Advertisement

عقيدة المسلم



الكتاب : عقيدة المسلم
المؤلف : محمد الغزالي
الناشر : دار نهضة مصر
الطبعة : الأولي مقدمة الناشر
إن المسلم لم يتخل مطلقًا عن عقيدته، فلقد ظل مؤمنًا متدينًا، ولكن عقيدته تجردت من فاعليتها؛ لأنها فقدت إشعاعها الاجتماعي ، فأصبحت جذبية فردية، وصار الإيمان إيمان فرد متحلل من صلاته بوسطه الاجتماعي . وعليه فليست المشكلة أن نعلم المسلم " عقيدة " هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها وقوتها الإيجابية ، وتأثيرها الاجتماعي ، وفي كلمة واحدة : إن مشكلتنا ليست في أن " نبرهن " للمسلم على وجود الله ، بقدر ما هي في أن نُشعرَه بوجوده ونملأ به نفسه باعتباره مصدرًا للطاقة. فالعقيدة.. رباط معنوي يربط المسلم بربه.. رباط معقود لا تحله أزمة مادية ولا اضطهاد بشري ؛ لأنها عقدة روح بالحقيقة العليا ، وعقد مكتوب بدم القلب ، وأشعة الفكر بين المسلم ودعوته. فهي تنبع من الروح وتشع من القلب ، وتتصل بأسباب السماء ؛ ولذلك يكتب لها الخلود ، كما كُتب للعقائد التي جاء بها الرسل والأنبياء، ولم يكتب الخلود للنظريات والآراء الاجتماعية التي جاء بها الفلاسفة والعلماء… والعقيدة… طبيعة لا علم، وشعور لا فلسفة، وخلق لا رأى ، والعقيدة أقوى رباط يربط بين المسلم وغايته ، وبينه وبين مَن آمنوا معه ، وما أحكم قول الإمام حسن البنا : " لا رابطة أقوى من العقيدة ، ولا عقيدة أقوى من الإسلام " . والمسلم بهذه العقيدة.. روح فَذٌّ قبل أن يكون عقلاً ألمعيًّا ، وهو رجل عام لا يعيش لنفسه، بل يعيش للحق ، ويموت في سبيل الحق وحده، ولابد لرجل العقيدة من نظرتين في عقيدته : " أنه إزاءها لا شيء " ، وأنه بها " كل شيء" ، فهو لها خادم أمين ، وبها ملك رفيع. والمسلم بهذه العقيدة... يثبت والدنيا تتزلزل من حوله ، ويرى في نزر المحنة بشائر النصر.. وهو بها أكبر من الأحداث ؛ لأنه من الله في كنَفٍ حصين وركن شديد . ورجال العقيدة يعيشون في الدنيا ولا تعيش فيهم ، ويأكلون منها ولا تأكل منهم . يرون الدنيا كما هي .. وتنفذ
(1/1)

بصيرتهم إلى ما وراءها من الخلود " أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون" الناشر
ص _007
مقدمة المؤلف
هذه بحوث في العقيدة ، دفعتني إلى كتابتها قلة الرسائل التي تعني بهذا اللون من علوم الدين. وتعرضه في أسلوب يتفق مع حاجة المسلمين المعاصرين . وقد رأيت أن أسوق الأصول العلمية لعقيدة المسلم، في نسق يخالف ما أَلِفَ الناس قراءته من هذه الأصول في مظانها من ثقافتنا الدينية . لا لأني سآتي بجديد في هذا الميدان. بل نزولاً على منطلق التجارب ، وانتفاعًا بما اكتنف جوانب التاريخ الإسلامي من أحداث، وتوخيًّا للسير في هدى النصوص المجردة من الكتاب والسنة. فالذي يقرأ شيئًا عن عقيدة المسلم في العلم الموسوم بـ " علم الكلام " أو " علم التوحيد " ؛ لا يعوزه أن يسجل ملاحظات هامة عن المسائل التي خاض فيها العلماء، والمجادلات التي دارت بينهم، والنتائج التي تمخضت عنها مناظراتهم ، وعن أثر ذلك كله في إيمان العامة والخاصَّة جميعًا !. والذي آخذه على منهج البحث في " علم الكلام " - في حدود ما درسنا من كتبه- أنه : 1- نظريٌّ بحتٌ ، ينظم المقدمات ويستخلص النتائج ، كما تصنع ذلك الآلات الحاسبة في عصرنا هذا ، أو الموازين التي تضبط أثقال الأجسام ، ثم تسجل الرقم ، وتقذف به للطالبين. كذلك سارت الاستدلالات في هذا العِلم الخطير، فتكلمت عن الله - سبحانه وتعالى - ، وعن صفاته الكريمة، وانتهت إلى حقائق جيدة، يستريح إليها العقل الحصيف. ص _008
(1/2)

بَيْدَ أن الإسلام في تكوينه للعقيدة يخاطب القلب والعقل، ويستثير العاطفة والفكر، ويوقظ الانفعالات النفسية مع إيقاظه للقوَى الذهنية. وقد كنت أرقب - عن كثب - ما تخلفه دروس التوحيد من كتبه المقررة ، فما كنت أجد فارقًا يُذْكَر - لدَى السامعين - بينها وبين شروح المعادلات الجبرية مثلاً. كلاهما ترويض للعقل ، مبتوت الصلة بالفؤاد. فكأن الطالب يذكر طائفة من الأدلة على الوجود الدائم " لواجب الوجود "، ولا يستشعر في قرارة نفسه عظمة الخالق المتعال. أو يختلج في بدنه عرق من الرغبة أو الرهبة نحو مَنْ سوَّاه، وألهمه فجوره وتقواه. أفهكذا تدرس العقيدة ؟ وقد فزع العامة إلى علوم التصوف يستكملون منها ما عزَّ عليهم إدراكه في علم الكلام، ولكن التصوف ميدان كثير المزالق، وشطحات السائرين فيه أكثر من سدادهم. ولاشك أن هذا العلم أنعش عاطفة "الحب الإلهي، وربط قلوب الناس ربطًا رقيقًا ببديع السموات والأرض، إلا أن مخاطر الشغل به تجعلنا نتوجس منه. وقد حاولت في أثناء الكتابة عن عقيدة المسلم أن أرطب جفاف التفكير العقلي برشحات من المشاعر الحية، ولم أتكلف لذلك إلا أن أجعل نصوص الكتاب والسنة نُصْبَ عيني. فلا يستكثرن القاري " إيراد الشواهد منها، فإن لذلك حكمة مقصودة تعرف بعد مطالعتها في سياقها. 2- وللظروف التي نشأ فيها " علم الكلام " أثر سيء في سَرْدِ حقائقه وصَوْغِ دقائقه، فإن جحيم السياسة، وتطاحن الأحزاب المختلفة؟ أرسل شواظًا من الأحكام الإسلامية؟ لا نزال إلى اليوم نشقَى بها، برغم القرون الطويلة التي مرَّت عليها !!. ص _009
(1/3)

وفي ضجيج الخصومة السافرة يعسر البحث عن الحقيقة! ولو أمكن الوصول إليها، فإنه يصعب الاقتناع بها!. ومن الغفلة أن نحسب تكوين العقيدة يتم في مجلس مناظَرة، تُتَصَيد فيها النصوص، ويُنْشَدُ فيها الغَلَب ، ويُلْعَبُ فيها بالألفاظ، ويُستَغل منطق " أرسطو " في المخاتلة وإيقاع الخصم أمام العامة!. وعفا الله عن أجدادنا؛ فقد أُولعوا بذلك، وأعانَهم عليه أن الدولة الإسلامية كانت سيدةَ العالَم. فلا بأس على رجالها أن يشتغلوا بالترف العقلي، وأن يحوِّلوا فراغَهم من الجهاد في سبيل الله إلى الجهاد في هذا الميدان الخطر، فانشغلوا بأنفسهم عن أعدائهم، ثم ذهب الرجال وبقي الجدال.. بقي إلى اليوم يهدِّدُ وحدة الأمة ويهزُّ كيانها!. ومع أن الدولة الإسلامية جَثَتْ على قدميها أمام الصليبية الغازية، واقترب الخطر على الإسلام من صميم عقائده وصميم دياره ، فإن الريح النتنة لهذا الجدل ما تزال تهب من بعض الجماعات التي تحترف ـ للأسف الشديد ـ خدمة الإسلام. ولا أحسب أمة تحتاج إلى وحدة الأفكار والمشاعر مثل هذه الأمة الإسلامية. فإذا نشب خلاف على شيء ما، فإن تحويل هذا الخلاف من الأدمغة المفكرة إلى عموم الأمة، يعد جريمة في حق الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجماعة المسلمين... يقول الأستاذ الجليل " أحمد عزت باشا " - معلقًا على الخلافات الناشئة في عِلم الكلام : " كانت هذه الخلافات في الأصل مما لا ينبغي أن يتجاوز حدود المناظرات المنطقية والعلمية والفنية، ولكنا أقحَمْنا اسم الله في مناقشاتنا التي لا معنى لها. فحاول كل فريق منا إسناد الكفر والإلحاد إلى الفريق الآخر، فقَلَبْنا الخلاف البدائي خصومة دينية لا تهدأ. فاختلاف الجهمية والمعتزلة نشأ ـ في أصله ـ عن التعبير بأن العبد خالق ص _010
(1/4)

لفعله، بدل التعبير بأنه فاعل لفعله، وعن تصور الاستقلال التام في الإرادة البشرية. وهذه العقيدة ـ خطأ كانت أو صوابًا ـ صالحة لتكون موضع مناقشة علمية يستطيع فيها الطرفان مناقضة بعضهما بعضًا ونقده، بل استجهاله واستحماقه! ولكن المسألة لم تقف عند هذا الحد. فقالت القدرية: إن عدم القول بعقيدتنا يعني إسناد الظلم إلى الله في عذاب الآخرة. وقال معارضوهم: إنكم تنكرون عموم القدرة والإرادة الإلهية.، وهذا كفر.. نشأ أولاً هذا الخلاف، ثم توسَّعَ على مرور الزمن، حتى تولدت منه مبادىء غريبة غير معقولة.. والولع بالخلاف سَرى حتى ضمَّ إلى العقائد أمورًا مضحكة. فهناك خلاف بين المعتزلة وأهل السنة على حقيقة السحر، وعلى تكون السحب، فأي خلط هذا؟ وبين المسلمين اليوم نزاع يفصم وحدتهم حول ما دار بين علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة في مسائل الخلافة. فهل على وجه الأرض أمة تجتر ماضيها السحيق لتلوك منه خلافات قاسية كهذه الأمة؟ ولماذا نقحم هذه الأمور إقحامًا في شؤون العقيدة؟. ولماذا لا تبقى في نطاق الذكريات التاريخية التي تُدْرَس كأي تاريخ لتؤخذ منه العبرة فحسب؟ وما صلة الإيمان بالله واليوم الآخر بحُكمنا: إن هذا أصاب، وهذا أخطأ، والله ص _011
(1/5)

يقول: " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون " وإني لأقرأ في صحفِنا الدينية اليوم نِزاعًا بين أتباع السلف والخلف ، كما أسمَوْا أنفسَهم ، وأسمع ألفاظ الكفر تتبادل كما تتبادل الكرة أرجلُ اللاعبين ، فأعز رأسي عجَبًا، إن أعراضَ المرض لا تزال تعرو الأمة المنهوكة ، وما تزال بحاجة إلى عناية الراشدين المخلصين من الأطباء الماهرين. وقد استقَرَّتْ رواسب هذا الخلاف الطائش في أذهان العامة ، ثم سيطرت على سلوكِهم بعد ما أخذوا أسوأ ما فيها، ورفضوا أفضل ما فيها. فإذا اختلف القدامى: هل العمل ضرورة للإيمان أو كمال فيه؟ ترجح لدَى العامة أنه كمال فقط. فسيستفيد المجتمع من هذا الخلاف ترك العمل!. وإذا اختلف القدامَى: هل للإنسان قدرة وإرادة يفعل بهما ويترك؟ أو هو مقهور مكتوف اليدين؟ ترجَّح لدى العامة أن المرء لا عزم له ولا حول ولا طول. فيستفيد المجتمع من هذا الخلاف سقوط الهمة وخور العزيمة . وإذا تجادل القدامى: هل للمسلم حق الالتجاء إلى الله دون وساطة الصالحين من الأحياء أو المقبورين؟. ترجح لدَى العامة أن المسلم لا يستغني عن معونة الأولياء، وأنه إذا ذهب إلى ربه من دونهم فالويل له!. فيستفيد المجتمع من هذا الخلاف شيوع الشرك ، وضعف الصِّلة برب الأرض والسماء. ص _012
(1/6)

وهكذا لصقت بالمجتمع الإسلامي مجموعة خسائس لاشك في أنها بعيدة الأثر فيما لحقه من اضمحلال وهَوان. وقد بذلت جهدي ـ حين تصديت لتصوير عقيدة المسلم ـ أن أتجنب أشواك هذا الخلاف، فإذا استطعت طَيَّه في السياق المطرد ؛ طويته وتجاهَلْته. وإذا اضطرِرْت إلى خوضِهِ عالجته على كُرْهٍ ، وذكرت ما استبان لي ـ أنه صواب، وقد أستجهل الطرف المقبل ولا أكفره، لأن الجهل الفاضح ـ كما ظهر لي ـ أساس كثير من المشكلات العلمية المبهمة. وربما لمحت في أخلاق بعض المجادلين عوجًا ، وفي أسلوبهم عنفًا، فأوثر مغفرة هذا على مقابلة السيئة بمثلها؛ لأننا أمة فقيرة جدًّا إلى التجمع والائتلاف. فلندفع ثمن هذا من أعصابنا، والمرجع إلى الله. 3- وإذا كان علم التوحيد على النحو الذي وصفنا، فإن كتبه التي تشيع بيننا الآن فشلت في أداء رسالتها شكلاً وموضوعًا. فمن ناحية الشكل لا معنى البتة لعرض علم ما، في توزيع مضطرب بين متنٍ وشرح وحاشية وتقرير، وفي لغة ركيكة اللفظ ، سقيمة الأداء، لغة تصوِّر سقوط البلاغة العربية على عهد الحكم التركي. وتطور الأدب في عصرنا هذا لا ينكر، وقد بلغ من تمكن المؤلفين والمتأدبين في اللغة العربية أن تناولوا الموضوعات التافهة فأخرجوها في ألبسة زاهية، ووجَّهوا ألوف القرَّاء ـ بسحر بيانهم ـ إلى ما يريدون. فهل يبقى الكلام في العقائد وحدها حكرًا على هذا النمط الزري من الحواشي والمتون؟! على أننا إذا تغاضَيْنا عن الشكل، وتعرضنا للجوهر بالنقد والتمحيص، لا نلبث أن ندرك أن هذا الجانب الإلهي من الثقافة الإسلامية طغت عليه الفلسفات الغربية التي نقلها السريان عن اليونان وغيرهم. ص _013
(1/7)

فإذا بعلوم العقيدة تتحول عن مجراها العتيد، وإذا بكتب التوحيد تزدحم باصطلاحات الفلاسفة وطرائق تفكيرهم. ويبدو أن الأسلاف الباحثين في هذه الناحية من الإسلام قد فتنهم الإعجاب بما نقله إليهم التراجمة من ثمرات العقل اليوناني. ولسنا بصَدَدِ الحكم على قيمة هذا العمل وحكمته، وإن كنا ننَوِّه بدلالته على مدى الحرية التي منحها الإسلام أتباعَه، وعلى أن الدائرة التي يعمل فيها العقل الإسلامي تسَعُ العالَم أجمَعَ، فليست مغلقة على عصبية جنسية أو فكرة محلية. غير أن عناصر العقيدة كادت تتيه وسط هذا الركام من النقول والأقيسة والمصطلحات ، فوجب تجميعها في نسق متقارب. ثم إن غرسها في الأفئدة لن يثمر ويزدهر إلا بأسلوب الإسلام نفسه. ومن العجيب أنك تقرأ في أمهات الكتب الكلامية، وتطوي الصفحات الطوال، فلا تكاد تعثر على آية أو حديث، إلا اقتباسات يسيرة ؟ ، تبدو كالزهرات المنفردة في الأرض السبخة. ربما استراح عشاق البحث الفلسفي المجرد لهذه الكتب، ولا عليهم! لكن هذا لا يغنينا عن عرض العقيدة الخالصة حقائق تتصل عن قربٍ بمصادرِها الأولى (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ) محمد الغزالي ص _015
(1/8)

الحقيقة الأولى
الله هذا الاسم الكريم علم على الذات المقدسة التي نؤمن بها ونعمل لها، ونعرف أن منها حياتنا وإليها مصيرنا. والله ـ تبارك وتعالى ـ أهل الحمد والمجد ـ وأهل التقوى والمغفرة، لا نحصي عليه ثناء، ولا نبلغ حقه توقيرًا وإجلالاً. لو أن البشر- منذ كتب لهم تاريخ، وإلى أن تهمد لهم على ظهر الأرض حركة- نسوا الله كفروا به، ما خدش ذلك شيئًا من جلاله ، ولا نقص ذرة من سلطانه، ولا كفَّ شعاعًا من ضيائه، ولا غضَّ بريقًا من كبريائه، فهو ـ سبحانه ـ أغنى بحوله، وأعظم بذاته وصفاته، وأوسع في ملكوته وجبروته من أن ينال منه وهم واهم ، أو جهل جاهل. ولئن كنا في عصر عكف على هواه، وذهل عن أخراه، وتنكر لربه؟ إن ضير ذلك يقع على أم رأسه ، ولن يضر الله شيئًا. (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ) . وجوده وجود الله تعالى من البداهات التي يدركها الإنسان بفطرته، ويهتدي إليها بطبيعته. وليس من مسائل العلوم المعقدة، ولا من حقائق التفكير العويصة. ولولا أن شدة الظهور قد تلد الخفاء، واقتراب المسافة جدًّا قد يعطل الرؤية، ما اختلف على ذلك مؤمن ولا ملحد. (أفي الله شك فاطر السماوات والأرض). ص _017
(1/9)

وقد جاءت الرسل لتصحيح فكرة الناس عن الألوهية. فإنهم وإن عرفوا الله بطبيعتهم إلا أنهم أخطأوا في الإشراك به، والفهم عنه. (هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب). (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ). والبيئة الفاسدة خطر شديد على الفطرة، فهي تمسخها وتشرد بها، وتخلف فيها من العلل ما يجعلها تعاف العذب وتسيغ الفج . وذاك سر انصراف فريق من الناس عن الإيمان والصلاح، وقبولهم للكفر والشرك! مع منافاة ذلك لمنطق العقل وضرورات الفكر وأصل الخلقة. " إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فأتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم.. ". وقد اقترنت حضارة الغرب ـ التي تسود العالم اليوم ـ بنزوع حاد إلى المماراة في وجود الله ، والنظر إلى الأديان ـ جملة ـ نظرة تنقص، أو قبولها كمسكنات اجتماعية لأنصارها والعاطفين عليها. ولاشك أن المحنة التي يعانيها العالم الآن أزمة روحية، منشؤها كفره بالمثل العليا التي جاء بها الدين ـ من الحق ـ والإنصاف، والتسامح والإخاء. فلا نجاة له مما يرتكس فيه إلا بالعودة إلى هذه المثل، يهتدي إليها بفطرته ، كما يهتدي سبيله الجنين في ولادته، والفرخ من بيضته . ومتى هُدِيَ العالم إلى الفطرة؛ هُدِيَ إلى الإسلام، فإن الإسلام هو دين الفطرة. ولا بأس من سوق طائفة من الدلائل التي تفتق للذهن الغافل منافذ يبصر بها ويلتفت لما وراءَها. (أ) إن الإنسان لم يخلق نفسه، ولم يخلق أولاده، ولم يخلق الأرض التي يدرج فوقها، ولا السماء التي يعيش تحتها. ص _018
(1/10)

والبشر الذين ادعوا الألوهية لم يكلفوا أنفسهم مشقة ادعاء ذلك. فمن المقطوع به أن وظيفة الخلق والإبراز من العدم ، لم ينتحلها لنفسه إنسان ولا حيوان ولا جماد. ومن المقطوع به كذلك أن شيئًا لا يحدث من تلقاء نفسه، فلم يبق إلا الله . وقد قرر القرآن الكريم هذا الدليل : (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ) . ويلفت أنظار العرب إلى مظاهر الإبداع في المجتمع الساذج الذي يحيون فيه. (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت ) . ويسمى هذا الدليل: دليل الإبداع. (ب) لو دخل المرء دارًا، فوجد بها غرفة مهيأة للطعام، وأخرى للمنام، وأخرى للنظافة، وأخرى للضيافة... إلخ ، لجزم بأن هذا الترتيب لم يتم وحده، وأن هذا الإعداد النافع لابد قد نشأ عن تقدير وحكمة، وأشرف عليه فاعل يعرف ما يفعل . والناظر في الكون وآفاقه، والمادة وخصائصها، يعرف أنها محكومة بقوانين مضبوطة ، شرحت الكثير منها علوم الطبيعة والكيمياء والنبات والحيوان والطب، وأفاد منها الناس أجل الفوائد. وما وصل إليه علم الإنسان من أسرار العالم، حاسم في إبعاد كل شبهة توهم أنه وجد كيفما اتفق. كلا. إن النظام الدقيق المختفي في طوايا الذرة؟ مطرد فيما بين أفلاك السماء الرحبة من أبعاد: ص _019
(1/11)

(تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا * وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ). وفي القرآن الكريم آيات شتى، تقرر هذا الدليل، ويسمى : دليل العناية (ج) هل فكرت في هذه السيارات المنطلقة - أعني هذه الكواكب التي تخترق أعماق الجو، والتي تلتزم مدارًا واحدًا لا تنحرف عنه يمينًا ولا يسارًا ، وتلتزم سرعة واحدة لا تبطىء فيها ولا تعجل، ثم نرتقبها في موعدها المحسوب فلا تخالف عنه أبدًا ؟ إن الكرة تنطلق من أقدام اللاعبين ثم لا تلبث أن تهوي بعد تحليق. أما هذه الكرات الغليظة الحجم، الحي منها والميت، المضيء منها والمعتم ؛ فهي معلقة لا تسقط ، سائرة لا تقف. كل في دائرته لا يعدوها. وقد يصطدم المشاة والشبان على أرضنا وهم أصحاب بصر وعقل. أما هذه الكواكب التي تزحم الفضاء فإنها لا تزيغ ولا تصطدم : (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ). من الذي هيمن على نظامها وأشرف على مدارها؟ بل من الذي أمسك بأجرامها الهائلة، ودفعها تجري بهذه القوة الفائقة؟ إنها لا ترتكز في علوها إلا على دعائم القدرة ، ولا تطير إلا بأجنحة أعارها لها القدر الأعلى : (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا ) . أما كلمة الجاذبية فدلالتها العلمية كدلالة حرف " س " على المجهول. ص _020
(1/12)

إنها رمز لقوانين تصرخ باسم الله ، ولكن الصمَّ لا يسمعون! ويسمى هذا الدليل: دليل الحركة. (د) لاشك أن لوجود كل واحد منا بداية معروفة. فنحن قبل ميلادنا لم نكن شيئًا نذكر : (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ) وعناصر الكون الذي نعيش فيه كذلك ، لها بداية معروفة. وعلماء الجيولوجيا يقدرون لها أعمارًا محدودة، مهما طالت ، فقد كانت قبلها صفرًا. وكان هناك ظن بأن المادة لا تفنَى، اعتمد عليه فريق من الناس في القول بقدم العالم ، وما يتبع هذا القدم الموهوم من أباطيل. على أن تفجير الذرة هدم هذا الظن، ولو لم يتم تفجيرها ما قبِلنا هذا الظن على أنه حقيقة ثابتة. فإن المفتاح الذي يفتح على العالم أبواب الفناء ليس من الضروري أن يضعه الله في أيدي العلماء. وعدم اهتداء الناس إلى ما يدمر مادة الكون؛ لا يعني أن مادة الكون غير قابلة للدمار والفناء. ولم لا يكون ذلك حصانة أقامها القدر الأعلى، حتى يمنع العالم من الانتحار؟. إننا جازمون بأن وجودنا محدث، لأن تفكيرنا وإحساسنا يهدينا لذلك. وغير معقول أن يتطور العدم إلى وجود تطورًا ذاتيًّا. إنه إذا وقعت حادثة لم يظهر فاعلها قيل: إن الفاعل مجهول. ولم يقل أحد قط: أن ليس لها فاعل. فكيف يراد من العقلاء أن يقطعوا الصلة بين العالم وربه؟ إننا لم نكن شيئًا فكنا. فمَنْ كوننا؟؟ ( قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ). ويسمى هذا: دليل الحدوث. ص _021
(1/13)

هل العالم خلق صدفة ؟ نشوء حياتنا هذه ودوامها يقومان على جملة ضخمة من القوانين الدقيقة ، يحكم العقل باستحالة وجودها هكذا جزافًا ! فوضع الأرض أمام الشمس مثلاً ... ثم على مسافة معينة لو نقصت ـ بحيث ازداد قربها من الشمس ـ لاحترقت أنواع الأحياء من نبات وحيوان. ولو بعدت المسافة لعَمَّ الجليد والصقيع وجه الأرض ، وهلك كذلك الزرع والضرع .. أفتظن إقامتها في مكانها ذاك لتنعم بحرارة مناسبة جاء خبط عشواء؟ وحركة المد والجزر التي ترتبط بالقمر !! أفما كان من الممكن أن يقترب القمر من أمه أكثر، فيسحب أمواج المحيطات سحبًا يغطي به وجه اليابسة كلها ، ثم ينحسر عنها وقد تلاشى كل شيء؟ من الذي أقام القمر على هذا المدى المحدود ليكون مصدر ضوء لا مصدر هلاك؟ إننا على سطح هذه الأرض نستنشق " الأوكسجين " لنحيا به ونطرد " الكربون " الناشئ من احتراق الطعام في جسومنا . وكان ينبغي أن يستنفد الأحياء ـ وما أكثرهم ـ هذا العنصر الثمين في الهواء، فهم لا ينقطعون عن التنفس أبدًا. لكن الذي يقع أن النبات الأخضر يأخذ " الكربون " ويعطي بدله " أكسجين " ، وبهذه المعاوضة الغريبة يبقى التوازن في طبيعة الغلاف الهوائي الذي يحيا في جوفه اللطيف الحيوان والنبات جميعًا !! أفتحسب هذا التوافق حدث من تلقاء نفسه؟! إني أحيانًا أسرح الطرف في زهرة مخططة بعشرات الألوان . ألتقطها بأصابع عابثة ص _022
(1/14)

من بين مئات الأزهار الطالعة في إحدى الحدائق.. ثم أسأل نفسي : بأي ريشة نسقت هذه الألوان؟ إنها ليست ألوان الطيف وحدها. إنها مزيج رائق ساحر مم الألوان التي تبدو هنا محففة، وهنا مظللة، وهنا مخططة، وهنا منقطة. وأنظر إلى أسفل، إلى التراب الأعفر الذي اطلع على هذه الألوان ؛ إنه ـ بيقين ـ ليس راسم هذه الألوان ، ولا موزع أصباغها. هل الصدفة هي التي أشرفت على ذلك؟ أي صدفة؟ إن المرء يكون غبيًّا جدًّا عندما يتصور الأمور على هذا النحو... وألوان الزهرة هذه ملاحظة شكلية ساذجة بالنسبة إلى ملاحظة قصة الحياة في أدنى صورها. إن إنشاء الحياة في أصغر خلية يتطلب نظامًا بالغ الإحكام. ومن الحمق تصور الفوضى قادرة على خفق " جزيء " في جسم دودة حقيرة ؟ فضلاً عن خفق جهازها الهضمي أو العصبي . فما بالك بخلق هذا الإنسان الرائع البنيان الهائل الكيان. ثم ما بالك بخلق ذلكم العالم الرحب ؟؟ لماذا يطلب مني ـ إذا رأيت ثوبًا مخيطًا أنيقًا ـ أن أتصور خيطًا قد دخل من تلقاء نفسه في ثقب إبرة، اشتبكت من تلقاء نفسها في نسيج الثوب، أو أخذت تعلو وتهبط صانعة الصدر والذيل والوسط والأكمام والأزرار ، والفتحات والزركشة والمحاسن إلخ . إن إحالة الأمور على المصادفات ضرب من الدجل العلمي ، يرفضه أولو الألباب.. لنفرض أن الآلة الكاتبة في أحد الدواوين وجدت بجوارها ورقة مكتوب عليها اسم (عمر) ، ماذا يعني هذا...؟ أحد أمرين: أقربهما إلى البداهة وهو أن خبيرًا بالكتابة طبع الاسم على الورقة. والأمر الثاني أن حروف الاسم تجمعت وترتبت وتلاقت هكذا جزافًا. ص _023
(1/15)

إن الفرض الأخير معناه من الناحية العلمية ما يأتي : الابتداء بكتابة العين، أو سقوط حرفها وحده على الورقة دون وعي يجوز بنسبة 1 إلى 28 وهو عدد حروف الهجاء العربية - . وسقوط حرفي العين والميم يجوز بنسبة (1) إلى 28 x 28 ونزول الحروف الثلاثة بعوامل الصدفة المحضة يجوز بنسبة 1 إلى 28 x 28 x 28 أي بنسبة 1 إلى 21952 وليس أغبى فكرًا ممن يترك الفرض الوحيد المعقول ويؤثر عليه فرضًا آخر لا يتصور وقوعه إلا مرة بين اثنتين وعشرين ألف مرة... والصدف حين تخط على القرطاس كلمة عمر أقرب إلى الذهن من تصور الصدف هذه تخلق قطرة ماء في المحيطات الغامرة، أو حبة رمل في الصحاري الشاسعة.. إن العلم بريء من مزاعم الإلحاد، ومضاد لما يرسل من أحكام بلهاء.. ص _024
(1/16)

عقيدة الألوهية عند الفلاسفة والعلماء معرفة الله ـ سبحانه وتعالى ـ مركوزة في كل طبع، واسمه الكريم معروف في كل لغة، واختلاف الأجناس والألسنة لم يصرف الأفئدة والأفكار عن هذه الحقيقة الواحدة. بيد أن هذه المعرفة المتصلة. برب العالمين لم تأخذ امتدادها الكامل وسماتها الراشدة، ولم تبرأ من الأوهام وتبعد عن الأهواء، إلا عندما تلقاها الناس مصفاة من ينابيع الوحي، وسمعوا آياتها تتلى من أفواه الأنبياء. ولكن ذلك لم يمنع الكثير ممن لم يدخلوا في نطاق الرسالات الأولى ـ أو لم تبلغهم ـ على وجه صحيح ـ هدايات القرآن الكريم، أن يفكروا في الله من تلقاء أنفسهم، وأن يطلقوا لعقولهم عنان البحث. والفلسفة الإلهية حافلة بالكثير من هذه الأفكار، كما أن علماء الكون في العصر الأخير قد تكلموا عن الله في حدود ما هداهم إليه البحث المجرد في آفاق الطبيعة وأسرارها، وقوانينها. والفلاسفة القدامى أسمَوْا الله : الصانع، والعقل الأول، وواجب الوجود، وسبب الأسباب ، وغير ذلك من الأسماء التي اصطلحوا عليها. كما أن للعلماء المحدثين تصورات في الألوهية التبس فيها الحق بالباطل كما سترى . وعلة هذا اللبس، أن هداية السماء لم تصحب العقل في سيره. ومن ثَمَّ أقرَّ العقل بالمبدأ الواجب، وأخطأ في التفاصيل المتعلقة به. المهم أن العقل الذكي، والبحث النزيه ، والفكرة المبرأة عن الغرض، المستقيمة على النهج، تتأدى بأصحابها- حتمًا- إلى الله ، وتقفهم خاشعين أمام الشعور الغامر بعظمته وجلاله. وإن من الغباوة والبلادة أن يظن السفهاء من الناس أن الإيمان وليد استغلاق ص _025
(1/17)

الذهن، أو أن استبحار العلوم واتساع المعارف الإنسانية يخدش قاعدة الإيمان ، ويوهي الصلة بالإله الديان. قال " هرشل " ـ من فلاسفة القرن الثامن عشر ـ (إنه كلما اتسع نطاق العلوم ؛ تحققت وكثرت الأدلة على وجود حكمة خالقة قادرة مطلقة) . وعلماء الأرضيات والهيئة والطبيعيات والرياضة يهيئون بمساعيهم واكتشافاتهم كل ما يلزم لإنشاء معبد العلوم؟ إعلاء لكلمة الخالق). وانظر إلى ما دُوِّنَ من آراء لسقراط عن تلميذه أفلاطون: " هذا العالم يظهر لنا على هذا النحو الذي لم يترك فيه شيء للمصادفة، بل كل جزء من أجزائه متجه نحو غاية، وتلك الغاية متجهة إلى غاية أعلى منها، وهكذا يتم الوصول إلى غاية نهائية منفردة وحيدة " . من أين نشأ هذا النظام الكامل في تفرعاته؟ المحفوف بالعظمة والجلال من نواحيه كافة؟ ليس من الممكن أن يحمل ذلك على المصادفة. فلو أمكننا أن نقول: إنه نشأ من تلقاء نفسه، لصح لنا أن نقول: أن ألواح "بولكلت" و " زونكريس " حدثت من تلقاء نفسها. وإذا ما نظرنا إلى أن العناصر التي تحتوي عليها الكائنات كثيرة إلى درجة لا يمكن أن يحصرها العقل، كان من المحال أن نحمل وجود ذلك كله على المصادفة، فلابد إذن من وجود عقل أعلى... وهو الصانع الوحيد. لأن الطبيعة أثر يتجلى فيه الاتحاد الدال على وحدانية الصانع، الذي ينفذ حكمه كنفوذ الفكر في الحال " بدون أي خطأ. وهو حاضر غالب ـ أي عالم قادر ـ ومع هذا، فمن المستحيل إدراكه بالحواس... فهو كالشمس التي تمس جميع الأبصار، لكنها لا تبيح لأحد أن ينظر إليها. اهـ. من تاريخ التصوف للأستاذ " محمد علي عيني بك ". وقد شرح " لابلاس " دليل الحركة الكونية، وأبان قوة هدا الدليل في حسم ص _02 ص
(1/18)

الشبهات التي يثيرها الجاحدون ، فقال : " أما القدرة الفاطرة فقد عينت جسامة الأجرام الموجودة في المجموعة الشمسية وكثافتها، وثبتت أقطار مداراتها، ونظمت حركاتها بقوانين بسيطة، ولكنها حكيمة، وعينت مدة دوران السيارات حول الشمس، والتوابع حول السيارات بأدق حساب، بحيث أن هذا النظام المستمر إلى ما شاء الله لا يعروه خلل " . هذا النظام المستند إلى حساب يقصر عقل البشر عن إدراكه ، والذي يضمن استمرار المجموعة إزاء مالا يعد ولا يُحْصَى من المخاطر المحتملة، لا يمكن أن يحمل على المصادفات في نظر " لابلاس " إلا باحتمال واحد في أربعة تريوليونات. وما أدراك ما أربعة تريوليونات؟ إنه عدد من كلمتين، ولكن لا يمكن أن يحصيه المحصى إلا إذا لبث خمسين ألف عام، يعد الأرقام ليلاً ونهارًا على أن يعد في كل دقيقة 150 عددًا ". وقال سبنسر: " اننا مضطرون إلى الاعتراف بأن الحادث مظاهر قدرة مطلقة متعالية عن الإدراك. وأن الأديان كانت أول من قبل هذه الحقيقة العلوية ولقنها. ولكنا نشرت أول الأمر ممزوجة بالأباطيل ". وسبنسر هذا غير متدين. إن العقول السليمة تتلاقى على الحق، وكلما ازدادت علمًا كان تلاقيها على الحق أيسر وأقرب. ومن أجل هذا رأينا العلماء بعد ذلك الانتكاس المادي الذكي اعترى بعضهم في أواخر القرن التاسع عشر يرجعون إلى التلاقي على الحق، ويكادون يجمعون اليوم إجماعًا بلسان أكابرهم على أن هذه القوانين والنواميس التي نشأت على أساسها الحياة وتطورت، تنطوي على وحدة في القصد والإرادة، والعناية، والحكمة. يستحيل معها على العقل السليم المفكر أن يؤمن بأن هذه الحياة خلقت وتطورت ص _027
(1/19)

بالمصادفة العمياء. فهذا اللورد " كلفن " العالم الإنجليزي الكبير يعلن هذا الإيمان على الناس، ويسخر من القائلين بالمصادفة في خلق هذه الحياة، ويعجب من إغضاء بعض العلماء عما في آثار الحكمة والنظام من حجة دامغة ، وبرهان قاطع على وجود الله ووحدانيته ؛ حيث يقول: " يتعذر على الإنسان أن يتصور بداية الحياة أو استمرارها دون أن تكون هناك قوة خالقة مسيطرة. وإني لأعتقد من صميم نفسي أن بعض العلماء في أبحاثهم الفلسفية عن الحيوان قد أغضوا إغضاء عظيمًا مفرطًا عما في نظام هذا الكون من حجة دامغة، فإن لدينا فيما حولنا براهين قوية قاطعة على وجود نظام هذا الكون من حجة دامغة. فإن لدينا فيما حولنا براهين قوية قاطعة على وجود نظام مدبر وخير. وهي براهين تدلنا بواسطة الطبيعة على ما فيها من أثر إرادة حرة، وتعلمنا أن جميع الأشياء (الحية) تعتمد على خالق واحد أحدي أبدي ". وهذا " أينشتين العظيم يأتي من بعد " كلفن " ليقول: " إن جوهر الشعور الديني في صميمه هو أن نعلم بأن ذلك الذي لا سبيل لمعرفة كنه ذاته موجود حقًّا ، ويتجلى بأسمى آيات الحكمة وأبهي أنوار الجمال. وإنني لا أستطيع أن أتصور عالمًا حقًّا لا يدرك أن المبادئ الصحيحة لعالم الوجود مبنية على حكمة تجعلها مفهومة عند العقل. فالعلم بلا إيمان يمشي مشية الأعرج، والإيمان بلا علم يتلمس تلمس الأعمى ". فهل تريد أحسن من هذا التلاقي بين عقول العظماء وبين القرآن الذي يقول لنا: (إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور) . ولبعض الناس مع إيمانهم بالألوهية أفكار خاطئة في تصورها ؟ كتب " كميل فلامريون " في كتاب ( الله في الطبيعة ): " إذا انتقلنا من ساحة المحسوسات إلى الروحيات فإن الله يتجلى لنا كروح دائم موجود في حقيقة كل شيء . ليس هو سلطانًا يحكم من فوق السموات، بل نظام مستتر مهيمن على كافة الموجودات!. ليس مقيمًا في جنة مكتظة بالصلحاء والملائكة!! بل إن الفضاء
(1/20)

اللانهائي مملوء به. ص _028
فهو موجود مستقر في كل نقطة من الفضاء، وفي كل لحظة من الزمان، أو بتعبير أصح: هو قيوم لانهائي ، منزه عن الزمان والمكان والتسلسل والتعاقب. ليس كلامي هذا من جملة عقائد ما وراء الطبيعة المشكوك في صحتها، بل من النتائج القاطعة التي استنبطت من القواعد الثابتة للعلم؟ كنسبية الحركة وقدم القوانين. إن النظام العام الحاكم في الطبيعة، وآثار الحكمة المشهودة في كل شيء، المنتشرة كنور الفجر وضياء الشفق في الهيئة العامة، لاسيما الوحدة التي تتجلى في قانون التطور الدائم، تدل على أن القدرة الإلهية المطلقة هي الحوافظ المستترة للكون، هي النظام الحقيقي، هي المصدر الأصلي لكافة القوانين الطبيعية وأشكالها ومظاهرها ". والقائل فيلسوف ينكر اليهودية والنصرانية، ولا يعرف الإسلام؟ ولكنه يعرف الله الواحد من إدمانه النظر في العلوم والأكوان، وأمثاله كثيرون. وفكرة هذا العالم عن الألوهية تظهر في فلسفة وحدة الوجود. وهي فلسفة ندت عن الصواب، وإن تعبق بها بعض القدامى من فلاسفة الهنود، وسرت عدواها إلى التصوف الإسلامي، فشردت به عن الحق، وعن تعاليم الإسلام. وأفكار أولئك الباحثين لو أنها ضبطت بتعاليم الوحي، ومشت في هدي الشريعة ؛ لاستقامت مع ما ذكر القرآن الكريم عن الله ـ عز وجل ـ من صفات، وما نسب إلى ذاته العظمى من نعوت الجلال والجمال.. ! وحسب أولئك ـ وإن لم يعرفوا الحق كاملاً ـ أن لاح منه بريق فأقروا ولم ينكروا. ولئن صدقوا ما عرفوا، إنهم أهل للإيمان الصحيح الكامل ، لو أتيحت لهم آياته، ويسرت لهم رسالاته، أي لو أتيحت لهم معرفة الإسلام الصحيح من خلال الكتاب والسنة. ومع زحمة الوجود بالدلائل المؤيدة لعقيدة الألوهية، وانتصاب الشواهد المتكاثرة في الآفاق ترشد الناس إلى رب العالمين، فإن العالم لم يخل من منكرين يجحدون الحق ويكفرون بالله . ص _029
(1/21)

وقد استقصينا أقوال هؤلاء فلم نر بها إلا الإنكار المجرد والعناد السمج . يقول " يوخنز " عميد العلماء الماديين في العصر الماضي: " من الممكن إرجاع ظهور الأجرام السماوية وانتشارها وحركاتها إلى أصول بسيطة من الممكنات، فلا يبقى إذن محل للاعتقاد في قوة خالقة مشخصة ". ويقول: " إن الإنسان محصول المادة وليست له خاصة فكرية على النحو الذي يصور الروحانيون " ويقول ـ ماضيًا في إنكار الروح ،ومصورًا العقل الإنساني بصورة مادية : "إن الكبد والكليتين تفرزان مادة مرئية دون أن نعلم نحن بذلك. أما الحركة الدماغية فلن تكون خارج إرادتنا وإدراكنا، والدماغ يفرز قوة بدل المادة (!)... ". ويقول " بروسيه "- مؤيدًا هذا التفسير المادي للروح والعقل ـ : (إن الذكاء والحساسية عمل من أعمال الأجهزة العصبية ، كما أن تحويل المأكولات إلى دم يندفع في العروق، عمل الأجهزة الهضمية والتنفسية..). كتبت جريدة طبية مقالة ذكرت فيها أن (الفكر تركيب يشبه حمض فورميك والتفكير تابع للفوسفور). والفضيلة والصداقة والشجاعة ما هي إلا تيارات كهربية للأعضاء الإنسانية. يبدو أن ذلك الفيلسوف يقر مرغمًا ـ من قبيل إنطاق الحق له ـ (بأنا) التي ينكرها ". ثم إنهم يقولون: " إن القوة لا تنفصل عن المادة ـ كما يقررون ـ فأين مادة القوة التي يفرزها الدماغ؟ ". ص _030
(1/22)

الحق أن الإلحاد الذي يشيع بين طوائف المتحذلقين والمتنطعين لا يستند ألبته إلى ذرة من المعرفة أو التفكير السليم. هذه هي الصورة التي يقدمها الملحدون للإنسانية ومعنوياتها ! ، وهذه هي أدلتهم على إنكار ما وراء المادة، وعلى رفض الإيمان بالله العلي الكبير. وقد سميناها أدلة تجوزًا، وإلا فأي أمارة على الفهم الصحيح في هذا اللغو القبيح ؟ ومتى كان التشكيك والفرض والتوهم أدلة محترمة؟ إنه من المقطوع به عقلاً أن العدم لا يتحول إلى وجود ولا يخلق وجودًا. فإذا قيل: إن العالم مفتقر في إحداثه إلى سبب ، وإن الأحياء محتاجة في وجودها إلى خالق ؛ قيل: بل يجوز أن يتم ذلك من تلقاء نفسه. وإذا كانت حركة المرور في القاهرة - مثلاً-تتطلب فرقة من الجنود لتنظيمها وإلا لسرت الفوضى في أرجائها، فهل يستغرب القول بقدرة منظمة مشرفة على الألوف المؤلفة من الكواكب السيارة في الفضاء؟ وهل يعتبر القول بأن المصادفات المخصصة هي التي تتولى هذا التنظيم .. هل يعتبر إلا لغوًا ومجونًا ؟ ثم ما هذه السخافات الزاعمة بأن الفضائل والرذائل اهتزازات كهربائية للأعضاء والأجهزة الجثمانية! ؛ لأنه لا روح كما يقولون ! . يجيب " كميل فلامريون " ـ متهكمًا فيقول ـ: " ما معنى إفراز القوة ؟ ولم لا يفرز الدماغ كيلومترات أو فراسخ؟ " . ويقول المشير ( أحمد عزت باشا ): " من حيث إنه لا روح ولا نفس ناطقة، فمن الذي يشعر بما تفرزه الحركة الدماغية؟ ومَن الذي لا يشعر بها؟ وما معنى كلمة " نحن " التي يستعملها ذلك المتكلم؟ (يوخنز السابق). ص _031
(1/23)

لا ريب في وجود الله نيويورك ـ رويتر ـ استفتت مجلة " كوليرز " المعروفة، عددًا كبيرًا من علماء الذرة والفلك، وعلم الأحياء " البيولوجيا " والرياضة. " فأكدوا أن لديهم أدلة وقرائن كثيرة تثبت وجود كائن أعظم ينظم هذا الوجود، ويرعاه بعنايته ورحمته وعلمه الذي لا حدَّ له " . ويقول الدكتور " راين " إنه ثبت من أبحاثه في المعامل أن في الجسم البشري روحًا أو جسمًا آخر غير منظور. وقال عالم آخر: " إنه لا يشك في أن الكائن الأعظم ـ وهو ما تسميه الأديان السماوية " الله " ـ هو الذي يسيطر على الطاقة الذرية وغيرها من الظواهر والقوانين الخارقة في هذا الوجود ". * * * ونشرت جريدة (المصري) هذا التلغراف الذي أذاعته (رويتر) على العالم كله. وقد قرأته كغيري ، وشعرت بعاطفة من السرور تغمرني ؛ لأن أولي العلم وأرباب البحث لمسوا ـ ولا أقول عرفوا ـ آثار الحقيقة العليا، وبدأ إيمانهم بالله يتركز على أساس من التجربة المادية والإحساس النفسي . أتعرف ما هو الإلحاد؟ أن يسفه المرء نفسه، ويركب رأسه، ويغمض عينيه عن كل ما حوله؟ ثم يصدر الأحكام جزافًا، لا تخضع لمنطق، ولا يربطها فكر سليم . وعندما جاء القرآن الكريم ليأخذ بأيدي الناس إلى الحق المبين لم يكلفهم عسرًا. ولم يزد أن طلب إليهم فتح أبصارهم على آفاق السماء ، وفجاج الأرض، وخواص ص _032
(1/24)

