألوف من سليم. ص_137
(1/130)

وعلى رأسهم " العباس بن مرداس " ومن " أشجع " و "غطفان " الذين كانوا حلفاء اليهود، حين نكب اليهود فى خيبر، ومن " عبس " و " ذبيان " و " فزارة ". فكانت وقعة "مؤتة" سببا فى استتباب الأمر للمسلمين فى شمال المدينة إلى حدود الشام. أفيرضى الرومان أن تتطور الأمور إلى هذا المصير؟. لقد تضاعفت وساوس النصارى ونمت مخاوفهم! وزادهم حنقا أن يتحول تقهقر العرب فى "مؤتة " إلى انتصار يستثير إعجاب الناس ويغريهم باعتناق الإسلام. والكنيسة لا تطيق أن يعيش بجانبها رأى يخالف فى الفروع التافهة، فكيف تسمح بالبقاء لدين ينكر سلطة رجالها، لأنه لا يرى بين العباد وربهم وسائط، وينكر عقيدة الفداء التى ترتكز عليها، لأنه يبني الجزاء على عمل الإنسان وحده. فليس للإنسان إلا ما سعى، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ثم هو ينكر مبدأ الشركة فى الألوهية، فليس للعالم إلا رب واحد يخضع له " عيسى " وأمه. لذلك رأى الروم أن يعيدوا الكرة فيضربوا الإسلام فى شمال الجزيرة ضربة ترده من حيت جاء، وتوصد عليه أبواب الحدود فلا يستطيع التسرب منها، وتضمن الكنيسة انفرادها بالضمير البشرى، حتى إذا قرعت أجراسها لم يشب رنينها صدى لمؤذن يهتف بتكبير الله وتوحيده، ويدعو للصلاة والفلاح. وترامت إلى النبى فى المدينة أنباء هذا الإعداد الماكر. وتاريخ النصرانية منذ تولت مقاليد الحكم يؤكد نية العدوان لدى رجال الكهنوت. فلم ير النبى بدا من استنفار المسلمين لملاقاة هذا العدوان المبيت. والتهيؤ لملاقاة الروم جاء فى أيام قيظ وقحط، والسير إليهم يتطلب جهدا مضنيا ونفقة كبيرة. وقتال الروم ليس صداما مع قبيلة محدودة العدد والعدة. بل هو كفاح مرير مع دولة تبسط سلطانها على جملة قارات، وتملك موارد ثرَّة من الرجال والأموال. ص_138
(1/131)

على أن أصحاب العقيدة لا ينكصون أمام الصعاب، والسكوت على تحدى النصارى لهذا الدين، ورغبتهم الملحة فى القضاء عليه يعتبر انتحارا وبوارا، فليتحامل المسلمون على أنفسهم إذا، وليواجهوا مستقبلهم بما يفرض من تضحيات وتفديات.. وللظروف التى اكتنفت إعداد هذا الجيش سمى جيش العسرة!!.. والآيات التى أنزلها الله فى كتابه متعلقة بغزوة العسرة هى أطول ما نزل فى قتال بين المسلمين وخصومهم. وقد بدأت باستنهاض الهمم لرد هجوم المسيحية على الإسلام، وإفهام المسلمين مغبة تقصيرهم فى أداء هذه الفريضة، وإشعارهم بأن الله لا يقبل ذرة من التفريط فى حماية دينه ونصرة نبيه، وأن التراجع أمام الصعوبات الحائلة دون قتال الروم يعتبر مزلقة إلى الردة والنفاق: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير). ومضت الآيات تتحدث فى صرامة وعنف ففضحت المنافقين وكشفت المترددين وأهانت طلاب الدعة والراحة الذين آثروا ظل القعود فى بيوتهم وحقولهم على حر الصحراء ووعثاء السفر ومتاعب الجلاد. (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون). وأنباء جيش العسرة تفيض بها صفحات طوال من سورة التوبة. ولعل من البين فى أسلوب القرآن ـ وهو يصف هذا الجهاد ـ أنه لم تأخذه هوادة فى التنويه بمن اشتركوا فيه والتنديد بمن تخلفوا عنه. ولا عجب، فتحديد موقف الإسلام مع النصرانية هو بت فى مستقبل الدين كله إلى الأبد. ص_139
(1/132)

فإما ثبت المسلمون أمام لدد الكنيسة المتعصبة، وإما أحرقتهم نارها فلم يبق لدينهم أثر..، وكان لهذا الحزم أطيب النتائج. فخرج المسلمون فى تعبئة لم يخرجوا من قبل فى مثلها، فانطلقوا صوب الشمال حيث تربض جيوش الروم. فلما وصلوا إلى تبوك، أحس الروم أن هذا الجيش أقوى مما يطيقون لقاءه، فاختفوا داخل حدود الشام. ! وعسكر النبى وصحابته بإزاء هذه الحدود أمدا يسيرا، ولم يفكروا فى اجتيازها لأنهم لم يخرجوا من بلادهم مهاجمين!. فبقوا فى أماكنهم قدر ما تشعر القبائل القاطنة بالحدود، وقدر ما يشعر النصارى أنفسهم أن المسلمين ليسوا ضحايا سهلة المنال. وفى تبوك عقد النبى معاهدات صلح وأمان مع طائفة من هذه القبائل. ثم قفل بعدها عائدا إلى المدينة. *** لو كانت لدى النصارى الروم نية خير تجاه الدين الجديد لوقفوا فى الميدان مستندين إلى قواتهم الكثيفة. ثم فاوضوا المسلمين فى عقد معاهدة متكافئة تحفظ لكلا الدينين كرامته، وتتيح الحرية لمن شاء أن يعتنق أى الديانتين أحب... لكن هل عرف هذا الاتجاه فى تاريخ الكنيسة قط حتى يطمع فى مثله؟ إن الروم لا يجول بخلدهم أن يعترفوا بهذا الدين، وأن يعطوه مكانا مساويا بعقيدتهم، بل أن يوقروا صاحبه أو يكرموا أتباعه!، إنهم تراجعوا وراء حدودهم، كما تكمن الحية فى جحرها تنتظر الفرصة السانحة للدغة القاتلة. ص_140
(1/133)

حتى إذا كر المسلمون عائدين إلى قلب الجزيرة، قاطعين ألوف الأميال، ظهرت القوات المختفية تنشر الفزع من جديد. ولذلك ما إن عاد المسلمون حتى جاء " هرقل " فأمر بقتل " يوحنا بن رؤية " أمير "أيلة" ثم صلبه أمام قريته لأنه رضى بعقد صلح مع المسلمين.! فلا غرو أن يفكر النبى بعد وصوله إلى " المدينة " فى ضرورة إرساء علاقته بالنصارى الروم على قواعد ثابتة، تكسر شدة هذا الطغيان المتكرر. لكن الروم متكبرون، وقد رأيت أتباع الإمبراطور يصفون النصارى العرب بالكلاب، وسياستهم فى مصر تقوم على محو المذهب الأرثوذكسى. فهل يتوقع منهم أن يهادنوا الإسلام؟ أو يسكتوا على دخول الشعوب فيه؟ كلا! فأى حرج على المسلمين أن يستظهروا بالقوة لإقامة هذا العوج، عوج المتكبرين المتعصبين الذين احتكروا حق الحياة لدينهم فى الماضى، ويريدون احتكاره فى المستقبل كذلك؟ تلاقت هذه الأسباب كلها لدى النبى المشغول بمصير رسالته فاستقر رأيه على مناجزة الروم حتى يضطرهم إلى معاهدة تبيح حرية التدين، يبقى بها المسلم مسلما والنصرانى نصرانيا متى شاء. وفى سبيل هذه الغاية أمر الرسول بالاستعداد لقتال الروم، وكون جيشا بقيادة " أسامة بن زيد " جمع فيها خيرة رجاله.. بيد أن الموت عاجله قبل مسير الجيش فذهب إلى الرفيق الأعلى، أصبر ما يكون على الحق، وأسمح ما يكون بالنفس والنفيس لتفديته وإعلاء كلمته. مات بعد أن وصل فى جهاده لإمبراطورية الفرس إلى استخلاص "اليمن " وما جاورها، وبعد أن بلغ فى جهاده لإمبراطورية الروم أن أدب كبرياءها وفل سلاح العدوان الذى استغلته دهرا طويلا... وترك لخلفائه من بعده أن ينتهوا بهذه الجهود إلى غايتها الموفقة فى تحرير البلاد والعباد. *** ص_141
(1/134)

أجل فى تحرير البلاد والعباد! ولنتابع هذه الألوية الزاحفة لنرى أكان خروج المسلمين من ديارهم بطرا ورئاء الناس؟ أم كان تحقيقا للأهداف التى تنشدها الأمم الحرة، والتى داسها الأقوياء المتناحرون على استرقاق البشر من الفرس والروم ومن أمثالهم فى كل زمان؟. أسرع " أبو بكر " فى تنفيذ أمر النبى بإرسال جيش " أسامة " ليعيد إلى المسلمين هيبتهم بعد أن قتل الرومان " الأمير " الذى صالحهم، وبعد أن ألبوا أتباعهم من العرب على العبث بالمسلمين فى شمال الجزيرة. وقد التزم " أبو بكر" الحدود التى شرع الجهاد من أجلها. فأمر رجال الجيش الزاحف أن يكونوا مثلا كريمة لدينهم، فلا فساد ولا اضطهاد، ولا سلب ولا نهب. قال " أبو بكر" لأسامة وجنده: " لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولأ تقتلوا طفلا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعزقوا نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة، ولا بعيرا إلا للأكل. وإذا مررتم بقوم فرغوا أنفسهم فى الصوامع فدعوهم وما فركوا أنفسهم له.. الخ". قارن بين هذه الأوامر وبين ما صنعته الولايات المتحدة ـ زعيمة الأمم الحديثة وسادنة الحضارة الحديثة كذلك ـ عندما أمرت طياريها فى حربها الأخيرة مع اليابان فالقوا القنابل الذرية على مدينتين آهلتين فأحرقوا الحرث والنسل، واستحال الشيوخ والأطفال والنساء إلى قيح وصديد ولحم عفن، وعظام نخرة، وأنقاض متداعية كأن لم تغن بالأمس.. لقد استحل الغربيون لأنفسهم المنكر محتجين أنهم يبشرون بقضايا العدل والحرية بين أمم لا تعرف العدل والحرية!!. والعالم كله يعرف أنهم فى هذه المزاعم كاذبون ولو فرضنا ـ جدلا ـ أنهم صادقون، فإن المثل العالية لا تحقق بالمسالك النابية. ص_142
(1/135)

فهذا أبو بكر خليفة رسول الله يأمر جيشه بتأديب النصارى الذين ضنوا على العالم بالحرية الدينية، فيرسم للجيش معالم لا يتخطاها، حتى لا يكتوى بنيران الحرب من لا يحملون جريرتها من نسوة وولدان. دار القتال بين العرب والروم، أو بالأحرى بين المسلمين والنصارى. وشعر الإمبراطور هرقل أنه يلاقى صنفا من الناس على غير ما عهد فى حروبه الطويلة. فأشار على قومه أن يعقدوا مع المسلمين صلحا حسنا، وقال لهم: " أرى أن تصالحوا المسلمين، فوالله لأن تصالحوهم على نصف ما يحصل من الشام ويبقى لكم نصفه مع بلاد الروم أحب إليكم من أن يغلبوكم على بلاد الشام ونصف بلاد الروم !. ورفض النصارى هذا العرض من ملكهم وأجمعوا أمرهم على القتال.. كان أبو بكر قد أرسل جيوشا أخرى من قلب الجزيرة لإرساء العلاقات مع الروم على قواعد واضحة. وليس يعنينا هنا ـ كما قلنا ـ سرد أخبار المعارك. بل نريد رسم صورة صادقة للروح الذى يهيمن على المسلمين فى خصامهم مع أعدائهم حتى يستبين المنصفون أهدى الفريقين وألصقهما بالعدل وأجدرهما بالنصر! كتب " أبو بكر " ليزيد بن أبى سفيان، قائد المسلمين بجهة فلسطين يقول له: " إنى قد وليتك لأبلوك وأجربك وأحرجك، فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك، وان أسأت عزلتك!! فعليك بتقوى الله، فإنه يرى من باطنك مثل الذى يرى من ظاهرك. وأن أولى الناس بالله أشدهم توليا له، وأقرب الناس من الله أشدهم تقربا إليه بعمله. وقد وليتك عمل خالد ـ ابن سعيد بن العاص الوالى السابق ـ فإياك ونخوة الجاهلية، فإن الله يبغضها ويبغض أهلها. ص_143
(1/136)

واذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم، وابدأهم بالخير، عدهم إياه.. واذا وعظت فأوجز، فإن كثير الكلام ينسى بعضه بعضا... وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصل الصلاة لأوقاتها، بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها. واذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم، وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون. ولا ترينهم ـ حقيقة جيشك ـ فيروا خللك، ويعلموا علمك. وأنزلهم فى ثروة عسكرك، وامنع من قبلك من محادثتهم. وكن أنت المتولى لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانيتك فيختلط أمرك. وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة، ولا تخذل عن المشير خبرك فتؤتى من قبلك. واسمر بالليل فى أصحابك تأتك الأخبار وتنكشف عندك الأستار. وأكثر حرسك، وبدلهم فى عسكرك، وأكثر مفاجأتهم فى محارسهم بغير علم منهم بك. فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه، وعاقبه فى غير إفراط. واعقب بينهم بالليل والنهار، واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة، فإنها أيسرها لقربها من النهار. ولا تخف من عقوبة المستحق، ولا تلجن فيها، ولا تسرع إليها. ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم واكتف بعلانيتهم، ولا تجالس العابثين. وجالس أهل الصدق والوفاء، وأصدق اللقاء ولا تجبن فيجبن الناس. واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر. ص_144
(1/137)

وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم فى الصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له... أوعيت هذه النصائح الغالية؟ أرأيت ما فيها من فقه عميق لسياسة الدين والدنيا؟ أرأيت فى أى جو من العفة والنبل تحلق؟ هذه توجيهات التلميذ الأول لمحمد للجيش الذى اضطلع بقتال النصارى من الروم. الروم الذين برزوا بقيادة إمبراطورهم هرقل يريدون أن ينفردوا فى الأرض بالسيادة كى يملؤها جورا وتعصبا وظلاما. إنه لا مناص من أن ينهزم المغرورون بقواهم أمام الركع السجود: فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم كباطل من جلال الحق منهزم *** إن فيض اليقين الذى نضح على قلوب هؤلاء العرب من الرسالة الخاتمة هو بداية التاريخ الحق لقوم لم يعرف لهم قبل تاريخ، ولم يحمل آباؤهم للناس هداية. والنهضة التى أقبلت من وسط الجزيرة لم تبدأ وليدا غضا ثم نما على مر الأيام، بل تكشف عنها صمت الصحراء السائد. فإذا هى عملاق يفاجىء المبطلين بوكزاته ويمسك بخناقهم حيث كانوا.. لاح للأعين كلها أن أولئك المسلمين يجهلون أتم الجهل سياسة الانتهاز والمراوغة والاصطياد فى الماء العكر، والاستعانة بعدو على عدو، إلى غير ذلك مما يتقنه تجار السياسة ويستنكره أصحاب المبادئ.. لا.. لا.. إنهم حملة عقيدة، ورجال مثل، وطلاب آخرة، صمدوا بدينهم فى مهب الزعازع وقبلوا العراك عليه فى ميادين متشابكة. ففى الوقت الذى أكرهوا فيه على مقاتلة الروم، ودفعوا بجيوشهم إلى الشمال فى صراع خطير مع المسيحية المدللة بقواها... كانت جيوشهم تدق أبواب فارس فى جبهة أخرى لا تقل عن أختها خطرا... ص_145
(1/138)

إن إفلات العرب من عواقب حرب تنشب بينهم وبين الروم فحسب، أو بينهم وبين الفرس فحسب، يعتبر لهم كسبا جليلا!! فكيف وقد أحرزوا النصر فى ميدانين هائلين؟ وهو ليس نصرا عسكريا فى معركة تكسب فيها أرض أو تخسر فيها أرض. بل هو نصر فى توجيه الأجيال واستنقاذ الشعوب وصبغ العالم بحضارة تبقى فيه إلى الأبد.. هذه هى المعجزة التى لم يعرفها فتح من قبل ولا من بعد...!! *** لقد تابعنا الألوية المنتصرة فى تقدمها الظافر، وشرحنا الأسباب المباشرة للقتال الذى خاضته. ونريد أن نتساءل: هل من واجب المؤرخ المنصف استقصاء هذه الأسباب الموقوتة لتبرير ما وقع من حروب؟ إننا نستغرب لماذا يتحول الحق المغتصب إلى حق مكتسب؟ تقوم له حرمة وتصان له حدود، ويسمى التعرض له عدوانا؟؟؟ . إن هذا- للأسف الشديد- ما تواضع المجرمون على إقراره. فإذا احتلت فرنسا بلاد المغرب وأذاقت أهلها الخسف، وملأت أفئدتهم بالخوف، ثم جاء من يستنكر ذلك ويعلن سخطه، صاحت فرنسا: ما لكم تقحمون أنفسكم فى مسائل داخلية لا شأن لكم بها؟ إن المغرب قطعة من فرنسا نفسها، يعتبر التعرض له خصومة لفرنسا تمتشق الحسام دفاعا عنه!! . أرأيت إلى الوقاحة كيف تقلب الأوضاع فترد الحق باطلا والباطل حقا؟ ص_146
(1/139)

أتحسب أصحاب هذا المنطق المريض يعالجون بنصح أو يخاطبون بأدب؟ أم أن أفضل دواء لهذه الرؤوس الملتاثة أن تقطع لتستريح الأرض من طرائق تفكيرها؟ ومن الذى يعتبر مطاردة الفرنسيين فى أرجاء المغرب هجوما باغيا؟ أو من الذى يعتبر تعقب جيوشهم فى أرض فرنسا ظلما شنيعا؟ ومن الذى يبكى ويستبكى لو دكت أسوار "باريس " وتنفس المضطهدون الصعداء لذهاب ريحها؟ ليس فى شئ من ذلك عيب، بل العيب كله فى عدم وقوع ذلك. فإن قيض الله للعالم فى عصوره الوسطى قوة فاضلة مبرأة تلتمس وجه الله فى تغيير الشر ومحو آثاره السود، جاء من المغرضين والأفاكين من يتهم المحررين بالاستعباد، ويلصق بهم ما هم منه براء.. إن أصحاب محمد أسدوا للحياة صنيعا لا ينسى فضله يوم صنعوا من حطامهم جسورا عبرت عليها الأضواء والمروءات إلى العراق، والشام وغيرهما من البلاد التى رزحت آمادا طوالا تحت وطأة القياصرة والأكاسرة. وكم نود لو أن قوة أخرى تتكون فى هذه العصور الحديثة لتنقذ العالم العاني من عراك الجبهتين المتطاحنتين على قتله وأكله. *** لندع المسلمين يقاتلون النصارى الروم فى الشام، ولننظر إلى الجهة الأخرى حيث اشتبك المسلمون بالمجوس العجم! بدأ القتال فى هذه المنطقة بهجوم "خالد بن الوليد" على ثغر الأبلة. وكان أميره مبغضا لدى العرب من سوابق عدوانه عليهم واجتياحه لبلادهم. فما إن رأوا الجيش يستعد لمنازلته حتى سارعوا إلى النفير معه. ولسنا- كما قلنا- وصاف معارك، وإنما نبرز هنا أمرا أصدره " أبو بكر " لخالد بن الوليد والمثنى بن حارثة. ص_147
(1/140)

فقد طلب إليهما أن يستنهضا من قاتل أهل الردة، ومن ثبت علي الإسلام بعد موت الرسول، وألا يستعينا بمرتد وأن يسيرا بمن يحب ولا يستكرها أحدا. فانفض عنهما كثيرممن معهما!! ما هذا الأمر الغريب من خليفة يقاتل الفرس الذين دوخوا الروم عدة قرون؟ كيف لا يستعين على قتالهم بكل حى يستطيع تجنيده؟ لا.. إن الخليفة يرى الجهاد فى سبيل الله شرفا لا يرشح له إلا الأكفاء، إن الأمر فى نظره ليس مغانم يتسابق الأعراب لنيلها. إنها رسالة تستند قوتها قبل كل شئ من إيمان رجالها وتفانيهم ثم تسير بعدئذ فى ضمان السماء. ومن ثم أصدر الخليفة أمره إلى قائده أن يحتفظ بخلاصة نقية من الرجال الموقنين الثابتين فذلك أجدى عليه من الغثاء الكثير. كما أصدر الخليفة أمرا آخر إلى خالد: " تآلف أهل فارس ومن كان فى ملكهم من الأمم.. ". أجل، فإن القتال فى الواقع لملوك فارس وأمرائها لا لفلاحيها وأجرائها. فلأولئك المستضعفين جاء الإسلام، جاء ليخلصهم من الهون، ويخرجهم من الظلمات إلى نور.. وقد حرص خالد فى موقعه ألا يمس الفلاحين بسوء، وأن يعرض عليهم الجزية والذمة فيجيبوا ويتراجعوا. النصارى والمجوس يتحالفون ضد الإسلام. كلما رجع المرء ببصره فى تاريخ المسيحية يتبين له بعد الشقة بين حاضر هذه الديانة بعدما عبثت بها الأيدى، وبين ماضيها العريق. يوم تنزلت من السماء آيات بينات، وكان إنجيل عيسى دستورها الفذ. ص_148
(1/141)

ذلك الإنجيل الذى قال فيه وفى رسوله : (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين). إلا أن الشرود الذى عرا المسيحية أفقدنا الأمل فى عودتها إلى قواعدها، لا فى ميدان العقيدة فقط، بل فى ميادين الحرب والسلم كذلك. وهذا الشرود هو الذى زين لها أن تناصب الإسلام العداء، وأن تمنع العرب عن اتباع نبيه. فلما انقضت سنتان على موت النبى الأمين كانت المسيحية تظاهر المجوسية فى فارس ضد الإسلام!!. ماذا كان يضير النصارى لو أنهم تركوا الإسلام يحيا كما تحيا أديان كثيرة فيها الحق وفيها الباطل؟!. وإذا كان المسيحيون يحسبون أنفسهم أهل كتاب نزل من السماء، فأى حرج يصيبهم لو أنهم تركوا المسلمين- الذين يزعمون أنفسهم أصحاب دين سماوى ينتصرون على المجوس الذين يصارحون بأنهم لا صلة لهم بالسماء وكتبها؟. إن الروم ناوشوا الأكاسرة طويلا فعجزوا عن إسقاط ملكهم. وقد حزن المسلمون قديما لما أصاب المسيحية من هوان على أيديهم. فهل بلغ من حقد آباء الكنيسة أن يحالفوا أعداء الأمس كيما تواتيهم الفرصة للقضاء على دين التوحيد فيخلو الجو لوثنية فارس، وللطقوس المبهمة التى سميت أخيرا مسيحية. إن ذلك- على أى حال- ما سجله التاريخ! *** ظهر النصارى فى الحرب الفارسية بعد وقعتى "الأبلة" و " الثنى". ص_149
(1/142)

إذ قاتلوا مع الفرس فى معركة " الولجة " ـ وهؤلاء النصارى من العرب لا من الروم ـ وقد انهزم الفرس وتكبدوا خسائر جسيمة. وأصيب كثير من نصارى " بكر بن وائل " فغضب لهم حلفاؤهم، وقرروا الانضمام إلى الفرس ضد المسلمين! فلما بلغ خالدا تجمع نصارى العرب من بنى عجل، وتيم اللات، وعرب الضاحية من أهل الحيرة، ولحاق المجوس بهم أسرع إلى ملاقاتهم فى وقعة "أليس " حيث أنزل بهم كارثة جعلت دماءهم تخالط ماء النهر، فسمى إلى اليوم نهر الدم.. وتقدم خالد إلى " الحيرة "، وكان الرجال قد تحصنوا فى قصورها، فأجال الخيل فى عرصاتها، وأدار المعركة فى الشوارع بالخزف والنبال. فأحس الرهبان أن الأمر جد واستنزلوا أهل القصور يطلبون الصلح. وكان أول الرؤساء طلبا للصلح " عمرو بن عبد المسيح" ثم تبعه غيره. فكان من كلام خالد لهم: " ويحكم! ما أنتم؟ أعرب؟ فما تنقمون من العرب ؟ أو عجم؟ فما تنقمون من العدل والإنصاف ". وأمضى معهم صلحا لا بأس أن نذكر نصه: " هذا ما عاهد عليه " خالد بن الوليد " عديا وعمرا ابني عدى، وعمرا بن عبد المسيح ! وإياس بن قبيصة، وحيرى بن إكال، وهم نقباء أهل، الحيرة أ، ورضى بذلك أهل " الحيرة" وأمروهم به. عاهدهم على تسعين ومائة ألف درهم تقبل فى كل سنة جزاء عن أيديهم فى الدنيا ورهبانهم وقسيسهم، إلا من كان منهم على غير ذى يد، حبيسا عن الدنيا، تاركا لها، وعلى المنعة.. فإن لم يمنعهم فلا شئ عليهم حتى يمنعهم، حتى إن غدروا بفعل أو بقول فالذمة منهم بريئة. كتب فى شهر ربيع الأول سنة 12 هـ "، ص_150
(1/143)

وهذه المعاهدة تقسم النصارى فرقتين: فرقة منقطعة إلى العبادة، لا تبسط للمسلمين يدا بأذى. فأولئك يتركون وشأنهم. لا تفرض عليهم جزية، كالرهبان المعتزلين بصوامعهم وأشباههم من المسالمين. وأخرى محاربة يخشى شرها بل هى أساءت إلى المسلمين فعلا. وهؤلاء تؤخذ منهم الجزية. وكلتا الفرقتين لا يحجر على حريتها الدينية. ويفرض على المسلمين أن يردوا عنهم العدوان، فإذا فرطوا فى ذلك سقط حقهم فى الجزية. ونكرر مرة أخرى أن هذه الجزية كانت رحمة يتمنى المسيحيون قديما لو تعاملوا بها حتى يأمن أشياع الكنائس المختلفة بطش بعضهم ببعض.. فليذكر من يعيبون نظام الجزية أن النصارى المنتصرين سلبوا خصومهم حق الحياة، فلم يقبلوا من أحد فدية. وليذكروا أن النصرانية التى ظاهرت المجوس ضد الإسلام لو ظفرت بالمسلمين ما أبقت لهم حقيقة ولا اسما، ولأضحوا اليوم فى خبر كان.!! وجاء فى معاهدة خالد مع " صلوبا بن نسطونا " فى شأن أداء الجزية. " .. القوى على قدر قدرته والمقل على قدر إقلاله فى كل سنة.. فإن منعناكم فلنا الجزية، لى إلا.. فلا.. حتى نمنعكم.. " وفى موقعة "عين التمر" استولى خالد بن الوليد على الحصن والكنيسة، فوجد بالكنيسة أربعين صبيا يتعلمون الإنجيل فسأل عنهم: ما هؤلاء؟ قالوا رهائن! ففرقهم خالد على أسر المسلمين فكان منهم الرجال الذين أعقبوا " موسى بن نصير، القائد الشهير، و " محمد بن سيرين " المحدث المعروف. وكانت وقعة "الفراض "، من أعنف وقعات الفتح، إذ التقى الحلفاء الحانقون على ص_151
(1/144)

الإسلام من مجوس الفرس، ومن نصارى الروم والعرب جميعا، بجيش خالد بن الوليد. ولما تلاقت الجيوش المتحالفة وتذاكرت ماضيها القريب فى قتال المسلمين صاح الروم: " امتازوا حتى نعرف اليوم ما كان حسن أو قبيح من أينا يجئ. ". فامتازت صفوفهم ليبدى كل صف غاية ما لديه من بلاء! بيد أن ذلك لم يغير من عقبى البغى للبغاة، فانكسروا جميعا. وقيل: إن خسارة الفرس والروم والعرب فى هذه المعركة نحو مائة ألف، لم يجدهم تحالفهم شيئا... ومضت الألوية المنتصرة تشق طريقها لتحرير العبيد، وتهشم القيود. وفى تلك المعركة أنشد القعقاع بن عمرو: لقينا بالفراض جموع روم وفرس غرها طول السلام أبدنا جمعهم لما التقينا وبيتنا بجمع بنى رزام فما فتئت جنود السلم حتى رأينا القوم كالغنم السوام والقارىء يلحظ فى هذه الأبيات أن الشاعر يسمى جيش المسلمين جنود السلم، ويؤاخذ الروم والفرس وحلفاءهم بأنها استحمقوا من طول مسالمة المسلمين لهم، حتى إذا لجوا فى غوايتهم حل بهم النكال. *** ومن حق المرء أن يتساءل: أما كان هناك موضع لسلم شريف يصون هذه الدماء الغزيرة أن تسفك، وهذه الأرواح الغالية أن تهلك؟؟ ولا نشك أنه كانت ثمة مندوحة من التورط فى هذه الحرب الشعواء. وإنما يحمل أوزارها من بغى، لا من نهض يؤدب البغاة.. هناك صنفان من الناس لن تذوق الأرض حلاوة السلم ما بقيا، أولهما الرجال المفروضون على الدنيا يحكمونها بأمرهم ويسترقون البشر بسلطانهم ص_152
(1/145)

والآخرون الرجال المفروضون على الدين يحسبون مفاتيح الآخرة بأيديهم وحدهم، وأن الطريق إلى الله لا تيسر إلا بإذنهم، فمن نأى عنهم فهو هالك. وقد وقف الصنفان كلاهما فى وجه الإسلام يستنكران عليه دعوته، ويتظاهران ضده. أما كسرى ـ وهو مثل الجبارين من أهل الدنيا ـ فقد مزق إعلان الهداية الذى بلغه، وأرسل إلى رجاله يطالبهم بالقبض على محمد وقتله!! وأما المحترفون من آباء الكنيسة ـ وهم المفروضون على الدين ـ فإن تاريخهم قبل بعثة الرسول بقرون، وبعده ببضعة عشر قرنا، مشحون بصور قانية من مصادرة الآراء والتنكيل بحرية العقيدة. ولما استطاع الغرب فى العصر الحديث إقصاء الكنيسة عن الحياة العامة، بقيت وساوس رجالها تنفث فى المجتمع إلى هذا اليوم. وقد قرأنا أخيرا ثورة الجمهور الإنكليزى على الأميرة " اليصإبات " لأنها زارت " بابا روما " زعيم الكاثوليك مع أنها بروتستانتية. فإذا كانت قضايا المسيحيين الدينية ظلت دهورا لا يحلها القساوسة إلا بالسيف، أفكان المسلمون من الغباء بحيث يقفون عزلا فى معترك يحكمه الحديد والنار؟؟. لو أن الدعاية إلى الدين تقوم على منبر حر ومستمعين أحرار لأرسل الإسلام رجاله يشرحون دينهم لمن يجهله، ويفندون ـ بأدب ولين ـ ما يأخذونه على الأديان السابقة، وكيف مسخها التحريف وشوهتها الأغراض. إن الإسلام لم يطلب أكثر من هذا. وهو مستعد أن تشرح كذلك وجهات النظر التى يعتنقها الآخرون، وأن توفر لهم الحرية التامة لقول كل ما عندهم. والإسلام لن تضيره أبدا هذه الحلبة الحرة. بيد أن رجال الكنيسة ينكرون هذا الأسلوب فى عرض قضايا الإيمان، وهم لم يجربوه منذ ملكوا زمام الحكم فى الدنيا. ص_153
(1/146)

ما جربوا إلا الاضطهاد والتعذيب ينصب على رءوس من خالفهم. فأى عاقل يلوم الإسلام على رده ضربات المسيحيين بمثلها؟؟ إن من رحمة الله بالناس أجمعين أن أعان قادة الإسلام الأوائل على حسم هذه الشرور. وقد مضت ألوية المنتصرين إلى غايتها النبيلة كما رأيت على عهد الخليفة الأول. لم يعقها تساند النصارى والمجوس فى الكيد للإسلام ومحاولة الخلاص منة. *** فلما ولى " عمر" أمر المؤمنين حافظ على أهداف الفتح. وهى تنحصر فى كسر شوكة الملوك، وإقرار الحرية الدينية، وتنزيه الفاتحين عن اقتراف المآثم التى يعرفها التاريخ لمئات القادة والساسة ممن يسيحون فى الأرض ابتغاء المجد والمتعة. فالجهاد فى الإسلام إذا اقترن به هوى من أهواء الشهرة أو الثروة، حبط أجره وسقط عند الله قدره. إنه عبادة يخرج فيها المسلم طالب ثواب لا طالب دنيا، ومحرر عبيد لا مستعبد أحرار، ومصلح أوضاع لا مثير فوضى!! فإذا لم تتحقق هذه المعانى فى القتال فالإسلام منه برىء. وما أحوج العالم بين الحين والحين إلى مجاهدين من هذا الطراز السامى. يغسلون الأرض من أوضارها المتكاثفة ويردون إليها صوابها إذا سلبه الجبارون من أهل الدنيا أو الدجالون من رجال الدين. ووصايا " عمر " لقادته تشعرك أن هؤلاء الفاتحين لم يكونوا بشرا معتادين بل كانوا ملائكة مكرمين فى صورة البشر. انظر إلى ما كتبه إلى "سعد بن أبى وقاص " فى جبهة فارس قال: " بسم الله الرحمن الرحيم ـ أما بعد ـ فإنى آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال. ص_154
(1/147)

فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة فى الحرب. وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من ذنوبكم منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم. وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم، وعدتنا ليست كعدتهم. فإن استوينا فى المعصية كان لهم الفضل علينا فى القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا. فاعلموا أن عليكم فى سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم. ولا تعملوا بمعاصى الله وأنتم فى سبيل الله. ولا تقولوا: إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا. فرب قوم سلط عليهم من هو شر منهم! كما سلط على بنى إسرائيل- لما عملوا بمعاصى الله- كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا. وسلوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم، وأسأل الله ذلك لنا ولكم. وترفق بالمسلمين فى سيرهم، ولا تجشمهم مسيراً يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يبلغوا عدوهم ـ والسفر لم ينقص من قوتهم ـ فإنهم سائرون إلى عدو مقيم، حامى الأنفس والكراع. وأقم بمن معك فى كل جمعة يوما وليلة، حتى تكون لهم راحة يحيون بها أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم. ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه، ولا يرزأ أحد من أهلها شيئا. فإن لهم حرمة وذمة، ابتليتم بالوفاء بها كما ابتلوا بالصبر عليها. فما صبروا لكم فتولوهم خيرا ولا تنتصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح. ص_155
(1/148)

وإذا وطئت أرض العدو فأذك العيون بينك وبينهم، ولا يخص عليكم أمرهم. وليكن عندك من العرب ـ أو من أهل الأرض ـ من تطمئن إلى نصحه وصدقه. فإن الكذوب لا ينفعك خبره، وإن صدقك فى بعض. والغاش عين عليك وليس عينا لك.. إلخ ا. هـ. إذا هبطنا من السماء إلى الأرض، وانتقلنا من نصائح "عمر" فى الحرب الإسلامية إلى أوامر "تشرشل " فى الحرب الديمقراطية، وجدنا رجلا يقول: أنا أحالف الشيطان فى سبيل الوصول إلى أغراضى ..! ووجدنا عهودا تكتب ثم ينكث بها قبل أن يجف مدادها..! ووجدنا المهزوم مفروضا عليه أن يسلم بدون قيد ولا شرط. ووجدنا قائدا أمريكيا فى الفليبين "يطارد" غلاما ليفسق به. ووجدنا الجنود حيث كانوا ينظم لهم البغاء، وتمهد لهم الجريمة، ويباح لهم النهب. وذلك كله من أموال وأعراض البلاد المفتوحة.. وبرغم هذا البون الشاسع بين السماء والأرض، بين حروب الإسلام فى العصور الأولى، وحرب الغرب فى العصور الحديثة، لا تعدم وقحا سود الضغن قلبه على هذا الدين الحنيف، فهو يتهم الفاتحين الملائكة بسوءات آبائه وزعمائه من الساسة والقادة. والمستشرقون والمبشرون من وراء هذا الإفك المفترى يحسبون أنهم إذا هدموا الإسلام بهذه الأوهام فقد خدموا النصرانية وأمدوا لها حبل البقاء. *** و " عمر " الذى يصدر أوامره تلك لقائد المسلمين فى فارس يدرى دراية جيدة من هم الذين يقاتلونهم، وأى فساد تغلغل فى صفوفهم ونفوسهم ومكن له حكم الفرد المتأله فى بلادهم. ص_156
(1/149)

لذلك قال لأبى عبيد بن مسعود حين وجهه لقتال فارس: "... إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والجبرية، تقدم على قوم تجرءوا على الشر فعملوه، وتناسوا الخير فجهلوه. فانظر كيف تكون، وأحرز لسانك، ولا تفشين سرك... ". ومهما انحدر مستوى البلاد المفتوحة فما يجوز ظلمها ولا هضمها، وما ينبغى أن يروا من المسلمين إلا جوانب متألقة بالعفة والاستقامة والنزاهة. ترى كم استغل الجنس الأبيض فى عصرنا هذا تخلف الأجناس الأخرى لبسط سلطانه وإطلاق شهواته..؟ وماذا صنعت الكنيسة المنهزمة فى بلادها عندما أقبلت فى مؤخرة قوات الغزو والاستعمار؟؟ جاءت لتبارك سراق الشعوب، لقاء أن يباح لها الكلام مع الزنوج والهنود عن الثالوث وصلب عيسى فداء الخطايا؟؟ *** إن الحديث يتشعب بنا لو استقصينا ما كان يصنع المسلمون لمصلحة الأمم التى اتصلوا بها ثم قارنا بين فتح وفتح... فلنطو هذه القصة متعجلين ختامها، لنستكمل بحثنا من جوانبه الأخرى.. فى محاورة بين " عمر " و " الهرمزان " ـ وكان قد أسر بعد انتقاضه على المسلمين وإمضائه معهم عهدا ـ قال " عمر" للزعيم الفارسى: لعل المسلمين يؤذون أهل الذمة فلذلك ينتقضون؟؟ فقال رجال فارس : ما نعلم إلا وفاء!!. قال عمر: فكيف يحدث هذا؟. فقال الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين إنك نهيتنا عن الانسياح فى البلاد، وإن ملك فارس بين أظهرهم. ولا يزالون يقاتلوننا ما دام ملكهم فيهم! ولم يجتمع ملكان متفقان حتى يخرج أحدهما الآخر. ص_157
(1/150)

وقد رأيت أنا لم نؤخذ شيئا بعد شئ إلا بانبعاثهم وغدرهم، وأن ملكهم هو الذى يبعثهم. ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا بالانسياح فنسيح فى بلادهم ونزيل ملكهم فهنالك ينقطع رجاؤهم. فقال عمر: صدقتنى والله! وصمم على اتباع مشورته. *** ماذا يبغى ملك فارس؟ لقد حمل شعبه قوائم عرشه حتى ناء بأثقالها. فكان جزاء ولائهم له أن أكل فى السلم صحيحهم وسقيمهم، واستذل غنيهم وفقيرهم، وأصدر أمره " الكريم " إليهم أن يكونوا عبيده المخلصين فى حرب الإسلام ومشاقة نبيه. فساروا وراءه مسحورين ببريق التاج وميراث السيادة. حتى إذا تلاحقت الهزائم، وهتكت قوى الإيمان أستار الجبروت المكذوب، وقرر العبيد عقد معاهدات متكافئة الدم مع الفاتحين الذين ساقتهم الأقدار.. أبى الملك المتشبث بأذيال ماضيه إلا أن يحرض " الرعية " على الغدر، ويحثهم على معاودة القتال مع المسلمين. لو لم يكن للتعصب الإسلامى من ثمرات إلا أنه هدم هذه الوثنية السياسية وأحرق آثارها، لكانت تلك يدا جليلة يشكرها العالم له.. فلما أحس " كسرى " باليأس من بقاء ملكه رأى أن يهرب أمواله وكنوزه إلى قطر آخر، فينتقل إليه بثروته، إن لم يستطع الانتقال إليه بسدنته. بيد أن الشعب الذى استيقظ آخر الأمر حرمه من هذا الأمل الباقى. قال الأستاذ محمد الخضرى: قصد "يزدجرد" شطر "مرو" فحصر حاميتها واستخرج منها خزائنه، وأراد أن يرحل بها إلى" فرغانة " أو " الصين "، فيقيم بإحداهما، فلم يمكنه من ذلك أهل "خراسان " قائلين: ص_158
(1/151)

ارجع بنا إلى هؤلاء القوم ـ المسلمين ـ فصالحهم. فإنهم أوفياء، وأهل دين. وإن عدوا يلينا فى بلادنا أحب إلينا من عدو يلينا فى بلاده ولا دين له، ولا ندرى ما وفاؤه فلم يقبل!.. فأخذوا منه الخزائن قهرا، فلحق "بخاقان " ملك الترك الذى لم يتمكن من الوقوف أمام المسلمين. وجاء الخراسانيون إلى " الأحنف بن قيس " فصالحوه، ودفعوا إليه خزائن " كسرى " وتراجعوا إلى بلدا نهم وأموالهم موفورين. فكانوا أفضل حالا من أيامهم على عهد الأكاسرة. واغتبطوا بملك المسلمين، لأن الرجل منهم لم يكلف إلا بدفع شئ قليل جزاء حمايته. أما بعد ذلك فماله وعرضه ودمه كمال المسلم وعرضه ودمه. محرم كحرمة اليوم الحرام فى الشهر الحرام فى البلد الحرام. وناهيك بمن اعتبره المسلمون فى ذمة الله ورسوله فكيف يخفر؟. وليس عليه ـ بعد ـ إلا النصيحة للمسلمين، وألا يمالىء عليهم خصما. فإن ارتكب شيئا من ذلك فقد غدر، وليست له ذمة. *** تلك نهاية الطاغوت فى فارس. أما جبهة الشام حيث النصرانية مشتبكة مع الإسلام فقد شاء الله أن يذوق المعتدون عاقبة تحديهم للدين الناهض، فانهارت قواهم فى معركة " اليرموك "، وكانت الهزيمة التى حاقت بهم قصاصا عدلا لما أسلفوا من سيئات غليظة يوم قتلوا الدعاة المسلمين على حدود الشام، ويوم صلبوا من أراد مسالمة النبى من الأمراء المؤثرين للسلام.. واطرد سير الألوية المنتصرة ففتحت دمشق وحمص وبيت المقدس، ورحب الأهلون بقدوم العرب، وفرار حكامهم السابقين. ص_159
(1/152)

وذلك لما سبق مجيئهم من شهرة بالتسامح والنزاهة. وهم قد عانوا الأمرين من تعصب الكثلكة وعسف الأباطرة والولاة. وتستطيع أن تدرك البون الشاسع بين طبيعة الحكم الإسلامى وطبيعة الحكم المسيحى فى هذه العصور البعيدة، من موقف الفريقين بإزاء المعابد المخالفة... فإن الرومان كانوا يغتصبون من الأرثوذكس كنائسهم، ويحولونها إلى كنائس كاثوليكية غيرمكترثين بحرمة العقائد وغضب العامة. لكن " عمر بن الخطاب " لما قدم بيت المقدس ودخل كنيسة القيامة حضرته الصلاة. فقال للبطريرك: أريد الصلاة!. فقال له البطريرك: صل موضعك. فامتنع عمر، وخرج من الكنيسة فصلى قريبا من بابها، وصلى وحده!. فلما فرغ من صلاته قال للبطريرك: لو صليت داخل الكنيسة لأخذها المسلمون بعدى، وقالوا: هنا صلى " عمر ". وكتب لهم ألا يجمع على الدرجة للصلاة ـ درجة السلم حيث صلى ـ كما أمر ألا يؤذن عليها.. ثم قال للبطريرك: أرنى موضعا أبني فيه مسجدا. فاختار البطريرك مكان الصخرة، لأن الله ـ كما يحكى ـ كلم يعقوب عليها ! وكان بالمكان ردم كثير فشرع " عمر " فى إزالته وتناوله بيده يرفعه فى ثوبه. واقتدى به المسلمون كافة، فزالت الأنقاض المتخلفة وأمكن بناء المسجد.. ذاك صنيع الخليفة الراشد " عمر "، والمسلمون فى أوج قوتهم. والإمبراطور " هرقل " يلم فلول جيشه المدحور قافلا إلى القسطنطينية بعدما لفظ الاستعمار الرومانى أنفاسه الأخيرة فى هذه الساحة الرحبة. وليس يؤثر فى مسلك المسلمين، أو يؤخذ على العهود التى أبرموها أى اتجاه إلى الفتنة عن دين، أو الاحتقار لشعيرة مخالفة. ص_160
(1/153)

