Advertisement

ركائز الإيمان بين العقل والقلب



الكتاب : ركائز الإيمان بين العقل والقلب
المؤلف : محمد الغزالي
الناشر : دار نهضة مصر
الطبعة : الأولي مقدمة لست مستريحا لحاضر الثقافة الإسلامية، ولا مطمئنا على مستقبلها. فهى- فيما أرى- لا تعطى صورة دقيقة ولا كاملة للإسلام، كما جاء فى الكتاب الكريم والسنة الصحيحة، وكما سار به الأسلاف العظام فى أرجاء الأرض، فتحولت بهم إلى ربيع مزهر وحياة نابضة. هذه الثقافة لا تزال تحمل فى أطوائها صورة مجتمعات إسلامية معتلة وقضايا فكرية وعاطفية جديرة بأن توح فى المتاحف، لا أن تدفع إلى دنيا الناس. ومع احتواء الثقافة الإسلامية على ذلك التراث الثقيل، فهى خالية وفقيرة من العناصر التى تكون المسلم القدير على مواجهة ذلك العصر وأحداثه، وعلى استبطان مقادير من اليقين والحماسة والرشد والبصيرة تجعله ينطلق فى كل ميدان، ويمد رسالته إلى كل أفق. قد تقول: بين ظهرانينا كتاب الله وقد تأذن بحفظه- جل جلاله. ومعالم السنة، وهى كذلك قد ظفرت بصيانة فريدة. ومادام المسلمون يتوارثون هذه الكنوز، فلن يخشى عليهم زيغ ثقافى، ولا محل لهذا التشاؤم الذى خامر فؤادك. وأقول: إن وجود هذه الكنوز بيننا لا يغير مما ذكرت. فإن للبترول منابع ثروة فى بعض البلاد الإسلامية ومع ذلك فهم لم يحسنوا استخراجه، ولا بناء ناقلاته، ولا إدارة الآلات به. وللقطن حقول فيحاء ومع ذلك لم يحسنوا نسيجه، ولا إبداع مصانعه، ولا تزويق ألوانه. إن المهم ليس وجود الكنوز المادية والأدبية، وإنما المهم وجود البشر الذين يفيدون منها.
ص _006
(1/1)

وقد أمكن إيجاد محطات تذيع القرآن كله بين عشية وضحاها، فامتلأ الجو بأصوات الوحى التى تذهب بددا، لأن الأمة السامعة فى واد آخر. والثقافة التى تشرح الإسلام لهذه الأمة، وتربطها به، لا تضىء فكرا غامضا، ولا تهدى قلبا حائرا، ولا تثبت قدما وجلة!. وعندما أنظر إلى الكتب الدينية المتداولة بين الجماهير أجد فيها القليل النافع، وأجد إلى جانبه الغثاء التافه بل الداء العضال . ومن هنا فإنى مرة أخرى أؤكد قلقى لحاضر الثقافة الإسلامية ومستقبلها، وأهيب بأولى الألباب من المؤمنين أن يتداركوا هذه الحال حتى يمكن تكوين أجيال صالحة تكون أوعى لدينها، وأبصر بمطالبه وأقدر على خدمته، وأمضى فى نصرته من اتباع المذاهب والنحل التى زحمت الدنيا الآن، وشغلتها بباطل لا آخر له.. وقد جرت عادتنا أن نمسح عيوبنا فى الاستعمار الحديث، وأن نرد إليه ما أصابنا من كوارث عامة. ونحن نعلم أن الاستعمار مزق الأمة الإسلامية شر ممزق، وأغرق ثقافتها الذاتية فى طوفان من غزوه الذكى المنظم. وجعل العالم الإسلامى فرقا ينكر بعضها بعضا. فالمسلم فى القاهرة أو دمشق أو بغداد شخص تائه، لا يعرف منبته الروحى العريق ولا يحس أواصر القربى بينه وبين المسلمين الذين يحيون على شواطىء المحيطين: الأطلسى والهادى. ونحن نعرف ما صنع الاستعمار الحقود بتراثنا الثقافى والسياسى معا. إلا أننا يجب أن نلوم أنفسنا، لا أن نلقى باللائمة على الآخرين.. إن هذا الاستعمار كان نتيجة طبيعية لابد منها لأمة جهلت نفسها، واستقلت تكاليف اليقظة والسعى!. أمة حولت ثقافتها إلى ثرثرة لفظية، وتقاليد بالية، فما زالت تتخلف فى المضمار العالمى الرحب حتى سبقها غيرها سبقا بعيدا. ص _007
(1/2)

إننا فعلنا بأنفسنا أكثر مما فعله الاستعمار بنا.. ومن العجز أن نلقى تبعات هزائمنا على خصومنا! ومن حق الاستعمار أن يقول لنا: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم". لقد سألت نفسى يوما: كم كتابا ألف فى كارثة الأندلس ، وسبب ضياع الإسلام منها؟. فكان الجواب مفزغا!. وسألت نفسى: للمسلمين (جهاز) فكرى أو روحى أو سياسى يحسب أرباحهم وخسائرهم مع سير القرون واطراد الزمان ، ويشخص العلل ، ويرصد التجارب ، ويحصى النتائج!. فكان الجواب مفزعا!. لطالما قلت: إن العالم الإسلامى أشبه ما يكون بشخص أصيب بفقدان الذاكرة ، فهو لا يدرى شيئا عن ماضيه الرائع؟. على أن التساؤل يجب أن يتجه إلى ما هو أدنى من ذلك وألصق بحقيقة هذه الأمة.. إن هناك مئات الكتب فى التفسير والحديث والأدب والتاريخ مخلوطة بسموم ناقعة ، وخرافات سمجة تتداولها ألوف الأيدى ، ويقرؤها من يعى ، ومن لا يعى. أما كان هناك "جهاز" غيور حصيف يتتبع هذه الأباطيل فإن لم يستطع إزالتها من مواضعها ، وضع ألف علامة حمراء للتحذير منها ، والتنبيه إلى دخلها وفسادها؟. لقد كثرت هذه الكتب السفيهة الزائغة حتى غلبت الثقافة الدينية الصحيحة ، فلا عجب إذا وجدنا الأجيال المتأخرة من المسلمين ، خلال القرون الأخيرة- أعنى من مئات السنين- يسيرون متعثرين لا تشدهم وجهة ، ولا تدفعهم قوة ، لأن الثقافة التى صنعتهم لا تنتج إلا نفوسا خاملة وعقولا شائهة. هناك إيمان ضرير لا يبصر الحياة ، ولا تسحره عجائبها ، ولا تستهويه أسرارها!. هذا الإيمان يمكن أن تنسبه إلى أى مصدر غير القرآن الذى يخلق الإيمان البصير ، لا الضرير.. لإيمان الذى ينمو ، ويقوى بالتأمل فى الكون ، ومطالعة آياته ، والتعرف على خفاياه. ص _008
(1/3)

هناك إيمان جبان قاعد قد يفر إلى صومعة ، أو يحيا داخل قوقعة ، لا يجرؤ على الضرب فى أرض ، ولا يستطيع مغالبة الأنواء. هذا الإيمان تستطيع أن تنسبه إلى أى مصدر إلا كتاب الله الذى قذف بالمسلمين فى كل فج ، ومن ورائهم هذا النداء: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون). هناك إيمان ذليل يعيش فى كنف المبادئ الأخرى، أو يعيش على الفتات الملقى منها. هذا الإيمان لا يستقيم مع منطق صاحب الرسالة الذى جعل اليد العليا خيرا من اليد السفلى، وجعل المسلم يعطى، ولا يأخذ. فأين من ذلك مسلمون تكرههم أوضاعهم إكراها على الانحناء والهوان؟. إن وظيفة الثقافة فى خلق الفرد السليم، والأمة الراشدة، لا يمكن المراء فيها. وثقافتنا الإسلامية القديمة تحتاج إلى تمحيص ينفى منها، ويثبت على ضوء الكتاب المعصوم والسنة الثابتة. ثم لا بد من نقد عليم برىء للطريقة التى سار بها العالم الإسلامى من قرون خلت فى المعترك العالمى، ومحاكمة لهذه الطريقة من الناحيتين العلمية والعملية دون تهيب للساسة أو للعوام. فإن الحق أكبر من هؤلاء وأولئك! ووجه الله أبقى على كل حال. لقد مرت با لإسلام أربعة عشر قرتا حافلة بالشدة والرخاء، والانتصارات والهزائم. وهو الآن بعد هذا التاريخ الطويل يواجه أياما حاسمة.. فإما اجتازها، ومضى مسدد الخطو، نبيل المقصد، يهب للدنيا رشدها وخيرها.. وإما انتكس به أهله، وخانوا أماناته، فكانت ا لأخرى.. لا قدر الله. وفى مثل هذه الأيام العصيبة نهيب مرة ثالثة، بأولى الألباب أن يهتموا بدور الثقافة فى إبراء الأكمه والأبرص. * * * لقد ألفت كتب حسنة فى هذا العصر لخدمة الإسلام وتجلية تعاليمه. ص _009
(1/4)

وأحسب أن لنا فى هذا الميدان بعض الجهد الذى نأمل فى جدواه. وقد أبلى زملاؤنا، من العرب والهنود وغيرهم، بلاء حسنا فى إخراج كتب جديدة سدت ثغرات علمية كثيرة، ولكن الأمر أوسع وأخطر من أن تجدى فيه هذه الجهود المحدودة. إن الشباب الذين نستعيدهم لحظيرة الدين، لا يعترضهم أحد عندما يقرءون الكتب الدينية القديمة فى العقيدة والتصوف والفقه. إلا أننا نلقاهم بعد قليل وقد علقت بأذهانهم أفكار سقيمة عن القدر، والتوكل، وآيات الصفات، وجدلى المتكلمين الأوائل، ومزالق المتصوفين المنحرفين، وصور الفقه المذهبى، وغير ذلك مما يضر ولا ينفع. والعلماء المتخرجون فى المعاهد الإسلامية الكبيرة يملكون-للأسف - ثروة مشوشة من هذا التراث المختلط.. فهم يعرضون مع الإسلام بلايا ذهنية ورزايا نفسية، تؤخر أكثر مما تقدم. ولا تزال عقول بعض المتدينين فى عصرنا هذا مشحونة أو متأثرة بقضايا أثارها طول الفراغ ، أو الترف العقلى أيام العباسيين والمماليك. ولقد قمت بوضع هذا الكتاب للناس مستهدفا أمرين: ا- إثارة العقل والضمير بأشعة الوحى، ومعالم النبوة، متحريا الحق جهدى، ومتلقفا الحكمة حيثما وجدت، وماحيا الشبهة فى صمت ما استطعت. 2- تبديد الغيوم التى تراكمت خلال قرون الضعف فى تاريخنا، وتوقيف القراء على خبيئها حتى لا يضطربوا إذا عرضت لهم يوما. وقد سبق أن قمت بقريب من هذا الجهد فى كتابى "الجانب العاطفى فى الإسلام " وإن كان البحث هنا أطول نفعا، وأوسع رقعة.. وأعتقد أن خدمة الثقافة الإسلامية لا تزال مجالا قليل الرواد كثير الأعداء. مع أن حالة المسلمين تستدعى جهود العشرات والمئات من المفكرين المخلصين. محمد الغزالى ص _011
(1/5)

مع الباحثين عن الحق الدراسات الإنسانية التى ازدهرت فى عصرنا هذا جديرة بالحفاوة والتدبر. وكلما اعتمدت على المنطق العقلى، والملاحظة العلمية، شدت إليها انتباهنا، واستقبلنا نتائجها بمزيد من يقظ الحس والفكر، لأنها ستزودنا بحصيلة من الحقائق المحترمة والثمرات الطيبة.. وما تزكو نفس، ولا ترقى جماعة، إلا بمدى ما تحرزه من الحقائق المعنوية والمادية.. وما يشقى الناس، ويضلون، إلا لاستحواذ الأوهام عليهم، وانطلاقهم فى الحياة على غير هدى.. ونحن نرجح أن جمهرة البشر تفعل ما تفعل، وتترك ما تترك عن اقتناع شخصى بصحة مسلكها، بل قد ترى أن الصواب هو ما تعرف وتألف، وأن الخطأ هو ما يصنعه الآخرون!. وثم أعذار تكتنف هذه النظرة الخاصة، وتسوغ حيفها فى بعض الأحيان.. فإن التدين من أعظم دعائم السلوك الإنسانى، ولكن المرء لا يختار ابتداء الدين الذى يسير وفق تعاليمه!.. إن البيئة التى ولد فيها هى التى تزوده بأركان هذا الدين، وتوثق به مشاعره. ثم ينمو الإنسان- بعد- وينمو عقله وإدراكه لما عنده وعند غيره. وحينئذ يبدأ جهدا عقليا صامتا للمواءمة بين ما ورث، وبين استقلاله الفكرى الواجب!. ويغلب فى هذه الأحوال أن يقر ما انحدر إليه عن أسرته وقومه، فلن يعدم فيه جوانب خير تغرى بقبوله واحترامه، ولن يعدم عند الآخرين مظاهر نقص تجعله يصد عنهم، ويرى ما ورثه أحظى بالاستبقاء والرعاية. ص _012
(1/6)

وأغلب الناس فى كل زمان ومكان من هذا القبيل. وعندما يثور عراك نفسى على شىء من الشدة، فإن الإنسان- كى يبقى مكانه- يضاعف إحساسه بما لديه من خير، موهوم أو حقيقى ، ويضاعف إحساسه بما عند الآخرين من شر ، موهوم أو حقيقى كذلك. ثم يظل على عقيدته ومنهجه لا يريم. "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم". ومن هنا امتلأت الأرض بأصحاب الملل والمذاهب المتناقضة. ويبقى بعد ذلك أن نتساءل: هل الحق هو وجهة النظر التى تكونها الوراثات والبيئات مهما كانت أثيرة لدى أصحابها ومبرأة من كل عيب؟ والإجابة السريعة لا!.. فما أكثر النقائض فى هذه الوجهات المتباينة. إن الإلحاد يعد جريمة فى بلد قد تؤخر مرتكبها، وتسقط منزلته، وهو فى بلد آخر طريق التصدر واحتلال المكانة الرفيعة!. ويستحيل أن يكون كلا الموقفين سليما. وكم من مسىء خدعته نفسه، فظن القبيح حسنا، واستنبطه عقيدة، ودعا إليه مذهبا، ومضى فى دروب الحياة يظهر به ويقاوم ما عداه؟!.. بمواريثها وتدبر قول الله جل شأنه: "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه". والعلاج الأنجع لهذا التفاوت الشائع بين منازع الخلق وغاياتهم، هو تمكين الأفكار والمشاعر أن ترى ما لدى الآخرين، وأن تعرفه على مهل. - نعم، يجب أن تتحطم جدران السجون التى يعيش فيها كثير من الناس، فلا يرون إلا ما هم فيه. وتخفيفا لضراوة هذا الخلاف، وتيسيرا على النفوس الموقرة ص _013
(1/7)

المتناقضة، يجب أن تتاح فرص كثيرة للدراسات النظرية التى تجعل "الإنسان " موضوعها الفذ. إن هذه الدراسات وخصوصا القائمة على المنطق التجريبى والاستدلال! العقلى، ينبغى أن نعيرها اهتماما زائدا، وأن نتوصل بها إلى إثبات الإيمان الحق. وهناك علماء كبار أولوا هذا الموضوع ما يستحق من عناية، وألفوا فيه كتبا قيمة... وكتاب "الإنسان ذلك المجهول "، لى "أليكسس كاريل " من أعظم الجهود البشرية فى ذلك المجال. إنه وقفة من الإنسان المعاصر، ليتأمل فى نفسه على ضوء التقدم العلمى الساحر الذى بلغه، وليضبط خطواته، وهو يجتاز الحاضر إلى المستقبل، مستفيدا من التجارب الحصيفة والمعارف الخصبة التى أتيحت له، وناقدا الأخطاء التى تسربت إلى مسيره على امتداد الحياة من حيث يدرى ، ولا يدرى. والإنسان كائن عظيم حقا، ولكنه فى غاية التعقيد كما يقول المؤلف "وليس من اليسير الحصول على عرض بسيط له، وليست هناك طريقة لفهمه فى مجموعه، أو فى أجزائه فى وقت واحد، كما لا توجد طريقة لفهم علاقاته بالعالم الخارجى". إن أشتات العلوم والفنون التى يستعان بها على فهم الإنسان، قد تلم بجوانب منه، بيد أنها لن تبلغ غوره، وسوف تبقى- بعد مباحثها الكثيرة- فضيلة عظيمة صلبة لا يمكن تجاهلها. وقد تكون هذه الفضيلة الأخيرة متصلة بأعماق الروح، وأبعاد العقل. إن الإنسان- كما هو معروف للإخصائيين- أبعد من أن يكون ذلك الشبح الجامد!.. وربما تلاقت جهود شتى على إبراز ملامحه النفسية والفكرية... فهل استطاعت تلك الجهود أن تسكنه طبيعة الإنسان؟. كلا! لقد عرفنا شيئا لا بأس به عن كياننا المادى: نر إنه عبارة عن المواد الكيميائية التى تؤلف الأنسجة وأخلاط الأجسام. نر إنه تلك الجمهرة المذهلة من الخلايا والعصارات المغذية التى درس الفسيولوجيون - علماء وظائف الأعضاء- قوانينها العضوية. نر إنه ذلك المركب من العضلات والشعور الذى يحاول علماء الصحة والمعلمون أن يقودوه إلى
(1/8)

الدرجات العليا فى أثناء نمو، مع الزمن. ص _014
ثم يتحدث المؤلف عن الإنسان عندما يعلو ويهبط فيقول: ".. إنه ذلك الكائن الحى العالمى الذى يجب أن يستهلك، من غير انقطاع، السلع التى تنتجها المصانع، حتى يمكن أن تظل الآلات التى جعل لها عبدا دائرة بلا توقف.. ولكنه قد يكون أيضا شاعرا أو بطلا أو قديسا. إنه ليس فقط ذلك المخلوق الشديد التعقيد الذى تحلله فنوننا العلمية، لكنه أيضا: تلك الميول والتكهنات، وكل ما تنشده الإنسانية من طموح ". وروعة الكيان الإنسانى لفتت مفكرينا من قديم وجعلتهم - على طريقتهم النظرية - ينوهون بها، ويومئون إلى أسرارها إيماء المبهور بما وراءها. وإنك بعد أن تعى كلمات "ألكسيس كاريل " عن الإنسان تقرأ هذه الأبيات لى "العز بن عبد السلام " الصوفى، فتجد أن النظرة واحدة والتقدير متساوى وإن اختلف التصوير على اختلاف العصور. قال العز: إذا كنت تقرأ علم الحروف فشخصك لوح به أسطر وتمثال ذلك أتموذج لكل الوجود لمن يبصر حروف معانيك لا تنجلى لذى الجهل كلا ولا تظهر ومن يك غرا بأسرارها فمعروفها عنده منكر إذا كان جسمك جسما صغيرا ففيك انطوى العالم الأكبر فلا ذرة منك إلا غدت بها يوزن الكون بل اكثر ولا قطرة منك إلا وفى ينابيع أسرارها أبحر وكل الوجود إذا قسته إليك فذاك هو الأصغر وما فيه من عرض حاضر يزول وأنت به جوهر فأنت الوجود وكل الوجود ما فى وجودك لا يحصر ص _015
(1/9)

ولسنا بصدد إحصاء النصوص الإسلامية التى تعلى مكانة الإنسان، وترفع قدره.. فإن غرضنا تتبع الكفاح الإنسانى فى هذا المضمار، مقارنا بالتوجيه الدينى. ومن الملاحظ أن الدراسات الإنسانية تجيد وصف الإنسان، ومتابعة نشاطه المادى والمعنوى متابعة دقيقة. ويمتاز العصر الحديث بأنه تخلص من الطرق العقيمة التى سارت عليها الفلسفات القديمة فى فهم الإنسان، وطبيعة وجوده، وغايته من الحياة. وأنه اعتمد على أسلوب علمى رائع اقترب به من الواقع، وابتعد به عن الحدس. ومن هنا نستطيع القول دون مخاطرة: إن هذه الدراسات تقرب الناس من الدين، لأنها تقربهم من الفطرة. وعندما ينتفى من الحياة الإنسانية الوهم والعوج، فلن يبقى إلا شىء واحد، هو الإيمان. ( إن ربي على صراط مستقيم ) (1). لقد أصبحت الإنسانية المجردة عنوانا مستحبا وشعارا مقبولا لكثير من الساسة والمفكرين، وكثير من الهيئات الإقليمية والعالمية. فإذا سألت عن مدلول هذه "الإنسانية المجردة" قيل لك: هى التى تستهدف كرامة الإنسان بعيدا عن فروق الجنس والدين واللغة واللون وما شابه ذلك. إنها تؤمن بالإنسان وحده، وتسعى لإسعاده وإعزازه، وما يشق عليها اليوم سيهون عليها فى الغد، ما بقيت تكافح من أجله.. ونحن نعرف أن هناك قلة صادقة من الناس تعمل فى هذا الميدان الواسع.. وهى تكره النزاع الدموى الذى نشب بين شتى الأديان والأجناس، وتعمل على تجنيب البشر أخطاره.. لكن الكثرة من العاملين تحت لواء "الإنسانية المجردة" مربوطون بمبادئ وعقائد أخرى لا يحيدون عنها. بل قد يضحون بهذه الإنسانية المجردة تعصبا لها وحفاظا عليها! ص _016
(1/10)

ولا يعنينا أن نتهم البعض بأنه يبطن غير ما يظهر.. وإنما يعنينا أن نعرف: ما الإنسان الذى نسعى لتوطيد مكانته ورفع شأنه؟ وما الإنسانية التى يراد تكريم نوعها وتجاهل الفروق بين بنيها؟. فنحن مثلا لا نحترم الإنسان الذى يهدأ أو يثور، من أجل جسده وحده، ويقيم العالم ويقعده، لتأمين الحياة الأرضية فقط. إن الإنسان الذى ساد هذا الكوكب، ويحاول أن يبسط سيادته على كواكب أخرى، أرقى فى نظرنا من أن تكون قصة حياته كقصة حياة حشرة أو دابة. ولو كانت الحشرة فى رقى النحلة، أو كانت الدابة فى كبر الفيل!. ونحن لا نحترم الإنسانية التى قصارها تقديم السمن والعسل، والغناء والرقص، وفنون المتع الجنسية وغير الجنسية- على أن ذلك كله هو المستوى المنشود لطبقات الناس، المستوى الذى يجب أن يبلغوه جميعا دون استثناء. إن شعار "الإنسان وحده " أصبح داعيا للريبة البالغة، فقد ردده قوم لا يرون الإنسان أكثر من حيوان امتاز برقى فكرى نتيجة تطور زمنى! إننا لا نستطيع أبدا أن نحترم أناسا قطعوا صلتهم بالله، وعدوا الارتباط به تخريفا ووهما.. وقد يكون من حقهم أن يحيوا حتى يعقلوا، وأن تتاح لهم فرص متراخية متطاولة حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويعودوا إلى ربهم.. أما أن يقودوا الإنسانية إلى البوار باسم الإنسانية، فهذا ما لا يكون.. ولا أدرى ما قيمة هذه الكلمة إذا كانت دلالتها العقوق والشره، والتنادى من كل صوب على انتهاب الدنيا بالقسمة العادلة أو القسمة الجائرة. إن كلمة الإنسانية تظلم أفدح الظلم عندما تلوكها هذه الأفواه.. إن الإنسانية التى نعطيها فضل حرمة ورعاية هى التى تدرس: العقل والقلب والبدن، وتبحث بأدب تواضع عن الحق والخير، والتى تتناول قضايا الإيمان، وآثاره النفسية والاجتماعية ببصيرة مفتوحة، وحرية واسعة. والدين فى نظرنا هو المصدر الأوحد للحقيقة الكاملة فى هذا المجال. وإذا كانت تعاليمه غير مسهبة فى وصف الإنسان جسدا وروحا، فهى قاطعة فى ص
(1/11)

_017
تقرير ما يجب عليه، وما يحمل به، أى أنها قدمت الثمرة دون عناء ، أو النتيجة المستخلصة دون إبراز لمقدماتها. أما الدراسات الإنسانية فهى وصافة للإنسان، مصورة لمادته ومعناه فى الأعم الأغلب، وقلما تضع قدميه على الصراط المستقيم بعد ذلك الجهد. وأمثل السبل هو الجمع بين الأمرين: * الإحاطة بالوحى الإلهى المعصوم، الذى رسم للإنسان وجهته فى صدق، وكفل له ما ينشد لنفسه وغيره من خير. * والإحاطة بالفكر الإنسانى الذى تعمق فى بحث الإنسان وأجهزته البدنية، وملكاته النفسية والعقلية، وأحواله الاجتماعية المتشابكة مع غيره من الناس.. هذا المزج جليل الفائدة، لأنه يتيح لعلماء الدين اطلاعا واسعا على طبيعة الإنسان المجردة، وحاجاته الحقيقية وهو فى الوقت نفسه يرى العلماء المدنيين الأشفية التى وضعها الله لذهاب العلل والوسائل العلمية لارتقاء البشر، وزكاة نفوسهم وأحوالهم. ولما كنت أحد الموصولين بالمعرفة الدينية، ومن أولى الغيرة على تراث السماء، فانى أحب تخليص الثقافة الدينية من كل ما يعجزها عن أداء رسالتها، أو يضلل سعيها إلى غايتها. وما بى رغبة فى تتبع عيب أو كشف مثلبة، إنما هى الرغبة العميقة أن ينجح الدين فى اكتساب الخلق إلى منهجه وجمعهم تحت لوائه. لقد لوحظت هنات على المتدينين تستوجب النظر. إن الصلاح الحق ينشأ عن صحة النفس، وبراءتها من أسباب السقم. ولنضرب الأمثلة لما نريد، حتى تتضح صورته: في عندما يكون الطريق كثير الحفر، متموج السطح، فلا صلاح له إلا ردم الحفر وتسوية سطحه. * وعندما يكون الخيط ملتوى الفتل، مشدود العقد، فلا طريق لاسترساله واستقامته إلا بفك عقده وإرخاء ليه. * عندما تكون أسلاك الكهرباء مقطوعة فلن يسرى التيار، إلا إذا التحمت الأسلاك، وتم إغلاق الدائرة. هذه مسلمات لا تحتمل جدلا. * * * ص _018
(1/12)

والنفس الإنسانية كذلك عندما تعج بوساوس الشر، وتضطرب بها أساليب الفكر، فليس يصلحها تغطية هذه العيوب بثوب من المراسم والمناسك. فإن التزكية المنشودة لا تتحقق إلا بالشفاء من هذه الآفات مال "ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها". وشارات التدين واجبة الرعاية، وشرائع الصلاة والصيام وما إليها، لا يمكن التهاون، ولا التنازل عنها. بيد أن بعض الناس يسىء إلى الدين عندما يهمل تهذيب طباعه وتقويم عوجه، ثم يحرص على الاستمساك بشعائره، كما يمسك الملوث قطع الصابون بيده، دون أن يذهب بها درئا، والأديان دائما تصاب من سوء الفهم لها، ومن سوء العمل بها. وقد أرمق شخصا من غمار الخلائق، لم يلتصق بالدين التصاقا ظاهرا، ولم يطبق تعاليمه على نفسه تطبيقا واضحا، ومع هذا فإن ولاءه المحدود لله وسيرته السمحة وفق الفطرة العادية تجعله أقرب إلى الحق من عشرات الأحبار والرهبان!!.. ولندع ميدان التسامى النفسى بين الأفراد، إلى ميدان الحياة العامة الصاخبة الموارة. من ستين سنة تقريبا لاحظ أحد المؤرخين النافذى البصر، أن الصهيونية العالمية تنسج مؤامرة رهيبة لدك المجتمع الغربى، وقلب نظمه بعضها بالبعض الآخر، وا لإفادة من نزاعها الوحشى فى تكوين "إسرائيل "، وإقامة حكمها الذى يحلم به من قديم "حكماء صهيون ". فماذا يصنع هذا المؤرخ الغيور؟ لقد أعلن مخاوفه هذه مقرونة بكشف كامل عن "بروتوكولات حكماء صهيون " ومختومة بهذه العبارة: "إن ا لأحداث فى العالم تندفع بسرعة مخيفة: فالمنازعات، والحروب، والإشاعات، والأوبئة، والزلازل- والأشياء التى لم تكن أمسى إلا مستحيلة- قد صارت اليوم حقيقة ناجزة.. إن الأيام تمضى مندفعة كأنها تساعد الشعب المختار "! " ولا وقت هناك للتوغل بدقة خلال تاريخ الإنسانية من وجهة نظر "أسرار الظلم " المكشوفة، ولا للبرهنة تاريخيا على السلطان الذى أحرزه "حكماء صهيون " كى يجلبوا نكبات
(1/13)

على الإنسانية، ولا وقت كذلك للتنبؤ بمستقبل البشرية المحقق المقترب الآن، ولا للكشف عن الفصل الأخير من مأساة العالم.. ". ص _019
وبعد هذا الإنذار قال المؤرخ الطيب، العظيم الثقة بدينه وقومه: "إن نور المسيح منفردا، ونور الكنيسة العالمية المقدسة هما اللذان يستطيعان أن ينفذا خلال هذه الأغوار الشيطانية، ويكشفا مدى ضلالها". "إنى لأشعر فى قلبى بأن الساعة قد دقت لدعوة المجمع المسكونى الثامن، فيجتمع رعاة الكنائس وممثلو المسيحية عامة، ناسين المنازعات التى مزقتهم طوال قرون كثيرة كى يقابلوا مقدم أعداء المسيح ". إن الأستاذ "نيلوس " المؤرخ الذى رفع عقيرته بهذا الصياح من نصف قرن، يطلب كما ترى أن يجتمع مؤتمر مسكونى مسيحى لمواجهة أخطار الصهيونية العالمية وصد أطماعها وضغائنها!.. فما الذى حدث اليوم؟.. لقد اجتمع المؤتمر المسكونى فعلا، ولكن ليضع نفسه وأعضاءه ورسالته وكنيسته لخدمة الصهيونية العالمية، وإنجاح قضاياها. أرأيت كيف يخون الضمير الدينى أمانته، ويرتد على عقبه، ويعمل مع الشيطان؟. إننا نلتمس الأعذار- كما قلنا آنفا- لناس كثيرين قبضوا أيديهم عن الدراسات الدينية، والطريقة الدينية فى قيادة الحياة. والتماسنا العذر لهؤلاء لا يعنى إقرار خطتهم، أو التهوين من قيمة الدين الحق فى الأخذ بأيدى البشر من الظلمات إلى النور. إنه إبانة فقط عن أسباب الانحراف البشرى وجسامته.. وإنذار إلى القادة الدينيين كى يتبينوا ما أمامهم، ويحسوا العوائق الهائلة التى تعترضهم.. وفى سبيل إنصاف الحقيقة نرجو أن نسير مراحل مع الباحثين عنها، واعتقادى أننا سنكسب للإسلام خيرا كثيرا من هذه المتابعة المتأنية، ولعل أول هذه المكاسب الإبانة عن تلاقيه المطلق مع مقررات الفكر الناضج والسجية المستقيمة. ص _021
(1/14)

التفاوت بين التقدم الروحى والتقدم العقلى هناك شعور عام بأن العالم قطع مراحل شاسعة فى طريق التقدم العقلى، لكنه تخلف، أو- على إحسان الظن- بقى مكانه من الناحية الروحية. وقد نشأ عن ضمور ملكاته الأدبية، وتضخم قدراته المادية تفاوت مقلق، اختل معه سير القافلة البشرية، واتزانها، وبصرها بما تقبل عليه، أو تحجم عنه. وصارح عدد من المفكرين الكبار بتشاؤمهم من هذا الدوج، كما أن لفيفا ضخما من رجال الدين والأخلاق لا ينقطع جؤارهم من القحط الروحى الذى يسود أرجاء الأرض، والذى يطلق الأفراد والجماعات مسعورة وراء مطالبها الخاصة ، لا يلوى عنانها بشىء. وأريد أن أكون حذرا فى تناول هذا الموضوع لا لريبتى فى صدقه، بل لرغبتى فى استبانة ما ينشده الضائقون بالتقدم المادى والارتقاء العقلى المجرد. إنها غيرة مشكورة أن ننوه بالتسامى النفسى، وأن نحض الناس على العودة إلى الدين، والتشبث بتعاليمه، ولكن يجب أن يكون مفهوما أن الفضائل والعبادات التى قررها الدين لا تعوق ازدهار الحياة وتقدمها المادى. إن الإنسان عقل وقلب، والظن بأن يقظة القلب ما تتم إلا مع خمول الفكر وازدراء الدنيا، خطأ فاحش. وكذلك الظن بأن سيادة العقل ما تتم إلا بتضحية الإيمان وايحائه خطيئة كبيرة. إن الأعصار الأخيرة شهدت نتاجا عقليا رائعا نقل العالم من حال إلى حال. وأريد أن أقرر دون تردد أن جهاد العقل الإنسانى ومكاسبه التى ظفر بها موضع ص _022
(1/15)

احترامنا، وأن هذا الجهاد إذا كان قد مضى فى طريقه منفردا، لم يستصحب الدين معه، فليس هو الملوم فى ذلك.. فإن كثيراً من أهل الدين أساءوا إلى ربهم وإلى أنفسهم يوم بخسوا العقل قيمته، وافتعلوا العراقيل أمام حركته. وإذا كانوا اليوم يبكون لمتاعب العالم الروحية، فليس الاستماع إليهم تسليما بوجهة نظرهم فى قيادة الحياة حسب ما يتصورون. إن التدين الذى انكمش أمام أقدام العلم، وقبع مكانه ساخطا على ثمرات التقدم المدنى، لا يستحق فى نظرنا أن يعطى فرصة أخرى لتخريب الدنيا، وشل نمائها. يجب أن يزداد التفوق العلمى مقدرة على خدمة البشرية، وغاية ما نريد أن يصحبه على الطريق وحى الله وسنا توجيهه، حتى لا يضل أو يزيغ.. لقد أخطأ بعض المتدينين، فظنوا زكاة الروح ما تتم إلا بدمار الجسد. وضمان الآخرة ما يتم إلا بضياع الدنيا. ومضيا مع هذا التفكير الشارد تجهموا لأسباب الحياة والارتقاء، ووقفوا بعيدا يرمقون الحضارة الإنسانية الزاحفة وهى تكبو حينا، وتستقيم حينا آخر. ولعلهم- وهم يستمعون للتنديد بضرورة المادية فى العالم- يقولون: ألم نتوجس خيفة من هذا المصير، ونحذركم الانحدار إليه؟. ونحن نقول لهؤلاء: على رسلكم، إن ما تريدون للعالم ليس شرا مما نشكو منه الآن. إن كل تدين يجافى العلم، ويخاصم الفكر، ويرفض عقد صلح شريف مع الحياة، هو تدين فقد كل صلاحيته للبقاء. وما نظن أهل الأرض يحنون للعودة إليه بعد ما منحوا نعمة الخلاص منه. التدين الحقيقى إيمان بالله العظيم، وشعور بالخلافة عنه فى الأرض، وتطلع إلى السيادة التى اقتضتها هذه الخلافة.. أعنى السيادة على عناصر الكون وقواه. ولا تتاح هذه السيادة بداهة إلا لعقل ذكى جواب فى الآفاق، متطلع إلى اقتحام المجاهل، راغب فى تطويعها لمشيئته. ص _023
(1/16)

التدين الحقيقى ليس جسدا مهزولا من طول الجوع والسهر، ولكنه جسد مفعم بالقوة التى تسعفه على أداء الواجبات الثقال، مفعم بالأشواق إلى متاع الحياة. فإن كان حلالا طيبا ارتفقه، وابتهج به، وإن كان كسبا خبيثا ابتعد عنه هو قادر عليه. إن الاستعفاف عن المفقود الميئوس منه ليس تقوى، بل هو كصفح العاجز عن الانتقام لنفسه، لا دلالة فيه على سماحة أو تطول: كل حلم أتى بغير اقتدار حجة لاجىء إليها اللئام وعظمة الإيمان إنما تتألق وسط دنيا يملكها المجتمع المؤمن، ويستطيع الانغماس فى فتنتها، ومع ذلك فهو يحكم نفسه، ويحكمها باسم الله. عظمة الإيمان تعتمد ابتداء على فقه فى آيات الكون يقف المرء على أسرار الإبداع الأعلى، ويشعره بما يستحقه الخالق الكبير من مجد وحمد. عظمة الإنسان تقوم على نشاط عقلى لا حدود له، يواكبه نشاط روحى لا يقل عنه كفاءة، بل يربوعليه. أما إهزال الفكر الإنسانى، وإضعاف ثماره، حتى يستطيع التدين المعلول أن يملك زمامه، فذاك ما نرفضه كل الرفض. إذا كان عالمنا يشعر بضوائق روحية معنتة فى هذه الأيام فالعلاج الفذ ليس شجب التقدم العسكرى والصناعى، ولكن جعل هذا كله فى وصاية "إيمان " ممدود المفهوم، رحب الدائرة، يؤمن بالإنسان عقلا وقلبا، ويستمد إيمانه ذاك من معرفته بالله واستمساكه بهداه.. أما تصور التقدم الروحى على أنه استرخاء فكرى.. يجر سبات الليل إلى سحابة النهار، أو عودة بالإنسان إلى عالم من الرؤى والفنون الحالمة والآداب الهائمة، فهذا ليس تقدما بالحياة، ولكنه عوج من طراز آخر.. فلنعد- بعد هذا التنبيه- إلى سماع الشكوى من الأزمة الروحية فى عالمنا الحاضر.. إنها شكوى صادقة كل الصدق، فإن الحضارة الحديثة تقوم على عبادة الحياة الدنيا، والاستكثار جهد الطاقة من لذاتها، أو التسابق المضنى لجمع حطامها. ص _024
(1/17)

أما الصلة بالله فهى- مع ضعفها البالغ- ما تظهر فى وعى الناس إلا لماما، وقلما كمن الإيمان بالله وراء نية باعثة، أو اقتران بغاية كريمة. ودعك من الحديث عن اليوم الآخر، فإن ذكر ذلك فى مجتمع جاد أمر يثير الدهشة والتهمة!. وعواصم أوروبا وأمريكا- وهى مصدر النظم المدنية التى تسود الأرض الآن- سواء فى هذا المعنى.. فالعالم الشيوعى الشرقى، والعالم الرأسمالى الغربى قد يختلف أحدهما عن الآخر فى أسلوب الحياة، ولكنه يوافقه فى أن الحياة مقصودة لذاتها، وأن ما وراءها وهم، وهذه الوثنية الجديدة- أعنى عبادة الحياة وحسب- هى الطابع الدميم للحضارة الحديثة، وقد تناول المؤرخ الإنكليزى الكبير "توينبى" هذه الحقيقة بعبارات استرعت انتباهنا، قال: "إنى أشعر بانحسار الأديان الكبرى المعروفة، وظهور عبادة "القوة البشرية" مرة أخرها فى العالم الحديث.. ظهرت هذه العبادة فى شكليها التقليديين: شكل عبادة الدولة المحلية ، أو عبادة الدولة العالمية". "وعبادة الدولة المحلية تظهر جلية فى النزعات القومية، بينما تتمثل عبادة المجتمع العالمى إلى حد ما فى الشيوعية، وفى الأمل الذى يداعب الكثيرين نحو تحقيق ضرب من الوحدة العالمية أو الحكومة العالمية". و"عبادة القوة البشرية" كما عبر المؤرخ الإنكليزى كلمة تحتاج إلى إيضاح، إذ المفروض فى منطق التدين أن يكون ولاء المرء لفه واتجاهه إليه. ومن الوحى الإلهى يأخذ الناس قواعد سلوكهم ولون حياتهم. وكل مؤمن بالله يحيا على ظهر الأرض مرتبط الشعور والفكر به على نحو قوى أو ضعيف. وهو إن نأى عنه بانحراف ما، يعلم أن المصير إليه يوما. ولهذا العلم أثره العاجل والآجل. فماذا تقلص هذا الوعى الدينى عن الحياة الإنسانية رجع البشر فى صوغ حياتهم إلى مزيج من نداء الغريزة ووحى العقل. ولطباع الناس وأفكارهم منازع وغايات شتى، وقد افترقت فى العصر الحديث إلى تيارين متميزين: أولهما التيار الغربى القائم على فلسفة التفوق
(1/18)

الجنسى، واحتضان ص _025
المواهب الخاصة فى ظل قوميات ديمقراطية، واستعلاء عنصرى يجتاح الأمم المتخلفة، ويديرها طوعا أو كرها فى فلكه. والآخر التيار الشيوعى القائم على تسويد الطبقات العاملة، وتذويب الفروق القومية وإخضاع مواهب الأفراد الممتازين لمصلحة الدولة وحدها.. وفى كلا التيارين تتضاءل أو تتلاشى صلة الأرض بالسماء، وتنحصر الأفراد والجماعات داخل مآربها الخاصة، ويتكوم الجهد الإنسانى كله وراء المنفعة العاجلة.. وقد يعنى المرء بأهله وقومه، كما تعنى أسراب الطيور مثلا بمصلحتها العامة.. بيد أن الحياة الدنيا، هى أولا وأخيرا محور هذا النشاط، ومثار هذه القوة.. قال "توينبى": "وإنى أفترض أن هذه الصور لعبادة القوة البشرية الجماعية تشمل 90% من الشعور الدينى أو 95% من سكان العالم فى الوقت الحاضر". ثم قال: "والواقع أن الارتكاس فى عبادة القوة البشرية الجماعية بنوعيها السابقين هو السبب الحقيقى للمتاعب والاضطرابات التى تنشب بين الناس. إن الأديان الكبرى جميعا مهملة آخذة فى التلاشى، وربما توقف مستقبل الجنس البشرى على عودتها إلى السيطرة أو عجزها عن ذلك ". وكلام هذا المؤرخ الكبير يشير من قرب إلى موضع الداء فى الحضارة الحديثة. فالناس يدورون حول أنفسهم، ولا يعرفون إلا يومهم هذا.. وحديثه عن الشيوعية مسلم به كله، لأنها مذهب ظاهر الكفر بالله ووحيه. أما القوميات، فلعله ابتداء يقصد النزعات العنصرية الحادة التى عرفتها وما تزال تعرفها أوروبا وأمريكا. ولكن هذه النزعات تسللت مع الغزو الثقافى إلى العالم الإسلامى، ومزقته شر ممزق.. ولما كانت هذه القوميات ذات مفهوم أجوف فارع فإن المتعصبين لها يحشونه بأهوائهم التى لا خير فيها قط، وربما قبل هؤلاء المتعصبون للجنس أو اللون أن يستضيفوا الدين حينا من الزمن، بيد أنهم لا يسمحون له أبدا أن يكون رب البيت، إنه ضيف موقوت الإقامة، يجوز طرده إن تجاوز حده!!. ص _026
(1/19)

وليس الفيلسوف الإنكيزى "توينبى" وحده هو الذى يسوى بين العالمين الشيوعى والرأسمالى فى عبادة الحياة ونسيان الدين، " لا" فإن "ألكسيس كاريل " فى كتابه "الإنسان ذلك المجهول " يشرح ذلك بتفصيل وإبانة، فيقول: "إن الدول، التى تبنت بغير تبصر روح الحضارة الصناعية وفنونها، مثل روسيا وإنكلترا وفرنسا وألمانيا معرضة للأخطار ذاتها التى تتعرض لها الولايات المتحدة، ومن الواجب أن يتحول اهتمام الإنسانية من دنيا الآلات وعالم الجماد إلى جسم الإنسان وروحه ". لكن ما هى الأخطار التى تعرض لها العالم الحديث؟ إنه يفصل ذلك فيقول: "كان من الطبيعى أن تضطر القيم الأدبية إلى التخلى عن مكانتها العقلية التى جلبت لنا الثراء والترف، واكتسح العقل المعتقدات الدينية وأصبحت معرفة القوانين الطبيعية، والقوى التى تهيئها لنا هذه المعرفة لتسخير العالم المادى هى الشىء المهم ". ويقولى: "لقد أطلقهم العلم العصرى من القيود الأدبية التى كان يفرضها عليهم النظام الدينى البحت.. وهكذا حررتهم الحياة العصرية من القيود الثقيلة التى كانوا يعانون منها الأمرين، كما أنها تحفزهم على العمل من أجل الثراء بأية وسيلة مستطاعة، بشرط ألا تؤدى بهم هذه الوسيلة إلى السجن!! وتفتح أمامهم جميع بلاد العالم بعد أن حررتهم من شتى العوائق! وتتيح لها إشباع رغباتهم الجنسية بطريقة سهلة كلما أحسوا بالحاجة إلى إشباع هذه الرغبة! إنها خلصتهم من كل عناء ونظام، ومن كل ما يسبب الضيق والتعب ". ويقول: "لم يسبق للبشر أن طعموا بمثل هذا النظام الدقيق، نظرا لما طرأ على حياتهم من ثراء كان عاما إلى أعوام قليلة مضت، ولضعف الروح الأدبية فيهم أضحوا منصرفين عن الصوم ". ويقول: " لقد انحلت روابط ا لأسر، ولم يعد للألفة والمودة وجود، لأن حياة الجماعات الصغيرة قد حلت محلها حياة القطعان الكبيرة". وشرق أوروبا وغربها سواء فى البعد من الله، والحرمان من الحق وفقدان المبادئ التى تمد
(1/20)

الخاصة والعامة بالرضا والقرار. ولا جدوى للأنظمة المدنية التى ولدتها الثورات المختلفة من حمراء وبيضاء. ص _027
-واسمع مؤلف "الإنسان ذلك المجهول " يقول: "إن نظم الحكومات التى أنشأها أصحاب المذاهب فى عقولهم عديمة القيمة، فمبادئ الثورة الفرنسية وخيالات ماركس ولينين تنطبق فقط على الرجال الجامدين، ويجب أن يفهم بوضوح أن قوانين العلاقات البشرية غير معروفة، فإن علوم الاجتماع والاقتصاد علوم تخمينية افتراضية". واعطاء المذاهب القائمة عليها طابع اليقين ضرب من المجازفة. فهى قائمة على ظنون، وأمر الحياة أكبر من ذلك "إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون". ما المخرج من هذه الضوائق، وكيف يجد العالم سناءه الفكرى والروحى معا؟. الراشدون من رجالات الفكر يتفقون على أن شفاء العالم من سقامه مرتبط بعودة الإيمان إلى القلوب الفارغة، وعودة الأديان الكبرى إلى مكانتها المفقودة. وهذا الرجاء سيبقى سرائا خادعا ما لم نعرف لماذا فقدت هذه الأديان مكانتها؟ ولماذا أفلت زمام الحياة من يدها؟. وهل الأروح الظامئة إلى الحق واجدة ربها فى اتباع هذه الأديان؟ وهل الجماهير الفقيرة إلى الأمان والسكينة ظافرة بطلبتها فى رحاب العقائد الموروثة؟. أحب بين يدى الإجابة على هذه الاسئلة أن أذكر أمورا لا بد منها: إن الأديان الأرضية يجب سلخ هذه التسمية عنها، فهى فلسفات شاعت بين أصحابها وليست أديانا على الحقيقة. وما يصح أن يلتمس علاج لعلل الناس من تفكير أرضى بحت، فيه من الخطأ أضعاف ما فيه من الصواب، وفيه من القصور أضعاف ما فيه من التمام. وما انقطعت نسبته إلى السماء، فوصفه بأنه دين ضرب من التجاوز قد يقبل استصحابا لبعض الملابسات، بيد أننا نرفض بتة أن نعد هذه العقائد أديانا يستريح الناس فى ظلالها. إن الأديان السماوية المعروفة الباقية إلى يوم الناس هذا، هى اليهودية والنصرانية والاسلام. ونحن المسلمين نؤمن بكتب السماء، ونسوى
(1/21)

بين موسى وعيسى ومحمد فى أنهم رجال صدقوا الرغبة إلى الله، وأخلصوا النصح لعباده، وحاربوا الشيطان ووساوسه ومهدوا طريق التوبة والعبادة والإحسان. ص _028
وفى مواجهة المحنة الروحية والخلقية التى تسود الأرض ينبغى أن يعرف من من أتباع الأنبياء يسأل عنها، ويحمل النصيب الأوفى فى ملاقاتها؟. إن اليهود اليوم فى أقوى مراحل حياتهم وأذكاها، وقد استطاعوا أن يسخروا قوى هائلة فى إقامة دولتهم إسرائيل. فهل شم أحد رائحة التقوى والسمو فى النشاط الدينى الذى تقوم الصهيونية تحت رايته؟. وهل شم أحد بريقا من خير وعفة فى قيام إسرائيل تحمل لقبا لواحد من الأنبياء. الواقع أن بنى إسرائيل من وراء الكبوة الخطيرة التى تعانيها الإنسانية هنا وهناك، ومن الحماقة التماس هدى للعاملين فى شىء عندهم.. ونظرة أخرى إلى الاستعمار الغربى الآثم.. لقد جثم على مساحات فيحاء من أرض القارة المحروبة "إفريقية" وبقى أعصارا طوالا يعب من خيراتها وينهب ثرواتها الظاهرة والباطنة، ويتخذ النصرانية ستارا لأطماعه، فماذا جنى من هذا المسلك؟. لقد اغتنت أوروبا من المال الحرام، وجبيت إليها ثمرات كل شىء، واختفى الماء من الموائد لتحل الخمر محله!. وعريت الأجساد من ألبسة التقوى لتكرع النفوس من الشهوة كيف شاءت. وانجرف الآباء الروحيون مع التيار السائد!. فهل هذا المسلك هو الذى يمهد للناس طريق العودة إلى الله؟ أما الإسلام فهو دين يتيم، ليست له اليوم أبوة روحية وثقافية تجلو معدنه، وتبدى حقيقته. ولعله مشغول بالدفاع عن نفسه وأرضه ضد الضغائن الهابة عليه من يمين وشمال. فكيف يقدر فى هذا الوضع على الوفاء بحاجة العالم إلى السلام النفسى والاجتماعى؟ إن العالم يتلوى من الفراغ الروحى الرهيب الذى أسعر فى جنباته نوازع الأثرة والتظالم والجشع. ص _029
(1/22)

وهو أفقر ما يكون إلى منفذين من الطراز الذى وصف الله رجاله بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله. ولعل العرب يقدمون للإنسانية هذا الدواء، ويؤدون الرسالة التى تخيرتهم لها السماء. *** ص _031
الحقائق وحدها من أجل الإنسان يجب إحكام المراقبة على الطرائق التى تؤثر بها فكرة على فكرة، واتجاها على اتجاه، فإن الغش فى المقاييس العقلية أكبر شيوعا من الغش فى موازين التجار الخونة!. والغريب أن الإنسان قد يضيق إذا بخس حقه فى سلعة دفع ثمنها كاملا، ويشعر بسوأة الختل وسوء المعاملة، بيد أن هذا الإنسان نفسه لا يشعر بكبير حرج عندما يصدر حكما خاطئا على أمر من الأمور، أو عندما يقتنع بصدق أسطورة مبتورة الصلة بالواقع.. وقد حرك القرآن الكريم جمهورالمشركين كى يستبينوا طبيعة ما لديهم من عقائد ومذاهب، وأهاب بهم أن يعيدوا النظر فى تقويمها وأن يكشفوا الغش الذى زين لهم قبولها!.. وساءلهم الدليل على ما هبوا إليه؟. "أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون ". "أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ". والمطالبة بالبرهان فى كلتا الآيتين ليست أكثر من عرض لإعادة النظر فى المواريث الفكرية السائدة حتى ينبذ منها ما لا دليل عليه، وحتى يتخلص الإنسان من قيود الوهم التى تشل قدرته، وتضلل غايته. ولنا هنا فى مقام التنديد بقوم ألغوا عقولهم، وتبعوا ما انتقل إليهم عن آبائهم، فإذا بدا لهم خلطه أصروا عليه، لبلادة غلفت عقولهم بالتعصب، وجعلتهم يردون هاديهم إلى الحق بهذا الجمود.. "قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون". ، فإن هذا الصنف من الدهماء مهدر الكرامة، بين الرذيلة. ص _032
(1/23)

إنما حديثنا هنا إلى كثير من أولى العقل الذكى، والفكر النير ممن يحترمون المنطق، وينحنون للدليل، ولكنهم لأمر ما سمحوا لأفكار شتى أن تتسرب إلى نفوسهم، وأن تؤثر فى سلوكهم دون وعى كامل ونقد حصيف. والزلل الفكرى لهؤلاء الكبار بعيد المدى. وأشيع ما يكون هذا الزلل بين المبرزين فى فن ما عندما يتكلمون فى فن آخر. إن الرجل قد يتبوأ القمة فى علم الطب، فإذا تحدث فى التشريع أو اللغة وقع فيما لا تقع فيه الناشئة، وبعض المخترعين تحدث فى الدين بكلمات تثير الضحك، وأبدى آراء لا وزن لها. وإذا تركنا ميادين التخصص العلمى المختلفة وجدنا أنفسنا أمام عوائق أخرى دون الحقيقة المجردة. إن العلماء فى ميدان واحد قد يبدءون البحث من أساس هو موضع ثقتهم التامة، مع أن هذا الأساس نفسه مدخول خادع. وما أكثر الوراثات والإشاعات والأفهام التى لا تثبت على التمحيص. وهى عند أصحابها عقائد مكينة.. ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى المنطق العلمى الصارم فى تقويم كل شىء، وترتيبه حسب منزلته من اليقين. يقول "ألكسيس كاريل ": "فى جميع الأزمان كانت الإنسانية تتأمل نفسها من خلال منظار ملون بالمبادئ والمعتقدات والأوهام.. فيجب أن تهمل هذه الأفكار الزائفة غير الصحيحة".. ومنذ أمد بعيد أشار "كلود برنار" فى كتاباته الداعية إلى التحرر الفكرى، إلى ضرورة التخلص من النظم الفلسفية والعلمية السائدة كما يفعل الإنسان حينما يحطم سلاسل العبودية العقلية، ولكن بلوغ مثل هذه الحرية لم يتحقق بعد، لأن البيولوجين والمعلمين والاقتصاديين وعلماء الاجتماع.. كانوا إذا واجهتهم مشكلات شديدة التعقيد.. غالبا ما يستجيبون للإغراء الذى يستحوذ عليهم لكى يبنوا نظريات، ثم يقلبوها بعد ذلك إلى معتقدات، ومن ثم فقد تبلورت علومهم على شكل تراكيب شأنهم فى ذلك شأن المتعصبين للديانات. إننا نلافى كثيرا من دواعى التعب بسبب هذه الأخطاء فى جميع نواحى المعرفة. ونحن نود لو عولجت الآراء
(1/24)

والمقترحات والمذاهب بأقصى ما لدى البشر من ذكاء وتجرد وحرية، فإن الأوهام بين الناس أكتر من الحقائق، ولو كانت الظنون العلمية ص _033
والاجتماعية والدينية تتساقط من أذهان أصحابها كما يتساقط ورق الشجر فى فصل الخريف، لعريت عقول كثيرة مما يتماسك بها، وما يطلبه مؤلف "الإنسان ذلك المجهول " هو ما سلكه كبار العلماء عندنا. إن نشدان اليقين هو غاية المفكرين المسلمين فى مزدحم الآراء التى تلقاهم، لا شك أن القرآن الكريم من وراء هذا السعى الحميد. وتأمل فى هذه الآيات التى تجمع الرذائل الفكرية والنفسية لأى رأى نحذر من مفارقتها "قتل الخراصون * الذين هم في غمرة ساهون * يسألون أيان يوم الدين ". التخرص، والانغماس فى الغفلة، والسهو عن الواقع، هذه آفات لا تنتج حقيقة أبدا. ومثلها غفلة الحواس وذهولها "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد " . فكم من حاضر الجسم غائب اللب؟ أترى ذلك يعى ما أمامه؟ "فذرهم في غمرتهم حتى حين * أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون " . المرء المغمور بصور مادية ومعنوية معينة قلما يخرج من محبسه ليدرك مشاهد أخرى للحياة، أو جوانب من الحق لا يحسها. إلا أن تداركه أقدار حسنة، فتتيح له أن يعرف ما كان يجهل. والحضارة الإسلامية فى أعصار إزدهارها، وقربها "من منابعها، كانت تلمع فيها هذه الصبغة الباهرة، صبغة التجرد للحق، والبحث عن اليقين. ولنتناول طرفا من حياة "الغزالى الكبير" كنموذج إسلامى فى مجتمع شبيه بعصرنا هذا، كانت الأفكار فيه والمذاهب تتصارع فى كل قرية ومدينة، إذ إن الثقافات الأجنبية العالمية تمت ترجمتها تقريبا إلى العربية فى الوقت الذى بلغت فيه علوم الدين واللغة مرتبة الاستقرار، وشاع الجدل العلمى فى كل ناحية، وانتشرت مجالسه ومناظراته. ص _034
(1/25)

فكان طالب الحق يجد نفسه أمام ألوان شتى من التفكير، وبين دعوات تجتذبه من هنا ومن هناك، وإنك لتلمح مدى الحرية العقلية التى تمتع الغزالى بها وهو يصف نفسه فى كتابه "المنقذ من الضلال " إذ يقول: "ولم أزل فى عنفوان شبابى منذ راهقت البلوغ قبل العشرين، إلى الآن وقد أناف السن على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل فى كل مظلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار كل طائفة لأميز بين محق ومبطل، ومتسق ومبتدع، لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلفا إلا وأجتهد فى الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديفا معطلا إلا وأتحسس وراءه التنبه لأسباب جرأته فى تعطيله وزندقته ". ".. وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبى وديدنى من أول أمرى وريعان عمرى غريزة وفطرة من الله وضعتا فى جبلتى، لا باختيارى وحيلتى، حتى انحلت عنى رابطة التقليد، وانكسرت على العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام، وسمعت الحديث المروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حيث قال: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه " . فتحرك باطنى إلى حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات وأوائلها تلقينات، وفى تمييز الحق منها عن الباطل. "فقلت فى نفسى أولا: إنما مطلوبى العلم بحقائق الأمور، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هى؟ فظهر لى أن العلم اليقينى هو الذى ينكشف فيه المعلوم انكشافا
(1/26)

لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم ". والمنهج العلمى البحت، الصارم فى ضبط المقدمات ووزن النتائج بموازين الذهب، لا يلقى أشرف من هذه السيرة، ولو وضعت هذه السطور المضيئة أمام المؤلف الفرنسى الكبير لامتلأ قلبه إجلالا لصاحبها. ص _035
ونحن- حين نخط هذه السطور- نشفق من متاجرين بالحرية العقلية، لا يؤيدونها إلا بمقدار ما تعطى الشبهات حق الحياة، والخطأ حق الانطلاق، والفوضى حق التدمير. فإذا أتاحت لهم الحرية ما يبتغون سدوا على خصومهم أفواه الطرق، ودفعوا بالمجتمع كله صوب ما يعتنقون. وهذه ثمار مرة لا يرى عاقل أن يمهد لها، والأمر يحتاج إلى تفصيل ومحاذرة. ففى ميدان العلم، وفى مجامعه الكبرى، وصفوفه العليا، يمكن أن تدرس النقائص، وتسمع شتى الآراء، وتناقش جهرة دون حرج، ومع تأمين مطلق لذويها. أما أن يستمكن بعض المنحرفين من آذان العامة، ويصبوا فيها ألوان الإغراء، ومنازع الشر، فهذا هدم لا بناء، وخطره على المجتمع شديد، إذ هو سيزلزل القيم التى يتحرك بها، ويوهى الأواصر التى تشد بعضه إلى بعض. ولقد رأيت بعد إنعام النظر واستقراء الأحداث أن الباطل لا يسير فى الأرض بقواه الذاتية، وإنما تسيره عوامل الرغبة والرهبة، وتسنده الرشا والسيوف، وعندما تتخلى عنه يتهاوى من تلقاء نفسه. أما الحق فإن تجاوبه مع فطرة الله فى النفوس يجعله مقبولا مستحبا، ويقدره على تخطى العقبات واجتياز السدود، أى أن الحق لا يخشى الحرية أبدا، إنما يخشى الحرية العوج والجهل والبغى فى الأرض بغير الحق. ومن ثم فنحن مع توفير الحرية التامة فى أرجاء المجتمع، نعتقد أن هذه الحرية بما فيها من حرارة ستنضج السنابل النافعة وتقتل الحشرات الضارة. سيأخذ الحق منها جواز مروره إلى الأعقاب على اختلاف الليل والنهار، وسينكمش الباطل فى جوها، فإما صعق لفوره، وإما تحرك قليلا ريثما يلقى حتفه. وكم من عوج فى الدنيا ما يمسك بقاءه إلا استخفاء هذه الحرية
(1/27)

العزيزة، ولو هبت رياحها يوما لخلعت جذوره. وبديهى أن الحرية التى نعشق، هى تلك التى تحد من جهاتها الأربع بما لا يضر الآخرين. إنها الجو الذى يعيش على تمحيص الحقيقة، ويساعد على قبولها دون قسر أو ختل. ص _036
والعلم بالإنسان ورسالته، وضمان حاضره ومستقبله، والتسامى به مبنى ومعنى جهد رحيب الدائرة، بل إن العلم بالإنسان لا يصح إلا مع خبرة محترمه بعلوم الكون والحياة، وإحاطة حسنة بجملة الحقائق المادية والتاريخية والاجتماعية. ولا غرو، فالإنسان أثمن درة فى هذا الوجود، والقصور لا يجدى فى فهم قضاياه. ولذلك يقول "ألكسيس كاريك ": "إن علم الإنسان يستخدم جميع العلوم الأخرى، وهذا سبب مع أسباب بطئه وصعوبته ". ويقول: "من الواضح طبعا أنه لا يوجد عالم يستطيع أن يتحكم، ويتفوق فى جميع الفنون التى لا غنى عنها لدراسة مشكلة واحدة من مشكلات الإنسان ": وليس هذا مثبطا للهمم أو معجزا للباحثين، ولنبدأ السير من الآن "سيكون علم الإنسان مهمة المستقبل فيجب أن نقنع الآن بالبداية، سواء من الناحية التركيبية، أو من الناحية التركيبية المتعلقة بالصفات الإنسانية".. وهنا نشرف على أنفس ما وصل إليه العالم الغربى الألمعى!. ما الإنسان الذى نحيطه بتلك الهالة النيرة. لقد كرم الله الإنسان من قديم، وفضله على صنوف البر والبحر. وفى عصرنا هذا نجد الإنسان بدل أن يصعد السلم بقدمين يحمله المصعد إلى أعلى، وبدل أن يقطع المسافات الشاسعة فى سفره، تحمله الطائرات إلى ما ينبغى. إن عناصر وفيرة فى الأرض والسماء مسخرة لإراحة البشر وترفيههم، وكلما ارتقت الحضارة زادت أعداد العناصر المسخرة للإنسان، وزادت مقدرة الإنسان على تطويعها لرغبته. فهل كرامة الإنسان وعظمته تعودان إلى هذه المهارة؟ كلا. إن الإنسان الذى يصعد السلم على قدميه وهو يلهث أشرف من ممتطى المصعد، إذا كان الأول يحمل بين حناياه قلبا زكيا، ونفسا تقية، وكان الآخر لا يعرف إلا ملء معدته
(1/28)

وإطفاء شهوته. ليس شرف الإنسان بمدى سطوته فى الأرض، بل بمدى تنمية مواهبه العليا وملكاته النبيلة. وفى هذه الأيام نستقبل أنباء غزاة الفضاء وهم يحاولون ببأس شديد أن يتعرفوا الكواكب الأخرى، ويضعوا أقدامهم على سطحها. ص _037
إن هذا تقدم رائع بيد أن قيمته الإنسانية هابطة ما بقى البشر على ظهر الأرض يأكل أبيضهم أسودهم، ويستذل قويهم ضعيفهم، ويصبحون ويمسون وهم لا يحسنون إلا خدمة الإرهاب الطينى الذى احتوى خصائصهم ووظائفهم المادية والمعنوية- فإن كل إنسان منصرف الآن- هكذا يقول كاريل- إلى الاهتمام بالأشياء التى تزيد من ثروته وراحته فى حين لا يوجد من يدرك أن الصفة البنائية والوظيفية والعقلية لكل فرد يجب أن تتناولها يد التحسين، فإن صحة العقل، والحاسة الفعالة والنظام الأدبى، والتطور الروحى تتساوى فى أهميتها مع صحة الأبدان وصنع الأمراض المعدية. ".. إننا لن نصيب أية فائدة من زيادة عدد الاختراعات الميكانيكية، وقد يكون من الأجدى ألا نضفى مثل هذا القدر الكبير من الاهمية على اكتشافات الطبيعة والفلك والكيمياء. ومن ثم، فإن من الأفضل كثيرا أن نوجه اهتماما أكثر إلى أنفسنا عن أن نبنى بواخر أكثر سرعة وسيارات تتوافر فيها أسباب الراحة، وأجهزة راديو أقل ثمنا أو تلسكوبات لفحص هيكل سديم على بعد سحيق. ما هو مدى التقدم الحقيقى الذى نحققه حينما تنقلنا إحدى الطائرات إلى أوروبا أو إلى الصين فى ساعات قلائل؟ هل من الضرورى أن نزيد الإنتاج من غير توقف حتى يستطيع الإنسان أن يستهلك كميات أكثر باطراد من أشياء لا جدوى منها؟ ليس هناك أى ظل من الشك فى أن علوم الميكانيك والطبيعة والكيمياء عاجزة عن إعطائنا الذكاء والنظام الخلقى والصحة والتوازن العصبى والأمن والسلام. ".. يجب أن نصرف عن الأبحاث الطبيعية والفسيولوجية لتتبع الأبحاث العقلية والروحية ". *** وقائل هذا الكلام رجل يستمد معرفته من المعمل، والأرقام، والوقائع، وهو يبغى
(1/29)

بمنطق العلم التجريبى المنزه عن الوهم والمجازفة أن يعرف الإنسان نفسه ومصلحته العاجلة أو الآجلة. ولو وعى رجال الدين وظيفتهم لأسهموا بنصيب كريم فى هذا الميدان... أعنى أن يلتفتوا إلى هذا العلم الجديد "علم الإنسان " ليضيئوا متاهاته بمنارات الوحى، فإن كل علم للإنسان يجب إرساء قواعده على الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى امتداد مرحلة العمر فترة اختبار لها ما بعدها. ص _038
وعبيد الدنيا ينكرون هذا الكلام أشد الإنكار. ويتوهمون أن مستقبلهم هنا، وحسب. ما أشبههم برجل قرر أن يزرع صحارى القطبين، واستصحب فى رحلته إليها قناطير البذور. إنه لن يجنى من جليدها إلا متاع الغرور. ص _039
(1/30)

