Advertisement

مذاهب الإسلاميين عبد الرحمن بدوي دار العلم للملايين 1

مَذَاهب الإِسلامِيّين
The Doctrines of Muslims

الدكتور عبد الرحمن بدوي
Dr. Abdel-Rahman Badawi



للفلسفة الإسلامية تاريخ حافل بأعلام أصحاب المذاهب الذين أنشأوا أنظمة فكرية استندت إلى التراث اليوناني من ناحية، والتراث الفكري الإسلامي من ناحية أخرى. ونتج عن هذا التأثير المزدوج مركب فكري خاص ممتاز بالأصالة إذا ما قورن بسائر التيارات الفكرية في تاريخ الإنسانية، ومن هنا كان من الواجب أن يُدرس قائماً برأسه بوصفه إسهاماً خاصّاً في الفكر العالمي.
وحتى الآن لم تصدر بأية لغة من اللغات دراسة شاملة لتاريخ تلك الفلسفة. ولئن كان ذلك مفهوماً قبل منتصف هذا القرن، فإن الأمر صار واجباً الآن، وقد نًشرت واكتُشفت ذخائر هائلة من هذه الفلسفة، فمثلاً لم نكن نملك بالأمس عن المعتزلة، وهي أكبر مذهب كلامي في الإسلام، غير أقوال خصومها عنها بما فيها من تحيّف وتشويه وعدم وفاء بالتعبير عن سائر أفكار المذهب. أما اليوم فقد انقلبت الآية، فأصبحنا بعد نشر مخطوطات اليمن خصوصاً ننوء تحت ثروة هائلة من كتب المعتزلة أنفسهم. والأمر كذلك بالنسبة إلى سائر المذاهب الإسلامية: صارت بين أيدينا مؤلفاتهم التي عبّروا فيها عن آرائهم ودافعوا عنها ضد خصومهم. وإذا كان الكثير لا يزال ينتظر أن يرى النور في طبعات نقدية علمية تتوافر لها كل أسباب النقد التاريخي،

فإنّ ما نشر في العشرين سنة الأخيرة يكفي لوضع دراسة شاملة هي بمثابة موازنة عامة لتقدير هذه الأصول وهو ما هدفنا إليه في هذا الكتاب الشامل.
نتناول في القسم الأول من الكتاب أهمّ مذهبيْن إسلاميين في علم الكلام، ونعني بهما:
المعتزلة والأشاعرة. وقد حرصنا أثناء العرض على الإكثار من إيراد نصوصهم بحروفها، أولاً ليتعوّد القارئ على أسلوبهم وعباراتهم، ولمزيد من التدقيق في العرض ثانياً، حتى يتسم بالموضوعية التامّة بعيداً عن مبالغات التأويل واغتصاب المقارنات بالأفكار الحديثة، مما هو آفة كثير من الدراسات في هذا الميدان.
أما في القسم الثاني من الكتاب فإننا سنتناول سائر المذاهب الإسلامية ذات الأفكار الفلسفية، لأن كتابنا هذا هو في الفلسفة الإسلامية وليس في تاريخ الفرق الدينية. ولهذا لا يعنينا من الفرق الإسلامية غير الجانب الفلسفي، أو الفكري الخالص القائم على الاستدلال العقلي. وسنعرض فيه لتيارات الباطنية الرئيسة: الإسماعيلية، والقرامطة، والنصيرية، ويجمعها كلها النزعة الباطنية، أعني تأويل النصوص المقدسة، أو شبه المقدسة، تأويلاً باطناً يختلف عن المعنى الظاهر اختلافاً مغرقاً في التأويل، ابتغاءَ التوفيق بين هذا المعنى وبين النزعات الجديدة والمطامح المستسرّة والتطلّعات المتوثبة إلى تحقيق القوة وبسط السلطان. ومن هنا ارتبطت هذه التيارات باتجاهات سياسية واجتماعية واقتصادية خطيرة وعنيفة: أما خطورتها فترجع إلى كونها تمثل انصرافاً عن المجرى التقليدي للأمور، وظهورها في شكل انقلابات محورية، وافتقارها إلى ضوابط راسخة أو معايير يمكن التفاهم عليها، أما عنفها فلأنها لا تستطيع أن تحقق أهدافها بالوسائل الشرعية المقررة، ولهذا

تلجأ إلى البطش إن تمكّنت، والاستتار المتآمر في دور التمهيد، والتقية الغادرة في ظل سلطان الخصوم.
ومن هنا كان علينا في عرضنا لهذه التيارات أن نتوسع في تاريخها السياسي، على خلاف ما فعلنا في القسم الأول من الكتاب حين عرضنا مذهبي المعتزلة والأشاعرة، لأن المذاهب الباطنية كانت إيديولوجيات أكثر منها مذاهب فكرية، والإيدلوجيات هي البطانة للحركات السياسية والاجتماعية. ولا يزال هذا التاريخ السياسي لهذه الفرق الباطنية حيّاً حتى اليوم، رغم الضآلة العددية لمن ينتسبون إليها اليوم في أنحاء العالم: في لبنان، وسوريا، وباكستان، والهند، وإيران وجاليات صغيرة هنا وهناك في شرقي أفريقية وفي الأميركيتين.
والباحثون ـ بنوع من حب الاستطلاع المَرَضي ـ أكثر احتفالاً بالأفكار الغريبة والمذاهب الشاذّة. ومن هنا كان الاهتمام بالمذاهب الباطنية في الإسلام أقوى بكثير من الاهتمام بمذاهب المعتزلة وأهل السنة والجماعة. وآية ذلك هذا الحشد الهائل من الدراسات والأبحاث المفردة الخاصة بالمذاهب الباطنية، مما قام به المستشرقون الأوروبيون والأميركيون منذ بداية القرن التاسع عشر حتى اليوم. فقد كرّسوا لها من الأبحاث أضعاف أضعاف ما خصصوه لسائر الفرق الإسلامية، وكلما فتر الاهتمام بها ما يلبث أن يتجدد وبقوة أكبر، حتى جاءت فترات في تاريخ البحث في المذاهب الإسلامية كان البِدْعُ السائد فيها هو دراسة الإسماعيلية أو القرامطة أو النصيرية. وواكب ذلك نموٌّ متواصل فيما يُنشر محقَّقاً من كتبهم هم أنفسهم، بعد أن ظل الاعتماد طويلاً على ما كتبه عنهم خصومهم. على أنه لا يزال جانب كبير من

مخطوطاتهم لم ينشر محققاً بعد. ولذا اعتمدنا في كتابنا هذا على قدر ضخم من المخطوطات لم ينشر بعد.
والتزمت النزاهة التامة في العرض، أعني المنهج التاريخي الفيلولوجي المحض، دون أن أتعرض للحكم لها أو عليها، فهذا أمر ليس من شأني الخوض فيه، فما أنا إلاّ مؤرخ للأفكار وحسب، وما لمؤرخ الأفكار أن يتخذ موقفاً خاصّاً إيديولوجيّاً بإزائها، وإلاّ جانب الأمانة وحاد عن الموضوعية، وتلونت أحكامه بلون ميوله.

عبد الرحمن بدوي

ملاحظة: حُذف من هذه الطبعة الباب المتعلق بالدروز، وذلك بناءً على طلب الهيئات الدينية المختصة.


القسم الأول
المعتزلة والأشاعرة

[Blank Page]


علم الكلام
تعريفه والدواعي إليه

[Blank Page]


تعريفات علم الكلام

أوسع ما لدينا من تعريفات هو ما أورده التهانوي في « كشاف اصطلاحات الفنون1 » وفيه جمع ما قبل في تعريفه. وهاك ما يقوله:
« علم الكلام؛ ويسمى بأصول الذين أيضاً؛ وسماه أبو حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ بالفقه الأكبر. وفي « مجمع السلوك »: ويُسمى بعلم النظر والاستدلال أيضاً؛ ويسمى أيضاً بعلم التوحيد والصفات.
وفي « شرح العقائد » للتفتازاني: العلم المتعلق بالأحكام الفرعية، أي العملية، يسمى علم الشرائع والأحكام؛ وبالأحكام الأصلية، أي الاعتقادية: يسمى علم التوحيد والصفات. انتهى.
وهو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير، بإيراد الحجج ودفع الشُّبهَ. فالمراد بالعلم: معناه الأعم، أو التصديق مطلقاً، ليتناول إدراك المخطئ في العقائد ودلائلها. ويمكن أن يراد به المعلوم، لكن بنوع تكلّف بأن يقال:علم أي معلومٍ يقتدر معه، أي مع العلم به، الخ. ـ وفي صيغة الاقتدار تنبيه على القدرة التامة. وبإطلاق المعية تنبيه
ــــــــــــــ
1 « كشاف اصطلاحات الفنون » للشيخ المولوي محمد أعلى بن علي التهانوي طبع بالاوفست. بيروت، ص 22 ـ ص 23.

7

على المصاحبة الدائمة. فينطبق التعريف على العلم بجميع العقائد، مع ما يتوقف عليه إثباتها من الأدلة، ورد الشُّبه، لأن تلك القدرة على ذلك الإثبات إنما تصاحب هذا العلم، دون العلم بالقوانين التي تستفاد منها صُوَر الدلائل فقط؛ ـ ودون علم الجدل، الذي يتوسل إلى حفظ أي وضعٍ يراد، إذ ليس فيه اقتدار تام على ذلك؛ وإن سُلّم، فلا اختصاص له بإثبات هذه العقائد، والمتبادر من هذا الحدّ ما له نوع اختصاص به؛ ـ ودون علم النحو المجامع لعلم الكلام مثلاً، إذ ليس تترتب عليه تلك القدرة دائماً على جميع التقادير، بل لا مدخل له في ذلك الترتب العادي أصلاً.
وفي اختيار: « يقتدر »، على: « يثبت » إشارة إلى أن الإثبات بالفعل غير لازم. وفي اختيار « معه » على « به » مع شيوع استعماله تنبيه على انتفاء السببية الحقيقية المتبادرة من « الباء »، إذ المراد الترتب العادي.
وفي اختيار « إثبات العقائد » على « تحصيلها » إشعار بأن ثمرة الكلام إثباتها على الغير، وبأن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليعتدّ بها، وإن كانت مما يستقل العقل فيه. ولا يجوز حمل الإثبات هنا على التحصيل والاكتساب، إذ يلزم منه أن يكون العلم بالعقائد خارجاً عن علم الكلام ثمرةً له؛ ولا خفاء في بطلانه. والمتبادر من « الباء » في قولنا: « بإيراد »: هو الاستعانة دون السببية. ولئن سُلّم وجب حملها على السببية العادية دون الحقيقة، بقرينة ذلك التنبيه السابق.
وليس المراد بالحجج والشُّبَه ما هي كذلك في نفس الأمر، بل بحسب زعم من تصدّى للإثبات بناءً على تناول المخطئ.
ولا يراد بالغير الذي يثبتَ عليه العقائد غيراً معيّناً، حتى يرد أنها إذا أثبتت عليه مرةً لم يبق اقتدار على إثباتها قطعاً، فيخرج المحدود عن

8

الحد. فحاصل الحد أنه علم بأمور يقتدر معه ـ أي يحصل مع ذلك العلم حصولاً دائماً عادياً ـ قدرة تامة على إثبات العقائد الدينية على الغير، والزامها اياه بإيراد الحجج إشارة إلى وجود المقتضي، ودفع الشبه: إلى انتفاء المانع.
ثم المراد بالعقائد: ما يقصد به نفس الاعتقاد، كقولنا: الله ـ تعالى ـ عالم قادر سميع بصير، لا ما يقصد به العمل كقولنا: الوتر1 واجب، إذ قد دُوّن للعمليات: الفقه.
والمراد: بالدينية: المنسوب إلى دين محمد عليه الصلاة والسلام، سواء كانت صواباً أو خطأً؛ فلا يخرج علم أهل البدع ـ الذي يقتدر معه على إثبات عقائده الباطلة ـ عن علم الكلام. ثم المراد: جميع العقائد، لأنها منحصرة مضبوطة، لا يزاد عليها فلا تتعذر الإحاطة بها والاقتدار على إثباتها؛ وإنما تتكثر وجوه استدلالاتها وطرق دفع شبهاتها، بخلاف العمليات، فإنهـا غير منحصرة فلا تتأتى الإحاطة بكلها؛ وإنما مبلغ من يعلمها هو التهيؤ التام.
وموضوعه هو المعلوم من حيث أن يتعلق به إثبات العقائد الدينية تعلقاً قريباً أو بعيداً. وذلك لأن مسائل هذا العلم: أما عقائد دينية كإثبات القِدم والوحدة للصانع؛ وأما قضايا تتوقف عليها تلك العقائد، كتركب الأجسام من الجواهر الفردة، وجواز الخلاء، وانتفاء الحال، وعدم تمايز المعدومات المحتاج إليها في المعاد، وكون صفاته تعالى متعددة موجودة في ذاته.
والشامل لموضوعات هذه المسائل هو المعلوم المتناول للموجود والمعدوم، والحال. فإن حكم على المعلوم بما هو من العقائد تعلق به إثباتها تعلقاً
ــــــــــــــ
1 الوتر (بكسر الواو وتفتح): الفرد، وفي الشرع: اسم صلاة مخصوصة سُميت به لأن عدد ركعاتها وتر لا شفع.

9

قريباً؛ وإن حكم عليه بما هو وسيلة إليها تعلق به إثباتها تعلقاً بعيداً، وللبعد مراتب متفاوتة.
وقد يُقال المعلوم من الحيثية المذكورة يتناول محمولات مسائله أيضاً. فأولى أن يقال: من حيث يثبت له ما هو من العقائد أو وسيلة إليها.
وقال القاضي الأرموي: موضوعه ذات الله تعالى: إذ يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية التي هي صفات الثبوتية والسلبية؛ وعن أفعاله: أما في الدنيا كحدوث العالم، وأما في الآخرة كالحشر؛ ـ وعن أحكامه فيها: كبعث الرسل؛ ونصب الامام في الدنيا من حيث أنهما واجبان عليه تعالى، أو لا، والثواب والعقاب في الآخرة من حيث أنهما يجبان عليه؛ أم لا.
وفيه بحثٌ: وهو أن موضوع العلم لا يبين وجوده فيه، أي في ذلك العلم، فيلزم: إما كون إثبات الصانع مبيَّناً بذاته، وهو باطل؛ أو كونه بيناً في علم آخر، سواء كان شرعياً أو لا، على ما قال الأرموي، وهو أيضاً باطل لأن إثباته تعالى هو المقصود الأعلى في هذا العلم.
وأيضاً: كيف يجوز كون أعلى العلوم الشرعية أدنى من علم غير شرعي؟ بل احتياجه إلى ما ليس علماً شرعياً مع كونه أعلى منه مما يستنكر جداً؟!
وقال طائفة ـ ومنهم حجة الإسلام [= الغزالي] ـ: موضوعه الموجود بما هو موجود، أي من حيث هو هو غير مُقيدٍ بشيء. ـ ويمتاز « الكلام » عن « الإلهي » باعتبار أن البحث فيه على قانون الإسلام، لا على قانون العقل، وافق الإسلام أو لا، كما في الإلهي.
وفيه أيضاً بحث: إذ قانون الإسلام ما هو الحق من هذه المسائل الكلامية، إذ المسائل الباطلة خارجة عن قانون الإسلام قطعاً مع أن المخطئ من أرباب علم الكلام، ومسائله من علم الكلام.
وغايته الترقي من حضيض التقليد إلى ذروة الايقان، وإرشاد المسترشدين

10

بإيضاح الحجة لهم وإلزام المعاندين بإقامة الحجة عليهم، وحفظ قواعد الدين عن أن تزلزلها شبهة المبطلين؛ ـ وأن تُبتنى عليه العلوم الشرعية، أي يُبتنى عليه ما عداه من العلوم الشرعية، فإنه أساسها، وإليه يؤول أخذها واقتباسها. فانه ما لم يثبت وجود صانع عالم قادر مكلّف مُرْسلٍ للرسل مُنزِّل للكتب لم يتصور علم تفسير، ولا علم فقه، وأصوله، فكلّها متوقفة على علم الكلام، مقتبسة منه، فالآخذ فيها بدونه كبانٍ على غير أساس. وغاية هذه الأمور كلها الفوز بسعادة الدارين.
ومن هذا تبين مرتبة الكلام، أي شرفه: فإن شرف الغاية يستلزم شرف العلم. وأيضاً دلائله « يقينية » يحكم بها صريح العقل، وقد تأيدت بالنقل؛ وهي ـ أي شهادة العقل مع تأييدها بالنقل ـ هي الغاية في الوثاقة، إذ لا تبقى حينئذ شبهة في صحة الدليل.
وأما مسائله التي هي المقاصد فهي كل حكم نظري لمعلومٍ، ـ هو ـ أي ذلك الحكم النظري ـ من العقائد الدينية، أو يتوقف عليه إثبات شيء منها.
والكلام هو العلم الأعلى، إذ تنتهي إليه العلوم الشرعية كلها، وفيه تثبت موضوعاتها وحيثياتها فليست له مبادئ تبين في علم آخر، شرعياً أو غيره. بل مبادؤه أما مبيّنة بنفسها، أو مبيّنة فيه؛ فهي، أي فتلك المبادئ المبيّنة فيه مسائل له من هذه الحيثية، ومبادئ لمسائل أُخَر منه لا تتوقف عليها، لئلاّ يلزم الدور. ـ فلو وجدتَ في الكتب الكلامية مسائل لا يتوقف عليها إثبات العقائد أصلاً، ولا دفع الشبه عنها فذلك من خلط مسائل علم آخر به تكثيراً للفائدة في الكتاب. فمن الكلام يستمد غيره من العلوم الشرعية، وهو لا يُسْتَمَدّ من غيره أصلاً، فهو رئيس العلوم الشرعية على الإطلاق بالجملة.
فَعُلمَاء الإسلام قد دونوا ـ لإثبات العقائد الدينية المتعلقة بالصانع وصفاته وأفعاله وما يتفرع عليها من مباحث النبوة والمعاد ـ علماً يتوصل به إلى

11

إعلاء كلمة الحق فيها، ولم يرضوا أن يكونوا محتاجين فيه على علم آخر أصلاً. فأخذوا موضوعه على وجه يتناول تلك العقائد والمباحث النظرية التي تتوقف عليها تلك العقائد، سواء كان توقفها عليها باعتبار موادّ أدلّتها، أو باعتبار صُورَها. وجعلوا جميع ذلك مقاصد مطلوبة في علمهم هذا. فجاء علماً مستغنياً في نفسه عما عداه، ليس له مبادئ تبين في علم آخر.
وأما وجه تسميته بالكلام فإنه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات؛ أو لأن أبوابه عُنونت أولاً بالكلام في كذا؛ أو لأن مسألة الكلام أشهر أجزائه، حتى كثر فيه التقاتل.
وأما تسميته بأصول الدين فلكونه أصل العلوم الشرعية لابتنائها عليه.
وعلى هذا القياس في البواقي من أسمائه.
هذا كل ما في « شرح المواقف »
في هذا التعريف يثير التهانوي عدة أمور:
1 ـ هل علم الكلام علم للدفاع عن العقائد الدينية، أو لإثباتها ابتداءً؟
2 ـ هل علم الكلام يشمل الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة فقط، أو يشمل أيضاً كلَّ العقائد المتعلقة بأصول الدين، سواء منها الموافق والمخالف؟
3 ـ ما الفارق بين علم الكلام وعلم الإلهيات؟
والمسألة الأولى بالغة الأهمية، لأنها تتناول أمراً أثير حوله كثير من الجدل بين الفرق الإسلامية: ألا هو: هل هناك حاجة إلى علم الكلام؟
ذلك أن العقائد ثابتة في القرآن، وأوضحتها السنة النبوية، فما الحاجة إذن إلى إثباتها؟ وفيم إذن يختلف علم الكلام عن علم الإلهيات إذا كانا جميعاً يبدآن من العقل؟ إن علم الكلام يأخذ العقائد عن الكتاب الكريم، ولا يحصلها ابتداءً كما يفعل علم الإلهيات.

12

ويبدو أن النظر إلى مهمة علم الكلام قد اختلف في القرون الأربعة الأولى عنه فيما تلا ذلك، وفيما بين المذاهب المختلفة.
ففي المرحلة الأولى غلب النظر إلى علم الكلام على أنه علم تحصيلي، وليس مجرد دفاع. ويتبين هذا من التعريف الذي أورده أبو حيان التوحيدي في كتابه « ثمرات العلوم1 »، قال:
« وأما علم الكلام فإنه باب من الاعتبار في أصول الدين يدور النظر فيه على محض العقل في التحسين والتقبيح، والإحالة والتصحيح، والايجاب والتجويز، والاقتدار، والتعديل والتجوير، والتوحيد والتفكير. والاعتبار فيه ينقسم بين دقيق ينفرد العقل به، وبين جليل يفزع إلى كتاب الله تعالى فيه. ثم التفاوت في ذلك بين المتحلّين به على مقاديرهم في البحث والتنقير، والفكر والتحبير، والجدل والمناظرة، والبيان والمناضلة. والظفر بينهم بالحق سجال، ولهم عليه مكرٌّ ومجال. وبابه مجاور لباب الفقه، والكلام فيهما مشترك. وإنْ كان بينهما انفصال وتباين، فإن الشركة بينهما واقعة، والأدلة فيهما متضارعة. ألا ترى أن الباحث عن العالم في قِدَمه وحِدَثه؛ وامتداه وانقراضه، يشاور العقل ويخدمه، ويستضيء به ويستفهمه؟ كذلك الناظر في العبد الجاني: هل هو مشابه للمال فيردّ إليه، أو مشابه للحرّ فيحمل عليه؟ فهو يخدم العقل ويستضيء به. »
ومعنى هذا التحديد لموضوع علم الكلام أنه يبحث ابتداءً في أصول الدين على أساس عقلي، ويتطرق من ذلك إلى البحث في أمهات المسائل الدينية. وعلى هذا فهو يرمي إلى فهم مضمون الإيمان، وليس فقط إلى مجرد نصرة العقيدة.
ولهذا فلا معنى لما يقوله جارديه2 من أنه « لا يوجد في الإسلام
ــــــــــــــ
1 المطبوع مع كتاب « الأدب والإنشاء في الصداقة والصديق »، المطبعة الشرقية بمصر سنة 1323 ?، ص 192 ـ 193.
1 Louis Gardet: Dieu et la destinée de l'homme, p. 22 Paris, Vrin, 1967.

13

مقابل دقيق لذلك « الفهم للإيمان » المتكوّن علماً مستقلاً. فالكلام... دفاع عن الإسلام. وغرضه لا يتطابق مع غرض اللاهوت في المسيحية: لا من حيث المفهوم، ولا من حيث الما صدق. فمن حيث المفهوم: نجد أن متون علم الكلام الإسـلامية تهتم ? « الدفاع » أكثر منها « بفهم » الإيمان. وفي المسيحية هذا « الدفاع عن الإيمان » apologétique هو بمثابة استهلال نقدي للاهوت. أما في الإسلام فهو موضوع علم الكلام نفسه، بحسب اعتراف مؤلفيها أنفسهم. والمهمة التنويرية، وهي في المقام الأول في اللاهوت المسيحي، وجهد العقل المستنير بالإيمان للنفوذ في السر بما هو سر وإدراك الروابط المعقولة لمعطيات الوحي، كل هذا لا يظهر في علم الكلام إلاّ تلميحاً، ولا يراد لذاته. إن الكلام يتوجه إلى الخصم، أو إلى المؤمن الذي يحيك الشك في صدره، من أجل اقناعه بصحة الأساس العقلي والكتاب للإيمان الإسلامي.
« كذلك لا يتطابق ميدان علم الكلام مع ميدان اللاهوت المسيحي من حيث الما صدق. وإذا لم يكن في الكلام ما يساوي اللاهوت الأخلاقي، فذلك لأن قواعد العقل الإنساني التي وضعها الله من أجل الفوز بالنجاة في الآخرة ـ تتعلق، من وجهة النظر الإسلامية، بميدان أخلاقي واجتماعي وتشريعي، ينتسب ـ على حد كبير ـ إلى علم آخر، هو على الخصوص علم أصول الفقه ».
فهذا القول يصحّ بالنسبة إلى ما بعد القرن الرابع. أما في القرون الثاني والثالث والرابع فكان يغلب على علم الكلام البحث في فهم الإيمان، وإدراك مضمون العقيدة، وتحديد المعاني الغامضة التي وردت في الكتاب والسنة: الله، صفاته، القدر، العدل الإلهي، الوعد والوعيد، النجاة في الآخرة، العقاب والثواب، الخ.
ونعتقد أن السبب في توكيد جانب الدفاع في مهمة علم الكلام يرجع

14

إلى الحملة التي قام بها الحنابلة ضد علم الكلام. وهي حملة بدأها ابن حنبل نفسه (المتوفى سنة 241 ?/ 855 م)، ففي المناظرة التي جرت بينه وبين ابن أبي دؤاد في حضرة المعتصم، قال: « لست أنا صاحب كلامٍ، وإنما مذهبي: الحديث »1 كذلك ينسب إليه أنه قال: « لا يفلح صاحب كلامٍ أبداً، ولا يرى أحدٌ نظر في الكلام إلاّ وفي قلبه دغل »2. ثم تجلّت هذه الحملة وفصّلت أولاً عند أبي عمر بن عبد البـرّ (المتوفى سنة 463 ?/ 1071) في كتـابه « جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله »3 وتلاه عبد الله الأنصاري الهروي (المتوفى سنة 481 ?/ 1088 م) في كتابه « ذم الكلام »4. وجاء موفق الدين بن قدامة المقدسي (المتوفى بدمشق سنة 620 ?/ 1223 م) في رسالة بعنوان « تحريم النظر في كتب أهل الكلام: كتاب فيه الرد على ابن عقيل »، ردّ فيه على ابن عقيل في إباحته علم الكلام، وتأويل الآيات المشتبهات.
وكان أبو الحسن الأشعري من أوائل الذين ردّوا على دعوى الحنابلة في ذم علم الكلام والنهي عن الخوض فيه. إذ قد تعرّض لهذه المسألة في كتاب بعنوان « رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام »5، فقال:
« إن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر
ــــــــــــــ
1 « طبقات المعتزلة » لأحمد بن يحيى بن المرتضى، ص 125. تحقيق سوسنة ديفلد فلزر، بيروت، سنة 1961 م.
2 « تحريم النظر في كتب أهل الكلام » لموفق الدين بن قدامة المقدسي المتوفى بدمشق سنة 620 ?، تحقيق جورج المقدسي (مع ترجمة إلى الإنجليزية). لندن، سنة 1962.
3 طبعة القاهرة سنة 1320 ? 1902.
4 بروكلمن GAL ?1، ص433، الملحق 1، ص 774.
5 نشرت أولاً في سنة 1344 ? بمطبعة دائرة المعارف النظامية في حيدر آباد الدكن في الهند، وأعاد نشرها يوسف مكارثي اليسوعي، في بيروت سنة 1953 في ذيل كتاب « اللمع » للأشعري.

15

والبحث عن الدين، ومالوا إلى التخفيف والتقليد، وطعنوا على من فتش عن أصول الدين، ونسبوه إلى الضلال، وزعموا أن الكلام في الحركة والسكون، والجسم والعَرَض، والألوان والأكوان، والجزء، والطفرة، وصفات الباري ـ عز وجل ـ بدعة وضلالة. وقالوا: لو كان هدى ورشاداً لتكلم فيه النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وخلفاؤه وأصحابه (قالوا) ولأن النبي ـ صلعم ـ لم يمت حتى تكلم في كل ما يُحتاج إليه من أمور الدين، وبيّنه بياناً شافياً، ولم يترك بعده لأحد مقالاً فيما للمسلمين إليه حاجة من أمور دينهم، وما يقرّبهم إلى الله ـ عز وجل ـ ويباعدهم عن سخطه، فلما لم يرووا عنه الكلام في شيء مما ذكرناه، علمنا أن الكلام فيه بدعة، والبحث عنه ضلالة، لأنه لو كان خيراً لما فات النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلّم، ولتكلموا فيه. (قالوا) ولأنه يخلو ذلك من وجهين: إما أن يكونوا علموه فسكتوا عنه، أو لم يَعْلموه بل جهلوه. فإن كانوا علِموه، ولم يتكلموا فيه وَسِعَنا أيضاً نحن السكوت عنه كما وسعهم السكوت عنه، ووسعنا تركُ الخوض [ فيه ] كما وسعهم ترك الخوض فيه؛ ولأنه لو كان من الدين ما وسعهم السكوتُ عنه. وإن كانوا لم يعلموه وسعنا جهله، كما وسع أولئك جهله، لأنه لو كان من الدين لم يجهلوه. فعلى كلا الوجهين: الكلام فيه بدعة، والخوض فيه ضلالة.
فهذه جملة ما احتجوا به في ترك النظر في الأصول.
قال الشيخ أبو الحسن ـ رضي الله عنه! ـ: الجوابُ عنه من ثلاثة أوجه:
(أحدها) قلب السؤال عليهم بأن يقال: النبي ـ صلى الله عليه وآلة وسلم! ـ لم يقل أيضاً: « أنه من بحث عن ذلك وتكلم فيه فاجعلوه مبتدعاً ضالاًّ ». فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعة ضُلاّلاً إذ

16

تكلمتم في شيء لم يتكلم فيه النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وضَلّلتم مَنْ لم يُضَلِّله النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(الجواب الثاني) أن يقال لهم: أن النبي ـ صلى الله عليه وآلة وسلم ـ لم يجهل شيئاً مما ذكرتموه من الكلام في الجسم والعَرَض والحركة والسكون والجزء والطفرة، وان لم يتكلم في كل واحدٍ من ذلك [ كلاماً ] معيّناً. وكذلك الفقهاء والعلماء من الصحابة. غير أن هذه الأشياء التي ذكرتموها مُعيّنةٌ أصولها؛ موجودة في القرآن والسُّنّة جملةً غير مفصّلة »:
أما الحركة والسكون والكلام فيهما: فأصلهما موجود في القرآن، وهما يدلاّن على التوحيد، وكذلك الاجتماع والافتراق. قال الله تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم ـ صلوات الله عليه وسلامه! ـ في قصة أفول الكواكب والشمس والقمر وتحريكها من مكان إلى مكان ما دلّ على أن ربه عز وجل ـ لا يجوز عليه شيء من ذلك. وأن من جاز عليه الأفول والانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله1.
وأما الكلام في أصول التوحيد فمأخوذ أيضاً من الكتاب. قال الله تعالى: « لو كان فيهما آلهة إلاّ اللهُ لفسدتا » (سورة 21 آية 22) وهذا الكلام موجز منبِّه على الحجة بأنه واحد لا شريك له. وكلام المتكلمين في الحجاج في التوحيد بالتمانع والتغالب فإنما مرجعه إلى هذه الآية. وقوله عز وجل: « ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله، إذاً لذهب كلُّ إلَه بما خلق، ولعلا بعضهمُ على بعضٍ » (سورة 23: 91) إلى قوله عز وجل: « أم جعلوا لله شركاء خَلَقوا كخَلْقه فتشابه الخلق عليهم » (سورة 13: 16). وكلام المتكلمين في الحجاج في توحيد الله إنما
ــــــــــــــ
1 إشارة إلى الآيتيْن (سورة 6: 76 ـ 77): « قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغاً قال: هذا ربي! فلما أفل قال: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ».

17

مرجعه إلى هذه الآيات التي ذكرناها، وكذلك سائر الكلام في تفصيل فروع التوحيد والعدل إنما هو مأخوذٌ من القرآن.
فكذلك الكلام في جواز البعث واستحالته الذي قد اختلف عقلاء الع?ب ومَنْ قبلهم مِنْ غيرهم فيه حتى تعجبوا من جواز ذلك فقالوا: « أإذا متنا وكُنّا تراباً ذلك رَجْع بعيد » (سورة 50: 3) وقولهم: « هيهات هيهات لِما توعَدون » (سورة 23: 36)، وقولهم: « مَنْ يحيي العِظام وهي رميم » (36: 78) وقوله تعالى: « أيعدكم أنكم إذا مِتم وكُنتم تراباً وعظاماً أنّكم مُخْرَجون » (23: 35) ـ وفي نحو هذا الكلام منهم إنما ورد بالحجاج في جواز البعث بعد الموت في القرآن تأكيداً لجواز ذلك في العقول. وعَلّم نبيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم! ـ ولقّنه الحجاج عليهم في إنكارهم البعث من وجهين على طائفتيْن منهم: طائفة أقرّت بالخَلْق الأول وأنكرت الثاني، وطائفة جحدت ذلك بِقدَم العالم:
فاحتج على المقِر منهما بالخلق الأول بقوله: « قل يحييها الذي أنشأها أول مرة » (36: 79) وبقوله:« وهـو الذي يبدأُ الخلق ثم يعيده وهـو أهون عليه » (30: 27) وبقوله: « كما بدأكم تعودون » (7: 28). فنبههم بهذه الآيات على أن من قدر أن يفعل فعلاً على غير مثال سابق فهو أقْدَرُ أن يفعل فعلاً مُحْدَثاً، فهو أهون عليه فيما بينكم وتعارفكم؛ وأما الباري ـ جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ـ فليس خلقُ شيءٍ بأهون عليه من الآخر. وقد قيل إن الهاء في « عليه » إنما هي كناية للخلق بقدرته. إن البعث والإعادة أهون على أحدكم وأخفُّ عليه من ابتداء خَلْقه، لأن ابتداء خلقه إنما يكون بالولادة والتربية وقطع السُّرة والقماط وخروج الأسنان وغير ذلك من الآيات الموجعة المؤلمة؛ وإعادته إنما تكون دفعة واحدة ليس فيها من ذلك شيء. فهي أهون عليه من ابتدائه. فهذا ما احتج به على الطائفة المِقرّة بالخلق.

18

وأما الطائفة التي أنكرت الخلق الأول والثاني، وقالت بقدم العالم فإنما دخلت عليهم شبهة بأن قالوا: وجدنا الحياة رطبة حارة والموت بارداً يابساً وهو من طبع التراب، فكيف يجوز أن يجمع بين الحياة والتراب والعظام النخرة فيصير خَلْقاً سوياً، والضدان لا يجتمعان؟! فأنكروا البعث من هذه الجهة.
ولعمري إن الضدين لا يجتمعان في محلّ واحد ولا في جهة واحدة، ولا في الموجود في المحلّ، ولكنه يصحّ وجودهما في محلّين على سبيل المجاورة. فاحتج1 الله تعالى عليهم بأن قال: « الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون » (36: 80) فردّهم الله ـ عز وجل ـ في ذلك إلى ما يعرفونه ويشاهدونه من خروج النار على حرّها ويبسها من الشجر الأخضر على بردها ورطوبتها. فجعل جواز النشأة الأولى دليلاً على جواز النشأة الآخرة لأنها دليل على جواز مجاورة الحيـاة الترابَ والعظام النخرة فجعلها خلقاًَ سويّاً وقال: « كما بدأنا أول خلقٍ نعيده » (21: 104).
وأما ما يتكلم به المتكلمون من أن للحوادث أولاً وردُّهم على الدهرية [ القائلين ] إنه لا حركة إلا وقبلها حركة، ولا يوم إلا وقبله يوم؛ والكلام على من قال: ما من جزء إلا وله نصف، لا إلى غاية، فقد وجدنا أصل ذلك في سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم! ـ « لا عدوى ولا طيرة »، فقال إعرابي: « فما بال الإبل كأنها الظباءُ تدخلُ في الإبل الجرباء فتجرب؟ » فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ: « فمن أعدى الأول؟ » فسكت الأعرابي لما أفهمه بالحجة المعقولة. وكذلك نقول لمن زعم أنه لا حركة إلا وقبلها حركة: لو كان الأمر
ــــــــــــــ
1 أورد هذه الحجة أبو يوسف يعقوب الكندي، راجع رسائله، ? 1، ص 374 القاهرة سنة 1950.

19

هكذا لم تحدث منها واحدة، لأن ما لا نهاية له لا حِدَث له.
وكذلك لما قال الرجل: « يا نبيّ الله! إن امرأتي ولدت غلاماً أسود » وعرّض بنفسه فقـال النبي ـ صلى الله عليه وآلة وسلم ـ: « هل لك من إبل ؟ » فقـال: « نعم! » قال: « فما ألوانها؟ » قال: « حُمْر ». فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم: « هل منها من أورق1؟ » قال: « نعم إن فيها أورق ». قال: « فأنّى ذلك؟ » قال: « لعل عرقاً نزعه2! » فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « ولعلّ ولدك نزعه عرق ». فهذا ما علم الله نبيّه من ردّ الشيء إلى شكله ونظيره؛ وهو أصلٌ لنا في سائر ما نحكم به من الشبيه والنظير. وبذلك نحتج على من قال: « إن الله ـ تعالى وتقدس ـ يشبه المخلوقات، وهو جسم » ـ بأن نقول له: لو كان يشبه شيئاً من الأشياء لكان لا يخلو من أن يكون يشبهه من كل جهاته، أو يشبهه من بعض جهاته. فان كان يشبهه من كل جهاته وجب أن يكون محدّثاً من كل جهاته. فإن كان يشبهه من بعض جهاته أن يكون محدثاً مثله من حيث أشبهه، لأن كل مشتبهين حكمهما واحدٌ فيمـا اشتبها فيه. ويستحيل أن يكون المحدَث قديمـاً والقديم محدَثاً. وقد قـال تعالى وتقدس: « ليس كمثله شيء » (42: 11)، وقال تعالى وتقدس: « ولم يكن له كفؤاً أحد » (112: 4).
وأما الأصل بأن للجسم نهاية، وأن الجزء لا ينقسم، فقوله عز وجل اسمه: « وكل شيء أحصيناه في إمام مبين » (36: 12). ومحالٌ احصاء ما لا نهاية له، ومحالٌ أن يكون الشيء الواحد ينقسم [ إلى غير نهاية ]، لأن هذا يوجب أن يكونا شيئين، وقد اخبر أن العدد وقع عليهما.
وأما الأصل في أن المحدِث يجب أن يتأتى له الفعل نحو قصده واختياره،
ــــــــــــــ
1 الأورق: الذي لونه لون الرماد، الرماد.
2 نزع الولد أباه، وإلى أبيه: أشبهه.

20

وتنتفي عنه كراهيته، فقوله تعالى: « أفرأيتم ما تمنون؟ أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟ » (56: 58 ـ 59) فلم يستطيعوا أن يقولوا بحجة أنهم يخلقون مع تمنيهم الولد فلا يكون مع كراهيته له. فنبههم أن الخالق هو من تتأتى منه المخلوقات على قصده.
* * *
وأما أصلنا في المناقضة على الخصم في النظر فمأخوذ من سنة سيدنا محمد صلى الله عليه وآلة وسلم. وذلك تعليم الله عز وجل إياه حين لقي الحبر السمين فقال له: « نشدتك بالله! هل تجد فيما أنزل الله تعالى من التوراة أن الله تعالى يبغض الحبر السمين؟ » فغضب الحبر حين عيره بذلك، فقال: « ما أنزل الله على بشر من شيء » (6: 91) فقال الله تعالى: « قُلّ مَنْ أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً » الآية (6: 91). فناقضه عن قرب، لأن التوراة شيء، وموسى بشر، وقد كان الحبر مقراً بأن الله تعالى أنزل التوراة على موسى. وكذلك ناقض الذين زعموا أن الله تعالى عهد إليهم أن لا يؤمنوا لرسول حتى يأتيهم بقربان تأكله النار، فقال تعالى: « قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ » (3: 183) فناقضهم بذلك وحاجّهم.
وأما أصلنا في استدراكنا مغالطة الخصوم فمأخوذ من قوله تعالى: « إنكم وما تعبدون من دون الله حَصَبُ جهنم أنتم لها واردون » إلى قوله «... لا يسمعون » (21: 98 ـ 100) فإنها لما نزلت هذه الآية بلغ ذلك عبد الله بن الزبعرى جدلاً خَصِماً. فقال: « خصمت محمداً ورب الكعبة ». فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: « يا محمد! ألست تزعم أن عيسى وعزيراً والملائكة عُبِدوا؟ » فسكت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا سكوت عيّ ولا منقطع [ بل ]

21

تعجباً من جهله، لأنه ليس في الآيـة ما يوجب دخول عيسى وعزير والملائكة فيها لأنه قال: « وما تعبدون » ولم يقل: « وكل ما تعبدون من دون الله ». وإنما أراد ابن الزبعرى مغالطة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ليوهم قومه أنه قد حاجّه. فأنزل الله عز وجل: « إن الذين سبقت لهم منّا الحُسْنى » (21: 101) يعني من المعبودين « أولئك عنها مُبْعدون ». فقرأ النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، فضجوا عند ذلك لئلاّ يتبين انقطاعهم وغلطهم فقالوا: « آلهتنا خيرٌ أم هو؟ » يعنون عيسى؛ فأنزل الله تعالى: « ولمّا ضُرِب ابنُ مريم مثلاً إذا قومك منه يَصِدّون » إلى قوله: « خَصِمون » (43: 57 ـ 58).
وكل ما ذكرناه من الآي أو لم نذكره أصلٌ وحجة لنا في الكلام فيما نذكره من تفصيل، وإن لم تكن مسألة معيّنة في الكتاب والسُّنة، لأن ما حدث تعيينه من المسائل العقليات في أيام النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والصحابة قد تكلموا فيه على نحو ما ذكرناه.
* * *
والجواب الثالث أن هذه المسائل التي سألوا عنها قد علمها رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولم يجهل منها شيئاً مفصّلاً غير أنها لم تحدث في أيامه معيّنة فيتكلم فيها أو لا يتكلم فيها، وإنْ كانت أصولها موجودة في القرآن والسُّنّة. وما حدث من شيء فيما له تعلق بالدين من جهة الشريعة فقد تكلموا فيه وبحثوا عنه وناظروا فيه وجادلوا وحاجُّوا كمسائل العَول1 والجدّات من مسائل الفرائض وغير ذلك من الأحكام،
ــــــــــــــ
1 العول عند أهل الفرائض (التركات): نقيض الرد، وهو أن ترتفع السهام وتزيد، فتعول المسئلة إلى سهام الفريضة فيدخل النقصان على أهلها بقدر حصصهم، كأنها مالت عليهم فنقصتهم. وتقول: عالت الفريضة، أي: ارتفع حسابها وزادت سهامها فنقصت الانصباء وتقول: عُلْتُ الفريضة: أي زدتها: يتعدى ولا يتعدى.

22

وكالحرام والبائن والبتّة و« حبلك على غاربك »، وكالمسائل في الحدود والطلاق مما يكثر ذكرها مما قد حدثت في أيامهم ولم يجيء في كل واحدة منها نصّ عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لأنه لو نصّ على جميع ذلك ما اختلفوا فيه وما بقي الخلاف إلى الآن.
وهذه المسائل، وإن لم يكن في كل واحدة منها نص عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فانهم ردّوها وقاسوها على ما فيه نص من كتاب الله تعالى والسنّة واجتهادهم. فهذه أحكام حوادث الفروع، ردّوها إلى أحكام الشريعة التي هي فروع لا تستدرك أحكامها إلا من جهة السمع والرسل. ـ فأما الحوادث1 التي تحدث في الأصول في تعيين مسائل فينبغي لكل عاقل مُسلم أن يردّ حكمها إلى جملة الأصول المتفق عليها بالعقل والحسّ والبديهة وغير ذلك، لأن حكْم مسائل الشرع، التي طريقها السمع، أن تكون مردودة إلى أصول الشرع التي طريقها السمع؛ وحكْمُ مسائل العقليات والمحسوسات أن يردّ كل شيء من ذلك إلى بابه، ولا تخلط العقليات بالسمعيات، ولا السمعيات بالعقليات. فلو حدث في أيام النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الكلامُ في خلق القرآن وفي الجزء والطفرة بهذه الألفاظ لتكلم فيه وبيّنه، كما بيّن سائر ما حدث في أيامه من تعيين المسائل، وتكلم فيها.
ثم يقال (لهم): النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يصحّ عنه حديث في أن القرآن غير مخلوق، أو هو مخلوق. فلم قلتم أنه غير مخلوق؟ فإن قالوا: قاله بعض الصحابة وبعض التابعين ـ قيل لهم: يلزم الصحابي والتابعيّ مثلُ ما يلزمكم من أن يكون مبتدعاً ضالاً إذ قال ما لم يقله الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم.
ــــــــــــــ
1 في النص المطبوع: حوادث تحدث..

23

فإنْ قال قائل: فأنا أتوقف في ذلك فلا أقول مخلوق، ولا غير مخلوق ـ قيل له: فأنت في توقفك في ذلك مبتدع ضال، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يقل: « إن حدثت هذه الحادثة بعدي توقفوا فيها ولا تقولوا فيها شيئاً »، ولا قال: « ضَلِّلوا وكفروا من قال بخلقه أو من قال بنفي خلقه ».
وخبرونا: لو قال قائل: إن علم الله مخلوق: أكنتم تتوقفون فيه، أم لا؟ فإن قالوا: «لا» قيل لهم: لم يقل النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا أصحابه في ذلك شيئاً. وكذلك لو قال قائل: هذا ربكم شبعان أو ريان أو مكتسٍ أو عريان أو مقرور أو صفراوي أو مرطوب أو جسم أو عَرض أو يشمّ الريح أو لا يشمها، أو هل له أنف وقلب وكبد وطحال، وهل يحج في كل سنة، وهل يركب الخيل، أو لا يركبها، وهل يغتمّ أم لا، ونحو ذلك من المسائل ـ لكان ينبغي أن تسكت عنه لأن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يتكلم في شيء من ذلك ولا أصحابه. أو كنت لا تسكت، فكنت تبين بكلامك أن شيئاً من ذلك لا يجوز على الله عز وجل وتقدس كذا وكذا، بحجة كذا وكذا.
فإن قال قائل: أسكت عنه ولا أجيبه بشيء، أو أهجره، أو أقوم عنه، أو لا اسلم عليه أو لا أعوده إذا مرض، أو لا أشهد جنازته إذا مات ـ قيل له: فيلزمك أن تكون في جميع هذه الصيغ التي ذكرتها مبتدعاً ضالاً، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يقل: « من سأل عن شيء من ذلك فاسكتوا عنه »، ولا قال: « لا تسلموا عليه »، ولا: « قوموا عنه » ولا قال شيئاً من ذلك. فأنتم مبتدعة إذا فعلتم ذلك.
[ ويقال لهم: ]: ولِمَ لم تسكتوا عمن قال بخلق القرآن؟ ولم كفّرتموه

24

ولمَ يردْ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديث صحيح في نفي خَلْقه وتكفير من قال بخلقه ؟ فإن قالوا: لأن أحمد بن حنبل ـ رضي الله عنه ـ قال بنفي خلقه وتكفيرَ من قال بخلقه، ـ قيل لهم: ولِمَ لَمْ يسكت أحمد عن ذلك، بل تكلم فيه؟ فإن قالوا: لأن عباس العنبري ووكيعاً وعبد الرحمن بن مهدي وفلاناً وفلاناً قالوا إنه غير مخلوق ومن قال بأنه مخلوق فهو كافر ـ قيل لهم: ولِمَ لَمْ يسكت أولئك عما سكت عنه (النبي) صلى الله عليه وآله وسلم؟ فإن قالوا: لأن عمرو بن دينار وسفيان بن عيينة وجعفر بن محمد ـ رضي الله عنهم، وفلاناً وفلاناً قالوا: ليس بخالق ولا مخلوق ـ قيل لهم: ولِمَ لم يسكت أولئك عن هذه المقالة ولم يقلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!
فإن أحالوا ذلك على الصحابة أو جماعة منهم، كان ذلك مكابرةً. فإنه يقال لهم: فلِمَ لم يسكتوا عن ذلك، ولم يتكلم فيـه النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا قـال: « كفِّروا قائله »؟ وإنْ قالوا: لا بد للعلماء من الكلام في الحادثة ليعلم الجاهلُ حُكْمَها ـ قيل لهم: هذا الذي أردناه منكم. فلِمَ منعتم الكلام؟ فأنتم إن شئتم تكلمتم، حتى إذا انقطعتم قلتم نُهينا عن الكلام؛ وإن شئتم قلدتم من كان قبلكم بلا حجة ولا بيان. وهذه شهوة وتحكُّم.
ثم يقال لهم: فالنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يتكلم في النذور والوصايا ولا في العتق، ولا في حساب المناسخات، ولا صنّف فيها كتاباً كما صنفه مالك والثوري والشافعي وأبو حنيفة، فليزمكم أن يكونوا مبتدعة ضُلالاً، إذ فعلوا ما لم يفعله النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم. وقالوا بتكفير القائلين بخَلْق القرآن ولم يقله النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم.

25

وفيما ذكرنا كفاية لكل عاقل غير معاند1 ».
* * *
وقد أوردنا هذه الرسالة بتمامها لأنها أول رسالة وصلتنا في هذا الموضوع، ولأن مؤلفها هو أبو الحسن الأشعري، وهو مَنْ هو في عمق إدراكه وسعة فهمه وجَوْدة تحصيله لمسائل الكلام. ولا محل للتشكيك في صحة نسبتها إليه، فليس ثم دليل على ذلك، فضلاً عن أن المذهب الوارد فيها واردٌ في كتاب « اللمع » للأشعري، ولا داعي للقول بأنها من تصنيف أشعريّ متأخر2.
والأشعري، والأشاعرة بعامة، يرون أن النظر في معرفة الله واجب شرعاً. وقد بين مذهب الأشاعرة في ذلك الدّواني3 في شرحه على « العقائد العضدية » فقال: « ويمكن إثباته على مذهب الأشاعرة بأن عبادة الله تعالى واجبة بالإجماع. ولا تتصور العبادة بدون معرفة المعبود. فمعرفة الله تعالى مقدمة الواجب المطلق، فتكون واجبة. ولما توقفت على النظر يكون النظر أيضاً واجباً. فإن قلت: قد ذهب بعض الأئمة كالإمام الغزالي والإمام الرازي في بعض تصانيفه على أن وجود الواجب بديهي فلا يحتاج إلى النظر ـ قلت: دعوى بداهته بالنسبة إلى جميع الأشخاص في محل المنع. ولئن سُلّم فالنظر في سائر صفاته من العلم والقدرة والإرادة وغيرها يكون واجباً، فإنها ليست بديهية بلا ريب. ولعل الحقّ أن النظر إنما يجب على كل واحد من المكلفين فيما ليس بديهياً بالنسبة إليه.
ــــــــــــــ
1 طبعة مكارثي ص 87 ـ 97. بيروت 1953 بذيل « كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع » تأليف الشيخ الإمام أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري.
2 راجع ما يقوله مكارثي في مقدمة نشرته وترجمته، ص XXVI
3 شرح الجلال الدواني على العقائد العضدية (وبهامشه حاشية السيالكوتي ومحمد عبده)، ص 68. القاهرة سنة 1322، المطبعة الخيرية.

26

فمن يكون مستغنياً بفطرته عن النظر في بعض صفات الله تعالى لا يجب عليه النظر فيه. نعم، يجب على الكفاية تفصيل الدلائل بحيث يتمكن معه من إزالة الشُّبَه وإلزام المعاندين وإرشاد المسترشدين.
وقد عقد إمام الحرمين الجويني (419 ـ 478 ?) في كتابه « الشامل فصلاً لبيان أن النظر والاستدلال واجبان، قال:
« إن قال قائل: فما الدليل على وجوب النظر من جهة الشرع؟
قلنا: الدليل عليه إجماع المسلمين على وجوب معرفة الله تعالى، مع اتفاقهم على أنها من أعظم القُرب وأعلى موجبات الثواب... فإذا ثبت الاجماع فيما قلناه، وثبت بدلالات العقول أن العلوم المكتسبة يتوقف حصولها على النظر الصحيح، وما ثبت وجوبه قطعاً فمن ضرورة ثبوت وجوب وجوبه وجوبُ ما لا يتوصل إليه إلاّ به1 ».

ــــــــــــــ
1 « الشامل في أصول الدين »، ? 1، ص 30 ـ 31. القاهرة سنة 1960 ـ 1961. وهي نشرة في غاية الرداءة!

27


أسباب تسميته بعلم « الكلام »

جمع صاحب « شرح العقائد النسفية » أسباب تسمية علم الكلام بهذا الاسم فقال1:
« اعلم أن الأحكام منها ما يتعلق بكيفية العمل، وتسمى فرعية وعملية؛ ومنها ما يتعلق بالاعتقاد، وتسمى أصلية واعتقادية والعلم المتعلق بالأولى يسمى علم الشرائع والأحكام لما أنها لا تستفاد إلا من جهة الشرع ولا يسبق الفهم عند إطلاق الأحكام إلا إليها. وبالثانية: علم التوحيد والصفات، لما أن ذلك أشهر مباحثه وأشرف مقاصده.
وقد كانت الأوائل من الصحابة والتابعين ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ لصفاء عقائدهم ببركة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وقرب العهد بزمانه، ولقلة الوقائع والاختلافات، وتمكنهم من المراجعة إلى الثقات ـ مستغنين عن تدوين العِلْمين وترتيبهما أبواباً وفصولاً، وتقرير مقاصدهما فروعاً وأصولاً؛ إلى أن حدثت الفتن بين المسلمين، وغلب البغيُ على أئمة الدين، وظهر اختلاف الآراء، والميل إلى البدع والأهواء، وكثرت
ــــــــــــــ
1 « شرح العقائد » مع عدة حواش، ص 5 ـ 7. طبع حجر سنة 1304 ?.

28

الفتاوى والواقعات، والرجوع إلى العلماء في المهمات. فاشتغلوا بالنظر والاستدلال، والاجتهاد والاستنباط، وتمهيد القواعد والأصول، وترتيب الأبواب والفصول، وتكثير المسائل بأدلّتها، وإيراد الشُّبَه بأجوبتها وتعيين الأوضاع والاصطلاحات، وتبيين المذاهب والاختلافات.
وسمّوا ما يفيد معرفة الأحكام العملية عن أدلتها التفصيلية ? « الفقه »؛ ومعرفة أصول الأدلة إجمالاً في إفادتها الأحكام ? « أصول الفقه »، ومعرفة العقائد عن أدلّتها ? « الكلام »:
1 ـ لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا، وكذا.
2 ـ ولأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه وأكثره نزاعاً وجدالاً، حتى إن بعض المتغلبة قتل كثيراً من أهل الحق لعدم قولهم بخلق القرآن.
3 ـ ولأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم، كالمنطق للفلسفة.
4 ـ ولأنه أول ما يجب من العلوم التي تُعْلم وتُتَعَلَّم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك، ثم خُصّ به ولم يُطلَق على غيره تمييزاً له.
5 ـ ولأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام بين الجانبين، وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب.
6 ـ ولأنه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين والرد عليهم.
7 ـ ولأنه لقوة أدلّته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم، كما يقال للأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام.
8 ـ ولأنه لابتنائه على الأدلة القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية، أشدّ العلوم تأثيراً في القلب وتغلغلاً فيه، فسُمّي بالكلام المشتق من الكَلْم وهو الجَرح.

29

فأي هذه الاعتبارات الثمانية هو الأرجح؟
قبل أن ندلي برأي نشير إلى اعتبار تاسع ذهب إليه أستاذنا الشيخ مصطفى عبد الرازق في كتابه « تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية1 ». فهو يرى أن البحث في الشئون الاعتقادية سمي كلاماً وسمي أهله متكلمين لأحد وجهين:
الأول: ما روي عن مالك (المتوفى سنة 179 ? ـ 795 م) أنه قال: إياكم والبدع. قيل: يا أبا عبد الله، وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم باحسان ». وما روي عن أبي حنيفة (المتوفى سنة 150 ?) من أنه قال: « لعن الله عمرو بن عبيد فإنه فتح للناس الطريق إلى الكلام فيما لا يعنيهم من الكلام ».
« فالكلام ـ هكذا يقول الشيخ مصطفى ـ ضد السكوت، والمتكلمون كانوا يقولون حيث ينبغي الصمت اقتداءً بالصحابة والتابعين الذين سكتوا عن المسائل الاعتقادية لا يخوضون فيها » (ص 267).
والثاني: مأخوذ أيضاً من قول منسوب إلى مالك بن أنس، ذكره ابن عبد البرّ (المتوفى سنة 463 ? ـ 1070 م) في كتاب « مختصر جامع بيان العلم وفضله »: « كان بن أنس يقول: الكلام في الدين أكرهه. ولم يزل أهل بلدنا ـ [ يقصد المدينة المنورة ] ـ يكرهونه وينهون عنه، نحو الكلام في رأي جهم والقدر وما أشبه ذلك، ولا أُحِبُّ الكلام إلا فيما تحته عمل. »
« والكلام على هذا مقابل الفعل، كما يقال: فلان قوّال، لا فعّال. والمتكلمون قومٌ يقولون في أمور ليس تحتها عمل. فكلامهم نظري لفظي لا يتعلق به فعل، بخلاف الفقهاء الباحثين في الأحكام الشرعية العملية.
ــــــــــــــ
1 القاهرة، الطبعة الأولى سنة 1944. الطبعة الثالثة سنة 1966. ص 155.

30

وعلم الكلام علم يبحث فيما يتصل بالعقائد التي هي شئون غير عملية. وردُّ تسمية هذا العلم بالكلام إلى أحد هذين الوجهين أرجح عندي لمناسبته للواقع: من سبق هذه التسمية للتدوين. أما سائر الوجوه فتجعل التسمية لاحقة لظهور العلوم وتدوينها » (ص 268).
وهذا الرأي يصحّ لو أننا استطعنا أن نتبع أول ظهور اللفظ: « كلام » للدلالة على البحث النظري في العقائد الدينية، و« متكلم » للدلالة على من يتولى النظر في العقائد الدينية. ولكنه يفترض هذا افتراضاً دون أن يسوق عليه أي دليل. بل الواقع ينقضه:
ذلك أن لواصل بن عطاء كتباً في علم الكلام ذكرتها المصادر المختلفة1، وهو قد توفي في سنة 131 ? (748 ـ 749 م) وولادته في سنة 80 ? (699 م)، فهل لقب بلقب متكلم هو أو زميله عمرو بن عبيد (المتوفى سنة 142 ? ـ 759 ـ 60 م)، وهل عُدّت أبحـاث كليهما في العقـائد « كلاماً »؟ سيكون معنى هذا أن إطـلاق اصطلاح « كلام » و« متكلم » قد ظهر قبل بداية القرن الثاني للهجرة (الثامن الميلادي) إن صح ما افترضه الشيخ مصطفى من ان استعمالهما كان قبل تدوين العلوم. وهذا أمرٌ لم يثبت.
ــــــــــــــ
1 ذكر له المقريزي أسماء كتبه التالية: « كتاب المنزلة بين المنزلتيْن »، « كتاب الفتيا »، « كتاب التوحيد » (« الخطط » للمقريزي)، وذكر له المرتضى في « المنية والأمل » (ص 35) اسم « كتاب الألف مسألة في الرد على المانوية ». وذكر له ابن النديم أسماء الكتب التالية: « أصناف المرجئة »، « كتاب التوبة »، كتاب « المنزلة بين المنزلتين »، كتاب « معاني القرآن »، كتاب « الخطب في التوحيد والعدل »، « كتاب ما جرى بينه وبين عمرو بن عبيد »، كتاب « السبيل إلى معرفة الحق »، « كتاب في الدعوة »، « كتاب طبقات أهل العلم والجهل » (« الفهرست »، ص 251 طبع مصر بغير تاريخ).

31

فإذا تأملنا الاعتبارات الثمانية الأخرى وجدنا أن الاعتبار الثاني هو أوجهها جميعاً، وهو أنه سمي علم الكلام « لأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه وأكثر نزاعاً وجدالاً، حتى إن بعض المتغلبة قتل كثيراً من أهل الحق لعدم قولهم بخلق القرآن ».
والواقع أننـا لا نكـاد نعثر على اسـتعمال « الكـلام » بالمعنى الاصطلاحي ولقب « المتكلمين » قبل كتب الجاحظ المتوفى سنة 255 ?. وقد عاش في معمعان معركة خلق القرآن. فلهذا نرى أن استعمال هذين الاصطلاحين إنما يرجع إلى النصف الأول من القرن الثالث للهجرة. ولا نجد في كتب الشافعي (المتوفى سنة 204 ?) استعمال هذين الاصطلاحين؛ مما يجعل وفاته حداً أول لاستعمال اللفظ. ولا بد أن مسألة خلق القرآن وموقف المعتزلة منها ومعاضدة المأمون ثم المعتصم والواثق لهم في ذلك الموقف، ضد موقف ابن حنبل وما أدى إليه ذلك من اضطهاد وتعذيب وتنكيل بمن لا يقول بأن القرآن مخلوق، هو الذي جعل من الضروري إيجاد تسمية لهذا اللون من البحث ولمن يخوضون فيه.
أما سائر الاعتبارات التي ذُكِرت فهي مماحكات لفظية، ولا معنى لها.

32


الفرق الإسلامية

الفرق الإسلامية لا تدخل تحت حصر. والمؤلفون الإسلاميون المتقدمون الذين كتبوا عن الفرق، وبخاصة مَن هم من أهل السنة، أرادوا أن يحصروها استناداً إلى حديث موضوع يُروى عن أبي هريرة، ومفاده أن النبي قال: « افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة »؛ وثمّ رواية أخرى يظهر فيها الداعي إلى وضع الحديث، وتروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص (المتوفى سنة 65 ?)، أن النبي قال: « ليأتينّ على أمتي ما أتى على بني إسرائيل: تفرَّق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، تزيد عليهم ملة، كلهم في النار إلاّ ملة واحدة. قالوا: يا رسول الله: وما الملّة التي تنقلب؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ».
ولهذا الحديث ـ بصوره المختلفة ـ أسانيد كثيرة، استوفاها الحافظ الزيلعي في تخريج أحاديث « الكشاف »، وتعدُّد رواته عن النبي: كأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وأُبيّ بن كعب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي

33

أمامة، وواثلة بن الأسقع، الخ.
ومع ذلك فلا يمكن أن يكون الحديث صحيحاً للأسباب التالية:
أولاً: إن ذكر هذه الأعداد المحددة المتوالية: 71، 72، 73 ـ أمر مفتعلٌ لا يمكن تصديقه، فضلاً عن أن يصدر مثله عن النبي.
ثانياً: إنه ليس في وسع النبي أن يتنبأ مقدماً بعدد الفِرَق التي سيفترق إليها المسلمون.
ثالثاً: لا نجد لهذا الحديث ذكراً فيما ورد لنا من مؤلفات من القرن الثاني، بل ولا الثالث الهجري، ولو كان صحيحاً لورد في عهد متقدم.
ورابعاً: أعطت كل فرقة لختام الحديث الرواية التي تناسبها: فأهل السنة جعلوا الفرقة الناجية هي أهل السنة، والمعتزلة جعلوها فرقة المعتزلة، وهكذا.
وقد ظهر التعسف البالغ لدى مؤرخي الفرق في وضعهم فروقاً وأصنافاً داخل التيارات الرئيسية حتى يستطيعوا الوصول إلى 73؛ وفاتهم أن افتراق المسلمين لم ينته عند عصرهم، وأنه لا بد ستنشأ فرق جديدة باستمرار، مما يجعل حصرهم هذا خطأً تماماً، إذ لا يحسب حساباً لما سينشأ بعد ذلك من فِرَق إسلامية جديدة.
* * *
ونحن لغرض الدراسة سنحصر التيارات الأساسية في العقائد الإسلامية في المذاهب التالية:
أ ـ المعتزلة. د ـ الخوارج. ب ـ الأشاعرة. ? ـ المرجئة. ? ـ الشيعة. و ـ الباطنية. ويندرج تحت كل واحدة من هذه فرق فرعية عديدة تتميّز بفروق دقيقة عن المذهب العام الذي تندرج تحته.
وسنفرد لكل منها قسماً برأسه.

34


المعتزلـة

[Blank Page]


اسم « المعتزلة »

بعد البحث الشامل المستقصي الذي كتبه نلّينو عن « أصل اسم المعتزلة » وترجمناه في كتابنا « التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية » (ص 173 ـ 217)، لا نرانا بحاجة إلى إعادة البحث في هذا الموضوع، لأنه لم توجد وثائق جديدة تغيّر في النتائج التي وصل إليها. لهذا نجتزئ هنا بإيراد النتائج التي انتهى إليها، وهي:
1 ـ أن اسم المعتزلة ليس مأخوذاً عن فكرة الانفصال عن مذهب أهل السنة والجماعة؛ وبالتالي لم يكن من وضع أهل السنة بقصد الذم أو السخرية من المعتزلة بوصفهم خارجين على مذهب الجماعة الإسلامية ومنشقين عنها. « وإنما اختار المعتزلة الأولون هذا الاسم، أو على الأقل تقبلوه بمعنى « المحايدين » أو « الذين لا ينصرون أحد الفريقين المتنازعين (أهل السنة، والخوارج) على الآخر في المسألة السياسية الدينية الخطيرة، مسـألة « الفاسق » ما حكمه: هل هو كافر مخلّد في النار كما يقول الخوارج، أو هو مؤمن يعاقَب على الكبيرة بقدرها، أو هو في منزلة بين المنزلتين وهو ما سيقول به المعتزلة؟
2 ـ وكانت هذه المسألة من المسائل الخطيرة في الثلث الأول من القرن الثاني للهجرة بسبب المنازعات السياسية والحروب الأهلية التي بدأت مع

37

الصراع بين عليّ ومعاوية على الخلافة، « فمن الطبيعي أن يكون اسم المعتزلة قد أُخِذ عن لغة السياسة في ذلك العصر. فكان المعتزلة الجُدُد المتكلمون في الأصل استمراراً، في ميدان الفكر والنظر، للمعتزلة السياسيين أو العمليين »، وهم الذين وقفوا موقف الحياد في النزاع بين أنصار علي ومعاوية ثم بين أنصار ذرية علي والخلفاء الأمويين من بعد.
3 ـ « وكانت الجماعة الأولى من المعتزلة المتكلمين تشمل على وجه الاحتمال أشخاصاً اختلفت آراءهم حول بعض المسائل الدينية الأخرى، حتى إنه في القرن الأول وأوائل القرن الثاني كانت بعض المسائل الدينية (مثلُ الجبر والاختيار) غير واضحة المعالم والحدود، ولم يكن من المستطاع القطعُ بأيّ الآراء المتعارضة يجب اعتباره من أقوال أهل السُّنّة أو أقوال غيرهم. فلم يكن الاجماع قد تم بعدُ في هذا الباب بطريقة قطعية.
4 ـ « فكان اسم المعتزلة المتكلمين في الأصل يشير إذاً إلى النقطة الوحيدة المميّزة لمذهبهم عن مذهب أهل السُّنّة والجماعة. وهذه النقطة قد فقدت أهميتها من بعد انقضاء الحروب الأهلية بالنسبة لمسائل الخلاف الدينية الأخرى، التي رسخت شيئاً فشيئاً، وطغت على تلك النقطة من جرّاء ردّ الفعل المتزايد ضد ثبات مذهب أهل السَّنة ورسوخه (القدرة، الصفات، خلق القرآن، العقل والنقل). أو بعبارة أخرى: كانت هذه التسمية تسمية جزئية في وقت من الأوقات، مثل التسميات الأخرى التي اتخذها المعتزلة من بعد أحياناً للدلالة على بعض النقط الخاصة في تعاليمهم ـ دلالةً خاصة ومثل « القدرية »، « العدلية »، «الموحِّدة» (مشيرين بذلك إلى مذاهبهم في القدر وفي العدل وفي التوحيد ـ على الترتيب).
5 ـ « لعل ذكرى الأصل الحقيقي لاسم المعتزلة قد بدأت تضعف في

38

النصف الثاني من القرن الثاني. وعلى هذا النحو اعتقد الكثيرون، حتى من بين المعتزلة أنفسهم، شيئاً فشيئاً أن هذا الاسم يدلّ على أنهم « انشقّوا » على أهل السُّنّة والجماعة، وأن هؤلاء هم الذين اخترعوه. وقليل من الكتّاب هم الذين أبقوا على السبب الأصلي في هذه التسمية.
6 ـ « وأخيراً نستخلص أنه ليس بصحيح أن المعتزلة كانوا في الأصل فرعاً أو استمراراً للقدرية في القرن الأول، وأن نقطة ابتدائهم كانت مذهب الاختيار وحرية الإرادة1 ».

ــــــــــــــ
1 عبد الرحمن بدوي: « التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية »، ص 190 ـ ص 192. ط 3، القاهرة سنة 1965.

39


مدارس المعتزلة

يمكن تقسيم المعتزلة إمـا بحسب الطبقات، كما فعل ابن المرتضى في « المنيّة والأمل » إذ قسّمهم إلى طبقات تاريخية يتبع بعضها بعضاً عددها اثنتا عشرة طبقة، على النحو التالي:
الطبقة الأولى: وقد أدرج فيها الخلفاء الراشدين الأربعة: علي، أبو بكر، عمر، عثمان على هذا الترتيب لأن مؤلفه شيعي زيدي. ثم عبد الله بن العباس، وعبد الله بن مسعود وغيرهم كعبد الله بن عمرو وأبي الدرداء وأبي ذر الغفاري وعبادة بن الصامت.
وواضح أن إدراج هؤلاء ضمن المعتزلة إنما قصد به بيان أن المعتزلة هي اتقى الفرق وأبرّها (« المنية والأمل »، ص 2، س11 ـ س12).
الطبقة الثانية: الحسن، والحسين ابنـا علي بن أبي طالب، ومحمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب؛ ومن التابعين: سعيد بن المسيّب، وطاووس اليماني، وأبو الأسود الدؤلي، وأصحاب عبد الله بن مسعود وهم علقمة والأسود وشريح وغيرهم.
الطبقة الثالثة: من ذرية علي: الحسن بن الحسن، وابنه عبد الله بن الحسن وأولاده: النفس الزكية وغيره، وأبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وزيد بن

40

علي. ثم محمد بن سيرين بن محمد، والحسن بن أبي الحسن البصري، سيد التابعين.
الطبقة الرابعة: غيلان بن مسلم الدمشقي، واصل بن عطاء، عمرو بن عبيد بن باب، مكحول بن عبد الله؛ قتادة بن دعامة السدوسي، صالح الدمشقي، صاحب غيلان؛ يشير الرحال.
وبهذه الطبقة يبدأ مذهب المعتزلة الحقيقي بالمعنى الفني الاصطلاحي.
الطبقة الخامسة: عثمان بن خالد الطويل، أستاذ أبي الهذيل؛ حفص بن سالم؛ القاسم بن السعدي، عمرو بن حوشب، قيس بن عاصم، عبد الرحمن بن مرة وابنه الربيع، الحسن بن ذكوان. وأصحاب عمرو بن عبيد وهم: خالد بن صفوان، حفص بن القوّام، صالح بن عمرو، الحسن بن حفص بن سالم، بكر بن عبد الأعلى، ابن السمّاك، عبد الوارث بن سعيد، وأبو غسان، وبشر بن خالد، عثمان بن الحكم، سفيان بن حبيب، طلحة بن زيد، ابراهيم بن يحيى المدني.
الطبقة السادسة: أبو الهذيل محمد بن الهذيل العبدي؛ أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام؛ أبو سهل بشر بن المعتمر الهلالي؛ مُعَمّر بن عبّاد السلمي؛ أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصمّ؛ أبو شمر الحنفي؛ اسماعيل بن إبراهيم أبي عثمان الأدمي؛ أبو مسعود عبد الرحمن العسكري، أبو خَلَدة؛ أبو عامر الأنصاري؛ عمرو بن فائد؛ موسى الأسواري؛ هشام بن عمرو الفوطي.
وهذه الطبقة السادسة أعظم الطبقات وأحفلها بأساطين المعتزلة، وتمثل أوج مذهب الاعتزال.
الطبقة السابعة: أبو عبد الله أحمد بن أبي دواد؛ ثمامة بن الأشرس؛ عمرو بن بحر الجاحظ، عيسى بن صبيح (أبو موسى بن المردار، راهب المعتزلة)، مويس بن عمران الفقيه، محمد بن شبيب، محمد

41

ابن اسماعيل العسكري، أبو يعقوب يوسف بن عبد الله بن اسحق الشحام، علي الأسواري، أبو الحسين محمد بن مسلم الصالحي، صالحُ قبّة، الجعفران: جعفر بن حرب، وجعفر بن مبشِّر الثقفي؛ أبو عمران موسى بن الرقاشي، عباد بن سليمان، أبو جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي، أبو عبد الله الدباغ، يحيى بن بشر الأرّجاني، أبو عفّان النظّامي، من أصحاب النظّام. زرقان، عيسى بن الهيثم الصوفي، أبو سعيد أحمد بن سعيد الأسدي.
الطبقة الثامنة: أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجُبّائي، أبو مجالد أحمد بن الحسين البغدادي، أبو الحسين الخياط عبد الرحيم بن محمد بن عثمان، صاحب كتاب « الانتصار »؛ أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي، أبو بكر محمد بن إبراهيم الزبيري، أبو الحسن أحمد بن عمر بن عبد الرحمن البرذعي، أبو نصر بن أبي الوليد بن أحمد بن أبي دؤاد القاضي، أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهاني، ابن الراوندي، الناشئ عبد الله بن محمد، وكنيته أبو العباس، الشاعر؛ أبو الحسن أحمد بن علي الشطوي، أبو زفر محمد بن علي المكي، محمد بن سعيد زنجه.
الطبقة التاسعة: أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي، محمد بن عمر الصميري، أبو عمر سعيد بن محمد الباهلي، أبو الحسن بن الخباب، أبو محمد عبد الله بن العباس الرامهرمزي، أبو الحسن الاسفندياني، أبو بكر أحمد بن علي الأخشيد، أبو الحسن أحمد بن يحيى بن علي المنجّم، أبو الحسن بن فرزويه، أبو بكر بن حرب التستري، أبو سعيد الأشروسني، أبو الفضل الكشي، أبو الفضل الخجندي، أبو حفص القرميسيني، أبو علي البلخي، أبو القاسم العامري، أبو بكر الفارسي، أبو بكر محمد بن إبراهيم المقانعي الرازي، أبو محمد بن حمدان، أبو عثمان العسّال، أبو مسلم النقاش، الحسن بن موسى

42

النوبختي، من الشيعة.
الطبقة العاشرة: أبو علي بن خلاّد، أبو عبد الله الحسين بن علي البصري، أبو اسحق بن عيّاش، أبو القاسم السيرافي، أبو عمران السيرافي، أبو بكر بن الأخشيد (وقد مرّ ذكره في الطبقة التاسعة)، أبو الحسين الأزرق، أبو الحسين الطوائفي البغدادي، أحمد بن أبي هاشم، من أولاد أبي هاشم بن أبي علي الجبائي؛ أخت أبي هاشم، بنت أبي علي الجبائي؛ أبو الحسن بن النجيح، من بغداد، أبو بكر البخاري، أبو محمد العبدكي، أبو حفص المصري، أبو عبد الله الحبشي، أبو الحسن علي بن عيسى، الخالدي، من البصرة؛ محمد بن زيد الواسطي، أبو الحسين بن علي، من أهل نيسابور؛ أبو القاسم بن سهلويه.
وتلك الطبقات العشر هي التي ذكرها القاضي عبد الجبار ورتّبها، ثم جاء الحاكم فأضاف طبقتين هما الحادثة عشرة والثانية عشرة.
الطبقة الحادية عشرة: قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني، أبو عبد الله الداعي محمد بن الحسن بن القاسم بن الحسن بن عبد الرحمن بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو العباس الحسني، الإمام المؤيد بالله، أخوه الامام أبو طالب، يحيى بن محمد العلوي، أبو أحمد بن أبي علان، أبو اسحق النصيبيني، أبو يعقوب البصري البستاني، الأحدب أبو الحسن، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن حنيف، أبو الحسين بن حاني، أبو الحسن القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، الصاحب الكافي، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، وهو إمام اللغة ومصنّف « الصِّحاح ».
الطبقة الثانية عشرة: أبو رشيد سعيد بن محمد النيسابوري، صاحب « ديوان الأصول »؛ أبو محمد عبد الله بن سعيد اللبّاد، الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي، الإمام الحسن الحقيني،

43

الناصر والداعي النازلان بآمل، أبو جعفر الناصر الصغير، أبو القاسم البستي إسماعيل بن أحمد، أبو الفضل العباس بن شروين، أبو القاسم الميزوكي أحمد بن علي، أبو محمد الخوارزمي، أبو الفتح الأصفهاني، أبو الحسن الرفّاء، القاضي أبو بشر الجرجاني، زيد بن صالح، أبو حامد أحمد بن محمد بن إسحاق النجّار، أبو بكر الرازي، أبو حاتم الرازي، أبو بكر الدِّينوري، أبو الفتح الصفّار، أبو الفتح الدماوندي؛ أبو الحسن الكرماني، أبو الفضل الجلودي، أبو القاسم بن ميكا، أبو عاصم المروزي، أبو نصر، من مرو، أبو الحسن الخطاب، أبو طالب بن أبي شجاع، من آمل؛ أبو الحسين البصري، محمد بن علي صاحب « المعتمد » في أصول الفقه؛ محمود بن الملاحمي، البخاري أبو طاهر عبد الحميد بن محمد، السمّان أبو سعيد، أبو محمد الحسن بن أحمد بن متّويه، وهو تلميذ القاضي عبد الجبار، أبو عمرو القاشاني، علي الطالقاني، أبو محمد الزعفراني.
* * *
وهذه الطبقات قد رُوعي فيها الترتيب التاريخي، وكثيراً ما تكون الصلة بين أعضاء الطبقة الواحدة صلة تلمذة.
كما يمكن تقسيم المعتزلة إلى قسميْن كبيريْن: معتزلة البصرة، ومعتزلة بغداد، ويكوّنان التيارين الرئيسين في مذهب الاعتزال. وهذا التقسيم يعتمد على فوارق مذهبية. وهاك جدولاً:

44

معتزلـة البصرة

الحسن البصري عمر بن عبيد (143 ?) واصل بن عطاء (131 ?) : الطبقة الرابعة إبراهيم بن يحيى المدني خالد بن صفوان (133 ?) الحسن بن زكوان حفص بن سالم عثمان الطويل :الطبقة الخامسة معمر بن عباد (220 ?) أبو بكر الأصم أبو الهذيل (235 ?) : الطبقة السادسة بشر بن المعتمر (210)
مؤسس فرع بغداد الفوطي (218) الشّحام (233)
الأسواري (200) النظام (231) عباد بن سليمان (230?) أبو علي الجبائي (303 ?) الجاحظ (256 ?) : الطبقة السابعة أبو هاشم الجبائي (321?) : الطبقة الثامنة أبو الحسن الأشعري (330?)

