Advertisement

الرد على المنطقيين 001



الكتاب: الرد على المنطقيين
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق: -
الناشر: دار المعرفة، بيروت، لبنان
الطبعة: -
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] مقدمة
...
كتاب الرد على المنطقيين
للإمام ابن تيمية
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن
قال شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام العلامة مفتي الفرق، شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة مفتي الفرق مجد الدين عبد السلام بن تيمية:
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.
أما بعد فإني كنت دائما أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد ولكن كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأيت من صدق كثير منها.
ثم تبين لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه وكتبت في ذلك شيئا ثم لما كنت بالإسكندرية اجتمع بي من رأيته يعظم المتفلسفة بالتهويل والتقليد فذكرت له بعض ما يستحقه من التجهيل والتضليل. واقتضى ذلك أني كتبت في قعدة بين الظهر من الكلام على المنطق ما علقته تلك الساعة. ثم تعقبته بعد ذلك في مجالس إلى أن تم.
(1/3)

ولم يكن ذلك من همتي فإن همتي إنما كانت فيما كتبته عليهم في الإلهيات.
وتبين لي أن كثيرا مما ذكروه في أصولهم في الإلهيات وفي المنطق هو من أصول فساد قولهم في الإلهيات، مثل ما ذكروه من تركيب الماهيات من الصفات التي سموها ذاتيات وما ذكروه من حصر طرق العلم في ما ذكروه من الحدود والأقيسة البرهانية بل وفيما ذكروه من الحدود التي يعرف التصورات بل ما ذكروه من صور القياس ومواده اليقينيات.
فأراد بعض الناس أن يكتب ما علقته إذ ذاك من الكلام عليهم في المنطق فأذنت في ذلك لأنه يفتح باب معرفة الحق، وإن كان ما فتح من باب الرد عليهم يحتمل أضعاف ما علقته تلك الساعة فقلت:
فصل: ملخص أصول المنطق واصطلاحاته
بنوا المنطق على الكلام في الحد ونوعه والقياس البرهاني ونوعه قالوا لأن العلم أما تصور وأما تصديق وكل منهما بديهي وأما نظري فإنه من المعلوم أنه ليس الجميع بديهيا ولا يجوز أن يكون الجميع نظريا لافتقار النظري إلى البديهي فيلزم الدور القبلي أو التسلسل في العلل التي هي هنا أسباب العلم وهي الأدلة وهما ممتنعان.
والنظري منهما لا بد له من طريق ينال به فالطريق الذي ينال به التصور هو الحد والطريق الذي ينال به التصديق هو القياس
(1/4)

فالحد اسم جامع لكل ما يعرف التصور وهو القول الشارح فيدخل فيه الحقيقي والرسمي واللفظي أو هو الحقيقي خاصة فيقرن به الرسمي واللفظي ليس من هذا الباب أو والحد اسم للحقيقي والرسمي دون اللفظي فان كل نوع من هذه الثلاثة اصطلاح طائفة منهم كما قد بسطته وذكرت أسماءهم في غير هذا الموضع والقياس أن كانت مادته يقينية فهو البرهان خاصة وإن كانت مسلمة فهو الجدلى وإن كانت مشهورة فهو الخطابي وإن كانت مخيلة فهو الشعري وإن كانت مموهة فهو السوفسطائي ولهذا قد يتداخل البرهاني والخطابي والجدلي وبعض الناس يجعل الخطابي هو الظني وبعضهم يجعله الاقناعي ولهم اصطلاحات أخر بعضها موافق لاصطلاح المعلم الأول أرسطو وبعضها مخالف له فان كثيرا من المصنفين فيه خرجوا في كثير منه عن طريقة معلمهم الأول ولكن ليس المقصود هنا بسط هذا ثم الحد إنما يتألف من الصفات الذاتية أن كان حقيقيا وإلا فلا بد من العرضية وكل منهما أما أن يكون مشتركا بين المحدود وغيره وأما أن يكون مميزا له عن غيره فالمشترك الذاتي الجنس والمميز الذاتي الفصل والمؤلف منهما النوع والمشترك العرضي هو العرض العام والمميز العرضى هو الخاصة وقد يعبر ب الخاصة عما يعرض ل النوع وإن لم يكن عاما لأفراده لكن تلك الخاصة لا يحصل بها التمييز كما قد يعبر ب النوع عن الأنواع الإضافية التي هي بالنسبة إلى ما فوقها نوع وبالنسبة إلى ما تحتها جنس ولكن هذا وأمثاله من جزئيات المنطق التي ليس هنا المقصود الكلام فيها فان للكلام على ما ذكروه في الجنس والنوع مقاما آخر غير ما علق في هذه العجالة فهذه الكليات الخمس وبإزاء الكلي الجزئي وهو ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه والكلام في المركب مسبوق بالكلام على المفرد ودلالة اللفظ عليه
(1/5)

والقياس مؤلف من مقدمتين والمقدمة قضية أما موجبة وأما سالبة وكل منهما أما كلية وأما جزئية فلا بد من الكلام في القضايا وأنواعها وجهاتها.
وقد يستدل عليها ب نقيضها وبعكسها وبعكس نقيضها فإنها إذا صحت بطل نقيضها وصح عكسها وعكس نقيضها فتكلم في تناقض القضايا وعكسها المستوى وعكس نقيضها.
والقضية أما حملية وأما شرطية متصلة وأما شرطية منفصلة فانقسم القياس باعتبار صورته إلى قياس تداخل وهو الحملي وقياس تلازم وهو الشرطي المتصل وقياس تعاند وهو التقسيم والترديد وهو الشرطي المنفصل هذا باعتبار صورته وباعتبار مادته إلى الأصناف الخمسة المتقدمة.
فلا بد من الكلام في مواد القياس وهي القضايا التي يستدل بها على غيرها وهذا كله في قياس الشمول وأما قياس التمثيل والاستقراء فله حكم آخر فإنهم قالوا الاستدلال ب الكلى على الجزئي هو قياس الشمول وب الجزئي على الكلى هو الاستقراء أما التام أن علم شموله للأفراد وإلا ف الناقص والاستدلال بأحد الجزئيين على الآخر هو قياس التمثيل.
مع أنا قد بسطنا في غير هذا الموضع الكلام على أن كل قياس شمول فانه يعود إلى التمثيل كما أن كل قياس تمثيل فانه يعود إلى شمول وأن جعلهم قياس الشمول يفيد اليقين دون قياس التمثيل خطأ.
وذكرنا تنازع الناس في اسم القياس هل يتناولهما جميعا كما عليه جمهور الناس أو هو حقيقة في التمثيل مجاز في قياس الشمول كما اختاره أبو حامد الغزالي وأبو محمد المقدسي أو بالعكس كما اختاره ابن حزم وغيره من أهل المنطق والكلام على هذا مبسوط في مواضع
(1/6)

والمقصود هنا ذكر شيء آخر فنقول: الكلام في أربع مقامات مقامين سالبين ومقامين موجبين.
فالأولان:
أحدهما: في قولهم أن التصور المطلوب لا ينال إلا بالحد.
والثاني: أن التصديق المطلوب لا ينال إلا بالقياس.
والآخران: في أن الحد يفيد العلم بالتصورات وأن القياس أو البرهان الموصوف يفيد العلم بالتصديقات
(1/7)

المقام الأول: المقام السلبي في الحدود والتصورات.
في قولهم: أن التصورات غير البديهية لا تنال إلا بالحد والكلام على هذا من وجوه:.
أحدها: أن يقال لا ريب أن النافي عليه الدليل إذا لم يكن نفيه بديهيا كما أن على المثبت الدليل فالقضية سواء كانت سلبية أو إيجابية إذا لم تكن بديهية فلا بد لها من دليل وأما السلب بلا علم فهو قول بلا علم فقول القائل: أنه لا تحصل هذه التصورات إلا بالحد قضية سالبة وليست بديهية فمن أين لهم ذلك وإذا كان هذا قولا بلا علم كان في أول ما أسسوه القول بلا علم فكيف يكون القول بلا علم أساسا لميزان العلم ولما يزعمون أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره
(1/7)

الثاني: أن يقال الحد يراد به نفس المحدود وليس هذا مرادهم ههنا ويريدون به القول الدال على ما هيه المحدود وهو مرادهم هنا وهو تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال.
فيقال: إذا كان الحد قول الحاد فالحاد أما أن يكون قد عرف المحدود بحد وأما أن يكون عرفه بغير حد فان كان الأول فالكلام في الحد الثاني كالكلام في الأول وهو مستلزم للدور القبلى أو التسلسل في الأسباب والعلل وهما ممتنعان باتفاق العقلاء وإن كان عرفه بغير حد بطل سلبهم وهو قولهم أنه لا يعرف إلا بالحد.
الثالث: أن الأمم جميعهم من أهل العلم والمقالات وأهل العمل والصناعات يعرفون الأمور التي يحتاجون إلى معرفتها ويحققون ما يعانونه من العلوم والأعمال من غير تكلم بحد منطقي ولا نجد أحدا من أئمة العلوم يتكلم بهذه الحدود لا أئمة الفقه ولا النحو ولا الطب ولا الحساب ولا أهل الصناعات مع أنهم يتصورون مفردات علمهم فعلم استغناء التصور عن هذه الحدود.
الرابع: أنه إلى الساعة لا يعلم للناس حد مستقيم على أصلهم بل أظهر الأشياء الإنسان وحده ب الحيوان الناطق عليه الاعتراضات المشهورة وكذلك حد الشمس وأمثال ذلك حتى أن النحاة لما دخل متأخروهم في الحدود ذكروا ل الاسم بضعة وعشرين حدا وكلها معترض عليها على أصلهم بل أنهم ذكروا ل الاسم سبعين حدا لم يصح منها شيء كما ذكر ذلك ابن الأنباري المتأخر والأصوليون ذكروا ل القياس بضعة وعشرين حدا وكلها معترض على أصلهم وعامة الحدود المذكورة في كتب الفلاسفة والأطباء والنحاة والاصوليين والمتكلمة معترضة على أصلهم وإن قيل بسلامة بعضها كان قليلا بل منتفيا فلو كان تصور الأشياء موقوفا على الحدود لم يكن إلى الساعة قد تصور الناس شيئا من هذه الأمور والتصديق موقوف على التصور فإذا لم يحصل تصور لم يحصل تصديق فلا يكون عند بني آدم علم في عامة علومهم وهذا من أعظم السفسطة
(1/8)

الخامس: أن تصور الماهية إنما يحصل عندهم بالحد الذي هو الحقيقي المؤلف من الذاتيات المشتركة والمميزة وهو المركب من الجنس والفصل وهذا الحد أما متعذر أو متعسر كما قد أقروا بذلك وحينئذ فلا يكون قد تصور حقيقة من الحقائق دائما أو غالبا وقد تصورت الحقائق فعلم استغناء التصورات عن الحد.
السادس: أن الحدود الحقيقية عندهم إنما تكون الحقائق المركبة وهي الأنواع التي لها جنس وفصل وأما ما لا تركيب فيه وهو ما لا يدخل مع غيره تحت جنس كما م ثله بعضهم ب العقول فليس له حد وقد عرفوه وهو من التصورات المطلوبة عندهم فعلم استغناء التصورات عن الحد بل إذا أمكن معرفة هذه بلا حد فمعرفة تلك الأنواع أولى لأنها أقرب إلى الحس وان أشخاصها مشهودة.
وهم يقولون أن التصديق لا يقف على التصور التام الذي يحصل بالحد الحقيقي بل يكفي فيه أدنى تصور ولو ب الخاصة وتصور العقول من هذا الباب وهذا اعتراف منهم بأن جنس التصور لا يقف على الحد الحقيقي لكن يقولون الموقوف عليه هو تصور الحقيقة أو التصور التام وسنبين أن شاء الله أنه ما من تصور إلا وفوقه تصور أتم منه وأنا نحن لا نتصور شيئا بجميع لوازمه حتى لا يشذ عنا منها شيء وأنه كلما كان التصور لصفات المتصور أكثر كان التصور أتم.
وأما جعل بعض الصفات داخلة في حقيقة الموصوف وبعضها خارجة فلا يعود إلى أمر حقيقي وإنما يعود ذلك إلى جعل الداخل ما دل عليه اللفظ ب التضمن والخارج اللازم ما دل عليه اللفظ ب اللزوم فتعود الصفات الداخلة في الماهية إلى ما دخل في مراد المتكلم بلفظه والخارجة اللازمة للماهية إلى ما يلزم مراده بلفظه وهذا أمر يتبع مراد المتكلم فلا يعود إلى حقيقة ثابتة في نفس الأمر للموصوف وقد بسطنا ألفاظهم في غير هذا الموضع وبينا ذلك بيانا مبسوطا يبين أن ما سموه الماهية أمر يعود إلى ما يقدر في الأذهان لا إلى ما يتحقق في الأعيان والمقدر في الأذهان بحسب ما يقدره كل أحد في ذهنه فيمتنع أن
(1/9)

تكون الحقائق الموجودة تابعة لذلك.
السابع: أن مستمع الحد يسمع الحد الذي هو مركب من ألفاظ كل منها لفظ دال على معنى فان لم يكن عارفا قبل ذلك بمفردات تلك الألفاظ ودلالتها على معانيها المفردة لم يمكنه فهم الكلام والعلم بأن اللفظ دال على المعنى أو موضوع له مسبوق بتصور المعنى فمن لم يتصور مسمى الخبر والماء والسماء والأرض والأب والأم لم يعرف دلالة اللفظ عليه وإذا كان متصورا لمسمى اللفظ ومعناه قبل استماعه وإن لم يعرف دلالة اللفظ عليه امتنع أن يقال أنه إنما تصوره باستماع اللفظ لأن في ذلك دورا قبليا إذ يستلزم أن يقال لم يتصور المعنى حتى سمع اللفظ وفهمه ولم يمكن أن يفهم المراد باللفظ حتى يكون قد تصور ذلك المعنى قبل ذلك وهذا كما أنه مذكور في دلالة الأسماء على مسمياتها المفردة فهو بعينه وارد في دلالة الحدود على المحدودات إذ كلاهما إنما يدل على معنى مفرد لكن الحد يفيد تفصيل ما دل عليه الاسم بالاجمال.
وقد يكون فيه عند المنطقين تفصيل صفاته المشتركة والمختصة وإن كان للمتكلمين في الحد طريق آخر إذ لا يحدون إلا ب الخاصة المميزة الفاصلة دون المشتركة بل يمنعون من التركيب الذي يوجبه المنطقيون وهو لعمري أقرب إلى المقصود كما سنبينه أن شاء الله تعالى ونبين أن فائدة الحدود التمييز لا التصوير.
وإذا كان المطلوب التمييز فإنما ذاك بالمميز فقط دون المشترك ولأنه كلما كان أوجز واجمع وأخص كان أحسن كالأسماء فليس الحد في الحقيقة إلا اسما من الأسماء أو اسمين أو ثلاثة كقولك: حيوان ناطق وكذلك قيل في تعليم آدم الأسماء كلها تعليم حدودها وهي من جنس الحدود المحدود المذكورة في قوله تعالى: {وَأَجْدَرُ إلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} التوبة
(1/10)

الثامن: أن الحد إذا كان هو قول الحاد فمعلوم أن تصور المعاني لا يفتقر إلى الألفاظ فان المتكلم قد يتصور معنى ما يقوله بدون لفظ والمستمع قد يمكنه تصور تلك المعاني من غير مخاطب بالكلية فكيف يمكن أن يقال لا تتصور المفردات إلا بالحد الذي هو قول الحاد.
التاسع: أن الموجودات المتصورة أما أن يتصورها الإنسان بحواسه الظاهرة كالطعم واللون والريح والأجسام التي تحمل هذه الصفات وأما أن يتصورها بمشاعره الباطنة كما تتصور الأمور الحسية الباطنة الوجدية مثل الجوع والشبع والحب والبغض والفرح والحزن واللذة والألم والإرادة والكراهية والعلم والجهل وأمثال ذلك وكل من الأمرين قد يتصوره معينا وقد يتصوره مطلقا أو عاما وهذه التصورات جميعها غنية عن الحد ولا يمكنه تصور شيء بدون مشاعره الظاهرة والباطنة وما غاب عنه يعرفه بالقياس والاعتبار بما شاهده.
العاشر: أنهم يقولون أن للمعترض أن يطعن على حد الحاد ب النقض والمعارضة.
والنقض أما في الطرد وأما في العكس أما الطرد فهو أنه حيث وجد الحد وجد المحدود فيكون الحد مانعا فإذا بين وجود الحد ولا محدود لم يكن مطردا ولا مانعا بل دخل فيه غيره كما لو قال في حد الإنسان أنه الحيوان وأما العكس وهو أن يكون حيث انتفى الحد انتفى المحدود لكون الحد جامعا وإذا لم يكن جامعا انتفى الحد مع بقاء بعض المحدود كما لو قال في حد الإنسان أنه العربي فلا يكون الحد منعكسا ولو استعمل لفظ الطرد في موضع العكس لكان سائغا والمقصود أنه لا بد من اتفاق الحد والمحدود في العموم والخصوص فلا بد أن يكون مطابقا للمحدود لا يدخل فيه ما ليس من المحدود ولا يخرج منه ما هو من المحدود فمتى كان أحدهما اعم كان باطلا بالاتفاق وسمى ذلك نقضا
(1/11)

فان النقض يرد على الحد والدليل والقضية الكلية والعلة لكن الدليل والقضية الكلية لا يجب فيهما الانعكاس إلا بسبب منفصل مثل المتلازمين إذا استدل بأحدهما على الآخر فهنا يكون الدليل مطردا منعكسا وأما الحد فلا بد فيه من الانعكاس.
والعلة أن كانت تامة وجب طردها وإن لم تكن تامة جاز تخلف الحكم عنها لفوات شرط أو وجود مانع ويسمى ذلك تخصيصا ونقضا أما وجود الحكم بلا علة فيسمى عدم عكس وعدم تاثير ونفس الحكم المتعلق بها ينتفي لا بانتفائها ولا يجب انتفاء نظيره إذا كان له علة أخرى فمجرد عدم الانعكاس لا يدل على فساد العلة إلا إذا وجد الحكم بدون العلة من غير أن تخلفها علة أخرى وهو في الحقيقة وجود نظير الشخص وهو نوعه فهنا تكون العلة عديمة التأثير فتكون باطلة وبهذا يظهر أن عدم التأثير مبطل لها وعدم الانعكاس ليس مبطلا لها فإنها إذا انتفت انتفى الحكم المعلق بها وإذا وجد الحكم بعلة أخرى فان كانت العلة مساوية هي كالآخرى فهي هي وإن كانت مجانبة لها فلا بد أن يختلف الحكم كما أن حل الدم كان اسم جنس فالحل الحاصل بالردة نوع غير النوع الحاصل بالزنا والحل الحاصل بالقتل فان الحل الحاصل بالقتل يجوز فيه الفداء والمعافاة والحل الحاصل بالردة يجوز فيه الغفران بالتوبة والحل الحاصل بالزنا فيه حد الرجم بالحجارة وبحضور شهود وكثير نظائر هذا فإلى في احد الحلين أن كان مماثلا للآخر فالعلتان واحدة وإن اختلف الحكم اختلف العلة وانتقاض الوضوء بالبول والغائط نوع واحد ليس هو من باب تغاير الحكم بعلتين كالقتل بالحدود قال المعترض: "هذه الأوصاف لا تأثير لها في حل الدم فان الردة وزنا المحصن وحراب الكافر الأصلي يبيح الدم مع انتفاء هذه الأوصاف" فيقال له: فان الحل وجد لسبب آخر لا لعدم تأثر هذه الأوصاف كما يستحق الابن
(1/12)

الإرث بالنسب والنكاح والولاء ويثبت الملك بالمعاوضة والإرث والإيهاب والاغتنام وتلك المباحات لو كان للمستدل فيجب القود فياسا على القتل لم يرد عليه هذا السؤال لأن الواجب بالردة والزنا ليس قودا.
وأما عدم التأثير مبطل لما هو العلة لأن تأثير الدلالة الذي يجمع فيه لا يدل على العلة فان الدليل لا يجب انعكاسه كما لو قال من يركب القياس في مسألة زكوة الصبي ملبوس فلا يجب له الزكاة كلباس الكبير قيل له لا تأثير لكونه لباسا لا في الفرع ولا في الأصل بل هذا الحكم ثابت عند أهل الشرع في جميع مال الصغير وهذه كلمات جوامع في هذه الكليات التي يكثر فيها اضطراب الناس.
وأما المعارضة للحد بحد آخر فظاهر.
فإذا كان المستمع للحد يبطله ب النقص تارة وب المعارضة أخرى ومعلوم أن كليهما لا يمكن إلا بعد تصور المحدود علم أنه يمكن تصور المحدود بدون الحد وهو المطلوب.
الحادي عشر: أن يقال هم معترفون بأن من التصورات ما يكون بديهيا لا يحتاج إلى حد وإلا لزم الدور أو التسلسل.
وحينئذ فيقال كون العلم بديهيا أو نظريا هو من الأمور النسبية الإضافية مثل كون القضية يقينية أو ظنية إذ قد يتيقن زيد ما يظنه عمرو وقد يبده زيدا من المعاني ما لا يعرفه غيره إلا بالنظر وقد يكون حسيا لزيد من العلوم ما هو خبرى عند عمرو وإن كان كثير من الناس يحسب أن كون العلم المعين ضروريا أو كسبيا أو بديهيا أو نظريا هو من الأمور اللازمة له بحيث يشترك في ذلك جميع الناس وهذا غلط عظيم وهو مخالف للواقع.
فان من رأى الأمور الموجودة في مكانه وزمانه كانت عنده من الحسيات
(1/13)

المشاهدات وهي عند من علمها بالتواتر من المتواترات وقد يكون بعض الناس إنما علمها بخبر ظنى فتكون عنده من باب الظنيات فان لم يسمعها فهي عنده من المجهولات وكذلك العقليات فان الناس يتفاوتون في الإدراك تفاوتا لا يكاد ينضبط طرفاه ولبعضهم من العلم البديهي عنده والضروري ما ينفيه غيره أو يشك فيه وهذا بين في التصورات والتصديقات.
وإذا كان ذلك من الأمور النسبية الإضافية أمكن أن يكون بديهيا عند بعض الناس من التصورات ما ليس بديهيا لغيره فلا يحتاج إلى حد وهذا هو الواقع وإذا قيل فمن لم يحصل له تلك المحدودات بالبداهة حصلت له بالحد قيل كثير منهم يجعل هذا حكما عاما في جنس النظريات لجنس الناس وهذا خطا واضح ومن تفطن لما ذكرناه يقال له ذلك الشخص الذي لم يعلمها بالبديهة يمكن أن تصير بديهة له بمثل الأسباب التي حصلت لغيره فلا يجوز أن يقال لا يعلمها إلا بالحدود.
(1/14)

المقام الثاني: المقام الايجابي في الحدود والتصورات
وهو أنه هل يمكن تصور الأشياء بالحدود.
فيقال المحققون من النظار يعلمون أن الحد فائدته التمييز بين المحدود وغيره كالاسم ليس فائدته تصوير المحدود وتعريف حقيقته وإنما يدعى هذا أهل المنطق اليوناني أتباع أرسطو ومن سلك سبيلهم وحذا حذوهم تقليدا لهم من الإسلاميين وغيرهم فأما جماهير أهل النظر والكلام من المسلمين وغيرهم فعلى خلاف هذا.
وإنما دخل هذا في كلام من تكلم في أصول الدين والفقه بعد أبي حامد في أواخر المائة الخامسة وأوائل المائة السادسة فأما أبو حامد فقد وضع مقدمة منطقية في أول المستصفى وزعم أن من لم يحط بها علما فلا ثقة له بشي من
(1/14)

علومه وصنف في ذلك محك النظر ومعيار العلم ودواما اشتدت به ثقته وأعجب من ذلك أنه وضع كتابا سماه القسطاس المستقيم ونسبه إلى أنه تعليم الأنبياء وإنما تعلمه من ابن سينا وهو تعلمه من كتب أرسطو وهؤلاء الذين تكلموا في الحدود بعد أبى حامد هم الذين تكلموا في الحدود بطريقة أهل المنطق اليوناني.
وأما سائر طوائف النظار من جميع الطوائف المعتزلة والأشعرية والكرامية والشيعة وغيرهم ممن صنف في هذا الشأن من اتباع الأئمة الأربعة وغيرهم فعندهم إنما تفيد الحدود التمييز بين المحدود وغيره بل أكثرهم لا يسوغون الحد إلا بما يميز المحدود عن غيره ولا يجوز أن يذكر في الحد ما يعم المحدود وغيره سواء سمي جنسا أو عرضا عاما وإنما يحدون بما يلازم المحدود طردا وعكسا ولا فرق عندهم بين ما يسمى فصلا وخاصة ونحو ذلك مما يتميز به المحدود من غيره.
وهذا مشهور في كتب أهل النظر في مواضع يطول وصفها من كتب المتكلمين من أهل الإثبات وغيرهم كأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر إسحاق وأبي بكر بن فورك والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي المعالي الجويني وأبي الميمون النسفي الحنفي وغيرهم وقبلهم أبو علي وأبو هاشم وعبد الجبار وأمثالهم من شيوخ المعتزلة وكذلك ابن النوبخت والموسى والطوسي وغيرهم من شيوخ الشيعة وكذلك محمد بن الهيصم وغيره من شيوخ الكرامية فإنهم إذا تكلموا في الحد قالوا أن حد الشىء وحقيقته خاصته التي تميزه
(1/15)

قال أبو القاسم الأنصاري في شرح الإرشاد: "قال إمام الحرمين: القصد من التحديد في اصطلاح المتكلمين التعرض لخاصة الشيء وحقيقة التي يقع بها الفصل بينه وبين غيره".
قال الأستاذ: "حد الشيء معناه الذي لأجله كان بالوصف المقصود بالذكر" قال أبو المعالي: "ولو قال قائل حد الشيء معناه واقتصر عليه كان سديد أو قال حد الشيء حقيقته أو خاصته كان حسنا".
قال: "فإن قيل: إذا قلتم حد العلم أو حقيقة ما يعلم به فلم تذكروا خاصة العلم لأن العلم يشتمل على مختلفات ومتماثلات لا يجمع جميعها في خاصة واحدة فان المجتمعين في الأخص متماثلان؟ فنقول: إنما غرضنا أن نبين أن المذكور حدا هو خاصة وصف المحدود في مقصود الحد إذ ليس الغرض بالسؤال عن العلم التعرض لتفصيله وإنما الغرض معرفة العلمية بأخص وصف العلم الذي يشترك فيه ما يختلف منه وما يتماثل بما ذكرناه حيث قلنا أنه المعرفة أو ما يعلم به أو التبيين".
وهذا على طريقة الأستاذ ومن رام ذكر حد من قبيل المعلومات فإنما غرضه الوقوف على صفة يشترك فيها القبيل المسئول عنه على وجه يتضح للسائل.
قال أبو المعالي: "فان قيل الحد يرجع إلى قول المخبر أو إلى صفة في المحدود قلنا: ما صار إليه كافة الأئمة أن الحد صفة المحدود سكت عنه الواصفون أم نطقوا وهو بمعنى الحقيقة" وقد ذكر القاضي في التقريب أن الحد قول الحاد المنبئ عن الصفة التي تشترك فيها آحاد المحدود ووافق الأصحاب في أن حقيقة الشيء ومعناه راجعان إلى صفة دون قول القائل وإنما بين ذلك في الحد لمشابهته الوصف ومشابهة الحقيقة الصفة ونحن نفصل بين الوصف والصفة" ثم قال القاضي: "من الأشياء ما يحد ومنها ما لا يحد وما من محقق إلا وله حقيقة ومن صار إلى أن الحد يرجع إلى حقيقة المحدود"
(1/16)

يقول: "ما من ذي حقيقة إلا وله حد نفيا كان أو إثباتا والغرض من التحديد التعرض لحقيقة الشيء التي بها يتميز عن غيره والشيء إنما يتميز عن غيره بنفسه وحقيقته لا بقول القائل".
ثم قال أبو المعالي: "قال المحققون الاطراد والانعكاس من شرائط الحد وإذا كان الغرض من الحد تمييز المحدود بصفة عما ليس منه فليس يتحقق ذلك إلا مع الاطراد والانعكاس ف الطرد هو تحقق المحدود مع تحقق الحد والعكس هو انتفاء المحدود مع انتفاء الحد.
وإذا قيل حد العلم هو العرض لم يطرد ذلك إذ ليس كل عرض علما فهذا نقض الحد ولو قلنا في حد العلم كل معرفة حادثة فهذا لا ينعكس إذ ثبت علم ليس بحادث والسائل عن حد العلم لم يقصد حد ضرب منه تخصيصا وإنما أراد الإحاطة بمعنى سائر العلوم.
وإذا قلنا العلم هو المعرفة فكل معرفة علم وكل علم معرفة وكل ما ليس بعلم فليس بمعرفة وكل ما ليس بمعرفة فليس بعلم وهذه عبارات أربع: عبارتان في النفي وعبارتان في الإثبات ولا تستقيم الحدود دون ذلك".
قال أبو المعالي: "فان قال قائل: هل يجوز تركيب الحد من وصفين أم لا؟ قلنا: اختلف المتكلمون:.
فذهب كثير منهم إلى أن المركب ليس بحد وشيخنا أبو الحسن يميل إلى ذلك ويقدح في التركيب وليس المراد بمنع التركيب تكليف المسئول أن يأتي في حد ما يسأل عنه بعبارة واحدة إذ المقصود إتحاد المعنى بدون اللفظ والعبارات لا تقصد لأنفسها وليست هي حدودا بل هي منبئة عن الحدود وقال شيخنا أبو الحسن في حد العلم مع منعه التركيب: "هو ما أوجب كون محله عالما وهذا يشتمل على كلمات ولم يعد هذا تركيبا فان المقصود بالحد التعرض لصفة واحدة هو إيجاب العلم حكمه وكذلك إذا قيل في حد الجوهر ما قبل العرض فليس
(1/17)

بمركب وإن ذكر العرض وقبوله إياه ولكن المقصود بالحد التعرض للقبول فقط.
ثم التركيب فيه تقسيم فمنه باطل بالاتفاق ومنه مختلف فيه فالمتفق عليه هو أن يذكر الحاد معنيين يقع الاستقلال بأحدهما وذكر الآخر لغو في مقصود الحد وشرطه وأما المختلف فيه فكما يقول المعتزلة في حد المرئي ما يكون لونا أو متلونا فهم يصححون هذا الحد ولا يرون هذا التركيب قادحا قالوا لأن المقصود من الحد حصر المحدود مع التعرض للحقيقة فإذا قامت الدلالة على أن المتحيز يرى وعلى أن الألوان مرئية ولا يجتمع الألوان والجوهر في حقيقة واحدة إذ الأوصاف الجامعة لها محدودة منها الوجود والحدوث وباطل تحديد المرئي بالموجود أو المحدث إذ يلزم منه رؤية الطعوم والروائح والعلوم ونحوها فإذا لم يمكن الجمع بين الجواهر والألوان في صفة جامعة لها في حكم الرؤية غير منتقضة فلا وجه إلا ذكر الجواهر بخاصتها وذكر الألوان بحقيقتها.
ومعظم المتكلمين على الامتناع من مثل ذلك في الحدود وقالوا المتحيز وكون اللون هيئة حكمان متنافيان فينبغي أن لا يثبت لهما مع تباينهما حكم لا تباين فيه وهو كون المرئي مرئيا".
قال الأستاذ أبو المعالي: "وأحسن طريقة في هذا ما ذكره القاضي فإنه قال: "ما يذكر من معرفة الحدود ينقسم فربما يتأتى ضبط آحاد المحدود بصفة واحدة يشترك فيها جملة الآحاد نحو تحديدنا العلم ب المعرفة والشيئية ب الوجود وربما لا يتأتى ضبط جميع آحاد المحدود في صفة واحدة يشترك جميعها فيها فلو ذكر في حدها صفة جامعة لبطل فإذا كان الأمر كذلك وتأتي ضبط ما يسأل عنه بذكر صفتين يشتمل إحداهما على قبيل من المسئول والآخرى على القبيل الآخر لصح تحديده" قال القاضي: "ولو حقق ذلك لزال فيه الخلاف فان الذي يحد بصفتين لو قيل له أتدعي
(1/18)

اجتماع القبلين في صفة واحدة؟ لما ادعاه ولو قيل لمطالبة أتنكر تحقيق الانحصار عند ذكر الصفتين لما وجد سبيلا إلى إنكار ذلك والحد ليس بموجب وإنما هو بيان وكشف وهذا المعنى يتحقق في الصفتين تحققه في الصفة الواحدة فإن الكلام إلى مناقشة في العبارة".
وقال القاضي أبو بكر بن الطيب: "وان قال لنا قائل: ما حد العلم عندكم قلنا: حده معرفة المعلوم على ما هو به والدليل على ذلك أن هذا الحد يحصره على معناه ولا يدخل فيه ما ليس منه ولا يخرج منه شيء هو فيه والحد إذا أحاط بالمحدود على هذا السبيل وجب أن يكون حدا ثابتا صحيحا فكلما حد به العلم وغيره وكانت حاله في حصر المحدود وتميزه من غيره وإحاطته به حال ما حددنا به العلم وجب الاعتراف بصحته وقد ثبت أن كل علم تعلق بمعلوم فأنه معرفة له على ما هو به وكل معرفة بمعلوم فإنها علم به فوجب توفيق الحد الذي حددنا به العلم وجعلناه تفسيرا لمعنى منه بأنه علم".
قلت: فقد بين القاضي أن كل ما أحاط بالمحدود بحيث لا يدخل فيه ما ليس منه ولا يخرج منه ما هو منه كان حدا صحيحا.
اعتراف الغزالي باستعصاء الحد:
وقد ذكر الغزالي في كتابه الكبير في المنطق الذي سماه معيار العلم مذهب المتكلمين هذا بعد أن ذكر استعصاء الحد على طريقة المنطقيين فقال:
الفصل السابع: في استعصاء الحد على القوى البشرية إلا عند غاية التشمير والجهد:
ومن عرف ما ذكرناه من مثارات الاشتباه في الحد عرف عن أن القوة البشرية لا تقوى على التحفظ عن كل ذلك إلا على الندوز وهي كثيرة وأعصاها على الذهن أربعة أمور:
(1/19)

أحدها: أن شرطنا أن نأخذ الجنس الأقرب ومن أين للطالب أن لا يغفل عنه فيأخذ جنسا يظن أنه أقرب وربما يوجد ما هو أقرب منه فيحد الخمر بأنه مائع مسكر ويذهل عن الشراب الذي هو تحته وهو أقرب منه ويحد الإنسان بأنه جسم ناطق مائت ويغفل عن الحيوان وأمثاله.
الثاني: أنا إذا شرطنا أن تكون الفصول ذاتية كلها واللازم الذي لا يفارق في الوجود والوهم يشتبه بالذاتي غاية الاشتباه ودرك ذلك من أغمض الأمور فمن أين له أن لا يغفل فيأخذ لازما فيورده بدل الفصل ويظن أنه ذاتي.
الثالث: أنا شرطنا أن يأتي بجميع الفصول الذاتية حتى لا يحل بواحد ومن أين يأمن من شذوذ بعضها عنه لا سيما إذا وجد فصلا حصل به التمييز والمساواة في الاسم في الحمل كالجسم ذي النفس الحساس ومساواته لفظ الحيوان مع إغفال المتحرك بالإرادة وهذا من أغمض ما يدرك.
الرابع: أن الفصل مقوم ل النوع مقسم ل الجنس فإذا لم يراع شرط التقسيم اخذ في القسمة فصولا ليست أولية ل الجنس وهو غير مرضى في الحدود فان الجسم كما أنه ينقسم إلى النامي وغير النامي انقساما ب فصل ذاتي فكذلك ينقسم إلى الحساس وغير الحساس والى الناطق وغير الناطق فمهما قيل الجسم ينقسم إلى الناطق وغير الناطق فقد قسم بما ليس هو الفصل القاسم أوليا بل ينبغي أن يقسم أولا إلى النامي وغير النامي ثم النامي ينقسم إلى الحيوان وغير الحيوان ثم الحيوان إلى الناطق وغير الناطق وكذلك الحيوان ينقسم إلى ذي رجلين والى ذي أرجل ولكن هذا التقسيم ليس ل فصول أولية بل ينبغي أن يقسم الحيوان إلى ماش وغير ماش ثم الماشي ينقسم إلى ذي
(1/20)

رجلين وذي أرجل إذ الحيوان لم يستعد ل الرجلين والأرجل باعتبار كونه حيوانا بل باعتبار كونه ماشيا واستعد لكونه ماشيا باعتبار كونه حيوانا.
فرعاية الترتيب في هذه الأمور شرط للوفاء بصناعة الحد وهي في غاية العسر.
ولذلك لما عسر اكتفى المتكلمون بالتمييز وقالوا أن الحد هو القول الجامع المانع ولم يشترطوا فيه إلا التمييز.
ويلزم عليه الاكتفاء ب الخواص فيقال في حد الفرس أنه الصهال وفي حد الإنسان أنه الضحاك وفي الكلب أنه النباح وذلك في غاية البعد عن غرض التعريف لذات المحدود.
ولأجل عسر التحديد قد رأينا أن نورد جملة من الحدود المعلومة المحررة في الفن الثاني من كتاب الحدود".
ثم قال:
الفن الثاني: في الحدود المفصلة
إعلم أن الأشياء التي يمكن تحديدها لا نهاية لها لأن العلوم التصديقية غير متناهية وهي تابعة ل التصورات وأقل ما يشتمل عليه التصديق تصوران وعلى الجملة فكل ما له اسم يمكن تحرير حده ورسمه أو شرح اسمه وإذا لم يكن في الاستقصاء مطمع فالأولى الاستقصار على القوانين المعروفة لطريقه وقد حصل ذلك بالفن الأول.
ولكنا أوردنا حدودا مفصلة لفائدتين:.
إحداهما: أن تحصل الدربة بكيفية تحرير الحد وتأليفه فان الامتحان والممارسة للشيء يفيد قوة عليه لا محالة.
الثانية: أن يقع الاطلاع على معاني أسماء أطلقها الفلاسفة وقد أوردناها في كتاب تهافت الفلاسفة إذ لم يمكن مناظرتهم إلا بلغتهم وعلى حكم اصطلاحهم وإذا لم نفهم ما أوردناه من اصطلاحهم لا يمكن مناظرتهم
(1/21)

فقد أوردنا ألفاظ أطلقوها في الإلهيات والطبيعات وشيئا قليلا من الرياضيات.
فلتؤخذ هذه الحدود على أنها شرح الاسم فان قام البرهان على أن ما شرحوه هو كما شرحوه اعتقد حدا وإلا اعتقد شرحا للاسم.
كما يقال: حد الجني حيوان هوائي ناطق مشف الجرم من شانه أن يتشكل بأشكال مختلفة فيكون هذا شرحا للاسم في تفاهم الناس فأما وجود هذا الشيء على هذا الوجه فيعرف بالبرهان فان دل على وجوده كان حدا بحسب الذات وإن لم يدل عليه بل دل على أن الجني المراد به في الشرع موجود آخر كان هذا شرحا للاسم في تفاهم الناس.
وكما تقول في حد الخلاء أنه بعد يمكن أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة قائم لا في مادة من شأنه أن يملأه جسم ويخلو عنه وربما دل الدليل على أن ذلك محال فيؤخذ على أنه شرح للاسم في إطلاق النظار.
وإنما قدمنا هذه المقدمة ليعلم أن ما نورده من الحدود شرح لما أراده الفلاسفة بالاطلاق لا حكم بأن ما ذكروه كما ذكروه فان ذلك مما يتوقف على ما يوجبه البرهان".
الرد على كلام الغزالي:
قلت: ما ذكره من صعوبة الحد على الشروط التي ذكرها حق لو كان المقصود بالحد تصوير الحدود كما يدعونه وكان ذلك ممكنا لكن ما ذكروه في الحد باطل فإنه يمتنع أن يحصل بمجرد الحد تصور المحدود وما ذكروه من الفرق بين الصفات الذاتية المقومة الداخلة في الماهية والصفات الخارجة اللازمة أمر باطل لا حقيقة له وما أوجبوه من ذكر الصفتين في الحدود هو مما يحظره المتكلمون فيمتنعون منه في الحد والتحقيق أنه لا واجب ولا محظور كما قد بيناه في موضع آخر
(1/22)

وكل ما يذكرونه من الحدود فانما يفيد التمييز وإذا كان لا يحصل بالحد إلا التمييز فالتمييز قد يحصل ب الفصل والخاصة فعلم أن طريقة المتكلمين أسد في تحصيل المقصود الصحيح بالحدود.
وأما قوله: "إن ذلك في غاية البعد عن التعريف لذات المحدود" فيقال وكذلك سائر الحدود هي غير محصلة لتصوير ذات المحدود كما سنبينه إن شاء الله تعالى.
وما ذكره من الوجوه حجة عليهم.
فان ما ذكره من لزوم اخذ الجنس القريب أمر اصطلاحي وذلك أنه إذا أخذ البعيد كان الفصل يدل على القريب بالتضمن أو الالتزام كدلالة القريب على البعيد ف الناطق عندهم يدل على الحيوان والمسكر على الشراب كما يدل الحيوان على الجسم وكما يدل الشراب على المائع سواء جعلوا هذه دلالة تضمن أو التزام فان كانوا يكتفون بمثل هذه الدلالة كان الفصل كافيا وإن كانوا لا يكتفون إلا بما يدل على الذاتيات بالمطابقة لم يكن ذكر الجنس القريب وحده كافيا.
فإذا قال: مائع مسكر كان لفظ المسكر يدل عل أنه الشراب فان المسكر ههنا اخص عندهم من الشراب ومن المائع وهو فصل كالناطق ل الإنسان ومعلوم حينئذ أن كل مسكر شراب كما أن كل ناطق حيوان كما أنه إذا قيل في الإنسان جسم ناطق ف الناطق عندهم اخص من الجسم ومن الحيوان وهو يدل على الحيوان بالتضمن أو الالتزام ودل لفظ المائع على الجنس البعيد بالمطابقة.
وإذا قال: شراب مسكر دل قوله شراب على أنه مائع بالتضمن أو الالتزام عندهم ودل على الجنس القريب بالمطابقة فصار الفرق بينهما أنه تارة
(1/23)

يدل على الجنس البعيد بالمطابقة والقريب بالتضمن وتارة بالعكس.
فإذا قالوا الأحسن أن يدل على القريب بالمطابقة لأنه اخص بالمحدود وكلما كان اخص كان أكثر تمييزا قيل ليس في ذلك اختصاص احد الحدين بتصوير الماهية دون الآخر بل بأنه أتم تمييزا.
وهذا تكلم على المعنى الذي ذكره في حد الخمر بحسب ما قاله ف الخمر اسم ل المسكر عند الشارع سواء كان مائعا أو جامدا طعاما أو شربا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر" فلو كان الخمر جامدة وأكلها كانت خمرا باتفاق المسلمين.
وأما الوجه الثاني: فقوله: "اللازم الذي لا يفارق في الوجود والوهم يشتبه بالذاتي غاية الاشتباه" كلام صحيح بل ليس بينهما في الحقيقة فرق إلا بمجرد الوضع والاصطلاح كما قد بين في غير هذا الموضع وبين أنهم في هذا الوضع المنطقي والاصطلاح المنطقي فرقوا بين المتماثلين وسووا بين المختلفين.
وهذا وضع مخالف لصريح العقل وهو أصل صناعة الحدود الحقيقية عندهم فتكون صناعة باطلة إذ الفرق بين الحقائق لا يكون بمجرد أمر وضعي بل بما هي عليه الحقائق في نفسها وليس بين ما سموه ذاتيا وما سموه لازما للماهية في الوجود والذهن فرق حقيقي في الخارج وإنما هي فروق اعتبارية تتبع الوضع واختيار الواضع وما يفرضه في ذهنه وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع وذكرنا ألفاظ أئمتهم في هذا الموضع وتفسيرها.
وإن حاصل ما عندهم أن ما يسمونه ماهية هي ما يتصوره الذهن فان أجزاء الماهية هي تلك الأمور المتصورة فإذا تصور جسما ناميا حساسا
(1/24)

متحركا بالإرادة ناطقا أو ضاحكا كان كل جزء من هذه الأجزاء المعنى المتصور وكان داخلا في هذا التصور وإن تصور حيوانا ناطقا كان أيضا كل منهما جزءا مما تصوره داخلا فيه وكان ما يلزم هذه الصورة الذهنية مثل كونه حيا وحساسا وناميا هو لازما لهذا المتصور في الذهن فالماهية بمنزلة المدلول عليه بالمطابقة وجزؤها المقوم لها الداخل فيها الذي هو وصف ذاتي لها بمنزلة المدلول عليه التضمن واللازم لها الخارج عنها بمنزلة المدلول عليه بالالتزام ومعلوم أن هذا أمر يتبع ما يتصوره الإنسان سواء كان مطابقا أو غير مطابق ليس هو تابع للحقائق في نفسها.
وأصل غلط هؤلاء أنه اشتبه عليهم ما في الأذهان بما في الأعيان فالإنسان إذا حد شيئا كالإنسان مثلا بمن هو جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق كان هذا القول له لفظ ومعنى فكل لفظ من ألفاظه له معنى من هذه المعاني جزء هذا الكلام.
وأما قوله في الثالث: "إنه يشترط جميع الفصول" فهذا كاشتراط الجنس وليس في ذلك ما يفيد تصوير الماهية وأما التمييز فيحصل بدون ذلك وهذا أمر وضعي والمتكلمون قد اتفقوا على أنه لا يجوز الجمع بين وصفين متساويين في العموم والخصوص ضد ما يوجبه هؤلاء فلا يجمع بين فصلين وهذا كما إذا حد الحيوان بأنه جسم نام حساس متحرك بالإرادة ف الحساس والمتحرك بالإرادة فصلان والمنطقيون يوجبون ذكرهما والمتكلمون يمنعون من ذكرهما جميعا ويأمرون بالاقتصار على أحدهما.
أما الوجه الرابع: فانه من جنس احد الجنس البعيد بدل القريب فان تقسيم
(1/25)

الجنس بالفصول الآخرية دون الأولية مثل تقويم النوع ب الأجناس الأولية دون الآخرية.
صناعة الحد وضع اصطلاحي غير فطري:
وقوله: "رعاية الترتيب في هذه الأمور شرط للوفاء بصناعة الحد وهو في غاية العسر" فيقال:.
هذه صناعة وضعية اصطلاحية ليست من الأمور الحقيقة العلمية وهي مع ذلك مخالفة لصريح العقل ولما عليه الوجود في مواضع فتكون باطلة ليست من الأوضاع المجردة كوضع أسماء الأعلام فان تلك فيها منفعة وهي لا تخالف عقلا ولا وجودا وأما وضعهم فمخالف لصريح العقل والوجود ولو كان وضعا مجردا لم يكن ميزانا للعلوم والحقائق فان الأمور الحقيقية العلمية لا تختلف باختلاف الأوضاع والاصطلاحات كالمعرفة بصفات الأشياء وحقائقها فالعلم بأن الشيء حي أو عالم أو قادر أو مريد أو متحرك أو ساكن أو حساس أو غير حساس ليس هو من الصناعات الوضعية بل هو من الأمور الحقيقية الفطرية التي فطر الله تعالى عباده عليها كما فطرهم على أنواع الإرادات الصحيحة والحركات المستقيمة.
لاسيما وهؤلاء يقولون: أن المنطق ميزان العلوم العقلية ومراعاته تعصم الذهن عن أن يغلط في فكره كما أن العروض ميزان الشعر والنحو والتصريف ميزان الألفاظ العربية المركبة والمفردة وآلات المواقيت موازين لها.
ولكن ليس الأمر كذلك فان العلوم العقلية تعلم بما فطر الله عليه بني آدم من أسباب الإدراك لا تقف على ميزان وضعي لشخص معين ولا يقلد في
(1/26)

العقليات أحد بخلاف العربية فإنها عادة لقوم لا تعرف إلا بالسماع وقوانينها لا تعرف إلا بالاستقراء بخلاف ما به يعرف مقادير المكيلات والمذونات والمزروعات والمعدودات فإنها تفتقر إلى ذلك غالبا لكن تعيين ما به يكال ويوزن بقدر مخصوص أمر عادي كعادة الناس في اللغات.
وقد تنازع علماء المسلمين في مسمى الدرهم والدينار هل هو مقدر بالشرع أو المرجع فيه إلى العرف؟ على قولين أصحهما الثاني وعلى ذلك يبنى النصب الشرعي هل هو مائتا درهم يوزن معين أو مائتا درهم مما يتعامل بها الناس؟ باعتبار تقررها.
وأما ما ذكروه من صناعة الحد فلا ريب أنهم وضعوها وهم معترفون بأن الواضع لها أرسطو وهم يعظمونه بذلك ويقولون لم يسبقه احد إلى جميع أجزاء المنطق وتنازعوا هل سبق بعض أجزائه على قولين.
وأجزاء المنطق ثمانية: 1- المفرادات وهى المقولات المعقولة المفردة و 2- التركيب الأول وهو تركيب القضايا و 3- التركيب الثاني وهو تركيب القياس من القضايا ثم 4- البرهاني و 5- الجدلي و 6- الخطابي و 7- الشعري و 8- السفسطة.
ويسمون الجزء الأول إيساغوجى وقد يقولون أن فرفوريوس هو الذي أدخل ذلك المنطق بعد أرسطو.
وقد يجعلون القياس والبرهان واحدا ويجعلون أجزاءه سبعة ويقولون
(1/27)

هذا قول أرسطو.
والجزء الثاني الذي يشتمل على المقدمات يسمونه هرمينياس ومعناه العبارات.
والثالث الذي يشتمل على القياس المطلق يسمونه انولوطيقيا الأول.
والبرهاني يسمونه انولوطيقا الثاني.
والجدلي يسمونه طوبيقا.
والخطابي يسمونه ديطويقا.
والشعري يسمونه اوقيوطيقا.
والسفسطة يسمونه سوفسطيقا.
وهذه عبارات يونانية فإذا تكلمت بها العرب فإنها تعربها وتقربها إلى لغاتها كسائر ما تكلمت به العرب من الألفاظ المعجمة فلهذا توجد ألفاظها مختلفة.
وقد كانت الأمم قبلهم تعرف حقائق الأشياء بدون هذا الوضع وعامة الأمم بعدهم تعرف حقائق الأشياء بدون وضعهم فان أرسطو كان وزيرا للاسكندر بن فيلبس المقدوني وليس هذا ذا القرنين المذكور في القرآن كما يظنه كثير منهم بل هذا كان قبل المسيح بنحو ثلثمائه سنة.
وجماهير العقلاء من جميع الأمم يعرفون الحقائق من غير تعلم منهم بوضع أرسطو وهم إذا تدبروا أنفسهم وجدوا أنفسهم تعلم حقائق الأشياء بدون هذه الصناعة الوضعية.
ثم أن هذه الصناعة زعموا أنها تفيد تعريف حقائق الأشياء ولا تعرف إلا بها وكلا هذين غلط
(1/28)

ولما راموا ذلك لم يكن بد من أن يفرقوا بين بعض الصفات وبعض إذ جعلوا التصور بما جعلوه ذاتيا فلا بد أن يفرقوا بين ما هو ذاتي عندهم وما ليس كذلك ولا بد أن يرتبوا ذكرها على ترتيب مخصوص إذ لا تذكر على كل ترتيب فكانت الصفات الذاتية مادة الحد الوضعي والترتيب الذي ذكروه هو صورته.
ولما كان ذلك مستلزما للتفريق بين المتماثلين أو المتقاربين كان ممتنعا أو عسرا إذ يفرقون بين صفة وصفة يجعل أحدهما ذاتية دون أخرى مع تساويهما أو تقاربهما ويفرقون بين ترتيب وترتيب بجعل أحدهما معرفا للحقيقة دون الآخر مع تساويهما أو تقاربهما وطلب الفرق بين المتماثلات طلب ما لا حقيقة له فهو ممتنع وإن كان بين المتقاربين كان عسرا فالمطلوب أما متعذرا وأما متعسرا فان كان متعذرا بطل بالكلية وإن كان متعسرا فهو بعد حصوله ليس فيه فائدة زائدة على ما كان يعرف قبل حصوله فصاروا بين أن يمتنع عليهم ما شرطوه أو ينالوه ولا يحصل به ما قصدوه وعلى التقديرين ليس ما وضعوه من الحد طريقا لتصور الحقائق في نفس من لا يتصورها بدون الحد وإن كان الحد قد يفيد من تنبيه المخاطب وتمييز المحدود ما قد تفيده الأسماء كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
وما ذكروه من الفرق بين الحد وشرح الاسم فتلخيصه أن المحدود المميز عن غيره إذا تصورت حقيقته فقد يكون هو الموجود الخارجي وقد يكون هو المراد الذهني وقد يراد بالحد تمييز ما عناه المتكلم بالاسم وتفهيمه سواء كان ذلك المعنى الذي أراده بالاسم ثابتا في الخارج أو لم يكن وقد يراد به تمييز ما هو موجود في الخارج وهذا شأن كل من فسر كلام متكلم أو شرحه فقد يفسر مراد المتكلم ومقصودة سواء كان مطابقا للخارج أو لم يكن وقد يتبين مع ذلك أنه مطابق
(1/29)

للأمر الخارج وأنه حق في نفسه.
وإذا كان الكلام غير حق لم يكن مطابقا للخارج فيريد المستمع أن يطابق بينه وبين الواقع فلا يطابقه ولا يوافقه حتى قد يظن الظان أن الشارح أو المستمع لم يفهم مقصود المتكلم لعسرته ولا يكون كذلك بل لأن ما ذكره من الكلام ليس بمطابق للواقع فلا يمكن مطابقته إياه وقد يكون ظن من ظنه مطابقا للخارج إحسانا للظن بالمتكلم ويكون قد ظن أنه لم يفهمه لدقته عليه فلا يكون كذلك.
وقولهم في الحد الحقيقي أنه متعسر وإنه لا يتوقف عليه إلا آحاد الناس هو من هذا الباب فان الحد الحقيقي إذا أريد به ما زعموه فإنه لا حقيقة له في الخارج إذ يريدون به أن الموصوف في نفسه مؤلف من بعض صفاته اللازمة له التي بعضها اعم منه وبعضها مطابق له دون بعض صفاته اللازمة المساوية لتلك العامة في العموم وللمطابقة في المطابقة دون بعض وأن حقيقته هي مركبة من تلك الصفات دون غيرها وان تلك الحقيقة يصورها الحد دون غيره فهذا ليس بحق.
فدعواهم تأليفه من بعض الصفات اللازمة دون بعض باطلة بل دعواهم أنه مركب من الصفات باطلة ودعواهم له حقيقة ثابتة في الخارج يصورها الحد دون غيره باطلة وإنما الواقع أن المحدود الموصوف الذي ميز بالاسم أو الحد عن غيره قد يكون ثابتا في الخارج وقد يكون ثابتا في نفس المتكلم بالاسم أو الحد وهو يظن ثبوته في الخارج وليس كذلك.
وبهذا يقال الحد يكون تارة بحسب الاسم وتارة بحسب المسمى ويقال الحد يكون تارة بحسب اسم الشيء وتارة بحسب حقيقته وإن كان الحد بحسب الاسم قد يكون مطابقا للخارج لكن المقصود أن الحد تارة يميز بين المراد باللفظ وغير المراد وتارة يميز بين الموجود في الخارج من الأعيان وبين غيره وهذا التمييز إنما يحصل بواسطة ذلك فالتمييز الذي في النفس يجب أن يكون مطابقا للتمييز في الخارج والتمييز الذي يحصل للمستمع هو بواسطة التمييز الذي في نفس المتكلم والله أعلم
(1/30)

خلط مقالات أهل المنطق بالعلوم النبوية وإفساد ذلك للعقول والأديان:
وقد تفطن أبو عبدا لله الرازي بن الخطيب لما عليه أئمة الكلام وقرر في محصله وغيره أن التصورات لا تكون مكتسبة وهذا هو حقيقة قول القائلين أن الحد لا يفيد تصوير المحدود.
لكنه لم يهتد هو وأمثاله إلى ما سبق إليه أئمة الكلام في هذا المقام.
وهذا مقام شريف ينبغي أن يعرف فانه بسبب إهماله دخل الفساد في العقول والأديان على كثير من الناس إذ خلطوا ما ذكره أهل المنطق في الحدود بالعلوم النبوية التي جاءت به الرسل التي عند المسلمين واليهود والنصارى بل وسائر العلوم كالطب والنحو وغير ذلك.
وصاروا يعظمون أمر الحدود ويدعون أنهم هم المحققون لذلك وأن ما يذكره غيرهم من الحدود إنما هي لفظية لا تفيد تعريف الماهية والحقيقة بخلاف حدودهم ويسلكون الطرق الصعبة الطويلة والعبارات المتكلفة الهائلة وليس لذلك فائدة إلا تضييع الزمان وإتعاب الأذهان وكثرة الهذيان ودعوى التحقيق بالكذب والبهتان وشغل النفوس بما لا ينفعها بل قد يضلها عما لا بد لها منه وإثبات الجهل الذي هو أصل النفاق في القلوب وإن ادعوا أنه أصل المعرفة والتحقيق.
وهذا من توابع الكلام الذي كان السلف ينهون عنه وإن كان الذي نهوا عنه خيرا من هذا وأحسن إذ هو كلام في أدلة وأحكام ولم يكن قدماء المتكلمين يرضون أن يخوضوا في الحدود على طريقة المنطقيين كما دخل في ذلك متأخروهم الذين يظنون ذلك من التحقيق وإنما هو زيغ عن سواء الطريق.
ولهذا لما كانت هذه الحدود ونحوها لا تفيد الإنسان علما لم يكن عنده وإنما تفيده كثرة كلام سموهم أهل الكلام
(1/31)

وهذا - لعمرى - في الحدود التي ليس فيها باطل فأما حدود المنطقين التي يدعون أنهم يصورون بها الحقائق فإنها باطلة يجمعون بها بين المختلفين ويفرقون بين المتماثلين.
الأدلة على بطلان دعواهم أن الحدود تفيد تصوير الحقائق:
ونحن نبين أن الحدود لا تفيد تصوير الحقائق وان حدود أهل المنطق التي يسمونها حقيقية تفسد العقل والدليل على ذلك وجوه:
الوجه الأول: الحد -سواء جعل مركبا أو مفردا- لا يفيد معرفة المحدود
احدها: أن الحد مجرد قول الحاد ودعواه فإنه إذا قال حد الإنسان مثلا أنه الحيوان الناطق أو الضاحك فهذه قضية خبرية ومجرد دعوى خلية عن حجة فإما أن يكون المستمع لها عالما يصدقها بدون هذا القول وأما أن لا يكون فان كان عالما بذلك ثبت أنه لم يستفد هذه المعرفة بهذا الحد وإن لم يكن عالما يصدقه بمجرد قول المخبر الذي لا دليل معه لا يفيده العلم كيف وهو يعلم أنه ليس بمعصوم في قوله فقد تبين أنه على التقديرين ليس الحد هو الذي يفيده معرفة المحدود.
فإن قيل: الحد ليس هو الجملة الخبرية وإنما هو مجرد قولك حيوان ناطق وهذا مفرد لا جملة وهذا السؤال وارد على احد اصطلاحيهم فإنهم تارة يجعلون الحد هو الجملة كما يقول الغزالي وغيره وتارة يجعلون الحد هو المفرد المفيد كالاسم وهو الذي يسمونه التركيب التقييدي كما يذكر ذلك الرازي ونحوه قيل التكلم بالمفرد لا يفيد ولا يكون جوابا للسائل سواء كان موصوفا تركيبا
(1/32)

مركبا تركيبا تقييديا أو لم يكن كذلك.
ولهذا لما مر بعض العرب بمؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله بالنصب قال: فعل ماذا.
فإذا قيل: ما هذا قيل طعام فهذا خبر مبتدأ محذوف باتفاق الناس تقديره هذا طعام كقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرض لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} وقوله: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ} إلى قوله: {قُلِ اللَّهُ} وكقوله: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُم} أي هم ثلاثة وهم خمسة وهم سبعة.
ومنه قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} أي هذا الحق من ربكم ليس كما يظنه بعض الجهال أي قل القول الحق فان هذا لو أريد لنصب لفظ الحق والمراد إثبات أن القرآن حق ولهذا قال: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} ليس المراد ههنا بقول حق مطلق بل هذا المعنى مذكور في قوله: {وإذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} وقوله: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} .
ثم إذا قدر أن الحد هو المفرد فالمفرادات أسماء وغاية السائل أن يتصور مسماها لكن من أين له إذا تصور مسماها أن هذا المسمى هو المسئول عنه وأن هذا المسمى هو حقيقة المحدود؟.
فان قيل يفيده مجرد تصور المسمى من غير أن يحكم أنه هو ذلك أو غير ذلك بل تصور إنسان قيل فحينئذ يكون هذا كمجرد دلالة اللفظ المفرد على معناه وهو دلالة الاسم على مسماه كما لو قيل الإنسان وهذا يحقق ما قلناه من أن
(1/33)

دلالة الحد كدلالة الاسم وهذا هو قول أهل الصواب الذين يقولون الحد تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال وحينئذ فيقال أن لا نزاع بين العقلاء أن مجرد الاسم لا يوجب تصوير المسمى لمن لم يتصوره بدون ذلك وإنما الاسم يفيد الدلالة عليه والإشارة إليه.
ولهذا قالوا أن المقصود باللغات ليس هو دلالة اللفظ المفرد على معناه وذلك لأن اللفظ المفرد لا يعرف دلالته على المعنى أن لم يعرف أنه موضوع له ولا يعرف أنه موضوع له حتى يتصور اللفظ والمعنى فلو كان المقصود بالوضع استفادة معاني الألفاظ المفردة لزم الدور.
وإذا لم يكن المقصود من الأسماء تصوير معانيها المفردة ودلالة الحد كدلالة الاسم لم يكن المقصود من الحد تصوير معناه المفرد وإذا كان دلالة الاسم على مسماه مسبوقا بتصور مسماه وجب أن تكون دلالة الحد على المحدود مسبوقا بتصور المحدود وإذا كان كل من المحدود والمسمى متصورا بدون الاسم والحد وكان تصور المسمى والمحدود مشتركا في دلالة الحد والاسم على معناه امتنع أن تتصور المحدودات بمجرد الحدود كما يمتنع تصور المسميات بمجرد الأسماء وهذا هو المطلوب.
ولهذا كان من المتفق عليه بين جميع أهل الأرض أن الكلام المفيد لا يكون إلا جملة تامة كاسمين أو فعل واسم.
هذا مما اعترف به المنطقيون وقسموا الألفاظ إلى اسم وكلمة وحرف يسمى أداة وقالوا المراد ب الكلمة ما يريده النحاة بلفظ الفعل لكنهم مع هذا يناقضون ويجعلون ما هو اسم عند النحاة حرفا في اصطلاحهم فالضمائر ضمائر الرفع والنصب والجر والمتصلة والمنفصلة مثل قولك رأيته ومر بي فان هذه اسماء ويسميها النحاة الأسماء المضمرة والمنطقيون يقولون أنها في لغة اليونان من باب الحروف ويسمونها الخوالف كأنها
(1/34)

خلف عن الأسماء الظاهرة.
فأما الاسم المفرد فلا يكون كلاما مفيدا عند أحد من أهل الأرض بل ولا أهل السماء وإن كان وحده كان معه غيره مضمرا أو كان المقصود به تنبيها أو إشارة كما يقصد بالأصوات التي لم توضع لمعنى لا أنه يقصد به المعاني التي تقصد بالكلام.
ولهذا عد الناس من البدع ما يفعله بعض النساك من ذكر اسم الله وحده بدون تأليف كلام فان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله" رواه أبو حاتم في صحيحه وقال: "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" رواه مالك وغيره.
وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعلم أمته ذكر الله تعالى بالجمل التامة مثل "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله" "أفضل الكلام بعد القرآن: أربع وهي من القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" رواه مسلم وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لأن أقول سبحان الله والحمد لله
(1/35)

ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس" وقال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" وأمثال ذلك.
فظن طائفة من الناس أن ذكر الاسم المفرد مشروع بل ظنه بعضهم أفضل في حق الخاصة من قول لا إله إلا الله ونحوها وظن بعضهم أن ذكر الاسم المضمر وهو (هو) هو أفضل من ذكر الاسم المظهر.
وأخرجهم الشيطان إلى أن يقولوا لفظا لا يفيد إيمانا ولا هدى بل دخلوا بذلك في مذهب أهل الزندقة والإلحاد أهل وحده الوجود الذين يجعلون وجود المخلوقات وجود الخالق ويقول احدهم ليس إلا الله والله فقط ونحو ذلك.
وربما احتج بعضهم عليه بقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} وظنوا أنه مأمور بان يقول الاسم مفردا وإنما هو جواب الاستفهام حيث قال: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ} أي الله انزل الكتاب الذي جاء به موسى.
وإذا عرف أن مجرد الإسم ومجرد الحد لا يفيد ما يفيده الكلام بحال علم أن الحد خبر مبتدإ محذوف لتكون جملة تامة.
ثم قد بينا فساد قولهم سواء جعل الحد مفردا كالأسماء أو مركبا كالجمل وأنه على التقديرين لا يفيد تصوير المسمى وهو المطلوب
(1/36)

ودعوى المدعى أن الحد مجرد المفرد المفيد كدعواهم أن التصور الذي هو احد نوعى العلم هو التصور المجرد عن كل نفي وإثبات ومعلوم أن مثل هذا لا يكون علما عند أحد من العلماء بل إذا خطر ببال الإنسان شيء ما ولم يخطر له ثبوته ولا انتفاءه بوجه من الوجوه لم يكن قد علم شيئا مثل من خطر له بحر زئبق أو جبل ياقوت خاطرا مجردا عن كون هذا التصور ثابتا في الخارج أو منتفيا ممكنا أو ممتنعا فان هذا من جنس الوسواس لا من جنس العلم.
وقد بسطنا الكلام على هذا في مواضع متعددة مثل الكلام على المحصل وبينا أن المشروط في التصديق من جنس العلم المشروط في القول فمن صدق بما لم يتصوره كان قد تكلم بغير علم ومن صدق بما تصوره كان كالمتكلم بعلم فقولهم في الحدود ألقولية من جنس قولهم في التصورات الذهنية.
الوجه الثاني: خبر الواحد بلا دليل لا يفيد العلم
الثاني: أنهم يقولون الحد لا يمنع ولا يقوم عليه دليل وإنما يمكن إبطاله ب النقض والمعارضة بخلاف القياس فانه يمكن فيه الممانعة والمعارضة.
فيقال: إذا لم يكن الحاد قد أقام دليلا على صحة الحد امتنع أن يعرف المستمع المحدود به إذا جوز عليه الخطأ فإنه إذا لم يعرف صحة الحد إلا بقوله وقوله محتمل للصدق والكذب امتنع أن يعرفه بقوله للصدق والكذب امتنع أن يعرفه بقوله.
ومن العجب أن هؤلاء يزعمون أن هذه طرق عقلية يقينية ويجعلون العلم بالمفرد أصلا للعلم بالمركب ويجعلون العمدة في ذلك على الحد الذي هو قول الحاد بلا
(1/37)

دليل وهو خبر واحد عن أمر عقلي لا حسي يحتمل الصواب والخطأ والصدق والكذب ثم يعيبون على من يعتمد في الأمور السمعية على نقل الواحد الذي معه من القرائن ما يفيد المستمع العالم بها العلم اليقيني زاعمين أن خبر الواحد لا يفيد العلم ولا ريب أن مجرد خبر الواحد الذي لا دليل على صدقة لا يفيد العلم لكن هذا بعينه قولهم في الحد وإنه خبر واحد لا دليل على صدقه بل ولا يمكن عندهم إقامة دليل على صدقه فلم يكن الحد مفيدا لتصور المحدود.
ولكن أن كان المستمع قد تصور المحدود قبل هذا أو تصوره معه أو بعده بدون الحد وعلم أن ذلك حده علم صدقه في حده وحينئذ فلا يكون الحد أفاد التصوير وهذا بين.
وتلخيصه أن المحدود بالحد لا يمكن بدون العلم بصدق قول الحاد وصدق قوله لا يعلم بمجرد الخبر فلا يعلم المحدود بالحد.
ومن قال أنا أريد بالحد المفرد لم يكن قوله مفيدا لشيء أصلا فإن التكلم ب الاسم المفرد لا المستمع شيئا بل أن كان تصور المحدود بدون هذا اللفظ كان قد تصوره بدون هذا اللفظ المفرد وإن لم يكن تصوره لا قبله ولا بعده.
الوجه الثالث: لو حصل تصور المحدود بالحد لحصل ذلك قبل العلم بصحة الحد
الثالث: أن يقال لو كان مفيدا لتصور المحدود لم يحصل ذلك إلا بعد العلم بصحة الحد فانه دليل التصور وطريقه وكاشفه فمن الممتنع أن نعلم صحة المعرف المحدود قبل العلم بصحة المعرف والعلم بصحة الحد لا يحصل إلا بعد العلم بالمحدود إذ الحد خبر عن مخبر هو المحدود فمن الممتنع أن يعلم صحة الخبر وصدقه قبل
(1/38)

تصور المخبر عنه من غير تقليد المخبر وقبول قوله فيما يشترك في العلم به المخبر والمخبر ليس هو من باب الأخبار عن الأمور الغائبة.
الوجه الرابع: معرفة المحدود يتوقف على العلم بالمسمى واسمه فقط
الرابع: أنهم يحدون المحدود بالصفات التي يسمونها الذاتية ويسمونها أجزاء الحد وأجزاء الماهية والمقومة لها والداخلة فيها ونحو ذلك من العبارات.
فان لم يعلم المستمع أن المحدود موصوف بتلك الصفات امتنع أن يتصوره وإن علم أنه موصوف بها كان قد تصوره بدون الحد فثبت أنه على تقدير النقيضين لا يكون قد تصوره بالحد وهذا بين.
فإنه إذا قيل الإنسان هو الحيوان الناطق فان لم يكن قد عرف الإنسان قبل هذا كان متصورا لمسمى الحيوان الناطق ولا يعلم أنه الإنسان احتاج إلى العلم بهذه النسبة وإن لم يكن متصورا لمسمى الحيوان الناطق احتاج إلى شيئين إلى تصور ذلك وإلى العلم بالنسبة المذكورة وإن عرف ذلك كان قد تصور الإنسان بدون الحد.
الحد قد ينبه تنبيها:
نعم الحد قد ينبه على تصور المحدود كما ينبه الاسم فان الذهن قد يكون غافلا عن الشيء فإذا سمع اسمه أو حده اقبل بذهنه إلى الشيء الذي اشير إليه بالاسم أو الحد فيتصوره فيكون فائدة الحد من جنس فائدة الاسم وهذا هو الصواب وهو التمييز بين الشيء المحدود وغيره
(1/39)

ويكون الحدود للانواع بالصفات كالحدود للاعيان بالجهات كما إذا قيل حد الأرض من الجانب القبلي كذا ومن الجانب الشرقي كذا وميزت الأرض باسمها وحدها وحد الأرض يحتاج إليه إذ خيف من الزيادة في المسمى أو النقص منه فيفيد إدخال المحدود جميعه وإخراج ما ليس منه كما يفيد الاسم وكذلك حد النوع.
وهذا يحصل بالحدود اللفظية تارة وبالوصفية أخرى وحقيقة الحد في الموضعين بيان مسمى الاسم فقط وتمييز المحدود عن غيره لا تصوير المحدود وإذا كان فائدة الحد بيان مسمى الاسم والتسمية أمر لغوي وضعي رجع في ذلك إلى قصد ذلك المسمى ولغته ولهذا يقول الفقهاء من الأسماء ما يعرف حده ب اللغة ومنه ما يعرف حده ب الشرع ومنه ما يعرف حده ب العرف.
ومن هذا تفسير الكلام وشرحه إذا أريد به تبيين مراد المتكلم فهذا يبنى على معرفة حدود كلامه وإذا أريد به تبيين صحته وتقريره فانه يحتاج إلى معرفة دليل صحة الكلام فالأول فيه بيان تصوير كلامه والثاني بيان تصديق كلامه.
وتصوير كلامه كتصوير مسميات الأسماء ب الترجمة تارة لمن يكون قد تصور المسمى ولم يعرف أن ذلك اسمه وتارة لمن لم يكن قد تصور المسمى فيشار له إلى المسمى بحسب الإمكان أما إلى عينة وأما إلى نظيره ولهذا يقال الحد تارة يكون ل الاسم وتارة يكون ل المسمى.
وأئمة المصنفين في صناعة الحدود على طريقة المنطقيين يعترفون عند التحقيق بهذا كما ذكر أبو حامد الغزالي في كتاب معيار العلم الذي صنفه في المنطق بعد أن قال:
(1/40)

"البحث النظري الجاري في الطلب أما أن يتجه إلى تصور أو إلى تصديق فالموصل إلى التصور يسمى قولا شارحا فمنه حد ومنه رسم والموصل إلى التصديق يسمى حجة فمنه قياس ومنه استقراء وغيره".
قال الغزالي: "مضمون هذا الكتاب تعريف مبادئ القول الشارح لما أريد تصوره حدا كان أو رسما وتعريف مبادئ الحجة الموصلة إلى التصديق قياسا كان أو غيره مع التنبيه على شروط صحتها ومثار الغلط فيها".
قال: "فان قلت: كيف يجهل الإنسان العلم التصوري حتى يفتقر إلى الحد؟ قلنا: بان يسمع الإنسان اسما لا يعرف معناه كمن قال ما الخلاء؟ وما الملاء؟ وما الشيطان؟ وما العقار؟ فيقال: العقار الخمر فان لم يعرفه باسمه المعروف يفهمه بحده فيقال الخمر هو شراب مسكر معتصر من العنب فيحصل له علم تصوري بذات الخمر".
قلت: فقد بين أن فائدة الحدود من جنس فائدة الأسماء وان ذلك كمن سمع اسما لا يعرف معناه فيذكر له اسم فان لم يتصوره وإلا ذكر له الحد.
وهذا مما يعترف به حذاقهم حتى بين معلمهم الثاني أبو نصر الفارابي وهو أعظم الفلاسفة كلاما في المنطق وتفاريعه من برهانه.
ومعلوم أن الاسم لا يفيد بنفسه تصوير المسمى وإنما يفيد التمييز بينه وبين غيره وأما تصور المسمى فتارة يتصوره الإنسان بذاته بحسه الباطن أو الظاهر وتارة يتصوره بتصور نظيره وهو ابعد فمن عرف عين
(1/41)

الخمر إذا لم يعرف مسمى لفظ العقار قيل له هو الخمر أو غيرها من الأسماء فعرفها ومن لم يعرف عين الخمر بحال عرف بنظيرها فقيل له هو شراب فإذا تصور القدر المشترك بين النظيرين ذكر له ما يميزها فقيل مسكر.
ولكن الكلام في تصوره لمعنى المسكر كالكلام في تصوره لمعنى الخمر فان لم يعرف عين المسكر وإلا لم يمكن تعريفه إلا بنظيره فيقال هو زوال العقل وهذا جنس يشترك فيه النوم والجنون والاغماء والسكر فلا بد أن يميز السكر فيقال زوال العقل بما يلتذ به ثم اللذة لا بد أن يكون قد تصور جنسها ب الأكل والشرب وغيرهما.
وهذا يبين أن فائدة الحدود قد تكون اضعف من فائدة الأسماء لأنها تفيد معرفة الشيء بنظيره والاسم يكتفى به من عرفه بنفسه.
وحقيقة الأمر أن الحد هو أن تصف المحدود بما تفصل به بينه وبين غيره والصفات تفيد معرفة الموصوف خبرا وليس المخبر كالمعاين ولا من عرف المشهود عليه بعينه كمن عرفه بصفته وحليته فمن عرف المسمى بعينه كان الاسم مغنيا له عن الحد كما تقدم ومن لم يعرفه بعينه لم يفده الحد ما يفيد الاسم لمن عرفه بعينه إذ الاسم هناك يدل على العين التي عرفها بنفسها والحد لمن لم يعرف العين إنما يفيده معرفة النوع لا معرفة العين كما يتصور اللذه بشرب الخمر من لم يشربها قياسا على اللذة ب الخبز واللحم ومعلوم فرق ما بين اللذتين.
وليس مقصودنا أن فائدة الحدود اضعف مطلقا وإنما المقصود أنها من جنس
(1/42)

فائدة الأسماء وأنها مذكرة لا مصورة أو معرفة بالتسمية مميزة للمسمى من غيره أو معرفة بالقياس.
اعتراف ابن سينا بأن من الأمور ما هو متصور بذاته:
وهكذا يقول حذاقهم في تحديد أمور كثيرة قد حدها غيرهم يقولون لا يمكن تحديدها تحديد تعريف لماهياتها بل تحديد تنبيه وتمييز كما قال ابن سينا في الشفاء قال:
"فنقول: إن الموجود والشئ والضروري معانيها ترتسم في النفس إرتساما أوليا ليس ذلك الارتسام مما يحتاج أن يجلب بأشياء هو أعرف منها.
فانه كما أنه في باب التصديق مباديء أولية يقع التصديق بها لذاتها ويكون التصديق لغيرها بسببها وإذا لم يخطر بالبال أو يفهم اللفظ الدال عليها لم يمكن التوصل إلى معرفة ما يعرف بها وإذا لم يكن التعريف الذي يحاول إخطارها بالبال أو يفهم ما يدل عليها من الألفاظ محاولا لافادة علم ما ليس في الغريزة بل منبها على تفهيم ما يريده القائل أو يذهب إليه وربما كان ذلك بأشياء هي في أنفسها أخفى من المراد تعريفه لكنها لعلة ما وعبارة ما صارت أعرف.
كذلك في التصورات أشياء هي مباديء للتصور هي متصورات لذاتها وإذا أريد أن يدل عليها لم يكن ذلك في الحقيقة تعريفا لمجهول بل تنبيها وإخطارا بالبال باسم العلامة وربما كانت في نفسها أخفى منه
(1/43)

لكنها لعلة ما وحال ما تكون أظهر دلالة فإذا استعملت تلك العلامة نبهت النفس على إخطار ذلك المعنى بالبال من حيث أنه هو المراد لا غيره من غير أن تكون العلامة بالحقيقة معلمة إياه.
ولو كان كل تصور يحتاج إلى أن يسبقه تصور قبله لذهب الأمر إلى غير النهاية أو لدار وأولى الأشياء بأن تكون متصورة لأنفسها الأشياء العامة للأمور كلها كالموجود والشيء والواحد وغيره ولهذا ليس يمكن أن يبين شيء منها ببيان لا دور فيه ألبتة أو ببيان وشيء أعرف منها.
وكذلك من حاول أن يقول فيها شيئا وقع في اضطراب كمن يقول أن من حقيقة الموجود أن يكون فاعلا أو منفعلا وهذا وإن كان ولا بد فمن أقسام الموجود والموجود أعرف من الفاعل والمنفعل وجمهور الناس يتصورون حقيقة الموجود ولا يعرفون ألبتة أنه يجب أن يكون فاعلا أو منفعلا وأنا إلى هذه الغاية لم يتضح لي ذلك إلا بقياس لاغير فكيف يكون حال من يروم أن يعرف الشيء الظاهر بصفة له تحتاج إلى بيان حتى يثبت وجودها له.
وكذلك قول من قال أن الشيء هو الذي يصح عنه الخبر فان يصح أخفى من ل الشيء والخبر أخفى من الشيء فكيف يكون هذا تعريفا ل الشيء وإنما تعرف الصحة ويعرف الخبر بعد أن يستعمل في بيان كل واحد منهما أنه شيء أو أنه أمر أو أنه ما أو أنه الذي وجميع ذلك كالمرادفات لاسم الشيء فكيف يصح أن يعرف الشيء تعريفا حقيقيا بما لا يعرف إلا به نعم ربما كان في ذلك وأمثاله تنبيه ما وأما بالحقيقة فانك إذا قلت
(1/44)

أن الشيء هو ما يصح أن يخبر عنه تكون كأنك قلت أن الشيء هو الشيء الذي يصح عنه الخبر لأن معنى ما والذي والشيء معنى واحد فتكون قد أخذت الشيء في حد الشيء على أننا لا ننكر أن يقع بهذا وما أشبهه مع فساد مأخذه تنبيه بوجه ما على الشيء ونقول أن معنى الموجود ومعنى الشيء متصوران في الانفس وهما معنيان والموجود والمثبت والمحصل اسماء مترادفة على معنى واحد ولا شك أن معناها قد حصل في نفس من يقرأ هذا الكتاب".
وكذلك قال في حد الواحد والكثير قال:
"فصل في تحقيق الواحد والكثير وإبانة أن العدد عرض والذي يصعب علينا تحقيقه ما هية الواحد وذلك انا إذا قلنا أن الواحد الذي لا ينقسم فقد قلنا أن الواحد الذي لا يتكثر ضرورة فأخذنا في بيان الواحد الكثرة وأما الكثرة فمن الضرورة أن تحد ب الواحد لأن الواحد مبدأ الكثرة ومنه وجودها وماهيتها.
ثم أي حد حددنا به الكثرة استعملنا فيه الواحد بالضرورة فمن ذلك ما نقول أن الكثرة هو المجتمع من وحدات فقد اخذنا الوحدة في حد الكثرة ثم عملنا شيئا آخر وهو أنا أخذنا المجمتع في حدها والمجتمع يشبه أن يكون هو الكثرة نفسها وإذا قلنا من الوحدات أو الوحدان أو الآحاد فقد أوردنا بدل
(1/45)

لفظ الجمع هذا اللفظ ولا يفهم معناه ولا يعرف إلا ب الكثرة وإذا قلنا أن الكثرة هي التي تعد بالواحد فنكون قد أخذنا في حد الكثرة الوحدة ونكون أيضا أخذنا في حدها العدد والتقدير وذلك إنما يفهم ب الكثرة أيضا.
فما أغنى علينا أن نقول في هذا الباب شيئا يعتد به لكنه يشبه أن تكون الكثرة أيضا أعرف عند تخيلنا ويشبه أن تكون الوحدة والكثرة من الأمور التي يتصورها بديا فذكر الكثرة نتخيلها أولا والوحدة نعقلها من غير مبدأ لتصورها ثم أن كان ولابد فخيالي ثم تعريفنا الكثرة ب الوحدة تعريفا عقليا وهنالك نأخذ الوحدة متصورة بذاتها ومن أوائل التصور يكون تعريفنا الوحدة ب الكثرة تنبيها يستعمل فيه المذهب الخيالي النومي إلى معقول عندنا لا يتصور حاضرا في الذهن.
فإذا قالوا أن الوحدة هي الشيء الذي ليست فيه كثرة دلوا على أن المراد بهذه اللفظة الشيء المعقول عندنا بديا الذي يقابل هذا الآخر وليس هو فينبه عليه بسلب هذا عنه.
والعجب ممن يحدد العدد ويقول أن العدد كثرة مؤلفة من وحدة أو آحاد والكثرة نفس العدد ليس كالجنس ل العدد وحقيقة الكثرة أنها مؤلفة من وحدات فقولهم أن الكثرة مؤلفة من وحدات كقولهم أن الكثرة كثرة فان الكثرة ليس إلا اسما ل المؤلف من الوحدات
(1/46)

فان قال قائل: إن الكثرة قد تؤلف من أشياء غير الوحدات مثل الناس والدواب فنقول أنه هذه كما أن الأشياء ليست كثرات بل أشياء موضوعة ل الكثرة وكما أن تلك الأشياء وحدان لا وحدات فكذلك هي كثيرة لا كثرة والذين يحسبون أنهم إذا قالوا أن العدد كمية منفصلة ذات ترتيب فقد تخلصوا من هذا فما تخلصوا فان الكمية تحوج تصورها للنفس إلى أن تعرف ب الجزء أأو القسمة أو المساوة أما الجزء والقسمة فانما يمكن تصورهما ب الكثرة وأما المساوة فان الكمية أعرف منها عند العقل الصريح لأن المساواة من الأعراض الخاصة ب الكمية التي يجب أن توخذ في حدها الكمية فيقال أن المساوة هي اتحاد في الكمية والترتيب الذي أخذ في حد العدد أيضا هو ما لا يفهم إلا بعد فهم العدد.
فيجب أن يعلم أن هذه كلها تنبيهات مثل الشبيه بالأمثلة والأسماء المترادفة فان هذه المعاني متصورة كلها أو بعضها لذواتها وإنما يدل عليها بهذه الأشياء لينبه عليها وتميز فقط".
قلت: فهذا الكلام الذي ذكره ابن سينا هنا قد تلقوه عنه بالقبول كما يذكر مثل ذلك أبو حامد والرازي والسهروردي وغيرهم.
فيقال: هذا الذي ذكروه في حدود هذه الأمور هو موجود في سائر ما يرومون بيانه بحدودهم عند التدبر والتأمل لكن منها ما هو بين لكل أحد كالأمور العامة ومنها ما هو بين لبعض الناس كما يعرف أهل الصناعات والمقالات أمورا لا يعرفها غيرهم فحدودها بالنسبة إلى هؤلاء كحدود تلك الأمور التي يعم علمها بالنسبة إلى العموم
(1/47)

وأما الأمور التي تخفى فمجرد الحدود لا تفيد تعريف حقيقتها بعينها وإنما تفيد تمييزها ونوعا من التعريف الشبهي.
وهذا يتبين بتقرير قاعدة في ذلك فنقول:
التحقيق السديد في مسألة التحديد:
المقول في جواب (ما هو) المطلوب تعريفه بالحد هو جواب لقول سائل قال ما كذا كما يقول ما الخمر؟ أو ما الإنسان؟ أو ما الثلج؟.
فهذا الاسم المستفهم عنه المذكور في السؤال أما أن يكون السائل غير عالم بمسماه وأما أن يكون عالما بمسماه.
مطلوب السائل المتصور للمعنى الجاهل بدلالة اللفظ عليه:
فالأول كالسائل عن اسم تحديد في غير لغته أو عن اسم غريب في لغته أو عن اسم معروف في لغته لكن مقصوده تحديد مسماه مثل العربي إذا سأل عن معاني الأسماء الأعجمية إذا سأل عن معاني الأسماء العربية وبعض الأعاجم إذا سأل بعضا عن معاني الأسماء التي تكون في لغة المسئول دون السائل وهذا هو الترجمة.
الترجمة وأحكامها:
فالمترجم لا بد أن يعرف اللغتين التي يترجمها والتي يترجم بها وإذا عرف أن المعنى الذي يقصد بهذا الاسم في هذه اللغة هو المعنى الذي يقصد به في اللغة الأخرى ترجمه كما يترجم اسم الخبز والماء والأكل والشرب والسماء والأرض والليل والنهار والشمس والقمر ونحو ذلك من أسماء الأعيان والأجناس وما تضمنته من الأشخاص سواء كانت مسمياتها أعيانا أو معاني.
والترجمة تكون للمفردات وللكلام المؤلف التام
(1/48)

