Advertisement

الرد على المنطقيين 002



الكتاب: الرد على المنطقيين
المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق: -
الناشر: دار المعرفة، بيروت، لبنان
الطبعة: -
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] الرؤية فان الناس يشتركون في رؤية الأنوار العلوية كالشمس والقمر والكواكب ولكن مواد البرهان لا يختص بذلك.
وإن قالوا الحسيات تحصل ب الاشتراك في جنسها كاشتراك الناس في معرفة الألوان والطعوم والروائح والحرارة والبرودة وإن لم يكن عين ما أحسه هؤلاء هو عين ما احسه هؤلاء لكن اشتركا في الجنس قيل والمتواترات والمجربات قد يشتركون في جنسها كما تقدم بل وجود الشبع والري عقيب الأكل والشرب هو من المجربات والناس يشتركون في جنسه وكذلك وجود اللذة بذلك وبالجماع وغير ذلك بما إذا فعله الإنسان وجد عقيبه أثرا من الآثار ثم يتكرر ذلك حتى يعلم أن ذاك سبب هذا الأثر فهذا هو التجربيات.
والقضايا الظنية أصلها التجربيات وهو من هذا الباب فان المراد أنه إذا استعمل الدواء الفلاني وجد زوال المرض أو حصل به ألم المرض فوجود المرض بهذا ووجود زواله بهذا هو من التجربيات وكذلك الالام واللذات التي تحصل بالمشمومات والمسموعات والمرئيات والملموسات فان الحس ينال كذا ويرى هذا ويسمع هذا ويذوق هذا ويلمس هذا ثم وجود اللذة في النفس هو من الوجديات المعلومة بالحس الباطن وهو من جنس الحسيات الظاهرة.
وأما الاعتقاد الكلى القائم في النفس من أن هذا الجنس يحصل به اللذة وهذا الجنس يحصل به الألم فهذا من التجربيات إذ الحسيات الظاهرة والباطنة ليس فيها شيء كلى فالقضاء الكلى الذي يقوم بالقلب هو مركب من الحس والعقل وهو التجربيات كما في اعتقاد حصول الشبع والري بما يعرف من المأكولات والمشروبات والموت والمرض بما يعرف من السموم القاتلة والأسباب الممرضة وزوال ذلك بالأسباب المعروفة وكل هذا من القضايا التجربية فالحس به يعرف الأمور المعينة ثم إذا تكررت مرة بعد مرة أدرك العقل أن هذا بسبب القدر المشترك الكلى فقضى فضاء كليا أن هذا يورث اللذة الفلانية وهذا يورث الألم الفلاني.
(1/386)

والحدسيات هي كذلك فبالحس يعرف أعيانها ثم يتكرر فتعلم بالعقل القدر المشترك لكن ذلك التكرر لا يكون بفعل الإنسان بل هو كما يعرف من الأمور السماوية مثل أن يرى اختلاف أنوار القمر عند اختلاف مقابلته للشمس فيحدس أن ضوءه مستفاد منها ومثل ما يرى الثوابت لا تختلف حركتها بالطول والعرض بل حركتها حركة واحدة فيحدس أن فلكها واحد وإلا فيجوز أن يكون لكل واحد فلكا حركته مثل حركة الآخر ومثل ما يرى اختلاف حركات السبعة فيحدس عن اختلاف أفلاكها وهذا يسمى في اللغة تجربيات وكثير منهم أيضا يسميه تجربيات ولا يجعل قسما غير المجربات.
وبالجملة الأمور العادية سواء كان سبب العادة أرادة نفسانية أو قوة طبيعية فالعلم بكونها كلية هو من التجربيات أو الحدسيات أن جعلت نوعا أخر حتى العلم بمعانى اللغات هو من الحدسيات فان الإنسان يسمع لفظ المتكلم ثم قد يعلم مراده المعين بإشارة إليه أو بقرينة أخرى ثم إذا تكرر تكلمه بذلك اللفظ مرة بعد مرة وهو يريد به ذلك المعنى علم أن هذه عادته الإرادية وهو أرادة هذا المعنى بهذا اللفظ إذا قصد إفهام المخاطب وهذا مما يسمونه الحدسيات إذ ليس كلام المتكلم موقوفا على اختيار المستمع وهو من التجربيات العامة فان السمع إنما عرف به الصوت والمعنى المعين قد يفهم أولا بأسباب متعددة أما كون هذا المتكلم من عادته ولغته أنه إذا تكلم بهذا اللفظ أراد ذلك المعنى فهذا من هذا الباب وكذلك سائر ما يعلم من عادات الناس وعادات البهائم وعادات النبات وعادات سائر الأعيان هو من هذا الباب.
وقد يعلم احد الشخصين بعادة نظيره فإذا كان من عادة شخص إذا قال أو فعل أمرا أراد به شيئا ورأى نظيره يقول ذلك أو يفعله فقد اعتقد أنه أراد ما أراد لأن العادة عرف أنها للنوع لا للشخص كعادة الناس في اللغات والأفعال
(1/387)

من العبادات وغير العبادات فإذا رأى الرجل يدخل المسجد قرب صلاة الجمعة وعليه أهبة أهل الصلاة اعتقد أنه يدخله للصلاة لأن هذا عادة هذا النوع وكذلك إذا رأى قاعدا في محل التطهير شارعا فيما يشرع فيه المتطهر عرف أنه يتطهر ثم العاديات قد تنتقض وقد يعلم ما يفعله الفاعل من العلم بصفاته ويعلم صفاته من أفعاله لكن ذاك من باب الاستدلال النظري العقلي وهو الاستدلال بالملزوم على اللازم فليس ذاك من هذا.
كون العلوم الفلسفية من المجربات:
فعامة ما عند الفلاسفة بل وسائر العقلاء من العلوم الكلية بأحوال الموجودات هو من العلم بعادة ذلك الموجود وهو مما يسمونه الحدسيات وعامة ما عندهم من العلوم العقلية الطبيعية والعلوم الفلكية كعلم الهيئة فهو من هذا القسم من المجربات أن كان علما فان هذه لا يقوم فيها برهان على المنازع فليس عند القوم برهان على المنازع وأيضا فان كون هذه الأجسام الطبيعية جربت وكون الحركات الفلكية جربت لا يعرفه أكثر الناس إلا بالنقل والتواتر في هذا قليل وإنما الغاية أن تنتقل التجربة في ذلك عن بعض الأطباء أو بعض أهل الحساب.
وعلم الهيئة الذي هو أعظم علومهم الرياضية العقلية الذي جعله أرسطو أهله هم أئمة الفلاسفة وعلمهم اصل الفلسفة فانه منه تعرف عدد الأفلاك وحركاتها وإلا فالحس لا يرى إلا حركة الأجسام المعينة فيرى الشمس متحركة والقمر متحركا والكواكب متحركة هذا الذي يعلم بالحس وأما كون هذه مذكورة في أفلاك متحركة فهذا إنما يعلمونه من علم الهيئة والعلم بأن بعض الأفلاك فوق بعض علموه بكسوف الأعلى الأسفل فلما رأوا القمر يكسف سائرها استدلوا بذلك على أنه تحت الجميع ولما رأوا زحل لا يكسف شيئا والجميع تكسفه استدلوا بذلك على أنه فوق
(1/388)

الجميع وكذلك كون الثوابت في الثامن ادعوا علمه بأنها لا تكسف شيئا بل قد يكسفها غيرها وأما أفلاكها فاستدلوا عليها بالحركات.
والعلم بقدر حركاتها وبكسوف بعضها لبعض ونحو ذلك مداره على الإرصاد وغايته أن بعض الناس رأى هذا فأخبر به غيره وليس هذا خبرا متواترا بل غالبه خبر واحد ثم أن الأرصاد يقع فيها من الغلط ما هو معروف ولهذا اختلفت أرصاد المتقدمين والمتأخرين في حركة الثوابت هل تقطع درجة فلكية في كل مائة سنة أو في ستة وستين وثلثي سنه كما زعمه أهل الرصد المأموني ولما اخبرهم أهل الهيئة بحركة الفك استدلوا بذلك على أن لها نفسا تحركه بالإرادة لأن حركته دورية ليست طبيعية واستدلوا على عدد النفوس التسعة بالأفلاك التسعة وعلى العقول العشرة بالأفلاك التسعة مع العقل العاشرة الذي هو أول صادر عن واجب الوجود وجعلوا الفلك يتحرك للتشبه بالعلة الأولى ليخرج ما فيه من الايون والأوضاع وغاية الفلسفة عندهم التشبه بالعلة الأولى بحسب الإمكان فهذا هو العلم الإلهي الذي هو الفلسفة الأولى والحكمة العليا وفيه من المقدمات الضعيفة ما ليس هذا موضع بسطه.
وإنما المقصود أن مبناه على قضايا يخبر بها بعض الناس عن قضايا حدسية فإذا قالوا أن هذه لا يقوم فيها برهان على المنازع والقضايا الطبيعية مبناها على ما ينقله بعض الناس من التجارب فإذا لم يكن في هذا ولا هذا برهان لم يكن عند القوم برهان على ما يختصون به وأما ما يشتركون فيه هم وسائر الناس فهذا ليس مضافا إليهم ولا هو من علمهم فأين البرهان على العلوم الفلسفية مع العلم بأن العاديات التي هي عامة علومهم الكلية منتقضة كما بيناه في غير هذا الموضع فنحن نعلم أنه ليس معهم في عامة ما يدعونه برهانيا برهان يقيني ولكن مع هذا نذكر بعض تناقضهم.
(1/389)

سنة الله التي لا تنتقض بحال:
ولكن العادة التي لا تنتقض بحال ما اخبر الله أنها لا تنتقض كقوله تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} وقال: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} وقال: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} فهذه سنة الله وعادته في نصر عباده المؤمنين إذا قاموا بالواجب على الكافرين وانتقامه وعقوبته للكافرين الذين بلغتهم الرسل بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين هي سنة الله التي لا توجد منتقضة قط وكما قال قبل هذا {مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً} لم يقل هنا ولن تجد لأن هذه سنة شرعية لا ترى بالمشاهدة بل تعلم بالوحي بخلاف نصره للمؤمنين وعقوبته للمنذرين فانه أمر مشاهد فلن يوجد منتقضا.
وقد أراد بعض الملاحدة كالسهروردي المفتول في كتابه المبدأ والمعاد الذي سماه الالواح العمادية أن يجعل له دليلا من القرآن والسنة على إلحاده فاستدل
(1/390)

بهذه الآية على أن العالم لا يتغير بل لا تزال الشمس تطلع وتغرب لأنها عادة الله فيقال له انخراق العادات أمر معلوم بالحس والمشاهدة بالجملة وقد أخبر في غير موضع أنه سبحانه لم يخلق العالم عبثا وباطلا بل لأجل الجزاء فكان هذا من سنته الجميلة وهو جزاؤه الناس بأعمالهم في الدار الآخرة كما أخبر به من نصر أوليائه وعقوبة أعدائه فبعث الناس للجزاء هو من هذه السنة وهو لم يخبر بان كل عادة لا تنتقض بل أخبر عن السنة التي هي عواقب أفعال العباد بإثابته أولياءه ونصرهم على الأعداء فهذه هي التي اخبر لن يوجد لها تبديل ولا تحويل كما قال: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} .
وذلك لأن العادة تتبع أرادة الفاعل وإرادة الفاعل الحكيم هي أرادة حكيمة فتسوى بين المتماثلات ولن يوجد لهذه السنة تبديل ولا تحويل وهو إكرام أهل ولايته وطاعته ونصر رسله والذين آمنوا على المكذبين فهذه السنة تقتضيها حكمته سبحانه فلا انتقاض لها بخلاف ما اقتضت حكمته تغييره فذاك تغييره من الحكمة أيضا ومن سنته التي لا يوجد لها تبديل ولا تحويل لكن في هذه الآيات رد على من يجعله يفعل بمجرد أرادة ترجح أحد المتماثلين بلا مرجح فان هؤلاء ليس عندهم له سنة لا تتبدل ولا حكمة تقصد وهذا خلاف النصوص والعقول فإن السنة تقتضي تماثل الآحاد وأن حكم الشيء نظيره فيقتضي التسوية بين المتماثلات وهذا خلاف قولهم.
المتواتر عن الأنبياء أعظم من المتواتر عن الفلاسفة:
والمقصود هنا الكلام على الفلاسفة فنقول معلوم أن من شياطينهم من يقول المتواترات لا يقوم بها البرهان على المنازع ليدخل في ذلك ما تواتر عن الأنبياء صلوات الله عليهم من الآيات والبراهين والمعجزات التي بعثوا بها كما
(1/391)

يدخلون ما اخذ عن الأنبياء من المقبولات.
فيقال لهم من المعلوم بالاضطرار أن تواتر خروج محمد صلى الله عليه وسلم ومجيئه بهذا القرآن أعظم عند أهل الأرض من تواتر وجود الفلاسفة كلهم فضلا عما يخبرون به من القضايا التجربية والحدسية التي استدلوا بها على الطبيعيات والفلكيات وكذلك ما تواتر من سائر معجزاته وما تواتر من أخبار موسى والمسيح صلوات الله عليهما هذا معلوم عند الناس أعظم من تواتر وجود أولئك فضلا عن تواتر ما يخبرون به.
ولهذا صار ظهور الأنبياء مما تؤرخ به الحوادث في العالم بظهور أمرهم عند الخاصة والعامة فان التاريخ يكون بالحادث المشهور الذي يشترك الناس فيه ليعرفوا به كم مضى بعده وقبله كما أن النهار يعرف بطلوع الشمس والشهر بالهلال لأنه نور ظاهر يشترك الناس في رؤيته ولهذا جعل عمر تاريخ المسلمين من الهجرة النبوية فإنها أظهر أحوال الرسول المشهورة وهو خروجه من بلد إلى بلد وبها اعز الله الإسلام وكانت العرب قبل الإسلام تؤرخ بالحوادث المشهورة وكذلك الروم والفرس والقبط وسائر الأمم يؤرخون مثل ذلك فنحن اليوم إذا أردنا أن نعرف زمان واحد من هؤلاء المتفلسفة قلنا كان قبل المسيح بكذا وكذا سنة.
بل أرسطو إنما عرف زمانه لأنه قد عرف أنه كان وزير الاسكندر بن فيلبس المقدوني ملك اليونان وكانوا مشركين يعبدون الكواكب والأصنام ويعانون السحر أرسطو وملكه وغيرهما وهذا الاسكندر لما جاء إلى الشام أقام أيام بني إسرائيل غلب عليهم فذكروا أنه طلب أن يكتب في التوراة فقالوا ما يمكن هذا فقال اجعلوا لي تأريخا فصار التاريخ الرومي الذي تؤرخ به اليهود والنصارى مؤرخا به وأرسطو وزيره فعرف وقته من هذا الوجه وكان قبل المسيح بثلثمائة سنة.
(1/392)

والتواريخ التي تختص بها اليهود هي من الأنبياء وأحوال بيت المقدس يقولون في البيت الأول في البيت الثاني.
ثم عرف أرسطوا بهذه الكتب المنسوبة إليه كما عرف بطليموس المجسطى وكما عرف ابقراط وجالينوس بما ينسب إليهما من كتب الطب وإلا فأي شيء هو الذي تواتر عند الناس من أخبار هؤلاء فضلا عن أن يتواتر عنهم ما يذكرونه في كتبهم من القضايا التجربية والحدسية وغاية ما يوجد أن يقول بطلميوس هذا مما رصده فلان وأن يقول جالينوس هذا مما جربته أنا أو ذكر لى فلان أنه جربه أو نحو ذلك من الحكايات التي ملأ بها جالينوس كتابه وليس في هذه شيء من المتواتر وإن قدر أن غيره جرب أيضا فذاك خبر واحد.
ولكن ما يدعى في تجارب الأطباء من الأدوية أقرب إلى التسليم مما يدعونه في تجاربهم الرصدية وذلك لاشتراك كثير من الأطباء في تجربة الدواء الواحد وأيضا فلكثرة وجود ما يدعى فيه التجربة من النبات وتواطؤ المجربين له وليس كذلك ما يدعونه من فلسفتهم فانا رأينا تجارب الأطباء على غير منوالهم وعلمنا صدقها كثيرا وليس القصد إلا بفساد تأصيلهم فقط وإلا فالأطباء في تجاربهم أسد حالا منهم لأن القوم إنما يذكرون دواء موجودا يمكن تجربته كثيرا لوجوده ولكثرة المحتاجين إليه ممن يصيبه ما يقال أن ذلك الدواء يؤثر فيه شفاء والله فاعل ذلك الشفاء في ذلك الدواء فبينهم حينئذ فرق من حيث ما قررته
(1/393)

فالتواتر عزيز عندهم جدا وأكثر الناس لم يجربوا جميع ما جربوه ولا علموا بالارصاد ما ادعوا أنهم علموه وإذا قيل قد اتفق على ذلك رصد فلان وفلان كان غاية ما عندهم أن يذكروا جماعة رصدوا وهذا غاية أن يكون من المتواتر الخاص الذي ينقله طائفة.
فمن زعم أنه لا يقوم عليه برهان بما تواتر عن الأنبياء كيف يمكنه أن يقيم على غيره برهانا بمثل هذا التواتر ويعظم علم الهيئة والفلسفة ويدعى أنه علم عقلي معلوم بالبرهان.
كون الفلاسفة من أجهل الخلق برب العالمين:
وهذا أعظم ما يقوم عليه البرهان العقلي عندهم هذا حاله فما الظن بالإلهيات التي إذا نظر فيها كلام معلمهم الأول أرسطو وتدبره الفاضل العاقل لم يفده إلا العلم بأنهم كانوا من أجهل الخلق برب العالمين وصار يتعجب تعجبا لا ينقضي ممن يقرن علم هؤلاء بالإلهيات إلى ما جاءت به الأنبياء ويرى أن هذا من جنس من يقرن الحدادين بالملائكة بل من يقرن دهاقين القرى بملوك العالم فهو أقرب إلى العلم والعدل ممن يقرن هؤلاء بالأنبياء فان دهقان القرية متول عليها كتولي الملك على مملكته فله جزء من الملك.
وأما ما جاءت به الأنبياء فلا يعرفه هؤلاء البتة وليسوا قريبين منه بل كفار اليهود والنصارى أعلم بالأمور الإلهية ولست أعنى بذلك ما اختص الأنبياء بعلمه من الوحي الذي لا ينال غيرهم فان هذا ليس من علمهم ولا من علم غيرهم وإنما أعنى العلوم العقلية التي بينها الرسل للناس بالبراهين العقلية في أمر معرفة الرب وتوحيده ومعرفة أسمائه وصفاته وفي النبوات والمعاد وما جاءوا به من مصالح الأعمال التي تورث السعادة في الآخرة فان كثيرا من ذلك قد بينه الرسل بالأدلة العقلية فهذه العقليات الدينية الشرعية الإلهية هي التي لم يشموا رائحتها ولا في علومهم ما يدل عليها وأما ما اختصت الرسل بمعرفته وأخبرت به من الغيب فذاك
(1/394)

أمر أعظم من أن يذكر في ترجيحه على الفلسفة وإنما المقصود الكلام في العلوم العقلية التي تعلم بالأدلة العقلية دع ما جاءت به الأنبياء فانه مرتبة عالية.
وهؤلاء المتكلمون من أهل الملل الذين يدعهم أهل السنة من أهل الملل كالجهمية والمعتزلة وما يفرع على هؤلاء من جميع طوائف الكلام فان الفلاسفة تقول أن هؤلاء أهل جدل ليسوا أصحاب برهان ويجعلون نفوسهم هم أصحاب البرهان ويسمون هؤلاء أهل الجدل ويجعلون أدلتهم من المقاييس الجدلية إذ كانوا قد قسموا القياس خمسة أقسام برهاني وخطابي وجدلي وشعري وسوفسطائي كما سنتكلم عليه أن شاء الله ولهذا تجد ابن سينا وابن رشد وغيرهما من المتفلسفة يجعل هؤلاء أهل الجدل وان مقدماتهم التي يحتجون بها جدلية ليست برهانية ويجعلون أنفسهم أصحاب البرهان.
ونحن لا ننازعهم أن كثيرا مما يتكلمه المتكلمون باطل لكن إذا تكلم بالإنصاف والعدل ونظر في كلام معلمهم الأول أرسطو وأمثاله في الإلهيات وفي كلام من هم عند المسلمين من شر طوائف المتكلمين كالجهمية والمعتزلة مثلا وجد بين ما يقوله هؤلاء المتفلسفة وبين ما يقوله هؤلاء من العلوم التي يقوم عليها البرهان العقلي من الفروق التي تبين فرط جهل أولئك بالنسبة إلى هؤلاء ما لا يمكن ضبطه وهذا كلام أرسطو موجود وكلام هؤلاء موجود فان هؤلاء المتكلمين يتكلمون بالمقدمات البرهانية اليقينية أكثر من أولئك بكثير كثير وأرسطو أكثر ما يبني الأمور الإلهية على مقدمات سوفسطاية في غاية الفساد ولولا أن هذا ليس موضع ذكره لذكرت كلامه في مقالة اللام التي هي آخر علومه بألفاظها وكذلك كلامه في اثولوجيا
(1/395)

وهذا ابن سينا أفضل متأخريهم الذي ضم إلى كلامه في الإلهيات من القواعد التي أخذها عن المتكلمين أكثر مما أخذه عن سلفه الفلاسفة أكثر كلامه فيها مبني على مقدمات سوفسطائية ملبسة ليست خطابية ولا جدلية ولا برهانية مثل كلامه في توحيد الفلاسفة وكلامه في أسرار الآيات وكلامه في قدم العالم كما بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع.
الوجه التاسع: الرد على ابن سينا والرازي في كلامهما في القضايا المشهورة المشتمل على ثمانية أنواع.
الوجه التاسع: أنهم اخرجوا القضايا التي يسمونها الوهميات والتي يسمونها الآراء المحودة عن أن تكون يقينيات وقد بينا في غير هذا الموضع أنها وغيرها من العقليات سواء ولا يجوز التفريق بينهما وان اقتضاء الفطرة لهما واحد.
أما المشهورات فان ابن سينا قال في إشاراته:
أصناف القضايا المستعملة فيما بين القائسين ومن يجري مجراهم أربعة مسلمات ومظنونات وما معها ومشبهات بغيرها ومتخيلات والمسلمات أما معتقدات وأما مأخوذات والمعتقدات أصنافها ثلاثة الواجب قبولها والمشهورات والوهميات والواجب قبولها أوليات ومشاهدات ومجربات وما معها من الحدسيات والمتواترات وقضايا قياساتها معها" إلى أن قال:
"فأما المشهورات في هذه الجملة فمنها أيضا هذه الأوليات ونحوها مما يوجب قبوله لا من حيث هي واجب قبولها بل من حيث عموم الاعتراف بها".
(1/396)

قال: "ومنها الآراء المسمات بالمحمودة وربما خصصناها باسم المشهورة إذ لا عمدة لها إلا الشهرة وهو أنه لو خلى إنسان وعقله المجرد ووهمه وحسه ولم يؤدب بقبول قضاياها ولم يفد الاستقراء ظنه القوى إلى حكم لكثرة الجزئيات ولم يستدع إليها ما في طبعه الإنساني من الرحمة والخجل والأنفة والحمية وغير ذلك لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسه مثل حكمنا أن سلب مال الإنسان قبيح وان الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه".
قال: "ومن هذا الجنس ما يسبق وهم كثير من الناس وليس شيء من هذا يوجه العقل الساذج ولو توهم الإنسان بنفسه أنه خلق دفعة تام العقل ولم يسمع أدبا ولم يطع انفعالا نفسانيا أو خلقا لم يقض في أمثال هذه القضايا بشيء بل أمكنه أن يجهله ويتوقف فيه وليس كذلك حال قضائه أن الكل أعظم من الجزء".
وهذه المشهورات قد تكون صادقة وقد تكون كاذبة وان كانت صادقة ليست تنسب إلى الأوليات ونحوها إذا لم تكن بينة عند العقل الأول إلا بنظر وان كانت محمودة عنده والصادق غير المحمود وكذلك الكاذب غير الشنيع ورب شنيع حق ورب محمود كاذب.
والمشهورات أما من الواجبات وأما من التأديبات الصلاحية وما تطابق عليها الشرائع الإلهية وأما خلقيات وانفعاليات وأما استقرائيات وهي أما بحسب الإطلاق وأما بحسب أصحاب صناعة وحكمة.
وقد ذكر الرازي في شرحه للإشارات تقرير الفرق بين الأوليات العقلية والمشهوارات والوهميات:
وقالوا المشهورات تشبه بالأوليات ووجه الفرق ظاهر فان الأولى
(1/397)

هو الذي يكون حكمه على موضوعه في الوجودين حملا أولا لا ثانيا أي لا يكون حمله بتوسط فان المحمول على غيره بتوسط شيء آخر كان بعد حمل ذلك الشيء فلا يكون حمله عليه أولا بل ثانيا.
وهذا إنما يظهر إذا لم يكن للعقل في ذلك الحكم موجب آخر إلا مجرد حضور طرفي الموضوع والمحمول أما إذا كان هناك أسباب أخر من الرقة أو الأنفة أو الحمية أو العادة أو الحمد على النظام الكلى والمصلحة العامة فحينئذ لا يعرف أن الموجب لحكم العقل بذلك هو نفس حضور طرفي الموضوع والمحمول أو ذلك لأسباب أخر.
فإذا أردت أن تمتحن ذلك فعليك أن تقدر نفسك كأنك خلقت في هذه الحال ولا تلتفت إلى مقتضيات العادات وأحكام سائر القوى من الرأفة والرقة وتجرد عما تعودته والفتة من القضايا المصلحية ثم تعرض على نفسك طرفي الموضوع والمحمول فان كان نفس حضورهما يوجب حكم العقل بتلك النسبة كانت القضية أولية وإلا كانت مشهورة وهو مثل قولنا الكذب قبيح فان السبب في شهرته تعلق المصلحة العامة به وقولنا الإيلام قبيح والسبب فيه الرقة والدليل على أن ذلك ليس من الأوليات انا عند الفرض المذكور إذا عرضنا على العقل أن الشيء لا يخلو عن النفي والإثبات وعرضنا عليه أن الكذب قبيح وجدنا العقل جازما بالأول متوقفا في الثاني فعرفنا أن ذلك ليس من المحولات الأولية.
ثم أن المشهور قد يكون صادقا وقد يكون كاذبا فالصادق قد يكون أوليا وقد لا يكون بل يحتاج في إثباته إلى البرهان فان كل أولى لا بد أن يكون مشهورا لكن لا ينعكس فان السبب في الشهرة أما كونه أوليا أو تعلق النظام به أو الانفعالات النفسانية كما ذكرنا أو الاستقراء العام فان لكل مذهب أمورا مشهورة عندهم ربما لا تكون
(1/398)

مشهورة عند من يخالفهم.
قلت: والكلام على هذا بأنواع متعددة.
النوع الأول: الكلام على تفريقهم بين الأوليات والمشهورات.
النوع الأول: أن التفريق بين الأوليات وغيرها بأن الأوليات ما كان ثبوت الموضوع للمحمول وهو ثبوت الصفة للموصوف والمحكوم به للمحكوم عليه والمخبر به للمخبر عنه كثبوت الخبر للمبتدأ بالتفريق بين الأولى وغيره بان الموضوع أن ثبت للمحمول بنفسه في الوجودين الذهني والخارجي فهو أولى وإن افتقر إلى وسط فليس بأولى فرق بنى على اصل فاسد وهو أن الصفات اللازمة للموصوف منها ما يلزم بنفسه ليس بينه وبين الموصوف وسط في نفس الأمر ومنها ما لا يلزم بنفسه بل بوسط في نفس الأمر يكون ذلك الوسط لازما للموصوف ويكون هذا المحمول لازما لذلك اللازم.
وهذا الفرق قد ذكره غير واحد كالرازي وغيره في الصفات اللازمة وابن سينا ذكره أيضا لكن ابن سينا ذكر أنه إنما أراد ب الوسط الحد الأوسط في القياس وهو ما يقرن باللام في قولك لأنه وهذا هو الدليل والدليل هو وسط في الذهن للمستدل ليس هو وسطا في نفس ثبوت الصفة للموصوف فانه قد يستدل بالمعلول على العلة كما يستدل بالعلة على المعلول ويستدل بأحد المعلولين على الآخر ويستدل بثبوت احد الضدين على انتفاء الآخر وبثبوت احد المتلازمين على تحقق الآخر.
ولا ريب أن الصفات اللازمة للموصوف تنقسم إلى ما لزومه بين للإنسان والى ما ليس هو بينا بل يفتقر ملزومه إلى دليل وكونه بينا للإنسان وغير بين ليس هو صفة الشيء في نفسه وإنما هو إخبار عن علم الإنسان به وتنبيه له فهو
(1/399)

إخبار عن الوجود الذهني لا الخارجي فما كان بينا للإنسان معلوما له موجودا في ذهنه لم يحتج فيه إلى دليل وما لم يكن كذلك احتاج فيه إلى دليل وكون الشيء بينا وغير بين نسبة وإضافة بين المعلوم والإنسان العالم وهذا يختلف فيه أحوال الناس فقد يتبين لزيد ما لا يتبين لعمرو فان أسباب العلم وقوة الشعور وجودة الأذهان متفاوتة فلا يلزم إذا تبين لإنسان ثبوت بعض الصفات أو لزومها أو اتصاف الموصوف بها أن يتبين ذلك لكل احد ولا يلزم إذا خفي على بعض الناس أن يكون خفيا على كل احد.
وحينئذ فإذا فرق بين الأولى وغيره بان الأولى لا يحتاج إلى وسط فبين كون القضية أولية أو غير أولية فرق إضافي بحسب أحوال الناس فيكون ذلك بمنزلة أن يقال القضية أما أن تكون معلومة وأما أن لا تكون وأما أن تكون ظاهرة وأما أن لا تكون وأما أن تكون واضحة وأما أن لا تكون وأما أن تكون جلية وأما أن لا تكون وأما أن يتصور الإنسان صدقها وأما أن لا يتصور وهذا فرق صحيح فإن كل قضية بالنسبة إلى كل احد أما أن تكون بينة له وأما أن لا تكون بينة له ولكن ليس هذا الفرق يميز بين أجناس القضايا حتى يجعل جنس منها بتمامه من قبيل غير البين وجنس آخر بتمامه من جنس البين فإن هذا الفرق لا يعود إلى صفة لازمة للقضية كما ادعاه من أن اللازم البين ما ثبت للموصوف بلا وسط في نفس الأمر واللازم غير البين ما كان ثبوته بوسط في نفس الأمر بل جميع اللوازم للموصوف ليس بينها وبين الموصوف وسط أصلا في نفس الأمر وإن احتجاج الإنسان في علمه بثبوتها إلى دليل فليس كل ما لا يعلم لزومه للموصوف إلا بدليل لا يكون ثبوته له إلا بوسط كما تقدم بيانه فإن المعلول لازم لعلته المعينة لا يمكن تخلف المعلول عن علته التامة التي دخل فيها وجود الشروط وانتفاء الموانع ومع هذا فقد لا يعلم ثبوت المعلول إلا بوسط بأن يستدل بمعلول آخر على العلة
(1/400)

ثم بالعلة على المعلول كما يستدل بالرائحة التي في الشراب على أنه مسكر ويستدل بالمسكر على التحريم كقوله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام" رواه مسلم وكما يستدل بثبوت كفارة اليمين في الالتزام على أنه يمين ويستدل بأنه يمين على انعقاد الإيلاء به وكذلك بالعكس وكما يستدل بالشعاع المنتشر على طلوع الشمس وبطلوعها على فوات الفجر وكما يستدل بفيء الظلال على زوال الشمس وبزوالها على دخول وقت الظهر فإنها لا تفيء من المغرب إلى المشرق إلا إذا زالت الشمس ولا يسمى فيئا إلا ما كان بعد الزوال والظل اسم عام لما كان في أول النهار وآخره وإن شئت تستدل بتزايد الظلال بعد تناهي قصرها على الزوال وبه على دخول وقت الظهر وكما يستدل بالجدي على جهة الشمال ويستدل بها على جهة الكعبة بأن يعلم أن الكعبة في تلك الأرض من جهة الجنوب والقطب شماليها أما محاذيا للركن الشامي سواء كما في أرض حران وما سامتها وأما مائلا إلى المشرق وجهة الباب فينحرف إلى المغرب كما في أرض العراق ومثل هذا كثير.
وبالجملة فالدليل باتفاق العقلاء اعم من العلة بل كل ملزوم يستلزم غيره يمكن الاستدلال به عليه مطلقا ولا يفرق في هذا بين لازم ولازم ولا يقال من اللوازم ما يلزم بوسط فلا يمكن العلم به إلا بعد ذلك الوسط بل يمكن الاستدلال به عليه كما يمكن الاستدلال بكل ملزوم على لازمه فإن شرط ذلك العلم بالملزوم متى علم أن هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم.
فقد يكون ما هو لازم بغير وسط عندهم ولا يعرف لزومه إلا بالوسط الذي هو الدليل كالمعلول مع العلة وقد يكون ما يزعمون أنه لازم بوسط ويمكن العلم بلزومه بلا وسط كما ذكروه من المثال في ذلك فزعموا أن اللونية للسواد والجسمية للحيوان ذاتية لثبوتها بلا وسط وزعموا أن الزوجية والفردية للعدد عرضية قالوا لأنا وإن علمنا أن الأربعة زوج والثلاثة فرد فلا يعلم ذلك في كل الأعداد بل يفتقر علمنا بأن المائتين واثنين وستين زوج والإحدى
(1/401)