الأشياء. (قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون). (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون) (أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى ...) فإذا أرسل المرء نظراته الفاحصة يستقصي بها أنباء الوجود ، ويستكنه أسرار الحياة ، فسيرجع ـ بعد جولة قريبة ـ بهذه الحقيقة المشرقة اللامعة . الحقيقة التي أجملتها الآية الكريمة : (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل * له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون * قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ) إن للإلحاد شبابًا ممسوخًا في بلادنا، يعرف قشورًا من العلم ، ويتعلق بأوهام لا وزن لها عند أولي الألباب. تراه يتكلم عن الألوهية والدين والوحي ؛ فيلوي لسانه بعبارات مشحونة بالغرور والادعاء . وليس وراءها إلا ما يذكرك بقول الله : (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير * ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) إلى هؤلاء الشباب ممن يظنون العلم طريق الإلحاد، نسوق إليهم نتائج البحوث التي وصل إليها سادتهم عن أصل الحياة . لماذا كفروا ؟ قال الإمام الغزالي في (الإحياء): " اعلم أن أظهر الموجودات وأجلاها هو الله ص _033
(1/25)

تعالى، وكان هذا يقتضي أن تكون معرفته أول المعارف وأسبقها إلى الأفهام، وأسهلها على العقول، ولكن ترى الأمر بالضد من ذلك! فلابد من بيان السبب فيه. وإنما قلنا: إنه أظهر الموجودات وأجلاها لمعنى لا نفهمه إلا بمثال. وهو أنا إذا رأينا إنسانًا يكتب أو يخيط - مثلاً - كان كونه حيًّا عندنا من أظهر الموجودات! فحياته وعلمه وقدرته وإرادته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة. إذ صفاته الباطنة كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه. كل ذلك لا نعرفه. وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها، وبعضها نشك فيه كمقدار طوله واختلاف لون بشرته، وغير ذلك من صفاته. أما حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيوانًا ؛ فإنه جلي عندنا، وإن كنا لا نرى بأعيننا حياته وقدرته وإرادته. فإن هذه الصفات لا تحس بشيء من الحواس الخمس ، ولا يمكن أن تُعْرف حياته وقدرته وإرادته إلا بخياطته وحركته. . ولو نظرنا إلى كل ما في العالم سوى هذه المظاهر لم نعرف به شيئًا من صفاته. فما عليه إلا دليل واحد هو عمله بيديه ، وهو مع ذلك الدليل الواحد على وجوده يوصف بأنه موجود تجيء واضح . فماذا يقول المرء في وجود الله الذي لا تحمي أدلته لكثرتها ؟ وماذا يقول في أوصافه التي يشهد كل شيء بعظمتها ؟ إن وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له - بالضرورة - كل ما نشاهده وندركه بالحواس الظاهرة والباطنة. كل ما نشاهده من حجر ومدر، ونبات وشجر وحيوان، وسماء وأرض، وكوكب، وبر وبحر ، ونار وهواء، وجوهر وعرض. بل أول شاهد عليه أنفسنا نحن وأجسامنا وأوصافنا، وتقلب أحوالنا وتغير قلوبنا ، ص _034
(1/26)

وجميع أطوارنا، في حركاتنا وسكناتنا. وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا، ثم محسوساتنا بالحواس الخمس، ثم مدركاتنا بالعقل والبصيرة. وكل واحد من هذه المدركات له مدرك واحد، وشاهد واحد، ودليل واحد، وجميع ما في العالم شواهد ناطقة، وأدلة شاهدة، بوجود خالفها ومدبرها، ومصرفها، ومحركها، ودالة على علمه وقدرته ولطفه وحكمته، والموجودات المدركة لا حصر لها . فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا، وليس يشهد إلا شاهد واحد. وهو ما أحسسنا به من حركة يده. فكيف لا يظهر عندنا ما لا يتصور في الوجود شيء ـ داخل نفوسنا وخارجها ـ إلا وهو شاهد عليه؟ وعلى عظمته وجلاله؟ إذ كل ذرة فينا نحن البشر تنادي بلسان حالها، أنه ليس وجودها بنفسها، ولا حركتها بذاتها، وأنها تحتاج إلى موجد ومحرك لها. يشهد بذلك أولاً تركيب أعضائنا، وائتلاف عظامنا ولحومنا، وتكوين أعصابنا، وانسياب شعورنا، وتشكل أطرافنا وسائر أجزائنا الظاهرة والباطنة. فإنا نعلم أنها لم تأتلف بأنفسها، كما نعلم أن يد الكاتب لم تتحرك بنفسها. ولكن لما لم يبق في الوجود شيء مدرك، محسوس أو معقول، حاضر أو غائب إلا وهو شاهد ومعرف له عظم ظهوره سبحانه، فانبهرت العقول ودهشت عن إدراكه ". ثم قال الغزالي موضحًا علة هذا القصور: (ذلك، وما تقصر عن فهمه عقولنا له سببان : أحدهما : خفاؤه في نفسه وغموضه، وذلك لا يخفى مناله . وثانيهما: ما يتناهى وضوحه...!! إن الخفاش يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار؟ لا لخفاء النهار واستتاره ؛ لكن لشدة ص _035
(1/27)

ظهوره، فإن بصر الخفاش ضعيف، يبهره نور الشمس إذا أشرقت ، فتكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سببًا لامتناع إبصاره، فلا يرى شيئًا إلا إذا امتزج الضوء بالظلام وضعف ظهوره. فكذلك عقولنا ضعيفة، وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة، وفي غاية الاستغراق والشمول .. حتى لم تشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السموات والأرض : فصار ظهوره سبب خفائه، فسبحان من احتجب بإشراق نوره، واختفى عن البصائر بظهوره . ولا يتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور؛ فإن الأشياء تستبان بأضدادها، وما عم وجوده حتى إنه لا ضد له، يعسر إدراكه . فلو اختلفت الأشياء فدل بعضها دون بعض أدركت التفرقة عن قرب، ولكن لما اشتركت في الدلالة على نسق واحد أشكل الأمر . ومثاله نور الشمس المشرق على الأرض، ما كان أيسر جحوده لو أنه دائم البقاء وما أكثر الكافرين به ، لكن لنور الشمس حالاً أخرى ... فإنا نعلم أنه عرض من الأعراض ، يحدث في الأرض، ويزول عند غيبة الشمس. فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها؟ لكنا نظن أنه لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها: وهي السواد والبياض وغيرهما. فإنا لا نشاهد في الأسود إلا السواد، وفي الأبيض إلا البياض. فأما الضوء فلا ندركه وحده . ولكن لما غابت الشمس وأظلمت المواضع أدركنا تفرقة بين الحالين. فعلمنا أن الأجسام كانت قد استضاءت بضوء، واتصفت بصفة فارقتها عند الغروب. عرفنا وجود النور بعدمه؟ وما كنا نطلع عليه لولا عدمه إلا بعسر شديد. ص _03 ص
(1/28)

وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام والنور. هذا مع أن النور أظهر المحسوسات، إذ به تدرك سائر المحسوسات، فما هو ظاهر في نفسه هو مظهر في غيره . انظر كيف تصور استبهام أمره بسبب ظهوره لولا طريان ضده؟ فالله تعالى هو أظهر الأمور، وبه ظهرت الأشياء كلها، ولو كان له عدم أو غيبة أو تغير لانهدمت السموات والأرض، وبطل الملك والملكوت، ولأدركت بذلك التفرقة بين الحالين . ولو كان بعض الأشياء موجودًا به، وبعضها موجودًا بغيره ؛ لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة . ولكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد، ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه. فلا جرم أورثت شدة الظهور خفاء، فهذا هو السبب في قصور الأفهام . انتهى ما جاء في " الأحياء" مع تصرف لإيضاح المقصود. ص _037
(1/29)

هو الأول وجود الله سبحانه وتعالى ممتد في القدم ، بحيث لا يتصور قبله وجود قط . وما دام كل وجود قد نشأ عنه، فالله تعالى أسبق منه، ونحن لا نعرف عن الأول شيئًا، إذ عهدنا بالوجود قد حدث بعد ميلادنا. عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - أن المشركين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : انسب لنا ربك، فنزل : (قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد) لأنه ليس شيء يولد إلا وسيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث ، إن الله تعالى لا يموت ولا يورث. (ولم يكن له كفوا أحد) قال : لم يكن له شبيه ولا عديل وليس كمثله شيء. إن أولئك المشركين نظروا إلى الألوهية بعقولهم القاصرة، وقاسوا وجودها المطلق على وجودنا المحدود، فتوهموا أن له أولادًا . وليس الأمر كما يتوهمون . إن لوجودنا المادي أولاً لأننا نحس بذلك وندركه عن يقين، ونجزم باستحالة غيره . أما الوجود الإلهي فقديم لا أول له . وقد تمر بالخاطر هواجس نتساءل عن أسرار هذا الأزل الغامض على عقولنا، وذلك من استشراف العقل إلى اكتناه ما بعجزه، ولا يقدح ذلك في صحة الإيمان. فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن ناسًا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألوه : إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ قال : "أوجدتموه" ؟ قالوا: نعم، قال: "ذلك صريح الإيمان" (أي: كراهتكم لتلك الوسوسة صريح الإيمان؟ والصريح : الخالص من كل شيء) ص _038
(1/30)

وفي رواية أخرى : " الحمد لله الذي رد كيده ـ الشيطان ـ إلى الوسوسة ". وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : " قالوا: يا رسول الله ، إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة، أو يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به، قال : ذلك محض الإيمان " . إن تاريخ الإنسان والعالم والحياة كلها جد بعد عدم، لا يدرى مداه . وربما استطاع الإنسان إدراك أعراض يسيرة في بيئته المحدودة، أعراض تمس يومها الحاضر، أو أمسها القريب، أو غدها الموشك . وقد يكون من هذه الأعراض المدركة جملة من المعارف النافعة... ثم تقف بعد ذلك أشعة بصيرته فلا تستطيع حراكًا ولا إدراكًا . فإذا كانت تلك حدود قدرته العقلية في عالم الشهادة، فلا جرم أنه يكون في عالم الغيب أعجز، وعن فهمه أقصر. وراكب السفينة قد يستطيع التجوال فيها، فإذا بدا له أن يقذف بنفسه في أغمار اليم فقلما يعود. وعقلنا في قوته المحدودة كبصرنا الذي لا يقرأ إلا على أشبار، فإذا ابتعد الخط عنه مسافة لم يميز منه حرفًا . كذلك لا يستطيع العقل أن يدرك إلا في دائرة وجوده الضيقة : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ). ومن ثم فنحن نؤمن بقدم الذات الإلهية وامتداد هذا القدم في أغوار الأزل الذي لا نعرف عنه كنهه. ... ذلك وطبيعة الوجود المحدث تقتضي البداية والنهاية، أما مَن وجوده من ذاته فحقه أسمى من أن يسبقه أو يطرأ عليه عدم . ص _039
(1/31)

والآخر والله ـ سبحانه ـ باقٍ أبدًا ، إنه ليس جسمًا فيموت، ولا مادة فتتحلل وتذوي ، إنه الدائم الذي يصير إليه كل شيء . (كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون) . (وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا) . وذو الوجود الخالد المتأبي على الفناء قد يمنح للأخيار من عباده الخلود في جنات النعيم . فهذا الفضل الممنوح لا يعني أن بشرًا أصبح حقيقًا بوصف الباقي والآخر. فالأمر كما قلنا: إن وجود الله ـ عز وجل ـ واجب له من ذاته لا ينفك عنه أبدًا . أما ما عداه فهو صفر إن لم تدركه نعمة الوجود المفاض عليه من الخالق جل علاه . ص _040
(1/32)

حاجة العالم إلى الله قد يشرف المهندسون والبناؤون على تشييد عمارة ضخمة، ثم ينفضون أيديهم منها، أو يموتون عنها . وتبقى العمارة بعدهم أمدًا بعيدًا ، قائمة الجدران ، مستوية الأركان . إن هذه العمارة لم تخلق من عدم، والفعلة فيها لم يزيدوا أن ضموا حجرًا حجرًا، ثم انتهى عملهم إلى هذا الحد. أما بناء هذا الكون الفسيح، وتشييد سقفه المحفوظ، وتمهيد أرضه وتهيئتها للعمران، فهو عمل آخر أساسه الإبداع من العمل المطلق. وكما أن العالم في وجوده احتاج إلى ربه، فهو في بقائه يحتاج إليه لحظة بعد لحظة. ولا توجد ذرة في الأرض ولا في السماء تستمد وجودها من ذاتها، حتى يتصور استغناؤها بنفسها، بل على العكس، هذا الوجود المفاض عليها يتلاشى ويضمحل إذا شاء مفيضه أن يحرمها منه، مثلما يتقلص الظل إذا ذهب ما يلقيه. لن يكون نهار إلا مع وجود الشمس!، ولن يكون عالم إلا مع وجود الله . ( ولله المثل الأعلى ) .. (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز ) فالعقول وما يتردد فيها من أفكار، والقلوب وما يتجدد فيها من مشاعر، والأجسام وما يتدفق فيها من دماء، وما يتحرك فيها من أجهزة وعضلات ، في كل بلد، بل في كل قارة، منذ بدء الخلق وإلى قيام الساعة، ما نعرف وما لا نعرف، إنما يقوم بقيام الله عليه، ولو شاء تركه لأصبحنا ولما وجدنا وقتًا نفكر فيه بأننا فنينا، لأننا سنكون فنينا فعلاً . إن الأرض التي تسير عليها بقدميك لا تمسك نفسها تحتك، فهي لا تشعر بك، ثم ص _041
(1/33)

هي لا تصنع شيئًا من الحبوب والفواكه التي تغلها. فأنى لها الخلق والإتقان وهي جامدة هامدة لا تحس ولا تعلم؟ إن الإمداد الإلهي وحده، هو الذي قام ويقوم بما ترى ، قيامًا لا تتوهم معه غفلة ولا تفريط ولا فتور، وإلا لهلكنا واختل كل شيء ! الفارق بين وجودنا ووجود الله ، أن الله ـ تبارك وتعالى ـ وجوده واجب له من ذاته. أما نحن فليس لنا من ذواتنا شيء قط، إن منحنا نعمة الوجود بقينا ما بقيت معارة لنا، وإلا اختفينا فلم يمسكنا شيء . ومن هنا نعرف أن لله صفات كثيرة، توضح معالم كماله ، نذكر منها ما يلي : ليس كمثله شيء مخالفة الذات الإلهية لغيرها من المحدثات ظاهرة، والبداهة تقضي بأن بين الخلق والخالق أمدًا بعيدًا ، وأن الخالق لا يشبه شيئًا من خلقه، لا في ذاته، ولا في صفاته. وقد وصف الله ـ عز وجل ـ نفسه بصفات كثيرة، من الصعب إدراك حقيقتها على النحو الذي ندرك به أمورنا المعتادة، بل هذا مستحيل! . من أين للتافه أن يعرف كُنْهَ العظيم؟ إن النملة لا تعرف حقيقة الإنسان؛ فحدود عالمها الذي تعيش فيه تقفها دون ذلك والطفل ـ في المرحلة الأولى من عمره ـ لا يعرف ما هي الرجولة، ولا ما يصحبها من سعة عقل، واستحكام إدراك. بل إن الإنسان عاجز عن إدراك حقيقة الوجود المادي الذي يعيش فيه، فكيف يعرف ما وراءه من غيوب؟ ص _042
(1/34)

إذا قيل: إن الله يسمع، فليس ذاك بأذن كآذاننا . أو يرى ، فليس ذلك بعين كأعيننا. وإذا قيل: إنه بنى السماء، فليس على النحو المألوف من تكليف فعلة واستحضار أدوات. وإذا قيل: يده فوق أيدينا، فليس الوصف لجارحة كأعضائنا. والذي نوقن به ابتداء، أن صفات المحدثين وأحوالهم لا يجوز أن تنسب إلى الله؛ فهو- سبحانه وتعالى- غير مخلوقاته. وشأن الألوهية أسمى مما تتصور الأذهان الكليلة والعقول القاصرة. وقد وردت في الوحي الكريم كلمات عن الوجه، واليدين، والأعين والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء، والقرب من العباد... إلخ ، حاول كثير من المسلمين استكناه دلالتها واستكشاف حقيقتها، فلم يرجعوا إلا بالحيرة، حتى قال قائلهم. نهاية إقدام العقول عقال وآخر سعي العالمين ضلال ! ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وكم من جبال قد علا شرفاتها رجال فبادوا والجبال جبال ولا غرو، فإن البحث عبث فيما لا يملك المرء وسائل الخوض فيه. إن الكيمائي قد يعرف خواص سائل أو غاز يقلبه تحت يده، ويجري عليه ما شاء من تجارب، فكيف يجوز للعباد أن يتدخلوا بالبحث النظري في شأن الألوهية لينكروا أو ليثبتوا؟ وشأن الألوهية بالنسبة إليهم عزيز المنال، والحق يقول ـ في كلامه عن ذاته وصفاته ـ: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) وعلى ذلك فكل ما قطعنا بثبوته في كتاب الله وسنة رسوله مما وصف الله به نفسه وأسنده إلى ذاته؛ قبلناه على العين والرأس، لا نتعسف له تأويلاً ولا نقصد به تجسيمًا ولا تشبيهًا ، ويحتاج الكلام في هذا الموضوع إلى زيادة بيان: ص _043
(1/35)

إن اللغات من وضع الناس على مر الزمان. فنحن العرب وضعنا كلمة " أذن " مثلاً لهذا التجويف أيمن الوجه أو أيسره الذي نسمع عن طريقه الأصوات ونتبين الكلمات... وقد وضع غيرنا من أبناء اللغات الأخرى كلمات تدل على هذه الحاسة غير الكلمة المتداولة بيننا، والمهم أن هذه الألفاظ الموضوعة استحدثها الناس لمفاهيم مادية أو معنوية مارسوها وألفوها، ومن هنا فالمجيء بهذه الكلمات للدلالة على أمور مغيبة ليس إلا من قبيل التقريب للذهن، ولا يمكن أن تكون هذه العبارات التي صنعناها نحن بيانًا للمحسوسات أو المعقولات المأنوسة لنا في عالمنا وصفًا حقيقيًّا لعالم ما وراء المادة . على ضوء هذا الملحظ نفهم حديث أي لغة عن الله ـ جل شأنه ـ وعن صفاته العليا، إن الأمر لا يعدو تقريب الحقائق المطلقة لوعينا المحدود. والله أكبر من أن تحيط بعظمته عقولنا، أو تستوعب؟ كمالاته أقدارنا. ولغات البشر أجمع قوالب صالحة لما يدور في حياتهم من تفاهم، ولكنها دون ما ينبغي لذات الله من تجلية وإدراك. وقد اتفق المسلمون سلفهم وخلفهم على ذلك. ولكن اختلفت مناهجهم في التنزيه والتمجيد. فمنهم من وقف عند ظاهر النص ولكنه قال: ليس هذا الظاهر على ما نألف في فهمنا المادي للأمور. ومنهم من قال: إن هذا الظاهر ليس مرادًا والمقصود كذا... والهدف واحد تقريبًا. إذا جاء في القرآن الكريم مثلاً : (ولتصنع على عيني ) قال الأولون : إن له عينًا ليست كأعيننا. وقال الآخرون : إنما هي الرعاية والحفظ ... ص _044
(1/36)

كلا الفريقين يوافق الآخر على تنزيه الله ونفي شبهة بالحوادث، ولكن أسلوب التنزيه عند هذا غيره عند ذاك. وكنت أود لو كف المسلمون الأوائل عن خوض معارك الجدل في الموضوع، أو لو استبان بعضهم وجهة نظر الآخر بدقة وأنا شخصيًّا أوثر مذهب السلف. وأرفض أن يشتغل العقل الإسلامي بالبحث المضني فيما وراء المادة، وأرتضي قبول الآيات والأحاديث التي تضمنت أوصافًا لله ـ جل شأنه ـ دون تأويل. ولئن كنا نسلك هذا المسلك في تقديس الذات ونسبة الصفات، إننا لا نحب أن نتخذ منه ذريعة لتكفير من قصدوا إلى تنزيه الله عن طريق التأويل ، وصرف الآثار الواردة إلى المجاز لا إلى الحقيقة. فإن الذين أولوا فعلوا ذلك خشية أن يؤول أمر الألوهية إلى مثل ما عليه اليهود والنصارى، من تجسيم زري، وأحوال مضحكة. إن التوراة تحكي: أن صراعًا نشب بين الرب ويعقوب، لم يفلت منه الرب إلا بصعوبة، وبعد ما قدم ليعقوب لقبه المعروف " إسرائيل " ، وكلام الإنجيل عن الله يخيل إليك أنه رب أسرة من ولد ووالدة!. فجنوح المؤولين ـ عندنا ـ إلى المجاز، قد يكون هناك ما يعتذر به عنهم . بيد أننا لاحظنا أن هذا التنزيه والتأويل والانصراف الدائم عن الحقيقة إلى المجاز قد جنى على أصل الإيمان لدى جمهور العامة، وجعل فكرتهم غامضة عن إله: لا هو في السماء ولا هو في الأرض، ليست له يد، ولا عين، ولا وجه، لا يوصف بفرح ولا رحمة ولا ضحك، ولا ولا ، مما وصف به نفسه . ص _045
(1/37)

والخطة المثلى أن نتقبل ما ورد به الشرع وألا نتكلف علم ما لم نطالب بعلمه مما يدق عن الأفهام. وهناك فرق بين أن يحكم العقل باستحالة شيء وبين أن يعلن عجزه عن فهم شيء. فالعقل يحكم بأن اجتماع النقيضين مستحيل. فالضوء ـ مثلاً ـ لا يكون موجودًا وغير موجود في وقت واحد. ولكن العقل الذي يحكم باستحالة هذا، يعجز عن فهم حقيقة الضوء. ما هي؟ وما كنهها؟ وما انتقالها بهذه السرعة الهائلة؟ وهذا العجز الظاهر لا يمس حقيقة الضوء، ولا يمس وجودها . فعدم علمك بشيء، ليس علمًا بعدم ذلك الشيء. وللأستاذ عبد الكريم الخطيب كلام في هذا الموضوع ننقله إتمامًا للفائدة... قال: والذات الإلهية ليست ذاتًا مبهمة مجهلة. كما أنها ليست محدودة مجسدة. هي " ذات " لا كالذوات التي يراها الحس أو يتخيلها الوهم ؛ لأنها لو وقعت في دائرة الخيال - مهما امتد واتسع - كانت بهذا المعنى محددة مقيدة.. وذات الله - مع أنها فوق أن تدرك، وفوق أن تحد - قد وصفت في القرآن بصفات كثيرة كالإرادة، والعلم، والقدرة، وغيرها. وهي صفات كاملة الكمال المطلق. ومع هذا فلابد أن تضاف إلى " ذات "؟ تضاف مثل هذه الصفات وغيرها إلى ذواتنا. مع الفارق البعيد بين كمالها في ذات الإله، ونقصها في ذات الإنسان! جاء في القرآن الكريم كثير من هذه الآيات التي تضيف إلى الله صفات عاملة في الوجود. كقوله تعالى في أول ما نزل من الكتاب : (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم) ففي الآيات تعريف بذات الله ، وأنها تخلق وتعلم. ص _04 ص
(1/38)

كقوله تعالى: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) فالله ـ سبحانه وتعالى ـ يريد. وبإرادته تتعلق مصاير الأمور. كقوله جل شأنه: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار * عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال) . فالله في هذه الآيات يعلم وهو حكيم... وكل شيء عنده بمقدار، وقد وصف نفسه بأنه الكبير المتعال. كقوله سبحانه: (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز ) فالله لطيف. وقوي . وعزيز . كقوله تعالى : (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير ) . فذات الإله ذات تسمع كل شيء، وترى كل شيء . ويقول جل شأنه: ( إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء * هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) . وأكثر فواصل القرآن تنتهي بصفة من صفات الله تعالى . أو المزاوجة بين صفتين من صفاته. فمن النوع الأول قوله تعالى: ( إن الله كان بكل شيء عليما ) . وقوله تعالى: ( وكان الله بكل شيء محيطا ). ومن النوع الثاني وهو الأعم الأغلب قوله تعالى: (وكان الله غفورا رحيما ) ، (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) ، (إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ) ص _047
(1/39)

ولا شك أِن هذه الصفات - كما قلنا - كلما ذكرت ذكر معها " ذات " تعمل في الوجود بهذه الصفات. وأن تلك الصفات لابد أن تضاف إلى ذات تقوم بها. وأكثر من هذا ، فقد جاء في القرآن آيات تذكر " للذات " يدًا، وعينًا، ويدين، وأعينًا كقوله تعالى: ( ولتصنع على عيني ). وقوله : (يد الله فوق أيديهم) ، وقوله: (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) . وقوله: ( واصنع الفلك بأعيننا ) . كذلك ورد في السنة المطهرة أحاديث تذهب هذا المذهب، كقول الرسول الكريم : " خلق آدم على صورة الرحمن " وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة قدمه فيها. فتقول قط قط (كفى كفى) وعزتك. فيزوي بعضها إلى بعض " وقوله : " قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفه كيف يشاء " . فهذه الآيات وأمثالها لا يمكن أن يقرأها قارئ أو يستمع إليها مستمع دون أن تتحرك في ذهنه صور لهذه الصفات، وأن يكون لهذه الصفات متعلق بأي " ذات " تفيض عنها..! قال: ويصح لنا أن نسأل: أكل ما ذكر عن ذاته وصفاته في كتاب الله ، وفي حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الوضوح والجلاء بحيث لا يحتاج إلى سؤال أبدًا ؟ ونستطيع أن نقول في الإجابة على ذلك : نعم. فإن مفهوم الألوهية حين يعرف الإنسان الطريق إليه، وحين يتلقاه بقلبه ويستقبله بفطرته ـ لواضح أشد الوضوح. إذ هو الكمال المطلق الذي يسمح للإنسان أن ينطلق إلى ما لا نهاية في السمو والارتفاع بمقام الذات ... وكلما انتهى إلى غاية مد بصره إلى غيرها وهكذا أبدًا. ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) . وفي هذا " المفهوم " عاش الصحابة والتابعون ـ رضوان الله عليهم ـ لا ص _048
(1/40)

يسألون : ما يد الله ؟ وما عينه ؟ . وما قدرته؟ . وما علمه ؟ فلقد هدوا بفطرتهم ألا جواب لهذه الأسئلة إلا ما يجده المرء في قلبه وفي كيانه كله ، من تقديس الله وجلاله، ونسبة الكمال المطلق كله إليه : ولقد هدوا بفطرتهم أيضًا إلى أن العقل لا يستطيع أن يدرك كنه صفة من هذه الصفات. ولا أن يمسك بها على أية صورة. فإن أية صورة لن تكون هي أبدًا ما دام الكمال المطلق هو صفتها. و" الله " الذي جاء القرآن ليدل الناس عليه، ويعرفهم به ويدعوهم إلى إفراده بالوحدانية واختصاصه بالعبادة - هذا الإله لابد أن يكون له مفهوم في عقول الناس حتى يعرفوه، وحتى يأنسوا به، وينظروا إليه فيما يأخذون أو يدعون من أمره ونهيه. ومن هنا كان لابد أن تقيم الشريعة الإسلامية (مفهومًا) للإله في عقول الناس كي يكون (الله) حقيقة يؤمنون بها، ويتعاملون معها. فما المفهوم الذي جاء به القرآن لذات الإله؟ أهو مادي؟ أو معنوي؟. وهل هو محدود أو مطلق؟ لقد كان صنيع الإسلام في هذا الأمر الخطر آية الآيات ومعجزة المعجزات الدالة على صدق الرسالة المحمدية، وعلى أنها متلقاة من أحكم الحاكمين رب العالمين! وننظر فنرى عجبًا عجابًا . حكمة بالغة، وتدبيرًا محكمًا . فأولاً : لم يكن مفهوم الألوهية ـ في شريعة الإسلام ـ مفهومًا ماديًّا . لأنه لو كان كذلك لتجسد الإله. ولو تجسد لتحدد. ولو تحدد لوقع في دائرة الحس، وفي محيط النظر. ولأصبح شيئًا من الأشياء . يحويه مكان وتفرغ منه أمكنة، ويراه خلق ويغيب عن خلق . وذلك مما يذهب بجلال الذات، وينزل من قدرها ، ويسقط من هيبتها . إن أكبر شيء نراه، ونرى امتداد سلطانه في الوجود هو (الشمس) وقد كانت لهذا ص _049
(1/41)

إله الآلهة في وقت من الأوقات . ولكن العاقل الرشيد لا يقبل أن يكون لإله محيزًا، يحضر ويغيب . وهذا إبراهيم - عليه السلام - وقد نظر إلى النجم، ثم إلى القمر.. فلما أفلا قال : ( لا أحب الآفلين) . والحب هنا إجلال وتقديس . ثم نظر إلى الشمس، فلما أفلت التمس الإله في وقت غير الكواكب والشموس ... (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ). . ثانيًا : لم يرتض الإسلام أن يكون مفهوم الإله أمرًا " معنويًّا " ، وفكرة مجردة مطلقة لا يدل عليها وصف، ولا يدرك لها واقع تتجلى فيه. فإنها لو كانت كذلك لما أمسك بها عقل، ولا اطمأن إليها قلب، ولما وجد الإنسان لمثل هذه الفكرة المجردة أثرًا يعمل في كيانه، ويؤثر في سلوكه.. ومن أجل هذا لم يكن مفهوم الإله - في شريعة الإسلام - هذا أو ذاك، لم يكن شيئًا ماديًّا ؟ لم يكن فكرة مجردة. وإنما اختار الإسلام لمفهوم الإله - في أذهان البشر - مقامًا وسطًا بين هذين، بين التجسيد والتجريد. فحيث ينظر الإنسان إلى الله في القرآن الكريم يجد " الله " سميعًا ، بصيرًا، عالمًا، قادرًا، حكيمًا، مريدًا، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، قائم على الملك. مستوٍ على عرشه، والملائكة حافون من حول العرش، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وهذا من شأنه أن يخيل للإنسان صورًا ما " للذات ". ثم ينظر المسلم في كتاب الله فيرى! " الله " " ليس كمثله شيء "... ويعمل هذا المفهوم عمله في تفكير الإنسان، لتأخذ تلك المفاهيم التي كانت قد ص _050
(1/42)

بدأت تتشكل وتتجسد ـ تأخذ في " الذوبان " ؟ تذوب صخور الثلج في عباب المحيط. ذلك ـ في إيجاز ـ هو الذي يقع في إدراكي للمفهوم الذي أراد القرآن أن يقيمه في عقول الناس وقلوبهم ... وذلك المفهوم ضروري- كما قلنا- لكي نستشعر " الذات " ونتجه إليها ونرفع لها صلواتنا ودعواتنا . أما حقيقة هذه الذات العظمى فأمر وراء كل ما نتصور ... ولكن لما لم يكن بد من أن نتصور؛ فقد أسعفنا القرآن الكريم بالقدر الضروري الذي يسد حاجتنا في هذا المقام، فجعل للإله مفهومًا غير مجسد " ذاتًا " لها العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغير ذلك من صفات الكمال التي تليق برب العالمين … الله ذات ... ولكن ليس كمثله شيء ! ص _051
(1/43)

ما نعلم وما لا نعلم وقف مرة الأستاذ " أينشتاين " العالم الكبير عند درج صغر في أسفل مكتبه وقال: " إن نسبة ما أعلم إلى ما لا أعلم، كنسبة هذا الدرج إلى مكتبي " ، ولو أنصف لقال: إنه أقل من هذه النسبة. فإنا لا نعلم أي شيء هو؟ إننا نعيش في عالم مملوء بالحقائق والقوى، ولا نعلم أي شيء. وهذا في الدنيا التي نعيش فيها ونلمسها ونزاول شؤوننا فيها، فكيف بالعوالم الأخرى البعيدة عنا ؟ نقول: إن العالم مكون من ذرات ونقول: إن الذرة مكونة من إليكترونات، أو من نواة وشحنة كهربائية سالبة وموجبة.. ويتغير رأينا في تكوين الذرة بمعدل مرة في كل أربع سنوات، ونتبجح فنعمل من الذرة قنابل ذرية، ونحن لا نعلم عن حقيقتها شيئًا. نقول: إن الأجسام تسقط لقانون الجاذبية، والمصباح يشتعل بالكهرباء، ونسخر الكهرباء في إيجاد الحرارة، والبرودة، والحركة، وإيجاد الأمواج واستقبالها. ولكن ما الكهرباء؟ لا نعلم عن حقيقتها شيئًا، وإنما نعلم كيف تستخدم. بل الحياة نفسها لم نعرف حقيقتها، وإن كانت تسكن فينا، وكل ما حولنا لا نعلم حقيقته، وإنما نعرف أعراضه. وبعبارة أخرى نعرف " كيف " ولا نعرف " ما " و" لماذا ". ما الحب؟ ما الجمال؟ ما القبح؟ ما الحرية؟ ما كل شيء معنوي ؟ ص _052
(1/44)

كل هذه لا نعرف عن حقيقتها شيئًا . وكل ما يستطيعه العقل ، أن يعرف صفاتها. ما الدين، ما الخوف، ما الأمل، ما الشجاعة، ما الفضيلة، ما الرذيلة؟ لا شيء غير الصفات. قد نعلم أن اثنين واثنتين وأربعة، ثم نعلم أجزاءها ومضاعفاتها. أما سائر الأشياء فنعرف أعراضها، ولا نعرفها. وكأنه منحنا عقلاً ليس من طبيعته أن يعرف شيئًا عن الحقائق ! وكل الذي يعرفه الإنسان ـ لو كان ذكيًّا ـ أن يوجه سلوكه في الحياة حسب طبائع الأشياء وحقائقها. ولذلك أنصف أصحاب مذهب " البراجماتزم " إذ أنكروا قدرة العقل على إدراك ومعرفة الحقيقة، وقصروه على معرفة الوسائل للغايات. والذين يشتغلون بالعلوم؟ ويقولون: إنهم وضعوا قوانينها كقوانين الجاذبية وقوانين الطبيعة والكيمياء، لا يزعمونها شرحًا لأوصافها، وحتى هي شرح لصفاتها الباطنة. إنك تقول: إن فلانًا يحبني، وفلانًا يكرهني. ولكن ما حقيقة الحب والكره؟ لا نعرف. قد تكون معرفة الفن أسهل من معرفة العلم، أو بعبارة أخرى أسهل من معرفة الحقيقة ؟ لأن الفن عمل، والعلم فهم، ونحن على العمل أقدر منا على فهم الحقائق !. ولذلك سهلت الحياة لأنها فن، وصعبت معرفة الحقائق، لأنها علم. إنك تستطيع أن تعلم أنك إذا صنعت القطار على نمط صحيح ل يصطدم ولا تخرج عجلاته، وتستطيع - بقدر الإمكان- أن تتقي الأحداث وتستطيع أن تترقب النجاح في عمل إذا سرت فيه سيرًا حسنًا؛ لأن هذه كلها فن لا علم. ص _053
(1/45)

وحتى أنت ـ في هذه ـ عرضة للخطأ؛ فقد يحدث ما ليس في الحسبان، ويخرج القطار عن القضيب، ويصطدم بجاموسة مرة ـ عرضًا ـ في الطريق. وتصطدم سيارتك بما لم تقدر مطلقًا أنها تصطدم به. فكيف الحقائق المجهولة؟ إن كان ذلك، فكيف نأمل أن نعرف العقل والنفس، وحقيقة الشعور، وما إلى ذلك؟ كل ما نتحدث به عن هذه الأشياء ألفاظ جوفاء، وتشدق سخيف، لا حقيقة وراءه. ولو أنصف مؤلفو المعاجم، ومحاولو التعريفات لكفوا عن ذلك. لأنهم لا يصلون إلى حقيقته، وإنما يدورون حول أنفسهم. ولو دققت النظر في تعريفاتهم، لوجدتها تعريفًا بالمثل، لا تعريفًا بالحقيقة. وأكثر الناس يعيشون بعقيدتهم لا بعلمهم، وبخرافاتهم وأوهامهم لا بعقلهم، فكيف وعقلهم لا يدرك حقيقة ما حوله؟ إن كان هذا حقًّا، فكيف يحاول العقل الإنساني البحث عن الله؟ إنه يكون كقوم لم يعرفوا أرضهم، فبحثوا عن المريخ، أو لم يعرفوا ما أمامهم، فحاولوا أن يعرفوا ما فوقهم. ويعجبني ما ينسب إلى الإمام علي كرم الله وجهه، في الله تعالى : " إنه لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر، لا بذي عظم تناهت به الغايات، فعظمته تجسيدًا، ولا بذي كبر امتدت به النهايات. فكبرته تجسيمًا " . كما يعجبني قول ابن أبي الحديد: والله لا موسى ولا عيسى المسيح ولا محمد علموا ولا جبريل وهو إلى محل القدس يصعد ص _054
(1/46)

كلا ولا النفس البسيطة لا ، ولا العقل المجرد ومن كنه ذاتك غير أنك واحدي الذات سرمد فلتخسأ الحكماء عن حرم له الأفلاك سجد من أنت يا رسطو ومن أفلاط قبلك يا مبلد ومن أنت سينا حين مرد ما بنيت له وشيد هل أنتم إلا الفراش رأى الشهاب وقد توقد فدنا فأحرق نفسه ولو اهتدى رشدًا لأبعد وقوله أيضًا : فيك يا أعجوبة الكون غدا الفكر كليلاً أنت حيرت ذوي اللب وبلبلت العقولا كلما أقدم فكري فيك شبرًا فر ميلاً ناكصًا يخبط في عمياء لا يهدي السبيلا وما نقلنا آنفًا عن الأستاذ " أحمد أمين " تحديد حق للنطاق الذي فيه عقل الإنسان وينتج. وقد زينت الحرية العقلية التي أتاحها الإسلام للباحثين تجاوز هذا النطإق فعدوا قدرهم، وخاضوا في بحوث لا طائل تحتها.. وبلغ بهم التيه في ميدان النظر أن تكلموا في ذات الله ، هل صفاتها عينها ؟ أو غيرها ؟ أو لا عين ولا غير؟ ومضى بهم الجدل المحض إلى غير قرار! ص _055
وأي قرار في أمر لا يمكن أن تصل إليه الأفكار؟ إن هذا البحث لو كان في ذات الإنسان لكان عسيرًا ، فكيف نسمح به في ذات الله - جل وعلا - ؟ إن علماء المسلمين الذين كتبوا في العقائد لم يقصدوا إلا الخير. ولست أظن أن واحدًا من الأولين والآخرين عمد إلى تشويه الدين أو مست! آثاره في الأفئدة. وقد تأدى الجدل ببعضهم إلى التقاذف بتهم مريبة. وقد نبت في هذا العصر قوم يريدون إقحام العامة فيما لا يطيقون من بحوث، فبلبلوا الأفكار في وقت نحتاج فيه إلى تجميع الشمل وتركيز القوة ضد الحضارة المادية التي تريد أن تطوى أعلام الوحيد وتستأصل شأفة الإسلام. ومادام هناك من يعتنق مبدأ التأويل ويستمسك به، فليس من النافع أن نرميه بالإفك ونسلخه من الملة ؟ كما يفعل الجهال . وحسبنا أن نذكر الحق المجرد، وأن نعرف الناس جميعًا، أن الله - عز وجل - ليس كمثله شيء ؛ ثم لنطهر أنفسنا من الخلاف في الحظوظ والأهواء. ص _05 ص
(1/47)

الغنى المطلق الله ـ سبحانه وتعالى ـ واسع الغنى، وليست سعة غناه راجعة إلى أنه يملك هذا العالم بسماواته وأرضه وما حوى من معادن نفيسة وعناصر غالية. ولا لأنه لا يملك عددًا لا يحصى من الجن والإنس والملائكة . لا.. لا. فالغنى الإلهي أعظم من ذلك وأمجد ! . إننا قد نعتبر الرجل غنيًّا لأنه يملك القناطير من الذهب والفضة، أو لأنه يحكم الألوف المؤلفة من الناس. فإذا فقد ذلك لم يصبح على شيء من الغنى، إذ انهارت الدعائم التي يقوم عليها. وقد يكون الملكوت الواجب الذي نعرف أقله ونجهل أكثره مظهرًا للغنى الإلهي العظيم. لكن الله ـ عز وجل ـ يستطيع أن يفني ذلك أجمع، ولا ينقص غناه المطلق شيئًا البتة !! ويبقى قائمًا بنفسه، مستغنيًا عن خلقه، ومستكملاً نعوت قداسته، ومستعليًا في أنوار جلالته . إن العرش فما دونه صفر إلى جانب إلى جانب الذات العليا، وتسبيح العباد من بدء الخلق إلى قيام الساعة، أو لغو الفجار فى هذا الأمد الطويل، لا يضفي ولا ينتقص من عظمة الحق شيئًا. وقد جاء في الحديث القدسي: " ياعبادي، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. ياعبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم، كانوا عل أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا ". المخلوقات جليلها ودقيقها تقوم بالله - عز وجل - أما الله فقائم بنفسه مستغن بذاته عما سواه. ص _057
الوحدة المطلقة ص _058
(1/48)

إنما الله إله واحد (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ، لقد أحصاهم وعدهم عدا ، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) . وإذا استقرأنا ما توهمه الناس شريكًا لله في ألوهيته، لم نجد أحدًا من هؤلاء الشركاء المزعومين ترشحه حالته، ليكون في هذا الوجود شيئًا طائلاً . لقد عبد القدماء أحجارًا اقتطعوها من سطح الأرض ، فهل يصح في خلد عاقل - أن حجرًا من الأرض - بل الأرض كلها - تصلح لتكون إلهًا ؟؟! وعبدوا صنفًا من الحيوان وقدسوا نسله - كما يفعل الهندوك إلى اليوم - فهل هناك عجل - مهما زاد لحمه وشحمه - يصلح لمنصب الألوهية؟ فما الذي يوضع بعده في أطباق الآكلين ؟ إن الوثنيين سفهوا أنفسهم عندما هووا بها إلى هذا الدرك! وقد ادعي بعض الناس الألوهية لنفسه، كفرعون حاكم مصر، وكهذا ( الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت ) . فظن هذا المغفل أن السلطة التي يستمتع بها والتي تجعله يقتل من الرعية ما يشاء، من الرعية ما يشاء، ويبقي ما يشاء ؛ ظن ذلك مسوغ الطموح لمنصب الألوهية... وهذا الظن يبقى في رأس صاحبه حتى يقطعه جمهور الثوار، ويرمون به في الأقذار. وبعض الدهماء من اليهود والنصارى ضلوا في فهم أنبيائهم ، ورفعوهم إلى مصاف " الآلهة " ، مع أن هؤلاء المرسلين ليسوا إلا عبيدًا موهوبين ، وقد كذبوا بهذا على أنفسهم ص _059
وعلى الواقع . فمن الحماقة أن تظن في بشر- مهما علا شأنه- أنه خلق كوكبًا من الكواكب ، ولماذا نذهب بعيدًا؟ ، إن أحدهم لم يخلق ذبابة أو ما دونها، فكيف يعد إلهًا من يعجز عن أي خلق؟ بل إن جرثومة من آلاف الجراثيم التي تكمن فى بطن ذبابة، لو سلبت أحدهم صحته ما قدر على ردها !! فمن أين بعد هذا ينسب إلى الألوهية؟ . ص _0 ص 0
(1/49)

عيسى بن مريم لم تصادف خرافة من الرواج في العالم مثل الخرافة التي تعد عيسى إلهًا لهذا العالم، أو شريكًا فيه مع الله !! وهذه الخرافة تتسع وتضيق حسب اختلاف الأهواء والآراء . فتارة تعتبر هذا العالم خاضعًا لإشراف شركة مساهمة : من الله ، ثم من عيسي وأمه، والروح القدس. وتارة تضيق فتعتبر هؤلاء الشركاء شعبًا شتى لحقيقة واحدة، أو مظاهر متعددة لإله واحد، على نحو يعجز العقل عن تصوره. وذلك كله شرود عن الصواب وضلال كبير. (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم …). (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد …). وعيسى بشر يأكل ويشرب ويقذف من جسمه بالفضلات الحيوانية، فكيف تنفى عنه صفته الإنسانية، أو يزعم له ما هو فوقها؟. (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ) ثم هو عبد يعنو وجهه لربه الأعلى، ويذل في ساحته، ويسمع ـ في صمت وإقرار ـ هذا التقرير الخطير: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ) ص _0 ص 1
(1/50)

وعيسى نفسه يعرف أنه وأمه عبدان فقيران لله. ويوم الحساب يقران بذلك ويستنكران غلو الغالين فيهما. ( .... أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ..... * ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد). والواقع الذي يعلو به صوت البديهة: أنه من المستحيل جعل عيسى إلهًا، يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويدبر شؤون البلاد والعباد، وأمر السماء والأرض.. إلخ ؛ لأنه في حياته عبد ضعيف، وبعد مماته رفات موارى في حفرة من التراب. ومؤلهو عيسى يشعرون بذلك جيدًا . ومن ثم فهم يلتمسون له القوة ـ التي تجعل منه إلهًا ـ من طبيعة أخرى غير طبيعته العاجزة كإنسان، وذلك بالتحايل على إيجاد نسبة بينه وبين الله ـ سبحانه وتعالى ـ هي نسبة البنوة كأنه ولي عهد!! ، وزين لهم هذا التخبط أن عيسى ولد من أم فقط. والحق أن النسبة بين الله وبين خلقه كافة هي نسبة الموجد المتفضل بالإيجاد، المختار فيه أتم اختيار، على عالم لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا . وإن كل صامت وناطق في هذا العالم يدين لله بكينونته، وهو طوعًا أو كرهًا يسبح بحمده ويذل لربوبيته !! والله ـ سبحانه وتعالى ـ قد يجعل بعض مخلوقاته أرضًا ، وبعضها سماء ، بعضها ترابًا وبعضها ذهبًا ، بعضها نباتًا وبعضها حيوانًا ، بعضها إنسًا وبعضها جنًّا .. فما أعلى شأنه من خلقه، فهو محض فضله، وما حدد له وضعه فهو محض حكمته. وقد يمنح بعض البشر والملائكة مواهب تميزهم عن أقرانهم ثم يختارون رسلاً لعباده. وأيًّا ما يفعل ذلك بخلقه، فإن ذلك ما يمس أصل النسبة المقررة بين العالم وموجده ص _0 ص 2
(1/51)