العلم ظهير الإيمان لم تخل الحياة فى الماضى- ولن تخلو فى الحاضر والمستقبل- من أناس ينكرون الألوهية ويرفضون الدين، ويريدون أن يعيشوا مبتورين عن الأصل الذى انبثقوا منه، مخلدين إلى الأرض التى درجوا عليها، غير مفكرين فى آخرة أو ثواب أو عقاب!.. إنما الحياة فى نظرهم إحساس عارض يبقى فى كتلة من اللحم والعظم لبضع سنين، ثم يتلاشى إلى الأبد. وفى القرآن الكريم تعجيب من كنود هؤلاء المعطلين الحيارى ينضح على نفسك عندما تقرأ قوله تعالى: "خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين". وقد حرصت أن أطل على نفوس هؤلاء، لأطلع على ما فى داخلها، وأن أتابع سير أفكارهم لأعرف مبلغ عوجها وزيفها. وذلك لأن جمهرة هؤلاء الماديين أصحاب دعاوى عريضة، عن فقههم فى الكون، وإحاطتهم بأسراره، كأنهم يريدون الإيهام بأنهم كفروا عن علم وذكاء!.. والواقع أن كفرهم مجموعة من الأوهام والتخليطات لا تمسكها إلا الجراءة على الحق. وان هذه المجموعة من الخيالات لا تثبت على التمحيص، ولا تتماسك أمام سطوة العقل عندما يسلط عليها فكره النافذ، ونقده العميق!.. كتب أحدهم يؤرخ، ويعلل لنشأة الحياة على الأرض، مجتهدا ألا يذكر شيئا عن الله قط. وناسبا كل شىء إلى مجهول مطلق. فانظر إلى هذا الكاتب كيف يجسد الأوهام، ويستعرض صورا لا مصدر لها إلا أم رأسه فيقول: ص _040
(1/31)

"... لا نستطيع أن نحدد كم من الوقت استغرقت البادرة الأولى من بوادر الحياة، لكى تظهر، فلم يكن هناك أى تحديد للوقت يومذاك. وفى خلال العصور المظلمة ظلت القطرات تجيش، وتضطرب فى مياه البحار الفاترة. ولا بد أن تجمعات لا نهائية من الذرات قد حدثت فى المادة العضوية الهلامية. ولكن هذه التجمعات كانت تمحى من الوجود بينما تمكنت أفضل القطرات تركيبا من البقاء. أما القطرات الأضعف فقد انهارت خلال عملية يمكن أن نسميها بالاختيار الطبيعى قبل بدء الحياة. وهكذا ظلت العناصر تكافح وتناضل نحو خلق الحياة فى سكون وحركة لا ترى". ونحن نتجاوز عما فى هذه الجمل من سرحان يشبه حلم نائم، أو هيمان شاعر. ونلقى نظرة أخرى على نبذ من المقال تعرض فيها الكاتب لتكوين "البروتين " من جزيئاته العتيدة!.. وعلماء الدنيا يجمعون على استبعاد "حكاية الصدفة" فى بروز هذا التكوين إلى الحياة، لأن التأليف المنسق المحكم الرائع الذى يتم به هذا التكوين قاطع فى أنه وليد إشراف أعلى وإرادة مختارة!.. بيد أن الكاتب الكفور أراد أن يسرق عقل القارئ، فصاغ خلق "البروتين " فى العبارات الآتية: " ظهرت تدريجيا جزيئات أخرى جبارة، أو مجموعات من الجزئيات، وهى سلالات معقدة من القطرات الهلامية البسيطة. وتستمر هذه العملية حتى يتكون فى النهاية جزىء البروتين العجيب، بعد وقت يبدو كأنه لا نهائى، وبعد تفاعلات وامتزاجات كيمائية لا نهاية لها. ونحن نتحدث هنا عن الحدث وكأنه وقع فجأة عندما اصطدمت ذرات معينة بعضها بالبعض الآخر، واتحدت معا فى تركيب خاص، والواقع أننا اكتشفنا فقط ظهور المادة البروتينية فى الزمن الماضى، ولا يعرف كيف جاءت إلى هنا!.. ويمكننا أن نقول إن فرصة اتحاد ذرات "الكربون " و "ا لأكسجين " و"النتروجين " و" الأيدروجين " وكذلك ذرات " الفوسفور" ومجموعة العناصر الفلزية بالنسب اللازمة وفى الظروف الملائمة...- إن هذه الفرصة يمكن أن نقارنها بفرصة سقوط
(1/32)

مجموعة من أوراق اللعب على مائدة بعد نثرها فى الهواء، بحيث يتألف منها مجموعات الأرقام مرتبة تماما. وهذه الفرصة تكاد تكون مستحيلة، حتى ولو ظللنا نكرر التجربة ص _041
وننثر أوراق اللعب فى الهواء، كل ثانية وبلا انقطاع، طوال التاريخ الإنسانى. ولكننا رأينا كيف أن الجزيئات أخذت تتطور نحو أشكال أكثر تعقيدا. كما أخذت تصطدم بعضها بالبعض الآخر بسرعة إلكترونية خلال زمن لا نهاية له ". وفى مثل هذه الظروف يمكن أن تتحقق الفرصة البعيدة جدا يوما ما!- هكذا يزعم الكاتب- وأن يتكون جزىء " البروتين "!!. والتناقض واضح فى هذا الكلام. فالرجل يقول أولا: "إن الخلق بطريق الصدفة مستحيل، ولو كررنا التجربة طوالى التاريخ الإنسانى"!.. ثم يعود فيقول: "ولكن مع تراخى الزمن، وامتداد الليل والنهار، وقع المستحيل وأمكن الخلق "!.. هذا هو الأساس العلمى لإنكار الألوهية. والزعم أن العالم نشأ من تلقاء نفسه كلام كألاعيب السحرة يزدرى العقلاء خباياه. لأن أوله يناقض آخره. وآخره يكذب أوله.. ونتساءل نحن: كيف ضم خلق "البروتين "؟.. وفى أى بيئة.. وبأى قدرة؟ ومدى ما يمكن أن يكون للصدفة من آثار على تعاقب الليل والنهار فى جميع الأعصار. يقول الدكتور " فرانك أللن " عالم الطبيعة البيولوجية: إن البروتينات من المركبات الأساسية فى جميع الخلايا الحية، وهى تتكون من خمسة عناصر هى: (الكربون) و (الأيدروجين) و (النتروجين) و (الأكسجين) و(الكبريت) ويبلغ عدد الذرات فى الجزىء البروتينى الواحد 40000 ذرة. ولما كان عدد العناصر الكيماوية فى الطبيعة 92 عنصرا موزعة كلها توزيعا عشوائيا، فإن احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة لكى تكون جزيئا من جزيئات (البروتين) يمكن حسابه لمعرفة كمية المادة التى ينبغى أن تخلط خلطا مستمرا لكى تؤلف هذا الجزىء. ثم لمعرفة طول الفترة الزمنية اللازمة لكى يحدث هذا الاجتماع بين ذرات الجزىء الواحد. وقد قام العالم الرياضى السويسرى
(1/33)

(تشارلز يوجين جاى) بحساب هذه العوامل جميعا فوجد أن الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوين جزىء بروتينى واحد إلا ص _042
بنسبة 1 إلى 10 أس 1600 أى بنسبة 1 إلى رقم عشرة مضروبا فى نفسه 1600 مرة. وهو رقم لا يمكن النطق به، أو التعبير عنه بكلمات. وينبغى أن تكون كمية المادة التى تلزم لحدوث التفاعل بالمصادفة بحيث ينتج جزىء واحد أكثر مما يتسع له كل هذا الكون بملايين المرات. ويتطلب تكوين هذا الجزىء على سطح الأرض وحدها عن طريق المصادفة بلايين لا تحصى من السنوات قدرها العالم السويسرى بأنها عشرة مضروبة فى نفسها 243 مرة من السنين. ويشرح الدكتور (الدمرداش عبد المجيد سرحان) قانون الصدفة وما يمكن وما لا يمكن فيه فيقول: "إذا كان لدينا صندوق كبير ملىء بآلاف عديدة من الأحرف الأبجدية فإن احتمال وقوع حرف الألف بجوار حرف الميم لتكوين كلمة أم قد يكون كبيرا، أما احتمال تنظيم هذه الحروف لكى تكون قصيدة مطولة من الشعر، أو خطابا من ابن إلى أبيه، فإنه يكون ضئيلا إن لم يكن مستحيلا. ولقد حسب العلماء احتمال اجتماع الذرات التى يتكون منها جزىء واحد من الأحماض الأمينية (وهى المادة الأولية التى تدخل فى بناء البروتينات واللحوم) فوجدوا أن ذلك يحتاج إلى بلايين عديدة من السنين. وإلى مادة لا يتسع لها هذا الكون المترامى الأطراف. هذا لتركيب جزىء واحد على ضآلته. فما بالك بأجسام الكائنات الحية جميعا من نبات وحيوان. وما بالك بما لا يحصى من المركبات المعقدة الأخرى. وما بالك بنشأة الحياة وبملكوت السموات والأرض؟ إنه يستحيل عقلا أن يكون ذلك قد تم عن طريق المصادفة العمياء. أو الخبطة العشواء. لابد لكل ذلك من خالق مبدع عليم خبير، أحاط بكل شىء علما. وقدركل شىء ثم هدى". أود أن أنفى بشدة وبقوة ما يدور على أفواه البعض من أن البيئة العلمية تربة خصبة للإلحاد. إن هذه شائعة مفتراة لا يليق أن نستمع إليها. وهدف الذين روجوها الإيهام
(1/34)

بأن الإيمان ينبت فى الأوساط الجاهلة، ويستخفى فى الأوساط العاقلة. وهذه فرية مفضوحة، فإن الإلحاد آفة نفسية، وليس شبهة علمية. والذين كفروا بالله الحق لم ينشأ كفرهم عن استقامة التفكير. إنما نشأ كفرهم عن عوج فى الفطرة. وخطل فى الرأى. وضلال فى الخطوات. ص _043
وجمهرة العلماء معافون من هذا البلاء، وهم يؤمنون بالله الحق إيمانا يتخلل شعاب القلب. ويورث مشاعرهم إعزازا للخالق. وإكبارا بشأنه. نعم. إن جمهرتهم تنكر الخيالات المعلولة التى لا تليق بمقام الألوهية. وتكفر بما يلتصق بالتدين من أوهام وتخامين!!.. وماذا عليهم إذ كفروا بألوهيات من هذا النوع؟.. إن الكفر بها واجب. وإن الإيمان الذى يلده العلم الصحيح، هو الإيمان بالله الفرد الصمد. الذى لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد. هو الإيمان بالله الواحد المحيط بكل شىء الذى لا تدركه الأبصار. وهو يدرك الأبصار. وهو اللطيف الخبير.. إن الازورار عن التدين المعتل علامة صحة نفسية، ونحن إنما ندعو للإيمان بالله على النحو الذى وصف الله به نفسه فى وحيه المصون. وهو إيمان تنشرح له صدور العلماء. وتقر به أعينهم ويستريح إليه تفكيرهم. عندما نقيم الدليل قاطعا على ثبوت شىء ما، وعندما نقيم الدليل- قاطعا- على نفى ضده، فماذا يؤكد الحقيقة بعد هاتيك البراهين المتظاهرة!.. لقد ثبت أنه من المستحيل أن تخلق نواة من تلقاء نفسها. وأن عامل الصدفة لا يجوز فى هذا المجال علميا. ومعنى هذا أن القول بحدوث العالم وحده، ومن تلقاء نفسه، تخريف. وأنه لا بد من وجود إله عالم مقتدر حكيم جبار... ومع ذلك فإن الفيلسوف الإنكليزى "برتراند راسل " يقول فى صفاقة نادرة: "ليس وراء نشأة الإنسان غاية أو تدبير. إن نشأته وحياته وآماله ومخاوفه وعواطفه وعقائده، ليست إلا نتيجة لاجتماع ذرات جسمه عن طريق المصادفة". والمصادفة التى يتصورها هذا الإنكليزى "المغفل " ليست افتراضا بنسبة 1 إلى 10 ولكنها افتراض
(1/35)

بنسبة 1 إلى ألوف من الأرقام يعجز الفم عن نطقها!.. هذه هى المصادفة التى وجد الإنسان نتيجة لها، بل وجد الكون كله- ما نراه وما لا نراه- بناء على زعمها!.. ص _044
وقد فند العلماء الراسخون تلك الخزعبلات، كما رأيت، وأقصوها من ميدان الفكر العلمى كل الإقصاء. فهى تحرصات أناس معتلين ، وليست وليدة منطق علمى يتمتع بحظ من الاحترام. إن فى كل شىء آية تدل على الله، آية تنفى الريبة، وتورث اليقين، قال تعالى: "وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون". وإذا كنا قد سمعنا الإنكليزى "راسل " يقول: إن الإنسان خلق هكذا، فلنسمع مرة أخرى قول العلم فى طريقة خلق الإنسان، لنرى أين مدخل "الصدفة" فى هذا التكوين الرائع الرائق؟. قال ابن الخطيب يفسر الآية الأخيرة : "وفي أنفسكم أفلا تبصرون". لو تأملتم فى أنفسكم لوجدتم العجب العجاب، انظروا مثلا كيف أنشأكم الله تعالى ابتداء من طين، ثم كيف خلقكم من نطفة فى قرار مكين! بل انظروا إلى النطفة نفسها، وكيف يتكون منها الجنين، الذى لا يتكون إلا من الاتحاد بين جرثومة الذكر وبويضة الأنثى. وبذلك تتكون خلية، يحدث انقسام بينها إلى خليتين، ثم انقسام آخر لكل من الخليتين، ثم آخر للمنقسمين، وآخر وآخر، وهكذا دواليك، إلى أن يصل العدد إلى أربعين جيلا من الخلايا، حتى يزيد مجموع الخلايا- التى يتكون منها الإنسان الواحد- على سكان الكرة الأرضية بأكثر من ألف مرة. "وكل خلية من هذه الخلايا تعيش بمعزل عن الأخريات، وكل منها بمثابة مصنع للإنتاج، منها ما ينتج الشعر، ومنها ما ينتج الأظافير، ومنها ما ينتج العظام، ومنها ما ينتج الدم، وهكذا. "ومتى نضجت هذه الخلايا، واكتمل نموها، تخصص كل منها فى تكوين نوع واحد من الأنسجة والأعضاء. "هذا وقد أصبح من السهل جدا- تحت المجهر- التفريق بين الخلايا المكونة للكبد، والخلايا المكونة للكلى، بالرغم من أن مهمة العضوين تكاد تكون واحدة: هى الاشتراك فى عملية
(1/36)

التغيرات الكيميائية فى الجسم. "ومن هذه الخلايا ما ينتج الجهاز العصبى، الذى يتوقف عليه إيصال الرسائل من الحواس والأعضاء المختلفة إلى المخ، ومن المخ تنتقل الرسائل- التى هى بمثابة أوامر وأحكام- إلى العضل والأطراف التى تتحرك بموجبها- تبعا للظروف المحيطة بالإنسان- ص _045
أو إلى الغدد الجمة، فتفرز سائلا،معينا- وفقا للحالة التى يجابهها الشخص- كالدموع، واللعاب، والأدرينالين. "مثال ذلك: إذا أبصر إنسان نصا أمامه بيده خنجر: فإن الجهاز العصبى يوجه إلى المخ إشارة بذلك الخطر المحدق، فتتلقى الجوارح من المخ إشارة بما يجب اتباعه. وقد يشير المخ- تبعا للسلوك الشخصى للإنسان- بالفرار من اللص، أو بالهجوم عليه وانتزاع الخنجر من يده، أو بمبادرته بطلقة من مسدس، أو ضربة من عصا ونحوها، على ان الزمن الذى تستغرقه هذه الرسائل- الذاهبة والآيبة- يدق على أى آلة أو أداة لاسلكية أو إلكترونية إذ لا يتجاوز جزءا من مائة من الثانية. "فعلاقة الحواس بالمخ علاقة ثابتة ما ثبت الوعى والإدراك، اللذان يتفرع منهما التمييز، والتصور، والذاكرة، والتعليل، والطموح، وإدراك الهدف. "ولا يخفى ما فى خلقة المخ من أعاجيب وغرائب، فمن أعجب الأعاجيب: اختزان العلوم والمعارف والمدارك، والمحفوظات، واستخراج ما يراد من ذلك من سجلاتها المرتبة المبوبة فى ظرف ربما لا يتجاوز ارتداد الطرف، بوساطة ذبذبات يعجز اللسان عن وصفها، ويضيق الجنان عن الإحاطة بها!. "هذا وقد دل الفحص المجهرى على أن عدد الخيوط العصبية فى المخ يتجاوز عشرة آلاف مليون. كل واحد منها تدب فيه الحياة، ويحمل وظيفة عضوية يؤديها على أكمل وجه!. "وعلى هذا المنوال تؤدى أجسامنا- بما احتوته من أعضاء- وظائفها ذات الأهداف المتباينة، بغير وعى عنها، الأمرالذى يدلى دلالة قطعية على أن هناك إرادة عليا تسيرها وتوجهها ولو لم يكن فى بديع صنع الإنسان سوى أنه يأكل الطعام، ويشرب الشراب، فى مدخل
(1/37)

واحد، ثم يخرج كلاهما من مخرج منفصل عن الآخر، لكفى ذلك عجبا! وناهيك بما يفعله الجسم بالطعام والشراب حين يهضمهما، ويأخذ أطايبهما، ثم يلقى بنفايتهما، بعد أن يستنفد وقوده، ويأخذ حاجته، ويستوعب كفايته... فتبارك الله أحسن الخالقين.. "ولو تأملتم حواسكم: لوجدتم أعجب العجب! انظروا مثلا إلى حاسة اللمس، وكيف أنكم تستطيعون بها الفرق بين الناعم والخشن، والبارد والحار، واللين والرخو، وانظروا أيضا إلى حاسة الشم، وكيف تستطيعون بواسطتها معرفة زكى الرائحة من رديئها، وطيب النكهة من فاسدها. وانظروا أيضا إلى حاسة الذوق، وكيف تستدلون بواسطتها على تذوق الأصناف والعلوم، ومعرفة الحلو والحامض، والمر، والمالح. ص _046
(1/38)

"وكذلك البصر وانطباع المرئيات عليه وانعكاسها على صفحة المخ لتترك أثرها. وكذلك السمع، وانقلاب المسموعات إلى مفهومات، وانطباع هذه المفهومات فى حافظة المخ لتزودكم به، وقت حاجتكم إليه. وهكذا سائر الأعضاء بما وهب الله تعالى من مزايا يضيق الخاطر عن حصر فوائدها ومنافعها!. "فإذا ما فكر الإنسان فى خلقة نفسه، ودقة حواسه، وتأمل هذه الآلات والأدوات، التى صاغها الخلاق العليم، وبرأها المدبر الحكيم! وهل يستطيع الإنسان بما أوتى من علم ومال، وجاه وسلطان- أن يستعيض عن أحدها لو سلبها، أو أن يردها بعد تلفها، أو أن يفهم كنهها، ويعرف شر تركيبها! حقا لو تأمل الإنسان بعض ذلك، لما وسعه إلا أن يقول: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) ومع هاتيك الدلائل المتظاهرة على وجود الله تعالى، واستناد عالمنا فى نشأته وبقائه على قدرته جل جلاله. ومع اطراد البراهين على أن الدين حق، وأن تعاليمه مناط الرشد وطوق النجاة. ومع ذلك كله فبين الحين والحين نسمع امرءا مهزوز الرأى والضمير، يهرف بما لا يعرف، ويظن العامة ستسلكه فى عداد العباقرة إذا أعلن كفره بالله وباليوم الآخر. وما أكثر أولئك المتعالمين الأغرار، فى هذه الأيام العجاف.. إننى شديد الاحترام للدراسات التجريبية المستيقنة التى يتميز بها عصرنا هذا. ولقد أبصر الإنسان فى نفسه، وتابع التأمل فى الطريقة التى تدور بها أجهزته، وتتحرك أعضاؤه، ثم عاد بمجموعات من المعارف الساحرة تتضافر على تكوين عقيدة راسخة فى إله بديع قدير.. إن القول بأن السد العالى بنى من تلقاء نفسه، أو أن القنبلة الذرية انطلقت من تلقاء نفسها أقرب إلى التصديق من القول بأن الجسم الإنسانى تخلق هكذا.. دون إشراف أو تدبير، وبلا خطة ولا حكمة!!. ذلك أن الطريقة التى تكون بها الجسم، والتى يحيا بها آنا بعد آن أروع وأبدع ألف ألف مرة من أعظم المنجزات والكشوف التى عرفناها. ص _047
(1/39)

فلنسمع صوت العلم يحدثنا عن عمل "الدم " فى الجسد الحى، وكيف يدور بين منبعه ذهابا وإيابا، ليمد كل ذرة فى جسدنا بالحياة والحرارة والحركة. يقول "ألكسس كاريل ": "إن الإنسان لا يستطيع أن يفهم الكائن الحى بدراسة جثمانه الميت، لأن أنسجة الموتى قد حرمت دمها الجارى وعمل وظائفه. "والعضو الذى يفصل عن الوسط المغذى الذى يعيش فيه لم يعد له وجود". "وفى الجسم الحى يجرى الدم فى كل مكان، فتستحم كل أنسجته فيما يحتوى عليه من سائل شفاف ". "ولكى نفهم هذا العالم الباطن كما هو، يجب أن ندرس أعضاء الحيوان الحى والإنسان كما نراها أثناء الجراحات، لا كما تتفق لنا فى أبدان الموتى". وينبغى ألا نفرق بين الخلايا أو بيئتها كما يفعل علم التشريح، فإن كل الخلايا الحية تعتمد فى حياتها اعتمادا مطلقا على الوسط الذى تكون مغمورة فيه، وإنها لتغير هذا الوسط تغييرا لا ينتهى، وتتغير به، والحق أنها جزء منه وليسر لها بغيره حياة. يتألف الدم من حوالى 25 إلى 30 ألف بليون خلية حمراء و 50 بليونا من الخلايا البيض، وهذه الخلايا كلها معلقة فى سائل هو المصل!.. ويحمل الدم لكل نسيج من أنسجة الجسم غذاءه المناسب ويقوم فى الوقت نفسه مقام الأنابيب التى تلقى فيها الفضلات المتخلفة عن الأنسجة الحية. ويحتوى الدم كذلك على مواد كيميائية وخلايا قادرة على ترميم الأعضاء كلما مست الحاجة. وإن خواصه هذه فى الحق لعجيبة، فإن الدم فى أدائه هذه الوظائف المدهشة ليعمل ما يعمل السيل الذى يحمل فى عبابه من الطمى والشجر ما يكون سببا فى إصلاح ما يمتد على شطآنه من معاهد العمران. وهذا المصل، الذى هو زاخر بمواد أكثر مما يظن، يحتوى على مواد زلالية وأحماض وسكريات ومواد دهنية، ومفرزات من كل الغدد والأنسجة. وعلمنا بطبيعة أكثر هذه المواد ووظائفها الشديدة التعقيد علم ناقص!!. ص _0 ص
(1/40)

وفى الدم فوق هذا أجسام مضادة للجراثيم، تظهر عندما يكون لزاما على الأنسجة أن تحمى نفسها مات محاولات غزوها. يضاف إلى ذلك أن فى هذا المصل مادة زلالية تدعى "الفيبرين " تلتصق خيوطها من تلقاء نفسها بالجروح فتكفها من النزيف. ويسرى فى الجسم بأسره هذا الفيض عن مواد الغذاء. وليست أغشية الهضم بمساحاتها الواسعة جدا مرشحا لهذه المواد فحسب، ولكنها تقوم أيضا مقام المصنع الكيميائى. وتفرز الأغشية المخاطية التى تغطى باطن الجوف، مقادير عظيمة من السوائل، وتمتص مثلها، فتأذن خلاياها للأطعمة بعد هضمها أن تنفذ إلى الجسم، ولكنها تمنع الميكروبات التى تزخر بها قناة الهضم أن تنفذ إليه. وهذا العدو المخوف لا يقل خطره ولا يزول. ففى الحلق والأنف تعيش الميكروبات الفيروسية، وفى اللوزتين تثوى الجراثيم السبحية وجراثيم الدفتريا. وتتكاثر ميكروبات الحمى التيفودية والدوسنتاريا بسهولة فى الأمعاء. وسلامة أغشية التنفس والهضم لها سيطرة عظيمة على مقاومة الجسم للأمراض المعدية، وعلى توازنه وكفايته واتجاهاته الفكرية. وتشد غدد التناسل أزر القوى البدنية والعقلية والروحية جميعا، فما من خصى أصبح فيلسوفا عظيما قط، أو عالما كبيرا، أو حتى مجرما خطيرا. وتفرز الخصيتان والمبيضان فى الدم مواد معينة، تجعل لأفعالنا جميع مميزاتها الخاصة، فإفراز الخصيتين يورث الجرأة والضراوة والقسوة، وهى السجايا التى تميز ثور الصراع من الثور الذى يجر المحراث فى الحقل. ويؤثر إفراز المبيضين فى كيان الأنثى أثرا مشابها. والفلذة من النسيج الحى إذا وضعت فى قارورة احتاجت إلى مقدار من السائل يعادل حجمها ألفى مرة، كى لا تقتلها فضلاتها السامة فى بضعة أيام. وعلى هذا لو أن الجسم البشرى أحيل عجينة، وزرع زرعا صناعيا، لتطلب ... ر 225 لتر من السوائل المغذية. ص _049
(1/41)

ولكن نظرا للكمال الخارق الذى امتازت به الأنسجة المسئولة عن دورة الدم فى الجسم، وعن ثروته من المواد الغذائية، وعن نفض الفضلات منه على الدوام، نجد أنسجتنا تستطيع أن تحيا فى سبعة لترات أو ثمانية من السوائل بدلا مم 225.000 لتر. ويسرى الدم فى الأنسجة بسرعة لمنع تركيب الدم من أن يتأثر بما يلقى فيه من الفضلات. ويقدر كل عضو مقدار الدم اللازم وسرعة جريانه فيه، وذلك بمعونة الأعصاب التى تسيطر على أوعيته الدموية. فالمخ وسائر الأعضاء يتطلب كل منها ضغطا خاصا للدم الجارى فيه، ويتوقف أمر سلوكنا ونوع أفكارنا على حالة دورتنا الدموية توقفا كبيرا. وكل الجهود البشرية تابعة لحالة هذا الوسط الغذائى. وعندما يعود الدم من العضلات والأعضاء إلى القلب تدفعه نبضات القلب إلى شبكة الشعيرات الدموية الهائلة فى الرئتين، حيث تأخذ كل كرة حمراء حظها من أوكسيجين الجو، وفى نفس الوقت تنفض فى الجو ثانى أكسيد الكربون بحركات التنفس. وتتم تنقية الدم فى الكلى حيث تنفصل منه بعض المواد خارجة مع البول، وحيث تقدر هى مقدار الأملاح الضرورية للمصل. ويجرى عمل الرئتين والكلى بكفاية عظيمة، وإن نشاطهما البالغ ليثير الدهشة، فهو الذى يهيئ للبيئة المائية اللازمة للأنسجة الحية أن تكون قليلة فى مقدارها كل هذه القلة، ويهيئ للجسم البشرى أن يكون مدمجا خفيف الحركة. وفى الدم فوق ما فيه من أوكسيجين الهواء ومنتجات الهضم فى الأمعاء، نوع آخر من المواد المغذية مكونة من إفرازات الغدد الصم التى من خواصها العجيبة أن تصنع من مفردات الدم الكيميائية مركبات جديدة. ومن عمل هذه المركبات أن تغذى بعض الأنسجة وتنبه إلى بعض الوظائف. ويشبه هذا الأسلوب - فى أن يحدد الشىء نفسه بنفسه- أسلوب تربية الإرادة بجهد الإرادة نفسها.. فالغدة الدرقية والغدتان فوق الكليتين، والبنكرياس مثلا، تصنع مركبات جديدة هى الثيروكسين والأدرينالين والأنسولين على التوالى، فهى مصانع
(1/42)

كيميائية حقيقية. ص _050
وتصنع بهذه الطريقة مواد لا غنى عنها فى تغذية الخلايا والأعضاء وفى شتى وجوه النشاط البدنى والعقلى. وهذه الظاهرة تشبه فى غرابتها سيارة تستطيع بعض أجزائها أن تصنع الوقود الذى تستهلكه أجزاؤها الأخرى، وأن تصنع المواد التى تضبط احتراق هذا الوقود، بل أن تصنع خواطر المهندس الميكانيكى نفسه المشرف على الحركة أيضا. وإلى هذه الغدد يعود الفضل فى حياة الجسم وما ينطوى عليه من شتى ألوان النشاط. فالإنسان أولا كيان قائم على التغذية، فهو مركب من حركة دائبة بين مواد كيميائية، وتجرى المادة جريانا بين خلايا الجسم كلها، تهب الأنسجة ما تتطلبه من الطاقة، وتمنحها المواد الكيميائية التى تبنى لأعضائنا ومزاجنا كيانها المؤقت الرقيق.. ". ونتساءل مثنى وثلاث ورباع: أين مكان "الصدفة" فى سير الحياة داخل هذا الجسم الإنسانى؟ وكيف يقول امرؤ يحترم نفسه أن انبجاس الدم فى القلب وانسكابه فى ألوف العروق والشعيرات، وقيامه بهذه الوظائف الرهيبة، كل ذلك يتم خبط عشواء. إنها حقارة عقلية بعيدة الغور يأنف العلم أن تتصل به أو تنسب إليه. وأمر أولئك الملحدين لا يتجاوز قول الكتاب الكريم: "ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير" . وبعض الناس فى بلادنا يلحد تقليدا لما ترامى إلى أذنيه من أن العلماء فى أوروبا وأمريكا ملحدون. وقد سمعت أحدهم يثرثر بكلمات غامضة عن نظرية "النشوء والارتقاء". فلما قلت له إن "داروين " صاحب هذه النظرية يؤمن بالله.. فغرفاه دهشة، لأنه كان يعتقد أن "داروين " أبو الكفر، وموئل الكافرين!.. واستتليت أحدث هذا الغر: إن نظرية أصل الأنواع فكرة فى الطريقة التى تكونت بها الأحياء المختلفة. هل وجدت على صورتها الحالية، أم هى سلالات لمخلوقات أخرى؟. ص _051
(1/43)

وليس فى النظرية ما يشير- من قرب أو بعد- إلى أن العالم قد تكون من غير خالق.. وهذه النظرية قد تصح وقد تفسد، ولكنها على الحالين لا تضر قضية الإيمان. ولا تؤازر دعاوى المغالطين والفساق. ولندع كفر التائهين والمتعالمين، ولنؤكد أن الإلحاد يذوب فى حرارة المنطق العلمى الرزين. وأن هذا الإلحاد قد يجد له متسعا فى البلاد التى لم تعرف الإسلام.. ولم تستضئ بنوره. لأن التدين الأرضى أضعف من أن يقاوم المذاهب المادية.. أما حيث يقوم الإيمان على البحث فى الكون والتأمل فى مشاهد الأرض والسماء ، فهيهات أن تروج للإلحاد بضاعة أو ينطلى له زيف!.. ثم إن أسلوب القرآن الكريم فى الحديث عن الله وتصوير جلاله ومجده يتطابق مع ما يوجبه العقل للخالق الكبير من عظمة وتقديس!.. ومن هنا، فإن تراث الوحى الإلهى عندنا، تقرأ حقائقه، وكأنها نتائج لمقدمات عقلية خالصة، وضعها الفكر الرصين!.. وذاك ما يجعل العلم والإيمان قرينين لا ينفكان!.. "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون * خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين". ص _053
(1/44)

الإنسان بين المادية والإيمان من مواريث التربية الدينية فى مشاعرنا ووجهاتنا الإيمان بامتداد الحياة، وأن الموت ليس عقبة تقفها، وإنما هو مرحلة تتحول عندها. وهذا التحول الجلل لا ينتقص شيئا من مقومات الشخصية الإنسانية كما أن الإنسان على الأرض، هو هو الإنسان فى طور انعدام الوزن الذى سجله رواد الفضاء أخيرا. وهو طور عجيب، يجعل الإنسان البدين فى خفة العصفور بل أرق!، من كان يصدق أن الأرض التى تكفت البشر أحياء وأمواتا تدع الإنسان يعوم فى الجو على هذا النحو؟. أيا ما كان الأمر، فنحن المؤمنين نعتقد أن الحياة خالدة، وأن الحياة الأخر! تنبت من الحياة الأولى، وأن المرء هو فى حاليه جميعا، وأن ما يعرو الجسد من تلاش لا يؤثر فى حقيقة الروح، ولا فى كيان الإنسان المعنوى، ويعجبنى قول السهروردى، رحمه الله: قل لأصحاب رأونى ميتا فبكونى إذ رأونى: حزنا لاتظنونى بأنى ميت ليس هذا الميت والله أنا أناعصفوروهذ اقفصى طرت منه فتخلى رهنا فاخلعوا الأنفس عن أجسادها فترون الحق حقا بينا لاترعكم سكرة الموت فما هى إلابانتقال من هنا والموقنون بالله واليوم الآخر عندما يدركون الوجود على هذا المدى الرحب، يرتفعون بقيمته ويتقنون فيه، إذ يشكلون أنفسهم وفق مراد الله منهم، ويشكلون الحياة وفق مراد الله لها، ويحسون وهم على ظهر الأرض بأن لهم نسبا فى السماء، وأن لهم قرابة تصلهم بأزل العالم وأبده. ص _054
(1/45)

والواقع أن الإنسان المرتبط بالدين، هو الذى يحس نعمة الوجود، ويدرى دراية مطمئنة من أين جاء؟ وإلى أين يصير؟. أما الشخص المادى البحت الذى يؤمن بجسد لا روح معه، ودنيا لا آخرة بعدها، فهو مبتور الحس مشوه البصيرة، وفكرته عن الحياة تهوى بقيمة البشر إلى حضيض بعيد. وأذكر أنى التقيت من بضع سنين بمسخ من هؤلاء، وجرى الحديث بيننا عن الخير والشر والأبرار والفجار، فسرى الفزع إلى نفسى من دمامة الصورة التى فى ذهنه عن الحياة والأحياء. فهمت منه أن المجتمع يتخلص من الأشرار كما يتخلص الفلاحون فى الحقول من الحشرات المعتدية على لوز القطن بشتى الوسائل الفتاكة، أو كما نتخلص نحن فى بيوتنا من الذباب والهوام بالغازات القاتلة. وأن من حق الأحياء بث السكينة فى أكناف المجتمع بهذه الطريقة. وأن نهاية أى مجرم لا تزيد عن نهاية برغوث هلك، أو دودة أبيدت، وانتهى الأمر... أما الأخيار، فحقهم المقرر أن نعيمهم الأول والأخير، هو مستوى المعيشة المرتفع!. عدة أكلات شهية، وعدة بدلات حسنة، وساعات من السمر والمرح.. ثم يجثم الكيان الإنسانى كله- بما أوتى من ذكاء لماح ومشاعر طموح- فى حفرة داكنة، هى نهايته الأخيرة، لا يفترق عن أية دابة تنفق بالشيخوخة أو تخترم حياتها بإطلاق الرصاص. ألا ما أهون الوجود، وأخسه لو كان محكوما بهذا الإطار الوضيع. ولو أخذنا قطعة من مخ أى ملحد، وسلطنا عليها المجهر لنكتشف آثارا من شعور بالحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والفضيلة والرذيلة، ما وجدنا شيئا قط،! لا ما يتواضع القوم على فعله، أو تركه، لتحسين للسنوات القلائل التى يقضيها الناس على ظهر هذا الكوكب المنحوس. وكأن القدر يعامل هؤلاء الشاردين بنقيض مقصودهم- على حد تعبير الفقهاء- فهم ص _055
(1/46)

بقدر ما يعبدون الحياة، وينشدون لذاتها، لا يئوبون إلا بالحرمان والشظف بعد الجهد المتواصل والهم الشديد. والفجيعة الكبرى يوم يودعون الحياة، حاسبين أنفسهم فى نقلة إلى أودية الفناء، فإذا هم بعد الموت يشعرون بكل شىء، ويدركون أنهم كانوا فى ضلال بعيد مهه "وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين". إننا لا ندرك كنه الروح، ولا سر الحياة فى المادة. ولا نحتفى بأوهام " الروحية الحديثة" واتصالاتها المزعومة. ولا نشرح هنا مذهبا معينا عن علاقة الجسد بالروح، وإنما نحن نحدد تحديدا حاسما طبيعة الحياة المؤمنة ومسلكها، وفق تعاليم الوحى وهداية المرسلين. إن الإنسان- حسب تناول الدين له- كل متماسك، وتزكيته المنشودة تشمل جوانب نفسه الظاهرة والباطنة. وقد وجد من مفكرى الإسلام من تحدث عن الروح وحده والبدن وحده وعن النشأة المختلفة لكلا العنصرين. ونحن نعرف قصيدة ابن سينا فى الروح: هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تدلل وتمنع وقصيدة شوقى فى معارضتها: يا نفس مثل الشمس أنت أشعة فى عامر، وأشعة فى بلقع فإذا طوى الله النهار، تراجعت شتى الأشعة والتقت فى المرجع ونحن لا نتعصب لهذا التصوير وحده، فربما كان لبعض المفكرين رأى آخر فى بدء الخلق. وإنما الذى ننبه إليه أن المؤمن لا يعيش لغرائزه الدنيا، ولا لحاجته العاجلة. وإنه واثق من لقاء الله بعد الموت ثقته من وجوده فى هذه الدنيا. ص _056
(1/47)

وأن جسمه يمثل جزءا من وجوده لا الوجود كله. وأن الله لم يتركه سدى، بل رسم له صراطا مستقيما، وأمره ألا يحيد عنه. لكن البشر من قديم احتجبوا وراء أسوار المادة الظاهرة، وظنوا الوجود لا يعدو هذه المحسوسات، وكذبوا المرسلين حين حدثوهم عن اليوم الآخر. وقال شاعر جاهلى: يحدثنا الرسول بأن سنحيا وكيف حياة أصداء وهام؟ إن الإيمان بالحاضر والكفر بالغد، والإيمان بالجسد والكفر بالروح، إن هذه المادية الصماء ليست وليدة التقدم العلمى الحديث كما يهرف البعض، إنها وليدة الجهل القديم، وهو جهل لم تنقشع ظلمته عن طائفة من الناس. وإنه لكذب عميق القاع أن يقال: هذا الكفر وليد الارتقاء العلمى!. لقد تتبعنا أقوال كثير من الملحدين فرأيناها صدى دقيقا لما كان يردده الدهماء من البدو والبله من الأعراب... كلهم أروغ من ثعلب ما أشبه الليلة بالبارحة من أجل ذلك لم أصدق حرفا مما كتبه الدكتور محمد مندور فى العدد -19- من مجلة المجر تحت عنوان "موقف شجاع من الحياة" قال: أدت الحرب العالمية الثانية إلى انتشار مذهب فكرى وأخلاقى جديد هو المذهب (الوجودى)، ذلك أن أهوالى وفظائع هذه الحرب قد أوحت بفشل التراث الدينى والأخلاقى، فى قيادة البشر وتجنبهم الويلات، حتى قال "جان بول سارتر" زعيم الوجودية: "إن الوجودية ليست دعوة! بل تقرير واقع، وإن البشر قد تحولوا إلى وجوديين، بضغط تلقائى من الأحداث والفجائع، التى ابتلوا بها فى الحرب ". ثم قال مندور: والوجودية ترى أن مبادئ الدين والأخلاق قد أفسدت قيادة البشر، وأن الإنسان لم يعد يؤمن إلا بأنه موجود، وعليه أن يعدل سلوكه فى كل موقف من مواقف الحياة، ص _057
(1/48)

بمحض اختياره وتقديره الفعلى لمصلحته الحقيقية، كفرد وكعضو فى مجتمع، بدلا من أن يعود إلى التراث الدينى والأخلاقى يستوحى منه سلوكه، ثم استطرد مندور يضرب مثلا للسلوك الوجودى، بمسرحية "الذباب " التى كتبها "سارتر" وفيها: " قتل الابن أمه بالاشتراك مع أخته لأنهما رأيا مصلحتهما الشخصية فى ذلك، وأنهما استطاعا بعد هذا أن يستبعدا عنهما عذاب الضمير الذى شبهه بطنين الذباب، لأن راحتهما وسعادتهما كانت متوقفة فى رأيهما على قتل هذه الأم ". هل هذا تفكير تقدمى؟ إن الطعن فى الدين كله والاستغراق فى الوجود الحاضر داء تفشى فى العالم من أجيال سحيقة، وهل تكاثر المرسلون يحددن القافلة المعناة إلا لهذه العلة الدفينة؟. فما الجديد، فى ضلال "سارتر" وغيره من الوجوديين؟. هل هذا تفكير إصلاحى!. إن ربط التقاليد والقوانين بالأهواء والمنافع عودة سريعة إلى دنيا الغاب، ويوم تكون قصارى البشر أن يشبعوا نهمتهم من الحياة، فما الفرق بين جماهير الناس وقطعان الدواب؟. هل هذا موقف شجاع من الحياة ؟ كلا... إن الذين تئودهم المثل الرفيعة ويعجزون عن تبعاتها، ويؤثرون النكوص على التقدم، لا صلة لهم بالشجاعة من قريب أو بعيد. المضحك فى مزاعم الوجوديين، والماديين، وكل كافر بالسماء، أنهم يحسبون أنفسهم تقدميين وأن غيرهم متخلف، من بقايا القرون الجامدة.. ليس هذا ما يقوله أصحاب "سارتر" فقط، بل قاله الوثنيون لمحمد من أربعة عشر قرنا: "وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون * لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين". أى هذه رجعية.. أما إنكار البعث، وعودة الحياة فتقدمية علمية، حمل رايتها أبو جهل، وغيره من عباقرة البحوث الكونية!. ص _058
(1/49)

يؤسفنى أنه فى ميدان العلم- حيث السيادة للحقيقة المجردة- تنتشر شائعات لا أساس لها، تزعم أنه قد ثبت بالتجربة والاستقصاء تخلق الحياة من تلقاء نفسها، وأنه قد ثبت أن ما نسميه روحا أو عقلا، ليس إلا وجها من وجوه النشاط المادى، وصورة من صور الحياة المحسوسة، وأن الكون أجمع بدأ على سنة النشوء والارتقاء بداية على أنه لا ألوهية، وأن الحياة مادة!.. إلى آخر هذا الإفك. ونسمع نحن لهذه الدعوى العريضة، ثم نسمع لكلمات العلماء الإخصائيين فى الموضوع فنجد العجائب التى تثير الأضاحيك. لقد ذكرنا جملة من المعارف الساطعة فى هذا الموضوع، ولا بأس من إضافات أخرى. يعتقد العالم الطبيعى السوفيتى "ألكسندر أوبارين " أن الحياة نشأت على الأرض كجزء مكمل لكيان هذا الكوكب نفسه. وتتلخص البحوث التى أجراها هذا الأستاذ وتلاميذه على مدى عشرات السنين فى أن الحياة- وهى صورة من صور المادة فى نظره- تمثل عملية متصلة تبدأ من اتحاد مواد غير عضوية لتكوين مركبات عضوية وهذه تتعقد لتكون فى النهاية أنظمة تماثل الأنظمة الموجودة فى الأحياء الدنيا- وقد تم هذا على مدى ملايين السنين قبل أن تعمر الأرض بالحياة.- والترجمة له- إحقاقا للحق نقول: إن البحث العلمى الذى أجرته هذه المدرسة السوفيتية وغيرها من المدارس فى إمكان استعادة نشأة الحياة بطرق معملية قد وقف عند حد معين لا يتعداه. بل لم تستطع أى من هذه المدارلس جميعا الشرقية منها أم الغربية أن تصل إلى تركيب معملى قريب الشبه من المادة الحية بحال. ثم إن "أوبارين " نفسه- ككل عالم نزيه- لم ينكر هذه الحقيقة، بل يذكر صراحة فى مقدمة البحث الذى ألقاه على مئات العلماء المجتمعين فى نيويورك فى المؤتمر الدولى الأول لعلوم البحار فى شهر أغسطس عام 1959 والذى خصص قسم منه لبحث نشأة الحياة على الأرض قوله: "إن جميع المحاولات التى أجريت لتوليد الحياة من المواد غير العضوية سواء تحت ظروف طبيعية أو فى المعمل قد
(1/50)

باءت بالفشل ". بيد أن نظريته التى ألقاها على المجتمعين والتى سبق أن نادى بها فى الندوة الدولية التى عقدت عام 1957 فى موسكو لبحث نشأة الحياة، فيها استعراض عمل رائع "للاحتمالات " التى يمكن أن تكون الحياة قد نشأت وفقا لها. ص _059
ومن هذه الاحتمالات الهائمة، والتخمينات العائمة، والافتراضات التى يتصيدها المرء من الوهم لتصوير فكرة ملكته.. من هذا كله يدعى العالة على موائد العلم أن لا ألوهية ولا روح!. مجموعة من التخيلات التى لو صحت ما كان لها دلالة خطيرة، يريد بها بعض الناس أن نطرح من أجلها اليقينيات، ونخلع من أعماقنا كل شعائر الإيمان. إن الإلحاد يوم يعتمد على هذه الاحتمالات العلمية، فليس يقوم إلا على شفا جرف هاو، وليقل الماديون ما شاءوا إلا أن يطعنوا لغة العلم، وطرائقه فى النفى والإثبات، فهم غرباء فى هذا الميدان.. لنتدبر وصف العلماء لما تحتويه الخلية من مظاهر الحياة، ثم لنتساءل عما يعنيه هذا الوصف الساحر. "يمكننا تشبيه الخلية الحية بدولة أو قطر كبير يضم مقاطعات ومدنا مزدحمة، وشبكة من الأنهار والمواصلات السلكية واللاسلكية معقدة التركيب وشوارع كثيرة وقرى ودساكر، وكل هذه الوحدات تتبادل! السلع فيما بينها على هيئة مواد خام ومواد مصنعة وغازات وطاقات ". كل ذلك يجرى بداخل تلك الخلية التى لا تراها العين!. "كما أن ثمة نظاما محكما وآلية مضبوطة بقوانين، للتفاعلات التى تحدث داخل هذا النظام، بحيث لا يختلط تفاعل بآخر. ويتم هذا العزل بواسطة أربطة، ليست ثابتة ولا مستديمة ولكنها تتحول وتتغير من آن لآخر وففا لنظام معين أيضا، وهكذا تقوم الحياة فى أبسط صورها على نسق دقيق معقد من علاقات فائقة التنظيم ". من صانع هذه الخلية التى لا تراها العين؟. من ذرأها من عدم وأودع فيها القوى الباهرة، وأقام فيها- على ضآلتها- هذه العلاقات الساحرة؟؟. أهو الوهم الذى يسمونه (الصدفة) أم أبدعها وأشرف عليها من ". . . كل شيء
(1/51)

عنده بمقدار * عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال". إن الماديين يستطيعون أن يزعموا أى شىء إلا شيئا واحدا هو أن تفكيرهم المعطل المظلم يعتمد على إثارة من علم. ص _061
نهج أرشد فى دراسة الانسان عندما يعجز الإنسان عن استكناه حقيقة ما، فمن الرشد ألا يحبس نفسه أمام قفل عصى على الفتح، بل ينبغى أن يصرف نشاطه من محاولة إدراك الكنه إلى محاولة التعرف على الخصائص والظواهر الميسورة، وإلى تتبع ما دق وجل فى هذا المضمار. وهو سوف يستفيد استفادة عاجلة من هذه المعارف التى تيسر تحصيلها. ثم من يدرى؟.. لعل طولط التتبع للخصائص والظواهر يكون المفتاح لما استعصى من معرفة الحقيقة ذاتها!.. إن العلماء لم يسجنوا عقولهم فى محاولة مستميتة لإدراك حقيقة الضوء، فإما عرفوا وإما انصرفوا.. كلا! لقد كفوا عن قرب الباب الموصد، وتركوا البحث عن كنه الضوء إلى بحث أجدى حول خصائصه. فأقاموا علما مترامى الآفاق عن الأشعة وسرعتها وانعكاسها وانكسارها. وساروا أشواطا بعيدة فى هذا العلم النافع، ما كانوا ليبلغوها لو أنهم رفضوا الحركة إلا بعد معرفة الكنه. ومثل ذلك يقال فى الكهرباء وفى غيرها من شئون المادة وقواها المخبوءة وأسوارها الغامضة!.. والحديث عن الإنسان لا يعدو هذا النطاق، فمن العبث بذل الجهد لتفسير حقيقة الروح، والعقل، وسر الحياة الناشطة الدائبة داخل الجسم الإنسانى. إن الطب تقدم تقدما رائعا عندما شرع يسجل ملاحظاته الذكية على سير الأجهزة البشرية فى الجسم، وعندما عالج عن بصيرة شتى العلل التى طالما آذت الناس، وملأت أنفهسم آلاما.. وسيظل الطب يحث خطاه فى هذا المجال مابقى على طريقته فى استقصاء الظواهر ص _062
(1/52)

والإفادة منها. وسيقف محسورا مبهورا لو أنه حاول التغلغل فى فهم حقيقة الحياة وسر الروح!. والدين عندما قرر العلاقة بين الإنسان وربه لم يزد على أن يعرف الإنسان بالله عن طريق صفاته الجليلة وآياته البينة. ثم بين للإنسان ما له وما عليه فى إحصاء قريب الفهم، ميسور التنفيذ، مضمون الثمرة.. والدين هو النهج الفذ الذى يحدد للإنسان وظيفته فى الحياة، ويسمو به عند الدنايا، ويدربه على الفضيلة، ويرشحه لرضوان الله، ويخلده فى رحمته. وقد حاول الإنسان الشرود عن هذا الصراط المستقيم، تارة بالبحث فى ذات الله، وتارة بالبحث فى أغوار نفسه هو. فغاص فى أوحال الفلسفة، وكان كالسيارة التى تركت الطريق الممهد، فغاصت عجلاتها فى الرمال أو انقلبت على جانبها فلم تتم رحلتها، ولم تحقق بغيتها.. ولو أن الإنسان التزم معالمه المشروعة، ووعى هدايات الله وحدها، ولم يجمح مع الخيال، ولم يطش مع الغرور، لكان تاريخه على ظهر الأرض أشرف مما كان. وبديهى أننا لا نستنكر على الإنسان حرية الفكر، وامتداد البحث، واستخدام مواهبه الأدبية الرفيعة إلى حد الإجهاد، وإنما نستنكر على الإنسان أن يبدد قواه فى بيداء طامسة يلهث فيها من طول التفكيرثم يعود بخفى حنين!.. إنه لو كون معارفه الذاتية- أعنى الإلهية الروحية- با لأسلوب الذى كون به معارفه العلمية لأراح واستراح. وهو فى ميدان العلم اكتفى بإدراك الخصائص والظواهر، فما عليه لو اكتفى فى مجال الوحى بالنشاط داخل هذا النطاق؟.. إن ضوءا من عظمة الله يشرق فى أفئدتنا حين نتأمل فى روائع خلقه، وحين نرسل أبصارنا إلى جنبات الملكوت الضخم، فنرى آثار المجد الذى لا يبلى، والعلم الذى لا يغيب، والإرادة التى لا تحد، والقدرة التى لا تغلب. حسبنا هذا! فما من جدوى قط للبحث عن كنه الذات الإلهية!. ومع التشبث بشرائع الله من صلاة وصيام وإعطاء وإحسان وحماسة للحق وكره للباطل نشعر بارتفاع مستوانا، وزكاة نفوسنا وارتقاء
(1/53)

أرواحنا. حسبنا هذا، فما من جدوى قط للبحث فى كنه الروح الإنسانية. ص _063
وعلى الفكر المتوثب المتوهج أن يشبع فهمه فى مجاله القريب المنتج. كما استطاع شقيقه فى علوم الكون والحياة أن يدع البحث فى حقائق الكهرباء والضوء وأن يبرز عبقريته فى خواصهما وآثارهما، فيجىء بالأعاجيب. إن علامات المرور ليست تقييدا لحرية السير بقدر ما هى حصانات من أخطار الطريق. ومن ظن أننا نحاول تكبيل العقل الإنسانى بهذا التحديد المقترح فهو مخطىء. *** وفى المرحلة التى بلغتها الحضارة العالمية الآن شرع كثير من المفكرين يتساءلون: أين بلغنا؟ وماذا كسبنا؟ وما المستقبل؟. وهى أسئلة بعث عليها ما يعانيه الناس من حرج وقلق. إلا أن هذه الأسئلة أخذت صورة الاستفهام عن الإنسان ذاته ورسالته فى الوجود.. ولا عجب! فنحن فى عصر توغل الإلحاد فى أحشائه، وما نظن الدنيا فيما مضى من أمرها قد استفحل فيها الزيغ استفحاله فى هذا العصر. فإذا كان المفكرون من أهل الإيمان يعالجون القضية من جذورها، فلا بد من ذلك حتى ينبت الإيمان فى أرض نظيفة. وأمامى الآن عالمان ممن يرفضون المنطق المادى، ويؤمنون بأن الإنسان أكبر من أن يكون حفنة تراب، أو رغوة طفت على سطح اللجة ثم تلاشت. الأول "ألكسس كاريل " فى كتا به " الإنسان ذلك المجهول " والآخر "ج. ب. راين " أستاذ علم النفس وما وراءه بجامعة (ديوك) بالولايات المتحدة فى كتابه "العقل... وسطوته ". الإنسان محور البحث فى الكتابين، وإذا كنا سنسمع تساؤلا حول أصل الإنسان ونشأته وقواه المأنوسة والمجهولة، فذلك تمهيد لتحديد رسالته وإنارة الطريق لمسلك أرشد، وسيرة أشرف. وليس بحثا فى غيبيات مبهمة، ولا اعتسافا للسير فى طريق ما وراء المادة. ذلك أن أصحاب النزعات المادية من وجوديين وشيوعيين وإباحيين يبنون مذاهبهم ص _064
(1/54)

الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والخلقية- قبل ذلك وبعده- على أن الإنسان نبات أرضى شيطانى لا رب له ولا حساب ينتظره!. فإذا جاء أهل الإيمان يصلون الأرض بالسماء، والجسم بالروح، والدنيا بالآخرة، ويتحدثون عن الإنسان وأصل تكوينه، ليهدموا تخرصات المقطوعين عن الفه فذلك بدءيفرضه المنطق السليم. يقول الدكتور "راين ": "ما نحن بنو البشر. أنت وأنا؟ لقد عرف الكثير عن الإنسان، وما زال الكثير سرا من الأسرار الغامضة. ولكن هل طبيعته الأساسية هى التى تحدوه للتصرف بالشكل الذى يتصرف به. فالعلم الطبيعى لا يستطيع أن يفسر ما هى حقيقة العقل وكيف يعمل مع المخ. ولا يستطيع أن يفسر كيف تحدث الصحوة أو الشعور. وأين يقع الفكر بين أنواع الظواهر الطبيعية؟. إن النظريات المجردة أو ا لافتراض وحده معلوم فى هذه النواحى... وهذا الجهل المطبق- عند من يعلم الكثير. منقصة. فقد وسع العلم الطبيعى حدوده بنجاح فى اتجاهات كثيرة. اكتشف القطبين وذرى الأرض وأعماقها وكل عناصر المادة. كما أزاح الستار عن تركيب الكواكب البعيدة، وأطلق الذرة بقوتها المدمرة من عقالها. وها هو ذات يستكشف التركيب الدقيق للفيروس والطبيعة الغامضة للأمراض الفاتكة. فكيف غاب عنه هذا السؤال الرئيسى، وهو: أين مكان الشخصية الآدمية فى نظام الكون؟.. إن الإنسان قد ترك مشكلته الذاتية فترة طويلة دون أن يركز بحثه فيها واستعضنا عن العلم بطبيعتنا معتقدات حولها.. أولها أن الإنسان مكون من عنصرين: أحدهما مادى، وا لآخر لا مادى، وهو العقل والروح.. وأن السلطان للروح، وما الجسد إلا سكنى لها وأداة!.. وبالطبع لا نتحدث عن الروح إلا فى أيام الأحد أو إن كانت هناك جنازة ص _065
(1/55)

وفى باقى أيام الأسبوع استبدلنا بكلمة الروح كلمة العقل لتعنى نفس الشىء. أما وجوه التفرقة الدقيقة بين الاثنين فلم تكن تعنينا!.. وكان الرأى السائد أن العقل الذى يتحكم فى الإنسان وفى تصرفاته. وبالطبع نمت ثقافتنا ومعاهدنا حولى عقل الإنسان، ولم يقتصر الأمر على المدارس النظرية، بل تعداها إلى كل طرائق حياتنا وعوائدنا وأخلاقنا ومباهجنا وأطماعنا وقيمنا الخلقية كلها فقد انبنت على تلك العقيدة وهى أن للإنسان طبيعة مزدوجة، وأن عقله هو المركز الحقيقى لشخصيته. ويستمر هذا المعتقد المتوارث مع الفرد حتى آخر فترة المراهقة. أما بعد ذلك، فلن يبقى للأسف إلا مع من تخلفوا عن التأمل أو إتمام التعليم العالى. وبين الشباب الذين يلتحقون بالدراسات العليا قد نجد البعض منهم ما زال متمسكا- شي وفاء- بمعتقداته الأولى خلال سنى دراسته الجامعية. ولكن الاتجاه العصرى العام ينحو بعيدا عن فكرة الطبيعة المزدوجة أو الروحية للإنسان. فحين يدرس الطالب العلوم التى تتعلق بالإنسان، وأصله وتطوره، وحين يعلم الصلة بين السلوك والمخ، وحين يرى إلى أى مدى تتحكم الغدد فى شخصية الإنسان بالعوامل الكيميائية، حين ذاك تبدأ معتقداته فى التزحزح! ويبدأ إيمانه القديم فى الانهيار. فسيجد أن الطفل ينضج حين ينمو مخه، وأن هناك اتصالا بين وظائف عقلية خاصة وبين مناطق محدودة فى المخ. فإذا أصيبت تلك تعطلت هذه الوظائف. وسيبدو أمام ناظريه أن الفكر والمخ يسيران متحاذيين حتى ليصل الباحث الصغير إلى التفكير فى أن المخ هو مركز التحكم فى السلوك. وهذه هى المرحلة الثانية فيما يعرفه الإنسان. والمخ بطبيعة الحال قابل للدراسة بالطرق الطبيعية. والخلايا العصبية التى يتكون منها هى جزء من عالم المادة والطاقة!.. أما العقل فلا سبيل إليه!. ص _066
(1/56)

فمن أى شىء يتكون؟ وماهمو إن لم يكن من طبيعة المادة؟ يبدو أنه وظيفة للمخ- أى مظهر من مظاحر النشاط المألوف بهذا الجهاز المادى الذى يسمى المخ، هكذا يسير التصور. وعلى هذا نصل إلى أن الإنسان مادة صرف. وأن العقل ما هو إلا تجلى المخ حين ينشط!. "ثم ينهى الطالب دراسة العلوم الطبيعية وقد تبخر الكثير من معتقداته الأولى عن الإنسان، وطبيعته المزدوجة وأصله السماوى"!. ومعنى كلام الدكتور "راين " أن أسلوب الدرس فى الجامعات والمعاهد ينتهى إلى أن الإنسان كائن مادى محدود. وأنه فى برامجه المقررة يرفض الحديث عن الروح، أو الإيماء إليها. إن الإنسان بدأ وكأنه حشرة زاحفة تافهة. وما زال يصعد فى سلم الارتقاء. ينتقل من طور إلى طور، حتى بلغ مكانه الحالى!.. وأثر هذه الدراسة المبتورة الزائفة أنها تقضى على الإيمان الفطرى، وتصرف الناس عن بيوت الله، وتربط نشاطهم بيومهم المحسوس وحده.. وقد يكون بعضهم جريئا فيعلن جحوده وانصرافه عن الدين.. وقد يكسل البعض الآخر، أو يجبن عن كشف خبيئته، فيحيا بنفس كفور وصورة مؤمنة!. فهل هذا التفكيرعلمى حقا؟. لقد تبين لك أن الكثرة العظمى من العلماء الراسخين فى دراسات الكون والحياة ينبذون باشمئزاز فكرة ميلاد العالم عن طريق "صدفة" عمياء.. وينبذون- باشمئزاز أشد- القول بأن النواميس الرائعة البارعة التى تحكم أجزاءه من الذرة إلى المجرة تمضى فى طريقها هكذا دون سيد يملك الزمام وقيم يتولى الرعاية!!. إن الإيمان بالله ضرورة عقلية لا محيص عن التسليم بها وبما يتبعها من انحناء للدين وارتضاء لآدابه وأحكامه. ونظرية النشوء والارتقاء- إن صحت فى صورتها العلمية الشائعة- فهى لا تدل بتة على أن الحياة وجدت من غير موجد، كلا!.. ص _067
(1/57)

إنها تدل على أن الحياة بلغت شأوها الحالى بعدما صعدت فى سلم التطور وانتقلت من دور إلى دور. وأى منكر فى هذا التصور للطريقة التى وجدت بها الحياة؟. إن ابن مسكويه، وابن خلدون سبتها إلى تقرير ذلك، قبل "داروين "، ولعلهما تمشيا فى هذا الفهم مع الجو الذى يوحى به قوله تعالى: "الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون". أما الترويج للإلحاد باسم البحث العلمى ونظرياته التى استقرت أو التى لم تستقر، فهو خداع صغير. والواقع أنه لابد من إعادة النظر فى طرائق الدراسة الكونية والإنسانية فإن بناءها على التفكير المادى المحض غش علمى يجب أن يطارد كأخس أنواع الغش التجارى!.. وقد ألمعنا فيما مضى إلى أن الإلحاد يقوم على إشاعات كاذبة فى ميدان العلم. وأنه لا أساس له ولا وجاهة. ونترك الدكتور "راين " وكتابه الملىء بالتجارب التى يثبت بها أن الإنسان كائن مزدوج، مادى، وروحى. ونسمع لصاحب كتاب "الإنسان ذلك المجهول " وهو يتساءل: "ما الفكر؟ ذلك الكائن العجيب الذى يعيش فى أعماق ذاتنا من غير أن يستهلك أى قدر قابل للقياس من النشاط الكيميائى؟. هل يتصل بأشكال النشاط المعروفة؟. هل يمكن أن يكون منظم الكون وأنه مع تجاهل الأطباء له أهم من الضوء؟ إن هذا العقل المخبأ بداخل المادة الحية يهمله "الفسيولوجيون "- و"الاقتصاديون " إهمالا تاما. كما لا يكاد الأطباء يلاحظونه. ومع ذلك فإنه أعظم قوة فى هذا العالم! فهل هو نتاج الخلايا المخية مثلما ينتج البنكرياس (الأنسولين) وينتج الكبد " الصفراء "؟. ص _068
(1/58)

ومن أية مواد يفرز؟ هل يأتى من مواد كانت موجودة سلفا كما يأتى "الجلوكوز" من " الجليكوجين " أو " الفيبرينوجين "؟. وهل يحتوى على نوع من النشاط يختلف عن ذلك الذى يدرسه الأطباء، ويعبر عن نفسه بقوانين أخرى، وتولده خلايا الغشاء المخى؟. أو هل يجب اعتباره كائنا غير مادى، وجد خارج الفراغ والزمن!! خارج أبعاد العالم الكونى. ثم أدخل نفسه فى مخنا بطريقة مجهولة لنا؟ ". ونحن نعرف مع هذا التساؤل! أن المؤلف رجل مؤمن بالله إلى حد بعيد. غير أننا لاحظنا عليه علائم الحيرة وهو يتحدث عن صلة الروح بالجسد، بل إن كلامه احتوى على نقائض بينة!!. مصدرها- فيما نرى- أنه حاول توضيح المفاهيم، وتحديد العلائق. أى حاول معرفة الكنه فى ارتباط البدن بالروح. وذاك سبب الاضطراب فيما كتب، فإن سر الروح محتجب وراء قلاع من الأسرار لا تستسلم. وكذلك سر الحياة فى بدننا. ومن الخيرأن نستقبل حقيقتنا الإنسانية كما هى. فما اتصل بالعقل صقلناه بما يتاسبه من علوم. وما اتصل بالقلب زكيناه بما يلائمه من تربية دينية. وما اتصل بالجسد تعهدناه بما يتطلبه من زاد وعافية.. وربما استهوانا البحث فى أعماق الكيان الإنسانى. فلنبحث ما شئنا بعيدا عن تعرف كنه المادة أو الروح، فإن البحث فى ذلك الاتجاه عديم الجدوى، وقد جربنا أن تتبع الخواص والأعراض أجدى فى الدراسة من الغوص وراء إدراك الذات نفسها. *** والنهضة البشرية التى قادها الغرب ضد عصر النهضة نجحت فى دراسة الإنسان من زوايا كثيرة. لقد تقدمت علوم النفس والاجتماع والأخلاق والاقتصاد والسياسة تقدما غير منكور. وسار معها على الدرب تقدم آخر فى علوم الطبيعة والكيمياء وسائر الدراسات الكونية. ص _069
(1/59)

وبدا كأن الإنسان يتبوأ مكان السيادة المطلقة فى عالم دانت له عناصره، واستكانت قواه.. والحقيقة أن هذا الازدهار الثقافى يخفى وراءه أسوأ ما فى طبائع البشر من عيوب. إن الديانات التى نتبرم بها من بدء الخليقة لم تتغير. وبين الحين والحين تنفجر براكينها فى بناء الحضارة، فتشرف به على الفناء. ولو أمكن أن يعيش سكان الأرض فى دعة ورخاء- المدة المقدورة لهم على ظهر الأرض- ما أغناهم ذلك شيئا. فإن الوجود أطول! عمرا من أن يكون هذه السنوات التى نحياها فى دنيانا هذه.. والإنسان أسمى وظيفة من أن يكون عبد نفسه. أو عبد أوهام يختلقها ويكرس وقته للدوران حولها. القضية التى يجب أن نبت فيها بالرأى الصائب، هى علاقتنا بالله، وكيف تستقر، وعودتنا إليه، وكيف نستعد لها. ولأعترف بأن علوم الدين فى الأعصر الأخيرة لم تحسن بسط هذه القضية ولا إنارة الأفئدة بوضحها. وقد انكمشت أو انهزمت أمام التيارات المناوئة لأسباب ينبغى أن ندرسها، حتى لا يكون المبطلون أقدر على اقتياد الحضارة من المصيبين وحتى لا يحرم العالم خيرا هو أفقر ما يكون إليه.. ونحن لا نرتاب فى المستقبل للإسلام، يوم يعرض الإسلام على الناس نقيا كما جاء من عند الله، ويوم يرى الناس أمة تحيا به ظاهرا وباطنا، وتقدم من سلوكها الأسوة الحسنة والتطبيق الصحيح. * * * ص _071
(1/60)