وقد ودعت الشعوب المغلوبة حكام الأمس، واستقبلت حكام اليوم، وقارنت عن كثب بين الرفقاء الجدد، الذين لا يشربون خمرا ولا يقترفون وزرا، والذين يحمل خليفتهم التراب فى حجره ويشارك فى بناء المسجد بعرقه وجهده. فلما وعت هذه الصورة واستخرجت من دفائن الماضى القريب صورة الإمبراطورالمختال فى حاشيته المتعالى فى أبهته، ومن حوله البطارقة والأمراء والكبراء يحتسون الخمور ويرتكبون الآثام ويهضمون الجماهير.. لم يجدوا حرجا، بل وجدوا ألف وازع يغريهم بالدخول أفواجا فى الدين الجديد فلما دخلوا فيه لم يلبثوا إلا قليلا حتى نقلوا الإسلام من عواصمه الأولى حيث نزل الوحى إلى عواصمهم أنفسهم معتقدين أن الإسلام مبادىء عامة لا يحتكرها مكان دون مكان، ولا يختص بها جنس دون جنس. *** إن هذا النجاح الذى أحرزه الإسلام جعل رجال النصرانية يزدادون جماحا وتعصبا فلم يفكروا فى تغيير سياستهم نحوه، ولم يعاودوا النظر فيما لديهم من طقوس وتقاليد. ولو أن النصارى- مع إصرارهم على ما لديهم- اعترفوا بالإسلام كدين ينزه العذراء مريم، ويكرم السيد المسيح، ويدعو إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، ويحض على التخلق بالفضائل العالية، ويحارب الفسوق والمعاصى والأرجاس. لو أن النصارى أبدوا شارة الرضا ببقاء الإسلام يعمل جنبا إلى جنب مع ديانتهم التى يستمسكون بها لكان هناك مجال واسع لتقريب مسافة الخلف، ومنع غوائل الحرب أن تفتك بأجيال عديدة وتورث البغضاء أجيالا أخرى. لكن التعصب الأعمى مضى بأربابه فى متاهة طامسة. فالنصارى الذين حالفوا المجوس ضد الإسلام، رأوا بعد هزائمهم فى سوريا أن يشنوا حربا من الأكاذيب ضد صاحب الرسالة الخاتمة، شحنوها بمفتريات لا تخطر على بال عاقل. ص_161
(1/154)

وانطلق الحاقدون على الإسلام ونبيه يصفونه بأقبح الخصال وأشنع السير فزعموا: " أن محمدا لص نياق" وزعموه متهالكا على اللهو! وزعموه ساحرا! وزعموه رئيس عصابة من قطاع الطريق!. بل زعموه قسأ رومانيا مغيظا محنقا أن لم ينتخب لكرسى البابوية. وحسبه بعضهم إلها زائفا يقرب له عباده الضحايا البشرية.. ". وإن "حبيردنوجن " نفسه ـ وهو رجل جد ـ ليذكر أن محمدا مات فى نوبة سكر بين، وأن جسده وجد ملقى على كوم من الروث وقد أكلت منه الخنازير .. إلخ أرأيت هذه الحرب التى أعلنتها الكنيسة على الإسلام. إنها ما تزال إلى عصرنا هذا حامية الوطيس في أوروبا وأمريكا. ولا يزال المبشرون السفهاء يحملون جراثيمها فى دمائهم الملوثة. وآخر مظهر لسورة هذه الأضغان الكامنة تألب الصليبية العالمية مع اليهودية على طرد المسلمين من فلسطين. أجل. ففى عماية الغضب الدفين على الإسلام وأهله ابتلع النصارى طعن اليهود فى شرف مريم ونسب ابنها، وتصافح الفريقان ليواجها المسلمين جميعا بحرب شعواء، تذر الألوف المؤلفة من العرب البائسين يخرجون من ديارهم ليقتلهم الجوع والعراء. *** ص_163

4-كيف دخلت المسيحية مصر

وكيف دخلها الإسلام
ص_1 ص
(1/155)

من ألوان الحرب التى تشن الآن ضد الإسلام اعتباره طارئا على البلاد. وفد عليها مع فاتحين غرباء، ثم استقر فيها على كره من أصحابها الأصلاء!!. وهذه مزاعم مضحكة، فإن كلتا الديانتين جاءت مصر من الخارج. وليست مسيحية عيسى صناعة محلية يجب ـ لتشجيعها ـ أن توضع العوائق الجمة أمام ما قد يزاحمها من واردات أخرى ! كلا. ولو كان من حق أهل بلد ما أن يطردوا الأفكار الغريبة عن بيئتهم لأنها ليست أفكار مواطنين أصلاء، لوجب إخراج المسيحية والإسلام معا من مصر، ولوجبت إعادة البلد على عجل إلى حظيرة الوثنية المحضة التى تعبد فيها الأصنام وتقدس العجول. فإن الوثنية هى الديانة التى عرفها تاريخنا آلاف السنين، إنها بضاعتنا العريقة. أما الإسلام فقد جاء به عرب غرباء. وأما المسيحية فقد جاء بها ـ كذلك ـ رومان غرباء . والكاتب الصليبى الذى سود صحائفه بأحقاده على العرب الفاتحين لا يمكنه تجاهل هذه الحقيقة. بل إنه يعترف بها على رغمه. قال فى ص 11: " ظل الشعب القبطى بعد انتشار المسيحية على أيدى الرومان والبيزنطيين يعبد بحرارة آلهته الفرعونية، ويكرم آثار ماضيه التليد، وكان يرفض أن يقدم أى قربان لآلهة اليونان والرومان، كما أنه لم يقبل المسيحية إلا بتحفظ شديد لأنها جاءته من الخارج، وكان الشعب يريد بذلك إقناع نفسه أنه لم يخضع لاحتلال الغزاة ما دام يقاوم شعائرهم وعقائدهم ". ويقول فى الصفحة نفسها : ".. ترك مسيحيو مصر ديانة أجدادهم مكرهين " كذا " لأن ديانة الفراعنة ومعابد الفراعنة وآلهة الفراعنة كانت تذكرهم بمجد مصر فى مختلف عهودها. فلا غرابة إذا ظلت معتقداتهم الأولى راسخة فى نفوسهم، رابضة فى قلوبهم، بعد اعتناقهم المسيحية. ص_165
(1/156)

ونضرب مثلا لهذا التشبث ـ يعنى تشبث المصريين بوثنيتهم القديمة ـ من قراءة " السيناكسار" أى تاريخ القديسين. وماذا يقول: " السيناكسار" هذ ا؟. يقول ـ كماترجم الكاتب من مرجع فرنسى ـ "فى معبد قيصرون الذى شيدته الملكة " كيلو بطرة ". كان يوجد صنم كبير من النحاس اسمه "عطارد" وكان يحتفل سنويا بعيده وتقدم له الذبائح، وقد ظلت هذه التقاليد معمولا بها إلى أيام حكومة الأب " إسكندر ". أى لمدة تزيد عن ثلاثمائة عام. فلما نصب " إسكندر " بطريركا قرر تحطيم هذا الصنم.. بيد أن شعب الإسكندرية ثار قائلا: لقد اعتدنا إحياء هدا الصنم. ولقد تربع على هذا الكرسى اثنا عشر بطريركا ولم يجرؤ أحد منهم أن يصرفنا عن هذه العبادة ". أرأيت أيها القارئ؟ ذلك هو تصرف الأمناء على ديانة نزلت من السماء بإزاء التقاليد الوثنية التى رفض العامة من المصريين أن يدعوها. والغريب أن هذا الكاتب يقول قبل ذلك بسطور:".. إننا لن نناقش النتائج التى خرج بها بعض المستشرقين أمثال " لوفيفر" و " شميدت" و" شولتز". فقد اتفقوا على أن المسيحية ظلت غريبة على أهل مصر الأصليين، كما ادعوا أن نجاح العرب يرجع بصفة عامة إلى " أن الإسلام اجتذب أقباط مصر، الذين تعبوا من تزمت كنائسهم وتضييقها عليهم ". ونحن نعرف أن أهل مصر الأول كانوا وثنيين متعصبين لعقائدهم. وقد قرأنا ـ كذلك ـ فى تاريخ القديسين كيف احترم البطارقة هذه الوثنية وسايروها. فلم غضب المصريون آخر الأمر من كنائسهم؟. ص_166
(1/157)

إن هذا الغضب لا يتصل بأمور خدشت تقاليد المصريين العتيقة، وإنما يعود إلى الاضطرابات العنيفة التى تخلفت عن انقسام الكنائس فى فهم حقيقة المسيح، وقد تكون له أسباب أخرى نفسية واقتصادية. أما المصريون أنفسهم فقد نجحوا- كوثنيين- فى فرض أفكارهم وعاداتهم على ! المسيحية نفسها. يقول " هـ. ج. ويلز " فى كتابه ملخص التاريخ: " إن السيد المسيح أغمى عليه حين حمل على صليبه لأنه كان ضعيف البنية، وإنه توفى قبل أن يتوفى المصلوبان إلى جانبه وأن السيد المسيح لم يبشر بالديانة المسيحية المعروفة اليوم ". يقول ويلز: "لأن هذه التعاليم إنما أحدثها الرسول "بولص " المتعلم بالإسكندرية، وأن "بولص " أخذ تعاليمه من وثنية الإسكندرية... ". ثم يقول ويلز: " إن خيوط الثالوث المقدس حيكت فى الإسكندرية، وإن آلهة قدماء المصريين الثلاثة " إيزيس " و " هورس " و " سيزابيس " قد استحالت عند "بولص " إلى الأب والابن والروح القدس ". وكلام " ويلز " يتضمن حقائق كثيرة. وقد أيده الكاتب الصليبى من حيث لا يدرى، إذ قال فى ص 12: " لم يستطع المصريون تلافى المسيحية فحاولوا ـ حسب تعبير " جان ما سبيرو " الموفق ـ مصادرتها لمصلحتهم، وقرروا أن كل ما كان جميلا وعظيما فى المسيحية إنما هو مصرى. ومن ذلك الحين مال الإكليروس والشعب إلى القبض على زمام الحكم، ثم إلى الانفصال عن حكم " بيزانطيا ". وقد تجلى هذا الميل بوضوح بعد مجمع "نيقية " حيث بزغ نجم كنيسة الإسكندرية ولمع ". ومجمع " نيقية " هذا، هو الذى قرر مطاردة الموحدين وإحراق كتبهم بعد أن اعتبر عيسى إلها مع الله ! فلا غرو أن يبرع فيه نجم كنيسة الإسكندرية ويلمع! أليس هذا نصرا ضخما تحرزه الوثنية المصرية يجدد ديانة الفراعنة الأقدمين ويعيد الحياة إلى رفاتهم البالى ؟. *** ص_167
(1/158)

لو أن عيسى عليه الصلاة والسلام استطاع أن يقيم لدينه دولة تحمى قواعده الحقة ما استطاعت الوثنية القديمة أن تفتك به هذا الفتك الذريع. ولكن عيسى ذهب والنصرانية تدور بها دوامة عاصفة من أحقاد الوثنية التى تملك الدولة والصولة. ولم يكن الرومان وحدهم عباد أصنام، بل كان اليونان والفرس والمصريون والهنود وسائر البشر، ما عدا فلول من اليهود لا يقام لهم وزن. وددنا لو قرأنا تعاليم عيسى نفسه بلغته العبرانية، أو لو قرأنا رسائل حوارييه الكرام بهذه اللغة نفسها، فهى اللغة التى دونوا بها عقائدهم وبشروا بها أممهم. غير أنه- من المؤسف- ألا نجد إلا تراجم يونانية و لاتينية لهذه الكتب المفقودة، وهؤلاء الذين كتبت تعاليم المسيح بلغتهم هم سدنة الوثنية القديمة وأشياعها. والمدهش أن المترجمين أنفسهم أشخاص مجهولون!. فباى وجه من المنطق يؤخذ دين عيسى من ألسنة أعدائه بعد ضياع الصحائف الأولى التى أنزلت عليه، وبعد ضياع الأسفار التى كتبها عنه تلامذته، وحلت محلها تراجم لا تعرف قيمتها العلمية ولا أمانة ذويها؟. ونحن نجزم بأن تغييرات هامة جدا طرأت على أصل النصرانية مالت بها إلى تعدد الآلهة! ونحت بها نحو الوثنية السائدة فى فكرة الفداء والقرابين. وقد عاداها المصريون أولا بالنظر إلى أصلها السماوى، وحتى إذا حوروها كما يشتهون دخلوا فيها. أو بالأحرى لم يستطيعوا الانتقال إليها فنقلوها إليهم.. ولما كان المفروض أن الإنجيل ملحق بالتوراة، وأنه يعتمد أحكامها، وأن النصرانى مكلف بالعهدين القديم والجديد معا، فإن عبث الوثنية لم يلحق الإنجيل فحسب، بل تعداه إلى التوراة نفسها. وقد لاحظ الباحثون دلائل ذلك فيما يلى: ص_168
(1/159)

ا- برز حقد الوثنيين على رسل الله فنسبوا إليهم أعمالا شائنة، فجاء فى هذه الكتب المقدسة (!) أن نبيا شرب الخمر فزنى بابنتيه. وأن آخر سكر حتى تعرى وانكشفت سوأته لأحد ولديه، فغضب على الآخر لغير جريرة. وأن أحدهم رفض دعوة النبوة من ربه. وأن آخر ارتد وعصى الله وعبد الأصنام. وأن آخر صنع عجلا لقومه. وآخر شبه الناس جميعا بالكلاب ما عدا بنى إسرائيل. وأن نبيا طمع فى امرأة فأرسل بزوجها إلى الميدان وأوصى بقتله حتى يخلو الجو له معها وأن.. وأن.. إلخ. والذى يقرأ نشيد الإنشاد فى العهد القديم ويقرأ صور الغزل المفضوح فيه، يوقن بأن ما حوى من مباذل، وليد طبيعة مهتاجة بالشهوة البهيمية، مما لا يمكن صدوره أبدا عن رب العالمين. قال " جان ملز كاتلك " فى كتابه المطبوع سنة 1843 : " اتفق أهل العلم على أن نسخة التوراة الأصلية، وكذا نسخ العهد العتيق ضاعت من أيدى عسكر " بختنصر ". ولما ظهرت نقولها الصحيحة بواسطة "عزرا " ضاعت تلك النقول أيضا فى حادثة "أنيكوسى ". فلما ضاعت صحائف الوحى المنزل من السماء حلت مكانها هذه الأباطيل. !. 2 ـ لا يعرف أثر بتة لإنجيل عيسى الذى نزل عليه من ربه. والمسيحيون اليوم يزعمون أنه ليس لعيسى إنجيل، مع أن ذكر هذا الإنجيل جاء فى رسالة "بولس " إلى أهل "غلاطية" 1: 6-7. وقد أيد فقدان هذا الإنجيل "طامس انكلسى" فى كتابه مرآة الصدق. ص_169
(1/160)

3 ـ إن جملة الرسائل التى تؤلف ما يسمى الآن بالعهد الجديد لا تنهض على أسانيد تعطيها قوة تاريخية معتبرة، فهى غريبة عن لغة المسيح بعيدة عن عصره، وبمكن القول بأن هذا العهد ما صنفه المسيح ولا الحواريون، بل صنفه رجال مجهولو الاسم ثم نسب إلى الحواريين ورفقائهم. وكتب " استادلن " يقول: " إن كافة إنجيل "يوحنا! تصنيف طالب من جامعة "الإسكندرية " ووافقه " برطشنيد " وزاد على ذلك أيضا رسائل "يوحنا ". ومع ذلك فإن العهدين القائمين ذكرت بهما أسماء نحو خمسة وعشرين سفرا لا وجود لها ". *** ونحن ـ المسلمين ـ لا نزعم أن ما ورد فى أسفار العهدين القديم والجديد باطل محض، ففيهما مزيج غامض مبهم من الخطأ والصواب. وقد وردت فيهما كلمات تخلع وصف الألوهية على أناس أطبق أهل الأديان أجمعون على عدهم بشرا فحسب. جاء فى الإصحاح السابع من سفر الخروج " فقال الرب لموسى: انظر، أنا جعلتك إلها لفرعون، وهارون يكون نبيك!. وجاء فى الإصحاح الرابع من السفر المذكور:" هو يكلم الشعب عنك، ويكون لك فما، وأنت تكون له إلها". وهذا التهور فى إطلاق الألوهية على الأناسى. إما أن يكون عجزا شائنا فى الترجمة عن الأصل فأبدلت كلمة السيد مثلا بالإله. وإما أن يكون مسلكا مغرضا قصد به تضليل العامة عن سوء نية.. وكلا الأمرين استغل ـ كما رأيت ـ فى تأليه " عيسى " لما كثرت هذه الإطلاقات عليه. ولكن لماذا لم يؤله موسى كذلك؟؟ وقد ذكرت كلمة "ابن الله " كذلك على غير" عيسى "، فأطلقت على آدم " ابني آدم ابن الله " لوقا " 3 : 38 ". ص_170
(1/161)

وقال فى غيره عن يعقوب" هكذا يقول الرب: إسرائيل ابنى البكر ". وأطلقت على داود كما فى المزمور 89، " هو يدعونى أبى، أنا أيضا أجعله ابنى". وعلى سليمان بن داود، كما ورد فى أخبار الأيام الأولى " يكون لى ابنا وأنا له أبا " وعلى جميع بني إسرائيل كما فى الإصحاح "14 " من سفر التثنية " أنتم أولاد الرب إلهكم ". وأطلقت على جميع الناس، كما فى الإصحاح السادس من سفر التكوين "الناس أبناء الله ". وعلى المؤمنين فقط، كما فى الإصحاح الخامس من إنجيل متى: " لتكونوا أبناء أبيكم الذى فى السموات ". وكما فى (23) متى " لا تدعوا لكم أبا على الأرض لأن أباكم واحد، الذى فى السموات ". وعلى المصلين، كما فى الإصحاح السادس من متى: "فصلوا أنتم هكذا، أبانا الذى فى السموات، ليتقدس اسمك ". وعلى صانعي السلام، كما فى الإصحاح الخامس من متى " طوبى لصانعى السلام لأنهم أبناء الله ". وعلى الملائكة كما فى " 20 " لوقا "لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله ". وعلى من لم يفعل خطيئة كما فى الإصحاح الثالث من رسالة "يوحنا" الأولى "كل من هو مولود من الله لا يفعل الخطيئة". وعلى تلاميذ المسيح " لتكونوا أبناء الله ".. إلخ. هذى التعابير لا تعنى أكثر من إظهار عطف الله وبركته على من ينسبهم إليه، ولا ندرى كيف تحول هذا المجاز اللطيف إلى ادعاء مخيف، عندما أصبح الكلام وصفا لعيسى عليه السلام؟. إن المجامع التى انعقدت بعد فى تاريخ المسيحية ساقت هذه الجمل سوقا إلى ما توارثت من أهواء وجهالات. ص_171
(1/162)

فما إن دخل الرومان واليونان والمصريون فى النصرانية حتى فرضوا عليها معتقداتهم الأولى فشققوا مبدأ التوحيد، وجعلوا الله أبا والمسيح ابنا له، وضموا لهما إلهأ ثالثا على مر الأيام... .*** نعتذر لهذا الاستطراد، لقد تمشينا مع الحديث رغبة منا فى كشف كثير من الأحداث التى اكتنفت تاريخ النصرانية الأولى، ومدى تأثير الديانة المستضعفة بها، والدور الذى لعبته مصر مع غيرها من دول العالم الوثنى فى توليد مسيحية جديدة يزدوج فيها مبدءا التوحيد والتعدد. ونستخلص من هذا السرد المجمل. أن مصر كانت وثنية فى أغلب عصور الفراعنة. وأن النصرانية التى أرسل بها عيسى كالإسلام الذى جاء به محمد، ديانة وافدة من الخارج. وهذه أو تلك لا يقدح فيهما ولا يزكيهما وصف بالغربة أو الألفة، فإن الدين كالعلم لا وطن له. وأن المسيحية التى انتشرت بعد فى مصر لقيت حمايتها ورواجها على أيدى الرومانيين المحتلين للبلاد. وكان جمهور المصريين ينظر إليها على أنها بعض مظاهر السيادة الأجنبية. وأن عبادة الأصنام ظلت متغلغلة فى مصر قرابة ثلاثة قرون لم ير فيها بطاركة الكنيسة ما يزعج مسيحيتهم. وأن المصريين لما استبان لهم أن الثالوث المسيحى تجديد للثالوث المصرى القديم أقبلوا على المسيحية باعتبارها فلسفة مصرية بحتة، وليست ديانة يفرضها الرومان الغاصبون لبلادهم. *** وهذه الخلاصات يمكننا أن نستدل عليها جميعا من النقول والتعليقات التى ذكرها المؤلف الصليبى فى الباب الأول من كتابه. وثم أمر آخر عنى الكاتب بإبرازه. وهو أن الكنيسة المصرية شقت عصا الطاعة على كنيسة " روما " لأسباب سياسية مجردة. ص_172
(1/163)

" فالانشقاق القبطى هو دينى من حيث الحجة فقط ! كما يقول المؤلف فى ص 13. وعلته الدفينة حب البطريرك المصرى للانفراد بسيادة بلاده إذ كان يصرح: " إن البلاد لى أكثر مما هى للأباطرة وإني أطالب بالسيادة على مصر" وفى سبيل هذه السيادة صنعت الكنيسة المصرية أمرا بالغ الغرابة. فقد وافقت بطريرك " القسطنطينية " على حرمان الراهب الذى ابتدع المذهب الأرثوذكسى. ولكن بطريرك مصر حقد على زميله هذا السلطان الواسع فأعلن اعتناقه لهذا المذهب الجديد مخالفا آراء زملائه من رجال الإكليروس. فقد وضعهم ـ كما يقول المؤلف الصليبى ـ فى مركز حرج. ذلك لأن الأساقفة المصريين أدانوا " أوتيشيش " ـ الراهب المحروم ـ دون أن يبدى البطريرك ـ وهو صاحب الرأى الأخير ـ أية معارضة. فكيف يستطيعون بعد ذلك أن ينقضوا حكمهم فى دون أن يعرضوا أنفسهم للسخرية؟. وبينما كان الأساقفة حائرين مترددين أمام هذا الموقف الشاذ، إذا " ديسفور " ـ البطريرك المصرى ـ يأمرهم بأن يتضافروا معه ويؤيدوه فى موقفه. ولم يكن فى استطاعة الأساقفة إلا الإذعان لأمر رئيسهم!! ص 14. ويقول الكاتب أيضا فى الصفحة نفسها: …" أما الشعب المصرى فلم يتردد لحظة واحدة فى مناصرة بطريركه لاعتقاده أن جرأة رئيسه الدينى قد حققت أمانيه الغالية المنشودة ". فلم يكن الأمر إذن بحثا عن الحقيقة، ولم يكن الخلاف على فهم طبيعة المسيح سعيا منزها لمعرفة الصواب. إن معنى ذلك ـ كما يصور الكاتب الصليبى ـ أن المذهب الأرثوذكسى وليد عناد دفع إليه الطموح، وأن المسائل الدينية الكبرى تحركها من وراء ستار نزعات دنيوية محضة. ص_173
(1/164)

وإذا كان هذا الكاتب صادقا فى تصويره للوقائع التى تمخضت عن المذهب الجديد فإن ذلك تسجيل حاسم للريب التى تحيط بجملة العقائد المسيحية: لا الواردة فى العهدين فحسب، بل الناشئة عن قرارات المجامع المختلفة..! وأيا كان الأمر فقد اضطربت الصلات بين مصر وروما، واتسعت الفجوة بين الكاثوليك والأرثوذكس. حتى ان المصريين فضلوا أن يحكمهم مجوس فارس عن أن يظلوا خاضعين للمسيحيين الرومان !! إنهم كانوا يريدون البقاء على مذهبهم الدينى آمنين، وهذا ما كان الرومان يضنون به على ذلك أثقال الضرائب التى فرضها الحكام المتعسفون. إن مصر المسيحية فى ظل الإمبراطورية الرومانية المسيحية ظلت تنوء بما تحمل حتى خارت قواها، وتحولت على مر الليالى السود إلى مستعمرة تزدحم بالرعاة والعبيد. الإسلام يدخل مصر: تختلف نشأة الإسلام اختلافا كبيرا عن نشأة النصرانية. فإن الإسلام يمتاز بأنه تحول على عجل إلى دولة تهيمن على جزيرة العرب. كان النبى رئيسها الأعلى، وكان القرآن ـ وهو دستورها الأصيل ـ محفوظا بعناية رائعة، ووعته صدور القراء الذين استظهروه كلمة كلمة. والذين بلغ من كثرتهم أن تكونت منهم فرق مقاتلة كان لها أثر عميق فى حرب الردة. ووعته كذلك صحائف الكتبة الذين سطروا آى الوحى فى أوراقهم. فلم يمت النبى إلا والكتاب السماوى يكتب ويقرأ فى نطاق بعيد المدى. ولا شك أن حظ القرآن من ذلك لا يذكر إلا جانبه أبدا حظ الإنجيل. ص_174
(1/165)

وقد حاولت الوثنية العربية أن تحتل الدين الجديد، وأن تتسرب إليه عن طريق مهادنته. فعرض عبدة الأوثان على النبى أن يعبدوا إلهه فترة وأن يعبد آلهتهم أخرى، فنزل الوحى: (قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين). وحاولت إحدى القبائل أن تدخل فى الإسلام على شريطة أن تستمتع بعبادة صنمها سنة ثم يهدم بعدها! فأبى النبى إلا هدمه فى الحال. وذلك مسلك يناقض مسلك النصرانية التى سمحت للمصريين أن يكونوا مسيحيين وعباد أصنام فى وقت واحد، كما ذكر ذلك الكاتب الصليبي نفسه فى ص 12 من كتابه. وقد يتوهم أحد المغفلين أن مسلك الإسلام ينطوى على صلابة وتزمت. وأن مسلك النصرانية فى مهادنة الوثنية، أو مداهنتها، أو الامتزاج بها، كان ينطوى على اعتدال ومرونة.. إن هذا غلط فاحش. فإنصاف الحقيقة وحماية جوهرها شئ، وحمل الناس عليها بالإكراه شئ آخر. دخل الإسلام فارس فبقى التوحيد توحيدا وبقيت المجوسية مجوسية. فمن شاء البقاء على مجوسيته بقى آمنا، ومن شاء دخل فى الإسلام فأحل حلاله وحرم حرامه ونزل على أحكامه كلها. أما اختلاق مركب جديد من الديانة المحلية والديانة الجديدة فعبث يجب أن يقاوم بالسيف.. لأن التمشى معه إيذان بضياع الحق إلى الأبد، وذلك ما فعلته الوثنيات القديمة بدين عيسى. ص_175
(1/166)

فلا جرم أن يرفض الإسلام أية مساومة على منحه حق البقاء، وأن يمضى فى طريقه مستندا إلى مبادئه وحدها وتضحيات المؤمنين بها. فما إن استقر له الأمر حتى بدأ يجلى جيوش الروم والفرس عن الأقطار الفسيحة التى احتلت رقعتها واستهلكت أهلها.. على ما قصصنا عليك. وكانت مصر قبيل الفتح الإسلامى يتنازع احتلالها الفريقان معا، حتى انهزم الفرس آخر الأمر أمام خصومهم فتوطد ملك الروم بها. وأضحت ـ بموقعها ومواردها ـ معواناً قويًا للروم فى القتال الذى دار بينهم وبين المسلمين. جيش عمرو: قرر أمير ا!لمؤمنين " عمر بن الخطاب " فتح مصر، وسار إليها الجيش الزاحف بقيادة " عمرو بن العاص " فأخذ طريقه إلى القاهرة حيث التقى بهم جيش الروم وفيه الجاثليق " أبو مريم " ومعه الأسقف الذى أرسله المقوقس. وقبل أن تشتبك القوى المتأهبة للنزال قال " عمرو " لقادة الروم: لا تعجلوا حتى نعذر إليكم! وليبرز إلى الجاثليق، والأسقف، فخرجا إليه، فدعاهما إلى الإسلام أو الجزية، وأخبرهما بوصية النبى صلى الله عليه وسلم بأهل مصر، لأن " هاجر" أم إسماعيل جد النبى عليه الصلاة والسلام من مصر. روى مسلم فى صحيحة أن النبى قال: " إنكم ستفتحون مصر، وهى أرض يسمى فيها القيراط. فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحما " أو " ذمة وصهرا " فقالا: " قرابة بعيدة، لا يصل مثلها إلا الأنبياء ". ثم قالا لعمرو " أمنا حتى نرجع إليك " فقال لهما: " مثلى لا يخدع ولكنى أؤجلكما ثلاثا لتنظرا ". فقالا: لازدنا... " فزادهما يوما. فرجعا إلى المقوقس بطريرك الأقباط، وإلى " أرطبون " الوالى الرومانى فأخبراهما خبر المسلمين. ويبدو أن البطريرك القبطى كان زاهدا فى قتال العرب. ص_176
(1/167)

وما الذى يستثير حماسته ضدهم؟ وصلة مصر بالروم على ما علمنا من ضعف بل من مقت!!. أما الحاكم الررماني فقد قرر المقاومة ورفض ما عرض عليه، واستعد للقتال بل بادر المسلمين بالهجوم فعلا إلا أنه انهزم وارتد إلى الإسكندرية. فتعقبه العرب فى مهربه، ووزع " عمرو " فرقه علي جبهات عدة استطاع أن يحرز فيها جميعا النصر بعد أن حاصر الروم فى مواقعهم أياما طويلة. وقد أرسل أهل البلاد إلى " عمرو " يعلنون رضاهم بالصلح وقبولهم دفع الجزية على أن ترد لهم السبايا. فأرسل " ابن العاص" إلى أمير المؤمنين بذلك فأجاب مطالبهم. وأمضى " عمرو بن العاص " معاهدة الصلح مع المصريين. وهذا نصها على ما رواه الطبرى : "بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى "عمرو بن العاص " أهل مصر، من الأمان على أنفسهم، وملتهم، وأموالهم، وكنائسهم وصلبهم، وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شئ من ذلك ولا ينتقص.. ولا يساكنهم النوب. وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية ـ إن اجتمعوا على هذا الصلح، وانتهت زيادة نهرهم ـ خمسين ألف ألف درهم وعليهم ما جنى لصوتهم. فإن أبى أحد منهم أن يجيب، رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، وذمتنا ممن أبى بريئة. لان نقص نهرهم من غايته إذا انتهى، رفع عنهم بقدر ذلك.. ومن دخل فى صلحهم من الروم والنوب فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم.. ومن أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه، أو يخرج من سلطاننا.. عليهم ما عليهم أثلاثا. فى كل ثلث جباية ثلث ما عليهم.. على ما فى هذا الكتاب عهد الله، وذمة رسوله، وذمة الخليفة أمير المؤمنين، وذمم المؤمنين. وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأسا، وكذا وكذا فرسا. ص_177
(1/168)

على أن لا يُغَزوْا، ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة.. شهد الزبير، وعبد الله، ومحمد ابناه،. كتب وردان وحضر …." ا . هـ. *** إن المبادىء الهامة التى تضمنتها هذه المعاهدة تعد صفحة جديدة فى تاريخ العصور الوسطى. وهى على نسق المعاهدات التى أبرمها المسلمون مع كثير من الشعوب التى طردوا الفرس والرومان منها. ويجب أن نقرر هنا بعض الأسباب التى جعلت المصريين يستريحون لهذا العهد المعروض عليهم ويمضونه راضين. ا ـ فقد استردت البلاد حريتها الدينية كاملة، ونالت ضمانا واضحا أن تبقى للمعابد قداستها فلا يقتحمها أحد، ولا تخدش شعائرها... وكان الأقباط محرومين من هذا الأمان فى أثناء حكم الرومان، لاختلاف المذهب الدينى، وإن انتمى الفريقان للنصرانية!. 2 ـ خف حمل الضرائب التى يدفعها المصريون للحكومة الإسلامية. فإن تعداد مصر على عهد الفتح الإسلامى بلغ عشرة ملايين ساكن. وكان الحد الأعلى لضريبة الجزية خمسين مليونا من الدراهم، أى متوسط ما يؤديه الفرد للحكومة خمسة دراهم فى العام " نحو عشرة قروش " مع أن الرومان كانوا يستكرهون المصريين على دفع جملة أنواع من الضرائب الباهظة.. 3 ـ يلاحظ أن هذه الضريبة كانت تنقص تبعا لهبوط الفيضان ولكنها لا تزيد عن النسبة المقررة، كما أنها تؤدى أقساطا ثلاثة على مدى السنة. 4 ـ هذه المعاهدة معقودة مع المصريين الذين هم أصحاب البلاد. فإذا رغب رومانى أو نوبى الدخول فيها، فله حق المعاملة بالمثل، وإلا فعلى العرب أن يصونوا دمه وحقوقه كلها حتى يبلغ المكان الذى يأمن فيه على نفسه أو ينقطع عنده سلطانهم. ص_178
(1/169)

5 ـ لا يجوز للمسلمين أن يمنعوا تجارة صادرة ولا واردة. 6 ـ ويجب عليهم- لقاء الضريبة التى يحصلونها- أن يمنعوا أى غزو لمصر. وقد أخلص الطرفان فى تنفيذ المعاهدة. ولما طارد العرب فلول الرومان المنهزمين واستولوا على ما بأيديهم من أموال جاء كثير من الأقباط يشكون أن هذه الأموال لهم أخذها منهم الرومان قهرا، فرد العرب عليهم ما أقاموا البينة على أنه ملكهم. وبقى " المقوقس " على رياسته للبلاد يتردد بين منف والإسكندرية، وبلغ من توثق الصلات بين المسلمين والبطريرك أنهم كانوا يستشيرونه فيما ينزل بهم من مهمات حتى توفى. *** قال الكاتب الصليبى: " على الرغم من أن النبى لم يزر مصر قط، فإنه كان يكن للأقباط عطفا ملحوظا ". وهذا اعتراف مستغرب.. لأن المماراة فى الحقائق طبيعة هذا الكاتب الحقود على الإسلام وتاريخه! أفتحسب أنه تخلص من لوثات ضغنه البادى على الإسلام فى كل سطر خطه؟ كلا. إنه بعد أن نقل عدة آثار تشهد لهذا العطف، وتدل على أن النبى السمح كان يوقن بأن دعوته ستمتد إلى مصر، وأن أهلها سوف يرتضون الإسلام دينا لهم، قال معلقا على النبوءة الصادقة وما تضمنت من وصايا. لا نخفى أن كلاما يقوله النبى بهذه الدقة عن شعب لا يعرفه ولم يفكر فى غزوه لمدعاة إلى الدهشة. إننا نستطيع الجزم بأن صاحب الدعوة الإسلامية كان يضمر الخير لسكان مصر الأصليين. ونتساءل الآن : هل كان لمارية القبطية تأثير حسن على شعور النبى؟ هل أحيط النبى علما بعداء الأقباط لحكامهم البيزنطيين؟ ص_179
(1/170)

هل استنتج من هذه العداوة ميل الأقباط إلى التعاون مع الفاتح المسلم؟… إلخ ص 20. فالأمر فى وهم هذا الكاتب لا يرجع إلى الإسلام لأنه دين عدل، لا إلى صاحبه لأنه نبى سمح! لا. إن أحقاده لا تطوع له أن يتصور هذا العرض القريب المتمشى مع مسلك المسلمين فى البلدان المفتوحة كافة. فتراه يرد ما يرى من عاطفة نبيلة إلى أسباب ما يليق إسنادها لنبى أرسله رب العالمين.. على أن الكاتب خبط فى جمع الشواهد التى تدل على رعاية النبى لأهل مصر فهناك أحاديث صحيحة لم يذكرها، وهناك أحاديث مكذوبة وقع عليها فى كتب الأخبار وجاء بها إلى كتابه المشحون بالمفتريات. كأنما يأبى طبعه ـ وهو يستدل لغرض صحيح ـ أن يأتى بحديث صحيح! من ذلك ما نسبه إلى النبى ـ وهو باطل ـ " لو بقى إبراهيم ما تركت قبطيا إلا وضعت عنه الجزية ". فإن بقاء إبراهيم ومماته سواء بالنسبة إلى أحكام الشريعة، وما يملك أبوه نقض حكم أبرمه الله. والجزية يضعها عن نفسه من يمتنع عن محاربة الإسلام. فأما من حاربه أو أعان من يحاربه فمن حق المسلمين أن يجردوه من سلاحه، على أن هذا التجريد لن يغرى أحدا بالعدوان عليه. فإن المسلمين أنفسهم سيتولون حمايته بنفقة مشتركة بينهم وبينه. ومن الأكاذيب التى رواها الكاتب منسوبة إلى النبى أنه قال للمسلمين: " يكفونكم ـ يعني الأقباط ـ أعمال الدنيا وتتفرغون للعبادة ". وهذا لغو سخيف، فإن التفرغ للعبادة في نظر الإسلام معصية! والمسلم الذى يقعد عن شئون الدنيا منتظرا من الآخرين أن يكفوه همومها ويحموه جهودها رجل متسول تافه. ص_180
(1/171)

وأية عبادة يتقرب بها لله يرمى بها فى وجهه. ولعل هذا المسلم الجهول بشئون الدنيا هو أمل أعداء الإسلام ممن يتمنون للمسلمين الهون. أما المسلم الحق فهو كما قال الشاعر: فلا هو فى الدنيا يضيع نصيبه ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله! وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته ومن تبعهم بإحسان. *** إن النبى لم يوص أن يعامل أهل مصر بأسلوب ينفردون به دون أهل الكتاب أجمعين. صحيح أنه أظهر لهم فضل حفاوة وعزازة. بيد أن العهد الذى عقد معهم لا يمتاز عن سائر العهود التى تمت مع أهل اليمن والشام والعراق من النصارى... وقد أثبتنا فيما سبق نسقا لما تضمنته هذه المعاهدات. ثم روى الإمام أحمد في مسنده عن أبى أمامة قال: إنى لتحت راحلة رسول الله يوم الفتح إذ قال قولا حسنا جميلا، وكان فيما قال: " من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا!. والحديث يطابق الآيات النازلة فى إسلام اليهود أو النصارى: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون). وقد كانت حفاوة الإسلام نظريا وعمليا بالأقباط وغيرهم من النصارى، سببا فى تهافتهم على اعتناق الدين الجديد، وتحول كثرتهم عن أديانهم الأولى. *** ص_181
5-هل أضرت بالمسلمين سماحتهم ؟ ص_182
(1/172)

بلغت الكنيسة أهدافها المنشودة من حملة التضليل التى شنتها على الإسلام، فنسجت على العيون غشاوات حالكة أعمتها عن رؤية الحق. ووقرت فى أذهان السذج صورا مزورة شائهة تصرف النفوس صرفا عن هذا الدين الكريم. وجريمة الكنيسة فى حق العالم كله مضاعفة الإثم لهذا الموقف النابى. فهى ـ بمفترياتها ـ أضلت الناس عن الإسلام. فهل أحسنت هى نفسها إلى الناس، فأغنتهم بإحسانها بعد إذ حرمتهم من غيرها..؟- إن تاريخ النصرانية فى كبت الحريات وخنق الآراء، وتجديل العلماء وقتل الفلاسفة، جعل الذين نكبوا بها يثورون عليها ثورة ماحقة. فما إن انبثق فجر النهضة الحديثة حتى أسقطت عن عرشها القديم، ولكن بعد أن خلفت كرها عميقا للأديان كلها. إذ أن الظن بغير المسيحية سيىء، والتجارب مع المسيحية أسوأ. ومن ثم ولدت الحركة العلمية فى جو مفعم بالشك. وقد أتاح هذا الجو الجديد للنقاد الأحرار أن يدرسوا الإسلام دراسة أبعد عن الهوى، وأدنى إلى التمحيص. بعد أن فقدت الكنيسة سلطانها فى التوجيه، أو بالأحرى قدرتها على الانفراد بالتضليل والتزوير. وقد ظهر فى مواطن المسيحية نفسها كتاب كثيرون أخذوا يزيحون عن أعينهم الحجب التى صنعتها الأوهام الأولى. وسنستعرض هنا ملاحظات قيمة سجلها " كونت هنرى دى كاسترى " فى مؤلف له عن الإسلام، قارن فيه بين موقف النصرانية من خصومها، وموقف الإسلام من خصومه، مستشهدا بنصوص ووقائع من التاريخ العام. ص_183
(1/173)

يقول الكونت الباحث: إن فينا من يستغرب أخذ الإسلام للوثنية بالشدة آخر الأمر، وكيف طاردها الإسلام حتى قضى عليها فى جزيرة العرب. ثم يقول: " لكنا نقرأ فى الكتاب الخامس من الزبور أمرا بالتشدد فى معاملة الوثنيين. " إذا أدخلك ربك فى أرض لتملكها، وقد أباد أمما كثيرة من قبلك. فقاتلهم حتى تفنيهم عن آخرهم، ولا تعطهم عهدا، ولا تأخذنك عليهم شفقة أبدا "! كذلك أمر الله إسرائيل باستئصال سكان المدائن التى اختص بها قومه، ولم يرض بالشفقة إلا على المدن البعيدة، التى لا تصل عدواها إليه..!! وكتب القديس " أوغستان " إلى الكونت " بونيفاس " يشير عليه باستعمال القوة لردع أهل البدع وردهم إلى النصرانية. وقد اعتبر المنشقين على الكنيسة كالبغال التى تعض وترفس قوما يعالجونها مما أصابها، وهم مكرهون على تعذيبها ليتمكنوا من تضميد جراحها. قال الكونت هنرى: " ويحسن هنا أن نقابل بين تعاليم أبى بكر فى حروب الردة، وتعاليم الكتاب الخامس من الزبور فيما يتعلق بمعاملة الكلدانيين.. ". قال: " إذا اقتربت من مدينة لتحاصرها فاعرض عليها الأمان. فإن قبلته فقد سلم كل من فيها، وإن أبت وبادئتك بالعدوان فشدد الحصار عليها. ومتى وفقك الله للظفر بها فاحطم رأس كل ذكر فيها بحد الحسام. ". *** ولاحظ " الكونت " أن المسلمين فرقوا لأول يوم من قيام أمرهم بين عباد الأصنام وبين اليهود والنصارى، ورسموا لكل منهما معاملة خاصة. كما قرر أن الدولة الرومانية أساءت السيرة داخل حدودها وخارجها. فكان المسلمون أجدر بسيادة العالم منها. وقد أقر الأب " بروغلى " بعظمة محمد وفضل أصحابه وقال: ص_184
(1/174)

" إن الذين آمنوا بمحمد كانوا قوما صادقين، ذوى دراية وذكاء، منهم أبو بكر وعمر. رجلان توليا زمام دولة فسيحة الأرجاء فأحسنا سياستها، وكانا ذوى ثبات وعدل، وقناعة وفضل. وكانا أرفع قدرا، وأبعد مرمى من القياصرة والحكام الذين حاربوهما ". وقال:".. وذهب معاصرو الفتح الإسلامى من المؤرخين النصارى، إلى أن سرعة تقدم الإسلام راجعة إلى ما استحقه المسيحيون من غضب الله فأراد أن يعاقبهم على زيغهم. وقد انتشرت جماعات من المتعبدين تقرع الآذان بهذه الحجة، وتحرض الناس على التوبة. وشددوا النكير على النصارى، حتى أفهموهم أن جيوش الإسلام هى الآلة التى استعملها القدر للانتقام من انقسام الكنائس بعضها على البعض وتفرق النصارى شيعا متنابذة ". ولكن الكونت" هنرى" يرفض هذه العلل المنتحلة لانتشار الإسلام. فيرجع إلى الماضى القريب من بعثة محمد ليرينا كيف دعا " آريوس " إلى توحيد الله. وكيف وقف معارضا فكرة التثليث حتى ارتجت له أركان الكنيسة وكاد اليأس يستولى على المؤمنين بفكرتها. وصار القديس "جيروم " يتنفس الصعداء قائلا: " لقد اندهش الكون من تحول الناص كفارا لا يعتقدون بتجسم الأب فى الابن "! قال: ".. ومع أن النصارى أتباع " نيس " تمكنوا من التغلب على "آريوس"ومذهبه فى توحيد الله إلا أنه نتج عن ذلك انشقاق عظيم فى كنائس أفريقية وآسيا. فلما ظهر الإسلام يخطو خطاه الواسعة لم ير فيه المتنافسون دينا غريبا، بل قبلوه كأنه مذهب مسيحى !! وذاك سر المقاومة التافهة التى أبدتها الشعوب ضد الإسلام وسر انكماش النصرانية المثلثة أمامه على عجل... ص_185
(1/175)

وثم سبب آخر لانتشار الإسلام وامتداد سلطانه واقبال الجماهير على اعتناقه، ذلكم هو استبداد الرومان الذى بلغ منتهى العسف. لقد وصل جور الحكام إلى درجة أزهقت النفوس. فلما جاء الإسلام تراموا إليه هربا من الضرائب الفادحة واستلاب الأموال. فكلما أسلمت عشيرة رفعت عنها أثقال المغارم التى بليت بها ورد إليها حقها المسلوب. وبذلك أمنوا فى ظل الدين الجديد ولم يتعرض أحد لعقائدهم. ولم يفرق الإسلام بين أصلى فى الكنيسة أو منشق عليها، يعنى الكاثوليك والأرثوذكس. وسمى هؤلاء جميعا ذميين، ومن الخطأ الفاحش استعمال لفظة "ذمى" فى معنى الخسة والهوان لأن معناها الحق " مؤمن...". ثم قال الكونت "هنرى دى كاسترى": " إن الدولة الإسلامية لما استقرت فى الشرق لم تعارض المسيحية أو تضع أمام بنيها عائقا. فظلت "روما" حرة فى مراسلاتها مع الأساقفة الخاضعين لحكم المسلمين. وفى سنة 1053 م. كتب "البابا ليون التاسع" إلى نصارى أفريقيا توصية باعتبار أسقف قرطاجنة مطرانا عاما. وكان الوئام مستحكما بين المسلمين والنصارى. حتى إن البابا "غريغور-لوس" السابع كتب يلومهم على المحاكمة مع أسقفهم أمام المسلمين سنة 1573م. ومع التسامح المطلق الذى أبداه المسلمون مع النصرانية فقد ضعفت جدا حتى زالت من شمال أفريقية. ولنذكر أن الإسلام لم يكن له موظفون مختصون بالدعوة إليه والتبشير بمبادئه. ولو كان له أناس قائمون بهذه الوظيفة لسهل علينا تفسير امتداده وانكماشها. ص_186
(1/176)