العظيم. أإذا جعل المهندس بعض أحجار البيت دعائم مختفية في الطين، وبعضها الآخر شرفات تعلو في الفضاء، ظنت الأحجار العالية أنها قد تحولت مهندسًا أو شبه مهندس. أي سخف هذا الذي يجعل بعض الخلق شركاء في الألوهية؛ لأنه منح فضل احترام؟ كيف يتصور فى بديع السموات والأرض أن يكون والدًا لتلك الأجساد التي ذرأها؟ وما عيسى فى جانب الملكوت الضخم؟ (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) . وشأن الألوهية أعز مما يعرف به الجهلة من ولادة وبنوة واتصال وأنسال!! (لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار). . ولو كانت ولادة عيسى من أم فقط - ترشحه للألوهية - بصفة البنوة - لكان آدم أولى منه بها، بل لكان الملائكة المقربون أولى بذلك. فهم من الملأ الأعلى، وليس من الحمأ المسنون . ص _0 ص 3
(1/52)

مغالطة قرأت في مذكرات الدكتور " شبلي شميل " كلمة لمواطن نصراني استعار لنفسه اسمًا مسلمًا ، واجتهد أن يوفق بين الإسلام والنصرانية في حقيقة "عيسى بن مريم " !! ، وقد بنى هذا ا الكاتب فكرته - عاد أن كلتا الديانتين تتطلب حقائق مبهمة . فإذا كان الغموض يكتنف أوصاف المسيح وعلاقته برب العالمين في النصرانية، فكم في الإسلام من تعاليم غامضة؟! فهذه بتلك..! ولا داعي لاعتبار التثليث معضلة تنافي التوحيد الواجب لله ... قال الكاتب: " جهل أكثر كتاب المسلمين عقيدة النصارى في الإله الواحد الذي ليس بمادة ؟ كما جهل أكثر كتاب النصارى عقيدة المسلمين ، ولكن لظهور العقيدة فى فلسفة العقيدة النصرانية يقول النصارى: " إن فى الدين شيئًا هو فوق العقل ، ويعدون ذلك من مفاخرهم فى تدينهم ، فيظن المسلم أنهم يريدون بقولهم فوق العقل أنه غير معقول، وليس هذا هو المراد، بل المراد أن العقل لا يكاد يدركه . وكان مثل هذا القول شائعًا ومعروفًا عند المسلمين أيضًا . ولكن بعض كتابهم في هذه الأيام الجديدة، قاموا ينادون بأن الدين الإسلامي وحده دين العقل ، ويفسرونه بأن العقل يدرك كل شيء. ولسنا ندري كيف يدرك العقل أمور العالم الغيبي ، مثل أنهار اللبن والعسل التي في الجنة، ومثل عالم الأرواح المجردة وعالم الملائكة؟ ولا نعرف كيف يستطيع أولئك العقلاء تفسير النار التي رآها موسى (فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) ص _0 ص 4
(1/53)

أي عقل يدرك حقيقة هذا النداء الذي سمعه موسى فخر صعقا ؟، وأي عقل يدرك حقيقة نفخ الله في فرج مريم؟، كما جاء فى القرآن المجيد بنص هذه الآية : (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا ) . النصراني يقول: الإله واحد كما يقول المسلم . ثم يقول النصراني: إن عيسى كلمة الله وروح الله ، وهكذا يقول المسلم أيضًا . والنصراني يقول: إن مريم عذراء حملت بعيسى الذي هو روح الله وكلمة الله من غير أن يمسها بشر، وهكذا يقول المسلم أيضًا. فأنا أسأل إخواني المسلمين أن يبينوا لي الفرق أولا بين هذه التعابير، وأن يفهموها جيدًا قبل أن يجادلوا النصارى على التعبير بالأب والابن والروح القدس، وقبل أن يسألوا عن هذه الفلسفة التي تبين أن هذه الكلمات الثلاث تدل على حقيقة واحدة ظهرت في ثلاثة مظاهر، وما نار موسى عن القارئ ببعيد . هذا الكلام ينطوى على مغالطة بينه، ولقد أوضحنا في الفصل السابق أن هناك فرقا بين ما يصعب على العقل إدراكه، وبين ما يجزم العقل باستحالته. ففي عالمي الغيب والشهادة حقائق شتى نوقن بوجودها ونجهل كنهها، وجهلنا بكنهها لا يخدش وجودها الثابت. وفي عالمي الغيب والشهادة كذلك أمور نحكم بامتناعها، ولا يمكن تلبيس الممكنات الغامضة بالمستحيلات المعدومة. والقول : بأن الثلاثة واحد، كالقول بإجماع النقيضين؛ ليس مسألة غامضة، بل مسألة مستحيلة بالبداهة. ص _0 ص 5
(1/54)

عرض واقعي وجدل نظري باستقرار التاريخ وأحداثه ؛ لا نجد دعوى يؤبه لها من أحد يزعم أنه إله مع الله . والذين فهم ذلك عنهم، إما متهمون أبرياء كبعض الرسل والملائكة، وإما مخلوقات لا تحس ولا تعقل . كالأحجار والأبقار، وإما حكام سفلة، كفراعنة مصر وأشباههم .. وقد قام العلماء ببحوث جدلية ليثبتوا أنه ليس هناك مع الله إله آخر، وإن كان الواقع العملي ينطق بذلك ، فنحن في عالمنا المادي لم نجد هذا الآخر المزعوم، وفيما وراء المادة لم يحاول هذا الآخر أن يتصل بنا. والمرسلون قاطبة أكدوا ـ واحدا بعد الآخر ـ أنهم جاؤوا من عند الله رب العالمين : (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون). فما الذي أخرس هذا الإله الآخر؟ عن ذلك التحدي ليشكو ما وقع به من ظلم؟. الحق أن الملك كله لله، وأن الآلهة الأخرى الموهومة ليست إلا خيالات عقول مريضة، وأسماء لا مدلول لها أبدًا . (ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) وأما الفروض التي ذكرها العلماء لنفي التعدد في الألوهية؛ فهي تقرر لجملة من الحقائق التي لا مراء فى ضرورة توفرها لمن يجب اعتباره إلهًا. إن كان هذا الإله موجودًا مع الله ، فما هو موقفه منه ؟ بل ـ أولاً ـ ما هي منزلته منه ؟ ص _0 ص ص
إن كان دونه منزلة ومكانة فليس بإله، وإن كان أعلى منه فهو أحق منه بالألوهية. وإن كان مثله فما هي الحدود والفواصل بين عمليهما واختصاصيهما؟. كيف ينفذ أمرهما معأ في الإحياء والإماتة، والإشقاء والإسعاد، وغير ذلك؟ (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون) على أن نظام العالم يطرأ عليه فساد في سمائه وأرضه. وسنن الكون الماضية قاطعة بصدورها عن إله أحد فرد صمد. (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) . ص _0 ص 7
(1/55)

إخلاص التوحيد بعد الاستقراء التاريخي والاستعراض العقلي لمن نحلوا وصف الألوهية زورًا نجزم بأنه لا إله إلا الله ، ونوقن بأنه لا شيء في العالم يرقى عن مستوى العبودية الذليلة لهذا الإله الواحد القهار. غير أن البشر ـ وإن أحسوا بصوت الفطرة يصرخ في أعماق نفوسهم معلنًا هذه الحقيقة الواحدة ـ يأتون إلا أن يلبسوا الحق بالباطل، وأن يشربوا هذا التوحيد الواضح بما يفسد صفاءه، بل بما يجتث جذوره!. فهم يعترفون ـ برغم أنوفهم ـ أن الله هو الخالق الرزاق، والنصارى المشركون بعيسى لا أظنهم يزعمون أن عيسى بنى أفقًا من السماء، أو أرسى ركنًا من الأرض، أو رزق أمة من الناس، أو أنبت حقلاً من الحبوب أو حديقة من الفاكهة.. كلا كلا. فالله وحده رب هذا كله. ومع هذا الاعتراف فهم لا يوحدون الله في العبادة، ولا يتوجهون إليه بالطاعة، ولا يتزلفون إليه بهذه الشهادة التي تنبعث من فطرتهم، بل يذهبون إلى غيره بكل هذا.. !! ومن هذا الغير؟ ولم تنصرف إليه وجوه الخلق؟ لقد احتال المشركون لتبرير شرودهم، بأنهم لم يذهبوا بعيدًا، وبأن أولئك الذين اتجهوا إليهم من دون الله ، إنما هم " مفاتيح " للإله الأكبر لجأوا إليها لتوصلهم إليه .. وقالوا ما نستطيع أن ننسب إلى حجر أو بشر خلقًا أو رزقًا، ولا أن نجحد تفرد الله بهذا العمل، ولكننا اتخذنا بناته وبنيه وسطاء خير له..!! (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) . ص _0 ص 8
(1/56)

وهذا الصنيع الطائش لغو ومجون. فليس لله بنات ولا بنون، وليس بين الله وبين عباده كلهم وسطاء ولا شفعاء ولا سماسرة. ولكل بشر ـ في الأولين والآخرين ـ أن يتقدم بسؤاله إليه مباشرة . وإذا أذنب فله الحق كله أن يتصل بربه معتذرًا مستغفرًا، لا يحمل توبته أحد من الناس. والذي شرع لعباده الدين من بدء الخليقة، وضح لهم على لسان رسله هذه الحقيقة. ولو أن لله ولدًا أو شريكًا ـ سبحانه وتعالى عن هذا الإفك ـ لما ضارتنا عبادته (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) . لكن هذا محض الكذب والدجل، فكيف نتورط فيه؟ والمؤسف أن البشر لما اختلفوا على الله هذه الفرية ـ فرية الشركاء والوسطاء ـ ظل الضلال ينحدر بهم من ظلمة إلى ظلمة حتى نسوا الله نفسه ـ الذي اتخذوا الشفعاء سماسرة له ، وذكروا ما دونه من أصنام أو من أنبياء أو من أولياء. (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون ) . ومن هنا ظفر هؤلاء الشركاء بنصيب الأسد في كل شيء، في العبادة والإخلاص، والسؤال والنذر، والحب والحماسة، ولم يبق لله من ذلك شيء يذكر. (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون) . وفي الحديث القدسي: " إنني الإنس والجن في نبأ عجيب، أخلق ويعبد غيري ص _0 ص 9
وأرزق ويشكر سواي " . ولقد سرت هذه اللوثة في العقائد حتى كادت تفسد على الناس حياتهم ومصيرهم. وحسب الدنيا ضلالاً، أن تعمى عن إشراق التوحيد في أنحاء الوجود. وإنك لتأسى إذ ترى للوثنية المخرفة أجيالاً تزحم مناكب الأرض. وللنصرانية المشركة أقطارًا تسودها الأوهام. (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) . وشيوع هذا الشرك في العالم هو الخطوة المؤدية حتمًا إلى جحود مبدأ الألوهية، وعدم الإيمان بالله العظيم. ص _070
(1/57)

مقارنات بين الشركاء والعبيد أراد الله ـ عز وجل ـ أن يعرف سفهاء المشركين بأقدار الآلهة التي عبدوها من دون الله ، فردد هذه المعبودات المظلومة بين صنفين: إما أن تكون من جمادات، فالعبيد أوسع قدرة من هذه الآلهة، لأن لهم جوارح يستخدمونها فيما يشاؤون. أما هذه الأصنام المعبودة فماذا لها؟ (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها ) ليس لها من ذلك شيء. وإما أن تكون هذه الآلهة المزعومة تملك ما ذكر من أدوات ومشاعرفماذا يمنحها ذلك من فضل؟ سيكون الآلهة والعبيد سواء في القوى الذاتية والمنزلة الكونية، فأي ألوهية تلك؟ (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين) . وليست طبيعة الإنسان أن يقف حاسرًا قاصرًا أمام ألوهية هي دونه أو هو فوقها، فإذا دعاها كانت بين أمرين: إما ألا تسمع وإما ألا تجيب. (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير ) . ولذلك فإن من النقائض أن تتعلق النفس البشرية بهذه الأوهام والأباطيل. لقد كثر في القرآن الكريم ضرب الأمثال، وسوق الأدلة واستثارة الانتباه، واستنهاض ص _071
(1/58)

الكرامة الآدمية، حتى تقوم من هذه الوهدة التي تذل فيها لمن هو دونها أو لمن هو مثلها. وأفاض القرآن في استقصائه للمعاني التي تصون الوجه من دنس الشرك، وفي مخاطبة العاطفة الإنسانية بأسلوب رائع في رقته، واصخ في غايته. ( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) . (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) والحق أن التوحيد روح الإسلام، وجوهر عقيدته، ومحور عباداته المنوعة، ومبدأ التوحيد يسري في تعاليمه كافة سريان الماء في النبات أو الأعصاب في البدن. وقد وضح القرآن الكريم حقيقته، وبسط فكرته، وناقش ما قد يعرض له أو يعارضه، حتى ليعتبر التوحيد الإسلامي أصرح وأكمل ما أسسه دين في قلوب بنيه، ودمغ البشر جميعًا بطابع العبودية لله وحده، وانتزاع كل شعور يتجه بالمرء إلى تقديس كائن ما ـ هنا أو هناك ـ كل ذلك من عناوين الإسلام الأولى وليس من إشاراته الثانوية أبدًا. (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ). والله ـ وحده ـ هو الضار النافع، الخافض الرافع؟ الذي يخذل أو ينصر، ويعطي أو يمنع. وليس لأحد بعده تعقيب على حكمه، وليس من شأن ملك في السماء أو نبي في الأرض التدخل في مشيئة الله . فهي التي تحكم أبدًا، وإليها يحتكم أولاً وآخرًا. وأولياء الله أو أعداؤه لا يفرضون رغباتهم على الإرادة العليا. ص _072
(1/59)

" ولذلك فإن من إخلاص التوحيد أن نكل ما فوق قدرتنا وإرادتنا إلى الله وحده، وأن نربط خوفنا ورجاءنا به " . (أليس الله بكاف عبده) . (قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) . للمؤمن قبلة واحدة يوليها وجهه، ويهب لها فؤاده، ويبثها نجواه وشكواه، ويعرف على أشعتها طريقة في ظلمات الحياة. للمؤمن صلة عليا بالله، يحدد ـ على أساسها ـ علاقاته بالناس. وله عواطف تجيش بالأمن والقلق، والسخط والرضاء، والحب والبغض، والوحشة والأنس. ومهما اضطربت في نفسه هذه المشاعر المعتادة؟ فإن ضوابط اليقين تحكمها، وعرفانه بربه هو الذي ينقضها أو يبرمها. وقد كان إمام الأنبياء يغرس هذه المعاني في قلوب المؤمنين حين كان يدعو في تهجده. " اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، وإليك أنبت ،وبك خاصمت ، وإليك حاكمت ، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، وما أنت أعلم به مني ، أنت المقدم وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت " هذه الضراعة الحارة النابضة هي آية التوحيد الكامل. إذا مشت عصارتها في القلوب هزتها بالحياة والوفاء، وإذا فرغت الأنفس منها زوت، والتوت، وخبطت في عماء ما بعده عماء . ونحن ـ في الدنيا ـ نمر بتجارب شتى تكشف عن معادننا وخصائصنا، كما تكشف التجارب في معامل الكيمياء عن ميزان الغازات والسوائل المختلفة. ص _073
(1/60)

وما يعرف الإيمان والكفر، وما يتكشف الإخلاص والنفاق، وما يتميز الخبيث والطيب إلا في هدى هذه التجارب التي تكفل القدر بإجرائها: ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) . وإذا رأيت المرء يحب غير الله أكثر مما يحب الله ، ويخاف العبد أكثر مما يخاف الرب، ويتعلق قلبه بالناس أكثر مما يتعلق برب الناس، ويصدر عمله ابتغاء رضاهم أكثر مما يتطلب ثواب الآخرة. فإذا نزلت به نكبة كان تفكيره في فلان قبل تفكيره في الله، وإذا أصابه خير كان حمده لفلان أسبق من شكره لله ... فاعلم أن هذا الشخص قد أشرك ... ولئن كان بعض العلماء يقول: إن الشرك في العمل غير الشرك في الاعتقاد، وإن هذا شرك أصغر وذاك شرك أكبر. الحقيقة: إن المسألة أصعب مما يتصورون للعامة. فالشرك عين حمئة قذرة، إذا انفجرت في قلب وبدأت تسيل قطرات راشحة توشك أن تتحول سيلاً كاسحًا، ويومئذ لا يبقى في القلب إيمان حق، ويتحول ما يسمونه شركًا أصغر إلى عين الشرك الذي يعده الإسلام أقبح الكبائر. إن الأمور صغيرها مما يهيج له العظيم والإسلام يوم حارب اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، لم يحاربها لذواتها، ولم تكن بينه وبينها عداوة شخصية؟ إنما حاربها لأنها احتلت من قلوب الملتفين بها مكانة السيد المتصرف من عبيده الأذلين. فكل ما يصرف القلوب مثلها عن الله فهو صنم . ص _074
وكل من تكون في قلبه منزلة لشيء ما غير الله، مثل منزلة هذه الأصنام في قلوب المشركين القدامى، فهو ـ ولا كرامة ـ مثلهم، يحسب منهم ويحشر معهم .. ولا عجب فالخمر لم تحرم لعينها، وإنما حرم المسكر من كل شراب. والإيمان بالله لا تتفاوت حقيقته، وإن اختلفت نواقضه على توالي الأيام . ص _075
(1/61)

توحيد العامة وما يعلوه من غبار ينبغي لهذه الأمة أن تكون مثلاً عاليًا في إسلام الوجه لله، وإفراده بالنية والعمل، بيد أننا نلحظ - آسفين - أن هناك مسالك شائعة بين الجماهير الغفيرة من المسلمين، لها دلالتها الخطرة على فساد التفكير ، وضلال الاتجاه، واضطراب المقصد . ولا نحب أن نوارب في الكشف عن هذه العلة، فإن أي خلل في دعائم التوحيد معناه الخبل الذي يدرك موطن القيادة الفكرية في هذا الدين الحنيف. إذ التوحيد في الإسلام حقيقة وعنوان، وساحة وأركان، وباعث وهدف، ومبدأ ونهاية. ولسنا - كذلك - ممن يحب تصيد التهم للناس، ورميهم بالشرك جزافًا، واستباحة حقوقهم ظلمًا وعدوانًا. ولكننا أمام تصرفات توجب علينا النظر الطويل، والنصح الخالص، والمصارحة بتعاليم الكتاب والسنة كلما وجد عنها أدنى انحراف. لقد اهتمت حكومة إنجلترا - في سبيل مكافحة الشيوعية - بالحالة الدينية، في مصر فكان مما طمأنها على إيمان المصريين (!) أن ثلاثة ملايين مسلم زاروا ضريح أحمد البدوي بطنطا هذا العام. والذين زاروا الضريح ليسوا مجهولين لدي - فطالما أوفدت رسميًّا لوعظهم، فكنت أشهد من أعمالهم ما يستدعي الجلد بالسياط لا ما يستدعي الزجر بالكلام، وكثرتهم الساحقة لا تعرف عن فضائل الإسلام وأنظمته وآدابه شيئًا!. ولو دعوا لواجب ديني صحيح لفروا نافرين، وإن كانوا أسرع إلى الخرافة من الفراش إلى النار! ص _07 ص
(1/62)

وحسبك من معرفة حالهم : أنهم جاؤوا الضريح المذكور للوفاء بالنذور والابتهال بالدعاء! ولمن النذور؟ ولمن الدعاء؟ إنه أول الأمر للسيد. فإذا جادلت القوم، قالوا: إنه لله عن طريق السيد البدوي. أكثر أولئك المغفلين لغطًا يقول لك : نحن نعرف الله جيدًا، ونعرف أن أولياءه عبيده، وإنما نتقرب بهم إليه، فهم أطهر منا نفسًا وأعلى درجة. وهذا الكلام ـ على فرض مطابقته لواقع القوم ـ غلط في الإسلام . فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لم يطلب منا أن نجيء معنا بالآخرين ليحملوا عنا حسناتنا، أو ليستغفروا لنا زلاتنا. (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ). بل المعروف من بديهيات الإسلام الأولى، أن الطلب ووسيلته جميعًا، يجب أن يكونا من الله . (إياك نعبد وإياك نستعين) . " إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله". أليس من المضحك أن نستنجد بقوم يطلبون لأنفسهم النجدة، وأن نتوسل بمن يطلب هو كل وسيلة ليستفيد خيرًا أو يستدفع شرًّا؟ (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذابه) . إن المسلمين لما طال عليهم الأمد نسوا الحق. والمرء قد يعذر إذا ذهل عن شأن تافه، أو فاته استصحاب شيء هين، أما أن ص _077
(1/63)

يذهل عن كيانه وإيمانه فهنا الطامة. وأحسب أن القرآن الكريم كان يقصد إلى التنديد بهذا اللون من إفساد التوحيد عندما قال: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا). أجل! لقد نسوا الذكر، وما قام عليه الذكر من توحيد شامل . وليس يغني في الدفاع عن أولئك الجهلة من العوام. أنهم يعرفون الله ، ويعرفون أنه وحده مجيب كل سؤال، وباعث كل فضل، وأن من دونه لا يملكون من ذلك شيئًا. فإن هذه المعرفة لا تصلح ولا تقبل إلا إذا صحبها إفراد الله بالدعاء والتوجه، والإخلاص، فإن المشركين القدماء كانوا يعرفون الله كذلك. ( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ) . ومع أنهم يقولون " الله " بصراحة وجلاء، فلم يحسبوا بهذا القول مؤمنين، لأن الإيمان- إذا عرفت الله حقًّا - ألا تعرف غيره فيما هو من شؤونه. ولذلك يستطرد القرآن في مخاطبة هؤلاء: ( فقل أفلا تتقون * فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون * كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ) . إن العامة عندما يشدون الرحال إلى قبور تضم رفات بعض الناس . وعندما يهرعون بالنذور والحاجات والأدعية إلى من يظنونهم أبوابًا لله، إنما يرتكبون فى حق الإسلام مآثم شنيعة ص _078
(1/64)

ومهما قلبنا عملهم هذا من جميع وجوهه فلن نجد فيه ما يطمئن إليه ضمير المؤمن أبدًا. ومحبة الصالحين وبغض الفاسدين من شعائر الإسلام حقًّا. ومظاهر الحب والبغض معروفة ... هي مصادقة للأحياء أو منافرة ، واستغفار للموتى أو لعنة . وأين من عواطف الحب والبغض هذا الذي يصطنعه المسلمون اليوم ؟؟… إن الواحد منهم قد يصادق أفسق الناس، وقد يقطع والديه ـ وهما أحياء ـ ثم تراه مشمرًا مجدًّا في الذهاب إلى قبر من قبور الصالحين؟ لا ليدعو له، ويطلب من الله أن يرحم ساكن هذا القبر، بل ليسأل صاحب القبر من حاجات الدنيا والآخرة ما هو مضطر إليه، وذلك ضلال مبين !. * * * وبناء المعابد على قبور الصالحين تقليد قديم، وقد ذكر القرآن ما يدل على شيوعه في الأمم السابقة. وفي قصة أهل الكهف تسمع قوله ـ عز وجل ـ : ( فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ) . ويظهر أن اتخاذ المساجد على القبور كبناء التماثيل، لم يكن محظورًا أول أمره إذ لم تكن له دلالة مثيرة. غير أن البشر سفهوا أنفسهم؛ فالأحجار التي نحتوها للعظماء عبدوها، أو ـ على حد تعبيرهم ـ اتخذوها إلى الله زلفى . والمعابد التي أقاموها على قبور الصالحين قدسوها وسلكوها مسلك الأصنام في الشرك . ص _079
(1/65)

فلما جاء الإسلام أعلن على هذين المظهرين من مظاهر الوثنية حربًا شعواء، وشدد تشديدًا ظاهرًا في محق هذه المساخر المنافقة . وقد رأينا كيف أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرسل علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ، وأمره أن يسوي بالأرض كل قبر وأن يهدم كل صنم . فجعل الأضرحة العالية والأصنام المنصوبة سواء في الضلالة. وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في البيان عن سفاهة القدامى وفي التحذير من متابعتهم : " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، ألا لا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن هذا " . وكان يرفع الخمرة عن وجهه في مرض الموت ويكرر هذا المعنى . وكأنه توجس شرًّا مما يقع به فدعا الله . " اللهم لا تجعل قبري من بعدي وثنًا يعبد " . ومع كثرة الدلائل التي انتصبت في الإسلام دون الوقوع في هذا المحظور، فقد أقبل المسلمون على بناء المساجد فوق قبور الصالحين. وتنافسوا في تشييد الأضرحة، حتى أصبحت تبنى على أسماء لا مسميات لها، بل قد بنيت على ألواح الخشب وجثث الحيوانات. ومع ذلك فهي مزارات مشهورة معمورة، تقصد لتفريج الكرب، وشفاء المرضى، وتهوين الصعاب!. وأحب ألا أثير فتنة عمياء بهدم هذه الأضرحة . فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ امتنع عن هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم لأن العرب كانوا حديثي عهد بشرك. وجماهير العامة الآن ينبغي أن تساق سوقًا رفيقًا إلى حقائق الإسلام ، حتى ص _080
(1/66)

تنصرف ـ في هدوء ـ عن التوجه إلى هذه الأضرحة وشد الرحال إلى ما بها من جثث. وإخلاص المعلم وأسلوبه في الدعوة، عليهما معول كبير في تمحيص العقيدة مما علق بها من شوائب وعلل. وقد تكون لدى بعضهم شبه في معنى التوسل. فلنفهم أولئك القاصرين أن التوسل في دين الله، إنما هو بالإيمان الحق والعمل الصالح، وقد جاء في السنة: " اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا هو، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد " . فهذا توسل بالإيمان بذات الله . وجاء ـ كذلك ـ توسل بالعمل الصالح في حديث الثلاثة الذين آواهم الغار. وجاء توسل بمعنى دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب . ودعاء المسلم للمسلم مطلوب على أية حال. ولا نعرف في كتاب الله ولا في سنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ توسلاً بالأشخاص مهما علت منزلتهم - سواء أكانوا أحياء أو أمواتًا - على هذا النحو الذي أطبق عليه العامة وحسبوه من صميم الدين، ودافعوا عنه بحرارة وعنف ضد المنكرين والمستغربين. ص _081
(1/67)

حول توحيد العامة جاءتني رسالة كريمة الأسلوب، حسنة الجدال، من طالب أديب يذكر فيها حجج القائلين بالوسيلة وفسرها على النحو الآتي : ا- جمهور الناس عصاة، والله إنما يتقبل من المتقين. فلو ذهب الإنسان إلى ربه وهو موقر بالسيئات، لم يجب له سؤالاً ، ولم يسق له فضلاً . ومن ثم فعلى الإنسان أن يبحث عن وساطة مقبولة، كولي صالح مثلاً . 2- لا يسوغ القول بأن هذا شرك، لأن النية هي الحكم على الأعمال، والمتوسلون لم . ينووا شركًا أو يروضوا به . 3- الصحابة والفقهاء والأئمة جميعًا كانوا يتوسلون إلى الله بالأنبياء والأولياء. وقد توسل عمر بالعباس عم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . 4- يتساءل الكاتب عن قول الله فى جدار الغلامين اليتيمين (وكان أبوهما صالحا) . أليس في ذلك ما يفيد أن بركة الأموات تتعدى إلى الأحياء؟ وفي قوله لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله …. ) . أليس في الآية ما ينص على التوسل ؟ وجاءتنا رسالة من أزهري يقول : إن أحد العلماء الرسميين يقول: إن التوسل بأصحاب القبور واجب، فإن لصاحب القبر تأثيرًا أقوى من تأثير الحي ، ولا حرج فى ذلك ما دام المتوسل يعتقد أن الله هو الفاعل. ويقول : إن الآيات التي استشهدنا بها على نفي هذه المزاعم نزلت في المشركين ص _082
(1/68)

خاصة، وأن الرسول أمر الأعمى أن يتوسل به إلى الله، فرد الله عليه بصره ..إلخ. هذه هي جملة الشبه التي تعلق بها طائفة من الناس وبنوا عليها مسالك طائشة، عكرت رونق التوحيد الخالص ، وردت كثيرًا من المسلمين إلى جاهلية طامسة مهلكة. ونحن نغالب السآمة التي تعترينا كلما خضنا في هذا الحديث، أو سطرنا فيه حرفًا. فإن الجدل فيه طال مع وضوح الحق واستبانة النهج، ولم يبق إلا أن يحمل الناس حملاً . وإليك البيان الحاسم لما سبق سرده من شبهات : فأما أن العاصي ليس له اللجوء إلى الله مباشرة ، وأنه أولى به أن يستصحب أحد المقربين قبل مناجاة رب العالمين، فكلام لا أصل له في الإسلام قط . إن إبليس دعا ربه مباشرة وأجيب..!! (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم) . والمشركون دعوا الله مباشرة وأجيبوا: ( دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين * فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ) . فهل عصاة المسلمين يحرمون من حق أخذه إبليس وجنوده؟ إن أي مسلم يقع فى خطأ ، فعليه أن يجأر بالدعاء إلى الله على عجل، من غير توسيط نبي ، ولا ولي، ولا إنسان، ولا شيطان. (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ) ص _083
(1/69)

ثم إن الرجل إذا كان بحالة لا يقبل منه دعاء معها، فلن يقبل فيه دعاء غيره له، ولو كان الداعي سيد الأنبياء. ألا ترى كيف رفض استغفار الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعبد الله بن أبي ؟ فأما المسلم المعتاد، فله - بل عليه - أن يدعو الله، ولا ينظر في هذا الضرب من العبادة إلى مخلوق أبدًا... وصحيح أن إجابة الدعاء تقتضي الإخلاص والتقوى. ولكن ما صلة ذلك بما نحن فيه؟ أتظن أن الرجل إذا فقد الحرارة والصدق والتقى يذهب إلى ميت أو حي ليجد لديه العوض عما فقده هذا زعم باطل، وليس فى دين الله ما يؤيده، بل إن دين الله ضده . والقول بأن العمل لا ينظر إليه، وإنما تعتبر النية المصاحبة له، غير صحيح، فالعمل المقبول- دينًا - يجب أن تتوافر فيه أولاً: النية الصالحة، وثانيًا : الصورة المشروعة . وفقدان العمل لأحد هذين الركنين يبطله. فالعمل المتفق ظاهرة مع الشرع إذا كان صاحبه مرائيًا أو منافقًا يحبط أجره. والقصد الصالح إذا لم يجر في طريقه الذي رسمه الدين فلا قيمة له ولا يلتفت إليه، والتشريعات الوضعية لا تكترث بحسن النية عند ارتكاب محظور، وترى أن الجهل بالقانون لا يمنع من تطبيق القانون، وذلك سدًّا للاحتيال وحماية للحقيقة. فهل يكون دين الله أنزل من هذه التشريعات؟ ولماذا نستحي من وصف القبوريين بالشرك؟ ، مع أن الرسول وصف المرائين به فقال: " الرياء شرك " . إن واجب العالم المسلم أن يرمق هذه التوسلات النابية باستنكار، ويبذل جهده في ص _084
(1/70)

تعليم ذويها طريق الحق، لا أن يفرغ وسعه في التمحل والاعتذار! ولست ممن يحب تكفير الناس بأوهى الأسباب، ولكن حرام أن ندع الجهل يفتك بالعقائد ونحن شهود. أي جريمة يرتكبها الطبيب إذا طمأن المريض ومنع عنه الدواء، وأوهمه أنه سليم معافى؟ إن ذلك لا يجوز. أما القول بأن الصحابة كانوا يتوسلون إلى الله بأشخاص الأحياء أو الأموات فمنكر قبيح. وما يروي من شعر منسوب إلى الإمام الشافعي فمنحول لا أصل له. وقد ذكرنا - نحن- أن دعاء الإنسان لنفسه ولغيره مطلوب. وقد جاء ذلك في القرآن على لسان النبيين والصالحين. فمن دعاء إبراهيم: (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) ومن أدعية نوح : (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات) . (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان). وقد أمرنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يدعو بعضنا لبعض بظهر الغيب. ومن هذا القبيل، وفي حدود تلك الدائرة من استعطاف العبيد لله ، وتواصيهم باسترحامه واستغاثته، طلب عمر من العباس أن يدعو الله للمسلمين، فدعا العباس، وكان المسلمون حوله يؤمنون . بَيَّنَ الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس فقال : إن العباس لما استسقى به عمر قال: ص _085
(1/71)

"اللهم، لم ينزل بلاء إلا بذنب ، ولا يكشف إلا بتوبة ، وقد توجه بي القوم إليك بمكاني من نبيك ، وهذه أيدينا بالذنوب ، ونواصينا إليك بالتوبة ، فاسقنا الغيث". وليس ذلك مقصورًا على أن يدعو من نتوسم فيهم الصلاح لمن نظن بهم التقصير فهذا خطأ، بل الأمر أعم. وقد طلب رسول الله من عمر أن يدعو له. وأمر الرسول عليه الصلاة والسلام جمهور الأمة أن يدعو له . أولسنا نصلي عليه كما أمر الله ؟ فما صلة ذلك بالتوسل على هذا النحو المجنون الذي سقط فيه العامة، وجاراهم عليه الكسالى والمرتزقة والقاصرون من أدعياء العلم؟ ولست أدرى: ما علاقة التوسل بالآية الكريمة: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما). إن الآية تفيد أن صلاح الآباء يمتد نفعه إلى الذرية، كما أن فسادهم ينتقل خطره إليها . (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله) فالصالحون بعد موتهم قد يظهر في أعقابهم أثر من بركة استقامتهم. ونقول : "قد " لأن للوراثة قوانين سنها رب الوجود الأعلى ولا تعرف بالضبط اتجاهاتها. وقد كان إبراهيم من نسل رجل كافر، وكان لنوح ابن عنيد الضلال. والله يقول في ذرية نوح وإبراهيم-: ( ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ) ومن المنتسبين إلى الأسرة النبوية في هذا العصر من أساءوا إلى الإسلام والعروبة أشنع الإساءة . فإذا كان السائل يقصد أن هؤلاء هم أصنام العصر الحديث الذين يتوسل بهم ص _08 ص
(1/72)

المتوسلون، فقد كفرنا بهم وآمنا بالله وحده. إن الحسين لم يدفع عن نفسه وهو حي ، فكيف يدفع عن غيره وهو ميت؟ وقوله تعالى : ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك) . ليس تصريحًا ولا تلميحًا إلى جواز التوسل. والآية ناطقة بأن المجيء للظفر باستغفار الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وذلك بداهة فى أثناء الحياة لا بعد الموت . وللصوفية شطحات في هذا الموضع أن صدقوا فيها فهي أحوال توقف عليهم وليس لدين الله بها شأن . ومصادر التشريع معروفة. ولم نعرف من مصادر التشريع أن فلانًا الصالح رأى في منامه كذا وكذا، أو أن فلانًا المجذوب خيل إليه في أثناء زيارته للروضة النبوية كيت كيت . ولقد كان ابن عمر - لما فاض قلبه من حب الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتصرف تصرفات خاصة، فكان في سفره ينزل حيث نزل الرسول ، ويقعد حيث قضى حاجته ولو لم تكن له حاجة. واعتبر العلماء هذا كله عاطفة لابن عمر وحده لا يلزم بها أحد، ولا توصف بأنها شرع. فإذا كان بعض الناس يحكي أمورًا عن مجيئه للرسول في قبره، وأنه سلم فسمع الرد ثم حظي بتقبيل اليد!فهو بين حالتين: إما أن يكون كاذبًا فلا قيمة لكلامه. وإما أن يكون مجذوبًا تخيل فخال ولا قيمة لكلامه كذلك ... ونحن لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لهذه الحكايات . أما ذلك الذي يوجب التوسل ويرى أن تأثير الميت أقوى من الحي فهو رجل مخبول! وزعمه بانتفاء الشرك ما دام الاعتقاد أن الفاعل هو الله كلام فارغ. وقد أبنا أن المشركين القدماء كانوا يعرفون أن الفاعل هو الله . ص _087
(1/73)

وأن توسلهم كان من باب ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) . * * * وأن ندمهم يوم القيامة إنما هو على تسويتهم المخلوق بالخالق: (تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين) وهناك عشرات الآيات تؤكد هذا المعنى. سيقول بعض الناس: إن القدماء كانوا يعبدون. أما عوام اليوم فهم يدعون ويسألون فقط ، وشتان بين عباده الجاهلين وتوسل المحدثين بأولياء الله . ونقول: هذه مغالطة ، فالسؤال والدعاء - بنص القرآن والسنة - عبادة محضة : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) . وفي الحديث " الدعاء مخ العبادة " . فلماذا نتوجه إلى البشر بما هو من خصائص الألوهية؟ وإذا وقع الجهال فى تلك الخطايا بغباوتهم، فلماذا لا نسارع إلى إنقاذهم منها، بدل تزوير الفتاوى ؟ وقد تذكر فى هذا المجال قصة الأعمى الذي توسل إلى الله بنبيه - صلى الله عليه وسلم - ليرد إليه بصره . ومع أن القياس - مع الفارق لو صحت القصة - فهذا الأعمى دعا الله، وأولئك الحمقى يدعون غيره . إلا أن القصة نفسها ليست من قسم الحديث الصحيح . والاحتجاج بالآثار الضعيفة في العقائد والأحكام لا يقبل من صاحبه. ومثل هذه الرواية قد تروج عند الوعظ بفضائل الأعمال . ص _088
(1/74)

وآيات القرآن ينظر فيها إلى عموم اللفظ لا إلى خصوص السبب . وقد حرم الله الشرك على العرب فهو على غيرهم حرام. فالقول بأن الآيات نزلت في أهل الجاهلية وحدهم جهالة لا نأبه لقائلها، ولا نقيم لها اعتبارًا. رزقنا الله صدق التوحيد، وأحيانا وأماتنا عليه. جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا فى الليلة الظلماء ، وأدناه أن تحب على شيء من الجور ، وأن تبغض على شيء من العدل ، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ . ثم تلا: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم). يعني أن إخلاص التوحيد يقتضي محبة العدل وكراهية الظلم. فإذا أحب الإنسان جائرًا وكره عادلاً فقد أشرك ، فإذا كان حس الإسلام مرهفًا إلى هذا الحد في تمحيص القلوب ونقد اتجاهاتها الخاطئة، فكيف نسوغ أن نأتي إلى رجل يجأر بالدعاء لغير الله، ويخاف ويرجو غير الله، ثم نقول له: لا بأس عليك ؟. إن موقف العالم المسلم في هذه القضية ليس موقف المحامي الذي يدافع عن المجرم فيقف ساعة أو أكثر ليزيف التهمة ويؤول القانون!! بل موقف الذائد عن معالم الإسلام. فإذا كان لا يعاقب المتهم لأنه جاهل - يقولون - فليعلمه دين الله، ولا يتركه نهبًا للشيطان . ص _089
الكمال الأعلى. ص _090
(1/75)

القدرة العالم وما فيه من سكون وحركة، أثر لقدرة الله ـ سبحانه وتعالى ـ . وليست لشيء ما، قدرة ذاتية يستمدها من طبيعته المجردة. فإذا رأيت الجذور تشق التربة، وتنمو رويدًا رويدًا لتستوي على سوقها، فذلك بقدرة الله. وإذا رأيت الأمواج تلطم الشطئان رائحة غادية لا تهدأ حتى تثور، فذلك بقدرة الله، وإذا رأيت القاطرات أو الطائرات تنهب الفضاء، وتطوي الأبعاد، وتحمل الأثقال، فذلك بقدرة الله . وإذا رأيت البشر يموج بعضهم في بعض، وينفعلون بالحب والبغض، والفرح والحزن، وينطلقون عاملين، أو يهدأون نائمين، فذلك بقدرة الله . وسواء شعرت أو لم تشعر، فنبضات قلبك في حناياك، وسريان دمك في عروقك، وكمون الحس في أعصابك، وتجدد الحياة في خلاياك، وانسكاب الإفرازات من غددك، ذلك كله بقدرة الله . لا تحسبن شيئًا في الكون قادرًا بنفسه. فكما أن القدرة أبدعته أولاً من عدم؛ فقد أودعت فيه من إسرارها، وبثت فيه من آثارها، ما يدل عليها. وبعض الجاحدين من علماء الطبيعة يردون ما يقع تحت أبصارهم من هذه الدلائل الباهرة إلى مجهول محض، أو قوى كامنة من المواد والعناصر المختلفة . وهذا تخريف شائن، وتسفيه للعقل، ومغالطة للواقع . ص _091
(1/76)

إن النور المتولد عن انتشار الكهرباء في الأسلاك، والحركة الناشئة عن امتداد الأبخرة في المواسير، والحديد المرتفع في الجو، نتيجة تغيير المراوح الدائرة لمقادير الضغط ـ حول الطائرة ـ، كل أولئك لا يرفع قدر عنصر من العناصر المخلوقة، فيهب له مرتبة الوجود المستقل، فضلاً عن الإيجاد الرائع! لماذا يطلب منا أن نظن في مواد التربة أنها ـ بقدرتها ـ خلقت النبات؟ ولو كان ذلك حقًّا، فما الذي يمنع التربة أن تكون إلهًا ؟ ولو كانت العناصر جميعًا بهذه المثابة مع حركاتها وسكونها، فأي خبط نقع فيه نتيجة هذا الفرض الأحمق؟. أليس أقصر طريق نصل به إلى الحق أن ننظر إلى العالم كله، من أرضه لسمائه، على أنه صنع القدرة العليا، وأن كل ما يتجدد فيه إنما يقع تحت إشراف القدرة وهيمنتها؟ من المؤسف أن تكون السمة الغالبة على العلوم الطبيعية كافة أنها تقوم على البحث المجرد فى مادة الوجود، وعلى تعرف حقيقة العلاقات والروابط بين شتى العناصر. وقلما تلتفت إلى شيء بعد ذلك، إذا وفقت إلى نتائج معينة فى موضوع بحثها. وتنتهي أغلب هذه العلوم بمن يدرسونها إلى علم جيد بالمخلوقات، وجهل مطبق بخالقها؛ لأنه لم ترد إليه إشارة ما في غضون بحوثها الكثيرة المتشعبة. وهذه ـ لا ريب ـ خيانة علمية، فإن دراسة هذا الكون العظيم تنفذ إلى صميم الفكر الحر بأشعة من الهدى والإيمان. وتجعل الإنسان يتطلع ـ ملء الفؤاد ـ بعواطف الرهبة والرغبة إلى هذا الخالق العظيم . وهذه البحوث المجردة تشعر بآثار القدرة الرائعة فيما تتناوله من نواحي الطبيعة، غير أنها تطويها طيًّا تحت أسماء مبهمة، وتستدرج المتعلم بإجراء الملاحظات والتجارب، ثم تشغله بتدوين النتائج القريبة وحسب !. ص _092
(1/77)

أما الالتفات من وراء هذه الحجب الشفافة إلى عظمة الله ـ جل جلاله ـ فأمر لا يكترث له كثير من علماء الكون والحياة. وهكذا تظل بحوثهم مبتورة ؟ لأنها تنقصها الحلقة المفقودة بين الخلق والخالق. من ذلك كله نعلم أن الله قدير على كل شيء ، وأنه قوي متين، وأنه لا يؤوده خلق ولا أمر. ( وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا ) . والقدرة في مجالها الواسع لا يعييها شيء ألبته، وآثارها التي نشهدها تدل على طاقة لا تقف عند حدود . وليس معنى ذلك بداهة أن تخرج القدرة على منطقها. فيقال ـ مثلاً ـ: إنها لا تستطيع قلب الحقائق! وقد كان الدكتور " زكي مبارك " سخيفًا، ولعله كان " سكران " يوم كتب في (البلاغ): إن الله لا يستطيع إخراجي من ملكه، وإن الله لا يستطيع الجمع بين النقيضين..! والجنون فنون. ص _093
(1/78)

الإرادة والله ـ سبحانه وتعالى ـ فيما خلق وفيما يخلق، وفيما دبر ويدبر به شؤون العالم ـ كان يصوغ الكائنات في الأوضاع التي يريدها، ويضفي عليها الأوصاف التي يشاؤها، ويبرزها في الأوقات التي يختارها، لا يستكرهه أحد على شيء من ذلك كله. وما ترى في الأرض والسماء من تنوع في الوجود ، وتميز في السمات، هو مظهر الإرادة الحرة في تعلقاتها كافة. فما أوجده الله في هذا العصر كان من حقه الكامل أن يوجده في الأيام الخالية. وما جعله الله كوكبًا متألقًا كان يستطيع جعله جندلاً باردًا. وتوزيع الصفات والأحجام والأحوال في أنحاء الكون العريض ليس إلا المشيئة العليا لله ـ عز وجل ـ . ولو أراد أن يخلق العالم الذي نعيش فيه على نحو آخر في قوانينه وأنظمته وأحيائه وأشيائه كلها لفعل . وإنك لترى انطلاق المشيئة دون أي عائق فى إخراجها الأصناف المختلفة من الأصل الواحد ! فالحقول المتجاورة تختلف محصولاتها كمًّا وكيفًا! والبذور المتجانسة تتفاوت فروعها حلاوة وحموضة، ولونًا ووزنًا في النبات، ولؤمًا ونبلاً وذكاءً وبلادةً في الإنسان والحيوان. (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) . ص _094
(1/79)

وقديمًا استدل الأئمة على عظمة الإرادة - في هذا المعنى - بالنحل يأكل من ورق الشجر فيحوله شهدًا ، ويأكل منه الدود فيحوله حريرًا ، وتأكل منه أطيار أخرى فتحوله قذرًا. وإذا اتجهت الإرادة إلى شيء فيستحيل أن يتخلف أثرها. ( إن ربك فعال لما يريد ) ، (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) . فإرادة الله نافذة في السماء والأرض، لا راد لها ولا معقب عليها. (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) . وقد تطلق الإرادة على قصد الشيء بأسلوب سلبي. فأنت إذا خرجت من بيت يستطيع صاحبه منعك من الخروج منه ولكنه تركك، فهو بسكوته يريد خروجك. وإلى هذا المعنى يشير المتنبي - لما ترك سيف الدولة مغاضبًا - ثم قال - مبررًا عمله - وملقيًا التبعة على صاحبه إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم؛ فالراحلون همو ومثل هذا ترك امرئ يمشي في طريق الضلالة ويهيم على وجهه، لأنه حرم أسباب اللطف، والله قادر على سوقها إليه لو شاء! ولعل ذلك تفسير قوله تعالى: (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم) . ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين) ص _095
(1/80)