نعم روح وجسد ودنيا وأخره بين الإنسان وأجناس المخلوقات الأخرى وجوه من الشبه والاختلاف عرفها العلماء وبنوا عليها أحكاما شتى. فالإنسان جسم حى وعقل واع، وهو فى جسمه يشبه صنوفا من الحيوان الأعجم، وفى عقله يشبه الجن والملائكة، وهما من عالم الغيب الذى يؤمن به المتدينون وحدهم. ومع شبهه المقرر بهذه أو تلك، فهو كائن متميز بخصائصه العليا والدنيا، وله وظيفة انفرد بها وارتبطت بأوصافه المادية والأدبية جميعا. ولا فكاك بين العناصر التى تكون منها الإنسان. فهو يكلف بجملة مواهبه، ويؤديها كذلك بكيانه كله. والعلاقة بين جسمه وروحه وعقله من الامتزاج والتعقيد بحيث يستحيل فصمها إلا بالموت. وقديما فكر بعض الناس أن إهمال الجسد وتجاهل مطالبه، طريق الارتقاء النفسى. وفهموا أن التسامى الحق لا يتم إلا برياضات عنيفة، يستكين بعدها البدن ويسلس زمامه. وقد انتقل هذا التصور إلى كثير من المتحدثين فى الدين، حتى ظن أن التقوى منزلة لا يحرزها إلا أعداء أجسامهم، وشاع هذا الظن بين المتدينين الأقدمين، ثم تلاشى تقريبا فى هذا العصر المادى الطافح بالرغبات المجابة والغرائز المدللة. والأمر يحتاج إلى قدر من التريث فى النظر والحكم. إن المرء لا يستغنى عن بدن صحيح الأعضاء والمشاعر، وأى علة تعتريه فهى نقص قد يكون تافها أو سيئا. ص _072
(1/61)

والملحوظ أن الإنسان السوى القوى أشد تجاوبا مع الحياة وأقدر على تذوقها، وأداء رسالتها، وإقامة حق الله فيها. كان عبد الله بن عباس إذا طعم شكر الله أن منحه الشهية القابلة، والمعدة الهاضمة، كما يشكره على الغداء الميسور الذى تناوله!!. وصدق عبد الله، فإن الخير المسوق إنما يشعر به من يفيد منه. والجسم المتفتح للحياة له إيحاء ملىء بالتفاؤل والإقبال، ولذلك قال الشاعر: صح جسما فشاقت الأرض عينيه جمال اوفتنة وضياء صح نفسا فشاهت الناس حتى كره الأرض حوله والسماء عجبا للحياة ما سر منها جانب ترتضيه إلا أساء. وكم تضطرب أحكام الإنسان على الأمور، لأن أوجاعا استبدت به وأرهقت أعصابه!. أترى المعرى لو لم يكن مقعودا، ضريرا، كان يسخط على الدنيا هذا السخط، ويترك للناس هذا الأدب الحافل بالتشاؤم والانطواء؟. إننا نرى العافية السابغة نعمة كبرى على الإنسان، ونعد من مرشحات الكمال البشرى خلو الإنسان من الأمراض المنفرة، والعاهات المزرية. بل نعد البدن القدير على أداء الواجبات، لولاية الوظائف الكثيرة. ومن ثم فكل عداء للبدن لا يقوم أصلا على تفكير سليم، وليس له أساس فى ديانات الله كلها. إن الله أباح لأنبيائه- وهم صفوة الخلق وأشراف البشر- أن يلبوا حاجات المعدة، وأن يقدموا لها مطالبها من الطعام. فقال: "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم". وقال موضحا طبيعة هذه الإباحة، وقاطعا لاعتراضها: "وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين". ص _073
(1/62)

وكما أقر الدين وظيفة الجهاز الهضمى أقر وظيفة الجهاز التناسلى، وأباح للبشر أن ينزلوا على حكمه ولم يستثن المرسلين من ذلك القانون الشامل. قال تعالى: "ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية". وليس الزواج علاقة اشتهاء بدنى وحسب، فهذا تصور هابط. إن هذا ا لازدواج أساس ارتباط روحى، وامتزاج مشاعر وراحة أعصاب، وآثاره المعنوية أربى من آثاره المادية.. ولقد قرأت محزونا نبأ ذلك المتدين التعس الذى مزق خصيتيه بالموسى، لأنه وجد نفسه مهزوما أمام إلحاح الشهوة، وهو يحسب أن ذلك النداء يجب كبته أبدا، وأن التزوج بالنساء خسة لا تليق بالأطهار!!. إن قمع الغريزة نزعة لم يعرفها رسل الله الكرام. والذين عذبوا أبدانهم بكبتها لم يتحقق لهم الكمال المنشود، حتى لو افترضنا أنهم هزموا هذه الغريزة سرا وعلنا، ولم يأذنوا لها قط أن تلتوى بهم هنا وهناك، مع أن ذلك فى جملة الناس عسير التحقيق.. والغريب أن بعض الناس- بإيحاء من فكر سقيم- يظن الفحولة عيبا، كأن البدن الفارع مصيبة!!. وهذا جهل كبير، فالرجل العملاق يستطيع أن يكون قوة رائعة فى ميدان الفضيلة. وربما كلفته نصرة الحق من العناء والأثقال ما يزيد على رياضات التسامى المزعوم بالروخ ألف مرة. مع أنه هنا يسير فى اتجاه سليم، أما الذى لا يعطى الجسد حقه فهو يترنح بحمله فى طريق شارد. إن الدين لا يصادر طبائع الناس وإنما يضع لها الحدود المنظمة. الأكل المعتاد جائز، أما التشبع الذى يورث البطنة فلا يجوز. والشرع والعقل سواء فى أن السرف مصدر ضرر للفرد، ومصدر عدوان على الغير. ص _074
(1/63)

استمتاع الرجل بزوجته جائز، أما تطلعه إلى ما وراء ذلك فهو عدوان مقبوح. والشرع والعقل سواء فى ضبط الشهوة الجنسية وتسييرها فى مجرى محدد معلوم. إلا أن صوت الدين هنا أدق وأحكم، لأنه معصوم من تعلات المنحرفين، وأمانى المعتدين والمتهورين، والدين كما بينا لا يخاصم الجسم، لأنه لا يخاصم الإنسان. وإنما يقوده إلى خيره فى الدنيا والآخرة. وإذا حارب البطنة، فمن الحمق أن نفهم من ذلك أنه يدعو إلى الجوع. وإذا حارب الزنا، فمن الحمق أن نفهم من ذلك أنه يدعو إلى الحصر والرهبنة. إنه يحارب التطرف ليدفع إلى الاعتدال. وليس الزنا بغيضا، لأنه تنفيس عن غريزة مجرمة، إنما هو بغيض عند الله والناس، لأنه تنفيس بطريقة شائنة. أما الغريزة نفسها فليست رجسا من عمل الشيطان، فهى هى أصل عقد الزواج الذى أباحه الله، بل أوجبه فى كثير من الأحيان.. والإسلام- كما هو ظاهر فى كتاب الله وسنة رسوله- ينظر إلى الإنسان على أنه لا يتجزأ، فالتشريع له فى الدنيا والجزاء له فى الأخرى، لا يفصل بين روحه وجسده. وكما أن الماء بخصائصه المعروفة يتكون من عنصرين اثنين، ولا يسمى أحدهما وحده ماء، كذلك الإنسان، هو إنسان بروحه وجسمه معا، يستقبل التكليف بهما، ويتحمل الجزاء بهما. وقد قرأت لأحد المستشرقين الطاعنين على الإسلام كلاما يستنكر به هذا المسلك الواقعى، ويتهم ديننا بالمادية والحيوانية، لأنه أجرى ا لأمور على ذلك النحو. وهذا المعترض المتخرص، يدين بالمسيحية، ولما كانت المسيحية تؤمن هى الأخرى بالجزاء المادى، فقد تأول ما عنده، ثم تناول القرآن ورسوله بهذه الكلمات. قال قادخا فى القرآن، وطاعنا على رسوله: "ولا يبعد أن يكون قد اقتبس أيضا بعض معان مما جاء فى كتب النصارى عن سعادة الصالحين فى الآخرة. ص _075
(1/64)

وذلك أنه لما كان يتعذر تمثيل الملاذ الروحانية على وجه تدركه أفهام العامة من الناس ما لم يؤت فى وصفها ببعض المحسوسات، اضطر أصحاب أسفار التوراة والإنجيل أن يضربوا للنعيم السماوى أمثلة من أعيان دنيوية. فوصفوا مقام الصديقين بأنه مدينة فاخرة سنية قد بنيت بالذهب والجواهر، وقالوا إن لها اثنى عشر بابا، وأن نهر ماء الحياة يجرى فى شوارعها، وأن على جانبيه شجرة الحياة تحمل اثنى عشر نوعا من الثمر، وأن ورقها فيه قوة الشفاء . وكذلك وصف المسيح نعيمهم بأنه ملكوت يأكلون ويشربون فيه على مائدته " . ثم قال هذا المعترض. "غير أنه ليس فى هذه الأوصاف شىء من تلك التخيلات الخليقة بالصبيان التى تراها فى وصف جنة "محمد" من الأول إلى الآخر "!! ". وهذا فضلا عن أنه ليس فيها أقل إشارة قريبة أو بعيدة تؤذن بأن ثم شيئا من تلك الملاذ الشهوانية المولع بها "محمد". بل إن الأمر بالخلاف. إذ قيل لنا بصريح العبارة أنهم فى الآخرة لا يزوجون ولا يتزوجون، بل يكونون كملائكة الله فى السماء" . ونحن نتجاوز العبارات السفيهة التى تناول بها المؤلف الرسول الكريم. ونلقى نظرة على النصوص التى نقلها من كتبه.. إن العبارة التى ذكرها متى فى إنجيله عن تحول البشر إلى ملائكة لا نفهمها نحن إلا على أنهم يتحولون إلى عباد طيعين، يلهمون التسبيح والتحميد، ولا يعصون الله قليلا أو كثيرا. وهذا المؤلف بين أمرين: إما أنه لم يفهم دينه كما يجب!، وإما أنه يحكم عليه بالاشتمال على المتناقضات الظاهرة. إن النصوص التى نقلها عن كتبه تعترف بالجزاء المادى دون مواربة. وإذا كان ما يقوله حقا من أن ذلك كله تمثيل وتخييل فمن حقنا أن نسأل: هل الملائكية المزعومة للبشر تتحقق فقط بالبعد عن النساء، ولا يضيرها التهام ما شاءوا من طعام وشراب؟. ص _076
(1/65)

إن الملك لا يأكل ولا يشرب ولا ينكح.. فلماذا تصور هذا المؤلف أن البشر سوف يلقون نعيما روحيا فقط كالملائكة، ومع ذلك استبعد عليهم الناحية الجنسية واستبقى الناحية المتصلة بالمعدة والأمعاء والفضلات؟. وتوهم أن الروحانية المنشودة تعنى: أكلا لا زواج معه- تفكير مغشوش مرفوض. فإما أن تكون الملائكية بعداً عن العوارض المادية كلها، وإما أن تكون قبولا لها كلها. الإسلام والنصرانية الحقة، لا يعاديان الجسم الإنسانى. وقد كان "محمد" بشرا كاملا عندما أسلم كيانه كله لفه. وقف يصلى حتى تورمت قدماه، وقاوم الباطل حتى سال دمه، وعاش طول عمره فى ومضات متصلة من ذكر الله والتفانى فى عبادته. ومع هذه التقوى الغالبة كان يحب الحلوى، ويستعذب له الماء، ويرتدى الثياب الحسنة. فإذا عرضت أزمة لم يستح أن يرقع ثوبه، وأن يطوى بطنه تحت حجر، كظما على صيحات المعدة الخاوية. وكان زوجا رجلا، ورب بيت قادر، وأبا أولاد يحسن رعايتهم، تلك مظاهر الإنسانية النبيلة وعناصرها الكاملة. فليست الغريزة الجنسية رجساً من عمل الشيطان، ولا كفالة الأولاد شغلا بباطل. بل إن الحياة الفاضلة الراشدة ما بقيت على ظهر الأرض إلا بهذا المنهج الواقعى الطهور. إن الجسد الإنسانى آية من أدق وأروع وأعجب ما خلق الله فى الأرض والسماء، وقد صاغنا الله البديع هذه الصياغة المتقنة ليكون التأمل فيها مثار إيمان وعبرة. وهذا الجسد وسيلة جيدة لقطع مراحل الحياة وأداء واجباتها باقتدار. ولو أن أحدنا يمتلك سيارة لاجتهد فى صيانة آلاتها واختيار وقودها وتنقمية داخلها ص _077
(1/66)

وخارجها وإبراز ألوإنها، حتى تبقى بطاقتها وروائها طيعة لقطع المسافات وبلوغ المآرب. والإنسان لا يستغنى عن جسده ما ظل فى قيد الحياة، إنه وسيلته العتيدة لتحقيق رسالته فى المعاش والمعاد، فلا جرم أن الإسلام يتوفر على حياطته وحمايته من المولد إلى الممات. له أن يطعم الطيبات، وأن يزدان بالملابس، وأن يتحلى إذا تيسر له باللؤلؤ والمرجان، وعليه أن يبتعد عما يؤذيه من الخبائث، والمسكرات والمخدرات، وأن يتجنب السرف المؤدى به، وأن يتحرز من الأمراض والأقذار... وشرائع الإسلام حافلة بالتفصيل فى هذا المجال. ليس معنى ذلك عبادة الجسد! فما يخطر هذا ببال عاقل! إنما الغرض المحدد أن نضع الأمور فى مواضعها، وألا نخرج على قوانين الفطرة التى سنها الله لخيرنا... ولقد كان الغرب فى حضارته الحديثة أقرب إلى الفطرة من الشعائر والتعاليم التى تعادل الجسد، وتفرض عليه الشظف والهوان فى الدنيا، وتستكثر عليه النعيم والتكريم فى الآخرة. نعم، كان الرجال المدنيون أصح تفكيرا وأسلم طبيعة من رجال الدين هناك. وكم تعانى الفطرة من غباء بعض المنتسبين إلى الله! وكم أدى ذلك إلى فتنة جماهير، وزيغ عقلاء. ونحن المسلمين نعرف موقف ديننا من هذه القضية، ولم تشع نزعات الرهبنة إلا فى سيرة بعض المتصوفين الجهال.. ولا ندرى أكان ذلك تقليدا للنصرإنية وابتداعها؟ أم هو سوء فهم الآثار المروية عن حياة الرسول وصحبه الأبرار؟. أيا ما كان الأمر، فإن سذاجة فريق من الأتقياء، وتأثرهم بأهواء المبتدعين والمنحرفين يوجبان علينا أن نزيد الفكر الإسلامى وضوحا حتى نحط عن أمتنا بعض أوزار التخلف الذى تعانيه فى هذا العصر.. لقد كنت ألمح بأسى أن اللاعبين الأجانب فى ميادين الرياضة البدنية أقوى من لاعبينا، وأن قدرة شبابهم على الجرى والوثب أظهر، وأن شيوخهم أصلب عودا، وأطفالهم أنضر وجوها، حتى الحيوانات والطيور هناك أملأ من مثيلاتها لدينا! ص _078
(1/67)

لم هذا الضعف؟ إنه للأسف بقية ذهول عن القيم المادية وآثارها البعيدة فى الحياة. ولكى ندرك بعض الحقائق عن النهضة الغربية الحديثة وتفوقها المادى نذكر ما يقوله "ألكسسر كاريل " عن عظمة الجنس الأبيض، الحاكم بأمره فى هذا العصر!! يقول: "إن مقاومة المرض، والعمل، والقلق، والقدرة على بذل الجهد، والتوازن العصبى هى العلامات الدالة على سيادة القانون. ومثل هذه الصفات هى التى ميزت مؤسسى حضارتنا فى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.. وتدين الأجناس البيضاء بنجاحها لكمال جهازها العصبى.. إذ على الرغم من أن جهازها العصبى رقيق للغاية وسريع الاهتياج، فإن فى الإمكان السيطرة عليه، وترجع سيادة الأجناس البيضاء إلى الصفات الاستثنائية لأنسجتها وإحساساتها". ثم يقول هذا الطبيب الحاذق: "إن لضعف الجسم أسبابا كثيرة.. فمن المعروف أن أهلية الأنسجة تنخفض بتناول طعام شديد الدسم أو فقير فى العناصر المغذية، كذلك بالإدمان على تناول الخمر، أو الإصابة بالزهرى، وزواج الأقارب، وكذلك بالفراغ والوحدة. ولقد ثبت أن الإنسان المتحضر يفسد فى الطقس الاستوائى، وعلى العكس من ذلك فإنه ينجح فى الجو البارد، والسر فى ذلك أنه يحتاج فى هذا الجو إلى طريقة فى الحياة تشتمل على نضال مستمر وعلى بذلى الجهد العقلى والعضلى المناسب، واتباع نظام شخصى، ومدنى، وأدبى مستقل. فمثل هذه الأحوال تعود الجسم على الجهاد والأحزان. إنها تحميه من المرض وبخاصة الأمراض العصبية. كما أنها تدفع الإنسان دفعا لا يقاوم ليتغلب على العالم الخارجى المحيط به ".. وهذه الوصايا تميط اللثام عن سر الواجبات الموزعة على أجزاء الليل والنهار فى الحياة اليومية للإنسان المسلم، وسر ربطه الدائم بمثله العليا، وتعليق قلبه ولبه دائضا برب الأرض والسماوات. ص _079
(1/68)

الإيمان بالغيب ليس إيمانا بالوهم ولا إيذانا بالفوضى الخواص من عقلاء المؤمنين أدق تفكيرا وأصدق أحكاما من أندادهم الملحدين، لأن العالم الملحد قد يحيط علما ببعض آفاق الوجود، لكنه يجهل أو يجحد الحقيقة الأولى بينما زميله المؤمن لا يقل عنه علما بهذه الأفاق، ثم هو يضم إليها معرفة حسنة برب الكون، ومصدر الوجود. ونحن فى هذا نقارن بين فئات متساوية الذكاء بعضها مؤمن وبعضها كافر. ولا نقارن بين عالم فى الذرة ومدرس حساب فى إحدى القري. وكما أن خواص المؤمنين أرجح عقلا وأصوب حكما، فإن معيشة الاستقامة التى يعيشونها تجعلهم أهدى سبيلا وأقوم قيلا، وتجعل قدرتهم على قياد الحياة أشد، وبصيرتهم فى علاج مشكلاتها أشد. وقد رمقت الأجيال الأولى من المسلمين السابقين فوجدتهم أنشط عقولا، وأسلم وجهة وأحكم سياسة من غيرهم. ولم يحدث بتة أن كان الإسلام قيدا على انطلاقهم الفكرى، أو عاتقا دون اقتحام المجاهيل المادية والأدبية. بل الذى وقع هو العكس، كان الإسلام محرضا على البحث الجرىء والفكر العميق. وكانت آيات القرآن الكرحبم باعثا هائلا على إحياء الموات الذهنى والاجتماعى حيث تليت. ص _080
(1/69)

وعلى سناها انطلق العقل الإسلامى الأول انطلاقته البعيدة المدى، فجدد ونقى التراث الأول للإنسانية، ومهد وأعان على خلق حركة الإحياء فى الغرب. بيد أننا نلحظ أنه- من عدة قرون- كبا هذا العقل كبوة خطيرة، كما نلحظ أن جماهير المسلمين قد أصابتها لوثات وعلل أزرت بقدرتها الفكرية، وحكمها على الأشياء. ومن تأملى فى نفسى، وفى نفوس المؤمنين حولى، أسجل الحقائق الآتية حتى يعرف بالضبط مدى قربنا أو بعدنا من الإسلام ومنطقه ومنهجه: تضمن الإسلام- كما تضمن غيره من الديانات السماوية- حديثا عن عوالم أخرى غير محسوسة، وهو حديث محدد البدايات والنهايات، فهناك ملائكة لشئون الحياة والموت، وهناك جن مكلفون مثلنا بالإيمان والصلاة ، فيهم الفاسد والطيب. وعلمنا بهذه الأجناس قاصر، والمصدر الأول لإثباتها هو الدين، والنصوص الدالة على وجودها لا يمكن نفيها. وقد وردت بأوصافها آيات قاطعة، كما جاءت أحاديث آحاد ببعض أعمالها وأحوالها، وهذه الأحاديث تفيد الظن العلمى، وهو ظن يقوى ويضعف حسب درجة ثبوتها وقبولها. غير أن الخياليين والخرافيين من النالس وسعوا دائرة الكلام فى هذه العوالم المغيبة، وأقحموها فى شئون مادية كثيرة، ونسبوا إليها من التصرفات والآثار ما يبرأ منه الدين، وما شردت به الحياة العادية. والمسلم يلتزم ما ورد فحسب، وهو لن يخالف معلوما من الدين بالضرورة، ولكن من حقه تكذيب الأخبار التى يقصها الواهمون، كما أن من حقه حراسة الحقائق المادية والدينية من شغب المنحرفين. روى أن مالك بن أنس سئل: أيتزوج الإنس من الجنية؟ ورد مالك: يجوز- هكذا حكوا- ثم سئل: أيتزوج الجنى من الإنسية؟ فقال مالك: لا!.. لماذا؟ مع أن الحالين سواء!. قالوا: خشى مالك أن تزل أى امرأة ثم تزعم أنها تزوجت من عالم الغيب!! فحرس حدود الشرع والخلق بهذا النفى القاطع.. ص _081
(1/70)

وإذا كان الإمام الكبير قد صان الدين بنفى الشطر الأخير من السؤال فنحن اليوم نصون الدين والعقل بنفى كل ما يشيع بين العوام من ترهات فى هذه المجالات، فاستحضار الجان- وهو ما يسمى فى عصرنا بتحضير الأرواح- شغل بباطل. وتصديق السحر والشعوذة وخلط المعارف الطبية بأعمال الشياطين الخفية، لا صلة له بالدين. ويتصل بذلك حساب الجمل، والطوالع. والغريب أن بعض المفسرين والمؤرخين ينساق مع البله فى هذا التيار، وسائر المزاعم التى تؤكد صلة ما بين بعض الناس، وبعض الجن أو الملائكة، لا حرمة لها قط. فإن السمعيات لا مصدر لها إلا الكتاب والسنة، أما أخبار الناس فليست مصدر علم، بل كثيرا ما تكون محور أساطير.. ولا ضير على من يكذبها ويقيم فهم الناس لشئون الحياة على الواقع المحسوس وحده. وقد كان صحابة الرسول فى معايشهم وعلاقاتهم نماذج لنضج التفكير وسلامة الحواس، ودقة الأحكام. ولم تتلوث الحياة الاجتماعية فى العالم الإسلامى بهذه الأوهام إلا فى عصور التخلف وغفلة الفقهاء.. ومما يؤخذ على المسلمين فى الأعصار المتأخرة خلطهم بين عالم الغيب وعالم الشهادة. إن العالم الأول غامض الصورة مبهم المعالم لا تعرف من حقائقه إلا القليل الذى عرفنا به الشارع لحكمة قصد إليها. أما العالم الذى نعيش فيه فهو واضح الصورة بين المعالم. لعناصره خصائص ثابتة وللعلاقة بين بعضها والبعض الآخر قوانين محكمة.. غير أن بعض المتدينين يلبس هذا بذاك فلا تتماسك فى ذهنه صورة دقيقة للحياة وسننها، بل تتحول المادة وصفاتها وقوانينها إلى سائل رجراج يتساوى فيه الممكن والمستحيل.. ص _082
(1/71)

وما نقول فى فقيه يفترض أن الميت غسل نفسه غسل الجنازة؟ وآخر يقود قافلة مشيعيه كيف يشاء؟. ولقد انتشر هذا اللغو فى أمصار وأقطار شتى فوقف تقدمها العلمى ورسب فى الأذهان أن حقائق الأشياء غير ثابتة، وأن قوانين الكون غير مضبوطة. والغريب أن عددا من المؤلفين فى فروع الثقافة الإسلامية أذنوا لهذا الباطل أن يشيع. ويستحيل أن ترقى أمة يسودها هذا الفكر المكذوب. اقرأ هذه الأقوال المنسوبة إلى المتصوفين، وانظر هل يبقى بعد تصديقها مجال لارتقاء كونى، أو تقدم صناعى وكيمائى؟. زعم الخواص أنه كان يركب حماره، وكان يضربه، فرفع الحمار رأسه، وقال! للخواص: اضرب، فإنك هو ذا تضرب على رأسك. وزعم غيره أن حية سقطت على الجيلانى، وهو يدرس، ثم قامت بين يديه، تكلمه بكلام لا يفهمه سواه. وأن تمساحا ابتلع صبيا فناداه الدسوقى، فخرج يمشى من البحر ووضع الطفل بين يدى الشيخ. وزعم القشيرى أن بعض شجر الرمان خاطب إبراهيم بن أدهم، ورجاه أن يأكل من ثمره، فلم يفعل ابن أدهم، فكرر شجر الرمان رجاءه ثلاث مرات، ثم توسل شجر الرمان إلى رفيق ابن أدهم أن يشفع فى هذا الأمر، فشفع. فتناول إبراهيم رمانتين!! وأن صوفيا ركز رمحه فى الأرض، فجاء طير ووقف عليه، وأخبره عن سرية كانت تقاتل فى أرض الروم أنها سلمت وغنمت، وأنها ستعود فى يوم كذا، فسأله الصوفى: من أنت؟ فأجابه الطير أنا مذهب الحزن من قلوب المؤمنين. "حكى عن أبى جعفر الأعور أنه قال: كنت عند ذى النون المصرى، فتذكرنا حديث طاعة الأشياء للأولياء، فقال ذو النون: من الطاعة أن أقول لهذا السرير يدور فى أربع زوايا البيت، ثم يرجع مكانه، فيفعل! قال!: فدار السرير فى أربع زوايا البيت، وعاد إلى مكانه ". ويقص القشيرى أيضا عن ذى النون المصرى أنه أقسم على شجرة ليس فيها رطب أن تنثر رطبا جنيا، فنثرت، ويقص أن حية فى فمها طاقة نرجس كانت تروح بها على ابن أدهم وهو نائم. وأن أبا تراب النخشى عطش أصحابه فضرب
(1/72)

برجله الأرض، ص _083
فانفجرت عين من ماء زلال، فقال أحدهم: أريد فى قدح: فضرب النخشى بيده إلى الأرض ثم رفعها، وفيها قدح من زجاج أبيض كأحسن ما رأى الشاب. وأن شابا صوفيا اتهمه ذى النون المصرى بالسرقة وهما فى سفينة، فقال له الشاب: ألى تقول ذلك؟ أقسمت عليك يا رب ألا تدع واحدا من الحيتان إلا جاء بجوهرة. قال ذو النون: فإذا وجه الماء كله حيتان فى فم كل منها جوهرة!!. وأن جماعة أنكروا الكرامات فخرج إليهم صوفى يركب أسدا ويقول: أين المنكرون؟. ويقول الغزالى: كان أبو الخير التينانى مشهورا بالكرامات، وأن إبراهيم الرقى صلى وراءه المغرب، فوجد أن التينانى لا يحسن قراءة الفاتحة فقال الرقى فى نفسه قد ضاعت سفرتى، ثم خرخ إلى الطهارة فهاجمه سبع، فعاد إلى التينانى، وأخبره بما حدث من السبع، فخرج التينانى وصاح بالأسد: ألم أقل لك لا تتعرض لضيفانى؟ فتنحى الأسد، فتطهر الرقى، ورجع التينانى، فقال له: اشتغلتم بتقويم الظاهر، فخفتم الأسد واشتغلنا بتقويم الباطن، فخافنا الأسد. ونقل القشيرى عن أبى عمرو الأنماطى قوله: كنت مع أستاذى فى البادية فأخذنا المطر، فدخلنا مسجدا نستكن فيه، وكان بالسقف خلل، فصعدنا السطح، ومعنا خشبة نريد إصلاح السقف، فقصر الخشب عن الجدار، فقال أستاذى: مدها فمددتها فركبت الحائط من ههنا، وههنا. وذكر أيضا أن صوفيا أمر جبلا، فتحرك، فقال له: اسكن، لم أردك، فسمكن. ونقل عن الواسطى قوله: انكسرت السفينة، وبقيت أنا وامرأتى على لوح وقد ولدت فى تلك الحالة صبية، فصاحت بى، وقالت لى: يقتلنى العطش، فقلت: هو ذا يرى حالنا، فرفعت رأسى، فإذا رجل فى الهواء جالس، وفى يده سلسلة من ذهب، وفيها كوز من ياقوت أحمر، وقال: هاكما اشربا، فأخذت الكوز وشربنا منه، وإذا هو أطيب من المسك، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، فقلت: من أنت يرحمك الله؟ فقال عبد لمولاك، فقلت: بم وصلت إلى هذا؟ فقال: تركت هواى لمرضاته، فأجلسنى فى
(1/73)

الهواء. وينقل عن صوفى بالبصرة أنه كان إذا خطرت على سره مسألة، سأل شيخه عنها، فيجيبه عنها من إصطخر!.. على بعد المسافة، وقال! أحد تلاميذ الكرخى إنه رأى فى ص _084
وجه أستاذه إصابة لم تكن فيه من قبل، فسأله عنها، فأخبره الكرخى أنه اشتهى ذات ليلة- وهو بالعراق- الطواف حول البيت، فطار إلى مكة، ثم أراد أن يشرب من زمزم، فزلت قدمه على بابها، فأصيب وجهه!.. وكان بشر الحافى يمشى على الماء. ومات صوفى فى سفينة، فجهزه الناس وهموا بإلقائه فى البحر، فجف البحر، واستقرت السفينة على أرضه، فنزلوا وحفروا له قبرا، ودفنوه، فلما فرغوا، استوى الماء فارتفع المركب. وهم شاب بسلب ثوب إبراهيم الخواص فأشار إبراهيم إلى عينيه، فسقطتا. وزعم أن الآجرى قذف بثوبه وبثوب يهودى فى النار، ثم اقتحم أتون النار، وأمسك بالثوبين، وخرج من باب آخر للأتون دون أن يمسه شىء. ويظل القشيرى ينعق بهذه الأساطير حتى يسود بها أكثر من ست عشرة صفحة من رسالته، فى كل صفحة قرابة أربعين سطرا. بأى حق يأخذ هذا اللغو الفارغ طابع الدين؟ وبأى وجه يروجه الملتاثون بين صفوف المؤمنين؟. لقد كان من رحمة الله بالأمة الإسلامية أن سلفها الصالح سلم من هذا الداء، وأن النبى وأصحابه وتابعيهم بإحسان لم يعرفوا هذه الظلمة، فسعدت بهم الدنيا ورشدت بهم الحياة. وبلغوا أمانات الوحى بصدق، وغرسوها فى أرجاء الأرض بقدرة، فكانت الحضارة الإسلامية بركة على الإنسانية كلها. ولو أن تلامذة محمد- حماهم الله- غرتهم هذه الأوهام عن الكون والكائنات ما فتحوا مصرا، ولا هدوا قطرا، ولا أعقبوا أثرا. وإنه ليحزننا أن أجيالا من المسلمين ظنت مادة الكون عجينة يشكلها بعض الناس كيف يشاء، فليست لها سمات معتادة ولا قوانين مطردة.. وإنه ليحزننا أن من تقربوا إلى الله ببعض العبادات يتصورون أن قرباتهم تنقض لبنات الكون وتشيع فى نظامه الفوضى. والأغرب من ذلك أن يظل هذا التصور المعتل قائما فى خطب بعض
(1/74)

الناس ص _085
ومقالاتهم، فى الوقت الذى طفر فيه العلم المادى فغاص فى أعماق الذرة وغاب فى أجواز الفضاء، وتقلب فى علو الكون وسفله يتدبر سنن الفطرة وعجائب الخلق ويعود من هنا وهناك بالروائع. والإسلام دين يطارد الخرافة من الفكر، والرذيلة من القلب والزيغ عن الخطو، والشرود عن السيرة. بل هو إيجابى فى هذه المجالات كلها، فهو يشكل المشاعر والأفكار الإنسانية تشكيلا يجتذب العقل إلى الحق والفؤاد إلى الفضيلة، ويقتاد البشر من نواصيهم ليثبتهم على الصراط المستقيم.. والذى يهمنا هنا أن نقول فى عموم وإطلاق: إن كل ما ينيم التفكير أو يخمله يستحيل أن يكون من الإسلام. وإن ما يلاحظ أحيانا على بعض المتدينين من صدأ عقلى وكسل ذهنى هو فضح علل شخصية أو بيئات متأخرة، ولا علاقة له بالدين. وارتباط المسلم بطائفة من العبادات السماوية لا يعنى بتاتا أن فى حياته جوانب مبهمة، تشيع الغموض فى الجوانب الأخرى.. فإن الله- فى جميع الديانات وعلى اختلاف الزمان- كلف عباده بأمور قد ترتفع عن مستوى الفهم العام كصور الصلاة ومناسك الحج.. وهذه العبادات المقررة تساوى فى دنيا الناس كثيرا من المراسم الشعبية والحكومية التى يتواضع الخلائق عليها ويلتزمون بأشكالها ودلالاتها دون تهمة أو حرج.. وكم نرى فى الأحفال العسكرية والمدنية من تقاليد توضع وتصان. ويقف عند حدودها أصحاب الفكر المادى المؤمنون بالمحسوس وحده.. ومع احتواء الإسلام- كأى دين سماوى- على تعاليم من هذا القبيل. فقد تميز بأمور ذات بال منها أن هذه التعاليم معقولة الحكمة وغير مضادة للفكر السليم. فالصلاة حركات وسكنات لا دخل للعقل فى وضعها، بيد أن العقل يعى جيدا ما يقرأ فى وقفاتها وما يمجد به الله فى ركوعها وسجودها. ص _086
(1/75)

وعلى قدر يقظة العقل والقلب فى أثناء الصلاة تكون مكانة المصلى عند الله ويكون حظه من المثوبة. وفى الحديث الشريف: "إن الرجل لينصرف وماكتب له إلا عشر صلاته!.. تسعها!. ثمنها!. سدسها!. خمسها!. ربعها!. ثلثها!. نصفها! " . إن درجته تزيد أو تنقص على قدر حضور قلبه وألق فكره وأدب جوارحه، كما يأخذ التلامذة درجاتهم فى الصف الدراسى على قدر استيعابهم العلوم وإحسانهم الجواب. وقبل الصلاة الموقوتة نداء مفصل الكلمات، محدد المعانى، يخاطب الإنسان فى تؤد وبصر!. إن العبادات وإن كانت من وضع الله، جل شأنه، ولا صلة لنا بأشكالها وإعدادها، إلا أنها أولا وآخرا وعاء لمعان معقولة وغايات مقبولة. وفى هذا ما يكفى للحفاوة بها. وقد بلغنى أن بعض معاهد التربية النفسية تفرض على بعض المنتسبين إليها "وردا" معينا يردده بصوت جهير ليتخلى به عن أفكار باطلة، أو يثبت به أفكارا صحيحة!.. وكأنها بهذه الصيحات التى يكررها الشخص تريد أن تلصق بفؤاده أو تنتزع منه، ما تحب أو ما تكره.. والأعداد التى تقرر فى هذا المجال لا تقصد لذاتها قدر ما تقصد لآثارها المرجوة... وعندما استحب لنا الدين مثلا أن نسبح الله ونحمده ونكبره ثلاثة وثلاثين... فالمراد الأهم إيقاظ القلب لتنزيه الله وشكره وإعظامه. بيد أن بعض المتعبدين يتيه عن هذه الغاية، ويظن أن العدد مقصود لذاته، وأن له سرا مغيبا مرهوبا!.. ويجتهد أن يبلغ هذا العدد ترديدا باللسان، وإن كان القلب غافيا، ويظن أنه قد أدى العبادة المستحبة وإن كان ذكر الله لم يتسلل إلى باطنه بشعاع مضىء ولا إلى سلوكه بخلق ذكى. وما أكثر المتدينين الذين يتقنون من الدين هذا الجانب، ويحرصون عليه ويذهلون عما وراءه أو يفرطون.. ص _087
(1/76)

وما جدوى إيمان الشفتين وتزويق الظواهر؟. وقد يقبل البعض هذا الإيمان، لأنه أفضل على كل حال من الإلحاد الذى شاع فى عصرنا ولوث شتى الآفاق.. إلا أننا نلفت الأبصار إلى شىء خطير، هو أن مستقبل الإيمان أمام هذا الإلحاد الزاحف منوط بيقظة البصائر وحدة المشاعر وطول التضحية، وشدة البذل. أى أن الإيمان الخامد، والذكر القليل لا يغنيان فتيلا فى ميدان يتطلب الصدق والجد... وإذا لم يفلح الدين فى شد زناد الفكر والشعور إلى أبعد مدى مستطاع فحقيق به أن ينهزم، وحقيق بأتباعه أن يبيدوا... إن احترام الشكل أمر حسن قانونا وعرفا. لكن التهويل فيه والتعويل عليه أمر عجيب. وقديما حاول بعض الناس أن يؤدى الصلاة المكتوبة، حركات مجردة من قيام وقعود وركوع وسجود، وظن أنه بذلك يفرغ ذمته ويؤدى واجبه. ولكن صاحب الرسالة، صلوات الله عليه، لم تنطل عليه هذه الحيلة. فقال لمن أدى صلاته كنقر الديك: "صل فإنك لم تصل " . وصح أنه قال فى شأنه: "لو مات على ذلك مات على غير ملة محمد"! والموت على غير ملة محمد لا يكون نتيجة استعجال بدنى فى أداء واجب ما. فلا البطء دليل إيمان إذا كان القلب غافلا، ولا السرعة دليل نفادق إذا كان القلب ذاكرا. نعم، لا بد من الاطمئنان فى أداء الأركان، وتسويتها على نحو يجعل صورتها مهيبة كريمة. لكن التسوية المطلوبة هى ما يدل على خشوع القلوب وأدب الجوارح، وسكينة المرء بين يدى رب العالمين. والمؤسف أن عددا كبيرا من المتدينين لم يفهموا الدين على ذلكم الأساس المبين. ص _088
(1/77)

فظنوا الصورة هدفا مقصودا لذاته، وألفوا أداء العبادات وأفكارهم ذاهلة وعقولهم شاردة وضبطهم للحقائق مضطرب مائع.. فزاغت فى الحياة وجهتهم، وغامت سيرتهم، وملك زمامهم هوى لم يقمع، وجماح لم يكبح. حتى أن بعض المفتونين ساءت ظنونهم بالعبادات وآثارها، لما رأوه من البلادة النفسية والفكرية عند هؤلاء المتعبدين البله. وإنه لثقل على صدر الحياة أن يوجد جيل من الناس لا يعى أن الكون محكوم بقوانين دقيقة، ولا يدرى أن العقل اليقظ هو الوسيلة الفذة لمعرفة الله، عن طريق تأمل ملكوته وتدبر وحيه وإنفاذ وصاياه، وإعلاء كلماته.. إن الدين يتضمن جانبا من الإيمان بالغيب، وهو كذلك يتضمن جوانب من عالم الحس والحركة، والجانب الأول ينظم الجوانب الأخرى ويساندها ولا يحيف عليها أو يشرد بها. ومن ثم قلنا: إن الإيمان بالغيب ليس إيمانا بالوهم ولا إنذارا بالفوضى. وأفعال المسلمين التى تنافى ذلك شىء غير الإسلام الذى يقوم على احترام العقل ونبذ التخامين والأحداس، وعلى إعظام الكون ولفت النظر إلى ما فى بنائه من روعة وجلال... وعلى إيقاظ الضمير وجعله مهيمنا على الحركات والسكنات.. إن أبعد الناس عن الإسلام رجل بصره فى مواطىء قدميه. وهمته لا تعدو ملء بطنه وكسوة بدنه... وصلته بالدين تنشأ عن وجل بما يدرى، أو اقتناع غامض بما يقال. ص _089
(1/78)

الهجرة إيمان بالمستقبل وثقة فى الغيب نحن فى عالم يسوده المنطق المادى، ويعد المحسوسات وما يتصل بها هى الوجود الذى لا وجود وراءه!.. وجمهرة البشر أخذت تستكين لهذا التفكير، وتبنى عليه سلوكها فى الحياة، وفرحها أو حزنها لما يصيبها من نعماء وبأساء!.. نعم، إنها تحت تأثير الدين تؤمن بما وراء المادة، وتأوى إلى هذا الإيمان فى الساعات العصيبة.. بيد أن لغوب الناس على ظهر الأرض، وكدحهم لتحصيل ما يريدون، إنما يثور غباره وراء ضرورات العيش ومرفهاته- أما الدار الآخرة وما يمهد لها، فأمر قلما يخطر على البال، وإذا خطر فقلما يقترن بالشعور الجياش، والفكر المستغرق، والعزم الحديد!.. وحقيقة الدين تنافى هذا المسلك الخامل، فإن الإيمان بالغيب قسيم للإيمان الحاضر. ولا يصح تدين ما إلا إذا كان المرء مشدود الأواصر إلى ما عند الله، مثلما يتعلق بما يرى ويسمع فى هذه الدنيا.. والغيب الذى أقصده هنا أوسع دائرة من عالم الملائكة مثلا، أو مشاهد الجزاء الأخروى، أو المرويات التى أنبأنا الوحى بها ولا نستطيع الوصول إليها بمداركنا.. الغيب الذى أقصده هنا ما يتصل بالسلوك الإنسانى المأنوس لنا، أى ما ننبعث عنه فى كفاحنا القريب لبلوغ ما نحب وإقصاء ما نكره!!. إن النصر على الأعداء كيب، وخصوصتا إذا وهنت الوسيلة، وقل العون، وفدحت العوائق. ولكن الإيمان بهذا النصر المأمول ينبع من الإيمان بالله جل شأنه ومن ثم فالمجاهد الموقن يمضى فى طريق الكفاح المر، وهو واثق من النتيجة الأخيرة!.. ص _090
(1/79)

إن غيره يستبعدها، أو يرتاب فيها.. أما هو فمعتقد أن اختلاف الليل والنهار يقربه منها وإن طال المدى. فإذا قال الله تعالى: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) ، فإن الجماعة المؤمنة لا تهولها وعثاء الطريق، وضراوة الخصوم. وكآبة الحاضر.. إن إيمانها بالمستقبل يعزيها عن متاعب اليوم، ويشعرها بأنها غيبة عارضة توشك أن تقشع (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) والرزق- مثل النصر- غيب مرتقب. وعندما ينفق المؤمن ما عنده على أمل أن الله باعث خلفا له وعوضا عنه، فهو يسير على منطق اليقين المحض. ومن هنا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، لبلال!- لما ادخر له صبرا من طعام: "أنفق يا بلال ولا تخش من ذى العرش إقلالا" . ولماذا يخشى الإقلال وقد وعد الله أن يخلف على من أنفق؟ ووعده منجز لا ريب إن هذا الإيمان بما عند الله هو الذى يرجح عند المؤمن جانب العطاء عندما توسوس له نفسه بالإمساك والمنع، وخصوصا مع التأميل فى الحياة، والرغبة فى سعة الثراء، والقلق من أحداث الزمان!.. ولذلك جاء فى الحديث: "أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تحب الغنى وتخشى الفقر" والإيمان العميق يجعل المرء كما وصف الرسول الكريم: "أن تكون بما فى يد الله أوثق منك بما فى يدك " . كان المسلمون قبل الهجرة يملكون أنصبة وافرة من الإيمان بالمستقبل. يعتقدون معها أن دينهم لن يغلب- وإن ضعف اليوم حملته- ويؤدون فرائض الجهاد والبذل وهم راضون عن ربهم، راجون ما عنده. ص _091
(1/80)

والمجاهدون فى سبيل الله بشر تجيش فى أنفسهم المشاعر التى تجيش فى نفوس غيرهم، من تقدير للحياة، والرأى العام، وكفالة الأولاد، وتأمين العيش لأنفسهم وأهليهم بيد أنهم وازنوا بين مطالب الحق، وأشواق الدنيا، ثم آثروا وعد الله على وحى العاجلة. وتأمل هذا الحديث الذى يصور الصراع النفسى لدى أنصار الحق، وكيف يخرجون من غباره أوفياء لله، أحقاء بكرامته. عن "سبرة" بن "الفاكه " رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك!. فعصاه فجاهد. وقعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد وهو جهد النفس والمال، فتقاتل، فتقتل، فتنكح المرأة ويقسم المال. فعصاه فجاهد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فمن فعل ذلك فمات، كان حقا على الله أن يدخله الجنة " . وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة. وإن وقصته دابة كان حقا على الله أن يدخله الجنة. هذه طبيعة الاستمساك بالحق والتفانى فى نصرته. والواقع أن إيمان هؤلاء بالغيب مثل إيمان غيرهم بالمحسوس. إن الرجل الذى يقطع تذكرة للسفر من القاهرة إلى الإسكندرية لا يخامره شك فى أن الإسكندرية موجودة وأن القطار ذاهب به إليها!. والمجاهد المسلم يؤمن بأن الموت نداء الحق ينقله يقينا إلى جنة عرضها السموات والأرض، إيماننا اليوم بأن السفر من عاصمة إلى عاصمة أو من قارة إلى أخرى يصل بنا إلى ما نريد!. ص _092
(1/81)

وعندما يرتفع الإيمان بالغيب إلى هذه القمة الراسخة، فإن أصحابه منتصرون بمبادئهم حتما وناشروها فى الحياة نشرا لا يدركه طى، ومكتسحون ما يضعه المبطلون أمامهم من عوائق. والمستقبل الذى تنتصر فيه الرسالة وينتصف فيه أصحابها يتكون من جزأين أحدهما قريب والآخر بعيد. أما القريب ففى هذه الدنيا وعلى أرض الميدان الذى تدور فيه المعارك.. أما البعيد فعند الله حيث تنكشف خبيئات النفوس، وينال المحقون والمبطلون جزاءهم العدل. وفي المرحلتين كلتيهما يقول الله تعالى: "أم يقولون نحن جميع منتصر * سيهزم الجمع ويولون الدبر * بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر". وجاء فى سورة أخرى: "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد * يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار". والمسلمون الأوائل لم تنقصهم الثقة فى مستقبل الدعوى التى آمنوا بها، وكل ما عناهم أن ينهضوا بحقوق الدين الذى اعتنقوه، وأن يثبتوا على صراطه المستقيم مهما تكاثرت المحن وترادفت الفق. من أجل ذلك هاجروا لما اقتضاهم ا لأمر أن يهاجروا، وخاضوا غمرات الحروب لما كلفهم الحق أن يبذلوا النفس والمال. ولو شققت من ضمائر القوم لوجدت الهجرة عندهم أشبه بانتقال الموظف اليوم إلى بلد اتصل فيه رزقه أو نال فيه ترقية!. غاية ما هنالك من فرق أن هذا مسلك بدت فيه بواعثه المادية التى تواضع الناس على الاحتفال بها.. أما المهاجرون الأوائل فهم ينتقلون من بلد إلى بلد إقامة لدين مضطهد، ويعاملون رب العالمين وحده حين يحلون وحين يرتحلون، ويستيقنون من رضوانه، تعبوا أم استراحوا. * * * ص _093
(1/82)

إن هجرات الأحياء على ظهر الأرض كثيرة، بل إن الطيور فى الأجواء، والأسماك فى المحيطات تقطع مسافات كبيرة وراء غاياتها المادية المحدودة. لكن الهجرة التى علت بها أقدار، وخلد بها أقوام، تلك التى قامت ودامت ببواعث الإيمان المحض، والغضب لله والارتباط بتعاليمه، والعيش بها أو الموت دونها. ومع أن الوحى الأعلى لقن المؤمنين أن رسالتهم ستستقر، ورايتهم ستعلو، وأن الكفر سيذوب، وينخذل حزبه، إلا أنه علق أفئدتهم بالمستقبل البعيد، أعنى الدار الآخرة وما حوت من ثواب وعقاب، "فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون * أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون * فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون". ولهذه الآيات معنى ينبغى أن نقف عنده طويلا. فإن المؤمن المجاهد قد يترك هذه الحياة دون أن يعرف نتائج الصراع المحتوم بين الهدى والضلال. وهذا جائز، بل كثير الوقوع. لأن انتصار الحق ربما اقتضى هذا المؤمن نفسه أن يقدم حياته، فيكون استشهاد غيره من المؤمنين الجسر الذى تعبر عليه المبادئ وتشق طريقها إلى مستقبل وطيد. لكن هل ذهاب عدد قل أو كثر من أهل الإيمان يفيد الضالين شيئا؟ كلا، إن الانتقام الإلهى لاحق بهم يقينا. ولذلك يؤكد القرآن الكريم هذه الحقيقة: "فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون * أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون". والخطة المثلى أن يؤدى الإنسان واجبه المجرد دون استعجال! لمصير ما فى هذه الدنيا، وألا يتعلق بالفوز الشخصى له أو الاندحار الشخصى لخصومه. فمن يدرى؟ ربما رشد هؤلاء الخصوم يوما، وتحولوا إلى الإيمان الذى جحدوه من قبل!.. وفى أعقاب أحد، ومع مرارة الهزيمة التى أصابت المسلمين، يبين الله لنبيه هذه الحقيقة فيقول: "وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم * ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين * ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم". ص _094
(1/83)

فى إطار هذا اليقين العميق، لبى المسلمون النداء إلى الهجرة عندما طولبوا بالهجرة، واستجابوا لله ورسوله غير خائفين ولا جازعين. إن الحياة بالنسبة إلى المؤمن خط طويل يمتد مع الزمن لا يقطعه الموت، ولا يعروه الفناء. والمؤمنون حين يغرسون فى هذه الدنيا، فهم يرقبون ثمار غرسهم فى المستقبل القريب، أو المستقبل البعيد، بين أهليهم هنا أو عند الفه هناك. ولن يخامرهم قنوط، لأن ما ارتقبوا تأخر ميعاده. ولن يساموا تكاليف الجهاد ولو كلفتهم أن يحرموا وطنهم الغالى، وأن يرغموا على ترك معايشهم به، وذكرياتهم فيه. ص _095
(1/84)

التصوف الذى نريده مع قيام الإسلام على العقل، وترحابه بالفكر الجيد، والبحث الأصيل، وحضه على الارتباط المادى والمعنوى بالكون عملا، وتأملا، مع ذلك كله فهو دين يعقد أوثق العلاقات بالقلب اليقظان والمشاعر الجياشة، ويجعل الإيمان عاطفة دافقة بالحب والبر إلى جانب أنه نظر يتسم بالسداد والصواب. والإسلام المكتمل ليس "نظرية" علمية، أو اقتصادية، وليس فكرة مجردة عن الله، مهما كانت هذه الفكرة صحيحة من حيث التصور والاستدلال. إنه قلب انفتحت أقفاله، وانفسحت أرجاؤه، وأشرق معنى الحب فى جوانبه، فهو متعلق بربه، متتبع لآثاره فى كونه، عاشق للخير مبغض للشر، يمتد مع كل شىء حسن، وينكمش مع كل شىءقبيح. وقد خاطب الله المؤمنين من أصحاب محمد فقال: ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة ) ومن المتعذر الفصل بين ا لاستنارة الفكرية والهداية النفسية. نعم يوجد ناس لهم عقول ذكية وسير هابطة، ولا نشك فى أن هؤلاء مرضى. وا لأدوار التى أصيبوا بها متفاوتة الشناعة والسوء. والمفروض أن من يعرف خصائص النار يتحاشى ملامستها، غير أننا نلحظ أن بعض الناس قد يعرف شيئا ما معرفة حسنة، ثم يجىء تصرفه وكأنه جاهل كل الجهل. وهذا التناقض ضرب من الجنون الذى يرى فى كل مكان، ولا يودع أصحابه مستشفيات المجانين!.. ص _096
(1/85)

إن الأمراض التى تعترى الشخصية الإنسانية كثيرة جدا. وهذا الجنون الجزئى هو ما أشار إليه القرآن الكريم فى تقريعه للأشرار من العلماء: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون". نعم، فالمفروض أن صحة التفكير تستتبع صحة التصرف! لكن هذه البديهية عندما تنتقل إلى عالم التطبيق يعترضها من العوائق ما يعترض التيار الكهربائى عندما ينقطع السلك الحامل له، أو عندما توجد مواد عازلة تمنعه من الانطلاق إلى مداه. والدين الحق شفاء من هذه العلل جمعاء، فهو عقل مستقيم وضمير حى. أما الثروة الطائلة من النظريات، والفقر المدقع فى المشاعر النبيلة والاتجاهات الكريمة فليس تدينا مقبولا.. والسؤال الذى نريد الإجابة عليه: * كيف نحقق هذا التدين؟. *وكيف نربى فى القلوب الإحساس بجلال الله والخشوع لعظمته؟. * كيف نجعل اليقين ينزل من السطح ليشتبك بالأعماق، كيف نحول معرفة الله إلى مذاق حلو يطبع النفوس على الرقة ويصفى السرائر من كدرها؟. * كيف نجعل المرء مشتاقا إلى ربه، فهو ببواعث من أشواقه يطيعه ويسارع إلى مرضاته.. وكيف نجعله هيائا لذاته، فهو بدوافع القلق ينفر من معصيته ويفزع من مساخطه.. * كيف يشهد المرء ربه فى مجال السموات والأرض، ويشهد أسماءه الحسنى فيما يقع من حركة سكون على امتداد الزمان والمكان؟. إنه لا يتم إيمان، ولا يثمر دين إلا إذا أحسنا الإجابة على هذا التساؤل!.. ونحن نعرف أن العلوم الشرعية تعاونت على شرح رسالة الإسلام وتوقيف الناس على حدوده وحقائقه، فأى العلوم اكترث بهذه الأسئلة وطال نفسه فى الحديث عنها؟. ص _097
(1/86)

إننى لست متصوفا، وما أحب أن أنتسب إلى فرقة من فرق المسلمين.. بيد أن الإنصاف يدفعنى إلى القول بأن هذا الجانب المهم من الثقافة الإسلامية اللازمة لم يلق العناية المستحقة لدى جمهرة الفقهاء والمتكلمين، وأن المتصوفة برغم شطحاتهم وغلطاتهم- هم الذين أفاضوا فى هذا احديث. إن فقهاءنا الذين كتبوا المجلدات فى غسل الأطراف ما كان يعيبهم أن يتناولوا هذا الجانب وأن يضبطوه بأدلتهم الفقهية. وإن المتكلمين الذين عقدوا الفصول الخطيرة فى الشئون الإلهية المغيبة ما كان يعيبهم أن يجيبوا الناس فى الله ويرفعوهم إلى حضرته، بأسلوب علمى محكم. لقد كان ذلك- والله- أجدى على الإسلام وأهله، من بحوثهم العميقة فى الذات والصفات.. إن العناوين لا تهمنى، وإنما يهمنى الموضوع، يهمنى أن أرسم الطريق لبناء النفوس على التقوى، وإيناسها فى هذه الدنيا بذكر الله، وإلهامها كيف تستعد للقياه ببصيرة مجلوة، ورغبة عميقة، وثغر باسم!. *** ولنسأل أنفسنا أولا: ما هى مصادر ثقافتنا الخاصة؟. تعتمد الثقافة الذاتية، أو الثقافة التقليدية للمسلمين على كتاب الله، تبارك وتعالى، وسنة رسوله،- صلى الله عليه وسلم على هذين الأصلين تقوم علوم الدين، وإليهما كذلك تستند علوم الحياة وفنونها. وفى عصرنا الأول! استطاعت شعب الثقافة المختلفة أن تقيم حضارة متوازنة الجوانب متكاملة الغايات. وعندما ننظر إلى عالمنا المعاصر نجد أن شجرة العلوم والفنون تتفرع فى أرجائه المختلفة وتظلل أنحاءه البعيدة فى اتساق يستحق التنويه. هناك العلوم الآلية والرياضية، وهناك الفلسفات والآداب. هناك علوم التربية وا لأخلاق، وهناك أبحاث القانون وشرائعه الخاصة والعامة. ولكل ميدان أسلوبه فى صوغ حقائقه وتقرير أدلته. ص _098
(1/87)

ومع الإنصاف وبعد النظر لا يزعم رجل فى هذه الميادين أنه أحق بغيره من الحياة، وأنه يغنى كل الغناء عندما يزول سواه. نعم، للقوانين مثلا مكانها الوطيد فى المجتمع، ولكن هل معنى ذلك أن الدنيا تستغنى عن الوعظ والتربية؟. وفى ميدان القانون قد يشتجر عالمان على صياغة عبارة، وقد يختلفان فى بقاء أو حذف حرف من حروف الجر... وذلك بديهى فى ميدان تضبط فيه الحقوق وتحرس الدماء ويفصل فى الخصومات. فهل معنى ذلك أن المجالات القائمة على المعنويات المحضة وملاحظة النفس الإنسانية تفقد قيمتها؟. كلا!... إن عالمنا الحاضر تجاوز فيه الباحثون عن أسرار الفضاء إلى الباحثين عن المعادن فى أغوار الأرض، وتجاوز فيه قول الشعر إلى تفتيت الذرة.. والحياة تسع الأدبى والعلمى لتلك الفئات كلها!. (ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات …) والدراسات العلمية عندنا يجب أن تنسق ذات بينها حتى تستأنف كفاحها النبيل لخدمة الإسلام وإبلاع رسالته، ولا معنى لخصومة بين فرع وفرع، وميدان وميدان. غير أننا لاحظنا آسفين أن الفقهاء والمفتين اشتبكوا فى منازعات حادة مع المتصوفة والعباد، وأن كلا الفريقين تجهم للآخر ولم يستفد مما عنده. وكانت نهاية القطيعة بين الفريقين أن وجدنا فقفا لا روح فيه، وفقهاء لهم سمت الدين وليس لهم قلبه الحانى الطيب. وإن وجدنا تصوفا لا دراية له، ومتعبدين تحفل سيرتهم بالخرافات والبدع... وفى العصر الأخير كادت علوم الدين تنقطع علاقاتها بالكتاب والسنة إلا بقايا من النظر الكليل والتطبيق القليل. والأمر يتطلب عودا سريعا إلى هذه ا لأصول واستمدادا مباشرا منها.. ص _099
(1/88)

قد تقول: إن هذا التصوير غير دقيق، وأنك واهم حين تتهم علماء الكلام والفقه بأنهم قصروا فى ميدان التربية وغرس التقوى والأنس بالله فى نفوس الناس، وأن هذا الفراغ المتروك هو الذى ملأه المتصوفة.. وأرى أن الموضوع يحتاج إلى مزيد إيضاح. إن علماءنا الأوائل كانوا يجمعون بين سعة العلم وصدق الصلة بالله، والأجيال التى استمعت إليهم كانت تفيد منهم الأمرين معا. نضارة القلب المتجه إلى الله. وإشراق الفقه الذى يضىء الطريق إليه.. فهم علماء ومربون فى وقت واحد.. وإنى لأرمق بإجلال وحب رجلا مثل البخارى بدأ كتابه الصحيح بحديث: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". وختمه بحديث: "كلمتان خفيفتان على اللسان، سبحان الله العظيم ". كان وجه الله هدفه أول سطر خطه. وكان وجه الله أمله وحمده وتنزيهه شغل آخر سطر خطه. وبين البداية والنهاية أودع الرجل علمه الغزير وحفظه الكثير.. والبخارى معروف بأنه من علماء السنة، بيد أنى أظلم الرجل وأشباهه من الأئمة حين أجعلهم علماء متخصصين فى فرع واحد من علوم الشريعة على النحو الذى اصطلح عليه الأخلاف. فالبخارى- فى نظرى- عالم بالإسلام كله. من تفسير وحديث وفقه وعقيدة وسير ة...الخ. والميزة التى غلبت عليه وشهر بها لا تدل إلا على تفوق فقط فى هذه الوجهة من الدراسة أو على عناية بها فرضتها الظروف المحيطة. ومثل ذلك يقال فى الخلفاء الأربعة والأئمة الأربعة ونظائرهم. فعمر حاكم وواعظ ومرب وفقيه وليس رجلا سياسيا فحسب.. وأبو حنيفة فقيه وسياسى وداعية إلى الله، وليس رجل دراسة فقهية فقط... واستقاء هؤلاء المباشر من الكتاب والسنة جعلهم يتركون فيمن حولهم جملة ص _100
(1/89)

المعارف والانطباعات التى يتكون منها المجتمع الإسلامى الناضج الواعى الراشد السلوك.. إن اتصال أرواحهم بالوحى الإلهى، واستضاءة ضمائرهم بصاحب الرسالة جعلهم على اختلاف وظائفهم العلمية والعملية رهبانا بالليل، فرسانا بالنهار، جنا فى القدرة على الحياة، ملائكة فى قيادها باسم الله. وهذا الضرب من الناس أسمى من أن يصاغ أو يقاس بالمصطلحات العلمية الحديثة. وجهد علوم الدين بعد أن تفرعت أنهارا شتى من الينابيع الأولى كجهد علوم الطب التى تستهدف- مع كثرتها- صيانة البدن الإنسانى.. إن هذه العلوم المشتقة من الكتاب والسنة تلتقى جميعا عند تكوين الإيمان ومطالبه. ولا بد أن يكون من بين هذه العلوم، علم يقوم على رفع الإنسان إلى سقام الإحسان، علم يعالج العلل العقلية والنفسية التى تحجب المرء عن ربه، وتلصقه بالتراب، أو التى تهتم بأشكال العبادات ولا ترتبط بمعناها وحكمتها.. ما يكون اسم هذا العلم؟ لا يهمنى ذلك لنسمه التصوف، أو لنتخير له ما نستحب من عناوين... فالأمر سواء. إن شر ما يصيب المتدينين هو تحول الطاعات إلى عادات تؤدى فى غيبة العقل وغفلة الشعور. والمراسم الدينية- والحالة هذه- معطوبة الثمار، وربما بقيت وبقى إلى جوارها طبع لم يهذب، وخلق لم يقوم. ما الذى يوقظ القلب الغافى ويعيد إليه حرارة الحياة ونشاطها؟. إن تعهد الناشئة والكبار بما يوجه عواطفهم وآمالهم إلى الله، جل جلاله، شىء خطير، ولا بد من إقامته على أسس فنية محترمة. وفى عصرنا هذا، لا بد من الاستعانة بمقررات علم النفس، والاستعانة بما فى الآداب الإنسانية الصادقة من تجارب وصور. ولا أحسب أحدا يمارى فى حاجة الناس إلى هذا اللون من المعرفة والتربية. ص _101
(1/90)

والنزاع الذى نشب قديما بين خصوم التصوف وأصدقائه لا يتصل بما نحن فيه، إنه كان نزاعا على قيمة بعض التصرفات والأقوال التى يجب أن تخضع للمقررات الاسلامية. وإنى أعترف بأنى حسنت صلتى بالله كثيرا على أثر كلمات قرأتها لـ "الغزالى" و"ابن الجوزى"، و "ابن تيمية" و "ابن القيم "، و "ابن عطاء الله السكندرف "، مع ما بين أولئك جميعا من تفاوت المشرب واختلاف النظرة... وقد نستطيع التعرض لما تفاوتت فيه أحكامهم، لكن ما أؤكده هنا هو أن المعنى الذى شرحناه آنفا قدر مشترك لدى الجميع، وأننا فى هذه الأيام بحاجة إلى تجديده وتجليته.. إنه معنى يشع من الكتاب والسنة أولا وآخرا، ويجعل عالم الإيمان براقا بالحب. مزدانا بمعية الله فى الغدو والآصال. إن الناس فى عصرنا هذا فتنتهم الحياة وضراوتها العاجلة، وتعلقوا بها تعلقا سد عليهم منافذ النظر إلى كل شىء آخر أسمى وأخلد. وليس فى هذا ما يدهش، فإن الله أخبرنا فى كتابه أنه هكذا خلق الناس، وأن امتحانهم لإحراز الكمال أساسه تهذيب هذه الطبيعة وامتلاك زمامها، لا الاستسلام لها والانقياد لأهوائها: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ) لكن الذى يروع فى عالم اليوم أن العقل البشرى تقدم تقدما ساحرا فى الميدان العلمى والصناعى، تقدما أثار فى الإنسان الزهو والغرور. وفى الوقت الذى ظفر فيه العقل، وطوى المراحل الشاسعة، بقيت الخصائص الإنسانية الأخرى جامدة كما كانت فى بدء الخليقة. فالحقد القاتل فى قلب ابن آدم نحو أخيه الطيب بقى كما هو مشتعل الأثرة غبى الوجهة. أما الجهل القديم بطريقة مواراة الجثة فقد تحول إلى ذكاء وخبرة.. ص _102
(1/91)

واليوم استطاعت الإنسانية أن تسخر أعظم ثمرات الارتقاء العلمى لبلوغ أخس نزعاتها. ألا ليت الإنسان ارتقى قلبا وعقلا، وليته رنا بطرفه إلى السماء، لما ملك قياد الأرض.. إنه بدلا من ذلك مضى فى طريقه يعبد الحياة الدنيا وحدها ويجه!! أو يجهل ما وراءها، ويتطاول على خالقه، ويظن نفسه إلها يخطو على التراب.. يقول "ألكسس كاريل ". "فلأول مرة فى التاريخ أصبحت الإنسانية، بمساعدة العلم، سيدة مصيرها.. ولكن هل سنصبح قادرين على استخدام هذه المعرفة لمصلحتنا الحقيقية؟ يجب أن يعيد الإنسان صياغة نفسه حتى يستطيع التقدم ثانية.. ولكنه لا يستطيع صياغة نفسه من غير أن يتعذب.. لأنه الرخام والنحات فى وقت واحد. "ولكى يكشف عن وجهه الحقيقى يجب عليه أن يحطم مادته بضربات عنيفة من مطرقته. ولكن الإنسان لن يستسلم لمثل هذه المعاملة، اللهم إلا إذا دفعته الضرورة لذلك دفعا.. ذلك لأنه ما دام محاطا بأسباب الرفاهية والجمال ومعجزات "الميكانيكا" التى أوجدتها "التكنولوجيا" فسيبقى عبد نفسه، ومن ثم فإنه لن يدرك كم هى عاجلة وملحة تلك العملية... إنه يفشل فى إدراك أنه ينحل، بل إنه يتساءل: لماذا يجب عليه أن يجاهد لتعديل وسائل حياته وتفكيره؟ ". وفى هذا المعنى يقول كاتب آخر: "لا جرم أن الحديث عن تقدم الإنسمان نحو الفضاء حديث مثير، ولكننا نعتقد أن تقدم الإنسان، ولو خطوة واحدة، نحو أخيه الإنسان ربما كان أعظم تأثيرا وإثارة. ثم إن هناك بعد كل هذا جانبا مظلما آخر، ذلك الجانب الخفى من روح الإنسان، الذى لم نكد نبدأ فى اكتشاف مجاهله. وإنه لما يبعث على الأسى والأسف معا أن نقدم على غزو الجانب المضىء من القمر بهذا الجانب المظلم من أنفسنا، فتصل الصواريخ الأولى إلى هناك مشحونة بالخوف، والتعصب، والشك. الحق أنه يجدر بنا أن نطهر نفوسنا وأيدينا، وأن نسأل الله المغفرة، ونحن نعد العدة لغزو وجه القمر الناصع ".. ص _103
(1/92)

