Advertisement

كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة



الكتاب: كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة
المؤلف: أبو عبد الله محمد بن مالك بن أبي الفضائل الحمادي المعافري اليماني (المتوفى: نحو 470هـ)
المحقق: محمد عثمان الخشت
الناشر: مكتبة الساعي - الرياض
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] كشف أسرار الباطنية وأخبار القرامطة
لأبي عبد الله محمد بن مالك بن أبي القبائل الحمادي المعافري اليماني
(1/1)

- بسم الله الرحمن الرحيم -
قال محمد بن مالك رحمه الله: اعلموا أيها الناس المسلمون - عصمكم الله بالإسلام وجنبنا وإياكم طريق الآثام وأصلحكم وأرشدكم ووفقكم لمرضاة وسددكم - أني كنت أسمع ما يقال عن هذا الرجل الصليحي كما يسمعون وما يتكلم به عليه من سيء الإذاعة وقبح الشناعة, فإذا قال القائل: هو يفعل ويصنع، قلت: أنت تشهد عليه غدا؟ فيقول: ما شهدت ولا عاينت بل أقول كما يقول الناس. فكنت أتعجب من هذا أولا ولا أكاد أصدق ولا أكذب ما قد أجمع عليه الناس ونطقت به الألسن,
(1/21)

فتارة أقول: هذا ما لا يفعله أحد من العرب والعجم ولا سمع به فيما تقدم من سالف الأمم، إنما هذه عداوة له من الناس للمآل الذي بلغه من غير أصل ولا أساس, وكنت كثيرا ما أسمعه يقول: "حكم الله لنا على من يظلمنا ويرمينا بما ليس فينا".
فرأيت أن أدخل في مذهبه لأتيقن صدق ما قيل فيه من كذبه, ولأطلع على سرائره وكتبه, فلما تصفحت جميع ما فيه وعرفت معانيها رأيت أن أبرهن على ذلك ليعلم المسلمون عمدة مقالته وأكشف لهم عن كفره وضلالته نصحة لله وللمسلمين وتحذيرا ممن يحاول بغض هذا الدين, والله موهن كيد الكافرين.
فأول ما أشهد به وأشرحه وأبينه للمسلمين وأوضحه أن له نوابا يسميهم الدعاة المأذونين, وآخرين يلقبهم المكلّبين تشبيها لهم بكلاب الصيد لأنهم ينصبون للناس الحبائل ويكيدون لهم بالغوائل, وينقضون على كل عاقل, ويلّبسون على كل جاهل, بكلمة حق يراد بها الباطل، يحضونه على شرائع الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام, كالذي ينثر الحب للطير
(1/22)

ليقع في شركه، فيقيم فيه أكثر من سنة يمضون به وينظرون صبره, ويتصفحون أمره, ويخدعونه بروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - محرفة وأقوال مزخرفة, ويتلون عليه القرآن على غير وجهه, ويحرفون الكلم عن مواضعه. فإذا رأوا منه الانهماك والركون والقبول والإعجاب بجميع ما يعملونه والانقياد بما يأمرونه قالوا حينئذ: اكشف عن السرائر ولا ترضى لنفسك ولا تقنع بما قد قنع به العوام من الظواهر وتدبر القرآن ورموزه واعرف مثله وممثوله واعرف الصلاة والطهارة وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرموز والإشارة دون التصريح في ذلك والعبارة فإنما جميع ما عليه الناس أمثال مضروبة لممثولات محجوبة, فاعرف الصلاة وما فيها وقف على باطنها ومعانيها لأن العمل بغير العلم لا ينتفع صاحبه به فيقول: عم أسأل؟
(1/23)

فيقول: قال الله تعالى: {َأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}. فالزكاة المفروضة في كل عام مرة وكذلك الصلاة من صلاها مرة في السنة فقد أقام الصلاة بغير تكرار, وأيضا فالصلاة والزكاة لهما باطن، لأن الصلاة صلاتان, والزكاة زكاتان, والصوم صومان, والحج حجان, وما خلق الله سبحانه من ظاهر إلاّ وله باطن, يدل على ذلك: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} , و {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} , ألا ترى أن البيضة لها ظاهر وباطن, فالظاهر ما تساوى به الناس وعرفه الخاص والعام, وأما الباطن فقصر علم الناس به عن العلم به فلا يعرفه إلا القليل, من ذلك قوله: {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} , وقوله: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} , فالأقل من الأكثر الذين لا عقول لهم.
والصلاة والزكاة سبعة أحرف دليل على محمد وعلى - صلى الله عليه وسلم - عليهما لأنهما سبعة أحرف، فالمعني بالصلاة والزكاة ولاية محمد وعلي, فمن تولاهما فقد أقام الصلاة وآتى الزكاة. فيوهمون على من لا يعرف لزوم الشريعة والقرآن وسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقع هذا من ذلك المخدوع بموقع الاتفاق والموافقة لأنه مذهب الراحة والإباحة، يريحهم مما تلزمهم الشرائع من طاعة الله ويبيح لهم ما حظر عليهم من محارم الله. فإذا قبل منهم ذلك المغرور هذا قالوا له: قرب قربانا يكون لك
(1/24)

سلّما ونجوى، ونسأل لك مولانا يحط عنك الصلاة ويضع عنك هذا الإصر, فيدفع اثني عشر دينار فيقول ذلك الداعي: يا مولانا! إن عبدك فلان قد عرف الصلاة ومعانيها فاطرح عنه الصلاة وضع عنه هذا الإصر, وهذا نجواه اثنا عشر دينار, فيقول: اشهدوا أني قد وضعت عنه الصلاة, ويقرأ له {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}.
فعند ذلك يقبل عليه أهل هذه الدعوة يهنئونه ويقولون: الحمد لله الذي وضع عنك {وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} , ثم يقول له ذلك الداعي الملعون بعد مدة: قد عرفت الصلاة وهي أول درجة, وأنا أرجو أن يبلغك الله إلى أعلى الدرجات فاسأل وابحث, فيقول: عم أسأل؟ فيقول له: سل عن الخمر والميسر اللذين نهى الله تعالى عنهما أبو بكر وعمر لمخالفتهما على علي وأخذهما الخلافة من دونه, فأما ما يعمل من العنب والزبيب والحنطة وغير ذلك فليس بحرام لأنه مما أنبتت الأرض. ويتلو عليه:
(1/25)

{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} إلى آخر الآية. ويتلو عليه: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} إلى آخر الآية, والصوم الكتمان فيتلو عليه: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه} , يريد كتمان الأئمة في وقت استتارهم خوفا من الظالمين ويتلو عليه: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} , فلو كان عني بالصيام ترك الطعام, لقال: فلن أطعم اليوم شيئا فدل على أن الصيام الصموت. فحينئذ يزداد ذلك المخدوع طغيانا وكفرا, وينهمك إلى قول ذلك الداعي الملعون؛ لأنه أتاه بما يوافق هواه والنفس الأمارة بالسوء.
ثم يقول له: ادفع النجوى تكون سلما ووسيلة حتى نسأل مولانا يضع عنك الصوم. فيدفع اثني عشر دينارا فيمضي به إليه فيقول: يا مولانا، عبدك فلان قد عرف معنى الصوم على الحقيقة فأبح له الأكل برمضان،
(1/26)

فيقول له: قد وثقته وأمنته على سرائرنا؟ فيقول له: نعم، فيقول: قد وضعت عنك ذلك. ثم يقيم بعد مدة فيأتيه ذلك الداعي الملعون فيقول له: لقد عرفت ثلاث درجات فاعرف الطهارة وما هي وما معنى الجنابة ما هي في التأويل؟ فيقول: فسر لي ذلك؟ فيقول له: اعلم أن معنى الطهارة طهارة القلب, وأن المؤمن طاهر بذاته, والكافر النجس لا يطهره ماء ولا غيره, وأن الجنابة هي موالاة الأضداد, أضداد الأنبياء والأئمة, فأما المني فليس بنجس منه خلق الله الأنبياء والأولياء وأهل الطاعة, وكيف يكون نجسا وهو مبدأ خلق الإنسان وعليه يكون أساس البنيان, فلو كان التطهير منه من أمر الدين لكان الغسل من الغائط والبول أوجب لأنهما نجسان, وإنما معنى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} , معناه فإن كنتم جهلة بالعلم الباطن فتعلموا واعرفوا العلم الذي هو حياة الأرواح كالماء الذي هو حياة الأبدان. قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ}. وقوله: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ, خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} , فلما سماه الله بهذا دل على طهارته, ويوهمون ذلك المخدوع بهذه المقالة. ثم يأمره ذلك الداعي أن فيدفع اثني عشر دينارا ويقول: يا مولانا، عبدك فلان قد عرف معنى الطهارة الحقيقة, وهذا قربانه إليك. فيقول: اشهدوا أنني قد أحللت له ترك الغسل من الجنابة.
(1/27)

ثم يقيم مدة فيقول له الداعي الملعون: قد عرفت أربع درجات وبقي لك الدرجة الخامسة فاكشف عنها فإنها منتهي أمرك وغاية سعادتك، ويتلو عليه: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} فيقول له: ألهمني إياه ودلني عليه؟ فيتلو عليه: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} , ثم يقول له: أتحب أن تدخل الجنة في الحياة الدنيا؟ فيقول: وكيف لي بذلك؟ فيتلو عليه: {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى} , ويتلو عليه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} , والزينة هاهنا ما خفي على الناس من أسرار النساء, لا يطلع عليها إلا المخصصون بذلك, وذلك قوله: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} , والزينة مستورة غير مشهورة, ثم يتلو عليه: {وَحُورٌ عِينٌ, كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} , فمن لم ينل الجنة في الدنيا لم ينلها في الآخرة؛ لأن الجنة مخصوص بها ذوو
(1/28)

