Advertisement

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور



الكتاب: أهوال القبور
المؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: 795هـ)
المحقق: عاطف صابر شاهين
الناشر: دار الغد الجديد، المنصورة، مصر
الطبعة: الطبعة الأولى، 1426هـ/2005م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
قال الشيخ الإمام العالم أبو الفرج عبد الرحمن ابن الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد بن رجب رحمه الله تعالى:
الحمد الله الذي أسكن عباده هذه الدار وجعلها لهم منزلة سفر من الأسفار وجعل الدار الآخرة هي دار القرار وجعل بين الدنيا والآخرة برزخا يدل على فناء الدنيا باعتبار وهو في الحقيقة إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار فسبحان من يخلق ما يشاء ويختار ويرفق بعباده الأبرار في جميع الأقطار وسبق رحمته بعباده غضبه وهو الرحيم الغفار.
أحمده على نعمه الغزار وأشكره وفضله على من شكر مدرار.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المختار الرسول المبعوث بالتبشير والإنذار صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه صلاة تتجدد بركاتها بالعشي والأبكار.
أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى خلق بني آدم للبقاء لا للفناء وإنما ينقلهم بعد خلقهم من دار إلى دار كما قال ذلك طائفة من السلف الأخيار منهم بلال بن سعد وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما فأسكنهما في هذه الدار ليبلوهم أيهم أحسن عملا ثم ينقلها إلى دار البرزخ فيحبسهم هنالك إلى أن يجمعهم يوم القيامة ويجزي كل عامل جزاء عمله مفصلا هذا مع أنهم في دار البرزخ بأعمالهم مدانون مكافؤون فمكرمون بإحسانهم وبإساءتهم مهانون قال الله سبحانه وتعالى: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100] قال مجاهد: البرزخ الحاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا وعنه قال هو ما بين الموت إلى البعث.
قال الحسن: هي هذه القبور التي بينكم وبين الآخرة.
وعنه قال أبو هريرة هي هذه القبور التي تركضون عليها لا يسمعون الصوت
(1/5)

وقال عطاء الخراساني: البرزخ مدة ما بين الدنيا والآخرة.
وصلى أبو أمامة على جنازة فلما وضعت في لحدها قال أبو أمامة هذا برزخ إلى يوم يبعثون.
وقيل للشعبي: مات فلان قال: ليس هو في الدنيا ولا في الآخرة هو في برزخ وسمع رجلا يقول مات فلان أصبح من أهل الآخرة قال لا تقل من أهل الآخرة ولكن قل من أهل القبور.
وقد سألني بعض الإخوان الصالحين أن أجمع لهم ما ورد من أخبار البرزخ وأحوال الموتى الذاهبين فإن في سماع ذلك للقلوب عظه وهو يحدث لأهل الغفلة الأنتباه واليقظة فاستخرت الله تعالى في جمع ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة وأخبار سلف الأمة وما ورد في الاتعاظ بالقبور وكلام الحكماء من منظوم ومنثور كل ذلك على وجه الاختصار لأن استيعاب ذلك يوجب الملل للإطالة والإكثار.
والله المسؤول أن يجعلنا ممن يبادر الفوت ويراقب الموت ويتأهب للرحلة قبل الممات وينتفع بما سمع من العظات بمنه وكرمه.
وقد قسمته ثلاثة عشر بابا والله المسؤول أن يجعله عملا خالصا صوابا:
الباب الأول: في ذكر حال الميت عند نزوله قبره وسؤال الملائكة له وما يفسح له في قبره أو يضيق عليه وما يرى من منزله في الجنة أو في النار.
الباب الثاني: في ذكر كلام القبر عند نزوله إليه.
الباب الثالث: في اجتماع الموتى إلى الميت عند موته وسؤالهم إياه.
الباب الرابع: في اجتماع أعمال الميت إليه من خير أو شر ومدافعتها عنه وكلامها له وما ورد من تحسر الموتى على انقطاع أعمالهم ومن أكرم منهم ببقاء عمله عليه.
الباب الخامس: في عرض منازل أهل القبور عليهم من الجنة أو النار بكرة وعشيا.
الباب السادس: في ذكر عذاب القبر ونعيمه.
الباب السابع: فيما ورد من تلاقي أرواح الموتى في البرزخ وتزاورهم.
(1/6)

الباب الثامن: فيما ورد من سماع الموتى كلام الأحياء ومعرفتهم بمن يسلم عليهم ويزورهم ومعرفتهم بحالهم بعد الموت وبحال أقاربهم في الدنيا.
الباب التاسع: في ذكر محل أرواح الموتى في البرزخ.
الباب العاشر: في ذكر القبور وظلمتها على أهلها وتنويرها عليهم بدعاء الأحياء وما ورد من حاجة الموتى إلى دعاء الأحياء وانتظارهم لذلك.
الباب الحادي عشر: في ذكر زيارة الموتى والاتعاظ بهم.
الباب الثاني عشر: في استحباب تذكر القبور والتفكر في أحوالهم وذكر أحوال السلف في ذلك.
الباب الثالث عشر: في ذكر كلمات منتخبة من كلام السلف الصالح في الاتعاظ بالقبور وما ورد عنهم في ذلك من منظور ومنثور.
وسميته كتاب "أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور".
والله المسؤول أن يجعله خالصا لوجهه مقربا إليه نافعا في الدنيا والآخرة لجامعه ومن وقف عليه إنه أكرم المسؤولين وأعظم المأمولين.
(1/7)

الباب الأول: في ذكر حال الميت عند نزوله قبره وسؤال الملائكة له وما يفسح له في قبره أو يضيق عليه وما يرى من منزله في الجنة أو النار
قال الله تعالى {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] .
وخرجا في الصحيحين1 من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} نزلت في عذاب القبر".
زاد مسلم: يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبي محمد فذلك قوله سبحانه وتعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} .
في رواية للبخاري قال: إذا أقعد العبد المؤمن في قبره أتي ثم شهد.
أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} . وخرج الطبراني من حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقال للكافر من ربك فيقول لا أدري فهو تلك الساعة أصم أعمى أبكم فيضرب بمرزبة لو ضرب بها جبل صار ترابا فيسمعها كل شيء غير الثقلين".
قال: وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} .
وخرج أبو داود من حديث المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له من ربك؟ وما
__________
1 رواه البخاري "ح 1396"، ومسلم "ح 2871"
(1/8)

دينك؟ ومن نبيك؟ " 1.
وفي رواية له قال: "ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله فيقولان: ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولانك له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقولك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان: له وما يدريك فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت".
وفي رواية له: فذلك قوله عز وجل {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] .
قال: " فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة وألبسوه من الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره".
قال: وذكر الكافر قال: "وتعاد روحه إلى جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: له من ربك فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار قال فيأتيه من حرها وسمومها".
قال: "ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه".
وفي رواية له: "ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار ترابا قال فيضربه ضربه يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ترابا قال ثم تعاد فيه الروح".
وخرجه النسائي وابن ماجه مختصرا. وخرجه الإمام أحمد بسياق مطول والحاكم وقال: على شرط الشيخين.
وفي رواية للإمام أحمد: "ثم يقيض له أعمى أبكم أصم في يده مرزبة لو ضرب بها
__________
1 صحيح أخرجه احمد "4/287، 288، 295، 266"، وأبو داود "ح 4753"، وعبد الرزاق في مصنفه "ح 6737" مطولا، والنسائي "ح 2000"، وابن ماجة "ح 1548" وهو في المشكاة "ح 1630" وصححه الشيخ الألباني.
(1/9)

جبل كان ترابا فيضربه ضربه فيصير ترابا، ثم يعيده الله كما كان فيضربه ضربه أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين".
قال البراء بن عازب: "ثم يفتح له باب إلى النار ويمهد له من فرش النار" كذا خرجه من رواية يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو.
وخرجه ابن منده من هذا الوجه أيضا وزاد في حديثه: "لو اجتمع عليها الثقلان ليقلبوها لم يستطيعوا فيضربه بها ضربة يصير ترابا وتعاد فيه الروح فيضربه بين عينيه ضربة فيسمعها من على الأرض ليس الثقلين فينادي مناد أن افرشوا له لوحين من نار وافتحوا له بابا إلى النار".
وخرجه أيضا من طريق عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه في حق المؤمن: "فيأتيه منكر ونكير يثيران الأرض بأنيابهما ويفحصان الأرض بأشعارهما فيجلسانه".
وذكر في الكافر مثل ذلك وزاد فيه: أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف.
وقال: فيضربانه بمرزبة من حديد لو اجتمع عليهما ما بين الخافقين لم يقدروا على قلبها.
وخرجاه في الصحيحين1، من حديث قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا أتاه الملكان فيقعدانه فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيقال له أنظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة قال فيراهما جميعا".
قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره مد بصرة ثم رجع إلى حديث أنس قال وأما المنافق والكافر فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيقال لا دريت ولا تليت ويضرب بمطارق من حديد ضربه فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين.
__________
1 الحديث أخرجه البخاري "ح 1338"، ومسلم "ح 2870".
(1/10)

وخرجه أبو داود1 بزيادات أخر منها: إن المؤمن يقال له: " ما كنت تعبد فإن الله هداه قال كنت أعبد الله فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول هو عبد الله ورسوله فما يسأل عن شيء غيرها".
وزاد فيه أيضا: "فيقول دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي فيقال له: اسكن".
وذكر في الكافر: أنه يسأل عما كان يعبد ثم عن هذا الرجل.
وخرجا في الصحيحين2 من حديث أسماء بنت أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم كسفت الشمس: "ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبا من فتنة المسيح الدجال يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن فيقول محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا فيقال له نم صالحا فقد علمنا إن كنت لمؤمنا، وأما المنافق والمرتاب فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته".
وخرجه الإمام أحمد3 ولفظه: "ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم ويسأل الرجل ما كنت تقول وما كنت تعبد فإن قال: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ويصنعون شيئا فصنعته قيل له: أجل على شك عشت وعليه مت هذا مقعدك من النار وإن قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قيل له على اليقين عشت وعليه مت هذا مقعدك من الجنة".
وخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه4 من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قبر الميت - أو قال: أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول ما كان المنكر والآخر النكير فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل فيقول ما كان يقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراعا ثم ينور له فيه ثم يقال له
__________
1 هي عند أبي داود برقم "4751".
2 الحديث أخرجه البخاري "ح 86"، ومسلم "ح 905".
3 أخرجه احمد في المسند "6/354، 355".
4 أخرجه الترمذي "ح 1077"، وابن حبان "ح 780/ زوائد".
(1/11)

نم فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وإن كان منافقا قال سمعت الناس يقولان شيئا فقلت مثله لا أدري فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه" 1.
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الميت يصير إلى القبر فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشغوف ثم يقال له فيم كنت فيقول كنت في الإسلام فيقال له ما هذا الرجل فيقول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه فيقال له هل رأيت الله فيقول ما ينبغي لأحد أن يرى الله فيفرج له فرجه قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال له انظر إلى ما وقاك الله ثم يفرج له فرجه قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له هذا مقعدك ويقال له على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله تعالى ويجلس الرجل السوء في قبره فزعا مشغوفا فيقال له فيم كنت فيقول لا أدري فيقال له ما هذا الرجل فيقول سمعت الناس يقولون قولا فقلته فيفرج له فرجه قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له: أنظر إلا ما صرف الله عنك ثم يفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال له هذا مقعدك على الشك كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله تعالى".
وخرج الطبراني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة فلما فرغ من دفنها وانصرف الناس قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: إنه الآن يسمع خفق نعالهم أتاه منكر ونكير أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي البقر وأصواتهما مثل الرعد فيجلسانه فيسألانه ما كان يعبد ومن كان نبيه فإن كان ممن يعبد الله قال كنت أعبد الله ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم جاءنا بالبينات والهدى فآمنا واتبعنا فذلك قول الله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27] ، الآية فيقال له: على اليقين حييت وعليه مت وعليه تبعث ثم يفتح له باب إلى الجنة ويوسع له في حفرته وإن كان
__________
1 أخرجه أحمد في مسند "6/139، 140" ولكنه من حديث عائشة، وابن ماجة "ح 4268" وصححه البوصيرى في زوائده، والألباني في صحيح ابن ماجة.
(1/12)

من أهل الشك قال لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيقال له على الشك حييت وعليه مت وعليه تبعث ثم يفتح له باب النار ويسلط عليه عقارب وتنانين لو نفخ أحدهم في الدنيا ما أنبتت شيئا تنهشه وتؤمر الأرض فتنضم حتى تختلف أضلاعه".
وخرج الإمام أحمد من حديث جابر1 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه جاءه ملك شديد الانتهار فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول المؤمن: إنه عبد الله ورسوله فيقول له الملك: أنظر إلى مقعدك من النار قد أنجاك الله منه وأبدلك بمقعدك الذي ترى من الجنة فيراهما كليهما فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي فيقال له أسكن".
وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أصحابه وأهله فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل قال: لا أدري أقول ما يقول الناس فيقال: لا دريت هذا مقعدك الذي كان لك في الجنة أبدلك الله به مقعدك في النار.
قال جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يبعث كل عبد على ما مات عليه المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه" 2.
وأخرج ابن ماجه من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل الميت القبر مثلت الشمس عند غروبها فيجلس يمسح عينيه ويقول دعوني أصلي" 3.
وخرج الإمام أحمد4 أيضا من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وأما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تسألون فإذا كان الرجل الصالح أجلس في قبره غير فزع ولا مشغوف ثم يقال له فيم كنت فيقول في الإسلام فيقال ما هذا الرجل الذي كان فيكم فيقول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءنا بالبينات والهدى من عند الله فصدقناه فيفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا فيقال له: أنظر إلى ما وقاك الله منه،
__________
1 صحيح: أخرجه أحمد في المسند "3/346".
2 الحديث أخرجه مسلم "ح2878" بلفظ "يبعث كل عبد على ما مات عليه".
3 حسن: أخرجه ابن ماجه "ح 4272" وحسنه البوصيرى في زوائده، والألباني في صحيح ابن ماجة.
4 أخرجه احمد "6/140".
(1/13)

ثم يفرج له فرجه قبل الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال هذا مقعدك منها ويقال له على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله وإن كان الرجل السوء أجلس في قبره فزعا مشغوفا فيقال له فيم كنت فيقول لا أدري فيقال له ما هذا الرجل الذي كان فيكم فيقول سمعت الناس يقولون قولا فقلت كما قالوا فيفرج له فرجه إلى الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها فيقال له أنظر إلى ما صرف الله عنك ثم يفرج له فرجه قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا ويقال له هذا مقعدك منها على الشك كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله ثم يعذب".
وخرج الإمام أحمد أيضا من حديث أبي سعيد الخدري1 قال: شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده قال ما تقول في هذا الرجل فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقول له صدقت ثم يفتح له بابا إلى النار فيقول هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذا آمنت بربك فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إليه فيقول له أسكن ويفسح له قبره وإن كان كافرا أو منافقا فيقول له: ما تقول في هذا الرجل فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فيقول: لا دريت ولا تليت ولا اهتديت ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول: هذا منزلك لو آمنت بربك فأما إذا كفرت به فإن الله عز وجل أبدلك به هذا ويفتح له باب إلى النار ثم يقمعه قمعة بالمطراق يسمعها خلق الله عز وجل كلهم غير الثقلين" فقال بعض القوم: يا رسول الله ما أحد يقوم عليه ملك بيده مطراق إلا هيل عند ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 37] .
وخرج أبو بكر في كتاب "السنة" من حديث عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كيف أنت يا عمر إذا كنت من الأرض في أربعة أذرع في ذراعين فرأيت منكرا ونكيرا"؟ قلت: يا رسول الله وما منكر ونكير؟ قال: "فتانا القبر يبحثان الأرض بأنيابهما ويطآن في أشعارهما أصواتها كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف ومعهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقدروا على رفعها وهي أيسر من عصاي هذه" قال: قلت يا رسول الله وأنا على حالي هذه قال: "نعم" فقلت: إذا أكفيكهما.
__________
1 صحيح: أخرجه احمد في المسند "3/3، 4".
(1/14)

وفي رواية أيضا "فامتحناك فإن التويت ضرباك ضربه صرت رمادا" وفي إسناده ضعف.
وخرجه الإسماعيلي من وجه آخر فيه ضعف أيضا عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وزاد فيه: "يأتيان الرجل في صورة قبيحه يطآن على شعورهما ويحفران الأرض بأنيابهما وزاد فيه يقولان له: من ربك فإن كان مسلما يقول: ربي الله وإن كان فاجرا فيقول: لا أدري فيضربانه ضربه لو كان جبلا صار ترابا فيصيح صيحة ما يبقى شيء إلا سمعها إلا الثقلين الجن والإنس فذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] .
وقد روى حديث عمر هذا من وجوه أخر مرسلة.
وخرج الإمام أحمد وابن حيان في صحيحه1، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر فتاني القبر فقال عمر: أترد إلينا عقولنا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم كهيئتكم اليوم" فقال عمر: بفيه الحجر".
وخرج أبو داود عن عثمان بن عفان2 رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل".
وفي حديث يونس عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر سؤال المؤمن في قبره وإن الملك ينتهره قال وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فذكر قوله تعالى {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] الآية أخرجه الإمام أحمد3.
وكذا رواه جرير عن الأعمش عن المنهال وفي حديثه: "إن المؤمن يقول ذلك ثلاث مرات ثم ينتهرانه انتهارة شديدة وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن".
__________
1 صحيح: أخرجه أحمد في المسند "2/172"، وابن حبان "ح/778/زوائد" وصحح إسناده العلامة احمد شاكر، قال رحمه الله في تحقيق المسند "6/175": وقول عمر "بفيه الحجر" مما أعطاه الله بفضله ومنه، ومن قوة العقل، وثبات الجنان، وصادق الإيمان، وقوة الحجة، ثقة بربه، واستمساكا بالعروة الوثقى، رحمه الله ورضي عنه، وآتانا من فضله ورحمته بعض ما أوتى عمر" أ – هـ.
2 صحيح: أخرجه أبو داود "ح 3221"، وفي المشكاة برقم "133" وصححه العلامة الألباني هناك.
3 عنده في المسند "4/226" وتقدم تخريجه مفصلا.
(1/15)

ورواه أبو عوانة، عن الأعمش وفي حديثه: "ويأتيه ملكان شديدا الانتهار" وذلك في حق الكافر والمؤمن.
وقد روى عن مجاهد: أن الموتى كانوا يفتنون في قبورهم سبعا فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام.
وعن عبيد بن عمير قال: المؤمن يفتن سبعا والمنافق أربعين صباحا.
وقال الإمام أحمد: أخبرنا يزيد بن هارون عن المسعودي عن العلاء بن الشخير حدثنا بعض حفدة أبي موسى الأشعري أن أبا موسى الأشعري أوصاهم قال إذا حفرتم فأعمقوا قعره أما أني والله لأقول لكم ذلك وأني لأعلم إن كنت من أهل طاعة الله ليفسحن لي في قبري ولينور لي فيه ثم ليفتحن لي باب مساكني في الجنة فما أنا بمساكني من داري هذه بأعلم من مساكني منها ثم ليأتيني من روحها وريحتها وريحانها ولئن كنت من أهل المنزلة الأخرى ليضيقن علي قبري وليهدمن من على الأرض وليفتحن الله إلي باب مساكني من النار فما أنا بمساكني من داري هذه بأعلم من مساكني منها ثم ليأتيني من شرها وشرورها ودخانها.
وروى المسعودي عن عبد الله بن المخارق عن أبيه قال: قال عبد الله يعني ابن مسعود: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره فيقال له من ربك ما دينك من نبيك قال فيثبته الله تعالى فيقول ربي الله ديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم فيوسع له في قبره ويفرج له فيه ثم قرأ عبد الله {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} [إبراهيم: 27] .
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا أحمد بن بحير حدثنا بعض أصحابنا قال مات أخ لي فرأيته في النوم فقلت له ما حالك حين وضعت في قبرك قال أتاني آت بشهاب من نار فلولا أن داعيا دعا لي لرأيت أنه سيضربني.
فصل
وقد أطلع الله من شاء من عباده على كثير مما ورد في هذه الأحاديث حتى سمعوه وشاهدوه عيانا ونحن نذكر بعض ما بلغنا من ذلك.
روى شبابه بن سوار حدثنا المغيرة بن مسلم، عن حصين، عن عبد الله بن عبيد
(1/16)

الأنصاري، قال كنت ممن دفن ثابت بن قيس بن شماس وكان أصيب يوم اليمامة فلما أدخلناه القبر سمعناه يقول محمد رسول الله أبو بكر الصديق عمر الشهيد عثمان الرحيم فنظرنا فإذا هو ميت.
خرجه أبو عبد الله بن مجلز عن محمد بن عبد الله الأصم عن شبابة بن سوار ابن محمد وخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت عن خلف البزار عن خالد الطحان عن حصين به ولفظه إن رجلا من قتلى مسيلمة تكلم فقال محمد رسول الله أبو بكر الصديق عثمان اللين الرحيم.
وخرجه ابن أبي الدنيا من طريق يزيد بن طريف قال مات أخي فلما ألحدوه وانصرف الناس وضعت رأسي على قبره فسمعت صوتا ضعيفا أعرف أنه صوت أخي وهو يقول الله فقال له الآخر فما دينك قال الإسلام.
ومن طريق العلاء بن عبد الكريم قال: مات رجل وكان له أخ ضعيف البصر قال أخوه فدفناه فلما انصرف الناس وضعت رأسي على القبر فإذا أنا بصوت من داخل القبر يقول من ربك ومن نبيك فسمعت صوت أخي وهو يقول الله ربي ومحمد صلى الله عليه وسلم نبي قال الآخر فما دينك قال الإسلام.
وخرجه في كتاب القبور بلفظ آخر وهو قال فإذا أنا بصوت داخل القبر يقول من ربك ومن نبيك فسمعت أخي وعرفته وعرفت صوته قال الله ربي ومحمد نبيي ثم ارتفع شبه سهم من داخل القبر إلى أذني فاقشعر جلدي وانصرفت.
وقال أبو الحسن بن البراء العبدي في كتاب "الروضة" حدثني الفضل بن سهل الأعرج قال أحمد بن نصر حدثني رجل رفعه إلى الضحاك قال توفي أخ لي فدفن قبل أن ألحق جنازته فأتيت قبره فاستمعت عليه فإذا هو يقول ربي الله والإسلام ديني.
وروينا من طريق مزداد بن جميل قال قال أبو المغيرة ما رأيت مثل المعافري بن عمران بعدما دفن فسمعته وهو يلقن في قبره وهو يقول لا إله إلا الله فيقول المعافى: لا إله إلا الله.
وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب "القبور" من حديث مرثد بن حوشب قال كنت جالسا عند يوسف بن عمرو وإلى جانبه رجل كأن شق وجهه صفحة من حديد، فقال
(1/17)

له يوسف حدث مرثدا بما رأيت قال كنت شابا قد أتيت هذه الفواحش فلما وقع الطاعون قلت أخرج إلى ثغر من هذه الثغور ثم رأيت أن أحفر القبور فإذا بي لليلة بين المغرب والعشاء قد حفرت قبرا وأنا متكئ على تراب قبر آخر إذا أقبل بجنازة رجل حتى دفن في ذلك القبر وسوينا عليه التراب فأقبل طائران أبيضان من المغرب مثل البعيرين حتى سقط أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ثم أثاراه ثم تدلى أحدهما في القبر والآخر على شفيره قال فجئت فجلست على شفير القبر وكنت رجلا لا يملأ جوفي شيء قال فضرب بيده إلى حقوه فسمعته يقول ألست الزائر أصهارك في ثوبين ممصرين تسحبهما كبرا تمشي الخيلاء فقال أضعف من ذلك فضربه ضربه امتلأ القبر حتى فاض ماء أو دهنا قال ثم عاد فعاد عليه مثل القول الأول حتى ضربه ثلاث ضربات كل ذلك يقول له ويذكر أن القبر يفيض ماء أو دهنا قال رفع رأسه فنظر إلى فقال أنظر أين هو جالس أبلسه الله قال ثم ضرب جانب وجهي فسقطت فمكثت ليلتي حتى أصبحت قال ثم أخذت أنظر إلى القبر فإذا هو على حاله وأذكر جلوسي وذكر نحو هذا أو شبهه وكذلك شواهد اتساع اللحد وانفراجه.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المختصرين" بإسناده عن أبي غالب صاحب أبي أمامة أن فتى بالشام حضره الموت فقال لعمه أرأيت لو أن الله دفعني إلى والدتي ما كانت صانعة بي قال إذا والله تدخلك الجنة فقال والله لله أرحم بي من والدتي فقبض الفتى فجزع عليه عبد الملك بن مروان قال فدخلت القبر مع عمه فخطوا له خطا فلم يلحدوه قال فقلنا باللبن فسويناه عليه فسقطت لبنة فوثب عمه فتأخر قلت ما شأنك قال ملئ قبره نورا وفسح له مد بصره.
وبإسناده عن محمد بن أبان عن حميد قال كان لي ابن أخت فذكر شبها بهذه الحكاية إلا أنه قال فاطلعت في اللحد فإذا هو مد بصري قلت لصاحبي رأيت ما رأيت قال نعم فليهنك ذلك قال فظننت أنه بالكلمة التي قالها.
وروى في كتاب "ذكر الموت" بإسناده عن أبي بكر بن أبي مريم عن الأشياخ قال كان شيخ من بني الحضرمي بالبصرة وكان شيخا صالحا وكان له ابن أخ يصحب الفتيان الفساق فكان يعظه فمات الفتى فلما أنزله عمه في قبره فسوى عليه اللبن شك في بعض أمره فنزع بعض اللبن فنظر فإذا قبره أوسع من جبانة البصرة وإذا هو في وسط منها فرد عليه اللبن وسأل امرأته عن عمله فقالت كان إذا سمع المؤذن
(1/18)

يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وأنا أشهدت به وأكفيها من تولى عنها.
وقال أبو الحسن بن البراء حدثني عبد الرحمن بن أحمد الجعفي حدثني علي بن محمد حدثنا يزيد بن نوح النخعي قرابة لشريك بن عبد الله قال صليت في الكوفة على ميت ثم دخلت فبره حتى أصلحت عليه اللبن فبينا أنا أصلح عليه اللبن وقعت لبنة في القبر فإذا أنا بالكعبة والطواف قد مثلا لي في القبر فسويت عليه اللبن وصعدت.
قال ابن أبي الدنيا في كتاب "من عاش بعد الموت": حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا كثير بن يحيى بن كثير البصري حدثنا أبي حدثنا أبو مسعود الجويري حدثني شيخ في مسجد الأشياخ قال كان يحدثنا عن أبي هريرة قال بينا نحن حول مريض لنا إذ هدأ وسكن حتى ما يتحرك منه عرق فسجيناه وأغمضناه وأرسلنا إلى ثيابه وسدره وسريره فلما ذهبنا لنحمله لنغسله تحرك فقلنا سبحان الله سبحان الله ما كنا نراك إلا قد مت!
قال: فإني قد مت وذهب بي إلى قبري فإذا إنسان حسن الوجه طيب الريح قد وضعني في لحدي فطواه بالقراطيس إذ جاءت إنسانه سوداء منتنة الريح فقالت هذا صاحب كذا وكذا أشياء والله استحي منها كأنما اقلعت عنها ساعتي تيك.
قلت: أنشدتك الله أترد عني هذه.
قالت: انطلق نخاصمك.
فانطلقت إلى دار فيحاء وسعة فيها كأنها فضة وفي ناحية منها مسجد ورجل قائم يصلي فقرأ سورة النحل فتردد في مكان منها ففتحت عليه فانفتل فقال السورة معك؟
قلت: نعم
قال: إما إنها سورة النعم، ورفع وسادة قريبة منه فأخرج منها صحيفة فنظر فيها فبدرته السوداء: فقالت: فعل كذا وفعل كذا.
(1/19)

قال: وجعل الحسن الوجه يقول وفعل كذا وفعل كذا وفعل كذا يذكر محاسني فقال الرجل عبد ظالم لنفسه ولكن الله تجاوز عنه لم يجئ أجل هذا بعد أجل هذا يوم الإثنين.
قال: فقال لهم انظروا فإن أنا مت يوم الإثنين فأرجو لي ما رأيت وإن لم أمت يوم الإثنين فإنما هو هذيان الوجع.
قال: فلما كان يوم الإثنين صح حتى بعد العصر ثم أتاه أجله فمات.
وفي الحديث: فلما خرجنا من عند الرجل قلت للرجل الحسن الوجه الطيب الريح ما أنت قال أنا عملك الصالح قلت فما الإنسانة السوداء المنتنة الريح قال وذلك عملك الخبيث أو كلام يشبه هذا.
وفي كتاب ابن أبي الدنيا خرج لأبي القاسم إسحاق بن إبراهيم بن سنين الختلي قال سمعت عبد الله بن محمد العنسي يقول حدثه عمرو بن مسلم عن رجل حفار للقبور قال حفرت قبرين وكنت في الثالث فاشتد علي الحر فألقيت كسائي على ما حفرت واستظليت فيه فبينا أنا كذلك إذا رأيت شخصين على فرسين أشهبين فوقفا على القبر الأول فقال أحدهما لصاحبه أكتب قال ما أكتب قال فرسخ في فرسخ ثم تحولا إلى الآخر فقال أكتب قال وما أكتب قال مد البصر ثم تحولا إلى الآخر الذي أنا فيه فقال أكتب قال وما أكتب قال فتر في فتر.
فقعدت أنظر الجنائز فجيء برجل معه نفر يسير فوقفوا على القبر قلت ما هذا الرجل قالوا إنسان قراب يعني سقاء ذو عيال ولم يكن له شيء فجمعنا له فقلت ردوا الدراهم على عياله ودفنته معهم ثم أتي بجنازة ليس معها إلا من يحملها فسألوه عن القبر الذي قال مد البصر قلت من ذا الرجل فقالوا إنسان غريب ما ت على مزبلة لم يكن معه شيء قال فلم آخذ منهم شيئا فصليت معهم وقعدت أنتظر الثالث فلم أزل أنتظر إلى العشاء فأتي بجنازة امرأة لبعض القواد فسألتهم الثمن فضربوا برأسي ودفنوها فيه.
(1/20)

الباب الثاني: في كلام القبر عند نزوله إليه
خرج الترمذي من حديث عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية، عن أبي سعيد قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلاه فرأى أناسا كأنهم يكتشرون أو يضحكون فقال: أما إنكم لو أكثرتم من ذكر هاذم اللذات لأشغلكم عما أرى: الموت فأكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه لم يأت يوم على القبر إلا يتكلم فيه فيقول أنا بيت الغربة أنا بيت الوحدة أنا بيت التراب أنا بيت الدود فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر مرحبا وأهلا أما إن كنت لأحب من يمشي على ظهري فإذا وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك فيتسع له مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة وإذا دفن العبد الكافر أو الفاجر قال القبر لا أهلا ولا مرحبا أما إن كنت لأبغض من يمشي على ظهري فإذا وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك".
قال: " فيلتئم عليه القبر حتى تلتقي وتختلف أضلاعه".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصابعه، وأدخلها بعضها في جوف بعض.
قال: " ويقيض له سبعين تنينا لو أن واحدا منهم نفخ على الأرض ما أنبتت شيئا ما بقيت الدنيا فتنهشه وتخدشه حتى يفضي به إلى الحساب".
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القبر إما روضه من رياض الجنة أو حفره من حفر النار" وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه1.
قلت الوصافي شيخ كوفي صالح أشغلته العبادة عن حفظ الحديث حتى وقعت المنكرات في حديثه وفي آخر حديثه هذا رويت عن أبي سعيد من وجه آخر موقوفة ومرفوعة وسنذكر فيما بعد إن شاء تعالى وباقي حديثه لا يعرف عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن روي معناه من وجوه أخر.
__________
1 ضعيف: أخرجه الترمذي "ح 2460" وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفيه عبيد الله بن الوليد الوصافي. قال غنه الحافظ في "التقريب" ضعيف.
(1/21)

روى بقية بن الوليد عن أبي بكير بن أبي مريم عن الهيثم بن مالك الطائي عن عبد الرحمن بن عائد عن أبي الحجاج الثمالي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول القبر للميت حين يوضع فيه ويحك يا ابن آدم من غرك بي ألم تعلم أني بيت الفتنة وبيت الظلمة وبيت الوحدة وبيت الدود ما غرك بي إذا كنت تمر بي فدادا.
قال: فإن كان مصلحا أجاب عنه مجيب القبر فيقول أرأيت إن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال فيقول القبر إني إذا أعود عليه خضرا ويعود جسده نورا وتصعد روحه إلى الله تعالى1. خرجه ابن أبي الدنيا وأبو أحمد والحاكم في كتاب الكنى قال أبو الحجاج الثمالي واسمه عبد الله بن عبيد ويقال عبد الله بن عبد له صحبه.
وقد روى هذا الكلام معاوية بن صالح أخبرني مخبر عن عمرو بن عائد الأزدي عن غضيف بن الحارث الكندي سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول إن العبد إذا وضع في قبره فذكره بنحوه خرجه أبو الحسن بن البراء عن علي بن المديني عن زيد بن الحباب عن معاوية وكذا رواه يحيى بن جابر الطائي عن ابن عائد الأزدي وهذا الموقف أصح.
وروى محمد بن أيوب الرملي عن أبيه عن الأوزاعي عن ابن المنكدر عن جابر رفعه قال إن للقبر لسانا ينطق به يقول يا ابن آدم كيف نسيتني ألم تعلم أني بيت الوحشة وبيت الغربة وبيت الدود وبيت الضيق إلا ما وسع الله عز وجل أيوب بن سويد فيه ضعف وابنه محمد متروك.
قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر الفقيه الحنبلي في كتاب الشافي في الفقه حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الشيرازي حدثنا محمد بن حماده قال قرئ على عبد الرزاق وأنا حاضر عن الثوري عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فوجد القبر لم يلحد فجلس وجلسنا حوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا وضع الميت في قبره ثم
__________
1 ضعيف: عزاه العراقى في تخريج الإحياء "4/482" لأبي الدنيا في كتاب القبور، والطبراني في مسند الشاميين وأبو أحمد الحاكم في الكنى من حديث الحجاج الثمالى بإسناد ضعيف
(1/22)

سوي عليه كلمته الأرض فتقول أما علمت أني بيت الوحشة والغربة والدود فماذا أعددت لي؟ " غريب جدا وحديث البراء بن عازب معروف وقد سبق بعضه ولا نعرف هذا اللفظ فيه من غير هذا الوجه والشيرازي غير معروف.
وخرج ابن منده من طريق عروة بن مروان الرقي حدثنا محمد بن سلمة عن حفيص عن مجاهد عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله وفيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا وضع الميت في لحده تقول له الأرض إن كنت لحبيبا وأنت على ظهري فكيف إذا صرت اليوم إلي سأريك ما أصنع بك فيفسح له في قبره مد البصر".
وخرج ابن أبي الدنيا من طريق داود بن فائد قال صعدت مع عبد الله بن عبيد بن عمير في جنازة فقال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الميت يقعد وهو يسمع خطى مشيعيه فلا يكلمه شيء إلا قبره فيقول ويحك أي بني آدم أليس قد حذرتني وحذرت ضيقي وهولي ودودي فما أعددت لي؟ " 1.
ومن طريق عبد أبي بكر المكي حدثني عبيد بن عمير قال ليس من ميت يموت إلا نادته حفرته التي يدفن فيها أنا بيت الظلمة والوحدة والإنفراد فإن كنت في حياتك مطيعا كنت اليوم عليك رحمة وان كنت لربك عاصيا فأنا اليوم عليك نقمة أنا البيت الذي من دخلني مطيعا خرج مسرورا ومن دخلني عاصيا خرج مني مثبورا.
وروى هناد بن السري عن حسين الجعفي عن مالك بن مغول عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال يجعل الله للقبر لسانا ينطق به فيقول ابن آدم كيف نسيتني أما علمت أني بيت الأكلة وبيت الدود وبيت الوحدة وبيت الوحشة؟.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عمر بن ذر قال إذا دخل الميت حفرته نادته الأرض أمطيع أم عاص فإن كان صالحا ناداها مناديه ناحية القبر عودي عليه خضراء كوني عليه رحمة فنعم العبد كان الله عز وجل ونعم المورد إليك قال فتقول
__________
1 ضعيف: عزاه العراقي في تخريج الأحياء "4/483" لإبن أبي الدنيا في القبور مرسلا، وابن المبارك في الزهد بلاغا، ولم يرفعه.
(1/23)

الأرض: الآن استحق الكرامة.
وبإسناده عن محمد بن السماك الواعظ قال بلغنا أن الرجل إذا وضع في قبره فعذب أو أصابه بعض ما يكره ناداه جيرانه من الموتى أيها المخلف في الدنيا بعد إخوانه وجيرانه أما كان لك فينا معتبرا أما كان لك في تقدمك إيانا فكرة؟ أما رأيت انقطاع أعمالنا عنا في المهلة؟ فهلا استدركت ما فات إخوانك؟.
قال: فتناديه بقاع القبر أيها المغتر بظاهر الدنيا هلا اعتبرت بمن غيب عنك من أهلك في بطن الأرض غرته الدنيا قبلك ثم سبق له أجله إلى القبور وأنت تراه محمولا تهادى به أحبته إلى المنزل الذي لا بد منه.
(1/24)

الباب الثالث: في اجتماع الموتى إلى الميت وسؤالهم إياه
خرج النسائي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر خروج الروح وقال في روح المؤمن: "فيأتون به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحا به من أحدكم بغائبه يقدم عليهم فيسألونه ما فعل فلان فيقولون دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم الدنيا فإذا قال أتاكم قالوا ذهب به إلى أمه الهاوية" 1.
روى معاوية بن يحيى وفيه ضعف عن عبد الرحمن بن سلامة أن أبا رهم السمعي حدثه أن أبا أيوب الأنصاري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن نفس المؤمن إذا قبضت تلقاها أهل الرحمة من عند الله كما يتلقى البشير في الدنيا فيقولون أنظروا أخاكم حتى يستريح فإنه كان في كرب شديد فيسألونه ما فعل فلان وما فعلت فلانة وهل تزوجت فإذا سألوه عن رجل مات قبله قال مات قبلي قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية" خرجه ابن أبي الدنيا وغيره.
وخرجه ابن المبارك، عن ثور بن يزيد عن أبي رهم عن أبي أيوب الأنصاري موقوفا وكذا رواه محمد بن سميع عن ثور ورواه سلام الطويل وهو ضعيف جدا عن خالد بن معدان ورواية ابن المبارك أصح.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن جعفر عن سعيد هو ابن جبير قال: "إذا مات الميت استقبله أهله كما يستقبل الغائب".
وبإسناده عن صالح المري قال بلغني أن الأرواح تتلاقى عند الموت فتقول أرواح الموتى للروح التي تخرج إليهم كيف كان مأواك وفي أي الجسدين كنت في طيب أم خبيث قال ثم بكى حتى غلبه البكاء.
وبإسناده عن ثابت البناني قال بلغنا أن الميت إذا مات احتوشته أهله وأقاربه الذين
__________
1 صحيح: أخرجه النسائي "ح 1832".
(1/25)