معتزلـة بغـداد

بشر بن المعتمر (210) : الطبقة السادسة ثمامة بن الأشرس (234) أحمد بن أبي دؤاد (240) أبو موسى المردار (226) : الطبقة السابعة جعفر بن مُبشّر (234) جعفر بن حرب (236) أبو الحسين الخياط (290) عيسى بن الهيثم الصوفي الإسكافي (240) أبو القاسم البلخي الكلبي (319) : الطبقة الثامنة


ما اتفقت عليه المعتزلة

تورد كتب الفِرَق بياناًَ لما اتفقت فيه المعتزلة.
ا ـ فالشهرستاني1 يقول:
« الذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد:
1 ـ القول بأن الله تعالى قديم، والقِدَم أخص وصف ذاته. ونفوا الصفات القديمة أصلاً، فقالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حيّ بذاته ـ لا بعلم وقدرة وحياة هي صفات قديمة، ومعان قائمة، لأنه لو شاركته الصفات في القِدَم ـ الذي هو أخص الوصف ـ لشاركته في الإلهية.
2 ـ واتفقوا على أن كلامه محدَث مخلوق في محل، وهو حرف وصوت كُتِب أمثالُه في المصاحف حكايات عنه. فآيّما وجد في المحل عرض فقد فني في الحال.
3 ـ واتفقوا على أن الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته، لكن اختلفوا في وجوه وجودها ومحامل معانيها، كما سيأتي.
ــــــــــــــ
1 « الملل والنحل » للشهرستاني المتوفى سنة 548 ? ، بهامش « الفصل في الملل والأهواء والنحل » لابن حزم، ? 1، ص 55 ـ 57.

47

4 ـ واتفقوا على نفس رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار، ونفي التشبيه عنه من كل وجه: جهةً ومكاناً وصورةً وتحيزاً وانتقالاً وزوالاً وتغيراً وتأثراً. وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها، وسموا هذا النمط توحيداً.
5 ـ واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله: خيرها وشرّها، مستحقٌّ على ما يفعله ثواباً وعقاباً في الدار الآخرة، والربُّ تعالى مُنَزّه أن يضاف إليه شرّ وظلم وفعل هو كفر ومعصية، لأنه لو خلق الظلم كان ظالماً، كما لو خلق العدل كان عادلاً.
6 ـ واتفقوا على أن الحكيم لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد. وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه خلاف عندهم. وسموا هذا النمط عدلاً.
7 ـ واتفقوا على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض. والتفضلُ معنى آخر وراء الثواب. وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار، لكن يكون عقابه أخفّ من عقاب الكفار. وسموا هذا النمط وعداً ووعيداً.
8 ـ واتفقوا على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجب قبل ورود السمع. والحَسَن والقبيح يجب معرفتهما بالعقل. واعتناقُ الحَسَن واجتناب القبيح واجب كذلك، وورود التكاليف ألطافٌ للبـاري تعالى أرسلها إلى العبـاد بتوسط الأنبياء ـ عليهم السلام ـ امتحاناً واختباراً « ليهلك مَنْ هَلَكَ عن بيّنة ويحيا مَنْ حَيّ عن بيِّنة » (الأنفال: 42)
9 ـ واختلفوا في الامامة والقول فيها نصّاً، واختياراً: « كما سيأتي عند مقالة كل طائفة »
ب ـ وعبد القاهر البغدادي (المتوفى سنة 429 ?/ 1037 م) يقول

48

في « الفَرْق بين الفِرَق1 » بعد أن ذكر أن المعتزلة ينقسمون إلى 22 فرقة:
« يجمعها كلها في بدعتها أمور:
1 ـ منها: نفيها كلها عن الله ـ عز وجل ـ صفاته الأزلية، وقولُها بأنه ليس لله عز وجل علم، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر، ولا صفة أزلية. وزادوا على هذا بقولهم: إن الله تعالى لم يكن له في الأزل اسمٌ ولا صفة.
2 ـ ومنها: قولهم باستحالة رؤية الله عز وجل بالأبصار؛ وزعموا أنه لا يَرَى نفسَه، ولا يراه غيرُه. واختلفوا فيه: هل هو راءٍ لغيره، أم لا؟ فأجازه قومٌ منهم، وأباه قوم آخرون منهم.
3 ـ ومنها: اتفاقُهم على القول بحدوث كلام الله عز وجل، وحدوث أمره ونهيه وخبره، وكلهم يزعمون أن كلام الله ـ عز وجل ـ حادثٌ، وأكثرهم اليومَ يسمون كلامه مخلوقاً.
4 ـ ومنها: قولهم جميعاً بأن الله تعالى غيرُ خالقٍ لأكساب الناس، ولا لشيء من أعمال الحيوانات. وقد زعموا أن الناس هم الذين يقدرون (على) أكسابهم، وأنه ليس لله ـ عز وجل ـ في أكسابهم ولا في أعمال سائر الحيوانات صُنْعٌ وتقدير. ولأجل هذا القول سماهم المسلمون: « قدرية ».
ــــــــــــــ
1 « الفرق بين الفرق » لعبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي المتوفى عام 429 ?/ 1037 م. نشره محمد محيي الدين عبد الحميد، بدون تاريخ، ص 114 ـ 116.

49

5 ـ ومنها: اتفاقهم على دعواهم في الفاسق1 من أمة الإسلام بالمنزلة بين المنزلتين، وهي أنه فاسق، لا مؤمن ولا كافر. ولأجل هذا اسماهم المسلمون « معتزلة » لاعتزالهم قولَ الأمة بأسرها.
6 ـ ومنها قولُهم إن كل ما لم يأمر الله تعالى به أو نهى عنه من أعمال العباد لم يشأ الله شيئاً منها.
وزعم الكعبيّ في « مقالاته » أن المعتزلة اجتمعت على أن الله عز وجل: شيء لا كالأشياء، وأنه خالق الأجسام والأعراض، وأنه خَلَق كل ما خلقه لا من شيء، وعلى أن العباد يفعلون أعمالهم بالقدرة التي خلقها الله سبحانه وتعالى فيهم.
قال: وأجمعوا على أنه لا يغفر لمرتكبي الكبائر بلا توبة.
وفي هذا الفصل من كلام الكعبي غلط منه على أصحابه من وجوه:
منها: قوله إن المعتزلة اجتمعت على أن الله تعالى شيء لا كالأشياء. وليست هذه الخاصية لله تعالى وحده عند جميع المعتزلة. فإن الجُبّائي وابنه أبا هاشم قد قالا: إن كل قدرة محدثة شيء لا كالأشياء؛ ولم يخصوا ربّهم بهذا المدح.
ومنها: حكايته عن جميع المعتزلة قولها بأن الله عز وجل خالِقُ الأجسام والأعراض. وقد عُلِم أن الأصمَّ من المعتزلة ينفي الأعراض كلها، وأن المعروف منهم بمعتمر يزعم بأن الله تعالى لم يخلق شيئاً من الأعراض، وأن ثمامة يزعم أن الأعراض المتولدة لا فاعل لها ـ
ــــــــــــــ
1 « الفسق بكسر وسكون السين المهملة: في اللغة: عدم اطاعة أمر الله تعالى فيشتمل الكافر والمسلم العاصي. وفي الشـرع: ارتكاب المسلم كبيرة أو صغيرة مع الاصرار عليها. فالمسلم المرتكب للكبيرة أو المصر على الصغيرة يُسمى: فاسـقاً. فبقيد المسـلم خرج الكافـر، وبالقيـدين الأخيرين خرج العدل » (« كشاف اصطلاحات الفنون »).

50

فكيف تصح دعواه اجماع المعتزلة على أن الله سبحانه خالق الأجسام والأعراض، وفيهم من ينكر وجود الأعراض، وفيهم من يثبت الأعراض ويزعم أن الله تعالى لم يخلق شيئاً منها، وفيهم من يزعم أن المتولدات أعراضٌ لا فاعل لها؟ والكعبي ـ مع سائر المعتزلة ـ زعموا أن الله تعالى لم يخلق أعمال العباد، وهي أعراض عند من أثبت الأعراض. فبان غلط الكعبي في هذا الفصل على أصحابه.
ومنها: دعوى اجماع المعتزلة على أن الله خَلَق ما خَلَق لا من شيء. وكيف يصحّ اجماعهم على ذلك، والكعبي ـ مع سائر المعتزلة، سوى الصالحي ـ يزعمون أن الحوادث كلها كانت قبل حدوثها أشياء. والبصْريون منهم يزعمون أن الجواهر والأعراض كانت في حال عدمها جواهر وأعراضاً وأشياء. والواجب ـ على هذا الفصل ـ أن يكون الله خلق الشيء من شيء؛ وإنما يصح القولُ بأنه خلق الشيء لا من شيء على أصول أصحابنا الصفاتية الذين أنكروا كون المعدوم شيئاً.
وأما دعوى إجماع المعتزلة على أن العباد يفعلون أفاعيلهم بالقدرة التي خلقها الله تعالى فيهم فغلطٌ منهم عليه؛ لأن معمراً منهم زعم أن القدرة فعل لجسم القادر بها، وليست من فعل الله تعالى؛ والأصم منهم ينفي وجودة القدرة، لأنه ينفي الأعراض كلها.
وكذلك دعوى إجماع المعتزلة على أن الله سبحانه لا يغفر لمرتكبي الكبائر من غير توبة منهم غلط منه عليهم، لأن محمد بن شبيب البصري، والصالحي، والخالدي ـ هؤلاء الثلاثة من شيوخ المعتزلة، وهم واقفية في وعيد مرتكبي الكبائر. وقد أجازوا من الله تعالى مغفرة ذنوبهم من غير توبة.
فبان بما ذكرناه غلطُ الكعبي فيما حكاه عن المعتزلة؛ وصحّ أن المعتزلة يجمعها ما حكيناه عنهم مما أجمعوا عليه.
* * *

51

? ـ وأبو الحسن الأشعري يورد في « مقالات الإسلاميين » (? 1، ص 216 ـ 217؛ القاهرة سنة 1950) ما اتفقت عليه المعتزلة في أمر التوحيد فيقول:
« أجمعت المعتزلة على أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وليس بجسم ولا شَبَح، ولا جثة، ولا صورة، ولا لحم، ولا دم، ولا جوهر ولا عَرَض، ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسّة، ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق، ولا اجتماع ولا افتراق، ولا يتحرك ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين وشمال وأمام وخلف وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان؛ ولا تجوز عليه المماسّة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن، ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم، ولا يوصف بأنه متناه، ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات. وليس بمحدود، ولا والد ولا مولود، ولا تحيط به الأقدار، ولا تحجبه الأستار، ولا تدركه الحواس، ولا يقاس بالناس، ولا يشبه الخَلْق بوجه من الوجوه، ولا تجري عليه الآفات، ولا تحلّ به العاهات، وكلُّ ما خطر بالبال وتُصُوِّر بالوهم فغير مشبه له. لم يزل أولاً سابقاً متقدماً للمحدثات، موجوداً قبل المخلوقات. ولم يزل عالماً قادراً حياً، ولا يزال كذلك. لا تراه العيون، ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأوهام ولا يُسمع بالأسماع. شيء لا كالأشياء. عالم قادر حيّ كالعلماء القادرين الأحياء. وأنه القديم وحده، ولا قديم غيره، ولا إلا سواه، ولا شريك له في ملكه، ولا وزير له في سلطانه، ولا معين على إنشاء ما أنشأ وخَلْق ما خلق. لم يخلق الخَلْقَ على مثالٍ سبق؛ وليس خلق شيء بأهون عليه من خَلْق شيء آخر ولا بأصعب عليه منه. لا يجوز عليه اجترار المنافع، ولا تلحقه المضار، ولا يناله

52

السرور واللذات، ولا يصل إليه الأذى والآلام. ليس بذي غاية فيتناهى، ولا يجوز عليه الفناء، ولا يلحقه العجز والنقص. تقدّس عن ملامسة النساء، وعن اتخاذ الصاحبة والأبناء.
فهذه جملة قولهم في التوحيد. وقد شاركهم في هذه الجملة الخوارجُ، وطوائف من المرجئة وطوائف من الشيعة، وإنْ كانوا للجملة التي يظهرونها ناقضين، ولها تاركين ».
* * *
د ـ ويلخص أحمـد بن يحيى بن المرتضى (المتوفى 840 ?/ 1437 م) في كتـابه « المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل1 » ما أجمعت عليه المعتزلة فيقول:
« أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدِثاً قديماً قادراً عالماً حيّاً لمعانٍ؛ ليس بجسم ولا عَرَض ولا جوهر، غنياً واحداً لا يُدْرَك بحاسّةً، عدلاً حكيماً؛ ولا يفعل القبيح ولا يريده؛ كلَّف تعويضاً للثواب، ومَكّن من الفعل وأزاح العلّة؛ ولا بد من الجزاء، وعلى وجوب البعثة حيث حَسُنت. ولا بد للرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ من شرع جديد، أو احياء مندرِسٍ أو فائدة لم تحصل من غيره؛ وأن آخر الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ والقرآن معجزة له؛ وأن الإيمان قول ومعرفة وعمل؛ وأن المؤمن من أهل الجنة.
و (أجمعوا) على المنزلة بين المنزلتيْن، وهو أن الفاسق لا يُسَمَّى مؤمناً ولا كافراً، إلا من يقول بالإرجاء: فإنه يخالف في تفسير الإيمان، وفي المنزلة فيقول: الفاسق يسمّى مؤمناً.
ــــــــــــــ
1 نشرة سوسنة ديفلد فلزر بعنوان: « كتاب طبقات المعتزلة »، ص 7 ـ ص 8. بيروت سنة 1961. النشرات الإسلامية، يصدرها لجمعية المستشرقين الألمانية هلموت ريتر وألبرت ديتريش، جزء 21.

53

وأجمعوا أن فعل العبد غيرُ مخلوق فيه.
وأجمعوا على تولّي الصحابة؛ واختلفوا في عثمان بعد الأحداث التي أحدثها: فأكثرهم تولاّه وتأوّل له كما مر وكما سيأتي؛ وأكثرهم على البراءة من معاوية وعمرو بن العاص. وأجمعوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

54


الأصول الخمسة

وإذا رجعنا إلى كتب المعتزلة أنفسهم رأيناهم يجمعون على القول بأصول خمسة، ويقع الخلاف بينهم في بعض الأمور الجزئية والفرعية.
وهذه الأصول الخمسة هي:
1 ـ التوحيد.
2 ـ العدل.
3 ـ الوعد والوعيد.
4 ـ المنزلة بين المنزلتين.
5 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المُنْكَر.
على أن الأصلين الرئيسين هما: التوحيد والعدل. ولهذا فإن القاضي عبد الجبار في كتابه « المغني في أصول الدين » جعلهما أصول الدين. ولكنه في « مختصر الحسنى » قال « إن أصول الدين أربعة: التوحيد والعدل، والنبوات، والشرائع، وجَعَلَ ما عدا ذلك من الوعد والوعيد، والأسماء والأحكام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ داخلاً في

55

الشرائع1 ». ذلك أنه في « المغْني » أرجع النبوات والشرائع إلى أصل العدل « لأنه كلام في أنه تعالى إذا علم أن صلاحنا في بعثة الرسل، وأن نتعبد بالشريعة ـ وجب أن يبعث ونتعبد، ومن العدل أن لا يُخِلَّ بما هو واجبٌ عليه. وكذلك « الوعد والوعيد » داخل في العدل، لأنه كلام في أنه تعالى إذا وعد المطيعين بالثواب، وتوعد العصاة بالعقاب، فلا بد من أن يفعل ولا يخلِف في وعده ولا في وعيده. ومن العدل أن لا يخلف ولا يكذب. وكذلك « المنزلة بين المنزلتين » داخل في باب العدل، لأنه كلام في أن الله تعالى إذا علم أن صلاحنا في أن يتعبدنا بإجراء أسماء وأحكام على المكلّفين وجب أن يتعبدنا به، ومن العدل أن لا يخلّ بالواجب. وكذا الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ». (الكتاب نفسه، ص 123).
وقد تساءل القاضي عبد الجبـار عن السبب في الاقتصار على هذه الأصول الخمسة « وأجاب بأن قال: لا خلاف أن المخالفين لنا لا يَعْدون أحد هذه الأصول. ألا ترى أن خلاف المُلْحِدة، والمُعَطِّلة2، والدهرية، والمشبهة ـ قد دخل في التوحيد؛ ـ وخلاف المجبّرة بأسرهم داخل في باب العدل؛ ـ وخلاف المرجئة داخل في باب الوعد والوعيد؛ ـ وخلاف الخوارج داخل تحت المنزلة بين المنزلتين؛ ـ وخلاف الإمامية داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. » (الكتاب نفسه، ص 124).
ــــــــــــــ
1 « شرح الأصول الخمسة »، ص 122 ـ 123. القاهرة سنة 1965. وقد أصلحنا النص المطبوع، لكثرة ما فيه من التحريفات والأغلاط.
2 المعطلة: هم « الذين يقولون بعدم الأعيان، وأن العالم لا صانع له ولا مدبر » (« لبدء والتاريخ » لمطهر بن طاهر المقدسي، ? 1، ص 143 ـ 144، باريس سنة 1899، نشرة كلمان هوار).

56

ويرى القاضي عبد الجبار ـ وهو رأي المعتزلة بعامة ـ أن المخالف في هذه الأصول الخمسة إما كافر، أو فاسق، أو مخطئ: « فمن خالف في التوحيد، ونفى عن الله تعالى ما يجب إثباته، وأثبت ما يجب نفيه عنه، فإنه يكون كافراً.
وأما من خالف العدل، وأضاف إلى الله تعالى القبائح كلها: من الظلم، والكذب، وإظهار المعجزات على الكذّابين، وتعذيب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، والإخلال بالواجب، فإنه يكفر أيضاً.
وأما من خالف في الوعد والوعيد، وقال إنه سبحانه وتعالى ما وعد المطيعين بالثواب، ولا توعّد العاصين بالعقاب البتّة، فإنه يكون كافراً، لأنه ردّ ما هو معلومٌ ضرورة من دين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والرّادُّ لما هذا حاله يكون كافراً. وكذلك لو قال إنه تعالى وعد وتوعد، ولكن يجوز أن يخلف في وعيده لأن الخلف في الوعيد كَرَمٌ، فإنه يكون كافراً، لإضافة القبيح إلى الله تعالى. فإنْ قال: إن الله تعالى وعد وتوعد، ولا يجوز أن يخلف في وعده ووعيده، ولكن يجوز أن يكون في عمومات الوعيد شرط أو استثناء لم يبينه الله تعالى، فإنه يكون مخطئاً.
وأما من خالف في المنزلة بين المنزلتين فقال: إن حكم صاحب الكبيرة حُكْمُ عَبَدة الأوثان والمجوس وغيرهم فإنه يكون كافراً، لأنّا نعلم خلافه من دين النبي محمد صلى الله عليه وآله والأمة ضرورةً. فإن قال: حكمه حكم المؤمنين في التعظيم والموالاة في الله تعالى: فإنه يكون فاسقاً، لأنه خرق إجماعاً مصرّحاً به، على معنى أنه أنكر ما يُعْلَم ضرورةً من دين الأمة. فإن قال: ليس حكمه حكم المؤمن ولا حكم الكافر ولكن أسمّيه مؤمناً، فإنه يكون مخطئاً.
وأما من خالف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلاً، وقال

57

إن الله تعالى لم يكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصلاً، فإنه يكون كافراً، لأنه ردّ ما هو معلومٌ ضرورةً من دين النبي صلى الله عليه وآله ودين الأمة. فإن قال: إن ذلك مما ورد التكليف، ولكنه مشروط بوجود الإمام، فإنه يكون مخطئاً. » (ص 125 ـ 126).

أ ـ التوحيد

والتوحيد في أصل اللغة عبارة عما به يصير الشيء واحداً، ثم يستعمل في الخبر عن كون الشيء واحداً. « أما في اصطلاح المتكلمين فهو العلم بأن الله تعالى واحدٌ لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات: نفياً وإثباتاً ـ على الحد الذي يستحقه، والاقرار به. ولا بد من اعتبار هذين الشرطين: العلمَ، والاقرار جميعاً. لأنه لو علم ولم يقرّ، أو أقر ولم يعلم، لم يكن موحداً...
وما يلزم المكلف معرفته من علوم التوحيد هو أن يَعْلم القديم تعالى بما يستحق من الصفات، ثم يعلم كيفية استحقاقه لها، ويعلم ما يجب له في كل وقت، وما يستحيل عليه من الصفات في كل وقت، وما يستحقه في وقت دون وقت. ثم يعلم أن مَنْ هذا حاله لا بد من أن يكون واحداً لا ثاني له يشاركه فيما يستحقه من الصفات ـ نفياً، وإثباتاً ـ على الحدّ الذي يستحقه.
أما ما يستحقه من الصفات فهو الصفة التي بها يخالف مخالفةً ويوافق موافقةً لو كان له موافقٌ ـ تعالى عن ذلك، و(هو) كونه قادراً، عالماً، حياً، سميعاً، بصيراً، مدركاً للمُدْرَكات، موجوداً مريداً، كارهاً ـ هذا عند أبي هاشم، وأما أبو علي (الجبائي) فإنه لا يثبت تلك الصفة الذاتية.

58

وأما كيفية استحقاقه لهذه الصفات فاعلم أن تلك الصفة التي يقع بها الخلافُ والوفاق يستحقها لذاته. وهذه الصفات الأربع التي هي كونه: قادراً، عالماً، حياً، موجوداً ـ لما هو عليه في ذاته. وكونه مدرِكاً لكونه حياً بشرط وجود المُدْرَك، وكونه مريداً وكارهاً بالإرادة والكراهة المحدثتين الموجودتين لا في محل.
ولا خلاف في هذا بين الشيخين إلاّ في هذه الصفات الأربع: فإن عند أبي عليّ أنه يستحقها القديم تعالى لذاته، وعند أبي هاشم يستحقها لما هو عليه في ذاته.
وأما ما يجب له في كل حالٍ فهو تلك الصفة الذاتية وهذه الصفات الأربع.
وأما ما يستحيل عليه في كل وقت فهو ما يضادّ هذه الصفات: نحو كونه عاجزاً، جاهلاً، معدوماً.
وأما ما يستحقه في وقت دون وقت، فنحو كونه مُدْرِكاً: فإن ذلك مشروط بوجود المُدْرَك، ـ ونحو كونه مريداً وكارهاً، فإن ذلك يستند إلى الإرادة والكراهة الحادثتين الموجودتين لا في محل...
وقد قسّمَ (أي القاضي عبد الجبار) صفات القديم تعالى في الكتاب قسمة أخرى فقال:
إن صفات القديم ـ جلّ وعزّ ـ إما أن تكون من باب ما يختص به على وجهٍ لا يشاركه فيه غيره، نحو كونه قديماً وغنياً... وإما أن تكون من باب ما يشاركه غيره في نفس الصفة ويخالفه في كيفية استحقاقه لها، نحو كونه قادراً عالماً حياً موجوداً: فإن أحدنا يستحق هذه الصفات كالقديم سبحانه، إلا أن القديم سبحانه يستحقها لما هو عليه في ذاته، والواحد منا يستحقها لمعانٍ مُحدَثة.
وإما أن تكون من باب ما يشاركه غيره في نفس الصّفة وفي جهة

59

الاستحقاق، نحو كونه مدركاً ومريداً وكارهاً: فإن القديم تعالى مدرك، لكونه حياً، بشرط وجود المُدْرَك، وكذلك الواحد منّا. وكذلك فهو مريد وكاره بالإرادة والكراهية، وكذلك الواحد منا. إلا أن الفرق بينهما هو أن القديم تعالى حيٌّ لذاته فلا يحتاج إلى حاسّة، ومريد وكاره بإرادة وكراهة موجودتين لا في محل، والواحد منا مريد وكاره لمعنيين مُحدثين في قلبه. » (ص 128 ـ 131).

ب ـ العدل

العدل: مصدر عَدَل يعدل عدلاً. وقد يُذكر ويراد به الفعل، ويذكر ويراد به الفاعل. فإذا أريد به الفاعل فذلك على طريق المبالغة لأنه معدول به عما يجري على الفاعلين، وهو كقولهم للضارب: ضرب، وللصائم: صوم. وله حد إذا استعمل في الفعل، وحد إذا استعمل في الفاعل. فإذا استعمل في الفعل فمعناه: توفير حق الغير، واستيفاء الحق منه. وقد قيل في حده أنه: كل فعل حسن يفعله الفاعل لينفع به الغير أو ليضره. إلا أن هذا يوجب أن يكون خلق العالم عدلاً من الله يتضمن هذا المعنى، وليس الأمر كذلك، بل خلق العالم من الله تعالى تفضُّلٌ.
وأما إذا استُعْمِل في الفاعل فهو: فاعل هذه الأمور.
هذا في أصل اللغة. وأما في اصطلاح المعتزلة فإنه إذا قيل إنه تعالى « عدل » فالمراد به أن أفعاله كله حَسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يُخِلُّ بما هو واجب عليه.
« فإن قيل: كيف يصحّ قولكم إن أفعاله كلها حسنة، مع أنه هو الفاعل لهذه الصور القبيحة المنكرة؟ والأصل في الجواب عنه: أنّا

60

لا نعني أنه يَحْسُنُ من جهة المرأى والمنظر حتى يستحيله كل واحد، وإنما نريد أنه يَحْسُنُ من جهة الحكمة، وهذه الصور كلها حَسنة من جهة الحكمة. ولا يمتنع أن يكون الفعل حسناً من جهة المرأى والمنظر، قبيحاً من جهة الحكمة، قبيحاً من جهة المرأى والمنظر، ألا ترى أن أحدنا لو مشى مشية عرجاء في انقاذ محبوس فإن تلك المشية حسنة من جهة الحكمة، قبيحة من جهة الصورة. وبالعكس من هذا لو مشى مشية حسنة في سعاية بمسلم إلى السلطان الجائر، فإنها قبيحة من جهة الحكمة، حسنة من جهة المرأى والمنظر...
وأما علوم العدل فهو أن يعلم أن أفعال الله تعالى كلَّها حسنة، وأنه لا يفعل القبيح، ولا يخل بما هو واجب عليه، وأنه لا يكذب في خبره، ولا يجور في حكمه، ولا يعذّب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، ولا يظهر المعجزة على الكـذابين؛ ولا يكلف العباد ما لا يطيقون ولا يعلمون، بل يُقدِرهم على ما كلفهم، ويُعْلِمهم صِفة ما كلفهم، ويدلهـم على ذلك، ويبين لهم « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَك عن بيِّنةٍ ويحْيا من حَيّ عن بيِّنةٍ » (الأنفال: 42). وأنه إذا كَلَّف المكلف وأتى بما كُلِّف على الوجه الذي كُلِّف فإنه يثيبه لا محالة، وأنه سبحانه إذا آلم وأسقم فإنما فَعَله لصلاحه ومنافعه، وإلاّ كان مُخِلاً بواجب. وأن يعلم أنه تعالى أحسنُ نظراً بعباده منهم لأنفسهم فيما يتعلق بالدين والتكليف ـ ولا بد من هذا التقييد لأنه تعالى يعاقب العصاة ولو خُيِّروا لما اختاروا لأنفسهم العقوبة، فلا يكون الله تعالى، والحال هذه، أحسن نظراً منهم لأنفسهم؛ وكذلك فإنه ربما يبقى المرء وإن علم من حاله أنه لو اخترمه لاستحق بما سبق بما سبق منه الثواب وكان من أهل الجنة، ولو أبقاه لارتدّ وكفر وأبطل جميع ما اكتسبه من الآخرة؛ ومعلومٌ أنه لو يخيّر بين التبقية والاخترام لاختار الاخترام دون التبقية. فكيف يكون الله تعالى أحسن نظراً لعباده منهم لأنفسهم والحال هذه؟! فلا بد من التقييد الذي ذكرناه. فإن قيل:

61

وهل أطلق أحدٌ ذلك؟ قلنا: نعم! البغداديون من أصحابنا لما أوجبوا الأصلح على الله تعالى أطلقوا وقالوا: إنه تعالى أحسن نظراً لعباده منهم لأنفسهم، وذلك عندنا باطلٌ بما ذكرناه.
ومن علوم العدل أن نعلم أن جميع ما بنا من النعم فمن الله تعالى، سواء كان من جهة الله تعالى أو جهة غيره. ودخوله في العدل (من جهة) أنه تعالى كلفنا الشكر على جميع ما بنا من النعم؛ فلولا انهـا من فعله، وإلا كان لا يكلفنا أن نشكره عليها أجمع، لأن ذلك يكون قبيحاً. » (ص 132 ـ 134).

? ـ الوعد والوعيد

الوعد « كل خبر يتضمن إيصال نفع إلى الغير أو دفع ضرر عنه في المستقبل. ولا فرق بين أن يكون حسناً مُسْتَحقاً، وبين أن لا يكون كذلك: ألا ترى أنه كما يقال إنه تعالى وعد المطيعين بالثواب، فقد يقال: وعدهم بالتفضل مع أنه غير مُسْتَحَق ـ وكذلك يقال: فلان وعد فلاناً بضيافة في وقت يُضَيّق عليه الصلاة مع أنه يكون قبيحاً، وهكذا يقال إن أحدنا وعد غيره بتمليكه جميع ما يملكه حتى إنه يُفْقِر نفسه مع أنه يكون قبيحاً، لقوله تعالى: « ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كلَّ البسط » (الإسراء: 29).
وأما الوعيد فهو كل خبر يتضمن إيصال ضرر إلى الغير، أو تفويت نفع عنه في المستقبل. ولا فرق بين أن يكون حسناً مُسْتحَقاً، وبين أن لا يكون كذلك: ألا ترى أنه كما يقال: إن الله تعالى توعد العصاة بالعقاب، قد يقال: توعَّد السلطانُ الغيرَ بإتلاف نفسه وهتك حُرمه

62

ونهب أمواله، مع أنه لا يُسْتَحَق ولا يَحسُنُ.
ولا بد من اعتبار الاستقبال في الحدين جميعاً، لأنه إن نفعه في الحال، أو ضرّه مع القول، لم يكن واعداً ولا متوعداً.
وأما الكذب فهو كل خبر لو كان له مُخْبِر لكان مَخْبره لا على ما هو به. وقولنا: لو كان له مخبر، هو أن في الأخبار ما لا مُخبر له أصلاً، كالخبر بأن لا ثاني مع الله تعالى، ولا بقاء، وغير ذلك.
وأما الخُلف فهو أن يخبر أنه يفعل فعلاً في المستقبل ثم لا يفعله. ثم إن الخلف ربما يكون كذباً، بأن يخبر عن نفس الفعل ثم لا يفعله؛ وربما لا يكون كذباً، بأن يخبر عن عزمه الفعل ثم لا يفعله. ولهذا فإنه لما استحال العزم على الله تعالى، لم يكن الخُلف في حقه إلا كذباً، تعالى الله عنه علواً كبيراً.
وأما علوم الوعد والوعيد: فهو أن يعلم أن الله تعالى وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب. وأنه يفعل ما وعد به وتوعد عليه لا محالة. ولا يجوز عليه الخُلف والكذب.
والمخالف في هذا الباب: إما أن يخالف في أصل الوعد والوعيد، ويقول إن الله تعالى ما وعد ولا توعد. وهذا على الحقيقة خلاف في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنا نعلم من دينه ضرورةً أنه وعد وتوعد. أو يقول: إن الله تعالى وعد وتوعد، ولكن يجوز أن يخلف في وعيده ـ فالكلام عليه أن يقال: إن الخلف في حق الله تعالى كذبٌ، لما تقدم، والكذب قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح لعلمه بقبحه ولغناه عنه. وإلى هذا أشار تعالى بقوله: « ما يبدَّل القول لديَّ وما أنا بظلاّم للعبيد » (سورة ق: 29).
وبعد، فلو جاز الخلف في الوعيد لجاز في الوعد، لأن الطريق في الموضعين واحدة. فإن قال: فرقٌ بينهما، لأن الخلف في الوعيد كرم،

63

وليس كذلك في الوعد. قلنا: ليس كذلك لأن الكرم من الحسنات، والكذب قبيح بكل وجهٍ، فكيف تجعله كرماً؟!
أو يقول: إن الله تعالى وعد وتوعد، ولا يجوز عليه الخلف والكذب ولكن يجوز أن يكون في عمومات الوعيد شرط واستثناء لم يبينه الله تعالى. والكلام عليه أن يقال: إن الحكيم لا يجوز أن يخاطبنا بخطابٍ لا يريد به ظاهره، ثم لا يَبِين مراده به لأن ذلك يجري مجرى الإلغاز والتعمية، وذلك لا يجوز على القديم تعالى. وبعد، فلو جاز في عمومات الوعيد لجاز في عمومات الوعد، بل في جميع الخطاب من الأوامر والنواهي؛ والمعلوم خلافه. فإن قيل: فرق بينهما: لأنه أمرنا بموجبات الأمر والنهي، وعلينا في ذلك تكليف. وليس كذلك في عمومات الوعيد، لأنه لا يتعلق بالتكليف. قلنا لهم: إن علينا في عمومات الوعيد تكليفاً كما في غيره من الأوامر والنواهي. ألا ترى أنا قد أُمرنا أن نعتقد مخبراتها ولا نعتقد خلافها، فلو كان فيها شرط أو استثناء لم يبينه الله تعالى جرى مجرى الإلغاز والتعمية، على ما مر. » (ص 135 ـ 137).

د ـ المنزلة بين المنزلتيْن

معنى هذه العبارة في أصل اللغة أنها تستعمل في شيء بين شيئين ينجذب إلى كل واحد منهما بشبه. « وأما في اصطلاح المتكلمين فهو العلم بأن لصاحب الكبيرة اسماً بين الاسمين، وحكماً بين الحكمين..
وهذه المسألة تلقب بمسالة الأسماء والأحكام.
وقد اختلف الناس فيها:
فذهب الخوارج إلى أن صاحب الكبيرة كافر.

64

وذهب المرجئة إلى أنه مؤمن.
وذهب الحسن البصري إلى أنه ليس بمؤمن ولا كافر وإنما يكون منافقاً. وإلى هذا ذهب عمرو بن عبيد، وكان من أصحابه.
وذهب واصل بن عطاء إلى أن صاحب الكبيرة لا يكون مؤمناً ولا كافراً ولا منافقاً، بل يكون فاسقاً. وهذا المذهب أخذه عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وكان من أصحابه.
وقد جرت بين واصل بن عطاء وبين عمرو بن عبيد مناظرة في هذا، فرجع عمرو بن عبيد إلى مذهبه، وترك حلقة الحسن، واعتزل جانباً، فسموه معتزلياً. وهذا أصل تلقيب أهل العدل بالمعتزلة. » (ص 137 ـ 138).
وقد رويت هذه المناظرة بين واصل وعمرو بن عبيد على صور مختلفة، أورد أحمد بن يحيى بن المرتضى صورتيْن منها في كتابه « المنية والأمل » (النشرة المذكورة، ص 36 ـ 39) فقال:
« وقد رويت مناظرته (أي عمرو بن عبيد) لواصل في الفاسق على صور مختلفة:
أ ـ فقيل: قال واصل لعمرو: ألست تزعم أن الفاسق يعرف الله تعالى، وإنما خرجت المعرفة من قلبه عند قذفه؟ فإنْ قلت: لم يزل يعرف الله ـ فما حجتك وأنت لم تسمِّه منافقاً قبل القذف؟ وإنْ زعمت أن المعرفة خرجت من قلبه عند قذفه ـ قلنا لك: فلمَ لا أدخلها في القلب بتركه القذف كما أخرجها بالقذف؟
وقال له: أليس الناس يعرفون الله بالأدلة، ويجهلونه بدخول الشبهة؟ فأي شبهة دخلت على القاذف؟
فرأى عمرو لزومَ هذا الكلام، فقال: ليس بيني وبين الحق عداوة! فقبَّله وانصرف ويده في يد واصل...

65

ب ـ وقيل: قال (واصل): يا أبا عثمان (كنية عمرو بن عبيد)! لِمَ استحق مرتكب الكبائر اسم النفاق؟
قال (أي عمرو): لقوله تعالى: « والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، وأولئك هم الفاسقون » (سورة النور: 4) ثم قال: « إن المنافقين هم الفاسقون » (التوبة: 67) فكان كل فاسق منافقاً، إذ كان الألف واللام موجودين في باب الفسق.
فقال واصل: أليس الله تعالى قال: « ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون » (المائدة: 45) فعرّف بالألف واللام؟ وقـد قال تعالى في آية أخرى: « والكافرون هم الظالمون » (البقرة: 254) فعرّف بالألف واللام كما في القاذف.
فسكت عمرو. ثم قال واصل: ألست تزعم أن الفاسق يعرف الله؟ وذكر ما قدّمنا، إلى آخره على ما رويناه.
ثم قال: يا أيا عثمان! أيّما أولى أن يُستعمل من أسماء المحدثين: ما اتفقت عليه الفِرقُ من أهل القبلة، أو ما اختلفت فيه؟
فقال عمرو: بل ما اتفقت عليه.
فقال: أوليس تجد أهل الفرق على اختلافهم يسمّون صاحب الكبيرة فاسقاً، ويختلفون فيما عداه من أسمائه: فالخوارج تسميه كافراً وفاسقاً، والمرجئة تسميه مؤمناً فاسقاً، والشيعة تسميه: كافر نعمةٍ فاسقاً، والحَسن (البصري) يسميه منافقاً فاسقاً ـ فأجمعوا على تسميته بالفسق. فنأخذ بالمتفق عليه، ولا نسميه بالمختلف فيه، فهو أشبه بأهل الدين.
فقال عمرو: ما بيني وبين الحق عداوة، والقول قولك. وأُشهِد من حضر أني تارك ما كنت عليه من المذهب، قائلٌ بقول أبي حذيفة.
فاستحسن الناس ذلك من عمرو، إذ رجع من قولٍ كان عليه إلى

66

قولٍ آخر من غير شغب، واستدلوا بذلك على ديانته1 ».
ويرى المعتزلة أن هذه المسألة الرابعة « مسألة شرعية لا مجال للعقل فيها لأنها كلام في مقادير الثواب والعقاب، وهذا لا يُعلم عقلاً. وإنما المعلوم عقلاً أنه إذا كان الثواب أكبر من العقاب؛ فإن العقاب مكفّر في جنبه؛ وإن كان أقل منه فإنه يكون مُحبطاً في جنب ذلك العقاب. وصار الحال في ذلك كالحال في الشاهد: فإن أحدنا لو أخذ غيره من قارعة الطريق ورباه وخوّله وموّله، ثم يكسر رأس قلم له، فإن هذه الإساءة تقع مكفَّرة في جنب تلك النعم. وبالعكس من هذا لو أحسن إليه بأن يعطيه ديناراً واحداً ثم يقتل ولده، فإن تلك النعمة تكون مُحْبَطةً في جنب هذه الإساءة. هذا هو الذي يعلم بالعقل. ـ فأما أن ثواب بعض الطاعات أكبر من ثواب البعض، أو عقاب بعض المعاصي أعظم من بعض، فإن ذلك مما لا مدخل للعقل فيه. بل لو خلّينا وقضية العقل، لجوزنا أن يكون ثواب الإحسان إلى الغير بدرهمٍ أعظم من ثواب الشهادتين، وأن يكون عقاب شرب الخمر أعظم من عقاب استحلالها.
فحصل من هذه الجملة أن هذه المسألة مما لا سبيل للعقل فيها، وإنما هي مسألة شرعية على ما قلناه.
وتحصيل الكلام فيها هو أن نقول:
إن المكلَّف لا يخلو: إما أن يكون من أهل الثواب، أو يكون من أهل العقاب.
فإنْ كان من أهل الثواب، فلا يخلو: إما أن يكون مستحقاً للثواب
ــــــــــــــ
1 قارن هذا بالرواية الواردة في أمالي السيد المرتضى المُسمّاة ? « الغرر والدرر »، ? 1، ص 167 ـ 168. القاهرة سنة 1954. وفيها رد السيد المرتضى على حجة واصل الثانية الخاصة بالأخذ بما هو مجمع عليه بين الفرق من اسم: الفاسق.

67

العظيم، أو مستحقاً لثواب غير ذلك. فان استحق الثواب العظيم، فلا يخلو: إما أن يكون من البشر، أو لم يكن. فإن لم يكن من البشر سُمّي مَلكاً ومٌقَرّباً إلى غير ذلك من الأسماء. وإن كان من البشر فإنه يسمى نبياً ورسولاً ومصطفى ومختاراً أو مبعوثاً، إلى غير ذلك.
وإنْ استحق ثواباً دون ذلك، فانه يسمى مؤمناً برّاً تقياً صالحاً ـ إلى ما أشبه ذلك.
وإنْ كان من أهل العقاب، فلا يخلو: إما أن يكون مستحقاً للعقاب العظيم، أو لعقاب دون ذلك. فإنْ استحق العقاب العظيم فإنّه يُسمّى كافراً أو مشركاً، سواء كان من البشر أو لم يكن.
ثم أنواع الكفر تختلف: فربما يكون تعطيلاً، وربما يكون تهوّداً، أو تمجُّساً، أو تنصراً، إلى غير ذلك.
وإن استحق عقاباً دون ذلك، فإنه يسمى فاسقاً، فاجراً، ملعوناً ـ إلى ما شاكله.
فحصل من هذه الجملة أن صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمناً، ولا كافراً، ولا منافقاً، بل يسمى فاسقاً. وكما لا يسمى باسم هؤلاء، فانه لا تجري عليه أحكام هؤلاء، بل له اسم بين الاسمين، وحكم بين الحكمين.
والمخالف في هذا الباب لا يخلو إما أن يقول: إن صاحب الكبيرة منافق ـ وذلك لا وجه له، لأن النفاق اسم لمن يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وليس هذا حال صاحب الكبيرة، ـ أو يقول إنه كافر على ما تقوله الخوارج.
والكلام عليه أن نقول: ما تعني به؟ أتريد أن حُكمه حكم الكافر حتى لا يُناكح ولا يُورَّث، ولا يُدفن في مقابر المسلمين؟ أو تريد أنه يسمى كافراً وإنْ لم تجر عليه هذه الأحكام؟ فإن أردت به الأول، فذلك ساقط، لأنّا نعلم ضرورةً من دين الأمة أن صاحب الكبيرة لا تجري

68

عليه هذه الأحكام، فلا يُمنع عن المناكحة والموارثة والدفن وغيرها. ـ وإنْ أردت به الثاني، فذلك لا يصح أيضاً، لأن الكفر صار بالشرع اسماً لمن يستحق إجراءَ هذه الأحكام عليه، فكيف يجوز إطلاقها على من لا يستحقها؟!
وإما أن يقول إن صاحب الكبيرة مؤمن، على ما تقوله المرجئة. والكلام عليه أن نقول: ما تريد به؟ أتريد به أن حكمه حكم المؤمن في المدح والتعظيم والموالاة في الله تعالى؟ أم تريد أنه يسمى مؤمناً؟ ـ فإن أردت به الأول، فذلك لا يصحّ لأنه خرقُ إجماع مُصرِّح ـ فإنا نعلم من حال الصحابة، وخاصة من حال علي بن أبي طالب عليه السلام، أنهم كانوا لا يعظِّمون صاحب الكبيرة ولا يوالونه في الله عز وجل، بل يلعنونه ويستخفّون به. ولهذا فإن أمير المؤمنين ـ عليه السلام! ـ كان يقول في قنوته: اللهم العن معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وأبا الأعور السلمي، وأبا موسى الأشعري! وإن أردت به الثاني فذلك لا يصح أيضاً، لأن قولنا « مؤمن » في الشرع اسم لمن يستحق هذه الأحكام المخصوصة، فكيف يُجرى على من لا يستحقها؟! » (« شرح الأصول الخمسة »، ص 139 ـ 141).

? ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

« الأمر هو قول القائل لمن دونه في الرتبة: افعل، والنهي هو قول القائل لمن دونه: لا تفعل.
وأما المعروف فهو كل فعل عُرِّف فاعلُه حُسْنَه أو دُلّ عليه. ولهذا

69

لا يقال في أفعال القديم تعالى: معروف، لما لم يُعرَّف حُسنها ولا دُل عليه.
وأما المنكر فهو كل ما عُرِّف فاعله قُبْحَه أو دُلّ عليه. ولو وقع من الله تعالى القبيح لا يقال إنه منكر، لما لم يُعرَّف قبحه ولا دل عليه.
وإذ قد عرفت هذه الجملة، فاعلم أنه لا خلاف في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وإنما الخلاف في أن ذلك: هل يُعلم عقلاً، أو لا يُعلم إلا سمعاً؟ فذهب أبو علي (الجبائي) إلى أنه يُعلم عقلاً وسمعاً، وذهب أبو هاشم إلى أنه إنما يعلم سمعاً، إلا في موضع واحد وهو أن تشاهد واحداً يظلم غيره فيلحق قلبك لذلك مضض وحرَد، فيلزمك النهي عنه دفعاً لتلك المضرّة عن النفس.
والذي يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة السمع: الكتاب، والسُّنّة، والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: « كنتم خير أمة أُخْرِجَتْ للناس: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر » (آل عمران: 110).
وأما السُّنة فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: « ليس لعين ترى الله يُعصى أن تطرف1 حتى تُغيِّر أو تنتقل ».
وأما الإجماع فلا إشكال فيه لأنهم اتفقوا على ذلك.
ثم إن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرائط يجب بوجودها، ويسقط بزوالها:
أولها: هو أن يعلم أن المأمور به معروفٌ، وأن المنهيّ عنه منكر. لأنه لو لم يعلم ذلك لا يأمن بالمنكر وينهى عن المعروف ـ وذلك مما لا يجوز. وغلبة الظن في هذا الموضع لا تقوم مقام العلم.
ــــــــــــــ
1 في المطبوع: فتطرف.

70

ومنها أن يعلم أن المنكر حاضر، كأن يرى آلات الشرب مهيأة والملاهي حاضرة والمعازف جاهزة. وغلبة الظن تقوم مقام العلم ها هنا.
ومنها [ هو ] أن يعلم أن ذلك لا يؤدي إلى مضرّة أعظم منه. فإنه لو علم، أو غَلب في ظنه أن نهيه عن شرب الخمر يؤدي إلى قتل جماعة من المسلمين أو إحراق محلةٍ لم يجب، وكما لا يجب لا يَحسُن.
ومنها [ هو ] أن يعلم أو يغلب في ظنه أن لقوله فيه تأثيراً، حتى لو لم يعلم ذلك ولم يغلب على ظنه لم يجب. وفي أن ذلك: هل يحسن إذا لم يجب؟ ـ كلامٌ: فقال بعضهم: إنه يحسن لأنه بمنزلة استدعاء الغير إلى الدين، وقال آخرون: يقْبُح لأنه عبثٌ.
ومنها [ هو ] أن يعلم أو يغلب على ظنه أنه لا يؤدي إلى مضرّة في ماله أو في نفسه. إلاّ أنه يختلف بحسب اختلاف الأشخاص: فإن كان المرء بحيث لا يؤثر في حاله الشتم والضرب، فإنه لا يكاد يسقط عنه. وإن كان ممن يؤثر ذلك في حاله ويحط مرتبته فإنه لا يجب، وفي أن ذلك هل يحسنُ ـ يُنظر: فإن كان الرجل ممن يكون في تحمله لتلك المذلة إعزازُ الدين ـ حَسُنَ، وإلا فلا. وعلى هذا يُحْمَل ما كان من الحسين بن علي، عليهما السلام، لما كان في صبره على ما صبر إعزازٌ لدين الله عز وجل، ولهذا نباهي به سائر الأمم، فنقول: لم يبقَ من ولد الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلا سبط واحد، فلم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى قتل في ذلك.
واعلم أن المقصود بالأمر بالمعروف: إيقاع المعروف، وبالنهي عن المنكر: زوال المنكر. فإذا وقع الغرض بالأمر السهل، لم يجز العدول عنه إلى الأمر الصعب. وهذا مما يُعلم عقلاً وشرعاً: أما عقلاً، فلأن الواحد منا إذا أمكنه تحصيل الغرض بالأمر السهل لا يجوز العدول عنه إلى الأمر الصعب، وأما الشرع فهو قوله تعالى: « وإن طائفتان من

71

المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. فإنْ بغتْ إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله » (الحجرات: 9). فالله تعالى أمر بإصلاح ذات البين أولاً، ثم بعد ذلك بما يليه، ثم بما يليه، إلى أن انتهى إلى المقالة. » (« شرح الأصول الخمسة »، ص 141 ـ ص 144).
وهذا الأصل قائم سواء وُجد إمام أو لم يوجد. « على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ضربين: أحدهما ما لا يقوم به إلا الأئمة، والثاني ما يقوم به كافة الناس.
أما ما لا يقوم به إلا الأئمة فذلك: كإقامة الحدود، وحفظ بيضة الإسلام، وسد الثغور، وتنفيذ الجيش، وتولية القضاة والأمراء، وما أشبه ذلك.
وأما ما يقوم به غيرهم من أفناء الناس فهو: كشرب الخمر، والسرقة، والزنا، وما أشبه ذلك. ولكن إذا كان هناك إمامٌ مفترض الطاعة فالرجوع إليه أولى.
واعلم أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أن لا يضيع المعروف ولا يقع المنكر. فإذا ارتفع الفرض ببعض المكلفين سقط عن الباقين. ولهذا قلنا إنه من فروض الكفايات ». (« شرح الأصول الخمسة »، ص 148).

72


واصل بن عطاء

كنيته أبو حذيفة1، وفي « البيان والتبيين » (? 1، ص 29، س 9): أبو الجعد.
وهو مولى بني ضبّة، وقيل مولى بن مخزوم2.
« وكان واصل بن عطاء أحد الأعاجيب: وذلك أنه كان ألثغ قبيح اللثغة في الراء، فكان يُخلّص كلامه من الراء، ولا يُفْطَن بذلك لاقتداره وسهولة ألفاظه. ففي ذلك يقول شاعر من المعتزلة، يمدحه بإطالته الخطب واجتنابه الراء، على كثرة ترددها في الكلام حتى كأنها ليست فيه:
عليمٌ بإبدال الحروف وقامع لكل خطيبٍ يغلب الحقَّ باطلهُ

وقال آخر:
ويجعل البـُرّ قمحـاً في تصرُّفه وخالفَ الراء حتى احتال للشَّعَر ولم يُطِق « مطراً » والقول يعجله فعـاذ بالغيث إشفاقاً من المطر ــــــــــــــ
1 ابن خلكان 5/ 60، الكامل 3/ 192.
2 ابن خلكان 5/ 60.

73

ومما حكي عنه قوله ـ وذكر بشاراً: أما لهذا الأعمى المكتنى بأبي معاذٍ من يقتله! أمّا والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ثم لا يكون إلا سدوسياً أو عقيلياً.
فقال: « هذا الأعمى » ولم يقل بشاراً ولا ابن بُرد، ولا الضرير. وقال: « من أخلاق الغالية » ولم يقل المغيرية ولا المنصورية. وقال: « لبعثت إليه »، ولم يقل: لأرسلت إليه. وقال: « على مضجعه »، ولم يقل: على فراشه، ولا مرقده. وقال: « يبعج »، ولم يقل: يبقر. وذكر « بني عقيل » لأن بشاراً كان يتوالى إليهم. وذكر « بني سدوس » لأنه كان نازلاً فيهم.
واجتناب الحروف شديد1 ».
ولقد أشار كثير من الشعراء إلى هذه الظاهرة عند واصل، وأورد ابن خلكان2 نماذج من هذا الشعر. « وكان طويل العنق جداً، بحيث كان يعاب عليه. وفيه يقول بشار بن برد الشاعر المشهور:
مـاذا منيت بغزّالٍ لـه عنق كنقنق الـدوّ إن ولى وإن مَثلا عُنق الزراقة، ما بالي وبالكم تكفّرون رجالاً كفّروا رجلا3؟ »
وسُميَ « الغزّال » « ولم يكن غزالاً، ولكنه كان يُلَقّب بذلك لأنه كان يلزم الغزالين ليعرف المتعففات من النساء، فيجعل صدقته لهن. وكان طويل العنق. ويروى عن عمرو بن عبيد أنه نظر إليه من قبل أن
ــــــــــــــ
1 « الكامل » للمبرَّد، ? 3، ص 193 ـ 194. نشرة أبي الفضل إبراهيم. القاهرة بدون تاريخ.
2 « وفيات الأعيان وأنباء الزمان » لابن خلكان (608 ـ 681 ?) ? 5، ص 61 ـ 62. نشرة محيي الدين عبد الحميد، القاهرة سنة 1949.
3 ابن خلكان، ? 5، ص 63. ـ النقنق: الظليم (وهو ذكر النعام). الدو: الفلاة الواسعة. مثَل: أقام.

74

يكلمه، فقال: لا يفلح هذا ما دامت عليه هذه العُنق1. »
وتوسّع الجاحظ في « البيان والتبيين2 » في بيان براعة واصل في التخلص من الراء فقال:
« ولما علم واصل بن عطاء أنه ألثغ فاحش اللثغ، وأن مخرج ذلك منه شنيع، وأنه إذ كان داعية مقالةٍ ورئيس نحلة وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، وأنّه لا بدّ له من مقارعة الأبطال ومن الخطب الطوال، وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج وجهارة المنطق وتكميل الحروف وإقامة الوزن، وأن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة كحاجته إلى الجزالة والفخامة، وان ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب وتثنى به الأعناق وتزين به المعاني؛ وعلم واصل أنه ليس معه ما ينوب عن البيان التام، واللسان المتمكّن والقوة المتصرفة، كنحو ما أعطى الله ـ تبارك وتعالى ـ نبيه موسى، عليه السلام، من التوفيق والتسديد، مع لباس التقوى وطابع النبوّة، ومع المحنة والاتساع في المعرفة، ومع هدي النبيين وسمت المرسلين، وما يُغَشّيهم الله به من القبول والمهابة، ولذلك قال بعض شعراء النبي صلى الله عليه وسلم:

لو لم تكن فيه آيات مُبَيِّنةٌ كانت بداهته تنبيك بالخبر

ومع ما أعطى الله ـ تبارك وتعالى ـ موسى عليه السلام من الحجة البالغة، ومن العلامات الظاهرة، والبرهانات الواضحة ـ إلى أن حلّ الله تلك العقدة وأطلق تلك الحُبسة، وأسقط تلك المحنة.
ومن أجل الحاجة إلى حسن البيان وإعطاء الحروف حقوقها من الفصاحة
ــــــــــــــ
1 الكامل، ? 3، ص 192.
2 ? 1، ص 14 ـ 16. القاهرة سنة 1948.

75

ـ رام أبو حذيفة وإسقاط الراء من كلامه، وإخراجها من حروف منطقه. فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه، ويناضله ويساجله، ويتأنى تستره والراحة من هجنته، حتى انتظم له ما حاول، واتسق له ما أمَّل. ولولا استفاضة هذا الخبر، وظهور هذه الحال حتى صار لغرابته مثلاً، ولطرافته معلماً، لما استجزنا الإقرار به، والتأكيد له. ولست أعني خطبه المحفوظة ورسائله المخلدة، لأن ذلك يحتمل الصنعة، وإنما عنيتُ محاجّة الخصوم ومناقلة الأكفاء، ومفاوضة الأخوان. واللُّثغة في الراء تكون بالغين والذال والياء، والياء أقلُّها قبحاً، وأوجَدُها في كبار الناس وبلغائهم وأشرافهم وعلمائهم...
وكان واصل بن عطاء قبيح اللُّثغة شنيعها، وكان طويل العنق جداً، ولذلك قال بشار الأعمى:
ما لي أشايع غزّالاً لـه عنقٌ كنقنق الأدوّ إن ولّى وإن مَثـَلا عُنق الزراقة، ما بالي وبالُكُم أتكفِرون رجالاً كفروا رجلا؟ »
وفي موضع آخر (? 1 ص 22) يذكر الجاحظ: « سالت عُثمان البُرّي: كيف كان واصل يصنع في العدد، وكيف كان يصنع بعشرة وعشرين وأربعين، وكيف كان يصنع بالقمر والبدر ويوم الأربعاء وشهر رمضان، وكيف كان يصنع بالمحرّم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الآخرة ورجب؟ فقال: ما لي فيه قولٌ إلاّ ما قاله صفوان:

مُلَقَّن مُلْهَمٌ فيما يحاوله جَمٌّ خواطره جوّاب آفاق »

علاقته ببشار

« وكان بشار كثير المديح لواصل بن عطاء قبل أن يدين بشار

76

بالرجعة، ويكفّر جميع الأمة. وكان قد قال في تفضيله على خالد بن صفوان وشبيب بن شبيبة، والفضل بن عيسى ـ يوم خطبوا عند عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والي العراق:

أبا حذيفة! قد أوتيتَ مُعجبة في خطبة بَدَهتْ من غير تقدير وإن قولاً يروق الخالدَين معاً لمُسْكِتٌ مخرس عن كل تحبير
لأنه كان مع ارتجاله الخطبة التي نزع منها الراء ـ كانت مع ذلك أطول من خطبهم. وقال بشار1:
تكلّفوا القولَ والأقوام قد حفلوا وحَبّروا خطبـاً ناهيك من خُطب فقـام2 مرتجلاً تغلي بداهتـه كمِرْجـل القين لمـا حُفَّ باللهب وجانب الراءَ لم يَشعُر بها أحد قبل التصفح والإغراق في الطلب
وقال في كلمة له يعني تلك الخطبة:

فهذا بديه لا كتحبير قائل إذا ما أراد القول زَوّره شهرا3

فلما انقلب عليهم بشار وَمقاتِلهُ لهم بادية، هجوه ونفَوه. فما زال غائباً حتى مات عمرو بن عبيد. وقال صفوان الأنصاري:

متى كان غَزّالٌ له يا ابن حَوْشبٍ غلامٌ كعمرو أو كعيسى بن حاضر4؟ أما كان عثمان الطويل ابنُ خالدٍ أو القـرم حفصٌ نُهيـة للمُخـاطِر5 ــــــــــــــ
1 في « طبقات المعتزلة »: تكلف.
2 في « طبقات المعتزلة »: وقال.
3 زور الكلام: أصلحه وهيأه.
4 عسى بن حاضر، من المعتزلة، وكان من أصحاب عمرو بن عبيد، راجع « الحيوان » الجاحظ (? 1، ص 337 ـ 338).
5 حفص: هو حفص القرن.

77


له خلف شعب الصين في كل ثغرة إلى سوسها الأقصى وخَلْفَ البرابر1 رجـالٌ دعـاة لا يَفـُلُّ عزيمَهم تهكّـُم جبـارٍ ولا كيـد ماكـر2 إذا قال: مروا في الشتاء، تطوعوا وإن كان صيف لم يُخَفْ شهر ناجر3 بهجـرة أوطـانٍ وبـَذْلٍ وكُلـْفة وشـدّة أخطـار وكـدّ المسـافر فأنجـح مسـعاهم وأثقبَ زنْدهـم وأورى بفلـجٍ للمخـاصم قـاهـر4 وأوتـادُ أرض الله في كـل بلـدة وموضع فُتياهـا وعـلم التشـاجر5 ومـا كان سَحبانٌ يشقّ غبـارهم ولا الشُدْقُ من حيَّي هلال بن عامر6 ولا الناطق النخـار والشيخ دغفل إذا وصلـوا أيمـانهم بالمخاصـر7 ولا القـالة الأعلـَوْن رهطُ مكحّل إذا نطقـوا في الصلح بين العشائر8 ــــــــــــــ
1 السوس الأقصى: كورة بالمغرب. والسوس الأدنى: بلدة بالأهواز.
2 العزيم: العزم. التهكم: التكبر. ويقال تهكم عليه أي اشتد عليه غضبه.
3 ناجر (بكسر الجيم ويفتح): شهر رجب أو صفر، أو كل شهر في صميم الحر، أو كل شهر من شهور الصيف لأن الإبل تنجر فيه أي يشتد عطشها.
4 أثقب الزند: قدحه فأخرج منه النار، وأورى الزند إيراءً: أثقبه.
5 التشاجر: الجدل في أمور علم الكلام والعقائد.
6 الشدق: جمع: أشدق وهو المتفوه ذو الفصاحة.
7 النخار: هو النخار بن أوس العذري، وكان معاصراً للشاعر جميل بثينة. وقد هجاه هذا بشعر ذكره صاحب الأغاني (7: 95). ولقب النخار لأنه ربما حمي في الكلام فنخر. ـ
ودغفل: هو دغفل بن حنظلة السدوسي، أدرك النبي، ووفد على معاوية. وقتلته الأزارقة. وكان بارعاً في علم النسب، ولهـذا ضرب به المثـل في ذلك فقيل: « أنسب من دغفل » (راجـع: « أمثال الميداني »، و« الإصابة » لابن حجر برقم 2395).
8 مكحل: هو عمرو بن الأهتم المنقري.

78


بجَمْـعٍ من الجُفّين راضٍ وساخط وقـد زحفت بُداؤهم للمَحـاضر1 تلقب « بالغزّال » واحـدُ عصره فمن لليتـامى والقبـيل المكاثـر ومـن لحَـروريٍّ وآخـر رافضٍ وآخـر مُزجيٍّ وآخـر جـائر2 وأمرٍ بمعـروف وإنكـار مُنْكـَرٍ وتحصين ديـن الله من كل كافـر يصيبون فضل القول في كل موطن كما طبقت في العظم مُدية جـازر تراهم كأن الطير فـوق رؤوسـهم على عمّة معروفـة في العشـائر وسيماهم معروفـة في وجوههـم وفي المشي حُجّاجاً وفوق الأباعر وفي ركعـة تأتي على الليـل كله وظاهر قول في مثـال الضمـائر وفي قصّ هداب وإحفـاء شـارب وكوْرٍ على شيب يضيء لنـاظر3 وعنفـقة مصلومـة ولنعـله قبالان في رونٍ رحيب الخواصر4 فتلك علامـات تحيـط بوصفـهم وليس جهول القـوم في علم خابر
وفي واصل يقول صفوان:

فما مسّ ديناراً ولا صدّ درهماً ولا عرف الثوب الذي هو قاطعه

وفيه يقول أسباط بن واصل الشيباني:

وأشهد أن الله سمّاك واصلاً وأنك محمود النقيبة والشيم5 »
ــــــــــــــ
1 الجفان: بكر وتميم. والروقان: بكر وتغلب. والغاران: الازد وتميم. والبداء: جمع باد، وهو وساكن البادية. والمحاضر: المناهل يجتمعون عليها.
2 الحروري: من الخوراج. رافض: من الرافضة. مرجئ: من المرجئة. جائر: من المجبرة، لأنه ينسب الجور إلى الله.
3 الكور: لوث العمامة، أي إدارتها على الرأس.
4 العنفقة: ما بين الشفة السفلى والذقن. قبال النعل: زمامها.
5 « البيان والتبيين » للجاحظ، ? 3، ص 24 ـ 27. نشرة هارون، القاهرة سنة 1948.

79

لقب: الغـزّال

وقد أورد الجاحظ في « البيان والتبيين » أيضاً (? 1، ص 32 ـ 34) ما قيل في وصف واصل بأنه غزّال. فقال:
« وقد كتبنا احتجاج من زعم أن واصل كان غزالاً، واحتجاج من دفع ذلك عنه. ويزعم هؤلاء أن قول الناس: « واصلٌ الغزّال »، كما يقولون: خالد الحذّاء1، وكما يقولون: هشام الدستوائي، وإنما قيل ذلك لأن الإباضية كانت تبعث إليه من صدقاتها ثياباً دستوائية، فكان يكسوها الأعراب، الذين يكونون بالجناب، فأجابوه إلى قول الإباضية.
وقال: إنما قيل ذلك لواصل لأنه كان يكثر الجلوس في سوق الغزّالين، إلى أبي عبد الله، مولى قَطَن الهلالي. وكذلك كانت حال خالدٍ الحذّاء الفقيه. وكما قالوا: أبو مسعود البدري2، لأنه كان نازلاً على ذلك الماء. وكما قالوا: أبو مالك السُّدِّيّ، لأنه كان يبيع الخُمُر في سُدّة المسجد3. »
ــــــــــــــ
1 هو خالد بن مهران، مولى لقريش لآل عبد الله بن عامر بن كريز. قيل: وإنما سمي حذّاء لأنه كان يتكلم فيقول: احذ على هذا الحديث (راجع « المعارف » لابن قتيبة ص 219). وقال السمعاني (ص 160) لأنه تزوج امرأة فنزل عليها في الحذائين فنسب إليها.
2 هو أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري. صحابي شهد العقبة وبدراً وتوفي في سنة 40 ? (راجع « الاصابة » لابن حجر برقم 5599، و« الأنساب » للسمعاني 68).
3 في « لسان العرب » و« القاموس المحيط » أنه سمّي بذلك « لبيع المقانع في سُدّة مسجد الكوفة ». والمقانع هي الخمر (جمع: خمار). توفي إسماعيل السدي سنة 127 ?.

80

بثـه الدّعـاة

وقد بعث واصل الدعاة لنشر مذهب المعتزلة ونشر الإسلام، ومجادلة الأديان الأخرى، وبخاصة المانوية. ذكر المرتضى في « المنية والأمل » (ص 32):
« قال أبو الهذيل: بعث (أي واصل) عبد الله بن الحارث إلى المغرب فأجابه خلق كثير.
وبعث إلى خراسان حفص بن سالم، فدخل تِرْمِذ ولزم المسجد حتى اشتهر. ثم ناظر جهماً فقطعه، فرجع إلى قول أهل الحق (المعتزلة). فلما عاد حفص إلى البصرة رجع جهم إلى قوله الباطل.
وبعث القاسم1 إلى اليمن.
وبعث أيوب إلى الجزيرة.
وبعث الحسن بن ذكوان إلى الكوفة.
وعثمان2 الطويل إلى أرمينية، فقال: يا أبا حذيفة! إن رأيت أن ترسل غيري فأشاطره جميع ما أملك حتى أعطيه فَرْدَ نعلي. فقال: يا طويل! اخرُج فلعل الله أن ينفعك. فخرج للتجارة فأصاب مائة ألف، وأجابه الخلق ».

مولده ووفاته

اتفق المؤرخون على أن واصل بن عطاء ولد بمدينة الرسول سنة ثمانين هجرية (699 ـ 700 م)، حيث كان مولى لبني ضبة أو بني مخزوم؛
ــــــــــــــ
1 هو القاسم بن السعدي (« المنية والأمل »، ص 42).
2 هو أستاذ أبي الهذيل بن العلاف.

81

وأنه ارتحل إلى البصرة، ولزم مجلس الحسن البصري. وفي البصرة عرف بعض كبار الأشخاص مثل جهم بن صفوان، والشاعر بشّار بن برد. وتزوج أخت عمرو بن عبيد.
وتوفي في سنة إحدى وثلاثين ومائة للهجرة1 (748 ـ 749 م).

مؤلفـات واصل

ذكر ابن النديم في « الفهرست » أن لواصل التصانيف التالية:
1 ـ كتاب أصناف المرجئة.
2 ـ كتاب التوبة.
3 ـ كتاب المنزلة بين المنزلتيْن.
4 ـ كتاب خطبته التي أخرج منها الراء.
ــــــــــــــ
1 المرتضى: « المنية والأمل »، ص 35؛ « لسـان الميزان » لابن حجر في ترجمة واصل، « النجوم الزاهرة »، ? 1، ص 313؛ « مسالك الأبصار » لابن فضل الله العمري (? 8، ص 496 من المصورة الشمسية بدار الكتب المصرية رقم 2568 تاريخ). « عيون التواريخ » لابن شاكر الكتبي (مخطوطة دار الكتب المصرية، وفيات سنة 131). « شذرات الذهب » لابن العماد الحنبلي، وفيات سنة 131 (? 1، ص 183، القاهرة سنة 1350 ?). وقد حدث خطأ في « وفيات الأعيان » لابن خلكان إذا ورد: « إحدى وثمانين ومائة ». ولا شك أن « ثمانين » خطأ من الناسخ والناشر، وصوابها: « ثلاثين » والرسم بينهما متقارب، « فوات الوفيات » لابن شاكر الكتبي، ? 2، ص 625 (نشرة محيي الدين عبد الحميد، القاهرة سنة 1951): ياقوت، ص 19 ص 247 (طبعة القاهرة) وكان في طبعة مرجوليوث بياض في خانة العشرات، أصلحته الطبعة المصرية هذه.

82

5 ـ كتاب معاني القرآن.
6 ـ كتاب الخُطَب في التوحيد والعدل.
7 ـ كتاب ما جرى بينه وبين عمرو بن عبيد.
8 ـ كتاب: السبيل إلى معرفة الحق.
9 ـ كتاب في الدعوة.
10 ـ كتاب طبقات أهل العلم والجهل ـ وغير ذلك.
وقد نقل هذا الثبت بحروفه ابن خلكان (? 5، ص 63 ـ 64) ولم يزد عليه شيئاً.
وأورد المرتضى في « المنية والأمل » (= « طبقات المعتزلة » ص 35) عنوان كتاب هو: « الألف مسألة في الرد على المانوية »، قال: « وعن الباهلي: قرأت لواصل الجزء الأول من كتاب الألف مسألة على الرد على المانوية. قال: فأحصيت في ذلك الجزء على مخالفيه نيفاً وثمانين مسألة ».
ولم يبق لنا من هذه الكتب جميعاً غير رقم 4، وقد وردت في كثير من كتب الأدب، ونشرها على حدةٍ الأستاذ عبد السلام هارون في مجموعته: « نوادر المخطوطات » (المجموعة الثانية، ص 118 ـ 136، القاهرة سنة 1370 ? ـ 1951 م)، وذلك على أساس مخطوط في مكتبة فيض الله باستانبول يحتوي على نسخة من كتاب « البيان والتبيين » وبآخرها ورقة ملحقة بخط كاتب نسخة « البيان والتبيين » وهو محمد بن يوسف اللخمي، الذي كتب كليهما في سنة 587 ?، ثم على أساس النص الوارد في « مسالك الابصار في ممالك الانصار » لابن فضل الله العمري. وقد سبقه إلى نشرها: 1 ـ الشيخ أحمد مفتاح في كتـاب « مفتاح الأفكار » (ص 270 ـ 271. القاهرة سنة 1314 ?) و« أدبيات اللغة العربية » (ص 212 ـ 214. القاهرة سنة 1906 م) عن مخطوط لا نعلمه. 2 ـ ثم على أساس هذه النشرة أعاد طبعه أحمد زكي صفوت

83

في مجموعة « جمهرة خطب العرب » (? 1، ص 482 ـ 484. القاهرة سنة 1935).

مذهب واصل

بين الشهرستاني (? 1، ص 57 وما يليها) أصول مذهب واصل بن عطاء، أو الواصلية، فقال: إن « اعتزالهم يدور على أربع قواعد:
القاعدة الأولى: القول بنفي صفات الباري تعالى من: العلم، والقدرة والإرادة، والحياة. وكانت هذه المقالة في بدئها غير نضيجة. وكان واصل بن عطاء يشرع فيها على قولٍ ظاهر وهو: الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين. قال: ومن أثبت معنى وصفةً قديمة فقد أثبت إلهين. وإنما شرعت أصحابه فيها بعد مطالعة كتب الفلاسفة، وانتهى نظرهم فيها إلى رد جميع الصفات إلى كونه عالماً قادراً، ثم الحكم بأنهما صفتان ذاتيتان هما اعتباران للذات القديمة، كما قاله الجبائي، أو حالتان كما قاله أبو هاشم. ومال أبو الحسين البصري إلى ردهما إلى صفة واحدة، وهي العالمية. وذلك عين مذهب الفلاسفة وسنذكر تفصيل ذلك. وكان السلف يخالفهم في ذلك، إذ وجدوا الصفات مذكورة في الكتاب والسُّنة.
القاعدة الثانية: القول بالقدر. وإنما سلك في ذلك مسلك معبد الجهني وغيلان الدمشقي. وقرر واصل بن عطاء هذه القاعدة أكثر مما كان يقرر قاعدة الصفات، فقال: إن الباري تعالى حكيم عادل لا يجوز أن يضاف إليه شرٌ وظُلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحكم عليهم شيئاً ثم يجازيهم عليه. فالعبد هو الفاعل للخير والشر والإيمان

84

والكفر والطاعة والمعصية، وهو المجازي على فعله. والرب تعالى أقدره على ذلك كله. وأفعال العباد محصورة في الحركات والسكنات والاعتمادات والنظر والعلم.
قال: ويستحيل أن يخاطب العبد ? « إفعَل » وهو لا يمكنه أن يفعل وهو يحسّ من نفسه الاقتدار والفعل. ومن أنكره فقد أنكر الضرورة. واستدلّ بآيات على هذه الكلمات.
ورأيت رسالة نسبت إلى الحسن البصري، كتبها إلى عبد الملك بن مروان وقد سأله عن القول بالقدر والجبر، فأجابه بما يوافق مذهب القدرية، واستدل فيها بآيات من الكتاب ودلائل من العقل. ولعلها لواصل بن عطاء، فما كان الحسن ممن يخالف السلف في أن القدر: خيره وشره، من الله تعالى. فإن هذه الكلمة كالمجمع عليها عندهم. والعجب أنه حمل هذا اللفظ الوارد في الخبر (= الحديث) على البلاء والعافية والشدة والراحة والمرض والشفاء والموت والحياة، إلى غير ذلك من أفعال الله تعالى، دون الخير والشرّ والحَسَن والقبيح الصادرين من اكتساب العباد.
وكذلك أورده جماعة المعتزلة في « المقالات » عن أصحابهم.
القاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين. والسبب فيه أنه دخل واحدٌ على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين! لقد ظهرت في زماننا جماعةٌ يُكفِّرون أصحاب الكبائر. والكبيرة عندهم كفر يُخرَج به عن الملة ـ وهم وعيدية الخوارج، ـ وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضرُّ مع الإيمان، بل العمل ـ على مذهبهم ـ ليس ركناً من الإيمان، ولا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة. فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟
فتفكر الحسن في ذلك. وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق ولا كافر مطلق، بل هو في منزلة بين

85

المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر. ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن. فقال الحسن اعتزل عنا واصل. فسمي هو وأصحابه معتزلة.
ووجه تقريره أنه قال: إن الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سُمّي المرء مؤمناً، وهو اسم مدح. والفاسق لم يستجمع خصال الخير، ولا استحق اسم المدح، فلا يسمى مؤمناً. وليس هو بكافر مطلق أيضاً، لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه ولا وجه لإنكارها. لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من أهل النار خالداً فيها، إذ ليس في الآخرة إلاّ الفريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير. لكنه يخفف عنه العذاب، وتكون دركته فوق دركة الكفار.
وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد، بعد أن كان موافقاً له في القَدَر وإنكار الصفات.
القاعدة الرابعة: قوله في الفريقيْن من أصحاب « الجَمَل1 » وأصحاب « صفين » إن أحدهما مخطئ، لا بعينه. وكذلك قوله في عُثمان وقاتليه
ــــــــــــــ
1 جرت موقعة الجمل بين علي بن أبي طالب وبين فريق على رأسه عائشة وطلحة والزبير بن العوام الذين لم يقروا له بالخلافة لما بويع بالخلافة في مسجد المدينة في يوم الجمعة 25 من ذيَ الحجة سنة 35 ? (في 24 يونيه سنة 656 م). وقد جرت المعركة بين الفريقين في موضع خارج البصرة يُقال له الخريبة، وذلك في اليوم العاشر من جمادى الاخرة سنة 36 ? (= 4 ديسمبر سنة 656 م). ولم يدخل البصرة إلاّ بعد ذلك بثلاثة أيام. وبعد ذلك بشهر دخل الكوفة حيث مهد له واليه المخلص، الاشتر النخعي، السبيل. ومن هناك سار إلى المدائن، عبر الفرات عند الرقة، وفي سهل صفين حارب جيش معاوية في سلسلة من المعارك استمرت من ذي الحجة سنة 36 حتى صفر سنة 37 ? (يونيو ـ يوليو سنة 657 م). وكاد على أن ينال النصر الحاسم بفضل شجاعة

86

وخاذليه إن أحد الفريقين فاسق لا محالة، كما أن أحد المتلاعنين فاسق، لا بعينه. ـ وقد عرفتَ قوله في الفاسق ـ. وأقل درجات الفريقين أنه لا تقبل شهادتهما، كما لا تقبل شهادة المتلاعنين. فلَمْ يجوِّز قبول شهادة علي وطلحة والزبير على باقة بَقْل. وجوّز أن يكون عثمان وعليٌّ على الخطأ.
هذا قول رئيس المعتزلة ومبدإ الطريقة: في أعلام الصحابة وأئمة العترة.
ووافقه عمرو بن عبيد على مذهبه، وزاد عليه في تفسيق أحد الفريقين، لا بعينه، بأن قال: لو شهد رجُلان من أحد الفريقين مثل عليّ ورجل من عسكره، أو طلحة والزبير لم تقبل شهادتهما. ـ وفيه تفسيق الفريقين وكونهما من أهل النار. وكان عمرو من رواة الحديث، معروفاً بالزهد،
ــــــــــــــ
= الأشتر النخعي. وهنالك فكر عمرو بن العاص في حيلة، بأن جعل جيوش الشام ترفع ورقات من المصحف على أطراف الرماح، إشارة إلى أنهم يفوضون الأمر إلى حكم كتاب الله. وانطلت هذه الحيلة على جيوش العراق وطالبوا بالاحتكام إلى كلمة الله. ولم تنطل الحيلة على علي، ولكنه اضطر اضطراراً إلى قبول ما عرض، لأن أنصاره طالبوا بذلك. وهكذا وافق على التحكيم، وذلك بأن يختار كل فريق حكماً عنه. فاختار معاوية عمرو بن العاص، واضطر علي ـ رغم معارضته ـ إلى قبول أبي موسى الأشعري حكماً يمثله. واجتمع الحكمان في رمضان سنة 37 (فبراير سنة 658 أو سنة 38 في رأي فلهوزن، فبراير 659). وكان أبو موسى الأشعري يرمي إلى جعل صهره عبد الله بن عمر خليفة. ولهذا استسلم لعمرو بن العاص في رأيه بأن معاوية على حق في المطالبة بدم عثمان، وكان قد شاع أن لعلي ضلعاً في قتله. فخلع أبو موسى علياً، وتلاه عمرو بن العاص فخلع علياً ونصب معاوية خليفة، على الرغم من احتجاج أبي موسى على أن عمرو بن العاص غرر به وخدعه.