هذه الكلمات البصيرة تنادينا، نحن المتدينين، لأداء الرسالة الإلهية التى ورثناها فى كلمات الله وحكمة المرسلين... والدين الذى تهفو إليه الإنسانية ليس جملة معارف يصدقها العقل بعد أن يستبين صحتها. إنه إلى جانب ذلك إحساس بالوجود الإلهى يروى ظمأ الروح إلى الرضا والتسامى. إنه سعادة بالآخرة تساوى السعادة التى يستشعرها البعض عند الحصول على ثروة طائلة أو منصب كبير.. إنه أنس بالله فى الصلاة الخاشعة والصيام العفيف.. ولآبائنا- عليهم الرحمة- جهد فى هذا المضمار حبذا لو استخلصناه، ونقيناه ونفعنا به أنفسنا ونفعنا به الآخرين. وهذا الاستخلاص لا بد منه، فقد قرأت مع غيرى- ونحن طلاب- كتاب: "العقائد النفسية" فى علم التوحيد، وقرأت مع غيرى كتاب "ابن عجيبة" الذى شرح حكم ابن عطاء الله فى التصوف، وقرأت فى المجالين كتبا شتى.. وشعرت آخر المطاف بأن هناك نفائس مبعثرة وسط قمامات فكرية كثيرة... فقلت: حبذا لو مزنا الخبيث من الطيب، فى هذا الخليط الكثيف. إننا بحاجة إلى علم تدرس فيه طرق تحويل الحقائق الدينية النظرية إلى خلق لازم، وعمل دائم، وأسلوب فى الحياة معروف الهدف، منسوق الخطوات. ولن نستغنى عن الإحاطة بخبرات الآخرين، وكيف قاوموا الشهوات، وأزاحوا العوائق، وكيف طبقوا ما تعلموا على الواقع، وكيف نجحوا فى الوصول! إلى ما يريدون. إن الجيوش تحولت علومها النظرية إلى مناورات حية حتى تستكمل ثقافتها العسكرية، وإن المدرسين يتدربون على القيام بمهنتهم تحت إشراف يعالج القصور ويداوى الأخطاء، قبل أن يباشروا تعليم تلامذتهم فى شتى المعاهد. والمقصود من هذا كله نقل المرء من تفكير خيالى إلى تفكير واقعى.. ص _104
(1/93)

ومن الآفات الملحوظة فى ميدان التدين أن تقترن العبادة بالجهل، أو بنقص المعرفة وضيق الأفق. وهذا الفريق من العباد القاصرين تنتشر بينه البدع والخرافات، ويتسم غالبا بالإخلاص الطائش والحماسة الرعناء.. وربما كان أنقى قلبا وأسلم عقبى! لكن الأمية لا يصلح بها دين ولا ينجح بها علاج هؤلاء مزيد من المعرفة، وتفتيق الذهن، وتوسيع منادح النظر. أما الآفة التى أزرت بالدين وأهله من قديم، فهى أن يكون المرء على حظ حسن من الدراسات النظرية، وأن يكون مستوعبا لنصوص وقضايا دينية كثيرة، جيد الشرح لها، والإبانة عنها.. حتى إذا محض بالتكليف الشاق أو المعاملة الجادة تكشف عن إنسان آخر لا فقه له ولا وعى عنده. فهو كما قال المعرى: سبح، وصل، وطف بمكة زائرا جهل الديانة من إذا عرضت له.. سبعين، لا سبعا، فلست بناسك أهواؤه لم يلف بالمتماسك!.. وللمرحوم أحمد أمين وصف كاشف لهذه الآفة، وقيمة أصحابها، وكيف يخلصون منها. كتبه من ربع قرن، وكأنما كتبه الآن.. يقول: "من عجيب الأمر أن كل شىء فى الوجود يعمل وفق طبيعته، ويوافق بين ظاهره وباطنه، وتصدر أعماله منسجمة مع خلقته، ويعبر دائما عن جبلته، سواء فى ذلك الجماد والنبات والحيوان، إلا الإنسان، فإنه هو الذى يستطيع أن يخدع، وأن يظهر على غير طبيعته، وأن يقول غير ما يعتقد، وأن يفعل غير ما يقول ". الحجر والحديد والرصاص كل منها يعبر عن طبيعته، وهو يعبر عنها دائما فى صدق. وأشجار الورد والتفاح والحنظل تعبر عن طبيعتها فى صدق دائما، وتنتج ثمارها من جنس طبيعتها دائما، ولا تخرج شجرة التفاح حنظلا يوما ما. والفرس والجمل والبقر تعبر عن طبيعتها فى صدق دائما، فإذا أبدت رغبة فى الأكل أو الشبع، أو نحو ذلك، فهذا حق لا مرية فيه. ص _105
(1/94)

أما الإنسان فلا يعبر عن حقيقته دائما، فقد يعبر عن جوعه وهو متخم، وعن حبه وهو كاره، وعن إخلاصه وهو يخفى الإجرام، وعن حبه للشيوعية والاشتراكية وهو رأسمالى جشع. فكل شىء هو نفسه إلا الإنسان، فكثيرا ما يكون غير نفسه، حتى قال كاتب ظريف: "إن اللغة لم تخترع للتعبير عن النفس، ولكن لإخفاء ما فى النفس، والتمويه على الناس حتى لا يدركوا حقيقة ما فى النفس ". ".. ومما يؤسف أن الإنسان كلما كان أذكى وأمهر وألبق كان أبعد عن أن يعبر عن نفسه، وعن أن يكون هو نفسه، وكلما كان أقرب إلى الغفلة والسذاجة كان أقرب إلى أن يكون هو نفسه وأن يعبر عما فى نفسه. ليست قيمة الإنسان فيما يصل إليه من حقائق وما يهتدى إليه من أفكار سامية، ولكن فى أن تكون الأفكار السامية هى نفسه، وهى عمله، وهى حياته الخارجية كما أنها حياته الداخلية. فقد يكون الإنسان فيلسوفا كبيرا وهو- فى الوقت عينه- نذل خسيس حقير، كالذى روى لنا عن "بيكون " الفيلسوف الإنكليزى الكبير. وقد يحدثك الرجل عن أضرار الخمر والقمار. فيمتعك بحديثه ويصف لك ذلك أجمل وصف وأدقه وهو، مع ذلك، سكير مقامر، لأنه فى أفكاره غيره فى أعماقه، وبعبارة أخرى هو لا يحقق نفسه ولا يعبر عن نفسه. فالفكر بلا عمل مناقشات بيزنطية، أو بحوث جامعية، أو ألعاب بهلوانية، إنما قوة الفكرة وأحقيتها بتحويلها إلى عمل ووضعها موضع التجربة. وإذا اعتقدها الإنسان، فمعناه أن يعمل بها، وإذا دعا إليها، فمعناه أنه جربها فى نفسه وبنفسه فوجدها صالحة، وما عدا ذلك فشقشقة ألفاظ، وملء مجالس، وإظهار تظرف، ومباهاة بالقوة العقلية، أو القدرة الجدلية، ومقدمة بلا نتيجة!!. إن عيب المبادئ السامية "كحقوق الإنسان " و "عصبة الأمم " و "ميثاق الأطلسى" و"حماية الأقليات " و "وحقوق ا لأم الصغيرة" و " العدالة الاجتماعية" ونحو ذلك، أنها أفكار لم ترتبط بالعمل، ولم تعبر عن حقيقة نفس قائليها، وإن عبرت فلم تعبر عن نفس من يملكون
(1/95)

تنفيذها، وستظل عديمة القيمة ما لم ترتبط بالعمل!!. ص _106
تسعة وتسعون فى المائة- على الأقل- من تفكير مفكرينا ومصلحينا ضائعة لأنها كالحب الأفلاطونى لا تتحول إلى عمل!. كم من الدعوة وجهت إلى إصلاح الآلة الحكومية، وكم من خطط وضعت لمحاربة الأعداء الثلاثة- الجهل والفقر والمرض، وكم من مقترحات اقترحت لمكافحة الأمية، وكم من مشروعات وضعت لإصلاح قرى الفلاحين ومساكن العمال، وكم وكم.. ثم لم يظهر لها أى أثر، ولم نكسب منها إلا أزمانا ضاعت فى التفكير وأموالا فقدت للصرف على الخبراء، ومجهودات عقلية أنفقت فى رسم الخطط. ووقف الأمر حيث ابتدأ، فالفلاح هو الفلاح، والصانع هو الصانع، والآلة الحكومية التالفة هى هى: كل ذلك لأن السلك الذى يمتد بين الفكرة والعمل مقطوع، فالتيار لا يتحول إلى نور، ولا إلى حرارة، ولا إلى أى شىء مما ينفع الناس. فإذا نحن أردنا ا لإصلاح الحقيقى، فيجب أن نبحث- أولا وثانيا وثالثا- فى السؤال الآتى: كيف نحول الفكر إلى عمل؟ وكيف نمنع الفكر من أن يتبخر؟ وكيف لا نفكر إلا إذا ضمنا العمل بما نفكر؟. إن الفكرة ميتة ما لم يحيها العمل.. خيالى ما لم يحققها العمل.. ولا عبرة بصحة الفكرة أو خطئها إذا ظلت فى عالم التفكير المجرد، بل إن الفكرة إذا احتوت على خطأ أظهره العمل، خير من الفكرة التى يثبت صحتها المنطق ولا تتحول إلى عمل ". هذه هى الحقيقة التى نريد تقريرها، ولا أحسب أحدا يخالف فى ضرورتها... ترى أتكون هذه هى الحقيقة التي أكثر فى الحديث عنها المتصوفون؟ إن ذلك يحتاج إلى شرح مستفيض. على أية حال يجب أن تتضافر الجهود لدفع المسلمين إلى هذه السبيل سبيل العمل الذى يملأ القلب، ويزحم الحياة. ص _107
(1/96)

حقيقة وشريعة جلست يوما أختتم الصلاة وأردد الألفاظ المائة المأثورة، ومتدبرا ما تدل عليه من تسبيح وتحميد وتكبير، بيد أن الشيطان سرق فكرى دون أن أدرى فإذا أنا أسرح فى إحدى القضايا أستعرض أحداثها وأتتبع مراحلها وأتوجس من نتائجها!. وغصت فى أعماق القضية العارضة حتى ارتطمت بقاعها، ولسانى يحصى آخر الكلمات المائة التى تعقب الصلوات المكتوبة، لتكون ذكرا بعد ذكر وتحية بعد تحية!!. وشعرت بتناقض بين حالى ومقالى، وساءلنى ضميرى: أكنت حقا تذكر ربك، وتسبحه، و تحمده، وتكبره؟. ولم يكن للكذب مجال، لقد كان فؤادى فى واد آخر، وإن كان لسانى يردد ما تعوده من كلمات.. لقد كنت حاضرا كغائب، أو غائبا كحاضر، وما أستطيع الزعم بأنى فيما همهمت كنت من الذاكرين!!. إن البون بعيد جدا بين الكلمات التى ننطق بها، وبين معناها المصاحب لها، المخبوء تحت حروفها.. لو كانت إدارة الألفاظ على الشفتين تثبت معانيها للفور كما تدير أزرار الكهرباء فتسطع المصابيح للنور، لكنا فى حال غير الحال، ووضع غير الوضع! ولكن المسافة شاسعة بين الكلمات ودلالتها الملاصقة. وكم فينا من ببغاوات تجرى على أفواههم كلمات جليلة، فإذا ذهبت تلتمس حقائقها فى نفوس القائلين، وجدت الفراغ أو وجدت النقيض. والمؤسف أن أغلب معاملتنا لفه يسيل من هذه العين الحمئة!!. ص _108
(1/97)

إن أسوأ ما يعترى الفرائض المكتوبة والعبادات الرتيبة أن يؤديها المكلفون وهم فى شبه غيبوبة، لا تلاحق عقولهم معانيها، ولا تحصل نفوسهم حكمتها.. ويقول علماء النفس: إن درجات الحس تتفاوت عند مباشرة المرء لشتى الأعمال، فقد يقع الإحساس فى بؤرة الشعور، وذلك فى حالات الانتباه الكامل، وقد يهبط الوعى إلى حاشية الشعور عند ملاحظة أمور مألوفة. وهناك منطقة شبه الشعور التى تصحب القيام بأعمال معتادة، وأظن بعض الدواب تشارك البشر فى هذه الحالة، فهى إذا دربت على أشغال معينة أدتها بدقة- دون وعى طبعا. والتكاليف الدينية يوم تؤدى على أنها عادات مجردة، ليس معها الصحو العقلى المطلوب تصبح إلى الأدواء أقرب منها إلى الأدوية.. بل إن الكفار الصاحين الإيقاظ إذا التقوا شى ميادين الحياة بعابدين من هذا النوع المخدر الغافى سرعان ما يسبقونهم سبقا بعيدا ويغلبونهم غلبا أكيدا.. إن الله شرع الدين موضوعا وشكلا، معنى ولفظا، يقظة نفسية، وحركة بدنية، فمن أخذ الظاهر من هذا كله وترك الباطن فهو يعبث بالدين، ويتخذه لعبا ولهوا.. ويحسن أن نفرق هنا بين عدة أحوال، فإن المؤمن الجاد الصادق عندما يشرع فى نسك، يقبل على الله معقود العزم حسن القصد.. وربما اختلس الشيطان شيئا أو أشياء من عبادته، فهو يحزن لذلك ويتعلم الحرص والحذر، ومراتب المؤمنين فى مدافعة هذه الغارات لا حصر لها.. وخيرهم من تنجح مجاهداته فى صيانة عمله جوهراً ومظهرا، وأعجزهم من استغفله الشيطان فشتت لبه فى متاهات ليس لها آخر كلما تقرب إلى الله بعمل.. ولا بد من استبعاد النيات الملتاثة فى هذا المجال.. إننى أحيانا أسمع الأغنية الدينية تصف مناسك الحج أو تعرض حياة الرسول، فيمتلئ قلبى بالرقة والضراعة.. ثم أستحضر سيرة المغنى والملحن والعازفين فأحس فجوة رهيبة بين جلالى ما يقال وفساد من يقول.. إن الفرق الماهرة فى أداء هذه الألحان الدينية هى هى تستفز الشهوات الساكنة وتزين مزالق
(1/98)

الشر لألوف من الخلق وتجدد نشاط الأشرار كيما يسترسلوا فى غوايتهم.. ص _109
ولذلك عندما أسمع مناجاة الله على لسان مغن أو مغنية أسأل النفس، أهذا ذكر الله حقا، أم هى صنعة الكلام والتطريب وحسب؟. ولم التمثيل بالغناء الدينى؟. هل تتبعت مجالس القرآن التى تحف بنفر من القراء المشهورين، ورأيت ما يسود هذه المجالس من صخب وخفة؟. إن الصياح الطائش الذى يفتعله بعض السامعين يستخف للأسف هؤلاء القراء فتراهم ينسون الكتاب، ومنزله، وما ينبغى له من إجلال وتوقير، ويحولون الآى إلى نغم معجب للجهال يزيدهم ولها على وله!!. ثم ينفض الحفل الماجن دون أدن ينشرح بذكر الله صدر أو تدمع لخشيته عين، أو تنعقد على طاعته إرادة، ويئوب القارئ والسامعون إلى بيوتهم وهم يخوضون فى غضب الله خوضا!!. إن ما يطلب من الناس ليس شيئا صعب التصور أو عسر المنال، مطلوب من الإنسان العاقل أن يعى ما يقول، وأن يعنيه، وأن يفقه ما يسمع ويستوعبه، فهل هذا تكليف بما يبهظ الهمم!. مطلوب من المصلى إذا وقف بين يدى الله أن يعرف من يناجى، فإذا قال: "الله أكبر" كان شعوره فى حضرة الكبير المتعال عاصما له من الالتفات إلى غيره، ومحرما عليه الاشتغال بأمر دونه، وهذا سر تسمية افتتاح الصلاة بتكبيرة ا لإحرام. مطلوب من التالى للوحى أن يفك أغلاق قلبه فإذا نودى سمع، وإذا بصر رأى، وإذا استثير نشط، وقد جاء فى وصف عباد الرحمن (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا) العلاقة بالله- على الحقيقة لا على التجوز- تطلب البعد عن آفتين: التوهم أو الخيال والتمثيل أو التصنع.. * الآفة الأولى: تجعل المرء يرسل القول على عواهنه، وقد تخدعه نفسه فيخال الأمنية البعيدة حقيقة ماثلة، أو يخال الأمر السامى غاية سهلة. وقوانين الإيمان لا تدع المؤمنين طويلا بإزاء هذه الأوهام، بل ترميهم الأحداث تلو الأحداث حتى يتكشف معدن النفس، فإما ثبت الإنسان عند ما يقول وتحمل تبعاته ص
(1/99)

_110
كاملة، وإما انهزم وبدا عواره، وفى ذلك يقول جل شأنه "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين * ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون". والأمل فى الاستشهاد قبل مواجهة العدو شىء عظيم، وأعظم منه وأدل على صدقه ألا يتبخر الحماس عند اللقاء، ويتغلب حب الحياة وإيثار السلامة. إن الله تبارك اسمه يبغض أصحاب المزاعم العريضة، فإذا دقت ساعة الجد وجدت " الثرثارين خرساء "لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون". * أما الآفة الأخرى التى تبعد ذويها عن جوهر الدين فهى أخذ العبادات من مراسمها البادية، وبذل الجهد فى إتقان الظاهر وحده. ولو عقلنا لأدركنا أن القليل مع صحو الضمائر أفضل من كثير لا روح فيه، تأمل فى حديث إبراهيم الخليل عن ربه، إنه حديث ليس فيه كشف لمجهولى، ولا تصوير لمعنى مبتاع، إنه يتناول أقرب المحسوسات إلينا "الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين". إن الرجل العامى يجد هذا الكلام قريبا من حسه، ولكن حقائق هذا الكلام هى التى فاتت العباقرة فزاغوا. ليس الأمر تزويق عبارات بليغة، ولا شرح فلسفات عويصة، الأمر لا يتطلب أكثر من أن يقرأ المسلم فاتحة الكتاب، فيعنى كل كلمة ينطق بها، ويكون قلبه مرآة نقية لما احتوت من حمد الله، وثناء عليه، وتعاهد معه، وتطلع إلى هداه ونعمته. هذه هى الحقيقة التى تحدث عنها علماء التصوف ورجال التربية. لا دلالة لهذه الكلمة غير ما قلنا، أن يلتزم المسلم بشريعته مبنى ومعنى أن ينفعل بتعاليمها لبا وقلبا وجسدا، أن يرقى إلى مستواها فكرا وعاطفة وسلوكا.. لا تعريف للحقيقة غير ما أوضحنا فى الكلمات الآنفة، أن يتطابق الفؤاد مع اللسان عند ذكر الله، وأن تتعانق الروح والجسد عند الانقياد لأمره. ص _111
(1/100)

ولبعض الصوفية كلام متهافت يوهم أن الشريعة شىء والحقيقة شىء آخر. يقول ابن عجيبة فى شرح حكم ابن عطاء الله السكندرى "الأعمال عند أهل الفن- يعنى فن التصوف- على ثلاثة أقسام: عمل الشريعة، وعمل الطريقة، وعمل الحقيقة، أو تقولى: عمل الإسلام، وعمل الإيمان، وعمل الإحسان، أو تقول: عمل أهل البداية، وعمل أهل الوسط، وعمل أهل النهاية. فالشريعة أن تعبده، والطريقة أن تقصده، والحقيقة أن تشهده. أو تقول: الشريعة لإصلاح الظواهر والطريقة لإصلاح الضمائر والحقيقة لإصلاح السرائر... إلخ " وهذا كلام مضطرب مدخول يقوم على التلاعب بالألفاظ، والعبث بالمفاهيم: فإن الشريعة إصلاح للظاهر والباطن معا، وهى عبادة دينية وإحسان، لا يغنيك أحد هذه العناصر عن الآخر. ويوغل ابن عجيبة- غفر الله له- فى خطئه، فيصور لقرائه أن الكتاب والسنة أقسام، بعضها يشير إلى الشريعة، والآخر يشير إلى الحقيقة فيقول: "أشكل على بعض الفضلاء قوله تعالى "ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون" مع قوله صلى الله عليه وسلم "لن يدخل أحدكم الجنة بما عمله " والجواب- كما يزعم ابن عجيبة- أن الكتاب والسنة وردا بين شريعة وحقيقة، وبين تشريع وتحقيق، فقد يشرعان فى موضع ويحققان فى آخر، وقد يشرع القرآن فى موضع وتحقق السنة هذا الأمر فى موضع آخر. فقوله تعالى "ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون". تشريع لأهل الحكمة وهم أهل الشريعة، وقوله صلى الله عليه وسلم "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله " تشريع لأهل القدوة وهم أهل الحقيقة..... إلخ ". وهذا كلام باطل، لا ينطوى إلا على الفراغ والدعوى.. وليس فى دين الله أهل شريعة وأهل حقيقة، ولا انقسم الوحى الإلهى إلى فريق لهؤلاء وفريق لأولئك. أما الإشكال الذى أورده فإليك تفسيره.. اتفق أئمة المسلمين على أن العمل لا بد منه لدخول الجنة، وأنه سبب شرعى مطلوب لا يستثنى منه بشر، ولا يدخل بدونه أحد. وقد تظاهرت الدلائل على ذلك من الكتاب والسنة جميعا. قال
(1/101)

تعالى "لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون". وقال "الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون". ص _112
(وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون * لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون) وقال فى المستقيمين (أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون... إلخ. ولكن المطلوب من العابدين لله أن يتواضعوا له وأن يكبروا حقه وأن يخافوا لقاءه مهما قدموا من صالحات قال تعالى (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون * أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ) (يؤتون ما آتوا) . ليس معناها فعل المعاصى والحذر من عقباها! بل معناها فعل الطاعات والحذر من عدم قبولها، لأنها دون ما يجب لله أو دون ما يحسن المرء. وبهذا المعنى جاء الحديث الشريف فهو نهى عن الاغترار بالعمل وليس نفيا لقيمة العمل، إنه نهى عن الاطمئنان إلى العمل والاستكبار به والجراءة على الله بعد إتمامه. وليس نفيا عن التزود بالصالحات والاستكثار منها. وغريب أن يفهم عوام المسلمين من الحديث الشريف أن العمل لا لزوم له!! فيم إذن نزل القرآن؟ ولماذا جاهد نبيه ربع قرن لإبلاغه وإقامة الأمة عليه؟. الحديث نفى لأن يكون العمل ثمنا حقيقيا للجنة، وليس نفيا لأن يكون سببا حقيقيا لدخولها.. نعم، فإن الخلود الدائم فى نعيم مقيم ليس الثمن المكافئ لعبادة الله سنين عددا، ذاك لو خلت العبادة من شوائب الرفض، فكيف وأكثرنا لو فحص عمله رد فى وجهه ثم كيف لو حوسب الإنسان على النعم المغدقة عليه فى الدنيا، وقيل له: عملك نظير بعض هذه النعم!. الحديث ليس مناقضا للآيات، ولا للأحاديث الأخرى ، وإنما هو كما قلنا كسر للغرور البشرى وتذكير برحمة الله وتجاوزه وصفحه. على ضوء هذا التفسير تعرف أن ما ذكره ابن عجيبة وغيره عما يسمى حقيقة وشريعة لا أصل له فى الإسلام فدين الله لجميع خلقه. ص _113
(1/102)

صدق المعرفة ووحدة الوجود درجات المؤمنين فى معرفة الله متفاوتة إلى حد بعيد. ولا تقبل هذه المعرفة- ابتداء- إلا إذا كانت صحيحة، مطابقة للواقع. فإذا شاب هذه المعرفة جهل فاضح كالشرك أو التجسيد ردت فى وجه صاحبها ولم تغن عنه شيئا.. والمعرفة الصحيحة مراتب: فالذى يعرف ربه معرفة واضحة غير الذى يعرفه معرفة غائمة. ووضوح الرؤية للغاية المنشودة شىء آخر غير الاندفاع بإحساس غامض ونظر مختلط. *.. والمعرفة العميقة غير المعرفة السطحية. الأولى تبقى على اختلاف الظروف والأخرى قد تهتز مع الاختبارات العارضة. * والمعرفة الآلفة المستمرة غير المعرفة العابرة المارة. فقد تعرف إنسانا معرفة جيدة، وتنشغل عنه بأمور كثيرة أو قليلة، وقد تعرف آخر معرفة صحبة واستقرار.. والذى يعرف ربه كلما شعر بحاجة إليه فإذا انتهت حاجته شغلته نفسه، غير الذى أنشأ علاقة مع ربه يتعهدها بالتحبب والتردد على ساحته، فهو موال له معتز بصلته *.. والمعرفة الموقنة الناشطة التى تجعل المؤمن يسارع فى الخيرات، وينهض بالتكاليف، غير المعرفة الكسولى الوانية التى يصحبها التفريط فى الواجب أو استثقال أدائه. *.. والمعرفة العاصمة من الدنايا الكابحة للجماح غير المعرفة المنهزمة أمام النزوات.. *.. والمعرفة المورثة للتوكل على الله فى مواطن القلق والفزع.. غير المعرفة التى تجعل المرء ضارغا للخلق ذليلا أمام أصحاب الحول والطول.. ص _114
(1/103)

إن الإيمان يزيد وينقص، وآثاره فى النفس والحياة تتمدد وتنكمش. والزيادة والنقصان ليسا فى أصل المفهوم العقلى وإنما فى كمه وكيفه. فالصوت من الفم العادى يتضاعف ألف مرة عندما يمر بمذياع ضخم البوق، بعيد الصدى. والإيمان فى بعض الناس قد يتحول إلى حياة تصبغ الشعور والفكر وتهيمن على الحركات والسكنات، تجعل صاحبها فى نهار دائم من الأنس بالله وألف عظمته.. ومن ثم لا يتفاضل المسلمون فى أصل عقيدة التوحيد. وانما يتفاضلون فيما يبلغه التوحيد فى نفوسهم من أبعاد وآماد. ومن الجور أن نسوى بين العميق والضحل، والمتين والضعيف.. وأقدار المؤمنين عند الله وحظوظهم من مثوبته تتبع درجات إيمانهم على ما شرحنا... واكتمال الإيمان يوصل إليه بعد جهاد طويل، ورياضة متصلة.. ومن الخير أن نعترف بمدخل العناية العليا فى هذا المضمار، فإن الفالحين يغرسون جميعا لكن حصيلة الثمرفى كف القدر. وما من جهد يذهب هدرا، حاشا لله، هو القائل (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ). والمشكلة ليست فى أن الله جل جلاله يثيب من قصده.. فهو مثيب مجيب. وإنما الذى يجب أن يعرف بحسم أن العبد فى هذا الميدان محتاج إلى سعة الفضل لا إلى ضمان العدل. وأن ما يأخذه إن كان أجرا على عمل فلن يعدو المرء مكانه، أما إن كان تطولا من ذى الجلال! والإكرام (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم * يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم ص _115
(1/104)

وإذا أحب الله إنسانا رطب بذكره لسانه وأنعش به جنانه ويسر له ما يرده إليه إن بعد، وما يقيمه على الصراط إن شرد. والدرب الموصل إلى الله قد تكفل الإسلام بوصف مراحله ومعالمه، فليس هناك شىء وراء كتاب الله وسنة رسوله.. إلا أن عواطف الإيمان قد تهيجها عواطف مشابهة وإن اختلف سببها. وهذه طبيعة البشر إذا غمرهم شعور ما، فإن هذا الشعور قد يجيش فى جوانحهم بعد سكون لأبعد المثيرات. وتأمل كيف يبكى متمم بن نويرة أخاه مالكا: وقال: أتبكى كل قبر رأيته لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك فقلت له إن الشجا يبعث الشجا فدعنى فهذا كله قبر مالك!! وجيشان العواطف المؤمنة عند جمهور العارفين هو الذى جعلهم ينقلون إلى ميدان الحق معانى قيلت ابتداء فى مواقف تافهة وصغيرة. ومن هنا ناجو الله يقول الشاعر: إن بيتا أنت ساكنه غيرمحتاج إلى السرج وجهك الأمول حجتنا يوم يأتى الناس بالحجج وهى أبيات من قصيدة فى الغزل!.. وكذلك ناجو الله بقول الشاعر: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك تصفو والأنام غضاب وليت الذى بينى وبينك عامر وبينى وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذى فوق التراب تراب وهى أبيات قيلت فى مدح سيف الدولة!. والحق أنه كثير على بشر أن يخاطب بهذه المعانى، فالله، جل شأنه، أولى بهذا المدح ص _116
(1/105)

ولا نريد أن نقف عند تلك الخطوات العوارض، بل يهمنا أن نصف حقيقة العبودية التى تنضح بهذه المعانى، أو تتجاوب معها، وحسبنا فى ذلك الكتاب والسنة.. إن القرآن الكريم ينقل الإيمان من ميدان التصورات النظرية المعزولة إلى ميدان الشعور الحى المأنوس الواقع.. ففى مجالسنا حيث نسمر، أو نجد، يجب أن نعد بين الحضور رب العالمين: "ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا". وهذا الإحساس بالحضور الإلهى له نتائجه من رغبة ورهبة. والله، جل شأنه، يريد أن نشعر بهذه الهيمنة الشاملة، وأن نحسب حسابها فيما نفعل ونترك: "وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه" وفى الخريف الماضى كنت جالسا وحدى فى جنينة تحت إحدى الشجيرات فسقطت على ورقة جافة، فتلفت فى مكانى أنظر هنا وهناك وعلى لسانى قوله تعالى: "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض". قلت لنفسى: إن الله يعلم بسقوط هذه الورقة الآن!. وقلبتها بين أصابعى أتأمل ظهرها وبطنها، وأتفرس فى شبكة العروق اليابسة المنتشرة بين الوسط والأطراف. ومددت بصرى فإذا أوراق كثيرة ساقطة، ووجدت أنى إن استطعت عد هذه الأوراق الكبيرة فمن المستحيل أن أعد ا لأوراق الصغيرة تحت الشجيرات الأخرى.. قلت ذلك وأنا بين بضع شجيرات فى بقعة لا تذكر من أرض الله، فكيف بما تنفضه رياح الخريف فى القارات الخمس؟. ثم قلت: وعلم ذلك إن أعيا العادين فى عصر واحد لكثرته الهائلة، فكيف بإحصاء ما تساقط على مر القرن من بدء الحياة إلى منتهاها؟. ص _117
(1/106)

وأخذتنى حيرة وروعة، وأنا أتابع سلسلة هذه الصور، ثم وأنا أمسك مرة ثانية بالورقة الجافة وأتساءل!: كيف نسجت مادتها وكيف تمت صباغتها. إن الخضرة فى وجهها هذا غير الخضرة فى وجهها الآخر، ثم إن أطراف الورقة مزخرفة بمنحنيات متناسقة كثيرة.. وستعود هذه الورقة طينا وتنبثق من ظلمات الأرض مرة أخرى ورقة ناضرة يانعة.. وهى فى كل آن من هذه المراحل فقيرة الفقر كله إلى الخالق المصور الذى يتولى إيجادها.. إيجادها وحدها؟ كلا، بل الألوف المؤلفة منها، والألوف المؤلفة فى كل بستان وحقل، كان أو يكون. وعدت أقرأ الآية كلها من جديد: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها.. ) إن الجانب المادى فينا- معشر البشر- يجعلنا نحتفى بالأبعاد الحسية الثلاثة- الطول والعرض والعمق وقد تكثرت كذلك بالبعد الرابع الذى لفت أنظارنا إليه "ألكسسى كارل " وهو " الزمن ". فعندما نسمع بأحجام الكواكب، والمسافات الشاسعة التى تفصل بينها، والفضاء الرحب الذى تسبح فيه، وسرعة الأشعة التى تصدر عنها عندما أتابع بالخيال المحض هذه الحقائق الثابتة نشعر بأن عظمة الله فوق ما يطيق العقل، وأن ما نعرف من جلاله رشح يسير من بحر موار. وأتلو قوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير * له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم). إن البناء الضخم لهذا الكون الذى نعيش فى جانب متواضع منه يبهرنا عندما نطالع امتداداته الهائلة. لكن.. هل عالم النمل أقل إثارة لدهشتنا العقلية عندما نتأمل الطريقة التى تحيا بها كل نملة؟. وهل عالم الذرة أقل إثارة لهذه الدهشة عندما نأذن لخيالنا أن ينطلق بلا حدود مع وصف الإخصائيين للعناصر التى تتركب منها الذرة، والقوى الرهيبة المحتبسة فيها؟. ص _118
(1/107)

لا... إن دلالة هذه العوالم على جلال الخالق لا تقل عن دلالة الأفلاك البعيدة وسنواتها الضوئية المذهلة.. ومع ذلك فلا أدرى لماذا يسطع على عجل شعاع من المجد الأعلى فى بصيرتى عندما أتابع الإبداع الإلهى فى آفاق السماء. قرأت لأحد علماء الفلك هذه الكلمات: "من النجوم عدد قليل لا يكاد يكبر الأرض ولكن أغلب النجوم كبير إلى حد يجعل من الممكن أن تجمع مئات الآلاف من الأرض فى إحداها ثم يبقى بعد ذلك متسع لغيرها. وقد يصادفنا أحيانا عملاق هائل من النجوم يبلغ من الكبر حدا يتسع معه لاحتواء ملايين من الأرض.. وربما كان عدد النجوم التى فى الكون قريبا من مجموع عدد حبيبات الرمل التى تغطى شواطىء البحار فى العالم كله. ألا ما أصغر شأن موطننا فى الفخساء بالنسبة إلى سائر ما فى الكون من مواد. وهذا الجمع العظيم الحاشد من النجوم يسبح فى الفضاء وفيه عدد غير قليل يكون مجموعات تسير مترافقة، ولكن أغلبها يجوب الآفاق منفردا فى كون متسع الأرجاء اتساعا يجعل اقتراب نجم من نجم آخر فى أى مكان حادثا نادرا يصعب تصور حدوثه. ولهذا نرى كلا منها يسبح منفردا فى عظمة وجلال كأنه سفينة تسبح فى محيط لا يشاركها فيه سواها. وإذا مثلنا الكون بنموذج ذى مقياس رسم معين تعرض فيه النجوم بحجم السفن كان متوسط المسافة بين كل سفينة وأقرب جارة لها يزيد على مليون من الأميال. ولهذا يسهل علينا أن نعرف لماذا يندر أن تلتقى سفينة بأخرى على مسافة تستطيعان معها أن تتبادلا التحية.. ". والذى يستحق التسجيل أن القرآن والعلم يتركان أثرا واحدا ولا أقول أثرا متشابها من عظمة الله وتنزيهه وتمجيده. إن صورة الألوهية فى بعض الأديان دون ما ينبغى بكثير للذى خلق فسوى والذى قدر فهدى. ص _119
(1/108)

وإنه لشىء ممجوج مكروه أن يتصور مبدع السموات والأرض، قد تحدد فى جسد إنسان أو حيوان كما يزعم بعض الناس فى معتقداتهم البدائية التائهة. إن القرآن يتحدث عن الله العلى الكبير فيشعرك بأن قدرته وراء النواة التى تتكون نخلة، وهى فى الوقت نفسه وراء الفجر الذى يشق الظلمة ليتحول ظهرا.. ( إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون * فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ). وعلى هذا الأساس ينهض الإيمان الحق، وعلى ضوء تلك المعرفة تحيا العلاقة بالله، لأنها علاقة إحساس بوجوده، وملاحظة لصفاته، ومتابعة لآثاره هنا وهناك. وفى هذا الجو وحده يولد مقام "الإحسان ". والقرآن الكريم مشحون بالمشاهد التى تعلم الناس "مقام الإحسان " يدرك أنه بلغ فى عبوديته لله مدى من الاستغراق والإشراق تنقطع دونه همم الخلائق كافة.. وسنلمح إلى ذلك فى مقال تال. والأساس العقلى للشعور بوجود الله يقوم على ما تقرر فى علم التوحيد من أن أقسام المعلوم ثلاثة: "واجب " و "مستحيل " و "ممكن ". فالواجب يستحق الوجود فى ذاته ولا يتصور عدمه. والمستحيل يستحق العدم من ذاته ولا يتصور وجوده. والممكن ما لا يستحق من ذاته عدما ولا وجودا، وإنما يستمد وجوده إن وجد، من واجب الوجود وحده. والعالم كله، ما نعرف منه وما لا نعرف، ما نبصر وما لا نبصر، من هذا القسم الأخير. حياته عارية من غيره، تستوى فى ذلك الجراثيم التى تسكن ألوفها المؤلفة رأس إبرة، والكواكب التى تتهادى فى دورات الفضاء بين شروق وغروب. إنها جميعا تستعير وجودها وحراكها ونظامها من الله ( الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ..) ص _120
(1/109)

والشعور بهذه الحقيقة العلمية تجاوب مع الواقع الذى لا ريب فيه. ولعل ذلك ما أوحى بهذه الأبيات التى جرى بها قلم مؤلف لا أذكر اسمه: الله قل، وذر الوجود وما حوى إن كنت مرتادا بلوغ كمال فالكل دون الله إن حققته عدم على التفصيل والإجمال من لا وجود لذاته من ذاته فوجوده فى الحق محض خيال نحن نزكى هذا الإحساس لكنا نلفت النظر إلى شطط يعتريه ويفسده. فمن حق الله ألا نغفل عن وجوده، ومن حقه أيضا ألا نجحد أو نجهل ما أوجد. بل إننا لن نعرف الله المعرفة الصحيحة إلا إذا درسنا العالم الذى خلقه وأوح فى تضاعيف هذا الخلق دلائل عظمته، ومعانى أسمائه الحسنى. والإيمان الذى دعا إليه القرآن الكريم هو ثمرة الدراسة الواعية للكون الكبير وما انبث فى جوانبه من أحياء.. إنك تستطيع أن ترى الله فى كل شىء، أى تستطيع أن ترى قدرته وإبداعه ومجده، وتستطيع أن تلمح أنه القيم على كل شىء فى أغوار الأرض وأبعاد السماء. عندما أعلن الإحصاء الأخير لسكان الأرض ساورنى خاطر محدود. هناك أكثر من ثلاثة آلاف مليون إنسان يعيشون على ظهر هذه الكرة، قلت لنفسى: إن الله سن وراء ثلاثة آلاف مليون عقل يجرى فيها تيار الفكر بطيئا أو قويا، ترى فيما يفكر كل واحد من هؤلاء؟. ومن وراء ثلاثة آلاف مليون قلب تجيش بالرضا أو القلق بالفرح أو الحزن، بالرجاء أو اليأس، ترى ما يشغل كل قلب من هذه القلوب؟. من وراء ثلاثة آلاف مليون جسد تغلى الحياة فى أعضائها ويجرى الدم فى عروقها وتنقبض وتنبسط بالزفير والشهيق رئاتها. ما أكثر هؤلاء.. ومع ذلك فالله من ورائهم محيط، ولأمورهم مدبر، وفوقهم قاهر وعليهم قيوم. هم وحدهم؟ كلا، هم والأصول التى انحدروا منها والفروع التى تنشأ عنهم إلى ما شاء الله جل جلاله. ص _121
(1/110)

هم وحدهم؟ كلا… وعوالم الأحياء الأخرى التى تزحم البر والبحر، وتنتشر فى ملكوت نجهل منه أكثر مما نعرف (وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم ) ما أوضح شىء فى عالمنا هذا؟ الشمس فى حجمها الضخم، وما يضطرم فى كيانها من نار ونور؟. إن الحرائق المستعرة فى جوفها وسطحها ترمى باللهب على مسافات هائلة.. وهى بعض مظاهر الجبروت الإلهى فى التكوين. فهل بعد ذلك يضعف الإحساس بالخالق ويقوى الإحساس بالمخلوق؟. *** ص _123
وحدة الوجود خرافة … إن الشعور بالوجود الإلهى يجب أن يكون حيا غامرا لدى أولى الألباب. لكن الكون شىء غير صاحبه، والعالم شىء غير الله، ومعرفتنا بالله فيما أوجد لا تعنى أن الموجد هو الموجود. ومن السخف أن يرتكس الفكر الإنسانى فى هذه الحمأة. إن الآلة شىء غير من اخترعها، والقصرشىء غيرمن بناه.. وقد خلقنا الله وكلفنا، ورتب على تكاليفه مثوبات وعقوبات، وأنزل بذلك كتبا وبعث رسلا. فكيف نجرؤ على وصفه بالهزل والتزوير فى ذلك كله؟. ولقد أحصى العلماء العناصر التى يتكون منها العالم، وقرروا ما لكل عنصر من خصخائص لا تزيد ولا تنقص، فكيف توصف هذه العناصر بعد ذلك بأوصاف الألوهية؟. إن القول بوحدة الوجود هو- عند التأمل- نفى للألوهية وإثبات للكائنات وحدها.. فالماء مثلا مادة معروفة، وقد شرح الكيميائيون أسلوب وجودها من عنصريها الأساسيين.. وهى من قبل ومن بعد لن تكون إلا الماء. فالزعم بأنها إله أو جزء إله تخرص علمى سيسقط من تلقاء نفسه، وتبقى بعد ذلك العناصر وحدها دون أى وصف إلهى. ومن ثم قلنا: إن وحدة الوجود عنوان آخر للإلحاد فى وجود الله، وتعبير ملتو للقول بوجود الماء فقط، وما دام لا يوجد شىء وراء هذا العالم، فالقول بأن الله داخله هو صورة أخرى للقول بنكرانه.. ص _124
(1/111)

وفلسفة وحدة الوجود، أو خرافة وحدة الوجود تفكير هندى قديم، والقوم يتصورون أن هذا العالم أزلى أبدى، وأن الأرواح تخرج من أجسادها لتعود فى أجساد أخرى- وقد تكون أجساد حيوانات - وأن قصة الحياة تدور فى هذا النطاق المحصور، وتبدأ من حيث تنتهى، وهكذا دواليك إلى ما شاء الله، والله فى أوهامهم- هو هذه العمليات المتكررة. والغريب أن هذه الوحدة الموهومة قد تسللت إلى بعض الديانات السماوية. وبين يد!ا قصيدة لشاعر عربى تصور هذه الأسطورة المنكورة تصويرا تاما، قال: له العوالم أعضاء مرددة وما الأثير وما الأجرام سابحة ما كان قط عن الأشياء منفردا تعاشق الكل، من أعلى الشموس إلى لو قال كن، كان للتكميل مفتقرا سر التحول والتكرار مطرد رباه أشرق لروح منك منبثق حاولت ترويض عقلى فاندفعت به فخذ بكفى، ولا تغضبك فلسفتى فيها الحياة على بعد المسافات.. فيه، سوى الدم، يغلى بالكريات بل هن فيه لصوق الذات بالذات أدنى الرمال إلى أخفى الذريرات وكان فى حاجة الماضى إلى الآتى هذى البدايات من تلك النهايات أما أنا فيك من بعفر الخليات؟ فى مدحض زلق بالعبقريات وعدها لى من بعض الحماقات وهذا الذى قاله الشاعر حماقة لا ريب فيها، ومن حق رب العالمين أن تغضبه تلك الفلسفة السمجة، وأن يسخط على كل من يعتنقها ويروجها. ومن العجائب أن بعض المتصوفة من المسلمين قد انزلق إلى هذه الهاوية، وينسب إلى الحلاج قوله: سبحان من أظهر ناسوته سر سنا لاهوته الثاقب ثم بدا فى خلقه ظاهرا فى صورة الآكل والشارب حتى لقدعاينه خلقه كلحظة الحاجب بالحاجب وقد دفع الحلاج دمه ثمن هذا الحق. ولا أدرى كيف يقول مسلم، بل كيف يقول عاقل، بوحدة الوجود، إن كان حقا يؤمن بالله وبصدق المرسلين؟. ص _125
(1/112)

لو كانت الأرض لؤلؤا ومرجانا ما صح أن تكون ذاتا لفه فكيف وهى إلى جانب ذلك حصى وبعر؟ ولو كانت زهرا فهناك الشوك، ولو كانت وفاء وأمانة فهناك الغدر والخيانة. إن الصاروخ المنطلق فى مداره شىء غير الإنسان الذى أطلقه، وكذلك العالم شىء غير الرب الذى أبدعه وسيره (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل * له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ) وأظننا أوضحنا بعد البون بين الإحاطة الإلهية التى يحسها المؤمنون ووحدة الخالق والمخلوق التى يتوهمها الخراصون.. ثم إن العارفين بالله المشاهدين لقيوميته قد يسترقون فى حالات من التأمل العميق تطول أو تقصر، والاستغراق العقلى أو النفسى فى أمر ما ليس بدعا من شئون الناس. وقد يفجؤنى أحيانا أمر من الأمور، فأحشد له كل ما فى كيانى من انتباه إلى أن أفرغ وللعلماء نوادر فى ذهولهم العلمى وغلبة بحوثهم على تصوراتهم. وليس مستغربا أن يجتذب الحب الإلهى بعض أولى الألباب فيشغلهم عن ذاتهم وينتقل بهم من مآرب الأرض إلى أشواق السماء.. إلا أن هذه الأحوال عوارض لا تصبغ الحياة الإنسانية طولا وعرضا.. وهى بداهة لا تنال أصحاب السناء الفكرى والنفسى. أى أنها شاركت اكتمال ثقافى وعاطفى، فلا يمكن أن يحسها أهل البلادة والقصور، إن التألق طبيعة الشخصية المتقدة لا الشخصية المعتمة... ويبقى أن نتساءل: ما مدى هذا الاستغراق؟ والجواب: أن لحظات الانتباه الذهنى موقوتة بطبيعتها، فما يزعمه البعض أنه مجذوب طول عمره إلى الحضرة الإلهية دعوى غيرمسلمة. نعم هناك ألوف المؤمنين المتفانين فى مرضاة الله، الراغبين إليه، البانين حياتهم وفق مراده، ولكن ذلك شأن غير ما نحن بصدده. والمثال العملى الأكمل للمعرفة التامة والإقبال العظيم على الله يؤخذ من سيرة ص _126
(1/113)

رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن انتباهه المشدود إلى الله تبارك وتعالى، ما أوهى حسه بالحياة ولا علائقه بالحلائق.. ومن هنا فسيرة المجاذيب من المتصوفين الذاهلين عن الوجود المادى، نعدها نحن حالات مرضية لا أمارات صحة... إذا انضم إلى هذا الذهول ما يقال من فناء عن النفس أو فناء فى الله وما يضيفه الخيال المعتل فى مثل هذه الحالات من صور حلول أو اتحاد، كل ذلك لا يمكن وصفه إلا بأنه اختلال فى القوى المعنوية، أو ضرب من الخيال. إن المتفانى فى عشق امرأة لا يحوله الهيام إلى ضلع منها أو جهاز فى بدنها.. والإيمان صراط مستقيم لا يتحمل ذرة من هذا الاعوجاج.. ص _127
(1/114)

بين التصوف الاسلامى والتصوف الأجنبى الموضوع الفريد والصحيح للتصوف الإسلامى يتكون من ثلاثة عناصر: * أولها: جعل الإيمان النظرى شعورا نفسيا غامرا، وتحويله من عقل يتصور إلى قلب يعى ويتحرك. * ثانيها: تهذيب النفس- على ضوء نسبها الإلهى- حتى تكون بنمائها واكتمالها أهلا للعبودية. ومقتضى ذلك أن يكون الإنسان مستجمعا للفضائل، متنزها عن الرذائل، حتى يرشحه هذ الترقى لقبول الله ورضوانه. * آخرها: النظر إلى الوجود الصغير فى هذه الحياة على أنه جزء من الوجود الكبير الممتد بعد الموت، فلا اغترار بالدنيا، ولا استيحاش من الله، ولا ضيق بالعودة إليه. وهذه العناصر معروفة فى سيرة الرسول وأصحابه، بل معروفة فى سيرة الأنبياء وحوارييهم على اختلاف العصور.. وجمع حقائقها تحت اصطلاح علمى تصرف مألوف فى المدنيات الإنسانية. لقد قبلنا علم العروض وانتفعنا بدراسته.. وهو علم لم يعرفه من قبل أئمة الشعر فى الجاهلية والإسلام. إنهم سبكوا عواطفهم على إيقاع من موسيقا الفطرة، وأرسلوها قصائد تروى وتغنى، ثم جاء من بعدهم من كشف أسرار هذه الموسيقا و"بحورها" المختلفة. ودراسة العروض لا تنشئ شعرا ولا تكون ملكة الأدب.. ولكنها تضبط نظم المحدثين، وتعصمهم من الخطأ.. وسلفنا الصالح كان يستجمع فى حياته النفسية والاجتماعية العناصر الثلاثة التى سردناها آنفا ولكنه لم يعرف كلمة تصوف، ولم ينتسب إلى فرقة ما من فرقه. ص _128
(1/115)

كان سلفنا الأول يجيد النطق من غير أن يعرف النحو، وكان يجيد التفكير والاستنتاج من غير أن يدرس المنطق. ثم نشأت علوم الدين واللغة مع الحاجة إليها. وظهر التصوف مع ما ظهر من دراسات، وإن كان قد نشأ سلوكا ونمطا فى الحياة قبل أن يكون علما ينتمى إلى أسرة العلوم الدينية. ولما كان الإسلام ينبع من أصول معروفة، هى كتاب الله وسنة رسوله، فإن أى علم من علومه محكوم طوعا أو كرها بهذه الأصول. وليس يتصور أن يتضمن أحد هذه العلوم شيئا مخالفا لتلك المصادر القائمة المهيمنة، إلا إذا تصورنا أن علم النحو يتضمن رفع المفعول ونصب الفاعل مراغما بذلك تراث اللغة كله!. والذى يدعونا إلى هذه التقدمة أن التصوف نزعة إنسانية عامة، تلتقى فيها الطبيعة النفسية لبعض الناس مع طبيعة الإيمان العميق بأى دين!. نعم، إن هناك ناسا "فنانين " بأصل الخلقة، يولدون ولهم شعور طافح، وخيال وثاب، وفناء فيما يعتقدون.. والأرض كذلك مليئة بالمخطئين الذين يظنون أنفسهم على صواب، بل الذين يظنون وهمهم هو الحق المبين وحق غيرهم هو الوهم المبين. ومن هنا وجدنا متصوفين بين الهنود الذين يعبدون آلهة شتى، ومتصوفين بين أهل الكتاب الذين خلطوا إيمانهم بالشرك وخطوا لأنفسهم نهجا فى العبادة لا يتفق مع الوحى.. ولكى نحرر الكلام فى التصوف الإسلامى، نرى لزاما علينا أن نعرض نماذج للتصوف الزائغ حتى يتبين الرشد من الغى. أمامى صورة لناسك هندى مشهور باسم "راما كريشنا" يعد من أعظم نساك الهند، بل إن حياته، كما يقول الدكتور محمد غلاب، من أكمل حيوات الصوفية وأشدها أثرا وأبعدها تغلغلا فى أعماق القلوب. ولهذا يقول عنه الأديب الفرنسى الكبير "رومان رولان ": "إن "راما كريشنا " تتويج لجهود آلاف السنين فى سبيل ترقية الحياة الباطنية لمئات الملايين من الهنود، إذ كان ص _129
(1/116)

المنعش الروحى الوحيد للهند الحديثة، ولو أنه ليس أحد أبطال الأعمال الواقعية كغاندى، ولا أحد عباقرة الفن والفكر كطاغور. إلا أنه كان كذلك بقوة حياته الباطنية وحدها ". ويقول عنه غاندى: "إن تاريخ "راما كريشنا" هو تاريخ الدين فى صورته العملية، وإن حياته تسمح بأن نرى فيها الإله وجها لوجه (!) وإن أحدا لا يستطيع أن يقرأ تاريخه دون أن يقتنع بأن الإله وحده حق، وأن ما عداه خيال ووهم ". ثم يقول غاندى: "إنه مثل للعقيدة الحية الساطعة التى تحمل فى طياتها القوة والعون لآلاف من الرجال والنساء، لولاه لظلوا محرومين النور الروحى". فمن هو "راما كريشنا" الذى بلغ تلك المكانة السنية بين قومه؟. إنه رجل هندوكى مثل غيره من جحافل الوثنيين الذين يقدسون الماء والتراب والحيوان، لأن الله- فى خيال الهندوك- حال فى الطبيعة. كان فى صدر شبابه سادنا لمعبد الإلهة "كالى" وهى إلهة أنثى. ويقول الدكتور غلاب: "كانت الإلهة كالى بالنسبة إليه موضوعا لعبادة حارة تلهب قلبه وتستنفد قواه وتقلق باله. ولماذا تقلق باله؟ لأن الروح الهندية العميقة ترى أن كل معرفة ناقصة ما لم تتحقق فى نفس العارف الشخصية الإلهية التى اختارها (!). لقد كان ينتحر وهو يحاول جاهدا الفناء فى هذه الإلهة، وبينما هو على تلك الحالة من القنوط إذ فاجأته غيبوبة لذيذة هائلة، رأى معها المعبد كله وقد انمحى نهائيا ثم حل محله محيط روحى انهال عليه وابتلعه، وفى الحال فقد إحساسه الخارجى، واستيقظ فيه الوجدان الباطنى، فجعل يدرك وجود (كالى) (!) وشعر بأن فيضا لا يوصف من السعادة قد غمره ". وقد أطلق عليه "راما كريشنا" بعد أن بلغ تلك المكانة، وهو اسم مركب من اسمين لإلهين فى الهند وهما طبعا، غير الأنثى كالى، وغير الالهة الكثيرة الأخرى. ما هذا كله؟. هذا رجل تخيل فخال، رجل اعتنق خرافة ثم فنى فيها بكل ما لديه من أعصاب وأفكار.. ص _130
(1/117)

إن للعالمين ربا واحدا هو الله، الله الذى أرسل لنا رسله وأنزل علينا كتبه، الله الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، الله الذى ليس كمثله شىء، والذى لا يوصف بذكورة أو أنوثة، ولا يحل فى إنسان ولا حيوان ولا جماد. (فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال ) وقد أوضح الله لعباده ما كلفهم به فى أعماق محدودة، ومقاصد مضبوطة سجلتها توراة موسى ثم إنجيل عيسى ثم قرآن محمد. والهندوكية لا تعرف هذا الإله، ولا تعترف بتلك الكتب، ومن ثم فهى ديانة أرضية وثنية خالية من الجد والحق. ومهما أرهق متصوفوها أنفسهم، ومهما قيل عن الآفاق التى بلغوها برياضتهم المعنتة، فإن تصوفهم كله لا وزن له.. ولما كان التوحيد فطرة فى نفوس الناس، وكان التعدد شائعا فى ديانة الهند، فإن الرغبة فى التلفيق والمواءمة وجدت طريقها إلى منطق النساك أولئك المجتهدين كى يقنعوا أنفسهم بأنهم مع شركهم موحدون!. من أجل ذلك يقول "راما كريشنا": عندما أتمثل الموجود الأعلى على أنه سلبى لا يخلق ولا يحفظ ولا يغنى أدعوه (براهمان) أى: ا لإله اللاشخصى، وحين أتمثله على أنه إيجابى خالق حافظ أدعوه "مابا أو كالى" أى الإله المفارق القائم بذاته. ولكن هذا التمييز بين التمثيلين لا يحتوى أى فرق!!. إذ إن المفارق واللاشخصى هما نفسى الموجود المطلق كاللبن وبياضه والماس ولألائه، فلا يمكن التفكير فى أحدهما دون الآخر، فالإله براهمان، والإلهة كالى، واحد! ". هذا مع أن الأول ذكر، والأخرى أنثى.. وهذا الكلام لا نصفه إلا بأنه فارغ، فإن السواد للغراب والبياض للبن، والبريق للماس، والحرارة للنار، كل هذه صفات الذوات. وصفة الشىء لا يمكن اعتبارها ذاتا أخرى ثم تسميتها إلها. وعندما يكون الرجل طويلا ووسيما مثلا، فإن هذه الصفات لا يمكن تجريدها عنه واعتباره شخصا آخر، ولا يمكن إذا كانت هناك ذوات متغايرة أن تعتبر ذاتا واحدة. ص _131
(1/118)

ويختتم الدكتور محمد غلاب قصة "راما كريشنا" بخرافة جريئة نذكرها لما فيها من استطالة التصوف الوثنى بتجاربه وعجائبه استطالة جعلته يضع المسيحية والإسلام تحت جناحيه، قال: "وعندما انتزع "راما كريشنا" نفسه تدريجيا من حالة الغيبوبة المستمرة توحد مع آلام الإنسانية الملوثة المجرمة". وقد نجح فى هذا التوحد والشعور بآلام الغير إلى حد أنه كان يصرخ من شدة الألم عندما كان بحاران من بحارة سفن نهر الجانج يتشاجران. ومن ناحية أخرى قد أصبح- بعد أن أفاق من تلك الغيبوبة- موقنا بأن جميع الأديان العظمى تنتهى، بوساطة طرق متباينة، إلى إله واحد. وعلى أثر إيقانه بهذه الفكرة، صار شغوفا بأن يسلك كل تلك الطرق، لأن الفهم عنده لا يمتاز عن العمل أو عن تحقق الغاية. ولقد جرب تلك الطرق فعلا، وكانت الطريقة الأولى التى سلكها هى الإسلام. وكان ذلك فى نهاية سنة 1866 م فعاش عيشة الصوفى المسلم عدة شهور، وظل كذلك إلى اليوم الذى ظهر فيه شخص مضىء المحيا، ذو وجه جاد ولحية بيضاء ثم دنا منه وتلاشى فيه، وإذ ذاك دخل فى الغيبوبة، وكان معنى ذلك أن الإسلام قد انتهى به إلى المطلق!.. وبعد سبع سنين من هذه الحادثة دفعت "راما كريشنا" تجربة أخرى إلى التحقيق من طريق المسيحية، فظهرت أمامه صورة المسيح وتلاشت فيه ثم انغمس فى الغيبوبة، على النحو السالف ". والأمر فى نظرنا ضرب من الهوس الفكرى والاضطراب النفسى. ولنترك التصوف الهندى جانبا ولنتناول التصوف المسيحى. إن النصرانية- من حيث هى دين سماوى- تتضمن من العقائد والعبادات ما يجعلها ينبوعا جياشئا لأزكى العواطف وأشرف المسالك.. فالإنجيل أنزله الله هدى ونورا. وعيسى، عليه السلام، جاء مزودا بطاقة كبرى من الروحانية والسماحة تمحو ما تركه اليهود فى جو الأرض من جشع وقسوة وأثرة. ص _132
(1/119)

وتلامذة عيسى المخلصون كانوا أناسا طيبين مترفعين على شهوات الحياة مقتفين لآثار نبيهم فى حبه للناس وسعيه لتخفيف الشر وتحقيق الخير، وقد وصفهم القرآن بقوله، جل شأنه: (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ) بيد أننا لا نعرف ديانة لانت للأفكار الدخيلة، وظلت تتشربها مثل المسيحية!!. ولو كان التأثر فى فروع الشريعة ما عز الأمر على العلاج، ولكن التأثر للأسف جر ذيله على مفاهيم عقيدية كثيرة. ولنأخذ سيرة القديس "برنار" نموذخا للتصوف المسيحى الشائع، يقول الدكتور محمد غلاب عن هذا القديس: "كان منذ طليعة حياته ممتازا مستنيرا فصيحا مفوها، وعمل لمستشارا لدى البابا أوجين الثالث، وكان خطيب الحرب الصليبية الثانية ومسيرها فى سنة 1146، ويقول المؤرخون إن روحه كانت حادة ومتطرفة فى الخضوع للانفعال الشخصى، إذ أعلن أن كل الفلسفة منحصرة فى "معرفة المسيح المصلوب، أو أنها هى معرفة حب الله للأناسى، ذلك الحب الذى ينتهى بالإنسان إلى محبة الله". والحياة المسيحية الصوفية تنحصر عنده فى اتباع طريق النجاة الذى يصفه على النحو التالى: ينبغى للعابد الزاهد أن يصدر عن البحث التأملى فى نفسه، ثم فى العالم، ثم فى الإله، لينتهى أولا إلى الشهود الذى هو الإدراك اليقينى البعيد عن أى ريب فى الحقيقة، وأخيرا ينتهى إلى الغيبوبة التى تكون الروح فيها غير شاغرة بنفسها، فتسموا إلى مرتبة الاستمتاع بالصلة الإلهية. ولعل ذلك الإحساس أصل فكرة الفناء!!!. ويظهر أن طرق التصوف كثرت فى العالم المسيحى كثرة أقلقت رجال الكنيسة، لما أشاعته بين الجماهير من أفكار تضاد النصرانية، وقد رأى المخلصون من علماء المسيحية أن يضعوا حدا لهذه الفوضى. فاستقر رأيهم على أن يضعوا للتصوف تعريفا دقيقا جامعا مانعا، حتى لا يتلاعب أحد بالألفاظ، فيدخل فيه ما ليس منه أو يخرج منه ما هو فيه. ومن أشهر هذه التعريفات المحددة، ما وضعه الإلهى الشهير "أميرسون " وهو: "الإدراك
(1/120)

الجلى المتذوق لما سبق الإيمان به عن طريق الإنجيل. على أن تكون هذه المعرفة بوساطة الزهادة أكثر منها بوساطة البحث الإنسانى، وهى مناهج التأمل المرتبط بالتقدم الروحى، أى أنها ترى وتتذوق، ثم تنتهى إلى الاتصال بالإله ". ص _133
ونحن لا ندرى بالضبط حقيقة هذا الاتصال بالله، لكنا لا نقر الخطأ مهما اقترن به من إخلاص وحرارة وعناء. وعقيدة التوحيد التى أطبق المرسلون على تعليمها لا تتحمل بتة أية صورة من التعدد. والتصوف المسيحى المستمد من تعاليم الإنجيل الحالى مختلط يقينا بالحلول والتعدد. والخادم الذى لا يتردد على سيده وحده لا يقبل عمله ولو انكسر صلبه من التفانى أفضل منه خادم يعرف بيت سيده ولو كان قليل الجهد فى أداء الواجب. إننى أستغرق فى تفكير حزين عندما أتدبر سير نساك الهند وغيرهم من الرهبان، ممن كرسوا حياتهم- أو بتعبير أدق ممن أفنوا ذواتهم- وتجردوا من شهواتهم، تطلعا إلى غاية أكبروها، وظمأ إلى وجود آخر تعشقوه!. لأنه لا بد من أساس عقلى صالح، ومهاد شرعى مقبول كيلا تذهب هذه الشحنات العاطفية عبثا.. ونحن نعلم أن الإلحاد الذى شاع فى ميادين العلم والاقتصاد والسياسة والفن وسائر أرجاء الحضارة الحديثة نشأ من اهتزاز الركائز العقلية للدين الذى ألفته أوروبا، ولم تأنس لغيره... وقبل أن نتحدث عن طبيعة التصوف الإسلامى نذكر كلمات "لألكس كاريل " الطبيب الحاذق والعالم البصير، يقرر بها رأيه فيقول: "إن الإحساس الدينى استؤصل استئصالا تاما من الحياة العصرية، وكذلك ألغى النشاط الصوفى من معظم الأديان.. حتى معناه نسى. ومن المحتمل أن مثل هذا التجاهل مسئول عن تدهور الكنائس، لأن قوة الدين تعتمد على تركيز النشاط الصوفى حيثما تنمو الحياة بصفة مستمرة. ومهما يكن من أمر، فإن الإحساس الدينى لا يزال حتى اليوم نشاطا لا مفر منه ص _134
(1/121)

بالنسبة لشعور عدد من الأفراد.. كما أنه يظهر نفسه بين الأشخاص المثقفين ثقافة عالية. ومن العجيب أن أديرة بعض الأديان تضيق بمن يحاولون الدخول إليها من الشبان والشابات الذين ينشدون دخول العالم الروحى عن طريق الزهد والتصوف. وللنشاط الدينى جوانب مختلفة مثل النشاط الأدبى.. وهو يتكون، فى أبسط حالاته، من تطلع مبهم نحو قوة تفوق الأشكال المادية والعقلية لعالمنا.. إنه نوع من الصلاة غير المنطوقة، إنه بحث عن جمال أكثر نقاء من الجمال الفنى أو العلمى. لأن حب الجمال يؤدى إلى التصوف. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطقوس الدينية تقترن بأشكال مختلفة من الفن. ولهذا فمن السهل أن تنقلب الأغنية إلى صلاة. وما زال الجمال الذى ينشده المتصوفون أكثر غنى واتساعا من المثل الأعلى الذى ينشده الفنان.. إنه لا شكل له، ولا يمكن التعبير عنه بأية لغة، ويختفى بداخل أشياء العالم المنظور، وقلما يظهر نفسه. ويتطلب السمو بالعقل نحو الذات العلية التى هى مصدر جميع الأشياء، نحو قوة، هى مركز القوى، نحو الله- جل جلاله- ففى كل حقبة من حقب التاريخ، وفى كل شعب من الشعوب، أشخاص يتمتعون بهذا الإحساس العجيب فى درجة عالية... ويكون التصوف المسيحى أعلى أشكال نشاط الدين المسيحى. ويحتوى التصوف، فى أعلى درجاته، على فن متقن غاية الإتقان، ونظام دقيق صارم، يبدأ أولا بالزهد، إذ إنه من المستحيل على الإنسان أن يدخل مملكة التصوف من غير التدرب على الزهد فى متاع الدنيا، مثلما هو مستحيل على الإنسان أن يصبح رياضيا من غير تدريب بدنى. ولما كان التدريب على الزهد شاقا للغاية، فإن رجالا قلائل جدا هم الذين يملكون الشجاعة الكافية على التقدم للتصوف، فإن الرجل الذى يعتزم القيام بهذه الرحلة الشاقة يجب عليه أن ينبذ متاع هذا العالم.. وأخيرا نفسه. وربما كان عليه بعد ذلك أن يعيش وقتا طويلا فى ظلال الليل الروحى. وفى حين أنه ينشد السمو الروحى من خالقه ويحزن لفساد
(1/122)