تقدموا من الموتى قال ولهو أفرح بهم وهم أفرح به من المسافر إذا قدم على أهله.
ومن طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال أهل القبور يتوكفون الأخبار فإذا أتاهم الميت قالوا ما فعل فلان فيقول صالح ما فعل فلان فيقول ألم يأتكم أو ما قدم عليكم فيقولون إنا لله وإنا إليه راجعون سلك به غير سبيلنا.
وعن عبيد بن عمير أيضا قال إذا مات الميت تلقته الأرواح يستخبرونه كما كان يستخير الراكب ما فعل فلان فإذا قال توفي ولم يأتهم قالوا ذهب به إلى أمه الهاوية.
وعنه قال وإن آيس من لقاء من مات من أهلي لألفاني قد مت كمدا.
وعن السري بن إسماعيل، قال سمعت الشعبي ذكر ابنه فقال رحمه الله تعالى يقال إن كان اللقاء لقريبا ثم حدثنا أن الميت إذا وضع في لحده أتاه أهله وولده فسألوه عمن خلف بعده وكيف فلان وما فعل فلان؟
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات العبد تلقى روحه أرواح المؤمنين فيقولون له ما فعل فلان ما فعل فلان فإذا قال مات قبلي قالوا ذهب به إلى أمه الهاوية بئست الأم وبئست المربية" 1.
وخرج الالكائي، من طريق مؤمل عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال إذا قبض روح المؤمن عرج به إلى السماء فتلقاه أرواح المؤمنين فيسألونه ما فعل فلان فيقول ألم يأتكم فيقولون لا والله ولا مر بنا سلك به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية.
وخرج ابن أبي الدنيا من طريق يونس عن الحسن قال إذا حضر المؤمن حضره خمسة ملائكة فيقبضون روحه فيعرجون به إلى السماء الدنيا فتلقاهم أرواح المؤمنين الماضية فيريدون أن يستخبره فتقول الملائكة أرفقوا به فإنه خرج من كرب
__________
1 ضعيف: أخرجه الحاكم في المستدرك "2/581" وضعفه بالإرسال.
(1/26)

عظيم فيسأله الرجل عن أخيه وعن صاحبه فيقول كما عهدت حتى يستخبروه عن الرجل الذي مات قبله فيقول أما أتاكم فيقولون أو قد مات فيقول إي والله فيقولون إنا لله وإنا إليه راجعون ذهب به إلى أمه الهاوية فبئست الأم وبئست المربية.
وروى أبو نعيم بإسناده عن وهب بن منبه قال إذا مات الميت من أهل الدنيا تلقته الأرواح عن أخبار الدنيا كما يسأل الغائب أهله إذا قدم عليهم.
روى ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب عن منصور بن أبي منصور سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول إذا مات المؤمن مر به على المؤمنين وهم أندية فيسألونه عن بعض أصحابهم فإن قال مات قالوا استقبل وإن كان كافرا قالوا هوي به إلى الأرض السافلة فيسألونه عن الرجل فإن قال قد مات قالوا علينا به خرجه ابن أبي الدنيا.
(1/27)

الباب الرابع: في اجتماع أعمال الميت عليه من خير وشر ومدافعتها عنه وكلامها له وما ورد من تحسر الموتى على انقطاع أعمالهم ومن أكرم منهم تبقى إعماله عليه
روى حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده إنه ليسمع خفق نعالكم حين تولون عنه فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصوم عن شماله وفعل الخيرات والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه.
فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ليس من قبلي مدخل فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة ليس من قبلي مدخل ثم يؤتى عن شماله فيقول الصوم ليس قبل مدخل ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات والإحسان إلى الناس ليس قبلي مدخل.
فيقال له: اجلس فيجلس وقد مثلت الشمس للغروب فيقولون له ما تقول في هذا الرجل كان بعث فيكم يعني النبي صلى الله عليه وسلم فيقول أشهد أنه رسول الله جاءنا بالبينات من عند ربنا فصدقناه واتبعناه فيقال له صدقت وعلى هذا حييت وعلى هذا مت وعليه تبعث إن شاء الله فيفسح له في قبره مد بصره فذلك قوله سبحانه {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] . فيقال: افتحوا له بابا إلى النار فيقال هذا منزلك لو عصيت الله فيزداد غبطه وسرورا ويقال افتحوا له بابا إلى الجنة فيفتح له فيقال هذا منزلك وما أعد الله لك فيزداد غبطة وسرور فيعاد الجسد إلى ما بدئ منه وتجعل روحه نسم طير معلق في شجر الجنة.
وأما الكافر فيؤتى في قبره من قبل رأسه فلا يوجد يعني شيئا فيجلس خائفا مرعوبا فيقال له ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم وما تشهد به فلا يهتدي لاسمه فيقال محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول سمعت الناس يقولون شيئا فقلت كما قالوا فيقال له صدقت على هذا حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله
(1/28)

تعالى ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فذلك قوله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} [طه: 123] فيقال افتحوا له بابا إلى الجنة فيفتح له باب إلى الجنة فيقال هذا منزلك وما أعد الله لك لو كنت أطعته فيزداد حسرة وثبورا ثم يقال: افتحوا له بابا إلى النار فيفتح له باب إليها فيقال له هذا منزلك وما أعد الله لك فيزداد حسرة وثبورا" 1.
قال أبو عمر الضرير قلت لحماد بن سلمة كان هذا من أهل القبلة قال نعم قال أبو عمر كأنه شهد بهذه الشهادة على غير يقين يرجع إلى قبله كأن يسمع الناس يقولون شيئا فيقول خرجه الطبراني.
وخرجه الخلال في كتاب السنة وزاد فيه بعد قوله: "وقد مثلت الشمس قد دنت للغروب فيقال هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه فيقول دعوني حتى أصلي فيقولون إنك ستفعل أخبرنا عما نسألك عنه" 2 وذكر الحديث.
وخرجه ابن حيان في صحيحه من طريق معتمر عن محمد بن عمرو به ورواه جماعة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة موقوفا وقد روي من حديث أبي حازم عن أبي هريرة نحوه أيضا مع الاختلاف في رفعه وقطعه.
وخرجه ابن منده من طريق محمد بن جحادة عن طلحة بن مصرف عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: إذا وضع المؤمن في قبره أتاه شيطان من قبل رأسه فيحول بينه وبينه سجوده ثم يأتيه من قبل يديه فيحول بينه وبينه صومه ثم يأتيه من قبل رجليه فيحول بينه وبينه قيامه عليهما في الصلاة ثم يفتح له باب من أبواب الجنة فيقول ربي بلغني منزلي فيقول إن لك إخوة وأخوات لم يلحقوا فنم قرير العين لا تفزع بعدها.
وخرجه أيضا من طريق محمد بن الصامت عن ابن عيينة عن طلحة بن مصرف عن أبي حازم عن أبي هريرة يرفعه: "يؤتى الرجل من قبل رأسه في قبره فإذا أتي دفعه تلاوة القرآن فإذا من قبل يديه دفعته الصدقة فإذا أتي من قبل رجليه دفعه مشيه
__________
1 حسن: أخرجه ابن حبان في الجنائز، باب: في الميت يسمع ويسأل، "ح 871/ زوائد".
2 وهي عن ابن حبان، أنظر التخريج السابق.
(1/29)

إلى المساجد" فذكر نحوه.
كذا في هذه الرواية السابقة إن الذي يأتيه في قبره شيطان.
وفي حديث الأعمش عن المنهال عن زاذان قال قلت للبراء أملك هو أم شيطان قال فغضب غضبا شديدا ثم قال كنا نحن أشد هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسأله أملك هو أم شيطان إنما نحدثكم ما سمعنا.
وخرج الإمام أحمد من حديث محمد بن المنكدر قال كانت أسماء تحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أدخل الإنسان في قبره فإن كان مؤمنا حف به عمله الصيام والصلاة قال فيأتيه الملك من نحو الصلاة فيرده ومن نحو الصيام فيرده فيناديه اجلس فيجلس فيقول ماذا تقول في هذا الرجل يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال: من؟ قال: محمد قال محمد صلى الله عليه وسلم قال فيقال وما يدريك أدركته؟ قال يقول إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث.
قال إن كان فاجرا أو كافرا قال جاءه الملك ليس بينه وبينه شيئ يرده فأجلسه قال يقول اجلس ماذا تقول في هذا الرجل قال أي رجل قال محمد قال يقول والله ما أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته قال فيقول له الملك على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث.
قال: ويسلط عليه دابة في قبره معها سوط بمرزبة جمرة مثل غرب البعير تضربه ما شاء الله صماء لا تسمع صوته فترحمه" 1.
قلت: قوله ويسلط عليه دابة إلى آخره قد روي من وجه آخر عن ابن المنكدر أنه بلغه ذلك فلعله مدرج في الحديث.
وفي حديث زاذان عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد سبق ذكر بعضه قال في المؤمن: "ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول: أنا عملك الحسن فيقول رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي".
__________
1 صحيح: أخرجه أحمد "6/ 353".
(1/30)

وقال في حق الكافر: "ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوءك فهذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة" خرجه الإمام أحمد وغيره.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي بكر بن عياش عن المقبري عن عائشة رضي الله عنهما قالت إذا خرج سرير المؤمن نادى أنشدكم الله لما أسرعتم بي فإذا أدخل قبره لحقه عمله فتجيء الصلاة فتكون على يمينه ويجيء الصوم فيكون عن يساره ويجيء عمله بالمعروف فيكون عند رجليه فتقول الصلاة: ليس لكم قبل مدخل كان يصلي فيأتون من قبل رأسه فيقول الصوم: إنه كان يصوم ويعطش فلا يجدون موضعا فيأتون رجليه فتخاصم عنه أعماله فلا تجد له مسلكا.
وبإسناد عن ثابت البناني قال إذا وضع الميت في قبره احتوشته إعماله الصالحة وجاء ملك العذاب فتقول له بعض إعماله إليك عنه فلو لم يكن إلا أنا لما وصلت إليه.
وعنه أيضا قال إذا مات العبد الصالح فوضع في قبره أتي بفراش من الجنة وقيل له نم هنيئا لك قرة العين فرضي الله عنك قال ويفسح له في قبره مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة فينظر إلى حسنها ويجد ريحها وتحتوشه أعماله الصالحة الصيام والصلاة والبر فتقول أنصبناك وأظمأناك وأسهرناك فنحن اليوم بحيث تحب نحن أنساؤك حتى تصير إلى منزلك من الجنة.
وبإسناده عن كعب قال إذا وضع العبد الصالح في قبره احتوشته أعماله الصالحة الصلاة والصيام والحج والجهاد والصدقة قال وتجيء ملائكة العذاب من قبل رجليه فتقول الصلاة إليكم عنه فقد أطال القيام لله عليهما قال فيأتون من قبل رأسه فيقول الصيام لا سبيل لكم عليه فقد أطال ظمأه لله تعالى في الدنيا قال فيأتون من قبل جسده فيقول الحج والجهاد إليكم عنه فقد أنصب نفسه وأتعب بدنه وحج وجاهد لله عز وجل لا سبيل لكم عليه قال فيأتونه من قبل يديه فتقول الصدقة كفوا عن صاحبي فكم من صدقة خرجت من هاتين اليدين حتى وقعت في يد الله عز وجل ابتغاء وجهه فلا سبيل لكم عليه فيقال هنيئا طيبا حيا وميتا،
(1/31)

قال: ويأتيه ملائكة الرحمة فتفرش له فراشا من الجنة ودثارا من الجنة ويفسح له في قبره مد البصر ويؤتى بقنديل من الجنة فيستضيء بنوره إلى يوم يبعثه الله من قبره.
وبإسناده عن يزيد الرقاشي قال بلغني أن الميت إذا وضع في قبره احتوشته أعماله فأنطقها الله تعالى فقالت أيها العبد المنفرد في حفرته انقطع عنك الأخلاء والأهلون فلا أنيس لك اليوم غيرنا قال ثم يبكي ويقول طوبى لمن كان أنيسه صالحا طوبى لمن كان أنيسه صالحا والويل لمن كان أنيسه وبالا.
وبإسناده عن يزيد الرقاشي أيضا أنه كان يقول في كلامه أيها المنفرد في حفرته المخلى في القبر بوحدته المستأنس في بطن الأرض بأعماله ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي إخوانك اغتبطت ثم يبكي حتى يبل عمامته ويقول استبشر والله بأعماله الصالحة واغتبط بإخوانه المتعاونين على طاعة الله.
وبإسناده عن الوليد بن عمرو بن الصباح قال بلغني أن أول شيء يجده الميت حوله عند رجليه فيقول ما أنت فيقول أنا عملك.
وقد ورد في شفاعة القرآن لقارئة ودفعه عنه عذاب القبر خصوصا سورت تبارك الذي بيده الملك.
وخرج النسائي في عمل اليوم والليلة بإسناده عن ابن مسعود قال من قرأ تبارك الذي بيده الملك كل ليلة منعه الله بها من عذاب القبر وكنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نسميها المانعة1.
وخرجه خلف في فضائل القرآن ولفظه عن ابن مسعود أنه ذكر تبارك فقال هي المانعة تمنع من عذاب القبر توفي رجل فأتي من قبل رجليه فتقول رجلاه لا سبيل لكم على ما قبلي إنه كان يقرأ سورة الملك ويؤتى من قبل بطنه فيقول بطنه لا سبيل لكم على ما قبلي إنه كان يقرأ سورة الملك.
__________
1 أخرج أحمد في المسند "2/ 299"، وأبو داود "ح 1400"، والترمذي "ح 2891"، وابن ماجه "ح 3786" بسند صحة العلامتين شاكر والألباني، من حيث أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها، حتى غفر له {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} ".
(1/32)

وأخرج أبو عبيد في كتاب "فضائل القرآن" بإسناده عن ابن مسعود قال إن الميت إذا مات أوقدت له نيران حوله فتأكل النار ما يليها إن لم يكن له عمل يحول بينه وبينها وإن رجلا مات ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة ثلاثين آية فتأتيه من قبل رأسه فقالت إنه كان يقرأ بي فتأتيه من قبل رجليه فقالت إنه يقوم بي فتأتيه من قبل فقالت إنه يقوم بي فتأتيه من قبل جوفه فقالت إنه كان وعائي قال فأنجته.
قال زر فنظرت أنا ومسروق في المصحف فلم نجد سورة ثلاثين آية إلا تبارك،
وروى عبد بن حميد في مسنده عن إبراهيم بن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال إقرأ تبارك الذي بيده الملك احفظها وعلمها أهلك وولدك وصبيان بيتك وجيرانك فإنهما المنجية والمجادلة تجادل وتخاصم عند الله لقارئها وتطلب أن ينجيه من عذاب النار إذا كانت في جوفه وينجي الله بها صاحبها من عذاب القبر.
وروى سوار بن مصعب وهو ضعيف جدا عن أبي إسحاق عن البراء يرفعه: من قرأ ألم السجدة و {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} قبل النوم نجا من عذاب القبر ووقي فتاني القبر.
وسنذكر حديث عبادة في نزول القرآن مع الميت في قبره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وروى هشام بن عمار حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن جابر عن أبيه عن عطاء بن يسار قال إذا وضع الميت في لحده فأول شيء يأتيه عمله فيضرب فخذه الشمال فيقول أنا عملك فيقول فأين أهلي وولدي وعشيرتي ما خولني الله تعالى فيقول تركت أهلك وولدك وعشرتك وما خولك الله وراء ظهرك فلم يدخل قبرك معك غيري فيقول يا ليتني آثرتك على أهلي وولدي وعشيرتي وما خولني الله تعالى إذا لم يدخل معي غيرك.
قال أحمد بن أبي الحواري حدثنا يحيى بن مليح عن أبي نجيح مجاهد في قوله تعالى: {فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44] ، قال في القبر.
قال أحمد: فحدثت به يحيى بن معين قال طوبى لمن كان له عمل صالح يكون وطأه في قبره.
(1/33)

ويشهد لهذا كله ما في الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله" 1.
وخرجه البزار والطبراني بسياق مطول من حديث أنس أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من عبد إلا له ثلاثة أخلاء فأما خليل فيقول له ما أنفقت فلك وما أمسكت فليس لك فذلك ماله وأما خليله فيقول أنا معك فإذا أتيت باب الملك رجعت وتركتك فذلك أهله وحشمه وأما خليل فيقول أنا معك حيث دخلت وحيث خرجت فذلك عمله فيقول إن كنت لأهون الثلاثة علي". وخرج البزار والحاكم من حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه وقد اختلف في رفعه ووقفه.
وفي روى هذا من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بسياق مبسوط وأن عبد الله بن كرز قال في هذا المعنى شعرا وأنشده للنبي صلى الله عليه وسلم ولكن إسناده ضعيف جدا.
وخرج البزار هذا المعنى أيضا من حديث أبي هريرة وسمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم وخرجه الطبراني أيضا من حديث سمرة أيضا.
وروى إبراهيم بن بشار عن إبراهيم بن أدهم أنه كان ينشد شعرا:
ما أحد أكرم من مفرد ... أعماله في قبره تؤنسه
منعم الجسم وفي روضة ... زينها الله فهي مجلسه
وأما العارفون بالله المحبون له المنقطعون إليه في الدنيا والمستأنسون به دون خلقه فإن الله بكرمه وفضله لا يخذلهم في قبورهم بل يتولاهم ويؤنس وحشتهم فـ {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128] .
وقد جاء في بعض ألفاظ حديث يوم المزيد أنهم يقولون لربهم في ذلك اليوم أنت الذي أنست منا الوحشة في القبور.
وكتب محمد بن يوسف الإصبهاني العابد إلى أخيه إني محذرك متحولك من دار
__________
1 الحديث أخرجه البخاري "ح 6514"، ومسلم "ح 2960".
(1/34)

مملكتك إلى دار إقامتك وجزاء أعمالك فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها فيأتيك منكر ونكير فيقعدانك وينتهرانك فإن يكن الله معك فلا بأس عليك ولا وحشه ولا فاقة وإن لم يكن غير ذلك فأعاذني الله وإياك من سوء مصرع وضيق مضجع.
ورئي ابن أبي عاصم في المنام فسئل عن حاله فقال يؤنسني الله عز وجل وأما من كان في الدنيا مشغولا عن الله عز وجل وكان يخاف غيره فإنه يعذل في القبر بذلك.
قال أحمد بن أبي الحواري حدثنا إبراهيم بن الفضل عن إبراهيم أبي المليح الرقي قال إذا أدخل ابن آدم قبره لم يبق شيء كان يخافه في الدنيا دون الله عز وجل إلا تمثل له يفزعه في لحده لأنه في الدنيا يخافه دون الله تعالى.
وروى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا يوم نشورهم وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم يقولون {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34] "1.
__________
1 ضعيف: عزاه السيوطي في الجامع الصغير وللطبراني في الكبير من حديث ابن عمر. وضعفه العراقي في تخريج الإحياء "1/298"، والألباني في ضعيف الجامع.
(1/35)

فصل: النهي عن تمني الموت والإجتهاد في الطاعة قبل مجيئة
خرج مسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من علم نافع أو صدقة جارية أو ولد صالح يدعو له" 1.
ومن حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولا يدع به قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا" 2.
وروى عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة أن ابن أخي عابس الغفاري قال له قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تمنوا الموت فإنه يقطع العمل ولا يرد الرجل فيستعتب" 3.
وخرج الترمذي من حديث يحيى بن عبيد الله عن أبي هريرة عن، النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أحد يموت إلا ندم قالوا وما ندامته يا رسول الله قال إن كان محسنا ندم أن لا يكون إزداد وإن كان مسيئا ندم أن يكون نزع" 4 يحيى هذا ضعفوه.
وروى ابن أبي الدنيا عن أبي هشام الرفاعي حدثنا حفص بن غياث عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبر دفن حديثا فقال: "لركعتان خفيفتان مما تحقرون أو تنفلون يراهما هذا في عمله أحب إليه من بقية دنياكم". غريب جدا.
__________
1 الحديث أخرجه مسلم "ح 1631".
2 الحديث أخرجه مسلم "ح 2682".
3 ضعيف أخرجه أحمد في المسند "3/49".
4 ضعيف، أخرجه الترمذي "ح 2403"، وضعفه بيحيى بن عبيد الله بن موهب، وقال فيه الحافظ في التقريب "متروك" وضعفه ابن عيينة وشعبة، وأورده الإمام البخاري في الضعفاء الصغير "ت / 399".
(1/36)

وروى أبو نعيم في الحلية من طريق عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس أنه كان يمر على المقابر بدمشق بتهجير يوم الجمعة فسمع قائلا يقول هذا يونس بن حلبس قد هجر يحجون ويستمرون كل شهر ويصلون كل يوم خمس مرات أنتم تعملون ولا تعلمون ونحن نعلم قال فالتفت يونس فسلم يردون قالوا سمعنا كلامك وكلها حسنة وقد حيل بيننا وبين الحسنات والسيئات.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي أن رجلا خرج في جنازة فانتهى إلى قبر قال فصليت ركعتين ثم اتكأت عليه فربما سمعت أبا عثمان يقول فوالله إن قلبي ليقظان إذ سمعت صوتا من القبر إليك ولا تؤذني فإنكم قوم تعملون ولا تعلمون وإنا قوم نعلم ولا نعمل لأن يكون لي مثل ركعتيك أحب إلي من كذا وكذا.
وبإسناده عن أبي قلابة قال أقبلت من الشام إلى البصرة فنزلت الخندق فتطهرت وصليت وكعتين بالليل ثم وضعت رأسي على قبر فتمت ثم انتهيت فإذا صاحب القبر يشتكيني يقول لقد آذيتني منذ الليلة ثم قال إنكم لا تعلمون ونحن نعلم ولا نقدر على العمل إن الركعتين اللتين ركعتهما خير من الدنيا وما فيها ثم قال جزى الله أهل الدنيا خيرا أقرئهم منا السلام فإنه يدخل علينا من دعائهم نور مثل الجبال.
وبإسناده عن زيد بن وهب قال حدثني رجل قال رأيت أخا في فيما يرى النائم فقلت فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال قلتها لئن أقدر أن أقولها أحب إلي من الدنيا وما فيها ثم قال ألم تر حيث يدفنون فلانا فإن فلانا قام فصلى ركعتين لأن أكون أقدر أن أصليها أحب إلأي من الدنيا وما فيها.
وبإسناده عن مطرف بن عبد الله الحرشي قال شهدت جنازة واعتزلت ناحية قريبا فصليت ركعتين كأني خففتهما لم أرض إتقانهما ونعست فرأيت صاحب القبر يكلمني فقال ركعت ركعتين لم ترض إتقانهما قلت قد كان ذلك قال تعملون ولا تعلمون ونحن نعلم ولا نستطيع أن نعمل لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها.
(1/37)

وبإسناده عن مفضل بن يونس قال كان ربيع بن راشد يخرج إلى الجبان فيقيم سائر نهاره ثم يرجع مكتئبا ثم يرجع فيقول أهله أين كنت فيقول كنت في المقابر نظرت إلى قوم منعوا ما نحن فيه ثم يبكي.
وبإسناده عن الحسن قال دخلت أنا وصفوان المقابر فقنع رأسه ثم لم يزل يذكر الله تعالى حتى خرجنا من المقابر فقلت له في ذلك فقال إني قد ذكرتهم وما حضر عليهم من ذلك ونحن في المهلة فأحببت أن أقدم لذلك شيئا من عمل قال الحسن أحب والله أن يكون لي في كل خير نصيب.
وبإسناده عن الفضل الرقاشي أنه كان يقول في كلامه إذا ذكر أهل القبور لا لها من وجوه حيل بينها وبين السجود لله عز وجل لو يجدون إلى العمل مخلصا بعد المعرفة بحسن الثواب لكانوا إلى ذلك سراعا ثم يبكي ويقول يا إخوتاه فأنتم اليوم قد خلي بينكم وبين ما عليه ترجون إليه فكاك رقابكم ألا فبادروا الموت وانقطاع أعمالكم فإن أحدكم لا يدري متى يحترمه ليلا أو نهارا.
وبإسناده عن صفوان بن سليم أنه كان في جنازة في نفر من العباد فلما صلي عليها قال صفوان أما هذا قد انقطعت عنه أعماله واحتاج إلى دعاء من خلف بعده فأبكى القوم جميعا.
وقال أبو وهب محمد بن مزاحم قال قام رجل إلى ابن المبارك في جنازة فسأله عن شيء فقال له يا هذا سبح فإن صاحب السرير منع التسبيح.
"و" كان عمرو بن عيينة يخرج بالليل إلى المقابر ويقول يا أهل القبور طويت الصحف ورفعت الأعمال ثم يصلي حتى يصبح ثم يرجع إلى أهله.
ورئي بعض الموتى في المنام فقال ما عندكم أكثر من الغفلة وما عندنا أكثر من الحسرة.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن يزيد بن نعامة قال هلكت جارية في الطاعون فلقيها أبوها بعد موتها في المنام فقال لها يا بنية أخبرني عن الآخرة فقالت يا أبت قدمنا على أمر عظيم نعلم ولا نعمل وتعملون ولا تعلمون والله لتسبيحة أو تسبيحتان أو ركعة في عملي أحب إلي من الدنيا وما فيها.
(1/38)

ومر بعض السلف بالمقابر فقال أصبح هؤلاء زاهدين فيما نحن فيه راغبون، وكان داود الطائي مع جنازة فقال في كلامه أعلم أن أهل الدنيا جميعا من أهل القبور إنما يفرحون بما يقدمون ويندمون على ما يخلفون فما عليه أهل القبور ندموا عليه أهل الدنيا يقتتلون وفيه تنافسون وعليه عند القضاة يتخاصمون.
(1/39)

فصل
بعض أهل البرزخ يكرمه الله بأعماله الصالحة عليه في البرزخ وإن لم يحصل له ثواب تلك الأعمال لانقطاع عمله بالموت لكن إنما يبقى عمله عليه ليتنعم بذكر الله وطاعته كم يتنعم بذلك الملائكة وأهل الجنة في الجنة وإن لم يكن لهم ثواب على ذلك لأن نفس الذكر والطاعة نعيما عند أهلها من نعيم جميع أهل الدنيا ولذاتها فما تنهم المتنعمون بمثل ذكر الله وطاعته.
وخرج الترمذي من حديث ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر فإذا إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا إنسان يقرأ سورة الملك تبارك حتى ختمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي المانعة"، هي المنجية: تنجيه من عذاب القبر1.
خرج أبو عبد الله بن مندة بإسناده ضعيف من حديث طلحة بن عبيد الله، قال: أردت مالي بالغابة فأدركني الليل فآويت إلى قبر عبد الله بن عمرو بن حرام فسمعت قراءة من القبر ما سمعت أحسن منها فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: " ذلك عبد الله ألم تعلم أن الله قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت وعلقها وسط الجنة فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم إلى مكانها التي كانت".
روى أبو نعيم بإسناده عن محمد بن عبد الله الأنصاري حدثني إبراهيم بن الصمة المهلبي قال حدثني الذين كانوا يمرون بالحصن بالأسحار قالوا كنا إذا مررنا بجنبات ثابت البناني سمعنا قراءة القرآن.
وبإسناده عن يسار بن حبيش عن أبيه قال أنا والذي لا إله إلا هو أدخلت ثابت البناني في لحده ومعي حميد ورجل غيره فلما سوينا عليه اللبن سقطت لبنه، فإذا به
__________
1 ضعيف: أخرجه الترمذي "ح 2890" وفيه يحيى بن عمرو بن مالك النكرى. ضعفه ابن معين وأبو زرعة والنسائي، وابن حجر. انظر الضعفاء "ت/ 629"، "ت/ 8580". والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع، وفي "ح 2154".
(1/40)

يصلي في قبره فقلت للذي معي ألا تراه قال اسكت فلما سوينا عليه وفرغنا أتينا ابنته فقلنا لها ما كان عمل ثابت قال وما رأيتم فأخبرناها فقالت كان يقوم الليل خمسين سنة فإذا كان السحر قال في دعائه اللهم إن كنت أعطيت أحدا الصلاة في قبره فأعطينها فما كان الله ليرد ذلك الدعاء.
وقال أبو بكر الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن بشر حدثنا سليمة بن شبيب حدثنا حماد الحفار قال دخلت المقابر يوم الجمعة فما انتهيت إلى قبر إلا سمعت فيه قراءة القرآن.
وروى أبو الحسن في كتاب "الروضة" عن عبد الله به محمد عن منصور حدثني إبراهيم الحفار قال حفرت قبرا فبدت لبنة فشممت رائحة المسك حين انفتحت اللبنة فإذا شيخ جالس في قبره يقرأ القرآن.
وروى هبة الله الطبري اللالكائي الحافظ في كتاب "شرح السنة" بإسناده عن يحيى بن معين قال قال لي حفار مقابر أعجب ما رأيت من هذا المقابر أني سمعت في قبر أنينا كأنين المريض وسمعت من قبره المؤذن وهو يجيبه من القبر.
وروى الحافظ أبو بكر الخطيب بإسناده عن عيسى بن محمد الطوماري قال رأيت أبا بكر بن مجاهد المقرئ في النوم كأنه يقرأ وكأني أقول مت وتقرأ فكأنه يقول لي كنت أدعو الله في دبر كل صلاة وعند ختم القرآن أن يجعلني ممن يقرأ في قبره.
وحدثني المحدث أبو الحجاج يوسف السرمدي حدثنا شيخنا أبو الحسن علي بن الحسين السامري خطيب سامرا وكان رجلا صالحا وأراني موضعا من قبور سامرا فقال هذا الموضع لا يزال يسمع منه قراءة سورة تبارك.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب ذكر الموت بإسناده فيه نظر عن الحسن أنه سئل عن الرجل يموت ولم يتعلم القرآن يبلغ درجة أهل القرآن فبكى الحسن وقال هيهات هيهات وأني له بذلك ثم قال بلغني أن المؤمن إذا ما ت ولم يأخذ من القرآن أمر حفظته أن يعلموه القرآن في قبره حتى يبعثه الله يوم القيامة مع أهله،
وبإسناده عن يزيد الرقاشي قال بلغني أن المؤمن إذا مات وقد بقي عليه شيء من القرآن لم يتعلمه بعث إليه ملائكة يحفظونه ما بقي عليه منه.
(1/41)

قال: وحدثنا صالح بن عبد الله الترمذي حدثنا الضبي بن الأشعث سمعت عطية بن زيد العوفي يقول بلغني أن العبد إذا لقي الله ولم يتعلم كتابه علمه في قبره حتى يثبته الله عليه.
وخرجه أبو القاسم الأزهري في كتاب "فضائل القرآن" من رواية عبد الكريم بن الهيثم حدثنا الحسن بن عبد الله بن حرب حدثنا الضبي بن الأشعث بن سالم حدثني عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ القرآن ولم يستظهره أتاه ملك فزجره في قبره فلقي الله وقد استظهره".
وهذا المرفوع لا يصح.
وخرج الخلال في كتاب "السنة" من طريق إبراهيم بن الحكم بن أبان وفيه ضعف عن أبيه عن عكرمة قال قال ابن عباس المؤمن يعطى مصحفا في قبره يقرأ فيه.
وخرجه ابن البراء في "الروضة" من طريق حفص بن عمر العدني وفيه ضعف أيضا عن الحكم بن أبان.
ورئي الحافظ أبو العلى الهمداني في النوم بعد موته وهو في مدينة جدرانها وحيطانها كلها كتب فسئل عن ذلك فقال سألت الله أن يشغلني بالعلم كما كنت أشتغل به فأنا أشتغل بالعلم في قبري أو كما قال.
ورئي الحافظ عبد القادر الرهاوي في النوم بعد موته وهو يسمع الحديث فقال أنا لا أزال أسمع الحديث إلى يوم القيامة أو كما قال.
(1/42)

الباب الخامس: في عرض منازل أهل القبور عليهم من الجنة أو النار بكرة وعشيا
قال الله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46] قال قتادة في هذه الآية يقال لهم يا آل فرعون هذه منازلكم توبيخا وصغارا ونقيصة.
وقال ابن سيرين: كان أبو هريرة يأتينا بعد صلاة العصر، فيقول: عرجت ملائكة
(1/42)

وهبطت ملائكة وعرض آل فرعون على النار فلا يسمعه أحد إلا يتعود بالله من النار. وقال شعبة عن يعلى بن عطاء سمعت ميمون بن ميسرة يقول كان أبو هريرة إذا أصبح ينادي أصبحنا والحمد لله وعرض آل فرعون على النار فلا يسمعه أحد إلا يتعوذ بالله من النار.
ورواه هشيم عن يعلى عن ميمون قال كان لأبي هريرة صيحتان كل يوم أول النهار يقول ذهب الليل وجاء النهار وعرض آل فرعون على النار وإذا كان العشي يقول ذهب النهار وجاء الليل وعرض آل فرعون على النار فلا يسمع أحد صوته إلا استجار بالله من النار.
ويروى من حديث الليث عن أبي قيس عن هذيل عن ابن مسعود قال أرواح آل فرعون في أجواف طير سود فيعرضون على النار كل يوم مرتين فيقال لهم هذه منازلكم فذلك قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} [غافر: 46] ورواه غيره عن أبي قيس عن هذيل، من قوله.
لكن خرجه الإسماعيلي واللالكائي من طريق ابن عيينة عن مسروق عن أبي قيس عن هذيل عن ابن مسعود أيضا.
قال ابن أبي الدنيا. حدثنا حماد بن محمد الفزاري قال بلغني عن الأوزاعي أنه سأله رجل بعسقلان عن الساحل فقال يا أبا عمر إنا نرى طيرا سودا تخرج من البحر فإذا كان العشي عاد مثلها بيضا قال وفطنتهم لذلك؟ قالوا: نعم. قال: فتلك طيور في حواصلها أرواح آل فرعون فتلفحها النار فيسود ريشها ثم يلقى ذلك الريش ثم تعود إلى أوكارها "يعرضون على النار" فتلفحها النار فذلك دأبها حتى تقوم الساعة فيقال {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46] .
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار حتى يبعثه الله يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة" 1.
__________
1 أخرجه البخاري "ح 1379"، ومسلم "ح 2866".
(1/43)

ورواه الفضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه: "ما من عبد يموت إلا عرض عليه مقعده إن كان من أهل الجنة وإن كان من أهل النار".
(1/44)

الباب السادس: في ذكر عذاب القبر ونعيمه
مدخل
...
الباب السادس: في ذكر عذاب القبر ونعيمه
قال الله تعالى {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [الواقعة: 83: 95] .
قال آدم بن أبي أياس حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ} إلى قوله {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} قال: "إذا كان عند الموت قيل له هذا فإن كان من أصحاب اليمين أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه وإن كان من أصحاب الشمال كره لقاء الله فكره الله لقاءه". وخرج الإمام أحمد من طريق همام عن عطاء بن السائب سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول رأيت شيخا أبيض الرأس على حمار وهو يتبع جنازة فسمعته يقول حدثني فلان بن فلان سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أحب لقاء الله أحب لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فأكب القوم يبكون قال: "ما يبكيكم" قالوا إنا نكره الموت قال: "ليس ذلك ولكنه إذا حضر {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} ، فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله والله للقائه أحب {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} وفي قراءة ابن مسعود "ثم تصلية جحيم" فإذا بشر بذلك كره لقاء الله والله للقائه أكره" 1.
خرج ابن البراء في كتاب "الروضة" من حديث عمرو بن شمر وهو ضعيف
__________
1 صحيح: أخرجه احمد في المسند "3/107" من حديث أنس، والبخاري في الرقاق، باب: من أحب لقاء الله "ح 7508" من حديث أبي هريرة مختصرا، ومسلم "ح 2685"، والنسائي "ح 1833" من حديث أبي هريرة بأتم من حديث البخاري، وهو عند احمد في مسند ابن عمر "2/16، 50، 51" ...
(1/44)

جدا عن جابر الجعفي عن تميم بن حذلك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من ميت يموت إلا وهو يعرف غاسله ويناشد حامله إن بشر بروح وريحان وجنة نعيم أن يعجله وإن بشر بنزل من حميم وتصلية جحيم أن يحبسه".
وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" فقالت عائشة: أو بعض أزواجه إنا نكره الموت قال: ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله فأحب الله لقاءه وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله فكره الله لقاءه" 1.
وقد روى هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة.
وعن زاذان، عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن نفس المؤمن يقال لها أخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى مغفرة من الله ورضوان فتسيل كما تسيل القطرة من السقاء وإن نفس الكافر يقال لها أخرجي إلى غضب الله وسخطه فتتفرق في جسده وتأبى أن تخرج فيجذبونها فينقطع معها العروق والعصب" 2.
وفي رواية عيسى بن السيب عن عدي بن ثابت عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فتتفرق روحه في جسده كراهة أن تخرج لما ترى وتعاين فيستخرجها كما يستخرج السفود من الصوف المبلول".
__________
1 الحديث أخرجه البخاري "ح 6507".
2 جزء من حديث البراء بن عازب الطويل في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم عند القبر. وهو صحيح ثابت. وتقدم تخريجه مفصلا.
(1/45)

دلالة القرآن على عذاب القبر
وقد دل القرآن على عذاب القبر في مواضع كقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93] .
(1/45)

وخرج الترمذي بإسناده، عن علي قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر: 1، 2] 1.
وخرج ابن حيان في صحيحه من حديث حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه وتعالى {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} [طه: 124] ، قال: "عذاب القبر" 2.
وقد روى موقوفا وروى عن أبي هريرة مرفوعا.
وروى من وجه آخر من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا وموقوفا وسيأتي إن شاء الله.
وقال آدم بن أبي أياس حدثنا المسعودي عن عبد الله بن المخارق عن أبيه عن ابن مسعود قال إذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له من ربك وما دينك فيقول لا أدري فيضيق عليه قبره ثم قرأ ابن مسعود "فإنه له معيشة ضنكا" قال المعيشة الضنك عذاب القبر.
وروى شريك عن ابن إسحاق عن البراء في قوله: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} [الطور: 47] ، قال عذاب القبر.
وكذا روى عن ابن عباس في قوله سبحانه وتعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ} [السجدة: 21] ، إنه عذاب القبر.
وكذا قال قتادة والربيع بن أنس في قوله عز وجل {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} [التوبة: 101] أحدهما في الدنيا والأخرى هي عذاب القبر.
وفي الصحيحين عن مسروق، عن عائشة، أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر قال: "نعم، عذاب القبر حق" قالت عائشة: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر3.
وفيهما عن عمرة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إني رأيتكم تفتنون في القبور
__________
1 ضعيف: أخرجه الترمذي "ح 3355" وضعفه".
2 حسن: أخرجه ابن حبان "ح 1751 / زوائد".
3 الحديث أخرجه البخاري "ح 1372"، ومسلم "586".
(1/46)