وستون فرد إلى وسط وهو أن يقسم هذه فإذا انقسمت بقسيمين متساويين علمنا أنها زوج.
وقد بينا في كلامنا على فساد قولهم في الفرق بين الذاتي واللازم أن الفرق لا يعود إلى صفة الموصوف في نفس الأمر بل كون الزوجية والفردية لازمة للزوج والفرد كلزوم العددية للعدد ولزوم اللونية للبياض والسواد ولزوم الجسمية للحيوان ولكن بعض اللوازم بين لبعض الناس أنه لازم لجميع الأفراد وبعضها يخفي ثبوته لبعض الأفراد وهذا فرق يعود إلى الإنسان كما أن من الأشياء ما نراها ومن الأشياء ما لا نراها وكذلك من الأشياء ما نعلمها ومن الأشياء ما لا نعلمها ولا يقتضى ذلك أن يكون ما علمه من الصفات هو أجزاء للماهية تركبت منها لو جاز أن تتركب الماهية من الأوصاف وما لم يعلمه لا يكون أجزاء للماهية فكيف إذا كان تركب الماهية الموجودة في الخارج من صفات قائمة بها ودعوى أن تلك الصفات أجزاء لها مقومة وهي سابقة عليها في غاية الفساد.
والرازي وأمثاله لما شاركوا المنطقيين في هذا الخطأ زعموا أن الوسط الذهني هو وسط خارجي فهذا باطل وما علمت قدماء المنطقيين يقولونه ولا رايته في كلام ابن سينا وأمثاله وإنما الذي رايته في كلامه أن الوسط هو الدليل.
برهان للرازي على هذا التفريق وبيان تناقضه من ثلاثة عشر طريقا:
فالرازي لما ادعى ما ادعاه لزمه تناقض زائد على تناقض المنطقيين.
قال الرازي:
"والبرهان على أن ما يكون لزومه بغير وسط كان بينا هو أن الماهية لما هي هي مقتضية لذلك اللازم فإذا عقلنا الماهية وجب أن نعقل منها أنها
(1/402)

لما هي هي تقتضى ذلك اللازم وإلا لما كنا عقلنا الماهية لما هي هي وإذا عقلنا منها لما هي مقتضية للازم الفلاني وجب أن نعقل اللازم الفلاني لأن العلم بإضافة أمر إلى أمر يتضمن العلم بكل المضافين".
قال: "فهذا ما قيل في هذا الباب وفيه بحث لا بد من ذكره فان لقائل أن يقول أن ما يحصل لزومه من العلم بالماهية العلم بلازمها القريب وذلك القريب علة قريبة للازم الثاني فحينئذ يجب أن يعلم اللازم الثاني وان يعلم من ذلك الثاني اللازم الثالث فكان يجب أن يكون العلم بالماهية مقتضيا للعلم بجميع لوازمها القريبة والبعيدة وذلك محال فثبت أن العلم بالماهية لا يقتضى العلم بلازمها".
قال: "أيضا فان ماهية العلة غير مقولة بالقياس إلى المعلوم وعلته والعلة مقولة بالقياس إلى المعلول فإذن ماهية العلة مغايرة لعلتها فإذن لا يلزم من العلم بماهية العلة العلم بدليل المعلول.
ثم قال لكنا نقول في جواب هذا الشك العلم بماهية العلة لا يقتضى العلم بالمعلول إلا بشرط اخر وهو حصول تصور المعلول فان العلية أمر إضافي لا يحصل بمجرد ذات العلة فلا يكون العلم بذات العلة كافيا في العلم بالعلية لكن ذات العلة وذات المعلول هما لذاتيهما يقتضيان الوصف الإضافي وهو العلية والمعلولية لا جرم عند حصول تصورهما يجب حصول التصديق بانتساب أحدهما إلى الآخر وهذا هو المعنى بقولنا اللازم الذي يكون بغير وسط يكون بين الثبوت.
قال وإذا ثبت أن تصور العلة إنما يوجب التصديق بثبوت المعلول القريب له عند تصور المعلول ثم من الجائز أن لا يحصل تصور المعلول عند تصور العلة لا جرم لا يلزم من العلم بحقيقة العلة العلم بثبوت كل
(1/403)

اللوازم القريبة والبعيدة".
قال: "وأما الشك الثاني فهو أيضا خارج لانا لا نسلم أن العلية مغايرة لحقيقة ذات العلة لكنا ندعي أن تصور حقيقة العلة مع تصور حقيقة المعلول القريب يوجب العلم بكون العلة علة لذلك المعلول".
قلت: فهذا الكلام الذي زعموا أنه برهان قرروا به الأصول الكلية ل الحد والبرهان وفيه من الفساد والخطأ والتناقض ما يطول وصفه لكن ننبه على بعضه وذلك من طرق.
الطريق الأول:
إن قوله: "الماهية لما هي هي مقتضية لذلك اللازم" أن عني به أن الماهية الملزومة هي العلة في حصول لازمها في نفس الأمر كما يقتضيه كلامه فهذا من أبطل الباطل فليس كل ما كان لازما لغيره يكون ذلك الغير هو العلة المقتضية لوجوده في نفس الأمر فان العلة نفسها لازمة لمعلولها المعين لا يوجد المعلول المعين إلا بتلك العلة وان قدر وجود ما هو من جنسه بغير تلك العلة فليس هو ذلك المعين والعلة لا تكون معلولة لمعلولها وهي لازمة له.
وكذلك احد المعلولين يلازم المعلول الآخر كالأبوة والبنوة هما متلازمان وليس وجود أحدهما علة للآخر بل كلاهما معلول علة أخرى وكذلك جميع المتلازمات كالناطقية والضاحكية للإنسان متلازمان وليس أحدهما علة للآخر وكذلك الحس والحركة الإرادية متلازمان وليس أحدهما علة الآخر ونظير هذا كثير في الحسيات والعقليات والشرعيات وكل شيء فان نجوم الثريا متلازمة ما دام الفلك موجودا على هذه الصفة وليس بعضها علة لبعض وكذلك الأخلاط الأربعة في جسد ابن ادم متلازمة وليس بعضها علة لبعض وصفات الرب تعالى كعلمه وقدرته متلازمة وليس إحدى الصفتين علة للأخرى والأدلة الدالة على
(1/404)

الصانع جل جلاله وهي جميع مخلوقاته ملزومة لوجوده وليس فيها والعياذ بالله ما يجوز أن يقال أنه علة له.
وبالجملة فكل دليل فهو مستلزم لمدلوله والمدلول لازم للدليل وهذا متفق عليه بين العقلاء ومتفق بين العقلاء على أن الدليل لا يختص بان يكون معلولا لمدلوله بل الدليل اعم وكل من هذين أمر بين مع اتفاق العقلاء عليه فكيف يجوز أن يقال أن كل ما لزم غيره فان الملزوم هو العلة المقتضية للازم وكل مدلول فهو لازم لدليله مع انتفاء هذا الاقتضاء في أكثر الأدلة.
فان قيل: نحن لا نعني اللازم هنا إلا الصفات اللازمة لموصوف وتلك الماهية الموصوفة مقتضية لذاتها لتلك الصفات قيل هذا خطأ من وجوه:
أحدها: أنهم لم يعنوا ذلك كما حكينا كلامهم بل جعلوا القضايا التي ليست أولية هي ما يفتقر إلى هذا الوسط الذي جعلوه هنا معلولا للماهية كما قد حكينا كلامهم وان الأوليات حمل محمولها على موضوعها في الوجودين الذهني والخارجي حملا أوليا بلا وسط فجعلوا الوسط الذهني هو الخارجي والخارجي هو الذي ذكروه هنا وجعلوه معلول الماهية وأيضا فإنهم بهذا فرقوا بين اللازم البين واللازم غير البين.
الوجه الثاني: أن يقال هب أنهم أرادوا الصفات اللازمة للماهية فكل دليل فهو ملزوم لمدلوله فكونه مستلزما لمدلوله صفة له لازمة له وهي على قولهم أما أن تكون بوسط وأما أن تكون بغير وسط فآيات الله المخلوقة وهي العالم جميعه مستلزمة لوجود الرب تعالى ووجوده لازم لها وكونها ملزومة لذلك صفة لها لازمة لا يتصور قط أن يزول عنها هذا اللازم فإنها مفتقرة بالذات إلى الخالق وهذا الفقر لازم لها لا يفارقها البتة وحدوثها دليل على الباري وليست هي التي اقتضت وجوده وكذلك المعلول تقوم به صفات لازمة له وهو وصفاته تستلزم العلة
(1/405)

والمعلول وصفاته من العلة ليس هو علة لصفاته.
الوجه الثالث: أن يقال لا نسلم أن في الموصوفات ما هو علة فاعلة لصفته أصلا بل هو محل لصفاته القائمة به والموصوف أن كان رب العالمين فلا فاعل لصفاته كما لا فاعل لذاته وان كان مخلوقا فالفاعل لذاته هو الفاعل لصفاته أما كون ذاته علة فاعلة لصفاته فهذا باطل قطعا.
ومما يتبين بطلانه أن الكلام في صفاته اللازمة وتلك لا تفارقه ولا يتصور أن يكون فاعلا إلا بعد وجودها فيمتنع كونه هو الموجد لها وأما صفاته المقومة فتلك عندهم هي المقومة لذاته ليست ذاته السابقة لها وهي كالعلة فجعلوا بعض صفاته اللازمة علة لذاته وهي الصفات المقومة وبعضها معلولة وهي اللازمة غير المقومة والقسمان خطأ فليس في صفات الموصوف اللازمة ما هو علة للذات ولا معلول للذات بل هي صفات قائمة بالذات وفاعل الذات فاعل صفاتها أن كانت الذات من الذوات المفعولة والذي خلق الإنسان خلق الحيوانية والناطقية وخلق الضاحكية وغيرها ليس بعض هذه الصفات سابقا لذات الإنسان أو مادة لها ولا علة لها ولا بعضها معلول لها بل هي صفات قائمة بالإنسان لازمة له والذي خلقه خلق هذه الصفات اللازمة له وكذلك سائر المخلوقات.
الوجه الرابع: أن يقال ما تعني بقولك وتلك الماهية الموصوفة مقتضية بصفاتها أن عنيت أنها مستلزمة لها فحينئذ جميع الملزومات كذلك كما تقدم فبطل كونهم أرادوا بعض الملزومات وان عنيت أنها فاعلة للزومها فليس في الماهيات ما يفعل شيئا من صفاتها.
الطريق الثاني:
أن يقال لو سلم أنها مقتضية لذلك اللازم بمعنى أنها علة كما ادعاه أو بمعنى أنها ملزومة لذلك اللازم كما هو الحق في نفس الأمر فان كون الملزوم ملزوما واللازم لازما له هو ثابت لا ريب فيه وأما كون الملزوم فعل اللازم أو علة للازم
(1/406)

فهذا قد يكون في بعض الملزومات كالمعلول المعين اللازم لعلته وإلا فأكثر اللوازم ليست معلولة لملزوماتها وسواء قدر أنها معلولة أو لم يقدر فقوله الماهية لما هي هي مقتضية لذلك اللازم كلام مجمل فان كون الشيء ملزوما لغيره هو أنه متى تحقق الملزوم تحقق اللازم فقوله الماهية لما هي هي مقتضية لذلك اللازم كلام فيه إجمال فان كونها ملزومة حقيقة معقولة فقول القائل لما هي هي يقتضى أن اللزوم قسمان لزوم لما هي هي ولزوم لغير ما هي هي.
فان قيل نعم عندي اللزوم نوعان فاللازم البين الذي لا يفتقر إلى وسط هو اللازم لما هي هي واللازم الذي يفتقر إلى وسط هو اللازم لأجل الوسط لا لما هي هي قيل له الكلام في هذا الفرق فأنت تريد أن تقيم البرهان على أن ما كان لزومه بغير وسط كان بينا لا يفتقر إلى دليل بل كان من الأوليات فمجرد تصور طرفي القضية كاف في العلم به والمنازع يقول لك قد يكون اللازم بغير وسط كالعلة مع معلولها لا يعلم إلا بدليل ووسط فيكون وسطا في العلم والذهن لا وسطا في الخارج وأنت قد ادعيت أن كل ما كان مفتقرا إلى وسط في الذهن فانه يفتقر إلى وسط في الوجود وان ما لا يفتقر إلى وسط في الوجود لا يفتقر إلى وسط في الذهن وعلى هذا ادعيت إقامة البرهان.
ونحن نقول مجرد التصور التام لما ادعيته يوجب العلم الضروري بفساده لكن نبين مع ذلك فساد ما دللت به على دعواك كما نبين فساد شبه السوفسطائية وان سموها براهين وهو انك صادرت على المطلوب فجعلت المطلوب مقدمة في إثبات نفسه فانك لم يمكنك الاستدلال حتى أخذت مسلما أن اللوازم تنقسم إلى البين الذي يلزم لما هي هي والى اللازم بوسط الذي يفتقر إلى وسط في نفس الأمر والمنازع لك يقول لا نسلم افتقار شيء من اللوازم إلى وسط في نفس الأمر بل جميع اللوازم يلزم الملزوم نفسه وان كان بعض الملزومات شرطا في البعض كما أن العلم مشروط بالحيوة والإرادة مشروطة بالعلم فليس الشرط وسطا ملزوما للازم الثاني كما
(1/407)

ادعيته بل الذات مستلزمة الجميع ومتى تحققت تحقق الجميع ولا يتحقق شيء منها إلا مع الذات وبعضها لا يتحقق إلا مع بعض بل قد تكون متلازمة كصفات الله تعالى لا يتحقق شيء منها إلا مع الأخرى فحياته لازمة لعلمه وقدرته ومشيئته وكذلك قدرته ملازمة لعلمه وحياته فهي كلها متلازمة وهي أيضا لازمة للذات والذات لازمة لها وليس شيء من الصفات هو وسطا للأخرى كما ادعيته من أن بعض اللوازم لازم للذات وبعضها لازم اللازم وبعضها لازم لازم اللازم بل جميعها لازمة للذات وهي أيضا متلازمة.
والذي ذكرناه من أن بعض الصفات قد يكون شرطا وهو من جنس الصفات وأما الصفات اللازمة للموصوف مطلقا سواء كان هو الخالق أو كان الملزوم مخلوقا كصفات الإنسان اللازمة كلها متلازمة فحيوانية الإنسان وناطقيته وضاحكيته متلازمة لا يوجد واحد منها دون الآخر وان وجدت حيوانية في غيره فتلك حيوانية غير حيوانيتة والفصول والخواص كلها متلازمة كالناطقية والضاحكية وإذا كانت متلازمة وبعضها شرطا في بعض امتنع أن يكون الشرط هو الوسط الذي به يثبت المشروط كما ادعوه لأن ذلك مستلزم أن يكون كل صفة لازمة وسطا للأخرى وان يكون ليس شيء من الصفات اللازمة يلزم بنفسه فيلزم الجمع بين النقيضين فعلم أن كون إحدى الصفتين شرطا في الأخرى لا يقتضى كونها وسطا في الثبوت كما ادعوه وإذا كان المنازع يمنع انقسام اللوازم إلى ما لا يلزم بنفسه وبوسط وبرهانك مبنى على اخذ هذا التقسيم مسلما كنت مصادرا على المطلوب مثبتا للشيء بنفسه.
فان قلت: أنا أقيم هذا البرهان على من يسلم لي من المنطقيين أن من اللوازم ما يلزم بوسط وبغير وسط قيل لك فهذا أيضا خطأ من وجوه: أحدها: أن القياس يكون حينئذ جدليا لا برهانيا وأنت جعلته برهانيا الثاني: أن المنطق الذي هو ميزان العلوم عندكم لا يجوز أن تجعل المقدمات المبينة له جدلية فانه حينئذ لا
(1/408)

يكون علما بل يكون شيئا اتفق بعض الناس على دعواه ونحن نعلم أن كثيرا من الناس يدعون صحة المنطق ولكن أي فائدة في هذا الثالث أن يقال ولو سلم لك هذا التقسيم فالبرهان خطأ كما سيأتي بيانه وخطأه دليل على فساد اصل التقسيم وإذا كان اصل التقسيم خطا كان البرهان باطلا وكان التقسيم باطلا وهو المطلوب.
الطريق الثالث:
أن يقال قولكم فإذا عقلنا الماهية وجب أن نعقل منها أنها لما هي هي تقتضى ذلك اللازم يقال هذا ممنوع وذلك أن قول القائل عقلنا الماهية وتصورنا الماهية ونحو ذلك من العبارات لفظ مجمل فانه قد يعني به التصور التام والعقل التام الذي يتضمن تصور الملزوم وقد نعني به أنا عقلناها وتصورنا نوعا من العقل والتصور وان لم يكن تاما ولا شك أن مثل هذا لا يستلزم تصور الملزوم فدعواك أن كل عقل للماهية يوجب أن نعقل منها أنها لما هي هي تقتضى ذلك اللازم ممنوع وهو خلاف الواقع فان الناس لا يزالون يعقلون بعض الماهيات نوعا من العقل فلا يعقلون أنها لما هي هي تقتضى اللازم وبالجملة فنحن في هذا المقام يكفينا المنع فان الدعوى ليست بديهية ولم يقم عليها دليلا إلا قوله وإلا لما عقلنا الماهية لما هي هي فان أراد بهذا اللازم المنفي العقل التام الذي هو التصور التام فنحن نسلم ذلك ونقول ليس كل من تصور ماهية ما وعقلها نوعا من العقل والتصور يكون قد عقلها وتصورها عقلا تاما وتصورا تاما وان أراد بهذا اللازم المنفي أنا لا يكون حصل لنا شيء من التصور والعقل فهذا ممنوع.
الطريق الرابع:
أن يقال ما ذكره يستلزم أن لا يعقل شيء من المفردات البسائط ولا يعقل شيء وحده بل كل من عقل شيئا فلا بد أن يعقل لازمه القريب فيكون قد عقل اثنين وتصور اثنين لم يعقل واحدا ولم يتصور واحدا وهذا مناقض لما زعموه من
(1/409)

أن العلم ينقسم إلى تصور وتصديق وان التصور هو التصور الساذج الذي لا يكون معه حكم بشيء أصلا لا بنفي ولا بإثبات ونحن وان كنا قلنا أن مثل هذا ليس بعلم وانه لا يسمى علما إلا ما تضمن العلم بنفي أو إثبات فلا يمتنع أن يتصور الشيء من بعض الوجوه وان لم يتصور أنه ملزوم للوازم له يلزمه بنفسها فقد ثبت أن قوله باطل باتفاق العقلاء
الطريق الخامس:
أن يقال لو كان ما ذكرته صحيحا للزم أن من عقل شيئا عقل لوازم الشيء جميعها فانه إذا عقل الملزوم وجب أن يعقل لازمه الذي بغير وسط ثم عقل ذلك اللازم يوجب عقل الآخر وهلم جرا فيلزم أن يكون قد عقل اللوازم جميعها وهذا كما أنه يبطل حجته فهو يبطل اصل قولهم أن اللازم بغير وسط لا يفتقر إلى دليل في حق احد.
فانه لو كان كذلك لكان من تصور شيئا تصور جميع لوازمه ويلزم أن من عرف الله عرف جميع ما يعلمه الله فيعلم كل شيء لأن علمه سبحانه من لوازم ذاته بل يلزم أن من علم شيئا من مخلوقاته علم كل شيء فان المخلوق مستلزم للخالق والخالق مستلزم لعلمه بكل شيء بل وهو مستلزم لمشيئته ومشيئته مستلزمة لجميع ما خلقه فانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فلو كان من علم الملزوم لا بد أن يعلم لازمه لزم أن من علم شيئا فقد علم كل شيء.
وفساد هذا بين مع أن فساد هذه الدعوى اظهر من أن يحتاج إلى دليل لكن إذا عرف شناعة لوازمها كان أدل على قبحها وفسادها وهذا يتضمن السؤال الذي ذكره وقال فيه بحث لا بد من ذكره كما تقدم حكاية لفظه والجواب الذي ذكره عنه باطل وقد تناقض فيه وذلك يتبين بذكر
(1/410)

الطريق السادس:
وهو أن قوله العلم بماهية العلة لا يقتضى العلم بالمعلول إلا بشرط آخر وهو حضور تصور المعلول فيقال المعلول عندكم هنا هو اللازم الأول الذي كان الموصوف علة له في ذاته لم يفتقر في كونه علة له إلى المعلول فان العلة لو افتقرت في كونها علة إلى المعلول لم تكن وحدها علة وللزم تقدم المعلول على علية علته وعلية علته متقدمة على ذاته وهذا دور ممتنع باتفاق العقلاء.
وانتم جعلتم ما كان يفتقر لزومه إلى وسط افتقر العلم به إلى وسط وما لزم بلا وسط علم بلا وسط فإذا جعلتم العلم بلزومه موقوفا على تصور المعلول والعلة والملزوم واللازم جميعا وقلتم لا يعلم اللزوم إلا بعد هذين التصورين واللزوم الخارجي موقوف على العلة وحدها لا على الاثنين بطل قولكم أن الوسط الذهني هو الخارجي فان هذا يتوقف العلم بلزومه على تصورين ولزومه في الخارج إنما هو لازم لواحد لا لاثنين.
الطريق السابع:
قولك في الجواب أن الماهية وحدها لا تكفي في حصول العلية لأن العلية أمر إضافي والأمور الإضافية لا يكفي في حصولها الشيء الواحد بل لا بد من حصول كلا المضافين كلام باطل سواء كانت العلية أمرا عدميا أو وجوديا فإنها أن كانت عدمية بطل هذا الكلام وان كان أمرا وجوديا فمعلوم أن العلة وحدها هي الموجبة للمعلول وإلا لم تكن علة له بل جزء علة والمعلول لا يكون إلا بعد العلة فإذا كانت وحدها موجبة وهو لا يوجد إلا بوجود العلة علم أنها وحدها توجب المعلول والعلية.
الطريق الثامن:
قولك الأمور الإضافية لا يكفي في حصولها الشيء الواحد تعني به في الذهن أو في الخارج فان هذا الموضع فيه التباس أن عنيت أنها لا تتصور إلا بتصور
(1/411)

شيئين فهذا صحيح ولا ريب أن العلية لا تتصور إلا بتصور العلة والمعلول فحصولها في التصور الذهني مشروط بحصول تصور المضافين في الذهن وان عنيت أنها لا توجد في الخارج إلا بالشيئين فهذا باطل بالضرورة واتفاق العقلاء فان ذات الرب وحدها مستلزمة لكل ما يتصف به من الأمور الثبوتية والإضافية وهذا متفق عليه بين المسلمين والفلاسفة وسائر الناس فان كونه خالقا للعالم وربا وفاعلا هو الذي يسمونه علة ومؤثرا والناس متنازعون في الخلق هل هو أمر عدمي وهو نفس المخلوق كما يقوله أكثر المعتزلة والأشعرية أم الخلق زائد على المخلوق كما هو قول جماهير المسلمين وهو قول السلف والأئمة وذكر البخاري أنه قول العلماء مطلقا لم يذكر فيه نزاع وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أنه على كل قول فلا يقول عاقل أن المخلوق أوجب كونه خالقا ولا المعلول جعل العلة علة ولا أنه شرط في ذلك بل الخالق سبحانه هو وحده خلق جميع المخلوقات وكونه خالقا على قول الجمهور حاصل بقدرته ومشيئته عند المسلمين ليس خاصا بالمخلوقات بل خلق المخلوق متقدم عليه في نفس الأمر فكيف يكون الخلق معلولا ل المخلوق وكذلك علية العلة متقدمة على المعلول في نفس الأمر فكيف يكون المعلول جزء علية العلة فقوله أن العلية أمر إضافي والأمور الإضافية لا يكفي في حصولها الشيء الواحد بل لا بد من حصول كلا المضافين فيه تغليط بسبب الإجمال في قوله فالشيء الواحد لا يكفي في حصولها فان ما ذكره صحيح في الحصول في العلم والتصور وأما الحصول الخارجي فالشيء الواحد قد يكون علة لأمور كثيرة إضافية والعلة علة المعلول وعلة عليتها وهما جميعا حاصلان بالعلة وكذلك الأبوة والبنوة من المتضائفات وهما لازمان للإيلاد فعلة الايلاد أوجبت هذين المتضائفين
(1/412)

فان قيل أراد أن الأمور الإضافية لا توجد إلا بوجود المضافين وان كان أحدهما مستقلا بوجود المضافين قيل عن هذا جوابات أحدها: بأنه لم يرد هذا ولو أراده لم ينفعه وكان خطأ فهذه ثلاثة أجوبة.
وذلك أن كلامه في وجود علية العلة هو حصل بالعلة وحدها أو بها وبالمعلول فلا بد أن يدخل صورة الدعوى في دليله ولفظه تقدم قال فيه وبيانه أن ماهية العلة وحدها لا تكفي في حصول العلية لأن العلية أمر إضافي والأمور الإضافية لا تكفي في حصولها الشيء الواحد بل لا بد من حصول كلا المضافين فإذا لم تكن ذات العلة مستقلة باقتضاء حصول صفة العلية لا جرم لم يكن العلم بذات العلة كافيا في حصول العلم بالعلية فقد تبين مراده وهو أن العلة لا تستقل باقتضاء صفة العلية بل المقتضى بحصول هذه الصفة العلة والمعلول جميعا وهذا باطل.
ولو قدر أنه أراد أن الأمور الإضافية تتوقف على وجود المضافين وان لم يكن أحدهما علة بل شرطا أي لا توجد الإضافة إلا مع وجود المضافين لم ينفعه هذا فانه يقول العة أوجبت الأمرين معا ولم يوجد أحدهما إلا مع الآخر ويلزمه أن يقول في العلم مثل ذلك فيقول العلم بالملزوم يوجب العلم باللازم وبالملزوم فان الملزوم هو العلة عندهم في هذا موضع واللازم هو المعلول.
ثم أنه لا يسلم له أن كل إضافة تتوقف على وجود المضافين في أن واحد فان التقدم والسبق ونحو ذلك من الأمور الإضافية توجد قبل وجود احد المضافين وكذلك علية العلة التي ليست تامة توصف بها العلة قبل وجود المعلول وهي التي يسميها الفقهاء الأسباب فيقال ملك النصاب سبب لوجوب الزكاة والسببية من الأمور الإضافية والنصاب موصوف بها قبل وجوب الزكاة وكذلك يقال هذا موجود قبل هذا أو هو متقدم على هذا أو هو أسبق من هذا
(1/413)

ومثل هذا كثير.
الطريق التاسع:
انه قال: "أن ذات العلة والمعلول يعني اللازم والملزوم بغير وسط عند تصورهما يجب حصول التصديق بانتساب أحدهما إلى الآخر" فيقال هذا أول الدعوى فانه أن أراد بالتصور التام الذي يحصل معه تصور الملزوم فهذا حق ولكن لا ينفعه فانه ادعى أن مطلق عقل الماهية يوجب ذلك وأيضا فانا نلزمه مثل ذلك في جميع الملزومات أنها متى تصورت تصور اللازم وهو باطل وأيضا فانا نحن نلتزم مثل ذلك في التصور التام فنقول في جميع اللوازم متى تصور الملزوم تصورا تاما يحصل به تصور الملزوم حصل معه العلم بأن هذا لازم وان لم يحصل هذا التصور لم يجب العلم باللازم في شيء من الأمور كما سيأتي ذكر ذلك.
وقوله: "متى تصورنا حقيقة العلة وحقيقة المعلول امتنع عند ذلك أن لا نصدق بثبوت أحدهما للآخر" أن أراد التصور التام فهذا مشترك بين جميع اللوازم وان أراد غيره فالحكم ممنوع وهو إنما ادعى أن مطلق عقل الماهية يوجب ذلك وقد بينا أن عقلها أو تصورها ينقسم إلى تام وغير تام وان ما ذكره إنما يلزم في التام.
الطريق العاشر:
أن يقال أن كنت تعني باللزوم البين هذا فهكذا يفسر به لازم اللازم فيقال إذا تصور اللازم الأول وتصور لازم لازمه امتنع حينئذ أن لا بعرف أن أحدهما علة للآخر فيلزم ما فررت منه وهو أنه متى تصور شيئا تصور جميع لوازمه.
الطريق الحادي عشر:
قوله: "إذا اثبت أن تصور العلة إنما يوجب التصديق بثبوت المعلول القريب عند تصور المعلول ثم من الجائز أن لا يحصل تصور المعلول عند تصور العلة لا جرم لا يلزم من العلم بحقيقة العلة العلم بكل اللوازم القريبة والبعيدة فيقال له أنت فرقت
(1/414)

بين اللوازم القريبة والبعيدة بأن القريبة ما كان بين اللزوم وادعيت أن ما كان بين اللزوم وهو ما ثبت بغير وسط يجب أن يعلم إذا تصور الملزوم فلا يفتقر إلى وسط وقد فسرت ذلك في آخر الأمر بأن المراد إذا تصور الملزوم واللازم جميعا فيجب أن يعلم الملزوم فيقال لك وهكذا أيضا إذا تصور اللازم الأول ولازمه الثاني فقد تصور الملزوم ولازمه القريب فيجب أن يتصور لزومه له وقد كان تصور لزوم الأول فيلزم ما فررت منه من أنه إذا عرف لزوم الأول عرف لزوم سائر اللوازم فإذا شرطت في العلم بلزوم الأول حضورهما جميعا فكذلك فاشرطه في العلم بلزوم الثاني وإن حذفت الشرط في الثاني فاحذفه من الأول حتى يكون الكلام عدلا.
وعلى التقديرين يلزم بطلان الفرق بين لازم ولازم بأن هذا بوسط وبأن هذا بغير وسط إذا فسر الوسط بوسط في نفس الأمر وبطلان ما ادعوه من أن اللازم بغير وسط يجب العلم به بلا دليل وان اللازم بوسط لا يعلم إلا بالعلم بالوسط فما ادعوه من هذا وهذا باطل فبطل ما ذكروه من دليل الفرق بين الأوليات والمشهورات وهو المطلوب.
الطريق الثاني عشر:
انه قال في جواب السؤال الثاني "لا نسلم أن العلية مغايرة لحقيقة ذات العلة لكنا ندعي أن تصور حقيقة العلة مع تصور حقيقة المعلول القريب يوجب العلم بكون العلة علة لذلك المعلول" فيقال هذا كلام مناقض لما تقدم مع تناقضه في نفسه فان العلية أن لم تكن مغايرة لذات العلة بطل قولك أن ماهية العلة وحدها لا تكفي في حصول العلية لأن العلية أمر إضافي والأمور الإضافية لا تكفي في حصولها الشيء الواحد فإنها إذا لم تغايرها لم يكن هناك شيء يكون معلولا لا للعلة ولا لها ولغيرها بل ولا هناك شيء يتصور إذا تصورت العلة والمعلول وان قيل هي مغايرة في العلم لا في الأعيان فإنها أمر عدمي قيل وهذا يبطل قوله فان العدم المحض لا
(1/415)

حصول له فضلا عن أن يفتقر إلى علة لحصوله ولكن تصورها في الذهن يتوقف على المضافين وهذا مما قدمنا أنه حق وهو مبطل لما قاله.
الطريق الثالث عشر:
أنهم قد زعموا أن اللوازم مترتبة في نفسها بالذات مستلزمة للأول والثاني مستلزم للثالث والثالث للرابع وان ما كان لزومه بغير وسط كان بينا لا يحتاج إلى دليل وقد تناقض تفسيره لذلك لتناقض القول في نفسه فيقال له أي شيء قلته في لزوم الأول للملزوم الأول يقال في اللازم الثاني للأول سواء بسواء من كل وجه وحينئذ فأي شيء فسرت به العلم بلزوم الأول لا يفتقر إلى وسط يلزمك مثله في الثاني فيكون موجب برهانك أن من علم شيئا علم جميع لوازمه وهذا في غاية الفساد.
فصل: برهان آخر للرازي على هذا التفريق.
ثم ذكر برهانا آخر على ما ادعاه من أن ما كان لزومه بغير وسط كان بينا فقال: "برهان آخر وهو أنا إذا عقلنا ماهية فانه تبقى بعض لوازمها مجهولة ويمكننا تعرف تلك اللوازم المجهولة فلولا وجود لوازم بينه الثبوت للشيء وإلا لزم التسلسل وأما عدم تعرف تلك اللوازم وكلاهما باطلان".
قال: "وهذا البرهان كاف في إثبات اصل المقصود من أن الصفات اللازمة في نفسها يلزم بعضها بوسط في نفس الأمر وبعضها بغير وسط وإنما يدل هذا على أن الإنسان قد يتبين له لزوم بعض اللوازم بلا دليل وبعضها لا يتبين إلا بدليل.
وهذا لا ريب فيه لكن الدليل كل ما كان مستلزما للمدلول لا يختص بما يكون علة للمدلول ولا بعض اللوازم في نفس الأمر علة لبعض ولا كل ما كان بينا لزيد يجب أن يكون بينا لعمرو.
فتبين أن الفرق الذي ذكره بين الأوليات والمشهورات من أن الأولى هو الذي يكون حمله على موضوعه أولا في الوجودين حملا ثانيا غلط لا يستقيم إلا
(1/416)

في الوجود الخارجي فانه ليس في اللوازم ترتيب حتى يكون بعضها أولا وبعضها ثانيا ولا في الذهن فان الوسط إنما هو الدليل فيعود الفرق إلى أن الأوليات ما لا يفتقر إلى دليل والنظريات ما يفتقر إلى دليل وهذا كلام صحيح متفق عليه لا يحتاج إلى ما ذكروه ولكن هذا يوجب كون القضية أولية ونظرية هو من الأمور الإضافية فقد تكون بديهية لزيد نظرية لعمرو باعتبار تمام التصور فمتى تصور الشيء تصورا أتم من تصور غيره تصور من لوازمه ما لم يتصوره ذو التصور الناقص فلم يحتج في معرفته بتلك اللوازم إلى وسط واحتاج صاحب التصور الناقص إلى وسط وأيضا فهذا لا يوجب كون المشهورات ليست يقينية كما سنذكره أن شاء الله.
رد ابن سينا تفريقهم بين الصفات الذاتية واللازمة:
ولفظ ابن سينا في إشاراته قال:
"وأما اللازم غير المقوم يخص باسم اللازم فان كان المقوم أيضا لازما فهو الذي يصحب الماهية ولا يكون جزءا منها مثل كون المثلث مساوي الزوايا القائمتين".
قال: "وأمثال هذا أن كان لزومها بغير وسط كانت معلومة واجبة اللزوم وكانت ممتنعة الرفع من الوهم مع كونها غير مقومة وان كان لها وسط بين يبين به علمت واجبة به".
قال: "وأعني بالوسط ما يقرن بقولنا لأنه كذا وهذا الوسط أن كان مقوما للشيء لم يكن اللازم مقوما له لأن مقوم المقوم مقوم بل كان لازما له أيضا فان احتاج إلى وسط تسلسل إلى غير نهاية فلم يكن وسطا وان لم يحتج فهناك لازم بين اللزوم بلا وسط وان كان الوسط لازما متقدما واحتاج إلى توسط لازم آخر أو مقوم غير منته من ذلك إلى لازم بلا وسط تسلسل إلى غير النهاية فلا بد في كل حال من
(1/417)