87

و (كان) واصل مشهوراً بالفضل والأدب » (? 1، ص 57 ـ ص 62، بهامش « الفِصَل » لابن حزم، طبع أوفست).
* * *
ويفصّل عبد القادر البغدادي في « الفَرْق بين الفِرق » (ص 117 ـ 120) القاعدتين الثالثة والرابعة، ولا يشير إلى الأولى أدنى إشارة، وهذا واضح لأنه باعتراف الشهرستاني نفسه كانت هذه القاعدة الأولى غير نضيجة عند واصل، وإنما نضجت فيما بعدُ بعد نفوذ الفلسفة اليونانية أي بعد واصل بحوالي مئة عام، ولهذا لا محلّ لها لنسبتها إلى واصل. أما القاعدة الثانية وهي الخاصة بخلق الإنسان لأفعاله، فأشار إليها عبد القاهر البغدادي إشارة خفيفة بأن قال إن واصلاً وصاحبه عمرو بن عبيد دعوا الناس « إلى قول القدرية على رأي معبد الجهني، فقال الناس يومئذ لواصل: إنه مع كفره قدريّ. وجرى المثل بذلك في كل كافر قدري » (ص 119. نشرة محيي الدين عبد الحميد، القاهرة بدون تاريخ).
وهاك تفصيل ما قاله بالنسبة إلى القاعدة الثالثة:
كان واصل من منتابي مجلس الحسن البصري في زمان فتنة الأزارقة وكان الناس يومئذ مختلفين في أصحاب الذنوب من أمة الإسلام على فِرق:
1 ـ فرقة تزعم أن كل مرتكب للذنب: صغير أو كبير ـ مشرك بالله. وكان هذا قول الأزارقة من الخوارج. وزعم هؤلاء أن أطفال المشركين مشركون، ولذلك استحلّوا قتل أطفال مخالفيهم وقتل نسائهم، سواء كانوا من أمة الإسلام أو من غيرهم.
وكانت الصُّفرية من الخوارج يقولون في مرتكبي الذنوب بأنهم كفرة مشركون كما قالته الأزارقة، غير أنهم خالفوا الأزارقة في الأطفال.
2 ـ وزعمت النجدات من الخوراج أن صاحب الذنب الذي أجمعت الأمة على تحريمه كافرٌ مشرك، وصاحب الذنب الذي اختلفت الأمة فيه

88

على حكم اجتهاد أهل الفقه فيه، وعذروا مرتكب ما لا يعلم ـ بجهالةٍ ـ تحريمه إلى أن تقوم الحجة عليه فيه.
3 ـ وكانت الإباضية من الخوارج يقولون: إن مرتكب ما فيه الوعيد ـ مع معرفة بالله عز وجل وبما جاء من عنده ـ كافرٌ كفران نعمة، وليس بكافرٍ كُفر شرك.
4 ـ وزعم قوم من أهل ذلك العصر أن صاحب الكبيرة من هذه الأمة منافقٌ، والمنافق شرٌّ من الكافر المظهر لكفره.
5 ـ وكان علماء التابعين في ذلك العصر مع أكثر الأمة يقولون: إن صاحب الكبيرة من أمة الإسلام مؤمنٌ، لما فيه من معرفته بالرسل والكتب المنزّلة من الله تعالى، ولمعرفته بأن كل ما جاء من عند الله حق؛ ـ ولكنه فاسق بكبرته. وفسقه لا ينفي عنه اسم الإيمان والإسلام. وعلى هذا القول الخامس مضى سَلفُ الأمة من الصحابة وأعلام التابعين.
فلما ظهرت فتنة الأزارقة بالبصرة والأهواز، واختلف الناس عند ذلك في أصحاب الذنوب على الوجوه الخمسة التي ذكرناها، خرج واصل بن عطاء عن قول جميع الفرق المتقدمة، وزعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر. وجعل الفسق منزلةً بين منزلتي الكفر والإيمان. فلما سمع الحسن البصري من واصل بدعته هذه التي خالف بها أقوال الفِرق قبله ـ طرده عن مجلسه، فاعتزل (أي واصل) عند سارية من سواري مسجد البصرة. وانضمَّ إليه قرينه في الضلالة عمرو بن عبيد بن باب كعبد صريخُه1 أمةٌ. فقال الناس يومئذ فيهما: إنهما قد اعتزلا قول الأمة. وسمي أتباعهما من يومئذ: « معتزلة ». ثم إنهما أظهرا بدعتهما في المنزلة بين المنزلتين، وضمّا إليها دعوة الناس إلى قول القدرية على رأي معبد
ــــــــــــــ
1 الصريخ: المغيث. والأمة: العبدة، الجارية.

89

الجهني. فقال الناس يومئذ لواصل: إنه مع كفره قدريّ. وجرى المثل بذلك في كل كافر قدري.
ثم أن واصلاً وعَمْراً وافقا الخوارج في تأبيد عقاب صاحب الكبيرة في النار، مع قولهما بأنه موحد وليس بمشرك ولا كافر. ولهذا قيل للمعتزلة: إنهم مخانيث الخوارج، لأن الخوارج لما رأوا لأهل الذنوب الخلودَ في النار سموهم كفرة وحاربوهم، والمعتزلة رأت لهم الخلود في النار ولم تجسر على تسميتهم كَفَرة، ولا جَسَرت على قتال أهل فرقة منهم، فضلاً عن قتال جمهور مخالفيهم. ولهذا نسب إسحاق بن سويد العدوي واصلاً وعمرو بن عبيد إلى الخوارج لاتفاقهم على تأييد عقاب أصحاب الذنوب، فقال في بعض قصائده:

برئتُ من الخوارج لستُ منهم من الغزّال منهـم وابن بـاب ومن قـومٍ إذا ذكـروا عليـاً يردُّون السلامَ على السحاب » (ص 117 ـ 119).
وفيما يتعلق بالقاعدة الرابعة التي ذكرها الشهرستاني، وهي تتعلق بالحكم على فريق عليّ بن أبي طالب وفريق المطالبين بالثأر لدم عثمان بن عفان يقول عبد القاهر البغدادي:
« ثم إن واصلاً فارق السلف ببدعة ثالثة: وذلك أنه وجد أهل عصره مختلفين في علي وأصحابه ـ، وفي طلحة والزبير وعائشة وسائر أصحاب الجمل:
فزعمت الخوارج أن طلحة والزبير وعائشة وأتباعهم يوم الجمل كَفَروا بقتالهم علياً، وأن علياً كان على الحق في قتال أصحاب الجمل، وفي قتال أصحاب معاوية بصفّين إلى وقت التحكيم. ثم كفر بالتحكيم.
وكان أهلُ السنة والجماعة يقولون بصحّة إسلام الفريقيْن في حرب الجمل، وقالوا: إن علياً كان على الحق في قتالهم، وأصحاب الجمل

90

كانوا عصاة مخطئين في قتال عليّ، ولم يكن خطؤهم كفراً، ولا فسقاً يُسقط شهادتهم. وأجازوا الحكم بشهادة عَدْلَيْن من كل فرقة من الفريقين.
وخرج واصل عن قول الفريقيْن، وزعم أن فرقة من الفريقين فَسَقَةٌ، لا بأعيانهم1 وأنه لا يعرف الفسقة منهما. وأجاز أن يكون الفسقة من الفريقيْن: علياً وأتباعه كالحسن والحسين وابن عباس وعمار بن ياسر وأبي أيوب الأنصاري وسائر من كان مع علي يوم الجمل، وأجاز كون الفسقة من الفريقين: عائشة وطلحة وسائر أصحاب الجمل. ثم قال في تحقيق شكّه في الفريقين: لو شهد عليٌّ وطلحة، أو عليٌّ والزبير، أو رجل من أصحاب عليّ ورجل من أصحاب الجمل عندي على باقة بَقْل لم أحكم بشهادتهما، لعلمي بأن أحدهما فاسقٌ، لا بعينه؛ كما لا أحكم بشهادة المتلاعنين، لعلمي بأن أحدهما فاسق لا بعينه. ولو شهد رجلان من أحد الفريقين ـ أيهما كان ـ لقبلت شهادتهما. » (ص 119 ـ 120) ـ أي أنه يقبل شهادة أبناء الفريق الواحد بعضهم على بعض، ولا يقبل شهادة أبناء أحد الفريقين على الآخر.
على أن المعتزلة بعد واصل اختلفت في هذه المسألة. « فقال النظّام ومُعمّر والجاحظ في فريقي يوم الجمل بقول واصل:
وقال حوشب وهاشم الأوقص: نجت القادة، وهلكت الأتباع.
وقال أهل السّنة والجماعة بتصويب عليٍّ وأتباعه يوم الجمل، وقالوا: إن الزبير رجع عن القتال يومئذ تائباً، فلما بلغ وادي السباع قتله بها عمرو بن جُرموز، غرةً، وبشّر عليّ قاتله بالنار. وهمّ طلحة بالرجوع، فرماه مروان بن الحكم ـ وكان مع أصحاب الجمل ـ بسهم فقتله.
ــــــــــــــ
1 أي دون أن يستطيع أن يعين من هم منهم الفسقة.

91

وعائشة ـ رضي الله عنها ـ قصدت الاصلاح بين الفريقين، فغلبها بنو أزد وبنو ضَبّة على أمرها حتى كان من الأمر ما كان » (« الفَرق بين الفِرَق »، ص 121).
ويفصّل ابن حزم هذا الأمر أكثر فيقول1:
« الكلام في حرب علي ومن حاربه من الصحابة رضي الله عنهم.
قال أبو محمد (= ابن حزم): اختلف الناس في تلك الحرب على ثلاث فِرَق:
1 ـ فقال جميع الشيعة وبعض المرجئة وجمهور المعتزلة وبعض أهل السُّنة إن علياً كان المصيب في حربه، وكل من خالفه على خطأ.
وقال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وأبو الهذيل وطوائف من المعتزلة: إن علياً مصيب في قتاله معاوية وأهل النهر. ووقفوا في قتاله مع أهل الجمل وقالوا: إحدى الطائفتين مخطئة ولا نعرف أيهما هي.
وقالت الخوارج: عليٌّ المصيب في قتاله أهل الجمل وأهل صفين، وهو مخطئ في قتاله أهل النهر.
2 ـ وذهب سعد بن أبي وقّاص وعبد الله بن عمر وجمهور الصحابة إلى الوقوف في عليّ وأهل الجمل وأهل صفين. ـ وبه يقول جمهور أهل السُّنة، وأبو بكر بن كيسان.
3 ـ وذهب جماعة من الصحابة وخيار التابعين وطوائف ممن بعدهم إلى تصويب محاربي عليّ من أصحاب الجمل وأصحاب صفّين وهم الحاضرون لقتاله في اليومين المذكورين. وقد أشار إلى هذا أيضاً أبو بكر بن كيسان » (« الفصل في الملل والأهواء والنحل »، ? 4، ص 153).
ــــــــــــــ
1 « الفصل في الملل والاهواء والنحل »، ? 3، ص 153 وما يليها. القاهرة سنة 1321 ?.

92

ثم بيّن دفاع كل فريق عن رأيه، وبدأ بالأخير، فقال:
« احتج من ذهب إلى تصويب محاربي علي يوم « الجمل » ويوم « صِفّين » بأن قال: إن عثمان ـ رضي الله عنه ـ قُتِل مظلوماً. فالطلب بأخذ القود1 من قاتليه فرض، قال عزّ وجلّ « ومن قُتِل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً » (سورة الاسراء: 33)، وقـال تعالى: « وتعاونوا على البرّ والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان » (سورة المائدة: 2).
قالوا: ومن آوى الظالمين فهو إما مشارك لهم، وإما ضعيفٌ عن أخذ الحق منهم. قالوا: وكلا الأمرين حجة في إسقاط إمامته على من فعل ذلك ووجوب حربه.
قالوا: وما أنكروا على عثمان إلا أقلّ من هذا: من جواز إنفاذ أشياء بغير علمه ـ فقد ينفذ مثلها سراً ولا يعلمها أحدٌ إلاّ بعد ظهورها.
قالوا: وحتى لو أن كل ما أُنكِر على عثمان يصحُّ ـ ما حلَّ بذلك قتله، بلا خلاف أحد من أهل الإسلام، لأنهم إنما أنكروا عليه:
1 ـ استئثاره بشيء يسير من فضلات الأموال لم تجبْ لأحدٍ بعينه فمنعها.
2 ـ وتولية أقاربه ـ فلما شُكُوا إليه عزلهم وأقام الحد على من استحقه.
3 ـ وأنه صرف الحكَم بن أبي العاص إلى المدينة ـ ونَفْيُ رسول الله صلى الله عليه وسلم للحَكَم لم يكن حداً واجباً، ولا شريعة على التأبيد، وإنما كان عقوبةً على ذنب استحق به النفي، والتوبة مبسوطة، فإذا تاب سقطت عنه تلك العقوبة، بلا خلاف من أحد من أهل الإسلام،
ــــــــــــــ
1 القود (محركة): الثأر.

93

وصارت الأرض كلها مباحة.
4 ـ وأنه ضرب عماراً خمسة أسواط، ونفى أبا ذر إلى الرَّبَذة ـ وهذا كله لا يبيح الدم.
قالوا: وإيواء « عَليٍّ » المحدِثين أعظم الأحداث: من سفك الدم الحرام في حَرَم رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أعظمُ، والمنعُ من إنفاذ الحق عليهم أشدُّ من كل ما ذكرنا، بلا شك.
قالوا: وامتناع معاوية من بيعة علي، كامتناع علي من بيعة أبي بكر. فما حاربه أبو بكر، ولا أكرهه. وأبو بكر أقدرُ على « عليٍّ » من « عليٍّ » على معاوية. ومعاوية في تأخره عن بيعة « عليّ » أعذر وأفسح مقـالاً من « عليّ » في تأخره عن بيعة أبي بكر لأن « علياً » لم يمتنع من بيعة أبي بكر أحدٌ من المسلمين غيره، بعد أن بايعه الأنصار والزبير. وأما بيعة « عليّ » فإن جمهور الصحابة تأخروا عنها: إما عليه، وإما لا له ولا عليه، وما تابعه منهم إلاّ الأقلّ، سوى أزيد من ماية ألف مسلم بالشام والعراق ومصر والحجاز، كلهم امتنع من بيعته. فهل معاوية إلا كواحد من هؤلاء في ذلك؟!
وأيضاً فإن بيعة « عليٍّ » لم تكن عن عهد من النبي صلى الله عليه وسلم كما كانت بيعة أبي بكر، ولا عن إجماع من الأمة كما كانت بيعة عثمان، ولا عن عهد من خليفةٍ واجب الطاعة كما كانت بيعة عمر، ولا بسوقِ بائنٍ في الفضل على غيره لا يختلف (عليه)، ولا عن شورى. فالقاعدون عنها، بلا شك، ومعاوية من جملتهم ـ أعذر من « عليٍ » في قعوده عن بيعة أبي بكر ستة أشهر، حتى رأى البصيرة وراجع الحق عليه في ذلك. »
ــــــــــــــ
1 أي: فضلا عن، بالإضافة إلى أن...

94

قالوا: فإنْ قلتم: خفي على « عليٍ » نصُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر.
قلنا لكم: لم يَخْفَ عليه بلا شك تقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الصلاة. وأمْره « علياً » بأن يصلي وراءه في جماعة المسلمين. فتأخره عن بيعة أبي بكر سعيٌ منه في حطّه عن مكانٍ جعله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حقاً لأبي بكر وسعيٌ منه في فسخ نص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على تقديمه إلى الصلاة. وهذا أشدُّ من ردّ إنسانٍ نفاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لذنبٍ ثم تاب منه.
وأيضاً فإن « علياً » قد تاب واعترف بالخطأ لأنه إذ بايع أبا بكر بعد ستة أشهر تأخر فيها عن بيعته، لا يخلو ضرورةً من أحد وجهيْن: إما أن يكون مصيباً في تأخره ـ فقد أخطأ إذ بايع، ـ أو يكون مصيباً في بيعته ـ فقد أخطأ إذ تأخر عنها.
قالوا: والممتنعون من بيعة « علي » لم يعترفوا قط بالخطأ على أنفسهم في تأخرهم عن بيعة أبي بكر. وإنْ كان فعلهم صواباً فقد برئوا من الخطأ جملةً.
قالوا: والبَوْن بين طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعليّ ـ خفيٌ جداً. فقد كانوا في الشورى معه، ولا يبدو له فضل تفوقٍ عليهم ولا على واحدٍ منهم. وأما البَوْن بين علي وأبي بكر فأبينُ وأظهر. فهم في امتناعهم عن بيعته أعذر، لخفاء التفاصيل.
قالوا: وهَلاّ فعل « عليٌّ » في قتله عثمان كما فعل بقتلة عبد الله بن خَبّاب بن الأرتّ؟ فإن القصتيْن استويتا في التحريم. والمصيبة في قتل عثمان في الإسلام وعند الله عز وجل وعلى المسلمين ـ أعظم جرماً وأوسع خرقاً وأشنع إثماً وأهول فتيقاً من المصيبة في قتل عبد الله بن

95

خبّاب1. قالوا: وفِعلُه في طلب دم عبد الله بن خباب يقطع حجة من تأوّل على عليٍ أنه يمكن أن يكون لا يرى قتل الجماعة بالواحد » (« الفصل »، ? 4، ص 152 ـ 155).
هذه هي الحجج التي يقولها من ذهب إلى تصويب محاربي عليٍّ يوم الجمل ويوم صفين، المدافعين عن موقف المطالبين بثأر عثمان.
أما الخوارج فقد قالوا إن علياً كلّم الرجال في دين الله تعالى، والله عز وجل حرّم ذلك بقوله: « إنِ الحكم إلاّ لله2 » (سورة الأنعام آية 57)، وبقوله تعالى: « وما اختلفتم فيه من شيء فحُكْمُه إلى الله » (سورة الشورى آية 10).
ــــــــــــــ
1 عبد الله بن خباب: قتله الخوارج، وكانوا قد سألوه: « ما تقول في أبي بكر وعمر، فأثنى خيراً. قالوا: فما تقول في عليّ قبل التحكيم وفي عثمان في السنين الست الأخيرة، فأثنى خيراً، قالوا: فما تقول في عليٍّ بعد التحكيم والحكومة. قال: إن علياً أعلم بالله وأشد توقياً على دينه وأنفذ بصيرة ». فقالوا: إنك لست تتبع الهدى إنما تتبع الرجال على أسمائهم. ثم قربوه إلى شاطئ النهر فأضجعوه فذبحوه... وروى أبو عبيدة أيضاً، قال: استنطقهم (أي الخوارج) علي عليه السلام، بقتل عبد الله بن خباب فأقروا به. فقال: انفردوا كتائب لأسمع قولكم كتيبة كتيبة، فتكتبوا كتائب، وأقرت كل كتيبة بمثل ما أقرت به الأخرى من قتل ابن خباب، وقالوا: ولنقتلنك كما قتلناه. فقال علي: والله لو أقرّ أهل الدنيا كلهم بقتله هكذا وأنا أقدِر على قتلهم به لقتلتهم، ثم التفت إلى أصحابه فقال لهم: شدوا عليهم، فأنا أول من يشد عليهم. وحمل بذي الفقار حملة منكرة ثلاث مرات، كل حملة يضرب حتى يعوج متنه ثم يخرج فيسوّيه بركبتيه، ثم يحمل، حتى أفناهم » (« شرح نهج البلاغة » لابن أبي الحديد، ? 1، ص 207، مطبعة دار الكتب العربية الكبرى لمصطفى البابي الحلبي، القاهرة)
2 « الانعام » آية 57؛ « يوسف » آية 40، 67.

96


القدر1

كانت مشكلة أفعال الإنسان وهل هو خالقها أو هو مجبر عليها من المشاكل الرئيسية التي بدأت بها المباحث الكلامية في الإسلام. ومن تتبع الآيات القرآنية الوارد فيها ذكر القدر والقضاء والجزاء وأفعال الإنسان يجد أن هذه المسألة شغلت المسلمين على عهد النبي، كما كانت مثار جدل بينه وبين معارضيه من المشركين والنصارى واليهود. لكنه لا يمكن استخلاص موقف صريح قاطع للقرآن في هذه المسألة. فثم آيات تؤذن بأنه لا فاعل إلاّ الله، وأن الإنسان مقدَّرة عليه أفعاله، وإلى جانبها آيات أخرى تقرر أن الإنسان مختار، ومسؤول عن أفعاله.
ــــــــــــــ
1 راجع:
a) Salisbury, E.E.: « Muhammadan predestination and free will », in journal of the American Oriental Society, 8 (1899), p. 106-182.
b) De Vlieger, A. Kitâb al Qadr, Matériaux pour servir à l'étude de la prédestination dans la théologie musulmane. Leyde 1903.
c) Ringgren, Helmer: Studies in Arabic fatalism. Uppsala, 1955.

97

فمن أمثلة الآيات الدالة على أن أفعال الإنسان مقدّرة عليه:
1 ـ « وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله رب العالمين » (التكوير: 29).
2 ـ « وما تشاءون إلاّ أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً » (الإنسان: 30).
3 ـ « ولكن يُدْخِل من يشاء في رحمته » (الشورى: 8).
4 ـ « ماذا أراد الله بهذا مثلاً كذلك يضلُّ الله من يشاء » (المدَّثِّر: 31).
5 ـ « ويهدي من يشاء » (المدثر: 31).
6 ـ « ومَنْ يشأ يجعله على صراط مستقيم » (الأنعام: 39).
7 ـ « وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة » (القصص: 68).
8 ـ « وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيرة من أمرهم » (الأحزاب: 36).
9 ـ « قل لن يصيبنا إلاّ ما كتب الله لنا » (التوبة: 51).
10 ـ « ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حقَّ القولُ مِنّي لأملأنّ جهنم من الجِنّة والناس أجمعين » (السجدة: 13).
11 ـ « مَن يَهْدِ الله فهو المهتدي، ومَنْ يُضْلِل فأولئك هم الخاسرون » (الأعراف: 178).
12 ـ « فمن يُرِد الله أن يهديه يشرحْ صدره للإسلام، ومن يُرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصّعّد في السماء » (الأنعام: 125).
13 ـ « ولقد بعثنا في كل أُمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، فمنهم مَنْ هَدَى الله ومنهم من حقَّت عليه الضلالة » (النحل: 36).

98

14 ـ « قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرّاً إلاّ ما شاء الله » (يونس: 49).
15 ـ « ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون » (هود: 35).
16 ـ « إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوةٌ، ولهم عذاب عظيم » (البقرة: 5 ـ 6).
وفي مقابل ذلك نجد عدداً وفيراً من الآيات التي تقرر حرية الإنسان في أفعاله وأنه فاعلها، مثل:
1 ـ « فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر » (الكهف: 29).
2 ـ « وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى » (الإسراء: 94).
3 ـ « جزاءً بما كانوا يعملون » (الأحقاف: 14؛ الفرقان: 15؛ الواقعة: 24؛ السجدة: 32).
4 ـ « جزاءً بما كانوا يكسبون » (التوبة: 82، 95).
5 ـ « هل جزاء الإحسان إلا الإحسان » (الرحمن: 60).
6 ـ « ما أصابك من حسنةٍ فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك » (النساء: 79).
7 ـ « ومالكم لا تؤمنون بالله » (الحديد: 8).
8 ـ « فما لهم عن التذكرة مُعْرِضين؟ » (المدثر: 49).
9 ـ « هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن » (التغابن: 2).
10 ـ « كل نفسٍ بما كسبت رهينة » (المدثر: 38).
11 ـ « من عمل صالحاً فلنفسه، ومَنْ أساء فعليها » (فصلت: 46).
12 ـ « قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومَنْ ضلّ فإنما يضلُّ عليها » (يونس: 108).
13 ـ « هنالك تبلو كلُّ نفس ما أسلفت » (يونس: 30).

99

14 ـ « قد جاءكم بصائر من ربكم: فمن أبصرَ فلنفسه ومَنْ عَمِي فعليها » (الأنعام: 104).
15 ـ « ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً. ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليماً حكيماً » (النساء: 110 ـ 111).
16 ـ « إن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم » (الرعد: 11).
وقد لاحظ جِرِمّ1 أن السور المكية أميل إلى تقرير حرية الإنسان واختياره، بينما السور المدينة أميل إلى تقرير الجبرية.
وقد أورد الشهرستاني (« الملل والنحل » ? 1 ص 108 ـ 109) تعريفاً للجبرية والجبر، هاك نصه:
« الجبر هو نفي الفعل حقيقةً عن العبد، وإضافته إلى الرب تعالى. والجبرية أصناف:
1 ـ فالجبرية الخالصة هي التي لا تثبت للعبد فعلاً ولا قدرةً على الفعل أصلاً.
2 ـ والجبرية المتوسطة: أن تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة.
فأما من أثبت للقدرة الحادثة أثراً ما في الفعل، وسمى ذلك كسباً فليس بجبري. والمعتزلة يسمون من لم يثبت للقدرة الحادثة في الإبداع والإحداث استقلالاً ـ جبرياً. ويلزمهم أن يسموا من قال من أصحابهم بأن المتولدات أفعال لا فاعل لها ـ جبرياً، إذ لم يثبتوا للقدرة الحادثة فيها أثراً.
والمصنفون في المقالات عدوا النجارية، والضرارية من الجبرية؛
ــــــــــــــ
1 Grimme, H. Einleitung in den Koran, Vol. II.

100

وكذلك جماعة الكلامية من الصفاتية والأشعرية سموهم تارة: حشوية، وتارة جبرية. »
ويمثل الجبرية الخالصة: جهم بن صفوان.
وابن حزم يفصّل أكثر ويقول1: « اختلف الناس في هذا الباب (باب: القَدَر) فذهبت طائفة إلى أن الإنسان مُجْبَر على أفعاله، وأنه لا استطاعة له أصلاً ـ وهو قول جهم بن صفوان وطائفة من الأزارقة.
وذهبت طائفة أخرى إلى أن الإنسان ليس مُجْبَراً، وأثبتوا له قوة واستطاعةً بها يفعل ما اختار فعله. ثم افترقت هذه الطائفة على فرقتين، فقالت إحداها: الاستطاعة التي يكون بها الفعل لا تكون إلا مع الفعل، ولا تتقدمه ألبتة. وهذا قول طوائف من أهل الكلام ومَنْ وافقهم كالنجار، والأشعري، ومحمد بن عيسى برغوث الكاتب، وبشر بن غياث المريسي، وأبي عبد الرحمن العطوي وجماعة من المرجئة والخوارج وهشام بن الحكم وسليمان بن جرير وأصحابهما.
وقالت الأخرى: إن الاستطاعة التي يكون بها الفعل هي قبل الفعل موجودة في الإنسان، وهو قول المعتزلة وطوائف من المرجئة كمحمد بن رشيد ومؤنس بن عمران وصالح قُبّة والناشئ وجماعة من الخوارج والشيعة.
ثم افترق هؤلاء على فِرق: فقالت طائفة إن الاستطاعة قبل الفعل ومع الفعل أيضاً: للفعل ولتركه، وهو قول بشر بن المعتمر البغدادي، وضرار بن عمرو الكوفي، وعبد الله بن غطفان، ومعمر بن عمرو العطار البصري وغيرهم من المعتزلة.
وقال أبو الهذيل بن الهذيل العبدي البصري العلاّف: لا تكون
ــــــــــــــ
1 « الفصل في الملل والأهواء والنحل »، ? 3، ص 22.

101

الاستطاعة مع الفعل البتة، ولا تكون إلاّ قبله، ولا بد وتفنى مع أول وجود الفعل.
وقال أبو اسحق إبراهيم بن سيّار النظّام، وعلى الأسواري، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن كيسان الأصمّ: ليست الاستطاعة شيئاً غير نفس المستطيع. وكذلك أيضاً قالوا في العجز إنه ليس شيئاً غير العاجز؛ إلا النظّام فإنه قال: هو آفة دخلت على المستطيع...
فأما من قال بالإجبار منهم فإنهم احتجوا فقالوا: لما كان الله تعالى فعّالاً، وكان لا يشبهه شيء من خلقه، وجب أن لا يكون أحدٌ فعالاً غيره.
وقالوا أيضاً: معنى إضافة الفعل إلى الإنسان إنما هو كما تقول: مات زيد! وإنما أماته الله تعالى؛ وقام البناء، وإنما أقامه الله تعالى (? 3، ص 22 ـ ص 23).
تلك خلاصة لموقف الفِرَق المختلفة والمتكلمين من مختلف المذاهب ـ بالنسبة إلى مشكلة حرية الإرادة والاختيار.
فلو رجعنا إلى صاحبنا واصل بن عطاء لم نجد في المصادر الباقية لدينا ما يدل على مدى تحقيقه لهذه المسألة وما أدلى به من براهين لإثبات حرية الإرادة.
إنما تورد بعض المصادر أنه تلقى مذهب القدر، أعني حرية الإرادة، عن غيلان الدمشقي. فمن هو غيلان الدمشقي هذا؟
اختلف فيه أصحاب كتب الكلام على طرفي نقيض: فالمعتزلة منهم مدحوه كثيراً، بينما ذمّه أهل السنّة ذماً بالغاً.
فالمرتضى في « المنية والأمل » يقول عنه ـ وهو يضعه على رأس الطبقة الرابعة من طبقات المعتزلة: « غيلان بن مسلم الدمشقي، قال أبو القاسم: هو غيلان بن مروان. قال الحاكم: وهو مولى لعثمان بن عفّان. أخذ

102

المذهب عن الحسن بن محمد بن الحنفية، ولم تكن مخالفته لأبيه وأخيه إلاّ في شيء من الإرجاء.
وروى أن الحسن كان يقول إذا رأى غيلان في الموسم: أترون هذا؟ هو حجة الله على أهل الشام، ولكن الفتى مقتول.
وكان واحد دهره في العلم والزهد والدعاء إلى الله وتوحيده وعدله.
وقتله هشام1 بن عبد الملك، وقتل صاحبه صالحاً. وسبب قتله أن غيلان لما كتب إلى عمر بن عبد العزيز2 كتاباً قال فيه: « أبصرت يا عمر وما كِدْتَ، ونظرت وما كدت. اعلم يا عمر أنك أدركت من الإسلام خَلَقاً بالياً، ورسماً عافياً. فيا ميت بين الأموات! لا ترى أثراً فتتبع، ولا تسمع صوتاً فتنتفع. طُفِئ أمرُ السُّنّة، وظهرت البدعة. أُخيف العالِمُ فلا يتكلم، ولا يعطي الجاهل فيسأل (!). وربما نجت الأمة بالإمام، وربما هلكت بالإمام: فانظر أيّ الإمامين أنت، فإنه تعالى يقول: « وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا » (الأنبياء: 73) فهذا إمام هدى ومن اتبعه شريكان؛ وأما الآخر فقال تعالى: « وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويومَ القيامة لا يُنْصَرون » (القصص: 41) ولن تجد داعياً يقول: تعالوا إلى النار ـ إذاً لا يتبعه أحد ـ ولكن الدعاة إلى النار هم الدعاة إلى معاصي الله. فهل وجدت يا عمر حكيماً يعيب ما يصنع، أو يصنع ما يعيب، أو يعذّب على ما قضى، أو يقضي ما يعذّب عليه؟ أم هل وجدت رشيداً يدعو إلى الهدى ثم يُضِلُّ عنه؟ أم هل وجدت رحيماً يكلّف العباد فوق الطاقة أو يعذبهم على الطاعة؟ أم هل وجدت عدلاً يحمل الناس على الظلم والتظالم؟ وهل
ــــــــــــــ
1 تولى هشام الخلافة في شعبان 105 ? (يناير سنة 724 م) وتوفي في 6 ربيع الثاني سنة 125 ? (6 فبراير سنة 743 م).
2 تولى الخلافة في 20 صفر سنة 99 ? وتوفي في 24 رجب سنة 101 ?.

103

وجدت صادقاً يحمل الناس على الكذب والتكاذب بينهم؟ كفى ببيان هذا بياناً، والعمى عنه عمىً ـ في كلام كثير » (ص 25 ـ 26).
وفي هذه العبارات الأخيرة تقرير لمذهب حرية الاختيار، وأن الله لا يعمل إلاّ الأصلح؛ ولا يعذب على ما قضى ولا يقضي بما يعذب عليه؛ ومعنى هذا أن الله لا يقضي بالمعاصي، بل الإنسان هو الذي يرتكب المعصية بإرادته واختياره، وإلاّ فكيف يجوز في الحكمة أن يعذب الله على فعلٍ فعله هو؟! والله حكيم، فلا يصنع ما هو مذموم؛ ورحيم فلا يكلّف فوق الطاقة؛ وعادل فلا يحمل الناس على ارتكاب الظلم؛ وصادق فلا يحمل الناس على الكذب. وفي هذا بذور أولية لمذهب المعتزلة في العدل، وفي حرية الاختيار.
ويتابع صاحب « المنية والأمل » بيانه عن سبب قتل هشام بن عبد الملك لغيلان الدمشقي فيقول:
« فدعا عُمَرُ غيلانَ وقال: أعِنّي على ما أنا فيه! فقال غيلان: ولِّني بيعَ الخزائن وردَّ المظالم! فولاه، فكان يبيعها وينادي عليها ويقول: تعالوا إلى متاع الخونة؛ تعالوا إلى متاع الظَلَمة، تعالوا إلى متاع من خَلَف الرسول في أمّته بغير سنته وسيرته. وكان فيما نادى عليه جوارب خزّ، فبلغ ثمنها ثلاثين ألف درهم، وقد ائتكل بعضها، فقال غيلان: من يعذرني ممن يزعم أن هؤلاء كانوا أئمة هدى وهذا يأتكل والناس يموتون من الجوع؟!
فمرّ ولي هشام بن عبد الملك، قال: أرى هذا يعيبني ويعيب آبائي. والله إنْ ظفرتُ به لأقطعن يديه ورجليه.
فلما ولي هشام خرج غيلان وصاحبه صالح إلى أرمينية، فأرسل هشام في طلبهما. فجيء بهما فحبسهما أياماً، ثم أخرجهما وقطع أيديهما وأرجلها، وقال لغيلان: كيف ترى ما صنع بك ربُّك؟

104

فالتفت غيلان، فقال: لعن الله من فعل بي هذا.
واستسقى صاحبُه، فقال بعضُ من حضر: لا نسقيكم حتى تشربوا من الزّقّوم.
فقال غيلان لصالح: يزعم هؤلاء أنهم لا يسقوننا حتى نشرب من الزقوم. ولعمري لئن كانوا صدقوا فإن الذي نحن فيه يسيرٌ في جَنْب ما نصير إليه بعد ساعةٍ من عذاب الله. ولئن كانوا كذبوا فإن الذي نحن يسيرٌ في جنب ما نصير إليه بعد ساعةٍ من رَوْح الله. فاصبر يا صالح!
ثم مات صالح، وصلى عليه غيلان؛ ثم أقبل على الناس وقال: قاتلهم الله! كم من حقٍّ أماتوه! وكم من باطلٍ قد أحيوه! وكم من ذليل في دين الله أعزّوه! وكم من عزيز في دين الله أذلوه!
فقيل لهشام: قطعتَ يدي غيلان ورجليه وأطلقت لسانه! إنه قد بكّى الناس.، ونبههم على ما كانوا عنه غافلين.
فأرسل إليه من قَطَع لسانه، فمات، رحمه الله تعالى! ».
وهذا تصوير رائع لاستشهاد غيلان الدمشقي، واضح منه أن فيه تحاملاً شديداً على الأمويين، مما يؤذن بأن صانع هذه الرواية شيعي أراد التشنيع بالأمويين وإدانة مظالمهم. لهذا يحيك الشك في صدر الباحث حول صحّة هذه الرواية.
فإن بحثنا في كتب المؤرخين عن هذه الحادثة، وجدنا ابن1 الأثير يقول في حديثه عن هشام بن عبد الملك بمناسبة وفاته سنة 125 ?:
« قيل إن غيلان بن يونس ـ وقيل: ابن مسلم ـ أبا مروان أظهر
ــــــــــــــ
1 « الكامل في التاريخ » لابن الأثير المتوفى سنة 630 ? ، ? 4، ص 255 ـ 256. القاهرة 1357 ?، دار الطباعة المنيرية.

105

القول بالقدر في أيام عمر بن عبد العزيز. فأحضره عمر. واستتابه فتاب. ثم عاد إلى الكلام فيه أيام هشام. فأحضره من ناصرة، ثم أمر به فقطعت يداه ورجلاه. ثم أمر به وصلب. »
وابن كثير1 يقول وهو يتحدث عن هشام بن عبد الملك:
« وهو الذي قتل غيلان القدري. ولما أحضر بين يديه قال له: ويحك! قُلْ ما عندك: إنْ كان حقاً اتبعناه، وإنْ كان باطلاً رجَعْتَ عنه. فناظره ميمون بن مهران. فقال لميمون أشياء، فقال له: أَيُعصي الله كارهاً؟ فسكت غيلان. فقيده حينئذ هشام، وقتله. »
وهذا منقول عما ذكره الطبري2 قال:
« قال حماد الأبح، قال هشام لغيلان: ويحك يا غيلان! قد أكثر الناسِ فيك، فنازِعنا بأمرك: فإنْ كان حقاً اتبعناك، وإن كان باطلاً نزعت عنه. قال: نعم! فدعا هشامُ ميمون بن مهران ليكلمه. فقال له ميمون: سَلْ! فإن أقوى ما يكون إذا سألتم. قال له: أشاء الله أن يُعْصَى؟ فقال له ميمون: أفعُصي كارهاً؟ فسكت (أي غيلان). فقال هشام: أجِبْه! فلم يجبه فقال له هشام: لا أقالني الله إن أقلته. وأمر بقطعٍ يديه ورجليه ».
ورواية الطبري هذه أوفى وأصحّ من السابقتين. فلو قارناها بما أورده المرتضى في « المنية والأمل » نجد:
1 ـ اتفاقهما في أن غيلان الدمشقي كان يقول إن الله ليس هو خالق أفعال المعصية، بل الإنسان هو صانعها؛
2 ـ اختلافهما في السبب الذي من أجله قتله هشام بن عبد الملك:
ــــــــــــــ
1 « البداية والنهاية » لابن كثير المتوفى سنة 774 ? ، ? 9، ص 353. القاهرة، مطبعة السعادة، بدون تاريخ.
2 « تاريخ الأمم والملوك »، ? 5، ص 516. القاهرة سنة 1939 م.

106

فالطبري ـ ومن سار في إثره مثل ابن الأثير وابن كثير ـ يرى أن ذلك لقول غيلان بأن الإنسان خالق أفعاله، بينما المرتضى يرجع ذلك إلى الحملة التي قام بها غيلان ضد مظالم بني أُمية، وأقواله فيهم أمام عمر بن عبد العزيز، مما جعله يحقد عليه ويترصد الفرصة للانتقام منه، وكان له ذلك لما ولي الخلافة.
على أنه يرد في بعض المصادر1 أن « أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يُقـال له سوسن، كان نصرانياً فأسـلم، ثم تنصّر. أخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد ». وتبعاً لهذا فإن أول من تكلم في القدر بين المسلمين هو معبد الجهني، وعنه أخذ غيلان الدمشقي. ومعبد الجهني، هو معبد بن عبد الله بن عليم الجهني، البصري. وقد قُتِل في سنة 80 ?. قتله الحجّاج أو عبد الملك بن مروان. قال ابن2 الأثير في حوادث سنة 80 ?:
« فيها قتل معبد بن عبد الله بن عليم الجهني الذي يروي حديث الدباغ3. وهو أول من قال بالقدر في البصرة وقتله الحجاج. وقيل: قتله عبد الملك بن مروان بدمشق. »
وتوسع في ترجمته ابن كثير4 فقال في حوادث سنة 80 ومن مات فيها:
« معبد الجهني القدري: يقال إنه معبد بن عبد الله بن عليم؛ راوي حديث: « لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عَصَب ». وقيل غير ذلك في نسبه. سمع الحديث من ابن عباس وابن عمر ومعاوية وعمران بن حصين وغيرهم. وشهد يوم التحكيم، وسأل أبا موسى (أي: الأشعري)
ــــــــــــــ
1 « العبر » للذهبي 1/ 92: « تهذيب التهذيب » لابن حجر 10/ 225.
2 ? 4، ص 75. المطبعة المنيرية بالقاهرة سنة 1358 ?.
3 وهو: لا تنتفعوا من الميت بأهاب ولا عصب ».
4 « البداية والنهاية »، ? 9، ص 34، مطبعة السعادة، بالقاهرة، بدون تاريخ.

107

في ذلك ووصاه. ثم اجتمع بعمرو بن العاص، فوصاه في ذلك. فقال له: إيه يا تَيْسَ جُهَيْنة! ما أنت من أهل السرّ والعلانية، وإنه لا ينفعك الحق، ولا يضرُّك الباطل. وهذا تَوسُّم فيه من عمرو بن العاص. ولهذا كان هو أول من تكلم في القدر. ويقال إنه أخذ ذلك عن رجل من النصارى من أهل العراق يقال له « سوس ». وأخذ غيلانُ القدرَ من معبد. وقد كانت لمعبد عبادة، وفيه زهادة. ووثّقه ابن معين وغيره في حديثه. وقال الحسن البصري: إياكم ومعبداً فإنه ضالٌّ مُضِلٌّ. وكان ممن خرج مع ابن الأشعث. فعاقبه الحجاج عقوبة عظيمة بأنواع العذاب ثم قتله. وقال سعيد بن عفير: بل صلبه عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين بدمشق، ثم قتله. وقال خليفة بن خياط: مات قبل التسعين. وقيل: إن الأقرب قَتْلُ عبد الملك له ».
ومن هذه الرواية يتبين أنه قتل لأسباب سياسية، هي اشتراكه في الخروج مع ابن الأشعث ضد عبد الملك بن مروان. لكن يلاحظ أن أبا مخنف وعنه نقل الطبري يذكر أن خروج ابن الأشعث كان في سنة إحدى وثمانين، ويذكر الواقدي أن خروجه كان في سنة ثنتين وثمانين ـ فكيف يكون مقتل معبد في سنة ثمانين؟!
لهذا فإن الأرجح هو أن عبد الملك بن مروان صلبه في دمشق في سنة ثمانين وقتله؛ وأنه لا شأن له بفتنة ابن الأشعث، وبالتالي بالحجاج.
على أننا نورد مع ذلك ما يقوله الذهبي1 عنه في « ميزان الاعتدال »: « معبد الجهني ـ تابعي. صدوق في نفسه، ولكنه سَنَّ سُنّة سيئة: فكان أول من تكلم في القدر. ونهى الحسن (أي البصري) الناس عن
ــــــــــــــ
1 « ميزان الاعتدال في نقد الرجال » لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة 748 ? ، ? 4، ص 41، طبعة البجاوي، القاهرة سنة 1965.

108

مجالسته، وقال: هو ضالٌ مُضِلٌ. ويقال: هو معبد بن عبد الله بن عويم. قتله الحجاج صبراً لخروجه مع ابن الأشعث.
وقد وثقه ابن معين. وقال جعفر بن سليمان: حدثنا مالك بن دينار، قال: لقيتُ معبداً الجهني بمكة بعد ابن الأشعث، وهو جريح. وكان قاتَلَ الحجاج في المواطن كُلها. قال: لقيتُ الفقهاء والناس فإذا كلامُ نادمٍ على قتاله مع الحجاج، فلم أرَ مثل الحسن، قال: يا ليتنا كنا أطعناه ».
وهذه الرواية تزيد في تعقد الأمر أكثر: إذ تجعله يشاهد في مكة بعد نهاية ابن الأشعث، وابن الأشعث حُصِر في قصر فألقى بنفسه من فوقه فمات، وذلك في سنة خمس وثمانين أو أربع وثمانين1.
وإلى جانب غيلان ومعبد الجهني تذكر الروايات الجعد بن درهم على أنه ممن أخذ القول في القـدر عن معبد الجهني. وفوق ذلك كان أول من قال بخلق القرآن. قال ابن كثير (« البداية والنهاية »، ? 9، ص 350) في ترجمته:
« هو أول من قال بخلق القرآن. وهو الذي يُنْسَب إليه مروان الجعدي، وهو مروان الحمار، آخر خلفاء بني أمية ـ كان شيخه الجعد بن درهم. أصله من خراسان؛ يقال إنه من موالي بني مروان. سكن الجعد دمشق، وكانت له بها دار بالقرب من القلانسيين إلى جانب الكنيسة، ذكره ابن عساكر. قلتُ: وهي محلة من الخواصين اليوم غربيها عند حمام القطانين، الذي يقال له حمام قلينس.
قال ابن عساكر وغيره: وقد أخذ الجعد بدعته عن بيان بن سمعان.
ــــــــــــــ
1 « الكامل » لابن الأثير، ? 4، ص 95. دار الطباعة المنيرية، بالقاهرة سنة 1357 ?.

109

وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم: زوج ابنته. وأخذها لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر رسول الله ـ صلعم ـ عن يهوديّ باليمن. وأخذ عن الجعد: الجهمُ بن صفوان الخزري، وقيل: الترمذي. وقد أقام ببلخ، وكان يصلي مع مقاتل بن سليمان في مسجده ويتناظران، حتى نفي إلى ترمذ.
ثم قتل الجهم بأصبهان، وقيل بمرو، قتله نائبها: سلم بن أحوز، رحمه الله وجزاء عن المسلمين خيراً. وأخذ بشر المريسي عن الجهم. وأخذ أحمد بن أبي دؤاد عن بِشر.
وأما الجعد فإنه أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن. فتطلبه بنو أمية، فهرب منهم، فسكن الكوفة. فلقيه فيها الجهمُ بن صفوان، فتقلد هذا القول عنه.
ثم إن خالد بن عبد الله القسري قتل الجعد يوم عيد الأضحى بالكوفة. وذلك أن خالداً خطب بالناس، فقال في خطبته تلك: أيها الناس! ضحُّوا يقبل الله ضحاياكم، فإني مُضحٍّ بالجعد بن درهم. إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر.
وقد ذكر هذا غير واحد من الحفاظ، منهم البخاري وابن أبي حاتم، والبيهقي، وعبد الله بن أحمد. وذكره ابن عساكر في « التاريخ ». وذكر أنه كان يتردد إلى وهب بن منبه، وأنه كان كلما راح إلى وهب يغتسل ويقول: أجمعُ للعقل. وكان يسأل وهباً عن صفات الله عز وجل فقال له وهب يوماً: ويلك يا جعد! اقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين! لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يداً ـ ما قلنا ذلك، وأن له عيناً ـ ما قلنا ذلك، وأن له نفساً ـ ما قلنا ذلك، وأن له سمعاً ـ ما قلنا ذلك، وذكر الصفات: من العلم والكلام وغير ذلك.

110

ثم لم يلبث الجعد أن صُلب ثم قتل. »
والتضارب واضح بين هذه الروايات العديدة في مقتله: فهل صلب وقتل، أو ذبحه خالد بن عبد الله القسري في أصل المنبر يوم عيد الأضحى؟ وخالد بن عبد الله القسري توفي في المحرّم من سنة ست وعشرين ومائة (« شذرات الذهب »، ? 1، ص 169)، وقد هلك تحت العذاب: عذبه يوسف بن عمر بإذن من هشام بن عبد الملك مدة طويلة (ابن الأثير، ? 4، ص 262 ـ 263). بعد عزله عن العراق. ولم تذكر لنا المصادرُ السنة التي قتل فيها الجعد بن درهم، ولا بد أن ذلك كان قبل سنة 125.
* * *
على أن كتب التاريخ تقتصر على ذكر هذه المعلومات العامة دون أن توضح لنا مذاهبهم. وكنا نودّ أن نجد في كتب علم الكلام ما يسدّ هذا النقص، ولكننا لا نجد فيها غير إشارات ضئيلة لا تغني.
ولعل أهمها ما ورد في « الفَرق بين الفرق » (ص 125، القاهرة نشرة محمد زاهد الكوثري، القاهرة سنة 1948 م)، حيث قال:
« كان غيلان القدري يجمع بين القَدَر والإرجاء. ويزعم أن الإيمان هو المعرفة الثانية بالله تعالى، والمحبة والخضوع، والإقرار بما جاء به الرسول ـ صلعم ـ وبما جاء من الله تعالى. وزعم أن المعرفة الأولى اضطرار وليس بإيمان. وحكى زبرقان في مقالاته عن غيلان أن: الإيمان هو الإقرار باللسان، وأن المعرفة بالله تعالى ضروريةٌ فعل الله تعالى، وليست من الإيمان. وزعم غيلان: أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل الناس فيه ».
ومثل هذا التقرير لمذهب غيلان مناقض لما سبق: لأن القول بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص هو قول المرجئة، وهو يتنافى تماماً مع القول

111

بالقدر، أي بأن الإنسان مختار في أفعاله، وبالتالي مسؤول عنها، وبالتالي يتوقف إيمانه درجةً ورسوخاً على ما يقوم به من أعمال. فإما أن ها هنا تحريفاً في اسم غيلان ـ وهو ما لا يؤذن به وصفه ? « القدري »، وإما أن يكون عبد القاهر البغدادي يخلط خلطاً مقصوداً لمزيد من التشهير بغيلان ومذهب القدرية.
* * *
وهنا نصل إلى مسألة دقيقة هي: هل ثارت مسألة أفعال الإنسان، والقدر تحت تأثير أجنبي، ومسيحي بخاصة؟
لقد رأينا زعم من زعم أن نصرانياً اسمه سوس أو سوسن اعتنق الإسلام هو الذي أثر في معبد الجهني ودفعه إلى الكلام في القدر. ولكننا لا نعلم شيئاً عن سوس أو سوسن هذا. وأغلب الظن أنه من اختراع خصوم القدرية ابتغاء الطعن البالغ في أصحاب المذهب، وثم شواهد كثيرة على مثل هذا الاختراع في كتب الفِرق بقصد الطعن والتشهير.
ولكن بعض الباحثين المحدثين من المستشرقين أثار هذه المسألة على أساس ما هنالك من تشابه في تناول مسألة القضاء والقدر وحرية الإرادة بين رجال اللاهوت المسيحي وبين المتكلمين المسلمين. وأول من نبه إلى ذلك ألفرد فون كريمر في كتابه: « مباحث حضارية في ميدان الإسلام1 ». ثم توسّع في بحث هـذه المسألة بعد ذلك كارل هينرش بكر في مقال له ? « مجلة الأشوريات2 ». وأخذ برأيهما كرلو ألفونسو نلّينو في بحث له
ــــــــــــــ
1 A. Von Kremer: Culturgeschichtliche Streifzüge auf dem Gebiete des Islams, S. 3, 6, 7, 8. Leipzig, 1873.
2 C.H. Becker: « Christliche Polemik und islamische Dogmenbildung », in Zeitschrift für Assyrologie, XXVI (1911), pp. 175-195.

112

ظهر في « مجلة الدراسات الشرقية1 » عن « اسم القدرية »، فقال: « كانت أولى المسائل الخطيرة التي ثار حولها الجدلُ بين المسلمين جدلاً عنيفاً يستدعي النظر والفكر هي مسألة: هل القرآن، مع ما فيه من آيات متشابهات أو متعارضة، يقول بالقضاء والقدر السابق، أو يقول بحرية الإرادة والاختيار؟ فبينما كان أهل السنة والجمهور يعتقدون دون بحث ولا نظر أن القدر في القرآن مقصود به قضاء الله السابق، كان بعض المتكلمين الأولين قد بدأوا تحت تأثير اللاهوت المسيحي في الشرق بطريقة غير مباشرة يبحثون هذا القَدر، ويحاولون أن يفسروه بمعنى يوافق اختيار الإنسان وحريته في أفعاله حتى يمكن تبرير وجود الثواب والعقاب في الدار الآخرة تبريراً تاماً » (« التراث اليوناني » ص 202 ـ 203).
وتناول هذه المسألة حديثاً موريس سيل2 وتوسع فيها. وبدأ بأن ردّ على من أنكروا التأثير المسيحي في نشره الكلام في القدر في الإسلام، على أساسيْن: الأول أن السوابق لمذهب القدرية في حرية الإرادة نجدها عند الخوارج في بيانهم للعدل الإلهي، والثاني أنه لا يوجد في العربية مقابل دقيق للفظ اليوناني الدالّ على حرية الإرادة ???????????? ويرد على الحجة الأولى بأنه لم يكن لدى الخوارج تصور لله على أنه « عادل يتطلب للعدل من عباده ». بل تمسك الخوارج بنص القرآن، ولكن لم تكن لديهم فكرة عن العدالة. ويرد على الحجة الثانية، وهي
ــــــــــــــ
1 C.A. Nallino: « Sul nome de « Mu‘taziliti », in Rivista degli Studi Orientali, Roma, t. VII, (1976), pp. 461-466.
2 Morris S. Seale: Muslim Theology. A Study of Origins, with reference to the Church Fathers. London, 1964, pp. 27-35.

113

التي ساقها مونتجمري وات1، بأن المسلمين استعملوا كلمة « تفويض » لما تدل عليه الكلمة اليونانية المذكورة ????????????. والفعل « فوّض » معناه أن الله أعطى الإنسان القدرة على الفعل وعلى الاختيار بنوع من التفويض منه أي الانتداب والإذن. والتفويض بهذا المعنى مستعمل في قـول منسوب إلى علي بن أبي طالب2 يقـول فيه إن حرية الإنسان تقوم في منزلة وسط بين الجبر والتفويض. وواضح من هذا أن التفويض يضاد الجبر. والأشعري3 في « مقالات الإسلاميين » وهو يتحدث عن مذاهب الشيعة يذكر أن أحدها يقول لا « بالجبر » كمـا يذهب إليه جهم، ولا « بالتفويض » كمـا يذهب إليه المعتزلة، ومعنى هـذا أنه يضع « التفويض » في مضادة « الجبر ».
ويستمر سيل فيقول إن ثمت اصطلاحاً ثانياً للدلالة على نفس المعنى في اليونانية وهو ??? ????? (= ما هو في استطاعتنا). وقد استخدمه أوريجانس4. ويلاحظ ـ وهذا هو المهم ـ أن المترجم العربي ليوحنا الدمشقي يستخدم في ترجمة هذه الكلمة عند يوحنا الدمشقي اللفظ: تفويض، فيقول: « لأن الأفعال المفوّضة إلينا ليس هي من أفعال عناية الله، لكنها أفعال عزمنا المستولي على ذاته وأفعاله5 ». وكتاب الدمشقي المأخوذ عنه هذا القول ترجمه إلى العربية أنطونيوس، رئيس دير مار سمعان (وقد عاش في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي)
ــــــــــــــ
1 W. Montgomery Watt: Free will and Predestination in Early Islam, p. 58, n. 27.
2 « كنز العمال »، ? 1، ص 313.
3 ? 1، ص 40 ـ 41. نشرة رتر.
4 J. E. L. Oulton and H. Chadwick: Alexandrian Christianity, Vol. II. Treatise on Prayer (by Origen), Chapter VI, 2. p. 251 n. 337.
5 De fide Orthodaxa, Book II, Chap. 29, p. 41; ed. Migne, p. 964.

114

تحت عنوان: « الإيضاح الصريح في المذهب الصحيح ».
ثم يأخذ المؤلف بعد ذلك في إيراد أقوال القدرية كما ذكرها كتاب « التنبيه » للملطي (ص 126 ـ 135. استانبول سنة 1936) وما يناظرها في كتاب « الإيمان الصحيح » ليوحنا الدمشقي ـ هكذا:
القدرية1: « صنفٌ منهم يزعمون أن الحسنات والخير من الله، والشر والسيئات من أنفسهم، لكي لا ينسبوا إلى الله شيئاً من السيئات والمعاصي ».
يوحنا الدمشقي2: الأشياء التي تحدث: سببها إما الله، أو الضرورة، أو القَدَر، أو الطبيعة، أو البخت، أو العَرَض... فتحت أي واحد من هذه ندرج ما يحدث بفعل الإنسان؟... إذ ليس من الصواب أن ننسب إلى الله أفعالاً تكون أحياناً خسيسة وظالمة... فلم يبقَ إلاّ أن نقول إن الإنسان الذي يفعل ويصنع هو منشئ أفعاله. وأنه مخلوق مزوّد بحرية الإرادة.
القدرية3: « ومنهم صنفٌ زعموا أن الله ـ عز وجل ـ جعل إليهم الاستطاعة تامّاً كاملاً، لا يحتاجون إلى أن يزدادوا فيه: فاستطاعوا أن يؤمنوا وأن يكفروا. ويأكلوا ويشربوا. ويقوموا ويقعدوا. ويرقدوا ويستيقظوا. وأن يفعلوا ما أرادوا. وزعموا أن العباد كانوا يستطيعون أن يؤمنوا. ولولا ذلك ما عذّبهم على ما لا يستطيعون ».
الدمشقي4: من الحوادث ما هو في أيدينا، ومنها ما ليس كذلك. والتي في أيدينا، والتي نحن أحرار في فعلها أو عدم فعلها كما تشاء ـ هي تلك الأفعال التي تتم بالإرادة... وبالجملة كل الأفعال التي يتبعها ذم أو مدح وتتوقف على الدافع والقانون. وكل الأفعال العقلية والصادرة عن التدبير هي أفعال في أيدينا.
ــــــــــــــ
1 الملطي: « التنبيه »، ص 129.
2 De fide Orthodoxa, Book II, ch. 25, pp. 39, 40.
3 الملطي: « التنبيه »، ص 133.
4 De fide Orthodoxa, Book II, ch. 26, p. 40.

115

والتدبير (أو العزم أو التصميم) يتعلق بالإمكانات المتساوية: والإمكان المتساوي فعل هو في ذاته في مقدورنا وكذلك ضِدّه، وعقلنا يختار بين الإمكانات وهذا أصل الفعل. فالأفعال التي في أيدينا هي تلك الإمكانات المتساوية: مثلاً أن يتحرك أو لا يتحرك، أن يسرع أو لا يسرع، أن يشتاق الأمور غير الضرورية أو لا يشتاقها، أن يكذب أو لا يكذب، أن يعطي أو لا يعطي، أن يُسرّ أو لا يُسرّ بحسب الظرف، وكذلك كل الأفعال التي تتضمن الفضيلة أو الرذيلة في أدائها، لأننا أحرار في أن نفعلها أو لا نفعلها كما نشاء... »
القدرية1: « [ ومنهم صنف ] أنكروا أن الله ـ عز وجل ـ خلق ولد الزنا، أو قدّره، أو شاءه، أو عَلِمه ».
الدمشقي2: وسيسأل المسلم: « مَن يكوّن الجنين في رحم أمه؟ » وهذه المسألة يضعونها أمامنا يريدون أن يبينوا أن الله يفعل الشر. لأنك لو أجبت: « الله هو الذي يكوّن الجنين » يقول لك المسلم: « انظر، إن الله إذن يتعاون مع الزناة ». لكن دعْ النصراني يقلْ: « نحن لا نجد في الكتاب المقدس ما يدلّ على أن الله يخلق أو يكوّن شيئاً بعد السبعة الأيام الأولى التي خلق فيها العالم. لأن المخلوقات المرئية خُلقت كلها في الأيام السبعة الأولى. وأمرها بأن تلد وتولد. قائلاً « تكاثروا واملأوا الأرض » (سفر التكوين 1: 18) ولما كان الإنسان حياً ويملك نطفة حية، فإنه يبذر النطفة في زوجته. وبهذه الطريقة يلد الإنسان الناس. كما قال الكتاب المقدس: ولَدَ آدمُ شيث، وشيث ولد أينوش. واينوش وَلَدَ قاين (قابيل). وقاين ولد مِللائيل » وهكذا. ولم يقل إن الله كوّن شيث أو اينوش أو غيره.
الدمشقي3: «... لأن التكوين الأول يسمى « صَنعاً » لا « ولادة ». لأن
ــــــــــــــ
1 الملطي: « التنبيه »، ص 134.
2 الدمشقي Disputatio Christiani et Saraceni, Ed. Migne, Vol. XCIV, p. 1591.
3 De fide Orthodoxa, B. II, ch. 30. p. 43

116

الصّنع هو التكوين الأول بيد الله، بينما الولادة هو التناسل واحداً عن واحد.
القدرية1: « [ ومنهم صنف ] زعموا أن الله ـ عز وجل ـ وَقّتَ لهم الأرزاق والآجال لوقت معلوم: فمن قتل قتيلاً فقد أعجله عن أجله ورزقه لغير أجله. وبقي له من الرزق ما لم يستوفه ولم يستكمله ».
الدمشقي2: العناية هي إذن اهتمام الله بالموجودات. والعناية هي أيضاً إرادة الله التي بها تتلقى الأشياء ما يناسبها... لأن الشخص الواحد يجب بالضرورة أن يكون خالقاً ومعتنياً بما هو موجود: فليس من اللائق ولا المناسب أن يكون خالق ما هو موجود شخصاً غير من يعتني به. إذ في هذه الحالة سيكون كلاهما ناقصاً: الواحد في الخلق. والثاني في الاعتناء. ولهذا فإن الله خالق وذو عناية، وقدرته الخالقة الحافظة المعتنية هي إرادته الخيّرة... وأعمال العناية بعضها يسير وفق الإرادة الخيرة (لله) وبعضها وفق إذنه. وأعمال الإرادة الخيرة تتضمن كل تلك التي لا شك في أنها خير... والعناية كثيراً ما تمكّن الإنسان العادل من أن يلقى سوء الحظ حتى يكشف للآخرين عن الفضيلة الكامنة في نفسه. كما حدث بالنسبة إلى أيوب... فقد يُهمَل الشخص فترة من أجل إفادة شخص آخر... وفضلاً عن ذلك فإنه من الملاحظ أن اختيار ما ينبغي أن يُفعَل هو في استطاعتنا. لكن النتيجة النهائية تتوقف على عون الله، إن كانت أفعالنا صالحة. والله بعدله يعين أولئك الذين يختارون الخير بنيه سليمة. أما إن كانت أفعالنا شريرة، فإن تلك النتيجة النهائية ترجع إلى تخلي الله عنا. والله بعدله يبقى عالياً وفقاً لمعرفته السابقة ».
تلك هي الشواهد التي ساقها موريس سيل (ص 31 ـ 34).
فما هو وجه الرأي في هذه المسألة؟
ــــــــــــــ
1 الملطي: « التنبيه »، ص 134.
2 De Fide Orthodoxa, Book II. ch. 29. pp. 41. 42

117

يلاحظ أولاً في سبيل تأييد الرأي القائل بإمكان تأثير يوحنا الدمشقي في نشأة المناقشات بين المسلمين في مسألة القدر وحرية الإرادة الإنسانية أن يوحنا الدمشقي ولد في دمشق سنة 675 م. ونحن نعلم أن جيش المسلمين استولى على دمشق في عهد عمر بن الخطاب للمرة الأولى سنة 635 م، وللمرة الثانية والنهائية سنة 636 م، وأن أسقف دمشق هو الذي فتح بابها الشرقي للمسلمين. وهذا الأسقف هو ابن سرجون الملقب بالمنصور. ويوحنا الدمشقي هو حفيد ابن سرجون هذا، وكان معاوية خليفة للمسلمين وعاصمة الخلافة دمشق حين ولد يوحنا الدمشقي. وأرجح الروايات أنه بقي في دمشق حتى سنة 725 م تقريباً، أي أنه عاش في دمشق، عاصمة الخلفاء الأمويين، خلال خلافة الخلفاء التسعة أو العشرة الأمويين الأُوَل وكان أبوه مشرفاً على الشئون المالية للخليفة عبد الملك بن مروان، فيما تزعم الرواية المسيحية الواردة في ترجمة يوحنا الدمشقي التي كتبها يوحنا السادس بطريرك القدس، وإنْ كانت أقرب إلى المبالغة منها إلى التاريخ1، على أنه كان مكلفاً بجباية الجزية من النصارى التابعين له. وقد خلفه ابنه، يوحنا الدمشقي، على رئاسة الطائفة المسيحية في دمشق. غير أننا نجده ابتداءً من سنة 725 م في فلسطين بصحبة البطريرك يوحنا السادس. وتخلى عن منصبه رئيساً للطائفة المسيحية في دمشق. ثم دخل دير القديس سابا. وبعد ذلك عينه البطريرك يوحنا السادس واعظاً في كنيسة القيامة بالقدس. لكن دعاة تحطيم الصور هاجموه وحرموه أو أدانوه. وتوفي سنة 749 م.
كان إذن يوحنا الدمشقي معاصراً لمعبد الجهني وغيلان الدمشقي. ويقطن ثلاثتهم في دمشق في وقت واحد.
والسؤال الذي لا سبيل إلى الجواب عليه هو: هل تلاقوا وتناقشوا؟
ــــــــــــــ
1 راجع مقال Jugie في « معجم اللاهوت الكاثوليكي » DTC عن « القديس يوحنا الدمشقي ».

118

إن رسالة يوحنا الدمشقي بعنوان « نقاش بين مسيحي ومسلم » (نشرة ميني، « كتب الآباء اليونان » المجلد 94) تؤذن بحدوث مجادلات بين يوحنا الدمشقي من ناحية، وبين علماء مسلمين من ناحية أخرى. وإذن قيام مناظرات بينه وبين المسلمين ثابتٌ تاريخياً. ومن الناحية الأخرى، فإن يوحنا الدمشقي وإنْ لم يكتب بالعربية، بل باليونانية، فإنه لا بد كان يعرف العربية لأنه ولد في دمشق بعد أن تعرّبت وأسلمت بأربعين سنة، وكانت الغلبة في لغة التخاطب للعربية. فلا شك في أنه كان يعرف التخاطب بالعربية، إنْ لم يكن أيضاً الكتابة بها.
وإذن فالاحتمال الوحيد هو أن يكون تأثيره ـ إنْ كان له تأثير حقاً ـ عن طريق المناظرات والمجادلات مع المثقفين، لأننا لا نعلم بوجود ترجمات لمؤلفاته إلى العربية في أثناء حياته. وأول ترجمة نعرفها لبعض مؤلفاته هي ترجمة انطونيوس رئيس دير سمعان في أنطاكية في القرن العاشر الميلادي (الرابع الهجري) لكتابين هما: « الديالكتيك »، « الإيمان الصحيح » (= « الإيضاح الصريح في المذهب الصحيح » كما في عنوان الترجمة)، ومجموعة من خمس رسائل. كذلك ترجم له عبد الله بن الفضل (القرن الحادي عشر المسيحي) بضع رسائل أخرى، وهناك رسائل ومواعظ أخرى تُرجمت إلى العربية ولا ندري من هم الذين ترجموها1.
وبعد تقرير هذا فلننظر في المقارنات التي عقدها سيل ونحن نلاحظ عليها ما يلي:
1 ـ أولاً أن التشابه ليس كبيراً ولا مقنعاً بحيث يؤذن بوجود مؤثر ومتأثر، فما يورده يوحنا الدمشقي قد ورد قبل ذلك مراراً في كلام
ــــــــــــــ
1 راجع جورج جراف: « تاريخ الأدب العربي المسيحي »، ? 1، ص 377 ـ 379. وفيه ذكر للمخطوطات وأماكن وجودها.
G. Graf: Geschichte der arabischen Christlichen Literatur.

119

أوريجانس وغيره، وهو كلام منتشر شائع لدى القائلين بحرية الإرادة من فلاسفة ولاهوتيين، ومن الممكن أن يقول به المتكلم المسلم ابتداءً من عنده دون حاجة إلى تلقيه من يوحنا الدمشقي أو غيره، خصوصاً والأمثلة التي يوردها لا ترد ـ لا جزئياً ولا كلياً ـ لدى القدرية.
2 ـ نعتقد أن تأليف يوحنا الدمشقي لرسالته في « الإيمان الصحيح » De Fide Orthodoxa كان بعد أن ترك دمشق وصار بعيداً عن حياة الطائفة في دمشق، وبالأحرى والأولى يقال هذا عن رسالته: « حوار بين نصراني ومسلم »، إذ من غير المقبول أن يكون قد ألفه وهو في دمشق عاصمة الخلافة وحيث السيطرة الشاملة الساهرة للإسلام. ولا بد أن نؤخر تاريخ تأليفه إلى ما بعد هجرته من دمشق، سواء وهو في دير مار سابا، أو وهو واعظ في كنيسة القيامة بالقدس. فهنا كان يستطيع بحرية أن يكتب مثل هذه المؤلفات، خصوصاً والمعروف أنه ترك دمشق ومنصبه رئيساً للطائفة المسيحية فيها والطائفة نفسها ومصالحها والنضال في سبيل الدفاع عنها لأنه وجد ضغطاً عليه وعلى طائفته من السلطات الإسلامية، خصوصاً في أمور الجزية. فمن هنا يمكن أن نتصوره خرج من دمشق محنقاً على الإسلام، مما حمله على تأليف هذا الحوار.
والخلاصة ـ في نظرنا ـ أن من الممكن أن يكون قد حدث تأثير من اللاهوتيين المسيحيين في دمشق في بعض المتكلمين في العقائد الدينية من المسلمين. ولكن ليس لدينا بعد الدليل الوثيق الكتابي على هذا التأثير. وكل ما يمكن أن يقال هو أن هذا التأثير ـ إنْ صح وقوعه ـ قد تم في المجادلات الدينية بين اللاهوتيين المسيحيين والمتكلمين المسلمين في دمشق لأول مرة. وإنْ كان يُضعف كثيراً من هذا الرأي أن مشكلة حرية الإرادة لم تكن في ذلك الوقت من المسائل البارزة في المناقشات اللاهوتية المسيحية. فلماذا كانت هي بالذات مصدر التأثير؟!

120


أبو الهذيل العلاف

هو أبو الهذيل محمد بن الهذيل العبدي، نسبة إلى عبد القيس وقد كان مولاهم1.
« وكان يلقب ? « العلاّف » لأن داره بالبصرة كانت في العلاّفين. وهذا كما قيل: أبو سلمة الحذّاء وأبو سعيد المقبري » (« طبقات المعتزلة »، ص 44). « وهو من أهل البصرة. ورد بغداد2 ».

مولده
« سئل أبو الهذيل عن مولده فقال: وِلدْتُ سنة خمس وثلاثين ومائة » (« الفهرست » لابن النديم نشرة فوك في لاهور سنة 1955). « وقال أبو القاسم: ولد أبو الهذيل سنة أربع وثلاثين ومائة... وذكر
ــــــــــــــ
1 « كان مولى لعبد القيس. وقد جرى على منهاج أبناء السبايا، لظهور أكثر البدع منهم » (« الفرق بين الفرق » لعبد القاهر البغدادي، ص 73؛ القاهرة سنة 1948).
2 « تاريخ بغداد »، ? 3، ص 366.

121

أبو الحسين الخياط أنه ولد سنة إحدى وثلاثين ومائة » (« طبقات المعتزلة »، ص 49).

دراسته
« أخذ العلم عن عثمان الطويل » (« طبقات المعتزلة »، ص 44) « ولم يلقَ واصلاً ولا عمراً1 ».
وعثمان بن خالد الطويل، وكنيته أبو عمرو، هو الذي بعثه واصل إلى أرمينية؛ وهو من الطبقة الخامسة من طبقات المعتزلة في تصنيف المرتضى (ص 42).
و« نظر في شيء من كتب الفلاسفة » (« طبقات المعتزلة » 44). و« طالع كثيراً من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة » (ص 37، س 5 ـ 2، نشرة كيورتن، لندن سنة 1864).
أوليته

وروى لنـا الخطيب البغدادي في « تاريخ بغداد » (? 3، ص 367) أولّيته، قـال: « أخبرني الصيمرى، حدثنا محمد بن عمران المرزبان، حدثني أبو الطيب إبراهيم بن محمد بن شهاب العطار قال: روى أبو يعقوب الشحّام، قال: قال لي أبو الهذيل: أول ما تكلمت أنى كان لي أقلُّ من خمس عشرة سنة ـ وهذا في السنة التي قتل فيها إبراهيم بن
ــــــــــــــ
1 « الفهرست » لابن النديم، ص 56، س 15. نشرة فلوجل.

122

عبد الله بن الحسن بباخمرى ـ وقد كنت أختلف إلى عثمان الطويل صاحب واصل بن عطاء. فبلغني أن رجلاً يهودياً قدم البصرة وقد قطع عامة متكلميهم. فقلت لعمي: يا عمّ! أمضِ بي إلى هذا اليهودي أكلمه. فقال لي: يا بُنيّ! هذا اليهودي قد غلب جماعة متكلمي أهل البصرة فمن أين لك أن تكلم من لا طاقة لك بكلامه؟ فقلت له: لا بد من أن تمضي بي إليه، وما عليك منّي: غلبني أو غلبته. فأخذ بيدي، ودخلنا على اليهودي فوجدته يقرر الناس، الذين يكلمونه، بنبوة موسى، ثم يُجحدهم نبوة نبينا فيقول: نحن على ما اتفقنا عليه من صحة نبوة موسى إلى أن نتفق على غيره فقر به! قال: فدخلت عليه فقلت له: أسألك، أو تسألني؟ فقال لي: يا بُنيّ! أوما ترى ما أفعله بمشايخك؟ فقلت له: دع عنك هذا واختر إما أن تسألني، أو أسألك. قال: بل أسألك: خبِّرني: أليس موسى نبياً من أنبياء الله قد صحَّت نبوته، وثبت دليله ـ تقر بهذا أو تجحده فتخالف صاحبك؟ فقلت له: إن الذي سألتني عنه من أمر موسى عندي على أمريْن: أحدهما أني أقر بنبوة موسى الذي أخبر بصحة نبوة نبينا وأمر باتباعه وبشر به وبنبوته ـ فإن كان عن هذا تسألني فأنا مُقِرٌ بنبوته؛ وإن كان موسى الذي تسألني عنه لا يقر بنبوة نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يأمر باتّباعه ولا بشّر به، فلست أعرفه ولا أقر بنبوته، بل هو عندي شيطان مُمَخْرِق ـ. ـ فتحير لما ورد عليه ما قلته له وقال لي: فما تقول في التوراة؟ قلتُ: أمر التوراة أيضاً على وجهين: إنْ كانت التوراة التي أُنزلت على موسى النبي الذي أقر بنبوة نبيّي محمد فهي التوراة الحق؛ وإن كانت أنزلت على الذي تدعيه فهي باطل غير حق وأنا غير مصدِّق بها. فقال لي: أحتاج إلى أن أقول لك شيئاً بيني وبينك. فظننتُ أنه يقول شيئاً من الخير؛ فتقدمت إليه، فسارّني وقال: أُمّك كذا وكذا، وأمّ من علّمك، لا يكنّى. وقدَّر

123

أني أثب به فيقول: وثبوا بي وشغبوا عليّ. فأقبلتُ على من كان بالمجلس فقلت: أعزكم الله! أليس قد وقفتم على مسألته إياي، وعلى جوابي إياه؟ قالو لي نعم. فقلت: أليس عليه واجب أن يرد عليَّ جوابي؟ قالوا نعم. قلتُ لهم: فإنه لما سارَّني شتمني بالشتم الذي يوجب الحد؛ وشتم من علّمني. وإنما قدَّر أن أثب به فيدعي أنّا واثبناه وشغبنا عليه؛ وقد عرفتكم شأنه بعد انقطاعه. فأخذته الأيدي بالنعال. فخرج هارباً من البصرة، وقد كان له بها دَيْن كثير فتركه، وخرج هارباً لما لحقه من الانقطاع » (« تاريخ بغداد » للخطيب البغدادي، ? 3، ص 367 ـ 368. القاهرة سنة 1931 م).

قدومه إلى بغداد

« قدم أبو الهذيل بن الهذيل بغداد سنة ثلاث ومائتين » (« تاريخ بغداد » 3/ 370).

مناظراته

ومناظرات العلاف مع الفرق الأخرى كثيرة ومشهورة.
« قال القاضي » (عبد الجبار): ومناظراته مع المجوس والثنوية وغيرهم طويلة ممدودة. وكان يقطع الخصم بأقل كلام. يقال إنه أسلم على يده زيادة على ثلاثة آلاف رجل.
ومن محاسنها أنه أتاه رجل فقال له: أشكل عليَّ أشياء من القرآن. فقصدتُ هذا البلد، فلم أجد عند أحدٍ ممن سألته شفاءً لما أردته. فلما

124

خرجت في هذا الوقت قال لي قائل: إن بغيتك عند هذا الرجل، فاتقِ الله وأفدني! فقال أبو الهذيل: فماذا أشكل عليك؟ قال: آيات من القرآن توهمني أنها متناقضة، وآيات توهمني أنها ملحونة. قال: فماذا أحبُّ إليك: أجيبك بالجملة، أو تسألني عن آية آية؟ قال: بل تجيبني بالجملة. فقال أبو الهذيل: هل تعلم أن محمداً كان من أوسط العرب وغير مطعون عليه في لغته، وأنه كان عند قومه من أعقل العرب فلم يكن مطعوناً عليه؟ فقال: اللهم نعم! قال أبو الهذيل: فهل تعلم أن العرب كانوا أهل جدل؟ قال: اللهم نعم! قال: فهل اجتهدوا في تكذيبه؟ قال: اللهم نعم! قال: فهل تعلم أنهم عابوا عليه بالمناقضة أو باللحن؟ قال: اللهم لا! قال أبو الهذيل: فتدَعُ قولهم على علمهم باللغة وتأخذ بقول رجلٍ من الأوساط؟ قال: فأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسولُ الله. قال: كفـاني هذا! وانصرف وتفقه في الدين. » (« طبقات المعتزلة »، ص 44 ـ 45).
وهذه مناظرة مع غير مسلم.
وثم شواهد كثيرة على مناظرته مع الثنوية؛ من ذلك مناظرته مع صالح بن عبد القدّوس. قال المرتضى: « وناظر صالح بن عبد القدوس لما قال في العالم إنه من أصلَيْن قديميْن: نور وظلمة، كانا متباينين فامتزجا. فقال أبو الهذيل: فامتزاجهما هو هما، أم غير هما؟ قال: بل أقول هو وهما. فألزمه أن يكونا ممتزجين متباينين إذا لم يكن هناك معنىً غيرهما ولم يرجع ذلك إلاّ إليهما. فانقطع وأنشأ يقول:

أبا الهُذَيْل! جزاكَ الله مِنْ رجلٍ فأنت حقّاً لعمري مِفْضَلٌ جَدِلُ

وصالح هذا كان ثنوياً معروفاً. وروي أنه ناظره مرة وقطعه. فقال: على أي شيء تعزم يا صالح؟ قال: أستخير الله وأقول بالاثنين. فقال أبو الهذيل: فأيهما استخرت، لا أُمّ لك؟ إلى غير ذلك من

125

مناظراته، كما روى محمد بن عيسى النّظام قال:
مات لصالح بن عبد القدوس ابنٌ، فمضى إليه أبو الهذيل، ومعه النظامّ وهو غلام حَدَثٌ، فرآه حزيناً فقال: لا أعرف لجزعك وجهاً إلاّ إذا كان الإنسان عندك كالزرع. فقال: إنما أجزع لأنه لم يقرأ كتاب « الشكوك »؟ قال: وما كتاب « الشكوك »؟ قال: كتابٌ وضعتُه، من قرأ فيه شكَّ فيما كان حتى يتوهم أنه لم يكن وفيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان. قال أبو الهذيل: فَشُكَّ أنت في موت ابنك، واعمل على أنه لم يمت، وإنْ كان قد مات! فشُكَّ أنه قد قرأ ذلك الكتاب وإنْ كان لم يقرأه1 » (« المنية والأمل »، ص 46 ـ 47).