كفتنة الدجال" قالت عائشة فكنت أسمع الرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يتعوذ من عذاب القبر1.
وفي صحيح مسلم، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات" 2.
وفيه أيضا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال" 3.
وفي صحيح مسلم عن زيد بن ثابت قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط بني النجار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به فكادت تلقيه وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال: "من يعرف أصحاب هذه الأقبر" فقال رجل أنا قال: "متى مات هؤلاء" قال ماتوا في الإشراك فقال: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه" ثم أقبل علينا بوجهه فقال: "تعوذوا بالله من عذاب النار" قالوا نعوذ بالله من عذاب النار قال: "تعوذوا بالله من عذاب القبر" قالوا نعوذ بالله من عذاب القبر قال: "تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن" قالوا نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن قال: "تعوذوا بالله من فتنة الدجال" قالوا نعوذ بالله من فتنة الدجال4.
وفي صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر" 5.
وفي الصحيحين من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد
__________
1 الحديث أخرجه بنحوه البخاري "ح 1049"، ومسلم "ح 903".
2 الحديث أخرجه مسلم "ح 590".
3 الحديث أخرجه مسلم "ح 588".
4 الحديث أخرجه مسلم "ح 2867".
5 الحديث أخرجه مسلم "ح 2868".
(1/47)

وجبت الشمس، فسمع صوتا فقال: "يهود تعذب في قبورها" 1.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فأنتهينا إلى القبر ولم يلحد فجلس رسول الله صلى عليه وسلم وجلسنا حوله كأنا على رؤوسنا الطير ومعه عود ينكت به الأرض فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا، وذكر الحديث بطوله2.
وخرج الإمام أحمد من حديث أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم نخلا لبني النجار فسمع أصوات رجال من بني النجار ماتوا في الجاهلية يعذبون في قبورهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا فأمر أصحابه أن يتعوذوا بالله من عذاب القبر.
وخرجه أيضا من حديث أبي سفيان عن جابر عن أم مبشر قال دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في حائط من حوائط بني النجار فيه قبور منهم قد ماتوا في الجاهلية فسمعهم يعذبون فخرج وهو يقول: "استعيذوا بالله من عذاب القبر"، قلت: يا رسول الله إنهم ليعذبون في قبورهم قال: "نعم عذابا يسمعه البهائم" 3.
__________
1 الحديث أخرجه البخاري "ح 1375"، ومسلم "ح 2869".
2 صحيح: وتقدم تخريجه.
3 صحيح: أخرجه أحمد "6/ 362" وابن حبان "ح 787/ زوائد".
(1/48)

بعض ما جاء في سبب عذاب القبر
وفي الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" ثم أخذ جريدة رطبة فشقها باثنتين ثم غرز على كل قبر منهما واحدة قالوا لم فعلت هذا يا رسول الله قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" 4.
وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة خرجه ابن ماجه،
__________
4 الحديث أخرجه البخاري "ح 216"، ومسلم "ح 492".
(1/48)

من حديث أبي بكرة وفي حديثه: "وأما الآخر فيعذب في الغيبة" 1.
وخرجه الخلال وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي بعض رواياته: "وأما الآخر فكان يهمز الناس بلسانه ويمشي بينهم بالنميمة".
وخرجه الطبراني من حديث عائشة وأنس بن مالك وابن عمر.
وخرجه أبو يعلى الموصلي وغيره من حديث جابر وفي حديثه: "أما أحدهما فكان يغتاب الناس".
وخرجه الأثرم من حديث أبي أمامة وفي حديثه قالوا يا نبي الله وحتى متى يعذبان قال: "غيب لا يعلمه إلا الله ولولا تمريج قلوبكم وتزييدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع".
وروي من وجوه أخر.
وخرج النسائي من حديث عائشة قالت: دخلت امرأة من اليهود فقالت إن عذاب القبر من البول قلت كذبت قالت إنه ليقرظ من الجلد والثوب قالت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاته وقد ارتفعت أصواتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذا" فأخبرته بما قالت فقال: "صدقت" 2.
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن حسنة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول فنهاهم فعذب في قبره" 3.
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أكثر عذاب القبر من البول" 4 وروي موقوفا عن أبي هريرة.
وخرج البزار والحاكم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عامة عذاب
__________
1 عند ابن ماجه برقم "349".
2 الحديث أخرجه النسائي "ح 2063".
3 صحيح أخرجه أبو داود "ح 22"، النسائي "ح30"، وابن ماجه "ح 346"، وأحمد "4/196".
4 صحيح أخرجه أحمد "2/326"، وابن ماجه "ح 348".
(1/49)

القبر من البول فتنزهوا منه".
وخرج البزار، والدارقطني من حديث أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اتقوا البول فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر".
وخرج ابن عدي من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر برجل يعذب في قبره من النميمة ورجل يعذب في قبره من الغيبة ورجل يعذب في قبره من البول.
وخرج أيضا بإسناده فيه ضعف عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فتنة القبر من ثلاث من الغيبة والنميمة والبول".
ولكن روى عبد الوهاب الخفاف عن سعيد عن قتادة قال: كان يقال عذاب القبر من ثلاثة أثلاث ثلث من الغيبة وثلث من النميمة وثلث من البول خرجه الخلال وهذا أصح.
وخرج الأثرم والخلال من حديث ميمون مولاة النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: "يا ميمونه إن من أشد عذاب القبر من الغيبة والبول".
وقد ذكر بعضهم السر في تخصيص البول والنميمة والغيبة بعذاب القبر وهو أن القبر أول منازل الآخرة وفيه أنموذج ما يقع في يوم القيامة من العقاب والثواب.
والمعاصي التي يعاقب عليها يوم القيامة نوعان حق الله وحق لعباده وأول ما يقضي فيه يوم القيامة من حقوق الله الصلاة ومن حقوق العباد والدماء.
وأما البرزخ فقضي فيه في مقدمات هذين الحقين ووسائلها فمقدمة الصلاة الطهارة من الحدث والخبث ومقدمة الدماء النميمة الوقيعة في الأعراض وهما أيسر أنواع الأذى فيبدأ في البرزخ بالمحاسبة والعقاب عليهما.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال مات رجل فلما أدخل في قبره أتته الملائكة فقالوا إنا جالدوك مائة جلدة عذاب الله قال فذكر صلاته وصيامه واجتهاده قال فخففوا عنه حتى انتهى إلى عشرة ثم سألهم فخففوا عنه حتى انتهى إلى واحدة فجلدوه جلدة اضطرم قبره نارا وغشي عليه فلما أفاق قال فيم جلدتموني هذه الجلدة قالوا إنك بلت يوما وصليت ولم تتوضأ وسمعت رجلا يستغيث مظلوما فلم تغثه.
(1/50)

ورواه أبو سنان عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة بنحوه.
ورويناه من طريق حفص بن سليمان القارئ وهو ضعيف جدا عن عاصم عن أب وائل عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فعذاب القبر حصل هاهنا بشيئين أحدهما ترك طهارة الحدث والثاني ترك نصرة المظلوم مع القدرة عليه كما أنه في الأحاديث المتقدمة حصل بترك طهارة الخبث والظلم بالقول وهي متقاربة في المعنى.
وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إني رأيت الليلة عجبا" فذكر الحديث بطوله، وفيه "رأيت رجلا من أمتي بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوءه فاستنقذه منه" أخرجه الطبراني وغيره.
ففي هذا الحديث أن الطهارة من الحدث تنجي من عذاب القبر.
وكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينجي من عذاب القبر كما تقدم ذكره في الباب الثاني لأن فيه غاية النفع للناس في دينهم.
وكذلك الجهاد والرباط فإن المجاهد والمرابط في سبيل الله كل منهما بذل نفسه وسمح بنفسه لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر وليذب عن إخوانه المؤمنين عدوهم.
وفي الترمذي عن المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر" وذكر بقية الحديث1.
وخرج الحاكم وغيره، من حديث أبي أيوب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لقي في سبيل الله فصبر حتى يقتل أو يغلب لم يفتن في قبره أبدا" 2.
__________
1 صحيح: أخرجه الترمذي "ح 1663" وقال: "هذا الحديث حسن صحيح غريب"، وابن ماجه "ح 2799" وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، وبقية الحديث: " ويوضع على رأسه تاج الوقار، والياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه".
2 ضعيف. عزاه السيوطي في الجامع الصغير للطبراني في الكبير والحاكم، وضعفه الألباني هناك، وفي الضعيفة.
(1/51)

وفي صحيح مسلم، عن سليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات أجري عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان" 1. وخرجه غيره وقال فيه: "وقي عذاب القبر".
وخرج الترمذي وأبو داود2، من حديث فضالة بن عبيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه أيضا وروي من وجوه أخر.
وخرج النسائي من حديث راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد قال: "كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة" 3.
وروي مجالد عن محمد بن المنتشر عن ربعي عن حذيفة قال: إن في القبر حسابا وفي القيامة حسابا فمن حوسب يوم القيامة عذب.
وروي ابن عجلان عن عون بن عبد الله قال يقال إن العبد إذا أدخل قبره سئل عن صلاته أول شيء يسأل عنه فإن جازت له صلاته نظر فيم سوى ذلك من عمله وإن لم تجز له لم ينظر في شيء من عمله بعد.
__________
1 أخرجه مسلم "ح 1913".
2 رواه الترمذي "ح 1621" وأبي داود "ح 2500".
3 صحيح: أخرجه النسائي "ح 2052".
(1/52)

فصل: أنواع عذاب القبر
وقد ورد في عذاب القبر أنواع منها:
1- الضرب إما بمطراق من حديد أو غيره وقد سبق ذلك في أحاديث متعددة.
وروينا من طريق عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم بقيع الغرقد فوقف على قبرين فقال: "أدفنتم ها هنا فلان وفلانة"؟ أو قال فلانا وفلانا؟ قالوا نعم فقال: "قد أقعد فلان الآن يضرب" ثم قال: "والذي نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عرق إلا انقطع،
(1/52)

ولقد تطاير قبره نارا ولقد صرخ صرخة يسمعها الخلائق إلا الثقلين الجن والأنس ولولا تمريج في صدروكم وتزييدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع" قالوا يا رسول الله ما ذنبهما قال: "أما فلان فكان لا يستبرئ من البول وأما فلان أو فلانة فكان يأكل لحوم الناس" وفي هذا الإسناد ضعف.
وروى ابن جرير في تفسيره من طريق أسباط عن السدي قال: قال البراء بن عازب إن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيهما قدران من نحاس معها عمود من حديد فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح فلا يسمع صوته أحد إلا لعنه ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين الجن والأنس.
ومن طريق جويبر عن الضحاك قال الكافر إذا وضع في قبره ضرب بمطراق فيصيح صيحة فيسمع صوته كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس فلا يسمع صيحته شيء إلا لعنه.
وروي اللالكائي بإسناده عن محمد بن المنكدر قال بلغني أن الله عز وجل يسلط على الكافر في قبره دابة عمياء بيدها سوط من حديد رأسها مثل غرب الجمل تضربه إلى يوم القيامة لا تراه ولا تسمع صوته فترحمه.
2- ومنها: تسليط الحيات والعقارب وقد سبق ذلك من حديث أبي هريرة.
وروي ابن وهب حدثني عمرو بن الحارث أن أبا السمح حدثه عن ابن حجيرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أتدرون فيما أنزلت هذه الآية {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً} تدرون ما المعيشة الضنك" قالوا الله ورسوله أعلم قال: "عذاب الكافر في قبره والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينا أتدرون ما التنين قال تسعة وتسعون حية لكل حية سبعة رؤوس -وفي رواية- تسعة رؤوس ينفخون في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون" 1 خرجه بقي بن مخلد في مسنده.
وخرجه البزار من وجه آخر عن ابن حجيرة عن أبي هريرة مرفوعا أيضا مختصرا.
وخرج ابن منده من طريق أبي حازم عن أبي هريرة وذكر قبض روح المؤمن
__________
1 حسن: أخرجه ابن حبان "ح 782 / زوائد".
(1/53)

والكافر وقال في الكافر: "وتسلط عليه الهوام وهي الحيات فينام كالمنهوس ويفزع" وخرجه مرفوعا أيضا.
وقد روي عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا يلدغونه حتى تقوم الساعة ولو أن تنينا منها نفخ على الأرض ما أنبتت خضراء" 1 خرجه الإمام أحمد وابن حيان في صحيحه من طريق سعيد بن أبي أيوب عن سعيد أبي خلاد بن سليم.
ورواه ابن لهيعة عن دراج مرفوعا أيضا إلا أنه قال: "ضمه القبر".
وخرجه الخلال من طريق سعيد أبي خلاد بن سليم عن دراج أبي السمح عمن حدثه عن أبي سعيد أنهم سألوه عن المعيشة الضنك قال هي معيشة الكافر في قبره ويضيق عليه قبره حتى تداخل الإضلاع بعضها في بعض يتمنى أن لو خرج منها إلى النار وهذا موقوف قد سبق في الباب الثاني من وجه آخر مرفوعا وقد روى بعضه من وجه مرفوعا وموقوفا أيضا.
وروي منصور بن صقير عن حماد بن سلمة عن أبي حازم عن النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية {مَعِيشَةً ضَنْكاً} [طه: 124] قال المعيشة الضنك عذاب القبر يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ولا يزال يعذب حتى يبعث خرجه الخلال ومنصور بن صقير فيه ضعيف.
وخالفه آدم بن أبي إياس فرواه عن أبي حازم عن حماد بن سلمة ووقفه.
وكذا رواه الثوري وسليمان بن بلال والدراوردي وغيرهم عن أبي حازم عن النعمان عن أبي سعيد موقوفا أيضا فمنهم من قال أخطأ فيه ابن عيينة كذا قاله أبو زرعة والعلائي وقيل بل أبو سلمة هذا هو النعمان بن أبي عياش قاله أبو حاتم الرازي وأبو أحمد الحاكم وأبو بكر الخطيب.
وخرج الإمام أحمد من حديث علي بن زيد بن جدعان عن أم محمد، عن
__________
1 ضعيف. أخرجه الترمذي "ح 2460" وقال: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه" وفيه عبيد الله بن الوليد الوصافي، أخرجه أحمد "3/38"، وابن حبان "ح 783" وعزاه الهيثمي في المجمع "3/55" لأبي يعلى. وفيه دراج وهو ضعيف.
(1/54)

عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يرسل على الكافرين حيتان واحدة من قبل رأسه والأخرى من قبل رجليه يقرصانه قرصا كلما فرغتا عادتا إلى يوم القيامة" 1.
وخرج ابن أبي الدنيا بإسناده ضعيف عن الحسن2 عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يرى أحد خارجا من الدنيا شاتما لأحد منهم يعني من أول هذه الأمة إلا سلط الله عليه دابة في قبره تقرص لحمه يجد ألمه إلى يوم القيامة".
وخرج الخلال من طريق عاصم عن زر عن ابن مسعود قال يقال للكافر في قبره ما أنت فيقول لا أدري فيقال لا دريت ثلاثا ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويرسل عليه حيات من جوانب قبره تنهشه وتأكله فإذا خرج فصاح قمع بمقمع من نار أو حديد.
وخرجه أبو بكر الآجري وزاد فيه: "ويضرب ضربة يلتهب قبره نارا" وعنده "ويبعث عليه حيات من حيات القبر كأعناق الإبل".
وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الموت بإسناده عن عبيد بن عمير قال يسلط عليه شجاع أقرع فيأكله حتى يأكل أم هامته فهذا أول ما يصيبه من عذاب الله.
وبإسناده عن مسروق قال ما من ميت وهو يزني أو يسرق أو يشرب أو يأتي شيئا من هذه إلا جعل معه شجاعان ينهشانه في قبره.
3- ومنها رض رأس الميت بحجر وشق شدقه ونحو ذلك.
قد ورد ذلك من حديث سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجني إلى الأرض المقدسة فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيصنع مثله قلت ما هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة فيشدخ بها رأسه فإذا ضربه تدهده الحجر فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع على هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو فعاد إليه فضربه قلت من هذا قالا انطلق فانطلقنا إلى نقب مثل
__________
1 حسن: أخرجه أحمد في المسند " / 152" وحسنه الهيثمي في المجمع " 3/55".
2 الحسن لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، ومراسيله شبه الريح كما يقول أهل العلم.
(1/55)

التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته نارا فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا يخرجون فإذا خمدت رجعوا فيها وفيها رجال ونساء فقلت من هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى شاطئ النهر رجل بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه حجرا رجع كما كان قلت ما هذا قالا لي انطلق فانطلقنا فذكر الحديث وفيه قلت طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت قالا أما الرجل الذي رأيته يشق شدقة فكذاب يحدث بالكذب فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ذلك إلى يوم القيامة، وأما الذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام عنه الليل ولم يعمل فيه بالنهار يفعل به إلى يوم القيامة وأما الذي رأيت في النقب فهم الزناة وأما الذي رأيت في النهر فآكل الربا" وذكر الحديث بطوله، خرجه البخاري1.
وروى هذا أبو خلدة، عن أبي حازم عن سمرة، وفي حديثه قلت فالذي يسبح في الدم قال ذاك صاحب الربا ذاك طعامه في القبر إلى يوم القيامة قلت فالذي يشدخ رأسه قال ذاك رجل تعلم القرآن فنام حتى نسيه لا يقرأ منه شيئا كلما رقد دقوا رأسه في القبر إلى يوم القيامة ولا يدعونه ينام.
4- ومنها: تضييق القبر على الميت حتى تختلف فيه أضلاعه وقد سبق ذلك في أحاديث متعددة.
وخرج الخلال بإسناد ضعيف عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الكافر: "يضيق عليه قبره حتى يخرج دماغه من بين أظفاره ولحمه". وقد ورد ما يدل على أن التضييق عام للمؤمن والكافر وصرح بذلك طائفة من العلماء منهم ابن بطة وغيره فروى شعبة عن سعد بن إبراهيم عن نافع عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجيا منها لنجا منها سعد بن معاذ" وخرجه الإمام أحمد2.
__________
1 أخرجه البخاري "ح 1386".
2 صحيح: أخرجه أحمد "6/55" وجود إسناده الحافظ العراقي في تخريج الإحياء "4/ 487" وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع.
(1/56)

وقد اختلف على شعبة في إسناده فقيل عنه كما ذكرنا وقيل عن شعبة عن نافع عن إنسان عن عائشة1، وقيل عنه عن سعد عن نافع عن امرأة ابن عمر عن عائشة.
وروي: الثوري عن سعد عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس بالمحفوظ.
وروى ابن لهيعة عن عقيل سمع سعد بن إبراهيم يخبر عن عائشة بنت سعد عن عائشة أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قال: "لها تعوذي بالله من عذاب القبر فإنه لو نجا منه أحد لنجا سعد بن معاذ لكنه لم يزد على ضمه".
خرجه الطبراني. ورواية شعبة أفصح.
وخرج الإمام أحمد من حديث محمد بن جابر عن عمرو بن مرة عن أبي البخترى عن حذيقة قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فلما انتهينا إلى القبر قعد على شقه فجعل يردد بصره فيه ثم قال: "يضغط المؤمن ضغطة تزول منها حمائله ويملي على الكافر نارا" 2 ومحمد بن جابر هو التالي: ضعيف، وأبو البختري لم يدرك حذيفة.
وخرج النسائي من حديث نافع عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هذا الذي تحرك له العرش وفتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفا من الملائكة لقد ضم ضمة ثم فرج عنه" 3.
وخرجه البزار وقال: روي عن عبيد الله عن نافع مرسلا.
قلت: سبق الإختلاف فيه على سعد بن إبراهيم عن نافع.
__________
1 فهذه الطريقة ضعيفة. لجهالة الراوي عن عائشة. وهي: شعبة عن محمد بن جعفر عن إنسان عن نافع عن عائشة والطريق الصحيح التي ذكرها المؤلف: شعبة عن سعد بن إبراهيم عن نافع عن عائشة.
2 ضعيف: أخرجه أحمد "5/ 407" وعلة الضعف ما ذكر المؤلف: محمد بن جابر، والانقطاع بين أبي البخترى وحذيفة.
3 صحيح: أخرجه النسائي طح 2054". وصححه الألباني في صحيح الجامع.
(1/57)

ورواه زيد بن أنيسة عن جابر عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن كنت لأرى لو أن أحدا أعفي من عذاب القبر لعفي منه سعد بن معاذ لقد ضم فيه ضمة".
وخرجه البزار من وجه آخر عن نافع عن ابن عمر.
وخرج الطبراني من طريق زكريا بن سلام عن سعيد بن مسروق عن أنس قال لما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حزن ثم سرى فقلنا يا رسول الله رأينا منك ما لم نر قال: "ذكرت زينب وضعفها وضغطة القبر لقد هون عليها وهي قد ضغطت ضغطة بلغت الخافقين" وزكريا قيل إنه مجهول وسعيد بن مسروق لم يدرك أنسا فهو منقطع1.
وقد روي من وجه آخر عن أنس من رواية الأعمش عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه.
وكذا رواه حمزة السكري عن الأعمش والأعمش لم يسمع من أنس عند الأكثرين.
وقيل: عن أبي حمزة عن الأعمش عن سليمان عن أنس.
ورواه سعد بن الصلت عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس.
ورواه حماد بن سلمة عن ثمامة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن صبيا أو صبية فقال: "لو نجا أحد من ضمة القبر لنجا منها هذا الصبي" خرجه الخلال والطبراني وقد اختلف فيه على حماد فرواه جماعة عن عثمان مرسلا والمرسل هو الصحيح2، عند أبي حاتم الرازي والدارقطني.
وروي ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي النضر عن زياد مولى ابن عباس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد على قبر سعد بن معاذ فقال: "لو نجا من ضغطة القبر أحد منه لنجا سعد بن معاذ لقد ضم ضمة ثم فرج عنه" خرجه الطبراني.
__________
1 فالحديث ضعيف: أورده الهيثمي في المجمع " 3/ 47" وعزاه للطبراني في الكبير والأوسط وضعفه.
2 لكن صححه العلامة الألباني في صحيح الجامع.
(1/58)

وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد عن معاذ بن رفاعة عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد وهو يدفن "سبحان الله لهذا العبد الصالح الذي تحرك له عرش الرحمن وفتحت له أبواب السماء شدد عليه ثم فرج عنه".
وخرجه الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق حدثني معاذ بن رفاعة عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه" 1.
وذكر ابن إسحاق اهتزاز العرش وفتح أبواب السماء عن معاذ بن رفاعة قال حدثني من سألت من رجال قومي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكره في حديث جابر وزاد في إسناد حديث جابر رجلا وقوله أصح من قول يزيد بن الهاد في هذا كله عند كثير من أئمة الحفاظ والله أعلم.
وخرج البيهقي من حديث أبي إسحاق حدثني أمية بن عبد الله أنه سأل بعض أهل سعد ما بلغكم من قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا قالوا ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال: "كان يقصر في بعض الطهور من البول" 2.
وذكر ابن أبي الدنيا عن محمد بن عبد الله التميمي قال سمعت أبا بكر التميمي شيخا من قريش يقول إن ضمة القبر أنها أمهم ومنها خلقوا فغابوا عنها الغيبة الطويلة فلما رد إليها أولادها ضمهم ضمة الوالدة التي غاب فغابوا عنها الغيبة الطويلة فلما رد إليها أولادها ضمتهم ضمة الوالدة التي غاب عنها ولدها ثم قدم عليها فمن كان الله مطيعا ضمته برأفة ورفق ومن كان لله عاصيا ضمته بعنف سخطا منها عليها لربها.
وروى في كتاب "المحتضرين" بإسناده عن عبد العزيز بن أبي داود عن نافع أنه لما حضرته الوفاة جعل يبكي فقيل ما يبكيك فقال ذكرت سعدا وضغطة القبر.
وروى هناد بن السري عن سعيد بن دينار عن إبراهيم الغنوي عن رجل عن عائشة أنها جنازة صغيرة فبكت فقالت بكيت لهذا الصبي شفقة عليه من ضمة القبر.
__________
1 أخرجه أحمد في المسند "3 /360". والحديث أصله في الصحيحين.
2 ضعفه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية " 4/ 153".
(1/59)

قال هناد: وحدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن ابن أبي مليكة قال ما أجير من ضغطة القبر أحد ولا سعد بن معاذ الذي منديل من منديله خير من الدنيا وما فيها. وقال أبو الحسن بن البراء حدثنا محمد بن الصالح حدثنا عمار بن محمد عن ليث عن المنهال عن زاذان عن البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} قال: "يكسى الكافر في قبره ثوبين من نار"، فذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} غريب منكر.
هل يفتر العذاب عن أهل القبور
وقد قيل: إن العذاب يفتر عن أهل القبور فيما بين النفخين كذا وذكره سعيد بن بشير يدل على ذلك قوله وتعالى {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} [يس: 52] يعني تلك الفترة التي لا عذاب فيها. وورد ذلك مرفوعا خرجه الخلال في كتاب السنة حدثنا إسحاق بن الناسكي حدثنا محمد بن صعب حدثنا روح بن مسافر عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها" وذكر الحديث بطوله، وفي آخره قال: "يعذبون في قبورهم إلى قريب من قيام الساعة ثم ينامون قبل الساعة وهي النومة التي ندموا عليها حيث قالوا {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا} [يس: 52] " وهذا إسناد ضعيف، وروح بن مسافر وإسحاق بن خالد ضعيفان جدا.
هل يرفع العذاب في بعض الأوقات عن أهل القبور
وقد يرفع عذاب القبر في بعض الأشهر الشريفة
فقد روي بإسناد ضعيف، عن أنس بن مالك: أن عذاب القبر يرفع عن الموتى في شهر رمضان وكذلك فتنة القبر ترفع عمن مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة.
كما خرج الإمام أحمد، والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر" 1.
__________
1 أخرجه الترمذي "ح 1074". وفيه ربيعة بن سيف، يحسن حديثه، عداما استنكر عليه ولكنه لم يسمع من عبد الله بن عمرو، ولذلك قال الإمام الترمذي عقب الحديث: هذا حديث ليس إسناده بمتصل. ربيعة بن سيف، إنما يروى عن أبي عبد الرحمن الخليلي، عن عبد الله بن عمرو. ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعا من عبد الله بن عمرو" 1. هـ. وأحمد في المسند "2/169" بنفس السند، وضعفه العلامة أحمد شاكر هناك، وحسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع. ولم يتبين لي وجه التحسن بعد، فهو عندي ضعيف.
(1/60)

فصل: نعيم القبر
وأما نعيم القبر، فقد دل عليه قوله تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} كما سبق.
وقد تقدم في حديث البراء وغيره ذكر بعض نعيم القبر.
وروى ابن وهب، حدثني عمرو بن الحارث أن أبا السمح دراجا حدثه عن ابن حجيرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن في قبره لفي روضة خضراء ويرحب له قبره سبعون ذراعا وينور له فيه كالقمر ليلة البدر" 1.
وروى أبو عبد الرحمن المقرئ حدثنا داود وأبو بحر عن صهر له يقال له مسلم بن مسلم عن مورق العجلي عن عبيد بن عمير قال قال عبادة بن الصامت إذا حضرت الوفاة يعني المؤمن المجتهد بالقرآن جاء القرآن فوقف عند رأسه وهم يغسلونه فإذا فرغ منه دخل حتى صار بين صدره وكفنه فإذا وضع في قبره وجاء منكر ونكير خرج حتى صار بينه وبينهما فيقولان له إليك عنا فإنا نريد أن نسأله فيقول والله ما أنا بمفارقه وإن كنتما أمرتما فيه بشيء فشأنكم ثم ينظر إليه فيقول هل تعرفني فيقول لا فيقول أنا القرآن الذي أسهر ليلك وأظمأ نهارك وأمنعك شهوتك وسمعك وبصرك فستجدني من الأخلاء خليل صدق فأبشر فما عليك بعد مسألة منكر ونكير من هم ولا حزن ثم يخرجان عنه فيصعد القرآن إلى به فيسأله فراشا ودثارا قال فيؤمر له بفراش ودثار وقنديل من الجنة وياسمين من الجنة فيحملها ألف ملك من مقربي السماء الدنيا قال فيسبقهم إليه القرآن فيقول هل استوحشت بعدي فإني لم أزل بربي حتى أمر لك بفراش ودثار من الجنة قال فتدخل عليه الملائكة فيحملونه ويفرشون له ذلك الفارش ويضعون الدثار تحت رجليه والياسمين عند صدره ثم يحملونه ثم يضعونه على شقه الأيمن ثم يصعدون عنه فيستلقي عليه فلا تزال ينظر إلى الملائكة حتى يلجوا في السماء ثم يدفع القرآن في قبلة القبر فيوسع عليه ما شاء الله من ذلك.
__________
1 ضعيف: فيه أبو السماح دراج وهو ضعيف.
(1/61)

قال أبو عبد الرحمن وكان في كتاب معاوية فيوسع له مسيرة أربعمائة عام يحمل الياسمين من عند صدره فيجعله عند أنفه فيشمه غضبا إلى يوم القيامة ثم يأتي أهله كل يوم مرة أو مرتين فيأتيه بخبرهم ويدعو لهم بالخير والإقبال فإن تعلم أحد من ولده القرآن بشر بذلك وإن كان قبة سواءا أتى الدار بكرة وعشيا فبكى إلى أن ينفخ في الصور أو كما قال.
قال الحافظ أبو موسى المديني هذا خبر رواه الإمام أحمد بن حنبل وأبو خيثمة وطبقتهما من المتقدمين عن أبي عبد الرحمن المقرى.
وقد تقدم في الباب الثاني القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار من حديث أبي هريرة وأبي سعيد بإسنادين ضعيفين.
وروي أيضا من حديث ابن عمر خرجه ابن أبي الدنيا حدثنا هارون بن سفيان حدثنا محمد بن عمر أخبرنا أخي سلمة بن عمر عن ابن أبي شيبة عن أبي كثير الأشجعي عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" إسناده ضعيف.
(1/62)

فصل: ما جاء في الكشف عن بعض عذاب أهل القبور ونعيمهم
وقد كشف لمن يشاء من عباده من عذاب أهل القبور ونعيمهم وقد وقع بعض ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ووقع بعده كثيرا.
فروى خالد بن حيان الدفني عن كلثوم بن جوشن عن يحيى المديني عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال خرجت أسير وحدي فمررت بقبور من قبور الجاهلية فإذا رجل قد خرج من قبر منها يلتهب نارا وفي عنقه سلسلة من نار ومعي إداوة من ماء فلما رآني قال يا عبد الله اسقني يا عبد الله صب علي قال فوالله ما أدري أعرفني أو كلمة تقولها العرب إذ خرج رجل من القبر وقال يا عبد الله لا تسقه فإنه كافر قال فأخذ السلسلة فاجتذبه حتى أدخله القبر.
قال: وآواني الليل إلى منزل عجوز إلى جانب بيتها قبر وقال سمعت هاتفا يهتف بالليل يقول بول ما بول شن وما شن فقلت ويحك ما هذا فقالت: زوج
(1/62)

لي، وكان لا يتنزه من البول فأقول له ويحك إن البعير إذا بال تفاج فكان لا يبالي.
قالت: وبينما هو جالس إذ جاءه رجل فقال اسقني فإني عطشان قال عندك الشن وشن لنا معلق فقال يا هذا اسقني فإني الساعة أموت قال عندك الشن قالت ووقع الرجل ميتا قالت وهو ينادي من يوم مات بول وما بول شن وما شن.
قال: فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته بما رأيت في سفري فنهى عند ذلك أن يسافر الرجل وحده خرجه ابن البراء في كتاب "الروضة"، والخلال في كتاب السنة وابن أبي الدنيا في كتاب "من عاش بعد الموت"، ويحيى المديني غير معروف1.
وخرج ابن أبي الدنيا من طريق عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير وهو ضعيف عن سالم عن أبيه من أول هذا الحديث إلى قوله فلا أدري أعرف اسمي أو كقول الرجل يا عبد الله قال فاتفت فإذا هو قد أدخله القبر وإذا هو قد أهوى إليه بضربة ولم يذكر ما بعده.
وخرجه اللالكائي في كتاب "السنة" من حديث السري بن يحيى عن مالك بن دينار أنه سمعه من سالم بن عبد الله يحدثه عن أبيه وهو خطأ إنما سمعه مالك عن عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير يحدثه عن سالم.
وخرج الطبراني من طريق عبد الله بن محمد بن المغيرة وهو ضعيف عن مالك بن مغول عن نافع عن ابن عمر قال: بينما أنا أسير بجنبات بدر إذ خرج رجل من حفرة إلى حفرة في عنقه سلسلة فنادى يا عبد الله إسقني فذكره بمعناه وقال فيه فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: أو قد رأيته فقلت: نعم قال عدو الله أبو جهل وذلك عذابه إلى يوم القيامة.
وخرج ابن أبي الدنيا، من طريق خالد عن الشعبي، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في الأرض ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك مرارا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذلك
__________
1 وفي السند أخرى أيضا، وهي: ضعف كلثوم بن جوشن، فالحديث ضعيف.
(1/63)

أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة" 1.
وذكر الواقدي بغير إسناد إن ابن عمر رأى ذلك ببطن رابع وأن الملك قال له لا تسقه فإنه أبي بن خلف قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وخرج ابن أبي الدنيا من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه بينما راكب يسير بين مكة والمدينة إذ بمقبرة فإذا رجل قد خرج من قبره يلتهب نارا مصفدا في الحديد فقال يا عبد الله انفخ انفخ وخرج آخر يتلوه فقال يا عبد الله لا تنفخ قال وغشي على الراكب وعدلت به راحلته إلى العرج.
قال: وأصبح قد ابيض شعره حتى صار كأنه ثغامة قال فأخبر بذلك عثمان فنهى أن يسافر الرجل وحده.
وخرج أيضا من طريق يحيى بن أيوب بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن الحويرث بن الرباب قال بينما أنا بالإثاية إذ خرج علينا إنسان من قبر يلتهب وجهه ورأسه نارا وهو في جامعة من حديد فقال اسقني من الإداوة وخرج إنسان في أثره فقال لا تسق الكافر فأدركه فأخذ بطرف السلسلة فجذبه فكبه ثم جره حتى دخلا القبر جميعا قال الحويرث فضربت بي الناقة لا أقدر منه على شيء حتى التقت بعرق الضبية فركدت فنزلت وصليت المغرب والعشاء الآخرة ثم ركبت حتى أصبحت بالمدينة فأتيت عمر بن الخطاب فأخبرته الخبر فقال يا حويرث والله ما أتهمك ولقد أخبرتني خبرا شديدا ثم أرسل عمر إلى مشيخة من كنف الصفراء قد أدركوا الجاهلية ثم دعا الحويرث فقال إن هذا أخبرني ولست أتهمه حدثهم يا حويرث ما حدثتني فحدثهم فقالوا قد عرفنا هذا يا أمير المؤمنين هذا رجل من غفار مات في الجاهلية فحمد الله عمر وسر بذلك حين أخبروه أنه مات في الجاهلية فسألهم عمر عنه فقالوا يا أمير المؤمنين كان رجلا من رجال الجاهلية ولم يكن يرى للضيف حقا.
__________
1 ضعيف للإسال، فالشعبي من صغار التابعين
(1/64)

وروى هشام بن عمار في كتاب البعث عن يحيى بن حمزة حدثني النعمان عن مكحول أن رجلا أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد أبيض رأسه ونصف لحيته فقال له عمر وما بالك فقال يا أمير المؤمنين مررت بمقبرة بني فلان ليلا فإذا رجل يطلب رجلا بسوط من نار كلما لحقه ضربه فاشتغل ما بين مفرقه إلى قدمه نارا فلاذ بي الرجل فقال يا عبد الله أغثني فقال الطالب يا عب داله لا تغثه فبئس عبد الله هو فقال عمر لذلك كره لكم نبيكم أن يسافر الرجل وحده.
وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت من طريق شهاب بن خراش عن عمه العوام بن حوشب عن مجاهد قال أردت حاجة فبينما أنا في الطريق إذ فاجأني حمار قد خرج عنه من الأرض فنهق في وجهي ثلاثا ثم دخل فأتيت القوم الذين أردتهم فقالوا ما لنا نرى لونك قد حال فأخبرتهم الخبر فقالوا ذاك غلام من الحي وتلك أمه في تلك الخباء وكانت إذا أمرته بشيء شتمها وقال ما أنت إلا حمار فنهق في وجهها فدفناه في ذلك الحفير فما من يوم إلا وهو يخرج رأسه في الوقت الذي دفناه فينهق إلى ناحية الخباء ثلاث مرات ثم يدخل.
وخرجه من وجه آخر عن شهاب عن عمه العوام عن عبد الله بن أبي الهذيل قال كان رجل إذا كلمته أمة نهق في وجهها ثلاثا ثم ذكر باقيه مختصرا.
قال ابن أبي الدنيا: وحدثنا سويد بن سعيد حدثنا الحكم بن سنان عن عمرو بن دينار قال كان رجل من أهل المدينة له أخت فماتت فجهزها وحملها إلى قبرها فلما دفنت ورجع إلى أهله ذكر أنه نسي كيسا كان معه في القبر فاستعان برجل من أصحابه فأتيا القبر فنبشاه فوجدا الكيس فقال للرجل تنح فرده وسوى القبر ورجع إلى أمه فسألها عن حال أمته فقالت كانت توخر الصلاة عن وقتها ولا تصلي فيما أظن بوضوء وتأتي أبواب الجيران إذا ناموا فتلقم أذنها أبوابهم فتخرج حديثهم.
وقال أبو الحسن بن البراء: حدثنا العباس بن أبي عيسى حدثنا محمد بن يوسف الفريابي حدثنا أبو سنان وهو حي اذهبوا فاسألوه عن هذا قال فلم أذهب أسأله قال مات أخ له فجزع عليه جزعا شديدا قلنا ما يحزنك عليه قال: ما
(1/65)

حزني عليه لموته ولكن لما فرغت من دفنه سمعت صيحة من قبره وهو يقول أواه ولا أدري في الثانية أو الثالثة فنبشته حتى بلغت قريبا من اللبن فإذا طوق من نار في كفنه وفي وسطه فأدخلت يدي رجاء أن أقطع ذلك الطوق فأحرقت أصابعي فبادرت إحراقها فإذا يده قد احترقت.
قال: قلت للأوزاعي هؤلاء اليهود والنصارى يموت الميت منهم فلا يسمع هذا منهم فقال إن اليهود والنصارى لا يشك أنهم صاروا إلى النار وهذا يريد الله أن يعظكم في ملتكم.
وروى ابن أبي الدنيا من طريق عمر بن هارون1، عن عبد الحميد بن محمود المعولي قال كنت جالسا عند ابن عباس فأتاه قوم فقالوا إنا خرجنا حجاجا ومعا صاحب لنا حتى أتينا ذات الصفاح فمات فهيأناه ثم انطلقنا فحفرنا له قبرا ولحدنا له لحدا فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسود قد ملأ اللحد فحفرنا له آخر فإذا به قد ملأ لحده فحفرنا آخر فإذا به قد ملأه فتركناه وأتيناك فقال ابن عباس رضي الله عنهما ذلك عمله الذي يعمل به انطلقوا فادفنوه في بعضها فلما رجعنا قلنا لامرأته ما كان عمله ويحك قالت كان يبيع الطعام فيأخذ كل يوم قوت أهله ثم يقرظ القصب مثله فلقيه فيه.
وروى الهيثم بن عدي حدثنا أبان بن عبد الله البجلي قال هلك جار لنا فشهدنا غسله وكفنه وحمله إلى قبره وإذا شيء في قبره شبيه بالهرة فزجرناه فلم ينزجر فضرب الحفار جبهته ببيرمة فلم يبرح فتحولنا إلى قبر آخر فلما ألحدوا فإذا فيه فصنعنا به مثل ما صنعوا أولا فلم يلتفت فقال بعض القوم يا هؤلاء إن هذا فيه فصنعنا به مثل ما رأينا مثله فادفنوا صاحبكم فلما سوي عليه اللبن سمعوا قعقعة عظامه فذهبوا إلى امرأته فقالوا يا هذه ما كان يعمل زوجك وحدثوها بما رأوه فقالت لا يغتسل من الجنابة.
قال أبو الحسن بن البراء حدثني عبد الله بن محمد المدني قال كان لي صديق،
__________
1 عمر بن هارون قال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب "ت 5595": متروك، وكان حافظا فالسند ضعيف جدا.
(1/66)