لازم بغير وسط وقد بان أنه ممتنع الرفع في الوهم فلا يلتفت إذا إلى ما يقال أن كل ما ليس بمقوم فقد يصح رفعه من الوهم ومن أمثلة كون كل عدد مساويا للآخر أو مفاوتا.
قلت: مقصوده بهذا الرد على من قال من المنطقيين أن الفرق بين الصفة الذاتية والعرضية اللازمة أن ما ليس بذاتي يمكن رفعه في الوهم فيمكن تصور الموصوف بدون تصوره بخلاف الذاتي فتبين أن اللوازم لا بد أن تنتهي إلى لازم بين لا يفتقر إلى وسط وذاك يمتنع رفعه في الوهم إذا تصور الموصوف وهذا الذي قاله جيد وهو يبطل الفرق الذي هو عمدتهم.
ولهم فرق ثان بأن الذاتي ما لا يفتقر إلى علة واللازم ما يفتقر إلى علة والعلة هي الوسط وهذا الفرق افسد من الذي قبله فان كون بعض الصفات اللازمة تفتقر إلى علة دون بعض باطل ثم سواء قيل يفتقر إلى علة أو وسط وسواء جعل ذلك هو الدليل أو هو أيضا علة لثبوته في الخارج فان من اللوازم ما لا يفتقر إلى علة فبطل هذا الفرق الثاني.
والفرق الثالث التقدم في الذهن أو في الخارج وهو أن الذاتي ما لا يمكن تصور الموصوف إلا بعد تصوره بخلاف اللازم العرضي فانه متصور بعد تصور الملزوم والذاتي هو المقوم وهذا الفرق أيضا فاسد فان الصفة لا تتقدم على الموصوف في الخارج أصلا وأما في الذهن فقد تتصور الصفة والموصوف جميعا فلا يتقدم تصور الصفة وبتقدير التقدم فهذا يختلف باختلاف التصور التام والناقص لا باختلاف اللوازم نفسها.
فعلى هذه الفروق الثلاثة أو أحدها يعتمدون حتى الذين صاروا يجعلون المنطق في أول أصول الفقه من المتأخرين هذا عمدتهم كما يذكر ذلك الآمدي وابن الحاجب وغيرهما وكلها باطلة أما التقدم الخارجي فمن المعلوم بصريح العقل
(1/418)

أن الصفة القائمة بالموصوف والعرض القائم بالجوهر لا يعقل تقدمه عليه بوجه من الوجوه بل إذا اعتبر تقدم عقلي أو غيره فالذات متقدمة على الصفات.
وأما في التصور فالتصور مراتب متعددة يكون مجملا ومفصلا فالإنسان قد يخطر له الإنسان ولا يستحضر شيئا من صفاته فهذا تصوره تصورا مجملا وقد يخطر له مع ذلك أنه ناطق كما قد يخطر له مع ذلك أنه ضاحك وإذا تصور الحيوان قد يخطر له أنه حساس كما قد يخطر له أنه متحرك بالإرادة وكما يخطر له أنه متألم أو متلذذ وانه يحب ويبغض وإذا تصور أن الإنسان حيوان ناطق ولم يتصور الحيوان مفصلا لم يكن قد تصور الإنسان مفصلا فما من صفة لازمة إلا ويمكن وجودها في التصور المفصل وحذفها في التصور المجمل.
وحينئذ فقول القائل: "أن الذاتي ما لا يتصور الموصوف إلا بعد تصوره" إن ادعاه في كل تصور فهذا باطل وهو ممن يسلم بطلانه فانه يقول: "قولك عن الإنسان أنه حيوان ناطق حمد تام يفيد تصور حقيقته" ومع هذا لم يتصور الذاتيات مفصلة فانه لم يستحضر في ذهنه أن الحيوان هو الجسم الحساس النامي المتحرك بالإرادة فثبت أنهم يجعلونه متصور الحقيقة بدون استحضار الذاتيات على وجه التفصيل فلا يجب في كل ذاتي أن يتقدم تصوره المفصل.
وأما التصور المجمل فلا يجب فيه استحضار شيء من الصفات وتصور الإنسان مجملا كتصور الحيوان مجملا ومعلوم أن الموصوف يشاركه غيره في صفات ويفارقه في صفات فإذا لم يجب ذكر جميع الصفات المشتركة على وجه التفصيل فدعوى الاكتفاء ببعضها دون بعض تحكم محض وإذا كانت حقيقة الإنسان عندهم متصورة بدون تصور الصفات الذاتية المشتركة على وجه التفصيل علم أن ما ذكروه من أن
(1/419)

الذاتي ما لا يمكن تصور الموصوف بدونه باطل وان اكتفوا بالتصور المجمل فمن تصور الإنسان مطلقا فقد دخل في جميع ذلك صفاته وبسط هذا له موضع آخر.
والمقصود هنا الكلام على ما فرقوا به بين الأوليات والمشهورات من أن الأوليات ليس بين الموصوف وصفته وسط في نفس الأمر بخلاف غيره وقد تبين بطلان هذا الفرق طردا وعكسا وانه قد يكون من اللوازم التي لا وسط لها في نفس الأمر ما يفتقر إلى دليل ومن اللوازم التي يدعون افتقارها إلى وسط ما يعلم ثبوته بلا دليل وان التفريق بين اللوازم بوسط في نفس الأمر باطل وان الوسط الذي هو الدليل يختلف باختلاف أحوال الناس ليس هو أمرا لازما للقضايا فهذه عدة أوجه من هذا الطريق الأول.
النوع الثاني: لا دليل على دعواهم أن المشهورات ليست من اليقينيات:
النوع الثاني: أن يقال المراد ب المشهورات عندهم هي القضايا العلمية كلها مثل كون العدل حسنا والظلم قبيحا والعلم حسنا والجهل قبيحا والصدق حسنا والكذب قبيحا والإحسان حسنا ونحو ذلك من الأمور التي تنازع الناس هل حسنها وقبحها بالعقل أم لا.
المثبتة والنفاة للحسن والقبح العقليين:
وأكثر الطوائف على إثبات الحسن والقبح العقليين لكن لا يثبتونه كما يثبته نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم بل القائلون بالتحسين والتقبيح من أهل السنة والجماعة من السلف والخلف كمن يقول به من الطوائف الأربعة وغيرهم يثبتون القدر والصفات ونحوهما مما يخالف فيه المعتزلة أهل السنة ويقولون مع هذا بإثبات الحسن والقبح العقليين وهذا قول الحنفية ونقلوه أيضا عن أبي حنيفة نفسه وهو قول كثير من المالكية والشافعية والحنبلية كأبي الحسن التميمي وأبي الخطاب وغيرهما
(1/420)

من أئمة أصحاب احمد كأبي علي بن أبي هريرة وأبي بكر القفال الشاشي وغيرهما من الشافعية وكذلك من أصحاب مالك وكذلك أهل الحديث كأبي نضر السجزي وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني وغيرهما.
بل هؤلاء ذكروا أن نفي ذلك هو من البدع التي حدثت في الإسلام في زمن أبي الحسن الأشعري لما ناظر المعتزلة في القدر بطريق الجهم بن صفوان ونحوه من أئمة الجبر فاحتاج إلى هذا النفي قالوا وإلا فنفي الحسن والقبح العقليين مطلقا لم يقله احد من سلف الأمة ولا أئمتها بل ما يؤخذ من كلام الأئمة والسلف في تعليل الأحكام وبيان حكمة الله في خلقه وأمره وبيان ما فيما أمر الله به من الحسن الذي يعلم بالعقل وما في مناهيه من القبح المعلوم بالعقل ينافي قول النفاة.
والنفاة ليس لهم حجة في النفي أصلا وقد استقصى أبو الحسن الآمدي ما ذكروه من الحجج وبين أنها عامتها فاسدة وذكر هو حجة اضعف من غيرها وهو أن الحسن والقبح عرض والعرض لا يقوم بالعرض فان إثبات هذا لا
(1/421)

يحتاج إلى قيام العرض بالعرض كما توصف الأعراض بالصفات وجميع ذلك قائم بالعين الموصوفة فنقول هذا سواد شديد وهذه حركة سريعة وبطيئة وهم يسلمون أن كون الفعل صفة كمال أو صفة نقص أو ملائما للفاعل أو منافرا له قد يعلم بالعقل وهذه صفات للفعل وهي قائمة بالموصوف.
ومن الناس من يظن أن الحسن والقبح صفة لازمة للموصوف وان معنى كون الحسن صفة ذاتية له هذا معناه وليس الأمر كذلك بل قد يكون الشيء حسنا في حال قبيحا في حال كما يكون نافعا ومحبوبا في حال وضارا وبغيضا في حال والحسن والقبح يرجع إلى هذا وكذلك يكون حسنا في حال وسيئا في حال باعتبار تغير الصفات.
والحسن والقبح من أفعال العباد يرجع إلى كون الأفعال نافعة لهم وضارة لهم وهذا مما لا ريب فيه أنه يعرف بالعقل ولهذا اختار الرازي في آخر أمره أن الحسن والقبح العقليين ثابتان في أفعال العباد وأما إثبات ذلك في حق الله تعالى فهو مبني على معنى محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه وفرحه بتوبة التائب ونحو ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع وهل ذلك صفات ليست هي الإرادة كما اتفق عليه السلف والأئمة أو ذلك هو الإرادة بعينها كما يقوله من يقوله من المعتزلة والجهمية ومن وافقهم.
بيان أن قضايا التحسين والتقبيح من أعظم اليقينيات:
والمقصود هنا ذكر هذه القضايا المشهورة من بني ادم كلهم كقولهم العدل حسن وجميل وصاحبه يستحق المدح والكرامة والظلم قبيح مذموم سيء وصاحبه يستحق الذم والإهانة فان هؤلاء نفوا كونها من اليقينيات وهذا يستلزم أن لا يقول الفلاسفة بالحسن والقبح العقليين إذ لم يكن في العقل قضية برهانية عقلية ومن الناس
(1/422)

من حكى عنهم القول بذلك والتحقيق أنهم في ذلك متنازعون مضطربون كما في أمثال ذلك.
فنقول دعوى المدعي أن هذه القضايا ليست من اليقينيات دعوى باطلة بل هذه من أعظم اليقينيات المعلومة بالعقل وذلك أن التصديق مسبوق بالتصور فينبغي أن ننظر معنى قولنا العدل حسن والظلم قبيح ثم ننظر في ثبوت هذا المحمول لهذا الموضوع ولنتكلم في عدل الناس وظلمهم.
فنقول الناس إذا قالوا العدل حسن والظلم قبيح فهم يعنون بهذا أن العدل محبوب للفطرة يحصل لها بوجوده لذة وفرح نافع لصاحبه ولغير صاحبه يحصل به اللذة والفرح وما تتنعم به النفوس وإذا قالوا الظلم قبيح فهم يعنون به أنه ضار لصاحبه ولغير صاحبه وانه بغيض يحصل به الألم والغم وما تتعذب به النفوس ومعلوم أن هذه القضايا هي في علم الناس لها بالفطرة وبالتجربة أعظم من أكثر قضايا الطب مثل كون السقمونيا تسهل الصفراء فلم كانت التجربيات يقينية وهذه التي هي اشهر منها وقد جربها الناس أكثر من تلك لا تكون يقينية مع أن المجربين لها أكثر واعلم واصدق وجزئياتها في العالم أكثر من جزئيات تلك والمخبرون بذلك عنها أيضا أكثر واعلم واصدق.
فان الإنسان من نفسه يجد من لذة العدل والصدق والعلم والإحسان والسرور بذلك ما لا يجده من الظلم والكذب والجهل والناس الذين وصل إليهم ذلك والذين لم يصل إليهم ذلك يجدون في أنفسهم من اللذة والفرح والسرور بعدل العادل وبصدق الصادق وعلم العالم وإحسان المحسن ما لا يجدونه في الظلم والكذب والجهل والإساءة ولهذا يجدون في أنفسهم محبة لمن فعل ذلك وثناء عليه ودعاء له وهم مفطورون على محبة ذلك واللذة به لا يمكنهم دفع ذلك من أنفسهم كما فطروا على وجود اللذة ب الأكل والشرب والألم بالجوع والعطش فلم كانت تلك القضايا من اليقينيات المعلومة بالحس والعقل كالتجربة وغيرها ولم تكن هذه من القضايا
(1/423)

العقلية المعلومة أيضا بالحس والعقل والأمر فيها أعظم واللذة التي توجد بهذه لذة روحانية عقلية شريفة والإنسان كلما كمل عقله كانت هذه اللذة أحب إليه من تلك اللذة.
ثم الفلاسفة اثبتوا معاد الأرواح واللذة العقلية وهي مبنية على هذه القضايا التي سموها المشهورات فان لم تكن معلومة كان ما أثبتوه من ذلك ليس فيه شيء من العلم بل يقولون ما يقوله غيرهم من أن اللذات الباطنة أقوى واشرف من اللذات الظاهرة ويدعون الضرورة في إثبات لذة وراء اللذات الحسية الظاهرة وإذا كانت اللذة أما إدراك الملائم كما قد يزعمونه أو هي تابعة ولازمة للإدراك الملائم كما يقوله غيرهم وهو الصحيح فمعلوم أن العلم والعدل والصدق والإحسان ملائم لبني آدم فيكونوا ملتذين بذلك بل يكون التذاذهم بذلك أعظم من غيره وهذا معنى كون الفعل حسنا ومعنى كونه قبيحا ضد ذلك.
وإذا تصور معنى الحسن والقبح علم أن هذه المشهورات من أعظم اليقينيات فإنها ما اتفقت عليها الأمم لما علموه بالحس والعقل والتجربة بل اتفاق الناس على هذه أعظم من اتفاقهم على عامة ما يذكرونه وقد يعيش طوائف من الناس زمانا لا تخطر لهم القضايا الكلية العقلية التي جعلوها مبادئ العلم كقول القائل النفي والإثبات لا يجتمعان وان يعلم أن هذا الشيء المعين إذا كان موجودا لم يكن معدوما لكن قد لا تخطر لهم القضية الكلية بل وقد لا يخطر لهم تقدير اجتماع وجوده وعدمه فان هذا التقدير ممتنع فلا يخطر لأكثر الناس ولا توجد طائفة إلا وهي تحسن العدل والصدق والعلم وتقبح ضد ذلك.
وأيضا فالحكمة عندهم وعند سائر الأمم نوعان علم وعمل وهذه الحكمة عند المسلمين قال مالك رحمه الله: "الحكمة معرفة الدين والعمل به" ولذلك قال ابن قتيبة: "الحكمة عند العرب العلم والعمل" والحكمة العملية عندهم وعند غيرهم
(1/424)

تتضمن علم الأخلاق وسياسة المنزل وسياسة المدنية وبنى ذلك كله على هذه القضايا المشهورة بل وكل عمل يؤمر به فلا بد فيه من العدل فالعدل مأمور به في جميع الأعمال والظلم منهي عنه نهيا مطلقا.
ولهذا جاءت أفضل الشرائع والمناهج بتحقيق هذا كله وتكلميه فأوجب الله العدل لكل أحد على كل أحد في كل حال كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى ألاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} وقال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ومثل هذا كثير.
وكذلك تحريم الظلم بمجموع أنواعه كثير في النصوص الإلهية حتى في الحديث الإلهي حديث أبي ذر الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي فاستغفروني اغفر لكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدونى أهدكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وإنسكم
(1/425)

وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".
والمقصود أن الحكمة العملية كلها مبنية على هذه القضايا والنفس لها قوتان العلمية والعملية والعمل لا بد أن يكون بعلم فان لم يكن هذه القضايا معلومة لم يكن شيء من الحكمة العملية معلوما ولا شيء من الأعمال والأخلاق المحمودة والمذمومة معلوما وهذا مع ما فيه من المناقضة لما يقولونه هو وغيرهم من العقلاء فهو مكابرة ظاهرة مع أنا في هذا النوع من الكلام لم نقصد إقامة الدليل على فساد قولهم بل صورناه لتعلم حقيقته وطالبناهم بالدليل على أن هذه المشورات ليست يقينية فإنهم لم يذكروا على ذلك دليلا أصلا وسنتكلم على ما توهموه دليلا من
النوع الثالث: في بيان كون المشهورات من جملة القضايا الواجب قبولها
قولهم هذه القضايا ليست بأولية لما ذكروه من الفرق بين الأولى
(1/426)

وغيره قد تقدم بطلان هذا الفرق ولكن نحن نسلم أن من القضايا ما يكون بديهيا أوليا لبعض الناس أو لكلهم ويكون مجرد تصور طرفى القضية موجبا للحكم لكن ليس علة ذلك كون المحمول لازما للموضوع بلا وسط في نفس الأمر كما ذكر ذلك الرازي ونحوه وإن كان هذا لم نجده في كلام ابن سينا وأمثاله بل الوسط عنده الدليل كما تقدم بل ولا ذاك أمرا لازما للقضية بل قد تكون بديهية لزيد ونظرية لعمرو بحسب المتصور لتمامه ونقضانه.
وهذا مما قد تنازع فيه بعضهم ويدعون أن كل ما كان أوليا لزيد فهو أولى لغيره كما يدل كلامهم على ذلك وأن الادميين يشتركون في العلم بكل ما هو أولى لكل شخص منهم لانها موجب العقل والعقل مشترك وهذا القول أن كنا نبطله ونقول القضية قد تكون ضرورية لزيد نظرية لعمرو كذلك غير ذلك من القضايا قد تكون المتواترة لهذا محسوسة لهذا والمجربة لهذا معلومة بالاستدلال لهذا ونحو ذلك.
وإذا كان كذلك فنحن ليس مقصودنا أن هذه القضايا المشهورة أولية أو ليست أولية ولا أنها أوليه لجميع الناس أو لبعضهم بل المقصود أنها من جملة القضايا الواجب قبولها التي يجب التصديق بها وتكون مادة للبرهان فإنهم جعلوا المعتقدات ثلاثة الواجب قبوها والمشهورات والوهميات والمقصود هنا أن المشهورات العامة مثل حسن العدل وقبح الظلم هي من الواجب قبولها وإن لم نقل هي أولية فان الواجب قبولها قد جعلوها اصناقا أوليات ومشاهدات ومجربات وحدسيات ومتواترات وقضايا قياساتها معها.
وهذه المشهورات إذا لم تكن أولية لم تكن بدون كثير من المجربات والحدسيات ونحو ذلك فتكون مادة للبرهان اليقيني كالمتواترات والمجربات فان المتواترات
(1/427)

والمجربات ليست أوليات وهذه المشهورات ابلغ من كثير من المجربات والعلم بها والتصديق بها في نفوس الأمم قاطبة أقوى واثبت من العلم بكثير من المجربات والمتواترات التي تواترت عند بعض الأمم دون بعض.
وبهذا الاعتبار فلم يذكروا حجة على أنها ليست من اليقينيات فان قولهم موجب الحكم بها العادات أو الاحوال النفسانية أو مصلحة النظام هذا لا ينافي كونها يقينية بل هو دليل على ذلك كما سنذكره أن شاء الله تعالى فان المجربات كلها عاديات فكونها عاديات لا ينافى كونها يقينيات وكذلك كون قوى النفس تقتضيها فان هذا يدل على الملائمة والمنافرة وهذا هو معنى الحسن والقبح فلذلك لا ينافى كونها قضايا صادقة معلومة الصدق وكذلك كون نظام العالم مربوطا بها لا ينافى كونها صادقة معلومة فليس فيما ذكروه ما ينافي العلم بها ولا يدعى كونها أولية بالمعنى الذي ذكروه كما لا يدعى ذلك في المجربات والمتواترات وذلك لا ينافى كونها من اليقينيات.
النوع الرابع: خاصة العقل والفطرة استحسان الحسن واستقباح القبيح
النوع الرابع: أن يقال قوله: "لا عمدة لها إلا الشهرة وهو أنه لو خلى الإنسان وعقله المجرد ووهمه وحسه إلى قوله لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسه مثل حكمنا بأن سلب مال الإنسان قبيح وأن الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه".
فيقال لا نسلم هذا فان هذا دعوى مجردة وقوله سلب مال الإنسان قبيح لفظ عام وقد يسلب ماله بعدل وقد يسلب بظلم والكلام فيما إذا علم الإنسان أنه سلب ماله ظلما مثل أن يعلم أن الاثنين المشتركين في المال من كل وجه استولى أحدهما على الآخر فسلبه أكثر من نصف ونحو ذلك فان عقول العقلاء قاطبة
(1/428)

وأوهامهم تقضى بقبح هذا.
أما الوهم فانه قد فسره بقوله في الاشارات:
"وأيضا فان الحيوانات ناطقها وغير ناطقها تدرك في المحسوسات الجزئية معانى جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس مثل إدراك الشاة معنى في الذئب غير محسوس وإدراك الكبش معنى في النعجة غير محسوس إدراكا جزئيا يحكم به كما يحكم الحس بما يشاهده فعندك قوة هذا شأنها.
فهذه القوة التي سموها الوهم هي التي يدرك بها الإنسان صداقة الصديق وعدواة العدو ويدرك بها كل من الزوجين ما في الزوج الآخر من الأمر المحبوب وبها يميل الإنسان إلى غيره وبها ينفر عنه ولهذا يقولون: "اكبر حاكم على النفوس الوهم".
ومعلوم أن هذه القوة تميل إلى الشخص الذي تعلم أنه عادل صادق محسن وتنفر عن الشخص الذي تعلم أنه كاذب ظالم مسئ بل تميل إلى هذا الشخص وإن لم يصل إليها من جهته نفع وضرر والنفوس مجبولة على محبة العدل وأهله وبغض الظلم وأهله وهذه المحبة التي في الفطرة هو المعنى بكونه حسنا وهذا البغض هو المعنى بكونه قبيحا كما يقال في الصورة الظاهرة هذا حسن وهذا قبيح فالحسن الظاهر ما يحسه الحس الظاهر والحسن الباطن ما يحسه القلب الباطن وإذا كانت النفوس مجبولة على محبة هذا وبغض هذا فهذا معنى الحسن والقبح فكيف يقال لو ترك الإنسان وحسه وعقله ووهمه لم يقض بها ونفوس بنى آدم مجبولة على استحسان هذا واستقباح هذا؟
وأما العقل فأخص صفات العقل عند الإنسان أن يعلم الإنسان ما ينفعه ويفعله ويعلم ما يضره ويتركه والمراد بالحسن هو النافع والمراد بالقبيح هو الضار فكيف يقال أن عقل الإنسان لا يميز بين الحسن وبين القبيح وهل أعظم تفاضل
(1/429)

العقلاء إلا بمعرفة هذا من هذا بل وجنس الناس يميل إلى من يتصف بالصفات الجميلة وينفر عمن يتصف بالقبائح فذاك يميل جنس الإنسان إلى سمع كلامه ورؤيته وهذا ينفر عن رؤيته وسمع كلامه.
النوع الخامس: في بيان كون هذه المشهورات معلومة بالفطرة
النوع الخامس: أن مبادىء هذه القضايا أمر ضروري في النفوس فإنها مفطورة على حب ما يلائمها وبغض ما يضرها والمراد بالحسن ما يلائمها وبالقبيح ما يضرها وإذا كانت مفطورة على حب هذا وبغض هذا فالمراد بقولنا حسن أنه ملائم نافع والمراد بقولنا قبيح أنه ضار مؤذ وهذا أمر فطري فعلم أن الناس بفطرتهم يعلمون هذه القضايا المشهورة بينهم.
النوع السادس: في بيان كون الموجب لاعتقاد هذه المشهورات من لوازم الإنسانية
النوع السادس: أن يقال: لو لم يكن لهذه القضايا مبدأ في قوى الإنسان لم تشتهر في جميع الأمم فان المشهور في جميع الأمم لا بد أن يكون له موجب في الفطرة المشتركة بين جميع الأمم فعلم أن الموجب لاعتقاد هذه القضايا أمر اشتركت فيه الأمم وذلك لا يكون إلا من لوازم الإنسانية فان الأمم لم تشترك كلها في غير لوازم الإنسانية.
النوع السابع: رد ابن سينا على نفسه في قوله بأن المشهورات لا تدرك بقوى النفس
النوع السابع: قوله: "لو توهم الإنسان بنفسه أنه خلق دفعة تام العقل ولم يسمع أدبا ولم يطع انفعالا نفسانيا ولا خلقا لم يقض في أمثاله بشيء" هذا ممنوع بل أن كان تام العقل علم أن العلم والعدل والصدق ينفعه وتصلح به نفسه وتلتذ وأن الكذب والظلم يضره ويفسد نفسه ويؤلمها ولو قدر أنه لا يعلم به أحد غير
(1/430)

علم العقل بأنه إذا ظلم أبغضه الناس وعادوه وغير علمه بأن الله يعاقبه.
فان قيل الإنسان يلتذ بما يراه قبيحا كما قد يلتذ بما يأخذه ظلما فيأكله ويشربه قيل وإن التذ بدنه فان قلبه وعقله لا يلتذ بذلك بل يلتذ إذا عدل وإن قدر أنه يلتذ به لذة حاضرة فانه يتألم بقبح عاقبته عنده وإذا لم يتألم فلغيبة عقله عن إدراك المؤلم كما قد يحصل للسكران وغيره من أمور تؤلمه ولا يتألم بها لغيبة عقله عن إدراكها.
وهذا مما قد ذكره ابن سينا نفسه فقال في نمط البهجة والسعادة.
"إنه قد يسبق إلى الأوهام العامية أن اللذات القوية المستعلية هي الحسية وأن ما عداها لذات ضعيفة وكلها خيالات غير حقيقة".
وقد يمكن أن ينبه من جملتهم من له تمييز ما فيقال له أليس ألذ ما يصفونه من هذا القبيل هو المنكوحات والمطعومات وأمور تجرى مجراها وانتم تعلمون أن المتمكن من غلبة ما ولو في أمر خسيس كالشطرنج والنرد قد يعرض له منكوح ومطعوم فيرفضه لما يعتاضه من لذة الغلبة الوهمية وقد يعرض منكوح ومطعوم لطالب العفة والرياسة مع صحة جسمه في صحبة حشمه فينفض اليد منهما مراعاة للحشمة فيكون مراعاة الحشمة آثر وألذ لا محالة هناك من المنكوح والمطعوم.
وإذا عرض للكرام من الناس الالتذاذ بإنعام يصيبون موضعه أثروه على الالتذاذ بمشتهى حيواني متنافس فيه وآثروا فيه غيرهم على أنفسهم مسرعين إلى الإنعام به
(1/431)

وكذلك فان كبير النفس يستصغر الجوع والعطش عند المحافظة على ماء الوجه ويستحقر هول الموت ومفاجأة العطب عند مناجزة المبارزين وربما اقتحم الواحد على عدد دهم ممتطيا ظهر الخطر لما يتوقعه من لذة الحمد ولو بعد الموت كأن تلك تصل إليه وهو ميت.
فقد بان أن اللذات الباطنة مستعلية على اللذات الحسية وليس ذلك في العاقل فقط بل وفي العجم من الحيوانات فان من كلاب الصيد ما يقنص الصيد على الجوع ثم يمسكه على صاحبه وربما حمله إليه والراضعة من الحيوانات تؤثر ما ولدته على نفسها وربما خاطرت محامية عليه أعظم من مخاطرتها في ذات حمايتها نفسها.
فإذا كانت اللذات الباطنة أعظم من الظاهرة وإن لم تكن عقلية فما قولك في العقلية.
فيقال له هذا كله حجة عليك في قولك أن استحسان الحسن واستقباح القبيح لا يدركه الإنسان لا بحسه ولا بعقله ولا بوهمه وأنت قد ذكرت أن الإنسان بل الحيوان يلتذ بالحمد والثناء ويلتذ بالغلبة ويلتذ بالإنعام والإحسان والرحمة أعظم من التذاذة بالأكل والشرب ومعلوم أن لذة الأكل والشرب مما يعلم بالحس الظاهر فهذه اللذه الباطنة يعلم بالحس الباطن وبالوهم فكيف تقول أن الحسن والوهم والعقل لا يعلم به حسن الحسن وقبح القبيح وما ذكرته من التذاذ الإنسان بالإيثار وتركه الطعام الشهي مراعاة الحشمة ونحو ذلك إنما هو لكونه يرى ذاك قبيحا وهذا جميلا ويلتذ بفعل الجميل لذة باطنة يحس بها فكيف يقال أن الحسن والقبيح لا ينال بشيء من قوى النفس وإنما يصدق به لمجرد الشهرة فقط من غير موجب حسي ولا وهمي ولا عقلي
(1/432)

النوع الثامن: رد قولهم أن العقل بمجرده لا يقضى في المشهورات بشيء
النوع الثامن: أنه قال:
"تنبيه أن اللذة هي إدراك ونيل ما لوصول ما هو عند المدرك كمال وخير من حيث هو كذلك والألم هو إدراك ونيل ما لوصول ما هو عند المدرك نقص وشر من حيث هو كذلك وقد يختلف الخير والشر بحسب القياس فالشيء الذي هو عند الشهوة خير هو مثل المطعم الملائم والملمس الملائم والذي هو عند الغضب خير فهو الغلبة والذي عند العقل فتارة وباعتبار فالحق وتارة وباعتبار فالجميل ومن العقليات نيل الشكر ووفور الحمد والمدح والكرامة وبالجملة فان همم ذوي العقول في ذلك مختلفة.
وكل خير بالقياس إلى شيء ما فهو الكمال الذي يختص به وينحوه باستعداده الأول وكل لذة فإنها تتعلق بأمرين بكمال خيري وبادراك له من حيث هو كذلك".
فيقال: هذا تصريح بان العقل يحب الحق ويلتذ به ويحب الجميل ويلتذ به وان محبة الحمد والشكر والكرم هي من العقليات وهذا صحيح فان للإنسان قوتين قوة علمية فهي تحب الحق وقوة عملية فهي تحب الجميل والجميل هو الحسن والقبيح ضده.
وتفريقه بين الحق والجميل هو بحسب اصطلاحه وإلا فاللغة التي جاء بها القرآن وتكلم بها الرسول لفظ الحق منها يتضمن النوعين كقوله صلى الله عليه وسلم:
(1/433)

"كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق" وقوله: "الوتر حق فمن شاء أوتر بركعة ومن شاء أوتر بثلاث ومن شاء أوتر بخمس أو سبع" ومثل هذا موجود في غير موضع من كلامه ومن هذا الباب قوله: "اصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... ... ... ...ومنه قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} وقوله: {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ} ومعلوم أن ما عبد من دونه موجود مخلوق ولكن عبادته باطلة وهو باطل لأن المقصود منه بالعبادة معدوم ولهذا يقول الفقهاء بطلت العبادة وبطل العقد وقد قال تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} والإبطال ضد الإحقاق وقال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ}
(1/434)

وقد بين الله أن الأعمال السيئة القبيحة باطلة في مثل قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ} فهذا الثاني مثل ما يصدر عن الجهل البسيط والأول الجهل المركب وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} فهذا مثل إبطال العمل بالمن والأذى وبالرياء والكفر والمقصود أنها لم تبق نافعة بخلاف العمل الحق المحمود فانه نافع ومنه قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} .
وبالجملة فما ذكروه تصريح منهم بأن العقل يميز بين الجميل والقبيح وأن العاقل يلتذ بالجميل ويتألم بالقبيح وأن الجميل كمال وخير للقوة العاقلة من حيث هي كذلك وهذا مناقض لقولهم أن العقل بمجرده لا يقضى في أمثال هذا بشيء لا بحسن ولا بقبيح وهكذا تناقضوا في نفس الوهميات كما سنذكره إن شاء الله وسبب ذلك أنهم تارة يقولون بموجب الفطرة فيكون كلامهم صحيحا وتارة يقولون بمقتضى الفطرة الفاسدة التي قد فسدت بالاعتقادات الفاسدة فيقولون باطلا.
كون الوجود كله مبنيا على الحق والعدل:
وهذه القضايا التي اتفقت الأمم عليها مثل حسن الصدق والعدل وقبح الكذب والظلم داخلة في مسمى الحق كما تقدم في كلام الله ورسوله وكذلك كلام العقلاء قاطبة يسمون هذا كله حقا ويقولون لصاحب الدين: "له عليه حق"
(1/435)

وأعطيه حقه وإذا حكم بينهما بعدل وقسم بإنصاف يقولون هذا حق وإن حكم بخلاف ذلك يقولون هذا ظلم وجور وإذا لم يكن عنده شيء حق بل هو يدعى الباطل فيسمون الصدق حقا والكذب باطلا كما في كلام الله ورسوله قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لصاحب الحق مقالا " وفي لفظ: "إن لصاحب الحق اللسان واليد " وقال صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك لما طلب غريمه أي كعب: " دع الشطر" قال: قد فعلت يا رسول الله قال "قم فاقضه ".
وذلك لأن الأمور الحسنة تتضمن أمرا موجودا ماضيا ومستقبلا ففيها وجود وكمال الوجود والأمور القبيحة تتضمن عدما ماضيا أو مستقبلا ففيها نفى الوجود أو كمال الوجود فان كان موجودا كان العلم بوجوده حقا مطابقا له والأخبار عن وجوده كذلك وأما الكذب المتضمن نفيه والجهل الذي هو عدم العلم به فهو عدم علم وعدم قول حق بل الكذب من جنس الجهل المركب وأيضا العلم كمال وجود والصدق كمال وجود والجهل والكذب صفة نقص.
وكذلك العدل كالتسوية بين المتماثلين والتفصيل بين المختلفين هو تحقيق الأمور على ما هي عليه وتكميلها ولهذا مبنى الوجود كله على العدل حتى في المطاعم والملابس والأبنية ونحو ذلك فالبيت المبنى أن لم تكن حيطانه معتدلة بل كان بعضها أطول من بعض طولا فاحشا أو كان منحنيا غير مستقيم فسد السقف وكذلك الثياب أن لم تكن على مقدار لا بسيها معادلة لهم وإلا لم ينتفعوا بها وكذلك ما يضع من المطاعم والأدوية أن لم أجزاؤه معتدلة في الصفة والقدر في الكم والكيف فسد وكان مضرا لا نافعا فهذا موجود في الأمور المحسوسة أن العدل فيها حسن أي تحصل به المنفعة والمصلحة والظلم فيها قبيح أي تحصل به المضرة والفساد
(1/436)