قدرته على الاستشهاد بالشعر

وكان يسـاعده على الانتصار في المنـاظرة قدرته العظيمة على الاستشهاد بالشعر. « قال المبرّد: ما رأيت أفصح من أبي الهذيل والجاحظ. وكان أبو الهذيل أحسن مناظرةً. شهدته في مجلس وقد استشهد في جملة كلامه بثلثمائة بيت.
قال ثمامة2: وصفتُ أبا الهذيل للمأمون. فلما دخل عليه جعل
ــــــــــــــ
1 وقارن رواية « الفهرست » لابن النديم (المواد التي نشرها فوك في المجلد المقدم إلى محمد شفيع، لاهور سنة 1955) ص 56، س 21، ص 57، س 2؛ « وفيات الأعيان » لابن خلكان، ? 1، ص 685 (بولاق سنة 1275 ? 1888 م).
2 ثمامة بن الأشرس، ويكنى أبا معن النميري، من الطبقة السابعة من المعتزلة (« طبقات المعتزلة »، ص 62). والمخاطبة بالكنية فيها تشريف أكثر من المخاطبة بالاسم.

126

المأمون يقول لي: يا أبا معن! وأبو الهذيل يقول لي: يا ثمامة! فكدتُّ أتَّقد غيظاً. فلما احتفل المجلس استشهد في عرض كلامه بسبعمائة بيت. فقلتُ: إن شئت فكنِّني، وإن شئت فسمِّني!
وحكى يحيى بن بشر الأرّجاني عن النظّام، قال: ما أشفقت على أبي الهذيل قطُّ في استشهاد بشعرٍ إلاّ يوم قال له الملقب ببرغوث: أسألك عن مسئلة؟ فرفع أبو الهذيل نفسه عن مكالمته. فقال برغوث:

وما بُقيا عليَّ تركتماني ولكن خِفْتُما صَرْدَ النبال

ولم أعرف في نقيضه بيتاً يُتَمثَّل به. فبرز أبو الهذيل وقال: لا بل كما قال الشاعر:

وأرفع نفسي عن بجيلةَ إنّني أذِلُّ بها عند الكلام وتَشْرُف
(« طبقات المعتزلة » ص 45 ـ 46).

مناظراته مع هشام بن الحكم

كذلك ناظر هشام بن الحكم الرافضي المجسِّم. « ذكر أبو الهذيل في بعض كتبه أنه لقي هشام بن الحكم في مكة عند جبل أبي قبيس، فسأله: أيهما أكبر: معبوده أم هذا الجبل؟ قال: فأشار إلى أن الجبلُ يوفي عليه تعالى. إن الجبل أعظم منه » (« الفَرْق بين الفرَق »، ص 31، القـاهرة سنة 1948 م). وورد في « المنـية والأمل » (ص 44) أن أبا الهـذيل « خرج إلى الحج، وانصرف على طريق الكوفة. فلقي بها هشام بن الحكم وجماعة من المخالفين. فناظرهم في أبواب دقيق الكلام، فقطعهم ».

127

وفاته

اختُلِف في سنة وفاته:
1 ـ فقال الشريف المرتضى في « غرر الفوائد ودرر القلائد » (= أمالي المرتضى) (? 1، ص 178، س 12 ـ س 13): « توفي في أول أيام المتوكل سنة خمس وثلاثين ومائتين، وسنة مائة سنة ».
2 ـ وقال ابن النديم في الفهرست (نشرة فوك في لاهور، ص 56، س 16 ـ 19): « توفى أبو الهذيل بسرّمراى سـنة ست وعشرين ومائتين وكانت سـنه مائة سنة وأربع سنين ».
3 ـ « وقال ابن يزداذ في كتاب المصابيح... حدثني أبو بكر الزبيري، قال كنتُّ بسر من رأى لما مات أبو الهذيل. فجلس الواثق في مجلس التعزية. وهذا يدل على أنه مات أيام الواثق... ومات الواثق سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. وهذا يدل على أن أبا الهذيل مات سنة خمس وثلاثين ومائتين على ما ذكر المرتضى » (« طبقات المعتزلة »، ص 48 ـ 49).
4 ـ وورد في « تاريخ بغداد » للخطيب البغدادي؛ « أخبرني الصيمري، حدثنا محمد بن عمران المرزباني، أخبرني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي، قال: سمعتُ أحمد بن اسحق بن سعد يقول: قال لي أبو العيناء: « توفي أبو الهذيل بسرَّ من رأى في سنة ست وعشرين ومائتين، وكانت سن أبي الهذيل مائة سنة وأربع سنين. وأخبرني الصيمري، حدثنا المرزباني، حدثني أبو الطيب بن شهاب، حدثني أبو الحسن أحمد بن علي الشطوي، قال: قال لي أبو مجالد أحمد بن الحسين: قَدِم أبو الهذيل محمد بن الهذيل بغداد سنة ثلاث ومائتين، وقد نيف عن المائة. قال أبو الطيب: وحدثني أبو الحسن أحمد بن

128

عمر البرذعي قال: حدثني أبو يعقوب الشحّام، قال: سألت أبا الهذيل: في أيّ سنةٍ ولدت؟ فقال: أخبرني أبواي أن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن قُتِل ولي عشر سنين. وقُتِل إبراهيم في سنة خمس وأربعين ومائة. فدل ذلك على أن أبا الهذيل ولد في سنة خمس وثلاثين ومائة. وتوفي أبو الهذيل في أول خلافة المتوكل في سنة خمس وثلاثين ومائتين، وكانت سنه مائة سنة » (? 3، ص 369 ـ 370).
وأول ما يلفت النظر في روايات الخطيب البغدادي المتضاربة أنه يقول عن رواية الشحام عن أبي الهذيل إن أبا الهذيل كانت سنه عشر سنوات لما قتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن. ولكنه سبق له في ص 367 (? 3) أن روى عن الشحّام نفسه أن أبا الهذيل قال: « أول ما تكلمت أنى كان لي أقل من خمس عشرة سنة، وهذا في السنة التي فيها قُتِل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بباخمرى ». فلماذا لم يقل: « وعمري عشر سنوات »؟ بدلاً من قوله في غير تحديد: « لي أقل من خمس عشرة سنة »؟ هذا مما يضعف من صحة هذه الرواية وما يستنبط منها.
وإبراهيم هذا هو إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو أخو محمد1 بن عبد الله بن الحسن الذي كان المنصور والسفاح في خلافة الأمويين من الدعاة إلى تنصيبه للخلافة. فلما تمت الخلافة للسفاح ثم للمنصور لم يبايعها محمد. وتكاتبا مكاتبات كثيرة. « ولما أعيا المنصورَ أمره جهز إليه ابن عمه عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وقال: لا أبالي أيهما قتل صاحبه، لأنه عيسى ولي العهد بعد المنصور، على ما رتبه لهم السفاح. فسار عيسى في أربعة
ــــــــــــــ
1 وهو المعروف « بالنفس الزكية » لزهده ونسكه (« مروج الذهب »، ? 3، ص 306، القاهرة سنة 1958).

129

آلاف، وكتب إلى الأشراف يستلمهم، فمال كثير منهم. وتحصّن محمد بالمدينة، وأعمق خنادقها. وزحف عليه عيسى وناداه بالأمان، وناشده الله. ومحمد لا يرعوي لذلك. ولما ظهر له تخاذل أصحابه اغتسل وتحنط وقاتلهم بنفسه قتالاً شديداً ومعه ثمانيون رجلاً. وقَتَل بيده اثني عشر رجلاً. ثم قُتِل واستشهد لثنتي عشرة ليلة من رمضان سنة خمس وأربعين، وله اثنتان وخمسون سنة. وقبره بالبقيع مشهور مزور. وبعث برأسه إلى المنصور. وكانت مدة قيامه شهرين واثني عشر يوماً.
وخرج أخوه إبراهيم بالبصرة في هذه السنة أيضاً (= سنة 145 ?). وقد كان سار إليها من الحجاز؛ فدخلها سِراً في عشرة أنفس. فدعا إلى نفسه سِراً. وجرت له أمور. وتهاون متولي البصرة في أمر إبراهيم، حتى اتسع الخرق. وخرج أول ليلة من رمضان، ونزل إليه متولي الكوفة بالأمان. ووجد إبراهيم في بيت المال ستمائة ألف، ففرقها في أصحابه. ولما بلغ المنصور (أبا جعفر المنصور) خروجه، تحول إلى الكوفة ليأمن غائلة أهلها وألزم الناس لبس السواد وجعل يقتل ويحبس من اتهمه. وبعث إبراهيم عاملاً إلى الأهواز، وآخر إلى فارس وسائر البلدان. فأتاه مقتل أخيه بالمدينة قبل عيد الفطر بثلاث، فعيّد منكسراً. وجهز المنصور لحربه خمسة آلاف. فكان بينهما وقعات قتل فيها خلق عظيم. ولم يبرح المنصور حتى قدم عيسى من المدينة، فوجهه إلى إبراهيم. وجعل المنصور لا يَقر له قرار ولا يأوي إلى فراشه خمسين ليلة، كلَّ ليلة يأتيه فتق من ناحية. وعنده مائة ألف بالكوفة. ولو هجم عليه إبراهيم بالكوفة لأوقع به. ولكنه (أي إبراهيم) قال: أخاف أن يستباح الصغير والكبير. فقيل له: إذا كان هذا فلِمَ خرجت عليه؟ فالتقى الجمعان على يومين من الكوفة. فظهر جيش إبراهيم، وتهيأ له الفتح، لولا حملة من عيسى بن موسى، وظاهَرَه أبناء سليمان بن علي، فكسروا جيش إبراهيم، وجاءه سهم فوقع في حلقه، فأنزلوه وهو يقول: « وكان

130

أمر الله قدراً مقدوراً ». ـ وبعثوا برأسه إلى المنصور. وقُتِل وسنه ثمان وأربعون. وهرب أهل البصرة بحراً وبراً » (« شذرات الذهب » لابن العماد، ? 1، ص 213 ـ 214، القاهرة سنة 1350 ?). ويحدد ابن الأثير (« الكامل »، ? 5، ص 212. طبعة القاهرة وعلى هامشها « مروج الذهب » للمسعودي) تاريخ قتله فيقول: « وكان قتله يوم الاثنين لخمس ليالٍ بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائة. وكان عمره ثمانياً وأربعين سنة. ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلاّ خمسة أيام ».
فإن أخذنا بهذه الرواية ـ وهي أن سنه عشر سنوات لما قُتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ـ كان مولد أبي الهذيل على الأرجح حوالي سنة 135 ? (مائة وخمس وثلاثين للهجرة)، ووفاته سنة خمس وثلاثين ومائتين للهجرة، إن قلنا إنه عُمر مائة سنة.
5 ـ لكن الغريب هو ما أورده المسعودي في « مروج1 الذهب » نقلاً عن أبي الحسين الخياط. قال المسعودي: « وذكر أبو الحسين الخياط أن أبا الهذيل محمد بن الهذيل كانت وفاته سنة سبع وعشرين ومائتين. ثم تنازع أصحابه في مولده: فقال قوم: سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقال قوم: سنة أربع وثلاثين ومائة ».

مؤلفات أبي الهذيل العلاف

لم يذكر له ابن النديم « بالفهرست » في الفصل الذي عقده له اسم أي كتاب من مؤلفاته. ولكنه ذكر في باب « الكتب المؤلفة في متشابه
ــــــــــــــ
1 ? 4، ص 103، القاهرة سنة 1958، المكتبة التجارية.

131

القرآن » أن لأبي الهذيل العلاف كتاباً في ذلك (« الفهرست »، ص 36، س 22، نشرة فلوجل).
كذلـك لم يورد لـه أبو الحسين عبد الرحيم بن محمـد بن عثمان الخياط في كتـابه « الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد ما قصد به من الكذب على المسلمين والطعن عليهم » ـ اسم أيّ كتاب، رغم كثرة إشاراته إلى أبي الهذيل ومذهبه (31 مرة)، وكنا نتوقع أن نجد فيه ذكر اسم بعض كتب أبي الهذيل. إنما يحكي آراءه دون إشارة إلى مصادر ينقل عنها من كتب أبي الهذيل. وهذا أمرٌ يدعو إلى الدهشة الشديدة.
لكن ابن خلكان (« وفيات الأعيان »، ? 3، ص 396، القاهرة سنة 1948) يذكر لنا اسم كتاب واحد لأبي الهذيل. قال: « ولأبي الهذيل كتاب يعرف ? « ميلاس ». وكان ميلاس رجلاً مجوسياً، فأسلم. وكان سبب إسلامه أنه جُمِع بين أبي الهذيل وجماعة من الثنوية. فقطعهم أبو الهذيل. فأسلم ميلاس عند ذلك. »
على أن صاحب « الفرق بين الفِرَق » يذكر ردوداً من المعتزلة ضد أبي الهذيل، ولابد أن تكون هـذه الردود ردوداً على مؤلفـات لأبي الهذيل. قـال عبد القـاهر البغدادي: « وللمعروف بالمردار من المعتزلة كتاب كبير فيه فضائح أبي الهذيل وفي تكفيره بما انفرد به من ضلالة. وللجبائي أيضاً كتابٌ في الرد على أبي الهذيل في المخلوق يكفره فيه. ولجعفر بن حرب المشهور في زعماء المعتزلة أيضاً كتاب سماه « توبيخ أبي الهذيل » » (ص 122، القاهرة نشرة محمد محيي الدين عبد الحميد، بدون تاريخ).
كذلك ذكر البغدادي اسم كتابين للعلاف هما: « الحُجَج » و« القوالب » (ص 124 من الطبعة المذكورة). كما يذكر رده على النظّام « في كتابه المعروف بالرد على النظّام، وفي كتابه عليه في الأعرض والإنسان والجزء الذي لا يتجزأ » (ص 132).

132

مذهب أبي الهذيل

لخص الشهرستاني في « الملل والنحل » (? 1، ص 62 ـ 67) ما انفرد به أبو الهذيل العلاف عن سائر المعتزلة في عشر قواعد:
« (الأولى) أن الباري تعالى عالم بعلمٍ، وعلُمه ذاته، قادرٌ بقدرة وقدرتُه ذاته، حيٌّ بحياةٍ وحياته ذاته. وإنما اقتبس هذا الرأي من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته، بل هي ذاته، وترجع إلى السلوب أو اللوازم ـ كما سيأتي. ـ والفرق بين قول القائلين: « عالم بذاته لا بعلم » وبين قول القائل: « عالم بعلمٍ هو ذاته » ـ أن الأول نفي الصفة، والثاني إثبات ذاتٍ هو بعينه صفة، أو إثبات صفة هي بعينها ذات. وإذ أثبت أبو الهذيل هذه الصفات وجوهاً للذات فهي بعينها أقانيم النصارى، أو أحوال أبي هاشم.
(الثانية) أنه أثبت إرادات لا محل لها يكون الباري تعالى مريداً بها. وهو أول من أحدث هذه المقالة، وتابعه عليها المتأخرون.
(الثالثة) قال في كلام الباري تعالى إن بعضه لا في محل، وهو قوله: « كن »، وبعضه في محل كالأمر والنهي والخبر والاستخبار وكأن أمر التكوين عنده غير أمر التكليف.
(الرابعة) قوله في القدر مِثلُ ما قاله أصحابه. إلا أنه قدري الأولى (= الدنيا) جبريُّ الآخرة. فإن مذهبه في حركات أهل الخلديْن (= الجنة والنار) في الآخرة إنها كلها ضرورية لا قدرة للعباد عليها، وكلها مخلوقة للباري تعالى؛ إذ لو كانت مكتسبة للعباد لكانوا مكلفين بها.
(الخامسة) قوله إن حركات أهل الخلدين تنقطع، وإنهم يصيرون

133

إلى سكون دائمٍ خموداً. وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، وتجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار.
وهذا قريب من مذهب جَهم، إذ حكم بفناء الجنة والنار. وإنما التزم أبو الهذيل هذا المذهب لأنه لما أُلزم في مسئلة حدوث العالم أن الحوادث التي لا أول لها كالحوادث التي لا آخر لها ـ إذ كل واحدة لا تتناهى ـ قال: إني لا أقول بحركات لا تتناهى آخراً، كما لا أقول بحركات لا تتناهى أولاً، بل يصيرون إلى سكون دائم. وكأنه ظن أن ما لزمه في الحركة لا يلزمه في السكون.
(السادسة) قوله في الاستطاعة إنها عرض من الأعراض، غير السلامة والصحة. وفَرَّقَ بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح فقال: لا يصح وجود أفعال القلوب منه مع عدم القدرة والاستطاعة معها في حال الفعل؛ وجَوّز ذلك في أفعال الجوارح، وقال بتقدمها، فيفعل بها في الحال الأولى، وإن لم يوجد الفعل إلا في الحالة الثانية. قال: فحال « يفعل » غير حال « فعلَ ». ثم ما تولد من فعل العبد فهو فعله، غير اللون والطعم والرائحة، وكل ما لا تعرف كيفيته. ـ وقال في الإدراك والعلم الحادثين في غيره عند استماعه وتعليمه إن الله تعالى يبدعهما فيه، وليسا من أفعال العباد.
(السابعة) قوله في الفكر قبل ورود السمع: إنه يجب عليه أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر؛ وإن قَصَّر في المعرفة استوجب العقوبة أبداً. ويَعلم أيضاً حُسْنَ الحَسَن وقُبْحَ القبيح فيجب عليه الإقدام على الحَسَن: كالصدق والعدل، والإعراضُ عن القبيح: كالكذب والجور.
وقال أيضاً بطاعات لا يراد بها الله تعالى، ولا يقصد بها التقرب إليه: كالقصد إلى النظر الأول (= أي القصد إلى النظر لإدراك وجود الله)، والنظر الأول فإنه لم يعرف الله تعالى بعدُ. والفعل عبادة.

134

وقال في المُكْرَه إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما أُكْرِه عليه فله أن يكذب، ويكون وزره موضوعاً عنه.
(الثامنة) قوله في الآجال والأرزاق إن الرجل إن لم يُقْتَل مات في ذلك الوقت. ولا يجوز أن يزاد في العمر أو ينقص. والأرزاق على وجهين: أحدهما ما خلق الله تعالى من الأمور المنتفع بها يجوز أن يقال خلقها رزقاً للعباد. فعلى هذا من قال إن أحداً أكل وانتفع بما لم يخلقه الله رزقاً ـ فقد أخطأ، لما فيه أن في الأجسام ما لم يخلقه الله. والثاني: ما حكم الله به من هذه الأرزاق للعباد: فما أحلَّ منها فهو رزق، وما حَرَّم فليس رزقاً، أي ليس مأموراً بتناوله.
(التاسعة) حكى الكعبي عنه أنه قال: إرادة الله غيرُ المراد. فإرادته لما خَلَق هي خَلْقُه له؛ وخلقه للشيء ـ عنده ـ غيرُ الشيء، بل الخلق ـ عنده ـ قولٌ لا في محل. وقال إنه تعالى لم يزل سميعاً بصيراً، بمعنى: سيسمع، وسيبصر؛ وكذلك لم يزل غفوراً، رحيماً، محسناً، خالقاً، رازقاً، مثيباً، معاقباً، موالياً، معادياً، آمراً، ناهياً ـ بمعنى أن ذلك سيكون.
(العاشرة) حكى عنه جماعة أنه قال: الحجة لا تقوم فيما غاب بخبر عشرين فيهم واحدٌ من أهل الجنة أو أكثر. ولا تخلو الأرض عن جماعة هم أولياءُ الله، معصومين لا يكذبون ولا يرتكبون الكبائر. فهم الحجة، لا التواتر. إذ يجوز أن يكذب جماعة ممن لا يحصون عدداً إذا لم يكونوا أولياء الله ولم يكن فيهم واحدٌ معصوم » (? 1، ص 62 ـ 67؛ بهامش « الفصل » لابن حزم، القاهرة سنة 1321 ?).
ونجد في « الفَرق بين الفِرَق » لعبد القاهرة الغدادي تفصيلاً لما أجمله الشهرستاني هاهنا. غير أن أهم مصادرنا في هذا الباب كتب المعتزلة أنفسهم، وعلى رأسها:

135

1 ـ « كتاب الانتصار » لأبي الحسين الخياط ـ وهو أهمها.
2 ـ « المغني » للقاضي عبد الجبار.
3 ـ « شرح الأصول الخمسة » للقاضي عبد الحبار.
ثم « مقـالات الإسلاميين » للأشعري، و« أصـول الدين » لعبد القاهر البغدادي، و« نهاية الاقدام في علم الكلام » للشهرستاني.
واعتماداً على هذه المصادر سنأخذ في شرح مذهبه.

ـ 1 ـ
نظريته في العلم

تطرق أبو الهذيل إلى مسألة المعارف هل هي ضرورية، أو اكتسابية. واتخذ فيها موقفاً خاصاً عرضه عبد القاهر البغدادي في « الفَرْق بين الفِرَق » فقال إن أبا الهذيل « لما وقف على اختلاف الناس في المعارف: هل هي ضرورية أم اكتسابية؟ ترك قول من زعم أنها كلها ضروربة، وقول من زعم أنها كلها كسبية، وقول من قال: إن المعلوم منها بالحواس والبداهة ضرورية، وما عُلِم منها بالاستدلال اكتسابية. واختار لنفسه قولاً خارجاً عن أقوال السلف، فقال المعارف ضربان: أحدهما: باضطرار، وهو معرفة الله عز وجل، ومعرفة الدليل الداعي إلى معرفته. وما بعدهما من العلوم الواقعة عن الحواس أو القياس فهو علم اختيار واكتساب.
ثم إنه بنى على ذلك قوله في مهلة المعرفة. فخالف سائر الأمة، فقال في الطفل: إنه يلزمه في الحال الثانية من حال معرفته بنفسه أن يأتي بجميع معارف التوحيد والعدل بلا فَصْل، وكذلك عليه أن يأتي ـ مع

136

معرفته بتوحيد الله سبحانه وعدله ـ بمعرفة جميع ما كلفه الله تعالى بفعله حتى إنه إن لم يأت بذلك كله في الحال الثانية من معرفته بنفسه، ومات في الحال الثالثة، مات كافراً وعدواً لله تعالى مستحقاً للخلود في النار. وأما معرفته بما لا يُعْرَف إلا بالسمع من جهة الأخبار فعليه أن يأتي بمعرفة ذلك في الحال الثانية من سماعه للخبر الذي يكون حجةً قاطعةً للعذر.
وكان بشر بن المعتمر يقول: عليه أن يأتي بالمعارف العقلية في الحال الثالثة مع معرفته بنفسه، لأن الحال الثانية حال نَظَرٍ وفكر. فإنْ لم يأتِ بها في الحال الثالثة، ومات في الحال الرابعة كان عدواً لله تعالى مستحقاً للخلود في النار. » (ص 129 ـ 130).
وإذن فمسألة المعارف ليست نظرية فحسب، بل تترتب عليها نتائج عملية.
والأصل فيها أن « علوم الناس وسائر الحيوانات ضربان: ضروري، ومكتسب. والفرق بينهما من جهة قدرة العالم على علمه المكتَسَب واستدلاله عليه، ووقوع الضروري فيه من غير استدلال منه ولا قدرة له عليه. والعلم الضروري قسمان: أحدهما بديهي، والثاني علم حسي. والبديهي قسمان: أحدهما علم بديهي في الإثبات: كعلم العالِم منا بوجود نفسه وبما يجد في نفسه من ألمٍ ولذةٍ وجوعٍ وعطش وحر وبرد وغم وفرح ونحو ذلك. والثاني علم بديهي في النفي: كعلم العالِم منا باستحالة المحالات. وذلك كعلمه بأن شيئاً واحداً لا يكون قديماً ومحدثاً، وأن الشخص لا يكون حياً وميتاً في حالٍ واحدة، وأن العالِم بالشيء لا يكون جاهلاً به من الوجه الذي علمه في حال واحدة.
وأما العلوم الحسية فمدركة من جهة الحواس الخمس... والعلوم النظرية نوعان: عقلي وشرعي. وكل واحد منهما مُكْتَسَبٌ للعالِم به واقعٌ له

137

باستدلال منه عليه. وبعضها أجلى من بعض1. »
« والعلوم النظرية على أربعة أقسام: أحدها استدلال بالعقل من جهة القياس والنظر. والثاني: معلومٌ من جهة التجارب والعادات. والثالث معلومٌ من جهة الشرع. والرابع معلومٌ من جهة الإلهام في بعض الناس أو بعض الحيوانات دون بعض. فأما المعلوم بالنظر والاستدلال من جهة العقول فكالعلم بحدوث العالم وقِدَم صانعه وتوحيده وصفاته وعدله وحكمته وجواز ورود التكليف منه على عباده وصحة نبوة رسله بالاستدلال عليها بمعجزاتهم، ونحو ذلك من المعارف العقلية النظرية. وأما المعلوم بالتجارب والرياضات فكعلم الطب في الأدوية والمعالجات، وكذلك العلم بالحِرَف والصناعات. وقد يقع في هذا النوع ما يستدرك بالقياس على المعتاد، غير أن أصولها مأخوذة عن التجارب والعادات. ـ وأما المعلوم بالشرع فكالعلم بالحلال والحرام، والواجب والمسنون والمكروه وسائر أحكام الفقه. وإنما أضيفت العلوم الشرعية إلى النظر لأن صحة الشريعة مبنية على صحة النبوة، وصحة النبوة معلومة من طريقة النظر والاستدلال. ولو كانت معلومة بالضرورة من حسٍ أو بديهة لما اختلف فيها أهلُ الحواس والبديهية ولما صار المخالف فيها معانداً كالسوفسطائية المنكرة للمحسوسات. ـ وأما المعلوم بالإلهام على التخصيص فكالعلم بذوق الشعر وأوزان أبياته في بحوره2 ».
وموقف أبي الهذيل كما عرضه البغدادي هو موقف يختلف عن موقف القائلين بأن المعارف كلها ضرورية، وعن موقف القائلين بأن ما هو
ــــــــــــــ
1 « أصول الدين » لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي المتوفى سنة 429 ?، المجلد الأول، الطبعة الأولى، استانبول سنة 1346 ?/ 1928 م، ص 8 ـ 9.
2 البغدادي: « أصول الدين »، ص 14 ـ 15.

138

معلوم بالحواس والبديهة فهو ضروري، وما هو معلوم بالاستدلال فهو اكتسابي.
والذين قالوا إن المعارف كلها ضرورية هم المعروفون باسم « أصحاب المعارف »، ومن أبرزهم الجاحظ. وقد احتج أصحاب المعارف هؤلاء بأن قالوا: « لو لم يكن العلم بالله تعالى ضرورياً وكان من فعلنا؛ لكان يصح من الواحد منا أن يختار الجهل بدلاً من العلم في الحالة الثانية من النظر، لأن من حق القادر على الشيء أن يكون قادراً على جنس ضده إذا كان له ضد. والمعلوم أنه لا يمكن ذلك. ـ فليس إلاّ أن المعرفة ليست من فعلنا. وإذا لم تكن من فعلنا كانت ضرورية1. »
وحجة أخرى « أنهم قالوا: إن المكلّف إذا لم يعرف في نظره انه نظر صحيح يؤدي إلى العلم فإنه يجب أن لا يدخل تحت تكليفه، ولا يجوز له الإقدام عليه، لأن الإقدام عليه كالإقدام على الجهل المطلق » (الموضع نفسه).
وحجة ثالثة « إنهم قالوا: إن المكلف لو كان مكلفاً بالمعرفة لكان يجب أن يعلم صفتها لأن المكلف لا بد أن يكون عالماً بصفة ما كُلِّفَه. والمعلوم أنه حالَ النظر لا يمكنه أن يعلم صفة المعرفة؛ ولو وقعت المعرفة عند نظره لكان لا تقع إلا حدساً واتفاقاً، فلا يحسن تكليفه بها؛ لأن التكليف بما لا يُعلم كالتكليف بما لا يطاق في باب القبح » (الكتاب نفسه، ص 57).
وقد رد القاضي عبد الجبار على هذه الحجج الثلاث.
لكن أبا الهذيل إنما ذهب إلى أن المعرفة ضرورية في حالة واحدة فقط هي معرفة وجود الله والدليل الداعي إلى معرفته؛ وقصر الضرورة
ــــــــــــــ
1 « شرح الأصول الخمسة » لقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد، تعليق الامام أحمد بن الحسين بن أبي هاشم، ص 56، القاهرة، سنة 1965.

139

في المعرفة على هذه المسألة فقط. وما عداها فهو مكتَسب مراد، بما في ذلك المعارف الحسية والاستدلالية طبعاً. ولعله إنما قال بأن المعرفة بوجود الله والدليل المثبت لهذا الوجود ضروريان حتى يثبت المسؤولية على الذين لم تبلغهم رسالات الأنبياء. إذ لو كانت معرفة وجود الله ضرورية، لما كان هناك عذر لأحد في الجهل به؛ وبالتالي لن يعفى أحدٌ من مسؤولية الإيمان بالله، ومن العقوبة على الكفر به أو إنكار وجوده أو الجهل به.
ومعنى هذا أنه لم يقل بهذا لأسباب من نظرية المعرفة وطبيعة المعلوم، بل لأسباب دينية عملية تتعلق بالمسؤولية عن الإيمان.

حجية الخبر

وفيما يتعلق بالعلم عن طريق الخبر، ينسب عبد القاهر البغدادي إلى أبي الهذيل أنه يقول: « إن الحجة من طريق الأخبار ـ فيما غاب عن الحواس من آيات الأنبياء عليهم السلام، وفيما سواها ـ لا تثبت بأقل من عشرين نفساً، فيهم واحدٌ من أهل الجنة أو أكثر. ولم يوجب بأخبار الكفرة والفسقة حجةً، وإن بلغوا عدد التواتر الذين لا يمكن تواطؤهم على الكذب إذا لم يكن فيهم واحد من أهل الجنة. وزعم أن خبر ما دون الأربعة لا يوجب حكماً، ومَنْ فوق الأربعة إلى العشرين قد يصح وقوع العلم بخبرهم وقد لا يقع العلمُ بخبرهم. وخبرُ العشرين إذا كان فيهم واحدٌ من أهل الجنة يجب وقوع العلم منه لا محالة.
واستدل على أن العشرين حجة بقول الله تعالى « إن يَكُنْ منكم عشرون صابرون يَغلِبوا مائتين » (الأنفال: 65). وقال: لم يبح

140

لهم قتالهم إلا وهم عليهم حجة1. »
ولكي نبين موقف أبي الهذيل في هذه المسألة داخل مذهب المعتزلة نورد ما يقوله القاضي عبد الجبار فيها، قال:
« الأخبار لا تخلو: إما أن يُعْلَم صدقها، أو يُعْلَم كذبها، أو لا يعلم صدقها ولا يعلم كذبها. والقسم الأول ينقسم: إلى ما يعلم صدقه اضطراراً، وإلى ما يعلم اكتساباً.
وما يعلم صدقه اضطراراً فكالأخبار المتواترة، نحو الخبر عن البلدان والملوك وما يجري هذا المجرى؛ ونحو خبر من يخبرنا أن النبي ـ صلى الله عليه ـ كان يتدين بالصلوات الخمس وإيتاء الزكاة والحج إلى بيت الله الحرام وغير ذلك ـ فإن ما هذا سبيله يُعْلم اضطراراً. وأقل العدد الذي يحصل العلم بخبرهم خمسة، حتى لا يجوز حصوله بخبر الأربعة. ولا يكفي خبر الخمسة على أي وجهٍ أخبروا، بل لا بد من أن يكون خبرهم مما عرفوه اضطراراً. ولهذا لا يجوز أن يحصل لنا العلمُ الضروري بتوحيد الله وعدله بخبر من يخبرنا عن ذلك، لما لم يعرفوه اضطراراً.
وما يُعْلَم صدقه استدلالاً فهو كالخبر عن توحيد الله تعالى وعدله ونبوة نبيه عليه السلام وما يجري هذا المجرى، وكالخبر عما يتعلق بالديانات إذا أقر النبي ـ صلى الله عليه ـ المخبر عليه ولم يزجره عنه ولا أنكر عليه: فإنّا نعلم صدق ما هذا حاله من الأخبار استدلالاً. وطريقة الاستدلال عليه هو أنه لو كان كذباً لأنكره النبي صلى الله عليه. فلما لم ينكره دلّ على صدقه فيه. وهذا هو القسم الأول.
وأما القسم الثاني فهو ما يُعْلَم كذبه من الأخبار، وذلك ينقسم إلى: ما يُعْلَم كذبه اضطراراً، وإلى ما يُعْلَم اكتساباً.
أما ما يعلم كذبه اضطراراً فكخبر من أخبرنا أن السماء تحتنا والأرض
ــــــــــــــ
1 « الفرق بين الفرق »، ص 127 ـ 128، طبعة محيي الدين عبد الحميد.

141

فوقنا، وما جرى هذا المجرى.
وأما ما يعلم كذبه استدلالاً. فكأخبار المُجَبِّرة والمُشبِّهة عن مذاهبهم الفاسدة المتضمنة للجبر والتشبيه والتجسيم ـ إلى غير ذلك من الضلالات.
وأما ما لا يعلم كونه صدقاً ولا كذباً فهو كأخبار الآحاد. وما هذه سبيله يجوز العمل به إذا وَرَدَ بشرائطه. فأما قبوله فيما طريقه الاعتقادات، فلا. وفي هذه الجملة أيضاً خلافٌ، فإنّ في الناس من يجوّز ورود التعبد بخبر الواحد؛ وفيهم من ينكر ثبوت التعبد به. أما الذي يدل على جواز ورود التعبد بخبر الواحد فهو أنه لا مانع يمنع أن يتعلق الصلاح بأن يتعبدنا الله تعالى به. وأكثر ما فيه أنه تعبّدٌ على طريقة الظن ـ وذلك ثابت جائز. بل لو قيل: بأن أكثر العبادات الشرعية تنبني على الظن كان ممكناً. وبعدُ، فمعلومٌ أن القاضي (= عبد الجبار) قد تعبد بالحكم عند شهادة الشاهدين، وإن لم يقتضِ ذلك العلمَ، وإنما يقتضي غالبَ الظن. وأما الذي يدل على ثبوت التعبد به فالإجماع. وها هنا أصل آخر، وهو أن ما هذا سبيلهُ من الأخبار فإنه يجب أن ينظر فيه: فإن كان مما طريقه العملُ عُمِل به إذا أورد بشرائطه. وإن كان مما طريقه الاعتقادات يُنظر: فإن كان موافقاً لحجج العقول قُبِل واعتُقِد موجبه، لا لمكانه بل للحجة العقلية؛ وإن لم يكن موافقاً لها، فإن الواجب أن يُردَّ ويُحكَم بأن النبيّ لم يَقُله؛ وإن قاله فإنما قاله على طريق الحكاية عن غيره ـ هذا إذا لم يحتمل التأويل إلاّ بتعسف. فأما إذا احتمله فالواجب أن يُتأوَّل. » (« شرح الأصول الخمسة » للقاضي عبد الجبار، ص 768 ـ 770. القاهرة سنة 1965).
ولم تذكر لنا المصادر لماذا اختار أبو الهذيل العدد عشرين، وهو عددٌ لا نجده عند سائر المعتزلة، بل يظهر أن الرأي الغالب عندهم أن يكون الخبر الوارد عن خمسة فأكثر هو الحجة. وانفرد النظّام بالقول « بأن الخبر المتواتر ـ مع خروج ناقليه، عند سامع الخبر، عن الحصر،

142

ومع اختلاف همم الناقلين واختلاف دواعيها ـ يجوز أن يقع كذباً. هذا مع قوله بأن من أخبار الآحاد ما يوجب العلم الضروري1 ».
وعلى الرغم من أن هذه المسألة أدخل في علم أصول الفقه منها في علم الكلام، فإن لها نتائج خطيرة فيما يتعلق بنقد الأخبار، وهي إذن مسألة منهجية بالغة الأهمية. ولهذا تناولها المتكلمون أيضاً في معظم مباحثهم الكلامية. فلنعرضها بشيء من التفصيل.
يرى عبد القاهر البغدادي « أن التواتر الموجب للعلم الضروري من شروطه أن يكون رواته في كل عصر من أعصاره على جهةٍ يستحيل التواطؤ منهم على الكذب. فإن كان رواته في بعض الأعصار قوماً يصحّ على مثلهم التواطؤ عليه لم يكن خبرهم موجباً للعلم الضروري... والخبر الراجع في أصله إلى واحد أو طائفة يجوز عليها التواطؤ لا يكون موجباً للعلم الضروري.
ومن شروط التواتر أيضاً أن يكون ناقلوه في العصر الأول قد نقلوه عن مشاهدةٍ أو علمٍ بما نقلوه ضرورةً، كنقلهم أخبار البلدان التي شاهدوها، ونقلهم أخبار الأمم التي شاهدها أهل العصر الأول من المخبرين عنهم، وكنقلهم الأخبار عن الزلازل في البحر والبر، وسائر الأحداث في الأزمنة الماضية ونحوها. ـ فإما إن تواتر الخبر في شيءٍ تعرف صحته بالنظر والاستدلال، فإنه لا يوجب العلم. ولهذا لا يقع للدهرية وسائر الكفرة العلمُ بصدق أخبار المسلمين عن صحة دين الإسلام، لأن صحّة الدين معلومة بالنظر والاستدلال، دون الضرورة...
وأما أخبار الآحاد الموجبة للعمل دون العلم فلوجوب العمل بها شروط: أحدها اتصال الإسناد. والشرط الثاني عدالة الرواة: فإن كان في رواته
ــــــــــــــ
1 « الفرق بين الفرق »، ص 143، طبعة محيي الدين. وقارن « أصول الدين » للبغدادي، ص 20، س 2 ـ 3.

143

مبتدعٌ في نحلته أو مجروح في نقله أو مُدلِّس في روايته ـ فلا حجة في روايته. والشرط الثالث أن يكون في متن الخبر ما يجوز في العقل كونه. فإن روى الراوي ما يحيله العقل ولم يحتمل تأويلاً صحيحاً ـ فخبره مردود، لاستحالة هذا في العقول. وإن كان ما رواه الراوي الثقةُ يروع ظاهرُه في العقول ولكنه يحتمل تأويلاً يوافق قضايا العقول، قبلنا روايته، وتأولناه على موافقة العقول، كما رُوي أن الله خلق آدم على صورته ـ وتأويله أنه خلقه حين خلقه على الصورة التي كان عليها في الدنيا، لئلا يتوهَّم متوهِّمٌ أنه لما أُخرج من الجنة عوقب بتغيير صورته كما عوقبت الحية بتغيير صورتها عند إخراجها من الجنة. وكذلك ما روي أن الجبار يضع قدمه في النـار ـ صحيح، وتأويله محمولٌ على الجبار المذكور في قوله تعالى « وخاب كلُّ جبارٍ عنيد من ورائه جهنم » (سورة إبراهيم آية 15)، ومثل هذا كثير.
ومتى صحّ الخبر، ولم يكُن مَتْنُه مستحيلاً في العقل، ولم تقم دلالةٌ على نسخ حكمه، وجب العمل به، كما يجب على الحاكم الحكم بشهادة العدول إذا لم يعلم جرحهم، مع إمكان الخطأ أو الكذب على شهود، والحكمُ جارٍ على الظاهر » (« أصول الدين »، ص 20 ـ 23).
ولم يذكر البغدادي عدد الذين ينطبق على إخبارهم وصف التواتر. ولعل ذلك لكثرة الخلاف بين المتكلمين والأصوليين في مقدار الجمع الذي يحصل به عدد التواتر. إذ « اختلف في أقل العدد فقيل: أربعة ـ قياساً على شهود الزنا، وقيل: خمسة ـ قياساً على اللعان. وقطع القاضي (= الباقلاني) بنفي الأربعة، إذ لو أفاد اليقين لم تحتج شهود الزنا إلى التزكية، وذلك بناءً على ما قاله. ووافقه أبو الحسين (= البصري) إن كل عدد أفاد علماً بواقعة لشخص فمثله يفيد العلم بغير تلك الواقعة لشخص آخر. وفيه ما فيه1.
ــــــــــــــ
1 إشارة إلى أنه إنما يتم بعد المماثلة من كل وجه. وتحققها في الشهادة والرواية وفي شهود الزنا مطلقاً ـ ممنوع.

114

وتردد في الخمسة. ويرد عليه أن وجوب التزكية مشترك، إلا أن يقول فارقاً1 كل خمسة صادقة تفيد العلم. فإذا لم تفد في الزنا عُلم أن فيهم كذوباً. فالتزكية تعلم صدق الباقي، وهو النِّصاب، بخلاف الأربعة. فتدبّر. ـ وقيل: سبعة ـ قياساً على غسل الإناء من ولوغ الكلب سبع مرات. وقيل: عشرة ـ لقوله: « تلك عشرة كاملة ». (البقرة 196) وقيل: اثنا عشر ـ عدد نقباء بني إسرائيل. وقيل: عشرون ـ قال تعالى: « عشرون صابرون » (الأنفال: 65). وقيل: أربعون، قال عليه السلام: خير السرايا أربعون. وقيل: خمسون ـ قياساً على القسامة2. وقيل: سبعون ـ لاختيار موسى3. وقيل: أزيد من ثلاثمائة، عدد أهل بدر. وقيل: ما لا يحصرهم عدد. والمختار: عدم تعيين الأقل، للقطع بالعلم من غير علمٍ بعدد مخصوص لا متقدماً4، ولا متأخراً5، ولا سبيل إلى علمه عادةً، لأن الاعتقاد يتقوى بتدريج خفي كالعقل، والقوة البشرية قاصرة عن ضبط ذلك6 ».
ــــــــــــــ
1 قوله: « فارقا... » فيه دفع لما قيل أن التردد في الخمسة ينافي التزام كونها مفيدة للعلم في بعض الأوقات، وذلك لأن الالتزام إنما هو حين الفرق، والتردد إنما هو تعارض الدليلين، فلا ينافي.
2 يقال: قتل فلان بالقسامة: إذا اجتمعت جماعة من أولياء القتيل فادعوا على رجل أنه قتل صاحبهم، ومعهم دليل دون البينة، فحلفوا خمسين يميناً أن المدَّعى عليه قتل صاحبهم ـ فهؤلاء الذين يقسمون على دعواهم يسمون قسامة أيضاً.
3 إشارة إلى الآية « واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا » (الأعراف 155).
4 قوله: « لا متقدماً » ـ يعني عند من قال أن العلم الحاصل بالتواتر نظري.
5 قوله: « ولا متأخراً » ـ يعني عند من قال أن العلم الحاصل بالتواتر ضروري.
6 « مُسَلّم الثبوت » للعلامة محب الله بن عبد الشكور البهاري، ? 2، ص 84 ـ 85، طبعة فرج الله زكي الكردي، القاهرة، سنة 1326 ?.

145

وواضح ما في هذه التعليلات لمقدار الجمع الذي يحصل به عدد التواتر في رواية الخبر عن المشاهدة ـ من افتعال وعبث. ومرجع هذا إلى حيرتهم التامة في تحديد هذا العدد، لما سيترتب على ذلك من نتائج خطيرة بالنسبة إلى كثير من الأخبار والأحاديث النبوية، فتركوا الأمر مبهماً.
على أنه يلاحظ أن الأحاديث المتواترة عن النبي قليلة جداً، أو لا توجد. قال البهاري في « مسلم الثبوت » (? 2، ص 87): « المتواتر من الحديث: قيل: لا يوجد، وقال ابن الصلاح: إلا أن يُدّعى في حديث: « مَنْ كَذّبَ عليَّ متعمِّداً فليتبوأ مقعده من النار »، فإن رواته أزيد من مائة صحابي، وفيهم العشرة المبشَّرة (بالجنة). وقد يقال: مراده: التواتر لفظاً، وإلاّ فحديث المسح على الخفين متواتر، رواه سبعون صحابياً. وقيل: حديث: « أُنْزِل القرآن على سبعة أحرف » ـ متواترٌ، رواه عشرون من الأصحاب. وقال ابن الجوزي: « تتبعت الأحاديث المتواترة فبلغتْ جملة »: منها: حديث الشفاعة، وحديث الحساب، وحديث النظر إلى الله تعالى في الآخرة، وحديث غَسْل الرجلين في الوضوء، وحديث عذاب القبر، وحديث المسح على الخفين ».
أما خبر الواحد، « فإن الأكثر على أن خبر الواحد ـ إنْ لم يكن معصوماً ـ لا يفيد العلم مطلقاً. وقيل: يفيد بالقرينة. وقيل: خبرُ العدلِ يفيد مطلقاً » (« مسلم الثبوت »، ? 2، ص 88) ولكن « التعبد1 بخبر الواحد العدل جائز عقلاً، خلافاً للجبائي » (ص 95).
ونعود إلى رأي أبي الهذيل في المتواتر وفي خبر الواحد، فنقول إن عبد القاهر البغدادي بعد أن أورد رأي أبي الهذيل رد عليه في كلا الأمرين. ففيما يتعلق بعدد من تثبت بإخبارهم الحجة عن طريق الإخبار،
ــــــــــــــ
1 التعبد: هو أن يوجب الشارع العمل بمقتضاه على المكلفين.

146

قال: « ما أراد أبو الهذيل باعتبار عشرين في الحجة من جهة الخبر إذا كان فيهم واحد من أهل الجنة إلاّ تعطيل الأخبـار الواردة في الأحكام الشـرعية من فوائدهـا؛ لأنه أراد بقوله: « ينبغي أن يكون فيهم واحدٌ من أهل الجنة » ـ واحداً يكون على بدعته في الاعتزال والقَدَر وفي فنـاء مقدورات الله عز وجل، لأن من لم يقل بذلك لا يكون عنده مؤمناً ولا من أهل الجنة » (ص 128، طبعة محيي الدين).
وفيما يتعلق بخبر الواحد، يريد البغدادي أن يوقع إلزاماً عليه باحتجاجه بالآية « إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين » (الأنفال: 65) بأن هذا يتضمن بأن خبر الواحد حجة موجبةٌ للعلم، لأن الواحد في ذلك الوقت كان له قتال العشرة من المشركين، فيكون جواز قتاله لهم دليلاً على كونه حجة عليهم » (ص 128).

ـ 2 ـ
صفات الله

يرى أبو الهذيل أن ذات الله واحدة، لا كثرة فيها بأي وجه من الوجوه. ولهذا لم يجعل صفات الله معاني قائمة بذاتهـا، بل قال إنها هي ذات الله: فعلمه هـو ذاته، وقدرته هي ذاته. « إنه تعالى عالم بعلمٍ هو هو ». ويحاول القاضي عبد الجبار أن يفهم من عبارة أبي الهذيل الأخيرة أنه يقصد أن الله عالم لذاته، قادر لذاته، حيٌّ لذاته، « إلاّ أنه لم تتلخص له العبارة1 » أي لم يعبر تعبيراً دقيقاً. وهو بهذا يشبه
ــــــــــــــ
1 « شرح الأصول الخمسة » للقاضي عبد الجبار، ص 183.

147

ما يقوله أبو علي الجبائي من « أنه يستحق هذه الصفات الأربع (= القدرة، العلم، الحياة، الوجود) لذاته1. » وكان ابنه أبو هاشم الجبـائي يقول إنه تعالى « يستحقها لما هو عليه في ذاته ». وهذا تعبير أدق من تعبير أبيه.
والأشعري في « مقالات الإسلاميين » يزيدنا إيضاحاً لرأي أبي الهذيل، فيقول: « قال أبو الهذيل: هو (= الله) عالمٌ بعلمٍ هو وهو، وهو قادر بقدرة هي هو، وهو حيّ بحياة هي هو. وكذلك قال في سمعه وبصره وقِدَمه وعزته وعظمته وجلاله وكبريائه، وفي سائر صفاته لذاته. وكان يقول: إذا قلتُ إن الله: « عالمٌ » أثبتُّ له علماً هو الله، ونفيت عن الله جهلاً، ودللتُ على معلومٍ كان أو يكون. وإذا قلتُ: « قادر » نفيت عن الله عجزاً، وأثبتُّ له قدرةً هي الله سبحانه، ودللتُ على مقدور. وإذا قلتُ؛ لله حياةٌ أثبتُّ له حياةً وهي الله، ونفيتُ عن الله موتاً. وكان يقول: لله وجهٌ هو هو، فوجهه هو هو، ونفسه هو هو. ويتأوّل قول الله عز وجل: « ولتُصنَع على عيني » (سورة 20 آية 39) أي: بعلمي2 ».
وكان أكثر المعتزلة والخوارج وكثير من المرجئة وبعض الزيدية يقولون: إن الله عالم قادرٌ حيٌّ بنفسه، لا بعلمِ وقدرة وحياة.
ويعبر عباد بن سليمان، من المعتزلة، عن نفس المعنى فيقول إن اللّه: « عالمٌ قادرٌ حيٌّ، ولا أُثْبِت له علماً ولا قدرة ولا حياة، ولا أثبت سمعاً، ولا أثبت بصراً. وأقول: هو عالمٌ لا بعلم، وقادر لا بقدرة، وحيٌّ لا بحياة، وسميع لا بسمع ـ وكذلك سائر ما يسمى به من الأسماء التي يسمى بها لا لفعله ولا لفعل غيره. وكان ينكر قول
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ص 182.
2 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 225. القاهرة سنة 1950.

148

من قال إنه عالمٌ قادرٌ حيٌّ لنفسه أو لذاته، وينكر ذكر النفس وذكر الذات، وينكر أن يقال: إن لله علماً أو قدرةً أو سمعاً أو بصراً أو حياة أو قِدَماً. وكان يقول: قولي: « عالمٌ » ـ إثباتُ اسم الله، ومعه علمٌ بمعلوم، وقولي: « قـادر » ـ إثبـات اسم لله ومعه علمٌ بمقدور. وقولي: « حيٌّ » ـ إثبات اسم الله. وكان ينكر أن يقال: إن للباري وجهاً ويدين وعينين وجنباً. وكان يقول: أقرأُ القرآن وما قال الله من ذلك فيه، ولا أُطلِق ذلك بغير قراءة. وينكر أن يكون معنى القول في البـاري إنه « عالم » معنى القول فيه إنه « قادر »، وأن يكون معنى القول فيه إنه « قـادر » معنى القول إنه « حي ». وكذلك صفـات الله التي يوصف بها لا لفعله كالقول: « سميع » ليس معناه أنه « بصير » ولا معناه « عالم » » (? 1، ص 225 ـ 226).
وواضح من هذا أن المعتزلة كانوا حريصين كل الحرص على أن ينفوا عن الله أن له صفات قائمة بذاته قديمة مع ذاته، حتى يكون واحداً أحداً بسيطاً، لا يشاركه في القدم شيء، حتى ولا صفاته.
أما الأشعري فيقول إن علم الله وقدرته وحياته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه هي صفات له أزلية، ونعوت له أبدية. وقد رأى المعتزلة في ذلك إشراكاً له في القِدَم والأزلية وتعديداً للقديم. وساقوا الدليل التالي لإثبات رأيهم وتفنيد رأي الأشعري.
الله تعالى « لو كان عالماً بعلم، لكان لا يخلو: إما أن يكون معلوماً، أو لا يكون معلوماً. فإن لم يكن معلوماً لم يَجُزْ إثباته، لأن إثبات ما لا يعلم بفتح باب الجهالات. وإن كان معلوماً فلا يخلو إما أن يكون موجوداً، أو معدوماً. ولا يجوز أن يكون معدوماً. وإن كان موجوداً فلا يخلو: إما أن يكون قديماً، أو محدثاً. والأقسام كلها باطلة. فلم يبقَ إلا أن يكون عالماً لذاته1 ».
ــــــــــــــ
1 « شرح الأصول الخمسة »، ص 183.

149

ومن أوائل الـذين ردوا على أبي الهذيل في مذهبه هـذا، ابن الـراوندي في كتـابه « فضيحة المعتزلة »؛ فقد نقل أبو الحسين الخياط في كتابه « الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد » عن كتاب ابن الراوندي هذا ما يلي:
« قال صاحب الكتاب (= كتاب « فضيحة المعتزلة »): وكان (أي أبو الهذيل) يزعم أن علم الله هو الله، وأن قدرته هي هو. ثم قال (أي ابن الراوندي، رداً على أبي الهذيل): فكأن الله على قياس مذهبه عِلْمٌ وقدرة، إذ كان هو العلم والقدرة. ثم قال (أي ابن الراوندي): وما علمت أن أحداً من أهل الأرض اجترأ على هذا قبله. »
ويرد الخياط على هجوم ابن الراوندي فيقول: « يُقال له (أي لابن الراوندي):إن أبا الهذيل لما صح عنده أن الله عالم في الحقيقة، وفَسَد عنده أن يكون عالماً بعلم قديمٍ على ما قالته النابتة، وفسد عنده أن يكون عالماً بعلم محدث على ما قالته الرافضة ـ صحّ عنده أنه عالم بنفسه. ثم وجد القرآن قد نطق بأن له علماً فقال: « أنْزَله بعلمه » (4: 166). هذا معناه، وإنما هنا غلط في اللفظ فقط. وأما قول الجاهل (= ابن الراوندي): « فكأن الله على قياس مذهبه علم وقدرة » ـ فإنه خطأ عند أبي الهذيل أن يقال: إن الله علم وقدرة. قال (أي أبو الهذيل): ولقولي هذا نظائر عند أهل التوحيد، وذلك أنهم بأجمعهم يقولون: إن وجه الله هو الله، لأن الله قد ذكر الوجه في كتابه فقال: « إنما نطعمكم لوجه الله » (76 آية 9) وما أشبه هذا من القرآن. وقد فَسَد أن يكون لله وجه هو بعضه، أو وجه صفة له قديم معه ـ جل الله وتعالى عن ذلك ـ فلم يبقَ إلا أن يكون وجهه هو كما يقال: « هذا وجه الأمر » و« هذا وجه الرأي »: (أي) هذا الأمر نفسه، وهذا هو الرأي نفسه. قال (أي أبو الهذيل): فلما كان هذا هكذا وفسد

150

أن يقال: إن الله وجهٌ، وإن الرأي وجه ـ فكذلك قلتُ أنا: إن علم الله هو الله، كما قال قائلكم: إن وجهه هو؛ وفسد أن يكون ـ جَلّ ذكره ـ عِلْماً بمثل ما فسد عندكم أن يكون وجهاً1. »

نفي التشبيه
كان أبو الهذيل ينفي عن الله أن يشبه خَلْقه على أي نحو كان ذلك الشبه. قال أبو الحسين الخياط في كتاب « الانتصار » (ص 15): « أبو الهذيل ينفي عن الله تعالى شِبْهَ خَلقِه من كل وجه؛ ويثبته واحداً ليس بجسم ولا بذي هيئة ولا صورة ولا حد، وانه « ليس كمثله شيء » (سورة 42 آية 11) ».

علم الله لا يتناهى
وقد زعم ابن الراوندي في « فضيحة المعتزلة » أن أبا الهذيل « كان يقول: إن لما يقدر الله عليه ويعلمه غايةً ينتهي إليها، لا تتجاوزها قدرته ولا يتعداها علمه. »
وقد ردّ أبو الحسين الخياط على زعم ابن الراوندي فأكذبه في نسبة هذا القول إلى أبي الهذيل. قال الخياط (« الانتصار »، ص 16): « وهذا كذبٌ على أبي الهذيل لا خفاء به على أحدٍ من أهل النظر. وسأعرفك ذلك إن شاء الله: أنت تعلم أن أبا الهذيل كان يقول: إن الله ـ عزّ وجلّ ـ يعلم نفسه، وإن نفسه ليست بذات غاية ولا نهاية. هذا هو التوحيد الصحيح عند أبي الهذيل. فكيف يزعم أبو الهذيل أن
ــــــــــــــ
1 « الانتصار » لأبي الحسين الخياط، ص 59 ـ 60، بيروت، سنة 1957.

151

لما يعلمه الله غايةً ونهاية، وهو يعلم نفسه بذي غاية ولا نهاية؟
أما ما يقدر عليه فإن أبا الهذيل كان يقسِّمه على أمرين، فيقول: إن أراد السائل أن لما يقدر الله عليه غايةً ونهاية في العلم (به) والقدرة عليه والاحصاء له ـ فنعم، ليس يخفى على الله منه شيء ولا يعجزه شيء منه. وإن أراد السائل أن له غاية ونهاية أيّ1: زوال وفناء وتقضٍّ ـ فلا ».
ونسب ابن الراوندي إلى أبي الهذيل « أنه اعتل في (قوله ?) نهاية علم الله ـ بقول الله: « والله بكل شيء عليم » (سورة 2 آية 18). وذكر أن هذا من قوله يوجب لعلمه غاية لا يتجاوزها، إذ كان الكل يوجب الحصر والنهاية ». ويكذّب الخياط ذلك، ويقول: « وقد كذب (ابن الراوندي) وقال الباطل. لم يقل أبو الهذيل إن علم الله ذو غاية ولا نهاية، ولا أنه محصور محدود. وذاك أن علم الله عند أبي الهذيل ـ هو الله. فلو زعم أن علم الله متناه لكان قد زعم أن الله متناه ـ وهذا شِرْكٌ بالله وجهلٌ به عند أبي الهذيل. ولكنه كان (أي أبو الهذيل) يقول: إن المحدثات ذات غايات ونهايات محصاة معدودة، لا يخفى على الله منها شيء2. »

تناهي مقدورات الله
ويتصل بهذه المسألة، مسألة أخرى أثارها ابن الراوندي، وهي تناهي قدرة الله. وكان أبو الهذيل قد تطرق إلى البحث فيها على سبيل
ــــــــــــــ
1 في المطبوع: إلى
2 « الانتصار » للخياط، ص 90 ـ 91. بيروت سنة 1957.

152

« البحث1 والنظر » أو « البَوْر2 والنظر »، لا على سبيل التقرير. وأصل المسألة هو: هل المحدثات متناهية، أو غير متناهية؟ وهل لها آخر في القدرة، أم لا آخر لها؟
ويظهر أن أبا الهـذيل قرر أن لمقدورات الله نهـاية، لأن للأشياء كلاً، والله تعالى قد « أحصى كل شيء عدداً » (سورة 72 آية 28) « والاحصاء والاحاطة لا تكون إلا لمتناه ذي غاية. قال (أبو الهذيل): فإذا انتهى أهل الجنة إلى آخر الحركات التي ثبتنا لها كلاً مُحصىً محاطاً به جمعت فيهم اللذات كلها: لذة الجماع ولذة الأكل والشرب وغيرها من اللذات، وصاروا في الجنة باقين بقاءً دائماً وساكنين سكوناً باقياً ثابتاً، ولا يفنى ولا يزول، ولا ينفد ولا يبيد. » (« الانتصار »، ص 17).
فقيل لأبي الهذيل: « أفليس (الله) هو المُبَقِّي لما يبقى منه، والمُسَكِّن لكل ساكن منه، والمحيي لكل ذي روح؟ قال: بلى... فقيل له: أفيجوز أن يُبَقِّي شيئاً لا يوصف بالقدرة على تبقيته ولا يجوز منه إفناؤه، وأن يحيي شيئاً ويسكنه وليس بقادر على إماتته ولا تحريكه؟ قال: نعم! ولو يقول بخلاف هذا تَرَكَ قوله. » (ص 16) « فإن أبا الهذيل كان يزعم أن الله إذا فعل بقاءهم وسكونهم استحال أن يقال: هو قادر على أن يفعل بهم ما قد فعله، وأن يوجد فيهم ما قد أوجده. ولكنه كان قبل أن يخلق البقاء لهم والسكون فيهم قادراً على خلق البقاء وخلق السكون وعلى أضدادهما. فلما خلق الحياة لهم والبقاء والسكون استحال القول بأن الله يقدر على أن يفعل الحياة التي قد فعلها والسكونَ الذي قد فعله، أو البقاء الذي أوجده أو أضدادهما من الافناء
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ص 15.
2 الكتاب نفسه، ص 92.

153

والحركة والموت، لأن الفعل إذا خرج من القدرة خرج ضدُّه منها بخروجه » (ص 17).
ويزيدنا عبد القاهر البغدادي في « الفَرْق بين الفِرَق » (ص 122 ـ 124، القاهرة، بدون تاريخ) إيضاحاً لموقف أبي الهذيل في هذه المسألة، وما يرد عليه من الزامات بسببها. قال البغدادي:
« من فضائح أبي الهذيل: قوله بفناء مقدورات الله ـ عز وجل ـ حتى لا يكون بعد فناء مقدوراته قادراً على شيء. ولأجل هذا زعم أن نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار يفنيان، ويبقى حينئذ أهلُ الجنة وأهلُ النار خامدين لا يقدرون على شيء، ولا يقدر الله عز وجل في تلك الحال على إحياء ميّت، ولا على إماتة حيّ، ولا على تحريك ساكن، ولا على تسكين متحرك، ولا على إحداث شيء، ولا على إفناء شيء، مع صحة عقول الأحياء في ذلك الوقت.
وقوله في هذا الباب شرٌّ من قول من قال بفناء الجنة والنار، كما ذهب إليه جَهْم، لأن جهماً وإنْ قال بفنائهما فقد قال بأن الله ـ عز وجل ـ قادر بعد فنائهما على أن يخلق أمثالهما، وأبو الهذيل يزعم أن ربه لا يقدر، بعد فناء مقدوراته، على شيء.
وقد شنع المعروف منهم (أي من المعتزلة) ? « المردار » على أبي الهذيل في هذه المسألة، فقال: يلزمه إذا كان وليّ الله عز وجل في الجنة قد تناول بإحدى يديه الكأس وبالأخرى بعض التحف، ثم حضر وقتُ السكون الدائم، أن يبقى وليُّ الله عز وجلّ أبداً على هيئة المصلوب.
وقد اعتذر أبو الحسين الخياط عن أبي الهذيل في هذا الباب باعتذارين:
أحدهما: دعواه أن أبا الهذيل أشار إلى أن الله عز وجل ـ عند قرب انتهاء مقدوراته ـ يجمع في أهل الجنة اللذات كلها، فيبقون على ذلك في سكون دائم؛

154

واعتذاره الثاني: دعواه أن أبا الهذيل كان يقول هذا القول مجادلاً به خصومه في البحث عن جوابه » (ص 122 ـ 123).
والبغدادي يشير إلى ما قاله أبو الحسين الخياط في كتابه « الانتصار »، ص 17 (بيروت سنة 1957) فيما يتعلق بالاعتذار الأول، وص 15 فيما يتعلق بالاعتذار الثاني؛ وقد أوردنا نص كلامه قبل هذا مباشرة.
ويبين البغدادي فساد ما اعتذر به الخياط، فيقول:
« واعتذاره الأول عنه باطِلٌ من وجهيْن:
أحدهما: أنه يوجب اجتماع لذتين متضادتين في محل واحد في وقت واحد ـ وذلك محال كاستحالة اجتماع لذة وألم في محل واحد؛
والوجه الثاني: أن هذا الاعتذار لو صح لوجب أن يكون أهلُ الجنة ـ بعد فناء مقدورات الله عز وجل ـ أحْسَنَ مِنْ حالهم في حال كونه قادراً.
وأما دعواه أن أبا الهذيل إنما قال بفناء المقدورات مجادلاً به غير معتقد لذلك، فالفاصِلُ بيننا وبين المعتذِرِ عنه كتبُ أبي الهذيل. وأشار في كتابه الذي سماه ? « الحجج » إلى ما حكيناه عنه. وذكر في كتابه المعروف بكتاب « القوالب » باباً في الرد على الدهرية، وذكر فيه قولهم للموحِّدين: إذا جاز أن يكون بعد كل حركةٍ حركةٌ سواها، لا إلى آخر، وبعد كل حادث حادثٌ آخر، لا إلى غاية ـ فهلا صحَّ قولُ من زعم أن لا حركة إلا وقبلها حركة، ولا حادث إلا وقبله حادث، لا عن أول ولا حالة قبله؟ فأجاب عن هذا الإلزام بتسويته بينهما، وقال (أي أبو الهذيل): كما أن الحوادث لها ابتداء لم يكن قبلها حادث، كذلك لها آخر لا يكون بعده حادث. ولأجل هذا قال بفناء مقدورات الله عز وجل. وسائر المتكلمين من أصناف فِرَق الإسلام فرقوا بين الحوادث الماضية والحوادث المستقبلة بفروق واضحةٍ لم يهتد إليها أبو الهذيل، فارتكب ـ لأجل جهله بها ـ قوله بفناء المقدورات.

155

وقد ذكرنا تلك الفروق الواضحة في باب الدلالة على حدوث العالم في كتبنا المؤلفة في ذلك » (« الفرق بين الفرق »، ص 123 ـ 124).
ومعنى هذا أن الداعي إلى قول أبي الهذيل بفناء المقدورات هو القاعدة التالية وهي: أن ما له بداية فله بالضرورة نهاية. وما دامت المقدورات لها بداية، لأنها ليست قديمة بل حادثة خلقها الله، فإن لها نهاية قطعاً. وفي مقابل ذلك: فإن ما لا بداية له، لا نهاية له، وهذه قاعدة مقررة عند أرسطو في إثباته لأزلية وأبدية الحركة. وأبو الهذيل لم يفعل هنا إلا أن طبق هذه القاعدة الأرسطية فيما يتعلق بما هو حادث. أي ما له بداية.
أما رد عبد القاهر البغدادي عليه فيقوم على أساس التفرقة بين الحالتين، والقول بأن ما له بداية فيمكن أن تكون له نهاية؛ بينما ما ليس له بداية فلا يمكن أن يكون له نهاية. وزعم أن هذا رأي « سائر المتكلمين من أصناف فرق الإسلام »، فهم في زعمه فرقوا بين الحوادث الماضية، والحوادث المستقبلة فأقروا البداية للأولى، ولم يقروا بالنهاية لمقدورات الله، أي قالوا بالأبدية لها دون الأزلية. ـ غير أننا لم نجد في « أصول الدين » للبغدادي ما يشير إليه هنا من أنه ذكر الفرق بين الحوادث الماضية والحوادث المستقبلة في باب الدلالة على حدوث العالم. ولا بد أن يكون ذلك في كتاب من كتبه المفقودة.
ورأيُ أبي هذيل في تناهي مقدورات الله سبقه إليه جهم بن صفوان الراسبي، رأس المجبِّرة الخالصة، فقد قال فيما رواه الأشعري في « مقالات الإسلاميين » (? 1، ص 224، القاهرة سنة 1950): « قال جهم بن صفوان: لمقدورات الله تعالى ومعلوماته غاية ونهاية، ولأفعاله آخرٌ، وإن الجنة والنار تفنيان، ويفنى أهلهما حتى يكون الله سبحانه آخراً لا شيء معه، كما كان أولاً لا شيء معه. » ثم يذكر الأشعري أن أهل الإسلام جميعاً قالوا: « ليس للجنة والنار آخر،

156

وإنما لا تزالان باقيتين، وكذلك أهل الجنة لا يزالون في الجنة يتنعمون وأهل النار لا يزالون في النار يُعذّبون، وليس لذلك آخر، ولا لمعلوماته ومقدوراته غاية ولا نهاية ». ويورد رأي أبي الهذيل هكذا: « قال أبو الهذيل: إن لمعلومات الله كُلاً وجميعاً، ولما يقدر الله عليه كلٌّ وجميعٌ، وإن أهل الجنة تنقطع حركاتهم ويسكنون سكوناً دائماً » (« مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 224).
فإذا أردنا أن نقارن بين رأي أبي الهذيل ها هنا وبين رأي الفلاسفة المسلمين المعاصرين له، وجدنا رأياً للكندي يخالف رأي أبي الهذيل، وذلك في تقرير القاعدة المتعلقة بما له بداية. إذ يرى الكندي أنه « ليس كلُّ ما له أول فله آخر، كالعدد له أول ولا آخر له. وكذلك الزمـان: لـه أول ولا آخر له. فكل (ذي) آخر فله بداية، وليس كل ذي بداية فله آخر1. » ولكنه رغم ذلك نراه في كتابه في « علة الكون والفساد » يومئ إلى ما يدل على أنه يرى أن للكون نهاية، إذ يقول « فقد اتضح أن قوام الأشياء الواقعة تحت الكون والفساد وثبات صورها إلى نهاية المدة التي أراد بارئ الكون للكون، جل ثناؤه، وحفظ نظمها، إنما يكون من قبل اعتدال الشمس في بعدها من الأرض ومن قِبَل سلوكها في الفلك المائل وانقيادها لحركة الفلك الأعظم المحرّك لها من المشرق إلى المغرب، ومِنْ قِبَل خروج مركز فلكها عن مركز الأرض، أعني في دنوها من مركز الأرض تارةً وبُعْدها منه تارة، لكون نهاية الزمان التي بها تكون الأكوان2 ». على أنه نظراً إلى ورود الفقرة الأولى
ــــــــــــــ
1 مخطوط أبا صوفيا رقم 4832 وفيه رسائل للكندي، ورقة 5. ولم ترد العبارة ضمن رسالة، بل وردت على حدة. راجع « رسائل الكندي الفلسفية »، تحقيق محمد عبد الهادي أبو ريده، ? 1، ص 30. القاهرة سنة 1950 م. وقد أصلحنا ما في النص من خطأ.
2 « رسائل الكندي الفلسفية »، ? 1، ص 231.

157

مبتورة من سياقها، غير مدرجة ضمن رسالة، لهذا لا نعرف مدى صحة نسبتها إلى الكندي، وربما كانت لغيره وهو ما نرجّحه، ونعتقد أنها مجرد عبارة علقها الناسخ في المخطوط لمجرد الفائدة. وربما تتأكد صحة فرضنا هذا من مراجعة المخطوط نفسه.
وقد تعرّض الغزالي لهذه القضية بالتفصيل في « تهافت الفلاسفة » حين بحث في إبطال قول الفلاسفة في أبدية العالم والزمان والحركة. « فإن العالم عندهم كما أنه أزلي لا بداية لوجوده، فهو أبديّ لا نهاية لآخره، ولا يتصور فساده ولا فناؤه، بل لم يزل كذلك، ولا يزال أيضاً كذلك. وأدلتهم الأربعة... في الأزلية جارية في الأبدية، والاعتراض كالاعتراض من غير فرق. فإنهم يقولون: إن العالم معلول، وعلّته أزلية أبدية، فكان المعلول مع العلة. ويقولون: إذا لم تتغير العلّة لم يتغيّر المعلول، وعليه بنوا منع الحدوث، وهو بعينه جار في الانقطاع. وهذا مسلكهم الأول.
ومسلكهم الثاني: أن العالم إذا عُدم فيكون عدمه بعد وجوده، فيكون له « بعْد » ـ ففيه إثبات الزمان.
ومسلكهم الثالث: أن إمكان الوجود لا ينقطع، فكذلك الوجود الممكن يجوز أن يكون على وفق الامكان. إلا أن هذا الدليل لا يقوى، فإنّا نحيل أن يكون أزليّاً، ولا نحيل أن يكون أبدياً، لو أبقاه الله تعالى أبداً، إذ ليس من ضرورة الحادث أن يكون له آخر، ومن ضرورة الفعل أن يكون حادثاً وأن يكون له أول. ولم يُوجب أن يكون للعالم لا محالة آخر إلا أبو الهذيل العلاف فإنه قال: كما يستحيل في الماضي دورات لا نهاية لها، فكذلك في المستقبل. وهو فاسد، لأن كل المستقبل قط لا يدخل في الوجود لا متلاحقاً ولا متساوقاً، والماضي قد دخل كله في الوجود متلاحقاً وإنْ لم يكن متساوقاً. وإذ قد تبيّن أنا لا نحيل بقاء

158

العالم أبداً من حيث العقل، بل نجوِّز إبقاءه وإفناءه، فإنما يعرف الواقع من قسمي الممكن بالشرع، فلا يتعلق النظر فيه بالعقول1 ».
وقد ردّ ابن رشد في « تهافت التهافت2 » على ما يقوله الغزالي ها هنا، ويعنينا ما يقوله في المسلك الثالث، لأنه هو المسلك الذي سلكه أبو الهذيل العلاف، فيقول:
« إذا سُلِّم لهم (أي للغزالي وأمثاله) أن العالم لم يزل إمكانه (أي أن إمكانه منذ الأزل) وأن إمكانه يلحقه حالة ممتدة معه يقدر بها ذلك الإمكان، كما يلحق الموجودَ الممكنَ إذا خرج إلى الفعل تلك الحالُ، وكان يظهر من هذا الامتداد أنه ليس له أول ـ صح لهم أن الزمان ليس له أوّل، إذ ليس هذا الامتداد شيئاً إلا الزمان. وتسمية من سماه « دهراً » لا معنى لها. وإذن كان الزمان مقارناً للإمكان، والإمكان مقارناً للوجود المتحرك، فالوجود المتحرك لا أوّل له.
وأما قولهم: إن كل ما وجد في الماضي فله أول، فقضية باطلة، لأن الأول يوجد في الماضي أزلياً كما يوجد في المستقبل.
وأما تفريقهم في ذلك بين الأول وفعله فدعوى تحتاج إلى برهان، لكون وجود ما وقع في الماضي مما ليس بأزلي غير وجود ما وقع في الماضي من الأزلي، وذلك أن ما يقع في الماضي من غير الأزلي هو متناهٍ من الطرفين، أعني أن له ابتداءً وانقضاءً. وأما ما وقع في الماضي من الأزلي فليس له ابتداءٌ ولا انقضاء. ولذلك لما كانت الفلاسفة لا يضعون للحركة الدورية ابتداءً فليس يلزمهم أن يكون لها انقضاء، لأنهم لا
ــــــــــــــ
1 الغزالي: « تهافت الفلاسفة »، ص 80، نشرة بويج، بيروت سنة 1927 م.
2 ابن رشد: « تهافت التهافت »، ص 119 ـ 124؛ نشرة بويج، بيروت سنة 1930.

159

يضعون وجودها في الماضي وجودَ الكائن الفاسد. ومَن سَلَّم ذلك منهم فقد تناقض. ولذلك كانت هذه القضية صحيحة: إن كل ما له ابتداء فله انقضاء. وأما أن يكون شيءٌ له ابتداء وليس له انقضاء فلا يصحّ، إلاّ لو انقلب الممكن أزليا: لأن كل ما له ابتداءٌ فهو ممكن. وأما أن يكون شيء يمكن أن يقبل الفساد ويقبل الأزلية فشيءٌ غير معروف، وهو مما يجب أن يُفحص عنه. وقد فحص عنه الأوائل: فأبو الهذيل موافق للفلاسفة في أن كل محدثٍ فاسدٌ، وأشدُّ التزاماً لأصل القول بالحدوث. ـ وأما مَن فرّق بين الماضي والمستقبل بأن ما كان في الماضي قد دخل كله في الوجود، وما في المستقبل فلا يدخل كله في الوجود، وإنما يدخل منه شيء فشيء ـ فكلام مموَّه. وذلك أن ما في الماضي بالحقيقة فقد دخل في الزمان، وما دخل في الزمان فالزمان يَفضلُ عليه بطرفيه، وله كلٌّ، وهو متناهٍ ضرورةً. وأما ما لم يدخل في الماضي كدخول الحادث فلم يدخل في الماضي إلا باشتراك الاسم، بل هو مع الماضي ممتدٌ إلى غير نهاية، وليس له كلٌ، وإنما الكلُّ لأجزائه. وذلك أن الزمان إن لم يوجد له مبدأ أول حادث في الماضي ـ لأن كل مبدأ حادث هو حاضر، وكل حاضر قبله ماضٍ ـ فما يوجد مساوقاً للزمان والزمان مساوقاً له فقد يلزم أن يكون غير متناه وألا يدخل منه في الوجود الماضي إلا أجزاؤه التي يحصرها الزمان من طرفيه، كما لا يدخل في الوجود المتحرك من الزمان في الحقيقة إلاّ الآن، ولا من الحركة إلاّ كون المتحرك على العِظم الذي يتحرك عليه في الآن الذي هو سيّال: فإنه كما أن الموجود الذي لم يزل فيما مضى لسنا نقول إن ما سلف من وجوده قد دخل الآن في الوجود، لأنه لو كان كذلك لكان وجوده له مبدأ، ولكان الزمان يحصره من طرفيه ـ كذلك نقول فيما كان مع الزمان، لا فيه. فالدورات الماضية إنما دخل منها في الوجود الوهمي ما حصره منها الزمان. وأما التي هي مع الزمان فلم تدخل بعدُ في الوجود الماضي، كما

160

لم يدخل في الوجود الماضي ما لم يزل موجوداً إذ كان لا يحصره الزمان وإذا تُصوِّر موجودٌ أزلي أفعاله غير متأخرة عنه على ما هو شأن كل موجود تم وجوده: أن يكون بهذه الصفة ـ فإنه إن كان أزلياً ولم يدخل في الزمان الماضي فإنه يلزم ضرورةً ألاّ تدخل أفعاله في الزمان الماضي، لأنها لو دخلت لكانت متناهية، فكان ذلك الموجود الأزلي لم يزل عادماً الفعلَ؛ ولما لم يزل عادماً الفعلَ فهو ضرورةً ممتنعٌ. والأليقُ بالموجود الذي لا يدخل وجوده في الزمان ولا يحصره الزمان أن تكون أفعاله كذلك، لأنه لا فرق بين وجود الموجود وأفعاله. فإن كانت حركات الأجرام السماوية وما يلزم عنها أفعالاً لموجود أزلي غير داخلٍ وجوده في الزمان الماضي ـ فواجبٌ أن تكون أفعاله غير داخلة في الزمان الماضي. فليس كل ما نقول فيه إنه لم يَزَل يجوز أن يقال فيه: قد دخل في الزمان الماضي، ولا أنه قد انقضى، لأن ما له نهاية فله مبدأ. وأيضاً فإن قولنا فيه: « لم يَزل1 » نفي لدخوله في الزمان الماضي، ولأن كل ما له مبدأ والذي يضع أنه قد دخل في الزمان الماضي يضع له مبدءاً، فهو يصادر على المطلوب. فإذن ليس بصحيح أن ما لم يزل مع الوجود الأزلي فقد دخل في الوجود، إلاّ لو دخل الموجود الأزلي في الوجود بدخوله في الزمان الماضي. فإذن قولنا: « كل ما مضى فقد دخل في الوجود » ـ يفهم منه معنيان: أحدهما أن كل ما دخل في الزمان الماضي فقد دخل في الوجود. وهو صحيح. وأما ما مضى مقارناً للوجود الذي لم يزل، أي لا ينفكّ عنه، فليس يصحّ أن نقول: « قد دخل في الوجود »، لأن قولنا فيه: « قد دخل » ـ ضدٌّ لقولنا إنه مقارن للوجود الأزلي. ولا فرق في هذا بين الفعل والوجود، أعني: من سلَّمَ إمكان وجود موجود لم يزل فيما مضى، فقد ينبغي أن يُسلِّم أن ها هنا أفعالاً لم تَزَل قَبلُ فيما مضى، وأنه ليس يلزم أن تكون أفعاله ولا بدَّ قد دخلت في الوجود، كما ليس يلزم في استمرار

ــــــــــــــ
1 لم يزل: أزلي.