فقال خرجت إلى ضيعتي فأدركني العصر إلى جانب مقبرة فصليت العصر قريبا فبينما أنا جالس إذ سمعت من ناحية القبر صوتا وأنينا فدنوت من القبر فإذا هو يقول آه كنت أصوم كنت أصلي فأصابتني قشعريرة فدعوت من حضرني فسمع كما سمعت ومضيت إلى ضيعتي ورجعت فصليت في موضعي الأول وصبرت حتى غابت الشمس وصليت المغرب ثم استمعت على ذلك القبر فإذا هو يئن آه كنت أصوم كنت أصلي فرجعت إلى أهلي فحممت ومرضت شهرين.
وخرج أبو القاسم اللالكائي في كتابه شرح السنة بإسناده عن يحيى بن معين قال قال لي حفار مقابر أعجب ما رأيت في هذه المقابر أني سمعت من قبر أنينا كأنين المريض. وبإسناده عن الحارث المحاسبي قال كنت في الجبانة في البصرة على قبر فأسمع من القبر أواه من عذاب الله.
قال الحارث: وكنت في مقبرة ههنا في باب المقبرة فأسمع صوت القنا بعضها على بعض يضرب وأنا شرف على المقبرة من قبر وهو يقول: أواه.
وبإسناده عن صدقة بن خالد الدمشقي عن بعض مشايخ أهل دمشق قال حججنا فهلك صاحب لنا في بعض الطريق على ماء من تلك المياه فأتينا أهل الماء نطلب شيئا نحفر له فأخرجوا لنا فأسا ومجرفة فلما وارينا صاحبنا نسينا الفأس في القبر فنبشناه فوجدناه قد جمع عنه ويداه ورجلاه في حلقة الفأس فسوينا عليه التراب وأرضينا أصحابه من الثمن فلما انصرفنا جئنا إلى امرأته فسألناها عنه فقالت كان على ما رأيتم من حاله يحج ويغزو فلما أخبرناها الخبر قالت صحبه رجل معه مال فقتل الرجل وأخذ المال قالت فبه كان يحج ويغزو.
وخرج ابن أبي الدنيا بإسناده عن يزيد بن المهلب قال استعملني سليمان بن عبد الملك على العراق وخراسان فودعني عمر بن عبد العزيز فقال يا يزيد اتق الله فإني حين وضعت الوليد في لحده فأهوى يركض في أكفانه.
وبإسناده عن عمرو بن ميمون بن مهران قال سمعت عمر بن عبد العزيز يقول كنت فيمن دلى الوليد بن عبد الملك في قبره فنظرت إلى ركبتيه قد جمعت إلى عنقه فقال ابنه عاش والله أبي ورب الكعبة فقلت عوجل أبوك ورب الكعبة قال فاتعظ بها عمر بعد.
(1/67)

وبإسناده عن الفضل بن يونس أن عمر بن عبد العزيز قال لمسلمة بن عبد الملك حدثني مولاك عن فلان أنه لما دفن أباك والوليد فوضعهما في قبرها وذهب ليحل العقد عنهما وجد وجوهما قد حولت في أقفيتهما.
قال ابن أبي الدنيا وحدثنا عبد المؤمن بن عبد الله الموصلي حدثني رجل من أهل الرملة قال أصابتنا ريح شديدة كشف عن القبور قال فنظرت إلى جماعة منهم قد حولوا عن القبلة.
وحدثني رجل أنه ماتت له ابنة فأنزلها القبر فذهب ليصلح لبنة فإذا هي قد حولت عن القبلة فاغتممت لذلك غما شديدا قال فرأيتها في النوم فقالت عامة من حولي من أهل القبور محولون عن القبلة قال كأنها تريد الذين ماتوا على الكبائر.
وروينا من طريق إسحاق الفزاري أنه سأل نباشا قد تاب فقال أخبرني عمن مات على الإسلام أترك وجهه على ما كان أم ماذا قال أكثر ذلك قد حول وجهه عن القبلة قال فكتب بذلك إلى الأوزاعي فكتب إلي: "إنا لله وإنا إليه راجعون" ثلاث مرات من حول وجهه عن القبلة فإنه مات على غير السنة وخرجهما ابن أبي الدنيا مختصرا.
وروى ابن أبي الدنيا عن أبي الحريش عن أمه قالت لما حفر أبو جعفر خندق في الكوفة حول الناس موتاهم فرأيت شابا ممن حول عاضا على يده.
قال: وحدثنا عبد المؤمن بن عبد الله العنسي قال قيل لنباش قد كان تاب ما أعجب ما رأيت قال نبشت رجلا فرأيته مسمرا بالمسامير في سائر جسده ومسمار كبير في رأسه وآخر في رجليه.
وقيل لنباش آخر: ما أعجب ما رأيت؟ قال: رأيت جمجمة إنسان مصبوبا فيها رصاص.
وقيل لنباش آخر: ما كان سبب توبتك قال عامة ما كنت أنبش أراه محول الوجه من القبلة.
وذكر ابن الفارسي الليث صاحب أبي الفرج بن الجوزي في تاريخه أنه في سنة تسعين وخمسمائة وجد ميت ببغداد بظاهر باب البصرة وقد بلي ولم يبق غير عظامه،
(1/68)

وفي يديه ورجليه ضباب حديد وضرب فيها مسماران أحدهما في سرته والآخر في جبهته وكان هائل الخلقة غليظ العظام وكان سبب ظهوره زيادة الماء كشف تلا كان يعرف بالتل الأحمر على ميلين من سور باب البصرة القديم.
وذكر شيخنا أبو عبد الله بن القيم رحمه الله تعالى في كتاب الروح حدثنا أبو عبد الله محمد بن سنان السلامي التاجر وكان من خيار عباد الله قال جاء رجل إلى سوق الحدادين ببغداد فباع مسامير صغارا المسامير برأسين فأخذها الحداد فجعل يحمي عليها فلا تلين معه حتى عجز عن ضربها فطل الذي باعها عليه فوجده فقال من أين لك هذه المسامير قال لقيتها فلم يزل حتى أخبره أنه رأى قبرا مفتوحا وفيه عظام ميت منظومة بهذه المسامير قال فعالجتها على أن أخرجها فلم أقدر فأخذت حجرا فكسرت عظامه وجمعتها قال وأنا رأيت تلك المسامير قلت وكيف وجدت صفتها قال المسمار صغير برأسين.
قلت: هذه الحكاية مشهورة ببغداد وقد سمعتها وأنا صبي ببغداد وهي مستفيضة بين أهلها.
قال شيخنا: وحدثنا أبو عبد الله محمد بن الوزير الحراني أنه خرج من داره بآمد بعد العصر إلى بستان فلما كان قبل غروب الشمس توسط القبور فإذا قبر منها وهو جمرة نار مثل كور الحداد: زجاج، والميت في وسطه قال فجعلت أمسح عيني أقول أنا نائم أم يقظان ثم التفت إلى سور المدينة فقلت والله ما أنا بنائم ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل فدخلت البلد وسألت عن صاحب القبر فإذا هو مكاس قد توفي في ذلك اليوم.
وأنبأنا الحافظ أبو محمد القاسم بن محمد البرازلي فيما ذكره في تاريخه عن عبد العزيز بن عبد المنعم بن الصقيل الحراني قال حكى لي عبد الكافي أنه شهد مرة جنازة فإذا عبد أسود معنا فلما صلى الناس لم يصل فلما حضرنا الدفن نظر إلي ثم قال أنا عمله ثم ألقى نفسه في القبر قال فنظرت فلم أر شيئا.
وأنبأنا محمد بن خليفة عن عبد المؤمن بن خلف الحافظ قال سمعت محمد بن إسماعيل هبة الله الدمياطي يقول سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله الثعلبي
(1/69)

صاحب السفلى يقول كان عندنا نباش يتكفف الناس أعمى وكان يقول من يعطيني شيئا فأخبره بالعجب ثم يقول من يزيدني فأعطي شيئا وأنا إلى جانبه أنظره فكشف عن عينيه فإذا بهما قد نفذتا إلى قفاه كالأنبوبتين النافذتين يرى من قبل وجهه ما وراء قفاه ثم قال ألا أخبركم أني كنت في بلدي نباشا حتى شاع أمري فأخفت الناس حتى ما أبالهم وأن قاضي البلد مرض مرضا خاف منه الموت فأرسل إلي فقال أنا أشتري هلاكي منك في قبري وهذه مائة دينار مأمنة فأخذتها فعوفي من ذلك المرض ثم مرض بعد ذلك ثم مات ثم توهمت أن العطية للمرض الأول فجئت فنبشته فإذا القبر حبس عقوبة والقاضي جالس ثائر الرأس محمرة عيناه كالسكرجتين فوجدت زمعا في ركبتي وإذا بضربة من أصبعتين وقائل يقول يا عدو الله: أتطلع على أسرار الله عز وجل؟.
(1/70)

فصل: الميت يجد ألم الموت ما دام في قبره
وقد ورد أن الميت يجد ألم الموت ما دام في قبره ولعل ذلك خاص ليس بعام.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناد فيه نظر عن كعب قال لا يذهب عن الميت ألم الموت ما دام في قبره وإنه لأشد ما يمر على المؤمن وأهون ما يصيب الكافر، وعن الأوزعي قال بلغني أن الميت يجد ألم الموت ما لم يبعث من قبره أو قال إلى أن يبعث من قبره.
وخرج هو أيضا وأبو يعلى الموصلي من رواية الربيع بن سعد الجعفي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حدثوا عن بني إسرائيل فإنه كان فيهم الأعاجيب" 1، ثم أنشأ يحدث قال خرجت رفقة مرة يسيرون في الأرض فمروا بمقبرة فقال بعضهم لبعض لو صلينا ركعيتن ثم دعونا الله عز وجل لعله أن يخرج لنا بعض أهل هذه المقبرة فيخبرنا عن الموت، قال:
__________
1 صحيح بلفظ " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" أخرجه أبو داود "ح 3662"، والترمذي "ح 2669" واحمد "2/474" وبقية الحديث مدرج – أي من كلام الراوي - كما قال المؤلف.
(1/70)

فصلوا ركعتين ثم دعوا الله فإذا هم برجل خلاسي قد خرج من قبره ينفض رأسه بين عينيه أثر السجود فقال يا هؤلاء ما أردتم إلى هذا لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني مرارة الموت إلى ساعتي هذه فادعوا الله أن يعيدني كما كنت وهذا إسناد جيد والربيع هذا كوفي ثقة قاله ابن معين لكن قوله ثم أنشأ يحدث إلى آخر القصة إنما هي حكاية عبد الرحمن بن سابط كذا روى ابن عيينة عن الربيع عن عبد الرحمن بن سابط من قوله.
وخرج البزار في مسنده أول الحديث ولم يذكر فيه قصة الرفقة وهي مدرجة في الحديث كما بينا.
(1/71)

فصل: ما شوهد من نعيم أهل القبر
وما شوهد من نعيم القبر وكرامة أهله فكثير أيضا وقد سبق في الباب الأول والرابع بعض ذلك.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الرقة والبكاء" بإسناده عن مسكين بن بكيرة أن ورادا العجلي لما مات فحمل إلى حفرته نزلوا ليدلوه في حفرته فإذا اللحد مفروش بالريحان فأخذ بعضهم من ذلك الريحان فمكث الناس من ذلك فأخذه الأمير وفرق الناس خشية الفتنة ففقده الأمير من منزله لا يدري كيف ذهب.
وروى أبو بكر الخطيب بإسناده عن محمد بن مخلد الدوري الحافظ قال ماتت أمي فنزلت ألحدها فانفرجت لي فرجة عن قبر بقربها فإذا رجل عليه أكفان جدد وعلى صدره طاقة ياسمين طرية فأخذتها فشممتها فإذا هي أزكى من المسك وشمها جماعة كانوا معي ثم رددتها إلى موضعها وسددت الفرجة.
وروى أبو الفرج ابن الجوزي من طريق أبي جعفر السراج عن بعض شيوخه قال كشف قبر بقرب الإمام أحمد وإذا على صدر الميت ريحانة تهتز.
وذكر في "تاريخه"، أن في سنة ست وسبعين ومائتين انفرج تل في أرض البصرة بعرق تل شقيق عن سبعة أقبر في مثل الحوض وفيها سبعة أنفس أبدانهم صحيحة وأكفانهم يفوح منها رائحة المسك أحدهم شاب، وفيها سبعة أنفس شفتيه
(1/71)

بلل، كأنه شرب ماء وكأن عينيه مكحلتان وله مذبة في خاصرته وأراد بعض من حضر أن يأخذ من شعره شيئا فإذا هو قوي كشعر الحي.
وخرج ابن سعد في "طبقاته" بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال كنت فيمن حفر لسعد بن معاذ قبره بالبقيع وكان يفوح علينا المسك كلما حفرنا من قبره ترابا حتى انتهينا إلى اللحد.
وبإسناده عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال أخذ إنسان قبضة تراب من تراب سعد فذهب بها فنظر بعد ذلك فإذا هي مسك.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن المغيرة بن حبيبة أن عبد الله بن غالب الحراني لما دفن أصابوا من قبره رائحة المسك.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن يونس بن أبي العراب قال حفر رجل قبرا فقعد فيه من الشمس فجاءت ريح باردة فأصابت ظهره فإذا بقبر صغير فوسعه فإذا هو ينظر مد البصر وإذا شيخ مخضوب كأنما رفعت المواشط يديها عنه وقد بقي من أكفانه على صدره شيء.
وأما من شوهد بدنه طريا صحيحا وأكفانه عليه صحيحة بعد تطاول المدة من غير الأنبياء عليهم السلام فكثير جدا ونحن نذكر من أعيانهم جماعة.
قال: عمرو بن شبة حدثني محمد بن يحيى حدثنا هشام بن عبد الله بن عكرمة1، عن هشام بن عروة عن أبيه قال لما سقط جدار بيت النبي صلى الله عليه وسلم وعمر بن عبد العزيز يومئذ على المدينة انكشف قدم من القبور التي في البيت فأصابها شيء فدميت ففزع من ذلك عمر بن العزيز فزعا شديدا فدخل عروة البيت فإذا القدم قدم عمر بن الخطاب فقال لعمر لا تفزع هي قدم عمر بن الخطاب فأمر بالجدار فبني ورد على حاله.
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا عبد الجبار بن الورد سمعت أبا الزبير سمعت جابر بن عبد الله يقول كتب معاوية إلى عاملة بالمدينة أن
__________
1 هشام بن عبد الله بن عكرمة، قال عنه ابن حبان: لا يعجبني الاحتجاج بخبرة إذا انفرد وذكر الذهبي في المغني في الضعفاء "2/ 711 وانظر ميزان الاعتدال "4/ 300"، وعليه فالقصة ضعيفة.
(1/72)

يجري عينا إلى أحد فكتب إليه عامله أنها لا تجري إلا على قبور الشهداء فكتب إليه أن أنفذها قال سمعت جابرا يقول رأيتهم يخرجون على رقاب الرجال كأنهم رجال نوام حتى أصابت المسحاة قدم حمزة فانبعثت دما.
روى مالك عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين ثم السلميين كان قد حفر السيل قبرهما وكان قبرهما ما يلي السيل وكانا في قبر واحد وهما ممن استشهد يوم أحد فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن عاصم حدثنا سعيد بن عامر عن المثنى بن سعيد قال لما نزلت عائشة بنت طلحة البصرة أتاها رجل فقال إني رأيت طلحة بن عبيد الله في المنام فقال قل لعائشة تحولني من هذا المكان فإن البرد قد آذاني فركبت في مواليها وحشمها فضربوا عليه بناء واستثاروه فلم يتغير منه إلا شعرات في إحدى شق لحيته أو قال رأسه حول إلى موضعه وكان بينهما بضع وثمانون سنة.
وبإسناده عن علي بن زيد بن جدعان عن أمه قالت رأيت طلحة بن عبيد الله لما حول من مكانه فرأيت الكافور في عينيه ولم يتغير منه شيء إلا عقيصة مالت من مكانها.
وقال في كتاب الأولياء كتب أبو عبد الله محمد بن خلف بن صالح التيمي أن إسحاق بن أبي نباته مكث ستين سنة يؤذن لقومه في مسجد عمرو بن سعيد يعني بالكوفة وكان يعلم الغلمان الكتاب ولا يأخذ الأجر فمات قبل أن يحفر الخندق بثلاثين سنة فلما حفر الخندق وكان بين المقابر ذهب بعض أصحابه يستخرجه ووقع قبره في الخندق فاستخرجوه كما دفن ولم يتغير منه شيء إلا الكفن قد جف عليه ويبس والحنوط محطوط عليه وكان خضيبا لرأى وجهه مكشوفا وقد اتصل الحنا في أطراف الشعر فمضى المسيب بن زهير إلى أبي جعفر المنصور وهو على شاطئ الفرات فأخبره فركب أبو جعفر في الليل حتى رآه فأمر به فدفن بالليل لئلا يفتتن
(1/73)

الناس.
وفي الترمذي في سياق حديث صهيب المرفوع في قصة أصحاب الأخدود أن ذلك الغلام الذي قتله الملك وآمن الناس كلهم وقالوا آمنا برب الغلام وجد في زمان عمر بن الخطاب ويده على جرحه كهيئته حين مات1.
وقد ذكر محمد بن كعب القرظي وزيد بن أسلم وغيرهما قصة عبد الله بن ثامر وهو رأس الأخدود وقصته شبيهة بقصة الغلام المخرجة في الترمذي وأنه وجد في زمان عمر بنجران ويده على جرحه وأن جرحه يدمى.
وكذا ذكره ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
وذكر ابن أبي الدنيا في كتاب "القبور"، قصة دانيال لما وجده أبو موسى الأشعري بالسوس وأخبار كثيرة من أخبار المتقدمين في هذا المعنى.
وذكر ابن الجوزي أن الشريف أبا جعفر بن أبي موسى لما دفن إلى جانب قبر الإمام أحمد بعد موت الإمام أحمد بمائة سنة رئي كفن الإمام أحمد وهو يتقعقع.
قال: وحدثنا محمد بن أبي منصور بن يوسف حدثني أبي قال في جملة من كشف ابن شمعون لما نقل من بيته إلى مقبرة الإمام أحمد بعد أربعين سنة وكفنه يتقعقع.
__________
1 أخرجه الترمذي "ح3340" وقال: هذا الحديث حسن غريب، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
(1/74)

فصل: انتفاع أهل القبور بمجاورة الصالحين وتأذيهم من مجاورة الفاسقين
وقد يكرم الله بعض عباده الصالحين بأن يشفع في جيرانه فينتفعون بمجاورته في قبره.
وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن موسى الصانع عن عبد الله بن نافع المدني قال: مات رجل من أهل المدينة فدفن بها رجل كان من أهل النار فاغتنم لذلك ثم إنه بعد سابعة أو ثامنة أري كأنه من أهل الجنة قال: ألم تكن قلت: إنك من أهل النار قال: قد كان ذلك لأنه دفن معنا رجل من الصالحين، فشفع في أربعين من
(1/74)

جيرانه وكنت منهم.
وقال ابن البراء: حدثنا محمد بن إبراهيم بن كثير حدثنا عمرو بن حميد قال: أخبرني رجل من أهل جرجان قال: لما مات كرز الحارثي رأى فيما يرى النائم كأن أهل القبور على قبورهم وعليهم ثياب جدد فقال لهم: ما هذا؟ قالوا: إن أهل القبور كسوا ثيابا جددا لقدوم كرز عليهم.
وذكر أبو الفرج ابن الجوزي أن بعضهم رأى في منامه: معروفا الكرخي لما دفن في قبره شفع في أربعين من كل جانب من جوانبه فأعتقوا من النار.
وعكس هذا من يتأذى جيرانه من الموتى بعذابه كما روي أن زبيده امرأة هارون الرشيد رؤيت في المنام فأخبرت أنها غفر لها وكأن على وجهها أثر صفرة فسئلت عن ذلك فقالت دفن عندنا بشر المريسي فزفرت جهنم زفرة أصابنا منها ذلك والله أعلم.
(1/75)

الباب السابع فيما ورد من تلاقي الموتى في البرزخ وتزاورهم
روى مسلم بن إبراهيم الوراد عن عكرمة بن عمار عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه، فإنهم يتزاورون في قبورهم" 1.
وخرج محمد بن يحيى الهمداني في "صحيحه" بهذه الزيادة وعنده عن هشام عن محمد عن أبي هريرة.
وكذا رواه سليمان بن أرقم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة بهذه الزيادة.
ورواه غيره عن ابن سيرين، من قوله، فلعل الزيادة في آخره مدرجة من كلام ابن سيرين.
__________
1 الحديث أخرجه مسلم "ح 943"، وأبو داود "ح 3148"، والنسائي "ح 1894" ثلائثتهم من حديث أبي الزبير عن جابر بلفظ: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوما، فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلاً، فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه". واللفظ لمسلم وأخرجه الترمذي "ح 995" وابن ماجه "ح 1474" بلفظ: إذا ولى أحدكم أخاه فليحسن كفنه كلاهما من حديث محمد بن سيرين عن قتادة.
وأورده العلامة الألباني في الجنائز "ص 58" بلفظ: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه "إن استطاع" وعزى الجملة الأخيرة منه للترمذي وابن ماجه، ووهم رحمه الله، فهي لأحمد فقط "03/329" وهذا القدر من الحديث صحيح قطعا.
أما الزيادة "فأنهم يتزاورون في قبورهم" والزيادة التي ذكرها المؤلف بعد. فأوردها ابن الجوزي في الموضوعات "2 /414" من حديث أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما وأعل الأول بسليمان بن أرقم فإنه متروك، الثاني بسعيد بن سلام، أسوأ حلا من الأول.
وتعقبه السيوطي في اللآلئ المصنوعة "2/366"، والنكت البديعات "ح 108" بأنه حسن صحيح، وله طرق كثيرة وشواهد، عند الحارث بن أسامة في مسنده، والديلمي، والبيهقي في الشعب.
وزاد عليه الألباني في الصحيح "ح 1425" فأورد متابعة أخرى عزاها لأبي عمرو بن منده في "المنتخب من حديثه" وبهذا أقر السيوطي في حكمه على الحديث، والله اعلم.
(1/76)

وخرج العقيلي، من طريق سعيد بن سلام العطار حدثنا أبو مرة راشد بن العطار سمعت قتادة يحدث سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه فإنهم يبعثون أو قال يتزاورون في أكفانهم" وقال: سعيد بن سلام ضعيف ولا يتابع عليه وأبو مرة: لا يعرف له غيره.
ويروى من حديث محمد بن مصفى حدثنا معاوية عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حسنوا أكفان موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون في قبورهم".
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا القاسم بن هشام حدثنا يحيى بن صالح حدثنا محمد بن سليمان حدثنا راشد بن سعد: أن رجلا توفيت امرأته فرأى نساء في المنام ولم ير امرأته معهن فسألهن عنها فقلن: إنكم قصرتم في كفنها فهي تستحي أن تخرج معنا فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنظر إلى ثقة من سبيل"، فأتى رجلا من الأنصار قد حضرته الوفاة فأخبره فقال الأنصاري: إن كان أحد يبلغ الموتى بلغته قال: فتوفي الأنصاري فأتى بثوبين مبرورين بالزعفران فجعلهما في كفن الأنصاري فلما كان الليل رأى النسوة معهن امرأته وعليها الثوبان الأصفران1.
وقال أبو الحسن بن البراء: حدثنا العباس بن أبي عيسى قال: كانت امرأة تقية ثرية توفيت فرأت ابنه لها في المنام كأن أمها أتتها فقالت: با بنية كفنتموني بكفن ضيق فأنا بين صواحبي أستحي منهن وفلانة تأتينا في يوم كذا وكذا ولي في موضع ذكرته أربعة دنانير فاشتروا لي كفنا وابعثوا في معها قالت الإبنة: ولم أكن أعلم أن لها في الموضع الذي ذكرت مالا قالت: فلما كان بعد اعتلت قالت: فجاءني فقالوا لي: ما تقولين؟ فقصصت عليهم القصة فقالت: اذهبوا إلى رجلين من أهل الحديث بزازين يقال لأحدهما: ابن النيسابوري والآخر أبو توبة فليشتريا لها كفنا قال: فذهبت البنت إلى الموضع الذي ذكرت ووضعت الكفن معها في كفنها فلما كان بعد ذلك رأت المرأة البنت في المنام قالت: يا بنية قد أتتنا فلانة ووصل إلي الكفن ما أحسنه وأوسعه أما إنه جزاك الله خيرا.
وروى ابن أبي الدنيا من طريق مسمع بن عاصم حدثني رجل من آل عاصم
__________
1 الحديث ضعيف لإرساله، وضعفه محمد بن سليمان.
(1/77)

بالحجاز قال رأيت عاصما الجحدري بعد موته بسنتين فقلت: أليس قد مت؟ قال: بلى قلت: فأين أنت؟ قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني نتلاقى أخباركم قلت: أجسامكم أو أرواحكم قال هيهات بليت الأجسام وإنما تتلاقى الأرواح قلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال: نعلم بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس قلت: كيف دون الأيام كلها؟ قال بفضل يوم الجمعة وعظمه والله أعلم.
فصل
وخرج الإمام أحمد من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن درة بنت معاذ عن أم هانئ الأنصارية أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تكون النسم طيرا تعلق بالشجر حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها" 1.
وخرج ابن أبي الدنيا من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن أبي كبشة عن أبيه عن جده قال: لما مات بشر بن البراء بن معرور وجدت عليه أم بشر وجدا شديدا فقال يا رسول الله لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة فهل يتعارف الموتى فأرسل إلى بشر بالسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده يا أم بشر إنهم ليتعارفون كما تتعارف الطير في رؤوس الشجر"، وكان لا يهلك هالك من بني سلمة إلا جاءت أم بشر فتقول: اقرأ على بشر السلام.
__________
1 حسن أخرج احمد "6/ 425".
(1/78)

الباب الثامن: فيما ورد من سماع الموتى كلام الأحياء ومعرفتهم بمن يسأل عليهم ويزروهم ومعرفتهم بحالهم بعد الموت وحال أقاربهم في الدنيا
مدخل
...
الباب الثامن: فيما ورد من سماع الموتى كلام الأحياء ومعرفتهم بمن يسأل عليهم ويزروهم ومعرفتهم بحالهم بعد الموت وحال أقاربهم في الدنيا
أما سماع الموتى لكلام الأحياء ففي الصحيحين عن أنس عن أبي طلحة قال لما كان يوم بدر وظهر عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر ببضعة وعشرين وفي رواية أربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فألقوا في طوى من أطواء بدر فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعد ربي حقا" فقال عمر: رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" 1.
وفي صحيح مسلم من حديث أنس نحوه من غير ذكر أبي طلحة وفي حديثه قال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا" 2.
وفيه أيضا عن أنس عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة بمعناها3.
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم على أهل القليب فقال: "وجدتم ما وعد ربكم حقا" قيل له أتدعوا أمواتا؟ قال: "ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون"! وفي رواية قال: "إنهم الآن يسمعون ما أقول" 4.
وقد أنكرت عائشة ذلك كما في الصحيحين5، عن عروة عن عائشة أنها
__________
1 أخرجه البخاري "ح 3976"، ومسلم "ح 2875".
2 أخرجه مسلم "ح 2874".
3 أخرجه مسلم "ح 2873".
4 أخرجه البخاري "ح 1370" ومسلم "239".
5 أخرجه البخاري "ح 1371" ومسلم "ح 932"، قال الحافظ ابن حجر في الفتح "3/227: حديث عائشة قالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول حق، وهذا مصير عائشة إلى رد رواية =
(1/79)

قالت: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم ليسمعون الآن ما أقول وقد وهم - يعني ابن عمر - إنما قال: إنهم ليعلمون الآن ما كنت أقول لهم إنه حق ثم قرأت قوله: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}
وقد وافق عائشة على نفي سماع الموتى كلام الأحياء طائفة من العلماء ورجحه القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتاب الجامع الكبير له واحتجوا بما احتجت به عائشة وبأنه يجوز أن يكون ذلك معجزة مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره وهو سماع الموتى كلامه.
وفي صحيح البخاري قال قتادة: أحياهم الله تعالى يعني أهل القليب حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما1.
وذهب طوائف من أهل العلم - وهم الأكثرون - وهو اختيار الطبري وغيره وكذلك ذكره ابن قتيبة وغيره من العلماء وهؤلاء يحتجون بحديث القليب كما سبق وليس هو بوهم ممن رواه فإن ابن عمر وأبا طلحة وغيرها ممن شهد القصة حكياه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة لم تشهد ذلك وروايتها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنهم ليعلمون الآن، أن ما كنت أقول لهم
__________
= ابن عمر المذكور، وقد خالفها الجمهور في ذلك وقبلوا حديث ابن عمر لموافقة من رواه غيره عليه، وأما استدلالها بقوله تعالى "إنك لا تسمع الموتى" فقالوا: معناها لا تسمعهم سماعا ينفع، أولا تسمعهم إلا أن يشاء الله. وقال السهلي: عائشة لم تحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم، فغيرها ممن حضر أحفظ للفظ النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قالوا له: "يا رسول الله أتخاطب قوما قد جيفوا؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" قال: وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين إما بآذان رءوسهم كما هو قول الجمهور، أو بآذان الروح على رأى من يوجه السؤال إلى الروح من غير رجوع إلى الجسد. قال: أما الآية فإنها كقوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ} أي أن الله هو الذي يسمع ويهدي. أنتهى.
وقوله: إنها لم تحضر صحيح، لكن لا يقدح ذلك في رواياتها لأنه مرسل صحابي، وهو محمول على أنه سمعت ممن حضره أو من النبي صلى الله عليه وسلم بعد، ولو كان ذلك قادحاً في روايتها لقدح في رواية ابن عمر فإنه لم يحضر أيضاً، ولا مانع أن يكون النبي صلى الله علي وسلم قال اللفظين معا فإنه لا تعارض بينهما. وقال ابن التين: لا معارضة بين حديث ابن عمر والآية، لأن الموتى لا يسمعون بلا شك، لكن الله إذا أراد إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع كقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} الآية، وقوله: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} الآية، وسيأتي في المغازى قول قتادة: إن الله أحياهم حتى سمعوا كلام نبيه وبيخا ونقمه" ا. هـ.
1 أخرجه البخاري عقب حديث "3976".
(1/80)

حق"، يؤيد رواية من روى: إنهم ليسمعون ولا ينافيه فإن الميت إذا جاز أن يعلم جاز أن يسمع لأن الموت ينافي العلم كما ينافي السمع والبصر فلو كان مانعا من البعض لكان مانعا من الجميع.
وروى أبو الشيخ الاصبهاني بإسناده عن عبيد بن مرزرق قال: كانت امرأة بالمدينة يقال لها أم محجن تقم المسجد فماتت فلم يعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم فمر بقبرها فقال: "ما هذا القبر"؟ فقالوا: أم محجن فقال: "التي كانت تقم المسجد"؟ قالوا: نعم فصف الناس فصلى عليها ثم قال: "أي العمل وجدت أفضل"؟ قالوا: يا رسول الله أتسمع؟ قال: "ما أنتم بأسمع منها"، فذكر أنها أجابته: قم المسجد، وهذا مرسل.
وأما أن ذلك خاص بكلام النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس كذلك وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم" وقد سبق ذكره1 وسنذكر الأحاديث الواردة بسماع الموتى سلام من يسلم عليهم فيما بعد، إن شاء الله.
وأما قوله: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80] ، وقوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22] فأن السماع يطلق ويراد به إدراك الكلام وفهمه ويراد به أيضا الانتفاع به والاستجابة له والمراد بهذه الآيات نفي الثاني دون الأول فإنها في سياق خطاب الكفار الذين لا يستجيبون للهدى ولا للإيمان إذا دعوا إليه كما قال الله تعالى {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] الآية في نفي السماع والإبصار عنهم لأن الشيء قد ينفي لانتفاء فائدته وثمرته فإذا لم ينتفع المرء بما يسمعه ويبصره فكأنه لم يسمع ولا يبصر وسماع الموتى هو بهذه المثابة وكذلك سماع الكفار لمن دعاهم إلى الإيمان والهدى. وقول قتادة في أهل القليب: أحياهم الله حتى أسمعهم يدل على أن الميت لا يسمع القول إلا بعد إعادة الروح إلى جسده كما جاء ذلك مصرحا به في حديث البراء بن عازم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الطويل وقد سبق ذكر بعضه وفيه في حق الكافر: " وتعاد روحه في جسده".
وفي مسند الإمام أحمد من حديث الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن
__________
1 سبق تخريجه، وما سيأتي بعده..
(1/81)

البراء في حق المؤمن والكافر في كل منهما قال: "وتعاد روحه في جسده".
وكذلك عند ابن منده إعادتها إلى جسده عند ضرب الملك له بعد أن يضربه فيصير ترابا من رواية يونس بن خباب عن المنهال وقد سبق ذلك كله.
وخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفة قبض الروح والمسالة وقال في روح الكافر: "فتصير إلى القبر"، وقد سبق أيضا.
وخرج ابن منده - بإسناد ضعيف جدا - عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم في صفة قبض الروح وفيه قال: "فيهبطون بها - يعني الروح - على قدر فراغهم من غسله وأكفانه فيدخلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه"، وهذا لا يثبت.
وخرج الخلال في كتاب شرح السنة من طريق أبي هشام عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: إن للمؤمن إذا نزل به الموت جاءه ملك الموت يناديه: يا روح طيبة أخرجي من الجسد الطيب فإذا خرجت روحه لفت في خرقة حمراء فإذا غسل وكفن وحمل على السرير تحولت حتى يوضع في قبره فإذا وضع في قبره أجلس وجيء بالروح فجعلت فيه فقيل له: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد - صلى الله عليه وسلم - فيقال له: صدقت فيوسع له في قبره مد البصر ثم ترفع روحه فتجعل في أعلى عليين ثم تلا عبد الله الآية: {إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} [المطففين: 18] .
وخرج ابن أبي الدنيا من طريق سالم بن أبي الجعد قال حذيفة: الروح بيد ملك وإن الجسد ليغسل وإن الملك ليمشي معه إلى القبر فإذا سوي عليه سلك فيه وذلك حين يخاطب.
ومن طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: الروح بيد ملك يمشي مع الجنازة يقول: اسمع ما يقال لك فإذا بلغ حفرته دفن معه.
ومن طريق داود العطار عن أبي نجيح قال ما من ميت يموت إلا وروحه بيد ملك ينظر إلى جسده كيف يغسل ويكفن ويمشى به إلى قبره ثم تعاد إليه روحه فيجلس في قبره.
وكذلك قال أبو صالح وغيره من السلف في قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] ، فدل على أن
(1/82)

الحياة الأولى هي القبر للسؤال وإن كان الأكثرون خالفوا في ذلك.
فهؤلاء السلف كلهم صرحوا بأن الروح تعاد إلى البدن عند السؤال وصرح بمثل ذلك طوائف من الفقهاء والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وغيره وأنكر ذلك طائفة منهم ابن حزم وغيره وذكر أن السؤال للروح خاصة وكذلك سماع الخطاب وأنكر ألا تعاد الروح إلى الجسد في القبر للعذاب وغيره وقالوا: لو كان ذلك حقا للزم الإنسان أن يموت ثلاث مرات ويحيى ثلاث مرات والقرآن دل على أنهما موتتان وحياتان وهذا ضعيف جدا فإن حياة الروح ليست حياة تامة مستقلة كحياة الدنيا وكالحياة الآخرة بعد البعث وإنما فيها نوع اتصال الروح في البدن بحيث يحصل بذلك شعور البدن وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرهما وليس هو حياة تامة حتى يكون انفصال الروح به موتا تاما وإنما هو شبيه بانفصال روح النائم عنه ورجوعها إليه فإن ذلك يسمى موتا وحياة.
كما كان يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استيقظ: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" 1، وسماه الله تعالى وفاة لقوله: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى} [الزمر: 42] الآية ومع هذا فلا ينافى ذلك أن يكون النائم حيا وكذلك اتصال روح الميت ببدنه وانفصالها عنه لا توجب أن يصير حيا حياة مطلقة.
وممن رجح هذا القول - أعني السؤال والنعيم والعذاب للروح خاصة - من أصحابنا ابن عقيل وأبو الفرج ابن الجوزي في بعض تصانيفهما واستدل ابن عقيل بأن أرواح المؤمنين تنعم في حواصل طير خضر وأرواح الكفار في حواصل طير سود وهذه الأجساد تبلى فدل ذلك على أن الأرواح تنعم وتعذب في أجساد أخر وهذا لا حجة فيه لأنه لا ينافي اتصال الروح ببدنه أحيانا مع فنائه واستحالته.
واستدل طائفة ممن ذهب إلى هذا القول بما روى منصور بن عبد الرحمن عن أمه قال: دخل ابن عمر المسجد وابن الزبير قد قتل وصلب فقيل له: هذه أسماء بنت أبي بكر في المسجد فقال لها: اصبري فإن هذه الجثة ليست بشيء وإنما الأرواح عند الله فقالت: وما يمنعني من الصبر وقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني
__________
1 أخرجه البخاري "ح 6312" من حديث حذيفة. ومسلم "2711" من حديث أبي ذر..
(1/83)