وعلم الأخلاق والسياسة عندهم وعند سائر العقلاء مبنى على العدل ولهذا جعلوا كمال الإنسان العملى أربعة أمور أصلاح الشهوة والغضب والعدل بينهما وفي العلم بذلك والذي ذكروه هو بعض صفات الكمال التي أرسل الله بها رسله وانزل بها كتبه والاقتصار على ما ذكروه لا تحصل به السعادة التي هي كمال الإنسان ولكنه من الأمور المعتبرة فيها.
وقد بسطنا هذه الأمور وبينا قصور فلسفتهم عن حصول السعادة والكمال بها وأنها ابلغ في القصور من دين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل وان ما عندهم إذا أخذ منه الحق وترك الباطل كان جزءا من الأجزاء المحصلة للسعادة وفيه أمور كثيرة باطلة وأمور هي حق لكن ليس مما تحصل به السعادة والكمال.
الوجه العاشر: لا حجة على تكذيبهم بأخبار الأنبياء الخارجة عن قياسهم
الوجه العاشر: أن الأنبياء والأولياء لهم من علم الوحي والإلهام ما هو خارج عن قياسهم الذي ذكروه بل الفراسة أيضا وأمثالها فان ادخلوا ذلك فيما ذكروه من الحسيات والعقليات لم يمكنهم نفى ما لم يدركوه ولم يبق لهم ضابط وهذا موضع ينبغي تحقيقه.
وهم أعني ابن سينا واتباعه جعلوا القضايا من جهة ما يصدق بها المستعملة بين القائسن ومن يجرى مجراهم أربعة أصناف الأول الواجب قبولها التي هي مادة البرهان وهي الأوليات والحسيات والمجربات والحدسيات والمتواترات وربما ضموا إلى ذلك قضايا معها حدودها ولم يذكروا دليلا على هذا الحصر ولهذا اعترف المنتصرون لهم أن هذا التقسيم منتشر غير منحصر يتعذر إقامة دليل عليه.
وإذا كان كذلك لم يلزم أن كل ما لم يدخل في قياسهم أن لا يكون معلوما وحينئذ
(1/437)

فلا يكون المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها من الخطأ فانه إذا ذكر له قضايا يمكن العلم بها بغير هذه الطرق لم يمكن وزنها بهذه الآلة وعامة هؤلاء المنطقيون يكذبون بما لم يستدل عليه بقياسهم وهذا في غاية الجهل لا سيما أن كان الذي كذبوا به من أخبار الأنبياء فيكونون ممن قال الله فيه: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} وهذا صار بمنزلة المنجم إذا كذب بعلم الطب أو الطبيب إذا كذب بعلم النجوم والناس أعداء ما جهلوا ومن جهل شيئا عاداه.
فإذا كان اشرف العلوم لا سبيل إلى معرفتها بطريقهم لزم أمران أحدهما أنه لا حجة لهم على ما يكذبون به مما ليس في قياسهم دليل عليه والثاني أن ما علموه خسيس بالنسبة إلى ما جهلوه فكيف إذا علم أنه لا يفيد النجاة ولا السعادة
الوجه الحادي عشر: بطلان قولهم: "إن البرهاني والخطابي والجدلى هي المذكورة في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} .
الوجه الحادي عشر: أنهم يجعلون ما هو حق وعلم يجب تصديقه ليس علما وما هو باطل ليس بعلم علما وذلك أن هؤلاء جعلوا أجناس الأقيسة باعتبار مادتها خمسة البرهان والخطابة والجدل والشعر والسفسطة أصله سوفسطيقا وكذلك سائرها لها أسماء باليونانية ولسائر أجناس المنطق لكنها ألفاظ طويلة مثل قاطيغورياس وانولوطيقا إلى غير ذلك واللغة العربية أوجز وأبين فهي أكمل بيانا وأوجز لفظا.
ويجعلون القياس باعتبار صورته قسمين الاقتراني والاستثنائي لتأليفه من الحمليات والشرطيات المتصلة والمنفصلة ويتكلمون قبل القياس في القضايا وأقسامها
(1/438)

وأحكامها مثل النقيض والعكس المستوى وعكس النقيض فإنها إذا صحت بطل نقيضها وصح عكسها وعكس نقيضها فإذا قيل كل إنسان حيوان فنقيضه باطل وهو أنه ليس شيء من الإنسان حيوان وصح عكسه وهو أن بعض الحيوان إنسان وعكس نقيضه وهو أن ما ليس بحيوان فليس بإنسان فإن التناقض اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق أحدهما كذب الأخرى وإن العكس جعل الموضوع محمولا والمحمول موضوعا مع بقاء الصدق وعكس النقيض والسالبة هو أن يجعل الموضوع محمولا مع جعل الإيجاب سلبا.
وأقسامها: الكلية والجزئية والموجبة والسالبة أي العامة والخاصة والمثبتة والنافية وقبل ذلك يتكلمون في مفردات القضية وهي المعاني المفردة مثل الكلام في الكلي والجزئي والذاتي والعرضي وقبل ذلك في الألفاظ الدالة على المعاني كدلالة المطابقة والتضمن والالتزام.
والمقصود في هذا كله هو الحد والقياس والقياس هو المطلوب الأعظم والمطلوب الأعظم من أنواع القياس هو القياس البرهاني قالوا والبرهان ما كانت مواده يقينية وهي التي يجب قبولها كما تقدم وأما الخطابي فمواده هي المشهورات التي تصلح لخطاب الجمهور سواء كانت علمية أو ظنية والجدلي هو الذي مواده ما يسلمها المجادل سواء كانت علمية أو ظنية أو مشهورة أو غير مشهورة وهذا أحسن ما تفسر به هذه الأصناف الثلاثة.
وكثير منهم يقول بل البرهاني ما كانت مقدماته واجبة القبول كما تقدم والجدلي ما كانت مقدماته مشهورة سواء كانت حقا أو باطلا أو واجبة أو ممتنعة أو ممكنة والخطابي ما كانت مقدماته ظنية كيف كانت فالخطابي هو الذي يفيد الظن مطلقا سواء كانت مقدماته مسلمة أو مشهورة والجدلي ما يكون مقدماته مشهورة
(1/439)

ومنهم من يقول بل البرهاني مؤلف من الواجبات والجدلي من الأكثريات والخطابي من المتساويات والشعري من الممتنعات وهذا ليس بشيء فان الشعري ما تشعر به النفس فيقصد به تنفيرها وترغيبها وترهيبها وقد يكون صدقا وقد يكون كذبا ولكن المقصود بالشعريات تحريك النفس لا لإفادتها علما.
وابن سينا رد هذا القول فقال: "ولا يلفت إلى ما يقال من أن البرهانيات واجبة والجدلية ممكنة أكثرية والخطابية ممكنة متساوية لا مثل فيها ولا قدرة والشعرية كاذبة ممتنعة فليس الاعتبار بذلك ولا أشار إليه صاحب المنطق لكنه مع رده لهذا ذكر القول الثاني فقال القياسات البرهانية مؤلفة من المقدمات الواجب قبولها والجدلية مؤلفة من المشهورات والتقريرية ما كانت واجبة أو ممكنة أو ممتنعة والخطابية مؤلفة من المظنونات والمقبولات التي ليست بمشهورة وما يشبهها كيف كانت ولو ممتنعة والشعرية مؤلفة من المقدمات المخيلة من حيث يشعر من يخيلها كانت صادقة أو كاذبة وأما السوفسطائية فهي التي تستعمل الشبهة ويشاركها في ذلك الممتحنة المجربة على سبيل التغليط فان كان التشبيه بالواجبات ونحو استعمالها سمي صاحبها سوفسطائيا وان كان بالمشهورات سمي صاحبها مشاغبا ومماريا والمشاغب بإزاء الجدلي والسوفسطائي بإزاء الحليم".
وهذا الذي ذكره في مواد الجدلي والخطابي ضعيف أيضا بل مواد الجدلي هي المسلمات التي يسلمها المجادل سواء كانت مشهورة أو لم تكن وسواء كانت حقا أو باطلا ومواد الخطابي هي المشهورات ونحوها التي يخاطب بها الجمهور وكل من ذلك يكون برهانيا وغير برهاني ويكون صادقا وكاذبا هذا مراد قدمائهم وهو أشبه باللفظ والتقسيم.
وأما كون الخطابيات هي الظنيات مطلقا فهذا خطا عند القوم فانه إذا كانت الجدليات قد تكون علمية فالخطابيات التي هي اشرف منها أولى أنها قد تكون علمية فان
(1/440)

الخطاب ارفع من الجدل عندهم والتفسير الأول تفسير محققيهم المتقدمين فانه ليس من شرط الخطابي ولا الجدلي أن لا يكون علميا كما أنه ليس من شرط البرهاني أن لا يخاطب به الجمهور وان لا يجادل به المنازع بل البرهاني إذا كان مشهورا صلح للبرهان والخطابة والجدلي إذا كان برهانيا صلح للبرهان والجدل وإذا كانت القضية مبرهنة وهي مشهورة مسلمة من المناظر صلحت للبرهان والخطابة والجدل بخلاف الشعري فان المقصود به تحريك النفس ليس المراد به أن يفيد لا علما ولا ظنا فلهذا لم يدخل مع الثلاثة وأيضا فالخطابيات يراد بها خطاب الجمهور وهذا إنما يكون بالقضايا المشهورة عند الجمهور وان كانت ظنية وإذا كانت علمية فهو أجود فليس من شرطها أن لا تكون علمية وأما الجدلي فإنما هو خطاب لناس معينين فإذا سلموا تلك المقدمات حصل مقصود الجدلي وان لم تكن مشهورة.
وأما السوفسطائي فهو المشبه الملبس وهو الباطل الذي اخرج في صورة الحق والمراد بيان فساده وإلا فليس لأحد أن يتكلم به فانه كذب في صورة صدق وباطل في صورة حق لكن المقصود بذكره تعريفه وامتحان الأذهان بحل شبه السوفسطائية.
ثم قد يقول من يقول من حذاقهم ومن يروم أن يقرن بين طريقهم وطريق الأنبياء أن الأقسام الثلاثة البرهان والجدل والخطابة هي المذكورة في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} .
كلام أهل الفلسفة في الأنبياء عليهم السلام:
ثم يقولون أن ما جاءت به الأنبياء فهو من جنس الخطابة التي قصد بها خطاب الجمهور لم يقصد به تعريف الحقائق هذا في الأمور العملية فان مبادىء الأمور العلمية قد لا يجعلونها من البرهانيات بل من المشهورات كالعلم بحسن العدل وقبح
(1/441)

الظلم وأما العلميات فيقولون أن الأنبياء لم يذكروا حقائق الأمور في معرفة الله والمعاد وإنما اخبروا الجمهور بما يتخيلونه في ذلك لينتفعوا به في إقامة مصلحة دنياهم لا ليعرفوا بذلك الحق ويقولون أنهم أرادوا بخطابهم للناس أن يعتقدوا الأمور على خلاف ما هي عليه وهي من جنس الكذب لمصلحة الناس وهم يعلمون هذه المرتبة ثم النبي عندهم هل يعرف الأمور العلمية فيه نزاع بينهم.
وهم يعظمون محمدا صلى الله عليه وسلم يقولون لم يأت إلى العالم ناموس أفضل من ناموسه ويفضله كثير منهم على الفيلسوف ومنهم من يفضل الفيلسوف عليه وهم حائرون في أمور الأنبياء ولهذا كلامهم في الأنبياء في غاية الاضطراب ولم ينقلوا عن أرسطو واتباعه فيهم شيئا بل ذكروا من كلام أفلاطون وغيره في النواميس ما جعلوا به واضعي النواميس من اليونان وغيرهم من جنس الأنبياء الذين ذكرهم الله في القران ونحن نعلم أن الرسل جميعهم دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} والنواميس التي يذكرونها فيها شرك لا يأمر به أحد من أنبياء الله فعلم أن كل من ذكروه من واضعي النواميس المخالفة لما اتفقت عليه الرسل فليس بني ولا متبع لنبي بل هو من جنس واضعي النواميس من ملوك الكفار ووزرائهم وعقلائهم وعلمائهم وعبادهم.
وهم وان عظموا الأنبياء ونواميسهم فلأجل أنهم أقاموا قانون العدل الذي لا تقوم مصلحة العالم إلا به ويوجبون طاعة الأنبياء والعمل بنواميسهم وهي الشرائع التي جاؤوا بها ولكنهم لم يأتوا بالأمور العلمية بل بالعمليات النافعة والعلميات عندهم أما أن تكون التي علمها وما أمكنه إظهارها بل اظهر ما يخالف الحق عنده لمصلحة الجمهور وأما أنه لم يعلمها وإلا فهم يجوزون للرجل أن يتمسك بأي ناموس كان ولا يوجبون اتباع نبي بعينه لا محمد ولا غيره إلا من جهة مصلحة دنياهم بذلك
(1/442)

لا لأنه يعذب في الآخرة على مخالفة شريعة محمد أو غيره.
ولهذا لما ظهرت الترك الكفار وأراد من أراد منهم أن يدخل في الإسلام قبل ظهور الإسلام عليهم أشار عليه بعض من كان معه من الفلاسفة بأن لا يفعل فان ذاك لسانه عربي ولا يحتاجون إلى شريعته ونحو هذا الكلام يبين أن الشريعة التي جاء بها محمد لا يحتاج إليها مثلكم وأمثالكم وقد قيل أن الذي أراد الدخول في الإسلام وقال له منجمه هذا هو هولاكو ولما قدم هولاكو الشام وتقلد القضاء من جهته بعض قضاة الشام الذين كانوا يعظمون صوفية الفلاسفة كابن عربي ونحوه ودخل إلى البلد أخذ يثني على ملك الكفار ويعظمه ويذكر ما يذكر من فضائله بزعمه فقال له بعض الحاضرين يا ليته كان مسلما فقال القاضي وأي حاجة لهذا إلى الإسلام سواء كان مسلما أو لم يكن وهذا بناء على هذا الأصل.
فالنبي عندهم يشبه من بعض الوجوه أئمة المذاهب عند المتكلمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي وداود بن علي وغير هؤلاء من أئمة الفقهاء
(1/443)

فان المتكلمين يعظمون هؤلاء في علم الشريعة العملية والقضايا الفقهية وأما في الكلام وأصول الدين مثل مسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوات والمعاد فلا يلتزمون موافقة هؤلاء بل قد يجعلون شيوخهم المتكلمين أفضل منهم في ذلك وقد يقولون أنهم وان علموا ذلك لكن لم يبسطوا القول فيه ولم يبينوه كما فعل ذلك شيوخ المتكلمين.
فالنبي عند هؤلاء المتفلسفة يشبه المجتهد المتبوع عند المتكلمين ولهذا يقول من يقرنهم بالأنبياء كأصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثالهم اتفقت الأنبياء والحكماء أو يقولون الأنبياء والفلاسفة كما يقول الأصوليون اتفق الفقهاء والمتكلمون وهذا قول الفقهاء والمتكلمين ونحو ذلك والذين يعظمونهم يريدون التوفيق بين ما يقولونه وبين ما جاءت به الأنبياء كما تقدم أنهم يجعلون الأقيسة الثلاثة هي المذكورة في صورة النحل ويجعلون الملائكة هي هي العقول والنفوس ومنهم طائفة ادعت كثرة الملائكة كأبي البركات صاحب المعتبر وهؤلاء أقرب عندهم فان الأنبياء صرحوا بكثرة الملائكة وقد يجعلون الجن والشياطين هي قوى النفوس الصالحة والفلسفة وقد بسط القول عليهم في غير هذا الموضع وبين أن الملائكة التي أخبرت بها الرسل من ابعد الأشياء عما يدعونه من العقول والنفوس وان الجن والشياطين أحياء ناطقون موجودون ليسوا أعراضا قائمة بغيرها.
الكلام على جعلهم الأقيسة الثلاثة من القران:
والمقصود هنا كلامهم في المنطق فنقول قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
(1/444)

بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ليس المراد به ما يذكونه من القياس البرهاني والخطابي والجدلي فان الأقيسة التي هي عندهم برهانية قد تقدم بعض وصفها وأنها لا تفيد قط إلا أمرا كليا لا يدل على شيء معين وتلك الكليات غالبها إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان والذي جاء به الرسول أمران خبر وأمر.
فأما الخبر فانه اخبر عن الله بأسمائه وصفاته المعينة وهذا أمر يعترفون هم أنه لا يعرف ببرهانهم وما اخبر به الرسول عن ربه عز وجل فهم من ابعد الناس عن معرفته وكفار اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أقرب إلى الرسول فيه منهم إليه وكذلك ما اخبر به عن الملائكة والعرش والكرسي والحنة والنار ليس في ذلك شيء يمكن معرفته بقياسهم وليس المراد بالعرش الفلك التاسع ولا بالكرسي الثامن كما قد بسط في موضع آخر ولو قدر أنه كذلك فليس هذا مما يعلم بالقياس المنطقي.
والرسول اخبر عن أمور معينة مثل نوح وخطابه لقومه وأحواله المعينة ومثل إبراهيم وأحواله المعينة ومثل موسى وعيسى وأحوالهما المعينة وليس شيء من ذلك يمكن معرفته بقياسهم لا البرهاني ولا غيره فان أقيستهم لا تفيد إلا أمورا كلية وهذه أمور خاصة.
وكذلك اخبر عما كان وعما سيكون بعده من الحوادث المعينة حتى اخبر عن التتر بما ثبت في الصحيحين عنه من غير وجه أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين ذلف الأنوف حمر الخدود ينتعلون الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة" فهل يتصور أن قياسهم وبرهانهم يدل على ادمي معين أو امة معينة فضلا عن أن يوصف بهذه الصفات قبل ظهورهم بنحو سبعمائة سنة
(1/445)

وكذلك قوله الثابت في الصحيح: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من ارض الحجاز تضيء بها أعناق الإبل ببصرى" وهذه النار قد خرجت قبل مجيء أكثر الكفار إلى بغداد سنة خمس وخمسين وستمائة وقد تواتر عن أهل بصرى أنهم رأوا ببصرى أعناق الإبل من ضوء تلك النار وخبر هذه النار مشهور متواتر بعد أن خرجت بجبال الحجاز وكانت تحرق الحجر ولا تنضج اللحم وفزع لها الناس فزعا شديدا فهل يدل قياس برهاني أو غير برهاني على هذا الأمر المعين ويخبر به المخبر قبل حدوثه بأكثر من ستمائة وخمسين سنة فان هذا اخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في آخر أيام النبوة وأبو هريرة إنما اسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة وصحب النبي صلى الله عليه وسلم أقل من أربع سنين فأخباره كلها متأخرة.
وكذلك سائر ما اخبر به من الأمور الماضية والمستقبلة والأمور الحاضرة مما يعلمون هم أنه يمتنع أن يعرف ذلك بالقياس البرهاني وغيره فان ذاك إنما يدل على أمر مطلق كلي لا على شيء معين.
وأما العمليات التي أمر بها فهم وان ادعوا أن ما عندهم من الحكمة الخلفية والمنزلة والمدنية تشبه ما جاء به من الشريعة العملية فهذا من أعظم البهتان وذاك أن حكمتهم العملية إنما مبناها على أنهم عرفوا أن النفس لها قوة الشهوة والغضب الشهوة لجلب
(1/446)

الملائم والغضب لدفع المنافي فجعلوا الحكمة الخلقية مبناها على ذلك فقالوا ينبغي تهذيب الشهوة والغضب لكون كل منهما بين الإفراط والتفريط وهذا يسمى عفة وهذا يسمى شجاعة والتعديل بينهما عدلا وهذه الثلث تطلب لتكميل النفس بالحكمة النظرية العلمية فصار الكمال عندهم هذه الأمور العفة والشجاعة والعدل والعلم.
وقد تكلم في هذا طوائف من الداخلين في الإسلام واستشهدوا على ذلك بما وجدوه في القران والحديث وكلام السلف في مدح هذه الأمور والذين صنفوا في الأخلاق والأعمال على طريق هؤلاء مثل كتاب موازين الأعمال لأبي حامد ومثل أصحاب رسائل إخوان الصفا ومثل كتب محمد بن يوسف العامري وغيره يبنون كلامهم على هذا الأصل.
لكن غلطوا فان مراد الله ورسوله بالعلم الذي يمدحه ليس هو العلم النظري الذي هو عند فلاسفة اليونان بل الحكمة: "اسم يجمع العلم والعمل به في كل امة" قال ابن قتيبة وغيره: "الحكمة عند العرب العلم والعمل به" وسئل مالك عن الحكمة؟ فقال: "هو معرفة الدين والعمل به" وكل امة لها حكمة بحسب علمها ودينها فالهند لهم حكمة مع أنهم مشركون كفار والعرب قبل الإسلام كانت لهم حكمة وكان فيهم حكماء العرب مع كونهم مشركين يعبدون الأوثان فكذلك اليونان لهم حكمة كحكمتهم.
وحكماء كل طائفة هم أفضل تلك الطائفة علما وعملا لكن لا يلزم من ذلك أن يكونوا ممدوحين عند الله وعند رسوله فان الممدوح عند الله وعند رسوله لا يكون قط إلا من المؤمنين المسلمين الذين امنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وعبدوا الله وحده لم يشركوا به شيئا ولم يكذبوا نبيا من أنبيائه ولا كتابا من كتبه
(1/447)

ولا يثنى الله قط إلا على هؤلاء كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} وقال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} وقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} .
وقد ذكر الله عن الأنبياء وأتباعهم أنهم كانوا مسلمين مؤمنين من نوح إلى الحواريين وقال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وهذا عام في الأولين والآخرين وقال: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ} وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} وقوله تعالى: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي اخلص قصده وعمله لله وهو محسن يفعل الصالحات وهذا هو الإسلام وهو أن يكون عمله عملا صالحا ويعمله لله تعالى وهذا هو عبادة الله وحده لا شريك له وبهذا بعث الله الرسل جميعهم.
سبب نزول قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} الآية:
وكذلك لما ذكر الملل الأربعة الذين فيهم من هو محمود سعيد قال تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} وروى الناس كابن أبي حاتم وغيره بالأسانيد الثابتة عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قال سلمان: "سألت النبي
(1/448)

صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم فذكر من صلاتهم وعبادتهم فنزلت: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً} وكذلك ذكر السدي عن أشياخه في تفسيره المعروف قال: "نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي بينا هو يحدث النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذكر أصحابه فأخبره فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك ويشهدون انك ستبعث نبيا فأنزل الله هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} فقال: "كان إيمان اليهود أنه من تمسك بالتوراة وبسنة موسى حتى جاء عيسى فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة واخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكا وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنا مقبولا منه حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكا" قال ابن أبي حاتم: "وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا".
و {وَالَّذِينَ هَادُوا} أولا: المراد بهم أمة محمد.
وأما ما يذكره طائفة من المفسرين في قوله: {وَالَّذِينَ هَادُوا} أن فيهم أقوالا أحدها: أنهم هم الذين آمنوا بعيسى قبل أن يبعث محمد قاله ابن عباس والثاني: أنهم الذين آمنوا بموسى وعملوا بشريعته إلى أن جاء عيسى فآمنوا به وعملوا
(1/449)

بشريعته لما أن جاء محمد وقالوا هذا قول السدي عن أشياخه والثالث: أنهم طلاب الدين كحبيب النجار وقس بن ساعدة وسلمان الفارسي وأبي ذر وبحيرا الراهب آمنو بالنبي قبل مبعثه فمنهم من أدركه وتابعه ومنهم من لم يدركه والخامس أنهم المنافقون والسادس أنهم الذين آمنوا بالأنبياء الماضين والكتب المتقدمة فلا يؤمنوا بك ولا بكتابك.
فهذه الأقوال ذكرها الثعلبي وأمثاله ولم يسموا قائلها وذكرها أبو الفرج ابن لجوزي إلا السادس وسمي قائل الأولين وذكر أنهم المنافقون عن الثوري وهذه الأقوال كلها مبتدعة لم يقل الصحابة والتابعون لهم بإحسان شيئا منها وما نقل عن السدي غلط عليه وقد ذكرنا لفظه الموجود في تفسيره المنقول بالإسناد الثابت في تفاسير الذين يذكرون الأسانيد كتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم وتفسير أبي بكر بن المنذر وتفسير محمد بن جرير الطبري وأمثال هذه التفاسير وما
(1/450)

نقل عن ابن عباس لا يثبت.
وهي أقوال باطلة فان من كان متمسكا بشريعة عيسى قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم من غير تبديل فهم النصارى الذين أثنى الله عليهم وكذلك من تمسك بشريعة موسى قبل النسخ والتبديل فهم اليهود الذين أثنى الله عليهم وطلاب الدين كحبيب النجار كان على دين المسيح وكذلك بحيرا الراهب وغيره وكل من تقدم من الأنبياء وأمتهم يؤمنون بمحمد فليس هذا من خصائص هذا النفر القليل.
الكلام على أخذ الله ميثاق النبيين على الإيمان بمحمد:
قال تعالى: {وَإِذْ أخذ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} وعن علي بن أبى طالب أنه قال: "لم يبعث الله نبيا ادم ومن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد وأمره وأخذ العهد على قومه ليؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه" وكذلك عن ابن عباس أنه قال: "ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته أن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه".
وقال بعض العلماء: "أخذ الميثاق على النبيين وأمتهم فاجتزأ بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التابع وحقيقة الأمر أن الميثاق إذا أخذ على الأنبياء دخل فيه غيرهم لكونه تابعا لهم ولأنه إذا وجب على الأنبياء الإيمان به ونصره فوجوب ذلك على من اتبعهم أولى وأحرى ولهذا ذكر عن الأنبياء فقط"
(1/451)

وقد قيل أن المراد بأخذ الميثاق على الأنبياء هو أخذه على قومهم فإنهم هم الذين يدركون النبي الآتي وقالوا هي في قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب وزعم بعضهم أن هذه القراءة هي الصواب والأولى غلط من الكتاب وهذا قول باطل ولولا أنه ذكر لما حكيته فإن ما بين لوحي المصحف متواتر والقرآن صريح في أن الله أخذ الميثاق على النبيين فلا يلتفت إلى من قال إنما أخذ على أممهم.
لكن الأنبياء أمروا أن يلتزموا هذا الميثاق مع علم الله وعلم من اعلمه منهم أنهم لا يدركونه كما نؤمن نحن بما تقدمنا من الأنبياء والكتب وإن لم ندركهم وأمر الجميع بتقدير إدراكه أن يؤمنوا به وينصروه كما أن النبي صلى الله عليه وسلم اخبرنا بنزول عيسى ابن مريم من السماء على المنارة البيضاء شرقي دمشق واخبر أنه يقتل المسيح الدجال فنحن مأمورون بالإيمان بالمسيح ابن مريم وطاعته أن أدركناه وإن كان لا يأمرنا إلا بشريعة محمد ومأمورون بتكذيب المسيح الدجال وأكثر المسلمين لا يدركون ذلك بل إنما يدركه بعضهم.
قال طاووس: "أخذ الله ميثاق النبيين بعضهم على بعض {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} فقال: "هذه الآية لأهل الكتاب أخذ الله ميثاقهم أن يؤمنوا بمحمد ويصدقوه" يعني بذلك أن من أدرك نبوة محمد منهم يعنى هم الذين أدركهم العمل بالآية وإلا فذكر أن الميثاق أخذ على النبيين بعضهم على بعض لكن ذلك عهد وإقرار مع العلم بأنهم لا يدركونه وكذلك عن السدي "لم يبعث الله نبيا قط من لدن نوح إلا أخذ ميثاقه ليؤمنن بمحمد ولينصرنه إن خرج وهو حي وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به وينصروه إن خرج وهم أحياء" وقال محمد بن اسحق: "ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى أنبيائهم الميثاق بتصديقه إذا هو جاءهم
(1/452)

وإقرارهم به على أنفسهم" فقال: {وَإِذْ أخذ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ} الاية.
وقوله: {رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ} متناول لمحمد بالاتفاق فان رسالته كانت عامة وقد قال الله له: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} فكتابه مهيمن على ما بين يديه من كتب السماء وقد أوجب الله على أهل الكتابين وسائر أهل الأرض الإيمان به وهذا مذكور في غير موضع من القران والحديث وهو مع أنه إجماع من المسلمين فهو معلوم بالاضطرار من دينه متواتر عنه كما تواتر عنه غزوه اليهود والنصارى.
وهل يدخل في ذلك غيره من الرسل؟ فيه قولان قيل: أن الله أخذ ميثاق الأول من الأنبياء أن يصدق الثاني وينصره وأمره أن يأخذ الميثاق على قومه بذلك وقيل بل هذا الرسول هو محمد خاصة وهذا قول الجمهور وهو الصواب لأن الأنبياء قبله إنما كانت دعوتهم خاصة لم يكونوا مبعوثين إلى كل أحد فإذا لم يدخل في دعوته جميع أهل زمنهم ومن بعدهم كيف يدخل فيها من أدركهم من الأنبياء قبلهم والله تعالى قد بعث في كل قوم نبيا كما قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} وكذلك قوله: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} والنصرة مع الإيمان به هو الجهاد ونوح وهود ونحوهم من الرسل لم يؤمروا بجهاد ولكن موسى وبنوا إسرائيل أمروا بالجهاد.
وقوله: (لما) هذه اللام تسمى الموطئة للقسم فان الكلام إذا كان فيه شرط متقدم وقسم كان جواب القسم يسد مسد جواب الشرط والقسم جميعا وأدخلت اللام الموطئة على أداة الشرط وما هنا شرطية واللام في قوله: {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} هي جواب القسم ونظير اللام الموطئة في قوله: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَك} ونظير هذه الآية قوله: {وَلَئِنْ
(1/453)

جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ} وقوله: {وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} .
ولهذا قال النحاة كالمبرد والزجاج: "هذه لام التحقيق دخلت على ما الجزاء أي الشرطية كما تدخل على أن ومعناه لمهما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به واللام في لتؤمنن به جواب الجزاء" وكذلك قال الفراء: "من فتح اللام جعلها لاما زائدة بمنزلة اليمين إذا وقعت على جزاء صرف بعد ذلك الجزاء على جهة فعل وحرف جوابه كجواب اليمين والمعنى أي كتاب أتيتكم ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به وجواب الجزاء في قوله: (لتؤمن به) ومعنى قولهم جواب الجزاء في هذا أي جواب القسم تضمن أيضا جواب الجزاء فهو جواب لهما في المعنى".
والمقصود أن ما عليه جميع الأمم من حكمة علمية وعملية إذا لم يكونوا ممن يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحا فان الله لا يمدحهم ولا يثني عليهم وهؤلاء الفلاسفة أرسطو وقومه كانوا مشركين يعبدون الأوثان ويبنون الهياكل للكواكب فليست حكمتهم من الحكمة التي أثنى الله عليها وعلى أهلها ومن كان من الفلاسفة الصابئة المشركين فهو من جنسهم.
الصابئة وصواب التحقيق عنهم:
وأما الصابئون الحنفاء فهم في الصابئين بمنزلة من كان متبعا لشريعة التوراة والإنجيل
(1/454)

قبل النسخ والتبديل من اليهود والنصارى وهؤلاء ممن حمدهم الله وأثنى عليهم وبعض الناس يقول أن بقراط كان من هؤلاء.
ووهب بن منبه من اعلم الناس بأخبار الأمم المتقدمة وقد روى ابن أبي حاتم بالإسناد الثابت أنه قيل لوهب بن منبه ما الصابئون؟ قال: "الذي يعرف الله وحده وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرا" وكذلك روى عن الثوري عن ليث عن مجاهد قال: "هم قوم من المجوس واليهود والنصارى ليس لهم دين" قال: "وروى عن علماء نحو ذلك" أي ليس لهم شريعة مأخوذة عن نبي ولم يرد بذلك أنهم كفار فان الله قد أثنى على بعضهم فهم متمسكون بالإسلام المشترك وهو عبادة الله وحده وإيجاب الصدق والعدل وتحريم الفواحش والظلم ونحو ذلك مما اتفقت الرسل على إيجابه وتحريمه فان هذا دخل في الإسلام العام الذي لا يقبل الله دينا غيره وكذلك قال عبد الرحمن بن زيد: "هم قد يقولون لا إله إلا الله فقط وليس لهم كتاب ولا نبي".
وهذا كما كانت العرب عليه قبل أن يبتدع عمرو بن لحي الشرك وعبادة الأوثان فإنهم كانوا حنفاء يعبدون الله وحده ويعظمون إبراهيم وإسماعيل ولم يكن لهم كتاب يقرؤونه ويتبعون شريعته وكان موسى قد بعث إلى بني إسرائيل بشريعة التوراة وحج البيت العتيق ولم يبعث إلى العرب لا عدنان ولد إسماعيل ولا قحطان والناس
(1/455)

متفقون على أن عدنان ولد اسماعيل وربيعة ومضر وأما قحطان فقال بعضهم: "هم أيضا من ولد إسماعيل" والصحيح أنهم كانوا موجودين قبل إبراهيم بأرض اليمن ومنهم جرهم الذين سكنوا مكة ومنهم تعلم إسماعيل العربية.
وأما من قال من السلف: "الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور" كما نقل ذلك عن أبي العالية والضحاك والسدي وجابر بن يزيد والربيع ابن انس فهؤلاء أرادوا من دخل في دين أهل الكتاب منهم وكذلك من قال: "هم صنف من النصارى" كما يروى عن ابن عباس أنه قال: "هم صنف من النصارى وهم السائحون المحلقة أوساط رؤؤسهم فهؤلاء عرفوا منهم من دخل في أهل الكتاب".
ومن قال: "أنهم يعبدون الملائكة" كما يروي عن الحسن قال: "هم قوم يعبدون الملائكة" وعن أبي جعفر الرازي قال: "بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة ويقرؤون الزبور ويصلون" فهذا أيضا صحيح وهم صنف منهم وهؤلاء كثير من الصابئين يعبدون الروحانيات العلوية لكن هؤلاء من المشركين منهم ليسوا من الحنفاء.
وكذلك اختلاف الفقهاء في الصابئين هل هم من أهل الكتاب أم لا؟ ويذكر فيه عن احمد روايتان وكذلك قولان للشافعي والذي عليه محققوا الفقهاء أنهم صنفان فمن دان بدين أهل الكتاب كان منهم وإلا فلا.
وقال أبو الزناد: "الصابئون قوم مما يلي العراق وهم يؤمنون بالنبيين كلهم ويصومون من كل سنة ثلاثين يوما ويصلون إلى الشمس كل يوم خمس صلوات فهؤلاء الصابئة الذين أدركهم الإسلام وكانوا بأرض حران والذين خبروهم عرفوا أنهم ليسوا من أهل الكتاب بل مشركون يعبدون الكواكب ولا يحل أكل
(1/456)