وإن كان كثير من الترجمة لا يأتي بحقيقة المعنى التي في تلك اللغة بل بما يقاربه لأن تلك المعاني قد لا تكون لها في اللغة الأخرى ألفاظ تطابقها على الحقيقة لا سيما لغة العرب فان ترجمتها في الغالب تقريب.
ومن هذا الباب ذكر غريب القرآن والحديث وغيرهما بل وتفسير القرآن وغيره من سائر أنواع الكلام وهو في أول درجاته من هذا الباب فان المقصود ذكر مراد المتكلم بتلك الأسماء أو بذلك الكلام.
وهذا الحد هم متفقون على أنه من الحدود اللفظية مع أن هذا هو الذي يحتاج إليه في إقراء العلوم المصنفة بل في قراءة جميع الكتب بل في جميع أنواع المخاطبات بتلك فان من قرأ كتب النحو والطب أو غيرهما لا بد أن يعرف مراد أصحابها بتلك الأسماء ويعرف مرادهم بالكلام المؤلف وكذلك من قرأ كتب الفقه والكلام والفلسفة وغير ذلك.
معرفة الحدود الشرعية من الدين:
وهذه الحدود معرفتها من الدين في كل لفظ هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قد تكون معرفتها فرض عين وقد تكون فرض كفاية ولهذا ذم الله تعالى من لم يعرف هذه الحدود بقوله تعالى: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} والذي أنزله على رسوله فيه ما قد يكون الاسم غريبا بالنسبة إلى المستمع كلفظ ضيزى وقسورة وعسعس وأمثال ذلك.
وقد يكون مشهورا لكن لا يعلم حده بل يعلم معناه على سبيل الإجمال
(1/49)

كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج فان هذه وإن كان جمهور المخاطبين يعلمون معناها على سبيل الإجمال فلا يعلمون مسماها على سبيل التحديد الجامع المانع إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي التي يقال لها الأسماء الشرعية.
كما إذا قيل صلاة الجنازة وسجدة السهو وسجود الشكر والطواف هل تدخل في مسمى الصلاة في قوله صلى الله عليه وسلم: "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم " فقيل هل كل ذلك صلاة تجب فيها الطهارة وهل لا تجب الطهارة لمثل ذلك فهل تجب لما تحريمه التكبير وتحليله التسليم وهي كصلاة الجنازة وسجد السهو دون الطواف سجود التلاوة.
وكذلك اسم الخمر والربا والميسر ونحو ذلك يعلم أشياء من مسمياتها ومنها ما لا يعلم إلا ببيان آخر فانه قد يكون الشيء داخلا في اسم الربا والميسر والإنسان لا يعلم ذلك إلا بدليل يدل على ذلك شرعي أو غيره.
ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن حد الغيبة فقال: "ذكرك أخاك بما يكره فقال له: أرأيت أن كان في أخي ما أقول فقال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".
وكذلك قوله لما قال: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر "
(1/50)

فقال رجل: يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا أفمن الكبر ذلك؟ فقال: "لا الكبر بطر الحق وغمط الناس ".
وكذلك لما قيل له ما الإسلام وما الإيمان وما الإحسان ولما سئل عن أشياء أهي من الخمر وغير ذلك.
بالجملة فالحاجة إلى معرفة هذه الحدود ماسة لكل أمة وفي كل لغة فان معرفتها من ضرورة التخاطب الذي هو النطق الذي لا بد منه لبني آدم.
أقسام الحدود اللفظية:
وهذا الذي يقال له حد بحسب الاسم والمقول في جواب ما هو من هذا النوع وقد يكون اسما مرادفا وقد يكون مكافيا غير مرادف بحيث يدل على الذات مع صفة أخرى كما إذا قال: ما الصراط المستقيم؟ فقال: هو الإسلام واتباع القرآن أو طاعة الله ورسوله والعلم النافع والعمل الصالح وما الصارم فقيل هو المهند وما أشبه ذلك.
وقد يكون الجواب ب المثال كما إذا سئل عن لفظ الخبز ورأى
(1/51)

رغيفا فقال: هذا فان معرفة الشخص يعرف منه النوع.
وإذا سئل عن المقتصد والسابق والظالم فقال: المقتصد الذي يصلي الفريضة في وقتها ولا يزيد والظالم الذي يؤخرها عن الوقت والسابق الذي يصليها في أول الوقت ويزيد عليها النوافل الراتبة ونحو ذلك من التفسير الذي هو تمثيل يفيد تعريف المسمى ب المثال لإخطاره بالبال لا لأن السائل لم يكن يعرف المصلي في أول الوقت وفي أثنائه والمؤخر عن الوقت لكن لم يكن يعرف أن هذه الثلاثة أمثلة الظالم والمقتصد والسابق فإذا عرف ذلك قاس به ما يماثله من المقتصر على الواجب والزائد عليه والناقص عنه.
ثم إن معرفة حدود هذه الأسماء في الغالب تحصل بغير سؤال لمن يباشر المتخاطبين بتلك اللغة أو يقرأ كتبهم فان معرفة معاني اللغات تقع كذلك.
وهذه الحدود قد يظن بعض الناس أنها حدود لغوية يكفي في معرفتها العلم باللغة والكتب المصنفة في اللغة وكتب الترجمة وليس كذلك على الإطلاق.
بل الأسماء المذكورة في الكتاب والسنة ثلاثة أصناف:
- منها ما يعرف حده باللغة كالشمس والقمر والكوكب ونحو ذلك.
- ومنها مالا يعرف إلا بالشرع كأسماء الواجبات الشرعية والمحرمات الشرعية كالصلاة والحج والربا والميسر.
- ومنها ما يعرف ب العرف العادي وهو عرف الخطاب باللفظ كاسم النكاح والبيع والقبض وغير ذلك.
هذا في معرفة حدود ها التي هي مسمياتها على العموم
(1/52)

الاجتهاد والتأويل:
وأما معرفة دخول الأعيان الموجودة في هذه الأسماء والألفاظ فهذا قد يكون ظاهرا وقد يكون خفيا يحتاج إلى اجتهاد وهذا هو التأويل في لفظ الشارع الذي يتفاضل الفقهاء وغيرهم فيه فإنهم قد اشتركوا في حفظ الألفاظ الشرعية بما فيها من الأسماء أو حفظ كلام الفقهاء أو النحاة أو الأطباء وغيرهم ثم يتفاضلون بأن يسبق أحدهم إلى أن يعرف أن هذا المعنى الموجود هو المراد أو مراد هذا الاسم كما يسبق الفقيه الفاضل إلى حادثة فينزل عليها كلام الشارع أو كلام الفقهاء وكذلك الطبيب يسبق إلى مرض لشخص معين فينزل عليه كلام الأطباء إذ الكتب والكلام المنقول عن الأنبياء والعلماء إنما هو مطلق بذكر الأشياء لصفاتها وعلاماتها فلا بد يعرف أن هذا المعين هو ذاك.
وإذا كان خفيا فقد يسميه بعض الناس تحقيق المناط فان الشارع قد ناط الحكم بوصف كما ناط قبول الشهادة بكونه ذا عدل وكما ناط العشرة المأمور بها بكونها بالمعروف وكما ناط النفقة الواجبة بالمعروف وكما ناط الاستقبال في الصلاة بالتوجه شطر المسجد الحرام يبقي النظر في هذا المعين هل هو شطر المسجد الحرام وهل هذا الشخص ذو عدل وهل هذه النفقة نفقة بالمعروف وأمثال ذلك لابد فيه من نظر خاص لا يعلم ذلك بمجرد الاسم.
وقد يكون الاجتهاد في دخول بعض الأنواع في مسمى ذلك الاسم كدخول الأشربة المسكرة من غير العنب والنخل في مسمى الخمر ودخول الشطرنج والنرد ونحوهما في مسمى الميسر ودخول السبق بغير محلل في سباق الخيل ورمى النشاب في ذلك ودخول الرمل ونحوه في الصعيد
(1/53)

الذي في قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً} ودخول من خرج منه منى فاسد في قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} ودخول الساعد في قوله: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} ودخول البياض الذي بين العذار والأذن في قوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} ودخول الماء المتغير بالطهارات أو ما أوقعت به نحاسة ولم تغيره في قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} ودخول المائع الذي لم يغيره ما مات فيه من الطيبات أو الخبائث ودخول سارق الأموال الرطبة في قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} ودخول النباش في ذلك ودخول الحلفة بما يلزم لله في مسمى الإيمان ودخول بنات البنات والجدات في قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} .
ومثل هذا الاجتهاد متفق عليه بين المسلمين ممن يثبت القياس ومن ينفيه فان بعض الجهال يظن أن من نفى القياس يكفيه في معرفة مراد الشارع مجرد العلم ب اللغة وهذا غلط عظيم جدا.
ولهذا قال ابن عباس: "التفسير على أربعة أوجه:
- تفسير تعرفه العرب من كلامها.
- وتفسير لا يعذر أحد بجهالته.
- وتفسير يعلمه العلماء.
- وتفسير لا يعلمه إلا الله".
والتفسير الذي يعلمه العلماء فيتضمن الأنواع التي لا تعلم بمجرد اللغة كالأسماء الشرعية ويتضمن أعيان المسميات وأنواعها التي يفتقر دخولها في المسمى إلى اجتهاد العلماء.
فصل:
ثم إن هذا الاسم المسئول عنه الذي لا يعلم السائل معناه إذا أجيب عنه بما يقال
(1/54)

في جواب ما هو ينقسم حال السائل فيه إلى نوعين:
أحدهما: أن يكون قد تصور المعنى بغير ذلك اللفظ ولكن لم يعرف أنه يعنى بذلك اللفظ فهذا لا يفتقر إلا إلى ترجمة اللفظ كالمعاني المشهورة عند الناس من الأعيان والصفات والأفعال كالخبز والماء والأكل والشرب والبياض والسواد والطول والقصر والحركة والسكون ونحو ذلك.
مطلوب السائل الغير المتصور للمعنى الجاهل باسمه:
والثاني: أن يكون غير متصور المعنى كما أنه غير عالم بدلالة اللفظ عليه وهذا يحتاج إلى شيئين إلى ترجمة اللفظ وإلى تصور المعنى إلى حد الاسم والمسمى.
وهذا مثل من يسأل عن لفظ الثلج وهو لم يره قط أو يسأل عن اسم نوع من الفاكهة أو الحيوان الذي لم يره أو لم يكن في بلاده أو يسأل عن اسم المسجد والصلاة والحج وكان حديث عهد بالإسلام لم يتصور هذه المعاني أو يسأل عن اسم نوع من الأطعمة والأشربة التي لا يعرفها أو اسم نوع من أنواع الثياب والمساكن التي لا يعرفها.
وبالجملة فكل ما لا يعرفه الشخص من الأعيان والأفعال والصور إذا سمع اسمه أما في كلام الشارع أو كلام العلماء أو كلام بعض الناس فانه إذا كان ذلك المعنى هو لم يتصوره ولا له في لغته لفظ فهنا لا يمكن تعريفه إياه بمجرد ترجمة اللفظ بل الطريق في تعريفه إياه أما التعيين وأما الصفة.
وأما التعيين فانه بحضور الشيء المسمى ليراه أن كان مما يرى أو يذوقه أو يلمسه ونحو ذلك بحيث يعرف المسمى كما عرفه المتكلمون بذلك الاسم.
فإذا رأى الثلج وذاقه ورأى الفاكهة أو الطبيخ أو الحلوى وذاقه أو رأى
(1/55)

الحيوان الذي لم يألفه أو رأى العبادات أو الأعمال التي لم يكن يعرفها فحينئذ يتصورها ويتصور اسمها كما تصورها أهل اللغة وهم على قسمين منهم من علم ذلك بالمشاهدة ولم يذق حقيقته ومنهم من يكون قد ذاقه.
وأما الطريق الثاني وهو أن يوصف له ذلك والوصف قد يقوم مقام العيان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها".
ولهذا جاز عند جمهور العلماء بيع الأعيان الغائبة ب الصفة.
هذا مع أن الموصوف شخص وأما وصف الأنواع فأسهل.
ولهذا التعريف ب الوصف هو التعريف ب الحد فانه لا بد أن يذكر من الصفات ما يميز الموصوف والمحدود من غيره بحيث يجمع أفراده وأجزاءه ويمنع أن يدخل فيه ما ليس منه وهي في الحقيقة تعريف بالقياس والتمثيل إذ الشيء لا يتصوره إلا بنفسه أو بنظيرة.
وبيان ذلك أنه يذكر من الصفات المشتركة بينه وبين غيره ما يكون مميزا لنوعه فكل صفة من تلك الصفات إنما تدل على القدر المشترك بينه وبين غيره من النوع مثلا والقدر المشترك إنما يفيد المعرفة للعين ب المثال لا يفيد معرفة العين المختصة إذ الدال على ما به الاشتراك لا يدل على ما به الامتياز لكن يكون مجموع الصفات مميزا له تمييز تمثيل لا تمييز تعيين فان غير نوعه لا تجمع له تلك الصفات وهو نفسه لا يميز إلا بما يخصه
(1/56)

فالحد يفيد الدلالة عليه لا تعريف عينه بمنزلة من يقال له فلان في هذه الدار يدل عليه قبل أن يراه وهو قد يصور المشترك بينه وبين غيره بدون هذه الدلالة.
ومن تدبر هذا تبين له أن الحدود المصورة للمحدود لمن لا يعرفه إنما هي مؤلفة من الصفات المشتركة لا يدخل فيها وصف مختص به إذ المختص وإن كان لا بد منه في الحد المميز فهو لم يتصوره وأنها لا تفيد تعريف عينه فضلا عن تصوير ما يتنبه له وإنما يفيد تعريفه بطريق التمثيل المقارب إذ لو عرف المثل المطابق لعرف حقيقة.
ثم قد يكون المخصص صفة واحدة وقد يكون الاختصاص بمجموع الصفتين.
ولو عرف المستمع الوصف الذي يخصه كان قد تصوره بعينه فيكون هو من القسم الأول الذي يترجم له اللفظ فقط.
مثال ذلك أنه إذا سمع لفظ الخمر وهو لا يعرف اللفظ ولا مسماه فيقال له هو الشراب المسكر ولفظ الشراب جنس ل الخمر يدخل فيه الخمر وغيرها من الأشربة وهذا واضح وكذلك لفظ المسكر الذي يظن أنه فصل مختص ب الخمر وهو في الحقيقة جنس فيه يشترك الشراب وغيره فان لفظ المسكر ومعناه لا يختص ب الشراب بل قد يكون ب طعام وقد يحصل السكر بغير طعام وشراب فحينئذ فلا فرق بين أن يقول هو المسكر من الأشربة أو ما اجتمع فيه الشرب والسكر أو يقول الشراب المسكر إنما هو كما يقول ثوب خز وباب حديد ورجل طويل أو قصير فان الرجل أعم من الطويل والطويل اعم من الرجل ولكن باجتماع هذين يتميز.
وكذلك قولهم في حد الإنسان هو الحيوان الناطق فلما نقضوا عليهم ب الملك زاد المتآخرون المائت وهي زيادة فاسدة فان كونه مائتا ليس بوصف ذاتي له إذ يمكن تصور الإنسان مع عدم خطور موته بالبال بل ولا
(1/57)

هو صفة لازمة فضلا عن أن تكون ذاتية فان الإنسان في الآخرة هو إنسان كامل وهو حي أبدا.
وهب أن من الناس من يشك في ذلك أو يكذب به أليس هو مما يمكن تصوره في العقل فإذا قدر الإنسان على الحال الذي أخبرت به الرسل عليهم السلام أليس هو إنسانا كاملا وهو غير مائت.
ثم يقال أيضا والملك يموت عند كثير من المسلمين واليهود والنصارى أو أكثرهم وهب أنه لا يموت كما قالته طائفة من أهل الملل وغيرهم كما يقوله من يقوله ولكن ليس ذلك معلوما للمخاطب بالحد لا سيما والنفس الناطقة من جنس ما يسمونه الملائكة وهي العقول والنفوس الفلكية عندهم فظهر ضعف ما يذكره الفارابي وأبو حامد وغيرهما من هذا الاحتراز.
ولكن يقال اسم الحيوان عندهم مختص ب النامي المغتذي وهذا يخرج الملك فالحيوان يخرج الملك وحينئذ فالناطق اعم من الإنسان إذ قد يكون إنسانا وغير إنسان كما أن الحيوان أعم منه.
وهب أنا نقبل فصلهم ب المائت فنقول المائت أيضا ليس مختصا بالإنسان بل هو من الصفات التي يشترك فيها الحيوان.
فقد تبين أن كل صفة من هذه الصفات الحيوان والناطق والمائت ليس منها واحد مختص بنوع الإنسان فبطل قولهم أن الفصل لا يكون إلا بالصفات المختصة بالنوع فضلا عن كونها ذاتية وإنما يحصل التمييز بذكر المجموع أما الوصفين وأما الثلاثة.
هذا إذا جعل الفصل مصورا للمحدود في نفس من لم يتصوره وأما إذا جعل الفصل مميزا له عن غيره فلا ريب أنه يكون بالصفات المختصة
(1/58)

والمقصود أنه من تصور المحدود بنفسه فلا بد أن يتصور ما يختصه ويميزه عن غيره وهذا لا يحتاج في تصوره إلى حد ولكن يترجم له الاسم الدال عليه ويميز له المسمى عن غيره لكن الحد يكون منبها له على الحقيقة كما ينبهه الاسم إذا كان عارفا بمسماه.
وأما من لم يكن متصورا له فلا يمكن أن يذكر له صفة واحدة تختص بالمحدود فلا يمكن تعريفه إياه لا ب فصل ولا خاصة سواء ذكر الجنس والعرض العام أو لم يذكر لأن الصفة التي تختص المحدود لا تتصور بدون تصور المحدود إذ لا وجود لها بدونه والعقل إنما يجرد الكليات إذا تصور بعض جزئياتها فمن لم يتصور الشيء الموجود كيف يتصور جنسه ونوعه.
ولكن يتصور ب التثميل والتشبيه ويتصور القدر المشترك بين تلك الصفة الخاصة وبين نظيرها من الصفات والقدر المشترك ليس هو فصلا ولا خاصة ولكن قد ينتظم من قدر مشترك وقدر مشترك ما يخص المحدود كما في قولك شراب مسكر.
وعلى هذا فإذا قيل في الفرس أنه حيوان صاهل وفي الحمار أنه حيوان ناهق وفي البعير أنه حيوان راغ وفي الثور أنه حيوان خائر وفي الشاة أنها حيوان ثاغ وفي الظبي أنه حيوان باغم وأمثال ذلك فهذه الأصوات مختصة بهذه الأنواع لكن لا تفيد تعريف هذه الحيوانات لمن لم يكن عارفا بها فمن لم يعرف الفرس لا يعرف الصهيل ومن لم يعرف الحمار لا يعرف النهيق أعنى لا يعرف معناه وإن سمع اللفظ فإذا أريد تعريف النهيق قيل له هو صوت الحمار فيلزم الدور إذ يكون قد عرف الحمار ب النهيق والنهيق ب الحمار.
وهكذا سائر الخواص المميزة للمحدود لا يعرف بها المحدود لمن لم يكن عرفه.
فتبين أن تعريف الشيء إنما هو بتعريف عينه أو بذكر ما يشبهه فمن عرف عين
(1/59)

الشيء لا يقتصر في معرفته إلى حد ومن لم يعرفه فإنما يعرف به إذا عرف ما يشبهه ولو من بعض الوجوه فيؤلف له من الصفات المشتبهة المشتركة بينه وبين غيره ما يخص المعرف.
ومن تدبر هذا وجد حقيقته وعلم معرفة الخلق بما أخبروا به من الغيب من الملائكة واليوم الآخر وما في الجنة والنار من أنواع النعيم والعذاب بل عرف أيضا ما يدخل من ذلك في معرفتهم بالله تعالى وصفاته ولم قال كثير من السلف المتشابه هو الوعد والوعيد والمحكم: هو الأمر والنهى ولم قيل القرآن يعمل بمحكمه ويؤمن بمتشابهه وعلم أن تأويل المتشابه الذي هو العلم بكيفية ما أخبرنا به لا يعلمه إلا الله وإن كان العلم بتأويله الذي هو تفسيره ومعناه المراد به يعلمه الراسخون في العلم كما قد بسطناه في غير هذا الموضع.
هذا كله إذا كان السائل القائل ما هو غير عالم بالمسمى.
وأما إن كان عالما بالمسمى ودلالة الاسم عليه فلا يحتاج إلى التمييز بين المسمى وغيره ولا إلى تعريفه دلالة الاسم عليه فيكون مطلوبه قدرا زائدا على التمييز بينه وبين غيره وهذا هو الذي يجعلونه مطلوبا للسائل عن المحدود وجوابه هو عندهم المقول في جواب ما هو.
ومعلوم أن مطلوب هذا قد يكون ذكر خصائص له باطنة لم يطلع عليها وقد يكون مطلوبه بيان علته الفاعلية أو الغائية وقد يكون مطلوبه معرفة ما تركب منه شيء ما وقد يكون مطلوبه معرفة حقيقته التي لا يعلمها المسئول أو علمها ولا عبارة تدل السائل عليها كالسائل عن حقيقة النفس وأمثال ذلك
(1/60)

وجواب مثل هذا لا يجب أن يحصل بذكر صفة مشتركة مع الصفات المختصة بل قد لا يحصل إلا بذكر جميع المشتركات وقد يحصل بذكر بعض المختصات وقد يحصل بغير ذلك بحسب غرض السائل ومقصوده.
الوجه الخامس: التصورات المفردة يمتنع أن تكون مطلوبة
الخامس: أن التصورات المفردة يمتنع أن تكون مطلوبة فيمتنع أن تطلب بالحد وذلك لأن الذهن أما أن يكون شاعرا بها وأما أن لا يكون شاعرا بها فان كان شاعرا بها امتنع طلب الشعور وحصوله لأن تحصيل الحاصل ممتنع وإنما قد يطلب دوام الشعور وتكرره أو قوته وإن لم يكن شاعرا بها امتنع من النفس طلب ما لا تشعر به فان الطلب والقصد مسبوق بالشعور.
فان قيل فالإنسان يطلب تصور الملك والجن والروح وأشياء كثيرة وهو لا يشعر بها قيل هو قد سمع هذه الأسماء فهو يطلب تصور مسماها كما يطلب من سمع ألفاظا لا يفهم معانيها تصور معانيها سواء كانت المعاني متصورة له قبل ذلك أو لم تكن وهو إذا تصور مسمى هذه الأسماء فلا بد أن يعلم أنها مسماة بهذا الاسم إذ لو تصور حقيقة ولم يكن ذلك الاسم فيها لم يكن تصور مطلوبه فهنا المتصور ذات وأنها مسماة بكذا من جنس ما يرى الثلج من لم يكن يعرفه فيراه ويعلم أن اسمه الثلج وهذا ليس تصورا للمعنى فقط بل للمعنى ولا سمه وهذا لا ريب أن يكون مطلوبا ولكن هذا لا يوجب أن يكون المعنى المفرد مطلوبا فان المطلوب هنا تصديق وفيه أمر لغوي.
وأيضا فان المطلوب هنا لا يحصل بمجرد الحد بل لا بد من تعريف المحدود بالإشارة إليه أو غير ذلك مما لا يكتفى فيه بمجرد اللفظ
(1/61)

فان قيل جعلتم امتناع الطلب لازما للنقيضين والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان وإذا عدم اللازم عدم الملزوم فإذا كان امتناع الطلب وهو اللازم معدوما لزم عدم النقيضين وعدم النقيضين محال قيل هذا الامتناع لازم على تقدير هذا النقيض أو تقدير هذا النقيض فأيهما كان ثابتا في نفس الأمر كان الامتناع لازما له يلزم به في نفس الأمر وليس في هذا جمع بين النقيضين ولا رفع للنقيضين وهذا يقوى المقصود فان هذا الامتناع إذا لزم من انتفائه المحال لم يكن منتفيا بل يكون هذا الامتناع ثابتا وهو المطلوب وإذا كان عدم هذا الامتناع مستلزما للنقيضين كان محالا فيكون نقيضه وهو ثبوت هذا الامتناع حقا فيكون امتناع الطلب للتصورات المفردة ثابتا وهو المراد.
وإذا لم تكن التصورات المفردة مطلوبة فاما أن تكون حاصلة للإنسان فلا تحصل بالحد فلا يفيد الحد التصوير وأما أن تكون حاصلة فمجرد حصول الحد لا يوجب ذكر الأسماء تصور المسميات لمن لا يعرفها ومتى كان له شعور بها لم يحتج إلى الحد في ذلك الشعور إلا من جنس ما يحتاج إلى الاسم.
والمقصود هو التسوية بين فائدة الحدود وفائدة الاسم لكن الحد إذا تعددت فيه الألفاظ كان كتعداد الأسماء سواء كانت مشتقة أو غير مشتقة.
الوجه السادس: التفريق بين الذاتي والعرضي باطل:
السادس: أن يقال المفيد لتصور الحقيقة عندهم هو الحد التام وهو الحقيقي وهو المؤلف من الجنس والفصل من الذاتيات المشتركة والمميزة دون العرضيات التي هي العرض العام والخاصة والمثال المشهور
(1/62)

عندهم أن الذاتي المميز الإنسان الذي هو الفصل هو الناطق والخاصة هي الضاحك.
فنقول مبنى هذا الكلام على الفرق بين الذاتي والعرضي.
وهم يقولون المحمول الذاتي داخل في حقيقة الموضوع أي الوصف الذاتي داخل في حقيقة الموصوف بخلاف المحمول العرضي فانه خارج عن حقيقة.
ويقولون الذاتي هو الذي تتوقف الحقيقة عليه بخلاف العرضي ويقسمون العرضي إلى لازم وعارض واللازم إلى لازم لوجود الماهية دون حقيقتها كالظل للفرس والموت للحيوان والى لازم للماهية كالزوجية والفردية للأربعة والثلاثة.
والفرق بين لازم الماهية ولازم وجودها أن لازم وجودها يمكن أن تعقل الماهية موجودة دونه بخلاف لازم الماهية لا يمكن أن يعقل موجودا دونه.
وجعلوا له خاصة ثانيه وهو أن الذاتي ما كان معلولا للماهية بخلاف للازم ثم قالوا من اللوازم ما يكون معلولا للماهية بغير وسط وقد يقولون ما كان ثابتا لها بواسطة وقالوا أيضا الذاتي ما يكون سابقا للماهية في الذهن والخارج بخلاف اللازم فانه ما يكون تابعا.
فذكروا هذه الفروق الثلاثة وطعن محققوهم في كل واحد من هذه الفروق الثلاثة وبينوا أنه لا يحصل به الفرق بين الذاتي وغيره كما قد بسطت كلامهم في غير هذا الموضع.
وقد يقولون أيضا هو المقوم للماهية الذي يكون متقدما عليها في الوجود وهذه الماهية وهو أن يسبق الذاتي للماهية فانه لا يتأخر عن الماهية في التصور.
(1/63)

والفرق الثالث أنه لازم لها بواسطة والعرض اللازم لازم لها بوسط والوسط عند أئمتهم كابن سينا وغيره وهو ما يسمونه باللازم في ذلك ولأنه معناه الدليل لبعض متأخريهم كالرازي.
ثم قد تناقضوا في هذا المقام كما قد بسطته في غير هذا المقام لما حكيت ألفاظهم وتناقضهم كما ذكرته من أقوال ابن سينا في الإشارات وغير ذلك من أقوالهم إذ لم نحك هنا نفس ألفاظهم وإنما القصد التنبيه على جوامع تعرف ما يظهر به بطلان كثير من أقوالهم المنطقية.
وهذا الكلام الذي ذكروه مبني على اصلين فاسدين الفرق بين الماهية ووجودها ثم الفرق بين الذاتي لها واللازم لها.
الكلام على الفرق بين الماهية ووجودها:
فالأصل الأول قولهم أن الماهية لها حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها وهذا هو قولهم بان حقائق الأنواع المطلقة التي هي ماهيات الأنواع والأجناس وسائر الكليات موجودة في الأعيان وهو يشبه من بعض الوجوه قول من يقول المعدوم شيء وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع وهذا من افسد ما يكون.
وإنما اصل ضلالهم أنهم رأوا الشيء قبل وجوده يعلم ويراد ويميز بين المقدور عليه والمعجوز عنه ونحو ذلك فقالوا ولو لم يكن ثابتا لما كان كذلك كما أنا نتكلم في حقائق الأشياء التي هي ماهياتها مع قطع النظر عن وجودها في الخارج فنتخيل الغلط أن هذه الحقائق والماهيات أمور ثابتة في الخارج.
والتحقيق أن ذلك كله أمر موجود وثابت في الذهن لا في الخارج عن الذهن والمقدر في الأذهان قد يكون أوسع من الموجود في الأعيان وهو موجود وثابت في الذهن وليس هو في نفس الأمر لا موجودا ولا ثابتا فالتفريق بين الوجود
(1/64)

والثبوت مع دعوى أن كليهما في الخارج غلط عظيم وكذلك التفريق بين الوجود والماهية مع دعوى أن كليهما في الخارج.
وإنما نشأت الشبهة من جهة أنه غلب على أن ما يوجد في الذهن يسمى ماهية وما يوجد في الخارج يسمى وجودا لأن الماهية مأخوذة من قولهم ما هو كسائر الأسماء المأخوذة من الجمل الاستفهامية كما يقولون الكيفية والاينية ويقال ماهية ومايية وهي أسماء مولدة وهي المقول في جواب ما هو بما يصور الشيء في نفس السائل.
فلما كانت الماهية منسوبة إلى الاستفهام ب ما هو والمستفهم إنما يطلب تصوير الشيء في نفسه كان الجواب عنها هو المقول في جواب ما هو بما يصور الشيء في نفس السائل وهو الثبوت الذهني سواء كان ذلك المقول موجودا في الخارج أو لم يكن فصار بحكم الاصطلاح أكثر ما يطلق الماهية على ما في الذهن ويطلق الوجود على ما في الخارج فهذا أمر لفظي اصطلاحي.
وإذا قيد وقيل الوجود الذهبي كان هو الماهية التي في الذهن وإذا قيل ماهية الشيء في الخارج كان هو عين وجوده الذي في الخارج.
فوجود الشيء في الخارج عين ماهيته في الخارج كما اتفق على ذلك أئمة النظار المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة وسائر أهل الإثبات من المتكلمة الصفاتية وغيرهم كأبي محمد بن كلاب وأبى الحسن الأشعري وأبى عبد الله بن كرام وأتباعهم دع أئمة أهل السنة والجماعة من السلف والأئمة الكبار.
واتفقوا على أن المعدوم ليس له في الخارج ذات قبل وجوده وأما في الذهن فنفس ماهيته التي في الذهن هي أيضا وجوده الذي في الذهن وإذا أريد ب الماهية ما في الذهن وبالوجود ما في الخارج كانت هذه الماهية غير
(1/65)

الوجود لكن ذلك لا يقتضى أن يكون وجود الماهيات التي في الخارج زائدا عليها في الخارج وأن يكون للماهيات ثبوت في الخارج غير وجودها في الخارج.
ومما يوضح الكلام في الأصل الأول أن المتفلسفة أتباع أرسطو كابن سينا ودونه لا يقولون أن كل معدوم من الأشخاص وغيرها هو ثابت في الخارج.
وإنما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة والشيعة وهم أحسن حالا من المتفلسفة فان المتفلسفة على قولين.
وأما قد ماؤهم كفيثاغورس وأتباعه وأفلاطون وأتباعه فقد كانوا في ذلك على ضلال مبين رد عليهم أرسطو وأتباعه كما ذكر ذلك ابن سينا في الشفاء وغيره.
كان أصحاب فيثاغورس يظنون أن الأعداد والمقادير أمور موجودة في الخارج غير المعدودات والمقدرات.
ثم أصحاب أفلاطون تفطنوا لفساد هذا وظنوا أن الحقائق النوعية كحقيقة الإنسان والفرس وأمثال ذلك ثابتة في الخارج غير الأعيان الموجودة في الخارج وأنها أزلية لا تقبل الاستحالة وهذه التي تسمى المثل الأفلاطونية والمثل المعلقة.
ولم يقتصروا على ذلك بل أثبتوا ذلك أيضا في المادة والمدة والمكان فأثبتوا مادة مجردة عن الصور ثابتة في الخارج وهي الهيولى الأولية التي غلطهم فيها جمهور العقلاء من إخوانهم وغير إخوانهم وأثبتوا مدة وجودية خارجة عن الأجسام وصفاتها وأثبتوا خلاء وجوديا خارجا من الأجسام وصفاتها وتفطن أرسطو وذووه أن هذه كلها أمور مقدرة في الأذهان لا ثابتة في الأعيان كالعدد مع المعدود ثم زعم أرسطو وذووه أن المادة موجودة في الخارج غير الصور المشهودة وأن الحقائق النوعية ثابتة في الخارج غير الأشخاص
(1/66)

المعينة وهذا أيضا باطل كما بسط في غير هذا الموضع وبين أن قول من يقول أن الجسم مركب من الهيولى والصورة باطل كما أن قول من يقول أنه مركب من الجواهر المفردة باطل وأن أكثر فرق أهل الكلام من المسلمين وغيرهم كالكلابية والنجارية والضرارية والهشامية وكثير من الكرامية لا يقولون بهذا ولا بهذا كما عليه جماهير أهل الفقه وغيرهم.
والكلام على من فرق بين الوجود والماهية مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود هنا التنبيه على أن ما ذكروه في المنطق من الفرق بين الماهية ووجود الماهية في الخارج هو مبنى على هذا الأصل الفاسد.
وحقيقة الفرق الصحيح أن الماهية هي ما يرتسم في النفس من الشيء والوجود هو نفس ما يكون في الخارج منه وهذا فرق صحيح فان الفرق بين ما في النفس وما في الخارج ثابت معلوم لا ريب فيه وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة في العلم ولا في الوجود فهذا باطل.
ومعلوم أن لفظ الماهية يراد به ما في النفس والموجود في الخارج ولفظ الوجود يراد به بيان ما في النفس والموجود في الخارج فمتى أريد بهما ما في النفس ف الماهية هي الوجود وإن أريد بهما ما في الخارج ف الماهية هي الوجود أيضا وأما إذا بأحدهما ما في النفس وبالآخر ما في الوجود الخارج ف الماهية غير الوجود.
وكلامهم إنما يستلزم ثبوت ماهية في الذهن لا في الوجود الخارجي وهذا لا نزاع فيه ولا فائدة فيه إذ هذا خبر عن مجرد وضع واختراع إذ يقدر كل إنسان أن يخترع ماهية في نفسه غير ما اخترعه الآخر وإذا ادعى هذا أن الماهية هي الحيوان الناطق أمكن الآخر أن يقول بل هي الحيوان الضاحك وإذا قال هذا أن الحيوانية ذاتية ل الإنسان بخلاف العددية ل الزوج والفرد
(1/67)

أمكن الآخر أن يعارضه ويقول بل العدد ذاتي ل الزوج والفرد واللون ذاتي ل السواد بخلاف الحيوان فليس ذاتيا ل الإنسان إذ مضمون هذا كله أن يأتي شخص إلى صفات متماثلة في الخارج فيدعى أن الماهية التي يخترعها في نفسه هي هذه الصفة دون هذه فأنه أن جعل هذا مطابقا للأمر في نفسه وهو قولهم كان مبطلا وإن قال هذا اصطلاح اصطلحته قوبل باصطلاح آخر وكان هذا مما لا فائدة فيه.
فان قيل فهم يردون بذلك ما ذكره ابن سينا وغيره من أن كون العدد زوجا وفردا ليس وصفا بينا لكل عدد بل تارة يعلم ثبوته ل العدد بلا وسط كما يعلم أن الاثنين نصف الأربعة وتارة لا يعلم ثبوته إلا بوسط به يعلم أن هذا نصف هذا كما يعلم أن ألفا وثلاثمائة واثنين وسبعين لها نصف بخلاف الحيوانية ل الحيوان فإنها بينة بلا وسط إذ كل حيوان أنه حيوان.
قيل هذا باطل من وجهين:
أحدهما: أن هذا أمر يرجع إلى علم الإنسان بأن هذه الصفة ثابتة للموصوف بلا وسط وإلى أن علمه بأن هذه الصفة ثابتة لا بد له من وسط وليس هذا فرقا يعود إلى الموجودات في نفسها فان كون هذا العدد زوجا أو فردا هو مثل كون هذا العدد زوجا أو فردا سواء علم الإنسان بذلك أو لم يعلم وإذا كان علمه بأحدهما يحتاج إلى دليل دون الآخر لم يوجب ذلك الفرق بينهما في نفس الأمر ولكن هذا مما يبين حقيقة قولهم الذي بيناه في غير هذا الموضع وهو أن الماهية عندهم عبارة عما دل عليه اللفظ ب المطابقة وجزؤها الداخل فيها ما دل عليه اللفظ ب التضمن واللازم الخارج عنها ما دل عليه ب الالتزام فترجع الماهية وجزؤها الداخل واللازم الخارج إلى مدلول المطابقة والتضمن والالتزام وهذا أمر يتبع قصد المتكلم وغايته وما دل عليه بلفظه لا يتبع الحقائق الموجودة في نفسها فان تصور المتكلم قد يكون مطابقا وقد يكون
(1/68)

غير مطابق.
وهم هنا فرقوا بين الصفات المتماثلة فجعلوا بعضها ذاتيا داخلا في الحقيقة وبعضها عرضيا خارجا لازما للحقيقة.
الوجه الثاني: أن يقال علم الناس بلزوم الصفات للموصوف وعدم لزومها أمر يتفاوت فيه الناس فقد يشك بعض الناس في بعض الأشياء أنه حيوان أو أنه لون حتى يعلم ذلك كما يشك في بعض الأعداد أنه زوج حتى يعلم ذلك بالوسط فلا فرق حينئذ بين ما جعلوه ذاتيا وما جعلوه عرضيا لازما للحقيقة وهو المطلوب.
وأما اللازم للماهية والعرض لوجودها فملخصه أنه يمكن أن يفرض في الذهن ماهية خالية عن هذا اللازم بخلاف الآخر كما يفرض في الذهن فرس لا ظل لها وفرس غير مخلوقة بل كما يفرض في الذهن زنجي غير أسود وغراب غير أسود وأمثال ذلك.
فيقال إذا قدر أن هذا الذي في الذهن هو الحقيقة فان عني به هو حقيقة ما في الذهن فهذا حق وهذا وجود ما في الذهن فلا فرق بين الماهية ووجودها وإن عني به أن هذا هو الماهية التي في الخارج كان بمنزلة أن يقال هذا هو الموجود الذي في الخارج فانه أن جعلت الماهية التي في الخارج مجردة عن هذه الصفات اللازمة أمكن أن يجعل الوجود الذي في الخارج مجردا عن هذه الصفات اللازمة وإن جعل هذا هو نفس الماهية بلوازمها كان هذا بمنزلة أن يقال هذا الوجود بلوازمه.
وعلى التقديرين فلا فرق بين الوجود والماهية إلا فرق بين ما في الذهن وما في الخارج وتقدير ماهية في الخارج بدون هذا اللازم كتقدير وجود في الخارج بدون هذا اللازم وهما باطلان.
(1/69)

الكلام على التفريق بين الذاتي واللازم:
الأصل الثاني: وهو المقصود أن ما ذكروه من الفرق بين العرضي اللازم للماهية والذاتي لا حقيقة له فان الزوجية والفردية للعدد الزوج والفرد مثل الناطقية والصاهلية للحيوان الإنسان والفرس وكلاهما إذا خطر بالبال منه الموصوف والصفة لم يمكن تقدير الموصوف دون الصفة.
وإذا قيل أنه يمكن أن يخطر بالبال الأربعة والثلاثة فيفهم بدون أن يخطر بالبال كون ذلك عددا شفعا أو وترا قيل يمكن أن يخطر بالبال الإنسان مع أنه لم يخطر بالبال أنه ناطق ولا أنه حيوان وإذا قيل أن هذا لا يكون تصورا تاما ل الإنسان قيل أن هذا لا يكون تصورا تاما ل الأربعة أو الثلاثة.
وكذلك العرض الذي هو سواد إذا خطر بالبال أنه سواد ولم يخطر أنه لون أو لم يخطر بالبال أنه عرض أو صفة لغيره أو قائم بغيره ونحو ذلك فأنه لا يمكن أن يقدر في الذهن سواد أو بياض ويقدر أنه ليس ب قائم بغيره بل إذا خطر بالبال معا فلا بد أن يعلم أنه قائم بغيره كما إذا خطر بالبال الجسم الحساس النامي المتحرك بالإرادة مع الإنسان فلا بد أن يعلم أنه موصوف بذلك بل لزوم ذلك ل اللون في الذهن آكد.
فجعل هذه الصفات اللازمة في الذهن لهذه الموصوفات ليست ذاتية لها وهذه ذاتية ل الإنسان تحكم محض ولعلة إلى العكس أقرب أن صح التفريق بينهما.
لهذا يتناقضون في التمثيل فهم يقولون الحيوانية ذاتية ل الحيوان كالإنسان والفرس وغيرهما ف الحيوان هو الذاتي المشترك والناطق هو
(1/70)

الذاتي المميز ويقولون العددية ليست ذاتية مشتركة ل الزوج والفرد ولا الزوجية والفردية ذاتية مميزة ل الزوج والفرد وأما اللونية فتارة يجعلونها ك الحيوانية فيجعلونها ذاتية وتارة يجعلونها ك العددية فيجعلونها غير ذاتية وسبب ذلك دعواهم أن كون العدد المعين زوجا أو فردا قد يخفى فلا يعلم إلا بوسط هو الدليل بخلاف كون الإنسان والفرس والجمل والحمار والقرد ونحو ذلك حيوانا فإنه بين لكل أحد.
ومعلوم أن جميع الصفات اللازمة منها ما هو خاص بالموصوف يصلح أن يكون فصلا ومنها ما هو مشترك بينه وبين غيره وكل منهما في الخارج واحد فكما أن السواد هو اللون وهو العرض القائم بغيره والثلاثة هي العدد وهي الفرد ف الإنسان هو الحيوان وهو الناطق والفرس هو الحيوان وهو الصاهل وهكذا سائر المحدودات.
وما ذكروه من أن ما جعلوه هو الذاتي يتقدم تصوره في الذهن لتصور الموصوف دون الآخر فباطل من وجهين:
أحدهما: أن هذا خبر عن وضعهم إذ هم يقدمون هذا في أذهانهم ويؤخرون هذا وهذا تحكم محض فكل من قدم هذا دون هذا فإنما قلدهم في ذلك ومعلوم أن الحقائق الخارجية المستغنية عنا لا تكون تابعة لتصوراتنا بل تصوراتنا تابعة لها فليس إذا فرضنا هذا مقدما وهذا مؤخرا يكون هذا في الخارج كذلك وسائر بني آدم الذين لم يقلدوهم في هذا الوضع لا يستحضرون هذا التقديم والتأخير ولو كان هذا فطريا لكانت الفطرة تدركه بدون التقليد المغير لها كما تدرك سائر الأمور الفطرية والذي في الفطرة أن هذه اللوازم كلها لوازم للموصوف وقد تخطر بالبال وقد لا تخطر وكلما خطرت كان الإنسان أعلم بالموصوف وإذا لم تخطر كان علمه بصفاته أقل أما أأن يكون هذا خارجا عن الذات وهذا داخلا في الذات فهذا
(1/71)

تحكم ليس له شاهد لا في الخارج ولا في الفطرة.
لاسيما وهم يقولون الذاتي يتقدم على الماهية في الذهن وفي الخارج ويسمونه الجزء المقوم لها ويقولون أجزاء الماهية متقدمة عليها في الذهن وفي الخارج لأن الماهية مركبة منها وكل مركب فانه مسبوق بمفرداته.
ومعلوم أن صفات الموصوف قائمة به يمتنع أن تكون مقدمة عليه في الخارج وأما تسمية الصفة جزء فسبب ذلك أنها أجزاء في التصور الذهني وفي اللفظ فانك إذا قلت جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق كان هذا المجموع لفظه ومعناه مركبا من هذه الألفاظ ومعانيها وتلك من أجزاء هذا المركب ولكن هذا تحقيق ما قلناه من أن ما سموه الماهية وجزئها الداخل فيها ولازمها الخارج منها يعود إلى المعاني المتصورة في الذهن التي يدل عليها اللفظ ب المطابقة وجزؤها هو ما دل عليه ب التضمن وخارجها اللازم ما دل عليه ب الالتزام.
وهم تارة يقولون الذاتي يسبق الماهية وتارة يقولون لا يتأخر عنها ويجعلون كلا من هذين فرقا وهما متداخلان فان ما يتقدم عنها يمتنع أن يتأخر عنها.
الوجه الثاني: أن كون الوصف ذاتيا للموصوف هو أمر تابع للحقيقة التي هو بها سواء تصورته أذهاننا أو لم تتصوره فلا بد إذا كان احد الوصفين ذاتيا دون الآخر أن يكون بينهما أمرا يعود إلى حقيقتهما الخارجة الثابتة بدون الذهن وأما أن يكون الفرق بين الحقائق الخارجة لا حقيقة له إلا بمجرد التقدم والتأخر في الذهن فهذا لا يكون حقا إلا أن تكون الحقيقة والماهية هي ما تقدر في الذهن لا ما يوجد في الخارج وذلك أمر يتبع تقدير صاحب الذهن وحينئذ فيعود حاصل هذا الكلام إلى أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج وهي التخيلات والوهميات الباطلة وهذا كثير في أصولهم كما بيناه في غير موضع في بيان ما ذكروه في الهيولي والعقول والماهيات وغير ذلك
(1/72)

وهنا وجه ثالث يظهر به فساد ما ذكروه وهو أنهم قالوا الذاتيات هي أجزاء الماهية وهي متقدمة عليها في الذهن وفي الخارج والأجزاء هي هذه الصفات فجعلوا صفة الموصوف متقدمة عليه في الخارج وهذا مما يعلم بصريح العقل بطلانه.
وسبب غلطهم أن ذلك الوصف إذا تكلم به كان جزءا من الكلام متقدما على سائر الجملة في التصور والتعبير وهو في الذهن واللسان جزء من الجملة التي هي في الحقيقة وما به الماهية عندهم فلما كان ما يشتبه عليهم ما في الأذهان وما في الأعيان فظنوا أن صفات الأعيان المقومة لماهياتها الثابتة في الخارج هي متقدمة عليها في الخارج وكان هذا من أظهر الغلط لمن تصور ما قالوا وقد يثبتون ماهيته متقدم عليها.
الوجه السابع: اشتراط الصفات الذاتية المشتركة أمر وضعي محض:
الوجه السابع: أن يقال قولهم أن الحد التام يفيد تصوير الحقيقة واشتراطهم أن يكون مؤلفا من الذاتي المميز والذاتي المشترك وهو الجنس.
يقال لهم هل تشترطون فيه أن تتصور جميع صفاته الذاتية المشتركة بينه وبين غيره أم لا فان اشترطتم ذلك لزم أن تقولوا مثلا جسم نام حساس متحرك بالإرادة فأما لفظ الحيوان فلا يدل على هذه الصفات ب المطابقة ولا ب فصلها وإن لم تشترطوا ذلك فاكتفوا بمجرد المميز ك الناطق مثلا فان الناطق يدل على الحيوان كما يدل الحيوان على النامي إذ النامي جنس قريب ل الحيوان يشترك فيه الحيوان والنبات فإذا أردت حد الحيوان على وضعهم قلت: الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة كما تقول في الإنسان حيوان ناطق
(1/73)

والمقصود أنهم أن اكتفوا في الدلالة على الصفات المشتركة بما يدل ب التضمين أو بالالتزام فالفصل يدل على ذلك وإن أرادوا تفصيلها بدلالة المطابقة فلم يفعلوا ذلك.
وهذا يبين أن إيجابهم في الحد التام الجنس القريب دون غيره تحكم محض ونظير هذا دعواهم أن البرهان لا بد أن يكون مؤلفا من مقدمتين لا أقل ولا أكثر فان اكتفى فبه ب مقدمة واحدة قالوا الآخرى محذوفة وسموه قياس الضمير وإن احتج فيه إلى مقدمات قالوا هذه قياسات متداخلة.
فاصطاحوا على أنه لابد في الحد من لفظين جنس وفصل ولابد في القياس من مقدمتين وكل هذا تحكم.
فان البرهان قد يكتفى فيه ب مقدمة وقد لا يتم إلا ب مقدمتين وقد لا يتم إلا بثلاث مقدمات وأربع وخمس بحسب حاجة المستدل وما يعلم مما لا يعلم من المقدمات.
وكذلك اكتفاؤهم في الحد بلفظين لفظ يدل على المشترك ولفظ يدل على المميز وزعمهم أن الحد التام لا يحصل إلا بهذا لا يحتاج إلى زيادة عليه ولا يحصل بدونه فانه يقال أن أريد ب الحد التام ما يصور الصفات الذاتيات على التفصيل مشتركها ومميزيها فالجنس القريب مع الفصل لا يحصل ذلك وإن أريد بما يدل على الذاتيات ولو ب التضمن أو الالتزام ف الفصل بل الخاصة يدل على ذلك.
وإذا عارضهم من يوجب ذكر جميع الأجناس أو يحذف جميع الأجناس لم يكن لهم عنه جواب إلا أن هذا وضعهم واصطلاحهم ومعلوم أن العلوم الحقيقية لا تختلف باختلاف الأوضاع فقد تبين أن ما ذكروه هو من باب الوضع
(1/74)

والاصطلاح الذي جعلوه من باب الحقائق الذاتية والمعارف وهذا عين الضلال والإضلال كمن يجيء إلى شخصين متماثلين يجعل هذا مؤمنا وهذا كافرا وهذا عالما وهذا جاهلا وهذا سعيدا وهذا شقيا من غير افتراق بين ذاتيهما وصفاتهما بل بمجرد وضعه واصطلاحه فهم مع دعواهم القياس العقلي يفرقون بين المتماثلات ويسوون بين المختلفات.
ولهذا كان الذي عليه عامة الناس من نظار المسلمين وغيرهم الاقتصار في الحدود على الوصف المميز الفاصل بن المحدود وغيره إذ التمييز يحصل بهذا وذلك هو الوصف المطابق للمحدود في العموم والخصوص إلى أخرها بحيث يدخل فيه جميع أفراد المحدود وأجزائه ويخرج منه ما ليس منه فهذا هو الحد الذي عليه نظار المسلمين كما بسطنا قولهم في غير هذا الموضع.
وأما سائر الصفات المشتركة فقد لا يمكن الإحاطة بها ولا ريب أنه كلما كان الإنسان بها أعلم كان بالموصوف اعلم وأنه ما من تصور إلا وفوقه تصور أكمل منه ونحن لا سبيل إلى أن نعلم شيئا من كل وجه.
ولا نعلم لوازم كل مربوب ولوازم لوازمه إلى آخرها فانه ما من مخلوق إلا وهو مستلزم للخالق والخالق مستلزم لصفاته التي منها علمه وعلمه محيط بكل شيء فلو علمنا لوازم لوازم الشيء إلى آخرها لزم أن نعلم كل شيء وهذا ممتنع من البشر فان الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم الأشياء كما هي عليه من غير احتمال زيادة وأما نحن فما من شيء نعلمه إلا ويخفى علينا من أموره ولوازمه ما لا نعلمه.
يوضح ذلك أنهم يقولون ما ذكره أبو حامد في معيار العلم: "إن دلالة التضمن كدلالة لفظ البيت على الحائط ودلالة لفظ الإنسان على الحيوان وكذلك دلالة كل وصف اخص على
(1/75)

الوصف الأعم الجوهري.
ودلالة الالتزام والاستتباع كدلالة لفظ السقف على الحائط فانه مستتبع له استتباع الرفيق اللازم الخارج عن ذاته ودلالة لفظ الإنسان على قابل صنعة الخياطة ومعلمها".
قال: "والمعتبر في التعريفات دلالة المطابقة والتضمن فأما دلالة الالتزام فلا لأن المدلول عليه فيها غير محدود ولا محصور إذ لوازم الأشياء ولوازم لوازمها لا تنضبط ولا تنحصر فيؤدي إلى أن يكون اللفظ الواحد على ما لا يتناهى من المعاني وهو محال".
فقد جعل دلالة الخاص على الاسم دلالة تضمن كدلالة الإنسان على الحيوان وذكر أنها معتبرة في التعريفات ومعلوم أن دلالة الحيوان على الحساس المتحرك بالإرادة ودلالة الحساس على النامي ودلالة النامى على الجسم هو كذلك عندهم ومعلوم أن دلالة الناطق على الحيوان كدلالة النامى على الجسم فكان الواجب حينئذ أن يكتفى ب الناطق أو لا يكتفي معه بلفظ الحيوان فإنهم أن اكتفوا بدلالة التضمن لزم الحذف وإن لم يكتفوا لزم التفصيل.
الوجه الثامن: اشتراط ذكر الفصول مع التفريق بين الذاتي واللازم غير ممكن:
الوجه الثامن: وهو أن اشتراطهم مثلا ذكر الفصول التي هي الذاتيات المميزة مع تفريقهم بين الذاتي والعرضى اللازم للماهية غير ممكن إذ ما من مميز هو من خواص المحدود المطابقة له في العموم والخصوص إلا ويمكن شخصا
(1/76)

أن يجعله ذاتيا مميزا ويمكن الآخر أن يجعله عرضيا لازما للماهية.
الوجه التاسع: توقف معرفة الذات على معرفة الذاتيات وبالعكس يستلزم الدور:
الوجه التاسع: أن يقال هذا التعليم دوري قبلي فلا يصح.
وذلك أنهم يقولون أن المحدود لا يتصور ولا يحد حدا حقيقيا إلا بذكر صفاته الذاتية ثم يقولون الذاتي هو ما لا يمكن تصور الماهية بدون تصوره فيفرقون بين الذاتي وغير الذاتي أن الذاتي ما يتوقف عليه تصور الماهية فلا بد أن يتصور قبلها.
ويقولون تارة لا بد أن يتصور معها فلا يمكن عندهم أن يتأخر تصوره عن تصور الماهية وبذلك يعرف أنه وصف ذاتي.
فحقيقة قولهم أنه لا يعلم الذاتي من غير الذاتي حتى تعلم الماهية ولا تعلم الماهية حتى تعلم الصفات الذاتية التي منها تؤلف الماهية وهذا دور.
فإذا كان المتعلم لا يتصور المحدود حتى يتصور صفاته الذاتية ولا يعرف أن الصفة ذاتية حتى يتصور الموصوف الذي هو المحدود حتى تتصور فلا يعلم أنها ذاتية حتى يتصور الموصوف ولا يتصور الموصوف حتى يتصور الصفات الذاتية ويميز بينها وبين غيرها داخل فيها وما هو جزء لها فان تصور كون الشيء جزءا لغيره بدون تصور ذلك الغير ممتنع.
ونحن لم نقل أنه لا يتصور الوصف الذاتي حتى يتصور الموصوف بل الإنسان يتصور أشياء كثيرة ولا يتصور أنها صفات لغيرها ولا أجزاء لها فضلا عن كونها
(1/77)

لازمة ذاتية أو غير لازمة وإنا قلنا لا يعلم أنها جزء من الماهية وأنها ذاتية ل الماهية داخلة في حقيقة الماهية أن لم تتصور الماهية.
وإن قيل أن مجرد تصور الصفات الذاتيات كاف في تصور الماهية وإن لم أعلم أن تلك الصفات ذاتية قيل من أين يعلم الإنسان أن هذه الصفات هي الذاتيات دون غيرها أن لم يعرف الماهية التي هذه الصفات ذاتية لها داخلة فيها ومن أين يعلم إذا تصور بعض الصفات اللازمة أن هذه هي الذاتية التي تتركب منها الماهية والذات دون غيرها أن لم يعلم الذات فيتوقف معرفة الذات التي هي الماهية على معرفة الذاتيات وتتوقف معرفة الذاتيات أي معرفة كونها هي الذاتيات لهذه الماهية دون غيرها من اللوازم على معرفة الذات فيتوقف معرفتها على معرفتها فلا يعرف هو ولا يعرف الذاتيات.
وهذا كلام متين يجتاح اصل كلامهم ويبين أنهم متحكمون فيما وضعوه لم يثبتوه على اصل علمي تابع للحقائق ولكن قالوا هذا ذاتي وهذا غير ذاتي بمجرد التحكم ولم يعتمدوا على أمر يمكن الفرق به بين الذاتي وغيره إذ هذا غير ممكن فيما وضعوه ويبين أن ما ذكروه مما زعموا أنه صفات ذاتية لا يعرف حقيقة الموصوف أصلا بل ما ذكروه يستلزم أنه لا يمكن حده فإذا لم يعرف المحدود إلا بالحد والحد غير ممكن لم يعرف وذلك باطل.
مثال ذلك إذا قدر أنه لا تتصور حقيقة الإنسان حتى تتصور صفاته الذاتية التي هي عندهم الحيوانية والناطقية وهذه الحيوانية والناطقية لا يعرف أنها صفاته الذاتية دون غيرها حتى يعرف أن ذاته لا تتصور إلا بها
(1/78)

وأن ذاته تتصور بها دون غيرها ولا يعلم أن ذاته لا تتصور إلا بها حتى تعرف ذاته.
فان قيل مجرد تصور الحيوانية والناطقية يوجب تصور الإنسان قيل مجرد تصوره بذلك لا يوجب أن يعلم أن هذا هو الإنسان حتى يعلم أن الإنسان مؤلف من هذه دون غيرها وهذا يوجب معرفته ب الإنسان قبل ذلك.
وأما مجرد قوله حيوان ناطق إذا جعل مفردا ولم يكن خبر مبتدأ محذوف فانه بمنزلة الاسم المفرد وهذا لا يفيد فهم كلام.
وإذا ادعى المدعى أن من تصور هذا فقد تصور الإنسان بدون دليل يقيمه على أن هذا هو حقيقة الإنسان كان بمنزلة من يقول في حده الحيوان الضاحك ويدعى أن هذا هو حقيقة الإنسان فكلاهما دعوى بلا برهان.
وهذا يبين أن دلالة الحد بمنزلة دلالة الاسم إنما يفيد التمييز بين المحدود المسمى وغيره ولكنه قد يفيد تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال وذلك التفصيل يتنوع بحسب ما يذكر من الصفات لا يختص ذلك ببعض الصفات المطابقة للموصوف التي هي لازمة ملزومة دون غيرها ويبين أن الألفاظ بمجردها لا تفيد تصور الحقائق لمن لم يتصورها بدون ذلك لكنها تفيد التنبيه والإشارة لمن كان غافلا معرضا.
فان قيل تصوره موقوف على تصور الصفات الذاتية لا على معرفة أنها ذاتية وقد يمكن تصورها وإن لم يعرف أنها ذاتية له قيل هب أن الأمر كذلك لكن لا بد من التمييز بين الصفات الذاتية التي لا تتصور الذات إلا بها وبين العرضية التي تتصور بدونها ولا يمكن التمييز بين هذين النوعين إلا إذا عرفت ذاته المؤلفة من الصفات الذاتية ولا تعرف ذاته
(1/79)

حتى تعرف الصفات الذاتية ولا تميز بين الذاتيات وغيرها حتى تعرف ذاته فصار معرفة الذات موقوفا على معرفة الذات وهذا هو الدور.
وكذلك معرفة الذاتيات موقوف على معرفة الذاتيات فلا تعرف الصفات التي هي ذاتية للموصوف حتى تعرف أن تصور الذات موقوف على تصورها ولا يعرف أن تصور الذات موقوف على تصورها حتى تعرف الذات ولا تعرف الذات حتى تعرف الذاتيات وهذا بين عند تأمل مقصودهم فإنهم يقولون لا يحد الشيء حدا حقيقيا إلا بذكر صفاته الذاتية فلا بد من الفرق بين صفاته الذاتية والعرضية والفرق بينهما أن الذاتي هو ما لا تتصور الحقيقة إلا به فإذا كنا لم نعرف الحقيقة لم نعرف الصفات التي يتوقف معرفة الحقيقة عليها وإذا لم نعرف هذه الصفات لم نعرف الصفات الذاتية من العرضية وهو المطلوب.
وهذا بخلاف الفرق بين الصفات اللازمة والعارضة فانه فرق حقيقي ثابت في نفس الأمر.
أبحاث في حد العلم والخبر:
مثال ذلك أنهم يتنازعون في حد العلم والأمر والخبر ونحو ذلك من الأمور التي شاع الكلام عليها في العلوم المشهورة فمن النظار من يحدها كما يقولون في العلم معرفة المعلوم على ما هو به أو يقولون إعتقاد المعلوم على رأي ال معتزلة الذين لا يقولون أن لله علما أو يقولون العلم ما أوجب لمن قام به أن يكون عالما ونحو ذلك.
ويقال في حد الخبر هو ما احتمل الصدق والكذب أو ما شاع أن يقال لصاحبه في اللغة صدقت أو كذبت ونحو ذلك.
ويعترض على هذه الحدود بالاعتراضات المشهورة
(1/80)

مثل أن يقال المعلوم مشتق من العلم ومعرفة المشتق متوقفة على معرفة المشتق منه فلو عرف المشتق بالمشتق منه لزم الدور.
أو يقال العلم هو المعرفة وهذا حد لفظي.
أو يقال قولك على ما هو به زيادة.
ويقال إدخال الصدق والكذب أو التصديق والتكذيب في حد الخبر لا يصلح لأنهما نوعا الخبر وتعريفهما إنما يمكن بالخبر فلو عرف الخبر بهما لزم الدور.
وأمثال ذلك من الاعتراضات المشهورة على الحدود المشهورة.
ومنهم من يقول هذه الأشياء لا يمكن تحديدها أو لا يحتاج إلى تحديدها بل هي غنية عن الحد.
كما يقال في العلم أن غير العلم لا يعرف إلا بالعلم فلو عرف العلم بغيره لزم الدور.
أو يقال تصوره العلم لا يحصل إلا بعلم وذلك العلم العين موقوف على العلم فلو توقف تصور العلم على غيره لزم الدور.
أو يقال في تعريف العلم والخبر والأمر أن كل أحد يعلم جوعه وشبعه ويعلم أنه عالم بذاك والعلم بالمركب مسبوق بالعلم بالمفرد فإذن كل أحد يعلم العلم فيكون تصوره بديهيا.
ويقال في الأمر والخبر كل أحد يحسن أن يأمر وأن يخبر ويعلم أن هذا أمر وهذا خبر والعلم بالمركب مسبوق بالعلم بالمفرد.
فيقال له العلم بالخبر المعين والأمر المعين لا يستلزم العلم بالمطلوب بالحد لأن المطلوب بالحد تعريف الحقيقة العامة الجامعة المانعة وتصور المعين إنما يستلزم تصور الحقيقة مطلقا لا بشرط العموم والمطابقة فان الحقيقة لا توجد
(1/81)

عامة في الأعيان إذ الكليات بشرط كونها كليات إنما توجد في الذهن والعلم بالعين لا يستلزم العلم بالكلى بشرط كونه كليا فإذن ما علمه بالمعين ليس هو المحدود.
يوضح ذلك بأن تصور خر معين وعلم معين تصور لأمر جزئي والمطلوب بالحد هو المعنى الكلي الجامع المانع فأن قيل يلزم من وجود الجزئي وجود الكلي أو قيل المطلق جزء المعين.
فأن أريد بذلك أنه يوجد جزءا معينا فأن ما هو مطلق في الذهن إذا وجد في الخارج كان معينا فهذا حق ولكن لا يفيدهم وأما أن أريد بذلك أن المطلق الذي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه هو نفسه جزء من هذا المعين مع كونه كليا فهذا مكابرة ظاهرة ونفس تصوره كاف للعلم بفساده فأن الجزئي من معين خاص والكلي اعم وأكثر منه فكيف يكون الكثير بعض القليل وإذا كان المطلوب بالحد هو الكلي الجامع المانع الذي يطابق جميع أفراد المحدود فلا يخرج عنه شيء ولا يدخل فيه ما ليس منه فمعلوم أن تصور المعين لا يستلزم مثل هذا.
وأيضا فهذا منقوض بسائر المحدودات كالإنسان وغيره مما يتصور جنس مفرداته كل أحد.
ويقال قوله أن غير العلم لا يعرف إلا بالعلم فلو عرف العلم بغيره لزم الدور
(1/82)

أن أراد به المعلوم لا يعرف إلا بعلمه فهذا حق لكن العلم لا يعرف ب غير العلم فيعرف العلم المطلق أو العام بعلم معين فلفظ العلم في أحد المقدمتين ليس معناه معنى العلم في المقدمة الآخرى فيلزم الدور إذ قول القائل العلم لا يعرف إلا بالعلم معناه أن كل معلوم لا يعرف إلا بالعلم.
وقوله فلو عرف العلم بغيره لزم الدور يقال المعرف المحدود ليس هو علما بمعلوم معين بل هو العلم الكلي والعلم الكلي يعلم بعلم جزئي مقيد ولا منافاة في ذلك كما يخبر عن الخبر بخبر فيخبر عن الخبر المطلق أو العام بخبر معين خاص.
وقول القائل في الجواب أن توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره أي بغير العلم لا على تصور العلم فانقطع الدور وهو أحد الجوابين فان حصول العلم بكل معلوم يتوقف على حصول العلم المعين لا على تصوره والمطلوب ما يحد تصور العلم لا حصول العلم بتلك المعلومات.
والجواب الآخر أن يقال: تصور غير العلم مما يتوقف على حصول العلم بذلك المعلوم لا على حصول العلم المحدود وهو الجامع المانع والمطلوب بالحد هو هذا قدر فلو أن حصول تصور غير العلم موقوف على العلم بذلك المعلوم وعلى تصور ذلك العلم لم يكن هذا مانعا من الحاجة إلى الحد فكيف وقد يقال من علم الشيء قد يعلم أنه عالم ويعود ما ذكر.
وإيضاح هذا أن في الخارج أمورا معينة كالإنسان المعين والعلم المعين
(1/83)

والخبر المعين وقد يتصور الإنسان أمرا مطلقا كالإنسان المطلق والعلم المطلق والخبر المطلق وهذا المطلق قد يراد به المطلق بشرط له إطلاق وهو الذي يقال أنه كل عقل وقد يراد به المطلق لا بشرط وهو الذي يسمى الكلى الطبيعي.
وهذا الكلى المطلق لا بشرط قد يتنازعون هل هو موجود في الخارج أم لا والتحقيق أنه يوجد في الخارج لكن معينا مشخصا فلا يوجد في الخارج إلا إنسان معين وفيه حيوانية معينة وناطقية معينة ولا يوجد فيه إلا علم معين وخبر معين.
ثم من الناس من يقول أن المطلق جزء من المعين ويقولون العام جزء من الخاص فانه حيث وجد هذا الإنسان وهذا الحيوان وجد مسمى الإنسان ومسمى الحيوان وهو المطلق.
ومن الناس من ينكر هذا ويقول المطلق الكلى هو الذي لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه فيجوز أن تدخل فيه أفراد كثيرة والمعين هو جزئي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه فكيف يكون الكبير بعض القليل وكيف يكون العام أو المطلق الذي يتناول أفرادا كثيرة أو يصلح ليتناول جزءا من المعين الجزئي الذي لا يتناول إلا ذلك الشخص الجزئي الموجود في الخارج.
وفصل الخطاب أنه ليس في الخارج إلا جزئي معين ليس في الخارج ما هو مطلق عام مع كونه مطلقا عاما وإذا وجد المعين الجزئي فالإنسان والحيوان وجدت فيه إنسانية معينة مختصة مقيدة غير عامة ولا مطلقة.
فالمطلق إذا قيل هو جزء من المعين فإنما يكون جزءا بشرط أن لا يكون مطلقا عاما والمعنى أن ما يتصوره الذهن مطلقا عاما يوجد في الخارج لكن لا يوجد إلا مقيدا خاصا وهذا كما إذا قيل أن ما في نفسي وجد أو فعل أو فعلت ما في نفسي فمعناه أن الصور الذهنية وجدت في الخارج أي
(1/84)

وجد ما يطابقها.
إذا عرف هذا فكل ما يعلم إنما يعلم بعلم معين وهذا العلم المعين فيه حصة من العلم المطلق العام ليس فيه علم مطلق عام مع كونه مطلقا عاما والإنسان إذا تصور هذا الإنسان وهذا العلم وهذا الخبر لم يتصوره مطلقا عاما وإنما يتصوره معينا خاصا.
وذلك لا يستلزم أن يعلم المحدود الكلى الجامع المانع الشامل لجميع الأفراد المانع من دخول غيرها فيه فغير العلم إذا توقف على حصول العلم فإنما توقف على حصول علم معين جزئي لا على تصوره كما قيل في الجواب الأول.
فلو قيل أنه موقوف أيضا على تصوره لكان موقوفا على تصور أمر جزئي معين لا على تصور المحدود المطلق الجامع المانع فان تصور هذا الكلى الجامع المانع لا يتوقف عليه وجود علم شيء من الأشياء ولا يتوقف على وجوده ولا على تصوره فلا يتوقف العلم بشيء من الأشياء على المحدود وهو العلم الجامع المانع ولا على الحد وهو العلم بهذا الجامع المانع فلا يقف لا على تصوره ولا على وجوده.
وكذلك ما ذكروه في إثبات النظر ب النظر يقال فيه صحة جنس النظر ب نظر معين والنظر المعين يعلم صحته بالضرورة فالدليل نظر معين والمدلول عليه جنس النظر والنظر المعين يعلم صحته بالضرورة.
وأمثال ذلك من التصورات والتصديقات التي يعلم المعين منها بالضرورة ويعلم جنسها بهذا المعين منها وليس ذلك من باب تعريف الشيء بنفسه.
فإذا كان القول ب أن هذه الأمور محدودة بالحدود الممكنة ترد عليه الاعتراضات القادحة على أصلهم والقول بأنها غير مفتقرة إلى الحدود ترد
(1/85)

عليه الاعتراضات الفادحة على أصلهم لم يكن القول على أصلهم لا بأنها محدودة بما يمكن من الحدود ولا بأنها مستغنية عن الحدود وإذا لم تكن غنية عن الحد بل مفتقرة إليه والحدود غير ممكنة لزم توقف تعريفها على ما لا يمكن فيلزم امتناع تعريفها ومعلوم أن معرفتها حاصلة فعلم بطلان قولهم.
وأيضا فيبقى الإنسان غير متمكن لا من إثبات أن لها حدودا ولا من نفي أن يكون لها حدود وما استلزم المنع من النفي والإثبات أو رفع النفي والإثبات كان باطلا فان كل ما يذكر من الحدود يرد عليه ما يقدح فيه على أصلهم وقد ثبت عندهم أنه لا بد لها من حد فيلزم أنه لا بد لها من حد وكل حد فهو باطل فيلزم إثبات الحد ونفيه.
وما استلزم ذاك إلا لأنهم جعلوا مقصود الحد تصوير المحدود وإذا قيل المقصود من الحد التمييز بين المحدود وغيره كان كل من القولين حقا ولم يتقابل النفي والإثبات بل الذين حدوها بحدودهم أفادت حدودهم التمييز بينها وبين غيرها والتمييز يحصل بما يطابق المحدود في العموم والخصوص وهو الملازم له من الطرفين في النفي والإثبات.
وأما اللوازم فقد تكون أعم من المحدود كما أن الملزومات قد تكون أخص منه فان الملزوم قد يكون اخص من اللازم كما أن اللازم قد يكون أعم من الملزوم فان الإنسان مستلزم الحيوان والإنسان أخص منه والحيوان لازم له وهو أعم منه بخلاف المتلازمين فإنهما متساويان في العموم والخصوص كالإنسانية مع الناطقية والصاهلية مع الفرسية ونحو ذلك.
والحدود لا تجوز إلا ب الملازم في الطرفين النفي والإثبات لا بمجرد اللوازم كما يطلقه بعضهم ولا بمجرد الملزومات ثم التمييز يحصل ب المطابق الملازم وإن كان قد لا يحتاج إلى هذا التمييز إذا حصل الاستغناء عنه بالاسم
(1/86)

والذين قالوا أنها غنية عن الحدود بينوا أن مطلق الحقيقة تتصور بلا حد وهذا حق بل هذا ثابت في جميع الحقائق أن مطلقها متصور بلا حد ولكن المقصود التمييز بين مسمى هذا الاسم العام وبين غيره أو التمييز بين المعنى العام المتشابه في أفراده وبين غيره وتمييز العام من غيره قد لا يكفى فيه مجرد تصوره مطلقا أو تصور بعض أفراده فليس كل من تصور معنى مطلقا تصوره عاما مميزا بينه وبين غيره فكيف إذا لم يتصوره إلا خاصا مقيدا معينا إذ قد يقطع في مواضع بأنها خبر وأنها أمر وأنها علم ويشك في مواضع كما يشك في الاعتقاد المطابق الذي يحصل للمقلد وفي أمر الأدنى للأعلى وفي الأمر الخالي عن الإرادة ونحو ذلك.
فالمطلوب من الجمع والمنع الذي هو مقصود الحد لا يحصل بتصور أعيان معينة ولكن يحصل منه تصور الحقيقة في الجملة فان من تصورها معينة تصورها في الجملة وهو تصورها مع كونها مقيدة فيمكنه حينئذ أن يتصورها لا بشرط إذا جردها عن التعريف بمعنى أنه لا يشترط فيها التعريف ولا أنه يشترط عدمه.
وهذا المطلق هل هو في الخارج جزء من المعين أو هذا المطلق وهو المطلق لا بشرط ليس هو في الخارج شيئا غير الأعيان الموجودة فيه قولان كما تقدم بيانه وفصل الخطاب فيه.
فحينئذ فلا يكون المتصور ل الأمر المعين والخبر المعين والعلم المعين قد تصور الأشياء معينة أو تصور الحقيقة معينة لا مطلقة ولا عامة.
(1/87)

المقام الثالث: المقام السلبي في الأقيسة والتصديقات في قولهم "إنه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس":
فصل:
وأما القياس فالكلام في المقامين أيضا.
المقام الأول: السلبي فنقول:
حصر العلم على القياس قول بغير علم:
قولهم: "إنه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس" الذي ذكروا صورته ومادته قضية سلبية نافية ليست معلومة بالبديهة ولم يذكروا على هذا السلب دليلا أصلا فصاروا مدعين مالم يبينوه بل قائلين بغير علم إذ العلم بهذا السلب متعذر على أصلهم فمن اين لهم أنه لا يمكن أحدا من بني آدم أن يعلم شيئا من التصديقات التي ليست عندهم بديهية إلا بواسطة القياس المنطقي الشمولي الذي وصفوا مادته وصورته؟.
الفرق بين البديهي والنظري أمر نسبي محض:
والثاني: أن يقال: هم معترفون بما لا بد منه من أن التصديقات منها بديهي ومنها نظري وأنه يمتنع أن تكون كلها نظرية لافتقار النظري إلى البديهي.
وإذا كان كذلك فالفرق بين البديهي والنظري إنما هو بالنسبة والإضافة
(1/88)

فقد يبده هذا من العلم ويبتدىء في نفسه ما يكون بديهيا له وإن كان غيره لا يناله إلا بنظر قصير أو طويل بل قد يكون غيره يتعسر عليه حصوله بالنظر وقد تقدم التنبيه على هذا في التصورات لكن نزيده هنا دليلا يختص هذا فنقول.
البديهي من التصديقات هو ما يكفى تصور طرفيه موضوعه ومحموله في حصول تصديقه فلا يتوقف على وسط يكون بينهما وهو الدليل الذي هو الحد الأوسط سواء كان تصور الطرفين بديهيا أو لم يكن.
ومعلوم أن الناس يتفاوتون في قوى الأذهان أعظم من تفاوتهم في قوى الأبدان فمن الناس من يكون في سرعة التصور وجودته في غاية يباين بها غيره مباينة كبيرة وحينئذ فيتصور الطرفين تصورا تاما بحيث تتبين بذلك التصور التام اللوازم التي لا تتبين لغيره الذي لم يتصور الطرفين التصور التام.
وذلك أن من الناس من يكون لم يتصور الطرفين إلا ببعض صفاتهما المميزة فيكون من تصورهما ببعض صفاتهما المشتركة مع ذلك سواء سميت ذاتية أو لم تسم عالما بثبوت تلك الصفات لهما وثبوت كثير مما يكون لازما لهما بخلاف من لم يتصور إلا الصفات المميزة.
بطلان التفريق بين الذاتي واللازم لثبوت كل منهما بغير وسط.
وذلك أنهم قرروا في المنطق أن من اللوازم ما يكون لازما بغير وسط فهذا يعلم بنفس تصور الملزوم.
والوسط المذكور في هذه المواضع هو عند ابن سينا ومحققيهم هو الدليل
(1/89)

وهو الحد الأوسط.
وهذا يختلف باختلاف الناس فقد يحتاج هذا في العلم ب الملزوم إلى دليل بخلاف الآخر.
ومن لم يفهم مرادهم في هذا الموضع يظن أنهم أرادوا ب الوسط ما هو وسط في نفس الموصوف بحيث يكون ثبوت الوصف اللازم ل الملزوم بواسطته لا يثبت بنفسه كما قد فهم ذلك عنهم طائفة منهم الرازي وغيره وهذا مع أنه غلط عليهم كما بينا ألفاظهم في غير هذا الموضع فهو أيضا باطل في نفسه.
ولا ريب أن من اللوازم ما يفتقر إلى وسط ومنها ما لا يفتقر إلى وسط عندهم وهذا احد الفروق الثلاثة التي فرقوا بها بين الذاتي والعرضي اللازم للماهية وقد أبطلوا هذا الفرق ويعبر بعضهم عن هذا الفرق ب التعليل كما يعبر به ابن حاجب.
فإذا كان في اللوازم ما هو ثابت في نفس الأمر بغير وسط ولا علة لم يبق هذا فرقا بين الذاتي وبين هذه اللوازم فبطلت التصديق بهذا لكن من تصور الذات بهذه اللوازم فتصوره أتم ممن لم يتصورها بهذه اللوازم.
وإذا كان المراد ب الوسط الدليل الذي يعلل به الثبوت الذهني لا الخارجي فهذا يختلف باختلاف الناس ولا ريب أن ما يستدل به سواء سمى قياسا أو برهانا أو غير ذلك قد يكون هو علة لثبوت الحكم في نفس الأمر ويسمى قياس العلة وبرهان العلة وبرهان لم وقد لا يكون كذلك وهو الدليل المطلق ويسمى قياس الدلالة وبرهان الدلالة وبرهان أن وهذا مراد ابن سينا وغيره ب الوسط وهذا مما تختلف فيه أحوال الناس
(1/90)

فالتفريق بين الذاتي والعرضي اللازم أبعد ولهذا أبطل ابن سينا الفرق بهذا كما قد ذكرنا لفظه في موضع آخر فانه على التفسيرين من اللوازم ما يثبت بغير وسط.
فإذا قيل الذاتي ما يثبت بغير وسط وقد عرف أن من اللوازم ما ثبت بغير وسط تبين بطلان هذا الفرق على كل تقدير.
اختلاف أحوال الناس في احتياجهم وعدم احتياجهم إلى الدليل:
وأما كون الوسط الذي هو الدليل قد يفتقر إليه في بعض القضايا بعض الناس دون بعض فهذا أمر بين فان كثيرا من الناس تكون القضية عنده حسية أو مجربة أو برهانية أو متواترة وغيره إنما عرفه بالنظر والاستدلال.
ولهذا كثير من الناس لا يحتاج في ثبوت المحمول ل الموضوع إلى دليل لنفسه بل لغيره ويبين ذلك لغيره بأدلة هو غنى عنها حتى يضرب له أمثالا ويقول له أليس كذا أليس كذا ويحتج عليه من الأدلة العقلية والسمعية بما يكون حدا أوسط عند المخاطب مما لا يحتاج إليه المستدل بل قد يعلم الشيء ب الحس ويستدل على ثبوته لغيره ب الدليل.
وهذا أكبر من أن يحتاج إلى تمثيل فما أكثر من يرى الكواكب ويرى الهلال وغيره فيقول قد طلع الهلال وتكون هذه القضية له حسية وقد تكون عند غيره مشكوكا فيها أو مظنونة أو خبرية بل قد يظنها كذبا إذا صدق المنجم الخارص القائل أنه لا يرى
(1/91)

بطلان منع المنطقيين الاحتجاج بالمتواترات والمجربات والحدسيات:
وقد ذكر من ذكر من هؤلاء المنطقيين أن القضايا المعلومة ب التواتر والتجربة والحدس يختص بها من علمها بهذه الطريق فلا تكون حجة على غيره بخلاف غيرها فإنها مشتركة يحتج بها على المنازع.
وقد بينا في غير هذا الموضع أن هذا تفريق فاسد.
فان الحسيات الظاهرة والباطنة تنقسم إلى خاصة وعامة وليس ما رآه زيد أو شمه أو ذاقة أو لمسة يجب اشتراك الناس فيه وكذلك ما وجده في نفسه من جوعه وعطشه وألمه ولذته ولكن بعض الحسيات قد تكون مشتركة بين الناس كاشتراكهم في رؤية الشمس والقمر والكواكب وأخص من ذلك اشتراك أهل البلد الواحد في رؤية ما عندهم من جبل وجامع ونهر وغير ذلك من الأمور المخلوقة والمصنوعة.
وكذلك الأمور المعلومة ب التواتر والتجارب قد يشترك فيها عامة الناس كاشتراك الناس في العلم بوجود مكة ونحوها من البلاد المشهورة واشتراكهم في وجود البحر وأكثرهم ما رآه واشتراكهم في العلم بوجود موسى وعيسى ومحمد وادعائهم النبوة ونحو ذلك فان هؤلاء قد تواتر خبرهم إلى عامة بني آدم وإن قدر من لم يبلغه أخبارهم فهم في أطراف المعمورة لا في الوسط.
المجربات تحصل بالحس والعقل:
وكذلك المجربات فعامة الناس قد جربوا أن شرب الماء يحصل معه الري وأن قطع العنق يحصل معه الموت وأن الضرب الشديد يوجب الألم.
والعلم بهذه القضية الكلية تجربي فان الحس إنما يدرك ريا معينا وموت شخص معين وألم شخص معين أما كون كل من فعل به ذلك يحصل له مثل ذلك
(1/92)

فهذه القضية الكلية لا تعلم ب الحس بل بما يتركب من الحس والعقل وليس الحس هنا هو السمع.
وهذا النوع قد يسميه بعض الناس كله تجربيات وبعضهم يجعله نوعين تجربيات وخدسيات فان كان الحس المقرون ب العقل من فعل الإنسان كأكله وشربه وتناوله الدواء سماه تجربيا وإن كان خارجا عن قدرته كتغير أشكال القمر عند مقابلة الشمس سماه حدسيا والأول أشبه باللغة فان العرب تقول رجل مجرب بالفتح لمن جربته الأمور وأحكمته وإن كانت تلك من أنواع البلايا التي لا تكون باختياره.
وذلك أن التجربة تحصل بنظره واعتباره وتدبره كحصول الأثر المعين دائرا مع المؤثر المعين دائما فيرى ذلك عاده مسمرة لا سيما أن شعر بالسبب المناسب فيضم المناسب إلى الدوران مع السبر والتقسيم فانه لا بد في جميع ذلك من السبر والتقسيم الذي ينفى المتزاحم وإلا فمتى حصل الأثر مقرونا بأمرين لم تكن إضافته إلى أحدهما دون الآخر بأولى من العكس ومن إضافته إلى كليهما.
وما يحتج به الفقهاء في إثبات كون الوصف علة للحكم من دوران ومناسبة وغير ذلك إنما يفيد المقصود مع نفى المزاحم وذلك يعلم ب السبر والتقسيم فان كان نفى المزاحم ظنيا كان اعتقاد العلية ظنيا وإن كان قطعيا كان الاعتقاد قطعيا إذا كان قاطعا بأن الحكم لا بد له من علة وقاطعا بأنه لا يصلح للعلة إلا الوصف الفلاني.
وهكذا القضايا العادية من قضايا الطب وغيرها هي من هذا الباب وكذلك قضايا النحو والتصريف واللغة من هذا الباب ولكن في اللغة يدور المعنى مع اللفظ لا هذا الباب وفي النحو والتصريف يدور الحكم مع النوع وهذا كالعلم بأن أكل الخبز ونحو هـ يشبع وشرب الماء ونحوه يروى ولبس الحشايا
(1/93)

يوجب الدفأ والتجرد من الثياب يوجب البرد ونحو ذلك.
لكن من لا يثبت الأسباب والعلل من أهل الكلام كالجهم وموافقيه في ذلك مثل أبي الحسن وأتباعه يجعلون المعلوم اقتران احد الأمرين بالآخر لمحض مشيئة القادر المريد من غير أن يكون أحدهما سببا للآخر ولا مولدا له.
وأما جمهور العقلاء من المسلمين وغير المسلمين وأهل السنة من أهل الكلام والفقة والحديث والتصوف وغير أهل السنة من المعتزلة وغيرهم فيثبتون الأسباب ويقولون كما يعلم اقتران أحدهما بالآخر فيعلم أن في النار قوة تقتضى التسخين وفي الماء قوة تقتضى التبريد وكذلك في العين قوة تقتضى الأبصار وفي اللسان قوة تقتضى الذوق ويثبتون الطبيعة التي تسمى الغريزة والنحيزة والخلق والعادة ونحو ذلك من الأسماء.
ولهذا كان السلف كأحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما يقولون العقل غريزة وأما نفاة الطبائع فليس العقل عندهم إلا مجرد العلم كما هو قول أبى الحسن الأشعري والقاضي أبى بكر والقاضي أبى يعلى وأبن عقيل وأبي الخطاب والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم وإن كان بعض هؤلاء قد يختلف كلامهم فيثبتون في موضع آخر الغرائز والأسباب كما هو مذهب الفقهاء والجمهور.
فالمقصود أن لفظ التجربة يستعمل فيما جربه الإنسان ب عقله وحسه وإن لم يكن من مقدوراته كما قد جربوا أنه إذا طلعت الشمس انتشر الضوء في الآفاق وإذ غابت أظلم الليل وجربوا أنه إذا بعدت الشمس عن سمت رؤؤسهم جاء البرد وإذا جاء البرد سقط ورق الأشجار وبرد ظاهر الأرض وسخن باطنها وإذا قربت من سمت رؤوسهم جاء الحر وإذا جاء الحر أورقت الأشجار وأزهرت فهذا أمر يشترك في العلم به جميع الناس لما قد اعتادوه وجربوه
(1/94)

ثم يعلم من يثبت الأسباب أن سبب ذلك أن شبيه الشيء منجذب إليه وضده هارب منه فإذا برد الهواء برد ظاهر الأرض وظاهر ما عليها فهربت السخونة إلى البواطن فيسخن جوف الأرض ويسخن الماء الذي في جوفه ولهذا تكون الينابيع في الشتاء حارة وتكون أجواف الحيوان حارة فتأكل في الشتاء أكثر مما تأكل في الصيف بسبب هضم الحرارة للطعام وإذا كان الصيف سخن الهواء فسخنت الظواهر وهربت البرودة إلى البواطن فيبرد باطن الأرض وأجواف الحيوان وتبرد الينابيع ولهذا يكون الماء النابع في الصيف ابرد منه في الشتاء ويضعف الهضم للطعام.
فهذه القضايا ونحوها مجربات عاديات وإن كان كثير منها يقع بغير فعل بنى آدم.
وكذلك ما علم من سنة الله تعالى من نصر أنبيائه وعباده المؤمنين وعقوباته لأعدائه الكافرين هو مما قد علم ويحصل به الاعتبار وإن لم يكن ذلك مما يقدر عليه المجرب نفسه وقد يعلم الإنسان من فعل غيره ما يحصل له به العلم التجربي وإن لم يكن له قدرة على فعل الغير.
وأيضا فالسبب المقتضى للعلم ب المجربات هو يكرر اقتران أحد الأمرين بالآخر أما مطلقا وأما مع الشعور بالمناسب وهذا القدر يشترك فيه ما تكرر بفعله وما تكرر بغير فعله فكونه بفعله وصف عديم التأثير في اقتضاء العلم فلا يحتاج أن يجعل هذا نوعا غير النوع الآخر مع تساويهما في السبب المقتضى للعلم إلا لبيان شمول المجربات لهذين الصنفين كما يقال في الحسيات أنها تتناول ما أحسه ببصره وسمعه وشمه وذوقه ولمسه ونحو ذلك.
مع أن الفرق الذي بين أنواع الحسيات تختلف فيه أنواع العلوم أعظم مما تختلف في هذا فان البصر يرى غير مباشرة المرئي والذوق والشم واللمس
(1/95)