ألم نرى الملك " شارلمان" يستصحب معه على الدوام قافلة من القسس والرهبان يباشرون فتح الضمائر والقلوب بعد أن يتم هو فتح المدائن والأقاليم، وبعد أن يسلط على الأمم المغلوبة حروبا تجعل الولدان شيبا؟. أما الإسلام فلا نعرف له مجامع دينية، ولا أحبارا يحترفون المسير وراء الجيوش الغالبة لإكراه الشعوب على الإيمان. أجل قد اعتنق الإسلام قوم يمشون وراء منافعهم. بيد أنهم قلة لا تذكر بجانب من أسلموا عن عقيدة صادقة وإرادة خالصة. ولم يعرف ـ بعد استقرار الحكم الإسلامى ـ أن عشائر من النصارى تركوا دينهم جملة واحدة. بل على العكس صار الدخول فى الإسلام يحتاج إلى " محضر" يثبت أمام القاضى، ويوضح فيه أن المسيحى الذى اعتنق الإسلام دخل فيه عن اقتناع تام غير خائف ولا مكره! وأكثر من ذلك أن خلفاء بنى أمية ـ هكذا يقول الكونت " هنرى دى كاسترى " ـ لم ينظروا بعين الرضا إلى كثرة دخول المسيحيين فى الإسلام! وذلك لانخفاض الضرائب المجبية نتيجة نقص الجزية، فقد هبطت الضرائب أيام معاوية إلى النصف عما كانت عليه أيام " عثمان " لتزاحم الأقباط على دخول الإسلام. ومن أجل ذلك ضيق الخلفاء باب الدخول فى الدين الجديد، فلم يعفوا الراغبين فيه من أداء الجزية. يدلنا على هذا ما كتبه حيان إلى "عمر بن عبد العزيز" إذ قال له: إذا دامت الحال فى مصر على ما هى عليه الآن أصبح مسيحيو البلاد كلهم مسلمين وخسرت الخلافة ما تجبيه من أموال !!.. فأرسل إليه " عمر بن عبد العزيز": " ويحك إن الله بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا...!. *** ص_187
(1/177)

ونحن لا يفنى عجبنا من سفاهة الأمويين فى هذا المسلك، قبح الله صنيعهم! " كيف يصدون عن الإسلام من تنشرح صدورهم به حرصا على دريهمات ينفقونها فى ملذاتهم؟. إن هذا إن دل على شئ فعلى مبلغ ما عانى هذا الدين الكريم من سفالة ملوكه الأولين وحكامه المستبدين.. ثم تحدث الكونت عن الحكم الإسلامى فى الأندلس. فأبان تسامح المسلمين العظيم مع الأسبان، وكيف حاسنوهم حتى صاروا فى ظلهم أهنأ عيشا مما كانوا عليه أيام خضوعهم لحكامهم القدماء من " الجرمان ". يقول " دوزى ": إن الدولة الإسلامية أبقت السكان المسيحيين على دينهم وشرعهم وقضائهم، وقلدوهم بعض الوظائف. حتى إن أحدهم تولى قيادة الجيوش مثل "سيد". ونتج عن هذه السياسة الرحيمة انحياز عقلاء الأسبان إلى المسلمين، وحصل بينهم تزاوج كثير، واندماج ظاهر. فكان القسس يلومون النصارى على هذا الانعطاف ويحضونهم على العودة إلى أحضان الكنيسة.. ولما وقع الاضطهاد الأوروبى على اليهود، وفر هؤلاء المنكوبون إلى الأ ندلس وجدوا فى رحابها الأمان والسعة!. لكن الملك " كارلوس " لما دخل " سراقسطة " أمر جنوده بهدم جميع معابد اليهود ومساجد المسلمين..!! ونحن نعلم أن النصارى ما دخلوا بلدا فى إبان الحروب الصليبية إلا أعملوا السيف فى يهودها ومسلميها على سواء..!! وإذا كان الجنس اليهودى قد بقى فى العالم إلى الآن فإن مرد ذلك إلى قيام الدولة الإسلامية فى العصور الوسطى. ولو بقى النصارى يملكون السيطرة على العالم لقضوا على اليهود قضاء مبرما... ص_188
(1/178)

قال الكونت: ولقد درست تاريخ النصارى فى بلاد الإسلام فخرجت منه بحقيقة مشرقة. هى أن معاملة المسلمين للنصارى تدل على لطف فى المعاشرة وترفع عن الغلظة، وعلى حسن مسايرة ورقة مجاملة.. وهذا إحساس لم يؤثر عن غير المسلمين. فإن الشفقة والحنان كانا يعتبران ـ لدى الأوروبيين ـ عنوانا على الضعف. وهذه ملاحظة لا أرى وجها للطعن فيها. ولا يفوتنى أن أذكر حادثا عرض للكنيسة الأندلسية سنة 851 م، فقد تخيل رجالها أنهم مضطهدون!. على حين كان المسيحيون عامة يقيمون شعائر دينهم فى " قرطبة" ولا يشكون من حكم الإسلام شيئا. وغاية ما هنالك أن فريقا من القسس والرهبان الذين يتميزون غيظا من انتشار الإسلام، قام فيهم قس متحمس يدعى "ايلوغوا"، وكان شابا احتاج فى كسر ثورة نفسه إلى قهرها بالصوم والسهر. ثم ظل يعقد الاجتماعات بمبغضى الإسلام حتى أهاج ثائرتهم بقوة بيانه، فهاموا جميعا يطلبون الموت فداء لدينهم..!! فبينما كان القاضي المسلم فى مجلسه بقرطبة، إذ دخل عليه راهب اسمه " إسحاق " يعمل كاتبا لأحد أمراء العرب، وكانت تبدو على الراهب سمات التهيج العقلى. فلما اقترب من القاضى قال له: حضرت لأعتنق الإسلام. فأمره القاضى أن ينطق بالشهادتين، فاندفع الراهب بسب النبى والدين سبا شنيعا! فظنه القاضى سكران أو أحمق، وتردد فى الحكم بإعدامه.. إلا أن إسحاق بعد أن ظفر بنجاته لم يقلع عن عمله الطائش بل عاود الرجوع إلى ص_189
(1/179)

القاضى وتكرار شتائمه القبيحة مما اضطر القاضى أن يحكم عليه بالموت فى 5 يونيه سنة 851 فقتل وهو يسب صاحب الرسالة..! والغريب أن طلاب التطهر ومحبى الاستشهاد من أجل النصرانية لم يجدوا بابا لإرضاء المسيح ونيل غفرانه إلا بهذه الطريقة البذيئة. فقتل أحد عشر شخصا فى شهرين بهذه الجريمة.. مع أن القضاة كانوا يصمون آذانهم حتى لا يحكموا على أحد. وطالما أوعزوا إلى الحجاب أن يمنعوا من الدخول أمثال أولئك السفهاء.. وقد ندد عقلاء النصارى بهذا المسلك، ورأوه انتحارا شائنا. غير أن " أيلوغو" ورفقاءه من القساوسة الحاقدين على الإسلام حسبوا ذلك انتصارا لدعوتهم وتدعيما لكنيستهم، ورموا مخالفيهم بخيانة المسيحية، وألحوا على رعاياهم بضرورة سب محمد ودينه، حتى أشاعوا الهياج فى كنائس الأندلس كلها.. فاستولى القلق على حاشية الخليفة وطلب "عبد الرحمن " الثانى الاجتماع برؤساء القسس كى يستفتيهم فيما هو حاصل من أتباعهم؟؟ فسكتوا عما وقع فى الماضى، وتعهدوا بالكف عن مثله فى المستقبل!! ورأى الخليفة ألا يحضر أمام القاضى مسيحى فى مثل هذه الأحوال إلا إذا رفع أمره إليه ليبت فيه بنفسه رغبة منه فى حقن دماء المخبولين من أولئك النصارى المتعصبين. ومع هذا النبل الرائع فقد ظلت خواطر النصارى مهتاجة حتى سنة 859م هذه هى فتنة" ايلوغوا ". *** إن الذين يدبرون الجريمة لا يعجزون عن تبريرها وعن تحميل الآخرين تبعتها وهذا ما فعله الراهب السقيم " ايلوغوا " إذ سمى الفترة التى وقعت فيها هذه الأحداث عصر الاضطهاد فى قرطبة (!). وتبعه فى هذه التسمية الوقحة بعض المؤرخين الصليبيين.. وأحب من القارئ أن يلقى باله إلى هذه الحادثة وأمثالها. ص_190
(1/180)

فإن الكاتب الصليبى الذى ألفنا كتابنا هذا لدحض مزاعمه حكى بعض حوادث الشغب فى القاهرة من وجهة النظر التى تسيطر عليه. فأظهر المسلمين فيها كأنهم معتدون على حرية الدين ساخطون على القلة التى تعيش بينهم من المسيحيين . وسنرى فى ضوء البحث المنزه: من الحقود المعتدى؟ ومن السمح الكريم؟.. قال الكونت هنرى: إن القصة كلها لا تعنى أكثر من أن قوما خاطروا بأنفسهم سدى فذهبوا ضحية الأوهام. أما المسلمون فلم يقع منهم أى اضطهاد، وأدلتنا على ذلك من كتب " أيلوغوا " نفسه، وكتب من جاء من بعده. وهى جميعا صريحة فى أن المسلمين لم يبدأوا بشر. بل إن ثورة المسيحيين وتعديهم هما السبب فيما نزل بهم من قصاص.. قال: وحدثت بعد ذلك بثلاثة قرون ثورة دينية تشبه هذه الفتنة المنقضية، كان مسرحها مدينة " إشبيليه " . ذلك أن القديس " فرانسوا داسيز " أرسل ثلاثة نفر من أشياعه لنشر النصرانية فى بلاد المغرب، فكان أول عمل أتاه أولئك المرسلون النجباء أن دخلوا مسجدا فى " أشبيليه " والمسلمون يصلون، فجعلوا ينشرون الإنجيل ويعظون الناس بعقائده!! فطردهم المصلون من المسجد. فخرج الوفد المطرود منطلقا إلى قصر الملك وهناك أخذ يطعن فى القرآن الكريم!! فحكم عليهم بالسجن فى منارة خاصة، فكانوا يعلمونها ويدعون المارة إلى عبادة المسيح! فلم ير السلطان بدا من نفيهم، فأرسلوا إلى مراكش، فعاودوا اقتراف مآثمهم من طعن وسب فى الإسلام ونبيه. فأمر السلطان بقتلهم جميعا، ولم تجدهم شفاعة " دون بيترو " مع علو مكانته عند السلطان ولقوا جزاءهم سنة 1220م. *** ص_191
(1/181)

وحماقة هؤلاء المبشرين لا تقف عند حد، ألم يدخل أحدهم الجامع الأزهر فى العصر الأخير ليدعو فيه إلى النصرانية؟ إن ذلك ينبئ عن مشاعر المقت التى طغت على عواطف أولئك الناس فأفقدتهم اتزانهم، وأركستهم فى أعمال ينفر منها الصبية. لكن الحقد لا عقل له ولا ضمير.. قال " ميشو" فى تاريخ الحروب الصليبية: ".. لما استولى"عمر بن الخطاب" على بيت المقدس لم يلحق النصارى ضرر ما، فلما استعاده النصارى قتلوا المسلمين قتلا، وأحرقوا اليهود حرقا "!! وقال الحبر " ميشو" أيضا : ".. مما يؤسف له جدا بالنسبة إلى المسيحيين أن تأتيهم المسالمة وشرف المعاملة من المسلمين.. " قال الكونت هنرى دى كاسترى: " إن مبالغة المسلمين فى الإحسان إلى خصومهم هى التى مهدت للثورة عليهم. إذ أتاحت للمتعصبين أن يجمعوا أمرهم على العصيان وأن يستغلوا الفرص للقضاء على الدولة التى منحتهم حق الحياة.. وحرية التدين. ولو أن المسلمين عاملوا الأسبان مثل ما عامل المسيحيون الأمم الساكسونية لأخلدوا إلى الإسلام واستقروا عليه !. ثم قال الكونت المنصف: " إن الإسلام لم ينتشر بالعنف والقوة كما يزعم المغرضون. بل الأقرب إلى الصواب أن يقال: إن مسالمة المسلمين ولين جانبهم كانا السبب فى سقوط دولتهم ". ص_192
(1/182)

هذه كلمة حق من مسيحى فرنسوى. ونحن لا نندم على فضيلة اتصف بها آباؤنا، لكن من حق الكريم إذا أعطى أن يبصرأين تقع منحته؟ فلعله يرسل هديته لمن يستعجل منيته!! وقد أصبحنا لا نستغرب ممن يتعصب ضدنا أن يرمينا بالتعصب!! فهل نتوقع من مرتكب الجريمة إلا أن يكذب؟؟ وقد يكون من المناسب أن نذكر موقفين لأحمد بن طولون، تظهر فيهما جوانب من سماحة الإسلام وتسامح المسلمين. الأول: ما رواه رهبان دير القصير عن " ابن طولون " قالوا: كان كثيرا ما يطرقنا الأميرأحمد بن طولون.. فشكونا إليه يومأ أمر " ابن مدبر " صاحب الخراج بمصر. وقلنا له: إنه يطالبنا بجزية رءوسنا وقد أسقطت عن أمثالنا على مر السنين. فوقع إليه بخطه توقيعأ وقال لنا: احذروا أن تجعلوا توقيعى هذا كالسيف الذى يصول به صاحبه، ولكن استعملوا الاستكانة عند إيصالكم إياه إليه، والمسألة وحسن التلطف. فعجبنا من قوله، وصرنا إلى " ابن مدبر " وإذا به قد بلغه خبر التوقيع. واستعملنا ما أمرنا به الأمير، فأخذ التوقيع منا، وبلغ بنا فوق ما نحبه!!.. والثانى: أن " ابن طولون " أرسل أحد قواده ليجمع الخراج، فاغتصب القائد من راهب خمسمائة دينار، إذ قيل: إن هذا الراهب يملك كنزا. فبكى الراهب وحزن، فأشير عليه بأن يذهب إلى الفسطاط ويكتب قصته ويقدمها لابن طولون، فإنه " أمير عادل منصف " ففعل الراهب ذلك. فرآه حاجب " ابن طولون "، وكان الحاجب صديقا للقائد الظالم. فسأل الحاجب الراهب عن حاجته فقص عليه القصة، فخشى الحاجب من تأديب " ابن طولون " لصاحبه، فدفع للراهب خمسمائة دينار بدلا عن القائد، واسترضاه فرضى وعاد إلى بلده. ص_193
(1/183)

وعلم بالحادثة بعض الناس فأبلغوها إلى " ابن طولون " فأحضر القائد والحاجب والراهب. ثم قال للراهب: كان سبيلك ـ ويلك ـ أن تدعي عليه ـ أى على القائد ـ بثلاثة آلاف دينار، حتى آخذها لك منه، وأجعل ذلك تأديبا له ولغيره. ثم قال للحاجب: والله لولا أنها مكرمة سارعت إليها، وجميل رغبت فيه، وقد قال الله عز وجل: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) لعمرت بك المطبق" سجن ابن طولون ". ولكن احذر أن تعاود مثلها، ولا تستبدن بأمر تأتيه دون أن تعرفنا به، ولا تطو عنا خبرا ولا سرا ولا قصة ترفع. فقال له الحاجب: أقلنى أيها الأمير أقالك الله، فوالله لا أعود لمثلها أبدا. قال: فانصرف إلى موضعك!. ثم التفت " ابن طولون " إلى القائد وقال له: أفى رزقك تقصير عن مئونتك؟ قال: لا. قال: فأخر عنك استحقاقك تأخيرا يضطرك إلى ما أتيته؟. قال: لا. قال: فبأى حال استحللت أن تأخذ من هذا البائس الضعيف ما تقطع به قلبه، وتبكى عينه، وتفقره وأهله؟. ألك حاجة أوجبت ذلك عليك، أو ضرورة دعتك إليه؟.. المطبق!.. وأمر بسجنه!. وهكذا حبس القائد الكبير فى قبطى مظلوم! *** ومن قرون فقد المسلمون سبقهم الأدبى والمادى فقدانا أزرى بأمتهم الكبرى وألحق بهم هزائم شنيعة. ص_194
(1/184)

ومرد ذلك إلى الفتوق التى أصابتهم من داخل بلادهم نفسها، والفتن المترادفة التى التوت بمناهجهم وأهدافهم. وفى إبان الخلل الذى أصاب الإسلام دعوة ودولة، استطاع المعسكر الآخر أن يثب إلى الأمام وثبا، وأن يحرز سبقا بعيدا فى ميادين الحياة العامة. فلما زحفت الحضارة الحديثة إلى العالم، استطاعت طائفة من المبشرين بالنصرانية أن يتسللوا فى ركابها، وأن يهبطوا إلى بلاد التوحيد. محاولين استغلال الهزيمة العسكرية لرد المسلمين عن إيمانهم العميق. ومحاولين انتهاز الأزمات القاسية التى أجاعت وعرت وأمرضت الشعوب المغلوبة كيما يعلقوا القلوب بالنصرانية التى تساوم على تقديم المعاونات لتفريج هذه الأزمات. ولكن المدهش أن الدعاة إلى النصرانية عجزوا أفضح العجز عن إدراك هدف قريب أو بعيد من أهدافهم. فما تنصر مسلم، بل على العكس مازال الإسلام المهزوم عسكريا يفتح آلاف القلوب، ويترك فيها غرس الحقيقة السمحة، لتزدهر بعد وتثمر. قال الكونت هنرى: " من الصعب أن نتصور حالة مسلم، يريد مبشر مجتهد أن يدخله فى النصرانية. إننا لو شبهنا حالته بمسيحى مستنير يريد وثنى أن يميل به إلى عبادة الأصنام لكان التشبيه ناقصا. والسر فى استعصاء المسلم على التدين بالنصرانية استعصاء قويا هو استهجانه الشديد لمبدأ التثليث، واستغرابه لوجود عقول تسيغه، وإعجابه الإعجاب كله بعقيدة التوحيد، وإحساسه باتساقها مع البداهة. والمسلم يعتقد أن دينه يفضل النصرانية درجات. وأن من المستحيل على المسيحيين أن يرتابوا ـ عقليا ـ فى سلامة الإسلام. ". ثم يقول الكونت: "… إنهم ـ أى المسلمين ـ يتخذون مسالمتنا لهم، حين نعزف عن مجادلتهم، اعترافا ضمنيا بأن دينهم أقوى سنادا، وأصح اعتقادا. ص_195
(1/185)

إنهم يعبدون الله تعبدا ذهنيا، وليس لدينهم من علامات أو وسائل خارج النفس. وهم يرون فى احتفالات النصارى ضربا من الوثنية. وهم ـ وإن سموا أرباب الإنجيل أهل كتاب ـ لا يجعلونهم فى الرتبة التى تلى المسلمين. بل ربما مقتوهم لأنهم غيروا ما أنزل الله عليهم من الدين!! ". ونحن ننبه مرة أخرى إلى أن الكاتب مسيحى فرنسى، وأنه يقول هذا فى صدد التحدث عما تعانيه فرنسا من صعوبة فى تنصير الجزائريين. ولعلك تفهم بعدئذ بقية كلامة حين يقول: ".. إن أعظم عامل فى انتشار الإسلام ـ خصوصا بين الزنوج ـ هو بساطة مذهبه وسذاجة تعاليمه، كما يبدو ذلك جليا فى آيات القرآن. فهو أكثر ملاءمة لطبائع الهمج الذين لم يعرفوا دينا من قبل " كذا ". وكلما وجد الرجل الجاهل دينين متحدين فى تقريرهما لوحدانية الله وخلود الروح، كالإسلام والنصرانية تراه يختار الدين الذى لا يزيد شيئا عن هاتين الحقيقتين، فيعتنق الإسلام لا محالة. وهذه مزية يفضل بها الإسلام غيره فى حسن التلقى وسرعة الانتشار، وهى مزية عرفت من القرن السابع عشر. قال القس " ماراشى" فى كتابه "الرد على القرآن ": "... ولا يغيبن عن ذهن القارئ أن هذه الطائفة الشريرة، أو الخرفة، أو ما تشاء لها من أسماء ـ يعنى المسلمين ـ لا تزال حافظة لكل ما فى النصرانية من أمور ظاهرة الوضوح قريبة التصديق، يضاف إليها ما يوافق نظام الكون وقانون نشأة الدنيا. وقد أبعد الإسلام عنه أحاجى الإنجيل التى نخالها أول الأمر غير صحيحة، أو بعيدة عن المعقول، كما أنه جرد تعاليمه من كل قاعدة يشد بها الخناق على البشر. وبذلك أزاح من طريقه العقبتين اللتين يحس الواحد منا بأنهما الحاجز بينه وبين الدين الحق " يعنى النصرانية ". ص_196
(1/186)

ومن ثم كان الوثنيون الذين يريدون ترك دينهم فى أيامنا هذه يؤثرون الإسلام على المسيحية ". والمرء لا يدرى، أيضحك عجبا أم سخرية من هذا الكلام؟. الإسلام لا يصلح إلا للأمم الساذجة، لأن غباوتها تعجزها عن فهم الثلاثة واحدا..!!!. والإسلام لا يصلح إلا للأمم الساذجة، لأنها لا تستطيع أن تفهم كيف يذنب قوم ويعاقب آخرون فداء لهم.. أما الأمم الذكية فهى ـ بعبقريتها ـ تستطيع حل هذه الألغاز. ومن ثم فبساطة الإسلام تجعله دين السود، ومن فى مرتبتهم، لأن أفكارهم لا تطيق فهم المعميات التى شحنت بها الديانات الأخرى... إذا محاسنى اللاتى أدِل بها كانت ذنوبا فقل لى: كيف أعتذر؟؟ فلندع حديث العقل فى العقيدة، والعدل فى الجزاء، لمن تطيق عبقرياتهم فهم العقيدة بلا عقل والجزاء بلا عدل. نصوص من الكتاب المقدس. ولننقل فقرات من الكتاب المقدس ـ وهو الكتاب المفروض أنه نزل بوحى من الله هداية للناس إلى الطريق المستقيم ـ . ونحن نختار هذه الآيات من ثمانية إصحاحات بدأت من ص 985 إلى ص 991 نشيد الإنشاد الذى لسليمان: ".. ليقبلنى بقبلات فمه لأن حبك أطيب من الخمر، لرائحة أدهانك الطيبة اسمى دهن مهراق. لذلك أحبتك العذارى، أجذبنى وراءك فنجرى.. أخبرنى يا من تحبه نفسى، أين ترعى، أين تربض عند الظهيرة. ... صرة المر حبيبى لى بين ثديى يبيت. كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبى بين البنين، تحت ظله اشتهيت أن أجلس وثمرته حلوة لحلقى. أدخلنى إلى بيت الخمر، وعلمه فوقى محبة.. ص_197
(1/187)

أسندونى بأقراص الزبيب، أنعشونى بالتفاح فإنى مريضة حبا. شماله تحت رأسى وبمينه تعانقنى. أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء، وبأيائل الحقول ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء... هو ذا واقف وراء حائطنا يتطلع من الكوى، يوصوص من الشبابيك. أجاب حبيبى وقال لى: قومى يا حبيبتى، يا جميلتى وتعالى. فى الليل على فراشى طلبت من تحبه نفسى، طلبته فما وجدته إنى أقوم وأطوف فى المدينة فى الأسواق وفى الشوارع أطلب من تحبه نفسى. طلبته فما وجدته وجدنى الحرس الطائف فى المدينة فقلت: أرأيتم من تحبه نفسى؟. فما جاوزتهم إلا قليلا حتى وجدت من تحبه نفسى فأمسكته ولم أرخه حتى أدخلته بيت أمى وحجرة من حبلت بى. أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء، وبأيائل الحقول ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء. ها أنت جميلة يا حبيبتى عيناك حمامتان من تحت نقابك.. شفتاك كسلكة من القرمز. وفمك حلو. خدك كفلقة رمانة تحت نقابك. ثدياك كحشفة ظبية. كلك جميل يا حبيبتى ليس فيك عيب. هلمى معى من لبنان يا عروس معى من لبنان. قد سلبت قلبى يا أختى العروس كم محبتك أطيب من الخمر. وكم رائحة أدهانك أطيب من كل الأطياب. شفتاك يا عروس تقطران شهدا. تحت لسانك عسل ولبن ورائحة ثيابك كرائحة لبنان. ليأت حبيبى إلى جنته وبأكل ثمره النفيس. كلوا أيها الأصحاب واشربوا واسكروا أيها الأحياء أنا نائمة وقلبى مستيقظ وصوت حبيبى قارعا. افتحى يا أختى يا حبيبتى يا حمامتى. وقد خلعت ثوبى فكيف ألبسه وقد غسلت رجلى فكيف أوسخهما. حبيبى مد يده من الكوة فأنت عليه أحشائى. ص_198
(1/188)

حبيبى أبيض وأحمر.. قصصه مسترسلة حالكة كالغراب.. خداه كخميلة الطيب. شفتاه سوسن.. يداه حلقتان ذهب.. بطنه عاج أبيض مغلف بالياقوت الأزرق. ساقاه عمود الرخام... فتى كالأرزة. حلقه حلاوة وكله مشتهيات. هذا حبيبى وخليلى يا بنات أورشليم. ما أجملك وما أحلاك أيتها الحبيبة باللذات. قامتك هذه شبيهة بالنخلة وثدياك بالعناقيد. قلت: إنى أصعد إلى النخلة وأمسك بعذوقها وتكون ثدياك كعناقيد الكرم ورائحة أنفك كالتفاح وضلك كأجود الخمر. أنا لحبيبى وإلى اشتياقه. تعال يا حبيبى لنخرج إلى الحقل ولنبيت فى العرى هنالك أعطيك حبى. ليتك كأخ لى الراضع ثدى أمى فأجدك فى الخارج وأقبلك ولا يخزوننى. وأقودك وأدخل بك بيت أمى... فأسقيك من الخمر الممزوجة من سلاف رمانى. شماله تحت رأسى ويمينه تعانقنى. أحلفكن يا بنات أورشليم ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء. أ. هـ. * * * خطب المطران " مبارك " أمام الشيخ " بشارة الخورى " رئيس جمهورية لبنان وأمام " رياض الصلح " رئيس الوزارة فقال : إن الكتاب المقدس من سفر التكوين إلى رؤيا يوحنا اللاهوتى كتاب سماوى روحى ربانى. فهل سمعت هذه الآيات البينات من الكتاب المقدس؟! أخشى أن تكون شابا مستطار الشهوة فتعصفا صورها الحمراء بضميرك.. ما هذا؟ سليمان النبى يرسل هذا الشواظ من فمه ليحرق به بقايا ما استقر فى الفطر من عفاف...؟؟ يا عجبا لهذه الآيات التى ينساب فيها أفعى الغرام متلويا مهتاجا كأنما يرقص على أنغام موسيقى دنسة.. ص_199
(1/189)

ولكن لماذا نعترض؟ إن المسلمين أغبياء لأنهم لم يرتفعوا إلى المستوى الذى يفهمون فيه كيف أن الثلاثة واحد. وهم أغبياء. كذلك. لأنهم لا يريدون أن يفهموا كيف يقتل امرؤ بخطايا آخرين. وهم أشد غباوة لأنهم لا يفهمون من الآيات السابقة فى نشيد سليمان أنها دعوة إلى الأدب العالى وتهذيب للشهوة الحيوانية الطاغية. ! لست أشك فى أن الألوف المؤلفة من المسيحيين لم يقرأوا هذه الآيات " الملتاعة إنهم ورثوا الدين كما يرث المرء لقب أسرته. فهو يتعصب له لأنه لقب أسرته فحسب. ومن يدرى؟ ربما كنا كذلك لو لم نستمع إلى القرآن الكريم ونتعرف الحق من نصوصه التى لا يرقى إليها شك. ومن خلال الوحى المحكم الذى نتلوه ونتدبره عرفنا أن الله واحد. وأن كل امرىء رهين بما كسب. وأن الرسل جميعا متفقون على تعليم البشر هذه الحقائق السهلة. وأن هؤلاء المرسلين كانوا معلمين أخبارا، وكانوا جميعا على طراز عال من الخلق الزكى والمسلك الطهور.. وعرفنا أيضا من قرآننا أن النصرانية الأصيلة لم تخرج قط عن هذا النطاق الواضح، وكذلك اليهودية.. لكن طوارىء الفساد التى غلبت على تراث موسى وعيسى أتاحت للوثنية الأولى أن تفرض نفسها على تعاليم الديانتين. وأبرز مظاهر الوثنية، هو تعدد الآلهة، وتقديم القربان كفارة الخطايا، وإسقاط كرامة الأنبياء جميعا حتى لا تكون بهم أسوة حسنة. وقد جعل دور عيسى بن مريم مشتركا فى هذه النواحى كلها. فهو إله مع الله، وهو قربان تكفر به الذنوب. ص_200
(1/190)

وهو الذى يقول عن الرسل السابقين كما جاء فى الإصحاح العاشر من إنجيل يوحنا: " جميع الذين أتوا قبلى هم سراق ولصوص ". ولا غرو، فالذى أجرى على لسان " عيسى" هذه الكلمة هو الذى أجرى على لسان " سليمان " ثورة الحب والهيام التى قرأتها فى نشيد الإنشاد!!. *** ومع ذلك يتساءل كثير من النصارى عن سر انتشار الإسلام. فمن قائل: انتشر بقوة السلاح. ومن قائل: اعتنقته الأمم الغبية. ومن قائل: دخل فيه طلاب الشهوات. ومن قائل.. إلخ. وأبى أولئك الأذكياء أن يفكروا فى العلة الأولى لدخول الجماهير الهائلة فى الإسلام. هذه العلة الأولى هى ما لديهم هم من تعاليم لا يصدقها عاقل، ولا تطيب بها نفس امرئ حصيف!.. أيا ما كان الأمر فقد بسط الإسلام جناحيه على العالم قديما، وترك الحرية لأتباع الديانات الأخرى أن يصروا على موروثاتهم أو يهجروها إلى شرعيته الجديدة، ونتج عن ذلك أن دخل فيه ألوف. ثم بقيت فئات من الناس داخل الرقعة التى ملكها، مستمسكة بأديانها، ولا حرج فى ذلك عليها. لكنها ـ مع الأسف ـ تكره الإسلام وتحس كأنما كان تقدمه على حسابها. فهى تود له العنت، وتنتظر له الخبال... ص_201
(1/191)

وليس أدل على ذلك من أن بطريرك المارون " أنطون عريضة "، والمطران "غناطيوس مبارك " كانا حربا على الجامعة العربية لتوهمهما أنها مقدمة جامعة إسلامية! وكانا عونا على عرب فلسطين مع اليهود لأنة حبيب إلى قلوبهم أن يكون اليهود مواطنين، وأن يكون المسلمون مشردين!. وذلك شكر اليد التى قدمها الإسلام فى العصور الوسطى يوم كان قادرا على إفناء هذه الطوائف ثم تنزه على الإساءة إليها، أو سلبها حرية عبادتها. لأنه لا إكراه فى الدين *** لقد شعر الدعاة إلى النصرانية أن إدخال المسلمين فى ديانتهم مستحيل. فماذا يصنعون لهدم الإسلام الذى يمقتونه أشد المقت؟. قرروا أن يفسدوا أبناءه بتسليط الشهوات عليهم وإشاعة الإلحاد الأعمى بينهم. سئل رئيس مدرسة تبشيرية فى فلسطين: كم نصرت من أبناء المسلمين؟ فكتب إلى سادته الذين أرسلوه، لا تسألوني كم مسلما نصرته، ولكن سلونى كم معولا صنعته من هؤلاء الأبناء لهدم الإسلام نفسه!!! ومناهج الدراسة التى تخرج اليوم أبناء الإسلام مفروض فيها أن تقطع صلتهم بدينهم فلا يتعلمون منه حكما ولا يتربون منه على فضيلة. وبذلك تشب الأجيال الجديدة غريبة عن الإسلام بل عدوا لتقاليده وشرائعه. فإذا كانت هذه الناشئة المقطوعة عن دينها هى التى تلى الوظائف الصغرى، والمناصب الكبرى فلن ينتظر منها إلا أن تصنع بدينها الموروث مثل أو أشد مما يصنعه به خصومه الناقمون عليه.. وذلك ما يثلج صدور الصليبيين فى حملتهم الحديثة على الإسلام. إن الحضارة المادية الأخيرة تهاجم مبدأ الإيمان بالله واليوم الآخر. ص_202
(1/192)

وإذا أفلحت فى غزو مسلم أفسدت قلبه وشككته فى ربه فإنه سيترك قيود إسلامه لينطلق مع حياة الإلحاد المطلق. ويستحيل أن يترك الإسلام إلى النصرانية. لأنه إن رأى الإسلام خطأ فى فهم الحياة فسيرى النصرانية جنونا مطبقا وحماقة كبرى!!. والذى يستبعد من طريقه إيمانا قائما على قواعد المنطق لن يلتفت أبدا إلى إيمان معزول عن العقل والعدل ورجال الكنيسة الكارهون للإسلام يعرفون هذا حق المعرفة. بيد أنهم يرون شيوع الإباحة والإلحاد فى الدنيا كلها أدنى إلى عواطفهم من بقاء الإسلام فى بلد استقر فيه دهرا طويلا. ولقد تظاهر الغزو الصليبى والاحتلال الأجنبى على بلوغ هذه الغاية الخسيسة، كلاهما يريد القضاء على الإسلام والإجهاز على روح المقاومة فيه. فأما ألاحتلال العسكرى، فهو يرى فى بقاء الإسلام خطرا على كيانه. إذ سيظل المسلمون المخلصون يقاتلون عدوهم ويستمسكون بحقوقهم، وينتهزون كل فرصة لرده من حيث جاء. وأما الهجوم الصليبى فقوامه الغل الذى يتوارثه رجال الكنيسة على الإسلام وأهله. ولو مكنتهم أيديهم من إشباع رغائبهم لملأوا بلادنا بالمذابح التى توارينا على عجل تحت أطباق الثرى! ما سر هذا الغضب الهائل على الإسلام وأهله؟ أهى كراهية المريب لمن يعرف حقيقته ويكشف خبيئته؟ فالكنيسة يهيجها من الإسلام أنه يلفت الأنظار بقوة إلى ما فى مبادىء التثليث والفداء من تناقض وغرابة!! أم هى الرغبة فى الانفراد بالبقاء؟ ص_203
(1/193)

إذ الكنيسة تعلم أنه فى سوق التنافس الحر بين الأفكار والأديان لن تلقى بضاعتها رواجا. فهى تلجأ إلى وسائل الدس أو العنف لتطرد السلع الأخرى من السوق، وتمنعها من التداول.. المهم أن الحضارة المادية الحاكمة فى الغرب والكنيسة المسيحية المحكومة هناك قد اتفقت مصالحهما فى القضاء على الإسلام وإظلام حاضره ومستقبله.. وأنهما رأتا الطريقة المثلى لتحقيق مأربهما هى إفساد التعليم بإقصاء الدين عنه. وبذلك يتخرج الوزير الكبير والضابط الكبير والطبيب الكبير والمهندس الكبير.. إلخ. وكل أحد منهم لا يفهم من دينه حرفا، بل لعله يعرف عن دينه ما يزهده فيه. وبذلك يتم الارتداد عن الإسلام فى صمت وأمان.. ! ويصل الصليبيون الجدد إلى ما عجز أجدادهم عن الاقتراب منه فى العصور الوسطى بعد حرب دامت أجيالا!! وقد شعر المسلمون المخلصون بخطورة المصير المرسوم لدينهم، فهبوا يصرخون محذرين من عواقبه حتى بحت أصواتهم وليس من مجيب!! وآخر ما قرأناه فى ذلك نداء وجهته جبهة علماء الأزهر إلى رئيس مجلس الوزراء قالت فيه: " إن الشعب المصرى من أقوم الشعوب علما بشريعة الإسلام، وتمسكا بأحكامه وآدابه، وحفظا لكتابه وسنته. وكان لتعليم الدين المكان الأول فى مدارسه. لأنه عرف أن طلب العلم الدينى فريضة على كل مسلم ومسلمة. وبهذا حافظ المصريون على شعائره وتقاليده وأقاموا أحكامه وحدوده، فعزوا وتزعموا غيرهم من الأمم ص_204
(1/194)

وان جبهة علماء الأزهر ـ وواجبها الأول هو المحافظة على تعاليم الإسلام، والعناية بنشرها بين جماعات الأمة ـ ليؤسفها أشد الأسف أن ترى موجة عاتية من الجهل بأحكام الدين قد عمت قلوب الناشئة. فشوهت عقائدهم وتقاليدهم، ومسخت أخلاقهم وأفكارهم. فأصبحنا نرى المبادئ الفاسدة، والأخلاق المرذولة تسود حياة الشباب، وتوالت العلل على مجتمعنا المتدين. فتنكرت الناشئة للمثل العليا، وكادت موازين الأخلاق الكريمة والأدب الرفيع تنهار. فمن تبرج وصل إلى حد العرى، إلى ميوعة فى المعاملة، إلى إعراض عن عبادة الله، ووزن كل شئ فى الحياة بميزان المادة. وهذا لأن وزارة المعارف فهمت أن حياة الأمة الرشيدة ليست بحاجة ماسة إلى تعليم الدين، بل يكفى أن تقوم على ثقافة مجردة قوامها التوسع فى الرياضيات واللغات والمعلومات العامة، ولهذا لم تخصص للدين إلا دروسا تافهة. ومع هذا جعلت تعلمه اختياريا، ولم تعممه فى مراحل التعليم كلها. حتى أصبحت دروس الدين لا يأبه لها أحد، لا التلميذ ولا المدرس. لأن التلميذ إنما يحفل بالمواد التى سيترتب على حذقها نجاحه آخر العام. إن مدارس الأمة هى القوامة على تهذيب النشء وتثقيفه، وغرس الفضائل وتقوى الله فى النفوس، والتعريف بأحكام الإسلام وعقائده على وجه صحيح، حتى يستطيعوا أن يسيروا فى الناس سيرة مؤدبة نبيلة، وأن يردوا عن قلوبهم الأفكار السقيمة التى تنشرها مجلات مريضة، وكتب مسمومة. هذا هو الواجب الأول للمد ارس والجامعات. ولن يستطاع القيام به إلا بالتوسع فى دراسة الدين، وإلزام الطلاب به فى جميع مراحل التعليم. إن دور العلم ينفق عليها ربع مال الأمة. ص_205
(1/195)

فيجب أن تكون أداة تصوغ لمصر جيلا جديدا يعرف حقوق ربه، وحقوق الناس. يميز الخبيث من الطيب، والحلال من الحرام، يتذوق طعم الحياة الكريمة المحافظة، فيؤثر التمسك بها. وذلك لا يوجد إلا فى تعاليم الدين. فالضمائر لا يوقظها ولا يهذبها إلا خوف الله.. ومن المفارقات الغريبة أن نقص نصف درجة فى الموسيقى أو الرسم يرسب به الطالب، وأن جهله بالدين كله لا يضره شيئا.. إن ذلك جعلنا نجنى أمر الثمرات، ونشاهد فى ناشئتنا مظاهر التمرد والاستخفاف بكل فضيلة، والخروج على كل معنى كريم . ". *** لكن هذه الشناعات التى يجأر العلماء من فشوها، هى بعض ما تجتهد أوروبا الصليبية لإشاعته بيننا، إن الفساد الذى عرا الأخلاق، والتصدع الذى أصاب الجماعات خير فى نظر رجال الكنيسة من إشراف الإسلام على التوجيه العام لسياسة التعليم والتنظيم!!. وإنك لتدرك حقيقة الشعور الكنسى نحو الإسلام من القصة التالية: من عشرين عاما وفد قسيس مسيحى إلى القدس كيما يشتغل بالدعاية إلى النصرانية وبدأ هذا القسيس ـ واسمه " ألفريد نيلسون " ـ يراسل نفرا من المفكرين المسلمين، يناقشهم فى بعض حقائق الدين! ويوزع عليهم نشرات تتضمن أفكاره! وقد فند العلماء الذين عنوا به جميع ما أورد من شبهات. والحق أن الرجل كان محاميا مخلصا فى الدفاع عن ديانته، وما أزرى به أمام مجادليه إلا موضوع قضيته. ص_206
(1/196)

فإن القضية الظاهرة العوار لا ينفعها المحامى البليغ مهما أوتى من اقتدار.. ومن الرسائل التى استوقفتني: فى هذه المساجلة نصيحة أسداها الأستاذ " عيسى نبيل " المحامى بشرق الأردن إلى هذا القسيس المجتهد قال فيها: "... لست أدرى ما الذى يحملكم على تبشير المسلمين؟ خصوصا والعالم لا يزال مليئا بعبدة الأوثان! ولو ضوعف عدد المبشرين فى العالم ما كفوا لتبشير أهل الصين وحدهم. ثم لا يخفى أن هناك كثيرين يعبدون الشيطان وغيره فى أفريقيا. فلماذا لا توجهون جهودكم إليهم؟ حتى إذا انتهيتم من عملكم هذا استطعتم أن تبشروا بين المسلمين.. لا سيما وليس هناك كبير اختلاف بينكم وبينهم، هم يعبدون الله الواحد، ويقرون بالسيد المسيح نبيا ورسولا! ثم هناك أمة مسيحية يجب إنقاذها قبل المسلمين، فالمسيحيون المرتدون أقرب إليكم من غيرهم. فيجب ـ فيما أعتقد ـ توجيه الجهود لإنقاذهم، وأعنى بهؤلاء، الشيوعيين. فعندى أن المسيحيين يجب ألا يقر لهم قرار، حتى يبشروا إخوانهم الروسيين ويردوهم إلى حظيرة المسيحية. الحق يقال أن المبشرين المسيحيين يجب أن يبادروا إلى العمل فى المجاهل التى لا تعرف شيئا عن واجب الوجود ـ سبحانه ـ... إلخ ". أتعرف ما كان جواب القسيس الذكى على هذا النصح الواضح؟ قال: "... لا يجوز لنا أن نترك المسلمين دون تبشير الإنجيل. نعم إن المسلمين يعتقدون بالتوحيد، وهم يحترمون عيسى بن مريم. ولكن مجرد الاعتقاد والاحترام لا يجد ى نفعا. وبحسب تعاليم الإنجيل سيطرد فى يوم الحساب كثير من المستندين على اسم أو على اعتقاد، ولو كان صحيحا ". ص_207
(1/197)

قال القسيس : "... لأن أهم نقطة فى الدين عمل المسيح للناس كالوسيط بينهم وبين الله تعالى، حتى يؤكد لهم مغفرة خطاياهم ويدخلهم فى حالة أولاد الله! فيبعدنا عن سلطة المجرب! ويقوينا لحياة صالحة! ومع احترام المسلمين للمسيح فإنهم لا يجدون فيه شيئا من ذلك. إن اعتقادهم فى المسيح أعلى جدا من عقائد الأمم الأخرى، ولكن لا نقدر إلا أن نبشرهم بتلك البشارة... " وكلام هذا المبشر المسكين يشير إلى أن إيمان المسلمين بالله الأحد ويقينهم فى يوم الحساب لا قيمة له، لماذا؟. لأن الشيء الأول والأخير فى الدين أن تعتقد بأن " عيسى " قتل فداء لخطاياك وخطايا آبائك وأبنائك " كذا ". فإذا قلت أيها المسلم: إن ثوابى أو عقابى ليس إلا نتيجة عادلة لخطئى أو صوابي، ولا مدخل لأحد أبدا فى حسابى. قال لك هذا المبشر المسكين: إنك كفرت وطردت، ولا قيمة لإيمانك بالله لإجلالك عيسى بن مريم.. ولما كان الإيمان بالله واليوم الآخر هو التراث الباقى لدى النصرانية من وحى السماء، وكانت فكرة القربان فداء الخطيئة هى العنصر الدخيل من الوثنية الأرضية كان معنى ذلك، أن مسلك المبشرين النصارى يقوم على تحقير الصلة الوحيدة التى تربطهم بالسماء، وتضخيم الخرافة الكبيرة التى تلصقهم بالأرض. ولو كان لدى هؤلاء القساوسة نصيب من سداد، لجعلوا الإيمان بالله ركنا قائما لا مسألة تافهة، ولجعلوا الصلب نافلة ثانوية لا دعامة خطيرة!! ولكن حظ الشيطان غلب. ولا أدل على غلبة حظ الشيطان من أن الكنيسة رتبت أعداءها الألداء فكان الإسلام أول أولئك الأعداء. فى سبيل القضاء عليه، حالفت المجوسية ولو كانت كفرا بالله. وفى سبيل القضاء عليه، حالفت اليهودية ولو كانت تحقيرا لعيسى.. ص_208
(1/198)