نفسه وضعتها، فإنه يكابد تنقية حواسه، وتلك هى أول وأظلم مرحلة من مراحل التصوف. وهكذا يفطم المتصوف نفسه من ص _135
نفسه.. فتنقلب صلاته تأملا، ويدخل الحياة المنيرة، ولكنه لا يستطيع وصف ما يمر به من تجارب، لأن عقله يهرب من الفراغ والزمن ". ولنا إيضاح نذكره هنا، لقد تتبعنا نفراً من علماء الكون والحياة فى الغرب، وقرأنا لهم كلمات مضيئة استيقنا منها أن القوم مؤمنون بالله، مصدقون بوجوده وعظمته وتنزيهه. وهم أشبه ما يكونون بالحنفاء فى الجاهلية الأولى، كفروا بوثنية قومهم، ولكنهم لم يعرفوا الطريق إلى دين يسد فراغ نفوسهم، فعاشوا يتلمسون الطريق إلى الحق على هدى طباعهم السليمة وسجاياهم المستقيمة. وما أكثر الموحدين من علماء الغرب، وما أيسر ترحيبهم بتدين يوائم ما درسوا من علم، ويروى عطشهم الروحى إلى السكينة والحب: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) والذى يزرى بعلماء الدين غالبا، حبهم للدنيا، واقتناصهم للمال، وجفاء نفوسهم الذى يكره الناس فى الدين ويصرفهم عن العبادة. ورجال الدين المحترفون مجامع لهذه السيئات، وقد أجمل القرآن تلك المثالب فى قوله: (إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ) ومن هنا يحترم المثقفون مسالك الزهاد ولو شابها الخطأ، ويقبلون على دراسة التصوف واقتباس من معالمه، لا لشىء، إلا لأن ما فيه من حرارة قد يستهويهم. ونريد نحن أن نصل إلى الحق المصفى، وأن نقدم من جوهر الإسلام ما يكفى ويشفى. وفى الكتاب والسنة ينابيع لليقين الحى والإخلاص المبرأ، والناس تحب صنوف الجمال وتبحث عنها. وإذا كان المرهقون يقصدون الحدائق ابتغاء الخضرة اليانعة والهواء النقى والأزهار ص _136
(1/123)

البهيجة والروائح العاطرة، فإن الأرواح الناشدة للجمال، الهافية للخير الباغية للرضا، تجد ما تريد فى آى القرآن وآثار نبيه. حقائق يسجد لها العقل وينفسح لها الصدر فى كساء من الأدب الراقى والعرض الشائق، يؤسس الإخلاص والولاء لله وحده. والتصوف الإسلامى، فى صورته المقبولة، لا يعدو أن يكون مزيدا من الصلة بالله والاعتصام به والتبتل إليه. وهذا الفضل الملحوظ يجعل العابد عاشقا للصلاة، آلفا للصيام، بذالا للمال، متحليا بالفضائل، نافرا من الدنايا، متحمسا للحق، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، متخففا من مطالب النفس، متكبرا على إغراء الدنيا، مبتذلا شخصه فى خدمة الأمة وإبلاع الرسالة وهداية الخلق، متتبعا لشعب الإيمان كلها يقيمها فى نفسه وفيما حوله.. قد تقول: تلكم الخلال هى مطالب الإسلام من كل مسلم! فلا وجه لتخصيصها بفريق دون فريق. ونجيب: لا تخصيص هنالك! وإنما يتفاوت الناس سبقا واقتصادا، ويتفاوتون ضبطا للعاطفة واندفاعا معها.. خذ مثلا هذا السلوك المتفاوت من رجلين عاقلين: لقد أقبل أنس بن النضر للاشتراك فى معركة أحد، فأدرك القتال فى أسوأ مراحله، المسلمون يصعدون فى الجبل فارين، والمشركون يتبعونهم قاتلين منتصرين. وماذا يصنع أنس وحده والحالة هذه؟ إنه لن يغير من هذه المأساة، ولكنه أبى إلا أن يتصدى لقتال الكفار، وأن يقذف بنفسه فى غمرات الموت وهو يصيح: إنى أشم ريح الجنة من وراء أحد!.. وتلاشى جسد الشهيد بين سيوف الأعداء... وكان الصحابة يرون هذه الآية نزلت فيه: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) ص _137
(1/124)

كان أنس يستطيع أن يترك منازلة خصوم الله فى هذه الآونة متربصا بهم وقتا أنسب، كان يستطيع أن يتراجع وعلى لسانه قول القائل: الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا فرسى بأشفرمزيد وشممت ريح الموت من تلقائهم فى مأزق والخيل لم تتبدد وعلمت أنى إن أقاتل واحدا أقتل ولا يضرر عدوى مشهدى وهذا اعتذار مقبول، وسياسة حسنة للأمور، ولكنه أبى. وما أبى فعله هو ما فعله خالد بن الوليد فى معركة مؤتة، فأنقذ به الجيش الإسلامى. فى مجال العاطفة الفوارة، والقلب الخفاق بحب الله ورسوله، ولد التصوف الإسلامى الأول، دون أن يحمل هذا العنوان . ولا يتصور عاقل أن يخرج هذا المسلك عن نطاق الكتاب والسنة. بيد أن للعاطفة الإنسانية فى كل زمان ومكان اهتزازات تحتاج إلى ضبط، وقد فطن العلماء فى هذا الميدان إلى ذلك الاهتزاز من قديم، فأكدوا أن الانحراف قيد أنملة عن الكتاب والسنة يعد عصيانا، ويعزل صاحبه عن الصراط المستقيم. ويظهر أن اسم التصوف لم يعرف إلا فى المائة الثانية للهجرة، وكان القوم يلقبون بالزهاد قبل ذلك. وقد عرف أبو حامد التصوف بأنه "تجريد القلب لله تعالى واحتقار ما سواه ". وقال عبد القادر الكيلانى فى كتاب الفتح الربانى: "الصوفى من صفا باطنه وظاهره بمتابعة كتاب الله، عز وجل، وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم وقال الجنيد وهو سيد المتصوفة: الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى الرسول، صلى الله عليه وسلم ، وقال: "من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدى به فى هذا العلم، لأن علمنا ومذهبنا مقيد بالكتاب والسنة". (وقال) أبو يزيد البسطامى لبعض أصحابه: "قم حتى تنظر هذا الرجل الذى قد شهر نفسه بالولاية- وكان رجلا مشهورا بالزهد- فمضينا، فلما خرج من بيته ودخل ، ص _138
(1/125)

المسجد رمى ببزاقه تجاه القبلة، فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه، فقال: هذا رجل غير مأمون على أدب من آداب رسول الله، صلى الله عليه وسلم فكيف يكون مأمونا على ما يدعيه؟ ". (وقال): "لو نظرتم إلى رجل أعطى الكرامات حتى تربع فى الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهى، وحفظ الحدود وفعل الشريعة، وإلا فهذا استدراج". (وقال) أبو سليمان الدرانى: "ربما تقع فى قلبى النكتة من نكت القوم أياما، فلا أقبل شيئا منها إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة". (وقال) ذو النون المصرى: "ومن علامات المحب لله سبحانه وتعالى متابعة حبيب الله، محمد صلى الله عليه وسلم ، فى أفعاله وأخلاقه، وأوامره وسننه ". (وقال) بشر الحافى: "رأيت النبى، صلى الله عليه وسلم . فى المنام فقال لى: "يا بشر هل تدرى بم رفعك الله تعالى من بين أقرانك؟ قلت: لا، قال: باتباعك سنتى، وخدمتك الصالحين، ونصيحتك لإخوانك، ومحبتك لأصحابى وأهل بيتى، ذاك هو الذى بلغك منازل الأبرار". (وقال) أبو سعيد الخراز: "كل فيض باطن يخالفه ظاهر الدين فهو باطل ". (وقال) الشيخ عبد القادر الكيلانى: "جميع الأولياء لا يستمدون إلا من كلام الله، عز وجل، وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم ، ولا يعملون إلا بظاهرهما". (وقال) الشيخ محمى الدين من جملة أبيات افتتح بها الباب الثامن والثلاثمائة من الفتوحات: فنجاة النفس فى الشرع فلا تك إنسانا رأى ثم حرم واعتصم بالشرع فى الكشف فقد فازبالخيرعبيد قدعصم كل علم يشهد الشرع له فهوعلم فيه فلتعتصم فإذا خالفه العقل فقل طورك الزم ما لكم فيه قدم غير أن التصوف بعد أن طال عليه الأمد اختلط بأحوال كثيرة، وتسللت إليه الأفكار ذاتها التى تسللت إلى النصرانية من الوثنية الهندية، حتى أن البعض آثر الإعراض عن هذا التراث كله.. لكثرة ما طفح فى كتب القوم من دخيل، وأباطيل.. ص _139
(1/126)

والإنصاف يتقاضانا التمحيص، وميز الخبيث من الطيب. وما ذلك إلا لأنا لم نجد فى بقية علوم الدين ما يقوم بوظيفة التربية القلبية والإيقاظ العاطفى للنفس الإنسانية. والإسلام لا يستغنى عن هذا الجانب، أعرف دارسين للدين بارعين فى شتى علومه، ولكن قلوبهم خواء، وبواطنهم ما تتحرك فيها إلا غرائز العوام، ومطالب الدنيا.. إن الدين ما ينتفع بألسنة هؤلاء إلا أن تحيا قلوبهم بعد ممات، وتهتز بخشية الله اهتزاز الأرض بالنبات. *** ص _141
ثقافتنا التقليدية تحتاج الى مراجعة أشرنا إلى أن الطريقة التى يواجه بها المسلمون الحياة تحتوى على أغلاط كثيرة. ومرد ذلك إما إلى جهلهم بأمور كان يجب أن يحيطوا بها علما، واما إلى علمهم بأمور على غير وجهها الصحيح. والثقافة التقليدية- وهى التى تصنع عقيدة الأمة ومزاجها وشخصيتها ووجهتها- مسئولة عن ذلك القصور السائد. لأنها تنقص عناصر لا بد منها لتكوين الغذاء العقلى المطلوب للجماهير. ولأنها- خلال القرون الطوال- تضمنت جملة من التصورات والأحكام المعيبة. ولأن ما بها من حقائق ما زال يعرض العرض المنفر، أو يفسر التفسير الناقص. وذلكم هو السر الأول فى تخلف العالم الإسلامى خلال الأعصار الأخيرة تخلفا جعل الأوروبيين- منذ عصر الإحياء- ينفردون تقريبا بقيادة القارات الخمس. ومن السخف أن نجعل التصوف المنديل الذى نمسح به أوضارنا، فإن فساد التصوف جزء من الفساد الذى لحق جملة العلوم الدينية، وفى مقدمتها الفقه، والكلام والتفسير، والحديث. وانحطاط التعليم الدينى فى هذه المجالات هو المسئول عن تكوين أجيال ضيقة الأفق بينة القصور، لا تتقدم بها دنيا ولا ينتصر بها دين.. لقد كان من إعزاز الله لرسالته الخاتمة أن خلد كتابها وعصمه، كما استبقى محمدا الأسوة الفريدة للكمال الإنسانى، فجعل سنته مصدرا ثانيا للدين بعد قرآنه الكريم. ص _142
(1/127)

وعن طريق الكتاب والسنة يمكن تجديد التراث الدينى كله، وخلق ثقافة إسلامية سليمة كاملة لا عوج فيها ولا شطط. ولست أعيب أسلافنا أو أنتقص جهادهم، فمن هؤلاء الأسلاف تلقينا فنونا من المعرفة المشرفة والتربية الصالحة.. وإنما نلفت الأنظار إلى أن القرون الأولى للإسلام مليئة بالخير والذكاء والنشاط، وأن شكوانا تنصب فى جملتها على عصور الجمود والكسل العقلى، والسماح للبدع والخرافات بالتعشيش فى أرجاء المجتمع وكأنها دين قويم وصراط مستقيم!!!. إن الانطلاقة العسكرية الكبرى للإسلام، والانطلاقة الحضارية الأكبر لأمته، كانت من ورائها ثقافة خلاقة للحياة والقوة، للإيمان والخلق، للإبداع والإجادة. هذه الثقافة التى انبجست من الكتاب والسنة هى التى جعلت الصحابة والتابعين يشرفون على الدنيا من عل، لا إشراف الطاغية على الضعاف المقهورين، ولكن إشراف المعلم على التلامذة الناشئين، وإشراف الإمام الموجه على الحيارى الراكدين. وقد ظلت الثقافة الإسلامية أمدا ليس بالقصير وهى أجدر ثقافات العالم بالإقبال والحفاوة، وأقدرها على البعث والتنظيم، وأطوعها لتطور العصور وتغاير الأزمنة... ثم فقد المسلمون خصائص التحليق فأخذوا يهبطون رويدا رويدا... ومنذ بضع مئات من السنين وهم يدبون على الثرى، على حين شرع غيرهم يصعد، ويعلو، ويسبق!!. ونريد بين يدى حديثنا عن الثقافة الإسلامية التقليدية أن نفرق بين أمرين: بين الدين والمتكلمين فيه. فتفسير القرآن غير القرآن، القرآن كلام الله الذى لا ريب فيه. أما التفسير فهو جهد الرجل العالم فى تبيان مراد الله من كلامه. وعندما نلحظ هذا الجهد نجد الطابع الشخصى يبرز فيه. فالعالم فى البلاغة يجتهد فى شرح الإعجاز البيانى للقرآن الكريم. ص _143
(1/128)

والعالم فى الكلام يقرر أدلة العقائد ويناقش آراء الفلاسفة ويرد على المذاهب المخالفة... والعالم فى الفقه يفصل الأحكام الفقهية ويبرز حكمتها، ويقارن بين وجهات النظر التى انشعبت فيها. والعالم فى المرويات والآثار يقرن الآية بما يشبهها من قرآن أو يشرحها من حديث أو كلام لصاحب أو تابع. والعالم فى التصوف يتناول الآيات بما يؤيد طريقته فى الحياة والسلوك.... إلخ. وفى هذه التفاسير الصواب والخطأ. وكرامة الصواب لا تجىء من انتسابه لقائل معين، بل تجىء من أنه الحق الموافق فى نظرنا لمعانى القرآن. ومع تقديرنا للرجال الكبار الذين خدموا علم التفسير، فقد نرى القرآن الكريم يطلب علماء آخرين، ينتفعون من آثار أسلافهم وفى الوقت نفسه يعرضون المعارف القرآنية فى صورة أدنى إلى طبيعة عصرنا، وأنأى عن الصبغات الخاصة التى ذكرناها لكل مفسر... ولعل أفضل التفاسير ما كان ترجمة لمعانى القرآن المجردة وحقائقه العارية. لذلك ما يدع الوحى يأخذ طريقه إلى النفوس، نورا فى الفكر، وطهرا للنفس وتجديدا لغاية عليا تتألق فوق هذا التراب.. والفقه الإسلامى الذى جمد عدة قرون، ثم نهض بعد رقدته الطويلة يتعثر فى مشيته، هذا الفقه يجب أن تعود إليه نضارته الأولى. وينبغى أن يدرك الجمهور أنه ليست هناك مذاهب أربعة فى الإسلام، بمعنى طرق أربعة ينقسم المسلمون فرقا فرقا على صعيدها... فالفقهاء الأربعة الكبار لا يمثلون أكثر من وجهات نظر فقط للإسلام الواحد الذى لا يقبل تعددا أو تفرقا. وهذه الوجهات فيها الخطأ والصواب. وليس هناك التزام دينى للمسلم أن يلتزم وجهة نظر واحدة فى فهمه للعبادات والمعاملات.. ص _144
(1/129)

ولكى يقترب المسلمون من هذه الحقيقة أرى أن يدرس الموضوع الفقهى ابتداء من نصوص الكتاب والسنة، ثم تذكر فى الشرح أفهام الأئمة الأربعة ومن يدانيهم من الفقهاء الآخرين، على أنها وجهات نظر فى معنى النص وأن هذه الوجهات متساوية القيمة العلمية. ويمكن عن طريق المقارنة الدقيقة ترجيح قول على آخر، كما يمكن للقارئ أن يتخير من هذه الأفهام ما يستريح إليه، بقطع النظر عن نسبة هذا القول لإمام بعينه. إن هذا المنهج له فوائد جمة: فهو يجمع المسلمين قاطبة على أصول دينهم، ويقطع دابر التعصب المذهبى الذى شاع بين جماهير غفيرة.. وهو- بفتح باب المقارنة- يطلق العقول من سجن التقليد، ويمحص كثيرا من الآراء، التى تنتسب إلى الأئمة وليست لها وجاهة علمية.. إن القضاء الشرعى فى مصر اعتمد على فقه الأحناف فى فسخ زواج الشيخ على يوسف- وهو من زعماء الإصلاح الحديث- بإحدى الفتيات العربيات، بدعوى أنها قرشية (!) وهو مصرى، فليس لها بكفء.. أترى أبا حنيفة لو كان موجودا يقضى بهذا العبث؟. ثم إن هذا التحرر المنشود هو البداية لمواجهة ما جد من أحداث، وما أكثر ما يحتاج إلى رأى الفقه الإسلامى فى هذه الأيام. ولا أحب أن تكون فى كلامى رائحة انتقاص لأئمتنا الأوائل، فنحن تلامذة لهم فى أكثر من ميدان.. واعتقادى أنهم لو وجدوا اليوم ما سلكوا إلا هذا المسلك الذى نقترحه!.. وعلم الحديث يحتاج فى عصرنا هذا إلى إحياء.... فقد مات نقدته الحافظون الفاقهون، وما يدرس منه فى الأزهر قليل الغناء.. وأذكر أن ما درسناه فى علم مصطلح الحديث كان قواعد محنطة فى الكتب، غير مقرونة بالأمثلة التى تشرح عمليا هذه القواعد، والتى تعرض على الطلاب نماذج مختلفة من الأحاديث المرفوضة والمقبولة. ص _145
(1/130)

ويخيل إلى أنه ليس فى مصر الآن علماء برجال الحديث، خبراء فى الجرح والتعديل. وقد نشأ عن ذلك أن بلادا إسلامية برمتها يحكمها حديث مكذوب، كحديث "لا تعلموهن الكتابة، ولا تسكنوهن الغرف " . يعنى النساء- وكحديث "خير للمرأة ألا ترى رجلا ولا يراها رجل ". إن هذه الموضوعات أساس للسلوك فى بعض البيئات الإسلامية، أما الأحاديث الصحاح فى الموضوع نفسه فطويت أو أولت!!. وللأحاديث الضعيفة- حتى حين يعمل بها فى فضائل الأعمال- إيحاءات تستدعى الحذر، ولذلك يجب التنبيه إلى درجتها، حتى لا تعدو المقصود من إيرادها... وكذلك الأحاديث الصحيحة يجب أن يصحبها شرح دقيق، فإن الحديث يفسد إذا أسىء فهمه، أو نقل إلى غيردائرته... وما بنا من ازورار عن سنن الآحاد، معاذ الله، ولكنا نقف منها موقف أسلافنا الأولين من الأئمة المتبوعين، والعلماء الراسخين. وكم فى السنة من كنوز روائع تنتظر أن نجليها وأن نضعها فى نسق رتيب مع دلالات القرآن الرقيبة والبعيدة. ولعل ما اقترحناه من دراسات فقهية مقارنة على ضوء الكتاب والسنة يفتح باب النظر فى فهم الأحاديث، ومعرفة الأساس الذى يجعل أحد الأئمة يؤثر حديثا على آخر. فإن العلم بمواقع الأحاديث الصحيحة يعطى صورة دقيقة لملامح الإسلام، وترتيبا مطلوبا لتعاليمه وفق مكانتها وخطورتها. ونريد هنا أن نفرق بين الحفاظ والمحققين، فإن الحافظ رجل يجيد الاستيعاب والإحصاء، ويحفظ فى ذاكرته مخزونا ضخما من الآثار والآراء، إلا أنه ضعيف الوعى بالحقائق الدقيقة، والمرامى البعيدة، ثم هو لا يقرأ ما بين السطور، ولا يملك ملكة النقد..، أما المحقق فرجل يقظ الحس، ذكى النظر، يستخلص الفوائد الكبيرة من الكلمات القلائل- وهو ينظر فى حصيلة الحافظ كما ينظر الأستاذ فى مسودة لما تنقح بعد. ص _146
(1/131)

وقد أتى الإسلام من غفلات الحفاظ، واحتقابهم كل ما يعرض لهم... خذ مثلا رجلا كـ "السيوطى"، فهو حافظ من أكابر الحفاظ، إلا أنه حاطب ليل يجمع الغث والسمين، بل يجمع الحق والباطل... أما الشيخ "محمد عبده " مثلا، فقد كان رجلا عقله أكبر من حفظه، وبصره بالحكمة الإسلامية أحد من إحاطته بالآثار الواردة. ولولا أن تلميذه الشيخ "محمد رشيد رضا" غطى هذا النقص لشغب عليه الكثيرون. والذى نبغيه من جمهرة علماء الدين، أن يأخذوا الخير من أطرافه، فيكون باعهم طويلا فى معرفة الآراء والمذاهب والآثار المختلفة، ويكون فقههم دقيقا حتى لا يحرفوا الكلم عن مواضعه.... إن الفكرة الشائعة عن الإسلام تحتاج إلى تصحيح فى أذهان خصومه وأصدقائه. وقد سألت نفسى يوما: لو أن الحكم الفردى لم ينشأ مبكرا فى تاريخنا نحن المسلمين، أكانت سياسة الحكم والمال تأخذ وجهتها التى سادت خلال عصور طوال؟. إن تصرفات الحكام المسلمين تركت ظلالا شتى على سير الإسلام بين الناس، كما تركت ظلالا شتى على الحياة الاجتماعية والعقلية للأمة الإسلامية.. ومن حسن الحظ أن الإسلام معصوم الأصول، وأنه لا قداسة فيه لبشر، وأن صاحب الرسالة وحده هو الذى يدان له بالولاء والطاعة. وقد استطاعت الحقيقة الإسلامية أن تشق طريقها على كثرة العوائق، كما تشق أشعة الشمس طريقها وسط ركام من الغيوم... وعندما نلقى نظرة على الأمة الإسلامية الكبيرة- وهى الآن مجموعة من الشعوب المتخلفة- نجد أن تقهقرها فى الحياة يعود إلى أنها معزولة روحيا عن ينابيع ثقافتها الصحيحة، وأن العوج الذى لابس معرفتا الدينية يكمن وراء هذا التخلف. ذلك إلى جانب التمرد على جملة من التعاليم النافعة البينية. ص _147
(1/132)

ليت شعرى؟ أين القدرة على الحياة والجرأة على المجهول التى فاضت بها سيرة أسلافنا الأوائل؟. القدرة والجرأة اللتان جعلتا القائد الإسلامى الخارج من أعماق جزيرة العرب يقف على شاطىء المحيط الأطلسى، وهو يكاد يثب إلى الشاطىء الآخر لو استبان أرضه!!!. لا أدرى ما الذى أفقد المسلمين فى العصور الأخيرة هذا الطماح وذلك النشاط؟. لقد عجزوا فى شئون الحياة عجرا شائنا، وظهر هذا العجز شللا فى رسالتهم وركودا فى دعوتهم، ولا غرو فإنه يستحيل أن تنجح رسالة ليس لأهلها تمكين فى الأرض، وخبرة بعلومها وأحوالها. وعندى أن وزر ذلك يحمله عدد من مفسرى القرآن وشراح الحديث إلى جانب جمهرة المتصوفين والمتكلمين!. ذلك أن الإيمان بالله والشعور بعظمته يجيئان ابتداء من النظر فى الكون ودراسة قوانينه وكشف أسراره!. ولو أن المسلمين استجابوا لله ورسوله فى تفهم الكون واستشفاف آفاقه، لاطرد تقدمهم فى علوم الكيمياء والطبيعة والنبات والحيوان وغيرها، ولكانوا أسبق الأم إلى امتلاك ما فى البر والبحر من ثروات، ولأعلوا بذلك كله راية الإسلام، وحرموا الضلال! من أسباب البقاء والمنعة. لكنهم- من أثر الئقافة المريضة- لم يدركوا أن آيات العظمة الإلهية مودعة فى خلق الأرض والسماء، فظنوا أنهم يعظمون الله بترديد بعض أسمائه الحسنى، أو الجدل النظرى فى صفاته، أو بالنظر السطحى فى ملكوته، ثم الانطواء على النفس واعتزال الدنيا. وإنى أعترف بأن شعاعا من إجلالى الله كان يسطع فى فؤادى عقب قراءة علم الفلك أو اطلاع على علم الأجنة، وأن ذلك كان أربى ألف مرة من معاناة ورد أو استيعاب قضية فى فلسفة العقيدة، أو صحبة مفسر للكتاب والسنة قاصر المعرفة. ص _1 ص
(1/133)

إنى أرى أن القرآن الكريم أحوج إلى علوم الكون والحياة منه إلى علوم المعانى والبيان البديع.. وليس هذا البيان الإعجاز العلمى فى القرآن، كما يسبق إلى خلد البعض، ولكن لبناء الإيمان ذاته وتمهيد النفس لقبوله والاطمئنان إليه والدفاع عنه... وشىء آخر يتصل بهذه احقيقة، لماذا يكون الإقلال فضيلة، وتكون اليد السفلى خير من اليد العليا؟. إن جمهرة المتصوفة وعددا من المفسرين للنصوص، أشاعوا أن الفقير الصابر خير من الغنى الشاكر، وأن قلة الشىء للمؤمن خير من كثرته!.. وتوهموا أن حملة القرآن على الدنيا والمفتونين بها تعنى فراغ اليد منها والتشرد فى أرجائها، وهذا جهل فاضح. فإن الإسلام يحتقر الدنيا كما يحتقرها كل رجل شريف. الدنيا التى تجىء ثمن التفريط والخيانة، والتى تصطاد من مصادر مريبة ملوثة، أو التى تحجب صاحبها عن الحق وتقعد به عن الواجب. أما حيث تنتفى هذه السيئات، فإن الدنيا ركن فى الدين، وتمام للمروءة، وقيام للحياة.، وكذلك فهم الأمر أسلافنا الماضون، فبنوا الحياة وأعلوا البناء، وأقاموا الدين وأحاطوه بألف سياج... وأنا أرمق اليوم الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتى، وأرى عشرات الدول ترنو إليهما فى انتظارالعون المادى والعلمى، فأرى كلا الفريقين يبذل فضله داعما به مبادئه وسياسته. أفكان هذا الثراء نقضا هنا أو هنالك؟. إن تأليف القلوب بعض مصارف الزكاة، فهل يريد المسلمون أن يتألفوا القلوب بالقول المعسول وحده على حد قول المتنبى: لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم يسعد الحال!! ص _149
(1/134)

إن الثقافة الإسلامية فى القرون الأولى كانت بريئة من هذا الوباء فأنجحت الأمة الكبيرة، ثم جاء بعد ذلك من يقول: زيادة المرء فى دنياه نقصان وربحه غير محض الخير خسران فكان هذا الكلام حفرة تردينا فيها، لأن القعود عن الدنيا جريمة، وكاسبها بين أمرين بعد أن يمتلكها: إما أن يسخرها لله، فهذا بأفضل المنازل. واما أن يؤدى الفرائض ويمسك ما لديه من بعد لنفسه وولده وحاضره ومستقبله، فله أجره فيما أنفق وله حقه فيما أمسك. إن حق أى امرئ فى دنيا صائنة، كحقه فى جسد سليم الحواس، مكتمل الأعضاء... وكل كلام يصرف المسلمين عن هذه الحقائق فهو سخف عقول معتلة، ولغو أقوام لا يوثق بهم فى قليل أو كثير. ومما شاع بين الجماهير، وساندته كتب دينية كثيرة، الإيمان بالجبر، تحت عنوان الإيمان بالقدر. وللصوفية جهد كبير غير مشكور فى هذا الميدان، وكذلك لغيرهم من المفسرين والمحدثين: ترى هذا المؤمن بالمكتوب لا إرادة له ولا عزم، ولا هدف له ولا اتجاه!.. تراه متماوتا تتقاذفه سراء الحياة وضراؤها، كما تتقاذف اللجج غثاء طافيا!!.. تراه متواكلا ينتظر من "المصادفات " أن تصنع له أى شىء... كافرا بالأسباب والمسببات، أو منافقا فى الاعتراف بجدواها، فهو إذا باشرها فتنفيذا للأمر الصادر لا تصديقا بالفائدة المنشودة. وهذه الأحوال النفسية كفر بالدين والدنيا معا، ويستحيل أن تنهض معها أمة.. ص _150
(1/135)

والمعروف من كتاب الله وسنة رسوله تقرير مبدأ المسئولية الشخصية، وحرية الإرادة الإنسانية، وأن الإنسان صانع مستقبله عند الله ومستحق المثوبة أو العقوبة عدالة حقيقية لا رواية تمثيلية، وأن القدر شىء آخر غير ما يتخيله أولئك الغافلون... ولسنا هنا بصدد سرد أدلة ذلك، فقد شرحناها فى كتبنا الأخرى، ولكنى لاحظت أن هناك معني واحدا تكرر فى القرآن سبع مرات، قوامه: إن المجرمين عندما يحاط بهم يطلبون من الله فرصة أخرى لإصلاح ما أفسدوا، أو عمرا ثانيا يستدركون فيه ما فاتهم، وأن أحدهم لا يجرؤ أبدا على ادعائه أنه كان مسيرا أو مسخرا. وتدبر قوله تعالى فى المفرط عندما تأتيه نذر الموت، ويحس قرب الالتقاء بالله: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ). وفى سورة ثانية يقول: (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون ). فى سورة ثالثة يقول: (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ) وفى سورة رابعة يقول: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) وفى سورة خامسة تسمع صياح المجرمين وهم يعانون أليم العذاب: وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ) ص _151
(1/136)

وفى سورة سادسة يحذر من الندم حين لا ينفع الندم: (أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين * بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ) وقد لاحظنا فى عصرنا أن الكلام يكثر عن الشورى إذا اشتد الاستبداد، وعن العدل الاجتماعى إذا تظالمت الطبقات، وعن العفة والاحتشام إذا شاع الفسق والتبرج... بل أننا نندفع تلقائيا إلى الكلام فى الطرف الآخر عندما نرى الإفراط فى مسلك ما. ونريد بذلك إعادة التوازن إلى الأوضاع الجائرة... وما يجب الاعتصام به فى هذه المناسبات، التزام الدقة فى تقرير الأحكام الإسلامية، فلا نظلم الحقيقة فى تعبير. وإذا وقع شطط فى إبداء رأى، استصحبنا الملابسات التى أوحت بالحدة أو المبالغة فى إبداء ذلك الرأى، فأعاننا ذلك على الاعتدال.. ونخلص من ذلك إلى أن الثقافة الإسلامية الصحيحة هى التى تجمع بين صدق العلم وحكمة العلاج... ولو كان متصوفة اليوم راشدين، لجعلوا الاستماتة فى العمل والكفاح رد فعل من جانبهم لبلادة العوام، كما جعل أجدادهم الزهد رد فعل لترف الحكام وحواشيهم. إن أمتنا بحاجة إلى جهاد فى الداخل والخارج، إلى جهاد نفسى واجتماعى وعسكرى يستفرغ الطاقات ويستنفذ الأعمار... ومعنى ذلك أنه لا وقت ولا مكان لسلخ مشكلات ثقافية عن ملابستها السابقة وعصورها القديمة وشغل الأذهان بها فى هذه الأيام. ذهبت يوما لإلقاء درس فى طلاب كلية الهندسة بإحدى الجامعات. فإذا أحدهم يريد منى أن أتحدث فى استواء الرحمن على عرشه!!!!. وعلمت أن ذلك كان موضع جدل بين الطلاب!. ص _152
(1/137)

فكدت أختنق من الغضب، وزجرت بقسوة صاحب السؤال، وحذرت المستمحين من الخوض فى هذه الأمور بأى أسلوب... أذلك ما نشغل به أبناءنا؟. إن الثقافة الإسلامية، فى سياسة الحياة والأحياء، فى تربية النفوس والضمائر، فى تأسيس العلاقات والروابط، يجب أن تعود إلى ما كانت عليه أيام صاحب الرسالة وخلفائه الراشدين، ومن استمسك بعروتهم من الأئمة والمخلصين والعلماء المتقين... وأرق أن الطابع العملى كان بارزا فى هذه الثقافة... * لماذا لا تؤلف رسائل فى أمثل الطرق لغرس الصدق والأمانة والوفاء فى النفوس ودراسة ما يعترض هذه الفضائل لدى الأفراد والمجتمعات. * لماذا لا نهتم اهتماما شديدا بمحاربة الفساد الجنسى عن طريق الدراسة الواعية الصريحة لتكوين الأسرة، وطبيعة العلاقة بين الذكر والأنثى؟. * لماذا لا نضع تحت المجهر جميع التقاليد والمعاملات التى تنتشر بيننا، ونتعرف بواعثها وغاياتها ومشاربها فى الحياة ونحكم فيها تعاليم الفطرة الإسلامية، وندع الخداع والافتعال والصمت المريب؟. *... ثم إلى متى يظل القرآن الكريم كتاب الموتى، يستمع الناس إليه فى محافل الحزن لا فى مجامع العلم والحكم؟. لماذا تلقى محمد هذا الكتاب؟. يقول الله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور). إن كل معرفة تلقى بين أيدى الناس شعاعا يضىء الطريق، ويكشف الغاية، ينبغى أن نحتضنها وننميها، لأنها جزء من الفطرة التى بعثنا بها، والهداية التى ننشدها للعالمين. *** ص _153
(1/138)

وصية جعفر الصادق لأحد المريدين كان تنقل أهل البيت فى أقطار الأرض، إثر ما وقع عليهم قديما من حيف، سببا فى انتشار العلم، وانتفاع الجماهير بما يقتبسون من سيرتهم العطرة. وفى العصر الأول، ذهب الإمام "جعفر الصادق " إلى مدينة رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، يعتزل بها من الفتن ويبتعد بدينه عن مؤامرات السلطة وإرهاب العباسيين. وما إن سمع الناس بمجيئه حتى هرعوا إليه ابتغاء التعلم والاقتداء. وكان فيمن ذهب إليه رجل مسن اسمه "عنوان "، من أولئك الرجال الذين يحيطون لطلب المعرفة واسترضاء الله، جل شأنه... وكان شيخا قد بلغ الرابعة والتسعين من عمره. فلنسمع إلى "عنوان " يقص علينا نبأه مع جعفر الصادق. قال: كنت أختلف إلى مالك بن أنس سنين. فلما قدم جعفر بن محمد الصادق، رضى الله عنهما، اختلفت إليه وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك. فقال لى يوما: إنى رجل مطلوب، ومع ذلك لى أوراد آناء الليل وأطراف الليل، فلا تشغلنى عن وردى، وخذ عن مالك واختلف إليه كما كنت تختلف. فاغتممت من ذلك وخرجت من عنده وقلت لنفسى: لو تفرس فى خيرا ما زجرنى عن الاختلاف إليه والأخذ عنه. فدخلت مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وسلمت عليه. ثم رجعت من الغد إلى الروضة وصليت فيها ركعتين، وقلت: أسألك يا الله أن تعطف على قلب جعفر وترزقنى من علمه ما أهتدى به إلى صراطك المستقيم. ص _154
(1/139)

ورجعت إلى دارى مغتما ولم أختلف إلى مالك بن أنس لما أشرب قلبى من حب جعفر. فما خرجت من دارى إلا للصلاة المكتوبة حتى عيل صبرى. فلما ضاق صدرى تنعلت وترديت وقصدت جعفرا، وكان بعدما صليت العصر... فلما حضرت بباب داره استأذنت عليه، فخرج خادم له، فقال: ما حاجتك؟. فقلت: السلام على الشريف!.. فقال: هو قائم فى مصلاه، فجلست بحذائه... أنتظر... فما لبث إلا يسيرا حتى خرج فقال: ادخل على بركة الله. فدخلت وسلمت عليه، فرد على السلام وقالى: اجلس غفر الله لك. فجلست، فأطرق مليا ثم رفع رأسه وقال: أبو من. قلت: أبو عبد الله. قال: ثبت الله كنيتك ووفقك يا أبا عبد الله. ما مسألتك؟. فقلت فى نفسى: لو لم يكن لى فى زيارته والتسليم عليه غير هذا الدعاء لكان كثيرا. وقبل أن أجيبه رفع رأسه وقال: ما مسألتك؟. قلت: سألت الله أن يعطف على قلبك ويرزقنى من علمك، وأرجو أن يكون الله تعالى أجابنى فى الشريف ما سألته. فقال: يا أبا عبد الله ليس العلم بالتعليم (1)، وإنما هو نور يقع فى قلب من يريد الله تعالى أن يهديه. فمان أردت العلم فاطلب فى نفسك أولا حقيقة العبودية. واطلب العلم باستعماله. واستفهم الله يفهمك. ص _155
(1/140)

قلت: يا شريف!. قال: قل: يا أبا عبد الله. قلت: يا أبا عبد الله، ما حقيقة العبودية؟. قال: ثلاثة أشياء: ألا يرى العبد لنفسه فيما خوله الله ملكا، لأن العبيد لا يكون لهم ملك. يرون المال مال الله، يضعونه حيث أمرهم الله تعالى به. ولا يدبر العبد لنفسه تدبيرا (1). ويجعل اشتغاله فيما أمره الله تعالى به ونهاه عنه. فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوله الله ملكا هان عليه الإنفاق فيما أمره الله أن ينفق فيه. وإذا فوض العبد تدبير نفسمه إلى مدبره هانت عليه مصائب الدنيا. وإذا اشتغل العبد بما أمره الله ونهاه لا يتفرع منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس. فماذا أكرم الله العبد بهذه الثلاثة هانت عليه الدنيا وإبليس والخلق. لا يطلب الدنيا تكاثرا وتفاخرا. ولا يطلب ما عند الناس عزا وعلوا. ولا يدع أيامه باطلا. فهذا أول درجة التقى، قال الله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) . قلت: يا أبا عبد الله. أوصنى. قال: أوصيك بتسعة أشياء، فإنها وصيتى لمريدى فى الطريق إلى الله تعالى. أسأله أن يوفقك لاستعمالها. ثلاثة منها فى رياضة النفس، وثلاثة منها فى الحلم، وثلاثة منها فى العلم، فاحفظها وإياك والتهاون بها. ص _156
(1/141)

قال عنوان: ففرغت قلبى له. فقال: أما اللواتى فى الرياضة: فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه، فإنه يورث الحماقة والبله. ولا تأكل إلا عند الجوع . وإذا أكلت. فكل حلالا وسم الله واذكر حديث رسول الله،صلى الله عليه وسلم: "ما ملأ آدمى وعاء شرا من بطنه، فإن كان لا بد فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه " . وأما اللواتى فى الحلم. فمن قال لك: إن قلت واحدة سمعت عشرا، فقل له: إن قلت عشرا لم تسمع واحدة... ومن شتمك فقل له: لئن كنت صادقا فيما تقول: فأسأل الله تعالى أن يغفر لى. ولئن كنت كاذبا فيما تقول، فأسأل الله أن يغفر لك. ومن توعدك بالخنا فعده بالنصيحة والدعاء. وأما اللواتى فى العلم: فاسأل العلماء ما جهلت، وإياك أن تسألهم تعنتا وتجربة... وإياك أن تعمل برأيك (3) شيئا. وخذ بالاحتياط فى جميع ما تجد إليه سبيلا. واهرب من الفتيا هروبك من الأسد، ولا تجعل رقبتك للناس جسرا. قم عنى يا أبا عبد الله فقد نصحت لك. ولا تفسد على وردى، فإنى امرؤ ضنين بنفسى، والسلام على من اتبع الهدى. *** هذه وصية جيدة رأيت إثباتها لما فيها من خير وإخلاص، ولأنها نموذج حسن من الآداب التقليدية الشائعة فى تراثنا الدينى القديم. ص _157
(1/142)

وقد أحببت أن أتبعها بشرح يكشف عن حقيقة ما جاء بها من تعاليم. فإن سوء الفهم قد يجعل تناول هذه النصائح ضارا لا نافعا.. وعندما نعرضها على المقررات الإسلامية الثابتة فسنسدى بذلك خيرا إلى أصحابها الأوائل، وإلى قرائها المعاصرين. ثم- من قبل ذلك وبعده- إلى ديننا الحنيف. إن العلم لا يتم تحصيله إلا بالتعلم، وقول جعفر الصادق: "ليس العلم بالتعلم "، لا يراد به ظاهره، إنما يراد به حسن الانتفاع وصدق العمل. فهناك كثير من الناس يحفظون معارف جيدة ويستوعبون كتبا قيمة، بيد أن العلم الذى ظفروا به لم يتجاوز أدمغتهم، فهو تصورات يمسكها الذهن وحسب. وعندما يكون العلم صورا ذهنية مقطوعة عن السلوك، فهو قسيم للخيال البعيد عن الواقع. وهذا النوع من العلم قليل الجدوى، بل إن النبى، صلى الله عليه وسلم قد حذر من الوقوف بالعلم إلى حد اختزانه فى الذاكرة وإدارته على اللسان وكفى. عن جابر، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، قال: "العلم علمان: علم فى القلب، فذاك العلم النافع، وعلم على اللسان، فذاك حجة الله على ابن آدم " . والدراسات فى جملتها سواء كانت دينية أو مدنية يجب أن يصحبها قصد نبيل ونية خالصة. فأما الدراسة الدينية فأمرها واضح، أن العلم فيها طريق العمل، ونواة التربية، وأساس التسامى بالنفس الإنسانية. وبقية المعارف البشرية على رحابة آفاقها يجب أن تسخر فى النفع العام، لكننا رأينا للأسف كثيرا من علماء الاقتصاد والكيمياء والذرة وغيرهم يضعون أنفسهم فى خدمة الساسة المدمرين، والحكام الذين لا يتقون القه، ولا يرحمون عباده. كما رأينا كثيرا من علماء الدين يطلب بما عنده دنيا الناس... وكان ينبغى أن يغالوا بما أوتوا وأن يتوسلوا به إلى غاية أزكى. ص _158
(1/143)

روى عن عمار بن ياسر، قال: "بعثنى رسول! الله، صلى الله عليه وسلم ، إلى حى من قيس أعلمهم شرائع الإسلام... فإذا قوم كأنهم الإبل الوحشة طامحة أبصارهم، ليس لهم هم إلا شاة أو بعير، فانصرفت إلى رسول الله... فقال: يا عمار ما عملت؟. فقصصت عليه قصة القوم. وأخبرته بما فيهم من السهوة!!!. فقال: يا عمار ألا أخبرك بأعجب منهم؟. "قوم علموا ما جهل أولئك، ثم سهوا كسهوهم!!! " أى غفلوا كغفلتهم. والواقع أن ارتفاع المستوى العلمى وسقوط المستوى النفسى والخلقى شىء مثير! وهو بلاء شاع فى مجتمعات كثيرة. وعلاجه لا يكون بالاستزادة من العلم، وإنما يكون باستغلال الموجود منه على خير الوجوه.... وذاك ما بدأ جعفر الصادق يلفت إليه النظر ويرسم له الطريق. إن العلم وخصوصا الدينى منه، يجب أن يتجرد صاحبه لله، وأن يتحول على عجل إلى تقوى ونصيحة... تقوى تعصم صاحبها وتنير حياته، ونصيحة تدعم المجتمع وتحقق الحق وتبطل الباطل. عن على بن أبى طالب أنه ذكر فتئا تكون فى آخر الزمان، فقال له عمر بن الخطاب: متى ذلك يا على؟. فقال: "إذا تفقه لغير الدين، وتعلم العلم لغير العمل، والتمست الدنيا بعمل الآخرة ". وعندما يعمل المرء بما يعلم تنشأ لديه بصيرة يميز بها الحق من الباطل والخير من الشر، وذلكم هو النور الذى يقذفه الله فى قلوب الصالحين. إن هذا النور يومض فى الصدر نتيجة فقه حسن، وعمل حسن.. وسيحرم منه صنفان حتما: العبادة الجهلة، والفقهاء المقصرون... ص _159
(1/144)

فإن العابد الجاهل خطر على نفسه وأمته بقصور عقله!. والفقيه المنحرف خطر على نفسه وأمته بقصور نيته وسوء وجهته.. والمسلم مكلف بتدبير أمره والتفويض لربه معا، يبذل جهده فى أداء واجبه، ثم يدع ثمرات عمله لحكم الله. ألم تر إلى مؤمن آل فرعون كيف استمات فى بذل النصح وإظهار الحق وحماية موسى واقتياد قومه إلى النجاة، حتى إذا فرغ ما فى جعبته قال: (فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ) والكتاب والسنة يتجاوبان مع الفطرة فى مطالبة الإنسان بالحرص على ما ينفعه وتجنب ما يضره.. إلا أنه لوحظ أن المرء فى طلبه ما ينفعه قد يطمع فى زيادات لا حدود لها، من مال أو جاه أو ما شابه ذلك. فإذا حرمه الله ما يشتهى باء بالحزن، بل نغص عليه الحرمان المحدود ما لديه من نعماء كثيرة!! . وقد يصيب الإنسان- مع حذره- مآس لم تكن فى الحسبان، فيستغرب كيف تسللت إليه تلك الآلام مع شدة الحيطة، أو كيف كبت به الحظوظ مع قيامه بما عليه من فروض؟. وفى مثل هذه الحالات ينبغى التسليم لله، والتفويض إليه فيما قضى.. وجعفر الصادق رجل مطارد من حكومة ذلك العصر، يرقب فى أية لحظة أن يقاد إلى مصرعه، كما اقتيد غيره من آل البيت النبوى!. فماذا عساه يفعل إلا أن يستكين لله؟. وأن ينتفع باللحظة الحاضرة فى عبادة ربه؟. إنه لا يملك أكثر من ذلك!. أما إسقاط التدبير عن البشر فكلام ساقط.. ص _160
(1/145)

ولا يمكن أن يخطر ببال جعفر الصادق... ولابن عطاء الله كلمة افتتح بها حكمه المشهورة، قالى: "إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك فى الأسباب، من الشهوة الخفية. وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك فى التجريد، انحطاط عن الهمة العلية". وهذه الكلمة عندى تخفيف من قلق ألوف الناس فى أعمالهم ووظائفهم. إنك لو سبرت أغوار من حولك، وتعرفت مبلغ رضاهم بما هم فيه، ما وجدت إلا شاكيا مكتوم الشكوى، أو مؤملا محسور الأمل... وأغلبهم يعتقد أنه لو كان فى مكان كذا، أو لو تيسر له كذا، لكان أفضل له... وقد يكون بعضهم صادقا ومصيبا، غير أن جمهرتهم لا تحسن الانتفاع الكامل بأوضاعها الحالية.. ولو غلبوا جانب الرضا والتفاؤل لاستثمروا ما هم فيه استثمارا أوسع دائرة، وأوفر حصادا. وعواطف الناس بإزاء ما يواجهها أو ما يفرض عليها، لا تتسم غالبا بالحق، وهذا معنى قوله تعالى: (عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) إننى أحيانا كنت أنفر من وظيفتى الإدارية وأتمنى العزلة، وأحسد من لديهم ثروة تكفيهم مؤنة الاختلاط بالخلق.. وأحيانا كنت أكره العزلة وأطلب العمل بشدة لأمحو وأثبت ما أرى محوه وإثباته.. وكنت أحيانا أشعر بأن المعزول فار من المعركة، أو أسير سقط عنه التكليف. وكنت أشعر بأن العمل توطيد مكانة ووسيلة خدمة. إن النفس الإنسانية بارعة فى مزج رغباتها بالمعنويات الرفيعة وإلباس مآربها ثوب الحق الناصع... أيا ما كان الأمر، فالوسيلة تقوم على إفراغ الوسع فى توفير الضمانات التى يراها المرء محققة لخيره، صائنة لحاضره ومستقبله... ص _161
(1/146)

ثم قبول الواقع بعد ذلك دون ضجر مؤذ أو ضيق مغر بالسلبية والعجز. لا، لنثق فى الله، ولنسلم له ما أراد، ولنشعر بأن له حكمة أعلى وحكما أنفذ. وفى حدود الإمكانات التى أذن بها نقبل على عملنا جادين راضين.. وليس معنى هذا بداهة أن الدين يأذن بترك الأسباب والتماوت فى ميدان الحياة. إذا قلت لمحام ود لو كان طبيبا، أو لكاتب ود لو كان ضابطا: ارض بما قسم الله لك.. فليس معنى هذا أنك تأمره بالانسحاب من الدنيا. المعنى الوحيد أنك تقول له: فى نطاق الواقع الذى لا يمكن تغييره، فإن إعادة الفلك الدوار كى تبلغ ما تتمنى مستحيل. ونعود إلى كلمة ابن عطاء الله، إنه يريد أن يقول: إذا قررت السير إلى الله فإنك تستطيع الانطلاق إليه فور قرارك هذا مهما كان المنصب الذى تتولاه، أو الحرفة التى تشتغل بها، أو الحال التى وصلت إليها. وقد تحثك نفسك بأن ترك عمل ما، أو الاشتغال بعمل ما يكون أعون لك على السير، وهذا خطأ. فالتجرد من الأسباب القائمة ضرب من البطالة. والتطلع إلى الاشتغال ببعضها لون من الرغبات المريبة. ذلك معنى قوله: "إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك فى الأسباب، من الشهوة الخفية. وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك فى التجريد، انحطاط عن الهمة العلية". عش فى الواقع، فإذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. فإرادتك أنت قاصرة ومتهمة، أما إرادة الله لك فحكيمة رحيمة، ولا تتعلق بالمنى، وتبن عليها القصور. وقد عقب ابن عطاء الله كلمته هذه، بكلمة أخرى تتم معناها: "سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار". وجعفر الصادق، وابن عطاء الله، رجال مربون، وهم يستقون من ينابيع الإسلام، فكلماتهم لا تعدو حدوده. ورياضة النفس بالتجويع- كما أثر عن بعض الرهبان والزهاد قديما- مسألة فيها نظر، ص _162
(1/147)

فإن الجسد الإنسانى إذا احتاج فى صحته ونمائه إلى رطل من الطعام فنقصه درهما من هذا المقدار لا يجوز. وظلم الجسد ذريعة إلى تعطيل وظائف المرء الحيوية والخلقية والعبادية. ولا يوصى بهذا عاقل، ولا يرضى بذلك دين. إلا أن المشاهد فى حياة الناس، وخصوصا أهل هذا العصر أنهم يدللون أبدانهم، ويعلفونها فوق حاجتها بكل ما تيسر... وجهاد الجماهير الآن يتجه نحو توفير المزيد من الأقوات والمرفهات... نعم، توجد جماهير جائعة فى بعض القارات، ولكنه جوع فقر وعجز، لا جوع رياضة ومجاهدة. والإسلام، على أية حال، يكره هذا التجويع، مفروضا كان أو مقصودا. وهو قد أباح الطيبات وطلب بإزائها الشكر وحسب: (كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ) ومع تأكيدنا هذا المبدأ فنحن باسم الإسلام نحذر من دوافع الشره والمكاثرة التى عرفت قديما وحديثا الأفراد والجماعات.. إن الواجدين قلما وقفوا فى الأكل عند حد الاعتدال، وقلما رضوا بما دفع الشبع التام.. ويندر أن يطوى أحدهم بطنه لأخيه، أو يقاسمه ما عنده. ومن حق الإسلام أن يرفض هذه الأثرة السائدة وأن يعترض الرغبة المجنونة فى إرضاء النفس وإرواء مطامعها... إننا نكره سوء التغذية ونقصها، ونعمل على حماية الشعوب منها... فلنعمل بالقوة نفسها على تجنب الإسراف وشحن المعدة بما تنوء بحمله وهضمه... والأمر يحتاج إلى تربية مبكرة حتى تتكون العادات التى تحكم الناس فى مآكلهم ومشا ربهم... فهذه شئون لا يضبطها ارتجال الأوامر... ص _163
(1/148)

ثم إن الأجسام مختلفة، والأعمال وما تتطلبه من طاقة ووقود مختلفة كذلك. والإسلام يهتم فى هذا المجال بأمور، ألا يكون الأكل غاية للحياة، فمن السقوط أن يسخر المرء مواهبه العظيمة لهذه الغاية التافهة. إنه وسيلة للعيش وأداء الواجبات التى خلق الناس من أجلها... والوسيلة تستمد شرفها من شرف النتيجة المترتبة عليها، ومن ثمة كان طعام الأتقياء ومنامهم عبادة، إنه يمدهم بالقوة والراحة اللتين يحتاجون إليهما. ويرفض الإسلام عداوة الجسد، ويرى فى طيبات الحياة متعة مقصودة، لكن فى حدود قوله تعالى: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا). ومع استشعار أن الله جعل الدنيا مهاذا للأخرى وقنطرة توصل إليها، وليست دار استقرار وطمأنينة... وتوجد الآن جماهير كثيفة من الوجوديين والشيوعيين والإباحيين لا يمتد بصرها إلى أبعد من هذا التراب. وهى من أجل ذلك تلتهم ما يتاح لها، على أساس أنه الأول والآخر، فما بعد هذه الحياة حياة؟!. وقد يختصمون بينهم على المقادير التى توزع، كيلا يكون حظ أحدهم أربى من الآخر!!!. هذا اللون من التفكير المادى والانطلاق المادى هو ما تناول! القرآن أصحابه بقوله: ( ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون) والرأى الذى ينهى جعفر الصادق عن العمل به هو الهوى والابتداع، واستحداث ما لا أصل له فى دين الله. ولا خلاف بين العلماء فى أن التعبد المقبول أساسه الاتباع الدقيق وتحرى مرضاة الله ورسوله. ص _164
(1/149)

ومن حسن الإيمان أن يتعرف المرء أولا ماذا قال الدين؟ قبل أن يتقدم بأى اقتراح فى أية قضية!!! فإذا كان هناك توجيه لله ورسوله فلا كلام لأحد. وذلك بعض ما يوحى به قوله، عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم ) فليؤخر الإنسان نفسه ورأيه حتى يتبين ما هنالك من توجيهات السماء. فإذا ظهر أن هنالك أمرا أو نهيا مال إليه بقلبه وعقله، وأطرح ما عنده لفوره، وذلك لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". وهذا سر قول جعفر الصادق: "إياك أن تعمل برأيك شيئا". وهناك عباد جهال لهم نيات حسنة ولديهم حماسة فى إرضاء الله ورسوله، بيد أنهم بما يألفون فى أنفسهم من طيبة وصدق؟ يتجوزون فى فعل أشياء وترك أشياء على نحو يخالف المأثور من كتاب الله وسنة رسوله... وهذا مسلك طائش، بل قد ينتهى بالمروق من الدين، والاعتداء على حدوده وصد الناس عن قبوله. وكم من عابد أحمق فعل بالإسلام ما فعلته الدبة بصاحبها... إنه لا بد من معرفة أصيلة بالدين حتى يصح العمل به وله. وفى الحديث: "فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" . وليس من الرأى المنهى عنه أن يجتهد أولو الأمر وأهل الذكر فى فهم النص، والقياس عليه ورد المشكلات المحدثة إلى القواعد العامة فى القرآن والسنة. بل هذا المسلك حياة للدين وتوسيع لدائرته حتى تشمل كل شىء. واختلاف وجهات النظر هنا أمر طبيعى لا نكر فيه... وكلها جدير بالاحترام، وللمسلمين أن يؤيدوا منها ما شاءوا دون تعصب، وأن يتركوا ما شاءوا دون نكير. ص _165
(1/150)

وفى دراسة الفقه المقارن يستطيع الناظر أن يوازن بين شتى المذاهب وأن يؤثر فهما على فهم، وقد يخطىء أو يصيب دون حرج، فذلك من الاجتهاد المأجور وليس من الهوى المنكور. ونتساءل أخيرا عن الورد الذى شغل الإمام جعفرا وحرص على أدائه! ما هو؟ وما تلك الأوراد التى شاعت قديما بين جماهير المسلمين، وانقسموا فى تلاوتها والتزامها طوائف وطرقا، وما صلة ذلك كله بالإسلام؟. نحن نقرر ابتداء أنه لا حق لبشر ما فى إنشاء عبادة أو استحداث نسك.. وإذا وقع أن امرأ تطوع بقراءة أذكار معينة، واستحب المواظبة عليها، فليس له أن يلزم غيره بقراءة هذه الأذكار.. فالحكم بأن هذا مفروض وذاك مندوب حق الشارع وحده ولا يشركه فيه بشر!. وقد جاء فى السنة أن تلاوة القرآن الكريم قربة عظيمة. ووقت النبى صلى الله عليه وسلم ، مقدار ما يقرأ من كتاب الله فاستحب أن يختم فى شهر على الأكثر أو فى أسبوع ولمن نشط أن يختمه. ولا يحسن أن يختمه فى أقل من ذلك حتى لا تضيع عليه فرصة التدبر... وهذا الورد القرآنى يمكن التجاوز عنه إذا كان هناك شغل بالتجارة أو الجهاد: (علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) أى أن الفرائض لا بد من أدائها كاملة، أما النافلة فتؤدى عند توافر الوقت وإقبال النفس. والاشتغال بالتجارة والجهاد عبادة كإقام الصلاة وتلاوة القرآن... وهناك أذكار مأثورة تقال فى الصباح أو المساء، وقد أحصت كتب السنة جملا رقيقة منها وبينت متى تقال وثواب القائل. وهى كلمات لا يستغرق تردادها دقائق تعد على أصابع اليد... وهذه الأذكار- وسائرها من قبيل التطوع المحض- لا تشغل عن تجارة ولا جهاد.. ولا يتصور عاقل أن يكون تردادها أهم من القرآن الذى رأينا حكم تلاوته آنفا... ص _166
(1/151)

وقد شعرت- من تجربتى- أن ترتيل الجزء من القرآن يستغرق نصف ساعة وأن ختم الصلاة يستغرق دقيقتين!!. وقد كانت لى أوراد من المأثور عن صاحب الشريعة، أنشط لها حينا، فإذا اشتغلت بالتأليف أو العمل العام تركتها مع حبى لها. والذى أريد لفت النظر إليه بقوة وحسم أن الدين فرائض ونوافل، وأن النوافل لا مكان لها إلا بعد الانتهاء من الفرائض. قد نقول: جمهور المسلمين يعلم ذلك!!. ونقول: لكنه لا يحسن التطبيق، إن التفوق العلمى والاقتصادى فريضة على الأمة الإسلامية.. والمدرس الذى تشغله ركعتا الفجر عن الإسهام فى هذا التفوق يكفيه أن يؤدى فريضة الصبح، ثم يستغرق فى أداء الفرائض التى ترجح كفة الإسلام فى الميادين التى تأخر فيها!!. وبالتالى فكل ورد يأخذ وقتا من الإنسان على حساب تلك الفرائض فهو مردود... وذلك كله، إذا كان الورد مشروعا... أما إذا كان تأليف شخص من الناس يشغل به أتباعه من المسلمين فالأمر من أوله إلى آخر بدعة، ونحن مع عبد الله بن مسعود فى قوله: "الاقتصاد فى السنة خير من الاجتهاد فى البدعة". والذى نفهمه من حال جعفر الصادق أن الرجل كان بغيضا للخلفاء العباسيين، وأنهم كانوا يخشون التفاف الجماهير به، مما يؤثر فى دولتهم. وقد آثر الرجل الصالح أن يتجنب الفتنة، وأن يعكف على القراءة والذكر، وأن يلقن بعض مريديه دروس الفقه بعيدا عن ضجيج السياسة. ولعل ذلك سر رغبته فى العزلة وحرصه على قراءة أوراده، والفرار بنفسه ودينه... *** ص _167
(1/152)

فن العزلة والاختلاط فى هذا العصر اختفت تقريبا المذاهب الداعية إلى الانطواء على النفس والعزلة عن المجتمع. وربما بقيت فى مجال النزعات الخاصة بعض آثار الاستيحاش من الخلق. والابتئاس بالخلطة لكن هذه البقايا لاتؤثر فى قيمة الاتجاه الإنسانى العام إلى التعاون والاختلاط، وبناء السلوك البشرى على الإيلاف والاستئناس. ونحن راضون عن هذا الاتجاه الجماعى الودود، فإن الانكماش عن الحياة العامة ليس شارة صلاح ولا طريق إصلاح، بل قد يكون دليل ضعف وانهزام، أو نشدائا للراحة مع ترك الدنيا تموج بما تموج به. ورسل الله لم يتركوا الجماعات البشرية تسير حبلها على غاربها ويقبعوا فى صوامع قصية يتأملون ويتألمون! كلا.. لقد عاركوا الشر وعالجوا أسبابه وتحملوا بجلادة ما تركه هذا العراك فى أنفسهم وأهليهم من أحزان وكروب ولم يكن هناك بد من المسلك.. فإن الأفراد يعيشون غالبا وفق التقاليد والعادات الشائعة فى الأمة ويبنون مكانتهم ووجاهتهم على الانسجام معها.. وهذه التقاليد والعادات كثيرا ما تغلب فطرة الله فى الأنفس وتعمى عن رؤية آياته فى الآفاق فتنشأ الأجيال المقبلة بعيدة عن الصلاح والاستقامة بحكم منابتها التى خرجت منها.. ومن ثم فلا طريق لنصرة الحق وغلبة الخير إلا بالجهاد المضنى لجعل عادة حسنة تغلب عادة رديئة وتقليدا صالحا يغلب تقليدا فاسدا وتيارا نقيا يغلب تيارا ملوثا.. وتلك هى الغاية من جهاد الدعوة. ص _168
(1/153)

ولعل الثواب العظيم المرصد لخطوات المجاهدين يرجع إلى عظم آثارهم فى الحياة وامتداد النفع بكفاحهم المادى والأدبى.. ومن ثم فإن العباد العاكفين على طاعة الله فى قمة جبل أو فى جوف غابة يطالعون من بعد غبار المعركة بين الحق والباطل أو يبأسون من نتائجها ويسترجعون من متابعها!. هؤلاء فى الحقيتهة ناس واهنو العزم والإيمان هابطو المكانة فى الدنيا والآخرة. بل ربما لقى بعضهم الله بإثم الفار من الزحف أو القاعد وراء المجاهدين. إن الإسلام يمد أبناءه بفيض من اليقين يتجاوز أشخاصهم إلى ما حولها فهم يتركون طابعهم كله أو بعضهم على بيئتهم.. وإذا استعصت مواطن الشر على هذا الإيحاء الكريم فهى أعجز من أن تبسط ظلمتها على القلوب المشرقة، وهى أعجز من أن تكرهها على الفرار والتوارى عن الأعين.. وسيبقى أهل التقى فى جنح الليل السائد منارات قائمة تومض بالحق فتهدى وتنجى.. ومع هذه المعانى التى شرحناها فنحن نقرر أن المرء تمر به فترات يحتاج فيها إلى أن يخلو بنفسه وينأى عن الناس بجانبه ويراجع فى صمت العزلة ما له وما عليه.. ما أحسن وما أساء.. ما يفعل وما يترك.. إن ضجيج المجتمعات أحيانا يفقد الإنسان وعيه أو يكاد.. وأظن أنه قد يثبت علميا أن مستوى الذكاء فى زحام الجماهير يهبط وأن التجمعات المنطلقة يحكمها رأى عام يشبه "متوسط المحصول ".. ومتوسط المحصول يتلاشى فيه الإنتاج العالى فى جوار الإنتاج الردىء إذ تذهب زيادة المحصول هذا فى نقص ذاك.. ومن ثم وجدنا كثيرا من الناس ينشدون أن يخلوا بأنفسهم ليستعيدوا فى خلوتهم حدة بصيرتهم وتألق أذهانهم. وما يستغنى أولو النهى عن هذه الساعات الغالية لا ليستجمعوا فيها بل لتثوب إليهم مواهبهم وترجع خصائصهم ثم يواجهوا الدنيا بحقيقتهم الكاملة.. ص _169
(1/154)

وفى الجاهلية الأولى رغب النبى صلى الله عليه وسلم فى العزلة فكان يهجر أم القرى إلى غار متفرد فى جبل أشم ينقطع دونه لغو الناس وإثمهم. وكان النبى الكريم يحاول فى سكينة الغار أن يقترب من الحقيقة التى ضل عنها عالم غريق فى الشرك والعصيان. وقد طلع عليه فجر الوحى فى أيام تحنثه واستراحة فؤاده الشريف إلى حياة التأمل العميق. فلما حمل أعباء الرسالة وشرع يخلص العالم من قيود الخرافة وآثار البغى كان يستعين على جهاد الجماهير الشكسة النافرة بالساعات التى يخلو فيها إلى ربه، ويبصر فيها نفسه وما يعمل وما يلقى. وقد استحب لأصحابه- رضوان الله عليهم- أن ينسحبوا بين الحين والحين من مشاغل العيش ومشكلات الأهل والولد وأن يفروا إلى الله فى بيته ويعكفوا على عبادته. والاعتكاف فى المسجد إطراح موقوت لشئون الدنيا وإقبال! مضاعف على شئون الآخرة وإنابة جادة إلى الله يشترك فيها الشعور واللسان والظاهر والباطن.. وإذا كانت أيام رمضان قد اجتذبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء راغبا راهبا ذاكرا قانتا فإن هذه الأيام نفسها قد علقت قلبه- بعد الوحى- بالمسجد يأوى إليه ويتحنث فيه هو وصحبه الأبرار. وقد شهد المسجد النبوى بالمدينة المنورة ليالى وضيئة لأولئك العابدين المنقطعين إلى الله، الآملين فيه، المعتزين به.. فلنطالع هذه الصورة الطريفة من مرويات البخارى ومسلم. قال أبو سعيد الخدرى: اعتكف رسول الله، صلى الله عليه وسلم فى العشر الأول من رمضان واعتكفنا معه فأتاه جبريل فقال له: إن الذى تطلب أمامك. "فاعتكف العشر الأوسط فاعتكفنا معه فأتاه جبريل فقال: الذى تطلب أمامك ". "ثم قام النبى صلى الله عليه وسلم خطيبا صبيحة عشرين من رمضان فقال: "من كان اعتكف معى فليرجع فإنى رأيت ليلة القدر وإنى أنسيتها وإنها فى العشر الأواخر فى وتر وإنى رأيت كأنى أسجد فى طين وماء". ص _170
(1/155)