ذبائحهم ولا نكاح نسائهم وان اظهروا الإيمان بالنبيين فهو من جنس إيمان الفلاسفة بالنبيين والفلاسفة الصابئون من هؤلاء.
وأما قبول الجزية منهم فهو على خلاف المشهور فمن قبلها من غير أهل الكتاب كما يقبل من المجوس قبلها من هؤلاء وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة واحمد في إحدى الروايتين ومن لم يقبلها إلا من أهل الكتاب لم يقبلها من هؤلاء كما إذا لم يدخلوا في دين أهل الكتاب كما هو قول الشافعي واحمد في الرواية الأخرى عنه وكان أبو سعيد الإصطخري أفتى بأن لا تقبل منهم الجزية ونازعه في ذلك جماعة من الفقهاء.
كون إيمان الفلاسفة كإيمان المنافقين:
وهذا كما أن كثيرا من الفلاسفة وغيرهم من الزنادقة يدخلون في دين المسلمين واليهود والنصارى من الشرائع الظاهرة وان لم يكونوا في الباطن مقرين بحقيقة ما جاءت به الأنبياء كالمنافقين في المسلمين يجري عليهم أحكام الإسلام في الظاهر وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار.
فان قيل هؤلاء الفلاسفة يؤمنون بالله واليوم الآخر فإنهم يقرون بواجب الوجود وبمعاد الأرواح قيل النصارى خير منهم ومن أسلافهم وهم مع هذا لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين
(1/457)

الحق فلا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يعملون صالحا فكيف هؤلاء؟ قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} مع أن النصارى يقرون بمعاد الأبدان لكن لما أنكروا ما اخبر به الرسول من الأكل والشرب ونحو ذلك صاروا ممن لا يؤمن بالله واليوم الآخر وهؤلاء الفلاسفة لا يقرون بمعاد الأبدان.
ولهم في معاد النفوس ثلاثة أقوال والثلاثة تذكر عن الفارابي نفسه أنه كان يقول تارة هذا وتارة هذا وتارة هذا منهم من يقر بمعاد الأنفس مطلقا ومنهم من يقول إنما تعاد النفوس العالمة دون الجاهلة فان العالمة تبقى بالعلم فان النفس تبقى ببقاء معلومها والجاهلة التي ليس لها معلوم باق تفسد وهذا قول طائفة من أعيانهم ولهم فيه مصنفات ومنهم من ينكر معاد الأنفس كما ينكر معاد الأبدان وهو قول طوائف منهم وكثير منهم يقول بالتناسخ.
اليوم الآخر كما هو مذكور في القران:
وليس شيء من ذلك إيمانا باليوم الآخر فان اليوم الآخر هو الذي ذكره الله في قوله تعالى: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ} وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} وقوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} وقوله تعالى: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} إلى قوله: {انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
(1/458)

لِلْمُكَذِّبِينَ هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} وقوله: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يوم يقوم الناس لرب العالمين يقوم احدهم في العرق إلى أنصاف أذنيه".
وقوله: {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} وقوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} وقوله: {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} وقوله تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ}
(1/459)

إلى قوله: {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ} وقوله تعالى: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} وقوله: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} وقوله تعالى: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً} وقوله تعالى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} ومثل هذا في القران كثير.
فهولاء لا يؤمنون باليوم الآخر فلم يدخلوا في من مدح من الصابئين.
بيان بعض ضلالات من معتقدات الفلاسفة:
وأيضا لأنبياء وأتباعهم بل وجماهير الأمم متفقون على أن الله خلق السموات والأرض فهي محدثة بعد أن لم تكن وكذلك أساطين الفلاسفة والقول بقدمها هو عن أرسطو وشيعته ومن وافقهم فكيف يجوز أن يقال أن الحكمة التي أمر الله نبيه أن يدعو الخلق بها هو هذا.
وأيضا فحكمتهم غايتها تعديل أخلاق النفس لتستعد للعلم الذي هو كمالها وهذا من أقل ما جاء به الرسل ومن توابعه والمقصود بالعبادات التي أمرت بها الرسل تكميل النفس بمحبة الله تعالى وتألهه فإن النفس لها قوتان علمية وعملية وهؤلاء جعلوا كمالها في العلم فقط ثم ظنوا ذلك هو العلم بالوجود المطلق حتى يصير الإنسان عالما معقولا موازيا للعالم الموجود ومنهم من يقول النفس إنما تبقى ببقاء
(1/460)

معلومها وهم يعتقدون بقاء الأفلاك والعقول والنفوس فجعلوا كمالها في العلم بالموجودات التي اعتقدوا بقاءها ومن تقرب إلى الإسلام منهم يقول بل كمالها في العلم بواجب الوجود وهذا يشبه قول الجهم بن صفوان ومن وافقه في أن الإيمان مجرد العلم بالله.
وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع في جواب المسألة الصفدية وغير ذلك وبينا أنهم غلطوا من وجوه منها ظنهم أن كمال النفس في مجرد العلم ومنها ظنهم أن هذا الكمال يحصل بمعرفة أمور كلية لا موجودات معينة ومنها ظنهم أن ما عندهم في الإلهيات علم وأكثر جهل ولهذا كان الغاية عندهم التشبه بالفلك.
ولهذا يصنف من يصنف منهم في الصلاة فليس المقصود منها عبادة الله ولا دعاؤه فانه لا يعلم الجزئيات عندهم ولا يميز بين المصلي وغير المصلي بل مقصود الصلاة هو العلم بالوجود المطلق الذي يزعمون أنه كمال النفس والصلاة الظاهرة يطلب منها سياسة البدن ورياضته وإنما قالوا أن يسأل القمر ويستعيذه فانه يدبر هذا العالم بواسطة العقل الفعال فهو عندهم الرب الذي يسأل ويستعاذ به ومنه فاضت العلوم على الأنبياء وغيرهم.
وربما قالو المقصود بالصلاة تذكر الشرع الذي شرعه الشارع ليحفظ به القانون الذي شرعه لهم لمصلحة الدنيا كما يذكر ذلك ابن سينا وغيره وذلك أنهم لا يثبتون أن الله يسمع كلام العباد ولا يرى أفعالهم ولا يجيب دعاءهم بل الدعاء عندهم هو تصرف النفس في هيولي العالم فيحصل لها بما تهتم به من تجردها عن البدن نوع تجريد حتى تتصرف في هيولي العالم وأما الرب تعالى فليس هو عندهم لا بكل شيء عليم ولا على كل شيء قدير ولا يعلم لا السر ولا النجوى ولا غير ذلك من
(1/461)

أحوال العباد ولا له ملائكة كثير ينزلون ويصعدون إليه عندهم ولا يصعد إليه لا الكلم الطيب ولا العمل الصالح وغاية الأنفس عندهم أن تكون متصلة بالعقل الفعال الذي هو ربها عندهم لا تصعد إلى الله.
وإذا قالوا: "سعادة النفس أن تشهد الله وتراه" فحقيقة ذلك عندهم هو العلم بما تصورته من الوجود المطلق أو من وجود واجب الوجود وصاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها إذا تكلم في رؤية الحق ورؤية وجهه في كتابه الأحياء أو غيره قال: "هذا يعود مراده وهو معرفة النفس الناطقة بربها" هذه هي الرؤية عندهم كما قد بين ذلك في غير موضع لأن الأصول التي اعتقدوها من أقوال النفاة المعلطلة ألجأتهم إلى هذه العقائد الفاسدة كما قد بسط في موضعه فكيف تكون الحكمة العلمية التي أمر الله بها ورسوله موافقة لحكمة هؤلاء.
ضلالهم في نفي علم الله وغيره من الصفات ورده:
ونحن قد بسطنا الكلام على فساد قولهم في العلم وغيره من الصفات وبينا أصولهم التي أوجبت أن قالوا مثل هذه الأقوال التي هي من أعظم الفرية على الله
(1/462)

وبينا فسادها ولهذا لما تفطن أبو البركات لفساد قول أرسطو أفرد مقالة في العلم وتكلم على بعض ما قاله في المعتبر وانتصف منه بعض الانتصاف مع أن الأمر أعظم مما ذكره أبو البركات وأعظم عمدهم في نفيه أنه يستلزم التكثر والتغير.
فالتكثر يريدون به إثبات الصفات ثم ابن سينا وغيره اثبتوا علمه بنفسه وبلوازم نفسه معينا كالأفلاك كليا كغيرها فيلزمهم ما فروا منه من تعدد الصفات وهم يقولون أنه عاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق وعشق ولذيذ وملتذ ولذة وربما قالوا مبتهج وهي معان متعددة ثم يكابرون فيقولون العلم هو الحب وهو القدرة وهو اللذة فيجعلون كل صفة هي الصفة الأخرى ويزيدون مكابرة أخرى فيقولون العلم هو العالم والحب هو المحب واللذة هو الملتذ فيجعلون الصفات عين الموصوف ولما رأى الطوسي شارح الإشارات ما لزم صاحبها سلك طريقة أخرى جعل فيها العلم بالمعقولات هو نفس المعقولات مع أنهم ليس لهم قط حجة على نفي الصفات إلا ما تخيلوه من أن هذا تركيب وقد بينا فساده من وجوه كثيرة.
أما التغير فقالوا العلم بالمتغيرات يستلزم أن يكون علمه بأن الشيء سيكون غير علمه بأن قد كان فيلزم أن يكون محلا للحوادث وهم ليس عندهم على نفي هذه اللوازم حجة أصلا لا بينة ولا شبهة وإنما نفوه لنفيهم الصفات لا لأمر يختص بذلك بخلاف من نفي ذلك من الكلابية ونحوهم فإنهم لما اعتقدوا أن القديم لا تقوم به الحوادث قالوا لأنها لو قامت به لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث وقد بين أتباعهم كالرازي والآمدي وغيرهم فساد المقدمة الأولى التي يخالفهم فيها جمهور العقلاء ويقولون بل القابل للشيء قد يخلو عنه وعن ضده أما المقدمة الثانية فهي حجة المتكلمين الجهمية والقدرية ومن وافقهم من أهل الكلام على إثبات حدوث الأجسام باستلزامها للحوادث وقالوا ما لا يخلو عن
(1/463)

الحوادث أو ما لا يسبقها فهو حادث لبطلان حوادث لا أول لها وهو التسلسل في الآثار.
والفلاسفة لا يقولون بشيء من ذلك بل عندهم القديم تحله الحوادث ويجوزون الحوادث لا أول لها ولهذا كان كثير من أساطينهم ومتأخريهم كأبي البركات يخالفونهم في إثبات الصفات وقيام الحوادث بالواجب وقالوا لا خوانهم الفلاسفة ليس معكم حجة على نفي ذلك بل هذه الحجة أثبتموها من جهة التنزيه والتعظيم بلا حجة والرب لا يكون مدبرا للعالم إلا بهذه القضية فكان من تنزيه الرب وإجلاله تنزيهه عن هذا التنزيه وإجلاله عن هذا الإجلال.
وللنظار في جوابهم عن هذا طريقان منهم من يمنع المقدمة الأولى ومنهم من يمنع الثانية فالأول جواب كثير من المعتزلة والأشعري وأصحابه وغيرهم ممن ينفي حلول الحوادث فادعى هؤلاء أن العلم بأن الشيء سيكون هو عين العلم بأنه قد كان وان المتجدد إنما هو نسبته بين المعلوم والعلم لا أمر ثبوتي والثاني جواب هشام وابن كرام وأبي الحسين البصري وأبي عبد الله بن الخطيب وطوائف غير هؤلاء قالوا لا محذور في هذا وإنما المحذور في أن لا يعلم الشيء حتى يكون فان هذا يستلزم أنه لم يكن عالما وانه أحدث بلا علم وهذا قول باطل.
أدلة القران والحديث على إثبات العلم لله تعالى:
وعامة من يستشكل الآيات الواردة في هذا المعنى كقوله إلا لنعلم حتى
(1/464)

نعلم يتوهم أن هذا ينفي علمه السابق بأن سيكون وهذا جهل فان القران قد اخبر بأنه يعلم ما سيكون في غير موضع بل ابلغ من ذلك أنه قدر مقادير الخلائق كلها وكتب ذلك قبل أن يخلقها فقد علم ما سيخلقه علما مفصلا وكتب ذلك واخبر بما اخبر به من ذلك قبل أن يكون وقد اخبر بعلمه المتقدم على وجوده ثم لما خلقه علمه كائنا مع علمه الذي تقدم أنه سيكون فهذا هو الكمال وبذلك جاء القران في غير موضع بل وبإثبات رؤية الرب له بعد وجوده كما قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} فأخبر أنه سيرى أعمالهم.
وقد دل الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة ودلائل العقل على أنه سميع بصير والسمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه وإذا دعاه عباده سمع دعاءهم وسمع نجواهم كما قال تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} أي تشتكي إليه وهو يسمع التحاور والتحاور تراجع الكلام بينها وبين الرسول قالت عائشة: "سبحان الذي وسع سمعه الأصوات لقد كانت المجادلة تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في جانب البيت وانه ليخفي على بعض كلامها" فأنزل الله: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} وكما قال تعالى لموسى وهارون: {لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} وقال: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} .
وقد ذكر الله علمه بما سيكون بعد أن يكون في بضعة عشر موضعا في القران مع إخباره في مواضع أكثر من ذلك أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون وقد اخبر في القران من المستقبلات التي لم تكن بعد بما شاء الله بل اخبر بذلك نبيه وغير
(1/465)

نبيه {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ} بل هو سبحانه يعلم ما كان وما يكون وما لو كان كيف كان يكون كقوله {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} بل وقد يعلم بعض عباده بما شاء أن يعلمه من هذا وهذا ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء.
قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} وقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} وقوله: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} وقوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} وقوله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} وقوله: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً} وقوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} إلى قوله: {وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} وقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} وغير ذلك من المواضع.
روى عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} أي لنرى وروي لنميز وهكذا قال عامة المفسرين إلا لنرى ونميز وكذلك قال جماعة من أهل العلم قالوا لنعلمه موجودا واقعا بعد أن كان قد علم أنه سيكون ولفظ بعضهم قال العلم على منزلتين علم بالشيء قبل وجوده وعلم به بعد وجوده والحكم للعلم به بعد وجوده لأنه يوجب الثواب والعقاب قال فمعنى قوله لنعلم أي لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب ولا ريب أنه كان عالما سبحانه بأنه سيكون لكن لم يكن المعلوم قد وجد وهذا كقوله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي
(1/466)

السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ} أي بما لم يوجد فانه لو وجد لعلمه فعلمه بأنه موجود ووجوده متلازمان يلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر ومن انتفائه انتفاؤه والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر.
والمقصود أن يعرف الإنسان أنهم يقولون من الجهل والكفر ما هو في غاية الضلال فرارا من لازم ليس لهم قط دليل على نفيه ولو قدر شبهة تعارض ثبوت العلم فأين هذا من هذا وأين الأدلة الدالة على ثبوت علمه والمحذور في نفي علمه مما يظن أنه يدل على نفي الصفات أو نفي بعضها دليلا ومحذورا.
بطلان قولهم الثلاثة المذكورة في النحل هي البرهان والخطابة والجدل:
والمقصود هنا أن ما يجعلونه من القران مطابقا لأصولهم ليس كما يقولون فان قيل لا ريب أن ما جاء به الرسول من الحكمة والموعظة الحسنة والجدل يخالف أقوال هؤلاء الفلاسفة أعظم من مخالفته لأقوال اليهود والنصارى لكن المقصود أن الثلاثة المذكورة في القران هي البرهان الصحيح والخطابة الصحيحة والجدل الصحيح وان لم تكن هي عين ما ذكره اليونان إذ المنطق لا يتعرض لشيء من المواد وإنما الغرض أن هذه الثلاثة هي جنس هذه الثلاثة.
قيل وهذا أيضا باطل فان الخطابة عندهم ما كان مقدماته مشهورة سواء كانت علما مجردا أو علما يقينيا والوعظ في القران هو الأمر والنهي والترغيب والترهيب كقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} .
فقوله: {مَا يُوعَظُونَ بِهِ} أي ما يؤمرون به وقال: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي ينهاكم عن ذلك.
وأيضا فالقرآن ليس فيه أنه قال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ} وذلك
(1/467)

لأن الإنسان له ثلاثة أحوال: إما أن يعرف الحق ويعمل به وأما أن يعرفه ولا يعمل به وأما أن يجحده فأفضلها أن يعرف الحق ويعمل به والثاني: أن يعرفه لكن نفسه تخافه فلا توافقه على العمل به والثالث: من لا يعرفه بل يعارضه فصاحب الحال الأول هو الذي يدعى بالحكمة فأن الحكمة هي اللم بالحق والعمل به فالنوع الأكمل من الناس من يعرف الحق ويعمل به فيدعون بالحكمة والثاني: من يعرف الحق لكن تخالفه نفسه فهذا يوعظ الموعظة الحسنة فهاتان هما الطريقان الحكمة والموعظة وعامة الناس يحتاجون إلى هذا وهذا فأن النفس لها أهواء تدعوها إلى خلاف الحق وان عرفته فالناس يحتاجون إلى الموعظة الحسنة والى الحكمة فلا بد من الدعوة بهذا وهذا.
وأما الجدل فلا يدعى به بل هو من باب دفع الصائل فإذا عارض الحق معارض جودل بالتي هي أحسن ولهذا قال وجادلهم فجعله فعلا مأمورا به مع قوله ادعهم فأمره بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وأمره أن يجادل بالتي هي أحسن وقال في الجدال بالتي هي أحسن ولم يقل بالحسنة كما قال في الموعظة لأن الجدال فيه مدافعة ومغاضبة فيحتاج أن يكون بالتي هي أحسن حتى يصلح ما فيه من الممانعة والمدافعة والموعظة لا تدافع كما يدافع المجادل فما دام الرجل قابلا للحكمة أو الموعظة الحسنة أو لهما جميعا لم يحتج إلى مجادلة فإذا مانع جودل بالتي هي أحسن.
والمجادلة يعلم كما أن الحكمة بعلم وقد ذم الله من يجادل بغير علم فقال تعالى: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} والله لا يأمر المؤمنين أن يجادلوا بمقدمة يسلمها الخصم أن لم تكن علما فلو قدر أنه قال باطلا لم يأمر الله أن يحتج عليهم بالباطل لكن هذا قدر يفعل لبيان فساد قوله وبيان تناقضه لا لبيان الدعوة إلى القول الحق والقرآن مقصوده بيان الحق ودعوة العباد إليه وليس المقصود ذكر ما تناقضوا فيه من أقوالهم ليبين
(1/468)

خطأ أحدهما: لا بعينه فالمقدمات الجدلية التي ليست علما هذا فائدتها وهذا يصلح لبيان خطأ الناس مجملا.
ثم أنهم تارة يجعلون النبوة إنما هي من باب الخطابة وتارة يجعلون الخطابة أحد أنواع كلامها فيتناقضون وسبب ذلك أن القرآن أمر عظيم باهر لم يعرفوا قدره ولا دروا ما فيه من العلم والحكمة وأرادوا أن يشبهوا به كلام قوم كفار اليهود والنصارى أقل ضلالا منهم في معرفة الله ومعرفة أنبيائه وكتبه وأمره ونهيه ووعده ووعيده ولو شبه مشبه القرآن بالتوراة والإنجيل لظهر خطأه غاية الظهور والجميع كلام الله تعالى فكيف بكلام هؤلاء الملاحدة.
الوجه الثاني عشر: كون نفيهم وجود الجن والملائكة والوحي قولا بلا علم:
الوجه الثاني عشر: أن يقال هم معترفون بالحسيات الظاهرة وبالحسيات الباطنة التي يحس بها الإنسان ما في نفسه كإحساسه بجوعه وعطشه ولذته وألمه وشهوته وغضبه وفرحه وغمه وكذلك ما يتخيله في نفسه من أمثلة الحسيات التي أحسها فانه يتخيل ذلك من نفسه.
وقد فرقوا بين قوة التخيل والوهم فالتخيل أن يتخيل الحسيات والوهم أن يتصور في الحسيات معنى غير محسوس كما يتصور الصداقة والعداوة فان الشاة تتصور في الذئب معنى هو العداوة وهو غير محسوس ولا تتخيل وتتصور في التيس معنى الصداقة فالموالات والمعادات يسمون الشعور بها توهما وهم لم يتكلموا في ذلك بلغة العرب فان الوهم في لغة العرب معنى آخر كما قد بين في موضعه.
ولسي معهم ما ينفى وجود ما يمكن أن يختص برؤيته بعض الناس بالباطن كالملائكة والجن بل ولا معهم ما ينفى تمثل هذه الأرواح أجساما حتى ترى بالحس
(1/469)

الظاهر ولا معهم أن النفس قد ترى غيرهما ما هو من أحوالها مثل أن ترى عند الموت أمورا موجودة لم تكن تراها وهي متعلقة بالبدن وكذلك النائم وإن كان قد يتخيل فليس معهم علم بأن كل ما يراه يكون تخيلا مع إمكان أن يرى في منامه من جنس ما يراه الميت عند مفارقة روحه بدنه فان النفس الناطقة هي الرائية وإنما يمنعها من ذلك تعلقها بالبدن فإذا تم تجردها بالموت رأت ما لم تكن تراه كما قال تعالى: {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} وقال تعالى: {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} قال المفسرون: يعنى الملائكة وكذلك بالنوم قد يحصل لها نوع تجريد ولهذا من الناس من يرى في منامه شيئا فيأتي كما يراه من غير تغيير أصلا بل يكون المرئي في المنام هو الموجود في اليقظة.
وأما رؤية كثير من الناس للجن حال الصرع وغير الصرع فهذا أكثر وأشهر من أن يذكر وما يدعيه الأطباء من أن الصرع كله من الأخلاط فغلطه ظاهر فان دخول الجني بدن الإنسي وتكلمه على لسانه بأنواع من الكلام وغير ذلك أمر قد علمه كثير من الناس بالضرورة وقد اتفق عليه أئمة الإسلام كما اتفقوا على وجود الجن وقد رآهم غير واحد من الناس وخاطبوهم فهذا باب واسع فما الظن بالملائكة الكرام التي يراهم الأنبياء صلوات الله عليهم يرونهم بباطنهم وظاهرهم.
وأيضا فقد تواتر في الكتب الإلهية والأحاديث النبوية أن الملائكة تتصور بصورة البشر وكذلك الجن ويرون في تلك الصورة كما أخبر الله عن ضيف إبراهيم في غير موضع من كتابه وكما اخبر عن مريم أنه أرسل إليها الروح وهو جبريل: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً} .
وجميع هذه الأمور ليس معهم على نفيها إلا ما هو من أضعف الشبه فنفيهم مثل هذه الحسيات الباطنة والظاهرة قول بلا علم ولهذا صاروا يحملون ما جاءت به
(1/470)

الأنبياء على أنه من باب التخيل في النفس ويجعلون الملائكة وكلام الله الذي بلغوه هو ما يتخيل في نفس النبي من الصور والأصوات كما يتخيل للنائم وذلك من أعراضه القائمة به ليس هناك عندهم ملك منفصل ولا كلام نزل به الملك من الله عندهم.
وكل ما ينفونه من هذا ليس معهم فيه إلا الجهل المحض فهم يكذبون بما لم يحيطوا بعلمه ولم يأتهم تأويله مع أن عامه أساطين الفلاسفة كانوا يقرون بهذه الأشياء وكذلك أئمة الأطباء كأبقراط وغيره يقر بالجن ويجعل الصرع نوعين صرعا من الخلط وصرعا من الجن ويقول في بعض الأدوية هذا ينفع من الصرع الذي يعالجه الأطباء لا الصرع الذي يعالجه أرباب الهياكل ونقل عنه أنه قال طبنا بالنسبة إلى طب أرباب الهياكل كطب العجائز بالنسبة إلى طبنا وهذه الأمور لبسطها موضع آخر.
وإنما المقصود أن ما تلقوه من القواعد الفاسدة المنطقية من نفى ما لم يعلم نفيه أوجب لهم من الجهل والكفر ما صاروا به أسوأ حالا من كفار اليهود والنصارى وادعى ابن سينا وموافقوه أن أسباب العجائب في العالم أما قوة فلكية وأما قوة نفسانية وأما قوة طبيعية وأهل السحر منهم والطلسمات يعلمون من وجود الجن ومعاونتهم لهم على الأمور العجيبة ما هو متواتر مشهور عندهم فضلا عما يعلمه المسلمون وسائر أهل الملل من ذلك فضلا عن العلم بالملائكة وما وكلهم الله من الأمور التي يدبرونها كما قال فيهم: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} وقال: {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً} وهم الملائكة باتفاق السلف وغيرهم من علماء المسلمين لم يقل أحد من السلف أنها الكواكب.
الوجه الثالث عشر: طريقهم لا يفرق بين الحق والباطل بخلاف طريقة الأنبياء
الوجه الثالث عشر: أن يقال كون القضية برهانية معناه عندهم أنها معلومة
(1/471)

للمستدل بها وكونها جدلية معناه كونها مسلمة وكونها خطابية معناه كونها مشهورة أو مقبولة أو مظنونة وجميع هذه الفروق هي نسب وإضافات عارضة للقضية ليس فيها ما هو صفة ملازمة لها فضلا عن أن تكون ذاتية لها على أصلهم بل ليس فيها ما هو صفة لها في نفسها بل هذه صفات نسبية باعتبار شعور الشاعر بها ومعلوم أن القضية قد تكون حقا والإنسان لا يشعر بها فضلا عن أن يظنها أو يعلمها وكذلك قد تكون خطابية أو جدلية وهى حق في نفسها بل قد تكون برهانية أيضا كما قد سلموا ذلك.
وإذا كان كذلك فالرسل صلوات الله عليهم أخبروا بالقضايا التي هي حق في نفسها لا تكون كذبا باطلا قط وبينوا من الطرق العلمية التي يعرف بها صدق تلك القضايا ما هو مشترك ينتفع به جنس بني آدم وهذا هو العلم النافع للناس.
وأما هؤلاء المتفلسفة فلم يسلكوا هذا المسلك بل سلكوا في القضايا الأمر النسبي فجعلوا البرهانيات ما علمه المستدل وغير ذلك لم يجعلوه برهانيات وإن علمه مستدل آخر والجدليات ما سلمه المنازع وإن لم يسلمه غيره وعلى هذا فتكون من البرهانيات عند إنسان وطائفة ما ليس من البرهانيات عند إنسان وطائفة أخرى فلا يمكن أن تحد القضايا العلمية بحد جامع مانع بل تختلف باختلاف أحوال من علمها ومن لم يعلمها حتى أن أهل الصناعات عند أهل كل صناعة من القضايا التي يعلمونها ما لا يعلمها غيرهم.
وحينئذ فيمتنع أن تكون طريقهم مميزة للحق من الباطل والصدق من الكذب باعتبار ما هو الأمر عليه في نفسه ويمتنع أن تكون منفعتها مشتركة بين الآدميين بخلاف طريقة الأنبياء فإنهم اخبروا بالقضايا الصادقة التي تفرق بين الحق والباطل والصدق والكذب فكل ما ناقض الصدق فهو كذب وكل ما ناقض الحق فهو باطل فلهذا جعل الله ما انزله من الكتاب حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه وانزل أيضا الميزان وهو ما يوزن به ويعرف به الحق من الباطل ولكل حق ميزان
(1/472)

يوزن به بخلاف ما فعله الفلاسفة المنطقيون فانه لا يمكن أن يكون هاديا للحق ولا مفرقا بين الحق والباطل ولا هو ميزان يعرف بها الحق من الباطل وأما المتكلمون فما كان في كلامهم موافقا لما جاءت به الأنبياء فهو منه وما خالفه فهو من البدع الباطلة شرعا وعقلا.
فان قيل نحن نجعل البرهانيات إضافية فكل ما علمه الإنسان بمقدماته فهو برهاني عنده وان لم يكن برهانيا عند غيره قيل لم يفعلوا ذلك فان من سلك هذا السبيل لم يجد مواد البرهان في أشياء معينة مع إمكان علم كثير من الناس لأمور أخر بغير تلك المواد المعينة التي عينوها وإذا قالوا نحن لا نعين المواد فقد بطل أحد أجزاء المنطق وهو المطلوب.
الوجه الرابع عشر: فساد جعلهم علوم الأنبياء تحصل بواسطة القياس المنطقي
الوجه الرابع عشر: أنهم لما ظنوا أن طريقهم كلية محيطة بطرق العلم الحاصل لبني آدم مع أن الأمر ليس كذلك وقد علم الناس أما بالحس وأما بالعقل وأما بالأخبار الصادقة علوما كثيرة لا تعلم بطرقهم التي ذكروها ومن ذلك ما علمته الأنبياء صلوات الله عليهم من المعلوم فأرادوا إجراء ذلك على قانونهم الفاسد فقالوا النبي له قوة أقوى من قوة غيره في العلم والعمل وربما سموها قوة قدسية وهو أن يكون بحيث ينال الحد الأوسط من غير تعليم معلم له فإذا تصور طرفي القضية أدراك بتلك القوة القدسية الحد الأوسط الذي قد يتعسر أو يتعذر على غيره إدراكه بلا تعليم لأن قوى الأنفس في الإدراك غير محدودة فجعلوا ما تخبر به الأنبياء من أنباء الغيب إنما هو بواسطة القياس المنطقي وهذا في غاية الفساد.
فان القياس المنطقي إنما يعرف به أمور كلية كما تقدم وهم يسلمون ذلك والرسل أخبروا بأمور معينة شخصية جزئية ماضية وحاضرة ومستقبلة كما في القرآن من قصة نوح والخطاب والأحوال التي جرت بينه وبين قومه وكذلك هود وصالح
(1/473)

وشعيب وسائر الرسل وكذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من المستقبلات فعلم بذلك أن ما علمه الرسول لم يكن بواسطة القياس المنطقي.
بل قد جعل ابن سينا علم الرب بمفعولاته من هذا الباب فانه يعلم نفسه والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فجعل علمه يحصل بهذه الواسطة وهذا يصلح أن يكون دليلا على علمه بمخلوقاته لا أن يكون علمه بمخلوقاته يفتقر إلى حد أوسط مع أنه لم يعط هذا البرهان موجبه بل أنكر علمه بالجزئيات التي في الموجودات الأخرى فان لم يعلم الجزئيات لم يعلم شيئا من المخلوقات مع أن العقول والنفوس والأفلاك كلها جزئية ونفسه أيضا معينة ولهذا أراد بعضهم جبر هذا التناقض فقال إنما نفى علمه بالجزئيات في الأمور المتغيرة فيقال التغير من لوازم الفلك فلا يكون الفلك إلا متغيرا وصدور المعلول المتغير عن علة غير متغيرة ممتنع بالضرورة كما قد بسط في موضعه.
جعلهم معرفة النبي بالغيب مستفادة من النفس الفلكية وبيان فساده من عشرة وجوه:
فان قيل هم يذكرون لمعرفة النبي بالغيب سببا آخر وهو أنهم يقولون أن الحوادث التي في الأرض تعلمها النفس الفلكية ويسميها من أراد الجمع بين الفلسفة والشريعة باللوح المحفوظ كما يوجد في كلام أبى حامد ونحوه وهذا فاسد فان اللوح المحفوظ الذي وردت به الشريعة "كتب الله فيه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم واللوح المحفوظ لا يطلع عليه غير الله والنفس الفلكية تحت
(1/474)

العقول ونفوس البشر عندهم تتصل بها وتنقش في نفوس البشر ما فيها.
ولهذا يقول بعض الشيوخ الذين يتكلمون باللوح المحفوظ على طريقة هؤلاء أما عن معرفة بأن هذا قولهم وأما عن متابعة منهم لمن قال ذلك من شيوخهم الذين أخذوا ذلك عن الفلاسفة كما يوجد في كلام أبن عربي وابن سبعين والشاذلي وغيرهم يقولون أن العارف قد يطلع على اللوح المحفوظ وأنه يعلم أسماء مريديه من اللوح المحفوظ أو أنه يعلم كل ولى كان ويكون من اللوح المحفوظ ونحو هذه الدعاوى التي مضمونها أنهم يعلمون ما في اللوح المحفوظ وهذا باطل مخالف لدين المسلمين وغيرهم من أتباع الرسل.
والمقصود هنا أنهم يقولون أن النفس إذا حصل لها تجرد عن البدن أما بالنوم وأما بالرياضة وأما بقوتها في نفسها اتصلت بالنفس الفلكية وانتقش فيها ما في النفس الفلكية من العلم بالحوادث الأرضية ثم ذلك العلم العقلي قد تخبر به النفس مجردا وقد تصوره القوة المخيلة في صور مناسبة له ثم تلك الصور تنتقش في الحس المشترك كما أنه إذا أحس أشياء بالظاهر ثم تخيلها فإنها تنتقش في الحس المشترك فالحس المشترك يرتسم فيه ما يوجد من الحواس الظاهرة وينتقش فيه ما تصوره القوة المتخيلة في الباطن وما يراه الإنسان في منامه والمحرور في حال مرضه من الصور الباطنة هو من هذا لكن نفس النبي عليه السلام لها قوة كاملة فيحصل لها تجرد في اليقظة فتعلم وتتخيل وترى ما يحصل لغيرها في النوم.
قيل هذا الكلام أولا ليس من كلام قدماء الفلاسفة كأرسطو وأصحابه ولا جمهورهم إنما هو معروف عن ابن سينا وأمثاله وقد أنكر ذلك عليه إخوانه الفلاسفة كابن رشد وغيره وزعموه أن هذا كلام باطل لم يتبع فيه سلفه وثانيا
(1/475)