فكانت بعض المؤسسات المسيحية فى الولايات المتحدة تكتب بأضواء الكهرباء : "ادفع دولارا واحدا تقتل عربيا " فى فلسطين. وفى سبيل القضاء على الإسلام حالفت الإباحية التى جعلت الأعراض كلأ مباحا، تركتها تنتشر فى الغرب ثم تنتقل إلى الشرق. ولكن الخطايا ليست أمرا جللا، فإن صلب عيسى غفرها لأتباعه سلفا!!. إن الأمر الجلل هو بقاء الإسلام. تلكم صورة عارية لشعور الكنائس المختلفة نحو الإسلام وأهله. وهى صورة ينقبض لها فؤاد المسلم الذى يود لو يلقى الناس كلهم بوجه ضحوك وقلب تقى. وقد تحدث بعض خبثاء المستشرقين مبرراً ضغائن قومه على الإسلام. فزعم أن الإسلام هو الذي بدل موقفه. إذ بدأ أول أمره مسالما موادا، فلما استشعر القوة وملك السلطان تنكر لأهل الكتاب. أما أن الإسلام بدأ أمره مسالما موادا فهذا حق. وأما أنه وجد من أهل الكتاب ـ يهودا أو نصارى ـ تقديرا لهذه المسالمة أو احتراما لهذه الموادة فذاك باطل. ليدلنا من شاء على موقف واحد فى التاريخ وقفه رجال اليهودية أو النصرانية فيه مؤازرة للإسلام وهو يكافح الوثنية، أو فيه حياد مشرب بعطف، أو حياد مجرد، أو امتناع فحسب عن مساعدة عباد الأصنام. ليدلونا ـ إن استطاعوا ـ على موقف واحد. هادنت فيه الكنائس المسيحية خصومها فى الرأى أو العقيدة، ومكنت فيه أعداءها من إقامة شعائرهم التى يقدسونها. ص_209
(1/199)

لقد بدأ الإسلام فصرح: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير). فكأن أهل الكتاب من يهود ونصارى كانوا يحتكرون رب العالمين لأديانهم برغم ما خالطها من تشويه، وشاب تاريخها من إجحاف. فهم يثبون على الإسلام ودعاته من كل جانب. يريدون إخراس ألسنتهم، بل يريدون انتزاع أرواحهم من جسومهم. فأى عاقل يلقى هذا التنكر والصدود بالراح العزلاء.؟ وأى كريم يبذل وده لمن يرفض وده ويبغى قتله؟ إن الإسلام مازال على موقفه الأول، لو لقى من اليهود والنصارى عرفانا بالحقائق واحتراما لذويها، والتزاما للحدود الصحيحة فى شتى المعاملات. *** ويوجد من أهل الكنائس أناس أوتوا حظا من السماحة والبصر، عاملوا المسلمين بكرم ونبل، فبادلهم المسلمون التحية بخير منها وحافظوا أتم المحافظة على مشاعرهم ومناسكهم. وكم نرجو لو يكثر هؤلاء المنصفون، وكم نرجو لو ملكوا زمام قومهم، فعاشوا وعشنا معهم فى وئام وطمأنينة.. لكن هؤلاء المعتدلين لا يجدون استجابة من قومهم. فإن روح الحقد المتأصل على الإسلام تدمر ما أمامها، وتجابه المسلمين بأوضاع محرجة. وقد لاحظنا ذلك حتى فى الأقليات الدينية التى تخلفت بهذه الديار بعد انتشار الإسلام فيها. ص_210
(1/200)

إن هذه الأقليات تأبى الاعتراف بأن دينا جديدا قد ألقى رحاله هنا، وأن كثرة كبيرة قد آمنت به!!. ويبدو هذا الإباء فى محاولاتها المتعمدة أن تفرض وجودها بالعنف أو اللطف على كل شئ ولو على حساب الكثرة الطيبة المهادنة.. فإذا كان فى بلد ما مائة أسرة، تسعون منها مسلمة، تصلى فى أربعة مساجد، فإن الأسر العشر الباقية تحاول أن يكون لها أربع كنائس أو خمس!!!. ولماذا تبذل هذه المحاولات؟. إنها رغبة من القلة المتوجسة فى إثبات بقائها وتدعيم كيانها، وإبراز طابعها على الأرض التى تحيا فيها.. عليها كلها!!.. وربما أحست الكثرة بهذه النيات، فوضعت قيودا على بناء الكنائس، محافظة منها كذلك، على أن يكون مظهر البلاد إسلامنا مادامت كثرة السكان مسلمين. والنزاع بين القلة والكثرة هنا ليس نزاعأ على حرية العبادة، فهى ليست موضع جدل. بل نزاع على أى الفريقين يترك طابعة على البلاد؟ الكثرة المسالمة أم القلة المتحدية؟!! القلة التى تريد أن تبنى فى كل قرية متداعية البنيان كنائس سامقة الجدران ـ للإعلان لا للعبادة ـ والتى تتخير الأحياء الحساسة فى المدائن الكبرى لتدفع بأبراجها فى الفضاء، كأنما تقول للكثرة المسلمة: إنكم هنا غرباء طارئون!! وإن دينكم فى عواصمه الكبرى لا ينبغى أن يحتل إلا منزلة مهينة. وقد امتد هذا التحدى من ناحية العقائد إلى الناحية العمرانية العامة. فإن الأقليات المتحفزة للسيطرة على البلاد، الحالمة بعودة الحكم المطلق إليها، تعمل ـ جاهدة ـ على استغلال كل نفوذ تحرزه فى الإدارة والوظائف، لخدمة مصالحها الخاصة. ص_211
(1/201)

وعندما تولى "بطرس غالى باشا" رياسة الوزارة فى القرن السابق تمكن من أن يبيع للأقباط من أملاك الحكومة أرضا شاسعة فى الصعيد بأثمان سمحة. وذلك سر الثروات الضخمة التى تكونت لهم هناك. على حين يعيش أكثر المسلمين فقراء مضيعين. ولست أبخس الأقباط حقهم باعتبارهم طائفة نشيطة تستحق حياة حسنة. فمعاذ الله أن أجنح إلى ظلم. بل غاية ما أريده أن أضع حدودا واضحة بين ما يحصل المرء عليه بجده، وما يكسبه بوسائل ملتوية. أهمها استغفال الكثرة وانتهاز سماحتها لإضاعة حقها، ثم الطعن عليها بعدئذ، واتهامها بالتعصب الأعمى!!. وهكذا ينقلب الظالم مظلوما. *** إننى أكره التعصب، وأحس المرارة التى ذاقها المستقدمون والمستأخرون من لوثاته.. وكيف لا نكره التعصب، ونحن ـ المسلمين ـ أشد الأمم تعرضا لآثامه وآلامه؟. إلا أننا ـ وإن كرهنا التعصب ـ ننبه إلى منقصة شر منه. ونعنى بها جحود السماحة واستضعاف صاحبها الكريم السهل. أليس مما يغص الإنسان به أن ثلاثمائة وألفا من السنين تمر على الأقلية اليهودية فى بلاد الإسلام، فلا تضار فى مال أو ولد. ويمر عليها هذا الدهر الطويل فى بلاد النصرانية وهى تطارد من بلد إلى بلد... ثم ماذا تكون العقبى؟؟. أما جزاء المطاردين فقد ترك اليهود بلادهم هاربين. أما جزاء السمحاء الأخيار فقد أقبل اليهود على بلادهم هاجمين. كأن جزاء التعصب أن يسلم أصحابه من العدوان، وجزاء الاعتدال أن يتحمل أصحابه الهوان.. ص_213
6- افتراء من الألف إلى الياء ص_214
(1/202)

دخل الإسلام مصر بعدما تمكنت قواته من طرد الرومان المحتلين، وتعقب فلولهم المدحورة حتى اضطرتهم إلى الجلاء عن البلاد كلها. وقد أحس المصريون على عجل بأنهم ليسوا أمام فاتح تغريه نشوة النصر بالبغى والاستعلاء. بل أمام رجال تحكمهم أخلاق فاضلة، وتضبط سلوكهم شريعة واضحة، وأن البون بعيد بين كبرياء الرومان وبساطة المسلمين. ومع كثرة مؤرخى النصرانية الحاقدين على الإسلام، فإن أحدا منهم لم يجرؤ على اتهام العرب بأنهم أكرهوا قبطيا على ترك دينه، أو حرضوا على دخول الإسلام بأساليب تجافى المنطق الحكيم. ومع ذلك فإنه لم يمض نصف قرن على دخول الإسلام فى مصر حتى تحول إليه أكثر النصارى، كما يتحول الناخبون فى البلاد الحرة من حزب إلى حزب، وكما يؤثرون منهاجا على منهاج. وما هى إلا أيام حتى أصبحت النصرانية دين قلة محدودة تعتمد فى بقاء موروثاتها وطقوسها.. على سماحة الإسلام وأهله فحسب. والحق أن هناك ألوفا مؤلفة من النصارى تستبطن الريبة فى عقيدتى الثالوث والفداء، أو تستشعر التبرم الخفى بهما. وتود لو تخلصت منهما كما يتخلص الحمال المثقل من عبء أبهظ كواهله. فإذا واتت فرص مناسبة للدخول فى عقيدة أخرى دون غضاضة تلحق النفس من الانخلاع عن عقيدتها الأولى، كان ذلك إيذانا بتحول واسع النطاق. وذاك سر انتشار الإسلام لا فى مصر وحدها، بل فى الرقعة الفسيحة التى أبعد عنها سلطان الضغط والقسر... إن جماهير الأقباط ـ الذين أسلموا عن رغبة ـ لم يتركوا نصرانيتهم الأولى إلا بعد اقتراب نفسى وعقلى من تعاليم الدين الجديد. وقد كان الحكام المسلمون فى العصر الأول يرقبون هذا التطور فى صفوف الشعب وهم فى موقف الحياد الدقيق. ص_215
(1/203)

بل ربما كان مسلك بعضهم أقرب إلى الصد عن الإسلام من تحبيب الناس فيه وإغرائهم باعتناقه. ولا ريب أن فى الأقباط رجالا كرهوا هذا الأمر، وراعهم الانتقاض المفاجىء على الكنيسة. وربما اعتبروا إقبال إخوانهم على الإسلام خيانة لتراث النصرانية، وموالاة للدولة المقبلة، وربما أهاج ذلك ضغائنهم على الدين الجديد، فأضمروا لأهله الشر. بيد أن ذلك كله لم يجعل الحكومة فى يد الإسلام سوط عذاب على المخالفين. فبقيت الديانات الأخرى لمن رضى بها لا تلقى من أحد عنتا، ولا يجد أهلها فى الاستمساك بها حرجا. وقد أثبت التاريخ حقيقة رائعة، أن المسيحية أو اليهودية تستطيع أن تعيش فى ظل الإسلام ـ إذا حكم ـ معيشة طيبة. لكن كلتا الديانتين إذا حكمت لا تسمح للإسلام أن يعيش فى ظلها. وتلك علة بقاء الأقليات الدينية فى الشرق الإسلامى، وفناؤها فى أوروبا المسيحية. *** ولو قارنا بين الفتح الإسلامي للبلاد المسيحية، والفتح المسيحى للبلاد الإسلامية لاسودت وجوه الأدعياء المفترين. وسنفرد بابا خاصا بإفناء المسلمين فى أسبانيا، والمراسيم والقوانين التى أصدرها البابا والملوك النصارى لتنظيم هذا الإفناء الذريع. إن المسلمين لا تتحرك فى ضمائرهم نوايا الغدر والفتك بمن يخالفونهم فى الدين. وقد مضت قرون طوال على انفراد الإسلام بالسلطة المطلقة فى العالم أجمع. لو شاء المسلمون خلالها أن يبيدوا خصومهم لفعلوا. لكن الذى حدث أن المسلمين كفلوا حياة خصومهم، ودافعوا عنها كما يدافعون عن دمائهم وأموالهم. فلما انتقل زمام القوة من أيديهم تحين اليهود والنصارى كل فرصة للإيقاع بهم، فاستؤصل المسلمون من بقاع شتى. ص_216
(1/204)

ورأينا اليهود الذين سمح المسلمون ببقائهم فى فلسطين يتحولون إلى دولة لا تعيش إلا على أنقاض المسلمين. ورأينا الحبشة ـ التى سمح حكامها المسلمون ببقاء الأقباط فيها ـ تتحول إلى دولة صليبية هدفها إفناء الإسلام وأهله . ونصارى الحبشة هم القلة الحاكمة، ومسلموها هم الكثرة المحكومة. كأن أسلافنا احترموا حق الحياة لأولئك جميعا كيما يرتدوا على ذراريهم يسلبونهم حق الحياة، ويستنكرون عليهم أن يبقوا بإسلامهم أو يبقى بهم إسلام!. أريد حياته ويريد قتلى.! عذيرك من خليلك من مراد *** ثم جاء أخيرا هذا الكاتب الناقم على الإسلام فرأى أن يعلن عليه حربا أخرى تقوم على سلسلة من الأكاذيب الضخمة. وهداه حقده إلى الاتجاه إلى أقباط مصر، ينبئهم بما لا يعلمون هم ولا آباؤهم، ويلقى فى روعهم أنهم عاشوا فى البلاد غرضا لحملات متتابعة من التعصب المقيت "كذا".. تعصب من؟ تعصب المسلمين ضد النصارى!! وعمى الكاتب الكاثوليكى عن تاريخ كنيسته المفضوح فى ماضى الحياة وحاضرها، ونسى أنه هو نفسه موظف مسيحى يأخذ مرتبا سخيا من حكومة مسلمة، ويجلس على كرسيه الوثير ليصدر الأوامر إلى جملة من الموظفين المسلمين تحت يده..!! لقد عمى عن هذا، ونسى ذلك، وجحد النعمة الدافقة التى يعيش فيها هو وألوف من أمثاله فى بلاد الإسلام.. ثم أمسك بقلمه يكتب أن الإسلام دين تعصب، وأن حكامه وشعوبه قوم متعصبون ضد الأديان الأخرى!!. والدليل على ذلك أنه منح فى بلاد الإسلام ما يعز عليه مناله فى بلاد النصرانية نفسها. *** ص_217
(1/205)

من الأمراض التى تلحق النفس الإنسانية ما يسميه العلماء بـ" الإسقاط ". فقد تكمن فى طوايا المرء رذيلة معينة أو شهوة جامحة، تلون الحياة أمام ناظريه بصورة لا تمت إلى الواقع بصلة، لأنها فيض من نفس الناظر الذى تخيل فخال!. وقد روى الأستاذ " القوصى " فى كتابه " الصحة النفسية " قصة فتاة عانس طال عليها الحرمان، وأدبرت عنها الحياة. ولكن تشبثها العاطفى بصحبة رجل ورغبتها الشديدة فى أن تسمع ألفاظ التدليل والإعزاز أخرجاها عن طورها. فكتبت يوما إلى النيابة العامة تتهم رجلا شريفا بأنه أساء الأدب معها وتجرأ على مغازلتها !. وجىء بالرجل الذى اندهش لتهمة لم تخطر بباله! وحقق مع العانس. فتبين أن أشواقها الكامنة خيلت إليها ما لم يكن، فاتهمت الرجل بما تود لو وقع منه! لأنه حاجة نفسها المكبوتة!!. وإنك لتجد كثيرا من الناس يعيبون غيرهم برذائل هى فيهم وليست فى غيرهم لا تدرى: أيحسبون غيرهم مثلهم؟ أم أن نفوسهم قد رشحت بما اكتظت به؟ فهى تسقط رشحها هذا على الآخرين !. إن الكاتب الصليبى الذى سود صحائفه بأشنع التهم ضد الإسلام كان لاشك يعاني حالة مرضية من هذا النوع الشاذ. فالتعصب الكنسى الذى يجر وراءه مخازى قرون طوال أوهمه أن الحياة كلها لا تدور إلا على محور من التعصب الأعمى. فإذا بالمؤلف يفعل فعلة الفتاة العانس السابقة، فيطلب محاكمة الإسلام بتهم هو منها براء. لأنها فيه وفى قومه داء عياء... وحدث عن رجل يريد أن يشوه حقائق دين وتاريخ أمة! ص_218
(1/206)

ماذا يصنع فى أربعة عشر قرنا كانت الأقليات الدينية فيها مروعة فى كل مكان إلا فى أرض الإسلام؟. إنه يكذب ويكذب ويكذب، لعله يستطيع أن ينفث من دخان قلبه المحترق ما يعكر به الأفق النقى الذى امتازت به بلادنا . على حين كانت "أوروبا " ترغى وتزبد، وتضطرم أجواؤها بنيران العداوة والبغضاء بين مذاهب النصرانية المتناحرة، أو بين النصارى واليهود التائهين فى كل مكان... إن هذا الكاتب مارونى كاثوليكى، وقد جاء يستجيش أحقاد القلة من أقباط مصر على الكثرة الغامرة من سكانها، مدعيا أن المسلمين أساءوا إلى الأقباط! وأن تاريخ العلاقات بين الفريقين يشهد بذلك!. كأن الكاثوليك حراس العدالة فى الأرض. أو كأنهم ليسوا آخر من يتكلم فى هذا الموضوع !!. إن الكاثوليك حكموا الأقباط قبل المسلمين فأذاقوهم ألوان العذاب. ولو أن أولئك الكاثوليك أخذوا الأقباط معهم إلى فرنسا مثلا، أفيكون حظهم أفضل من حظ البروتستانت الذين تعرضوا لمذابح شنعاء؟! وحفظ التاريخ أخس ضروب الغدر لما أوقعه بهم أولئك الكاثوليك الأشراف، ولكن " إذا لم تستح فاصنع ما شئت ". لقد جاء هذا الكاتب إلى تاريخنا يرمينا بدائه، فاستعرض حال الأقباط. فما وجد من خير واستطاع أن يدفنه سكت عنه سكوت القبر، وما بهره على مر القرون من إحسان فى المعاملة. ادعى ـ فى صفاقة نادرة ـ أن له أسبابا أخرى غير الإسلام وسماحته!. فإذا وقع على خطأ تافه بالغ فى وصفه. وإذا لم يجد ما ينشده من أخطاء، ففى الكذب متسع لمن يريد المشى بالنميمة والتماس العيوب للأبرياء. وعلى هذا النحو ألف كتابه. ص_219
(1/207)

والغريب أن من الأقباط من تلقفه ثم بدأ يتحدث عن هذا الاضطهاد الموهوم.. ويشكو من وقعه!!. ونحن نعرف أن سعى المسلمين لطرد الصليبيين المستعمرين لأوطانهم هو سر تلك المزاعم المفتعلة، وأن تأليب الأقباط على الكثرة التى حاسنتهم دهورا لن يبطل حقوق المسلمين، كما أنه لن يجرأى نفع للأقباط. ولئن أصررنا على تحرير بلادنا من الإنجليز وغيرهم وتطلعنا إلى حكم إسلامى نظيف يصون أخلاقنا وعباداتنا فنحن مرتقبون من الأقباط أن يكونوا إلى جوارنا فى كفاحنا، ومقدرون أنهم لن ينسوا النعماء التى يمرحون فى بحبوحتها منذ دخل الإسلام مصر، ومنتظرون أن يضربوا على أيدى السفهاء الذين ينالون من الإسلام، ويفترون على تعاليمه الزور وعلى أهله البهتان. نعم إن هناك قوما باعوا ضمائرهم للإنجليز، واشتغلوا بخدمة مصالحهم فى طول الوادى وعرضه. لكن هذه القلة من الخونة لن يفوتها جزاؤها العدل : (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). *** إننا قبل أن نشرح ملابسات الحوادث التى شوهها هذا الكاتب نحب أن نؤكد مرة أخرى هذه الحقيقة: إن أرض الإسلام لم تشهد البتة لونا من الاضطهاد الديني الذى عرفته أرض المسيحية. وإن التعاليم المقررة التى سوت بين الكثرة والقلة فى الحقوق والواجبات كفلت الحرية الدينية والمدنية، على نحو لم يعرف فى أرقى بلاد أوروبا وأمريكا. وإنه إذا كانت هناك أحداث مؤسفة شابت علائق القلة المسيحية بالكثرة المسلمة، فهى ـ فى معرض المقارنة ـ توافه لا تذكر بالنسبة للشناعات القبيحة التى فعلها المسيحيون بغيرهم. ص_220
(1/208)

ثم هى ـ فى أسبابها الأصيلة ـ تعود إلى شذوذ نفر من المتعصبين النصارى يريدون تحقير الإسلام والإساءة إلى أمته. وينتهزون مرونة الكثرة الطيبة لتمكين طائفتهم من الامتداد والتغلغل على حساب الجمهور المسلم. ولنعد إلى مناقشة الكاتب الصليبى. وصف هذا الرجل فى خمسين صحيفة " 60- 111 " " أحوال الأقباط الحقيقية تحت حكم الولاة العرب ". ولم ينسلخ عن طبيعته الملتوية فى غمز المسلمين والتنديد بهم، لكى يظهر الأقباط وكأنهم فريسة سهلة لاحتلال جشع مريب. وهذا الباب الذى عقده الكاتب تحت عنوانه السالف لا يتفق مع موضوعه، فقد وصف أحوال مصر من 20 إلى 252 للهجرة " أى من الفتح إلى قيام دولة ابن طولون ". ومصر فى هذه الفترة كانت إسلامية لا قبطية. فإنه لم يمض نصف قرن على الفتح، حتى كانت النصرانية دين طائفة قليلة فى البلاد. ولقد بلغ من قوة المسلمين المصريين بعد عشرة أعوام من الفتح أن وفودهم شاركت فى الفتن الكبرى من مقتل " عثمان " فما بعده. وقد اختار الخليفة الأموى المطارد " مروان بن محمد " مصر ليجد فيها ملجأ من بطش العباسيين الغالبين. ولكى تدرك مدى انتشار الإسلام فى البلاد المفتوحة يكفى أن ترى " دمشق " بعد إجلاء الرومان عنها قد تحولت إلى عاصمة للمسلمين جميعا، ولم يستغرق ذلك أكثر من ربع قرن. ولو أن " معاوية " كان واليا لمصر، لجعل القاهرة عاصمة المسلمين بدل المدينة، فإن ظلال النصرانية كانت قد تقلصت فعلا عنها. ص_221
(1/209)

ولو سلمنا جدلا مع الكاتب الصليبى أن الاضطراب ساد العلاقات بين الولاة والشعوب، وأن العرب كانوا بحاجة إلى سياسة ثابتة.. إلخ. فما صلة هذا بالأقباط، وما موضع القول بأنهم تحملوا أوزار الفتن والاضطرابات السائدة؟. يقول الكاتب " أهملت الإصلاحات العامة إهمالا تاما. ولكن لما كان من اللازم الاستفادة من مياه النيل الغنية بالطمى الخصب، لاسيما أثناء الفيضان، فقد كان الحكام يسخرون السكان لتطهير القنوات، وإعادة بناء الطرق والجسور مقابل إعفائهم من قسط من الضرائب يتناسب مع المهمة التى قاموا بها " ص 63. ونظام السخرة الذى أشار إليه الكاتب كان معروفا فى مصر حتى سنة 1936. وكان المسلمون ـ بحكم كثرتهم ـ يحملون أعباءه ومغارمه. فكيف يعتبر هذا تعصبا ضد الأقباط؟ ويمضى الكاتب فى كلامه قائلا: " لا نجد أى أثر لنشر التعليم حتى بعد إنشاء المستعمرات العربية فى الدلتا بوقت طويل. ومن جهة أخرى أنشأ العرب نظاما للضرائب.. ولكنهم لم يفكروا فى تنظيم إدارة للحسابات فى المدينة المنورة ". لنفرض أن العرب لم يعلموا أولادهم، فهل هذا يعد تعصبا ضد الأقباط؟ ثم من الذى وصف المسلمين فى هذه العصور بالتخلف العقلى وضعف العناية بالعلوم؟ ويتساءل الكاتب عن عدم وجود إدارة حسابات بالمدينة. إن المدينة بعد فتح مصر بأعوام قلائل لم تصبح عاصمة الإسلام. فما معنى هذا التساؤل؟ وما وجه التعصب فيه ضد النصرانية؟. ص_222
(1/210)

ويستطرد الكاتب لغوه قائلا: "... ثم بينما كان بناء الكنائس محظورا فى المدن التى أنشأها العرب سمح عبد العزيز بن مروان ببناء كنيسة فى حلوان. ويعلل هذا التساهل بوجود بعض النصارى الملكيين فى خدمة الوالى. ولم تختلف سياسة "المأمون " عند إقامته بمصر. واستخدم النصارى الذين التمسوا منه تشييد كنيسة بالقرب من قبة الهواء، فسمح لهم بذلك. وهذا الأسلوب الملتوى فى عرض الأمور ناضح بنية صاحبه. إن مصر المسلمة فى عهد "المأمون "، ومن قبل ومن بعد، لم تحجر على حرية العبادة ولم تحظر بناء الكنائس على الأقباط الذين يحتاجون إلى كنائس. ولكن إذا حدث أن بنى المسلمون مدينة لهم وكانوا فيها الكثرة الساحقة ولم يكن النصارى فيها عددا يذكر فما معنى بناء الكنائس فيها؟. فإذا بلغ النصارى عددا يحتاج إلى معبد خاص فإن أحدا لن يقف فى طريق رغبتهم. وهذا ما فعله " ابن مروان " و " المأمون ". لم يكن السبب فى سماحهم ببناء الكنائس أن أحدا من الأقباط كان موظفا لديهم، فأذنوا بذلك من أجلة. كلا، إن الأمر قائم على سياسة بينة، غير أنه يحدث أحيانا أن نفرا يعدون على الأصابع يريدون مراغمة المسلمين وتحدى مشاعرهم، فيحاولون بناء كنيسة على كل شبر من الأرض يقع لهم. وهذا يسبب مناوشات خفيفة ما إن تنشب حتى تهدأ. إذ يلزم الأقباط حدود الاعتدال، وينسى المسلمون كل ما حدث، ويستأنف الفريقان حياتهما المعتادة. ومسلك المسلمين مع الأقباط فى هذا الشأن أنظف وأعف من مسلك الكاثوليك معهم. ص_223
(1/211)

وإن كان هذا الكاتب ـ لنقمته على الإسلام ـ يكره أن ينسب إليه ذرة من خير. فهو يقول فى ص 72: "... نفذ عمرو بن العاص أوامر الخليفة "عمر" لأنها كانت تتفق ومطامعه الشخصية، فكان تسامحه مع مصر أثناء ولايته مثار دهشة المصريين وإعجابهم " فتسامح الفاتح سببه الطمع لا الدين (!). ثم يقول الكاتب ناقلا عن حنا النقيوس: "... لم يستول" عمرو" على ممتلكات الكنيسة، ولم يرتكب أعمال السرقة والنهب ". وهذه الكلمة إشارة لما كان يفعله الرومان الكاثوليك مع الأقباط المصريين. ومضى الكاتب يسرد وقائع التاريخ من الزاوية التى يراها فقال نقلا عن "ساويرس ": ".. أدرك" عمرو" منزلة البطريرك اليعقويى" بنيامين " فى نفوس الشعب، فسارع إلى استقطار أخباره من أفواه الناس ليعرف المكان الذى لجأ إليه البطريرك هربا من اضطهاد "قيرس" ـ ممثل الروم الكاثوليك فى مصرـ. وقال عمرو فى هذا الصدد: له العهد والأمان والسلامة من الله! فليحضر آمنا مطمئنا وليدبر حال بيعته وسياسة طائفته. ولما سمع القديس "بنيامين " هذا، عاد إلى الإسكندرية بفرح عظيم بعد غيبة ثلاث عشرة سنة، منها عشر سنين " لهرقل " الرومى الكافر، وثلاث سنين قبل أن يفتح المسلمون الإسكندرية ـ كما فى النص ـ لابسا إكليل الصبر والجهاد الذى كان الشعب الأرثوذكسى قد استحقه من اضطهاد المخالفين. فلما ظهر فرح الشعب والمدينة كلها لمجيئه، وأمر " عمرو بن العاص" بإحضاره بكرامة وإعزاز ومحبة. فلما رآه أكرمه وقال لأصحابه وخواصه: " إن جميع الكور التى ملكناها إلى الأن ما رأيت رجلا ـ لله ـ يشبه هذا ". وكان" بنيامين " حسن المنظر جدا، جيد الكلام بسكون ووقار. ثم التفت " عمرو " إليه وقال له: " جميع بيعك ورجالك، اضبطها ودبر أحوالها. ص_224
(1/212)

واذا أنت صليت على حتى أمضى إلى المغرب والخمس مدن وأملكها مثل مصر، وأعود إليك سالما، فعلت لك كل ما تطلبه منى. فدعا له القديس "بنيامين " وأورد له كلاما حسنا أعجبه هو والحاضرين، وفيه وعظ وربح كثير لمن يسمعه، وأوحى إليه بأشياء، وانصرف من عنده مكرما مبجلا!. واستطرد الكاتب يقول:"... ثم إن اهتمام عمرو باليعاقبة ـ الأقباط ـ جعلهم يبنون الآمال الكبار على المستقبل مما حدا بالأسقف المؤرخ "ساوبرس ابن المقفع " أن يصف شعورهم هذا بقوله: ، كانت الشعوب فرحين مثل العجول الصغار إذ حل رباطها، وأطلقت على ألبان أمهاتها " قال: وكان " ساويرس " على حق فى وصفه ذلك، لأن الأقباط لم يعاملوا بهذه المعاملة اللينة منذ أمد بعيد. أضف إلى هذا أن العرب ـ أثناء ولاية "عمرو " ـ لم يحاولوا الضغط على الأقباط ليعتنقوا الإسلام ولم يضطهدوهم.. " ص 72 ـ 73. وهذا اعتراف يأبى الكاتب أن يسوقه خالصا لوجه الحق، فهو يلبسه ـ على عادته ـ بما يشاء من باطل. فإن المسلمين على عهد" عمرو " ومن بعد" عمرو " لم يكرهوا قبطيا على الدخول فى الإسلام، ولم يضطهدوا مخالفيهم فى الدين إلا أن يعتدى عليهم فيردوا العدوان. ونحن لا نأبه كثيرا للعبارات التى ذكرها "ساويرس " وإن تك شهادة حسنة للفاتحين، وقد أصلحنا من ركاكتها واضطرابها ليصبح إثباتها! دلائل فارغة ونقول باطلة: والكاتب الذى انتصب لوصف العلاقات بين المسلمين والأقباط، لو كانت لديه أثارة من إنصاف للجأ ـ ولو من باب التعمية ـ إلى الموازنة بين النصوص المتضاربة وترجيح بعضها على الآخر، وتمحيص الآثار المروية بغية الكشف عن حقيقتها باعتبارها وثائق تاريخية محترمة، ولحكى أقوال الجانب الآخر وتعرض لها بالنقد أو بالرد.. إلى آخر ما يلتزمه المؤرخ النزيه. ص_225
(1/213)

بيد أن هذا الكاتب تنكب الجادة فى بحثه كله، من ألفه إلى يائه، فقد زحم مؤلفه بحشود مترادفة من النقول المفتعلة، تتساوى جميعا لغرض خسيس. ويذكرنى أسلوب هذا الكاتب بصحافى إنجليزى ألف سفرا ضخما عن الهند ـ فى أثناء ثورتها على إنجلترا طالبة استقلالها ـ وشحن كتابه بالعادات والتقاليد الهندية السيئة. فلما نشره على الناس ليطعن فى جدارة الهند بالحرية قال غاندى تعليقا على الكتاب: إن هذا المؤلف يشبه بعض موظفى المجالس البلدية المشتغلين بجمع القمامة، لا تقع عيونهم إلا على الأقذار. ! والفارق بين الكاتب الإنجليزى والكاتب الصليبى، أن الأول حبس عينيه على الأوساخ والأرواث الساقطة فى عرض الطريق، وذهل عما يقع بجانبيه من قصور وبساتين. أما الأخير فقد جاء إلى الطريق النظيف، وأراد ـ عامدا ـ أن يلوثه. وقد اعتمد الكاتب الصليبى فى تاريخه للأحداث على نقول كثيرة جدا من ثلاثة مصادر بينة: ا ـ المصدر القبطى: ونحن نلاحظ أن المؤرخين الأقباط لما وجدوا دائرة الإسلام تتسع وتشمل الجماهير الغفيرة، وقفوا جهدهم كله على أثبات النصرانية وإظهار ما تحمله الشعب من اضطهادات قديمة وهو ثابت عليها.. وليس يعنيهم فى ذلك أن يخلقوا الخرافات ويسجلوا الأوهام!!. من ذلك ما رواه الأسقف "ساويرس" فى تاريخ البطاركة أنه لما هبط مستوى النيل عام 136 م قام المسلمون يتضرعون فى صلاتهم إلى الله أن يزيد فى مياه النهر حتى تفيض، ثم تبعهم اليهود، ولكن بدون جدوى.. ولم تحدث المعجزة إلا عندما بدأ النصارى فى الصلاة، فقرر" باعون " نائب الوالى أن يكافئهم. ص_226
(1/214)

فخفض الجزية وأمنهم على حياتهم فى القطر المصرى كله!!. ومن هذا القبيل ما ذكره أيضأ مؤرخنا الدقيق (!) عن " ابن كلس " وزير " المعز لدين الله " قال: " أراد هذا الرجل أن يقلل من شأن الديانة المسيحية فى نظر الخليفة ". فطلب أن تجرى أمامه مناقشات دينية، وسمع الخليفة أثناء هذه المناقشات أن الرجل المؤمن يستطيع بإيمانه أن يزحزح الجبال. فأرسل فى طلب البطريرك " أفرام " وسأله فيما إذا كان الإنجيل يحوى مثل هذا الكلام!. فرد البطريرك بالإيجاب. فما كان من الخليفة إلا أن أمره بالقيام بمهمة نقل الجبال وإلا محا من الأرض اسم النصرانية!!. ذهل الرهبان الأقباط عندما أخبروا بأوامر الخليفة، فأخذوا يصلون ويبتهلون فى كنيسة المعلقة. وبعد مضى ثلاثة أيام رأى البطريرك فى منامه السيدة العذراء تطمئنه، فتوجه بسرعة يحيط به عدد كبير من النصارى يحملون الصلبان والأناجيل إلى المكان الذى عين له، حيث كان الخليفة ورجال حاشيته فى انتظاره. ويؤكد المؤرخون النصارى أن المعجزة حدثت بالفعل وأن الخليفة أبدى دهشته وأمر بإعادة بناء جميع الكنائس الخربة. ثم أرسل فى طلب كبار الأقباط والعلماء المسلمين، وأمر بقراءة القرآن والإنجيل أمامه. ولما استمع إلى النصين ما كان منه إلا أن أمر بهدم المسجد القائم أمام كنيسة " أبى شنودة! وبناء كنيسة مكانه! *** ويقول الكاتب الصليبى تعليقا على هذه الخرافات: ص_227
(1/215)

إن " ساويرس بن المقفع " كان يشترك فى هذه المناقشة كما يزعم أن " مارك بول البندقى " عاد إلى بلاده ومعه بعض التفاصيل المتعلقة بهذا الحادث. ثم يقول: "يدعى كل من اليعاقبة والملكيين أنهم أصحاب هذه المعجزة ". والرواية التى تتضمن هذه المساخر عن " المؤرخ أبو صالح الأرمنى ". وقد تنزلنا إلى كتابة هذا السخف مرغمين.. والمسألة كلها تضع يدك على قيمة المصادر القبطية التى اعتمد عليها هذا الكاتب فى تهجمه على الإسلام وافترائه على تاريخه. وقد ذكر الأستاذ " محمد عبد الله عنان " هذه الأسطورة وحكاية تنصر " المعز لدين الله " وما يهرف به الأقباط فى هذا الشأن، ثم قال معقبا على تلك المزاعم: " كيف يقال: إن تردد هذه الأسطورة على ألسنة القسس وخدم الكنيسة دليل يصح أن يطرح فى ميدان البحث؟ فمتى كان خدم الكنائس مؤرخين يرجع إليهم؟. ومتى كانوا ـ بالأخص ـ مؤرخين للإسلام والمسلمين؟ على أننا نذكر بهذه المناسبة أن أساطير هؤلاء القسس قد زعزعت الإيمان فى كثير من مواقف التاريخ المسيحى ذاته. ويكفى أنها أسدلت حجابا كثيفا من الريب على تاريخ قبر المسيح، وجعلت منه أسطورة كنسية. وانتهى البحث ببعض أقطاب المؤرخين النصارى مثل "جورج فنلى" إلى إنكار وجود هذا القبر الذى أنشىء بعد وفاة صاحبه بنحو ثلاثمائة عام ليكون مبعثا لأساطير القسس. وأضحى القبر المقدس رمزا لا حقيقة. ولكن القسس مازالوا إلى اليوم يعينون لك فى كنيسة القيامة ببيت المقدس وكنيسة بيت لحم مواضع بعينها شهدها المسيح صبيا ونبيا، وأثارا ارتبطت بتاريخه أو بصلبه ـ كما يزعمونـ. بيد أنك لم تجد مؤرخا بمعنى الكلمة بل فردا سليم التفكير يقف عند شئ من هذه الأساطير رغم ما يسبغ عليها من لون الرسمية والقدسية. ". على أن الأستاذ "بتلر" ـ وقد أصغى إلى أساطير القسس فى الكنائس القبطية ص_228
(1/216)

التى زارها وخصها بمؤلفه- قد أصدر حكمه فى مقدمة كتابه على قيمة هذه الأساطير، وقيمة رواتها فى تلك الكلمة القوية: " الواقع أن قليلا جدا من الأقباط يعرفون شيئا عن تاريخهم أو رسوم دينهم، أو يستطيعون تعليل الأمور التى يشاهدونها فى طقوسهم اليومية. فإذا سئلوا عن نقطة تتعلق بالطقوس أجابوا عادة بهز الرأس، أو بجواب ظاهر الخطأ ينم عن الجهل "... قال الأستاذ " عنان " ويكفينا حكم هذا العلامة خاتمة للبحث. 2 ـ آراء المستشرقين، وتلك هى المصدر الثانى لجملة الأكاذيب التى شنها الكاتب على الإسلام. والمستشرقون طائفة من مفكرى أوروبا الأذكياء، اشتغلوا ببحث التراث الشرقى فى العقائد والعلوم فى العصر الذى انهارت فيه قوى الشرق وانفتحت مغاليقه أمام الغزاة المستعمرين من دول الغرب الطامحة. كانت الدنيا قد أدبرت عن الإسلام، والدنيا كما يقال: إذا أقبلت على أحد أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. ولو كان المستشرقون الذين اشتغلوا بفهم الإسلام وتاريخه على غرار الرجال الذين قادوا فى أوروبا عصر النهضة، لكانت لبحوثهم منزلة كبرى ولأفاد العالم منها أجل الثمرات. إن العلماء والمفكرين الذين قادوا عصر النهضة كانوا رجالا على قدر كبير من حرية العقل والضمير، وكانت حماستهم فى إطلاق البشر من أغلال الكهنوت، وجراءتهم على اكتشاف المجاهيل، وإجلالهم للمنطق المجرد والتفكير المنزه.. كان ذلك كله أساس التقدم العام الذى ظفرت به الحياة أخيرا فى ميادين شتى. أما المستشرقون فإنهم ـ إلا قليلا ـ درسوا الإسلام وفى أنفسهم رواسب من أحقاد الكنيسة عليه، واتصلوا بأهله. ص_229
(1/217)

وهم ـ مع الأسف البالغ ـ خدم للاستعمار الغربى الذى لم يعرف للشرف قدرا منذ وطئت أقدامه بلاد الإسلام !. ولعل ضعف المسلمين المزرى هو الذى وجه بحوث أولئك المستشرقين هذه الوجهة الجائرة. فإن الضعف يخلع على صاحبه مهانة تحجب حقيقته، وترد العيون عنه. والحق أن المستشرقين لم يكونوا بصدد الكلام عن أمم حية ـ يوم وظفهم المستعمرون للكلام عنها ـ بل كانوا بصدد تشريح جثث ميتة!!. ومهما انتحلنا لهؤلاء القوم من أعذار فى ضلالهم عن تصور الحق وتصويره لشعوبهم التى ندبتهم، فإننا نحملهم اللائمة لفقدانهم الأمانة العلمية والنزاهة النفسية فيما كتبوا عن القرآن، وعن النبى، وعن الإسلام وتاريخه. إننى أفهم أن يدخل الباحث الحر ميدان الكشف عن قيم الديانات كلها، وهو خلو من كل غرض بعيد عن أى تحيز، ثم يستعرض القرآن والإنجيل والإسلام والمسيحية ويوازن موازنة مطلقة بين ما فيها من عقائد وتعاليم، ثم يرجح أيها شاء. أما أن يأتى مستشرق يدعى حرية الرأى فيتناول التراث الإسلامى كله، وهو ينوء تحت وقر من الترهات التى ورثها عن الكنيسة، فلا يفهم عن النبى إلا أنه بشر دعى، وعن القرآن إلا أنه كتاب مفترى، وعن الإسلام إلا أنه جملة أوهام، وعن الفتوح الكبرى إلا أنها غارة بعيدة المدى.. إلخ. ثم يزعم هذا المخبول أنه أتى ببحث حر بعد دراسة طويلة على هذا الأساس، فذلك ما ننظر إليه بعين الازدراء والسخرية.. تصور مستشرقا كبيرا "جولد زيهر" الألمانى يقول: " من العسير أن نستخلص من القرآن نفسه مذهبا فى العقيدة موحدا متجانسا خاليا من المتناقضات ". فالتوحيد مذهب ينطوى على النقائض العسيرة الفهم " " كذا ". ص_230
(1/218)

أما التثليث فمذهب واضح فى فهم الألوهية!! ونحن أمام هذا الارتكاس الذهنى نردد مع " ابن حزم " قوله: لا.. يجب ألا نعجب حين نرى الناس يتمسكون بالخرافات! انظر إلى المسيحيين فإنهم كثيرون إلى حد أن الله وحده هو الذى يعرف عددهم ومن بينهم أناس على قدر كبير من الفطنة وأمراء على قدر كبير من الشرف. ومع ذلك فإنهم يعتقدون أن ثلاثة واحد، وواحدا ثلاثة! وأحد الثلاثة هو الأب، والآخر الابن والآخر الروح والأب هو، وليس هو الابن والرجل هو، وليس هو الله والمسيح هو الله فى كل شئ، ومع ذلك فهو ليس مثل الله! والموجود الدائم مخلوق..! بل إن إحدى فرقهم " اليعاقبة " التى يبلغ عددها مئات الألوف تعتقد أن الخالق نفسه عذب، وصلب، وقتل، حتى أن العالم ظل بدون سيده ثلاثة أيام.. ". عقيدة التثليث هذه سهلة عذبة سائغة للشاربين.! أما قول القرآن الكريم: (إن إلهكم لواحد * رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق) فهو كلام متناقض مبهم.!! وهذه هى نزاهة القصد وحصافة الفكر عند المستشرقين. أما فهمهم للرسالة وصاحبها فأبعد ما يكون عن الإقرار بالنبوة والوحى. والأمر ـ فى نظرهم ـ لا يعدو مهارة رجل استفاد من الآراء والنحل السابقة فى اصطناع ديانة جديدة. وهم يرددون ـ بهذا الكلام ـ تهم الأقدمين. (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا * وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) ص_231
(1/219)

هذا الاتهام بنصه وروحه هو ما بنى عليه المستشرق الكبير " جولد زيهر" فهمه الحر (!) للإسلام ونبي الإسلام عندما قال: ..إن نمو الإسلام مصطبغ نوعا بالأفكار والآراء" الهلينستية ". ونظامه الفقهى الدقيق يشعر بأثر القانون الرومانى، ونظامه السياسى ـ كما تكون فى عصر الخلفاء العباسيين ـ يدل على عمل الأفكار والنظريات السياسية الفارسية. وتصوفه ليس إلا تمثلا لتيارات الآراء الهندية والأفلاطونية الجديدة. على أن من الحق أن نقرر أن الإسلام ـ فى كل هذه الميادين ـ قد أكد استعداده وقدرته على امتصاص هذه الآراء وتمثيلها، كما أكد قدرته كذلك على صهر تلك العناصر الأجنبية فى بوتقة واحدة فأصبحت لا تبدو على حقيقتها إلا إذا حللت تحليلا عميقا وبحثت بحثا دقيقا.. وهذا الطابع العام. يحمله الإسلام مطبوعا على جبهته منذ ولادته ف " محمد " مؤسسه" لم يبشر بجديد من الأفكار، كما لم يمدنا أيضا بجديد فيما يتصل بعلاقة الإنسان بما هو فوق حسه وشعوره، وباللانهاية. لكن هذا وذاك لا ينقصان من القيمة النسبية لطرافته الدينية!. لو أن هذا المستشرق أراد أن يتحدث عن الإسرائيليات والنصرانيات والإغريقيات التى التصقت بجوهر الإسلام بعد انتشاره فى الأرض لكان حديثه هذا موضع نظر. أما وهو يريد إيهام الناس أن محمدا الأمي الذى لم يعرف أول عمره شيئا عن الكتاب والإيمان، ولم يقرأ حرفا عن ثقافة فارس والروم والهند، ولم يلق بالا إلى فلسفات " أفلاطون " لا قديمها ولا جديدها. إن هذا الرجل الناشئ فى صحراء مقفرة من العلوم والمعارف إقفارها من الزرع والضرع. إن هذا الرجل الذى ظهر فى بلد لم يتصل يوما بحضارة أخرى، ولم تنخلع عنه خصائص البداوة والسذاجة. ص_232
(1/220)