قال أبو سعيد: "وكان سقف المسجد جريدا من النخل وما نرى فى السماء شيئا فجاءت قزعة فمطرنا فصلى بنا النبى صلى الله عليه وسلم حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهته تصديق رؤياه " . أى ليلة سمحة مباركة كانت هذه الليلة التى اتصل فيها الذكر والتسبيح؟. وصاحب الرسالة ورجاله الأقربون عكوف على الطاعة والتلاوة يركعون ويسجدون حتى جاءت سحابة تصب على أكناف المسجد ما شاء الله من رحمته والمتهجدون فى دائبون على نسكهم لا يلفتهم عن صلاتهم المطر النازل فإذا سجد النبى صلى الله عليه وسلم رفع وجهه الشريف وبه آثار من الماء والطين. لقد كانت هذه ليلة القدر كما قال الله "خير من ألف شهر". رب عمر طال بالرفعة لا السنوات وقطيرات زمان!! ملأت كأس حياة..!! وقد مضت السنة باستحباب اعتكاف المؤمنين فى العشر الأواخر من رمضان وكان النبى صلى الله عليه وسلم إذا دخل الثلث الأخير شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله. وربما قال قائل: إن الاعتكاف على هذا النحو ليس عزلة إنه عبادة جماعية يؤديها المؤمن مع غيره وذاك شىء غير العزلة التى تحدثنا عنها آنفا. ونجيب بأن الاعتكاف عبادة قوامها العزلة فان الإنسان عندما ينوى الاعتكاف يتفرغ لطاعة الله والإقبال عليه ويدع زوجته وشغله ولهوه. وقد جعل الإسلام هذه العزلة فى إطار المسجد فلم يسمح بانقطاع فى غار أو فى غابة وذلك حتى لا ننهى صلة المسلم بالجماعة. والمسجد بقعة توحى بالعبادة والتبتل وعلى العاكف أن يلم شمله ويديم ذكر ربه ولا يأذن لقطع الطريق أو لصوص الأوقات أن يغلبوه على أمره. إن المساجد قطع من هذه الأرض مساوية لها فى المعدن ولكنها ارتفعت قدرا عند الله والناس برفعة الغاية التى بنيت من أجلها والعباد الذين يصطفون فوقها "في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب
(1/156)

والأبصار". ص _171
ورأى أن الاعتكاف ليست له مدة معينة وأن الصوم حسن فيه إذا طال أمده. وفترات الاعتكاف القصيرة فرصة متاحة لكل مسلم يريد بين الفينة والفينة أن ينعطف إلى ربه، لكن الفترات القصار تشبه التمارين الرياضية المحدودة من سباحة وجرى، لها بلا ريب أثرها فى الصحة العامة غير أنها لا تدل على بطولة وتفوق. والاعتكاف الذى يستغرق أياما لا يطيقه إلا قوم لهم مع الله معاملة ولهم به إلف، وهل يتفاوت أهل الإيمان والعبادة إلا فى ذلك المضمار؟ إن ما يسأم منه البعض قد يستلذه آخرون . تدبر هذا الحديث عن ربيعة بن كعب رضى الله عنه قال: كنت أخدم النبى صلى الله عليه وسلم نهارى فإذا كان الليل أويت إلى باب رسول! الله فبت عنده فلا أزال أسمعه يقول "سبحان الله سبحان الله سبحان ريى" حتى أمل أو تغلبنى عينى فأنام فقال يوما: يا ربيعة سلنى فأعطيك فقلت: أنظرنى حتى أنظر وتذكرت أن الدنيا فانية منقطعة فقلت: يا رسول الله: أسألك أن تدعو الله أن ينجينى من النار ويدخلنى الجنة، وفى رواية أسألك مرافقتك فى الجنة.. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أمرك بهذا؟ قلت: ما أمرنى به أحد ولكنى علمت أن الدنيا منقطعة فانية وأنت من الله بمكان الذى أنت منه فأحببت أن تدعو الله لى: قال: إنى فاعل فأعنى على نفسك بكثرة السجود.. " لقد كان رسول الله لا يفتر من ذكر الله حتى يمل "كعب" أو ينام، فلما طلب من رسول الله أن يصحبه فى الجنة طلب منه أن يرشح نفسه لهذه المنزلة بإدامة الصلاة.. والإنسان الذى يكثر السجود يقبل على الله بنفس محب ورغبة مشتاق والاعتكاف على مثله يسير، طال أو قصر. والاعتكاف اليسير أو الطويل ليس جلوس بطالة فى المسجد كما يتوهم البعض فإنك إذا قلت: شاطىء البحر متعة عنيت أن ذلك لمصطاف يستعين بالراحة على العمل وبالاستجمام على استئناف الكفاح.. ص _172
(1/157)

والمرء فى مكابدته للمعايش ومخالطته للخلائق قد يتيه فى أودية الحياة وينسى ما بعدها فإذا انتزع نفسه ليذهب إلى المسجد مصليا فهو يذهب ليستعيد صوابه.. فإذا بكر فى الذهاب قليلا وقصد أن يفتح أقطار قلبه لإيحاء المسجد فهذا اعتكاف مشكور، وفى الحديث "فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلى عليه ما دام فى مصلاه: اللهم اغفر له تب عليه ولا يزال فى صلاة ما انتظر الصلاة" . إننا فى عصر ينشد المتاع من ألف وجه ويظن ما ناله منه حظا جسيما فلنلون زمامه إلى لون آخر من الكمال الإنسانى الأسمى . إن غدوة إلى ناد للقاء الزملاء متعة.. لا بأس . ومن المتع التى لها مذاق آخر غدوة إلى المسجد لمناجاة الله واللبث فى حضرته . فإذا ما استكنت هذه العادة فى القلب رفعت صاحبها إلى السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله . . فمن هؤلاء السبعة رجل قلبه معلق بالمساجد . إن الاعتكاف سنة مهجورة أو لعله سنة غير مفهومة وخصوصا هذه الأيام التى دارت فيها الأهواء بالرءوس تدور الخمر بشاربها . . وهو فى حقيقته واحات روحية مزهرة على درب الحياة الطويل . * * * ص _173
(1/158)

ينابيع التوحيد جاء فى السنن أن الباقيات الصالحات هى: "سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله كبر" . وتسميتها بالباقيات، لأنها أوصاف لذات الله الذى لا ينسخ وجوده عدم، ولا يقطع بقاءه زوال. وصفة الخالد خالدة معه.. وكونها صالحات- لأنها بجانب من رواء- ضمان لفلاح قائلها، وضياء يتألق بين يدى المؤمن يوم اللقاء الأخير. ومن ألف ذكر الله فى هذه الدنيا كانت عودته إليه أبعد ما تكون عن الوحشة والجفاء، وأقرب إلى الأنس والبشاشة... وقد وردت كلمة الباقيات الصالحات فى موضعين. قوله تعالى: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا)(2) وقوله جل شأنه: ( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إِذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا * ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا ) وقد يبدو للقارئ أن المعنى المتبادر يشمل جميع الطاعات، وشتى القربات، وليس مقصورا على تلك الكلمات التى أحصيناها... ونحن لا نرد هذا المعنى العام، وإنما نشرح تلك الكلمات المأثورة المشهورة، وسوف ص _174
(1/159)

يبدو من شرحها أنها المهاد لكل خير، والأساس لك لكل حسن، وأنها روح كل عبادة تصعد من الأرض إلى السماء. ولا بأس من تفسير موجز للآيتين السابقتين. إن الإنسان يحب كثرة الأموال والأبناء، ويرى فى ذلك متعته ومنعته. وهذه طبيعة غير منكورة ولا محقورة، ما دام يصحبها حسن القصد وشرف الهدف... وغاية ما يطلب من الإنسان، ويذكر به إذا غفل عنه، ألا ينسيه الوجود المؤقت على ظهر هذه الأرض الوجود الدائم الذى ينتظره بعد هذه الحياة. وإذا سره فى حياته العاجلة أن يكون سعيدا مكينا، فأبهج من ذلك وأعظم أن يكون هناك أسعد وأمكن، وسبيله إلى ذلك الباقيات الصالحات. أما الآية الأخرى فهى تصف الكافرين المعاندين... إنهم قد يتمتعون طويلا فى الدنيا، وتحفهم صنوف الشهوات وتحميهم أنواع السلطات، لكن لا بد من نهاية لهذا الإمهال.. إما بالهزيمة الماحقة فى الدنيا، وإما بالبطشة الكبرى فى الدار الآخرة... وعندئذ ينهار السلطان، وتتلاشى القوى، ويلحق الخزى بأهله. أما المهتدون فسيجتازون عقبات الحياة، ويطوون الليل والنهار وهم يؤدون الحقوق لله. ويوم يلقون ربهم فسيكون ذلك أسعد أيامهم وأملأها بالنعمة والرضا.. إذ سيحصدون ثمرة ما غرسوا من الباقيات الصالحات... والآن، لنتدبر معانى هذه الكلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر... تسبيح الله تنزيهه عن كل نقص، ومباعدته عن كل عيب، فلا يستشعر الإنسان مع ذات الله إلا كل جلال وجمال. والمؤمن هو الذى يحس ذلك ويألفه. ص _175
(1/160)

وهناك للأسف كثير من الناس ينسب لله ما لا يليق به، بل هناك من ينكر وجوده أصلا، كالأعمى الذى يعيش من ضراره فى ظلمة دائمة، فهو ينكر الضوء ولا يعترف بوجوده، والله منزه عن جحد الجاحدين وجهل الجاهلين... أننا ومن حولنا أثر وجوده، ومن ظن أن النار التى تشتعل فى الشمس قد صنعت نفسها، أو الرقة السائلة فى الماء، أو النضرة الشائعة فى الزرع، أو سائر ما نرى وما لا نرى من خلق الله، ومن ذلك قام بنفسه فهو مزور كبير، ومبطل جرىء... والقرآن الكريم عندما يرد مزاعم المشركين، يصور الألوهية التصوير الذى يدمغ الجاهلين والجاحدين جميعا. (قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا * سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا * تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا) إن الإله الذى أعطى الأفلاك ضخامتها وسعتها، وأعطى العقول خفاءها وذكاءها، لا يمكن أن يكون مماثلا لشىء نعهده، وهو أكبر من أن يكون ولدا أو أبا أو ملكا أو جنا. ومن السفه تصور أن يكون له شريك فى الملك أو ولى من الذل، كيف؟ والوجود من أزله لأبده فقير إليه، قائم به... فى تكوين الذرة ما يشهد بعظمة الخالق، وما ينفى عنه أوهام النقص. ثم من يدرى؟ إننا لا نسمع تحت الثرى ضجيج آلات توزع الألوان والطعوم على الزهور والثمار، ولا نلحظ الحركات اللبقة التى تلف الفواكه والحبوب فى قشورها وأغلفتها، إننا نجهل كل الجهل عمل الأجهزة المسحورة التى تصوغ الأجنة وتنسج الأدمغة والحواس والبطون والأحشاء... من يدرى الأسرار الكامنة وراء هذه الأعمال الرائعة؟. إنه لو انشق حجاب الصمت، وباح الكون ببعض سره لأصم آذاننا هتاف الأشياء، وهى تسبح بحمد الله، وتهتف بوحدانيته، (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) ص _176
(1/161)

والتسبيح العملى للناس يقوم على ربط الأفعال بما ينبغى لله من كمال. ذلك أن الصغار قد تفرض عليهم طباعهم الصغيرة أن يسيئوا الظن بالله، فيتصوروا فيه أن يخلف وعده أو يحيف على عباده!!. ويدفعهم هذا التصور المريض إلى اقتراف ما لا يليق، ولو حسنت معرفتهم بالله وسجوده عما تخيلوا نسبته إليه لكان عملهم أصلح وسلوكهم أرشد... تدبر قصة أصحاب الجنة التى ذكرها رب العالمين فى كتابه... هؤلاء قوم غلبتهم الأثرة، وداخلهم الشح وأجمعوا أمرهم على أن يجنوا ثمرة بستانهم فى غفلة من الفقراء، حتى لا يطالبوهم بشىء حين الحصاد.. إن أولئك الأغنياء لا يرون أن يشركوا معهم أحدا فى فضل الله عليهم، فهم يرون أن الله قصد إلى إتعاس الفقراء لما قدر عليهم رزقه، وقصد إلى تنعيم الأثرياء لما بسط عليهم خيره!!. ومن ثم فقد مضوا مع سوء ظنهم بالله، وانطلقوا إلى بستانهم ليستأثروا بجناه، ولكن القدر كان أسبق منهم إلى العقاب الموجع (فانطلقوا وهم يتخافتون * أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين* وغدوا على حرد قادرين* فلما رأوها قالوا إنا لضالون * بل نحن محرومون * قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون * قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين ) كان الله قد أهلك ثمارهم، وأضاع آمالهم فشعروا عند الحرمان بسوء صنيعهم وتذكروا صوت الناصح الذى خوفهم بالله حتى لا يبخلوا، والذى زين لهم الكرم، وعلقهم بوعد الله للكرام ألا يحرموا. (ألم أقل لكم لولا تسبحون) وجمهرة العصاة والمفرطين تقع بين نسيان لله، وريبة فى وعده، ولو صدقت معرفتهم، وطلع على نفوسهم شعاع من أسمائه الحسنى، لتهذب سلوكهم، وصلح عملهم. ومما يتصل بهذا المعنى- أى تحول التسبيح من قول باللسان إلى شعور فى القلب، إلى رفعة فى السلوك- أن يضبط الملم مشاعره فى السراء والضراء، ويربطها بمشيئة الله. فإن أصابه شر لم يسخط على الزمان ويسب الأيام!!. ص _177
(1/162)

فما الزمان؟ إنه ظرف وحسب للأحداث التى يسوقها القدر الأعلى.. والمؤمن حقا يستكين لله إذا وقع به ما يكره ويقول: "إنا لله... ". أما التبرم بالليالى السود فهو من سوء الأدب مع الله، ومن اتهامه- سبحانه- بما لا يسوغ!!!. وهذا معنى الحديث: " لا تسبوا الدهر، فإنى أنا الدهر، بيدى الأمر، أقلب الليل والنهار " . والحديث بين فى أن الله يكره من عباده هذا التجهم لقضائه والتمرد. إن كل أفعاله بالحكمة، وتدبيره للأمور يستحيل أن ينقصه السداد أو يعوزه الرشاد، أو أن يثور عليه العباد!.. وفى الحديث تسبيح لله عن هذا وذاك... والله تبارك وتعالى محمود فى الأرض والسماء... (له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون) وللحمد معنيان: أولهما الشكر لله على نعمائه، والاخر الثناء عليه بما هو أهله. وإذا كانت نعمة الله لا تحصى، فإن شكرها ينبغى ألا يغيض مدده وألا ينقضى عدده. والمسلم شاعر أبدا بجميل الله فى عنقه، ومقدر ما لديه من مننه، لا ينكرها، ولا يزدريها... وقد يعرض له ما يعكر باله من متاعب الحياة ولكن إحساسه بالنعم السابقة والنعم المرتقبة يرجح لديه كفة الرضا عن الله والتهوين من المصاب ويجرى على خاطره قول الشاعر: فإن يكن الفعل الذى ساء واحدا فأفعاله اللائى سررن ألوف ومقدار الشكر يتبع دائما شرف المعدن ونبل النفس، فالرجل الأصيل يربو لديه الصنيع، وتعظم لديه المنة على عكس الخسيس... وقد كنت أظن الجحود يرجع إلي الجهل بالنعم، حتى رأيت ناسا تسدى إليهم الخير ص _178
(1/163)

الجزيل، فيأخذونه ويمرون به سراعا كأنهم ما نالوا شيئا، وكأن الوجود مكلف بخدمتهم وحسب!!!. هذا الصنف من الدواب التى تلبس الثياب، وتمشى فى نعلين، يجب أن يوخز حتى يصحوا إلى ما يقدم له ويدرك حقه.. ومن قديم كان الناس يعرفون قيمة الرجال من واقع النعمة عندهم، وفى ذلك يقول أبو الطيب: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ومن لك بالحر الذى يحفظ اليدا وأشكر الناس لله هو محمد بن عبد الله، لأنه أشرف الخلائق نفسا وأزكاهم معدنا، ولأن النعمة التى أفاءها الله عليه لا نظير لها فى الأولين والآخرين. وإذا كان الشكر جزءا من معنى الحمد، فإن شكر الله، جل شأنه، ما ينفك عن مدحه والثناء عليه، ومن هنا كان حمده عبودية كاملة... وقد علمنا رسول الله نماذج رائعة لحمد الله بالغدو والآصال. فمما أثر عنه أنه إذا صحا من نومه قال: "الحمد لله الذى رد إلى روحى وعافانى فى جسدى وأذن لى بذكره ". أتظن ذلك فى أعقاب سبات عميق وليل غافل؟ كلا!. عن ابن عباس، رضى الله عنه، قال: كان النبى، صلى الله عليه وسلم ، إذا قام من الليل يتهجد قال: "اللهم لك الحمد، أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهن. ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن. ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق. اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت " . على الأرض أن تنتج وعليهم أن يستهلكوا وكفى . ص _179
(1/164)

هذه الحيوانية الطامة ليست بدعا فى تاريخ البشر، ولكنها فشت هذا العصر فشوا منكر، وفيهم يقول الله جل شأنه: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون). إن الفارق بين المؤمن والكافر أن يدرى من أطعمه ويعرف حقه. أما الكافر فهو مكفوف البصيرة. تائه عن ولى نعمته... المسلم يقول إذا طعم واستقى مثل ما قال محمد: "الحمد لله الذى أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ". ويقول إذا اكتسى ثوبا "الحمد لله الذى كسانى هذا ورزقنى إياه من غير حول منى ولا قوة" . وتحميد الله فى صيغ الكتاب والسنة كثيرا مايجىء مشروحا بذكر أوصاف الله وأفعاله التى تطوى الأفئدة على تمجيده وإعظامه، وإبراز آلائه... ويكفى فى مديح الله أن نذكر، فإن آفة البشر تجىء من الجهل والنسيان. قال تعالى يصف نفسه: (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور) وقال: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا) (الحمد لله رب العالمين) (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير) والألوف المؤلفة من الناس تطعم وتشرب وتكتسى، ولا تدرى من أسدى ذلك كله، ثم تمضى لشأنها كأن لم يكن شىء!. يكفى أن يعرف الناس ربهم بصفاته.. فإذا استشعروها ورددوها، فقد مدحوه، وحمدوه... لقد ألفنا فى المداحين بيننا أن يذكروا كلاما كثيرا أكثره لغو وإفك، وأقله حق وجد.. ص _180
(1/165)

لكن مدح الله شأن آخر، إنه حقائق من الألف إلى الياء... أليس من حق مخترع السموات والأرض أن يعرف بأنه البديع؟. أليس من حق القيم على شئون الحياة المنفق على جماهير الأحياء أن يعرف بأنه الحى القيوم الكريم المنان؟. بلى، واستبطان هذا المعنى، وإعلانه مدح حق، وهو بعض ما ينبغى له، جل شأنه، من تحميد وتمجيد. فى سورة الرحمن تطواف سريع بالعالم من بدئه إلى منتهاه، وعرض لأحوال الخلق منذ اتجه إليهم التكليف إلى أن لاقوا ما يستحقون من جزاء. ولما كانت السورة فى نحو صفحتين، فإن هذه الرحلة العاجلة سجلت إيماءات فتط إلى آيات الله ونعمه. وبين كل إيماءة وأخرى يقول الله للإنس والجن فى تساؤل حافل بالملام والتقريع: (فبأي آلاء ربكما تكذبان). والواقع أن كنود البشر لفضل الله كثير كثرة هذا الفضل، فلا عجب إذا ترادف الاستفهام وتكرر لأنه علاج داء عضال، ولفت إلى حق واضح مهدر، بين مضيع!.. (وقليل من عبادي الشكور) وقد لاحظنا أن الاستفهام كان يتخلل الجمل التى تتلاحق فى بيان معنى واحد، وكأن هذا الاستفهام بعد جزء من الكلام مسوق لاستثارة الشكر ومدافعة العقوق على آكد وجه. ومن هنا تتابع هذا التساؤل: (فبأي آلاء ربكما تكذبان). جاء فى صفوة البيان لمعانى القرآن: عدد الله فى هذه السورة كثيرا من نعمائه، وذكر خلقه بعظيم من آلائه، ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه الآية الكريمة، فذكرها فى واحد وثلاثين موضعا، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم إلى هاتيك النعم ويقررها بها، ويقيم عليهم الحجة عند جحودها. ص _181
(1/166)

وقد أوردها ثمانى مرات عقب آيات أحصت عجائب الخلق، والمبدأ والمعاد، ثم سبع مرات عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، بعدد أبواب جهنم، وحسن ذكر الآلاء عقبها، لأن من جملة الآلاء دفع البلاء وتأخير العذاب، ثم ثمانيا فى وصف الجنتين الأوليين وأهلهما، بعدد أبواب الجنة! وثمانيا آخر فى وصف الجنتين الأخريين، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها استحق هاتين الثمانيتين، ووقاه الله السبعة المتصلة بالنار". وحمد الله، جل شأنه، بالقلب الشاكر واللسان الذاكر، يتقاضانا أن نضرب بعض الأمثلة الشارحة لحقيقة الحمد. متى نصف إنسانا بالنبل، أو بالشرف أو بالأصالة والعراقة؟. عندما نراه يتخلق بالفضائل الجليلة وتتألق فى شمائله آيات الصفح والأناة والسماحة، وعندما نرى هذه الفضائل طبعا لا تصنعا، وسجية لا تكلفا، وعندما نراها لازمة لا تفارق، وصافية لا تكدر... إننا نعجب بالإنسان ونحبه إذا وصف لنا، مثلا: بأنه يعطى عطاء من لا يخشى الفقر، أو أن قلبه كبير لا يعلق به حقد، أو أنه صلب فى النائيات لا يضرع ولا يركع، أو أنه عالم عبقرى اخترع الذرة وغزا الفضاء، أو مهندس ماهر بنى قصرا وشاد جسرا، أو طبيب نطاسى أجرى جراحة بارعة، أو.... أو... إلى غير ذلك من المواهب الإنسانية الرفيعة. ومحبة الجمال الأدبى والعلمى طبيعة مقررة، واستمع إلى شاعر النيل يقول: إنى لتطربنى الخلال كريمة طرب الغريب لأوبة وتلاق ويهزنى ذكر المروءة والندى بين الشمائل هزة المشتاق ذاك كله فى أمجاد البشر القاصرة المعارة المحدودة. فكيف بالمجد الإلهى الذى لا تحده أبعاد ولا تقفه آماد؟. إن الشعور بعظمة الله، وقدرته الواسعة، وعلمه الشامل، وكرمه الرحب، وعفوه الجميل، ومودته لخلقه، وبره بهم... إن ذلك كله يفعم القلوب بالولاء ويطلق الألسنة بالثناء... ص _182
(1/167)

وكل ما يروقك من أوصاف النبلاء والكبراء فهو ومضات تعرف على بريقها الطريق لمعرفة الكمال الأعلى. لقد جاء فى الحديث عن أبى هريرة، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقول: "جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا، وأنزل فى الأرض جزء ا واحدا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه " . إن ما ترى من تراحم بين صنوف الأحياء منذ وجدت الحياة وما بقيت، هو معنى تستشف منه تفسيرا لبعض أسماء الله الحسنى، كذلك ما ترى فى خلائق السادة من سناء وشرف تستطيع أن تفهم على بصيصه الخافت كيف أن الله مجيد، وفى ودود، نور، بديع، واسع، حميد، رشيد، صبور....الخ. (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) من أجل ذلك امتلأ الكتاب والسنة بالتسبيح والتحميد، والتنزيه والتمجيد... وهل الصلوات الخمس فى أفعالها وأقوالها إلا هذه المعانى منسقة مرتبة؟. وعندما يقف المصلى يقرأ: "الحمد لله رب العالمين ".. وعندما يركع يقول: "سبحان ربى العظيم ". وعندما يسجد يقول: "سبحان ربى الأعلى". وعندما يقعد يقول : "التحيات لله "... وعندما ينهى صلاته يعود مرة أخرى لتسبيح الله وتحميده وتكبيره مئات المرات فى أعقاب الصلوات المكتوبات... والمسلم بعد ذلك وقبله، يشغل بذكر الله قلبه ويعمر وقته، مقتديا برسوله الكريم الذى أضاءت حياته بأشعة لا حصر لها من هذه الصلة السماوية العالية. ص _183
(1/168)

ذلك أن الله لما حمله أعباء الرسالة، أرشده إلى أن أعون شىء على النهوض بها والقيام بحقوقها، هو اتصال التسبيح والتحميد.( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم * ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ) وإذا كان الأعداء سيلحقون به صنوف الأذى ويسلقونه بألسنة حداد، فليكن فى هذا التسبيح والتحميد عز به واشتغال(فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ) إن طول الصبر وإدمان الذكر والاستغفار ثناء معنوى ناجع فى مكافحة الخصوم، ومعاناة جهادهم.. (فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار ) وهكذا نجد أن حياة محمد بنيت على معرفة الله والتبتل إليه والهتاف باسمه وجمع الناس عليه... إنه نبى لا ينشد لنفسه متاعا، ولا يبغى فى هذه الدنيا علوا، إن وظيفته الأولى والأخيرة العمل لئه وإبلاغ رسالته. وعلى الأمة الإسلامية أن تأخذ قبسا من هذه الربانية الخالص تطهر به محياها وترفع به مستواها. إنها هى الأخرى- تبعا لنبيها- يجب أن تستهدف عبادة الله، وحسن ذكره، وإسماع العالمين أذانها بين يدى كل صلاة، إشعارا بأن العظمة لله، والوجهة إليه وحده... ولذلك يقول للمسلمين كافة: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون ) هكذا، فى الصباح والأصيل، فى الضحى والغسق، فى كل آن تكدح الأمة لنفسها ولربها وتعمل لدنياها وأخراها وتمزج بين بناء الروح والجسد وترسخ قدمها فى الأرض وترنو بقلبها إلى السماء... ص _184
(1/169)

ومن العبث تصور التسبيح والتحميد حركة شفتين واضطراب لسان.. إنه تفتح قلب، واتضاح غاية، وسفر نفس إلى بارئها، فالليل والنهار خطوات سير ومراحل طريق. *** وكلمة الإخلاص هنا- وهى كلمة لا إله إلا الله- هى الحادى الذى لا يمل نداؤه، ولا يتلاشى صداه... وعندما يرددها المؤمن فهو يقصد أمرين: أولهما: إحقاق الحق وإبطال الباطل، فإنه فى واقع الأمر لا يوجد غير إله واحد هو الله الواحد القهار، وما عداه وهم عقول مختلة، أو خداع حواس معتلة. وا لآخر: ضبط السلوك البشرى، داخل نطاق هذا التوحيد فيكون استنصار الإنسان بالله، واسترزاقه وتوكله وأمله وأمنه وغير ذلك من المعانى. وهذا أمر يحتاج إلى إيضاح، فإن الله خبأ مفاتيح قدرته تحت جملة من الأسباب العادية، سواء أكانت هذه الأسباب كونية أو إنسانية... والمسلم حين يباشر هذه الأسباب- ولا يدمن مباشرتها- لا يجوز أن يحتجب بها عن الحقيقة العليا، ولا أن يظن مرد الأمور إليها- فإن الله محيط بالأشخاص والأشياء، وهو الذى يمنح هذه الوسائل صلاحيتها للعمل، ورقدرتها على الإنتاج. ثم إن لديه، جل اسمه، أسبابا أخرى لا نعلمها ولا نقدر عليها تجعل ما بأيدينا صفرا (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين). (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به ) لذلك يجب أن تمتد أشعة التوحيد المطلق فى أرجاء النفس، فلا تجعل شيئا ما يحول بين المرء وربه. ويجب أن يشعر المسلم من أعماق قلبه أن ما دون الله هباء، فلا ترعه سطوة سلطان، ولا تخدعه ثروة غنى. ص _185
(1/170)

وليثق أنه من المستحيل أن يغلب الله على أمره، أو أن يقطع شىء دونه، فالتعلق بغيره عجز والتطلع إلى سواه حمق: (وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه ) وجاء فى الأثر أن الله، عز وجل، يقول: "ما من عبد يعتصم بى دون خلقى أعلم ذلك من قلبه ونيته فتكبده السموات والأرض ومن فيهن إلا جعلت له من ذلك مخرجا وما من عبد يعتصم بمخلوق دونى إلا قطعت أسباب السماء من فوقه وأسخت الأرض من تحت قدميه ثم أهلكه فى الدنيا وأتعبه فيها". وروي عن بعض الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول: "من تعزز بالناس ذل ". وقيل: "من اتكل على مخلوق مثله ذل ". وروى عن بعض الصالحين: من أراد السلامة فى الدنيا والآخرة، فعليه بالصبر والرضا، وترك الشكوى إلى خلق الله، وإنزال حوائجه بربه، عز وجل، ولزوم طاعته، وانتظارالفرج منه سبحانه، والانقطاع إليه. فحرمانه عطاء، وعقوبته نعماء، وبلاؤه دواء، ووعده حال، وقوله فعل، وكل أفعاله حسنة، وحكمة ومصلحة، غير أنه طوى، عز وجل، المصالح عن عباده، وتفرد بها، فليس لنا إلا الاشتغال بالعبودية، وأداء الأوامر واجتناب النواهى، والتسليم بالقدر، وترك الاشتغال بالربوبية، والسكون عن لم؟ وكيف؟ ومتى؟ وتستند هذه الجملة إلى حديث ابن عباس، قال: بينما أنا رديف رسول الله، صلى الله عليه وسلم إذ قال: "يا غلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما هو كائن ولو جهد العباد أن ينفعوك بشىء لم يقضه الله تعالى لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروك بشىء لم يقضه الله تعالى عليك لم يقدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل لله تعالى بالصدق فى اليقين فاعمل، فإن لم تستطع، فإن فى الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا". وفى روح المعانى روى أنس، رضى الله تعالى عنه، قال: أوحى
(1/171)

الله تعالى إلى يوسف، عليه السلام: من استنقذك من القتل حين هم إخوتك أن يقتلوك؟ قال: أنت يا رب!. قال: فمن استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه؟. قال: أنت يا رب. ص _186
قال: فمن استقنذك من المرأة إذ همت بك؟. قال: أنت يا رب. قال: فما بالك نسيتنى، وذكر آدميا؟. قال: يا رب كلمة، تكلم بها لسانى. قال: وعزتى وجلالى، لأخذلنك فى السجن بضع سنين. وقال الإمام أبو حامد الغزالى فى شرحه للأسماء الحسنى ما نصه: "الكريم هو الذى إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يبالى كم أعطى، ولا لمن أعطى وإذا رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى. وإذا جفا عاتب وما استقصى، ولا يضيع من لاذ به والتجأ، ويغنيه عن الوسائل والشفعاء، فمن اجتمع له جميع ذلك لا بالتكلف فهو الكريم المطلق، وذلك هو الله تعالى فقط ". وقال فى باب التوكل: قال الله، عز وجل: (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ). أى عزيز لا يذل من استجار به، ولا يضيع من لاذ بجانبه، والتجأ إلى ذمامه وحماه، وحكيم لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره وقال تعالى: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم). فبين أن كل ما سوى الله، عز وجل، عبد مسخر، حاجته مثل حاجتكم، فكيف يتوكل عليه؟ وقال تعالى: (إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ) . وقال: (ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون). وقال تعالى: (يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ) وكل ما فى القرآن من التوحيد فهو تنبيه على قطع الملاحظة عن الأغيار، والتوكل على الواحد القهار. وروي أنه لما قال جبريل لإبراهيم، عليه السلام، وقد رمى إلى النار بالمنجنيق: " ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا". وفاء بقوله: "حسبى الله ونعم الوكيل ". إذ قال ذلك حين أخذ ليرمى، فأنزل الله تعالى: (وإبراهيم الذي وفى) وأوحى الله، عز ص _187
(1/172)

وجل، إلى داود، عليه السلام: "يا داود، ما من عبد يعتصم بى دون خلقى فتكيده السموات والأرض إلا جعلت له مخرجا". وقرأ الخواص قوله تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت) الآية. فقال: ما ينبغى بعد هذه الآية للعبد أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى. انتهى. وقال من كلام طويل: "الثانية، أن يكون حاله مع الله تعالى كحال الطفل فى حق أمه، فإنه لا يعرف غيرها، ولا يفزع إلى أحد سواها، ولا يعتمد إلا إياها، فإن رآها تعلق فى كل حال بذيلها ولم يخلعها، وإن نابه أمر فى غيبتها كان أول سابق على لسانه: يا أماه، وأول خاطر تخطر على قلبه أمه، فإنها مفزعه، قد وثق بكفايتها وكفالتها". وتلك هى حقيقة التوحيد الذى يعمر فؤاد كل مسلم يشهد من أعماق قلبه أن: "لا إله إلا الله ". وقد كان صاحب الرسالة "محمد" صلى الله عليه وسلم ، يفتن فيصيغ التحميد والتقديس، وصور التوحيد المطلق لربه، جل شأنه!!. والكلمات المرويات عنه مفعمة بالشعور الجياش والفكر العميق والعبودية الخالصة. " يا ربى لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك ". " سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته". " باسم الله الذى لا يضر مع اسمه شىء فى الأرض ولا فى السماء وهو السميع العليم ". " اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلنى إلى نفسى طرفة عين، وأصلح لى شأنى كله لا إله إلا أنت ". " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ". وهذا باب واسع لو تتبعناه ظفرنا منه بالبدائع الناطقة بصدق العبودية وطول النفس فى التذلل لله، والرغبة إليه. ص _188
(1/173)

وليس يعرف مثل هذا التراث الغالى لبشر آخر. ولا عجب!!.. أن محمدا أعبد الناس، ومن ثم فهو أولهم تعلقا به وذكرا له. ومن آيات التوحيد الذهول عن الخلق عند مناجاة الخالق، والشعور بأن سكان السموات والأرض أجمعين لا يملكون مع الله حولا ولا طولا، وأنهم فى مقام الحاجة الماسة، والضعف التام. والمؤمن بداهة ما يتعلق إلا بالله رجاؤه، ولا يتجه إلا إليه دعاؤه، لا تنكشف إلا إليه ذلته، ولا تسترسل إلا فى ساحته ضراعته. وهو أهل التقوى وأهل المغفرة. من الأدعية الرقيقة لجعفر بن محمد، يقول: "اللهم احرسنى بعينيك التى لا تنام، واكنفنى بركنك الذى لا يرام، واحفظنى بعزك الذى لا يضام، واكلأنى فى الليل وفى النهار، وارحمنى بقدرتك على. ".. أنت ثقتى ورجائى. ".. فكم من نعمة أنعمت بها على قل لك بها شكرى ".. وكم من بلية ابتليتنى بها قل لك بها صبرى. ".. وكم من خطيئة ارتكبتها فلم تفضحنى. ".. فيا من قل عند نعمته شكرى فلم يحرمنى. ".. ويا من قل عند بلائه صبرى فلم يخذلنى. ".. ويا من رآنى على الخطايا فلم يعاقبنى. ".. يا ذا المعروف الذى لا ينقضى أبدا. ".. ويا ذا الأيادى التى لا تحصى عددا. ".. ويا ذا الوجه الذى لا يبلى أبدا. ".. ويا ذا النون الذى لا يطفأ سرمدا. ".. أسألك أن تصلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وأن تكفينى شر كل ذى شر. ص _189
(1/174)

".. بك أدرأ فى نحره وأعوذ بك من شره وأستعينك عليه. ".. اللهم أعنى على دينى بدنياى وعلى آخرتى بالتقوى ".. واحفظنى فيما غبت عنه، ولا تكلنى إلى نفسى فيما حضرته. ".. يا من لا تضره الذنوب ولا تنقصه المغفرة، اغفر لى ما لا يضرك وهب لى ما لا ينقصك. ".. يا إلهى أسألك فرجا قريبا وصبرا جميلا، وأسألك العافية من كل بلية، وأسألك الشكر على العاقبة، وأسألك دوام العافية، وأسألك الغنى عن الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ".. اللهم بك أستدفع مكروه ما أنا فيه، وأعوذ بك من شره يا أرحم الراحمين". ومن أدعية زين العابدين: "اللهم إنى أخلصت بانقطاعى إليك، وأقبلت بكلى عليك، وصرفت وجهى عمن يحتاج إلى رفدك، وقلت مسألتى ممن لا يستغنى عن فضلك. ورأيت أن طلب المحتاج من المحتاج سفه فى رأيه وضلة فى عقله. فكم قد رأيت يا إلهى من أناس طلبوا العز بغيرك فذلوا، وراموا الثروة من سواك فافتقروا، وحاولوا ا لانقطاع فانقطعوا. فأنت يا مولاى دون كل مسئول موضع مسألتى، ودون كل مطلوب إليه وبه حاجتى. أنت المخصوص قبل. كل مدعو بدعوتى، لا يشركك أحد فى رجائى ولا يتفق أحد معك فى دعائى، ولا ينظمه وإياك ندائى". وقال أيضا من بعض دعاء طويل: "ويا من لا ينقطع عنه سؤال السائلين، ويا من حوائج المحتاجين عنده، ويا من لا يعييه دعاء الداعين، تمدحت بالغنى عن خلقك، وأنت أهل الغنى عنهم، ونسبتهم إلى الفقر وهم أهل الفقر إليك. ص _190
(1/175)

فمن حاول سد خلته من عندك، ورام صرف الفقر عن نفسه بك، فقد طلب حاجته فى مظانها، وأتى طلبته من وجهها. ومن توجه بحاجته إلى أحد من خلقك، أو جعله سببا لنجحها دونك، فقد تعرض للحرمان، واستحق من عندك فوت الإحسان. اللهم ولى إليك حاجة قد قصر عنها جهدى، وتقطعت دونها حيلتى، وسولت لى نفسى رفعها إلى من يرفع حوائجه إليك، ولا يستغنى فى طلباته عنك، وهى زلة من زلل الخاطئين، وعثرة من عثرات المذنبين. ثم انتهيت بتذكيرك لى من غفلتى، ونهضت بتوفيقك من زلتى، ورجعت بتسديدك من عثرتى. وقلت سبحان ربى! كيف يسأل محتاج محتاجا وأنى يرغب معدم إلى معدم. "ألاكل شىءماخلا الله باطل.. ". والذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا يتوهمون أن هناك مصادر كثيرة للخير- بعيدا عن الله- وأن هناك مراجع كثيرة للأمور- بعيدا عن الله- وأن هناك من يملكون ويبنون فى غيبة الله، وهذا كله جهل كبير، وضلال بعيد. الحق أن الإسلام يغرس فى دماء أتباعه كافة قول رسوله الكريم: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شىء قدير" . وعلى هذه العقيدة الجليلة بنى محمد أمته، وأقام دعوته، وأنشأ جيلا يثق بالواحد الحق، ويبرأ من الشركاء المزعومين. جيلا انطلق فى فجاج الأرض، لا يهاب إلا رب العالمين، ولا يرضى إلا ما ارتضى لعباده من شرع، ولا تخدعه التهاويل التى أحاطت بالباطل، ولا ترهبه القوى التى انتصبت للذود عنه.. إن التوحيد المطلق هو لباب الرسالات السماوية كلها، وهو عمود الإسلام وشعاره الذى لا ينفك عنه، وهو الحقيقة التى ينبغى أن نغار عليها ونصونها من كل شائبة. ذلك... وكلمة أخيرة!. ص _191
(1/176)

أننى ما ذكرت الله وما ينبغى له من إعظام وخشوع إلا انتقل ذهنى إلى محمد على أنه أعبد البشر، وأعرفهم بعظمة هذا الإله... نعم كلما ذكرت الله فى عليائه انتقل ذهنى إلى الرجل الذى يقودنا إليه، ويعلمنا كيف نتقيه ونحيا له ونتأهب للقياه. ولعل ذلك معنى الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ص _193
نبوة وكتاب وأمة وارثة النبوة هبة لا كسب، فضل يتنزل من الله لا شأو يسعى إليه البشر.. والأنبياء قبل أن يبعثوا لا يخطر بأنفسهم شىء عن مستقبلهم المغيب، ولا يتشوقون إلى وحى أويرتقبون مجىء ملك. وقت الاختيار الأعلى، ومكانه ليس إليهم فى قليل أو كثير، وقد جاء فى القرآن الكريم هذا الخطاب المبين: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ) ومن هنا كانت حياة الأنبياء قبل استقبال الوحى لا تتجاوز أشخاصهم، أعنى ليست مناط تشريع ولا مصدر أسوة... وكل ما يقال فى أشخاص الأنبياء أن معادنهم النفسية والفكرية لا بد أن تكون من طراز يكافئ الوظائف الجسام التى توكل إليهم، وأن حياتهم الأولى تمهيد صالح لما يوشك أن يظهر على أيديهم ويربط الأمم بهم.. والأربعون سنة الأولى من حياة محمد، عليه الصلاة والسلام، جاءت على هذا الغرار... إنسان يعيش فى مكة، يأكل الطعام ويمشى فى الأسواق، لا يعرف بثروة ظاهرة، أو قدرة خارقة. ولكن الذى يتفق عليه العدو والصديق، ويبلغ فى ثبوته عين اليقين، أن ثروته من الفضائل كانت رابية، وأن رجولته التقى فيها ما يعرف العرب، وفوق ما يعرفون، من مروءة ونبل، ومجادة وسيادة.. والأوج الذى عاش فيه محمد قبل بعثته هو الذى أخرس خصومه الناقمين يوم أعلن حربه الهائلة على الوثنية وآثارها .. الاجتماعية السياسية.. ص _194
(1/177)

لقد هاجموه بكل سلاح، وكان غيظ قلوبهم شديدا ومع ذلك فقد انقطعت الأمانى دون غمزه بشىء قط، تصريحا أوتلميحا. كان رواء الصدق يتألق فى جبينه أبدا، ما تخلف فى جاهلية ولا إسلام. ونستطيع أن نصف هذه السنين الأربعين بأنها تمثل حياة رجل نقى المعدن، شريف السيرة، يعرف بكل خير، ولا يعرف بشر أبدا. يكابد السعى وراء رزقه، فيرعى الغنم صغيرا ويضرب فى الأرض كبيرا. والاختلاط بالناس فى هذه الميادين قاس للنفس البشرية، وقد خرج محمد من هذه الظروف جميعا موفور العصمة والفطنة، عايش قومه فى نطاق الضرورة الماسة، واعتزلهم فى جبال مكة ينشد فى صمتها وعزلتها راحة القلب واللب، حتى تجلى عليه الحق فى غار حراء. ويومئذ عرف أن رب العالمين قد اصطفاه لأمر عظيم! لقد أضحى واحدا من أنبياء الله، بل إن الأمر على مر الأيام قد بدأ أعظم من ذلك، أن الوحى الذى استقبل كلماته الأولى كان طليعة رسالة تستغرق الدهور الباقية من عمر الحياة، وتستوعب القارات الغاصة بالعمران، وتتناول شئون الناس بالتوجيه والفتوى، فلا تترك عقدة مبهمة، ولا طريقا حائلا (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) وكما يتحول الجنين- بعد نفخ الروح فيه- خلقا آخر، تتحول حياة المرسلين- بعد استقبال الوحى- نسقا آخر، لحمته وسداه هذا الضياء الهادى الهابط من السماء. ومحمد، عليه الصلاة والسلام، عندما شرع يستدرج القرآن بين جنبيه كان قبل غيره من الناس أول من ينتفع، ويرتفع بما تضمنه من صدق وجلال، وخير ومرحمة. إن الرجل الذى خلت فطرته من شهوات الأرض وأكدار الدنيا، انتشرت فى أرجائه الباطنة شعاعات الوحى، فهى تبرق فى شمائله ومسالكه كما تتلألأ الآفاق فى صحوة صافية.. وقد أومأت السيدة عائشة إلى هذا المعنى عندما سئلت عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن ص _195
(1/178)

إننا نقف عند هذه العبارة طويلا لندرك غورها... فالقرآن قبل أن يكون معجزة الرسالة الخاتمة هو مجمع ما حفلت به من عقائد وعبادات وآداب ومعاملات، وما استعرضته من قصص وبراهين، ونظرات كونية ونفسية. ونبى القرآن كان فى حياته الخاصة المثال الأول، والأزكى، والأرقى، لكل ما أوصى به الله ووجه إليه العباد. أمر الله بفرائض، وحث على نوافل، وأحل حلالا، وحرم حراما، ووضع حدودا، وساق عبرا. إنك واجد ذلك كله "نظريا" فى كتاب الله، ولكنك واجد التنفيذ "العملى" له ظاهرا وباطنا فى سيرة محمد نبى القرآن. فمعرفة الله مثلا أمر عام للخلائق كافة، بيد أن العارف الأعظم لله، والذى تنضح هذه المعرفة على سريرته وعلانيته، وتطرد من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور إلى شبه الشعور إلى اللاشعور، المعرفة فى أوجها المطلق وقمتها الفارعة تبدو أول! ما تبدو فى خلق محمد. والصلاة مثلا فريضة عامة على المؤمنين، بيد أن المصلى الساجد القلب قبل الجوارح، القرير العين بين يدى ربه، كلما أذن مؤذن للصلاة، المستريح إليها من وعثاء الدنيا ومشاغل التراب، الصادح بها فى هدأة الليل، ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه... هو محمد نبى القرآن. إن أشخاص الأنبياء ليست جسورا لهدايات السماء وحسب، كلا، إنهم ترجمة عملية لمراد الله من خلقه. ويمتاز محمد، عليه الصلاة والسلام، بأنه قدم للبشر أكبر مجموعة من النماذج العملية للإنسانية الفاضلة، والعبودية المخلصة. والثلاثة وعشرون سنة التى استوعبت نزول القرآن الكريم استوعبت كذلك أطوار سيرة عامرة بالحب والبغض فى الله، بالسلم والحرب، بالشدة والرخاء، بالسفر والإقامة، بمعاناة كل ما يعرو النفس الإنسانية من أحوال وما يفرض عليها من قيود، وما تمحص به من تجارب. ص _196
(1/179)

ومن هنا كانت سيرة الرسول وسنته من قول أو فعل، أو حكم، أو تقرير، دينا يتبع، فما كان منها قرآنا فهو ظاهر، وإلا فهو نضح التخلق بالقرآن، والاصطباغ بهداه، والاستقامة مع غاياته. والأنبياء قبل أن يبعثوا لا يخطر بأنفسهم شىء عن مستقبلهم المغيب. وإنى لأشعر بكلال ذهنى وأنا أتصور هذا الرسول يحفظ أحرف الوحى فى السور الطوال التى تنزل عليه، ثم بعد هذا الاستظهار الرائق، تبدأ "عملية" تحويل القرآن إلى خلق شخصى، ومسلك نفسى، واجتماعى، وهى عملية تصاحب تلاوته على الناس، وأخذهم بحدوده ومعالمه وحلاله وحرامه. لقد صح أن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة!!!. أى وعى حاد مستوفز التقط هذه الصفحات الطوال، واستطال إشراقه حتى أحاط بها بدءا ونهاية، وامتد انتباهه حتى بقى التسجيل دون أن يفلت حرف أو تغيب كلمة؟؟؟. ثم نتجاوز ذلك المظهر لتلقى الوحى، إلى استنارة صاحبه به، وإقامة حياته خلجة خلجة، وخطوة خطوة على أساسه. فهو يتقلب فى جو من مصاحبة الله، كما ينطلق أحدنا فى طريق مشمس طويل مغمور بوضح النهار من كل ناحية. ولقد صور القرآن الكريم طبيعة الخلق النبوى الشامل، فى هذه الآية: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) أبلغت الإنسانية فى واحد من أبنائها مثل هذا المجد السامق؟ مجد الاستغراق فى الحق والانطباع بآياته، والانطلاق بها فى جنبات الأرض لتكون شريعة حاكمة، وبصيرة هادية؟. هذا وأبيك المجد، الذى عرفه التاريخ لمحمد، وقدمه به على المستقدمين والمستأخرين... ص _197
(1/180)

وانتقل محمد إلى الرفيق الأعلى، ولكنه بقى كتابا وسنة بين ظهرانى الناس، فقد طبع على غراره جمهورا من أصحابه كانت أخلاقهم القرآن يتلونه بألسنتهم ويحيون به فى شئونهم كلها. فمنه عقائدهم الدافعة، وضمائرهم الوازعة، ومثلهم الحادية، وشرائعهم الحانية، وتقاليدهم الضابطة، وموازينهم لكل ما يجد من أحداث. إنه معقد صلتهم بربهم وبأنفسهم وبالناس أجمعين. ورسالة الإسلام لا يحصرها زمان ولا مكان، ولا تحتبس فى أفق من أحوال البشر وتدع أفقا آخر، وهذا الشمول فى سور الكتاب، وسنة الرسول، وعمل الأصحاب. ووسيلته الفذة أمة من الناس خلقها القرآن، تفقهه نصوصا، وتستبطنه شمائل، وتقيمه شرائع وشعائر.. تتعلم من رسولها ما تعلمه هذا الرسول من ربه، ثم تقدمه للناس علما وعملا! تلك وظيفة الأمة الإسلامية (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) واتصال هذه الأمة بغيرها ليس اتصال اللسان البليغ أو القلم الساحر، كلا، إنه اتصال الأسوة الحسنة، والنموذج المعجب، وما يكون الوحى الإلهى إلا كذلك: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) ليت شعرى، أأصيب المسلمون اليوم بفقدان الذاكرة، فجهلوا أنفسهم ونسوا رسالتهم الإنسانية الرفيعة؟ أم تطاول عليهم العمر فتلبدت المشاعر وقمست القلوب؟. سواء أكان هذا أم ذاك، فالأمر يحتاج إلى تجديد أو توكيد حتى تعرف الأمة الكبيرة وظيفتها بوضوح... إن الله مذ عزل عن اليهود الوحى، وأبعد عنهم النبوة، وأصبحت قصة الشعب ص _198
(1/181)

المختار فى خبر كان، تولى قيادة العالم جنس جديد، أو دم جديد، قوامه أمة تقدس الحق، وتصون آياته، وترفع فى الأرض راياته. وفى هذه الأمة المختارة على أنقاض الماضى البعيد وذكرياته، يقول الله جل شأنه: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ) وظاهر من صدر الآية أن الأمة الإسلامية مصطفاة من بين الأم، وأنها مسئولة عن الميراث النفسى الذى آل إليها، وأن تبعاتها أمام الله جسيمة، بإزاء هذا الاختيار الأعلى، وأمام الكتاب الضخم الذى اختتم به الوحى، ووكل إليها درسه ونشره، وكلفت أن تحيا به، وتحيا له... نعم، أن أمتنا ورثت منصب الرسالة بعد موت الرسول، لأنها ورثت الكتاب الذى جاء به ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. وواجبها الأكبر، بل لب وجودها أن تقود باسم الله قافلة البشر قيادة يحفظ على العالم الهدى والتقى والعفاف والغنى، وتقى حضارته الزيغ والأثرة والعدوان والضر. ولا يجوز لشعب ما أن يزعم أنه مختار من السماء لمعنى مبهم، أو تفضيل مجرد، فهذا كذب على الله، وانما تفضل أمة غيرها بمدى ما تملك من قدرة على النفع، ورحمة للعالمين. وأسلافنا الأوائل أسدوا للحياة أيادى بيضاء جعلتهم طليعتها المرموقة قرونا عددا.. ثم وهنت الكواهل والضمائر عن حمل اللواء، فأصابنا ما أصابنا.. ولكى ننهض بوظيفتنا العتيدة يجب أن نستجمع خلالا عدة، وأن نسابق الزمن حتى نغطى فترة التخلف الماضية حتى نصل قبل أن يستمكن العميان من قيادة الدنيا إلى الهاوية. ومرة أخرى نلفت الأنظار إلى معنى الخلق بالقرآن، إن الأخلاق ، كما قيل، هى اللغة العالمية التى يستطيع أهل الأرض على اختلاف ألسنتهم أن يتعارفوا بها-. ولقد يلتقى رجلان لا يفهم أحدهما لغة الآخر، ولكن تنعقد بينهما مودة غالية، لأن المسلك الرفيع ربط بين قلبيهما. ص _199
(1/182)

وهل نشر أسلافنا الكبار من صحابة وتابعين دينهم أشتات الشعوب إلا بهذه اللغة الواضحة؟. كان الناس يرمقونهم عن بعد، أو يخالطونهم عن قرب، فيرون الأيدى المتوضئة تعف عن الشبهات بله الدنايا، ويرون من سناء قلوبهم ورقة طباعهم وعدالة حكمهم ونزاهة نياتهم ما يدفعهم إلى الدخول فى دين الله أفواجا.. ومن هنا، فإن المسلمين لن تنهض لهم حجة ما بقوا أمما متخلفة، متفرقة لا تعرف القرآن إلا أمانى جوفاء. ومن حق العالم أن ينأى بجانبه عنهم، ووزر انحرافه عن صراط الله عندئذ واقع أكثره على ورثة الكتاب الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات.. فى أحيان كثيرة يخامرنى إحساس بأننا نحن المسلمين مسئولون قدرا ما، عما يشاع فى العالم من كفر بالله، وإلحاد بآياته، لأننا نملك المصباح المضىء، ولكننا حجبنا نوره، ووضعنا على زجاجته قتاما، فما ينفذ منه شعاع... ثم ليسأل المسلمون أنفسهم: ما مأتى هذا التخلف الشائن، فى فقه الطبيعة، واستكناه قوانينها، واستخراج دفائنها؟. كيف، وهو الكتاب الذى يؤسس اليقين على ركائز التفكر والبحث، ويسخر لبنى آدم فجاج البر والبحر، والأرض والسماء، وما بينهما. إن من التخلق بالقرآن أن يكون رقى المسلمين العلمى مكافئا لحديث كتابهم عن الكون وآياته، والحياة وروائعها. إنهم بهذا التقدم العلمى يحيون على مستوى كتابهم، ويقدرون على خدمة رسالته بما يتيحه التفوق العلمى من إبداع صناعى، وتنظيم عمرانى. ولنعترف بأن هناك مسلمين يتدحرجون على السفوح لا يدرون من أسرار الكون الكبير شيئا، على حين استطاع أقوام لا يؤمنون بالله، أو يؤمنون به على غموض وشرك، استطاع هؤلاء وأولئك، أن يقتربوا من فطرة القرآن بيقظتهم العقلية العارمة، وأن يحرزوا من التقدم المادى المجرد، ما أثار فى الحياة الفتنة والحيرة. ص _200
(1/183)

فإن يك على هؤلاء حرج، فالمسلمون المفرطون شركاؤهم فيه، ومن يدرى؟ ربما كان كلفهم منهم أربى... لقد ورثنا النبوة والكتاب، ترى هل سنسعد بهما ونسعد العالم معنا أم ماذا!. إن العرب اليوم على أبواب تجمع جديد، ومستقبل ممتد.. وميراثنا مصون، وتبعتنا بينة.. وصراعنا مع الاستعمار يجب أن يعتمد على كل ما لدينا من أسباب النصر وضمانات السماء. ص _201
محمد رحمة للعالمين الكذب رذيلة خسيسة، تضطرب الثقة مع شيوعها، وتضيع المصالح العامة والخاصة، ولن ترى فى جو الكذب إلا الفوضى والعناء. والكذبة الصغيرة قد يصحبها ضرر محدود، ولكن الأعمار تذهب سدى نتيجة كذبة كبيرة... وعندما يدخل الكذب ميدان العقائد والعبادات، فإن الهلاك يدرك الألوف المؤلفة من الأرواح، ويحتاج أمما كثيفة على تراضى الزمان وامتداد المكان!. وكم من باطل آمن الناس به، فضلل سعيهم، وشرد خطوهم، وجر الويلات على حاضرهم ومستقبلهم، لأنهم بنوا كيانهم المادى والأدبى على أكذوبة لا أصل لها... تصور عابر سبيل سألك عن مكان كذا.. فوجهته إلى الشمال وكان يجب أن يسير إلى الجنوب، أو إلى الشرق وكان يجب أن يسير إلى الغرب!. إن هذا المسكين لن يصيب هدفه أبدا، ولن يجنى من جريه إلا الضنى واللغوب!. وكم من أمم أخطأت وجهتها فى هذه الحياة، وانطلقت تضرب فى فجاج الأرض على غير هدى، وتوارث الصغار عن الكبار هذا الزيغ، فهم لا يحصدون من كدحهم إلا الشقاء. وهل يجىء الباطل بخير؟ إن الكذب قرين الشر، وإن الحق وحده هو راحة القلوب وسعادة الجماعات. ولقد كانت بعثة محمد رحمة عامة، لأنها أهدت إلى البشر جملة الحقائق التى يفتقرون إلى معرفتها واستصحابها، فوفرت عليهم عناء التيه فى دروب من الباطل لا حصر لها... ألم تجعل الحق فى متناول اليد؟ والنفع المنشود ميسورا فى العاجلة مضمونا فى الآجلة؟.. ص _202
(1/184)

والحقائق التى تضمنتها الرسالة الإسلامية تمتاز بالشمول والوعى. فهى لم تدع ثغرة لباطل يفسد على الناس عقائدهم وأعمالهم، سواء فى المجال النفسى أو الاجتماعى أو السياسى... ثم إن محمدا، صلى الله عليه وسلم ، جاء فى أعقاب نبوات أعطب الشيطان ثمارها. وكانت بعثته كلمة السماء الأخيرة، فلا جرم أنها تمتلىء بالضمانات التى تمنع العوج وتقى الانحراف، وتستفيد من تجارب الماضى لتصون مستقبل الإنسانية الطويل. ولقد جاء فى الكتاب الكريم: (تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم * وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) . نعم، هناك ديانات مفتعلة، ومعتقدات نسبت إلى الله ما لا يليق، وقولته ما لم يقل. وبلغ من رسوخ هذه وتلك أنها قاومت الحق لما جاءها أشد مقاومة، فماذا كسب العالم من هذه المذاهب الجائرة، وماذا كسب أصحابها؟ لا شىء إلا الشقاء. لذلك قال تعالى: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين * والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون * لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ) إن بعثة محمد كانت ميلادا للحق فى أبهى صوره وأزهى أشعته، وكان شروق هذا الحق إيذانا بزوال الحيرة السائدة، والشقاء المخيم. كانت هذه البعثة رحمة عامة. ونظرة سريعة على ما قدمه الإسلام للعالم ترينا أبعاد هذه الرحمة، والمدى الواسع الذى تعمل فيه... كان الناس- ولا يزالون- بين كافر ينكر الألوهية بتة، أو مؤمن معتل الفكر فى تصوره للألوهية وفى علاقته بالله الكبير!. وما أغرب الطرفين المتناقضين. ص _203
(1/185)

هذا مادى لا يعترف بإثارة من روحانية فى الأرض ولا فى السماء، وهذا يوغل فيما وراء المادة حتى ليضفى القداسة على الأوهام، فيرى الألوهية حالة فى نوع من الدواب أو فى لقم من الخبز!. وقد جاء الإسلام يعلن عن إله واحد، خلق كل شىء، وتنزه عن مشابهة شىء: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير * له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم ). والتوحيد المطلق هو الحق الذى غالى به الإسلام وبسط آياته فى كل أفق. والعلاقة الوحيدة الصحيحة بين الناس ورب الناس هى إسلام الوجه له، وإحسان الاستمداد منه والاعتماد عليه واعتبار الدنيا مهادا للآخرة وجهادا لكسبها. ولكن جمعا غفيرا من الخلائق عاش على الأرض مقطوع الصلة بالله، لا يعرفه ألبتة، أو يعرفه معرفة مشوهة رديئة. وهذا الكفران حرم ذويه من رؤية الحق، والانتفاع بهداه والظفر ببركته، فكيف يقضون على الأرض أعمارهم ثم كيف يلقون بعد ذلك ربهم؟. أما الآخرة فقد خسروها، وأما الدنيا فإن ما ينالون منها قل أو كثر لا غناء فيه: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ) ( ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ) لقد كانت بعثة محمد، عليه الصلاة والسلام، إنقاذا من هذا الإلحاد؟ عواقبه الشائنة، لأنها عرفت الناس بالله على أصدق وجه وبأقوى دليل.. ولم أعرف- فيما قرأت- بشرا مثل محمد، وجه الفكر الإنسانى إلى العلم بالله وملأ القلب الإنسانى بالخشوع لله، ثم عن طريق العلم والأدب شرح قضية الوجود، ووظيفة المرء فى الحياة، شرحا عامرا بالصدق والجمال. ص _204
(1/186)

تلك أولى آيات الرحمة العامة التى بعث بها صاحب الرسالة العظمى.. يلى ذلك العمل والسلوك، فإن محمدا الإنسان الكبير جاء إلى الأجناس كافة بدين: "يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم". وهذا منهج وسط جميل، ففى الناس إباحيون يصطادون الشهوات حيثما لاحت لهم، ولا يحسون طعم الحياة إلا من خلال الرغبات المجابة والغرائز المرسلة. وفى الناس رهبان كظموا على طبائعهم، وحملوها ما لا يطاق فحملت وهى كسيرة مقهورة. وإنى أشعر بالروعة والفزع والأسى عندما أرى صور الرهبان البوذيين المنتحرين وهم قابعون فى أماكنهم والنار تشتعل فى أبدانهم ومع لسعها ولهبها لا يتحركون حتى يتحولوا حمما وهباء!. هذه العزيمة الحديدية العجيبة ما قيمتها؟. لا شىء فـ "بوذا" رجل لم يكن يعرف الله، وفى دعوته مزيج من التعاليم التى ترفض وتقبل. ولما مات جعله أتباعه إلها، وفدوا مذهبه بأرواحهم!. !انه لشىء محزن أن يذهب جيل من الناس فداء وهم لا أصل له ولا حقيقة.. لقد جنبنا محمد هذه الكارثة!.. عرفنا كيف نحيا بعد أن عرفنا لمن نحيا!. إن الله لم يفرض علينا عنتا، ولم يجشمنا شططا: "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم". "وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير". وقد نكلف بالجهاد الشاق، لكنه جهاد واضح الغاية معقول الدوافع، يستميت المرء فيه لتكون كلمة الله هى العليا، ولتكون حقوق الناس وأموالهم وأعراضهم ودماؤهم مصونة مقدسة. ص _205
(1/187)

فإذا استشهد أحد فى هذه السبيل، فإنه لم يمت فداء وهم، بل مات فداء الحقيقة العليا، وكسب باستشهاده ما فى الأرض والسماء.. والمبادئ التى أقرها الإسلام لضبط المجتمعات أساسها الرحمة العامة وتوكيد المصلحة الحقيقية للأمة. وشرائع الحدود والقصاص التى كتبها على العباد، بعض مظاهر هذه الرحمة. لقد سمعنا من يرق لشنق القاتل ويتألم لمصرعه، ورأينا دولا كبيرة تلغى عقوبة الإعدام، فماذا جنت من هذه الرأفة الكاذبة بمجرم يستحق الموت؟. زادت جرائم العدوان على الأرواح فقتل أفراد أبرياء وقتل معهم نفر من رجال الشرطة وهم يحاولون اللحاق بالمجرمين للقبض عليهم.. وهذه عقبى الرحمة القاصرة والرأفة العمياء.. إن الله لما شرع قتل القاتل كان يحمى الجماعة من شر، وكان بقتله يصون حق الحياة لآخرين. وهذا معنى قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة)، وقول العرب قديما، القتل أنفى للقتل. فالقصاص وإن قسا على المجرم فهو يرق للمجتمع كله ويحنو على آحاده.. ومثل حماية الأعراض، فلا قسوة هنالك فى جلد أو رجم، لأن الغرض الأهم تقديس الشرف، وحماية الأسر، وإشاعة الطهر والعفة بين جماهير الرجال والنساء. لذلك قال الله تعالى وهو يوصى بإقامة تلك الحدود: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) لماذا؟ لتخرس بواعث الجريمة وتسرى الرهبة فى نفوس أهل الريبة، فلا يحاولوا تعدى حدود الله، وتلويث كرامات الناس!. وتتجلى الرحمة التى اقترنت بها رسالة محمد فى أسلوب التعامل الذى وضعه الله للناس بعضهم مع بعض، فإن التفاوت بين الناس بعيد الشقة، مع أنهم من أبوين اثنين ص _206
(1/188)

فإن اختلافهم فى المواهب الفطرية والأوضاع الاجتماعية مثار امتحان بالغ القسوة، ولذلك قال جل شأنه: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا ) هناك الغنى والفقير، والعالم والجاهل، والقوى والضعيف، والمرموق والغامض، والأسود والأبيض.... إلخ. فعلام تدور العلائق بين أولئك جميعا. لقد قرر الإسلام ابتداء أنه ما من إنسان إلا وهو مختبر بما أوتى من مواهب وأحيط به من ملابسات. وإن إرادته للتسامى أو إيثاره للهبوط هما اللذان يقرران عند الله مصيره.. (كل امرئ بما كسب رهين ) فالتصرف فى المال، لا المال نفسه، هو الذى يحدد مستقبل الإنسان، والتصرف فى العلم، لا العلم نفسه، هو الذى يحدد مكانته. ومعنى ذلك أن الغنى لا بد أن يعين الفقير وإلا سقط، وأن العالم لا بد أن ينير الجاهل وإلا هوى. فمن حبس فضل ذكائه وثرائه عن الناس زل عن درجة التقوى، ولم ينفعه ما كسب فى الدنيا من مال وجاه. وعلى الطرف الثانى أن يسعى للخير ويستكمل الرشد دون حقد أو غضاضة: "وليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه " . الناس- فى منطق الإسلام- فروع شجرة واحدة، وأساس الصلة بينهم التعارف والتعاون، والله، جل شأنه- برحمته- مع الوالد حتى يوفر له البر، ومع الولد حتى يضمن له الحياة والتربية، ومع الحائر حتى يسوق له الهداية . والدنيا دار اختبار، وللاختبار مطالبه ومظاهره وظروفه. ولكن الإسلام فى حومة هذا الامتحان يذكر الناس بضرورة التراحم بينهم، وكبح ما تخلفه الأثرة من قسوة فى القلب وبلادة فى الحس.. ص _207
(1/189)

ألا ترى كيف أعلن الله مغفرته لبغى سقت كلبا كان يلهث من شدة العطش؟.. فإذا كانت الرحمة بداية هينة قد نالت من الله هذا الرضا، فما بالك بمن يرق للبشر ويخفف آلامهم ويفرج كرباتهم. *** وقد أقر الإسلام الحرب، وما كان له أن يفعل غير هذا لمصحة البشر. إن الحرب جريمة مرذولة منكورة يوم تكون عدوانا على ضعيف، واحتجاجا لحقه، ويوم تكون غمطا للحق وإطفاء لنوره. أما يوم تكون كسرا للكبرياء وقمعا للظالمين وحسما لشرورهم، فهى نجدة وإسعاف، وتأديب للطغاة، والقتال هنا لا يزيد مفهومه عن التنكيل بقطاع الطرق، فهو من معانى الرحمة والأمن التى يفتقر إليها العالم.. ولذلك قال رسول الله: "أنا نبى المرحمة، ونبى الملحمة" . وجاء فى القرآن الكريم إنذار الظلمة والجهال علي أنه بعض حقائق الرحمة العليا: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّنْ رَبِّكَ ) . وقد يحاول الناس التطاول بما لا معنى للتطاول به، لكن الإسلام رفض أن يستطيل أبيض على أسود، أو يستعلى قوى على ضعيف أو كبير على صغير. وبنى حضارته على أن السبق فى الدنيا والآخرة لإرادة الخير وحدها.. إن بعثة محمد فجرت ينابيع الرحمة بين الناس بالأصول التى قامت عليها، والتعاليم التى غرستها، فماذا قدمت للناس حضارة الغرب فى أزهى العصور، وأرقاها معرفة؟. إن هناك مذاهب حيوانية تختفى وراء الرقى العقلى الذى يسود أوربا وأمريكا اليوم. ولن يلقى العالم من هذا الرقى ما يؤمن مخاوفه ويسكن هواجسه، يقول الأستاذ "محمد عرفة" فى هذا الشأن: ص _208
(1/190)