الألباب وأهل العقول دون الجهال، لأن المستحسن من الأشياء ما خفي, ولذلك سميت الجنة جنة لأنها مستجنّة, وسميت الجن جنا لاختفائهم عن الناس, والمجنة المقبرة لأنها تستر من فيها, والترس المجن لأنه يستتر به، فالجنة هاهنا ما استتر عن هذا الخلق المنكوس الذي لا علم لهم ولا عقول, فحينئذ يزداد هذا المخدوع انهماكا, ويقول لذلك الداعي الملعون: تلطف في حالي وبلغني إلى ما شوقتني إليه, فيقول: ادفع النجوى اثني عشر دينارا تكون لك قربانا وسلما. فيمضي به ويقول: يا مولانا، عبدك فلان قد صحت سريرته وصفت حبرته وهو يريد أن تدخله الجنة, وتبلغه جد الأحكام, وتزوجه حور العين؟ فيقول له: وقد وثقته وأمنته؟ فيقول: يا مولانا قد وثقته وآمنته وخبرته فوجدته على الحق صابرا ولأنعمك شاكرا، فيقول: علمُنا صعب مستصعب لا يحمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب أو عبد امتحن الله قلبه بالإيمان, فإذا صح عندك حاله فاذهب به إلى زوجتك فاجمع بينه وبينها، فيقول: سمعا وطاعة لله ولمولانا, فيمضي به إلى بيته فيبيت مع زوجته حتى إذا أصبح الصباح قرع عليهما الباب وقال: قوما قبل أن يعلم بنا هذا الخلق المنكوس, فيشكر ذلك المخدوع ويدعو له,
(1/29)

فيقول: هذا ليس من فضلي, هذا من فضل مولانا. فإذا خرج من عنده تسامع به أهل هذه الدعوة الملعونة فلا يبقى منهم أحد إلاّ بات مع زوجته كما فعل ذلك الداعي الملعون, ثم يقول له: لا بد أن تشهد المشهد الأعظم عند مولانا فادفع قربانك. فيدفع اثني عشر دينارا ويصل به ويقول: يا مولانا، إن عبدك فلان يريد أن يشهد المشهد الأعظم وهذا قربانه, حتى إذا جن الليل ودارت الكؤوس وحميت الرؤوس وطابت النفوس أحضر جميع أهل هذه الدعوة الملعونة حريمهم فيدخلن عليهم من كل باب وأطفأوا السرج والشموع, وأخذ كل واحد منهم ما وقع عليه يده, ثم يأمر المقتدي زوجته أن تفعل كفعل الداعي الملعون وجميع المستجيبين, فيشكره ذلك المخدوع على ما فعل, فيقول له: هذا ليس من فضلي هذا من فضل مولانا أمير المؤمنين, فاشكروه ولا تكفروه, ما أطلق من وثاقكم ووضع عنكم أوزاركم وحط عنكم أثقالكم وأحل لكم بعض الذي حرّم عليكم جهّالكم {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}.
قال محمد بن مالك رحمه الله تعالى: هذا ما اطلعت عليه من كفرهم وضلالتهم, والله تعالى لهم بالمرصاد, والله تعالى عليّ شهيد
(1/30)

بجميع ما ذكرته مما اطلعت عليه من فعلهم وكفرهم وجهلهم, والله يشهد على جميع ما ذكرته, عالم به, ومن تكلم عليهم بالباطل فعليه لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين, وأخزي الله من كذب عليهم, وأعد له جهنم وساءت مصيرا, ومن حكى عنهم بغير ما هم عليه فهو يخرج من حول الله وقوته إلى حول الشيطان وقوته, فأديت هذه النصيحة إلى المسلمين حسب ما أوجبه الله علي من حفظ هذه الشهادة ومراعاتها وأدائها إلى من لم يسمعها قال الله تعالى: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ}. والله أسأله أن يتوفّانا مسلمين, ولا ينزع عنا الإسلام بعد إذ آتانا الله بمنه ورحمته.

المقالة في أصل الدعوة الملعونة ومبدئها
وقد رأيت أيها الناس وفقنا الله وإياكم للصواب وجنبنا وإياكم طرق الكفر والارتياب أن أذكر أحبال هذه الدعوة الملعونة لئلا يميل إلى مذهبهم مائل ولا يصبو إلى مقالتهم لبيب عاقل ويكون في هذا القدر من الكلام في هذا الكتاب إنذار لمن نظره، وأعذار لمن وقف عليه واعتبره.

باب
اعلموا يا إخواني في الإسلام أن لكل شيء من أسباب الخير والشر والنفع والضر والداء والدواء أصولا، وللأصول فروعا، وأصل هذه الدعوة الملعونة التي استهوى بها الشيطان أهل الكفر
(1/31)

والشقوة ظهور [عبيد الله] بن ميمون القداح في الكوفة، وما كان له من الأخبار المعروفة والمنكرات المشهورة الموصوفة، ودخوله في طرق الفلسفة واستعماله الكتب المزخرفة، وتمشيته إياها على الطغام ومكيدته لأهل الإسلام.
وكان ظهوره في سنة ست وسبعين ومائتين من التاريخ للهجرة النبوية، فنصب للمسلمين الحبائل وبغى لهم الغوائل ولبس الحق بالباطل {وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ}، وجعل لكل آية من كتاب الله تفسيرا ولكل حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأويلا، وزخرف الأقوال وضرب المثال، وجعل لآي القرآن شكلا يوازيه ومثلا يضاهيه. وكان الملعون عارفا بالنجوم معطلا لجميع العلوم {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}. فجعل أصل دعوته التي دعاها وأساس بِنْيَتِه التي بناها الدعاء إلى الله وإلى الرسول ويحتج بكتاب الله ومعرفة مثله وممثوله
(1/32)

والاختصاص لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بالتقديم والإمامة والطعن على جميع الصحابة بالسب والأذى، وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لعن الله من سب أصحابي". وقال عليه السلام: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من سب أصحابي فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله كبه الله على وجهه في النار". فأفسد بتمويهه قلوب الجهال وزين لهم الكفر والضلال وله شرح يطول فيه الخطاب غير أني أختصر. وفيما أشرحه كفاية واعتبار لأولي الألباب والأبصار.
وكان هذا الملعون يعتقد اليهودية ويظهر الإسلام، وهو من اليهود من ولد الشلعلع من مدينة بالشام يقال لها سلمية،
(1/33)

وكان من أحبار اليهود وأهل والفلسفة الذين عرفوا جميع المذاهب وكان صائغا يخدم شيعة إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وكان حريصا على هدم الشريعة المحمدية لما ركّب الله في اليهود من عداوة الإسلام وأهله والبغضاء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ير وجها يدخل به على الناس حتى يردهم عن الإسلام ألطف من دعوته إلى أهل بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وكان قد خرج في أيام قرمط البقار، وكان اسمه أو لقبه لأنه كان يقرمط في سيره إذا مشى، ولذلك نسب أهل مذهبه ومذهب بن ميمون إلى قرمط لأنهما اجتمعا وعملا ناموسا يدعوان إليه.
(1/34)

وكانا يعرفان النجوم وأحكام الزمان، فدلهما الوقت على تأسيس ما عملاه فخرج ميمون إلى الكوفة وأقام بها مدة وله أخبار يطول شرحها مما كان منه ومن علي بن فضل والمنصور صاحب مسور وأبي سعيد الجنابي. وأنا أشرح ذلك عند انتهائي إليه إن شاء الله تعالى. وأما قرمط البقار فإنه خرج إلى بغداد وقتل هناك لا رحمه الله.

باب ذكر ما كان من القداح وعقبه لعنه الله وتعلق بسببه ودخل ضلالته ومذهبه
وكان أول أولاده عبيد وهو المهدي، ثم محمد وهو القائم، ثم الطاهر إسماعيل المنصور، ثم المعز ثم العزيز ثم الحاكم ثم الظاهر ثم معد المستنصر. هؤلاء الذين ينسبون إليه إلى عصرنا هذا، فانتسبوا إلى ولد الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وانتحالهم انتحال كاذب وليس لهم في ذلك برهان. وأهل الشرف ينكرون ذلك فإنهم لم
(1/35)

يجدوا لهم في الشرف أصلا مذكورا ولا عرفوا لهم في كتاب الشجرة نسبا مشهورا، بل الكل يقصيهم عن الشرف وينفيهم عن النسب إلا من دخل معهم في كفرهم وضلالتهم فإنه يشهد لهم بالزور ويساعدهم في جميع الأمور. وقد زعموا أنهم ولد محمد إسماعيل بن جعفر الصادق وحاشى لله ما كان لمحمد إسماعيل من ولد ولا عرف ذلك من الناس أحد بل هم {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}.
الدليل على ذلك وعلى بطلان ما ذكروه أنهم يقولون معد المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي وهو عبيد بن ميمون، ثم يقولون ابن الأئمة المستورين من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق فإذا سألهم سائل عن هؤلاء المستورين حادوا عن الجواب وكان للسائل لهم الارتياب.
(1/36)

وقالوا هم أئمة قُهروا فتستروا ولم يؤمروا بإظهارهم ولا ذكرهم لأحد. وهذا من أعظم الشواهد على بطلان ما ذكروه وانتسبوا إليه.
والدليل على أنهم من أولاد اليهود استعمالهم اليهود في الوزارة والرياسة وتفويضهم إليهم تدبير السياسة؛ ما زالوا يحكِّمون اليهود في دماء المسلمين وأموالهم. وذلك مشهور عنهم يشهد بذلك كل أحد.