لا يحصل له الإحساس إلا بمباشرة المحسوس والسمع وإن كان يحس الأصوات فالمقصود الأعظم به معرفة الكلام وما يخبر به المخبرون من العلم.
وهذا سبب تفضيل طائفة من الناس ل السمع على البصر كما ذهب إليه ابن قتيبة وغيره وقال الأكثرون البصر أفضل من السمع والتحقيق أن إدراك البصر أكمل كما قاله الأكثرون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس المخبر كالمعاين" لكن السمع يحصل به من العلم لنا أكثر مما يحصل بالبصر ف البصر أقوى وأكمل والسمع أعم وأشمل.
وهاتان الحاستان هما الأصل في العلم بالمعلومات التي يمتاز بها الإنسان عن البهائم.
ولهذا يقرن الله بينهما الفؤاد في مواضع:
كقوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} وقوله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وقال: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أولئك كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضل أولئك هُمُ الْغَافِلُونَ} وقال: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ
(1/96)

مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} وقال تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} وقال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} في حق المنافقين وقال في حق الكافرين {فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} وقال تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إليه وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَاب} وقال تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخرةِ حِجَاباً مَسْتُوراً وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} ونظائر هذا متعددة.
وأما الشم والذوق واللمس فحس محض لا يحصل إلا بمباشرة الحيوان لذلك فالثلاثة كالجنس الواحد وقد قال تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أول مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فالجلود أن خصت باللمس لم يدخل فيها الشم والذوق وإن قيل بل يدخل فيها عمت الجميع وإنما ميزت عن اللمس لاختصاصها ببعض الأعضاء وبنوع من المدركات وهو الطعوم والروائح فان سائر البدن لا يميز بين طعم وطعم وريح وريح ولكن يميز بين الحار والبارد واللين والصلب والناعم
(1/97)

والخشن ويميز بين ما يلتذ به وبين ما يتألم ونحو ذلك.
والمقصود أنهم جعلوا المجربات والمتواترات مما يختص به من حصل له ذلك فلا يصلح أن يحتج به على غيره وهذه قد يحصل فيها اختصاص واشتراك كما أن الحسيات كذلك قد يحصل فيها اختصاص واشتراك.
وأيضا فالاشتراك قد يكون في عين المعلوم المدرك وقد يكون في نوعه فالأول كاشتراك الناس في رؤية الشمس والقمر وغيرهما والثاني كاشتراكهم في معرفة الجوع والعطش والري والشبع واللذة والألم.
فان المعين الذي ذاقه هذا الشخص ليس هو المعين الذي ذاقه هذا إذ كل إنسان يذوق ما في باطنه ولكن يشترك الناس في معرفة جنس ذلك.
وما يسمونه من الرعد وما يرونه من البرق يشترك أهل المكان الواحد في رؤية المعين وسمعه ويشترك الناس في رؤية النوع وسمعه إذ الرعد والبرق الذي يحصل في زمان ومكان يكون غير ما يحصل في زمان آخر ومكان آخر.
ومن المحسوسات المعروفة بالرؤية أنواع كثيرة من الحيوان والنبات وغير ذلك يوجد ببعض البلاد دون بعض فتكون مشهورة ومرئية لمن رآها دون سائر الناس فإنهم إنما يعلمون ذلك ب الخبر وذلك الخبر قد يكون المشتركون فيه أكثر من المشتركين في الرؤية.
فتبين أن القضايا الحسية والمتواترة والمجربة قد تكون مشتركة وقد تكون مختصة فلا معنى للفرق بأن هذه يحتج بها على المنازع دون هذه.
إنكار المتواترات هو من أصول الإلحاد والكفر:
ثم هذا الفرق مع ظهور بطلانه هو من أصول الإلحاد والكفر فان المنقول عن الأنبياء بالتواتر من المعجزات وغيرها يقول احد هؤلاء
(1/98)

بناء على هذا الفرق: "هذا لم يتواتر عندي فلا يقوم به الحجة على" فيقال له "اسمع كما سمع غيرك وحينئذ يحصل لك العلم".
وإنما هذا كقول من يقول رؤية الهلال أو غيره لا تحصل إلا بالحس وأنا لم أره فيقال له أنظر إليه كما نظر غيرك فتراه إذا كنت لم تصدق المخبرين.
وكمن يقول: "العلم بالنبوة لا يحصل إلا بعد النظر وأنا لا أنظر أو لا أعلم وجوب النظر حتى أنظر".
ومن جواب هؤلاء أن حجة الله برسله قامت بالتمكن من العلم فليس من شرط حجة الله تعالى علم المدعوين بها.
ولهذا لم يكن إعراض الكفار عن استماع القرآن وتدبره مانعا من قيام حجة الله تعالى عليهم وكذلك إعراضهم عن استماع المنقول عن الأنبياء وقراءة الآثار المأثورة عنهم لا يمنع الحجة إذ المكنة حاصلة.
فلذلك قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} .
وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَاباً شَدِيداً} .
وقال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} .
وقال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ
(1/99)

أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} .
وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً} .
وقال: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} .
ومن هذا الباب إنكار كثير من أهل البدع والكلام والفلسفة لما يعلمه أهل الحديث والسنة من الآثار النبوية والسلفية المعلومة عندهم بل المتواترة عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لهم بإحسان.
فان هؤلاء يقولون: "هذه غير معلومة لنا" كما يقول من يقول من الكفار أن معجزات الأنبياء غير معلومة لهم وهذا لكونهم لم يطبلوا السبب الموجب للعلم بذلك وإلا فلو سمعوا ما سمع أولئك وقرأوا الكتب المصنفة التي قرأها أولئك تحصل لهم من العلم ما حصل لأولئك.
وعدم العلم ليس علما بالعدم وعدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود فهم إذا لم يعلموا ذلك لم يكن هذا علما منهم بعدم ذلك ولا بعدم علم غيرهم به بل هم كما قال الله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} .
وتكذيب من كذب بالجن هو هذا الباب وإلا فليس عند المتطيب والمتفلسف دليل عقلي ينفي وجودهم لكن غايته أنه ليس في صناعته ما يدل على وجودهم وهذا إنما يفيد عدم العلم لا العلم بالعدم وقد اعترف بهذا حذاق الأطباء والفلاسفة كأبقراط وغيره.
والمقصود هنا التنبيه على كليات طرق العلم التي تكلم فيها هؤلاء وغيرهم
(1/100)

شرك الفلاسفة أشنع من شرك الجاهلية:
ولهذا لما صنف طائفة في تقدير الشرك على أصولهم وأثبتوا الشفاعة التي يثبتها المشركون كان شرك هؤلاء شرا من شرك مشركي العرب وغيرهم.
فان مشركي العرب وغيرهم ممن يقر بأن الرب فاعل بمشيئته وقدرته وأنه خالق كل شيء وأن السموات والأرض مخلوقة لله ليست مقارنة له في الوجود دائمة بدوامه كانوا يعبدون غير الله ليقربوهم إليه زلفى ويتخذونهم شفعاء يشفعون لهم عند الله بمعنى أنهم يدعون الله لهم فيجيب الله دعاءهم له وهؤلاء المشركون الذين بين القرآن كفرهم وجاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على شركهم.
قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أوليَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} .
وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أولئك الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أقرب وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} قالت طائفة من السلف: "كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء فقال تعالى هؤلاء الذين تدعونهم يتوسلون إلى كما تتوسلون إلى ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ويخافون عذابي كما تخافون عذابي.
وقال تعالى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ
(1/101)

وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَه} .
وقال تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} .
وقال تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} .
ومثل هذا في القران كثير.
والعرب كانوا مع شركهم وكفرهم يقولون أن الملائكة مخلوقون وكان من يقول منهم أن الملائكة بنات يقولون أيضا أنهم محدثون ويقولون أنه صاهر إلى الجن فولدت له الملائكة.
وقولهم من جنس قول النصارى في أن المسيح ابن الله مع أن مريم أمه ولهذا قرن سبحانه بين هؤلاء وهؤلاء.
وقول هؤلاء الفلاسفة شر من قول هؤلاء كلهم.
فان الملائكة عند من آمن بالنبوات منهم هي العقول العشرة وتلك عندهم قديمة أزلية والعقل رب كل ما سوى الرب عندهم وهذا لم يقل مثله احد من اليهود والنصارى ومشركي العرب لم يقل احد أن ملكا من الملائكة رب العالم كله.
ويقولون أن العقل الفعال مبدع لما تحت فلك القمر وهذا أيضا كفر لم يصل إليه احد من كفار أهل الكتاب ومشركي العرب
(1/102)

وهؤلاء يقولون ما ذكره ابن سينا واتباعه كصاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها ومن وافقهم من القرامطة والباطنية من الملاحدة والجهال الذين دخلوا في الصوفية وأهل الكلام كأهل وحدة الوجود وغيرهم.
يجعلون الشفاعة مبنية على ما يعتقدونه من أن الرب لا يفعل بمشيئته وقدرته وليس عالما بالجزئيات ولا يقدر أن يغير العالم بل العالم فيض فاض عنه بغير مشيئته وقدرته وعلمه.
فيقولون إذا توجه المستشفع إلى من يعظمه من الجواهر العالية كالعقول والنفوس والكواكب والشمس والقمر أو إلى النفوس المفارقة مثل بعض
(1/103)

الصالحين فانه يتصل بذلك المعظم المستشفع به فإذا فاض على ذلك ما يفيض من جهة الرب فاض على هذا المستشفع من جهة شفيعة.
ويمثلونه بالشمس إذا طلعت على مرآة فانعكس الشعاع الذي على المرآة على موضع آخر فأشرق بذلك الشعاع فذلك الشعاع حصل له بمقابلة المرآة وحصل للمرآة بمقابلة الشمس.
فهذا الداعي المستشفع إذا توجه إلى شفيعه أشرق عليه من جهته مقصود الشفاعة وذلك الشفيع يشرق عليه من جهة الحق.
ولهذا يرى هؤلاء دعاء الموتى عند القبور وغير القبور ويتوجهون إليهم ويستعينون بهم ويقولون أن أرواحنا إذا توجهت إلى روح المقبور في القبور اتصلت به ففاضت عليها المقاصد من جهته.
وكثير منهم ومن غيرهم من الجهال يرون الصلاة والدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم أفضل من الصلوات الخمس والدعاء في المساجد وأفضل من حج البيت العتيق.
ومعلوم أن كفر هؤلاء بما يقولونه في الشفعاء أعظم من كفر مشركي العرب بما قالوه فيهم لأن كلتي الطائفتين عبدوا من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله لكن العرب اقروا بأن الله عالم بهم قادر عليهم يخلق بمشيئته وقدرته وقالوا أن هؤلاء ينفعونا بدعائهم لنا.
وأما مشركوا الفلاسفة كما ذكره ابن سينا ومن اتبعه فيقولون أن من يستشفع به لا يدعو الله لنا بشئ والله لا يعلم دعاءنا ولا دعاءه ولا يسمع نداءنا ولا نداءه بل ولا يعرف بنا ولا نراه ولا يعرف به فانا نحن من الجزئيات والله لا يعلم الجزئيات عندهم ولا يقدر على تغيير شيء من العالم ولا يفعل بمشيئته
(1/104)

لكن قالوا لكن نحن إذا توجهنا إلى هؤلاء بالدعاء لهم والسؤال منهم بل وبالعبادة لهم فاض علينا ما يفيض منهم وفاض عليهم ما يفيض من جهة الله.
ثم أن طائفة من أهل الكلام يردون عليهم باطلهم بقول باطل فيردون فاسدا بفاسد وإن كان أحدهما أكثر فسادا مثل إنكار كثير منهم لكثير من الأمور الرياضية كاستدارة الفلك وغير ذلك مما دل عليه الكتاب والسنة وآثار السلف مع دلالة العقل.
أو يفعلون كما فعله الشهرستاني في الملل والنحل حيث اخذ يذكر المفاضلة بين الأرواح العلوية وبين الأنبياء ويجعل إثبات هذه وسائط أولى من تلك تفضيلا لأقوال الحنفاء على أقوال الصابئة وهذا غلط عظيم.
فان الحنفاء لا يثبتون بين الله وبين مخلوقاته واسطة في عبادته وسؤاله وإنما يثبتون الوسائط في تبليغ رسالاته فأصل الحنفاء شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا وغيره من الرسل رسل الله.
وأما الوسائط التي يثبتها المشركون فيجعلون الملائكة معبودين وهذا كفر وضلال وتوسط الملائكة بمعنى تبليغ رسالات الله أو بمعنى أنهم يفعلون ما يفعلونه بإذن الله مما اتفق عليه الحنفاء.
ومعلوم أن المشركين من عباد الأصنام وغيرهم كانت الشياطين تضلهم فتكلمهم وتقضى لهم بعض حوائجهم وتخبرهم بأمور غائبة عنهم.
وكان للكهان شياطين تخبرهم وتأمرهم وإن كان الكذب فيما يقولونه أكثر من الصدق.
وهكذا المشركون في زماننا الذين يدعون غير الله كالشيوخ الغائبين والموتى تتصور لهم الشياطين في صور الشيوخ حتى يظنوا أن الشيخ حضر وأن الله صور
(1/105)

على صورته ملكا وأن ذلك من بركة دعائه وإنما يكون الذي تصور لهم شيطان من الشياطين.
وهذا مما نعرف أنه ابتلى في زماننا وغير زماننا خلق كثير أعرف منهم عددا وأعرف من ذلك وقائع متعددة.
والشياطين أيضا تضل عباد القبور كما كانت تضل المشركين من العرب وغيرهم.
وكانت اليونان من المشركين يعبدون الأوثان ويعانون السحر كما ذكروا ذلك عن أرسطو وغيره وكانت الشياطين تضلهم وبهم يتم سحرهم وقد لا يعرفونهم أن ذلك من الشياطين بل قد لا يقرون بالشياطين بل يظنون ذلك كله من قوة النفس أو من أمور طبيعية أو من قوى فلكية فان هذه الثلاثة هي أسباب عجائب العالم عند ابن سينا وموافقيه.
وهم جاهلون بما سوى ذلك من أفعال الشياطين الذين هم أعظم تأثيرا في العالم في الشر من هذا كله وجاهلون بملائكة الله الذين يجرى بسببهم كل خير في السماء والأرض. وما يدعونه من جعل الملائكة هي العقول العشرة أو هي القوى الصالحة في النفس وأن الشياطين هي القوى الخبيئة مما قد عرف فساده بالدلائل العقلية بل بالضرورة من دين الرسول.
فإذا كان شرك هؤلاء وكفرهم في نفس التوحيد وعبادة الله وحده أعظم من شرك مشركي العرب وكفرهم فأي كمال للنفس في هذه الجهالات.
وهذا وأمثاله يفتقر إلى بسط كثير وقد ذكرنا منه طرفا في مواضع غير هذا.
والمقصود هنا ذكر ما ادعاه هؤلاء في البرهان المنطقي
(1/106)

بطلان دعواهم لا بد في البرهان من قضية كلية:
وأيضا فإذا قالوا العلوم اليقينية النظرية لا تحصل إلا ب البرهان الذي هو عندهم قياس شمولي وعندهم لا بد فيه من قضية كلية موجبة.
ولهذا قالوا لا نتاج عن قضيتين سالبتين ولا جزئيتين في شيء من أنواع القياس لا بحسب صورته كالحملي والشرطي المتصل والمنفصل ولا بحسب مادته لا البرهاني ولا الخطابي ولا الجدلي بل ولا الشعري.
فيقال إذا كان لا بد في كل ما يسمونه برهانا من قضية كلية فلا بد من العلم بتلك القضية الكلية أي من العلم بكونها كلية وإلا فمتى جوز عليها أن لا تكون كلية بل جزئية لم يحصل العلم بموجبها والمهملة وهي المطلقة التي يحتمل لفظها أن يكون كلية وجزئية في قوة الجزئية.
وإذا كان لا بد في العلم الحاصل بالقياس الذي يخصونه باسم البرهان من العلم ب قضية كلية موجبة فيقال.
العلم بتلك القضية أن كان بديهيا أمكن أن يكون كل واحد من أفرادها بديهيا بطريق الأولى.
وإن كان نظريا احتاج إلى علم بديهي فيفضى إلى الدور المعي أو التسلسل في أمور لها مبدأ محدود فان علم ابن آدم إذا توقف على علم منه وعلمه على علم منه فعلمه له مبدأ لأنه نفسه مبدأ ليس هذا ك تسلسل الحوادث الماضية وأيضا فانه تسلسل في المؤثرات وكلاهما باطل.
وهكذا يقال في سائر القضايا الكلية التي يجعلونها مبادئ البرهان ويسمونها الواجب قبولها سواء كانت حسية ظاهرة أو باطنة وهي التي يحسها بنفسه
(1/107)

أو كانت من المجربات أو المتواترات أو الحدسيات عند من يجعل منها ما هو من اليقينيات الواجب قبولها.
مثل العلم بكون ضوء القمر مستفادا من الشمس إذا رأى اختلاف أشكاله عند اختلاف محاذياته للشمس كما يختلف إذا فارقها بعد الاجتماع كما في ليلة الهلال وإذا كان ليلة الاستقبال عند الإبدار.
وهم متنازعون هل الحدس قد يفيد اليقين أم لا.
ومثل العقليات المحضة كقولنا الواحد نصف الاثنين والكل أعظم من الجزء والأشياء المساوية لشئ واحد متساية والضدان لا يجتمعان والنقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان.
فما من قضية من هذه القضايا الكلية التي تجعل مقدمة في البرهان إلا والعلم ب النتيجة ممكن بدون توسط ذلك البرهان بل هو الواقع كثيرا.
فإذا علم أن كل واحد فهو نصف كل اثنين وأن كل اثنين نصفهما واحد فانه يعلم أن هذا الواحد نصف هذين الاثنين وهلم جرا في سائر القضايا المعينة من غير استدلال على ذلك بالقضية الكلية.
وكذلك كل كل وجزء يمكن العلم بأن هذا الكل أعظم من جزئه بدون توسط القضية الكلية.
وكذلك هذان النقيضان من تصورهما نقيضين فانه يعلم أنهما لا يجتمعان ولا يرتفعان فكل أحد يعلم أن هذا المعين لا يكون موجودا معدوما ولا يخلو من الوجود والعدم كما يعلم المعين الآخر ولا يحتاج ذلك إلى أن يستدل عليه بأن كل شيء لا يكون موجودا معدوما معا.
وكذلك الضدان فان الإنسان يعلم أن هذا الشيء لا يكون اسود أبيض ولا يكون متحركا ساكنا كما يعلم أن الآخر كذلك ولا يحتاج في العلم بذلك
(1/108)

إلى قضية كلية بان كل شيء لا يكون اسود أبيض ولا يكون متحركا ساكنا وكذلك في سائر ما يعلم تضادهما فان علم تضاد المعينين علم أنهما لا يجتمعان وإن لم يعلم تضادهما لم يغنه العلم بالقضية الكلية وهي علمه بأن كل ضدين لا يجتمعان فان العلم بالقضية الكلية يفيد العلم ب المقدمة الكبرى المشتملة على الحد الأكبر وذلك لا يغنى بدون العلم ب المقدمة الصغرى المشتملة على الحد الأصغر والعلم بالنتيجة وهو أن هذين المعينين ضدان فلا يجتمعان يمكن بدون العلم بالمقدمة الكبرى وهو أن كل ضدين لا يجتمعان فلم يفتقر العلم بذلك إلى القياس الذي خصوه باسم البرهان.
وإن كان البرهان في كلام الله ورسوله وكلام سائر أصناف العلماء لا يختص بما يسمونه هم البرهان وإنما خصوا هم لفظ البرهان بما اشتمل على القياس الذي خصوا صورته ومادته بما ذكروه.
مثال ذلك أنه إذا أريد إبطال قول من يثبت الأحوال ويقول أنها لا موجودة ولا معدومة فقيل هذان نقيضان وكل نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان فان هذا جعل للواحد لا موجودا ولا معدوما ولا يمكن جعل شيء من الأشياء لا موجودا ولا معدوما في حال واحدة فلا يمكن جعل الحال لا موجودة ولا معدومة كان العلم بأن هذا المعين لا يكون موجودا معدوما ممكنا بدون هذه القضية الكلية فلا يفتقر العلم ب النتيجة إلى البرهان.
وكذلك إذا قيل أن هذا ممكن وكل ممكن فلا بد له من مرجح لوجوده على عدمه على اصح القولين أو لأحد طرفيه على قول طائفة من الناس أو قيل هذا محدث وكل محدث فلا بد له من محدث فتلك القضية الكلية وهى قولنا كل محدث لا بد له من محدث وكل ممكن لا بد له مرجح يمكن العلم بأفرادها المطلوبة بالقياس البرهاني عندهم بدون العلم بالقضية الكلية التي لا يتم البرهان عندهم إلا بها فيعلم أن هذا المحدث لا بد له من محدث وهذا
(1/109)

الممكن لا بد له من مرجح.
فان شك عقله وجوز أن يحدث هو بلا محدث احدثه أو أن يكون وهو ممكن يقبل الوجود والعدم بدون مرجح يرجح وجوده جوز ذلك في غيره من المحدثات والممكنات بطريق الأولى وإن جزم بذلك في نفسه لم يحتج علمه ب النتيجة المعينة وهو قولنا وهذا محدث فله محدث أو هذا ممكن فله مرجح إلى العلم بالقضية الكلية فلا يحتاج إلى القياس البرهاني.
ومما يوضح هذا أنك لا تجد أحدا من بني آدم يريد أن يعلم مطلوبا بالنظر ويستدل عليه بقياس برهاني يعلم صحته إلا ويمكنه العلم به بدون ذلك القياس البرهاني المنطقي.
فساد قولهم بأنه لا بد في كل علم نظري من مقدمتين:
ولهذا لا تجد أحدا من سائر أصناف العقلاء غير هؤلاء ينظم دليله من المقدمتين كما ينظمه هؤلاء بل يذكرون الدليل المستلزم للمدلول.
ثم الدليل قد يكون مقدمة واحدة وقد يكون مقدمتين وقد يكون مقدمات بحسب حاجة الناظر المستدل إذ حاجة الناس تختلف.
وقد بسطنا ذلك في الكلام على المحصل وبينا تخطئة جمهور العقلاء لمن قال أنه لا بد في كل علم نظري من مقدمتين لا يستغنى عنهما ولا يحتاج إلى أكثر منهما كما يقوله من يقوله من المنطقيين.
وهذا ينبغي أن تأخذه من المواد العقلية التي لا يستدل عليها بنصوص الأنبياء فانه يظهر بها فساد منطقهم.
الكلام على تمثيلهم كل مسكر خمر وكل خمر حرام فكل مسكر حرام.
وأما إذا أخذته من المواد المعلومة بأقوال الأنبياء فانه يظهر الاحتياج إلى القضية
(1/110)

الكلية كما إذا أردنا بيان تحريم النبيذ المتنازع فيه فقلنا النبيذ مسكر وكل مسكر حرام أو قلنا أنه خمر وكل خمر حرام.
فقولنا النبيذ المسكر خمر يعلم بالنص وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر وقولنا كل خمر حرام يعلم بالنص والإجماع وليس في ذلك نزاع وإنما النزاع في المقدمة الصغرى وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مسكر خمر وكل مسكر حرام.
وفي لفظ كل مسكر خمر وكل خمر حرام وقد يظن بعض الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا على النظم المنطقي لتبيين النتيجة ب المقدمتين كما يفعله المنطقيون وهذا جهل عظيم ممن يظنه فان النبي صلى الله عليه وسلم أجل قدرا من أن يستعمل مثل هذا الطريق في بيان العلم.
بل من هو أضعف عقلا وعلما من آحاد علماء أمته لا يرضى لنفسه أن يسلك طريقة هؤلاء المنطقيين بل يعدونهم من الجهال الذين لا يحسنون الاستدلال ويقولون هؤلاء قوم كانوا يحسنون الصناعات كالحساب والطب ونحو ذلك وأما العلوم البرهانية الكلية اليقينية والعلوم الإلهية فلم يكونوا من رجالها.
وقد بين ذلك نظار المسلمين في كتبهم وبسطوا الكلام عليهم.
وذلك أن كون كل خمر حراما هو مما علمه المسلمون فلا يحتاجون إلى معرفة ذلك ب القياس.
وإنما شك بعضهم في أنواع من الأشربة المسكرة كالنبيذ المصنوع من العسل والحبوب وغير ذلك كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أنه قيل:
(1/111)

يا رسول الله عندنا شراب يصنع من العسل يقال له البتع وشراب يصنع من الذرة يقال له المزر؟ قال: -وكان قد أوتى جوامع الكلم- فقال: "كل مسكر حرام" فأجابهم صلى الله عليه وسلم بقضية كلية بين بها أن كل ما يسكر فهو محرم وبين أيضا أن كل ما يسكر فهو خمر.
وهاتان قضيتان كليتان صادقتان متطابقتان العلم بأيهما كان يوجب العلم بتحريم كل مسكر إذ ليس العلم بتحريم كل مسكر متوقفا على العلم بهما جميعا.
فان من علم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر حرام " وهو من المؤمنين به علم أن النبيذ المسكر حرام ولكن قد يحصل له الشك هل أراد القدر المسكر أو أراد جنس المسكر وهذا شك في مدلول قوله فإذا علم مراده صلى الله عليه وسلم علم المطلوب.
وكذلك إذا علم أن النبيذ خمر والعلم بهذا أو كد في التحريم فان من يحلل النبيذ المتنازع فيه لا يسميه خمرا فإذا علم بالنص أن كل مسكر خمر كان هذا وحده دليلا على تحريم كل مسكر عند أهل الإيمان الذين يعلمون أن الخمر محرم وأما من لم يعلم تحريم الخمر لكونه لم يؤمن بالرسول فهذا لا يستدل بنصه.
وإن علم أن محمدا رسول الله لكن لم يعلم أنه حرم الخمر فهذا لا ينفعه قوله كل مسكر خمر بل ينفعه قوله كل مسكر حرام وحينئذ يعلم بهذا تحريم الخمر لأن الخرم والمسكر اسمان لمسمى واحد عند الشارع وهما متلازمان عنده في العموم والخصوص عند جمهور العلماء الذين يحرمون كل مسكر.
وليس المقصود هنا الكلام في تقرير المسألة الشرعية بل التنبيه على التمثيل فان
(1/112)

هذا المثال كثيرا ما يمثل به من صنف في المنطق من علماء المسلمين.
التمثيل بصور مجردة عن المواد المعينة:
والمنطقيون يمثلون بصور مجردة عن المواد لا تدل على شيء يعينه لئلا يستفاد العل بالمثال من صورته المعينة كما يقولون:
كل أ: ب، وكل ب: ج، فكل أ: ج.
لكن المقصود هو العلم المطلوب من المواد المعينة فإذا جردت يظن الظان أن هذا يحتاج إليه في المعينات وليس الأمر كذلك.
بل إذا طولبوا بالعلم بالمقدمتين الكليتين في جميع مطالبهم العقلية التي لم تؤخذ عن المعصومين تجدهم يحتجون بما يمكن معه العلم ب المعينات المطلوبة بدون العلم بالقضية الكلية فلا يكون العلم بها موقوفا على البرهان.
فالقضايا النبوية لا تحتاج إلى القياس العقلى الذي سموه برهانا وما يستفاد بالعقل من العلوم أيضا لا يحتاج إلى قياسهم البرهاني فلا يحتاج إليه لا في العقليات ولا في السمعيات.
فامتنع أن يقال لا يحصل علم إلا بالقياس البرهاني الذي ذكروه.
العلوم الحسية لا تكون إلا جزئية معينة:
ومما يوضح ذلك أن القضايا الحسية لا تكون إلا جزئية فنحن لم ندرك بالحس إلا إحراق هذه النار وهذه النار لم ندرك أن كل نار محرقة فإذا جعلنا هذه قضية كلية وقلنا كل نار محرقة لم يكن لنا طريق يعلم به صدق هذه القضية الكلية علما يقينيا إلا والعلم بذلك ممكن في الأعيان المعينة بطريق الأولى.
وإن قيل ليس المراد العلم ب الأمور المعينة فان البرهان لا يفيد إلا العلم بقضية كلية فالنتائج المعلومة ب البرهان لا تكون إلا كلية كما يقولون هم ذلك
(1/113)

والكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان.
قيل فعلى هذا التقدير لا يفيد البرهان العلم بشئ موجود بل بأمور مقدرة في الأذهان لا يعلم تحققها في الأعيان وإذا لم يكن في هذا علم بشئ موجود لم يكن في البرهان علم بموجود فيكون قليل المنفعة جدا بل عديم المنفعة.
وهم لا يقولوك بذلك بل يستعملونه في العلم بالموجودات الخارجة الطبيعية والإلهية.
ولكن حقيقة الأمر كما بيناه في غير هذا الموضع أن المطالب الطبيعية التي ليست من الكليات اللازمة بل الأكثرية فلا تفيد مقصود البرهان.
وأما الإلهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعية وغالب كلامهم فيها ظنون كاذبة فضلا عن أن تكون قضايا صادقة يؤلف منها البرهان.
ولهذا حدثونا بإسناد متصل عن فاضل زمانه في المنطق وهو الخونجي صاحب كشف أسرار المنطق والموجز وغيرهما أنه قال عند الموت: "أموت وما عرفت شيئا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى المؤثر" ثم قال: "الافتقار وصف سلبي فأنا أموت وما عرفت شيئا" وكذلك حدثونا عن آخر من أفاضلهم.
فهذا أمر يعرفه كل من خبرهم ويعرف أنهم اجهل أهل الأرض بالطرق التي ينال بها العلوم العقلية والسمعية إلا من علم منهم علما من غير الطريق المنطقية فتكون علومه من تلك الجهة لا من جهتهم مع كثرة تعبهم في البرهان الذين يزعمون أنهم يزنون به العلوم ومن عرف منهم بشئ من العلوم لم يكن ذلك بواسطة ما حرروه في المنطق
(1/114)

القضايا الكلية تعلم بقياس التمثيل:
ومما يبين أن حصول العلوم اليقينية الكلية والجزئية لا يفتقر إلى برهانهم أن يقال إذا كان لا بد في برهانهم من قضية كلية فالعلم بتلك القضية الكلية لا بد له من سبب فان عرفوها ب اعتبار الغائب بالشاهد وان حكم الشيء حكم مثله كما إذا عرفنا أن هذا النار محرقة علمنا أن النار الغائبة محرقة لأنها مثلها وحكم الشيء حكم مثله فيقال.
هذا استدلال ب قياس التمثيل وهم يزعمون أنه لا يفيد اليقين بل الظن فإذا كانوا علموا القضية الكلية بقياس التمثيل رجعوا في اليقين إلى ما يقولون أنه لا يفيد إلا الظن.
وإن قالوا بل عند الإحساس بالجزئيات يحصل في النفس علم الكلى من واهب العقل أو تستعد النفس عند الإحساس بالجزئيات لأن يفيض عليها الكلى من واهب العقل أو قالوا من العقل الفعال عندهم أو نحو ذلك قيل لهم.
الكلام فيها به يعلم أن ذلك الحكم الكلى الذي في النفس علم لا ظن ولا جهل.
فان قالوا هذا يعلم بالبديهة والضرورة كان هذا قولا بأن هذه القضايا الكلية معلومة بالبديهة والضرورة وأن النفس مضطرة إلى هذا العلم وهذا أن كان حقا فالعلم بالأعيان المعينة وبأنواع الكليات يحصل أيضا في النفس بالبديهة والضرورة كما هو الواقع.
فان جزم العقلاء ب الشخصيات من الحسيات أعظم من جزمهم ب الكليات وجزمهم بكلية الأنواع أعظم من جزمهم بكلية الأجناس والعلم ب الجزئيات
(1/115)

أسبق إلى الفطرة فجزم الفطرة بها أقوى ثم كلما قوى العقل اتسعت الكليات.
وحينئذ فلا يجوز أن يقال أن العلم ب الأشخاص موقوف على العلم ب الأنواع والأجناس ولا أن العلم ب الأنواع موقوف على العلم ب الأجناس بل قد يعلم الإنسان أنه حساس متحرك بالإرادة قبل أن يعلم أن كل إنسان كذلك ويعلم أن الإنسان كذلك قبل أن يعلم أن كل حيوان كذلك فلم يبق علمه ب أنه أو ب أن غيره من الحيوان حساس متحرك بالإرادة موقوفا على البرهان.
وإذا علم حكم سائر الناس وسائر الحيوان فالنفس تحكم بذلك بواسطة علمها أن ذلك الغائب مثل هذا الشاهد أو أنه يساويه في السبب الموجب لكونه حساسا متحركا بالإرادة ونحو ذلك من قياس التمثيل والتعليل الذي يحتج به الفقهاء في إثبات الأحكام الشرعية.
استواء قياس التمثيل وقياس الشمول:
وهؤلاء يزعمون أن ذلك القياس إنما يفيد الظن وقياسهم هو الذي يفيد اليقين وقد بينا في غير هذا الموضع أن قولهم هذا من أفسد الأقوال وأن قياس التمثيل وقياس الشمول سواء وإنما يختلف اليقين والظن بحسب المواد فالمادة المعينة أن كانت يقينية في أحدهما كانت يقينية في الآخر وإن كانت ظنية في أحدهما كانت ظنية في الآخر.
وذلك أن قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة الأصغر والأوسط والأكبر والحد الأوسط فيه هو الذي يسمى في قياس التمثيل علة ومناطا وجامعا ومشتركا وصفا ومقتضيا ونحو ذلك من العبارات.
فإذا قال في مسألة النبيذ كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام فلا بد له من إثبات المقدمة الكبرى وحينئذ يتم البرهان.
وحينئذ فيمكنه أن يقول النبيذ مسكر فيكون حراما قياسا على خمر العنب
(1/116)

بجامع ما يشتركان فيه من الإسكار فان الإسكار هو مناط التحريم في الأصل وهو موجود في الفرع.
فيما به يقرر أن كل مسكر حرام به يقرر أن السكر مناط التحريم بطريق الأولى بل التقرير في قياس التمثيل أسهل عليه لشهادة الأصل له بالتحريم.
فيكون الحكم قد علم ثبوته في بعض الجزئيات لا يكفى في قياس التمثيل إثباته في أحد الجزئين لثبوته في الجزء الآخر لاشتراكهما في أمر لم يقم دليل على استلزامه للحكم كما يظنه هؤلاء الغالطون بل لا بد من أن يعلم أن المشترك بينهما مستلزم للحكم والمشترك بينهما هو الحد الأوسط وهو الذي يسميه الفقهاء وأهل أصول الفقه المطالبة بتأثير الوصف في الحكم.
وهذا السؤال أعظم سؤال يرد على القياس وجوابه هو الذي يحتاج إليه غالبا في تقرير صحة القياس.
فان المعترض قد يمنع الوصف في الأصل وقد يمنع الحكم في الأصل وقد يمنع الوصف في الفرع وقد يمنع كون الوصف علة في الحكم ويقول لا اسلم أن ما ذكرته من الوصف المشترك هو العلة أو دليل العلة فلا بد من دليل يدل على ذلك أما من نص أو إجماع أو سبر وتقسيم أو المناسبة أو الدوران عند من يستدل بذلك فما دل على أن الوصف المشترك مستلزم الحكم أما علة وأما دليل العلة هو الذي يدل على أن الحد الأوسط مستلزم الأكبر وهو الدال على صحة المقدمة الكبرى فان اثبت العلة كان برهان علة وإن اثبت دليلها كان برهان دلالة وإن لم يفد العلم بل أفاد الظن فكذلك المقدمة الكبرى في ذلك القياس لا تكون إلا ظنية وهذا أمر بين.
ولهذا صار كثير من الفقهاء يستعملون في الفقه القياس الشمولى كما يستعمل في العقليات القياس التمثيلى وحقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر
(1/117)

رد القول بأنه لا قياس في العقليات إنما هو في الشرعيات:
ومن قال من متأخري أهل الكلام والرأي كأبي المعالي وأبي حامد والرازي وأبي محمد المقدسي وغيرهم أن العقليات ليس فيها قياس وإنما القياس في الشرعيات ولكن الاعتماد في العقليات على الدليل الدال على ذلك مطلقا فقولهم مخالف لقول جمهور نظار المسلمين بل وسائر العقلاء.
فان القياس يستدل به في العقليات كما يستدل به في الشرعيات فانه إذا ثبت أن الوصف المشترك مستلزم الحكم كان هذا دليلا في جميع العلوم وكذلك إذا ثبت أنه ليس بين الفرع والأصل فرق مؤثر كان هذا دليلا في جميع العلوم وحيث لا يستدل بالقياس التمثيلي لا يستدل بالقياس الشمولي.
وأبو المعالي ومن قبله من نظار المتكلمين لا يسلكون طريقة المنطقيين ولا يرضونها بل يستدلون بالأدلة المستلزمة عندهم لمدلولاتها من غير اعتبار ذلك.
غير أن المنطقيين وجمهور النظار يقيسون الغائب على الشاهد إذا كان المشترك مستلزما للحكم كما يمثلون به من الجمع بالحد والعلة والشرط والدليل.
ومنازعهم يقول لم يثبت الحكم في الغائب لأجل ثبوته في الشاهد بل نفس القضية الكلية كافية في المقصود من غير احتياج إلى التمثيل.
فيقال لهم وهكذا في الشرعيات فانه متى قام الدليل على أن الحكم معلق بالوصف الجامع لم يحتج إلى الأصل بل نفس الدليل الدال على أن الحكم معلق بالوصف كاف لكن لما كان هذا كليا والكلى لا يوجد إلا معينا كان تعيين الأصل مما يعلم به تحقق هذا الكلى وهذا أمر نافع في الشرعيات والعقليات فعلمت أن القياس حيث قام الدليل على أن الجامع مناط الحكم أو على إلغاء الفارق بين الأصل والفرع فهو قياس صحيح ودليل صحيح في أي شيء كان.
تنازع الناس في مسمى القياس:
وقد تنازع الناس في مسمى القياس
(1/118)

فقالت طائفة من أهل الأصول: هو حقيقة في قياس التمثيل مجاز في قياس الشمول كابي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي وغيرهما.
وقالت طائفة: بل هو بالعكس حقيقة في الشمول مجاز في التمثيل كابن حزم وغيره.
وقال جمهور العلماء بل هو حقيقة فيهما والقياس العقلي يتناولهما جميعا وهذا قول أكثر من تكلم في أصول الدين وأصول الفقه وأنواع العلوم العقلية وهو الصواب وهو قول الجمهور من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم كالشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب وأمثالهما وكالقاضي أبي يعلى والقاضي يعقوب والحلواني وأبي الخطاب وابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم فان حقيقة أحدهما هو حقيقة الآخر وإنما تختلف صورة الاستدلال.
والقياس في اللغة تقدير الشيء بغيره وهذا تتناول تقدير الشيء المعين بنظيره المعين وتقديره بالأمر الكلى المتناول له ولأمثاله فان الكلى هو مثال في الذهن لجزئياته ولهذا كان مطابقا موافقا له.
حقيقة قياس الشمول:
وقياس الشمول هو انتقال الذهن من المعين إلى المعنى العام المشترك الكلى المتناول له ولغيره والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلى بأن ينتقل من ذلك الكلى اللازم إلى الملزوم الأول وهو المعين فهو انتقال من خاص إلى عام ثم انتقال من ذلك العام إلى الخاص من جزئى إلى كلى ثم من ذلك الكلى إلى الجزئي الأول فيحكم عليه بذلك الكلى.
ولهذا كان الدليل اخص من مدلوله الذي هو الحكم فانه يلزم من وجود الدليل وجود الحكم واللازم لا يكون أخص من ملزومه
(1/119)

بل أعم منه أو مساويه وهو المعنى بكونه أعم.
والمدلول عليه الذي هو محل الحكم وهو المحكوم عليه المخبر عنه الموصوف الموضوع أما أخص من الدليل وأما مساويه فيطلق عليه القول بأنه اخص منه لا يكون أعم من الدليل إذ لو كان أعم منه لم يكن الدليل لازما له وإذا لم يكن لازما له لم يعلم أن لازم الدليل وهو الحكم لازم له فلا يعلم ثبوت الحكم له فلا يكون الدليل دليلا وإنما يكون إذا كان لازما ل المحكوم عليه الموصوف المخبر عنه الذي يسمى الموضوع والمبتدأ مستلزما الحكم الذي هو صفة وخبر وحكم وهو الذي يسمى المحمول والخبر.
هذا كالسكر الذي هو أعم من النبيذ المتنازع فيه وأخص من التحريم.
وقد يكون الدليل مساويا في العموم والخصوص للحكم ول محله.
وبأي صورة ذهنية أو لفظية صور الدليل فحقيقته واحدة وإن ما يعتبر في كونه دليلا هو كونه مستلزما للحكم لازما للمحكوم عليه فهذا هو جهة دلالته سواء صور قياس شمول وتمثيل أو لم يصور كذلك.
وهذا أمر يعقله القلب وإن لم يعبر عنه اللسان ولهذا كانت أذهان بني آدم تستدل ب الأدلة على المدلولات وإن لم يعبروا عن ذلك بالعبارات المبينة لما في نفوسهم وقد يعبرون بعبارات مبينة لمعانيهم وإن لم يسلكوا اصطلاح طائفة معينة من أهل الكلام ولا المنطق ولا غيرهم فالعلم بذلك الملزوم لا بد أن يكون بينا بنفسه أو بدليل آخر.
حقيقة قياس التمثيل والموازنة بينه وبين قياس الشمول:
وأما قياس التمثيل فهو انتقال المذهن من حكم معين إلى حكم معين لاشتراكهما في ذلك المعنى المشترك الكلى لأن ذلك الحكم يلزم ذلك المشترك الكلى ثم العلم بذلك الملزوم لا بد له من سبب إذا لم يكن بينا كما تقدم
(1/120)

فهنا يتصور المعينين أولا وهما الأصل والفرع ثم ينتقل إلى لازمهما وهو المشترك ثم إلى لازم اللازم وهو الحكم.
ولا بد أن يعرف أن الحكم لازم المشترك وهو الذي يسمى هناك قضية كبرى ثم ينتقل إلى إثبات هذا اللازم للملزوم الأول المعين.
فهذا هو هذا في الحقيقة وإنما يختلفان في تصوير الدليل ونظمه وإلا فالحقيقة التي بها صار دليلا وهو أنه مستلزم للمدلول حقيقة واحدة.
ومن ظلم هؤلاء وجهلهم أنهم يضربون المثل في قياس التمثيل بقول القائل السماء مؤلفة فتكون محدثة قياسا على الإنسان ثم يوردون على هذا القياس ما يختص به لخصوص المادة وهذا يرد عليه لو جعل قياس الشمول فانه لو قيل السماء مؤلفة وكل مؤلف محدث لورد عليه هذه الاسئلة وزيادة.
ولكن إذا اخذ قياس الشمول في مادة معلومة بينة لم يكن فرق بينه وبين قياس التمثيل بل قد يكون التمثيل أبين ولهذا كان العقلاء يقيسون به.
وكذلك قولهم في الحد أنه لا يحصل بالمثال إنما ذلك في المثال الذي لا يحصل به التمييز بين المحدود وغيره بحيث يعرف به ما يلازم المحدود طردا وعكسا بحيث يوجد حيث وجد وينتفى حيث انتفى فان الحد المميز للمحدود هو ما به يعرف الملازم المطابق طردا وعكسا فكل ما حصل هذا فقد ميز المحدود من غيره وهذا هو الحد عند جماهير النظار ولا يسوغون إدخال الجنس العام في الحد.
فإذا كان المقصود الحد بحسب الاسم فسأل بعض العجم عن مسمى الخبز فأرى رغيفا وقيل له هذا فقد يفهم أن هذا اللفظ يوجد فيه كل ما هو خبز سواء كان على صورة الرغيف أو غير صورته وقد بسط الكلام على ما
(1/121)

ذكروه وذكره المنطقيون في الكلام على المحصل وغير ذلك.
وجد هذا في الأمثلة المجردة إذا كان المقصود إثبات الجيم للألف والحد الأوسط هو الباء فقيل:
كل ألف باء وكل باء جيم أنتج كل ألف جيم.
ولكن يحتاج ذلك إلى إثبات القضية الكبرى مع الصغرى وإذا قيل.
كل ألف جيم قياسا عل الدال.
لأن الدال هي جيم.
وإنما كانت جيما لأنها باء.
والألف أيضا باء.
فتكون الألف جيما لاشتراكهما في المستلزم للجيم وهو الباء.
كان هذا صحيحا في معنى الأول لكن فيه زيادة مثال قيست عليه الألف مع أن الحد الأوسط وهو الباء موجود فيهما.
دعواهم في البرهان أنه يفيد العلوم الكمالية:
فان قيل ما ذكرتموه من كون البرهان لا بد فيه من قضية كلية صحيح ولهذا لا يثبتون به إلا مطلوبا كليا ويقولون البرهان لا يفيد إلا الكليات.
ثم اشرف الكليات هي العقليات المحضة التي لا تقبل التغيير والتبديل فهي التي تكمل بها النفس وتصير عالما معقولا موازيا للعالم الموجود بخلاف القضايا التي تتبدل وتتغير.
وإذا كان المطلوب هو الكليات العقلية التي لا تقبل التبديل والتغيير فتلك إنما تحصل ب القضايا العقلية الواجب قبولها بل إنما تكون في القضايا التي جهتها الوجوب كما يقال كل إنسان حيوان وكل موجود فاما واجب وأما ممكن
(1/122)

ونحو ذلك من القضايا الكلية التي لا تقبل التغير.
أقسام العلوم عندهم ثلاثة:
ولهذا كانت العلوم عندهم ثلاثة:
- أما علم لا يتجرد عن المادة لا في الذهن ولا في الخارج وهو الطبيعي وموضوعه الجسم.
- وأما علم مجرد عن المادة في الذهن لا في الخارج وهو الرياضي كالكلام في المقدورات المعدودة والمقدار والعدد.
- وأما ما يتجرد عن المادة فيهما وهو الإلهى وموضوعه الوجود المطلق بلواحقه التي تلحقه من حيث هو وجود كانقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض.
الجواهر الخمسة:
وانقسام الجوهر إلى ما هو حال، وما هو محل، وما ليس بحال ولا محل، بل هو يتعلق بذلك تعلق التدبير، والى ما ليس بحال ولا محل ولا هو متعلق بذلك.
فالأول: هو الصورة.
والثاني: هو المادة وهو الهيولي ومعناه في لغتهم المحل.
والمركب منهما هو الجسم.
والثالث: هو النفس.
والرابع: هو العقل.
وهذه الخمسة أقسام الجوهر عندهم.
والأول مقالي يجعله أكثرهم من مقولة الجوهر ولكن طائفة من متأخريهم كابن سينا امتنعوا من تسميته جوهرا وقالوا الجوهر ما إذا وجد كان وجوده لا في موضوع أي لا في محل يستغنى عن الحال فيه وهذا إنما يكون فيما وجوده غير ماهيته والأول ليس كذلك فلا يكون جوهرا وهذا خالفو مما
(1/123)

فيه سلفهم ونازعوهم فيه نزاعا لفظيا ولم يأتوا بفرق صحيح معقول فان تخصيص أسم الجوهر بما ذكروه أمر اصطلاحي.
وأولئك يقولون بل هو كل ما ليس في موضوع كما يقول المتكلمون كل ما هو قائم بنفسه أو كل ما هو متحيز أو كل ما قامت به الصفات أو كل ما حمل الاعراض ونحو ذلك.
وأما الفرق المعنوي فدعواهم أن وجود الممكنات زائد على ماهيتها في الخارج باطل ودعواهم أن الأول وجود مقيدة بالسلوب أيضا باطل كما هو مبسوط في موضعه.
علم المقولات العشر:
مع أن تقسيم الوجود إلى واجب وممكن هو تقسيم ابن سينا وأتباعه وأما أرسطو والمتقدمون فلا يقسمونه إلا إلى جوهر وعرض والممكن عندهم لا يكون إلا حادثا كما اتفق على ذلك سائر العقلاء وهذا العلم هو علم المقولات العشر وهو المسمى عندهم قاطيغورياس.
الأدلة على بطلان دعواهم في البرهان:
والمقصود هنا الكلام على البرهان فيقال:.
هذا الكلام وإن ضل به طوائف فهو كلام مزخرف وفيه من الباطل ما يطول وصفه ولكن ننبه هنا على بعض ما فيه وذلك من وجوه:
الوجه الأول: البرهان لا يفيد العلم بشئ من الموجودات.
الأول: أن يقال إذا كان البرهان لا يفيد إلا العلم بالكليات والكليات إنما تتحقق في الأذهان لا في الأعيان وليس في الخارج إلا موجود معين لم يعلم
(1/124)

بالبرهان شيء من المعينات فلا يعلم به موجود أصلا بل إنما يعلم به أمور مقدرة في الأذهان.
ومعلوم أن النفس لو قدر أن كمالها في العلم فقط وإن كانت هذه قضية كاذبة كما بسط في موضعه فليس هذا علما تكمل به النفس إذ لم تعلم شيئا من الموجودات ولا صارت عالما معقولا موازيا للعالم الموجود بل صارت عالما لأمور كلية مقدرة لا يعلم بها شيء من العالم الموجود وأي خير في هذا فضلا عن أن يكون كمالا.
الوجه الثاني: لا يعلم بالبرهان واجب الوجود ولا العقول الخ.
الثاني: أن يقال اشرف الموجودات هو واجب الوجود ووجوده معين لا كلى فان الكلى لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وواجب الوجود يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وإن لم يعلم منه ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه بل إنما علم أمر كلى مشترك بينه وبين غيره لم يكن قد علم واجب الوجود.
وكذلك الجواهر العقلية عندهم وهي العقول العشرة أو أكثر من ذلك عند من يجعلها أكثر من ذلك عندهم كالسهروردى المقتول وأبى البركات وغيرهما كلها جواهر معينة لا أمور كلية فإذا لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيء منها
(1/125)

وكذلك الأفلاك التي يقولون أنها أزلية أبدية وهي معينة فإذا لم يعلم إلا الكليات لم تكن معلومة.
فلا يعلم لا واجب الوجود ولا العقول ولا شيء من النفوس ولا الأفلاك بل ولا العناصر ولا المولدات وهذه جملة الموجودات عندهم فأي علم هنا تكمل به النفس!
الوجه الثالث: ليس العلم الإلهي عندهم علما بالخالق ولا بالمخلوق.
الثالث: أن يقال العلم الأعلى عندهم الذي هو الفلسفة الأولى والحكمة العليا علم ما بعد الطبيعة باعتبار الاستدلال وما هو قبلها باعتبار الوجود وهو الذي يسميه طائفة منهم العلم الإلهي.
وموضوع هذا العلم هو الوجود المطلق الكلى المنقسم إلى واجب وممكن وقديم ومحدث وجوهر وعرض.
إيراد لابن المطهر الحلى وتخطئة المصنف له عليه:
وقد أورد بعض المتأخرين من الشيعة المصنفين في علمهم ما ذكره أنه الأسرار الخفية في العلوم العقلية عليهم سؤالا قال: إن كان موضوعه كل موجود فلا يبحث فيه عن عوارض كل موجود وإن كان أخص من ذلك كالواجب والممكن فذلك جزء منه.
التقسيم نوعان: تقسيم الكل إلى أجزائه وتقسيم الكلى إلى جزئياته
(1/126)

فيقال له القسمة نوعان: قسمة الكلى إلى جزئياته وقسمة الكل إلى أجزائه والقسمة الثانية هي المعروفة في الأمر العام كما يقول العلماء باب القسمة ويذكرون قسمة المواريث والمغانم والأرض وغير ذلك ومنه قوله تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ} ومنه قوله تعالى: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} .
أما تقسيم الكلى إلى جزئياته فمثل قولنا الحيوان ينقسم إلى ناطق وأعجمي وهو قسمة الجنس إلى أنواعه والنوع إلى أشخاصه.
ولهذا كان النحاة إذا أرادوا أن يقسموا ما يقسمونه إلى اسم وفعل وحرف يختلف كلامهم فكثير منهم يقول الكلام ينقسم إلى اسم وفعل وحرف وهذا هو الذي يذكره قدماء النحاة.
فاعترض عليهم بعض من صنف في قوانين النحو كالكرولي وقالوا كل جنس قسم إلى أنواعه أو أنواع أشخاصه فالاسم المقسوم الأعلى صادق على الأنواع والأشخاص وإلا فليست بأقسام له فصاروا يقولون الكلمة تنقسم إلى اسم وفعل وحرف ويقولون الكلمة جنس تحته أنواع الاسم والفعل والحرف.
وهذا الاعتراض خطأ ممن أورده لأن أولئك لم يقصدوا تقسيم الكلى إلى جزئياته وإنما قصدوا تقسيم الكل إلى أجزائه وهو التقسيم المعروف أولا في العقول واللغات كما إذا قلت هذه الأرض مقسومة فلفلان هذا الجانب ولفلان هذا الجانب كما قال تعالى: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ} والكلام مركب من الأسماء والأفعال
(1/127)

والحروف كما يتركب البيت من السقف والحيطان والأرض وكما أن بدن الإنسان مركب من أعضائه المتميزة وأخلاطه الممتزجة فتقسيمه إلى الأعضاء والأخلاط تقسيم كل إلى أجزائه ومثل هذا يمتنع أن يصدق فيه اسم المقسوم على الأجزاء فليس كل واحد من أعضائه بدنا ولا كل من أخلاطه بدنا ولا كل من أجزاء السقف بيتا وكذلك الوجه إذا قيل ينقسم إلى جبين وأنف وعين وخد وغير ذلك لم يكن كل واحد من هذه الأعضاء وجها ونظائر هذا كثيرة.
وأما الكلى فإنما يوجد في الذهن لا في الخارج فتبين أن تقسيم الأولين أظهر من تقسيم الآخرين.
معنى الكلمة والحرف في كلام العرب:
ثم أن الآخرين جعلوا أن الكلمة اسم جنس لهذه الأنواع ولفظ الكلمة لا يوجد في لغة العرب إلا اسما لجملة تامة اسمية أو فعلية كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم " وقوله: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... ... ... ...
وقوله في النساء: "أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله " ومنه قوله تعالى: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} وقوله تعالى: {وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ
(1/128)

كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} .
ومثل هذا كثير في كلام العرب.
وبعض متأخرى النحاة لما سمع بعض هذا قال وقد يراد ب الكلام الكلمة.
وليس الأمر كما زعمه بل لا يوجد في كلام العرب لفظ الكلمة إلا للجملة التامة التي هي كلام ولا تطلق العرب لفظ كلمة ولا كلام إلا على جملة تامة ولهذا ذكر سيبويه أنهم يحكون بالقول ما كان كلاما ولا يحكون به ما كان قولا.
وأما تسمية الاسم وحده كلمة والفعل وحده كلمة والحرف وحده كلمة مثل هل وبل فهذا اصطلاح محض لبعض النحاة ليس هذا من لغة العرب أصلا وإنما تسمى العرب هذه المفردات حروفا ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قرأ القران فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف" والذي عليه محققوا العلماء أن المراد بالحرف الاسم وحده والفعل حرف المعنى لقوله: ألف حرف" وهذا اسم.
ولهذا لما سأل الخليل أصحابه عن النطق بالزاء من زيد فقالوا: (زا) فقال نطقتم بالاسم وإنما الحرف زه ومنه قول أبي الأسود
(1/129)

الدؤلي وذكر له لفظه من الغريب وقال: "هذا حرف لم يبلغك" فقال: "كل حرف لم يبلغ عمك فافعل به كذا.
ولهذا ذكر سيبويه في أول كتابه التقسيم إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل فجعل الفصل من النوع الثالث أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل فميزه بقوله جاء لمعنى عن حروف الهجاء مثل (الف) (با) (تا) فان هذه حروف هجاء.
وهذه الألفاظ أسماء تعرب إذا عقدت وركبت ولكن إذا نطق بها قبل التركيب نطق بها ساكنة كما ينطق بأسماء العدد قبل التركيب والعقد فيقال واحد اثنان ثلاثة ولهذا يعلم الصبيان في أول الأمر اسما الحروف المفردة (اب ت ث) ثم المركبة وهو (ابجد هوز حطي) ويعلمون أسماء الأعداد واحد اثنان ثلاث.
عود إلى أصل الموضوع.
والمقصود هنا أن التقسيم نوعان تقسيم الكل إلى أجزائه وهو أشهرهما وأعرفهما في العقول واللغات والثاني تقسيم الكلي إلى جزئياته وهو التقسيم الثاني لأن الكليات هي المعقولات الثانية.
فإذا قال القائل الوجود الذي هو موضوع العلم الإلهي عندهم أما أن يكون كل موجود أو بعضه وهو الواجب أو الممكن كان هذا الحصر خطأ منه لأن موضوعه الوجود الكلي المنقسم إلى أنواعه لا الكل المنقسم إلى أجزائه ومعلوم أن الوجود الكلي يتكلمون في لواحقه الذاتيه لا في لواحق كل موجود.
العلم الأعلى عند المنطقيين ليس علما بموجود في الخارج:
لكن الذي تبين به خساسة ما عند القوم ونقص قدره أن هذا الوجود الكلي
(1/130)

إنما يكون كليا في الذهن لا في الخارج فإذا كان هذا هو العلم الأعلى عندهم لم يكن الأعلى عندهم علما بشيء موجود في الخارج بل علما بأمر مشترك بين جميع الموجودات وهو مسمى الوجود وذلك كمسمى الشيء والذات والحقيقة والنفس والعين والماهية ونحو ذلك من المعاني العامة ومعلوم أن العلم بهذا ليس هو علما بموجود في الخارج لا بالخالق ولا بالمخلوق وإنما هو علم بأمر مشترك كلي يشترك فيه الموجودات لا يوجد إلا في الذهن ومن المتصورات ما يشترك فيه الموجود والمعدوم كقولنا مذكور ومعلوم ومخبر عنه فهذا اعم من ذاك.
وهذا بخلاف العلم الأعلى عند المسلمين فانه العلم بالله الذي هو في نفسه أعلى من غيره من كل وجه والعلم به أعلى العلوم من كل وجه والعلم به اصل لكل علم وهم يسلمون أن العلم به إذا حصل على الوجه التام يستلزم العلم بكل موجود.
وهذا بخلاف العلم بمسمى الوجود فان هذا لا حقيقة له في الخارج ولا العلم بالقدر المشترك يستلزم العلم بأجناسه وأنواعه وما يتميز به كل شيء بل ليس فيه إلا علم بقدر مشترك لا تصور له في الخارج وإنما هو علم بهذه المشتركات.
وليس في مجرد العلم بذلك ما يوجب كمال النفس بل ولا في العلم بأقسامه العامة فانا إذا علمنا أن الوجود ينقسم إلى جوهر وعرض وأن أقسام الجوهر خمسة كما زعموه مع أن ذلك ليس بصحيح ولا يثبت مما ذكروه إلا الجسم وأما المادة والصورة والنفس والعقل فلا يثبت لها حقيقة في الخارج إلا أن يكون جسما اوعرضا ولكن ما يثبتونه يعود إلى أمر مقدر في النفس لا في الخارج كما قد بسط في موضعه.
وقد اعترف بذلك من ينصرهم ويعظمهم كأبي محمد بن حزم وغيره ولتعظيمه
(1/131)

المنطق رواه بإسناده إلى متى الترجمان الذي ترجمه إلى العربية ومع هذا فاعترف بما ذكرناه وقد بسط ذلك في موضعه.
ونحن نفرض هنا وجود ذلك في الخارج فالعلم بانقسام ذلك إلى جواهر خمسة وانقسام العرض إلى الأنواع التسعة مع أنه لم يقم دليل على انقسامه إلى تسعة عند بعضهم وقد انشدوا فيها:
زيد الطويل الأسود ابن مالك ... في داره بالأمس كان يتكى
في يده سيف نضاه فانتضى ... فهذه عشر مقولات سوى
فذكر في هذين البيتين الجوهر والكم والكيف والإضافة والأين ومتى والوضع والملك وأن يفعل وأن ينفعل.
ولما لم يقم دليل على حصر أجناسها العالية في تسعة جعلها بعضهم خمسة وبعضهم ثلاثة الكم والكيف والإضافة.
والمقصود هنا أنه إذا علم هذا التقسيم وعندهم كلما كان أعم كان أقرب إلى المعقول وكان البرهان عليه أقوم فانه لا يقوم برهان واجب القبول دائما إلا على ما لا يتغير وهذه الأعراض عندهم لا يقوم ب واجب الوجود بل ولا ب العقول إلا بعضها على نزاع بينهم فيعود الكمال إلى تصور وجود مطلق لا حقيقة له في الخارج كتصور ذات مطلقة وشئ مطلق وحقيقة مطلقة.
وأي كمال للنفس في مجرد تصور هذه الأمور العامة الكلية إذا لم تتصور أعيان الموجودات المعينة الجزئية وأي علم في هذا برب العالمين الذي لا تكمل النفوس إلا
(1/132)

بمعرفته وعبادته محبة وذلا كما قد بسط في موضعه.
ولهذا كانت نهاية الفلاسفة إذا هداهم الله بعض الهداية بداية اليهود والنصارى الكفار فضلا عن المسلمين أمة محمد صلى الله عليه وسلم فان ما عند اليهود والنصارى الكفار بعد النسخ والتبديل مما هو من نوع كمال النفس أفضل في الجنس والكم والكيف مما عند الفلاسفة.
الوجه الرابع: العلم الرياضي لا تكمل به النفوس وإن ارتضت به العقول:
إن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي والى الرياضي والى الإلهي وجعلهم الرياضي اشرف من الطبيعي والإلهي اشرف من الرياضي هو مما قلبوا به الحقائق.
فان العلم الطبيعي وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج ومبدأ حركاتها وتحولاتها من حال إلى حال وما فيها من الطبائع اشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجردة فان كون الإنسان لا يتصور إلا شكلا مدورا أو مثلثا أو مربعا ولو تصور كل ما في أقليدس أو لا يتصور إلا أعدادا مجردة ليس فيه علم بموجود في الخارج وليس ذلك كمالا في النفس ولولا أن ذلك يطلب فيه معرفة المعدودات والمقدرات الخارجية التي هي أجسام وأعراض لما جعل علما.
وإنما جعلوا الهندسة مبدأ لعلم الهيئة ليستعينوا به على براهين الهيئة أو ينتفعوا به في عمارة الدنيا هذا مع أن براهينهم القياسية لا تدل على شيء دلالة مطردة يقينية سالمة عن الفساد إلا في هذه المواد الرياضية.
فان علم الحساب الذي هو علم بالكم المنفصل والهندسة التي هي علم بالكم المنفصل علم يقيني لا يحتمل النقيض البتة مثل جمع الأعداد وقسمتها
(1/133)

وضربها ونسبة بعضها إلى بعض.
فانك إذا جمعت مائة إلى مائة علمت أنها مائتان وإذا قسمتها على عشرة كان لكل واحد عشرة وإذا ضربتها في عشرة كان المرتفع مائة.
والضرب مقابل للقسمة فان ضرب الأعداد الصحيحة تضعيف آحاد احد العددين بآحاد العدد الآخر والقسمة توزيع احد العددين على آحاد العدد الآخر فإذا قسم المرتفع بالضرب على احد العددين خرج المضروب الآخر وإذا ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه خرج المقسوم فالمقسوم نظير المرتفع بالضرب فكل واحد من المضروبين نظير المقسوم والمقسوم عليه والنسبة تجمع هذا كله فنسبة احد المضروبين إلى المرتفع كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر ونسبة المرتفع إلى احد المضروبين كنسبة الآخر إلى الواحد.
فهذه الأمور وأمثالها مما يتكلم فيه الحساب أمر معقول مما يشترك فيه ذوو العقول وما من احد من الناس إلا يعرف منه شيئا فانه ضروري في العلم ضروري في العمل ولهذا يمثلون به في قولهم الواحد نصف الاثنين ولا ريب أن قضاياه كلية واجبة القبول لا تنتقض البتة.
استطراد.
وهذا مبتدأ فلسفتهم التي وضعها فيثاغورس وكانوا يسمون أصحابه أصحاب العدد وكانوا يظنون أن الأعداد المجردة موجودة خارج الذهن.
ثم تبين لأفلاطون وأصحابه غلط ذلك وظنوا أن الماهيات المجردة ك الإنسان المطلق والفرس المطلق موجودات خارج الذهن وأنها أزلية أبدية.
ثم تبين لأرسطو وأصحابه غلط ذلك فقالوا بل هذه الماهيات المطلقة موجودة في الخارج مقارنة لوجود الأشخاص ومشى من مشى من اتباع أرسطو من المتأخرين
(1/134)

على هذا وهو أيضا غلط فان ما في الخارج ليس بكلى أصلا وليس في الخارج إلا ما هو معين مخصوص.
وإذا قيل الكلي الطبيعي في الخارج فمعناه أن ما هو كلي في الذهن هو مطابق للأفراد الموجودة في الخارج مطابقة العام لأفراده والموجود في الخارج معينا مختص ليس بكلي أصلا ولكن فيه حصة من الكلي.
وما في الذهن يطلق عليه أنه قد يوجد الخارج كما يقال فعلت ما في نفسي وفي نفسي أمور أريد فعلها ومنه قوله تعالى: {إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها} وقول عمر كنت زورت في نفسي مقالة أحببت أن أقولها ونظائره كثيرة.
والكلي إذا وجد في الخارج لا يكون إلا معينا لا يكون كليا فكونه كليا مشروط بكونه في الذهن.
ومن اثبت ماهية لا في الذهن ولا في الخارج فتصور قوله تصورا تاما يكفي في العلم بفساد قوله وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع.
عود إلى اصل الموضوع.
والمقصود هنا أن هذا العلم هو الذي تقوم عليه براهين صادقة لكن لا تكمل بذلك نفس ولا تنجو به من عذاب ولا يحصل لها به سعادة.
ولهذا قال أبو حامد الغزالي وغيره في علوم هؤلاء:
(1/135)

"هي بين علوم صادقة لا منفعة فيها ونعوذ بالله من علم لا ينفع وبين ظنون كاذبة لا ثقة بها و {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} " يشيرون بالأول إلى العلوم الرياضية وبالثاني إلى ما يقولونه في الإلهيات وفي أحكام النجوم ونحو ذلك.
الأسباب المغرية بالاشتغال بالعلم الرياضي وما أشبهه:
لكن قد تلتذ النفس بذلك كما تلتذ بغير ذلك فان الإنسان يلتذ بعلم ما لم يكن علمه وسماع ما لم يكن سمعه إذا لم يكن مشغولا عن ذلك بما هو أهم عنده منه كما قد يلتذ بأنواع من الأفعال التي هي من جنس اللهو واللعب.
وأيضا ففي الإدمان على معرفة ذلك تعتاد النفس العلم الصحيح والقضايا الصادقة والقياس المستقيم فيكون في ذلك تصحيح الذهن والإدراك وتعويد النفس أنها تعلم الحق وتقوله لتستعين بذلك على المعرفة التي هي فوق ذلك.
ولهذا يقال أنه كان أوائل الفلاسفة أول ما يعلمون أولادهم العلم الرياضي وكثير من شيوخهم في آخر أمره إنما يشتغل بذلك لأنه لما نظر في طرقهم وطرق من عارضهم من أهل الكلام الباطل لم يجد في ذلك ما هو حق اخذ يشغل نفسه بالعلم الرياضي كما كان يجري مثل ذلك لمن هو من أئمة الفلاسفة كابن واصل وغيره.
وكذلك كثير من متأخري أصحابنا يشتغلون وقت بطالتهم بعلم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة ونحو ذلك لأن فيه تفريحا للنفس وهو علم صحيح لا يدخل فيه غلط.
(1/136)

وقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "إذا لهوتم فالهوا بالرمي وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض" فان حساب الفرائض علم معقول مبني على اصل مشروع فتبقى فيه رياضة العقل وحفظ الشرع ولكن ليس هو علما يطلب لذاته ولا تكمل به النفس.
وأولئك المشركون كانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل ويدعونها بأنواع الدعوات كما هو معروف من أخبارهم وما صنف على طريقهم من الكتب الموضوعه في الشرك والسحر ودعوة الكواكب والعزائم والأقسام التي بها يعظم إبليس وجنوده وكان الشيطان بسبب السحر والشرك يغويهم بأشياء هي التي دعتهم إلى ذلك الشرك والسحر فكانوا يرصدون الكواكب ليتعلموا مقاديرها ومقادير حركاتها وما بين بعضها وبعض من الاتصالات ليستعينوا بذلك على ما يرونه مناسبا لها.
ولما كانت الأفلاك مستديرة ولم يكن معرفة حسابها إلا بمعرفة الهندسة وأحكام الخطوط المنحنية والمستقيمة تكلموا في الهندسة لذلك ولعمارة الدنيا.
فلهذا صاروا يتوسعون في ذلك وإلا فلو لم يتعلق بذلك غرض إلا مجرد تصور الأعداد والمقادير لم تكن هذه الغاية مما يوجب طلبها بالسعي المذكور.
وربما كانت هذه غاية لبعض الناس الذين يتلذذون بذلك فان لذات النفوس أنواع ومنهم من يلتذ بالشطرنج والنرد والقمار حتى يشغله ذلك عما هو انفع له منه.
فكان مبدأ وضع المنطق من الهندسة فجعلوه أشكالا كالأشكال الهندسية وسموه حدودا كحدود تلك الأشكال لينتقلوا من الشكل المحسوس إلى الشكل المعقول وهذا لضعف عقولهم وتعذر المعرفة عليهم إلا بالطريق البعيدة
(1/137)

والله تعالى قد يسر للمسلمين من العلم والبيان مع العمل الصالح والإيمان ما برزوا به على كل نوع من أنواع جنس الإنسان والحمد لله رب العالمين.
العلم الإلهي عندهم ليس له معلوم في الخارج:
وأما العلم الإلهي الذي هو عندهم مجرد عن المادة في الذهن والخارج فقد تبين لك أنه ليس له معلوم في الخارج وإنما هو علم بأمور كلية مطلقة لا توجد كلية إلا في الذهن وليس في هذا من كمال النفس شيء.
وان عرفوا واجب الوجود بخصوصه فهو علم بمعين يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وهذا مما لا يدل عليه القياس الذي يسمونه البرهان ف برهانهم لا يدل على شيء معين بخصوصه لا واجب الوجود ولا غيره وإنما يدل على أمر كلي والكلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وواجب الوجود يمنع العلم به من وقوع الشركة فيه ومن لم يتصور ما يمتنع الشركة فيه لم يكن قد عرف الله.
ومن لم يثبت للرب إلا معرفة الكليات كما يزعمه ابن سينا وأمثاله وظن ذلك كمالات للرب وكذلك يظن كمالا للنفس بطريق الأولى لا سيما إذا قال أن النفس لا تدرك إلا الكليات وإنما يدرك الجزئيات البدن فهذا في غاية الجهل.
وهذه الكليات التي لا يعرف بها الجزئيات الموجودة لا كمال فيها البتة والنفس إنما تحب معرفة الكليات لتحيط بها بمعرفة الجزئيات فإذا لم يحصل ذلك لم تفرح النفس بذلك.
الوجه الخامس: كمال النفس بمعرفة الله مع العمل الصالح لا بمجرد معرفة الله فضلا عن كونه يحصل بمجرد علم الفلسفة.
الوجه الخامس: أن يقال: هب أن النفس تكمل بالكليات المجردة كما زعموه فما يذكرونه في العلم الأعلى عندهم الناظر في الوجود ولو أحقه ليس كذلك فان
(1/138)

تصور معنى الوجود فقط أمر ظاهر حتى يستغني عن الحد عندهم لظهوره فليس هو المطلوب وإنما المطلوب أقسامه.
ونفس انقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض وعلة ومعلول وقديم وحادث هو اخص من مسمى الوجود وليس في مجرد معرفة انقسام الأمر العام في الذهن إلى أقسام بدون معرفة الأقسام ما يقتضى علما عظيما عاليا على تصور الوجود.
فإذا عرفت الأقسام فليس فيها ما هو علم بمعلوم لا يقبل التغير والاستحالة فان هذه الأقسام عامتها إنما هو في هذا العالم وكل ذلك يقبل التغير والاستحالة وليس معهم دليل أصلا يدلهم على أن العالم لم يزل ولا يزال هكذا.
وجميع ما يحتجون به على دوام الفاعل والفاعلية والزمان والحركة وتوابع ذلك فانما يدل على قدم نوع ذلك ودوامه لا على قدم شيء معين ولا دوام شيء معين فالجزم بأن مدلول تلك الأدلة هو هذا العالم أو شيء منه جهل محض لا مستند له إلا عدم العلم بموجود غير هذا العالم وعدم العلم ليس علما بالعدم.
ولهذا لم يكن عند القوم إيمان بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء فهم لا يؤمنون لا بالله ولا ملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا البعث بعد الموت.
وإذا قالوا نحن نثبت العالم العقلي أو المعقول الخارج عن العالم المحسوس وذلك هو الغيب فان هذا وان كان قد ذكره طائفة من المتكلمة والمتفلسفة خطأ وضلال فان ما سواء من المعقولات إنما يعود عند التحقيق إلى أمور مقدرة في الأذهان لا موجودة في الأعيان والرسل أخبرت عما هو موجود في الخارج وهو أكمل وأعظم وجودا مما نشهده في الدنيا فأين هذا من هذا.
وهم لما كانوا مكذبين بما أخبرت به الرسل في نفس الأمر واحتاجوا إلى الجمع بين قولهم وبين تصديق الرسل لما بهرهم من أمر الرسل قالوا: إن الرسل قصدوا
(1/139)

إخبار الجمهور بما يتخيل إليهم لينتفعوا بذلك في العدل الذي أقاموه لهم".
ثم منهم من يقول: "إن الرسل عرفت ما عرفناه من نفي هذه الأمور" ومنهم من يقول: "بل لم يكونوا يعرفون هذا وإنما كان كمالهم في القوة العملية لا النظرية" وأقل اتباع الرسل إذا تصور حقيقة ما عندهم وجده مما لا يرضى به أقل اتباع الرسل.
وإذا علم بالأدلة العقلية أن هذا العالم يمتنع أن يكون شيء منه قديما أزليا وعلم بأخبار الأنبياء المؤيدة بالعقل أنه كان قبله عالم آخر منه خلق وانه سوف يستحيل وتقوم القيامة ونحو ذلك علم أن غاية ما عندهم من الأحكام الكلية ليست مطابقة بل هي جهل لا علم.
وهب أنهم لم يعلموا ما أخبرت به الرسل فليس في العقل ما يوجب ما ادعوه من كون هذه الأنواع الكلية التي في هذا العالم أزلية أبدية لم تزل ولا تزال فلا يكون العلم بذلك علما بكليات ثابتة وعامة فلسفتهم الأولى وحكمتهم العليا من هذا النمط.
وكذلك من صنف على طريقتهم كصاحب المباحث المشرقية وصاحب حكمة الإشراق وصاحب دقائق الحقائق ورموز الكنوز وصاحب
(1/140)

كشف الحقائق وصاحب الأسرار الخفية في العلوم العقلية وأمثال هؤلاء ممن لم يجرد القول لنصر مذهبهم مطلقا ولا تخلص من إشراك ضلالهم مطلقا بل شاركهم في كثير من ضلالهم وشاركهم في كثير من محالهم وتخلص من بعض وبالهم وأن كان أيضا لم ينصفهم في بعض ما أصابوا فيه واخطأ لعدم علمه بمرادهم أو لعدم معرفته أن ما قالوه صواب.
مآخذ علوم أبي علي ابن سينا وشيء من أحواله:
ثم إن هؤلاء إنما يتبعون كلام ابن سينا وابن سينا تكلم في أشياء من الإلهيات والنبويات والمعاد والشرائع لم يتكلم فيها سلفه ولا وصلت إليها عقولهم ولا بلغتها علومهم فإنه استفادها من المسلمين وان كان إنما اخذ عن الملاحدة المنتسبين إلى المسلمين كالإسماعيلية وكان أهل بيته من أهل دعوتهم من اتباع الحاكم العبيدي
(1/141)

الذي كان هو أهل بيته واتباعه معروفين عند المسلمين بالإلحاد أحسن ما يظهرونه دين الرفض وهم في الباطن يبطون الكفر المحض.
وقد صنف المسلمون في كشف اسرارهم وهتك استارهم كتبا كبارا وصغارا وجاهدوهم باللسان واليد إذ كانوا أحق بذلك من اليهود والنصارى ولو لم يكن إلا كتاب كشف الأسرار وهتك الأستار للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب وكتاب عبد الجبار بن احمد وكتاب أبي حامد الغزالي وكلام أبي إسحاق وكلام ابن فورك والقاضي أبي يعلى وابن عقيل والشهر ستاني
(1/142)

وغير هؤلاء مما يطول وصفه.
والمقصود هنا أن ابن سينا اخبر عن نفسه أن أهل بيته أباه وأخاه كانوا من هؤلاء الملاحدة وانه إنما اشتغل بالفلسفة بسبب ذاك فانه كان يسمعهم يذكرون العقل والنفس.
وهؤلاء المسلمين الذين كان ينتسب إليهم هم مع الإلحاد الظاهر والكفر الباطن اعلم بالله من سلفه الفلاسفة كأرسطو واتباعه فان أولئك ليس عندهم من العلم بالله إلا ما عند عباد مشركي العرب ما هو خير منه.
وقد ذكرت كلام أرسطو نفسه الذي ذكره في علم ما بعد الطبيعة في مقالة اللام وغيرها وهو آخر منتهى فلسفته وبينت بعض ما فيه من الجهل فانه ليس في الطوائف المعروفين الذين يتكلمون في العلم الإلهي مع الخطأ والضلال مثل علماء اليهود والنصارى وأهل البدع من المسلمين وغيرهم اجهل من هؤلاء ولا ابعد عن العلم بالله تعالى منهم.
نعم لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد وهو كلام كثير واسع ولهم عقول عرفوا بها ذلك وهم قد يقصدون الحق لا يظهر عليهم العناد لكنهم جهال بالعلم الإلهي إلى الغاية ليس عندهم منه إلا قليل كثير الخطأ.
وابن سينا لما عرف شيئا من دين المسلمين وكان قد تلقى ما تلقاه عن الملاحدة وعمن هو خير منهم من المعتزلة والرافضة أراد أن يجمع بين ما عرفه بعقله
(1/143)

من هؤلاء وبين ما أخذه من سلفه فتكلم في الفلسفة بكلام مركب من كلام سلفه ومما أحدثه مثل كلامه في النبوات وأسرار الآيات والمنامات بل وكلامه في بعض الطبيعيات والمنطقيات وكلامه واجب الوجود ونحو ذلك.
والا فأرسطو واتباعه ليس في كلامهم ذكر واجب الوجود ولا شيء من الأحكام التي ل واجب الوجود وإنما يذكرون العلة الأولى ويثبتونه من حيث هو علة غائية للحركة الفلكية يتحرك الفلك للتشبه به.
فابن سينا أصلح تلك الفلسفة الفاسدة بعض أصلاح حتى راجت على من لم يعرف دين الإسلام من الطلبة النظار وصاروا يظهر لهم بعض ما فيها من التناقض فيتكلم كل منهم بحسب ما عنده ولكن سلموا لهم أصولا فاسدة في المنطق والطبيعيات والإلهيات ولم يعرفوا ما دخل فيها من الباطل فصار ذلك سببا إلى ضلالهم في مطالب عالية إيمانية ومقاصد سامية قرانية خرجوا بها عن حقيقة العلم والإيمان وصاروا بها في كثير من ذلك لا يسمعون ولا يعقلون بل يتسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات.
والمقصود هنا التنبيه على أنه لو قدر أن النفس تكمل بمجرد العلم كما زعموه مع أنه قول باطل فان النفس لها قوتان قوة علمية نظرية وقوة أرادية علمية فلا بد لها من كمال القوتين بمعرفة الله وعبادته.
وعبادته تجمع محبته والذل له فلا تكمل نفس قط إلا بعبادة الله وحده
(1/144)

لا شريك له والعبادة تجمع معرفته ومحبته والعبودية له وبهذا بعث الله الرسل وانزل الكتب الإلهية كلها تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
وهؤلاء يجعلون العبادات التي أمرت بها الرسل مقصودها أصلاح أخلاق النفس لتستعد للعلم الذي زعموا أنه كمال النفس أو مقصودها أصلاح المنزل والمدينة وهو الحكمة العملية فيجعلون العبادات وسائل محضة إلى ما يدعونه من العلم ولهذا يرون ذلك ساقطا عمن حصل المقصود كما تفعل الملاحدة الإسماعيلية ومن دخل في الإلحاد أو بعضه وانتسب إلى الصوفية أو المتكلمين أو الشيعة أو غيرهم.
تزييف القول بأن الإيمان مجرد معرفة الله:
والجهمية قالوا: "الإيمان مجرد معرفة الله" وهذا القول وان كان خيرا من قولهم فانه جعله معرفة الله بما يلزم ذلك من معرفة ملائكته وكتبه ورسله وهؤلاء جعلوا الكمال معرفة الوجود المطلق ولو أحقه وهذا أمر لو كان له حقيقة في الخارج لم يكن كمالا للنفس إلا بمعرفة خالقها سبحانه وتعالى.
فهؤلاء الجهمية من أعظم مبتدعة المسلمين بل جعلهم غير واحد خارجين عن
(1/145)

اثنتين وسبعين فرقة كما يروى ذلك عن عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وهو قول طائفة من المتأخرين من أصحاب احمد وغيرهم وقد كفر غير واحد من الأئمة كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما لمن يقول هذا القول وقالوا هذا يلزم منه أن يكون إبليس وفرعون واليهود الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم مؤمنين.
فقول الجهمية خير من قول هؤلاء فان ما ذكروه هو اصل ما تكمل به النفوس لكن لم يجمعوا بين علم النفس وبين أرادتها التي هي مبدأ القوة العملية وجعلوا الكمال في نفس العلم وان لم يصدقه قول ولا عمل ولا اقترن به من الخشية والمحبة والتعظيم وغير ذلك مما هو من أصول الإيمان ولوازمه.
وأما هؤلاء فبعدوا عن الكمال غاية البعد.
والمقصود هنا الكلام على برهانهم فقط وإنما ذكرنا بعض ما لزمهم بسبب أصولهم الفاسدة.
واعلم أن بيان ما في كلامهم من الباطل والنقض لا يستلزم كونهم أشقياء في الآخرة إلا إذا بعث الله إليهم رسولا فلم يتبعوه.
بل يعرف به أن من جاءته الرسل بالحق فعدل عن طريقهم إلى طريق هؤلاء كان من الأشقياء في الآخرة
(1/146)

والقوم لولا الأنبياء لكانوا اعقل من غيرهم لكن الأنبياء جاؤوا بالحق وبقاياه في الأمم وان كفروا ببعضه حتى مشركي العرب كان عندهم بقايا من دين إبراهيم فكانوا بها خيرا من الفلاسفة المشركين الذين يوافقون أرسطو وأمثاله على أصولهم.
الوجه السادس: البرهان لا يفيد أمورا كلية واجبة البقاء في الممكنات:
الوجه السادس: أنه أن كان المطلوب ب قياسهم البرهاني معرفة الموجودات الممكنة فتلك ليس فيها واجب البقاء على حال واحدة أزلا وأبدا بل هي قابلة للتغير والاستحالة وما قدر أنه من اللازم لموصوفه فنفس الموصوف ليس بواجب البقاء فلا يكون العلم به علما بموجود واجب الوجود.
وليس لهم على أزلية شيء من العالم دليل صحيح كما قد بسط في موضعه وإنما غاية أدلتهم تستلزم دوام نوع الفاعلية ونوع المادة والمدة وذلك ممكن موجود عين بعد عين من ذلك النوع أبدا مع القول بأن كل مفعول محدث مسبوق بالعدم كما هو مقتضى العقل الصريح والنقل الصحيح فان القول ب أن المفعول المعين مقارن لفاعله أزلا وأبدا مما يقضي صريح العقل بامتناعه أي شيء قدر فاعله لا سيما إذا كان فاعلا باختياره كما دلت عليه الدلائل اليقينية ليست التي يذكرها المقصرون في معرفة أصول العلم والدين كالرازي وأمثاله كما بسط في موضعه.
وما يذكرونه من اقتران المعلول بعلته فإذا أريد بالعلة ما يكون مبدعا للمعلول فهذا باطل بصريح العقل ولهذا تقر بذلك جميع الفطر السليمة التي لم تفسد بالتقليد الباطل ولما كان هذا مستقرا في الفطر كان نفس الإقرار بأنه خالق كل شيء وموجبا لأن يكون كل ما سواه محدثا مسبوقا بالعدم.
وان قدر دوام الخالقية لمخلوق بعد مخلوق فهذا لا ينافي أن يكون خالقا لكل
(1/147)

شيء وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم ليس معه شيء سواه قديم بقدمه بل ذلك أعظم في الكمال والجود والأفضال.
وأما إذا أريد بالعلة ما ليس كذلك كما يمثلون به من حركة الخاتم بحركة اليد وحصول الشعاع عن الشمس فليس هذا من باب الفاعل من شيء بل هو من باب المشروط والشرط قد يقارن المشروط.
واما الفاعل فيمتنع أن يقارنه مفعوله المعين وان لم يمتنع أن يكون فاعلا لشيء بعد شيء فقدم نوع الفعل كقدم نوع الحركة وذلك لا ينافي حدوث كل جزء من أجزائها بل يستلزمه لامتناع قدم شيء منها بعينه.
وهذا مما عليه جماهير العقلاء من جميع الأمم حتى أرسطو واتباعه فإنهم وان قالوا بقدم العالم فهم لم يثبتوا له مبدعا ولا علة فاعلة بل علة غائية يتحرك الفلك للتشبه بها لأن حركة الفلك أرادية.
وهذا القول وهو "أن الأول ليس مبدعا للعالم وإنما هو علة غائية للتشبه به" وان كان في غاية الجهل والكفر فالمقصود أنهم وافقوا سائر العقلاء في أن الممكن المعلول لا يكون قديما بقدم علته كما يقول ذلك ابن سينا وموافقوه.
ولهذا أنكر هذا القول ابن رشد وأمثاله من الفلاسفة الذين اتبعوا طريقة أرسطو وسائر العقلاء في ذلك وبينوا أن ما ذكره ابن سينا مما خالف به سلفه وجماهير العقلاء وكان قصده أن يركب مذهبا من مذهب المتكلمين ومذهب سلفه فيجعل الموجود الممكن معلول الواجب مفعولا له مع كونه أزليا قديما بقدمه واتبعه على إمكان ذلك اتباعه في ذلك كالسهروردي الحلبي
(1/148)