إنه وضع دينا مستمدا من أفكار الهند والسند واليونان والرومان فهذا موضع الغرابة. إننا لنتلو فى تزييف هذه الأضاليل، الآيات نفسها التى أجيب بها المعترضون القدامى، وهم يطلبون قرآنا آخر غير ما يسمعون. (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون) إنهم لا يعقلون، لأن التعصب الأعمى يلف فى جاهليته الموحشة العامة من الأعراب، والخاصة من المستشرقين.. أما القول: بأن الإسلام لم يأت بجديد فى صلة الناس بالكون ورب الكون، كما يزعم هذأ المستشرق فهراء لا وزن له.. وقد يكون فى المستشرقين من هو أجود فهما وأحسن حديثا عن الإسلام من هذا الرجل. ولكن جمهورهم ينطوى على غل دفين ضد القرآن. ولما كان أكثرهم يشتغل بخدمة الاستعمار الأوروبى قبل اشتغاله بخدعة الحقيقة العلمية فقد جاءت كتاباتهم عن الجهاد الإسلامى مزيجا من الخلط والإفك. ومن هذا المزيج المسموم استقى الكاتب الصليبى وثائقه، عن علاقات مسلمى مصر بأقباطها.. والخطأ الذى يروج المستشرقون له ويتواصون به أن الإسلام انتشر بالقوة، وأنه مذ حكم أهان الشعوب المغلوبة واضطرها إلى اعتناقه. وعلة هذا الخطأ أنهم يقيسون الإسلام على المسيحية التى لم يعرفوا فى أوروبا غيرها. والحق أن أوروبا المسيحية كانت وطنا للتزمت البالغ، والتعصب الشديد. ص_233
(1/221)

ولم يعرف أهلها مذاقا للحرية الدينية إلا بعد أن صلوا جحيم التعصب فى ظلال الكنيسة الحاكمة نحو خمسة عشر قرنا لكن قياس الإسلام بها خطأ محض. فالإسلام قرر الحرية الدينية من يوم ظهوره على ما أوضحنا آنفا. غير أن المستشرقين الذين لم يتعودوا ذلك فى تاريخ ديانتهم استبعدوا هذا الفرض أول الأمر من بحوثهم الحرة!!. وللخفافيش إذا أسدلت جفونها فى وضح النهار أن تتحدث عن الظلام الذى تعانيه، إنه ظلام أعينها الكليلة. أما أن تزعم أن العالم مظلم معها فذلك الكذب الصغير أو الغرور الكبير. ليدلنا المستشرقون على أمر مثل هذا صدر من حكام الإسلام الأولين. كتب " ميخائيل السورى" فى تاريخه قال: " رأى الإمبراطور" هرقل " فى منامه عندما أخذ نجمه فى الأفول، أن شعبا مختونا سيثور عليه ويهزمه، ثم يحكم العالم كله. واعتقد " هرقل " أن هذا الشعب ما هو إلأ اليهود. فأصدر أمرًا فى الحال بتعميد جميع اليهود والسامريين الذين يقطنون مختلف ولايات الإمبراطورية!. أمر بتنصير اليهود والسامريين فى جميع أنحاء البلاد!! إن الإمبراطور فى هذا يقلد أسلافه الأمجاد فى مصادرة العقائد وإكراه الأمم على اعتناق نصرانيته!. ولماذا ؟ لوساوس نائم!! إن الحرية الدينية أبعد ما تكون عن وهم هذا الحاكم.. ومن يدرى لعل المستشرقين الطاعنين على الإسلام، والأقباط الذين يصدقونهم فى ص_234
(1/222)

مطاعنهم، هم من نسل أولئك اليهود الذين اقتادهم عسكر "هرقل " إلى الكنائس حيث نصروهم برغم أنوفهم؟ لو أن هذا الأمر المجنون هفوة حاكم فرد لما ساغ لنا أن نؤاخذ به تاريخ دين ما. لكن هذا الأمر قد سبق إلى مثله، وقلد فى فعله، باباوات وأباطرة وملوك. فإذا صدر..، سيق الناس بالسياط إلى حيث يعمدون. فإذا تجرأ أحد على عصيان أمر الدولة قطع عنقه. وماذا يفعل الناس أمام هذا البطش؟؟. إن عقباهم كما قال الشاعر: تلوا باطلا، وجلوا صارما وقالوا: صدقنا؟ فقلنا: نعم!!. وعلى هذا النحو هلك المسلمون فى الأندلس، وهلك من بعدهم الموحدون فى أوروبا. والعجب أن الذين يهيلون التراب على هذه المآسي يجيئون من بعد إلى الإسلام النقى ليقولوا له: إنك انتشرت بالسيف!!. 3 ـ المراجع العربية، وهى المصدر الثالث لمطاعن المؤلف على الإسلام وتاريخه. وصنيع المؤلف بما يقتبسه من هذه المراجع مثل صارخ لسوء النية وشهوة التحامل، ومحاولة طمس الحقيقة، وسوق كل شئ ـ طوعا أو كرها ـ لخدمة غرض معين. ولو ذهبنا نفند أكاذيب هذا المؤلف وتلبيساته واحتياله على إبراز الزور فى ثوب الحق لطال بنا الكلام. فإنك لا تعدم فى كل صفحة من كتابه جريمة علمية وخلقية. ذكر هذا الرجل اسم المدعو " ابن النقاش " وأجرى على لسانه كلاما فى أحكام الشريعة لا أصل له. ثم بنى اتجاهه فى كتابه على هذه الأحكام المختلفة بعد ما وصف " ابن النقاش " هذا بأنه فقيه من الدرجة الأولى!. ص_235
(1/223)

ونحن ـ المشتغلين بالثقافة الإسلامية منذ ثلاثين سنة ـ لم نعرف ابن النقاش هذا ولم نقرأ له كتابا. والكلام المنسوب إليه لا يقوله فقيه فى الدرجة الأولى أو الأخيرة. ونحن لا ندرى هل " ابن النقاش " هذا شخص موهوم؟ أم أن المستشرقين افتعلوا الآراء المنسوبة إليه؟ ثم ترجمها المؤلف كما يقول؟ أم أنه اختلقها من عند نفسه؟. ولا يستغربن القارىء هذا. فإننا لم نعرف جرأة فى وضع الآراء وإرسال الأحكام وتزوير النصوص كما عرفنا فى هذا المؤلف. إنه ينسب إلى كثير من المؤرخين كلاما لم يقولوه، أو ينقل عنهم كلاما بعد مقدمات لم يعرفوها ليصل إلى نتائج خاصة. وهذا ضرب من التدليس العلمى لا يلجأ إليه مؤرخ يحترم نفسه. لندع جميع الآراء المزيفة التى نسبها لابن النقاش، ونسب فيها للعمرين ـ ابن الخطاب وابن عبد العزيز ـ ما لم يعلما به! ثم لنتابع جرائم هذا المخلوق. فى ص 69 ادعى أن " عمرو بن العاص " أسكت الزبير بن العوام عن معارضته فى تنفيذ حكم أمير المؤمنين عمر، الخاص بتوزيع الأرض على أصحابها، وأن سكوت " الزبير " كان نظير رشوة كبيرة أخذها " كذا ". أرأيت إلى أى حد بلغ هذا الإسفاف؟. إن المسلم قد يشعر بغضاضة من تطاول السفهاء على صحابة رسول الله بهذه الجرأة ولكن المسلم وغير المسلم يشعران بغضاضة أخرى من تناول الأمور بهذه الغباوة. " عمر " القوى، رئيس الدولة، يرسل إلى " عمرو " الأريب واليه على مصر أن ينفذ حكما أجمع الصحابة فى المدينة على المصير إليه، وسبق أن نفذ هذا الحكم فى أرض فارس والعراق والشام.. فيحتاج " عمرو " والى الإقليم إلى رشوة واحد من الناس مهما كان شأنه، لتنفيذ أمر الخليفة!!. ص_236
(1/224)

هذا هو ما استقر فى ذهن الكاتب الصليبى، ونفذ منه إلى اتهام حوارئ رسول الله بأخذ رشوة!!. إن القصة فى عقل هذا الكاتب لا تقوم على تأريخ حقائق، بل على تجريح دين وإهانة رجال. وهذا أسلوب قديم فى التبشير بالنصرانية.. وقد مضى الكاتب فى سفهه يصور الوقائع على هذا النحو. فالمعروف أن " عمر بن الخطاب " كان شديدا فى معاملة الولاة. يرسم لهم لونا من الحياة الخشنة لا يرتفعون به عن مستوى الجماهير. وكان ـ رضى الله عنه ـ يخاف أن يتشبه حكام المسلمين بحكام الروم والفرس فى حياطة سلطانهم بمظاهر من الوجاهة والتعالى. فدعاه ذلك التوجس إلى الدقة فى معاملة حكم الأمصار، ومصادرة ما يبدو فى بيوتهم من شارات التوسع والجاه. فعل ذلك مع " أبي هريرة " ومع " سعد بن أبي وقاص "ومع " معاوية بن سفيان " وغيرهم ومن بين من نالتهم شدة " عمر " والى مصر " عمرو بن العاص" إذ كتب يقول له: " إنه فشت لك فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان، لم تكن لك حين وليت مصر!. فرد عليه "عمرو، يقول: " إن أرضنا أرض مزرع ومتجر، فنحن نصيب فضلا ـ يعنى زيادة ـ عما تحتاج إليه نفقتنا". فكتب إليه " عمر بن الخطاب " يقول: " إنى قد خبرت من عمال السوء ما كفى! وكتابك إلى كتاب من أقلقه الأخذ بالحق! وقد سئت بك ظنا، ووجهت إليك " محمد بن مسلمة " ليقاسمك مالك فأخرج إليه ما يطالبك به وأعفه من الغلظة عليك فإنه برح الخفاء... ". ص_237
(1/225)

وهذا الصنيع من " عمر" لم ينفرد به والى مصر، فقد طبقه " عمر " على أبنائه العائدين من الكوفة. وفقه الموضوع لا يعدو أن " عمر" يريد جعل ولاته طرازآ من الحكام الزهاد، لا يتطبعون إلى متاع الحياة ولا ينالون من زخارفها ما يلصق بالدين أنه يقوم على استغلال الشعوب أو هضم حقوقها. أين هذا مما تدلى إليه الكاتب الصليبى إذ يقول عن"عمرو بن العاص" : " إن الخليفة اتهمه صراحة بأنه اختلس مبالغ كبيرة من المال) ص 76. ثم يعقب على ذلك بقوله: ".. ليس بمستغرب أن يغترف " عمرو " المال، وهو العربى البدوى الذى وجد نفسه بين عشية وضحاها أمام ثروة كبيرة.. !. إن هذه الوضاعة فى التفكير والتعقيب تجعلنا نتجاوز هذا الصغار كله. فإن رجلا يضطرب فى أوحاله على السفوح الدانية، لا يعرف أحوال القمم التى تعمم الشمس هاماتها فى الشروق وفى الغروب. لقد أرسل " المقوقس " بعض رجاله إلى جيش " عمرو " يحملون رسالة إلى القائد الفاتح فاحتجزهم " عمرو" يومين، ثم أعادهم للمقوقس فقالوا ـ يصفون المسلمين ـ : " رأينا قوما، الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إلى أحدهم من الرفعة، ليس لأحدهم فى الدنيا رغبة ولا نهمة. إنما جلوسهم على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم. ما يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا السيد منهم من العبد. وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد، يغسلون أطرافهم بالماء، ويخشعون فى صلاتهم . ص_238
(1/226)

ومع ذلك يوغل هذا الكاتب فى كذبه، فيزعم أن " عمر بن الخطاب " وضع الأسس فى معاملة الأمم المفتوحة بقوله: " يأكلهم المسلمون ما داموا أحياء، فإذا هلكنا وهلكوا، أكل أبناؤنا أبناءهم ما بقوا " ويروى ذلك عن أبى يوسف!! وهو فى هذا النقل عدو مضل مبين. فإن المعاملة المقررة بين المسلمين وغيرهم لا تخفى قواعدها حتى يستجلب لها هذا الكذوب قواعد من عنده يفرغ فيها سمومه ضد الإسلام، ويحاول بها تحريض الأقباط على محادته!. إن التاريخ يعرف من الذى أكل الأمم المغلوبة؟. وهل خطا العالم إلى الأمام إلا يوم تخلص من قيود الكنيسة المفروضة على الضمائر والأفكار؟. أما " عمر بن الخطاب " فهو صاحب الكلمة التى لا تزال أضواؤها تشع من خلال القرون السحيقة: " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا "؟؟ فلينظر القارىء كيف يسول الحقد لأصحابه جحود الحق المشرق، واختلاق الأكاذيب البعيدة، وتسمية هذا وذاك تأريخا منزها!!. أرأيت مؤرخا لفتح مصر يأبى كتابة المعاهدة التى تمت بين المسلمين والأقباط؟ أو يتابع ـ بأمانة ـ سير المفاوضات بين الفريقين؟، أو يذكر تفاصيل الحوادث ذات الدلالة الخطيرة مع أنه سود بالتوافه الصفحات الطوال؟. إنه رجل أراد أن يصور الإسلام. فلم يرجع إلى آيات القرآن، ولا إلى شروح المفسرين المعتمدين. بل عمد إلى ما تسرب إلى التفاسير من إسرائيليات ونصرانيات، وإلى ما شاع على ألسنة الجهال من أحاديث موضوعات. ص_239
(1/227)

ثم أخذ من ذلك ما يلائم أهواءه، وأضاف إليه المزيد من عنده وادعى ـ بعد ـ أنه أتى بصورة كاملة لتعاليم الإسلام!!!. كذلك فعل هذا الكاتب فى تصوير الروابط بين المسلمين والأقباط. ولقد استعرض من المراجع ما شاء، وذهل عن الوقائع الناصعة التى زخرت بها. ثم صدف عن كل ما أحاط به من شواهد رائعة. لأن عينه ـ كما قال " غاندى " فى الكاتب الإنجليزى المتحامل على الهند ـ: لا تقع إلا على الأقذار. وتحدث الكاتب عن ثورة للأقباط بمصر، وهو كاذب كعادته. فقد حدثت بمصر ثورة حقا، ولكنها ثورة عامة لأسباب سياسية أو اقتصادية. كتب عنها المقريزى يقول: " لما كان فى جمادى الأول عام 216 هـ انتقض أسفل الأرض بأسره عرب البلاد وقبطها، وأخرجوا العمال، وخلعوا الطاعة، لسوء سيرة عمال السلطان فيهم، وكانت بينهم وبين عساكر الفسطاط حروب " . فدور الأقباط فى الثورة كان مؤازرة جمهور المسلمين الثائر، والمسلمون يومئذ هم كثرة السكان. وقد سبق لعرب الحجاز أن ثاروا فأطفئت ثورتهم وهوجمت المدينة وصلب بها "عبد الله بن الزبير" وهذه الثورات وأمثالها فى تاريخ الإسلام لها طابعها المعروف. وإلباس الثورة فى مصر ثوب الاضطهاد الديني محاولة فاشلة لجعل تاريخ الإسلام مشابها لتاريخ النصرانية فى التعصب ضد الأقليات. وقد انتهزت هذه الثورة جماعة من اليونان المهاجرين يدعون " البياماى " فعاثوا فى الأرض فسادا وارتكبوا أعمالا شائنة. إذ أحرقوا "رشيد" وقتلوا سكانها المسلمين جميعا.. ص_240
(1/228)

وقد أسرع الخليفة " المأمون" بالمجيء إلى مصر مخافة أن تكون هذه الثورة طليعة هجوم يقوم به " الأمويون، بالأندلس، وأعلن عند قدومه عفوا عاما عن الثائرين من مسلمين وأقباط شريطة أن يلتزموا الهدوء. فأما المسلمون فقد خضعوا. وأما " البياماى " فقد أصروا على تمردهم برغم أن الخليفة أرسل إليهم البطريرك القبطى يطلب منهم التسليم، فلما رفضوا اضطر إلى إخضاعهم. وقد حقق " المأمون، فى أسباب الثورة، فرأى الوالى " عيسى بن منصورا مسئولا عن اشتعالها بسياسته الخاطئة فعزله عن العمل. والمرء لا يسعه إلا أن يسخر من أوصاف المستشرقين لحركة "البياماى " هذه وما نسجه الخيال الطلق حول المستنقعات التى يسكنون أطرافها والأحراش التى يختبئون فيها، والدروب التى ينقضون منها، والهزائم التى أوقعوها بجيوش المسلمين برا وبحرا (!) كأنهم يصفون قطعة من منطقة الغابات، على شاطئ جزيرة فى بحر الظلمات.. والأسطورة التى خلقت حول هذه القصة وروج لها الكاتب الكاثوليكى هذا الترويج، إن دلت على شئ فعلى الرغبات المكبوتة لدى هؤلاء الناقمين. إنهم يودون لو اندلعت فى كل قطر من أقطار الإسلام ثورة جامحة من النصارى الذين يعيشون به. وإن هذه الرغبة لتتجسمم فى مواقف القتال التى يتخيلونها، ولا مكان لها إلا فى أوهامهم المريضة!!. فإذا فتحوا أعينهم على الواقع الهادئ عادوا يبذلون جهودا أخرى لتحريض الأقليات على التمرد والجحود. فلجئوا إلى خديعتها ـ بالكذب ـ بغية إحداث ما يرجون من شغب. ص_241
(1/229)

ولما كانت أرض الإسلام لا تعرف إلا مواطنين متساوين فى الحقوق والواجبات مهما اختلفت أديانهم، فإن الخطة التى اتبعها هؤلاء لإدراك غايتهم تقوم على إيهام الأقليات بأنها مغبونة، وإغرائها بالتزيد قدر الاستطاعة من الحقوق، والتخفف قدر الاستطاعة من الواجبات. ولن يتم ذلك ـ حتما ـ إلا على حساب الكثرة. فإما تحقق هذ الافتيات واستذل المسلمون فيها.. وإلا فإن شعور الأقليات ـ بعدم بلوغها ما تنشد ـ سيظل عامل قلق وغضب!!. وعندى أن الصليبية الغربية تحمل أوزار هذه الخطة الجائرة. وهى لا تزال تسخر عملاءها فى الشرق لتجديدها كلما درست. ونحن ـ بين الفينة والفينة ـ نرى جهود هذه العصابة المأجورة موصولة العناء لإعنات المسلمين والأقباط على السواء. *** ص_243
7- حقائق لا مندوحة عن ذكرها ص_244
(1/230)

ويؤلمنا أن نفرا من الأقباط قد اقتنع بالخطة الآنفة وقرر تنفيذها. ونقول: نفرا منهم، لأنا نعرف كثيرين منهم على قسط كبير من دماثة الخلق وعدالة الحكم ومعرفة الواجب. أما النفر الأخر فهو يرجو للمسلمين العنت. ولو استطاع لألحق بهم الأذى ومسلكه ـ إذا تولى وظيفة ـ هو علة الاضطراب الذى يعكر ما بين المسلمين والأقباط من علاقات. وأظن أن واجب الأقباط ـ قبل المسلمين ـ يتقاضاهم إقصاء هذا الصنف الحقود من ميدان الحياة العامة، فإنه لو ملك زمام طائفته جر عليها الكوارث. أما المسلمون، فإنهم لم يكتفوا بالعدل حتى ضموا إليه الفضل، فكان إحسانهم إلى الأقباط سيلا غدقا. والكاتب الكاثوليكى الذى تكلم عن أحوالهم منذ الفتح يذكر فى جلاء تام أن الحكومة المسلمة وظفت الأقباط فيما يصلحون له من أعمال. فكتب ص 105 تحت عنوان : " الأقباط يحتكرون الأعمال الإدارية ": " إن الأحداث التى ذكرناها لا تعنى أن الأقباط كانوا تعساء تحت حكم الولاة العرب، بل إنهم كانوا أسعد كثيرا مما كانوا عليه أيام الرومان، وبالرغم من جهود الخلفاء واهتمامهم بتطبيق تعاليم القرآن، فإن الأقباط لم يقتصروا على شغلهم الوظائف الإدارية فحسب، بل كان لهم الأمر والنهى فى بعض الأحيان، وبقى نظام الضرائب والحسابات بين أيديهم مما أتاح لهم الفرصة لتحقيق مكاسب كبيرة. وكذلك يمكننا أن نقول: إنه فيما يتعلق بالأقباط ظلت تعاليم القرآن غير معمول بها . وقد أظهر الخلفاء مرارا رغبتهم فى إبعاد الأقباط من الوظائف الإدارية، كما أظهروا خيبة أهلهم ـ شفهيا إن لم يكن كتابيا ـ ! كلما وجدوهم فى مناصبهم، ولكن دراية " عمرو بن العاص " السياسية تغلبت على تزمت " عمر " الدينى.. ". ص_245
(1/231)

هذا الكلام الذى ذكره الكاتب، تلمح فى ثناياه مشاعر الخسة، ونكران الجميل، والكراهية العميقة للإسلام وأهله. فلو أن لديه ذرة من إنصاف لذكر الحقيقة مجردة واعترف ـ راضيا أو ساخطا ـ بآثارها البارزة. إن الأقباط وظفوا فى شتى الأعمال وعلى مدى القرون. فأما أن يقال: إن ذلك كان ضد تعاليم القرآن، وأن الفضل فيه لعمرو ـ كأن "عمرا " طال عمره ألفا من السنين وثلاثمائة أخرى !!! ـ فكلام معروف أن الطعن فى الإسلام هو باعثه وغايته!. لقد وظفت الحكومة الإسلامية الأقباط، لأن الإسلام برىء من التعصب الأعمى. وإلا فما الذى يضطرها إلى ذلك؟ إن احتاجت إليهم سنة أمكنها الاستغناء عنهم فى السنة التالية، بإخوانهم الذين أسلموا ودخلوا فى دين الله أفواجا. وذلك كله على التسليم بأن فى الأقباط كفاية إدارية وحسابية امتازوا بها على العالمين، كما يزعم هذا الكاتب المسكين.. وإيغال هذا الكاتب فى شططه يثير الاستنكار. فهو لما رأى الأقباط يوظفون فى كل عهد، بدأ يعلل لكل عهد. فالحاكم هنا محتاج إليهم. وهنا يريد الاستقلال بمصر. وهنا كان له أستاذ قبطى. وهنا كانت له زوجة قبطية. وهنا لأنه نصرانى فى السر! وهكذا... فإذا فصل الأقباط من عمل صاح: عاد الحكم إلى تعاليم القرآن. ص_246
(1/232)

ونحن لا نقف عند نقيصة شخص كنود يجحد آلاء الإسلام عليه وعلى آله. ولكننا نجزع ونفزع عندما نرى هذه النعمة التى أسداها الإسلام قد كفرت على نطاق واسع، وأن الموظفين الأقباط يعتبرون هذه السماحة المشكورة لونا من الغفلة الكبيرة تتيح لهم إيذاء المسلمين المسترسلين فى نقاوة صدورهم وبساطة سلوكهم، وتمكنهم من إعلاء ديانتهم وخدمة مأربهم!!. وأنهم ـ كهذا الكاتب ـ وهو موظف يأخذ مرتبه من حكومة مسلمة ـ لا يرون فى الإسلام إلا خرافة انتشرت بالعدوان، فيجب أن تسام أمته سوء العذاب. نحن لا نرسل القول على عواهنه. فهذا الكاتب نفسه يحكى من أحداث التاريخ السود ما يدمغ أمثاله بالخسة والجحود. أليس يذكر أن الخليفة " أبا جعفر المنصور " أصدر أوامر دقيقة بإبعاد الذميين من الوظائف؟ ولماذا؟ يقول فى ص 106: " إن هذا الإجراء لم يُمَهَّد له من قبل، بل كان وليد ساعته، فقد تقدم إلى الخليفة فى أثناء فريضة الحج بعض المسلمين، والتمسوا أن يحميهم من جور النصارى". ويقول فى ص 107: " الواقع أن الذميين لم يقالوا من وظائفهم دفعة واحدة. فإنهم ـ فى خلافة المهدى ـ أصبحوا أصحاب الأمر والنهى وأظهروا كبرياءهم حتى سخط عليهم المسلمون واحتجوا على ذلك ". ويقول بعد ذلك: " استمر النصارى يتمتعون بشغل الوظائف كما كانت حالهم فى الماضى. وأحسن دليل على ذلك ما صرح به المأمون لكاتم سره، لما كان فى مصر، قال: ".. لقد سئمت من الشكايات التى أتلقاها ضد النصارى، بخصوص اضطهادهم للمسلمين وعدم نزاهتهم فى إدارة الشئون المالية ". ص_247
(1/233)

إن هذه الشكايات لم يختص بها عصر بعينه، حتى نعرض عنها، باعتبارها حالة شاذة، بل سبقت فى العهد الأموى، واستمرت فى العصر العباسى، وترددت فى مصر أيام الفاطميين والمماليك والأتراك. واطراد الشكوى على هذا النحو الدائم، قد يفسر لنا سلسلة الأوامر التى كانت تصدر بعزل الأقباط عن الأعمال العامة، وتنحيتهم عن المناصب التى يدفعهم التعصب الأعمى إلى ظلم الكثرة فيها. على أن الأقباط لا يلبثون طويلا حتى يعودوا إلى أعمالهم. ولعل ذلك يرجع إلى أمرين: الأول: أن سماحة الإسلام تجعل الشعب سريع النسيان، قليل الاهتمام بملاحقة الفروق الدينية، ضعيف الأخذ لنفسه إذا وقع عليه عدوان أساسه التعصب. والآخر: أن فساد الحكم داء عضال فى بلاد الإسلام. فكثير من الولاة يحب السكر والعربدة والكبر. ولن يعينه على دناءته تلك إلا أحد رجلين، إما مسلم لا دين له، وإما رجل ليست له بالإسلام صلة، يهوديا كان أو نصرانيا، ومن ثم كانت حواشى الأمراء فى أغلب العصور تضم هذين الصنفين. وقد أحسن الأقباط استغلال هذه الحال استغلالا كبيرا لمصلحة طائفتهم الخاصة، ونالهم من ورائها مغانم جزلة. والأقباط لا يلامون علي هذا، إلا إذا كنا نكلفهم حراسة الإسلام إن نام أهله عنه! وإنما نحن نهز رءوسنا عجبا إذا سمعنا أحدا منهم يتهم المسلمين بالتعصب. وكان أولى به أن يتهمهم بالغباء.. إلا إن كان فى اتهامه الأول ماكرا أو هازلا. *** وعندما اقتحم الإنجليز قناة السويس، وأذلوا الوادى سبعين عاما، كان الإسلام مصابا بطعنات نافذة من حكامه الخونة. ص_248
(1/234)

ونظر الإنجليز إلى الدين الجريح وأهله المقهورين، ثم قرروا الإجهاز عليه وعليهم. فرأى اللورد " كرومر" أن يحكم البلاد بنفر يتخيرهم من الموظفين الأقباط. وقرر أن يستكثر منهم استكثارا بالغا فى الدواوين والمصالح والمناصب الهامة. وأن يضيق الخناق على الأكثرية، متخذا آلاف الحيل لحرمانها من حقها. وإن كان لابد من توظيف بعضهم فى عمل ما، ففى أشغال الخدمة والدرجات الدنيا فحسب!!. وهذه سياسة صليبية قصد بها القضاء على الإسلام بأساليب " الدبلوماسية" الخبيثة التى برع الإنجليز فيها. وكانت جرأة "كرومر" على وضع هذه الخطة وتنفيذها مستمدة من جهل الحكام الكبار جهلا مطبقا بالإسلام وحقوق أهله، مما خيل إلى هذا الإنجليزي السليط أن فى وسعه إعادة الحياة فى مصر إلى ما قبل دخول " عمرو بن العاص ".. فلما استفاق المسلمون من آثار النكبة التى صرعتهم وقاموا يناوشون أعداءهم، ويغالون بحياتهم ودينهم، بدا كأن الأقباط يريدون الاحتفاظ بمنهج "كرومر" فى سياسة التوظيف (!). وحمل لواء هذه الفكرة الخاطئة لفيف من المتهوسين الأغرار، فى مقدمتهم الصحافى المعروف " سلامة موسى!. إن قلة الإنصاف تمزق الأرحام القريبة. أفتراها تبقى على عقد بين شريكين، أو عهد بين مواطنين؟؟. وإذا كان القرآن قد أوصانا بالأقباط إقساطا وبرا، ونبى القرآن عهد إلينا أن نسدى إليهم إحسانا وخيرا، فهل مما يستزيد تلك المشاعر النبيلة، ويستدرها أن نقسط فيقال: مضطرون! أو نحسن فيقال: مغرضون!. فإن كنا أقوياء خودعنا، وإن عرض لنا ضعف وجدنا الشماتة والتحدى. ص_249
(1/235)

ونحن لا نأسى على ما دار من نزاع ـ طال أو قصر ـ حول سياسة التوظيف، بقدر ما نأسى لمسلك الموظفين الذين ائتمنتهم الكثرة على مصالح الدولة. فإذا بالتعصب يسدل على أعينهم ليلا طويلا، لا يرون فيه إلا أشباحا تخلقها الكراهية العميقة للإسلام وأهله. ذكر القلقشندى فى كتابه " صبح الأعشى.. " أنه فى أيام " الآمر بأحكام الله الفاطمى " امتدت أيدى النصارى بالشر، وشمطوها بالخيانة، وتفننوا فى أذى المسلمين، وقد استعمل منهم كاتب يعرف "بالراهب " لقب بالأب القديس، الروحانى النفيس، أبى الآباء وسيف الرؤساء، مقدم دين النصرانية، وسيد البطريركية، وصفى الرب ومختاره، وثالث عشر الحواريين. صادر هذا " القديس " عامة من فى الديار المصرية من كاتب وحاكم وجندى وتاجر. وامتدت يداه إلى الناس على اختلاف طبقاتهم. فخوفه بعض مشايخ الكتاب بخالقه وباعثه ومحاسبه! وحذره من عواقب صنعه وأشار عليه بترك ما يكون سببا فى هلاكه، وذلك بمحضر من كتاب مصر وقبطها. فرفع عقيرته قائلا: " نحن ملاك هذه الديار حرثا وخراجا، ملكها المسلمون منا، وتغلبوا عليها وغصبوها من أيدينا. فنحن مهما فعلنا بالمسلمين فهو قبالة ما فعلوا بنا، ولا يكون له نسبة إلى من قتل من رؤسائنا وملوكنا (!) فى أيام الفتوح. فجميع ما نأخذه من أموال المسلمين، وأموال ملوكهم وخلفائهم حل لنا، وهو بعض ما نستحقه عليهم. فإذا حملنا لهم مالاً كانت المنة لنا عليهم!. فاستحسن الحاضرون من النصارى والمنافقين ما سمعوه منه ! واستعادوه. أهـ. نقل الكاتب الصليبى هذه الرواية، وكأنه يوعز إلى الموظفين الأقباط أن يعتنقوا أفكارها الباطلة ويسوسوا مصالح الدولة على هديها!!. ص_250
(1/236)

ولما كانت هذه المعانى التى هرف بها " الراهب لما متوارثة متداولة، فإننا نستغرب شيوعها ونتساءل عن بواعث تكرارها؟. لقد دخل الإسلام مصر وهى مستعمرة للرومان فحررها، مما جعل أقباطها ينتعشون بعد هزال و ضعة. ثم ارتضى القسم الأكبر من الأقباط أن يعتنق الإسلام دينا، وبقى الفريق الأقل على نصرانيته. ولم يستأثر من أسلم بوظائف الدولة كلها، بل منح مواطنيه حظهم منها. فهل يكون جزاء المسلمين على إنصافهم واعتدالهم أن يحاول الفريق الأقل انتهاب كل شئ استغفالا لرئيس الدولة واستهتارا بجمهور الشعب على النحو الذى قرأت نبأه؟. لماذا تنبض القلوب بهذا الحقد الدفين على دين آثر العفو على العقوبة؟ واختار الجود على الشح؟. إن النصرانية استأصلت خصومها استئصالا بشعا. فهل الإسلام ـ حين يستبقى خصومه ويتلطف إليهم ـ يلقى منهم جزاء سنمار؟. لقد ضاق جمهور المسلمين بما وقع عليهم من عدوان الراهب " ابن أبى النجاح " المستولى على الخليفة الفاطمى فقتل الراهب والخليفة ثم تعرض الأقباط بداهة لمعض الإيذاء. بيد أن مسلك الموظفين لم يطرأ عليه تغير كبير. فقد ظلوا على عبثهم بمال الدولة، وبقيت نظرتهم الضيقة العطنة إلى أنه حل لهم، تعبون منه كيف شاءوا، محتجين بأنه حقهم الذى اغتصب منهم منذ الفتح!. حتى جاء " نابليون بونابرت " إلى هذه البلاد، ورأى فى فترة الاحتلال الفرنسى وانقطاعه هو ورجاله عن وطنهم أن ينظم شئون الإدارة والمال، فهالة ما كان يصنع الأقباط بها، وفطن إلى سيرتهم المريبة. وإنك لتقرأ اعتراف الكاتب نفسه بهذه الحقيقة فى قوله فى ص 213: ص_251
(1/237)

".. نعم إنه استعان بهم فى جباية الضرائب كما فعل المماليك من قبل لكنه اتخذ هذا الإجراء مرغما، إذ كان يتحدث عنهم بقسوة شديدة فيقول: " إنهم لصوص مكروهون فى البلاد غير أنه تجب مراعاتهم لأنهم يعرفون الأصول العامة لإدارة البلاد دون سواهم ". لذ لك عين المعلم، جرجس الجوهرى" مباشرا عاما وخوله السلطة على سائر المباشرين، وعلى أن يكون معه موظف فرنسى لمراقبته. ثم لم يزل "بونابرت "منذ هذه اللحظة يترقب أول فرصة للتخلص من الجوهرى. فلما ترك القائد الفرنسى مصر أرسل إلى الجنرال "كليبر" كتابا مؤرخا فى 22 أغسطس 1799 يقول فيه بصراحة: "... كنت مزمعا ـ إن سارت الأمور سيرها الطبيعى ـ أن أضع نظاما شديدا للضرائب يجعلنا نستغنى تقريبا عن خدمات الأقباط... " . وفى صفحة 219 يقول: " خلف "مينو " الجنرال "كليبر". ولما كان "مينو " رجلا إداريا فقد أظهر ريبته من المباشر القبطى الذى كان غير محبوب من الفرنسيين، وكان الفرنسيون يعاقبون ـ بقسوة ـ المباشرين الأقباط الذين اختلسوا الأموال. وكانوا يتربصون الفرصة للاستغناء عن هؤلاء الموظفين الغير مخلصين " غير مخلصين " وفى شهر "فاند ميير" عام 9 من الثورة اتهم "أستيف " الأقباط باختلاس 1293143 جنيها على حساب دافعى الضرائب، فأمر " مينو" بالقبض على المباشر " أبى طقية " وتغريمه 750000 جنيه لتعويض الخسائر ". ومسلك " مينو " فى تغريم الأقباط هذه المبالغ الجسيمة يفسر لنا ما كان يصنعه الولاة من مصادرات متكررة لما يتجمع فى أيدى الأقباط الموظفين من أموال. ص_252
(1/238)

وكان الكاتب الصليبي يعتبر ذلك آية تعصب المسلمين، وافتياتهم على الأقليات و.. و.. وليس استردادا لما وقع من سرقات. ويقول الكاتب نفسه: ".. نقرأ أيضا فى البند الرابع من الأمر المؤرخ " فاندميير" عام 10 الخاص بإعادة تنظيم الإدارة المصرية. " إن الأقباط ما هم فى مصر إلا أقلية مكروهة من المسلمين لأنهم يعملون على إثارة هذا الحقد عليهم. إنه يجب أن نضمن لهم العدل والحرية. ولكن ليس من الحكمة ـ بل من الخطر ـ أن نتحالف معهم ونمنحهم امتيازات، لذلك سيحضر رؤساؤهم ورؤساء الأمتين اليونانية والسورية جلسات الديوان على أن يكون رأيهم استشاريا فحسب " وعمل "مينو" على تحقيق مشروع "بونابرت " الخاص بتجريد الموظفين الأقباط من امتيازاتهم. فألغى ـ فعلا ـ وظائف المباشرين فى النظام الإدارى الجديد" ص 220. إن الحكومة لا تقوم على السرقة، وشئون الدولة لا تصلح بالفوضى. ومهما رحب الأقباط بدخول الفرنسيين مصر، فإن قواد الحملة لا يكترثون بهذا الترحيب إلا فى حدود ما يضمن انتظام الأمور فى أيديهم. وقد انتفعوا بالأقباط ـ رجالا ونساء ـ على ما سنعلم بعد، انتفعوا بهم على الأسلوب الذى يتقنه المحتلون الأجانب دائما، عندما يضربون كتلة الشعب ببعض الخونة. فليسوا ـ فى أيديهم ـ إلا أدوات تستعمل بقدر، ثم تهمل إذا قلت جدواها. وقد احتال "نابليون " لترضية المسلمين بكل ما لديه من وسائل. لكن المسلمين أبوا إلا الثورة عليه، فما اعتبروه إلا مغامرا لإذلالهم وغصب بلادهم. أما النصارى فقد انضموا إليه قلبا وقالبا. ص_253
(1/239)

فكان هم نابليون الأول أن يعالج من استعصوا عليه بعد أن وضع فى جيبه من استراحوا لمقدمه. فكتب لقواده فى مناسبات عديدة يقول لهم: " مهما فعلتم تأكدوا من أن النصارى فى صفكم، فلا تترددوا إذن فى تفضيل المسلمين على النصارى!. وكرر هذا القول على الجنرال "كليبر" قبل رحيله إلى فرنسا. ولما انتصر على القوات التركية فى "أبى قير" وأراد أن يطمئن الأعيان والعلماء صرح علانية: " نعم إنى أكره النصارى ، لقد سحقت ديانتهم وهدمت هياكلهم وقتلت قساوستهم، وهشمت صلبانهم، ونكرت أيمانهم. وعلى الرغم من ذلك. فإنى أراهم يفرحون لفرحى ويتألمون لألمى. فهل من المعقول أن أعتنق من جديد الدين المسيحى؟ وما هى الفائدة التى سأجنيها من هذا العمل؟ أ. وهذا التصريح يومىء إلى ما صنع أنابليون ! فى أوروبا عندما حمل روح الثورة الكبرى فى فرنسا ثم طوف بها الآفاق، وأزاح العوائق التى وضعتها الكنيسة فى طريقه. وكانت الكنيسة يومئذ معقل الرجعية التى آزرت الملوك وأهانت الشعوب وقد جاء " نابليون " مصر بهذه الروح. فهو ابن الثورة التى كفرت بالنصرانية خادمة الاستبداد، وقاهرة العلماء، وقاتلة الحريات. غير أن أقباط مصر هرعوا لاستقباله بوصف أنه رجل مسيحى جاء ليحتل بجيشه بلاد الإسلام. ولم يترددوا فى تكوين فرقة مقاتلة تنضم إلى عسكره برغم أن هذا القائد لم يتناول الأمور بعاطفة صليبية متعصبة. ص_254
(1/240)

فهو ـ أولا وآخرا ـ وليد ثورة معروفة المبادىء والأهداف، لم تبال بتحطيم الكنيسة وقتل قساوستها عندما وقفت ووقفوا فى طريقها. ونحن نكرر العجب من مسلك الأقباط بإزاء من عاشوا معهم عصورا وتركوا لهم الوظائف المالية يعبون منها كيف يشاءون. ـ أجل نعجب!. فما كذلك يرد الجميل، ولا كذلك يدافع عن الوطن، الوطن الذى يزعمون أنفسهم أصحابه الأولين. أيبلغ التعصب ضد الإسلام أن يرفض فى ظله الأمان، وتقبل فى ظلال غيره الدنية؟! ولكن … إن هذا هو الذى حدث. بطر المدللين: أجمع المؤرخون على أن الأقباط كانوا مستذلين أيام احتلال الرومان لمصر، وأن هذا الاستذلال بلغ مداه قبيل الفتح الأعظم. فإن الرومان، وإن كانوا نصارى يومئذ كأهل مصر، إلا أن الاستعمار لا يعرف غير علاقة السيد بالعبيد. يضاف إلى ذلك ما قررناه من اختلاف الآراء فى فهم عقيدة التثليث. فإن أقباط مصر كانوا " يعاقبة " لهم فى فهم هذه عقيدة مذهب يخالف ما استقر عليه الأمر عند الكاثوليك الرومان. واختلافات النصارى الدينية تحمل طابعا عنيفا يصطبغ ـ غالبا ـ بلون الدم. وقد انتهى أمر القبط إلى أن فقدوا حريتهم الدينية والمدنية فلم يرفعوا رءوسهم إلا منذ تمكن المسلمون من سحق قوى الرومان فى عشرات الميادين التى احتدم فيها القتال من آسيا إلى أفريقيا. *** ص_255
(1/241)

استرد الأقباط حرياتهم المفقودة، فاسترجعوا الكنائس التى سلبت منهم وأحيوا فيها ما مات من شعائرهم، وأسهموا فى حكم البلاد بعدد كبير من الموظفين، وانتهى إلى الأبد عهد الفتن الذى كان يحرق بطارقتهم ثم يرمى بهم فى أعماق اليم. ذلك أن المسلمين لا يفقهون منطق الإكراه فى العقيدة. ولسنا نزعم أنهم لا يعرضون دينهم على الناس، كلا. إنهم يذكرون به، ويشرحون أصوله، ويبسطون دعوته. فمن آمن رحبوا به، ومن أعرض عنهم فهو على عقد الذمة. يعيش بين المسلمين كواحد منهم، له ما لهم، وعليهم ما عليهم. ولا يوجد فى الدنيا امرؤ ينقد هذه المعاملة المقسطة. إلا أن الأقباط فوجئوا بأمر لم يكن فى حسبانهم. هو أن جمهورا غفيرا منهم ينفضُّ من حول الكنيسة ويدخل فى الإسلام. وأن هذا الجمهور يتضاعف عدده على مر الأيام. وقد حزن البطارقة والقساوسة لهذا الحدث الجلل. إنهم رحبوا بدخول العرب محررين، ولم يدر بخلدهم أن تتحول رعيتهم ـ بين عشية وضحاها ـ إلى مسلمين!. ولكن ماذا يصنع العرب؟ أكانوا يصدون ـ بالقوة ـ من يدخل فى دين الله بمحض مشيئته؟. يبدو أن ذلك ما كانت ترقبه الكنيسة القبطية!!. فلما تتابعت السنون والمسلمون يرحبون بمن ينضم إليهم، والكنيسة ترى نفسها كجزيرة انحصرت وراء فيضان طام من أتباع الدين الجديد، دبت إليها مشاعر الكراهية للإسلام، وشرعت تظهر حينا وتضمر حينا تبرمها به حكومة وشعبا.. ونحن نفهم تشبث الكنيسة بالحياة، وسخطها من تحول الشعب عنها، وقد نعذرها إذا احتد غضبها. ص_256
(1/242)

بيد أنها ـ على تغير الأحوال ـ ينبغى أن تدرك حقيقة وضعها، وأن تعترف بالتطور الواقع ـ فليس منه بد ـ . وإذا فكرت فى وضع عقبات دون تففت أبنائها عنها ـ ومن حقها ذلك ـ فليكن تفكيرها فى حدود معقولة كريمة.. أعنى أنه لا يجوز أن تجرح المسلمين فى الداخل ولا أن تتآمر على سلطانهم مع الخارج. فإن العهد الذى يحوطها بسياج من الرعاية والحماية يفرض عليها ذلك. فإذا حدث أن بذلت جهدا مدنيا أو عسكريا لإسقاط الإسلام كدولة حاكمة، فإن هذا يبت عهود الذمة المبرمة بينها وبينه... ولا شك أن رجال الكنيسة أحسوا هذه المعانى، وقد التزم الرجال الرسميون منهم بالمحافظة عليها. غير أن أمورا أخرى كانت تجرى من وراء ستار. إذ اندفع الطائشون والناقمون يشنون على الإسلام حربا من البغضاء والتربص. ويجمعون فلولهم الباقية ثم يجمعون على سياسة من الكيد والاحتيال لإلحاق الأذى بهذا الدين ووقف زحفه المتلاحق. ولئن انكشف جزء من هذه السياسة الخبيثة فى مسلك الموظفين الأقباط ـ الذى أوضحناه ـ منذ الفتح، إن الجزء الأخطر يتعدى حدود العراك على المناصب الحكومية وإساءة استغلالها... إلى سياسة الحكم الإسلامى فى الميدان الدولى الكبير. وهنا الخطر كله!!. ذلك أن صغار القسس والرهبان علقوا قلوب رعاياهم بالنصرانية المتأهبة هناك خلف الحدود!. إن انتشار الإسلام بهذه السرعة الخاطفة جعلهم يجفلون منه على مصيرهم. فتناسوا آلامهم الماضية، وأسسوا آمالا جديدة فى بقاء النصرانية الرومانية تقاوم الإسلام وتقاتل المسلمين. ص_257
(1/243)