باب خروج ميمون القداح من سلمية إلى الكوفة
وقد ولد له عبيد وهو الذي يسمونه عبيد الله المهدي فأقاما بالكوفة مدة طويلة حتى تهيأ لهما ما كانا يطلبان وإلى أن أجابهما إلى ذلك تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون منهم علي بن فضل الجدني اليماني، وأبو القاسم بن زاذان الكوفي المسمى المنصور عند كونه باليمن في مسور وأبو سعيد الجنابي صاحب الأحساء والبحرين وأبو عبد الله الشيعي صاحب كتامة في
(1/37)

المغرب والحسن بن مهران المسمى بالمقنع الخارج فيما وراء النهر من خرسان ومحمد بن زكريا الخارج في الكوفة. ولا بد أن أذكر أصح خبر كل منهم مختصرا إن شاء الله تعالى.

باب في ذكر أبي سعيد الجنابي لعنه الله
كان فيلسوفا ملعونا ملك البحرين واليمامة والأحساء وادعى فيها أنه المهدي القائم بدين الله فاستفتح ودخل مكة وقتل الناس في المسجد الحرام ومنع الناس من الحج واقتلع الركن وراح به إلى الأحساء وقال في ذلك شعرا:
ولو كان هذا البيت لله ربنا ... لصب علينا النار من فوقنا صبا
لأنا حججنا حجة جاهلية ... مجللة لم نبق شرقا ولا غربا
(1/38)

وإنا تركنا بين زمزم والصفا ... جنائز لا تبغي سوى ربها ربا
وله لعنه الله أشعار في ذلك تركتها اختصارا. وكان دخوله مكة سنة سبع عشرة وثلاثمائة وقتل فيها ثلاث عشر ألفا، عليه لعنة الله.

باب ذكر الحسن بن مهران المعروف بالمقنع
خرج فيما وراء النهر وله أخبار شنيعة. وكان حكيما فيلسوفا ملعونا. ذكروا أنه عمل قمرا بالطلسم يطلع في السنة أربعين ليلة ولقد كنت أكذب ذلك حتى صححه لي جماعة من أهل خراسان وذكروا أنه بنى حصنا وعمل فيه لوالب فكان المسلمون إذا أتوا لقتاله قذفوا بالحجارة ولا يدرون من أين يقذفون فمال إليه خلق كثير حتى بعث الله عليهم بغلام حكيم فأمر المسلمين أن يحفروا حول الحصن فوقعوا على اللوالب فأخرجوها ودخلوا عليه فقتلوه. وقيل إنه أحرق نفسه قبل دخولهم عليه فأمكن الله سبحانه وتعالى منه.

باب ذكر محمد بن زكريا لعنه الله
أحسب أن اسمه زكرويه بن مهرويه القرمطي. وكان قد خرج بالكوفة فخرج إليه المكتفي أمير المؤمنين من بني العباس فقتله، لعنه
(1/39)

الله ولا رحمه.

باب ذكر علي بن فضل الجدني لعنه الله
من ذرية ذي جدن، والأجدون من سبأ صهيب وأصله من جيشان. وكان في أوله ينتحل الاثني عشرية فخرج للحج ثم زار قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم مضى إلى الكوفة لزيادة قبر الحسين بن علي رضي الله عنه فلما وصل إلى الكوفة وزار قبر الحسين رضي الله عنه بكى على القبر بكاء شديدا وجعل ينوح ويقول بأبي أنت يا ابن الزهراء المضرح بالدماء الممنوع من شرب الماء، وكان ميمون القداح على القبر وولده عبيد فلما بصرا به سرهما وطمعا به وعلما أنه ممن يميل إليهما ويدخل في ناموسهما فقال ميمون: أيها الشاب ما كنت تفعل لو رأيت صاحب هذا القبر؟ قال: إذا والله أضع له خدي وأجاهد بين يديه حتى أموت شهيدا، فقال ميمون: أتظن أن الله قطع هذا الأمر؟ قال له علي بن فضل: لا ولكن لا أعلم ذلك فهل عندك منه خبر أيها الشيخ؟
(1/40)

فقال: أخبرك به إن شاء الله عند الإمكان، ثم قام ميمون فتعلق به، فقال ميمون: تقف بهذا المسجد إلى غد، فوقف أياما فلم ير له خبرا، فودع أصحابه وقال لهم: أما أنا فلا أبرح هاهنا حتى أنتجز وعدا قد وعدته، فأخذ له من المؤونة ما يكفيه فوق أربعين يوما وميمون وولده يرمقانه من حيث لا يعلم بهما، فلما رأى ميمون صبره أعجبه وعلم أنه لا يخالفه في شيء من دعوته والميل إلى كفره وضلالته. فأتاه عبيد فوثب إليه فاعتنقه، وقال: سبحان الله يا سيدي وعدني الشيخ وعدا فأخلفني، فقال: لم يخلفك، وإنما قال: أنا آتيك غدا إن شاء الله، وله في هذا مخرج على ضميره، ثم جلسا وجرى بينهما الكلام، وقال له: يا أخي اعلم أن ذلك الشيخ أبي وقد سره ما رأى من صبرك وعلو همتك وهو يبلغك محبوبك إن شاء الله، ثم أخذه بيده فأوصله إلى الشيخ. فلما رآه قال: الحمد لله الذي رزقني رجلا نحريرا مثلك أستعين به على أمري وأكشف له مكنون سري، ثم كشف له أمر مذهبه لعنهما الله. فأصغى إليه واشرأب قلبه وتلقى كلامه بالقبول، وقال له علي: والله إن الفرصة ممكنة في اليمن، وإن الذي تدعو إليه
(1/41)

جائز هناك وناموسنا يمشي عليهم وذلك لما أعرف فيهم من ضعف الأحلام وتشتيت الرأي وقلة المعرفة بأحكام الشريعة المحمدية، فقال له ميمون: أنا موجهك إلى المنصور الحسن بن زاذان، وكان ينسب إلى ولد مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وكان أبوه ممن ينتحل مذهب الشيعة الإثنى عشرية، وكان من أهل الضلالة، وكان من أهل الكوفة، فلما دخل ميمون الكوفة وظفر بالحسن بن زاذان علم أنه مسعود وأنه ينال ملكا وشرفا، وذلك من طريق معرفته بالنجوم والفلسفة. فجعل ميمون يلطف به ويرفق فيكشف له مذاهب الفلسفة ومقالهم، فلم يزل به حتى قبل منه وركن إلى قوله، وما زال به حتى مال إلى معتقده وصار من دعاته الذين يدعون إليه وإلى ولده. فعند ذلك قال ميمون: يا أبا القاسم إن الدين يماني والحكمة يمانية، وكل أمر يكون مبدأه من قبل اليمن فإنه يكون ثابتا ثبوت نجم النجم، وذلك أن إقليم اليمن أعلى أقاليم الدنيا، ولا بد من خروجك إلى هنالك أنت وأخوك علي بن فضل اليماني فسيكون لكما شأن وملك وسلطان في اليمن، فكونا على أهبة.
(1/42)

فقال له: الأمر إليك يا سيدي، قال المنصور: فكنت أنا وعلي بن فضل وعبيد لا نزال نكثر المذاكرة في مجلس الشيخ، وكان يقول: عند تمام الوقت ومضي ستة أدوار من الهجرة المحمدية أبعثكما إلى اليمن تدعوان إلى ولدي هذا فسيكون له ولذريته عز وسلطان. وأخذ عليّ وعلى علي بن فضل العهود والمواثيق لولده.
فلما كان أوان خروجنا، قال لنا ميمون: هذا هو الوقت الذي كنا ننتظره، فاخرجا في هذا الموسم ثم وجهنا بالحج وعهد إلينا، ثم خلا بي وأوصاني بالاستتار حتى أبلغ مرادي، وقال لي: الله الله بصاحبك فاحفظه وأكرمه بجهدك، ومره بحسن السيرة في أمره فإنه شاب ولا آمن نبوته، وخلا بعلي بن فضل وقال: الله بصاحبك وقره واعرف له حقه ولا تخالفه فيما يراه لك إنه أعرف منك، وإنك إن خالفته لم ترشد.
قال المنصور: فلما صرت في بعض الطريق لحقني كمد عظيم لحال الغربة وإذا بحاد يقول:
يا أيها الحادي المليح الزجر ... نشر مطاياك بضوء الفجر
تدرك ما أملته من أمر
قال: فلما سمعت ذلك سررت به واستبشرت،
(1/43)

فوصلت مكة مع الحاج وذلك في أيام محمد بن يعفر الحوالي. ثم أقبلنا نسأل عن أخبار اليمن، فقيل لنا: إن الأمير محمد بن يعفر رد المظالم واعتزل عن الناس ورجع إلى التنسك والعبادة، فقلنا: ولم فعل ذلك؟ فقيل لنا: إنه قيل له إن في هذه السنة يخرج عليه خارجي فيكون زوال أمره على يديه، ويقال إنه رد في يوم واحد ألف دينار، وكان في بني حوال رجل يقال له إبراهيم فقال:
يا ذا حوال يا مصابيح الأفق ... تداركوا عزكم لا ينفتق
فتطلبون رتق مالا يرتتق ... فأيكم قام بها فقد سبق
فقام ولد محمد بن جعفر.
قال محمد بن مالك الحمادي رحمه الله: فلما خرج علي بن فضل مع الحاج هو والمنصور وصارا في غلافقة، افترقا وقال كل واحد منهما لصاحبه: أعلمني بأمرك وما يكون منك. فوصل المنصور إلى الجند، وصاحب الأمر يومئذ جعفر بن
(1/44)