لقد رأينا أن علة البشر آراء سبعية اعتنقوها، وأفكارا وحشية آمنوا بها، فعدا بعضهم على بعض وافترس قويهم ضعيفهم حتى أوشكوا أن يبيدوا نوعهم ويهلكوا جنسهم. ونريد أن نذكر بعض هذه الآراء، وننسبها إلى فاعليها بعد ما فعلت فى المجتمع البشرى فعل النار فى الهشيم، والسم فى الجسم السليم، من ذلك ما قاله مونتسكيو فى " روح القوانين ": "إذا كان على أن أدافع عن حقنا المكتسب فى اتخاذ الزنوج ذوى البشرة السوداء عبيدا، فإننى أقول إن شعوب أوربا وقد أفنت سكان أمريكا الأصليين لم يكن أمامها إلا أن تستعبد شعوب أفريقيا لكى تستخدمهم فى استصلاح أرجاء أمريكا الشاسعة، وما شعوب أفريقيا إلا جماعات سوداء البشرة من أخمص القدم إلى قمة الرأس ذوو أنوف فطس إلى درجة يكاد يكون من المستحيل أن ترثى لها، وحاشا لله ذى الحكمة البالغة، أن يكون قد أودع روحا- أو على الأخص روحا طيبة- فى جسد حالك السواد". أليس معنى ذلك: استعمروا ما شئتم من الأرض واستعبدوا من أردتم من أهلهما، فإن نفقوا كما تنفق الدواب فى خدمتكم، ففى شعوب قارة أفريقيا بديل، فاستعبدوهم، وانقلوهم إلى أمريكا عبيدا مسخرين لفلاحة أرضكم، واستصلاح أرض أمريكا الشاسعة، وفى إبادة العبيد الأولين عذر لكم فى استعباد الآخرين؟. أليس هذا العذر هو العذر الذى هو أقبح من الذنب؟ أليس هذا مثل غسل الدم بالدم، وتكفير الذنب بالذنب؟!. وقال نيتشه: "الضعفاء العجزة يجب أن يفنوا، هذا أول! مبدأ من مبادئ حبنا للإنسانية، ويجب أيضا أن يساعدوا على هذا الفناء!!!. "أى الرذائل أشد ضررا من الشفقة على الضعفاء العاجزين، لا رضا بل قوة أكثر وأكثر، ولا سلام مطلقا، بل حرب، لا فضيلة بل مهارة. "ما الخير؟ كل ما يعلو فى الإنسان بشعور القوة وإرادة القوة والقوة نفسها. "ما الشر؟ كل ما يصدرعن الضعف. ص _209
(1/191)

"ما السعادة؟ الشعور بأن القوة تنمو وتزيد، وبأن مقاومة ما قد قضى عليها". هذه بعض آراء "نيتشه " من فلاسفة العصور الحديثة. وأيا ما كان، فهذه الآراء لا يمكن معها نزع السلاح، ولا التعايش السلمى، ولا إنصاف الشعوب، ولا إقرار العدالة، واحترام مثل من المثل العليا. وأى أمل يرجى مع من يرى أن لا سلم مطلقا بل حرب، ولا فضيلة بل مهارة؟ وكيف تنتظر الرحمة ممن يرى أنها رذيلة بل أنها أشد الرذائل ضررا؟!. ذلكم طابع الحياة الحديثة. وربما وارت سوأته خطب الساسة، وتصريحات الزعماء، والكلمات الناعمة المتبادلة حول! الموائد المستديرة... إن مصالح الجماهير، ومثلها الرفيعة، وقضاياها الكبيرة يقف أمامها ألف عائق. أما العمل الذى يمضى فى طريقه دون عائق فهو نسيان الله، والاستهانة بأمره، والتهام الملونين والمستضعفين... شتان بين هذه الحضارة، وبين حضارة يقال لمؤسسها النبيل. (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ص _211
(1/192)

حول أحفال المولد الشريف الاحتفال بميلاد محمد، صلى الله عليه وسلم ، ليس كالاحتفال بميلاد أى إنسان آخر. ذلك أن عشرات العظماء الذين نحيى ذكراهم ونمجد سيرتهم هم أناس لمعت فى التاريخ أسماؤهم، وتركوا بيننا ما يشهد بعبقريتهم ويدل على مواهبهم، فنحن نشيد بما يستحق الإشادة من أخلاقهم وأعمالهم. أما محمد صاحب الرسالة العامة، والإنسان الذى اختاره الله رحمة للعالمين فله شأن آخر ينفرد به. إنه القائد الروحى والفكرى لمواكب الأحياء ما بقى الليل والنهار. وسيرته قدوة ترمقها بصائر المؤمنين فى كل وقت وتستمد منها طهارة القلب من الإثم وطهارة العقل من الخرافة. واسم محمد لا يذكر مرة فى كل سنة عندما يحتفل بميلاده، كلا، فهو يذكر فى كل أذان وفى كل صلاة. يذكر فى كل أذان عندما يهيب دعاة الله بالناس أن يكبروا الله، ويؤدوا حقه وينصروه على مشاغل العيش وشهوات الحياة. ويذكر فى كل صلاة عندما يقف البشر بين يدى خالقهم خاشعين مخلصين يشهدون له بالوحدانية، ولنبيه محمد بالرسالة. إن محمدا قدوة دائمة لأتباعه، وأسوة حسنة لمن يحبون الله ويرجون رحمته. "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا" . ص _212
(1/193)

من أجل ذلك نحن نرى أن الاحتفال بمولد محمد ليس إلا فرصة لتوكيد الولاء له والاحترام لتراثه والاستمساك بتعاليمه والرغبة العميقة فى نفع العالم بها. ومحمد عربى المولد واللسان، ولكنه عالمى الرسالة والكفاح والغاية. وكما أن الشمس ليست ملكا لجنس معين، لأن الحياة جمعاء تنتفع بضوئها ودفئها. فكذلك محمد وتراثه الكريم، إنه ملك الإنسانية جمعاء. ونحن ندعو المنكرين لرسالته كما ندعو المؤمنين بها أن يتأملوا فى شخصية محمد وأن يدرسوا أطوار حياته، وأن يتدبروا قرآنه وسنته، وأن يتابعوا الطريقة التى بنى بها الأمة الإسلامية، وأن يروا كيف طور الإسلام جماعة عاشت دهرا فى أعماق الصحراء، فإذا هى خلال نصف قرن أرقى أمم الدنيا. وإذا حضارتها تقدم للعالم كله أشرف ما يعتز به من مبادئ ومثل وفلسمفات. ولعلنا فى هذا القرن الرابع عشر للهجرة المحمدية، والعشرين للميلاد المسيحى، أقدر من أجيال مضت على الحكم لمحمد والتنويه بعظمته، والشهادة بثبوته، فقد ارتقى العلم كتيرأ، واكتشفت حقائق علمية وإنسانية رائعة. وما من أحد يتلو القرآن اليوم، إلا خيل إليه أن الوحى نزل به الآن، إن صاحبه يبلغه للناس الساعة، فآياته متجاوبة مع حقائق الكون ومقررات العلم، وأدلته مستقيمة مع منطق العقل، ومطالبه متلاقية مع مطالب الفطرة. إن مرور الزمن لم يشعر أحدا أبدا أن هذا القرآن تخلف عن عصره، أو أن محمدا قصة فات وقتها، كلا، كلا!. إن عالمنا اليوم شديد الاحترام للإنسانية المجردة (أو هكذا ينادى عقلاؤه) شديد المقت للتعصب والظلم. ومحمد، صلى الله عليه وسلم ، صاحب التعاليم الحاسمة الناصعة فى هذا المجال. فهو القائل: "إن الله أوحى إلى: أن تواضعوا حتي لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد". ص _213
(1/194)

وخطب فقال: " يأيها الناس، إن ربكم واحد وإن أباكم واحد. ألا لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى" . "إن أكرمكم عند الله أتقاكم ". ألا هل بلغت؟. قالوا: يا رسول الله بلى! قال: "فليبلغ الشاهد الغائب". واختلاف الأديان ظاهرة قديمة بين الناس، ولا يسوغ أن يكون هذا الاختلاف مثار تظالم واعتداء. وقد أمر الله أن يقول لمخالفيه كلهم: "آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير" . وعندما حاول المتعصبون اعتراض طريقه وتعويق دعوته توجه إليهم الوحى السماوى بهذا العتاب الرقيق الحصيف: "قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون". كان ظهور محمد بالرسالة مفاجأة له وللناس على السواء، فهو لم يتطلع لهذا المنصب ولا استشرف له. والعرب الذين نشأ بينهم كانوا وثنيين يعكفون على طلب القوت وابتغاء اللذة ولا يعنيهم أمر السماء قليلا أو كثيراً . وفى هذا المعنى يقول الله لنبيه: "وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين" . أى أن الله هو الذى تفضل عليك واختارك لتهدى الناس فقدر هذه النعمة، وقاوم الضلال السائد حتى تكشف غمته ويذهب ظلامه . ص _214
(1/195)

وكرر هذا المعنى فى قوله: "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا". أى أنك كنت خالى البال من أمر الوحى، ودراسات الأديان حتى شاء الله أن ينير قلبك لتنير سائر القلوب ويشرح بالحق صدرك لتشرح به صدور المؤمنين من كل جنس. وهذه الكلمات القرآنية تشير إلى أن محمدا قد تجرد من كل معانى الغرور والكبرياء. وأنه لا يدل على غيره بعبقرية خاصة أو يطلب من أتباعه تقديسه، لا!. إنه عبد الله فقط، رسالته تقوم على إفراد الله بالعظمة والجلال!، والتقرب إليه، جل شأنه، بصدق الإيمان وصالح العمل. وأرفع الناس مكانة أزكاهم خلقا، وأعرفهم بحقوق الله، وأسرعهم إلى مرضاته ونفع عباده.. وتوكيدا لهذ الحقيقة يقول عليه الصلاة والسلام: "إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد". ويقول: "إن الله يكره أن يتميز الرجل على إخوانه " أى يترفع ويؤثر عليهم نفسه. ويقول: "ابغونى فى ضعفائكم، هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟ ". أى من أراد لقائى فليبحث عنى لا بين الأولياء والأغنياء والملوك والحكام، ولكن من سواد الناس وفى صميم الطبقات الكادحة، فإن هذه الطبقات قوام الحياة ومصدر العمل وإنتاج والنصر... وسأله رجل: يا رسول الله، أى الناس أحب إلى الله؟ فقال: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل، سرور تدخله على مسلم تكشف عنه كربة أو تقضى عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشى مع أخ فى حاجة أحب إلى من أن أعتكف فى هذا المسجد شهرا، ومن كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ص _215
(1/196)

ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا، ومن مشى مع أخيه فى حاجة يقضيها، ثبت الله قدميه يوم تزلى الأقدام ". وكان ابتداء الوحى لرسول الله عندما بلغ الأربعين من عمره، وظل يتنزل عليه ثلاثة وعشرين سنة. وعندما ضاق المشركون بدعوته واستغربوا القول بوحدانية الله، وأن الآخرة حق، طلبوا منه أن يقول كلاما آخر يكون أقرب إلى عقولهم وواقعهم. فرد عليهم بأنه لا يفتعل من عنده شيئا حتى يستطيع التغيير والتبديل.. (إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ) أى أنى أنطق بتوجيه الله لا بقوتى، وأؤدى ما يكلفنى به لا ما أؤلفه من عندى... وأنتم تعلمون أنى مكثت أربعين سنة لا أقول لكم شيئا. وخلال هذه السنوات الأربعين ما عرفت إلا بالصدق والأمانة، فكيف بعد هذا العمر أدعى الكذب على الناس وأفترى على الله؟. عاش محمد فى مكة ثلاثة عشر عاما، ثم هاجر منها تحت ضغط الاضطهاد والأذى ليقضى عشر سنين فى المدينة. ويمتاز العصر المكى بأنه كان مرحلة بناء النفوس على الإيمان بالله واليوم الآخر، وتدريب المؤمنين على تكريس الحياة لخدمة الحق وإعلاء كلمته.. وفى هذه المرحلة الشاقة تكون جيل من ذوى اليقين الخالص والخلق الصلب والتضحية البالغة. فلما تحول هذا الجيل المكافح إلى المدينة، أخذت ملامح المجتمع المؤمن تتكون وتبرز، فإلى جانب بناء النفس على العقائد والأخلاق والعبادات أخذ بناء المجتمع يتماسك بالتقاليد الفاضلة والقوانين المحكمة والمعاملات التى يزينها الشرف، والنبل، ويضبطها العدل والفضل. ص _216
(1/197)

ولا مكان هنا لإحصاء شرائع الإسلام وآدابه فى كل مجال . ويكفى فى ذلك قول رسول الله: "ما تركت من خير يقربكم إلى الله إلا أمرتكم به، أو شر يبعدكم عنه إلا نهيتكم عنه " . وجعل هذا كله مؤسسا على الضمير الواعى الحساس، فقال: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك فى صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس " . وقال: "قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان، وجعل قلبه سليما، ولسانه صادقا، ونفسه مطمئنة، وخليقته مستقيمة". وقال: "كرم المؤمن دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه ". والدعامة الأولى فى عظمة المصطفى رحمته الواسعة وقلبه الكبير، فقد كان يبذل جهودا مضنية لهداية الحائرين والأخذ بأيديهم إلى طريق النجاة. فإذا أبوا إلا البقاء على جاهليتهم والاستمرار فى ضلالهم ملكه الحزن الشديد، وشعر بما يشعر به الوالد عندما يرى ولده قد أضاع مستقبله باللعب والغفلة. وكم من أب شعر بالشقاء لأن ابنه لم يستمع إلى نصحه، فرسب فى الامتحان أو فشل فى مجال العمل. ومحمد البار بالناس الحريص على حاضرهم ومستقبلهم كان الأسف يمرضه عندما يرى بعضهم آثر الإلحاد على الإيمان، واختار الغى على الرشاد... وقد نصحه الله بالتخفيف من هذا الشعور الغامر الممتد، فليس كل أحد يستحقه: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ) يعنى أنه لا ينبغى أن يقتلك الحزن لمصير المعاندين، فلو شاء الله كسر شوكتهم، فعرفوا الحق فى أحرج ما يمر بهم من شدائد.. أما الذين وهب الله لهم سعة الفكر وصفاء الضمير فآمنوا عن إخلاص، وقدروا نفاسة المبادئ التى احتواها الإسلام، فإن هؤلاء يعدهم الرسول الكريم جزاء من نفسه . ص _217
(1/198)

وفى الحديث الشريف: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به فى الدنيا والآخرة. فأيما مؤمن ترك مالا فلترثه من كانوا، ومن ترك دينا أو ضياعا (عيالا فقراء) فليأتنى فأنا مولاه؟ ". وظاهر هذا الحديث أن الرسول يجعل نفسه ولى أمر كل محروم، وأن قرابة الإيمان عنده ترجح كل علاقة أخرى. وبهذه الصلة الروحية السماوية كان قوام المجتمع الإسلامى الحب والتعاطف، فهم روح واحدة فى أجسام متعددة، أو هم إحساس مشترك فى جسد واحد، إذا تألم البعض شعر به الكل فهبوا لدفع الأذى عنه وإدخال السرور عليه، والمنبع الأول لهذا الإحساس النبيل هو قلب صاحب الرسالة، لأنه قلب أكبر من أن يحقد لباعث شخصى، إنه يحب لله ويكره لله. أمام نداء العدالة تذوب كل قرابة، ويرتفع صوت القانون، ويقول محمد لابنته: "يا فاطمة بنت محمد، اعملى لا أغنى عنك من الله شيئا" . ويقول: "والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها!! " . وأمام نداء العفو والسماحة يقول لكفار قريش، وقد وقعوا جميعا أسرى بين يديه بعد فتح مكة: ما تظنون أنى فاعل بكم؟ قالوا أخ كريم وابن أخ! قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" . فلا غرابة إذا انطوت القلوب على حب محمد، حبا لم يعرف مثله لبشرآخر الدهر. والحق أن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ركن فى الإيمان وآية على صدقه. وكلما ازداد هذا الحب عمقا، وازداد شعاعه تألقا، اقترب المسلم من مرضاة الله واستكثر من طاعته. ص _218
(1/199)

إن العالم من أزله إلى أبده لم يعرف بشرا مصفى المعدن، زكى السيرة، بهى الخلائق، صلب الجهاد، صبارا على الشدائد، فانيا فى ربه، شديد التعلق به، دائم الذكر له مثل ما عرف هذه الشمائل فى النبى العربى محمد.. ولم يعرف العالم إنسانا شق طريق الكمال شقا، مهده للناس تمهيدا، ودعاهم إليه أحر دعوة، وشرح معالمه لهم أرق شرح، وتحمل فى ذات الله ما لم يتحمل أحد، مثل ما عرف هذه الشمائل فى النبى العربى محمد... إنه لا يعرف طرفا من عظمة هذا الرسول الضخم إلا رجل درس فلاسفة الأخلاق والاجتماع، وساسة الشعوب، والجيوش، ومؤسسى الحضارات والدول... فإذا فرغ من هذا الدرس المستوعب لعظماء الأرض، وانتهى من استعراضه للمبرزين من قادة البشر وقف بما لديه من خبرة أمام أمجاد الإنسان الكامل "محمد" ليرى أن عباقرة الأرض تلاشوا فى سناه، وأن آثارهم تضاءلت أمام هداه، وأن امتيازهم على أقرانهم تحول صفرا أمام شمس النبوة الطالعة وهالتها الرائعة. والثناء على محمد ينبجس من ينبوع الثناء على ربه، فهو تقرير حقيقة، وشكر جميل. فليس مدحه من قبيل افتعال الشعراء لفنون القول فى أشخاص من يمدحون، وليس شكره ألفاظا تمر بالشفاه مجازاة لنعمة محدودة... كلا!... فحقيقة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فوق ما يصف الواصفون، والأيادى التى أسداها، تجعل كل مؤمن مدينا له بنور الإيمان الذى أضاء نفسه وزكاها. (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ) ص _219
(1/200)

أشرف وظائف المرأة التلطف مع الإناث، والرفق بهن، آية اكتمال الرجولة ونماء فضائلها. وهو أدب يبذل للنساء عامة، سواء كن قريبات أم غريبات، كبيرات أم صغيرات. ومع استقامة الفطرة الإنسانية قلما يتخلف هذا المسلك العالى. وليس مرده فيما نرى الرقة لضعف المرأة وإسداء الجميل لها، بل مرده إحساس الرجال بأنهم أهل الثقة وموضع الفضل، وأنهم عند حسن الظن إذا طلب الضعيف الحمى أو طلب القلق الأمان!.. والغربيون يترجمون هذا الإحساس بتقديم المرأة على الرجل فى الخطاب، وتقديمها عليه فى الدخول والخروج والجلوس وغير ذلك... وهو ضرب من المعاملة ظاهره الإيثار، وإن كان باطنه مثقلا بالأوزار. ونريد أن نتأمل فى أساليبنا- نحن العرب والمسلمين- مع المرأة، وأن نقابل بين ما انتهى إليه الإسلام فى هذا الشأن، وبين ما وصل إليه مفكرو الغرب، ونقدة الحضارة الحديثة. ومن الخير أن ننفى أولا زعما شاع بين الناس أن العرب فى جاهليتهم كانوا يهينون الأنثى، ويغمضون مكانتها، نعم، هناك سفهاء صنعوا ذلك وعرفوا به، بيد أن الأم لا تؤاخذ جملة بما يقترفه رعاعها. كيف والشعراء العرب ما كانوا يفتتحون قصيدتهم إلا بالغزل؟ مستعرضين شمائلهم أمام من أحببن، أو متغنين بمآثر نسائهم خلقا وخلقا. واسمع لعمرو بن معدى كرب يقول: ص _220
(1/201)

لما رأيت نساءنا يفحصن بالمعزاء شدا وبدت لميس كأنها بدر السماء إذا تبدى وبدت محاسنها التى تخفى وكأن الأمر جدا نازلت كبشهم ولم أرمن نزال الكبش بدا وعمرو الذى يرغب أن يبدو فى أشرف أحواله أمام حبيبته بدأ قصيدته تلك بقوله: ليس الجمال بمئزر فاعلم وإن رديت بردا إن الجمال معادن ومناقب أورثن مجدا ويقول عمرو بن كلثوم، يصف نساء قومه وموقفهن عند احتدام المعارك: على آثارنا بيض حسان نحاذر أن تقسم أوتهونا ظعائن من بنى جشم بن بكر خلطن بميسم حسبا ودينا يفتن جيادنا ويقلن: لستم بعولتنا إذا لم تمنعونا وهى أبيات ناطقة بإشفاق العربى على حرمه، واستماتته فى صون عرضه، وناطقة كذلك بأنفة المرأة العربية، وحرصها على أن يكون رجلها ملتقى الخلال العظام، وإلا... فليس لها ببعل، وما يستحق ذلك!.. وعندما ينزل بالبيت ضيف، يدور بين الرجل وامرأته حوار ناضج بالنبل، فهو يناديها أكرم نداء، ويضفى عليها أحب النعوت: ضمى إليك رحال القوم والقربا يا ربة البيت قومى غير صاغرة أو يقول: ألم تعلمى- يا عمرك الله- أننى كريم على حين الكرام قليل فماذا جادلته فى توسعته على الضيف، ورغبته فى القرى، قال: ذرينى فإن الشح يا أم هيثم لصالح أخلاق الرجال سروق وكل كريم يتقى الذم بالقرى وللحق بين الصالحين طريق لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق ص _221
(1/202)

ولا نحب أن نستطرد فى إيراد الشواهد الصادقة، فذاك باب واسع وليس يزرى بالأمة العربية إن كان بها من وأد البنات. ففى عصرنا هذا، وفى أزهى عواصم الغرب، يظهر بين الحين والحين سفاحون مولعون بقتل النساء خاصة، بعد ختلهن بالألفاظ المعسولة، وبعد قضاء ما يبغونه من وطر. وهذه المآسى الفردية لا تتحمل سعة الدلالة، ولا يعدو عارها مرتكبيها. واحترام العرب لنسائهم جاء ثمرة نضج الذكورة، وعرفان الأنثى لوظيفتها الصحيحة، فالمرأة إما زوج حانية أو أم مربية، أو فى طريقها إلى هذا المصير النبيل. ووظيفة "ربة البيت " من أشرف الوظائف فى الوجود، وما يحسنها إلا من استكمل لها أزكى الأخلاق وأنقى الأفكار. اليست هى حضانة الأجيال الجديدة وشق الطريق أمامها حتى تنبت نباتا حسنا؟. إن تصور المرأة فى البيت إنسانا قاعدا لا شغل لها جهل شنيع بمعنى الأسرة... وتصور ربة البيت إنسانا يجيد الطهى والخدمة فقط ضرب من السلوك الحيوانى عرفته الأم إبان انهيار حضارتها وسقوط مستواها العام... ولقد كانت المرأة فى صدر الإسلام كما سنرى- ربة بيت من طراز رفيع، وما منعها ذلك من أن تكون فى قمة الثقافة والاستقامة الاجتماعية، والنهوض بأمتها والانتصار لدينها... ولولا أن بعض النساء يعرفن بفطرتهن الذكية وظيفة المرأة تجاه أولادها ورجلها لاشترطنا لهذه الوظيفة مؤهلات نفسية وعقلية معينة. ولا بأس أن نسوق هذه القصة من مآثر العرب فى جاهليتهم ليعلم القارئ أننا لم نجنح إلى المبالغة. قال الحارث بن عوف المرى لخارجة بن سنان، فى إبان الحرب بين عبس وذبيان: "أترانى أخطب إلى أحد فيردنى؟ " قال: "نعم. أوس بن حارثة ابن لأم الطائى". ص _222
(1/203)

فقال الحارث لغلامه: "هيئ لى مركبا". ثم ركب هو وغلامه. ومعهما خارجة حتى أتوا أوسا، فوجدوه فى داره، فلما رأى الحارث رحب به، وسأله عن مجيئه، فقال: "جئتك خاطبا". فقال أوس: "لست هناك ". فانصرف ولم يكلمه!!. ثم دخل أوس على امرأته مغضبا- وكانت من عبس- فقالت: "من رجل وقف عليك فلم تطل الكلام معه؟ " فقال: "ذاك سيد من سادات العرب، الحارث بن عوف ". قالت: "فما لك لم تستنزله؟ " قال: "إنه استحمق: جاءنى خاطبا". قالت: "أفتريد أن تزوج بناتك؟ " قال: "نعم ". قالت: "فإذا لم تزوج سيد العرب فمن؟ " قال: "لقد كان ذلك ". قالت: "فتدارك ما كان منك، فالحقه وقل له: إنك لقيتنى مغضبا بأمر لم يتقدم فيه قول، فلم يكن عندى من الجواب إلا ما سمعت. فانصرف معى، ولك عندى كل ما أحببت، فإنه سيفعل ". فعمل أوس برأى زوجه، ورد حارثة ومن معه، فلما وصلوا إلى بيت أوس، وجلسوا فى مكان الضيافة، دخل أوس إلى زوجه، وقالى لها: "ادعى لى فلانة"، (أكبر بناته سنا). فأتته. قال: "يا بنية، هذا الحارث بن عوف- سيد من سادات العرب- قد جاءنى طالبا خاطبا، وقد أردت أن أزوجك منه ". فقالت: " لا تفعل، لأنى فتاة فى وجهى ردة، وفى خلقى بعض العهدة. ولست بابنة عمة فيرعى رحمى، وليس بجارك فى البلد فيستحى منك. ولا آمن أن يرى منى ما يكره فيطلقنى، فيكون على فى ذلك ما فيه ". قال: "قومى! بارك الله فيك ". ثم دعا الوسطى. فأجابته بمثل جوابها، وقالت: "إنى خرقاء، وليست بيدى صناعة. ولا آمن أن يرى ما يكره فيطلقنى، فيكون على فى ذلك ما تعلم ". ثم دعا الثالثة (وهى أصغرهن)، فلما عرض عليها قالت: "أنت وذاك ". فأخبرها بإباء أختيها. فقالت: "لكنى والله الجميلة وجفا، الصناع يدا، الرفيعة خلقا، الحسيبة أئا، فإن طلقنى فلا أخلف الله عليه بخير". ص _223
(1/204)

فزوجها الحارث. ولما وصل ديار قومه، قالت: "أتلزم المنزل والعرب يقتل بعضها بعضا؟ اخرج إلى هؤلاء القوم وأصلح بينهم، ثم ارجع إلى أهلك ". فخرج الحارث مع خارجة بن سنان، فأصلحا بين القوم، وحمل الديات، وكانت ثلاثة آلاف بعير فى ثلاث سنوات. والمرء يعجب لعظمة هذا البيت العربى، زوجة ترشد رجلها إلى الصراط بعد ما كاد يزيغ عنه. وبنات يعرفن بدقة أوصا فهن البدنية، وطبائع بيئتهن، فيقدمن- دون أثرة- صغراهن لتكون زوجة الخاطب المقبل. وعروس تأبى أن تسعد بزوجها حتى تضع الحرب أوزارها، وتقر السلام حولها... أين من هذه الخلال الزكية فتيات عصرنا المبهورات بفتنة الغرب المتمردات على جو البيت، المخدوعات بأضواء الليل، الجانيات الشوك آخر المطاف من ترك وظيفتهن العتيدة؟. وجاء الإسلام العظيم، ومست رحمته حياة المرأة، فرد عنها طغيان القساة من الرجال. وحرر إنسانيتها روحا وجسدا حين أتاح لها أن تتزود من العلم ما تشاء. وحصن حقوقها المالية حتى لا تذهب بها أثرة الأقرباء أو الغرباء. وربطها برسالة الأمة الكبيرة ودعوتها العامة، فهى فى السلم أو الحرب عنصر فعال، وظهير قوى. وفى نطاق تعاليم الإسلام لا يقل وعى المرأة عن الرجل بقضايا الدين والدنيا. وما كان نساء الصحابة والتابعين جاهلات بكفاح الإسلام فى أرجاء الجزيرة ضد الوثنية، أو جاهلات بكفاحه بعد ضد الفرس والروم. ولكن توزيع الأعباء أعطى كلا الجنسين نصيبه من العناء دون تعسف. ص _224
(1/205)

والإسلام يعرف المرأة قبل كل شىء ربة بيت وزوجة بطل وأم شهيد.. ويرفض تجنيد النساء للترفيه كما فعلت أوروبا فى حربها الأخيرة وكما تفعل فى سلمها. والملامح النبيلة للمرأة المسلمة تراها فى الخنساء، التى جاهدت فى حرب فارس، وحضرت موقعة القادسية الهائلة. اشتركت بأبنائها الأربعة، وقبل أن ينزلوا ساحة الوغى، جمعتهم وزودتهم بنار من الإيمان، ونور من اليقين فى تلك الكلمات الخالدة: "يا بنى، إنكم أسلمتم وهاجرتم مختارين، والله الذى لا إله غيره، إنكم بنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم. وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين، من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية. يقول الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله، سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، وإذا رأيتم الحرب شمرت عن ساقها، واضطرمت، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة، فى دار الخلد والمقامة". ولما كان الصباح، احتدم وطيس الحرب، فتقدم أبناؤها الأربعة واشتدوا على عدوهم غير مبالين بالموت، حتى قضوا نحبهم جميعا.. ولما بلغ خبر استشهادهم إلى الخنساء، لم تجزع، بل قالت: الحمد لله الذى شرفنى بهم. وقد فرض لها عمر، رضى الله عنه، من بيت المال ما كانت تحصل عليه من أبنائها، أى ثمانمائة دينار. يا عجبا، ماذا صنع الإيمان بفؤاد هذه المرأة البكاءة؟. ص _225
(1/206)

لقد كانت تبكى فى جاهليتها عالية النشيج لمصرع أخيها، تبكى وتستبكى، وتذكر "صخرا" وفى قلبها حرقة: يذكرنى طلوع الشمسى "صخرا" وأذكره بكل مغيب شمس فلولاكثرة الباكين حولى على إخوانهم لقتلت نفسى وها... قد غربت الشمس بأبنائها الأربعة فما ثار لها جزع، لأنها تعلم أن شمسهم توشك على الشروق فى آفاق الفردوس الأعلى، وأنهم سوف يقدمونها على بوارق أنهار الجنة وهى تختال بينهم، وتفاخر باستشهادهم... إن رائدات النهضة النسائية فى بلادنا أقصر باعا وأنزل رتبة من أن يفقهن هذا المثل. فإحداهن تكره أن تكون أما لأربعة، ولو فرضت عليها الأقدار أمومة أربعة ما أحسنت حضانتهن وتربيتهم وتوصيتهم حتى يبلغوا هذه الذروة. إنها تريد أن تكون "رجلة" تتولى عملا فى المجتمع من هذه الأعمال التى تليق بالجنس الخشن، ولو أدركت ما ترجو ما نفعت نفسها ولا أمتها بشىء طائل. وعندما يقال لها: تستطيعين صناعة المسمتقبل كما تبغين عندما تحسنين تبعل الرجل، وتنشئة الذرية الوافدة، يتورم أنفها ضيفا وغيظا. وربما قال قائل: هى فى ذلك على حق، ويجب تذويب الفوارق المفتعلة بين الذكور والأنوثة، وترك المرأة تلج كل ميدان وتلى كل عمل. ويجب التغاضى عن ضعفها الموقوت، لأنه أثر القيود التى شلت حيويتها من قديم. وعندما تستوى مع الرجل على الركب وتتكافأ أمامها الفرص، فلن تكون الأنوثة عائقا عن منصب ما. ونحن لن نرجع إلى الفقهاء الأقدمين نستلهمهم الإجابة على هذه الشبهة، وإنما نقتطف نبذا من كلام العالم الفيلسوف "ألكسس كاريل "، فيها من الحقائق المقررة وما يدحض هذه الأوهام، قال: "للغدد الجنسية وظائف أخرى غير الدفع لإتيان عمل من شأنه حفظ الجنس، فهى تزيد أيضا من قوة النشاط الفسيولوجى والعقلى والروحى... فليس هناك خصى ص _226
(1/207)

أصبح فيلسوفا عظيما، أو عالما خطير الشأن، أو حتى مجرما عاتيا، لأن للخصيتين والمبايض وظائف على أعظم جانب من الأهمية... إنها تولد الخلايا الذكرية والأنوثية، وهى، فى الوقت نفسه، تفرز فى الدم مواد معينة تطبع الخصائص الذكرية أو الأنوثية المميزة على أنسجتنا وأخلاطنا وشعورنا، وتعطى جميع وظائفنا صفاتها من الشدة، فالخصية تولد الجرأة والقوة والوحشية، وهى الصفات التى تميز الثور القاتل عن الثور الذى يجر المحراث فى الحقل... ويؤثر المبيض فى جسم المرأة بطريقة مماثلة، ولكن عمله يستمر فقط إبان جزء من حياتها، فحينما تبلغ المرأة سن اليأس تضمر الغدة بعض الشىء. وحياة المبايض القصيرة تجعل المرأة المتقدمة فى السن أكثر ضعفا من الرجل الذى تظل خصيتاه نشيطتين حتى سن متقدمة جدا. إن الاختلافات الموجودة بين الرجل والمرأة لا تأتى من الشكل الخاص للأعضاء التناسلية، ومن وجود الرحم والحمل، أو من طريقة التعليم. إذ إنها طبيعية أكثر أهمية من ذلك... إنها تنشأ من تكوين الأنسجة ذاتها، ومن تلقيح الجسم كله بمواد كيميائية محدودة يفرزها المبيض، ولقد أدى الجهل بهذه الحقائق الجوهرية عن الأنوثة إلى الاعتقاد بأنه يجب أن يتلقى الجنسان تعليما واحدا، وأن يمنحا قوى واحدة ومسئوليات متشابهة... والحقيقة أن المرأة تختلف اختلافا كبيرا عن الرجل، فكل خلية من خلايا جسمها تحمل طابع جنسها... الأمر نفسه صحيح بالنسبة لأعضائها، وفوق كل شىء بالنسبة لجهازها العصبى. فالقوانين الفسيولوجية غير قابلة للين مثل قوانين العالم الكوكبى، فليس فى الإمكان إحلال الرغبات الإنسانية محلها. ومن ثم، فنحن مضطرون إلى قبولها كما هى. فعلى النساء أن ينمين أهليتهن تبغا لطبيعتهن من غير أن يحاولن تقليد الذكور، فإن دورهن فى تقدم الحضارة أسمى من دور الرجال، فيجب عليهن أن يتخلين عن وظائفهن المحدودة. إن أهمية وظيفة الحمل والوضع بالنسبة للأم لم تفهم حتى الآن إلى درجة
(1/208)

كافية. مع أن هذه الوظيفة لازمة لاكتمال نمو المرأة... ومن ثم، فمن سخف الرأى أن نجعل المرأة تتنكر للأمومة. ولذا يجب ألا تلقن الفتيات التدريب العقلى والمادى، ولا أن تبث فى نفسها المطامع التى يتلقاها الفتيان وتبث فيهم... يجب أن يبذل المربون اهتماما شديدا للخصائص العضوية والعقلية فى الذكر والأنثى، كذلك لوظائفها الطبيعية فهناك اختلافات لا تنقض بين الجنسين... ولذلك فلا مناص من أن نحسب حساب هذه الاختلافات فى إنشاء عالم متمدين ". ص _227
(1/209)

وهذا الكلام القائم على دراسة طبية ونفسية للجنسين معا هو الشرخ الدقيق لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه بالنساء من الرجال ". إن انسلاخ أحد الجنسين عن فطرته ليلحق بجنس ليس منه، حرب على الطبيعة، والتواء بالأمور عن مجراها الصحيح، ولن يفيد العالم من ذلك إلا الخلل والفساد،.. ومع رفضنا للنزعات المادية الواقعة فى هذا الخطأ فنحن أحيانا نلتمس عذرا لأصحابها!. إن هناك صورة قاتمة لأحوال المرأة فى بعض المجتمعات، تجعل الفزع منها يغرى بالفرار إلى أية وجهة. صورة امرأة تلهث وراء رجل يمتطى دابته. أو صورة امرأة تأكل ما بقى من فضلات الغذاء بعد شبع غيرها. أو صورة فتاة مقهورة الإرادة تتزوج ممن تكره. أو محزونة فاقدة الميراث، لأن أهلها بطريقة ما حرموها إرثها. أو صورة بلهاء صفر العقل لا تعرف من علوم الدين ولا من علوم الدنيا شيئا. أو أنه لا وزن لحياتها ولا لجهدها ولا لرأيها، لأن البيئة التى أنبتتها جعلتها كذلك، شخصا كلا على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير!. هذه الصور التى التبست بأوضاع المرأة فى بعض المجتمعات ، وحسبها المغفلون دينا وما هى بدين، بل هى رذائل ومحرمات يسخطها رب العالمين.. هذه الصور هى التى أطاشت الألباب القاصرة، ودفعتها إلى الأخذ من الحضارة الحديثة دون تبصر. ونحن نغار على مكانة المرأة المسلمة، ونريد أن تسلم من لوثات عبيد الغرب، كما تسلم من لوثات الجامدين المقلدين بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. ص _228
(1/210)

كان يجب أن نهدى الثناء إلى المدنية الحديثة لو أنها- حين اعترفت بإنسانية المرأة- دعمت جانبها الضعيف وحفظت حقوقها المهدورة وردت عنها عدوان من ضنوا عليها بالعلم والمال، والإسهام بحظ واضح فى رعاية المصالح الخاصة والعامة... لكن المدنية الحديثة- وشارتها الأولى عبادة الحياة- أدخلت المرأة فى المجتمع بطريقة مريبة!. فبدلا من أن تحصن أنوثتها ضد العبث تعمدت إطلاق الجانب الحيوانى فى البشر، وجعلت من أنوثة المرأة فتنة تبعثر الإثم فى كل مكان!. فالملابس لا بد أن تكون قصيرة تكشف ما فوق الركبة، ضيقة تبرز الصدر والأرداف، مثيرة تغرى بتفصيلها وتقسيمها على النظر الحرام والفكر الحرام.. والتقاليد التى أقرتها هذه المدنية الحديثة أن المرأة تظهر فى الأحفال الساهرة شبه عارية، وأنها ينبغى أن تطعم وترقص مع شخص آخر غير زوجها!. وأقطار الغرب فى أوروبا وأمريكا ترى أن المتعة الجسدية فى كل صورها حق طبيعى للفتى والفتاة... وفرص التلاقى لإرواء الغريزة الجنسية، سواء بالزنا أو بما دونه متاحة لمن شاء. وإذا كانت البيئة المؤمنة تفرض القيود على الملابس، وتباعد بين أنفاس الذكور والإناث إلى أن يلتقى الرجل بالمرأة فى بيت الزوجية وحده فإن المدنية الحديثة تعمل بدأب غريب على إثارة الشهية الجنسية بالليل والنهار، فى البر والبحر... وتستفز الغرائز الساكنة فتدفعها دفعا إلى الاستمتاع الميسور، محظورا كان أم غير محظور... إنها مدنية تنشد اللذة وتطوع لها كل شىء، والمسحورون بها يحق فيهم قوله تعالى: (إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا ) ولما كانت الطبيعة البشرية قد تسكن إذا نالت ما تشتهى، أو قد تهدأ إذا ألفت ما ترغب، فإن زبانية النشاط الجنسى يكدون قرائحهم لخلق أزياء وأوضاع جديدة تلهب الذئاب الجائعة لتنطلق فى كل فج وهى تصيح: هل من مزيد؟. ومن الحق أن نقول: إن الأديان السابقة كانت أعجز من أن توقف السيل الطام. ص _229
(1/211)

فقد كان الإنسان بذكائه العقلى أكبر منها وأمنع من تصديق نقائضها، كما أن ميوله كانت أشرس من أن تنقاد لتعاليمها الباهتة... أما الإسلام فكان غافيا فى بلاده، محتبس الضوء بين حكام الجور، وعلماء السوء، وعبادة الغفلة!!!!. ومن ثم انطلقت المدنية الحديثة فى طريقها لا تلوى على شىء، تطلب اللذة على ظهر الأرض من كل سبيل، وترى المرأة أولى هذه اللذات التى ينبغى أن تشبع فتتملاها كل عين... وتلمسها كل يد... والمدنية الحديثة الآن تفرض نفسها على القارات الخمس.. ويكافح بعض المسلمين فى جو مربد لينقذوا أقطارهم من هذا الشرود الجنسى الطافح، ولكنهم- إلى يوم الناس هذا- يحاربون فى معركة انسحاب!. ولكى نعرف المدى الذى تبغى هذه المدنية أن تصل إليه ننقل هنا فقرات لكاتبة فرنسية تدعى "سيمون دى بوفوار"، وهى كاتبة وجودية، إلا أنها تصور الوقائع والآمال التى يتبناها ويتمناها صحافيون عرب منبئون فى كل مكان . ترى هذه المرأة أن من حق الزوجة أن تزنى!!!. وإذا كان زوجها يضيق بوليد من أب آخر، فإن التقدم العلمى حل هذه المشكلة!. يقول "أندريه موروا": فيما يتعلق بإقحام طفل غريب على كيان الأسرة وفراش الزوجية، ترد "سيمون دى بوفوار": بأن من مآثر العلم الحديث أنه هدم هذه الحجة العتيقة بما ابتدعه من وسائل منع الحمل، وبذلك تمكن المعاشرة الجنسية بلا قيد ولا شرط وبدون نتائج يتضرر منها الزوج ويتذرع بها القانون لتشديد النكير على الزوجة التى تثبت عليها الخيانة الزوجية!. وليس من رأى "سيمون دى بوفوار" أن الزواج أفضل حل للعلاقات بين الرجال والنساء. بل تؤيد بدلا من الزواج الذى يعتبر وظيفة اقتصادية واجتماعية، قيام الحب باعتباره هبة مجانية متبادلة بمحض الإرادة لا بالجبرية أو القهرية القانونية والضرورة الاقتصادية . ص _230
(1/212)

إن سيمون دى بوفوار تقول صراحة: إن مبدأ الزواج مبدأ فاضح ناب، لأنه يحول إلى حق وواجب ما هو بحكم الطبيعة تبادل حر ينبغى أن يقوم على الباعث التلقائى!. وتأسف سيمون، لأن غالبية النساء ما زلن إلى اليوم متزوجات أو يتأهبن للزواج ويتعذبن إن لم يظفرن بزوج!. ذلك أن المرأة حين تتزوج تلتحم بعالم زوجها. فأهلها يقولون إنهم قدموها زوجة لفلان. وفلان يقول!: إنه اتخذها زوجة. ومعنى هذا أن صور الحب فى أذهان الناس إنما هى صورة خدمة تقدمها المرأة للرجل. وله أن ينال لذته ومتعته منها مقابل تعويض مادى هو ضمان الاستقرار. ومعنى ذلك أن المرأة لا تختار بحريتها الرجل الذى يستهويها جنسيا، إنما هى تتزوج لتنتمى إلى رجل معين. ومأساة الزواج إلى يومنا هذا أنه يمنى المرأة بالسعادة ثم لا يتيحها لها، وأنه يشوه نفسية المرأة الشابة بإجبارها على حياة التكرار والروتين الممل. فبارتباطها بفراش رجل واحد وإثقال ذراعيها بالأطفال تنتهى حياتها. فهى حتى سن العشرين تمتعت بوجود سخى خصب ما بين دراستها وصداقتها وانتظار الحب. وبعد الزواج يتلاشى كل مستقبل أمامها، فيما عدا هذا الزواج الواحد الذى لا يتيح لها اللذة غالبا. "فالزواج التقليدى أبعد ما يكون عن خلق الظروف الملائمة لإيقاظ رغبة الأنثى الجنسية وتفتحها. وليلة الزفاف التى لم تسبقها التمهيدات الأولية لحب طبيعى تبدو فى نظر البكر وكأنها نوبة سخيفة من نوبات مصاب بالصرع التشنجى". وتمضى المرأة الوجودية شارحة مذهبها المعجب فتقول: "والمثل الأعلى فى نظر سيمون أن يختار كل شخص الطرف الاخر برغبته، ويبقى معه برغبته، بحيث لا يربط كل منهما إلى الآخر إلا الرغبة التلقائية الحرة النابعة عن حبهما المتبادلى. فالفتاة اليوم تعمل متحررة من كل قيد فى سلوكها، وتحتك وتلتقى فى عملها وخارج عملها بعديدين من شتى صنوف الرجال. وهكذا لم تعد فى حاجة إلى ص _231
(1/213)

الارتباط بما كان يسمى "زواجا مدبرا" يكفل لها الغذاء والكساء والوضع الاجتماعى اللائق. إن هذا كله يتيح للمرأة العصرية المتحررة التجارب المتلاحقة، ولو داخل إطار الزواج المشروع، بل ذهبت المرأة إلى أبعد من هذا فى كثير من الأحوال، فتيسرت للفتاة خارج رابطة الزواج أنواع من الخبرات والتجارب فى الحب والجنس على نحو ما يتيسر للشباب من الذكور سواء بسواء. وما من شك أن تقدم العلم، ومبتكرات التحكم فى النسل ومنع الحمل قد وفرت على الفتاة العصرية المتحررة كل متاعب القلق التى كانت تزعج النساء فى العصور السابقة. وتأسى "سيمون دى بوفوار" أشد الأسى لأن الفتاة غير المتزوجة لم تحصل بعد على حق الأمومة بغير زواج فى نظر المجتمع الحديث، وترى من حق المرأة أن تكون أما من غير أن ترغم على الارتباط بالزواج. وتندد بالاحتقار العلنى أو الضمنى الذى يواجه الأمهات من الفتيات غير المتزوجات. يقول أندريه موروا: " ولكن الحال أخذ يتبدل منذ أتمت كتابها، وكثر عدد أولئك الأمهات وأخذ المجتمع الغربى يعترف بهن ". وقد تقول إن الأسرة- فى أوروبا وأمريكا- فوق هذا التصوير، وإن كانت أسوأ مما يجب. إن الانحلال عراها، ولكنها لم تتلاش ولا تزال لها حدود مرعية!. ونقول: إن كلام هذه المرأة، نشر فى بلادها ثم ترجم إلينا، وتدوول بيننا دون أن تصحبه كلمة نكير أو يلحق قائلته لفظ تحقير! فما معنى هذا؟. لقد قرر هذا العهد على أنه فلسفة عادية، ووجهة نظر فى الحياة لا غبار عليها ولا عار من تردادها، فما معنى هذا؟. ثم ما تكون هذه الأسرة التى تتكون فى جو النكر والإسفاف؟. شاب يتصل بعشرات الفتيات قبل أن يتزوج، وشابة تتصل بعشرات الفتيان قبل أن تتزوخ!!!. ص _232
(1/214)

أى زواج ذاك الذى يتم بعد هذا الماضى الأسود؟. وما هى ضمانات استقامته إذا كانت أسباب العوج لا تزال قائمة هنا وهناك؟.. وقد يكون الإثم دون ذلك فداحة، بيد أن استخفاء القاعدة الدينية فى العلاقات الجنسية يجعل حياة الأسرة مضطربة مائعة. والقاعدة الدينية أن الرجل لا يحل له أن يتصل بامرأة على ظهر الأرض إلا فى بيت الزوجية، وأن الزنا منكر هائل، وأن كل ما يؤدى إليه يجب سد أبوابه، ومنع أسبابه... وعلى الحضارة الفاضلة المؤمنة أن تضبط الأزياء وألوانها، والاختلاط وميادينه، وفق حدود الله، وبما يصون الأعراض ويحمى شرف الجنسين على السواء. إننا نرفع صوتنا عاليا بأن من حق المرأة أن تتعلم، ولا يستطيع أحد أبدا أن يحرمها هذا الحق... لكن من قال: إن التبرج والاختلاط ضرورات لا بد منها فى الجو العلمى؟؟. واذا كان الإسلام يأذن باختلاط ما فى بعض المواطن، فهو اختلاط مصحوب بالحشمة والحياء وغض البصر وتقوى الله... وهو يرفض بتة كل اختلاط يسمح بأن يخلو رجل بامرأة... وبالتالى فهو يستنكر أحفال العرى والمجون التى عرفتها وأشاعتها المدنية الحديثة.. وللمرأة أن تعمل فى وظائف مناسبة، وفى ظروف خاصة. لكن على أساس أن عملها الجليل العتيد أن تكون ربة بيت وسيدة أسرة، وأن يكون جو العمل غير ما تألف المدنية الحديثة. فلا يليق توظيفها لتعرض أوراقا على مدير يختلى بها إذا شاء.. ونحن نعرف أن المرأة فى أوروبا وأمريكا اشتغلت بالمصانع والحقول والشركات والجامعات. لكن حصاد اللقاء البعيد عن معرفة الله واتباع شرائعه كان مرا. ... لقد قرأت أنه أمكن التغلب على ضعف إنتاج المرأة، ولكن القضية عندنا أعمق من أن تكون زيادة الإنتاج أو قلته. ص _233
(1/215)

إذن إفقار البيوت من النساء ليشتغلن فى بعض المصانع هو فى الحقيقة على حساب تشغيل بعض الرجال فى أعمال أخرى، لإطعام وحضانة وصيانة هذه البيوت المهجورة. ولا ربح هناك إلا انهيار روابط الأسرة، والسماح بالفوضى الجنسية وبذل محاولات لرفع مستوى الإنتاج قد تنجح أو تفشل. قرأت دفاعا شديدا عن احتراف المرأة، وتقليدها أية وظيفة كأى رجل. كان هناك تساؤل: لماذا تسلك المرأة العاملة سلوك الأنثى- لا سلوك الرجل- وكيف يعالج هذا؟. ثم جاء الجواب بعد إجراء بحوث ذكية فى مصنع كبير للطائرات. وإليك هذه البحوث كما نشرتها مجلة "المختار"، قال الكاتب: "لغز المرأة" مسألة لا ضير منها ثمن حيث هى موضوع للشعر، ولكن متى بدأ التفاوت الخفى بين سلوك الرجل وسلوك المرأة، يحدث المتاعب ويعطل إنتاج الطائرات الحربية، فقد آن أن نهمل الشعر، وأن نحاول الغوص على الحقائق المكنونة وراء هذا السلوك. فمن ذلك مثلا، أن النساء المستخدمات فى مصانع "كونسليديتد فولتى إير كرافت كوربريشن " أكثر من الرجال، والغياب بين النساء خمسة أضعاف الغياب بين الرجال، ومن خمس نساء يعملن لوحظ أن أربعا يتركن العمل قبل أن يقضين فيه سنة، وتجنيد نساء أخريات وتدريبهن ليحللن محل اللواتى هجرن العمل، يستنفد وقتا ومالا، ويشغل العمال الحاذقين بالتعليم بدلا من الإنتاج. وقد قررت الشركة أن تبحث الأمر لتقف على السر فى أن المرأة تسلك سلوك الأنثى، ولتهتدى إلى العلاج الذى يصون الإنتاج. ولم تهتد الشركة إلى الآن إلى جواب كل سؤال، ولكن البحث المستفيض الذى قامت به مارى جاكسون مديرة اللجنة الاستشارية كشف عن كثير يعد جديدا فيما يتعلق بالنساء العاملات. والنساء المشتغلات فى مصانع الطائرات مجموعة نموذجية وافية، فأعمارهن تتراوح بين 16 و 78 سنة، وتربيتهن تتفاوت من الأمية إلى إتمام الدراسة الجامعية، وفيهن المتزوجة، والعزبة، والمهذ بة، والعسرة، والرقيقة، والشكسة، والبيضاء، والسوداء.
(1/216)

فخصائص العاملات المجتمعات فى هذه الشركة هى خصائص المرأة، فى كل مكان وفى كل زمان. ص _234
وقد حفلت ملفات المسز جاكسون بحقائق غريبة: إن شجارا يقع على مائدة الإفطار يؤثر فى عمل المرأة طول اليوم، فيهبط إنتاجها هبوطا محسوسا. أما كفاية زوجها فى عمله فلا تتأثر. وفى كل تسع حالات من عشر، يكون هبوط إنتاج المرأة راجعا إلى أمر خارج المصنع. أما فيما يتعلق بالرجل، فإن السبب يكون فى داخل المصنع. والمرأة المتوسطة تؤثر الاستمرار فى عمل ألفته مع زميلاتها، ورئيستها وعلى نظام اعتادته، على أن ترقى إذا كان معنى الترقية أن تنتقل إلى بيئة جديدة، أما الر جل فيتلهف على أى تغيير أو نقل يكون معناه التقدم. والنساء يتأثرن بالنقد الجاف الخشن أكثر مما يتأثر الرجال. فلابد من أن يكون التأنيب معسولا كأن تقول للمرأة: "إنك يا جين تؤدين على التحقيق عمل اليوم أداء رائعا، فلماذا لا تحاولين أن تواظبى على الحضور أكثر مما تفعلين؟ ". وإثارة التنافس بالجوائز تستحث همم الرجال، وكثيرا ما تزيد إنتاج القسم كله، ولكن ذلك بين النساء أسوأ دواء، فإن أعصابهن تتوتر فيضطربن لفرط ما يستثرن، وإذا رأت إحداهن أنها مسبوقة متخلفة، ثبطت همتها حتى لتكف عن المحاولة ويصبح عملها أسوأ مما كان قبل المسابقة... والفتاة الجميلة مبعث متاعب، فإذا حسن عملها جدا، ورقاها رئيسها، أولى النساء الأخريات بواعثه تأويلا سيئا، وإذا أنبها، فإن المرجح أن تعد تأنيبه إهانة شخصية لطول ما ألفت أن تسلم من العقاب بفضل حسنها وفتنتها. والمزاح الخشن والمباسطة، وذلك ما تتفتح له قلوب الرجال، لا يصلح للنساء على الإطلاق، لأنهن يبغين اللمسة الناعمة الرقيقة. والمتزوجون من الرجال أصلح لملاحظة العمل من العزاب، ولعل ذلك لأنهم أدرى بالمرأة وأخبر. وقد يكون تفاوتهم غير راجع إلى أكثر من موقفهم اليومى الذى يتخذونه وهم مدركون له، أو عن غير وعى منهم. والنساء أكثر استعدادا من الرجال
(1/217)

للإقرار بالخطأ، ولطلب النصيحة ولكن عملهن يسوء إذا كان عليهن أن يتصرفن برأيهن، فلا ينبغى أن تكون هناك طريقتان لعمل تتولاه امرأة لأنها تضيع وقتا طويلا فى التفكير فى الطريقة التى تتبعها. ص _235
وكل هذه الملاحظات تؤدى إلى نتيجة عامة واحدة، ولكنها ليست فى الحقيقة مستغربة. ذلك أن المرأة معنية أولا وقبل كل شىء بأنها امرأة، واهتمامها بأى نوع آخر من النجاح فى المحل الثانى. ومن الممكن أن يقال بحق أيضا أن الرجال معنيون أولا وقبل كل شىء بأنهم رجال، ولكن كون المرء رجلا ينطوى على إرادة النجاح فى عالم الرجال، أما كون المرأة ناجحة فقلما ينطوى على ذلك. والعمل بأجر شىء تزاوله المرأة حتى تجد الرجل الصالح، وحتى يجىء الطفل، وحتى يعود رجلها إلى البيت، وحتى يكسب "جو" مالا، وحتى تؤدى أقساط ثمن بيتها، وحتى تكسب الحرب. فهل من استثناءات؟ نعم، آلاف منها. ولكن المرأة المتوسطة فى مصنع حربى تتلهف على اليوم الذى تلزم فيه بيتها. ولقد أثبتت دراسات المسز "جاكسون " هذه الحقيقة بما لا يدع مجالا للشك. وثم أمور شتى لها أهمية عملية، فالنساء لا يحسن العمل بالآلات التى تتطلب حركة دائرية مثل المفك. ويجب أن يعملن فوق مواضع عالية، فإن اتزانهن ضعيف ورءوسهن تدور، وهن خير من الرجالى وأسرع إذا زاولن أعمالا خفيفة منسقة منتظمة. وقد دل البحث فى المتاعب التى تنشأ بين الرجل والمرأة، فى المصنع، على أن المرأة هى المعتدية وهى التى بدأت بالشر فى كل ثلاث مرات من أربع. وقد اتخذت الشركة تدابير للانتفاع بدراسات المسز "جاكسون "، فكانت النتيجة النجاح، لأن الغياب بين النساء نقص إلى رقم معقول 7.7% يوميا وقل معدل التغيير فى العمال إلى النصف، وارتفع الإنتاج إلى ذروة قياسية، وقد عكفت مصانع الطائرات الأخرى: "كرتيس رايت "، و " جلين مارتن "، و" فير تشايلد " و" لوكهيد فيجا"، و"جنرال موتورز"، على دراسة تقارير المسز "جاكسون "، وفى وسع أى إنسان
(1/218)

يستخدم نساء أن يستفيد منها كثيرا مما له قيمة. وكان أهم ما قامت به شركة كونسوليديتد- فضلا عن تلقين الرؤساء المبادئ المستخلصة من الدراسة- إذ دربت مستشارين وعينت مستشارا لكل 350 امرأة عاملة. وهؤلاء المستشارون يؤدون وظيفة ضابط الاتصال بين الجنسين، وقد أكبرهم الملاحظون من الذكور، وصاروا الآن يعرضون عليهم من المشاكل ستة أضعاف ما كانوا يعرضون ص _236
فى الثستاء الماضى، والعاملات أنفسهن يعرضن عليهم من مصاعبهن ضعف ما كن يعرضن من قبل. وتتفاوت قصصهن من الشاذ إلى الشجى، خذ مثلا مارى التى لم تكن تقوم بنصيبها من العمل، وكان من الجلى أنها شقية، وقد تبين أن مارى وهى فى منتصف العمر وشديدة الإحساس بجمالها الذى يذبل، لا تستطيع أن تلتفت إلى عملها، لأن زوجها يعمل فى نفس القسم مع فتاة جميلة غزلة. وكانت مارى مضطرة أن توليها ظهرها وهى تعمل، وقد نقلت الفتاة فصاركل شىء على ما يرام مع مارى. ونقلت فتاة اسمها فيرا من الإشراف على قسم التخريم إلى قسم التجميع، فاستاءت وتجهمت وصارت تضيع الوقت، وتبين من الأسئلة البارعة أن كبرياءها جرحت، فقد كانت تشعر بأنها كفؤ لأى رجل فى العمل، واعتقدت "أنها أنزلت إلى عمل امرأة"، فأعطيت عملا فى قسم البرشام فصارت أحذق من الرجال. وقد نسخ الوهم الخاص بالجنس الضعيف... بعد استقصاء الحقائق عن النساء العاملات على اختلافهن. فهناك تلك المرأة الصغيرة الجسم- وزنها 89 رطلا- التى تقطع كل يوم 25 ميلا من غيط لها مساحته عشرة فدادين مزروعة أشجار فاكهة، تتعهدها وتعنى بعشرين دجاجة بيوض، وبقرة، على حين أن زوجها فيما وراء البحار. وهناك "ماريان " وهى عاملة على آلة تخريم، فى الستين من عمرها، لم تغب ولم تتأخر مرة واحدة فى 15 شهرا، وهى مع ذلك ذات أولاد ثلاثة ترعاهم، وتشترى حاجاتها من السوق، وتطبخ طعامها، وتنام خمس ساعات كل ليلة. وهناك "مرجريت " وهى امرأة رقيقة الخلق فى الرابعة والسبعين، وسعيدة كل
(1/219)

السعادة، لأنها تستطيع أخيرأ أن تربى الطواويس والكلاب من فصيلة "بكينيز" فى حقلها، وتدفع ثمن أرغن تتلقى عليه درسا كل أسبوع. وماذا يا ترى سيكون مصيرهن حين يعدن إلى دورهن؟. تقول المسز "جاكسون " بلهجة الحزم: سيصبحن أصلح مما كن زوجات أو ربات بيوت، وسيقدرن مبلغ تعب الرجل حين يعود إلى بيته من عمله، وسيعرفن معنى كسب المال، وأن معناه هو العمل الشاق، وسيدركن قيمة الوقت، وكيف يحرصن عليه وينفقنه بحساب، وسيكون ما تعلمنه من ص _237
(1/220)

قيمة النظام له أثره فى تدبير شئون البيت. وأهم من ذلك أنهن يتعلمن قيمة معاشرة الناس بالحسنى، وطيب الحياة فى البيت المتوافق الأهواء، وأثر ذلك فى إتقان العمل ". قرأت هذا الدفاع الحار عن مساواة المرأة بالرجل فى الأعمال والوظائف العامة، وكيف تغلبت الدراسة والخبرة على العوائق التى اعترضت طريق النساء فى هذا المضمار... وفى هذا الدفاع شىء غير قليل من الحق، وفيه كذلك نسيان لأمور جوهرية ذات بال... إن المرأة قد تعمل إذا احتاجت لعمل أو احتاج إليها المجتمع... ما يصدها عن ذلك أحد... أما الزعم بأنها والرجل سواء فى القدرات المادية والمعنوية فذاك ما ننكره. كيف، وهى تلد وترضع، وحملها لولدها وحضانتها له يأخذان منها جهدا مضنيا. ثم هى- من غير الحمل ونتائجه- تراح من العبادات المفروضة فى دورات شهرية منتظمة. فكيف تكلف بالأعمال العادية وينتظر منها أن تساوى الرجل فى الإنتاج!؟. ولندع ذلك كله. إن المشكلة ليست فى عمل المرأة أيا كان نوعه! المشكلة فى جو ذلك العمل ولون المجتمع العام الذى يتم فيه!. وهنا تبرز طبيعة الإسلام دون غضاضة. فالإسلام دين يكلف الرجال والنساء بصلوات خمس كل يوم، وعندما تؤدى هذه الصلوات فى جماعة- ولا بد فى كل أمة مسلمة من قيام هذه الجماعات من الفجر إلى العشاء- فإن الرجال يملئون الصفوف الأولى والنساء يملأن الصفوف المؤخرة. وعلى النساء أن يخفين زينتهن وأن يرتدين ملابس سابغة. ص _238
(1/221)

وعلى كلا الجنسين أن يغض طرفه إذا رأى الآخر. فإذا حدث أن نظر شخص إلى غيره نظرة مريبة وجب على من لاحظ ذلك أن ينهاه عن الإثم وأن يذكره بالله.. ومعنى هذا كله أن الاختلاط بمدلوله الواسع فى المدنية الحديثة يأباه الإسلام إباء تاما ويرفضه رفضا حاسما. إن الجوالذى تعمل فيه المرأة هناك، فى أوروبا وأمريكا، جو التكشف، وإبداء المحاسن، واختيار الأصدقاء، وحرية التلاقى والاختلاء، وحرية الجسد كما يقولون، أو جو نبذ الدين ظهريا واجتياح حدوده دون نكير.. هذا الجو يستحيل أن يقبله الإسلام أو يرضى بدفع المرأة إليه.. إن الأسرة ذابت فى أقطار أوروبا وأمريكا تحت اللهب الجنسى المشتعل فى هذا الجو. وبقاياها التى لا يزال بها رمق لا تدل على خير، ولا تطمئن على غد طهور. والمسلمون فى فترة عصيبة من تاريخهم... لقد داس الاستعمار بلادهم وسخر من تقاليدهم وترك طابعه الخاص على أغلب شئونهم. وهناك كثيرون ينقمون على وضع المرأة القديم فى البلاد الإسلامية، ويرون أن الاستظلال بلواء المدنية الحديثة أجدى وأفضل... ونحن نرفض الأمرين معا، حبس المرأة فى سجن الجهل والقصور وذوبان الشخصية وضياع المكانة... وإطلاق المرأة فتنة عاتية تنشر الإثم وتبيح المحارم... لقد رأينا المرأة فى صدر الإسلام، لا تقل عن الرجل علما، ولا جهدا فى خدمة دينها وأمتها وبيتها وولدها.. رأيناها فى القادسية واليرموك فى أشرف المواقف وأجدرها بالتكريم.. ولم نرها أبدا مجندة للترفيه عن الرجال، ولا رأيناها، حسرت عن صدرها وركبتيها باسم العمل فى المكاتب أو المصانع... ص _239
(1/222)

ويبقى أن نتساءل: لمن نكل وظيفة "ربة بيت "؟ إذا استخرجنا المرأة من البيت لغير ضرورة ملجئة!. إن هذه الوظيفة، من أرقى الأعمال- لو عقلنا- لأنها إنشاء الحياة وصيانتها وتعهدها حتى تؤدى رسالتها كاملة.. ونتساءل مرة أخرى: هل نقبل حكم الله فى تحريم الزنا، وما يؤدى إليه وما يغرى به، أم نجعل الزنا- كما تقول عشيقة "سارتر"- أمرا عاديا لا يستقبح ولا يستهجن؟.. إن القصة هنا ليست فتوى فرعية فى مشكلة محدودة! إنما هى قصة الدين من ألفه إلى يائه.. قصة الإيمان بالله وتصديق المرسلين أجمعين!. ص _241
خوارق العادات معناها ودلالتها هل نصم آذاننا عن حديث الخوارق التى يتذاكرها المتدينون عموما والمسلمون من بينهم؟. لقد كنت فى صدر شبابى أضيق بهذا الحديث وأميل إلى تكذيبه. وذلك لأنى رأيت نفسى بإزاء سيل من الروايات لو صحت ما تماسك للكون نظام، ولما بقيت لقانون السببية حرمة. ولأنى بلوت الدهماء والأدعياء فوجدت عقول عامتهم تهوى الأساطير وتكره الحقائق. فهم إذا قالوا أو سمعوا مالوا إلى الخيال والمبالغة، عقولهم أشبه بالميزان الذى فسد، فإحدى كفتيه راجحة دون ثقل، ومثل هذا الميزان لا يضبط المقادير إلا بعد حذف وتحوير. والخرافيون من الناس آفة الأديان وآفة الأخبار فى كل زمان ومكان... ثم إنى مسلم آمنت بربى عن عقل يحسن الفهم والاستدلال ولست مستعدا لإلغاء كيانى المعنوى بأى ثمن. ويغلب أن تكون أفكارى من تجاربى الخاصة، حتى أوفر لها جو اليقين والثقة، ومن ثم فإدن قصص الآخرين لا يحظى عندى بالقبول إلا إذا تجاوب مع ما اطمأنت إليه نفسى. وهناك خوارق للعادات أنبأنا الله عنها فى كتابه، وهذه نتلقاها جميعا بالتصديق (ومن أصدق من الله حديثا)؟. وربما نتساءل: هل هذه الخوارق المصدوقة شذت عن قانون السببية؟ أم هى منسجمة مع قوانين أخرى لم نحط بها علما؟. ص _242
(1/223)