الحكمة وشمول الإرادة وعموم القدرة؟ وكون الله ـ سبحانه ـ يفعل ما يريد متي يريد كيف يريد، ليس معناه أن أمور الخلق والرزق، وشؤون القبض والبسط، وحظوظ الرفعة والضعة، والإعزاز والإذلال، والنصر والهزيمة - أن هذه جميعًا تصدر على طريقة الارتجال السريع، أو الخواطر السانحة، أو تتم اتفاقًا وتقع مصادفات عارضة! كلا كلا. فإن الكون كله خاضع لشبكة دقيقة النسج من الأسباب والمسببات، والسنن الثابتة الخالدة، والقوانين المترابطة المتكاملة، لا تضطرب ولا تختلف ، ولو أجمع البشر على مناقضتها. فالنبات يتم نضجه بالإرادة والقدرة .. ولكن مظهر الإرادة والقدرة ـ فيما نعرفه ـ من غرس وسقي ، وتعهد وزمان؟ ومكان. والجنين يكتمل بشرًا سويًّا بالإرادة والقدرة. ولكن اكتماله في أطوار وأحوال، لابد من توافرها، ويستحيل أن يولد بغيرها وقول الله إنه يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء. لا يعني أنه ـ بين عشية وضحاها ـ يقيم دولة ويهدم أخرى. فدون إقامة الممالك وقبل انهيارها توجد مقدمات طويلة تستغرق سنين أو عصورًا، حتى تقع نتائجها اللازمة. وأصحاب العقول الضيقة والأفكار القاصرة يحسبون أن وصف الله ـ عز وجل ـ بأنه يفعل ما يشاء، معناه أن أحكامه في عباده لا ضابط لها ولا رابط بينها. ص _09 ص
(1/81)

ولعلهم يقيسون سعة السلطان الإلهي على ما عهدوه من تصرفات ذوي السلطة فيهم. أولئك الذين يخبطون خبط عشواء ويعبثون عبث الحمقى. تعالى الله عما يظن الجاهلون علوًّا كبيرًا. إن الأسباب والمسببات هي المفاتيح الملقاة بين أيدي البشر، ليصلوا بإرادتها إلى ما وراءها، من خير وشر. وعموم المشيئة والقدرة مقيد بما شرع الله في كونه ، أو بين عباده من قوانين كونية ، أو قوانين شرعية . كذلك ليس معنى أن الله يفعل ما يشاء أنه يثيب العاصي أو يعذب الطائع ، أي أنه يجوز عليه الظلم، ويقع منه الغبن. وهذا جهل شنيع، ونسبة ذلك إلى الله تكذيب لما قال في كتابه العزيز.. ثم إن هذه العدالة مردها إلى ما ينبغي لله من كمالات بداهة. وليس مردها إلى أنه لو ظلم تعرض لعقاب أو سؤال، فذلك مستحيل. ومن أين يحدث ذلك، وهو المتفرد في الوجود بالألوهية، بين عبيد عنت له وجوههم، وذلت له رقابهم ؟؟ إن بعض العامة من المسلمين يظنون فى انطلاق المشيئة أن السنن الكونية صفر، وأن العدالة العليا قد تتخلف، ونشأ عن هذا استهتار غبي بالأعمال والمسئوليات ؛ سنعالجه عند الكلام على القضاء والقدر. ص _097
(1/82)

الحياة مراتب الوجود تختلف رفعة وضعة؛ فالجماد أنزل رتبة من النبات، والحيوان أعلى درجة من النبات، والوجود الإنساني أرقى من أنواع الوجود الأخرى. واتصاف الله ـ سبحانه وتعالى ـ بالحياة، معناه أن وجوده بلغ الغاية في عظمته وآثاره، فهو موجود؟ ويعرف أنه موجود، وهو يهب الوجود لغيره عن إدراك واختيار، ومن ثم فهو حي . إن بعض الفلاسفة الذين يقولون بأن العالم معلول فى وجوده بغيره ، ويسمون الخالق علة العلل أو مبدأ الوجود، يعطون صورة مبهمة عن هذا الوجود الأعلى. حتى لتحسب أن صدور الكائنات عن بارئها الأعظم يشبه التفاعلات الكيماوية التي لا روح فيها ولا حياة معها، وهذا ضلال... فدلائل الحياة الكاملة تنبثق من الذات العليا انبثاقًا يتضاءل أمامه. كل ما نعرف من صنوف الحياة ودرجاتها المختلفة. أطلق لخيالك العنان، وتصور كل ما تنتجه الأيدى " الحية " من أعمال. وما تنشئه العقول " الحية " من أفكار، وما تهتز به الأفئدة " الحياة " من مشاعر . واجعل هذا الخيال يضم أشتات ذلك من مشارق الأرض ومغاربها، ويستجمع ما حدث في الأعصار الخالية، وما يحدث اليوم، وما سوف يحدث غدًا ؟ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها... إن مظاهر هذه الحياة المفعمة بالقوة والإنتاج، لا تعد شيئًا مذكورًا بالنسبة إلى الحياة الإلهية الواسعة، بل هي أثر ضئيل من أعمال الحي الذي لا يموت، الحي الذي ينفخ من روحه في الموات فيهتز، وفي الجماد فيتحرك : (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون) ، ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) . ص _098
(1/83)

العلم الله تعالى عليم بكل شيء، لم يسبق معرفته جهل، ولا يعدو عليها نسيان، ولا يمكن أن تخالف الواقع. وعلمه محيط بالأسى واليوم والغد، بالظاهر والباطن، بالدنيا والآخرة. قد يعرف الإنسان شيئًا عن حاضره، وقد يذكر طرفًا من ماضيه ، وما وراء ذلك فهو بالنسبة إليه عماء . بيد أن الإنسان لا يذكر من ماضيه الطويل إلا قليلاً من الحوادث، ولا يدري من تاريخ العالم الذي يعيش فيه شيئًا طائلاً. لكن الله - وحده - يحصي أعمالنا الماضية ساعة ساعة ، ويسجل أحوال العالم الغابر دولة دولة، وحادثة حادثة ( قال فما بال القرون الأولى * قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) . إنه علم يشرق على كل شيء، فيجلي بواطنه وخوافيه، ويكشف بداياته ونهاياته، ويكتنه ذاته وصفاته ، فالشهود والغيب لديه سواء، والقريب والبعيد والقاصي والداني. (إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) والعلم الإلهي يشرف على كل شيء إشرافًا تامًّا، ويهيمن على أطوار الموجودات - ما يحس منها وما يتوهم - هيمنة كاملة. ص _099
(1/84)

فعدد ما في صحاري الأرض من رمال، وعدد ما في بحار الدنيا من قطرات، وعدد ما في الأشجار من ورقات، وعدد ما في الأغصان من ثمار، وما في السنابل من حبوب، وما في رؤوس البشر وجلودهم من شعر. ثم ما يمكن أن يطرأ على هذه الأعداد الكثيرة من أحوال شتى، وما تحتاج إليه في وجودها من قوى متجددة، وما يعتريها من أوصاف متغايرة، ذلك كله يستوعبه شعاع واحد من أشعة العلم التي لا تدري عقولنا من كنهها قليلاً: (وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور * ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) . وهذا العلم من خصائص الذات المقدسة. وقد ينير الله بعض العقول بحقائق يسيره، على قدر طاقتها من المعارف الكونية، أو رشحات ضئيلة من الغيوب الخفية، حسب قواعد مدروسة، وحكم مأنوسة. وما وصل إليه البشر من ذلك مقرر معروف، وما أوتوا إلا القليل. أما الله ـ عز وجل ـ فكما قال فى كتابه: ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) ص _100
(1/85)

السمع والبصر عن عائشة ـ رضي الله عنها : " الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات " . لقد جاءت المجادلة " خولة " إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى جانب البيت تحدثه، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ـ عز وجل ـ : (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير). أجل! فما من كلام يدور بين الناس، أو حديث يتجاذبون أطرافه إلا سبق وقعه إلى سمع الرحمن، جل وعلا، قبل أي شيء! ولا تحسبن أن الله حين يسمع نجوى جماعة يشغله ذلك عن سماع قوم آخرين. كلا، فما يشغله شأن عن شأن، وما تغيب عنه همسة وسط الضجيج، ولا تشتبه عليه لغة على اختلاف الألسنة. إنك ـ بالوسائل التي هدي إليها البشر ـ تجلس في المشرق فتنقل إليك محطات الإذاعة الأغاني والأحاديث من المغرب، طاوية الأبعاد الشاسعة. فما أدرانا بما وراء ذلك من أسرار الكون. وما أيسر ـ في منطق العقل ـ أن يشرف رب الكون بسمعه على كل حركة وسكنة في الوجود، تنبعث من مصدرها القريب أو البعيد ، وليس ثم قرب ولا بعد بالنسبة إلى الله ـ فيعلم كنهها، ويسمع صوتها، ويبصر وضعها! إن ربك يسمع كل صوت. وهناك أصوات يسمعها ويحبها " ما أذن ـ ما استمع ـ الله لشيء أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن ، يجهر به " . ص _101
(1/86)

وكما يحب الله صوت الوحي، تتلوه الألسنة؟ يكره صوت الفحش والسوء. (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما). ولا تستكثر أن يقال لك: إن الله يسمع خفقان القلوب في خفايا الخلق أجمعين. فما القلوب إلا أثر قدرته، شحنها بالحياة ثم دفعها فهي تسير إلى أجل معلوم، فكيف لا يسمع أثر ما أوجد؟ وكما أن الله يسمع كل شيء، فهو يشهد كل شيء، ورؤيته تنظر في أعماق الظلمات فتستشف كوامنها. فما هو بحاجة إلى ضياء يبصر به الخفي، أو مكبر يعظم به الدقيق. إذا كنت ثالث ثلاثة، فاعلم أن هناك رابعًا يبصر ما تفعلون، ويسمع ما تقولون. (قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا). عندما أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون، توجسا من طغيانه، وقالا: ( ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى * قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى ). إنه معهما، ومع كل كائن، من بدء الخلق إلى قيام الساعة، وما قبل ذلك وما بعد ذلك، يسمع ويرى. وهو ـ سبحانه ـ قد ركب في وجوهنا هذه العيون التي نقرأ بها ونكتب، ونشهد بها كما نشاء. ولكن ما قيمة رؤيتنا هذه إلى جانب الرؤية الإلهية المحيطة الشاملة. لو أن كل ذي بصر انتظموا صفًّا يستغرق محيط الأرض، ثم اجتهدوا في رؤية ص _102
(1/87)

ما حولهم، ما أبصروا شيئًا يذكر إلى جانب الرؤية الإلهية التي تستوعب جميع المدركات، من جميع الجهات، في وقت واحد. سواء فيها المستخفي بالليل والسارب بالنهار، الخالي وحده، والبارز للناس: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون) والإحساس بهذه الحقيقة جزء من الدين، بل هو قمته العليا: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " . وملاحظة العبد لله ، أساسها شعوره بأنه سبحانه قائم على كل نفس بما كسبت، ومطلع على ما أسرت وأعلنت، وذلك وحده لب التقوى وسر الإخلاص . * * * ص _103
الكلام هو وسيلة للإبانة عما في النفس من معارف ونصائح ورغبات شتى، وتفهيم ذلك للآخرين. ولاشك أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ مستحق لهذا الوصف. فقد عهد إلى ألوف من ملائكته، بالقيام على شؤون الإحياء والإماتة، وفي أنحاء العالم العريض عهد إلى ألوف وألوف منهم بشؤون شتى، لا ندري منها إلا القليل. وهذا التسخير الدائم خاضع لأوامر الله التي يتكلم بها، خلقًا ورزقًا، ورفعًا وخفضًا، ومحوًا وإثباتًا، وتقديرًا وتدبيرًا.. إلخ . وما حفل به علم الله فوق الحصر، وما يدل على هذا العلم ـ من كلمات لا نهاية لها ـ كذلك. إن أحدنا ـ في مباشرة أعماله المحدودة ـ يحتاج إلى قاموس من الألفاظ. فما ظنك برب العالمين، وهو يحكم ملكوته الواسع العظيم؟ ألا ترى أن كلامه من السعة والاستبحار على النحو الذي يقول الله تعالى فيه : (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم) (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا). وكتب الله التي أنزلها على أنبيائه مظهر من مظاهر اتصافه جل شأنه بـ "الكلام ". ص _104
(1/88)

وقد كلم الله موسى تكليمًا، وسوف يكلم كثيرًا من عباده يوم القيامة. وأرسل الروح الأمين بختام الوحي إلى صاحب الرسالة العظمى. فكان القرآن الكلمة الأخيرة في هدايات الله لعباده. (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) . أما حقيقة الكلام ـ كصفة الله ـ فلا نقصر فيها ولا نطيل؛ لأننا دون هذا المجال بكثير. بيد أننا نجزم بأن الكلام الإلهي ليس ألفاظًا تصنعها الشفتان واللسان، وتضبطها الرئتان والحنجرة والأسنان، فذاك شأن الإنسان لا وصف الرحمن. ص _105
أنت أنت الله إذا ما اتجه الفكر في السموات حيث انتشرت النجوم في الليل، وإذا ما كل البصر فيما لا نهاية له في الآفاق المظلمة، وإذا ما خشعت النفس خشعتها من رهبة السكون الشامل، فإنك تشرف بوجهك الكريم من خلال هذه الآفاق، وتسمع صوتك في ذلك السكون، وتمس بعظمتك النفس الخاشعة المطمئنة. حينئذ تبدو الآفاق المظلمة كأنها باسمة مشرقة، ويتحول السكون إلى نبرات مطربة، تنبعث من كل صوب، وحينئذ تتغنى النفس الخاشعة لتقول: " أنت أنت الله " . وإذا ما كان المتأمل على شاطئ البحر الخضم، وأرسل الطرف بعيدًا ، حيث تختلط زرقة السماء بزرقة الماء، وحيث تنحدر شمس الأصيل رويدًا رويدًا كأنها الإبريز المسجور، لتغيب في هذا المتسع الملح الأجاج، وحيث تتهادى الفلك ذات الشراع الأبيض في حدود الأفق الملون بألوان الشفق، كأنها طائر يسبح في النعيم. إذ ذاك يشعر المتأمل بعظمة واسعة عظمة البحر الواسع. وإذ ذاك تقر العين باطمئنان الفلك الجاري على أديم الماء الممهد، وفي رعاية الله الصمد، حيث تكون مظهر العظمة، وحيث تطمئن النفس لرؤية ما تطمئن إليه في منظر جميل. إذ ذاك يدق الفؤاد بدقات صداها في النفس " أنت أنت الله " . وإذا ما انطلقت السفينة بعيدًا في البحر اللجي، وهبت الزوابع، وتسابقت الرياح، وتلبد بالسحب الفضاء، واكفهر وجه السماء، وأبرق البرق، وأرعد الرعد، وكانت ص _10 ص
(1/89)

ظلمات بعضها فوق بعض، ولعبت بالسفينة الأمواج، وأجهد البحار جهده، وأفرغ الربان حيلته، وأشرفت السفينة على الغرق، وتربص الموت من كل صوب وحدب. إذ ذاك يشق ضياؤك هذه الظلمات والمسالك، وتحيط رأفتك بهذه الأخطار والمهالك، وتصل بحبال نجدتك المكروبين البائسين. وإذ ذاك يردد القلب واللسان " أنت أنت الله " . وإذا ما اشتد السقم بمن أحاطت به عناية الأطباء، وسهر الأوفياء، ونام بين آمال المخلصين ودعوات المحبين، ثم ضعفت حيلة الطبيب، ولم ينفع وفاء الحبيب، واستحال الرجاء إلى بلاء. إذ ذاك تتجلى مستويًا على عرش عظمتك، والنواصي خاشعة، والنفوس جازعة، والأيدي راجفة، والقلوب واجفة لتقول: " أنا قضيت "، ويقول الطبيب والقريب والحبيب: " لك الأمر، أنت أنت الله " . وإذا ما باين الدنيا إنسان وباينته، إذ ينظر إلى المال فيلقاه فانيًا، وإلى الجاه فيلقاه ذاويًا، وإلى الأمالي فيلقاها زائلة، وإلى الآمال فيجدها باطلة، وإلى الشهوات فيجدها خادعة كاذبة، وإلى المسرات فيجدها آفلة غاربة. إذ ذاك يستغني عن الجاه والمال، وتشل في نفسه حركة الآمال؟ وبين جاه يدول، وأمل يزول لا يملأ فراغ النفس إلا ذكرك : " أنت أنت الله " . وإذا ما وقعت العين على زهرة تتفتق في الأكمام ، أو تلاقت العين بعين يملؤها الحين والابتسام، وإذا أعجب المعجبون بجمال الفجر المتنفس، وتغريد الطير المتربص، وعاود الصدر انشراحه، وملأ القلب ارتياحه. إذ ذاك يشرق في قلوبنا نورك الجميل ، فنراك " أنت أنت الله " . فيما يمس النفس من مظاهر العظمة، ومظاهر السعة، ومظاهر الرحمة، ومظاهر القدرة والقضاء، ومظاهر الدوام والبقاء، ومظاهر الجمال والجلال، اعتاد الناس أن يصفوك بالعظيم والواسع والرحيم والقادر والدائم والجميل والجليل وأوتار القلوب تردد : " أنت أنت الله ، أنت أنت الله ". ص _107
القضاء والقدر ص _108
(1/90)

الإيمان بالقضاء والقدر الإيمان بالقضاء والقدر عقيدة من العقائد التي أسسها الإسلام على الإيمان بالله ـ عز وجل ـ ، وبناها على المعرفة الصحيحة لذاته العليا، وأسمائه الحسنى وصفاته العظمى. ولا ريب أن الإسلام قد أوجب لله نعوت الكمال، وصفات الجلال والجمال، دواعي الحمد والتمجيد. ووافق العقل النقل في ذلك كله، ثم فصلت هذه الكمالات الواجبة لرب الوجود: (الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى) . فكان في عداد ما ينبغي الإيمان به والاطمئنان إليه، إن لله وحده صفات العلم الواسع، والإرادة الشاملة، والقدرة الكاملة، وأنه – سبحانه - فعال لما يريد، عالم بما يفعل . نعم إن الله وسع كل شيء علمًا، وأحاط بكل شيء خبرًا . سواء في هيمنته : دبيب النمال في جحورها، أو وثبات الأفلاك في مداراتها. وشمول علمه يستغرق الأمكنة على تعدادها، والأزمنة على تطاولها، فما تغيب عنه بقعة في المشرق أو في المغرب، وما يغيب عنه يوم في الأزل أو الأبد. وأحداث الحياة ـ وما أكثر ما يلوح في آفاق الحياة من خير وشر، وبأس ورجاء، وحزن وفرح ، ذلك كله استوعبه العلم الإلهي عدًّا وإحصاءً : (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) . وفي صفحات هذا الكتاب خطت سطور القضاء والقدر، وعرفت مصاير الأمور، ووضحت نهاياتها، من شقاوة وسعادة. ولكن أنى لنا علم بذلك ؟ ص _109
إنما الغيب كتاب صانه عن عيون الخلق رب العالمين ليس يبدو منه للناس سوى صفحة الحاضر حينًا بعد حين ويتعلق القضاء والقدر بوقائع الحياة وأحداثها، وأعمال الناس وتصرفاتهم على نحوين واضحين متميزين ، لكل نحو منهما! حكمه الخاص وآثاره التي تترتب عليه. وبين كلا القسمين فواصل قائمة، تجاهلها يوقع في الدين الغموض والاضطراب، ولذلك سنوضح حدود كل قسم ومعالمه . ص _110
(1/91)

نحن مجبورون في هذا كله هناك أمور تحدث وتتم بمحض القدرة العليا، وعلى وفق المشيئة الإلهية وحدها، وهي تنفذ في الناس طوعًا أو كرهًا، سواء شعر بها الناس أو لم يشعروا. فالعقول ومقدار ما يودع فيها من ذكاء أو غباء، والأمزجة وما يلابسها من هدوء أو عنف، والأجسام وما تكون عليه من طول أو قصر، وجمال أو قبح، والشخصيات وما تطبع عليه من امتداد أو انكماش، والزمان الذي تولد فيه، والمكان الذي تحيا به، والبيئة التي تنشأ في ظلها، والوالدان اللذان ينحدر منهما، وما تتركه الوراثة في دمك من غرائز وميول، والحياة والموت، والصحة والمرض، والسعة والضيق، ذلك ومثله، لا يد للإنسان فيه. فأصابع القدر وحدها هي التي تتحرك ظاهرة وباطنة، لتوجه الحياة كما يريد صاحب الحياة . (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء * هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم) . وغني عن البيان، أن شيئًا من هذا ليس محل مؤاخذه ولا موضع حساب، وإنما لفتنا النظر إليه لتعرف أن الجنسية التي تنتمي إليها، واللغة التي تنطق بها، بل نوع التكوين الذي يوجد الإنسان عليه، ذكرًا كان أو أنثى. هذا شيء من الخصائص التي لا قبل لنا بها، ولا سبيل لنا إليها، وفي مثلها يساق قول القرآن الحكيم: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون * وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون * وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون) . ص _111
(1/92)

والإيمان بهذا الضرب من القدر واجب، والأدلة عليه متظاهرة من العقل والنقل. وعلى المؤمن أن يوقن - من أعماق قلبه - أن هذه أمور مفروغ منها، مفرقة على ذويها، من قديم جفت الأقلام بها فلا راد لها. هذه أمور علمها الحق وأرادها، ونفذها استقلالاً، ولسنا منها في قليل ولا كثير. وقد أحسن سلفنا الصالح الإيمان بها فكان أثرها في مسلكهم رائعًا. وإذ علم الواحد منهم أن أجله مكتوب لا ينقصه الإقدام ولا يزيده الإحجام؛ أدى واجبه على وجهه الأكمل، وفي أذنيه دوي التوجيه الإلهي . ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ومواضع الرجوع إلى القضاء والتسليم لله فيما أراد، كثيرة متنوعة، وهي تعطي الرجل صلابة وقوة واندفاعًا، وتملؤه عزيمة وتحملاً وجلادة . ص _112
(1/93)

هنا إرادتنا حرة أما القسم الثاني من متعلقات القضاء والقدر، فهو يتصل بأعمال على عكس الأولى. ونحن نشعر حين أدائها بيقظة عقولنا، وحركة ميولنا، ورقابة ضمائرنا. فما مدى صلتنا بها ؟ وما معنى نسبة القدر إليها؟ الخطب سهل جدًّا، وسنجيب على هذا التساؤل بما يذر شبه المشوشين هباء إن شاء الله . إننا نحس باستقلال إرادتنا وقدرتنا فيما نباشر من أعمال تقع في دائرتهما، وكان يكفي هذا الإحساس دليلاً على حريتهما، لولا أن هناك من يزعم أن الإحساس يكذب أحيانًا. ولكننا نطمئن إلى صدق هذا الإحساس، ونكذب ما يغض من قيمته بعد أن نرجع إلى القرآن الكريم نستفتيه في ذلك. ونحن نجد القرآن يؤكد هذا الإحساس البديهي، وينوه بحرية الإرادة الإنسانية. (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). ولا يخليها من المسئولية الواضحة على ما يصدر منها: (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل ) . بل إن طبيعة الدين ـ وهي التكليف والابتلاء ـ لا تتحقق ألبته مع استعباد الإرادة وتقييدها.. وإيقاع الجزاء كذلك لا يتوجه ويقر إلا في هذا الجو الطلق الفسيح . ص _114
(1/94)

معنى يضل من يشاء ويهدي من يشاء الخطب في ذلك سهل كذلك، ولن نذهب في بيانه إلى أبعد من كتاب الله لمن شاء أن يفهم. (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) . ونحن نجد أن إطلاق المشيئة في آية، تقيده آية أخرى يذكر فيها الاختيار الإنساني صريحًا. أي أن إضلال الله لشخص، معناه : أن هذا الشخص آثر الغي على الرشاد، فأقره الله على مراده، وتمم له ما يبغي لنفسه... (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين ) . وانظر إلى قيمة التنويه بالاتجاه البشري المعتاد . (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) . فهل بقي غموض في إطلاق المشيئة ؟ لا . إن معنى قوله: (يضل من يشاء) لا يعدو قوله: (وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) . وكذلك الحال في ( ويهدي من يشاء ) . انظر إلى قيمة الإرادة الإنسانية في قول الحق وهو يتكلم عن إرادته : (قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب * الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب) ص _115
(1/95)

فهو يهدي إليه من أناب (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين). اجعل أيها القارئ هذا المصباح بين يديك؟ وسر في نوره بين شتى السور؛ فان تجد في دين الله قلقًا أو اضطرابًا. وإنما القلق والاضطراب في عقول الحمقى، وقلوب الغافلين. وهنا قد يسأل بعض الناس عن حدود الإرادة الدنيا والعليا في الأعمال. ومع أن هذا السؤال لا مبرر له، فنحن نتبرع بالإجابة عنه حتى يظهر السر في نسبة الهداية والإضلال؟ تارة لله ، وتارة للإنسان . هل تعرف ما يفعله الفلاح في حقله؟ إنه يلقي البذور، ويتعهده بالسقي وعلى الله الإنبات والإثمار. وتستطيع أن تسمي الفلاح زارعًا ـ وأنت صادق ـ لقيامه بالسبب. وتستطيع أن تسمي الحق سبحانه زارعًا لقيامه بالعمل. (أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشاء لجعلناه حطاما) . فما للإنسان في سعيه مثل ما للفلاح في زرعه. فازرع عمرك ـ إن شئت ـ خيرًا، فإن يد القدرة سوف تنمية لك وردًا يانعًا. أو ازرعه ـ إن شئت ـ شرًّا، فإن يد القدرة تنميه شوكًا رائعًا . (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) . ص _11 ص
(1/96)

كذب على دين الله على أنه كثيرًا ما يحدث أن تختلط مظاهر الجبر الإلهي بمظاهر الاختيار الإنساني في أقوال عديدة لا نريد الآن أن نضرب لها الأمثلة. وإنما نريد أن ننبه إلى أن الحساب الأخري شبيه بالمعادلات الرياضية ! يؤخذ منه ما لله ، ثم يحاسب العبد على ما قدمت يداه . (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها) . ولكن فريقًا من الناس زعم أن الله كتب كل شيء، ثم سخر الناس في هذه الحياة لتنفيذه، وأجبرهم على فعل ما يفعلون وترك ما يتركون. وكان صدى هذه العقيدة الخرافية أن نسمع إلى بعض الجهلة من المتصوفين يرى المنكر أمامه فيهز كتفيه قائلاً : (وضع العباد فيما أراد). أو نسمع لأحد العصاة من المتبجحين وهو يقول لك ـ حين تنصحه ـ : غدًا يهديني الله . وقريب من ثرثرة هؤلاء المغفلين قول المشركين ـ قديمًا في الاعتذار عن ضلالهم ـ : ولو شاء الله فعل بنا غير ذلك " . وقد زيف القرآن هذه الأباطيل في غير موضع واحد من آياته البينات. (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون) . وانظر كيف يرفض القرآن هذه المكابرة الآثمة، إذ لا يلتفت للرد عليها حتى لا يكون نقاشها نوعًا من الاعتراف بها . ص _117
(1/97)

(وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين). وما أثر هذا البلاغ المبين عند الله وعند الناس، إنه أثر يقطع دابر المحتجين. (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما ). ألا فليفهم ذلك النيام، ليفهم الشرقيون الكسالى ممن يصطنعون الفلسفة والإدراك ، ليفهم ذلك الذين آتاهم الله العزيمة والقدرة، فهانت عزائمهم، ووهت قدرتهم، وناموا في ظلال الهزيمة والعار، على حين برز في الحياة أصحاب الهمم الجبارة والسبق البعيد! ليفهم ذلك الذين ظنوا عقيدة " القضاء والقدر " ثغرة في الإسلام ينفذون منها إلى حماه الكريم و (ويل لكل أفاك أثيم) ص _118
(1/98)

الاعتذار بالأقدار كثيرًا ما يعتذر الإنسان عن أخطائه بتهوينها أو تبريرها. وقد يعالج الخطأ التافه بخطيئة جسيمة، بأن يجنح إلى الكذب مثلاً، أو إلى الجدل الذي لا ينطوي إلا على الدجل . قد يؤمر الإنسان بشيء ما، فيثاقل عنه، ويخلد إلى الأرض ولا يؤديه، وقد يزجر عن شيء ما، فيخدع به وينزلق إليه. فإذا ما حدثته في صنيعة هذا، لم يذكر علته الحقيقية من كسل عن الخير، أو ميل إلى الشر. بل قال- في صفاقة- : ما حيلتي؟ إني مقهور ... معذور... مرددًا قول المشركين القدماء- لما نفرهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عبادة الأصنام : (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون * أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون) . إن تجاهل الإنسان لما زوده الله به من قوة وتفكير، وما ذرأ في طبيعته من استعداد للرفعة والضعة، وما وهبه من حرية يتوجه بها إلى الخير أو الشر دون أي ضغط أو ظلم. إن ذلك التجاهل لا ينقص فتيلاً من مسئوليته الملقاة على عاتقه، مهما قارنه من المكابرة والمراء. وقد ضمني مجلس مع نفر من أولئك الذين يرمون على القدر أثقالهم، واستمعت إلى ما تعللوا أو تعلقوا به من أفهام، فوجدت أكثرها أفهامًا مغلوطة حول ما ورد من نصوص. وإن كانت هذه الأغاليط قد راجت- للأسف- بين جماهير العامة. ص _113
(1/99)

وليس هنا موضع سرد الآيات الشاهدة لذلك؛ فالقرآن كله شواهد بينات ودلائل واضحات. فما موقف العلم الإلهي من هذا النوع من الأعمال؟ هو الإحاطة التامة والشمول الكامل: (قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى). ولكن كيف يتفق القول بحرية الإرادة والقول بأن أعمالنا لن تخرج عن دائرة العلم الإلهي المحيط الشامل ؟ والجواب سهل: قف أمام مرآة مجلوة صافية وأنت عابس الوجه مقطب الجبين فماذا ترى؟ سترى صورتك؟ هي عابسة مقطبة. أي ذنب للمرآة في ذلك؟ إن مهمتها أن تصف وأن تكشف وهي قد صدقت فيما أثبتت لك، ولو كنت ضاحك الوجه لأثبتت لك على صفحتها خيالاً ضاحكًا لاشك فيه . كذلك صفحات العلم الإلهي ومرائية لا تتصل بالأعمال اتصال تصريف وتحريك، ولكنه اتصال انكشاف ووضوح، فهي تتبع العمل ولا يتبعها العمل. غاية ما يمتاز به العلم، أنه لا يكشف الحاضر فقط، ولكنه يكشف- كذلك الماضي والمستقبل. فيرى الأشياء على ما كانت عليه، وعلى ما ستكون عليه، كما يراها وهي كائنة سواء بسواء؟ بقي بعد ذلك تفسير ما قررناه من شمول الإرادة العليا، ومن هيمنة القدرة العليا على الخلائق كافة، فما معنى ذلك وكيف يتفق مع حرية الإرادة الإنسانية ؟ ص _119
(1/100)

لقد رفض النبي - صلى الله عليه وسلم - من الرجال الذين بنوا أنفسهم على الجهاد والعبادة أن يستريحوا ساعة باسم هذا القدر. فعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : أن رسول الله طرقه وفاطمة ليلاً فقال: " ألا تصليان؟" ، فقلت: يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قلت ذلك، ولم يرجع إليَّ شيئًا لشدة استغرابه - ثم سمعته يقول - وهو مول يضرب فخذه بيده - : (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) . إن هذه الكلمة من أبي الحسن ردت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يعجب كيف قيلت. ولئن تمشت مع طبيعة الإنسان في الجدل، إنها ليست من طبيعة رجل كعلي له في دين الله مكانته . ولعلها أثر الجهاد والكلال الذي يصيب المرء بعد ما يأوي إلى فراشه، فتأتي أحكامه دون ما ينتظر منه. وقد روى بعضهم قصة آدم مع موسى دليلاً على جواز الاعتذار بالقدر، وهي كما رواها أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا أخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه خط لك التوراة بيده ، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين عامًا ؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فحج آدم موسى" . وهذا الحديث لا يدل على شيء قط مما يفكر فيه المعتذرون بالقدر، فالحديث ورواياته الأخرى، يشير إلى أن موسى كان يريد تحميل آدم متاعب الإنسانية كلها، ويرجع شقاء أبنائه جميعًا إلى أكلته المشئومة من الشجرة. وقد دافع آدم عن نفسه بصدق.. فإن وجود الحياة البشرية لم يكن نتيجة طبيعية ولا عقلية لذنب آدم . ص _120
(1/101)

كان من الممكن جدًّأ أن يعاقب آدم على خطئه بأي عقاب آخر؛ كالتوبيخ أو الحرمان المؤقت أو غير ذلك. أما ترتيب وجود العالم الزاخر بآلامه وآماله على هذه المعصية، فهذا قدر إلهي محض لم تدر بخلد آدم، ولا يجوز أن يعاتب عليه، ومن هنا حج آدم موسى. أما مسؤولية آدم الخاصة عن ذنبه الذي استغفر الله منه، فلا صلة له بهذا الحديث. إن خطيئة آدم ليست سببًا شرعيًّا ولا علة عقلية لوجود العالم وانتشار الناس في القارات الكبرى يشقون ويكدحون . وفي رواية أخرى لأصحاب السنن: " قال موسى: يا رب، أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة. فأراه أباه آدم ـ عليه السلام ـ . فقال: أنت أبونا آدم؟ قال: نعم، فقال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء كلها، وأمر الملائكة أن يسجدوا لك ؟ قال: نعم . قال: فما حملك أن تخرجنا ونفسك من الجنة ؟ قال: كلمك الله من وراء الحجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه ؟ قال: نعم. قال: فما وجدت أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن أخلق؟ قال: بلى ، قال: أفتلومني في شيء سبق فيه القضاء من الله قبلي ؟ قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : فحج آدم موسى، فحج آدم موسى" . إن آدم يعلم ـ من غير مراء ـ أنه أخطأ حين أكل من الشجرة، وقد اعترف بذلك عن صدق، وطلب من الله المغفرة وغفر له . ص _121
(1/102)

أما أنه مصدر ما وقعت فيه البشرية كلها من عناء؟ فهذا ما أنكره ـ وهو محق ـ وجعله من شؤون القدر الأعلى؟ واقتنع بذلك موسى كما رأيت. ومن السخف أن نخطئ نحن ثم نسوق كلمة آدم عذرًا لنا على خطئنا. إن الصورة التي يرسمها الجبريون للعالم لا ترمز إلا إلى الفوضى المطلقة والخلط الشائن. ولما كان البشرـ في نظرهم ـ يقومون ـ بأدوار لا خيرة لهم فيها، فهم لا يفرقون بين بر وفاجر. وإنك لتسمع في كلام بعض الصوفية ممن يدينون بهذا المذهب الباطل، تسوية بين آدم وإبليس، وبين موسى وفرعون، إذ الكل ـ في نظرهم ـ مدفوع إلى عمل ما قدر عليه أزلاً. وليست الحياة إلا رواية يقوم أفرادها بما فرض عليهم من مواقف، وينطقون بما لقنوا من كلمات . هذي الحياة راوية لممثل الليل ستر والنهار الملعب وإنك لو نقبت لرأيت هذه الصورة مرتسمة في أذهان الكثيرين، بعضهم يعلنها مصارحًا، وبعضهم يطويها مستحييًا، وإن كان يدين بها. وانهيار الدولة الإسلامية راجع إلى فشو هذه الضلالة بين الناس فشوًا جعل المنكر ينتشر بلا نكير، وجعل الواجبات تهمل بلا نصيح. وأساس الإصلاح يعتمد أول ما يعتمد على تصحيح الفهم في عقيدة القضاء والقدر، حتى تعود كما كانت: الدافع الأعظم في التضحية والفداء والوازع الأول على ترك الشر وفعل الخير؟ قيامًا بواجب الإنسان نحو نفسه، وتنفيذًا لأوامر الله جل شأنه. أما الآيات والأحاديث التي وردت توهم بظاهرها أن الإرادة الإنسانية غير حرة، فليست كما يظن الواهمون . ص _122
(1/103)

إن هذا الفهم العجيب نضجت به العقول المعوجة، ولم توح به نصوص الدين، إذ قال الله تعالى: (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) . فليس إنذارهم وعدمه سواء؛ لأن نفوسهم صيغت بحيث لا تقبل الحق من تلقاء ذاتها، فهي أوعية للكفر برغم أنوفها، كلا. وإنما القصد صرف همة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن قوم طالما دعاهم، وبذل جهوده لإنقاذهم من غوايتهم، فأصروا على تنكب الصراط المستقيم بمحض اختيارهم. وقوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) لا يعني أكثر من مواساة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما مات عمه أبو طالب كافرًا، وكان شديد الحرص على إيمانه. بيد أن الرجل إلى آخر لحظة من حياته آثر الوثنية على التوحيد مع طول مناشدة الرسول إياه أن يؤمن بالله ويدخل في دينه. وقوله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها) . معناه أن الأغبياء الشاردين عن الحق يرشحون أنفسهم لجهنم بغبائهم ويضرونهم، فجاء التعبير عنهم متمشيًا مع أسلوب اللغة في الأداء البليغ. فمثلاً: يقول الأستاذ لتلامذته في الدرس ـ مهددًا الكسالى ـ : إن السقوط يتخير ضحاياه من كل بليد يتلاعب بالدروس ويتناسى الامتحان. وهذا الكلام لا يساق ليراد به ظاهره أبدًا. ص _123
(1/104)

ثم إن كل فعل اختياري يتم، فإنه يصح أن ينسب إلى الإنسان على أنه السبب فيه، وإلى الله على أنه الخالق له . فالزراعة تنسب إلى الفلاح، وتنسب إلى الله. هذا سبب البذر، والله ـ سبحانه ـ أساس الإيجاد كما ذكرنا. وإذا أفرد الفعل في النسبة إلى الإنسان وحده، أو إلى الله وحده؛ فإن إيراد ناحية لا يعني انعدام الأخرى. وإذا استصحبت هذه القاعدة معك فهمت ـ على ضوئها ـ آيات كثيرة من غير تشويش. على أن الفعل قد يكون من الله خلقًا، ولا ينسب إليه تأدبًا. ألا ترى كيف طوى الفاعل في قوله: (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) . وكيف أسند إبراهيم المرض لنفسه، والإطعام والسقيا إلى ربه ؟ (والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين). وكذلك فعل الخضر، قال ـ عن خرق السفينة ـ : (فأردت أن أعيبها) . وقال ـ في حفظ الكنز ـ: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ) . وقد يتواضع المؤمنون فيجردون أنفسهم من كل فضل، وينسبون إلى الله كل توفيق ويقولون: (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ) . ومع ذلك، فإن الله ـ عز وجل ـ يذكر لهم نشاطهم وسعيهم . ص _124
(1/105)

(ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) . وقد جاءت في القدر أحاديث شتى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ توضح ما قد يشتبه على الأنظار فها حتى تقطع الاعتذار الباطل بها. فعن علي: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة ، فنكس وجعل ينكت بمخصرته ، ثم قال : ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة ، فقالوا: يا رسول الله ، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له. أما من كان من أهل السعادة فيصير لعمل أهل السعادة . وأما من كان من أهل الشقاوة فيصير لعمل أهل الشقاوة؛ ثم قرأ: (فأما من أعطى واتقى* وصدق بالحسنى* فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى* وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى) والحديث للبصر النافذ لا لبس فيه. فأما أن الله عالم بما سيعمل الناس في الدنيا وما يصيرون إليه في الآخرة من ثواب أو عقاب، فهذا مما لا شك فيه. وأما أن سبق العلم هو ما يرغم الناس على العمل بما كتب أزلاً فباطل. فإن العلم نور يكشف وليس قوة ترغم. والبشرـ من تلقاء أنفسهم ـ يتوجهون إلى ما يريدون من أهداف، والله يتمم للعبد مراده. فمن زرع تفاحًا آتاه ثمرة شهية، ومن زرع شوكًا جنى ما غرس . ص _125
(1/106)

والآية التي استشهد بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تدل أوضح دلالة على ذلك. فإن من تعلق بأسباب الخير ـ من عطاء وتقوى وتصديق ـ أكمل الله غايته ويسره للحسنى. ومن تعلق بأسباب البشر ـ من بخل وفجور وتكذيب ـ أتم له قصده وأملى له في غيه، ويسره للعسرى . وإليك حديثًا آخر طالما أرجف به الجهلة، يحسبون أنهم سوف ينقضون به دين الله من القواعد؟ ودين الله أقوى مما يظنون، وأعلى مما يبصرون . فقد ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " والذي لا إله إلا هو إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه أهل الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " . وهذا الحديث إنما يصف لنا صنفين من الناس، خواتيم أعمالهم تغاير مسالكهم الأولى مغايرة تامة . وذلك ليس غريبًا فيما تحت حسنا من أحوال الناس. فرب فاسق ظل أكثر عمره مريض الاعتقاد، سيء الخليقة، ثم أبصر آخر الأمر عواقب غيه فاهتدى. ورب صالح ظل يعكف على الخيرات ثم غرته الدنيا فوقع في شراكها وهوى. ولو أن أحدًا اطلع الغيب، ثم قارن بين ما يراه في أحوال هذين في مطالع حياتهما، وما سطر في الكتاب من خواتيم أعمارهما، لعجب وطال استغرابه . غير أن هذه المصاير المتناقضة لم يكن للقدر السابق أثر جبري في خطها على هذا النحو. ص _12 ص
(1/107)

والتعبير في الحديث الوارد بسبق الكتاب لا يعني أكثر من دقة العلم وانضباطه، وهو جار في هذا على أساليب المبالغة في لغة العرب. فقد تتوقع بشخص ما نهاية معينة، فإذا وصل إليها عبرت عن ذلك بتعبيرين كلاهما صحيح .. تقول: تحقق فيه ظني، أو صدق فيه حكمي. إنه ما كان يستطيع أن يفعل غير ما توقعته، أو تقول: إن حكمي لا يتخلف أبدًا. وكم في اللغة من تعبيرات تقوم على هذه التحويرات اللفظية المختلفة: ومهمة مغبرة أرجاؤه كأن لون أرضه سماؤه أي: كأن لون سمائه أرضه. وفي التشبيه المقلوب قالوا : كأن الصباح المتألق وجه الخليفة حين يعطي. ويقول الله تعالى: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان). والمعنى لا تفتتنوا بالشيطان. ومهما اختلفت التراكيب والأساليب، فإن المعنى لا يخفى على اللبيب، ومن ثم فلا يجوز أن نهدر حريتنا في العمل، وأن نلقي التبعة على القدر، متعلقين بما لا ينبغي التعلق به ص _127
(1/108)

إجابة ساخرة سألني سائل: هل الإنسان مسير أم مخير؟ فنظرت إليه في ضيق شديد، وقررت أن ألتوي معه في الإجابة، كما التوى هو مع فطرته في هذا التساؤل، وقلت له: الإنسان نوعان: نوع يعيش في الشرق، ونوع يعيش في الغرب، والأول مسير والآخر مخير ! ففغر الرجل فاه عن ابتسامة هي بالضبط نصف تثاؤب الكسالى والعجزة والثرثارين الذين ينتشرون في بلادنا. ثم قال: ما هذا الكلام إنني أسألك: هل للإنسان إرادة حرة وقدرة مستقلة يفعل بهما ما يفعل ويترك ما يترك، أم هو مجبور؟ فقلت له: قد أجبتك، الإنسان في الغرب مستقل وفي الشرق مستعمر. هناك له إرادة وقدرة، وهنا لا شيء له ، فضحك أحد الظرفاء وقال: هذه إجابة سياسية. فقلت: وإنها لدينية كذلك.. يا رجل، إن القوم في الغرب شعروا بأن لهم عقولاً ففكروا بها حتى كشفوا المساتير من بدائع الكون . وشعروا بأن لهم إرادة فصمموا بها، حتى التقت في أيديهم مصاير الأم وأزمة السياسات. وشعروا بأن لهم قدرة، فجابوا المشارق والمغارب، وصنعوا الروائع والعجائب. أما نحن فهذا.. رجل من ألوف الألوف التي تزحم البلاد يأتي ليستفتي في هذه المعضلة التي غاب عنه حلها. أله حقًّا عقل حر يستطيع أن يفكر به؟ ص _128
(1/109)

أله إرادة يستطيع أن يعزم بها؟ أله قوة يستطيع أن يتحرك بها؟ وإلى أن نثبت له نحن ذلك؛ سوف يبدأ فيفكر ثم يعزم ثم يعمل. أما الآن فهو ـ فعلاً ـ مسير من ذلك الرجل المخير في الغرب... ما أبعد البون بين الشخصين ! الرجل في الغرب ألقي به في تيار الحياة، فعلم أن له أعضاء يستطيع أن يعوم بها، فظل يسبح مع التيار تارة وضده تارة أخرى، حتى وصل الشاطئ ! أما هنا، فلما ألقي بالرجل في معترك الأمواج، بدأ يسائل نفسه: هل أنا حي حقًّا، أم أنا جثة هامدة؟ أو بتعبير المتفيهقين: هل أنا حر أم أعضائي مقيدة ؟ ولكن التيار الجارف لا ينتظر نتائج هذه السفسطة، فلا يلبث أن يطويه اليم مع الهالكين .. وليس يغني في عزائه قول الشاعر السفيه: ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء اعمل أيها الرجل، ولا تقل: هل أنا مسير أو مخير؟ واستغل المواهب التي آتاك الله، واشعر بأن لك في الحياة حقوقًا وعليك للحياة واجبات. كفي كذبًا على الدين والدنيا! ص _129
(1/110)

على هامش الأقدار 1- قد يطلق القدر على جملة القوانين التي تضبط شئون الحياة والأحياء، وتنتظم على أساسها ظواهر الكون وبواطنه في الأرض والسموات وما بينهما، فإن الله خلق الأشياء من ذرات وخلايا تخضع في كمها وكيفها لنسب دقيقة دائمة، وتؤدى أغراض وجودها في خط لا تضل عنه ولا تحيد: (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) . فالقوانين التي تعرف بها مقادير العناصر التي تكون الماء، والقوانين التي تعرف بها أحجام الماء وضغوطه إذا تبخر أو تجلد أو انساب أو اندفع . تلك كلها تقديرات الخالق التي يسير عليها ملكوته في الكائنات كلها من غير عوج أو اضطراب: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى) وقد أشار إلى أن ما نشاهده من نضج الثمار واستوائها، وتخلق الأجنة في أرحام الأمهات ونزولها، وتكور الليل والنهار نتيجة حركة الأفلاك في مداراتها، ذلك كله قدر حكيم، ونظام مستقيم: (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون * فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم). 2- عدالة القدر لا تنافي التفضل والتميز، أعني أن الرجلين قد يؤديان عملاً متشابهًا، ويستحقان أجرًا واحدًا، ومع ذلك يعطي الله الرجلين أجريهما ثم يمنح أحدهما زيادة خاصة من لدنه ويترك الآخر ! ص _130
(1/111)