إبراهيم المناخي، وخرج علي بن فضل إلى ناحية جيشان. فأما المنصور فإن ميمونا كان قال له: لا يظهر أمرك إلا من موضع يقال له عدن لاع، فإنه أقوى لأمرك وأمضى لناموسك، وإنما دله على ذلك الفلسفة وعرف ما سطره في كتبهم من تسمية الأقاليم والبلدان وتقويم الكواكب السبعة. فلما صار المنصور إلى الجند سأل عن عدن لاعة؟ فقالوا: لانعرف إلا عدن أبين بتجارة تصلح لعدن كما يفعل التجار، فأقام أياما فيها يسأل عن عدن لاعة مدة بقائه هنالك فبصر به شيخ من تجار عدن فأنكره فسأله عن حاله؟ فقال: أنا رجل من أهل العراق وكنت حاجا في هذه السنة، قال: فهل عندك خبر؟ فقال: لست صاحب أخبار وعما تريد أن أخبرك عنه؟ قال له العدني: هل حدثت في الشام أحداث؟ فقال: لا علم لي بشيء، فلم يزل به حتى أعلمه ما في ضميره، فعاهده المنصور على كتمان سره، وسأله عن عدن لاعة؟ فقال: هي معروفة ولا يزال أهلها من التجار يصلون إلينا وأنا أعلمك بهم إذا وصلوا. يقال إن هذا العدني جد بني الوزان فاسدي المذهب، وبنو الوزان إلى اليوم رفضة شيع.
(1/45)

فلما وصل التجار من عدن لاعة، ومن عيان، فسألهم عن الموضع فأخبروه عنه وأنه في ناحية بلادهم، وهي قرية صغيرة، فمن أعلمك من الناس بها؟ قال: الناس يسمعون بذكر البلدان، فلما عزموا على الرحيل تأهب للخروج معهم، وقال: أنا رجل من أهل العلم، وقد رغبت بالخروج معكم إلى بلدكم، ففرحوا به وأكرموه، وقالوا: مرحبا بك نحن أحوج إلى من يبصرنا في أمر ديننا، ونحن نكفيك المئونة ونحملك، فأثنى عليهم وشكرهم وقال: لا حاجة لي فيما عندكم، وإنما أردت وجه الله تعالى، فارتحل معهم فكان يسامرهم ويروي لهم أحسن الأخبار، فأحبوه وأصغوا إليه وإلى قوله. فكانوا يحدقون به إكراما له وتبجيلا حتى قدموا لاعة، فادعى الفقه في مذهب السنة والجماعة، فتسامع به الناس وأقبلوا إليه من كل ناحية وهو مستعمل الورع وحسن السيرة، حتى مالت إليه مخاليف المغرب لاعة وادران وحجة وعيان وبلدان البياض، فأمرهم بجمع الزكاة عن أموالهم فاستعمل عليهم منهم ثقات وعدولا يقبضون أعشار أموالهم على ما يوجبه الفقه. فأقام سنتين بعد قتل محمد بن يعفر، واختلاف بني حوال فيما بينهم، فقال لهم: قد رأيت أن تبنوا موضعا منيعا يكون لبيت مال
(1/46)

المسلمين، فعزموا على ذلك ولم يخالفوه فيما أمرهم به، فأجمعوا على بناء موضع يقال له: عبر محرم، وهو جبل تحت مسور وهو موضع بني العرجي قوم من سلاطين المغرب همدان، فلما بنى الجبل وحصنه حمل إليه كل ما يحتاج إليه بعد أن ساعده إلى إرادته خمسمائة رجل، وأخذ عليهم العهود والمواثيق، ثم إنه بعد ذلك ارتكب الحصن هو وأصحابه ونقلوا حريمهم وأموالهم بعد أن أخرج الحوالي عسكرا في جنح الليل إلى موضع كانوا فيه يقال له الحيفة في ناحية لاعة فقتل من أصحاب المنصور اثنى عشر وارتكب الجبل عبر محرم بمعاملة لبني العرجي، وأنكر الناس أمره وأضرموا النار لحربه، فكتب إليهم أني ما طلعت هذا الجبل إلا لأحصن به نفسي من السلطان، فلم يقبلوا منه وجاسوا إليه فقاتلوه فهزمهم وقتل منهم بشرا كثيرا, فعظم حينئذ شأنه وشاع إلى جميع العشائر ذكره، وبلغ الأمير ذلك فكتب إلى جميع العشائر حوله يحرضهم على قتاله فقاتلوه مرارا وهو ينتصر عليهم.
ثم استنجدوا عليه رجلا من سلاطين شارو يقال له: أبو إسماعيل، وبالحوالي صاحب صنعاء، فأمدهم بالعساكر الكثيرة فهزمهم وقتل منهم قتلا كثيرا، فازداد بذلك ذكره وعظم أمره ودخل في طاعته من كان حوله طوعا وكرها واستعمل الطبول والرايات وأظهر مذهبه ودعا إلى عبيد بن ميمون وكان يقول: والله ما أخذت هذا الأمر بمالي
(1/47)

ولا بكثرة رجالي وإنما أنا داعي المهدي الذي بشر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فانهمك إليه عامة الناس ودخلوا في بيعته. ثم سمت به همته إلى ارتكاب جبل مسور حصن يقال له فائس، فيه خمسمائة رجل ومأمور للحوالي، فلم يزل الملعون يتلطف حتى عامل مع عشرين رجلا منهم فارتكب الجبل بالليل فأصبح في رأسه وقصد من كان في بيت فائس وفتحوا له العشرون الذين عاملوه وقالوا: ادخلوها بسلام آمنين، فقال: المنصور اخرجوا منها فإنا داخلون.
وسأل صاحب الحصن الأمان على نفسه ومن معه فأمنهم، فلما رأى المنصور صاحب الحصن مقبلا نزل عن دابته ومشى إليه واعتنقه فزال عنه الرعب، وقال له: إن معي مالا للسلطان فمن يقبضه، فقال المنصور لعنه الله: لسنا ممن يرغب في مال السلطان وما طلعت هذا الجبل لأخذ أموال الناس، وإنما طلعت لإصلاح الإسلام والمسلمين، خذ مال صاحبك فأده إليه.
فذكروا أنه لعنه الله طلع جبل مسور في ثلاثة آلاف رجل ومعه ثلاثون طبلا، فكانت طبوله إذا ضربت سمعت إلى المواضع البعيدة من المغرب.
ثم إنه بعد ذلك حصن الحصن ودربه وبنى فيه دار الإمرة وهو بيت ريب وهو أول من أسسه وجعل فيه من يثق به من أهل مذهبه، ثم بنى بيت ريبة ودرب الجبل من كل ناحية وجعل له بابين،
(1/48)

وبنى بيت الريبة قصرا وسماه دار التحية، فعند ذلك أحل ما حرم الله وكان يجمع أصحابه في ذلك القصر ونسائهم ويرتكبون الفواحش، وأقام يحارب من حوله من القبائل ويبعث إليهم بالعساكر، فأبادهم وأخذ أموالهم وقتل رجالهم حتى دخلوا في طاعته كارهين ذلك، واستولى على جميع مخاليف المغرب قهرا واستعمل عليهم رجلا من أهل مذهبه يقال له: أبو الملاحف، فأقام بناحية جبل تيس واليا للمنصور، وخرج بنفسه وعساكره إلى بلاد شاور فاستفتحها وحاصر صاحبها أبا إسماعيل الشاوري سبعة أشهر حتى استنزله من حصنه ورجع إلى مسور. ثم خرج إلى ناحية شبام حمير فأقام يحاربهم مدة طويلة وخرجت عساكره إلى ناحية المصانع من بلدة حمير فأقام هناك في مراكز لحمير فتحموا عليه وقتلوا جماعة من عسكره فانهزموا إلى مسور، فغفل عنهم أياما يسيرة وعامل رجلا يقال له: الحسين بن جراح وكان في الضلع ضلع شبام واليا على أن يعضده على شبام ويكون أمرها إليه فعاقده على ذلك وخرج بنفسه وعساكره وقام معه الحسين بن جراح ففتح شبام الأهجر، فأخرج منها بني حوال وحمل إلى مسور جميع ما غنمه من مسالك بني حوال وأموالهم. وأقام هنالك شهرا، وندم ابن الجراح على ما كان منه في معاملته وخاف على نفسه وحالف رجلا يقال له: ابن كبالة من قواد بني حوال كان واليا على
(1/49)

صنعاء؛ فجاش ابن كبالة بقبائل حمير وهمدان وخالف ابن جراح القرمطي فصاروا في وجهه وابن كبالة يقابله على درب شبام، فضاق حال الملعون القرمطي وخرج منهزما بالليل هو وأصحابه إلى مسور، فذكروا أنه ما خرج إلا بنفسه، وترك خيله، وأقام في شبام حتى رجع لها القرمطي ثانية، وذلك عند دخول علي بن فضل صنعاء، وأنا أذكر ما كان منهما لعنهما الله.
وقد كان المنصور كتب قبل أن يختلف هو وعلي بن فضل إلى ميمون وولده يخبره بما فتح من البلاد، ووجه إليهما بهدايا وطرف من طرف اليمن، وكان ذلك سنة تسعين ومائتين، فلما وصلت هديته إلى القداح وولده سرهما ذلك، وقال لولده: هذه دولتك قد أقبلت.
ثم إن المنصور أقام في مسور إلى أن جرى بينه وبين علي بن فضل الجدني اختلاف ومحاربة، وأنا أشرح ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وكان موت المنصور لعنه الله سنة اثنتين وثلاثمائة، وولي الأمر من بعده عبد الله ابن عباس الشاوري.