إنه مبنى على أصول فاسدة كثيرة:
الأول: أنه لا سبب للحوادث إلا الحركة الفلكية وهذا من أبطل الأصول.
الثاني: إثبات العقول والنفوس التي يثبتونها وهو باطل.
هل منبع الفيض هو النفس الفلكية أو العقل الفعال:
الثالث: إثبات كون الفيض يحصل من النفس الفلكية فإنهم لو سلم لهم ما يذكرونه من أصولهم فعندهم ما يفيض على النفوس إنما هو من العقل الفعال المدبر لكل ما تحت فلك القمر ومنه تفيض العلوم عندهم على نفوس البشر الأنبياء وغيرهم والعقل الفعال لا يتمثل فيه شيء من الجزئيات المتغيرة بل إنما فيه أمر كلى لكنه بزعمهم دائم الفيض فإذا استعدت النفس لأن يفيض عليها منه شيء فاض وذلك الفيض لا يكون بجزئي فانه لا جزئي فيه فكيف يقولون هنا أن الفيض على النفوس هو من النفس الفلكية.
فان قيل هم يقولون أن الجزئيات معلومة للعقول على وجه كلى وللنفوس الفلكية على وجه جزئي قيل العلم بالكلى وهو القدر المشترك بين الجزئيات لا يفيد العلم بشيء من الجزئيات البتة فان علم الإنسان بمسمى الوجود أو بمسمى الجسم أو بمسمى الحيوان أو الإنسان أو البياض أو السواد لا يفيده العلم قط بموجود معين ولا بجسم معين ولا حيوان معين ولا إنسان معين ولا بياض معين ولا سواد معين ولو كانت الجزئيات تعلم من الكليات لكان من علم مسمى شيء قد علم كل شيء فإنها كلها جزئيات هذا المسمى.
وهذا أيضا مما يدل على فساد قول ابن سينا ومن وافقه على أن الباري يعلم الجزئيات على وجه كلى بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذره في السموات ولا في الأرض فان هذا تناقض بين لمن تصور حقيقة الأمر فان من لم يتصور إلا كليا ويمتنع عنده أن يتصور جزئيا معينا أما مطلقا وأما إذا كان متغيرا كان قد عزب عن علمه كل شيء في الوجود أما مطلقا وأما إذا كان متغيرا وعلمه الكلى لا
(1/476)

يفيده شيئا من معرفة المعينات وهم دائما ما يشبعون أنفسهم بالمحال بمثل هذه الكليات.
ولهذا كان موضوع الفلسفة الأولى والحكمة العليا هو الوجود الكلى المشترك بين الموجودات المنقسم إلى جوهر وعرض وعلة ومعلول وهذا الموضوع ليس له وجود في الخارج ولا يعلم بمعرفة الوجود المطلق شيء من الموجودات الثابتة في نفس الأمر أصلا فان كل موجود فانه موجود خاص متميز عما سواه وصفاته القائمة به أن كانت جوهرا فهي مختصة به وإن كان عرضا فهو عرض معين في محل معين فمن لم يعرف إلا الكلى المشترك لم يعرف شيئا من الموجودات التي هي في نفسها موجودات وإنما علم أمرا كليا لا يكون كليا إلا في الأذهان لا في الأعيان.
إن نفس فلك القمر لا تعلم إلا جزءا من الحوادث:
الرابع: أن النفوس عندهم تسعة بعدد الأفلاك وحركات الأفلاك عندهم هي تسبب الحوادث ومعلوم أن كل نفس تعلم حركة فلكها فنفس فلك القمر لا تعلم ما في نفس الفلك الاطلس وفلك الثوابت وغيره والنفوس البشرية إنما تتصل أن اتصلت بنفس فلك القمر كما أنه إنما يفيض عليها ما يفيض من العقل الفعال وحينئذ فلا تعلم إلا جزءا يسيرا من أسباب الحوادث فمن أين تعلم الحوادث المنفصلة.
ليست حركة الأفلاك علة تامة للحوادث:
الخامس: أنه لو قدر أنها تعلم حركات الأفلاك كلها وانه لا سبب للحوادث إلا حركة الأفلاك فحركة الأفلاك ليست علة تامة للحوادث بل تختلف أفعالها باختلاف القوابل فتؤثر في كل شيء بحسبه فمن لم يعلم أحوال القوابل مع الفواعل لم يعلم الحوادث فلا يكون عالما بها والنفوس الفلكية غايتها أن تعلم حركات أفلاكها لا تعلم ما ليس داخلا فيها
(1/477)

وإذا قيل أن حركات العناصر والمتولدات إنما تختلف لاختلاف حركة الأفلاك فالعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول قيل تختلف باختلاف القوابل كما تختلف باختلاف الفواعل والعناصر موجودة قبل حركات الأفلاك فلا يلزم من العلم بها العلم بنفس العناصر ومقاديرها ليعلم بحركات الأفلاك العلم بالحوادث الأرضية وقول القائل العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول إنما يستقيم في العلة التامة المستلزمة للمعلول وحركات الأفلاك غايتها أن تكون جزءا صغيرا من أسباب الحوادث.
لا يلزم علم النفس الفلكية بكل ما يحدث من الأمور:
السادس: أنه بتقدير أن تكون للفلك نفس فلكية متحركة كما تحرك نفس الإنسان لبدنه فإنها تتصور ما تريد فعله كما يتصور الإنسان ما يريد فعله وأما الأمور المتولدة الحاصلة بأسباب منفصلة مع فعله فلا يجب أن يكون شاعرا بها فمن أين يلزم علم النفس الفلكية بكل ما يحدث من الأمور الحاصلة لحركاتها وبأمور أخر فإنهم يقولون الفلك إذا تحرك حرك العناصر فامتزجت نوعا من الامتزاج وتحرك العناصر وامتزاجها ليس هو نفس حركة الفلك ولا حركة الفلك تامة له ثم إذا امتزجت فاض عليها من العقل الفعال ما يفيض فبتقدير أن تستعد نفس الإنسان لأن يفيض عليها من العقل الفعال ما يفيض لا يجب أن تعلم النفس الفلكية ذلك مع أن كلامهم في هذا الموضع قد عرف تناقضه وفساده فان العقل أن كان يفيض عنه ما ليس هو فيه كان في المعلول ما ليس في العلة وإن كان لا يفيض إلا ما فيه فليس فيه إلا الكليات ليس فيه صور جسمانية ولا علم بجزئيات ولا مزاج ولا غير ذلك مما يدعون فيضه عن العقل.
بيان أن الحوادث الماضية ليست منتقشة في النفس الفلكية:
السابع: أن النفس الفلكية تحرك الفلك دائما فيلزم أن تعلم كل وقت الحركة التي تريدها وإذا سلم له أنها تعلم ما تولد عنها وعن غيرها قيل لهم لا ريب أن ما مضى قبل تلك الحركة المعينة من الجزئيات لا يكون معلوما للنفس على سبيل
(1/478)

التفصيل فانه لو كان معلوما للنفس على سبيل التفصيل للزم وجود ما لا نهاية له في أن واحد فان الحوادث الماضية لا نهاية لها فلو كان العلم بكل منها موجودا على سبيل التفصيل في النفس الفلكية للزم وجود أمور لا نهاية لها في أن واحد وهذا ممتنع.
فان قيل هم يجوزون هذا كما يجوزون وجود نفوس لا نهاية لها في أن واحد فان قاعدتهم في هذا أن ما هو مجتمع وله ترتيب طبيعي كالفلك أو وضعي كالأجسام يمتنع وجود ما لا نهاية فيه فإذا انتفى أحد القيدين جوزوا وجود ما لا نهاية له أما بأن لا يكون مجتمعا كالحوادث المتعاقبة وأما أن يكون مجتمعا غير مترتب كالنفوس الفلكية قيل الجواب من وجوه أحدها أن هذا قول طائفة منهم كابن سينا وغيره وقد أنكر عليه ذلك إخوانه الفلاسفة كابن رشد وغيره وزعموا أن هذا ليس هو قول أئمتهم الفلاسفة وبينهم في ذلك مشاجرات ليس هذا موضعها الثاني أن الحركات الفلكية مترتبة كل واحد على ما قبلها فإذا قدر اجتماع العلم المفصل بها كان قد اجتمع حوادث مترتبة والعلوم أيضا مجتمعة في النفس الفلكية والجزئيات عندهم لا تنطبع عندهم إلا في قوى جسمانية فيلزم وجود ما لا يتناهى من الأعراض في صورة جسمانية وهذا هو أعظم ما ينكرونه فان القوة الجسمانية عندهم لا تقوى على أفعال لا تتناهى فضلا عن أن تقوى على أعراض لا نهاية لها الثالث أن يقال أن قالوا أن جميع ما يحدث لم تزل نفس الفلك عالمة به على التفصيل كان علمها قديما أزليا والحركات حادثة شيئا بعد شيء والحوادث الجزئية لا بد لها من تصورات جزئية حادثة معها وهم يسلمون ذلك وإن قالوا أنها لم تعلمها مفصلة إلا شيئا بعد شيء حصل المقصود أيضا وعلى التقديرين لا بد عندهم للنفس الفلكية من علوم متعاقبة كما يحصل لنفس الإنسان وحينئذ فان كانت علومها باقية لم تزل الأمور المرتبة تحدث شيئا بعد شيء وهى مجتمعه في محل واحد بل في قوة جسمانية فيلزم وجود أعراض مجتمعة لا نهاية لها في محل واحد بل في قوة جسمانية وهذا من أعظم الأمور إحالة عندهم في نفس الأمر
(1/479)

وإذا كان كذلك تبين أن الحوادث الماضية ليست منتقشة في النفس الفلكية.
والأنبياء بل وغير الأنبياء يخبرون بالحوادث المتقدمة كالأخبار بما جرى في زمن نوح وقبل نوح وبعد نوح فيمتنع أن يكون الخبر بذلك استفادة من النفس الفلكية التي يسميها الملاحدة الذين ينزلون الكتاب والسنة على أصول هؤلاء المشركين المعطلين يسمونها اللوح المحفوظ وهكذا العلم بالحوادث المستقبلة قبل أن تكون بمئين من السنين أو بألوف من السنين فان تلك لم تنتقش بعد عندهم في النفس الفلكية وقد يخبر بها الأنبياء كما بشر متقدموهم بممحد وكما أخبر محمد بما سيأتي بل ويعلم أيضا بالرؤيا وغير ذلك.
لا سبيل لنفي كون الأرواح تلقى الأخبار في نفوس البشر:
الوجه الثامن: أنه لو قدر أن النفوس الفلكية تعلم الجزئيات فالجزم بكون ما يحدث في نفوس البشر من العلم بالجزئيات هو منها أو من العقل الفعال لو قدر وجوده إنما يجوز إذا علم انتفاء سبب آخر وهذا لا سبيل لهم إلى العلم بنفيه فلم لا يجوز أن يكون ذلك مما يلقيه الملائكة بل ومما يلقيه الجن أيضا كما تواترت الأخبار عن الأنبياء صلوات الله عليهم بأنهم يذكرون أن الملائكة تخبرهم بما تخبرهم به وكما تواتر إخبار الجن لبنى آدم تارة بما يسترقونه من خبر السماء وتارة بغير ذلك والعلم بالمغيبات من هذا الوجه هو مما اتفق عليه الأنبياء وأتباعهم المسلمون واليهود والنصارى واتفق عليه جماهير بنى آدم من غير أهل الملل كالمشركين من العرب ومن الهند ومن الكلدانيين وغيرهم كلهم يذكرون ما تخبر به الأرواح أما مطلقا وأما أن تعين.
وقد ذكرنا أن الصابئة نوعان حنفاء ومشركون فالحنفاء هم من المسلمين المؤمنين وأما المشركون كالصابئة الذين بعث الله إليهم الخيل عليه السلام وغيرهم فهؤلاء يقرون بهذا والصابئة الحرانيون لهم نبي على أصلهم يقال له البابا وله مصحف يذكر فيه كثيرا من الأخبار المستقبلة ويذكرون أن سيدته يعنى روحانية الزهرة
(1/480)

أخبرته بذلك وكثير منها صحيح كإخبار بدخول المسلمين بلاد حران وغيرها وفتحهم البلاد وإهانتهم لطائفته وكان بحران بئر يقال لها بئر عزون يعظمونها تعظيما كثيرا وكان يذكر أن الأرواح تجتمع إليها ويذكر أنواعا من هذه الأمور في مصحف له وهو موجود قد قرأته أنا وغيري.
وهذه الأرواح منهم من يطلق عليها اسم الأرواح والروحانيات ولا يفصل ومنهم من يسميها جميعها الملائكة ولا يفرقون بين الجن والملائكة لا سيما وطائفة من أهل الكلام وغيرهم يجعلون الجن والملائكة جنسا واحدا وإنما يفرقون بالأعمال الصالحة والفاسدة كالآدميين ومن هذا تنازع العلماء في إبليس هل كان من الملائكة أم لا وقد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع وأما من يعرف حقيقة الأمر من علماء المسلمين فيعلمون أن الأرواح التي تعين المشركين هي الشياطين ويفرقون بين الملائكة وبين الجن كما هو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
بيان كون الغلط في هذه الإخبارات أكثر من الصواب:
التاسع أنه بتقدير أن يكون سبب الإخبارات هو اتصال النفس بالقوة النفسانية الفلكية أو هو إخبار الأرواح كما تقدم فمعلوم أن الغلط في هذا أكثر من الصواب أما على أصلهم فلأن الخيال يصور للحس المشترك ما علمته النفس من الصور المناسبة والخيال يكذب أكثر مما يصدق وأما على قول المسلمين وغيرهم فلأن الجن يكذبون كثيرا في إخبارهم وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما ذكر إخبار الكهان قال أنهم يسمعون الكلمة فيكذبون مائة كذبة وهذا أمر معلوم بالتجربة والتواتر فان الذين يخبرون بما يخبرون به عن الجن يكثر الكذب في إخبارهم
(1/481)

وأما الرؤيا فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الرؤيا ثلاثة رؤيا من الله ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه في اليقظة فيراه في المنام ورؤيا من الشيطان" فقد بين الصادق المصدوق أن من الرؤيا ما هو من حديث النفس ومنها ما هو من وسوسة الشيطان وقد أمرنا سبحانه أن نستعيذ من هذين الواسواسين في قوله: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} .
ولا بد من التمييز بين الصدق والكذب وليس فيما ذكروه ولا فيما يذكره غيرهم ما يميز بين هذا وهذا ولا يميز بين هذا وهذا مطلقا إلا الأنبياء ولهذا أمرنا الله أن نؤمن بكل ما جاؤوا به الأنبياء فإنهم معصومون لا يقرون على الخطأ فيما يبلغونهه عن الله باتفاق المسلمين قال تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ} وقال تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} .
ولهذا كان أهل الرياضة والزهد والعبادة من الصوفية وغيرهم يرون أشياء في الباطن يظنونها حقا ويكون باطلا ولهذا يقول من يقول من أهل العلم كأبي القاسم السهيلى وغيره نعوذ بالله من قياس فلسفي وخيال صوفي وهذا مما كان يقوله شيخه أبو بكر بن العربي وكان مع تعظيمه لشيخه أبى حامد الغزالي يقول:
(1/482)

"شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر" وكان يذكر عنه أنه كان يقول: "أنا مزجى البضاعة في الحديث".
وهؤلاء المتفلسفة يقولون أن غاية ما عند النبي قياس من جنس القياس الفلسفي أو خيال من جنس الخيال الصوفي فان ما ذكروه للنبي يتصف به آحاد الناس فان اتصال النفوس بالنفس الفلكية وانعقاد الأقيسة العقلية في النفس هو قدر مشترك بين الناس إنما هو بحسب استعداد النفوس ثم هم أعنى ابن سينا وأمثاله يقولون أن النفوس الناطقة متماثلة بحسب الحقيقة وإنما اختلفت باعتبار أبدانها فهي كماء واحد وضعته في آنية مختلفة فاختلف لاختلاف الأوعية وأسباب صفات النفس عندهم أما المزاج وأما العادة وأما ما يتبع ذلك ويا ليت شعري كم مقدار ما يوجب التفاوت بين النفوس أن لم يكن التفاوت إلا بهذا السبب فيلزم من هذا أن تكون نفس أخس الناس مشاركة في الحقيقة لنفس إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإنما امتازت عنها بأمور عارضة وأن تكون نفس كثير من الناس قريبة من نفوسهم أو أفضل وتكون مستعدة لأن يحصل لها ما حصل لنفوسهم.
ولهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة وصار كثير منهم يطلب أن يؤتى مثل ما أوتي رسل الله وأن يؤتى صحفا منشرة كما طلب ذلك غير واحد في زماننا وكما طلبه السهروردي المقتول وابن سبعين وغيرهما وسبب ذلك أن هذه النبوة التي أثبتوها أمرها من جنس منامات الناس.
ولهذا كان عمدتهم في إثبات النبوة هو المنامات ولما أراد ابن سينا وأمثاله أن
(1/483)

يقرروا ذلك قالوا التجربة والقياس مطابقان على أن للنفس الإنسانية أن تنال من الغيب نيلا ما وقرروا ذلك بأن معرفة المغيبات في النوم ممكنة فوجب أن يكون أيضا في اليقظة ممكنا والمقدمة الأولى معلومة بالتجربة والتواتر وأما الثانية فهو أنه لما صح ذلك في النوم لم يمكن القطع باستحالته في اليقظة بل لو قدرنا أن الناس ما جربوا وقوع ذلك في النوم لكان استبعادهم بحصول هذا حال النوم اشد من استبعادهم لحصوله حال اليقظة فانه لو قيل لواحد أن جمعا من الأذكياء مع كمال عقولهم وسلامة حواسهم وذكاء قرائحهم وقوة أفكارهم وأنظارهم احتالوا بكل حيلة لتحصيل معرفة بعض المغيبات فعجزوا ثم أن واحدا منهم لما صار كالميت وبطلت حركته وإدراكه عرف ذلك المغيب لقيل بأن ذلك محال ولا حتجوا عليه بأنه لما عجز عنه القوى الكامل فالضعيف الناقص أولى بالعجز عنه ولكن وقوع هذا المعنى مرارا كثيرة حال النوم مما أزال الاستبعاد والعناد فثبت أن حصول معرفة المغيبات لما كان ممكنا حال النوم فبأن يكون ممكنا حال اليقظة أولى قالوا ونحن لا نستدل بصحة إحدى الحالين على القطع بالحال الأخرى ولكن على دفع استبعاد المنكر وحصول الرأي الأخلق الأولى.
قلت فهذه المقدمة التي بنوا عليها معرفة الغيب للأنبياء وغيرهم ومعلوم أن النائم تتجرد نفسه عن بدنه نوع تجرد فان النوم أخو الموت وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا أوى إلى فراشه: "اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها لك مماتها ومحياها أن أمسكتها فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ويقول أيضا باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك ارفعه أن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين"
(1/484)

وكان ذا استيقظ يقول: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أمتنا واليه النشور " وقد قال الله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فأخبر سبحانه أنه يتوفى الأنفس حين النوم وحين الموت وأن ما يتوفاه حين النوم منه ما يقضى عليه الموت في نومه ومنه ما يرسله وبسبب تجردها عن البدن يحصل لها من العلم ما يلقيه الله إليها أما بواسطة الملك الذي يريها ويحدثها من الرؤيا وأما بغير ذلك.
قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} قال عبادة ابن الصامت: "رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام" وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لم يبق بعدى من النبوة إلا المبشرات وهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له" وقال: "الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " وفي الصحيحن عن عائشة
(1/485)

قالت: "أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد" وقد قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} فلا ريب أن ما يجعله الله في النفوس وغيرها يجعله بعد إعدادها لذلك وتسويتها لما يلقى فيها فهذا ونحوه حق يقول به السلف وجمهور المسلمين وإنما ينكر ذلك من ينكر الحكم والأسباب من أهل الكلام.
والنبي صلى الله عليه وسلم بدئ أولا بالرؤيا الصادقة فانه رؤيا الأنبياء وحي معصوم كما قال ابن عباس وعبيد بن عمير وغيرهما: "رؤيا الأنبياء وحي" وقرأ قول إبراهيم عليه السلام {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم نقل من درجة إلى درجة ثم بعد هذا جاءه الملك فخاطبه بالكلام فأحيانا يأتيه في الباطن فيكلمه وأحيانا يتمثل له في صورة رجل فيكلمه ثم عرج به إلى ربه ليلة الإسراء.
فما ادعوه من أن الرؤيا قد يحصل بها معرفة المغيبات حق وهذا يحتج به على من ينكر هذا الجنس مطلقا ولكن لا تجعل النبوة كلها من هذا الجنس فمن الباطل ما ادعوه في النبوة وفي كيفيتها حيث زعموا أنه ليس هناك ملك حي يأتي بالوحي من الله ولا لله كلام يتكلم به يسمعه الملك فينزل به ولا يعرف الله جزئيات الأمور حتى يكتبها عنده أو حتى يخبر بها الملك والملك يخبر بها النبي أو يخبر بها النبي ابتداء.
وزعموا أنه ليس لله ما يدبر به أمر السموات والأرض إلا مجرد حركة الفلك وأثبتوا نبوة حال كثير من أحوال أوساط المسلمين خير منها فان كثيرا من أوساط المسلمين له من العلم والعمل أعظم مما أثبته هؤلاء للأنبياء فإنهم جعلوا خواص النبوة نوعين القوة العلمية التي ينال بها العلم أما بواسطة القياس المنطقي وأما بواسطة
(1/486)

التجرد الذي هو كتجرد النائم حتى تتصل بالنفس الفلكية والثاني القوة العملية وهو أن تكون نفسه قوية على التصرف في هيولى العالم بحيث تحدث عنه عجائب والنوع الأول يتضمن أمرين: أحدهما: معرفة العلوم الكلية بالقياس المنطقي والثاني: معرفة الجزئيات بهذا الاتصال ثم الخيال يصور المعقولات في الصور المناسبة لها وينقشها في الحس المشترك فيرى الإنسان في باطنه صورا ويسمع أصواتا وتلك الصور عندهم ملائكة الله وتلك الأصوات كلام الله.
ولهذا كان الملاحدة من المتصوفة على طريقهم كابن عربي وابن سبعين وغيرهما قد سلكوا مسلك ملاحد الشيعة كأصحاب رسائل إخوان الصفا واتبعوا ما وجدوه من كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وغير ذلك مما يناسب ذلك فصار بعضهم يرى أن باب النبوة مفتوح لا يمكن إغلاقه فيقول كما كان ابن سبعين يقول: "لقد زرّب ابن آمنة حيث قال: لا نبي بعدى" أو يرى لكونه اشد تعظيما للشريعة أن باب النبوة قد أغلق فيدعى أن الولاية أعظم من النبوة وأن خاتم الأولياء اعلم بالله من خاتم الأنبياء وأن خاتم الأنبياء بل وجميع الأنبياء إنما يستفيدون معرفة الله من مشكوة خاتم الأولياء ويقول أنه يوافق النبي في معرفة الشريعة العملية لأنه يرى الأمر على ما هو عليه فلا بد أن يراه هكذا وإنه أعلم من النبي بالحقائق العلمية لأنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول.
(1/487)

وهذا بناء على أصول هؤلاء الفلاسفة الكفار الذين هم اكفر من اليهود والنصارى الذين سلك هؤلاء سبيلهم ولكن غيروا عباراتهم فأخذوا عبارات المسلمين الموجودة في كلام الله ورسوله وسلف الأمة وعلمائها وعبادها ومن دخل في هؤلاء من الصوفية المتبعين للكتاب والسنة كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخى والسري السقطي والجنيد وسهل بن عبد الله وغيرهم أخذوا معاني أولئك الملاحدة فعبروا عنها بالعبارات الموجودة في كلام من هو معظم عند المسلمين فيظن من سمع ذلك أن أولئك المعظمين إنما عنوا بهذه العبارات الموجودة في كلامهم ما أراده هؤلاء الملحدون كما فعلت ملاحدة الشيعة الإسماعيلية ونحوهم.
فحمد عندهم يأخذ من الملك الذي هو عندهم خيال في نفسه وذلك الخيال يأخذ عن العقل فمحمد عندهم يأخذ عن جبريل وهذا الخيال هو جبريل وجبريل يأخذ عن ما علمه من النفس الفلكية فزعم ابن عربي أنه يأخذ من العقل وهو المعدن الذي يأخذ منه جبريل فان ابن عربي وهؤلاء يعظمون طريق الكشف
(1/488)

والمشاهدة والرياضة والعبادة ويذمون طريق النظر والقياس وما يدعونه من الكشف والمشاهدة عامته خيالات في أنفسهم ويسمونها حقيقة ولهذا يقول باب ارض الحقيقة وهى ارض الخيال وقد ادعى أن الفتوحات الملكية ألقاها إليه روح بمكة وإذا كان صادقا فقد ألقاها إليه شيطان من الشياطين كما كان مسيلمة الكذاب يلقى إليه شيطان وكذلك الأسود العنسى وكذلك غيرهما من المتنبئين الكذابين.
وكذلك الذين يدعون الولاية بدون متابعة الرسول تنزل عليهم الشياطين وتخبرهم بأشياء وتأمرهم بأشياء وربما أحضرت لهم طعاما ونفقة وغير ذلك وربما حملت أحدهم في الهواء إلى مكان ونحو ذلك فهم في الأولياء من جنس مسيلمة الكذاب وأمثاله في الأنبياء ولهم أحوال شيطانية يظنونها من كرامات أولياء الله وإنما هي من أحوال اعداء الله وهؤلاء من جنس كهان العرب الذين كان يكون لأحدهم رئي من الجن من جنس شيوخ العباد الذين للمشركين من الهند والترك والحبشة وغيرهم الكفار أو من جنس شيوخ النصارى فان هؤلاء شيوخ المشركين وأهل الكتاب لهم شياطين تقترن بهم وكذلك للداخل في المشيخة والدين والزهد والعبادة مع الخروج عن الكتاب والسنة ممن يدعى الإسلام ثم أن كانوا كفارا منافقين فجنهم من جنسهم وإن كانوا فساقا فجنهم من جنسهم وإن كانوا أهل جهل وبدعة بلا علم كان جهنم من جنسهم.
كون الملائكة أحياء ناطقين لا صورا خالية:
الوجه العاشر: أنه من المتواتر عن الأنبياء صلوات الله عليهم أن الملائكة
(1/489)

أحياء ناطقون يأتونهم عن الله بما يخبر به ويأمر به تارة وينصرونهم ويقاتلون معهم تارة وكانت الملائكة احيانا تأتيهم في صورة البشر والحاضرون يرونهم وقد اخبر الله عن الملائكة في كتاب بأخبار متنوعة وذلك يناقض ما يزعمونه من أن الملك إنما هو الصورة الخيالية التي ترتسم في الحس المشترك أو أنها العقول والنفوس.
الأخبار المتواترة بمجيء الملائكة في صورة البشر:
قال الله تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رأى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} .
وفي الصحيحين عن مسروق قال: "كنت متكئا عند عائشة رضي الله عنها فقالت: يا أبا عائشة: ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية قلت: ما هن. قالت: "من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ومن زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية ومن أعظم أنه كتم شيئا مما أوحى إليه فقد أعظم على الله الفرية" قال: "وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين انظري ولا تعجليني ألم يقل الله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ} {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} فقالت: "أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض" وفي لفظ: "فقلت: فأين قوله عزوجل {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}
(1/490)

قالت: "إنما ذاك جبريل عليه السلام كان يأتيه في صورة الرجال وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد أفق السماء".
وفي الصحيحين أيضا عن الشيباني قال سألت زر بن حبيش عن قول الله: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} قال: "أخبرني ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح" وعن ابن مسعود أيضا قال: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رأى} قال: "رأى جبريل له ستمائة جناح" وعنه أيضا {لَقَدْ رأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} قال: "رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح" وقال البخاري في بعض طرقه: "رأى رفرفا اخضر قد سد الأفق" وعن عبد الله قال: {لَقَدْ رأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} قال: "رأى رفرفا أخضر قد سد الأفق" وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} قال: "رأى جبريل".
وقد قال سبحانه: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} فبين أن الرسول الذي جاء به إلى محمد رسول كريم ذو قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وهذه صفة لا تنطبق على ما في النفس من الخيال ولا على العقل الفعال فانه اخبر أنه مطاع والمطاع فوق السموات ليس هذا ولا هذا وكذلك قوله: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ} وقوله: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} وقال تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(1/491)

بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ} .
وفي الصحيحين عن عائشة أن الحرث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي؟ قال: "أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" قالت عائشة: "ولقد رايته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وان جبينه ليتفصد عرقا".
وفي الصحيحين عن عائشة قالت: "كان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فاجأه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: ما أنا بقارىء قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارىء فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ قلت: ما أنا بقارىء فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} وذكر الحديث بطوله وذكر فترة الوحي قال جابر في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم في فترة الوحي قال: "بينا أنا امشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت: زملوني
(1/492)

زملوني فأنزل الله {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} فحمى الوحي وتتابع ".
وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وهو في الصحيحين ومن حديث عمر وهو في مسلم ومن حديث غيرهما "أنه جاءه أعرابي شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه اثر السفر ولا يعرفه منا أحد فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإسلام أن تشهد أن لا اله إلا الله وان محمد رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت قال صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه؟ قال: وسأله عن الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره قال: صدقت" وقال في الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك" وسأله عن الساعة؟ فقال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" وسأله عن أشراطها؟ فقال ما ذكروه فلما أدبر قال: على بالرجل فطلب فلم يوجد فقال: "هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم".
وقد استفاض أنه كان يأتيه في صورة دحية الكلبي وكان من أجمل الناس صورة وقد اخبر الله في القران أن الملائكة أتوا إلى إبراهيم ثم لوطا في صورة رجال فقال تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ
(1/493)

قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} فأخبر أنهم دخلوا على إبراهيم وسلموا عليه فرد عليهم وأنكرهم لما رأى من صورهم العجيبة واتاهم بالعجل السمين ضيافة لهم فلما رآهم لا يأكلون أو جس منهم خيفة فقالوا له لا تخف واخبروه أنهم رسل الله وبشروه بالغلام العليم إسحاق بعد كبره وكبر امرأته وذلك من خوارق العادات وقالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين والملائكة أرسلوا الحجارة من السماء على قرى قوم لوط وقد ذكر الله قصتهم في مواضع من القران في سورة هود والحجر والعنكبوت وفي كل موضع يذكر نوعا مما جرى.
واخبر الله تعالى أنه أرسل إلى مريم العذراء البتول ملكا في صورة بشر فقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ
(1/494)

الْيَوْمَ إِنْسِيّاً فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} وقد ذكر الله النفخ في فرجها من هذا الروح في موضعين آخرين من القران.
فهذه الأخبار المتواترة من مجيء الملائكة في صورة البشر.
أخبار نزول الملائكة لنصر الأنبياء وتأييدهم:
وأما نزولهم لنصر الأنبياء وتأييدهم فقد ذكره الله في غير موضع من كتابه في قصة بدر {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} إلى قوله: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} وقوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} .
وقوله تعالى في يوم أحد: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}
(1/495)

وقال تعالى في يوم الخندق: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} .
وقال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} .
وقال عند خروجه للهجرة: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}
أنواع أخر من أخبار الملائكة:
وقد اخبر سبحانه عن الملائكة بقوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} .
وأخبر عنهم سبحانه بقوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} فأين هذا النعت من قول هؤلاء المتفلسفة الذين يدعون أن العقل الأول رب جميع العالمين العلوي والسفلي
(1/496)

وكذلك كل عقل حتى ينتهي إلى الفعال فيزعمون أنه رب لما تحت فلك القمر وقد قال سبحانه: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} .
وقال تعالى: {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ} وقال تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} وقال: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} .
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يسدون الأول فالأول ويتراصون في الصف " وهذا موافق لقوله تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفّاً فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً} ولقوله عنهم: {وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} .
وقال تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} .
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} وقال
(1/497)

تعالى في صفة أهل النار: {سأصلية سقر ومآ ادراك ما سقر لا تبقى ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} وقال تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ} قال غير واحد من الصحابة والتابعين كأبي هريرة وعبد الله بن الحارث وعطاء: "هم الملائكة" وقال قتادة: "الزبانية في كلام العرب الشرط" وقال مقاتل: "هم خزنة جهنم" قال أهل اللغة كابن قتيبة وغيره: "هو مأخوذ من الزبن وهو الدفع كأنهم يدفعون أهل النار إليها" قال ابن دريد: "الزبن الدفع يقال ناقة زبون إذا زبنت حالبها دفعته برجلها وتزابن القوم تداراوا واشتقاق الزبانية من الزبن".
وأيضا في الصحاح من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اخبر ليلة المعراج بما رآه من الملائكة والجنة والنار واخبر عن البيت المعمور أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون آخر ما عليهم.
وما في القران والأحاديث وكلام السلف من ذكر الملائكة وأحوالهم يفوق الإحصاء وكذلك عند أهل التوراة والإنجيل ونبوات سائر الأنبياء
(1/498)

بيان كذبهم على الأنبياء وان النبوة ليست كما يدعونه:
وما اخبر به الأنبياء يناقض قول من قال عن الأنبياء "إن الذي رأوه من الملائكة إنما هو ما يخيل في أنفسهم وان الذي سمعوه إنما هو ما سمعوه في نفوسهم" فان كان مقصوده أنهم أرادوا بما اخبروا به هذا فهذا كذب صريح عليهم لا حيلة فيه وان كان مكذبا لهم يقول أنهم لم يروا شيئا أو أنهم غلطوا فيما اخبروا به من ذلك فهذا ليس مقام من يفسر كلامهم ويبين مرادهم كما يزعمه هؤلاء المتفلسفة الذين يتكلمون على النبوة بما يدعون أنه تفسير لها والمقصود هنا بيان كذبهم على الأنبياء وان النبوة ليست كما يدعونه.
وأما الكذب للأنبياء فلخطابه مقام آخر مع أن هذا من اجهل أهل الأرض وأكفرهم وذلك أن الأنبياء عدد كثيرون وهم بإجماع العقلاء العلم والعدل في غاية صفات الكمال من العقل والعلم والعدل والصدق والأخلاق الحسنة وكل منهم لم ير الآخر ولم يستمع منه لا سيما محمد صلى الله عليه وسلم فانه لم يكن بمكة على عهده أحد يعرف شيئا من كتب الأنبياء البتة وكل منهم يخبر عما رأى وسمع أخبارا يصدق بعضها بعضا فلو لم تثبت عصمة الأنبياء وصدقهم بل كان المخبر بمثل هذا مجهولا لوجب تواتر جنس ما رأوه كما أن العدد الكثير إذا اخبر كل منهم أنه رأى اسود تواتر وجود السودان عند من لم يرهم ولهذا لما اخبر كثير من المصروعين عن وجود الصرع ثبت بهذا وجوده في الجملة ولم يكن تكذيب المصروعين فيما يخبرون به مما يعاينونه بل عامة العقلاء يعلم أنهم رأوا الجن الأحياء الناطقين وهذا معلوم عند جمهور العقلاء علما ضروريا لا يمكنهم النزاع فيه.
تدبير الله أمر السماء والأرض بواسطة الملائكة:
وأيضا فالأدلة العقلية تدل على أن الملائكة بهم يدبر الله أمر السماء والأرض كما قد بسط الكلام على هذا في غير موضعه وبين فيه أن الحركات ثلاثة: طبيعية
(1/499)