والرازي والآمدي والطوسي وغيرهم.
زعم الرازي ما ذكره في محصلة أن القول ب كون الممكن المفعول المغلول يكون قديما للموجب بالذات مما اتفق عليه الفلاسفة والمتكلمون لكن المتكلمون يقولون بالحدوث ولكون الفاعل عندهم فاعلا بالاختيار.
وهذا غلط على الطائفتين بل لم يقل ذلك احد لا من المتكلمين ولا من الفلاسفة المتقدمين الذين نقلت إلينا أقوالهم كأرسطو وأمثاله وإنما قاله ابن سينا وأمثاله.
والمتكلمون إذا قالوا بقدم ما يقوم بالرب من الصفات ونحوها فلا يقولون أنها مفعولة ولا معلولة لعلة فاعلة بل الذات القديمة هي الموصوفة بتلك الصفات عندهم فصفاتها من لوازمها يمتنع تحقق كون الواجب واجبا قديما إلا ب صفاته اللازمة له كما قد بسط في موضعه ويمتنع عندهم قدم ممكن يقبل الوجود والعدم مع قطع النظر عن فاعله.
وكذلك أساطين الفلاسفة يمتنع عندهم قديم يقبل العدم ويمتنع أن يكون الممكن لم يزل واجبا سواء قيل أنه واجب بنفسه أو بغيره.
ولكن ما ذكره ابن سينا وأمثاله في أن الممكن قد يكون قديما واجبا بغيره أزليا أبديا كما يقولونه في الفلك هو الذي فتح عليهم في الإمكان من الأسئلة القادحة في قولهم ما لا يمكنهم أن يجيبوا عنه كما قد بسط في موضعه فان ليس موضع تقريره هذا ولكن نبهنا به على أن برهانهم القياسي إلي لا يفيد أمورا كلية واجبة البقاء في الممكنات
(1/149)

وأما واجب الوجود تبارك وتعالى فالقياس الذي يدعونه لا يدل على ما يختص به وإنما يدل على أمر مشترك كلى بينه وبين غيره إذا كان مدلول القياس الشمولي عندهم ليس إلا أمور كلية مشتركة وتلك لا تختص بواجب الوجود رب العالمين سبحانه وتعالى.
فلم يعرفوا ببرهانهم شيئا من الأمور التي يجب دوامها لا من الواجب ولا من الممكنات.
وإذا كانت النفس إنما تكمل بالعلم الذي يبقى ببقاء معلومه وهم لم يعلموا علما يبقى ببقاء معلومه لم يستفيدوا ببرهانهم ما تكمل به النفس من العلم فضلا عن أن يقال أن ما تكمل به النفس من العلم لا يحصل إلا ببرهانهم.
طريقة الأنبياء في الاستدلال:
ولهذا كانت طريقة الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه الاستدلال على الرب تعالى بذكر آياته وان استعملوا في ذلك القياس استعملوا القياس إلا ولى ولم يستعملوا قياس شمول يستوي أفراده ولا قياس تمثيل محض فان الرب تعالى لا مثل له ولا يجتمع هو وغيره تحت كلي يستوي أفراده بل ما ثبت بغيره من كمال لا نقص فيه فثبوته له بطريق الأولى وما تنزه عنه غيره من النقائص فتنزهه عنه بطريق الأولى.
استعمال قياس الأولى في القران:
ولهذا كانت الأقيسة العقلية البرهانية المذكورة في القران من هذا الباب كما يذكره في دلائل ربو بيته وإلهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وإمكان المعاد وغير ذلك من المطالب العالية السنية والمعالم الإلهية التي هي اشرف العلوم وأعظم ما تكمل به النفوس من المعارف وان كان كما لها لا بد فيه من كمال علمها وقصدها جميعا فلا بد من عبادة الله وحده المتضمنة لمعرفته ومحبته والذل له.
(1/150)

الاستدلال بالآيات في القران:
وأما استدلاله تعالى بالآيات فكثير في القران والفرق بين الآيات وبين القياس أن الآية هي العلامة وهي الدليل الذي يستلزم عين المدلول لا يكون مدلوله أمرا كليا مشتركا بين المطلوب وغيره بل نفس العلم به يوجب العلم بعين المدلول كما أن الشمس آية النهار قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} فنفس العلم بطلوع الشمس يوجب العلم بوجود النهار.
وكذلك آيات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم نفس العلم بها يوجب العلم بنبوته بعينه لا يوجب أمرا كليا مشتركا بينه وبين غيره.
وكذلك آيات الرب تعالى نفس العلم بها يوجب العلم بنفسه المقدسة تعالى لا يوجب علما كليا مشتركا بينه وبين غيره.
والعلم بكون هذا مستلزما لهذا هو جهة الدليل.
فكل دليل في الوجود لا بد أن يكون مستلزما للمدلول والعلم باستلزام المعين للمعين المطلوب أقرب إلى الفطرة من العلم بأن كل معين من معينات القضية الكلية يستلزم النتيجة والقضايا الكلية هذا شأنها فان القضايا الكلية أن لم تعلم معيناتها بغير التمثيل وإلا لم تعلم إلا بالتمثيل فلا بد من معرفة لزوم المدلول للدليل الذي هو الحد الأوسط.
فلا بد أن يعرف أن كل فرد من أفراد الحكم الكلي المطلوب يلزم كل فرد من أفراد الدليل كما إذا قيل كل اب وكل ب ج فكل ج افلا بد أن يعرف أن كل فرد من أفراد الجيم يلزم كل فرد من أفراد الباء وكل فرد من أفراد الباء يلزم كل فرد من أفراد الألف ومعلوم أن العلم بلزوم الجيم المعين للباء المعين والباء المعين للألف المعين أقرب إلى الفطرة من هذا.
وهذا كما قدمناه في أمثلة أقيستهم البرهانية مثل قولهم الكل أعظم من الجزء
(1/151)

والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية والضدان لا يجتمعان والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ونحو ذلك فان هذه قضايا كلية.
ومعلوم أن الإنسان إذا تصور ما يتصوره من معين أو جزئه فان تصوره لكون هذا الكل المعين أعظم من جزئه أسبق إلى عقله من أن يتخيل أن كل كل أعظم من جزئه فهو يتصور أن بدنه أعظم من يده ورجله وان السماء أعظم من كواكبها والجبل أعظم من بعضه والمدينة أعظم من بعضها ونحو ذلك قبل أن يتصور القضية الكلية الشاملة لجميع هذه الأفراد.
ولذلك إذا تصور شيئا معينا يعلم أنه لا يكون موجودا معدوما في حال واحدة قبل أن يتصور أن كل نقيضين لا يجتمعان ولذلك إذا تصور سوادا معينا علم أنه لا يكون اللون الواحد سوادا بياضا قبل أن يتصور أن كل ضدين لا يجتمعان وأمثال ذلك كثيرة.
وإذا قيل تلك القضية الكلية تحصل في الذهن ضرورة أو بديهة من واهب العقل قيل فحصول تلك القضية المعينة في الذهن من واهب العقل أقرب.
عظم الفرق بين إثبات الرب بالآيات وبين إثباته بالقياس البرهاني:
ومعلوم أن كل ما سوى الله من الممكنات فانه مستلزم لذات الرب تعالى يمتنع وجوده بدون وجود ذات الرب تعالى وتقدس.
وان كان مستلزما أيضا لأمور كلية مشتركة بينه وبين غيره فلأنه يلزم من وجوده وجود لوازمه وتلك الكليات المشتركة من لوازم المعين اعني يلزمه ما يخصه من ذلك الكلي العام والكلي المشترك يلزمه بشرط وجوده ووجود العالم الذي يتصور القدر المشترك وهو سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه فيعلم نفسه المقدسة بما يخصها ويعلم الكليات أنها كليات فيلزم من وجود الخاص وجود العام
(1/152)

المطلق أي حصة المعين من ذلك العام كما يلزم من وجود هذا الإنسان وجود الإنسان ومن وجود هذا الإنسان وجود الإنسانية والحيوانية القائمة به.
فكل ما سوى الرب مستلزم لنفسه المقدسة بعينها يمتنع وجود شيء سواه بدون وجود نفسه المقدسة فان الوجود المطلق الكلي لا تحقق له في الأعيان فضلا عن أن يكون خالقا لها مبدعا.
ثم يلزم من وجوده المعين الوجود المطلق المطابق للمعين فإذا تحقق الوجود الواجب تحقق الوجود المطلق المطابق للمعين وإذا تحقق الفاعل لكل شيء تحقق الفاعل المطلق المطابق وإذا تحقق القديم الأزلي تحقق القديم المطلق المطابق وإذا تحقق الغنى عن كل شيء تحقق الغنى المطابق وإذا تحقق رب كل شيء تحقق الرب المطابق كما ذكرنا أنه إذا تحقق هذا الإنسان وهذا الحيوان تحقق الإنسان المطلق المطابق والحيوان المطلق المطابق.
لكن المطلق لا يكون مطلقا إلا في الأذهان لا في الأعيان والله تعالى هو الخالق للأمور الموجودة في الأعيان والمعلم للصور الذهنية المطابقة لما في الأعيان.
ولهذا كان أول ما انزل على رسوله {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} إلى قوله: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} بين في أول ما انزل أنه خالق الأعيان عموما وخصوصا فكما أنه خالق الموجودات العينية فهو المعلم للماهيات الذهنية فالموجودات الخارجية آيات مستلزمة لوجود عينه وإذا تصورتها الأذهان معينة أو مطلقة فهو المعلم لهذا المتصور إذ الصور الذهنية أيضا من آياته المستلزمة لوجود عينه لكنها تدل مع ذلك على هدايته وتعليمه كما قال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ
(1/153)

فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} وقال موسى: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} .
كما أن الموجودات العينية من آيات وجوده والصور الذهنية من حيث أنها موجودات عينيه من هذا الباب كما أنها من جهة مطابقتها للموجودات الخارجية من الباب الأول.
لكن إذا علم إنسان وجود إنسان مطلق وحيوان مطلق لم يكن عالما بنفس المعين كذلك من علم واجبا مطلقا وفاعلا مطلقا وغنيا مطلقا لم يكن عالما بنفس رب العالمين وما يختص به عن غيره.
وذلك هو مدلول آياته تعالى فآياته تستلزم عينه التي يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها وكل ما سواه دليل على عينه وآية له فانه ملزوم لعينه وكل ملزوم فانه دليل على لازمة ويمتنع تحقق شيء من الممكنات إلا مع تحقق عينه فكلها ملزوم لنفس الرب دليل عليه آية له.
ودلالتها بطريق قياسهم على الأمر المطلق الكلى الذي لا يتحقق إلا في الذهن فلم يعلموا ب برهانهم ما يختص بالرب تعالى ولهذا ما يثبتونه من واجب الوجود عند التحقيق إنما هو أمر كلى لا يختص بالرب تعالى حتى قد يجعلونه مجرد الوجود.
دلالة قياس الأولى في إثبات صفات الكمال:
وأما قياس الأولى الذي كان يسلكه السلف اتباعا للقرآن فيدل على أنه يثبت له من صفات الكمال التي لا نقص فيها أكمل مما علموه ثابتا لغيره مع التفاوت الذي لا يضبطه العقل كما لا يضبط التفاوت بين الخالق وبين المخلوق بل إذا كان العقل يدرك من التفاضل الذي بين مخلوق ومخلوق ما لا يحصر قدره وهو يعلم أن فضل الله على كل مخلوق أعظم من فضل مخلوق على مخلوق كان هذا مما يبين له أن ما يثبت للرب أعظم مما يثبت لكل ما سواه بما لا يدرك قدره فكأن قياس الأولى يفيده
(1/154)

أمرا يختص به الرب مع علمه بجنس ذلك الأمر.
لا بد من الأسماء المشككة من معنى كلى مشترك:
ولهذا كان الحذاق يختارون أن الأسماء المقولة عليه وعلى غيره مقولة بطريق التشكيك الذي هو نوع من التواطؤ العام ليست بطريق الاشتراك اللفظي ولا بطريق الاشتراك المعنوي الذي تتماثل أفراده بل بطريق الاشتراك المعنوي الذي تتفاضل أفراده كما يطلق لفظ البياض والسواد على الشديد كبياض الثلج وعلى ما دونه كبياض العاج فكذلك لفظ الوجود يطلق على الواجب والممكن وهو في الواجب أكمل وأفضل من فضل هذا البياض على هذا البياض.
لكن التفاضل في الأسماء المشككة لا يمنع أن يكون اصل المعنى مشتركا كليا بينهما فلا بد في الأسماء المشككة من معنى كلي مشترك وإن كان ذلك لا يكون إلا في الذهن وذلك مورد التقسيم تقسيم الكلي إلى جزئياته إذا قيل الموجود ينقسم إلى واجب وممكن فان مورد التقسيم مشترك بين الأقسام ثم كون وجود هذا الواجب أكمل من وجود الممكن لا يمنع أن يكون مسمى الوجود معنى كليا مشتركا بينهما.
وهكذا في سائر الأسماء والصفات المطلقة على الخالق والمخلوق كاسم الحي والعليم والقدير والسميع والبصير وكذلك في صفاته كعلمه وقدرته ورحمته ورضاه وغضبه وفرحه وسائر ما نطقت به الرسل من أسمائه وصفاته.
الخلاف في الأسماء التي تطلق عليه تعالى وعلى العباد:
والناس تنازعوا في هذا الباب فقالت طائفة كأبي العباس الناشئ من شيوخ
(1/155)

المعتزلة الذين كانوا أسبق من أبي علي هي حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق.
وقالت طائفة من الجهمية والباطنية والفلاسفة وبالعكس هي مجاز في الخالق حقيقة في المخلوق.
وقال جماهير الطوائف هي حقيقة فيهما وهذا قول طوائف النظار من المعتزلة والأشعرية والكرامية والفقهاء وأهل الحديث والصوفية وهو قول الفلاسفة.
لكن كثيرا من هؤلاء يتناقض فيقر في بعضها بانها حقيقة كاسم الموجود والنفس والذات والحقيقة ونحو ذلك وينازع في بعضها لشبه نفاه الجميع والقول فيما نفاه نظير القول فيما أثبته ولكن هو لقصوره فرق بين المتماثلين ونفي الجميع يمتنع أن يكون موجودا.
وقد علم أن الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم وحادث وغنى وفقير ومفعول وغير مفعول وأن وجود الممكن يستلزم وجود الواجب ووجود المحدث يستلزم وجود القديم ووجود الفقير يستلزم وجود الغنى ووجود المفعول يستلزم وجود غير المفعول وحينئذ فبين الوجودين أمر مشترك والواجب يختص بما يتميز به فكذلك القول في الجميع.
والأسماء المشككة هو متواطئة باعتبار القدر بالمشترك ولهذا كان المتقدمون من نظار الفلاسفة وغيرهم لا يخصون المشككة باسم بل لفظ المتواطئة يتناول ذلك كله فالمشككة قسم من المتواطئة العامة وقسيم المتواطئة الخاصة.
وإذا كان كذلك فلا بد في المشككة من إثبات قدر مشترك كلي وهو مسمى المتواطئة العامة وذلك لا يكون مطلقا إلا في الذهن وهذا مدلول قياسهم البرهاني
(1/156)

ولا بد من إثبات التفاضل وهو مدلول المشككة التي هي قسيم المتواطئة الخاصة وذلك هو مدلول الأقيسة البرهانية القرآنية وهي قياس الأولى.
ولا بد من إثبات خاصة الرب التي بها يتميز عما سواه وذلك مدلول آياته سبحانه التي يستلزم ثبوتها ثبوت نفسه لا يدل على هذه قياس لا برهاني ولا غير برهاني.
فتبين بذلك أن قياسهم البرهاني لا يحصل المطلوب الذي به تكمل النفس في معرفة الموجودات ومعرفة خالقها فضلا عن أن يقال لا تعلم المطالب إلا به.
وهذا باب واسع لكن المقصود في هذا المقام التنبيه على بطلان قضيتهم السالبة وهي قولهم أن العلوم النظرية لا تحصل إلا بواسطة برهانهم.
شناعة زعمهم أن علم الله أيضا يحصل بواسطة القياس:
ثم لم يكفهم هذا السلب العام الذي تحجروا فيه واسعا وقصروا العلوم على طريق ضيقه لا تحصل إلا مطلوبا لا طائل فيه حتى زعموا أن علم الله وعلم أنبيائه وأوليائه إنما يحصل بواسطة القياس المشتمل على الحد الأوسط كما يذكر ذلك ابن سينا وأتباعه.
وهم في إثبات ذلك خير ممن نفى علمه وعلم أنبيائه من سلفهم الذين هم من اجهل الناس برب العالمين وبأنبيائه وبكتبه.
فابن سينا لما تميز عن أولئك بمزيد عقل وعلم سلك طريقهم المنطقي في تقرير ذلك وصاروا سالكوا هذه الطريق وإن كانوا اعلم من سلفهم وأكمل فهم أضل من اليهود والنصارى وأجهل إذ كان أولئك حصل لهم من الإيمان ب واجب الوجود وصفاته ما لم يحصل لهؤلاء الضلال لما في صدورهم من الكبر والخيال وهم من أتباع فرعون وأمثاله ولهذا تجدهم لموسى ومن معه من أهل الملل والشرائع متنقصين أو معادين
(1/157)

قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} وقال: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} وقال: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ}
وقد بسط الكلام على قول فرعون ومتابعة هؤلاء له والنمرود بن كنعان وأمثالهما من رؤوس الكفر والضلال ومخالفتهم لموسى وإبراهيم وغيرهما من رسل الله صلوات الله عليهم في مواضع.
وقد جعل الله آل إبراهيم أئمة للمؤمنين أهل الجنة وآل فرعون أئمة لأهل النار.
وقال تعالى: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أنهم إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأولى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} إلى قوله: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
وقال في آل إبراهيم: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا
(1/158)

بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} والمقصود أن متأخريهم الذين هم اعلم منهم جعلوا علم الرب يحصل بواسطة القياس البرهاني وكذلك علم أنبيائه وقد بسطنا الكلام في الرد عليهم في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا التنبيه على فساد قولهم أنه لا يحصل العلم إلا بالبرهان الذي وصفوه وإذا كان هذا السلب باطلا في حكم آحاد الناس كان بطلانه أولى في علم رب العالمين سبحانه وتعالى ثم ملائكته وأنبيائه صلوات الله عليهم أجمعين.
فصل: أقوال المنطقيين في الدليل والقياس:
وأيضا فإنهم قسموا جنس الدليل إلى القياس والاستقراء والتمثيل قالوا لأن الاستدلال أما أن يكون ب الكلى على الجزئي أو ب الجزئي على الكلي أو بأحد الجزئين على الآخر وربما عبروا عن ذلك ب الخاص والعام فقالوا أما أن يستدل ب العام على الخاص أو ب الخاص على العام أو بأحد الخاصين على الآخر.
قالوا والأول هو القياس يعنون به قياس الشمول فإنهم يخصونه باسم القياس وكثير من أهل الأصول والكلام يخصون باسم القياس التمثيل وأما جمهور العقلاء فاسم القياس عندهم يتناول هذا وهذا.
قالوا والاستدلال بالجزئيات على الكلي هو الاستقراء فان كان تاما فهو الاستقراء التام وهو يفيد اليقين وإن كان ناقصا لم يفد اليقين فالأول هو استقراء جميع الجزئيات والحكم عليه بما وجد في جزئياته والثاني استقراء أكثرها وقد يكذب كقول القائل الحيوان إذا أكل حرك فكه الأسفل
(1/159)

لأنا استقريناها فوجدناها هكذا فيقال له: "التمساح يحرك الأعلى".
ثم قالوا القياس ينقسم إلى الاقتراني والاستثنائي ف الاستثنائي ما تكون النتيجة أو نقيضها مذكورة فيه بالفعل والاقتراني ما تكون فيه بالقوة كالمؤلف من القضايا الحملية كقولنا كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام.
والاستثنائي ما يؤلف من الشرطيات وهو نوعان:
أحدهما: متصلة كقولنا أن كانت الصلاة صحيحة فالمصلى متطهر واستثناء عين المقدم ينتج عين التالي واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم.
والثاني: المنفصلة هي أما مانعة الجمع والخلو كقولنا العدد أما زوج وأما فرد فان هذين لا يجتمعان ولا يخلو العدد عن أحدهما وأما مانعة الجمع فقط كقولنا هذا أما أبيض وأما اسود أي لا يجتمع السواد والبياض وقد يخلو المحل عنهما وأما مانعه الخلو فهي التي يمتنع فيها عدم الجزئين جميعا ولا يمتنع اجتماعهما.
وقد يقولون مانعة الجمع والخلو هي الشرطية الحقيقية وهي مطابقة للنقيضين في العموم والخصوص ومانعة الجمع هي أخص من النقيضين فان الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان وهما اخص من النقيضين.
وأما مانعة الخلو فإنها أعم من النقيضين وقد يصعب عليهم تمثيل ذلك بخلاف النوعين الأولين فان أمثالهما كثيرة ويمثلونه بقول القائل هذا راكب البحر أو لا يغرق فيه أي لا يخلو منهما فانه لا يغرق إلا إذا كان في البحر فإما أن لا يغرق فيه وحينئذ لا يكون راكبه وأما أن يكون راكبه وقد يجتمع أن يركب ويغرق.
والأمثال كثيرة كقولنا هذا حي أو ليس بعالم أو قادر أو سميع أو
(1/160)

بصير أو متكلم فانه أن وجدت الحيوة فهو احد القسمين وإن عدمت عدمت هذه الصفات وقد يكون حيا من لا يوصف بذلك وكذلك إذا قيل هذا متطهر أو ليس بمصل فانه أن عدمت الصلاة عدمت الطهارة وإن وجدت الطهارة فهو القسم الآخر فلا يخلو الأمر منهما.
وكذلك كل عدم شرط ووجود مشروطه فانه إذا ردد الأمر بين وجود المشروط وعدم الشرط كان ذلك مانعا من الخلو فانه لا يخلو الأمر من وجود الشرط وعدمه وإذا عدم عدم الشرط فصار الأمر لا يخلو من وجود المشروط وعدم الشرط.
ثم قسموا الاقتراني إلى الأشكال الأربعة لكون الحد الأوسط أما محمولا في الأولى موضوعا في الصغرى وهو الشكل الطبيعي وهو ينتج المطالب الأربعة الجزئي والكلى والايجابي والسلبي وأما أن يكون الأوسط محمولا فيهما وهو الثاني ولا ينتج إلا السلب وأما أن يكون موضوعا فيهما ولا ينتج إلا الجزئيات والرابع ينتج الجزئيات والسلب الكلى لكنه بعيد عن الطبع.
ثم إذا أرادوا بيان إنتاج الثاني والثالث وغير ذلك من المطالب احتاجوا إلى الاستدلال ب النقيض والعكس وعكس النقيض فانه يلزم من صدق القضية كذب نقيضها وصدق عكسها المستوى وعكس نقيضها فإذا صدق قولنا ليس احد من الحجاج بكافر صح قولنا ليس احد من الكفار حاجا وإذا صح قولنا كل حاج مسلم صح قولنا بعض المسلمين حاج وقولنا من ليس بمسلم فليس بحاج.
رد المصنف أقوالهم في الدليل والقياس:
فنقول هذا الذي قالوه أما أن يكون باطلا وأما أن يكون تطويلا يبعد
(1/161)

الطريق على الطالب المستدل فلا يخلو عن خطأ يصد عن الحق أو طريق طويل يتعب صاحبه حتى يصل إلى الحق مع إمكان وصوله بطريق قريب كما كان يمثله بعض سلفنا بمنزلة من قيل له أين أذنك فرفع يده فوق رأسه رفعا شديدا ثم أدارها إلى أذنه اليسرى وقد كان يمكنه الإشارة إلى اليمنى أو اليسرى من طريق مستقيم وما أشبه هؤلاء بقول القائل:
أقام يعمل أياما رويته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء
وبقول الآخر:
وإني وإني ثم إني وإنني ... إذا انقطعت نعلى جعلت لها شسعا
وما أحسن ما وصف الله به كتابه بقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} فأقوم الطرق إلى أشرف المطالب ما بعث الله به رسوله وأما طريق هؤلاء فهي مع ضلالهم في البعض واعوجاج طريقهم وطولها في البعض الأخرى إنما يوصلهم إلى أمر لا ينجى من عذاب الله فضلا عن أن يوجب لهم السعادة فضلا عن حصول الكمال للأنفس البشرية بطريقهم.
بطلان حصر الأدلة في القياس والاستقراء والتمثيل:
بيان ذلك أن ما ذكروه من حصر الدليل في القياس والاستقراء والتمثيل حصر لا دليل عليه بل هو باطل وقولهم أيضا أن العلم المطلوب لا يحصل إلا بمقدمتين لا يزيد ولا ينقص قول لا دليل عليه بل هو باطل.
واستدلالهم على الحصر بقولهم: "إما أن يستدل بالكلى على الجزئي أو بالجزئي على الكلى أو بأحد الجزئين على الآخر والأول هو القياس والثاني هو الاستقراء والثالث هو التمثيل".
يقال لم تقيموا دليلا على انحصار الاستدلال في هذه الثلاثة فإنكم إذا عنيتم
(1/162)

بالاستدلال بجزئي على جزئي قياس التمثيل لم يكن ما ذكرتموه حاصرا وقد بقى الاستدلال بالكلى على الكلي الملازم له وهو المطابق له في العموم والخصوص وكذلك الاستدلال بالجزئي الملازم له بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ومن عدمه عدمه فان هذا ليس مما سميتموه قياسا ولا استقراء ولا تمثيلا وهذه هي الآيات.
الاستدلال بالكلى على الكلى وبالجزئي على الجزئي الملازم له:
وهذا كالاستدلال بطوع الشمس على النهار وبالنهار على طلوع الشمس فليس هذا استدلالا بكلى على جزئي بل الاستدلال بطوع معين على نهار معين استدلالا بجزئي على جزئي وبجنس النهار على جنس الطلوع استدلالا بكلى على كلى.
وكذلك الاستدلال بالكواكب على جهة الكعبة استدلالا بجزئي على جزئي كالاستدلال ب الجدي وبنات نعش والكوكب الصغير القريب من القطب الذي يسميه بعض الناس القطب كما يسمى بعض الناس الجدي القطب وإن كان القطب في الحقيقة جزءا من الفلك قريبا من ذلك الكوكب الصغير.
وكذلك الاستدلال بظهور كوكب على ظهور نظيره في العرض والاستدلال
(1/163)

بطلوعه على غروب آخر وتوسط آخر ونحو ذلك من الأدلة التي اتفق عليها الناس قال تعالى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} .
والاستدلال على المواقيت والأمكنة بالأمكنة أمر اتفق عليه العرب والعجم وأهل الملل والفلاسفة فإذا استدل بظهور الثريا على ظهور ما قرب منها مشرقا ومغربا ويمينا وشمالا من الكواكب كان استدلالا بجزئي على جزئي لتلازمهما وليس ذلك من قياس التمثيل وإن قضى به قضاء كليا كان استدلالا بكلى على كلى وليس استدلالا بكلى على جزئي بل بأحد الكليين المتلازمين على الآخر.
ومن عرف مقدار أبعاد الكواكب بعضها من بعض وعلم ما يقارن منها طلوع الفجر استدل بما رآه منها على مقدار ما مضى من الليل وما بقى منه وهو استدلال بأحد المتلازمين على الآخر ومن علم الجبال والأنهار والرياح استدل بها على ما يلازمها من الأمكنة.
ثم اللزوم أن كان دائما لا يعرف له ابتداء بل هو منذ خلق الله الأرض كوجود الجبال والأنهار العظيمة النيل والفرات وسيحان وجيحان والبحر كان الاستدلال مطردا.
وإن كان اللزوم أقل من ذلك مدة مثل الكعبة شرفها الله فان الخليل بناها ولم تزل معظمة لم يعل عليها جبار قط استدل بها بحسب ذلك فيستدل بها وعليها فان أركان الكعبة مقابلة لجهات الأرض الأربعة الحجر الأسود يقابل المشرق والغربي الذي يقابله ويقال له الشامي يقابل المغرب واليماني يقابل الجنوب وما يقابله يقال له العراقى إذا قيل الذي من ناحية الحجر الشامي وإن قيل لذاك الشامي قيل لهذا العراقى فهذا الشامي العراقي
(1/164)

يقابل الشمال وهو يقابل القطب وحينئذ فيستدل بها على الجهات ويستدل بالجهات عليها.
وما كان مدته اقصر من مدة الكعبة كالأبنية التي في الأمصار والأشجار كان الاستدلال بها بحسب ذلك فيقال علامة الدار الفلانية أن على بابها شجرة من صفتها كذا وكذا وهما متلازمان مدة من الزمان.
فهذا وأمثاله استدلال بأحد المتلازمين على الآخر وكلاهما معين جزئي وليس هو من قياس التمثيل.
حد الدليل عند النظار:
ولهذا عدل نظار المسلمين عن طريقهم فقالوا الدليل هو المرشد إلى المطلوب وهو الموصل إلى المقصود وهو ما يكون العلم به مستلزما للعلم بالمطلوب.
أو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى المطلوب وهو ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو إلى اعتقاد راجح.
ولهم نزاع اصطلاحي هل يسمى هذا الثاني دليلا أو يخص باسم الإمارة والجمهور يسمون الجميع دليلا ومن أهل الكلام من لا يسمى ب الدليل إلا الأول.
ثم الضابط في الدليل أن يكون مسستلزما للمدلول فكل ما كان مستلزما لغيره أمكن أن يستدل به عليه أن كان التلازم من الطرفين أمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر فيستدل المستدل مما علمه منهما على الآخر الذي لم يعلمه.
ثم أن كان اللزوم قطعيا كان الدليل قطعيا وان كان ظاهرا وقد يتخلف كان الدليل ظنيا.
فالأول كدلالة المخلوقات على خالقها سبحانه وتعالى وعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وحكمته فان وجودها مستلزم لوجود ذلك ووجودها بدون ذلك ممتنع فلا توجد إلا دالة على ذلك.
ومثل دلالة خبر الرسول على ثبوت ما اخبر به عن الله فانه لا يقول عليه إلا
(1/165)

الحق إذ كان معصوما في خبره عن الله لا يستقر في خبره عنه خطأ البتة.
فهذا دليل مستلزم لمدلوله لزوما واجبا لا ينفك عنه بحال وسواء كان الملزوم المستدل به وجودا أو عدما فقد يكون الدليل وجودا وعدما ويستدل بكل منهما على وجود وعدم فانه يستدل بثبوت الشيء على انتفاء نقيضه وضده ويستدل بانتقاء نقيضه على ثبوته ويستدل بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم وبانتقاء اللازم على انتقاء الملزوم بل كل دليل يستدل به فانه ملزوم لمدلولة وقد دخل في هذا كل ما ذكروه وما لم يذكروه.
فان ما يسمونه الشرطي المتصل مضمونه الاستدلال بثبوت الملزوم على ثبوت اللازم وبانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم سواء عبر عن هذا المعنى بصيغة الشرط أو بصيغة الجزم واختلاف صيغ الدليل مع اتحاد معناه لا يغير حقيقية والكلام إنما هو في المعاني لا في الألفاظ.
فإذا قال القائل أن كانت الصلاة صحيحة فالمصلى متطهر وإن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود وإن كان الفاعل عالما قادرا فهو حي ونحو ذلك فهذا معنى قوله: "صحة الصلاة تستلزم صحة الطهارة" وقوله: "يلزم من صحة الصلاة صحة ثبوت الطهارة" وقوله: "لا يكون مصليا إلا مع الطهارة" وقوله: "الطهارة شرط في صحة الصلاة وإذا عدم الشرط عدم المشروط" وقوله: "كل مصل متطهر فمن ليس بمتطهر فليس بمصل" وأمثال ذلك من أنواع التأليف للألفاظ والمعاني التي يتضمن هذا الاستدلال من غير حصر الناس في عبارة واحدة.
أستطراد.
وإذا اتسعت العقول وتصوراتها اتسعت عباراتها وإذا ضاقت العقول والتصورات بقى صاحبها كأنه محبوس العقل واللسان كما يصيب أهل المنطق اليوناني تجدهم من أضيق الناس علما وبيانا وأعجزهم تصورا وتعبيرا
(1/166)

ولهذا من كان منهم ذكيا إذا تصرف في العلوم وسلك مسلك أهل المنطق طول وضيق وتكلف وتعسف وغايته بيان البين وإيضاح الواضح من العي وقد يوقعه ذلك في أنواع من السفسطة التي عافى الله منها من لم يسلك طريقهم.
مثل ما ذكروه عن يعقوب بن إسحاق الكندي الفيلسوف أنه قال في بعض مناظراته هذا من باب فقد عدم الوجود ومثل هذه العبارات الطويلة الركيكة كثير في كلامهم حتى في كلام أفضل متأخريهم مع أنه أفضلهم وأحسنهم بيانا.
وكذلك تكلفاتهم في حدودهم مثل حدهم ل الإنسان والشمس بأنها كوكب يطلع نهارا وهل من يحد الشمس مثل هذا الحد ونحوه إلا من هو من أجهل الناس وهل عند الناس شيء أظهر من الشمس حتى يحد الشمس به ومن لم يعرف الشمس فأما أن يجهل اللفظ فيترجم له وليس هذا من الحد الذي ذكروه وأما أن لا يكون رآها لعماه فهذا لا يرى النهار ولا الكواكب بطرق الأولى مع أنه لا بد أن يسمع من الناس ما يعرف ذلك دون طريقهم.
وهم معترفون بان الشكل الأول من الحمليات يغنى عن جميع صور القياس وتصويره نطرى لا يحتاح احد إلى تعلمه منهم مع أن الاستدلال لا يحتاج إلى تصوره على الوجه الذي يزعمونه.
فصل: إبطال قولهم: "أن الاستدلال لا بد فيه من مقدمتين"
وأما قولهم: "إن الاستدلال لا بد فيه من مقدمتين بلا زيادة ولا نقصان"
(1/167)

فان كان الدليل مقدمة واحدة قالوا الأخرى محذوفة وسموه هو قياس الضمير وإن كان مقدمات قالوا هي أقيسة مركبة ليس هو قياسا واحدا فهذا قول باطل طردا وعكسا.
وذلك أن احتياج المستدل إلى المقدمات مما يختلف فيه حال الناس فمن الناس من لا يحتاج إلا إلى مقدمة واحدة لعلمه مما سوى ذلك كما أن منهم من لا يحتاج في علمه بذلك إلى الاستدلال بل قد يعلمة بالضرورة ومنهم من يحتاج إلى مقدمتين ومنهم من يحتاج إلى ثلاث ومنهم من يحتاج إلى أربع وأكثر.
فمن أراد أن يعرف أن هذا المسكر المعين محرم فان كان يعرف أن كل مسكر محرم ولكن لا يعرف هل هذا المعين مسكر أم لا لم يحتج إلا إلى مقدمة واحدة وهو أن يعمل أن هذا مسكر فإذا قيل له هذا حرام فقال ما الدليل عليه فقال المستدل الدليل على ذلك أنه مسكر فقال لا نسلم أنه مسكر فمتى أقام الدليل على أنه مسكر تم المطلوب.
وكذلك لو تنازع اثنان في بعض أنواع الأشربة هل هو مسكر أم لا؟ كما يسأل الناس كثيرا عن بعض الأشربة فلا يكون السائل ممن يعلم أنها تسكر أو لا تسكر ولكن قد علم أن كل مسكر حرام فإذا ثبت عنده بخبر من يصدقه أو بغير من الأدلة أنه مسكر علم تحريمه وكذلك سائر ما يقع الشك في الدراجه تحت قضية كلية من الأنواع والأعيان مع العلم بحكم تلك القضية كتنازع الناس في النرد والشطرنج هل هما من الميسر أم لا؟ وتنازعهم في النبيذ المتنازع فيه هل هو من الخمر أم لا؟ وتنازعهم في الحلف بالنذر والطلاق والعتاق هل هو داخل في قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} أم لا؟ وتنازعهم في قوله: {أو يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} هل هو الزوج أو الولي المستقل؟ وأمثال ذلك
(1/168)

وقد يحتاج الاستدلال إلى مقدمتين لمن لم يعلم أن النبيذ المسكر المتنازع فيه محرم ولم يعلم أن هذا المعين مسكر فهو لا يعلم أنه محرم حتى يعلم أنه مسكر ويعلم أن كل مسكر حرام.
وقد يعلم أن هذا مسكر ويعلم أن كل مسكر خمر لكن لم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الخمر لقرب عهده بالإسلام أو لنشأه بين جهال أو زنادقة يشكون في ذلك.
أو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر حرام" أو يعلم أن هذا خمر وان النبي صلى الله عليه وسلم حرم الخمر لكن لم يعلم أن محمدا رسول الله أو لم يعلم أنه حرمها على جميع المؤمنين بل ظن أنه أباحها لبعض الناس وظن أنه منهم كمن ظن أنه أباح شربها للتداوي أو غير ذلك فهذا لا يكفيه في العلم بتحريم هذا النبيذ المسكر تحريما عاما إلا أن يعلم أنه مسكر وأنه خمر وأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الخمر أو أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم كل مسكر وانه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا فما حرمه فقد حرمه الله وأنه حرمه تحريما عاما لم يبحه للتداوي ولا للتلذذ.
ومما يبين أن تخصيص الاستدلال بمقدمتين باطل أنهم قالوا في حد القياس الذي يشمل البرهانى والخطابي والجدلى والشعري والسوفسطائي أنه قول مؤلف من أقوال أو عبارة عما ألف من أقوال إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر قالوا واحترزنا بقولنا من أقوال عن القضية الواحدة التي تستلزم لذاتها صدق عكسها وعكس نقيضها وكذب نقيضها وليست قياسا قالوا ولم نقل مؤلف من مقدمات لانا لا يمكننا تعريف المقدمة من حيث هي مقدمة إلا بكونها جزء القياس فلو أخذناها في حد القياس كان دورا.
والقضية الخبرية إذا كانت جزء القياس سموها مقدمة وإن كانت مستفادة بالقياس سموها نتيجة وإن كانت مجردة عن ذلك سموها قضية وتسمى
(1/169)

أيضا قضية مع تسميتها نتيجة ومقدمة وهي الخبر وليست هي المبتدأ والخبر في اصطلاح النحاة بل أعم منه فان المبتدأ والخبر لا يكون إلا جملة اسمية والقضية الخبرية قد تكون اسمية وفعلية كما لو قيل في قوله: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} وقوله: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ} فان هذه جملة خبرية وليست المبتدأ والخبر في اصطلاح النحاة.
والمقصود هنا أنهم أرادوا ب القول في قولهم القياس قول مؤلف من أقوال القضية التي هي جملة تامة خبرية لم يريدوا بذلك المفرد الذي هو الحد فان القياس مشتمل على ثلاثة حدود: اصغر وأوسط واكبر كما إذا قيل النبيذ المتنازع فيه مسكر وكل مسكر حرام فالنبيذ والمسكر والحرام كل منها مفرد وهي الحدود في القياس فليس مرادهم بالقول هذا بل مرادهم أن كل قضية قول كما فسروا مرادهم بذلك ولهذا قالوا قول مؤلف من أقوال إذا سلمت لزم عنها قول آخر واللازم إنما هو النتيجة وهي قضية وخبر وجملة تامة ليست مفردا ولذلك قالوا القياس قول فسموا مجموع القضيتين قولا.
وإذا كانوا قد جعلوا القياس مؤلفا من أقوال وهي القضايا لم يجب أن يراد بذلك قولان فقط لأن لفظ الجمع أما أن يكون متناولا ل اثنين فصاعدا كقوله: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} وأما أن يراد به الثلاثة فصاعدا وهو الأصل عند الجمهور.
ولكن قد يراد به جنس العدد فيتناول الاثنين فصاعدا ولا يكون الجمع مختصا ب اثنين فإذا قالوا هو مؤلف من أقوال أن أرادوا جنس العدد كان المعنى من اثنين فصاعدا فيجوز أن يكون مؤلفا من ثلاث مقدمات وأربع مقدمات فلا يختص بالاثنين وإن أرادوا الجمع الحقيقي لم يكن مؤلفا إلا من ثلاثة
(1/170)

فصاعدا وهم قطعا ما أرادوا هذا لم يبق إلا الأول.
فإذا قيل هم يلتزمون ذلك ويقولون نحن نقول أقل ما يكون القياس من مقدمتين وقد يكون من مقدمات فيقال أولا هذا خلاف ما في كتبكم فإنكم لا تلتزمون إلا مقدمتين فقط وقد صرحوا أن القياس الموصل إلى المطلوب سواء كان اقترانيا أو استثنائيا لا ينقص عن مقدمتين ولا يزيد عليهما.
وعللوا ذلك بان المطلوب المتحد لا يزيد على جزئين مبتدأ وخبر فان كان القياس اقترانيا فكل واحد من جزئي المطلوب لا بد وان يناسب مقدمة منه أي يكون فيها أما مبتدأ وأما خبرا ولا يكون هو نفس المقدمة قالوا وليس المطلوب أكثر من جزئين فلا يفتقر إلى أكثر من مقدمتين وإن كان القياس استثنائيا فلا بد فيه من مقدمة شرطية متصلة أو منفصلة تكون مناسبة لكل مطلوب أو نقيضه ولا بد من مقدمة استثنائية فلا حاجة إلى ثالثة.
قالوا لكن ربما أدرج في القياس قول زائد على مقدمتي القياس أما غير متعلق بالقياس أو متعلق به والمتعلق بالقياس أما لترويج الكلام وتحسينه أو لبيان المقدمتين أو إحداهما ويسمون هذا القياس المركب قالوا وحاصله يرجع إلى أقيسة متعددة سيقت لبيان مطلوب واحد إلا أن القياس المبين للمطلوب بالذات منها ليس إلا واحدا والباقي لبيان مقدمات القياس قالوا وربما حذوا بعض مقدمات القياس أما تعويلا على فهم الذههن لها أو لترويج المغلطة حتى لا يطلع على كذبها عند التصريح بها قالوا ثم أن كانت الأقيسة لبيان المقدمات قد صرح فيها بنتائجها فيسمى القياس مفصولا وإلا ف موصول.
ومثلوا الموصول بقول القائل كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم وكل جسم جوهر فكل إنسان جوهر.
والمفصول بقولهم كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم فكل إنسان
(1/171)

جسم ثم يقول كل حيوان جسم وكل جسم جوهر فكل إنسان حيوان فيلزم منهما أن كل إنسان جوهر.
فيقال لهم أما المطلوب الذي لا يزيد على جزئين فذاك في النطق به والمطلوب في العقل إنما هو شيء واحد لا اثنان وهو ثبوت النسبة الحكمية أو انتفاؤها وإن شئت قلت اتصاف الموصوف بالصفة نفيا أو إثباتا وإن شئت قلت نسبة المحمول إلى الموضوع والخبر إلى المبتدأ نفيا أو إثباتا وأمثال ذلك من العبارات الدالة على المعنى الواحد المقصود ب القضية.
فإذا كان النتيجة أن النبيذ حرام أو ليس بحرام أو الإنسان حساس أو ليس بحساس أو نحو ذلك فالمطلوب ثبوت التحريم للنبيذ أو انتفاؤه وكذلك ثبوت الحس للإنسان أو انتفاؤه والمقدمة الواحدة إذا ناسبت ذلك المطلوب حصل بها المقصود وقولنا النبيذ خمر يناسب المطلوب وكذلك قولنا الإنسان حيوان.
فإذا كان الإنسان يعلم أن كل خمر حرام ولكن يشك في النبيذ المتنازع فيه هل يسمى في لغة الشارع خمرا فقيل النبيذ حرام لأنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كل مسكر حرام كانت هذا القضية وهي قولنا قد قال النبي صلى الله عليه وسلم أن كل مسكر خمر يفيد تحريم النبيذ وإن كان نفس قوله قد تضمن قضية أخرى.
والاستدلال بذلك مشروط بتقديم مقدمات معلومة عند المستمع وهي أن ما صححه أهل العلم بالحديث فقد وجب التصديق بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله وإن ما حرمه الرسول فهو حرام ونحو ذلك.
فلو لزم أن يذكر كل ما يتوقف عليه العلم وإن كان معلوما كانت المقدمات أكثر من اثنتين بل قد تكون أكثر من عشر وعلى ما قالوه فينبغي لكل من استدل
(1/172)

بقول النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: "النبي حرم ذلك وما حرمه فهو حرام" فهذا حرام وكذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أوجب وما أوجبه النبي فقد وجب فهذا قد وجب".
وإذا احتج على تحريم الأمهات والبنات ونحو ذلك يحتاج أن يقول أن الله حرم هذا في القران وما حرمه الله فهو حرام وإذا احتج على وجوب الصلاة والزكاة والحج بمثل قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} يقول أن الله أوجب الحج في كتابه وما أوجبه الله فهو واجب وأمثال ذلك ما يعده العقلاء لكنه وعيا وإيضاحا للواضح وزيادة قول لا حاجة إليها.
وهذا التطويل الذي لا يفيد في قياسهم نظير تطويلهم في حدودهم كقولهم في حد الشمس أنها كوكب يطلع نهارا وأمثال ذلك من الكلام الذي لا يفيد إلا تضييع الزمان وإتعاب الأذهان وكثرة الهذيان ثم أن الذين يتبعونهم في حدودهم وبراهينهم لا يزالون مختلفين في تحديد الأمور المعروفة بدون تحديدهم ويتنازعون في البرهان على أمور مستغنية عن براهينهم
إبطال قولهم: "ليس المطلوب أكثر من جزئين":
وقولهم: "ليس المطلوب أكثر من جزئين فلا يفتقر إلى أكثر من مقدمتين" فيقال: أن أردتم ليس له إلا اسمان مفردان فليس الأمر كذلك بل قد يكون التعبير عنه بأسماء متعددة مثل من شك في النبيذ هل هو حرام بالنص أم ليس حراما لا بنص ولا قياس فإذا قال المجيب النبيذ حرام بالنص كان المطلوب ثلاثة أجزاء وكذلك لو سأل هل الإجماع دليل قطعي فقال الإجماع دليل قطعي كان المطلوب ثلاثة أجزاء فإذا قال هل الإنسان جسم حساس نام متحرك بالإرادة ناطق أم لا فالمطلوب هنا له ستة أجزاء.
وفي الجملة فالموضوع والمحمول الذي هو مبتدأ وخبر وهو جملة خبرية قد تكون جملة مركبة من لفظين وقد تكون من ألفاظ متعددة إذا كان مضمونها مقيدا قيود
(1/173)

كثيرة مثل قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أولئك يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأولئك مِنْكُمْ} وأمثال ذلك من القيود التي يسميها النحاة الصفات والعطف والأحوال وظرف المكان وظرف الزمان ونحو ذلك.
فإذا كانت القضية مقيدة بقيود كثيرة لم تكن مؤلفة من لفظين بل من ألفاظ متعددة ومعان متعددة.
وإن أريد أن المطلوب ليس إلا معنيان سواء عبر عنهما بلفظين أو ألفاظ متعددة قيل وليس الأمر كذلك بل قد يكون المطلوب معنى واحدا وقد يكون معنين وقد يكون معاني متعددة فان المطلوب بحسب طلب الطالب وهو الناظر المستدل والسائل المتعلم المناظر وكل منهما قد يطلب معنى واحدا وقد يطلب معنيين وقد يطلب معاني والعبارة عن مطلوبه قد تكون بلفظ واحد وقد تكون بلفظين وقد تكون بأكثر فإذا قال النبيذ حرام قيل له نعم كان هذا اللفظ وحده كافيا في جوابه كما لو قيل له هو حرام.
فان قالوا القضية الواحدة قد تكون في تقدير قضايا كما ذكرتموه من التمثيل ب الإنسان فان هذه القضية الواحدة في تقدير خمس قضايا وهي خمس مطالب والتقدير هل هو جسم أم لا وهل هو حساس أم لا وهل هو نام أم لا وهل هو متحرك بالإرادة أم لا وهل هو ناطق أم لا وكذلك فيما تقدم هل النبيذ حرام أم لا فإذا كان حراما فهل تحريمه بالنص أو بالقياس.
فيقال إذا رضيتم بمثل هذا وهو أن تجعلوا الواحد في تقدير عدد فالمفرد قد
(1/174)

يكون في معنى قضية فإذا قال النبيذ المسكر حرام فقال المجيب نعم فلفظ نعم في تقدير قوله هو حرام.
وإذا قال ما الدليل عليه فقال الدليل عليه تحريم كل مسكر أو أن كل مسكر حرام أو قول النبي صلى الله عليه وسلم "كل مسكر حرام" ونحو ذلك من العبارات التي جعل الدليل فيها اسما مفردا وهو جزء واحد لم يجعله قضية مؤلفه من اسمين مبتدأ وخبر فان قوله تحريم كل مسكر اسم مضاف.
وقوله أن كل مسكر حرام بالفتح مفرد أيضا فان أن وما في حيزها في تقدير المصدر المفرد وإن المكسورة وما في حيزها جملة تامة ولهذا قال النحاة قاطبة أن إن تكسر إذا كانت في موضع الجملة والجملة خبر وقضية وتفتح في موضع المفرد الذي هو جزء القضية ولهذا يكسرونها بعد القول لأنهم إنما يحكون ب القول الجملة التامة.
وكذلك إذا قلت الدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم أو الدليل عليه النص أو اجماع الصحابة أو الدليل عليه الآية الفلانية أو الحديث الفلاني أو الدليل عليه قيام المقتضى للتحريم السالم عن المعارض المقاوم أو الدليل عليه أنه مشارك لخمر العنب فيما يستلزم التحريم وامثال ذلك مما يعبر فيه عن الدليل اسم مفرد لا بالقضية التي هي جملة تامة ثم هذا الدليل الذي عبر عنه باسم مفرد هو إذا فصل عبر عنه بألفاظ متعددة.
والمقصود أن قولكم أن الدليل الذي هو القياس لا يكون إلا جزئين فقط أن أردتم لفظين فقط وإن ما زاد على لفظين فهو أدلة لا دليل واحد لأن ذلك اللفظ الموصوف بصفات تحتاج كل صفة إلى دليل قيل لكم وكذلك يمكن أن يقال في اللفظين هما دليلان لا دليل واحد فان كل مقدمة تحتاج إلى دليل.
وحينئذ فتخصيص العدد باثنين دون ما زاد تحكم لا معنى له فانه إذا كان المقصود قد يحصل بلفظ مفرد وقد لا يحصل إلا بلفظين وقد لا يحصل إلا بثلاثة
(1/175)

أو أربعة وأكثر فجعل الجاعل اللفظين هما الأصل الواجب دون ما زاد وما نقص وان الزائد أن كان في المطلوب جعل مطالب متعددة وان كان في الدليل يذكر مقدمات جعل ذلك في تقدير أقيسة متعددة تحكم محض ليس هو أولى من أن يقال بل الأصل في المطلوب أن يكون واحدا ودليله جزء واحد فإذا زاد المطلوب على ذلك جعل مطلوبين أو ثلاثة أو أربعة بحسب زيادته وجعل الدليل دليلين أو ثلاثة أو أربعة بحسب دلالته وهذا إذا قيل فهو أحسن من قولهم لأن اسم الدليل مفرد فيجعل معناه مفردا والقباس هو الدليل ولفظ القياس يقتضى التقدير كما يقال قست هذا بهذا والتقدير يحصل بواحد كما يحصل باثنين وبثلاثة فأصل التقدير بواحد وإذا قدر باثنين أو ثلاثة يكون تقديرين وثلاثة لا تقديرا واحدا فكون تلك التقديرات أقيسة لا قياسا واحدا.
فجعلهم ما زاد على الاثنين من المقدمات في معنى أقيسة متعددة وما نقص عن الاثنتين نصف قياس لا قياس تام اصطلاح محض لا يرجع إلى معنى معقول كما فرقوا بين الصفات الذاتية والعرضية اللازمة ل الماهية والوجود بمثل هذا التحكم.
تنازع اصطلاحي في مسمى العلة والدليل:.
وحينئذ فيعلم أن القوم لم يرجعوا فيما سموه حدا وبرهانا إلى حقيقة موجودة ولا إلى أمر معقول بل إلى اصطلاح مجرد كتنازع الناس في العلة هل هي اسم لما يستلزم المعلوم بحيث لا يختلف عنها بحال فلا يقبل النقيض والتخصيص أو هو اسم لما يكون مقتضيا للمعلول وقد يتخلف عنه المعلول لفوات شرط أو وجود مانع وكاصطلاح بعض أهل النظر والجدل في تسمية احدهم الدليل ل ما هو مستلزم للمدلول مطلقا حتى يدخل في ذلك عدم المعارض والآخر يسمى الدليل ل ما كان من شأنه أن يستلزم المدلول وإنما يتخلف استلزامه لفوات شرط أو وجود مانع وتنازع أهل الجدل هل على المستدل أن يتعرض في ذكر الدليل
(1/176)

لتبيين المعارض جملة أو تفصيلا حيث يمكن التفصيل أو لا يتعرض لتبيينه لا جملة ولا تفصيلا أو يتعرض لتبيينه جملة لا تفصيلا.
وهذه أمور وضعية اصطلاحية بمنزلة الألفاظ التي يصطلح عليها الناس للتعبير عما في أنفسهم وبمنزلة ما يعتاده الناس في بعض الأفعال لكونهم رأوا ذلك أولى بهم من غيره وإن كان غيره أولى منه ليست حقائق ثابتة في أنفسها لأمور معقولة يتفق فيها الأمم كما يدعيه هؤلاء في منطقهم.
بل هؤلاء الذين يجعلون العلة والدليل يراد به هذا أو هذا أقرب إلى المعقول من جعل هؤلاء الدليل لا يكون إلا من مقدمتين فان هذا تخصيص لعدد دون عدد بلا موجب وأولئك لحظوا صفات ثابتة في العلة والدليل وهو وصف التمام أو مجرد الاقتضاء فكان ما اعتبره أولئك أولى بالحق والعقل مما اعتبره هؤلاء الذين لم يرجعوا إلا إلى مجرد التحكم.
المنطق أمر اصطلاحي وضعه رجل من اليونان:
ولهذا كان العقلاء العارفون يصفون منطقهم بأنه أمر اصطلاحي وضعه رجل من اليونان لا يحتاج إليه العقلاء ولا طلب العقلاء للعلم موقوفا عليه كما ليس موقوفا على التعبير بلغاتهم مثل فيلاسوفيا وسوفسطيقا وانولوطيقا وإثولوجيا وقاطيغورياس وإيساغوجى ومثل تسميتهم للفعل ب الكلمة وللحرف ب الأداة ونحو ذلك من لغاتهم التي يعبرون بها عن معانيهم
(1/177)

تعلم العربية فرض على الكفاية بخلاف المنطق:
فلا يقول احد أن سائر العقلاء يحتاجون إلى هذه اللغة لا سيما من كرمه الله بأشرف اللغات الجامعة لأكمل مراتب البيان المبينة لما تتصوره الأذهان بأوجز لفظ وأكمل تعريف.
وهذا ما احتج به أبو سعيد السيرافي في مناظرته المشهورة لمتى الفيلسوف لما اخذ متى يمدح المنطق ويزعم احتياج العقلاء إليه ورد عليه أبو سعيد بعدم الحاجة إليه وأن الحاجة إنما تدعو إلى تعلم العربية لأن المعاني فطرية عقلية لا تحتاج إلى اصطلاح خاص بخلاف اللغة المتقدمة التي يحتاج إليها في معرفة ما يجب معرفته من المعاني فانه لا بد فيها من التعلم ولهذا كان تعلم العربية التي يتوقف فهم القران والحديث عليها فرضا على الكفاية بخلاف المنطق
(1/178)

بطلان القول بأن تعلم المنطق فرض على الكفاية:
ومن قال من المتأخرين: "أن تعلم المنطق فرض على الكفاية" فانه يدل على جهلة بالشرع وجهله بفائدة المنطق وفساد هذا القول معلوم بالاضطرار من دين الإسلام وأجهل منه من قال أنه فرض على الأعيان مع أن كثيرا من هؤلاء ليسوا مقرين بإيجاب ما أوجبه الله ورسوله وتحريم ما حرمه الله ورسوله.
ومعلوم أن أفضل هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين عرفوا ما يجب عليهم وكمل علمهم وإيمانهم قبل أن يعرف منطق اليونان فكيف يقال: أنه لا يوثق بالعلم أن لم يوزن به أو يقال أن فطر بني آدم في الغالب لا تستقيم إلا به.
فان قالوا نحن لا نقول أن الناس يحتاجون إلى اصطلاح المنطق بل إلى المعاني التي توزن بها العلوم قيل لا ريب أن المجهولات لا تعرف إلا بالمعلومات والناس يحتاجون إلى أن يزنوا ما جهلوه بما علموه وهذا من الموازين التي انزلها الله حيث قال الله: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} وقال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} وهذا موجود عند أمتنا وغير أمتنا ممن لم يسمع قط بمنطق اليونان فعلم أن الأمم غير محتاجة إليه.
ملخص دعاوى أهل المنطق وكذبها:
وهم لا يدعون احتياج الناس إلى نفس ألفاظ اليونان بل يدعون الحاجة إلى المعاني المنطقية التي عبروا عنها بلسانهم وهو كلامهم في المعقولات الثانية فان موضوع المنطق هو المعقولات الثانية من حيث يتوصل بها إلى علم ما لم يعلم فانه ينظر في أحوال المعقولات الثابتة وهي النسب الثابتة للماهيات من حيث هي مطلقة عرض لها أن كانت موصولة إلى تحصيل ما ليس بحاصل أو معينة في ذلك لا على وجه جزئي بل على قانون كلي
(1/179)

ويدعون أن صاحب المنطق ينظر في جنس الدليل كما أن صاحب أصول الفقه ينظر في الدليل الشرعي ومرتبته فيميز بين ما هو دليل شرعي وما ليس بدليل شرعي وينظر في مراتب الأدلة حتى يقدم الراجح على المرجوح عند التعارض وهم يزعمون أن صاحب المنطق ينظر في الدليل المطلق الذي هو أعم من الشرعي ويميز بين ما هو دليل وما ليس بدليل.
ويدعون أن نسبة منطقهم إلى المعاني كنسبة العروض إلى الشعر وموازين الأموال إلى الأموال وموازين الأوقات إلى الأوقات وكنسبة الذراع إلى المذروعات.
وهذا هو الذي قاله جمهور علماء المسلمين وغيرهم من العقلاء أنه باطل فان منطقهم لا يميز بين الدليل وغير الدليل لا في صورة الدليل ولا في مادته ولا يحتاج أن يوزن به المعاني بل ولا يصح وزن المعاني به على ما هو عليه وإن كان فيه ما هو حق فلا بد في كلام كل مصنف من حق بل فيه أمور باطلة إذا وزنت بها العلوم أفسدتها.
ودعواهم أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره دعوى كاذبة بل من أكذب الدعاوى.
والكلام معهم إنما هو في المعاني التي وضعوها في المنطق وزعموا أن التصورات المطلوبة لا تنال إلا بها والتصديقات المطلوبة لا تنال إلا بها فذكروا لمنطقهم أربع دعاوى دعوتان سالبتان ودعوتان موجبتان.
أدعوا أنه لا تنال التصورات بغير ما ذكروه فيه من الطريق وأن
(1/180)

التصديقات لا تنال بغير ما ذكروه فيه من الطريق وهاتان الدعوتان من أظهر الدعاوي كذبا وادعوا أن ما ذكروه من الطريق يحصل به تصور الحقائق التي لم تكن متصورة وهذا أيضا باطل وقد تقدم البينة على هذه الدعاوى الثلاثة وسيأتي الكلام على دعواهم الرابعة التي هي امثل من غيرها وهى دعواهم أن برهانهم يفيد العلم التصديقى.
فان قالوا أن العلم التصديقي أو التصوري أيضا لا ينال بدونه فهم ادعوا أن طرق العلم على عقلاء بني آدم مسدودة إلا من الطريقين اللتين ذكروهما ما ذكروه من الحد وما ذكروه من القياس وادعوا أن ما ذكروه من الطريقين يوصلان إلى العلوم التي ينالها بنو آدم بعقولهم بمعنى أن ما يوصل لا بد أن يكون على الطريق الذي ذكروه لا على غيره فما ذكروه آلة قانونية به توزن الطرق العلمية ويميز به بين الطريق الصحيحة والفاسدة فمراعاة هذا القانون يعصم الذهن أن يزل في الفكر الذي ينال به تصور أو تصديق.
هذا ملخص دعاويهم وكل هذه الدعاوى كذب في النفي والإثبات فلا ما نفوه من طرق غيرهم كلها باطل ولا ما أثبتوه من طرقهم كلها حق على الوجه الذي ادعوه فيه وإن كان في طرقهم ما هو حق كما أن في طرق غيرهم ما هو باطل فما احد منهم ولا من غيرهم يصنف كلاما إلا ولا بد أن يتضمن ما هو حق.
ما معهم من الحق أقل مما مع اليهود والنصارى والمشركين:
فمع اليهود والنصارى من الحق بالنسبة إلى مجموع ما معهم أكثر مما مع هؤلاء من الحق بل ومع المشركين عباد الأصنام من العرب ونحوهم من الحق أكثر مما مع هؤلاء بالنسبة إلى ما معهم في مجموع فلسفتهم النظرية والعلمية الأخلاق والمنازل والمداين
(1/181)

ولهذا كان اليونان مشركين كفارا يعبدون الكواكب والأصنام شرا من اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل بكثير ولولا أن الله من عليهم بدخول دين المسيح إليهم فحصل لهم من الهدى والتوحيد وما استفادوه من دين المسيح ما داموا متمسكين بشريعته قبل النسخ والتبديل لكانوا من جنس أمثالهم من المشركين.
ثم لما غيرت ملة المسيح صاروا على دين مركب من حنيفية وشرك بعضه حق وبعضه باطل وهو خير من الدين الذي كان عليه أسلافهم.
وقد قيل أن آخر ملوكهم كان صاحب المجسطى بطلميوس.
والمشهور المتواتر أن أرسطو وزير الاسكندر بن فيلبس كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة وكثير من الجهال يحسب أن هذا هو ذو القرنين المذكور في
(1/182)

القرآن ويعظم أرسطو بكونه كان وزيرا له كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله من الجهال بأخبار الأمم.
مقالات سخيفة للمتفلسفة والمتصوفة في الأنبياء المرسلين:
ومن ملاحدة المتصوفة من يزعم أن أرسطو كان هو الخضر خضر موسى.
وهؤلاء منهم من يفضل الفلاسفة على الأنبياء في العلم ويقول أن هارون كان أعلم من موسى وإن عليا كان أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم كما يزعمون أن الخضر كان أعلم من موسى وأن عليا وهارون والخضر كانوا فلاسفة يعلمون الحقائق العقلية العلمية أكثر من موسى وعيسى ومحمد لكن هؤلاء كانوا في القوة العلمية أكمل ولهذا وضعوا الشرائع العلمية.
وهؤلاء يفضلون فرعون على موسى ويسمونه أفلاطن القبطي وقد يقولون أن صاحب مدين الذي تزوج موسى بنته هو أفلاطن اليوناني أستاذ أرسطو ويقولون أن موسى كان أعلم من غيره بالسحر وإنه استفاد ذلك من حموه إذ كان عندهم ليست المعجزات إلا قوى نفسانية أو طبيعية أو فلكية من جنس السحر ولكن موسى كان مبرزا على غيره في ذلك.
إلى أمثال ذلك من المقالات التي تقولها الملاحدة المتفلسفة المنتمون إلى الإسلام في الظاهر من متشيع ومتصوف كابن سبعين وابن عربي وأصحابه
(1/183)

ولهم من هذا الجنس ما يطول حكايته مما يدل على أنهم من اجهل الناس بالمعقول والمنقول ولم يكفهم جهلهم بما جاءت به النبوات حتى ضموا إلى ذلك الجهل بأخبار العالم وأيام الناس والجهل بالعقليات.
فان أفلاطن أستاذ أرسطو كان قبل المسيح بأقل من أربعمائة سنة وذلك بعد موسى بمدة طويلة تزيد على فكيف يتعلم منه.
إبطال القول بحياة الخضر:
وقولهم أن الخضر هو أرسطو من اظهر الكذب البارد والخضر على الصواب مات قبل ذلك بزمان طويل والذين يقولون أنه حي كبعض العباد وبعض العامة وكثير من اليهود والنصارى غالطون في ذلك غلطا لا ريب فيه.
وسبب غلطهم أنهم يرون في الأماكن المنقطعة وغيرها من يظن أنه من الزهاد ويقول أنا الخضر وقد يكون ذلك شيطانا قد يتمثل بصورة آدمي.
وهذا مما علمنا في وقائع كثيرة حتى في مكان الذي كتبت فيه هذا عند الربوة
(1/184)

بدمشق رأى شخص بين الجبلين صورة رجل قد سد ما بين الجبلين وبلغ رأسه راس الجبل وقال أنا الخضر وأنا نقيب الأولياء وقال للرجل الرائي أنت رجل صالح وأنت ولي الله ومد يده إلى فأس كان الرجل نسيه في مكان وهو ذاهب إليه فناوله اياه وكان بينه وبين ذلك المكان نحو ميل ومثل هذه الحكاية كثير.
وكل من قال أنه رأى الخضر وهو صادق أما أن يتخيل له في نفسه أنه رآه ويظل ما في نفسه كان في الخارج كما يقع لكثير من أرباب الرياضات وأما أن يكون جنيا يتصور له بصورة إنسان ليضله وهذا كثير جدا قد علمنا منه ما يطول وصفه وأما أن يكون رأى انسيا ظن أنه الخضر وهو غالط في ظنه فان قال له ذلك الجني أو الإنسي أنه الخضر فيكون قد كذب عليه لا يخرج الصدق في هذا الباب عن هذه الأقسام الثلاثة.
وأما الأحاديث فكثيرة ولهذا لم ينقل عن احد من الصحابة أنه رأى الخضر ولا اجتمع به لأنهم كانوا أكمل علما وإيمانا من غيرهم فلم يكن يمكن الشيطان التلبيس عليهم كما لبس على كثير من العباد ولهذا كثير من الكفار اليهود والنصارى يأتيهم من يظنون أنه الخضر ويحضر في كنائسهم وربما حدثهم بأشياء وإنما هو شيطان جاء إليهم فيضلهم.
ولو كان الخضر حيا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيؤمن به ويجاهد معه كما اخذ الله الميثاق على الأنبياء وأتباعهم بقوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} والخضر قد أصلح السفينة لقوم من عرض الناس فكيف لا يكون بين محمد وأصحابه.
وهو أن كان نبيا فنبينا أفضل منه وان لم يكن نبيا فأبو بكر وعمر أفضل منه وهذا مبسوط في موضعه
(1/185)

حقيقة شخصيات أرسطو والاسكندر وذي القرنين:
وكلامنا هنا في ضلال هؤلاء المتفلسفة الذين يبنون ضلالهم بضلال غيرهم فيتعلقون بالكذب في المنقولات وبالجهل في المعقولات كقولهم أن أرسطو وزير ذي القرنين المذكور في القرآن لأنهم سمعوا أنه كان وزير الاسكندر وذو القرنين يقال له الاسكندر.
وهذا من جهلهم فان الاسكندر الذي وزر له أرسطو هو ابن فيلبس المقدوني الذي يؤرخ له تاريخ الروم المعروف عند اليهود والنصارى وهو إنما ذهب إلى ارض القدس لم يصل إلى السد عند من يعرف أخباره وكان مشركا يعبد الأصنام وكذلك أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأصنام.
وذو القرنين كان موحدا مؤمنا بالله وكان متقدما على هذا ومن يسميه الاسكندر يقول هو الاسكندر بن دارا
(1/186)

ولهذا كان هؤلاء المفلسفة إنما راجوا على ابعد الناس عن العقل والدين كالقرامطة والباطنية الذين ركبوا مذهبهم من فلسفة اليونان ودين المجوس وأظهروا الرفض وكجهال المتصوفة وأهل الكلام وإنما ينفقون في دولة جاهلية بعيدة عن العلم والإيمان أما كفارا وأما منافقين كما نفق منهم من نفق على المنافقين الملاحدة ثم نفق على المشركين الترك وكذلك إنما ينفقون دائما على اعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين.
مزيد الكلام على تحديدهم الاستدلال بمقدمتين فقط:
وكلامنا الآن فيما احتجوا به على أنه لا بد في الدليل من مقدمتين لا أكثر ولا أقل وقد عرف ضعفه.
ثم أنهم لما علموا أن الدليل قد يحتاج إلى مقدمات وقد يكفى فيه مقدمة واحدة قالوا أنه ربما أدرج في القياس قول زائد أي مقدمة ثالثة زائدة على مقدمتين لغرض فاسد أو صحيح كبيان المقدمتين ويسمونه المركب قالوا ومضمونه أقيسة متعددة سيقت لبيان مطلوب واحد إلا أن المطلوب منها بالذات
(1/187)

ليس إلا واحدا قالوا وربما حذفت إحدى المقدمات أما للعلم بها أو لغرض فاسد وقسموا المركب إلى مفصول وموصول كما تقدم.
فيقال هذا اعتراف منكم بان من المطالب ما يحتاج إلى مقدمات ومنها ما يكفى فيه مقدمة واحدة ثم قلتم أن ذلك الذي يحتاج إلى مقدمات هو في معنى أقيسة متعددة فيقال لكم إذا ادعيتم أن الذي لا بد منه إنما هو قياس واحد يشتمل على مقدمتين وان ما زاد على ذلك هو في معنى أقيسة كل قياس لبيان مقدمة من المقدمات فقولوا أن الذي لا بد منه هو مقدمة واحدة وان ما زاد على تلك المقدمة من المقدمات فإنما هو لبيان تلك المقدمة.
وهذا أقرب إلى المعقول فانه إذا لم يعلم ثبوت الصفة للموصوف وهو ثبوت الحكم للمحكوم عليه وهو ثبوت الخبر للمبتدأ أو المحمول للموضوع إلا بوسط بينهما هو الدليل فالذي لا بد منه هو مقدمة واحدة وما زاد على ذلك فقد يحتاج إليه وقد لا يحتاج إليه.
وأما دعوى الحاجة إلى القياس الذي هو المقدمتان للاحتياج إلى ذلك في بعض المطالب فهو كدعوى الاحتياج في بعضها إلى ثلاث مقدمات وأربع وخمس للاحتياج إلى ذلك في بعض المطالب وليس تقدير عدد بأولى من عدد وما يذكرونه من حذف إحدى المقدمتين لوضوحها أو للتغليط يوجد مثله في حذف الثالثة والرابعة.
ومن احتج على مسألة بمقدمة لا تكفي وحدها في بيان المطلوب أو مقدمتين أو ثلاثة لا تكفي طولب بالتمام الذي يحصل به الكفاية وإذا ذكرت المقدمات منع منها ما يقبل المنع وعورض منها ما يقبل المعارضة حتى يتم الاستدلال كمن
(1/188)

طلب منه الدليل على تحريم شراب خاص حين قال هذا حرام فقيل له لم قال لأنه نبيذ مسكر فهذه المقدمة كافية أن كان المستمع ممن يعلم أن كل مسكر حرام إذا سلم له تلك المقدمة.
وان منعه إياها وقال لا نسلم أن هذا مسكر احتاج إلى بيانها بخبر من يوثق بخبره أو بالتجربة في نظيرها وهذا قياس تمثيل وهو مفيد لليقين فان الشراب الكثير إذا جرب بعضه وعلم أنه مسكر علم أن الباقي منه مسكر لأن حكم بعضه مثل بعض وكذلك سائر القضايا التجربية كالعلم بأن الخبز يشبع والماء يروي وأمثال ذلك إنما مبناها على قياس التمثيل بل وكذلك سائر الحسيات التي علم أنها كلية إنما هو بواسطة قياس التمثيل.
وان كان ممن ينازعه في أن النبيذ المسكر حرام احتاج إلى مقدمتين إلى إثبات أن هذا مسكر والى أن كل مسكر خمر فيثبت الثانية بأدلة متعددة كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر" و"كل شراب اسكر فهو حرام " وبأنه سئل عن شراب يصنع من العسل يقال له البتع وشراب يصنع من الذرة يقال له المزر وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال: " كل مسكر حرام" وهذه الأحاديث في الصحيح وهي وأضعافها معروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أنه حرام كل شراب اسكر.
فان قال أنا اعلم أنه خمر لكن لا اسلم أن الخمر حرام أو لا اسلم أنه حرام مطلقا اثبت هذه المقدمة الثالثة وهلم جرا.
مزيد البيان أن المقدمة الواحدة قد تكفي:
ومما يبين لك أن المقدمة الواحدة قد تكفي في حصول المطلوب أن الدليل هو ما يستلزم الحكم المدلول عليه كما تقدم بيانه ولما كان الحد الأول مستلزما للأوسط
(1/189)

والأوسط للثالث ثبت أن الأول مستلزم للثالث فان ملزوم الملزوم ملزوم ولازم اللازم لازم فالحكم لازم من لوازم الدليل لكن لم يعرف لزومه إياه إلا بوسط بينهما والوسط ما يقرن بقولك لأنه.
وهذا مما ذكره المنطقيون ابن سينا وغيره ذكروا الصفات اللازمة للموصوف وان منها ما يكون بين اللزوم وردوا بذلك على من فرق من أصحابهم بين الذاتي واللازم للماهية بأن اللازم ما افتقر إلى وسط بخلاف الذاتي فقالوا له كثير من الصفات اللازمة لا يفتقر إلى وسط وهي البينة اللزوم والوسط عند هؤلاء هو الدليل.
وأما ما ظنه بعض الناس أن الوسط هو ما يكون متوسطا في نفس الأمر بين اللازم القريب واللازم البعيد فهذا خطا ومع هذا يتبين حصول المراد على التقديرين فنقول.
إذا كانت اللوازم منها ما لزومه للملزوم بين بنفسه لا يحتاج إلى دليل يتوسط بينهما فهذا نفس تصوره وتصور الملزوم يكفي في العلم بثبوته له وإذا كان بينهما وسط فذاك الوسط إذا كان لزومه للملزوم الأول ولزوم الثاني له بينا لم يفتقر إلى وسط ثان.
وان كان احد الملزومين غير بين بنفسه احتاج إلى وسط وان لم يكن واحد منهما بينا احتاج إلى وسطين وهذا الوسط هو حد تكفي فيه مقدمة واحدة.
فإذا طلب الدليل على تحريم النبيذ المسكر فقيل لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مسكر خمر أو كل مسكر حرام" فهذا الوسط وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يفتقر عند المؤمن لزوم تحريم المسكر له إلى وسط ولا يفتقر لزوم تحريم النبيذ المتنازع فيه لتحريم المسكر إلى وسط فان كل احد يعلم أنه إذا حرم كل مسكر حرم النبيذ المسكر المتنازع فيه وكل
(1/190)

مؤمن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حرم شيئا حرم.
ولو قال الدليل على تحريمه أنه مسكر فالمخاطب أن كان يعرف أن ذلك مسكر والمسكر محرم سلم له التحريم ولكنه كان غافلا عن كونه مسكرا أو جاهلا بكونه مسكرا.
وكذلك إذا قال لأنه خمر فان اقر أنه خمر ثبت التحريم وإذا اقر بعد إنكاره فقد يكون كان جاهلا فعلم أو غافلا فذكر فليس كل من علم شيئا كان ذاكرا له.
الخلاف في أن العلم بالمقدمتين كاف في العلم بالنتيجة أم لا:
ولهذا تنازع هؤلاء المنطقيون في العلم بالمقدمتين هل هو كاف في العلم بالنتيجة أم لا بد من التفطن لأمر ثالث وهذا الثاني هو قول ابن سينا وغيره قالوا لأن الإنسان قد يكون عالما ب أن البغلة لا تلد ثم يغفل عن ذلك ويرى بغلة منتفخة البطن فيقول أهذه حامل أم لا فيقال له أما تعلم أنها بغلة فيقول بلى ويقال له أما تعلم أن البغلة لا تلد فيقول بلى قال فحينئذ يتفطن لكونها لا تلد.
ونازعه الرازي وغيره وقالوا هذا ضعيف لأن اندراج إحدى المقدمتين تحت الأخرى أن كان مغايرا للمقدمتين كان ذلك مقدمة أخرى لا بد فيها من الإنتاج ويكون الكلام في كيفية التيامها مع الأوليين كالكلام في كيفية التيام الأوليين ويفضى ذلك إلى اعتبار ما لا نهاية له من المقدمات وان لم يكن ذلك معلوما مغايرا للمقدمتين استحال أن يكون شرطا في الإنتاج لأن الشرط مغاير للمشروط وهنا لا مغايرة فلا يكون شرطا وأما حديث البغلة فذلك إنما يمكن إذا كان الحاضر في الذهن إحدى المقدمتين فقط أما الصغرى وأما الكبرى وأما عند اجتماعهما في الذهن فلا نسلم أنه يمكن الشك أصلا في النتيجة.
قلت: وحقيقة الأمر أن هذا النزاع لزمهم في ظنهم الحاجة إلى مقدمتين فقط
(1/191)

وليس الأمر كذلك بل المحتاج إليه هو ما به يعلم المطلوب سواء كانت مقدمة أو اثنتين أو ثلاثا والمغفول عنه ليس بمعلوم حال الغفلة فإذا تذكر صار معلوما بالفعل وهنا الدليل هو العلم بأن البغلة لا تحبل وهذه المقدمة كان زاهلا عنها فلم يكن عالما بها العلم الذي يحصل به الدلالة فان المغفول عنه لا يدل حين ما يكون مغفولا عنه بل إنما يدل حال كونه مذكورا إذ هو بذلك يكون معلوما علما حاضرا.
والرب تعالى منزه عن الغفلة والنسيان لأن ذلك يناقض حقيقة العلم كما أنه منزه عن السنة والنوم لأن ذلك يناقض كمال الحياة والقيومية فان النوم اخو الموت ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون كما لا يموتون وكانوا يلهمون التسبيح كما يلهم احدنا النفس.
والمقصود هنا أن وجه الدليل العلم بلزوم المدلول له سواء سمي استحضارا أو تفطنا أو غير ذلك فمتى استحضر في ذهنه لزوم المدلول له علم أنه دال عليه وهذا اللزوم أن كان بينا له وإلا فقد يحتاج في بيانه إلى مقدمة أو ثنتين أو ثلاثة أو أكثر.
والأوساط تتنوع بتنوع الناس فليس ما كان وسطا مستلزما للحكم في حق هذا هو الذي يجب أن يكون وسطا في حق الآخر بل قد يحصل له وسط آخر.
فالأوساط هو الدليل وهو الواسطة في العلم بين اللازم والملزوم وهما المحكوم والمحكوم عليه فان الحكم لازم للمحكوم عليه ما دام حكما له والأواسط التي هي الأدلة مما يتنوع ويتعدد بحسب ما يفتحه الله للناس من الهداية كما إذا كان الوسط خبر صادق فقد يكون الخبر لهذا غير الخبر لهذا.
وإذا رأى الناس الهلال وثبت عند دار السلطان وتفرق الناس فأشاعوا ذلك في البلد فكل قوم يحصل لهم العلم بخبر من غير المخبرين الذين اخبروا غيرهم.
والقران والسنة الذي بلغه الناس عن الرسول بلغ كل قوم بوسائط غير
(1/192)

وسائط غيرهم لا سيما في القرن الثاني والثالث فهؤلاء هم مقرئون ومعلمون وهؤلاء مقرئون ومعلمون وهؤلاء هم وسائط وهم الأواسط بينهم وبين معرفة ما قاله الرسول وفعله وهم الذين دلوهم على ذلك بإخبارهم وتعليمهم.
وكذلك المعلومات التي تنال بالعقل أو الحس إذا نبه عليها منه وارشد إليها مرشد فذلك أيضا مما يختلف ويتنوع ونفس الوسائط العقلية تتنوع وتختلف.
وأما من جعل الوسط في اللوازم هو وسطا في نفس ثبوتها للموصوف فهذا باطل من وجوه كما قد بسط في موضعه وبتقدير صحته فالوسط الذهني اعم من الخارجي كما أن الدليل اعم من العلة فكل علة يمكن الاستدلال بها على المعلول وليس كل دليل يكون علة في نفس الأمر.
وكذلك ما كان متوسطا في نفس الأمر أمكن جعله متوسطا في الذهن فيكون دليلا ولا ينعكس لأن الدليل هو ما كان مستلزما للمدلول فالعلة المستلزمة للمعلول يمكن الاستدلال بها والوسط الذي يلزم الملزوم ويلزمه اللازم البعيد هو مستلزم لذلك اللازم فيمكن الاستدلال به.
فتبين أنه على كل تقدير يمكن الاستدلال على المطلوب بمقدمة واحدة إذا لم يحتج إلى غيرها وقد لا يمكن إلا بمقدمات فيحتاج إلى معرفتهن وان تخصيص الحاجة بمقدمتين دون ما زاد وما نقص تحكم محض.
لا يلتزم الاستدلال بمقدمتين فقط إلا أهل المنطق:
ولهذا لا تجد في سائر طوائف العقلاء ومصنفي العلوم من يلتزم في استدلاله البيان بمقدمتين لا أكثر ولا أقل ويجتهد في رد الزيادة إلى ثنتين وفي تكميل النقص بجعله مقدمتين إلا أهل منطق اليونان ومن سلك سبيلهم دون من كان باقيا على فطرته السليمة أو سلك مسلك غيرهم كالمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان
(1/193)

وسائر أئمة المسلمين وعلمائهم ونظارهم وسائر طوائف الملل.
وكذلك أهل النحو والطب والهندسة لا يدخل في هذا الباب إلا من اتبع في ذلك هؤلاء المنطقيين كما قلدوهم في الحدود المركبة من الجنس والفصل وما استفادوا بما تلقوه عنهم علما إلا علما يستغني عن باطل كلامهم أو ما يضر ولا ينفع لما فيه من الجهل أو التطويل الكثير.
ولهذا لما كان الاستدلال تارة يقف على مقدمة وتارة على مقدمتين وتارة على مقدمات كانت طريقة نظار المسلمين أن يذكروا من الأدلة على المقدمات ما يحتاجون إليه ولا يلتزمون في كل استدلال أن يذكروا مقدمتين كما يفعله من يسلك سبيل المنطقيين بل كتب نظار المسلمين وخطبائهم وسلوكهم في نظرهم لأنفسهم ومناظرتهم لغيرهم تعليما وإرشادا ومجادلة على ما ذكرت وكذلك سائر أصناف العقلاء من أهل الملل وغيرهم إلا من سلك طريق هؤلاء.
وما زال نظار المسلمين يعيبون طريق أهل المنطق ويبينون ما فيها من العي واللكنة وقصور العقل وعجز النطق ويبينون أنها إلى إفساد المنطق العقلي واللساني أقرب منها إلى تقويم ذلك ولا يرضون أن يسلكوها في نظرهم ومناظرتهم لا مع من يوالونه ولا مع من يعادونه.
الإمام الغزالي وعلم المنطق:
وإنما كثر استعمالها من زمن أبي حامد فانه ادخل مقدمة من المنطق في أول كتابه المستصفى وزعم أنه لا يثق بعلمه إلا من عرف هذا المنطق
(1/194)

وصنف فيه معيار العلم ومحك النظر.
وصنف كتابا سماه القسطاس المستقيم ذكر فيه خمس موازين الضروب الثلاثة الحمليات والشرطي المتصل والشرطي المنفصل وغير عبارتها إلى أمثلة أخذها من كلام المسلمين وزعم أنه اخذ تلك الموازين من الأنبياء وذكر أنه خاطب بذلك بعض أهل التعليم.
وصنف كتابا في مقاصدهم وصنف كتابا في تهافتهم وبين كفرهم بسبب مسألة قدم العالم وإنكار العلم بالجزئيات وإنكار المعاد.
وبين في آخر كتبه أن طريقهم فاسدة لا توصل إلى يقين وذمها أكثر مما ذم طريقة المتكلمين لكن بعد أن أودع كتبه المضنون بها على غير أهلها وغيرها من معاني كلامهم الباطل المخالف لدين المسلمين ما غير عبارته وعبر عنه بعبارة المسلمين
(1/195)

التي لم يريدوا بها ما أراده كما يأخذ لفظ الملك والملكوت والجبروت.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة والجبروت والملكوت فعلوت الجبر والملك كالرحموت والرغبوت والرهبوت فعلوت من الرحمة والرغبة والرهبة والعرب تقول رهبوت خير من رحموت أي أن ترهب خير من أن ترحم.
ف الجبروت والملكوت يتضمن من معاني أسماء الله تعالى وصفاته ما دل عليه معنى الملك الجبار وأبو حامد يجعل عالم الملك عالم الأجسام وعالم الملكوت والجبروت عالم النفس والعقل ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين لم يقصدوا بهذا اللفظ هذا.
بل ما يثبته المتفلسفة من العقل باطل عند المسلمين بل هو من أعظم الكفر فان العقل الأول عندهم مبدع كل ما سوى الله والعقل العاشر مبدع ما تحت فلك القمر وهذا من أعظم الكفر عند المسلمين واليهود والنصارى.
والعقل في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلا وهو أيضا غريزة في الإنسان فمسماه من باب الأعراض لا من باب الجواهر القائمة بأنفسها وعند المتفلسفة مسماه من النوع الثاني.
والملائكة التي أخبرت بها الرسل وإن كان بعض من يريد بالجمع بين النبوة والفلسفة يقول أنها العقول فهذا من أبطل الباطل فبين ما وصف الله به الملائكة في كتابه وبين العقول التي يثبتها هؤلاء من الفروق ما لا يخفى إلا على من أعمى الله بصيرته كما قد بسطنا ذلك في موضعه.
والحديث الذي يروى أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر فقال وعزتي ما خلقت خلقا أكرم على منك فبك
(1/196)

آخذ وبك أعطى وبك الثواب وبك العقاب هو حديث موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث كما ذكر ذلك الدارقطني وبين من وضعه وكذلك ذكر ضعفه أبو حاتم بن حيان والعقيلي وابن الجوزي وغيرهم.
ومع هذا فلفظه أول ما خلق الله العقل قال له فمدلوله أنه خاطبه في أول أوقاته خلقه ليس مدلوله أنه أول المخلوقات وفي تمامه أنه قال ما خلقت خلقا أكرم على منك فدل أنه خلق قبله غيره وفيه أنه مخلوق.
وأبو حامد يفرق بين عالم الخلق وعالم الأمر فيجعل الأجسام عالم الخلق والنفوس والعقول عالم الأمر وهذا أيضا ليس من دين المسلمين بل كل ما سوى الله مخلوق عند المسلمين والله تعالى خالق كل شيء.
وإذا ادعو أن العقول التي أثبتوها هي الملائكة في كلام الأنبياء فقد ثبت بالنص والإجماع أن الله خلق الملائكة بل خلقهم من مادة كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله الملائكة من نور وخلق
(1/197)

الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم" فبين أن الملائكة مخلوقون من مادة موجودة قبلهم فأين هذا من قول من ينفى الخلق عنها ويقول أنها مبتدعة لا مخلوقة أو يقول أنها قديمة أزلية لم تكن من مادة أصلا وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر.
والمقصود هنا أن كتب أبى حامد وإن كان يذكر فيها كثيرا من كلامهم الباطل أما بعبارتهم أو بعبارة أخرى فهو في آخر أمره يبالغ في ذمهم ويبين أن طريقهم متضمنة من الجهل والكفر ما يوجب ذمها وفسادها أعظم من طريقة المتكلمين ومات وهو مشتغل ب البخاري ومسلم والمنطق الذي كان يقول فيه ما يقول ما حصل له مقصوده ولا أزال عنه ما كان فيه من الشك والحيرة بل كان متوقفا حائرا فيما هو من أعظم المطالب العالية الإلهية والمقاصد السامية الربانية ولم يغن عنه المنطق شيئا.
ولكن بسبب ما وقع منه في أثناء عمره وغير ذلك صار كثير من النظار يدخلون المنطق اليوناني في علومهم حتى صار من يسلك طريق هؤلاء من المتأخرين يظن أنه لا طريق إلا هذا وأن ما ادعوه من الحد والبرهان هو أمر صحيح مسلم عند العقلاء ولا يعلم أنه ما زال العقلاء والفضلاء من المسلمين وغيرهم يعيبون ذلك ويطعنون فيه وقد صنف نظار المسلمين في ذلك مصنفات متعددة وجمهور المسلمين يعيبونه عيبا مجملا لما يرونه من آثاره ولوازمه الدالة على ما في أهله مما يناقض العلم والإيمان ويفضى بهم الحال إلى أنواع من الجهل والكفر والضلال.
والمقصود هنا أن ما يدعونه من توقف كل مطلوب نظري على مقدمتين لا أكثر ليس كذلك
(1/198)