باب ذكر علي بن فاضل بن أحمد الجدني لعنه الله
كان من خبره أنه لما افترق هو والمنصور بغلافقة وخرج إلى اليمن أيضا وفيها جعفر بن إبراهيم المناخي وخرج إلى جعفر من أبين وفيها رجل من الأصابح يقال له محمد بن أبي العلاء، فخرج القرمطي إلى جيشان ثم خرج إلى سرويافع فتفرسهم
(1/50)

فعلم أنهم أسرع الناس إلى إجابته فطلع رأس جبل وبنى فيه مسجدا وأخذ بالنسك والعبادة، فكان نهاره صائما وليله قائما، فأنسوا إليه وأحبوه وافتتنوا به، ثم إنهم قلدوه أمرهم وجعلوا حكمهم إليه فسألوه أن ينزل من ذلك الجبل ويسكن بينهم. فقال: لا أفعل هذا ولست أسكن بين قوم جهال ضلال إلا أن يعطوني العهود والمواثيق أن لا يشربوا الخمر. ففعلوا له ذلك وأنهم ينكرون المنكر وينكرون أهل المعاصي بأجمعهم. فلم يزل يخدعهم بعبادته حتى بلغ إرادته وأمرهم ببناء حصن في ناحية سرويافع فأطاعوه وسمعوا لأمره. ثم إنه أنهبهم أطراف بلدان ابن أبي العلاء وأراهم أن ذلك جهاد لأهل المعاصي حتى يدخلوا في دين الله طوعا أو كرها، وأمرهم أن يتخطفوا بلاد ابن أبي العلاء، فاشتد بأسهم فكانوا لا يلقون جمعا إلا هزموا وظفروا عليهم وذلك لما سبق من علم الله من فتنة المسلمين على يديه لعنه الله، فلما شاع ذكره وسمع به جعفر بن إبراهيم كاتبه وفرح به وذلك لشحناء بينه وبين ابن أبي العلاء لقرب القرمطي إليه، فكاتبه جعفر على مطابقته على حرب ابن أبي العلاء ووجه من عنده عسكرا إلى القرمطي وتعاقدا أن يكون جميع ما يفتح من بلدان ابن أبي العلاء بينهما نصفين،
(1/51)

فخرج القرمطي لحرب ابن أبي العلاء بقبائل يافع وعسكر جعفر فهزمهم ابن أبي العلاء وقتل منهم قتلا كثيرا، وانهزم القرمطي إلى سبأ صهيب. فلما كان الليل جمع أصحابه وقال لهم: إني أرى رأيا صائبا أن القوم قد أمنوا منا وقد علمتم ما فعلوه بنا وأرى أن نهجم عليهم فإنا نظفر بهم، فأجابوه إلى ذلك وهجم عليهم إلى حنفر فقتل ابن أبي علاء وعسكره واستباح ما كان له, وأخذ من خزائنه تسعين ملحما في كل واحد عشرة آلاف. فلما رجع إلى بلاد يافع عظم شأنه وشاع ذكره وأجابه قبائل مذحج بأسرها وزبيد وما لا يحصى عدده، فلما بلغ ذلك جعفرا أغتم غما شديدا وسفر إليه ينظر ما عنده فسأله أن يقسم ما أخذ من حنفر، فجمع القرمطي القبائل والعساكر ولقي السفير في أعظم زي من العدة والعدد، فلما عرفه السفير بما جاء به جمع العساكر وقال: إن جعفرا أرسل إلي لما بيني وبينه من العهد بقسمة ما غنمت وقد أحضرتكم شهودا على تسليمه إليه لأني لا رغبه لي في المال إنما قمت لنصرة الإسلام. فشكروه على ذلك، ثم أحضر المال فقسمه شطرين وسلم إلى السفير وقال:: انصرف إلى صاحبك ليلتك وقل له: يستعد لحربي. وكتب معه كتابا إليه يذكره فيه أنه بلغني ما أنت عليه من ظلم
(1/52)

المسلمين وأخذ أموال الناس، وأنا قمت لأميت المظالم وأرد الحق إلى أهله، فإن أردت تمام ما بيني وبينك فرد الظلامات إلى أهلها وادفع لأهل دلال دية ما قطعت من أيديهم.
وذلك أن جعفرا قطع أيدي ثلاثمائة رجل من أهل دلال على حجر بالمذيخرة يقال إن أثر الدم على الحجر إلى اليوم، فلما كان العام المقبل خرج القرمطي بالجمع الكثير فدخل المعافر فأمر جعفرا بلزوم نقيل بردان عند التعكر وخرج في لقائه أكثر من ألف فارس فانهزم القرمطي موليا إلى بلاد يافع فجمع جموعا كثيرة ورجع لهزم جموع جعفر إلى المذيخرة فتتبعه جعفر بصاحب تهامة فأنجده بغسكر عظيم فطلع حتى صار في موضع يقال له الراهدة بناحية عبهة فلما سمع به القرمطي خرج إليه في جنح الليل فظفر به وقتل جعفرا في الحوالة بنحلة.
قال محمد بن مالك الحمادي رحمه الله تعالى: وكان هذا جعفر بن إبراهيم ظلوما غشوما سفاكا للدماء وأنه قال في شعر له طويل قدر مائتي بيت في حرب كانت بينه وبين جعفر الحوالي في شيء من شعره:
إذا ما تجعظروا بطشنا بقدرة ... ونفعل ما شئنا وما نتجعظر
(1/53)

فما قبلنا ولا بعد بعدنا ... لمفتخر فخرا إذا عد مفخر
سوى الطيبين الطاهرين الذين هم ... من الرجس والعاهات والسوء طهر
سلالة إسماعيل ذي الوعد والوفا ... ودعوة إبراهيم والبيت يعمر
محمد الهادي النبي وصنوه ... علي وسبطاه شبير وشبر
ونسلهم الهادين بالحق والتقى ... بطاعتهم رب السماوات يأمر
ومولاتي الزهراء التي عدل مريم ... وصهر الرسول مولاي حيدر
رويدك عني بالملامة أنني ... بها وبهم أزهو وأعلو وأفخر
ألا كل مجد ما خلا مجد أحمد ... وعترته من دون مجدي يقصر
وكل امرء والى سوى آل أحمد ... فذاك الذي الدنيا مع الدين يخسر
بهم زادني الرحمن عزا ومفخرا ... فأحمده حمدا كثيرا وأشكر
أنا ابن أبى إسحاق منصور حمير ... وفارسها والشعشعان المظفر
فلولاي لم يخلق سرير ممهد ... ولولاي لم ينصب على الأرض منبر
أنا قمر الدنيا وعمي سراجها ... وجدي الذي كانت الأرض تعمر
هم أنزلوني منزل العز حيث لا ... يراني إلا دوني الطرف يحسر
أصول ولا يعدي علي واعتدي ... وأخمد نيران الحروب وأسعر
وطعمي للأعداء مر وعلقم ... وطعمي لأهل السلم شرب معنبر
ألم تر أن البغي مهلك أهله ... وأن الذي يبغى عليه سينصر
رجع الحديث إلى علي بن فضل القرمطي لعنه الله أنه لما قتل جعفرا أظهر كفره وادعى النبوة وأحل البنات والأخوات.
(1/54)

وفي ذلك يقول الشاعر على منبر الجامع في الجند:
خذي الدف يا هذه والعبي ... وغني هزاريك ثم أطربي
تولي نبي بني هاشم ... وهذا نبي بني يعرب
لكل نبي مضى شرعه ... وهذي شرائع هذا النبي
فقد حط عنا فروض الصلاة ... وحط صيام ولم يتعب
إذا الناس صلوا فلا تنهضي ... وإن صوموا فكلي وأشربي
ولا تمنعي نفسك المعرسين ... من أقربي ومن أجنبي
فكيف تحلي لهذا الغريب ... وصرت محرمة للأب
أليس الغراس لمن ربه ... وسقاه في الزمن المجدب
وما الخمر إلا كماء السماء ... حلال فقد ست من مذهب
والشعر طويل وكله تحليل محرمات الشريعة والاستهانة بها. ثم خرج يريد الحوالي وخرج قبل ذلك إلى بلاد يحصب
(1/55)