وقد يرتكب مخطئان ذنبًا واحدًا ويستحقان عقوبة مشتركة، ثم يصدر عفو عن أحدهما، ويبقى الآخر رهين ذنبه! هذه الأحكام إنما نقررها ليعرف الناس أن الله لا مستكره له ولا قيد على مشيئته، فليأت العباد إلى ساحته وقلوبهم منفعلة بمشاعر الرغبة والرهبة فحسب! (إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ، يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) ومن ثم نعرف القصد من إسناد العموم إلى المشيئة العليا، ثم فيما يتصل بمغفرة الذنوب. (إن الله على كل شيء قدير * يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون * وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة فعملوا بها، حتى إذا انتصف النهار فعجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا. ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا إلى صلاة العصر، فعجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا. ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين! فقال أهل الكتابين. أي رب: أعطيت هؤلاء قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كنا أكثر عملاً منهم؟؟ قال الله ـ عز وجل ـ : (هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء . ص _131
(1/112)

وكم في أوضاع الحياة من تفاوت يرجع أمره إلى القدر الأعلى. هذا التفاوت بما ينطوي عليه من تفاضل، هو من دعائم العمران ونظام الوجود. فمن المستحيل أن يخلق الناس متساوين في كفاياتهم المادية، أو أوضاعهم الاجتماعية والسياسية، أو أجزيتهم الدنيوية والأخروية. والوظائف التي يقوم بها الحياة تحتاج إلى رؤوس وأذرعة وأقدام، وهمم الناس تقسم على هذه الأنحاء ليؤدي الاجتماع البشري رسالته متناسقة متكاملة. وإنما يقع العيب في أعمال الناس إذا وضعوا رأسًا موضع قدم، وقدمًا موضع رأس! والأمة التي تصنع ذلك تشبه الأحمق الذي يضع طربوشه في رجله، وحذاءه على دماغه. وما أكثر هذه الأمم في الشرق المحتل المختل. لندع هذه الآن فلسنا بصدد إصلاح اجتماعي، ولكننا نريد لفت النظر إلى أن الأقدار قد توزع الأعمال والأعباء على الناس،؟ يوزع القائد جنوده في المعركة، فيكون حظ بعضهم الوقوف في صفوف القتال الأمامية لتلقي الضربة الأولى، بينما يكون حظ الآخرين نقل المؤن وكتابة الرسائل في مؤخرة الجبهة، وكلا العملين ضروري في الميدان. على أن هذا التفاوت لا يضير قاعدة العدل في الجزاء، ولا يعني ألبتة أن القدر يبخس حقًّا، أو يجهل وضعًا. فلكل امرئ عند الله حسابه الخاص به. وفي دائرة ما زود الإنسان به من قوى، وأتيح له من فرص، وأحيط به من ظروف؛ يكون تقدير ثوابه وعقابه. ص _132
(1/113)

قرأت مرة: أنه أقيم سباق فريد للطيران، لم يكن منح الجوائز فيه للطيار الذي يصل إلى الغاية المرسومة قبل غيره، بل كانت تجرى معادلات جبرية معقدة بين قوى الطائرات. وما تستطيع الآلات في حدود طاقتها أن تقطعه، مع مراعاة حال الجو وإمكان الرؤية وسرعة الريح.. إلخ . ومعنى ذلك أنه قد يحدث أن تصل طائرة مسبوقة بأربع طائرات أخرى مثلاً، وتعطى الجائزة الأولى لا الخامسة؛ يظن لأول وهلة إن هذا السباق مثل قريب للتفاوت الشاسع بين قيم النفوس، وما أودعه الله فيه من ذكاء ومقدرة ونشاط، وتختلف أنصبة الناس منه اختلافًا كبيرًا، ومثل كذلك للأسلوب الذي توزن به أفعالهم، ويحكم به على جهودهم من غير افتيات أو هضم. (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين). إن النفوس أشبه ما تكون بمصابيح الكهرباء، هذا يضيء بقوة خمسين شمعة، والآخر بقوة مائة، وغيرهما بقوة مائتين. فإذا أضاء المصباح ذو المائة شعلة بقوة سبعين فقط؛ فهو أكثر عطلاً من مصباح ذي خمسين شعلة يضيء بأربعين. وإن كان المصباح الأول في نظر الناس أسطع من الأخير. ما أكثر الذين وهبهم الله طاقات ضخمة وظروفًا مواتيةً، فأضاءت نفوسهم من دينه بقدر يحسبه الناس كبيرًا وهو عند الله صغير. وما أكثر الذين وهبوا نفوسًا محدودة فاستنارت بصائرهم بقدر من الإسلام، يحسبه الناس هينًا وهو عند الله عظيم. (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن) . ص _133
(1/114)

للقدر أثر عميق ـ كما أسلفنا ـ في تكوين الإنسان، وفي مدى ما يزود به من طاقة واستعداد، وفي تحديد الدائرة التي يكدح فيها ما بقي حيًّا. ويتوسع علماء الوراثة في إحصاء ما ينحدر إلى الإنسان من صفات كامنة أو ظاهرة، ويرجعون أكثر مظاهر السلوك إلى ما ولد به الإنسان من ميول ونزعات. وقد ثبت أن هناك علائق قوية بين إفراز الغدد داخل البدن وبين اعتدال المزاج أو حدته. فنشاهد الغدد الجنسية وما ترسله من " هرمونات " في الدم، له دخل كبير في شدة مقاومة الفرد للإغراء الجنسي أو ضعفه ! ولمجموعة الغدد المجاورة للكلى " درنال " أثر في مقدار تهيج المرء حين يخاف أو يغضب، نظرًا لما تسكبه هذه الغدد في الدم من عصارات منشطة للقلب والعضلات. من أجل ذلك نلاحظ أن الأفراد يختلفون في ميولهم وانفعالاتهم، وتتباين مواقفهم بإزاء ما يعرض لهم من مشكلات الحياة وأعراضها ومفاتنها ومباذلها. لكن هذه الموروثات المعقدة لن تزيد في قوتها عن الغرائز العامة. وهذه وتلك يمكن ـ كما يقول علم النفس- تعديلها حتى توائم القوانين المشروعة، فبدلاً من أن يهتاج الإنسان للباطل يهتاج للحق ، وأما كون هياجه عنيفًا أو خفيفًا في الحالين فأمر فطرى لا يعنينا.. وإن كنا لا نغفل حسابه في تقويم أقدار الناس. وقد نعيره اهتمامنا عند تحديد المسؤولية في الذنوب المرتكبة. ويقول علم النفس: إن هناك مصابين بالشذوذ في تصرفاتهم. فيهم المولع بعد درجات السلم ، أو قطع البلاط، أو مصابيح الشوارع. ص _134
(1/115)

ومما أثر عن الأديب الإنجليزي " جونسون " أنه لا يمر بحاجز خشبي إلا لمس بيده كل قائمة من قوائمه، فإذا نسي واحدة عاد إليه ليلمسها من جديد. ومنهم من يفزع من رؤية فأر، مع أنه معروف بالشجاعة. ومنهم من يميل إلى سرقة أشياء من نوع خاص، مهما بلغت تفاهتها، مع أنه من الأغنياء المحترمين ! هذه الأمور وأشباهها تدل على أن المرء قد يسلك سلوكًا لا يقصده، وأن فيه قوى باطنة تعمل في الخفاء. وكان القدماء يعزونها إلى التعب أو الخبل أو الألغاز. ولكن المحدثين يردونها إلى إيحاء العقل الباطن. وفي مسألة تداعي المعاني، يقول علم النفس: إن هذا التداعي كثيرًا ما يتحكم فينا، ويغلب إرادتنا، ويوقعنا تحت تأثير ما نحب وما نكره، ولاشك أن هناك أحوالاً من الكآبة النفسية قد تتوارد على الإنسان من حيث لا يدرى، فتوهي من عزمه. وربما كانت أمثال هذه الحالات هي التي دفعت علي بن أبي طالب إلى أن يقول للنبي كلمته السابقة (أنفسنا بيد الله...). وقد رفض النبي قوله؛ لأن قوانين الحياة العامة لا تربط بأمثال هذه الساعات الواهنة من تداعى المعاني أو تنافرها، سواء أكانت في السراء أو في الضراء. ص _135
العمل أساس الإيمان ص _13 ص
(1/116)

آمنت بالله، أي عرفته معرفة بلغت حد اليقين. وأسلمت له، أي خضعت لحكمه عن طواعية وانقياد. وكلمتا الإيمان والإسلام في نظر الشرع مرادفتان أو متلازمتان. فحقيقة الإسلام تتضمن أداء العبادات المطلوبة، فهي تصديق بالله وتنفيذ لأمره. وحقيقة الإيمان تنطوي على المعرفة الصحيحة والقيام بحقوقها. ومن ثم فمعنى اليقين ملحوظ في الإسلام، ومعنى الخضوع ملحوظ في الإيمان. ولا يقبل إسلام خلا عن اليقين، ولا يقبل إيمان تجرد عن الخضوع لله. وقول الله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) . فإن هذا الإسلام الذي ذكرته الآية، ليس الدين الحق الذي عنته الآية الأخرى : (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) . بل هو خضوع عن قهر ونفاق، ولا قيمة له إلا إذا سكن الإيمان القلب واستقر، والإيمان المعتبر ما اقترن بالسمع والطاعة، وتطهر من الجحود والاستكبار عن أمر الله. (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين) . وقد اعتبرت كلمة " الإسلام " علمًا على الدين الذي جاء به صاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله ، وتعارفت الأجيال هذه الحقيقة. فإذا ذكر الإسلام، عرف من هذا العنوان أنه الدين الذي يقوم على اتباع القرآن الكريم والسنة المطهرة . ص _137
(1/117)

ويدخل فيه من شاء من بابه الرئيسي المعروف " كلمة التوحيد "، ثم يؤدي بعد ذلك ما يفرض عليه من تكاليف شتى. على حين توسع العرف العالمي في كلمة " الإيمان " . فهناك إيمان نصراني، وآخر يهودي، وآخر وثني، وآخر شيوعي، ... إلخ. وهذا العرف العام يغض من قيمة الحقيقة الشرعية التي ذكرناها آنفًا. فمتعلقات الإيمان؛ والدائرة التي يتسع لها في ديننا، تجعله لا يصح في نظرنا إلا إذا كان مرادفًا للإسلام، أو ملازمًا له. ولكن هذا العرف الشائع يؤكد أن الإسلام يرفض رفضًا حاسمًا أي مسلك ينطوي على الاستهتار بالأعمال المطلوبة، والتمرد على شارعها جل شأنه. ولذلك نعد رفض الخضوع لله خروجًا على الإسلام، ومروقًا عن الدين، وهدمًا للإيمان، مهما زعم هذا الرافض من معرفة ويقين. لقد كان إبليس يعلم أن الله واحد لا شريك له، وكان يعلم أن مصيره إليه يوم يبعثون. بيد أنه لما صدر إليه الأمر: أن اسجد، فقال- مستكبرًا جاحدًا - : لا.. عد كافرًا ولم تشفع له معرفته بوحدانية الله؛ لأن المعرفة المجردة عن مبدأ الخضوع المطلق لرب العالمين لا وزن لها. والمعصية التي يقارنها هذا التمرد تخلع صاحبها من الإيمان خلعًا. والشعور بتلك الحقيقة هو الذي جعل أبا بكر يسوي بين مانعي الزكاة وبين المرتدين برغم زعمهم أنهم مؤمنون. فقد صدر إليهم الأمر بإيتاء الزكاة فعصوا، وشهروا السلاح، وآثروا القتال على دفع المال. فساق إليهم الخليفة الأول جيوش الإسلام تفلق هاماتهم، وتلحقهم بإبليس الجاحد المستكبر! ص _138
(1/118)

فإن التأبي عن قبول أمر الله والهزء بالفرائض التي أوجبها، والفخر بالمحرمات التي زجر عنها لا يمكن أن يوصف بأنه خضوع وإسلام، إلا إذا كانت أحوال الجهال تسمى علمًا، وأحوال الكذابين تسمى صدقًا، وقد ذهل بعض المصنفين في الفقه، عن هذا الأصل الراسخ، فأفتوا بأن الممتنع عن الصلاة يقتل حدًّا، ولا يسمى مرتدًّا. وهذا غلط، فإن الذي يؤثر أن يقتل على أن يصلي لا دين له، فكيف يحسب من المسلمين؟. أما صلة الإيمان بالأعمال ـ كما فصلت في القرآن والسنة ـ فسنشرحها بعد. سُوء العَمَلِ بالدِين سِرُّ أَزمتِه في العَالَمين معرفة الله والخضوع له، والإعداد للقائه والرهب من عقابه، هي لباب الدين وروح شرائعه. نعم في تعاليم الدين نظم خلقية واجتماعية كثيرة، تتناول الحياة الخاصة والعامة من القاع إلى القمة. لكن هذه التعاليم كلها بناء دعامته العقيدة، أو هي أعمال غايتها وجه الله، فإذا انهارت الدعامة، أو اختلفت الغاية فقدت هذه النظم الخلقية والاجتماعية طابعها المميز، وقيمتها النفسية. وصارت شيئًا آخر له قيمة أخرى، تفقد الأوراق المالية قيمتها إذا فقدت رصيدها الذهبي. الدين قبل كل شيء: " شعور بوجود الله، واعتراف بحقه في حكم عباده، ووضع المبادئ التي ينطلقون منها، والحدود التي ينتهون إليها " . ص _139
(1/119)

ومقتضى هذا الشعور الباطن، والاعتراف الظاهر، أن نفعل ما يوصينا الله به، لا على أنه خير فقط، بل على أنه " انقياد لله - وقيام بحقه... إلى جانب ما فيه من خير ذاتي " .. إن الوجودي قد يرى الصدق فضيلة في المعاملات التجارية وغيرها. ولكنه لا يعبد الله حين يصدق مع غيره، فهو لا يعرف الله، ولا يؤمل فيما عنده!!. أما المؤمن فالصدق عنده طاعة الله الذي قال:(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) فهو يصدق أولاً إيمانًا بالله، ثم هو يرتفع بإيمانه هذا إلى فضيلة الصدق... إن الأعمال الصالحة كلها، نفسية كانت أو اجتماعية عندما تكون جزءً ا من تعاليم الدين، أو جزءًا من سلوك المؤمنين؛ تأخذ طريقها في الحياة مقترنة بهذا اليقين السماوي، أو مصطبغة بهذه الصبغة الإلهية، فيكون الإيمان بالله هو الباعث على العمل، وتكون تقواه ـ جل شأنه ـ إحساسًا دائمًا مصاحبًا. ونحن بهذا الكلام نلفت الأنظار إلى خطورة ما شاع من مسالك بشرية مجردة تجعل الناس يتواضعون على أعراف وتقاليد قد تكون حسنة أو لا تكون، ثم يرون في الوفاء لهذه الأعراف والتقاليد الخير والفضيلة.. مع أن صلتها بالإيمان مقطوعة، بل ربما لم يفكر صاحبها في الله لحظة . وهذا الفريق من الناس قسم الدين إلى قسمين: فما كان من عقائد وعبادات طرحه جانبًا وازور عنه. وما كان من معاملات ونظم احتفى به وروجه أكثر من الحديث عن قيمته . وقد علمت أن أي عمل أمر الله به، فإنما الجدوى من فعله ابتداء طاعة الله والقيام بحقه. ص _140
(1/120)

أما إتيانه دون نظر إلى وجه الله فلا قيمة له، وإن صلحت به إلى حين بعض شؤون الدنيا. إن الإيمان بالله ليس نافلة قط في المجتمع المؤمن. إن تسبيحه وتحميده جل جلاله، يجب أن يكونا شغلاً للناس، وشارة لحياتهم بالغدو والآصال. وقد يضحك بعضهم من الحديث عن الآخرة، والجنة والنار، ويظن ذلك كلامًا فات أوانه، أو كلامًا يتهامس به بعض الوعاظ في مواكب الموت. والحق أن الدين يذوب ويتلاشى يوم يكون الحديث عن الآخرة مجونًا أو لغوًا. إن قوافل الأحياء يجب أن تعي بلباقة وجد، أن عقيدة الجزاء الأخير ليست هزلاً. وأن البعد بنشاط الحياة عن الإيمان بالله واليوم الآخر، بعد عن الصراط المستقيم، وجري وراء سراب خداع. ونحن المسلمين، يجب أن نشوب نشاطنا كله بمعالم هذا الإيمان الحق، وألا تجرفنا تيارات الحضارة المادية التي تسود الشرق والغرب، تلك الحضارة التي ذهلت عن الله، وتجاهلت وحيه، وآثرت أن تحيا وفق هواها، وأن تأخذ من دينه ما لا يصادم هذه الأهواء... ثم تطرح جانبًا أهم شعب الإيمان. المعروف في دراستنا النظرية أن الدين عقائد وعبادات وأخلاق، وأن الصلة بالله هي القائد الأول لبقية الشرائع، وأن صحة هذه الصلة ضمان للنجاة وإن قلت حظوظ المرء من بقية التكاليف الشرعية ... ونريد أن نتوقف قليلاً لنناقش هذا التفكير، فلا نجور على أصل الإيمان، ولا نجور على مجموعة الأعمال المرتبطة به والناشئة عنه. من حق علمائنا الأقدمين أن يهدروا كل خير يصنعه الكافر، وأن ينوهوا بثقل كلمة ص _141
(1/121)

التوحيد في ميزان الصالحات. إن وجهة نظرهم واضحة، فإن الذي يرتكب في عمرنا جريمة الخيانة العظمي، تعصف جريمته بكل خير فعله من قبل. ويوم يقال: فلان خان وطنه وباعه للأعداء، فلن ترى إلا الازدراء والمقت والإجماع على استحقاقه أقسى العقاب. ولو قيل: إن هذا الشقي كان بارًّا بأمه، أو كريمًا مع خدمه، أو لطيفًا مع أصدقائه؛ فإن هذه الخصال جميعًا تطوى في صمت، وتزم دونها الشفاه، ولا تغني عن حكم الموت المادي والأدبي الذي يستحقه هذا الخائن. والواقع أن سلفنا نظروا إلى الكافر نظرة العصر الحاضر إلى الخائن لأمته، ورفضوا الاعتراف بأي خير يفعله، أو الإقرار بأي ميزة له. والكافر ـ في نظرنا ـ أهل لهذا الهوان. والجاحد لوجود الله، الخائن لنعمته، المنكر للقائه، يرتكب بهذه الخلال أشنع جرائم الخيانة العظمى، وليس له ما يدفع عنه، مهما صنع (ومن يهن الله فما له من مكرم) . إلا أن هذه الحقيقة تولد عنها خطأ شائع، ألحق بالإيمان وأهله ضررًا بليغًا. فقد فهم العامة أن حسن الصلة بالله ـ وهو فضيلة بيقين ـ يجبر النقص في بقية الواجبات المفروضة. ثم تدرج هذا الفهم إلى أن هذه الواجبات يمكن أن تتلاشى، ويغني الإيمان المجرد عنها. وانضم إلى هذا الوضع أن الذين انحرفوا عن الإيمان، ونسوا الله، أتقنوا طائفة من الأعمال الإنسانية، والفنون الحيوية، وسبقوا بها سبقًا بعيدًا. وعندما قام في العالم هذا التناقض؛ اهتزت قضايا الدين، وتخاذلت صفوف ص _142
(1/122)

المؤمنين، ونجمت في أرجاء الدنيا فتن عاصفة. والأمر بحاجة إلى أولي الألباب يتداركونه بصدق الفهم، ولطف العلاج. وعلينا معشر المؤمنين أن نصلح شأننا قبل أن نطالب غيرنا بتغيير نفسه وفكره، إن الإيمان أعظم الفضائل في هذا الوجود، وهو عنصر غال، ما دخل في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه. بيد أن الإيمان الذي يستحق هذه النعوت له نواح عديدة؛ فهو صلة بالله قائمة على الخشوع والإخبات، وهو صلة بالنفس قائمة على التأديب والضبط، وهو صلة بالمجتمع قائمة على العدل والرحمة، وهو صلة بالكون قائمة على السيادة والارتفاق. ذلكم هو الإيمان الجدير بالإعظام وحين المآب، وهو إيمان غلال منتصر لا يثبت الإلحاد أمامه في معركة، ولا يقاس به في مفاضلة. إنما يزري بالإيمان أن يكون علاقة مفتعلة برب العالمين، لا تبعث على كمال ولا تصون عن نقص، تدارى هوانها بصور العبادات المفروضة، ولا تحقق في صاحبها ولا فيما حوله خلقًا عظيمًا، أو سلوكًا ناضرًا. ومثل هذا الإيمان الصوري ـ وما أشيعه بين الناس ـ لا يرفع رأسًا ولا يكسب نصرًا. وهل انتفخ الإلحاد، وتحركت وساوسه إلا في ميدان لقي فيه هذا الإيمان الزائف، وهل رفع رايته وفرض شارته إلا بين مؤمنين من هذا الطراز المهين؟ إننا نرفض رفضًا باتًّا أن تعيش الخليقة بغير دين يصلح بالها، ويزكي أحوالها، ونرفض كذلك أن تعيش الخليقة بدين تأوي إليه الخرافة، وتهزم فيه الخصائص الإنسانية العليا، وتتأخر في ظله الحياة، وتذبل ملكات الابتكار والإبداع والتجمل. ويجب أن ننصف الإسلام، فنعلم أنه دين أعلى قدر الإنسان، ورفع شأن الحياة، لا بعبادتها والتفاني فيها كما يفعل الجهال، بل بضبط رسالة الإنسان فيها وحسن إفادته ص _143
(1/123)

منها. الإنسان ـ في تصوير الإسلام ـ عبد لله وحده، يعرفه ويتقيه.. ! سيد لهذا الكون ـ يرتفقه ويستخدمه، ويستغل قواه. أخ لنظرائه من الناس يتعاون معهم على الخير، ويعاشرهم بقانون العدل والرحمة. ويعجبني قول الأستاذ إسحاق الحسيني في وصف الإسلام : " تبين في الإسلام في ضوء تاريخ الأديان البدائية والسماوية جميعًا فضيلتان، الأولى: النظر الشامل إلى الحياة باعتبارها وحدة مؤلفة من عناصر متداخلة، فالجانب الروحي لا يقل خطرًا عن الجانب المادي، وأدب النفس لا يقل عن أدب الجماعة. والمعاملات تعتمد على أسس أخلاقية، اعتماد العبادات على أسس روحية، وللفرد ما للجماعة من حقوق . والفضائل جميعها متساوية في الاتباع، لا تغني واحدة عن الأخرى. وبعبارة أخرى دعا الإسلام إلى السعادة الكاملة في الدارين، وإلى إقامة مجتمع فاضل مشترك في السراء والضراء، متعاون على البر والتقوى، آمر بالمعروف ناه عن المنكر.، قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر). والفضيلة الثانية: النظر إلى الناس جميعًا أسرة واحدة تتعارف وتتعاون، لا تفاضل بينها إلا بالتقوى. والنظر إلى وحدة الرسالات السماوية، وأخوة الأنبياء جميعًا دون تفريق بين أحد منهم. ونجم عن ذلك النظر، سماحة في المعاملة، وعدل وإحسان، وأخذ للحكمة حيثما كانت، وللفائدة حيثما وجدت، وانتشار الإسلام في الأرض، واستيعاب الحضارة ص _144
(1/124)

الإسلامية خير ما في الإنسانية. ووردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تدعو إلى مكارم الأخلاق، وإلى الفضائل الاجتماعية، وإلى التعامل بالحق والعدل: كالبر بالوالدين، وإيتاء المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين، وإطعام البائس الفقير، والرفق بالضعفاء والمرضى والعفو، والصلح، والصبر، والصدق، والوفاء والصدقة، والتعاون على البر والتقوى، والانتشار في الأرض ابتغاء فضل الله. ووردت آيات كثيرة تنهى عن مساوئ الأخلاق والرذائل: كالجهل بالسوء من القول، وظن السوء، والكذب، والخيانة، والظلم، والبغي، والعدوان، والفحشاء، وأكل الأموال بالباطل، وأكل أموال اليتامى، وقهرهم، والتنظيف في الكيل والميزان، والتبذير. أما أحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآثار الخلفاء والصحابة فكثيرة جدًّا، وهي جميعًا مستوحاة من المبادئ القرآنية، ومؤيدة إياها وشارحة لها . وظاهر من هذا الوصف الدقيق أن العمل شبكة محكمة النسج، لا يفلت منها شيء من خير الدنيا والآخرة. لكن بعض المشتغلين بعلوم الدين، وتهذيب السلوك العام قد يهبطون دون هذا المستوى في فهم الدين وعلاج المجتمعات به. نعم إن المعنيين بالتربية الدينية قد يسيئون إلى الإيمان. حين يتصورونه منديلاً يمسح فيه الخطاؤون عيوبهم، فهم يعثرون والإيمان يغفر، ويكسرون والإيمان يجبر. وكثير من أتباع الأديان السماوية ظنوا التمسك بأصل الدين كافيًا في النجاة مهما صنعوا. وقالوا ( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم ) ص _145
(1/125)

وقد فند القرآن الكريم هذه المزاعم، ورسم طريق النجاة الحقيقي، وهر مزج من الإيمان الحي، والإحسان في العمل، والإخلاص لله (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين * بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون). وبعض الوعاظ قصار النظر قد يقعون على آثار دينية محدودة المعنى والمجال، فيسيئون فهمها وتطبيقها، ويتجاهلون بها- جملة- الكتاب والسنة، بل طبيعة الإيمان نفسه. تلك الطبيعة التي تخلق من الموات حياة، ومن الفوضى نظامًا. خذ مثلاً حديث البطاقة الذي رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ من أن رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن الله تعالى سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلاًّ، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتذكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول : لا يارب . فيقول تعالى: بلى، إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فقال: فإنك لا تظلم. فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء). هذا حديث مثير الدلالة، وهو لو أخذ على ظاهر يضع عن الناس شتى التكاليف الإلهية، ويبطل قوله تعالى: (فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين * ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون). وعندي أن هذا الحديث ـ إن استقام سنده ـ إنما يصح في شخص مشرك، قضى حياته في الفساد، ثم آمن قبل أن يحين أجله بقليل فلم يستطع بعد إسلامه أن يبقى مدة يصلح فيها ما مضى، والحديث بهذا ينوه بما لخاتمة الإيمان من قيمة، وما لتوحيد الله من منزلة . ص _14 ص
(1/126)

أما إطلاق هذا الحديث وأشباهه بين العوام أو بين الناشئة دون وعي؛ فهو هدم للدين كله، وهو الأساس لتكوين طوائف من المتدينين، تحط من قدر الإيمان وأثره.. إن العالم اليوم فقر إلى الإيمان الذي يصله بربه صلة وفاء وبر، ويربطه بالحياة رباط إنتاج وجد، وإلا فالمستقيل حافل بالنذر. ص _147
الإيمان والعمل صلة الإيمان بالعمل كصلة الخلق بالسلوك. فإذا آمن الإنسان بالله العظيم، وأيقن باليوم الآخر، وصدق بما جاء به المرسلون، دفعه ذلك ـ لا محالة ـ إلى استرضاء ربه، والاستعداد للقائه، والاستقامة على صراطه. كما أن الشجاع في ميادين الخطر يقدم، والتكريم في مواطن البذل ينفق، والصادق في أداء الحديث يتحرى الحق.. إلخ . وعسير ـ بل مستحيل ـ أن يهبط الإنسان بحقيقة الدين عن هذا المستوى، أو أن يفهم من كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يغاير ذلك. بيد أن أعداء الإسلام ـ وقد عجزوا عن هزيمته في ساحات القتال ـ لم تعيهم الحيل لسحقه في عقر داره. فدسوا على المسلمين من يصور لهم الإسلام كلمة لا تكاليف لها، وأماني لا عمل معها. وفي ظل هذا الفهم المعوج ترى المسلم واليهودي والقبطي يتعاشرون سنين عددًا، فلا تستطيع أن تميز أحدهم من الآخر في شيء. الكل لا يدخل مسجدًا، ولا يقيم فريضة، ولا يحترم لله شعيرة . والكل يشرب الخمر، ويأكل الربا، ويفجر بالأعراض. وغاية ما بينهم من فوارق، أن اليهودي يقدس يوم السبت، وقد يذهب النصراني إلى كنيسته خلسة. أما ذلك المسلم المزعوم فليس يربطه بالإسلام إلا اسم سجل في شهادة الميلاد فحسب . ص _148
(1/127)

والمؤسف أن أقوامًا ـ من أهل العلم الديني ـ لا يكترثون بذلك . فالمرء إذا غمغم بين شفتيه بكلمة التوحيد؛ تحصن وراءها، فأصبح يسيرًا عليه، ألا يقوم إلى واجب، وألا ينتهي عن محرم. وقد زعم هؤلاء المغفلون أن الدين ينص على ذلك! ألا ساء ما يصنعون. ولو فرضنا أن حزبًا ما، تقدم إلى الناس وقد أضاف إلى جملة المواد التي تبين للجماهير منهاجه وتوضح أغراضه، مادة أخرى تصرح أو تلمح، بأن لكل منتم للحزب ألا يعمل بمبادئه وألا يتقيد بتعاليمه؛ لقال الناس أجمعون: هذا هو العبث والمجون! فكيف نتهم الإسلام بأنه يحمل في ثناياه ما يهدمه؟ كيف ننطلق إلى نصوص نبحث بينها عن (المادة) التي تبيح الخروج عليه واللعب ، كيف ندعي أن الأعمال أمر كمالي بحت، لا يضير نقصانه؟ أولئك هم الحمقى (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا). وعلى رؤوسهم يقع التفريط الهائل في إقامة حدود الله وأداء فرائضه، وما أصاب المسلمين من كوارث ونكبات عندما فهموا دينهم على ذلك النحو الأبتر: أمة تعتبر العمل من (الكماليات) الخفيفة، كيف يقوم لها دين؟ أو تقوم بها دنيا؟ إن الله ـ عز وجل ـ جعل العمل رسالة الوجود ووظيفة الأحياء، وجعل السباق في إحسانه سر الخليفة ودعامة الحساب. (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور) ص _149
(1/128)

وما من آية في كتاب الله ذكرت الإيمان مجردًا، بل عطفت عليه عمل الصالحات، أو تقوى الله، أو الإسلام له، بحيث أصبحت صلة العمل بالإيمان آصرة لا يعروها وهن. فإذا عقدت مقارنة بين الهدى والضلال، جعل الإيمان والعمل جميعًا في كفة، وجعل الكفر في الكفة الأخرى. (وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء). كثيرًا ما يشار إلى الإسلام وحقيقته الشاملة بمظاهر عملية واضحة محدودة. (فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة) . بل إن العلامة التي ينصبها القرآن دليلاً على فراغ النفس من العقيدة، وخراب القلب من الإيمان، هي في النكوص عن القيام ببعض الأعمال الصالحة. (أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين). وقد ينظر إلى الإيمان علي أنه وصف يلحق الأعمال، ويطرأ على السلوك الإنساني المعتاد، فيصلحه ويصله بالله، فيذكر العمل أولاً كما هي مرتبة وجوده، ثم يذكر الإيمان ثانيًا على أنه شرط صحته وقبوله. (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون) ثم ما الذي يوزن في الدار الآخرة؟ أليست الأعمال التي تميل بالإنسان إلى النعيم أو الجحيم أو الدعاوى والمزاعم؟ (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون ). ص _150
(1/129)

إننا نعرف تاريخ أمم هلكت بسوء عملها. ونعرف أن الله نقم على قوم لوط ـ مثلاً ـ لارتكابهم الفاحشة، وعلى قوم شعيب ـ مثلاً ـ لبخسهم المكيال والميزان، وقد عرفنا مصاير أولئك الفاسقين. فهل أمتنا ـ وحدها ـ هي التي تريد أن ترتكب السيئات، دون حذر أو وجل ، ليس الإسلام بدعًا من الشرائع السابقة، فيوجب الإيمان دون العمل. بل إن القرآن الكريم ليقص علينا عبر السابقين لنتعظ منها، ثم لنسمع قول الله بعد ذلك: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين * ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) . هكذا نمتحن ونراقب تصرفاتنا، ويكلفنا الله بالإيمان والعمل جميعًا، ثم ينظر وفاءنا بما حملنا من أعباء!. وقد خاطب الله أبناء آدم ـ قاطبة ـ بهذه الحقيقة السافرة، وأفهمهم ـ في جلاء وقوة ـ أن نجاتهم في الصلاح والتقوى، لا في النفاق والدعوى: (يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). وعندما اهتدى أولو الألباب إلى الحق، وأعلنوا إيمانهم وهتفوا: (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا). ص _151
(1/130)

وعندما تضرعوا يطلبون من الرحمن أن يصفح عن زلاتهم: (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار) . وعندما تطلعوا إلى النصر والتمكين في الأرض، والفوز والرضوان في الآخرة: (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم). مع هذه الحرارة في الدعاء، والإخلاص في التوجه، أعلن الحق أن استجابته مقرونة بالعمل وحده، وأن الكلام- فحسب- لا يروج، وأن تحقيق هذا الرجاء مرهون بجهاد وتضحيات وتكاليف: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار). إن النصوص الهادية إلى تلازم الإيمان والعمل كثيرة، يزخر بها القرآن وتستفيض بها السنة، وتقر الحق في نصابه، وترسم لكل مسلم غايته، وتخط له مكانته، وتقرع الآذان بذلكم الأمر الحاسم: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون). ص _152
(1/131)

لا يعلمون الكتاب إلا أماني ومن الناس من وقع على نصوص لم يفهمها، وحاول أن يشغب بها على القواعد المقررة. وكم تدور على ألسنة العامة أحاديث شتى. مثل ما رواه أنس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعاذ رديفه على الرحل قال: " يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثًا، قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار. قال: يا رسول الله، أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: إذن يتكلوا!. وأخبر به معاذ عند موته تأثمًا. بهذا الحديث وأمثاله، تتعلق العامة في نقض بناء الإسلام وهدم أركانه، والتهوين من خطر العمل وآثاره. وهو تعلق باطل مردود. قال الحافظ المنذري: " ذهب طوائف من أساطين أهل العلم إلى أن مثل هذه الإطلاقات التي وردت فيمن قال " لا إله إلا الله دخل الجنة، أو حرم على النار" أو نحو ذلك، ربما كان في ابتداء الإسلام حين كانت الدعوة إلى مجرد الإقرار بالتوحيد، فلما فرضت الفرائض، وحدت الحدود؛ نسخ ذلك. والدلائل على هذا كثيرة ظاهرة . وإلى هذا القول ذهب الضحاك، والزهري، وسفيان الثوري وغيرهم. وقالت طائفة أخرى: لا احتياج إلى ادعاء النسخ في ذلك. فإن كل ما هو من أركان الدين وفرائض الإسلام هو من لوازم الإقرار بالشهادتين وتتماته . ص _153
(1/132)

فإذا أقر، ثم امتنع عن شيء من الفرائض جحدًا أو تهاونًا- على تفاصيل الخلاف فيه - حكمنا عليه بالكفر وعدم دخول الجنة. وذكر المنذري أقوالاً أخرى تتفق كلها على أن ظواهر هذه الأحاديث غير مراد، وكيف يعتد بظواهرها مع ورود مئات من النصوص الأخرى من الكتاب والسنة تربط الإيمان أوثق رباط بأعمال معينة! والواقع أن ما أجمل في نص يفصل في نص آخر. وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (أمرت أن أقاتل الناس- مشركي العرب- حتى يشهدوا ألا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله). فهذا الحديث أحصى أعمالاً لم تذكر في حديث النطق بالشهادتين، وهو تفسير لقول الله تعالى: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين) . وقوله من قبل: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) . إن النطق بالشهادتين بداية لما بعده من اعتقاد وعمل، لا ما تحسب الأبصار الكليلة، والهمم القاصرة من أن مجرد النطق فيه الكفاية والغناء. وحروف هذه الكلمة- كلمة التوحيد- منافذ تفضي بالإنسان إلى ساحات رحيبة، وآفاق ممتدة يشرب القلب فيها حقيقة التوحيد الخالص كلما سجد لبارئه وبادر إلى مرضاته، ونفر من مساخطه، وأدى الواجب وترك المحرم. وأدران الشرك ليست كلمة تلوث الفم وحده حتى تطهرها كلمة مقابلة ينطق بها الفم. ولكن الشرك توجه الفؤاد لما درن الله، وعمل الجوارح لغير الله. ص _154
(1/133)

فإذا لم يسيطر التوحيد على القلب والجوارح ويتحول إلى قوة باعثة إلى العمل الصالح فلا قيمة له! إن كلمة التوحيد حصانة البشرية من الخنوع للآلهة المزيفة. وهذه الآلهة ليست حجرًا منحوتًا فحسب، بل كل ما يقطع صلة الإرادة الإنسانية بالله، ويربطها بغير رباط الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، والألم والأمل، فهو ذريعة للشرك. وهناك ألوف مزقت المعاصي صلتهم بالله شر ممزق، وظلت أهواؤهم تجمح بهم بعيدًا عن الله، حتى نسوا الله أتم نسيان. فلو قارنت بين ضمائرهم وضمائر أهل الجاهلية الأولى، ما وجدت فارقًا بين جحود وجحود، وكنود كنود !. إلا أن هؤلاء نطقوا بكلمة التوحيد ولم يفهموها، وأولئك فهموا ولم ينطقوا بها. إن البشرية ـ بفطرتها ـ تحلق في أجواء مشرقة من توحيد الله، فإذا علقت بها حبائل الشيطان، ورانت عليها أثقال الشهوة، وزهدت في السماء، ونظرت إلى الأرض؛ ظلت تهبط وتهبط، وتسقط دون فضل الله، وتسقط حتى تصل إلى الحضيض. (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) . ما كانت كلمة التوحيد نبتًا مشلولاً في تربة خبيثة. ولكنها نبت تمتد أصوله في القلب الخصب، وتظهر آثاره ظلالاً وارفة، وثمرات شهية. تظهر أعمالاً طلبها الإسلام وأكدها، وربط وجوده بنمائها ووفرتها: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون) ص _155
(1/134)

وهذه الكلمة، أعلى عند الله قدرًا، وأعلى شأنًا، من أن يستغلها منافق أو لعوب، فالرجل العقيم من الأعمال، لا تنفعه دعواه، ولا يغني عنه إيمان منتحل: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين). (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون * لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون). ولما كان الإسلام قد قرر ما ينبغي عمله في الشؤون المتصلة بنواحي الحياة كافة، من أحكام ومعاملات وأخلاق، فإن موقف المؤمنين تجاه ذلك واحد لا يتغير، هو الخضوع المطلق. فإذا انكشف الغطاء عن غير ذلك، وتبين من ضلال السلوك ضلال القلب، فإن الإيمان زعم باطل. وبهذا القياس فضح الله طوائف المنافقين الأولين، وبه- كذلك- نفضح أشباههم اليوم. أعرف في إحدى المدن مصنعين للنسيج، يدير الأول أجنبي يخشى الاتهام بالتعصب، فهو يأذن لعماله أن ينصرفوا ساعة لصلاة الجمعة. أما الآخر ـ ويديره مسلم بالوراثة ـ فهو باسم إسلامه الدعي لا يخشى هذا الاتهام؛ فهو يضن على العمال بالوقت الذي سمح به الأجنبي للصلاة!. ولعلك إذا جادلته في هذا الصد عن سبيل الله تطاول على الصلاة والمصلين، ناسبًا إليهم كل رذيلة. أفمثل هذا الوغد الذي لا يكترث بشعائر الإسلام يسلك في عداد المؤمنين؟. وقد تسمع أحدهم يذكر تشريعات الإسلام، فيسلقها بلسان حاد، وقد يتناول أنصارها بالسخرية . ص _15 ص
إن إجماع العلماء منعقد على طرد هؤلاء من حظيرة الإسلام. وينبغي أن نسارع بغربلة الأمة الإسلامية، حتى ينفى خبثها ويعزل سقطها، ويمتاز فيها المسلمون من المجرمين والملحدين. ص _157
(1/135)

في ميدان التربية هذه أحاديث تطيش فيها أفكار العامة. وينبغي أن نقف قليلاً لديها حتى نشرح ملابساتها، ونذكر المعنى المقصود منها. والأحاديث في العفو والعقاب، والخطيئة والمتاب. وماذا نصنع إذا كانت الأمة مبتلاة بمن يهون لديها بشاعة الأخطاء، وفظاعة الجرائم، مستندًا إلى نصوص لم يفهمها، وراكنًا إلى رحمة لم يتهيأ لها؟ وفساد الحضارات الدينية يرجع إلى تكون أحلاف من الناس يحرفون الكلم عن مواضعه، ويخلطون خلطًا شائنًا في تطبيق أحكام الشريعة على أعمال الجوارح وخطرات القلوب، ويريدون أن يرتكبوا آثام الملحدين وينالوا جزاء الأوابين. وقد عاب القرآن الكريم على اليهود وأعقابهم هذا المسلك الطائش، فذكر إقبالهم على دنايا الحياة، وارتباطهم بأعراضها الفانية، ثم آمالهم الجريئة في نعيم الآخرة ـ مع ذلك ـ ثم زعمهم أنهم بهذه السيرة الحقيرة مستقيمون مع منطق التوراة وهدى موسى ـ وهذا هو الأدهى ـ. ذكر القرآن صورة ذلك، ووضعها أمام أعيننا ماثلة. ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه ). ثم أبان الله لهم ـ سبحانه ـ أن للمصلحات أجرهم الذي لا يضيع، وأن عناصر هذا الإصلاح هي في التمسك الحق بالكتب السماوية، وما تأمر به من عبادة، ومن ثم ص _158
(1/136)

قال: (والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون * والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين). ولكن أين تمسك المتدينين بكتبهم؟ بل أين نزول المسلمين على هدي قرآنهم؟ إن جرائم القتل التي تقع بوادينا المسلم تزيد على ما يقع في نصف قرن ببلد " كفنلندا " لا يعرف الإسلام ولا غيره من الأديان. وعلل هذا الهرج كثيرة، ولكن تفتيت الصلة بين الإيمان والعمل، وقطع التلازم بين الجريمة والعقاب، وسوق نصوص الرجاء للعاطلين، ووضع الندى موضع السيف. ذلك كله في مقدمة الأسباب التي جرت على الحضارات الدينية هذا الفساد، وجعل بعض الحضارات الأخرى ترجحها في ناحية ما. أما الأحاديث التي يغلط العامة في فهمها، فقبل أن أسردها أذكر هذا المثل للدكتور عبد العزيز إسماعيل قال: " شخص يخاف ربه ويطيع أوامره، ولكن حدث له أن وقع مرة تحت تأثير انفعالات نفسانية شديدة، ضاع معها رشده، فارتكب جريمة قتل، فلما ثاب إلى رشده ندم على فعلته. فهذا الرجل ارتكب الجريمة بجوارحه فقط، ولم يقتل ضميره. فقد ثبت طبيًّا أن الانفعالات الشديدة تحدث زيادة إفرازات في بعض الغدد الصماء، تؤثر على ضغط الدم وعلى المخ. وقد تحدث تشنجًا عصبيًّا، أو شللاً وقتيًّا في قوة الإدراك (غيبوبة)، يأتي الشخص في أثنائها من الأفعال ما يستنكره في حالته العادية ". هذه الخطيئة يظهر فيها قهر القدر الغالب. ص _159
(1/137)

وتشخيص حقيقتها من طبيب مختص يفسر لنا مدى المسؤولية الأخروية عليها. وفيها وفيما يجري على نسقها من أخطاء يصح أن يفسر قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ". ليس هذا الحديث دعوة عامة إلى ارتكاب الخطايا، لا هو تقرير لبيان حكمة الوجود بأنه فعل السيئات. فإن الله ـ في كتابه ـ أظهر لنا الحكمة العليا من وجودنا فقال: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن). وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شرحًا للآية: " أيكم أحسن عقلاً، وأورع من محارم الله، وأسرع في طاعة الله " . الحديث في الحقيقة تعليق على الموجات النفسية التي تجرف في تيارها أبناء آدم وتضع عزائمهم ـ مهما قويت ـ أمام عواصف القدر المجتاحة، فإذا بها تصبح هباء منثورًا، فإذا خرج امرؤ من غمراتها، وفي رأسه من عمايتها دوار، استمع إلى هذا الحديث " لو لم تذنبوا... "، كما يستمع المحزون إلى كلمة عزاء. والحديث مبتوت الصلة بمسلك السفلة ومعتادي الإجرام. ونحن نحتاج إلى هذا التوجيه الكريم في علاجنا، لعثرات الشباب ووقوعهم المتكرر في مآزق الغريزة الجنسية. فكم لنشاط الغدد من آثار خطيرة تسكب إحدى الغدد إفرازها دافقًا في الدم المهتاج. فإذا الرجل لا يكاد يقوم حتى يكبو. وكأنما يريد ربك أن يجعل من الإنسان العملاق عبدًا كسير الجناح، أمام جبار السموات والأرض، وحتى تكون آمال الإنسان أعلق بانتظار العفو والتوفيق منها بتقديم الأعمال وشتى الطاعات. ص _1 ص 0
(1/138)

وقلما يحدث ذلك إلا لذوي المواهب والملكات، ممن يخشى عليهم الغرور بطاقاتهم الواسعة، لولا ما يعرض لهم من غلطات ويقعون فيه من سيئات. ومن هذا التحديد ندرك سر قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى، فهو مدرك ذلك لا محالة . . العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما السمع ، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى . . ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه" . هذا الذي كتب له لوثات الغريزة في جماحها الطاغي. ومدى عفو الله في هذا مربوط بما خرج عن دائرة المجاهدة والتطلع إلى الكمال. أي أن الشاب مكلف ببذل جهده كله، في محاربة الجريمة، والبعد عن مغرياتها ومثيراتها. فإذا حدثت مضاعفات فوق الحسبان، شردت بالمؤمن عما التزمه. كالسابح الذي يضرب بيده في اللجة، ويدفع صدره إلى الأمام، ويستهدف الوصول إلى الشاطئ في بأس وعزيمة. ثم يظهر له أن جهده يذهب سدى ؛ لأن التيار ضده. فهو مهما بذل لا يعدو مكانه، عندما يحاط بأمر ما في أوضاع الحياة على هذا النحو، يساق هذا الحديث، لا لتبرير الخطأ، ولكن لتيسير الخلاص منه، ومنع الارتكاس فيه. ثم توجه الإرادة البشرية عندئذ إلى العبادات الإيجابية؛ ففيها الدواء لما أصابها من فشل في العبادات السلبية: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) . ص _1 ص 1
(1/139)