دعواهم إضمار إحدى المقدمتين في قياس الضمير:
وهم يسمون القياس الذي حذفت إحدى مقدمتيه قياس الضمير ويقولون أنها قد تحذف أما للعلم بها وأما غلطا وأما تغليطا.
فيقال إذا كانت معلومة كانت كغيرها من المقدمات المعلومة وحينئذ فليس إضمار مقدمة بأولى من إضمار ثنتين وثلاثة وأربعة فان جاز أن يدعى في الدليل الذي لا يحتاج إلا إلى مقدمة أن الأخرى مضمرة محذوفة جاز أن يدعى فيما يحتاج إلى ثنتين أن الثالثة محذوفة وكذلك فيما يحتاج إلى ثلاث وليس لذلك حد ومن تدبر هذا وجد الأمر كذلك
وجود الركة والعى في كلام أهل المنطق:
ولهذا لا يوجد في كلام البلغاء أهل البيان الذين يقيمون البراهين والحجج اليقينية بأبين العبارات من استعمال المقدمتين في كلامهم ما يوجد في كلام أهل المنطق بل من سلك طريقهم كان من المضيقين لطريق العلم عقولا وألسنة ومعانيهم من جنس ألفاظهم تجد فيها من الركة والعى ما لا يرضاه عأقل.
وكان يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف الإسلام في وقته أعنى الفيلسوف الذي في الإسلام وإلا فليس الفلاسفة من المسلمين كما قالوا لبعض أعيان القضاة الذين كانوا في زماننا ابن سينا من فلاسفة الإسلام فقال ليس للإسلام فلاسفة كان يعقوب يقول في أثناء كلامه لعدم فقد وجود كذا وأنواع هذه الإضافات.
ومن وجد في بعض كلامه فصاحة أو بلاغة كما يوجد في بعض كلام ابن سينا وغيره فلما استفاده من المسلمين من عقولهم وألسنتهم وإلا فلو مشى على طريقة سلفه وأعرض عما تعلمه من المسلمين لكان عقله ولسانه يشبه عقولهم وألسنتهم.
التباس أمر المنطق على طائفة لم يتصوروا حقائقه:
وهم أكثر ما ينفقون على من لا يفهم ما يقولونه ويعظمهم بالجهل والوهم
(1/199)

أو يفهم بعض ما يقولونه أو أكثره أو كله مع عدم تصوره في تلك الحال لحقيقة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وما يعرف بالعقول السليمة وما قاله سائر العقلاء مناقضا لما قالوه وهو إنما وصل إلى منتهى أمرهم بعد كلفة ومشقه واقترن بها حسن الظن فتورط من ضلالهم فيما لا يعلمه إلا الله.
ثم أن تداركه الله بعد ذلك كما أصاب كثيرا من الفضلاء الذين أحسنوا بهم الظن ابتداء ثم انكشف لهم من ضلالهم ما أوجب رجوعهم عنهم وتبر أهم منهم بل وردهم عليهم وإلا بقى في الضلال.
وضلالهم في الإلهيات ظاهر لأكثر الناس ولهذا كفرهم فيها نظار المسلمين قاطبة وإنما المنطق التبس الأمر فيه على طائفة لم يتصوروا حقائقه ولوازمه ولم يعرفوا ما قال سائر العقلاء في تناقضهم فيه.
واتفق أن فيه أمورا ظاهرة مثل الشكل الأول ولا يعرفون أن ما فيه من الحق لا يحتاج إليهم فيه بل طولوا فيه الطريق وسلكوا الوعر والضيق ولم يهتدوا فيه إلى ما يفيد التحقيق.
وليس المقصود في هذا المقام بيان ما أخطأوا في إثباته بل ما أخطأوا في نفيه حيث زعموا أن العلم النظري لا يحصل إلا ببرهانهم وهو من القياس.
تلازم قياس الشمول وقياس التمثيل وبيانه بالأمثلة:
وجعلوا أصناف الحجج ثلاثة القياس والاستقراء والتمثيل وزعموا أن التمثيل لا يفيد اليقين وإنما يفيده القياس الذي تكون مادته من القضايا التي ذكروها.
وقد بينا في غير هذا الموضع أن قياس التمثيل وقياس الشمول متلازمان وأن ما حصل بأحدهما من علم أو ظن حصل بالآخر مثله إذا كانت المادة واحدة
(1/200)

والاعتبار بمادة العلم لا بصورة القضية بل إذا كانت المادة يقينية سواء كانت صورتها في صورة قياس التمثيل أو صورة قياس الشمول فهي واحدة وسواء كانت صورة القياس اقترانيا او استثنائيا بعبارتهم أو بأي عبارة شئت لا سيما في العبارات التي هي خير من عباراتهم وأبين في العقل وأوجز في اللفظ والمعنى واحد.
وحد هذا في أظهر الأمثلة إذا قلت هذا إنسان وكل إنسان مخلوق أو حيوان أو حساس أو متحرك بالإرادة أو ناطق أو ما شئت من لوازم الإنسان فان شئت صورت الدليل على هذه الصورة وإن شئت قلت هو إنسان فهو مخلوق أو حساس أو حيوان أو متحرك كغيره من الناس لاشتراكهما في الإنسانية المستلزمة لهذه الصفات وإن شئت قلت هذا إنسان والإنسانية مستلزمة لهذه الأحكام فهي لازمة له وإن شئت قلت أن كان إنسانا فهو متصف بهذا الصفات اللازمة للإنسان وإن شئت قلت أما أن يتصف بهذه الصفات وأما أن لا يتصف والثاني باطل فتعين الأول لأن هذه لازمة للإنسان لا يتصور وجوده بدونها.
الاستقراء ليس استدلالا بجزئي على كلي:
وأما الاستقراء فإنما يكون يقينيا إذا كان استقراء تاما وحينئذ فتكون قد حكمت على القدر المشترك بما وجدته في جميع الأفراد وهذا ليس استدلالا يجزئى على كلى ولا بخاص على عام بل استدلال بأحد المتلازمين على الآخر فان وجود ذلك الحكم في كل فرد من أفراد الكلى العام يوجب أن يكون لازما لذلك الكلى العام.
فقولهم أن هذا استدلال بخاص جزئي على عام كلي ليس بحق وكيف ذلك والدليل لا بد أن يكون ملزوما للمدلول فانه لو جاز وجود الدليل مع عدم المدلول عليه ولم يكن المدلول لازما له لم يكن إذا علمنا ثبوت ذلك الدليل نعلم ثبوت
(1/201)

المدلول معه إذا علمنا أنه تارة يكون معه وتارة لا يكون معه فانا إذا علمنا ذلك ثم قلنا أنه معه دائما كنا قد جمعنا بين النقيضين.
وهذا اللزوم الذي نذكره هنا يحصل به الاستدلال بأي وجه حصل اللزوم وكلما كان اللزوم أقوى وأتم وأظهر كانت الدلالة أقوى وأتم وأظهر كالمخلوقات الدالة على الخالق سبحانه وتعالى فانه ما منها مخلوق إلا وهو ملزوم لخالقه لا يمكن وجوده بدون وجود خالقه بل ولا بدون علمه وقدرته ومشيئته وحكمته ورحمته فكل مخلوق دال على ذلك كله.
وإذا كان المدلول لازما للدليل فمعلوم أن اللازم أما أن يكون مساويا للملزوم وأما أن يكون أعم منه فالدليل أما أن يكون مساويا للحكم المدلول في العموم والخصوص وأما أن يكون اخص منه لا يكون الدليل أعم منه.
القياس استدلال بكلى على ثبوت كلى آخر لجزئيات ذلك الكلى:
وإذا قالوا في القياس يستدل بالكلى على الجزئي فليس الجزئي هو الحكم المدلول عليه إنما الجزئي هو الموصوف المخبر عنه محل الحكم فهذا قد يكون أخص من الدليل وقد يكون مساويا له بخلاف الحكم الذي هو صفة هذا وحكمه الذي اخبر به عنه فانه لا يكون إلا اعم من الدليل أو مساويا له فان ذلك هو المدلول اللازم للدليل والدليل هو لازم المخبر عنه الموصوف.
فإذا قيل النبيذ حرام لأنه خمر كونه خمرا هو الدليل وهو لازم للنبيذ والتحريم لازم للخمر.
والقياس المؤلف من المقدمتين إذا قلت النبيذ المتنازع فيه مسكر أو خمر وكل مسكر أو كل خمر حرام فأنت لم تستدل ب المسكر أو الخمر الذي هو كلى على نفس محل النزاع الذي هو اخص من الخمر وهو النبيذ فليس هو استدلالا بذلك الكلى عل هذا الجزئي بل استدللت به على تحريم هذا النبيذ فلما كان
(1/202)

تحريم هذا النبيذ مندرجا في تحريم كل مسكر قال من قال أنه استدلال بالكلى على الجزئي والتحقيق أن ما ثبت للكلى فقد ثبت لكل واحد من جزئياته والتحريم أعم من الخمر وهو ثابت لها فهو ثابت لكل فرد فرد من جزئياتها فهو استدلال بكلى على ثبوت كلى آخر لجزئيات ذلك الكلى وذلك الدليل هو كالجزئي بالنسبة إلى ذلك الكلى الذي هو الحكم وهو كلى بالنسبة إلى تلك الجزئيات التي هي المحكوم عليها.
وهذا مما لا يتنازعون فيه فان الدليل هو الحد الأوسط وهو اعم من الأصغر أو مساو له والأكبر اعم منه أو مساو له والأكبر هو الحكم والصفة والخبر وهو محمول النتيجة والأصغر هو المحكوم عليه الموصوف المبتدأ وهو موضوع النتيجة.
قياس التمثيل هو اشتراك الجزئيين في علة الحكم:
وأما قولهم في التمثيل أنه استدلال بجزئي على جزئي فان أطلق ذلك وقيل أنه استدلال بمجرد الجزئي على الجزئي فهو غلط فان قياس التمثيل إنما يدل بحد أوسط وهو اشتراكهما في علة الحكم أو دليل الحكم مع العلة فانه قياس علة أو قياس دلالة.
لا تعلم صحة القياس في قياس الشبه:
وأما قياس الشبة فإذا قيل به لم يخرج عن أحدهما فان الجامع المشترك بين الأصل والفرع أما أن يكون هو العلة أو ما يستلزم العلة وما استلزمها فهو دليلها وإذا كان الجامع لا علة ولا ما يستلزم العلة لم يكن الاشتراك فيه مقتضيا للاشتراك في الحكم بل كان المشترك قد يكون معه العلة وقد لا يكون فلا يعلم حينئذ أن علة الأصل موجودة في الفرع فلا يعلم صحة القياس بل لا يكن صحيحا إلا إذا اشتركا فيها ونحن لا نعلم الاشتراك فيها إلا إذا علمنا اشتراكهما فيها أو في ملزومها فان ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم فإذا قدرنا أنهما لم
(1/203)

يشتركا في الملزوم ولا فيها كان القياس باطلا قطعا لأنه حينئذ تكون العلة مختصة بالأصل وإن لم يعلم ذلك لم تعلم صحة القياس.
وقد يعلم صحة القياس بانتفاء الفارق بين الأصل والفرع وإن لم يعلم عين العلة ولا دليلها فانه يلزم من انتفاء الفارق اشتراكهما في الحكم.
وإذا كان قياس التمثيل إنما يكون تاما بانتفاء الفارق وأما بإبداء جامع وهو كلى يجمعهما يستلزم الحكم وكل منهما يمكن تصويره بصورة قياس الشمول وهو يتضمن لزوم الحكم للكلى ولزوم الكلى لجزئياته وهذا حقيقة قياس الشمول ليس ذلك استدلالا بمجرد ثبوته لجزئي على ثبوته لجزئي آخر.
فأما إذا قيل بما يعلم أن المشترك مستلزم الحكم قيل مما تعلم القضية الكبرى في القياس فبيان الحد الأوسط هو المشترك الجامع ولزوم الحد الأكبر له هو لزوم الحكم للجامع المشترك كما قد تقدم التنبيه على هذا.
وقد يستدل بجزئي على جزئي إذا كانا متلازمين أو كان أحدهما ملزوم الآخر من غير عكس فان كان اللزوم عن الذات كانت الدلالة على الذات وإن كان في صفة أو حكم كانت الدلالة على الصفة والحكم.
فقد تبين ما في حصرهم من الخلل وأما تقسيمهم إلى الأنواع الثلاثة فكلها تعود إلى ما ذكروه في استلزام الدليل للمدلول.
عود الاقتراني والاستثنائي إلى معنى واحد:
وما ذكروه في الاقتراني يمكن تصويره بصورة الاستثنائي وكذلك الاستثنائي يمكن تصويره بصورة الاقتراني فيعود الأمر إلى معنى واحد
(1/204)

وهو مادة الدليل والمادة لا تعلم من صور القياس الذي ذكروه بل من عرف المادة بحيث يعلم أن هذا مستلزم لهذا علم الدلالة سواء صورت بصورة القياس أو لم تصور وسواء عبر عنها بعباراتهم أو بغيرها بل العبارات التي صقلها عقول المسلمين وألسنتهم خير من عباراتهم بكثير كثير.
والاقترانى كله يعود إلى لزوم هذا لهذا وهذا لهذا كما ذكر وهذا بعينه هو الاستثنائي المؤلف من المتصل والمنفصل.
فان الشرطي المتصل استدلال باللزوم بثبوت الملزوم الذي هو المقدم وهو الشرط على ثبوت اللازم هو التالي وهو الجزاء أو بانتفاء اللازم وهو التالي الذي هو الجزاء على انتفاء الملزوم هو المقدم وهو الشرط.
وأما الشرطي المنفصل وهو الذي يسميه الأصوليون السبر والتقسيم وقد تسميه أيضا الجدليون التقسيم والترديد فمضمونه الاستدلال بثبوت احد النقضين على انتفاء الآخر وبانتفائه على ثبوته أو الاستدلال بثبوت أحد الضدين على انتفاء الآخر وأقسامه أربعة ولهذا كان في مانعة الجمع والخلو الاستثناءات الأربعة وهو أنه أن ثبت هذا انتفى نقيضه وكذلك الآخر وإن انتفى هذا ثبت نقيضه وكذلك الآخر.
ومانعة الجمع الاستدلال بثبوت احد الضدين على انتفاء الآخر والأمران متنافيان
(1/205)

ومانعة الخلو فيها تناقض ولزوم والنقيضان لا يرتفعان فمنعت الخلو منهما ولكن جزاءها وجود شيء وعدم آخر ليس هو وجود الشيء وعدمه ووجود شيء وعدم آخر قد يكون أحدهما لازما للآخر وإن كانا لا يرتفعان لأن ارتفاعهما يقتضى ارتفاع وجود شيء وعدمه معا.
مدار الاستدلال على مادة العلم لا على صورة القياس:
وبالجملة ما من شيء إلا وله لازم لا يوجد بدونه وله مناف مضاد لوجوده فيستدل عليه بثبوت ملزومه وعلى انتفائه بانتفاء لازمه.
ويستدل على انتفائه بوجود منافيه ويستدل بانتفاء منافيه على وجوده إذا انحصر الأمر فيهما فلم يمكن عدمهما جميعا كما لم يمكن وجودهما جمعيا.
وهذا الاستدلال يحصل من العلم بأحوال الشيء وملزومها ولوازمها وإذا تصورته الفطرة عبرت عنه بأنواع من العبارات وصورته في أنواع من صور الأدلة لا يختص شيء من ذلك بالصورة التي ذكروها في القياس فضلا عما سموه البرهان فان البرهان شرطوا له مادة معينة وهي القضايا التي ذكروها واخرجوا من الأوليات ما سموه وهميات وما سموه مشهورات وحكم الفطرة بهما لا سيما بما سموه وهميات أعظم من حكمها بكثير من اليقينيات التي جعلوها مواد البرهان.
وقد بسطت القول على هذا وبينت كلامهم في ذلك وتناقضهم وأن ما أخرجوه يخرج به ما ينال به اشرف العلوم من العلوم النطرية والعلوم العملية ولا يبقى بأيديهم إلا أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الأعيان ولولا أن هذا الموضع لا يتسع لحكاية ألفاظهم في هذا وما أوردته عليهم لذكرته فقد ذكرت ذلك كله في مواضعه من العلوم الكلية والإلهية فإنها هي المطلوبة.
والكلام في المنطق إنما وقع لما زعموا أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن
(1/206)

يزل في فكره فاحتجنا أن ننظر في هذه الآلة هل هي كما قالوا أو ليس الأمر كذلك.
تزييف القول بأن هذه علوم قد صقلتها الأذهان الخ:
ومن شيوخهم من إذا بين له من فساد أقولهم ما يتبين به ضلالهم وعجز عن دفع ذلك يقول هذه علوم قد صقلتها الأذهان أكثر من ألف سنة وقبلها الفضلاء فيقال له عن هذا أجوبة.
أحدها: أنه ليس الأمر كذلك فما زال العقلاء الذين هم أفضل من هؤلاء ينكرون عليهم ويبينون خطأهم وضلالهم.
فأما القدماء فالنزاع بينهم كثير معروف وفي كتب أخبارهم ومقالاتهم من ذلك ما ليس هذا موضع ذكره.
وأما أيام الإسلام فان كلام نظار المسلمين في بيان فساد ما أفسدوه من أصولهم المنطقية والإلهية بل والطبيعية بل والرياضية كثير قد صنف فيه كل طائفة من طوائف نظار المسلمين حتى الرافضة.
وأما شهادة سائر العلماء وطوائف أهل الإيمان بضلالهم وكفرهم فهذا البيان عام لا يدفعه إلا معاند والمؤمنون شهداء الله في الأرض.
فإذا كان أعيان الأذكياء الفضلاء من الطوائف وسائر أهل العلم والإيمان معلنين بتخطئتهم وتضليلهم أما جملة وأما تفصيلا امتنع أن كون العقلاء قاطبة تلقوا كلامهم بالقبول.
الوجه الثاني: أن هذا ليس بحجة فان الفلسفة التي كانت قبل أرسطو وتلقاها من قبلة بالقبول طعن أرسطو في كثير منها وبين خطأهم وابن سينا وأتباعه خالفوا القدماء في طائفة من أقاويلهم المنطقية وغيرها وبينوا خطأهم ورد الفلاسفة بعضهم على بعض أكثر من رد كل طائفة بعضهم على بعض وأبو البركات وأمثاله قد ردوا على أرسطو ما شاء الله لأنهم يقولون إنما قصدنا الحق ليس قصدنا التعصب لقائل معين ولا لقول معين
(1/207)

الثالث: أن دين عباد الأصنام أقدم من فلسفتهم وقد دخل فيه من الطوائف أعظم ممن دخل في فلسفتهم وكذلك دين اليهود المبدل أقدم من فلسفة أرسطو ودين النصارى المبدل قريب من زمن أرسطو فان أرسطو كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة فانه كان في زمن الاسكندر بن فيلبس الذي يؤرخ به تاريخ الروم الذي يستعمله اليهود والنصارى.
الرابع: أن يقال فهب أن الأمر كذلك فهذه العلوم عقلية محضة ليس فيها تقليد لقائل وإنما تعلم بمجرد العقل فلا يجوز أن تصحح بالنقل بل ولا يتكلم فيها إلا بالمعقول المجرد فإذا دل المعقول الصريح على بطلان الباطل منها لم يجز رده فان أهلها لم يدعوا أنها مأخوذة عمن يجب تصديقه بل عن عقل محض فيجب التحاكم فيها إلى موجب العقل الصريح
فصل:
قياس التمثيل لا يفيد إلا الظن عند المناطقة بخلاف الاستقراء:
وقد احتجوا بما ذكروه من أن الاستقراء دون القياس الذي هو قياس الشمول وأن قياس التمثيل دون الاستقراء فقالوا أن قياس التمثيل لا يفيد إلا الظن وإن المحكوم عليه قد يكون جزئيا بخلاف الاستقراء فانه قد يفيد اليقين والمحكوم عليه لا يكون إلا كليا.
قالوا وذلك أن الاستقراء هو الحكم على كلى بما تحقق في جزئياته فان كان في جميع الجزئيات كان الاستقراء تاما كالحكم على المتحرك ب الجسمية لكونها محكوما بها على جميع جزئيات المتحرك من الحيوان والجماد والنبات
(1/208)

والناقص كالحكم على الحيوان ب أنه إذا أكل تحرك فكه الأسفل عند المضغ لوجود ذلك في أكثر جزئياته ولعله فيما لم يستقرا على خلافه كالتمساح والأول ينتفع به في اليقينيات بخلاف الثاني وإن كان منتفعا به في الجدليات.
وأما قياس التمثيل فهو الحكم على شيء بما حكم به على غيره بناء على جامع مشترك بينهما كقولهم العالم موجود فكان قديما كالباري أو هو جسم فكان محدثا كالإنسان وهو مشتمل على فرع واصل وعلة وحكم فالفرع ما هو مثل العالم في هذا المثال والأصل ما هو مثل الباري أو الإنسان والعلة الموجود أو الجسم والحكم القديم أو المحدث.
قالوا ويفارق الاستقراء من جهة أن المحكوم عليه فيه قد يكون جزئيا والمحكوم عليه في الاستقراء لا يكون إلا كليا.
إشكالات أوردها نظار المسلمين على قياس التمثيل:
قالوا وهو غير مفيد لليقين فانه ليس من ضرورة اشتراك أمرين فيما يعمهما اشتراكهما فيما حكم به على أحدهما إلا أن يبين أن ما به الاشتراك علة لذلك الحكم وكل ما يدل عليه فظني فان المساعد على ذلك في العقليات عند القائلين به لا يخرج عن الطرد والعكس والسبر والتقسيم.
أما الطرد والعكس فلا معنى له غير تلازم الحكم والعلة وجودا وعدما ولا بد في ذلك من الاستقراء ولا سبيل إلى دعواه في الفرع إذ هو غير المطلوب فيكون الاستقراء ناقصا لا سيما ويجوز أن تكون علة الحكم في الأصل مركبة من أوصاف المشترك ومن غيرها ويكون وجودها في الأوصاف متحققا فيها فإذا وجد المشترك في الأصل ثبت الحكم لكمال علته وعند انتفائه فينتفى لنقضان العلة وعند ذلك فلا يلزم من وجود المشترك في الفرع ثبوت الحكم لجواز تخلف باقي الأوصاف أو بعضها
(1/209)

وأما السبر والتقسيم فحاصله يرجع إلى دعوى حصر أوصاف الأصل في جملة معينة وإبطال كل ما عدى المستبقى وهو أيضا غير يقيني لجواز أن يكون الحكم ثابتا في الأصل لذات الأصل لا لخارج وإلا لزم التسلسل وان ثبت لخارج فمن الجائز أن يكون لغيرها ابدا وان لم يطلع عليه البحث عنه وليس الأمر كذلك في العاديات فانا لا نشك مع سلامة البصر وارتفاع الموانع في عدم بحر من زئبق وجبل من ذهب بين أيدينا ونحن لا نشاهده وان كان منحصرا فمن الجائز أن يكون معللا بالمجموع أو بالبعض الذي لا تحقق له في الفرع وثبوت الحكم مع المشترك في صورة مع تحلف غيره من الأوصاف المقارنة له في الأصل مما لا يوجب استقلاله بالتعليل لجواز أن يكون في تلك معللا بعلة أخرى ولا امتناع فيه وان كان لا علة له سواه فجائز أن يكون علة لخصوصه لا لعمومه وان بين أن ذلك الوصف يلزمه لعموم ذاته الحكم فمع بعده يستغنى عن التمثل.
قالوا والفراسة البدنية هي عين التمثيل غير أن الجامع فيها بين الأصل والفرع دليل العلة لا نفسها وهو المسمى في عرف الفقهاء ب قياس الدلالة فإنها استدلال بمعلول العلة على ثبوتها ثم الاستدلال بثبوتها على معلولها الآخر إذ مبناها على أن المزاج علة لخلق باطن وخلق ظاهر فيستدل بالخلق الظاهر على المزاج ثم بالمزاج على الخلق الباطن كالاستدلال ب عرض الأعلى على الشجاعة بناء على كونهما معلولي مزاج واحد كما يوجد مثل ذلك في الأسد.
ثم إثبات العلة في الأصل لا بد فيها من الدوران أو التقسيم كما تقدم وان قدر أن علة الحكمين في الأصل واحدة فلا مانع من ثبوت أحدهما في الفرع بغير علة الأصل وعند ذلك فلا يلزم الحكم الآخر.
هذا كلامهم على ما حرره لهم نظار المسلمين الذين أوردوا على قياس التمثيل هذه الإشكالات وإلا فكلام أئمتهم في قياس التمثيل ليس فيه هذا التحرير الذي
(1/210)

حرره لهم نظار المسلمين.
رد المنصف إشكالاتهم على قياس التمثيل:
فيقال تفريقهم بين قياس المشمول وقياس التمثيل بأن الأول قد يفيد اليقين والثاني لا يفيد إلا الظن فرق باطل بل حيث أفاد أحدهما اليقين أفاد الآخر اليقين وحيث لا يفيد أحدهما إلا الظن لا يفيد الآخر إلا الظن فان إفادة الدليل لليقين أو الظن ليس لكونه عل صورة أحدهما دون الآخر بل باعتبار تضمن أحدهما لما يفيد اليقين فان كان أحدهما اشتمل على أمر مستلزم للحكم يقينا حصل به اليقين وان لم يشتمل إلا على ما يفيد الحكم ظنا لم يفد إلا الظن.
والذي يسمى في أحدهما حدا أوسط هو في الآخر الوصف المشترك والقضية الكبرى المتضمنة لزوم الحد الأكبر للأوسط هو بيان تأثير الوصف المشترك بين الأصل والفرع فما به يتبين صدق القضية الكبرى به يتبين أن الجامع المشترك مستلزم للحكم فلزوم الأكبر للأوسط هو لزوم الحكم للمشترك.
فإذا قلت النبيذ حرام قياسا على الخمر لأن الخمر إنما حرمت لكونها مسكرة وهذا الوصف موجود في النبيذ كان بمنزلة قولك كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام فالنتيجة قولك النبيذ حرام والنبيذ هو موضوعها وهو الحد الأصغر والحرام محمولها وهو الحد الأكبر والمسكر هو المتوسط بين الموضوع والمحمول وهو الحد الأوسط المحمول في الصغرى الموضوع في الكبرى.
فإذا قلت النبيذ حرام قياسا على خمر العنب لأن العلة في الأصل هو الإسكار وهو موجود في الفرع فثبت التحريم لوجود علته فإنما استدللت على تحريم النبيذ ب المسكر وهو الحد الأوسط لكن زدت في قياس التمثيل ذكر الأصل الذي ضربته مثلا للفرع وهذا لأن شعور النفس بنظير الفرع أقوى في المعرفة من مجرد دخوله في الجامع الكلي وإذا قام الدليل على تأثير الوصف
(1/211)

المشترك لم يكن ذكر الأصل محتاجا إليه.
والقياس لا يخلو أما أن يكون ب إبداء الجامع أو بإلغاء الفارق والجامع أما العلة وأما دليلها وأما القياس بإلغاء الفارق فهنا إلغاء الفارق هو الحد الأوسط.
فإذا قيل هذا مساو لهذا ومساوي المساوي مساو كانت المساواة هي الحد الأوسط وإلغاء الفارق عبارة عن المساواة فإذا قيل لا فرق بين الفرع والأصل إلا كذا وهو مهدر فهو بمنزلة قولك هذا مساو لهذا وحكم المساوي حكم مساويه.
وأما قولهم كل ما يدل على أن ما به الاشتراك علة للحكم فظني فيقال لا نسلم فان هذه دعوى كلية ولم تقيموا عليها دليلا ثم نقول الذي يدل به على عليه المشترك هو الذي يدل به على صدق القضية الكبرى وكل ما يدل به على صدق الكبرى في قياس الشمول يدل به على علية المشترك في قياس الثمثيل سواء كان علميا أو ظنيا فان الجامع المشترك في التمثيل هو الحد الأوسط ولزوم الحكم له هو لزوم الأكبر للأوسط ولزوم الأوسط للأصغر هو لزوم الجامع المشترك للأصغر وهو ثبوت العلة في الفرع.
فإذا كان الوصف المشترك وهو المسمى ب الجامع والعلة أو دليل العلة أو المناط أو ما كان من الأسماء إذا كان ذلك الوصف ثابتا في الفرع لازما له كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الصغرى وإذا كان الحكم ثابتا للوصف لازما له كان ذلك موجبا لصدق المقدمة الكبرى وذكر الأصل يتوصل به إلى إثبات إحدى المقدمتين.
فان كان القياس ب إلغاء الفارق فلا بد من الأصل المعين فان المشترك هو المساواة بينهما وتماثلهما وهو إلغاء الفارق وهو الحد الأوسط وإن كان
(1/212)

القياس بإبداء العلة فقد يستغنى عن ذكر الأصل إذا كان الاستدلال على علية الوصف لا يفتقر إليه وأما إذا احتاج إثبات علية الوصف إليه فيذكر الأصل لأنه من تمام ما يدل على علية المشترك وهو الحد الأكبر.
وهؤلاء الذين فرقوا بين قياس التمثيل وقياس الشمول اخذوا يظهرون كون أحدهما ظنيا في مواد معينة وتلك المواد التي لا تفيد إلا الظن في قياس التمثيل لا تفيد إلا الظن في قياس الشمول وإلا فإذا أخذوه فيما يستفاد به اليقين من قياس الشمول أفاد اليقين في قياس التمثيل أيضا وكان ظهور اليقين به هناك أتم.
فإذا قيل في قياس الشمول كل إنسان حيوان وكل حيوان جسم فكل إنسان جسم كان الحيوان هو الحد الأوسط وهو المشترك في قياس التمثيل بأن يقال الإنسان جسم قياسا على الفرس وغيره من الحيوانات فان كون تلك الحيوانات حيوانا هو مستلزم لكونها أجساما سواء كان علة أو دليل العلة والحيوانية موجودة في الإنسان فيكون جسما.
وإذا نوزع في علية الحكم في الأصل فقيل له لا نسلم أن الحيوانية تستلزم الجسمية كان هذا نزاعا في قوله كل حيوان جسم وذلك أن المشترك بين الأصل والفرع إذا سمى علة فانما يراد به ما يستلزم الحكم سواء كان هو العلة الموجبة لوجوده في الخارج أو كان مستلزما لذلك يسمى الأول قياس علة والثاني قياس دلالة.
ومن الناس من يسمى الجميع علة لا سيما من يقول أن العلة إنما يراد بها المعرف وهو الأمارة والعلامة والدليل لا يراد بها الباعث والداعي.
ومن قال أنه قد يراد بها الداعي وهو الباعث وهذا قول أئمة الفقهاء وجمهور المسلمين فانه يقول ذلك في علل الأفعال وأما غير الأفعال فقد تفسر العلة فيها بالوصف المستلزم كاستلزام الإنسانية ل الحيوانية والحيوانية
(1/213)

للجسمية وإن لم يكن أحد الوصفين هو المؤثر في الآخر.
عل أنا قد بينا في غير هذا الموضع أن ما به يعلم كون الحيوان جسما به يعلم أن الإنسان جسم حيث بينا أن قياس الشمول الذي يذكرونه قليل الفائدة أو عديمها وأن ما به يعلم صدق الكبرى في العقليات به يعلم صدق أفرادها التي منها الصغرى بل وبذلك يعلم صدق النتيجة كما في قول القائل الكل أعظم من الجزء والأشياء المساوية لشئ واحد متساوية والضدان لا يجتمعان والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان.
حقيقة توحيد الفلاسفة:
وهذا كقولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فانه أن ثبت لهم أن الرب تعالى بمعنى الواحد الذي يدعونه وهو أنه ليس له صفة ثبوتية أصلا بل هو مسلوب لكل أمر ثبوتي لا يوصف إلا بالسلب المحض أو بما لا يتضمن إلا السلب كالإضافة التي هي معنى السلب وجعلوا إبداعه للعالم أمرا عدميا لكونه إضافة عندهم وجعلوا العلم والعالم والمعلوم والعشق والعاشق والمعشوق واللذة كل ذلك أمورا عدمية ليس فيها أمر ثبوتي وادعوا أن نفس العلم والعناية والقدرة هو نفس العالم القادر المريد ونفس العلم هو نفس القدرة ونفس القدرة هو نفس العناية وهذا كله هو العشق وهو اللذة والعشق واللذة هو العاشق الملتذ والعشق واللذة هو نفس العلم ونفس القدرة وعلمه بنفسه هو علمه بالمعلومات إلى أمثال ذلك مما يتضمنه قولهم الذي يسمونه توحيد واجب الوجود.
رد قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد:
فان قدر ثبوت هذا المعنى الذي يسمونه توحيدا مع أن جماهير العقلاء من جميع الأمم إذا تصوروا ذلك علموا بضرورة العقل أن هذا قول باطل متناقض فان قدر ثبوته قيل حينئذ الواحد لا يصدر عنه إلا واحد يقررونه بقولهم
(1/214)

لأنه لو صدر عنه اثنان لكان مصدر الألف غير مصدر الجيم وكان المصدر مع هذا الصادر مخالفا لهذا المصدر مع هذا الصادر فيكون في المصدر جهتان وذلك ينافى الوحدة وبهذا اثبتوا أن الواحد لا يكون فاعلا وقابلا لئلا يكون فيه جهتان جهة فعل وجهة قبول فيكون مركبا.
فيقال لهم إذا كان صدور الصادرات عنه هو فعله لها والفعل إضافة محضة إليه وهو عندكم لا يوصف بصفة ثبوتية بل لا يوصف إلا بما هو سلب وقلتم أن الإضافة هنا سلب لم يكن ولو صدر عنه ألف صادر إلا بمنزلة سلب الأشياء عنه وإذا قلتم ليس هو بعرض ولا ممكن ولا محدث ونحو ذلك لم تكن كثرة السلوب توجب أمرا ثبوتيا والإبداع عندكم لا يوجب له وصفا ثبوتيا فكثرة الإبداعات منه لا توجب له وصفا ثبوتيا.
هذا مع أنهم متناقضون في جعلهم الإبداع أمرا عدميا بل في قولهم هو إضافة والإضافة أمرا عدميا قد قرروا في العلم الأعلى عندهم القاسم ل الوجود ولواحقه أن الوجود ينقسم إلى جوهر وعرض ومن الأعراض أن يفعل ومنها الإضافة والإبداع هو من مقولة أن يفعل وهو أمر وجودي وإبداع الباري أكمل من كل إبداع فكيف يكون أكمل أنواع أن يفعل عدميا.
ثم هم جعلوا الإضافة جنسا غير أن يفعل فان ثبت هذا بطل جعل إبداعه للعالم مجرد إضافة وإن سلم أنه إضافة ف الإضافة عندهم من جملة الأجناس الوجودية وهذا وأمثاله مما يبين فساد ما قالوه في الإلهيات من التعطيل مما يطول وصفه.
ثم إذا سلم هذا وسلم أن الإضافة عدمية وكثرة العدميات له لا توجب تكثر أمور ثبوتية فيه مثل تكثر سائر السلوب وإذا قدر أنه أبدع كل شيء بلا واسطة لم يكن في هذا إلا كثرة أمور عدمية يتصف بها وتلك لا توجب كثرة في
(1/215)

ذاته مثل سلب جميع المبدعات عنه فإذا قيل ليس بفلك ولا كوكب ولا شمس ولا جنة ولا نار ولا هواء ولا تراب ولا حيوان ولا إنسان ولا نبات كان سلبها عنه بمنزلة إضافتها إليه عندهم وإذا لم يكن هذا إثبات كثرة في ذاته فكذلك الآخر.
وقولهم مصدر ألف غير مصدر باء وهو مع هذا غير كونه مع هذا كما يقال سلب ألف عنه غير سلب باء عنه والشئ مع سلب ألف عنه ليس هو ذاك مع سلب باء عنه وإذا قيل كثرة السلوب لا توجب تعدد أمر ثبوتى له قيل وكثرة الإضافات كذلك عندكم.
ثم يقال الإضافات إليه مثل كونه علة ومبدعا وخالقا وفاعلا ونحو ذلك أما أن يوجب كون الفعل أمرا ثبوتيا يقوم به وأما أن لا يوجب ذلك فان كان الفعل أمرا ثبوتيا قام به بطل نفيكم للصفات ولزم أنه موصوف بالأمور الثبوتية التي منها تهربون وإن لم يكن ثبوتيا كان عدميا فلم يكن في كثرة المفعولات إلا كثرة الأفعال التي هي عدمية وكثرة العدميات لا توجب اتصافه بأمر ثبوتى وإذا كان كونه فاعلا عندكم ليس وصفا ثبوتيا فكونه قابلا كذلك بطريق الأولى وحينئذ فلا يمتنع كون الشيء فاعلا وقابلا.
ومعلوم أن هذا التناقض لزمهم لكونهم جعلوا الأمور الوجودية عدما كما جعلوا نفس الفعل والتأثير ليس إلا إضافة عدمية ثم ادعوا ذلك في أكمل الفاعلين فعلا وأحقهم بالوجود التام من سائر الموجودات وإلا فهم قد قرروا في العلم الكلى أن الفعل والانفعال أمران وجوديان وهما من الأعراض الموجودة وهما مقولة أن يفعل وأن ينفعل وأن يفعل هو الفعل وأن ينفعل هو القبول وأثبتوا في بعض الأفعال الطبيعية أنها أمور وجودية وأن الفعل هناك وجودي ولكن نقضوا ما ذكروا هناك في العلم الإلهي
(1/216)

وكان ما نفوه أحق بالإثبات مما أثبتوه إذ كانوا معرضين عن الله ومعرفته وعبادته جاهلين بما يجب له ويستحقه يعبدون المخلوقات ويعظمونها ويعرفون من كمالها ما يتخذونها به آلهة إشراكا منهم بالله ويدعون رب العالمين لا يعرفونه ولا يعبدونه ولا يعرفون ما يستحقه من الكمال الذي به يجب أن يعبد بل الذي يعلم به أنه لا يستحق العبادة إلا هو وهذا كله مبسوط في مواضعه.
وأرسطو وأصحابه القدماء لم يثبتوا له فعلا ولا جعلوه مبدعا لبعدهم عن معرفته ولهذا كان في قولهم من الفساد ما يطول وصفه ولكن ابن سينا وأتباعه لما جعلوه مبدعا ظهر في كلامهم مثل هذا التناقض.
والمقصود هنا الكلام على المنطق ومثلنا بهذا إلا أن هذا من اشرف المطالب الإلهية التي يختصون هم بأثباتها والمقصود أن نبين أنه لا فرق بين القياس الشمولي والتمثيلي إذا أعطى كل منهما حقه.
ما أمكن إثباته بقياس الشمول كان إثباته ب التمثيل أظهر:
ثم إذا قدر أن ما ذكروه يدلهم على أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد بهذا الطريق أثبت ذلك ب قياس التمثيل وكان أحسن مثل أن يقال الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فالأول لا يصدر عنه إلا واحد لأن الواحد بسيط والبسيط لا يصدر عنه إلا بسيط كما أن الحار لا يصدر عنه إلا الحرارة والبارد لا يصدر عنه إلا البرودة وأمثال ذلك مما يذكر في الطبيعيات.
ومن هنا قالوا في الإلهيات الواحد لا يصدر عنه إلا واحد لكن إذا أرادوا أن يثبتوا ذلك في الإلهيات ب قياس شمولي وقدر صحته أمكن جعله قياسا تمثيلا وإن قدر أنهم عجزوا أما مطلقا وأما في رب العالمين لكون الوحدة التي وصفوه بها تعطيلا له في الحقيقة ونفيا لوجوده وعجزوا عنه ولم يكن معهم إلا هذا القياس التمثيلي وإذا أثبتوه بالقياس التمثيلي واثبتوا فيه أن الحكم تعلق بالقدر المشترك فقد أفاد هذا ما أفاده قياس الشمول وزيادة
(1/217)

مثل أن يقولوا أن الواحد في مورد الإجماع إنما لم يصدر عنه إلا واحد لأنه بسيط فلو صدر عنه اثنان لكان مركبا فالنار البسيطة لا تصدر عنها إلا الحرارة ومتى قدر صدور الحر والبرد جميعا لزم أن تكون مركبة فهذا أن مشى لهم في قياس التمثيل مشى لهم في قياس الشمول وإن بطل هناك كان هناك أبطل.
وأما إثباته ب قياس الشمول دون التمثيل فممتنع فلا يمكن أحدا أن يثبت قضية كلية ب قياس شمول إلا وإثباتها ب التمثيل أيسر وأظهر وإن عجز عن إثباتها ب التمثيل فعجزه عن إثباتها ب الشمول أقوى وأشد.
فإنهم إذا قالوا الحار لا يصدر عنه إلا الحار لأنه واحد والواحد لا يصدر عنه إلا واحد فانه قد يقال لهم ما تعنون ب الصدور أتعنون به استقلاله بصدور الأثر عنه أو أن يكون سببا في صدور الأثر بحيث إذ انضم إلى غيره حصل المؤثر التام.
ليس في الوجود واحد يفعل وحده إلا الله وحده:
فان أردتم الأول لم نسلم لكم أن في الوجود ما هو مؤثر تام ولا شيء مستقل بالفعل غير الله تعالى والحار الذي اثر حرارة والبارد الذي أثر برودة إنما اثر في محل قابل للتسخين والتبريد فكانت الحرارة الحاصلة في القابل بسببه وبسبب الحار معا وأيضا فذلك مشروط بانتفاء العائق المانع وإلا فلو حصل ما يمنع وصول الأثر إليه لم يحصل وكذلك الشعاع إذا قيل الشمس مستقلة به لم يسلم ذلك فانه مشروط بالجسم الذي ينعكس الشعاع عليه ومشروط بعدم المانع كالسحاب والسقف.
وعلى هذا فليس في الوجود واحد يفعل وحده إلا الله وحده قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قال مجاهد وغيره: "تذكرون فتعلمون أن خالق الأرواح واحد".
قال تعالى: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ
(1/218)

شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فنفى التولد عنه لامتناع التولد من شيء واحد وأن التولد إنما يكون بين اثنين وهو سبحانه لا صاحبة له وأيضا فانه خلق كل شيء وخلقه لكل شيء يناقض أن يتولد عنه شيء وهو بكل شيء عليم وعلمه بكل شيء يستلزم أن يكون فاعلا بإرادته فان الشعور فارق بين الفاعل بالإرادة والفاعل بالطبع فيمتنع مع كونه عالما أن يكون كالأمور الطبيعية التي يتولد عنها الأشياء بلا شعور كالحار والبارد فلا يجوز إضافة الولد إليه بوجه سبحانه قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .
والذين قالوا أن العقول والنفوس صدرت عنه خرقوا له بنين وبنات بغير علم فان أولئك لم يكونوا يجعلون شيئا من البنين والبنات مبدعة لكل ما سواه وهؤلاء يجعلون احد البنين وهو العقل أبدع كل ما سواه ويجعلون العقل كالذكر والنفس كالأنثى وهذا مما صرحوا به وكانت العرب تقر بأنه خلق السموات والأرض وأحدثهما بعد أن لم تكونا ولم يكونوا يقولون أنها قديمة أزلية معه لم تزل معه وهذا مبسوط في موضع آخر.
والمقصود هنا أنهم لم يعلموا في الوجود شيئا واحدا صدر عنه وحده شيء عل سبيل الاستقلال فصار قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد باطلا في قياس الشمول وباطلا في قياس التمثيل لكن الغرض أنه لو أثبت هذا وأمثاله ب قياس الشمول لكان إثباته ب قياس التمثيل أولى.
وأيضا فهذا الحار الذي يفعل الحرارة والبارد الذي يفعل برودة إنما يفعل ذلك مع عدم العلم والإرادة بخلاف ما يفعل بعلم واختيار كالإنسان فان هذا
(1/219)

يفعل أفعالا متنوعة وتصدر عنه أمور مختلفة وهم يسلمون ذلك ويقولون أن الفاعل بالطبع يتحد فعله والفاعل الاختيار يتنوع فعله وإذا كان كذلك فمعلوم أن ما يفعل بالعلم والإرادة أكمل مما يفعل بلا علم ولا أرادة فالإنسان أكمل من الجماد وحينئذ فان كان باب القياس صحيحا فقياس الرب بما يفعل بعلم واختيار أولى من قياسه بما يفعل بلا علم ولا اختيار فما بالهم شبهوا رب العالمين بالجمادات ونزهوه أن يشبهوه بالأحياء الناطقين.
وهذا الخذلان أصابهم في باب صفاته وأفعاله فهم في باب الصفات يقولون إذا قلنا أنه حي عالم قادر مريد فقد شبهناه ب النفس الفلكية أو الإنسانية فيقال لهم إذا نفيم عنه العلم والحيوة والقدرة والإرادة فقد شبهتموه بالجمادات كالتراب والماء فان كنتم إنما هربتم من التشبيه فالذي إليه شر مما هربتم منه.
ثم إنكم تزعمون أن الفلسفة هي التشبة بالآلة على قدر الطاقة وان الفلك يتشبه به بحسب الإمكان فتجعلون مخلوقاته قادرة على التشبه به من بعض الوجوه فان كان التشبه به منفيا عنه من كل وجه امتنع أن يكون مقدورا للمخلوقات وإن جاز أو وجب إثباته من بعض الوجوه كان هو أقدر عليه من مخلوقاته فكان إذا كان التشبه من بعض الوجوه ممكنا أن يخلق ما فيه من صفات الكمال ما يشبهه من بعض الوجوه أولى من أن يقدر ذلك لمخلوق على أن يحدث لنفسه ما يصير به مشابها له من بعض الوجوه سواء قيل أنه خالق أفعال المخلوقات أو لم يقل بذلك فانه على الأول يكون هو الخالق لما فيه شبه له وحينئذ فيبطل قولهم وعلى الثاني فيكون المخلوق بدون إعانة الخالق له يقدر على أن يحدث ما يشبه الرب والرب لا يقدر على ذلك.
فتبين أن قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد لا يصح استدلالهم به في حق الله تعالى بأي قياس استدلوا
(1/220)

وإن قالو أن الواحد من الوجه الواحد لا يصدر عنه إلا واحد وان صدر منه اثنان فمن وجهين أو قالوا هذا معلوم بالضرورة فلا يحتاج إلى دليل فانه لا بد بين المصدر والصادر من مناسبة والوجه الواحد لا يناسب اثنين قيل لهم هذا يبطل قولكم في نفي الصفات فان الرب قد صدر عنه مخلوقات كثيرة وإذا كان الواحد لا يصدر عنه من الوجه الواحد إلا واحد امتنع أن تصدر هذه المخلوقات عن خالقها من وجه واحد فدل ذلك على أنه متصف بأمور متنوعة من صفات متنوعة وأفعال متنوعة صدر عنه باعتبارها ما وجد من المخلوقات فكان اصل ضلالهم توهمهم إمكان صدور المخلوقات عما قدروه من الواحد الذي لا يوجد إلا في الأذهان لا في الأعيان ولقد أحسن بعض الفضلاء إذ قال الصفع أحسن من توحيد الفلاسفة بل قصر فيما قال.
وإذا قالوا هو واحد ليس له صفات وأفعال تقوم به فلو صدر عنه أكثر من واحد لكان قد صدر عن الواحد من الوجه الواحد أكثر من واحد قيل لهم فذلك الأول أن كان واحدا من كل وجه لزم أن لا يصدر عنه إلا واحد من كل وجه وهذا خلاف المشاهدة وان كان فيه كثرة بوجه ما فقد صدر عن الواحد من الوجه الواحد أكثر من واحد وان قالوا تلك الوجوه التي في الصادر الأول أمور عدمية قيل فقد صدر عنه باعتبارها كثرة وإذا جاز هذا جاز أن تجعل الأمور الإضافية الكثيرة في الأول مبدأ الكثرة فكيفما أدير قولهم تبين أنه افسد من قول النصارى في التثليث.
وحقيقة قولهم الذي قرره ابن سينا وأمثاله أنه أي موجود فرض في الوجود كان أكمل من رب العالمين وذلك أنه قرر أنه وجود مشروط بسلب جميع الأمور الثبوتية عنه وهو معنى قولهم هو الوجود المقيد بسلب جميع الماهيات وقولهم الوجود الذي لا يعرض له شيء من الماهيات فان هذا بناه على قوله أن وجود الماهيات عارض لها بناء على أن في الخارج لكل ممكن وجودا وماهية غير
(1/221)

الوجود وان ذلك الوجود عرض لتلك الماهية وان كان لازما لها ولهذا قالوا أن واجب الوجود وجوده لا يعرض لشيء من الماهيات لئلا يلزم التركيب والتعليل فيكون وجودا مقيدا بأن لا يعرض لشيء من الماهيات فلا يجوز أن يكون له حقيقة في نفسه غير الوجود المحض الذي لا يتقيد بأمر ثبوتي.
فيقال له فعلى هذا التقدير قد شارك جميع الموجودات في مسمى الوجود وامتاز عنها بقيد عدمي وهو سلب كل ثبوت وامتاز به كل منها عنه بما يخصه من الحقيقة الموجودة ومعلوم أن الوجود أكمل من العدم وهم يسلمون ذلك فإذا اشترك اثنان في الوجود وامتاز أحدهما عن الآخر بأمر وجودي والآخر لم يميز إلا بأمر عدمي كان الممتاز بأمر وجودي أكمل من الممتاز بأمر عدمي لأنه شارك هذا في الوجود المشترك وامتاز عنه بالوجود المختص وذلك لم يمتز عنه إلا بعدم كل وجود خاص وسواء جعل الوجود المشترك جنسا أو عرضا عاما وجعل المميز بينهما فصلا أو خاصة فعلى كل تقدير يلزم أن يكون ما لم يتميز إلا بعدم دون ما تميز بوجود.
وهم يقولون إنما فررنا إلى هذا من التركيب فيقال أن كان التركيب نقصا لكان ما فررتم إليه شرا مما فررتم منه فان الذي فررتم إليه يوجب أن لا يكون له وجود في الخارج لأن الموجود الذي لا يختص بأمر ثبوتي لا يوجد إلا في الأذهان لا في الأعيان وإذا قدر ثبوته في الخارج فكل موجود ممكن أكمل منه فيلزم أن يكون كل مخلوق ولو أنه ذرة أو بعوضة أكمل من رب العالمين رب الأرض السموات والقول المستلزم هذا في غاية الفساد.
فالحمد لله الذي هدانا لمعرفة الحق وبيان ما التبس على هؤلاء الذين يدعون أنهم أكمل الناس وهم اجهل الناس برب العالمين.
والله تعالى اخبر عن المشركين ما ذكره في سورة الشعراء من قوله: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ
(1/222)

تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} فهذا حال من سوى المخلوقات برب العالمين فكيف حال من فضل كل مخلوق على رب العالمين.
وإذا قيل هم لم يفهموا ولم يقصدوه قيل ونحن لم نقل أنهم تعمدوا مثل هذا الباطل لكن هذا لازم قولهم وهو دليل على غاية فساده وغاية جهلهم بالله تعالى وأنهم أضل من اليهود والنصارى ومشركي العرب وأمثالهم من المشركين الذين يعظمون الخالق أكثر من تعظيم هؤلاء المعطلين:
فان كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وان كنت تدري فالمصيبة أعظم
كون لفظ التركيب مجملا يطلق على معان:
وما فروا منه من التركيب قد تكلمنا عليه في غير هذا الموضع وبينا أن لفظ التركيب مجمل يراد به تركيب الجسم من أجزاء كانت متفرقة فاجتمعت كتركيب السكنجبين وغيره من الأدوية بل ومن الأطعمة والأشربة والملابس والمساكن من أجزائها التي كانت متفرقة فألف بينها وركب بعضها مع بعض حتى صارت على الحال المركبة.
وقد يراد ب المركب ما لا يمتزج فيه احد الاثنين بالآخر كما يقال ركب الباب في موضعه وركب المسمار في الباب وهذا التركيب اخص من الأول وهو المشهور من الكلام وقد قال تعالى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} ومعلوم أن عاقلا لا يقول أن الله تعالى مركب بهذا المعنى الأول ولا بالثاني.
وقد يقال المركب على ما يمكن مفارقة بعض أجزائه لبعض كأخلاط الإنسان وأعضائه فإنها وان لم يعقل أنها كانت مفترقة فاجتمعت بل خلقه الله
(1/223)

من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ولكن يمكن تفريق بعض أعضائه عن بعض ويعقل أيضا أنه إذا مات استحال فصار بعضه ترابا وبعضه هواء فتفرقت أعضائه وأخلاطه وكذلك سائر الحيوان والنبات ومعلوم أن عأقلا لا يقول أن هذا مركب بهذا الاعتبار.
وأما تسمية الواحد الموصوف بصفاته مركبا كتسمية الحي العالم القادر الموصوف بالحياة والعلم والقدرة مركبا فهذا اصطلاح لهم لا يعرف شيء من الشرائع ولا اللغات ولا عقول جماهير العقلاء جعلوا هذا تركيبا وان تسميته مركبا.
فإذا قالوا نحن نسميه تركيبا لأن فيه إثبات معان متعددة لذات واحدة ونحن نسمي ذلك تركيبا ونقيم الدليل العقلي على امتناعه قيل إذا كان إلا كذلك فالنظر في المعاني المعقولة لا في الألفاظ السمعية ونحن لا نوافقكم على جعل الإنسان مركبا من الحيوانية والناطقية ولا أن في الوجود شيئا مركبا من أجزاء عقلية بل المركب من الأجزاء العقلية إنما يكون في الأذهان لا الأعيان وكل ما في الوجود من المركبات فإنما هو مركب من أجزاء حسية موجودة في الخارج.
والناس قد تنازعوا في الجسم هل هو مركب من أجزاء حسية وهو الجواهر المفردة أو من أجزاء عقلية وهي المادة والصورة أو لا من هذا ولا من هذا على ثلاثة أقوال والصحيح عندنا القول الثالث ثم يليه قول من جعله مركبا من الأجزاء الحسية وافسد الثلاثة قول من جعله مركبا من الأجزاء العقلية كما قد بسط في موضعه.
وحينئذ فمن قال أن الباري جسم وان الجسم مركب من الأجزاء الحسية أو العقلية كان الاستدلال على بطلان هذا التركيب استدلالا مقبولا ممن يقوله
(1/224)

فان مطلوبه صحيح لكن يبقى النظر هل يحسن هذا المستدل الاستدلال عليه أو لا يحسنه.
واما من قال أنه ليس ب مركب لا هذا التركيب ولا هذا التركيب وإنما اسميه جسما أو جوهرا لأن الجسم والجوهر عندي اسم لكل موجود قائم بنفسه فهذا النزاع معه في اسم الجسم والجوهر نزاع لفظي لا عقلي ولا شرعي فان الشرع لم ينطق بهذا الاسم لا نفيا ولا إثباتا والعقل إنما ينظر في المعاني لا في مجرد اللفظ فالنظر مع هذا أما في إثبات كون الجسم مركبا احد التركيبين وهذا بحث عقلي معروف وأما في كون لفظ الجسم في اللغة لكل مركب وهذا مركب وهذا بحث لغوي له موضع آخر.
وهؤلاء ليس مقصودهم بنفي التركيب هذا المعنى فقط فان هذا يوافقهم عليه كثير من مثبتة الصفات لكن مقصودهم أنه لا يتصف بصفة ثبوتية أصلا واخذوا لفظ التركيب الذي وافقتهم بعض أهل الكلام على نفي معناه وتوسعوا فيه حتى جعلوه اعم مما وافقهم عليه أولئك المتكلمون ونفوه وصاروا كالجهمية المحضة التي تنفي الأسماء والصفات أو تثبتها على وجه المجاز.
دليل نفاة الصفات والرد عليه:
والمقصود هنا أن نقول قولهم الموصوف بالحياة والعلم والقدرة مركب من هذا وهذا يقال لهم سموا هذا تركيبا أو تجسيما أو ما شئتم من الأسماء فما الدليل على نفي هذا عقلا أو سمعا قالوا الدليل على ذلك أن كل مركب مفتقر إلى أجزائه وجزؤه غيره ف المركب مفتقر إلى غيره والمفتقر إلى غيره ليس واجبا بنفسه.
فيقال أجزاء هذا الدليل وألفاظه التي تسمونها حدودا كلها ألفاظ مجملة تحتمل حقا وباطلا واستعمال الألفاظ المجملة في الحدود والقياس من باب السفسطة.
فيقال لكم قد عرف أن لفظ المركب مجمل وان المراد به هنا ذات تقوم بها صفات وحينئذ فالمراد ب الافتقار تلازم الذات والصفات بمعنى
(1/225)

انه لا توجد الذات إلا مع وجود صفتها الملازمة لها ولا توجد الصفة إلا مع وجود الذات الملازمة لها ولو قدر أنه أريد بالتركيب التركيب من الأجزاء الحسية أو العقلية مع تلازم الأجزاء فهذا معناه.
فإذا قيل كل مركب مفتقر إلى جزئه أن عني به أنه مستلزم لجزئه وانه لا يوجد إلا بوجود جزئه فهذا صحيح فان وجود المجموع بدون كل من آحاده ممتنع وان أريد أنه يفتقر إليه افتقار المفعول إلى فاعله والمعلول إلى علته الفاعلة أو القابلة أو الغائية أو الصورية فهذا باطل فان الواحد من العشرة والجزء من الجملة لا يجوز أن يكون فاعلا ولا غاية ولا هي هو الصورة.
ثم قولكم وجزؤه غيره يقال لفظ الغير يراد به ما كان مباينا للشيء وما يجوز مفارقته له وما ليس إياه فان أردتم أن جزء المجموع ما هو مباين له فهذا باطل فانه يمتنع أن يكون مباينا له مع كونه جزءا منه فيمتنع أن يكون غيرا له بهذا الاعتبار وان قلتم يجوز أن يفارقه فهذا ليس عام على الإطلاق بل يجوز في بعض الأفراد أن يفارق غيره من الأجزاء ويفارق المجموع الذي هو الهيئة الاجتماعية ولا يلزم ذلك في كل مجموع لا سيما على أصلهم فان الفلك عندهم مركب من أجزائه وصفاته ولا يجوز عندهم على أجزائه التفرق.
والمسلمون وجمهور العقلاء عندهم أن الله حي عليم قدير ولا يجوز أن يفارقه كونه حيا عالما قادرا بل لم يزل ولا يزال كذلك وكونه حيا عالما قادرا من لوازم ذاته وهي ملازمة لذاته لا يجوز عليه الافتراق بوجه من الوجوه فامتنع أن تكون صفاته هذه أغيارا بهذا الاعتبار.
وان فسر الغيران بما ليس أحدهما هو الآخر أو بما يجوز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر فلا ريب أن صفة الموصوف التي يمكن معرفتها
(1/226)

بدونه غير له بهذا الاعتبار لكن إذا كانت تلك الصفة لازمة له وهو لازم لها لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون أحدهما مفتقرا إلى الآخر مفعولا للآخر ولا علة فاعلة ولا غائية ولا صورية أكثر ما في ذلك أن تكون الصفة مفتقرة إلى الذات افتقار الحال إلى محله القابل له وهم يسمون القابل علة قابلة لكن فيما يحدث لها من المقبولات لا فيما يكون لازما لها ازلا وأبدا وان قدر أنهم يسمون جميع ذلك علة ومعلولا فتكون الذات علة قابلة للصفة بهذا الاعتبار وكون الصفة معلولة هو معنى كونها صفة قائمة بالموصوف.
مجموع الذات والصفة لا يفتقر إلى العلل الأربع:
ومع هذا فليس مجموع الذات والصفة مفتقرا إلى شيء من أنواع العلل الأربع لا إلى الفاعل ولا إلى الغاية ولا إلى القابل ولا إلى الصورة فبطل أن يقال المجموع مفتقر إلى جزئه افتقار المعلول إلى علته بوجه من الوجوه لكن غايته أن فيه افتقار الصفة إلى الموصوف افتقار الحال اللازم لمحله إلى محله المستلزم له فيقال لهم وأي شيء في كونه موجودا بنفسه لا فاعل له ما يوجب نفي هذا التلازم الذي سموه افتقار نحو ذاته وصفاته.
وقولهم ما افتقر إلى غيره لم يكن واجبا بنفسه يقال لهم قد علم أن المراد ب الافتقار التلازم والمراد ب الغير ما هو داخل في المجموع أما الذات وأما الصفات ليس المراد به ما هو مباين له وما يجوز مفارقته له وغايته أن يراد أن الصفة لا بد لها من الموصوف فليس المراد افتقار المعلول إلى علته الفاعلة وحينئذ فليس في هذا التلازم الذي سميتموه افتقارا ولا في هذه الصفات التي سميتموها أغيارا ما يوجب أن يكون شيء من ذلك مفعولا لفاعل ولا لعلة فاعلة.
وواجب الوجود الذي دلت الممكنات عليه هو الموجود بنفسه القائم بنفسه رب العالمين الذي لا يفتقر إلى فاعل ولا علة فاعلة بل هو بنفسه وصفاته
(1/227)

لا يفتقر إلى شيء من العلل الأربع.
كون صفاته تعالى واجبة الوجود:
وأما نفس صفاته فليس لها فاعل ولا علة فاعلة ولا علة غائية ولا صورية فهي واجبة الوجود إذا عنى ب واجب الوجود احد هذه المعاني.
وان عنى ب واجب الوجود ما هو اعم من ذلك حتى يدخل فيه ما ليس له محل يقوم به فليست واجبة الوجود بهذا التفسير بل هي ممكنة الوجود والذات مستلزمة لها وهي محل لها.
وإذا قيل فيلزم أن يكون الذات فاعلة وقابلة وذاك باطل قيل كلا المقدمتين ممنوعة فان كون الذات مستلزمة لصفتها القائمة بها لا يقتضى أن تكون فاعلة لها بل يمتنع أن تكون الذات فاعلة للصفة اللازمة في الممكن فكيف في رب العالمين بل يمتنع أن يكون الرب فاعلا لما هو لازم له وان كان بائنا عنه كالفلك فكيف يكون فاعلا لصفته اللازمة له وان قدر أنهم سموا هذا الاستلزام فعلا وقالوا هي فاعلة بهذا الاعتبار قيل لهم فلا نسلم أنه لا يجوز كون الشيء الواحد فاعلا وقابلا بهذا الاعتبار بل ولا باعتبار آخر.
فان استدلوا على ذلك بحجتهم المعروفة المبينة على نفي التركيب فلا يمكنهم جعل ذلك مقدمة في نفس الدليل لأن هذا مصادرة على المطلوب وهو جعل المطلوب مقدمة في إثبات نفسه بعبارة أخرى فإنهم إذا نفوا التركيب عن الواجب بناء على مقدمات منها أن الواحد لا يكون فاعلا وقابلا واثبتوا هذه المقدمة بناء على نفي التركيب كانوا قد اثبتوا كلا من المقدمتين بالأخرى فلا تكون واحدة منهما ثابتة.
والدليل الدال على إثبات واجب الوجود دل على إثبات فاعل مبدع ل الممكنات والمبدع لها يمتنع أن يكون صفة قائمة بغيره فان ذلك الموصوف هو الفاعل حينئذ دون مجرد الصفة وهذا الواجب الذي دلت عليه آياته ليس
(1/228)

يفتقر إلى علة من العلل الأربع مع اتصافه بصفاته اللازمة له.
إذا جاز استلزام الذات للمفعولات فاستلزامها للصفات أولى:
ومن أعظم تناقض هؤلاء أنهم يقولون الذات إذا استلزمت الصفات كان ذلك افتقارا منها إلى الغير فلا تكون واجبة وهم يقولون أن الذات مستلزمة لمفعولاتها المنفصلة عنها ولا يجعلون ذلك منافيا لوجوب وجودها بنفسها فان كان الاستلزام للمفعولات لا ينافي وجوب الوجود فالاستلزام للصفات أولى أن لا ينافيه.
وان كان ذلك الاستلزام ينافي وجوب الوجود كان حينئذ قد عرض له أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلا وهذا ممتنع عندهم وهذا اظهر المعقولات التي قهروا بها المتكلمين الجهمية والقدرية ومن وافقهم من الأشعرية والكلابية وأتباعهم ولم يميز الطائفتان بين فاعل النوع وفاعل العين.
ثم إذا جاز أن يفعل ف الفعل ثبوتي فيلزم قيامه به ودعوى أن المفعول عين الفعل مكابرة للعقل وإذا جاز قيام الفعل به كان قيام الصفات بطريق الأولى.
فساد القول بأن المفعول عين الفعل:
والذين جعلوا المفعول عين الفعل من أهل الكلام كالأشعرية ومن وافقهم من حنبلي وشافعي ومالكي وغيرهم إنما ألجاهم إلى ذلك فرارهم من قيام الحوادث بالقديم وتسلسل الحوادث وهذان كل منهما غير ممتنع عند هؤلاء الفلاسفة مع أن أولئك المتكلمين النفاة حجتهم على النفي ضعيفة.
وجماهير المسلمين وطوائفهم على خلاف ذلك والقول بأن الخلق غير المخلوق هو مذهب السلف قاطبة وذكر البخاري في كتاب خلق أفعال العباد
(1/229)

انه قول العلماء مطلقا بلا نزاع وهو قول أئمة الحديث وجمهورهم وقول أكثر طوائف الكلام كالهشامية والكلابية والكرامية وقول جمهور الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وأحمد ومالك والشافعي وقول الصوفية كما حكاه عنهم صاحب التعرف لمذهب التصوف وهو قول أهل السنة فيما حكاه البغوي صاحب شرح السنة.
وحجة هؤلاء أنه لو كان الخلق غير المخلوق لكان أما قديما وأما حادثا فان كان قديما لزم قدم المخلوق فيلزم قدم العالم وان كان حادثا فانه يفتقر إلى خلق آخر ويلزم التسلسل ويلزم أيضا كون الرب محلا للحوادث.
فيقال لهم جميع هذه المقدمات مما ينازعكم الناس فيها ولا تقدرون على إثبات واحدة منها فقولكم لو كان قديما لزم قدم المخلوق يقول لكم من توافقونه على قدم الإرادة نحن وانتم متفقون على قدم الإرادة وان تأخر المراد فتأخر المخلوق عن الخلق كذلك أو أولى وهذا جواب الحنفية والكرامية
(1/230)

وكثير من الحنبلية والشافعية والمالكية والصوفية وأهل الحديث لهم.
وإما قولهم أن كان محدثا افتقر إلى خلق آخر فهذا أيضا ممنوع فإنهم يسلمون أن المخلوقات محدثة منفصلة بدون حدوث خلق فإذا جاز هذا في الحادث المنفصل عن المحدث فلان يجوز حدوث الحادث المتصل به بدون خلق بطريق الأولى والأخرى.
ولهذا كان كثير من هؤلاء أو أكثرهم هم يقولون أن الخلق الذي قام به حادث لا محدث ويقولون ما قام به من الفعل حدث بنفس القدرة والإرادة لا يفتقر إلى خلق وإنما يفتقر إلى الخلق المخلوق والمخلوق ما كان منفصلا عنه وكثير منهم يسمونه محدثا ويقولون هو محدث ليس ب مخلوق فان المخلوق ما خلقه بائنا عنه وأما نفس فعله وكلامه ورضاه وغضبه وفرحه الذي يقوم بذاته ب قدرته فانه وان كان حادثا ومحدثا فليس ب مخلوق وليس كل حادث ولا محدث مخلوقا عند هؤلاء.
فان قيل النزاع في ذلك لفظي قيل هذا لا يضرهم فان من سمى ذلك القائم به مخلوقا قالوا له غايته أن المخلوق الذي هو نفس الخلق لا يفتقر إلى خلق آخر ولا يلزم من ذلك أن المخلوق الذي ليس ب خلق لا يفتقر إلى الخلق فان من المعقول أن المخلوق لا بد له من خلق وأما الخلق نفسه إذا جوز وجود مخلوق بلا خلق فتجويز خلق بلا خلق أولى والمنازع لهم يجوز وجود كل مخلوق بلا خلق فإذا جوزوا هم نوعا منه بلا خلق كان ذلك أولى بالجواز والفرق بين نفس الخلق الذي به خلق المخلوق وبين المخلوق معقول.
البحث في قيام الحوادث به تعالى:
وكذلك احتجاجهم بامتناع حلول الحوادث لا ينفع الفلاسفة فان هذا إنما نفوه لامتناع قيام الحادث بالقديم وهؤلاء الفلاسفة يجوزون قيام الحادث
(1/231)

بالقديم ومن جوز قيام الصفات بالباري منهم جوز قيام الحوادث به مثل كثير من أساطينهم القدماء والمتأخرين كأبي البركات وغيره فهذان قولان معروفان لهم أما القول الثالث وهو تجويز الصفات دون الأفعال فهذا لا اعرف به قائلا منهم فان كان قد قاله بعضهم فالكلام معه كالكلام مع من قال ذلك من أهل الكلام.
وعلى هذا فلا يلزم التسلسل وان لزم فإنما هو تسلسل في الآثار وهو وجود كلام بعد كلام أو فعل بعد فعل والنزاع في هذا مشهور وإنما يعرف نفيه عن الجهمية والقدرية ومن وافقهم من كلابي وكرامي ومن وافقهم من المتفقه وأما أئمة السلف وأئمة السنة فلا يمنعون هذا بل يجوزونه بل يوجبونه ويقولون أن الله لم يزل متكلما إذا شاء بل يقولون أنه لم يزل فاعلا يقوم به الأفعال الاختيارية بمشيئته وقدرته وهذا كله مبسوط في مواضعه.
والمقصود هنا أنه يلزم من كونه فاعلا قيام الصفات به فان الفعل أمر وجودى وان يفعل من أقسام الوجود ووجود المخلوق المفعول بلا خلق ولا فعل ممتنع وإذا قام الخلق به ف العلم والقدرة لازمة الخلق وقيامهما به أولى.
وأنهم أن قالوا يستلزم المفعول ولا يستلزم الصفة لكون الملزوم مفتقرا إلى اللازم فهذا من أعظم التناقض وان قالوا أنه لا يستلزمه كان ذلك أدل على بطلان قولهم في الصفات والأفعال وكان الدليل يدل على قيام الأفعال به والصفات وقيام الصفات به أولى من قيام الأفعال فبطل ما نفوا به الصفات وسموه تركيبا.
والواحد الذي قالوا أنه لا يصدر عنه إلا واحد هو الواحد المسلوب عنه الصفات كلها بل هو الوجود المقيد بكل سلب وهذا لا حقيقة له إلا في الذهن وأي موجود مخلوق قدر فهو أكمل من هذا الخيال الذي لا حقيقة له في الخارج
(1/232)

والتعظيم له إنما نشأ من اعتقاد أنه رب العالمين وانه واجب الوجود ونحو ذلك من الصفات التي تظهر كمالها وأما من هذه الجهة النافية السلبية فما من وجود إلا وهو أكمل منه وإذا كانوا قد جمعوا بين وصفه بذلك الكمال وهذا النقصان الذي يكون كل موجود أكمل منه دل على تناقضهم وفساد قولهم وكان ما قالوه من الحق حقا وما قالوه من الباطل باطلا وهذه المسائل الإلهية مبسوطة في موضعها.
رد القول بأن قياس التمثيل لا يفيد إلا الظن:
والمقصود هنا الكلام على المنطق وما ذكروه من البرهان وأنهم يعظمون قياس الشمول ويستخفون ب قياس التمثيل ويزعمون أنه إنما يفيد الظن وان العلم لا يحصل إلا بذلك وليس الأمر كذلك بل هما في الحقيقة من جنس واحد وقياس التمثيل الصحيح أولى بإفادة المطلوب علما كان أو ظنا من مجرد قياس الشمول ولهذا كان سائر العقلاء يستدلون ب قياس التمثيل أكثر مما يستدلون ب قياس الشمول بل لا يصح قياس الشمول في الأمر العام إلا بتوسط قياس التمثيل وكل ما يحتج به على صحة قياس الشمول في بعض الصور فانه يحتج به على صحة قياس التمثيل في تلك الصورة ومثلنا هذا بقولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد فانه من أشهر أقوالهم الإلهية الفاسدة.
وأما الأقوال الصحيحة فهذا أيضا ظاهر فيها فان قياس الشمولي لا بد فيه من قضية كلية موجبة ولا نتاج عن سالبتين ولا عن جزئيتين باتفاقهم والكلي لا يكون كليا إلا في الذهن فإذا عرف تحقق بعض أفراده في الخارج كان ذلك مما يعين على العلم بكونه كليا موجبا فانه إذا أحس الإنسان ببعض الأفراد الخارجية انتزع منه وصفا كليا لا سيما إذا كثرت أفراده فالعلم بثبوت الوصف المشترك لأصل في الخارج هو أصل العلم بالقضية الكلية وحينئذ ف القياس التمثيلي أصل
(1/233)

لـ القياس الشمولي أما أن يكون سببا في حصوله وأما أن يقال لا يوجد بدونه فكيف يكون وحده أقوى منه.
وهؤلاء يمثلون الكليات بمثل قول القائل الكل أعظم من الجزء والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وما من كلي من هذه الكليات إلا وقد علم من أفراده الخارجة أمور كثيرة وإذا أريد تحقق هذه الكلية في النفس ضرب لها المثل بفرد من أفرادها وبين انتفاء الفارق بينه وبين غيره أو ثبوت الجامع وحينئذ يحكم العقل بثبوت الحكم لذلك المشترك الكلي وهذا حقيقة قياس التمثيل.
ولو قدرنا أن قياس الشمول لا يفتقر إلى التمثيل وان العلم بالقضايا الكلية لا يفتقر إلى العلم بمعين أصلا فلا يمكن أن يقال إذا علم الكلي مع العلم بثبوت بعض أفراده في الخارج كان انقص من أن يعلمه بدون العلم بذالك المعين فان العلم بالمعين ما زاده إلا كمالا فتبين أن ما نفوه من صورة القياس أكمل مما أثبتوه.
ما ذكروه من تضعيف قياس التمثيل هو من كلام متأخريهم:
واعلم أنهم في المنطق الإلهي بل والطبيعي غيروا بعض ما ذكره أرسطو لكن ما زادوه في الإلهي خير من كلام أرسطو فاني قد رأيت الكلامين وأرسطو واتباعه في الإلهيات اجهل من اليهود والنصارى بكثير كثير وأما في الطبيعيات فغالب كلامه جيد وأما المنطق فكلامه فيه خير من كلامه في الإلهي.
وما ذكروه من تضعيف قياس التمثيل والاحتجاج عليه بما ذكروه هو من كلام متأخريهم لما رأوا استعمال الفقهاء له غالبا والفقهاء يستعملونه كثيرا في المواد الظنية وهناك الظن حصل من المادة لا من صورة القياس فلو صوروا تلك المادة ب قياس الشمول لم يفد أيضا إلا الظن لكن هؤلاء ظنوا أن الضعف من جهة الصورة فجعلوا صورة قياسهم يقينيا وصورة قياس الفقهاء ظنيا.
(1/234)

ومثلوه بأمثلة كلامية ليقرروا أن المتكلمين يحتجون علينا بالأقيسة الظنية كما مثلوه من الاحتجاج عليهم بأن الفلك جسم أو مؤلف فكان محدثا قياسا على الإنسان وغيره من المولدات ثم اخذوا يضعفون هذا القياس لكن إنما ضعفوه بضعف مادته فان هذا الدليل الذي ذكره الجهمية والقدرية ومن وافقهم من الأشعرية وغيرهم على حدوث الأجسام أدلة ضعيفة لأجل مادتها لا لكون صورتها ظنية ولهذا لا فرق بين أن يصوروها بصورة التمثيل أو الشمول.
والآمدى ونحوه ممن يصنف في الفلسفة ويكره التمثيل بمثل هذا لما فيه من التشنيع على المتكلمين فيمثل بمثال متفق عليه كقوله العالم موجود فكان قديما كالباري فان أحدا من العقلاء لا يحتج على قدم العالم بكونه موجودا وإلا لزم قدم كل موجود وهذا لا يقوله عأقل.
إبطال القول بأن الدوران والتقسيم لا يفيدان إلا الظن:
وما ذكروه من أن قياس التمثيل إنما يثبت بالدوران أو التقسيم وكلاهما لا يفيد إلا الظن قول باطل ويلزمهم مثل ذلك في قياس الشمول.
أما التقسيم فإنهم يسلمون أنه يفيد اليقين إذا كان حاصرا وإذا كان كذلك فانه يمكن حصر المشترك في أقسام لا يزيد عليها وإبطال التعليل بجميعها إلا بواحد وان لم يمكن ذلك لم يمكن جعل ذلك المشترك حدا أوسط فلا يفيد اليقين ولو استعمل فيه قياس الشمول.
جواب اعتراضهم على السبر والتقسيم بقولهم:
وأما قوله يجوز أن يكون الحكم ثابتا في الأصل لذات الأصل وإلا لزم التسلسل فنقول لا يلزم التسلسل إلا إذا كان لا يثبت إلا لخارج أما إذا كان تارة يثبت لخارج وتارة لغير خارج لم يلزم التسلسل وحينئذ فلا يمتنع أن
(1/235)

تعلم أن الحكم في هذا الأصل المعين لم يثبت لما يختص به بل لوصف مشترك بينه وبين غيره.
فائدتان في تعليل الحكم بعلة قاصرة:
وهذا كما يقول الفقهاء أن الحكم يعلل تارة ب علة متعدية وتارة ب علة قاصرة والتعليل ب القاصرة إذا كانت منصوصة جائز باتفاق الفقهاء وإنما تنازعوا فيما إذا كانت مستنبطة والأكثرون على جواز ذلك وهو الصحيح وهو مذهب مالك والشافعي واحمد بن حنبل في المنصوص عنه فانه دائما يعلل بالعلل القاصرة وهو اختيار أبي الخطاب وغيره من أصحابه.
ولكن القاضي أبو يعلى وطائفة وافقوا أصحاب أبي حنيفة في منعهم التعليل ب القاصرة وهذا من كلام متأخريهم وسبب ذلك النزاع في مسألة تعليل الربو في المذهب والفضة وأمثالهما هل العلة فيه متعدية أو قاصرة وأما أبو حنيفة نفسه وصاحباه لم ينقل عنهم في ذلك شيء والذي يليق بعقلهم وفضلهم أنهم لا يمنعون ذلك مطلقا كما لا يمتنع في المنصوصة.
وفي ذلك فائدتان: قصر الحكم على مورد النص ومنع الإلحاق لئلا يظن الظان أن الحكم يثبت فيما سوى مورد النص كما يعلل تحريم الميتة بعلة تمنع دخول المذكي فيها ويعلل تحريم الدم بعلة تمنع دخول العرق والريق وغيرهما فيها ويعلل اختصاص الهدى والأضحية بالإنعام بعلة تمنع دخول غيرها فيها ويعلل وجوب الحد في الخمر بعلة تمنع دخول الدم والميتة فيها وأمثال ذلك كثيرة بل من يقول أن جميع
(1/236)

الأحكام يثبت بالنص يقول أنها معللة بعلل قاصرة لكن إنما يعلل بالعلة المتعدية نص يتناول بعض أنواع الحكم فيعلل ذلك الحكم بعلة تتعدى إلى سائر النوع الذي دل على ثبوت الحكم فيه نص آخر.
والفائدة الثانية معرفة حكم الشرع وما اشتمل عليه من مصالح العباد في المعاش والمعاد فان ذلك مما يزيد به الإيمان والعلم ويكون أعون على التصديق والطاعة واقطع لشبه أهل الإلحاد والشناعة وانصر لقول من يقول أن الشرع جميعه إنما شرع لحكمة ورحمة لم يشرع لا لحكمة ورحمة بل لمجرد قهر التعبد ومحض المشيئة.
وإذا كانت الأوصاف في الأصل قد تكون مختصة بذات الأصل وقد تكون مشتركة بينه وبين غيره خارجة عنه لم يلزم إذا كان هذا الأصل ثبت الحكم فيه لخارج مشترك أن يكون الحكم في كل اصل لخارج مشترك.
جواب قولهم:
قوله وان ثبت لخارج فمن الجائز أن يكون لغير ما أبدى وان لم يطلع عليه مع البحث عنه بخلاف الحسيات فيقال أما أن يكون التقسيم في العقليات قد يفيد اليقين وأما أن لا يفيده بحال فان كان الأول بطل جعلهم الشرطي المنفصل من صور القياس والبرهان وان كان الثاني بطل كلامهم هذا ومعلوم أن هذا أحق بالبطلان من ذاك فان القائل إذا قال الوجود أما أن يكون واجبا وأما أن يكون ممكنا وأما أن يكون قديما وأما أن يكون حادثا وأما أن يكون قائما بنفسه وأما أن يكون قائما بغيره وأما أن يكون مخلوقا وأما أن يكون خالقا ونحو ذلك من التقسيم الحاصر لجنس الوجود كان هذا حصرا
(1/237)

لكلي عقلي بل الوجود اعم الكليات وإذا أمكن العقل أن يحصر أقسامه فحصر أقسام بعض أنواعه أولى وهم يسلمون هذا كله وهذا هو العلم الأعلى عندهم فكيف يقولون أن السبر والتقسيم لا يفيد اليقين.
تمثيل التقسيم الحاصر في مسألة الرؤية:
ثم إذا اختلف الناس في ما يجوز رؤيته فقال بعضهم المصحح للرؤية أمر لا يكون إلا وجوديا محضا فما كان وجوده أكمل كان أحق أن يرى وقال آخر بل المصحح لها ما يختص بالوجود الناقص الذي هو أولى بالعدم مثل كون كل الشيء محدثا مسبوقا بالعدم أو ممكنا يقبل العدم كان قول من علل إمكان الرؤية بما يشترك فيه القديم والحادث والواجب والممكن أولى من هذا فان الرؤية وجود محض وهي إنما تتعلق بموجود لا بمعدوم فما كان أكمل وجودا بل كان وجوده واجبا فهو أحق بها مما يلازمه العدم ولهذا يشترط فيها النور الذي هو بالوجود أولى من الظلمة والنور الأشد كالشمس لم يمتنع رؤيته لذاته بل لضعف الإبصار فهذا يقتضى أنا نعجز عن رؤية الله مع ضعف أبصارنا ولهذا لم يطق موسى رؤية الله في الدنيا لكن لا يمتنع أن تكون رؤيته ممكنه والله قادر على تقوية أبصارنا لنراه.
وإذا قيل هي مشروطة ب اللون والجهة ونحو ذلك مما يمتنع على الله قيل له كل ما لا بد منه في الرؤية لا يمتنع في حق الله فإذا قال القائل لو رؤى للزم كذا واللازم منتف كانت إحدى مقدمتيه كاذبة وهكذا كل ما اخبر به الصادق الذي اخبر بأن المؤمنين يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر كل ما اخبر به وظن الظان أن في العقل ما يناقضة لا بد أن يكون إحدى مقدماته باطلة.
فإذا قال لو رؤى لكان متحيزا أو جسما أو كان في جهة أو كان ذا لون وذلك منتف عن الله قيل له جميع هذه الألفاظ مجملة لم يأت شرع بنفي
(1/238)

مسماها حتى تنفى بالشرع وإنما ينفيها من ينفيها فيستفسر عن مراده إذ البحث في المعاني المعقولة لا في مجرد هذه الألفاظ.
فيقال: ما تريد بأن المرئي لا بد أن يكون متحيزا فان المتحيز في لغة العرب التي نزل بها القرآن يعنى به ما يحوزه غيره كما في قوله تعالى: {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ} فهذا تحيز موجود يحيط به موجود غيره إلى موجودات تحيط به وسمى متحيزا لأنه تحيز من هؤلاء إلى هؤلاء والمتكلمون يريدون بالتحيز ما شغل الحيز والحيز عندهم تقدير مكان ليس أمرا موجودا فالعالم عندهم متحيز وليس في حيز وجودي والمكان عند أكثرهم وجودي.
فإذا أريد ب المتحيز ما يكون في حيز وجودي منعت المقدمة الأولى وهو قوله: "كل مرئي متحيز" فان سطح العالم يمكن أن يرى وليس في عالم آخر وإن قال: بل أريد به "لا بد أن يكون في حيز وإن كان عدميا" قيل له العدم ليس بشئ فمن جعله في الحيز العدمى لم يجعله في شيء موجود ومعلوم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق فإذا كان الخالق بائنا عن المخلوقات كلها لم يكن في شيء موجود وإذا قيل هو في حيز معدوم كان حقيقته أنه ليس في شيء فلم قلت أن هذا محال.
وكذلك إذا قال يلزم أن يكون جسما ففيه إجمال التنبيه عليه.
وكذلك إذا قال في جهة فان الجهة يراد بها شيء موجود وشئ معدوم فان شرط في المرئي أن يكون في جهة موجودة كان هذا باطلا برؤية سطح العالم وإن جعل العدم جهة قيل له إذا كان بائنا عن العالم ليس معه هناك غيره فليس في جهة وجودية وإذا سميت ما هنالك جهة وقلت هو في جهة على هذا التقدير منعت انتفاء اللازم وقيل لك العقل والسمع يدلان على ثبوت هذا اللازم لا
(1/239)

على انتفائه.
وهذا التقسيم مثلنا به في مسألة الرؤية فإنها من أشكل المسائل العقلية وأبعدها من قبول التقسيم المنحصر ومع هذا فان حصر الأقسام فيها ممكن فكيف يغيرها.
وحيئنذ فإذا احتج عليها ب قياس التمثيل فقيل المخلوقات الموجودة يمكن رؤيتها فالخالق أحق بإمكان الرؤية لأن المصحح للرؤية في المخلوقات أمر مشترك بين الخالق والمخلوق لا يختص بالمخلوق وإذا كان المشترك مستلزما لصحة الرؤية ثبتت صحة الرؤية.
ولا يجعل المشترك المصحح هو مجرد الوجود كما يسلكه الأشعري ومن اتبعه كالقاضي أبى بكر وطائفة من أصحاب أحمد وغيرهم كالقاضي أبى يعلى بل يجعله القيام بالنفس كما يسلكه ابن كلاب وغيره من مثبتي الرؤية من أصحاب احمد وغيرهم كأبي الحسن الزاغونى أو لا يعين المصحح بل يجعل قدرا مشتركا
(1/240)