فدخل منكث فأحرقها ثم خرج يريد الحوالي صاحب صنعاء فلما بلغ بلد عنس وكان للحوالي مأمور في هران فأرسل إليه القرمطي يدخل فيها هم عليه فأجابه إلى ذلك فنزل إليه ودخل في ملته وقرمطته وكان معه خمسمائة فارس رجع منهم إلى صنعاء إلى الحوالي مائة وخمسون k وخرج القرمطي يريد صنعاء فلما سمع به الحوالي وبالجموع التي معه وعلم أنه لا طاقة له به خرج من صنعاء هاربا إلى الجوف فدخل القرمطي صنعاء فأقام فيها الفحشاء وأمر الناس بحلق رؤوسهم. ثم التقى هو وصاحب مسور الحسن بن منصور ويقول إنما أنا سيف من أسيافك والمنصور يهابه ويخافه على نفسه لما يرى من شهامته وإقدامه فعزم على الخروج إلى مخالف البياض فنهاه المنصور وقال له قد ملكنا اليمن بأسره ولم يبقى إلا الأقل فعليك بالتأني والوقوف في صنعاء سنة وأنا في شبام فيصلح واحد ما استفتح ثم بعد ذلك يكون لنا نظرة فإنك إن خرجت من صنعاء خالف أهلها وفسد علينا ما ملكناه فلم يقبل منه وقال لا بد من الخروج وأستفتح تهامة فخرج إلى مخاليف البياض وهي بلاد وعرة فلما توسط بينهم ومعه قدر ثلاثين ألفا أحاطوا وقطعوا عليه الطرق ولم يقدر على التخلص فلما سمع المنصور خاف عليه
(1/56)

وأغار إليه واستنقذه فرجع إلى شبام وعاد إلى صنعاء وخرج إلى جبال حضور ثم إلى حراز ثم إلى ملحان ونزل المهجم وقتل صاحبها هو إبراهيم بن علي رجل من عك واستفتح الكدرى ورجع إلى ملحان وسرى بالليل إلى الزبيد وفيها المظفر بن حاج ومعه ستمائة فارس وهجم عليهم في أربعين ألفا فاحاط بعسكره فقتل المظفر بن الحاج وكان المنصور مأمورا لصاحب بغداد وسبى القرمطي من زبيد أربعة آلاف عذراء ثم خرج منها إلى الملاحيط وأمر صائحه وعسكره يا جند الله يا جند الله فلما اجتمعوا إليه قال قد علمتم أنا مجاهدون وقد أخذتم من نساء الحصيب ما قد علمتم من نساء الحصيب تفتن الرجال فيشغلنكم عن الجهاد فليذبح كل رجل منكم ما في يده فسميت الملاحيط والمشاحيط لذلك. ثم رجع إلى المذيخرة دار مملكته وأمر بقطع الحج وقال: حجوا إلى الحرف واعتمروا إلى الثاني، موضعان معروفان هنالك.
فلما أصبحت اليمن بيده وقتل الأضداد مثل المناخي وجعفر بن الكرندي والرؤساء وطرد بني زياد وكانوا رؤساء مخلاف جعفر ولم يبق له ضد يناوئه عطل المنصور وخلع عبيد بن
(1/57)

الميمون الذي كان يدعو إليه فيكتب إليه المنصور يعاتبه ويذكره ما كان من إحسان القداح وقيامه بأمرهما وما أخذ عليهما من العهد لابنه فلم يلتفت إلى قوله وكتب إليه إنما هذه الدنيا شأن من ظفر بها افترسها، ولي بأبي سعيد الجنابي أسوة لأنه خلع ميمونا وابنه ودعا إلى نفسه وأنا ادعو إلى نفسي فإما نزلت على حكمي ودخلت في طاعتي وإلا خرجت إليك. وقد كان سعيد الجنابي دخل مكة في ذي الحجة سنة سبع عشرة وثلاثمائة وقتل فيها ثلاثة عشر ألفا وقطع الركن يوم النحر وهو القائل لعنه الله:
فلو كان هذا البيت لله ربنا ... لصب علينا النار من فوقنا صبا
لأنا حججنا حجة جاهلية ... مجللة لم تبق شرقا ولا غربا
وأنا تركنا بين زمزم والصفا ... كتائب لا تنبغي سوى ربها ربا
ولكن رب العرش جل جلاله ... لم يتخذ بيتا ولم يتخذ حجبا
في شعر طويل. وقد كان الخليفة ببغداد كتب إليه يذكر له
(1/58)

ما فعل ويتوعده على ما استحل فأجابه أبو سعيد القرمطي:
"بسم الله الرحمن الرحيم والحمد الله رب العالمين والعاقبة للمتقين، من أبي الحسن الجنابي الداعي إلى تقوى الله القائم بأمر الله والآخذ بآثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قائد الأرجاس المسمى بولد العباس. أما بعد، عرفك الله مراشد الأمور وجنبك التمسك بحبل الغرور، فإنه وصل كتابك بوعيد وتهديدك وذكرك ما وضعته من نظم كلامك ونمت به من فخامة أعظامك من التعلق بالأباطيل والإصغاء إلى فحش الأقاويل من الذين يصدون عن السبيل فبشرهم بعذاب أليم على حين زوال دولتك ونفاذ منتهى طلبتك وتمكن أولياء الله من رقبتك وهجومهم على معاقل أوطانك صغرا وسبيهم حرمك قسرا وقتل مجموعتك صبرا أولئك حزب الله إلا أن حزب الله هم المفلحون وجند الله هم الغالبون، هذا قد خرج عليك الإمام المنتظر كالأسد الغضنفر في سرابيل الظفر متقلدا سيف الغضب مستغنيا عن نصر العرب لا يأخذه
(1/59)

في الله لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم قد اكتنفه العز من حواليه وسارت الهيبة بين يديه وضربت الدولة عليه سرادقا وألقت عليه قناعها بوائقها وانقشعت طخاء الظلمة ودجنة الضلالة وغاضت بحار الجهالة ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
تالله غرتك نفسك، وأطمعتك فيما لست نائله، وسولت لك ما لست واصله، فكتبت لي بما أجمعت عليه أذهان كتابك، ذكرتني بالعيوب الشنيعة، وقذفتني بالمثالب السمجة، تالله (لتسألن عما كنتم تعملون).
فأما ما ذكرت من قتل الحجيج، وإخراب الأمصار، وإحراق المساجد " فواللة ما فعلت ذلك إلّا بعد وضوح الحجة كإيضاح الشمس، وادعاء طوائف منهم أنهم أبرار، ومعاينتي منهم أخلاق الفجار، فحكمت عليهم بحكم الله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).
خبرني أيها المحتج لهم، والمناظر عنهم، في أي آية من كتاب الله، أو أيما خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إباحة شرب الخمور، وضرب
(1/60)

الطنبور، وعزف القيان، ومعانقة الغلمان، وقد جمعوا الأموال من ظهور الأيتام، واحتووها من وجوه الحرام.
وأما ما ذكرت من إحراق مساجد الأبرار، فأي مساجد أحق بالخراب من مساجد إذا توسطتها، سمعت فيها الكذب على الله تعالى، وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأسانيد عن مشايخ فجرة، بما أجمعوا عليه من الضلالة، وابتدعوا من الجهالة.
وأما تخويفك لي بالله، وأمرك بمراقبته، فالعجب من بهتك، وصلابة حدقتك، أترى أني أجهل بالله منك، وصرفك أموال المسلمين للخصيان والضراطين، ومنعها عن مستحقيها، يدعى على النابر للصبيان ويخطب للخصيان: (ءالله أذن لكم أم على الله تفترون).
وأما ما ذكرت أني تسميت بسمة عدوان، فليس بأعظم من تسميك بالمقتدر بالله أمير المؤمنين، أي جيش صدمك، فاقتدرت عليه؟! أم أى عدو ساقك فابتدرت إليه؟! لأنت أمير الفاسقين أولى بك من أمير المؤمنين، وانك لتقلد بعض خدمك شيئاً من أمرك، فيكاتبه الشريف والرئيس بالسيد والمولى، فأي الأمرين أقرب للتقوى؟ أوما علمت أنه من انقاد له نفر من عشيرته، وعصابة من
بني عمه وأسرته فقد سادهم وعلا فيهم.
وبعد: فما لك وللوعيد والِإبراق والتهديد، اعزم على ما أنت عليه عازم واقدم على ما أنت عليه قادم، والله من ورائي ظهير، وهو نعم
(1/61)

المولى ونعم النصير، والحمد لله وصلى الله على خير بريته وآله وعترته ".

قال محمد بن مالك الحمادي رحمه الله تعالى: يرجع الحديث إلى قصة صاحب مسور وعلي بن فضيل لعنهما الله تعالى. وذلك أن صاحب مسور لما علم أن على بن فضل غير تاركه لما ذكر في كتابه عمد إلى جبل مسور فحصنه وأعد فيه جميع ما يحتاج إليه للحصار وقال لأصحابه إني لأخاف هذا الطاغية ولقد تبين لي في وجهه الشر حيث واجهته في شبام. فلم يلبث علي بن فضل أن خرج لحرب المنصور واختار لحربة عشرة آلاف مقاتل من يافع ومذ حج وزبيد وعنس وقبائل العرب فدخل قرية شبام وخرج المنصور بلقائه ألف مقاتل إلى موضع يقال له المصانع من بلد حمير فضبطوا ذلك الجبل فزحف اليهم فاقتتلوا من أول النهار إلى الليل فخرج علي بن فضل على طريق العصد ودخل لاعة مصعدا إلى جبل الجميمة مقاتلا للمنصور فضرب فيها مضاربه ورجع إلى أصحاب حضور المصانع فلزموا بيت ريبته وضبطوا الجبل فأقسم ألا يبرح حتى يستنزل المنصور فحاصرة ثمانية اشهر وقيل إن المنصور حمل من سوق طمام خمسمائة حمل ملح قبل وصول علي بن فضل وعق له في الجبل عقا واسعا في موضع كثير التراب وأوقدوا فوقه الحطب أياما حتى استملح الجبل فصار ملحا كله ثم نقله إلى الخزائن. ثم إن علي بن فضل مل المقام فلما علم منه المنصور ذلك دس
(1/62)