إسرائيل.
وروى ابن أبي الدنيا من طريق ابن عمر صاحب السفلى - قال: نزل ابن عمر إلى جانب قبور دراسة فنظر إلى قبر منها فإذا هو بجمجمة بادية فأمر رجلا فواراها قال: إن هذه الأبدان ليس يضرها الثرى شيئا وإنما الأرواح التي تعاقب وتثاب إلى يوم القيامة.
وروى محمد بن سعد عن الواقدي حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معادن قال لما انهزمت الروم يوم أجنادين انتهوا إلى موضع لا يعبره إلا إنسان فجعلت الروم تقاتل عليه فتقدم هشام بن العاص فقاتلهم حتى قتل ووقع على تلك الثملة فسدها فلما انتهى المسلمون إليها هابوا أن يوطئوه الخيل فقال عمرو بن العاص: إن الله قد استشهده ورفع روحه وإنما هو جثة فأوطئوه الخيل ثم أوطأه وتبعه الناس حتى قطعوه.
وهذه الآثار لا تدل على أن الأرواح لا تتصل بالأبدان بعد الموت إنما تدل على أن الأجساد لا تتضرر بما ينالها من عذاب الدنيا وإنما هو نوع آخر يصل إلى الميت بمشيئة الله قدرته.
وقولهم: الأرواح عند الله تعالى تعاقب وتثاب لا ينافي أن تتصل بالبدن أحيانا فيحصل بذلك إلى الجسد نعيم أو عذاب وقد تستقل الروح أحيانا بالنعيم والعذاب إما عند استحالة الجسد أو قبل ذلك.
وقد أثبتت طائفة أخرى النعيم والعذاب للجسد بمجرده من غير اتصال الروح له ومن ذكر ذلك من أصحابنا: ابن عقيل في كتاب الإرشاد وانب الزغواني وحكي عن ابن جرير الطبري - أيضا - وذكر القاضي أبو يعلى أنه ظاهر كلام الإمام أحمد فإنه قال في رواية حنبل: أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار والأبدان في الدنيا يعذب الله من يشاء ويرحم من يشاء منها بعفوه.
قال القاضي: ظاهر هذا أن الأرواح تعذب وتنعم على الإنفراد وكذلك الأبدان إذا كانت باقية أدى إلى الأجزاء التي استحالت قال: ولا يمنع أن يخلق في الأبدان إدراك تحس به النعيم والعذاب كما خلق في الجبل لما تجلى له ربه ثم جعله دكا.
وقال القاضي أبو الحسين: ولأنه لما لم يستحل نطق الذراع المسموم ولم ويستحل عذاب الجسد
(1/84)

البالي وإيصال العذاب إليه بقدرة الله تعالى وقد يستدل لهذا بأن عمر بن الخطاب قال - للنبي صلى الله عليه وسلم - يوم كلم أهل القليب: كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ فلم ينكر - النبي صلى الله عليه وسلم - ذلك وإنما قال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" 1، فدل على أن سماعهم حصل على أجساد لا أرواح فيها وقد دل القرآن على سجود الجمادات وعلى تسبيحها لله تعالى وخشوعها له فدل على أن فيها حياة تحييها وإدراكا فلا يمنع مثل ذلك في جسد ابن آدم بعد مفارقة الروح له والله أعلم.
ويدل على ذلك: ما أخبر الله من شهادة الجلود والأعضاء يوم القيامة وما روي عن ابن عباس في اختصام الروح والجسد يوم القيامة فإنه يدل على أن الجسد يخاصم الروح ويكلمها وتكلمه ومما يدل على وقوع العذاب على الأجساد الأحاديث الكثيرة في تضييق القبر على الميت حتى تختلف أضلاعه ولأنه لو كان العذاب على الروح خاصة لم يختص العذاب بالقبر ولم ينسب إليه.
__________
1 سبق تخريجه.
(1/85)

فصل: معرفة الموتى بمن يزورهم ويسلم عليهم
وأما معرفة الموتى بمن يزورهم ويسلم عليهم فروى محمد بن الأشعث عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال: أبو رزين: يا رسول الله: إن طريقي على الموتى فهل من كلام أتكلم به إذا مررت عليهم؟ قال: قل: " السلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين والمؤمنين أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع وإنا إن شاء الله بكم لاحقون": قال أبو رزين: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعون؟ قال: "يسمعون ولكن لا يستطعون أن يجيبوا" قال: "يا أبا رزين ألا ترضى أن يرد عليك من الملائكة"، خرجه العقيلي وقال: لا يعرف هذا اللفظ إلا بهذا الإسناد ومحمد بن الأشعث: مجهول في النسب والرواية وحديثه غير محفوظ.
وروي الربيع بن سليمان المؤذن حدثنا بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد الله ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد يمر على قبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا يسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام" خرجه ابن عبد
(1/85)

البر وقال عبد الحق الإشبيلي: إسناده صحيح يشير إلى أن رواته كلهم ثقات وهو كذلك إلا أنه غريب بل منكر.
وقد روى عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة عن قطن بن وهب عن عبيد بن عمير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقف على مصعب بن عمير حبن رجع من أحد فوقف عليه وعلى أصحابه فقال: "أشهد أنكم أحياء عند الله فزوروهم وسلموا عليهم فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلا ردوا عليه إلى يوم القيامة" خرجه البيهقي والحاكم وصححه.
ورواه يحيى عمرو بن صهيان، عن معاذ بن عبد الله، عن قطن بن وهب عن عبيد الله مرسلا.
ورواه يحيى بن العلاء عن عبد الأعلى بن أبي فروة عن قطن بن وهب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم خرجه الطبراني وذكر ابن عمر فيه وهم وروى عن عبيد بن عمير عن أبي ذر.
ولعل المرسل أشبه، وبالجملة الضعف أشبه وبالجملة فهذا إسناد مضطرب ومتنه مختص بالشهداء وهذا أشبه من حديث بشر بن بكر.
وروى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من عبد يمر على قبر رجل مسلم يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام" 1، عبد الرحمن بن زيد: فيه ضعف وقد خولف في إسناده.
وفي رواية هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة، موقوفا وزاد فيه: وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام.
ورواه عبد الله عن ابن سمعان وهو متروك عن زيد بن أسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا استأنس ورد عليه حتى يقوم" خرجهما ابن أبي الدنيا في كتاب "القبور".
وخرج في كتاب "من عاش بعد الموت"، من رواية عطاف بن خالد حدثتني خالتي قالت: ركبت يوما إلى قبور الشهداء فنزلت عند قبر حمزة رضي الله عنه وما
__________
1 وأقره في الحكم على الحديث بالضعف الألباني في ضعيف الجامع.
(1/86)

في الوادي داع ولا مجيب يتحرك إلا غلاما قائما آخذا برأس دابتي فلما فرغت من صلاتي قلت بيدي هكذا: سلام عليكم فسمعت رد السلام يخرج علي من تحت الأرض أعرفه كما أعرف أن الله خلقني وكما أعرف الليل من النهار فاقشعرت كل شعرة مني.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن شماسة المهري أن عمرو بن العاص لما حضر الموت قال في وصيته: إذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنيس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي1.
وروى ابن أبي الدنيا من طريق مسمع بن عاصم قال: رأيت عاصما الجحدري في منامي بعد موته بسنتين فقلت: هل تعلمون بزيارتنا إياكم قال: نعلم بها عشية الجمعة ويوم الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس قلت وكيف دون الأيام كلها؟ قال: بفضل يوم الجمعة وعظمته.
ومن طريق حسن القصاب قال: كنت أغدو محمد بن واسع كل غدة سبت حتى نأتي الجبان ثم يأتي القبور فيسلم عليهم ويدعو لهم وينصرف فقلت له: لو صيرت هذا اليوم يوم الإثنين؟ فقال: إن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوما قبله ويوما بعده.
وبإسناده فيه ضعيف عن الضحاك: من زار قبرا يوم السبت قبل طلوع الشمس علم الميت بزيارته قيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجمعة.
وبإسناد صحيح عن أبي التياح قال: كان مطرف يبدو فإذا كان يوم الجمعة أدلج قال: فأقبل حتى إذا كان عند المقابر هوم على فرسه فرأى كأن أهل القبور كل صاحب هبر جالس على قبره فقالوا: هذا مطرف يأتي يوم الجمعة قلت: وما تقول فيه الطير؟ قال: يقولون: سلام سلام يوم صالح.
قال ابن أبي الدنيا: وحدثني إبراهيم بن سيار الكوفي حدثني الفضل بن الموفق قال: كنت أتي قبر أبي كثيرا قال: فشهدت جنازة فلما قبر صاحبها تعجلت لي حاجة،
__________
1 أخرجه مسلم "ح 121".
(1/87)

ولم آت قبر أبي قال: فرأيته في النوم فقال: يا نبي لم لم تأتني؟ فقلت: يا أبت فإنك لتعلم بي قال: إي والله إنك لتأتيني فما أزال أنظر إليك من حين تطلع من القنطرة حتى تقعد إلي وتقوم من عندي فما أزال أنظر إليك حتى تجوز القنطرة.
قال: وحدثني إبراهيم بن سيار حدثنا أبو المشيد قال: قالت تماضر بنت سهل - امرأة أيوب بن عبيد -: جاءتني ابنة سفيان بن عيينة فقالت: أين عمي أيوب؟ قلت: في المسجد فلم يلبث أن جاء فقالت: يا عمي رأيت أبي سفيان في النوم فقال: جزى الله أخي أيوب عني خيرا فإنه يزورني كثيرا وقد كان عندي اليوم فقال أيوب: نعم حضرت جنازة اليوم فذهبت إلى قبره.
حدثنا محمد بن الحسين حدثنا يحيى بن أبي بكر حدثني الفضل بن موفق - ابن خال سفيان بن عيينة - قال: لما مات أبي جزعت عليه جزعا شديدا فكنت آتي قبره كل يوم ثم إني قصرت من ذلك ما شاء الله ثم إني أتيته يوما فبينما أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي فنمت فرأيت كأن قبر أبي انفجر وكأنه قاعد في قبره متوشح بأكفانه عليه سحنة الموتى قال: فبكيت لما رأيته فقال: يا بني ما أبطأ بك عني؟ قال: قلت: وإنك لتعلم بمجيئي؟ قال لي: ما جئت من مرة إلا علمتها وقد كنت تأتيني فأسر بك ويسر من حولي بدعائك قال فكنت آتيه بعد كثيرا.
قال: وحدثني محمد بن بسطام حدثني عثمان بن سودة الطفاوي - وكانت أمه من العابدات وكان يقال لها: راهبة - فماتت فكنت آتيها كل جمعة فأدعو لها وأستغفر لها ولأهل القبور قال: فرأيتها ذات ليلة في منامي فقلت لها: يا أماه كيف أنت؟ فقالت: يا بني إن للموت كربة شديدة وإنا بحمد الله تعالى لفي برزخ محمود يفرش فيه الريحان ويوسد فيه السندس والإستبراق إلى يوم النشور.
فقلت ألك حاجة فقالت: نعم قلت: وما هي؟ قالت: لا تدع ما كنت تصنع من زيارتنا والدعاء لنا فإني لأبشر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك فيقال: يا راهبة هذا ابنك قد أقبل فأسر بذلك ويسر من حولي من الأموات.
وقال الحافظ أبو الطاهر السلفي: سمعت أبا البركات عبد الواحد بن عبد الرحمن بن غلاب السوسي بالإسكندرية يقول يا بني إذا جئتيني زائرة فاقعدي عند قبري ساعة أتملأ من انظر إليك ثم ترحمي علي فإذا ترحمت علي صارت الرحمة بيني
(1/88)

وبينك كالحجاب ثم شغلتني عنك.
قلت: وأنبأني علي بن عبد الصمد بن أحمد البغدادي عن أبيه قال: أخبرني قسطنطين بن عبد الله الرومي قال: سمعت الأسد بن موسى قال: كان لي صديق فمات فرأيته في النوم وهو يقول لي: سبحان الله جئت إلى قبر فلان صديقك قرأت عنده وترحمت عليه وأنا ما جئت إلي ولا قربتني قلت له: وما يدريك؟ قال: لما جئت إلى قبر فلان صديقك رأيتك قلت: كيف رأيتني والتراب عليك؟ قال: أما رأيت الماء إذا كان في الزجاج أما يتبين؟ قال: كذلك نحن نرى من يزورنا.
(1/89)

فصل: معرفة الموتى بحالهم في الدنيا قبل الدفن
وأما معرفة الموتى بحالهم في الدنيا قبل الدفن فروى سعيد بن عمرو بن سليم قال: سمعت رجلا منا يقال له: معاوية بن فلان - أو ابن معاوية - قال: سمعت أبا سعيد الخدري يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الميت يعرف من يغسله ومن يكفنه ومن يحمله ومن يدليه في قبره"، فقال ابن عمر وهو في المجلس: ممن سمعت هذا؟ قال: من أبي سعيد الخدري فقام ابن عمر إلى أبي سعيد الخدري فقال: ممن سمعت هذا؟ قال: من رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه الإمام أحمد1.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المنامات" بإسناده عن سالم بن أبي الجعد قال: قال حذيفة: الروح بيد ملك وإن الجسد ليغسل وإن الملك ليمشي معه إلى القبر.
وبإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: الروح بيد ملك يمشي مع الجنازة يقال له: اسمع ما يقال لك فإذا بلغ حفرته دفنه معه.
وبإسناده عن مجاهد: إذا مات الميت فملك قابض نفسه فمات من شيء إلا وهو يراه عند غسله وعند حمله حتى يصل إلى قبره.
وبإسناده عن بكر المزني قال: بلغني أنه ما من ميت إلا روحه بيد ملك الموت فهم يغسلونه ويكفنونه وهو يرى ما يصنع أهله فلو أنه يقدر على الكلام لنهاهم عن
__________
1 ضعيف. أخرجه احمد "3/ 3" وفيه من لا يعرف. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع.
(1/89)

الرنة والعويل. وعن ابن السماك قال: سمعت سفيان يقول: إنه ليعرف كل شيء - يعني الميت - وإنه ليناشد غاسله بالله إلا خففت غسلي.
وعن ابن السماك قال: غسل سفيان الثوري أبي فلما غسله قال: إنه الآن يرى ما يصنع به قال: حدثني أبو إسحق الأودي - ومات ابن له - وكان ناسكا قال: أخبرني بعض أصحابنا قال: رأيته في النوم فقال: ألم تر إلى ما ظهر من جميل الستر وحسن الثناء في الجنازة قال: قلت: فقد علمت ذلك؟ قال: ما غاب عني شيء أو نحو هذا.
وروى في كتاب القبور بإسناده عن بكر المزني قال: حدثت أن الميت ليستبشر بتعجيله إلى المقابر وأن أهله ليغسلونه ويكفنونه وإن روحه لترى ما يصنعون به ثم سبقت بكرا عبرته.
وبإسناده عن أبي نجيح قال: ما من ميت يموت إلا روحه في يد ملك ينظر إلى جسده كيف يغسل ويكفن وكيف يمشى به إلى قبره.
وعن سفيان الثوري قال: يقال له وهو على سريره: اسمع ثناء الناس عليك.
وعن عمرو بن دينار قال: ما من ميت يموت إلا وهو يعلم ما يكون في أهله بعد وإنهم ليغسلونه ويكفنونه وإنه لينظر إليهم.
(1/90)

فصل: معرفة الموتى في قبورهم بحال أهليهم وأقاربهم في الدنيا
وأما معرفة الموتى في قبورهم بحال أهليهم وأقاربهم في الدنيا فروى ابن أبي الدنيا في أول كتاب المنامات حدثنا عبد الله ين شبيب حدثنا أبو بكر بن شيبة الحزامي حدثنا فليح بن إسماعيل حدثنا محمد بن جعفر عن أبي كثير عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تفضحوا أقاربكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور".
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا سفيان عمن سمع أنسا، يقول: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا" 1.
__________
1 ضعيف: أخرجه احمد "3/ 165" والراوي عن انس مجهول. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع.
(1/90)

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا الصلت بن دينار عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعمالكم تعرض على أقاربكم في قبورهم فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك" 1.
وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق يحيى بن صالح الوحاظي حدثنا إسماعيل السكري سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت النعمان بن بشير - وهو على المنبر - يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه لم يبق من الدنيا إلا مثل الذباب تمور في جورها فالله الله في إخوانكم من أهل القبور فإن أعمالكم تعرض عليهم" 2.
ومن طريق المبارك عن ثور بن يزيد عن أبي رهم عن أبي أيوب قال: تعرض أعمالكم على الموتى فإن رأوا سيئة قالوا: اللهم راجع به.
ومن طريق المبارك - أيضا - عن صفوان بن عمير عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أن أبا الدرداء كان يقول: إن أعمالكم تعرض على أمواتكم فيسرون ويساءون.
وكان أبو الدرداء يقول عند ذلك اللهم إني أعوذ بك أن إعمل عملا أخزى به عند عبد الله بن رواحة.
ومن طريق بلال بن أبي الدرداء قال: كنت أسمع أبا الدرداء وهو ساجد يقول: اللهم إني أعوذ بك أن يمقتني خالي ابن رواحة إذا لقيته.
وقال في كتاب "القبور": بلغني عن أحمد بن أبي الحواري، قال: حدثني محمد بن أخي قال: دخل عباد بن عباد على إبراهيم بن صالح، وهو أمير على فلسطين فقال له: ما أعظك أصلحك الله بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى فانظر ماذا يعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمك قال: فبكى إبراهيم حتى سالت دموعه على لحيته.
وروى ابن المبارك بإسناده عن سعيد بن جبير أنه سئل: هل يأتي الموتى أخبار الأحياء؟ قال: نعم ما من أحد له حميم إلا ويأتيه أخبار أقاربه فإن كان خيرا سر به وإن كان شرا ابتأس وحزن حتى إنهم ليسألون عن الرجل قد مات فيقال: ألم
__________
1 ضعيف جدا: فيه الصلت بن دينار. متروك وناصبي.
2 الحديث فيه انقطاع في سنده فإن الإمام مالك بن أنس لم يدرك النعمان بن بشير رضي الله عنه، بل ولد بعد موته بكثير. فالأول مات سنة "65 هـ"، والثاني ولد سنة "93 هـ".
(1/91)

يأتكم؟ فيقولون: لا قد خولف به إلى أمه الهاوية.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء بإسناده عن عبيد بن سعيد عن أبي أيوب الأنصاري قال: غزونا حتى انتهينا إلى القسطنطينية فإذا قاص يقول: من عمل صالحا من أول النهار عرض على معارفه إذا أمسى من أهل الآخرة ومن عمل عملا من أول الليل عرض على معارفه إذا أصبح من أهل الآخرة فقال له أبو أيوب: أيها القاص ما تقول؟ فقال: والله إن ذلك كذلك فقال: اللهم لا تفضحني عند عبادة بن الصامت ولا عند سعد فيما عملت بعدهما.
وروى ابن شاهين من رواية الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عدي بن أكتار عن أبيه إن شاء الله وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظمونه - لما احتضر فقال: يا نبي اذكروا الله أن تعملوا عملا يمعر وجهي فإن عمل الأبناء يعرض على الآباء بعد فقال القاص: والله ما كتب الله ولايته لأحد إلا ستر عليه.
أخرج البزار في مسنده حدثنا يوسف حدثنا عبد المجيد عن عبد العزيز بن أبي رواد عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام" 1.
قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت الله لكم" 2. وقال: لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد.
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعرض عليه صلاة أمته يوم الجمعة من حديث أوس وأبي الدرداء وأبي هريرة وابن مسعود وأبي أمامة وأنس وغيرهم وأشهرها حديث أوس بن أوس والله أعلم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "حياتي خير لكم" إلى آخر الكلام، فقد رواه حماد بن زيد عن غالب عن بكر المزني مرسلا.
وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن الحسين عن خالد بن عمرو القرشي، حدثني
__________
1 هذا القدر صحيح. أخرجه أحمد "1/387" النسائي "ح 1281" والدرامي "ح 2774" وصححه العلامة أحمد شاكر.
2 هذا القدر ضعيف: ضعفه العلامة الألباني في الضعيفة "ح 975".
(1/92)

صدقة بن سليمان الجعفري قال: كانت لي شرة سمجة فمات أبي فأنبت وندمت على ما فرطت ثم قال أيضا: زللت فرأيت أبي في المنام فقال: أي بني ما كان أشد فرحي بك وأعمالك تعرض علي فلنشبهها بأعمال الصالحين فلما كان هذه المرة استحييت حياء شديدا فلا تحزني فيمن حولي من الأموات قال خالد: كان بعد ذلك قد خشع وتنسك فكنت أسمعه يقول في داعائه في السحر - وكان لنا جارا في الكوفة -: أسألك إنابة لا رجعة فيها يا مصلح الصالحين وهادي الضالين وراحم المذنبين.
روي من طريق ثابت عن شهر بن حوشب أن صعب بن جثامة وعوف بن مالك كانا متواخيين قال صعب لعوف: أي أخي أينا مات قبل صاحبه فليتراءى له قال: أو يكون ذلك؟ قال: نعم فمات صعب فرآه عوف فيما يرى النائم كأنه أتاه قال: فقلت له: أي أخي ما فعل بكم؟ قال: غفر لنا بعد المساوئ قال: ورأيت لمعة سوداء في عنقه فقلت له: أي أخي ما هذا؟ قال: عشرة دنانير استلفتها من فلان اليهودي فهي في قرني فأعطها إياه واعلم أخي أه لم يحدث بأهلي حدث بعدي إلا قد لحق بي خبره حتى هرة ماتت منذ أيام واعلم أن ابنتي تموت لستة أيام فاستوصوا بها معروفا فلما أصبحت قلت إن في هذا لمعلما فأتيت أهله فقالوا: مرحبا بعوف هكذا تصنعون بتركة إخوانكم لم تقربنا منذ مات صعب قال: فاعتللت فيما يعتل به الناس قال: فنظرت إلى القرن فانتشلت ما فيه فبدرت الصرة التي فيها الدنانير فبعث إلى اليهود فجاء فقلت: هل لك على صعب شيء قال: رحم الله صعبا كان من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هي له: قلت: لتخبرني قال: نعم أسلفته عشرة دنانير فنبذتها إليه فقال: هي والله بأعيانها قال: هذه واحدة قلت هل حدث فيكم بعد موته؟ قالوا: نعم هرة لنا ماتت منذ أيام قلت: هاتان ثنتان قلت: أين ابنة أخي؟ قالوا: تلعب فأتيت بها فلمستها فإذا هي محمومة قلت: استوصوا بها خيرا فماتت لستة أيام.
وقد رويت هذه القصة على وجه أخر وهو أشبه فروى ابن المبارك في كتاب الزهد عن أبي بكر عن عطية بن قيس عن عوف بن مالك الأشجعي وكان مواخيا لرجل من قيس يقال له: محكم ثم إن محكما حضره الموت فأقبل عليه عوف فقال: يا محكم إذا أنت وردت فارجع إلينا فأخبرنا بالذي صنع بك فقال محكم: إن كان يكون لمثلي فعلت فقبض محكم ثم ثوى عون بعده عاما فرآه في منامه،
(1/93)

فقال: يا محكم ما صنعت وما صنع بك؟ فقال له: وفينا أجورنا قال: كلكم؟ قال: كلنا إلا خواص هلكوا في الشر الذين يشار إليهم بالأصابع والله لقد وفيت أجري كله حتى وفيت أجر هرة ضلت لأهلي قبل وفاتي بليلة فأصبح عوف فغدا على امرأة محكم فلما دخل قالت: مرحبا زوار صعب بعد محكم قال عوف: هل رأيت محكما منذ توفي قالت: نعم رأيته البارحة ونازعني ابنتي ليذهب بها معه فأخبرها عوف بالذي رأى وما ذكر عن الهرة التي ضلت فقالت: لا أعلم بذلك خدمي أعلم بذلك فدعت خدمها فسألهم فأخبروها أنها ضلت لهم هرة قبل موت محكم بليلة.
ومحكم هو ابن جثامة أخ لصعب والله أعلم.
وروى هشام بن عمار عن صدقة بن خالد بن يزيد عن جابر عن عطاء الخراساني حدثتني ابنة جابر بن قيس بن شماس أن ثابتا قتل يوم اليمامة وعليه درع له نفيسة فمر به رجل من المسلمين فأخذها فبينا رجل من المسلمين نائم إذا أتاه ثابت في منامة فقال له: إني أوصيك بوصية وإياك أن تقول هذا حلم فتضيعها إني لما قتلت أمس مر بي رجل من المسلمين فأخذ درعي ومنزله في أقصى الناس وعند خبائه فرس يستن في طوله وقد كفى على الدرع برمة وفوق البرمة رحل فأت خالدا عمره أن يبعث إلي درعي فيأخذها فإذا قدمت المدينة علي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل له: من الدين كذا وكذا وفلان من وقيقي عتيق وفلان فأتى الرجل خالدا فبعث إلي الدرع وأتى بها وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته ولا نعلم أحدا أجيزت وصيته بعد ثابت رحمة الله عليه.
قلت: مثل الرؤيا الصادقة تورث ظنا قويا أقوى من إخبار رجل أو رجلين فيجوز للوصي وغيره الإعتماد عليها في الباطن كما إذا علم الوصي بدين على الموصي غير ثابت في الظاهر فإن له قضاءه وإذا رأى الإمام إنفاذ ذلك ظاهرا كان فيه اقتداء بالصديق رضي الله عنه.
قال ابن أبي الدنيا: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي حدثنا أبي عن أبي بكر بن عياش عن حفار كان في بني أسد قال: فمررت بالحفار فحدثني كما حدثني أبو بكر عنه قال: كنت أنا وشريك لي نتحارث في مقبرة بني أسد قال: فإني لليلة في المقابر إذا سمعت قائلا يقول من قبر: يا عبد الله! قال: مالك يا جابر؟ قال: غدا تأتينا أمنا قال: وما ينفعها لا تصل إلينا إن أبي قد غضب عليها وحلف أن لا يصلي عليها
(1/94)

فجعلا يكرران ذلك مرارا فجئت شريكي فجعل يسمع الصوت ولا يفهم الكلام فلقنته إياه ثم تفهمه ففهمه فلما كان من الغد جاءني رجل فقال: احفر لي ها هنا قبرا بين القبرين الذين سمعت منهما الكلام قلت: اسم هذا جابر واسم هذا عبد الله؟ قال: نعم فأخبرته بما سمعت قال: نعم قد كنت حلفت أن لا أصلي عليها لا جرم لأكفرن عن يميني ولأصلين عليها ولأترحمن عليها قال: ثم مر بي بعد وبيده عكاز وإداوة فقال: إني أريد الحج لكمان يميني تلك.
وقال أبو الفرج بن الجوزي الحافظ: حدثني الشيخ أبو الحسن البراديسي عن بعض العدول أن رجلا رأى في منامه قاضي القضاة أبا الحسن الزينبي فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي ثم أنشد شعرا:
وإن امرءا ينجو من النار بعدما ... تزود من أعمالها لسعيد
ثم قال: قل لفلان وفلان رجلين كانا وصيين له: لم تضيقون صدر فلانة وفلانة وفلانة؟ فسمى ثلاث سراري له ولم أسمع بأسمائهن إلا في هذا المنام فلقي الرجل الوصيين فذكر لهما ذلك فقالا: سبحان الله لقد كنا البارحة نتحدث في المسجد في التضييق عليهن.
(1/95)

فصل: كلام الموتى ورد السلام
وقد ذكرنا فيما تقدم من كلام الموتى ورد السلام عليهم ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا يستطيعون أن يجيبوا" لأن المراد نفي الإجابة المعهودة التي يسمعها الأحياء وقد ثبت تلكم الموتى.
كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: يا ويلها أين تذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمع الإنسان لصعق" 1.
__________
1 أخرجه البخاري "ح 1319".
(1/95)

وقد تقدم في حديث أنس وغيره: "أن الميت إذا ضرب في قبره بمطراقين من حديد يصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين".
وقد ورد في حديث مرفوع لا يصح: أن من مات من غير وصية لا يتكلم يوم القيامة.
من رواية أبي محمد الكوفي عن ابن المنكدر عن جابر مرفوعا "من مات من غير وصية لا يؤذن له في الكلام إلى يوم القيامة" قالوا: يا رسول الله! ويتكلمون قبل يوم القيامة؟ قال: "نعم ويزور بعضهم بعضا" قال أبو أحمد الحاكم: هذا حديث منكر وأبو محمد هذا: رجل مجهول.
وروي أبن أبي الدنيا حدثنا محمد بن الحسين حدثنا سعيد بن خالد بن يزيد الأنصاري عن رجل من أهل البصرة ممن كان يحفر القبور قال: حفرت قبرا ذات يوم ووضعت رأسي قريبا منه ن فأتاني امرأتان في منامي قالت إحداهما: يا عبد الله نشتك الله إلا صرفت عنا هذه المرأة ولم تجاورنا بها قال: فاستيقظت فزعا فإذا بجنازة امرأة قد جئ بها فقلت: القبر وراءكم فصرفتهم إلى غير القبر فلما كان الليل إذا أنا بالمرأتين تقول لي أحدهما: جزاك الله عني خيرا فلقد صرفت عنا شرا طويلا قلت: فما بال صاحبتك لا تكلمني كما كلمتني أنت؟ قالت؟ إن هذه ماتت من غير وصية وحق لمن مات عن غير وصية أنه لا يتكلم إلى يوم القيامة.
(1/96)

الباب التاسع: في ذكر محل أرواح الموتى في البرزخ
"أرواح الأنبياء"
أما الأنبياء عليهم السلام فليس فيهم شك أن أرواحهم عند الله في أعلى عليين.
وقد أثبت في الصحيح أن آخر كلمة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته: "اللهم الرفيق الأعلى" 1 وكررها حتى قبض.
وقال رجل لابن مسعود: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين هو؟ قال: في الجنة.
__________
1 أخرجه البخاري "ح 3669" ومسلم "ح 2191".
(1/96)

محل أرواح الشهداء
وأما الشهداء فأكثر العلماء على أنهم في الجنة وقد تكاثرت بذلك الأحاديث.
ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود ن عن هذه الآية: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] ، قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم إطلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: يارب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا".1
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ عنا إخواننا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ولا يزهدوا في الجهاد، قال: فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم"، فأنزل الله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} 2.
وخرج عبد الله بن منده وغيره، حدثنا إسماعيل بن المختار عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أرواح الشهداء في طير خضر ترعى في رياض الجنة ثم يكون مأواها إلى قناديل معلقة بالعرش فيقول لهم الرب سبحانه وتعالى: هل تعلمون كرامة أكرم من كرامة أكرمتوها؟ فيقولون: لا إنا وددنا أنك رددت أرواحنا في أجسادنا
__________
1 أخرجه مسلم "ح 1887".
2 صحيح: أخرجه أحمد "1/266"، وأبو داود "ح 2520"، والحاكم "2/88". وصححه أحمد شاكر والألباني.
(1/97)

حتى نقاتل مرة أخرى فنقتل في سبيلك".
وخرج أبو الشيخ الأصبهاني وغيره من طريق عبد الله بن ميمون عن عمه مصعب بن سليم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يبعث الله الشهداء من حواصل طير بيض كانوا في قناديل معلقة بالعرش".
وخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه من حديث عمرو بن دينار عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من شجر الجنة" 1 كذلك رواه عمرو عن الزهري ورواه سائر أصحاب الزهري عنه ولم يذكروا: الشهداء إنما ذكروا نسمة المؤمن وسيأتي حديثهم إن شاء الله.
وقد ذكرنا فيم تقدم حديث عبادة بن عيسى بن عبد الرحمن عن الزهري عن عامر بن سعد عن إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في شهداء أحد وهو منكر وأبو عبدة هذا: ضعيف جدا.
وخرج ابن منده من طريق يحيى بن صالح عن سعيد بن سويد أنه سأل ابن شهاب عن أرواح المؤمنين قال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خضر معلقة بالعرش تغدوا ثم تروح إلى رياض الجنة تأتي ربها سبحانه كل يوم تسلم عليه وهذا أشبه.
وكذا قال الضحاك وإبراهيم التميمي وغيرهما من السلف، في أرواح الشهداء وخرج بن منده من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن حبان بن أبي جبلة قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشهداء إذا استشهدوا أنزل الله جسدا كأحسن جسد ثم يقال لروحه: ادخلي فيه فينظر إلى جسده الأول ما يفعل به ويتكلم فيظن أنهم يسمعون كلامه وينظر فيظن أنهم يرونه حتى تأتيه أزواجه - يعني الحور العين - فيذهبن به".
ويشهد لهذه النصوص أيضا ما في الصحيحين، عن جابر: قال رجل يوم أحد: أين أنا إن قتلت يا رسول الله؟ قال: " في الجنة" فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل
__________
1 أخرجه احمد "6/386" والترمذي "ح 1691"، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(1/98)

حتى قتل1. وفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض" وذكر قصة عمير بن الحمام2.
وفي صحيح البخاري، عن المغيرة بن شعبة أنه قال: أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا أنه من قتل صار إلى الجنة3. وفيه أيضا عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم، أن عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ 4 وفي صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف" 5.
وفي صحيح البخاري، عن أنس قال: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يكن في الجنة صبرت واحتسبت وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع؟ قال: "ويحك أو هبلت؟ جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس" 6.
وخرج الترمذي والحاكم من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت جعفر يطير مع الملائكة" 7.
__________
1 أخرجه البخاري "ح 4046" ومسلم "ح 1899".
2 أخرجه مسلم "ح 10901".
3 أخرجه البخاري "ح 3159".
4 أخرجه البخاري "ح 3182" ومسلم "ح 1785".
5 أخرجه مسلم "ح 1902".
6 أخرجه البخاري "ح 2809".
7 أخرجه الترمذي "ح 3763" وقال "هذا حديث غريب"، وهذا تضعيف للحديث. لكن قال الحافظ ابن حجر في الفتح "7/96": في إسناده ضعف، لكن له شاهد من حديث على عند ابن سعد، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم" أخرجه الترمذي والحاكم بإسناد على شرط مسلم، وأخرج أيضا هو والطبراني عن ابن عباس مرفوعا " دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفرا يطير مع الملائكة"، في طريق أخرى عنه "أن جعفر يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه" وإسناد هذه جيد، وطريق أبي هريرة في الثانية قوي إسناده على شرط مسلم اهـ.
(1/99)

وخرج الإمام أحمد وأبو يعلى وابن أبي الدنيا من حديث ثابت عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه الرؤيا الحسنة، فكان فيما يقول: "هل رأى منكم رؤيا" فإذا رأى الرجل الذي لا يعرفه الرؤيا، سأل عنه فإن أخبر عنه بمعروف كان أعجب برؤيا قال فجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت في المنام كأني خرجت فأدخلت الجنة فإذا أنا بفلان وفلان حتى عدت اثنى عشر رجلا، وبعث رسول الله صلى الله عليه والسلم سرية قبل ذلك فجئ بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقال: اذهبوا بهم إلى نهر البرزخ فغمسوا فيه ووجوههم كالقمر ليلة البدر وأتوا بكراسي من ذهب فأقعدوا عليها وجئ بصفحة من ذهب فيها بسر فأكلوا من بسره ما شاؤوا فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من فاكهة ما شاؤوا وأكلت معهم قال: فجاء البشير من تلك السرية فقال: يا رسول الله! كان كذا وكذا وأصيب فلان وفلان حتى عد اثني عشر رجلا فقال: علي بالمرأة فقال: "قصي رؤياك على هذا" فقال الرجل: هو كما قالت أصيب فلان وفلان1.
وروي ابن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول: أرواح الشهداء تجول في أجواف طير خضر تعلق في ثمر الجنة.
وروي معمر عن قتادة قال: بلغنا أن أرواح الشهداء في صورة طير بيض تأكل من ثمار الجنة.
وروى أبو عاصم عن ثور بن زيد عن خلد بن معدان عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح الشهداء في أجواف طير كأنها الزرازير يتعارفون ويرزقون من ثمر الجنة.
وروى ابن المبارك عن زائدة حدثنا ميسرة الأشجعي، عن عكرمة عن ابن عباس عن كعب قال: جنة المأوى: جنة فيها طير خضر ترعى فيها أرواح الشهداء.
كذا رواه عطية عن ابن عباس قال: قلت لكعب: إني أسألك عن شيء فإن كان في كتاب الله فحدثني وإن لم يكن في كتاب الله فلا تحدثني فذكر مسائل، فقال
__________
1 صحيح أخرجه أحمد "3/ 135".
(1/100)

كعب: ما سألتني عن شيء إلا وهو في كتاب الله قال: وأما جنة المأوى فإنها جنة فيها أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل الجنة.
وروى أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج حدثنا عمرو بن عمر الأحموسي عن السفر بن نسير قال: سئل أبو الدرداء عن أرواح الشهداء قال: هي في طير حضر معلقة في قناديل تحت العرش تسرح في الجنة حيث شاءت ثم ترجع إلى قناديلها.
وروي عن مجاهد أنه قال: ليس الشهداء في الجنة ولكنهم يرزقون منها.
فروى آدم بن أبي إياس حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً} [آل عمران: 169] الآية قال: يقول: أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها.
وروي ابن مبارك عن جريج عن مجاهد قال: ليس هم في الجنة ولكن يأكلون من ثمارها ويجدون ريحها.
وقد يستدل لقوله بما روي ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الشهداء على طريق بارق نهر الجنة، فيه قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم بكرة وعشيا".
وخرجه ابن منده ولفظه: على بارق نهر في الجنة.
وهذا يدل على أن النهر خارج من الجنة وابن إسحاق مدلس ولم يصرح بالتحديث هنا ولعل هذا في عموم الشهداء والذين في القنادل التي تحت العرش خواصهم ولعل المراد بالشهداء هنا هو شهيد من غير قتل في سبيل الله كالمطعون والمبطون والغريق وغيرهم ممن ورد النص بأنه شهيد.
فالأحاديث السابقة كلها فيمن قتل في سبيل الله وبعضها صريح في ذلك وفي بعضها أن الآية نزلت في ذلك وهو قوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً} ، الآية نص في المقتول في سبيل الله.
وقد يطلق الشهيد على من حقق الإيمان وشهد بصحته، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الحديد: 19] .
(1/101)

قال: ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية يقول: يشهدون على أنفسهم بالأيمان بالله.
وروى سفيان عن رجل عن مجاهد قال: كل مؤمن صديق وشهيد ثم قرأ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} .
وخرج ابن أبي حاتم من رواية رشدين بن سعد عن ابن عقيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: كلكم صديق وشهيد قيل له: ما تقول يا أبا هريرة؟ قال: إقرأ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} .
وخرج ابن جرير من طريق إسماعيل بن يحيى التميمي عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مؤمنوا أمتي شهداء"، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} وإسماعيل هذا ضعيف جدا.
ويعضد هذا ما ورد في تفسير قوله تعالى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143] من شهادة هذه الأمة للأنبياء بتبليغ رسالاتهم.
وبكل حال فالأحاديث المتقدمة كلها في الشهيد المقتول في سبيل الله لا يحتمل غير ذلك وإنما النظر في حديث ابن إسحاق هذا والله أعلم.
(1/102)

فصل: "محل أرواح المؤمنين سوى الشهداء"
وأما بقية المؤمنين سوى الشهداء فيقسمون إلى: أهل تكليف وغير أهل تكليف فهذان قسمان.
أحدهما: غير أهل التلكيف: كأطفال المؤمنين.
فالجمهور على أنهم في الجنة وقد حكى الإمام أحمد على ذلك الإجماع.
وقال في رواية جعفر بن محمد ليس فيهم اختلاف، يعني أنهم في الجنة.
وقال في رواية الميموني: لا أحد يشك أنهم في الجنة.
(1/102)