161

ذاته فيما مضى أن يكون قد دخل في الوجود. وهكذا كله بيّنٌ كما ترى. وبهذا الموجود الأول يمكن أن توجد أفعال لم تزل ولا تزال. ولو امتنع ذلك في الفعل لامتنع في الوجود: إذ كل موجودٍ ففعُله مقارنٌ له في الوجود.
فهؤلاء القوم جعلوا امتناع الفعل عليه أزلياً ووجوده أزلياً ـ وذلك غاية الخطأ. لكن إطلاق اسم الحدوث على العالم، كما أطلقه الشرع، أخصّ به من إطلاق الأشعرية، لأن الفعل بما هو فعلٌ فهو مُحدث. وإنما يُتصور القِدَم فيه لأن هذا الإحداث والفعل المحدث ليس له أولٌ ولا آخر.
قلتُ: ولذلك عَسُر على أهل الإسلام أن يسمى العالم قديماً واللهُ قديمٌ. وهم لا يفهمون من القديم إلا ما لا علّة له. وقد رأيت بعض علماء الإسلام قد مال إلى هذا الرأي ».
والإشارة هنا طبعاً إلى أبي الهذيل العلاف. وواضح من كلام ابن رشد هذا أن موقفه هو بعينه موقف الفلاسفة وهو أن: كل ما له ابتداء فله انقضاء. والعالم له ابتداءٌ. إذن فالعالم له انتهاء.

ـ 3 ـ
كلام الله

وقد قسّم أبو الهذيل كلام الله إلى ما يحتاج إلى محل، وإلى ما لا يحتاج إلى محل. فقوله تعالى: « كُنْ » حادث لا في محل، وسائر كلامه حادث في جسم من الأجسام: كالأمر والنهي والاستخبار. وعلى هذا فإنه يرى أن أمر التكوين (« كُنْ ») غير أمر التكليف.

162

ويتصل بهذا قوله بحدوث إرادة الله، لا في محل. فأثبت إرادات لا محل لها، يكون الباري مريداً بها. كان أبو الهذيل أول من قال بذلك من المعتزلة فتابعه على ذلك سائرهم، وقالوا إن الله مريد بإرادة محدثة موجودة لا في محل1.
وعنده أن الله « إذا أراد الإحداث فإنه إنما يحدثه بقوله: « كُنْ » وهذه طريقته في الإعادة والإفنـاء. لكنه ليس يلزم ما يقوله... المُجبِّرةُ من أنـه كان يجب أن لا يمكنه إحداث « كُنْ » إلاّ ? « كُنْ » آخر كذلك فلا ينقطع، لأن غرضه بذلك أنه تعالى إذا أراد فعلاً من الأفعـال فإنما يفعله بأن يقول هذا القول (أي: كُنْ)، لا أنه لا يقدر على إحداثه إلا بهذه الطريقة2 ».
ففعل الخَلق يتم بكلمة الحضرة « كُنْ »؛ وكذلك فعل الإفنـاء، والإعـادة أي البعث. « وكُنْ » لا تحتاج إلى « كُنْ » سابقة فيتسلسل الأمر إلى غير نهاية، بل « كن » متجددة بحسب تجدد الإرادة: فكلما أراد الله فعلاً قال « كن ». ولما كان هذا فعل إيجاد، فهو مطلق من المكان، ليس ثم محلٌّ يحلّ به.
وإرادة الله ـ عند أبي الهذيل ـ غير مراده، وغير أمره. و« إرادته لمفعولاته ليست بمخلوقة على الحقيقة، بل هي مع قوله لها « كوني » خلقٌ لها. وإرادته للإيمان ليست بخلق له. وهي غير الأمر به. وإرادة الله قائمة به لا في مكان3. »
ــــــــــــــ
1 « شرح الأصول الخمسة » للقاضي عبد الجبار، ص 440.
2 « شرح الأصول الخمسة »، ص 562.
3 « مقالات الإسلاميين» للأشعري، ? 1، ص 244.

163

القرآن مخلوق:
وهذا يفضي بنا إلى الحديث عن المشكلة الأساسية التي اشتهر بها المعتزلة ووقع بسببها الكثير من الأحداث العنيفة والاضطهادات ـ وهي مشكلة خلق القرآن.
ولقد اختلفت المعتزلة في كلام الله « هل هو جسم، أم ليس بجسم؟ وفي خلقه ـ على ستة أقاويل:
1 ـ فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن كلام الله جسم، وأنه مخلوق. وأنه لا شيء إلا جسم.
2 ـ والفرقة الثانية منهم يزعمون أن كلام الخَلق عَرَض، وهو حركة، لأنه لا عَرَض عندهم إلا الحركة، ـ وأن كلام الخالق جسم، وأن ذلك الجسم صوتٌ مُقطع مؤلَّف مسموع، وهو فعل الله وخلقه. وإنما يفعل الإنسانُ القراءة، والقراءة الحركة، وهي غير القرآن. وهذا قول النظّام وأصحابه. وأحال النظّام أن يكون كلام الله في أماكن كثيرة أو في مكانين في وقت واحد. وزعم أنه في المكان الذي خَلقه الله فيه.
3 ـ والفرقة الثالثة من المعتزلة يزعمون أن القرآن مخلوقٌ لله، وهو عرَضٌ، وأبوا أن يكون جسماً. وزعموا أنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد، إذا تلاه تالٍ فهو يوجد مع تلاوته، وكذلك إذا كتبه كاتبٌ وُجد مع كتابته، وكذلك إذا حفظه حافظ وجد مع حفظه. فهو يوجد في الأماكن بالتلاوة والحفظ والكتابة، ولا يجوز عليه الانتقال والزوال. ـ وهذا قول أبي الهذيل وأصحابه. وكذلك قوله في كلام الخلق أنه جائزٌ وجوده في أماكن كثيرة في وقت واحد.
ـ والفرقة الرابعة منهم يزعمون أن كلام الله عرَض، وأنه مخلوق، وأحالوا أن يوجد في مكانين في وقت واحد. وزعموا أن المكان الذي

164

خلقه الله فيه محالٌ انتقاله وزواله منه ووجوده في غيره. ـ وهذا قول جعفر بن حرب وأكثر البغداديين.
5 ـ والفرقة الخامسة منهم أصحاب مُعَمّر: يزعمون أن القرآن عَرَضٌ. والأعراض عندهم قسمان: قسم منها يفعله الأحياء، وقسم منها يفعله الأموات. ومحال أن يكون ما يفعله الأموات فعلاً للاحياء. والقرآن مفعول، وهو عَرَضٌ. ومحال أن يكون الله فعله في الحقيقة، لأنهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلاً لله. وزعموا أن القرآن فِعلٌ للمكان الذي يُسمع منه، إن سُمع من شجرة فهو فعلٌ لها، وحيثما سُمع فهو فعلٌ للمحلّ الذي حلّ فيه1 ».
وإذا استعرضنا المذاهب الأخرى في مسألة خلق القرآن وجدنا:
1 ـ أن الحشوية النوابت من الحنابلة ذهبت « إلى أن هذا القرآن المتلوّ في المحاريب والمكتوب في المصاحف ـ غير مخلوقٍ ولا مُحدَث، بل قديم مع الله تعالى:
2 ـ وذهبت الكُلاّبِية إلى أن كلام الله تعالى هو معنى أزلي قام بذاته تعالى، مع أنه شيء واحد: توراة، وإنجيل، وزبور، وفرقان، ـ وأن هذا الذي نسمعه ونتلوه حكاية كلام الله تعالى. وفرّقوا بين الشاهد الغائب...
3 ـ وقالوا إن كلامنا هو الذي نسمعه وليس هو بمعنى قائم بذات المتكلم ككلام الله تعالى ـ وإلى هذا المذهب ذهب الأشعري2. » وقالت الأشعرية: « كلام الله تعالى صفة ذات لم تزل غير مخلوقة، وهو غير الله تعالى، وخلاف الله تعالى، هو غير علم الله تعالى، وإنه ليس لله تعالى إلاّ كلام واحد3 ».
ــــــــــــــ
1 « مقالات الإسلاميين » للأشعري ? 1، ص 245 ـ 246.
2 « شرح الأصول الخمسة »، ص 527 ـ 528.
3 « الفصل » لابن حزم، ? 3، ص 5.

165

4 ـ « واختلفت المرجئة في القرآن: هل هو مخلوق أم لا؟ على ثلاث مقالات: فقال قائلون منهم إنه مخلوق، وقال قائلون منهم إنه غير مخلوق، وقال قائلون منهم بالوقف وإنا نقول: كلام الله سبحانه لا نقول أنه مخلوق ولا غير مخلوق » (« مقالات الإسلاميين »، 1/ 215).
5 ـ « وكل الخوارج يقولون بخلق القرآن (« مقالات الإسلاميين »، 1/ 174).
6 ـ أما الروافض الشيعة فقد اختلفوا إلى فرقتيْن:
أ ـ « فالفرقة الأولى ـ منهم هشام بن الحكَم وأصحابه: يزعمون أن القرآن لا خالق ولا مخلوق. وزاد بعضُ مَنْ يُخبر على المقالات في الحكاية عن هشام، فزعم أنه كان يقول: لا خالق ولا مخلوق، ولا يقال أيضاً: غير مخلوق، لأنه صفة، والصفة لا توصف. وحكى زُرقان عن هشام بن الحكم أنه قال: القرآن على ضربين: إن كنت تريد المسموعَ فقد خلق عز وجل الصوت المقطَّع، وهو رسم القرآن، فأما القرآن فهو فعل الله مثل العلم والحركة، لا هو هو، ولا غيره.
ب ـ والفرقة الثانية منهم يزعمون أنه مخلوق محدث، لم يَكُن ثم كان ـ كما تزعم المعتزلة والخوارج ـ، وهؤلاء قومٌ من المتأخرين منهم » (الكتاب نفسه، ص 109 ـ 110).
7 ـ أما ابن حزم فيرى أن « القرآن » اسم مشترك يطلق على خمسة معانٍ هي:
أ ـ كلام الله حقيقةً.
ب ـ الصوت الملفوظ من القرآن.
? ـ المفهوم من ذلك الصوت.
د ـ المصحف.
? ـ المستقر في الصدور من القرآن.

166

« فهذه خمسة معانٍ يعبِّر عن كل معنى بأنه قرآن، وأنه كلام الله، ويخبر عن كل واحد منها إخباراً صحيحاً بأنه القرآن، وأنه كلام الله تعالى بنص القرآن والسنة اللذين أجمع عليهما جميع الأمة. وأما الصوت فهو هواء مندفع من الحلق والصدر والحنك واللسان والأسنان والشفتين إلى آذان السامعين، وهو حروف الهجاء، والهواء. وحروف الهجاء والهواء كل ذلك مخلوق، بلا خلاف. قال الله ـ. عز وجل ـ: « وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم » (إبراهيم: 4)، وقال تعالى: « بلسان عربي مبين » (الشعراء 195). واللسان العربي، ولسان كل قوم هو لغتهم. واللسان واللغات ـ كل ذلك مخلوق بلا شك.
والمعاني المعبَّر عنها بالكلام المؤلف من الحروف المؤلفة إنما هي: الله تعالى، والملائكة، والنبيون، وسموات وأرضون، وما فيهما من الأشياء، وصلاة وزكاة، وذكر أمم خالية، والجنة والنار وسائر الطاعات وسائر أعمال الدين. وكل ذلك مخلوق، حاشا الله وحده لا شريك له خالقُ كلِّ ما دونه.
وأما المصحف فإنما هو ورق من جلود الحيوان، ومركب منها، ومن مدادٍ مؤلف من صمغ وزاج وعفص وماء. وكل ذلك مخلوق. وكذلك حركة اليد في خطه، وحركة اللسان في قراءته، واستقراء كل ذلك في النفوس ـ هذه كلها أعراض مخلوقة، وكذلك عيسى ـ عليه السلام ـ هو كلمة الله، وهو مخلوق بلا شك، قال الله تعالى: « بكلمة منه اسمه المسيح » (آل عمران 45).
وأما علم الله تعالى فلم يزل (= فهو أزلي)، وهو كلام الله تعالى، وهو القرآن، وهو غير مخلوق، وليس هو غير الله تعالى أصلاً. ومن قال إن شيئاً غير الله تعالى لم يزل مع الله عز وجل فقد جعل لله عز وجل شريكاً.

167

وتقول إن لله ـ عز وجل ـ كلاماً حقيقةً، وإنه ـ تعالى ـ كَلَّم موسى ومن كَلَّم من الأنبياء والملائكة ـ عليهم السلام ـ تكليماً حقيقةً لا مجازاً. ولا يجوز أن يقال ألبتة إن الله تعالى: « متكلم »، لأنه لم يُسَمِّ بذلك نَفْسَه. ومن قال إن الله تعالى « مُكَلِّم موسى » لم ننكره، لأنه يخبر عن فعله تعالى الذي لم يكن ثم كان. ولا يحلّ لأحد أن يقول: إنما قلنا إن لله كلاماً لنفي الخَرَس عنه، لما ذكرنا قبلُ من أنه: إن كان يعني الخَرَس المعهود فإنه لا ينتفي إلا بالكلام المعهود الذي هو حركة اللسان والشفتين؛ وإن كان إنما ينفي خرساً غير معهود فهذا لا يُعْقَل أصلاً ولا يُفْهَم. وأيضاً فيلزمه (على هذا الادعاء) أن يسميه تعالى شماماً لنفي الخشم عنه، ومتحركاً لنفي الخدَر. وهذا كله إلحادٌ في أسمائه عز وجل. لكن لما قال تعالى إن له كلاماً قلناه وأقررنا به. ولو لم يقله عز وجل لم يحلَّ لأحد أن يقوله1 ».
ورأي أبي الهذيل في مسألة خلق القرآن يلخصه الأشعري في «مقالات الإسلاميين2» فيقول:
كان أبو الهذيل يقول: « إن الله ـ عز وجل ـ خلق القرآن في اللوح المحفوظ. وهو عَرَضٌ. وإن القرآن يوجد في ثلاثة أماكن: في مكان هو محفوظ فيه، وفي مكان هو مكتوب فيه، وفي مكان هو فيه متلوّ ومسموع. وإن كلام الله سبحانه وتعالى قد يوجد في أماكن كثيرة على سبيل ما شرحناه، من غير أن يكون القرآن منقولاً أو متحركاً أو زائلاً في الحقيقة، وإنما يوجد في المكان مكتوباً أو متلواً أو محفوظاً،
ــــــــــــــ
1 ابن حزم: « الفصل في الملل والأهواء والنحل »، ? 3، القاهرة سنة 1321 ?، والخشم: سقوط الخياشيم. والأخشم: من لا يكاد يشم شيئاً، أي لا يجد رائحة طيب أو نتن.
2 « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 242 ـ 243. القاهرة سنة 1954 م.

168

فإذا بطلت كتابته من الموضع لم يكن فيه من غير أن يكون عُدِم أو وجدت كتابته في الموضع وجد فيه بالكتابة من غير أن يكون منقولاً إليه، فكذلك القول في الحفظ والتلاوة على هذا الترتيب؛ وإن الله سبحانه إذا أفنى الأماكن كلها التي يكون فيها محفوظاً أو مقروءاً أو مسموعاً عُدِم وبطَل. وقد يقول أيضاً إن كلام الإنسان يوجد في أماكن كثيرة محفوظاً ومحكياً.
وإلى هذا القول كان يذهب محمد بن عبد الوهاب الجبائي ».

الأخرويات

أحوال أهل الجنة والنار
وفي باب الأخرويات وصلت إلينا بعض آراء أبي الهذيل:
ومنها قوله « بأن أهل الآخرة مضطرون إلى ما يكون منهم. وإن أهل الجنة مضطرون إلى أكلهم وشربهم وجماعهم؛ وإن أهل النار مضطرون إلى أقوالهم، وليس لأحد في الآخرة من الخلق قدرة على اكتساب فعل، ولا على اكتساب قول. والله ـ عز وجل ـ خالِقُ أقوالهم وحركاتهم وسائر ما يوصفون به » (« الفرق بين الفرق »، ص 74، القاهرة 1948).
وهذا هو ما دعا الشهرستاني إلى أن يقول إن أبا الهذيل يقول بالاختيار في الدنيا، وبالجبر في الآخرة إذ يرى أنّ حركات أهل الجنة والنار في الآخرة ضرورية كلها، « لا قدرة للعباد عليها، وكلها مخلوقة للباري تعالى، إذ لو كانت مكتسبة للعباد لكانوا مكلّفين بها ». ومعنى هذا أن

169

ما دعا أبا الهذيل إلى هذا القول، وهو أن حركات أهل الجنة والنار في الآخرة كلها ضرورية، هو أنها لو كانت مكتسبة أي مختارة مرادة بإرادتهم لكانوا مكلّفين بها، وبالتالي مسؤولين عنها، وبالتالي يستحقون عليها العقاب أو الثواب، وهكذا إلى غير نهاية. فلما كانوا مخلدين حيث هم، فمن الواجب ألا تفرض عليهم تكاليف قد تؤدي بهم إلى ما يخرجهم من الجنة أو من النار. والحجة هنا عقلية منطقية، كما هو شأن أبي الهذيل دائماً. « إن الآخرة دار جزاء وليست بدار تكليف: فلو كان أهل الآخرة مكتسبين لأعمالهم لكانوا مكلفين، ولوقع ثوابهم وعقابهم في دارٍ سواها ». كما شرح أبو الحسين الخياط، فيما أورده، البغدادي (الكتاب نفسه، ص 75).
وكان ابن الراوندي في « فضيحة المعتزلة » قد هاجم أبا الهذيل في هذه المسألة هجوماً قاسياً، فقال بحسب ما أورده أبو الحسين الخياط في « الانتصار »: « ثم قال الماجن السفيه (= ابن الراوندي): وقد كان أبو الهذيل يزعم أن أهل الجنة ـ مع زوال الآفات عنهم وصحة عقولهم وأجسادهم ـ لا يقدرون على قليل من الأفعال ولا كثير، وانهم مضطرون إلى ما هم فيه من حركة أو سكون أو قيام أو قعود أو نظر أو استماع أو شم أو تناول أو إعطاء أو كلام أو سكوت؛ وأنهم بمنزلة الحجارة التي إن حُركت تحركت وإن تُركت وقفت على حالٍ واحدة. ولن يزالوا ـ عنده ـ هكذا حتى يرد عليهم السكونُ الدائم الذي هو آخر ما في قدرة الله عنده. فإذا ورد عليهم صاروا وربهم في حالة واحدة في استحالة الأفعال منهم. ومن قال اليومَ عند أبي الهذيل وأصحابه: إن الله يقدر في وقت السكون على فعلة واحدة أو كلمة أو على تغيير حال بعض خلقه، فقد أخطأ » (ص 70، تحقيق نيبرج، القاهرة سنة 1925).
وقد رد الخياط على هذا فقال موضحاً موقف أبي الهذيل: « اعلم

170

ـ علمك الله الخير ـ أن أبا الهذيل كان يزعم أن الدنيا دار عمل وأمر ونهي ومحنة واختبار؛ والأخرة دار جزاء، وليست بدار عمل ولا دار أمر ولا نهي ولا محنة ولا اختبار. قال (أي أبو الهذيل): فأهل الجنة يتنعمون فيها ويلذون، والله تعالى المتولي لفعل ذلك النعيم الذي يصل إليهم، وهم غير فاعلين له. قال (أي أبو الهذيل): ولو كانوا في الجنة ـ مع صحة عقولهم وأبدانهم ـ يجوز منهم اختيار الأفعال ووقوعها منهم لكانوا مأمورين منهيين. ولو كانوا كذلك لوقعت منهم الطاعة والمعصية. ولكانت الجنة دار محنة وأمر ونهي. ولم تكن دار ثواب، وكان سبيلها سبيلَ الدنيا. وقد جاء الاجماع بأن الدنيا دار عمل وأمر ونهي، والآخرة دار جزاءٍ وليست بدار أمرٍ ولا نهي. وهذا الاجماع يوجب ما قلتُ.
فهذه حجة أبي الهذيل في نفيه أن يكون أهل الجنة يفعلون في الحقيقة.
وأما قول صاحب الكتاب (كتاب « فضيحة المعتزلة » أي ابن الراوندي): « إن أهل الجنة عند أبي الهذيل بمنزلة الحجارة »، فقد كذب (فيه) وقال الباطل: الحجارة موات، ليست بحية ولا عالمة؛ وأهل الجنة عند أبي الهذيل أحياء عقلاء فهماء. فما يشبه أهل الجنة عنده من الحجارة؟ لولا جهل صاحب الكتاب.
وأما قول صاحب الكتاب (= ابن الراوندي): « إنهم إذاً صاروا وربهم بمنزلة واحدة في استحالة الفعل منهم » ـ فكذبٌ وزور. سبحان الذي « ليس كمثله شيء » (الشورى: 11)! ويله! أليس قد يزعم أنه ليس بملكٍ ولا جان، والله جل ثناؤه عنده ليس بملك ولا جان ـ أفتراه يعتقد أنه وربه في ذلك بمنزلة واحدة؟ ما أبين جهل صاحب الكتاب وأظهر حمقه!
ثم قال (= ابن الراوندي): « وبلغني أن هشاماً (يريد هشاماً الفوطي) كان يقول في قصصه به: زعم أبو الهذيل أن وليّ الله،

171

بينا هو يتناول الكأس من بعض أزواجه في نعيمه بيده اليمنى، ويتناول من بعضهم بعض ما أتحفه الله به بيده اليسرى ـ إذ حضر وقتُ السكون الدائم الذي هو آخر الأفعال وهو على تلك الحال، فبقي كهيئة المصلوب ماداً يديه في جهتين مختلفتين. وهذا ضربٌ من التشويه، والله يتعالى عن التشويه بأوليائه ».
اعلم ـ أيدك الله ـ أن أبا الهذيل كان يجيب على ذلك القول الذي كان يبوره وينظر فيه: أن الله تعالى يُصَيّر أولياءه عند مجيء ذلك السكون على أجمل حال وأحسن هيئة حتى يصيروا ساكنين على أجمل حالٍ وأحسنها.
ثم قال (أي ابن الراوندي): « وقد قص به جعفر بن حرب في بعض كتبه ». ثم ذكر كلاماً لجعفر بن حرب يقصُّ به ذلك المذهب.
يقال له: الذي يدل على عِظَم قدر المعتزلة في الكلام وأنهم أرباب النظر دون جميع الناس أنك عند ذكر مخالفة بعضهم لبعض لم تقدر أن تحكي لمخالف لهم حرفاً واحداً؛ وإنما سأل بعضهم بعضاً. فأما كلمة واحدة لغيرهم فلا يقدر عليها ـ لتعلَمَ أن الكلام لهم دون من سواهم. ومن بعدُ ـ فهذا باب قد كان أبو الهذيل ترك الكلام فيه؛ فلا وجه لذكره به1 ».
ومن رد الخياط هذا يتبين:
1 ـ أن أبا الهذيل بحث في هذه المسألة على سبيل البور والنظر، أي الحجاج والجدل، لا على سبيل التقرير؛
2 ـ أنه ترك الكلام فيها فيما بعد؛
3 ـ أن الداعي إليه إلى هذا القول هو أن الآخرة دار ثواب وعقاب،
ــــــــــــــ
1 أبو الحسين الخياط: « الانتصار »، ص 70 ـ 72، تحقيق نيبرج. القاهرة سنة 1925.

172

وليست دار عمل ولا نهي ولا محنة واختبار؛ لهذا كان أصحاب الجنة والنار مجبرين على أفعالهم، غير مسؤولين عنها.
وقد لمح عبد القاهر البغدادي في رد الخياط هذا أن الخياط نفسه لا يؤمن بما ذهب إليه أبو الهذيل؛ كما لم يؤمن به أكثر المعتزلة، بدليل الرد الساخر الذي رد به عليه زميله ومعاصره هشام الفوطي.
ويرد البغدادي على أبي الهذيل في هذه المسألة فيقول: « قلنا لأبي الهذيل: ما تنكر من كون أهل الآخرة مكتسبين لأعمالهم، وأن يكونوا فيها مأمورين بالشكر لله عزّ وجلّ على نعمه، و لا يكونوا فيها مأمورين بصلاةٍ ولا زكاةٍ ولا صيام، ولا يكونوا منتهين عن المعاصي، ويكون ثوابهم على الشكر وترك المعصية دوام النعيم عليهم؟ وما أنكرت عليهم من أنهم يكونون في الآخرة مُنتهين عن المعاصي ومعصومين منها، كما قال أصحابنا مع أكثر الشيعة: إن الأنبياء عليهم السلام كانوا في الدنيا منتهين عن المعاصي ومعصومبن عنها، وكذلك الملائكة منتهون عن المعاصي ومعصومون عنها ولذلك قال الله عز وجل فيهم: « لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون » (التحريم: 6).
ورد البغدادي هنا متهافت:
1 ـ أولاً لأن افتراضه العصمة والانتهاء بالضرورة عن المعاصي هو بعينه الجبر، وفي هذه الحالة لا فرق بين ما يقوله أبو الهذيل وما يريد هو أن يقوله هنا.
2 ـ ثانياً إن قوله إن « ثوابهم على الشكر وترك المعصية دوامُ النعيم عليهم » معناه أن ثم جزاء، وعقاباً؛ وبالتالي ستكون الجنة دار امتحان، وكذلك النار. وهو وما لا يقول به البغدادي نفسه والأشاعرة عامة وأهل السنة. وهم جميعاً يقرون بأن دخول الجنة والنار نتيجة أعمال في الدنيا؛ وأن من دخل سيبقى فيها أبداً؛ سواء كان دخوله من

173

البداية، أو بعد أخذ قسط من العذاب في النار على ما ارتكب من قليل الآثام في الدنيا.

الإيمـان
عند أبي الهذيل وأصحابه أن « الإيمان هو جميعُ الطاعات: فَرْضُها ونفلُها؛ وإن المعاصي على ضربيْن: منها صغائر، ومنها كبائر؛ على ضربين: منها ما هو كفر، ومنها ما ليس بكفر. وأن الناس يكفرون من ثلاثة أوجه: رجل شَبّه الله بخلقه؛ ورجل جوّره في حكمه أو كذّبه في خبره، ورجل ردّ ما أجمع المسلمون عليه من نبيهم ـ صلعم ـ نصاً وتوقيفاً.
فأكْفَر هؤلاء من زعم أن الباري جسم مؤلفٌ محدود. ولم يكفِّروا من سماه جسماً. ولم يعطه معاني الأجسام.
وأكفروا من زعم أن الله ـ سبحانه! ـ يُرى كما تُرى المرئيات بالمقابلة أو المحاذاة أو في مكانٍ حالاً فيه دون مكان؛ ولم يزعموا أنه يرى لا كالمرئيات.
وأكفروا من زعم أن الله خلق الجور، وأراد السفه، وكلف الزّمْنَى والعجزة الذين فيهم العجز ثابت. لأن هؤلاء ـ بزعمهم ـ سَفَّهوا الله وجَوَّره، ولم يكفِّروا من قصد إلى قادر على الفعل فقال: قد كلفه الله ـ سبحانه! ـ وليس بقادر، لأنه قد كذب على القادر عندهم فأخبر أنه ليس بقادر، ولم يكذب على الله في تكليفه إياه، ولا وصفه بالعبث عندهم...
وحكى عنه (أي عن أبي الهذيل) أن الصغائر تُغْفَر لمن اجتنب الكبائر، على طريق التفضُّل، لا على طريق الاستحقاق.
وزعم (أي أبو الهذيل) أن الإيمان كله إيمان بالله: منه ما تركُه

174

كفر؛ ومنه ما تركه فِسْقٌ ليس بكفر: كالصلاة وصيام شهر رمضان؛ ومنه ما تركه صغير ليس بفسق ولا كفر؛ ومنه ما تركه ليس بكفر ولا بعصيان: كالنوافل1. »

هل توجد طاعة لا يراد الله بها؟
نسب ابن الراوندي إلى أبي الهذيل قوله بطاعات لا يراد الله بها. ورد في «الانتصار» للخياط:
« ثم قال صاحب الكتاب (= ابن الراوندي): وكان يزعم (أي أبو الهذيل) أنه قد يطيع الله بعد المعرفة به والإقرار والقدرة على الإخلاص من لا يتقرب إليه بعمله، ولا يبتغي به وجهه. وليس على وجه الأرض دهري يزعم أنه لا ربّ، ولا خالق، ولا ثواب ولا عقاب إلا وهو عند أبي الهذيل ـ مع هذا من قوله ـ مطيعٌ لله بضربٍ من الطاعات لا يحصيها إلا الله.
ثم قال (أي ابن الراوندي): وهذا خلاف ما أجمعت عليه الأمة، لأن الأمة بأسرها تزعم أنه ليس مع الدهري شيء من طاعة الله، بل معه الكفر والضلال والجهل؛ وكلهم يقول: لن يطيع الله إلا من أخلص عمله له.
ثم قال (= ابن الراوندي): وقد شاركه في جملة هذا القول: النظّام والمردار وجميعُ أصحاب المُهْلة. » (ص 72 ـ 73).
وقد كذبه الخياط في هذا الذي نسبه إلى أبي الهذيل وقال: « إن أبا الهذيل كان يقول في هذا الباب الذي حكيته عنه من طاعة لا يراد
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 303 ـ 304. القاهرة سنة 1950 م.

175

الله بها: وجدتُ الله تعالى قد نهى الخلقَ جميعاً عن النصرانية والمجوسية وأمرهم بتركهما. قال (أي أبو الهذيل): ووجدتُ المجوسيَّ تاركاً للنصرانية معتقداً1 للمجوسية فاعلاً لها، فعلمتُ أنه عاصٍ بفعله المجوسية التي قد نهى الله عنها، مطيعاً بتركه للنصرانية التي أُمِر بتركها. قال (أي أبو الهذيل): ولو جاز أن يؤمَر بترك النصرانية ويتركها ولا يكون مطيعاً لمن أمره بتركها جاز أن يكون منهياً عن فعل المجوسية فيفعلها، ولا يكون عاصياً لمن نهاه عن فعلها. قال (أبو الهذيل): وذاك أن المعصية فعلُ ما نُهيت عنه، والطاعة فعل ما أُمرت به. فكل من أُمر بشيء ففعله فقد أطاع الآمر له؛ وكل من نُهي عن شيء ففعله فقد عصى الناهي له. وكذلك كان يقول في الدهري التارك للمجوسية والنصرانية: إنه مطيعٌ بتركهما، لأنه أُمِر أن يتركهما، وهو عاصٍ كافر بقوله بالدهر، لأنه قد نُهي عنه. وكان يقول: ليس ترك الدّهري للتقرب إلى الله بترك المجوسية والنصرانية بمخرجٍ له من أن يكون طاعةً، لأنه أُمِر به وبالتقرب به إلى الله، فهو مطيع بفعله له عاصٍ بتركه التقرب إلى الله به.
وهذا باب لا يُحسن فيه الكلام سوى المعتزلة؛ لا تجد على أبي الهذيل في هذا الباب حرفاً واحداً لرافضي ولا لمرجئ ولا لخارجي ولا لحشوي، ولا تجد الكلام عليه إلا لإخوانه المعتزلة، مثل النظّام وأصحابه وبشر بن المعتمر وأصحابه.
وأما قول صاحب الكتاب: « هذا خلافُ ما عليه أمة محمد ».. فإن الكلام في طاعة لا يراد الله بها لا يخطر على بال أكثر الأمة، وإنما يخطر ببال المتكلمين فقط وخلافُ أبي الهذيل وأصحابه عليهم خلافٌ.
ــــــــــــــ
1 في نص نيبرج: معتمداً.

176

وأمّـا قوله: « وقد شاركه في جملة هذا القول: النظّام والمردار وجميع أصحاب المهلة » فقد كذب وقد قال الباطل. قول النظّام والمردار وأصحاب المهلة إنه لا يطيع الله ـ جل ذكره ـ إلا من قد عرفه وتقرب إليه بطاعته، إلا الناظر المفكر قبل أن يصل إلى المعرفة، فإنه يستحيل أن يفعل النظر الذي هو عندهم طاعةٌ إلا على الوجه الذي فعله. وهذا قولهم بعينه » (« الانتصار »، ص 73 ـ 75؛ تحقيق نيبرج، القاهرة سنة 1925).

177


الاستطاعة

معنى الاستطاعة هو أن القدرة متقدمة على مقدورها، غير مقارِنة له. وتسمى أيضاً قوة وطاقة.
وقد بحث المتكلمون في أن القدرة هل يجب أن تتقدم على مقدورها، أو لا يجب.
ويفرقون بين المقدورات بأنها على ضربين: مبتدأ كالإرادة، ومتولد كالصوت.
ومن رأي المعتزلة أن القدرة متقدمة على مقدورها؛ ومن رأي المجبرة أنها مقارنة له.
قال الأشعري1 في وصف مذهب المعتزلة في هذه المسألة: « أجمعت المعتزلة على أن الاستطاعة قبل الفعل، وهي قدرة عليه وعلى ضده. وهي غير مُوجِبة للفعل. وأنكروا بأجمعهم أن يكلف الله عبداً ما لا يقدر عليه. »
لكنهم اختلفوا في الاستطاعة هل تبقى، أم لا:
« فقال أكثر المعتزلة إنها تبقى. وهذا قول أبي الهذيل وهشام وعبّاد
ــــــــــــــ
1 « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 275، القاهرة سنة 1950.

178

وجعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر والإسكافي وأكثر المعتزلة.
وقال قائلون: لا تبقى وقتين، وإنه يستحيل بقاؤها؛ وإن الفعل يوجد في الوقت الثاني بالقدرة المتقدمة المعدومة. ولكن لا يجوز حدوثه مع العجز، بل يخلق الله في الوقت الثاني قدرة، فيكون الفعل واقعـاً بالقدرة المتقدمة ـ وهذا قول أبي القاسم البلخي وغيره من المعتزلة. » (« مقالات الإسلاميين »، 1/ 275).
فالفريق الأول ومنهم أبو الهذيل يرون أن الاستطاعة للفعل تبقى عند الفاعل لإحداث ما يصدر عنه من أفعال؛ أما الفريق الثاني فيرى أنها تزول بانتهاء الفعل، وتتجدد مع كل فعل جديد؛ أي أن كل فعل يستلزم خلق قدرة جديدة. ولا بد أن أصحاب الفريق الثاني هم من يرون أن العرض لا يبقى زمانين، والاستطاعة عندهم عرض، فلا بد من خلقها عند مباشرة كل فعل، ونحن نعلم1 أن أبا القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي (المتوفى سنة 319 ?) قد قال بهذا الرأي الذي سيقول به الأشاعرة فيما بعد في القرن الخامس، وخصوصاً الباقلاني وإمام الحرمين.
لكن رأي أبي الهذيل صريح في أن « الاستطاعة يحتاج إليها فعل الفعل؛ فإذا وجد الفعل لم يكن بالإنسان إليها حاجةٌ بوجه من الوجوه. وقد يجوز وقوع العجز في الوقت الثاني فيكون مجامعاً للفعل، ويكون عجزاً عن فعل: لأن العجز عندك لا يكون عجزاً عن موجود، فيكون الفعل واقعاً بقدرة معدمة. وجوّز وجود أقل قليل الكلام مع الخرس، وجوّز الفعل مع الموت بالاستطاعة المتقدمة، ولم يجوّز وجـود العلم مع الموت، ولا وجود الإرادة مع الموت. » (« مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 276).
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 44. القاهرة سنة 1950 م.

179

وقـد كان بعض المتكلمين يجوّزون « حلول القـدرة والعلم والسمع والبصر مع الموت » (الكتاب نفسه، ? 2، ص 10).

مدى قدرة الإنسان

بحث المتكلمون في مدى قدرة الإنسان، فقال الغلاة من الروافض إن الباري قادر أن يُقدر عباده على فعل الأجسام والألوان والطعوم والأراييح وسائر الأفعال. وقال النظّام إنه لا عرض إلاّ والباري جائز أن يُقْدِر على ما هو من جنسه، ولا عرض عنده إلاّ الحركة، لهذا فليس بجائز أن يُقْدِر الله الخلق إلا على الحركات. فأما الألوان والأراييح والحرارة والبرودة والأصوات. فمحال أن يُقْدِر اللهُ عباده عليها.
أما أبو الهذيل فقال: « جائزٌ أن يُقْدِر اللهُ عباده على الحركات والسكون والأصوات والآلام وسائر ما يعرفون كيفيته. فأما الأعراض التي لا تُعرف كيفيتها كالألوان والطعوم والأراييح والحياة والموت والعجز والقدرة فليس يجوز أن يُوصَفَ الباري بالقدرة على أن يُقْدِرهم على شيء من ذلك » (الكتاب نفسه، ? 2، ص 60).

180


دقيق الكلام

الجسم

يعرف أبو الهذيل الجسم بأنه « هو ما له يمين وشمال، وظهر وبطن، وأعلى وأسفل. وأقل ما يكون الجسم ستة أجزاء: أحدهما يمين والآخر شمال، وأحدهما ظهر والآخر بطن، وأحدهما أعلى والآخر أسفل. وإن الجزء الواحد الذي لا يتجزأ يماس ستة أمثاله. وإنه يتحرك ويسكن، ويجامع غيره، ويجوز عليه السكون والمماسة. ولا يحتمل اللون والطعم والرائحة ولا شيئاً من الأعراض ـ غير ما ذكرنا ـ حتى تجتمع هذه الستة الأجزاء. فإذا اجتمعت فهي الجسم، وحينئذ يحتمل ما وصفنا » (« مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 5، القاهرة).
ولكنه يعرفه أيضـاً بما يعرفه به أهـل الرياضيات والفلاسـفة اليونانيون وهـو أن « الجسم هو الطويل العريض العميق » (? 2، ص 8).
وتبعاً لهذا التعريف فإنه يقول إن الجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ (= الذَّرة) محالٌ أن يكون جسماً، لأنه ليس بذي طول ولا عرض ولا عمق. وقد شارك أبا الهذيل في هذا الرأي مُعَمّر بن عبّاد وأبو علي الجبائي.
وهذا يقودنا إلى الكلام عن رأيه في الجزء الذي لا يتجزأ.

181

الجوهر الفرد (الذرة)

يقول أبو الهذيل1 « إن الجسم يجوز أن يفرّقه الله سبحانه ويُبطل ما فيه من الاجتماع حتى يصير جزءاً لا يتجزأ، وإن الجزء الذي لا يتجزأ لا طول له، ولا عرض له، ولا عمق له، ولا اجتماع فيه ولا افتراق، وإنه قد يجوز أن يجامع غيره وأن يفارق غيره، وإن الخردلة يجوز أن تتجزأ نصفين ثم أربعة، ثم ثمانية، إلى أن يصير كل جزء منها لا يتجزأ.
وأجاز أبو الهذيل على الجزء الذي لا يتجزأ: الحركة والسكون والانفراد، وأن يماسَّ ستة أمثاله بنفسه، وأن يجامع غيره ويفارق غيره، وأن يُفْرده (الله) فتراه العيون ويخلق فينا رؤية له وإدراكاً له. ولم يُجز عليه اللون والطعم والرائحة والحياة والقدرة والعلم وقال: لا يجوز ذلك إلا للجسم، وأجاز عليه من الأعراض ما وصفنا (أي الحركة والسكون... الخ) ».
وكان يخالفه في هذا القول النظّام2، الذي كان يرى أن التجزّؤ يمكن أن يستمر إلى غير نهاية، وكان يقول: « لا جزء إلاّ وله جزء، ولا بَعْضَ إلاّ وله بعض، ولا نصف إلا وله نصف، وإن الجزء جائزٌ تجزئته أبداً، ولا غاية له في باب التجزؤ. »
فأبو الهذيل إذن من دعاة المذهب الذرّي، وربما كان أول من دعا إليه بين المسلمين، وتبعه في ذلك معمّر بن عبّاد وهشام الفوطي، وكانا معاصرين له (ولا نعلم تاريخ وفاتيهما بدقة).
والجوهر الفرد عنده لا طول له ولا عرض ولا عُمق ـ وهذا هو تعريف النقطة. فهل كان يتصور الجوهر الفرد على أنه نقطة؟ هذا هو
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 14، القاهرة سنة 1950 م.
2 الكتاب نفسه، ? 2، ص 16.

182

ما يستخلص من تعريفه. ولا محل إذن لشك ?ينس في ذلك شكاً هو أميل إلى نفي الشك حين قال: « وأنا أميل إلى الشك في أن المتكلمين في هذا العصر الباكر كانوا يتصورون ـ عن شعور تام ـ أن الأجزاء التي لا تتجزأ هي بمثابة النقط، وإن كانت الآراء التي عرضتُها (يشير إلى ما نقله عن « مقالات الإسلاميين » من آراء أبي الهذيل ومعمر وهشام في تعريفهم الجوهر الفرد والجسم) قد تدل في ذاتها على ذلك، أعني أن النقطتين تكوّنان خطّاً1 ».
ونحن نعلم أن الذريين اليونانيين الأوائل (ليو??س وديمقريطس) كانوا يرون أن الذرات هي أجسام لا تقبل القسمة، وهي غير مرئية، ولا تختلف بعضها عن بعض إلا من حيث الشكل والحجم، وهي تجتمع وتفترق في الخلاء، ويتولد عن ذلك كون الأشياء وفسادها، وتختلف الأشياء باختلاف أوضاع الذرات في تأليفها. وقد شبهها أرسطو (« ما بعد الطبيعة »، م1، ف4، ص 985 ب س 15 وما يليه) بحروف الهجاء، وحتى تختلف فيما بينها بالشكل، وتؤلف كلمات مختلفة المعاني. وصفات الأجسام تتوقف إذن إما على شكل الذرات أو على ترتيبها وحركاتها. ومع ذلك فإن الكيفيات المحسوسة ليست كلها موضوعية تنتسب إلى الأشياء نفسها. وإنما الصفات الموضوعية التي في الذرات هي: الشكل، الصلابة، العدد، الحركة. وفي مقابل ذلك نجد أن الحار والبارد، والطعوم والروائح والألوان هي مجرد مظاهر محسوسة ناشئة عن أشكال أو تأليفات خاصة للذرات، ولا تنتسب إلى الذرات نفسها2. وحركة الذرات تتعين بقوانين
ــــــــــــــ
1 « مذهب الذرة عن المسلمين »، ترجمة أبي ريده، ص 6. القاهرة، سنة 1946 م.
2 الشذرة رقم 5 لديمقريطس، في نشرة ديلز: « شذرات السابقين على سقراط ».

183

ثابتة. فكما يقول ليو??س: « لا شيء يحدث دون سبب، بل كل شيء يحدث عن سبب وبالضرورة » (شذرة 2، في نشرة ديلز). والحركة الأصيلة للذرات تجعلها تدور وتصطدم في كل الاتجاهات مما يتولد عنه دوامة، ينجم عنها أن الأجزاء الأثقل تذهب إلى المركز بينما الأخف تغدو إلى المحيط. وثقلها الذي يجعلها تميل نحو المركز هو أثر من آثار حركتها الدوَّامية. وعلى هذا النحو تنشأ عوالم كثيرة وتفسد.
وقال بالمذهب الذري في الهند مدرسة ?يشسكا، وأصحاب مذهب الجينا وبعض المدارس البوذية. لكنهم أضافوا إلى الذرات كيفيات محسوسة، ولم يستخدموا فكرة الخلاء.
ولا ندري هل عرف أبو الهذيل المذهب الذري من الهنود أو من الفلسفة اليونانية. ذلك أنه كان يعيش في البصرة، وهي كانت ملتقى الثقافة الهندية بالثقافة العربية الإسلامية، لأنها كانت الميناء الرئيس للقادمين من الهند: من تجار وغير تجار. لكننا لا نستطيع أن نقرر شيئاً في ذلك لأنه ليس لدينا في المصادر التي بين أيدينا ما يدل على نقل مذاهب الهند في الذرات والطبيعيات بعامة في عصر أبي الهذيل أو قبله. فالافتراض الوحيد الباقي هو أن تكون معرفته بمذهب الهنود في الذرات ـ إن صحّ أنه عرفه عنهم ـ قد حدثت شفاهاً ومحاورةً.
أما أن يكون قد عرف المذهب الذري اليوناني فهذا أكثر ترجيحاً، لأن لدينا المصادر التي تدل على معرفة المسلمين به في أوائل القرن الثالث للهجرة:
1 ـ فلدينا أولاً ما أشار إليه الكتاب المنسوب إلى فلوطوخس بعنوان: « في الآراء الطبيعية التي ترضى بها الفلاسفة »، وقد ترجمه قسطا بن لوقا، وهو معاصر لأبي الهذيل1.
ــــــــــــــ
1 راجع نشرتنا له في كتابنا: « في النفس لأرسطوطاليس... »، القاهرة سنة 1954.

184

2 ـ كتاب « الطبيعة » و« ما بعد الطبيعة » لأرسطوطاليس. وهذا الأخير قد ترجمه كله اسطاث للكندي (« الفهرست » لابن النديم، ص 251، تحقيق فلوجل)، وربما كان في وسع أبي الهذيل أن يطلع عليه.

السكون والحركة

كان أبو الهذيل يرى أن الجسم يجوز أن يتحرك لا عن شيء، ولا إلى شيء (مقالات الإسلاميين 2/ 19) وأن الأجسام قد تتحرك في الحقيقة، وتسكن في الحقيقة، والحركة والسكون هما غير الكون، والجسم في حال خلق الله له لا ساكن ولا متحرك (الكتاب نفسه، 2/ 21).
والأرض ساكنة، والعالم ساكن، وقد جعل الله الأرض ساكنة واقفة لا على شيء (2/ 22).
وفي الحركة المكانية عنده لا بد أن يمر الجسم المتحرك بالأمكنة كلها، وأحال أن يصير الجسم إلى مكان دون أن يمر بما قبله. وكان النظّام يقول « إنه قد يجوز أن يكون الجسم الواحد في مكان، ثم يصير إلى المكان الثالث ولم يمر بالثاني على جهة الطفرة، واعتلّ في ذلك بأشياء، منها الدوامة: يتحرك أعلاها أكثر من حركة أسفلها، ويقطع الحز (!) أكثر مما يقطع أسفلها وقطبها. قال: وإنما ذلك لأن أعلاها يماسُّ أشياء لم يكن حاذى ما قبلها » (2/ 18).
ولا يحل الجزء الواحد (= الجوهر الفرد) حركتان (2/ 16).
والذين قالوا إن الحركات أعراض غير الأجسام اختلفوا في الحركات: هل هي مشتبهة أم لا، وهل هي جنس واحد أم أجناس كثيرة أم ليست بأجناس؟

185

« فقال أبو الهذيل: الحركة لا يجوز أن تشبه الحركة، وكذلك العرض لا يجوز أن يشبه العرض، لأن المشتبهين يشتبهان باشتباه. ولكن قد يقال: إن الحركة شبه الحركة.
وزعم أن الإنسان يقدر على حركة وسكون. فإن فعل الحركة في الوقت الثاني من وقت قدرته وفعل معها كوناً يمنةً فهي حركة يمنة، وإن فعل معها كوناً يسرة فهي حركة يسرة ـ وكذلك القول في سائر الجهات، لأنا إذا قلنا « حركة يمنة » فقد ذكرنا الحركة وكوناً يمنةً، وكذلك إذا قلنا « الحركة يسرة » فإنما ثبتنا الحركة وكوناً يسرةً.
والحركات عنده غير الأكوان والمماسات، وكذلك السكون عنده غير الأكوان والمماسات. ولم يكن يزعم أنه قادر أن يفعل في الوقت الأول حركاتٍ في الثاني، وإنما يقدر على حركة وسكون. فأي الأكوان فعله في الثاني فالحركة حركة في تلك الجهة مع السكون. ولم يكن يجعل حركةً خلافاً لحركة. وكان أيضاً لا يزعم أن الأعراض لا تختلف، لأن المختلف باختلاف يختلف عنده. وكان لا يزعم أن الخلاف ما كان الشيئان به مختلفين، وكذلك الوفاق ما كانا به متفقين. وكان يزعم أن شيئاً يخالف شيئاً بنفسه أو شبهه أو يوافقه بنفسه. وكان لا يقول: الباري مخالِفٌ للعالم » (« مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 39).
« وحركة الجسم عن المكان الأول إلى الثاني تحدث فيه وهو في المكان الثاني في حال كونه فيها، وهي انتقاله عن المكان الأول وخروجه عنه. وسكون الجسم في المكان هو لُبْثه فيه زمانين. فلا بد في الحركة عن المكان من مكانين وزمانين، ولا بد للسكون من زمانين » (الكتاب نفسه، ? 2، ص 42).

186

علم الإنسان

الإنسان في تعريف أبي الهذيل « هو الشخص الظاهر المرئيُّ الذي له يدان ورجلان. وحُكِي أن أبا الهذيل كان لا يجعل شعر الإنسان وظُفره من الجملة التي وقع عليها اسم الإنسان... وكان أبو الهذيل لا يقول إن كل بعض من أبعاض الجسد فاعلٌ على الانفراد، ولا أنه فاعلٌ مع غيره، ولكنه يقول: الفاعل هو وهذه الأبعاض. » (« مقالات الإسلاميين »، 2/ 24 ـ 25).
وفي مقابل ذلك نجد بشر بن المعتمر يقول إن الإنسان جسد وروح، وإنهما جميعاً إنسان، وإن الفعّال هو الإنسان الذي هو جسد وروح، والنظّام يقول إن الإنسان هو الروح، ولكنها مُداخِلةٌ للبدن مشابِكة له، وإن كل هذا في كل هذا، وإن البدن آفة عليه وحبس وضاغط له (الكتاب نفسه، ? 2، ص 25 ـ 26). ولفهم موقف النظّام هذا نقول إنه كان يرى أن الروح هو جسم، وهي النفس. أما أبو الهذيل فيرى أن النفس معنى غير الروح، والروح غير الحياة، والحياة عنده عَرَض (2/ 29) وقال أنه يجوز أن يكون الإنسان في حال نومه مسلوب النفس والروح، دون الحياة. واستشهد على ذلك بقوله تعالى: « الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها » (سورة الزمر: 42).

الحواس

اختلف المعتزلة في الحواس الخمس هل هي جنس واحد، أو أجناس مختلفة. فقال كثير، منهم الجبائي، إنها أجناس مختلفة: فجنس السمع

187

غير جنس البصر، وكذلك حكم كل حاسة. وهي على اختلافها أعراض غير الحسّاس. وأبو الهذيل يقول إن كل حاسة خلاف الحاسة الأخرى، ولا يقول هي مخالفة لها، لأن المخالف هو ما كان مخالفاً بخلاف. وأما الجاحظ فكان يرى أن الحواس جنس واحد، وأن حاسة البصر من جنس حاسة السمع ومن جنس سائر الحواس. وإنما يكون الاختلاف في جنس المحسوس وفي مواقع الحسّاس، لا غير ذلك، لأن النفس هي التي تدرك من هذه الطرق، وإنما اختلفت فصار واحدٌ منها سمعاً والآخر بصراً، والثالث شمّاً على قدر ما مازجها من الموانع. فأما جوهر الحساس فلا يختلف، ولو اختلف جوهر الحساس تمانع وتفاسد كتمانع المختلف وتفاسد المتضاد.

الأعراض

اختلف المتكلمون في السبب في تسمية أحوال الجسم أعراضاً:
« 1 ـ فقال قائلون: سميت بذلك لأنها تعترض في الأجسام وتقوم بها، وأنكر هؤلاء أن يوجد عَرَضٌ لا في مكان، أو يحدث عرض لا في جسم، وهذا قول النظّام وكثير من أهل النظر.
2 ـ وقال قائلون: لَمْ تُسَمَّ الأعراض أعراضاً لأنها تعترض في الأجسام، لأنه يجوز وجود أعراض لا في جسم وحوادث لا في مكان... وهذا قول أبي الهذيل.
3 ـ وقال قائلون: إنما سُمّيت الأعراض أعراضاً لأنها لا لُبث لها، وان هذه التسمية إنما أُخذت من قول الله عز وجل: « قالوا هذا عارض مُمطِرنا » (46: 24) فسمّوه عارضاً لأنه لا لبث له، وقال:

188

« تريدون عَرَض الدنيا » (8: 67) فسُمِّي عَرَضاً لأنه إلى انقضاء وزوال.
4 ـ وقال قائلون: سُمي العرض عَرَضاً لأنه لا يقوم بنفسه، وليس من جنس ما يقوم بنفسه.
5 ـ وقال قائلون: سميت المعاني القائمة بالأجسام أعراضاً باصطلاح مَنْ اصطلح على ذلك من المتكلمين. فلو منع هذه التسمية مانع لم تجد عليه حجةً من كتاب أو سُنة أو إجماع من الأمة وأهل اللغة. وهذا قول طوائف من أهل النظر منهم جعفر بن حرب.
6 ـ وكان عبد الله بن كُلاَّب يسمي المعاني القائمة بالأجسام أعراضاً، ويسميها أشياء، ويسميها صفات. » (« مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 53 ـ 54).
* * *
واختلفوا في الأعراض هل تبقى أم لا؟
« 1 ـ فقال قائلون: الأعراض كلها لا تبقى وقتيْن، لأن الباقي إنما يكون باقياً بنفسه، أو ببقاء فيه. فلا يجوز أن تكون باقية بأنفسها، لأن هذا يوجب بقاءها في حال حدوثها. ولا يجوز أن تبقى ببقاءٍ يحدث فيها، لأنها لا تحتمل الأعراض. والقائل بهذا أحمد بن علي الشطوي، وقال به أبو القاسم البلخي ومحمد بن عبد الله بن مُمَلَّك الأصبهاني. ـ وزعم هؤلاء أن الألوان والطعوم والأراييح والحياة والقدرة والعجز والموت والكلام والأصوات أعراضٌ، وأنها لا تبقى وقتيْن. وهم يثبتون الأعراض كلها، ويزعمون أنها لا تبقى زمانين.
2 ـ وقال قائلون: إنه لا عَرَض إلاّ الحركات، وإنه لا يجوز أن تبقى. والقائل بهذا: النظام.
3 ـ وقال أبو الهذيل: الأعراض منها ما يبقى، ومنها ما لا يبقى،

189

والحركات كلها لا تبقى. السكون منه ما يبقى ومنه ما لا يبقى. وزعم أن سكون أهل الجنة سكون باقٍ، وكذلك أكوانهم، وحركاتهم منقطعة متقضية لها آخر. وكان يزعم أنّ الألوان تبقى، وكذلك الطعوم والأراييح والحياة والقدرة تبقى لا في مكان. ويزعم أن البقاء هو قول الله عزّ وجلّ للشيء: ابْقه، وكذلك في بقاء الجسم وفي بقاء كل ما يبقى من الأعراض. وكذلك كان يزعم أن الآلام تبقى وكذلك اللذات. فآلام أهل النار باقية فيهم، ولذات أهل الجنة باقية فيهم » (« مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 44).
وكان يرى أن الأجسام ترى، وكذلك الحركات والسكون والألوان والاجتماع والافتراق والقيام والقعود والاضطجاع. والإنسان يرى الحركة إذا رأى الشيء متحركاً، ويرى السكون إذا رأى الشيء ساكناً برؤيته له ساكناً، وكذلك القول في الألوان والاجتماع والافتراق والقيام والقعود والاضطجاع. وكل شيء إذا رأى الرائي الجسم عليه فَرَق بينه وبين غيره إذا كان على غير تلك المنظرة، وفَرَق بينه وبين غيره مما ليس على منظره ـ فهو راءٍ لذلك الشيء.
وكان يرى أن الإنسان يلمس الحركة والسكون يلمسه للشيء متحركاً أو ساكناً، لأنه قد يفرق بين الساكن والمتحرك بلمسه له ساكناً ومتحركاً، كما يفرق بين الساكن والمتحرك برؤيته لأحدهما ساكناً والآخر متحركاً، وكذلك كل شيء من الأجسام إذا لمسه الإنسان فَرَق بينه وبين غيره مما ليس على هيئته بلمسه إياه فهو يلمس ذلك العَرَضَ، وكان يزعم أن الألوان لا تُلمَس، لأن الإنسان لا يفرق بين الأسود والأبيض باللمس.
وكان الجبائي يوافقه في رؤية الأجسام والأعراض، وكان يخالفه في لمس الأعراض.
ويرى النظّام أن من المحال أن تُرى الأعراض، وإنه لا عَرَض

190

إلاّ الحركة. ومحال أن يرى الإنسان إلاّ الألوان، والألوان أجسام، ولا جسم يراه الرائي إلا لون. (راجع « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 46 ـ 47).

الخلق والبقاء والفناء

خلق الشيء ـ عند أبي الهذيل ـ هو تكوينه بعد أن لم يكن. وهو إرادة الله له وقوله له « كُنْ » ولا يجوز أن يخلق الله شيئاً لا يريده ولا يقول له « كُنْ ».
والله يخلق العرض ويخلق الجوهر. والله يخلق الشيء بمعنى أنه يبتدئه بعد أن لم يكن. والابتداء هو خلق الشيء أول مرة، والإعادة خلقه مرة أخرى.
وخلق الشيء غير الشيء، وإعادته له غيره وهو خلقه له بعد فنائه؛ « وإرادة الله سبحانه للشيء غيرهُ، وإرادته للإيمان غير أمره به. وكان يثبت الابتداء غير المبتدأ، والإعادة غير المُعاد » (« مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 48).
وعلى العكس من ذلك كان النظّام يرى أن الخَلق « هو الشيء المخلوق، وكذلك الابتداء هو المُبتدأ، والإعادة هي المعاد، والإرادة من الله سبحانه تكون إيجاداً للشيء، وهي الشيء، وتكون أمراً وهي غير المراد » (الكتاب نفسه، ? 2، ص 49).
أما البقاء فقال عنه أبو الهذيل إنه « غير الباقي، والفناء غير الفاني؛ والبقاء (هو) قول الله عز وجل للشيء: ابْقَ! والفناء قوله: افْنَ! » (الكتاب نفسه، ? 2، ص 50).

191

« والبقاء والفناء لا يوجدان لا في مكان، وكذلك الخلق، وكذلك الوقت لا في مكان، ولا يجوز أن يوجد أكثر من وقت واحد. » (الكتاب نفسه، ? 2، ص 51).

التولـد

من الموضوعات الشائقة التي احتدم الجدل حولها بين المتكلمين مسألة التولُّد.
والتولّد هو أن يحصل الفعل من فاعله بتوسط فعلٍ آخر: كحركة المفتاح بحركة اليد، وحدوثُ جرح بسبب الإصابة بحجر أو بسهم أطلقه إنسان، وذهاب الحجر الحادث عندما يدفعه دافع له، وانحداره الحادث عن طرحه، وكنحو الألم الحادث عند الضرب.
ويشرحه ابن حزم في « الفصل » (5/ 59) فيقول: « تنازع المتكلمون في معنىً عبروا عنه بالتولد: وهو أنهم اختلفوا فيمن رمى سهماً فجرح به إنساناً أو غيره، وفي حرق النار وتبريد الثلج وسائر الآثار الظاهرة من الجمادات. فقالت طائفة: ما تولد من ذلك عن فعل إنسانٍ أو حيٍّ فهو فعل الإنسان والحيّ. واختلفوا فيما تولد من غير حيٍّ: فقالت طائفة هو فعل الله، وقالت طائفة: ما تولد من غير حيّ فهو فعل الطبيعة، وقال آخرون: كل ذلك فِعْلُ الله عز وجل ».
ومن هذا يتبين أن التولد يقصد به العِلِّيَّة أو السببية، أي: من هو الفاعل لما يقع من أفعال؟ وطبيعي أن ينسب المعتزلة إلى الإنسان الفاعلية فيما يباشره.
ويبين عبد القاهر البغدادي في « أصول الدين » موقف المعتزلة فيقول:

192

« زعم أكثر القدرية (= المعتزلة) أن الإنسان قد يفعل في نفسه فعلاً يتولد منه فعلٌ في غيره، ويكون هو الفاعل لما تولَّد، كما أنه هو الفاعل لسببه في نفسه، وكذلك الضارب متولّد عن ضربه. وزعموا أيضاً أن فاعل السبب لو مات عُقَيب السبب ثم تولّد من ذلك السبب فعلٌ بعد مائة سنة لصار ذلك الميت فاعلاً له بعد موته وافتراق أجزائه بمائة سنة. وأجاز المعروف منهم ببشر بن المعتمر أن يكون السمع والرؤية وسائر الإدراكات وفنون الألوان والطعوم والروائح متولدةً عن فعل الإنسان » (ص 137 ـ 138).
وقد هاجم ابن الراوندي مذهب أبي الهذيل ومن وافقه من المعتزلة على تثبيت التولد، فقال فيما أورده أبو الحسين الخياط في كتاب « الانتصار »:
« ثم قال (ابن الراوندي): وجميع من وافقه (أي وافق أبا الهذيل) من المعتزلة على تثبيت التولد يزعمون أن الموتى يقتلون الأصحاء الأشداء على الحقيقة دون المجاز، وأن المعدومين يقتلون الموجودين ويخرجون أرواحهم من أجسادهم على التحقيق دون الاتساع والاطلاق. » (ص 76).
وهذا إلزام من ابن الراوندي على ما ذهب إليه أبو الهذيل ومن وافقه من المعتزلة على أن من أطلق سهماً مثلاً ومات فوراً وأصاب السهم شخصاً فمات، وكان موته بعد موت من أطلق السهم فإنه يعد فاعلاً لموته لأنه سبب فيه. فألزم ابن الراوندي على هذا ـ تهكماً ـ أن يكون الميت فاعلاً للقتل.
وقد رد الخياط على هذا الالزام فقال: « إن أراد بقوله: إن الموتى يقتلون الأصحاء، وإن المعدومين يقتلون الموجودين: أن الموتى يباشرون العمل بجوارحهم وسيوفهم فيضربون الأعناق فهذا محال، وليس هذا قول أحدٍ من المعتزلة ولا من غيرهم. وإن أراد أن الأحياء القادرين على

193

الأفعال يفعلون في حال حياتهم وصحتهم وسلامتهم وقدرتهم أفعالاً تتولد عنها أفعالٌ بعد موتهم فيُنسب ما يتولد عن أفعالهم بعد موتهم إليهم، إذ كانوا قد سنوه في حياتهم وفعلوا ما أوجبه. وذلك كرجلٍ أرسل حجراً من رأس جبل فهوى إلى الأرض. ثم أن الله أمات المُرسِل للحجر قبل أن يصل الحجر إلى الأرض، فنقول: إن هويّ الحجر بعد موت المُرسِل متولّدٌ عن إرساله إياه، فهو منسوب إليه دون غيره. وكذلك نقول في رجل نزع عن قوسه يريد الهدف، فلما خرج السهم عن قوسه أمات الله الرامي، فنقول: إن ذهاب السهم بعد الرامي متولّد عن رميته، فهو منسوبٌ إليه لا إلى غيره. والدليل على ذلك أن ذهاب السهم عند رمي الرامي به لا يعدو خصالاً أربعاً:
إما أن يكون فعلاً لله، أو للسهم، أو فعلاً لا فاعل له، أو فعلاً للرامي.
وليس يجوز أن يكون فعلاً لله، لأن الرامي لا يُدخِل الله ـ جل ثناؤه ـ في أفعاله ولا يضطره إليها، لأن الله تعالى مختار لأفعاله. فقد كان يجوز أن يرمي الرامي ولا يحدث اللهُ ذهاب السهم فلا يذهب. ولو جاز هذا، جاز أن يعتمد جبريل ـ عليه السلام ـ على جوزة فيدفعها فلا يحدث الله ذهابها فلا تذهب، وجاز أن يعتمد أقوى الخلق بأحدّ ما يكون من السيوف على قناةٍ فلا يحدث الله قطعها فلا تنقطع. وجاز أن يُجْمَع بين النار والحلفاء فلا يُحدِث الله إحراقها فلا تحترق. وهذا ضربٌ من التجاهل، والتجاهل باب من السوفسطائية.
قلنا (أي الخياط): ولا يجوز أن يكون ذهاب السهم فعلاً للسهم. لأن السهم موات ليس بحيّ ولا قادر. وما كان كذلك لم يَجُز منه الفعل، كما لا يجوز أن يختار ولا يريد ولا يعلم.
ولا يجوز أن يكون ذهاب السهم فعلاً لا فاعل له، لأن ذلك لو جاز

194

لجاز أن يوجد كتاب لا كاتب له، وصياغة لا صائغ لها، ولو جاز ذلك جاز أن يوجد كاتب لا كتابة له، وفاعلٌ لا فعل له. وهذا محال.
فلما فسدت هذه الوجوه كلها لم يبقَ إلا أن ذهاب السهم منسوب إلى الرامي به دون غيره، إذ كان هو المسبِّب له.
ثم إني أعلمك ـ علمك الله الخير ـ أن صاحب الكتاب (= ابن الراوندي) داخل في كل ما شنّع به على من أثبت التولد من المعتزلة. وذاك أنا نقول له: حَدثنا عن إنسان نزع في قوسه. فلما فصل السهمُ من يده أماته الله أو أفناه وأعدمه. ثم إن السهم بعد ذلك وصل إلى إنسان فقتله: حَدِّثْنا مَنْ القاتل له؟ فمن قوله: « إن الرامي القاتل له، وقتله إياه هو الإرادة لأن يرميه بالسهم، غير أنه لا يُسمَّى قاتلاً، ولا تسمّى تلك الإرادة قتلاً حتى يصل السهم إلى المرميّ. وتخرج روحه من جسده » ـ يُقال له: فإذا كان السهم إنما وصل إلى المرميّ وخرجت روحه بعد أن أمات الله الرامي أو أعدمه ـ أفلست قد سميته قاتلاً وهو ميت وهو قاتل للحي، وأن المعدوم يسمى قاتلاً للموجود الحيّ القادر؟ وهذا ما أنكرته على أبي الهذيل، وعلى من أثبت التولد من المعتزلة. (« الانتصار »، ص 76 ـ 78).
والاعتراض الذي وجهه ابن الراوندي ـ أو الالزام على أبي الهذيل ـ سيكرره كل خصوم المعتزلة: من الأشعري، حتى البغدادي. مما يؤكد مرة أخرى الدور الخطير الذي لعبه ابن الراوندي في مهاجمة آراء المعتزلة.
والبديل الثالث الذي ذكره الخياط في تقسيمه، وهو أن يكون فعلاً لا فاعل له، قد قال به ثمامة بن الأشرس إذ قال: « إن الأفعال المتولدة لا فاعل لها1 ».
ــــــــــــــ
1 عبد القاهر البغدادي: « أصول الدين »، ص 138، استانبول سنة 1928 م.

195

أما النظّام فله رأي خاص انفرد به دون سائر المعتزلة، ولهذا نَقَدوه في ذلك، وهو قوله: « إن المولّدات كلها من أفعال الله تعالى بإيجاب الخلقة1 »، لأنه كان من القائلين بأن للأشياء طبائع عنها تصدر أفعالها بالطبع.
ويقول الشهرستاني (« الملل والنحل »، ? 1، ص 81، بهامش « الفصل ») إن بشر بن المعتمر « هو الذي أحدث القول بالتولد، وأفرط فيه ». وقد توفي بشر سنة 210 ?2.
وسنرى أن الأشاعرة سينكرون التولّد إنكاراً تاماً لأنهم ينسبون الفعل كله لله، ولم يقروا بوجود قوانين ولا طبائع، ولهذا « أجازوا أن يمد الإنسان الوتر بالسهم ويرسل يده ولا يذهب السهم. وأجازوا أيضاً أن يقع سهمه على ما أرسله، ولا يكسره ولا يقطعه. وأجازوا أيضاً أن يجمع الإنسان بين النار والحلفاء فلا تحرقها، على نقض العادة، كما أجرى العادة بأن لا يخلق الولد إلاّ بعد وطء الوالدين ولا السِّمَن إلا بعد العلف، ولو أراد خَلْقَ ذلك ابتداءً لقدر عليه3. »
ويصف الأشعري مذهب أبي الهذيل في التولّد فيقول:
« قال أبو الهذيل ومَنْ ذهب إلى قوله: إن كل ما تولّد عن فعله مما تُعْلَم كيفيته فهو فعله، وذلك كالألم الحادث عن الضرب، وذهاب الحجر عند دفعه له، وكذلك انحداره عند زجّه الزاج به من يده، وتصاعده عند رمية الرامي (به) صُعُداً، وكالصوت الحادث عن
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ص 139.
2 كما قال الذهبي في تاريخه: « بشر بن المعتمر أبو سهل شيخ المعتزلة وصاحب التصانيف، توفي سنة 210 ?، وأرخه ابن النجار »؛ وذكر هذه السنة أيضاً السمعاني في « الأنساب » تحت اسم « البشريّ ».
3 « أصول الدين » للبغدادي، ص 138.

196

اصطكاك الشيئيْن، وخروج الروح إنْ كانت الروح جسماً أو بطلانها إنْ كانت عرضاً، فذلك كله فعله.
وزعم أنه قد يفعل في نفسه وفي غيره بسبب يحدثه في نفسه، فأما اللذة والألوان والطعوم والأراييح، والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، والجبن والشجاعة، والجوع والشبع، والإدراك والعلم الحادث في غيره عند فعله ـ فذلك أجمعُ عنده فعلُ الله سبحانه.
وكان بشر بن المعتمر يجعل ذلك أجمع فعلاً للإنسان إذا كان سببه منه.
وكان أبو الهذيل يزعم أن ذلك أجمع لا يتولد عن فعله، ولا يعلم كيفيته، وإنما فعله في نفسه الحركة والسكون في نفسه، أو في غيره، وما يتولد عن ضربه، والاصطكاك الذي يفعله بين الشيئيْن.
وكان يزعم أن الإنسان يفعل في غيره الأفعال بالأسباب التي يحدثها في نفسه، وأن إنساناً لو رمى إنساناً بسهم ثم مات الرامي قبل وصول السهم إلى المرمى، ثم وصل السهم إلى المرميِّ فآلمه وقتله انه يحدث الألم والقتل الحادثَ بعدُ حالَ موته بالسبب الذي أحدثه وهو حيٌ، وكذلك لو عُدِم لكان يفعل في غيره وهو معدومٌ بسبب كان منه وهو حيٌ. وليس يجوز عنـده، ولا عند بشر بن المعتمر، أنْ يفعل الإنسان قـوةً ولا حيـاةً ولا جسماً » (الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 79 ـ 80. القاهرة، سنة 1954).

197


ابراهيم النظّام

حياته

هو أبو اسحق ابراهيم بن سيّار النظّام.
يقول عنه المرتضى في « أماليه » (? 1، ص 187): « وقيل عنه إنه مولى الزياديين من ولد العبيد »، وفي « الفِصل » لابن حزم (? 4، ص 193) أنه « مولى بني بُجير بن الحارث بن عباد الضُّبَعي ».
ولقب ? « النظّام » لأنه « كان نظّاماً للكلام المنثور والشعر الموزون »، كما يقول المعتزلة، أو لأنه « إنما كان ينظم الخرز في سوق البصرة، ولأجل ذلك قيل له النظّام1 ».
و« هو من أهل البصرة2 ».
ولكننا لا نعرف تاريخ ميلاده. واختلفت الأقوال في تاريخ وفاته:
1 ـ فقال ابن نباتة3 إن النظام توفي في عام 221 ? عن ست وثلاثين
ــــــــــــــ
1 عبد القاهر البغدادي: « الفرق بن الفرق »، ص 79، القاهرة سنة 1948 م.
2 أحمد بن يحيى بن المرتضى: « طبقات المعتزلة »، ص 49، بيروت سنة 1961 م.
3 « سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون »، ص 122، القاهرة سنة 1278 ? .

198

سنة، وعلى هذا يكون مولده سنة 185 ?.
2 ـ والذهبي في « تاريخ الإسلام » يضعه في الطبقة الثالثة والعشرين، وهي تشتمل على من مات بين سنة 221 ? وسنة 231 ?.
3 ـ وابن حجر العسقلاني1 يقول إن النظّام مات في خلافة المعتصم بالله سنة بضع وعشرين ومائتين. والمعتصم تولى الخلافة في 12 رجب سنة 218، واستمرت خلافته حتى وفاته في 18 ربيع الأول سنة 227 ?.
4 ـ وابن شاكر الكتبي2 يقول إن النظام توفي عام 231 ?.
وما ذكره ابن نباتة عن عمر النظام لا يمكن قبوله، إذا صح ما يلي:
أ ـ أن النظّام، وهو شاب، اجتمع بالخليل بن أحمد (« طبقات المعتزلة »، ص 51، س 3 وما يليه).
ب ـ أنه حضر مجلس يحيى بن خالد البرمكي، وزير الرشيد، مع طائفة من أهل النظر والكلام3، وشارك في المناظرة، ونحن نعلم أن الرشيد استوزر يحيى بن خالد البرمكي سنة 170 ?. وأن نكبة البرامكة كانت سنة 187 ?، ومات يحيى سنة 190 ?.
? ـ أن أبا نواس (المتوفى سنة 195 أو سنة 196 أو سنة 198 ?) قد قصد النظّام في هجومه على « من يدّعي في العلم فلسفة » وما تهكم به على أصحاب الجزء والطفرة.
فإنْ صحت هذه الأخبار فلا بد أن يكون النظام في سنّ ناضجة قبل سنة 190 ?، أي في حدود الثلاثين، وعلى هذا نفهم إمكان اجتماعه وهو شاب بالخليل بن أحمد (المتوفى سنة 170 أو سنة 175 ?)،
ــــــــــــــ
1 « لسان الميزان »، ? 1، ص 67.
2 « عيون التواريخ »، مخطوط باريس، رقم 1588، ورقة 67 ب.
3 المسعودي: « مروج الذهب »، ? 6، ص 368 ـ 372، نشرة باربييه دي مينار في باريس.

199

وحضوره مجلس يحيى بن خالد البرمكي في الثمانينات من القرن الثاني للهجرة ولهذا نرجح أن يكون تاريخ ميلاده في سنة 160 ? (مائة وستين للهجرة) أو قبل ذلك بقليل.
أما فيما يتعلق بتحديد تاريخ وفاته، فإن ذهاب جمهرة المؤرخين إلى تصدُّره في عهد الخليفة المعتصم (218 ـ 227 ?) يجعل من الأرجح ما يقوله ابن شاكر من أن النظام توفي سنة 231 ? (إحدى وثلاثين ومائتين) عن عمر يتراوح بين السبعين والخامسة والسبعين.
* * *
ولا نعلم شيئاً كثيراً عن رحلاته وتنقلاته، فيما عدا كونه « وَرَدَ بغداد1 » وحضر مجلس يحيى بن خالد البرمكي وزير الرشيد2. أما ما ذكره الدكتور أبو ريدة3 من أنه ورد على الكوفة « فلقي بها هشام بن الحكم وجماعة من المخالفين، فناظرهم في أبواب دقيق الكلام، فقطعهم » ـ وأحال على كتاب « طبقات المعتزلة » لابن المرتضى (ص 29 من نشرة أرنولد = ص 44 س 8 ـ س 9 من نشرة سوسنة ?لزر، بيروت سنة 1961) ـ فهذا وهم منه، إذ هذا الخبر خاص بأبي الهذيل بن العلاّف، ولا شأن له بالنظّام. وقد وهم أيضاً في استناده إلى هذا الخبر في استدلالاته عن تحديد سنة ميلاد النظام4.
ولكنه حجّ، إذ يروي الجاحظ (« الحيوان »، ? 5، ص 85) « إنه رمى بردائه في بئر النبي صلى الله عليه وسلم، التي من طريق مكة،
ــــــــــــــ
1 الخطيب البغدادي: « تاريخ بغداد »، ? 6، ص 97.
2 المسعودي: « مروج الذهب »، ? 6، ص 368 ـ 372. باريس.
3 « ابرهيم بن سيار النظام وآراؤه الكلامية والفلسفية »، ص 6. القاهرة سنة 1946 م.
4 الكتاب نفسه. ص 4.

200

فردته الريح عليه »، وهذه البئر في المدينة1.
وسافر إلى فرضة الأهواز وجاع هناك حتى أكل الطين، إلى أن أنقذه من حاله السيئة تلك أحد خصومه في الكلام وهو إبراهيم بن عبد العزيز (« الحيوان »، ? 3، ص 451 ـ 453). كما سافر إلى كسكر (« الحيوان »، ? 4، ص 15)، وهي كورة واسعة، وكانت قصبتها واسط وقبلها خسروسابور (ياقوت 4/ 274، ?ستنفلد).
ويلوح من النوادر التي رواها الجاحظ عنه خصوصاً (« الحيوان »، ? 3، ص 451 ـ 453) أنه ـ على الأقل قبل قدومه إلى بغداد ـ كان يعيش في فقر مدفع.