كالتقسيم الحاصر وهو أيضا يفيد اليقين كما قد بسط في موضعه.
وإذا كانت مسألة الرؤية والمصحح لها أمكن تقريره على هذا الوجه فكيف فيما هو أوضح منها إذا قيل الفاعل منا مريد وهو متصور لما يفعله فالخالق أولى أن يعلم ما خلق أو قيل إذا كان الفعل الاختياري فينا مشروطا بالعلم فهو في حق الخالق أولى لأن ما به استلزمت الإرادة العلم أما أن يختص بالعبد أو يكون مشتركا والأول باطل فتعين الثاني لأن استلزام الإرادة العلم كمال للفاعل لا نقص فيه والواجب أحق بالكمال الذي لا نقص فيه من الممكن المخلوق فإذا كان العبد يعلم ما يفعل فالباري أولى أن يعلم ما يفعل.
وإذا قيل إذا كان الرب حيا أمكن كونه سميعا بصيرا متكلما وما جاز له من الصفات وجب له لأن ثبوت صفاته له لا تتوقف على غيره ولا يجعله غيره متصفا بصفات الكمال لأن من جعل غيره كاملا فهو أحق بالكمال منه وغيره مخلوقه ويمتنع أن يكون مخلوقه أكمل منه بل ويمتنع أن يكون هو الذي أعطاه صفات الكمال لأن ذلك يستلزم الدور القبلي أو غير ذلك من الأدلة التي بسطت في غير هذا الموضع.
وهم في كلامهم في جنس القياس لم يتعرضوا لآحاد المسائل ونحن لا نحتاج إلى ذلك لكن الغرض التمثيل لمسائل قد يشكل على كثير من الناس استعمال القياس فيها لأجل المادة فتبين أن لها مادة يمكن أن يستخرج منها أدلة تلك المطالب وتلك المادة تصور بصورة الشمول تارة وبصورة التمثيل أخرى لكن إذا صورت بصورة الشمول علم أن أفرادها لا تتساوى وإذا صورت بصورة التمثيل علم أن الرب أحق بكل كمال لا نقص فيه أن يثبت له وأحق بنفي كل نقص عنه من نفيه عن سائر الموجودات.
جواب قولهم:
وإن كان منحصرا فمن الجائز أن يكون معللا بالمجموع أو بالبعض الذي لا تحقق له في الفرع
(1/241)

وأما قولهم إذا انحصرت الأقسام فمن الجائز أن يكون معللا بالمجموع أو بالبعض الذي لا تحقق له في الفرع فيقال هذا ممكن في بعض الصور كالمسائل الظنية من الفقه أو غيره إذا قيل خيار الأمة المعتقة تحت العبد كقصة بريرة أما أن يكون ثبت لكونها كانت تحت ناقص وأما أن يكون لكونها ملكت نفسها أمكن أن يقال وأما أن يكون لمجموع الأمرين.
لكن تعليله بما يختص الأصل سواء كان هو المجموع أو بعض منه إنما يمكن العلم بنفيه كما يمكن العلم بغيره من المنفيات كما إذا قيل: "الإنسان إنما كان حساسا متحركا بالإرادة لحيوانيته لا لإنسانيته والحيوانية مشتركة بينه وبين الفرس وسائر الحيوان فيكون حساسا متحركا بالإرادة" فلا يمكن أن يدعى في مثل هذه أن المختص بالإنسان هو علة كونه حساسا متحركا بالإرادة بل العلة ليست إلا المشترك بينه وبين الحيوان.
وكذلك إذا قيل القديم لا يجوز عدمه لأن قدمه أما بنفسه أو بموجب يجب قدمه بنفسه وما كان قديما بنفسه كان موجودا بنفسه بالضرورة فان القدم أخص من الوجود فيلزم من ثبوته ثبوت الوجود فإذا قديما بنفسه فهو موجود بنفسه بالضرورة وما كان موجودا بنفسه فهو واجب بنفسه وإلا لافتقر إلى فاعل فالقديم أما واجب بنفسه وأما لازم للواجب بنفسه وكلاهما ممتنع العدم لأنه يستلزم عدم الواجب بنفسه ولو عدم لكان قابلا للعدم فلا يكون واجبا بنفسه ولهذا اتفق العقلاء على هذا وهو أن القديم أما موجود واجب بنفسه وأما لازم لما هو كذلك
(1/242)

فإذا قال القائل: "لو كانت الأفلاك قديمة لامتنع عدمها لكن عدمها ممكن بالأدلة الدالة عليه فلا تكون قديمة" لم يجز أن يقال: "بل القديم لا يجوز عدمه لعلة مختصة بالقديم بنفسه دون ما كان معلولا لغيره" فالأفلاك وإن قيل هي قديمة فهي ممكنة العدم فان هذا باطل لما ذكرناه من أن المشترك بين الواجب بنفسه والواجب بغيره هو مستلزم لقدم المشترك بين القديم الموجود بنفسه والقديم الموجود بغيره فمن ادعى قديما موجودا بغيره وقال أنه مع هذا يمكن عدمه فقوله متناقض كما بسط في موضعه ولهذا لم يقل احد من العقلاء أنها قديمة يمكن عدمها الإمكان المعروف وإنما ادعوا أن لها ماهية باعتبار نفسها فقيل الوجود والعدم ولكن وجب لها الوجود من غيرها.
وقد تبين بطلان هذا في غير هذا الموضع وبين أن هذا قول مخالف لجميع العقلاء حتى أرسطو واتباعه لا يكون عندهم ممكنا إلا المحدث الذي يمكن وجوده وعدمه أو حتى هؤلاء الذين قالوا بأنها قديمة يمكن وجودها وعدمها كابن سينا واتباعه تناقضوا ووافقوا سلفهم وسائر العقلاء فذكروا في عدة مواضع أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا محدثا وان كل ما كان دائما لا يكون ممكنا وأما القديم الذي لا يمكن عدمه فليس عندهم ممكنا وان كان وجوبه بغيره.
وإنما خالف في هذا طائفة من الفلاسفة كابن سينا وأمثاله الذين أرادوا أن يجمعوا بين قول سلفهم وبين ما جاءت به الرسل مع دلالة العقول عليه فلم يمكنهم ذلك إلا بما خالفوا به الرسل مع مخالفة العقول مع مخالفة سلفهم فيما أصابوا فيه وموافقتهم فيما اخطئوا فيه وكان كفرا في الملل ومع تناقضهم ومخالفة جميع العقلاء.
وأما قولهم: "بثبوت الحكم مع المشترك في صورة مع تخلف غيره من الأوصاف المقارنة له في الأصل مما لا يوجب استقلاله بالتعليل لجواز أن يكون الحكم في تلك معللا بعلة أخرى" فيقال هذا غلط وذلك أنه متى ثبت الحكم مع المشترك في
(1/243)

صورة تمتنع أن تكون الأوصاف الزائدة المقارنة له في الأصل مؤثرة في الحكم مع تخلف غيره من الأوصاف فإنها مختصة بالأصل فلو كانت مؤثرة لم يجز أن يوجد الحكم في غير الأصل وحينئذ فعدمها لا يؤثر والصورة الأخرى قد يثبت فيها وجود المشترك.
وأما إمكان وجود وصف آخر مستقل بعلة فهذا لا بد من نفيه أما بدليل قاطع أو ظاهر أو بأن الأصل عدمه ويكون القياس حينئذ يقينيا أو ظنيا.
والكلام فيما إذا حصرت أقسام العلة ونفي التعليل عن كل منها إلا واحد والنفي قد يكون لنفي التعليل بها من الأصل وقد يكون لنفي التعليل مطلقا فالأول يحتاج معه إلى الثاني في تلك الصورة وأما الثاني فهو يتناول النفي في تلك الصورة وغيرها.
وقولهم: "وإن كان لا علة له سواه فجائز أن يكون علة لخصوصه لا لعمومه" فيقال هذا هو في معنى السؤال الأول وهو أن يكون الحكم ثبت لذات المحل لا لأمر منفصل وهو التعليل بالعلة القاصرة الواقفة على مورد النص.
وأما قولهم: "أن بين أن ذلك الوصف يستلزم الحكم وأن الحكم لازم لعموم ذاته فمع بعده يستغنى عن التمثيل" فيقال لا بعد في ذلك بل كلما دل عل أن الحد الأوسط يستلزم الأكبر فانه يستدل به على جعل ذلك الحد وصفا مشتركا بين أصل وفرع ويلزمه الحكم.
وأما قوله: "إنه يستغنى عن التمثيل" فيقال: نعم والتمثيل في مثل هذا يذكر للإيضاح وليتصور للفرع نظير لأن الكلى إنما وجوده كلى في الذهن لا في الخارج فإذا عرف تحققه في الخارج كان أيسر لوجود نظيره ولان المثال قد يكون ميسرا لإثبات التعليل بل قد لا يمكن بدونه وسائر ما تثبت به العلة من الدوران والمناسبة وغير ذلك إذا اخذ معه السبر والتقسيم أمكن كون القياس قطعيا
(1/244)

وأيضا فقد يكون قياس التمثيل يقينيا في كذا فان الجمع بين الأصل والفرع كما يكون بإبداء الجامع يكون بإلغاء الفارق وهو أن يعلم أن هذا مثل هذا لا يفترقان في مثل هذا الحكم ومساوي المساوي مساو والعلم بالمساواة والمماثلة مما قد يعلم بالعقل كما يعلم بالسمع فإذا علم حكم أحد المتماثلين علم أن الآخر مثله لا سيما إذا كان الكلام فيما تجرد من المعقولات مثل القول بأن شيئا من السواد عرض مفتقر إلى المحل فيقال سائر أفراد السواد كذلك بل ويقال وسائر الألوان كذلك وكذلك أن قيل أن حركة الكواكب تحدث شيئا بعد شيء قيل وسائر الحركات كذلك.
وبالجملة فقد بينا أن كل قياس لا بد فيه من قضية كلية إيجابية وبينا أن تلك القضية لا بد أن يعلم صدق كونها كلية وكل ما به يعلم ذلك به يعلم أن الحكم لازم لذلك الكلى المشترك فيمكن جعل ذلك الكلى المشترك هو الجامع بين الأصل والفرع فكل قياس شمول يمكن جعله قياس تمثيل فإذا أفاد اليقين لم يزده التمثيل إلا قوة.
إذا علمت إحدى المقدمتين بنص المعصوم فاستعمال الشمول أولى:
وقياس التمثيل يمكن جعله قياس شمول لكن قد يكون بيان صحته محتاجا إلى بيان إحدى مقدمتيه لا سيما الكبرى فإنها هي في الغالب التي تحتاج إلى البيان وإذا كان كذلك الأصل المقيس عليه أولا أسهل في البيان ف قياس التمثيل أعون على البيان إلا إذا كانت القضية الكلية معلومة بنص المعصوم فهنا يكون الاستدلال بها أولى من الاستدلال بقياس التمثيل لكن الدليل هنا يكون شرعيا لم تعلم إحدى مقدمتيه إلا بنص المعصوم أو الإجماع المعصوم لم تعلم بمجرد العقل وهم.
والكلام مع من يجعل مواد البرهان القضايا الكلية المعلومة بدون قول
(1/245)

المعصوم بل قد يسمون القياس المستدل على إحدى مقدماته بقول المعصوم من الخطابي والجدلى لأنهم يجعلون تلك القضايا من المسلمات والمقبولات لا من البرهانيات اليقينيات.
وهذا أيضا من ضلالهم فان القضية اليقينية ما علم أنها حق علما يقينيا فإذا علم بدليل قطعي أن المعصوم لا يقول إلا حقا وعلم بالضرورة أنه قضى بهذه القضية الكلية كما قضى ب أن الله بكل شيء عليم وأن الله خالق كل شيء وانه لا نبي بعده ونحو ذلك من القضايا الخبرية التي علم بالضرورة أن المعصوم أخبر بها عامة كلية كان هذا من أحسن الطرق في حصول اليقين وهذا الطريق لا يدخل في قياسهم البرهاني ولكن هذا لما كان مبنيا على مقدمات سمعية لم نقررها في هذا الموضع لم نحتج به عليهم بل احتججنا عليهم بما يسلمونه.
وما بيناه بمجرد العقل من أن قولهم العلوم الكسبية لا تحصل إلا بقياسهم البرهاني قول باطل بل هو من أبطل الأباطيل.
هذا في جانب النفي.
(1/246)

المقام الرابع: في قولهم أن القياس يفيد العلم بالتصديقات:
فصل:
وأما المقام الثاني وهو المقام الرابع من المقامات الأربعة المذكورة أولا وهو أدق المقامات.
(1/246)

تبصرة على ما تقدم من المقامات:
فان ما نبهنا عليه خطأهم في منع إمكان التصور إلا ب الحد بل ومن نفى دعوى حصول التصور ب الحد وبقى انحصار التصديق فيما ذكروه من والقياس مدركه قريب والعلم به ظاهر وخطأ المنطقيين فيه واضح بأدنى تدبر وإنما يلبسون على الناس بالتهويل والتطويل.
المقامان الأول والثاني.
وأظهرها خطأ دعواهم أن التصورات المطلوبة لا تحصل إلا بما ذكروه من الحد ثم أن مجرد الحد يفيد تصور الحقائق الثابتة في الخارج بمجرد قول الحاد سواء جعل الحد هو الجملة التامة الخبرية التي يسمونها القضية والتقييد الجزئي أو جعل الحد هو خبر المبتدأ المفرد وإن كان له صفات تقيده وتميزه.
فإنه إذا قال ما الإنسان فقيل الحيوان الناطق أو قيل الإنسان الحيوان الناطق فقد يقال الحد هو قولك الإنسان هو الحيوان الناطق وقد يقال بل الحد الحيوان الناطق وهذا في حكم المفرد وليس هذا كلاما تاما يحسن السكوت عليه أن لم يقدر له مبتدأ يكون خبرا عنه أو جعل مبتدأ خبر محذوف ومن جعل هذا وحده هو الحد وجعله بمجرده يفيد تصور الحقيقة فقوله أبعد عن الصواب.
المقام الثالث:
وبعد ذلك قولهم أن شيئا من التصديقات المطلوبة لا ينال إلا بما ذكروه من القياس فان هذا النفي العام أمر لا سبيل إلى العلم به ولا يقوم عليه دليل أصلا وقد اشرنا إلى فساد ما ذكروه مع أنه معلوم البطلان بما يحصل من التصديقات المطلوبة بدون ما ذكروه من القياس كما يحصل تصورات مطلوبة بدون ما يذكرونه من الحد.
بخلاف هذا المقام الرابع فان كون القياس المؤلف من مقدمتين يفيد
(1/247)

النتيجة هو أمر صحيح في نفسه.
كون القياس المنطقي عديم التأثير في العلم:
لكن الذي بينه نظار المسلمين في كلامهم على هذا المنطق اليوناني المنسوب إلى أرسطو صاحب التعاليم أن ما ذكروه من صور القياس ومواده مع كثرة التعب العظيم ليس فيه فائدة علمية بل كل ما يمكن علمه ب قياسهم المنطقي يمكن علمه بدون قياسهم المنطقي وما لا يمكن علمه بدون قياسهم لا يمكن علمه ب قياسهم فلم يكن في قياسهم لا تحصيل العلم بالمجهول الذي لا يعلم بدونه ولا حاجة به إلى ما يمكن العلم به بدونه فصار عديم التأثير في العلم وجودا وعدما ولكن فيه تطويل كثير متعب فهو مع أنه لا ينفع في العلم فيه إتعاب الأذهان وتصنييع الزمان وكثرة الهذيان.
والمطلوب من الأدلة والبراهين بيان العلم وبيان الطرق المؤدية إلى العلم وقالوا يعنى نظار المسلمين هذا لا يفيد هذا المطلوب بل قد يكون من الأسباب المعوقة له لما فيه من كثرة تعب الذهن كمن يريد أن يسلك الطريق ليذهب إلى مكة أو غيرها من البلاد فإذا سلك الطريق المستقيم المعروف وصل في مدة قريبة بسعي معتدل وإذا قيض له من يسلك به التعاسيف والعسف في اللغة الأخذ عل غير طريق بحيث يدور به طرقا دائرة ويسلك به مسالك منحرفة فانه يتعب تعبا كثيرا حتى يصل إلى الطريق المستقيمة أن وصل وإلا فقد يصل إلى غير المطلوب فيعتقد اعتقادات فاسدة وقد يعجز بسبب ما يحصل له من التعب والإعياء فلا هو نال مطلوبه ولا هو استراح هذا إذا بقى في الجهل البسيط وهكذا هؤلاء.
ولهذا حكى من كان حاضرا عند موت إمام المنطقيين في زمانه الخونجي صاحب الموجز وكشف الأسرار وغيرهما أنه قال عند موته أموت وما
(1/248)

علمت شيئا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى الواجب ثم قال الافتقار وصف سلبي أموت وما علمت شيئا.
فهذا حالهم إذا كان منتهى احدهم الجهل البسيط وأما من كان منتهاه الجهل المركب فكثير والواصل منهم إلى علم يشبهونه بمن قيل له أين أذنك فأدار يده فوق رأسه ومدها إلى أذنه بكلفة وقد كان يمكنه أن يوصلها إلى أذنه من تحت رأسه فهو أسهل وأقرب.
استعمال طرق غير الفطرية تعذيب للنفوس بلا منفعة:
والأمور الفطرية متى جعل لها طرق غير الفطرية كانت تعذيبا للنفوس بلا منفعة لها كما لو قيل لرجل اقسم هذه الدراهم بين هؤلاء النفر بالسوية فان هذا ممكن بلا كلفة فلو قال له قائل اصبر فانه لا يمكنك القسمة حتى تعرف حدها وتميز بينها وبين الضرب فان القسمة عكس الضرب فان الضرب هو تضعيف آحاد العددين بآحاد العدد الآخر والقسمة توزيع آحاد أحد العددين على آحاد العدد الآخر ولهذا إذا ضرب الخارج بالقسمة في المقسوم عليه عاد المقسوم وإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد المضروبين خرج المضروب الآخر ثم يقال ما ذكرته في حد الضرب لا يصح فانه إنما يتناول ضرب العدد الصحيح لا يتناول ضرب المكسور بل الحد الجامع لهما أن يقال الضرب طلب جملة تكون نسبتها إلى احد المضروبين كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر فإذا قيل اضرب النصف في الربع فالخارج هو الثمن ونسبته إلى الربع كنسبة النصف إلى الواحد.
فهذا وإن كان كلاما صحيحا لكن من المعلوم أن من معه مال يريد أن يقسمه بين عدد يعرفهم بالسوية إذا ألزم نفسه أنه لا يقسمه حتى يتصور هذا كله كان هذا
(1/249)

تعذيبا له بلا فائدة وقد لا يفهم هذا الكلام وقد يعرض له فيه إشكالات.
الدليل ما كان موصلا إلى المطلوب:
فكذلك الدليل والبرهان فان الدليل هو المرشد إلى المطلوب والموصل إلى المقصود وكل ما كان مستلزما لغيره فانه يمكن أن يستدل به عليه ولهذا قيل الدليل ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو ظن وبعض المتكلمين يخص لفظ الدليل بما يوصل إلى العلم ويسمى ما يوصل إلى الظن أمارة وهذا اصطلاح من اصطلح عليه من المعتزلة ومن تلقاه عنهم.
فالمقصود أن كل ما كان مستلزما لغيره بحيث يكون ملزوما له فانه يكون دليلا عليه وبرهانا له سواء كانا وجوديين أو عدميين أو أحدهما وجوديا والآخر عدميا فأبدا الدليل ملزوم للمدلول عليه والمدلول لازم للدليل.
ثم قد يكون الدليل مقدمة واحدة متى علمت علم المطلوب وقد يحتاج المستدل إلى مقدمتين وقد يحتاج إلى ثلاث مقدمات وأربع وخمس وأكثر ليس لذلك حد مقدر يتساوى فيه جميع الناس في جميع المطالب بل ذلك بحسب علم المستدل الطالب بأحوال المطلوب والدليل ولوازم ذلك وملزوماته.
فإذا قدر أنه قد عرف ما به يعلم المطلوب إلا مقدمة واحدة كان دليله الذي يحتاج إلى بيانه له تلك المقدمة كمن علم أن الخمر محرم وعلم أن النبيذ المتنازع فيه مسكر لكن لم يعلم أن كل مسكر هو خمر فهو لا يحتاج إلا إلى هذه المقدمة فإذا قيل ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مسكر خمر " حصل مطلوبه ولم يحتج إلى أن يقال: "كل نبيذ مسكر" "وكل مسكر خمر" ولا أن يقال: "كل مسكر خمر" "وكل خمر حرام" فان هذا كله معلوم له لم يكن يخفى عليه إلا أن اسم الخمر هل هو مختص ببعض المسكرات كما ظنه طائفة من علماء المسلمين أو هو شامل لكل مسكر فإذا ثبت له عن صاحب الشرع
(1/250)

أنه جعله عاما لا خاصا حصل مطلوبه وهذا الحديث في صحيح مسلم ويروى بلفظين: "كل مسكر خمر"، "وكل مسكر حرام ".
ولم يقل: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" كالنظم اليوناني وإن كان روى في بعض طرق الحديث فليس بثابت فان النبي صلى الله عليه وسلم اجل قدرا في عمله وبيانه من أن يتكلم بمثل هذيانهم فانه أن قصد مجرد تعريف الحكم لم يحتج مع قوله إلى دليل وإن قصد بيان الدليل كما بين الله في القران عامة المطالب الإلهية التي تقرر الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر فهو صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالحق وأحسنهم بيانا له.
فعلم أنه ليس جميع المطالب يحتاج إلى مقدمتين ولا يكفى في جميعها مقدمتان بل يذكر ما يحصل به البيان والدلالة سواء كان مقدمة أو مقدمتين أو أكثر وما قصد به هدى عاما كالقرآن الذي انزله الله بيانا للناس يذكر فيه من الأدلة ما ينتفع به الناس عامة.
وأما ما قد يعرض لبعضهم في بعض الأحوال من سفسطة تشككه في المعلومات فتلك من جنس المرض والوساوس وهذه إنما يمكن بيان أنواعها العامة وأما ما يختص به كل شخص فلا ضابط له حتى يذكر في كلام بل هذا يزول بأسباب تختص بصاحبه كدعائه لنفسه ومخاطبة شخص معين له بما يناسب حاله ونظرة هو فيما يخص حاله ونحو ذلك.
وأيضا فما يذكرونه من القياس لا يفيد إلا العلم بأمور كلية لا يفيد العلم بشئ معين من الموجودات ثم تلك الأمور الكلية يمكن العلم بكل واحد منها بما هو أيسر من قياسهم فلا تعلم كلية بقياسهم إلا والعلم بجزئياتها ممكن بدون
(1/251)

قياسهم الشمولى وربما كان أيسر فان العلم بالمعينات قد يكون أبين من العلم بالكليات وهذا مبسوط في موضعه.
ليس في قياسهم إلا صورة الدليل من غير بيان صحته أو فساده:
والمقصود هنا أن المطلوب هو العلم والطريق إليه هو الدليل فمن عرف دليل مطلوبه عرف مطلوبه سواء نظمه بقياسهم أم لا ومن لم يعرف دليله لم ينفعه قياسهم ولا يقال أن قياسهم يعرف صحيح الأدلة من فاسدها فان هذا إنما يقوله جاهل لا يعرف حقيقة قياسهم فان قياسهم ليس فيه إلا شكل الدليل وصورته وأما كون الدليل المعين مستلزما لمدلوله فهذا ليس في قياسهم ما يتعرض له بنفي ولا إثبات وإنما هذا بحسب علمه بالمقدمات التي اشتمل عليها الدليل وليس في قياسهم بيان صحة شيء من المقدمات ولا فسادها وإنما يتكلمون في هذا إذا تكلموا في مواد القياس وهو الكلام في المقدمات من جهة ما يصدق بها وكلامهم في هذا فيه خطأ كثير كما نبه عليه في موضع آخر.
الحقيقة المعتبرة في كل دليل هو اللزوم:
والمقصود هنا أن الحقيقة المعتبرة في كل برهان ودليل في العالم هو اللزوم فمن عرف أن هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم وإن لم يذكر لفظ اللزوم ولا تصور معنى هذا اللفظ بل من عرف أن كذا لا بد له من كذا أو أنه إذا كان كذا كان كذا وأمثال هذا فقد علم اللزوم كما يعرف أن كل ما في الوجود فهو أية لله فانه مفتقر إليه محتاج إليه لا بد له منه فيلزم من وجوده وجود الصانع.
وكما يعلم أن المحدث لا بد له من محدث كما قال تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في فداء الأسرى عام بدر سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور قال: فلما سمعت قوله: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}
(1/252)

أحسست بفؤادي قد انصدع.
فان هذا تقسيم حاصر يقول أخلقوا من غير خالق خلقهم فهذا ممتنع في بداية العقول أم هم خلقوا أنفسهم فهذا أشد امتناعا فعلم أن لهم خالقا خلقهم وهو سبحانه وتعالى ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس لا يمكن أحدا إنكارها فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعى وجود حادث بدون محدث أحدثه ولا يمكنه أن يقول هو أحدث نفسه.
وقد بسطنا الكلام على ما قاله الناس في هذا المقام من الحدوث والإمكان وعلة الافتقار إلى المؤثر وذكرنا عامة طرائق أهل الأرض في إثبات الصانع من المتكلمين والفلاسفة وطرق الأنبياء صلوات الله عليهم وما سلكه عامة نظار الإسلام من معتزلي وكرامى وكلابي واشعري وفيلسوف وغيرهم في غير موضع مثل كتاب تعارض العقل والنقل وغير ذلك
(1/253)

وكذلك بينا طرق الناس في إثبات العلم بالنبوات في شرح الأصبهانية وكتاب الرد على النصارى وغيرهما.
وبينا أن كثيرا من النظار يسلك طريقا في الاستدلال على المطلوب ويقول لا يوصل إلى المطلوب إلا بهذا الطريق ولا يكون الأمر كما قاله في النفي وإن كان مصيبا في صحة ذلك الطريق فان المطلوب كلما كان الناس إلى معرفته أحوج يسر الله على
(1/254)

عقول الناس معرفة أدلته فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وأعلام النبوة وأدلتها كثيرة جدا وطرق الناس في معرفتها كثيرة وكثير من الطرق لا يحتاج إليه أكثر الناس وإنما يحتاج إليه من لم يعرف غيره أو من أعرض عن غيره وبعض الناس يكون الطريق كلما كان ادق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان انفع له لأن نفسه اعتادت النظر الطويل في الأمور الدقيقة فإذا كان الدليل قليل المقدمات أو كانت جلية لم تفرح نفسه به ومثل هذا قد يستعمل معه الطريق الكلامية المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته لا لكون العلم بالمطلوب متوقفا عليها مطلقا فان من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم فيجب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات وهذا يسلك معه هذه السبيل.
وأيضا فان النظر في العلوم الدقيقة يفتق الذهن ويدر به ويقويه على العلم فيصير مثل كثرة الرمي بالنشاب وركوب الخيل تعين على قوة الرمي والركوب وإن لم يكن ذلك وقت قتال وهذا مقصد حسن.
ولهذا كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص الفرائض والوصايا والدور لشحذ الذهن فانه علم صحيح في نفسه ولهذا يسمى الرياضي فان لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة أنواع في رياضة الأبدان بالحركة والمشي كما يذكر ذلك الأطباء وغيرهم وفي رياضة النفوس بالأخلاق الحسنة المعتدلة والآداب المحمودة وفي رياضة الأذهان بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة.
ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "إذا لهوتم فالهوا بالرمي وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض" أراد إذا لهوا بعمل أن يلهوا بعمل ينفعهم في دينهم وهو الرمي وإذا لهوا بكلام لهوا بكلام ينفعهم أيضا
(1/255)

في عقلهم ودينهم وهو الفرائض.
وعلم الفرائض نوعان: أحكام وحساب.
فالأحكام ثلاثة أنواع: أحدها: علم الأحكام على مذهب بعض الفقهاء وهذا أولها ويليه علم أقاويل الصحابة والعلماء فيما اختلف فيه منها ويليه علم أدلة ذلك من الكتاب والسنة.
وأما علم حساب الفرائض فمعرفة أصول المسائل وتصحيحها والمناسخات وقسمة التركات وللفرائض في ذلك طريق معلومة وكتب مصنفة وهذا الثاني كله علم معقول يعلم بالعقل كما يعلم بالعقل سائر حساب المعاملات وغير ذلك من الأنواع التي يحتاجها إليها الناس.
ثم قد ذكروا حساب المجهولات الملقب بحساب الجبر والمقابلة وهو علم قديم لكن إدخاله في الوصايا والدور ونحو ذلك أول من عرف أنه ادخله في ذلك محمد بن موسى الخوارزمي وبعض الناس يذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه تكلم في ذلك وانه تعلم زيادة ذلك من يهودي وهذا كذب على علي رضي الله عنه
(1/256)

ونحن قد بينا في الكتاب المصنف في الدور لما ذكرنا فيه أن لفظ الدور يقال على ثلاثة أنواع:
الدور الكوني الذي يذكر في الأدلة العقلية أنه لا يكون هذا حتى يكون هذا ولا يكون هذا حتى يكون هذا وطائفة من النظار كالرازي يقولون هو ممتنع والصواب أنه نوعان كما يقوله الآمدي وغيره دور قبلي ودور معي في الدور القبلي ممتنع والدور المعى ممكن.
ف الدور القبلي الذي يذكر في العلل وفي الفاعل والمؤثر ونحو ذلك مثل أن يقال لا يجوز أن يكون كل من الشيئين فاعلا للآخر لأنه يفضى إلى الدور.
وهو أن يكون هذا قبل ذاك وذاك قبل هذا وذاك فاعل لهذا وهذا فاعل لذاك فيكون الشيء فاعلا لفاعله ويكون قبل قبله وقد اورد الرازي وغيره عليه إشكالات ذكرناها وبينا وجه حلها طرق إثبات الصانع.
وأما الدور المعى فهو كدور الشرط مع الشروط وأحد المتضائفين مع الآخر إذا قيل صفات الرب لا تكون إلا مع ذاته ولا تكون ذاته إلا مع صفاته فهذا صحيح وكذلك إذا قيل لا تكون الأبوة إلا مع النبوة ولا تكون النبوة إلا مع الأبوة.
والنوع الثاني: مما يسمى دورا الدور الحكمى الفقهي المذكور في المسألة السريجية وغيرها وقد أفردنا في هذا مصنفات وبينا حقيقة هذا الدور وأنه باطل عقلا وشرعا وبينا في مصنف آخر هل في الشريعة شيء من هذا الدور أم لا.
والنوع الثالث: الدور الحسابي وهو أن يقال لا يعلم هذا حتى يعلم هذا فهذا هو الذي يطلب حله بحساب الجبر والمقابلة
(1/257)

وقد ذكر كثير من متأخري الفقهاء مسائل وذكروا أنها لا تنحل إلا بطريق الجبر والمقابلة وقد بينا أنه يمكن الجواب عن كل مسألة شرعية جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم بدون حساب الجبر والمقابلة وإن كان أيضا حساب الجبر والمقابلة صحيحا وقد كان لأبي وجدي رحمهما الله فيه من النصيب ما قد عرف.
ليست شريعة الإسلام موقوفة على شيء من علومهم:
فنحن قد بينا أن شريعة الإسلام ومعرفتها ليست موقوفة على شيء يتعلم من غير المسلمين أصلا وإن كان طريقا صحيحا بل طريق الجبر والمقابلة فيها تطويل يغنى الله عنه بغيره كما ذكرنا في المنطق.
وهكذا كل ما بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم مثل العلم بجهة القبلة والعلم بمواقيت الصلاة والعلم بطلوع الفجر والعلم بالهلال فكل هاذ يمكن العلم به بالطرق المعروفة التي كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يسلكونها ولا يحتاج معها إلى شيء آخر وإن كان كثير من الناس قد أحدثوا طرقا أخر وكثير منهم يظن أنه لا يمكن المعرفة بالشريعة إلا بها وهذا من جهلهم.
العلم بجهة القبلة:
كما قد يظن طائفة من الناس أن العلم بالقبلة لا يمكن إلا بمعرفة أطوال البلاد وعروضها
(1/258)

وعرض البلد هو بعد ما بينه وبين خط الاستواء والموازي كدائرة معدل النهار وذلك يعرف بارتفاع القطب الشمالي فان القطبين إذا كانا على دائرة الأفق كان بعد كل منها عن خط الاستواء بعدا واحدا وليس لخط الاستواء عرض فإذا بعد الإنسان عن خط الاستواء مقدار درجة فلكية ارتفع القطب في قطره عن دائرة الأفق مقدار درجة ثم إذا بعد درجتين ارتفع القطب درجتين وهلم جرأ فعرض البلد يعرف بارتفاع القطب فإذا كان البلدان عرضهما سواء ك دمشق وبغداد وعرض كل منهما ثلاثا وثلاثين درجة يكون ارتفاع القطب فيهما واحدا.
وأما الطول فليس له حد في السماء يضبط به إذ هو بحسب المعمور من الأرض فيجعل الطول مبدأ العمارة وكانوا يحدون بجزائر تسمى جزائر الخالدات من جهة الغرب ويمكن أن تفرض بلدة ويجعل الطول شرقيا وغربيا كما فعل بعضهم حيث جعل مكة شرفها الله تعالى هي التي يعتبر بها الطول لأنها باقية محفوظة محروسة وجعل الطول نوعين شرقيا وغربيا.
فهذا علم صحيح حسابي يعرف بالعقل لكن معرفة المسلمين بقبلتهم في الصلاة ليست موقوفة على هذا بل قد ثبت عن صاحب الشرع صلوات الله عليه أنه قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة " قال الترمذي: "حديث صحيح" وبهذا كان عند جماهير العلماء أن المصلى ليس عليه أن يستدل بالقطب ولا الجدى ولا غير ذلك بل إذا جعل من في الشام ونحوها المغرب عن يمينه والمشرق
(1/259)

عن شماله كانت صلوته صحيحة فان الله إنما أمر باستقبال شطر المسجد الحرام وفي الحديث المسجد قبلة مكة ومكة قبلة الحرم والحرم قبلة الأرض ولهذا لم يعرف عن الصحابة أنهم ألزموا الناس في الصلاة أن يعتبروا الجدي.
كون اعتبار الجدى لمعرفة القبلة بدعة:
ولهذا أنكر الإمام احمد وغيره من العلماء على من ألزم الناس باعتبار الجدي فضلا عن طول البلاد وعرضها بل المساجد التي صلى فيها الصحابة كمسجد دمشق وغيره فيه انحراف يسير عن مسامتة عين الكعبة وكذلك غيره فكان هذا من الحكمة أن يعرف إجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان على أن المصلى ليس عليه مسامتة عين الكعبة بل تكفيه الجهة التي هي شطر المسجد الحرام.
من بدع المتكلمين ردهم ما صح من الفلسفة:
وكذلك ما يعلم بالمشاهدة والحساب الصحيح من أحوال الفلك علم صحيح لا يدفع والأفلاك مستديرة ليست مضلعة ومن قال أنها مضلعة أو جوز ذلك من أهل الكلام فهو وأمثاله ممن يرد على الفلاسفة وغيرهم ما قالوه من علم صحيح معقول مع كونه موافقا للمشروع وهذا من بدع أهل الكلام الذي ذمه السلف وعابوه فإنهم ناظروا الفلاسفة في العلم الإلهي في مسألة حدوث العالم وإثبات الصانع ومسائل المعاد والنبوات وغير ذلك بطرق فاسدة حائدة من مسلك الشرع والعقل.
وكان ذلك من أسباب ضلال كثير من الناس حيث ظنوا أن ما يقوله هؤلاء المبتدعون هو الشرع المأخوذ عن الرسول وليس الأمر كذلك بل كلما علم بالعقل الصريح فلا يوجد عن الرسول إلا ما يوافقه ويصدقه.
إجماع المسلمين على أن الفلك مستدير:
وما نحن فيه من كرية الأفلاك واستدارتها من هذا الباب بل هذا مما أجمع
(1/260)

عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين لا يعرف بينهم نزاع في أن الفلك مستدير وقد حكى إجماع علماء المسلمين على ذلك غير واحد منهم أبو الحسين بن المنادى الإمام الذي له أربعمائة مصنف وكان من الطبقة الثانية من أصحاب احمد ومنهم أبو محمد بن حزم ومنهم أبو الفرج بن الجوزي والآثار بذلك معروفة ثابتة عن السلف كما دل على ذلك الكتاب والسنة.
وقد ذكرنا طرفا من ذلك في جواب مسألة سئلنا عنها في هذا الباب فذكرنا دلالة الكتاب والسنة على ذلك موافقا لما علم بالحساب العقلي.
وقد قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} وقال تعالى: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} .
تفسير قوله تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} .
وقد ذكر الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره ثنا أبى يعنى الإمام أبا حاتم الرازي ثنا نصر بن علي حدثني أبي عن شعبة بن الحجاج عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {َكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} قال: "في فلكة مثل فلكة المغزل".
وذكر عن احمد الزبيري عن شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في
(1/261)

قوله: (يسبحون) قال: "يدورون في أبواب السماء كما يدور المغزل في الفلكة".
وقال ثنا الحسن بن الحسن ثنا إبراهيم بن عبد الله بن الهروى ثنا حجاج عن أبي جريج اخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول: " {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} قال: "النجوم والشمس والقمر فلكة كفلكة المغزل" وقال: "مثل ذلك الحسبان -يعنى مجاهد- حسبان الرحى" وهو سفودها القائم الذي يدور عليه والحسبان في اللغة: سهام قصار الواحدة حسبانة وكان مجاهد يفسر قوله: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} بهذا وقال غيره: "هو من الحساب" قيل هو مصدر وقيل: جمع حساب كشهاب وشهبان.
قال مجاهد: "ولا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا تدور الفلكة إلا بالمغزل ولا يدور الحسبان إلا بالرحى ولا يدور الرحى إلا بالحسبان" قال: "فكذلك النجوم والشمس والقمر هي في فلك لا يدمن إلا به ولا يدوم إلا بهن" قال: "فنقر بأصبعه" قال: فقال مجاهد: "يدمن كذلك كما نقر" قال: "فالحسبان والفلك يصيران إلى شيء واحد غير أن الحسبان في الرحى والفلك في المغزل" كل ذلك عن مجاهد.
قلت: قوله: "لا يدوم إلا به" أي لا يدور إلا به ومنه الدوامة بالضم والتشديد وهي فلكة يرميها الصبي بخيط فتدوم على الأرض أي تدور ومنه تدويم الطير وهو تحليقه وهو دورانه في طيرانه ليرتفع إلى السماء وقوله نقر بأصبعه يعنى نقر بها من الأرض وأدارها ليشبه بذلك دوران الفلك.
وقال ابن أبي حاتم قرى على يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهب ثنا السري ابن يحيى قال: سأل رجل الحسن البصري عن قوله: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}
(1/262)

قال: "يعنى استدارتهم".
وقال بندة ثنا أبي ثنا عبيد الله بن عائشة ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا أبو روق سمعت الضحاك في قوله: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} قال: "يدور ويذهب".
ثنا أبي ثنا مسروق بن المرزبان ثنا يحي بن أبي زائدة ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} قال: "الفلك كحديدة الرحى" يعنى قطب كحديدة الرحى وهو قطب الرحى وهو السفود القائم الذي يسمى أيضا حسبانا.
ثنا بن على الحسين بن حنيد ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا مروان بن معاوية عن جويبر عن الضحاك {فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} قال: "الفلك السرعة والجري في الاستدارة و (يسبحون) يعملون" يريد أن لفظ الفلك يدل على الاستدارة وعلى سرعة الحركة كما في دوران فلكة المغزل ودوران الرحى.
وقال ثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {فِي فَلَكٍ} يقول: "دوران" وقوله: "يسبحون يعني يجرون".
وعن إياس بن معاوية قال: "السماء على الأرض مثل القبة".
وقد بسط القول في ذلك بدلائله من الكتاب والسنة في غير هذا الموضع.
ولفظ الفلك في لغة العرب يدل على الاستدارة قال الجوهري: "فلكة المغزل سميت بذلك لاستدارتها والفلكة قطعة من الأرض أو
(1/263)

الرمل تستدير وترتفع على ما حولها والجمع فلك" وقال: "ومنه قيل: فلك ثدي الجارية تفليكا وتفلك استدار".
قلت: والسباحة تتضمن الجري بسرعة كما ذكر ذلك أهل اللغة.
العلم بالهلال:
وكذلك أيضا الهلال فان الشارع جعله معلقا بالرؤية فقال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" وقال: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا" وقال: "صوموا من الوضح إلى الوضح ".
والعارفون بالحساب لا يتنازعون في أن الهلال لا يمكن ضبط وقت طلوعه بالحساب فإنهم وإن عرفوا أن نور القمر مستفاد من الشمس وعرفوا أنه إذا اجتمع القرصان عند الاستسرار لا يرى له ضوء فإذا فارق الشمس صار فيه النور فهم أكثر ما يمكنهم أن يضبطوا بالحساب كم بعده عند غروب الشمس عن الشمس هذا إذا قدر صحة تقويم الحساب وتعديله فإنهم يسمونه علم التقويم والتعديل لأنهم يأخذون أعلى مسير الكواكب وأدناه فيأخذون معدله فيحسبونه.
فإذا قدر أنهم حزروا ارتفاعه عند مغيب الشمس لم يكن في هذا ما يدل على ثبوت الرؤية ولا انتفائها لأن الرؤية أمر حسى لها أسباب متعددة من صفاء الهواء وكدره وارتفاع المنظر وانخفاضه وحدة البصر وكلالة فمن الناس من لا يراه ويراه من هو أحد بصرا منه ويرى من مكان عال ولا يرى من منخفض
(1/264)

ويكون الجو صافيا فيرى ويكون كدرا فلا يرى.
فلما كانت أسباب الرؤية لا تنضبط بالحساب لم تمكن معرفة وقت الرؤية بالحساب ولهذا كان قدماء علماء الهيئة كبطلميوس صاحب المجسطي وغيره لم يتكلموا في ذلك بحرف وإنما تكلم فيه بعض المتأخرين مثل كوشيار الديلمي ونحوه لما رأوا الشريعة قد جاءت باعتبار الرؤية أحبوا أن يعرفوا ذلك بالحساب فضلوا وأضلوا.
ومن قال أنه لا يرى على اثنتي عشرة درجة أو عشر أو نحو ذلك فقد أخطأ فان من الناس من يراه على أقل من ذلك ومنهم من لا يراه على ذلك بل قد يراه نصف النهار إذا فارق الشمس أدنى مفارقة فلا للعقل اعتبروا ولا للشرع عرفوا ولهذا أنكر عليهم ذلك حذاق صناعتهم.
العلم بطلوع الفجر:
وهكذا أمر الفجر فان الزمان يوم وأسبوع وشهر وعام فأما اليوم فيعلم بالحس والمشاهدة وكذلك الشهر والعام يعرف بالعدد في القمرية وبالرؤية في الشمسية قال تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً} كانت ثلثمائة شمسية وثلثمائة وتسع هلالية.
وأما الأسبوع فليس له حد يعرف بالحس والعقل وإنما عرف بإخبار الأنبياء أن الله خلق هذا العالم في ستة أيام ثم استوى على العرش ولهذا شرع الله لأهل الملل أن يجتمعوا في الأسبوع يوما لعبادة الله وحده ويكون ذلك سببا لحفظ الأسبوع
(1/265)

الذي به يعلم أن الله خلق هذا العالم في ستة أيام ولهذا لا توجد أسماء الأسبوع في لغة من لا يعرفون شرائع الأنبياء كالمشركين من الترك وغيرهم فإنهم لا يعرفونه والعادة تتبع التصور فمن لم يتصور شيئا لم يعرفه.
واليوم يعرف بطلوع الفجر وهو النور الذي يظهر من جهة المشرق وهو أول نور الشمس المتصل الذي لا ينقطع بخلاف الفجر الأول فانه يأتي بعده ظلمة والاعتبار في الشرع في الصلاة والصيام وغير ذلك بالثاني ويعرف بالحس والمشاهدة كما يعرف الهلال ويعرف بالقياس على ما قرب منه تقريبا إذا عرف عند طلوعه مواضع الكواكب من السماء فيستدل في اليوم الثاني بذلك على وقت طلوعه.
وأما تقدير حصة الفجر بأمر محدود من حركة الفلك مساو لحصة العشاء كما فعله طائفة من الموقتين فغلطوا في ذلك كما غلط من قدر قوس الرؤية تقديرا مطلقا وذلك لأن الفجر نور الشمس وهو شعاعها المنعكس الذي يكون من الهواء والأرض وهذا يختلف باختلاف مطارحة التي ينعكس عليها فإذا كان الجو صافيا من الغيوم لم يظهر فيه النور كما يظهر إذا كان فيه بخار فان البخار لغلظه وكثافته ينعكس عليه الشعاع ما لا ينعكس على الهواء الرقيق إلا ترى أن الشمس إذا طلعت إنما يظهر شعاعها على الأرض والجبال ونحو ذلك من الأجسام الكثيفة وان كانت صقيلة كالمرآة والماء كان اظهر وأما الهواء فانه وان استنار بها فان الشعاع لا يقف فيه بل يخرقه إلى أن يصل إلى جسم كثيف فينعكس.
ففي الشتاء تكون الأبخرة في الليل كثيرة لكثرة ما يتصعد من الأرض بسبب رطوبتها ولا يحلل البخار فيها فينعكس الشعاع عليه فيظهر الفجر حينئذ قبل ما يظهر لو لم يكن بخار وأما الصيف فان الشمس بالنهار تحلل البخار فإذا غربت الشمس لم يكن للشعاع التابع لها بخار يرده فتطول في الصيف حصة العشاء بهذا
(1/266)

السبب وتطول في الشتاء حصة الفجر بهذا السبب وفي الصيف تقصر حصة الفجر لتأخر ظهور الشعاع إذ لا بخار يرده لأن الرطوبات في الصيف قليلة وتقصر حصة العشاء في نهار الشتاء لكثرة الأبخرة في الشتاء فحاصلة أن كلا من الحصتين تتبع ما قبلها في الطول والقصر بسبب البخار لا بسبب فلكي.
والذين ظنوا أن ذلك يكون عن حركة الفلك قدروه بذلك فغلطوا في تقديرهم وصاروا يقولون حصة الفجر في الشتاء اقصر منها في الصيف وحصة العشاء في الصيف اقصر منها في الشتاء فان هذه جزء من الليل وهذه جزء من النهار فتتبعه في قدره ولم يعرفوا الفرق بين طلوع الشمس وغروبها وبين طلوع شعاعها فان الشمس تتحرك في الفلك فحركتها تابعة للفلك والشعاع هو بحسب ما يحمله وينعكس عليه من الهواء الأبخرة وهذا أمر له سبب ارضي ليس مثل حركة الفلك.
ولهذا كان ما قالوه بالقياس الفاسد أمرا يخالقه الحس ويعرف كذب ما قالوه باتفاق طوائف بني ادم فالذي يعرف بالحس والعقل الصريح لا يخالفه شرع ولا عقل ولا حس فان الأدلة الصادقة لا تتعارض مدلولاتها ولكن ما يقال بقياس فاسد وظن فاسد يقع فيه الاختلاف.
كون عدد الأفلاك تسعة ليس عليه دليل:
وعدد الأفلاك وكونها تسعة ليس أمرا معلوما ولا قام دليل على أنه ليس وراء التسعة شيء بل صرح أئمتهم بأنه يجوز أن تكون أشياء أخر وهذه التسعة إنما أثبتوها بما راوه من اختلاف حركات الكواكب وكذلك اثبتوا لكل كوكب من الخمسة المتحيزة عددا من الأفلاك بسبب اختلاف حركاته وعرفوا ارتفاع بعضها فوق بعض بكسوف الأسفل للأعلى وبينهم اختلاف كثير يطول وصفه في الأمور الفلكية التي لا تعرف بالحس وكثير مما يقولونه في ذلك لا يقوم عليه دليل.
ولهذا لما أخبرت الأنبياء بعرش الرب وكرسيه ظن بعضهم أن الكرسي هو الفلك الثامن والعرش هو الفلك التاسع وهذا القول مع أنه لا دليل عليه أصلا فهو
(1/267)

باطل من وجوه كثيرة قد بينا بعضها في مسألة الإحاطة.
وجمهورهم يقولون بحدوث هذا العالم وإنما عرف القول بقدمه من أرسطو ومتبعيه وقد رأيت كلام أرسطو في ذلك في مقالة اللام وهي آخر العلم الإلهي ومنتهى فلسفته وتكلمنا على ما ذكره هو وغيره من الفلاسفة وبينا أن ما قاله خالف فيه جمهور الفلاسفة وأساطينهم وليس معه قط دليل يدل على قدم شيء من العالم وإنما تدل على دوام الفاعلية وتوابع ذلك.
وقد بسطنا الكلام على ذلك في الكلام على هذا الأصل وما اضطربوا فيه وهم المبتدعون من المتكلمين الذين يضيفون إلى الشريعة ما لم يدل عليه كتاب ولا سنة ولا قاله احد من سلف الأمة ولا أئمتها فيجمعون في كلامهم بين حق وباطل والمتفلسفة في كلامهم حق وباطل وكلا الطائفتين لا يوافق ما دل عليه العقل الصريح المطابق لما جاءت به الرسل.
اختلافهم في مدة بقاء العالم:
ثم الجمهور منهم القائلون بحدوث هذا العالم تكلم منهم طوائف في بقائه وفي وقت فنائه من الروم والهند وغيرهم لكن بلا دليل صحيح وسبب ذلك أنهم لم يعرفوا للحوادث التي في هذا العالم سببا إلا حركة الفلك وما يتجدد فيه من الأشكال واتصالات الكواكب فقاسوا بقاءه على ذلك فمنهم من قال: "يبقى اثني عشر ألف سنة" ومنهم من قال: "ستة وثلاثين ألف سنة" ومنهم من قال: "ثلثمائة ألف وستون ألف سنة" ومنهم من قال: "ثمانية وأربعين ألف سنة أو أربعة وعشرين ألف سنة" وكل ذلك قول بلا علم
(1/268)

فإن منشأ النزاع أن الثوابت كان المعروف عندهم أنها تقطع الفلك كل مائة سنة درجة من درجات الفلك التي هي ثلثمائة وستون درجة فلما رصدوها زمن المأمون زعموا أن الصحيح أنها تقطعها في ثلثي هذه المدة كل سنة وستين سنة وثلثي سنة والصواب أن الرصد الأول هو الصحيح وقد اعتبر ذلك بمواضع الكواكب التي ذكرها غير واحد من القدماء في كتبهم واصطرلاباتهم ومواضعها الآن تدل على اعتبار ذلك على أن الرصد القديم هو الصحيح وأنها تقطع الدرجة في مائة سنة.
وإذا ضرب ذلك في ثلثمائة وستين كان على القول الأول ستة وثلاثين ألفا وعلى القول الثاني أربعة وعشرين ألفا ومن قال ثلثمائة ألف وستون ألفا قال هذا دور في عشرة ادوار ومن قال اثنا عشر ألف سنة جعل لكل برج ألف سنة وليس معهم دليل يدل على أن هذه المدة هي مدة بقاء الفلك.
والأصل الذي بنوا عليه فاسد وهو ظنهم أن الحوادث جميعها سببها حركات الفلك.
تقابلهم لمنكري تأثير حركات الفلك في الحوادث مطلقا:
وهذا الأصل قد تقابلوا فيه هم والمبتدعة من أهل الكلام فأولئك يقولون ليس لشيء من حركات الفلك تأثير في هذا العالم ولا شيء منها سبب في حدوث شيء
(1/269)

بل يطردون هذا في جميع الموجودات فلا يجعلون الله خلق شيئا لسبب ولا لحكمة ولا يجعلون للإنسان قدرة تؤثر في مقدورها ولا لشيء من الأجسام طبيعة ولا غريزة بل يقولون فعل عنده لا به وخالفوا بذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة وصرائح العقول.
فان الله تعالى يقول: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أقلتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} وقال: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة يذكر سبحانه أنه فعل هذا بهذا كما ذكر أنه انزل الماء بالسحاب وانه أحيا الأرض بالماء.
والعلماء متفقون على إثبات حكمة الله في خلقه وأمره وإثبات الأسباب والقوى كما قد ذكرنا أقوالهم في موضعها وليس من السلف من أنكر كون حركات الكواكب قد تكون من تمام أسباب الحوادث كما أن الله جعل هبوب الرياح ونور الشمس والقمر من أسباب الحوادث.
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة "
(1/270)

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكسوف بالصلاة والذكر والدعاء والصدقة والعتاقة والاستغفار وكذلك عند سائر الآيات التي يخوف الله بها عباده.
وقوله: "لا تنكسفان لموت احد ولا لحياته" رد لما كان قد توهمه بعض الناس من أن كسوف الشمس كان لأجل موت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد مات وكسفت الشمس فتوهم بعض الجهال من المسلمين أن الكسوف كان لأجل هذا فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الكسوف لا يكون سببه موت احد من أهل الأرض ونفى بذلك أن يكون الكسوف معلولا عن ذلك وظنوا أن هذا من جنس اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ كما ثبت ذلك في الصحيح فنفى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وبين أن ذلك من آيات الله التي يخوف بها عباده.
والتخويف إنما يكون بما يكون سببا للشر قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً} فلو كان الكسوف وجوده كعدمه بالنسبة إلى الحوادث لم يكن سببا لشر وهو خلاف نص الرسول.
وأيضا في السير أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى القمر وقال لعائشة: " يا عائشة تعوذي بالله من شر هذا فان هذا هو الغاسق إذا وقب" والاستعاذة إنما تكون مما يحدث عنه شر.
وأمر صلى الله عليه وسلم عند انعقاد أسباب الشر بما يدفع موجبها بمشيئتة الله تعالى وقدرته من الصلاة والدعاء والذكر والاستغفار والتوبة والإحسان بالصدقة والعتاقة فان هذه الأعمال الصالحة تعارض الشر الذي انعقد سببه كما في الحديث
(1/271)

"إن الدعاء والبلاء ليلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان".
وهذا كما لو جاء عدو فانه يدفع بالدعاء وفعل الخير وبالجهاد له وإذا هجم البرد يدفع باتخاذ الدفء فكذلك الأعمال الصالحة والدعاء.
وهذا ما اتفق عليه الملل وأساطين الفلاسفة حتى يذكر عن بطلميوس أنه قال: "واعلم أن ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بفنون اللغات يحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات".
وكسوف الشمس إنما يكون وقت استسرار القمر آخر الشهر وخسوف القمر إنما يكون ليالي الابدار الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر كما أن الهلال قد يكون ليلة الثلاثين أو الحادي والثلاثين هذا الذي أجرى الله به عادته في حركات الشمس والقمر.
وما ذكره بعض الفقهاء من تقدير اجتماع الكسوف وصلاة العيد فهذا لم يقله احد من الصحابة ولا ذكره أكثر العلماء لا احمد ولا غيره ولكن ذكره طائفة من الفقهاء من أصحاب الشافعي واحمد وغيرهما تبعا لما ذكره الشافعي وانه رضي الله عنه لما تكلم فيما إذا اجتمع صلاتان كيف يصنع وذكر أنه يقدم ما يفوت على ما لا يفوت ذكر من جملة التقدير صلاة العيد والكسوف طردا للقاعدة مع إعراضه عن كون ذلك يقع أو لا يقع كما يقدر الفقهاء مسائل كثيرة لطرد القياس مع إعراضهم عن وقوع ذلك في الوجود بل يقدرون ما يعلمون أنه لا يقع عادة كعشرين جدة وفروع الوصايا فجاء بعض الفقهاء فأخذ يكابر ويقول أن هذا قد يقع
(1/272)

وذكروا عن الواقدي أنه قال: "إبراهيم مات يوم العاشر وذلك اليوم كسفت الشمس" وهذا كله باطل والواقدي ليس بحجة بالإجماع إذا اسند ما ينقله فكيف إذا كان مقطوعا وقول القائل أنها كسفت يوم العاشر بمنزلة قوله طلع الهلال في عشرين من الشهر لكن هذه عادة ظاهرة يعرفها الناس كلهم وتلك عادة يعرفها من استقراها وعرف أسبابها ومجاري النيرين من الناس.
التكلم بلا علم في الشرعيات وفي العقليات وضرره:
فليس لأحد أن يتكلم بلا علم بل يحذر ممن يتكلم في الشرعيات بلا علم وفي العقليات بلا علم فان قوما أرادوا بزعمهم نصر الشرع بعقولهم الناقصة وأقيستهم الفاسدة فكان ما فعلوه مما جرا الملحدين اعداء الدين عليه فلا للإسلام نصروا ولا لأعدائه كسروا.
وأقوام يدعون أنهم يعرفون العلوم العقلية وأنها قد تخالف الشريعة وهم من
(1/273)

أجهل الناس بالعقليات والشرعيات وأكثر ما عندهم من العقليات أمور قلدوا من قالها لو سئلوا عن دليل عقلي يدل عليها لعجزوا عن بيانه والجواب عما يعارضه ثم من العجائب أنهم يتركون اتباع الرسل المعصومين الذين لا يقولون إلا الحق ويعرضون عن تقليدهم ثم يقلدون في مخالفة ما جاءوا به من يعلمون هم أنه ليس بمعصوم وانه قد يخطىء تارة ويصيب أخرى.
وهؤلاء عندهم أمور معلومة من الحسابيات مثل وقت الكسوف والخسوف ومثل كرية الأفلاك ووجود السحاب من البخاري ونحو ذلك من الأمور الطبيعية والرياضية فيحتجون بها على من يظن أنه من أهل الشرع فيسرع ذلك المنتسب إلى الشرع برد ما يقولونه بجهله فيكون رد ما قالوه من الحق سببا لتنفيرهم عما جاء به الرسول من الحق بسبب مناظرة هذا الجاهل.
والله تعالى أمرنا أن لا نكذب ولا نكذب بحق وإنما مدح سبحانه من يصدق فيتكلم بعلم ويصدق ما يقال له من الحق قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ} : {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} وهاتان صفتان لنوع واحد وهو من يجيء بالصدق ويصدق بالحق إذا جاءه فهذا هو المحمود عند الله وأما من كذب أو كذب بما جاءه من الحق فذلك مذموم عند الله تعالى.
وكذلك قال تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي لا تقل ما ليس لك به علم {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} .
(1/274)

وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} وقال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} ومثل هذا متعدد في كتاب الله تعالى.
حقيقة ملائكة الله تعالى وعقول الفلاسفة:
ثم أن حركات الأفلاك وان كانت من جملة الأسباب فليس الحوادث كلها صادرة عن حركة الفلك بل فوق ذلك من مخلوقات الله أمور أخر.
وملائكة الله الذين يدبر بهم أمر السماء والأرض وهم المدبرات أمرا والمقسمات أمرا التي اقسم الله بها في كتابه ليست هي الكواكب عند احد من سلف الأمة وليست الملائكة هي العقول والنفوس التي تثبتها الفلاسفة المشاون اتباع أرسطو ونحوهم كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع وبين خطأ من يظن ذلك ويجمع بين ما قالوه وبين ما جاءت به الرسل.
ويقول: أن قوله: "أول ما خلق الله العقل" هو حجة لهم على العقل الأول ويسمونه القلم ليجعلوا ذلك مطابقا لقوله أول ما خلق الله القلم بسطنا الكلام على ذلك في نحو مجلد في الكلام على السبعينية وغيرها وذكرنا أن حديث العقل ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث كأبي حاتم بن حبان وأبي جعفر العقيلي وأبي الحسن الدارقطني وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم بل هو موضوع عندهم
(1/275)

ومع هذا فلفظه: "أول ما خلق الله العقل قال له: اقبل فأقبل فقال له: أدبر فأدبر فقال: وعزتي ما خلقت خلقا أكرم على منك فبك اخذ ربك أعطى وبك الثواب وبك العقاب" فان كان الحديث صحيحا فهو حجة عليهم لأن معناه أنه خاطب العقل في أول أوقات خلقه بهذا الخطاب وفيه أنه لم يخلق خلقا أكرم عليه منه فهذا يدل على أنه خلق قبله غيره.
وأيضا فالعقل في لغة الرسول وأصحابه وأمته عرض من الأعراض يكون مصدر عقل يعقل عقلا كما في قوله: {لعلهم يعقلون} و {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} و {لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} ونحو ذلك وقد يراد به الغريزة التي في الإنسان قال احمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما: "إن العقل غريزة".
والعقل في لغة فلاسفة اليونان جوهر قائم بنفسه فأين هذا من هذا ولهذا قال في الحديث: "فبك اخذ وبك أعطى وبك الثواب وبك العقاب" وهذا يقال في عقل بني ادم.
وهم يزعمون أن أول ما صدر عن رب العالمين جوهر قائم بنفسه وانه رب جميع العالم وان العقل العاشر هو رب كل ما تحت فلك القمر ومنه تنزلت الكتب على الأنبياء
(1/276)

وعندهم أن الله لا يعرف عين موسى ولا عيسى ولا محمد ولا غير ذلك من جزئيات هذا العالم فضلا عن علمه بتفاصيل ما جرى يوم بدر ويوم احد ويوم الأحزاب وغير ذلك من الأحوال التي يذكرها الله في القران ويخبر بما كان ويكون من الأمور المعينة الجزئية.
ولهذا كان قولهم في النبوة أنها مكتسبة وأنها فيض يفيض على روح النبي إذا استعدت نفسه لذلك فمن راض نفسه حتى استعدت فاض ذلك عليه وان الملائكة هي ما يتخيل في نفسه من الخيالات النورانية وكلام الله هو ما يسمعه في نفسه من الأصوات بمنزلة ما يراه النائم في منامه.
ومن عرف ما اخبر الله به عن ملائكته جبريل وغيره في غير موضع علم أن هذا الذي قالوه اشد مخالفة لما جاءت به الرسل من أقوال الكفار المبدلين من اليهود والنصارى فان الله اخبر عن الملائكة لما جاءوا إلى إبراهيم في صورة البشر أضيافا ثم ذهبوا إلى لوط في غير موضع واخبر عن جبريل حين ذهب إلى مريم وتمثل لها بشرا سويا ونفخ فيها.
وكان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي غير مرة واتاه مرة في صورة أعرابي وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن الحرث بن هشام قال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي قال: " يأتيني أحيانا
(1/277)

في مثل صلصلة الجرس وهو اشد على فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" قالت: "عائشة لقد رايته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا".
وقد قال تعالى: {أنه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} وأكثر القراء يقرءون (بظنين) يعني بمتهم وقد قرى (بضنين) أي ببخيل وزعم بعض المتفلسفة أن هذا هو العقل الفعال لأنه دائم الفيض فيقال قد قال {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ} والعقل الفعال لو قدر وجوده فلا تأثير له فيما ثم وإنما تأثيره فيما تحت فلك القمر فكيف ولا حقيقة له.
بل ما يدعونه من المجردات والمفارقات غير النفس الناطقة كالعقول والنفوس إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان كما بسط الكلام عليها في الصفدية وغيرها فان ما يقولونه من العقليات في الطبيعيات غالبه صحيح وكذلك في الحساب المجرد حساب العدد والمقدار الكم والكيف فان هذا كله صحيح وإنما يغلط الإنسان فيه من نفسه.
ابن سينا والعبيديون الإسماعيلية:
وأما الإلهيات فكلام أرسطو وأصحابه فيها قليل جدا ومع قلته فكثير منه بل أكثره خطأ ولكن ابن سينا اخذ ما ذكروه وضم إليه أمورا أخر من أصول المتكلمين واخذ يقول ما ذكره على بعض ألفاظ الشرع وكان هو وأهل
(1/278)

بيته من الملاحدة الباطنية اتباع الحاكم وعيرة من العبيديين الإسماعيلية وأولئك كانوا يستعملون التأويل الباطن في جميع أمور الشريعة علميها وعمليها حتى تأولوا الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت لكن كانوا يأمرون بالشريعة لعوامهم فإنهم كانوا يتظاهرون بالتشيع.
وكانت الرافضة الاثنا عشرية تدعى أن الإمامة بعد جعفر في ابنه موسى بن جعفر فادعى هؤلاء أنها في ابنه إسماعيل بن جعفر وانتقلت إلى ابنه محمد بن إسماعيل وادعوا أن ميمون القداح بن محمد هذا وسموا محمد هذا هو الإمام المخفى وإنما كان ميمون هذا يعرف بالانتساب إلى باهلة وقد ذكر غير واحد من أهل المعرفة أنه كان يهوديا وكان من أبناء المجوس كما ذكر ذلك القاضي أبو بكر ابن الطيب في كتاب كشف أسرارهم وهتك أستارهم وغيره من علماء المسلمين.
وأما قرامطة البحرين أبو سعيد بن الجنابى وأصحابه فأولئك كانوا يتظاهرون بالكفر الصريح ولهذا قتلوا الحجاج والقوهم في بئر زمزم واخذوا الحجر
(1/279)

الأسود وبقى عندهم مدة.
بخلاف العبيديين فإنهم كانوا يتظاهرون بالإسلام ويقولون أنهم شيعة فالظاهر عنهم الرفض لكن كان باطنهم الإلحاد والزندقة كما قال أبو حامد الغزالي في كتاب المستظهري ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض وهذا الذي قاله أبو حامد فيهم هو متفق عليه بين علماء المسلمين وكانوا يأمرون عامتهم بالعبادات وهم على درجات مرتبة عندهم كلما ارتفع درجة عبروا الشريعة عنده فإذا انتهى اسقطوا عنه الشرع.
وكان ابن صباح من أتباعهم أحنا عن المستنصر الذي جرى في أيامه فتنه البساسيرى وهو الذي أحدث السكين وأصحاب الالموت من اتباعه والذين كانوا بالشام كسنان ونحوه هم من اتباع أولئك وباطنهم مركب من مذهب المجوس والفلاسفة واخذوا عن المجوس الأصلين النور والظلمة واخذوا عن الفلاسفة العقل والنفس وعبروا هم عن ذلك ب السابق والتالي
(1/280)

فلما دخل معهم المتفلسفة كابن سينا وأمثاله تبين لهم أن ما يدعونه على الرسول من التأويلات مما يعلم بطلان كثير منها بالضرورة والفيلسوف من حيث هو فيلسوف ليس له غرض فيما يعلم أنه باطل فسلكوا مسلكا بين مسلك هؤلاء الملاحدة وبين دين المسلمين فالشرائع الظاهرة أقروها ولم يتأولوها لكن قد يقولون أن بعضها يسقط عن الخاصة ودخل معهم في هذا طائفة من متصوفة الفلاسفة كابن عربي وابن سبعين وغيرهما وأما العلميات فتأولوا بعضها كاللوح قالوا هو النفس الكلية والقلم هو العقل الفعال وربما قالوا عن الكوكب والشمس والقمر التي رآها إبراهيم أنها النفس والعقل الفعال والعقل الأول وتأولوا الملائكة ونحو ذلك.
وأما صفات الرب ومعاد الأبدان وغير ذلك فمذهب محققيهم كابن سينا وأمثاله أنها لا تتأول وأن ما دلت عليه ليس ثابتا في نفس الأمر ولا يستفاد منها علم قالوا بل المراد منها خطاب الجمهور بما يخيل إليهم ما يعتقدونه في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر لينتفعوا بذلك الاعتقاد وإن كان باطلا لا حقيقة له في نفس الأمر فان هذا غايته أن الأنبياء كذبوا لمصلحة الجمهور وهم يرون مثل ذلك من تمام حكمتهم وهم يعظمون شرائع الأنبياء العملية وأما العلمية فعندهم العلم في ذلك بما يقوله الفلاسفة وأما الأنبياء فلا يستفاد من جهتهم علم بذلك.
ثم منهم من يقول النبي أعظم من الفيلسوف فيقولون النبي كان في الباطن على مذهب هؤلاء الفلاسفة لكن خاصته التخييل وإن كان كذبا في الحقيقة لمصلحة الجمهور ومنهم من يقول بل الفيلسوف أعظم من النبي، والنبي قد لا يكون عارفا في الباطن بما يجوز على الله وما لا يجوز وحقيقة الأمر في المعاد لكن هو حاذق في وضع الشرائع العملية.
وكثير من ملاحدة المتصوفة كابن عربي وابن سبعين والقونوي
(1/281)

والتلمساني وغيرهم يوافقونهم في أصولهم لكن يغيرون العبارات فيعبرون بالعبارات الإسلامية عما هو قولهم وفي الكتب المضنون بها على غير أهلها وغيرها من كتب مصنفيها قطعة من هذا وبسبب ذلك وقع ابن عربي وأمثاله من ملاحدة المتصوفة مع هؤلاء ولهذا كثر كلام علماء المسلمين في مصنفيها ومن الناس من ينكر أن تكون من كلام أبي حامد لما رأى ما فيها من المصائب العظيمة وآخرون يقولون بل رجع عن ذلك وختم له بالاشتغال بالبخاري ومسلم كما قد ذكر ذلك في سيرته.
وهؤلاء المتفلسفة ومتصوفوهم كابن سبعين وأتباعه يجوزون أن يكون الرجل يهوديا أو نصرانيا أو مشركا يعبد الأوثان فليس الإسلام عندهم واجبا ولا التهود والتنصر والشرك محرما لكن قد يرجحون شريعة الإسلام على غيرها وإذا جاء المريد إلى شيخ من شيوخهم وقال: "أريد أن اسلك على يديك" يقول له: "على دين المسلمين أو اليهود أو النصارى" فإذا قال له المريد: اليهود والنصارى أما هم كفار؟ يقول: لا ولكن المسلمون خير منهم" وهذا من جنس جهال التتر أول ما أسلموا فان الإسلام عندهم خير من غيره وإن كان غيره جائزا لا يوالون عليه ويعادون عليه.
وهذا أيضا أكثر اعتقاد علماء النصارى أو كثير من اليهود يرون دين المسلمين واليهود والنصارى بمنزلة المذاهب في دين المسلمين فيجوز للرجل عندهم أن
(1/282)

ينتقل من هذه الملة إلى تلك أما لرجحانها عنده في الدين وأما لمصلحة دنياه كما ينتقل الإنسان من مذهب بعض أئمة المسلمين إلى مذهب إمام آخر كما ينتقل من مذهب مالك إلى الشافعي ومن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب احمد ونحو ذلك.
أرسطو ومشركوا اليونان:
وأما أرسطو وأصحابه فكانوا مشركين يعبدون الأصنام والكواكب وهكذا كان دين اليونان والروم قبل ظهور دين المسيح فيهم وكان أرسطو قبل المسيح بنحو ثلثمائة سنة وكان وزير الاسكندر بن فيلبس المقدوني الذي تؤرخ له اليهود والنصارى التأريخ الرومي وكان قد ذهب إلى ارض الفرس واستولى عليها.
وطائفة من الناس تظن أنه كان وزير الاسكندر ذي القرنين المذكور في القران وهذا جهل فان ذا القرنين كان مقدما على أرسطو بمدة عظيمة وكان مسلما يعبد الله وحده لم يكن مشركا بخلاف المقدوني وذو القرنين بلغ أقصى المشرق والمغرب وبنى سد يأجوج ومأجوج كما ذكر الله في كتابه والمقدوني لم يصل لا إلى هذا ولا إلى هذا ولا وصل إلى السد.
وآخر ملوكهم كان بطلميوس صاحب المجسطي وبعده صاروا نصارى وكانت اليونان والروم مشركين كما ذكر يعبدون الشمس والقمر والكواكب ويبنون لها هياكل في الأرض ويصورون لها أصناما يجعلون لها طلاسم من جنس شرك النمرود بن كنعان وقومه الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل صلوات الله
(1/283)

وسلامه عليه.
وبقايا هذا الشرك في بلاد الشرق في بلاد الخطا والترك يصنعون الأصنام على صورة النمرود ويكون الصنم كبيرا جدا ويعلقون السبح في أعناقهم ويسبحون باسم النمرود ويشتمون إبراهيم الخليل.
وكان من النفر القادمين إلى دمشق سنة 699 تسع وتسعين وستمائة بعض هؤلاء وهو يجمع بين أن يصلي الصلوات الخمس وبين أن يسبح باسم نمرود وهذا أيضا مذهب كثير من هؤلاء المتفلسفة وعلمائهم وعبادهم يصلون الصلوات الخمس ويعبدون الشمس والقمر أو غيرهما من الكواكب ومن هؤلاء طوائف موجودون في الشام ومصر والعراق وغير ذلك.
وسبب ذلك أنه يحصل لهم أحيانا من جنس ما يظهر للمشركين الذين كانوا يعبدون الكواكب والأصنام فأنه كانت من الشياطين تدخل في الصنم وتكلم عابديه فتخبرهم بأمور مكاشفة لهم وتأمرهم بأمور يطلبون منهم قضاء حوائجهم.
قال الله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً} قال ابن عباس: "كان في كل صنم شيطان يتراأى للسدنة فيكلمهم" وقال أبي بن كعب: "مع كل صنم جنية".
ولهذا لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى وكانت العزى عند عرفات خرجت منها عجوز ناشرة شعرها وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذه شيطانة العزى وقد يئست العزى أن تعبد بأرض العرب " وكان خالد يقول: "يا عزى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك" وأما اللات فكانت عند الطائف ومناة الثالثة الأخرى كانت حذو قديد بالساحل
(1/284)

فان المدائن التي للمشركين بأرض الحجاز كانت ثلاثة: مكة والمدينة والطائف وكان لكل أهل مدينة طاغوت من هذه الثلاثة ولهذا خصصها سبحانه بالذكر في قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} أي قسمة جائرة {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} فإنهم كانوا يجعلون لله أولادا إناثا وشركاء إناثا فقال: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} .
أصل الشرك من تعظيم القبور وعبادة الكواكب:
والشرك في بني آدم أكثره عن أصلين:
أولهما: تعظيم قبور الصالحين وتصوير تماثيلهم للتبرك بها وهذا أول الأسباب التي بها ابتدع الآدميون الشرك وهو شرك قوم نوح قال ابن عباس: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن نوحا أول رسول بعث إلى أهل الأرض " ولهذا لم يذكر الله في القرآن قبله رسولا فان الشرك إنما ظهر في زمانه.
وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس وذكره أهل التفسير والسير من غير واحد من السلف في قوله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} "أن هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم" وأن هذه الأصنام صارت إلى العرب وذكر ابن عباس قبائل العرب التي كانت فيهم مثل هذه الأصنام
(1/285)

والسبب الثاني: عبادة الكواكب فكانوا يصنعون للأصنام طلاسم للكواكب ويتحرون الوقت المناسب لصنعة ذلك الطلسم ويصنعونه من مادة تناسب ما يرونه من طبيعة ذلك الكوكب ويتكلمون عليها بالشرك والكفر فتأتى الشياطين فتكلمهم وتقضى بعض حوائجهم ويسمونها روحانية الكواكب وهي الشيطان أو الشيطانة التي تضلهم.
والكتاب الذي صنفه بعض الناس وسماه السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم فان هذا كان شرك الكلدانيين والكشدانيين وهم الذين بعث إليهم الخليل صلوات الله عليه وهذا أعظم أنواع السحر ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: " من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد ".
ولهذا صنف تنكلوشاه البابلي كتابه في درجات الفلك وكذلك
(1/286)

شرك الهند وسحرهم من هذا مثل كتاب طمطم الهندي وكذلك أبو معشر البلغي له كتاب سماه مصحف القمر وكذلك ثابت بن قرة الحراني صاحب الزيج.
حران دار الصابئة:
فان حران كانت دار هؤلاء الصابئة وفيها ولد إبراهيم أو انتقل إليها من العراق على اختلاف القولين.
وكان بها هيكل العلة الأولى هيكل العقل الأول هيكل النفس الكلية هيكل زحل هيكل المشتري هيكل المريخ هيكل الشمس وكذلك الزهرة وعطارد والقمر.
وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين حتى جاء الإسلام ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت ومنهم الصابئة الذين كانوا ببغداد وغيرها أطباء وكتابا وبعضهم لم يسلم.
ولما قدم الفارابي حران في أثناء المائة الرابعة دخل عليهم وتعلم منهم وأخذ
(1/287)

عنهم ما أخذ من المتفلسفة وكان ثابت بن قرة قد شرح كلام أرسطو في الإلهيات وقد رايته وبينت بعض ما فيه من الفساد فان فيه ضلالا كثيرا.
وكذلك كان دين أهل دمشق وغيرها قبل ظهور دين النصرانية وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي ولهذا توجد في دمشق مساجد قديمة فيها قبله إلى القطب الشمالي وتحت جامع دمشق معبد كبير له قبلة إلى القطب الشمالي كان لهؤلاء.
فان الصابئة نوعان صابئة حنفاء موحدون وصابئة مشركون فالأولون هم الذين اثنى الله عليهم بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} فأثنى على من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا من هذه الملل الأربع المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين.
فهؤلاء كانوا يدينون بالتوراة قبل النسخ والتبديل وكذلك الذين دانوا بالإنجيل قبل النسخ والتبديل والصابئون الذين كانوا قبل هؤلاء كالمتبعين لملة إبراهيم إمام الحنفاء صلى الله عليه وصلى الله على محمد وعلى آل محمد كما صلى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم أنه حميد مجيد قبل نزول التوراة والإنجيل.
وهذا بخلاف المجوس والمشركين فأنه ليس فيهم مؤمن فلهذا قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} فذكر الملل الست هؤلاء وأخبر أنه يفصل بينهم يوم القيمة لم يذكر في الست من كان مؤمنا إنما ذكر ذلك في الأربعة فقط
(1/288)

ثم أن الصابئين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين والفلاسفة المشركون من هؤلاء المشركين أما قدماء الفلاسفة الذين كانوا يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئا ويؤمنون بأن الله محدث لهذا العالم ويقرون بمعاد الأبدان فأولئك من الصابئة الحنفاء الذين أثنى الله عليهم.
ثم المشركون من الصابئة كانوا يقرون بحدوث هذا العالم كما كان المشركون من العرب تقر بحدوثه وكذلك المشركون من الهند وقد ذكر أهل المقالات أن أول من ظهر عنه القول بقدمه من هؤلاء الفلاسفة المشركين هم أرسطو.
قسطنطين أول ملك اظهر دين النصارى:
وكان دين المسيح لما دخل فيه طائفة من أهل حران وفيهم هيلانة الحرانية الفندقانية فهولها ملك الروم أبو قسطنطين فتزوجها فولدت له قسطنطين فنصرت ابنها قسطنطين وهو الذي اظهر دين النصارى وبنى القسطنطينية وفي زمنه ابتدع النصارى هذه الامانة التي اتفقت عليها طوائفهم اليوم فانه اتفق عليها ثلثمائة وبضعة عشرة من علمائهم وعبادهم.
قالوا وهو الذي ابتدع الصلاة إلى الشرق وإلا فلم يصل قط أحد من أنبيائهم وأتباعهم إلى الشرق ولم يشرع الله مكانا يصلى إليه إلا الكعبة.
والأنبياء -الخليل ومن قبله- إنما كانوا يصلون إلى الكعبة وموسى صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلى إلى بيت المقدس بل قالوا أنه كان ينصب قبة العهد إلى
(1/289)

العرب ويصلى إليها في التيه فلما فتح يوشع بيت المقدس بعد موت موسى نصب القبة على الصخرة فكانوا يصلون إليها فلما خرب بيت المقدس وذهبت القبة صارت اليهود يصلون إلى الصخرة لأنه موضع القبة والسامرة يصلون إلى جبل هناك قالوا لأنه كان عليه التابوت.
ولما رأى علماء النصارى وعبادهم أن الروم واليونان مشركون واستصعبوا نقلهم إلى التوحيد المحض وضعوا لهم دينا مركبا من دين الأنبياء ودين المشركين فكان أولئك اليونان والروم يتخذون الأصنام المجسدة التي لها ظل فاتخذ النصارى الصور المرقومة في الحيطان والسقوف التي لا ظل لها وكان أولئك يسجدون للشمس والقمر فصارت النصارى يسجدون إليها وجعلوا السجود إليها بدلا من السجود لها.
فضل محمد صلى الله عليه وسلم إمام التوحيد وأمته على من تقدم:
ولهذا لما بعث الله خاتم المرسلين وأفضل النبيين محمدا صلى الله عليه وسلم إمام التوحيد الذي بعث الله به الرسل قبلة وأظهره وخلصه من شوائب الشرك فظهر التوحيد بسببه ظهورا فضله الله به وفضل به أمته على سائر من تقدم.
الأنبياء كلهم كانوا مسلمين:
فان الأنبياء جميعهم وأممهم كانوا مسلمين مؤمنين موحدين لم يكن قط دين يقبله الله غير الإسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أنه لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنا معشر الأنبياء ديننا واحد وإن أولى الناس بابن مريم لأنا أنه ليس بيني وبينه نبي" وقد أخبر
(1/290)

الله في القرآن عن جميع الأنبياء وأممهم من نوح إلى الحواريين أنهم كانوا مسلمين مؤمنين كما قد بسط في موضع آخر.
وقد قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} فأمر الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه وهؤلاء الخمسة هم أولوا العزم وذكرهم الله في آيتين من كتابه هذه السورة وفي قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً}
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} وقال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً} كما قال في يونس {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا
(1/291)

اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.}
فالمرسلون صلوات الله عليهم أجمعين أولهم وأخرهم بعثوا بدين الإسلام وهو عبادة الله وحدة لا شريك له يعبد في كل وقت بما أمر أن يعبد به في ذلك الوقت فالصلاة إلى بيت المقدس كان لما أمر الله به من دين الإسلام ثم لما نهى عنه وأمر ب الصلاة إلى الكعبة صارت الصلاة إلى الكعبة من دين الإسلام دون الصلاة إلى الصخرة.
فتنوع شرائع الأنبياء كتنوع الشريعة الواحدة ولهذا قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} فالشرعة الشريعة والمنهاج الطريق والسبيل فالشرعة كالباب الذي يدخل منه والمنهاج كالطريق الذي يسلك فيه والمقصود هو حقيقة الدين بان يعبد الله وحده لا شريك له وهذه الحقيقة الدينية التي اتفق عليها الرسل هي دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره والشرك الذي حرمه على السن رسله أن يعبد مع الله غيره.
ومن لم يعبد الله أصلا كفرعون ونحوه ممن قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} فهؤلاء معطلة وهم شر الكفار ومع هذا يكون لهم ما يعبدونه دون الله كما قال تعالى في قوم فرعون: {وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} فقال غير واحد من السلف:" كان له آلهة يعبدها".
ومن عبد مع الله إلها آخر فهو مشرك الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله وإن
(1/292)

كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خالق العالم وهذا كان شرك العرب كما أخبر الله عنهم في غير موضع من القرآن أنهم كانوا يقولون أن الله خلق العالم ولكن كانوا يتخذون الآلهة شفعاء يشفعون لهم يتقربون بهم إلى الله كما قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ} وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا أن الحوادث كان لها أسباب وإن كانت حركات الفلك من جملة الأسباب.
فصل: القياس مع صحته لا يستفاد به علم بالموجودات.
فصورة القياس لا يدفع صحتها لكن يبين أنه لا يستفاد به علم بالموجودات كما أن اشتراطهم للمقدمتين دون الزيادة والنقص شرط باطل فهو وإن حصل به يقين فلا يستفاد بخصوصه نفس مطلوب شيء من الموجودات بل ما يحصل به قد يحصل بدونه وقد يحصل بدونه ما لا يحصل به.
فنقول أن صورة القياس إذا كانت مواده معلومة فلا ريب أنه يفيد اليقين وإذا قيل: كل أ: ب وكل ب: ج وكانت المقدمتان معلومتين فلا ريب أن هذا التأليف يفيد العلم بأن كل أ: ج وهذا لا نزاع فيه.
فصورة القياس لا يتكلم على صحتها فان ذلك ظاهر سواء في ذلك الاقتراني المؤلف من الحمليات الذي هو قياس التداخل والاستثنائي المؤلف
(1/293)

من الشرطيات المتصلة الذي هو التلازم والتقسيم.
وكذلك ما ذكروه من أن الشكل الأول من الاقتران يفيد المطالب الأربعة النتائج الأربعة: الموجبة والسالبة والجزئية والكلية وان الثاني يفيد السالبة الكلية والجزئية وأن الثالث يفيد الجزئية سالبة كانت أو موجبة.
وفي التلازم استثناء عين المقدم ينتج عين التالي واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم وهو قول نظار المسلمين وجود الملزوم يقتضي وجود اللازم وانتفاء اللازم يقتضى انتفاء الملزوم بل هذا مع اختصاره فانه يشمل جميع أنواع الأدلة سواء سميت براهين أو أقيسة أو غير ذلك فان كل ما يستدل به على غيره فانه مستلزم له فيلزم من تحقق الملزوم الذي هو الدليل تحقق اللازم الذي هو المطلوب المدلول عليه ويلزم من انتفاء اللازم الذي هو المدلول عليه انتفاء الملزوم الذي هو الدليل.
ولهذا كان من عرف أن المدعى باطل علم أنه لا يقوم عليه دليل صحيح فانه يمتنع أن يقوم على الباطل دليل صحيح ومن عرف أن الدليل صحيح علم أن لازمه الذي هو المطلوب حق فانه يجب إذا كان الدليل حقا أن يكون المطلوب المدلول عليه حقا وإن تنوعت صور الأدلة ومقدماتها وترتيبها.
ولهذا كان الدليل الذي يصور بصورة القياس الاقتراني يصور أيضا بصورة الاستثنائي ويصور بصورة أخرى غير ما ذكروه من الألفاظ وترتيبها والمقصود هنا الكلام على ما ذكروه كما ذكرنا الكلام على الشرطي المتصل.
والتقسيم قد يكون مانعا من الجمع والخلو كما يقال العدد أما شفع وأما وتر وهما في معنى النقيضين الذين لا يجتمعان ولا يرتفعان فقد يكون مانعا من الجمع دون الخلو كالضدين الذين لا يجتمعان وقد يرتفعان كما يقال هذا أما أسود وأما أحمر وقد يخلو منهما
(1/294)

وقد يكون مانعا من الخلو دون الجمع كعدم المشروط ووجود الشرط والمراد بالشرط هنا ما يلزم من عدمه عدم الحكم سواء عرف ذلك بالشرع أو بالعقل مثل كون الطهارة شرطا في الصلاة والحيوة شرطا في العلم ليس المراد ما يسميه النحاة شرطا كالجملة الشرطية المعلقة ب أن وأخواتها فان هذا في المعنى سبب لوجود الجزاء ولفظ الشرط يقال على هذا وهذا بالاشتراك.
ومن جعل لفظ الشرط ينقسم إلى الثلاثة فقد غلط فانه قد يجتمع عدم المشروط ووجود الشرط إذ وجود الشرط لا يستلزم وجود المشروط ولكن لا يرتفعان جميعا فلا يرتفع وجود الشرط وعدم المشروط لأنه حينئذ يعدم الشرط ويوجد المشروط وهذا لا يكون كما إذا قيل هذا غرق بغير ماء أو صحت صلاته بغير وضوء أو وجب رجمه بغير زنا فيقال هذا أما أن يكون في ماء وأما أن لا يغرق وأما أن يكون متطهرا وأما أن لا تصح صلاته وأما أن يكون زانيا وأما أن لا يجوز رجمه.
وكذلك لو قيل ليس في الوجود واجب ولا ممكن ولا قديم ولا محدث فقيل لا بد في الوجود من واجب أو ممكن أو قديم أو محدث فهذان لا يجتمعان ولا يرتفعان.
وكذلك إذا قيل الوجود أما قائم بنفسه كالجسم وأما قائم بغيره ك العرض فهذان لا يرتفعان وقد يجتمعان فكل ما لا يخلو الوجود عنهما مع إمكان اجتماعهما أو لا يخلو بعض الأنواع عنهما مع إمكان اجتماعهما فهو من هذا الباب كما إذا قيل الوارث بطريق الأصالة أما أن يرث بفرض وأما أن يرث بتعصيب وقد يجتمع في الشخص الواحد أن يكون ذا فرض وعصبة كالزوج إذا كان ابن عم أو معتقا.
فالشرطي المتصل هو من التلازم والمنفصل هو في الثاني كما في الضدين والنقيضين وهذه الصورة صورة التقسيم الذي هو الشرطي المنفصل هي
(1/295)