وذكر الخلال من طريق حنبل عن أحمد قال: نحن نقر بأن الجنة قد خلقت ونؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان قال عز وجل: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} [غافر: 46] ، لآل فرعون وقال: أرواح ذراري المسلمين في أجواف طير خضر تسرح في الجنة يكلفهم أبوهم إبراهيم فيدل هذا أنهما خلقنا.
وكذلك نص الشافعي عن السلف على أن أطفال المسليمن في الجنة.
وجاء صريحا عن السلف على أن أرواحهم في الجنة كما روى الليث عن أبي قيس عن هذيل عن ابن مسعود قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاؤوا وإن أرواح أولاد المسلمين في أجواف عصافير تسرح بهم في الجنة حيث شاءت فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش.
خرجه ابن أبي حاتم.
ورواه الثوري والأعمش عن أبي قيس عن هذيل من قوله لم يذكر ابن مسعود.
خرج البيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس عن كعب نحوه.
وخرج الخلال من طريق ليث عن أبي الزبير عن عبيد بن عمير قال: إن في الجنة لشجرة لها ضروع كضروع البقر يغذى به ولدان أهل الجنة حتى إنهم ليسنون استنان البكارة.
وخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن خالد بن معدان قال: إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى ضروع كلها ترضع صبيان أهل الجنة وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم الساعة فيبعث ابن أربعين سنة.
ويدل على صحة ذلك ما في صحيح مسلم قال: لما توفي إبراهيم، قال: النبي صلى الله عليه وسلم: "إن إبراهيم ابني وإنه مات في الثدي وإن له لضئرين يكملان وضاعه في الجنة" 1.
وخرج ابن ماجه نحوه من حديث ابن عباس.
__________
1 أخرجه مسلم "ح 2316" قوله صلى الله عليه وسلم: "مات في الثدي" أي في سن الرضاعة، وقوله "لظئرين" هي المرضعة ولد غيرها.
(1/103)

وخرج الإمام أحمد نحوه من حديث البراء بن عازب.
وروى سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مكحول، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن ذرارى المؤمنين أرواحهم في عصافير في شجر، الجنة يكفلهم أبوهم إبراهيم عليه السلام" 1.
كذا رواه على بن عثمان الأحنفي، عن حماد بن سلمة، عن ابن خثيم عن مكحول إلا أنه قال: عصافير خضر في الجنة، وهذا مرسل، ولفظه يشبه لفظ الحديث الذي احتج به الإمام على خلق الجنة، كم تقدم.
وقد روى متصلا من وجه آخر من رواية عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن عطاء بن قرة عن عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ذراري المؤمنين يكلفهم إبراهيم في الجنة" 2، خرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
وخرج الإمام أحمد عن موسى بن داود عن ابن ثوبان إلا أنه شك أن موسى شك في رفعه ولكن رواه عن واحد عن ثوبان ولم يشك في رفعه.
وروى من وجه آخر من رواية مؤمل عن سفيان عن ابن الأصبهاني عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أولاد المسلمين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة - عليهما السلام - فإذا كان يوم القيامة دفعوا إلى آبائهم".
وكذا رواه محمد بن عبد الله بن نمير عن وكيع عن سفيان مرفوعا.
ورواه ابن مهدي وأبو نعيم عن سفيان موقوفا قال الدراقطني: والموقوف أشبه ومما يستدل لهذا - أيضا - ما خرجه البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رأى في منامه جبرائيل وميكائيل أتيا به فانطلقا به وذكر حديثا طويلا وفيه: "فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني دارا لم أر
__________
1 الحديث عزاه السيوطي في الجامع الصغير لسعيد بن منصور من حديث مكحول مرسلا، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع.
2 صحيح أخرجه ابن حبان "ح 1862 / زوائد" وصححه الألباني في صحيح الجامع.
(1/104)

قط أحسن منها فيها رجال وشيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب" وذكر الحديث وفيه: قالا: "والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم عليه السلام والصبيان حوله فأولاد الناس" وفي رواية: "فكل مولود مات على الفطرة" وفي رواية: "ولد على الفطرة والدار الأولى التي دخلت دار عامة المؤمنين وأما هذه الدار فدار الشهداء" 1.
وروى أبو خالد عن أبي رجاء العطاردي عن سمرة وفي حديثه: قلت فالروضة؟ قال: أولئك الأطفال وكل بهم إبراهيم: يربيهم إلى يوم القيامة.
وخرج الطبراني والحاكم من حديث سليم بن عامر عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بينا أنا نائم انطلق بي إلى جبل وعر" فذكر الحديث وفيه: "ثم انطلق بي حتى أشرفت على الغلمان يلعبون بين نهرين قلت: من هؤلاء؟ قال: ذراري المؤمنين يحضنهم أبوهم إبراهيم عليه السلام ثم انطلق بي حتى أشرفت على ثلاثة نفر قلت: من هؤلاء؟ قال: إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وهم ينتظرونك".
وذهبت طائفة إلى أنه يشهد لأطفال المؤمنين عموما أنهم في الجنة ولا يشهد لآحادهم وهو قول ابن راهويه نقله عنه إسحق بن منصور وحرب في مسائلهما ولعل هذا يرجع إلى الطفل المعين لا يشهد لأبيه بالإيمان فلا يشهد له حينئذ أنه من أطفال المؤمنين فيكون الوقف في آحادهم كالوقف في إيمان آبائهم.
وحكى ابن عبد البر عن طائفة من السلف القول بالوقف في أطفال المؤمنين منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحق وهو بعيد جدا ولعله أخذ ذلك من عمومات كلام لهم وإن أرادوا بها أطفال المشتركين.
وكذلك اختار القول بالوقف طائفة منهم: الأثرم والبيهقي وذكر أن ابن عباس رجع إليه والإمام أحمد ذكر أن ابن عباس إنما قال ذلك في أطفال المشركين وإنما أخذه البيهقي من عموم لفظ روي عنه كما أنه روى في بعض ألفاظ حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأطفال فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" 2 ولكن الحفاظ
__________
1 أخرجه البخاري "ح1386".
2 أخرجه البخاري "6600" ومسلم في القدر "ح 24، "23".
(1/105)

الثقات ذكروا أنه سئل عن أطفال المشركين1.
واستدل القائل بالوقف بما أخرجه مسلم من حديث فضيل بن عمرو عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار فخلق لهذه أهلا ولهذه أهلا" 2.
وخرجه مسلم أيضا، من طريق طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه قال: " أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" 3. وقد ضعف أحمد هذا الحديث من أجل طلحة بن يحيى وقال: قد روى مناكير وذكر له الحديث وقال ابن معين فيه: ليس بالقوي. وأما رواية فضيل بن عمير له عن عائشة فقال أحمد: ما أراه سمعه إلا من طلحة بن يحيى يعني أنه أخذه عنه ودلسه حيث رواه عن عائشة بنت طلحة وذكر العقيلي أنه لا يحفظ إلا من حديث طلحة. ويعارض هذا ما خرجه مسلم من حديث أبي السليل، عن أبي حسان قال: قلت لأبي هريرة: إنه قد مات لي ابنان فما أنت بمحدثي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تطيب به أنفسنا عن موتانا قال: نعم صغارهم دعاميص أهل الجنة يتلقى أحدهم أباه أو قال أبويه فيأخذ بثوبه أو قال بيده - كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا - فلا يتناهى أو قال: فلا ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة"4. وفي الصحيحين عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" 5. ولهذا قال الإمام أحمد: هو يرجى لأبويه دخول الجنة
__________
1 أخرجه البخاري "ح 1384" ومسلم "ح 2659".
2 أخرجه مسلم "ح 2662".
3 أخرجه مسلم "ح 31/ 2662".
4 أخرجه مسلم "ح 2635".
5 أخرجه البخاري "ح 1381"، ولم أجد عند مسلم، وغنما أخرجه النسائي "ح 1872" وابن ماجة "ح 1065"..
(1/106)

بسببه. ولعل النبي صلى الله عليه وسلم نهى أولا عن الشهادة لأطفال المسلمين بالجنة قبل أن يطلع على ذلك لأن الشهادة على ذلك تحتاج إلى علم به ثم اطلع على ذلك فأخبر به والله أعلم.
القسم الثاني: أهل التكليف من المؤمنين سوى الشهداء
وقد اختلف فيهم العلماء قديما وحديثا والمنصوص عن الإمام أحمد: أن أرواح المؤمنين في الجنة ذكره الخلال في كتاب السنة عن غير واحد عن حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أرواح المؤمنين في الجنة وقال حنبل في موضع آخر: هي أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار والأبدان في الدنيا يعذب الله من يشاء ويرحم من يشاء.
قال أبو عبد الله: ولا نقول هما يفنيان بل هما على علم الله باقيتان يبلغ الله فيهما عمله نسأل الله التثبيت وأن يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا.
وقوله: ولا نقول: هما يفنيان يعني الجنة والنار فإن في أول الكلام عن حنبل أن إبا عبد الله حكى قصة ضرار وحكايته اختلاف العلماء في خلق الجنة والنار وأن القاضي أهدر دم ضرار ولذلك استخفى إلى أن مات وأن أبا عبد الله قال: هذا كفر يعني القول بأنهما يخلقان بعد.
قال حنبل: وسألت أبا عبد الله عمن قال: إن كانتا خقلتا فإنهما إلى فناء ثم ذكر هذا الجواب من أحمد.
ولا يصح أن يقال: إن أحمد إنما نفى الفناء عنهما معا فيصدق ذلك أن تكون الجنة وحدها لا تفنى لأن ما بعد هذا يبطل هذا التأويل وهو قوله: عما على علم الله باقيتان فإن هذا ينفي ذلك الاحتمال والتوهم ويثبت البقاء لهما معا وهذا كقولك: لا يعلم زيد وعمرو فهذا قد يحتمل أن يراد نفي العلم عنهما جميعا دون أحدهما فإذا قلت بعد ذلك بل هما جاهلان زال ذلك الاحتمال وأثبت الجهل لهما جميعا وأيضا فلا يقع استعمال نفي عن شيئين والمراد نفي اجتماعهما خاصة إلا مع ما يبين ذلك في سياق الكلام وعن لفظ يدل عليه فأما مع الإطلاق فلا يقع ذلك به لا يجوز استعماله مع الإبهام كما لا يعال: الآلة والنار لا يبقيان وكما لا يقال: الخالق الله،
(1/107)

المخلوق وحده يفنى ولا يقال: الدنيا والآخرة لا تفنيان ويراد بها أن الدنيا وحدها تفنى ولا: محمد ومسيلمة لا يصدقان ولا يكذبان والمراد به صدق محمد وحده وكذب مسيلمة وحده فإن هذا كله استعمال قبيح ممنوع ولا يعهد مثله في كلام أحد يعتد به.
وقول أحمد بعد هذا: نسأل الله التثبيت أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا يدل على أن القول بخلاف ذلك عنده من الضلال والزيغ وقد خرج بهذا فيما نقله عنه حرب قال حرب في مسائل: هذا المذهب أئمة أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم ممن أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام فمن خالف شيئا من هذا المذهب فيها أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق وهو مذهب أحمد وإسحق وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم فكان من قولهم: الإيمان قول وعمل وذكر العقيدة ومن جملها قال: لقد خلقت الجنة وما فيها وخلقت النار وما فيها خلقهما الله ثم خلق الخلق لهما لا يفنيان لا يفنى ما فيهما أبدا فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول الله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] ، ونحوا هذا فقل له: كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقنا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا وذكر بقية العقيدة.
فقوله في آخر كلامه: خلقنا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك يبطل من أول الكلام على أن المراد به لا يفنى مجموعهما.
وقد نقل هذا الكلام الذي نقله حرب كله عن أحمد صريحا.
نقله عنه أبو العباس أحمد بن جعفر الأصطخري أنه قال: مذهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء الحجاز وأهل الشام وغيرهم فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق فذكر العقيدة كلها وقد خلقت الجنة وما فيها وخلقت النار وما فيها خلقهما الله وخلق الخلق لهما فلا يفنيان ولا يفنى ما فيها أبدا فإن احتج مبتدع أو زنديق بقول الله تعالى:
(1/108)

{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88] ، ونحو هذا من متشابه القرآن فقل له: كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا وذكر بقية العقيدة.
وقد رويت هذا العقيدة عن الإمام أحمد من وجه آخر من طريق أحمد بن وهب القرشي عنه المقصود هنا قول أحمد: أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار.
وقد حكى القاضي أبو يعلى في كتاب المعتمد ومن اتبعه من الأصحاب هذا الكلام عن عبد الله بن أحمد عن أبيه ولم ينقله عبد الله إنما نقله حنبل.
وأما ما نقله عبد الله عن أبيه فقال الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي أرواح الموتى أتكون في أفنية قبورهم أم في حواصل طير أم تموت كما تموت الأجساد؟ قال: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نسمة المؤمن إذا مات طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده فيبعثه الله" 1.
وقد روى عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر كازرازير ثم تعود يتعارفون فيها ويرزقون من ثمارها.
وقال بعض: أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل في الجنة معلقة بالعرش. انتهى.
وهذا الكلام أيضا يدل على أن أرواح المؤمنين عند الله في الجنة إلا أنه ذكر في جوابه الأحاديث الدالة على ذلك المرفوعة والموقوفة ولم يذكر سوى ذلك ففي رواية حنبل جزم بأن أرواح المؤمنين في الجنة وفي رواية عبد الله ذكر الأدلة على ذلك.
فأما الحديث المرفوع الذي ذكره فهو من رواية مالك عن ابن شهاب أن عبد الرحمن بن كعب أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده" 2، كذ رواه مالك في الموطأ ورواه عن مالك جماعة منهم الشافعي ورواه الإمام أحمد في مسنده عن الشافعي وخرجه النسائي من طريق مالك
__________
1 صحيح أخرجه الترمذي "ح 1641"، والنسائي "ح 2072" وابن ماجة "ح 4271" وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
2 صحيح: سبق تخريجه.
(1/109)

أيضا.
وخرجه مالك من طريق الحارث بن فضيل عن الزهري، بهذا الإسناد.
وكذا رواه عن الزهري: يونس والزبيدي والأوراعي وإسحاق ورواه شعيب وابن أخي الزهري وصالح بن كيسان عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن جده كعب وقال صالح في حديثه: أنه بلغه أن كعبا كان يحدث وقال شعيب في حديثه: إن كعبا كان يحدث فهو على رواية صالح ومن وافقه منقطع وذكر محمد بن يحيى الذهلي أن ذلك هو المحفوظ وخالفه ابن عبد البر في ذلك ورجح رواية مالك ومن وافقه، وقد روي - يعني حديث كعب - من وجوه متعددة.
فروى حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديث القبر بطوله في حق المؤمن قال: "ويعاد الجسد إلى ما بدئ منه وتجعل روحه في نسيم طير يعلق في شجر الجنة"، خرجه الطبراني وغيره.
وخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق معتمر عن محمد بن عمرو به ولفظه: وتجعل نسمته في النسيم الطيب وهو طير يعلق في الجنة وقد سبق أن غيرهما رواه عن محمد بن عمرو فوفقه على أبي هريرة.
وقد تقدم حديث أم هانئ الأنصارية، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تكون النسم طائر تعلق بالشجر حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها".
وخرج ابن منده من رواية موسى بن عبيدة الربذي عن عبد الله بن يزيد عن أم كبشة بنت المعرور قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر ترعى في الجنة تأكل من ثمارها وتشرب من مائها وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش فيقولون: ربنا ألحق بنا إخواننا وآتنا ما وعدتنا وإن أرواح الكفار في حواصل طير سود تأكل من النار وتشرب من النار وتأوي إلى حجر من النار يقولون: ربنا لا تلحق بنا إخواننا ولا تؤتنا ما وعدتنا".
وموسى بن عبيدة شيخ صالح شغلته العبادة عن حفظ الحديث فكثرت المناكير في حديثه.
وخرج ابن منده أيضا، من رواية معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أرواح المؤمنين، فقال: "في طير خضر تسرح في الجنة حيث
(1/110)

شاءت"، قالوا: يا رسول الله! وأرواح الكفار؟ قال: "محبوسة في سجين"، وهذ مرسل.
وخرج أيضا من رواية عيسى بن موسى عن سفيان الثوري عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرواح المؤمنين كالزرازير تأكل من ثمر الجنة"، ثم قال ابن مندة: رواه جماعة عن الثوري موقوفا يعني على عبد الله بن عمرو والصواب وقفه.
وقد سبق أن الإمام ذكره في رواية ابنة عبد الله موقوفا وكذا رواه وكيع عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح المؤمنين في أجواف طير خضر كالزارزير يتعارفون فيها ويرزقون من ثمرها أخرجه الخلال.
وخرج - أيضا - من حديث أبي هشام عن أبي إسحاق عن الأحوص، عن عبد الله بن مسعود فذكر احتضار المؤمن وأن روحه تعاد إلى جسده عند سؤاله في القبر ثم ترفع روحه فتجعل في أعلى عليين ثم تلا عبد الله الآية: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ} ، قال: السماء السابعة وأما الكفار فذكر الكلام وتلا: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} قال: الأرض.
وروى مثل هذا المعنى عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وذكره ابن عبد البر.
وروى سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن عبد الله بن عمر وكان يقول: سجين هي الأرض السفلى فيها أرواح الكفار.
وروى ابن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن منصور بن أبي منصور حدثه قال: سألت عبد الله بن عمرو عن أرواح المسلمين حين يموتون قال: ما تقولون يا أهل العراق؟ قلت: لا أدري قال: فإنها صور طير بيض في ظل العرش وأرواح الكفار في الأرض السابعة.
وروى أيضا عن كعب، من رواية الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال: كنا جلوسا إلى كعب فجاء ابن عباس فقال: يا كعب كل ما في القرآن عرفت غير أربعة أشياء فأخبرني عنهن فسأله عن سجين وعليين فقال كعب: أما عليون فالسماء السابعة فيها أرواح المؤمنين وأما سجين فالأرض السابعة فيها أرواح الكفار
(1/111)

تحت خد إبليس.
وقد ثبت في الأدلة أن الجنة فوق السماء السابعة وقد ذكرنا ذلك في كتاب صفة النار مستوفى.
وروى أبو نعيم من طريق الحكم بن أبا قال: نزل بي ضيف من أهل صنعاء فقال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن لله في السماء السابعة دارا يقال لها: بيضاء تجتمع فيها أرواح المؤمنين فإذا مات الميت من أهل الدنيا تلقته لأرواح فيسألونه عن أخبار الدنيا كما يسأل الغائب أهله إذا قدم عليهم.
وخرج ابن منده من طريق سفيان عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن سلمان الفارسي وعبد الله بن سلام لقي أحدهما صاحبه فقال: إن مت قبلي فحدثني بما لقيت وإن مت قبلك حدثتك بما لقيت قال: وكيف يكون ذلك؟ قال: أرواح المؤمنين تذهب في الجنة حيث شاءت وخرجه ابن أبي الدنيا من طريق جرير بن يحيى.
وخرج أيضا من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن منصور بن أبي منصور أنه سأل عبد الله بن عمرو عن أرواح المؤمنين إذا ماتوا أين هي؟ قال: هي صور طير بيض في ظل العرش.
وروى ابن أبي ليث عن أبي قيس عن هذيل عن ابن مسعود: أن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح عليها فذلك عرضها.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله تعالى {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} قال: هم فيها اليوم يغدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة.
خرجهما ابن أبي الدنيا.
وخرج اللالكائي من رواية عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى الأشعري، قال: تخرج روح المؤمن وهي أطيب من المسك فتعرج به الملائكة حتى تأتي ربه وله برهان مثل الشمس وروح الكافر أنتن من الجيفة وهو بوادي حضرموت في أسفل الثرى من سبع أرضين.
وقد يستدل للقول بأن أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار من القرآن بأدلة منها قوله تعالى: {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ} [الواقعة]
(1/112)

إلى قوله: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [الواقعة] ، هو دخول النار مع إحرافها وإنضاجها فجعل هذا كله متعقبا للاحتضار والموت.
وكذلك قوله تعالى في قصة المؤمنين في سورة يس: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس] ، وإنما قال هذا بعد ما قتلوه ورأى ما أعد الله له {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر] على تأويل من تأول ذلك عند الاحتضار.
وكذلك قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ * قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ فِي النَّارِ} [الأعراف: 37، 38] .
ونظير هذه الآية قوله: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 28] .
ومما يستدل به أيضا لذلك، ما رواه مجالد، عن الشعبي، عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن خديجة، قال: "أبصرتها على نهر من أنهار الجنة في بيت من قصب لا لغو فيه ولا نصب" 1 خرجه البزار.
وخرج الطبراني بإسناد منقطع عن فاطمة، قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: أين أمنا خديجة؟ قال: "في بيت قصب بين مريم وآسية امرأة فرعون" قالت: ممن هذا القصب؟ قال: "من القصب المنظوم بالدرر واللؤلؤ والياقوت" 2.
وخرج أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجم الأسلمي
__________
1 بنحوه عند البخاري "ح 3820"، ومسلم "ح 2432".
2 لكن الحديث ضعيف لانقطاعه كما قال المؤلف.
(1/113)

الذي اعترف عنده بالزنا قال: " والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" 1.
__________
1 ضعيف: أخرجه أبو داود "ح 4428"، وابن حبان "ح 1513/ زوائد".
(1/114)

فصل: ما يمنع من دخول أرواح المؤمنين والشهداء الجنة
وإنما تدخل أرواح المؤمنين والشهداء الجنة إذا لم يمنع من ذلك مانع من كبائر تستوجب العقوبة أو حقوق آدميين حتى يبرأ منها.
ففي الصحيحين، عن أبي هريرة أن مدعما قتل يوم خيبر قال الناس: هنيئا له الجنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بلى، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا" 2.
وعن سمرة بن جندب قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ها هنا أحد من بني فلان؟ " ثلاثا فلم يجبه أحد ثم أجابه رجل فقال: "إن فلانا الذي توفي احتبس عن الجنة من أجل الدين الذي عليه فافتكوه أو فافدوه وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله" 3.
خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي بألفاظ مختلفة.
وخرج البزار، من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وفي حديثه قال: "إن صاحبكم محبوس على باب الجنة"، أحسبه قال: "بدين".
وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فارق الروح الجسد وهو بريء من ثلاث، دخل الجنة: من الكبر والغلول والدين" 4.
وخرج الطبراني، من حديث أنس قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل يصلي عليه فقال:
__________
2 أخرجه البخاري "ح 4234"، ومسلم "ح 115".
3 حسن أخرجه أحمد "5/ 11، 20"، وأبو داود "ح 3341"، والنسائي "ح 4699".
4 صحيح: أخرجه احمد "5/ 281"، الترمذي "ح 1573"، وابن ماجه "ح 2412" وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
(1/114)

"على صاحبكم دين"؟ فقالوا: نعم قال: "فما ينفعكم أن أصلي على رجل مرتهن في قبره لا تصعد روحه إلى السماء ولو ضمن رجل دينة قمت فصليت عليه فإن صلاتي تنفعه". وفي المعنى أحاديث متعددة.
وخرج ابن أبي الدنيا "من عاش بعد الموت"، من طريق سيار بن حسن قال: خرج أبي وعبد الواحد بن زيد يريدان الغزو فهجموا على ركية عميقة واسعة فأدلوا حبالهم بقدر فإذا القدر قد وقعت في الركية قال: فقرنوا حبال الرفقة بعضها ببعض ثم دخل أحدهما إلى الركي فلما صار ببعضها إذا هو بهمهمة في الركي فرجع فصعد فقال: أتسمع ما أسمع؟ قال: نعم فناولني العمود فأخذ العمود فدخل في الركية فإذا هو برجل جالس على ألواح وتحته الماء فقال: أجني؟ قال: بل إنسي قال: ما أنت؟ قال: أنا رجل من أهل أنطاكية وإني مت فحبسني ربي هنا بدين علي وإن ولدي بإنطاكية لا يذكروني ولا يقضون عني فخرج الذي كان في الركية فقال لصاحبه غزوة بعد غزوة فدع أصحابنا يذهبون فساروا إلى أنطاكية فسألوا عن الرجل وعن بنيه فقالوا: نعم إنه لأبونا وقد بعنا ضيعة لنا فامشوا معنا حتى نقضي عنه دينه قال: فذهبوا معهم حتى قضوا ذلك الدين ثم رجعوا من أنطاكية حتى أتوا موضع الركية ولا يشكون أنها ثم فلم يكن ركية ولا شيء فأمسوا فباتوا هناك فإذا الرجل قد أتاهم في منامهم وقال: جزاكم الله خيرا فإن الله حولني إلى مكان كذا وكذا من الجنة حيث قضي ديني.
وروى في كتاب "المنامات" حدثني زكريا بن الحارث النضري قال: رئي محمد بن عباد في النوم فقيل: ما فعل الله بك؟ فقال: لولا ديني دخلت الجنة.
وقال طائفة: الأرواح في الأرض ثم اختلفوا.
فقالت فرقة منهم: الأرواح تستقر على أفنية القبور وهذا القول هو الذي ذكره عبد الله ابن الإمام أحمد في سؤاله المتقدم وحكى ابن حزم هذا القول عن عامة أصحاب الحديث. وقال ابن عبد البر: كان ابن وضاح يذهب إليه ويحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى المقبرة فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين"1 فهذا يدل على أن الأرواح بأفنية القبور.
__________
1 سبق تخريجه.
(1/115)

ورجح ابن عبد البر أن أرواح الشهداء في الجنة وأرواح غيرهم على أفنية القبور تسرح حيث شاءت.
وذكر عن مالك أنه قال: بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت.
وعن مجاهد قال: الأرواح على القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا يفارقه ذلك.
واستدل هو وغيره بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار يقال: هذا مقعدك إلى يوم القيامة" 1. وهذا يدل على أن الأرواح ليست في الجنة وإنما تعرض عليها بكرة وعشيا وكذا ذكره ابن عطية وغيره.
ولا حجة لهم فيه لوجهين:
أحدهما: أنه يحتمل أن يكون العرض بكرة وعشيا على الروح المتصل بالبدن والروح وحدها في الجنة فتكون البشارة والتخويف للجسد في هذين الوقتين باتصال الروح به وأما الروح أبدا في تنعم أو عذاب.
والثاني: أن الذي يعرض بالغدواة والعشي هو مسكن ابن آدم الذي يستقر فيه في الجنة أو النار وليست الأرواح مستقرة فيه مدة البرزخ وإن كانت في الجنة أو النار.
ولهذا جاء في حديث البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن إذا فتح له في قبره باب إلى الجنة وقيل له: هذا منزلك قال: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي" 2.
وأما السلام على أهل القبور فلا يدل على استقرار أرواحهم على أفنية قبورهم فإنه يسلم على قبور الأنبياء والشهداء وأرواحهم في أعلى عليين ولكن مع ذلك لها اتصال سريع في الجسد ولا يعلم كنه ذلك وكيفيته على الحقيقة إلا الله عز وجل.
ويشهد لذلك الأحاديث المرفوعة والموقوفة، على أصحابه، ومنهم عبد الله بن عمرو
__________
1 سبق تخريجه
2 سبق تخريجه
(1/116)

ابن العاص، في أن النائم يعرج بروحه إلى العرش مع تعليها ببدنه وسرعة عودها إليه عنه استيقاظه فأرواح الموتى المجردة عن أبدانهم أولى بعروجها إلى السماء وعودها إلى القبر مثل تلك السرعة والله أعلم.
وخرج ابن منده من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن سليمان قال لعبد الله بن سلام: إن أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت وإن أرواح الكفار في سجين وعلي بن زيد ليس بالحافظ خالفه يحيى بن سعيد الأنصاري مع عظمته وجلالته وحفظه.
فروى عن سعيد بن المسيب قال فيه: إن أرواح المؤمنين تذهب في الجنة حيث شاءت كما سبق ذكره.
وقد تقدم عن مالك: أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت وخرجه ابن أبي الدنيا عن خالد بن خداش قال: سمعت مالكا يقول ذلك.
وخرج أيضا، عن حسين بن علي العجلي حدثنا أبو نعيم حدثنا شريك عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: مثل المؤمن حين تخرج نفسه أو قال روحه مثل رجل كان في سجن فإخرج منه فهو يتفسح في الأرض ويتقلب فيها.
ومما استدل به على أن الأرواح في الأرض حديث البراء بن عازب الذي تقدم سياق بعضه وفيه صفة قبض روح المؤمن: "فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليين ويقول الرب سبحانه وتعالى: ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فترد إلى القبر" وذكر الحديث، وقال في روح الكافر: "فيصعد بها إلى السماء فتغلق دونه فيقول الرب سبحانه وتعالى: ردوا عبدي إلى مضجعه فإني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى" وفي رواية: " ويقول الله ردوا عبدي إلى الأرض فإني وعدتهم أني أردهم فيها" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} [طه: 55] وهذا يدل على أن أرواح المؤمنين تستقر في الأرض ولا تعود إلى السماء بعد عرضها ونزولها إلى الأرض وهناك أرواح تبقى في الجنة لا سيما
(1/117)

الشهداء.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة في صفة قبض روح المؤمن قال: ثم يصعد به إلى ربه عز وجل فيقول: ردوه إلى آخر الأجلين وقال مثله في الكافر وقال فيه: رد النبي صلى الله عليه وسلم ربطة على أنفه يعني لما ذكر نتن ريحه وهذا يشهد برفع الحديث كله.
وخرج ابن أبي الدنيا من حديث قسامة بن زهير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن إذا احتضر أتته الملائكة بحريرة فيها مسك وضبائر الريحان فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين وتقول: أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية مرضيا عنك إلى رضوان الله وكرامته فإذا خرجت روحه وضعت على ذلك المسك وطويت عليها الحريرة وبعث بها إلى عليين وإن الكافر إذا احتضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة فتنزع روحه انتزاعا شديدا ويقال: أيتها النفس الخبيثه اخرجي ساخطة ومسخوطا عليك إلى هوان الله وعذابه فإذا أخرجت روحه وضعت على تلك الجمرة فإن لها نشيشا يطوى عليها المسح ويذهب بها إلى سجين".
وخرجه النسائي وغيره من حديث قتادة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه مخالف لما قبله وذكر في روح المؤمن: حين ينتهون بها إلى السماء العليا، وقال في روح الكافر: حين ينتهون بها إلى الأرض السفلى.
وقد ذكرنا فيما تقدم عن ابن مسعود: أن الروح بعد السؤال في القبر ترفع إلى عليين وتلا قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} [المطففين: 18] .
وقالت فرقة: تجتمع في موضع من الأرض كما روى همام بن يحيى المسعودي عن قتادة قال: حدثني رجل عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو قال: إن أرواح المؤمنين تجتمع بالجابية وأما أرواح الكفار فتجتمع بسبخة بحضرموت يقال له: برهوت خرجه ابن منده.
ورواه هشام الدستوائي عن قتادة عن سعيد بن المسيب من قوله لم يذكر عبد الله بن عمرو خرجه من طريق ابن أبي الدنيا وقد تبين أن قتادة لم يسمعه من سعيد إنما بلغه عنه ولم يدر عمن أخذه.
(1/118)

وخرج ابن منده من طريق فرات الفزاري عن أبي الطفيل عن علي قال: شر واد بئر في الأحقاف: برهوت بحضرموت ترده أرواح الكفار.
قال: رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف عن ابن مهران عن ابن عباس عن علي قال: أبغض بقعة في الأرض واد بحضرموت يقال له: برهوت فيه أرواح الكفار وفيه بئر ماؤه في النار أسود كأنه قيح تأوي إليه الهوام.
وروى بإسناده عن شهر بن حوشب أن كعبا رأى عبد الله بن عمرو وقد تكالب الناس عليه يسألونه فقال رجل لرجل: سله أين أرواح المؤمنين؟ قال: بالجابية وأرواح الكفار ببرهوت.
وبإسناده عن سفيان عن أبان بن تغلب قال: قال رجل: بت فيه - يعني وادي برهوت - كأنما حشدت فيه أرواح الكفار وهم يقولون: يا دومة فحدثنا رجل من أهل الكتاب: هو الملك الذي على أرواح الكفار.
قال سفيان: وسألنا الحضرميين فقالوا: لا يستطيع أن يبيت فيه أحد بالليل.
وقال ابن قتيبة في كتابه غريب الحديث: ذكر الأصمعي عن رجل من أهل برهوت - يعني البلد الذي فيه هذا البئر - قال: تجد الرائحة المنتنة الفظيعة جدا ثم نمكث فيأتينا الخبر بأن عظيما من عظماء الكفار قد مات فنرى أن تلك الرائحة منه.
قال: وقال ابن عيينة: أخبرني رجل أنه أمسى ببرهوت فكأن فيه أصوات الحاج قال: وسألت أهل حضرموت فقالوا: لا يستطيع أحدنا أن يمسي فيه.
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا الحسن بن عبد العزيز حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن عمرو بن سليمان قال: مات رجل من اليهود وعنده وديعة لمسلم وكان لليهودي ابن مسلم فلم يعرف موضع الوديعة فأخبر شعيبا الجبائي فقال: أئت برهوت فإن دونه عين بتسقيب فإذا جئت في يوم السبت فامش عليها حتى تأتي عينا هناك فادع أباك فإنه يجيبك فاسأله عما تريد ففعل ذلك الرجل ومضى حتى أتى العين فدعا أباه مرتين أو ثلاثا فأجابه فقال: أين وديعة فلان؟ فقالت: تحت إسكفة الباب فادفعها إليه.
وفي كتاب حكايات لأبي عمرو أحمد بن محمد النيسابوري حدثنا بكر بن
(1/119)

محمد بن عيسى الطرطوسي حدثنا حامد بن يحيى بن سليم قال: كان عندنا رجل بمكة من أهل خراسان يودع الودائع فيؤديها فأودعه رجل عشرة آلاف دينار وغاب وحضر الخراساني الوفاة فما ائتمن أحدا من أولاده فدفنها في بعض بيوته ومات فقدم الرجل وسأل بنيه فقالوا: ما لنا بها علم فاسأل العلماء الذين بمكة وهم يومئذ متوافرون فقالوا: ما نراه إلا من أهل الجنة وقد بلغنا أن أرواح أهل الجنة في زمزم فإذا مضى من الليل ثلثه أو نصفه فائت زمزم فقف على شفيرها ثم ناده فإنا نرجو أن يجيبك فإن أجابك فاسأله عن مالك فذهب كما قالوا فنادى أول ليلة وثانية وثالثة فلم يجب فرجع إليهم فقال: ناديت ثلاثا فلم أجب؟ فقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون ما نرى صاحبك إلا من أهل النار فاخرج إلى اليمن فإن بها واديا يقال له: برهوت فيه أرواح أهل النار فقف على شفيرها فناده في الوقت الذي ناديت في زمزم فذهب كما قيل له في الليل فنادى يا فلان بن فلان فأجابه من أول صوت فقال له: ويحك ما أنزلك ها هنا وقد كنت صاحب خير؟ قال: كان لي أهل بخراسان فقطعتهم حتى مت فأخذني الله فأنزلني هذا المنزل وأما مالك فإني لم آمن عليه ولدي وقد دفنته في موضع كذا فرجع صاحب المال إلى مكة فوجد المال في المكان الذي أخبره.
ورجحت طائفة من العلماء أن أرواح الكفار في بئر برهوت منهم القاضي أبو يعلى من أصحابنا في كتابه المعتمد وهو مخالف لنص أحمد: أن أرواح الكفار في النار.
ولعل لبئر برهوت اتصالا في جهنم في قعرها كما روي في البحر أن تحته جهنم والله أعلم ويشهد لذلك ما سبق من قول أبي موسى الأشعري: روح الكافر بوادي حضرموت في أسفل الثرى من سبع أرضين.
وقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد الله اليماني هل لأنفس المؤمنين مجمع؟ فقال: يقال: إن الأرض التي يقول الله: {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} قال: هي الأرض التي تجتمع أرواح المؤمنين فيها حتى يكون البعث خرجه ابن منده وهذا غريب جدا وتفسير الآية بذلك ضعيف.
وخرج ابن أبي الدنيا في كتاب "من عاش بعد الموت" من طريق عبد الملك بن قدامة عن عبد الله بن دينار عن أيوت اليماني عن رجل من قومه يقال له:
(1/120)

عبد الله إنه ونفرا من قومه ركبوا البحرن وإن البحر أظلم عليهم أياما ثم انجلت عنهم الظلمة وهم قرب قرية قال عبد الله: فخرجت ألتمس الماء فإذا أبواب المدينة مغلقة تجأجأ فيها الريح فهتفت بها فلم يجبني أحد فبينا أنا كذلك إذا طلع علي فارسان تحت كل واحد منهما قطيفة بيضاء فسألاني عن أمري فأخبرتهما بالذي أصابنا في البحر وإني خرجت أطلب الماء فقالا لي: يا عبد الله! أسلك في هذه السكة فإنك ستنتهي إلى بركة فيها ماء فاسق منها ولا يهولنك ما ترى فيها ن قال: فسألتهما عن تلك البيوت المغلقة التي تجأجأ فيها الريح فقالا: هذه بيوت فيها أرواح الموتى.
قال: فخرجت حتى انتهيت إلى البركة فإذا فيه رجل معلق مصلوب على رأسه يريد أن يتناول الماء بيده وهو لا يناله فلما رآني هتف بي وقال: يا عبد الله اسقني وقال: فغرقت بالقدح لأناوله فقبض بيدي فقال: بل العمامة ثم ارم بالقدح لأونالك فقبضت يدي ثم بللت العمامة لأرمي بها إليك فقبضت يدي فأخبرني من أنت؟ فقال: أنا ابن آدم أنا أول من سفك دما في الأرض.
وروى أبو نعيم بإسناده عن ابن وهب حدثنا عبد الرحمن بن زيد نب أسلم قال: بينما رجل في مركب في البحر إذا انكسر بهم مركبهم فتعلق بخشبه فطرحته في جزيرة فخرج يمشي فإذا هو بماء فتبعه فدخل في شعب فإذا برجل في رجليه سلسلة منوط فيها بينه وبين الماء شبر فقال: اسقني رحمك الله قال: فإخذت ملء كفى ماء فرفع بالسلسلة فذهب بالماء فلما ذهب الماء حط الرجل قال: ففعلت ذلك ثلاث مرات أو أربعا قال: فلما رأيت ذلك منه قلت له: ما لك ويحك؟ قال: أنا ابن آدم الذي قتل أخاه والله ما قتلت نفس ظلما منذ قتلت أخي إلا يعذبني الله بها لأني أول من سن القتل.
وروى عاصم بن محمد الرازي في كتاب الرهبان حدثنا عصمه العباداني قال: كنت أجول في بعض الفلوات إذ نظرت ديرا وفيه صومعة وفيها راهب فناديته فأشرف علي فقلت له: من أين تأتيك الميرة؟ قال: من مسيرة شهر قلت: حدثني بأعجب ما رأيت في هذه المواضع قال: بينا أنا ذات يوم أدير بصري في هذه البرية
(1/121)