وسرت هذه العواطف الجديدة فى صفوف الأقباط، فأضحوا يتابعون أنباء الصراع بين المسلمين والرومان خارج الحدود باهتمام بالغ. فإن انتصر الرومان استبشروا، وإن انهزموا وجموا. وكان المسلمون ـ مع هذه الحال المنكرة ـ لا يظلمون الأقباط ذرة من حقوقهم العامة. ومع ذلك فإن الأقباط ناقمون!!. (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير) ولنعد إلى الماضى البعيد ننبش دفائنه، ولنتدرج مع الحوادث حتى نصل إلى هذا العصر. *** يقول " ميخائيل السورى ": " إن " عمر بن عبد العزيز " أساء معاملة النصارى حين اضطرت جيوشه إلى رفع الحصار عن القسطنطينية بعدما تحملت خسائر فادحة ". ونقول: إن " عمر بن عبد العزيز " ليس الخليفة الذى يقترف المظالم ضد بشر، إن الحكام المستبدين فى بنى أمية لم يتهموا بهذا، فكيف ننسب إلى أعدل رجل فيهم؟ غاية ما هنالك أن النصارى أظهروا الشماتة لهزيمة المسلمين. وتلك مشاعر منحرفة من قوم يستظلون بالراية الإسلامية. ومع انحرافها لم يلقها المسلمون بالقمع العنيف... وتكررت القصة أيضا أيام " المهدى "، عندما انهزمت بعض فرقه أمام الرومان. يقول " ميخائيل السورى ": "فأرسل " المهدى " محتسبا لهدم الكنائس التى بنيت فى عهد العرب ". ونحن نستبعد وقوع ذلك. ولعله ـ إذا وقع ـ راجع إلى زياط بعض النصارى فى معابدهم عقب انتصار الرومان. ويقول الكاتب الصليبى فى ص 111: "... ثم جاء "هارون الرشيد " ففرض على الذميين زيا خاصا ص_258
(1/244)

ذلك لأن سكان الحدود كانوا يتجسسون لمصلحة الإمبراطور "نقيفور" الرومانى. ويلوح أن هذا الإجراء لم ينفذ إلا فى مدينة بغداد. أما أقباط مصر فلم ينلهم منه شئ". ومسألة إفراد النصارى بزى خاص وشارات معينة ليست حكما دينيا، وإنما هى تشريع سياسى أوحت به ضرورات عسكرية. وظاهر من تصرف " هارون " أنه وضع هذا التقليد محاربة للتجسس، ثم امتد بعد ذلك مع بقاء ضروراته، واختفى مع اختفائها. على أن الحرب بين المسلمين والروم لم تهدأ فى ميدان إلا هاجت فى ميدان آخر، وللحرب وقودها الدائم من الهام والحطام. ولا ريب أن المسلمين كانوا يتلقون أنباءها على الحالين بوجل. فضحاياها منهم إن انتصروا، وعقباها عليهم ان انكسروا. فإذا تلفتوا حولهم فوجدوا جيرانهم من النصارى يرحبون بما يصيب المسلمين من هزائم، ويتضاحكون لما يلحق بهم من خسائر، فإن ذلك لا ريب يحطم صلات المودة المرجوة بين الفريقين. وليت النصارى كبتوا عواطفهم تلك فى أنفسهم، وتظاهروا بالحياد التام فى هذه المعارك الحساسة. إن المسئولين من رجالهم الكبار فعلوا ذلك طبعا. وقد قابل الولاة المسلمون هذه المجاملات الظاهرة، وأعطوها حقها من الاعتبار. وكانت الأعياد والمواسم العامة تمر فيتبادل الفريقان فيها التهانى المعتادة، ويحاولان نسيان ما كان.. فإذا حدثت حرب أخرى بين المسلمين والرومان تكررت المأساة من جديد، وعالجها المسئولون من جديد. فى عهد " كافور الإخشيدى " أحرز الإمبراطور الرومانى نصرا كبيرا على حدود ص_259
(1/245)

الشام، واغتاظ المسلمون المصريون لما وقع بهم، على حين لزم النصارى خطتهم، فحاول الدهماء مهاجمة كنائسهم ولفوا مظاهرات كبيرة لذلك. بيد أن الحكومة فرقتها بالقوة. ويقول فى ذلك المستشرق "جاستون فييت ": " إن الحكومة لم يكن لها يد فى تلك الاضطرابات الشعبية ". وزيادة فى طمأنة النصارى أصدر الخليفة مرسوما سنة 313 هـ أسقط فيه الجزية عن الأساقفة والرهبان والمعوزين. *** وقد انتقل العطف على الروم من مشايعة بالقلب، وتأييد عن بعد، إلى معاونة فعالة ضد المسلمين وقواتهم المعدة للقتال. روى " سعيد بن يحيى الأنطاكى " قال: كان "العزيز" قد اعتزم أن يغزو بلاد الروم وأمر " عيسى بن نسطورس " بإعداد الأسطول، وعزم على تسييره بعد صلاة الظهر من نهار الجمعة فوقعت فيه نار أحرقت منه ستة عشر مركبا. واتهم الجمهور بحريقة تجار الروم الواردين بالبضائع إلى مصر. فثارت عليهم الرعية والمغاربة، وقتلوا منهم مائة وستين رجلا، ونهبت كنيسة " ميخائيل " التى للملكيين بقصر الشمع، ونهبت كنيسة النسطورية وركب " ابن نسطورس " وقت النهب، ونزل إلى مصر، وتقدم بكف الأذى عن الروم، والمنع من معارضتهم ونودى فى البلد أن يرد كل واحد من النهابة جميع ما أخذه، فرد البعض من ذلك وأحضر من سلم من التجار الروم، ودفع لكل واحد منهم ما تعرف عليه، وقبض من النهابة على ثلاثة وستين رجلا، وأمر " العزيز بالله " بإطلاق ثلثهم، وضرب ثلثهم، وقتل ثلثهم ". أ. هـ. قال الكاتب الصليبى ـ بعد أن قص هذه الرواية ـ: " كان من شأن هذا الإجراء زيادة غضب المسلمين، وإذا كان " الحاكم بأمر الله " قد اضطهد النصارى يوما، فلم يكن ذلك إلا إرضاء لروح الانتقام التى استفزت قلوب الناس. ". والحق أن الحاكم كان أحمق، وقد عم ظلمه المسلمين والنصارى. ص_260
(1/246)

ونحن لا نعرف فى تاريخنا ـ على طوله ـ حاكما رسم سياسة اضطهاد للنصارى. وقد كانت للنصارى أخطاء جمة. ولكن حكامنا ـ فى معاملتهم ـ كانوا يسيرون على قاعدة " لأن تخطئ فى العفو خير من أن تخطئ فى العقوبة " وجريمة حرق الأسطول ليست حادثة تافهة. والقول بأن الروم الوافدين بتجارتهم إلى مصر هم مرتكبوها، قولا لا يقنع الباحث. فإن مثل هذا العمل الخطير لا يتم إلا بعد مؤامرة محكمة من قوم مقيمين. ومن حق الشعب أن يهتاج لما وقع وإن كنا لا نبرر أعمال القتل والنهب. وقد تعقبتها السلطة القائمة بأشد النكال. ونكرر أن تلك الأحداث ـ على دلالتها السيئة ـ لم تحرج مركز الأقباط فى مصر قط ولا مركز النصارى فى سائر بلاد الإسلام. ولا محل للمقارنة بين اليهود أقلية فى العالم المسيحي، وبين المسيحيين أقلية فى العالم الإسلامى. أجل، لا محل لهذه المقارنة، فإن النصارى عندنا كانوا يتولون فى الدولة وظائف جليلة يأمرون فيها وينهون. على حين كان منتهى ما يصبو إليه اليهود بين النصارى أن يظفروا بحق الحياة. ولو أن جزءا من مائة من التهم التى وجهت للنصارى عندنا وجهت لليهود فى مملكة الرومان لاستأصلتهم استئصالا. وإننا لنحس مرارة فى حلوقنا من كفران النصارى لهذا الفضل. ونرمق موقفهم من الغزاة فى الحروب الصليبية وما بعدها، فنضرب كفا على كف!!!. الصليبيون ونصارى المشرق: ما أكثر الشخوص المهازيل فى أحفاد العصاميين الكبار!!. ذهب الجيل الأول من حملة الإسلام، وأعقبتهم خلوف حملهم الإسلام فناء بهم.. ص_261
(1/247)

ذهب الذين ذابوا فى إمداد العالم بضياء الإسلام، كما تذوب الشمعة فى إمداد ذبالتها باللهب وجاء من بعدهم حكام يأكلون بالإسلام ويتمطون تحت ظلاله الوارفة، ولا يحملون له عبئا، ولا يحسنون له بلاغا ولا يطيقون جهادا... تعاركوا على الحكم لأنه متعة وجاه، فتشعبت أهواؤهم عليه. وتفرقوا شيعا فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين ومنبر!! أفكان هذا النزاع الآثم على الإمارة والمنابر ينشأ لو أن الإمارة محنة يبتلى بها أو لو أن المنابر مصادر توجيه ومنابع تربية؟؟. فلما هانت الخلافة فأصبحت منتجع الأدعياء ومرتزق الطامعين، وأصبح الدين لغوا على الألسنة وكثر الرواد وفشت الأحزاب وضاع أمر العامة، استفتح المسلمون القرن السادس من تاريخهم وقبضات الصليبيين تقرع أبوابهم بعنف، ولطرقها دوى يسمعه المشرقان. كان الأجداد الجادون قد ولوا، وبقى الأحفاد اللاهون. فلما انسابت جحافل النصارى، اندفعت فى سهل لين كالفيضان الزاخر لا يوقفه شئ. وحاق بورثة المجد الغارب جزاء ما فرطوا، فكانت المذابح الشنعاء ختام اللهو واللعب. (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون * وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم * ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) *** خرجت" أوروبا" عن بكرة أبيها، فى تعبئة لم تشهد القرون الأولى كثافتها. وولى الصليبيون الزاحفون وجوههم نحو الشرق الأوسط. يحدوهم الحقد الدفين وتسيطر عليهم فكرة واحدة، هى أن يستأصلوا الإسلام استئصالا، ويمحوا نفوذه محوا تماما. وليس هنا مجال سرد تاريخ الحملات الصليبية ونتائجها . ص_262
(1/248)

ولكن المؤرخ المسلم فى مثل هذه الخلاصة العاجلة لا يفوته أن يقرر عدة أمور: أولها: أن المؤرخين مجمعون على أن أمراء المسلمين لو وحدوا كلمتهم، وواجهوا هذه الفلول المنطلقة لالتهامهم. لصرعوها فى منتصف الطريق إلى أرض الإسلام، ولنجوا من فظائعها. غير أن المسلمين كانوا فى سبات عميق، وكانت أزمة أمورهم قسمة ضيزى بين أبناء " على"، وأبناء " العباس "، وأبناء " أمية ". وإننى ـ كمسلم ـ أمسح عرق الخجل عن وجهى، إذ أرى قياد دين الله بين هؤلاء المفاليك من ورثة أمجاد الجاهلية القذرة. وأشعر أنه كان من المستحيل أن يتحد هؤلاء على صلاح دين أو د نيا. فإن صلاح الدين والدنيا فى زوالهم من ميدان السياسة العامة. وثانيها: أن انسياب هؤلاء الصليبيين فى الشرق الأوسط بعد ما تحول أرضا إسلامية يذكرنا بانسياب المسلمين فيه يوم كان أرضا مسيحية، كما يذكر الضد بالضد والبياض بالسواد. فالمسلمون الأولون ـ كما جلونا لك صور الفتح ـ كانوا حملة مبادئ يعرضونها ويجادلون عليها. أما الصليبيون الفاتحون اليوم، فهم كالجزار الذى لا يعرف إلا الذبح، أو الخمور الذى لا يحسن إلا الهزر والفوضى. فكان الناس يفرون مذعورين من طريقهم كما يفر طلاب الحياة من الوباء العاصف. بل إن نصارى الشام من اليعاقبة خافوا الهلاك على أيدى هؤلاء العميان، ففروا من وجوههم إلى مصر. والأمر الأخير الذى نحب التنبيه إليه، أن هذا الزحف الصليبى صورة للتفكير الضيق الذى لا يعرف الباباوات والأباطرة غيره. فالإبادة هى أسلوب المعاملة الأول والأخير إذا ذكر الإسلام والمسلمون. ص_263
(1/249)

ونريد أن نسأل كل عاقل: ماذا نصنع بإزاء من لا ينظر إلينا إلا من خلال هذه الزاوية القانية؟؟. إننا نسأل العقلاء، ولا نسأل الأفاكين الذين يبررون الجرائم التى يرتكبونها بجرائم يختلقونها ثم ينسبونها إلى الأبرياء الأطهار كما يفعل الكاتب الكاثوليكى المضلل، حين يذكر مذبحة " بيت المقدس لما التى أبيد فيها المسلمون فيقول: لا على أثر قيام المذابح العظيمة التى كانت سببا فى إخلاء مدينة " القدس " من سكانها المسلمين الذين سبق لهم إبادة العناصر النصرانية، قرر "بودوان " تعميرها بالنصارى الشرقيين ! ص 162. أقرأت هذه الجملة الرقطاء المسمومة التى يقطر كل حرف منها إفكا وكفرا؟؟. إنه يريد تخليص الصليبيين من سبة إبادة مسلمى القدس، فيخترع أسطورة من لدنه، يوهم بها أن المسلمين سبق أن أبادوا العناصر النصرانية. وهى أكذوبة لم يجرؤ على تزويرها مؤرخ فى القديم والحديث. لو كنا ممن يلجأ إلى حرب الإبادة ما ولد فى بلاد الإسلام مثلك أيها الكاتب الكاثوليكى الحقود، لأن آباءك نالوا حق الحياة فى العفو السمح الذى بذله عن طواعية المسلمون المنتصرون. ولو شاءوا أن يثأروا لمذبحة بيت " المقدس " لعمروا القبور بجثث المجرمين الذين سبقوا بالغدر وقتلوا الآمنين... *** ويقول المؤرخ "ميشو" واصفا قادة الحملة الصليبية وفرسانها: " كان البارونات والنبلاء يجهلون ـ لغلظتهم ـ الكلمات المعبرة عن حقوق المرء، وكان أفق علمهم مقصورا على ميادين الحروب. وهى سياسة الأمراء والدول فى ذلك العصر!. يعني أنهم كانوا قطعانا من البشر، لهم بغام كقوافل الذئاب المنطلقة للبحث عن فريسة. ص_2 ص
(1/250)

أما الكاتب الصليبى فيفسر هذا الوصف فيقول: " إنهم كانوا يأنفون لزهوهم وكبريائهم من الالتجاء إلى الطرق السلمية ليصلوا إلى رغباتهم " ص 154. إنه يريد أن يخلع عليهم من عنده شيئأ يشرفهم!! وينفض الغبار عن سيرتهم الحيوانية!! ويروى "ميشو" أن الفاطميين عرضوا على الصليبيين " فتح أبواب المدينة المقدسة لجميع الحجاج، على أن يأتوا مجردين من الأسلحة، وألا يظلوا بها أكثر من شهر.. ". وأن الصليبيين رفضوا هذه العروض وقالوا للوفد المصرى الذى جاء بها: ".. اذهبوا وقولوا لمن أرسلكم أن يختار الحرب أو التسليم، قولوا له: إن المسيحيين المعسكرين أمام أنطاكية لا يهابون شعوب مصر ولا الحبشة ولا بغداد، وأنهم لا يتحالفون إلا مع الدول التى تحترم القوانين العادلة وأعلام يسوع المسيح ". والقوانين العادلة التى طبقت تحت أعلام السيد المسيح حين رفرفت على بيت المقدس هى.. الذبح!. لندع أخبار الصليبيين الزاحفين على المشرق، ولنعد إلى أخبار الصليبيين المقيمين فيه من قديم، الصليبيين الذين كانوا ـ كما ذكرنا آنفا ـ يتنسمون أنباء الحروب الدائرة بين المسلمين والروم. فإن وجدوا أبناء دينهم غلبوا استراحوا، وإن سمعوا بهزائمهم عراهم وجوم. هؤلاء النصارى الذين أكرمهم المسلمون وبلغوا فى التلطف معهم أن وصلوا فى الوظائف إلى منصب الوزارة، ما إن سمعوا بهجمات الصليبيين حتى بادروا إلى انتهاز فرص الخيانة. ويروى الكاتب نقلا عن "ميشو" و "جروسيه " فى ص 160 " الأرمن أول من ساعد الصليبيين أثناء اجتيازهم آسيا الصغرى، وأن " بودوان " ـ قائد الحملة ـ لم يكن محتاجا إلى مرشدين ـ يعرفونه الطرق ـ فى بلاد كان سكانها يعرضون عليه مساعدتهم... ". ثم يقول فى الصفحة نفسها: "... وحذا اللبنانيون حذو الأرمن، فقدموا معاونتهم للفاتح، وكانوا له خير معين. ص_265
(1/251)

وكان يوجد وقتئذ فى بيروت عدد كبير من النصارى الملكيين واليعاقبة، لم يترددوا جميعا فى مناصرة الصليبيين، ومصاهرتهم بالزواج فزاد عدد الأسر الأوروبية، وكانوا يؤلفون أغلب الأطباء والصيادلة فى الجيش والمعسكرات. أضف إلى ذلك أنهم يضطلعون بأعباء الترجمة فى مختلف الدواوين. ". ويقول كذلك: " ارتاح الصليبيون واطمأنوا لموقف هذه العناصر. إذ أنهم وجدوا فيهم حلفاء مخلصين فى قلب الإمبراطورية الإسلامية... لم يكن لهم إلا عدو واحد. وهو المسلم ". أمام هذه الخيانات الواضحة لم ير "صلاح الدين الأيوبى" بدا ـ حين عينه الخليفة " العاضد " وزيرا له ـ من إصدار أمر يحرم على الذميين شغل وظائف الدولة. إذ كيف يملؤها بالجواسيس والخونة؟. لكن الكاتب المتحامل يعقب على هذا التصرف بقوله فى ص 1 ص: ".. وكان صلاح الدين متدينا، فلم يحاول تحرير مبادئه ". يعنى أن "صلاح الدين " خضع لتعاليم الإسلام فى عدم توظيف الذميين. وكان يجب عليه أن يتحرر منها ليكون رجلا راقيا. أما مسلك أبناء جلدته فلا غبار عليه... إن هذا المسلك أغضب كثيرا من المسلمين حتى فكر بعضهم فى التخلص من هذه الأقليات الحقود. ذكر " ميخائيل السورى" فى تاريخه: أن "نور الدين " كتب إلى الخليفة العباسي يقول له: " إن المسلمين حكموا خمسمائة عام لم يسيئوا خلالها إلى النصارى. أما الآن وقد انصرمت هذه الأعوام. فيجب ألا يبقى هؤلاء النصارى فى البلاد الإسلامية (من لم يسلم منهم يقتل) ". فأجابه الخليفة العباسي: " إنك لم تفهم أقوال النبى، إن الله لا يأمرنا أن نقتل من يرتكب السوء ". ص_266
(1/252)

نحن نفهم غضبة "نور الدين "، ونشاركه تأذيه من جحود النعمة وكفران الصنيع، فالمسلمون ظلوا طوال القرون التى سبقت الهجوم الصليبى يعدون النصارى جزءا من الرعية الإسلامية فى الحقوق والواجبات. بل إن حظهم كان أفضل من المسلمين أحيانا، فلم هذا التنكر؟ إن الإحسان الضائع سدى يحرج الصدر. وقد جاء فى الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم: " ثلاث من الفواقر ـ المصائب التى تقصم الظهر ـ إمام إن أحسنت لم يشكر وان أسأت لم يغفر، وجار سوء إن رأى خيرا دفنه، وإن رأى شرا أذاعه، وامرأة إن حضرت أذتك، وان غبت عنها خانتك ". إن هذه الفواقر تجمعت نقائصها فى مسلك الخونة من أهل الذمة. بيد أن الخليفة العباسى التزم حكم الإسلام الدقيق فى أمر الكفر والإيمان والقتل والإحياء، فلم يوافق وزيره على مقترحه. ومسلك الخليفة يستحق التنويه. فقد ضبط أعصابه أمام سيل من الخيانات ونفذ قول الله فى كتابه: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) ويصف " رينو " صلاح الدين قائلا: " الغريب أنه لم يكره النصارى كأفراد، بل كان يكرههم كأمة. فلما هزمهم سرعان ما تغير موقفه نحوهم. وآية ذلك: أنه لم يكتف بالتسامح مع أقباط مصر ـ وكان عددهم وقتئذ كبيرا نوعا ـ. بل احترم كذلك عهدهم، وجعل بعضهم فى خدمته ". ونظن "رينو" يقصد أن "صلاح الدين " يكره النصارى دولة، ولا يكرههم فرادى. وهذا تصوير صحيح لمشاعر القائد المسلم. ص_267
(1/253)

فإن الدولة فى يد النصرانية سلاح قاتل للحريات والكرامات فيجب أن تجرد منه. بل إن الأوروبيين فعلوا ذلك كما نبهنا سابقا. أما النصارى ـ أفرادا ـ فلا يملكون فتنة أحد عن دينه. ومن أحسن منهم فى ظل الحكم الإسلامى استحق الرعاية والتقدير. لكن الكاتب المسكين يخالف "رينو " فى حكمه على موقف " صلاح الدين " من النصارى، ويقول فى ص 1 ص. "... نعتقد أنه لا يميل إليهم بأى حال. رغم استخدامه لعدد من الكتاب النصارى، وخصوصا أنه لم يمنح أحدهم أى امتياز خاص ". أى امتياز كان يمنحهم إياه؟ أينقلهم من وظائف الكتابة إلى وظائف الوزارة؟. أم أنه الحقد وكفى يدفعه إلى تشويه التاريخ وتنقص الأبطال؟. *** وجاء دور الأقباط فى الحرب الصليبية عندما انتقل ميدان هذه الحرب إلى مصر نفسها وقد اتجه الهجوم الصليبى إلى مدينة دمياط بقيادة "جان دى برين ". ووقعت بين الأقباط عندئذ حوادث تدل على التحدى والتواطؤ مع العدو. ونحن نجتزئ بسرد الوقائع، ففى سردها ما يغنى عن التعليق، وسنذكرها بقلم الكاتب الصليبى نفسه فى ص 166 قال: " لما نزل "جان دى بربن " على ساحل، دمياط، واحتل المدينة، قلقت السلطات المصرية، وأخذ أولو الأمر يتساءلون: عما إذا كان نصارى مصر سيستقبلون الإفرنج بحفاوة، كما استقبلهم نصارى الأرمن والسوريين، وتساءلوا أيضا: هل من الحكمة أن يحولوا دون هذا التعاون الذى قد يؤدى إلى عواقب خطيرة بالنسبة إلى المسلمين؟ ". يا عجبا! كيف لا تحول الحكومة دون هذا التعاون الشائن؟!. ص_268
(1/254)

أكان الكاتب ينتظر من حكومة تدافع عن البلاد أن تترك فريقا من السكان يساعد المغيرين؟. يقول: " ومما زاد المشكلة تعقيدا أن كان فى " دمياط" نفسها عدد كبير من النصارى الملكيين " وتسأل: ما الذى حدث فى " دمياط" عند بدء الغزو؟. يقول الكاتب فى ص 169: " إننا نستطيع تقديم بعض التفاصيل عما حدث بفضل التقرير الذى وضعه "الكونت دى شامبانى " عن هذه الحملة: علمنا أنه بينما كان " لويس التاسع " يستعد لمحاصرة " دمياط " قام المسلمون بقتل جميع النصارى القاطنين بالمدينة بلا شفقة ولا رحمة، وفى اليوم التالى وجد الصليبيون مدينة دمياط خاوية. أما النصارى الذين فروا من المدينة ونجوا من القتل فقد عادوا إليها وأعملوا سيوفهم فى رقاب المسلمين الذين لم يساعدهم كبر سنهم أو مرضهم على اللحاق بالجيش الإسلامى المتقهقر. فإن هؤلاء النصارى خفوا إلى استقبال الصليبيين الذين اعتبروهم كإخوتهم، وأشركوهم فى موكب انتصارهم ". هذا هو التقرير الذى ترجمه الكاتب على عهدته، ومع أنه من مصدر صليبى إلا أنه بين الدلالة فى موضوعه، ولا نلاحظ عليه إلا تناقضه. فقد زعم أن المسلمين قتلوا نصارى المدينة جميعا. ثم إذا بأولئك النصارى يؤلفون جيشا يعود فيقتل من بقى من المسلمين بالمدينة وهم العجزة والمرضى!!. وهذا تلفيق للحوادث قصد به تبرير الخيانة الفاضحة التى جعلت الأقباط ينضمون إلى الصليبيين فى حملتهم على مصر. ص_269
(1/255)

ويظهر أن وسائل إنجاح الحملات الصليبية لم تقتصر على المعونة العسكرية فحسب فإن نقل الأخبار النافعة لهم والتجسس لمصلحتهم أيسر على من يبغى مساعدتهم، فقد نقل الكاتب عن المؤرخ "ميشو" فى كتابه وثائق عن الحرب الصليبية " أنه جاء فى رسالة أحد الصليبيين ما يلى: ص 170. ".. لدينا بعض المؤمنين الشرقيين الذين يمكن الاتكال عليهم. فهم يعرفون البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وكذلك الأخطار التى قد تصادفنا فيها، وأنهم تلقوا سر العماد بتقوى حقيقية!. والعبارة الأخيرة تحدب أن أولئك الجواسيس نصارى شرقيون. فإن الكاثوليك يعتبرون اليعاقبة وأشباههم ملحدين، أو مسيحيين مزورين. وقد جاء فى الكتاب الذى أرسله الصليبيون إلى "أوريانوس ": " لقد هزمنا الأتراك والوثنيين، ولكنا لا نستطيع استعمال العنف مع الملحدين من الروم والأرمن والسوريان واليعاقبة.. تعال فحطم بنفوذك الذى لا مثيل له الإلحاد. وبديهى أن الصليبية الغربية انتفعت من هذه الطوائف كلها فى أعمال التجسس، وشئون القتال، فلماذا يستعملون العنف ضدهم؟. ومع ذلك فإن طبيعة النصرانية لم تفت أولئك الصليبيين المنتفعين من خيانات نصارى الشرق، فهم يستقدمون البابا ليحطم الإلحاد كله. أى ليلجم الأقباط والسريان والأرمن.. ! وروى الكاتب قصة جاسوس قبطى فى القاهرة، هو " أبو الفضائل بن دوخان "، وهو موظف كبير فى الحكومة المصرية ذكر عنه " ابن النقاش ": ".. أنه كان يراسل الفرنج، ويخبرهم عما يحدث عند المسلمين والحكام والأعيان، وكان مبعوثو الفرنج والنصارى يقتحمون مكتبه فيستقبلهم بحفاوة، وينجز أعمالهم قبل غيرهم ". والنص المذكور ترجمه الكاتب عن المجلة الآسيوية الفرنسية. *** ص_270
(1/256)

وانتهت الحرب الصليبية على عكس ما بدأت به. فقد أصيب الغزاة بانكسارات ماحقة محت آثار الانتصارات الكبيرة التى أحرزوها أول أدوار القتال. وظهر أن المسلمين ـ برغم تمزق شملهم لفساد حكامهم ـ كانوا أعرق خلقا وأعظم رقيا، وأنبل تقاليد من دولى أوروبا كلها. وأنهم استفاقوا على عجل من روعة المفاجأة التى دهت بلادهم، وأحسنوا تخليصها من الأزمات التى عرتها. فلماذا كان موقفهم من خونة الأمس عندما عادت المياه إلى مجاريها؟. إننا لا نشك فى أن هذه الحروب خلقت فى النفوس حزازات قائمة. وأن الجراح التى أحدثتها فى أفئدة المسلمين احتاجت فى شفائها إلى أمد طويل. على أن المسلمين لم يشنوا على النصارى فى مصر والشام حملة انتقام لما فرط منهم، بل جنحوا ـ بعد أن نصرهم الله ـ إلى التغاضى عن هفوات الماضى..! ومما أعان على رأب الصدع أن روح التسامح فى المسلمين أصيلة، فهم بطيئو الغضب سريعو الرجوع. وأن الحكام ـ على اختلاف عصبياتهم ـ كانوا يعتبرون النصارى واليهود جزءا من رعاياهم. وأن رؤساء الطوائف المسيحية تجاوبوا مع الحكام المسلمين فى إقرار الأمن وتلافى الفرقة. وأن عددا كبيرا من النصارى المتوطنين يغبن إذا حمل تبعات النزق الذى لجأ إليه الحاقدون على الإسلام والكارهون لسلامة أمته. أجل فمن الظلم أن تؤاخذ طائفة ما بخيانة بعض بنيها. على أن الفئات التى عرفت بالتحامل على الإسلام، وانتهاز الفرص المواتية للنيل منه قد شل تفكيرها ما أصاب الصليبية الغربية من انكسار ساحق. فقبعت فى مكانها لا تبدى حراكا!!. ص_271
(1/257)

ويقول الكاتب فى ص 170: " من الغريب أن نرى ـ بعد النكبة التى حلت بجيوش "لويس " ـ عددا من الصليبيين قد أربكهم الفزع وبلبل أفكارهم، فأخذوا يشكون فى إيمانهم. ولما خيروهم بين اعتناق الإسلام والموت، لم يترددوا فى اعتناق الإسلام ". ونحن لا نعرف القصة التى يشير إليها الكاتب، ولا يهمنا الآن تمحيصها، وإنما نذكر أن جملة الأسباب التى سردناها، جعلت جمهور الأقباط ينجو من الاقتصاص على حوادث الخيانة السالفة، ويعين على اعتبارها حوادث فردية منتهية. ذلك بعد أن وضعت الحرب أوزارها. أما فى أثناء نشوب القتال، وعندما تظاهرت الفتن الداخلية والهجمات الخارجية ضد الإسلام، فقد أفلت زمام العامة، وانطلقوا فى العاصمة والإسكندرية والأقاليم يدمرون الكنائس والأديرة. ولكن الحكومة ضبطت الحالة، وضربت على أيدى العابثين بالنظام العام وحسنا فعلت. وقد تكون جروح العامة قد اندملت على دخل نظرا لما شاب نفوسهم من عدم الثقة!. غير أنهم ظلوا هادئين مستكينين حتى وقعت فى عهد المماليك عدة حوادث، بدا منها كأن النصارى يتحدون المسلمين ويتربصون بهم. فاستطارت شرارة الفتنة، وكاد الأمر يفلت من أيدى المسئولين. وسنسرد تفاصيل هذا الشغب وبواعثه بعد الكلام عن الحملة الفرنسية على مصر. موقف الأقباط من الاحتلال الفرنسى: لم يكن المصريون ـ من مسلمين وأقباط ـ يدرون شيئا عن عصر النهضة فى أوروبا. كانت الثورات الحية تجرف التقاليد والخرافات فى كل ميدان. فتطور العلم والفلسفة وتطورت المجتمعات والحكومات، وانطلق العقل من إسار ص_272
(1/258)

الكنيسة، وتمردت الشعوب على سلطات الفرد، ووثبت الحياة العامة تقتحم آفاقا جديدة فى كل ناحية. أما المسلمون ـ فى ظل الحكم التركى ـ فقد ضرب الاستبداد السياسى عليهم نطاقا من الظلمات الكثيفة عزلهم عن العالم، وجعل عيونهم لا ترى أبعد من حدود بلادهم المتأخرة. وكان أقباط مصر ومسلموها فى ـ هذا القصور سواء. فلما هجم " نابليون " بجيشه على مصر، رجع المسلمون والأقباط إلى ذكرياتهم الأولى. فقاسوا اقتحام الإسكندرية باقتحام الصليبيين القدماء لدمياط، واستعد الفريقان لاستقبال الغزاة الجدد. المسلمون يتأهبون لحرب دينية طويلة المدى. والأقباط يستعدون لاستقبال زحف نصراني بينه وبينهم وشائج لا تنكر غير أن سيرة القائد الأوروبى الطامح كانت مفاجأة محيرة للفريقين معا. فإن "نابليون " سلك طريقا يغاير تمام المغايرة مسلك القادة الأولين للحملات الصليبية. إنه دخل مصر مدعيا الإسلام، منوها بقيمته، متوددا لأهله!!. ثم طلب من جنوده أن يعتبروا الإسلام دينا كالنصرانية واليهودية. وهذا نوع من الاعتراف كانت أوروبا تضن به على المسلمين!. وهى لم تعترف به فى تاريخها الحديث إلا بعدما اعترفت بالبوذية والبرهمية كأديان كبيرة لها أتباع يعدون بالملايين. أما نابليون فقد خاطب جنوده قبل أن ينزل إلى البر قائلا: و إن الشعب الذى سنعيش معه يدين بالإسلام. وأول ما يؤمن به هو أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله. ص_273
(1/259)

فلا تنازعوه فى ذلك، بل عاملوا هؤلاء المسلمين كما عاملتم اليهود والإيطاليين. واحترموا رجال الدين كما احترمتم الحاخامات والمطارنة. أظهروا للمواسم الدينية وللمساجد التسامح نفسه الذى أظهرتموه بإزاء الأديرة والمعابد، وبإزاء ديانة موسى والمسيح ". لكن كيف ينفذ الجنود هذه الوصية، وهم لا يعرفون عن المسلمين إلا أنهم كفار تجب إبادتهم؟. وتلك هى التعاليم التى انحدرت إليهم عن آبائهم الصليبيين. يقول الكاتب ـ معللا انصياع الجنود لأوامر " بونابرت " ـ : ".. لما كانت الثورة الفرنسية قد أبعدت الفرنسيين عن الديانة المسيحية، فقد اكتفى " بونابرت " بتوصية رجاله أن يظهروا احترامهم للمسلمين "ص 209. فماذا كان يقع لو لم يجرف روح الثورة تعلق النصارى بدينهم؟. كان المسلمون ـ بلا شك ـ سيتعرضون لمآس دامية تشعلها نيران التعصب الصليبى القديم. *** من حق المرء أن يتساءل: ما كان دين " نابليون "؟. إننا نجزم بأنه لم يكن نصرانيا، فإن عبقريا مثله أوتى عقلا كبيرا ومواهب جليلة يستحيل أن يسيغ عقيدة التثليث أو يقبل مبدأ القربان. ولو أنه بنى حياته العقلية على إمكان أن يكون الثلاثة واحدا، أو الواحد ثلاثة ما انتصر فى معركة ضد أطفال. بله معارك ضد أعتى القوى فى العالم، أبدى فيها من البراعة والذكاء ما خلد اسمه. ذلك مع ملاحظة أن " نابليون " من رجال الثورة التى اعتبرت طبقة رجال الدين مع طبقة الأشراف مسئولة عما أصاب الشعب من ظلم وفقر. ص_274
(1/260)

فكان غضب الثوار ينصب على القصور والسجون والكنائس على أنها جميعا شارة الرجعية البائدة والطغيان القديم. ولو كانت نقمة الثوار على النصرانية غضبة مفاجئة، أو فورة من فورات الرعاع الذين تموج بهم الطرق، لما رأينا فيها أكثر من عاطفة حمقاء هاجت ثم خمدت، فهل ! الأمر كذلك؟ لا. إن الحملة على النصرانية بدأت مع طلائع اليقظة الأوروبية، وقادها لفيف من الكتاب الأحرار، واتصلت هجماتها على سلطان الكنيسة حتى استطاعت ـ بعد مراحل شاقة ـ أن تصل إلى الحكم بإبعادها عن الحياة العامة، ولم ترضخ الكنيسة لهذا الحكم دون مقاومة، إنها ظلت تقاوم حتى خمدت أنفاسها. وكان "بونابرت " يفخر بأنه أحد الرجال الذين اضطلعوا بهذا العمل الكبير وهو ينوه فى نداء وجهه إلى الشعب المصرى. "... بأن الفرنسيين اقتحموا روما الكبرى، وضربوا فيها كرسى "البابا " الذى كان يحث النصارى دائما على محاربة الإسلام، ثم قصدوا إلى جزيرة " مالطة" وطردوا منها فرسان ـ القديس يوحنا ـ الذين يزعمون أن الله انتدبهم لمحارب المسلمين ". والحق أن "نابليون " تودد إلى المسلمين طويلا، وتحدث عن دينهم باحترام وإن كان المسلمون فى مصر رفضوا أن يصدقوا حرفا مما قال. والعبارات التى جرت على لسان هذا القائد ـ وهو يتحدث عن الإسلام ـ تبعث على التأمل. إنه عندما تقدم إلى أسوار الإسكندرية قال لمسلمى مصر: " لسنا من كفار العصور الهمجية الذين يأتون إليكم لمحاربة إيمانكم. إننا نعترف بأن إيمانكم رفيع القدر. وسوف نعتنق دينكم إذا حلت الساعة التى يصبح فيها الفرنسيون الراشدون مؤمنين حقيقيين ". ص_275
(1/261)

وكتب نابليون ـ بعد احتلاله القاهرة ـ إلى الجنرال "مارمون " فى 28 أغسطس سنة 1798 م يقول: " قابل من طرفى الشيخ " المسيرى" وقل له: كيف احتفلنا بمولد النبى. قل له: إنى فى القاهرة أجتمع برؤساء القضاء، وكبار القوم ثلاث أو أربع مرات كل عشرة أيام، وانى أكثر الناس اقتناعا بصفاء الديانة الإسلامية وقداستها ". وفى اليوم نفسه كتب إلى الشيخ "المسيرى" مباشرة يقول له: " أرجو ألا يتأخر الوقت الذى أستطيع فيه جمع العناصر الحكيمة والمثقفة فى البلاد، ووضع نظام ثابت، يرتكز على مبادئ القرآن الحقة الوحيدة التى تستطيع إسعاد البشر دون سواها ". على أن المشايخ والأئمة لم تلن قلوبهم لهذه التصريحات، بل انتهزوا أول فرصة لإعلان الثورة فى الأزهر، والانطلاق فى شوارع القاهرة لقتل كل فرنسى يصادفونه، فلم ير " نابليون " بدا من أن يصب حمم مدافعه على المدينة الثائرة، وما زال بها حتى أسكتها. هل كان " نابليون " منافقا حقا فى ادعائه للإسلام؟. إن قراءات " نابليون " الكثيرة عن الشرق أثرت ـ لا ريب ـ فى نزعته إلى افتتاحه، وإقامة ملك عريض فيه!. ودراسته لأحوال الشرق جعلته يتعرف إلى الإسلام، ويدرك طرفا من حقيقته وأركانه. ونحن نستبعد أنة أسلم، وإنما نظن أن مثله من كبار الرجال الذين ظهروا فى الغرب يميلون ـ بوحى من فطرتهم وفكرتهم ـ إلى الإيمان بإله واحد يهيمن على هذا العالم ويملك أزمة أموره. وهم يرفضون ـ بأنفة ـ ما فى النصرانية من أقانيم وقرابين، ويرون من المهانة لعقولهم تصديقها.. ص_276
(1/262)

هؤلاء الموحدون ليسوا نصارى، ودعوة الإسلام لم تبلغهم على وجه محترم حتى يؤمنوا بها كاملة. فهم يصدقون بعقيدة التوحيد الناشئة عن تفكيرهم الخاص، وربما احترموا الرجل الذى يدعو الناس إليها. أما الدخول فى الإسلام نفسه فلا!!. إذ كيف يدخلون فى دين ليست له أمة تشرف دعايته وتمثل رسالته؟؟. وعندى أن"نابليون " كان من هذا الصنف. إنه ليس مسلما، ولا نصرانيا. بيد أنه يرى الإسلام أدنى إلى طبيعته العقلية من النصرانية. فلما قرر احتلال مصر لم ير حرجا نفسيا فى اعتناقه. وعلى أية حال فهو لم يضطهد المسلمين لدينهم قدر ما اضطهدهم لمقاومتهم سياسته المرسومة وأطماعه الخاصة. أما الأقباط فقد ظنوا ـ كالمسلمين ـ أن " نابليون" يقود هجوما صليبيا جديدا على مصر. فلما هرعوا لاستقباله لم يكترث لهم! فما حاجته إليهم؟ وما حاجتهم إليه؟ وقد اغتاظ المسلمون من احتفاء الأقباط بالقائد الفاتح، ونشبت فى بعض القرى ثورات قتل فيها نفر من الأقباط. فوعد "نابليون " أن يعاقب ـ بشدة ـ القرى التى ارتكبت هذه الجرائم. على أن " نابليون " لم ير فى مسلك الكثرة المسلمة مع القلة النصرانية ما ينطوى على حيف أو تعصب أو اضطهاد من النوع الذى عرفه فى " أوروبا ". بل على العكس لاحظ عند تنظيمة للإدارة والاقتصاد والميزانية أن الأقباط كانوا يستغلون الحكام المسلمين، ويختلسون أموالا جسيمة. ص_277
(1/263)

فقررإقصاءهم من وظائفهم بالتدرج على ما شرحناه قبلا. ومع ذلك فقد ظل الأقباط متعلقين بالفرنسيين، راغبين فى التعاون العسكرى معهم ـ مع عزوف نابليون عن قبول هذا العون ـ حتى تولى "كليبر" القيادة بعد نابليون فأذن للأقباط أن يؤلفوا فرقتهم العسكرية لتنضم إلى الجيش الفرنسى المجيد!!. ولنتتبع موقف مواطنينا الأقباط من الوثائق نفسها التى ذكرها الكاتب الصليبى النزيه!، قال فى ص 216: " لما وصلت العمارة الفرنسية إلى مياه الإسكندرية ظل الفرنسيون ـ الأجانب ـ والأقباط موضع شك السلطات وتعرضوا من جراء ذلك إلى أعمال السوء ". وهذا كذب بالنسبة للأقباط خاصة. نعم إن "مراد بك " هم بإيذاء الأقباط، متوقعا أن ينضموا إلى الجيش الغازى غير أن مشيريه رفضوا ذلك رفضا باتا. وينقل " نقولا ترك " فى هذا الشأن ما يلى: " قال الوزير، وشيخ البلد " إبراهيم بك ": غير ممكن أن نسلم فى هذا العزم والرأى، لأن هؤلاء ـ يعنى الأقباط ـ رعية مولانا السلطان صاحب العز والنصر والشأن. وكان الوزير وشيخ البلد يرسلون إليهم كل يوم "سليم أغا"مستحفظان أغات الانكشارية "كذا فى الأصل " يطمئنهم على محلاتهم وأرواحهم وأموالهم ويطلق المناداة فى البلد كله على حفظ الرعايا وعدم التعرض لهم ". وقال الكاتب فى ص 217: " الملاحظ أن "بونابرت " أرسل فى طلب المعلم أجرجس الجوهرى" ـ المباشر العام للشثون المالية ـ فجاء المعلم، وقدم إلى الجنرال الفرنسى أعيان الأقباط. ومن الطبيعى أن ينتهز الأقباط هذه الفرصة ليقدموا الطاعة والخضوع للرجل الذى جلس على أنقاض المماليك " كذا " ورسخت أقدامه فى أنحاء البلاد. ص_278
(1/264)

وكان أعضاء الوفد يرتدون الكساوى ذات الأكمام المذهبة المزدانة بالوريدات الذهبية، وعلى رءوسهم العمائم الكشمير، وأعربوا " لبونابرت " عن خالص ولائهم..". قال الكاتب فى ص 218: "... وقلق المسلمون لعمل الأقباط، مما دعا " الجبرتى " إلى اتهامهم صراحة بالتعاون مع الفرنسيين ". ونحن نعجب لهذا الوفد المختال فى ملابسه المزركشة!. أهو ذاهب إلى حفل عرس؟ أكان مسلك المسلمين معهم يتطلب إظهار هذا الفرح كله فى استقبال الفاتح المنتصر، وتشييع الدولة الإسلامية المدبرة؟؟. أيًا ما كان الأمر، فإن عناصر المقاومة بين المسلمين ظلت تواصل جهادها المقدس لإرهاق المحتل وتعكير صفوه. وبرغم الخسائر المتلاحقة التى أنزلها الفرنسيون بالجيوش المنظمة ثم بجموع الثوار المكافحة، فإن المسلمين قرروا ألا يستسلموا. لقد ثاروا على " نابليون " فقمع ثورتهم. وها هو ذا "نابليون " تضطره أحوال فرنسا أن يغادر مصر مستخلفا " كليبر " وظن المكافحون أنهم يستطيعون مقاتلة القائد الجديد فأعلنوا عليه الثورة، إلا أنه ما لبث أن هزمهم، فاضطروا إلى طلب الأمان. ويقول الكاتب فى ص 218: " لما طلب ثوار القاهرة الأمان لم ير " كليبر " مانعا من منحهم إياه، ولكنه أثقل كاهل البلاد بالضرائب بعد ذلك. "ثم أرسل فى طلب العلماء والأعيان وألقى فيهم خطبة ملأها بالتهديد والوعيد، ووصفهم بالرجال الأشرار الجاحدين، وأخبرهم بفرض ضريبة استثنائية على جميع السكان، ما عدا نصارى الذميين ". وذلك بداهة، لأن النصارى الذميين حلفاء الاحتلال الفرنسي. ص_279
(1/265)

فلماذا تفرض عليهم ضريبة؟ فى هذه الظروف ألف الأقباط فرقتهم العسكرية لمعاونة الفرنسيين. وقد اهتاج المسلمون لهذه الخيانة السافرة. ويدل وصف "الجبرتى " لأفرادها على غيظ دفين وغل مكين قال: " إن " يعقوب القبطى " لما تظاهر مع الفرنساوية، وجعلوه سارى عسكر القبط، جمع شباب القبط وحلق لحاهم، وزياهم بزى مشابه لعسكر الفرنساوية، مميزين عنهم بقبع يلبسونه على رءوسهم مشابه لشكل البرنيطة، وعليها قطعة فرو سوداء من جلد الغنم فى غاية البشاعة! مع ما يضاف إليها من قبح صورهم، وسواد أجسادهم وزفارة أبدانهم " وبلغ أفراد الفرقة ثمانمائة. وقد أنعم الفرنسيون على قائدها المدعو " يعقوب " بلقب" جنرال "!!. و " يعقوب " هذا كان يشتغل مع المماليك، ونال من نعمائهم ما جعله صاحب ثروة ضخمة، أكسبته بين المصريين منزلة حسنة. فلما دخل الفرنسيون مصر، ومالأهم قومه اشتغل هو الآخر لحسابهم. يقول الكاتب فى ص 222: ".. ولما قدمه " جرجس الجوهرى " إلى الجنرال " بوسييلنج " كتب الجنرال إلى بونابرت "يقول له: " قال لى " الجوهرى". إنك لن تجد إنسانا أكثر غيرة منه على مصالحنا، وانه يضع رأسه بين يديك راجيا أن تأمر بقطعه، إن بدا من المعلم " يعقوب " أدنى خيانة... "!. أرأيت هذا التفانى المطلق فى خدمة المحتل؟ ويستطرد الكاتب فى الكلام عن المعلم " يعقوب ": "... ألقى دواته المعلقة بزنارة واستل سيفه من غمده، وخاض غمار معارك طاحنة وعرض نفسه للهلاك أكثر من مائة مرة! هذا لأنه يعتبرنفسه جنديا من جنود بونابرت " ص 223. ص_280
(1/266)