قد يكون هذا أو ذاك... فإن خالق الكون ومبدع نواميسه فوق هذه النواميس جل شأنه. إنه يحكمها ولا تحكمه، ويقف تنفيذها إذا شاء أو يمضيه فى طريقه.. ومن العلماء من يرى أن قوانين الكون لا تنخرم ولا تتوقف، لأنه هكذا شاء بارئها. وما يقع من خوارق إنما يتم وفق سنن كونية قد يكشف عنها العلم أو تبقى مستورة أبدا. إننى لا أدرى، ولا غيرى يدرى كيف تمت ولادة عيسى من غير أب؟ وقد كانت مريم نفسها عاجزة عن فهم ما وقع لها، وحائرة: ما تقول للناس. وكأن الله أراد إشعارها بأن الأمر كله خارج عن النطاق المعتاد، فألهمها أن تهز إليها بجذع النخلة، فإذا الأصابع الواطنة تهز الجذع الغليظ، ليتساقط الرطب فوقها!. ثم يتكلم الوليد فى المهد، ليبرئ ساحة أمه، ويشهد بعظمة خالقه الذى يقول للشىءكن فيكون... إننا صدقنا هذا الخبر، لأن الله أنبأنا به، وهو بلا ريب شذوذ عن القواعد العامة التى تنتظم شئون الخلق. وإلى هنا يمكن أن نقف... لكن البعض يحلو له أن يجعل من الاستثناء قاعدة، ومن الشذوذ قانونا، وهنا الطامة التى تعصف بالدين والعلم معا!!. وقد ثارت فوضى هائلة فى ميدان التفكير الدينى بسبب هذا التوسع المريب.. وهو توسع جرثومته الأولى الخرافيون من الناس ومتتبعوا الأوهام والغرائب.. أما الدين نفسه فبعيد عن هذا الهوس. وقد حاول بالمنطق التجريبى أن يصل إلى حقائق محددة فى هذا المجال الخفى... ووصل إلى نقط لها قيمتها، بيد أنه شعر وأشعرك معه أن الموضوع أعقد مما يظن. وقد أكننت الاحترام لهذا الباحث، لما لمسته فيه من إخلاص فى طلب الحقيقة، ودقة فى تحريها. ص _243
(1/224)

يقول الدكتور محمد الحلوجى، مترجم الكتاب، أنه بدأ بحثه بابتكار طريقة سهلة يمكن إحكام ضبطها وتطبيق كل مطالب التجربة العلمية الصحيحة عليها، من ذلك: البساطة وسهولة الإعادة، والتكرار والدقة فى اختيار ظروف التجربة وشدة الرقابة عليها... إلخ مما سيتبينه القارئ بنفسه. وبهذه الطريقة التجريبية الدقيقة بدأ بالبحث فى ظاهرة انتقال الأفكار (التلباثى) ومعناها هو إدراك الشخص لأفكار فى ذهن شخص آخر دون تدخل الحواس الخمس المعروفة، وهى: السمع والبصر والشم والذوق واللمس. وأثبت وجود هذه الظاهرة. ثم بحث عن وجود علاقة بين ظاهرة التلباثى والجلاء البصرى، أى إدراك الأشياء والحوادث بغير طريق الحواس، فوجد أنهما مظهران لشىء واحد يخضع لنفس القوانين ولذلك سماهما مجتمعين الإدراك خارج الحواس ويكنى عنها باختصار (خ). ثم قام بالبحث عن القوانين التى تخضع لها ظاهرة الإدراك خارج الحواس هل هى القوانين المادية المعروفة، أو بمعنى أبسط هل هذه الظاهرة عبارة عن نوع من التموجات المعروفة فى علم الطبيعة؟. ونظرية التموجات أو الأمواج يخضع لها كل أنواع الطاقة. فالطاقة الحرارية تنتشر على صورة أمواج وكذلك الصوت والضوء والكهرباء... إلخ. ومعروف أن الطاقة إذا سارت على شكل أمواج تخضع للقانون المعروف بقانون التوسع العكسى، وكان أول اكتشافه على الجاذبية الأرضية. وقبل أن نلقى على هذا الموضوع أضواء تجلو بعض جوانبه نلفت النظر إلى أمور: * أن الحديث فى خوارق العادات اطرد فى الديانات كلها، ولم يعرفه المسلمون وحدهم.. * كما قرر علماء الإسلام- مقطوع الدلالة على الخير أو الشر، أى أن الإيمان الصحيح والعمل الطيب هما وحدهما دليل الخير، ولو لم يجر أى خارق للعادة على يد المؤمن الصالح، وأن جريان هذه الخوارق لا يرفع خسيسة امرئ ضعيف اليقين ردىء العمل. * إن خوارق العادات قد تقع للموحد والمثلث، بل للمؤمن والمعطل، ومن ثم فإن الاستدلال بها على كرامة شخص
(1/225)

ما خطأ بالغ. ص _244
! إن الكرامة هى معرفة الحق والعمل به لا غير. وأخيرا، فإنه من السماجة، أن يقول لك أحد الناس: آمن بما وقع لفلان من خوارق، وإلا فأنت متهم فى دينك!. إننا نؤمن بما حدث به رب العزة، ونصدق ما صح عن رسوله، إن صح الدليل على نسبته. أما ما يتداوله الناس بينهم من قصص وقعت أو لم تقع، فلا علاقة لديننا برأينا فيها، ومزاعم الدهماء فى تلك القضايا لا وزن لها. ولنعد للكلام فى الموضوع نفسه، قرأت كتاب "العقل وسطوته " تأليف الأستاذ الدكتور (ج. ب. راين)، وهو يحتوى على دراسات علمية تجريبية معملية للظواهر النفسية الخارقة، كانتقال الأفكار، والجلاء البصرى، والتنبؤ، وقدرة العقل على تسخير المادة، ووجود الروح... إلخ. والكتاب محاولة علمية رائدة للبحث فى جانب من الخوارق التى طال الحديث فيها بين المتدينين. والمؤلف رجل عالم فطن، يحترم فكره ويرفض للأساطير أن تعبث به. ومؤداه أن كل جسمين يجذب أحدهما الآخر بقوة تتناسب طرديا مع كتلته (أى ما فيه من وزن)، أى ان الكتلة أو الجسم الكبير يجذب بقوة أكبر من الجسم الصغير. كما تتناسب هذه عكسيا مع مربع المسافة، أى أنه إذا زادت المسافة بين جسمين يجذب أحدهما الآخر إلى الضعف، فإن قوة الجاذبية تنخفض إلى الربع أى مربع المسافة. ولكنه وجد أن (خ) لا تخضع لهذا القانون، فهى تزيد بزيادة المسافة ولا تنقص. ومن هنا تنبه ثم أثبت أن هذه القدرة على الإدراك خارج الحواس ليست مادية. ثم انتقل إلى نقطة ثانية فى البحث، وهى أنه إذا كان (خ) لا يخضع لقوانين المكان فهل يفعل المثل مع قوانين الزمن؟ أى أن هذه القدرة تستطيع أن تسبق الزمن، فأثبت أنها فعلا تسبق الزمن ولا تخضع له. ومعنى ذلك القدرة على التنبؤ. ما معنى هذا؟ معناه: أن للشخصية الإنسانية جانبا يستطيع الإدراك دون استعمال الحواس، فما هو هذا الجانب؟ إنه لا يمكن أن يكون المخ، لأنه مادة والمادة تخضع لقوانين المادة، ولكن هذا
(1/226)

الجانب لا يخضع لقوانين المادة. ص _245
وهنا كذب زعم الماديين بأنه ليس هناك شىء اسمه العقل، وكل ما هنالك هو المخ ومجموعة الأعصاب فهى المسئولة عن كل تصرفات المرء من تفكير وشعور وإرادة وسلوك، وأبرز من تزعموا هذأ الرأى فى علم النفس هم الذين يطلقون عليهم المسلكيين، وعلى رأسهم العالم ا لأمريكى (واطسن) الذى يقول: الا تكلمنى عن الروح، فلم أرها تخرخ فى أنبوبة اختبار فى المعمل) !. وبديهى أن يرفض الماديون كل كلام وراء المادة، إلا أنهم يشردون عن منطق العلم بهذا الرفض ويتورطون فى جهالات أغلظ من التى يتهمون بها خصومهم. وقد ملت إلى تصديق الدكتور (راين) فى مؤلفه القيم، لكن الرجل لم ينجح فى حملى على اليقين بما بلغ إليه... وبعد سنين من قراءة هذا البحث وقع فى يدى كتاب (الإنسان ذلك المجهولى) للدكتور "ألكسسر كاريل " وهو عقلية علمية رائعة، فبهرنى منه أنه أكد النتائج التى انتهى إليها الدكتور (راين). ومن الخير أن نتدبر كلامه فى هذا الموضوع، قالى: إن إدراك الحقيقة من غير معاونة العقل مسألة تبدو غير مفهومة، وثم جانب من جوانب العقل يشبه سرعة الاستنتاج من الملاحظة العجلى... ومن الحالات التى لها هذه الطبيعة ما يعلمه بعض كبار الأطباء أحيانا عن حالة مرضاهم الراهنة والمستقبلة. وتحدث ظاهرة مماثلة حينما يقدر المرء قيمة أحد الرجال لأول وهلة، أو يشتم فضائله ورذائله... ولكن سرعة الإدراك يمكن أن تتوافر من ناحية أخرى، وهى مستقلة استقلالا تاما عن الملاحظة والعقل... فقد تقودنا إلى هدفنا فى وقت لا نعلم فيه كيف نبلغ هذا الهدف، بل حتى لا ندرى أين يوجد... وهذه الطريقة من المعرفة تكاد ترادف البصر المغناطيسى، وهو الحاسة السادسة التى نادى بوجودها (تشارلس ريخت). إن البصر المغناطيسى وتراسل الأفكار معلومات أولية للملاحظة العلمية، وفى استطاعة من وهبت لهم هذه القوة أن يستشفوا أفكار الأشخاص الآخرين السرية من غير أن يستخدموا
(1/227)

أعضاءهم الحسية.. كما أنهم يحسون بالأحداث السحيقة، سواء من الناحية الفراغية أو من الناحية الزمنية. وهذه الصفة استثنائية، وهى لا تنمو إلا فى عدد قليل فقط من بنى الإنسان، ص _246
إلا أن هناك كثيرين يملكون هذه الصفة بحالة بدائية.. وهم يستخدمونها من غير بذل أى جهد وبطريقة تلقائية... ويبدو البصر المغناطيسى مسألة عادية لمن يملكونه، وهو يجلب لهم معلومات أكثر توكيدا من المعلومات التى يحصل عليها الإنسان بوساطة أعضاء الحسى.. فصاحب البصر المغناطيسى يقرأ أفكار الآخرين بسهولة لا تضارعها إلا سهولة قراءته لأسارير وجوههم- ولكن كلمتى (رؤية وشعور) لا تعبران بالدقة عن الظاهرة التى تحدث فى شعوره... إنه يلاحظ، ولا يفكر، إنه يعرف... ويبدو أن قراءة أفكار تتصل بالإلهام العلمى والذوقى معا، وكذلك بتراسل الأفكار... وتراسل الأفكار كثير الحدوث. ففى كثير من المناسبات، فى أوقات الموت أو الخطر العظيم، يدفع الفرد على إنشاء علاقة معينة بشخص آخر. فالرجل الذى كتب عليه الموت، أو أن يصبح ضحية إحدى الحوادث، وإن لم تعقب الوفاة إصابته فى الحادث، يبدو لصديقه وكأنه فى حالة طبيعية لا غبار عليها، لأن شبح الموت يظل عادة صامتا. وقد يحدث أحيانا أن يعلن الشخص الذى سيموت أنه سيموت عما قريب... وكذلك فإن ذا البصر المغناطيسى قد يرى أيضا منظرا أو شخصا أو قطعة من الأرض على بعد سحيق، ويكون فى استطاعته أن يصفها بدقة تامة.. وهناك صور كثيرة لتراسل الأفكار، فإن عددا من الأشخاص تلقوا، مرة أو اثنتين، فى حين حياتهم رسالة تلقائية على الرغم من أن الله لم يهب لهم نعمة البصر المغناطيسى. وهكذا فإن معرفة العالم الخارجى قد تصل إلى الإنسان عن طريق مصادر أخرى غير أعضاء الحس... ومن المحقق أن الفكر قد ينتقل من فرد إلى آخر ولو كانت تفصل بينهما مسافة كبيرة.. وهذه الحقائق التى تنتمى إلى علم ما وراء النفس الجديد يجب أن تقبل على علاتها... إنها تكون
(1/228)

جزءا من الحقيقة.. وتعبر عن جانب نادر يكاد يكون غير معروف من أنفسنا.. ومن الجائز أنها مسئولة عن الدقة العقلية الحاذقة التى تلاحظ فى أفراد معينين. وواضح أن هذا الكلام تأييد تام لما سبقه... كلا المؤلفين يرى أن فى الإنسان طاقة مبهمة يستطيع بها أحيانا أن يدرك أشياء يستحيل إدراكها بالحواس المعتادة والطريق المألوفة. والدكتور (راين) يذكر لنا وقائع محددة تشهد لما يقول... ص _247
وسنذكر هذه الوقائع لافتين النظر إلى أنها تكاد تكون مطابقة للوقائع التى نرويها نحن المسلمين عن بعض الرجال المرموقين فى تاريخنا.. وهذا التشابه يدعم رأينا فى تجربة هذه الخوارق من الدلالات المثيرة التى يتحمس لها العامة عندنا حماسة تخرجهم عن الوعى. ويحسن أولا أن ننقل ما كتبه الأستاذ الدكتور (ج. ب. راين) فى هذا الموضوع، قال: "هناك أمثلة كثيرة على أن العقل يستطيع أن يتخطى المسافات، فالإدراك الذاتى لحوادث بعيدة لم يكن هناك مجال للإلمام بها بالطرق المعروفة يتردد ذكره كثيرا. هذه الأحداث الروحية تملأ كثيرا من الصفحات فى عالم "الباراسيكولوجى" غير التجريبى. ومن أشهر الأمثلة ذلك الذى يرويه الفيلسوف الألمانى (عمانويل كانت) فى كتابه عن (عمانويل سويدنبرج). فبينما كان (سويدنبرج) فى جوتنبرج فى عام 1759 استطاع أن يصف حريقا يحدث فى استكهولم على بعد 400 ميل منه. وقد قدم وصفا تفصيليا للحريق للسلطات الموجودة فى المدينة، كما أعطى اسم صاحب المنزل الذى احترق والساعة التى انتهت فيها عملية الإطفاء. وبعد ذلك ببضعة أيام وصل رسول ملكى وأكد الجلاء البصرى الذى حدث. ومن خواص هذه الحوادث أنها لا صلة لها بالمكان. فالأحداث الذاتية فى جميع الأنواع فى "الباراسيكولوجى" مثل الجلاء البصرى فى الأحلام والرؤى والإنذارات والإلهام لا تتأثر إطلاقا بالمسافات. وانتقال الفكر قد يحدث بين اثنين على بعد آلاف الأميال التى تفصل أحدهما عن الآخر كما يحدث وهما فى
(1/229)

نفس المنزل. وقد يشعر أحد الأقارب بموت قريب له أو صديق عزيز عليه والاثنان فى طرفى العالم. وقد أخبرنى أحد أصدقائى من علماء النفس مرة أن ابنا له كان يعيش فى جاوة منذ سنين مضت، فرأى فى المنام جنازة تمر بشوارع مدينته الأصلية فى "كارولينا" الجنوبية ص _2 ص
بأمريكا، وكان المنام واضح التأثير عليه لدرجة أنه كتب إلى أهله يسألهم إن كان ثم شىء حدث؟. واتفق وقت الحلم مع جنازة والدته التى ماتت فجأة. وقد وقف بمعمل "الباراسيكولوجى" حبر عظيم وزوجته ليرويا حادثة مشابهة فبينما كانا على سفر فى سويسرا منذ سنوات مضت شعرت الزوجة بشعور لا يمكن أن يوصف بأن أختها فى شيكاغو قد ماتت. وكانت الفكرة غير معقولة لدرجة أنها قررت ألا تخبر أحدا بها. وبعد ذلك بأيام قلائل أحست بأن من المحقق أن أختها قد دفنت. وفى هذه المرة أخبرت زوجها الذى كتب مفكرة بهذا الأمر، ولو أنه كان فى شك من حدوثه. وعندما وردت إليهما الأنباء تأكد لديهما أن أختها قد ماتت ودفنت فى نفس التواريخ التى أحست بها. وحادثه أخرى ذكرها لى مدير جامعة كبيرة ، فقد كان من واجبه مرة أن يبلغ زوجين أمريكيين بوفاة ابنهما فجأة فى الصين. فعندما سمعا النبأ المحزن استدار الأب للأم وقال! لها: لقد كنت على حق. فقد أبلغته قبل ذلك بعدة أيام أنها متأكدة أن ابنها مات. وقد وقع كثير من هذه الحوادث الباراسيكولوجية أثناء الحرب. وفى هذه الحوادث كانت تشعر الزوجة أو الأم أو الخطيبة لرجل فى القوات المسلحة بإصابته أو وفاته فى نفس الوقت الذى تمت فيه الفاجعة. وفى معظم الحالات كانت الفكرة تأتى للشخص عابرة مسافات شاسعة من الأرض والجبل والبحر. ومعنى هذه التجارب الشخصية واضح بما فيه الكفاية. ولكن هناك سؤال واحد حول هذه الحقائق ننسها. فقد أمكن أن نتثبت من أن (أ. خ. أ.) كان هوالعامل الفعال فى هذه الحالات، فإنها تشير إلى أن هذا النوع من النشاط العقلى الذى لا يخضع لحدود المكان التى
(1/230)

تخضع لها العمليات العقلية الأخرى، ولو كان ما نعالجه موضوعا عاديا لاكتفينا بالمجموعة الكبيرة من الحالات الباراسيكولوجية التى وردت عن أشخاص موثوق بهم كدليل كاف. ص _249
ولكن ما نعالجه ليس موضوعا عاديا. وإن مشكلة هامة كالتى نحن بصددها- وهى مشكلة: هل العقل نظام مادى بحت أم لا- تحتاج لأصح الأدلة أساسا، وهذه الحالات الذاتية لا تعتبر دليلا، لكنها تصلح هدفا للتجارب العلمية بعد ذلك. نقول: وهذا استنتاج حصيف، فإن العالم لا يتلهف على تقرير نتيجة ما لأول ما يلحظ سن وقائع إلا بعد استعراض وقائع شتى فى ظروف مختلفة حتى يمكن إرساء الحقيقة العلمية فوق أرض لا تميد. وقد تناول الطبيب العلامة "ألكسس كاريل " هذه الوقائع بطريقته الخاصة. فتحدث أولا عن أصحاب الخوارق التى رآها، مبينا أنهم ليسوا طلاب منفعة، أو هواة مصلحة قريبة، إنهم مؤمنون فدائيون يضحون بأرواحهم فى سبيل مبادئهم، قال: "إن الأشخاص الذين يتبعون مثلا خلقية أو علمية أو دينية عليا لا ينشدون الأمان أو طول العمر. بل هم يضحودن بأنفسهم فى سبيل هذه المثل العليا. ويبدو أيضا أن حالات معينة من الشعور تحدث تغييرات باثولوجية (مرضية) حقيقية. فقد تعرض أكثر المتعبدين الكبار لمتاعب سيكولوجية عقلية ولو لفترة محدودة من حياتهم. وعلاوة على ذلك فقمد يقترن التأمل بظاهرة عصبية تشبه ظواهر الهستريا أو البصر المغناطيسى. وإننا لنقرأ فى تاريخ القديسين وصفا لحالات الذهول واتصال الأفكار، ورؤية أحداث وقعت على بعد، بل صورا للطيش أيضا!. وقد قرر بعض رفاق العابدين المسيحيين أنهم أبدوا مثل هذه الظاهرة الغريبة. فكان المتعبد يستغرق استغراقا تاما فى عبادته فلا يعى العالم الخارجى مطلقا. ومن ثم، فإنه لا يلبث أن يرتفع برفق عن الأرض. بيد أنه لم يمكن حتى الآن الإتيان بهذه الحقائق الخارقة إلى محيط حقل الملاحظة العلمية. وقد يحدث نشاط روحى معين تعديلا تشريحيا ووظيفيا فى الأنسجة
(1/231)

والأعضاء. وتلاحظ هذه الظواهر العضوية فى ظروف مختلفة، من بينها حالة العبادة. ص _250
فالصلاة، كما يجب أن تفهم، ليست مجرد ترديد آلى للطقوس، ولكنها ارتفاع لا يدركه العقل. إنها استغراق الشعور فى تأمل مبدأ يخترق عالمنا ويسمو عليه. ومثل هذه الحالة السيكولوجية ليست عقلية... إن الفلاسفة والعلماء لا يفهمونها، كما أنها صعبة المنال عليهم. ولكن يبدو أن الشخص المتجرد من حب متاع الدنيا يشعر بالله بمثل السهولة التى يشعر فيها بحرارة الشمس أو بعطف أحد أصدقائه عليه. إن الصلاة التى تعقبها تأثيرات عضوية، ذات طبيعة خاصة، فهى أولا لا تهتم بالذات، إذ يقدم الإنسان فيها نفسه لله، فيقف أمامه كما تقف "اللوحة" الفنية أمام الرسام، والتمثال أمام النحات، وهو يطلب منه، جل جلاله، أن يسبغ عليه رحمته، ثم يكشف له، سبحانه وتعالى، عن مطالبه ومطالب إخوانه من المرضى. وفى العادة يشفى المريض، الذى لا يصلى من أجل نفسه ولكن من أجل شخص آخر. ويتطلب مثل هذا النوع من الصلاة إنكار الذات إنكارا تاما، وهذا نوع سام من الزهد والتقشف... والرجل المتواضع والجاهل والفقير أكثر اقتدارا على إنكار الذات من الرجل الغنى والمثقف... وحينما تكتسب الصلاة مثل هذه الصفات فقد تؤدى إلى حدوث ظاهرة غريبة هى "المعجزة" هكذا يعبر. ففى جميع البلاد والأزمان آمن الناس بوجود المعجزات وشفاء المرضى سريعا فى أماكن الحج، وفى معابد معينة، بيد أن قوة العلم الدافعة إبان القرن التاسع عشر جعلت مثل هذا الإيمان يختفى اختفاء تاما... ولقد كان المعترف به بصفة عامة أن مثل هذه المعجزات لم تحدث فحسب، بل إنها مستحيلة الحدوث أيضا، فكما أن قوانين علم الحرارة الديناميكى تجعل الحركة المستمرة مستحيلة، فإن القوانين السيكولوجية تعارض المعجزات. ذلك هو إذن موقف علماء النفس والأطباء... ص _251
(1/232)

ومع ذلك فبالنظر إلى الحقائق التى لوحظت فى خلال الخمسين عاما الأخيرة فلن يكون فى الإمكان الإصرار على هذا الموقف، فإن أكثر حالات الشفاء الإعجازى أهمية هى التى سجلها المركز الطبى "للورد". أما فكرتنا الحالية عن تأثير الصلاة على الأمراض الباثولوجية فقائمة على ملاحظة المرضى الذين شفوا فورا من مختلف الأمراض مثل سل البريتون، والخراجات الباردة، والتهاب العظام والجروح العفنة، وسل الأنسجة والسرطان... إلخ. وتختلف عملية الشفاء قليلا من شخص لآخر، وغالبا ما يشعر المريض بألم حاد يعقبه على الفور إحساس مفاجئ بالشفاء.. فى ثوان معدودة، أو دقائق معدودة، أو على الأكثر فى ساعات معدودة. ثم تلتئم الجروح وتختفى الأعراض الباثولوجية (المرضية) ويسترد المريض (شهيته)... وقد تختفى الاضطرابات الوظيفية أحيانا قبل أن تصلح الجروح التشريحية. وقد تستمر التشوهات الهيكلية الناتجة من (مرض بوت) أو الغدد السرطانية، يومين أو ثلاثة أيام بعد شفاء القروح الرئيسية... وتتصف المعجزة الرئيسية بسرعة متناهية فى عملية الإصلاح العضوى وليس هناك شك فى أن درجة التئام النقائص التشربحية أكثر بكثير من الدرجة العادية... بيد أن الشرط الذى لا مفر منه لحدوث الظاهرة هو: الصلاة.. إلا أنه لا توجد ضرورة تدعو المريض نفسه للصلاة، أو أن يكون على أية درجة من الإيمان الدينى. وإنما يكفى أن يصلى أحد الموجودين حوله. "إن لمثل هذه الحقائق مغزى عظيما... فإنها تدل على حقيقة علاقات معينة، ذات طبيعة ما زالت غير معروفة، بين العمليات السيكولوجية والعضوية، وتبرهن على الأهمية الواضحة للنشاط الروحى التى أهمل علماء الصحة والأطباء والمربون ورجال الاجتماع دراستها إهمالا يكاد يكون تاما". من حق القارئ- بعد الوقوف على هذه النقول الأجنبية- أن يسأل إلى أين تذهب بنا؟. وما هذه السياحة الغريبة المريبة؟. ص _252
(1/233)

ونجيب بأن الأمر يتطلب تلخيصا لوجهة النظر الإسلامية يضع الحق فى نصابه وينفى أسباب الريبة والبلبلة. اتفق علماؤنا على أن الله يؤيد رسله بخوارق للعادات تتسما بالوضوح والعلانية وتقترن بالتحدى ودعوى النبوة. وهذه الخوارق توصف بأنها معجزات، وهذا الوصف الخاص لا ينسحب على أى خارق آخر... وما يجرى على ألسنة الكتاب مخالفا ذلك فهو بعيد عن مصطلحنا الإسلامى. واتفق علماؤنا على أن هناك خوارق للعادات تقع للنساك والفساق والأشخاص العاديين... ومعنى وقوعها لهذه الفئات المختلفة من الناس، أنها- كما أسلفنا القول- لا تدل على امتياز أدبى أو ارتضاء إلهى... لعلها قدرات روحية خاصة ألا ترى أن رفيقى يوسف الصديق فى السجن رأيا رؤيا جاءت كفلق الصبح، مع أنهما كانا مشركين؟ أحدهما عاش يسقى الملك خمرا، والآخر قتل صلبا. وهذا الملك نفسه، ما كان مؤمنا، ومع ذلك صدقت رؤياه وأنقذت مصر من مجاعة!. إن الكيان الروحى لبعض الناس يشبه الكيان المادى لبعض الملاكمين أو طوال البصر... والجسم الأيد (1) أو البصر الحديد لا علاقة لهما بالصلاح والطلاح، كذلك أمر قراءة الكف والجلاء البصرى وما شابه ذلك، لا صلة له بإيمان وكفران.. وربما قدر البعض بالمران والرياضة على تنمية مراهبهم الروحية، ووصلوا بذلك إلى أشياء كثيرة ذات بال. ومن العلماء من اكترث بهذه الحوادث وتوفر على دراستها كما رأينا. ومنهم من رفضها جملة وتفصيلا، لأنه استبعد وقوعها وجادل فيه بعنف. ص _253
(1/234)

أو لأن ركاما من الأوهام والخرافات يقترن بهذه الحوادث حتى يختفى الصحيح وسط المزعوم، مما يزهد الباحثين فيها كلها. وكان يجب على المسلمين ألا تستخفهم أنباء هذه الخوارق، وألا يغتروا بأصحابها، سواء أكانوا صادقين أم كاذبين. لكن ما حدث كان على الضد، فقد عدوا كل خارق للعادة كرامة من الله لمن تلبس له... فإذا بدا أنه لا يصلى مثلا فى المسجد المألوف للجمع والجماعات، زعموا أنه- وهو فى القاهرة- يصلى بالمسجد الحرام. وفى نافوس العوام بلاهة، ولهم حاجات، ومن ثم يكثرون فى ساحة هذا الولى المزعوم، يطلبون منه صنع الخوارق وقضاء المآرب!. وإلى هنا يمكن أن نقول: جمهور ساذج يوشك أن يفيق من غفلته. ولكن الذى لا يقبل هو حماسة بعض العالمين أو المتعالمين فى إثبات هذه الخوارق، وتزكية أصحابها... ونقل ذلك إلى مظاهر الإيمان بالله واليوم الآخر... وقد درسنا ونحن أطفال كتابا فى العقيدة قام نصفه على هذه السخافات! وهذا شىء بارد. فلا حسن الإيمان يقتضى وقوع خارق، ولا وقوع خارق دليل على حسن الإيمان... وفيما قصصنا من أنباء غير المسلمين ما يكشف وجه الحقيقة... وقد أطلنا النقل لهذا السبب. والأقرب إلى طبيعة ا لإسلام تعليم الجماهير احترام القوانين العامة، شرعية أو عقلية أو كونية، وحماية التفكير الدينى من شطحات الملتاثين. فإذا وقع ما يخالف المعتاد، رد الأمر إلى الفاقهين ليدرسوه، ويقولوا فيه كلمتهم، بعيدا عن الأجواء المحمومة، والتهم الطائشة... جاءنى يوما رجل مشهور بالإيمان والطيبة وقال لى فى استحياء ولوم: سمعت أنك هاجمت الإمام الحسين، وزوار ضريحه، ووصفته بما لا يليق!. ص _254
(1/235)

فقلت له وأنا دهش: كيف؟. قال: كنت تشرح عقيدة التوحيد، فوصفت قاصدى القبر الشريف بكلمات رديئة!. وصفتهم بأنهم أشخاص أعجبهم قصر منيف، فبدل أن يتجهوا بالإعجاب إلى بانيه، اتجهوا بمدائحهم ورغباتهم إلى إحدى درج السلم أو إحدى سلال المهملات!. قلت لمحدثى: أما أنى هاجمت الحسين، فوالله إنى أحب الحسين وأباه وجده، وودت لو كان لى شرف الموت فى كربلاء، أو صفين، أو إحدى الغزوات!. وما خطر ببالى يوما أن أسىء إلى رجل أو امرأة من آل البيت. وإنى لأرى حبهم دينا وكرههم فسقا... وأما أنى تحدثت فى عقيدة التوحيد، فنعم. ومن الرسول وآل بيته تعلمنا هذا الحديث، وقد قلت فعلا: إن الذى يدع الله رب العالمين، ويتجه إلى شىء من الأشياء، أو شخص من الأشخاص يطلب منه ما لا يطلب إلا من الله فهو ضال. وقد كنت فى كلامى أهاجم الوثنية، ولا أطعن فى أحد، وما خطر ببالى قط أمر الإمام الحسين. قال: لقد كنت تخطب فى الجامع الأزهر، وهو قريب من مسجد الحسين، فليس عجبا أن يكون كلامك اعتراضا على رواده، ولماذا تقول كلاما يفيد ترك الوسيلة؟. قلت: إذا أقبل أحد على الله بقلبه، وشرع يوجه العباد إليه وحده، ضاقت بذلك أفئدتكم وتصيدتم له التهم، وطلبتم منه العبث!. كيف تجىء إلى إنسان تعلقت بالله مشاعره، وارتبط به خوفه ورجاؤه لتقولى له: اعرف فلانا أو توسل بفلان!.. إن جماهير المسلمين لو عاشت وماتت وهى لا تعرف فلانا هذا ما نقص إيمانها ذرة! فكيف تقحم أنت على صلتها بالله ما لا جدوى منه- على أخف الفروض؟. يا ألله، هل حديث التوحيد يجعل صاحبه ظنينا، ويعرضه للقيل والقال؟. ص _255
(1/236)

قال: كأنك تنكر كرامات الأولياء ومكانتهم عند الله!. قلت: وما علاقة هذا كله بتوحيد الله وإفراده بالدعاء؟ إن للصالحين عند الله مكانة تخلدهم فى نعيمه المقيم رضوانه العميم... وقد بلغوا هذه المكانة بصدق العبودية، وإبداء الذل والاستكانة فى الحضرة الإلهية، ونحن مكلفون أن نصنع مثلهم، أو نقترب من شأوهم إن لم نبلغه... فما هذا التسكع حول أسمائهم، وابتداع أساليب فى مرضاة الله ما أنزلها ولا أذن بها؟. ومرة أخرى، كيف تجىء إلى قلب فرغ من المخلوقين إلى الخالق، وخلص من العبيد إلى السيد، لتقول له: اقسم مشاعرك بين الله وفلان؟. وما علاقة ما ينسب إلى هؤلاء الأولياء من خوارق وبين صدق العقيدة؟. ما هذا الحمق؟. إن الخاصة الأولى فى الإسلام أنه دين التوحيد المطلق. ويظهر أن بعض الناس تهبط طبائعهم دون ذلك فيجنحون إلى الأوهام المجسمة لينشئوا علاقات معها، تنمو على حساب التوحيد الخاص!. وقديما عندما هاجم التتار بغداد، سمع بعض المغفلين من هؤلاء يقولون: ياخائفين من التتر لوذوا بقبرأبى عمر! ولا أعرف أبا عمر هذا ولا قبره، وسواء كان صالحا أو طالحا، فإن اللياذ به لا يغنى شيئا. وقد سقطت بغداد، وأعمل السيف فى رقاب الرعاع اللائذين به.. وكان بعض الحشاشين فى القاهرة يستكثر أن يحتلها الإنكليز وفيها قبر فلان وفلان ومن الأئمة!. ماذا دهى المسلمين حتى سرت بينهم تلك الخزعبلات؟ فإذا شرحت عقيدة التوحيد فى أدب وتيسير جاء من يتهمك بعداوة الصالحين!. ذلك، أما خوارق العادات التى شاع ذكرها واستفاض فى ميادين التعبد والولاية، ص _256
(1/237)

فأولى بالمسلمين ألا يتجاوزوا بها دلالتها المحدودة، فهى- لو صححت- ما كانت أمارة على قربى من الله، ورفعة درجة عنده. فكيف، وأغلب هذه المرويات نسيج خيال أومبالغات سذج؟. والخلاصة، أننا نحترم قوانين الأسباب والمسببات احتراما تاما... ولكننا نعلم أنه ما من سبب يبلغ غايته إلا بإذن الله المشرف على إيجاده وإمداده، وأنه، جل جلاله، لو شاء وقفه فما مضى إلى هدفه. فليس هناك مانع عقلى من هذا الانفكاك بين الأسباب والمسببات. يبقى بعدئذ التساؤل: هل وقع ذلك؟. والجواب: إن أهل الأديان قاطبة نسبوا إلى أنبيائهم هذه الخوارق، وصح لدينا وقوعها، لأن الله بذلك أخبرنا. فلا معنى لإنكارها. أما بعيدا عن جو النبوات، فا لأمر بين أخذ ورد، وإنكار وإثبات. ومع التسليم بوقوع هذه الخوارق، فهى لن تشهد لأصحابها بخير، لأن نهج الخير له دليل فذ، هو الإيمان الحق والعمل الحق. والكرامة التقوى، وليست وقوع الأعاجيب!.. ثم إننا لسنا مكلفين فى هذا الميدان بتصديق أو تكذيب. ويبقى الحديث عن الأمراض التى شفيت بأساليب خارقة... ونحن المؤمنين بالله نعرف أن رحمة الله وسعت المؤمن والكافر فى هذه الدنيا، وأنه، جل جلاله، يمد صنوف الناس بأسباب الحياة والبقاء وإن تمرد بعضهم عليه!. إنه لا يقطع مدد الدم عن القلب الكفور، ولا فيض الوجود عن الفكر التائه. (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ) فإذا مرض مشرك، أو أحرجته أزمة، أو أطبقت عليه ظلمة، فصاح بالله يسأله الغوث ويطلب منه النجدة، فإن الله أهل اللطف والفضل، وهو يجيب الدعاء... قال تعالى فى كتابه العزيز: (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين * قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون ) ص _257
(1/238)

وأى غرابة فى ذلك؟ إن الشخص ينكر وجود الله، ومع ذلك فإن الله يملأ بطنه بالطعام ويكسو بدنه بالرياش… فهل إذا نقصه بعض ما ألفه يصعب عليه أن يرإه إليه؟. كلا، والأمر كله اختبار طويل الأجل، يمتحن الله عبده بالنعمة الجزيلة، والمصيبة الفادحة، ليكون تقليبهه بين السراء والضراء موقنها لضميره، ومنبها لعقله. فإذا استفاق من غفلته وآمن بالله وحده، وأحسن العودة إليه نجا، وإلا هوى. وفى ذلك يقول الله: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين * فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ). فليس عجبا إذن أن يجثو فى ساحة الله مريض من أية ملة يجأر بطلب العافية من علة اعجزت الطب، فإذا داؤه ينزاح، وسقامه يذهب. كيف وقع ذلك؟ لا ندرى!. والمهم ليس فى الشفاء، بل فى معرفة الله بعده على وجه صحيح، والقيام بشكره على نعم لايحصيها عد... وقد تقع فى أوساط المتعبدين أمور من هذا القبيل الخارق، فيكون ما يلحظ منها باعثا على دعاء الله بما يجيش فى النفس من حاجات متعسرة!. ألا ترى زكريا عندما رأى الارزاق تنهمر على مريم دون أن يعرف مأتاها (قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) وكان زكريا تواقا إلى أن يكون له ابن، بيد أن الشيخوخة أدركته، وزوجته إلى جانب ذلك عاقر، فلا أمل من الناحيتين. ص _258
(1/239)

غير أن ما وقع لمريم مخالفا للعادة أشعل أمله فى جانب الله، وقوى رجاءه أن يحدث له ما حدث لها "هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء * فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى". وتساءل زكريا: كيف يتم هذا مع العوائق القائمة مع شيخوخته واجتداب امرأته؟ وهو تساؤل المستشرف لإزاحة هذه العوائق لا اليائس منها، وكان الجواب: "كذلك الله يفعل ما يشاء". ولا ندرى كيف تم الإنجاب؟ إلا أن يحيى وجد، وورث أباه فى النبوة. وعندى أن هناك أسبابا كثيرة يجهل البشر طريقة استخدامها كما أن القدرة العليا لا تحصرها الأسباب التى نعرفها... ونحن مكلفون باحترام قوانين الأسباب والمسببات، كم كلفنا باتباع المحكم من آيات القرآن. أما ما ند عن هذه القوانين فلا نطيل السير وراءه، فهو كالمتشابه الذى يجر تعمقه إلى الزيغ والانحراف... وقد اعترضت حياة الناس فى كل زمان ومكان خوارق شتى لا نحب أن نحملها من المعانى ما لا تطيق. ص _259
(1/240)

من مزاعم الروحية الحديثة عند بعض المتدينين طيبة تبلغ حد السذاجة، وإيمانهم بالغيب- إذا تجاوز حدود الكتاب والسنة- قد يكون ثغرة تنفذ منها الأساطير، وتضار بها حقيقة الدين. وقصة تحضير الأرواح التى شاعت فى عصرنا هذا قد اكتنفها أوهام شتى، وسرت فى ركابها أفكار ينكرها الإسلام... ولكن لما كان الموضوع نفسه مثيرا، ولما كان مضادا بطبيعته للمادية التى فرضت نفسها على العلم، والسلوك... فإن كثيرا من الناس هش له بدوافع حسنة، وظن أنه يستطيع نصرة الإيمان عن طريقه. ونحن نريد معالجة هذه النزعة من أساسها على ضوء ما نحفظ من كتاب ربنا وسنة نبينا... ولعل إحقاق الحق فى هذه القضية يضح الحدود لجدل كثير، ويغلق الأبواب أمام ترهات لا آخر لها. ونتساءل أولا: هل الأرواح فى العالم الآخر- أعنى فترة البرزخ- تستأنف نشاطها العام على نحو ما كانت تسير فى الحياة الدنيا، وأن وسائلها فى عالمها الجديد أومع دائرة وأعظم اقتدارا؟. إن بقاء الأرواح بعد الممات عقيدة لا ريب فيها، وهى عقيدة جميلة مشرقة، حبذا لو ذكرنا الناس بها حينا بعد حين، فإن صورة الموت ترسمها الأذهان فى إطار قابض عفن!. وأكثر الناس- فى هذا العصر- يظن الموت مرادفا للبلى والفناء، ونهاية العهد بالإحساس والحياة والضياء!. وهذه الأفكار من نضح المادية التى تسود عالمنا الأرضى، أو هى من بقايا الجاهلية الأولى فى فهم الوجود وقضية الخليقة. ص _260
(1/241)

والدين ضد هذه الأوهام، ونصوصه جازمة بأن الآخرة حق، وأن الموت نقلة من عالم إلى عالم، ومن وجود مستيقن إلى وجود مستيقن!.. لكن، هل الأرواح بعد هذه النقلة تستأنف سلوكها الأول- كما يقول معتنقو الروحية الحديثة- وأن بعضها يشتغل بالنصح الفردى وحل المشكلات العارضة، وبعضها يتسكع دون عمل، وبعضها يمد يده بالأذى للأحياء، وبعضها يدور مذهولا لا يدرى أنه مات؟. هكذا يكتب الروحانيون فى رسائلهم، بل إن بعض الأرواح عندما استحضر طلب (سيجارا) يد خنه!!!! الخ. هل هذه سمات العالم الروحى ووظائفه؟. وهل صحيح أن ضروب الخدمة الاجتماعية تتاح لكثير من الأروإح، لعلها ترقى وتنال رضوان الله وغفرانه، أو لعلها تكفر عما فاتها فى الماضى الأول أيام الحياة الدنيا؟. هنا نختلف مع دعاة هذه النحلة أشد الاختلاف وتفترق بنا الطرق، فيذهبون حيث شاءوا ونثبت نحن على ما بين الكتاب الكريم والسنة المطهرة. الإسلام قاطع فى أن ميدان العمل الإنسانى هو هذه الحياة الدنيا. وأن المرء- فى فترة الأجل الموقوت له- يبتلى بفنون التكاليف، ويتعرض لامتحانات شتى، وأن نجاحه وسقوطه يتقرران جميعا عند انتهاء عمره على هذه الأرض! وهو بالموت مباشرة يبدأ مثوبته أو عقوبته!.. قضى الأمر، وطويت أوراق الامتحان، ومن سجلاتها وحدها يكتب من أهل اليمين أو من أهل الشمال. ليس هناك مجال آخر لتكليف، ولا تعرض آخر لامتحان ولا استئناف لحكم أو طلب لفرصة جديدة.. نعم، فوق هذا الثرى وحده يكلف الإنسان أن يؤمن بإلله لا يراه، ولكن يرف آثاره، ويعرف أدلته. ويكلف بإيثار الخير وإن ضحى بثسهوته العاجلة، ونزل عن رغباته الحاضرة، ويكلف بالإعداد لليوم الآخر، والبذر للحياة المستقبلة موقما بعالم الغيب، وإن كان مغمورا بعالم الشهادة... ص _261
(1/242)

فوق هذا الثرى وحده، وخلال العمر المقدور له، يصنع الإنسان مصيره المرتقب، ويستحيل أن تتاح له فرصة أخرى لمثاب إن كان خاطئا، أو الارتقاء إن كان قاصرا، فإن الموت فاصل قائم بين حياتى العمل والجزاء، أو حياتى البذر والحصاد!.. واسمع إلى إجابة الله للمجرمين وهم يلقون جزاءهم العدل: (وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير). وهذه الإجابة الإلهية تكرار لما قد يسآله المجرمون عند ساعة الاحتضار، عندما تذهب السكرة وتجىء الفكرة، عندما يتلهفون على ماض ضاع سدى، فيقول أحدهم: ( قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) نعم، إلى يوم البعث لا مكان لعمل، لا استئناف لنشاط، لا فرصة لتوبة، لا مجال لترقيع ما فسد!. إن مجال العمل المطلوب والتوبة المنشودة فى هذه الدنيا وحدها، والمرء فى عافية من دينه، وفسحة من أجله، وإقبالى من أمله. فإذا دنت ساعة الرحيل عن هذه الدنيا أخذ الكرام الكاتبون يطوون دفاترهم، دون اكتراث لتوبة الغرغرة أو يقظة الضمير الصاحى بعد فوات الأوان. (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ). (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار ) الواقع أن قبول الإيمان من كافر فى هذه اللحظات أو قبول التوبة من مفرط، أشبه ما يكون بقبول الغش فى الامتحان، وحمسبان الطالب الذى يتلقف عونا من هنا وهنا- ليستطيع كتابة شىء فى ورقته- مساويا للطالب الذى عكف على الدراسة، وسهر الليالى فى انتظار هذه الساعة. ص _262
(1/243)

وشتان بين الرجلين. ومن ثم كان الجواب الأعلى لما قال فرعون: "آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين * آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين". وهذا المعنى السارى فى آيات القرآن طولا وعرضا ترى مثله فى أحاديث النبى،صلى الله عليه وسلم : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم نافع، أو ولد صالح يدعو له " . وتلك بداهة آثاره فى الدنيا تخلفه بعد حياته ويجرى عليه أجرها ما شاء الله. ومن فضل الله على كثير من خلقه أن جعل لهم (رصيدا) مفتوحا من المثوبة النامية الباقية ما بقى عملهم متجدد النفع مطرد الفائدة. فإن العمل قد يكون محدود الدائرة لا يتجاوز خيره خطا معينا. على حين يؤلف البعض كتابا يسير هداه مع الأجيال، أو يصنع دواء يستشفى به المرضى فى القارات كلها... لكن بدء هذا العمل النافع الواسع كان فى حياة صاحبه، وأثناء الاختبار المقرر على ظهر هذه الأرض. أما بعد الممات فلا تكليف بعمل، ولا مجال لابتلاء: ولا "ملحق " لنجاح أو رسوب. قال على بن أبى طالب: "ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الدار المقبلة ولا تكونوا من أبناء الدار المدبرة، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل ".. وخطب النبى، صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال!: "أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فقفوا عند نهايتكم ". إن المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدرى ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقى لا يدرى ما الله قاض فيه. فليأخذ امرؤ من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت . ص _263
(1/244)

والذى نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أوالنار". وتوكيدا لهذا المعنى، وانتهازا لفرصة العمل فى الدنيا قبل مغادرة الدنيا، وفى أثناء العمر المتاح قبل انقضاء العمر ومفارقة الحياة، يقول هذا الرسول الكريم. "أيها الناس، كأن الموت فى الدنيا على غيرنا قد كتب! وكأن الحق فيها على غيرنا قد وجب. وكأن الذين نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم، كأنا مخلدون بعدهم، قد نسينا كل واعظة ، وأمنا كل جائحة. طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية، ورحم أهل الذل وخالط أهل الفقه والحكمة. طوبى لمن زكت نفسه وحسنت خليقته، وطابت سريرته وعزل عن الناس شره، وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة ولم يذهب عنها إلى البدعة" . ولا تخالط مسلما ذرة من الشك فى صدق الجزاء المكتوب للصالحين والطالحين، وأن مطالعة هذا الجزاء تبدأ مع مفارقة الروح الجسد، ورحيل الإنسان عن هذه الدار... فإما هبت نسائم النعيم على أهل التقوى، واستقبلتهم بشريات الفوز والنصر... وإما تطاير شرر الغضب على أهل الإلحاد والعصيان، ورأوا عواقب زيفهم عارا ونارا... وذاك معنى الحديث: "القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار" . الأرواح بعد الموت يستغرقها الجزاء المقدور لها على ما قدمت فى حياتها الأولى!. وتصور أنها تستأنف العمل بعد الموت فى ميدان ما بيننا نحن الأحياء تصور معتل منكور، لا صلة له بالدين ولا يعتمد على إثارة منه. ص _264
(1/245)

فكيف، بعد تعاليم الإسلام الواضحة- على ما أسلفنا- يجىء قوم فيزعمون أن الأرواح تعمل بعد الموت، وأنها تشتغل بالطب والتعليم حينا، والتسول والاعتداء حينا. وأنها تشارك الناس أحوالهم، وتقف حيث هى فى انتظار من يشير إليها لتحضر فى قفة أو دلو، أو ما شاكل ذلك!. ثم إن الجزاء الذى صوره القرآن فى عشرات السور لا تلمح له أثرا، بل تكاد تظنه صفرا، فيما يصور به الروحيون مذهبهم العجيب، فلا جرم أن نرى الذهاب إليه انصرافا عن الإسلام نفسه، وريبة فى كتابه وسنته. إننى أعلم- كغيرى من المسلمين- أن الأرواح المجرمة تحبس فى سجنها الموحش القاسى، وتلقى من العنت ما يشغلها عن السياحة والتسكع فى شتى القارات، تنتظر من يحضرها لتسأل فتجيب. وأعلم أن الأرواح الطيبة مرحة فى بحبوحة النعيم الإلهى، وأنها قد تعرف ما يلقى الأهل والأقربون، وأنها ترقب مجيئهم من دار الغرور إلى دإر الحبور، وأنها لا تتكلف تسبيحا وتحميدا، فقد أصبح ذلك طبيعة لها كالتنفس لأهل الأرض. نعم، نحن نعرف من كتاب ربنا وسنة نبينا أطرافا من ذلك الأمر المغيب، وليس وراء العرفان إلا الظن الذى لا يغنى من الحق شيئا.. ومع هذه المعرفة المستيقنة، فإن المشتغلين بتحضير الأرواح لا بأس عليهم أن يستحضروا روح "كارل ماركس " ليقول لهم: أنه فى نعيم مقيم! وكم من كافر حضروا روحه لتعلن سرورها بعالمها الجديد!. ولقد رأيت أن أسترسل وراء هذه الكائنات التى زعموا أنها أرواح تشتغل بهداية البشر!. فتتبعت مواعظها، وقرأت ما أملت من كتب، وألفت من خطب، فماذا وجدت؟. وجدت من خلال العبارات المحمومة المتلقاة عن طريق الوسطاء أن الروحية دين جديد! له تعاليم جديدة! وسرعان ما وازنت بين هذا الدين وتعاليمه والإسلام الحنيف وما جاء به، فأدركت أن التعاليم الجديدة مجموعة خرافات نبتت من الأرض ولم تنزل من السماء، وأن من أوحى بها ليسوا أرواحا هادية. وإنما هم مردة الجن... ص _265
(1/246)

تتضافر الجماعات المشتغلة بتحضير الأرواح على الترويج لديانة جديدة تحل محل الديانات القديمة وتنسخ تعاليم الأنبياء الأولين، وترسم للعالم طريقا أخرى تصلح لطوره المعاصر، وتلتقى فيها شتى الأجناس والنحل.. ولا يحتاج المرء إلى عميق ذكاء ليرى أن الروحية الحديثة، بما وفدت به من تعاليم تقوم على وحدة الوجود، فالله والعالم شىء واحد!. وعلى تناسخ الأرواح وخلود الحياة المأنوسة لنا الآن، فلا فناء للدنيا، وليس هناك يوم للبعث والحساب العام!. وعلى أن الشرائع القديمة قد استنفدت أغراضها، والروحية الحديثة هى التى ستهدى العالمين بوحيها العصرى المتقدم!!!. ويبلغ هذا الخبل الروحى مداه عندما يكذب رسالة محمد، ويؤكد الأخبار التى راجت عن النبيين والمرسلين مصادمة تصوير القرآن الكريم لمحياهم ومماتهم. بل هنا ينكشف القناع عن الأهداف التى تعمل لها الروحية الحديثة، والنيات الاستعمارية التى تختبئ-خلفها!. ومن الذى يختلق هذه الترهات ويروج لها؟ عالم الأرواح الذى اتصل بالبشر فجأة لينير لهم الطريق!.. ونريد أن يقف القراء وجفا لوجه أمام النصوص التى تشرح هذه الروحية الحديثة منقولة عن الصحائف التى ينشرها أتباعها ويتحمسون لها أشد الحماسة.. فى كتاب للجمعية الإسلامية الروحية اسمه: "التوحيد والتعديد"، يقول: الروح الرائد لهذه الجمعية: "إنى صوت منبعث من السماء ينادى أهل الأرض أن آمنوا بالله... إنى أحمل رسالة هداية من السماء أعد خطواتها بدقة عباد مخلصون لله تجمعوا* فى ملكوته الأعلى.. إن دورى هو دور رسول يبلغ الرسالة، ولقد جاهدت لأكون أمينا فى إيصال ما حملته " ص 45، ص ص . ثم يقول مسيلمة الجديد، نبى الروحية الحديثة: "تذكروا دائما أنكم فى الله وأن الله فيكم "!. واسم هذا الروح الرائد للجمعية الإسلامية الروحية "سلفر برش ". ويقول "سلفر برش " هذا فى كتابه "الحكمة العالية" الذى تلقاه عنه أتباعه: "نحن جميعا جزء من الروح الأعظم، وأنتم
(1/247)

فى مجموعكم مع بقايا الحياة الأخرى تكونون الروح الأعظم، ص _266
ولا وجود لله خارج هذه المجموعة، ولو أن هذا القول لا يمكننى البرهنة عليه، إلا أنه يحسن قبول كلمتى فى هذا الصدد" ص 52. وهناك روح آخر اسمه: "هوايت هوك "، يهيب بالناس قائلا: "يجب أن نتحد فى هذه المعركة، فى هذا الدين الجديد (!) وأن تسودنا المحبة وأن تكون لنا القدرة على الاحتمال والتفاهم... رسالتى- أى دعوة "هوايت هوك، زميل سلفر برش "- أن أواسى المحروم وأساعد الإنسان على تحقيقه فى نفسه مع الله سبحانه. الإنسان إله مكسو بعناصر الأرض! "وهو لن يدرك ما فى مقدوره حتى يحس بجزئه الملائكى الإلهى... ". العدد 127 من مجلة عالم الروح. وفى كتاب التوحيد والتعديد الذى أوحى به "سلفر برش " يقول: "إن اليوم الذى تنتشر فيه التعاليم الروحية فى عالمكم سيكون فجرا ليوم سعيد.. إذ ستزول الفوارق بين الشعوب وتهدم الحواجز بين الأجناس، وتذوب الفوارق بين الطبقات وتتلاقى الأديان حول حقيقة واحدة كما نبعت من حقيقة واحدة". ص 57. وهذا المعنى تؤكده مجلة "عالم الروح " فى العدد 126، إذ تقول: "إن هذه المنظمة ستكون لكل البشرية، وعن طريقها سوف يوضع لنا سكان العالم الروحى طريقة جديدة للحياة، ويعطوننا فكرة جديدة عن الله ومشيئته، وسوف يحطمون الحواجز بين الشعوب والأفراد، وبين العقائد والأديان ". وفى كتاب التوحيد والتعديد- تعاليم "سلفر برش "- يقول: "إذا كان التعصب للأديان فى وهم إقامة المناسك معطلا عن التلاقى فى صعيد واحد، وهو معطل فعلا (!) فإن الأديان ليست من المناسك، فلتترك البشرية هذا جانبا، ولنتلاقى فى مقابلة هذا الأمر الجديد من الاتصال الروحى". ص 183. وهذا الكلام المنطوى على استهجان المناسك الدينية واعتبارها مثار اختلاف البشر هو ما يقوله الروح الآخر "هوايت هوك "، إذ يصرح بأن "الروحية تحتضن ولا تستثنى أحدا، يقول الناس فى زمانكم إن الطقوس والفرائض عديمة النفع،
(1/248)

ولكن طقوسى وفرائضى تنحصر فى تدريب الناس على تركيز القوة الروحية". وظاهر من هذا التوافق أن مروجى الروحية يعملون لغاية مشتركة، وأن العبادات المقررة لا وزن لها عندهم!!!. ص _267
وتبدو قيمة النصوص الدينية فيما جاء بكتاب التوحيد والتعديد، إذ يقول الكاتب دون حياء: "إن القصص الدينى عن آدم ونشأته وزوجه وولده ليس تاريخا من وجهة النظر العلمى كما يتوهم بعض المتعصبين للأديان!!! ". إذن ما هويا مسيلمة الجديد؟. يقول!: "إنه تكييف تقريبى للعقل البشرى عن النشأة، بدءا من الفرد ذكرا كان أم أنثى، عن تكرار هذه النشأة فى عوالمها، سواء على هذه الأرض، ومنها كانت النشأة ابتداء، ومظهرا، أو با لارتداد من عالم الروح بعثا... فآدم الحقيقة عليها، وآدم الخليقة منها، أمران تصويريان للعقول لا يدرك لهما أول، ولا يعلم لهما كنه، ولا ينقطع لهما فعل أو وجود". ص 101. وهذا كلام ساقط مفترى من أوله إلى آخره وهو ترديد لفكرة تناسخ الأرواح، وخلود الدنيا وإنكار الجزاء، وهو إلغاء لرسالات السماء كلها، وطعن خبيث فى قواعدها ومناهجها وأخبارها ووصاياها... والغريب أن هذا الهدم الدينى العام الوافد من أوروبا يتلقاه ناس منا على أنه فجر روحى جديد، ويقول عنه مستشار قانونى يرأس جمعية إسلامية روحية: "إذا كان الاتصال الروحى فى هذا العصر يأتينا ممن أسميناه الغرب، فإن الله اليوم يأتى بالشمس من المغرب كما جاء بها قديما من المشرق "... وهذا كلام هزل، فإن هذه الروحية المزعومة حرب على الله والمرسلين، ولا نشك فى أن الحاقدين على الإسلام، الكارهين لأمته، المعوقين ليقظته، هم الذين يدبرون مؤامرتها وينسجون حبالتها. وللاستعمار الثقافى أساليب ماكرة خفية لتدويخ الفكر الإسلامى وبث الفوضى فى جنباته، والدعوة إلى الروحية الحديثة بعض هذا الهجوم على حقائق الإسلام وتعاليم نبيه.. واسمع ما يقولى الدجال "سلفر برش "- وهو الروح المرشد لبعض الجمعيات عندنا- فى
(1/249)

كتابه "الحكمة العالية": "لا زال المسيح فى عالمنا هو أعظم من نعرف، ولم يحدث قبل يومه أو بعده أن تنزل الإلهام الإلهى إلى الأرض بالقدر الذى نزل عليه "... ثم يستتبع هذا الدجال تكذيبه لنبوة محمد، فيقول: كان عيسى آخر الأنبياء والمعلمين، ذاك الذى ولد من أبوين يهوديين (!) ص 53. ص _268
ثم يزعم أنه صلب، لأنه بشر بتعاليم تخالف كنيسة عهده، ص 56. ومن غرائب الروحية الحديثة أنها توافق أخس المذاهب المادية فى مهاجمة الأديان السماوية والطعن عليها، وخصوصا الإسلام، فيقول "سلفر برش ": "لا توجد جنة ذهبية ولا جهنم نارية، إنما هذا هو تصور هؤلاء المحدودى النظر! لا تقيدوا أنفسكم بكتاب واحد ولا معلم واحد ولا مرشد واحد. فولاؤنا لا لكتاب ولا لدين ولا لعقيدة، ولكن للروح الأعظم وحده ". ولكى يزين للناس التحلل من عقيدة الإيمان بالله، يقول: "حينما ينتقل الإنسان إلى العالم الآخر فلا عبرة بما كان يظنه أو يعتقده. وانما بما أداه من خدمات للعالم. فحينما يهوى الجسم المادى إلى الأرض، فكل عقائد الجنس البشرى التى قاتل وجاهد من أجلها طويلا وتفرق شيعا وأحزابا تبدو جوفاء وعبثا لا معنى له ولا هدف. لأن هذه العقائد لم تساعد على تزكية الروح ذرة واحدة". ص 28، 124، 149 من كتاب "الحكمة العالية". وينكر سلفر برش فكرة بدء الخليقة، كما ينكر أيضا فكرة نهاية الخليقة، فيقول: "لا أستطيع القول أنه يوما ما لم يكن هناك ضوء ثم وجد فى اليوم التالى، إن عالمكم لا زال يحتفظ بفكرة أن الخليقة بدأت على مثال ما ورد فى قصة جنة عدن، هذا ليس صحيحا. لقد كان هناك دواما تطور فى عمل مستمر. ليس حقا أن الكون كان معدوما ثم بدأ فجأة، الكون كان دائما موجودا، نحن نعرف أن الكون لا بداية له ولا نهاية". ص 110 "كتاب الحكمة العالية". وهكذا يتضح لنا أن كل ما يقوله دعاة هذه النحلة الخبيثة من أن دعوتهم تؤيد العقيدة الدينية وتدعمها، إنما هو ضرب من الخداع والدجل.
(1/250)

ويعلنها "سلفر بوش " هكذا بصراحة وجلاء فيقول: "لا يهم إذا كان الرجل مسيحيا أو كافرا، المهم هو ما يفعله فى حياته. ص _269
أعطنى الرجل الذى لا يعتنق أى دين، الذى لا يركع لذكر اسم الله، ولكنه أمين ويحاولى أن يخدم ويمد يده للضعيف، ويساعد الكلب الأعرج. الرجل المملوء شفتة للمنكوبين، والذى يعاون من هم فى ضائقة بحرارة. ذلكم أكثر تدينا ممن ينتسب إلى أى دين. (ص 1101 "كتاب الحكمة العالية". وهكذا يروج الإلحاد تحت ستار التنويه بمكارم الأخلاق؟. كأن الدين عد الفضائل نافلة، أو كأنه لم يتوعد بأشد النكال طوائف الكذبة والخونة، ومانعى الخير، وكارهى الناس!.. ولكن الروحية الحديثة تحتال للقضاء على الدين كله، وخصوصا الإسلام، بوضع مبادئها فى إطار براق من حب الإنسانية والعطف عليها، ومن المتاجرة ببعض الكلمات المطاطة فى هذا المجال المفتعل. مع أن الإنسانية حين تكذب الوحى، وتنكر المرسلين، وتهمل أوامر الله ونواهيه، تنسلخ مق فطرتها وتهوى إلى أسفل سافلين. وما قيمة العالم كله يوم يجهل ربه، ويهمل هداه؟. ونتساءل: أرواح من من الموتى هى التى تبنت إبلاغ هذه الرسالة الخسيسة لأهل الأرض؟. أرواح الصالحين من المؤمنين؟ كلا، فهؤلاء عرفوا الله عن طريق موسى وعيسى ومحمد، فيستحيل أن يخرجوا على كتبهم، ويتنكبوا طريقهم. ولو أتيحت لهم- جدلا- فرصة العودة إلى الأرض- والعودة إليها بعد الموت مستحيلة- لما دعوا الناس فى هذا الزمان إلا إلى اتباع محمد، والأخذ من قرآنه وحسب!. أهى أرواح الفجرة من العصاة؟ كلا، فهؤلاء بعدما غادروا الحياة ملكتهم حسرة قاتلة على زيغهم أيام الدنيا، ثم هم فى أيدى حراس غلاظ شداد، قد أمسكوا بخناقهم توطئة لحساب شاق!. فكيف يتصور أنهم عادوا إلى الحياة الدنيا عن طريق الاتصال الروحى يستأنقون التزوير والتضليل؟. إننا لا نشك فى أن مبادئ هذه الروحية الحديثة هى من عبث مردة الجن، الذين ص _270
(1/251)

استغفلوا نفرا من أبناء آدم، واصطادوهم إلى هذه المجالس، مجالس الأشباح والأوهام، مجالس تحضير الأرواح، كما يقال!، ليملوا عليهم هذا المنكر من القول. وما أكثر عبث الجن بالإنس، وأوسع طرقه، ولذلك يندد القرآن الكريم بأطراف هذه الفتنة فيقول: (ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم) . ولا غرو، فإن الشيطان يستحلى إغواء أبناء آدم، كما يستحلى أبناء آدم أكل السحت وارتكاب الزنا!. وعقبى هذه المتع كلها جهنم... وفى عصرنا هذا أخذت سخرية الشياطين من البشر هذه الطريقة التى لم تؤلف من بدء الخليقة. فطلع علينا من يزعم أن أرواح الموتى اتصلت به لكتابة ونشر دين جديد للناس. واستمعنا إلى أبواق الظلام، فإذا هى تجدد الوثنيات القديمة، وتحارب هدايا الله، وتصد عن قرآنه العظيم، الكتاب الذى استوعب الوحى كله، والأثر الفريد الباقى فى القارات الخمس، يقود إلى الله، ويقدم لعباده الحق الخالص النقى. ولئن نستنكر التعليق بما يسمى مجالس تحضير الأرواح على الأجانب الجهلة بالإسلام، إننا لنستغرب من بعض المسلمين عدم مبالاتهم بالموضوع ونتائجه، فربما سمح أحدهم لنفسه- طمعا فى استكشاف غيب أو إبراء مريض- أن يحضر هذه المجالس، وربما وضع الجن له طعما فى كلمة تصدق أو حاجة تقضى فيلقى لها زمامه كله، فإذا هو بعد حين ناكب عن الصراط المستقيم. وللجن قدرة أبعد مدى من قدرة البشر، إنهم يغزون الفضاء بطاقاتهم العادية من زمان قديم، ولكنهم لا يعلمون الغيب. وما يكون غيبا أحيانا بالنسبة لنا قد يكون عيانا بالنسبة لهم، والحدأة لا تعلم الغيب إذا كانت ترى من الجو ما لا نراه نحن تحت أقدامنا... فإذا استطاع شيطان أن يعرف بعض ما نجهل، عن الأشخاص أو الأشياء- وهى معرفة محدودة، وقد تكون مغلوطة- فليس هذا علفا
(1/252)

بالغيب... وبالتالى، فإن ما ص _271
يثرثر به فى مجالس التحضير لا يدل على شىء ذى بال، ولا يسوغ أبدا أن يكون ذريعة لترك ما نعلم من شرائع الإسلام... لكن هذه المجالس، للأسف، ولدت لنا فى هذا العصر مسيلمة آخر وسجاحا أخرى، والجنون فنون... إننا نحن المسلمين نؤمن بالمادة وبما وراء المادة، نؤمن بالحياة الحاضرة وبالحياة المقبلة، ولإيماننا مصادر وثيقة من كتاب معصوم وسنة مضبوطة، ولا يليق أن نأذن للأوهام بأن تتسرب إلى هذا الإيمان... ثم إن الأحكام الشرعية عندنا تفرق تفريقا حاسما بين اليقين العلمى، والظن العلمى، والرأى العلمى... وهى تستبعد ابتداء الرؤى، والإلهامات، من مصادر المعرفة الشرعية العامة... والعيب المأخوذ على بعض المتدينين، والذى قد يصيب الدين نفسه إصابة جسيمة. أنهم يخلطون فى سلوكهم وفهمهم بين الرأي واليقين، أو بين الأحلام والحقائق... ونحن ننصح المسلمين أن يحذروا على أنفسهم من هذا الخلط، والله ولى التوفيق. محمد الغزالى
(1/253)