أيضا تعود إلى اللزوم فانه يلزم من وجود احد الضدين عدم الآخر ومن عدمه وجوده وهذه مانعة الجمع والخلو.
فهذه الأشكال وإن تكثرت فجميعها يعود إلى أن الدليل يستلزم المدلول ويمكن تصوير ذلك بصور متعددة مما ذكروه ومما لم يذكروه.
فهم يقولون البرهان ينحصر في الاقتراني والاستثنائي فان الاقتراني ينحصر في أربعة أشكال والاستثنائي ينحصر في الشرطي المتصل والشرطي المنفصل فيعود إلى ستة أشكال وجمهورهم لا يذكرون الشكل الرابع من الاقترانيات لبعده عن الطبع وحصروها في أربعة بناء على حصرهم الدليل في مقدمتين تشتركان في حد أوسط ثم الأوسط أن كان محمولا في الصغرى موضوعا في الكبرى فهو الشكل الأول المنتج للمطالب الأربعة وإن كان موضوعا فيهما فهو الثاني المنتج للسلبيات وإن كان محمولا فيهما فهو الثالث المنتج للايجابيات وإن كان محمولا في الكبرى موضوعا في الصغرى عكس الأول فهو الرابع وهو أبعدها عن الطبع وأكثرهم لا يذكونه فيجعلون الأشكال خمسة هذه الثلاثة مع الاستثنائي الشرطي المتصل والشرطي المنفصل.
فهذه الأشكال إذا قدر أفادتها فهي صورة من صور الأدلة لا ينحصر تصوير الأدلة في هذه الأشكال كما لا ينحصر تصوير الدليل في مقدمتين بل هذا الحصر خطأ في النفي والإثبات فقد يكون الدليل مقدمة وقد يكون مقدمات وهذه الأشكال تكثر تصوير الدليل على أشكال أخر غير هذه فلا تنحصر في خمسة أو ستة وقد يؤتى بالدليل بدون هذه الأشكال جميعها وبدون المقدمتين إذا كان مقدمة واحدة.
وإذا قالوا أن جميع ما يذكر من الأدلة يرجع إلى هذه الأشكال قيل لهم بل جميع الأدلة يرجع إلى أن الدليل مستلزم للمدلول وحينئذ فإما أن يكون الاعتبار بما ذكروه من صور الأشكال ولفظها أو بما ذكروه من المعنى فان كانت العبرة
(1/296)

بالصورة لم يكن تخصيص صورة الدليل بخمسة أو ستة صوابا كما لم يكن تخصيصه بمقدمتين صوابا إذ كان يمكن تصويره بصور كثيرة متنوعة ليس فيها لفظ شرط لا متصل ولا منفصل ولا هو على صورة القياس الحملى كما ذكروه وإن كانت العبرة بالمعنى كان ذلك أدل عل فساد ما ذكروه فان المعنى هو أن يكون ما يستدل به مستلزما لما يستدل به عليه سواء كان مقدمة أو مقدمتان أو أكثر وسواء كان على الشكل والترتيب الذي ذكروه أو غيره.
والصواب في هذا الباب أن يقال ما ذكروه إذا كان صوابا فانه تطويل للطريق وتبعيد للمطلوب وعكس للمقصود فإنهم زعموا أنهم جعلوه آلة قانونية تمنع الذهن أن يزل في فكره وما ذكروه إذا كلفوا الناظر المستدل أن يلزمه في تصوراته وتصديقاته كان أقرب إلى زلله في فكره وضلاله عن مطلوبه كما هو الواقع فلا تجد أحدا التزم وضع هؤلاء واصطلاحهم إلا كان أكثر خطأ وأقل صوابا ممن لم يلتزم وضعهم وسلك إلى المطلوب بفطرة الله التي فطر عباده عليها ولهذا لا يوجد أحد ممن حقق علما من العلوم كان ملتزما لوضعه.
ولهذا يقال كثرة هذه الأشكال وشروط نتاجها تطويل قليل الفائدة كثير التعب فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقي ولا سمين فينتقل فانه متى كانت المادة صحيحة أمكن تصويرها بالشكل الأول الفطري فبقية الأشكال لا يحتاج إليها وإنما تفيد بالرد إلى الشكل الأول أما بإبطال النقيض الذي يتضمنه قياس الخلف وأما بالعكس المستوي أو عكس النقيض فان ثبوت أحد المتناقضين يستلزم نفي الآخر إذا روعي التناقض من كل وجه فهم يستدلون بصحة القضية على بطلان نقيضها وعلى ثبوت عكسها المستوي وعكس نقيضها بل تصور الذهن بصورة الدليل يشبه حساب الإنسان لما معه من الرقيق والعقار.
والفطرة تصور القياس الصحيح من غير تعليم والناس بفطرهم يتكلمون ب الأنواع الثلاثة التداخل والتلازم والتقسيم كما يتكلمون بالحساب ونحوه والمنطقيون
(1/297)

قد يسلمون ذلك.
ويقولون أن المقدمتين لا بد منها لا أكثر ولا أقل ويقولون أكثر الناس يحذفون إحدى المقدمتين لظهورها اختصارا ويسمون هذا قياس الضمير وإن احتجاج المطلوب إلى مقدمات جعلوا القياس معنى أقيسة متعددة بناء على قولهم أنه لابد في القياس من مقدمتين ويسمونه القياس المركب ويقسمونه إلى موصول وهو ما لا يذكر فيه إلا نتيجة واحدة والى مفصول وهو ما يذكر فيه عقب كل مقدمتين نتيجة فالأول كقولك هذا نبيذ وكل نبيذ مسكر وكل مسكر خمر وكل خمر حرام فهذا حرام والثاني كقولك هذا نبيذ وكل نبيذ مسكر فهذا مسكر ثم تقول وكل مسكر خمر وكل خمر حرام فكل مسكر حرام ثم تقول هذا مسكر وكل مسكر حرام فهذا حرام.
وهذا كله مما غلطوا فيه والصواب الذي عليه جماهير النظار من المسلمين وغيرهم أن الدليل قد يتوقف على مقدمة تارة وقد يتوقف على مقدمتين تارة وعلى ثلاث تارة وعلى أكثر من تلك فما كان من المقدمات معلوما لم يحتج أن يستدل عليه وإنما يستدل على المجهول والمطلوب المجهول يعلم بدليله ودليله ما استلزمه وكل ملزوم فانه يصح الاستدلال به على لازمه وحينئذ فإذا كان المطلوب ملزوم يعلم لزومه له استدل عليه به وكفى ذلك وإن لم يكن المستدل يعلم إلا ملزوم ملزومه احتاج إلى مقدمتين وإن لم يعلم إلا ملزوم ملزوم ملزومه احتجاج إلى ثلاث وهلم جرا.
بيان أن حصول العلم لا يتوقف على القياس المنطقي:
وإذا كان كذلك فنقول لا ننكر أن القياس يحصل به علم إذا كانت مواده يقينية لكن نحن نبين أن العلم الحاصل به لا يحتاج فيه إلى القياس المنطقي بل يحصل بدون ذلك فلا يكون شيء من العلم متوقفا على هذا القياس
(1/298)

ونبين أن المواد اليقينية التي ذكروها لا يحصل بها علم بالأمور الموجودة فلا يحصل بها مقصود تزكو به النفوس.
بل ولا علم بالحقائق الموجودة في الخارج على ما هي عليه إلا من جنس ما يحصل ب قياس التمثيل فلا يمكن قط أن يحصل بالقياس الشمولى المنطقي الذي يسمونه البرهاني علم إلا وذلك يحصل ب قياس التمثيل الذي يستضعفونه فان ذلك القياس لا بد فيه من قضية كلية والعلم بكون الكلية كلية لا يمكن الجزم به إلا مع الجزم بتماثل أفراده في القدر المشترك وهذا يحصل ب قياس التمثيل.
وكلا القياسين ينتفع به إذا تلقت بعض مقدماته الكلية عن خبر المعصوم إذا استعملت في الإلهيات بطريق الأولى كما جاء به القران وأما بدون هذين فلا ينفع في الإلهيات ولا ينفع أيضا في الطبيعيات منفعة علمية برهانية وإنما يفيد قضايا عادية قد تنحرف فتكون من باب الأغلب.
وأما الرياضي المجرد عن المادة كالحساب والهندسة فهذا حق في نفسه لكن ليس له معلوم في الخارج وإنما هو تقدير عدد ومقدار في النفس لكن ذلك يطابق أي معدود ومقدر واقعه في الخارج والبرهان لا يقوم إلا على ما في النفس لا يقوم على ما في الخارج وأكثر ما تعبوا في الهندسة ليتوصلوا بذلك إلى علم الهيئة كصفة الأفلاك والكواكب ومقادير ذلك وحركاته وهذا بعضه معلوم ب البرهان وأكثره غير معلوم ب البرهان وبينهم فيه من الاختلاف ما يطول وصفه فصار المعلوم ببراهينهم من الرياضي وغيره أمر لا تزكو به النفوس ولا يعلم به الأمور الموجودة إلا كما يعلم ب قياس الثمثيل.
وهذا يظهر بالكلام في مادة القياس فنقول هم لا ريب عندهم أنه لا بد في كل قياس من قضية كلية ولا قياس في جميع الأشكال لا عن سالبتين ولا عن جزئيتين ولا عن صغرى سالبة مع كبرى جزئية لكن قد يكون عن صغرى جزئية مع كبرى سالبه كلية والمقصود أنه لا بد في القياس في جميع صورة من قضية كلية وفي أكثر
(1/299)

القياس لا بد من موجبة كلية بل النتيجة الكلية لا تكون إلا عن موجبة كلية والسالبة الكلية لا تفيد حكما كليا إلا مع موجبه كلية.
بيان أصناف اليقينيات عندهم التي ليس فيها قضية كلية:
فإذا كان لا بد في كل قياس من قضية كلية فنقول المواد اليقينيات قد حصروها في الأصناف المعروفة عندهم.
أحدها: الحسيات ومعلوم أن الحس لا يدرك أمرا كليا عاما أصلا فليس في الحسيات المجردة قضية كلية عامة تصلح أن تكون مقدمة في البرهان اليقيني وإذا مثلوا ذلك ب أن النار تحرق ونحو ذلك لم يكن لهم علم بعموم هذه القضية وإنما معهم التجربة والعادة التي هي من جنس قياس التمثيل لما يعلمونه من الحكم الكلى لا فرق بينه وبين قياس الشمول وقياس التمثيل وإن علم ذلك بواسطة اشتمال النار على قوة محرقة فالعلم بأن كل نار لا بد فيها من هذه القوة هو أيضا حكم كلى.
وإن قيل أن الصورة النارية لا بد أن تشتمل على هذه القوة وأن ما لا قوة فيه ليس بنار فهذا الكلام إذا قيل أنه صحيح قيل أنه لا يفيد الجزم بأن كل ما فيه هذه القوة تحرق كل ما لاقاه وإن كان هو الغالب فهذا يشترك فيه قياس والتمثيل والشمول والعادة والاستقراء الناقص ومعلوم أن كل من قال أن كل نار تحرق كل ما لاقته فقد أخطأ فانه لا بد من كون المحل قابلا للإحراق إذ قد علم أنها لا تحرق كل شيء كما لا تحرق السمندل والياقوت وكما لا تحرق الأجسام المطلية بأمور مصبوغة وأما خرق العادة فمقام آخر.
ولا أعلم في القضايا الحسية كلية لا يمكن نقضها مع أن القضية الكلية ليست حسية وإنما القضية الحسية أن هذه النار تحرق فان الحس لا يدرك إلا شيئا خاصا وأما الحكم العقلي فيقولون أن النفس عند رؤيتها هذه المعينات تستعد لان
(1/300)

تفيض عليها قضية كلي بالعموم ومعلوم أن هذا من جنس قياس التمثيل ولا يوثق بعمومه أن لم يعلم أن الحكم العام لازم للقدر للمشترك وهذا إذا علم علم في جميع المعينات فلم يكن العلم بالمعينات موقوفا على هذا.
مع أنه ليس من القضايا العاديات قضية كلية لا يمكن نقضها باتفاق العقلاء بل والفلاسفة يجوزون خرق العادات لكن يذكرون أن لها أسبابا فلكية أو قوى نفسانية أو أسبابا طبيعية فهذه الثلاثة هي أسباب خرق العادات عندهم والى ذلك ينسبون معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء والسحر وغير ذلك وقد بسطنا الكلام على ذلك في مسألة معجزات الأنبياء هل هي قوى نفسانية أم لا وبينا فساد قولهم هذا حتى عند جماهير أساطين الفلاسفة بالأدلة الصحيحة بما ليس هذا موضعه وهي المعروفة ب مسألة الصفدية.
والثاني: الوجديات الباطنة كادراك كل احد جوعه وعطشه وحبه وبغضه وألمه ولذته وهذه كلها جزئيات وإنما يعلم الإنسان حال غيره والقضية الكلية ب قياس التمثيل بل هذه لا يشترك الناس في إدراك كل جزئي منها كما قد يشتركون في إدراك بعض الحسيات المنفصلة كالشمس والقمر ففيها من الخصوص في المدرك والمدرك ما ليس في الحسيات المنفصلة وإن اشتركوا في نوعها فهي تشبه العاديات.
زعمهم تساوي النفوس سبب ضلالهم في معرفة النبوات:
ولم يقيموا حجة على وجوب تساوي النفوس في هذه الأحوال بل ولا على النفس الناطقة أنها مستوية الأفراد وهذا من أسباب ضلالهم في معرفة النبوات فإنهم عرفوا كثيرا من الأحكام التي تشترك فيها النفوس عادة وإن جاز انخرامها
(1/301)

ثم بلغهم أمور أخرى خارجة عن قياسهم فأرادوا إجراء تلك على ذلك القياس فرأوا أن لبعض النفوس قوة حدسية وانه قد يكون لها تأثير في بعض الأمور وقد يتخيل إليها ما تعلمه كما يتخيل إلى النائم ما يراه فظنوا أن جميع ما يحصل للنفوس من الوحي ونزول الملائكة وسمع كلام الله هو من هذا الباب وجعلوا خاصة النبوة هي هذه الثلاث فمن وجدت فيه كان نبيا وقالوا النبوة مكتسبة وصار فضلاؤهم تتعرض لأن يصيروا أنبياء كما جرى للسهرودي المقتول ولابن سبعين وغيرهم.
وابن عربي لما علم أنه لا يمكن دعوى النبوة ادعى ختم الولاية وادعى أن خاتم الأولياء أكمل في العلم بالله من خاتم الأنبياء وانه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى النبي وكان سبب هذا اعتقاد قول هؤلاء المتفلسفة الملاحدة أن النبي يأخذ عن جبريل الذي هو خيال في نفسه وذلك الخيال يأخذ عن العقل قال فالنبي يأخذ عن هذا الخيال وأنا اخذ عن العقل الذي يأخذ منه الخيال.
وضموا هذا إلى أن جميع الحوادث إنما تحدث عن حركة الفلك وهو من افسد أصولهم التي ضلوا بها.
والثالث: المجريات وهي كلها جزئية فان التجربة إنما تقع على أمور معينة وكذلك المتواترات فان المتواترات إنما هو ما علم بالحس من مسموع أو مرئي فالمسموع قول معين والمرئي جسم معين أو لون معين أو عمل معين أو أمر ما معين.
وأما الحدسيات أن جعلت يقينية فهي نظير المجريات إذا الفرق بينهما لا يعود إلى العموم والخصوص وإنما يعود إلى أن المجريات تتعلق بما هو من أفعال المجربين والحدسيات تكون عن أفعالهم وبعض الناس يسمى الكل تجربيات.
لا تستعمل القضايا الكلية في شيء من الموجودات:
فلم يبق معهم إلا الأوليات التي هي البديهيات العقلية والأوليات الكلية إنما هي قضايا مطلقة في الأعداد والمقادير ونحوها مثل قولهم الواحد نصف الاثنين
(1/302)

والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وهذه مقدرات في الذهن ليست في الخارج كلية.
فقد تبين أن القضايا الكلية البرهانية التي يجب القطع بكليتها التي يستعملونها في قياسهم لا تستعمل في شيء من الأمور الموجودة المعينة وإنما تستعمل في مقدرات ذهنية فإذا لا يمكنهم معرفة الأمور الموجودة المعينة بالقياس البرهاني وهذا هو المطلوب.
لا دليل لهم على حصر أقسام الوجود في المقولات العشر:
ولهذا لم يكن لهم علم بحصر أقسام الوجود بل أرسطو لما حصر أجناس الموجودات من المقولات العشر الجوهر والكم والكيف والأين ومتى والوضع وأن يفعل وان ينفعل والملك وقد جمعها بعضهم في بيتين فقال:
زيد الطويل الأسود ابن مالك ... في داره بالأمس كان يتكى
في يده سيف نضاه فانتضى ... فهذه عشر مقولات سوى
لما حصرهم المعلم الأول في الجوهر والأعراض التسعة اتفقوا على أنه لا سبيل إلى معرفة صحة هذا الحصر حتى جعل بعضهم أجناس الأعراض ثلاثة وقيل غير ذلك.
لا دليل لهم على حصر الموجودات في الجواهر الخمسة:
وكذلك لما قسموا الجوهر إلى خمسة أقسام العقل والنفس والمادة والصورة والجسم وجعلوا الجسم قسمين فلكيا وعنصريا والعنصري الأركان التي هي الاستقصاآت والمولدات الحيوان والنبات والمعدن كان هذا التقسيم مع فساده في الإثبات ليس حصر الموجودات فيه معلوما فانه لا دليل لهم على حصر الأجسام في الفلكيات والعنصريات وهم معترفون بإمكان وجود أجسام وراء
(1/303)

الأفلاك فلا يمكن الحصر فيما ذكر حتى يعلم انتفاء ذلك وهم لا يعلمون انتفاءه فكيف وقد قامت الأدلة على ثبوت أعيان قائمة بأنفسها فوق الأفلاك كما قد بسط في موضعه.
وهم منازعون في واجب الوجود هل هو داخل في مقولة الجوهر فأرسطو والقدماء كانوا يجعلونه من مقولة الجوهر وابن سينا امتنع من ذلك لكن أرسطو واتباعه لم يكونوا يقولون واجب الوجود إنما يقولون العلة الأولى والمبدأ وليس في كلام أرسطو تقسيم الموجودات إلى واجب بنفسه وممكن بنفسه مع كونه قديما أزليا بل كان الممكن عندهم الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا محدثا وإنما قسمه هذه القسمة متأخروهم من الملاحدة الذين انتسبوا إلى الإسلام كابن سينا وأمثاله وجعلوا هذا عوضا عن تقسيم المتكلمين الموجود إلى قديم وحادث وسلكوا طريقة وركبوها من كلام المتكلمين ومن كلام سلفهم مثل استدلال أولئك بالتركيب على الحدوث فاستدل هو بالتركيب على الإمكان.
الكلام على قول الخليل عليه السلام {هَذَا رَبِّي} :
وأولئك زعموا أن قول إبراهيم: {لا أحب الآفِلِينَ} المراد به المتحركين لأن الحركة حادثة والحادث لا يقوم إلا بحادث فهي سمة الحدوث فاستدل بالحدوث على حدوث المتحرك والمعنى لا أحب المحدثين الذين تقوم بهم الحوادث.
فقال هؤلاء بل الأفول الذي هو الحركة دليل على أن المتحرك ممكن وان كان قديما أزليا قالوا والأفول هوى في حظيرة الإمكان وقوله لا أحب الآفلين أي الممكنين وان كان الممكن قديما.
وكان قدماء المتكلمين يمثلون الدليل العقلي بقولهم كل متغير محدث والعالم متغير فهو محدث فجاء الرازي في محصله فجعل يمثل ذلك بقوله كل متغير ممكن والعالم متغير فهو ممكن
(1/304)

وإبراهيم صلى الله عليه وسلم لم يرد هذا ولا هذا كما قد بسط في غير هذا الموضع وبين أن كل واحد من الاستدلال بالحركة على الحدوث أو الإمكان دليل باطل كما يقول ذلك أكثر العقلاء من اتباع الأنبياء وأهل الكلام وأساطين الفلاسفة.
ولكن كان قومه يعبدون الكواكب مع اعترافهم بوجود رب العالمين وكانوا مشركين يتخذ احدهم له كوكبا يعبده ويطلب حوائجه منه كما تقدم الإشارة إليه ولهذا قال الخليل عليه السلام: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ}
وقال تعالى أيضا: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} فأمر سبحانه بالتأسي بإبراهيم والذين معه في قولهم لقومهم: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} .
وكذلك ذكر الله عنه في سورة الصافات أنه قال لقومه: {فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} وقال لهم: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} .
فالقوم لم يكونوا جاحدين لرب العالمين ولا كان قوله: {هَذَا رَبِّي} هذا الذي هو خلق السموات والأرض على أي وجه قاله سواء قاله إلزاما لقومه أو تقديرا أو غير ذلك ولا قال احد قط من الآدميين أن كوكبا من الكواكب أو أن الشمس والقمر أبدعت السموات كلها
(1/305)

ولا يقول هذا عاقل بل عباد الشمس والقمر والكواكب يعبدونها كما يعبد عباد الأصنام للأصنام وكما يعبد عباد الأنبياء والصالحين لهم ولتماثيلهم وكما يعبدون آخرون الملائكة وآخرون يعبدون الجن لما يرجون بعبادتها من جلب منفعة أو دفع مضرة لا لاعتقادهم أنها خلقت العالم.
بل قد يجعلونها شفعاء ووسائط بينهم وبين رب العالمين كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ} وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} وقال تعالى: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} وقال تعالى: {أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ} .
والشفاعة التي أخبرت بها الرسل هي أن يأذن الله للشفيع فيشفع فيكون الأمر كله لله كما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} وقال: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} وهذا بخلاف ما اتخذه المشركون من الشفعاء.
وأما الفلاسفة القائلون بقدم العالم فالشفاعة عندهم أن يفيض على المستشفع من الشفيع ما يقصده من غير قصد الشفيع ولا سؤال منه كما ينعكس شعاع الشمس من المرآة على الحائط وقد ذكر ذلك ابن سينا ومن تلقى عنه كصاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها ومن اخذ عنه.
(1/306)

وهذا الشرك أعظم من شرك مشركي العرب والنصارى ونحوهم فان أولئك كانوا يقولون صانع العلم فاعل مختار وان الشافع يستله ويدعوه لكن يثبتون شفاعة بغير إذنه وشفاعة لما ليس له شفاعة ويعبدون الشافع ويسألونه من دون الله ويصورون على تمثاله صورة يعبدونها وكانت الشياطين تدخل في تلك الأصنام وتكلمهم وتتراأى للسدنة أحيانا كما يوجد نظير ذلك في هذا الزمان مواضع كثيرة.
بقية الكلام على الجواهر الخمسة:
وأيضا فدعواهم أن الجوهر جنس تحته أربعة وهي العقل والنفس والمادة والصورة والخامس هو الجسم إذا حقق الأمر عليهم كان ما يثبتونه من العقليات إنما هو موجود في الذهن والعقل بمنزلة الكليات لا وجود لها في الخارج وقد اعترف بهذا من ينصرهم ويعظمهم كابن حزم وغيره.
رد لقول من زعم أن عالم الغيب هو العالم العقلي:
ومن زعم أن عالم الغيب أخبرت به الرسل هو العالم العقلي الذي يثبته هؤلاء فهو من أضل الناس فان ابن سينا ومن سلك سبيله في هذا كالشهرستاني والرازي وغيرهما يقولون أن الإلهيين يثبتون العالم العقلي ويردون على الطبيعيين منهم الذين لا يثبتون إلا العالم الحسي ويدعون أن العالم العقلي الذي يثبتونه هو ما أخبرت به الرسل من الغيب الذي أمروا بالإيمان به مثل وجود الرب والملائكة والجنة.
وليس الأمر كذلك فان ما يثبتونه من العقليات إذا حقق الأمر لم يكن لها وجود إلا في العقل وسميت مجردات ومفارقات لأن العقل يجرد الأمور الكلية على المعينات.
وأما تسميتها مفارقات فكان أصله أن النفس الناطقة تفارق البدن وتصير حينئذ عقلا وكانوا يسمون ما جامع المادة بالتدبير لها كالنفس قبل الموت
(1/307)

نفسا وما فارقها بالكلية فلم يتعلق بها لا تعلق تدبير ولا غيره عقلا ولا ريب أن النفس الناطقة قائمة بنفسها باقية بعد الموت منعمة أو معذبة كما دل على ذلك نصوب الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها ثم تعاد إلى الأبدان ومن قال من أهل الكلام أن النفس عرض من أعراض البدن أو جزء من أجزائه فقوله بدعة ولم يقل ذلك أحد من سلف الأمة.
ولكن ما يدعون ثبوته في الخارج من المجردات العقلية لا يثبت على السير العقلي له تحقق إلا في الذهن.
إثبات المجردات في الخارج هو مبدأ فلسفتهم:
وهذا كان مبدأ فلسفة هؤلاء فإنهم نظروا في الأجسام الطبيعية فعلموا القدر المشترك الكلى فصاروا يظنون ثبوته في الخارج فكان أولهم فيثاغورس وشيعته أثبتوا أعدادا مجردة في الخارج ثم رد ذلك عليهم أفلاطون وشيعته وأثبتوا ماهيات كلية مجردة مثل إنسان كلى وفرس كلى أزلي أبدى خارج الذهن وأثبتوا أيضا زمانا مجردا سموه الدهر وأثبتوا مكانا مجردا سموه الخلاء واثبتوا مادة مجردة عن الصور وهي المادة الأولى والهيولى الأولى عندهم.
فجاء أرسطو وشيعته فردوا ذلك كله عليهم ولكن أثبتوا هذه المجردات في الخارج مقارنة للأعيان وفرقوا بين الشيء الموجود في الخارج وبين ماهيتة الكلية المقارنة لأفرادها في الخارج كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله وغلط هؤلاء في هذا وكذلك أثبتوا العقول العشرة وظنوا وجودها في الخارج وهم غالطون في ذلك وأدلتهم عليها في غاية الفساد وأما النفوس الفلكية فكان قدماؤهم يجعلونها أعراضنا لكن ابن سينا وطائفة رجحوا أنها جواهر قائمة بنفسها كنفس الإنسان وهذا لبسطه موضع آخر.
كون منتهى محققيهم الوجود المطلق الكلى الخيالي:
والمقصود هنا أن ما يثبتونه من العقليات إذا حققت لم تكن إلا ما ثبت في
(1/308)

عقل الإنسان كالأمور الكلية فإنها عقلية مطابقة لأفرادها الموجودة في الخارج وكذلك العدد المجرد عن المعدود والمقدار المجرد عن المقدور والماهية المجردة عن الوجود والزمان المجرد عن الحركة والمكان المجرد عن الجسم وأعراضهم.
ولهذا كان منتهى محققيهم الوجود المطلق وهو الوجود المشترك بين الموجودات وهذا إنما يكون مطلقا في الأذهان لا في الأعيان والمتفلسفة يجعلون الكلي المشترك موضوع العلم الإلهي.
وأما الوجود الواجب فتارة يقولون هو الوجود المقيد بالقيود السلبية كما يقوله ابن سينا وتارة يجعلونه المجرد عن كل قيد سلبي وثبوتي كما يقوله بعض الملاحدة من باطنية الرافضة والاتحادية وتارة يجعلونه نفس وجود الموجودات فلا يجعلون للممكنات وجودا غير الوجود الواجب وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع.
وغايتهم أنهم يجعلون في أنفسهم شيئا ويظنون أن ذلك موجود في الخارج ولهذا تمدهم الشياطين فان الشياطين تتصرف في الخيال وتلقى في خيالات الناس أمورا لا حقيقة لها ومحققو هؤلاء يقولون ارض الحقيقة هي ارض الخيال.
كون أمور الغيب موجودة ثابتة مشهودة:
وأما ما أخبرت به الرسل صلى الله عليه وسلم من الغيب فهو أمور موجودة ثابتة أكمل وأعظم مما نشهده نحن في هذه الدار وتلك أمور محسوسة تشاهد وتحس ولكن بعد الموت وفي الدار الآخرة ويمكن أن يشهدها في هذه الدار من يختصه الله بذلك ليست عقلية قائمة بالعقل ولهذا كان الفرق بينها وبين الحسيات
(1/309)

التي تشهدها أن تلك غيب وهذه شهادة قال تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} .
وكون الشيء غائبا وشاهدا أمر إضافي بالنسبة إلينا فإذا غاب عنا كان غيبا وإذا شهدناه كان شهادة وليس هو فرقا يعود إلى أن ذاته تعقل ولا تشهد ولا تحس بل كل ما يعقل ولا يمكن أن يشهد بحال فإنما يكون في الذهن.
والملائكة يمكن أن يشهدوا ويروا والرب تعالى يمكن رؤيته بالأبصار والمؤمنون يرونه يوم القيامة وفي الجنة كما تواترت النصوص في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق على ذلك سلف الأمة وأئمتها.
وإمكان رؤيته يعلم بالدلائل العقلية القاطعة لكن ليس هو الدليل الذي سلكه طائفة من أهل الكلام كأبي الحسن وأمثاله حيث ادعوا أن كل موجود يمكن رؤيته بل قالوا ويمكن أن تتعلق به الحواس الخمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس فان هذا مما يعلم فساده بالضرورة عند جماهير العقلاء.
أغاليط المتكلمين والمتفلسفة:
وهذا من أغاليط بعض المتكلمين كغلطهم في قولهم أن الأعراض يمتنع بقاؤها وان الأجسام متماثلة وأنها مركبة من الجواهر المنفردة التي لا تقبل قسمة ولا يتميز منها جانب من جانب فان هذا غلط وقول المتفلسفة بأنها مركبة من المادة والصورة العقليين أيضا غلط كما قد بسط هذا كله في غير هذا الموضع.
وكذلك غلط من غلط من المتكلمين وادعى أن الله لم يخلق شيئا لسبب ولا لحكمة ولا خص شيئا من الأجسام بقوى وطبائع وادعى أن كل ما يحدث فان الفاعل المختار الذي يخص احد المتماثلين بلا تخصيص أصلا يحدثه وأنكر ما في
(1/310)

مخلوقات الله وما في شرعه من الحكم التي خلق وأمر لأجلها.
فان غلط هؤلاء مما سلط أولئك المتفلسفة وظنوا أن ما يقول هؤلاء وأمثالهم هو دين المسلمين أو قول الرسول وأصحابه ولهذا كانت مناظرة ابن سينا وأمثاله في كتبهم لمبتدعة أهل الكلام فعامة مناظرة ابن سينا هي للمعتزلة وابن رشد للكلابية وكانوا إذا بينوا فساد بعض ما يقوله مبتدعة أهل الكلام يظنون أنه لم يبق حق إلا ما يقولونه هم وذلك بالعكس وليس الأمر كذلك بل ما يقوله مبتدعة أهل الكلام فيه خطأ مخالف للشرع والعقل.
والخطأ فيما تقوله المتفلسفة في الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع أعظم من خطأ المتكلمين وأما فيما يقولونه في العلوم الطبيعية والرياضية فقد يكون صواب المتفلسفة أكثر من صواب من رد عليهم من أهل الكلام فإن أكثر كلام أهل الكلام في هذه الأمور بلا علم ولا عقل ولا شرع.
ونحن لم نقدح فيما علم من الأمور الطبيعية والرياضية لكن ذكرنا أن ما يدعونه من البرهان الذي يفيد علوما يقينية كلية بالأمور الطبيعية ليس كما يدعونه بل غالب الطبيعيات إنما هي عادات تقبل التغير ولها شروط وموانع وهم لا يريدون بالقضايا البرهانية الواجب قبولها إلا ما يكون لزوم المحمول منها للموضوع لزوما ذاتيا لا يقبل التغير بحال فإذا قالوا كل اب لم يريدوا أن كل ما هو في الوجود افهو ب ولا كل ما جد أو سيوجد وإنما يريدون أن كل ما يفرض ويقدر في العقل بل في نفس الأمر مع قطع النظر عن الوجودين الذهني والخارجي فهو ب كما قالوا كل إنسان حيوان فالطبيعة الإنسانية من حيث هي تستلزم الحيوانية.
وهم يدعون أن الماهية قد تنفك عن الوجودين الخارجي والذهني وهي من أغاليطهم ومعلوم أن هذا أن أريد به الإنسان المعروف فالإنسان المعروف لا يكون إلا حيوانا وهذا أمر واضح ليس هو مما يطلب علمه بالبراهين فالصفات
(1/311)

اللازمة للموصوف التي لا يكون له حقيقة إلا بها لا توجد بدونها.
وقد بسط الكلام على فرقهم بين اللازمة وبين الذاتية المقومة الداخلة في الماهية وبين اللازمة للماهية واللازمة لوجودها وبين أن هذا كله باطل إلا إذا أريد ب الماهية ما يتصور في الذهن وبالوجود ما يكون في الخارج فالفرق بين مصورات الأذهان وموجودات الأعيان فرق صحيح وأما أن يدعي في الخارج جوهرين قائمين بأنفسهما أحدهما الإنسان المحسوس والآخر إنسان معقول ينطبق على كل واحد من أفراد الإنسان ويدعي أن الصفات اللازمة التي لا يمكن تحقق الموصوف إلا بها منها ما هو داخل مقوم لماهيته الموجودة في الخارج ومنها ما هو خارج عارض لماهيته الموجودة في الخارج فهذا كله باطل كما قد بسط في غير هذا الموضع.
أقيستهم مبنية على القضايا الكلية لا علم لهم بها:
والمقصود أن ما يذكرونه من الإلهية في العلوم الإلهية والطبيعية وما يتعلق بها فلا يفيد يقينا إلا كما يفيد قياس التمثيل إذ هي مبنية على قضية كلية لا يقين عندهم بأنها كلية إلا كاليقين الذي عندهم بقياس التمثيل ولا سبيل لهم إلى ذلك مثل قولهم في العلم الإلهي الواحد لا يصدر عنه إلا واحد والشيء الواحد لا يكون فاعلا وقابلا وأمثال هذه القضايا الكلية التي لا علم لهم بها ولا يستدلون على ذلك إلا بقياس فيه قضية كلية لا علم لهم بها وإن كان يمكن إبطالها.
لكن المقصود هنا بيان أنه لا علم بالموجود يحصل عن قياسهم وهذا باب واسع يظهر بالتدبر.
الكلام على الواحد البسيط الذي يجعلونه مبدأ المركبات:
فإن قولهم الواحد لا يصدر عنه إلا واحد قضية كلية وهم لم يعرفوا في الوجود قط شيئا واحدا من كل وجه صدر عنه شيء لا واحد ولا اثنان
(1/312)

والواحد البسيط الذي يصفون به واجب الوجود من جنس الواحد البسيط الذي يجعلونه مبدأ المركبات إذا قالوا الإنسان مركب من الحيوانية والناطقية وينتهي الأمر إلى واحد بسيط لا تركيب فيه فان هذا الواحد لا يوجد إلا في الذهن لا في الخارج.
فان قولهم إنسان مركب من الحيوان والناطق والحيوانية والناطقية لا يصح منه إلا ما يتصور في الذهن فان المتصور يتصور في نفسه إنسانا ناطقا وجسما حساسا متحركا بالإرادة ناطقا فيكون كل من هذه الأجزاء جزءا مما تصوره في نفسه واللفظ الدال على جميعها يدل عليها بالمطابقة وعلى أبعاضها بالتضمن وعلى لازمها بالالتزام ومجموعها هي تمام الماهية المتصورة في الذهن والداخل فيها هو الداخل في تلك الماهية والخارج عنها هو الخارج عن تلك الماهية وتلك الماهية بحسب ما يتصوره الذهن فإذا تصور إنسانا ضاحكا كان الضاحك جزء هذه الماهية.
وأما دعوى المدعي أن الإنسان الموجود في الخارج مركب من وهذا فلا يصح إلا إذا أريد به أنه متصف بهذين الوصفين وهما قائمان به وهو حامل لهما كما يحمل الجوهر أعراضه والموصوف صفاته.
وأما أن يقال أن الجوهر مركب من أعراض أو مركب من جواهر أحدها جسم والآخر حساس والآخر نام والآخر متحرك بالإرادة وان هذا الإنسان المعين فيه جواهر متعددة بتعدد هذه الأسماء وان الجوهر الذي هو الحساس ليس هو الذي هو متحركا بالإرادة ولا الذي هو جسم ولا الذي هو ناطق ولا الناطق هو الحساس فهذا مما يعلم فساده بعد تصوره بالصورة.
توحيد واجب الوجود عند الفلاسفة:
وكذلك الواحد الذي يصفون به واجب الوجود وانه مجرد عن جميع
(1/313)

الصفات الثبوتية ليس له حياوة ولا علم ولا قدرة ولا كلام ويقولون مع ذلك هو عأقل ومعقول وعقل ولذيذ وملتذ ولذة وعاشق ومعشوق وعشق ويقولون أن كل صفة من هذه الصفات هي الأخرى فاللذة هي العقل والعقل هي العشق ويقولون أن كل صفة من هذه الصفات هي الموصوف والعلم هو العالم واللذة واللذة هي الملتذ والعشق هو العاشق فهذا ونحوه من أقوالهم في صفات واجب الوجود مما إذا تصوره المتصور تصورا صحيحا كان مجرد تصوره يوجب العلم الضروي بفساده.
وقد بسطنا الكلام عليه وبينا ما ألجأهم إلى القول بهذا وكلامهم في التركيب وبينا أن أكثر الفلاسفة المتقدمين قبل أرسطو وكثير من المتأخرين كأبي البركات صاحب المعتبر وغيره لا يقولون بهذا بل ردوا على من قاله واصل هذا كله ما ادعوه من أن إثبات الصفات تركيب ممتنع وهذا أخذوه عن المعتزلة ليس هذا من كلام أرسطو وذويه وقد تكلمنا في بيان فساده في مصنف مفرد في توحيد الفلاسفة وفي شرح الاصبهانية والصفدية وغير ذلك.
ثم بنوا هذا على أن الواحد لا يكون فاعلا وقابلا لأن ذلك يستلزم التركيب وان الواحد لا يصدر عنه إلا واحد لأن صدور اثنين يقتضى تعدد المصدر فمصدر ج غير مصدر ب وذلك يستلزم التركيب الممتنع.
فمدار كلامهم في التوحيد والصفات كله على لفظ التركيب وقد بسطنا القول فيه وبينا ما في هذا اللفظ من إجمال فان التركيب خمسة أنواع: أحدها: تركب الذات من وجود وماهية والثاني: تركيبها من وصف عام
(1/314)

ووصف خاص كالمركب من الجنس والفصل والثالث: تركيب من ذات وصفات والرابع: تركيب الجسم من المادة والصورة والخامس: تركيبه من الجواهر المنفردة.
وقد بينا أن ما يدعونه من التركيب من الوجود والماهية ومن الجنس والفصل باطل وأما تركيب الجسم من هذا وهذا فأكثر العقلاء يقولون الجسم ليس مركبا لا من المادة والصورة ولا من الجواهر المنفردة لم يبق إلا ذات لها صفات.
وقد بينا أن المركب يقال على ما ركبه غيره وعلى ما كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمعت وعلى ما يقبل مفارقة بعضه بعضا وهذه الأنواع الثلاثة منتفية عن رب العالمين باتفاق المسلمين.
وهم جعلوا ما يوصف بالصفات تركيبا وهذا اصطلاح لهم وحقيقة الأمر تعود إلى موصوف له صفات متعددة فتسمية المسمى هذا تركيبا اصطلاح لهم والنظر إنما هو في المعاني العقلية وأما الألفاظ فان وردت عن صاحب الشرع المعصوم كان لها حرمة وإلا لم يلتفت إلى من اخذ يعبر عن المعاني الصحيحة المعلومة بالعقل والشرع بعبارة مجملة توهم معاني فاسدة وقيل لهم البحث في المعاني لا في الألفاظ كما بسط في موضعه.
الوجه الثاني: إن المعين المطلوب علمه بالقضايا الكلية يعلم قبلها وبدونها:
الوجه الثاني: أن يقال إذا كان لا بد في كل قياس من قضية كلية فتلك القضية
(1/315)

الكلية لا بد أن تنتهي إلى أن تعلم بغير قياس وإلا لزم الدور والتسلسل فإذا كان لا بد أن تكون لهم قضايا كلية معلومة بغير قياس فنقول.
ليس في الموجودات ما تعلم الفطرة له قضية كلية بغير قياس إلا وعلمها بالمفردات المعينة من تلك القضية الكلية أقوى من علمها بتلك القضية الكلية مثل قولنا الواحد نصف الاثنين والجسم لا يكون في مكانين والضدان لا يجتمعان فان العلم بأن هذا الواحد نصف هذين الاثنين أقدم في الفطرة من العلم بأن كل واحد نصف كل اثنين وهكذا كل ما يفرض من الآحاد.
فيقال المقصود بهذه القضايا الكلية أما أن يكون العلم بالموجود الخارجي أو العلم بالمقدرات الذهنية أما الثاني ففائدته قليلة وأما الأول فما من موجود معين إلا وحكمه بعلم تعينه اظهر وأقوى من العلم به عن قياس كلى يتناوله فلا يحصل بالقياس كثير فائدة بل يكون ذلك تطويلا وإنما يستعمل القياس في مثل ذلك لأجل الغالط والمعاند فيضرب له المثل وتذكر الكلية ردا لغلطه وعناده بخلاف من كان سليم الفطرة.
وكذلك قولهم الضدان لا يجتمعان فأي شيئين علم تضادهما فانه يعلم أنها لا يجتمعان قبل استحضار قضية كلية بأن كل ضدين لا يجتمعان وما من جسم معين إلا يعلم أنه لا يكون في مكانين قبل العلم بأن كل جسم لا يكون في مكانين وكذلك قولهم النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان فان مرادهم بذلك أن وجود الشيء وعدمه لا يجتمعان ولا يرتفعان فما من شيء معين إلا ويعلم أنه لا يكون موجودا معدوما وانه لا يخلو عن الوجود والعدم قبل العلم بهذه القضية العامة وأمثال ذلك كثير لمن تدبره.
ويعلم أن المعين المطلوب علمه بهذه القضايا الكلية الأولية يعلم قبل أن تعلم هذه القضية الكلية ويعلم بدونها ولا يحتاج العلم به إلى القضية الكلية وإنما يعلم بالقضية الكلية ما يقدر في الذهن من أمثال ذلك مما لم يوجد في الخارج وأما الموجودات
(1/316)

الخارجية فتعلم بدون هذا القياس.
قياس الشمول مبناه على قياس التمثيل:
وإذا قيل أن من الناس من يعلم بعض الأعيان الخارجية بهذا القياس فيكون مبناه على قياس التمثيل الذي ينكرون أنه يقيني فهم بين أمرين أن اعترفوا بأن قياس التمثيل من جنس قياس الشمول ينقسم إلى يقيني وظني بطل تفريقهم وان ادعوا الفرق بينهما وان قياس الشمول يكون يقينيا دون التمثيل منعوا ذلك وبين لهم أن اليقين لا يحصل في مثل هذه الأمور إلا أن يحصل ب التمثيل فيكون العلم بما لم يعلم من المفردات الموجودة في الخارج قياسا على ما علم منها وهذا حق لا ينازع فيه عأقل.
بل هذا من اخص صفات العقل التي فارق بها الحس إذا الحس لا يعلم إلا معينا والعقل يدركه كليا مطلقا لكن بواسطة التمثيل ثم العقل يدركها كلها مع عزوب الأمثلة المعينة عنه لكن هي في الأصل إنما صارت في ذهنه كلية عامة بعد تصوره لأمثال معينة من أفرادها وإذا بعد عهد الذهن بالمفردات المعينة فقد يغلط كثيرا بأن يجعل الحكم أما اعم وأما اخص وهذا يعرض للناس كثيرا.
أنواع المفروضات الذهنية:
ومن هنا يغلط كثيرا ممن يسلك سبيلهم حيث يظن أن ما عنده من القضايا الكلية صحيح ويكون عند التحقيق ليس كذلك وهم يتصورون الشيء بعقولهم ويكون ما تصوروه معقولا بالعقل فيتكلمون عليه ويظنون أنهم تكلموا في ماهية مجردة بنفسها من حيث هي هي من غير أن تكون ثابتة في الخارج ولا في الذهن فيقولون الإنسان من حيث هو هو والوجود من حيث هو هو والسواد من حيث هو هو ونحو ذلك ويظنون أن هذه الماهية التي جردوها عن جميع القيود السلبية والثبوتية محققة في الخارج على هذا التجريد وذلك غلط كغلط أوليهم فيما جردوه
(1/317)

من العدد والمثل الأفلاطونية وغيرها بل هذه المجردات المسلوب عنها كل قيد ثبوتي وسلبي لا تكون إلا مقدرة في الذهن.
وإذا قال القائل فأنا افرض الإنسان مجردا عن الوجودين الخارجي والذهني قيل له هذا الفرض في الذهن أيضا كما تفرض سائر الممتنعات في الذهن مثل أن يفرض موجودا لا واجبا ولا ممكنا ولا قائما بنفسه ولا بغيره ولا مبائنا لغيره ولا مجانبا له وهذا كله مفروض في الذهن وليس كل ما فرضه الذهن أمكن وجوده في الخارج وليس كل ما حكم به الإنسان على ما يقدره ويفرضه في ذهنه يكون حكما صحيحا على ما يوجد في الخارج ولا كل ما أمكن تصور الذهن له يكون وجوده في الخارج.
بل الذهن يتصور اشياء ويقدرها مع علمه بامتناعها ومع علمه بامكانها في الخارج ومع عدم علمه بالامتناع الخارجي والإمكان الخارجي وهذا الذي يسمى الإمكان الذهني فان الإمكان يستعمل على وجهين إمكان ذهني وامكان خارجي ف الإمكان الذهني أن يعرض الشيء على الذهن فلا يعلم امتناعه بل يقول يمكن هذا لا لعلمه بامكانه بل لعدم علمه بامتناعه مع أن ذاك الشيء قد يكون ممتنعا في الخارج.
واما الإمكان الخارجي فأن يعلم إمكان الشيء في الخارج وهذا يكون بأن يعلم وجوده في الخارج أو وجود نظيره أو وجود ما هو ابعد عن الوجود منه فإذا كان الابعد عن قبول الوجود موجودا ممكن الوجود فالأقرب إلى الوجود منه أولى.
طريقة القرآن في بيان إمكان المعاد:
وهذه طريقة القران في بيان إمكان المعاد يبين ذلك بهذه الطريق.
فتارة يخبر عمن اماتهم ثم احياهم كما اخبر عن قوم موسى بقوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
(1/318)

وكما اخبر عن المضروب بالبقرة بقوله: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} وكما اخبر عن الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله: {مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} .
وكما اخبر عن: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وعن إبراهيم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وكما اخبر عن المسيح عليه السلام أنه كان يحيى الموتى باذن الله.
وكما اخبر عن أصحاب الكهف أنهم لبثوا نياما في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ} وقد ذكر غير واحد من العلماء أن الناس كانوا قد تنازعوا في زمانهم هل يبعث الله الارواح فقط أو يبعث الارواح والاجساد فأعثر الله هؤلاء على أهل الكهف وعلموا أنهم بقوا نياما لا يأكلون ولا يشربون ثلثمائة سنة شمسية وهي ثلثمائة وتسع هلالية فأعلمهم الله بذلك إمكان إعادة الأبدان
(1/319)

فهذه إحدى الطرق التي يبين الله بها إمكان المعاد.
وتارة يستدل على ذلك بالنشأة الأولى وان الإعادة اهون من الابتداء كما في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} وكما في قوله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} وكما قوله: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وكما في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} .
وتارة يستدل على إمكان ذلك بخلق السموات والأرض فان خلقها أعظم من إعادة الإنسان كما في قوله: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ} وكما في قوله تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ} وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى أنه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .
وتارة يستدل على إمكانه بخلق النبات كما في قوله: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أقلتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ
(1/320)

فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} وكما في قوله: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} .
وقد بسطنا الكلام على هذا وأمثاله في غير هذا الموضع وبين أن ما عند أئمة النظار أهل الكلام والفلسفة من الدلائل العقلية على المطالب الإلهية فقد جاء القران بما فيها من الحق وما هو أكمل وابلغ منها على أحسن وجه مع تنزهه عن الاغاليط الكبيرة الموجودة عند هؤلاء فأن خطأهم فيها كثير جدا ولعل ضلالهم أكثر من هداهم وجهلهم أكثر من علمهم.
ولهذا قال أبو عبد الله الرازي في اخر عمره في كتابه أقسام اللذات: "لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروى غليلا ورايت أقرب الطرق طريقة القران اقرأ في الإثبات: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} : {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} وأقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} : {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي".
فساد إثبات الإمكان الخارجي بمجرد عدم العلم بالامتناع:
والمقصود هنا أن الإمكان الخارجي يعرف بالوجود لا بمجرد عدم العلم بالامتناع كما يقوله طائفة منهم الامدى إذا أرادوا وإثبات إمكان أمر قالوا لو
(1/321)

قدرنا هذا لم يلزم منه ممتنع فأن هذه القضية الشرطية غير معلومة فان كونه لا يلزم منه محذور ليس معلوما بالبديهة ولا اقام عليه دليلا نظريا.
وابعد من اثباته الإمكان الخارجي بالإمكان الذهني ما يسلكه طائفة من المتفلسفة والمتكلمة كابن سينا والرازي وغيرهما في إثبات الإمكان الخارجي بمجرد إمكان تصوره في الذهن كما أن ابن سينا واتباعه لما أداروا إثبات موجودفي الخارج معقول لا يكون محسوسا بحال استدلوا على ذلك بتصور الإنسان الكلي المطلق المتناول للافراد الموجودة في الخارج وهذا إنما يفيد إمكان وجود هذه المعقولات في الذهن فإن الكلي لا يوجد كليا إلا في الذهن وهذا ليس مورود النزاع وإنما النزاع في إمكان وجود مثل هذا المعقول في الخارج وليس كل ما تصوره الذهن يكون موجودا في الخارج كما يتصور الذهن فأن الذهن يتصور ما يمتنع وجوده في الخارج كما يتصور الجمع بين النقيضين والضدين.
وقد تبعه الرازي على الاستدلال بهذا واستدل هو غيره على إمكان ذلك بأن قال يمكن أن يقال الموجود أما أن يكون مجانبا لغيره وأما أن يكون مبائنا لغيره وأما أن لا يكون لا مجانبا لا مبائنا فظنوا أنه بامكان هذا التقسيم العقلى يستدل على إمكان وجود كل من الأقسام في الخارج وهذا غلط فان هذا التقسيم كقو ل القائل الموجود أما أن يكون واجبا وأما أن يكون ممكنا وأما أن لا يكون واجبا ولا ممكنا وأما أن يكون قديما وأما أن يكون محدثا وأما أن لا يكون قديما ولا محدثا وأما أن يكون قائما بنفسه وأما أن يكون قائما بغيره وأما أن لا يكون قائما بنفسه ولا بغيره وأمثال ذلك من التقسيمات التي يقدرها الذهن ومعلوم أن هذا لا يدل على إمكان وجود موجود لا واجب ولا ممكن ولا قديم ولا حادث ولا قائم بنفسه ولا بغيره وكذلك ما تقدم فأين طرق هؤلاء في إثبات الإمكان الخارجي من طريقة القران
(1/322)

محاولتهم معارضة الفطر وتعاليم الرسل:
ثم أنهم بمثل هذه الطرق الفاسدة يريدون خروج الناس عما فطروا عليه من المعارف اليقينية والبراهين العقلية وما جاءت به الرسل من الأخبار الإلهية عن الله تعالى واليوم الآخر.
وبينوا لرب العالمين من الوجود ما يستلزم الجمع بين النقيضين فيكذبوا بصريح المعقول وصحيح المنقول كقولهم لاهو مبائن للمخلوقات ولا مجانب لها ولا يشار إليه ونحو ذلك من القضايا السلبية التي يصفون بها رب العالمين مما لا يتضمن وصفه بصفة كمال بل يشاركه فيها الممتنعات والمعدومات وتستلزم كون الموصوف بها معدوما بل ممتنعا.
ويريدون أن يجعلوا مثل هذه القضايا الكاذبة والخيالات الفاسدة اصولا عقلية يعارض بها ما ارسل الله به رسله وأنزل به كتبه من الايات وما فطر الله عليه عباده وما تقوم عليه الأدلة العقلية التي لا شبهة فيها.
ولهذا كان أساطين الفلاسفة القدماء وكثير من المتأخرين منهم على خلاف قول هؤلاء النفاة وكانوا أقرب إلى موافقة الأنبياء وأتباع الأنبياء من هؤلاء النفاة من المتفلسفة والجهمية والمتكلمة كما قد بسطت أقوالهم في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا التنبيه على اصول سلموها أفسدوا بها العلوم العقلية والسمعية فإن مبنى العقل على صحة الفطرة وسلامتها ومبنى السمع على تصديق الأنبياء صلواة الله عليهم.
كون تعليم الأنبياء جامعا للأدلة العقلية والسمعية جميعا:
ثم الأنبياء صلوات الله عليهم كملوا للناس الأمرين فدلوهم على الأدلة العقلية التي بها تعلم المطالب الإلهية التي يمكنهم علمهم بها بالنظر والاستدلال وأخبروهم مع ذلك من تفاصيل الغيب بما يعجزون عن معرفته بمجرد نظرهم واستدلالهم
(1/323)

وليس تعليم الأنبياء صلوات الله عليهم مقصورا على مجرد الخبر كما يظنه كثير من النظار بل هم بينوا من البراهين العقلية التي بها يعلم العلوم الإلهية ما لا يوجد عند هؤلاء البتة فتعليمهم ص جامع للادلة العقلية والسمعية جميعا بخلاف الذين خالفوهم فان تعليمهم غير مفيد للادلة العقلية والسمعية مع ما في نفوسهم من الكبر الذي ما هم ببالغيه كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ أنه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} وقال: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} ومثل هذا كثير في القران وقد بسطنا القول فيه في بيان درء تعارض الشرع والعقل.
ولهذا لما كانوا يتصورون في اذهانهم ما يظنون وجوده في الخارج جعلوا علومهم ثلاثة أنواع ادناها عندهم الطبيعي وهو ما لا يتجرد عن المادة لا في الذهن ولا في الخارج وهو الكلام في الجسم واحكامه واقسامه واوسطها الرياضي وهو ما بتجرد عن المادة في الذهن لا في الخارج مثل الحساب والهندسة فانه
(1/324)

لا يوجد في الخارج ذو مقدار إلا جسما ولكن يجرد المقدار في النفس واعلاها عندهم ما يسمونه علم ما بعد الطبيعة باعتبار الوجود العيني وقد يسمونه العلم الإلهي ويسمونه الفلسفة الأولى والحكمة العليا وهو ما تجرد عن المادة في الذهن والخارج.
وإذا تأمل الخبير بالحقائق كلامهم في هذه الأنواع لم يجد عندهم علما بمعلومات موجودة في الخارج إلا القسم الذي يسمونه الطبيعي وما يتبعه من الرياضي وأما الرياضي المجرد في الذهن فهو الحكم بمقادير ذهنية لا وجود لها في الخارج والذي سموه علم ما بعد الطبيعة وهو ما جردوه عن المادة في الذهن والخارج إذا تدبر لم يوجد فيه علم بمعلوم موجود في الخارج وإنما تصوروا أمورا مقدرة في أذهانهم لا حقيقة لها في الخارج ولهذا كان منتهى نظرهم وآخر فلسفتهم وحكمتهم هو الوجود المطلق الكلى أو المشروط بسلب جميع الأمور الوجودية.
فموضوع العلم الالهى الناظر في الوجود ولواحقه هو الوجود الكلى المنقسم إلى جوهر وعرض وعلة ومعلول وقديم وحادث وهذا لا وجود له في الخارج وإنما يوجد في الذهن وهو العلم الأعلى عندهم فهذا العلم الأعلى مقدر في الذهن والعلى الأعلى الموجود في الخارج هو الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل قوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} .
وأما واجب الوجود الذي يثبتونه فاما أن يجعلوه وجودا مجردا عن كل قيد ثبوتي وعدمى وأما أن يقولوا بل هو مقيد بالامور السلبية دون الثبوتية كقول ابن سينا وأمثاله وهذا إنما يوجد في الذهن لا في الخارج فانه يمتنع ثبوث موجود خارجي لا يوصف بشئ من الأمور الثبوتية أو لا من الثبوتية ولا السلبية بل أي موجود حقير فرضته كان خيرا من هذا الذي لا يوصف بشئ ثبوتي فانه قد شارك ذلك الموجود الحقير في مسمى الوجود ولم يمتز عنه إلا بوصف عدمى
(1/325)

وذلك الموجود الحقير امتاز عنه بأمر وجودى الوجود خير من العدم فكان ما امتاز به ذلك الموجود الحقير خيرا مما ميزوا به واجب الوجود يزعمهم وقد بسط هذا في موضع آخر وبين أن ما يثبتونه ويجعلونه واجب الوجود هو ممتنع الوجود ولكن يفرض في الذهن كما يفرض سائر الممتنعات.
والمقصود هنا أنهم كثيرا ما يدعون في المطالب البرهانية من الأمور العقلية ما يكونوا قد قدروه في أذهانهم ويقولن نحن نتكم في الأمور الكلية والعقليات المحضة وإذا ذكر لهم شيء قالوا نتكلم فيما هو أعم من ذلك وفي الحقيقة من حيث هي هى ونحو هذه العبارات فيطالبون بتحقيق ما ذكروه في الخارج ويقال يبنوا هذا أي شيء هو فهنالك يظهر بجهلهم وأن ما يقولونه هو أمر مقدر في الأذهان لا حقيقة له في الأعيان وهذا مثل أن يقال لهم اذكروا مثال ذلك والمثال أمر جزئي فإذا عجزوا عن التمثيل وقالوا نحن نتكم في الأمور الكلية فاعلم أنهم يتكلمون بلا علم وفيما لا يعلمون أن له معلوما في الخارج بل فيما ليس له معلوم في الخارج وفيما قد يمتنع أن يكون له معلوم في الخارج وإلا فالعلم بالامور الموجودة إذا كان كليا كان له معلومات ثابتة في الخارج.
ولفظ الكلى يريدون به ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ثم قد يكون ممتنعا في الخارج كشريك الباري وقد يكون معدوما وإنما يقدره الذهن كما يقدر عنز ايل وهذا تمثيل أرسطو.
وقد يكون موجودا في الخارج لكن لا يقبل الشركة وقد يمكن وقوع الشركة فيه ولم تقع وهم يمثلون هذا باسم الاله والشمس ويجعلون مسمى هذا كليا لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وإنما امتنعت الشركة فيه لسبب خارجي فانحصر نوعه في شخصه لا لمجرد تصور معناه وهذا مشهور بينهم.
وإنما يصح هذا إذا كان لفظ الاله ولفظ الشمس اسم جنس بحيث لا يقصد به الشمس المعينة ولا الاله المعين المعروف فان الكلى عندهم مثل
(1/326)

اسم جنس في اصطلاح النحاة وهو ما علق على الشيء وعلى كل ما اشبهه والناس لا يقصدون بلفظ الشمس إلا الشمس المعينة واللام فيها لتعريف العهد لا للجنس كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} فمسمى الشمس والقمر هنا جزئي لا كلى بخلاف لفظ الكوكب والنجم ونحو ذلك فانه كلى وكذلك اسم الاله عند المسلمين إنما يريدون به إلههم وهو الله لا إله إلا هو.
وعلى هذا فليس هذا ولا هذا كليا مشتركا بل نفس تصور معناه يمنع من وقوع الشركة فيه فهو معين مختص وهو الذي يسمونه الجزئي ليس مطلقا مشتركا وهو الذي يسمونه الكلى.
وكان الخسر وشاهى من أعيانهم وأعيان أصحاب الرازي وكان يقول: "ما عثرنا إلا على هذه الكليات" وكان قد وقع في حيرة وشك حتى كان يقول: "والله ما أدرى ما أعتقد والله ما أدرى ما أعتقد والله ما أدري ما اعتقد".
الاستدلال بالكليات على أفرادها استدلال بالخفي على الجلي:
والمقصود أن الذي يدعونه من الكليات هو إذا كان علما فهو مما يعرف ب قياس التمثيل لا يقف على القياس المنطقى الشمولي أصلا بل ما يدعون توقفه على هذا القياس تعلم أفراده التي يستدل عليها بدون هذا القياس وذلك أيسر وأسهل فيكون الاستدلال عليها بالقياس الذي يسمونه البرهاني استدلالا على الأجلى بالأخفى.
وإذا قيل فالبرهان يفيد قضية كلية قيل أما البرهان الذي يستحق اسم البرهان عندهم وهو ما كان مؤلفا من المقدمات اليقينية المحضة الواجب قبولها التي يمتنع
(1/327)

نقيضها فإنها بهذه المنزلة وأما ما لا يكون كذلك بل يكون مؤلفا من القضايا التجريبة العادية كالقضايا الطبيعية والطبية والنحوية ونحو ذلك فهذه كثيرا ما تكون منتقضة ولا يجزم العقل بامتناع انتقاضها إلا بشروط فان العاديات يجوز انتقاضها والقضية الكلية إذا جاز انتقاضها لم يكن عندهم مادة للبرهان بل للجدل والخطابة.
فان قيل وأنتم تجزمون بمراد المتكلم بكلامه في غالب المواضع كما تجزمون بمراد الرسول ومراد علماء الشرع والطب والنحو والعلم باللغات مبناه على القضايا العادية قيل الجزم بمراد الشخص المعين ليس هو قضية كلية بل هو علم بمراد شخص معين وهذا وإن كان علمنا بلغته وعادته هو مما يعين على العلم بمراده فلا بد مع ذلك من علم يختص به يعرف أنه إنما تكلمه بتلك العادة ليفهمنا مراده وحينئذ فليس هذا مما نحن فيه ولهذا لا نستدل على هذا بمجرد ما ذكروه من برهانهم.
وهم يعيبون في صناعة الحد أن يعرف الجلى بالخفي وهذا في صناعة البرهان اشد عيبا فان البرهان لا يراد به إلا به إلا بيان المدلول عليه وتعريفه وكشفه وأيضاحه فإذا كان هو أوضح وأظهر كان هذا بيانا للجلى بالخفي وأما الحد فالصواب أن المراد به التمييز بينه وبين المحدود لا تعريف الماهية وإذا كان مطلوبه هو التمييز فقد يكون المميز اخفى وقد يكون أجلى.
المقدمات الخفية قد تنفع بعض الناس وفي المناظرة:
ومع هذا فلما كان الجلاء والخفاء من الأمور النسبية فقد ينتفع بالدليل الخفي والحد الخفي بعض الناس وكثير من الناس إذا ذكر له الواضح لم يعبا به وقد لا يسلمه حتى يذكر له دليل مستلزم ثبوته فانه يسلمه وكذلك إذا ذكر له حد يميزه وهذا في الغالب يكون من معاند أو ممن تعودت نفسه أنها لا تعلم إلا ما تعنت عليه وفكرت فيه وانتقلت فيه من مقدمة إلى مقدمة فان العادة طبيعة ثانية فكثير ممن تعود البحث والنظر صارت عادة نفسه كالطبيعة له لا يعرف ولا يقبل ولا يسلم
(1/328)

إلا ما حصل له بعد بحث ونظر بل وجدل ومنع ومعارضة فحينئذ يعرف به ويقبله ويسلمه وإن كان عند أكثر الناس من الأمور الواضحة البينة لا تحتاج إلى بحث ونظر فالطريق الطويلة والمقدمات الخفية التي يذكرها كثير من النظار تنفع لمثل هؤلاء في النظر وتنفع في المناظرة لقطع المعاند وتبكيت الجاحد.
فان السفسطة أمر يعرض لكثير من النفوس وهي جحد الحق وهي لفظه معربة من اليونانية أصلها سوفسطيا أي حكمه مموهة فلما عربت قيل سفسطة.
وأما ما يذكره طائفة من أهل الكلام ونأقلي المقالات أن في الناس رجل يقال له سوفسطا وانه وأصحابه ينكرون جميع الحقائق والعلوم فهذا باطل لا حقيقة له ولا يتصور أن يعيش احد من بني آدم بل ولا من البهائم مع جحد جميع الحقائق والشعور بها فان الإنسان مدنى بالطبع فلا بد أن يعرف بعض الناس بعضا ويعرف الإنسان جوعه وشبعه وعطشه وريه ولذته وألمه ويميز بين ما يأكله وما لا يأكله وما يلبسه وما لا يلبسه وبين مسكنه ومسكن جاره وبين الليل والنهار وغير ذلك من الأمور التي هي ضرورية في الحياة.
وكذلك ما يذكرونه أن في السمنية قوم ينكرون من العلوم ما سوى الحسيات حتى ينكروا المتواترات غلط على القوم فإنهم انكروا وجود ما لا يمكن الاحساس به لم ينكروا وجود ما لا يحسونه مم به وقد ذكر الامام احمد مناظرتهم للجهم بن صفوان وهي تقتضى ذلك وإلا فهؤلاء من عقلاء
(1/329)

الهند وحكمائهم وإن كانوا مشركين يعبدون الأصنام فلا يتصور أن احدهم ينكر ما كان قبل مولده فلا ينكر وجود البلاد والانهار والجبال والدور التي لم يرها ولا ينكر وجود كل إنسان أو بهمة لم يرها فان هذا ليس عليه أحد من بنى آدم بل بنو آدم كلهم متفقون على أن ما شاهدوه علموه بالمشاهدة وما غاب عنهم علموه بالأخبار فلا يتصور أن كل طائفة من الطوائف تتفق على جحد جنس الأخبار.
ولكن قد تعرض السفسطة لبعض الطوائف ولبعض الأشخاص في بعض المعارف فان أمراض القلوب كأمراض الأجسام فكما أنها ليس في الوجود أمة ولا شخص يمرض بكل مرض فليس فيهم من هو جاهل بكل شيء وفاسد الاعتقاد في كل شيء وفاسد القصد في كل شيء بل قد يوجد فيهم من هو مريض ببعض الامراض بل قد يوجد بعض الطوائف يكثر فيهم بعض الامراض وهؤلاء المرضى لا ينتفعون بالاغذية الفطرية بل يحتاجون إلى علاج وادوية تناسب مزاجهم.
وكذلك من كان به سفسطة ومرضت فطرته في بعض المعارف لا يستعمل معه الأدلة النظرية بل يستعمل معه نوع من العلاج والادوية فقد تكون الحدود والأدلة التي تحوجه إلى النظر والفكر إذا تصورها مقدمة مما يزيل
(1/330)

سفسطته وتحوجه إلى الاعتراف بالحق وهذا بمنزلة من يغلط في الحساب والحساب لا يحتمل وجهين وقد يكون غلطه ظاهرا وهو لا يعرفه أو لا يعترف به فيسلك معه طريق طويل يعرف بها الحق ويقال له أخذت كذا وأخذت كذا فصار كذا وأخذت كذا وأخذت كذا فصار كذا.
وكذلك للمناظر قد تضرب له الامثال فان المثال يكشف الحال حتى في المعلومات بالحس والبديهة وقد تستسلف معه المقدمات وإلا فقد يجحد إذا عرف أنه يلزمه الاعتراف بما ينكره وهي طريقة المتقدمين من نظار المسلمين وقدماء اليونان في المناظرة يكون المستدل هو السائل لا المعترض فيستسلف المقدمات ويقول ما تقول في كذا وفي كذا أو يقول ليبين كذا وكذا مقدمة مقدمة فإذا اعترف بتلك المقدمات بين ما تستلزمه من النتائج المطلوبه.
فيجب الفرق بين ما يقف معرفة الحق عليه ويحتاج إليه وبين ما يعرف الحق بدونه ولكن قد يزال به بعض الامراض ويقطع به بعض المعاندين والله سبحانه اعلم.
وكثير من النظار يسلك في معرفة المطلوب طريقا يقولون لا طريق إلا هو وكذلك في الحدود وقد تكون تلك الطريق فاسدة وقد تكون صحيحة ولكن للناس طرق أخرى كما قد يقوله كثير منهم في معرفة الصانع أو معرفة صدق رسوله أنه لا طريق إليها إلا هذه الطريق ويكون للناس طرق خير منها.
كتاب الآراء والديانات للنوبختي:
وكنت قد علقت الكلام على أهل المنطق في مجلس واحد بسرعة لسبب اقتضى ذلك ثم بعد مدة نظرت في كتاب الآراء والديانات لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختى فرأيته قد ذكر نحو هذا المعنى عمن تقدم من متكلمى المسلمين فانه
(1/331)

ذكر كلام أرسطوا مختصرا.
اختلاف الفلاسفة فيما بينهم:
وأرسطو هو المعلم الأول لاصحاب هذه التعاليم الذي يسمون المشائين وهم أصحاب هذا المنطق اليوناني الذي وضعه أرسطو وما يتبعه من الطبيعي والإلهي فان الفلاسفة ليسوا امة واحدة لها مقالة في العلم الإلهي والطبيعي وغيرهما بل هم أصناف متفرقون وبينهم من التفرق والاختلاف ما لا يحصيه إلا الله أعظم مما بين الملة الواحدة كاليهود والنصارى أضعافا مضاعفة.
كلما كان القوم عن اتباع الرسل أبعد كان اختلافهم أكثر:
فان القوم كلما بعدوا عن اتباع الرسل والكتب المنزلة كان أعظم في تفرقهم واختلافهم فإنهم يكونوا أضل كما في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل" ثم قرأ قوله: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} إذ لا يحكم بين الناس فيما تنازعوا فيه إلا كتاب منزل ونبي مرسل كما قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
(1/332)

ولهذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} وقد أنزل مع رسله الكتاب والميزان كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} وقال: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} .
والميزان قال كثير من المفسرين: "هو العدل" وقال بعضهم: "هو ما به توزن الأمور وهو ما به يعرف العدل" وكذلك قالوا في قوله: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} الامثال المضروبة والأقيسة العقلية التي تجمع بين المتماثلات وتفرق بين المختلفات وإذا أطلق لفظ الكتاب كما في قوله: {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} دخل فيه الميزان لأن الله تعالى بين في كتابه من الامثال المضروبة والمقاييس العقلية ما يعرف به الحق والباطل.
وهذا كلفظ الحكمة تارة يقرن ب الكتاب كما في قوله: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} وتارة يفرد الكتاب كقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} وإذا أفرد دخلت الحكم في معناه وكذلك في لفظ القرآن والإيمان قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
(1/333)

وإذا أفرد لفظ القرآن فهو يدل على الإيمان كما الإيمان يدل على القرآن فهما متلازمان وسيأتي أن شاء الله الكلام على هذا وقد أمر الله بالجماعة والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف فقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} وقال: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} وقد اخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون فقال تعالى: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} .
ولهذا يوجد اتبع الناس للرسول أقلهم اختلافا كأهل الحديث والسنة فإنهم أقل اختلافا من جميع الطوائف ثم من كان إليهم أقرب من جميع الطوائف المنتسبة إلى السنة كانوا أقل أختلافا فأما من بعد من السنة كالمعتزلة والرافضة فتجدهم أكثر الطوائف اختلافا.
كثرة اختلاف الفلاسفة:
وأما اختلاف الفلاسفة فلا يحصره احد وقد ذكر أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات مقالات غير الإسلاميين عنهم من المقالات ما لم يذكره الفارابي وابن سينا وأمثالهما وكذلك القاضي أبو بكر بن الطيب في كتاب الدقائق الذي رد فيه على الفلاسفة والمنجدمين ورجح فيه منطق المتكلمين من العرب على منطق اليونان وكذلك متكلمة المعتزلة والشيعة وغيرهم في ردهم على الفلاسفة ذكروا أنواعا من المقالات وردوها
(1/334)

ولكن مذهب الفلاسفة الذين نصره الفارابي وابن سينا وأمثالها كالسهروردي وردى المقتول على الزندقة وكأبي بكر بن الصائغ وابن رشد الحفيد هو مذهب المشائين اتباع أرسطو صاحب المنطق وهو الذي يذكره الغزالي في كتاب
(1/335)

مقاصد الفلاسفة وعليه رد في التهافت وهو الذي يذكره الرازي في الملخص والمباحث المشرقية ويذكره الامدى في دقائق الحقائق ورموز الكنوز وغير ذلك.
وعلى طريقهم مشى أبو ابركات صاحب المعتبر لكن لم يقلدهم تقليد غيره بل اعتبر ما ذكروه بحسب نظره وعقله وكذلك الرازي والامدى يعترضان عليهم في كثير مما يذكرونه بحسب ما يسنح لهم وابن سينا أيضا قد يخالف الأولين في بعض ما ذكروه ولهذا ذكر في كتابه المسمى ب الشفاء أن الحق الذي ثبت عنده ذكره في الحكمة المشرقية والسهروردي ذكر ما ثبت عنده في حكمة الاشراق والرازي في المباحث المشرقية.
واتباع أرسطو من الأولين اشهرهم ثلاثة برقلس والاسكندر الافرديوسي وثامسطيوس صاحب الشروح والترجمة وإذا قال الرازي في كتبه: "اتفقت الفلاسفة" فهم هؤلاء وإلا فالفلاسفة طوائف كثيرون وبينهم اختلاف كثير في الطبيعيات والإلهيات وفي الهيئة أيضا وقد ذكروا أنه أول من قال منهم بقدم العالم أرسطو
(1/336)

وقد ذكر محمد بن يوسف العامري وهو من المصنفين في مذاهبم أن قدماءهم دخلوا الشام واخذوا عن اتباع الأنبياء داود وسليمان وان فيثاغورس معلم سقراط اخذ عن لقمان الحكيم وسقراط هو معلم افلاطن وافلاطن معلم أرسطو.
والمقصود هنا أن نظار المسلمين ما زالوا يصنفون في الرد عليهم في المنطق وغير المنطق ويبينون خطاهم فيما ذكروه في الحد والقياس جميعا كما يبينون خطأهم في الإلهيات وغيرها ولم يكن احد من نظار المسلمين يلتفت إلى طريقتهم بل المعتزلة والأشعرية والكرامية والشيعة وسائر طوائف النظر كانوا يعيبونها ويثبتون فسادها واول من خلط منطقهم بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي وتكلم فيه علماء المسلمين بما يطول ذكره.
كلام النوبختي في الرد على المنطق:
وهذا الرد عليهم مذكور في كثير من كتب أهل الكلام لكن اتفق اني رايت هذا الفصل أولا في كلام النوبختي فانه بعد أن ذكر طريقة أرسطو في المنطق قال:
"وقد اعترض قوم من متكلمي أهل الإسلام على اوضاع المنطق هذه وقالوا أما قول صاحب المنطق: "أن القياس لا يبنى من مقدمة واحدة" فغلط لأن القائل إذا أراد مثلا أن يدل على أن الإنسان جوهر فقال استدل على نفس الشيء المطلوب من غير تقديم المقدمتين وهو أن يقول: "أن الدليل على أن الإنسان جوهر أنه يقبل المتضادات في أزمان مختلفة" وليس يحتاج إلى مقدمة ثانية هي قول القائل: "أن كل قابل للمتضادات في ازمان مختلفة فجوهر" لأن دلالته على أن "كل قابل للمتضادات في ازمان مختلفة فجوهر" هو نفس ما خولف فيه واراد الدلالة عليه لأن الخاص داخل في العام فعلى ايهما دل استغنى عن الآخر وقد يستدل الإنسان إذا شاهد الاثر على أن له مؤثرا والكتابة على أن لها
(1/337)

كاتبا من غير أن يحتاج في استدلاله على صحة ذلك إلى المقدمتين قالوا فنقول أنه لا بد من مقدمتين فإذا ذكرت احداهما استغنى بمعرفة المخاطب بالآخرى فترك ذكرها لا لأنه مستغن عنها.
قلنا لسنا نجد مقدمتين كليتين يستدل بهما على صحة نتيجة لأن القائل إذا قال: "الجوهر لكل حي" والحيوة لكل إنسان فتكون النتيجة أن الجوهر لكل إنسان فسواء في العقول قول القائل: "الجوهر لكل حي" وقوله: "لكل انسان".
قلت: معنى ذلك انا إذا قلنا كل إنسان حي وكل حي جوهر كما يقولون كل إنسان حيوان وكل حيوان جوهر أو جسم فسواء في العقول علمنا بان كل إنسان جوهر أو جسم وعلمنا بأن كل حيوان جوهر أو جسم فمن علم أن كل حيوان جوهر فقد علم أيضا أن كل إنسان جوهر.
ومقصوده أنهم لا يجدون مقدمتين أوليتين بديهيتين يستدل بهما على شيء من موارد النزاع التي تحتاج إلى البرهان بل لا بد أن يكون إحداهما أو كلاهما غير بديهية ومتى قدر أنهما بديهيتان فاحداهما تكفى كما ذكره من المثال وإن قدرت إحداهما نظرية فهي التي يحتاج إلى بيانها وإذا كانتا جميعا نظريتين احتيج إلى بيانهما جميعا كما لو كانت ثلاث مقدمات وما يحتاج إلى أنه يستدل عليه ثم يستدل به وإنما يستدل إبتداء بما هو بين بنفسه كالبديهيات".
قال: "ولا يجدون في المطالب العلمية أن المطلوب يقف على مقدمتين بينتين بأنفسهما بل إذا كان الأمر كذلك كانت إحداهما كافية".
قال: "ونقول لهم أرونا مقدمتين أوليتين لا تحتاجان إلى برهان يتقدمهما يستدل بهما على شيء مختلف فيه وتكون المقدمتان في العقول أولى بالقبول من النتيجة فإذا كنتم لا تجدون ذلك بطل ما ادعيتموه".
قال أبو محمد الحسن بن موسى النوبخي: "وقد سألت غير واحد من رؤسائهم
(1/338)

ان يوجد بينة فما أوجد بينة".
قال: "فما ذكره أرسطو طاليس غير موجود ولا معروف".
قال: "وأما ما ذكره بعد ذلك من الشكلين الباقيين فهما غير مستعملين على ما بناهما عليه وإذا كانا يصحان بقلب مقدماتهما حتى يعودا إلى الشكل الأول فالكلام حينئذ في الشكل الأول هو الكلام فيهما".
وذكر كلاما آخر ليس هذا موضعه ومقصوده أن سائر الاشكال إنما تنتج بالرد إلى الشكل الأول أما بقياس الخلف الذي يتضمن إثبات الشيء بابطال نقيضه وأما بواسطة حكم نقيض القضية أو عكسها المستوى أو عكس نقيضها فبيان الاشكال ونتاجها فيه كلفة ومشقة مع أنه لا حاجة إليها فان الشكل الأول يمكن أن يستعمل فيه جميع المواد الثبوتية والسلبية الكلية والجزئية وقد عرفت انتفاء فائدته فانتفاء فائدة فروعه التي لا تفيد إلا بالرد إليه أولى وأحرى.
والمقصود هنا أن هذه الأمة ولله الحمد لم يزل فيها من يتفظن لما في كلام أهل الباطل من الباطل ويرده وهم لما هداهم الله به يتوافقون في قبول الحق ورد الباطل رأيا وراية من غر تشاعر ولا تواطؤ.
بطلان دعواهم أن النتائج النظرية تحتاج إلى مقدمتين:
وهذا الذي نبه عليه هؤلاء النظار يوافق ما نبهنا عليه فان القياس مشتمل على مقدمتين صغرى وكبرى فالكبرى هي العامة والصغرى اخص منها كما إذا قلت كل نبيذ خمر وكل خمر حرام فان النبيذ المتنازع فيه اخص من الخمر والخمر اخص من الحرام فالأول هو الحد الأصغر والآخر هو الحد الأكبر والأوسط المتكرر فيهها هو الحد الأوسط وحاصل القياس إدراج خاص تحت عام.
ومعلوم أن من علم العام فقد علم شموله لافراده ولكن قد يعزب عنه دخول
(1/339)

بعض الأفراد فيه أما لعزوب علمه بالعام أو لعزوب علمه بالخاص كما مثله المنطقيون ابن سينا وغيره فيمن ظن أن هذه الدابة تحمل فيقال له أما تعلم أن هذه بغلة فيقول نعم ويقال له أما تعلم أن البغلة لا تحمل فحينئذ يتفطن لأنها لم تحمل فهذا وان ذكر بشيء كان غافلا عنه لم يستفد بذلك علم ما لم يكن يعلمه فان لم يخطر بقلبه هذا لم يلزم من علمه بأنها بغلة أنها لا تحمل.
لكن هذا قد لا يحتاج إلا إلى مقدمة واحدة وهي التي يذكرها فانه أن كان يعلم أن هذه الدابة بغلة ونسى أن البغلة لا تحمل بحمل وهو قد جهل أو نسى أن هذه بغلة عرف بهذه وحدها.
وقد تنازع في هذا الموضع طائفتان ابن سينا ومن معه والرازي ومن معه وسبب نزاعهما الأصل الفاسد الذي أخذوه تقليدا لارسطو فقال ابن سينا: "لا بد مع المقدمتين من التفطن لاندراج الخاص تحت العام" ومثله بهذا فقال: "قد يكون الرجل يعلم أن هذه الدابة المعينة بغلة ويعلم أن البغلة لا تحمل لكن يذهل عن دخول هذا المعين تحت ذلك العام فإذا تفطن لذلك حصل النتاج وإلا فلا".
وقال الرازي: "وهذا يقتضى أنه لا بد من ثلاث مقدمات مقدمة بأن يعلم أن هذه بغلة ومقدمة أن البغلة لا تحمل ومقدمة أن هذا يتناول هذا واختار أنه لا يحتاج إلا إلى مقدمتين أن هذه بغلة وان البغلة لا تحمل وانه إذا كان غافلا عن هذه الكلية لم يكن عالما بها بالفعل فإذا صار عالما بها بالفعل بحيث تكون حاضرة في ذهنه امتنع مع ذلك أن لا يعلم أن هذه البغلة لا تحمل".
وفصل الخطاب أن المطلوب قد يحتاج إلى مقدمة والى اثنتين والى ثلاث والى اربع فأصل الاضطراب دعواهم أن النتائج النظرية تحتاج إلى مقدمتين وتكفى فيها مقدمتان فجعلوا لا بد في كل مطلوب نظري من مقدمتين وادعوا أنه يكفى في كل مطلوب نظري مقدمتان وكلا الأمرين باطل
(1/340)

فالشخص المعين إذا رأى دابة وظنها حاملا أن كان ممن لم يعلم أنها بغلة ولم يعلم أن البغال عقم أو يعلم الأمرين ونسيهها أو نسى أحدهما وجهل الآخر فانه يحتاج إلى العلم بمقدمتين وتذكر المنسي نوع من العلم يحتاج أن يعلم أنها بغلة ويعلم أن البغلات لا يحملن وإن كان يعلم أن البغلة لا تحمل لكن لم يعرف أنها بغلة احتاج إلى مقدمة واحدة فإذا قيل له هذه بغلة فإذا عرف أنها بغلة وفي نفسه معلوم أن البغلة لا تحمل علم أن هذه المعينة لا تحمل وإن كان يعلم أن هذه بغلة وقد علم قديما أن البغلة لا تحمل لكن عزب هذا العلم عن ذهنه في هذا الوقت ونسيه فهذا قد نسى علمه والنسيان من اضداد العلم فإذا ذكر بعلمه ذكره فإذا ذكر أن البغلة لا تحمل حصل له مقدمة واحدة.
والعلم يحصل بالعلم بالدليل لمن لم يكن عالما به قط ولمن يذكره بعد النسيان إذا كان قد علمه ثم نسيه ولهذا قال سبحانه: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} فبين سبحانه أن آياته تبصرة وتذكرة فالتبصرة بعد العمى وهو الجهل والتذكرة بعد النسيان وهو ضد العلم.
وهؤلاء لما تقلدوا قول من يقول أنه لا بد من مقدمتين وبهما يحصل النتاج فرأى بعضهم أن المقدمتين معلومتان لهذا الظان أن هذه البغلة حامل مع عدم العلم قال فلا بد من التفطن فيقال له ما ذكرته من التفطن هو الذي يحتاج إليه هذا لا يحتاج إلى شيء من المقدمات غير هذه وهذا التفطن هو تذكر ما نسيه وهو مقدمة واحده.
ومن قال أن هذا هو إحدى المقدمتين فقد أصاب في ذلك لكن يقال له لا تحتاج إلا إلى هذه المقدمة فقط لا تحتاج إلى غيرها وهذا الظان متى حضر في
(1/341)

ذهنه أن هذه بغلة وان البغلة لا تحمل لزم قطعا أن يحضر في ذهنه أنها لا تحمل.
فالمدلول لازم للدليل فمتى تصور الإنسان الدليل ولزوم المدلول له تصور المدلول فإذا تصور أنها بغلة وتصور لازم ذلك وهو نفى الحمل عن البغلة تصور قطعا نفيه عن هذه فأما مجرد الدليل بدون تصور لزوم المدلول له فلا يحصل به العلم واللوازم البين لزومها للدليل تعلم بمجرد العلم به وبلزومها له واللوازم الخفية التي يفتقر العلم بلزومها إلى وسط وهو دليل ثان على اللزوم يقف على ذلك والاذهان في هذا متفاوقة فقد يحتاج هذا الذهن في معرفة اللزوم إلى وسط وهو الدليل والآخر لا يحتاج إليه.
وقد تنازع النظار في العلم الحاصل بالدليل هل هو لزومه عن الدليل لزوما عاديا كما يقولونه في الشبع مع الأكل أو لزوما عقليا يسمى التضمن بحيث لا يمكن الانفكاك عنه كما يمتنع وجود العلم والإرادة بدون الحيوة.
والأول قول قدماء النظار ك الأشعري وغيره ولهذا جعله المعتزلة من باب التولد وهذا كالرؤية مع التحديق وكالسمع مع الاصغاء وإلا فحصول العلم بالدليل دون المدلول عليه ليس ممتنعا لذاته بل الأول سبب للثاني ومقتض له وموجب له بحكم سنة الله تعالى في عباده بخلاف الحيوة مع العلم فان الأول شرط للثاني ولهذا كان العلم يوجد مع الحيوة ليست الحيوة متقدمة عليه كما يتقدم العلم بالدليل على العلم بالمدلول عليه.
ونظار المسلمين مع تنازعهم في هذا متفقون على أن الدليل مقدمة واحدة كما ذكرناه وما ذكروه من البغلة موجود في سائر النظريات فان الإنسان قد يعلم الخاص ولا يعلم العام وقد يعلم العام ولا يعلم الخاص كما قد يعلم أن هذه بغلة ولا يعلم أن البغلة لا تحمل وقد يعلم أن البغلة لا تحمل ولا يعلم أن هذه بغلة ولا يجب أن يكون علمه بالخاص مقدما على العام ولا متاخرا بل قد يتفق في بعض الناس علمه بالخاص قبل العام وفي بعض الناس يعلم العام قبل الخاص
(1/342)