ضد من خاض هذه المعارك؟ ضد المسلمين الثائرين على الاحتلال الفرنسى.. وفى الصفحة نفسها يقول الكاتب: ".. ولما سافر "ديزيه " إلى فرنسا مع " بونابرت " استقر " يعقوب " بالقاهرة حيث كان يحيط الفرنسيين بمعلومات مفيد ة. فلما حوصر فى ثورة القاهرة الثانية برهن على مهارته فى الفنون الحربية. الشئ الذى جعله يطلب إلى "كليبر" السماح له بتجنيد فرقة من الأقباط يتولى قيادتها.." وقد رحل هذا اليعقوب الخائن فى أعقاب الحملة الفاشلة إلى فرنسا. حيث لقى حتفه فى عرض البحر ذاهبا إلى الجحيم. وقيل: إنه صرح قبل وفاته لربان السفينة التى فر عليها بأنه كان يبغى بسيرته السالفة تحقيق استقلال مصر (!). وقد روج الكاتب الصليبى لهذا الهذر، يحسب أنه يرفع به خسيسة خائن قذر إنه ـ فعلا ـ كان يريد قطع صلة مصر بتركيا ليلحقها بفرنسا!!. وهو ومن شايعوه إنما تحمسوا لهذه النذالة من غليان أحقادهم على الإسلام ومقتهم العنيف لأمته ودولته، مهما أسدى إليهم من أياد وأغدق عليهم من نعم. إنها النزعة الصليبية الخبيثة هى التى جعلت هذا المخلوق يجحد مواساة المسلمين له وبرهم به. وهى التى جعلت "سلامة موسى" يكتب عدة مقالات فى جريدة مصر القبطية يمجد فيها أعمال الجنرال " يعقوب " . أجل، يمجد هذه الأعمال، التى سردناها لك من فم كاثوليكى متعصب شديد البغضاء للإسلام. فإذا هى جملة سفالات تنطق بأن فاعلها ماتت فى دمه نوازع الشرف كلها. ص_281
(1/267)

إن الكاتب الصليبى يستشعر الوجل من هذه التصرفات التى ارتكبها الأقباط على عهد ألاحتلال الفرنسى. وهو ـ لكى يبررها ـ يريد إيهامنا بأن الأقباط وقع عليهم اضطهاد سابق فلا يستغرب منهم أن يثأروا لأنفسهم. وقد أخفق فى ذكر حادثة واحدة تشهد بأن المسلمين آذوا الأقباط إيمانا واحتسابا كما فعل النصارى بعضهم مع البعض الآخر فى أوروبا نفسها. ولا أدل على ذلك من أن الفرنسيين دخلوا مصر، ودخلوا أسبانيا فى أيام متقاربة. فماذا وجدوا فى مصر المسلمة، وماذا وجدوا فى أسبانيا الكاثوليكية؟ إننا نتحف الكاتب الكاثوليكى بهذا التقرير ليرى أنه فى الوقت الذى كان المسلمون يسندون الوظائف العالية لمخالفيهم فى الدين، كان قومه يخترعون المهلكات لمخالفيهم فى الدين. وفى الوقت الذى داس الفرنسيون فيه الجامع الأزهر وفيه علماء يصفون الأقباط بأنهم أهل ذمة، " لهم ما لنا وعليهم ما علينا " كان الفرنسيون يدخلون كنائس أسبانيا باحثين عن وسائل التعذيب التى أعدها القساوسة الرحماء للتنكيل بالعزل المستضعفين ممن اتهموا بعداوة المسيح.. و إليك ما كتبه "الكولونيل ليمونسكى " أحد ضباط الحملة الفرنسية فى أسبانيا قال: " كنت سنة 1809 ملحقا بالجيش الفرنسى الذى يقاتل فى أسبانيا، وكانت فرقتى بين فرق الجيش الذى احتل "مدريد" ـ العاصمة ـ . وكان الإمبراطور نابليون أصدر مرسوما سنة 1808 بإلغاء دواوين التفتيش فى المملكة الأسبانية. غير أن هذا الأمر أهمل العمل به للحالة الحربية، والاضطرابات السياسية التى سادت وقتئذ. ص_282
(1/268)

وصمم رهبان "الجزويت " ـ أصحاب الديوان الملغى ـ على قتل وتعذيب كل فرنسى يقع فى أيديهم، انتقاما من القرار الصادر، وإلقاء للرعب فى قلوب الفرنسيين حتى يضطروا إلى إخلاء البلاد فيخلو لهم الجو. وبينما أسير فى إحدى الليالى، اجتاز شارعا يقل المرور فيه من شوارع مدريد إذ باثنين مسلحين قد هجما على يبغيان قتلى، فدافعت عن حياتى دفاعا شديدا، ولم ينجنى من فتكهما إلا قدوم سرية من جيشنا مكلفة بالتطواف فى المدينة. وهى كوكبة من الفرسان تحمل المصابيح وتبيت الليل ساهرة على حفظ النظام. فما ان شاهدها القاتلان حتى لاذا بالهرب، وتبين لنا من ملابسهما أنهما من جنود ديوان التفتيش. فأسرعت إلى " المريشال سولت " الحاكم العسكرى لمدريد، وقصصت علية النبأ فثار غضبه، وقال: لا شك بأن من يقتل من جنودنا كل ليلة إنما هو من صنع أولئك الأشرار، ولابد من معاقبتهم وتنفيذ حكم الإمبراطور بحل ديوانهم. والآن خذ معك ألف جندى وأربعة مدافع، وهاجم دير الديوان، واقبض على هؤلاء الرهبان الأبالسة، ولنقتص منهم بمحاكمتهم أمام مجلس عسكرى. وفى الرابعة صباحا ركبت على رأس تلك الحملة، ثم قصدنا إلى دير الديوان، وهو على مسافة خمسة أميال من " مدريد ". فلم يشعر الرهبان إلا والجنود يحيطون بديرهم، والمدافع تصوب إليه فوهاتها. وكان هذا الدير عبارة عن بناء ضخم أشبه بقلعة حصينة، وأسواره العالية تحرسها فرقة من الجنود اليسوعيين. فتقدمت إلى باب الدير وخاطبت الحارس الواقف على السور وأمرته ـ باسم الإمبراطور ـ أن يفتح الباب. وظهر لى أن الحارس التفت نحو الداخل وكلم أشخاصا لا نراهم. ص_283
(1/269)

ولما انتهى من حديثه عاد وأخذ بندقيته وأطلق علينا الرصاص ثم انهال علينا الرصاص من كل جهة، فقتل بعض رجالى وجرح آخرون. ولكنى أمرت جنودى أن يقتحموا الدير عنوة، واعتبرت إطلاق الرصاص من الجزويت علامة رفض، وأنهم لا يفتحون الباب إلا بالقوة. وأخذنا نطلق المدافع على أسوار الدير، وعلى الباب الموصد. واستخدم جنودنا ألواح الخشب السميك تقيهم رصاص الحرس الذى كان ينهمر علينا كالمطر الغزير. وبعد نصف ساعة استطعنا فتح ثغرة واسعة فى الحائط، نفذ الجيش منها إلى داخل الدير، وكنت مع بعض زملائى طليعة الداخلين. وأسرع الرهبان اليسوعيون إلى لقائنا مرحبين بنا! ووجوههم باشة!. وهم يستفهمون عن سبب قدومنا على هذا النحو، وكأن لم يدر بيننا قتال ولم تنشب معركة. ثم استداروا إلى جنودهم وانهالوا عليهم تعنيفا وتأنيبا وقالوا: إن الفرنسيين أصدقاؤنا فمرحبا بهم. على أن هذا النفاق الخبيث لم ينطل علينا فأصدرت الأمر لجنودى بالقبض على أولئك القساوسة جميعا وعلى جنودهم الحراس، توطئة لتقديمهم إلى مجلس عسكرى. ثم أخذنا نبحث عن قاعات العذاب المشهورة، وطفنا بغرف الدير فراعنا ما بها من أثاث فاخر، ورياش وكراسى هزازة! وسجاجيد فارسية ثمينة، وصور نادرة ومكاتب كبيرة. وقد صنعت أرض هذه الغرفة من خشب المغنى المصقول المدهون بالشمع. وكان شذى العطور يعبق فى أرجاء الغرف فتبدو الساحة كلها أشبه بأبهاء القصور الفخمة التى لا يسكنها إلا ملوك قصروا حياتهم على الترف واللهو. ص_284
(1/270)

وعلمنا بعد أن تلك الروائح المعطرة تنبعث من شمع يوقد دائما أمام صور الرهبان، ويظهرأن هذا الشمع قد خلط به ماء الورد. وكادت جهودنا تذهب سدى ونحن نحاول العثور على قاعات التعذيب. إننا فحصنا غرف الدير وممراته وأقبيته كلها ولم نجد شيئا يدل عليها. فعزمنا على الخروج يائسين من اكتشاف بغيتنا مقتنعين بتقديم أولئك الرهبان إلى المجلس العسكرى. وكانوا فى أثناء بحثنا يقسمون ويؤكدون أن ماشاع عنهم وعن ديرهم ليس إلا تهما باطلة، وأنهم يحتملون هذه الأكاذيب فى سبيل الله. وأنشأ زعيمهم يؤكد لنا براءته وبراءة أتباعه بصوت خافت وهو خاشع الرأس توشك عيناه أن تطفر بالدمع، فأعطيت الأوامر للجنود بالاستعداد لمغادرة الدير. لكن " اللفتنانت دى ليل " استمهلنى قائلا:" أيسمح لى الكولونيل أن أخبره بأن مهمتنا لم تنته حتى الآن ؟ قلت له: قد فتشنا الدير كله ولم نكتشف شيئا مريبا به ففيم ترغب؟. قال: إني أرغب فى فحص أرضية هذه الغرف، وأدقق فى امتحانها، فإن قلبى يحدثنى بأن السر تحتها. وعند ذلك نظر الرهبان بعضهم إلى بعض نظرات قلقة، وأذنت للضابط بالبحث. فأمر الجنود برفع الأبسطة، فرفعت، ثم أمر بأن يصبوا الماء بكثرة فى أرض كل غرفة على حدة ففعلوا. وكنا نرقب الماء، فإذا بالأرض تبتلعه فى إحدى الغرف، ويتسرب إلى أسفل. فصفق الضابط "دى ليل " من شدة فرحه وقال: هو ذا الباب! انظروا فنظرنا فإذا بالباب قد انكشف، وهو قطعة من أرض الغرفة يفتح بطريقة ماكرة بواسطة حلقة صغيرة وضعت إلى جوارها رجل مكتب الرئيس. وأخذ الجنود يكسرون الباب المسحور بقحوف البنادق. ص_285
(1/271)

والتفت فرقة من الجنود حول عصابة الرهبان الذين اصفرت وجوههم وكستها غبرة. وفتح الباب وظهر لنا سلم يؤدى إلى باطن الأرض. فأسرعت إلى شمعة كبيرة يزيد طولها على متر كانت تضئ أمام صورة أحد رؤساء محاكم التفتيش السابقين. ولما هممت بالنزول وضع راهب يسوعى يده على كتفى متلطفا وقال لى: يابنى، لا تحمل هذه الشمعة بيدك الملوثة بدم القتال لأنها شمعة مقدسة. فقلت له: يا هذا إنه لا يليق بيدى أن تتنجس بلمس شمعتكم الملطخة بدم الأبرياء، وسنرى من النجس فينا؟ ومن القاتل السفاك؟. وهبطت على درج السلم يتبعنى سائر الضباط والجنود شاهرين سيوفهم حتى وصلنا إلى آخر الدرج!. فإذا بنا فى غرفة كبيرة مربعة، هى عندهم قاعة المحكمة، فى وسطها عمود من الرخام، به حلقة حديدية ضخمة، ربطت بها سلاسل، كانت الفرائس تقيد بها رهن المحاكمة. وأمام ذلك العمود عرش" الدينونة"، كما يسمونه وإلى جانبيه مقاعد أخرى أقل ارتفاعا معدة لجلوس جماعة القضاة. ثم توجهنا إلى غرف آلات التعذيب، وتمزيق الأجسام البشرية. وقد امتدت تلك الغرف مسافات كبيرة تحت الأرض. وقد رأيت بها ما يستفز نفسى، ويدعونى إلى التقزز ما حييت. رأينا غرفا صغيرة فى حجم جسم الإنسان بعضها عمودى وبعضها أفقى. فيبقى سجين العمودية واقفا بها على رجليه مدة سجنه حتى يقضى عليه. ويبقى سجين الأفقية ممددا بها حتى يموت. وتبقى الجثة فى السجن الضيق حتى تبلى، ويتساقط اللحم عن العظم. ص_286
(1/272)

ولتصريف الروائح الكريهة المنبعثة من الأجداث البالية تفتح كوة صغيرة إلى الخارج. وقد عثرنا على عدة هياكل بشرية مازالت فى أغلالها سجينة. والسجناء كانوا رجالا ونساء تختلف أعمارهم بين الرابعة عشرة والسبعين. واستطعنا فكاك بعض السجناء الأحياء، وتحطيم أغلالهم، وهم على آخر رمق من الحياة. وكان فيهم من جُن لكثرة ما لاقى من عذاب، وكان السجناء عرايا زيادة فى النكاية بهم، حتى اضطر جنودنا أن يخلعوا أرديتهم، ويستروا بها لفيفا من النساء السجينات. وقدمنا السجناء إلى النور تدريجيا لئلا يؤثر النور المفاجئ على أبصارهم. وكانوا يبكون فرحا وهم يقبلون أيدى الجنود وأرجلهم الذين أنقذوهم من العذاب، وأعادوهم إلى الحياة. وانتقلنا إلى غرف أخرى فرأينا هناك ما تقشعر لهوله الأبدان، عثرنا على آلات لتكسير العظام، وسحق الجسم. وكانوا يبدأون بسحق عظام الأرجل، ثم عظام الصدر والرأس واليدين، وذلك كله على سبيل التدريج حتى تأتى الآلة على البدن المهشم، فيخرج من الجانب الأخر كتلة واحدة. وعثرنا على صندوق فى حجم رأس الإنسان تماما، يوضع فيه الرأس المعذب، بعد أن يربط صاحبه بالسلاسل فى يديه ورجليه فلا يقوى على حركة. وتقطر على رأسه من ثقب فى أعلى الصندوق نقط الماء البارد، فتقع على رأسه بانتظام فى كل دقيقة نقطة. وقد جن الكثيرون من ذلك اللون من العذاب، قبل أن يحملوا به على الاعتراف ويبقى المعذب على حاله تلك حتى يموت. ص_287
(1/273)

وعثرنا على آلة ثالثة للتعذيب تسمى بالسيدة الجميلة، وهى عبارة عن تابوت تنام فيه صورة فتاة جميلة مصنوعة على هيئة الاستعداد لعناق من ينام معها، وقد برزت من جوانبها عدة سكاكين حادة. وكانوا يطرحون الشاب المعذب فوق هذه الصورة، ثم يطبقون عليهما باب التابوت بسكاكينه وخناجره، فإذا أغلق مزق جسم الشاب وتقطع إربا إربا. كما عثرنا على جملة آلات لسل اللسان، ولتمزيق أثداء النساء وسحبها من الصدور بواسطة كلاليب فظيعة، ومجالد من الحديد الشائك لضرب المعذبين وهم عرايا حتى يتناثر اللحم عن العظام. وصل خبر الهجوم على دير " ديوان التفتيش " إلى مدريد، فهب الألوف ليروا ما حدث. وخيل ـ إلينا من شدة الزحام ـ أننا فى يوم القيامة. ولما شاهد الناس بأعينهم وسائل التعذيب وآلاته الجهنمية جن جنونهم، وانطلقوا ـ كمن به مس ـ فأمسكوا برئيس اليسوعيين، ووضعوه فى آلة تكسير العظام فدقت عظامه دقا وسحقتها سحقا. وأمسكوا كاتم سره وزفوه إلى السيدة الجميلة وأطبقوا عليهما الأبواب، فمزقته السكاكين شر ممزق. ثم أخرجوا الجثتين، وفعلوا بسائر العصابة وبقية الرهبان كذلك. ولم تمض نصف ساعة حتى قضى الشعب على حياة ثلاثة عشر راهبا، ثم أخذ ينهب ما بالدير. وقد عثرنا على أسماء ألوف الأغنياء فى سجلات الديوان السرية، وهم الذين قضى الرهبان بقتلهم كى يبتزوا أموالهم، أو يضطروهم إلى كتابة إقرارات تحول ثرواتهم إلى اليسوعيين. ويمكننى أن أقول: بأن ذلك اليوم هو أعظم يوم شهدته بعد هدم " الباستيل ". أ.هـ. *** ص_288
(1/274)

هذه حلقة اكتشفت من سلسلة يمتد طرفها مع الماضى السحيق، تشهد بمأساة التاريخ الكنسى من أهوال وأنكال. وبهذه الوسائل أصبحت " الكاثوليكية " هى الدين الوحيد فى أسبانيا. وعندما ساق " نابليون، جيوشه إلى أسبانيا هذه، ووجد من المضطهدين بها من يستبشر بمقدمه، لم يكن هناك محل للاتهام بالخيانة أو الجحود. أما فى مصر حيث يعيش الأقباط فى أكناف كثرة تحنو عليهم، وترى المحافظة على دمائهم وأموالهم وأعراضهم ذمة تسأل أمام الله عن الوفاء بها. أما فى مصر حيث لا حرج على يهودى أو نصرانى أن يعبد ربه على طريقته، ويتردد ما شاء على كنيسته، فما معنى الانضمام إلى الجيوش الغازية وتكوين الفرق لمعا ونتها؟. إن الكاتب الكاثوليكى لا يستحيى ـ وهو يعرف تاريخ كنيسته ـ من أن يزعم أن " نابليون " لما جاء مصر منح الأقباط حريتهم الدينية "كذا". إى وربي كذلك يزعم الأفاك!! فماذا صنع للأقباط " نابليون "؟. وجدهم فى وظائف الدولة الإسلامية يغتالون مالها فأمر بفصلهم. وكان المسلمون ـ لفرط ثقتهم ـ لا يشعرون بذلك. وجد الكنائس فوق الحاجة فما شاد كنيسة جديدة. فلما أحس بأنهم ينضمون إليه بطرا وتعصبا لما يتوهمون فيه من تمسك بالنصرانية قبض يده عنهم، حتى إذا تحرجت حالته وأحوال خلفائه قبل منهم العون. وما كان الفرنسيون ـ وهم الغرباء المحصورون ـ يزهدون فى خيانة الخائنين. ذلك.. وقد اشترط الفرنسيون عند رحيلهم من مصر ألا يؤذى من ساعدهم مدة احتلالهم لها. ولكن الشعب ـ كما يقول الكاتب فى ص 225 ـ: " أرهق الفرنسيين فى أثناء انسحابهم! ثم وجه غضبه إلى النصارى! ص_289
(1/275)

وهكذا لم تفلح الإجراءات التى اتخذها رجال الشرطة ولا تصريحات الوالى فى التخفيف من نار الانتقام المتأججة فى قلوب الشعب إلا بعد مضى وقت طويل ". لا.. إن الشعب المسلم نسى بعد وقت قصير. لأنه ـ بطبيعته اللينة ـ يقبل الكثير، ويعفو عن الخطير. ونحن نؤكد أن القلة القبطية التى فعلت ذلك مع المسلمين، لو كانت قلة مسلمة مع النصارى فى إنجلترا أو فرنسا أو إيطاليا، ثم ارتكبت هذه الخيانة لأبيدت عن بكرة أبيها. بل إن هذه القلة المسلمة كانت ستباد ولو لم تقترف إثما، وحسبها من إثم أنها مسلمة. أليس ذلك ما كان فى سالف الأزمان؟ *** ص_291

8- بين ملوك النصرانية

ومماليك الإسلام
ص_292
(1/276)

فى نفوس أمم " أوروبا " عقد مستحكمة ضد الحكم الديني، ولهم فى كراهيته عذر مبين، وليس للحكم الدينى فى " أوروبا " رجال ينشدون عودته ويحبذون دولته. فإن مأثمه الشائعة هنالك ترد أصفق الوجوه عن المطالبة به. وللكنيسة ـ مذ حكمت ـ تاريخ يجر وراءه أثقالا من الكوارث اعتبرت لازمة لسيطرتها، فلا غرو إذا استراح القوم من حكمها وكوارثها. وقد لاحظنا أن الناقمين على الإسلام، الراغبين فى إزالتة من الوجود ـ دينا ودولة ـ حريصون على تشبيه الإسلام بالنصرانية، مولعون بعقد مقارنات بين تاريخه وتاريخها، فإذا صدمتهم الحقائق القائمة فروا إلى الادعاء العريض. ولما كان أبرز ما فى المسيحية الحاكمة تعصبها المر ضد المخالفين لها فى الأصول والفروع، ولجوءها إلى الحديد والنار فى حل مشاكلها التافهة، وتبريرها القسوة الهائلة فى فرض معتقداتها وآرائها. فإن المتحاملين على الإسلام أرادوا استخراج مثل هذه المواقف المخزية من تاريخه، فأعيتهم الحيل واستوعرت السبل، فما يصنعون؟. لا شئ إلا الكذب والتحريف والتضليل. ولا بأس عليهم إذا عثروا على الإساءة الصغيرة فوضعوا لها عنوان المذبحة الكبرى!! ليكون من ذلك وجه شبه بين الحكم الإسلامى العف، وبين الحكم النصرانى المفعم بالمذابح. ومن هذا القبيل ما أفرد له الكاتب الصليبى بابا خاصا بعنوان: " كارثة النصرانية فى عهد المماليك ". ونحن نرحب بهذه التهمة لأنها ستجعلنا نفند الضلالات، ونعقد المقارنات، ثم نخرج بالنتائج التى تبيض لها وجوه وتسود وجوه. وقبل أن نسرد الوقائع ـ وهى قريبة من متناول اليد ـ نؤكد للقارئ أن الفرق بين تاريخ الديانتين كالفرق بين حقيقتيهما. فالتوحيد شئ آخر غير التثليث، والتسامح شئ آخر غير الاضطهاد. ص_293
(1/277)

ومادام الكاتب قد تكلم عن كارثة للنصرانية فى عهد الإسلام ـ أى عن كارثة للأقليات فى عهد حكومته ـ فلنتكلم نحن عن كوارث الأقليات المسيحية فى عهد المسيحيين أنفسهم، ولنقارن بين أرض وسماء، بين حكم المماليك فى النصارى ـ وهو المعدود أسوأ عهد فى تاريخنا ـ وبين حكم الملوك الأحرار والباباوات الكبار من رجال ا لنصرا نية. ذلك، ولن نعتبر هذه الكوارث، التى اقترفها رجال النصرانية، من وحى أنفسهم، بل من وحى كتبهم التى بين أيديهم. يقول الدكتور " توفيق الطويل ": "... لكن الذين حملوا الأناجيل نصيبها فى تبعة الاضطهاد الدينى يقولون: إن أتباع الاضطهاد من أمثال القديس " أوغسطين " قد استندوا إلى آيات وردت فى الإنجيل. كقول المسيح لحوارييه: " أجبروهم على اعتناق دينكم " أو "لا تظنوا أنى جئت لألقى سلاما على الأرض، ما جئت لألقى سلاما، بل سيفا، فإنى جئت لأفرق الإنسان من أبيه، والابنة من أمها، والكنة من حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته ". هذه الكلمات هى التى حكمت تاريخ النصرانية، وصبغته ـ من بدايته إلى نهايته ـ بالدم العبيط... أما " من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر " فكلام لم يعرفه المسيحيون مع أنفسهم يوما ولا مع أعدائهم ساعة.. وإليك هذه الصفحة من تاريخ النصرانية السمح (!). " أراد " تشرلس " التاسع سنة 1574 م أن ينشر الأمن فى ربوع البلاد، فهادن " الهوجونوث " وأدنى زعماءهم من حضرته، وتوج هذه الحركة بالرغبة فى تزويج أخته من زعيم لهم، فأثار هذا المسلك ثائرة الكاثوليك. وفى ليلة الزفاف أقبل جموع " الهوجونوث " تترى إلى باريس، فأطلق الرصاص على زعيمهم. ص_294
(1/278)

وعندئذ وطد عزمه على التنكيل بمن حاول اغتياله، وخشى "الكاثوليك " مغبة ذلك فعقدوا النية على أن يجعلوا عيد القديس "بارثلميو" فى 24 أغسطس سنة 1572 م مذبحة يبيدون فيها خصومهم. وفى منتصف الليل دق ناقوس كنيسة " سان جرمان " مؤذنا ببدء المذبحة. فإذا بأشراف الكاثوليك والحرس الملكى وجموع الجماهير تنقض على بيوت " الهوجونوث " والفنادق التى آوتهم، وتأتى على من بها ذبحا. فلما أصبح الصباح كانت شوارع باريس تجرى بدماء ألفين من النفوس. وتطايرت أنباء المذبحة المروعة إلى الأقاليم، فإذا بها تستحيل ـ بدورها ـ مجزرة تجرى بدماء ثمانية آلاف من هؤلاء المساكين. بل قيل: إن هذه المذبحة قد أودت بحياة نيف وعشرين ألفا. وقد أثار وقوع هذه المذبحة الغبطة والرضا فى أوروبا المسيحية الكاثوليكية كلها، فكاد " فيلب " الثاني يجن من فرط الفرح عندما بلغته أنباؤها، وانهالت التهانى على "تشرلس التاسع " بغير حساب!. وكاد البابا "جريجورى" الثالث عشر يطير من السرور. حتى إنه أمر بسك أوسمة لتخليد ذكراها توزع على وجوه الشعب وعيونه. وقد رسمت على هذه الأوسمة صورته، وإلى جانبه ملك يضرب بسيفه أعناق الملحدين. وكتب على هذه الأوسمة " إعدام الملحدين ". وأمر البابا ـ إلى جانب هذا ـ بإطلاق المدافع وإقامة القداس فى شتى الكنائس، ودعا الفنانين إلى تصوير مناظر المذبحة على حوائط الفاتيكان، وأرسل تهنئته الخاصة إلى " تشرلس " .. "أ. هـ. هذه هى أنباء مجزرة "سان باثلميو" التى فتك فيها الكاثوليك بإخوانهم البروتستانت. ص_295
(1/279)

والكاثوليك لم يفعلوا ذلك فى ساعة طيش يندم المرء بعدها على خطيئته!!. بل فعلوا ذلك نزولا على الكلمات التى دونها "متى" فى إنجيله ونقلناها لك آنفا. وتمشيا من السير المتوحشة التى سجلها العهد القديم نفسه لأنبيائهم، فى الحروب التى شنوها على أعدائهم. إن العهد القديم يوصى بحرب الإبادة، الإبادة التى لا تبقى فى ديار الأعداء إنسانا ولا حيوانا. والنصارى الذين حكموا نفذوا هذه الوصاية بدقة، واستوحوا منها مسالكهم تجاه خصومهم فى العقيدة أو فى الرأى. إنهم يسفكون هذه الدماء، لا على أنها جرائم، بل على أنها قربات يطلبون بها رضوان الرب. إنهم يعتصرون أعناق الضحايا كما يبدأون فى إقامة صلاة سواء بسواء... فى الإصحاح السادس من سفر " يشوع " "وكان فى المرة السابعة، عندما ضربت الكهنة بالأبواق، أن " يشوع " قال للشعب: اهتفوا لأن الرب قد أعطاكم المدينة ، فتكون المدينة وكل ما فيها محرما للرب. وكان حين يسمع الشعب صوت البوق أن الشعب هتف هتافا عظيما، فسقط السور فى مكانه، وصعد الشعب إلى المدينة، كل رجل مع وجهه. وأخذوا المدينة، وحرموا كل ما فى المدينة من رجل، وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير، بحد السيف، وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها ". وفى الإصحاح الثامن ".. فقال الرب " ليشوع ": مُدَّ المزراق الذى بيدك نحو "عاى" لأنى بيدك أدفعه!. فمد يشوع المزراق الذى بيده نحو المدينة. فقام الكمين بسرعة من مكانه وركضوا عندما مد يده، ودخلوا المدينة وأخذوها، وأسرعوا وأحرقوا المدينة بالنار. ص_296
(1/280)

ولما رأى " يشوع " وجميع إسرائيل أن الكمين قد أخذ المدينة، وأن دخان المدينة قد صعد، انثنوا وضربوا رجال " عاى ". وهؤلاء خرجوا من المدينة للقائهم فكانوا فى وسط إسرائيل، هؤلاء من هنا، وأولئك من هناك، وضربوهم حتى لم يبق منهم شارد ولا منفلت. وأما ملك " عاى " فأمسكوه حيا وتقدموا به إلى " يشوع ". وكان لما انتهى إسرائيل من قتل جميع سكان "عاى" فى الحقل، فى البرية حيث لحقوهم وسقطوا جميعا بحد السيف حتى فنوا، أن جميع إسرائيل رجع إلى "عاى" وضربوها بحد السيف.. فكان جميع الذين سقطوا فى ذلك اليوم من رجال ونساء اثنى عشر ألفا، جميع أهل " عاى... " وفى الإصحاح العاشر ".. ثم اجتاز " يشوع "، وكل إسرائيل معه، من " لخيشا " إلى " عجلونا" فنزلوا عليها وحاربوها، وأخذوها فى ذلك اليوم وضربوها بحد السيف وحرم كل نفس بها في ذلك اليوم .. " ".. فضرب " يشوع " كل أرض الجبل ، والجنوب ، والسهل ، والسفوح ، وكل ملوكها ، لم يبق شارد بل حرم كل نسمة كما أمر الرب إله إسرائيل " وفي الإصحاح الحادي عشر " .. ثم رجع " يشوع " في ذلك الوقت ، وأخذ "حاصور " وضرب ملكها بالسيف ، لأن " حاصور " كانت قبلا رأس جميع تلك المماليك وضربوا كل نفس بها بحد السيف ، حرموهم ولم تبق نسمة ، وأحرق "حاصور " بالنار . فأخذ " يشوع " كل مدن أولئك الملوك وجميع ملوكها وضربهم بحد السيف ، حرمهم كما أمر موسى عبد الرب . . . لم تكن مدينة صالحت بني إسرائيل إلا " الحويين " سكان " جبعون " بل أخذوا الجميع بالحرب ، لأنهم كان من قبل الرب أن يشدد قلوبهم ، حتى يلاقوا إسرائيل للمحاربة ، فيحرموا ، فلا تكون عليهم رأفة ، بل يبادوا ، كما أمر الرب موسى . " أرأيت معالم حرب الإبادة كما تصفها الكتب المقدسة لدى القوم ؟ ص_297
(1/281)

أرأيت عاطفة تنضح بالرحمة وسط هذه المجازر المتعاقبة؟. أعرفت ما هو الأصل الذى انبثقت عنه مذبحة " سان بارثلميو " التى كاد يطير البابا من الفرح لأنبائها؟. إن هذه التعاليم الإلهية فى نظر اليهود والنصارى هى أساس الصلات بين المؤمنين وخصومهم. هى التدمير الذى يسقط جثة الأب، إلى جوار ولده، إلى جوار امرأته.. ثم يهدم البيت فوق الجميع. هذه هى المبادئ، والأسس التى يصدر عنها رجال لا يستحيون من اتهام الإسلام بأنه انتشر بالسيف؟؟ ولا ملامة!!. فالحقود الذى يتشهى سفك الدماء لا يستكثر عليه الافتراء. إنهم إن كانوا كثرة أبادوا خصومهم وإن كانوا قلة مكروا وتربصوا وجحدوا، ثم لا يعوز أحدهم الوجه الذى يتهم به الإسلام بأنه قام على السيف !!!!. ولقد قرأت تاريخ الفتوح وسير النبى وخلفائه فهل ترى مكانا لمقارنة بين وحوش وملائك؟؟. لقد نعى القرآن على أهل الكتاب السابقين هذا التوحش فى مسالكهم، فقال لليهود: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون) وقال عن النصارى: (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون) وقد هبت على حضارات العالم كلها سموم محرقة من لفح هذه العداوات والأحقاد. ص_298
(1/282)

فما نجت حضارة أوروبا الأخيرة إلا عندما طاردت رجال الكنائس وألجأتهم إلى جحورهم لا يخرجون منها. حتى إذا اختفوا من الحياة العامة بدأت النهضة الكبرى تنتعش فى كل ميدان. *** ولنعد إلى مناقشة الكاتب فيما أراد أن يصم به الحكم الإسلامى تحت العنوان المثير الذى اختاره " كارثة النصرانية فى عهد السلاطين المماليك ". قال فى ص 180: " كان عام 720 هـ خرابا على الأقباط، ولم يعرف ما حدث بالضبط، ولكن بمجرد إشارة اعتدى الشعب على الأقباط فى جميع أنحاء البلاد". ثم نقل عن " المقريزى " إحدى عشرة صفحة كبيرة ملئت بتفاصيل الحوادث التى وقعت فى هذا العام والتى انتهت بتدمير 54 كنيسة ـ عدا المساجد التى أحرقت ـ وقتل عدد كبير من الناس، مسلمين وأقباطا. ونحن سنتناول أطراف الموضوع كلها، ونكشف ما اكتنف هذه الفتنة أولا وأخرا من وقائع وملابسات، لنرى أكان الذى حدث عدوانا على النصرانية أم رد عدوان على الإسلام؟. وسنعتمد فى هذا على الأحداث نفسها التى نقلها الكاتب، واعترف بصحتها، ولن نزيد عليها من مراجعنا جديدا. نقل الكاتب قصصا تصور حال الأقباط فى عهد المماليك من رواية "المقريزى"، والقصص المذكورة تكشف عن لون المعيشة التى ينعمون بها، وأسلوب المعاملة الذى يواجهون المسلمين به فمما نقله فى ص 175: قال: " كان قد كثر الحريق بالقاهرة ومصر فى مدة سفر السلطان " بيبرس " وأشيع أن ذلك من النصارى، ونزل بالناس من الحريق فى كل مكان شدة عظيمة، ووجد فى بعض المواضع التى احترقت نفط وكبريت. فأمر السلطان بجمع النصارى واليهود، وأنكر عليهم هذه الأمور التى تفسخ عهدهم، وأمر بإحراقهم. فجمع منهم عالم عظيم فى القلعة، وأحضرت الأحطاب والحلفاء، وأمر بإلقائهم فى النار. فلاذوا بعفوه، وسألوا المن عليهم. ص_299
(1/283)

وتقدم الأمير فارس الدين " أقطاى " أتابك العساكر فشفع فيهم، على أن يلتزموا بالأموال التى احترقت وأن يحملوا إلى بيت المال خمسين ألف دينار. فأفرج عنهم السلطان، وتولى البطرك توزيع المال، والتزموا ألا يعودوا إلى شئ من المنكرات ولا يخرجوا عما هو مرتب على أهل الذمة، وأطلقوا ". علام تدل هذه القصة؟. على أن الأقليات حاولت إحراق البلاد بمن فيها ثم غفى عنهم، على أن يلتزموا حدود الشرف والوفاء... فماذا كان مسلكهم ـ بعد ـ ؟؟. كان الأقباط قد عزلوا عن وظائفهم. ويقول الكاتب فى ص 176: " وتدل الدلائل كلها على أن السلطان " قلاوون " وابنه الأشرف "خليل " أعاد النصارى إلى وظائفهم. ". وينقل عن " المقريزى ": "... أن هؤلاء النصارى أصبحوا يعاملون المسلمين بأنفة وأرادوا أن يظهروا أهميتهم بارتداء الملابس الثمينة. ويروى أن أحد النصارى واسمه "عين الغزال " صادف يوما فى طريق مصر سنة 682 هـ سمسار شونة مخدومه. فنزل السمسار عن دابته وقبل رجل الكاتب، فأخذ يسبه ويهدده على مال قد تأخر عليه من ثمن غلة الأمير، وهو يترفق له ويعتذر فلا يزيده ذلك عليه إلا غلظة. وأمر غلامه فنزل، وكتف السمسار، ومضى به، والناس تجتمع عليه حتى صار إلى صليبة جامع " أحمد بن طولون ". ومعه عالم كبير. وما منهم إلا من يسأله أن يخلى عن السمسار، وهو يمتنع عليهم. فتكاثروا عليه وألقوه عن حماره وأطلقوا السمسار.. الخ ". ص_300
(1/284)

علام تدل هذه القصة؟. كاتب قبطى، يلقاه تاجر مسلم ـ والتاجر راكب دابته ـ فينزل عنها احتراما للقبطى، ثم يقبل المسلم قدمه، ويطلب منه إنظاره فى سداد دين عليه. والقبطى يسبه، ويلعنه، ويرفض إجابته، ثم يكتفه، ويقتاده إلى قصر الأمير الدائن، والجمهور من خلفه يتوسل إليه أن يطلق المدين الغارم: أى يطلق المسلم الذليل. علام يدل هذا؟؟ على كارثة النصرانية فى عهد المماليك!!؟؟. وتظل هذه المساخر متصلة مدى عشرين عاما فى القاهرة عاصمة المسلمين فينقل الكاتب فى ص 178 صورة أخرى مشابهة لسابقتها، يقول: " فى شهر رجب سنة 700 هـ حدثت مأساة فى القاهرة غريبة فى نوعها، ففى هذا التاريخ وصل القاهرة وزير صاحب المغرب حاجا. وبينما هو ذات يوم بسوق الخيل تحت القلعة إذا هو برجل راكب على فرس وعليه عمامة بيضاء، وفروجية مصقولة، وجماعة يمشون فى ركابه، وهم يسألونه ويتضرعون إليه، ويقبلون رجليه وهو معرض عنهم وينهرهم ويصيح بغلمانه أن يطردوهم عنه. فقال له بعضهم : " يا مولاى الشيخ ـ بحياة ولدك النشر ـ تنظر فى حالنا "!! " فلم يزده ذلك إلا علوا وتحامقا. فرق المغربى لهم، وهم بمخاطبته فى أمرهم، فقيل له: " وانه مع ذلك نصرانى " فغضب لذلك، وكاد أن يبطش به، ثم كف عنه، وطلع إلى القلعة... " ويستطرد المؤرخون قائلين: " إن الوزير المغربى اجتمع بالملك الناصر " محمد ابن قلاوون " ونائبه يومئذ " سولار ". فتحدث الوزير المغربى معهم في أمر اليهود والنصارى، وأنهم عندهم فى غاية الذلة والهوان، وأنه لا يمكن أحدا منهم من ركوب الخيل ولا الاستخدام فى الجهات الديوانية. وأنكر حال نصارى الديار المصرية ويهودها بسبب لبسهم أفخر الملابس وركوبهم الخيل والبغال، واستخدامهم فى أجل المناصب وتحكيمهم فى رقاب المسلمين. ص_301
(1/285)

وذكر أن عهد ذمتهم انقضى من سنة 600 للهجرة. " فأثر كلامه عند رجال الدولة، ولا سيما الأمير " بيبرس" الجاشنكير...! وواضح أن الوزير المغربى ذعر من المنظر الذليل الذى شاهده، وهاله أن يرى جماعة من المسلمين يتدافعون ضارعين إلى قبطى يمتطى صهوة جواده، ويقبلون قدميه رجاء أن يرق لحالهم، وهو يأمر عبيده بمطاردتهم، ويحث فرسه للابتعاد عنهم.، والحق أن الأقباط فى عهد المماليك، وفى العهود التى سبقته وجدوا الإسلام السمح يفتح أحضانه لتوظيفهم، والحكومات المختلفة تنظر إليهم على أنهم فريق من الرعية، وتتيح لهم أن ينالوا ما يشاءون من حظوظ المال والجاه. فكان تقديرهم لهذا الصنيع أن استهزءوا بالإسلام، واستغفلوا حكامه وتألبوا ضد أهله، وكانت الجماهير بين الحين والحين تحس الغضاضة من هذا الموقف النابى. فكانت تنفس عن ألمها المكبوت بكلمة نابية، أو تهجم محدود. واختلفت مسالك الحكام بإزاء تصرفات النصارى. فمنهم من كان يتغاضى عنها على ما بها من إجحاف صارخ بكرامة الإسلام ومصلحة الكثرة التى تدين به. حتى إن شخصا تقدم إلى " العزيز بالله " يحمل عريضة جاء فى صدرها "بالذى أعز اليهود" بمنشا " والنصارى " بعيسى بن نسطورس "، وأذل المسلمين بك... ". وقد كثر أولئك الحكام المتهاونون، حتى ان النصارى طمعوا فى إعادة مصر إلى عهد ما قبل الفتح، أئ طمعوا فى إبادة الإسلام وإزالة سلطانه. ويشهد لذلك الكاتب الصليبى نفسه إذ يقول فى ص 152 ـ معقبا على قصة ـ مؤداها أن الموظفين الأقباط كانوا ينجزون الأوراق التى تتضمن مصالح طائفتهم فحسب قال: " ولا عجب فإن الأقباط كانوا يؤملون فى ذلك الوقت فى استرداد النفوذ الذى كانوا يتمتعون به عندما فتح العرب مصر ". فهو يبرر تعصبهم ضد الكثرة بتعصب مثله، ويضم إلى ذلك الكذب على التاريخ. إذ أن الرومان كانوا عند الفتح يستذلون الأقباط. ص_302
(1/286)

ولو سار المسلمون على سياسة الرومان لباد الأقباط من زمان بعيد.. وكان هناك حكام آخرون يدركون خفايا النصارى، ويستنكرون محاولتهم تغليب الطابع المسيحى على بلاد كثرتها مسلمة، ولا يتوانون فى إنزال العقوبة بمن يفعل ذلك. وأغلب حوادث العزل من المناصب، وفرض الغرامات، وتقييد بناء الكنائس يعود إلى هذه العلة الدفينة... ونحن نخطئ سياسة الحكام المسلمين فى هذا الشأن. فإن إرخاءهم العنان للموظفين النصارى أوغر عليهم صدور المسلمين، وألقح الضغائن بين القلة والكثرة، وتوقيع العقوبات بعد ذلك على المتعصب منهم فسر بأنه ظلم. كان المماليك يتركون الموظفين الأقباط يعبثون، ثم يهجمون عليهم فيصادرون قسما من مالهم. وهذه فوضى أولا وأخرا!!. ولقد رأينا " نابليون لما يرفض هذا المسلك، إنه شدد الرقابة ابتداء عليهم. وأظهر ـ بالحساب الدقيق ـ سرقات المختلسين منهم، ثم قرر فصلهم، وذلك هو النظام الذى لا ترقى إليه شبهة. ومن هذا القبيل ما رواه الكاتب فى ص 139 من أن " أبا الحسن الصيرفى " رئيس مجلس العقود مر بمدينة " دمرو" فوجدها أصبحت قسطنطينية! أخرى، إذ وجد فيها سبع عشرة كنيسة حديثة البناء، فضلا عن عدد كبير من الكنائس بنيت حديثا فى القرى المحيطة بها. كما لاحظ أن البطريرك بنى لنفسه قصرا نقشت عليه عبارات مهينة للإسلام. وحكى الكاتب ـ بعدئذ ـ أن البطريرك سجن، وأن الكنائس أغلقت ولزم النصارى بدفع عشرة آلاف دينار غرامة.. ص_303
(1/287)

وهذه القصة من رواية مستشرق فرنسى لا أعرف قيمته، وقد يكون صادقا، وعندى أنه كان الأرشد فى علاج هذا الإسراف المقصود فى بناء الكنائس هو مراقبة الإنشاء لا الأمر بالإغلاق والتغريم... على أن الأقباط مضوا قدما إلى غايتهم، لا يكترثون بهذه العوائق التافهة، إن جاء حاكم فذ فحد من غلوائهم، جاء بعده جملة حكام فتركوا لهم الحبل على الغارب.. ومضت السنون تلو السنين والخطب يتفاقم على المسلمين. موظفون ينهبون مال الدولة ليدعموا به عصبيتهم، وكنائس تمد قبابها فى كل أفق، وغنى يعيش المسلمون على حواشيه صعاليك تقبل الأرجل وتركض وراء الجياد. ثم الأنكى من ذلك كله تربص الدوائر بجمهور المسلمين السادر. فإذا هجم الخواجات من أوروبا على البلد الوادع المحروب أسرع الخونة من أولئك يمدون لهم يد العون، ويمهدون لهم أسباب الغلب... ومن هنا رأى الوزير المغربى أن عهد الذمة قد نقضه نصارى المشرق منذ أيدوا الصليبية الغربية فى هجومها المتوحش على أرض الإسلام... خيانة، واختلاس، وضغينة، وجحود، ما هذا كله؟ " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " إن هذه المشاعر كلها التى تلاقت دفعة واحدة فتمخضت عنها الثورة السخيفة التى اشتعلت على عهد المماليك ضد الأقباط... وليلاحظ أنها ليست ثورة دينية!! بدليل أن الهياج كان ضد تصرف الأقباط فحسب !. أما اليهود فإن أحدا لم يمسسهم بسوء ولم يرد لهم فى هذه الفتنة أى ذكر. ولو كان القصد إعنات امرئ أو جماعة لأنها لم تعتنق الإسلام، لما كان هناك أى معنى البتة لترك اليهود يمرحون كيف يشاءون!. ومع ذلك فما الذى حدث فى هذه الفتنة؟ ص_304
(1/288)