القفر وأتفكر في عظمة الله وقدرته إذ رأيت طائرا أبيض مثل النعامة كبيرا وقد وقع على تلك الصخرة - وأومى بيده إلى صخرة بيضاء - فتقيأ رأسا ثم رجلا ثم ساقا وإذا هو كلما تقيأ عضوا التمت بعضها إلى بعض أسرع من البرق فإذا هم بالنهوض نقره الطائر فقطع أعضاءه ثم يرجع فيبتله فلم يزل على ذلك أياما فكثر تعجبي منه وازددت يقينا بعظمه الله وعلمت أن لهذه الأجساد حياتا بعد الموت وذكر أنه سأل عن ذلك الرجل يوما عن أمره فقال: أنا عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب أمر الله هذا الملك أن يعذبني إلى يوم القيامة قال: قال لي الملك: قد أتاني النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أخرج بهذا الجسد إلى جزيرة من البحر الأسود التي تخرج منها هوام أهل النار فأعذبه إلى يوم القيامة.
وقد رويت هذه الحكاية من وجه آخر خرجها ابن النجار في تاريخه من طريق السلفي بإسناد له إلى الحسن بن محمد بن عبيد اليشكري حدثنا إسماعيل بن أحمد بن علي بن أحمد بن يحيى بن النجم، سنة عشر وثلاثمائة أنه حضر مع يوسف بن أبي التياح ببلاد سنباط حضر مجلسه وحدثنا عن راهب سماه فأحض يوسف الراهب فحدثه الراهب بعد الإمتناع أن ملكا نفاه إلى جزيرة على البحر منفردة قال: لرأيت يوما طائرا فذكر شبيها بالحكاية.
ورويت من وجه آخر من طريق أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي صاحب السداميات المشهورة عن علي بن هارون عن محمود الوارق حدثنا أبو محمد بن عبد الرحمن بن عمر البزار سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن أبي الأصبغ قال: قدم علينا شيخ غريب فذكر أنه كان نصرانيا سنين وأنه تعبد في صومعة قال: فبينما هو ذات يوم جالسا إذ جاءه طائر كالنسر أو كالكركي فذكر شبيها بالحكاية مختصرا.
وكل ما ورد من هذه الآثار فإنه محمول على أن الأرواح تنتقل من مكان إلى مكان ولا يدل على أنها تستقر في موضع من الأرض والله أعلم.
ويشهد لهذا ما روي عن شهر بن حوشب قال: كتب عبد الله بن عمرو إلى أبي بن كعب يسأله أين تلتقي أرواح أهل الجنة وأهل النار فقال: أما أرواح أهل الجنة فبالبادية وأما أرواح الكفار فبحضرموت ذكره ابن منده تعليقا.
(1/122)

وقالت: طائفة من الصحابة: الأرواح عند الله عز وجل وقد صح ذلك عن عمرو وقد سبق قوله.
وكذلك روي عن حذيفة خرجه ابن منده من طريق داود الأودي عن الشعبي عن حذيقة قال: إن الأرواح موقوفة عند الرحمن - عز وجل تنتظر موعدها حتى ينفخ فيها وهذا إسناد ضعيف وهذا لا ينافي ما وردت به الإخبار من محل الأرواح على ما سبق.
وقال طائفة: أرواح بني آدم عند أبيهم آدم عن يمينه وشماله وهذا يستدل له بما في الصحيحين عن أنس عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة"، فذكر الحديث وفيه: "فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعلى يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فقال: مرحبا بالنبي الصالح والإبن الصالح قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسود الذي عن شماله أهل النار فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى" 1. وذكر بقية الحديث.
وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن أرواح الكفار في السماء وهذا مخالف لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} [الأعراف: 40] .
وكذلك حديث البراء وأبي هريرة وغيرهما أن السماء لا تفتح لروح الكافر وأنها تطرح طرحا وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] .
ولذا حمله بعضهم على أن هذه الأرواح التي عن يمين آدم وشماله هي أرواح بنيه التي لم تخلق أجسادهم بعد وهذا في غاية البعد مع منازعة بعضهم في خلق الأرواح قبل أجسادها.
وقد ورد من حديث أبي هريرة ما يزيل هذا الإشكال كله من رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية وغيره عن أبي هريرة فذكر حديث الإسراء بطوله إلى أن قال: ثم صعد به إلى السماء الدنيا فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل قيل: ومن معك؟ قال: محمد قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: قال:
__________
1 أخرجه البخاري "ح 349"، مسلم "ح 163".
(1/123)

نعم: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء قال: فدخل فإذا هو برجل تام الخلقة لم ينقص من خلقه شيء كما ينقص من الناس عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثه إذا نظر عن يمينه ضحك واستبشر وإذا نظر عن شماله بكى وحزن والباب الذي عن يمينه باب الجنة فإذا نظر من يدخل من ذريته الجنة ضحك واستبشر والباب الذي عن شماله جهنم فإذا نظر من يدخل من ذريته جهنم بكى وذكر الحديث وقد خرجه بتمامه البزار في مسنده وأبو بكر الخلال وغير واحد وفيه التصريح بأن أرواح ذريته في الجنة والنار وأنه ينظر إلى أهل الجنة من باب عن يمينه وإلى أهل النار من باب عن شماله وهذا لا يقتضي أن تكون الجنة والنار في السماء الدنيا وإنما معناه أن آدم في السماء الدنيا يفتح له بابان في الجنة والنار ينظر منهما إلى أرواح ولده فيها وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والنار في صلاة الكسوف1، وهو في الأرض، وليست الجنة في الأرض وروي أنه رآهما ليلة الإسراء في السماء وليست النار في السماء2.
ويشهد لذلك أيضا ما في حديث أبي هارون العبدي - مع ضعفه - عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء الطويل إلى أن ذكر السماء الدنيا: "وإذا أنا برجل كهيئته يوم خلقه الله عز وجل لم يتغير منه شيء وإذا تعرض عليه أرواح ذريته فإذا كان روح طيبة وريح طيبة إجعلوا كتابه في عليين وأن كانت روح كافر قال: روح خبيثة وريح خبيثة إجعلوا كتابه في سجين قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: أبوك آدم"، وذكر الحديث ففي هذا أنه تعرض عليه أرواح ذريته في السماء الدنيا وأنه يأمر بجعل الأرواح في مسقرها من عليين وسجين فدل على أن الأرواح ليس محل مستقرها في السماء الدنيا.
وزعم ابن حزم أن الله خلق الأرواح جملة قبل الأجساد وأنه جعلها في برزخ وذلك البرزخ عند منقطع العناصر يعني حين لا ماء ولا هواء ولا نار وأنه إذا خلق الأجساد أدخل فيها تلك الأرواح ثم يعيدها عند قبضها إلى ذلك البرزخ وهو الذي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة أسري به عند سماء الدنيا أرواح أهل السعادة عن يمين آدم.
__________
1 متفق عليه.
2 متفق عليه.
(1/124)

وأهل الشقاوة عن يساره وذلك عند منقطع العناصر وتجعل أرواح الأنبياء والشهداء في الجنة.
قال: وذكر محمد بن نصر المروزي عن أسحاق بن راهوية أنه ذكر هذا الذي قلناه بعينه قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم قال ابن حزم: وهو قول جميع أهل الإسلام غيره.
فكيف يكون قول جميع أهل الإسلام وكلامه يقتضي أن الأرواح رآها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء تحت السماء الدنيا والحديث يدل على أنه إنما رآها فوق السماء الدنيا وما حكاه عن محمد بن نصر عن إسحاق بن راهويه فلا يدل على ما قاله بوجه فإن محمد بن نصر حكى عن إسحاق بن راهويه إجماع أهل العلم أن الله استخرج ذرية آدم من صلبه قبل خلق أجسادهم فاستنطقهم واستشهدهم على أنفسهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172] ولم يذكر أكثر من هذا وهذا لا يدل على شيء مما قاله ابن حزم في مستقر الأرواح البتة بل ولا على أن الأرواح بقيت على حالها بل في بعض الأحاديث أه ردها إلى صلب آدم ولم يقل إسحاق ولا غيره من المسلمين: أن مستقر الأرواح حيث منقطع العناصر بل وليس هذا من جنس كلام المسلمين بل من جنس كلام المتفلسفة.
وقد خرج ابن جرير الطبري في كتاب الأدب له من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب عن المغيرة بن عبد الرحمن قال: قال سلمان لعبد الله بن سلام: إن مت قبلي فأخبرني عمن تلقى وإن مت قبلك أخبرتك بما ألقى فقال له الناس: يا عبد الله كيف تخبرنا وقد مت؟ قال: ما من روح تقبض من جسد إلا كانت بين السماء والأرض حتى يرده في جسده الذي أخذ منه هذا لا يثبت وهو منقطع وأبو معشر: ضعيف وقد سبق رواية سعيد بن المسيب لهذه القصة بغير هذا اللفظ وهو الصحيح.
وقد تقدم في سؤال عبد الله بن الإمام أحمد لأبيه عن الأرواح هل تموت بموت الأجساد؟ وهذا يدل على أن هذا قد قيل أيضا وهو كذلك.
وقد حكى عن طائفة من المتكلمين وذهب إليه جماعة من فقهاء الأندلس قديما منهم عبد الأعلى بن وهب بن محمد بن عمر بن لبابة ومن متأخريهم كالسهيلي وأبي بكر بن العربي وغيرهما قال أبو الوليد بن الفرضي في "تاريخ الأندلس": أخبرني
(1/125)

سليمان بن أيوب قال: سألت محمد بن عبد الملك بن أيمن عن الأرواح؟ فقال لي: كان محمد بن عمر بن لبابة يذهب إلى أنها تموت وسألته عن ذلك؟ فقال: كان يذهب عبد الأعلى بن وهب فيما قال ابن أيمن فقلت له: إن عبد الأعلى كان قد طالع كتب المعتزلة ونظر في كلام المتكليمن فقال: إنما قلدت عبد الأعلى ليس من هذا شيء انتهى.
وقد استدل أرباب هذا القول بقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185] .
وقد حق كما أخبر الله به لا مرية فيه لكن الشأن في فهم معناه فإن النفس يراد بها مجموع الروح والبدن.
كما في قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس] .
وقوله سبحانه وتعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: 32] .
وقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] .
وقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] .
وقوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} [النحل: 111] .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من نفس منفوسة إلا الله خالقها" 1.
وقوله عليه السلام: "ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ" 2.
وفي رواية: "لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم" 3. والمراد موت الأحياء الموجودين في يومه ذلك ومفارقة أرواحهم لأبدانهم قبل المائة سنة ليس المراد عدم أرواحهم واضمحلالها فكذلك قوله سبحانه وتعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} ، إنما ارماد كل مخلوق فيه حياة فإنه يذوق الموت وتفارق روحه بدنه فإن أراد أنها تعدم وتتلاشى فليس بحق وقد اشتد نكير العلماء لهذه المقالة حتى قال سحنون بن سعيد
__________
1 أخرجه البخاري "ح 7409"، "ح 1438".
2 أخرجه مسلم "ح 2538".
3 أخرجه مسلم "ح 2539".
(1/126)

وغيره: هذا قول أهل البدع والنصوص الكثيرة الدالة على بقاء الأرواح بعد مفارقتها الأبدان ترد ذلك وتبطله ولكن تخيل بعض المتأخرين موت الأرواح عند النفخة الأولى مستدلا بقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [الزمر: 68] ، ورد عليه آخرون وقالوا: إنما المراد به يموت من لم يكن مات قبل ذلك ولكن ورد عن طائفة من السلف في قوله: {إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} أن المستثنى هم الشهداء روي ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الطور الطويل ومن وجه آخر بإسناد أجود من إسناد حديث الطور وهذا يدل على أن للشهداء حياة يشاركون فيها الأحياء وقد قيل في الأنبياء مثل ذلك أيضا.
وعلى هذا حمل طائفة من العلماء منهم البيهقي وأبو العباس القرطبي قول النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى} ، " فأكون أنا أول من يبعث فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أجوزي بصعقة الطور أم بعث قبلي" وفي رواية: "أو كان ممن استثنى الله" 1. ولأن حياة الأنبياء أكمل من حياة الشهداء بلا ريب فشملهم حكم الأحياء أيضا ويصعقون مع الأحياء حينئذ لكن صعقة غشي لا صعقة موت إلا موسى تردد فيه أصعق أم كان ممن استثنى الله، صلى الله عليه وسلم لا محال، فكيف يتردد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كله؟!.
والفرق بين حياة الشهداء وغيرهم من المؤمنين الذين أرواحهم في الجنة من وجهين:
أحدهما: أن أرواح الشهداء يخلق لها أجساد أو هي الطير التي تكون في حواصلها ليكمل بذلك نعيمها ويكون أكمل من نعيم الأرواح المجردة عن الأجساد فإن الشهداء بذلوا أجسادهم للقتل في سبيل الله فعوضوا عنها بهذه الأجساد في البرزخ.
والثاني: أنهم يرزقون من الجنة وغيرهم لم يثبت له في حقه مثل ذلك فإنه جاء أنهم يعلقون في شجر الجنة وروي يعلقون بفتح اللام وضمها فقيل: إنهما بمعنى وأن المراد الأكل من الشجر قال ابن عبد البر وقيل: رواية الضم معناها الأكل ورواية
__________
1 أخرجه بنحوه البخاري "ح 34ز8"، ومسلم "ح 2373"، ورواه بهذا اللفظ ابن ماجه "ح 4274".
(1/127)

الفتح معنا التعلق ذكره ابن الجوزي وبكل حال فلا يلزم مساواتهم للشهداء في كمال تنعمهم في الأكل والله أعلم.
وقد ذهب طائفة من المتكلمين إلى أن الروح عرض لا تبقى بعد الموت وحملوا ما وردد من عذاب الأرواح ونعميها بعد الموت على أحد أمرين:
1- إما أن العرض الذي هو الحياة يعاد إلى جزء من البدن.
2- أو على أن يخلق في بدن آخر.
وهذا الثاني باطل قطعا لأنه يلزم منه أن يعذب بدن غير بدن الميت مع روح غير روحه فلا يعذب حينئذ بدن الميت ولا روحه ولا ينعمان أيضا وهذا باطل قطعا والأول باطل أيضا بالنصوص الدالة على بقاء الروح منفردة عن البدن بعد مفارقتها له وهي كثيرة جدا وقد سبق ذكر بعضها.
وقد احتج بعضهم على فناء الأرواح وموتها بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المقابر قال: "السلام عليكم أيتها الأرواح الفانية والأبدان البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بالله مؤمنة اللهم أدخل عليهم روحا منك وسلاما منا" وهذا الحديث خرجه ابن السني من حديث عبد الوهاب بن جابر التيمي حدثنا حبان بن علي عن الأعمش عن أبي رزين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يثبت رفعه وعبد الوهاب لا يعرف وحبان ضعيف ولو صح، حمل على أنه أراد بفناء الأرواح ذهابها من الأجساد المشاهدة كما في قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26] وبعض الأبدان باقية كأجساد الأنبياء وغيرهم وإنما تفارق أرواحها أجسادها.
وذكر عن ابن عباس أنه سئل أين تكون الأرواح إذا فارقت الأجساد؟ فقال: أين يكون السراج إذا طفي والبصر إذا عمي ولحم المريض إذا مرض؟ فقالوا: إلى أين؟ قال: فكذا الأرواح وهذا لا يصح عن ابن عباس والله أعلم.
(1/128)

الباب العاشر: في ذكر ضيق القبور وظلمتها على أهلها وتنورها عليهم بدعاء الأحياء وما ورد من حاجة الموتى إلى دعاء الأحياء وانتظارهم لذلك
وقد تقدم في الباب الثاني أن القبر يقول: أنا بيت الظلمة وبيت الضيق إلا ما وسع الله.
قال ابن المبارك: وحدثنا صفوان بن عمرو حدثني سليم بن عامر قال: خرجنا في جنازة على باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي فلما صلى على الجنازة واخذوا في دفنها قال أبو أمامة: أنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تغنمون منه الحسنات والسيئات توشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا يشير إلى القبر بيت الظلمة وبيت الضيق إلا ما وسع الله ثم تنتقلون منه إلى يوم القيامة.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلمة بن سعيد قال: كان هشام الدستوائي إذا ذكر الموت يقول: القبر وظلمة القبر ووحشة القبر: فلما مر بعض إخوانه إلى جنبات قبره قال: يا أبا بكر والله صرت إلى المحذور.
وروى بإسناده عن امرأة هشام الدستوائي قالت: كان هشام إذ طفىء المصباح غشيه من ذلك أمر عظيم فقلت له: إنه يغشاك أمر عظيم عند المصباح إذا طفىء قال: إني اذكر ظلمة القبر ثم قال: لو كان سبقني إلى هذا أحد من السلف لأوصيت إذا مت أن اجعل في ناحية من داري قال: فما مكثنا إلا يسيرا حتى مات قال: فمر بعض إخوانه به في قبره فقال: يا أبا بكر صرت إلى المحذور.
وقال الحسن بن البراء حدثني عند الوهاب بن غياض حدثني جمعة جارة لهشام الفردوسي قالت: كان هشام إذا رجع من جنازة لم يتعش تلك الليلة وكان لا ينام إلا في بيت فيه سراج قال: فطفىء سراجه ذات ليلة فخرج هاربا فقيل له: ما شأنك؟ قال: ذكرت ظلمة القبر.
وروينا حديث خالد بن خداش قال: كنت اقعد إلى أشيم البلخي عم قتيبة وكان أعمى وكان يحدث ويقول: أواه القبر وظلمته واللحد وضيقه وكيف اصنع؟ ثم
(1/129)

يغشى عليه ثم يعود فيحدث فيصنع مثل ذلك مرات حتى يقوم - وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن وهيب بن الورد قال: نظر ابن مطيع يوما إلى داره فأعجبه حسنها فبكى ثم قال: والله لولا الموت لكنت بك مسرورا ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا ثم بكى بكاء شديدا حتى ارتفع صوته.
وبإسناده عن الفيض بن إسحاق قال لي الفضيل بن عياض: أرأيت لو كانت لك الدنيا فقيل لك: تدعها ويوسع لك في قبرك ما كنت تفعل؟ قال: فقال فضيل: أليس تموت وتخرج من أهلك ومالك وتصير إلى القبر وضيقه وحدك ثم قال {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ} [الطارق: 10] ، ثم قال: إن كنت لا تعقل هذا فما في الأرض دابة أحمق منك.
قال: وأخبرنا محمد بن الحسين حدثني محمد بن حرب المكي قال: قدم علينا أبو عبد الرحمن العمري العابد فاجتمعنا إليه وأتاه وجوه أهل مكة قال: فرفع رأسه فنظر إلى القصور المحدقة بالكعبة فنادى بأعلى صوته: يا أصحاب القصور المشيدة اذكروا ظلمة القبر الموحشة يا أهل النعيم والتلذذ اذكروا الدود والصديد وبلي الأجساد في التراب قال: ثم غلبته عيناه فنام.
وقال: في كتاب العزلة: حدثنا حسن بن عبد الرحمن عن رجل قال: دخلت على رجل بالمصيصة في بيته فيه فرشة وقماشة فقلت: أما يضيق صدرك من هذا؟ فبكى وقال: إذا ذكرت القبر وظلمته وضيقه اتسع هذا عندي ولهيت عن غيره.
وذكر بإسناده له أن سعيد بن عبد العزيز دخل على سليمان الخواص فقال: ما لي أراك في الظلمة؟ قال: ظلمة القبر أشد.
قال أبو الحسن بن البراء: حدثنا أبو حمزة الأنصاري حدثني أبو المضرجي قال: خرجت غازيا فمررت ببعض حصون الشام ليلا فوجدت باب الحصن مغلقا ومقبرة على الباب فبت بجنب المقبرة بالقرب من قبر محفور فلما نمت إذا بهاتف من القبر وهو يقول شعرا:
أنعم الله بالخيالين عينا ... وبمسراك يا أميم إلينا
عجبا ما عجب من ثقل التراب ... ومن ظلمة القبور علينا
(1/130)

قال: فانتبهت فإذا بالباب قد فتح وإذا بجنازة يقدمها شيخ فقلت له: ما هذه الجنازة؟ قال: جنازة ابنتي قلت: ما اسمها؟ قال: أميمة قلت: القبر محفور لمن؟ قال: قبر ابن أخي وكان زرجها فتوفي فدفنته ثم توفيت بنتي فجئت أدفنها فأخبرته بما سمعت من الهاتف في القبر.
وخرج ابن أبي الدنيا من طريق مجالد عن الشعبي قال: كان صفوان بن أمية في بعض المقابر فإذا شعل نيران قد أقبلت ومعها جنازة فلما دنوا من القبر قال: انظروا قبر كذا وكذا قال: وسمع رجل صوتا من القبر حزينا موجعا يقول شعرا:
أنعم الله بالظعينة عينا ... وبمسراك يا منين إلينا
جزعا ما جزعت من ظلمة القبر ... ومن مسك التراب منينا
فأخبر القوم بما سمع فلكوا حتى خضوا لحاهم ثم قالوا: هل تدري من منينة؟ قال: لا قالوا: صاحبة هذا السرير وهذه أختها ماتت عام أول.
وخرج ابن المندر الهروي المعروف بيشكر في كتاب العجائب له من طريق أبي حمزة اليماني قال: جاء رجل إلى طلحة بن عبد الله بن عثمان بن معمر ف الجاهلية فقال: إني رأيت عجبا مررت بقبور فنمت فسمعت قائلا من القبر يقول الشعر:
أنعم الله بالظعينة عينا ... وبمسراك يا منين إلينا
نفسا ما نفست من ظلمة القبر ... ومن مسك التراب منينا
فانتهت فإذا أنا بأهل جنازة فقمت إليهم فأخبرتهم فقالوا: هذه منين وهذه أختها فدللتهم على القبر فدفنوها إلى جانبها.
وبإسناده عن إسماعيل بن راشد قال: حجت امرأة فماتت في بعض المنازل فلما كان من العام القابل حجت أخت لها فماتت في ذلك المكان فجهزوها وأخرجوها ليدفنوها فبينما هم يطلبون قبر أختها ورجل قد سرى ليلة فأتى القبور فرمى بنفسه فنام فيها فاستيقظ فقال: ما تطلبون؟ قالوا: قبرا قال: هو تحتي قالوا: وما علمك؟ قال: سمعت قائلا يقول:
يا منينا يا منيتي يا منينا ... أنعم الله بالظعينة عينا
(1/131)

نفسا ما نفست من نفس ... القبر ومن مسك التراب منينا
لم نجد بعدكم منين رجاء ... أقبل الدهر بالغناء علينا
قال: فدفنت إلى جانبها.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أمينة بنت عمران بن يزيد قالت: رأيت أبي في منامي فقلت: يا أبت لا عهد لي بك منذ فاقتنا قال: يا بنية وكيف تعهدين من قد فارق الحياة إلى ضيق القبور وظلمتها؟ قال: فقلت: كيف حالك منذ فارقتنا؟ قال: خير حال يا بنية بوئنا المنازل ومهدت لنا المضاجع ونحن هنا يغدا علينا ويراح يرزقنا من الجنة قلت: فما الذي بلغكم هذا؟ قال: الصبر الصالح وكثرة التلاوة لكتاب الله عز وجل.
وخرج أبو نعيم بإسناده له عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول في موعظة له طويلة يذكر فيها أهل القبور: أليسوا في مدلهمة ظلماء أليس الليل والنهار سواء؟.
قال أبو الحسن بن البراء: أنشدنا إسماعيل بن إدريس السمار لأبي العتاهية يبكي على نفسه في مرئية.
لأبكين على نفسي وحق ليه ... يا عين لا تبخلي عني بعبرتيه
لأبكين لفقدان الشباب فقد ... جد الرحيل عن الدنيا برحلتيه
يا نأي منتجعي يا هول مطلعي ... يا ضيق مضطجعي يا بعد شقنيه
المال ما كان قدامي لآخرتي ... ما لا أقدم من مالي فليس ليه
فصل
وقد روى ابن أبي الدنيا من طريق أبي غطفان المري قال: قال عمر: يا رسول الله! لو فزعتنا أحيانا لفزعنا فكيف بظلمة القبر وضيقه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما يبعث العبد على ما قبض عليه" 1، وهذا مرسل.
__________
1 وهو عند مسلم بلفظ " يبعث كل عبد على ما مات عليه" من حديث جابر "ح 2878" "وعند ابن ماجة" "ح 4230".
(1/132)

وبإسناده عن وهب بن منبه قال: كان عيسى عليه السلام واقفا على قبر ومعه الحواريون وصاحبه يدلى فيه فذكروا القبر ووحشته وضيقة وظلمته قال عيسى عليه السلام: قد كنتم في أضيق منه أرحام أمهاتكم فإذا أحب الله أن يوسع وسع.
وبإسناده عن جعفر بن سليمان قال: شهد رجل يدلى في حفرته فقال: إن الذي يسهل على الجنين في بطن أمه قادر أن يسهل عليك قال: وقال بعضهم: شبيل بن غزوة هو المتكلم بهذا.
وخرج الإمام أحمد حديث: الأسود الذي كان ينظف المسجد فمات فدفن ليلا فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر فقال: "انطلقوا إلى قبره فانطلقوا فقال: إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وإن الله عز وجل ينورها بصلاتي عليها فأتى القبر فصلى عليه" 1.
وخرج مسلم نحوه2، من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن قد قيل: إن آخره مدرج في حديث أبي هريرة.
وروى محمد بن حميد الرازي حدثنا مهران بن أبي عمر حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبر حديث عهد بدفن ومعه أبو بكر وعمر فقال: قبر من هذا؟ قال أبو بكر: هذه يا رسول الله أم محجن كانت مولعة بأن تلقظ الأذى من المسجد قال: ألا آذنتموني قالوا: قد كنت نائما فكرهنا أن نجهدك قال: فلا تفعلوا فإن صلاتي على موتاكم تنور لهم في قبورهم.
قال: فصف بأصحابه فصلى.
وقد ذكرنا فيما تقدم عن أبي قلابة أنه رأى ميتا في نومه فقال له: جزى الله أهل الدنيا خيرا أقراهم منا السلام فإنه يدخل علينا من دعائهم نور مثل الجبل.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أبو عبد الله بن بحير حدثني بعض أصحابنا قال: رأيت أخا في النوم بعد موته فقلت: أيصل إليكم دعاء الأحياء؟ قال: أي والله،
__________
1 أخرجه أحمد "3/ 150" بنحوه عند مسلم "ح 956".
2 انظر التخريج السابق.
(1/133)

يترفرف مثل النور ثم نلبسها.
وروى بإسناده عن بشار بن غالب البحراني قال: رأيت رابعة العدوية في منامي وكنت كثير الدعاء لها فقالت لي: يا بشار بن غالب هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمرة بمناديل الحرير قلت: وكيف ذلك؟ قالت: هكذا دعاء المؤمنين الأحياء إذا دعوا للموتى فاستجب لهم جعل ذلك على أطباق النور وخمر بمناديل الحرير ثم أتي به إلى دعي له من الموتى فقيل: هذه هدية فلان إليك.
وبإسناده عن عمرو بن جريرن قال: إذا دعا العبد لأخيه الميت أتاه ملك في قبره فقال له: يا صاحب القبر الغريب هدية من أخ شفيق عليك.
وبإسناده عن بشر بن منصور قال: كان رجل يختلف إلى الجبان زمن الطاعون فيشهد الصلاة على الجنائز فإذا أمسى وقف على باب المقابر فقال: آنس الله وحشتكم ورحم الله غربتكم وتجارز عن سيئاتكم وقل الله حسناتكم لا يزيد على هذه الكلمات قال: فإذا أمسيت ذات ليلة فانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر فأدعو كما كنت أدعو قال: فبينما أنا نائم إذا أنا بخلق كثير قد جاؤوني فقلت لهم: ما جاء بكم؟ قالوا: نحن أهل المقابر قلت: وما تريدون؟ قال: إنك كنت عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك قلت: وما هي؟ قال: الدعوات التي كنت تدعو بها قال: فقلت: إني أعود لذلك فما تركها بعد.
وبإسناده عن سفيان بن عيينة قال: كان يقال: الأموات أحوج إلى الدعاء من الأحياء إلى الطعام.
وبإسناده له عن بعض المتقدمين قال: مررت بالمقابر فترحمت عليهم فهتف هاتف: نعم فترحم عليهم فإن فيهم المهموم والمحزون.
وروى جعفر الخلدي عن العباس بن يعقوب بن صالح الأبياري سمعت أبي يقول: رأى بعض الصالحين أباه في النوم فقال: يا بني لم قطعتهم هديتكم عنا؟ قال: يا أبت وهل تعرف الأموات هدية الأحياء؟ قال: يا بني لولا الأحياء هلكت الأموات نسأل الله العفو والغفران.
(1/134)

الباب الحادي عشر: في ذكر زيارة الموتى والإتعاظ بهم
وخرج مسلم في صحيحه، من حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" 1.
وخرج الإمام أحمد، بلفظ آخر: " فزوروها فإن في زيارتها عبرة وعظة" 2.
وخرجه أيضا من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة" 3.
وخرج الإمام أحمد من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نهيتكم عن زيارة القبور ثم بدا لي أنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة فزوروها ولا تقولوا: هجرا" 4.
وخرج مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي فزوروها فإنها تذكر الموت" 5.
وخرج الحاكم من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من زار القبور تذكر بها الآخرة وغسل الموتى فان معالجة جسد الميت موعظة بليغة وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك فإن الحزين في ظل الله تعالى يتعرض كل خير" 6.
وخرج بن أبي الدنيا بإسناده عن ثابت البناني قال: بينما أنا امشي في المقابر إذ أنا بهاتف من واد: يا ثابت لا يغرنك سكوتها فكم من مغموم فيها قال: فالتفت فلم أجد أحدا.
__________
1 أخرجه مسلم "ح 977".
2 أخرجه أحمد في المسند "5/ 356".
3 أخرجه مسلم في المسند "3/ 38".
4 أخرجه أحمد "3/ 63".
5 أخرجه مسلم " 976".
6 ضعيف: أخرجه الحاكم " 1/ 375".
(1/135)

وبإسناده عن بشر بن منصور قال: قال لي عطاء الأزرق: إذا حضرت المقابر فليكن قلبك فيمن أنت بين ظهرانيه فإني بينما أنا نائم ذات ليلة في المقابر تفكرت في شى فإذا أنا بصوت يقول: إليك يا غافل! إنما أنت بين ناعم في نعمته يتذلل او معذب في سكراته يتقلب.
وبإسناده عن صالح المري قال: دخلت المقابر يوما في شدة الحر فنظرت إلى القبور خامدة كأنهم قوم صموت فقلت: سبحان الله! من يجمع بين أرواحكم وأجسادكم بعد افتراقها يحييكم وينشركم من بعد طول البلى قال: فناداني مناد من بين تلك الحفر: يا صالح: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25] ، قال: فسقطت والله لوجهي جزعا من ذلك الصوت.
وبإسناده له إن عمر بن عبد العزيز خرج مع جنازة فلما قال: دعوني حتى آتي قبور الأحبة قال: فاتاهم فجعل يدعو ويبكي إذ هتف به التراب: يا عمر لا تسالني عما فعلت بالأحبة قال: وما فعلت بهم؟ قال: مزقت الأكفان وأكلت اللحم شدخت المقلتين ونزعت الكفين من الساعدين والساعدين من العضدين والعضدين من النمكبين والمنكبين من الصلب والقدمين من الساقين والساقين من الفخذين والفخذين والفخذين من الورك والورك من الصلب قال: وعمر يبكي فلما أراد أن ينهض قال له التراب: يا عمر ألا أدلك على أكفان لا تبلى؟ قال: وما هي؟ قال: تقوى اله والعمل الصالح.
وبإسناده أن أبا الدرداء مر بين القبور فقال: يا تراب ما أسكن ظواهرك وفي داخلك الدواهي.
وبإسناده له عن ميمون بن مهران قال: خرجت مع عمر بن عبد العزيز إلى المقابر فلما نظر إلى القبور بكى ثم قال: يا أيوب هذه قبور آبائي بني أمية كأنهم لم يشركوا أهل الدنيا في لذاتهم وعيشتهم أما تراهم صرعى فدخلت بهم المثلات واستحكم فيهم البلاء وأصابت الهوام في أبدائهم مقيلا ثم بكى حتى غشي عليه ثم أفاق فقال: انطلق بنا فوالله ما أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور وقد أمن من عذاب الله عز وجل.
وعن ثابت البناني أنه دخل المقابر فبكى فقال: بليت أجسامهم وبقيت أخبارهم فالعهد قريب واللقاء بعيد
وعن بعض الأعراب أنه وقف على قبر وأنشد
(1/136)

في المعنى:
لكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد
وما أن ترى دارا لحي قد أقفرت ... وقبر لميتة بالفناء جديد
فهم جيرة الأحياء أما محلهم ... فدان وأما الملتقى فبعيد
وعن بعضهم أنه مر في سفره بمقبرو لبعض المدن، فقال:
كفى حزنا أن لا ببلدة ... من الأرض إلا دون مدخلها قبر
وعن جعفر بن سليمان، قال: كنا نخرج مع مالك بن دينار زمان الحطمة فنجمع الموتى ونجهزهم فيخرج مالك على حمار قصير لجامه من ليف عليه عباءة مرتديها فيعظنا في الطريق حتى إذا أشرف على القبور قال بصوت له محزون: رحمة الله عليه نفعنا الله بأقرب الخلق إليه:
ألا حي القبور ومن بهنة ... وجوه في التراب أجبنهنه
ولو أن القبور أجبن حيا ... إذا لأجبتني إذا أنصتنه
ولكن القبور صمتن عني ... فأنت تحسره من عند هنه
قال: ثنا يحيى عن عبد الله بن جعفر بن سليمان أمير البصرة مر به رجل كان يعظ الناس فقال له عبد الله: عظني ببيت من الشعر فقال:
إذا ثوى في القبور ذو خطره ... فذره فيها ولا تنظر إلى خطره
فبكى عبد الله بن جعفر وكان ابن السماك يتمثل بهذا البيت ويزيد فيه بيتا آخر:
أبرزه الموت من مساكنه ... ومن مقاصيره ومن حجره
قال ابن أبي الدنيا: ثنا إسماعيل بن عبد الله العجلي قال: أنشدنا رجل ونحن بالمقابر:
ألا يا عسكر الأحياء ... هذا عسكر الموتى
أجابوا الدعوة الصغرى ... وهم ينتظرون الكبرى
يحثون على الزاد ... وما زاد سوى التقوى
(1/137)

يقولون لكم جدوا ... فهذا آخر الدنيا
قال: وحدثنا أبو الفضل بن جعفر ثنا غزوان بن عبد الرحمن بن غزوان قال: كنت جالسا مع أبي بالبصرة إذ قيل شيخ على حمار في عنقه حبل ليف بالتسليم به وقال: من أين أقبلت؟ قال: فكرت في أهل هذا العسكر ليلا فغدوت عليهم فقلت:
وعظتك أحداث صمت ... وبكل ساكنة حفت
وتكلمت عن أعظم ابتلاء ... وعن صور سهت
وأرتك قبرك في القبور ... وأنت حي لم تمت
ثم ولى غير بعيد ثم أقبل فقال:
ولربما انصرف الشمات ... فحل بالقوم الشمت
فقلت: هذا الشيخ هو أبو العتاهية، والأبيات معروفة.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلام بن صالح قال: فقد الحسن ذات يوم فلما أمسى قال له أصحابه: أين كنت؟ قال: كنت اليوم عند إخوان لي إن نسبت ذكروني وإن غبت عنهم لم يغتابوني فقال له أصحابه: نعم الإخوان والله هؤلاء يا أبا سعيد دلنا عليهم قال: هؤلاء أهل القبور.
وبإسناده عن عبد الواحد بن زيد أن الحسن قال لأصحابه وهم في المقابر: هم أهل محلة قد كفي من جلس إليهم الكلام وله في الجلوس إليهم الموعظة والإعتبار.
وروى بإسناد منقعط أن علي بن أبي طالب قيل له: ما شأنك جاورت المقبرة؟ قال: إني أجدهم جيران صدق يكفون الألسن ويذكرون الآخرة.
وبإسناده عن عمارة المغربي قال: قال لي محمد بن واسع: ما أعجب إلي منزلك وما يعجبك من منزلي وهو عند القبور؟ ! قال: وما عليك يكفون الأذى ويذكرون الآخرة.
وبإسناده عن ميمون بن مهران قال: قال أبو الدرداء: إن لكم تعانينه الداريين لعبرة تزورورنهم ولا يزرونكم وتنتقلون إليهم ولا ينتقلون إليكم يوشك أن تستفرغ هذه ما في هذه.
(1/138)

وبإسناده عن الحسن بن عثمان بن أبي العاص كان في جنازة فرأى قبرا خاسفا فقال الرجل من أهل: يا فلان تعالى انظر إلى بيتك الذي هو بيتك قال: فقال: ما أرى في بيتي طعاما ولا شرابا ولا ثيابا قال: فإنه بيتك قال: صدقت قال: فرجع فقال: والله لأجعلن ما في بيتي هذا في بيتي ذاك قال الحسن: هو والله التشدد والهلكة والله لتصبرن أو لتهلكن.
وفي رواية قال: أراه ضيقا يابسا مظلما ليس فيه طعام ولا شراب ولا زرجة وقد نزلت بيتا فيه طعام وشراب وزوجة قال: قال: والله بيتك قال: وصدقت أما والله لو قد رجعت نقلت من ذلك إلى هذا.
وعن ابن شوذب قال: اطلعت امرأة إلى قبر فرأت اللحد فقالت لامرأة معها: ما هذا: يعني اللحد قالت: هذا كندوج العمل قال: وكانت تعطيها الشيء وتقول: اذهبي فضعي هذا في كندوج العمل.
وعن الحسن أنه مر على مقبرة فقال: يا لهم من عسكر ما يسكتهم وكم فيهم من مكروب.
وعن الفضل الرقاشي أنه كان إذا ذكر زهد في الدنيا يقول: مررت بالمقابر فوقفت فناديت: يا أهل الشرف والغناء والتباهي يا أهل اللباس والنجدة والأمن والزجول يا أهل المسألة والحاجى والفاقة ويا أهل النسك والإخبات والإنابة والإجتهاد فما ردت علي فرقة منهم ولعمري إن لم يكونوا أجابوا جوابا لقد أجابوا اعتبارا.
وعن مالك بن دينار قال: خرجت أنا وحسان بن أبي سنان نزور المقابر فلما أشرف عليها سبقته عبرته ثم أقبل علي فقال: يا يحيى! هذه عساكر الموتى ينتظر بها من بقي من الأحياء ثم يصاح بهم صيحة فإذا هم قيام ينظرون فوضع مالك يده على رأسه وجعل يبكي.
وعن عاصم الحيطي قال: كنت أمشي مع محمد بن واسع فأتينا المقابر فدمعت عيناه ثم قال: يا عاصم لا يغرنك ما ترى من خمودهم فكأنهم وقد وثبوا من هذه الأجداث فمن بين مسرور ومهموم.
(1/139)