ثقافته ومن تأثر بهم

و« كان في زمان شبابه قد عاشر قوماً من الثنوية، وقوماً من السمنية القائلين بتكافؤ الأدلة. وخالط بعد كبره قوماً من مُلحدة الفلاسفة.
ثم خالط هشام بن الحكم الرافضي، فأخذ عن هشام وعن ملحدة الفلاسفة قوله بإبطال الجزء الذي لا يتجزأ. ثم بنى عليه قوله ? « الطفرة »، التي لم يسبق إليها وهمُ أحدٍ قبله.
وأخذ من الثنوية قوله بأن فاعل العدل لا يقدر على فعل الجور والكذب.
وأخذ عن هشام بن الحكم أيضاً قوله بأن الألوان والطعوم والروائح والأصوات ـ أجسام. وبنى على هذه البدعة قوله بتداخل الأجسام في حيّزٍ واحد.
ــــــــــــــ
1 الأزرقي: « أخبار مكة »، ? 2، ص 177.

201

ودوَّن مذاهب الثنوية وبدع الفلاسفة وشُبه الملحدة في دين الإسلام.
وأُعجب بقول البراهمة بإبطال النبوات، ولم يجسر على إظهار هذا القول خوفاً من السيف.
فأنكر إعجاز القرآن في نظمه.
وأنكر ما روي في معجزات نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ: من انشقاق القمر، وتسبيح الحصا في يده، ونبوع الماء من بين أصابعه ـ ليتوصل بإنكار معجزات نبينا عليه السلام إلى إنكار نبوته. » (البغدادي: « الفرق بين الفِرَق »، ص 79، القاهرة سنة 1948).
وهذه أخطر صحيفة اتهام وجهها مؤرخو الفرق إلى النظّام لبيان أنه غير أصيل، وأنه إنما تأثر بأعداء الدين الإسلامي: من ثنوية، وفلاسفة ملحدين، وبراهمة.
« وقد حفظ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وتفسيرها، مع كثرة حفظه الأشعار والأخبار واختلاف الناس في الفتيا » (« طبقات المعتزلة »، ص 50).

نبوغه المبكر

هناك أخبار كثيرة عن نبوغ النظّام المبكر وذكائه المفرط وسرعة بديهته.
ومن ذلك: « روي أن الخليل (بن أحمد) قال له وهو شاب، ممتحناً له وفي يد الخليل قدح زجاج: يا بنيّ! صِف لي هذا، فقال: أمدحُ أم أذمُ؟ قال: امدح! فقال: نعم! يريك القذى، ولا يقبل

202

الأذى، ولا يستر ما ورا. قال: فذّمّها! قال: سريعٌ كسرها، بطيءٌ جبرها. قال: فصفْ لي هذه النخلة! فقال مادحاً: حُلْوٌ مجتناها، باسق منتهاها، ناضرٌ أعلاها. وقال في ذمها: صعبة المرتقى، بعيدة المجتنى، محفوفة بالأذى. فقال الخليل: يا بنيّ! نحن إلى التعليم منك أحوجُ » (« طبقات المعتزلة »، ص 51).
وفي « الغرر والدرر » للمرتضى (? 1، ص 189): « وحكي أن أبا النظام جاء به وهو حدثٌ إلى الخليل بن أحمد ليعلمه. فقال له الخليل يمتحنه وفي يده قدح زجاج... » ثم يورد باقي القصة.
والغريب أن الحكاية الأخرى التي تروى عن حضور بديهته تتعلق بوصف الزجاج أيضاً: « قال أبو عبيدة (معمر بن المثنى): ما ينبغي أن يكون في الدنيا مثله. فإني امتحنته فقلت له: ما عيب الزجاج؟ فقال على البديهة: « يسرع إليه الكسر ولا يقبل الجبر » («طبقات المعتزلة»، ص 50).
لكن الخليل بن أحمد توفي عام 170 ? أو 175 ?1، فيصح اجتماعهما على هذا التاريخ الأخير وعلى فرض أن النظام ولد سنة 160 ? أو قبلها.

طبعه

قال عنه الجاحظ2 أنه كان « أضيق الناس صدراً بحمل سرّ، وكان
ــــــــــــــ
1 « الفهرست » لابن النديم: 170 ? (ص 242، فلوجل)؛ ابن خلكان، ? 1، ص 217: 160 أو 170 أو 175 ?.
2 الجاحظ: « الحيوان »، ? 5، ص 187، القاهرة سنة 1943 م.

203

شرَّ ما يكون إذا يؤكد عليه صاحبُ السرّ. وكان إذا لم يؤكد عليه ربما نسي القصة، فيسلمُ صاحب السرّ.
وقال له مرةً قاسمٌ التمّار: سبحان الله! ما في الأرض أعجب1 منك! أودعتك سرَّاً فلم تصبر عن نشره يوماً مرةً واحداً، والله لاشكونَّك للناس! فقال: يا هؤلاء! سلوه نممتُ عليه مرةً واحدة، أو مرتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً، فلمن الذنب؟
فلم يرضَ بأن يشاركه في الذنب حتى صيّر الذنب كله لصاحب السر ».

تلاميذه

ذكر البغدادي1 من تلاميذه: الأسواري، ابن حائط، فضل الحدثي، الجاحظ. ويذكر المرتضى: أبو عفان النظّامي وزرقان.
والأسواري هو علي الأسواري. « قال أبو القاسم: وكان من أصحاب أبي الهذيل وأعلمهم. فانتقل إلى النظّام. وروي أنه صعد بغداد لفاقة لحقته، فقال النظام: ما جاء بك؟ فقال: الحاجة. فأعطاه ألف دينار وقال له: ارجع من ساعتك. فقيل إنه (أي النظام) خاف أن يراه الناس فيُفضَّل عليه2 » وقد ذكر ابن الخياط كثيراً من آرائه في « الانتصار » (17، 13، 20 ـ 21، 61، 99، 168).
وأحمد بن حائط3 ترجم له الصفدي ترجمة واسعة في كتاب « الوافي بالوفيات » وجعله الشهرستاني من أصحاب المذاهب.
ــــــــــــــ
1 « الفرق بين الفرق »، ص 80. القاهرة سنة 1948.
2 « طبقات المعتزلة »، ص 72.
3 اختلف في رسم اسمه: فابن الأثير ضبطه بالخاء المفخمة والباء بدل الياء.

204

وزرقـان هو صاحب كتـاب « المقـالات » وعنه ينقل الأشعري كثيراً والخياط في « الانتصار ».
وفضل الحدثي هو فضل الحذّاء « وقد كان معتزلياً نظامياً إلى أن خلّط وترك الحق، فنفته المعتزلة وطرته عن مجالسها » (« الانتصار »، ص 149). والمؤلفون المتأخرون يذكـرون رسمه هكذا: الحدثي، ولكن ورد في « الانتصـار »: الحذاء. والسمعاني يزعم أنه « الحدثي: بفتح الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وبعدها الثاء بثلاث من فوق. هذه النسبة إلى بلدة: الحديثة وهي بلدة على الفرات... والحديثية (كذا!) طائفة من المعتزلة أصحاب فضل الحديثي (كذا بالياء) وهو من أصحاب النظام. وقد ذكرت بعض مقالاتهم في الخابطية. وكانا يطعنان في النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في نكاحه، ويقولان: كان أبو ذر الغفاري أزهد منه » (« الأنساب » للسمعاني تحت كلمة: حدثي).
وقد قال الجاحظ1 ـ وهو من تلاميذ النظام ـ عن النظام وتلاميذه وفضلهم: « إنْ لم أقل: ولولا أصحاب إبراهيم وإبراهيم لهلكت العوامُّ من المعتزلة ـ فإني أقول: إنه قد أنهج لهم سُبلاً، وفتق لهم أموراً، واختصر لهم أبواباً، ظهرت فيها المنفعة، وشملتهم بها النعمة ».

رأي الجاحظ في أستاذه النظّام

قال الجاحظ في وصف النظام:
« كان إبراهيم المأمون اللسان، قليل الزَّلل والزَّيغ في باب الصدق
ــــــــــــــ
1 « الحيوان »، ? 4، ص 206. القاهرة، سنة 1940.

205

والكذب. ولم أزعم أنه قليل الزيغ والزلل على أن ذلك قد كان يكون منه وإنْ كان قليلاً، بل إنما قُلت على مثل قولك: فلانٌ قليل الحياء. وأنت لست تريد هناك حياءً البتة. وذلك أنهم ربما وضعوا: « القليل » في موضع: « ليس ».
وإنما كان عليه الذي لا يفارقه سوءَ ظنّه، وجودةَ قياسه على العارف والخاطر والسابق الذي لا يوثق بمثله. فلو كان بدل تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي كان قاس عليه أمره على الخلاص! ولكنه كان يظن الظنّ ثم يقيس عليه وينسى أن بدءَ أمره كان ظناً. فإذا أتقن ذلك وأيقن، جزم عليه، وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحة معناه. ولكنه كان لا يقول: « سمعت » ولا « رأيت ». وكان كلامه إذا خرج مخرج الشهادة القاطعة لم يشك السامع أنه إنما حكى ذلك عن سماع قد امتحنه، أوعن معاينةٍ قد بهرته1. »
وقد نقل الجاحظ عنه كثيراً من النوادر، تجدها متناثرة في كتاب « الحيوان » خصوصاً، كما أورد آراءه في الحيوان، على نحوٍ فكه طريف، وهذه النصوص إنما تفيد من يدرس الجانب الأدبي في النظّام، وهذا ليس موضوعنا هنا. ولهذا أضربنا صفحاً عن ذكره.

الردود عليه

وقد رد عليه أكثر2 شيوخ المعتزلة ومنهم أبو الهذيل وذلك في كتابه المعروف ?« الرد على النظّام »، وفي كتابه عليه في الأعراض،
ــــــــــــــ
1 « الحيوان »، ? 2، ص 229 ـ 230. القاهرة، سنة 1938.
2 انظر عبد القاهر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 80. القاهرة سنة 1948.

206

والإنسان، والجزء الذي لا يتجزأ.
ومنهم الجبائي: في قول النظّام إن المتولدات من أفعال الله بإيجاب الخلقة، كما رد عليه في إحالة قدرة الله على الظلم وقوله بالطبائع، وله في ذلك كتاب عليه وعلى مُعْمر في الطبائع.
ومنهم الاسكافي: رد عليه في كثير من الآراء.
وجعفر بن حرب صنف كتاباً يهاجم فيه النظّام لإبطاله الجزء الذي لا يتجزأ.
ولأبي الحسن الأشعري ثلاثة كتب في الرد على النظّام.
وللقلانسي عليه كتب ورسائل.
وللقاضي أبي بكر محمد بن أبي الطيب الباقلاني كتاب كبير في نقض أصول النظّام، وأشار إلى ضَلالاته، في كتاب « إكفار المتأولين ».

مؤلَّفـاته

لم يذكر له صاحب « الفهرست » مؤلفات.
1 ـ وذكر له الأشعري في « مقالات الإسلاميين » اسم كتاب في « الجزء » (? 2، ص 14).
2 ـ وذكر الخياط اسم كتاب له بعنوان « العالم » نصر فيه ما قاله الملحدون في العالم (« الانتصار »، ص 172).
3 ـ وذكر البغدادي في « الفرق بين الفِرَق » أن النظّام « صنف كتاباً على الثنوية » (ص 81 ـ 83. القاهرة سنة 1948).
4 ـ وذكر الخياط اسم كتاب آخر « في التوحيد » (« الانتصار »، ص 14 س4).

207


جليل الكلام
الله وصفاته

كان النظّام يرى أن صفات الله هي إثبات لذاته وفي الوقت نفسه نفي لمسلوبات هذه الصفات: « فمعنى قولي « عالم »: إثبات ذاته ونفي الجهل عنه، وقولي: « قادر »: إثبات ذاته ونفي العجز عنه، ومعنى قولي « حي »: إثبات ذاته ونفي الموت عنه ـ وكذلك قوله في سائر صفات الذات على هذا الترتيب. وكان يقول إن الصفات للذات إنما اختلفت لاختلاف ما يُنفى عنه من العجز والموت وسائر المتضادات من العمى والصمم وغير ذلك، لا لاختلاف ذلك في نفسه1 ». وإذن فاختلاف الصفات راجع إلى اختلاف ما ينفى عن الله من أنحاء النقص أو العجز أو الموت. وفي هذا تأكيد قاطع لوحدة الذات الإلهية ونفي كل مظنة اختلاف فيها من أي وجه كان هذا الاختلاف.
والله لم يزل سميعاً بصيراً.
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 227. القاهرة سنة 1950.

208

الله مريد
ويرى النظّام أن قولنا « الله مريد لتكوين الأشياء معناه أنه كوّنها، وإرادته للتكوين هي التكوين. والوصف له بأنه مريد لأفعال عباده معناه أنه آمرٌ بها، والأمر بها غيرُها. قال: وقد نقول: إنه مريدٌ الساعة أن يُقيم القيامة ـ ومعنى ذلك أنه حاكم بذلك مخبر به. وإلى هذا القول يميل البغداديون من المعتزلة » (الكتاب نفسه، ? 1، ص 245).
وقال إننا إذا قلنا أنه تعالى مريد لفعل نفسه « فمرادنا أنه يفعله لا على وجه السهو والغفلة. وإذا قلنا إنه مريد لفعل غيره فغرضنا أنه آمِرٌ به ناهٍ عن خلافه1 ».
ويتعرض الشهرستاني لمسألة كون الباري تعالى مريداً على الحقيقة فيقول: « ذهب النظّام والكعبي إلى أن الباري تعالى غير موصوف بها على الحقيقة، وإن ورد الشرعُ بذلك. فالمراد بكونه تعالى مريداً لأفعاله إنه خالقها ومنشئها. وإن وصِف بكونه مريداً لأفعال العباد فالمراد بذلك أنه أمر بها. وان وصِف بكونه مريداً أزلاً فالمراد بذلك انه عالم فقط2. »

قدرة الله وفِعلُ الأصلح
وهنا مسألة رئيسية تتعلق بمقدورات الله، وهي: هل يجوز أن يَقْدِر الله سبحانه على جنس ما أقدر عليه عباده، أو لا يوصف بالقدرة على ذلك أو على بعضه؟
ــــــــــــــ
1 القاضي عبد الجبار: « شرح الأصول الخمسة »، ص 434، القاهرة سنة 1965.
2 الشهرستاني: « نهاية الاقدام في علم الكلام »، ص 238، نشرة ألفرد جيوم.

209

وقد قال البغداديون من المعتزلة: لا يوصف الباري بالقدرة على فعل عباده، ولا على شيء هو من جنس ما أقدرهم عليه.
وقال محمد بن عبد الوهاب الجبائي وكثير من المعتزلة إن الباري سبحانه قادر على ما هو من جنس ما أقدر عليه عباده من الحركات والسكون وسائر ما أقدر عليه العباد.
وعلى هذا قول من أخذوا بهذا الرأي من المعتزلة إن البارئ قادر أن يظلم ويجور، قادر على ظلم غيره.
فجاء النظّام وأصحابه ومنهم علي الأسواري والجاحظ وغيرهم فقالوا: « لا يوصف الله سبحانه بالقدرة على الظلم والكذب، وعلى ترك الأصلح من الأفعال إلى ما ليس بأصلح... وأحالوا أن يوصف الباري بالقدرة على عذاب المؤمنين والأطفال والقائهم في جهنم1 ».
وقال النظّام: لا يوصف الله بالقدرة على أن يخلق قدرة غير القادر، وحياة غير الحي، وأحال ذلك2.
وقال: « لا يجوز أن يُقْدِر الله سبحانه أحداً إلى على الحركات، لأنه لا عرض إلا الحركات، وهي جنس واحد، ولا يجوز أن يُقدر على الجوهر، ولا على أن يخلق الإنسان في غيره حياةً3 ».
وقال أيضاً: إن ما يقدر الله عليه من اللطف لا غاية له ولا كل، وإن ما فعل من اللطف لا شيء أصلح منه، إلاّ أن له عند الله سبحانه أمثالاً، ولكل مثلٍ مثلٌ، ولا يقال: يقدر على أصلح مما فعل أن يفعل، ولا يقال: يقدر على دون ما فعل أن يفعل، لأن فِعل ما دون ـ نقصٌ، ولا يجوز على الله عز وجل فِعْلُ النقص. ولا يقال:
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 208 ـ 209.
2 الكتاب نفسه، ? 2، ص 216.
3 الكتاب نفسه، ? 2، ص 217.

210

يقدر على ما هو أصلح، لأن الله سبحانه لو قدر على ذلك ولم يفعل كان ذلك بخلاً1 ».
وقد توسع في شرح هذه المسألة والخلاف بين النظّام وأبي علي الأسواري والجاحظ من ناحية وبين فريق آخر من المعتزلة ـ القاضي عبد الجبار في « شرح الأصول الخمسة » فقال:
« فصل... في أنه تعالى موصوف بالقدرة على ما لو فعله لكان قبيحاً.
والخلاف فيه مع النظّام وأبي علي الأسواري والجاحظ ـ فإنهم ذهبوا إلى أنّه تعالى غير موصوف بالقدرة على فعل ما لو فعله لكان قبيحاً ـ وإلى هذا ذهبت المجبرة: فإن من مذهبهم أن الله تعالى غير موصوف بالقدرة على التفرد بالقبيح، وأن قدر على أن يجعله كسباً للعبد. إلا أن حالهم بخلاف حال النظّام وطبقته لأنهم ناقضوا من حيث أضافوا إلى الله تعالى كل قبيح، والنظّام لم يناقض.
والدليل على صحة ما نقوله هو ما قد ثبت أنه تعالى قادر على أن يخلق فينا العلم الضروري، فيجب أن يكون قادراً على أن يخلق بدله: الجهل، لأن من حق القادر على الشيء أن يكون قادراً على جنس ضده إذا كان له ضد، والجهل قبيح.
وإن شئت فرضت الكلام في أهل الجنة فتقول: إنه تعالى قادر على خلق الشهوة فيهم، فيجب أن يكون قادراً على أن يخلق فيهم النفرة، لأن من حق القادر على الشيء أن يكون قادراً على جنس ضده إذا كان له ضد. ومعلومٌ أنه تعالى لو خلق فيهم النفرة لكان قبيحاً.
وإن شئت فرضت الكلامَ في فعل يجوز أن يقع فيكون قبيحاً، ويقع فيكون حسناً. فنقول: إذا قدر على إيقاعه على أحد الوجهين، فتجب
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ? 2، ص 225.

211

قُدرته على أن يوقعه على الوجه الآخر، لأن القدرة إنما تتعلق بالإيجاد والإحداث دون وجوه الأفعال. ـ يبين ذلك أن أحدنا كما يقدر على أن يقول: زيد في الدار، وهو فيها يقدر على أن يقول ذلك وليس هو فيها. وكذلك الحالُ في القديم تعالى: إذا قدر على الصدق وجَبَ قدرتُه على الكذب، لأنهما شيء واحد لا يختلفان إلاّ بحسب اختلاف المخبَر عنه، وذلك مما لا يوجب تغير القدرة عليه. وكذلك إذا قدر على إحياء الميت عقب دعوى المدعي للنبوة وهو صادق، وجب قدرته على احيائه عقب دعواه وهو كاذب.
وقد ألزمهم مشايخنا ـ رحمهم الله ـ على هذا المذهب أن يكون أضعف القادرين منا أقوى من الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. قالوا، بيان هذا: إن الطفل الذي لا يقدر على أن يحمل منا يقدر على أن يزج الغير وهو واقف على شفير النار فيوقعه فيها وإن لم يستحق ذلك، والقديم تعالى غير قادرٍ عليه عندهم، لأن ذلك قبيح. فيجب فساد قولهم.
قالوا: لو كان الله قادراً على القبيح لوجب أن يوقعه.
قلنا: ليس يجب في كل من قدر على الشر أن يوقعه لا محالة. ألا ترى أن أحدنا مع قدرته على القيام ربما يكون قاعداً، ومع قدرته على الكلام ربما يكون ساكتاً. فكيف أوجيتم في القادر على الشيء أن يوقعه بكل وجه؟ وكذلك فالقديم تعالى قادرٌ على أن يقيم القيامة الآن، ثم إذا لم تَقُم لم يقدح (ذلك) في كونه قادراً.
وقالوا: لو كان القديم تعالى قادراً على القبيح لوجب صحة أن يوقعه.
قلنا: ما تريدون بالصحة؟ فإن أردتم يجب أن يوقعه ـ فقد أجبنا عن ذلك. وإن أردتم أنه يجب أن يكون قادراً عليه ـ فذلك مجابٌ إليه.
فإنْ قالوا: إذا كان القديم تعالى قادراً على القبيح ـ فما الذي أمَّنكم من أن لا يوقعه؟

212

قلنا: دلالة العدل، وهو علمه بقبح القبيح واستغناؤه عنه هو الذي أمَّننا من ذلك، فصحَّ ما قلناه، وصح أنه تعالى موصوف بالقدرة على ما لو فعله لكان قبيحاً1 ».

رأيه في إعجاز القرآن

قال النظّام في إعجاز القرآن أجراً رأي ظهر حتى الآن. فاجماع المسلمين منعقد على أن نظم القرآن معجز، بمعنى أنه لا يمكن الاتيان بمثله من حيث النظم والبلاغة والفصاحة.
أما النظام فقال، فيما يروي عبد القاهرة البغدادي2: « إن نظم القرآن وحُسنَ تأليف كلماته ليس بمعجزة للنبي عليه السلام، ولا دلالةً على صدقه في دعواه النبوة. وإنما وجه الدلالة منه على صدقه: ما فيه من الإخبار عن الغيوب. فأما نَظْم القرآن وحسن تأليف آياته فإن العباد قادرون على مثله وعلى ما هو أحسن منه في النظم والتأليف ».
ويعقب البغدادي على هذا فيقول: « وفي هذا عنادٌ منه لقول الله تعالى: « قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » (الإسراء: 88) ولم يكن غرض منكر إعجاز القرآن إلا إنكار نبوة من تحدى العرب بأن يعارضوه بمثله ».
ــــــــــــــ
1 « شرح الأصول الخمسة » للقاضي عبد الجبار بن أحمد. ص 313 ـ 315. القاهرة، سنة 1965.
2 « الفرق بين الفرق »، ص 87. القاهرة سنة 1948.

213

والبغدادي هنا ـ كما في كل موضع يتعلق بالمعتزلة ـ إنما ينقل نقلاً عن ابن الراوندي. قال ابن الراوندي ـ كما ورد في « الانتصار » للخياط (ص 27 ـ 28):
« ثم قال (أي ابن الراوندي): وكان (أي النظّام) يزعم أن نظم القرآن وتأليفه ليسا بحجةٍ للنبي صلى الله عليه، وان الخلق يقدرون على مثله. ثم قال (أي ابن الراوندي): هذا مع قول الله عز وجل: « قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ».
ويرد الخياط على ما أورده ابن الراوندي موضحاً رأي النظّام هكذا:
« اعلم ـ علمك الله الخير ـ أن القرآن حجة للنبي عليه السلام على نبوته عند إبراهيم (النظّام) من غير وجه:
فأحدها: ما فيه من الإخبار عن الغيوب مثل قوله: « وعَدَ الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض » الآية، ومثل قوله: « قل للمخلَّفين من الأعراب » الآية، ومثل قوله: « ألم غُلِبت الرومُ في أدنى الأرض وهم من بعد غَلَبهم سَيغْلِبون »، وقوله: « أنكم أولياءُ للهِ من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين » ثم قال: « ولا يتمنّونه أبداً بما قدّمت أيديهم » فما تمناه منهم أحد، ومثل قوله: « فقل تعالوا نَدْعُ أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم » الآية، ومثل إخباره بما في نفوس قوم وبما سيقولونه. وهذا وما أشبهه في القرآن كثير.
فالقرآن عند إبراهيم (النظّام) حجةٌ على نبوة النبي ـ صلى الله عليه ـ من هذه الوجوه وما أشبهها، وإياها عنى الله بقوله قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ».
وأما قول صاحب الكتاب (= ابن الراوندي): « فإن زعم أصحاب

214

ابراهيم كذا قيل لهم كذا » فليس منهم أحدٌ يحتج بما ذكره عنهم. وإنما أراد تطويل الكتاب وتسهيل الكلام على نفسه. »
ورد الخياط هنا يتضمن اعترافاً منه بما قال ابن الراوندي عن النظّام من أنه لم يكن يرى في نظم القرآن وتأليفه حجةً ومعجزة، وإنما الإعجاز فيه من ناحية الإخبار عن الغيوب.
ويبين البغدادي في « أصول الدين » (ص 184) رأي النظّام وأكثر القدرية، أي المعتزلة، في إعجاز القرآن فيقول:
« وزعم النظّام أن الإعجاز في القرآن من جهة ما فيه من الإخبار عن الغيوب؛ ولا إعجاز في نظمه. وزعم مع أكثر القدرية أن الناس قادرون على مثل القرآن، وعلى ما هو أبلغ منه في الفصاحة والنظم. وقد أكذبهم الله عز وجل في ذلك بأن تحدى المشركين بأن يأتوا بعشر سُوَر مثله مفتريات، ولا يكون في الافتراء تحقيق غيب. فدلّ على أنه إنما أراد به تحقيق إعجازه من جهة النظم والفصاحة.
فإن قيل: إذا كانت فصاحة القرآن لا يعرفها إلاّ العرب، فكيف عرفت العجمُ وجه الاعجاز فيه؟ قيل: إذا علمت العجمُ أن العرب أهل اللسان وقد عجزوا عن معارضته فيه علموا كونه معجزاً، كما أن السحرة لما عجزت عن معارضة موسى في عصاه عرف غيرها وجه الاعجاز في العصا وانها ليست بسحر، لأنها لو كانت سحراً لعارضته السَّحَرة بمثلها. كذلك العجم تعلم أن القرآن لو كان من جنس كلام البشر لقدر على مثله أهلُ اللغة ».
والأشاعرة يرون أن القرآن معجز من وجوه:
« 1 ـ منها: نظمه العجيب في البلاغة والفصاحة الخارجة عن العادة في نظم الخطب والشعر والمزدوج من الكلام، ونحو ذلك؛
2 ـ ومنها: ما فيه من الإخبار عن غيوب سالفة، وذلك عجيب

215

إذا وردت ممن لم يعرف الكتب ولم يجالس أصحاب التواريخ،
3 ـ ومنها الإخبار عن غيوب كانت في المستقبل كما وقع في الخبر عنها على التفصيل، لا على وجه تخمين الكهنة والمنجمين1 ».
ولكن هناك وجهاً رابعاً قالت به طوائف، ودافع عنه ابن حزم في « الفصل » وهو أن وجه إعجـازه أن الله منع الخلق من القدرة على معارضته فقط. وهذا الـرأي هو المعروف ?« الصرفة » أي أن الله صَرَف العرب عن معارضته مع قدرتهم على ذلك، وهذا الصرف هو الدليل على الإعجاز. ويرد ابن حزم على القائلين بأن « وجه إعجازه كونه في أعلى مراتب البلاغة ». وبهذا ينتهي إلى ما انتهى إليه النظّام من إنكار إعجازه في نظمه وبلاغته. يقول ابن حزم في الرد على من قال بأن وجه إعجاز القرآن كونه في أعلى مراتب البلاغة، وفي الدفاع عن رأيه في صرف الله الناس عن معارضته:
« فأما الطائفة التي قالت إنما إعجازه لأنه في أعلى درج البلاغة فإنهم شغبوا في ذلك بأن ذكروا آيات منه مثل قوله تعالى « ولكم في القصاص حياة » (البقرة 179)، ونحو هذا.
وموّه بعضهم بأن قال: لو كان كما تقولون من أن الله تعالى منع من معارضته فقط لوجب أن يكون أغثَّ ما يمكن أن يكون من الكلام، فكانت تكون الحجة بذلك أبلغ2.
قال أبو محمد (ابن حزم): ما نعلم لهم شغباً غير هذين. وكلاهما لا حجة لهم فيه:
أما قولهم: « لو كان كما قلنا لوجب أن يكون أغث ما يمكن أن
ــــــــــــــ
1 عبد القاهر البغدادي: « أصول الدين »، ص 183 ـ 184. استانبول سنة 1928.
2 أي بعجزهم حتى عن معارضة الكلام الغث، مما يدل على أن ذلك بمعجزة من الله أن صرفهم وأعجزهم عن القيام بذلك.

216

يكون من الكلام فكانت تكون الحجة أبلغ » ـ فهذا هو الكلام الغث حقاً لوجوه:
1 ـ أحدها: أنه قول بلا برهان، لأنه يُعْكَس عليه قولُه بنفسه، فيقال له: بل لو كان إعجازه لكونه في أعلى درج البلاغة لكان لا حجة فيه، لأن هذا يكون في كل مَنْ كان في أعلى طبقة. وأما آيات الأنبياء فخارجة عن المعهود. فهذا أقوى من شغبهم.
2 ـ وثانيها: إنه لا يُسأل الله تعالى عما يفعل ولا يقال له لِمَ عجَّزت بهذا النظم دون غيره؟ ولِمَ أرسلت هذا الرسولَ دون غيره؟ ولِمَ قلبت عصا موسى حيةً دون أن تقلبها أسداً؟ ـ وهذا كله حمق ممن جاء به لم يوجبه قط عقلٌ. وحَسْبُ الآية أن تكون خارجة عن المعهود فقط.
3 ـ وثالثها: إنهم حين طردوا سؤالهم ربَّهم بهذا السؤال الفاسد لزمهم أن يقولوا: هلا كان هذا الإعجاز في كلامٍ بجميع اللغات فيستوي في معرفة إعجازه العربُ والعجمُ، لأن العجم لا يعرفون إعجاز القرآن إلاّ بإخبار العرب فقط. ـ فبطل هذا الشغب الغث والحمد لله رب العالمين.
قال أبو محمد (ابن حزم): وأما ذكرهم « ولكم في القصاص حياة » وما كان نحوها من الآيات فلا حجة لهم فيها. ويقال لهم: إن كان كما تقولون ـ ومعاذَ الله من ذلك! ـ فإنما المعجز منه على قولكم هذه الآيات خاصة، وأما سائره فلا. وهذا كفرٌ لا يقوله مسلم.
فإنْ قالوا: جميع القرآن مثل هذه الآيات في الإعجاز ـ قيل لهم: فلِمَ خصصتم بالذكر هذه الآيات دون غيرها إذاً؟ وهل هذا منكم إلا إيهام لأهل الجهل أن من القرآن معجزاً وغير معجز؟
ثم نقول لهم: قولُ الله تعالى: « وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وأتينا

217

داود زبوراً » (النساء 163) ـ أمعجز هو على شروطكم في كونه في أعلى درج البلاغة. أم ليس معجزاً؟ فإن قالوا: ليس معجزاً ـ كفروا. وإن قالوا: انه معجز ـ صدقوا؟ وسئلوا: هل على شروطكم في أعلى درج البلاغة؟ فإن قالوا: نعم! ـ كابروا وكفوا مؤونتهم، لأنها أسماء رجالٍ فقط ليس على شروطهم في البلاغة.
وأيضاً: فلو كان إعجاز القرآن لأنه في أعلى درج البلاغة لكان بمنزلة كلام الحسن وسهل بن هارون والجاحظ وشعر امرئ القيس. ومعاذ الله من هذا! لأن كل ما يسبق في طبقته لم يؤمن أن يأتي من يماثله ضرورةً. فلا بد لهم من هذه الخطة، أو من المصير إلى قولنا أن الله تعالى منع من معارضته فقط.
وأيضاً: فلو كان إعجازه من أنه في أعلى درج البلاغة المعهودة لوجب أن يكون ذلك لآيةٍ ولما هو أقل من آية. وهذا ينقض قولهم أن المعجز منه ثلاث آيات، لا أقل.
فإن قالوا: فقولوا أنتم: هل القرآن موصوفٌ بأنه في أعلى درج البلاغة، أم لا؟
قلنا ـ وبالله تعالى التوفيق ـ: إنْ كنتم تريدون أن الله قد بلغ به ما أراد ـ فنَعَمْ هو في هذا المعنى في الغاية التي لا شيء أبلغ منها. وإنْ كنتم تريدون: هل هو في أعلى درج البلاغة في كلام المخلوقين ـ فَلا، لأنه ليس من نوع كلام المخلوقين: لا من أعلاه، ولا من أدناه، ولا من أوسطه. وبرهان هذا أن إنساناً لو أدخل في رسالة له أو خطبة أو تأليف أو موعظة حروف الهجاء المقطعة لكان خارجاً عن البلاغة المعهودة جملةً بلا شك.
فصحّ أنه ليس من نوع بلاغة الناس أصلاً، وأن الله تعالى مَنَع الخَلْق من مثله، وكساه الإعجاز، وسلبه جميعَ كلام الخلق. برهان

218

ذلك أن الله حكى عن قومٍ من أهل النار أنهم يقولون إذا سئلوا عن سبب دخولهم النار: « لم نَكُ مِنَ المصَلّين، ولم نك نُطْعِم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا نكذّب بيوم الدين حتى أتانا اليقين » (المدثر 43 ـ 47)، وحكى تعالى عن كافر قال: « إن هذا إلا سِحْرٌ يُؤثر، إن هذا إلاّ قولُ البَشَر » (المدثر 24 ـ 25). وحكى عن آخرين أنهم قالوا: « لن نؤمن لك حتى تفجِّر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً، أو تسقِط السماء ـ كما زعمت ـ علينا كسفاً، أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً، أو يكون لك بيتٌ من زُخْرُفٍ، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تُنَزِّل علينا كتاباً نقرؤه » (الإسراء 90 ـ 93). فكان هذا كله إذا قاله غير الله عز وجل غير معجز فلا خلاف، إذ لم يقل أحدٌ من أهل الإسلام أن كلام غير الله تعالى معجز. لكن لما قاله الله تعالى وجعله كلاماً له أصاره معجزاً ومنع من مماثلته.
وهذا برهان كافٍ لا يُحتاج إلى غيره، والحمد لله. » (« الفصل في الملل والأهواء والنحل »، ? 3، ص 17 ـ 19، القاهرة سنة 1321 ?).
فالنظّام إذن كان يرى أن « الآية والأعجوبة في القرآن ما فيه من الإخبار عن الغيوب، فأما التأليف والنظم فقد كان يجوز أن يَقْدِر عليه العباد، لولا أن الله منعهم بمنع وعجزٍ أحدثهما فيهم1 ». وكان يشاركه في هذا الرأي من بين المعتزلة: عباد بن سليمان وهشام الفوطي، فقد ذهبوا جميعاً إلى أنه « ليس في نظم القرآن وتأليفه اعجاز، وانه يمكن معارضته، وإنما صُرِفوا عنه ضرباً من الصرف2 ».
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 225.
2 الباقلاني: « إعجاز القرآن »، ص 99، القاهرة، مطبعة دار المعارف.

219

ولكن معتزلة آخرين دافعوا عن إعجاز القرآن من ناحية نظمه، وقد ورد لنا أسماء بعض كتبهم في هذا الباب:
1 ـ « نظم القرآن » للجاحظ (المتوفى سنة 255 ?).
2 ـ « إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه »، لأبي عبد الله محمد بن يزيد الواسطي1 (توفى سنة 306 أو 307 ?).
3 ـ « نظم القرآن » لأبي بكر أحمـد بن علي بن منجور الأخشـادي، المعروف ?« ابن الاخشيد2 » (المتوفى سنة 326 ?).
4 ـ « النكت في إعجاز القرآن » لأبي الحسن علي بن عيسى الرماني (276 ـ 384 ?) وكان تلميذاً لابن الاخشيد.
ولم يبقَ لنا من هذه الكتب الأربعة غير الأخير، وقد طبع في الهند (دلهي سنة 1934 م).
الأخبـار

الخبر المتواتر وخبر الآحاد
أما عن الحديث فقد أشرنا من قبل إلى آراء في حجية الخبر، وفي الخبر المتواتر وخبر الآحاد بمناسبة آراء أبي الهذيل في هذا الموضوع. ونريد هنا أن نورد آراء النظّام في هذه الأمور.
يقول البغدادي (« الفرق بين الفِرَق » ص 87. القاهرة سنة
ــــــــــــــ
1 راجع عنه « الفهرست » لابن النديم، ص 258 ـ 259. القاهرة.
2 راجع عنه « الفهرست » لابن النديم، ص 259. القاهرة.

220

1948) إن النظّام كان يقول: « إن الخبر المتواتر مع خروج ناقليه ـ عند سامع الخبر ـ عن الحصر، ومع اختلاف همم الناقلين واختلاف دواعيها يجوز أن يقع كذباً. وهذا مع قوله بأن من أخبار الآحاد ما يوجب العلم الضروري ».
وأصل هذا ما ذكره ابن الراوندي، حين قال: « وكان (النظّام) يزعم أن خبر الواحد الكافر يوجب العلم، وأنه بمنزلة خبر النبي ـ صلى الله عليه ـ في إيجاب الحجة إذا كان مخبره جسماً محسوساً. » وقد رد الخياط على دعوى ابن الراوندي هذه فقال: « وهذا أيضاً كذب على ابراهيم (النظّام): ليس يعدل خبر الله وخبر رسوله عند ابراهيم خبرُ أحد. » ثم قال ابن الراوندي عن النظّام: « ولم يكن يفرّق بين أخبار المؤمنين وأخبار المشركين إلاّ فيما جاء مجيء الشهادة لموضع التعبّد أيضاً، لا لأنه رأى أن لإحدى الشهادتين فضلاً على الأخرى.
وهذا (زَعَمَ) لا خلاف بين المسلمين في فساده. » ويرد الخياط فيقول: « اعلم ـ علمك اللهُ الخيرَ ـ أن أهل التواتر جميعاً من المعتزلة ومن غيرهم لا يفصلون بين أخبار الكفار وبين أخبار غيرهم إلاّ فيما جاء مجيء الشهادة على جهة حسن الظن بالمؤمن وتصديقه لحكم الدين. فأما في القطع على صحة الخبر وصدقه فإنما هو المجيء الذي لا يكذب مثله، وسواء كان ناقلوه مؤمنين أم كافرين » (« الانتصار »، ص 52 ـ 53).

الإجماع
وكان النظّام يجوّز أن تجتمع الأمة في عصره أو حتى في جميع الأعصار على الخطأ في الرأي والاستدلال. وبهذا زعزع هذا الأساس الرابع من أسس التشريع وهي: القرآن، السنة، القياس (أو الرأي أو الاستدلال)، والإجماع.

221

قال ابن الراوندي: « وكان (النظّام) يزعم أن أُمة محمد ـ صلى الله عليه ـ بأسرها قد يجوز عليها الإجمـاع على الضلال من جهة الرأي والقياس، لا من جهة التنقل عن الحواس ».
وقد رد عليه الخياط في هذا فقال: « هذا غير معروف عن إبراهيم (النظّام)، وإنما حكاه عنه عمرو بن بحر الجاحظ فقط، وقد أغفل في الحكاية عنه. وهذه كتبه تخبر بخلاف هذا الخبر1 ».

ــــــــــــــ
1 الخياط: « الانتصار »، ص 51. نشرة نيبرج، القاهرة سنة 1925.

222


دقيق الكلام
إنكار الجزء الذي لا يتجزأ

أنكر النظّام الجزء الذي لا يتجزأ، وقال إنه « لا جزء إلاّ وله جزء، ولا بعض إلاّ وله بعض، ولا نصف إلاّ ولـه نصف، وإن الجزء جائز تجزئته أبداً، ولا غاية له في باب التجزؤ1 ».
وله كتاب عنوانه « الجزء » (الكتاب نفسه، ? 1، ص 14) حكى فيه أقوال مثبتي الجزء، وعنه نقلها الأشعري، في « مقالات الإسلاميين » (? 2، ص 14 ـ 15) وقد أوردناها من قبل ونحن نتكلم عن نظرية الجزء عند أبي الهذيل.
ومذهب النظّام في إنكار الجزء مذهب مطلق، فلم يقلْ بما قال به « بعض المتفلسفة إن الجزء لا يتجزأ، ولتجزئته غاية في الفعل، فأما في القوة والإمكان فليس لتجزئته غاية » (الكتاب نفسه، ? 2، ص 15). وهذا هو رأي أرسطو كما ورد في « الآراء الطبيعية » المنسوب إلى فلوطرخس2.
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 16. القاهرة سنة 1954.
2 راجع كتابنا: أرسطوطاليس في النفس، « الآراء الطبيعية المنسوب إلى فلوطرخس... »، ص 118، س 3 ـ س 4. القاهرة، سنة 1954.

223

وقد أيده فيما ذهب إليه ابن حزم1: « ذهب النظّام وكلُّ من يُحسن القول من الأوائل إلى أنه لا جزء وإنْ دقّ إلاّ وهو يحتمل التجزيء أبداً بلا نهاية، وأنه ليس في العالم جزء لا يتجزأ، وأن كل جزء انقسم الجسم إليه فهو جسمٌ أيضاً وإنْ دقّ أبداً ».
ويقـول ابن حزم إن عمـدة القائلين بوجـود الجزء الـذي لا يتجزأ خمس حجج أو « مشاغب » على حد تعبيره وهو يوردها كلها ويتلو كل واحدة بالرد عليها. وخلاصة الحجج هي:
1 ـ « قالوا: أخبرونا: إذا قطع الماشي المسافة التي مشى فيها: فهل قطع ذا نهاية، أو غير ذي نهاية؟ فإنْ قلتم: قطع غير ذي نهاية ـ فهذا محال، وإنْ قلتم: قطع ذا نهاية ـ فهذا قولنا. »
ويجيب ابن حزم على هذه الحجة فيقول: « إننا لم نرفع النهاية عن الأجسام كلها من طريق المساحة بل نثبتها ونعرفها ونقطع على أن كل جسم فله مساحة أبداً محدودة ولله الحمد. وإنما نفينا النهاية عن قدرة الله تعالى على قسمة كل جزء وإن دق، وأثبتنا قدرة الله تعالى على ذلك. وهذا هو شيء غير المساحة. ولم يتكلف القاطع بالمشي أو بالذرع أو بالعمل قسمةَ ما قطع ولا تجزئته، وإنما تكلف عملاً أو مشي في مساحة معدودة بالميل أو بالذراع أو الشبر أو الأصبع أو ما أشبه ذلك، وكل هذا له نهاية ظاهرة. وهذا غير الذي نفينا وجود النهاية فيه، فبطل الزامهم... ثم نعكس هذا الاعتراض عليهم فنقول لهم وبالله تعالى التوفيق: نحن القائلون بأن كل جسم فله طول وعرض وعمق وهو محتمل للانقسام والتجزيء. وهذا هو إثبات النهاية لكل جزء انقسم الجسمُ إليه من طريق المساحة ضرورةً. وأنتم تقولون أن الجسم ينقسم إلى أجزاء، ليس لشيء
ــــــــــــــ
1 «الفصل في الملل والاهواء والنحل »، ? 5، ص 92 وما يتلوها. القاهرة، سنة 1321 ?.

224

منها عَرْض ولا طول ولا عمق ولا مساحة ولا يتجزأ وليست أجساماً، وإن الجسم هو تلك الأجزاء نفسها ليس هو شيء غيرها أصلاً، وأن تلك الأجزاء ليس لشيء منها مساحةٌ. فلزمكم ضرورةً إذ الجسم هو تلك الأجزاء أو ليست أجساماً وأن الجسم هو تلك الأجزاء وليس هو غيرها ـ وكل جزء من تلك الأجزاء لا مساحة له ـ أن الجسم لا مساحة له. وهذا أمرٌ يبطله العيان. وإذا لم تكن له مساحة، والمساحة هي النهاية في ذرع الأجسام، فلا نهاية لما قطعه القاطع من الجسم على قولهم. وهذا باطل.
2 ـ والاعتراض الثاني إن قالوا: لا بد أن يلي الجرمَ من الجرم الذي يليه جزءٌ ينقطع ذلك الجِرمُ فيه. قالوا: وهذا إقرارٌ بجزءٍ لا يتجزأ. »
ويرد ابن حزم على هذه الحجة الثانية فيقول: « هذا تمويه فاسد: لأننا لم نرفع النهاية من طريقة المساحة، بل نقول: إن لكل جرمٍ نهاية وسطحاً ينقطع تماديه عنده، وأن الذي ينقطع به الجرم إذا جُزئ فهو متناه محدود، ولكنه محتمل للتجزيء أيضاً. وكل ما جُزّئ فذلك الجزء ـ وهو الذي يلي الجرم الملاصق له بنهايته من جهته التي لاقاه منها، لا ما ظنوا من أن حدّ الجرم جزءٌ منه وهو وحده الملاصق للجرم الذي يلاصقه، بل هو باطِلٌ بما ذكرنا. لكن الجزء، وهو الملاصق للجرم بسطحه فإذا جُزئ كان الجزء الملاصق للجرم بسطحه هو الملاصق له حينئذ بسطحه، لا الذي خرّ عن ملاصقته. وهكذا أبداً. والكلام في هذا كالكلام في الذي قبله، ولا فرق.
3 ـ والاعتراض الثالث أن قالوا: هل ألَّفَ أجزاءَ الجسم إلاّ الله تعالى؟ ـ فلا بد من: نعم! قالوا: فهل يقدر الله على تفريق أجزاءٍ حتى لا يكون فيها شيء من التأليف، ولا تحتمل تلك الأجزاءُ التجزئ أم لا يقدر على ذلك؟ قالوا: فإنْ قلتم: لا يقدر ـ عَجَّزتُم ربكم تعالى. وانْ قلتم: يقدر ـ فهذا إقرار منكم بالجزء الذي لا يتجزأ.

225

قال أبو محمد (ابن حزم): هذا هو من أقوى شُبَههم التي شغبوا بها. وهو حجة لنا عليهم. والجواب: إننا نقول لهم وبالله تعالى التوفيق: إن سؤالكم سؤال فاسد، وكلام فاسد. ولم تكن قط أجزاء العالم متفرقةً ثم جمعها الله عز وجل، ولا كانت له أجزاء مجتمعة ثم فرقها الله عز وجل. لكن الله ـ عز وجل ـ خلق العالمَ بكل ما فيه بأن قال له: « كُنْ » ـ فكان. أو بأن قال لكل جرم منه إذا أراد خَلْقَه: « كُنْ » فكان ذلك الجرم. ثم إن الله تعالى خلق جميع ما أراد جمعه من الأجرام التي خلقها مفترقة ثم جمعها. وخلق تفريق كل جرم من الأجرام التي خلقها مجتمعة ثم فرقها. فهذا هو الحق، لا ذلك السؤال الفاسد الذي أجملتموه وأوهمتم به أهل الغفلة أن الله تعالى ألَّف العالم من أجزاءٍ خلقها متفرقة. هذا باطل، لأنه دعوى بلا برهان عليها. ولا فَرْق بين من قال إن الله تعالى ألَّف أجزاء العالم وكانت متفرقة، وبين من قال: بل الله تعالى فرّق العالم أجزاء وإنما كان جزءاً واحداً. وكلاهما دعوى ساقطة لا برهان عليها، لا من نص ولا من عقل، بل القرآن جاء بما قلناه نصاً: قال تعالى: « إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُون » (سورة النحل آية 40). ولفظة « شيء » تقع على الجسم وعلى العَرَض. فصحّ أن كل جسم ـ صغر أو كبر ـ وكل عَرَض في جسم فإن الله تعالى إذا أراد خلقه قال له « كُنْ » فكان، ولم يقل عز وجل قط إنه ألّف كل جرم من أجزاء متفرقة. فهذا هو الكذب على الله عز وجل ـ حقاً.
فبطَلَ ما ظنوا أنهم يلزموننا به.
ثم نقول لهم: إن الله تعالى قادر على أن يخلق جسماً لا ينقسم، ولكنه لم يخلقه في بنية هذا العالم ولا يخلقه، كما أنه تعالى قادرٌ على أن يخلق عَرَضاً قائماً بنفسه، ولكنه تعالى لم يخلقه في بنية هذا العالم ولا يخلقه لأنهما مما رتبه الله عز وجل محالاً في العقول. والله تعالى قادر على كل

226

ما يسأل عنه لا نحاشي شيئاً منها، إلاّ أنه تعالى لا يفعل كل ما يقدر عليه، وإنما يفعل ما يشاء وما سَبَق في علمه أن يفعله فقط، وبالله تعالى التوفيق.
ثم نعطف هذا السؤال نفسه عليهم فنقول لهم: هل يقدر الله ـ عز وجل ـ على أن يقسم كل جزء وينقسم كل قسم من أقسام الجسم أبداً بلا نهاية ـ أمْ لا؟ فإن قالوا: لا يقدر على ذلك ـ عَجَّزوا ربهم حقاً وكَفَروا، وهو قولهم دون تأويل ولا إلزام، ولكنهم يخافون من أهل الإسلام فيملّحون ضلالتهم بإثبات الجزء الذي لا يتجزأ جملةً. ـ وإنْ قالوا إنه تعالى قادر على ذلك صدقوا ورجعوا إلى الحق الذي هو نفس قولنا وخلافُ قولهم جملةً. ونحن لا نخالفهم قط في أجزاء طحين الدقيق لا يقدر مخلوق في العالم على تجزئة تلك الأجزاء. وإنما خالفناهم في أن قلنا نحن: إن الله تعالى قادر على ما لا نقدر نحن عليه من ذلك، وقالوا هم: بل هو غير قادر على ذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقولهم في تناهي القدرة على قسمة الله تعالى الأجزاء هو القول بأن الله تعالى يبلغ من الخلق إلى مقدارٍ ما، ثم لا يقدر على الزيادة عليه ويبقى حسيراً عاجزاً ـ تعالى الله عن هذا الكفر.
ولعمري إن أبا الهذيل، شيخَ المثبتين للجزء الذي لا يتجزأ ـ ليحنّ إلى هذا المذهب حنيناً شديداً. وقد صرح بأن لما يقدر الله عليه كمالاً وآخراً لو خرج إلى الفعل لم يكن الله تعالى قادراً بعده على تحريك ساكن ولا تسكين متحرك ولا على فعل شيء أصلاً. ثم تدارك كفره فقال: ولا يخرج ذلك الآخر أبداً إلى حد الفعل...
4 ـ والاعتراض الرابع هو أن قالوا: أيّما أكثر: أجزاءُ الجبل، أو أجزاء الخردلة؟ وأيما أكثر: أجزاء الخردلة، أو أجزاء الخردلتيْن؟ قالوا: فإن قلتم بل أجزاء الخردلتيْن وأجزاء الجبل ـ صَدَقتم وأقررتم بتناهي

227

التجزؤ وهو القول بالجزء الذي لا يتجزأ. وإنْ قلتم: ليست أجزاء الجبل أكثر من أجزاء الخردلة، ولا أجزاء الخردلتيْن أكثر من أجزاء الخردلة ـ كابرتم العيان، لأنه لا يحدث في الخردلة جزء إلاّ ويحدث في الخردلتين جزآن وفي الجبل أجزاء.
وادعوا علينا أننا نقول إن في كل جسم أجزاءً لا نهاية لعددها ولا آخر لها، وإن مَن قطع بالمشي مكاناً ما أو قطع بالجملتين شيئاً ما فإنما قطع ما لا نهاية لعدده.
وقالوا: إن عمدة حجتكم على الدهرية هو هذا المعنى نفسه في إلزامكم إياهم وجوب القلة والكثرة في عدد الأشخاص وأوقات الزمان وإيجابكم أن كل ما حصره العدد فذو نهاية، وإنكاركم على الدهرية وجود أشخاص وأزمان لا نهاية لعددها. قالوا: ثم نقضتم كل ذلك في هذا المكان.
قال أبو محمد (ابن حزم)... إنهم إما لم يفهموا كلامنا في هذه المسألة فقوّلونا ما لا نقول بظنونهم الكاذبة، وإما أنهم عرفوا قولنا فحرَّفوه... فاعلموا أن كل ما نسبوه إلينا من قولنا إن من قطع مكاناً أو شيئاً بالمشي أو بالجملتين فإنما قطع ما لا نهاية له ـ فباطل، ما قلناه قط، بل ما قطع إلاّ ذا نهاية بمساحته وزمانه.
وأما احتجاجنا على الدهرية بما ذكروا ـ فصحيح، هو حجتنا على الدهرية.
وأما ادعاؤهم أننا نقضنا ذلك في هذا المكان ـ فباطل.
والفرق بين ما قلناه من أن كل جزء فهو يتجزأ أبداً بلا نهاية، وبين ما احتججنا به على الدهرية من إيجاب النهاية بوجود القلة والكثرة في أعداد الأشخاص والأزمان، وإنكارنا عليهم وجود أشخاص وأزمان لا نهاية لها، بل هو حكم واحد وباب واحد وقول واحد ومعنى واحد. وذلك أن الدهرية أثبتت وجود أشخاص قد خرجت إلى الفعل لا نهاية لعددها، ووجود أزمان قد خرجت إلى الفعل لا نهاية لها. وهذا محال

228

ممتنع. وهكذا قلنا في كل جزء خرج إلى الفعل: فإنها متناهية العدد بلا شك، ولم نقل قط إن أجزاءه موجودة منقسمة لا نهاية لعددها، بل هذا باطل محال. ثم إن الله تعالى قادرٌ على الزيادة في الأشخاص وفي الأزمان وفي قسمة الجزء أبداً بلا نهاية. لكن كل ما خرج إلى الفعل أو يخرج: من الأشخاص أو الأزمان أو تجزئة الأجزاء ـ فكل ذلك متناه بعدده إذا خرج. وهكذا أبداً.
وأما ما لم يخرج إلى حدّ الفعل بعدُ من شخصٍ أو زمانٍ أو تجزؤ فليس شيئاً ولا هو عدداً ولا معدوداً، ولا يقع عليه عدد، ولا هو شخصٌ بعدُ ولا زمان ولا جزء. وكل ذلك عدم. وإنما يكون جزءاً إذا جُزّئ بقطع أو برسم مميِّز، لا قبل أن يجزّأ.
وبهذا تتبين غثاثة سؤالهم في أيما أكثر: أجزاء الخردلة، أو أجزاء الجبل، أو أجزاء الخردلتيْن؟ ـ لأن الجبل إذا لم يُجَزأ، والخردلة إذا لم تجزأ، والخردلتان إذا لم تُجزّآ ـ فلا أجزاء لها أصلاً تعد، بل الخردلة جزء واحد والجبل جزء واحد، والخردلتان كل واحدة منهما جزء. فإذا قسمت الخردلة على سبعة أجزاء وقُسّم الجبل جزئين وقسمت الخردلتان جزئين جزئين فالخردلة الواحدة، بيقينٍ، أكثر أجزاء من الجبل والخردلتين لأنها صارت سبعة أجزاء، ولم يصر الجبل والخردلتان إلا ستة أجزاء فقط. فلو قسمت الخردلة ست أجزاء لكانت أجزاؤها وأجزاء الجبل والخردلتين سواء. ولو قسمت الخردلة خمسة أجزاء، كانت أجزاء الجبل والخردلتين أكثر من أجزاء الخردلة. وهكذا في كل شيء.
فصحّ أنه لا يقع التجزؤ في شيء إلاّ إذا قُسِّم، لا قبل ذلك. فإن كانوا يريدون في أيهما يمكننا التجزئة أكثر: في الجبل والخردلتين، أم في الخردلة الواحدة؟ ـ فهذا ما لا شك فيه: أن التجزيءَ أمكنُ لنا في الجبل وفي الخردلتيْن منه في الخردلة الواحدة، لأن الخردلة الواحدة عن

229

قريبٍ تصغر أجزاؤها حتى لا نقدر نحن على قسمتها. ويتمادى لنا الأمر في الجبل كثيراً، حتى إنه يفنى عمر أحدنا قبل أن يبلغ تجزئته إلى أجزاءٍ تدق عن قسمتنا. وأما قدرة الله ـ عز وجل ـ على قسمة ما عجزنا نحن عن قسمته من ذلك فباقية غير متناهية. وكل ذلك عليه هين سواء ليس بعضه أسهل عليه من بعض، بل هو قادر على قسمة الخردلة أبداً بلا نهاية وعلى قسمة الفلك كذلك ـ ولا فرق...
ونزيد بياناً فنقول: إن الشيء قبل أن يُجَزأ فليس متجزئاً. فإذا جُزِّئ بنصفين أو جزئين فهو جزآن فقط. فإذا جزئ على ثلاثة أجزاء فقط فهو ثلاثة أجزاء. وهكذا أبداً. وأما من قال أو ظنّ أن الشيء قبل أن ينقسم وقبل أن يتجزأ إنه منقسم بعدُ ومتجزئٌ بعدُ ـ فوسواس وظن كاذب. لكنه محتمل الانقسام والتجزؤ. وكل ما قُسِّم وجُزّئ فكل جزءٍ ظهر منه فهو معدودٌ متناهٍ. وكذلك كل جسم: فطوله وعرضه متناهيان بلا شك، والله تعالى قادر على الزيادة فيهما أبداً بلا نهاية. إلاَّ أن كل ما زاده تعالى في ذلك وأخرجه إلى حد الفعل فهو متناه ومعدود ومحدود. وهكذا أبداً. وكذلك الزيادة في أشخاص العالم وفي العدد: فإن كل ما خرج إلى حدّ الفعل من الأشخاص ومن الأعداد فذو نهاية، والله تعالى قادر على الزيادة في الأشخاص أبداً بلا نهاية، والزيادة في العدد ممكنة أبداً بلا نهاية. إلاّ أن كلّ ما خرج من الأشخاص والأعداد إلى الفعل صحبته النهاية ولا بد.
ثم نعكس هذا السؤال عليهم فنقول لهم وبالله تعالى التوفيق: أتفضل عندكم قدرة الله تعالى على قسمة الجبل على قدرته على قسمة الخردلة؟ وهل تأتي حالٌ يكون فيها الله منها قادراً على قسمة أجزاء الجبل غير قادر على قسمة أجزاء الخردلة ـ أم لا؟ فإن قالوا: بل قدرة الله تعالى على قسمة الجبل أتمُّ من قدرته على قسمة الخردلة،

230

وأقروا بأنه تأتي حالٌ يكون الله تعالى فيها قادراً على قسمة أجزاء الجبل غير قادر على قسمة أجزاء الخردلة ـ كفروا وعجّزوا ربهم وجعلوا قدرته محدثة متفاضلة متناهية. وهذا كفرٌ مجرد. وان أبوا (من) هذا وقالوا إن قدرة الله تعالى على قسمة الجبل والخردلة سواء، وأنه لا سبيل إلى وجود حالٍ يقدر الله تعالى فيها على تجزئة أجزاء الجبل ولا يقدر على تجزئة أجزاء الخردلة ـ صدقوا ورجعوا إلى قولنا الذي هو الحق، وما عداه ضلال وباطل، والحمد لله رب العالمين.
5 ـ والاعتراض الخامس هو أن قالوا: هل لأجزاء الخردلة كلٌّ، أم ليس لها كلٌّ؟ وهل يعلم الله عدد أجزائها، أم لا يعلمه؟ ـ فإنْ قلتم: لا كلّ لها، نفيتم النهاية عن المخلوقات الموجودات ـ وهذا كفر. وإنْ قلتم إن الله تعالى لا يعلم عدد أجزائها ـ كفرتم. وإنْ قلتم إنّ لها كلاً وإنّ الله تعالى يعلم عدد أجزائها ـ أقررتم بالجزء الذي لا يتجزأ.
قال أبو محمد (ابن حزم): وهذا تمويه لائح، ينبغي التنبيه عليه لئلا يجوز على أهل الغفلة، وهو إنهم أقحموا لفظة « كل » حيث لا يوجد كل، وسألوا هل يعلم الله تعالى عدد ما لا عدد له. وهم في ذلك كمن سأل: هل يعلم الله تعالى عدد شعر لحية الأحلس1 أم لا، وهل يعلم جميع أولاد العقيم أم لا، وهل يعلم كل حركات أهل الجنة والنار أم لا ـ فهذه السؤالات كسؤالهم، ولا فرق.
وجوابنا في ذلك كله: أن الله عز وجل إنما يعلم الأشياء على ما هي عليه، لا على خلاف ما هي عليه، لأن من علم الشيء على ما هو عليه فقد علمه حقاً. وأما من علم الشيء على خلاف ما هو عليه فلم يعلمه بل جهله، وحاشا لله من هذه الصفة. فما لا كل له ولا عدد له فإنما يعلمه الله عز وجل أن لا عدد له ولا كل، وما علم الله عز وجل
ــــــــــــــ
1 الأحلس: الأملس الناعم. والمقصود هنا: من لا لحية له.

231

قط عدداً ولا كُلاً إلاّ لما له عدد وكل، لا لما لا عدد له ولا كل. وكذلك لم يعلم الله عز وجل قط عدد شعر لحية الأحلس ولا عَلِم قط ولد العقيم، فكيف أن يعرف لهم كلا؟! وكذلك لم يعلم الله عز وجل قط عدد أجزاء الجبل ولا الخردلة قبل أن يُجزَّآ لأنهما لا جزء لهما قبل التجزئة وإنما علمهما غير متجزئين، وعلمهما محتملين للتجزيء. فإذا جُزئا علمهما حينئذ متجزئين وعلم حينئذ عدد أجزائهما. ولم يزل تعالى يعلم أنه يجزئ كل ما لا يتجزأ ولم يزل يعلم عدد الأجزاء. ولم يزل تعالى يعلم أنه يجزئ كل ما لا يتجزأ ولم يزل يعلم عدد الأجزاء التي لا تخرج في المستأنف إلى حدّ الفعل ولم يزل يعلم عدد ما يخرج من الأشخاص بخلقه في الأبد إلى حد الفعل، أو لم يزل يعلم أنه لا أشخاص زائدة على ذلك ولا أجزاء لما لم ينقسم بعدُ؛ وكذلك ليس للخردلة ولا للجبل قبل التجزيء أجزاءٌ أصلاً. وإذ ذلك كذلك فلا « كل » ها هنا ولا « بعض ». فهذا بطلان سؤالهم ـ والحمد لله رب العالمين.
ثم نعكس عليهم هذا السؤال فنقول لهم وبالله تعالى التوفيق: أخبرونا عن الشخص الفرد من خردلة، أو وبرة أو شعرة أو غير ذلك ـ إذا جزأنا كل ذلك بجزئين أو أكثر، متى حدثت الأجزاء: أحينُ جزِّئت، أم قبل أن تجزّأ؟ فإن قالوا: قبل أن تجزأ ـ ناقضوا أسمج مناقضة، لأنهم أقروا بحدوث أجزاءٍ كانت قبل حدوثها. وهذا سخف. ـ وإن قالوا: إنما حدثت لها الأجزاء حين جُزِّئت، لا قبل ذلك ـ سألناهم: متى عَلمها الله تعالى متجزئة: حين حدث فيها التجزيء، أم قبل أن يحدث فيها التجزيء؟ فإن قالوا: بل حين حدث فيها التجزيء صدقوا وأبطلوا قولهم في أجزاء الخردلة، وإن قالوا، بل عَلِم أنها متجزئة وأن لها أجزاء قبل حدوث التجزيء فيها جهّلوا ربهم تعالى إذ أنه يعلم الشيء بخلاف ما هو عليه ويعلم أجزاءً لا أجزاء لها، وهذا ضلال ».
وهكذا ينتهي ابن حزم من إيراد حجج المثبتين للجزء الذي لا يتجزأ والرد عليها. ويسوق بعد ذلك « البراهين الضرورية على أن كل جسم

232

في العالم فإنه متجزئ محتمل للتجزئة، وكل جزء من جسم فهو أيضاً جسم محتمل للتجزيء. وهكذا أبداً » (« الفصل في الملل والأهواء والنحل »، ? 5، ص 99). وليس ها هنا محل إيراد حججه هذه.
وابن حزم يأخذ البعض من الردود عن النظّام، كما يظهر من بعض ما نقله ابن الراوندي وأوضحه الخياط في « الانتصار ».
و« الانتصار » يصف مذهب النظّام في استحالة وجود أجزاء لا تتجزأ، فيقول إن ابراهيم النظّام أنكر « أن تكون الأجسام مجموعة من أجزاءٍ لا تتجزأ، وزعم أنه ليس من جزء من الأجسام إلاّ وقد يقسمه الوهم بنصفين » (ص 33).
ويورد مسألة أجزاء الجبل والخردلة فيقول إن « إبراهيم (النظّام) يزعم أن الجبل إذا نُصّف بنصفيْن، ونُصّفت الخردلة بنصفيْن، فنصفا الجبل أكبر من نصفي الخردلة، وكذلك إنْ قُسّما أرباعاً وأخماساً وأسداساً، فأرباع الجبل وأخماسه وأسداسه أكبر من أرباع الخردلة وأخماسها وأسداسها، ثم كذلك أجزاؤهما إذا جُزّئا أبداً على هذه السبيل كان كل جزء من الجبل أكبر من كل جزء من الخردلة، وجميع أجزائهما متناه في مساحته وذرعه. » (ص 36).

الجسم والحركة

ويعرّف الجسم بأنه « الطويل العريض العميق، وليس لأجزائه عدد يوقف عليه، وأنه لا نِصْفَ إلاَّ وله نصف، ولا جزء إلاَّ وله جزء1 ».
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 6.

233

« والأجسام كلها متحركة، والحركة حركتان: حركة اعتماد، وحركة نُقلة. فهي كلها متحركة في الحقيقة وساكنة في اللغة. والحركات هي الكون، لا غير ذلك.
وقرأتُ (أي الأشعري) في كتاب يضاف إليه (أي إلى النظّام) أنه قال: لا أدري ما السكون إلاّ أن يكون يعني كان الشيء في المكان وقتيْن. أي تحرك فيه وقتين. وزعم أن الأجسام في حال خلق الله سبحانه (لها) متحركة حركة اعتماد1 ».
وعلى العكس من النظّام تماماً كان مُعَمَّر بن عباد يقول إن « الأجسام كلها ساكنة في الحقيقة، ومتحركة على اللغة، والسكون هو الكون، لا غير ذلك. والجسم في حال خَلْقِ الله له ساكنٌ2 ».
ومذهب النظّام في الحركة يشبه مذهب هرقليطس في التغير الدائم وقوله بأن كل شيء في حركة، وما السكون إلاَّ مجرد توازن بين المتحركات، وهو ما يعنيه بقوله: حركة اعتماد.
ويورد الأشعري مذهب النظّام في موضع آخر (? 2، ص 36) هكذا: « أفاعيل الإنسان كلها حركات، وهي أعراض. وإنما يقال « سكون » في اللغة إذا اعتمد الجسمُ في المكان وقتيْن قيل: « سَكَنَ في المكان »، لا أن السكون معنى غير اعتماده. وزعم أن الاعتمادات والأكوان هية الحركات، وإنّ الحركات على ضربيْن: حركة اعتماد في المكان، وحركة نقلة عن المكان، وزعم أن الحركات كلها جنس واحد، وأنه محال أن تفعل الذاتُ فعليْن مختلفيْن.
وكان النظّام ـ فيما يحكى عنه ـ يزعم أن الطول هو الطويل، وأن العَرْض هو العريض. وكان يثبت الألوان والطعوم والأراييح والأصوات
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ? 2، ص 20 ـ 21.
2 الكتاب نفسه. ? 2، ص 21.

234

والآلام والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة أجساماً لطافاً. ويزعم أن حيز اللون هو حيز الطعم والرائحة، وأن الأجسام اللطاف قد تحلُّ في حيز واحد. وكان لا يثبت عرضاً إلاّ الحركة فقط.
ومن رأيه أنه لا عَرَض إلاَّ الحركات1. ومحال أن تُرى الأعراض، ومحال أن يرى الإنسان إلاّ الألوان، والألوان أجسام، ولا جسم يراه الرائي إلا لون2.
« والأعراض لا تتضاد، والتضاد إنما هو بين الأجسام كالحرارة، والبرودة، والسواد والبياض، والحلاوة والحموضة، وهذه كلها أجسام متفاسدة يفسد بعضُها بعضاً، وكذلك كل جسمين متفاسدين فهما متضادان3 ».

الكمون والمداخلة

« قال إبراهيم النظّام: إن كل شيء قد يداخل ضده وخلافه: فالضد هو المانع المفاسِد لغيره، مثل الحلاوة والمرارة، والحر والبرد، والخِلاف مثل الحلاوة والبرودة، والحموضة والبرد: وزعم أن الخفيف قد يُداخل الثقيل، ورُبّ خفيفٍ أقل كيلاً من ثقيل وأكثر قوةً منه، فإذا داخله شَغَله ـ يعني أن القليل الكيل الكثير القوة يشغل الكثير الكيل القليل القوة.
وزعم أن اللون يُداخل الطعم والرائحة، وانها أجسام.
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ? 2، ص 44.
2 الكتاب نفسه، ? 2، ص 47.
3 الكتاب نفسه، ? 2، ص 58.

235

ومعنى المداخلة أنْ يكون حيز أحد الجسمين حيز الآخر، وأنْ يكون أحد الشيئين في الآخر...
وقد أنكر الناس جميعاً أن يكون جسمان في موضع واحد في حينٍ واحد. وأنكر ذلك جميعُ المختلفين من أهل الصلاة (= المسلمين) ومن قال بقوله.
وقال أهل التثنية: إن امتزاج النور بالظلمة على المداخلة التي أثبتها إبراهيم (النظّام).
وقال ضرار (بن عمرو): إن الجسم من أشياء مجتمعة على المجاورة، فتجاوزت ألطف المجاورة. وأنكر المداخلة وأن يكون شيئان في مكان واحد، عرضان أو جسمان.
وقال أكثر أهل النظر: إنه قد يكون عرضان في مكان واحد، ولا يجوز كون جسمين في مكان واحد، منهم أبو الهذيل وغيره.
وحكى زرقان أن ضرار بن عمرو قال: الأشياء منها كوامِنُ ومنها غير كوامن، فأما اللواتي هنّ كوامن فمثل الزيت في الزيتون والدُّهن في السمسم والعصير في العنب. وكل هذا على غير المداخلة التي أثبتها ابراهيم (النظّام). وأما اللواتي ليست بكوامن فالنار في الحجر وما أشبه ذلك. (ومحال) أن تكون النار في الحجر إلاّ وهي محرقة له. فلما رأيناها غير محرقة له علمنا أنه لا نار فيه.
وقد قال كثير من أهل النظر: إن النار في الحجر كامنة، حتى زعم أنها في الحطب كامنةٌ: الاسكافيُّ وغيره.
وحكى زرقان أن أبا بكر الأصمّ قال: ليس في العالم شيء كامن في شيء مما قالوا.
وقال أبو الهذيل وإبراهيم (النظّام) ومُعَمّر (بن عباد) وهشام بن الحكم وبشر بن المعتمر: الزيت كامن في الزيتونِ، والدّهن في السمسم، والنار في الحجر.

236

وقال كثير من الملحدين: إن الألوان والطعوم والأراييح كامنة في الأرض والماء والهواء، ثم يظهرن في البُسرة وغيرها من الثمار بالانتقال واتصال الأشكال بعضها ببعض. وشبهوا ذلك بحبة زعفران قذفت في نعّار(ة) ماء ثم غُذي بأشكالها فتظهر1 ».
هذا عرض وافٍ لنظرية الكمون كما عُرفت في الإسلام حتى الثلث الأول من القرن الرابع الهجري.
وإذا رجعنا إلى سائر مصادرنا فيما يتعلق بنظرية النظّام في الكمون والمداخلة وجدنا أولاً ما يقوله ابن الراوندي، قال: « وكان (النظّام) يزعم أن الله خلق الناس والبهائم والحيوان والجماد والنبات في وقت واحد، وأنه لم يتقدم خلق آدم خلق ولده ولا خلق الأمهات خلق أولادهن، غير أن الله أكمن بعض الأشياء في بعض. فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها من أماكنها دون خلقها واختراعها. ومحالٌ عنده في قدرة الله أن يزيد في الخلق شيئاً أو ينقص منه شيئاً ».
ويرد الخياط على دعوى ابن الراوندي فيقول: « وهذا كذبٌ على إبراهيم. والمعروف من قول إبراهيم أن الله ـ جل ذكره ـ كان يقدر أن يخلق أمثال الدنيا وأمثال أمثالها لا إلى غاية ولا نهاية. وكان مع قوله: إن الله خلق الدنيا جملةً ـ يزعم أن آيات الأنبياء عليهم السلام لم يخلقها الله إلاّ في وقت ما أظهرها على أيدي رسله. هذا قوله المعروف المشهور عند أهل الكلام. ثم قال (ابن الراوندي): وكان (أي النظام) يزعم أن الله يخلق الدنيا وما فيها في كل حالٍ من غير أن يفنيها ويعيدها. » ويرد الخياط فيقول: « وهذا أيضاً لم يحكه عنه غير عمرو ابن بحر الجاحظ، وقد أنكره أصحابه عليه ».
ــــــــــــــ
1 « مقالات الإسلاميين » للأشعري، ? 2، ص 23 ـ 24. القاهرة سنة 1954.

237

والكلام في الكمون يتعلق بالأمرين: كمون الأعراض، وكمون الموجودات.
ويظهر مما قاله الأشعري وابن الراوندي أن النظّام كان يقول بكلا النوعيْن: كمون الأعراض، وكمون الموجودات.
وكمون الأعراض معناه « أن الأعراض قديمة في الأجسام غير أنها تكمن في الأجسام وتظهر: فإذا ظهرت الحركة في الجسم كمن السكون فيه، وإذا ظهر السكون فيه كمنت الحركة فيه ـ وكذلك كل عرض ظهر كمن ضدُّه في محله1. »
أما كمون الموجودات ـ وهو الأهمُّ ها هنا ـ فيشبه قول الرواقية « بالعلل البذرية » ????? ??????????? .

* * *
وقد أنكر ضرار بن عمرو مذهب النظّام في الكمون « لأنه كان يزعم أن التوحيد لا يصح إلاّ مع إنكار الكمون، وأن القول بالكمون لا يصح إلاّ بأن يكون في الإنسان دمٌ. وإنما هو شيء تخلَّق عند الرؤية (!). قال (النظّام): وهو قد كان يعلم يقيناً أن جوف الإنسان لا يخلو من دم. قال (النظام): ومن زعم أن شيئاً من الحيوان يعيش بغير الدم، أو شيء يشبه الدم، فواجبٌ عليه أن يقول بإنكار الطبائع، ويدفع الحقائق بقول جهم في تسخين النار وتبريد الثلج، وفي الإدراك والحسّ والغذاء والسمّ. وذلك بابٌ آخر في الجهالات. ومن زعم أن التوحيد لا يصلح إلاّ بأن يكون في الإنسان دم، وإلاّ بأن تكون النار لا توجب الإحراق، والبصر الصحيح لا يوجب الإدراك ـ فقد دلّ على أنه في غاية النقص والغباوة، أو في غاية التكذيب والمعاندة.
ــــــــــــــ
1 عبد القاهر البغدادي: « أصول الدين »، ص 55. استانبول سنة 1928.

238

وقال أبو اسحق (النظّام): وجدنا الحطب عند انحلال أجزائه وتفرُّق أركانه التي بُني عليها ومجموعاته التي ركب منها وهي أربع: نار، ودخان، وماء، ورماد، ووجدنا للنار حراً وضياءً، ووجدنا للماء صوتاً، ووجدنا للدخان طعماً ولوناً ورائحة، ووجدنا للرماد طعماً ولوناً ويبساً، ووجدنا للماء السائل من كل واحد من أصحابه (!)، ثم وجدناه ذا أجناس رُكبت من المفردات، ووجدنا الحطب رُكِّب على ما وصفنا ـ فزعمنا أنه رُكّب من المزدوجات، ولم يركب من المفردات.
قال أبو اسحق (النظّام): فإذا كان المتكلم لا يعرف القياس ويعطيه حقه فرأى أن العود حين احتك بالعود (أحدث النار) فإنه يلزمه في الدخان مثل ذلك، ويلزمه في الماء السائل مثل ذلك. وإنْ قاس قال في الرماد مثل قوله في الدخان والماء. والاّ فهو إمّا جاهل، وإمّا متحكم.
وإن زعم أنه إنما أنكر أن تكون النارُ كانت في العود، لأنه وجد النار أعظم من العود، ولا يجوز أن يكون الكبير في الصغير، وكذلك الدخان ـ فليزعم أن الدخان لم يكن في الحطب، وفي الزيت وفي النفط. فإنْ زعم أنهما سواء، وأنه إنما قال بذلك لأن بدن ذلك الحطب لم يكن يَسَعُ الذي عاين من بدن النار والدخان، فليس ينبغي لمن أنكر كمونها من هذه الجهة أن يزعم أن شرر القداحة والحجر لم يكونا كامنين في الحجر والقداحة.
وليس ينبغي أنْ ينكر كمونُ الدم في الإنسان، وكمون الدهن في السمسم، وكمون الزيت في الزيتون. ولا ينبغي أن ينكر من ذلك إلاّ ما لا يكون الجسم يَسَعه في العين. فكيف، وهُمْ قد أجروا هذا الإنكار في كل ما غاب عن حواسهم من الأجسام المستترة بالأجسام حتى يعود بذلك إلى ابطال الأعراض، كنحو حموضة الخل، وحلاوة العسل، وعذوبة الماء، ومرارة الصّبر.

239

قال (النظام): فإن قاسوا قولهم وزعموا أن الرماد حادث، كما قالوا في النار والدخان، فقد وجب عليهم أن يقولوا في جميع الأجسام مثل ذلك كالدقيق المخالف للبُرّ في لونه وفي صلابته وفي مساحته وفي أمورٍ غير ذلك منه: فقد ينبغي أن يزعم أن الدقيق حادث، وأن البُرّ قد بَطل. وإذا زعم ذلك زعم أن الزُّبدَ الحادث بعد المخض لم يكن في اللبن، وأن جُبْن اللبن حادث، وقاس ماء الجُبْن على الجبن، وليس اللبن إلاّ الجبن والماء. وإذا زعم أنهما حادثان، وأن اللبن قد بطَل، لزمه أن يكون الفخار (كذلك)، الذي لم نجده حتى عجّنا التراب اليابس المتهافت على حدته بالماء الرطب السيال على حدته، ثم شويناه بالنار الحارة الصعّادة على حِدتها. ووجدنا الفخار ـ في العين واللمس والذوق والشمّ وعند النقر والصكّ ـ على خلاف ما وجدنا عليه النار وحدها والماء وحده والتراب وحده، فإن ذلك الفخار هو تلك الأشياء، والحطب هو تلك الأشياء، إلاّ أن أحدها من تركيب العباد، والآخر من تركيب الله. والعبدُ لا يقلب المركبات عن جواهرها بتركيبه ما ركب منها. والحجر متى صكّ بيضة كسرها، وكيف دار الأمر، وسواء كانت الريح تقلبه أو إنسان. فإن زعموا أن الفخار ليس ذلك التراب وذلك الماء وتلك النار، وقالوا مثل ذلك في جميع الأخبصة1 والأنبذة، كان آخر قياسهم أن يجيبوا بجواب أبي الجهجاه، فإنه زعم أن القائم غير القاعد، والعجين غير الدقيق، وزعم ـ ولو أنه لم يقلْ ذلك ـ أن الحبّة متى فُلِقَت فقد بَطَل الصحيح، وحدث جسمان في هيئة نصفي الحبة. وكذلك إذا فلقت بأربع فِلق، إلى أن تصير سويقاً، ثم تصير دقيقاً، ثم تصير عجيناً،
ــــــــــــــ
1 جمع خبيص = خليط.