وماذا كان موقف السلاطين المماليك أنفسهم منها؟.. بدأت الفتنة وعمال الحفر يقومون بإنشاء البركة الناصرية. وكانت المساحة التى ينقلون الأتربة منها تتسع حتى اقتربت من جدران كنيسة الزهرى. وهنا عمق الفعلة الخبثاء حفرهم قصد أن تسقط الكنيسة من تلقاء نفسها. بل إنهم تصايحوا بطلب الهدم، ولكن رؤساءهم تصاموا عنهم. وفجأة تجمع عدد من الغوغاء، والناس عومة وشعبا مشغولون بصلاة الجمعة، وهدموا الكنيسة ثم انتقلوا عنها إلى غيرها، فهدموا خمس كنائس أخرى ونهبوا ما فيها من صناديق النذور وجرار الخمر وروعوا سكانها من الرهبان والراهبات. حدث ذلك كله والناس لم يخرجوا من صلاة الجمعة (!) قال " المقريزى": ... فعندما خرج الناس من الجوامع شاهدوا هولا كبيرا من كثرة الغبار ودخان الحريق ومرج الغوغاء وشدة حركاتهم، ومعهم ما نهبوه، فما شبه الناس الحال لهولة إلا بيوم القيامة. وانتشر الخبر وطار إلى " الرميلة " تحت قلعة الجبل. فسمع السلطان ضجة عظيمة ورجة منكرة أفزعته، فبعث لكشف الخبر. فلما بلغه ما وقع انزعج انزعاجا عظيما، وغضب من تجرؤ العامة وإقدامهم على ذلك بغير أمره. وأمر الأمير " أيد غمش " أمير "آخور" أن يركب بجماعة " الأوشاقية" ويتدارك هذا الخلل ويقبض على من فعله. فأخذ " أيدغمش " يتهيأ للركوب، وإذا بخبر قد ورد من القاهرة أن العامة ثارت وخربت كنيسة بحارة الروم، وكنيسة أخرى بحارة زويلة. وجاء الخبر أيضا بأن العامة قامت فى جمع كثير جدا، وزحفت إلى كنيسة "المعلقة" بقصر الشمع فأغلقها النصارى، وهم محصورون بها وهى على وشك أن تؤخذ. فتزايد غضب السلطان، وهم أن يركب بنفسه ويبطش بالعامة ثم تأخر لما راجعه ص_305
(1/289)

الأمير" أيدغمش " ونزل من القلعة فى أربعة من الأمراء إلى مصر وركب الأمير "بيبرس" الحاجب والأمير ألماس الحاجب إلى موضع الحفر، وركب الأمير "طينال " إلى القاهرة. وكل منهم فى عدة وافرة. وقد أمر السلطان بقتل من قدروا عليه من العامة بحيث لا يعفو عن أحد. فقامت القاهرة على ساق وفر النهابة. فلم يظفر الأمراء منهم إلا بمن عجز عن الحركة بما غلبه من السكر بالخمر التى نهبها من الكنائس. ولحق الأمير "أيدغمش " بمصر، وقد ركب الوالى إلى كنيسة " المعلقة " قبل وصوله ليخرج من زقاق المعلقة من حضر للنهب، فأخذه الرجم حتى فر، ولم يبق إلا أن يحرق باب الكنيسة. فجرد " أيدغمش " ومن معه السيوف يريدون الفتك بالعامة، فوجدوا عالما لا يقع عليه حصر، وخاف سوء العاقبة فأمسك عن القتل. وأمر أصحابه بإرجاف العامة من غير إهراق دم، ونادى مناديه: من وقف حل دمه. ففر سائر من اجتمع من العامة وتفرقوا. وصار أيدغمش " واقفا إلى أن أذن العصر خوفا من عود العامة، ثم مضى وألزم الوالى أن يبيت بأعوانه هناك، وترك معه خمسين من الأوشاقية "... وعلى هذا النسق أخذ " المقريزى " يسرد الحوادث. ولابد لنا من وقفة هنا لنقارن بين هذه الكارثة ـ كما سماها الكاتب الكاثوليكى ـ وبين المذبحة التى أوقعها آباؤه الكاثوليك بخصومهم البروتستانت فى عيد القديس "بارثلميو" فى فرنسا عام 1572 م. إن الفتنة هنا لم تبدأ بصيحات المؤذنين من فوق سقوف المساجد إشارة لبدء التخريب على النحو الذى تم فى فرنسا، حين بدأت أجراس الكنائس الكاثوليكية تدق فى منتصف الليل إيذانا ببدء الذبح فى أوسع نطاق... كلا.. كلا!. ص_306
(1/290)

الأمر فى فرنسا كان اضطهادا دينيا مبيتا بدقة، قصد به إبادة الخارجين على الكنيسة ابتغاء وجه "يسوع ". أما الذى حدث فى مصر فهو مظاهرة من الرعاع انتهزت اطمئنان الحكومة إلى سيادة الأمن، وانشغال المسلمين الأتقياء بأداء الصلاة فى وقت الجمعة، فهجمت على الكنائس تسرق ما فيها من النذور وجرار الخمور، وأظن أن الإسلام معروف حكمه على اللصوص والسكارى، ومعروف مكان اللصوص والسكارى من جمهور المسلمين. أما الفرق بين موقف " المماليك " فى مصر، وموقف البابا والملوك الكاثوليك فى أوروبا، فهو فرق بعيد المدى، إنه فرق ما بين الحضيض والقمم... إننا رأينا البابا وملوكه يستخفهم الطرب لأنباء المذبحة التى أودت بحياة الألوف، وخلع أولئك الشيوخ وقارهم فكادوا يرقصون فى خفة الغلمان. حتى إن البابا الأعظم أمر بتصوير مناظر المجزرة ليستمتع بها كلما شاقه أن يسرح الطرف فى صور الضحايا ومناقع الدماء!!. فإذا تجاوزنا هذه السفوح التى تعج بأخلاق من الحمأ المسنون وارتقينا إلى سيرة " المماليك " النظيفة وإلى مسلكهم فى مجابهة هذه الفتنة المفاجئة وجدنا طرازا آخر من احترام العقائد وصيانة الحقوق... إن المماليك ـ الذين يطعن فى عهدهم ـ لم يقفوا موقف المتشفى أو المتفرج من هذه الفتنة الطائشة، بل ساقوا قواتهم فى الحال لإطفائها. وكان السلطان يشرف بنفسه علي تشتيت هذه المظاهرات، ويصدر الأوامر الحاسمة بقتل المشاركين فيها، معتبرا الأقباط جزءا من رعيته التى يجب أن يدافع عنها مهما أساءت. إنه لم يسك أوسمة كالبابا "جريجورى" الثالث عشر لتخليد ذكرى المجزرة. لا..، إن السلطان الناصر " محمد بن قلاوون " الحاكم المسلم فى العصور المظلمة ـ كما يقولون ـ كان أرق عاطفة من البابا الذى يحكم أوروبا فى نهاية القرن السادس عشر، وكان أرقى إنسانية منه. ص_307
(1/291)

وبرغم علمه أن سيرة الأقباط بين المسلمين المنطوية علي التعصب والمكر والاستغلال هى التى أدت إلى هذه الفتنة، فإنه أبى الوقوف جامدا بإزائها، فلما بلغه ما حدث لكنائس الأقاليم بعد كنائس القاهرة هاج غضبه. قال " المقريزى ": " .. فاشتد حنق السلطان على العامة، خوفا من فساد الحال، وأخذ الأمراء فى تسكين غضبه قائلين: هذا الأمر ليس من قدرة البشر فعله. ولو أراد السلطان وقوع ذلك على هذه الصورة لما قدر عليه، وما هذا إلا بأمر الله سبحانه وبقدره، لما علم من كثرة فساد النصارى، وزيادة طغيانهم، ليكون ما وقع نقمة وعذابا لهم ". *** ربما فقد النصارى فى هذه المحنة عشرة أشخاص أو بضعة عشر شخصا. ولا شك أن القتلى بين المتظاهرين ضدهم يبلغون ذلك أو يزيدون، لكن خسائرهم فى الكنائس كانت جسيمة. ولست أرجح أن هذه الأفعال كانت عن تدبير منظم. بل هى انفجار متتابع لشعور مكبوت، إثر إذلال وتعصب طويلين من الموظفين والأعيان الأقباط. وقد كان العامة فى مصر يعرفون نقمة السلطان على مقترفى هذه الجرائم. وكان الأقباط يعرفون أن السلطان حزين لمصابهم، وأنه أرسل يتعرف الكنائس المخربة. ومن أيسر الأمور عليه أن يعيد بناءها، ويعوض المصابين فيها. ولو أن الأقباط تحدثوا إليه وقدروا دفاعه الحار عنهم، لاندمل الجرح، وانحلت الأزمة، خصوصا، وقد سبق أن أساء النصارى إلى المسلمين، بالانضمام إلى أعدائهم من الرومان أو الصليبيين، ثم تغلب الحكام على ما يعقب ذلك غالبا من هياج الكثرة ضد القلة المتهمة بالغدر.. ص_308
(1/292)

لكن الأقباط لم يفعلوا ذلك، وقرروا إعلان الحرب الخفية على المسلمين، فبيتوا النية على إحراق القاهرة. قال " المقريزى ": "... لم يمض سوى شهر من يوم هدم الكنائس حتى وقع الحريق بالقاهرة ومصر فى عدة مواضع، وحصل فيه من الشناعة أضعاف ما كان من هدم الكنائس. وقع الحريق فى ربع بخط الشوانين من القاهرة يوم السبت عاشر جمادى الأولى وسرت النار إلى ما حوله واستمرت إلى آخر يوم الأحد، فتلف فى هذا الحريق شئ كبير. وعندما أطفئ وقع الحريق بحارة الديلم فى زقاق العريشة بالقرب من دور "كريم الدين " ناظر الخاص. وبلغ ذلك السلطان فانزعج انزعاجا عظيما لما كان هنالك من الحواصل السلطانية وسير طائفة من الأمراء لإطفائها، فجمعوا الناس وتكاثروا عليها، وعظم الخطب من ليلة الاثنين إلى ليلة الثلاثاء. فتزايدت الحال فى اشتعال النار، وعجز الأمراء والناس عن إطفائها لشدة انتشارها فى الأماكن، وقوة الريح التى ألقت بأسقاف النخل وغرقت المراكب. فلم يشك الناس فى حريق القاهرة كلها، وصعدوا المآذن، وبرز الفقراء وأهل الخير والصلاح، وضجوا بالتكبير والدعاء، وجأروا، وكثر صراخ الناس وبكاؤهم. وصعد السلطان إلى أعلى القصر فلم يتمالك الوقوف من شدة الريح. فما هو إلا أن أكمل إطفاء الحريق، ونقل الحواصل، وإذا بالحريق قد وقعت فى ربع " الظاهر" خارج باب "زويلة "!. وكان يشتمل على مائة وعشرين بيتا وهبت مع الحريق ريح قوية. فركب الحاجب والوالى لإطفائها، وهدموا عدة دور من حولها حتى انطفأت. فوقعت فى ثانى يوم حريق بدار الأمير "سلار" فى خط بين "القصرين " وحريق بحارة "الروم ، وعدة مواضع أخرى، حتى إنه لم يخل يوم من وقوع الحريق فى موضعه. فتنبه الناس لما نزل بهم، وظنوا أنه من أفعال النصارى. وذلك أن النار كانت ترى فى منابر الجوامع، وحيطان المساجد والمدارس فاستعدوا ص_309
(1/293)

للحريق، وتتبعوا الأحوال حتى وجدوا هذه الحرائق من "نفط" قد لفت عليه "خرق " مبلولة بزيت وقطران. فلما كانت ليلة الجمعة " النصف من جمادى " قبض على راهبين عندما خرجا من المدرسة" الكهارية " بعد العشاء الآخرة، وكانت النار قد اشتعلت فى المدرسة ورائحة الكبريت فى أيديهما فحملا إلى الأمير " علم الدين الخازن" والى القاهرة. فأعلم السلطان بذلك، فأمر بعقوبتهما. فما هو إلا أن نزل من القلعة وإذا بالعامة قد أمسكوا نصرانيا وجد فى جامع الظاهر، ومعه خرق على هيئة " الكعكة" فى داخلها قطران ونفط، وقد ألقى منها واحدة بجانب المنبر، ومازال واقفا إلى أن خرج الدخان فمشى يريد الخروج من الجامع. وكان قد فطن إليه شخص وتأمله من حيث لم يشعر به فقبض عليه، وتكاثر الناس فجروه إلى بيت الوالى، وهو بهيئة المسلمين. فعوقب عند الأمير ركن الدين " بيبرس الحاجب ". فاعترف بأن جماعة من النصارى اجتمعوا على عمل نفط وتفريقه مع لفيف من أتباعهم، وأنه ممن أعطى ذلك مثلهم وأمر بوضعه عند منبر جامع " الظاهر". ثم أمر بالراهبين فعوقبا، فاعترفا بأنهما من سكان" دير البغل " وأنهما هما اللذان أحرقا المواضع التى تقدم ذكرها بالقاهرة غيرة وحنقا على المسلمين لما كان من هدمهم للكنائس. وأن طائفة النصارى تجمعوا وأخرجوا من بيتهم مالا جزيلا لعمل هذا النفط. واتفق وصول " كريم الدين " ناظر الخاص من الإسكندرية، فعرفه السلطان بما وقع من القبض على النصارى فقال: النصارى لهم بطريرك يرجعون إليه ويعرف أحوالهم. فرسم السلطان بطلب البطريرك عند كريم الدين! ليتحدث معه فى أمر الحريق، وما ذكره النصارى من قيامهم فى فلك. فجاء فى حماية والى القاهرة ليلا خوفا من العامة. ص_310
(1/294)

فلما أن دخل بيت "كريم الدين " بحارة الديلم، وأحضر إليه الثلاثة النصارى من عند الوالى فقالوا " لكريم الدين " بحضرة الوالى والبطريرك جميع ما اعترفوا به قبلا. فبكى البطريرك عندما سمع كلامهم وقال: هؤلاء سفهاء النصارى قصدوا مقابلة سفهاء المسلمين على تخريبهم الكنائس. وانصرف من عند " كريم الدين " مبجلا مكرما. فوجد " كريم الدين " قد أقام له بغلة على بابه ليركبها، فركبها وسار. فعظم ذلك على الناس وقاموا عليه يدا واحدة، فلولا أن الوالى كان يسايره لهلك. وأصبح " كريم الدين " يريد الركوب إلى القلعة كعادته. فلما خرج إلى الشارع صاحت به العامة: ما يحل لك يا قاضى أن تحامى للنصارى وقد أحرقوا بيوت المسلمين وتركبهم بعد هذا البغال. فشق عليه ما سمع وعظمت نكايته، واجتمع بالسلطان. فأخذ يهون أمر النصارى المحبوسين، ويذكر أنهم سفهاء وجهال. فرسم السلطان للوالى بتشديد عقوبتهم، فنزل وعاقبهم عقوبة مؤلمة. فاعترفوا بأن أربعة عشر راهبا "بدير البغل " قد تحالفوا على إحراق ديار المسلمين كلها. وفيهم راهب يصنع النفط، وإنهم اقتسموا القاهرة ومصر، فجعلوا للقاهرة ثمانية ولمصر ستة. فكبس " دير البغل " وقبض على من فيه وأحرق من جماعته أربعة بشارع " صليبة ابن طولون" وقد اجتمع لمشاهدتهم عالم عظيم... " أ. هـ. *** وليس بمستغرب أن تشتعل نيران الفتنة، وأن تمتد أضرارها حتى يصلى بحرها من ليس له ذنب فيها... من مسلمين وأقباط. وإذا نحن نظرنا إلى هذه المحنة من ناحية الخسار المادى، وجدنا مصاب المسلمين ومصاب غيرهم سواء. ص_311
(1/295)

فالكتابة عنها تحت عنوان " كارثة النصرانية فى عهد المماليك " ليست كتابة نزيهة. على أن لنا ملاحظات يجب إثباتها لإلقاء ضوء كاف على الموقف كله. فإنه ظاهر للعيان أن الحكومة الإسلامية القائمة اعتبرت الشغب الحادث خروجا عليها وأنزلت بمرتكبيه آلم العقاب. وأنها استنكرت مظاهرات الغوغاء وساندت جمهور الأقباط. واستدعت " البطريرك " ليشرف بنفسه على مجرى التحقيق واستقبلته وودعته بإكرام وتجلة. ولو أن الأقباط قدروا للحكومة مسلكها، ورجعوا إليها فى المطالبة بتعويض عما فقدوه لكان ذلك أدل على إدراكهم للأمور وشكرهم للصنيع. لكن ما حدث أن مظاهرات الغوغاء قابلتها مؤامرات الرهبان والقساوسة لحرق القاهرة!!. ولو أن حضرات الرهبان والقساوسة اكتفوا بالحريق التى أضرموا شعلتها أولا، وأوقعت بالعاصمة أفدح الأضرار ثم ظفروا بالنجاة من غوائل فعلتهم لكان ذلك أجدى عليهم وعلى طائفتهم. غير أنهم ازدادوا ضراوة وحمقا، ومضوا فى خطتهم يريدون تدمير كل شئ . ومع ذلك كله فقد أبت حكومة المماليك أن تنظر إلى المشكلة من زاوية التعصب الدينى، بل اعتبرت الرعاع من العامة والسفهاء من القسس مجرمين فى حق الأمن العام فقط، واقتصت منهم على هذا الأساس. ومضت الأيام، وغلبت على مسلمى مصر طباعهم الوادعة، فنسوا ما كان، وتلاقى الفريقان فى المواسم والأسواق يستأنفون حياة لا اضطراب فيها. وارتفع الأقباط فى شتى مناصب الدولة، وتطاولوا فى البنيان. وباهوا غيرهم بسعة النفوذ وبسطة الثراء، فكيف يقول قائل بعد ذلك: إن كارثة النصرانية فى عهد " المماليك " هى التى جعلتهم يرحبون بغزو الفرنسيين لمصر؟. ص_312
(1/296)

بيد أن الكاتب المغرض يريد ليبرر هذه الخيانة ـ التى لا مبرر لها أبدا ـ فيقول فى ص 227: " يمكننا أن نستنتج من حوادث هذه الحملة ـ الفرنسية ـ ثلاثة أمور: أولا: أن احتقار المسلمين للأقباط جعل التفاهم بين هذين العنصرين عسيرا. ثانيا: أن وجود أمة مسيحية فى مصر أساء إلى العلاقة بين الأقباط والمسلمين، بالرغم من أن هذه الأمة كانت مشبعة بروح العطف على الأغلبية. ثالثا: أن الأقباط الذين اضطهدهم المماليك واحتقروهم أصبحوا يرحبون بأمم " أوروبا " المسيحية على شرط أن تكون هذه الأمم بعيدة عن كل غرض دينى ". أى أن الأقباط ـ فى رأى الكاتب ـ يحبون أن تحتل مصر دولة مسيحية من دول أوروبا الكاثوليكية أو البروتستانتية على شرط أن تدع الأقباط يستمتعون بحريتهم الدينية نصارى أورثوذكس... وهذا هو بيت القصيد عند الكاتب، وقد مهد له بكل من السببين الأولين وكلاهما باطل انتحل انتحالا لتسويغ ما بعده. فإن المسلمين فى مصر لم يتبرعوا باحتقار الأقباط، ولا تعبدوا الله بالإساءة إليهم. ثم إن الزعم بأن الفرنسيين أو الإنكليز جاءوا إلى مصر عاطفين على المسلمين من أهلها هو كلام تحسن افتراؤه دور الدعاية فى الدول المستعمرة. وسوقه هنا يكشف عن نية صاحبه فى خدمة الاحتلال الأجنبى، وتجريح المقاومة الإسلامية للغاصبين، ومن يعمل معهم من الغادرين.. ص_313
9- ماذا يريدون؟ ص_314
(1/297)

إنه يتضح من استقراء الحوادث التى حفل بها التاريخ المصرى من الفتح إلى اليوم، أن لدى النصارى رغبة جامحة فى تنقص الإسلام، واعتبار أهله غرباء فى هذه البلاد، ومحاولة الاستئثار بالسلطة دونهم، حتى يتم بالخديعة أو بالقهر هدم الحكم الإسلامى، وإقامة حكم آخر مكانه أيا كان لونه!!. ومن الظلم أن نتهم الأقباط عامة بأنهم شركاء فى الوصول إلى هذه الغاية الجائرة ففيهم ـ فى كل زمان ومكان ـ أهل إنصاف وعدل. يريدون أن يقاسموا المسلمين حياة آمنة مستقرة ولا يرون غضاضة فى إعطاء المسلمين حقهم باعتبارهم كثرة. ومن حق الكثير المعترف به فى الأنظمة كلها أن تكون الدولة لها والولاية العامة فى بنيها. وما دامت القلة ستعيش مساوية فى حقوقهم وواجباتها وحرياتها للكثير التى تجاورها، فأى حرج سوف يلحقها؟. لكن سياسة الأقباط لا يرسمها ـ للأسف الشديد ـ هذا النفر المعقول. فما أكثر ما يفلت الزمام منه، فتبدو الطائفة ـ وكأنها لا تستريح إلا إذا زال الإسلام وزالت دولته من الوجود ـ . وهنا موطن الصعوبة فى علاج المشكلة... فنحن ـ المسلمين ـ لن نترك ديننا، ولن نجحد شريعتنا، ولن ننسى وحدتنا. وفى الوقت نفسه لن نجور على غيرنا، ولن نصادر شعائره أو عباداته.. وإذا كانت راحة النصارى الوحيدة فى أن نترك ديننا، قلن يستريحوا ما حيوا وحيينا، وإذا كانوا سيجمحون ويطيشون كلما سمعونا نتحدث عن الحكومة الإسلامية فلن تكون عقبى هذه المشاعر النافرة مجدية عليهم شيئا، ومن الخير لهم أن يلتزموا الجادة. وسواء اعتدلوا أم تطرفوا فلن نحيف عليهم! بل سنظل أشرافا فى مسلكنا. ص_315
(1/298)

ونحب أن نلقى نظرة عجلى على حوادث السبعين عاما الأخيرة، ليرى القارئ المحور الذى يدير عليه النصارى سياستهم بإزاء الإسلام. فى سنة 1882 م ضرب الإنكليز الإسكندرية وشنوا هجوما شاملا على مصر، وكان السبب الأصيل لهذا العدوان خوف الإنكليز من قيام دولة دستورية قوية فى وادى النيل. إذ أن " عرابى " أراد وضع حد لفوضى الحكم الفردى والمفاسد التى تنتشر تحت ستاره الداكن... "وعرابى" قائد مسلم فى أمة تسعة أعشارها مسلمون. فهل يستغرب منه أن يدعو إلى الجهاد الدينى لمقاومة الغزاة؟ هل يستنكر عليه أن يستثير حمية أمته الدينية فى ساعة محنتها؟. لماذا لم يستنكر ذلك من " تشرشل " و" روزفلت "؟ أم أن المراد هضم الإسلام وحده؟. أرسل " عرابى " إلى " غلادستون " يهدده ـ قبيل قذف الإسكندرية ـ بإعلان الجهاد العام حسب تعاليم الإسلام. وكان هذا الإعلان كافيا ليفض الأقباط من حوله وينفرهم من الدفاع عن البلاد!! ويذكر الكاتب فى ص 224: .. إن هذه الأسباب أثرت على مجرى الحوادث، وحدث أن المتظاهرين والقوات المتقهقرة كانوا يخلطون كثيرا بين الأجانب والنصارى الوطنيين ". وقيل: إن هناك مؤامرات لإبادة النصارى جميعا!!. ويقول الكاتب فى الصفحة نفسها: "... احتج عرابى لدى " م. جريجورى " مراسل جريدة التيمس على اتهامه بالتعصب. غير أن " بلانت " لاحظ أن القائد المصرى أضفى على الحركة طابعا دينيا أكثر من مشايخ الأزهر أنفسهم !! ص_316
(1/299)

وقد انهزم " عرابى" وأخفقت ثورته . وبدلا من أن تظفر مصر المسكينة بالخلاص من أوزار الحكم الفردى سقطت فى مخالب الاحتلال البريطانى ووضعت بريطانيا ـ وهى دولة صليبية ـ يدها على مقاليد البلاد التى تخشى من قيام دولة قوية فى ربوعها. فلم يكن عجبا أن ترسم لها سياسة تصل بمستواها المادى والأدبى الى حد معين، الحد الذى يجعلها مطية ذلولا، أو بقرة حلوبا للإمبراطورية الفاجرة... فماذا كان موقف الأقباط من هذا الاحتلال الصليبى الجديد؟ ** * اجتمع الأقباط فى " أسيوط " على هيئة مؤتمر وتقدموا إلى حكومة الاحتلال بمطالب عديدة تمثل أمانى الأمة القبطية.. ونحن نعطى الأقباط الحق كله ـ لو كانوا مظلومين ـ أن يستعينوا بالشيطان فى دفع الضر عن أنفسهم، ونرفض اتهامهم بخيانة الوطن، والحالة هذه. فلننظر.. أكان الأقباط مظلومين حقا حتى يلجأوا إلى المحتلين يطلبون نصفتهم؟. نقل الكاتب نتفة من مقدمة تقرير عن مؤتمر " أسيوط " للأستاذ " توفيق حبيب " ـ وهو قبطى ـ جاء فيه: " كان الحكام يختصون بالوظائف العمومية فئات أو طوائف معينة، سواء بحكم الميل أم الضرورة. ومن هذا القبيل نجد جميع الحكام والولاة الذين تقدموا " محمد على" بل "محمد علي " نفسه وبعض خلفائه قد اختصوا الأقباط بمعظم مصالح الحكومة فى القاهرة والأرياف، كما اختصوا الأتراك بالوظائف العسكرية والإدارية. ولو قرأت أقوال المؤرخين المسلمين لما وجدت اسم المصرى المسلم فى غير وظائف القضاء الشرعى إلا نادرا.. ص 247. ص_317
(1/300)

هذا التقرير يصور فكرة الأقباط عن الوظائف ومعنى المساواة فيها. فلنتدبره جيدا، ثم لنضم إليه كذلك الإحصاء الذى أرسله السير " ألدون غورست" المعتمد البريطانى إلى حكومته فى تقرير عن سنة 1901 م. وهذا الإحصاء ـ كما أثبته الكاتب ـ يدل على أن الأقباط الذين هم عشر السكان كانوا يحتلون 45.32% من الوظائف، ويقبضون 40% من المرتبات. فى حين أن نصيب المسلمين لم يتجاوز 44%، والأجانب 6%. فمم كان الأقباط يشكون؟. وأين الظلم النازل بهم من المسلمين قديما أو حديثا؟. ومن الذى يطلب المساواة ويستصرخ من العدوان النازل به؟. القلة المدللة؟ أم الكثرة المهملة؟!!. إن مؤتمر " أسيوط " هذا، كان خيانة دنسة، وغدرا مركبا. وهو ـ مع ضميمة الأحداث السابقة فى التاريخ القديم ـ دلالة لا ريب فيها على تعصب أعمى ضد الإسلام وأهله، وضغينة صليبية لا يشفيها شئ. *** والواقع أن الإنكليز لما دخلوا مصر وجدوا الحالة نفسها التى وجدها الفرنسيون قبلا. استقبلهم المسلمون بسخط المقهور وذلة المغلوب على أمره. وهرع غيرهم لاستقبالهم بنوع من الإيناس والليونة. وبش الإنكليز فى وجوه من بشوا لهم. ولكنهم لم ينسوا أنهم يريدون استغلال خيرات مصر لحسابهم الخاص، وأنهم فى هذه الحدود يقبلون العون ويرحبون بالخيانة. ولا عليهم أن يضعوا أيديهم فى أيدى الخونة من المسلمين أو من النصارى. وقد كان الأقباط فى ظل الدولة الإسلامية المضطربة، والحكم الفردى العابث يحتازون الخير الكثير لأنفسهم أفرادا وطائفة. ص_318
(1/301)

وقد رفض "نابليون " هذا الوضع ـ كما بينا آنفا ـ ورفض الإنكليز أيضا هذا الوضع. واعترف الكاتب الصليبى بهذه الحقيقة رغم أنفه، فقال ص 247: " ليس الاحتلال البريطانى هو الذى ألغى احتكار الأقباط للأعمال الحسابية، فإن إدخال الطرق الحديثة فى العمل هو الذى أدى إلى إلغاء هذا الاحتكار. وقد شكا "هاملون " بحق من أن كل نظام كفيل بتسهيل العمل الإدارى كان يرفضه الأقباط إذ كانوا يعيشون فى الفوضى ومن الفوضى ". لكن... هل أقصى أولئك الذين يعيشون فى الفوضى ومن الفوضى عن وظائف الدولة مما أنطق ألسنتهم بالشكاية وطلب المساواة؟. كلا كلا.. وما كان الإنكليز ليفعلوا ذلك. فإن نسبة الأقباط ـ حتى انعقاد مؤتمر " أسيوط " وما تلاه ـ كانت ترجح على المسلمين بشكل مروع. غير أن هذه النسبة مهما علت لن تشبع مطامع قوم يريدون إقصاء الإسلام بشكل حاسم عن كافة مظاهر الحكم. وقد صرح الأستاذ " توفيق حبيب " بهذه النية، إذ قال فى حديثه عن مؤتمر "أسيوط" القبطى : لا... لقد أباح رجال الاحتلال للمسلمين بل أعدوهم لدخول جميع الوظائف الكتابية والحسابية وغيرها مما كان محتكرا للأقباط قبلا ". *** استرد المصريون صوابهم بعد الضربة الموجعة التى أنزلها الاستعمار الإنكليزى بهم، ونشط الأحرار لمقاومة اللصوص الحمر، وتعسير مقامهم فى أرض الوادى، فتألف "الحزب الوطنى " لتنظيم الجهود وإعلان الجهاد. وكان مؤسس هذه الحزب شابا صادق الرغبة فى خدمة المصريين جميعا ورفعة شأنهم وقد أفهم الأقباط أنهم والمسلمين سواء، وأن اتحادهم مع مسلمى مصر فى مواجهة العدو المحتل تمليه واجبات الشرف والرجولة. ص_319
(1/302)

وقد نص الزعيم الشاب فى برنامج حزبه على أن الدين لا يفرق بين مصرى ومصرى فى الحقوق والواجبات. وقد انضم إلى هذا الحزب أول تكوينه نفر من الأقباط المعقولين، وساهموا فى أداء الواجب القومى، وإنالة البلاد وأهلها الحرية المنشودة. غير أن الحزب الوطنى اهتم فى سياسته الخارجية بالوحدة الإسلامية، واهتم فى سياسته الداخلية بشئون المسلمين باعتبارهم كثرة كبرى. فأقر الإسلام دينا رسميا للبلاد، واعترف بحق معتنقيه فى نيل أنصبتهم كاملة فى الإدارة والتوجيه العام . وما إن رأى المتطرفون من الأقباط إخوانهم المسلمين يستمسكون بدينهم ـ على هذا النحو ـ حتى كفروا بالحزب ومبادئه، وتواصوا بمقاطعته، وصدر الأمر إلى الأقباط جميعا بترك الحزب الوطنى..!. إننا نمتعض إذ نذكر أن رياسة الحكومة المصرية أسندت فى العصر الأخير إلى رجلين ليسا بمسلمين، هما " نوبار باشا " و "بطرس غالى باشا". فأما أولهما فقد مكن للأجانب فى البلاد، ورسخ امتيازاتهم على حساب أهلها فأصبح المسلم يقتل فى عقر دارة فلا تمتد يد الحاكم إلى الجانى بعقاب، لأنه من أصحاب الامتيازات!! وأما الآخر فقد سلم السودان للإنجليز، وعمل على مد امتياز، قناة السويس، ومضى فى سياسة طائشة لملء الوظائف العامة بالأقباط دون المسلمين، فانتهى الأمر بقتله . ولما كان القاتل شابا مسلما والقتيل رئيسا قبطيا، فقد اعتبر الأقباط ذلك عدوانا دينيا على طائفتهم فى حين اعتبر الوطنيون ذلك عملا سياسيا بحتا. *** ص_320
(1/303)

وإننا لنسخر كلما سمعنا هارفا يزعم أن اعتبار الإسلام دينا رسميا للدولة، والعودة إلى شريعته فى الحكم، والانضواء تحت جامعته الكبرى فى الخارج... إننا لنسخر إذ نسمع من يصف هذا بالرجعية (!). من قال: إننا نتأخر عن ملاحقة الحضارة الحديثة لأننا مسلمون؟. هل تكون دولة أكثر رجالها من النصارى هو الذى يجعلنا تقدميين؟. وهل ترك الدولة فى حضانة الكنيسة ترسم لهم سياسة القضاء على الإسلام هو المسايرة للحضارة الحديثة. إننا نؤكد أن الدولة فى يد الأقباط أداة للقضاء على الإسلام. ونظرة واحدة إلى مسلمى الحبشة تحت حكم الأقباط هناك تدل على هذه الحقيقة المرة. سافرت بعثة من الأزهر مؤلفة من الأستاذين الفاضلين " عبد الله المشد " " ومحمود خليفة " الأستاذين بكلية الشريعة إلى بلاد " الصومال " و " أريتريا " و "عدن " و " الحبشة " لدراسة أحوال المسلمين بهذه البلاد. واستغرقت رحلة البعثة ثلاثة أشهر ما بين يوم 26 من شعبان سنة 1370هـ الموافق أول يونية سنة 1951 ويوم 29 من ذى القعدة الموافق أول سبتمبر سنة 1951. وكتبت تقريرا مفصلا ويقع فى ستين ومائة صفحة كبيرة، يتسم بالدقة والاعتدال والواقعية. ومع هذا فقد حوى ذلك التقرير عجبا عجابا عن الاضطهاد الدينى فى القرن العشرين. وهذه براعة الاستهلال: " عقب انتهائنا من زيارة " بورما " من أعمال الصومال البريطانى، رأينا أن نواصل الرحلة إلى " الحبشة " نظرا لأن الميعاد المحدد لدخولنا فيها قد أوشك أن ينتهى فسافرنا يوم 26 من يوليه سنة 1951 بالسيارة إلى " جيجيحا " وهى أول مدينة من مدن " الحبشة " فى جنوبها الشرقى، وتعتبر عاصمة الصومال الأوجاديني. ص_321
(1/304)

وبعد أن نزلنا الفندق ومكثنا فيه ساعة ونصف الساعة أمرنا بمبارحة المدينة، ولم يسمح لنا بالإقامة، فاضطررنا للعودة إلى " هرجيسة " فى مساء اليوم الذى دخلنا فيه، ثم برحنا " هرجيسة " إلى عدن، ثم منها إلى " أسمرا ". وبعد أن أقمنا عشرة أيام أخطرنا من السفارة المصرية بأديس أبابا بأن وزارة خارجية أثيوبيا سمحت لنا من جديد بدخول الحبشة. فسافرنا بالطائرة إلى "أديس أبابا" يوم الخميس 16 من أغسطس سنة 1951 وأقمنا بها اثنى عشر يوما حاولنا فى خلالها أن نقوم بزيارة معاهد التعليم فى العاصمة والمدن الكبيرة، وأن نتصل بالمسلمين، فلم نستطع إلى ذلك سبيلا لأسباب خارجة عن إرادتنا. ولم يمنعنا ذلك من الوقوف على كثير من شئون المسلمين فى" الحبشة ". وسنذكر بعض ما يمكننا ذكره منها فى هذا التقرير متوخين الحقائق التى يهم أولى الآمر الاطلاع عليها ". ثم يمضى التقرير فيذكر هذه الحقيقة الغريبة التى لا يكاد يعرفها أحد. وهى أن نسبة المسلمين فى " الحبشة " بصفة عامة لا تقل عن 65 فى المائة من مجموع السكان، وأنها ترتفع فى بعض المناطق إلى 85% وتهبط فى بعضها إلى 25%. وهى فى عمومها أغلبية أكيدة مع انقسام البقية من السكان إلى مسيحيين ويهود ووثنيين. ويعتمد التقرير فى هذا على الإحصاء الإيطالى الدقيق الذى قام به الإيطاليون فى سنة 1936 وإحصاءات القنصليات الأجنبية فى الحبشة.. وهى حقيقة غريبة كما قلت. ويزيدها غرابة ما سنعرفه من إهمال العنصر الإسلامى إهمالا تاما فى الوظائف والتعليم والمعيشة وتجريده. من سائر حقوق المواطنين!!. ثم يذكر التقرير هذه الحقائق المفجعة العجيبة: أولا: أن الحكومة الحبشية بعد انتهاء الاستعمار الإيطالى، قد اغتصبت من المسلمين ثلثى أملاكهم العقارية وسلمتها للمسيحيين من الرعايا، مع بقاء الضريبة الفادحة على الرعايا المسلمين، حرصا على إفقارهم وانحلالهم. ص_322
(1/305)

ثانيا: أن الحكومة الحبشية تمنح إرساليات التبشير المسيحية كل العناية والرعاية فى الوقت الذى تحرم فيه على المسلم أن ينتقل من محلته إلى محلة أخرى لإرشاد المسلمين ووعظهم، وتقضى على كل محاولة ترمى إلى ذلك. وقد جاء فى تقرير لهذه الإرساليات، أنه يمكن تنصير جميع المسلمين فى هذه المناطق خلال خمس سنوات نظرا لجهلهم وفقرهم، وعدم وجود من يعلمهم دينهم، أو يحثهم على التمسك بعقيدتهم . ثالثا: أن أكثر المسلمين فى الحبشة اهتماما بنشر علوم الدين هم مسلمو مقاطعات كفا " جيما " و " اللووهرر "، وأنه فى " جيما " وحدها أكثر من ستين مدرسة لتعليم أبناء المسلمين. ولكن بعد أن أعلن ضمها إلى الإمبراطورية الحبشية، واعتقل سلطانها الأمير "عبد الله " ابن السلطان " محمود بن داود " المشهور باسم " أبى جفار " وزج به فى غيابة السجن.. استولت الحكومة الحبشية على هذه المدارس ثم أغلقت أكثرها، وغيرت مناهج ما بقى منها. ولم تجعل للغة العربية ولا للدين الإسلامى أثرا فيها. رابعا: أن السلطة الحبشية جاهدة فى سبيل نشر التعليم بين أبناء المسيحيين فى البلاد بقدر ما تسمح لها مواردها. وأنها أنشأت لذلك حوالى مائتى مدرسة ابتدائية وثانوية للبنين والبنات. ليس بين تلاميذها وتلميذاتها أكثر من ثلاثة فى المائة من مسلمى الحبشة الذين لم تجد الحكومة بدا من قبولهم لظروف خاصة. وأنه على الرغم من زيادة عدد المسلمين على المسيحيين لا تقوم الحكومة بالإنفاق على تعليمهم بأكثر من خمسة فى المائة من ميزانية التعليم. هذا إلى أن برنامج المدارس الحكومية ليس للغة العربية ولا للدين الإسلامى نصيب منها، حتى فى المناطق الإسلامية المحضة. ص_323
(1/306)

خامسا: إن المسلمين قد ألحوا على وزارة المعارف فى هذه المناطق بتقرير دراسة الدين الإسلامى، واللغة العربية فى المدارس التى بها. فعينت مدرسين فى بعض هذه المدارسى باسم تعليم الدين الإسلامى، ورفضت طلب تدريس اللغة العربية. واختارت مدرس الدين الإسلامى من بعض الجهلة الذين لا يدرون شيئا من تعاليم الإسلام، ولم تحدد لحصة الدين زمنا خاصا كغيرها من حصص الأمهرية والإنجليزية وسائر العلوم التى تعلم فى المدرسة. بل كلفت مدرس الدين الإسلامى أن يجمع التلاميذ فى الأوقات المخصصة لراحتهم ليعلمهم فيها المبادىء التى لا تخرج عن أوقات الصلاة المفروضة وعدد ركعاتها وأركانها وشروطها، وما شاكل ذلك. فكان ذلك المدرس لا يجد من أوقات راحة التلاميذ ما يسمح بتعليمهم، ويمر العام كله دون أن يلقى عليهم درسا واحدا. سادسا: أن الحكومة اختارت فى العام الماضى بعثات من المتخرجين فى بعض المدارس وأوفدتها إلى المعاهد المختلفة فى الخارج ليعودوا فيتولوا المناصب الكبيرة فى الدولة. وقد كان من بين المبعوثين اثنان من المسلمين بحكم تفوقهما البارز. ولكن بعد أن تمت إجراءات سفرهما حيل بينهما وبين السفر لأسباب غير معروفة. سابعا: أنه كان للمسلمين ثماني مدارس، وكانت الدراسة فيها قائمة على أساس اللغة العربية والدين الإسلامى.. ومواردها تأتى من التبرعات والهبات بواسطة جمعيات لهذا الغرض، وكانت تقوم بتعليم ثلاثة آلاف من أبناء المسلمين. وقد ظلت تؤدى مهمتها رغم جميع المتاعب إلى سنة 1949. ولكن الحكومة أرادت إخضاعها لبرامجها الخالية من اللغة العربية والدين. ص_324
(1/307)

فلما رفض القائمون عليها هذا الأمر سلكت الحكومة مع هذه الجمعيات مسلكا اضطر أعضاؤها بسببه إلى التخلى عن مساعدة هذه المدارس والتنازل للمعارف عن ثلاث مدارس منها. وعندئذ حذفت منها مادة اللغة العربية والدين الإسلامى. ثامنا: أن المدارس الباقية فى طريقها إلى هذا المصير البائس. لأن الوسائل التى اتبعت بشأن المدارس الثلاث ماضية فى طريقها. وقد تركت البعثة الحبشة ومدرسة رابعة تلاقى مصيرها!. تاسعا: إحدى المدارس الباقية طلبت من المعارف أن تسمح لبعض المدرسين المصريين بالحبشة أن يقوموا بتدريس بعض العلوم فى أثناء فراغهم نظرا لحاجة المدرسة إلى بعض المدرسين الأكفاء. ولكن وزارة المعارف الحبشية رفضت هذا الطلب. عاشرا: أن الكتب العربية لا يسمح بدخولها إلى " أثيوبيا " ولا تداولها. أما الجرائد والمجلات العربية فيسمح بدخولها تحت المراقبة الشديدة. والحق أننا ـ فى مصر ـ نتوجس من اتجاه القلة القبطية إلى التأسى بأختها فى الحبشة. أى أننا نتوجس من زوال الإسلام وأفول نجمه، لو تركنا النصارى يتولون المناصب الكبرى ويتصرفون كما يحلو لهم وننقل هذا التقرير الناطق بأحزان المسلمين وآلامهم ليكون شاهد عدل على الفروق بين حكم وحكم، ودين ودين. كلمة أخيرة: لا ضرورة لخداع أو مواربة.. إننا سنكشف عن نوايانا كلها، لأنه ليس لدينا ما نستحيى من إعلانه، لقد رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا، والتزمنا ـ يوم أسلمنا ـ أن ننفذ تعاليم ص_325
(1/308)

كتابنا وسنة نبينا، وليس فى هذه التعاليم ولا فى تلك السنة ما يضير امرءا يؤثر الكفر بها، ويرغب فى العيش بعيدا عنها. إنه سيعيش فى بلادنا مثلنا، له مالنا وعليه ما علينا. فإذا اشترط أن نرتد عن ديننا حتى يرضى عنا، فسندعه يموت بغيظه، ولا يلومنا على ذلك إلا أحمق أو منافق. ومن تعاليم كتابنا ووصايا رسولنا أن نتحاكم إلى قانون بعينه، وأن نحارب منكرات بعينها، وأن نعرف فى الدنيا بهذه الوجهة البينة. وإلا فنحن ـ إن فرطنا فى ذلك ـ كافرون بما أنزل الله. ومن تعاليم كتابنا ووصايا نبينا أن نهتم بأمور المسلمين حيث كانوا، وأن نكره الأذى لهم، وندفع الضير عنهم ما استطعنا. ونحن ـ إن فرطنا فى ذلك ـ كافرون بما أنزل الله. وقد أحسنا إلى جيراننا من أهل الكتاب. فمن قدر منهم حسن عشرتنا له، شكرنا له جميل تقديره. ومن غلبته ضغينته عدلنا مع أنفسنا. وإذا وقع منا خطأ نحو أحد، فلسنا الذى يصر على هفوة بدرت منه. ومن حق كل إنسان أن يجادلنا بالحق، وأن ينزلنا على حكمه. ذلك، ولن ندخر وسعا فى محاربة الاستعمار الأوروبى، حتى نطرد من بلادنا آخر جندى من جنود الغزو الصليبى الحديث. ولن نقبل مهادنة لهذا الاحتلال الماكر. فمن والاه أو سالمه فهو يستعلن بخصومتنا ويستهدف عداوتنا.
(1/309)