وأبواب الأمل في الخير إن حاول الشيطان سدها من ناحية، فتحت من ناحية أخرى، ولذلك قال: (واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) . والحق أن فعل الصالحات ليس علاجًا فقط للفشل في ترك السيئات، بل هو الطريق الوحيد للنجاح في تركها، والتطهر من أدرانها، مهما عز ذلك أول الأمر. وتلك آية الإيمان. أما أن نرى قومًا يفعلون الشر، ويتركون الخير، ويزعمون الإسلام فهم كذابون، وليس في الحديث الآنف ما يصحح إيمانهم. وهذا حديث آخر ذكره أحد الجهال في تهوين قيمة العمل. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى عليَّ ، ألا أغفر لفلان ؟ ، فإني قد غفرت له وأحبطت عملك" . والحديث صحيح رواه مسلم، وأخرج أبو داود مثله. قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " كان مع بني إسرائيل رجلان متواخيان، أحدهما مذنب والآخر في العبادة مجتهد، فكان المجتهد لا يزال يلقى الآخر على ذنب فيقول له: أقصر، فقال خلني وربي، أبعثت عليَّ رقيبًا؟ فقال له: والله لا يغفر الله لك، أو قال: لا يدخلك الجنة، فقبض الله أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال الرب تعالى للمجتهد : أكنت على ما في يدي قادرًا؟! وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار " . هذا الحديث نظر إليه العلماء ففهموا منه المعنى الوحيد الذي يفهم منه. وهو: أن الرجل المستكبر بطاعته، أبعد عن الله من الرجل المستخذي بمعصيته وهذا حق، فهناك ممن يلبسون مسوح الدين، رجال يحسبون أنهم ببعض صلوات أقاموها، قد شاكوا الله في تقرير مصير العباد، وأنهم يحملون معه مفاتيح الجنة والنار. ص _1 ص 2
(1/140)

وقد رأيت كثيرين من المتصعلكين في الأندية الدينية، تنطوي نفوسهم على هذه الجهالة وتعوزهم مشاعر الرقة والتواضع. والحديث المذكور قمع لتداول هؤلاء. ومن بقايا النصرانية اليوم، قد تجد إنسانًا كسير القلب لأنه أخطأ، يذهب إلى راهب الكنيسة، ليقوم بمراسيم الاعتراف الشائعة عندهم. ولو غصت في أغوار هذا وذاك، لوجدت نفسية المخطئ أقرب إلى الكمال الإنساني، من نفسية الراهب الذي سيمنحه المغفرة، وهو مدل مختال. وإنني في تجاربي الكثيرة، ما أزال أشكو قسوة القلب، وخلال الفظاظة التي أجدهما في مسالك بعض المنسوبين إلى الدين. على عكس ما يلمحه المرء أحيانًا من تأدب وسماحة في سير بعض الذين لما يهتدوا بعد إلى ما في الدين من حق وخير وجمال. ويستحيل أن يكون الحديث المذكور مناقضًا لقول الله في كتابه : (إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم * أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون * أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن لكم فيه لما تخيرون * أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون * سلهم أيهم بذلك زعيم). ونحن نسأل الجهال العابثين بالنصوص: كيف جاز لهم أن يقطعوا صلة الإيمان بالعمل، والخطيئة بالعقاب لحجب غطت على عيونهم، فلم تر الصواب، ولم تفقه الكتاب؟ ص _1 ص 3
الخطيئة والمتاب ص _1 ص 4
(1/141)

الإيمان والخطيئة ما ذكرناه من تلازم الإيمان والعمل، لا يعني أن الإيمان يقتضي العصمة؛ فإن المؤمن قد يخطئ. وما يقع فيه المؤمن من خطأ أو خطيئة، لا يسلخه من الدين. ولابد من بيان مفصل، تضم به أطراف هذا الموضوع. عندما يكون المرء وثيق الإيمان، كثير الطاعات، طويل المراقبة لله ، فإن أخطاءه تقل لا محالة. وما قد ينزلق إليه من سيئات، يعتبر غريبًا على حياته غرابة الشذوذ بالنسبة إلى القاعدة. وطبيعة الخطأ من رجل هذه حاله، تجعل لسيئته صفة خاصة. فهو لا يقصدها ، ولا يستريح إليها، ولا يستقر عليها. كالسائر في طريق ما إلى هدفه لا يفكر إلا في أعماله وآماله، فإذا قدمه تخبط في حفرة غير منظورة، أو تمر بقشر فاكهة ملقاة، فإذا المسكين يهتز ويضطرب ويهوي إلى الأرض. إنه يخجل من سقطته، ويقوم منها شديد الضيق والسخط. كذلك قد تزل قدم المؤمن، وهو سائر في طريقه إلى الله، فيلم بعمل لا ينبغي منه، ثم لا يكاد يتورط فيه حتى ينزع عنه، وهو بادي الألم، عميق الحسرة. هذه السيئات لا تصم سيرة المؤمن ولا تهدم شخصيته. وهي من قبيل " لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة " . ص _1 ص 5
(1/142)

ولما كانت خليقة الإنسان مزدوجة، يلتقي فيها عنصران: أحدهما من السماء والآخر من الأرض. فإن آثار هذا الاختلاط تبدو في سلوك الإنسان. وليس يستغرب على طبيعته أن تخلد إلى الأرض لحظة ما. ومن ثم جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ دائرة عفوه تتسع لهذه السقطات: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة) وعلل هذا العفو بقوله ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض). قال الشاعر: ولابد من أن ينزع المرء مرة إلى الحمأ المسنون ضربة لازب على أن هذه المزالق كما قلنا ـ تعتري الإنسان وهو في طريقه إلى ربه، يؤدي واجبه، ويقيم حقوقه، ويتحرى رضوانه. وما يصاحب هذا اللمم من ألم، وما يسبقه من غفلة، وما يعقبه من دهشة وغصة، ذلك كله يكشف سواده ويخفف عواقبه. وحسب صاحبه من عقاب، دوي هذه السقطات في نفسه، وإسراعه بالإنابة إلى الله يجأر بالدعاء ! وفي مثل هذه الحالات، يساق قوله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون * لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين * ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون ). (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون) ص _1 ص ص
(1/143)

والمعنيون بتربية النفوس وتزكية السرائر، لا يحبون أن يقفوا طويلاً عند هذه العثرات العارضة. وهمهم أن يأخذوا بيد الكابي، لكي يستطيع النهوض ويستأنف المسير، ويقبل على واجباته بنشاطه القديم أو أشد رغبة. وتهوينهم من هذه السيئات المقترفة، لا لأن هذه السيئات تافهة أو مستحسنة، بل ليخلصوا المذنب من آثارها، ويفكوه من آصارها، ويمنعوه من الارتكاس فيها والانكباب عليها. وذاك أخطر ما يتوقع، وأول ما يحاذر الشرع منه. وفي مثل هذه الحالات يساق قول النبي- صلى الله عليه وسلم- فيما يحكى عن ربه - عز وجل - قال: " أذنب عبد فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال الله ـ عز وجل ـ : أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب. فقال: أي رب اغفر لي ذنبي. فقال الله تعالى. : أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب. ثم عاد فأذنب، فقال: يا رب اغفر لي، فقال الله تعالى: أذنب عبدي فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب يأخذ بالذنب، اعمل ما شئت، فقد غفرت لك " . هذا الحديث وأمثاله مما يفتح مصاريع التوبة على كثرة العثار، وهو فيمن قدمنا من الناس. والمراد منه حفز الهمم إلى الصالحات، والتقصي عن دائرة الجريمة، مهما حدث من الإنسان، ورفع أنظار البشر إلى أعلى، كلما نكسها الشيطان. وليس المراد منه- البته- ما يفهمه سفهاء العامة من تحقير الجرائم، وتهوين ص _1 ص 7
(1/144)

السيئات، وإغراء العصاة بالجرأة على المخالفات واستباحة الحرمات. فهذا المعنى نقض لحقيقة الرسالة الهادية، وتجاهل وقح لآلاف الأحاديث المرهبة عن ارتكاب الذنوب. والتفريط في الأعمال الصالحة ـ بناء عن فهم معوج لهذه الأحاديث ـ هو ضلال مبين.! وليست الخطايا كلها من هذا القبيل، ولا الذين يقعون فيها جميعًا من هذا الصنف. فهناك حالات من النزق والسفاهة، تغوي ذويها بارتكاب الدنايا، وقد لا ينزعون منها على عجل. على أن الإيمان في نفوس هؤلاء يعاني ـ لا ريب ـ أزمات عنيفة. وبقاؤه أو انتهاؤه، مرهون بمدى ما يصل إليه العاصي من بعد عن الله، واستمراء للخطايا. ومهما عصى المسلم، فهو بين توبة سريعة تطهره، أو توبة مضمرة يستنيم إليها، ويرتبط بالإسلام على أساسها. ومصاير أولئك الذين يتدنسون بالمعاصي، ويرجئون المتاب منها ـ مع الإحساس بالخزي وتوقع العقاب ـ مجهولة!. لأن إلحاح المعاصي على القلب قد يزهق الإيمان، ويرد المسلم إلى الكفران. كما يلح المرض الخبيث على الجسم، فينزع منه الروح ويتركه جثة بالية. وأيًّا ما كان الأمر، فإن رباط المعاصي بالإيمان واه.. ونستطيع أن نقول: إنه باق، إلا يوم يقترف الجريمة مفتخرًا، أو يترك الفريضة مستهزئًا. فإنه يومئذ ينسلخ عن الإسلام ويحكم بارتداده. ص _1 ص 8
(1/145)

وليس يتصور هذا في مؤمن. فإن المؤمن إذا لم يكن ذا عزيمة في الخير، فلن يكون ذا عزيمة في الشر، تجعله يبارز الله بالمعصية، وهو وقح صفيق! وقد بين الله في كتابه أن المعصية التي تقع من الموسومين بالإيمان، إنما تصدر عن جهالة (أي: عن طيش، وضعف، وغلبة، وشهوة، وضعة همة): (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار) . (كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم * وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) إن صلة الطاعات والمعاصي بالإيمان لا يجوز نكرانها. فالأولى أغذية ينمو بها ويزدهر. والأخرى سموم يضعف بها ويذوي. وقد أبان الله ـ عز وجل ـ أنه ما من شخص يدعي الإيمان إلا فحصت نفسه بألوان التكاليف، وبليت بمراتب شتى من الجهاد، جهاد الشبهات، وجهاد الحياة والمبادئ. ولابد أن يجتاز الشخص هذا الامتحان، ليحكم بعدئذ بنجاحه أو سقوطه، ولن يترك الإنسان سدى. ولن يغلب العصاة ربهم بإيمان مزعوم وكفران مكتوم. والتكاليف التي شرع الله لعباده هي الطليعة الأولى للفتن التي تقتحم النفس، وتكشف دخائلها. ص _1 ص 9
(1/146)

ولن تزال هذه الفتن تسبر أغوار الإيمان، ومدى صلابته، ومدى استعداد صاحبه للنعيم أو للجحيم، أو لهما معًا، حتى يرجع الإنسان من حيث بدأ، إلى الله. (الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين * أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ). ومصير المرء لا يحدد بمعصية واحدة ولا طاعة واحدة. فالأجل طويل والتكاليف متجددة، والأمر أعقد من أن نصدر بصدده حكمًا عامًّا. وفي الحديث: " تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أسود مربادا كالكوز مجخيا (مكبوبًا) لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه. وقلب أبيض لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض ". وهذا الحديث يبين: أن المعاصي منازل ومزالق، يسلم بعضها إلى بعض، وأن الإيمان يتأثر بما يعرض للقلب من أحوال. فهناك قلوب أقفرت منه تمامًا- بإدمان المعاصي واتباع الفتن. وهناك قلوب بين طريقها إلى البوار لما تقفر بعد ، وتوشك أن تضل. وهناك قلوب بين طريق الخير، وطريق الشر، تتأرجح ناحية اليمين أو الشمال. والحديث يشبه عرض الفتن على القلوب شيئًا فشيئًا، كعرض عيدان الحصير، على الخيوط التي تنتظمها شيئًا فشيئًا. ص _170
(1/147)

وقسم القلوب عند عرضها عليها قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها، كما يشرب الإسفنج الماء، فتنكت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة عرضت عليه حتى يسود وينتكس، وهو معنى قوله " كالكوز مجخيا " أي منكوسًا. فإذا اسود عرض له من هذه الآفات مرضان خطيران، يتأديان به إلى الهلاك: أحدها: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا. وربما استحكم فيه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا. وثانيهما: تحكيم هواه في ما جاء به الشارع، وانقياده لهذا الهوى: حيثما ترامى به. أما القلب الآخر، فهو أبيض أشرق فيه نور الإيمان، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها، فازداد نورًا وإشراقًا. وفي أحوال الإيمان مع الفتن والمعاصي ورد- كذلك- عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة فإذا هو نزع واستغفر وتاب؛ صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه " . وهو الران الذي قال الله فيه: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم إنهم لصالو الجحيم). ص _171
(1/148)

بين التوبة والعصمة من حقائق التربية النفسية أن الإنسان خطاء، وأن الغلط مركوز في طبيعته، يجري في عروقه مع الدماء، وأن الله لم يكلف أحدًا بالعصمة المطلقة!! إنما كلف الإنسان إذا أخطأ أن يثوب إلى رشده. وإذا بدرت منه زلة أن يراجع تفكيره. وإذا زلقت قدمه فكبا؛ أن ينهض من كبوته، وأن يزيح عنه ما علق به، ثم يستأنف طريقه إلى غايته المنشودة. ويظهر أن نفس الإنسان كجسمه، كلاهما يحتاج إلى تطهير دائم. لأن كليهما ينضح من داخله، ويتعرض من خارجه لما يضطره إلى مداومة الغسل ومتابعة النظافة..! ففي البدن غدد وأجهزة دائبة الإفراز. وجو الأرض التي يحيا عليها يكسوه أبدًا بالغبار والأكدار. فكان لابد ـ لعافية الجسد ـ من إزالة هذه الأدران كلها. والنفس الإنسانية كذلك، تهفو إلى السيئات، وتنزع إلى الشرور، وتتعرض في مخالطتها الآخرين إلى ضروب من الفتن والمغريات المحرجة. وهي بحاجة إلى توبة متجددة متكررة، تمسح عنها هذه الأكدار، وتمحو هذه الآثار. مثلما يحتاج الجسد إلى أنواع الغسل وضروب المطهرات. وإلى هذا يشير القرآن في قوله: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) ص _172
(1/149)

وقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجدد التوبة إلى الله بين لحظة وأخرى، ويقول " توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة". ومدح القرآن الأنبياء بهذا المعنى: فقال- عن سليمان عليه السلام ـ : (نعم العبد إنه أواب). ووصف المؤمنين بأن الله ينقذهم من أوضار الشهوات، وظلمات الأهواء ومفاتن الحياة، ساعة بعد ساعة؛ لأنهم- ما داموا أحياء- معرضون لها في كل حين. وهذا ما يوحي به نظم الآية الكريمة: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات). على أن الأخطاء الصادرة من الناس تتفاوت تفاوتًا كبيرًا. فما يعتبر صوابًا يصح صدوره من إنسان، يعتبر خطئًا لا يسوغ صدوره من إنسان آخر. ويختلف الرزقان والفعل واحد إلى أن يرى إحسان هذا لذي ذنبا وهذا معنى عبارة المتصوفة: " حسنات الأبرار سيئات المقربين " . والغرض من سوق هذه الحقيقة، أن نحسن الانتفاع بها في ميدان التربية النفسية انتفاعًا نعالج به غلطات العصاة، وأخطاء المتهورين. إن القالة الخبيثة التي شاعت بين المسلمين، توهمهم أنه لا يضر مع الإيمان معصية، لا أصل لها، وهي ـ فضلاً عن أنها أفسدت حضارتهم، وأسقطت دولتهم؛ أضرت بالإيمان ـ كوازع خلقي وحصانة اجتماعية ـ أبلغ الضرر. وقبل ذلك أضرت بالإيمان، كفكرة تنير العقل، ويقين يملأ الصدر، فمحقته محقًا. ص _173
(1/150)

ولسنا نزعم أن كسب سيئة يرد المؤمن كافرًا في طرفة عين، فقضية الإيمان أخطر من ذلك!. ولكننا نؤكد أن القلب إذا أحدقت به السيئات، وترادفت عليه الفتن، وطال عليه الأمد، وهو بين ظلمات معتمة، لا يخرقها بصيص من متاب. هذا القلب ينفلت منه الإيمان رويدًا رويدًا، حتى يطمس بهاؤه، ويرتد صاحبه إلى جاهلية نكراء. وانظر إلى قوله تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). فإن إحاطة الخطيئة بالفاسدين، تتأتى على مر الليل والنهار، وهم يتقلبون في مهاد الخزي والعار، فهيهات أن يكون لهم إلا النار وبئس القرار. أما تفسير كلمة " سيئة " في الآية بأنها الشرك وعبادة الأصنام، فلا معنى له، فإن سياق الآية في مخاطبة أحبار اليهود، واستعمال اللغة، واصطلاح الشارع؛ ذلك كله ينفي هذا التأويل الذي لا مبرر له. ص _174
(1/151)

من مخلفات حرب الجدل هذه صورة خلفها الجدل المحض، وثار النزاع فيها نظريًّا لا إثارة فيه من رعاية الواقع، أو استقراء أحوال المؤمنين على ضوء التجارب الصادقة ! قالوا.. ثم اختلفوا في الإجابة: ما حكم المسلم الذي يصر على المعصية؟ قال بعضهم: كافر. وقال آخرون : بل مسلم، ولا تضر مع الإيمان معصية! وقال غير هؤلاء وأولئك: بل هناك منزلة بين المنزلتين! وانقسم المسلمون فرقًا متقاتلة لهذا الاختلاف الذي يرجع في أساسه إلى التلاعب بالألفاظ، والنزوع إلى المراء، والتعلق بالجدل. والحق أن هذا السؤال لا يجوز إيراده، فهو غلط ظاهر في فهم طبيعة الإسلام. إن كلمة " إصرار " تعني توجه الإرادة وانعقاد العزم، وتقدير النتائج المستقبلة، والسيطرة على البواعث والأساليب المقارنة للعمل. أي: إن الإصرار مبارزة لله بالعصيان، على نحو مقرون بالتحدي وعدم الاكتراث، وذلك لا يتصور في مسلم قط! نعم قد يعكف بعض الناس على معصية ما، لانهيار في إرادتهم، وجماح في شهوتهم. وهذا الانكسار في " القوة الإيجابية الدافعة إلى الخير، لا يسمى ما ينشأ عنه إصرار على الشر. إذ أن المسلم الذي يقارف ما لا يليق؛ لا ينفك عنه شعور قوي أو ضعيف، ص _175
(1/152)

بالخزي والمعرة. أما يوم يصل إلى الحال التي يقبل بها على الكبائر وهو مسرور باسم، ويترك معها الواجبات وهو مستريح هادئ؛ فهو اليوم الذي يتبخر فيه الدين من القلب، ولا يبقى له بالإسلام سبب ولا نسب. وهذا الشعور المفروض في المسلم ـ إذا سقط في كبيرة ـ هو نواة التوبة المعجلة أو المؤجلة التي تربط الرجل بالإيمان أي رباط . فإذا غاض هذا الشعور، وانفصم ذلك الرباط، فأي إيمان يبقى بعد! روى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيته، يجول ثم يرجع إلى آخيته، وإن المؤمن يسهو ثم يرجع ". وروي: " المؤمن واه (مذنب) راقع (تائب مستغفر) فسعيد من هلك على رقعة" والإصرار حالة تتولد بعد مراحل متطاولة، من إلف المعصية، وموت الشعور بما فيها من نكر. وجذور الإيمان ـ مع الولوغ في المآثم ـ تنقطع جذرًا جذرًا، ما لم تتدارك بمتاب. والبحث في هذا الموضوع تتكون النتائج فيه بالملاحظة والاستقراء، لا بالتلاعب والمراء. وإليك طائفة من الحقائق المقررة في علم الأخلاق، تستطيع في ضوئها أن تتبين ملابسات الأعمال المنكرة، ومراتب مقترفيها، والحكم على أنواع الجرائم والمجرمين، والذي قربها أو بعدها من الإيمان والكفر. ذكر الأستاذ محمد يوسف موسى ـ رحمه الله ـ في كتابه " مباحث فلسفية في الأخلاق " درجات التوجه والتنبيه عند الكائنات المختلفة. فسمى امتداد جذور النبات إلى أدنى طلبًا للغذاء، وامتداد الأغصان والفروع إلى ص _17 ص
(1/153)

أعلى طلبًا للضوء والهواء، سمى ذلك " حاجة " . وسمى تطلع الحيوان إلى ما به قوام حياته، وإدراكه المحدود لمقومات وجوده، دون شعور بالغاية المترتبة على تحصيلها، سمى ذلك " شهوة " . ثم قال: " نرتقي بعد ذلك للإنسان فنجده يسعى لما يحتاج إليه، وهو شاعر تمامًا به، متصور اللذة التي تعقب وجوده، والألم الذي ينتابه لفقده " . وذلك ما يميزه عن الحيوان، ويسمى ذلك في الإنسان " ميلاً " . ويعرف " الميل بأنه توجه من الإنسان لشيء متصور بوضوح مع إدراك الغاية المترتبة عليه ـ وباختلاف غايات الناس اختلفت ميولهم. هذا غايته الشهرة، وذاك غايته السيادة، وغيرهما الغنى، وهكذا. وكل طائفة متشابهة من الميول، تدور حول غاية واحدة تسمى " عالمًا "، ومنها تنشأ الرغبة. فإذا تقلب ميل من هذه الميول على سائر الميول المتشابهة التي تدور معه في محرر واحد، وسيطر عليها، كان ذلك ما يسمى بـ " الرغبة " . فإذا فكر فيما يرغب فيه، ورآه ممكنًا، ليذلل ما قد يكون بينه وبين نيله من عقبات، ثم أجمع أمره عليه، ارتقى ذلك الاتجاه فسمى " إرادة " . والفرق بين الرغبة والإرادة، يتضح من أن الرغبة قد لا يتلوها العمل المثمر... ربما رغب المرء في أمر يستحيل الحصول عليه. أما الإرادة فلا تتكون إلا حيث يتروى الإنسان في الأمر، ويزن جميع الظروف والملابسات. ثم بعد ذلك يراه ممكنًا فيعزم عليه. وبهذا يعقبها العمل الذي إذا اعتيد صار خلقًا. ص _177
(1/154)

ويظهر من هذا الخلق عادة للإرادة ـ وليس مجرد الإرادة ـ وأن الإرادة تغلب عالم من قوى النفس على غيره .. انتهى باختصار. فالإصرار على الكبائرـ في ضوء هذه الحقائق النفسية المقررة ـ هو نتيجة لمقدمات طويلة، وأطوار يتولد بعضها من بعض في نظام مرتب دقيق. فإذا علمنا أن التدنس بخطيئة عقب ميل مفاجئ، أو رغبة جامحة يوقع الإيمان في مأزق خطير، ويصيبه بجرح عميق، ما لم يندمل هذا الجرح بتوبة. وسمعنا قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن " . فكيف بإيمان ترادفت عليه هذه الجراحات الدامية، من آثار الذنوب الفاجرة؟! كيف تكون حال هذا الإيمان، إذا اقترن به الميل إلى الجريمة، ثم ارتقى هذا الميل إلى رغبة، فإرادة، فعزيمة صادقة، فخلق معتاد، فإصرار بالغ!! هيهات هيهات أن يكون له بقاء إلا في أوهام المجادلين والعابثين بعلم الكلام، على أن للإصرار على الكبائر طبيعة يجب أن تعرف. فهو لا يمد سحابة الشر حتى تغطي وجه الإيمان الجميل فحسب، بل يرسب بسوءاته في النفس، فيحول بينها وبين فعل أي خير، وتقديم أي بر . فليس المصر رجلاً من النوع الذي قال القرآن فيه : (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) كلا ، فمعنى الإصرار على الشر أن ينابيع الخير جنت تمامًا في الضمير، فلن يرشح بخير قط. ومن ثم استقر الأمر في علم " الأخلاق " على أن الاتجاه المائع الذي تتأرجح فيه النفس لا يسمى خلقًا. ويقول الأستاذ " محمد يوسف موسى" : ص _178
(1/155)

" لا يصح أن نقيم وزنًا للرأي القائل: بأن الخلق أمر نسبي، بمعنى أنه يحكم على المرء بالميل الذي يغلب عليه. فمن غلب عليه حب الإعطاء، وأعطى كثيرًا ولم يبخل إلا قليلاً؛ كان كريمًا. وكذلك الصدق والكذب وسائر الفضائل والرذائل. لا يصح أن نقيم وزنًا لهذا الرأي، ذلك أنه مما لابد لملاحظته في الخلق: الرسوخ، والثبات لحالة نفسية معينة، حتى تعطي ثمرتها من الأعمال باستمرار. ويؤيد هذا ما ذكره " ماكيزي " في كتابه " الأخلاق " : " إنه لابد لتكوين خلق من ثبات عالم من العوالم ـ يعني المشاعر النفسية ـ، أما مجرد باعث خير، أو غرض نبيل في حياة الإنسان، فلا يكفي لجعله فاضلاً" وتطبيقًا لهذه القاعدة الخلقية في محيط الإيمان، يجعلنا نجزم بأن الإيمان الكامل يقتضي العمل الصالح وجوبًا، وينقص الإيمان كلما نقص العمل. فإذا لم نجد إلا شرًّا محضًا؛ جزمنا بأن ظل الإيمان قد تقلص. ولذلك قلنا: إن الإصرار ـ بمعناه الشامل ـ لا يتم في نفس مؤمنة أبدًا. وإذا أحصينا النصوص الواردة، والتفاسير الصحيحة لها، وجدنا أن الشرع الشريف، يهتم بالبواعث المقارنة للعمل اهتمامًا شديدًا، ويبني الحكم على الإيمان والجزاء، بعد التأكد من الحالات النفسية، التي لا ينفك عنها عمل ، والتي ينقطع العمل أو يتكرر لارتباطه بها. قال ابن قتيبة شرحًا لقوله تعالى : (وعصى آدم ربه فغوى). يجوز أن يقال عصى آدم، ولا يجوز أن يقال عاص؛ لأنه إنما يقال لمن اعتاد فعل المعصية. ص _179
(1/156)

كالرجل يخيط ثوبه، يقال له: خاط ثوبه، ولا يقال: هو خياط حتى يعاود ذلك مرارًا ويعتاده. فهذه معصية لا يأخذ صاحبها وصفًا يسجل عليه الشر، ولو أنه فعلها!! بينما يسجل الإثم وعقابه على شخص آخر لم يفعل الجريمة، ولكنه عزم عليها. فعن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول! قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه " . إن للنية المصاحبة مدخلاً كبيرًا في الحكم على الأخطاء والخطايا. ولا نحب أن نغفل في تقديرنا لأثر المعاصي في الإيمان. ا- أن المعاصي ليست سواء في تهاوى الناس إليها وبلائهم بها؛ فجمهور المسلمين في بلادنا، لا يطعم لحم الخنزير مثلاً، ويستغني عنه في يسر ولذة بلحوم البقر والضأن. وجمهور الفقراء، لا يلبس الحرير، ولا يتحلى بالذهب، فإذا كان لحم الخنزير أو لبس الحرير ـ مثلاً ـ من المناكر التي حرمها الإسلام؛ فإننا نلاحظ أن طبيعة هذه المحرمات تغاير المعاصي القائمة على دسائس الشهوة الجنسية مثلاً ، وما أكثر التعرض لها. 2- أن هناك بيئات تعين على العصمة، وأخرى تغرى بالفاحشة. وقد يوجد أقوام لا يسعون إلى الجريمة؛ فيبلون بمجتمع دنس يسهل لهم الانزلاق. وقد يتمنى قوم الشر، بيد أنهم يجدون الأبواب إليه موصدة في بيئة محافظة مصونة، مأمونة. 3- أن درجات السقوط نفسها تتفاوت. فالذي يهوى من قمة مشرفة غير الذي يسقط وهو يسير، غير الذي يتردى ص _180
(1/157)

في حفرة عميقة. كذلك السقوط في المعاصي. فقد يقارف الشخص الذنب عن ميل عارض وفرصة مواتية. وهذا غير من يقع فيه عن رغبة ملحة، وذلك غير من يسعى إليه عن إرادة يقظة. وهؤلاء غير من يعزم على الفعل ويستمرئ العودة إليه، ويدأب على ارتكابه حتى يصير فيه خلقًا. 4- أن الدنايا نفسها حلقات موصولة. فالكاذب يخون، والخائن يرتشي، والمرتشي يهدم المصلحة العامة ويبيع وطنه وشرفه ودينه لأول مساوم. والسكير يزني، والزاني يقتل، والقاتل يستحيل إلى وحش لا دين له.. إلخ. والحق أن مدلول كلمة " معصية " في أفراد الناس وأحوال الحياة، يتفاوت تفاوتًا واسعًا. فكما تدل كلمة " سفر " على الرحلة القريبة، والطواف حول العالم. وكما تدل كلمة " مرض " على الصداع العارض والحمى المهلكة، كذلك تدل كلمة " معصية " على طرفين متباعدين. لا لأن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر؛ بل لأن الكبائر نفسها ـ بما يكتنفها من مشاعر نفسية ـ ليست سواء. ومن الخطأ الكبير أن نقول ـ مع المرجئة ـ : إن الإيمان لا تضر معه كبيرة، أو نقول ـ مع الخوارج ـ : إن الكبيرة لا يبقى معها إيمان. ص _181
(1/158)

ولعل دقة الظروف الملابسة للمعاصي هي التي جعلت الناظم القديم يقول: ومن يمت ولم يتب من ذنبه فأمره مفوض لربه..!! يشير بذلك إلى قول الله تعالى : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما). والآية تشير إلى أن الشرك لا يغفر. وهناك أمور مساوية للشرك؛ كجحود الألوهية، أو الاعتراف بها وجحود أوامرها، ورفض الانصياع لها. وما دون الشرك صنوف كثيرة قد تهبط إلى اللمم المغفور، وقد تفحش حتى تمحق الإيمان كما أسلفنا بيانه.. فلا تكون دون الشرك أبدًا. وفي الحد الفاحش من المعاصي يساق قوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين). (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا). وفي الحد الأدنى يقول تبارك وتعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون). ص _182
(1/159)

هل المعصية مرض؟ في أحيان كثيرة يتجه البحث العلمي إلى اعتبار عوج السلوك وارتكاب المحظورات ظواهر لأمراض نفسية كامنة! ويفسر وقع الجرائم على أنها أعراض تستوجب العلاج الحكيم، للاضطرابات النفسية والعصبية التي تختفي وراءها.. وعد العصيان مرضًا يجب التفكير في مداواته، قبل عده جريمة تستوجب القصاص من صاحبها، أمر يستحق النظر العميق على ضوء التعاليم التي جاء الإسلام بها!، وقد تسأل: هل المعصية مرض حقًّا؟ والجواب أن تعابير القرآن الكريم في غير موضع واحد تبيح لنا أن نقول: نعم؛ ففي سورة البقرة وصف النفاق بأنه مرض : (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا) ومرض القلب هنا ليس سرعة نبض ولا بطء خفقان بداهة!! وفي كثير من الصور شاع هذا الوصف حتى لقد تكرر في سورة الأحزاب ثلاث مرات، ويدل اختلاف السياق على اختلاف المقصود به. ففي النصح لأمهات المؤمنين يقول الله ـ عز وجل ـ : (إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض). والمراد بالمرض هنا ما يتخلف في نفوس الناس من اضطراب الغريزة الجنسية اضطرابًا يجعلها تطمع في غير مطمع، ويشرد زمامها حيث يجب أن تقف وتستكين !! والله ـ عز وجل ـ يريد لنسوة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ منزلة تعلو على هواجس النفوس. ص _183
(1/160)

فلا عجب إذا صانهن عن آخر ما تصل إليه الأماني المحرمة للنفوس المريضة. وقد ثبت أن الشهوة الجنسية أساس لعدد هائل من الأمراض الفكرية والعصبية والخلقية! وفي موقف الضعاف والمترددين عند هجوم الأحزاب على المدينة وإحكامهم الحصار على من فيها يقول القرآن الكريم: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا). وقد سبق وصف النفاق بأنه مرض. وجرثومة هذا المرض تنمو مع ضعف الشخصية وانحلالها. فترى المرء يلقى هؤلاء بوجه ورأي، ويلقى أولئك بوجه ورأي ، حتى إذا مرد على ذلك أصبح أخصائيًّا في العيش بشخصية مزدوجة. وقد بلي المجتمع الإسلامي الأول بحزب ضخم من المنافقين كانوا شرًّا عليه من الكافرين الصرحاء. وهذه الآية قد يكون معناها: وإذ يقول المنافقون الذين في قلوبهم مرض. فهي صفات متعاطفة يكشف بعضها خفاء بعض. أو يكون الذين في قلوبهم مرض صنفًا آخر من الناس، أشبهوا المنافقين في جزعهم من الأعداء، وجبنهم عند اللقاء، وشكهم في أمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعاقبته فالتحقوا بهم وصاروا وصاروا لذلك منهم . والذين تظهر عليهم أعراض يعزلون مع المرضى إلى أن تتميز أحوالهم. وقد جمعت سورة الأحزاب هذه الأصناف كلها في قوله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا). ص _184
(1/161)

وقد جاء هذا التهديد بعد أمر عام لنساء المؤمنين بالاحتشام التام في ملابسهن، مما يدل على أن المقصود بالذين في قلوبهم مرض هم الشبان المتسكعون في الطرق المتتبعون للعورات. وتحفظًا من هؤلاء أنزل الله الآية السابقة: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) والأمراض النفسية تتفاوت خفة وحدة، ويتفاوت معها ما ينشأ عنها من مخالفة للشرع والقانون، وشذوذ عن العرف والتقاليد الفاضلة. على أن المجرم مهما كان مريض النفس فلا يمكن إخلاؤه من المسؤولية الجنائية وتركه طليقًا دون أية مؤاخذة. والإسلام ينظر إلى هذه الأحوال المرضية نظرتين مختلفتين. فهو يضع الحدود والعقوبات التي لابد منها لصيانة المجتمع، وتدعيم أركانه، وتقرير فضائله، والمحافظة على مثله العليا، والمغالاة بقيمتها وقمع من يستهين بها. ومن ثم فهو يجلد، ويرجم، ويقطع ويقتل. ولكنه ـ إلى جانب هذه النظرة الصارمة ـ يرسل نظرة عطف إلى المجرم نفسه على حساب أنه مريض. فهو يحتاط في الحكم عليه ويجعل القاضي أن يخطئ في العفو خيرًا من أن يخطئ في العقوبة، ويأمر بالدعاء له، لا الدعاء عليه. وقد حدث أن جيء بسكير إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليؤدب على سكره، فقال أحد الجالسين: لعنة الله عليك، ما أكثر ما يجاء بك!. فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله. وفي رواية أخرى : لا تقولوا هذا، ولكن قولوا: اللهم ارحمه، اللهم تب عليه. وهذه النظرة الرحيمة هي التي أوصت بالستر على المخطئ، وإعطائه الفرصة التي ص _185
(1/162)

يصلح بها نفسه، والتشفع له قبل أن يصل الأمر إلى القضاء، عساه يرجع عن غيه ويبرأ من علته. وأولى الأمراض النفسية ظفرًا بالرحمة والعطف في دين الله هي: الأمراض التي تصيب الإرادة الإنسانية في محاولاتها المتكررة المتعثرة أن تصل إلى الكمال المنشود. فإن المرء إذا طلب السمو بنفسه عن الدنايا، لاحقته من طبيعته الأرضية نزعات شتى قد تزله عن الخير، حتى يكاد ييأس من بلوغه، فتمرض إرادته ويضعف عزمه. وهنا يتدخل الدين بتعاليمه ليعيد إلى الإرادة صحتها وقوتها، حتى تسعى بصاحبها إلى الكمال ما دام حيًّا. وفي ذلك الموضع الدقيق من علاج النفس، تساق أحاديث الرجاء وآيات الرحمة، والنصوص الكثيرة التي تفتح عيني الإنسان على آفاق بعيدة المدى من غفران الله ورضوانه، والتي لا تسد منافذ الأمل أمام نفسه أبدًا. مثل قوله تعالى للعصاة : (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا). وأمثال هذه البشارات الرحبة يظنها القاصرون ذريعة إلى التقصير في العمل والاستهانة بالخطأ، وهذا وهم مغرق في الضلال. فما قصد بهذه النصوص إلا تشجيع المجاهد لهواه على المضي في طريقه، لا تقفه عثرة ولا تلويه عقبة، ولا تنكسر عزيمته في الخير لكثرة ما اقترفت من الشر، ولا يقنط من رحمة الله ـ مهما صنع ـ ما دام يريد استئناف حياة أنقى وأفضل. وبهذا الضوء تدرك العلاقة بين النصوص الكثيرة التي تجعل العمل كل شيء في الدنيا حينًا، والتي تسوق العفو والمغفرة حينًا آخر على اليسير من الأمور. وخير ما نستصحبه في ملاحظتنا في أحوال الناس قول عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ : " لا تنظروا في أعمال الناس كأنكم أرباب، بل انظروا في أعمالكم على أنكم عبيد، فإنما الناس رجلان، مبتلى ومعافى، فاعذروا أهل البلاء، واحمدوا الله على ص _18 ص
(1/163)

العافية ". وللإسلام تعاليم إيجابية لكي يكتسب المؤمن منها صحته النفسية، وعافيته الروحية. ويخطئ من يحسب العبادات التي شرعها الإسلام ضربًا من الطقوس التي تؤدى في جو من الغفلة السائدة، والفناء في مجهول غير مفهوم. فإن الفرائض الأولي في الإسلام تقوم على اليقظة العاطفية والعقلية، وقلما تحظى بالقبول إلا إذا تركت أثرًا غائرًا في القلب واللب! ومن ثم فالعبادات التي كلف بها المسلم أساس مكين لصحته النفسية. والحكمة المذكورة في تشريعها أنها وقاية من الأوضار والأوزار، وأنها ـ إذا وقع المرء في خطيئته ـ نظافة تغسل الروح مما لحق به من فتن وذنوب. وكلا الأمرين ـ من وقاية ونظافة ـ سبيل العافية والبعد عن الأمراض النفسية، أي: عن المعاصي والسيئات. إن التعبد بتلاوة القرآن مثلاً ليست الغاية منه ترديد الألفاظ المقدسة، بل المقصود أن يتصل الروح بالوحي لينتعش ويتطهر، ويترفع حين يناجي الله عن الإخلاد إلى الأرض واتباع الهوى. (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) . والتعبد بالصلاة منهاة عن الآثام، ومطردة للوساوس الصغيرة، ودواء للعصيان إذا مس المرء عارض منه. ومن الكلمات الحكيمة: " إذا لم تشغل نفسك بالخير شغلتك بالشر " وبهذا المبدأ وقى الإسلام الفرد والمجتمع من أمراض نفسية جائحة. فإن الفرد العاطل والأمة التي لا رسالة لها مرتع خصب لأخبث الأمراض العقلية والقلبية. ولو اشتغل المجتمع المسلم بما طولب به من جهاد دائم، وما كلف به من صلوات ص _187
(1/164)

جامعة، لما وجد متسعًا من الوقت لجرائم الفراغ والتبطل، ولانحلت عقد كثيرة من تلقاء نفسها في ميادين العمل السامي إلى الأهداف المرسومة. وعندي أن كثيرًا من معاصي الأفراد يقع قسط كبير من وزرها على الدولة؛ لأنها لم ترحم حيلتهم بما يصرفهم عن الموبقات. إن الأمراض النفسية التي يشرد بها السلوك الإنساني كثيرة. ولو استمعنا إلى آراء علماء النفس لما نجا أحد من الاتصاف بعقدة كامنة، أو لوثة خفية، أو داء نفسي دفين. غير أن هناك فارقًا بين أن يوصم المرء بالجنون مثلاً، وبين أن تصدر عنه أفعال تعد شعبة من الجنون. ويقال للإنسان ـ إذا صدرت عنه ـ: أما بك عقل؟ وقد قال الله تعالى لأحبار اليهود: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون). والأمراض النفسية تتفاوت شدة وضعفًا، وهي في بدايتها غيرها في نهايتها. ومنها ما تكون الإصابة به كالوباء العام، ومنها ما يقع في حدود وظروف ضيقة. وأكثر الأمراض النفسية شيوعًا ما ينشأ كما ذكر القرآن في غير موضع ـ عن اضطراب الغريزة الجنسية، أو عن الشعور الإيجابي أو السلبي بالذات ـ كما يعبر علم النفس ـ . لهذه الاضطرابات النفسية أطوار ومضاعفات ليس هنا موضع البحث فيها. ومن مرض الغريزة الجنسية تتولد الجراثيم المسببة للزنى واللواط والسحاق والتعشق الخيالي والتذلل للمحبوب... إلخ. ومن مرض الشعور الإيجابي بالذات ينشأ الفخر والخيلاء والتكبر وجنون العظمة. ومن مرض الشعور السلبي بالذات تتولد مركبات النقص والتلون والملق، وقد يكون ص _188
(1/165)

الإحساس بالضعة باعثًا على الكبر والفخر بشكل حاد مثير. والإسلام ـ كما قلنا ـ يتعهد النفس بالعبادات فيحصنها ضد هذه الأمراض. ويخفف من آثارها إذا أصيبت بها. ولا يزال يعالجها حتى يشفيها أو يقارب على قدر أخذ الإنسان نفسه بالمجاهدة والتربية. ولسنا ندري من أحوال الجرائم والمخالفات إلا ظواهر يسيرة. ولسنا نجرؤ على إصدار حكم عام في هذه الأمور. وقد نستطيع تحديد مصاير الناس في الدنيا بما يظهر لنا أنه إيمان، أو فسوق وكفران. أما مصاير الناس في الآخرة فإلى الله وحده. والقول بتخليد العصاة في جهنم، أو العفو عن بعضهم والتنكيل ببعضهم الآخر إلى حين، يقترن بهذه الملابسات التي أطلنا سردها، ورفضنا إخضاع الحكم فيها للجدل والسفسطة وألاعيب المنطق القديم. وفي ذلك يقول زميلنا الفاضل الأستاذ إسماعيل حمدي من بحث طويل: العدل كمبدأ والعقاب كجزء منه، لا مناقشة فيهما إذن. ولكن أي المجرمين ينبغي أن يتجرد له العدل؟ وأيهم يعامل بالعدل مع الرحمة؟ وأيهم هو المريض الذي تتجرد له الرحمة التامة؟ إنهم مختلفون بلا ريب. فصور النفوس أشد تنوعًا من صور الوجوه. والإرادة والوعي هنا أساس التنوع والاختلاف. ص _189
(1/166)

فامرؤ يقارف الجريمة مريدًا واعيًا يبصر آثارها كاملة، ويقدر على مجانبتها تمامًا، ويرتب وسائلها، ويهيئ ظروفها، ويستعد لمفاجأتها غير امرئ تتسلط عليه إحدى العواطف الحادة؛ كالغضب أو الحب أو القرابة ، فيتورط في جناية مندفعًا إليها اندفاع المنقوص الإرادة والوعي معًا. وكلاهما غير ثابت، أعوزته أسباب القوت فسرق، أو أسباب النشأة الصالحة والتربية الضرورية فأفسد. لا حاجة بنا إلى بيان ما يستحقه كل نوع من هؤلاء، فهذا واضح كل الوضوح. وإذا كان قضاء البشر لا يأبى الرحمة على من يستحقها كاملة، ولا العدل على من يستحقه مجردًا، ولا هما معًا على من يستحقهما معًا، لأن وضاع القوانين، والقضاة بين الناس، لا يضعونها، ولا يحكمون وهم آلات صماء. وإنما هم بشر، فيهم ما في البشر من صفات يستوحونها. وتظهر ـ حتمًا ـ فيما يضعون وفيما يحكمون، بل المفروض أنهم من أرقى البشر. فصفاتهم من العدل والنزاهة والعلم بالأنفس وتقدير البواعث والرحمة وما إليها من أرقى الصفات. والقرآن يتحدث بحديثه الفياض عن صفات لله هي المثل الأعلى، من علمه المحيط بمن خلق، وعدله الناصع الذي آثره لنفسه، وأمر به الناس، ورحمته الواسعة، وإحسانه الجميل، وعفوه السمح. وهى صفات من الأدب أن نقول إنها غير عقيمة، أو غير سلبية، أو غير موقوتة بهذه الحياة الدنيا. فنحن ـ بهذا القول ومثله ـ نقدرها حق قدرها؛ لأنها صفات إلهية، فهي عاملة دائبة، وهي مباركة متصلة، تتناول الدنيا والآخرة. ومعاملة الله للناس فيما يشرع لهم وفيما يقضي بينهم، لابد أن تكون مظهرًا تظهر فيه هذه الصفات، ومجالاً تبدو فيه آثارها الجميلة. ص _190
(1/167)

فالظروف المخففة التي تقضي باستعمال الرأفة، كما يعبر رجال القانون، والبواعث المحزنة التي تثير في القاضي عواطف الطبيب الرحيم، كما يكون لها تقديرها عند البشر يكون لها كذلك تقديرها عند الله . والله أمن وأفضل، وله المثل الأعلى في السموات والأرض. إن الإيمان يستلزم العمل كما يستلزم النهار الضوء. وقد يثور في رائعة النهار غبار يحجب الأفق، أو تتكاثف غيوم تملأ الأرض بالظلال. بيد أن ذلك لن يرد النهار ليلاً؛ إذ هو عرض زائل، طال أمده أم قصر، فلن تلبث أشعة الشمس أن تغمر الأرجاء بالدفء والضياء. كذلك نور الإيمان قد تحجبه إلى حين غيمة من شهوة عارضة، فتغيم جوانب النفس حتى لا يكاد المؤمن يرى النهج، ثم يعمل الإيمان عمله، فإذا الأمر كما قال الله تعالى : (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) أما الظلام المطبق للمعاصي الدائمة، فذلك حيث يخيم ليل الكفر، وتغيب شمس الإيمان، ويفقد المرء حاسة البصر تمامًا، فهو لا يعرف لله طريقًا : (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) إن قصة الخليقة الناجية كما مثلها أبونا آدم " خطأ ومتاب ". وقصة الخليقة الهالكة كما مثلها إبليس " جريمة وإصرار " . فاختر لنفسك ما يحلو، وليس الحساب من مغالطات المنطق والتلاعب بالنصوص، ولكنه إلى الله .. كفى بالله حسيبًا . ص _191
خلافات لا مبرر لها ص _192
(1/168)