240

ثم تصير خبزاً، ثم تعود رجيعاً وزبلاً، ثم تعود ريحاناً وبقلاً، ثم يعود الرجيع أيضاً لبناً وزبداً، لأن الجلاَّلةَ1 من البهائم تأكله، فيعود لحماً ودماً.
وقال (أي النظام) فليس القولُ إلاَّ ما قال أصحاب الكمون.
قال أبو اسحق (النظام): فإن اعترض علينا معترض من أصحاب الأعراض فزعم أن النارَ لم تكن كامنة، وكيف تكمن فيه وهي أعظم منه؟ ولكن العود إذا احتكّ بالعود حَمي العودان، وحمي من الهواء المحيط بهما الجزءُ الذي بينهما، ثم الذي يلي ذلك منهما. فإذا احتدم رقّ، ثم جفّ والتهب. فإنما النار هواءٌ استحال. والهواء في أصل جوهره حارٌّ رقيق، وهو جسم رقيق، وهو جسم حوار، جيّد القبول، سريع الانقلاب. والنار التي تراها أكثر من الحطب، إنما هي ذلك الهواء المستحيل، وانطفاؤها بطلان تلك الأعراض من النارية فيه. فالهواء سريع الاستحالة إلى النار، سريع الرجوع إلى طبعه الأول. وليس أنها إذا عُدِمَتْ فقد انقطعت إلى شكل لها عُلوي واتصلت، وصارت إلى تلادها2، ولا أن أجزاءها أيضاً تفرقت في الهواء، ولا أنها كانت كامنةً في الحطب، متداخلة منقبضة فيه فلما ظهرت انبسطت وانتشرت. وإنما اللهبُ هواءٌ استحال ناراً، لأن الهواء قريبُ القرابة من النار، والماء هو حجازٌ بينهما، لأن النار يابسة حارة، والماء رطب بارد، والهواء حارٌ رطب. فهو يشبه الماء من جهة الرطوبة والصفاء، ويشبه النار بالحرارة والخفة، فهو يخالفهما ويوافقهما. فلذلك جاز أن ينقلب إليهما انقلاباً سريعاً، كما ينعصر الهواء إذا استحال رطباً وحدث له كثافة إلى أن تعود أجزاؤه مطراً. فالماء ضدُّ النار، والهواء خلافٌ لهما، وليس بضد.
ــــــــــــــ
1 الجلالة: التي تأكل الجلة والبعر.
2 تلاد = أصل.

241

ولا يجوز أن ينقلب الجوهر إلى ضدّه حتى ينقلب بَدّياً1 إلى خلافه. فقد يستقيم أن ينقلب الماء هواءً، ثم ينقلب الهواء ناراً، وينقلب الهواء ماءً، ثم ينقلب الماءُ أرضاً. فلا بد في الانقلاب من الترتيب والتدريج. وكل جوهر فله مقدمات: لأن الماء قد يحيل الطين صخراً، وكذلك في العكس، قد يستحيل الصخر هواءً والهواء صخراً، على هذا التنزيل والترتيب.
وقال أبو اسحق (النظام) لمن قال بذلك من حُذّاق أصحاب الأعراض: قد زعمتم أن النار التي عايناها لم تخرج من الحطب، ولكن الهواء المحيط بها احتدم واستحال ناراً. فلعل الحطب الذي يسيل منه الماء الكثير أن يكون ذلك الماء لم يكن في الحطب، ولكن ذلك المكان من الهواء استحال ماءً. وليس ذلك المكان من الهواء أحقّ بأن يستحيل ماءً من أن يكون سبيلُ الدخان في الاستحالة سبيل النار والماء. فإن قاس القومُ ذلك فزعموا أن النار التي عايناها وذلك الماء والدخان في كثافة الدخان وسواده، والذي يتراكم منه في أسافل القدور وسقف المطابخ إنما ذلك هواء استحال، فلعلّ الرماد أيضاً هواءٌ استحال رماداً.
فإنْ قلتم: الدخان في أول ثقله المتراكم على أسافل القدور، وفي بطون سُقُف مواقد الحمامات، الذي (إذا) دُبّر ببعض التدبير جاء منه الأنقاس2 العجيبة أحق بأن استحال أرضياً. فإن قاسَ (صاحب) العرض، وزعم أن الحطب انحلّ بأسره فاستحال بعضه رماداً كما قد كان بعضه رماداً مرة، واستحال بعضه ماءً كما كان بعضه ماءً مرة، وبعضه استحال أرضاً كما كان بعضه أرضاً مرة ولم يقلْ إن الهواء المحيط به استحال رماداً، ولكنّ بعض أخلاط الحطب استحال رماداً ودخاناً،
ــــــــــــــ
1 أي بدءاً وأولاً.
2 جمع نقس (بكسر النون واسكان القاف): حبر، مداد.

242

وبعض الهواء المتصل به استحال ماءً وبعضه استحال ناراً، على قدر العوامل وعلى المقابِلات له. وإذا قال صاحبُ العرض ذلك كان قد أجاب في هذه الساعة على حدّ ما نزلته لك...
وبعض من ينكر كمون النار في الحطب قالوا: إن هذا الحرّ الذي رأيناه قد ظهر من الحطب، لو كان في الحطب لكان واجباً أن يجده من مَسّه كالجمر المتوقد، إذا لم يكن دونه مانعٌ منه. ولو كان هناك مانعٌ لم يكن ذلك المانعُ إلاّ البرد، لأن اللون والطعم والرائحة لا تفاسد الحرّ ولا يمانعه (إلاّ) الذي يضاده، دون الذي يخالفه ولا يضاده. فإنْ زعم زاعمٌ أنه قد كان هناك من أجزاء البرد ما يعادل ذلك الحرَّ ويطاوله ويكافئه ويوازيه فلذلك صرنا إذا مَسَسنا الحطب لم نجده مؤذياً، وإنما يظهر الحرق ويُحرِق لزوال البرد إذا قام في مكانه وظهر الحرُّ وحده فظهر عمله. ولو كان البرد المعادلُ لذلك الحرّ مقيماً في العود على أصل كمونه فيه لكان ينبغي لمن مسَّ الرماد بيده أن يجده أبردَ من الثلج. فإذا كان مسَّه كمسِّ غيره فقد علمنا أنه ليس هناك من البرد ما يعادل هذا الحرّ الذي يُحرِق كل شيء لقيه. فإنْ زعم أنهما خرجا جميعاً من العود فلا يخلو البرد أن يكون أخذ في جهته، فلِمَ وجدنا الحر وحده وليس هو بأحق أن نجده من ضدّه؟! وإنْ كان البرد أخذ شمالاً، وأخذ الحرُّ جنوباً فقد كان ينبغي أن يجمد ويهلك ما لاقاه، كما أهلك الحرّ وأحرق وأذاب كلا ما لاقاه.
قالوا: فلما وجدنا جميع أقسام هذا الباب، علمنا أن النار لم تكن كامنة في الحطب.
قال أبو اسحق (= النظام): والجواب عن ذلك أنا نزعم أن الغالب على العالَم السفليّ الماءُ والأرض، وهما جميعاً باردان، وفي أعماقهما وأضعافهما من الحرّ ما يكون مغموراً ولا يكون غامراً، ويكون مقموعاً

243

ولا يكون قامعاً، لأنه هناك قليل، والقليل ذليل، والذليل غريب، والغريب محقور، فلما كان العالم السفليّ كذلك، اجتذب ما فيه من قوة البرد، ذلك البردَ الذي كان في العود عند زوال مانعه، لأن العود مقيم في هذا العالم. ثم لم ينقطع ذلك البردُ إلى برد الأرض، الذي هو كالقرص له بالطفرة والتخطيف1، لا بالمرور على الأماكن والمحاذاة لها. وقام بَرْدُ الماء منه مقام قرص الشمس من الضياء الذي يدخل البيت للخَرْق الذي يكون فيه. فإذا سُدّ فمع السدّ ينقطع إلى قرصه وأصل جوهره.
فإذا أجاب بذلك أبو إسحق (= النظام) لم يجد خصمه بُداً من أن يبتدئ مسألةً في إفساد القول بالطفرة والتخطيف.
ولولا ما اعترض به أبو اسحق من الجواب بالطفرة في هذا الموضع لكان هذا مما يقع في باب الاستدلال على حدوث العالم.
وكان أبو اسحق (= النظام) يزعم أن احتراق الثوب والحطب والقطن إنما هو خروج نيرانه منه، وهذا هو تأويل الاحتراق، وليس أن ناراً جاءت من مكانٍ فعملت في الحطب، ولكن النار الكامنة في الحطب لم تكن تقوى على نفي ضدّها عنها. فلما اتصلت بنارٍ أخرى واستمدت منها قَويتا جميعاً على نفي ذلك المانع، فلما زال المانع ظهرت، فعند ظهورها تجزأ الحطب وتجفف وتهافت، لمكان عملها فيه. فإحراقك للشيء إنما هو إخراجك نيرانه منه.
ــــــــــــــ
1 التخطيف: المرور السريع. وتخطفه: مر به سريعاً، والمقصود هنا: المرور على الشيء خطفاً، أي دون أن يماس أجزاءه كلها المتوسطة. وهو معنى الطفرة، وقد وهم ناشر « الحيوان » فلم يدرك معناها، واستبدل بها: التخليف ـ ولا معنى له، بل الصواب ما ورد في نسخة دار الكتب رقم 9 ش ونسخة التيمورية رقم 45 طبيعيات بدار الكتب المصرية. راجع « اللسان » مادة: خطف.

244

وكان (أي النظام) يزعم أن حرّ الشمس إنما يُحرق في هذا العالم بإخراج نيرانها منه. وهي لا تحرق ما عقد العرض وكثّف تلك النداوة، لأن التي عقدت تلك الأجزاء من الحرّ أجناس لا تحترق، كاللون والطعم والرائحة والصوت. والاحتراقُ إنما هو ظهور النار عند زوال مانعها فقط.
وكان يزعم أن سمّ الأفعى ـ مقيماً في بدن الأفعى ـ ليس يقتل، وأنه متى مازَجَ بدناً لا سُمَّ فيه لم يقتل ولم يُتلِف. وإنما يتلف الأبدان التي فيها سموم ممنوعة مما يضادّها. فإذا دخل عليها سم الأفعى عاون السم الكامنُ ذلك السمَّ الممنوع على مانعه. فإذا زال المانع تلف البدن. فكأن المنهوش عند أبي إسحق (= النظام) إنما كان أكثرُ ما أتلفه السم الذي معه.
وكذلك كان يقول في حرّ الحمّام والحرّ الكامن في الإنسان: أن الغَشي الذي يعتريه في الحمام ليس من الحرّ القريب، ولكن الحرّ القريب حرّك الحرّ الكامن في الإنسان، وأمدّه ببعض أجزائه. فلما قوي عند ذلك على مانِعِه فأزاله (صار) ذلك العملُ الذي كان يوقعه بالمانع واقعاً به. وإنما ذلك كماءٍ حارٍّ يحرق اليد، صُبَّ عليه ماءٌ بارد، فلما دخل عليه الماء البارد صار شُغله بالداخل، وصار من وضع يده فيه وضع يده في شيء قد شُغِل بغيره. فلما دفع الله ـ عز وجل ـ عند ذلك الجسم الذي هو مشغول به صار ذلك الشغل مصروفاً إلى من وضع يده فيه: إذ كان لا ينفكّ من عمله.
وكان مع ذلك يزعم أنك لو أطفأت نار الأتُّون لم تجد شيئاً من الضوء ووجدت الكثير من الحرّ، لأن الضياء لما لم يكن له في الأرض أصلٌ ينسب إليه، وكان له في العلوّ أصلٌ، كان أولى به. وفي الحقيقة أنهما جميعاً قد اتصلا بجوهرهما من العالم العلويّ. وهذا الحرّ الذي تجده

245

في الأرض إنما هو الحرُّ الكامن الذي زال مانعه. هكذا كان ينبغي أن يقول، وهو قياسه.
وكان يزعم أنك إنْ أبصرت مصباحاً قائماً إلى الصبح أن الذي رأيته في أول وهلةٍ قد بَطَل من هذا العالم، وظفر من الدهن بشيء من وزنه وقدره بلا فضل، ثم كذلك الثالث والرابع والتاسع. فأنت إنْ ظننت أن هذا المصباح ذلك، فليس به؛ ولكن ذلك المكان (لما كان) لا يخلو من أقسام متقاربة متشابهة، (و) لم يكن في الأول شية ولا علامة ـ وقع عندك أن المصباح الذي رأيته مع طلوع الفجر هو الذي رأيته مع غروب الشفق.
وكان يزعم أن نار المصباح لم تأكل شيئاً من الدهن ولم تشربه، وأن النار لا تأكل ولا تشرب، ولكن الدهن ينقص على قدر ما يخرج منه من الدخان والنار الكامنين، اللذين كانا فيه وإذا خرج كلُ شيء فهو بطلانه1 ».
وكان النظام يتعجب من قول بعض المتكلمين إن النار يابسة. « قال: إن الماء رطب، فيصحّ، لأنّا نراه سيّالاً. وإذا قال: الأرض يابسة، فإنما يريد التراب المتهافت فقط، فإن لم يرد إلاّ بدن الأرض الملازم بعضُه لبعض، لما فيها من اللدونة فقط، فقد أخطأ، لأن أجزاء الأرض مخالطةٌ لأجزاء الماء، فامتنعت من التهافت على أقدار ذلك. ومتى حفرنا ودخلنا في عُمق الأرض، وجدنا الأرض طيناً، بل لا نزال نجد الطين أرطب حتى نصير إلى الماء. والأرض اليومَ كلها أرض وماء، والماء ماءٌ وأرض، وإنما يلزمها من الاسم على قدر الكثرة والقلة.
وأما النار فليست بيابسة البدن. ولو كانت يابسة البدن لتهافت تهافت
ــــــــــــــ
1 الجاحظ: « الحيوان »، ? 5، ص 10 ـ 23.

246

التراب ولتبرّأ بعضها من بعض، كما أن الماءَ لما كان رطباً كان سيالاً. ولكن القوم لما وجدوا النار تستخرج كل شيء في العود من النار. فظهرت الرطوبات لذلك السبب، ووجدوا العود تتميز أخلاطه عند خروج نيرانه التي كانت إحدى مراتعها من التمييز. فوجدوا العودَ قد صار رماداً يابساً متهافتاً ـ ظنوا أن يُبسه إنما هو مما أعطته النار وولّدت فيه. والنار لم تعطه شيئاً، ولكن نار العود لما فارقت رطوبات العود ظهرت تلك الرطوبات الكامنة والمانعة، فبقي من العود الجزءُ الذي هو الرماد، وهو جزء الأرض وجوهرها، لأن العود: فيه جزء أرضيٌّ، وجزء مائيّ، وجزء ناريّ، وجزءٌ هوائيّ. فلما خرجت النارُ واعتزلت الرطوبة بقي الجزء الأرضيُّ.
فقولهم: « النار يابسة » ـ غلط. وإنما ذهبوا إلى ما تراه العيون، ولم يغوصوا على مغيّبات العلل.
وكان (أي النظام) يقول: ليس القوم في طريق خُلّص المتكلمين، ولا في طريق الجهابذة المتقدمين.
وكان (أي النظام) يقول: إن الأمة التي لم تنضجها الأرحام، ويخالفون في ألوان أبدانهم وأحداق عيونهم وألوان شعورهم سبيل الاعتدال ـ لا تكون عقولهم وقرائحهم إلا على حسب ذلك. وعلى حسب ذلك تكون أخلاقهم وآدابهم وشمائلهم وتصرُّف همهم في لؤمهم وكرمهم، لاختلاف السبَّك وطبقات الطبخ، وتفاوتُ ما بين الفطير والخمير، والمقصّر والمجاوز ـ وموضعُ العقل عضوٌ من الأعضاء، وجزء من تلك الأجزاء ـ كالتفاوت الذي بين الصقالبة والزنج. وكذلك القول في الصور ومواضع الأعضاء ـ ألا ترى أن أهل الصين والتبت حُذّاق الصناعات، لها فيها الرفق والحذق ولُطفُ المداخل والاتساع في ذلك والغوص على غامضه وبعيده. وليس عندهم إلاّ ذلك: فقد يُفتَح لقومٍ

247

في باب الصناعات، ولا يفتح (لهم فيما) سوى ذلك.
... وكان يخطئهم في قولهم: إن الحرارة تورث اليبس، لأن الحرارة إنما ينبغي أن تورث السخونة، وتولد ما يشاكلها، ولا تولد ضرباً آخر مما ليس منها في شيء. ولو جاز أن تولد من الأجناس التي تخالفها شكلاً واحداً، لم يكن ذلك الخلاف بأحق من خلاف آخر؛ إلاّ أنْ يذهبوا إلى سبيل المجاز، فقد يقول الرجلُ: إنما رأيتك لأني التفتُّ. وهو إنما رآه لطبعٍ في البصر الدرّاك، عند ذلك الالتفات.
ولذلك يقول (أي النظّام): قد نجد النار تداخل ماء القُمقم بالايقاد من تحته. فإذا صارت النار في الماء لابسته، واتصلت بما فيه من الحرارات، والنار صعّادة ـ فيحدث عند ذلك للماء غليان ـ لحركة النار التي قد صارت في أضعافه. وحركتها تَصَعُّدٌ. فإذا ترفّعت أجزاء النار رفعت معها لطائف من تلك الرطوبة التي قد لابستها. فإذا دام ذلك الإيقاد من النار الداخلة على الماء، صعدت أجزاءُ الرطوبات الملابسة لأجزاء النار. ولقوة حركة النار وطلبها التلاد العلويّ، كان ذلك. فمتى وجد مَن لا عِلْمَ له في أسفل القمقم كالجبس، أو وجد الباقي من الماء مالحاً عند تصعُّد لطائفه، على مثال ما يعتري ماء البحر ـ ظنّ أن النار (هي) التي أعطته اليبس. وإن زعموا أن النار هي المتيبسة ـ على معنى ما قد فسرنا ـ فقد أصابوا. وإن ذهبوا إلى غير المجاز أخطأوا.
وكذلك الحرارة: إذا مكنت في الأجساد بعثت الرطوبات ولابستها؛ فمتى قويت على الخروج أخرجتها منها. فعند خروج الرطوبات توجد الأبدانُ يابسةً ـ ليس أن الحرّ يجوز أن يكون له عملٌ إلاّ التسخين والصعود والتقلب إلى الصعود من الصعود، كما أن الاعتزال من شكل الزوال.
وكذلك الماء الذي يفيض إلى البحر من جميع ظهور الأرضين وبطونها،

248

إذا صار إلى تلك الحفرة العظيمة، فالماء غسّال مصّاص، والأرض تقذف إليه ما فيها من الملوحة والذي يخرج إليه من الأرض (و) من أجزاء النيران المخالطة يرفعان لطائف الماء بارتفاعهما وتبخيرهما. فإذا رفعا اللطائف فصار منهما مطر وما يشبه المطر، وكان ذلك دأبهما ـ عاد ذلك الماء ملحاً، لأن الأرض إذا كانت تعطيه الملوحة، والنيران تُخرِج منه العذوبة واللطافة ـ كان واجباً أن يعود إلى الملوحة. ولذلك يكون ماء البحر أبداً على كيل واحد ووزن واحد؛ لأن الحرور1 تطلب القرار وتجري في أعماق الأرض وترفع اللطائف فيصير مطراً وبرداً وثلجاً وطلاً. ثم تعود تلك الأمواه سيولاً تطلب الحرور وتطلب القرار وتجري في أعماق الأرض حتى تصير إلى ذلك الهواء. فليس يضيع من ذلك الماء شيء ولا يبطل منه شيء، والأعيان قائمة، فكأنه منجنون2 غرف من بحر، وصبّ في جدولٍ يفيض على ذلك النهر.
فهو على الحرارات إذا كانت في أجواف الحطب، أو في أجواف الأرضين، أو في أجواف الحيوان.
والحرّ إذا صار في البدن فإنما هو شيء مُكْرَه، والمكْرَه لا يألو يتخلص. وهو لا يتخلص إلاّ وقد حمل معه كل ما قوي عليه، مما لم يشتد. فمتى خرج خرج معه ذلك الشيءُ.
قال (أي النظّام): فمن ها هنا غلط القوم3. »
ويُخَطّئ النظّام زَعْمَ من زعم أن النار تصعّد في أول العود، وتنحدر
ــــــــــــــ
1 جمع حرّ.
2 المنجنون: دولاب على شكل ناعورة يُسقى به الماء، والكلمة فارسية: في عجلة لرفع الماء من الأنهار أو الآبار، وتُستخدم في ري الحدائق والحقول (« معجم فارسي ـ انجليزي » لاستينجاس).
3 الجاحظ: « الحيوان »، ? 5، ص 34 ـ 40.

249

وتغوض فيه وتظهر عليه وتأخذ منه عرضاً. وقال: العودُ: النارُ في جميعه كامنة وفيه سائحة، وهي أحد أخلاطه. والجزء الذي يُرى منها في الطرف الأول غيرُ الجزء الذي في الوسط، والجزء الذي في الوسط غير الجزء الذي في الطرف الآخر. فإذا احتك الطرف فحمي زال مانعه، وظهرت النار التي فيه. وإذا ظهرت حمي لشدّة حرها الموضعُ الذي يليها، وتنحَّى أيضاً مانعُه. وكذلك الذي في الطرف الآخر. ولكن الإنسان إذا رأى النار قد اتصلت في العود كله، وظهرت أولاً فأولاً ظن أن الجزء الذي كان في المكان الأول قد سرى إلى المكان الثاني، ثم على المكان الثالث، فيخبر عن ظاهر ما يرى، ولا يعرف حقيقة ما بطن من شأنها.
وقال أبو اسحق (= النظّام): ولو كانت العيدان كلها لا نار فيها، لم يكن سرعة ظهورها من العراجين ومن المرخ والعَفار1 أحق منها بعود العنّاب2 والبرديّ وما أشبه ذلك. لكنها لما كانت في بعض العيدان أكثر وكان مانعها أضعف، كان ظهورها أسرع: وأجزاؤها إذا ظهرت أعظم. وكذلك ما كمن منها في الحجارة. ولو كانت أجناس الحجارة مستوية في الاستسرار3 فيها لما كان حجر المرو أحق بالقدح إذا صُكّ بالقداحة، من غيره من الأحجار ولو طال مُكْثُه في النار ونفخ عليه بالكير.
ولِمَ صار لبعض العيدان جَمرٌ باق، ولبعضها جمر سريع الانحلال، وبعضها لا يصير جمراً؟ ولِمَ صار البرديّ مع هشاشته ويبسه ورخاوته لا تعمل فيه النيران؟ ولذلك إذا وقع الحريق في السوق سَلِم كل مكانٍ
ــــــــــــــ
1 المرخ والعفار: شجران منهما يتخذ زناد القدح.
2 العنَّاب: في تفسير أبي حيان (? 7، ص 348، س 23): « عن ابن عباس: ليس شجر الاّ وفيه نار. إلا العناب ».
3 الاستسرار: الكمون.

250

يكون بين أضعاف البردي، ولذلك ترى النار سريعة الانطفاء في أصناف البرديّ ومواضعِ جميع اللِّيف.
وقال أبو اسحق: فِلمَ اختلفت في ذلك ـ إلاّ على قدر ما يكون فيها من النار، وعلى قدر قوة الموانع وضعفها؟!
ولِمَ صارت تُقْدَح على الاحتكاك حتى تلهب، كالسّاج في السفن إذا اختلط بعضه ببعضٍ عند تحريك الأمواج لها؟ ولذلك أعدوا لها الرجال لتصُبّ من الماء صبّاً دائماً؟ وتدوم الريحُ، فتحتكُّ عيدان الأغصان في الغياض، فتلتهب ناراً، فتحدثُ نيرانٌ.
ولِمَ صار العود يحمى إذا احتك بغيره؟ ولم صار الطَّلَق1 لا يحمى؟
فإن قلت: الطبيعة هناك ـ فهل دللتمونا إلاّ على اسم علقتموه على غير معنى وجدتموه؟ أولسنا قد وجدنا عيون ماء حارق وعيون ماء بارد بعضها يبرص وينفط الجلد، وبعضها يجمد الدم ويورث الكزاز2؟ أولسنا قد وجدنا عيون ريح وعيون نار؟ فلِمَ زعمتم أن الريح والماء كانا مختلفتين في بطون الأرض، ولم تجوّزوا لنا مثل ذلك في النار؟ وهل بين اختناق الريح والماء فرق؟ وهل الريح إلاّ هواءٌ تحرك؟ وهل بين المختنق والكامن فوق؟
وزعم أبو اسحق (= النظّام): أنه رمى بردائه في بئر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي من طريق مكة، فردته الريح عليه. وحدثني رجل من بني هاشم قال: كنت برامة، من طريق مكة، فرميت في بئرها ببعرة فرجعت إليَّ، ثم أعدتُها فرجعت، فرميت بحصاة فسمعت لها حريقاً وحفيفاً شديداً وشبيها بالجولان، إلى أن بلغت قرار الماء.
ــــــــــــــ
1 الطلق: حجر يتشظى صفائح بيضاً رقاقاً لها بريق.
2 الكزاز: داء يأخذ من شدة البرد.

251

وزعم أبو اسحق أنه رأى عين نارٍ في بعض الجبال يكون دخانُها نهاراً وليلاً؛ أوليس الأصل الذي بُني عليه أمرهم: ان جميع الأبدان من الأخلاط الأربعة: من النار، والماء، والأرض، والهواء؟ فإذا رأينا موضعاً من الأرض يخرج منه نارٌ لم نقل مثل ذلك فيه؟
ولِمَ نقول في حجر النار إنه متى وُجد أخف من مقدار جسمه من الذهب والرصاص والزئبق إنما هو لما خالطه من أجزاء الهواء الرافعة له؟ وإذا وجدناه أعلك علوكة وأمتن متانةً وأبعد من التهافت جعلنا ذلك لما خالطه من أجزاء الماء؛ وإذا وجدناه ينفض الشرر، ويظهر النار جعلنا ذلك الذي خالطه (من الهواء)؟ ولِمَ جعلناه إذا خف عن شيء بمقدار جسمه، لما خالطه من أجزاء الهواء، ولا نجعله كذلك لما خالطه من أجزاء النار؟! ولا سيما إذا كانت العينُ تجده يقدح بالشرر، ولم تجرِ أجزاء الهواء فيه عندنا عياناً. فلِمَ أنكروا ذلك، وهذه القصة توافق الأصل الذي بنوا عليه أمرهم؟
قال (أي النظّام): أوليس من قوله أنه لولا النيران المتحركة في جوف الأرض، التي منها يكون البخارُ ـ الذي بعضه أرضيٌّ، وبعضه مائيّ ـ لم يرتفع ضباب، ولم يكن صواعق ولا مطر ولا أنداء؟ (ص 81 ـ 86)... ».
« قال أبو اسحق: قال الله عز وجل عند ذكر إنعامه على عباده وامتنانه على خلقه، فذكر ما أعانهم به من الماعون1: « أفرأيتم النار التي تورون؟ أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون؟ » (سورة الواقعة، آية 71 ـ 72) ـ وكيف قال: « شجرتها »، وليس في تلك الشجرة شيء. وجوفها وجوفُ الطَلق في ذلك سواء. وقدرة الله على أن يخلق عند مس الطلق كقدرته على أن يخلقها عند حكّ العود.
ــــــــــــــ
1 الماعون: ما يستعان به كالقدر والفأس والقصعة والدلو.

252

وهو ـ تعالى وعزّ ـ لم يُرد في هذا الموضع إلاّ التعجيب من اجتماع النار والماء.
وهل بين قولكم في ذلك وبين من زعم أن البذر الجيد والرديء، والماء العذب والمالح، والسبخة والخبرة الرخوة، والزمان المخالف والمرافق ـ سواءٌ، وليس بينها من الفرق إلاّ أن الله شاء أن يخلق عند اجتماع هذه « حبّاً، وعِنباً وقَضْباً، وزيتوناً ونخلاً » (سورة عبس، آيات 27 ـ 29) دون تلك الأضداد.
ومن قال بذلك وقاسه في جميع ما يلزم من ذلك قال كقول الجهمية في جميع المقالات، وصار إلى الجهالات، وقال بإنكار الطبائع والحقائق1 ».
هذه هي أهم النصوص التي أوردها الجاحظ في كتاب « الحيوان » (الجزء الخامس) نقلاً عن النظّام في تفسيره وتبريره لمذهبه في الكمون. ولا نستطيع أن نقطع بأن هذه النصوص منقولة بحروفها عن نص كلام النظّام، بل الأشبه أن يكون الجاحظ قد ذكر بعض النصوص بحروفها، ولخص البعض الآخر، وأدخل فيه من عنده ما يلائم أسلوبه. ولكنه نظراً إلى أنها من النقول القليلة عن النظّام فقد أوردناها بتمامها، مع التحفظ في نسبتها بنصوصها إليه.

ــــــــــــــ
1 « الحيوان » للجاحظ، ? 5، ص 92 ـ 93.

253


علم الإنسان

يرى النظام أن الحيوان كله جنس واحد لاتفاق جميعه في التحرك بالإرادة وأن أفعال الحيوان كلها من جنس واحد، وهي كلها حركة وسكون. والسكون عنده حركة اعتماد، كما رأينا من قبل عند الكلام عن الحركة.
والألوان والطعوم والأصوات والخواطر أجسام مختلفة ومتداخلة. ورأيه في هذا يشبه رأي الرواقية تماماً، التي ترى في كل شيء مادة.

الروح

ولهذا أيضاً قال إن الإنسان هو الروح، والروح جسم لطيف مداخل لهذا الجسم الكثيف على سبيل المداخلة. والروح جوهر واحد غير مختلف ولا متضاد.
يقول الأشعري « مقالات الإسلاميين » (? 2، ص 27): « قال النظّام: الروح هي جسم، وهي النفس. وزعم أن الروح حيٌّ بنفسه. وأنكر أن تكون الحياة والقوة معنىً غير الحيّ القويِّ، وأن سبيل كون

254

الروح في هذا البدن على جهة أن البدن آفة عليه وباعث له على الاختيار. ولو خلص منه لكانت أفعاله على التولد والاضطرار. » وفي موضع آخر (? 2، ص 25): « قال النظّام: الإنسان هو الروح، ولكنها مُداخِلةٌ للبدن مشابكة له وإن كل هذا في كل هذا، وإن البدن آفة عليه وحبس وضاغط له. وحكى زرقان عنه (أي عن النظّام أنه قال) إن الروح هي الحساسة الداركة، وإنها جزء واحد، وإنها ليست بنور ولا ظلمة ».
وقوله: « باعث لـه على الاختيار ولو خلص منه لكانت أفعاله على التولد والاضطرار » في الموضع الأول، يتنافى مع قوله في الموضع الثاني أن « البدن آفة عليه وحبس وضاغط له ».
« كما حكى الجاحظ أن النظّام قال: إن النفس تدرك المحسوسات من هذه الخروق التي هي: الأذن والفم والأنف، والعين ـ لا أن للإنسان سمعاً هو غيره وبصراً هو غيره، وإن الإنسان يسمع بنفسه، وقد يصمّ لآفة تدخل عليه، وكذلك يُبصر بنفسه، وقد يعمى لآفةٍ تدخل عليه » (الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 31).
ويروي ابن الراوندي أن « إبراهيم (النظّام) كان يزعم أن الأرواح جنس واحد؛ وأن سائر الأجسام: من الألوان والطعوم والأراييح ـ آفةٌ عليها؛ وأن أهل الجنة يدخلونها وقد نُفِّس عنهم برفع بعض هذه الآفات. إلاَّ أنه لا بد عنده من أن يبقي فيهم بعضها، وإلا لم يجز منهم في زعمه أكل ولا شرب ولا نكاح. » ويجيب الخياط عن هذا فيقول: « أما قوله « إن إبراهيم كان يزعم أن الأرواح جنس واحدٌ ـ فقد صدق: كذلك كان يقول إبراهيم. وأما قوله « إن سائر الأجسام من الألوان والطعوم والأراييح آفة عليها » فإنما كان يقول: إن هذه الأجسام آفة على الأرواح في دار الدنيا التي هي دار بلوى واختبار ومِحَن.

255

فهي مشوبة بالآفات لتتم المحنة ويصحّ الاختبار فيها. فأما الجنة فإنها عنده ليست بدار محنة ولا اختبار، وإنما هي دار نعيم وثواب فليس بدار آفات. ولا بد للأرواح عند إبراهيم إذا أراد الله أن يوفيها ثوابها في الآخرة أن يدخلها هذه الأجسام من الألوان والطعوم والأراييح، لأن الأكل والشرب والنكاح وأنواع النعيم لا تجوز على الأرواح إلاّ بإدخال هذه الأجسام عليها.
ثم قال صاحب الكتاب (ابن الراوندي): وكان (أي النظّام) يزعم أنه لا بد من أن يكون في أرواح أهل النار فضلٌ عن مقدار عذابهم. لأنه لو استغرقها العذابُ لغمرها. ولو غمرها لعطل ـ بزعمه ـ حسّها. ولو فعل ذلك لم تجد ألماً ولا مكروهاً. قال (ابن الراوندي) وتأويل قوله: لا بد من أن يكون في أرواحهم فضْلٌ عن مقدار عذابهم » ـ إن أرواحهم تحتمل أكثر مما نزل بهم. »
ويرد الخياط على هذه الدعوى الأخيرة قائلاً إن « قول إبراهيم في هذا الباب هو قول المسلمين جميعاً، وهو أن الله عز وجل يدخل على أهل النار من العذاب بقدر ما تحتمله بنيتهم ولا يزيل عقولهم ولا يبطل حِسّهم. لأنه لو فعل ذلك بهـم لم يجدوا ألم العذاب ولا شدة العقاب1 ».

الإدراك الحسي

يرى النظام أن الإدراك يتم بمداخلة الحاسة في المحسوس، فالمدرِك للشيء إنما يدركه بأن « يطفر البصر إلى المُدرَك فيداخله... والإنسان
ــــــــــــــ
1 « الانتصار » للخياط، ص 36 ـ 37.

256

لا يدرك المحسوس بحاسّة إلاّ بالمداخلة والاتصال والمجاورة... وحكى عنه زرقان أنه قال: إن الإنسان يدرك على المداخلة الأصوات والألوان، وزعم أن الإنسان لا يدرك الصوت إلا بأن يصـاكه وينتقل إلى سمعه فيسمعه، وكذلك قولـه في المشموم والمـذوق. » (الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 66).
ويشبه هذا ما يقوله الرواقيون، فيما أورده كتاب « الآراء الطبيعية » المنسوب إلى فلوطرخس1، إذ يقولون: « البصر هو روح ينبسط من الجزء الرئيس إلى العينين، والسمع هو روح ينبعث من هذا الجزء إلى الأذنين، والشم هو روح ينبعث من هذا الجزء إلى المنخرين، والذوق هو روح ينبعث من هذا الجزء إلى بسيط البدن ».
والبصر يرى اللوان دونَ الملوَّن2.
و« الصوت جسم لطيف، وكلام الإنسـان هـو تقطيع الصوت، وهـو عَرَض3 ». و« الصوت ينتقل في الجو فيصاك ويؤلمها، ولا يُسمع إلاَّ باتصال السمع أو مداخلته إياه4 ».

فعل الإنسان

يرى النظّام أنه لا فعل للإنسان إلاّ الحركة، وإنه لا يفعل الحركة إلاّ في نفسه، وإن الصلاة والصيام والإرادات والكراهات والعلم والجهل
ــــــــــــــ
1 راجع نشرتنا في « أرسطوطاليس: في النفس... »، ص 169 ـ 170. القاهرة، سنة 1954.
2 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 72.
3 الكتاب نفسه، ? 2، ص 99.
4 الكتاب نفسه، ? 2، ص 99.

257

والصدق والكذب وكلامَ الإنسان وسكوته وسائر أفعاله ـ حركاتٌ، وكذلك سكون الإنسان في المكان إنما معناه أنه كائن فيه وقتيْن: أي تحرك فيه وقتيْن.
وكان يزعم أن الألوان والطعوم والأراييح والحرارات والبرودات والأصوات والآلام أجسامٌ لطيفة. ولا يجوز أن يفعل الإنسانُ الأجسام. واللذة ليست من فعل الإنسان عنده.
وكان يقول: إن ما حدث في غير حيّز الإنسان فهو فِعلُ الله سبحانه بإيجاب خلقه للشيء، كذهاب الحجر عند دفعة الدافع وانحداره عند رمية الرامي به وتصاعده عند زجّه الزاجّ به صُعُداً. وكذلك الإدراكُ من فعل الله سبحانه بإيجاب الخلقة. ومعنى ذلك أن سبحانه طبع الحجر طبعاً إذا دفعه دافعٌ أن يذهب، وكذلك سائر الأشياء المتولّدة.
وكان يقول فيما يحكى عنه: إن الله سبحانه خلق الأجسامَ ضربة واحدة، وإن الجسم في كل وقتٍ يُخلق.
وكان يزعم أن الإنسان هو الروح، وأنه يفعل في نفسه. واختُلف عنه: هل يفعل في ظرفه وهيكله؟ فالحكاية الصحيحة عنه أن يفعل في ظرفه. ومن الناس مَنْ يحكي عنه أنه يفعل في هيكله وظرفه1 ».

الإرادة

وقد اختلف المعتزلة في الإرادة هل تكون موجبة لمرادها، أم لا، وقد قال النظّام مع كثيرين (مثل أبي الهذيل ومعمّر وجعفر بن حرب
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 80 ـ 81. القاهرة، سنة 1954.

258

والإسكافي والأدمي والشحّام وعيسى الصوفي) إن الإرادة التي يكون مرادها بعدها بلا فَصْلٍ موجبةٌ لمرادها1.
وليصحّ الاختيار « لا بد من خاطرين أحدهما يأمر بالإقدام، والآخر يأمر بالكف... وحكى عنه ابن الراوندي أنه كان يقول: إن خاطر المعصية من الله، إلا أنه وضعه للتعديل، لا ليُعصى. وحكى عنه أنه كان يقول: إن الخاطرين جسمان ». ويعلق الأشعري على حكاية ابن الراوندي لمذهب النظام هنا فيقول: « وأظنه غلط في الحكاية الأخيرة عنه2 ».

الشيطان والجن

كان النظّام ومعمّر وهشام الفوطي ومن اتبعهم يرون « أن الشياطين يعلمون ما يحدث في القلوب، وليس ذلك بعجيب، لأن الله عز وجل قد جعل عليه دليلاً.
ومحالٌ أن يدخل الشيطانُ قلب الإنسان، مثال ذلك أن تشير إلى الرجل: أقبِلْ أو أدبِرْ، فيعلم ما تريد، فكذلك إذا فعل فعلاً عرف الشيطان كيف ذلك الفعل: فإذا حدَّث نفسه بالصدقة والبرّ عرف ذلك الشيطان بالدليل، فنهى الإنسان عنه، هكذا حكى زرقان.
قال: وقال آخرون من المعتزلة وغيرهم: إن الشيطان لا يَعْرف ما في القلب، فإذا حدَّثَ الإنسانُ نفسه بصدقة أو بشيء من أفعاله البِرّ نهاه الشيطان عن ذلك على الظن والتخمين...
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ? 2، ص 90.
2 الكتاب نفسه، ? 2، ص 102.

259

واختلفوا في الجنّ: هل يخبرون الناس بشيءٍ أو يخدمونهم... فقال النظّام وأكثر المعتزلة وأصحاب الكلام: لا يجوز ذلك، لأن في ذلك فسادَ دلائل الأنبياء، لأن من دلالتهم أن ينبئوا بما نأكل وندّخر » (الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 110. القاهرة، سنة 1954).
الطفرة

من أغرب الآراء المنسوبة إلى النظام في الطبيعيات قوله بالطفرة، وذلك أنه قال « إن المارّ على سطح الجسم يسير من مكان إلى مكان بينهما أماكن لم يقطعها هذا المارُّ ولا مرّ عليها ولا حاذاها ولا حل فيها1 ».
ويشرح الأشعري آراء الناس في الطفرة فيقول:
« زعم النظّام أنه قد يجوز أن يكون الجسم الواحد في مكان، ثم يصير إلى المكان الثالث ولم يمرّ بالثاني على جهة الطفرة. واعتلّ في ذلك بأشياء: منها: الدوامة: يتحرك أعلاها أكثر من أسفلها وقطبها: وإنما ذلك لأن أعلاها يماسُّ أشياء لم يكن حاذى ما قبلها.
وقد أنكر أكثر أهل الكلام قوله، منهم أبو الهذيل وغيره. وأحالوا أن يصير الجسم إلى مكانٍ لم يمرّ بما قبله، وقالوا: هذا محالٌ لا يصح. وقالوا: إن الجسم قد يسكن بعضه وأكثره متحرك، وإن للفرَس في حال سيره وقفاتٍ خفية وفي شِدة عَدوِه مع وضع رِجله ورفعها،
ــــــــــــــ
1 ابن حزم: « الفصل »، ? 5، ص 64.

260

ولهذا كان أحد الفرسين أبطأ من صاحبه؛ وكذلك للحجر في حال انحداره وقفات خفية بها كان أبطأ من حجر آخر أثقل منه أُرسِلَ معه.
وقد أنكر كثير من أهل النظر أن تكون للحجر في حال انحداره وقفات من الفلاسفة وغيرهم، وقالوا: إن الحجرين إذا أُرسِلا سبق أثقلهما، لأن أخف الحجرين يعترض له من الآفات أكثر مما يعترض على الحجر الأثقل، فيتحرك في جهة اليمين والشمال والقُدام والخلف، ويقطع الحجر الآخر في حال العوائق التي تلحق هذا الحجر في جهة الانحدار فيكون هذا أسرع.
وكان الجبائي يقول: إن للحجر في حال انحداره وقفاتٍ. وكان يقول: إن القوس الموترة فيها حركات خفيّة، وكذلك الحائط المبني، وتلك الحركات هي التي تولّد وقوعَ الحائط، والحركات التي في القوس والوتر هي التي يتولّد عنها انقطـاع الوتر » (« مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 18 ـ 19).
وتروي الروايات أن النظّام وصل إلى فكرة الطفرة هذه إثر مناظرة بينه وبين أبي الهذيل في مسألة الجزء الذي لا يتجزأ « فألزمه أبو الهذيل مسألة الذرَّة والنمل، وهو أول من استنبطها. فتحيّر النظّام. فلما جنّ عليه الليل نظر إليه أبو الهذيل، وإذا النظام قائم ورجله في الماء يتفكّر،
فقال (أبو الهذيل): يا إبراهيم! هكذا حال مَن ناطح الكباش.
فقال (النظّام): يا أبا الهذيل! جئتك بالقاطع: إنه يطفر بعضاً ويقطع بعضاً.
فقال أبو الهذيل: ما يقطع ـ كيف يقطع1؟ »
ومعنى هذا كما نفترض هو أن مناظرتهما في الحركة كيف تتم في
ــــــــــــــ
1 « طبقات المعتزلة » لابن المرتضى، ص 50. بيروت سنة 1961.

261

المكان: إذا كان ينقسم إلى غير نهاية فإنه لا يمكن قطع ولا أقل جزء منه، ولما كان المكان يقطع فهو لا ينقسم إلى غير نهاية. ورد النظّام هو أن المتحرك يطفر بعض المكان ويقطع البعض الآخر فيقطع من الجزء الأول إلى الثالث دون أن يمر بالثاني. فرد أبو الهذيل بأن قال: وحتى لو صح هذا، فكيف يقطع ما قطعه ـ أفليس عليه أن يمر بما لا نهاية له؟!
وحجة أبي الهذيل شبيهة بالحجتين الأولى والثانية من حجج زينون الإيلي ضد الحركة1، ولكن الغرض عند كليهما مختلف تماماً: فغرض أبي الهذيل هو إبطال انقسام المكان إلى غير نهاية، وغرض زينون الإيلي إبطال الحركة.
ولكن مصادرنا لم توضح لنا فكرة الطفرة عند النظام توضيحاً كافياً: هل المكان المطفور خلاء أو ملاء ـ وهي مسألة كبيرة الأهمية ها هنا.
وقد تعرض للرد على النظّام في مسألة الطفرة هذه أبو المعاني الحويني في «الشامل» (ص 434 ـ 444، الاسكندرية سنة 1969) وبيّن بعض حجج النظّام وردّ عليها بتوسع وتفصيل مما يدل على أن مذهب النظّام في الطفرة كان لا يزال حياً قوياً حتى في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري فليراجع هناك.
ويورد الجويني مثليْن ضربهما النظام للدلالة على الطفرة:
1 ـ الأول أن قال: إذا صورنا شكلاً مربعاً متساوي الأضلاع، ثم مددنا خطاً من إحدى زواياه إلى الزاوية المقابلة، أي رسمنا قطراً، والقطر هو أطول خط مستقيم في المربع. فلو أخذت نملة في الدبيب على خط القطر، بينما دبّت نملة أخرى من منشأ القطر على ضلعي الشكل
ــــــــــــــ
1 راجع كتابنا « ربيع الفكر اليوناني »، ص 129 ـ 130. الطبعة الرابعة، القاهرة سنة 1969.

262

فإن النملة السالكة خط القطر إلى الزاوية الأخرى تصل على هذه الزاوية قبل وصول النملة الدابّة على الضلعين « وليس ذلك إلاّ لطفر صاحبة القطر1 » (أي النملة الدابّة على القطر). هكذا ذكره الجويني. وكان من السهل عليه أن يرد على النظام بأن يقول: « هذا الذي ذكره خروج عن المعقول، إذ لا يخفى على عاقلٍ أن ضلعي الشكل يزيد بُعْدهما (= طولهما) على بُعْد (= طول) خط القطر. ولو نصبنا ضلعي الشكل وقدرناهما مع خط القطر خطين متوازيين، لانقطع خطُّ القُطْر قبل انقطاع الآخر. وظهورُ ذلك بالحسّ يُغني عن كشفه ».
ويعجب المرء فعلاً كيف فات هذا على النظّام، فلم يعرف أن أي ضلعين في المثلث هما أطول من الضلع الثالث. فهل كان النظام قليل البضاعة من الهندسة إلى هذا الحدّ؟ وهل لم يجد في عصره من يرده وينبهه إلى خطئه الفاحش هذا؟!
2 ـ والثاني أن قال: « السفينة إذا كانت في أشدّ جريٍ فلو أراد مَن كان مِن ركبان السفينة في مؤخرها أن يخطو إلى مقدمها وصدرها فلذلك ممكن مع تتابع حركات السفينة وانتفاء الفترات. وما ذلك إلا لطَفر المتخطي2 ».
وكان من السهل على الجويني ها هنا أيضاً أن يردّ عليه بأن يبين أن حركة القدم نسبية إلى سطح السفينة، لا إلى حركتها، وإلا لخلّفها وتركها إن كان أسرع منها.
وهذان المثالان أو الدليلان اللذان ساقهما النظّام يدلان على سذاجة في الاستدلال، كنّا نُكبِر النظَّام عنها.
ــــــــــــــ
1 « الشامل »، ص 439.
2 « الشامل في أصول الدين » للجويني، ص 441. الاسكندرية، سنة 1969.

263

المعـاد

تعرض النظّام وهو يبحث في مسألة المعاد لحشر الحيوان فقال: « إن العقارب والحيات والخنافس والذباب والغربان والجعلان والكلاب والخنازير وسائر السباع والحشرات تُحشر إلى الجنة.
وزعم أن كل من تفضل الله عليه بالجنة لا يكون لبعضهم على بعض درجة في التفضيل.
وزعم أنه ليس لإبراهيم ـ ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في الجنة تفضيلُ درجةٍ على درجات أطفال المؤمنين، ولا لأطفال المؤمنين فيها تفضيلٌ ـ بدرجة أو نعمة أو مرتبة ـ على الحيات والعقارب والخنافس لأنه لا عمل لهم كما لا عمل لها. فَحَجَر على رب العالمين أن يتفضل على أولاد الأنبياء بزيادة نعمةٍ لا يتفضّل بمثلها على الحشرات. ثم لم يرضَ بهذا الحجر حتى زعم أنه لا يقدر على ذلك.
وزعم أيضاً أنه لا يتفضل على الأنبياء ـ عليهم السلام ـ إلاّ بمثل ما يتفضل به على البهائم، لأن باب الفضل عنده لا يختلف فيه العالمون وغيرهم؛ وإنما يختلفون في الثواب والجزاء لاختلاف مراتبهم في الأعمال » (« الفرق بين الفرق »، ص 88).

آراؤه الفقهية

انفرد النظام بآراء جريئة في الفقه، أبرزها عبد القاهر البغدادي في « الفرق بين الفرق1 » وها هي ذي:
ــــــــــــــ
1 « الفرق بين الفرق »، ص 89 ـ 90. القاهرة سنة 1948.

264

1 ـ قال إن الطلاق لا يقع بشيء من الكتابات كقول الرجل لامرأته: أنتِ خلية، أو بريّة، أو: حبلك على غاربك، أو: الحقي بأهلك، أو: اعتدِّي1 ـ أو نحوها من كنايات الطلاق عند الفقهاء، سواء نوى بها الطلاق، أو لم ينوِه.
« وقد أجمع فقهاء الأمة ـ فيما يقول البغدادي ـ على وقوع الطلاق بها إذا قارنتها نية الطلاق. وقد قال فقهاء العراق: إن كنايات الطلاق في حال الغضب كصريح الطلاق في وقوع الطلاق بهما من غير نية. » (ص 89).
2 ـ وقال في الظهار2 « إن من ظَاهَر من امرأته بذكر البطن أو الفرج لم يكن مظاهِراً.
وهذا فيه خلاف قول الأمة بأسرها ».
3 ـ اختار قول أبي موسى الأشعري ـ مع انه كان يفسِّقه في موقفه من مسألة التحكيم بين عليّ ومعاوية ـ في أن النوم لا ينقض الطهارة إذا لم يكن معه حدث.
وهذا يخالف « قول الجمهور الأعظم بأن النوم مضطجعاً ينقض الوضوء. وإنما اختلفوا في النوم قاعداً وراكعاً وساجداً. وتسامح فيه أبو حنيفة. وأوجبه أكثر أصحاب الشافعي من طريق القياس ».
4 ـ « ومن ترك صلاة مفروضة ـ عمداً لم يصح قضاؤه لها ولم يجب عليه قضاؤها.
وهذا عند سائر الأمة كفر ككفر من زعم أن الصلوات الخمس غير
ــــــــــــــ
1 من العدة، وهي: تربص يلزم المرأة عند زوال النكاح المتأكد أو شبهته.
2 الظهار: هو تشبيه زوجته أو ما عبر به عنها أو جزء شائع منها بعضو يحرم نظره إليه من أعضاء محارمه نسباً أو رضاعاً كأمه وبنته وأخته » (« تعريفات »، الجرجاني).

265

مفروضة. وفي فقهاء الأمة من قال فيمن فاتته صلاةٌ مفروضةٌ إنه يلزمه قضاء صلوات يوم وليلة. وقال سعيد بن المسيّب: من ترك صلاة مفروضةً حتى فات وقتها قضى ألف صلاة. وقد بلغ من تعظيم شأن الصلاة أن بعض الفقهاء أفتى بكفر من تركها عامداً وإن لم يستحلّ تركها، كما ذهب إليه أحمد بن حنبل. وقال الشافعي بوجوب قتل تاركها عمداً، وإن لم يحكم بكفره إذا تركها كسلاً، لا استحلالاً. وقال أبو وحنيفة بحبس تارك الصلاة وتعذيبه إلى أن يُصلي. وخلاف النظّام للأمة في وجوب قضاء المتروكة من فرائض الصلاة بمنزلة خلاف الزنادقة في وجوب الصلاة، ولا اعتبار بالخلافَين. » (الكتاب نفسه، ص 89).
5 ـ وقال في باب الوعيد « إن من غصب أو سرق مائة وتسعة وتسعين درهماً لم يفسق بذلك حتى يكون ما سرقه أو غصبه وخان فيه مائتي درهم فصاعداً. » (الكتاب نفسه، ص 87).

آراؤه في الصحابة

1 ـ عمر
يقول عبد القاهر البغدادي إن النظّام « طعن في الفاروق عمر رضي الله عنه. وزعم أنه شكّ يوم الحديبية في دينه. وشكّ يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وأنه كان فيمن نفر بالنبي عليه السلام ليلة العقبة.
ــــــــــــــ
1 « الفرق بين الفرق »، ص 147 ـ 148، طبعة محيي الدين، القاهرة بدون تاريخ.

266

وأنه ضرب فاطمة ومنع ميراث الضُّرّة. ـ وأنكر عليه تغريب نصر بن الحجاج من المدينة إلى البصرة. وزعم أنه ابتدع صلاة التراويح، ونهى عن متعة الحج، وحرَّم نكاح الموالي للعربيات ».

2 ـ عثمان
أما عثمان فقد أخذ عليه النظّام:
1 ـ السماح للحكَم بن العاص بالعودة إلى المدينة، وكان النبي قد نفاه عنها وظل منفياً عنها طول حياة النبي ومدة خلافة أبي بكر وعمر.
2 ـ استعماله الوليد بن عقبة والياً على الكوفة حتى صلى بالناس وهو سكران، وكان الوليد سكيراً مدمناً. وقد أخبر النبي أن الوليد بن عقبة من أهل النار.
3 ـ أعان سعيد بن العاص بأربعين ألف درهم على نكاحٍ عقده؛ وسعيد بن العاص هو الذي ولاه عثمان على الكوفة لما أن اضطر إلى عزل الوليد بن عقبة حين تألب عليه أهل الكوفة لشربه الخمر.
وموقف النظّام في أخذه هذه الأمور على عثمان مما يؤيده فيه معظم الأمة، وكانت هذه الأمور من أسباب الانتقاض على عثمان ثم قتله.

3 ـ عليّ
وأخذ على عليّ بن أبي طالب أنه كان يفتي في بعض الأمور برأيه، كما أفتى حين سُئل عن بقرة قتلت حماراً فقال: أقول فيها برأيي.
ذلك أن النظّام قال « إن الذين حكموا بالرأي من الصحابة إما أن يكونوا قد ظنوا أن ذلك جائز لهم، وجهلوا تحريم الحكم بالرأي في الفتيا عليهم؛ واما إنهم أرادوا أن يُذْكَروا بالخلاف وأن يكونوا رؤساء في

267

المذاهب، فاختاروا لذلك القول بالرأي » (« الفرق بين الفرق »، ص 90).
ولكنه كان يرى « أن علياً مصيباً في حروبه، وأن من قاتله كان على خطأ1 »، وخطّأ طلحة والزبير وعائشة ومعاوية.

4 ـ أبو هريرة
« عاب النظّام أصحابَ الحديث ورواياتهم أحاديث أبي هريرة، وزعم أن أبا هريرة كان أكذب الناس » (« الفرق بين الفرق »، ص 89).

5 ـ ابن مسعود
« وعاب ابن مسعود في قوله في حديث تزويج بروع بنت واشق: أقول فيها برأيي: فان كان صواباً فمن الله عز وجل، وإن كان خطأ فمني. وكذبه في رواية عن النبي عليه السلام أنه قال: « السعيد من سَعِد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه ». وكذبه أيضاً في رواية انشقاق القمر، وفي رؤية الجن ليلة الجن... وإنما أنكر على ابن مسعود روايته أن « السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه، لأن هذا خلاف قول القدرية في دعواها في السعادة والشقاوة ليستا من قضاء الله عز وجل وقَدَره. وإما إنكاره انشقاق القمر فإنما كره منه ثبوت معجزة لنبينا عليه السلام، كما أنكر معجزته في نظم القرآن. فإن كان أحال انشقاق القمر مع ذكر الله عز وجل ذلك في القرآن مع قوله من طريق العقل ـ فقد زعم أن جامع أجزاء لا يقدر على تفريقها. وإن أجاز انشقاق القمر في القدرة والإمكان فما الذي أوجب
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 130. القاهرة، سنة 1954.

268

كذب ابن مسعود في روايته انشقاق القمر مع ذكـر الله عز وجل ذلك في القرآن مع قـوله: « اقتربت الساعة وانشقّ القمر، وإن يروا آية يُعرضوا ويقولوا: سِحْرٌ مستمر » (سورة القمر: 1 ـ 2). فقول النظّام بأن انشقاق القمر لم يكن أصلاً ـ شرٌّ من قول المشركين الذي قالوا لما رأوا انشقاقه وزعموا أن ذلك واقع بسحر. ومنكر وجود المعجزة شرٌّ ممن تأولها على غير وجهها. ـ واما إنكاره رؤية الجن أصلاً فيلزمه أن لا يرى بعض الجن بعضاً. وإن أجاز رؤيتهم فما الذي أوجب تكذيب ابن مسعود في دعواه رؤيتهم؟! » (« الفرق بين الفرق »، ص 90 ـ 91).

رأيه في المفسرين

ذكر الجاحظ رأي النظّام في بعض المفسرين، وكيف يتأولون كتاب الله تأويلاً بعيداً عن مقتضى اللغة أو مقتضى العقل. قال الجاحظ في « الحيوان » (? 1، ص 343 وما بعدها):
« كان أبو اسحق (= النظّام) يقول: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسرين وإن نصبوا أنفسهم للعامة، وأجابوا في كل مسألة: فإن كثيراً منهم يقول بغير رواية على غير أساس. وكلما كان المفسِّر أغرب عندهم كان أحبَّ إليهم. وليكن عندكم عكرمة، والكلبي، والسُّدّي، والضحّاك، ومقاتل ابن سليمان، وأبو بكر الأصمّ ـ في سبيل واحدة. فكيف أثق بتفسيرهم وأسكن إلى صوابهم، وقد قالوا في قوله عز وجل « وإن المساجد لله » (72: 68): إن الله عز وجل لم يَعْن بهذا الكلام مساجدنا التي نصلي فيها، بل إنما عنى الجِباه وكلّ ما سجد الناس عليه: من يدٍ ورجلٍ وجبهة وأنف وثَفِنة.

269

وقالوا في قوله تعالى: « أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلِقَتْ » (88: 17): إنه ليس يعني الجِمال والنوق، وإنما يعني السحاب.
وإذا سئلوا عن قوله: « وطَلْحٍ منضود » (55: 29) قالوا: الطلح هو الموز.
وجعلوا الدليل على أن شهر رمضان قد كان فرضاً على جميع الأمم وأن الناس غيروه، قوله تعالى: « كُتِب عليكم الصيامُ كما كُتِب على الذين من قبلكم » (2: 183).
وقالوا في قوله تعالى: « رَبِّ لِمَ حشرتني أعمى وقد كنتُ بصيراً » (20: 125): قالوا: يعني إنه حَشَرَه بلا حجّة.
وقالوا في قوله تعالى: « ويلٌ للمطففين » (83: 1): الويل: وادٍ في جهنم، ثم قعدوا يصفون ذلك الوادي. ومعنى « الويل » في كلام العرب معروف، وكيف كان في الجاهلية قبل الإسلام، وهو من أشهر كلامهم!
وسئلوا عن قوله تعالى « قل أعوذ برب الفلق » (113: 1) قالوا: الفَلق وادٍ في جهنم، ثم قعدوا يصفونه. وقال آخرون: الفلق المِقْطرة بلغة اليمن.
وقال آخرون في قوله تعالى: « عيناً فيها تُسَمّى سلسبيلاً » (76: 18) قالوا: أخطأ من واصل بعض هذه الكلمة ببعض. قالوا: وإنما هي: سَلْ سبيلاً إليها يا محمد. فإن كان كما قالوا فأين معنى « تسمى »، وعلى أي شيء وقع قوله « تسمى »، فتُسَمى ماذا، وما ذلك الشيء؟
وقالوا في قوله تعالى: « وقالوا لجلودهم لِمَ شهدتم علينا » (41: 21) قالوا: الجلود كناية عن الفروج. كأنه كان لا يرى أن كلام الجلد من أعجب العجب!
وقالوا في قوله تعالى: « كانا يأكلان الطعام » (5: 75): إن هذا إنما كان كنايةً عن الغائط. كأنه يرى أن في الجوع وما ينال أهله من الذلّة والعجز والفاقة، وأنه ليس في الحاجة إلى الغذاء ـ ما يكتفي به في الدلالة على أنهما مخلوقان. حتى يدّعي على الكلام ويدّعي له شيئاً قد أغناه الله تعالى عنه.

270

وقالوا في قوله تعالى: « وثيابك فَطَهِّرْ » (74: 4): أنه إنما عنى قلبه.
ومن أعجب التأويل قول اللحياني: « الجبار » من الرجال يكون على وجوه: يكون جباراً في الضخم والقوة، فتأول قوله تعالى: « إن فيها قوماً جبارين » (5: 22). قال: ويكون « جباراً » على معنى « قتالاً » وتأوله في ذلك: « وإذا بطشتم بطشتم جبّارين » (26: 130). وقوله لموسى صلى الله عليه وسلم: « إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض » (28: 19) أي قتالاً بغير حق. والجبار: المتكبر عن عبادة الله تعالى، وتأول قوله عز وجل: « ولم يكن جبّاراً عصيّاً » (19: 14)، وتأول في ذلك قول عيسى: ولم يجعلني جباراً متكبراً عن عبادته. قال: الجبار: المسلّط القاهر، وقال: وهو قوله: « وما أنت عليهم بجبار » (50: 45) أي مُسَلّط فتقهرهم على الإسلام. والجبار: الله.
وتأول أيضاً « الخوف » على وجوهٍ، ولو وجده في ألف مكان لقال: والخوفُ على ألف وجه. وكذلك الجبار. وهذا كله يرجع إلى معنى واحد، إلا أنه لا يجوز أن يوصف به إلا الله عز وجل1. »
وواضح هنا أيضاً أن الجاحظ تداخل كلامُه في كلام النظّام بحيث يصعب الفصل بينهما.

أركان العالم

العناصر
يورد لنا الجاحظ نقولاً عن النظّام ناقش فيها بعض المذاهب في تركيب العالم. وتنقسم هذه المذاهب إلى: مذهب الدهرية؛ مذهب الديصانية؛
ــــــــــــــ
1 الجاحظ: « الحيوان »، ? 1، ص 343 ـ 345. القاهرة، سنة 1938.

271

والدهرية عنده تشمل فرق الطبيعيين المختلفة. وقد أورد آراءها فقال:
« قالت الدهرية في عالمنا هذا بأقاويل: فمنهم من زعم أن عالمنا هذا من أربعة أركان (= عناصر) حرّ، وبرد، ويُبس، وبلّة1. وسائر الأشياء، نتائج، وتركيب، وتوليد. وجعلوا هذه الأربعة أجساماً.
ومنهم من زعم أن هذا العالم من أربعة أركان: من أرض، وهواء، وماء، ونار. وجعلوا الحر والبرد واليبس والبلّة أعراضاً في هذه الجواهر. ثم قالوا في سائر الأراييح والألوان والأصوات (إنها) ثمار هذه الأربعة على قدر الأخلاط في القلة والكثرة، والرقة والكثافة.
فقدّموا ذكر نصيب حاسة اللمس فقط؛ وأضربوا عن أنصباء الحواس الأربع.
قالوا ونحن نجد الطعوم غاذية وقاتلة، وكذلك الأراييح. ونجد الأصوات مُلِذّة ومؤلمة، وهي مع ذلك قاتلة وناقضة للقوى مُتْلِفة. ونجد للألوان: في المضار والمنافع واللذاذة والألم ـ المواقع التي لا تجهل، كما وجدنا مثل ذلك في الحر والبرد واليبس والبلة. ونحن لم نجد الأرض باردة يابسة؛ غير أنا نجدها مالحةً: أي ذات مذاقة ولون كما وجدناها ذات رائحة، وذات صوت متى قرع بعضُها بعضاً. فبردُ هذه الأجرام وحرّها، ويُبْسُها ورطوبتُها لم تكن فيها لعلة كون الطعوم والأراييح والألوان فيها. وكذلك طعومها وأراييحها وألوانها لم تكن فيها لمكان كمون البرد واليبس والحر والبلة فيها. ووجدنا كل ذلك إما ضاراً وإما نافعاً، وإما غاذياً وإما قاتلاً، وإما مؤلماً وإما مُلِذّاً.
وليس يكون كون الأرض مالحة أو عذبة، ومنتنة أو طيبة أحقَّ بأن يكون علةً لكون اليبس والبرد والحر والرطوبة من أن يكون كون الرطوبة واليبس والحر والبرد علّةً لكون اللون والطعم والرائحة.
ــــــــــــــ
1 بلة: رطوبة، ركن: عنصر.

272

وقد هجم الناس على هذه الأعراض الملازمة والأجسام المشاركة هجوماً واحداً، على هذه الحِلية والصورة (التي) ألفاها الأول والآخر.
قال (أي النظّام): فكيف وقع القولُ منهم على نصيب هذه الحاسة وحدها، ونحن لم نرَ من البلّة أو من اليبس نفعاً ولا ضراً تنفرد به دون هذه الأمور؟!
قال: والهواء يختلف على قدر العوامل فيه من تحت ومن فوق، ومن الأجرام المشتملة عليه والمخالطة له. وهو جسم رقيق، وهو في ذلك محصور، وهو خوّارٌ سريع القبول. وهو مع رقته يقبل ذلك الحصر، مثل عمل الريح والزق: فإنها تدفعه من جوانبه، وذلك لعلّة الحصر، ولقطعه عن شكله. والهواء ليس بالجسم الصعّاد والجسم النزّال، ولكنه جسمٌ به تعرف المنازل والمصاعد.
والأمور ثلاثة: شيء يصعد في الهواء، وشيء ينزل في الهواء، وشيء مع الهواء. فكما أن المُصْعِد فيه والمنحدر لا يكونان إلاّ مخالفين فالواقع معه لا يكون إلا موافقاً. ولو إن إنساناً أرسل من يده ـ وهو في قعر الماء ـ زقاً منفوخاً فارتفع الزق لدفْع الريح التي فيه، لم يكن لقائل أن يقول: ذلك الهواءُ شأنه الصعود. بل إنما ينبغي أن يقول: ذلك الهواء من شأنه أن يصير إلى جوهره ولا يقيم في غير جوهره؛ إلاّ أن يقول: من شأنه أن يصعد في الماء، كما أن من شأن الماء أن ينزل في الهواء، وكما أن الماء يطلب تِلاد الماء، والهواء يطلب تلاد الهواء.
قالوا: والنار أجناسٌ كثيرة مختلفة. وكذلك الصاعد، ولا بد إذا كانت مختلفة أن يكون بعضها أسرع من بعض، أو يكون بعضها إذا خرج من عالم الهواء وصار إلى نهاية، إلى حيث لا منفذ ـ ألاّ يزال فوق الآخر الذي صعد معه، وإن وجد مذهباً لم يقم عليه. ويدلّ على ذلك إنّا نجد الضياء صعّاداً، ونجد الظلام رابداً1، وكذلك البرد
ــــــــــــــ
1 رابد: مقيم.

273

والرطوبة. فإذا صحّ أن هذه الأجناس مختلفة، فإذا أخذت في جهة علمنا أن الجهة لا تخالف بين الأجناس ولا توافق، وأن الذي يوافق بينهما (ويخالف) اختلافُ الأعمال. ولا يكون القطعان متفقين إلاّ بأن يكون مرورهما سواءً. وإذا صارا إلى الغاية صار اتصال كل واحد منهما بصاحبه كاتصال بعضه ببعض. ثم لا يوجد أبداً إلاّ إما أعلى وإما أسفل.
قال أبو اسحق (= النظام): فيُستدلّ على أن الضياء أخفُّ من الحر بزواله، وقد يذهب ضوء الأتّون وتبقى سخونته.
قال أبو اسحق (= النظام): لأمر ما حُصِر الهواءُ في جوف هذا الفلك. ولا بد لكل محصور من أن يكون تقلبه وضغطه على قدر شدة الحصار. وكذلك الماءُ إذا اختنق.
قال: والريح هواء نزل، لا غير. فلِمَ قضوا على طبع الهواء في جوهريته باللدونة، والهواء الذي يكون بقرب الشمس، والهواء الذي بينهما على خلاف ذلك؟
ولولا أن قوى البرد غريزية فيه لما كان مروِّحاً عن النفوس، ومنفِّساً عن جميع الحيوان إذا اختنق في أجوافها البخارُ والوهجُ المؤذي، حتى فزعت إليه واستغاثت به، وصارت تجتلب من رَوحه وبرد نسيمه في وزن ما خرج من البخار الغليظ والحرارة المستكنّة.
قال (أي النظام): وقد علموا ما في اليُبس من الخصومة والاختلاف. وقد زعم قومٌ أن اليُبس هو عدم البِلَّة. قالوا وعلى قدر البِلّة قد تتحول عليه الأسماء، حتى قال خصومهم: فقولوا أيضاً إنما نجد الجسم بارداً على قدر قلة الحرّ فيه.
وكذلك قالوا في الكلام: إن الهواء إنما يقع عندنا أنه مُظلم لفقدان الضياء، ولأن الضياء قرصٌ قائم وشعاع ساطع فاصل، وليس للظلام قرص. ولو كان في هذا العالم شي يقال له ظلامٌ لما قام إلا في قرص.

274

فكيف تكون الأرض قُرصةً، والأرض غبراء، ولا ينبغي أن يكون شعاع الشيء أسبغ منه.
قال: والأول لا يشبه القول في اليُبس والبلّة، والقولَ في الحر والبرد، والقول في اليبس والرطوبة، والقول في الخشونة واللين، لأن التراب لو كان كله يابساً وكان اليبس في جميع أجزائه شائعاً، لم يكن بعضه أحق بالتقطيع والتبرد والتهافت، من الجزء الذي نجده متمسكاً.
قال خصمه: ولو كان أيضاً التهافت الذي نجده فيه إنما هو لعدم البلة، وكله قد عدم البلّة، لكان ينبغي للكل أن يكون متهافتاً، ولا نجد منه جزئيْن متلازقيْن. فإنْ زعمتم أنه إنما اختلف في التهافت على قدر اختلاف اليُبس، فينبغي لكم أن تجعلوا اليُبس طبقات، كما يُجْعلُ ذلك للخضرة والصفرة.
وقال ابراهيم (النظّام): أرأيت لو اشتمل اليبس الذي هو غاية التراب كله كما عرض لنصفه، أما كان واجباً أن يكون الافتراقُ داخلاً على الجميع؟ وفي ذلك: القولُ بالجزء الذي لا يتجزأ.
وأبو اسحق ـ وإنْ كان اعترض على هؤلاء في باب القول في اليبس ـ فإن المسألة عليه في ذلك أشد.
وكان أبو اسحق يقول: من الدليل على أن الضياء أخفُّ من الحرّ إن النار تكون منك على قاب غلوة1 فيأتيك ضوءُها ولا يأتيك حرُّها. ولو أن شمعة في بيت (غير) ذي سقف لارتفع الضوء في الهواء حتى لا تجد منه على الأرض إلاّ الشيء الضعيف، وكان الحرّ على شبهٍ بحاله الأول2. »
* * *
ــــــــــــــ
1 الغلوة: مقدار رمية السهم.
2 الجاحظ: « الحيوان »، ? 5، ص 40 ـ 46.

275

أما المذهب الآخر الذي يرد عليه النظّام في أمر أركان العالم فهو الديصانية، وقد قال عنهم:
« قال أبو اسحق: زعمت الديصانية أن أصل العالم إنما هو من ضياء وظلام، وأن الحرّ والبرد واللون والطعم والصوت والرائحة إنما هي نتائج على قدر امتزاجهما.
فقيل لهم: وجدنا الحِبْر إذا اختلط باللبن صار جسماً أغبر، وإذا خلطت الصَّبر بالعسل صار جسماً مُرّ الطعم على حسب ما زدنا. وكذلك نجد جميع المركبات. فما لنا إذا مزجنا بين شيئين من ذوات المناظر خرجنا إلى ذوات الملامس وإلى (ذوات) المذاقة والمشمّة؟!
وهذا نفسه داخل على من زعم أن الأشياء كلها تولدت من تلك الأشياء الأربعة، التي هي نصيبُ حاسةٍ واحدة.
وقال أبو اسحق: إن زعم قوم أن ها هنا جنساً هو روحٌ، وهو ركنٌ خامس ـ لم نخالفهم.
وإن زعموا أن الأشياء يحدثُ لها جنسٌ إذا امتزجت بضربٍ من المزاج، فكيف صار المزاجُ يُحدث لها جنساً وكلُّ واحد منه إذاً انفرد لم يكن ذا جنس وكان مُفسِداً للجسم، وإن فَصَل عنها أفسد جنسها؟! وهل حُكم قليلِ ذلك إلاّ كحكم كثيره؟! ولمَ لا يجوز أن يُجمَع بين ضياءٍ وضياءٍ فيحدث لها منعُ الإدراك؟!
فإن اعتلّ القومُ بالزاج والعفص والماء، وقالوا: قد نجد كلَّ واحدٍ من هذه الثلاثة ليس بأسود، وإذا اختلطت صارت جسماً واحداً أشدّ سواداً من الليل ومن السبج1 ومن الغراب ـ قال أبو اسحق: بيني
ــــــــــــــ
1 السبج: « حجر أسود حالك صقيل رخو جـداً تأكل النـار فيه » (البيروني: « الجماهير في معرفة الجواهر »، ص 199).

276

وبينكم في ذلك فرقٌ: أنا أزعم أن السواد قد يكون كامناً ويكون ممنوع المنظرة1، فإذا زال مانعه ظهر، كما أقول في النار والحجر وغير ذلك من الأمور الكامنة. فإن قلتم بذلك فقد تركتم قولكم. وإن أبيتم فلا بد من القول.
قال أبو اسحق: وقد غلط أيضاً كثير منهم فزعموا أن طباع الشيخ البلغم. ولو كان طباعه البلغم، والبلغم ليّنٌ رطبٌ أبيض، لما ازداد عظمه نحولاً ولونه سواداً وجلده تقبُّضاً...
قال أبو اسحق: فإنْ كان بعض هذه الجواهر صعّاداً وبعضها نزّالاً ـ ونحن نجد الذهب أثقل من مثله من هذه الأشياء النزّالة ـ فكيف يكون أثقل منها وفيه أشياء صعّادة؟!
فإن زعموا أن الخفة إنما تكون من التخلخل والسُّخْف وكثرة أجزاء الهواء ـ فقد ينبغي أن يكون الهواء أخفّ من النار، وأن النار في الحجر كما أن فيه هواءً، والنار أقوى على رفع الحجر من الهواء الذي فيه.
وكان (أي النظّام) يقول: من الدليل على أن النار كامنةٌ في الحطب أن الحطب يُحرق بمقدار من الإحراق، ويمنع الحطب أن يخرج جميع ما فيه من النيران فيجعل فحماً. فمتى أحببت أن تستخرج الباقي من النار استخرجته، فترى النار عند ذلك يكون لها لهبٌ دون الضرام. فمتى أخرجتَ تلك النار الباقية، ثم أوقدت عليها ألف عام لم تستوقد. وتأويل: « لم تستوقد » إنما هو ظهور النار التي كانت فيه. فإذا لم يكن فيه شيء، فكيف يستوقد؟
وكان يكثر التعجُّب من ناس ينافسون في الرئاسة إذْ رآهم يجهلون جهل صغار العلماء وقد ارتفعوا في أنفسهم إلى مرتبة كبار العلماء. وذلك
ــــــــــــــ
1 المنظرة: المنظر، الرؤية.

277

أن بعضهم كان يأخذ العود فينقيه ويقول: أين تلك النار الكامنة؟! مالي لا أراها، وقد ميزتُ العود قشراً بعد قشر؟
وكان يقول في الأشياء الكامنة: إن لكل نوع منها نوعاً من الاستخراج، وضرباً من العلاج. فالعيدان تُخرَج نيرانُها بالاحتكاك، واللبن يُخرَج زبدُه بالمخض، وجُبنه يُجمع بانفحة وبضروب من علاجه.
ولو أن إنساناً أراد أن يخرج القَطِران من الصنوبر، والزفت من الأرز لم يكن يخرج له بأن يقطع العود ويدقه ويقشره، بل يوقد له ناراً بقربه، فإذا أصابه الحرُّ عَرِق وسال ـ في ضروبٍ من العلاج.
ولو أن إنساناً مزج بين الفضة والذهب، وسبكهما سبيكة واحدة، ثم أراد أن يعزل أحدهما من صاحبه لم يمكنه ذلك بالقَرْص والدق. وسبيل التفريق بينهما قريبةٌ سهلةٌ عند الصاغة وأرباب الحملانات1.
* * *
وزعم أبو اسحق أن أرسطاطليس كان يزعم أن الماء الممازجَ للأرض لم ينقلب أرضاً، وأن النار الممازجة للماء لم تنقلب ماءً. وكذلك ما كان من الماء في الحجر، ومن النار في الأرض والهواء. وأن الأجرام إنما يخفُّ وزنها وتسخف على قدر ما فيها من التخلخل ومن أجزاء الهواء. وأنها ترزن وتصلب وتمتُن على قدر قلة ذلك فيها.
ومن قال هذا القول في الأرض والماء والنار والهواء وفيما تركّب منها من الأشجار وغير ذلك ـ لم يصل إلى أن يزعم أن في الأرض عَرَضاً يحدث، وبالحري أن يعجز عن تثبيت كون الماء والأرض والنار عرضاً. »
ــــــــــــــ
1 حملان الدراهم في اصطلاح الصاغة هو ما يحمل على الدراهم من الغش، تسمية بالمصدر، وهـو مجاز (« تاج العروس » للزبيدي، ? 7، ص 288. دار ليبيا للنشر).