وعن ابن السماك قال: لا يغرنك سكوت هذه القبور فما أكثر المغمومين فيها ولا يغرنك آسفوها فما أشك بقاهم فيها.
وعن أبي حازم الأعرج أنه شهد جنازة فوقف على شفير القبر فجعل ينظر إليه ثم رفع رأسه فقال لبعض أصابه: ما ترى؟ قال: أرى حفرة يابسة وأرى جنادل قال أبو حازم: أما والله لتحمدنه إلى نفسك أو لتكونن معيشتك فيه معيشة ضنكا فبكى بكاءا شديدا.
وعن حسين الجعفي قال: أتى رجل قبرا محفورا فاطلع في اللحد فبكى واشتد بكاؤه قال: أنت والله بيتي حقا والله إن استطعت لأعمرنك.
وعن عطاء السلمي أنه كان إذا جن عليه الليل خرج فوقف على القبور ثم قال: يا أهل القبور متم فواموتاه ثم بكى ثم قال: يا أهل القبور عاينتم ما علمتم فوا عملاه ثم يبكي فلا يزال كذلك حتى يصبح.
وعن علي بن أحمد قال: كان الأسود بن كلثوم يخرج إلى المقابر إذا هدأت العيون فيقول يا أهل الغربة والتربة يا أهل الوحدة والبلى ثم يبكي حتى يكان يطلع الفجر ثم يرجع إلى أهله.
وعن ثابت البناني قال: دخلت المقابر فقلت: يا أهل القبور فلم يجيبني أحد ثم قلت: يا أهل القبور فلم يجيبني أحد ثم أجاب عقلي: نحن مثلك كنا وأنت وكما نحن تكون.
قال ابن أبي الدنيا: وحدثنا إبراهيم بن سيار قال: قيل لبعض حكماء العرب: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى محلة الأموات ويروى نحو هذا الكلام عن عمر بإسناده ضعيف.
وكان العمري الزاهد يلازم المقابر ومعه كتاب لا يفارقه فقيل له في ذلك قال: ما شيء أوعظ من قبر ولا آنس من كتاب ولا أسلم من الوحدة.
وقال أبو محرز الطفاوي: كفتك القبور مواعظ الأمم السالفة.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن محمد بن صالح التمار قال: كان صفوان بن سليم يأتي البقيع في الأيام فمر بي فاتبعته ذات يوم وقلت: والله لأنظرن ما يصنع.
(1/140)

قال: والله فرفع وجلس إلى قبر منها فلم يزل يبكي حتى رحمته قال: ظننت أنه قبر بعض أهله قال: فمر بي فاتبعته فقعد إلى جنب قبر غيره فقال مثل ذلك قال: فذكرت ذلك لمحمد بن المنكدر وقلت: إني ظننته أنه قبر بعض أهله وقال محمد: كلهم أهله وأخوانه إنما هو رجل يحرك قلبه بذكر الأموات كلما عرضت له قسوة ثم جعل محمد بن المنكدر يمر بي فيأتي البقيع فسلمت عليه ذات يوم فقال: ما يقنعك موعظة صفوان؟.
قال: فظننت أنه انتفع بما ألقيت إليه منها.
وعن مطرف الهذلي قال: كانت عجوز متعبدة في عبد القيس فعوتبت في كثرة إتيانها فقالت: إن القلب القاسي إذا جفى لم يلينه إلا رسوم البلى وإني لآتي القبور وكأني أنظر إليهم قد خرجوا من بين أطباقها وكأني أنظر إلى تلك الوجوه المعفرة وإلى تلك الأجسام البالية المقفرة وإلى تلك الأكفان الدلسة، فيا له من منظر.
ولأبي العتاهية:
إني سألت التراب: ما فعلت بعدي ... بجسد وقع فيه الدود متعفرة
فأجابني: صيرت ريحهم ... يؤذيك بعد روائح عطرة
وأكلت أجسادا منعمة ... كان النعيم يهزها نضرة
لم يبق غير جماجم عريت ... بيض تلوح أو أعظم نخرة
قال ابن أبي الدنيا: ثنا محمد بن الحسين قال: قال أبو إسحق: شهدت جنازة رجل من إخواني - منذ خمسين سنة - ن فلما دفن وسوي عليه التراب وتفر الناس جلست إلى بعض تلك القبور ففكرت فيما كانوا فيه من الدنيا وانقطاع ذلك كله عنهم فأنشدت أقول:
سلام على أهل القبور الدوارس ... كأنهم لم يجلسوا في المجالس
ولم يشربوا من بارد الماء شربة ... ولم يأكلوا من بين رطب ويابس
ألا خبروني: أين قبر ذليلكم ... وقبر العزيز الباذج المتمارس
وغلبني عيناي، فقمت وأنا محزون.
قال ابن أبي الدنيا: وأنشد الرياشي رحمة الله تعالى أبياتا خمسة، فقال:
(1/141)

تهيج منازل الأموات وجدا ... ويحدث عن رؤيتها اكتئاب
منازل لا تجيبك حين تدعو ... وعز عليك أنك لا تجاب
وكيف يجيب من تدعوه ميتا ... تضمنت الجنادل والتراب
مقيم إلى أن يبعث الله خلقه ... لقاؤك لا يرجى وأنت قريب
تزيد بلى في كل يوم وليلة ... وتنسى كما تبلى وأنت حبيب
وروى أبو نعيم بإسناد له أن داود الطائي اجتاز على مقبرة وامرأة عند قبر تقول هذين البيتين فسمعها فكان ذلك سبب توبته يعني سبب انقطاعه عن الدنيا وأسبابها وانشغاله بالآخرة والاستعداد لها.
وسمع بكر العابد امرأة عند قبر تقولك واعمراه ليت شعري بأي خديك بدأ البلى وأي عينيك سالت قبل الأخرى فخر بكر مغشيا عليه أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب "ذكر الموت".
وروى في كتاب الخائفين عن محمد بن الحسين عن عبد الله بن موسى قال: كان الحسن بن صالح إذا صعد المنارة يعني ليؤذن أشرف على المقابر فإذا نظر إلى الشمس تمور على القبور صرخ حتى يسقط مغشيا عليه فيحمل وينزل به.
وشهد يوما جنازة فلما قرب الميت ليدفن نظر إلى اللحد فارتاع عرقا ثم مال فغشي عليه فحمل على سرير الميت فرد إلى منزله.
وذكر بإسناده عن عيسى بن يونس وذكر الحسين بن صالح فقال: قل ما كنت أجيء في وقت صلاة إلا رأيته مغشيا عليه ينظر إلى المقبرة فيصرخ ويغشى عليه.
وبإسناده عن عمر بن درهم القريعي دخل المقابر وهو معصوب العين وابنه يقوده فوطئ على قبره فقال: يا بني أين أنا.
وروى في الكتاب القبور بإسناد له أن امرأة بالمدينة كانت تزهو فدخلت يوما المقابر فرأت جمجمة فصرخت ثم رجعت منيبة فدخل عليها نساؤها فقلن: ما هذا؟ فقالك بكى قلبي لذكر الموت لما رأيت جماجم أموات القبور ثم قالت: اخرجن من عندي فلا تأتين منكن امرأة إلا امرأة ترغب في خدمة الله - عز وجل - ثم أقبلت على العبادة حتى ماتت.
وبإسناده عن عيسى الخواص أن رجلا من الصدر الأول دخل المقابر فمر بجمجمة بادية من بعض القبور فحزن حزنا شديدا ثم واراها ثم التفت فلم ير إلا القبور،
(1/142)

فحدث نفسه فقال: لو كشفت عن بعضهم فسألته ما رأى قال: فأتي في منامه فقيل له: لا تغتر بتشييد القبور من فوقهم فإن القوم بليت خدودهم في التراب فمن بين مسرور ينتظر ثواب الله عز وجل وبين مغموم آسفا على عقابه فإياك والغفلة عما رأيت فاجتهد الرجل بعد ذلك اجتهاد شديدا حتى مات.
وبإسناده عن جعفر بن سليمان عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: رأى رجل جمجمة إنسان فحدث نفسه بشيء فخر ساجدا نادما مما حدث به نفسه فقيل له: ارفع رأسك فأنت أنت وأنا أنا.
عن جعفر قال: سمعت أبا عمران الجواني يقول: نودي ارفع رأسك فإنك ابن آدم وأنا الله تتوب وأعود إليك فصل.
خرج ابن ماجه والترمذي من حديث هانئ مولى عثمان، قال: كان عثمان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي: وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه" 1.
قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه".
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث البراء بن عازب قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أمر بجماعة فقال علام اجتمع هؤلاء؟ قيل: على قبر يحفرونه قال: فبدى بين يدي أصحابه مسرعا حتى انتهى إلى القبر فجثى عليه قال: فاستقبلته من بيد يديه لأنظر ما يصنع فبكى حتى بل الثرى من دموعه ثم أقبل إلينا فقال: "أي إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا" 2.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن قال: مات أخ لنا فلما وضع في القبر جاء صلة بن أشيم حتى أخذ بناحية الثوب ثم قال:
إن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا أخالك ناحية
__________
1 حسن: أخرجه الترمذي " –ح 2308" وابن ماجة "ح 4267" وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة.
2 أخرجه احمد "4/ 294"، وابن ماجة "ح 4195"، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة.
(1/143)

وبإسناده، عن خالد بن هلالا الوزان قال: قال عبد الله بن رواحة:
لا يغرنك الحياة فقدم ... واحذر إن للقبر شأنا
إن فيه لما يحاذر ذو اللب ... وإن كان ذا نهى أو معانا
إنني موقن با بني عاجل ... قد لبثوا في الأكفانا
فإذا ما وضعت في ظلم إلى ... اللحد ووليت من مكاني مكانا
برجائي البشرة ونور إلا ... لقيتني في القبر سقوه هوانا
وبإسناده عن حجاج الأسود قال: رأيت في منامي كأني دخلت المقابر فإذا أنا بأهل القبور في قبورهم وقد انشقت الأرض عنهم منهم النائم على التراب ومنم النائم على الريحان ومنهم كهيئة المبتسم في نومه ومنهم من قد أشرق لونه ومنهم حائل اللون رب لو شئت سويت بينهم في الكرامة فناداني مناد من ناحية القبور: يا حجاج! هذه منازل الأعمال فاستيقظت من كلمته فزعا فبكيت لما رأيت ذلك في منامي.
وعن سلمة البصري قال: وقف رجل على قبر قد بني بناءا حسنا فجعل يتعجب من حسنه فلما كان في ليلة أتاه آت في منامه فوقف عليه وإذا رجل قد انحت آثار وجهه فقال شعرا:
أعجبك القبر وحسن البناء ... والجسم فيه قد حواه البلاء
فاسأل الأموات عن حالهم ... ينبأك عن ذاك ذهاب الجلاء
قال: ثم ولي فاتبعته فدخل الجبان فأتى ذلك القبر فانساب فيه.
وعن سلمة البصري قال: رأيت مربع بن مسرور العابد في منامي وكان كثير الذكر الله كثير الذكر للموت طويل الاجتهاد قال: كيف رأيت موضعك؟ فقال:
وليس يعلم ما في القبر داخله ... إلا الإله وساكن الأجداث
ثم ولى وتركني.
وبإسناده عن روح بن سلمة الوراق قال: رأيت إبراهيم المجملي في منامي فقلت: في أي الحالات أنت في الآخرة؟ قال: فبكى ثم قال: ما أطول غموم الموتى في
(1/144)

قبورهم قلت: فأنت كيف حالك؟ قال: خير حال سرت إلى رضا الله بفضله علي ومنته قال: وكان إبراهيم قد صام.
وبإسناده عن الرجل يقال له: وسيم قال: حدثتني امرأة من أهلي - عابدة - وكانت أصيبت بابن لها فما ترفأ لها دمعة قالت: فرأيته بعد الحول في منامي كأنه جالس في قبره في أكفانه وقد سقطت في حرفته فقلت: هذا ابني والله فدنوت منه كالفزعة من منظره فقلت: يا بني كيف ترى مكانك؟ فقطب وجهه ثم قال شعرا:
أعجبك القبر وحسن البناء ... والجسم فيه قد حواه البلاء
فاسأل الأموات عن حالهم ... ينبأك عن ذاك ذهاب الجلاء
ثم تمدد في قبره فنظرت إلى خط أسود لبس ثم انزوى ولا رسم، وتطابق القبر قال: فاستيقظت والله وأنا وجله مما رأيت.
وعن الفضل بن مهلهل - أخي الفضل وكان من العابدين - قال: كان جليس لنا حسن التخشع والعبادة يقال له: مجيب وكان من أجمل الرجال فصلى حتى انقطع عن القيام وصام حتى اسود ثم مرض فمات وكان محمدا في منامي بعد موت الحارثي له صديقا ومات محمد قبله قال: فرأيت محمدا في منامي بعد موت مجيب فقلت: ما فعل أخوك مجيب؟ قال: لحق بعمله قلت: فكيف وجهه ذاك الحسن؟ قال: أبلاه والله التراب قال: وقلت: كيف وأنت تقول لحق بعمله؟ قال:
يا أخي علمت أن الأجساد في القبور تبلى وأن الأعمال في الآخرة تحيا قلت: يبلون حتى لا يبقى منهم شيء ثم يجيئون يوم القيامة أي والله يا أخي يبلون حتى يصيرون رفاتا ثم يحييون عند الصيحة كأسرع من اللهم.
وأنشد بعضهم:
ما حال من سكن الثرى ما حاله ... أمسى وقد رثت هناك حباله
أمسى ولا روح الحياة تصيبه ... أبدا ولطف الحبيب يناله
أمسى وقد درست محاسن وجهه ... وتفرقت في قبره أوصاله
واستدلت منه المجالس عبرة ... وتقسمت من بعده أمواله
(1/145)

مازالت الأيام تلعب بالفتى ... والمال يذهب صفوه وحلاله
وروى البراء بإسناده عن الفضيل بن عياض قال: رأيت رجلا يبكي قلت: وما يبكيك؟ قال: أبكاني كلامه قلت: ما هو؟ كنا وقوفا في المقابر فأنشدوا:
أتيت القبور فسائلتها ... أين المعظم والمحتقر
وأين المذل بسلطانه ... وأين القوي إذا ما قدر
ففاتوا جميعا فما مخبر ... وماتوا جميعا ومات الخبر
فيا سائلي عن أناس مضوا ... أمالك فيما ترى معتبر؟
تروح وتغدوا وأبلاك الثرى ... فتمحوا محاسن تلك الصور
وقد روى عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار أنه قال: أتيت القبور فناديتها فذكر الأبيات الثلاثة ثم قال: فهتف بي هاتف:
تفانوا هناك فما من مخبر ... وبادوا جميعا وباد الخبر
فذكر الأبيات الثلاثة أيضا:
وروى ابن البراء أيضا، بإسناده أن قبرا أصيبت عليه هذه الأبيات مكتوبة:
الموت أخرجني من دار مملكتي ... فالتراب مضجعي من بعد ترفي
لله عبد رأي قبري فأعبره ... وخاف من دهره ريب التصاريفي
أستغفر الله من جرمي ومن حنقي ... وأسأل الله فوزي يوم توفيقي
هكذا مصير بني الدنيا وإن نعموا فيها ... وغرهم طول التساويقي
وروى ابن الدنيا بإسناده له أنه قرأ على قبر بشيراز:
ذهب الأحبة بعد طول تودد ... ونأى المزار فأسلموك واتشعوا
خذلوك أفقر ما تكون بغربة ... لم يؤنسوك وكربك لم يدفعوا
قضى القضاء وصرت صاحب ... عند الأحبة عرضوا وتصدعوا
وبإسناده له قال: قرئ على قبر بمقابر البصرة مكتوب:
(1/146)

يا غافل القلب عند ذكر المنيات ... عما قليل ستثوي بين أموات
فاذكر محلك قبل الحلول به ... وتب إلى الله من لهو وملذات
إن الحمام له وقت إلى أحد ... فاذكر مصائب أيام وساعات
لا تطمئن إلى الدنيا وزينتها ... قد حان للموت ياذا اللب أن يأتي
وقرئ على قبر آخر:
ستعرض عن ذكري وتنسى مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل
وقرئ على قبر آخر بالأيلة:
إذا ما نقضت يوما من العيش ... فإن غناء الباكيات قليل
وقرئ على قبر آخر:
الموت بحر غالب موجه ... تضيق فيه حيلة السابح
نفسي إلى قال فاسمع ... مقالة من خير "ناصح"
ما صاحب الإنسان في قبره ... مثل التقى والعمل الصالح
وقرئ على قبر:
بادر شبابك قبل وقت رحيله ... واعمل ليومك يا أخا الأشراف
وقرئ عن قبر بالأيلة:
ليس للميت في قبره ... فطر ولا أضحى ولا عشر
وقرئ على قبره بالأيلة:
أنا البعيد القريب الدار ... منظره بين الجنادل والأحجار
وقرئ على قبر ببعض الفلوات:
رحم الله من بكى لغريب فقد ... غبر القبر فمحى الحسن والصفاء
وقرئ على قبر:
(1/147)

أنا في القبر وحيد قد تبرأ الأهل فقد ... أسلموني لذنوبي خفت إن لم يعف عني
وقرئ على حائط مقبرة:
يا أيها الواقف بالقبور ... بين أناس غيب حضور
قد سكنوا في خرب مغمورين بين الثرى ... وجندل الصخر ينظرون صيحة النشور
ولا تك عن مصيرنا في غفلة ... غدا إلى منزلنا تصير
وفي كتاب العجائب ليشكر الحافظ:
قرئ على قبر بطبرستان مكتوب:
أما ترون محلي غدا تصيرون ... على أبلى التراب شبابي
وكلكم سواء سبيلكم كسبي ... لي سبيل من كان قبلي
ووجد على قبر مكتوب:
وقفت على الأحبة حين صفت ... قبورهم كأفراس الرهان
فلما أن بكيت وفاض دمعي ... رأيت عيناي بينهم مكاني
وقرئ على قبر:
ولقد وقفت كما وقفت ... وقد نظرت فما اعتبرت
حصل لنفسك منزلا ... قبل الحصول كما حصلت
وأوصى بعض الوزراء أن يكتب على قبره:
أيها المغرور في الدنيا بعز يقينه ... وبأهل وبمال وبقصر تبتنيه
كم عليها قد سحبنا ذيل سلطان منيته ... يحسب الأقدار تجري بجلود ترتجيه
إذا طواك الموت طيا ... فاعتبرنا نحن فيه
وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن الحسين حدثني أبو عمر الضمري حدثني عبد الله بن صدقة بن مرداسن البكري عن أبيه عن شيخ حدثه بقرية من بلاد أنطابلس قال: كان ثلاثة إخوة: أمير يصحب السلطان ويؤمر على المدائن والجلوس وتاجر موسر
(1/148)

مطاع من ناحيته وزاهد قد تخلى لنفسه وتخلى لعباده ربه.
قال: فحضرت العابد الوفاة فاجتمع عنده أخواه فقال لهما: إذا مت فغسلاني وكفناني وادفناني على نشز من الأرض واكتبا على قبري:
وكيف يلذ العيش من هو عالم ... بأن إله الخلق لا بد سائله
فيأخذ منه مظلمة لعباده ... ويجزيه بالخير الذي هو فاعله
فإذا أنتما فعلتما ذلك فأتياني كل يوم لعلكما أن تتعظا.
قال: ففعلا ذلك فكان أخوه يركب في جنده حتى يقف على القبر فيقرأ ما عليه ويبكي فلما كان اليوم الثالث وأراد أن ينصرف سمع هدة من داخل القبر كان أن ينصدع لها قبله فانصرف مذعورا فزعا فلما كان من الليل رأى أخاه في منامه فقال له: أي أخي ما الذي سمعت من قبرك؟ قال: تلك هدة المقمعة قيل لي: رأيت مظلوما فلم تنصره فأصبح مهموما فدعى أخاه وخاصته وقال: ما أرى أراد بما أوصى أن يكتب على قبره غيري وإني أشهدكم أن لا أقيم بين ظهرانيكم أبدا.
قال: فترك الإمارة ولزم الكتابة وكتب إلى الملك بن مروان في ذلك فكتب أن خلوه وما أراد فحضرته الوفاة وهو جبل مع بعض الرعاة فبلغ أخاه فأتاه فقال له: إذا مت فادفني إلى جنب أخي واكتب على قبري:
وكيف يلذ من كان موقنا ... بأن المنايا بغتة ستعاجله
فتسلبه ملكا عظيما ... وتسكنه البيت الذي هو أهله
ثم تعاهدني ثلاثة بعد موتي وادع الله لي لعل الله أن يرحمني ومات ففعل به أخوه ذلك فلما كان في اليوم الثالث وأراد أن ينصرف سمع وجبة في قبره كاد أن يذهل عقله فرجع حزينا قلقا فلما كان في الليل إذا بأخيه في منامه قد أتاه قال: قلت له: أي أخي أتيتنا زائرا قال: يا أخي هيهات بعد المزار فلا مزار وأطمأنت بنا الدار قلت: يا أخي كيف أنت؟ قال: بخير ما أجمع التوبة لكل خير.
قال: فكيف أخي؟ قال: ذلك مع الأئمة الأبرار قلت: وما أمرنا وراءكم قال: من قدم شيئا وجده فاغتنم وجدك قبل موتك.
(1/149)

فأصبح أخوه معتزلا ففرق وقسمه وباعه وأقبل على طاعة ربه ونشأ له ابن كأهنا الشباب وجها وجمالا فأقبل على المكاسب والتجارة حتى بلغ منها الغاية وحضرت الوفاة أباه فقال له: إذا مت تذكر القبور والتفكر في أحوالهم.
واكتب على قبري:
وكيف يلذ العيش من هو صائر ... إلى جدث تبلي الشباب منازله
ويذهب حسن الوجه من بعد ... سريعا ويبلى جسمه ومفاصله
(1/150)

الباب الثاني عشر: في استحباب تذكر القبور والتفكر في أحوالهم وذكر أحوال السلف في ذلك
خرج الإمام أحمد والترمذي والحاكم من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استحيوا من الله حق الحياء قالوا: إنا نستحي والحمد لله قال: ليس ذلك ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن يحفظ الرأس وما وعى وأن تحفظ البطن وما حوى ولتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" 1.
وخرج الطبراني نحوه من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك على المنبر والناس حوله وقال فيه: " وليذكر القبور والبلى" فما زال يردد ذلك عليهم حتى سمعهم يبكون حول المنبر.
وخرجه أيضا بنحوه، من حديث الحكم بن عمير عن النبي صلى الله عليه وسلم ويروي نحوه من حديث الحسن مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وخرج الترمذي والحاكم من حديث أسماء بنت عميس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بئس العبد عبد تخيل واختال ونسي الكبير المتعالي بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى بئس العبد عبد سهى ولهى ونسي المقابر والبلى بئس العبد عبد عتى وطغى ونسي المبتدأ والمنتهى بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين بئس العبد عبد يختل الدين بالشبهات بئس العبد عبد طمع يقوده بئس العبد عبد هوى يضله وبئس العبد عبد رغب يذله" 2.
وخرج الطبراني من حديث نعمي بن همار الغطفاني نحوه.
__________
1 أخرجه احمد "1/ 387" والترمذي " ح 2575" والحاكم "4/ 323" والحديث ضعفه شاكر في تحقيق المسند، وحسنه الألباني في صحيح الجامع.
2 ضعيف أخرجه الترمذي "ح 2265" وضعفه الألباني في ضعيف الجامع.
(1/151)

وخرج ابن أبي الدنيا بإسناده عن الضحاك قال: قال رجل: يا رسول الله من أزهد الناس؟ قال: "من لم ينس القبر والبلى وترك فضل الدنيا "الدنية" وآثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد غدا من أيامه وعد نفسه من أهل القبور".
وخرج الترمذي من حديث ابن عمر قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور" وخرجه البخاري أوله1.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي سريج الشامي قال: قال عمر بن عبد العزيز لرجل من جلسائه: يا فلان قد أرقت الليل متفكرا قال: فيما يا أمير المؤمنين؟ قال: في القبر وساكنه لو رأيت الميت بيتا تجول فيه الهوام ويجري فيه الصديد وتخترقه الديدان مع تغير الرائحة وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الرائحة ونقاء الثوب قال: ثم شهق خر مغشيا.
وعن محمد بن كعب القرظي قال: بعثت إلى عمر بن عبد العزيز فقدمت إليه فأدمت النظر إليه فقال: يا ابن كعب إنك لتنظر إلي نظرا ما كنت تنظره إلي بالمدينة قلت: أجل يا أمير المؤمنين يعجبني ما حال من لونك وما حال من جسمك قال: فيكيف بك يا ابن كعب لو رأيتني بعد ثالثة في القبر وقد ثبتت عيناي على وجنتي وخرج الصديد والدود من منخري لكنت لي أشد نكرة.
وعن وهب بن الورد قال: بلغنا أن رجلا فقيها دخل على عمر بن عبد العزيز فقال: سبحان الله كأنه تعجب من أمره الذي هو عليه وقال له: تغيرت بعدنا! فقال له: وتبينت ذلك فعلا؟ فقال له: الأمر أعظم من ذلك فقال له: يا فلان فكيف لو رأيتني بعد ثلاث وقد أدخلت قبري وقد خرجت الحدقتان فسالت على الخدين وتقلصت الشفتان عن الأسنان وانفتح الفم ونتأ البطن فعلا الصدر وخرج الصديد من الدبر.
وعن شيبة ابن أبي حمزة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض مدائن الشام: أما
__________
1 الحديث أخرجه البخاري "ح 6416" دون جملة "وعد نفسك من أصحاب القبور" وأخرجه بتمام احمد في المسند "2/24"، والترمذي في السنن "ح 2333"، وابن ماجه في السنن "ح 4114" وصحح إسناد الزيادة العلامة أحمد شاكر في تحقيق المسند "4/389" ط دار الحديث.
(1/152)

بعد فكم للتراب في جسد ابن آدم من مأكل وكم للدود فيه من طريق مخترق وإني أحذركم ونفسي - أيها الناس - العرض على الله عز وجل.
وروى أبو نعمي الحافظ بإسناده أن عمر بن عبد العزيز شيع مرة جنازة من أهل ثم أقبل على أصحابه ووعظهم فذكر الدنيا فذمها وذكر أهلها وتنعمهم فيه وما صاروا إليه بعدها من القبور فكان من كلامه أنه قال: إذا مررت بهم فنادهم إن كنت مناديا وادعهم أن كنت داعيا ومر بعسكرهم وانظر إلى تقارب منازلهم سل غنيهم: ما بقي من غناه؟ وسل فقيرهم: ما بقي من فقره؟ واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون وعن الأعين التي كانوا للذات بها ينظرنه وسلهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنع بها الديدان تحت الأكفان وأكلت اللحان وعفرت الوجوه ومحت المحاسن وكسرت الفقاره وبانت الأعضاء ومزقت الأشلاء وأين حجابهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم؟ وجمعهم وكنوزهم؟ وكأنهم ما وطئوا فراشا ولا وضعوا هنا متكا ولا غرسوا شجرا ولا أنزلوهم من اللحد قرارا أليسوا في منازل الخلوات؟ أليس الليل والنهار عليهم سواء؟ أليسوا في مدلهمة ظلماء؟ قد حيل بينهم وبين العمل وفارقوا الأحبة وكم من ناعم وناعمة أضحوا ووجوههم بالية وأجسادهم من أعناقهم بائنة أوصالهم ممزقة وقد سالت الحدق على الوجنات وامتلأت الأفواه دما وصديدا ودبت دواب الأرض في أجسادهم ففرقت أعضاءهم ثم لم يلبثوا إلا يسيرا حتى عادت العظام وميما فقد فارقوا الحدائق وصاروا بعد السعة إلى المضائق قد تزوجت نساؤهم وترددت في الطرق أبناؤهم وتوزعت القرابات ديارهم وقراهم فمنهم والله الموسع له في قبره الغض الناظر فيه المتنعم بلذته يا ساكن القبر غدا ما الذي غرك من الدنيا؟ أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد؟ وأين ثمارك الينعة؟ وأين رقاق ثيابك؟ وأين طيبك ونحورك؟ وأين كسوتك لصيفك لشتائك؟ أما رأيته قد زل به الأمر فما يدفع عن نفسه دخلا وهو يرشح عرقا ويتلمظ عطشا يتقلب في سكرات الموت وغمراته جاء الأمر من السماء وجاء غالب القدر والقضاء هيهات: يا مغمض الوالد والأخ والولد وغاسله يا مكفن الميت ويا مدخله في القبر وراجعا عنه ليت شعري بأي خديك بدأ البلى يا مجاور الهلكات صرت في محله الموت ليت شعري بأي خديك بدأ البلى يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموت ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا وما يأتيني بهمن رسالة ربي.
ثم انصرف فما عاس بعد ذلك إلا جمعة.
(1/153)

وقد روى عنه من جوهد متعددة أنه قال في آخر خطبة خطبها - رحمة اله عليه: ألا ترون أنكم في أسلاب الهاليكن ثم يرمها بعدكم الباقون كذلك حتى يرد إلى خير الوارثين وفي كل يوم تشيعون غاديا ورائحا قد قضى نحبه فتودعونه وتدعونه في صدع من الأرض غير ممهد ولا موسد قد فارقه الأحباب وخلع الأسباب وسكن التراب وواجه الحساب غنيما عما خلف فقيرا إلى ما قدم.
وكان ينشد هذه الأبيات:
من كان حين تصيب الشمس جبهته ... أو الغبار يخالف الشين والشعثا
ويألف الظل كي تبقى بشاشته ... فكيف يسكن يوما راغما جدثا
في ظل مقبرة غبراء مظلم ... يطيل تحت الثرا في غمه اللبثا
تجهزي بجهاز تبلغين به ... يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا
وروى ابن أبي الدنيا أن محمد بن واسع دخل على بلال بن أبي بردة فسأله عن القدر فقال له: جيرانك من أهل القبور فكر فيهم فإن فيهم شغلا عن القدر.
وعن مغيث الأسود الزاهد قال: زوروا القبور كل يوم تفكركم.
وقال النضر بن المنذر لإخوانه: زوروا الآخرة بقلوبكم وشاهدوا الموقف بتوهمكم وتوسدوا القبور بقلوبكم واعملوا أن ذلك كائن لا محالة فاختار لنفسه ما أحب من المنافع والضرر.
وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت مضر بن عيسى يقول: رحم الله قوما زاروا إخوانهم بقلوبهم في قبورهم وهم قيام في ديارهم يشيرون إلى زيارتهم بالفكر في أحوالهم.
وعن عبد الله بن المبارك: مر برجل راهب عند مقبرة ومزبلة فناداه فقال: يا راهب إن عبدك كنزين من كنوز الدنيا لك فيها معتبر: كنز الأموال وكنز الرجال.
وقال ابن أبي الدنيا ثنا محمد الصبغي قال: انتفض غنام بن علي يوما وهو مع أصحابه فقال له بعضهم: ما الذي أصابك؟ قال: ذكرت اللحد.
قال: وحدثنا محمد بن أحمد قال: قال هسام الدستوائي: ربما ذكرت الميت إذا
(1/154)

كفن في أكفانه فأعظ نفسي.
ومما يروى لابن المبارك:
إن الذي دفن الأباعد ... والأقربين صاعدا فصاعدا
عساك يوما تذكر الملاحدا ... يا من يرمي أن يكون خالدا
شربت فاعلمه حديدا باردا ... لا بد تلقى طيبا وزائدا
قال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن:
ليبك لأهوال القيامة من بكى ... ولا تنسين القبر يوما ولا البلى
كفى حزنا يوما ترى فيه مكرما ... كرامته أن يرتدوا جسمه الثرى
(1/155)

الباب الثالث عشر: في ذكر كلمات منتخبه من كلام السلف الصالح في الإتعاظ بالقبور وما ورد عنهم من ذلك من منظور ومنثور
قال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: كان أبو بكر الصديق يقول في خطبته: أين الوضاءة الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم الذين كانوا لا يعطون الغلبة في مواطن الحرب أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان قد تضعضع بهم وصاروا في ظلمات القبور، الوحا الوحا، النجا النجا.
وروى ابن أبي الدنيا عن الحسن أنه مر به شاب وعليه بردة له حسنة فقال: ابن آدم معجب بشبابه معجب بجماله كأن القبر قد وارى بدنك وكأنك لاقيت عملك ويحك ذا وقلبك فإن حاجة الله إلى عبادة صلاح قلوبهم.
وعن عبد الله بن العيزار قال: لابن آدم بيتان: بيت على ظهر الأرض وبيت في بطن الأرض فعمد للذي على ظهر الأرض فزخرفه وزينه وجعل فيه أبوابا للشمال: وأبوابا للجنوب وصنع فيه ما يصلحه لشتائه وصيفه ثم عمد إلى الذي في بطن الأرض فأخربه فأتى عليه آت فقال: أرأيت هذا الذي أراك قد أصلحته كم تقيم فيه؟ قال: لا أدري قال: فالذي قد أخربته كم تقيم فيه؟ قال: فيه مقامي قال: تقر بهذا على نفسك وأنت رجل يعقل!
وعن الحسن قال: يومان وليلتان لم تسمع الخلائق بمثلهن قط:
ليلة تبيت مع أهل القبور ولم تبت ليلة قبله وليلة صبيحتها يوم القيامة ويوم يأتيك البشير من الله تعالى إما بالجنة أو النار ويوم تعطى كتابك إما بيمنك وإما بشمالك.
وعن عمر بن ذر أنه كان يقول في مواعظه: لو علم أهل العافية ما تضمنته القبور من الأجساد البالية لجدوا واجتهدوا في أيامهم الخالية خوفا من يوم تتقلب في القلوب
(1/156)

والأبصار.
وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: القبر منزل بين الدنيا والآخرة فمن نزله بزاد وارتحل به إلى الآخرة إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
وعن الحسن قال: أوذنوا بالرحيل وجلس أولهم على آخرهم وهم يلعبون وقال رجل لبعض السلف: أوصني قال: عسكر الموتى ينتظرونك.
وكان أبو عمران الجوني يقول: لا يغرنكم من ربكم طول النسية وحسن الطلب فإن أخذه أليم شديد حتى تبقى وجوه أولياء الله بين أطباق التراب إنما هم محبوسون لبقية آجالكم حتى يبعثهم الله إلى جنته وثوابه.
وعن محمد بن واسع قال: كل يوم ينتقل منا إلى المقابر ثلاثة وكأنك بهذا الأمر قد عم أحزانا حتى يلحق منا ولنا.
شهد الحسن جنازة فاجتمع عليه الناس فقال: اعملوا لمثل هذا اليوم - رحمكم الله - فإنما هم إخوانكم يقدمونكم وأنتم بالأثر أيها المخلف بعد أخيه إنك الميت غدا والباقي بعد والميت في أثرك أولا بأول حتى توافوا جميعا قد عمكم الموت واستويتم جميعا في كربة وعصصة ثم تخليتم إلى القبور ثم تنشرون جميعا ثم تعرضون على ربكم - عز وجل.
وقال صفوان بن عمرو: ذكروا النعيم فسموا أناسا فقال رجل: أنعم الناس أجسادا في التراب قد أميت وبقي ينتظر الثواب.
وقال مسروق: ما من بيت خير للمؤمن من لحده قد استراح من أمر الدنيا أو من عذاب الله.
وقال بشر بن الحارث: نعم المنزل القبر لمن أطاع الله.
وقال الفضل بن غسان: مر رجل بقبر محفور فقال: المقيل للمؤمن هذا.
وقال: ونظر رجل إلى القبر فقال: أصبح هؤلاء زاهدين فيما نحن فيه راغبون.
وعن عقبة البزار قال: رأى أعرابي جنازة فأقبل يقول: هنيئا يا صاحبها.
فقلت: علام تهنئه؟! قال: كيف لا أهنئ من يذهب له إلى حبس جواد كريم نزله
(1/157)

عظيم عفوه جسيم قال: كأني لم أسمع القول إلا تلك الساعة
قال ابن أبي الدنيا: ثنا أبو مالك البجلي عن أبي معاوية قال: ما لقيني مالك بن مغول إلا قال لي: لا تغرنك الحياة واحذر القبر إن للقبر شأنا.
قال: وحدثنا أحمد بن محمد الأزدي ثنا خالد بن أحمد بن أسد قال: أخذت بيدي علي بن جبلة يوما فأتينا أبا العتاهية فوجدناه في الحرم فانتظرناه فلم يلبث أن جاء فدخل عليه إبراهيم بن مقاتل بن سهل: - وكان جميلا فتأمله أبو العتاهية وقال متمثلا:
يا حسان الوجوه سوف تموتون ... وتبلى الوجوه تحت التراب
فأقبل علي بن جبله فقال:
اكتب يا مربي شبابه للتراب ... سوف يأكل البلى بعض الثياب
يا ذوي الوجوه الحسان المصونات ... وأجسامها الغضاض الرطاب
أكثروا من نعيمها أو أقلوا ... سوف تهدونها لعفر التراب
فقال أبو العتاهية: قل يا خالد قلت: معك ومع أبي الحسن قال: نعم فقلت:
يا مقيمين رحلوا للذهاب ... أشفير القبور وحطوا الركاب
نعموا الأوجه الحسان ... فما صونكموها إلا بعفر التراب
والبسوا ناعم الثياب ... ففي الحفر تعرون من جميع الثياب
قال: وحدثني محمد بن خلف، قال: سمعت أبي، قال رجعنا من بيت مع ابن السماك، فأنشأ ابن السماك يقول:
تمر أقاربي جنبات قبري ... كأن أقاربي لا يعرفوني
وذووا الأموال يقتسمون مالي ... ولا يألون إن جحدوا ديوني
قد أخذوا سهامهم وعاشوا ... فبالله ما أسرع ما نسوني
قال: وأنشدني أبو جعفر القرشي:
(1/158)

تناجيك أجداث وهن سكوت ... وساكنها تحت التراب خفوت
يا جامع الدنيا لغير بلاغه ... لمن تجمع الدنيا وأنت تموت؟
قال وأنشدني من قوله:
أما ترى الموت ما ينفك مختطفا ... من كل ناحية نفسا ينجو بها
قد بغضت أملا كانت تؤمله ... وقام في الحي ناعيها وباكيها
وأسكنوا الترب تبلى فيه أعظمهم ... بعد النضرة ثم الله يحييها
وصار ما جمعوا فيها وما ادخروا ... بين الأقارب يحويه أدابيها
فاختر لنفسك من أيام مدتها ... واستغفر الله لما أسلفته فيها
ولما انصرف الناس من جنازة داود الطائي رحمه الله أنشد ابن السماك رحمه الله:
انصرف الناس إلى دورهم ... وغودر الميت في رمسه
مرتهن النفس بأعماله ... لا يرتجي الإطلاق من حبسه
لنفسه صالح أعماله ... وما سواها فعلى نفسه
قف بالمقابر وانظر إن وقفت بها ... لله درك ماذا تستر الحفر
ففيهم لك يا مغرور موعظة ... وفيهم لك يا مغتر معتبر
قال أبو العتاهية:
رويدك ياذا القصر في شرفاته ... فإنه عنه تستحب وتدعج
ولا بد من بيت انقطاع ووحشة ... وإن غرك البيت الأنيق المبهج
وقال بعضهم:
كم ببطن الأرض ثاو من وزير وأمير ... وصغير الشأن وعبد خامد الذكر حقير
شملت قبور القوم في يوم قصير ... ولم تعرف غنيا من فقير
وقال بعضهم:
تقدمين تزودا قريبا من فعالك ... إنما قرين الفتى في القبر ما كان يفعل
إن كنت مشغولا بشيء فلا يكن ... بغير الذي يرضي الله تشتغل
ما صاحب الإنسان من بعد موته ... إلى قبره إلا الذي كان يعمل
إنما الإنسان ضيف لأهله ... يقيم قليلا عندهم ثم يرحل
تم الكتاب بحمد الله، وحسن توفيقه، في خامس عشر شهر ربيع الآخر، سنة أحدى وخمسين وثمان مائة، على يد العبد الفقير إلى الله تعالى، أحمد بن محمد، الشهير بابن القطعة الحنفي، غفر الله له ولجميع المسلمين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(1/159)