وقسرية وإرادية لأن المتحرك إنما يتحرك بقوة فيه أو خارجة عنه والثاني هو المقسور المتحرك قسرا والأول أن لم يكن له شعور فهي الحركة الطبيعية وان كان له شعور فهي الإرادية والقسرية تابعة للقاسر فلولا هو لم يتحرك المقسور والطبيعية إنما يكون إذا خرج الجسم الطبيعي عن محله فيطلب بطبعه العود إلى محله فإذا عاد سكن كالتراب إذا سقط على الأرض والماء إذا وصل إلى مقره ونحو ذلك فلم يبق هنا متحرك ابتداء إلا المتحرك بالحركة الإرادية فعلم أن جميع الحركات مبدأها حركة إرادية ومعلوم أن الآدميين لا يحركون الهواء والسحاب وغير ذلك من الأجسام فالمحرك لها أحياء يحركون لها بالإرادة وهؤلاء هم الملائكة.
والملك معناه الرسول واصله ملاك على وزن مفعل ولكن ألقيت حركة الهمزة على الساكن قبلها وحذفت وهذه المادة معناها الرسالة سواء تقدمت اللام على الهمزة كما في صيغة الملك أو تقدمت الهمزة على اللام وهذه الأمور لبسطها موضع آخر.
وإنما المقصود أن نعرف أن ما يفسرون به الملائكة والوحي مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه مناقض لما جاء به فعلم أن ما يثبتونه من النبوة لا حقيقة له وان ادعاءهم أن علم الأنبياء إنما يحصل بالقياس المنطقي وأما باتصال نفسه بالنفس الفلكية من أبطل الكلام وذلك مما يبين فساد ما ذكروه في المنطق من حصر طرق العلم مادة وصورة وهو المطلوب في هذا الموضع ويبين أنهم اخرجوا من العلوم الصادقة اجل وأعظم واكبر مما أثبتوه وان ما ذكروه من الطرق إنما يفيد علوما قليلة خسيسة لا كثيرة ولا شريفة وهذه مرتبة القوم فإنهم من أخس الناس علما وعملا وكفار اليهود والنصارى اشرف منهم علما وعملا من وجوه كثيرة
(1/500)

كون حصول العلم في قلوب الأنبياء من الملائكة:
ومما يبين ذلك أن يقال ما يحصل في قلوب الأنبياء وغيرهم من العلم بأمور معينة أما أن يكون له سبب يقتضى حصول ذلك العلم أو يحصل بلا سبب كما يقول ذلك من أهل الكلام من ينكر الأسباب في الوجود فان لم يكن له سبب بطل قولهم أن ذلك من العقل والنفس وان كان له سبب أمكن أن يكون ذلك هو ملائكة تعلمهم بذلك أو جن تعلم بعض الناس وهم ليس لهم حجة أصلا على نفي ذلك بتقدير ما يقولونه من قدم الأفلاك وصدورها عن علة مستلزمة لها كما يقوله ابن سينا أو أن العلة تحركها تحريك القدوة للمقتدى به على قول أرسطو واتباعه فعلى قول أرسطو واتباعه وعلى كل قول ليس في العقل حجة تنفي ذلك وإذا أمكن كون ذلك من الملائكة بطل قولهم بل نقول يجب أن يكون ذلك من الملائكة إذا كان له سبب فان كون ذلك من النفس الفلكية قد ظهر بطلانه فوجب أن يكون ذلك من الملائكة وهو المطلوب.
وقد اثبت طائفة من نظار المسلمين والفلاسفة وجود الملائكة والجن بهذه الطريق وقالوا نحن نجد أمورا تحدث في نفوسنا بغير قصد منا من العلوم والإرادات وما هو من جنس العلوم والإرادات من الخواطر خواطر الشبهات والشهوات فلا بد لتلك من فاعل يحدثها في قلوبنا والله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء لكن لم يخلق شيئا إلا لسبب كما دل على ذلك استقراء خلقه للموجودات ولا يحدث حادثا إلا بسبب حادث والإنسان يكون قلبه خاليا من اعتقاد الضدين ومن أرادة الضدين فيحدث أحدهما في قلبه فلا بد لذلك من سبب حادث أوجب ذلك ولا يجوز إضافة ذلك إلى مجرد حركات الفلكية فان نسبة الحركة الفلكية في اليوم المعين إلى الأشخاص نسبة واحدة والناس مختلفون في هذه الخواطر اختلافا لا مزيد عليه والشخص الواحد يختلف حاله فتارة يكون مؤمنا وتارة يكون كافرا وتارة برا
(1/501)

وتارة فاجرا وتارة عالما وتارة جاهلا وتارة ناسيا وتارة ذاكرا بدون حدوث سبب فلكي يرجح أحد هذين الحالين على الآخر وأهل الأرض الواحدة والبلد الواحد والإقليم الواحد تختلف أحوالهم في ذلك مع أن طالع البلد لم يختلف ومع أن المتجدد من الأشكال الفلكية قد يكون متشابه الأحوال وأحوالهم مع هذا تختلف وهذا لبسطه موضع آخر.
فان ظن هؤلاء أن الحوادث التي تحت الفلك ليس سببها إلا تغير أشكال الفلك واتصالات الكواكب من افسد الأقوال ولهذا كان أصحاب هذا القول من أكثر الناس جهلا وكذبا وتناقضا وحيرة.
حيرة الفلكيين في أمر الكعبة وما لها من التعظيم والمهابة:
ولهذا حاروا في مكة شرفها الله وأي شيء هو الطالع الذي بنيت عليه على زعمهم حتى رزقت هذه السعادة العظيمة وهذا البناء العظيم مع طول الأزمان مع أنه لم يقصدها أحد بسوء إلا انتقم الله منه كما فعل بأصحاب الفيل ولم يعل عليها عدو قط والحجاج بن يوسف لم يكن عدوا لها ولا أراد هدمها ولا أذاها بوجه من الوجوه ولا رماها بمنجنيق أصلا ولكن كان محاصرا لابن الزبير وكان ابن الزبير وأصحابه في المسجد وكانوا يرمون بالمنجنيق له ولأصحابه لا لقصد الكعبة وإن يهدموا الكعبة ولا وقع فيها شرعي من حجارة الحجاج
(1/502)

بل كان ابن الزبير قد بناها على قواعد إبراهيم والصقها بالأرض وجعل لها بابين كما أخبرته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لولا قومك حديثوا عهد بجاهلية لنقضت الكعبة وألصقتها بالأرض وجعلت لها بابين بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه" ووصف لعائشة من الحجر ما هو من البيت قريبا من سبعة ازرع موضع انحناء الحجر وكانت القريش قد بنتها فقصرت بها النفقة فتركوا ما تركوه من الحجر ورفعوها.
فلما ولي الزبير شاور الناس في ذلك فمنهم من رأى ذلك مصلحة ومنهم من أشار عليه بأن لا يفعل وقال: "هذه الكعبة هي التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعليها اسلم الناس" وهذا كان رأي ابن عباس وطائفة.
والفقهاء متنازعون في هذه المسألة منهم من يرى إقرارها كقول ابن عباس وهو قول مالك وغيره ويقال أن الرشيد شاوره أن يفعل كما فعل ابن الزبير فأشار عليه أن لا يفعل ورأى أن هذا يفضي إلى انتقاض حرمة الكعبة باختلاف الملوك في ذلك هذا يهدمها ليبنيها كما فعل ابن الزبير وهذا يرى أن يعيدها
(1/503)

كما كانت ومنهم من يرى تصويب ما فعله ابن الزبير ويقال أن الشافعي يميل إلى هذا.
فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما فعل ابن الزبير فيخبره بأنهم وجدوا قواعد إبراهيم وانه أرى ذلك لأهل مكة فكتب إليه عبد الملك أن يعيدها كما كانت إلا ما زاده من الطول فلا يغيره ويذكر أن ما فعله ابن الزبير لا يعلم أصله.
ثم أن عبد الملك حدثه بعض الناس بحديث عائشة فقال: "وددت اني وليت ابن الزبير من ذلك ما تولى".
والمقصود أنه ولله الحمد لم يردها أحد من المسلمين بسوء لا الحجاج ولا غيره ولكن قرامطة البحرين بعد ذلك بمدة أخذوا الحجر الأسود وبقي عندهم مدة فانتقم الله منهم وجرت فيهم المثلات.
فصار هؤلاء الفلكيون حائرين في أمرها لما جعل الله لها من العز والمهابة والتعظيم مع المحبة ومع كون الناس من مشارق الأرض ومغاربها يأتونها بمحبة ورغبة وذل مع المشاق العظيمة التي تزيد على مشقة عامة الأسفار من الجوع والعطش والخوف والتعب وانه ليس بمكة بساتين ولا أنهار ولا غير ذلك مما تطلبه النفوس حتى الجأ بعضهم الحيرة إلى أن زعم أن تحتها مغارة فيها طلاسم موجهة إلى جميع الجهات
(1/504)

وأنها تبخر في شهر رجب أو غيره لتصرف وجوه الناس إليها ونحو هذه الأقوال المكذوبة التي يعلم كل من له علم بمكة أنها كذب مختلق وانه لا ينزل أحد قط إلى أسفل الكعبة ولا مغارة تحتها.
ونفس التبخير لا يفعله المسلمون عبادة وقربانا كما كان يفعل ذلك من قبلهم بل هو عندهم من جنس الطيب فتقصد رائحته ومن كان قبل المسلمين من أهل الكتاب كانوا يقربون القرابين فتنزل النار تأكله وقد يدخنون بدخن وأما المشركون من عباد الكواكب والأصنام فالتدخين عندهم من أصول العبادات.
بل وجود مكة مما يدل على القادر المختار وانه يخلق بمشيئته وقدرته وعلمه كما قال تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} وقد قال ابن عباس: "لو ترك الناس الحج سنة واحدة لما نوظروا" ولهذا كان حج البيت كل عام فرضا على الكفاية كما ذكر ذلك الفقهاء من أصحاب الشافعي كالقاضي أبي بكر وغيره.
والمقصود هنا أنه إذا علم ما يحدث في النفوس ليس سببه مجرد حركة الفلك مع أنه لا بدل منه من سبب دل ذلك على وجود الملائكة والجن وهذا سلف الأمة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين فإنهم يقولون أن الشياطين توسوس في نفوس بني ادم كالعقائد الفاسدة والأمر باتباع الهوى وان الملائكة بالعكس إنما تقذف في القلوب الصدق والعدل قال ابن مسعود: "إن للملك لمة وللشيطان لمة فلمة الملك إيعاد
(1/505)

بالخير وتصديق بالحق ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق" وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الملائكة ومن الجن قالوا: وإياك يا رسول الله قال وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم" وفي لفظ "فلا يأمرني إلا بخير ".
قال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} والقول الصحيح الذي عليه أكثر السلف أن المعنى من شر الموسوس من الجنة ومن الناس من شياطين الإنس والجن.
وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "يا أبا ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن" قال: يا رسول الله أو للإنس شياطين؟ قال: "نعم شر من شياطين الجن " قال تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} وهم شياطينهم من الإنس كما قال ذلك عامة السلف وكما يدل
(1/506)

عليه سباق القران فان شياطين الجن لم يكونوا يحتاجون إلى أن يخلوا بهم ولا هم يقولون لهم {إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} .
كون الصواب من الهام الملك والخطأ من إلقاء الشيطان:
وقد تنازع الناس في العلم الحاصل في القلب عقيب النظر والاستدلال على أقوال فهؤلاء المتفلسفة يقولون أن ذلك من فيض العقل الفعال عند استعداد النفس والمعتزلة يقولون هو حاصل على سبيل التولد والأشعري وغيره يقولون هو حاصل بفعل الله تعالى كما تحصل سائر الحوادث عندهم لا يجعلون لشيء من الحوادث سببا ولا حكمة.
والذي عليه السلف والأئمة أن الله جعل للحوادث أسبابا وحكمة وهذه الحوادث قد تحدث بأسباب من الملائكة أو من الجن وان ما يحصل في القلب من العلم والقوة ونحو ذلك قد يجعله الله بواسطة فعل الملائكة كما قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} وقال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سأل القضاء واستعان عليه وكل إليه ومن لم يسأل القضاء ولم يستعن عليه انزل الله إليه ملكا يسدده" والتسديد هو إلقاء القول السداد في قلبه وقال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} وقال تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا} وهؤلاء لم يكونوا أنبياء بل ذلك الهام وقد يكون بتوسط الملك كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ
(1/507)

رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} .
والآراء والخطأ في الرأي من إلقاء الشيطان ولو كان صاحبها مجتهدا معذورا كما قال غير واحد من الصحابة كأبي بكر وابن مسعود في بعض المسائل: "أقول فيها برأيي فان يكن صوابا فمن الله وان يكن خطا فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريء منه".
وما يكون من الشيطان إذا لم يقدر الإنسان على دفعه لا يأثم به كما يراه النائم من أضغاث الشيطان وكاحتلامه في المنام فانه وان كان من الشيطان فقد رفع القلم عن النائم حتى يستيقظ.
وكذلك ما يحدث به الإنسان نفسه من الشر قد تجاوز الله له عنه حتى يتكلم به أو يعمل به وإن كان من الشيطان ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به " وفي الصحيحين من غير وجه عن أبي هريرة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه "إذا هم العبد بحسنة كتبت له حسنة فان عملها كتبت له عشر حسنات وإذا هم بسيئة فلا تكتبوها عليه فان عملها فاكتبوها سيئة وان تركها فاكتبوها له حسنة فانه إنما تركها من جرائي".
وفي الصحيح أن الصحابة سألوا النبي عن الوسوسة التي يكرهها
(1/508)

المؤمن وهي ما يلقي في قلبه من خواطر الكفر فقالوا: يا رسول الله أن احدنا ليجد في نفسه ما لأن يحرق حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به؟ قال: "ذلك صريح الإيمان " وفي حديث آخر: "الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة".
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين فإذا قضى التأذين اقبل فإذا أقيمت الصلاة أدبر فإذا قضيت اقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه فيقول: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل أن يدري كم صلى فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين" فقد اخبر أن الشيطان يوسوس في الصلاة ولم يأمر بإعادة الصلاة.
فالاعتقادات والإرادات الفاسدة تحصل بسبب شياطين الإنس والجن والاعتقادات الصحيحة والإرادات المحمودة قد تحصل بسبب الملائكة وصالحي الإنس فان سماع الكلم قد يؤثر في قلب المستمع فالمتكلم فاعل فان كان السامع قابلا انتقش كلامه في قلبه وان لم يكن قابلا لم ينتقش فيه.
إبطال القول بمعرفة الغيب بدون توسط الأنبياء:
وما يذكره طوائف من الباطنية باطنية الشيعة كأصحاب رسائل إخوان الصفا وباطنية الصوفية كابن سبعين وابن عربي وغيرهما وما يوجد في كلام أبي حامد وغيره من أهل الرياضة وتصفية القلب وتزكية النفس بالأخلاق المحمودة قد يعلمون
(1/509)

حقائق ما أخبرت به الأنبياء من أمر الإيمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين واليوم الآخر ومعرفة الجن والشياطين بدون توسط خبر الأنبياء هو بناء على هذا الأصل الفاسد وهو أنهم إذا صفوا نفوسهم نزل على قلوبهم ذلك أما من جهة العقل الفعال أو غيره
كلام في الغزالي قادح فيه:
وأبو حامد يكثر ذكر هذا وهو مما أنكره عليه المسلمون وقالوا فيه أقوالا غليظة بهذا السبب الذي اسقط فيه توسط الأنبياء في الأمور الخبرية وجعل ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة لا يفيد معرفة شيء من الغيب ولا يعرف معنى كلامه وما يتأول منه وما لا يتأول لكن إذا ارتاض الإنسان انكشفت له الحقائق فما وافق كشفه اقره وما لم يوافقه تأوله ولهذا قالوا: "كلامه يقدح في الإيمان بالأنبياء" وذلك أن هذا مأخوذ من أصول هؤلاء الفلاسفة ولهذا كانوا يقولون: "أبو حامد أمرضه (الشفاء) " وانشد فيه ابن العربي الأبيات المعروفة عنه حيث قال:
برئنا إلى الله من معشر ... هم مرض من كتاب الشفا
(1/510)

وكم قلت:
يا قوم انتم على ... شفا جرف من كتاب الشفا
فلما استهانوا بتنبيهنا ... رجعنا إلى الله حتى كفى
فماتوا على دين رسطالس ... وعشنا على ملة المصطفى
وكلامه في مشكوة الأنوار وفي كيمياء السعادة هو قول هؤلاء ولهذا يذكر أن صاحب الرياضة قد يسمع كلام الله كما سمعه موسى بن عمران عليه السلام وأمثال هذه الأقاويل التي أنكرها علماء المسلمين العارفين بما جاء به الرسول من الكتاب والسنة من الطوائف كلها من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة واحمد بن حنبل والصوفية المحققين المتبعين للرسول وأهل الحديث ونظار أهل السنة.
وقد أنكر عليه طائفة من أهل الكلام والرأي كثيرا مما قاله من الحق وزعموا أن طريقة الرياضة وتصفية القلب لا تؤثر في حصول العلم واخطأوا أيضا في هذا النفي بل الحق أن التقوى وتصفية القلب من أعظم الأسباب على نيل العلم.
لكن لا بد من الاعتصام بالكتاب والسنة في العلم والعمل ولا يمكن أن أحدا بعد الرسول يعلم ما اخبر به الرسول من الغيب بنفسه بلا واسطة الرسول ولا يستغني أحد في معرفة الغيب عما جاء به الرسول وكلام الرسول مبين للحق بنفسه ليس كشف أحد ولا قياسه عيارا عليه فما وافق كشف الإنسان وقياسه وافقه وما لم يكن كذلك خالفه بل ما يسمى كشفا وقياسا هو مخالف للرسول فهذا قياس فاسد وخيال فاسد وهو الذي يقال فيه نعوذ بالله من قياس فلسفي وخيال صوفي.
والإنسان قد يصفي نفسه ويلقى الشيطان في نفسه أشياء فان لم يعتصم بالذكر المنزل وإلا اقترن به الشيطان كما قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} وقوله: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} .
الفرق بين طرق متكلمي الإسلام وطرق المناطقة الفلاسفة:
فإن قيل ما ذكره أهل المنطق من حصر طرق العلم يوجد نحو منه في كلام متكلمي
(1/511)

المسلمين بل منهم من يذكره بعينه أما بعباراتهم وأما بتغيير العبارة قيل الجواب من وجهين:
أحدهما: أن ليس كل ما يقوله المتكلمون حقا بل كل ما جاء به الرسول فهو حق وما قاله المتكلمون وغيرهم مما يخالف ذلك فهو باطل وقد عرف ذم السلف والأئمة لأهل الكلام المحدث المشتمل على الباطل المخالف للكتاب والسنة وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع ومر أن الكلام المذموم الذي ذمه السلف الطيب اتباع الصحابة والتابعين لهم بإحسان هو الكلام الباطل وهو المخالف لما جاء به الرسول.
وهذان وصفان ملازمان فكل ما خالف ما جاء به الرسول فهو باطل وكل كلام في الدين باطل فهو مخالف لما جاء به الرسول وبطلان ذلك قد يعلم بالأدلة العقلية مع دلالة الشرع على بطلانه ودلالة الشرع تكون تارة بالأخبار عن الحق والباطل وتارة بالإرشاد والهداية إلى الأدلة التي بها يعرف الحق وينظر العاقل في تلك الأدلة التي ارشد الرسول إليها ودل عليها.
الثاني: أن يقال متكلموا الإسلام لم يسلكوا طريق هؤلاء الفلاسفة فانه ليس فيهم أحد يحصر طرق العلم حصرا يدخل فيه الأنبياء كما فعل هؤلاء حيث جعلوا ما علمه الأنبياء داخلا في طريقهم فجعلوا النبوة من جنس ما يكون لبعض الناس إذا كان فيه ذكاء وزهد بل المتكلمون متفقون على أن النبي يعلمه الله بما لا يعلم به غيره بمشيئة الرب وقدرته فإنهم متفقون على أن الله يفعل بمشيئته وقدرته وانه يرسل ملكا إلى النبي وهو يعلم الملك ويعلم ما يقول وما يقوله للنبي ليس فيهم من يقول أن الله لا يعلم الجزئيات ولا أن الله ليس بقادر مختار ولا أن الأفلاك قديمة أزليه ولا من ينكر معاد الأبدان ولا من يقول أن ملائكة الله مجرد ما يتخيل في النفوس كما يتخيل للنائم ولا كلام الله مجرد ما يتخيل في النفوس من الأصوات ولا من يقول أن ما يعلمه الأنبياء من الغيب إنما يفيض على نفوسهم من النفس الفلكية
(1/512)

ولا يجعل احدهم اللوح المحفوظ هو النفس الفلكية.
ولا يقول أحد منهم أن شيئا غير الله أبدع ما سواه كما يقوله هؤلاء أن العقل الأول أبدع كل ما سواه من الممكنات ويسميه من ينتسب إلى الإسلام منهم القلم ويظنون أن الحديث المروي: "إن أول ما خلق الله العقل قال له: اقبل فأقبل ثم قال له: أدبر فأدبر" هو هذا العقل والحديث لفظه حجة عليهم لا لهم ومع هذا فلو كان حجة لهم لم يجز التمسك به لأنه موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث كما ذكر ذلك الدارقطني وابن حبان وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهم.
بطلان جعلهم النبوة جزءا من الفلسفة:
والمتكلمون إذا حصروا طرق العلم حصروا طرق مثلهم وأمثالهم فيذكرون الحسيات والعقليات الضرورية والنظرية سواء كان ذلك الحصر مطابقا أو ليس بمطابق لم يقصدوا أن يذكروا الطريق التي بها يعلم النبي ما يوحي إليه بل هذه الطريق خارجة عما يقدرون عليه هم وأمثالهم من الطرق وليست من جنسها عندهم بخلاف المتفلسفة فان النبي عندهم من جنس غيره من الأذكياء الزهاد لكنه قد يكون أفضل والنبوة عندهم جزء من الفلسفة وهذا هو الضلال العظيم فان الفلسفة كلها لا يصير صاحبها في درجة اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل فضلا عن درجتهم قبل ذلك فضلا عن درجة المؤمنين أهل القران كالصحابة والتابعين فضلا عن درجة واحد من الأنبياء فضلا عن الرسل فضلا عن أولي العزم منهم بل عامة أذكياء الناس وازهد الناس أن يكون مشبها للتابعين بإحسان للسابقين الأولين.
فأما درجة السابقين الأولين كأبي بكر وعمر فتلك لا يبلغها أحد وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون فان
(1/513)

يكن في أمتي فعمر " وفي حديث آخر: "إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه " وقال على: "كنا نتحدث أن السكينة تنطق على لسان عمر" وفي الترمذي وغيره "لو لم ابعث فيكم لبعث فيكم عمر ولو كان بعدي نبي ينتظر لكان عمر".
ومع هذا فالصديق أكمل منه فان الصديق كمل في تصديقه للنبي فلا يتلقى إلا عن النبي والنبي معصوم والمحدث كعمر يأخذ أحيانا عن قلبه ما يلهمه ويحدث به لكن قلبه ليس معصوما فعليه أن يعرض ما القي عليه على ما جاء به الرسول فان وافقه قبله وان خالفه رده ولهذا قد رجع عمر عن أشياء وكان الصحابة يناظرونه ويحتجون عليه فإذا بينت له الحجة من الكتاب والسنة رجع إليها وترك ما رآه والصديق إنما يتلقى عن الرسول لا عن قلبه فهو أكمل من المحدث وليس بعد أبي بكر صديق أفضل منه ولا بعد عمر محدث أفضل منه.
كون معيار الولايات عند العارفين هو لزوم الكتاب والسنة:
ولهذا كان الشيوخ العارفون المستقيمون من مشايخ التصوف وغيرهم يأمرون أهل
(1/514)

القلوب أرباب الزهد والعبادة والمعرفة والمكاشفة بلزوم الكتاب والسنة قال الجنيد بن محمد: "علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرا القران ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم بعلمنا" وقال الشيخ أبو سليمان الداراني: "إنه لتمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين الكتاب والسنة" وقال أيضا: "ليس لمن ألهم شيئا من الخير أن يفعله حتى يسمع فيه بأثر" وقال أبو عثمان النيسابوري: "من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة فان الله يقول: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} وقال آخر: "من لم يتهم خواطره في كل حال فلا تعده في ديوان الرجال".
وقيل لأبي يزيد البسطامي: قد قدم شيخ من أصحابك فذهب ليزوره فرآه قد بصق في القبلة فقال: "ارجعوا بنا هذا رجل لم يأتمنه الله على أدب من آداب الشريعة فكيف يأتمنه على سره" وهذا الذي فعله أبو يزيد يستدل عليه بما في السنن سنن أبي داود وغيره "أن رجلا كان إماما في مسجد من مساجد الأنصار فان كل قبيلة كان لها مسجد فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فرأى بصاقا في القبلة فقال من فعل هذا فذكرا الإمام فنهاهم أن يصلوا خلفه فلما جاء ليؤمهم منعوه وقالوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نصلي خلفك فجاء إليه فذكر ذلك له فقال: صدقوا إنك آذيت الله ورسوله".
وقال غير واحد من الشيوخ والعلماء: "لو رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي
(1/515)

على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي" ومثل هذا كثير في كلام المشائخ والعارفين وأئمة الهدى وأفضل أولياء الله عندهم أكملهم متابعة للأنبياء ولهذا كان الصديق أفضل الأولياء بعد النبيين فما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر لكمال متابعته وهم كلهم متفقون على أنه لا طريق للعباد إلى الله إلا باتباع الواسطة الذي بينهم وبين الله وهو الرسول.
ولكن دخل في طريقهم أقوام ببدع وفسوق والحاد وهؤلاء مذمومون عند الله وعند رسوله وعند أوليا الله المتقين وهم صالحوا عباده مثل من يظن أن لبعض الأولياء طريقا إلى الله بدون اتباع الرسول أو يظن أن من الأولياء من يكون مثل النبي أو أفضل منه أو أنه يكون من هو خاتم الأولياء أفضل من السابقين الأولين أو اعلم بالله من خاتم الأنبياء وأمثال هذه المقالات التي تقولها من دخل فيهم من الملاحدة الضالين ومن هذا الوجه صار قوم متصوفون يتفلسفون.
وتكلم ابن سينا في إشاراته على مقامات العارفين وقال الرازي في شرحه: "هذا الباب اجل ما في الكتاب فانه رتب علم الصوفية ترتيبا ما سبقه إليه من قبله ولا يلحقه من بعده" وهذا الذي قاله الرازي قاله بحسب معرفته فانه لم يكن عارفا بطريق الصوفية العارفين المتبعين للكتاب والسنة ولعله قد رأى من صوفية وقته وفيه من الجهالات والضلالات ما رأى أن هذا الكلام أحسن ما يرتب عليه طريقهم وقد ذكر في مقامات العارفين أمر النبوة التي يثبتونها.
الفناء المذموم والفناء المحمود:
وآخر ما انتهى إليه العارفون في تسليكه هو الفناء عما سوى الحق الذي أثبته والبقاء
(1/516)

به وهذا لو كان سالكه يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويفعل ما أمر الله به وينتهي عما نهى الله عنه فيسلك سلوك اتباع الرسل لكانت هذه الغاية سلوكا ناقصا عند أئمة العارفين فان الفناء الذي أثبته إنما هو الفناء عن شهود السوي وكذلك من اتبعه مثل ابن الطفيل المغربي صاحب رسالة حي بن يقظان وأمثاله وهذا فناء عن ذكر السوى وشهوده وحظوره بالقلب وهذا حال ناقص يعرض لبعض السالكين ليس هو الغاية ولا شرطا في الغاية.
بل الغاية الفناء عن عبادة السوي وهو حال إبراهيم ومحمد الخليلين صلى الله عليه وسلم فانه قد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه أنه قال: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا".
وحقيقة هذا الفناء هو تحقيق الحنيفية وهو إخلاص الدين لله وهو أن يغني يفني بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبمحبته عن محبة ما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبالحب فيه والبغض فيه عن الحب فيما سواه والبغض فيه فلا يكون لمخلوق من المخلوقين لا لنفسه ولا لغير نفسه على قلبه شركة مع الله تعالى ولهذا أمر إبراهيم الخليل بذبح ابنه فانه كان قد سأل الله أن يهبه إياه ولم يكن له ابن غيره.
فان الذبيح هو إسماعيل على اصح القولين للعلماء وقول أكثرهم كما دل عليه الكتاب والسنة فقال الخليل: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} قال
(1/517)

الله: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ} والغلام الحليم إسماعيل وأما إسحاق فقال فيه {نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} وإسحاق بشرت به سارة أيضا لما غارت من هاجر والله ذكر قصته بعد قصة الذببح فانه لما ذكر قصة الذببح قال بعدها وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين والمقصود هنا أن الله أمر الخليل بذبح ابنه بكره امتحانا له وابتلاء ليخرج من قلبه محبة ما سوى الله ليتم كونه خليلا بذلك فهذا هو الكمال.
وأما مجرد شهوده الحق من غير فعل ما يحبه ويرضاه فهذا ليس بإيمان ينجي من عذاب الله فضلا عن أن يكون هذا غاية العارفين.
ثم الذي لا يشهد السوي مطلقا أن شهده عين السوي فهذا قول الملاحدة القائلين بوحدة الوجود وان كان ذلك لغيبته وأعراضه عن شهود السوي فمن شهد ما سواه مخلوقا له آية له وشهد ما فيه من آياته كان أكمل ممن لم يشهد هذا وهؤلاء قد يبلغ بهم الأمر إلى أن يروا أن شهود الذات مجردة عين الصفات هو أعلى مقامات الشهود وهذا من جهلهم فان الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة لها في الخارج وليس ذاك رب العالمين ولكن هم في أنفسهم جردوها عن الصفات وشهدوا مجرد الذات كما يشهد الإنسان تارة علم الرب وتارة قدرته فهؤلاء شهدوا مجرد ذات مجردة فهذا في غاية النقص في معرفة الله والإيمان به فكيف يكون هذا غاية ومنهم من ينظر هذا شرطا في السلوك وليس كذلك بل السابقون الأولون أكمل الناس ولم يكن مثل هذا يخطر بقلوبهم ولو ذكره أحد عندهم لذموه وعابوه.
الفرق بين شهود الخلق وشهود الشرع:
ومن جعل من الصوفية هذا الفناء غاية وقال أنه يفني عن شهود فعل الرب حتى لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة فهذا غلط عند أئمة القوم وأصحاب هذا الفناء
(1/518)

يسمون هذا اصطلاما ومحوا وجمعا وكان الجنيد رضي الله عنه لما رأى طائفة من أصحابه وصلوا إلى هذا أمرهم بالفرق الثاني وهو أن يفرقوا بين المأمور والمحظور وما يحبه الله وما يسخطه حتى يحبوا ما أحب ويبغضوا ما ابغض وإلا فإذا شهدوا خلقه لكل شيء ولم يشهدوا إلا هذا الجمع استوت الأشياء كلها في شهودهم لشمول الخلق والمشيئة والقدرة لكل شيء وهذا شهود لقدره لا لشرعه ودينه فلم يبق في قلوبهم حب لما يحبه وبغض لما يبغضه وموالاة لما يواليه ومعاداة لما يعاديه وكانوا ممن انكر عليهم سبحانه بقوله: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} وقال فيهم: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} وقال: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} .
ونفس ولاية الله مخالفة لعداوته واصل الولاية والعداوة الحب والبغض فأولياء الله هم الذين يحبون ما أحب ويبغضون ما ابغض وأعداؤه الذين ما يحب ويحبون ما يبغض وقد قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ} وقال تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} .
فمن لم يشهد بقلبه إلا خلقه الشامل ومشيئته العامة وربوبيته الشاملة لكل شيء لم يفرق بين وليه وعدوه ولم تتميز عنده الفرائض والنوافل وغيرها وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله: من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلى عبدي بمثل ما افترضت عليه
(1/519)

ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء انا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا بد له منه".
فالناظر إلى القدر لا يفرق بين مأمور ومحذور سواء كان فرضا أو نفلا وهو مع هذا لا بد لنفسه أن تميل إلى شيء وتنفر عن شيء فان خلو الحي عن الإرادة مطلقا محال فان لم يحب ما يحبه الله ويبغض ما يبغضه أحب ما تحبه نفسه وابغض ما تبغضه نفسه فيخرج عن الفرق الإلهي النبوي الذي هو حقيقة قول لا اله إلا الله وحقيقة دين الإسلام إلى الفرق النفساني الشيطاني.
ثم هؤلاء صاروا فرقا أما ابن سينا وأمثاله من الملاحدة فإنهم يأمرون بهذا مع سائر إلحادهم من نفي الصفات وقدم الأفلاك وإنكار معاد الأبدان وجعل النبوة تنال بالكسب كالذكاء والزهد وإنما يفيض عليها فيض من العقل الفعال فيخرج من دين المسلمين واليهود والنصارى.
بل الفناء المحمود عند العارفين هو تحقيق شهادة أن لا اله إلا الله فلا يشهد لمخلوق شيئا من الإلهية فيشهد أنه لا خالق غيره ويشهد أنه لا يستحق العبادة غيره ويتحقق بحقيقة قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ
(1/520)

عَلَيْهِ} وإلا فإذا شهدت أنه المستحق للعبادة مع رؤيتك نفسك لم تشهد حقيقة إياك نستعين وإذا شهدت حقيقة أنه الفاعل لكل شيء ولم تشهد أنه المستحق للعبادة دون ما سواه وان عبادته إنما تكون بطاعة رسوله لم تشهد حقيقة إياك نعبد وإذا تحققت بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تحققت بالفناء في التوحيد الذي بعث الله به رسله وانزل به كتبه قال الله تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} .
وقال تعال: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} وقال تعالى: {قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} .
ولهذا لما سلك ابن عربي وابن سبعين وغيرهما هذه الطريق الفاسدة أورثهم ذلك الفناء عن وجود السوي فجعلوا الموجود واحدا ووجود كل مخلوق هو عين وجود الحق وحقيقة الفناء عندهم أن لا يرى إلا الحق وهو الرائي والمرئي والعابد والمعبود والذاكر والمذكور والناكح والمنكوح والأمر الخالق هو الأمر المخلوق وهو المتصف بكل ما يوصف به الوجود من مدح وذم وعباد الأصنام ما عبدوا غيره وما ثم موجود مغاير له البتة عندهم وهذا منتهي سلوك هؤلاء الملحدين.
فحقيقته قول فرعون لأن فرعون كان في الباطن عالما بأن ما يقوله باطل وكان جاحدا مريدا للعلو والفساد ولهذا جحد وجود الصانع بالكلية وأما هؤلاء فجهال ضلال يحسبون أن ما يقولونه هو حقيقة إثبات الرب وتعظيمه وهو في الحقيقة قول فرعون فان فرعون ما كان ينكر وجود هذا العالم ولا ينكر أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود وإنما كان ينكر أن لهذا الوجود خالقا مباينا له ولهذا أمر ببناء ليكذب موسى بزعمه أن للعالم آلها فوقه قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ
(1/521)

يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ} وقال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} .
وأكثر هؤلاء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود يقولون أن فرعون أكمل من موسى وان فرعون صادق في قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} لأن الوجود فاضل ومفضول والفاضل يستحق أن يكون رب المفضول ومنهم من يقول مات مؤمنا وان تغريقه كان ليغتسل غسل الإسلام فإنهم مع قولهم بأن الوجود واحد قد يقولون أما بقول بعضهم أن الثبوت غير الوجود وان ماهيات الممكنات ثابتة وان وجود الحق قاض عليها كما يقول ذلك ابن عربي وغيره وأما أن يفرق بين المطلق والمعين كما يقوله صاحبه القونوي وابن سبعين قوله قريب من هذا وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع وإنما ذكروا هنا لأن هؤلاء هم آخر مراتب فلاسفة الصوفية الذين يقولون أنهم أهل التحقيق والعرفان وكل من سواهم عندهم ناقص بالنسبة إليهم وقد رأيت من هؤلاء غير واحد.
وهم يرتبون الناس طبقات أدناها عندهم الفقيه ثم المتكلم ثم الفيلسوف ثم الصوفي أي صوفي الفلاسفة ثم المحقق ويجعلون ابن سينا وأمثاله من الفلاسفة في الثانية وأبا حامد وأمثاله من الصوفية من العشرة ويجعلون المحقق هو الواحد
(1/522)

ولهذا ذكر ابن عرابي في الفتوحات له أربع عقائد الأول: عقيدة أبي المعالي وأمثاله مجردة عن الحجة ثم هذه العقيدة بحجتها ثم عقيدة الفلاسفة ثم عقيدة المحققين وذلك أن الفيلسوف يفرق بين الوجود والممكن والواجب وهؤلاء يقولون الوجود واحد والصوفي الذي يعظمه هؤلاء هو الصوفي الذي عظمه ابن سينا وبعده المحقق.
وهؤلاء ليسوا مسلمين ولا يهودا ولا نصارى بل كثير من المشركين أحسن حالا منهم وهؤلاء أئمة النظار المتفلسفة وصوفيتهم وشيعتهم كان من أسباب تسلطهم وظهورهم هو بدع أهل البدع من الجهمية والمعتزلة والرافضة ومن نحا نحوهم في بعض الأصول الفاسدة فان هؤلاء اشتركوا هم وأولئك الملاحدة في أصول فاسدة يجعلونها قضايا عقلية صادقة وهي باطلة كاذبة مخالفة للشرع والعقل.
مقالات للفلاسفة لم يذهب إليها أحد من طوائف المسلمين:
ثم أراد هؤلاء المتكلمون الرد عليهم في إلحادهم الظاهر الذي يظهر فيه فخالفتهم للمسلمين مثل القول بقدم العالم وإنكار علم الله بالجزئيات والقول بإنكار المعاد وهذه الثلاثة هي التي يكفرهم بها أبو حامد الغزالي في تهافت الفلاسفة وطائفة يقولون أن سائر أقوالهم الباطلة هي البدع التي ذهب إليها بعض أهل الكلام كإنكار الصفات وليس الأمر كما قاله هؤلاء بل مقالاتهم التي لم يذهب إليها أحد من طوائف المسلمين لا أهل البدعة ولا أهل السنة كثيرة مثل قولهم في النبوات والملائكة وكلام الله وقولهم في الشفاعة وإنكار مشيئة الله وقدرته وليس هذا من لوازم القول بقدم العالم بل في القائلين بذلك من يقول أن الله يفعل بمشيئته وقدرته كأحد القولين الذين ذكرهما أبو البركات واختاره وكذلك ما يقولونه في الملائكة أنها مجرد ما يتخيل في النفوس أو أنها العقول وان الواحد منها أبدع كل ما سواه وان العقل الفعال هو المدبر لكل ما تحت الفلك وان الوحي على
(1/523)

الأنبياء إنما يجيء منه وانه منتهى معاد الأنفس.
فإنكارهم لقدرة الله ومشيئته أعظم من إنكارهم لعلمه بالجزئيات فان كثير من الناس كان لا يعرف ذلك ولكن يعلم أن الله قادر خلق الأشياء بمشيئته كما في الصحيحين عن ابن مسعود قال: "اجتمع عند البيت ثلاثة نفر قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فقال: أحدهم أترون الله يسمع ما نقول فقال الثاني: يسمع أن جهرنا ولا يسمع أن أخفينا فقال الثالث: أن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا فأنزل الله: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وهؤلاء يقرون بأن الله خلق السموات والأرض بمشيئته وقدرته وكذلك كان بعض أحداث من المسلمين قد يجهل هذه المسألة فيقول يا رسول الله مهما يكتم الناس يعلمه الله فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم نعم ولم يكن هؤلاء يجهلون أن الله خلق كل شيء بمشيئته وقدرته بل كان هذا من أظهر الأمور وأعرفها عند عامة المسلمين بل وعامة المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام وهم كفار وهم مشركون وهم الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم أول من يتناوله ذم القرآن للمشركين ومع هذا فكانوا مقرين بأن الله خلق السموات والأرض وما بينهما وخلق كل شيء بقدرته ومشيئته فكانوا أحسن حالا من هؤلاء الفلاسفة في الإقرار بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وانه خلق الأشياء بمشيئة وقدرته.
فان هؤلاء حقيقة قولهم أنه لم يخلق شيئا ومتقدموهم كأرسطو وأتباعه على أنه علة يتحرك الفلك للتشبه بها فليس هو عندهم لا موجبا بالذات ولا فاعلا بالمشيئة وأما ابن سينا وأمثاله ممن يقول أنه موجب بذاته فهم يقولون ما يعلم جماهير العقلاء
(1/524)

أنه مخالف لضرورة العقل إذ يثبتون مفعولا ممكنا يمكن وجوده ويمكن عدمه وهو مع هذا قديم أزلي لم يزل ولا يزال وهو مفعول معلول لعلة فاعلة لم يزل مقارنا لها في الزمان فكل من هذين القولين مما خالفوا فيه جماهير العقلاء من الأولين والآخرين حتى سلفهم كأرسطو ونحوه فإنهم لم يقولوا بهذا ولا بهذا بل أولئك يقولون أن الفلك قديم أزلى بنفسه ليس له مبدع ولكن يتحرك للتشبه بالعلة الأولى فهو مفتقر إليها من هذه الجهة لا من جهة أنها مبدعة له وحقيقة قوله أنها شرط في وجود العالم مع وجوبه بنفسه فيجعلون الواجب بنفسه مفتقرا إلى غيره وهذا مما ينكره متأخروهم كابن سينا وأمثاله.
وكذلك القائلون بالعلة الموجبة كابن سينا وابن رشد والسهروردى وغيرهم حقيقة قولهم أنه شرط في وجود الممكنات لا مبدع لها ولا فاعل فإنهم لا يثبتون للحوادث محدثا أصلا في نفس الأمر إذ الفلك عندهم ممكن له مبدع وهو متحرك باختياره كما يتحرك الإنسان باختياره وله نفس فلكية كما للإنسان نفس وليس عندهم فوقه شيء يحدث عنه شيء.
وإن قالوا أنه معلول فقولهم في الفلك أقبح من قول القدرية في أفعال الحيوان فان القدرية يقولون أن الله خلق الحيوان بقدرته ومشيئته فجعل له قدرة تصلح للضدين فهو يحدث أرادته وأفعاله بقدرته ومشيئته وهؤلاء لا يجعلون الفلك مخلوقا في الحقيقة وإن قالوا هو معلول ولو جعلوه مخلوقا فعندهم هو متحرك حركة اختيارية نفسانية بمشيئة وقوة فيه وليس فوقه شيء يحدث هذه الحركة ولا يفعلها وإنما الفلك متحرك للتشبه بالأول لاستخراج أيونه وأوضاعه إذ هي غاية كماله.
وإن قالوا أن حركته تصدر عن الأول فكلام لا حقيقة له فإنهم وكل عاقل يعلم أن الشيء البسيط الذي هو على حال واحدة أزلا وأبدا لا يحدث عنه شيء فضلا عن حوادث مختلفة ويعلمون أن المتغيرات لا تصدر عن بسيط البتة وهذا كله مبسوط في غير هذا الموضع
(1/525)

والمقصود هنا التنبيه على أن الكفر الذي يوجد فيهم قولا وفعلا أعظم من كفر اليهود والنصارى ومشركي العرب الذين هم أول من بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم ونزل فيه القرآن بكفره واستحقاقه النار.
الشفاعة الشركية المنفية والشفاعة الشرعية الثابتة:
ومن ذلك أن أولئك المشركين كانوا يجعلون ما يشركون به شفعاء يشفعون لهم إلى الله والله يقبل شفاعتهم وهو سؤالهم ودعاؤهم بقدرته ومشيئته كما ذكر الله ذلك في مواضع من كتابه فقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ} .
ولهذا نفى الله شفاعة أحد إلا باذنه في غير موضع من القرآن بقوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} وقوله: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ} وقال: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} وقال: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ} وقال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ
(1/526)

مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} وقال تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} .
فهذه الشفاعة التي نفاها القرآن تتضمن نفى ما كان يقوله مشركوا العرب وأمثالهم من المشركين وهى من جنس شرك النصارى ونحوهم من الضلال المنتسبين إلى الإسلام حيث يعتقدون في الملائكة أو الأنبياء أو الشيوخ أنهم شفعاء لهم عند الله كما يشفع الشفعاء إلى ملوك الدنيا ويضربون لله مثلا فيقولون من أراد أن يتقرب إلى ملك عظيم فلا ينبغي له أن يأتي إليه أولا بل يتقرب إلى خاصته وهم يرفعون حوائجه ويقربونه إليه قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} أي يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ذكر سبحانه هذا بعد قوله: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} .
وقال في هذه السورة: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} وقال فيها: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ
(1/527)

وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} وقال فيها: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} .
تفسير قوله تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون} الاية:
وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} .
روى ابن أبي حاتم وغيره بأسانيد ثابتة عن شعبة عن السدي سمع أبا صالح عن ابن عباس في قول الله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} هو عيسى وأمه وعزير والملائكة وكذلك في تفسير عطية عن ابن عباس قال: "كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا" وعن إسرائيل عن السدي عن أبي صالح: "عيسى وعزير والملائكة" وكذلك في تفسير أسباط عن السدي قال: "ذكروا أنهم اتخذوا الآلهة وهو حين عبدوا الملائكة والمسيح وعزيرا قال الله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ} .
وفي صحيح البخاري وغيره عن ابن مسعود قال: "كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن فأسلم الجن وتمسك الآخرون بعبادتهم فنزلت: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ} إلى أخر الآية وكذلك
(1/528)

روى ابن أبي حاتم وغيره أن ابن شوذب عن مطر الوراق قال: "أنزلها الله في حي من العرب كانوا يعبدون حيا من الجن" وفي تفسير مقاتل: "أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة ويقولون هي تشفع لنا عند الله فلما ابتلوا بالقحط سبع سنين قيل لهم: {ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ} .
والآية تتناول كل من دعى غير الله وذلك المدعو يبتغى إلى الله الوسيلة أي القربى والزلفى ويرجو رحمة الله ويخاف عذابه وهذا يدخل فيه الملائكة والأنبياء والصالحون الإنس والجن وقد قرأ طائفة (أولئك الذين تدعون) فبين أن الذين يدعونهم المشركون هم يتقربون إلى الله ويرجونه ويخافونه فكيف يجوز دعاؤهم وهذا كقوله: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ} .
حصر أقسام المدعوين من دون الله ونفى كل واحد منهم:
وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} فذكر سبحانه الأقسام الممكنة فان المشرك الذي يدعو غير الله ويرجوه ويخافه أما أن يجعله مالكا أو شريكا أو ظهيرا أو شفيعا وهكذا كل من طلب منه أمر من الأمور أما أن يكون مالكا مستقلا به وأما أن يكون شريكا فيه وأما أن يكون عونا وظهيرا لرب الأمر وأما أن يكون سائلا محضا وشافعا إلى رب الأمر فإذا انتفت هذه الوجوه امتنعت الاستغاثة به.
ولهذا كان الناس بعضهم مع بعض من الملوك وغيرهم فيما يتساءلونه لا يخرجون عن هذه الأقسام أما أن يكون لكل منهما ملك متميز عن الآخر فيطلب من هذا ما في ملكه ومن هذا ما في ملكه وأما أن يكون أحدهما شريكا للآخر فيطلب منه ما يطلب من الشريك وأما أن يكون أحدهما من أعوان الآخر وأنصاره وظهرانه
(1/529)

كأعوان الملوك فهو محتاج إليهم فيطلب منهم ما يحتاج إليه وإذا انتفت هذه الوجوده لم يبق إلا مجرد طلب محض وسؤال من غير حاجة بالمسئول إلى السائل الشافع.
والمشركون بالله كل منهم في نوع من هذه الأنواع منهم من اثبت فاعلا مستقلا غير الله لكن لم يثبتوه مماثلا له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وهذا كالمجوس الذين أثبتوا قديما شريرا يستقل بفعل الشر وكذلك القائلون منهم أنه خلق الشر والقدرية من جميع الأمم أثبتوا غير الله يحدث أشياء ينفرد بأحداثها دون الله وإن كان الله خالقا له ولهذا قال السلف القدرية مجوس هذه الأمة.
والقائلون بقدم العالم كلهم لا بد لهم من إثبات غير الله فاعلا أما أرسطو وأتباعه فان الفلك عندهم بحركته هو المحدث للحركات وما يتولد عنها ثم من أثبت له شريكا من العقول والنفوس جعله مستقلا بإحداث شيء وذاك مستقلا بإحداث شيء ومن قال منهم بالعلة المشبهة بها ومن قال بالموجب بالذات فان الطائفتين لا يثبتون في الحقيقة أن الله أحدث شيئا ولا خلقه.
والله سبحانه نفى أن يكون لغير ملك أو شرك في الملك أو يكون له ظهير فانه سبحانه هو وحده خالق كل شيء وربه ومليكه وهذا هو مذهب أهل السنة المثبتين للقدر القائلين بأن الله خالق كل شيء بمشيئته وقدرته لكن السلف والأئمة وأتباعهم يثبتون قدره العبد وفعله ويثبتون الحكمة والأسباب وجهم ومن اتبعه من أهل الكلام ينفون ذلك كله كما قد بسط في موضعه.
تفسير قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} الآية:
ولم يثبت سبحانه إلا الشفاعة لكن اثبت شفاعة مفيدة ليست هي الشفاعة
(1/530)

التي يظنها المشركون فقال تعالى: {وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} وقد جاءت الأحاديث الصحيحة والآثار عن الصحابة والتابعين تخبر بما يوافق تفسير هذه الآية من حال الملائكة مع الله كما وصفهم تعالى في الآية الأخرى فقال: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} ففي الحديث الصحيح الذي رواه احمد والبخاري وغيرهما عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله إذا قضى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلى الكبير فيسمعها مسترقو السمع وهم هكذا " -ووصف سفيان بيده فأقامها منحرفة- "فربما أدرك الشهاب المسترق قبل أن يرمى بها إلى صاحبه فيحرقه وربما لم يدركه فيرمى بها إلى الذي يليه ثم يرمى بها إلى الذي يليه إلى الذي يليه ثم يلقيها إلى الأرض فتلقى على لسان الساحراو لسان الكاهن فيكذب عليها مائة كذبة فيقولون قد اخبر يوم كذا وكذا بكذا وكذا فوجدنا حقا للكلمة التي سمعت من السماء".
وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم وغيره عن الزهري عن علي بن الحسين عن عبد الله بن عباس حدثني رجل من الانصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى بنجم فاستنار فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1/531)

"ما كنتم تقولون لهذا في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول ولد عظيم أو مات عظيم قال: فانه لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمرا سبحه حمله العرش ثم سبحه أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا ثم يقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير فيقولون كذا وكذا فيخبر أهل السموات بعضهم بعضا حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا فتخطف الجن السمع فيلقونه إلى أوليائهم فيلقون إلى أوليائهم فيرمون فما جاءوا به على وجهه فهو الحق ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون".
وكذلك في الحديث الآخر المعروف من رواية نعيم بن حماد عن الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن أبي زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أراد الله أن يوحى بأمره تكلم بالوحي فإذا تكلم أخذت السموات منه رجفة أو قال رعدة شديدة من خوف الله فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد فيمضي به جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل فيقول قال الحق وهو العلى الكبير فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله من السماء والأرض" وقد رواه ابن أبي حاتم والطبري وغيرهما.
وقوله: {فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} أي أزال عنها الفزع وكذلك قال غير واحد من
(1/532)

السلف: "جلى عن قلوبهم" وهذا كما يقال قرد البعير إذا أزال عنه القراد ويقال تحرج وتحوب وتأثم وتحنث إذا أزال عنه الحرج والحوب والإثم والحنث.
وروى ابن أبي حاتم ثنا الحسن بن محمد الواسطي ثنا يزيد بن هارون عن شريك عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس في قوله: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} قال: "كان إذا نزل الوحي كان صوته كوقع الحديد على الصفوان قال: فيصعق أهل السماء حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم قالت الرسل: الحق وهو العلى الكبير" وقال عن الحادث الدمشقي ثنا أبى عن عن جعفر بن أبي المغيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} قال: "تنزل الأمر إلى السماء الدنيا له وقعة كوقعة السلسلة على الصخرة فيفزع له جميع أهل السموات فيقولون ماذا قال ربكم ثم يرجعون إلى أنفسهم فيقولون الحق وهو العلى الكبير".
ويروى من تفسير عطية عن ابن عباس {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} الآية قال: "لما أوحى الله إلى محمد دعا الرسول من الملائكة ليبعثه بالوحي سمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي فلما كشف عن قلوبهم سألوا عما قال الله فقالوا الحق وعلموا أن الله لا يقول إلا حقا وانه منجزة" قال ابن عباس: "وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا فلما سمعوه خروا سجدا فلما رفعوا رؤسهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير".
وبإسناده من تفسير قتادة رواية عبد الرزاق عن معمر عنه {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} قال: "لما كانت الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم فنزل الوحي مثل صوت الحديد فأفزع الملائكة ذلك فقال الله: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ
(1/533)

عن قلوبهم} يقول: حتى إذا جلي عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير. ويروى بإسناده من تفسير الوالبي عن ابن عباس فزع عن قلوبهم قال: جلي عن قلوبهم. قال: وروى عن ابن عمر وأبي عبد الرحمن السلمي وللشعبي والضحاك والحسن وإبراهيم النخعي وقتادة مثل ذلك.
وقد روى أحمد وغيره عن أبي معاوية أو عبد الرحمن عن الأعمش عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صوته كحر السلسلة على الصفا فيعصون لذلك ويخرون سجدا فإذا علموا أنه وحي فزع عن قلوبهم قال: فيرد إليهم فينادي أهل السموات بعضهم بعضا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير" , وقد رواه أبو داود في سننه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا الذي جاء به الكتاب والسنة والآثار مما يصيب الملائكة عند سماع الوحي إذا قضى الله الأمر يتناول ما يقضيه بخلقه وبقدره وما يقضيه بشرعه وبأمره. فإنهم ذكروا ذلك عند تكلمه بالقرآن وعندما يقضيه من الحوادث التي يسمع بعضها مسترق السمع ويخبر بها الكهان ومسترق السمع وهذا الصنف هو الغالب فإن إرسال رسول من البشر قليل بالنسبة إلى هذه الحوادث.
قول الفلاسفة في الشفاعة أعظم شركا من قول غيرهم:
وقال سبحانه: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} فبين سبحانه أن من اتخذ
(1/534)

الملائكة والنبيين أربابا فهو كافر مع أن المشركين إنما كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بهم إلى الله زلفى فإذا كان هؤلاء الذين دعوا مخلوقا ليشفع لهم عند الله كما يشفع المخلوق عند المخلوق فيسأله ويرغب إليه بلا إذنه وقد جعلهم الله مشركين كفارا مأواهم جهنم فكيف بشرك هؤلاء الفلاسفة وما يثبتونه من الشفاعة فإنهم يجوزون دعاء الجواهر العلوية الشمس والقمر والكواكب وكذلك الأرواح التي يسمونها العقول والنفوس ويسميها من انتسب إلى أهل الملل الملائكة وهؤلاء المشركون قد تنزل عليهم أرواح تقضى بعض مطالبهم وتخبرهم ببعض الأمور وهم لا يميزون بين الملائكة والجن بل قد يسمون الجميع ملائكة وأرواحا ويقولون روحانية الشمس روحانية عطارد روحانية الزهرة وهى الشيطان والشيطانة التي تضل من أشرك بها كما أن لنفس الأصنام وهي التماثيل المصنوعة على اسم الوثن من الأنبياء والصالحين أو على اسم كوكب من الكواكب أو روح من الأرواح والأصنام أيضا لها شياطين تدخل فيها وتكلم أحيانا بعض المشركين وقد تترايا أحيانا فيراها بعض الناس من السدنة وغيرهم.
فالمشركون من الفلاسفة القائلين بقدم العالم هم أعظم شركا وما يدعونه من الشفاعة لألهتم أعظم كفرا من مشركي العرب فإنهم لا يقولون أن الشفيع يسأل الله والله يجيب دعوته كما يقوله المشركون الذين يقولون أن الله خالق بقدرته ومشيئته فان هؤلاء عندهم أنه لا يعلم الجزئيات ولا يحدث شيئا بمشيئته وقدرته وإنما العالم فاض عنه.
فيقولون إذا توجه الداعي إلى من يدعوه كتوجه إلى الموتى عند قبورهم وغير قبورهم وتوجهه إلى الأرواح العالية فانه يفيض عليهم ما يفيض من ذلك المعظم الذي دعاه واستغاث به وخضع له من غير فعل من ذلك الشفيع ولا سؤال منه لله تعالى كما يفيض شعاع الشمس على ما يقابلها من الأجسام الصقيلة كالمرآة وغيرها ثم ينعكس الشعاع من ذلك الجسم الصقيل إلى حائط أو ماء وهذا قد ذكره غير
(1/535)

واحد من هؤلاء كابن سينا ومن اتبعه كصاحب الكتب المضنون بها وغيره.
وهؤلاء يزورون القبور الزيارة المنهي عنه بهذا القصد فان الزيارة الشرعية مقصودها مثل مقصود الصلاة على الجنازة يقصد بها السلام على الميت والدعاء له بالمغفرة والرحمة وأما الزيارة المبتدعة التي هي من جنس زيادة المشركين فمقصودهم بها طلب الحوائج من الميت أو الغائب أما أن يطلب الحاجة منه أو يطلب منه أن يطلبها من الله وأما أن يقسم على الله به ثم كثير من هؤلاء يقول أن ذلك المدعو يطلب تلك الحاجة من الله أو أن الله يقضيها بمشيئته واختياره للإقسام على الله بهذا المخلوق وأما أولئك الفلاسفة فيقولون بل نفس التوجه إلى هذه الروح يوجب أن يفيض منها على المتوجه ما يفيض كما يفيض الشعاع من الشمس من غير أن تقصد هي قضاء حاجة أحد ومن غير أن يكون الله يعلم بشيء من ذلك على أصلهم الفاسد.
فتبين أن شرك هؤلاء وكفرهم أعظم من شرك مشركي العرب وكفرهم وأن اتخاذ هؤلاء الشفعاء الذين يشركون بهم من دون الله أعظم كفرا من اتخاذ أولئك.
ليس توسط البشر عند الحنفاء كتوسط العلويات عند الفلاسفة:
ولهذا كانت مناظرة كثير من أهل الكلام لهم مناظرة قاصرة حيث لم يعرف أولئك حقيقة ما بعث الله به رسله وانزل به كتبه وما ذمه من الشرك ثم يكشفون بنور النبوة ما عند هؤلاء من الضلال كما ناظرهم الشهر ستاتي في كتاب الملل والنحل لما ذكر فصلا في المناظرة بين الحنفاء وبين الصابئة المشركين فان الحنفاء يقولون بتوسط البشر وأولئك يقولون بتوسط العلويات فأخذ يبين أن القول بتوسط البشر
(1/536)

أولى من القول بتوسط العلويات ومعلوم أنه إذا أخذ التوسط على ما يعتقدونه في العلويات كان قولهم اظهر فكان رده عليهم ضعيفا لضعف العلم بحقيقة دين الإسلام.
فان الحنفاء ليس فيهم من يقول بإثبات البشر وسائط في الخلق والتدبير والرزق والأحياء والإماتة وسماع الدعاء وإجابة الداعي بل الرسل كلهم وأتباع الرسل متفقون على أنه لا يعبد إلا الله وحده فهو الذي يسأل ويعبد وله يصلى ويسجد وهو الذي يجيب دعاء المضطرين ويكشف الضر عن المضرورين ويغيث عباده المستغيثين {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} .
وليس عند الحنفاء أن أحدا غير الله يستقل بفعل شيء بل غايته أن يكون سببا والأثر لا يحصل إلا به وبغيره من الأسباب وبصرف الموانع والله تعالى هو الذي يخلق بتأثير الأسباب وبدفع الموانع مع خلقه سبحانه أيضا لهذا السبب لكن المقصود أنه ليس في الوجود ما يستقل بإحداث شيء ولا ثم شيء يوجب كل اثر إلا مشيئة الله وحده فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
والرسل هم وسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ رسالاته وأمره ونهيه ووعده ووعيده كما قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} وقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً} فاخبر أنه أرسله شاهدا كما قال: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} وقال: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} ولما دفن النبي صلى الله عليه وسلم شهداء أحد قال: "أما أنا فشهيد
(1/537)

على هؤلاء" وقوله: {مُبَشِّراً وَنَذِيراً} بالوعد والوعيد وداعيا إلى الله بإذنه بالأمر والنهى.
وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} وقد اخبر الله عن أول الرسل نوح عليه السلام ومن بعده من الرسل أنهم قالوا لقومهم: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} وقال نوح: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ} وكذلك قال لخاتم الرسل: {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِللاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} .
فتوسط البشر بالرسالة مثل توسط الملك بالرسالة كما قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} وقال تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} فهذا جبريل ثم قال: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} وقوله: {وَمَا صَاحِبُكُمْ} كقوله في الآية الأخرى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}
(1/538)

الحكمة في إرسال الرسول البشري إلى البشر دون الملكي:
فقوله صاحبكم تنبيه على نعمته على البشر وإحسانه إليهم إذ بعث إليهم من يصحبهم ويصحبونه بشرا مثلهم فإنهم لا يطيقون الأخذ عن الملك كما قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} .
وروى ابن أبي حاتم عن أبي زرعة عن منجاب بن الحرث عن بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ} لأهلكناهم {ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ} لا يؤخرون {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} يقول: "لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة" وكذلك قال غيره من المفسرين {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ} قالوا لخلطنا ولشبهنا عليهم ما يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدروا املك هو أو أدمى.
فبين سبحانه أنه لو أنزل ملكا لم يمكنهم أن يروه إلا في صورة بشر كما كان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآه الناس في صورة دحية الكلبى أو في صورة أعرابي لما أتاه وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وكذلك لما أتوا إبراهيم ولوطا ورأتهم سارة وقم لوط لم يأتوا إلا في صورة رجال وكذلك لما أتى جبريل مريم عليه السلام لينفخ فيها أتاها في صورة رجل قال تعالى: {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً} وإذا كانوا لا يستطيعون أن يروا الملك إلا في صورة رجل فلو جاءهم لقالوا هذا بشر ليس بملك واشتبه الأمر واختلط والتبس الأمر عليهم فلم تكن هذه شبهة تنقطع بانزال ملك
(1/539)

وهذا كما قال في السورة الأخرى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إَِّلا كُفُوراً} إلى قوله: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً} .
وأيضا في قوله صاحبكم بيان أنه عربي بعث بلسانهم كما قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} وقد قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} .
قيل المراد من أنفس العرب فالخطاب لهم.
وقيل من أنفس بني ادم فهو بشر لا ملك ولا جني لأن الخطاب لجميع الخلق الذين أرسل إليهم لا سيما وهذه في سورة براءة وهي من آخر القران نزولا وقيل أن هذه الآية آخر ما نزل وقد نزلت بعد دعوة الروم والفرس والقبط وهو بالمؤمنين من هؤلاء كلهم رؤوف رحيم ولا ريب أنه صلى الله عليه وسلم من الإنس ومن العرب أفضل الإنس ومن قريش أفضل العرب ومن بني هاشم أفضل قريش والأنفس يراد بهم جنس الإنسان كما قال تعالى: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} فقوله: {صَاحِبُكُمْ} مثل قوله: {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} ومثل قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ} .
وقوله: {سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً} لم يقصد بهذا اللفظ تفضيل الملك عليه كما توهمه بعض الناس كما أن قوله: {أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ
(1/540)

مِنْهُمْ} وقوله: {سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً} لم يقصد به أن غيره أفضل منه.
كون الرسول مبلغا للقرآن عن الله لا محدثا له:
وقال سبحانه: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} فالرسول هنا هو الرسول الملكي جبريل وقال في السورة الأخرى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم.
وأضافه إلى هذا الرسول تارة والى هذا تارة لأن كلا من الرسولين بلغه وأداه ولفظ الرسول يتضمن مرسلا أرسله فكان في اللفظ ما يبين أن الرسول مبلغ له عن غيره لا أن الرسول أحدث شيئا منه كما توهمه بعض الناس وظن أن إضافته إلى رسول يقتضى أنه هو الذي أحدث القران العربي فانه قد أضافه إلى هذا تارة والى هذا تارة فلو كان المراد الإحداث لتناقض الخبران.
ولأنه أضافه إليه باسم رسول لم يقل أنه لقول ملك ولا قول بشر بل قد كفر من قال أنه قول البشر في قوله: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً} إلى قوله: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} والكلام
(1/541)

الذي توعد بسقر من قال أنه قول البشر هو الكلام الذي أضافه إلى رسول من البشر تارة والى رسول من الملائكة تارة لأن المراد هناك أنه بلغه والذي كفره قال أنه أنشأه وانه كلام نفسه سواء كان المراد المعنى أو اللفظ أو كلاهما فان الذي لعنه الله هو الذي قال أن هذا إلا قول البشر.
فمن قال أن هذا القران قول البشر فهو من جنس قوله من بعض الوجوه ولهذا قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} فأخبر أن ما يسمعه المستجير هو كلام الله والمستجير يسمعه بصوت القارىء والصوت صوت القارى والكلام كلام الباري كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "زينوا القران بأصواتكم " وقال: "لله اشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته".
وكذلك ذكر في غير موضع أن الصوت المسموع من العبد هو صوت العبد كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} وقال لقمن لابنه: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} .
وفي سنن أبي داود عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في الموسم: "ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي فان قريشا قد منعوني أن ابلغ كلام ربي".
(1/542)

فرسل الله وسائط في تبليغ رسالاته كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} وقال تعالى: {إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ} وقال تعالى عن نوح: {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي} .
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " وفي السنن عن زيد بن ثابت وابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نضر الله أمرا سمع منا حديثا فبلغه إلى من يسمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو افقه منه" وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: "ليبلغ الشاهد الغائب فرب من مبلغ أوعى من سامع".
والمقصود هنا أن الحنفاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له وهم مسلمون وجميع الأنبياء وأممهم كانوا مسلمين مؤمنين {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ
(1/543)

مِنْه} لأن {الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلام} في كل زمان ومكان وقد اخبر الله عن نوح وإبراهيم وإسرائيل وغيرهم إلى الحواريين أنهم كانوا مسلمين ونوح أول رسول بعث إلى أهل الأرض كما ثبت ذلك في الحديث المتفق على صحته حديث الشفاعة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فمن جعل ما يثبته الحنفاء من توسط البشر أو توسط الملائكة من جنس ما يثبته المشركون واخذ يفاضل بين البشر والملائكة لم يكن عارفا بدين الإسلام.
بل قول الحنفاء هو ما قاله الله تعالى في كتابه حيث قال: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} فمن اتخذ هؤلاء أو هؤلاء أربابا كما يقول من يجعلهم وسائط في العبادة والدعاء ونحو ذلك فهو كافر.
وصاحب الكتب المضنون بها قد جعل الملائكة والنبيين وسائط وجعل هذه شفاعتهم موافقة للفلاسفة كما تقدم من أن هذا القول شر من قول مشركي العرب.
وجاء بعده صاحب كتاب السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم فذكر فيه الشرك الصريح من عبادة الكواكب والجن والشياطين ودعواتها وبخورها وخواتيمها وأصنامها التي تجعل لها على مذهب المشركين الكلدانيين والكشدانيين الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل وبنى على ذلك القول بقدم العالم وان لا سبب
(1/544)

لحدوث الحوادث إلا مجرد حركة الفلك كما يقوله هؤلاء القائلون بقدم العالم الذين هم شر من مشركي العرب.
وكذلك ذكر في تفسير حديث المعراج ما هو مبني على أصول هؤلاء الذين هم اكفر الكفار كقوله أن الأنبياء الذين رآهم النبي صلى الله عليه وسلم هم الكواكب فآدم القمر ويوسف الزهرة ونحو هذا الهذيان وان المعراج إنما هو رؤية قلبه الوجود كما يذكر ابن عربي وغيره مثل هذا المعراج ويثبتون لأنفسهم إسراء ومعراجا.
وهذه خيالات تلقيها الشياطين مناسبة لما يعتقدونه من الإلحاد على عادة الشياطين في إضلال بني آدم فإنما يضلونهم بما يقبلونه منهم وما يوافق أهواءهم.
والحمد لله رب العالمين.
(1/545)