إذا نشب خلاف على مسألة ما بين علماء مخلصين، فإن هذا الخلاف لن يطول أجله. وإذا قدر له أن يطول، فلن يترك في النفوس حقدًا، ولا في الصفوف صدعًا.. وإذا حدث من ذلك شيء فلابد أن يكون لأسباب مصطنعة بعيدة عن دائرة العلم، أو عن دائرة الإخلاص، أو عن كلتيهما جميعًا. وقد لمحت وراء كثير من ضروب الخلاف، أشياء كثيرة تغاير البحث المنزه في العلم، والإخلاص المجرد للحق. ولو ماتت أهواء النفوس، وشهوات الغلب، وانمحت الأغراض الدخيلة من وراء إعلاء رأي ونشر مذهب؛ لَبادت عشرات من الفرق يوم ولدت، أو لبقيت في نطاق لا يعدو صفحات الكتب وحلقات الدرس، كآراء تشتجر في ميدان النظر الحر، وتنتهي ضجتها بانتهاء النقاش فيها. إن سعة العلم تلد رحابة الأفق، وإن حسن النية يلد رحابة الصدر، وإن الإيمان المحض يلد الحفاظ الدقيق على وحدة الأمة. فأنى يتسرب الشقاق إلى دين يقوم على هذه الحقائق؟ ومن ثم حسم الله ـ عز وجل ـ صلة اتباع الهوى وهواة التفرقة بصاحب الرسالة العظمى، فليس منهم وليسوا منه. وسوف يلقون جزاء صنيعهم يوم ينقلبون إلى الله العليم بذات الصدور. (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون). وقد تسأل: لكن المسلمين اختلفوا فرقًا كثيرة، وقد اشتغلت هذه الفرق بالجدل قرونًا طويلة: فكيف يتفق هذا الواقع مع المبادئ التي مهدتها ؟؟ ونحن لا نبالي أن ندفع بالحق المجرد من تنكبوا سبيله . ص _193
(1/169)

فإن بعض الآراء التي ظهرت بها هذه الفرق حدث مثله في العصر الأول بين فقهاء الصحابة، وظل على هامش المجتمع الإسلامي فلم يعد قدره، ولم يثر تعليقًا يذكر . خذ مثلاً رؤية الله في الدار الآخرة، فإن هذه المسألة تطاحن عليها المعتزلة وأهل السنة، وتنابزوا بالألقاب، وملأوا بها المحافل والأسواق!!. مع أن هذه المسألة ثار حولها كلام خفيف في المجتمع الأول؟ ثم مر ولم يعقب شحناء، ولا بغضاء. كان ابن عباس وجمهور الصحابة يجيزون الرؤية، ولهم في ذلك أدلة، وروى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه ليلة عرج به. وكانت عائشة تقول: لم ير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربه. قال مسروق: قلت لعائشة: يا أماه، هل رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه؟ فقالت: لقد قف شعر رأسي مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟ من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير). ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) ومن حدثك أن محمدًا كتم أمرًا فقد كذب، ثم قرأت: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته). ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. وعن أبي ذر قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – : هل رأيت ربك؟ قال: " نور أنى أراه " ص _194
(1/170)

والتوفيق بين هذه الآراء المتقابلة سهل. وقد مر بها الصحابة الأولون فلم يجدوا ما يحبسهم عندها، ولا ما يقيد أفكارهم بإزائها، ولا ما يشغل العوام بالخوض فيها، أو الخواص بالتخاصم عليها، حتى جاءت - بعد - أيام الفراغ والهزل، فتألفت فرق للمتاجرة بهذا الخلاف.. وإليك مثلاً آخر. يرى ابن عباس وزيد بن ثابت وابن مسعود أن قاتل النفس متعمدًا لا توبة له، ويستشهدون بقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما). روي عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ألمن قتل مؤمنًا متعمدًا من توبة؟ قال: لا، فتلوت عليه الآية التي في الفرقان: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ) فقال: هذه آية مكية نسختها آية مدنية. قيل: إن آية الفرقان نزلت قي قوم اقترفوا هذه الذنوب قبل إسلامهم. قال ابن عباس: " فأما من دخل في الإسلام وعقله، ثم قتل فلا توبة له " . وروي مثل ذلك عن زيد وعبد الله بن مسعود. وجمهور الصحابة يرى أن للقاتل توبة، وأن القتل ليس أشنع من الكفر، والله يقول لنبيه: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف). واختلاف الأنظار طبيعة البشر، وقد تفاوتت أحكام الصحابة في هذا الأمر، وفي أمور أخرى مشابهة. ص _195
(1/171)

ومع ذلك فإن هذا الاختلاف مر على هامش المجتمع، فما غامت له حياتهم ولا طال فيه لجاجهم. ولكن الخلاف يعظم ويشتد عندما يدخل في الميدان عنصر غريب على العلم والإخلاص والإيمان. أي عندما يتدخل حب الرياسة ومكر السياسة وعبث الحكام..!! عندئذ تتحول الحبة إلى قبة، وبدلاً من أن يجلس جماعة ليتجاذبوا أطراف الحديث في سكون ودعة، إذا أطراف الحديث تشدها أيد مدججة بالسلاح، من ورائها عقائر تنشق بالغضب والصياح. وقد افتعلت مذاهب شتى للخلاف، وأمدتها السياسات الخفيفة بما يزيد الهوة اتساعًا، ثم توارت على مر الأيام هذه المذاهب، ولم يبق من خلاف بين المسلمين اليوم إلا ما ترى من أهواء السياسة الدنيئة أن تبقيه أبد الدهر، وهو الخلاف بين الشيعة والسنة !! وقد اشتعلت خلافات في مسائل العقيدة ثم انطفأت، ونشبت خلافات أخرى في فقه الفروع ولم يهتم المسلمون بها. ولو حققت ما يقسم فريقًا من المسلمين اليوم إلى سنة وشيعة لما وجدت شيئًا ذا بال. ولكن عصبيات الأسر، ومنافع الأحزاب ودنيا الرؤساء المفتونين، وسذاجة العامة المغلوبين تريد لتبقي هذه الوقيعة في صفوف الأمة الواحدة كي تعيش باسمها!!. هل سمعت أن حزبًا، تكون في "إيطاليا" لتأييد " أنطونيوس " و " كيلوباترا "، وأن حزبًا آخر تألف للدفاع عن " إكتافيوس "؟ ، وإذا حدث أن هذه ص _19 ص
(1/172)

المساخر قد تجددت بعد دروس، ونشرت من أكفانها بعد بلى، وأن أحزابًا قامت لتسوس إيطاليا الجديدة بذكريات حدثت من عشرين قرنًا، فماذا يكون حكمك على مثل هذه الأمة المسكينة؟ إنهم يريدون شغل الأجيال الحاضرة بأمر الخلافة الإسلامية، ومن كان أحق الناس بها منذ أربعة عشر قرنًا مضت؛ وحكم من لم يستصحب هذه القضية في حياته المعاصرة! إن المسلمين اليوم يفعلون هذا المنكر! إنهم يريدون بناء حاضرهم على عقائد تنتزع انتزاعًا من خلافات بالية. وقد ماتت عشرات من المذاهب المنتحلة بموت السياسات التي رحبت بها وأعاشتها في حضنها. وما زالت إلى يومنا هذا سياسة الحكم الفاسد تعمل عملها في العقيدة الفذة لتجعل من المسلمين الموحدين فرقًا تتنازع على ماذا؟ على الوهم! وإني أهيب بالمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يعودوا إلى كتاب الله وسنة رسوله ، وألا يسمحوا للمغرمين والطامعين أن يستغلوا تفاوت الأنظار في أمور يسيرة ليقطعوا ما أمر الله به أن يوصل. وفي ماضينا عبرة عظيمة، وفي حاضرنا عبر أعظم. (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد). ص _197
النبوات ص _198
(1/173)

بين النبوة والفلسفة للمعارف المحترمة مصادر معينة لا يعول على ما وراءها. فإذا كان مصدرها إنسانيًّا فيجب أن تنبع من ثنايا المنطق التجريبي أو الرياضي، كما هو حاصل الآن في علوم الكون والحياة، وفيما يتصل بأحوال المادة وشؤون الناس. أما إذا كانت هذه المعارف متصلة بما وراء المادة ، أي بما يقصر المنطق التجريبي والرياضي عن مناله - فإن الوحي الصادق هو سبيلها الفذة، ولا يقبل غيره فيها. ومن ثم فالكلام عن الله وعن صفاته وعن حقوقه، لا يعتمد فيه إلا ما جاء على ألسنة الأنبياء وحدهم. وإذا تظاهرت الدلائل على صدق نبي ما، فإن ما جاء به من عند الله يأخذ وصف اليقين، وينقطع دونه الجدل. إن عشرات الفلاسفة والعلماء تكلموا في المادة وما وراء المادة منذ آماد طويلة. والتراث الذي خلفوه لنا خليط من الصواب والخطأ، عكف عليه الباحثون فمازوا صحيحه من سقيمه. ويمكن القول بأن كلام القدامى والمحدثين فيما وراء المادة ينقصه التوفيق لابتعاده عن مناهج الوحي، ولذا حفل بالنقائض والخرافات. قال صاحب إخوان الصفا: " إن الأنبياء كلهم مع تباعد أزمانهم، واختلاف لغاتهم، وموضوعات شرائعهم، وافتراق سننهم تجدهم متفقين على رأى واحد ومقصد واحد فيما يشيرون إليه في دعوتهم الأم. أما الفلاسفة فليست شريعتهم واحدة، ولا دينهم واحدًا، بل آراؤهم مختلفة وأقوالهم متناقضة، تورث لأتباعهم حيرة قلما تنجلي غمرتها. ص _199
(1/174)

فكيف يرضى العاقل عن مذهب الفلاسفة مع اختلافهم ـ كأنما يكذب بعضهم بعضًا ـ ويعرض عن البحث والنظر في كتب الأنبياء مع اتفاقها. إنما ذهل أكثر المتفلسفين عن حقائق الأشياء لعدم معرفتهم كتب الأنبياء وإعراضهم عن النظر فيها، وقصور أفهامهم عن تصورها ". هذا فيما يتصل بالمعارف الروحية. أما الفلسفة المادية فإن اتجاه العلم في العصور الحديثة إلى البحث المباشر والاستقراء الدقيق أفقد هذه الفلسفات القديمة منزلتها، وجعل أكثر نتاجها لغوًا. والحق أن كثيرًا من مذاهب المفكرين، وآراء الفلاسفة، ومقالات الأدباء لا تعتمد على ركيزة محترمة من اليقين الراسخ؛ بل جلها يشبه قصائد الشعراء الهائمين في أودية الخيال، أو هي تصوير لمشاعر نفسية خاصة، ووجهات نظر في فهم الحياة قد تسلم لأصحابها على أنها نزعات شخصية، ولكنها لا تقبل مطلقًا في ميدان العقائد العامة. والتضارب الهائل بين ثمرات هذا اللون من المعرفة الإنسانية يجعلنا لا نخرج به عن هذا النطاق. ولو قرأت فلسفة الهنود والرومان والإغريق، وتطورات الفلسفة الإنسانية عامة في القديم والحديث؛ لما تجاوزت بها أبدًا حدود البحث الحائر وراء الحقيقة الغامضة، وشتى الفروض التي يجافيها الصواب، ومزيجًا من التحويم الغامض يعلو ويهبط ثم لا يستقر على شيء. شتان بين هذا القلق وبين المبادئ المحدودة، والتعاليم الواضحة، والأفكار المشركة التي عرضها الأديان في بساطة تامة، كأنما تعرض المبادئ الأولى في علم الحساب. إننا لا نفعل من المعارف المادية إلا ما يخضع للمنطق التجريبي والرياضي ـ كما قلنا ـ ولا نقبل من المعارف الروحية إلا ما جاء على لسان نبي عرفنا بمنطقنا المادي صدقه، فأمناه على ما يغرس في عقولنا وقلوبنا، وما يرسم لآحادنا وجماعاتنا؛ لأنا آمنا بأنه مبلغ عن الله ، وما جاء من عند الله فهو الحق المطلق. ص _200
(1/175)

أما ماعدا ذلك فهو وهم مريب، والتعلق به اتباع للظن، وقد نهانا الإسلام أن نركن إلا إلى اليقين: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) . (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا * فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) ص _201
الوحي أما الأنبياء فأساس علمهم الوحي. هؤلاء الرجال المصطفون من أبناء آدم تتلقفهم العناية من نشأتهم الأولى لتقيهم أوضار الطبيعة البشرية، وترقى بهم صعدًا في مدارج الكمال، وترشح قلوبهم الكبيرة لاستقبال ما يفد به الملأ الأعلى عن حضرة القدس. فإذا الحكمة تفيض من ألسنتهم، والأسوة تقتبس من أعمالهم، والنزاهة المطلقة تقترن بأحوالهم واتجاهاتهم. والوحي الذي تشرق به المعرفة على قلوب الأنبياء أنواع ومراتب. يبدأ بالرؤيا الصالحة في النوم، ورؤيا الأنبياء ليست من أضغاث الأحلام التي تترجم بها النفس عن رغباتها المكبوتة في صور مهوشة متقطعة، كما يحدث لجماهير الناس! كلا، فإن الكمال البشري الذي وصل إليه النبيون يجعل قلوبهم يقظة، ولو نامت أبدانهم، بعكس الدهماء الذين تنام قلوبهم ليلاً ونهارًا، فهي في غفوة لا تصحو منها، ولو نشطت أبدانهم وراء أغراضها الصغيرة. أما أفئدة الأنبياء؛ فكأجهزة الاستقبال المعدة لالتقاط الأنباء في كل حين، وكهرباؤها المتألقة تسجل ما يقذف الملك فيها.. ثم لا تلبث أن تذيعه على الناس أجمعين. وكانت الرؤيا الصالحة أول مطالع الوحي في حياة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ صاحب الرسالة العظمى. " أول ما بدئ به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الوحي الرؤيا الصادقة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح " . وقد ظل صلوات الله وسلامه عليه موصول القلب بالله في يقظاته وهجعاته إلى ص _202
(1/176)

الرمق الأخير من حياته. ومن الوحي عن طريق الرؤيا حدثت قصة إسماعيل، ونزل الأمر بذبحه: (فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين ). ويكثر أن يكون الوحي إلهامًا- في اليقظة- بوساطة الملك، ينضح به المعنى على قلب النبي فيتكلم الحق. وفي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - أمثلة كثيرة لهذا الضرب من الإلهام، سواء صرح فيه بخبر هذه الوساطة كما في الحديث: " هذا رسول رب العالمين جبريل، نفث في روعي أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ". أو طوى ذكر الملك وأرسل الحديث إرسالاً كما في سنن أخرى. وقد نزل القرآن كوحي بألفاظه ومعانيه جميعًا.. فعلم منه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما لم يكن يعلم، وكان حظ جبريل في ذلك مجرد النقل من لدن الخبير البصير: (نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين) . وقد ينزل الوحي بتكليم الله مباشرة لعبده من غير وساطة كما تم لموسى. (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك ) . وكما حدث للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة عرج به على رأي طائفة من العلماء. بيد أن تكليم الله لأنبيائه أمر لا ندري كنهه، وليس على النحو الذي نألفه بين المتخاطبين من تكاشف ومشافهة؛ بل كما قال الله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم * وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان). ص _203
(1/177)

والتصديق بمبدإ الوحي ليس مما يتعاظم على العقول إدراكه. وشبه الماديين حوله تتساقط من تلقاء نفسها، ما دمنا قد اعترفنا بأن الله حق، وأن وجوده فوق الريب، وأن له ـ جل شأنه ـ أن يصطفي من عباده من يبلغ عنه مراده، ومن يتعهد به الأمم الشاردة ويخرجها من الظلمات إلى النور. وحاجة العالم إلى الرسل ماسة. فلو تركت أزمة الفكر الإنساني للاجتهاد المحض؛ لضل الناس رشدهم، ولما اتفقوا على حقيقة واحدة تصلح حالهم ومآلهم. ونحن ننظر في تاريخ الأرض القريب والبعيد فلا نجد مثابة تفرغ إليها الشعوب، وتلتمس في ظلالها الخير والبركة إلا تعاليم الأنبياء. هذه التعاليم منها ما يعجز العقل عن ابتداعه لو ترك وحده، ومنها ما يمكن أن يصل إليه العقل بعد لأي وبعد تجارب مريرة. ومع ذلك يكون تصوره له غامضًا، وفكرته عنه منقوصة. أحسب أنه لو لم تأتنا رسل من عند الله تعرفنا بوجوده، لبحثنا عن سر الوجود! وستصل أفكار حصيفة حتمًا إلى الجزم بأن هذا الكون لن يخلقه الوهم ولن ينظمه العدم، بل لابد من خالق موجود وقدرة منظمة. ولكن هذه الأفكار الصحيحة ستكون فروضًا قلقة، وقد تجرفها الآراء المناقضة، والمذاهب الملحدة. ولو استطاعت البقاء فإنها ـ في غيبة الوحي ـ ستكون تخمينات شتى، يلتبس فيها الحق بالباطل. ومن ثم فإن بعثه الرسل كانت ضرورة إنسانية لتجنيب العالم متاعب الضرب في بيداء طامسة. وقد أدى الرسل واجبهم في قيادة الفكر والقلب، وورثوا الأجيال المتعاقبة حقائق ص _204
(1/178)

الإيمان بالله سهلة غضة، لا تحس وأنت تتناولها من أيديهم الطاهرة بهذا الكلال العقلي المعنت، الذي يصاحب دائمًا أفكار الفلاسفة في تصويرهم لأسرار الوجود. وكما عرفنا عن طريق الرسل مبدأ الإيمان بالله؛ عرفنا كذلك الإيمان باليوم الآخر وما يسبقه وما يلحقه من حساب وثواب وعقاب، عرفنا ذلك على جهة اليقين الجازم! ولولا بلاغ الوحي لعجز العقل المجرد عن فهم النهاية المرتقبة لعالمنا الآخر. بلى، إن المرء قد يرفض التسليم بأن هذه الحياة الدنيا هي كل شيء، لاسيما وهو يرى الجزاء مبتسرًا فيها. فكم من الأخيار والأشرار يموت قبل أن يلقى جزاء ما اكتسبت يداه، وكم من معارك دارت بين الأفراد والجماعات علا فيها مبطلون وهلك فيها مصلحون. وجور موازين الجزاء في الدنيا يعلق الأفئدة بيوم تم فيه النصقة ويتحقق فيه العدل. بل إن الفطرة ـ فيما تهدي إليه من حقائق ـ يجعل الإنسان يستشعر معنى الخلود، ويستعد له في حياته القصيرة بمختلف الأساليب. بيد أن رسالات السماء وحدها هي التي كشفت الغطاء عن كل ما قد يثار حول البعث من ريب، وقدمت للمرء كشفًا مفصلاً بالجزيئات التي سوف يلقاها عقب انتهاء أيامه في هذه الدار. وليست وظيفة الرسل هذا الإرشاد العقلي إلى حقائق الحياة فحسب، بل إن تربية الأصحاب والأتباع على هذه المبادئ من أهم ما جاءوا له. والتربية (كالذوق) شيء ليس في الكتب، إنها ليست حشو الأذهان بالمعلومات، ولا قيادة الحياة بالأوامر العسكرية. بل إن التربية الدينية التي تولاها الأنبياء، كتبوا بها صحائف جديدة في التاريخ تقوم على إحداث تغير نفساني عميق يشبه تغير الطين بعد نفخ الروح فيه. وذعار الجاهلية الذين عاشوا في باديتهم عبيد شهوات، ومساعر حروب فاجرة، لم ص _205
(1/179)

يتحولوا بين عشية وضحاها إلى حنفاء ربانيين، يقدمون أنفسهم وذراريهم قرابين للحق.. إلا لأن نفخة عامرة من روح النبوة المقدسة خامرت مواتهم الأدبي فردت عليه الحياة، وبعثته يدأب ويسعى. ووظيفة الرسول تقوم على إسداء العون والنصح للفرد والجماعة في كل ناحية؛ فهو يسكب من طهارة قلبه على أوضار القلوب فيغسلها، وهو يشعل من تألق عقله الأفكار الخابية فيضيئها، ثم يبعثها هي الأخرى لتضيء وتهدي.. والنبوة في هذا المضمار لا يسبقها شيء. ومهما عظمت نتائج الفلسفة فلن تخطو في هذا السبيل أشبارًا بعد أشبار حتى يدركها العثار! العصمة وحياة الأنبياء تحقق في مستوى من الكمال، لا تهبط عنه أبدًا. والمؤمن ـ من عامة الناس ـ تتذبذب حرارته في مدارج الاتقاء. ويعتبر الحد الأسمى الذي يقف عنده هو مقام الإحسان. وهو أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. بيد أن مقام الإحسان، وهو آخر ما يصل إليه الناس بعد الجهد والمران، هو المرتبة الدنيا للأفق الذي يعيش الأنبياء فيه إذ يستحيل في حقهم أن يسقطوا درنه. أما ما يرقون فيه ـ بعد ـ من معاني الصلة بالله فأمر لا ندرك كنهه. وقد قرر علماء المسلمين أن العصمة واجبة لرسل الله كافة. فلا تليق أن تصدر عن أحدهم كبيرة ، لا قبل البعثة ولا بعدها. ولا تصدر من أحدهم صغيرة تخل بالمروءة أو تسقط الاعتبار. ص _20 ص
(1/180)

وقد تقع منهم أخطاء يعاتبون من الله عليها، ويوفقون إلى الصواب فيها، ولكن هذه الأخطاء لا تصل بأمور اعتقادية أو خلقية، مما يعد الوقوع فيه أمرًا شائنًا. بل مكان ذلك: الأمور التقديرية التي تتفاوت فيها الأنظار عادة من شؤون الدنيا وسياسات الأمم. وقد يعتبر الأنبياء أنفسهم مقصرين في حق الله؛ لأنهم أعرف الناس به وبجلال ذاته، وعظمة حقوقه على عباده، وبقصور الهمم مهما بذلت عن الوفاء بما ينبغي له. وإذا كانوا يعدون ذلك ذنوبًا تتطلب الاستغفار، فليس استغفار الأنبياء عن مثل ما نقارف من خطايا أو نرتكب من سيئات! وما ورد مما يوهم غير ذلك فإن حقيقته وراء أوهام العامة، وتفصيل الموضوع في غير هذا المكان. المعجزة من حق الناس أن يسألوا كل رجل يزعم أنه مرسل لهم من عند الله: ما دليلك على صدق قولك؟ فإذا قدم لهم الدليل المقنع على صحة رسالته، قبلوه واستمعوا له. وقد جاء صالح إلى ثمود يخبرهم بأنه نبي من الله، ثم يصيح فيهم: (فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون) ولكن ثمود ردوا هذا النصح، وطالبوا صالحًا بالبرهان على أنه ليس شخصًا عاديًّا. (قالوا إنما أنت من المسحرين * ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين * قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم * ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم) . ص _207
(1/181)

فكان طلب ثمود معقولاً، ولذلك جاءت الإجابة عليه سريعة. وكانت الطريقة التي وجدت وعاشت بها هذه الناقة، خارقة لما تعارف عليه القوم، ودل محياها على أنه أثر لقدرة عليا لا لقدر الناس المعتادة. وهذا النوع من الاستدلال يقوم على تفهيم الناس أن الشخص الذي يحدثهم لا يمثل نفسه، ولكن يمثل رب الأرض والسماء. لذلك يعمل بقوته المطلقة، لا بقوى البشر المحدودة. وقد فزع موسى إلى هذا الدليل، لما كذبه فرعون في دعواه أنه مرسل من رب العالمين وتهدده. (قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين * قال أولو جئتك بشيء مبين * قال فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين). وكذلك صنع عيسى ـ عليه السلام ـ عندما عرض نفسه على بني إسرائيل، فنبأهم بأنه رسول من عند الله ـ سبحانه وتعالى ـ . ثم سرد أدلته على رسالته: (أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين). وقد لوحظ أن أكثر الأمم ـ برغم ما سبق إليها من آيات باهرة ـ لم تستجب للحق، ولم تسلم بدعوى المرسلين، لا عن قصور في الأدلة التي تسندهم بل على عناد وتبجح . (الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين) ص _208
(1/182)

والدليل على صدق أية دعوى قد يكون بأمور خارجة، أو يكون بحقيقتها في نفسها. فقد يزعم أحد الناس أنه مهندس، ويقول: دليلي على ذلك أني أستطيع السير بقدرتي على الماء، أو الطير بجناحي في الهواء. فإذا فعل ذلك سلمنا له . وقد يقول: دليلي على ما أقول: أن أبني - فعلاً – عمارة مدعمة الأركان، أو أصل بين شاطئين - مثلاً - بجسر متين. فإذا فعل، فقد دل بقدرته الهندسية على أنه مهندس يقينًا. بل قد تستريح النفس إلى هذا الاستدلال أكثر من راحتها إلى البراهين الخارقة الأولى. قال ابن رشد: (إن دلالة القرآن على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ليست كدلالة انقلاب العصا حية، ولا إحياء الموتى، وإبراء المرضى. فإن تلك وإن كانت أفعالاً لا تظهر إلا على أيدي الأنبياء، وفيها ما ينفع الجماهير من العامة، إلا أنها مقطوعة الصلة بوظيفة النبوة، وأهداف الوحي، ومعنى الشريعة. أما القرآن فدلالته على صفوة النبوة، وحقيقة الدين مثل دلالة الإبراء على الطب. ومثال ذلك، لو أن شخصين ادعيا الطب، فقال أحدهما: الدليل على أني طبيب أني أطير في الجو. وقال الآخر: دليلي أن أشفي الأمراض وأذهب الأسقام. لكان تصديقنا بوجود الطب عند من شفي من المرض قاطعًا، وعند الآخر مقنعًا فقط) اهـ. ملخصًا بتصرف. والتفاوت بينها واسع النطاق باختلاف البيئات التي ظهرت فيها، والرسالات التي اقترنت بها. ص _209
(1/183)

وقد كان التعويل في العصور الأولى على الخوارق المادية فحسب، أما ما تضمنته الأديان من حقائق فكانت منزلته ثانوية. حتى جاء الإسلام فغض من شأن الإعجاز المادي... ونوه بالإعجاز العقلي والقيم المعنوية للرسالات. وقرر إلى جانب ذلك أن الخوارق التي دعمت بها الديانات القديمة لم تمنع التكذيب بها أولاً ، فلا معنى لطلب التصديق بها أخيرًا. (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) . ومن ثم اتجه تأييد الأنبياء وجهة أخرى. ص _210
(1/184)

المعجزة بين الرسالة الخاتمة والرسالات الأولى جرت سنة الله في أنبيائه جميعًا أن يؤيدهم بالمعجزات الواضحة، وأن يسوق بين أيديهم من الخوارق ما يلفت الأنظار، ويستهوي الأفئدة، ثم ما يبني معالم اليقين، وعناصر الاستقرار، ودواعي الطمأنينة في النفوس. وكانت معجزات الأنبياء شيئًا آخر غير الرسالات التي يبشرون بها، ويدعون إليها. فطب عيسى غير إنجيله، وعصا موسى غير توراته. إلا أن الله شاء أن يجعل معجزة الرسالة الأخيرة شيئًا لا ينفصل عن جوهرها. فجعل حقائق الرسالة ودلائل صحتها كتابًا واحدًا. وجعل من أصول الدعوة وأساليب عرضها، البرهان الأكبر لدعوى الرسالة، والسناد الأعظم لصدق صاحبها. فآي القرآن الكريم ـ بما تتضمن من دسائس العدالة الخلقية والاجتماعية والسياسية، وبما تغرس في الطبائع من آثار الأدب والتربية والاستقامة ـ هي هي رسالة الإسلام ومعجزته. وأعظم ما في هذه الآيات أن الفطرة الإنسانية تجد فيها مجالها الحيوي الفذ، وتجد في جوها المتنفس الطلق الحر. ومن ثم كان القرآن كتابًا إنسانيًّا، وكان نبي القرآن إنسانًا كاملاً، وكانت رسالة الإسلام في موضوعها وأهدافها إنسانية بحتة. ولذلك توجه القرآن- مباشرة - إلى العقل البشري يخاطبه ويفك عنه آصاره، ويرد له اعتباره. وأكد القرآن أن أصحاب هذا العقل وحده هم الذين يستطيعون فهمه وتبين ص _211
(1/185)

معانيه. (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب) . بل إن أصحاب هذا العقل وحده، هم الذين يفهمون رسالة الوجود ويفقهون أسرار الكون. (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) فلتكن إذًا معجزة نبي الإسلام عقلية. ومادام البشر يحترمون عقولهم، فستبقى لهذه المعجزة قيمتها، أجل، ستبقى لهذه المعجزة قيمتها ما بقي العقل أنفس شيء في الحياة، وما استلهم الناس عقولهم في الحكم على الأمور وفي قيادة الإنسانية إلى آفاق الترقي والكمال. ص _212
مقترحات كافرة غير أن هذا المنطق لم يكن ليلقى القبول الواجب له عند أعراب الجزيرة، وبقايا القرون الأولى، وصرعى الأوهام والخيالات. إذ كان أقصى ما يفكر فيه هؤلاء أن يشاهدوا خارقًا يقلب البر بحرًا أو الخصب جدبًا. وعندئذ يلقون السلم ويدخلون في الإسلام. ولم يكن شيء من هذا الذي اقترحوه عزيزًا على قدرة الله. ولكن حكمة الله أبت إلا أن تغالي بقيمة العقل الإنساني الذي أرخصوه، وإنه لعزيز على هذه القدرة العليا أن تعطي الإنسان عقلاً يصنع المعجزات ـ إذا ما اعتنى به والتفت إليه ـ ثم تترك هذا الذي أعطت يضيع عبثًا، وتستجيب لرغبات الجاهلين الذين سفهوا أنفسهم وأفكارهم، وأبوا تحكيم مشاعرهم وعقولهم، وطالبوا بمعجزات مادية قليلة أو كثيرة لتصديق نبيهم. وكان لابد في معاملة أولئك القوم من سلوك منهج يرغم آنافهم على احترام العقل الإنساني لمصلحتهم ولمصلحة الأجيال من بعدهم! ولذلك تقرر أن تكون المعجزة الكبرى لمحمد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ هي هذا القرآن الكريم. فيه كان التحدي، وعليه كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعتمد في سيرته مع خصومه وأصحابه طول حياته. ومن بعده ظل القرآن كتاب الإسلام الناطق بدعوته وحجته معًا. إلا أن الحكمة الإلهية اقتضت أن تبث في طريق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنواعًا من الخوارق التي ص _213
(1/186)

أيد بها النبيون الأولون، فجاءت هذه الخوارق تجمل طابعًا خاصًّا ينبغي أن نعرفه حتى لا نتجاوز به حدوده الصحيحة.. هذه الخوارق ثانوية الدلالة في تصديق النبوة والشهادة لها. والطريقة التي أرسلت بها من عند الله تشير إلى أن الحكمة الإلهية لم تعلق عليها كبير أهمية، ولم تغض بها من قيمة المعجزة العقلية التي انفرد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بها. فقد حدثت جملة من هذه الخوارق بين المؤمنين الذين استقر الإيمان في قلوبهم فعلاً، والذين سبق لهم تصديق النبي - صلى الله عليه وسلم - في دعوته لأنهم أعملوا عقولهم واحترموا إنسانيتهم. وحدث بعض آخر أمام أعين الكافرين. بيد أن الصورة التي تم بها تثير الدهشة. إذ كانوا يقترحون معجزة فتأتيهم أخرى، أو يأتي ما يقترحون بعد سنين طوال، وعلى وجه يبدو منه أن إجابتهم إلى ما طلبوا لم تقصد أصلاً. وربما تهمل مقترحاتهم كلها، فلا ينظر لها قط. فما معنى ذلك؟ وما السر فيه؟ حقيقة الإعجاز المادي بين الله - عز وجل - أنه فصل في كتابه أسباب الإيمان وأسانيد النبوة كافة، ولكن الناس أبوا الرضى بهذا اللون من الإقناع. (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا). وماذا بعد أن كفروا؟ طلبوا أشياء معينة، زعموا أنها - وحدها - هي التي تدعوهم إلى الإيمان. (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السماء . . ) ص _214
(1/187)

ودعك من المطالب التي أملاها العناد والسخف من سلسلة هذه المقترحات الطويلة ثم تأمل. أتفجير ينبوع من الأرض ينظر إليه البشر على أنه عمل تنزل قوى من السماء لإتمامه؟ فما هو إذًا عمل القوى الإنسانية؟ إن المرء في طفولته يعتمد على أبيه دائمًا في جلب كل خير وإتمام كل عمل؟ أفليس من حق الأب إذا رأى ابنه جاوز الطفولة أن يضربه على يديه، ويتركه يتجشم وحده مشقة السعي، واقتحام المستقبل، وتحمل أعباء الرجولة؟ هكذا صنع الله مع عباده، لقد أرضى الإنسانية في طفولتها بألوان صارخة من الخوارق، حتى إذا اشتد عودها واستوى فكرها؛ تركها لتستخدم مواهبها الفكرية، ولتتبين الصواب والخطأ. فإما هلكت عن بينة أو نجت عن بينة. ويوم أن تعرف البشرية " العقل " في قبول دين أو رفضه، فستعرف من تلقاء نفسها كيف تستغل هذا العقل في تفجير الينابيع وتحويل رمال الصحراء إلى حدائق غناء. وهذا بعض ما طلب أعراب الجزيرة من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليصدقوا رسالته! وقد طلبوا منه أن يرقى في السماء، ولكن الله أحب أن يكشف لهم عن سقم البواعث التي توحي بهذه المطالب، وأن يثير فيهم الإيمان بإنسانيتهم المهدرة، وأن يرد الحرمة إلى عقولهم المحتقرة، وأن يعلمهم تكريم البشرية المجردة بالإيمان بنبي البشرية المبعوث لمد ضيائها وبسط روائها. ولذلك يهتف القرآن عقب هذه المقترحات. (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا) . وقد حدث بعدئذ أن رقي النبي في السماء ليلة الإسراء بعد تقديم هذه ص _215
(1/188)

الاقتراحات بأمد طويل. فكان وقوع الارتقاء على هذا النحو دليلاً ناطقًا على أن الحكمة الإلهية لم تكترث قط بمطالب الكفار ولم تعرها أية قيمة. بل جاء الرقي في السماء ليلة المعراج مظهر تكريم بحت من الله لنبيه !. لم تنزل به الإرادة العليا على رغبة بشر، ولم يرتب على إيقاعه ما يترتب - غالبًا - على وقوع التحدي من إيمان أو كفران. بل تركت مسألة اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - أو التخلف عنه موكولة إلى المعجزة العقلية الفريدة معجزة القرآن الكريم. (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) . وقد أقسم المشركون مرة أنهم يؤمنون لدى أية معجزة مادية تقع، كما يضرع الشاب لوالده أن يرضي نوازع طفولته ثم يسمى بعدئذ رجلاً! فأبى الله إلا أن يردهم إلى أفئدتهم وأبصارهم يتعرفون بها الحق، ويثبتون بها عليه. فإن معجزات الأرض والسماء لا غناء فيها إن لم يستنير القلب والعقل بما أودع الله فيهما من نور. (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون * ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) . ويزيد هذا المعنى جلاء، قول القرآن في تصوير موقف الكافرين، وبيان ما انطوت عليه أفئدتهم وأبصارهم من عناد وغباء. (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون) . فماذا تجدي المعجزات المادية مع هؤلاء؟ ص _21 ص
وهم إنما ضلوا لاستغلاق قلوبهم وعقولهم. وهم لو تفتحت قلوبهم لاكتفوا بالقرآن آية لا تعلوها آية، ومعجزة لا تدانيها معجزة. (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها * إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ). ص _217
(1/189)

النبي الإنسان ولئن كان القرآن هو الكتاب الذي يصور للإنسانية آفاق كمالها. إن محمدًا ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ هو الرجل الذي حقق في شخصه، وفي آثاره أعلى ما تنشده الإنسانية من قبل. فقد رفع شأن " الضمير " عندما أعلن أن التقوى تستقر في القلوب الزكية ولا تغني عنها قشور العبادات، وثبت قيمة العقل، وجعله أصل دينه. وأسس عليه المسلمون حضارة متشعبة الثقافات والفنون، وصلت ما انقطع من تراث الإنسانية الفكري، وكانت البذور المنتجة التي أورثت العالم حضارته الحديثة! ثم إن هذا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو المحور الأول للإنسان، والمقرر الأول لحرية العقل والضمير.. لقد جعل الكون كله مسخرًا لنشاط الإنسان الذهني والبدني. وجعل الإنسان سيدًا في نفسه، سيدًا لعناصر هذا العالم، عبدًا لله فقط ، فلا سلطة البتة لدهاقين السياسات والديانات. ونبي الإسلام عربي، ولكن الدين الذي جاء به لا جنسية له. وأي جنسية لدين يخاطب العقل حيث كان، ويبني أدلته على النظر في فجاج الأرض والسموات ؟ بين النبوة والعبقرية تاريخ البشر حافل بأسماء الكثيرين من أصحاب المواهب الرفيعة، والكفايات الضخمة. ص _218
(1/190)

وعتهم الإنسانية في ذاكرتها، وسجلت لهم في صحائف الخلود ما قاموا به من أعمال جليلة. وروت للأجيال آيات مجدهم وآثار نبوغهم لتكون منه عبرة حافزة. والعظمة قدر مشترك بين ألوف من الناس، ظهروا في شتى الأعصار والأمصار ودفعهم امتيازهم المعنوي إلى اعتلاء القمة. إلا أن العظماء يتفاوتون فيما بينهم تفاوتًا بعيد المدى. ألا ترى كواكب السماء ونجومها؟ إن بعضها أكبر من الآخر ألف ألف مرة. ومع ذلك فالدراري الصغيرة ليست من الحصى والجنادل! فإذا فحصنا تواريخ العظماء، وفيهم الأنبياء من مبلغي الوحي، وفيهم الفلاسفة من قادة الفكر، وفيهم المخترعون من علماء الكون، وفيهم الزعماء من قادة الجماهير، وفيهم الأدباء من حملة القلم، وفيهم، وفيهم. فإن هذا التمحيص وما يستتبعه من موازنة وترجيح، لا يميل بقدر أحد من أولئك العظماء من الحد الذي يهوي فيه إلى منازل السوقة. العباقرة كثيرًا ما تكون العظمة امتدادًا في موهبة من مواهب النفس. بل كثيرًا ما يكون هذا الامتداد على حساب المواهب الإنسانية الأخرى. فإما أصابها بالضمور والشلل، وإما رد النواحي الأخرى من شخصية العظيم إلى مثيلاتها في سائر الناس. بل قد تكون أبعد سقوطًا وأشد ضراوة. ومن هنا لا تعدم في سيرة كل عظيم من أولئك المشهورين نقطة سوداء، وجانبًا غائمًا. ص _219
(1/191)

كان (نابليون) قائدًا محنكًا مسعر حروب، ولكنه كان ساقط الخلق، فاحش العذر. كان (جاك روسو) أديبًا ثائرًا، من أعظم واضعي دساتير الحرية في العالم، ولكنه كان معوج السلوك، هزيل الشرف. وكان " بسمارك " داهية في السياسة لا يبارى، وكان كذلك كذابًا مزورًا.. وهناك من الفلاسفة والشعراء والمفكرين والمخترعين من تفجؤك في أحوالهم وأعمالهم أمور شائنة تستغرب كيف يصدر مثلها عنهم!! وهم ـ مع هذا كله ـ عباقرة؛ لأن إنتاجهم العلمي والأدبي، وتراثهم الرائع الفريد يسمو بهم فوق مستوى العامة. والذين طهرت سيرهم من هذه الشوائب، وتراهم مبرزين في ناحية، ومعتادين في ناحية أخرى، أو مرضى بما يفسد عليهم أفكارهم. فأبو العلاء الأديب الرقيق المتشائم، لو وهب معدة قوية، أو بصرًا حادًّا لكان لفلسفته اتجاه آخر غير التبرم بالدنيا، وتسخط الوجود فيها. ومن أعظم زعماء العلماء من تراه أسير عقدة نفسية، أو شذوذ جنسي، أو أثرة حادة! ومنهم المصابون بجنون العظمة وتقديس الذات، وكراهية شيء معين أو محبته؛ ولذلك تتسم حياتهم بالنقائض الموزعة على جانب مستور منهم، وجانب مكشوف للجماهير لا غبار عليه. وقد اعتبرت الحضارة الأوربية هذا التناقض شيئًا عاديًا مألوفًا. ومن ثم أباحت للعظماء أن تكون لهم شخصية مزدوجة. ورأت أن تنتفع الأمم بمواهبهم، وأن تتجاوز لهم سقطاتهم. والإنجليز يعرفون أن " نلسن " مات وهو يختلس عرض غيره، ولكنهم يغضون الطرف. ص _220
(1/192)

ويعرفون أن " تشرشل " خان عهودًا شخصية واجتماعية، بيد أنهم يتعامون عنها. فلندع هذا الفريق المعدود من زعماء العالم ولنرتفع. أجل لنرتفع كثيرًا، لنصل إلى مستوى أكرم وأطيب، ولنتكلم عن صنف آخر.. هم: الأنبياء لئن كانت العبقرية امتدادًا في موهبة واحدة، أو في جملة مواهب، إن النبوة امتداد في المواهب كلها، واكتمال عقلي وعاطفي وبدني، وعصمة من الدنايا ورسوخ في الفضائل، وعراقة في النبل والفضل: هم الرجال المصابيح الذين همم كأنهم من نجوم حية صنعوا أخلاقهم نورهم من أي ناحية أقبلت تنظر في أخلاقهم سطعوا فالذين يرشحون للنبوة يصطفون لها اصطفاء. قلوب نقية تربطها بالملأ الأعلى أواصر الطهر والصفاء. وعقول حصيفة ناضجة لا تنخدع عن حقائق الأشياء، ولا يصيبها ما أصاب كبار الفلاسفة من شرود وعماء . وأجسام مبرأة من العلل الخبيثة والأمراض المشوهة أو المنفرة. وصلة بالناس قوامها البر والخير. فليس يتصور في حق نبي لله ، أنه أخل بحق المروءة والتفضل، بله أن يرتكب ما يخدش الشرف، أو يقدح في العصمة! ثم إن الرسل أمناء على الوحي السماوي والهداية الإسلامية. فكلامهم حكمة، وحياتهم أسوة ؛ سريرتهم وعلانيتهم سواء. " ليست لأحدهم صفحة مطوية وصفحة مكشوفة " . ص _221
(1/193)

طرائق معيشتهم الخاصة كمناهج دعوتهم العامة، تنضح عفافًا واستقامة. ظلوا بين الناس ما شاء الله فكانت مجتمعاتهم بركة، ثم قبضوا فخلفوا أقدس مواريث، وأقدس تركة. وحسبك أنهم خيرة الله من خلقه. (الله أعلم حيث يجعل رسالته). (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور) . وأقدار الرسل تتفاوت سناء وسموًا. فالرسول في قبيلة محدودة، أفضل منه الرسول لمدينة فيها مائة ألف أو يزيدون، وأفضل منه الرسول لشعب بأسره . وصاحب الكتاب المستقل أفضل ممن يحكم بشريعة سابقة. ولا نزال نرقى في مراتب العظمة، ولا نزال نحلق صعدًا نحو القمة، ولا نزال نقطع أشواطًا بعد أشواط في مدراج الكمال البشري، حتى نصل إلى مستوى تنحسر دونه أبصار العباقرة مهما طمحت، وتتطامن عنده أقدار الأنبياء مهما عظمت، لنجد صاحب الرسالة العظمى إلى خلق الله قاطبة، ملتقى الفضائل المشرفة، ومظهر المثل العليا التي صورتها الخيالات ثم صاغها الله إنسانًا يمشي على الأرض مطمئنًّا. ذلكم هو محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذلكم منزله بين عباقرة الأرض وأمناء الوحي! أفق للمجد يزهو على كل أفق، وتسطع فيه أشعة متموجة تنطلق بالحب والحنان والرحمة والعقل والفراسة والحكمة. هيهات هيهات أن يدرك كنه ذلك أحد، فالعظيم لا يعرفه إلا عظيم مثله، ومن كمحمد في الناس؟؟ ص _222
(1/194)

كيف ترقى رقيك الأنبياء يا سماء ما طاولتها سماء لم يساووك في علاك وقد حال سنًا منك دونهم وسناء مسك الختام كان المرسلون الأولون مصابيح تضيء في جوانب الليل الذي ألقى بجرانه على أنحاء الدنيا. فلما بدأ فجر الإنسان ينشق عنه الظلام، وبدأت أشعة الرسالة العامة تتهادى في الأفق؛ انتقل العالم من عهد إلى عهد: لا تذكروا الكتب السوالف قبله طلع الصباح فأطفأ القنديلا والكلام في عظمة الشخصية التي حملت عبء هذه الرسالة يطول، وحسبنا أن الله - عز وجل - جمع في سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - من شارات السيادة والنبالة ما تفرق في النبيين من قبل. ولقد ذكر الله أسماء ثمانية عشر نبيًّا، فهم أولو العزم وأصحاب الرسالات الأولى، ثم قال: (أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين * أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين) . وهذا الأمر بالاقتداء كان ماثلاً في ذهن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقوم بتبليغ الدعوة. فلما طعن أحد المنافقين في تصرف له، وهو يقسم الغنائم قائلاً: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله؛ كظم النبي - صلى الله عليه وسلم - غيظه وقال: "رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر". من ثم قال المفسرون في شرح هذه الآية: إنها تومئ إلى فضل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على من سبقه. ص _223
(1/195)

فإن خصال الكمال التي توزعت عليهم التقت أطرافها في شخصه الكريم. كان نوح صاحب احتمال وجلد وصبر على الدعوة. وكان إبراهيم صاحب بذل وكرم ومجاهدة في الله . وكان داود من أصحاب الشكر على النعمة، وتقدير آلاء الله . وكان زكريا، ويحيى، وعيسى من أصحاب الزهادة في الدنيا، والاستعلاء على شهواتها. وكان يوسف ممن جمع بين الشكر في السراء، والصبر في الضراء. وكان يونس صاحب تفرع وإخبات وابتهال. وكان موسى صاحب شجاعة وبأس وشدة. وكان هارون ذا رفق. حتى تنظر إلى سيرة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد هذه السير السابقة فتراها كالبحر الخضم تصب فيه الأنهار: فمبلغ العلم فيه أنه بشر وأنه خير خلق الله كلهم ص _224
(1/196)