عليه أمر الصلح فقال لست أبرح وقد علم أهل اليمن قصدي لمحاصرته إلا أن يرسل إلي بعض ولده فيكون ذلك لي مخرجا عند الناس ويعلمون أنه قد دخل في طاعتي، فأرسل إليه ولده ودفعه بالتي هي أحسن، فرجع إلى مذيخرة فأقام عنده ولد المنصور سنة ثم ردة إلي أبيه وبره وطوقه بطوق من الذهب. ثم أقام بمذيخرة يحل الحرمات وير تكب الفواحش وأمر الناس باستحلال البنات والأخوات. وكان يجمع أهل مذهبه في دار واسعة يجمع فيها الرجال والنساء بالليل ويأمر بإطفاء السرج وأخذ كل واحد من وقعت يده عليه. وروي أن عجوزا محدوبة الظهر وقعت مع رجل منهم فلما تبين بها خلاها فتعلقت بثيابه وقالت: دوبد من ذى الحكم الأمير، فجرت مثلا.
ويقال إن أيامه لعنه الله كانت سبع عشر سنة. ومات مسموما سنة ثلاثة وثلاثمائة.
وكان سبب موته لعنه الله أن رجلا من أهل بغداد يقال إنه شريف وصل إلى الأمير أسعد بن أبي يعفر الحوالي وكان في ذلك الوقت هاربا من القرمطي في الجوف من بلد همدان مستجيرا ببني الدعام
(1/63)

وأن ذلك البغدادي وهب نفسه لله وللإسلام وقال الأمير تعاهدني وأعاهدك أني إذا قتلت القرمطي كنت معك شريكا فيما يصل إليك، فعاهده على ذلك وكان طبيبا حاذقا فخرج فكان مع كبار أهل دولة القرمطي يفتح لهم العروق ويسقيهم الدواء ويعطيهم المعجونات حتى وصفوه للقرمطي بالحذق بالطب وفتح العروق وقالوا إن مثلك لا يستغني أن يكون في حضرة مثله. ثم إنه احتاج إلى إخراج الدم فأمره أن يفصده فعمد إلى السم فجعله على شعر رأسه فدخل على القرمطي فسلم عليه فأمره أن ينزع ثيابه ويلبس غيرها ثم أخرج المبضع ثم مصه وعلي بن فضل ينظر إليه ثم مسحه برأسه فتعلق به من السم حاجته ثم فصده وخرج من ساعته فركب دابته وخرج هاربا. فلما أحس عدو الله بالموت أمر بقتل الطبيب فلم يوجد فلحقوا به دون نقيل صيد بإزاء قينان فقتلوه هناك، رحمه الله تعالى.
ومات القرمطي لا رحمه الله. وولي الأمر من بعده ولده الفأفاء، وشاع موته في الناس ووصل إلى الحوالي جماعة من رؤساء الناس بنو المحابي والأتبوع وغيرهم
(1/64)

فزحف بالعسكر الغليظ لحرب القرامطة فدخل الدعكر ثم تقدم إلى جبل التومار فحاصر القرامطة فدخل الدعكر ثم تقدم إلى جبل التومار فحاصر القرامطة وسلط الله سبحانه وتعالى عليهم سيف النقمة لا يخرج لهم جمع إلا هزموا أو قتلوا وأيد الله المسلمين بنصره.
قال تعالى: {إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ, وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ}. فأقام يحاصر القرامطة سنة. ويقال إن من شدة عزمه وحزمه وتقصيه أنه ما حل عدته ولا سلاحه بل يصلي وعليه عدته وسلاحه حتى فتح الله عليه وقتل القرامطة وأحيا الإسلام. ليس كولاة الأمر من أهل زماننا الذين غرقوا في الملذات واتبعوا الشهوات ولم يرغبوا في المكارم والنجدات، وعظوا فلم يتعظوا وناموا فلم يستيقظوا ونظروا ما حل بغيرهم فلم يعتبروا. وقد قيل في المثل السائر:
وإذا رأيت أخوك يحلق رأسه ... أوشكت بعد أخيك تصبح أصلعا
ومن عجز عن رعاية رعيته وجار علبيها في حكمه وقضيته، ودل على زوال مملكته وتعجيل منيته، وقد قال الأول:
ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد
وإذا فرط الراعي في أمر رعيته وطاوع نفسه الدنيه، وذهب عنه الآنفة والحمية فقد عظمت عليه البلية. وقال الأفواه الأودي:
(1/65)

لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
تهدي الأمور بأهل الرأي ما ضحلت ... فإن تولت فبالأشرار ينقادوا
رجع الحديث إلى محاصرة الأمير الحوالي فروي أنه نصب المنجنيقات فهدم الذخيرة بعد سنة ودخل على القرامطة فقتلهم وأخذ من الغنائم مالا يحصى وسبى بنات القرمطي وكن ثلاثا فصار اثنتين في رعين وواحدة وهبها الأمير لابن أخيه قحطان أباد الله القرامطة على يد الأمير الحوالي بمنة وسعادته، وجعل لا يسمع بأحد منهم إلا قتله، ورجع إلى صنعاء وقد أطفأ جمرة الشك وملك جميع البلاد وزالت الفتنة وأراح الله من القرامطة وطهر منهم البلاد وأمن منهم العباد، وسار الأمير في الناس بأحسن سيرة وعدل في الرعية ورد بني المحابي إلى مخلاف جعفر، وجرت المكاتبة بين الأمير الحوالي والأمير إبراهيم بن زياد والناصر أحمد بن يحي الإمام الهادي صاحب صعده وتعاقدوا على المعاضدة والمناصرة وقتل القرامطة حيث ما وجدوا. وذكروا أنه كان يوجد عنوان كنتم بركة في بركه ونعمة مشتركة والأرض فيما بيننا قد حصلت في شبكة
(1/66)

وكان الخارج إذا خرج من بلد أحدكم لذنب أذنبة كاتب فيه وسأل الصفح عنه. وصفت لهم المعيشة واستقامت لهم الدولة ولزم كل واحد منهم بلده ولم يطمع واحد على صاحبه. ألف الله بين قلوب المسلمين ولم يبق من القرامطه إلا شرذمة قليلة من أولاد المنصور في ناحية مسور وأبادهم الله تعالى على يد الدعام بن إبراهيم والناصر بن يحيى وأنا أذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.

باب ذكر أولاد المنصور
مات لعنه الله سنة اثنتين وثلثمائة واستخلف على أهل دعوته رجلا يقال له عبد الله بن عباس الشاوري والي ولده أبي الحسن المنصور. وقال: قد أوصيتكما بمبدأ الأمر فاحفظاه ولا تقطعا دعوة بني عبيد بن ميمون فنحن غرس من غرسهم ولولا ناموسهم وما دعونا به إليهم ما صار إلينا من الملك ما قد نلناه ولا تم لنا في الرياسة حال فعليكما
(1/67)

بمكاتبة القائم منهم واستيراد الأمر منهم فأوصيكما بطاعة المهدي يعني عبيد بن ميمون حتى يرد أمره بولاية أحدكما ويكون كل واحد منكما عونا لصاحبه.
وقد كان لعبد الله بن عباس عند عبيد بن ميمون سابقة ومعرفة لأن المنصور قد كان لعنه الله بعثه مع أبي عبد الله الشيعي الخارج بكتامة من بلاد الغرب على ما أذكره فيما بعد.
ثم إن عبد الله بن عباس كتب إلى عبيد بن ميمون المسمى بالمهدي بموت المنصور وهو يومئذ بمدينة بناها وسماها المهدية بالغرب وأنه قام بمذهبه من بعد المنصور ودعا إليه وأنه لم يبق إلا استيراد الأمر ويسأله الولاية وعزل أولاد المنصور وخرج ولد المنصور بنفسه إلى القيروان يسأل الولاية لنفسه ولا ينزع الأمر منهم بعد أبيهم، وقد كانت وصلت هدايا ابن عباس وكتابه وولاه الأمر وكتب له فلما وصل ابن المنصور أمره بطاعة ابن عباس وبعث لابن عباس بسبع رايات، فرجع ولد المنصور إلى مسور وقد يئس مما كان يرجو من الولاية فلقيه عبد الله بن عباس بنفسه وأهل دعوته فبجله وعظمه ولقيه أخوه جعفر وأبو الفضل وبقية أولاد القرمطي لعنه
(1/68)

الله فسألوه بما ورد به الأمر فعرفهم بصرف الأمر عنهم إلى عبد الله بن عباس دونهم فتبين لجعفر في وجه أخيه أبي الحسن الشر والعداوة لابن عباس والحسد فنهاه عن ذلك وقبح عليه وزجره وقال له: أنت تعلم أنه غرس أبينا وأنه لا يقدم علينا سوانا في هذا الأمر, قال: والله لا تركته يتنعم في ملك عني به غيره ونحن أحق به منه. فقال له أخوه جعفر: إن أمرنا إذن يتلاشى ويزول ملكنا وتتفرق هذه الدعوة ويذهب الناموس الذي نمسناه على الناس فلا تحدث نفسك بهلاكه فتهلك. فلم يلتفت إلى قوله وكتم السر في نفسه وكان أولاد المنصور لا يحجبون عن أبي العباس ليلا ونهارا فوثب عليه أبو الحسن بن المنصور فقتله غدرا وولي الأمر من بعده فولي ما كان أبوه يلي ورجع إلى مذهب الإسلام وجمع العشائر من بلده وأشهد أنه رجع عما كان عليه أبوه فأحبه الناس فدخل عليه جعفر فقبح ما فعله وقال: قطعت يدك بيدك، فلم يلتفت إلى قوله, وخرج جعفر إلى ولد عبيد المسمى بالقائم فكاتب أخاه يعيب عليه فعله بشعر طويل يقول فيه:
فكنتم وأنتم تهدمون وابتني ... فشتان من يبني وآخر يهدم
وتتبع أبو الحسن من كان على دين أبيه يقتلهم فأباد القرامطة وبقي منهم قوم يتكتمون منه وأقاموا ناموسهم برجل منهم وكان لا يقطع مكاتبة بني عبيد ثم إن أبا الحسن خرج من مسور إلى عبر محرم وفيه يومئذ رجل
(1/69)