وكذلك المعينات وذلك أن علمه بأن هذه البغلة لا تحمل كعلمه بأن هذه لا تحمل وبأن هذه لا تحمل فلا يجب أن يعلم أن هذا المعين مثل هذا المعين بل قد يعلم احد المعينين ولا يعلم الآخر ولا يجب أن يكون علمه بالمعينات قبل علمه بالقضية العامة ولا أن يكون بالمعينات أعلم ولا يجب أن يكون بالقضية العامة الكلية التي يستفيد بها العلم بحكم الققضايا المعينة اعلم منه بوصف القضايا المعينة أي لا يجب أن يكون علمه بأن كل بغلة لا تحمل أقوى ولا يجب أن يكون العلم العام الذي يفيده علم المعينات في نفسه أسبق من علم معين علم به أنها بغلة أي العلم بأن البغلة لا تحمل لا يجب أن يكون أقوى ولا أسبق في الذهن من العلم بأن هذه الدابة بغلة بل قد يجهل أنها بغلة كما قد يجهل أن البغلة لا تحمل فإذا قدر أنه يعلم أن البغلة لا تحمل ومستنده في ذلك ما اشتهر من خبر الناس فذلك يتناول المعين كتناوله لما هو اعم منه مثل تناوله للبغلات الحمراء والسوداء ولما تكون أمه أتانا فلو خطر له أن ما تكون أمه أتانا وأبوه حصانا يحمل قيل له أما تعلم أن هذا البغلة وان البغلة لا تحمل.
وان كان مستنده في أن البغلة لا تحمل هو تجربته فالتجربة لا تكون عامة وإنما جرب ذلك في بغلات معينة فما به يعلم مساواة سائر البغلات لها يعلم مساواة هذه البغلة لها.
واعتبر هذا بنظائره يتبين لك أنه يمكن الاستغناء عن القياس المنطقي بل يكون استعماله تطويلا وتكثيرا للفكر والنظر والكلام بلا فائدة وان الحاجة إلى المقدمات بحسب حال المستدل فقد يحتاج تارة إلى مقدمة وتارة إلى ثنتين وتارة إلى ثلاث وتارة إلى أكثر من ذلك وانه تارة يجهل كون المعين بغلة وإذا كان كذلك فمتى علم أن هذه بغلة علم أنها لا تحمل إذا كان قد حصل في نفسه علم عام يتناول جميع البغلات وإذا علم المعين وهو أنها بغلة ولم يعلم المطلق لم يحتج إلا إلى علم العام وهو أن البغلة لا تحمل واعتبر هذا بسائر الأمور تجده كذلك
(1/343)

الوجه الثالث: عدم دلالة القياس البرهاني على إثبات الصانع:
الوجه الثالث: أن القضايا الكلية العامة لا توجد في الخارج كلية عامة وإنما تكون كلية في الأذهان لا في الأعيان وأما الموجودات في الخارج فهي أمور معينة كل موجود له حقيقة تخصه يتميز بها عما سواه لا يشاركه فيها غيره فحينئذ لا يمكن الاستدلال بالقياس على خصوص وجود معين وهم معترفون بذلك وقائلون أن القياس لا يدل على أمر معين وقد يعبرون عن ذلك بأنه لا يدل على جزئي وإنما يدل على كلي والمراد بالجزئي ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وكل موجود له حقيقة تخصه يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها فإذن القياس لا يفيد معرفة أمر موجود بعينه وكل موجود فإنما هو موجود بعينه فلا يفيد معرفة شيء من حقائق الموجودات وإنما يفيد أمورا كلية مطلقة مقدرة في الأذهان لا محققة في الأعيان.
وقد بسطنا الكلام على هذا وغيره في غير هذا الموضع وبين أن ما يذكره النظار من الأدلة القياسية التي يسمونها براهين على إثبات الصانع سبحانه وتعالى لا يدل شيء منها على عينه وإنما يدل على أمر مطلق كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.
فانا إذا قلنا هذا محدث وكل محدث فلا بد له من محدث أو ممكن والممكن لا بد له من واجب إنما يدل هذا على محدث مطلق أو واجب مطلق ولو عين بأنه قديم أزلي عالم بكل شيء وغير ذلك فكل هذا إنما يدل فيه القياس على أمر مطلق كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه وإنما يعلم عينه بعلم آخر يجعله الله في القلوب وهم معترفون بهذا لأن النتيجة لا تكون ابلغ من المقدمات والمقدمات فيها قضية كلية لا بد من ذلك والكلي لا يدل على معين.
وهذا بخلاف ما يذكره الله في كتابه من الآيات كقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} إلى قوله: {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
(1/344)

وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وغير ذلك فانه يدل على المعين كالشمس التي هي آية النهار وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا} والدليل أتم من القياس فان الدليل قد يكون بمعين على معين كما يستدل بالنجم وغيره من الكواكب على الكعبة ف الآيات تدل على نفس الخالق سبحانه لا على قدر مشترك بينه وبين غيره فان كل ما سواه مفتقر إليه نفسه فيلزم من وجوده وجود عين الخالق نفسه.
الكلام على علة الافتقار إلى الصانع:
وقد بسط الكلام على هذا في مواضع مثل ما ذكرناه من طرق إثبات العلم بالصانع والطرق التي سلكها عامة النظار في هذا المطلوب والكلام على المحصل وغير ذلك فان المتأخرين من النظار تكلموا في علة الافتقار إلى المؤثر وان شئت قلت إلى الصانع هل هو الإمكان أو الحدوث أو مجموعهما.
فالأول: قول المتفلسفة المتأخرين ومن وافقهم كالرازي ومقصودهم بذلك أن مجرد الإمكان بدون الحدوث يوجب الافتقار إلى الصانع فيمكن كون الممكن قديما لا محدثا مع كونه مفتقرا إلى المؤثر وهذا القول مما اتفق جماهير العقلاء من الأولين والآخرين على فساده حتى أرسطو وقدماء الفلاسفة ومن اتبعه من متأخريهم كابن رشد الحفيد وغيره كلهم يقولون أن ما أمكن وجوده وأمكن عدمه لا يكون إلا محدثا وإنما قال هذا القول ابن سينا وأمثاله واتبعهم الرازي وأمثاله وهؤلاء يجعلون الشيء الممكن مفتقرا إلى الفاعل في حال بقائه فقط فانه لم يكن له حال حدوث ولهذا لما جعلوا مثل هذا ممكنا اضطرب كلامهم في الممكن وورد عليهم إشكالات لا جواب لهم عنها كما ذكر في كتبه كلها الكبار والصغار ك الأربعين ونهاية العقول والمطالب العالية والمحصل وغيرها وقد بسطناه في غير هذا الموضع
(1/345)

والقول الثاني: أن علة الافتقار مجرد الحدوث وان المحدث يفتقر إلى الفاعل حال حدوثه لا حال بقائه وهذا قول طائفة من أهل الكلام المعتزلة وغيرهم وهذا أيضا قول فاسد.
والقول الثالث: أن علة الافتقار هي الإمكان والحدوث ولم يجعل أحدهما شرطا في الآخر وقد يجعل احد الشطرين وقد بينا في غير هذا الموضع أن كل واحد من الحدوث والإمكان دليل على الافتقار إلى الصانع وان كانا متلازمين فإذا علمنا أن هذا محدث علمنا أنه مفتقر إلى من يحدثه وإذا علمنا أن هذا ممكن وجوده وممكن عدمه علمنا أنه لا يرجح وجوده على عدمه إلا بفاعل يجعله موجودا.
وكونه مفتقرا إلى الفاعل هو من لوازم حقيقته لا يحتاج أن يعلل بعلة جعلته مفتقرا بل الفقر لازم لذاته فكل ما سوى الله فقير إليه دائما لا يستغني عنه طرفة عين وهذا من معاني اسمه الصمد ف الصمد الذي يحتاج إليه كل شيء وهو مستغن عن كل شيء وكما أن غنى الرب ثبت له لنفسه لا لعلة جعلته غنيا فكذلك فقر المخلوقات وحاجتها إليه ثبت لذواتها لا لعلة جعلتها مفتقرة إليه.
فمن قال علة الافتقار إلى الفاعل هي الحدوث أو الإمكان أو مجموعهما أن أراد أن هذه المعاني جعلت الذات فقيرة لم يصح شيء من ذلك وإن أراد أن هذه المعاني يعلم بها فقر الذات فهو حق فكل منهما مستلزم لفقر الذات وهي مفتقرة إليه حال حدوثها وحال بقائها لا يمكن استغناؤها عنه لا في هذه الحال ولا في هذه الحال.
وأما تقدير ممكن يقبل أن يكون موجودا ويقبل أن يكون معدوما مع أنه واجب الوجود لغيره أزلا وأبدا فهذا جمع بين المتناقضين فان ما يجب وجوده أزلا وأبدا لا يقبل العدم أصلا وقول القائل أنه باعتبار ذاته مع قطع النظر
(1/346)

عن موجبه يقبل الوجود والعدم باطل لوجوه.
منها أن هذا مبنى على أن له ذاتا محققة في الخارج غير الموجود المعين وأن تلك الذات تكون ثابتة مع عدمه وهذا باطل بل ليس له حقيقة في الخارج إلا الموجود الثابت في الخارج وما يكون حقيقة الوجود لا يقبل العدم أصلا فليس في الخارج ماهية ثابتة تكون ثابتة في الخارج في حال العدم حتى يقال أن الوجود يعرض ولكن الذات المعلومة المتصورة في الذهن تكون تارة موجودة في الخارج وتارة معدومة.
وقد بسط هذا في غير هذا الموضع فان هذا يتعلق بقول من يقول المعدوم شيء من المعتزلة وغيرهم ويقول من يقول الماهيات ثابتة في الخارج وهي الموجودات المعينة كقول من يقول ذلك من المتفلسفة ومن وافقهم وكلاهما باطل بل الفرق المعقول هو الفرق بين ما يعلم في الأذهان وبين ما يوجد في الأعيان فإذا قيل لما يعلم في الذهن أنه شيء في الذهن أو العلم أو ثابت في العلم أو الذهن أو سمى ذلك ماهية وقيل أن المثلث تثبت ماهيته في الذهن مع الشك في وجوده فهذا صحيح وأما إذا قيل في الخارج ذات ثابتة لا موجودة أو في الخارج ماهية المثلث أو غيره ثابتة مع أنه ليس موجودا فهذا باطل يعلم بطلانه بالتصور الجيد السليم والدلائل الكثيرة كما قد بسط في موضعه.
ومنها أنه لو فرض أن ل الممكن ذاتا غير وجوده فإذا كان الموجود لازما لها أبدا وأزلا واجبا بغيرها لم تقبل هذه الذات أن تكون معدومة قط وقول القائل هي في نفسها ليس لها وجود إذا قدر أن هناك ذاتا غير الوجود لا يقتضى أنه يمكن عدمها ويمكن وجودها مع القول بوجوب وجودها أزلا وأبدا.
ومنها أن الفاعل لا بد أن يتقدم مفعوله المعين لا يجوز مقارنته له في الزمان وما يذكرونه من تقدم حركة اليد على حركة الخاتم ونحو ذلك ويجعلونه تقدما بالعلة ليس في شيء من ذلك علة فاعلة أصلا وإنما ذلك شرط في هذا ولا يمكن أحدا
(1/347)

قط أن يبين في الوجود علة فاعلة لمعلول مفعول مع مقارنتها له في الزمان أصلا وإنما يمكن المقارنة بين الشرط والمشروط ولكن لفظ العلة فيه إجمال يراد به الفاعل ويراد به القابل والشروط.
وهذا أيضا مما حصل فيه تلبيس في صفات واجب الوجود لما قالوا لو كانت له صفات لكانت معلولة للذات والواجب لا يكون معلولا فيقال لهم واجب الوجود قد يعنى به ما لا يحتاج إلى فاعل فالصفات واجبة بهذا الاعتبار وقد يعنى به ما لا يفتقر إلى محل وعلى هذا فالذات واجبة وأما الصفات فليست واجبة بهذا التفسير والبرهان قام على أن الممكنات لا بد لها من فاعل لا يفتقر إلى ما سواه لم يقم على أن صفاته كذاته لا تفتقر إلى محل وهذه الأمور مبسوطة في موضعها.
الكلام على جنس القياس والدليل مطلقا:
والمقصود هنا الكلام على جنس القياس والدليل مطلقا وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع لما تكلمنا على ما ذكروه من أن الاستدلال تارة يكون بالعام على الخاص وهو القياس وتارة بالخاص على العام وهو الاستقراء وتارة بأحد الخاصين على الآخر وهو التمثيل وبينا فساد هذا الحصر والتقسيم وفساد ما ذكر في حكم الأقسام فان من أنواع الاستدلال ما يستدل فيه بمعين على معين وبالمساوي على المساوي سواء كان معينا أو كليا.
فليس من ضرورة الدليل أن يكون أعم أو اخص بل لا بد في الدليل من أن يكون ملزوما للحكم والملزوم قد يكون اخص من اللازم وقد يكون متساويا له ولا يجوز أن يكون أعم منه لكن قد يكون اعم من المحكوم عليه الموصوف الذي هو موضوع النتيجة المخبر عنه.
فان المطلوب الذي هو النتيجة إذا كانت هو أن النبيذ المسكر المتنازع فيه حرام فاستدل على ذلك بان النبيذ المسكر خمر بالنص وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم كل مسكر خمر رواه مسلم وغيره ف الخمر أعم من النبيذ المتنازع فيه
(1/348)

أخص من الحرام والحرام هو الحكم وهو الخبر وهو الصفة وهو المطلوب بالدليل وهو الذي يسمونه الحد الأكبر ويسمونه محمول النتيجة والنبيذ هو المحكوم عليه وهو المخبر عنه وهو الموصوف وهو محل الحكم وهو الذي يسمونه الحد الأصغر وموضوع النتيجة والخمر هو الدليل وهو الحد الأوسط والمطلوب بالدليل معرفة الحكم لا معرفة عينة فهذا الدليل يجب أن لا يكون أخص من محل الحكم بل يكون أما مساويا له وأما أعم منه لأنه لا بد أن يشمل جميع محل الحكم فإذا كان اخص لم يشمله.
ويجب أن لا يكون أعم من الحكم بل يكون أما مساويا له وأما اخص منه لأنه مستلزم للحكم والحكم لازم له فإذا كان أعم منه أمكن وجوده بدون وجود الحكم فلا يصلح أن يكون دليلا مستلزما له فلا بد في الدليل أن يكون مساويا للحكم أو أخص منه ليكون مستلزما له ولا بد أن يكون أعم من المحكوم عليه أو مساويا له ليتناول جميع صور المحكوم عليه وإلا لم يكن دليلا على حكمه بل على حكم بعضه.
والناس هنا قد يضطرب أذهانهم في الدليل هل يجب أن لا يكون اعم من المدلول عليه أو لا يكون اخص وسبب ذلك أن المدلول عليه قد يعنى به الحكم نفسه وقد يعنى به المحكوم عليه فإذا أقمنا الدليل على أن النبيذ حرام فقد يقال المدلول عليه هو النبيذ وهذا يجب أن لا يكون أعم من الدليل بل أما مساويا وأما أخص وقد يقال المدلول عليه هو الحكم وهو حرمة النبيذ وهذا الحكم يجب أن لا يكون اخص من الدليل بل يكون أما مساويا له وأما أعم منه لأن الحكم لازم للدليل والدليل لازم للمحكوم عليه فلا بد أن يكون المحكوم عليه مستلزما للدليل بحيث يكون حيث وجد وجد الدليل ليشمله الدليل ولا بد أن
(1/349)

يكون الحكم لازما للدليل بحيث يكون حيث تحقق الدليل تحقق الحكم حتى يثبت الحكم في جميع صور المحكوم عليه.
وإذا كان كذلك فقد يستدل بالمعين على المعين المساوي له في العموم والخصوص كالاستدلال بإحدى كواكب السماء على الملازم كما يستدل بالجدي على بنات نعش وببنات نعش على الجدي ويستدل بالجدي على جهة الشمال وبجهة الشمال على الجدي ويستدل بالشمس على المشرق وبالمشرق على الشمس ومن هذا الباب ما ذكر من أخبار نبينا صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء قبله فإنها صفات مطابقة له ليست اعم منه ولا أحص منه وكذلك سائر الأمور المتلازمة فانه يستدل بأحد المتلازمين على ثبوت الآخر وبانتفائه على انتفائه فإذا كان المدلول معينا كانت الآية معينة.
وقد تكون الآية تستلزم وجود المدلول من غير عكس كآيات الخالق سبحانه وتعالى فانه يلزم من وجوده وجدوده ولا يلزم من وجوده وجودها وهي كلها آيات دالة على نفسه المقدسة لا على أمر كلى لا يمنع تصوره من وقوع الاشتراك فيه بينه وبين غيره بل ذلك مدلول القياس.
والقرآن يستعمل الاستدلال بالآيات ويستعمل أيضا في إثبات الإلهية قياس الأولى وهو أن ما ثبت لموجود مخلوق من كمال لا نقص فيه فالرب أحق به وما نزه عنه مخلوق من النقائص فالرب أحق بتنزيهه عنه كما ذكر سبحانه وتعالى هذا في محاجته للمشركين الذين جعلوا له شركاء فقال: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} .
وقال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ
(1/350)

بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وقال: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} وكذلك في إثبات صفاته وإثبات النبوة والمعاد كما قد بسط في موضعه.
وأما القياس الذي يستوي أفراده ويماثل الفرع فيه أصله فهذا يمتنع استعماله في حق الله تعالى فان الله لا مثل له سبحانه وتعالى وإذا استعمل فيه مثل هذا القياس لم يفد إلا أمرا كليا مشتركا بينه وبين غيره لا يدل على ما يختص به الرب سبحانه إلا أن يضم إليه علم آخر فان هذا الكلى الذي هو مدلول القياس قد انحصر نوعه في شخصه وهذا أيضا لا يفيد التعيين بل لا بد في التعيين من علم آخر.
الوجه الرابع: التصور التام للحد الأوسط يغنى عن القياس المنطقي:
الوجه الرابع: أن يقال القياس ثلاثة أنواع قياس التداخل وقياس التلازم وقياس التعاند باعتبار القضايا الحملية والشرطية المتصلة والشرطية المنفصلة ومن ذلك تعرف المختلطات فنقول مثلا في قياس التداخل له ثلاثة حدود الحد الأصغر والحد الأوسط والحد الأكبر إذا قال كل مسكر خمر وكل خمر حرام ف المسكر مثلا هو الحد الأصغر والخمر الأوسط والحرام الأكبر والأصغر لا بد أن يكون داخلا في الأوسط لأنه اخص منه أو مساويا له والشئ يدخل في أكثر منه وفي نظيره كما يدخل الإنسان في الحيوان فان الحيوان اعم وكذلك الإنسان والناطق والضحاك متلازمة فكل منها يتناول الآخر فكذلك التداخل في الأحكام الشرعية فان من شرب الخمر ثم شرب ثم شرب كفاه حد
(1/351)

واحد والنتيجة المطلوبة هي كل مسكر حرام.
والنظر نوعان: أحدهما: النظر في المسألة التي هي القضية المطلوب حكمها ليطلب دليلها الذي هو الحد الأوسط مثلا وهذا هو النظر الذي لا يجامع العلم بل يضاده لأن هذا الناظر طالب للعلم بها ولو كان عالما بها لم يطلب العلم لأن ذلك تحصيل الحاصل والثاني: النظر في الدليل وهو العلم بالدليل المستلزم للعلم بالمدلول عليه وهو تصور الحد الأوسط المستلزم لثبوت الأكبر للأصغر مثل من يعلم أن الخمر حرام وأن كل مسكر خمر فيلزم أن يعلم أن كل مسكر حرام وهذا النظر هو ترتيب المقدمتين في النفس وهذا النظر هو الذي يوجب العلم ولا ينافى العلم.
وللناس في هذا الباب اضطراب عظيم هل النظر مفيد للعلم أو غير مفيد وهل هو ضد العلم أم لا وأمثال ذلك وكثير من النظار يقول في مصنفه أن النظر يضاد العلم ويقول أيضا أنه مستلزم للعلم وهذا تناقض بين فان ملزوم الشيء لا يكون مضادا له لكن النظر الذي يستلزم العلم غير النظر الذي يضاده فذاك هو النظر الاستدلالي وهذا هو النظر الطلبي ذاك هو نظر في الدليل فإذا تصوره وتصور استلزامه للحكم علم الحكم والنظر الطلبي نظر في المطلوب حكمه هل يظفر بدليل يدله على حكمه أو لا يظفر كطالب الضالة والمقصود قد يجده وقد لا يجده وقد يعرض عنهما فان الأول انتقال من المبادئ إلى المطالب والآخر انتقال من المطالب إلى المبادئ.
وتحقيق الأمر أن النظر نوعان بمنزلة نظر العين وهو نوعان: أحدهما: التحديق لطلب الرؤية وهو بمنزلة تحديق القلب في المسألة لطلب حكمها وهذا قد يحصل معه العلم وقد لا يحصل ولا يكون طالب العلم حين الطلب عالما بمطلوبة تصديقا كان علمه أو تصورا على رأى من جعل التصور المطلوب خارجا عن التصديق والثاني: نفس الرؤية وهو بمنزلة رؤية الدليل كترتيب المقدمتين والظفر بالحد الأوسط
(1/352)

فهذا يوجب العلم كما توجب رؤية العين العلم بالمرئي ولا ينافى هذا النظر العلم فهذا الثاني نظر في الدليل كالذي ينظر في القرآن والحديث فيعلم الحكم والأول نظر في الحكم كالذي ينظر في المسألة لينال دليلها من القرآن والحديث.
فنقول من المعلوم أن معرفة القلب بثبوت المحمول للموضوع وهو ثبوت الصفة للموصوف وهو ثبوت الحكم المسئول عنه مثل حرمة المسكر قد تحصل بواسطة هذا الحد وهو أن يعلم أن هذا خمر مع علمه أن الخمر حرام وهذا قياس الشمول وقد يحصل بغير هذا مثل أن يرى أن المسكر مساو لخمر العنب في مناط التحريم فيستوي بينهما في التحريم وهذا قياس التمثيل وقد يحصل بأن يرى فيه المفسدة التي في الخمر فيحكم بالتحريم لدرء تلك المفسدة وهذا قياس التعليل.
وقياس التمثيل وقياس التعليل يشملهما جنس القياس لكن القياس قد يحتاج في إثبات الحكم في الفرع إلى اصل معين فيلحق الفرع به أما لإبداء الجامع وأما لإلغاء الفارق فان إبداء الجامع وهو علة الحكم في الأصل يسمى قياس العلة وأما ما يدل على العلة وهو قياس الدلالة فهذا صار قياس تمثيل وتعليل معا وإن قاس بإلغاء الفارق وهو أن يبين له أنه ليس بينهما فرق مؤثر وإن لم يعلم عين العلة فهذا قياس تمثيل لا تعليل وقد يقوم دليل على أن الوصف الفلاني مستلزم للحكم وإن لم يعرف له أصل معين وهذا قياس تعليل وهو يشبه قياس الشمول.
وقياس الشمول وقياس التمثيل متلازمان فكل ما ذكر بهذا القياس يمكن ذكره بهذا القياس فان قياس الشمول لا بد فيه من حد أوسط مكرر وذاك هو مناط الحكم في قياس التمثيل وهو القدر المشترك وهو الجامع بين الأصل والفرع مثال ذلك إذا قيل النبيذ حرام قياسا على الخمر لأن فيه الشدة المطربة
(1/353)

وهذه هي العلة في التحريم أو لأنه مسكر والمسكر هو علة التحريم وبين ذلك بدليله كان قياسا صحيحا وإذا قيل النبيذ مسكر وكل مسكر حرام أو النبيذ فيه الشدة المطربة وما فيه الشدة المطربة فهو حرام فهذا أيضا صحيح وكل ما أمكن أن يستدل به على صحة المقدمة الكبرى أمكن أن يستدل به على كون الوصف المشترك علة للحكم في الأصل وكل ما أمكن يستدل به على الصغرى فانه يستدل به على ثبوت الوصف في الفرع.
ثم أن كان ذاك الدليل قطعيا فهو قطعي في القياسين وإن كان ظنيا فهو ظني في القياسين وأما دعوى من يدعى من المنطقيين وأتباعهم أن اليقين إنما يحصل ب قياس الشمول دون قياس التمثيل فهو قول في غاية الفساد وهو قول من لم يتصور حقيقة القياسين كما قد بسط في موضعه.
وقد يعلم الحكم المطلوب بنص على أن كل مسكر حرام كما قد ثبت هذا الحديث في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإذا كان كذلك لم يتعين قياس الشمول لإفادة الحكم بل ولا قياس من الأقيسة فانه قد يعلم بلا قياس.
وإذا علم بقياس الشمول فكل ما يعلم بقياس الشمول فانه يعلم بقياس التمثيل أيضا كما تقدم ويجعل الحد الأوسط هو الجامع بين الأصل والفرع والدليل الذي يقيمه صاحب قياس الشمول على صحة المقدمة الكبرى الكلية يقيمه صاحب قياس التمثيل على علية الوصف وإن الجامع وهو الوصف المشترك الذي هو الحد الأوسط في قياس الشمول هو مستلزم للحكم وهو علية في الأصل كما يقيمه في ذاك على أن الحد الأكبر لازم للحد الأوسط فالحد الأكبر في قياس الشمول هو الحكم في قياس التمثيل والحد الأوسط هو الجامع المشترك ويسمى المناط والحد الأصغر هو الفرع ويمتاز قياس التمثيل بأن فيه ذكر اصل يكون نظيرا للفرع الذي هو الحد الأصغر وقياس الشمول ليس فيه هذا فصار في قياس التمثيل ما
(1/354)

في قياس الشمول وزيادة وقد بسط هذا في موضع آخر.
وقد لا يحتاج إلى دليل آخر ذي مقدمتين ولا قياس ولا غيره بل يكفيه مقدمة واحدة وقد يستغنى أيضا عن تلك المقدمة بتصوره التام ابتداء مثل أن يكون نفس علمه بأن الخمر حرام قد تصور معه مسمى الخمر أنها المسكر فصار علمه بجميع مفردات الخمر سواء فيعلم أن هذا المسكر خمر حرام وهذا المسكر خمر حرام وأمثال ذلك أو يعلم أن الخمر حرام ولا يعلم أن كل مسكر يسمى خمرا بل يظن ذلك الاسم مختصا ببعض المسكرات فإذا علم بنص الشارع أو باستعمال الصحابة الذين نزل فيهم القرآن أو بأنها لما حرمت لم يكن عندهم من عصير الأعناب شيء وإنما كان الذي يسمونه خمرا هو المسكر من نبيذ التمر أو بغير ذلك من الأدلة إذا علم هذه المقدمة الواحدة وهو أن كل مسكر خمر علم الحكم.
فتبين أن قولهم أن المطلوب لا بد فيه من القياس وذلك القياس يجب أن يكون القياس المنطقي الشمولي ولا بد فيه من مقدمتين ليس بصواب وهذا يبطل قولهم لا علم تصديقي إلا بالقياس المنطقي كما تقدم وأما هنا فالمقصود بيان قلة منفعته أو عدمها وذلك أن هذا المطلوب أن كان معه قضية علمت من جهة الرسول تفيده العموم وهو أن كل مسكر حرام حصل مدعاه فالقضايا الكلية المتلقاة عن الرسل تفيد العلم في المطالب الإلهية.
وأما ما يستفاد من علومهم فالقضايا الكلية فيه أما منتقضة وأما أنها بمنزلة قياس التمثيل وأما أنها لا تفيد العلم بالموجودات المعينة بل بالمقدرات الذهنية كالحساب والهندسة فانه وإن كان ذلك يتناول ما وجد على ذلك المقدار فدخول المعين فيه لا يعلم بالقياس بل بالحس فلم يكن القياس محصلا للمقصود أو تكون مما لا اختصاص لهم بها بل يشترك فيها سائر الأمم بدون خطور منطقهم بالبال مع استواء قياس التمثيل وقياس الشمول
(1/355)

وإثبات العلم بالصانع والنبوات ليس موقوفا على شيء من الأقيسة بل يعلم بالآيات الدالة على شيء معين لا شركة فيه ويحصل بالعلم الضروري الذي لا يفتقر إلى نظر وما يحصل منها بالقياس الشمولي فهو بمنزلة ما يحصل بقياس التمثيل فهو أمر كلى لا يحصل به العلم بما يختص به الرب وما يختص به الرسول إلا بانضمام علم آخر إليه.
والعلم بصدق المخبر المعين وإن لم يكن نبيا يعلم بأسباب متعددة غير القياس ويعلم أيضا بقياس التمثيل كما يعلم بقياس الشمول فكيف العلم بصدق النبي الصادق صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا طرقا من الطرق التي يعلم بها صدق الأنبياء في غير هذا الموضع.
والناس يعلمون الأمور الموجودة وصفاتها وأحوالها من غير قياس شمولي فضلا عن أن يقال لا بد هنا من مقدمتين صغرى وكبرى فالصغرى هي المشتملة على الحد الأصغر والكبرى المشتملة على الحد الأكبر والحد الأوسط متكرر فيها خبر محمول في الصغرى ومبتدأ موضوع في الكبرى كقولك كل خمر حرام فيقال إذا علم أن كل خمر حرام فقد يعلم ابتداء مفردات الخمر وأنها شاملة لكل مسكر بل يظن أنها متناولة لبعض المسكر كعصير العنب التي المشتد ثم يعلم بعد ذلك شمولها لكل مسكر وهو إذا تجدد له هذا العلم فإنما يجدد له علمه بالعموم وعلمه بالعموم إنما يعود بتصوره التام لمسمى الخمر فانه كان قبل ذلك لم يتصورها تصورا جامعا بل تصورا غير جامع ولو حصل له هذا التصور الجامع لم يحتج إلى قياس فقد تبين أن القياس المفيد للتصديق يغنى عنه التصور التام للحد الأوسط.
كل تصور يمكن جعله تصديقا وبالعكس:
وهذا يؤول إلى أمر وهو أن كل ما يسمونه تصورا يمكن جعله تصديقا وما يسمونه تصديقا يمكن جعله تصورا فان القائل إذا قال ما الخمر
(1/356)

المحرمة فقال المجيب هي المسكر كان هذا عندهم تصورا واحدا وهو تصور مسمى الخمر وهذا في الحقيقة تصديق مركب من موضوع ومحمول وإذا قال كل مسكر خمر وكل خمر حرام كان هذا قياسا وهو يفيد التصديق الذي هو المسكر حرام ويفيد أن المسكر داخل في مسمى الخمر وإن أريد بيان الحد المطرد المنعكس قيل المسكر هو الخمر وكل خمر حرام فيفيد هذا القياس تصور معنى الخمر.
وسبب ذلك أن كل ما يتكلم به في الحد والقياس هو قضية تامة وهي الجملة في اصطلاح النحاة والجواب في السؤال عن التصور وعن التصديق هو بقضية تامة هي جملة خبرية فكلاهما قول مركب في السؤال والجواب وكلاهما فيه إثبات صفة لموصوف كإثبات الخمرية للمسكر وهو إثبات محمول لموضوع والإنسان هو في الموضعين قد تصور أن المسكر هو الخمر وصدق بأن المسكر هو الخمر فأما التصور المفرد الذي لا يعبر عنه إلا ب اسم مفرد فذلك لا يسأل عنه باللفظ المفرد ولا يجاب عنه باللفظ المفرد حتى يفصل نوع تفصيل يصلح لمثله لأن يكون جملة.
وهذا قد بسط في غير هذا الموضع كما بسط في الكلام على المحصل وغيره وبين أن قولهم العلم ينقسم إلى تصور وتصديق وأن التصور وهو التصور الساذج العرى عن جميع القيود الثبوتية والسلبية كلام باطل فان كل ما عرى عن كل قيد ثبوتي وسلبي يكون خاطرا من الخواطر ليس هو علما أصلا بشئ من الأشياء فان من خطر بقلبه شيء من الأشياء ولم يخطر بقلبه صفة لا ثبوتية ولا سلبية لم يكن قد علم شيئا.
وإذا قيل الإنسان حيوان والعالم مخلوق ونحو ذلك فهنا قد تصور إنسانا علم أنه موجود لم يتصور شيئا تصورا ساذجا لا نفى فيه ولا إثبات بل تصور وجوده وغير ذلك من صفاته وكذلك العالم قد تصور وجوده وإذا تصور بحر زئبق وجبل ياقوت فان لم يتصور مع هذا عدمه في الخارج
(1/357)

ولا امتناعه ولا شيء من الأشياء كان هذا خيالا من الخيالات ووسواسا من الوساوس ليس هذا من العلم في شيء فان تصور مع ذلك عدمه في الخارج كان قد تصور تصورا مقيدا بالعدم لم يكن تصوره خاليا من جميع القيود.
فان قلت: فما التصور القابل للتصديق المشروط فيه قيل هو التصور الخالي عن معرفة ذلك التصديق ليس هو الخالي عن جميع القيود السلبية والثبوتية فإذا كان يشك هل النبيذ حرام أم لا فقد تصور النبيذ وتصور الحرام وكل من التصورين متصور بقيود فهو يعلم أن النبيذ شراب وأنه موجود وأنه يشرب وأنه يسكر وغير ذلك من صفاته لكن لم يعلم أنه حرام فليس من شرط التصور المشروط في التصديق أن يكون ساذجا خاليا عن كل قيد ثبوتي وسلبي بل أن يكون خاليا عن التقييد بذلك التصديق.
وقول القائل التصديق مسبوق بالتصور مثل قوله القول مسبوق بالعلم فليس لأحد أن يتكلم بما لا يعلم كذلك لا يصدق ولا يكذب لما لا يتصوره وحينئذ فالتصور التام مستلزم للتصديق والتصور الناقص يحتاج معه إلى دليل يثبت له حكم.
وهذا يقرر ما عليه نظار المسلمين كما قررنا ذلك من قبل من أن التصورات المفردة لا تعلم بمجرد الحد وأن المطلوب بالحد هو تصديق يفتقر إلى ما تفتقر إليه التصديقات فكما ذكرنا هناك أن الذي يجعلونه حدا هو تصديق يفتقر إلى دليل فيقال هنا ما يجعلونه قياسا يعود في الحقيقة إلى الحد والتصور كما يعود هذا القياس إلى أن يعلم مسمى الخمر وإذا كان كذلك فإذا كانوا يقولون أن الحد لا يقام عليه دليل ولا يحتاج إلى قيام دليل فنقول العلم بمسمى الخمر لا يحتاج إلى قياس بل قد يعلم بما يعلم به سائر التصورات المفردة ومسميات جميع الأسماء من تفطن النفس لشمول ذلك المعنى لهذه الصورة وثبوته فيها.
وكلما تدبر العاقل هذا وعرفه معرفة جيدة تبين له أن الصواب ما عليه نظار المسلمين
(1/358)

وجماهير العقلاء من أن الحدود بمنزلة الأسماء وهو تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال وأن المطلوب من الحد هو التمييز بين المحدود وغيره وذلك يكون بالوصف الملازم له طردا وعكسا بحيث يكون الحد جامعا مانعا.
وأنه مع ذلك ليس لأحد أن يدعي دعوى غير بديهية إلا بدليل فالحاد أن كان يحد مسمى اسم كما يقول في الخمر أنها المسكر وفي الغيبة أنها ذكرك أخاك بما يكره وفي الكبر أنه بطر الحق وغمط الناس فعليه أن يبين أن ما ذكره مطابق لمسمى ذلك الاسم أما بالنقل عن الشارع المتكلم بهذه الأسماء مثل أن يقول قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مسكر خمر " وما ليس بمسكر فليس بخمر بالإجماع فيثبت أن الخمر هو المسكر أو يقول ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل: يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: "ذكرك أخاك بما يكره" فقال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته ".
فإذا عورض هذا بما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لفاطمة بنت قيس لما استشارته فيمن خطبها فقالت: خطبني أبو جهم ومعاوية فقال: "أما أبو جهم فرجل ضراب للنساء " وفي لفظ "لا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحى أسامة " فإذا قال المعترض هنا قد ذكر كلا منهما بما يكره والغيبة محرمة كان الجواب مع إحدى المقدمتين بأن يقال لا نسلم أن هذا داخل في حد الغيبة وإن سلم دخوله في الحد دل على جواز الغيبة لمصلحة راجحة مثل نصيحة المستشير فإنها لما استشارته وجب نصحها ومثل ذلك الكلام في جرح الرواة الكاذبين والغالطين وشهادة الشاهد الكاذب وشكاية المظلوم وغير
(1/359)

ذلك عما دل الشرع على جوازه.
فانه يقال فيه أحد الأمرين لازم أما أن يقال المؤمن لا يكره ذلك إذا كان صادق الإيمان لأن المؤمن لا يكره ما أمر الله ورسوله به وهذا مما أمر الله به ورسوله ويقال أن كرهه فهو من هذه الجهة ناقص الإيمان فيه شعبة نفاق فلا يكون هو الأخ الذي قيل فيه ذكرك أخاك بما يكره وهذا مبنى على أن الشخص الواحد يكون فيه طاعة ومعصية وبر وفجور وخير وشر وشعبة إيمان وشعبة نفاق أو يقول إذا سلم شمول اللفظ له هذا من الغيبة المباحة فلا بد من التزام أحد أمرين أما أنه لم يدخل في مسمى الغيبة وأما أنه لم يدخل فيما حرم منها ولهذا نظائر.
والمقصود التنبيه على المثال وأن من ادعى حد اسم فلا بد له من دليل وكذلك أن ادعى حدا بحسب الحقيقة.
وهذا الذي عليه نظار المسلمين وغيرهم أصح مما عليه أهل المنطق اليوناني من وجوه فان أولئك يدعون أن الحد يفيد تصوير الماهية في نفس المستمع ويدعون أن ذلك يحصل بمجرد قول الحاد من غير دليل أصلا.
ثم أنهم عمدوا إلى الصفات اللازمة للموصوف ففرقوا بينها وجعلوها ثلاثة أصناف ذاتية داخلة في الماهية وخارجة لازمة للماهية دون وجودها وخارجة لازمة لوجودها وهذا كله باطل إذا أريد بالماهية الموجودات الخارجية وهي التي تقصد بالحد والتعريف وأما إذا قدر أن الماهية هي مجرد ما يتصوره النفس فقدر تلك الماهية وصفتها يتبع تصور المتصور فتارة يتصور جسما حساسا ناميا متحركا بالإرادة ناطقا فتكون الماهية هي هذه الأجزاء كلها وتارة يتصور حيوانا ناطقا وتارة يتصور حيوانا ضاحكا وتارة يتصور ضاحكا فقط وتارة يتصور ناطقا فقط فإذا جعل ما دخل في تصوره داخلا فيه وما
(1/360)

خرج عنه لازما له أو غير لازم كما ذكر ذلك بعضهم وكما ذكروه من دلالة المطابقة والتضمن الالتزام كان هذا صحيحا لكن ليس فيه منفعة في العلوم والحقائق ومعرفة صفاتها الذاتية وغير الذاتية أصلا بل هذا يرجع إلى تصور مراد المتكلم سواء كان حقا أو باطلا.
وأما نظار المسلمين فالحد عندهم يكون بالوصف الملازم والوصف الواحد الملازم كاف لا يذكرون معه الوصف المشترك لا الجنس ولا العرض العام بل يعيبون على من يذكر ذلك في الحدود وهل يحد بالتقسيم لهم فيه قولان والصفات تنقسم إلى قسمين لازمه للموصوف وغير لازمة والذي عليه نظار أهل السنة وسائر المثبتين للصفات والقدر أن وجود كل شيء في الخارج عين حقيقته فاللازم للموجود الخارجي لازم للحقيقة الخارجية ولا يقبل من أحد دعوى غير معلومة إلا بدليل فأين هذا المنطق وأين هذا الميزان المستقيمة العادلة من ميزان أولئك الجائرة الغائلة التي ليس فيها لا صدق ولا عدل: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} .
الوجه الخامس: من الأقيسة ما تكون مقدمتاه ونتيجته بديهية
الوجه الخامس: أن يقال هذا القياس هو قياس الشمول وهو العلم بثبوت الحكم لكل فرد من الأفراد.
فنقول قد علم وسلموا أنه لا بد أن يكون العلم بثبوت بعض الأحكام لبعض
(1/361)

أفرادها بديهيا فان النتيجة إذا افتقرت إلى مقدمتين فلا بد أن ينتهي الأمر إلى مقدمتين تعلم بدون مقدمتين وإلا لزم الدور أو التسلسل الباطلان ولهذا كان من المقرر عند أهل النظر أنه لا بد في التصورات والتصديقات من تصورات بديهية وتصديقات بديهية.
ولفرض المقدمتين البديهيتين كل مسكر خمر وكل خمر حرام وإن لم يكن هذا بديهيا لكن المقصود التمثيل ليعلم بالمثال حكم سائر القضايا فإذا قدر أنه علم بالبديهة أن كل فرد من أفراد الخمر حرام وعلم بالبديهة أن كل فرد من أفراد المسكر خمر كان علمنا بالبديهة أن هذه الأفراد حرام من أسهل الأشياء.
وإنما يخفى ذلك لكون أكثر المقدمات لا يكون بديهية بل مبينة بغيرها كافي هذا المثال فان المقدمة الثانية ثابتة بالنص والإجماع والأولى ثابتة بالسنة الصحيحة لكن لم يعرفها كثير من العلماء فطريق العلم بالمقدمتين يختلف.
وأما إذا أفردنا ذلك في مقدمتين طريق العلم بهما واحد لم نحتج إلى القياس مثل العلم بأن كل إنسان حيوان وكل حيوان حساس متحرك بالإرادة فهنا قد يكون العلم بأن كل إنسان حساس متحرك بالإرادة أبين وأظهر وكذلك إذا قلنا كل إنسان جسم أو جوهر أو حامل للصفات ثم قلنا كل ما هو جسم أو جوهر أو حامل للصفات فليس بعرض أو هو قائم بنفسه أو هو موصوف بالصفات ونحو ذلك كان العلم بأن كل إنسان هو كذلك مما لا يحتاج إلى هذا التطويل فالمقدمتان أن كان طريق العلم بهما واحدا وقد علمتا فلا حاجة إلى بيانهما وإن كان طريق العلم بهما مختلفا فمن لم يعلم إحداهما احتاج إلى بيانها وإن لم يحتج إلى الأخرى التي علمها وهذا ظاهر في كل ما تقدره.
فتبين أن منطقهم يعطي تضييع الزمان وكثرة الهذيان وإتعاب الأذهان وكذلك إذا علمنا أن كل رسول نبي وكل نبي فهو في الجنة فعلمنا أن كل
(1/362)

رسول فهو في الجنة أبين من هذا وهذا كثير جدا.
الوجه السادس: من القضايا الكلية ما يمكن العلم به بغير توسط القياس
وهو يتضح بالوجه السادس وهو أن يقال لا ريب أن المقدمة الكبرى أعم من الصغرى أو مثلها لا يكون أخص منها والنتيجة اخص من الكبرى أو مساوية لها واعم من الصغرى أو مساوية لها كالحدود الثلاثة فان الأكبر أعم من الأصغر أو مثله والأوسط مثل الأصغر أو اعم ومثل الأكبر أو اخص ولا ريب أن الحس يدرك المعينات أولا ثم ينتقل منها إلى القضايا العامة فان الإنسان يرى هذا الإنسان وهذا الإنسان وهذا الإنسان ويرى أن هذا حساس متحرك بالإرادة ناطق وهذا كذا وهذا كذا فيقضى قضاء عاما أن كل إنسان حساس متحرك بالإرادة ناطق.
فنقول العلم بالقضية العامة أما أن يكون بتوسط قياس أو بغير توسط قياس فان كان لا بد من توسط قياس والقياس لا بد فيه من قضية عامة لزم أن لا يعلم العام إلا بالعام وذلك يستلزم الدور أو التسلسل فلا بد أن ينتهي الأمر إلى قضية كلية عامة معلومة بالبديهة وهم يسلمون ذلك.
وإن أمكن علم القضية العامة بغير توسط قياس أمكن علم الأخرى فان كون القضية بديهية أو نظرية ليس وصفا لازما لها يجب استواء جميع الناس فيه بل هو أمر نسبى إضافي بحسب حال علم الناس بها فمن علمها بلا دليل كانت بديهية له ومن احتاج إلى نظر واستدلال بدليل كانت نظرية له.
وكذلك كونها معلومة بالعقل أو الخبر المتواتر أو خبر النبي الصادق أو الحس ليس هو أمرا لازما لها بل كذب مسيلمة الكذاب مثلا قد يعلم بقول
(1/363)

النبي الصادق أنه كذاب وقد يعلم ذلك من باشره ورآه يكذب ويعلم ذلك من غاب عنه بالتواتر ويعلم ذلك بالاستدلال فانه ادعى النبوة وأتى يناقض النبوة فيعلم بالاستدلال وكذلك الهلال قد يعلم طلوعه بالرؤية فتكون القضية حسية ويعلم ذلك من لم يره بالأخبار المتواترة فتكون القضية عنده من المتواترات ويعلم ذلك من علم أن تلك الليلة إحدى وثلاثون بالحساب والاستدلال ومثل هذا كثير فالمعلوم الواحد يعلمه هذا بالحس وهذا بالخبر وهذا بالنظر وهذه طرق العلم لبني آدم وهكذا القضايا الكلية إذا كان منها ما يعلم بلا قياس ولا دليل وليس لذلك حد في نفس القضايا بل ذلك بحسب أحوال بنى آدم لم يمكن أن يقال فيما علمه زيد بالقياس أنه لا يمكن غيره أن يعلمه بلا قياس بل هذا نفى كاذب.
الوجه السابع: الأدلة القاطعة على استواء قياسي الشمول والتمثيل.
الوجه السابع: أن يقال هم يدعون أن المفيد لليقين هو قياس الشمول فأما قياس التمثيل فيزعمون أنه لا يفيد اليقين ونحن نعلم أن من التمثيل ما يفيد اليقين ومنه ما لا يفيده ك الشمول فان الشيئين قد يكون تماثلهما معلوما وقد يكون مظنونا كالعموم وإن جمع بينهما بالعلة فالعلة في معنى عموم الشمول.
يوضح هذا أن يقال قياس الشمول يؤول في الحقيقة إلى قياس التمثيل كما أن الآخر في الحقيقة يؤول إلى الأول ولهذا تنازع الناس في مسمى القياس فقيل هو قياس التمثيل فقط وهو قول أكثر الأصوليين وقيل قياس الشمول فقط وهو قول أكثر المنطقيين وقيل بل القياسان جميعا وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين وذلك أن قياس الشمول مبناه على اشتراك الأفراد في الحكم العام وشموله لها وقياس التمثيل مبناه على اشتراك الاثنين في الحكم الذي يعمهما
(1/364)

ومآل الأمرين واحد وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
ونحن نذكر هنا ما لم نذكره في غير هذا الموضع فنقول قد تبين فيما تقدم أن قياس الشمول يمكن جعله قياس تمثيل وبالعكس فإذا قال القائل في مسألة القتل بالمثقل قتل عمد عدوان محض لمن يكافئ القاتل فأوجب القود كالقتل بالمحدد فقد جعل القدر المشترك الذي هو مناط الحكم القتل العمد العدوان المحض للمكافئ وهذا يسمى العلة والمناط والجامع والمشترك والمقتضى والموجب والباعث والأمارة وغير ذلك من الأسماء فإذا أراد أن يصوغه ب قياس الشمول قال هذا قتل عمد عدوان محض للمكافئ وما كان كذلك فهو موجب للقود.
والنزاع في الصورتين هو في كونه عمدا محضا فان المنازع يقول العمدية لم تتمحض وليس المقصود هنا ذكر خصوص المسألة بل التمثيل وهذا نزاع في المقدمة الصغرى وهو نزاع في ثبوت الوصف في الفرع فان قياس التمثيل قد يمنع فيه ثبوت الوصف في الأصل ويمنع ثبوته في الفرع وقد يمنع كونه علة الحكم.
ويسمى هذا السؤال سؤال المطالبة وهو أعظم أسئلة القياس وجوابه عمدة القياس فان عمدة القياس على كون المشترك مناط الحكم وهذا هو المقدمة الكبرى وهو كما لو قال في هذه المسألة لا نسلم أن كل ما كان عمدا محضا يوجب القصاص وكذلك منع الحكم في الأصل أو منع الوصف في الأصل وهو منع للمقدمة الكبرى في قياس الشمول.
أللهم إلا أن يقيم المستدل دليلا على تأثير الوصف في غير أصل معين وهذا قياس التعليل المحض كما لو قال النبيذ المسكر محرم لأن المعنى الموجب للتحريم
(1/365)

وهو كونها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة موجود فيها وهذا المعنى قد دل النص على أنه علة التحريم وقد وجد فيثبت فيه التحريم.
وهم في قياس الشمول إذا أرادوا إثبات المقدمة الكبرى التي هي نظير جعل المشترك بين الأصل والفرع مناط الحكم فلا بد من دليل يبين ثبوت الحكم لجميع أفراد المقدمة باعتبار القدر المشترك الكلى بين الأفراد وهذا هو القدر المشترك الجامع في قياس التمثيل فالجامع هو الكلى والكلى هو الجامع.
ومن قال من متأخري النظار كأبي المعالي وأبي حامد والرازي وأبي محمد أن العقليات ليس فيها قياس بل الاعتبار فيها بالدليل فهذا مع أنهم خالفوا فيه جماهير النظار وأئمة النظر فنزاعهم فيها يرجع إلى اللفظ فإنهم يقولون العقليات لا تحتاج إلى أن يعين فيها أصل يلحق فيه الفرع وليس جعل أحدهما أصلا والآخر فرعا بأولى من العكس بل الاعتبار بالدليل الشامل للصورتين فيقال لهم لا ريب أنه في العقليات والشرعيات لم يقع النزاع في جميع أفراد المعنى العام الذي يسمى الجامع المشترك بل وقع في بعضها وبعضها متفق عليه فتسمية هذا أصلا وهذا فرعا أمر إضافي ولو قدر أن بعض الناس علم حكم الفرع بنص وخفي عليه حكم الأصل لجعل الأصل فرعا والفرع أصلا والجمع أما أن يكون بإلغاء الفارق وأما أن يكون بإبداء الجامع وهذا يكون في العقليات قطعيا وظنيا كما يكون في الشرعيات
(1/366)

فإذا قيل الأحكام والإتقان يدل على علم الفاعل شاهدا فكذلك غائبا أو قيل علة كون العالم عالما قيام العلم به في الشاهد فكذلك في الغائب أو قيل الحيوة شرط في العلم شاهدا فكذلك غائبا أو قيل حد العالم في الشاهد من قام به العلم فكذلك في الغائب فهذه الجوامع الأربعة التي تذكرها الصفاتية من الجمع بين الغائب والشاهد في الصفات الحد والدليل والعلة والشرط فذكر الشاهد حتى يمثل القلب صورة معينة ثم يعلم بالعقل عموم الحكم وهو أن الأحكام والإتقان مستلزم لعلم الفاعل فان الفعل المحكم المتقن لا يكون إلا من عالم وكذلك سائرها.
وهذا كسائر ما يعلم من الكليات العادية إذا قيل هذا الدواء مسهل للصفراء ومنضج للخلط الفلاني ونحو ذلك فان التجربة إنما دلت على أشياء معينة لم تدل على أمر عام لكن العقل يعلم أن المناط هو القدر المشترك بما يعلم من انتفاء ما سواه ومناسبته أو لا يعلم مناسبته وهذا قد يكون معلوما تارة كما يعلم أن أكل الخبز يشبع وشرب الماء يروي وأن السقمونيا مسهل للصفراء وإن كان قد يتخلف الحكم بفوات شرطه إذ قدمنا أن الطبيعيات التي هي العاديات ليس فيها كليات لا تقبل النقض بحال فكان ذكر الأصل في القياس العقلي لتنبيه العقل على المشترك الكلى المستلزم للحكم لا لأن مجرد ثبوت الحكم في صورة يوجب ثبوته في أخرى بدون أن يكون هناك جامع يستلزم الحكم.
وإذا قيل فمن أين يعلم أن الجامع مستلزم للحكم قيل من حيث يعلم القضية الكبرى في قياس الشمول فإذا قال القائل هذا فاعل محكم لفعله وكل محكم لفعله فهو عالم فأي شيء ذكر في علة هذه القضية الكلية فهو موجود في قياس التمثيل وزيادة أن هناك أصلا يمثل به قد وجد فيه الحكم مع المشترك وفي قياس الشمول لم يذكر شيء من الأفراد التي يثبت الحكم فيها ومعلوم أن ذكر الكلى المشترك مع
(1/367)

بعض أفراده اثبت في العقل من ذكره مجردا عن جميع الإفراد باتفاق العقلاء.
ولهذا هم يقولون أن العقل بحسب إحساسه بالجزئيات يدرك العقل بينها قدرا مشتركا كليا فالكليات في النفس تقع بعد معرفة الجزئيات المعينة فمعرفة الجزئيات المعينة من أعظم الأسباب في معرفة الكليات فكيف يكون ذكرها مضعفا للقياس ويكون عدم ذكرها موجبا لقوته وهذه خاصة العقل فان خاصة العقل معرفته الكليات بتوسط معرفته بالجزئيات فمن أنكرها أنكر خاصة عقل الإنسان ومن جعل ذكرها بدون شيء من محالها المعينة أقوى من ذكرها مع التمثيل لمواضعها المعينة كان مكابرا والعقلاء باتفاقهم يعلمون أن ضرب المثل الكلى مما يعين على معرفته وانه ليس الحال إذا ذكر مع المثال كالحال إذا ذكر مجردا عن الأمثال.
ومن تدبر جميع ما يتكلم فيه الناس من الكليات المعلومة بالعقل في الطب والحساب والطبيعيات والصناعات والتجارات وغير ذلك وجد الأمر كذلك فإذا قيل يسخن جوف الإنسان في الشتاء ويبرد في الصيف لأنه في الشتاء يكون الهواء باردا فيبرد ظاهر البدن فتهرب الحرارة إلى باطن البدن لأن الضد يهرب من الضد والشبيه ينجذب إلى شبيه فتظهر البرودة إلى الظاهر لأن شبه الشيء منجذب إليه كان هذا أمرا كليا مطلقا فإذا قيل ولهذا يسخن جوف الأرض في الشتاء وجوف الحيوان كله ولهذا تبرد الأجواف في الصيف لسخونة الظواهر فتهرب البرودة إلى الأجواف كان كلما تصور الإنسان النظائر قويت معرفته بتلك الكلية وهو أن الضد يهرب من ضده والنظير ينجذب إلى نظيره وهذا معلوم في الطبيعيات والنفسانيات وغيرهما لكن إذا ذكرت النظائر قوى العلم بذلك وقد يعبر عن ذلك بأن الجنسية علة الضم.
وكذلك إذا قيل الشمس إذا وقعت على البحر أو غيره تسخنه فتصاعد منه بخار لأن الحرارة تحلل الرطوبة ثم قيل كما يتصاعد البخار من القدر التي فيها الماء الحار
(1/368)

كان هذا المثال مما يؤكد معرفة الأول.
والأقيسة التي يستعملها الفلاسفة في علومهم ويجعلونها كلية كلها يعتضدون فيها بالأمثلة وليس مع القوم إلا ما علموه من صفات الأمور المشاهدة ثم قاسوا الغائب على المشاهد به بالجامع المشترك الذي يجعلونه كليا فان لم يكن هذا صحيحا لم يكن مع أحد من أهل الأرض علم كلى يشترك فيه ما شهده وما غاب عنه حتى قوله الخبز يشبع والماء يروي ونحو ذلك فانه لم يعلم بحسه إلا أمورا معينة فمن أين له أن الغائب بمنزلة الشاهد إلا بهذه الطريق والإنسان قد ينكر أمرا حتى يرى واحدا من جنسه فيقر بالنوع ويستفيد بذلك حكما كليا.
ولهذا يقول سبحانه: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} ونحو ذلك وكل من هؤلاء إنما جاءه رسول واحد لكن كانوا مكذبين بجنس الرسل لم يكن تكذيبهم بالواحد لخصوصه وهذا بخلاف تكذيب اليهود والنصارى لمحمد صلى الله عليه وسلم فإنهم لم يكذبوا جنس الرسل إنما كذبوا واحدا بعينه بخلاف مشركي العرب الذين لم يعرفوا الرسل فان الله يحتج عليهم في القرآن بإثبات جنس الرسالة.
ولهذا يجيب سبحانه عن شبه منكري جنس الرسالة كقولهم: {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً} فيقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} أي هذا متواتر عند أهل الكتاب فاسألوهم عن الرسل الذين جاءتهم أكانوا بشرا أم لا وكذلك قوله: {وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} فإنهم لا يستطيعون الأخذ عن الملك في صورته فلو أرسلنا إليهم ملكا لجعلناه رجلا في صورة الإنسان وحينئذ كان يلتبس عليهم الأمر ويقولون هو رجل والرجل لا يكون رسولا وكذلك الرسل قبله قال تعالى: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ
(1/369)

مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ} كما قال تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ} وكما قال تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ} ونحو ذلك.
فكان علمهم بثبوت معين من هذا النوع يوجب العلم بقضية مطلقة وهو أن هذا النوع موجود بخلاف ما إذا اثبت ذلك ابتداء بلا وجود نظير فانه يكون أصعب وإن كان ممكنا فان نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ولم يكن قبله رسول بعث إلى الكفار المشركين يدعوهم إلى الانتقال عن الشرك إلى التوحيد وآدم والذين كانوا بعده كان الناس في زمنهم مسلمين كما قال ابن عباس: "كان بين آدم ونوح عشر قرون كلهم على الإسلام" لكن لما بعث الله نوحا وأنجى من آمن به وأهلك من كذبه صار هذا المعين يثبت هذا النوع أقوى مما كان يثبت ابتداء.
والذين قالوا الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كان مبدأ كلامهم في الأمور الطبيعية فإنهم رأوا البارد إنما يقتضى التبريد فقط والحار إنما يقتضي التسخين فقط وكذلك سائرها لكن هذا ليس فيه إحداث واحد لواحد فان البرودة الحاصلة لا بد لها مع السبب من محل قابل وارتفاع موانع فلم يحصل السبب إلا عن شيئين لا عن واحد لكن هذا كان مبدأ كلامهم.
وأما احتجاج ابن سينا وأمثاله بأنه لو صدر اثنان لكان مصدر هذا غير مصدر هذا ولزم التركيب المنافي للوحدة فهذه الحجة تبع لحجة التركيب وهذه أخذوها من أهل الكلام من المعتزلة ونحوهم ليست هذه من كلام أئمة الفلاسفة كأرسطو وأتباعه لا سيما أكثر أساطين الفلاسفة فإنهم كانوا يقولون بإثبات الصفات لله تعالى بل وبقيام الأمور الاختيارية كما ذكرنا كلامهم في غير هذا الموضع وهو اختيار أبي البركات صاحب المعتبر ومن قال أنه خالف أكثر الفلاسفة فمراده المشائين وأما الأساطين قبل هؤلاء فكلام كثير منهم يدل على هذا الأصل كما هو مذكور في موضعه
(1/370)

ومن أعظم صفات العقل معرفة التماثل والاختلاف فإذا رأى الشيئين المتماثلين علم أن هذا مثل هذا يجعل حكمهما واحدا كما إذا رأى الماء والماء والتراب والتراب والهواء والهواء ثم حكم بالحكم الكلى على القدر المشترك وإذا حكم على بعض الأعيان ومثله بالنظير وذكر المشترك كان أحسن في البيان فهذا قياس الطرد إذا رأى المختلفين كالماء والتراب فرق بينهما وهذا قياس العكس.
وما أمر الله به من الاعتبار في كتابه يتناول قياس الطرد وقياس العكس فانه لما أهلك المكذبين للرسل بتكذيبهم كان من الاعتبار أن يعلم أن من فعل ما فعلوا أصابه ما أصابهم فيتقى تكذيب الرسل حذرا من العقوبة وهذا قياس الطرد ويعلم أن من لم يكذب الرسل بل أتبعهم لا يصيبه ما أصاب هؤلاء وهذا قياس العكس وهو المقصود من الاعتبار بالمعذبين فان المقصود ثبت في الفرع عكس حكم الأصل لا نظيره والاعتبار يكون بهذا وبهذا قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ} وقال: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ}
الميزان المنزل من الله هو القياس الصحيح:
وقد قال سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} وقال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} والميزان يفسره السلف بالعدل ويفسره بعضهم بما يوزن به وهما متلازمان وقد أخبر أنه انزل ذلك مع رسله كما أنزل معهم الكتاب ليقوم الناس بالقسط.
فما يعرف به تماثل المتماثلات من الصفات والمقادير هو من الميزان وكذلك ما يعرف به اختلاف المختلفات فمعرفة أن هذه الدارهم أو غيرها من الأجسام الثقيلة
(1/371)

بقدر هذه تعرف بموازينها وكذلك معرفة أن هذا الكيل مثل هذا يعرف بميزانه وهو المكاييل وكذلك معرفة أن هذا الزمان مثل هذا الزمان يعرف بموازينه التي يقدر بها الأوقات كما يعرف به مظلال وكما يعرف بجري من ماء ورمل وغير ذلك وكذلك معرفة أن هذا بطول هذا يعرف بميزانه وهو الذارع فلا بد بين كل متماثلين من قدر مشترك كلى يعرف به أن أحدهما مثل الآخر.
فكذلك الفروع المقيسة على أصولها في الشرعيات والعقليات تعرف بالموازين المشتركة بينهما وهي الوصف الجامع المشترك الذي يسمى الحد الأوسط فانا إذا علمنا أن الله حرم خمر العنب لما ذكره من أنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وتوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء ثم رأينا نبيذ الحبوب من الحنطة والشعير والرز وغير ذلك يماثلها في المعنى الكلى المشترك الذي هو علة التحريم كان هذا القدر المشترك الذي هو العلة هو الميزان التي انزلها الله في قلوبنا لنزن بها هذا ونجعله مثل هذا فلا نفرق بين المتماثلين والقياس الصحيح هو من العدل الذي أمر الله تعالى به.
ومن علم الكليات من غير معرفة المعين فمعه الميزان فقط والمقصود بها وزن الأمور الموجودة في الخارج وإلا فالكليات لولا جزئياتها المعينات لم يكن بها اعتبار كما أنه لولا الموزونات لم يكن إلى الميزان من حاجة ولا ريب أنه إذا احضر احد الموزونين واعتبر بالآخر بالميزان كان اتم في الوزن من أن يكون الميزان وهو الوصف المشترك الكلى في العقل أي شيء حضر من الأعيان المفردة وزن بها فان هذا أيضا وزن صحيح وذلك أحسن في الوزن فانك إذا وزنت بالصنجة
(1/372)

قدرا من النقدين ثم وزنت بها نظيره والأول شاهد والناس يشهدون أن هذا وزن به هذا فظهر مثله أو أكثر أو أقل كان أحسن من أن يوزن أحدهما في مغيب الآخر فانه قد يظن أن الوازن لم يعدل في الوزن كما يعدل إذا وزنها معا فان هذا يعتبر بأن يوزن أحدهما بالآخر بلا صنجة وهكذا الموزونات بالعقل.
وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا الموضع وبينا أن القياس الصحيح هو من العدل الذي انزله وانه لا يجوز قط أن يختلف الكتاب والميزان فلا يختلف نص ثابت عن الرسل وقياس صحيح لا قياس شرعي ولا عقلي ولا يجوز قط أن الأدلة الصحيحة النقلية تخالف الأدلة الصحيحة العقلية وأن القياس الشرعي الذي روعيت شروط صحته يخالف نصا من النصوص وليس في الشريعة شيء على خلاف القياس الصحيح بل على خلاف القياس الفاسد كما قد بسطنا ذلك في مصنف مفرد وذكرنا في كتاب درء تعارض العقل والنقل ومتى تعارض في ظن الظان الكتاب والميزان النص والقياس الشرعي أو العقلي فأحد الأمرين لازم أما فساد دلالة ما احتج به من النص أما بأن لا يكون ثابتا عن المعصوم أو لا يكون دالا على ما ظنه أو فساد دلالة ما احتج به من القياس سواء كان شرعيا أو عقليا بفساد بعض مقدماته أو كلها لما يقع في الأقيسة من الألفاظ المجملة المشتبهة.
وأبو حامد ذكر في القسطاس المستقيم الموازين الخمسة وهي منطق اليونان بعينة غير عبارته ولا يجوز لعاقل أن يظن أن الميزان العقلي الذي انزل الله هو منطق اليونان لوجوه: أحدها: أن الله انزل الموازين مع كتبه قبل أن يخلق اليونان من عهد نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم وهذا المنطق اليوناني وضعه أرسطو قبل المسيح بثلثمائة سنة فكيف كانت الأمم المتقدمة تزن بهذا الثاني: أن امتنا أهل
(1/373)

الإسلام ما زالوا يزنون بالموازين العقلية ولم يسمع سلفنا بذكر هذا المنطق اليوناني وإنما ظهر في الإسلام لما عربت الكتب الرومية في دولة المأمون أو قريبا منها الثالث: أنه ما زال نظار المسلمين بعد أن عرب وعرفوه يعيبونه ويذمونه ولا يلتفتون إليه ولا إلى أهله في موازينهم العقلية والشرعية.
ولا يقول القائل ليس فيه مما انفردوا به إلا اصطلاحات لفظية وإلا فالمعاني العقلية مشتركة بين الأمم فانه ليس الأمر كذلك بل فيه معان كثير فاسدة ثم هذا جعلوه ميزان الموازين العقلية التي هي الأقيسة العقلية وزعموا أنه آله قانونية
(1/374)

تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره وليس الأمر كذلك فانه لو احتاج الميزان إلى ميزان لزم التسلسل وأيضا فالفطرة أن كانت صحيحة وزنت بالميزان العقلي وإن كانت بليدة أو فاسدة لم يزدها المنطق لو كان صحيحا إلا بلادة وفسادا ولهذا يوجد عامة من يزن به علومه لا بد أن يتخبط ولا يأتي بالأدلة العقلية على الوجه المحمود ومتى أتى بها على الوجه المحمود اعرض عن اعتبارها بالمنطق لما فيه من العجز والتطويل وتبعيد الطريق وجعل الواضحات خفيات وكثرة الغلط والتغليط.
كل قياس في العالم يمكن رده إلى القياس الاقتراني:
فان قيل ما ذكرته من أن قياس الشمول يرجع إلى قياس التمثيل يتوجه في قياس الاقتراني دون الاستثنائي فان الاستثنائي ما تكون النتيجة أو نقيضها مذكورة فيه بالفعل بخلاف الاقتراني فان النتيجة إنما هي فيه بالقوة والاستثنائي مؤلف من الشرطيات المتصلة وهو التلازم ومن المنفصلة وهو التقسيم ولا ريب أن الحد الأوسط في الاقترانى يمكن جعله الجامع المشترك في القياس التمثيلي بخلاف الاستثنائى قيل الجواب من وجوه.
منها أن التلازم والتقسيم إذا قيل هذا مستلزم لهذا حيث وجد وجد فان هذا قضية كلية فتستعمل على وجه التمثيل وعلى وجه الشمول بأن يقاس بعض أفرادها ببعض ويجعل القدر المشترك هو مناط الحكم وكذلك إذا قيل هذا أما كذا وأما كذا فهو أيضا كلى يبين بصيغة التمثيل وبصيغة الشمول ولهذا كانت الأحكام الثابتة بصيغة العموم يمكن استعمال قياس التمثيل فيها بأن يقاس بعض أفرادها ببعض ويجعل المعنى المشترك هو مناط الحكم.
ومنها أن كل قياس في العالم يمكن رده إلى الاقترانى فإذا قيل بصيغة الشرط أن كانت الصلاة صحيحة فالمصلى متطهر أمكن أن يقال كل مصل فهو متطهر وأن يقال الصلاة مستلزمة الطهارة ونحو ذلك من صور القياس الاقتراني والحد الأوسط فيه أن استثناء عين المقدم ينتج عين التالي واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض
(1/375)

المقدم وهذا معنى قولنا إذا وجد الملزوم وجد اللازم وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم فان المقدم هو الملزوم والتالي هو اللازم وهكذا كل شرط وجزاء فالشرط ملزوم والجزاء لازم له.
وهذا إذا جعل بصيغة الاقترانى فقيل هذا مصل وكل مصل متطهر فهذا متطهر أو قيل هذا ليس بمتطهر ومن لا يكون متطهرا ليس بمصل فهذا ليس بمصل والقضية الكلية فيه أن كل مصل متطهر وأن كل من ليس بمتطهر فليس بمصل فالسالبة والموجبة كلاهما كليتان وهذه الكلية معروفة بنص الشارع ليست مما عرفت بالعقل ولو كانت مما تعرف بالعقل المجرد لعرفت ب قياس التمثيل مع أنها تصاغ ب قياس التمثيل فيقال هذا مصل فهو متطهر كسائر المصلين أو هذا ليس بمتطهر فليس بمصل كسائر من ليس بمتطهر ثم يبين أن الجامع المشترك مستلزم للحكم كما في الأول.
وكذلك الشرطي المنفصل الذي هو التقسيم والترديد إذا قيل هذا أما أن يكون شفعا أو وترا ونحو ذلك قيل هذا لا يخلو من كونه شفعا أو وترا ولا يجتمع هذا وهذا معا وهو شفع فلا يكون وترا أو هو وتر فلا يكون شفعا وهذه القضية معلومة بالبديهة لكن تصور أفرادها أبين من تصور كليتها فلا يحتاج شيء من أفرادها أن يبين بالقياس الكلى المنطقي فانه أي شيء علم أنه شفع علم أنه ليس بوتر بدون أن يوزن بأمر كلى عنده ولا بقياس على نظيره فلا يحتاج أن يقال وكل شفع فليس بوتر أو كل وتر فليس بشفع.
وهذا كما تقدم التنبيه عليه أن ما يثبتونه بالقضايا الكلية تعلم مفرداتها بدون تلك القضايا بل وتعرف بدون قياس التمثيل فإذا عرف أن هذا الثوب أو غيرة اسود عرف أنه ليس بأبيض بدون أن يقال كل اسود فانه ليس بأبيض وهذه الكلية من أن كل أسود لا يكون أبيض يعرف بدون أن يعرف أن كل ضدين لا يجتمعان ولو أثبت تلك المعينات بهذه الكلية لاحتيج أن يبين أنهما ضدان فانه لا يعلم أنهما
(1/376)

ضدان حتى يعلم أنهما لا يجتمعان وإذا علم أنهما لا يجتمعان أغنى ذلك عن الاستدلال عليه بكونهما ضدين.
فعلم أنه لا يحتاج أن يبين ما يندرج في هذا الكلى لا من الأنواع ولا من الأعيان المعينة به بل العلم بها أبين من العلم بهذه الكلية بل إذا أرادوا أن يبينوا أن الضدين لا يجتمعان قالوا المراد بالضدين هما الوصفان الوجوديان اللذان لا يجتمعان في محل واحد كالسواد والبياض فيعود الأمر إلى تعريفهم مرادهم بهذا اللفظ وأما بيان ما دل عليه من المعاني المعقولة فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه بالكلى وكذلك في النقيضين وكذلك في الشرط والمشروط والعلة والمعلول وسائر هذه الأمور الكلية.
إبطال القول باقتران العلة والمعلول في الزمان:
ولهذا من لم يحكم معرفة هذا وإلا التبست عليه المعقولات ودخل عليه غلطهم سواء كانوا قد غلطوا هم في التصور وهو الغالب على أئمتهم أو كانوا يقصدون التغليط كما يفعله بعضهم.
مثال ذلك أنه إذا قيل لهم في مسألة حدوث العالم كيف يكون العالم مفعولا مصنوعا للرب وهو مساوق له أزلا وأبدا مقارن له في الزمان هذا مما يعلم فساده بضرورة العقل فان المفعول لا يكون مقارنا للفاعل في الزمان قالوا بل هذا ممكن وهو أن تقدم العلة على المعلول تقدما عقليا لازما كتقدم حركة اليد على حركة الخاتم الذي فيها وتقدم الشمس على الشعاع وتقدم الحركة على الصوت الناشئ عنها ثم أن كان ممن تكلم في العلة والمعلول المذكور في الصفات والأحوال وهو يقول العلم علة كون العالم عالما كما يقوله مثبتوا الأحوال من النظار كالقاضي أبي بكر وأبي المعالي في أول قوليه والقاضي أبي يعلى وأمثالهم فانه قد ألف أن العلة والمعلول متلازمان مقترنان فلا يستنكر مثل هذا هنا
(1/377)

ولهذا غلط بسبب متابعتهم في هذا طوائف من الفقهاء في الفقه كأبي المعالي واتباعه أبي حامد والرافعي وغيرهم فادعوا شيئا خالفوا فيه جميع أئمة الفقه المتقدمين من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم ولم يقله الشافعي ولا احد من أئمة أصحابه ولا غيرهم وهو أنه إذا قال لامرأته إذا شربت أو زنيت أو فعلت كذا فأنت طالق وقصده أن يقع بها الطلاق إذا وجد ذلك الشرط أو قال إذا أعطيتني ألفا فأنت طالق أو قال إذا طلقتك فأنت طالق طلقة أخرى أو إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق أو قال مثل ذلك في العتق فزعموا أن الحكم المعلق بشرط يقع هو والشرط معا في زمن واحد بناء على أن الشرط علة للحكم والمعلول يقارن العلة في الزمان.
وهذا خطأ شرعا ولغة وعقلا أما الشرع فان جميع الأحكام المعلقة بالشروط لا تقع شيء منها إلا عقيب الشروط لا تقع مع الشروط والفروع المنقولة عن الأئمة تبين ذلك وأما لغة فإن الجزاء عند أهل اللغة يكون عقب الشرط وبعده ولا يكون الجزاء مع الشرط في الزمان ولهذا قد يكون الجزاء مما يتأخر زمانه كقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} وفي النذر إذا قال: إن شفى الله مريضي فعلى صوم سنة فلا يجب عليه الصوم إلا بعد الشفاء لا مقارنا للشفاء ولا في زمن الشفاء وكذلك إذا قال: إن سلم الله مالي الغائب وكذلك إذا قال: من رد عبدي الآبق أو بنى لي هذا الحائط ونحو ذلك وأيضا فهذا يذكر بحرف الفاء والفاء للتعقيب يوجب أن يكون الثاني عقيب الأول لا معه وأما عقلا فلأن الأول هنا كالفاعل
(1/378)

الموجب للثاني ولا يعرف قط أن الفاعل يقارنه مفعوله.
وما ذكروه من اقتران العلة العقلية لمعلولها كالعلم والعالمية فجوابه أنه عند جماهير العقلاء ليس هنا علة ومعلول بل العلم هو العالمية وهذا مذهب جمهور نظار أهل السنة والبدعة وهو نفي الأحوال فلا علة ولا معلول وإن جعلت المعلول الحكم بكونه عالما والخبر عنه بكونه عالما فهذا قد يتأخر عن العلم وعلى قول من أثبت الحال هو يقول أنها ليست موجودة ولا معدومة فليست نظير المعلولات الوجودية.
وأيضا فهؤلاء يقولون أن العالم فاعل للعالمية ولا هو جاعل العالمية ولا هذا عنده من باب تأثير الوجود كالأسباب والعلل فان كونه عالما لازم للعلم بما يلزم العلم أنه علم ليس هذا مثل كون قطع الرقبة سببا للموت ولا كون الأكل سببا للشبع من الأسباب التي خلقها الله فكيف بالأسباب التي يصنعها العباد كقوله إذا زنيت فأنت طالق فهنا علق حادثا بحادث وحكم بكون ذلك الأول سببا للثاني فأين هذا من العلم والعالمية وإنما غرهم الاشتراك في لفظ العلة.
وكذلك المتفلسفة ليس في جميع ما مثلوا به علة فاعله قارنت مفعولها في الزمان فحركة اليد ليست هي الفاعلة لحركة الخاتم بل المحرك لهما واحد ولكن حركتهما متلازمة لاتصال الخاتم باليد كحركة بعض اليد مع بعض وكما يقال حركت يدي فتحرك الخاتم وكما يقال حركت كفى فتحركت أصابعي وليست حركة الكف فاعلة لحركة الأصابع وإن قدر أنها بعدها لم يسلم اقترانهما في الزمان بل تكون كأجزاء الزمان المتصل بعضها ببعض فانه لا فصل بينهما وإن كان الجزء الثاني متصلا بالأول كذلك أجزاء الحركة كحركة الظل وغيره كل جزء منها يحدث بعد الآخر وفي الزمان الذي يلي حركة الجزء الأول فأما أن يقال الحركتان وجدتا معا وأحدهما فاعلة للأخرى فهذا باطل.
وأيضا فان المعروف أنه إذا قيل حركت يدي فتحرك خاتمي أو المفتاح في
(1/379)

كمى ونحو ذلك إذا تحرك بحركة تخصه مثل أن يكون الخاتم ملقى فإذا حرك يده علق في يده فتحرك وهذه الحركة بعد حركة اليد في الزمان وأما إذا كان الخاتم متصلا بالإصبع ثابتا فيها وإنما يتحرك كما تتحرك الأصابع فالمحرك للجميع واحد ولو كان الإنسان نائما أو ميتا فرفع رجل يده وفيها الخاتم لكانت أيضا متحركة بحركة اليد وهى حركة واحدة شملت الجميع لاتصال بعضه ببعض ليس هنا حركتان إحداهما سبب الأخرى فضلا عن أن تكون فاعلة لها ومن قال في مثل هذا حركت يده فتحرك خاتمه فإنما هو كقوله فتحركت اليد فإنما يريد بذلك أن الحركة شملت الجميع ولم يرد بذلك أن حركة اليد كانت سببا للحركة الأولى ولا نعرف عاقلا يقول هذا ويقصد هذا وإن قدر أنه وجد فليس قوله حجة على سائر العقلاء ومن رفع يد ميت أو نائم وفيها خاتم لم تكن حركة بعض ذلك سببا لبعض بل الجميع موجود في زمان واحد لفاعل واحد وسبب واحد.
فبطل أن يكون في الوجود سبب يقارن مسببه في الزمان بل لا يكون إلا قبله فكيف بالفاعل المستقل وإنما الذي يقارن الشيء في الزمان شرطه وتقدم الواحد على الاثنين هو من هذا الباب لا من باب تقدم الشرط على المشروط وحركة الخاتم مع اليد هي من باب المشروط مع الشرط ليست من باب المفعول مع الفاعل ولكن لفظ العلة فيه إجمال.
وكذلك الصوت مع الحركة فان الصوت يحدث عقيب الحركة وغايته أن يكون معها كالجزء الثاني من الحركة مع الأول والحركة المتصلة والزمان المتصل ليس بعضه مع بعض في الزمان فغاية الصوت مع الحركة أن تكون كذلك وكذلك الشعاع مع ظهور الشمس مع أن الشمس ليست فاعلة للشعاع بل الشعاع يحدث في الأرض إذا قابل الشمس ما ينعكس الشعاع عليه وكذلك الحركة ليست
(1/380)

هي الفاعلة للصوت ولكن الشمس شرط في الشعاع والحركة شرط في الصوت.
وأما فاعل يبدع مفعوله ويكون مقارنا له في الزمان فهذا لا يوجد قط لكن لفظ العلة فيه إجمال فالعلة الفاعلة شيء والعلة التي هي شرط شيء آخر والشرط قد يقارن المشروط في زمانه بخلاف الفاعل فانه لا بد أن يتقدم فعله على المعين وإذا قدر أنه لم يزل فاعلا فكل جزء من أجزاء الفعل مسبوق بجزء آخر وإن كان نوع الفعل لم يزل فلا يتصور أن يكون فعله أو مفعوله معينا مع الله أزلا وأبدا وإن قيل أنه لم يزل فاعلا بمشيئته فدوام نوع الفعل شيء ودوام الفعل المعين والمفعول المعين شيء آخر.
والذي أخبرت به الرسل ودلت عليه العقول واتفق عليه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين أن الله خالق كل شيء وأن كل ما سواه فهو مخلوق له وكل مخلوق محدث مسبوق بالعدم وأما تغيير هؤلاء للفظ المحدث وقولهم إنا نقول أنه محدث حدوثا ذاتيا بمعنى أنه معلول فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه فان المحدث معلوم أنه قد كان بعد أن لم يكن وأنه مفعول أحدثه محدث إحداثا وما لم يزل ولا يزال فلا يسميه أحد من العقلاء في لغة من اللغات محدثا بل ولا يقول أحد من العقلاء أنه مفعول مصنوع مخلوق ولا يقول أحد أنه ممكن يمكن وجوده ويمكن عدمه إلا هذه الشرذمة من الفلاسفة.
الميزان العقلي هو المعرفة الفطرية للتماثل والاختلاف:
وهذه الأمور مبسوطة في مواضعها وإنما المقصود هنا أنهم إذا عدلوا عن المعرفة الفطرية العقلية للمعينات إلى أقيسة كلية وضعوا ألفاظها وصارت مجملة تتناول حقا وباطلا حصل بها من الضلال ما هو ضد المقصود من الموازين وصارت هذه الموازين عائلة لا عادلة وكانوا فيها من المطففين {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
(1/381)

وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} وأين البخس في الأموال من البخس في العقول والأديان مع أن أكثرهم لا يقصدون البخس بل هم بمنزلة من قد ورث موازين من أبيه يزن بها تارة له وتارة عليه ولا يعرف أهي عادلة أم عائلة.
والميزان التي انزلها الله مع الكتاب حيث قال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} وقال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} هي ميزان عادلة تتضمن اعتبار الشيء بمثله وخلافه فيسوى بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين بما جعله الله في فطر عبادة وعقولهم من معرفة التماثل والاختلاف.
فان قيل إذا كان هذا مما يعرف بالعقل فكيف جعله الله تعالى مما أرسلت به الرسل قيل لأن الرسل ضربت للناس الأمثال العقلية التي يعرفون بها التماثل والاختلاف فان الرسل دلت الناس وأرشدتهم إلى ما به يعرفون العدل ويعرفون الأقيسة العقلية الصحيحة التي يستدل بها على المطالب الدينية فليست العلوم النبوية مقصورة على مجرد الخبر كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام ويجعلون ما يعلم بالعقل قسيما للعلوم النبوية بل الرسل صلوات الله عليهم بينت العلوم العقلية التي بها يتم دين الناس علما وعملا وضربت الأمثال فكملت الفطرة بما نبهتها عليه وأرشدتها مما كانت الفطرة معرضة عنه أو كانت الفطرة قد فسدت بما حصل لها من الآراء والأهواء الفاسدة فأزالت ذلك الفساد وبينت ما كانت الفطرة معرضة عنه حتى صار عند الفطرة معرفة الميزان التي أنزلها الله وبينها رسله.
والقرآن والحديث مملوء من هذا يبين الله الحقائق بالمقاييس العقلية والأمثال المضروبة ويبين طرق التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين وينكر على من يخرج عن ذلك كقوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} وقوله: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} أي هذا
(1/382)

حكم جائر لا عادل فان فيه تسوية بين المختلفين وقال: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} ومن التسوية بين المتماثلين قوله: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} وقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا} .
والقرآن مملوء من ذلك لكن ليس هذا موضعه وإنما المقصود التنبيه على جنس الميزان العقلي وانها حق كما ذكر الله في كتابه وليست هي مختصة بمنطق اليونان وإن كان فيه قسط منها بل هي الأقيسة الصحيحة المتضمنة التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين سواء صيغ ذلك بصيغة قياس الشمول أو بصيغة قياس التمثيل وصيغ التمثيل هي الأصل وهي أكمل والميزان القدر المشترك وهو الجامع وهو الحد الأوسط.
وإنزاله تعالى الميزان مع الرسل كإنزاله الإيمان وهو الأمانة معهم والإيمان لم يحصل إلا بهم كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان قال: "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال فعلموا من القرآن وعلموا من السنة وحدثنا عن رفع الأمانة" قال: "ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت ثم ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منترا وليس فيه شيء" فقد بين في هذا الحديث
(1/383)

أن الأمانة التي هي الإيمان أنزلها في أصل القلوب فان الجذر هو الأصل وهذا إنما كان بواسطة الرسل لما اخبروا بما اخبروا به فسمع ذلك ف ألهم الله القلوب الإيمان وانزله في القلوب.
وكذلك أنزل الله سبحانه الميزان في القلوب لما بينت الرسل العدل وما يوزن به عرفت القلوب ذلك فأنزل الله على القلوب من العلم ما تزن به الأمور حتى تعرف التماثل والاختلاف وتضع من الآلات الحسية ما يحتاج إليه في ذلك كما وضعت موازين النقدين وغير ذلك وهذا من وضعه تعالى الميزان قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} وقال كثير من المفسرين: "هو العدل" وقال بعضهم: "ما يوزن به ويعرف العدل" وهما متلازمان
الوجه الثامن: ليس عندهم برهان على علومهم الفلسفية
إنهم كما حصروا اليقين في الصورة القياسية حصروه في المادة التي ذكروها من القضايا الحسيات والأوليات والمتواترات والمجربات والحدسيات ومعلوم أنه لا دليل على نفى ما سوى هذه القضايا كما تقدم البينة عليه.
ثم مع ذلك إنما اعتبروا في الحسيات والعقليات وغيرهما ما جرت العادة باشتراك بنى آدم فيه وتناقضوا في ذلك وذلك أن بنى آدم إنما يشتركون كلهم في بعض المرئيات وبعض المسموعات فإنهم كلهم يرون عين الشمس والقمر والكواكب ويرون جنس السحاب والبرق وإن لم يكن ما رآه هؤلاء من ذلك هو ما يراه هؤلاء وكذلك يشتركون في سماع صوت الرعد وأما ما يسمعه بعضهم من كلام
(1/384)

بعض وصوته فهذا لا يشترك بنو آدم في عينه بل كل قوم يسمعون ما لم يسمع غيرهم وكذلك أكثر المرئيات فانه ما من شخص ولا أهل درب ولا مدينة ولا إقليم إلا ويرون من المرئيات ما لا يراه غيره وأما الشم والذوق واللمس فهذا لا يشترك جميع الناس في شيء معين فيه بل الذي يشمونه هؤلاء ويذوقونه ويلمسونه ليس هو الذي يشمه ويذوقه ويلمسه هؤلاء لكن قد يتفقان في الجنس لا في العين كما يتفقون في شرب جنس الماء ومس جنس النساء.
وكذلك ما يعلم بالتواتر والتجربة والحدس فانه قد يتواتر عند هؤلاء ويجرب هؤلاء ما لم يتواتر عند غيرهم ولم يجربوه ولكن قد يتفقان في الجنس كما يجرب قوم بعض الأدوية ويجرب الآخرون جنس تلك الأدوية فيتفق في معرفة الجنس لا في معرفة عين المجرب.
ثم هم مع هذا يقولون في المنطق أن المتواترات والمجربات والحدسيات تختص بمن علمها فلا يقوم منها برهان على غيره فيقال لهم وكذلك المشمومات والمذوقات والملموسات بل اشتراك الناس في المتواترات أكثر فان الخبر المتواتر ينقله عدد كثير فيكثر السامعون له ويشتركون في سماعه من العدد الكثير لا سيما إذا كان العدد الكثير مئين وألوفا فبطائفة من هؤلاء يحصل العلم المتواتر فإذا نقل هؤلاء لقوم وهؤلاء لقوم وهؤلاء لقوم حصل العلم المتواتر لأمم لا يحصى عددهم إلا الله بخلاف ما يدرك بالحواس فانه يختص بمن أحسه فإذا قال رأيت أو سمعت أو ذقت أو لمست أو شممت فكيف يمكنه أن يقيم من هذا برهانا على غيره ولو قدر أنه شاركه في تلك الحسيات عدد فلا يلزم من ذلك أن يكون غيرهم أحسها ولا يمكن علمها لمن لم يحسها إلا بطريق الخبر فإذا ادعوا أن الخبر المتواتر مختص بالحسيات فلا يقوم به البرهان على المنازع فالحسيات أعظم اختصاصا فيلزم أن لا يقوم بها برهان على المنازع وليس في الحسيات أكثر اشتراكا
(1/385)