موئل البطولات من ذوي المواهب من يعيشون في عزلة قصية عن الجماهير، ويؤثرون البقاء في البرج العاجي عما تستتبعه مخالطة الناس من سخط وتبرم. ومنهم من يلقي بنفسه في معترك الحياة ومعه عدة النجاح، مع عمق النظرة، وذكاء الفكرة، والبصر النافذ إلى أدواء الشعوب وأدوايتها.. غير أنه مع هذه المواهب الجليلة ضيق العاطفة لا يألف إلا القليلين ممن هم على شاكلته في المزاج، أو ممن يتفقون معه في الأهداف. ومن العظماء من أوتي امتدادًا في شخصيته، وبسطة في مشاعره تجرف الناس إليه وتعلق القلوب به. ولسنا نقصد بهذا قوة السيطرة على العامة، والقدرة على تحريكهم وتسخيرهم، كلا، كلا. وإنما نقصد هذا النوع من العظماء الذي يلتف به أصحاب الكفايات الكبيرة، ويرمقونه بالإجلال، ويقدمونه على أنفسهم عن طواعية واختيار. ولقد ظهر أفراد قلائل من زعماء الشعوب على هذا الغرار الفذ، وتركوا في تاريخهم أثرًا لا يمحى. على أن الإنسانية لم تعرف في ماضيها الطويل ـ ولن تعرف ـ رجلاً وقره الأبطال وكرمه العظماء، وانطبعت محبته في شغاف القلوب، كما عرف ذلك في النبي الكريم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ. كان أصحاب الشجاعة في القتال يحبونه لأنه أشجع منهم حين تحمر الحدق ويشتد البأس. وكان أصحاب الحذق في السياسة والتدبير يحبونه لأنهم يرونه أكثر منهم مرونة وأرحب أفقًا. ص _225
(1/197)

وكان الأجواد الأسخياء يرونه وقد ملك واديًا من الإبل والغنم، فما غربت عليه الشمس إلا وهو منح وهدايا للطالبين والراغبين. وكان العباد يرونه صوامًا، والزهاد يرونه عفيفًا مترفعًا، وأصحاب البيان واللسان يرونه فصيحًا معربًا. وهكذا ما عرف أحد من العظماء ميزة في نفسه يفخر بها إلا وجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على خلق أعرق منها وأرقى. ولذلك يرفع إليه بصره مثلما يرفع الناس أبصارهم إلى القمم الشواهق التي لا تنال!! ومع هذا الجلال الفارع، وذلك الامتياز الرائع، فقد كان هذا الرسول الأمين قريبًا بسهولة طبعة من كل فرد. فما يعز مناله على أرملة أو مسكين. بل بلغ من اتساع عواطفه وتدفق مشاعره، أن كل فرد كان يحس في نفسه أنه آثر الناس عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأقربهم إليه، وأعزهم عليه. كالشمس ترسل أشعتها فيستمتع الجميع بها، ويأخذ كل امرئ حظه من الدفء والحرارة والمتعة، لا يحس بأن أحدًا يشاركه فيها أو يزاحمه عليها. كذلك كان محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع صحابته، يأوون من نفسه الكبيرة إلى كنف رحيم. الوصف بالعبقرية يقولون: إن النبوة هبة لا كسب، وفضل يغدق، لا نصيب يطالب به ويسعى إليه، وهذا حق (أهم يقسمون رحمة ربك) ، (أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون ، أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين) . ص _22 ص
(1/198)

بيد أن هذا الخير لا ينزل اتفاقًا، ولا يدرك اعتباطًا! وقد حاول شاعر في الجاهلية ـ بكثرة الكلام في الإلهيات ـ أن يكون نبيًّا ففشل. وتوقع نفر من الأحبار والرهبان أن يصيبوا هذا الشرف، ففاتهم مع توقهم إليه ورغبتهم فيه. إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يختار لهذا المنصب العظيم أهله!! ومن ظن أن العصمة تمنع المحنة والابتلاء، أو أن الرسل الكرام ليسوا أكثر من حملة وحي، وظيفتهم التبليغ المجرد؛ كأن أحدهم مكبر صوت تنفخ من ورائه الملائكة، فليست له مواهب، ولا استعداد خاص، ولا امتيازات رفيعة. من ظن ذلك فقد ضل في فهم المرسلين، وجهل ما حباهم الله به من خلال تجعل أعظم فلاسفة الأرض لا يصل إلى مصاف أقدامهم!. إن الكتاب الذين ألفوا في سيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووصفوه بالعبقرية يمكننا أن نقبل منهم هذا الوصف بحذر وبقدر. نقبله إذا كان القصد منه كشف النقاب عن معالم العظمة الشخصية، وإلقاء ضوء على البطولة الأدبية لأولئك المصطفين الأخيار. ونقبله إذا كان القصد منه الاعتراف بمبدإ الوحي الذي يصل المادة بما وراء المادة، وهذا هو أساس النبوة الأول. ونرفضه إذا كان وصفًا لعظمة إنسانية معتادة تسلك صاحبها مع غيره من رجال التاريخ البارزين. ذلك موقف المسلم من جمهرة المؤلفين والمؤرخين ممن كتبوا في حياة النبي الأمين ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ص _227
(1/199)

الإيمان بالنبوات كلها جعل- سبحانه وتعالى- التصديق برسله كلهم ركنًا في الدين، وقرن أسماءهم بذاته المقدسة فأصبح الإيمان بهم متممًا للإيمان به. (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) . والإيمان بمحمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الشطر الثاني من شهادة الإسلام، لا يصح إيمان إلا به. وإنما كان للإيمان بالنبوات هذه المنزلة؛ لأن معرفة الله على وجهها الصحيح، وفهم ما يريده لعباده، ويطالبهم به إنما يكون عن طريقهم وحدهم. والارتباط بالوحي الذي شرفوا به، والأسوة التي تؤخذ منهم. ومن ثم يقول الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - : " لن يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به " . ويقول الله تعالى : (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين * فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين). وسريان الفساد إلى الديانتين الكبيرتين السابقتين على الإسلام، واليهودية والنصرانية، وما طرأ عليهما من تغيير، وداخل كتبهما من تحريف، جعل الإسلام هو الطريق الفذ للإيمان السليم. فمن كتاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وحده، ومن سنته وحدها يفضي الناس إلى الحق. ص _228
(1/200)

والأبواب إلى الله في عصرنا هذا، مهما وقفت عليها في اليهودية أو النصرانية، فلن تفتح لك مغاليقها. أما في الإسلام وباسم نبيه الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - فستنفذ وراء النبي العابد، ونهجه الخالد، وقرآنه المحفوظ، وسنته المصون. فتعرف ربك عن يقين، وتعرف ما يكلفك به من غير تزوير ولا تحوير! من أجل ذلك اعتبر الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - شرطًا لصحة الإيمان بالله. (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم * والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم * ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم) . ولا تحسبن هذا غلوًّا في تزكية مخلوق، أو افتياتًا على حق الخالق، أو تجنيًا على أتباع الرسل الأولين . فإن عيسى وموسى - صلوات الله عليهما - سارا بالناس إلى الله - صلى الله عليه وسلم - على بصيرة، وهم لا يدرون ما فعل أشياعهم من بعدهم. ولو عادوا إلينا أحياء لكانوا أول من يبرأ من الكتب المدسوسة عليهم، وأول من يستمع لآيات الذكر الحكيم ويبادر إلى تنفيذ أحكامها ووصاياها. ثم إن الله لما ضم الإيمان برسله إلى الإيمان به، جعل الكفر بواحد منم كفرًا به - جل شأنه - وبهم جميعًا. (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا * والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما) . ص _229
(1/201)

ومحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاتم المرسلين، أكمل الله به صرح النبوات، وأتم به حقيقة الرسالات. "إن مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون ويتعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة؟ ، فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين " . فإذا جاء من يدعي النبوة بعده فهو كاذب، ومن صدقه في دعواه فهو كافر. وقد ظهرت طوائف من الحمقى تتبع رجلاً اسمه البهاء يدعي النبوة، ويطوون نحلتهم وراء قناع من التمسح بالإسلام، وإظهار التصديق به وبغيره من الأديان، وهم ليسوا من دين الله في شيء. وبهاؤهم دجال، وتعاليمه زور وبهتان، وليس بعد القرآن وحي. (فماذا بعد الحق إلا الضلال). وقد حذرنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل موته من هؤلاء المخرفين قال: " يكون في آخر أمتي أناس دجالون كذابون، يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم " . وفي حديث آخر: " أنه سيكون في أمتي تلاثون كذابًا، كلهم يدعي أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي! ، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك " . وقد عرفنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن أمور تتصل بعقائدنا لم تكن عقولنا لتستطع وحدها أن تدركها أو تعي تفاصيلها، وهي تتعلق بما وراء الحياة من غيوب . ص _230
وقد قلنا: إن العقل المجرد قد يعرف أطرافًا منها بالتأمل والنظر. ولكن المعصوم قد أعطانا عنها فكرة كاملة، فسندرسها عن طريقة، ونؤمن بها تبعًا له، فهي مما جاء به . ص _231
الخلود ص _232
(1/202)

هذي الحياة قبل أن نأتي إلى الحياة الدنيا، كم سبقتنا من عصور؟ وبعد أن نغادر هذه الحياة، كم ستعقبنا من أجيال؟ وما نسبة هذا العمر المحدود بين ما سبقه وما لحقه من أزمنة؟ إنه قليل قليل، ولكن من هذا القليل الممنوح لي ولك، تتكون الحياة الدنيا!! من هذا الظهور المحفوف بالفناء قبله والخفاء بعده تعمر الأرض! في طريق الحياة الممتد يجري جيل من البشر وما يزال يجري، حتى إذا نال منه الكلال وأدركه الإعياء مات. وقبل أن يخلو الطريق من الأنفاس اللاهثة والأقدام اللاغبة ينبت جيل آخر يستأنف السعي، ويمثل الدور نفسه. ويسحب الجيل المنهوك، فيلف في الأكفان، ويوارى في التراب. وينفرد الجيل الجديد بالسعي، حتى إذا لحقه ما أصاب سلفه، سحب - كذلك - وجيء بآخرين، وهكذا دواليك. هذه هي مواكب الحياة .. عمل متواصل من أعمار متقطعة! والعجب أن هذا العمل الموصول يسخر من القائمين به، فهم لا يحسبون أنفسهم حلقة من السلسلة المتقطعة المتراخية مع الأمس، والمتطاولة مع الغد. بل إن الواحد منهم يخدعه الغرور، فما يفكر أنه جديد على الدنيا، وأنه - كما ظهر فيها فجأة - سيختفي بغتة. كلا إن الغرور يخيل إليه أنه كان من الأزل وسيبقى إلى الأبد !! ص _233
(1/203)

فإذا جاءه الموت دهش لمقدمه، كأن الموت حدث غريب. غير أن الدهشة لا تدفع اليقين، وكذلك يترك الإنسان الحياة الدنيا. من الخير للمرء ـ وهو في صحته البدنية ويقظته الذهنية ـ أن يعرف طبيعة الدار التي يعيش فيها، فلا يبني طباقًا عالية على دعائم منهارة. لكن ما معنى ذلك؟ أهذا فقط كل حظ الإنسان من الوجود؟ ونبادر إلى الإجابة الحاسمة : لا. لئن كانت الحياة على ظهر الأرض بهذه المثابة، إن الحياة التي تليها هي الأمل الأسمى والحظ الأوفر. ولو كان العيش في هذه الدنيا هو كل شيء؛ لكان الانتحار العاجل أولى بالناس أجمعين. إن الدار الآخرة هي الحيوان، والاستعداد لها هو وظيفة العقلاء في هذه الفترة الضيقة من آجالهم. خلق الناس للبقاء فضلت أمة يحسبونهم للنفاد إنما ينقلون من دار أعما ل إلى دار شقوة أو رشاد والحصيف هو الذي يوزع اهتمامه على كلتا الدارين بقدر ما تستحقانه، فيجعل عمله لهذه، بقدر مقامه فيها، وعمله لتلك بقدر بقائه فيها. ص _234
(1/204)

ما وراء الحياة الدنيا يعلم الناس جميعًا أن الموت نهاية حاسمة لكل حي، ومصير لابد أن ترده كل نفس. ولكن أكثرهم يأخذ عن الموت فكرة غامضة، ويكون له صورة مغلوطة مشوهة. ينال الإنسان منها ما ينال الدواب النافقة، تحت أكوام التراب، أو الأنعام المهضومة في بطون الآكلين! ثم لا شيء بعد ذلك. وهذا ضلال بعيد .. فليس الموت فناء ولا شبه فناء. ربما كان الموت موتة طويلة، كما أن النوم الذي نعرفه وفاة قصيرة ! وقد جعل القرآن الموت قسيمًا للنوم، وجعل الحالتين أعراضًا للأنفس لا تتأثر كثيرًا بها. (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى) . ولئن كانت الروح تفارق الجسد إلى حين، إن ذلك لا يغير من حقيقة الإنسان شيئًا. فالجسد كالثوب، يكتسي الإنسان به ويعرى عنه، ولا مدخل له في جوهره. ولا يجوز أن نعد الموت إلا انتقالاً من مكان إلى مكان، لا ينقص فيه إدراك المرء لحقائق الوجود شيئًا، ولا يخف إحساسه بها، بل قد يتضح ويزيد. ولو فهمنا تلك الحقيقة لما اكترثنا للموت، ولما تهيبنا الإقبال عليه، ولما شعرنا بالتوجس من بوادره ومواطنه. ص _235
(1/205)

البرزخ لا يكاد المرء يترك دنيانا هذه حتى يبدأ حسابه، ويظهر ثوابه أو عقاب، وقد ساق لنا القرآن الكريم طرفًا من أحوال الناس في هذه المرحلة من حياتهم الآخرة، فهو يقول عن الكفار من آل فرعون : (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب). ويصف نعيم الشهداء، وترقبهم لإخوانهم وأبنائهم كي يقدموا عليهم ويشاركوهم في السعادة التي غمروا بها: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . وبوادر الشر أو بواكير الخير تظهر في اللحظة الأخيرة من عمر الإنسان على آخر منازل الدنيا وأول مراتب الآخرة . فقد جاء في السنة أنه في تطمين المؤمن حين يحتضر نزل قوله تعالى : (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون). كما أن نذر العقاب الأليم تواجه الفساق والظلمة في تلك الساعة الحرجة. (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) . ص _23 ص
(1/206)

(ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق*ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد). وللعصاة من المؤمنين حظهم من المتاعب والآلام جزاء تفريطهم في الواجب واستهانتهم بالحرام. وقد جاء: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مر على قبر دفن فيه شخصان، فقال: " يعذبان وما يعذبان في كبير، كان أحدها لا يستبرئ من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة بين الناس " . والأدلة على ثواب القبر وعذابه كثيرة، تتضافر على إثبات أن قبل الجنة والنار مقدمات تحفل بالبشرى، أو تطفح بالإنذار. وفي الحديث : " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار.. فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة " . إن الموت ـ على الحقيقة ـ طور من الأطوار التي تعرو الحي في سنه المختلفة؛ كالطفولة والرجولة والكهولة. إلا أن هذا الطور يمتاز بأن الروح فيه أقوى إدراكًا وأصدق حسًّا. ولو تصور المقدمون على الانتحار أي حياة يقبلون عليها، أو أي مرحلة يصيرون إليها لفكروا طويلاً، قبل أن يرتكبوا حماقتهم. إنهم يريدون ـ بفعلتهم الشنعاء ـ أن يفروا من الشعور بالضيق، ومواجهة النتائج المحزنة إلى عالم يحسبونه خاليًا من الشعور... ومن رؤية العواقب المحذورة. وما دروا أن قوام العالم الجديد الذي يقتحمون أسواره هو الإحساس المضاعف ومجابهة شتى النتائج. وفكرة الكثيرين عن الموت تغلب عليها الجهالة والكفران. ص _237
(1/207)

والقبر ـ في نظرهم ـ مكان يخيم عليه الصمت والظلام، وتبعث في الديدان والحشرات فحسب . ولسنا نتجاهل هذا المنظر الكئيب؛ ولكننا ننكر أنه النهاية الحاسمة للعواطف الجياشة بالخير، والمشاعر المهتاجة بالشر، وما انبنى على هذه وتلك من حضارات وعمران وخصام ووئام. إن هذا المنظر يخفي وراءه ـ في عالم لا ندريه ـ سهولاً فسيحة تحفل بالأزهار والنوار، وتفوح منها العطور المنعشة أعدها الله للمؤمنين الصالحين. وثم وهاد أخرى تدع فيها الأنفس الشريرة، وتئن تحت وقع المطارق المنهالة والمقاطع المحماة، أعدها الله للفاسقين عن أمره ، الظالمين لخلقه. وقد كان رسول الله ـ صلوات الله ـ وسلامه عليه يفيض في شرح الحقائق المتصلة بهذا العالم المغيب، حتى ليكاد سامعوه يرون آفاقه رأي العين، الصحو منها والنائم . وذلك حتى يؤسس في أفئدتهم يقينًا بأن الموت المرتقب مرحلة تلي هذه الحياة ؟ تلي الرجولة الطفولة. وإن وقفة مفاجئة لوجيب هذا القلب الدائب الخفقان، ترمي بالمرء في أحضان هذا العالم الحق. وإليك هذا الوصف المفصل لمقدمات اليوم الآخر كما يعرفنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل عليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ويجيء ملك الموت ـ عليه السلام ـ حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من السقاء فيأخذها. ص _238
(1/208)

فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منه كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض. قال: فيصعدون بها فلا يخرج منه على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له. فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة. فيقول الله ـ عز وجل ـ : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض في جسده. فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام . فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولون: ما يدريك، فيقول : قرأت كتاب الله، وآمنت به وصدقته. فينادى من السماء: أن قد صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره . قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الحسن يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح . فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة! حتى أرجع إلى أهلي ومالي. وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الآخرة وإقبال من الدنيا؛ نزل إليه ملائكة ص _239
(1/209)

سود الوجوه، معهما المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب. فتفرق في جسده، فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها. فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها. فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة!. فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فسيتفتح له، فلا يفتح له . ثم قرأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) فيقول الله ـ عز وجل ـ : اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، ثم تطرح روحه طرحًا ثم قرأ: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) . فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. قال: فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. قال: فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري . فينادي مناد من السماء: أن كذب فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه. ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: ص _240
(1/210)

أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه القبيح يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة. " وفي رواية له بمعناه، وزاد: فيأتيه آت قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول: أبشر بهوان من الله، وعذاب مقيم. فيقول: بشرك الله بالشر، من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، كنت بطيئًا عن طاعة الله ، سريعًا في معصيته، فجزاك الله شرًّا . ثم يقيض له أعمى أصم، أبكم، في يده مرزبة، لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه فيصير ترابًا. ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين. قال البراء: " ثم يفتح له باب من النار، ويمهد له من فرش النار". ونحن لا ندري عن كنه الجزاء في القبور شيئًا، ولا حدود ما يصيب الأبدان والأرواح. نعم، نحن نوقن بهذا الجزاء. أما كيف يقع، وأما البحث في التفاصيل الواردة به، وأما التساؤل عن طرائقه بعد بلى اللحم والعظم؛ فهذا ما لا نستطيع الخوض فيه. لأن أمر المادة كأمر الروح غريب، وما يتجلى للناس من خصائص الحياة وأسرارها يومًا بعد يوم، يجعلنا نصدق ما خبرنا به الوحي، ونكل دقائقه للمستقبل ولا نحب أن نرجم فيه بغيب. ص _241
(1/211)

عُمر الفرد وعُمر الدنيا عندما ينقضي أجل الإنسان من فوق ظهر الأرض، يسافر إلى الآخرة تاركًا خلفه الناس، يكدحون ويؤملون. فإلى متى يتصل هذا العمران، ويبقى بنو آدم يؤدون رسالتهم في هذه الحياة. ويتخرجون من تجاربها المضنية، إما إلى الجنة، وإما إلى النار؟ متى يأذن الله بانتهاء عالمنا هذا الذي تتوارث الأجيال أفراحه وأحزانه، وتزحمه بصراعها الدائم، تارة على الحق، وتارات وتارات على الباطل ؟؟ متي؟ الظاهر من نصوص الدين أن للدنيا نهاية مقررة لا تعدوها. تشقق بعدها السماء، وتنهد الأرض، وتغيض البحار، ويهلك الحرث والنسل، وتطوى الصفحة الحافلة بتاريخ رهيب، من بدء الخلق إلى فنائه. وكما أن للإنسان عادة ـ قبل أن يحين أجله ـ أعراضًا تؤذن بموته من شيخوخة أو مرض أو غيرها، فللإنسانية كلها قبل انتهاء أجلها أعراض. إذا ظهرت عليها دل ذلك على أن عمرها أوشك، ومصيرها اقترب. وعندي أن المبرر الأول لوجود الحياة وبقائها هو وجود أناس- قلوا أو كثروا - يعرفون ربهم ويؤدون واجبه حقًّا. فإذا خلت الدنيا من هؤلاء، وبدا أن مثلهم لن يتمخض عنه المجتمع البشري في طول البلاد وعرضها، فمعنى ذلك أن الدنيا أفلست وحقت عليها الكلمة، وأن فض هذه السوق أصبح محتومًا! وعلامات الساعة التي ذكرها القرآن الكريم، وأفاضت فيها السنة تشير إلى هذا في جلاء. ص _242
(1/212)

إن الرسل الكرام بذلوا جهود الجبابرة في محاربة الجاهلية، وقيادة الناس إلى الله، وقد استجابت لهم أمة من الناس، ومشت حينًا من الدهر تحت لوائهم، وستظل تمشي إلى ما شاء الله. فإذا انكمشت أمتهم، ونكس لواؤهم، وطمست شرائعهم، وهان على الناس أمرهم، وقامت الحضارات المختلفة على إنكار وحيهم وإقصاء هديهم .. ثم شاع الفساد واستبيحت الحرمات، وغلقت المعابد، ونسي الله ـ جل وعلا ـ وماج الناس بعضهم في بعض.. يومئذ يستحصد هذا العمران كله، ويقترب للناس حسابهم. أجل... قد تقدم البشرية خطوات رحيبة إلى الأمام في ميادين العلم، حتى لتسخر كل شيء لخدمة الإنسان وترفيه عيشه . بيد أن الإنسان عندما يصل إلى هذه الدرجة من الارتقاء المادي يكون قد وصل إلى الحضيض من الناحية الأدبية. سيطغى، ويقتل، ويعربد، ويتأله : (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) . وإليك من حكم النبوة ما يدلك على أن الساعة تقوم عقب فساد عريض لا ينتظر لظلامه فجر! وفي فترة تخلد الدنيا فيها إلى أهوائها، فلا يتوقع لها طهر أو ارتقاء. عن أنس، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله ". وعن حذيفة، عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع " . ويبلغ من انمحاء معالم الدين أن تعود الوثنية إلى الجزيرة مرة أخرى: " لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس حول ذي الخلصة " . ص _243
(1/213)

وهو صنم كان العرب يعبدونه في الجاهلية الأولى. ويتهاوى الناس على اللذائذ يطلبونها من كل سبيل ويدفعون ثمنها شرفهم ومروءتهم: " يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا " . وتهيج نيران الحروب في الأرض نتيجة سقوط الضمائر وخراب الذمم: " لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل القتل " ، وتمحق البركة من الأعمارـ فهي مهما طالت ـ قصيرة؛ تمر ما يكاد أحد يشعر بها . " لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان ككون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة من النار " ـ كإشعال عود من الثقاب. والأحاديث متكاثرة على أن الساعة تقوم على أشرار الناس. ولا يذهبن بك التشاؤم مذهب بعض الواهمين كلما رأوا منكرًا يفشو ضربوا كفًّا على كف، وقالوا: قامت الساعة !! إنها ستقوم حتمًا، بيد أن تربصها بهذا الأسلوب غير مستساغ . إن الأرض ـ من قديم ـ مسرح للفساد وسفك الدماء. والعراك بين الخير والشر ناشب من قرون سحيقة، والأيام بينهما دول. وانهزام الخير حينًا، لا يعني أن يفض الله هذا المجتمع المائج . ولكن الذي نزعمه هنا: أن الإنسانية المبتلاة بوجودها على ظهر الأرض، قد يرخى لها العنان ما أثمرت حضارة أو أمة أو طائفة تستقيم على الطريق، وتسبح بحمد الله، وقد يغتفر شر كثير إلى جوار هذا الخير. فإذا انقطع الأمل من رشد الناس، وأطبق أهل الأرض على العبث فيها، خلفًا بعد ص _244
(1/214)

سلف، استؤصلت شأفتهم ، ثم جمع الأولون والآخرون أمام الله لمحاكمة عامة شاملة. (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا * وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا). * * * من أشراط الساعة على أن هناك علامات حاسمة تسبق الختام الأخير لهذا العالم. نذكر - في إيجاز- بعضها، حتى لا يستطرد بنا الحديث. - منها: رجوع عيسى بن مريم إلى الحياة الدنيا مرة أخرى، ولعله خص بذلك من بين الأنبياء؛ لأن الخرافة التي تعلقت بشخصه ملأت الأرجاء، وقامت باسمها دول قوية، فليكذب الرجل نفسه ما أشاع الخلق عن ألوهيته، وهو ليس إلا عبدًا لله . ولما كانت الحياة وحدة متماسكة فنزوله في آخر الزمان كاف في الدلالة على هذا المعنى، وإن جاء عقب ضلال طويل !! - ومن علامات الساعة : ظهور الدجال، وهو رجل أعور داهية، يبدو من صفاته المذكورة له ، أنه ماهر في علوم الطبيعة، وقد يوفق إلى طائفة من المخترعات الرائعة، ويؤتى القدرة على خداع العامة بما يملك من وسائل ليست بأيديهم. وهذا الأعور الدجال من عباقرة اليهود يدعي الألوهية، وقد حذرتنا السنة من الاستماع له، وسيطوف في البلاد، يدعو لنفسه، حتى يقتل آخر الأمر. - ومن علامات الساعة: شروق الشمس من حيث تغرب ،هذا الانقلاب الفلكي، إيذان بأن النظام الدقيق الذي تماسك به أجرام السماء يوشك أن يختل بإذن صاحبه، ثم تنكدر النجوم، وتسير الجبال، وتحشر الوحوش !!. - ومن علامات الساعة : خروج الدابة، وعندي أن هذه العلامة نوع من العتاب والتقريع لبني آدم الذين جهلوا ربهم، وجحدوا حقه، مع ما آتاهم من عقل وفكر، فلا ص _245
(1/215)

بأس أن تخرج سلالة من البغال أو الحمير لتضرب حوافرها جباه الساسة والقادة، وتقول لهم: أما لكم رأي يصلكم بالله رب العالمين؟ أين الذكاء والفهم؟! كيف تلحدون؟ (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) . البعث والجزاء سننتهي من هذه الدنيا، وستنتهي هذه الدنيا بعدنا... ثم ماذا؟ نحب أن نقول أولاً، أو نؤكد ما قلناه قبلاً: إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ ماجد عظيم، وإن كماله الأسنى لا ترقى إلى كنهه العقول، وإنه أوجد البشر تفضلاً وأعطاهم ـ على ظهر هذا الكوكب الضيق- فرصة خطيرة لو أحسنوا استغلالها، وإنه ـ سبحانه وتعالى ـ لن يمنح الخلود في جواره الكريم إلا لمن ينتهزون هذه الفرصة.. فترشحهم أعمالهم وأحوالهم للصعود إلى الرفيق الأعلى؟ إن الله المجيد لا يقبل إلى جواره الأوغاد. إن الله العليم لا يقبل إلى جواره الجهلة. إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا. إن الله نظيف يحب النظافة. إن السفلة الذين التصقوا بالتراب، وعاشوا له؛ لن يرتفعوا عنه. (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب) من الخير للإنسان أن يعلم علم اليقين، أن عمره المحدود في هذه الدنيا، إن لم يكن وسيلة للتكمل والترقي؛ فلن يشرق غده، ولن يخرج منه بطائل. فالجنة التي وعد الله بها المتقين لا تتسع لخسيس ولا مهين، وإذا لم يكن الإنسان على حظ من الكمال والفضيلة، فلن يجد بها منزلاً. ص _24 ص
(1/216)

لما استكبر بها إبليس طرد منها، وقال الله له : (فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين) . ولما غفل آدم عن حق ربه، ووهنت في الخير عزيمته؛ أخرج منها وزوجه وعرفهما الله - عز وجل - وعرف ذريتهما من بعدهما أن للجنة مستوى خاصًّا من الكمال من فقده لم يبق لها أهلاً. فمن بقيت في نفسه أثارة من شر، وأدركه الموت ولم يتطهر منها؛ حبس على شواطئ الآخرة، ولم يدخل جنة ربه على تلك الحال. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يخلص المؤمنون من النار فيحبسون عل قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة . أرأيت؟ لابد من تهذيب وتنقية؟ فمن لم يستو وينضج ويطب في الدنيا انتظرته جهنم لتكمل له ما نقصه، وتعويض ما فاته . (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم * كلا إنا خلقناهم مما يعلمون) . لقد خلق الإنسان من أصول، فيها كدر وكثافة وهوان، من حمإ مسنون، ونطفة أمشاج، وأمامه في الدنيا فسحة من الأجل، ينبغي أن يستغلها في ترشيح نفسه للملأ الأعلى، فيقهر أهواءه، ويمسح أكداره، ويرقق من طينته، ويسمو بطبيعته، ويتعهد روحه بالثقل والتهذيب حتى يطيب ويطهر: فإذا جاءته رسل ربه لتنقله إلى الدار الآخرة، صدق قول الله : (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) . إن هناك أقوامًا تشم في أعمالهم نتن الطين الذي خلقوا منه، وتلمح في أخلاقهم كدره وسواده! هؤلاء ليسوا أصحاب الجنة مهما زعموا وأضلوا !!. ص _247
(1/217)

يعقد الإسلام صلة وثيقة بين فعل الخير في الدنيا وما يعقبه من سعادة في الآخرة، كما يعقد الصلة نفسها بين اقتراف الشرور، واستحقاق العذاب الأليم. وقد يحاول بعض الناس بأساليب ملتوية، وعلل مكذوبة أن يشكك في هذه الصلات القائمة، ولكن هيهات !! فالمجرم لابد أن يلقى عقوبته، وأن يواجه الجزاء من جنس العمل. (إن الله لا يصلح عمل المفسدين * ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون). وعندما يتلاوم العصاة يوم القيامة، ويحاول كل فريق منهم إلقاء التبعة على الآخر ليتنصل من الذنب، ويفر من العقاب، عندئذ يقرع آذانهم صوت الحق. (قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد * ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) . والمحسن لا يتخلف عنه الوعد الحق، ولا تنقص مكافأته على صالح عمله ذرة: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم * خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم) . ونحب أن ننبه إلى تلاعب طائفة من أدعياء العلم بالنصوص الواردة، وخبثهم في فصل العلاقة بين العمل وجزائه، والاحتيال بذلك على تحقير مظهر الخير في العمل الطيب، و مظهر الشر في العمل الفاسد. والحيلة التي يتوسلون بها إلى ذلك، إيهام الناس أن الجزاء مرتبط بالمشيئة العليا لا بعمل الإنسان. وأن الفسقة قد ينالهم العفو مهما ارتكبوا، وينشد شاعرهم: وإني - وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي !! وأنه يجوز أن يدخل القانتون العابدون نار جهنم.. ! لأن الله لا يسأل عما يفعل. ص _248
(1/218)

وهذا كلام يخالف الحقائق المقررة في دين الله . والغرض منه - كما أسلفنا - إسقاط قيم الأعمال، فلا يرهب أحد ذنبًا، ولا يرجو مؤمن حسنة. وهذه الفلسفة الحقيرة أدت عملها في إفساد الأمة، وتلويث المجتمع، وإهانة الدين وتعاليمه. والله - سبحانه وتعالى - يكذب ذلك كله بأسلوب صريح : (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) . (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار * كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب). إن أولي الألباب يوقنون بأن عموم المشيئة لا يعني التسوية بين خائن وأمين، وأن جواز العفو لا يعني إبطال الشرائع وتعطل القوانين. ص _249
(1/219)

حول شفاعة إمام الأنبياء يلغط عوام المسلمين بأحاديث واردة في شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض العصاة. وتعلق أولئك العوام بأحاديث الشفاعة يخيل إليك أن قوانين الجزاء بطلت، وأن نيران الجحيم توشك أن تتحول بردًا وسلامًا على عصاة المؤمنين. وكثيرًا ما يفرط هؤلاء الجهال في الفروض، ويقعون في أوخم الذنوب، ثم يقولون: أمة محمد بخير! وهذا مسلك ساقط. ومحمد - صلى الله عليه وسلم - أول من يستنكره ويحارب أصحابه، وينذرهم بأنهم أصحاب الجحيم. فأما أن الجزاء حق، وأنه يتناول الذرة من الخير والشر، وأنه يعم الناس أجمعين، فذلك صريح القرآن. (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره). والقول بأن قوانين الجزاء توقف بالنسبة لأتباع نبي ما سخف فارغ، وقد كذب القرآن الكريم في مواضع شتى مزاعم الأولين والآخرين لما جمحت بهم أمانيهم إلى هذا الوهم الباطل. ولسنا نرد ما صح من أحاديث الشفاعة، بل نثبتها في مواضعها التي لا تعدوها حتى لا نحرف الكلم عن مواضعه. روى الشيخان: قال رسول - صلى الله عليه وسلم - : " إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، فهي نائلة منكم إن شاء الله، من مات لا يشرك بالله شيئًا " . هل معنى هذا الحديث أن الشفاعة التي يرجوها الرسول - صلى الله عليه وسلم - تنقذ مرتكبي الفواحش والمناكر ممن ماتوا لا يشركون بالله شيئًا، دون أن يستوفوا جزاءهم ؟؟ ص _250
(1/220)

إن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفسه يرد هذا الزعم. وقد روى البخاري حديثًا يصف فيه أهوال الحشر، وأحوال أهل النار، قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيه: " يضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: سلم سلم ، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان ؟ قالوا: نعم ، قال: فإنه مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ، تخطف الناس بأعمالهم ، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار؛ أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل... " . وهذا الحديث يفيد أن من المسلمين الذين يعبدون الله وحده قومًا سيدخلون النار، وأن لهبها سينال ملامحهم، فلا يعرفون إلا بآثار السجود. وأن رحمة الله فحسب، هي التي تدركهم فتنقذهم مما يعانون من بلاء. ثم تغسل أوضارهم الأولى بماء الحياة لينبتوا ـ بعد ـ خلقًا جديدًا يصلح للنعيم والرضوان. فليس للشفاعة هذا النطاق الواسع الذي يبرر به الخطاءون إصرارهم، وما تفيدهم أمانيهم فيها شيئًا. وقد يهيئ الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن الشفاعة لا تجدي على كافر، ولا على فاسق مثقل بالخطايا. قال الله تعالى : (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) . ص _251
(1/221)

وقال كذلك: (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى) . والنفس المثقلة بالخطايا ـ ولو كانت لرجل من المصلين ـ لا يفوتها جزاؤها كما رأيت في حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وهو يصف أمته عند اجتيازها الصراط . والظاهر أن الشفاعة التي يرجوها النبي الكريم إنما تدرك صنفًا من الناس تأرجحت موازين الحق والباطل في أعماله، فهو بين السقوط والنجاح. ونحن في حياتنا ننظر إلى التلامذة الذين يقتربون من النهاية الصغرى للنجاح نظرة رأفة، ونميل إلى منحهم درجة أو درجتين جبرًا لنقصهم. أما الذين يبتعدون عن المستوى الأدنى للنجاح مسافة بعيدة، فإننا نحكم بسقوطهم فورًا. فلعل الشفاعة المنسوبة للرسول الكريم تنقذ أمثال هؤلاء المقاربين للنجاة، وبهذا التفسير يتم الجمع بين النصوص. وقد يكون المقصود من هذه الشفاعة التنويه بمكانة النبي ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ، والإشادة بمنزلته الكبرى عند الله … ومثال ذلك في مجتمعنا أنه في مناسبات خاصة ـ كعيد ميلاد الملك أو جلوسه ـ يفرج عن طوائف المسجونين ممن قضوا أغلب المدد المحكوم عليهم بها، ويراد إشعارهم. بفضل المناسبة التي ستسوق لهم العفو والحرية. وهذه الحرية الممنوحة بالعفو العام؛ لا تخدش أصل العقوبة المقررة. ولا يفهم منها أنه لا ضرورة لسن القوانين، وبناء المحاكم، وتعيين القضاة، كما يريد أن ص _252
(1/222)

يفهم ذلك عوام المسلمين من أحاديث الشفاعة المنسوبة لنبيهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، والتي تشير إلى أن الله قد يجيب دعاء نبيه وهو جاث بين يدي ربه يسأل الصفح عن الأمم الغفيرة من الأولين والآخرين، التي أدكها حر الموقف المعنت، وألهب عصاتها شواظ من النار المستعرة، فهي تضرع إلى الله أن يرفع غضبه، وتتردد على أنبيائه جميعًا كيما يشاكوهم الرجاء والدعاء. على أنه مهما بلغت منزلته عند الله فلن يتجاوز في الله حد الملق والزلفى لمولاه، وما كان لنبي أن يفرض رأيًا أو يقرر حكمًا: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير) . (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) . فلا كلام إلا بإذن، ولا كلام إلا بصواب، ومرد الأمر لله وحده. فإذا كان من الناس من يقترف الموبقات المهلكة اعتمادًا على شفاعة موهومة فليذكر قول الحق في أهل النار : (ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين * فما تنفعهم شفاعة الشافعين) . ونحن بعد هذه المقدمات الواجبة نروي حديث الشفاعة العظمى معتقدين أن قارئه لن يتجاوز به حدوده . عن أنس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك ، وفي رواية : فيلهمون لذلك. فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا. فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا ص _253
(1/223)

هذا. فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا نوحًا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. فيأتون نوحًا فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلاً. فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله وأعطاه التوراة. قال: فيأتون موسى، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته. فيأتون عيسى روح الله وكلمته، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ، عبدًا قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فيأتون، فأستأذن على ربي- تعالى- فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته. وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء الله. فيقال: يا محمد، ارفع رأسك !، قل تسمع، سل تعطه، واشفع تشفع. فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع، فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة. ثم أعود، فأقع ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع يا محمد رأسك، قل تسمع، سل تعطه، اشفع تشفع. فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع، فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن (أي من وجب عليه الخلود). إن أتباع الدين يجب أن يعرفوا أن الحساب الإلهي لا يغفل الذرة من الخير أو الشر، وأن هذه الدقة تنفي كل تصرف ينطوي على الفوضى، وكيل الجزاء جزافًا. وقد ندد القرآن الكريم باليهود، لما سرت بينهم هذه الآراء الغريبة، حتى ظن عامتهم أن الجنة حكر لهم ولذرياتهم - لأمر ما - فأقبلوا على ملذات العيش الأدنى ينتهبونها ويقولون - في يقين - سيغفر لنا!! (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى
(1/224)

ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) ص _254

والمؤسف أن هذا القطع بين العمل والجزاء رسب في أوهام العامة، فأساءوا به إلى أنفسهم وإلى دينهم، ثم إن عوج سلوك المنسوبين إلى الدين وقلة تفقههم، وسوء ذوقهم، مكن للإلحاد في الأرض، ورفع الثقة من الأديان وممثليها جملة. والعجب للمسلمين، يصابون بهذه اللوثة وهم يقرأون قول الله :
(ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا) .
الجزاء حق، ولقد أكثر القرآن من التذكير، ومن سوق النذير بعد النذير؛ لأن أكثر الناس يذهلهم ما أمامهم عما وراءهم.
بل ربما أنكروه وسخروا منه غير عابئين بهذا الغد الزاحف.
ولو عقلوا لعرفوا أن الآخرة هي المستقبل الذي يجب على كل راشد أن يوفر فيه أسباب سعادته، وأن يجعل حاضره من الدنيا تمهيدًا له، وأن يجعل سعيه في حياته غراسًا لا تنتظر ثمراته القريبة بقدر ما تؤمل عند الله عواقبه المذخورة.
إن نتائج أعمالنا في الدنيا خطيرة جدًّا.
سنقضي سنوات احتواها كتاب مؤجل، ثم تصير الدنيا ـ بعد أن نتركها كما كانت قبل أن نطرقها ـ صفرًا، إلا مما تزودنا به منها.
ولو كان أكثر الناس وطيد الرجاء في حياة مقبلة ما أرخص عمره، وما احتسب وقته أهون ما لديه من متاع.
" ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل منهما بنون.
فكونوا من أبناء الدار المقبلة، ولا تكونوا من أبناء الدار المدبرة، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل " .
ص _255
(1/225)

منكرو البعث وسخف مزاعمهم كل العصور الخالية وأقطار الأرض منكوبة بصنف من الناس!، يظنون أنهم مربوطون بأعباء الحياة، تربط الحمير بعربات القمامة، تظل تدور بها حتى يغلبها الإعياء، وتدركها الشيخوخة، فتموت حتف أنفها، أو يطلق عليها الرصاص... ثم لا شيء! يقولون: إن هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر. وهؤلاء كثيرًا ما يشغبون على المؤمنين، ويجادلونهم بالباطل!، ويحاولون توكيد رأيهم السقيم بالإصرار والحلف !! الحلف بما لا يؤمنون! (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين * إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون). ومما يحفظ للمعري في ترجيح حياة المصدق بالآخرة، وتقبيح حياة الإلحاد وما يكتنفها من فساد: قال المنجم والطبيب كلاهما لا تحشر الأجساد قلت إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما طهرت ثوبي للصلاة وقبله طهر فأين الطهر من جسديكما وذكرت ربي في الضمائر مؤنسًا خلدي بذاك، فأوحشا خلديكما وبكرت في البردين أبغي رحمة منه ولا ترعان من برديكما إن لم تعد بيدي منافع بالذي آتي فهل من عائد بيديكما؟ برد التقى وإن تهلهل نسجه خير بعلم الله من برديكما وهذا الكلام من المعري يصف من الموضوع ناحية جانبية فقط . ص _25 ص
(1/226)

فإن الدين يحفظ القلوب أن تمرض، ويصون الأعراض أن تخدش. بل يقي الأبدان - بمسلكه النظيف - عوادي شتى تتمخض عنها الشهوات المنطلقة والأهواء العاصفة. لكن هذه الثمار الجميلة ليست الدليل الفذ. ويبدو أنها ذكرت فقط، إغلاقًا لباب الجدل مع السفهاء. روي أن واحدًا من أولئك المنكرين جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعظم بالٍ وعرضه عليه، يحسب المغفل أنه سيفحمه إذ يريه العظم ثم يتساءل كيف يتحول هذا إلى بشر سوي؟ (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه). وهذا الاعتراض صفعة للسائل المستبعد، ترده إلى مكانته التي يتطاول فوقها. (قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون) . نعم يحييها المبدع المنفرد في شؤون الخلق والإيجاد والتصوير. ودلائل البعث ترجع - في جملتها - إلى لفت أنظار الناس نحو حقائق بدهية مسلمة؛ فالذي بدأ الخلق يستطيع - إذا أفناه - أن يعيده. (ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا * أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا) . وهذا الخلق المعاد تتكرر تحت أعيننا صور شتى له كل يوم، بل كل لحظة. فالرجل من حيث لا يشعر تصنع غدده الجنسية ألوف الألوف من الحيوانات المنوية، في واحد منها فقط أساس كامل لبشر كامل. ولعل لهذه الكثرة في إيجاد أصول الحياة يقصد بها إلى الدلالة على أن الموجد على ص _257
(1/227)

درجة من الغنى في خلق أسباب الحياة، تجعل إنشاء الناس أمرًا تافهًا بالنسبة إلى قدرته. (أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون * ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون) . وعن أبي رزين العقيلي: قلت يا رسول الله، كيف يعيد الله الخلق؟ وما آية ذلك؟ قال: أما مررت بوادي قومك جدبًا، ثم مررت به يهتز خضرًا؟ قال: نعم، قال: فتلك آية الله في خلقه، كذلك يحيي الله الموتى!. والواقع أن الزروع التي تكسو وجه الأرض، وتمشي فيها بالحياة والنماء، ليست مما تصح الغفلة عن دلالته. إن الفلاح يستودع ظلمات التراب حبة واحدة، أو ساقًا واحدًا، فإذا حقله يتحول - باسم الله - إلى جنان يانعة وثمار شهية وحصاد ميمون... كيف تحول الكدر والقذر والطين إلى ثمار وأغصان ورياحين؟! (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج * ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير * وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور). والمادة الميتة تتحول - في كل غذاء نتناوله - إلى خلايا حية في جسومنا، يسري فيها الشعور، وتنتفض بالحركة. فما معنى استنكار ما يقع شبيهه بيننا أبدًا؟ هل النشور إلا هذا؟ ثم ما في الإنسان بنفسه؟ إن الأرض رمز عليها خلق صغير متواضع بالنسبة إلى الوجود الضخم الذي يزحم في الفضاء البعيد ويزخر به الملكوت الرحيب، وشأن الناس إلى جانب العوالم الأخرى قليل . ص _258
(1/228)

(لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون). فكيف تستكثر على من يقيم قمرًا منيف الشرفات، سامق العمد أن يبني كوخًا تافهًا بعد هدمه؟ إن البعث عقيدة فوق الشبهات، فلنتهيأ له بالزاد الطيب، من الهدى والتقى والعفاف. خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - أول بعثه فقال: " إن الرائد لا يكذب أهله ، والله لو كذبت الناس جميعًا ما كذبتكم، ولو غششت الناس جميعًا ما غششتكم، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتجزون بالإحسان إحسانًا، وبالسوء سوءًا، وإنها لجنة أبدًا أو لنار أبدًا!. فإذا طلعت عليك شمس يوم من أيام الدنيا بعد نوم مستغرق، فاذكر أن هناك يقظة، سوف تعقب الهجعة المؤقتة في القبر، يساق بعدها أهل الشر إلى سقر، ويساق أهل الخير إلى (مقعد صدق عند مليك مقتدر) .
(1/229)