من بني العرجاء واستخلف أبو الحسن على مسور رجلا يقال له إبراهيم بن عبد الحميد السباعي وهو جد المنتاب فوثب ابن العرجي على أبي الحسن فقتله فلما انتهى الخبر إلى إبراهيم بن عبد الحميد السباعي لزم مسورا وادعى الأمر لنفسه وخرج أولاد المنصور وحريمه من مسور إلى جبل ذي أعسب فوثب عليهم المسلمون من أهل المغرب فقتلوهم الصغير منهم والكبير وسبوا حريمهم ولم يبقوا على وجه الأرض من الكافرين ديارا، ولم يبق للمنصور عقب يعرف بحمد الله ومنه.
ثم إن إبراهيم بن عبد الحميد اتفق هو وابن العرجي واقتسما المغرب بينهما نصفين لكل واحد منهما ما يليه ورجع عن مذهب القرامطة وكان أبوه من كبار قواد المنصور وأصله من قدم من حمير وكان أبوه قتل في مخلاف البياض لأن المنصور كان أخرجه إلى هناك بالعساكر ثم إن إبراهيم بنى في بيت ريب مسجدا ونصب منبرا وخطب لأمير المؤمنين من بني العباس وكاتب الأمير أبا الحسن بن إبراهيم بن زياد وبذل له من نفسه السمع والطاعة والدخول في الخدمة وسأله أن يبعث إليه محاصر من قبله يكون عنده فأرسل رجلا يقال له السراج وقال له: إذا تمكنت قبضت على إبراهيم بن عبد الحميد فوصل من زبيد ولقيه إبراهيم بن عبد الحميد إلى بيت ريب وطلع إبراهيم بن عبد الحميد إلى الحصن في رأس الجبل وكان ينزل إليه كل يوم يصحبه ويعظم حقه
(1/70)

ثم إن السراج عامل على إبراهيم ناسا من أهل الجبل فنزل إليه يصحبه فلقيه رجل من العاملين فأخبره بالمعاملة فرجع إلى حصنه فضرب الطبول فاجتمع إليه الناس ومن كان فيه من أهل دولته فدخل على السراج فقبض عليه فأمر بحلق لحيته ونفاه عن بلده وانقطعت المكاتبة بينه وبين ابن زياد واستمر أمره وجعل يتتبع القرامطة يقتلهم ويسبي ذراريهم فبقي منهم قليل في ناحية جبل مسور فأقاموا قرمطيا منهم يقال له ابن الطفيل فسمع به إبراهيم بن عبد الحميد فخرج إليه فقتله وتفرق من بقي من أصحابه إلى نواحي عمان وقطاية وانكتم أمرهم عن إبراهيم.
ثم إنهما أقاموا ناموسهم برجل يقال له ابن رحيم وذلك في أيام المنتاب بعد موت أبيه إبراهيم وكان ابن رحيم هذا لا يستقر في موضع واحد خوفا من المنتاب ومن المسلمين وهو يكاتب بني عبيد وذلك بعد خروج المعز من القيروان إلى بلاد مصر عند بناءه القاهرة المنسوبة إليه فلم يزل ابن رحيم يكاتب أهل مصر المعز ومن بعده وينهي أخبار أهل اليمن حتى مات لا رحمه الله. واستخلف على من بقي من القرامطة لعنهم الله رجلا يقال له يوسف بن الأمشح من أهل شبام حمير فأقام لعنه الله يدعوا إلى الحاكم ويبايع له على وجه السر حتى مات لعنه الله.
واستخلف على مذهبه رجلا يقال له سليمان عبد الله الزواحي من حمير من ضلع شبام من موضع يقال له الحفن، فأقام يدعوا إلى الحاكم وإلى المستنصر وكان الملعون كثير المال عظيم الجاه فاستمال الرعاع والطغام إلى مذهبه. وكان في أيامه قد شهر نفسه بالمبايعة لأهل مصر
(1/71)

من بين عبيد بن ميمون الملعون وقد كان عرف بذلك ونسب إليه فكل ما هم به المسلمون من حمير وشبام وما حوله من القبائل دفعهم بالجميل ووقال لهم أنا رجل مسلم فكيف يحل لكم قتلي فينتهون عنه. وكان فيه كرم نفس وكان يكرم الناس ويتلطف بهم فلم يزل كذلك حتى مات لا رحمه الله.

باب ذكر ابتداء دولة الصليحيين
وكان هذا الصليحي المسمى علي بن محمد كثير الخلطة به والمعاشرة وكان أحظى من عنده وأطوع أهل مذهبه له وكان يأتيه من بلد الأخروج وهو سبع من أسباع حراز وكان الصليحي الملعون شهما شجاعا مقداما فلما عرفه سليمان بذلك وحضرته الوفاة لا رحمه الله أوصاه بأهل مذهبه وأمرهم بالسمع والطاعة وسلم إليه مالا كثيرا قد كان جمعه من أهل مذهبه. ثم إن الصليحي الملعون أرسل إليه القرامطة من أوطان كثيرة بعيدة ومواضع متباينة وعدهم بالوصول إليه ليوم معلوم فلما وصلوا إليه طلع بهم مسار وكان طلوعه ليلة الخميس للنصف من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وأربعمائة وطليعته تسعمائة رجل وخمسون رجلا، فلما استقر بالجبل كتب إلى صاحب مصر وهو معد المستنصر من بني عبيد ووجه إليه بهدايا سبعين سيفا مقابضها عقيق واثني عشر سكينا نصبها عقيق لأن للعقيق عندهم قدرا لأنه لا يكون إلا في اليمن
(1/72)

وخمسة أثواب وشي وجام عقيق وفصوص من عقيق مع إهليلج كابلي ومسك وعنبر. فوجه معد المستنصر المستنصر برايات وألقاب وعقد له الولاية. وكان سفيره خاله أحمد بن المظفر وأحمد بن محمد الذي انهدم عليه الدار بعدن وهو أبو زوجة المكرم المسماة بالسيدة بنت أحمد.
فالحذر الحذر أيها المسلمون من مقاربته ومخالطته والركون إلى قوله، فإنه وأهل مذهبه يستدرجون العقول ويضلون من ركن إليهم، لقد
(1/73)

سمعته مرارا وأسفارا وهو يقول لأصحابه قد قرب كشف ما نحن نخفيه وزوال هذه الشريعة المحمدية. والله سبحانه أكرم من أن يبلغه مأموله من فساد الدين وهلاك المسلمين.
خلعت العذار ولم أستر ... وأظهرت ما ليس بالمظهر
وبحت بما كنت أسررته ... من الغي والمذهب الأخسر
وتبت إلى الله مستغفرا ... منيبا إنابة مستغفر
وحرمت ما كنت حللته ... لقومك من كل مستنكر
وحذرت من فعلك العالمين ... وعدت إلى المنهج الأنور
فإن جئت نحوك مستغفرا ... فبالله بالله لا تغفر
أتحسبني أنثني صبوة ... إلى رائق اللون والمنظر
وحاشا لمثلي أن ينثني ... إلى الكفر والمذهب الأغبر
فإن لم يكن غير هجر الملاح ... فلا زال ذاك إلى المحشر
عباد الله إني لم أزل أتلطف بخاصته وأهل مذهبه ولم أقنع حتى خالطته وأطعته بقبول ما هو عليه من مذهبه وضلالته وكفره وبدعته وأعماله الشنيعة وضلالته الفظيعة التي تنكرها القلوب وتشمئز منها النفوس.
وذلك أن الصليحي ومن هو على مذهبه يدعون إلى ناموس خفي كل جهول غبي بعهود مؤكدة ومواثيق مغلظة مشددة على كتمان ما بويع عليه ودعي إليه وأنه لا يكشف لهم سرا ولا يظهر لهم أمرا، ثم يطلعه على علوم مموهة وروايات مشبهة يدعوه في بدء الأمر إلى الله ورسوله كلمة حق يراد بها الباطل ثم يأخذه بعد ذلك بالرفض والبغض لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا انقاد له وطاوعه أدخله في طرق المهالك تدريجا ويأتيه بتأويل كتاب الله تحريفا
(1/74)

وتعويجا بكتب مصنعة وأقوال مزخرفة إلى أن يلبس عليه الدين ويخرجه منه كما يخرج الشعرة من العجين. وقصارى أمره إبطال الشرائع وتحليل جميع المحارم، فسارع إليه من لم يكن له بالشرع معرفة لأنه صادف أكثر الناس عواما فأجابه إلى دعوته الرعاع والطغام ومن لم يكن له معرفة بالإسلام من حسب وسنحان ويام، فحرم الحلال وأحل الحرام وناقض بجهده الإسلام وأبطل الصلاة والصيام والزكاة والحج إلى بيت الله الحرام فأهلكهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق.
آخر رسالة محمد بن مالك رحمه الله رحمة الأبرار ووقاه عذاب النار.
(1/75)