278

مناظراته مع المانوية

وللنظّام مناقشات عديدة مع المانوية، منها ما رواه الجاحظ في « الحيوان » (? 4، ص 441 ـ 442) قال:
« كان أبو اسحق (النظام) يسأل المنانية عن مسألة قريبة المأخذ قاطعة، وكان يزعم أنها ليست له:
وذلك أن المنانية تزعم أن العالم بما فيه، من عشرة أجناس: خمسةٌ منها خير ونور، وخمسة منها شرٌّ وظُلمة. وكله حاسّة وحارّة. وأن الإنسان مركب من جميعها على قدر ما يكون في كل إنسان من رجحان أجناس الخير على أجناس الشرّ، ورجحان أجناس الشرّ على أجناس الخير. وأن الإنسان وإن كان ذا حواس خمسة، فإن في كل حاسة فنوناً من ضدّه من الأجناس الخمسة. فمتى نظر الإنسان نظرة رحمة فتلك النظرة من النور، ومن الخير. ومتى نظر نظرة وعيد، فتلك النظرة من الظلمة. وكذلك جميع الحواسّ. وأن حاسّة السمع جنسٌ على حدة، وأن الذي في حاسة البصر من الخير والنور لا يعين الذي في حاسة السمع من الخير، ولكنه لا يضاده ولا يفاسده ولا يمنعه. فهو لا يعينه لمكان الخلاف والجنس، ولا يعين عليه لأنه ليس ضدّاً.
وأن أجناس الشرّ خلافٌ لأجناس الشرّ، ضدٌ لأجناس الخير، وأجناس الخير يخالف بعضها بعضاً ولا يضاد؛ وأن التعاون والتآدي لا يقع بين مختلفها، ولا بين متضادّها، وإنما يقع بين متفقها.
قال (أي النظام): فيقال للمنانيّ: ما تقول في رجلٍ قال لرجل: يا فلان! هل رأيت فلاناً؟ فقال المسؤول: نعم، قد رأيته ـ أليس السامع قد أدّى إلى الناظر، والناظر قد أدّى إلى الذائق؟! وإلاّ فَلِم قال اللسان: نعم! وإلاّ وقد سمع الصوتَ صاحبُ اللسان؟!
وهذه مسألة قصيرة كما ترى؛ ولا حيلة له بأن يدفع قوله ».

279


محمد بن عبد الوهاب الجبائي

أبو علي محمد بن عبد الوهّاب الجبائي:
واسمه الكامل كما ذكره ابن خلكان (برقم 579، ? 3، ص 398، القاهرة سنة 1948 م): أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حُمْران بن أبان مولى عثمان بن عفان.
ولقب الجُبّائي نسبة إلى جُبَّا (بالضم ثم التشديد والقصر) « بلد أو كورة من عمل خوزستان. ومن الناس من جعل عبّادان من هذه الكورة، وهي في طرف من البصرة والأهواز، حتى جعل من لا خبرة له جُبَّاً من أعمال البصرة. وليس الأمر كذلك. ومن جُبَّا هذه أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجُبّائي المتكلم المعتزلي صاحب التصانيف، مات سنة 330، ومولدة سنة 235. وابنه أبو هاشم عبد السلام كان كأبيه في علم الكلام، وفضَل عليه بعلم الأدب، فإنه كان إماماً في العربية، مات سنة 321 ببغداد. وجُبّا في الأصل أعجمي. وكان القياس أن ينسب إليها جُبَّوي. فنسبوا إليها جُبّائي على غير قياس، مثل نسبتهم إلى الممدود، وليس في كلام العجم ممدود. وجُبّا أيضاً قرية من أعمال النهروان... وجُبّا أيضاً قرية قرب هيت1 ».
ــــــــــــــ
1 ياقوت: « معجم البلدان »، ? 2، ص 12 ـ 31، نشرة ?ستنفلد.

280

ويقول ابن حوقل في « المسالك والممالك » في فصل خوزستان إن جُبَّى مدينة ورستاق عريض مشتبك العمائر بالنخل وقصب السكر وغيرهما.
وجُبّا تقع بالقرب من نهر دجيل أسفل الأهواز، وبالقرب منها مدينة سوق الأربعاء، وهي في شرقي دجيل على نهر يشق المدينة إلى جانبين بينهما قنطرة من خشب تحتها السفن1.

مولده

نصّ ابن خلكـان (3/ 399) على أن « ولادة الجبـائي في سنة خمس وثلاثين ومائتين »، وهو نفس التاريخ الذي ذكره ياقـوت (? 2، ص 13)، ومن قبلهما ابن النديم في « الفهرست » (ص 256، طبع مصر).

نبوغه المبكر

يروي ابن المرتضى (« طبقات المعتزلة »، ص 80) حكاية على نبوغه المبكر وقدرته في صغره على الجدل في مسائل علم الكلام فقال: « وكان على حداثة سنه معروفاً بقوة الجدل. حكى القطّان أنه اجتمع جماعة لمناظرة. فانتظروا رجلاً منهم فلم يحضر. فقال بعض أهل المجلس: أليس هنا
ــــــــــــــ
1 راجع كي لوسترانج: « بلدان الخلافة الشرقية »، ترجمة بشير فرنسيس وكوركيس عواد، ص 277 ـ 278 بغداد، 1954.

281

من يتكلم؟ وقد حضر من علماء المجبّرة رجل يقال له صقر. فإذا غلامٌ أبيض الوجه زج نفسه في صدر صقر وقال له: أسألكَ؟ فنظر إليه الحاضرون وتعجبوا من جرأته مع صغر سنه، فقال له: سَلْ! فقال: هل الله تعالى يفعل العدل؟ قال: نعم! قال: أفتسميه بفعله العدل عادلاً؟ قال نعم! قال فهل يفعل الجور؟ قال: نعم! قال: أفتسميه جائراً؟ قال: لا. قال: فيلزم أن لا تسميه بفعله العدل عادلاً.
فانقطع صقر. وجعلَ الناس يسألون: مَنْ هذا الصبيّ؟ فقيل: هو غلام من جُبّاء. ».

دراسته ومشايخه

« كان شيخه أبا يعقوب الشحّام. ولقي غيره من متكلّمي زمـانه » (« طبقات المعتزلة »، ص 80). وأبو يعقوب يوسف بن عبد الله بن اسحق الشحّام كان « من أصحاب أبي الهذيل، وإليه انتهت رياسة المعتزلة، وله كتب في الرد على المخالفين وفي تفسير القرآن، وكان من أحذق الناس في الجدل... وعاش ثمانين سنة » (الكتاب نفسه، 71 ـ 72). واتفق على أخذ الجبائي عنه كل المصادر (الفهرست »، ص 256؛ ابن خلكان 3/ 398 الخ).

تآليفه

كان غزير الانتاج جداً. « قال أبو الحسين: وكان أصحابنا يقولون إنهم حرّروا ما أملاه أبو علي فوجدوه مائة ألف وخمسين ألف ورقة.

282

قال: وما رأيته ينظر في كتاب إلاّ يوماً في زيج الخوارزمي، ورأيته يوماً أخذ بيده جزءاً من الجامع الكبير لمحمد بن الحسن.
وكان يقول إن الكلام أسهلُ شيء، لأن العقل يدلّ عليه1 ».
ومع ذلك لم يذكر له « الفهرست » لابن النديم كتاباً واحداً! ولكن:
1 ـ ذكر له ابن المرتضى في « طبقات المعتزلة » (ص 57، س 7) تفسيراً للقرآن لم يذكر فيه أحداً غير أبي بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصمّ.
2 ـ وذكر له « كتباً في الرد على أهل النجوم، ويذكر أن كثيراً منها كان يجري مجرى الامارات التي يغلب الظن عندها » (ص 99، س 3 ـ س 4). وفي موضع آخر (ص 94، س 12 ـ س 13) يذكرها هكذا: « وكان أبو علي ينظر في شيء من النجوم، وكان يقول: أكثره يجري مجرى الامارات، وله كتاب في الرد على المنجمين ».
3 ـ أملى كتاب اللطيف على بعض تلاميذه: أبي الفضل الحجندي، وغيره (« طبقات المعتزلة »، ص 101، س 12 ـ س 13).
3 ـ وذكر الأشعري أنه نقض له الكتاب المعروف ? الأصول، فقال: « وألفنا كتاباً كبيراً نقضنا فيه الكتاب المعروف ? « الأصول » على محمد بن عبد الوهاب الجبائي، كشفنا عن تمويهه في سائر الأبواب التي تكلم فيها من أصول المعتزلة. وذكرنا ما للمعتزلة من الحجج في ذلك بما لم يأت به. ونقضناه بحجج الله الزاهرة وبراهينه الباهرة: يأتي كلامنا عليه في نقضه في جميع مسائل المعتزلة وأجوبتها في الفنون التي اختلفنا نحن وهُم فيها2 ».
ــــــــــــــ
1 « طبقات المعتزلة »، ص 82.
2 ابن عساكر: « تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الامام أبي الحسن الأشعري »، ص 130. القاهرة 1347 ?.

283

5 ـ وذكر كتاباً آخر رداً على الجبائي فقال: « وألفنا كتاباً أجبنا فيه عن مسائل الجبائي في النظر والاستدلال وشرائطه1 ».
6 ـ وفي « لسان الميزان » لابن حجر العسقلاني (? 5، ص 271 تحت رقم 930، طبع حيدر أباد):
وذكر ابن النديم له (أي لأبي علي الجبائي) سبعين تصنيفاً، منها الرد على الأشعري في الرواية، وهو من العجائب، لأن الأشعري كان من تلامذته ثم خالفه وصنف في الرد عليه، فنقض هو بعض تصانيفه. وله الرد على أبي الحسين الخياط والصالحي والجاحظ والنظّام والبردعي، وغيرهم من المعتزلة فيما خالفهم فيه. »

وفـاته

« توفي أبو علي سنة ثلاث وثلاث مائة. وكان أوصى إلى أبي هاشم أن يدفنه في العسكر وأن لا يُخرجه عنها. فلما مات، صلى عليه أهل العسكر. وأبى أبو هاشم إلاَّ أن يحمله إلى جُباء. فحمله إلى مقبرة كان فيها أمّ أبي علي وأم أبي هاشم في ناحية بستان أبي علي. قال أبو الحسن: كنت أمرّ مع أبي علي بالغدوات إلى ذلك البستان. فإذا دخله بدأ بالقبور فدعا لأهلها2. » وأصل هذه الرواية منقول عن « الفهرست » لابن النديم (ص 256)، وقد نصّ على وفاته في هذا التاريخ، وكذلك فعل ابن خلكان وزاد، فقال: « وتوفي في شعبان سنة ثلاث وثلثمائة » (? 3، ص 399).
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ص 134.
2 « طبقات المعتزلة » لابن المرتضى، ص 84 ـ 85. بيروت، 1961.

284

مناظرته مع الأشعري

رُويت هذه المناظرة في عدة مصادر، ومنها ما رواه ابن خلكان (? 3، ص 398) قال:
« وعنه (أي عن أبي علي الجبائي) أخذ الشيخ أبو الحسن الأشعري، شيخُ السُّنة، علمَ الكلام، وله معه مناظرة روتها العلماء: فيقال إن أبا الحسن المذكور (= الأشعري) سأل أستاذه أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة: أحدهم كان مؤمناً برّاً تقياً، والثاني كان كافراً فاسقاً شقياً، والثالث كان صغيراً. فماتوا، فكيف حالهم؟
فقال الجبائي: أما الزاهد ففي الدرجات، وأما الكافر ففي الدركات، وأما الصغير فمن أهل السلامة.
فقال الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد، هل يؤذن له؟
فقال الجبائي: لا، لأنه يقال له: إن أخاك إنما وصل إلى هذه الدرجات بسبب طاعاته الكثيرة، وليس لك تلك الطاعات.
فقال الأشعري: فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس مِنّي، فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة.
فقال الجبائي: يقول الباري ـ جلّ وعلا ـ كنتُ أعلم أنك لو بقيت لعصَيت وصرت مستحقاً للعذاب الأليم، فراعيتُ مصلحتك.
فقال الأشعري: فلو قال الأخ الكافر: يا إله العالمين! كما علمتَ حاله فقد علمت حالي، فلِمَ راعيت مصلحته دوني؟
(فقال الجبائي للأشعري: إنك مجنون.
قال: لا، بل وقف حمارُ الشيه في العقبة)
وانقطع الجبائي.

285

وهذه المناظرة دالّة على أن الله تعالى خصَّ من شاء برحمته، وخصّ آخر بعذابه، وأن أفعاله غير معلّلة بشيء من الأغراض.
ثم وجدت في تفسير القرآن العظيم تصنيف الشيخ فخر الدين الرازي في سورة الأنعام: « أن الأشعري لما فارق مجلس الأستاذ الجُبّائي وترك مذهبه، وكثر اعتراضه على أقاويله. عظمت الوحشة بينهما. فاتفق يوماً أن الجبائي عقد مجلس التذكير، وحضر عنده عالمٌ من الناس. فذهب الأشعري إلى ذلك المجلس، وجلس في بعض النواحي مختفياً عن الجبائي، وقال لبعض من حضره من النساء: أنا أعلمكِ مسألة فاذكريها لهذا الشيخ. ثم علمها سؤالاً بعد سؤال. فلما انقطع الجبائي في الأخير رأى الأشعري، فعلم أن المسألة منه، لا من العجوز ».
وكان الجبائي يقول: « قد يوصف القديم بالقدرة على أن يفعل بعباده في باب الدرجات والزيادة من الثواب أكثر مما فعله بهم، لأنه لو بقاه أكثر مما يبقى لازداد إلى طاعاته طاعاتٍ يكون ثوابه أعظم من ثوابه لما اخترمه. فأما ما هو استدعاء إلى فعل الإيمان واستصلاح التكليف فلا يوصف بالقدرة على أصلح مما فعله بهم1. »

ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 224 ـ 225.

286


جليل الكلام
صفات الله

1 ـ الله عالم
كان الجبّائي يرى « أن الله سبحانه لم يزل عالماً بالأشياء الجواهر والأعراض.
وكان يقول: إن الأشياء تُعْلَم أشياء قبل كونها، وتسمى أشياء قبل كونها، وإن الجواهر تسمى جواهر قبل كونها، وكذلك الحركات والسكون والألوان والطعوم والأراييح والإرادات.
وكان يقول: إن الطاعة تسمى طاعةً قبل كونها، وكذلك المعصية تسمى معصية قبل كونها.
وكان يقسم الأسماء على وجوه: فما سُمّي به الشيء نفسه فواجبٌ أن يسمى به قبل كونه كالقول: « سواد » ـ إنما سمي سواداً لنفسه، وكذلك البياض، وكذلك الجوهر إنما سُمّي جوهراً لنفسه. وما سُمِّي به الشيء لأنه يمكن أن يذكر ويخبر عنه فهو مسمى بذلك قبل كونه، كالقول: « شيء »، فإن أهل اللغة سموا بالقول: « شيء » كلَّ ما أمكنهم أن يذكروه ويخبروا عنه. وما سُمّي به الشيء للتفرقة بينه وبين

287

أجناسٍ أُخَر كالقول: « لون » وما أشبه ذلك فهو مسمّى قبل كونه. وما سمّي به الشيء لعلةٍ فوجدت العلة قبل وجوده فواجبٌ أن يسمى بذلك قبل وجوده كالقول: « مأمورٌ به » إنما قيل: « مأمور به » لوجود الأمر به؛ فواجبٌ أن يسمى مأموراً به في حال وجود الأمر؛ وإن كان غير موجود في حال وجود الأمر. ـ وكذلك ما سُمّي به الشيء لوجود علة يجوز وجودها قبله. ـ وما سمّي به الشيء لحدوثه ولأنه فعل فلا يجوز أن يسمى بذلك قبل أن يحدث كالقول: « مفعول ومُحْدَث » وماسُمّي به الشيء لوجود علة فيه فلا يجوز أن يسمى به قبل وجود العلة فيه، كالقول: « جسم »، وكالقول: « متحرك »، وما أشبه ذلك. وكان ينكر قول من قال: « الأشياء أشياء قبل كونها » ـ ويقول: هذه عبارة فاسدة لأن كونها هو وجودها، ليس غيرها. فإذا قال القائل: « الأشياء أشياء قبل كونها » فكأنه قال: أشياء قبل أنفسها1 ».
والمسألة التي يثيرها الجبائي هنا هي: هل معلومات الله معلومات قبل كونها، وكذلك مقدوراته هل هي مقدورات قبل كونها، وكذلك هل الأشياء أشياء قبل كونها؟
ذلك أن بعض المتكلمين يقولون إن علم الله بالشيء هو كونه. ومعنى هذا أن الشيء موجود منذ الأزل، لأن علم الله قديم. فهل معنى هذا أن الأشياء قديمة؟ لا يمكن القول بهذه النتيجة لأنها تتنافى مع فكرة الخلق والإيجاد. ولو قلنا ـ على العكس ـ إن علم الله بالشيء يكون حال إيجاده، فمعنى هذا أن علم الله متغير حادث بخلقه الأشياء ويزيد كلما أوجدها. وهذا أيضاً يتنافى مع ما ينبغي لله من ثبات وعدم تغير.
وفي الجواب عن هذه المسألة يقول أبو الحسين الصالحي « إن الله لم
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 222 ـ 223. القاهرة 1950.

288

يزل عالماً بالأشياء في أوقاتها، ولم يزال عالماً أنها ستكون في أوقاتها، ولم يزل عالماً بالأجسام في أوقاتها، وبالمخلوقات في أوقاتها. ويقول: لا معلوم إلاّ موجود. ولا يُسَمّي المعدومات معلومات، ولا يسمي ما لم يكن: مقدوراً، ولا يسمي الأشياء أشياء إلاّ إذا وجدت، ولا يسميها أشياء إذا عُدِمت1 ». وهذا موقف توفيقي بين القول بأن علم الله أزلي والقول بأن الأشياء محدثة، فهو يقول إن الله يعلم أن الشيء سيحدث في وقت كذا: فعلمه أزلي، والشيء محدث في زمان معلوم. ولما كان يقول أيضاً إنه « لا معلوم إلاّ موجود، ولا يسمي المعدومات معلومات »، فقد فسّر وجود ما يعلمه الله قبل إيجاده له بأنه وجود في علم الله، لا في الواقع.
لكن هذا لا يحل المشكلة في شيء، لأن علم الله يجب أن يتعلق بموجود بالفعل، لا بمعدوم. لهذا كان هشام بن عمرو الفوطي أكثر منطقية حين قال: « لا أقول لم يزل عالماً بالأشياء » لأني « إذا قلت: لم يزل عالماً بالأشياء ثبَّتها لم تزل (= أزلية) مع الله عز وجل. وإذا قيل له: أفتقول: إن الله لم يزل عالماً بأن ستكون الأشياء؟ قال: إذا قلت بأن ستكون فهذه إشـارة إليها؛ ولا يجوز أن أشير إلا إلى موجود. وكان لا يُسمّي ما لم يخلقه الله ولم يكن: شيئاً » (الموضع نفسه). فالفوطي إذن رفض ما ذهب إليه أبو الحسين الصالحي من أن الله لم يزل عالماً بالأشياء أنها ستكون في أوقاتها؛ وقال إن معنى ذلك هو وجود الأشياء منذ الأزل مع الله، ما دام علمه بكونها أزلياً وإن تعلق بأنها ستكون في وقت معين.
أما موقف الجبائي كما عرضه الأشعري فغير واضح تماماً: هل يقول
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 219.

289

إن الله يعلم الأشياء قبل وقوعها علماً أزلياً أو يعلمها أنها ستكون في وقت معلوم، أو يعلمها كلما تحدث؟
فمن ناحية يذكر أنه يقول « إن الله سبحانه لم يزل عالماً بالأشياء والجواهر والأعراض، وكان يقول إن الأشياء تُعلم أشياء قبل كونها، وتسمى أشياء قبل كونها »، ومن ناحية أخرى « ينكر قول من قال الأشياء أشياء قبل كونها، ويقول: هذه عبارة فاسدة لأن كونها هو وجودها ليس غيرها » ـ ولا يتضح كيف يوفق بين هذين القولين المتعارضين، إذ كيف تُعلم الأشياء أشياء قبل كونها، ولا يجوز أن يقال إن الأشياء أشياء قبل كونها؟ هذا تناقض واضح لا يبين من نص الأشعري كيف حلّه الجبائي؛ وربما يكون في نص الأشعري تحريف، أو سوء تعبير.

2 ـ الله كريم
فسّر الجبائي هذه الصفة بأن قال: « الوصف لله بأنه كريم، على وجهيْن: فالوصف له بأنه كريم بمعنى: عزيز، من صفات الله نفسه؛ والوصف له بأنه كريم بمعنى أنه جواد معطٍ، من صفات الفعل1 ». ومعنى ذلك أن قولنا: الله كريم إما أن يطلق على أنه صفة ذات، أو على أنه صفة فعل. فإن كان صفة ذات فكريم معناه: عزيز؛ وإن كان صفة فعل، فكريم معناه: جواد.
وكان عيسى الصوفي يرى أن وصف الله بأنه كريم هو من صفات الفعل أي بمعنى أنه جواد؛ بينما كان الاسكافي يقول بقريب مما قال به الجبائي.
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 236 ـ 237، ? 2، ص 172 ـ 173.

290

3 ـ الله سميع بصير
اختلف الذين قالوا إن الله لم يزل سميعاً بصيراً هل يقال: لم يزل سامعاً مبصراً، أم لا يقال ذلك:
« فقال الاسكافي والبغداديون من المعتزلة: إن الله لم يزل سميعاً بصيراً سامعاً مبصراً يسمع الأصوات والكلام، ومعنى ذلك أنه يعلم الأصوات والكلام، وأن ذلك لا يخفى عليه؛ لأن معنى « سميع » و« بصير » عنده وعند من وافقه أنه لا تخفى عليه المسموعات والمبصَرات.
وقال الجبائي: لم يزل الله سميعاً بصيراً، وامتنع من أن يكون لم يزل سامعاً مبصراً، ومِنْ أن يكون لم يزل يسمع، لأن سامعاً مبصراً، يُعَدَّى إلى مسموع ومُبصَر. فلما لم يجز أن تكون المسموعات والمبصَرات لم تزل موجودات لم يَجُزْ أن يكون لم يزل سامعاً مبصراً، وسميع بصير لا يُعَدَّى ـ زَعَمَ ـ إلى مسموع ومُبْصَر لأنه يقال للنائم سميع بصير وإن لم يكن بحضرته ما يسمعه ويبصره، ولا يقال للنائم إنه سامع مبصر.
وكان يقول: معنى قولي « إن الله سميع »: إثباتٌ لله، وإنه بخلاف ما لا يجوز أن يسمع، ودلالة على أن المسموعات إذا كانت سمِعها؛ وإكذابٌ لمن زعم أنه أصم.
وكان يقول: القول في الله « إنه بصير » على وجهيْن: يقال « بصير » بمعنى «عليم»، كما يقال رجل بصير بصناعته، أي عالمٌ بها؛ و« بصير » بمعنى أنّا نثبت ذاته ونوجب أنه بخلاف ما لا يجوز أن يبصر؛ وندل على أن المبصَرات إذا كانت أبصرها، ونكذّب من زعم أنه أعمى1 ».
ومناط الخلاف هنا بين الرأيين هو أن القول بأن الله « لم يزل سامعاً
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ? 2، ص 234 ـ 235.

291

مبصراً، يؤدي إلى القول بأن الأشياء المسموعة والمبصَرة أزلية، لأن سامع ومبصر أي سامع ومبصر بالفعل لأشياء مسموعة ومبصرة موجودة. أما « سميع » و« بصير » فمعناه أن له هذه الصفة: السمع والبصر، دون أن يكون بالضرورة ممارساً لهما بالفعل. وموقف الجبائي متسق مع إنكاره لأزلية الأشياء.

4 ـ ما علم الله أن يكون فلا بد أن يكون
ما علم الله أنه يكون، « وجاءنا الخبر أنه يكون فلسنا نجيز تركه على وجهٍ من الوجوه، لأن التجويز لذلك هو الشكّ، والشك في إخبار الله كفر. وقال: ما علم الله ـ سبحانه! ـ أنه يكون فمستحيلٌ قولُ القائل: لو كان مما يُترك لم يكن العلم سابقاً بأنه يكون.. وأجاز أكثر المعتزلة أن لا يكون ما أخبر الله أنه يكون وعَلِم أنه يكون بأن لا يكون كان عَلِم وأخبر أنه يكون1 ».
وكان يرى من المحال أن يفعل القديم ما علم أنه لا يكون وأخبر أنه لا يكون. ومع هذا فإنه كان يقول « إنه لو آمَنَ مَنْ عَلِم الله أنه لا يؤمن لأدخله الجنة، وكان يزعم أنه إذا وصل مقدورٌ بمقدور صحّ الكلام، كقوله: لو آمن الإنسان لأدخله الله الجنة، وإنما الإيمان خير له « ولو رُدُّوا لعادُوا » (سورة الأنعام: آية 28) فالرد مقدورٌ عليه، فقال: لو كان الرد مقدوراً منهم، لكان عَوْدٌ مقدور.
وكان يزعم أنه إذا وُصِل محالٌ بمحالٍ صح الكلام، كقول القائل: لو كان الجسم متحركاً ساكناً في حالٍ لجاز أن يكون حيّاً ميتاً في حال، وما أشبه ذلك.
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 286 ـ 287.

292

وكان يزعم أنه إذا وصل مقدورٌ بما هو مستحيلٌ استحال الكلام، كقول القائل: لو آمن من عَلِمَ الله وأخبر أنه لا يؤمن كيف كان (يكون) العلم والخبر وذلك أنه (إن) قال: كان لا يكون الخبر عن أنه يؤمن سابقاً بأن لا يكون كان الخبر الذي قد كان بأنه لا يؤمن وبأن لا يكون لم يزل عالماً، استحال الكلام، لأنه يستحيل أن لا يكون ما قد كان بأن لا يكون كان. ويستحيل أن لا يكون الباري عالماً بما لم يزل عالماً به، بأن لا يكون لم يزل عالماً، وإنْ قال: كان يكون الخبر عن أنه لا يكون، والعلم بأنه لا يكون ثابتاً صحيحاً، وإن كان الشيء الذي علم وأخبر أنه لا يكون، استحال الكلام. وإنْ قال: كان الصدق ينقلب كذباً، والعلم ينقلب جهلاً، استحال الكلام. فلما كان المجيب على هذه الوجوه على أيّ وجه أجابَ عن السؤال استحال كلامه، لم يكن الوجه في الجواب إلاّ نفس إحالة سؤال السائل1. »

5 ـ إرادة الله
يرى الجبائي « أن الإرادة لتكوين الشيء هي غيره وليست بخلق له، ولا جائز أن يقول الله سبحانه للشيء: كُنْ. وكان يزعم أن الخلق هو المخلوق2 ».

اللطف الإلهي

اللطف عند المتكلمين هو أن يختار المرءُ الواجب، ويتجنب القبيح،
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ? 1، ص 254 ـ 255.
2 الكتاب نفسه، ? 2، ص 175.

293

أو أنْ يكون ما عنده أقرب إما إلى اختيار الواجب أو ترك القبيح. ويُسمّى أيضاً توفيقاً، وربما يسمى عصمة؛ وقد يسمى هدى أو هداية.
ويكون إما من فعل الله، أو من فعل العبد. والأخير يشمل فعلنا وفعل غيرنا.
وقد ذهب بشر بن المعتمر ومن تابعه « إلى أن اللطف لا يجب على الله تعالى؛ وجعلوا العلة في ذلك أن اللطف لو وجب على الله تعالى لكان لا يوجد في العالم عاصٍ، لأنه ما من مكلّف إلا وفي مقدور الله تعالى من الألطاف ما لو فعل به لاختار الواجب، وتجنب القبيح. فلما وجدنا في المكلفين من عصى الله تعالى ومن أطاعه، تبيَّنا أن ذلك اللطف لا يجب على الله تعالى1. »
ويشرح الأشعري موقف بشر بن المعتمر ومن قال بقوله هكذا: « عند الله سبحانه لطفٌ لو فَعَله بمن يعلم أنه لا يؤمن لآمَنَ، وليس يجب على الله سبحانه فِعْلُ ذلك، ولو فعل الله سبحانه ذلك اللطف فآمنوا عنده لكانوا يستحقون من الثواب على الإيمان الذي يفعلونه عند وجوده ما يستحقونه لو فعلوه مع عدمه. وليس على الله سبحانه أن يفعل بعباده أصلح الأشياء، بل ذلك محالٌ، لأنه لا غاية ولا نهاية لما يقدر عليه من الصلاح، وإنما عليه أن يفعل بهم ما هو أصلح لهم في دينهم، وأن يزيح عللهم فيما يحتاجون إليه لأداء ما كلفهم وما تيسَّر عليهم ـ مع وجوده ـ العملُ بما أمرهم به. وقد فعل ذلك بهم. وقطع منَنَهم2 ».
أما الجبائي فكان يرى أن الله فعل « بعباده ما هو أصلح لهم في دينهم؛ ولو كان في معلومه شيء يؤمنون عنده أو يصلحون به ثم لم يفعله بهم لكان مريداً لفسادهم. غير أنه يقدر أن يفعل بالعباد ما لو
ــــــــــــــ
1 « شرح الأصول الخمسة » للقاضي عبد الجبار، ص 520.
2 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 287.

294

فعله بهم ازدادوا طاعة فيزيدهم ثواباً. وليس فعل ذلك واجباً عليه؛ ولا إذا تركه كان عابثاً في الاستدعاء لهم إلى الإيمان1 ».
وأصل هذه المسألة أنه إذا كان الله قادراً على اللطف بالعباد، أي جعلهم يختارون الواجبات أو الخير، ويتجنبون القبائح أو الشر، فلماذا لم يلطف بهم؟ أفما كان هذا واجباً عليه، بحكم أنه لا يفعل إلا الأصلح؟ لهذا ذهب قوم إلى القول بأنه كان يجب على الله أن يلطف بعباده جميعاً فيجعلهم يفعلون الواجب ويجتنبون القبيح. وقالوا في تبرير ذلك: « إنه تعالى قادر لذاته، ومن حق القادر لذاته أن يكون قادراً على سائر أجناس المقدورات، ومن المقدورات: الألطاف، فيجب أن يكون قادراً عليها2 ».
وقد أجاب على هذا من أنكروا ذلك من المعتزلة، مثل القاضي عبد الجبار، « بأن اللطف ليس من أجناس المقدورات حتى إذا كان الله تعالى قادراً لذاته وجب قدرته عليه. ففسد ما ظنوه. يبين ما ذكرناه أن اللطف هو ما يختار المرء عنده الواجب ويجتنب القبيح. وليس هذا جنساً مخصوصاً يجب في القادر لذاته أن يكون قادراً عليه لا محالة3 ».
* * *
واللطف من أسمائه أيضاً: الهدى، أو الهداية. وقد اختلف المعتزلة: هل يُقال إن الله هدى الكافرين، أم؟ ـ على مقالتيْن:
« 1 ـ فقال أكثر المعتزلة إن الله هدى الكافرين فلم يهتدوا، ونفعهم بأن قوّاهم على الطاعة فلم ينتفعوا، وأصلحهم فلم يصلحوا.
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ? 1، ص 288.
2 « شرح الأصول لخمسة »، ص 523 ـ 524.
3 « شرح الأصول الخمسة »، ص 524.

295

2 ـ وقال قائلون: لا نقول: إن الله هدى الكافرين على وجه من الوجوه، بأن بَيَّن لهم ودلَّهم، لأن بيان الله ودعاءه هُدىً لمن قِبل، دون من لم يقبل، كما أن دعاء إبليس إضلالٌ لمن قَبِل دون من لم يقبل. »
والجبائي يرى في هذه المسألة أنه ينبغي ألا نقول « إن الله هدى بأن سَمَّى وحَكَم، ولكن نقول: هدى الخلق أجمعين بأن دلهم وبيّن لهم، وإنه هدى المؤمنين بما يزيدهم من ألطافه ـ وذلك ثواب يفعله بهم في الدنيا، وانه يهديهم في الآخرة إلى الجنة، وذلك ثواب من الله سبحانه لهم كما قال « يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهارُ في جنات النعيم1 » (سورة يونس آية 9).
* * *
ومن أسماء اللطف أيضاً: التوفيق.
وقد اختلف المعتزلة في التوفيق على أربعة أقاويل:
« 1 ـ فقال قائلون: التوفيق من الله سبحانه ثوابٌ يفعله مع إيمان العبد، ولا يقال للكافر: مُوَفَّق، وكذلك التسديد.
2 ـ وقال قائلون: التوفيق هو الحكم من الله أن الإنسان موفق، وكذلك التسديد.
3 ـ وقال جعفر بن حرب: التوفيق والتسديد لطفان من ألطاف الله سبحانه لا يوجبان الطاعة في العبد، ولا يضطرانه إليها، فإذا أتى الإنسانُ بالطاعة كان موفقاً مسدَّداً.
4 ـ وقال الجبائي: التوفيق هو اللطف الذي في معلوم الله سبحانه أنه إذا فعله وفق الإنسانُ للإيمان في الوقت، فيكون ذلك اللطف توفيقاً لأن يؤمن، وإن الكافر إذا فعل به اللطف الذي يوفق للإيمان في الوقت
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 298.

296

الثاني فهو موفق لأن يؤمن في الثاني، ولو كان في هذا الوقت كافراً، وكذلك العصمة عنده لطف من ألطاف الله » (الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 300).

الله هو القديم

اختلف المتكلمون في تسمية الله باسم القديم، ومعناه.
ويشرح أمام الحرمين الجويني في « الشامل »1 هذا الاختلاف، فيقول إن المتقدمين من شيوخ الأشعرية قالوا: « إن القديم هو الموجود الذي لا أول لوجوده. »
« وذهب معمر بن عباد إلى أن القديم من أسماء الإضافة، وكذلك: الحادث. وزعم أن وصف القديم لا يتحقق للباري قبل حدوث الحادثات...
وذهب المتأخرون من المعتزلة إلى أن القديم هو الإله. وأول من أحدث ذلك الجبائي: فإنه لما استدلّ على نفي الصفات بقوله: إن الباري سبحانه وتعالى قديم، وقِدَمه أخصُّ وصفه، فلو ثبتت صفةٌ قديمة لشاركته في أخصّ الوصف. والاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في سائر الأوصاف. فقيل له في جملة ما اعتُرِض عليه به: إذا زعمت أن أخص أوصاف الإله قدمه، فقل إن حقيقة الإله أنه قديم، وحقيقة الإلهية القِدَمَ. فرَكِبَ ما أُلزم وقال: حقيقة الإلهية القِدم. وهذا مذهبٌ لم يسبق إليه ».
ــــــــــــــ
1 « الشامل في أصول الدين » لإمام الحرمين الجويني، ص 251 ـ 252. الاسكندرية سنة 1969.

297

والأشعري اقتصر على تحديد القديم بأنه « هو المتقدم في الوجود على شريطة المبالغة، وليس يتخصص بالذي لا أول لوجوده، بل يطلق عليه، ويطلق على المتقدم المتقادم من الحوادث ».

الإيمـان

عند الجبائي أن الإيمان هو ما فرضه الله على عباده من فروض، أما النوافل فلا تدخل في الإيمان. وكل خصلة من الخصال التي افترضها الله على عباده هي بعض الإيمان بالله، وهي أيضاً إيمان بالله.
وكان يرى « أن من الذنوب صغائر وكبائر، وأن الصغائر تستحق غفرانها باجتناب الكبائر، وأن الكبائر تحبط الثواب على الإيمان، واجتناب الكبائر يحبط عقاب الصغائر. وكان يزعم أن العزم على الكبيرة كبيرة، والعزم على الكفر كفر1 ». فكأنه يسوي بين العزم على الذنب وارتكاب الذنب بالفعل من حيث صفة القبح، أي أنه يرى أن حكم النية حكم الفعل. وهي نزعة سقراطية واضحة في الأخلاق.
وكان يفرّق في الحكم بين أسماء اللغة، وأسماء الدين. فأسماء اللغة مشتقة من الأفعال وتنقضي بانقضاء الأفعال، أما أسماء الدين فيسمى بها الإنسان في حالة فعله وفي حالة انقضاء فعله. ومعنى هذا أن أسماء اللغة تطلق على الأفعال حين وقوعها، أما أسماء الدين فتطلق على الأحوال الراسخة التي أصبحت بمثابة عادات habitus. وأهمية هذه التفرقة تظهر في مسألة التسمية بالإيمان: هل المؤمن الذي يرتكب معصية لا يزال يُعد
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 305.

298

مؤمناً، أو تسقط عنه صفة الإيمان بارتكابه المعصية؟ فعلى رأي الجبائي يُسمّى من ارتكب معصية مؤمناً بما سبق له فعله من أعمال الإيمان، أي بمعنى أن الغالب على أحواله الإيمان.
ومن ناحية أخرى: هل اليهودي مثلاً يمكن أن يسمى مؤمناً؟ يرى الجبائي أنه يمكن أن يسمى مؤمناً بحسب أسماء اللغة، أما بحسب أسماء الدين فلا يعد مؤمناً، لأن الغالب على أفعاله ليس الإيمان. فهو مؤمن بحسب الاستعمال اللغوي حين يفعل فعلاً من أفعال الإيمان، ولكنه غير مؤمن بحسب الاستعمال الديني، لأن أغلب أفعاله لا تتفق مع الإيمان.
وهذا تجديد قام به الجبائي في مسألة الأسماء والأحكام عند المعتزلة « إذ كانت المعتزلة قبله ـ إلا الأصمّ ـ تنكر أن يكون الفاسق مؤمناً، وتقول: إن الفاسق ليس بمؤمن ولا كافر، وتسميه (في) منزلة بين المنزلتين، وتقول: في الفاسق إيمانٌ لا نسميه به مؤمناً، وفي اليهودي إيمان لا نسميه به مؤمناً1 ». ولكن ليس معنى هذا أن الجبائي خالف المعتزلة في القول بأن الفاسق في منزلة بين منزلتيْن؛ فهو لا يزال يقول معهم إن الفاسق في منزلة بين المنزلتيْن، من حيث أسماء الدين، وكل ما أتى به من جديد يخالفهم به هو أنه قال إن الفاسق يعد من حيث أسماء اللغة مؤمناً، لأن غالب أفعاله تتفق مع الإيمان. فالخلاف بينهم وبينه إذن في هذه المسألة الأساسية خلافاً لفظياً إذن أكثر منه خلافاً جوهرياً في الموضوع. وما كان يمكن أن يكون الأمر غير ذلك، لأن القول بالمنزلة بين المنزلتيْن من أصول المعتزلة الخمسة.
وعند الجبائي أن اجتماع صغائر قد يولّد كبيرة « كالرجل يسرق درهماً ثم درهماً حتى يكون سارقاً لخمسة دراهم يسرقها درهماً درهماً ـ قد يجوز أن يكون سرقة كل درهم على انفراده صغيراً، فإذا اجتمع
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ? 1، ص 305.

299

ذلك كان كبيراً. وقال غيره من المعتزلة: إن لم تكن سرقة كل درهم على انفراده كبيراً فليس ذلك إذا اجتمع كبيراً » (« مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 307).

البلوغ والتكليف

البلوغ في تعريف الجبائي، هو تكامل العقل، والعقل هو العلم، وسُمّيَ عقلاً لأن الإنسان يمنع نفسه به عما لا يمنع المجنون نفسه عنه، وهذا مأخوذ من عِقال البعير، وإنما سُمّي عقاله عقالاً لأنه يُمنَع به.
والعلوم كثيرة. ومنها ما يدرك اضطراراً، قبل تكامل العقل: بامتحان الأشياء واختبارها، والنظر فيها، مثل تفكر الإنسان إذا شاهد الفيل أنه لا يمكن أن يدخل في خرق إبرة. فإذا تكاملت هذه العلوم في الإنسان كان بالغاً. ومن لم يمتحنْ الأشياء فيجوز أن يكمل اللهُ له العقل ويخلقه فيه ضرورةً، فيكون بالغاً كامل العقل، مأموراً، مكلفاً.
ولا يجوز أن يكلّف الإنسان إلاَّ إذا تكامل عقله، وصار مع تكامل عقله قوياً على اكتساب العلم بالله، مدركاً أنه لو ترك النظر فسيعاقبه الله، أو ينبهه على ذلك مَلَكٌ أو رسول.

خلق القرآن

في عرضنا لرأي أبي الهذيل في مسألة خلق القرآن عرضنا في الوقت نفسه رأي محمد بن عبد الوهاب الجبائي لاتفاقهما في الرأي في هذه المسألة.

300

ويزيد الأشعري بالنسبة إلى الجبائي أنه كان يقول: « إن كلام الله سبحانه لا يُحكى، لأن حكاية الشيء أن يؤتى بمثله، وليس أحدٌ يأتي بمثل كلام الله عزّ وجلّ، ولكنه يُقْرأ ويُحفظ ويُكتَب. وكان يقول: إن الكلام يُسْمَع ويستحيل أن يكون مرئياً1 ».

ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 243.

301


دقيق الكلام
الجوهر

يرى الجبائي أن « الجواهر على جنس واحد، وهي أنفسها جواهر، وهي متغايرة بأنفسها ومتفقة بأنفسها، وليست تختلف في الحقيقة1 »، والجواهر تُعلم جواهر قبل أن تكون.
وقال إنه « يجوز على الجوهر الواحد الذي لا ينقسم ما يجوز على الجسم: من الحركة والسكون واللون والطعم والرائحة إذا انفرد، وأحال حلول القدرة والعلم والحياة فيه إذا أنفرد، وجوّز أن يخلق الله حياً لا قدرة فيه. وأحال تعرّي الجوهر من الأعراض » (? 2، ص 11). والجوهر الفرد يلقي بنفسه ستة أمثاله، ولا يحله طول أو تأليف وهو منفرد. والجزء الواحد يجوز أن يحله حركتان، وذلك إذا دفع الحجر دافعان حلَّ كُلَّ جزءٍ منه حركتان معاً.
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 9.

302

الحركة

وقال إن الجسم إذا تحرك ففيه من الحركات بقدر عدد أجزاء المتحرك، في كل جزءٍ حركةٌ. وأنكر أن تكون الحركة الواحدة تنقسم أو تتجزأ أو أن تتبعّض، أو أن يكون حركة أو لون أو قوة لأحد الأشياء. (? 2، ص 16، 17).
ومن رأيه أن للحجر في انحداره وقفات، وأن القوس الموترة فيها حركات خفيّة، وكذلك الحائط المبنيّ. وتلك الحركات هي التي تولد وقوع الحائط، والحركات التي في القوس والوتر هي التي يتولّد عنها انقطاع الوتر.
وجوّز أن يتحرك المتحرك لا عن شيء ولا إلى شيء، وأن يحرك الله العالم لا في شيء. والجسم إذا كان مكانه متحركاً فهو متحرك، وهذه حركة لا عن شيء.
والحركات والسكون أكوانٌ للجسم، والجسم في حال خلق الله له ساكنٌ.
والحركات أجناس، وهي متضادات: فالتيامن ضد التياسر، والقيام ضد القعود، والتقدم ضد التأخر، والتصاعد ضد الانحدار.
وكل حركةٍ زوالٌ، فلا حركة إلاّ وهي زوال، وإنه ليس معنى الحركة معنى الانتقال، وأن الحركة المعدومة تسمى زوالاً قبل كونها، ولا تسمى انتقالاً.
فقلت له (أي أنا: الأشعري): فلم لا تثبت كل حركة انتقالاً، كما تثبت كل حركةٍ زوالاً؟
فقال (أي الجبائي): مِنْ قِبَل (= لأن) أن حبلاً لو كان معلقاً

303

بسقف فحرّكه إنسان لقلنا: زال، واضطرب، وتحرك، ولم نَقُلْ إنه انتقل.
فقلتُ له: ولم لا يُقال: انتقل في الجوّ، كما قيل تحرك وزال واضطرب؟
فلم يأتِ بشيء يوجب التفرقة » هكذا يقول الأشعري (« مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 42) في مناقشته لأستاذه الجبائي في هذه المسألة.
والحركات كلها لا تبقى.
أما السكون فعلى ضربين: « سكون الجماد وسكون الحيوان. وسكون الحي المباشر الذي يفعله في نفسه لا يبقى، وسكون الموات يبقى » (? 2، ص 45).

الروح

ذهب الجبائي إلى أن الروح جسم، وأنها غير الحياة، والحياة عَرَض. ويعتلّ بقول أهل اللغة: خرجت روح الإنسان. وزعم أن الروح لا تجوز عليها الأعراض.

الأعراض

كان الجبائي يقول ببقاء أعراض كثيرة. وكان يقول « إن كل ما فعله الحيّ في نفسه مباشراً من الأعراض فهو غير باق. وكذلك يقول:

304

إن الباقي من الأعراض يبقى لا ببقاء. وكذلك يقول في الأجسام إنها تبقى لا ببقاء، وكذلك يجيز بقاء الكلام » (« مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 45).
وقال بمثل ما قال به أبو الهذيل من أن الأجسام والأعراض ترى، لكنه خالفه في قوله بلمس الأعراض (الكتاب نفسه، ? ،2 ص 47).
وفناء الجسم يوجد لا في مكان، وهو مضادٌّ له. ولكل جسمٍ فناءٌ من جنسه. وقال إن السواد الذي كان في حال وجوده بعد البياض هو فناء للبياض؛ وكذلك كل شيء في وجوده عدم شيء فهو فناء ذلك الشيء. وفناء العَرَض يحلّ في الجسم. والفناء لا يفنى. (الكتاب نفسه، ? 2، ص 51 ـ 52).

هل يجوز إعادة الأعراض

في هذه المسألة يرى الجبائي أن ما يعرف الخلق كيفيته أو يقدرون على جنسه أو لا يجوز أن يبقى فليس بجائر أن يعاد. وما كان غير ذلك من الأعراض فجائز أن يعاد. « وزعم أن ما يجوز أن يعاد فجائزٌ عليه التقديم في الوجود والتأخير، وأن الحركات وما أشبه ذلك مما لا يجوز أن يعاد، لو أعيد لكان يجوز عليه التقديم في الوجود والتأخير. ولو جاز ذلك على الحركات لكان ما يقدر أن يفعل بعد عشرة أوقات يجوز أن يقدم قبل ذلك، أو وكان ما يقدر عليه أن يفعل في الوقت الثاني يجوز أن يفعل في الوقت العاشر معاداً، ولو كان ذلك جائزاً ـ وليس لما يقدر عليه الباري من حركات الأجسام نهاية ـ لكان جائزاً أن يفعل ذلك في وقتنا هذا. ولو جاز ذلك لجاز أن يقدم الإنسان ما يقدر أن يفعله في

305

أوقات لا تتناهى فيفعله في هذا الوقت، ولو كان ذلك جائزاً لكان الإنسان لو لم يفعل ذلك في هذا الوقت لكان يفعل لها تروكاً لا كل لها، وذلك فاسد. فلما فسد ذلك فسد أن تعاد الحركات، وكان يعتلّ بهذا في وقت كان يزعم أن ترك كل شيء غير ترك غيره، وأن تركاً واحداً يكون لشيئيْن1 ».

العلية

اختلف المتكلمون في العلل وعلاقاتها مع معلولاتها. وقد ذكر الأشعري2 عشرة أقاويل في هذا الاختلاف:
« 1 ـ قال بعضهم: العلّة علتان: فعلّةٌ مع المعلول، وعلة قبل المعلول. فعلّة الاضطرار مع المعلول، وعلّة الاختيار قبل المعلول. فعلّة الاضطرار بمنزلة الضرب والألم إذا ضربت إنساناً فألِمَ؛ فالألم مع الضرب وهو الاضطرار. وكذلك: إذا دفعت حجراً فذهب: فالدفع علة للذهاب، والذهاب ضرورة، وهي معه.
وقالوا: الأمر علّة الاختيار، وهو وقبله... (وهذا) قول الإسكافي.
2 ـ وقال بعضهم: علة كل شيء قبله؛ ومحالٌ أن تكون علةُ الشيء معه. وجعل قائل هذا القول نفسه على أنه إذا حمل شيئاً فعِلْمه بأنه حاملٌ له بعد حمله يكون بلا فَصْل، وعلى أن عداوة الله سبحانه للكافرين تكون بعد الكفر بلا فصل. وهذا قول بشر بن المعتمر...
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 57.
2 الأشعري « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 69 ـ 70.

306

3 ـ وقال بعضهم: العلّة قبل المعلول حيث كانت. والعلّة علتان: علة موجِبة، وهو قبل الموجَب، (وهي) التي إذا كانت لم يكن من فاعلها تصرّف في معناها، ولم يجز منه ترك لما أراده بعد وجودها؛ ـ وعِلّةٌ قبل معلولها وقد يكون معها التصرف والاختيار للشيء وخلافه. وذلك لأني قد أقول: أطعتُ الله لأن اللهَ أمرني، أعني لأجل الأمر، ورغبتُ في طاعة الله وآثرتها؛ وقد تُمكِنني مخالفةُ الأمر وترك المأمور به، قد كان ذلك من كثير من الخلق. ومثله قوله: إنما جئناك لأنك دعوتنا، وجئتك لأنك أرسلت إليّ.
4 ـ وقال قائلون: العلّة علتان: علّةٌ قبل المعلول، وهي متقدمة بوقت واحد. وما جاز أن يتقدم الشيء أكثر من وقتٍ واحد فليس بعلّةٍ له، ولا يجوز أن يكون علّة له. وعلّة أخرى تكون مع معلولها كالضرب والألم وما أشبه ذلك. وهذا قول الجبائي.
5 ـ وقال قائلون: العلّة لا تكون إلاَّ مع معلولها. وما تقدم وجودُه وجودَ الشيء فليس بعلّة له. وزعم هؤلاء أن الاستطاعة علة للفعل، وأنها لا تكون إلاَّ معه.
6 ـ واختلفوا فيما بينهم: فمنهم من زعم أن العجز يوجب الضرورة، كما أن الاستطاعة توجب الاختيار، وهذا قول ابراهيم البخاري.
7 ـ ومنهم من زعم أن العجز لا يوجب الضرورة، وإن كانت الاستطاعة توجب الاختيار.
8 ـ وقال بعض هؤلاء: في المُدرِك للشيء طبيعة تولّد الإدراك؛ وأبى ذلك بعضهم.
9 ـ وقال قائلون: العلة لا تكون إلاَّ مع معلولها، وأنكروا أن تكون الاستطاعة علّة، وهذا قول عباد بن سليمان.
10 ـ وقال قائلون: العِلل منها ما يتقدم المعلول كالإرادة الموجِبة

307

وما أشبه ذلك مما يتقدم المعلول؛ وعلةٌ يكون معلولها معها كحركة ساقيَّ التي أبني عليها حركتي؛ وعلّة تكون بعدُ، وهي الغَرَض، كقول: إنما بنيتُ هذه السقيفة لأستظلّ بها؛ والاستظلال يكون فيما بعد. وهذا قول النظّام. »
ومن هذه الآراء في العلاقة الزمنية بين العلة والمعلول نتبين أن رأي الجُبائي هو أن العلة على نوعيْن: علة قبل المعلول تسبقه مباشرة، وعلة تكون مع معلولها مثل الضرب والألم فهما يقعان معاً. وبالنسبة إلى العلة الأولى يرى أنه إذا لم تسبق العلةُ مباشرةً بل تَوَسّطَ شيءٌ، فإنها لا تُعدُّ علة. ولكن ليس لدينا أكثر من ذلك لإيضاح رأيه في تحديد ما هي العلّة. وكل ما هنالك أنه قال إن « السبب لا يجوز أن يكون موجِباً للمسبَّب، وليس الموجب للشيء إلا مَنْ فعله وأوجده1 ». ويتفق مع هذا قوله إن الإرادة ليست موجبةٌ لمرادها2. والإرادة التي هي قصد للفعل تكون مع الفعل، وليس قبله3. وأجاز أن يريد الإنسان إرادته، كما نقل ذلك الأشعري في روايته لما جرى في مناظرة بينهما. (الموضع نفسه).

أسماء الله

« كان الجبائي يقول: إن الله لم يزل عالماً قادراً على الأشياء قبل
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 88.
2 الكتاب نفسه، ? 2، ص 90.
3 الكتاب نفسه، ? 2، ص 93.

308

كونها بنفسه، وإن الأشياء خطأ أن تقال أشياء قبل كونها، لأن كونها هو هي؛ وكان ينكر أن يقال أشياء قبل أنفسها، ولكنها تعلم أشياء قبل كونها، وتسمى أشياء قبل كونها. وكذلك الجواهر عنده تسمى جواهر قبل كونها، والألوان تسمى ألواناً قبل كونها. وكان يمنع أن تسمى الهيئات هيئاتٍ قبل كونها، ويمنع أن تسمى الأجسامُ أجساماً قبل كونها، وأن تسمى الأفعال أفعالاً قبل كونها.
وكان يزعم أن القول: « شيء »: سمةٌ لكل معلومٍ. فلما كانت الأشياء معلومات قبل كونها سُمِّيت أشياء قبل كونها. وما سُمِّي به الشيء نفسه فواجبٌ أن يسمى به قبل كونه، كالقول: جوهر، وكذلك سواد وبياض وما أشبه ذلك. وما سُمي به لوجود عِلّةٍ « لا » فيه فقد يجوز أن يُسمى به مع عدمه وقبل كـونه إذا وجدت العلّة التي لهـا مسمى بالاسم، كالقول: « مدعوٌّ »، « ومخبَر عنه » إذا وجد ذكره والإخبار عنه، وكالقول: « فانٍ » يسمى به الشيء مع عدمه إذا وجد فناؤه.
قال: وما سمي به الشيء لوجود علةٍ (فيه) فلا يجوز أن يسمى به قبل كونه مع عدمه، كالقول: متحرك وأسود، وما أشبه ذلك. وما سمي به الشيء لأنه فعلٌ وحدث بنفسه كالقول: مفعول ومحدث، لا يجوز أن يسمى بهذا الاسم قبل كونه. وما سُمي به الشيء وسميت به أشياء للتفريق بين أجناسها وغيرها من الأجناس سمّاها بذلك الاسم قبل كونها؛ وما سمي به الشيء ـ كان إخباراً عن إثباته أو دلالة على ذلك ـ كالقول: كائنٌ ثابت وما أشبه ذلك يجوز أن يسمى به قبل كونه.
وكان لا يسمي العلم علماً قبل كونه، لأنه اعتقاد الشيء على ما هو به بضرورة أو بدليل، ولا يسمي الأمر أمراً قبل كونه لأنه إنما يكون أمراً بقصد القاصد إلى ذلك، وذلك أنه قد يكون الشيء مخرجه مخرج الأمر وهو تهدُّدٌ ليس بأمر.

309

وكان يقول إن الموجودات التي وجدت هي التي لم تكن قبل كونها موجودة. وكان لا يمنع من القول: لم يزل الباري عالماً بالأجسام والمخلوقات؛ لا على أنه يسميها أجساماً قبل كونها ومخلوقاتٍ قبل كونها، ولكن على معنى أنه لم يزل عالماً بأن ستكون أجساماً مخلوقات.
وكان لا يثبت للباري علماً في الحقيقة به كان عالماً، ولا قدرة في الحقيقة بها كان عالماً، ولا قدرة في الحقيقة بها كان قادراً. وكذلك جوابه في سائر ما يوصف به القديم لنفسه.
وكان يفرّق بين صفات النفس وصفات الفعل بما حكيناه عن المعتزلة قبل هذا الموضع.
وكان يزعم أن معنى الوصف لله بأنه « عالم »: إثباته وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يعلم، وإكذابُ من زعم أنه جـاهل، ودلالـة على أن له معلومـات. وأن معنى القول إن الله: « قادر »: إثباتُه، والدلالة على أنه بخلاف ما لا يجوز أن يقدر، وإكذابُ من زعم أنه عاجز، والدلالة على أن له مقدورات. ومعنى القول أنه: « حيٌّ »: إثباته واحداً، وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يكون حيّاً، وإكذابُ من زعم أنه ميّت. ومعنى القول: « سميعٌ »: إثباته وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يسمع وإكذاب من زعم أنه أصم، والدلالة على أن المسموعات إذا كانت سَمِعَها. ومعنى القول: « بصير »: إثباته، وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يبصر، وإكذاب من زعم أنه أعمى، والدليل على أن المبصرات ـ إذا كانت ـ أبصرها...
وكان يزعم أن العقل إذا دلّ على أن الباري « عالم » فواجبٌ ان نسميه عالماً وإن لم يُسمِّ نفسه بذلك إذا دلّ العقل على المعنى. وكذلك في سائر الأسماء، وأن أسماء الباري لا يجوز أن تكون على التلقيب له. » (الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 183 ـ 185).

310

« وكان الجبائي يزعم أن معنى القول إن الله عالم معنى القول إنه عارف وإنه يدري الأشياء. وكان يسميه عالماً عارفاً دارياً. وكان لا يسميه فَهِماً ولا فقِهاً ولا موقناً ولا مستبصراً ولا مستبيناً؛ لأن الفهم والفقه هو استدراك العلم بالشيء بعد أن لم يكن الإنسان به عالماً. وكذلك قول القائل: أحسست بالشيء، وفطنت له، وشعرتُ به: معناه هذا. واليقين هو العلم بالشيء بعد الشك. ومعنى « العقل » هو المنع عنده، وهو مأخوذ من عقال البعير. وإنما سُمي علمه: عقلاً: من هذا.
قـال: قال لم يَجُز أن يكون البـاري ممنوعاً لم يجز أن يكون عاقـلاً. وليس معنى « عالم » عنده معنى « عاقل ». والاستبصار والتحقق هو العلم بعد الشك.
وكان يزعم أن الباري « يجد » الأشياء بمعنى: « يعلمها ».
وكان يزعم أن الباري لم يزل عالماً قادراً حياً سميعاً بصيراً. ولا يقول: لم يزل سامعاً مبصراً. ولا يقول لم يزل يسمع ويبصر ويدرك، لأن ذلك يُعَدّى إلى مسموع ومُبصَر ومُدرك.
وكان يقول: إن الوصف لله بأنه سامع مبصر: من صفات الذات، وإن كان لا يقال: لم يزل سامعاً مبصِراً؛ كما أن وصفنا له بأنه عالم بأن زيداً مخلوقٌ: من صفات الذات، وإن كان لا يقال: لم يزل عالماً بأنه يخلق.
قال: وقد نقول: « سميع » بمعنى يسمع الدعاء، ومعناه: يجيب الدعاء، وهو من صفات الفعل.
وكان يقول: إن الباري لم يزل رائياً، بمعنى: لم يزال عالماً؛ ويقول: يرى نفسه، بمعنى: يعلمها.
وكان يزعم أن الباري لم يزل عالماً، ولا يقول: لم يزل رائياً بمعنى لم يزل مُدرِكاً. والرائي عنده قد يكون بمعنى عالم وبمعنى مدرك. وكذلك

311

القول: « بصير »، قد يكون عنده بمعنى عالم كالقول: فلانٌ بصيرٌ بصناعته، أي عالمٌ بها، فيقول: الباري لم يزل بصيراً بمعنى لم يزل عالماً؛ ويقول: لم يزل بصيراً بمعنى: يرى نفسه، وانه بخلاف ما لا يجوز أن يبصر، ونُكَذِّب من زعم أنه أعمى، وندل بهذا القول على أن المبصَرات، إذا كانت، أبصرها، فيلزمه أن يقول: إن الباري لم يزل مدركاً، على هذا المعنى.
وكان يقول: إن الباري لم يزل قوياً قاهراً عالماً مستولياً مالكاً، وكذلك القول بأنه متعالٍ: على معنى أنه: مُنَزَّه، كقوله « تعالى الله عما يشركون » (سورة التوبة: 190). وأنه لم يزل مالكاً سيداً رباً، بمعنى أنه لم يزل قادراً.
ولا يقول إن الباري: « رفيع » « شريف » على الحقيقة، لأن هذا مأخوذ من شرف المكان وارتفاعه فيلزمه أن لا يقول إنه عالٍ في الحقيقة: لأن هذا مأخوذٌ من علو المكان.
وكان يزعم أن (معنى) عظيم وكبير وجليل: أنه: السيد؛ ومعنى هذا أنه مالك مُقتدر.
وكان يقول: إن الباري « جبار »: بمعنى أنه لا يلحقه قهر، ولا يناله ذل، ولا يغلبه شيء. فهذا عنده قريب من معنا « عزيز ». والوصف له بذلك من صفات النفس.
ويقول في « كريم » ما قد شرحناه قبل هذا الموضع.
ويقول مجيد بمعنى عزيز.
ويقول: لم يزل الباري غنياً بنفسه.
فأما القول: « كريم » فقد يكون عنده من صفات النفس إذا كان بمعنى عزيز؛ ويكون عنده من صفات الأفعال إذا كان بمعنى « جواد ».

312

والقول حكيم: بمعنى عليم ـ من صفات النفس عنده. والقول: حكيم، من طريق الاشتقاق ـ مِنْ فِعلِهِ الحكمة ـ من صفات الفعل.
والقول صمد بمعنى: سيد ـ من صفات الذات. والقول: صمد ـ بمعنى أنه مصمود إليه ـ لا من صفات الذات عنده.
وقد يكون: (واحد) ـ عنده بمعنى أنه عينٌ لا ينقسم ولا يتجزأ. ويكون معنى: واحد ـ أنه لا شَبَه له ولا مثل ـ وكذلك يقول (الحسين بن محمد) النجار في معنى: واحد. ويكون بمعنى أنه لا شريك فيه في قِدَمه وإلهيته.
والقول: إله عنده معناه أنه لا تحقُّ العبادة إلا له. وهو من صفات اللذات عنده.
ومعنى القول: الله ـ أنه الإله، فحذفت الهمزة الثانية، فلزم إدغام إحدى اللامين في الأخرى؛ وواجبٌ أن يقال إنه: الله.
وكان لا يقول إن الباري1 معنىً، لأن المعنى هو معنى الكلام. وكان يقول إن الباري لم يزل باقياً في الحقيقة بنفسه لا ببقاء. ومعنى أنه « باق »: أنه كائن لا بحدوث، وأنه لا يوصف الباري بأنه لم يزل دائماً لا يفنى، بل يوصف بأنه لا يزال دائماً، لأن هذا مما يوصف به في المستقبل، ويوصف بأنه لم يزل دائماً لا إلى أول له، كما يقال: لم يزل دائم الوجود، أي لا أول لوجوده.
ومعنى قائم وقيوم: أي دائم: وهو من صفات الذات.
وكان ينكر قول من قال: إن معنى القديم أنه حيٌّ قادر، وإن معنى سميع أنه يعلم الأصوات والكلام، ومعنى « بصير » أنه يعلم المبصرات.
وكان يقول: لم يزل القديم أولاً، ولا يزال آخراً.
وكان يزعم أن الوصف هو الصفة، وأن التسمية هي الاسم، وهو
ــــــــــــــ
1 أي ليست له صفة من صفات المعاني.

313

قولنا: الله عالم قادر. فإذا قيل له: تقول إن العلم صفة والقدرة صفة؟ قال: لم تثبت علماً فنقول صفةً أم لا، ولا ثبتنا علماً في الحقيقة فنقول: قديم، أو مُحدث أو هو أو غيره. فإذا قيل له: القديم صفة؟ قال: خطأ؛ لأن القديم هو الموصوف، ولكن الصفة قولنا الله وقولنا القديم.
وكان يقول: إن الوصف لله بأنه مريد محب ودودٌ راضٍ ساخط غضبان مُوالٍ مُعادٍ حليم رحمن رحيم راحم خالق رازق بارئ مصور محيي مميت ـ من صفات الفعل. وإن كل ما نسب إلى القديم [ فيه ] أو وصِف بضده أو بالقدرة على ضده ـ فهو من صفات الفعل.
وكان يزعم أن الوصف لله بأنه متكلم: أنه فَعَل الكلام.
وكان يزعم أن معنى الإرادة منه كمعنى الإرادة منا، وهي محبته للشيء، وكذلك الكراهة هي البغض للشيء، وأن الرضا منه هو الرضى عنا ولعملنا، ورضاه عنا لهذا العمل: معنىً واحد، وهو أن نكون قد فعلنا ما لم يرد منا أكثر منه، وهو كما قال مراده منا.
وكان يقول إن غضبه هو سخطه. وكان يفرّق بين الإرادة والشهوة. ولا يجوّز الشهوة على الباري.
وكان يزعم أن حِلْم الله سبحانه هو: إمهاله لعباده وفعل النعم التي يضادّ كونُها كونَ الانتقام، وهي صرفُ الانتقام عنهم، وأنه لو يفعل ذلك لم يوصف بالحلم.
وكان لا يصف الباري بالصبر والوقار والرزانة. وكان لا يزعم أن الباري حنّان، لأنه إنما أُخذ من الحنين.
وكان يزعم أن الباري مُحْبِل، وأنه لا مُحْبِل للنساء في الحقيقة سواه؛ فليلزَمْه « والد » في الحقيقة، وأنه لا والد سواه.
وكان يقول: إن الباري لا يزال خالداً؛ وإن الوصف له بذلك من

314

صفات الذات؛ ولا يقول: لم يزل خالداً. وكان مرة يقول: إن الأجسام إذا تقادم وجودها قيل لها قديمة في الحقيقة إلى غاية وأول. ثم رجع عن ذلك.
وكان لا يزعم أن الإنسان باقٍ في الحقيقة لأن الباقي هو الكائن لا بحدوثٍ، والإنسان كائن بحدوث.
وكان إذا قيل له: لِمَ اختلفت المسمياتُ، والمسمى بها واحد؛ والمعاني، والمعنى بها واحد؟ ولِمَ ليس معنى عالم معنى قادر؟ قال: لاختلاف المعلوم والمقدور؛ لأن من المعلومات ما لا يجوز أن يوصف القادرُ بأنه قادر عليه. وكذلك القول في: سميع بصير، اختلف القول فيهما لاختلاف المسموعات والمبصَرات.
وكان يجيب أيضاً بأن الأسماء والصفات اختلفت لاختلاف الفوائد، لأني إذا قلتُ إن الباري: « عالم » أفدتكم علماً به، ودللتك على معلومات، وأكذبتُ من قال: إنه جاهل، وأفدتك علماً بأنه خلاف ما لا يجوز أن يعلم. وإذا قلتُ: قادرٌ ـ أفدتك علماً به، وأنه بخلاف ما لا يجوز أن يقدر، وأكذبتُ من زعم أنه عاجز، ودللتُ على مقدورات؛ وإنما اختلفت الأسماء والصفات لاختلاف العلوم التي أفدتك لما قلت إنه عالم قادر حيّ سميع بصير.
وكان يقول: إن الوصف للبارئ بأنه سَبُّوح قدّوس ـ من صفات النفس. ومعنى ذلك تنزيه الله سبحانه عما جاز على عباده من ملامسة النساء ومن اتخاذ الصاحبة والأولاد، وسائر الصفات التي لا تليق (به).
وكان يقول: معنى الوصف لله بأنه واحد وبأنه متوحّد: واحد. وكذلك الوصف له بأنه جبار ومتجبر، وكبير ومتكبر.
وزعم أنه لا يجوز أن يوصف الباري بأنه فوق عباده على الحقيقة. فإن وجدنا ذلك في صفات الله تعالى فهو مجاز، وقد قال الله سبحانه:

315

« وهو القاهر فوق عباده » (سورة الأنعام: 18) وأراد به القادر المستولى على العباد. فجعل قوله: « فوق » بدلاً من قوله: « مستعل ».
قال: وقد نقول: فوق عباده في العلم والقدرة، أي هو أعلم وأقدر منهم ـ وهو توسُّع.
قال: وقد يوصف الباري سبحانه بأنه قريب من الخلق توسُّعاً. ومعنى ذلك أنه عالم بنا وبأعمالنا، سامع القول من الخلق، راءٍ لأعمالهم. وكذلك تقرُّب العباد بالطاعة إلى الله: هذا مجاز.
وزعم أن الباري لا يوصَف بأنه متين، لأن المتين في الحقيقة هو الثخين، وإنما قال: المتين توسُّعاً، وأراد أن يبالغ في وصفه بالقوة.
وزعم أنه لا يوصف بأنه شديد على الحقيقة على معنى: قويّ. والقادر منا إنما يوصف بالشدّة والجلَد: على التوسع، لأن الجلد وشدة البدن ليسا من القدرة في شيء، لأن ذلك بمعنى الصلابة، والله سبحانه لا يجوز أن يوصف بالصلابة. فأين وجدنا ذلك من صفات الله سبحانه ـ فهو على المجاز.
وليس يجوز أن يوصف الله سبحانه بأنه شديد العقاب، وما أشبه ذلك من صفات الأفعال، لأن الشديد من صفات الأفعـال إنما هي الأفعـال، وقول الله عزَّ وجل « أشد منهم قوة » (سورة فصلت: 15) مجازٌ معناه أنه أقدر منهم، ولو لم يكن ذلك مجازاً لكانت قوته شديدة في الحقيقة، وقوته في الحقيقة لا توصف بالشدّة.
وكان يزعم أن الباري مشاهِدٌ للأشياء بمعنى أنه راءٍ لها وسامع لها. فقيل له من1 معنى الرؤية والسمع أنه مشاهِد على التوسع، لأن المشاهد منا للشيء هو الذي يراه ويسمعه دون الغائب منا.
ــــــــــــــ
1 النص فيه نقص واضطراب.

316

وكان يصف الباري بأنه مُطّلع على العباد وأعمالهم: توسّعاً، ومعنى ذلك عنده أنه عالم بهم وأعمالهم.
وكان يزعم أن الوصف لله بأنه غنيّ أنه لا يصل إليه المنافع والمضارّ، ولا يجوز عليه اللذات والسرور، ولا الآلامُ والغموم. ولا يحتاج إلى غيره.
وكان يزعم أن الباري نور السموات والأرض: توسُّعاً؛ ومعنى لك أنه هادي أهل السموات والأرض، وأنهم يهتدون كما يهتدون بالنور والضياء. وأنه لا يجوز أن نسميه نوراً على الحقيقة، إذ لم يكن من جنس الأنوار لأنّا لو سميناه بذلك وليس هو من جنسها لكانت التسمية له بذلك تلقيباً، إذ كان لا يستحق معنى الاسم، ولا الاسم من جهة العقول واللغة. ولو جاز ذلك لجاز أن يسمى بأنه جسمٌ ومحدث وبأنه إنسان. ولما1 لم يكن مستحقاً لهذه الأسماء ولا لمعانيها من جهة اللغة لم يجز أن يسمى على جهة التلقيب.
وكان الحسين النجار يزعم أنه نور السموات والأرض بمعنى أنه هادي أهل السموات والأرض.
وكان الجبّائي يزعم أن معنى وصف الله نفسه بأنه السلام (سورة الحشر آية 23) أنه المسلِّم الذي السلامة إنما تنال مِن قِبَله. وكذلك قوله بأن الله هو الحق إنما أراد أن عبادة الله هي الحق.
قال: وقد يجوز أيضاً أن يُعنى بقوله « إن الله هو الحق » (سورة النور: 25) أن الله هو الباقي المُحيي المميت المعاقِب، « وأن ما يدعون من دونه الباطل » أراد بذلك أنه يبطل ويذهب ولا يملِّك لأحدٍ ثواباً ولا عقاباً.
ــــــــــــــ
1 صححنا النص هنا.

317

وزعم أن الوصف لله بأنه مؤمن أنه آمَنَ العبادَ من أن يأخذ أحداً منهم بغير حق، وأن معنى المهيمن أنه الأمين على الأشياء، وأن الهاء التي في المهيمن بدلٌ من الهمزة التي في الأمين. وكذلك معنى قوله: « ومهيمناً عليه » (سورة المائدة: 48) يعني: أميناً عليه.
وكان يصف البـاري بأنه جَوادٌ ولا يصفه بأنه سخيّ، لأن ذلك إنما أخذوه من قولهم: « أرض سخاويّة » أي ليّنة.
وكان يقول: إن الوصف لله سبحانه بأنه غالب من صفات الذات، ومعناه أنه قاهر مقتدر.
والوصف له بأنه: طالب ـ عنده من صفات الفعل، ومعناه أنه يطلب من الظالم حقَّ المظلوم.
وكان يزعم أن الوصف لله سبحانه بأنه راحم ـ من صفات الفعل، وأن معناه أنه مُنعِم ناظر مُحسِن.
ويزعم أن الباري لا يوصف بالإشفاق على عباده، لأن معناه الحذر، وذلك إن ترك المريض للأغذية الرديئة إشفاقاً منه إنما هو لحذره من المرض، ولا يجوز ذلك على الله.
وكان يزعم أن معنى الوصف لله بأنه لطيف: قد يكون بمعنى مُنعِم، وقد يكون بمعنى أنه لطيف التدبير والصنع، لأن تدبيره لا يعرفه العباد للطفه1.
وكان لا يصف الباري بأنه رفيق، لأن الرفق في الأمور هو الاحتيال لإصلاحها ولإتمامها والتسبب إلى ذلك.
وزعم أن الله يوصف بأنه ناظرٌ لعباده: بمعنى أنه مُنعِم عليهم. ولا يوصف بذلك، عنده، بمعنى، الرؤية؛ لأن النظر في الحقيقة إلى
ــــــــــــــ
1 أي لدقته وخفائه.

318

الشيء ليس هو الرؤية، وإنما هي تحديق العين وتقليبها نحو المرئيّ، وكذلك الاستماع عنده للصوت غير السمع له، وغير إدراكه، وإنما هو الإصغاء إليه إذا كان سمعه وأدركه. ولا يجوز أن يوصف الباري ـ عنده ـ بالاستماع، وكذلك النظر في الأمر ليقف الناظر على صحته أو بطلانه هو الفكر، ولا يجوز الفكرُ على الله سبحانه.
ومعنى الوصف لله بالغفران ـ عنده ـ أنه غفور، وأنه يستر على عباده ويحط عنهم عقاب ذنوبهم ولا يفضحهم. والمِغفَر إنما سُمي مغفراً لأنه يستر رأس الإنسان ووَجْهه في الحرب.
وزعم أن الوصف لله بأنه شكور، على جهة المجاز، لأن الشُّكور في الحقيقة شكر النعمة التي للمشكور على الشاكر. فلما كان مجازياً للمطيعين على طاعاتهم جعل مجازاته إياهم على طاعاتهم شكراً ـ على التوسُّع: إذ كان الشكر في الحقيقة هو الاعتراف بنعمة المنعم. وليس الحمد، عنده، هو الشكر، لأن الحمد ضد الذم، والشكر ضد الكُفْر. وزعم أن الباري يوصف بأنه حميد، ومعنى ذلك أنه محمود على نِعَمه.
وكان يزعم أن الباري إذا فَعَل الصلاح لم يقُل له صالح؛ وإنما الصالح مَنْ صلح بالصلاح، وكذلك قول غيره.
وكان لا يسمي الله بما فعل من الفضل فاضلاً، لأنه إنما يفضُل بذلك غيره، وهو عزّ وجل مُسْتَغْنٍ عن الأفضال أن يَفْضُل بها أو ويشرف بها. وإنما يشرف ويفضل بالأفضال من تفضّل الله بها عليه. وكذلك يقول غيره.
وكان يزعم أن الله خيِّر بما فعل من الخير، لأن مَن كثر منه الشر قيل (له) شرير. وزعم أن الأمراض والأسقام ليست بشرٍّ في الحقيقة، وإنما هي شرٌّ في المجاز. وكذلك كان قوله في جهنم. وكان يزعم أن جمع: فاعل الشرّ: أشرار. وكان يقول: إن عذاب جهنم

319

ليس بخير ولا شر في الحقيقة، لأن الخير هو النعمة وما للإنسان فيه منفعة، والشرّ هو العبث والفساد؛ وعذاب جهنم فليس بصلاحٍ ولا فساد، وليس برحمة ولا منفعة، ولكنه عدلٌ وحكمة.
وخالفه الإسكافي وغيره في ذلك، فزعموا أن عذاب جهنم خيرٌ في الحقيقة ومنفعةٌ وصلاحٌ ورحمة ـ بمعنى أنه نَظَر لعباده إذ كانوا بعذاب جهنم قد رهبوا من ارتكاب الكفر.
وأما أهل الإثبات فيقولون إن عذاب جهنم ضررٌ وبلاءٌ وشرٌّ في الحقيقة، وأن ذلك ليس بخير ولا صلاح ولا منفعة ولا رحمة ولا نظر.
وزعم عباد بن سليمان أن الله سبحانه لم يفعل شرّاً بوجهٍ من الوجوه. ولم يقلْ إن عذاب جهنم شرٌّ في الحقيقة ولا في المجاز. وكذلك قوله في الأمراض والأسقام. وهو يعارض المعتزلة فيقول لهم: إذا قلتم إن الباري فَعَل فعلاً هو شرٌّ على وجه من الوجوه ـ فما أنكرتم من أن يكون شريراً1؟ »
ولم يكن يقول إن الباري يوصف بأنه كامل « لأن الكامل هو من تَمّت خصاله وأبعاضه، ولأن الكامل في بَدنه هو الذي قد تمت أبعاضه، وكذلك الكامل في خصاله من تمت خصاله منّا: نحو كمال الرجل في علمه وعقله ورأيه وقوله وفصاحته. فلما كان الله عز وجل لا يوصَف بالأبعاض لم يجُزْ أن يوصف بالكمال في ذاته ولا بالنقصان، ولما لم يَجُزْ أن يَشرُفَ بأفعاله لم يَجُز أن يوصف بالكمال في ذاته من جهة الأفعال. وكذلك لا يوصف بأنه وافر، لأن معنى ذلك كمعنى كامل. وكذلك لا يقال تام، لأن تأويل التامّ والكامل واحد.
وقال: لا يجوز أن يوصف بالشجاعة، لأن الشجاعة هي الجرأة على
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 186 ـ 195.

320

المكاره وعلى الأمور المخوفة.
وكان يزعم أن الوصف لله سبحانه بأنه مختار معناه أنه مريد، إذ لم يكن مُلْجَأً إلى ما أراده ولا مُكرَهاً ولا مضطرّاً إليه. والإرادة هي الاختيار. وكذلك القول في أن الإنسان مختار عنده، وأن الاختيار غير المختار، كما أن الإرادة غير المراد، وأن اختيار الله للأنبياء هو اختياره لإرسالهم؛ وهو إرادته لذلك.
وزعم أن معنى الاصطفاء من الله للأنبياء برسالته هو اختصاصه إياهم بها. وليس معنى الاصطفاء معنى الاختيار، لأن كل ما يريده الإنسان من غير أن يُلجَأ إليه فهو مختار (له) كما يكون مختاراً للأكل والشرب، ولا يكون مصطفياً لذلك.
وزعم أن الإرادة ليست هي الضمير، وأن الضمير محلّ الإرادة.
وزعم أن معنى أن الله يمتحن عباده ويختبرهم هو أنه يكلّفهم، وذلك توسُّع. وإنما معنى ذلك أن يكلّفهم طاعته. فلذلك لم يَجُزْ أن يقال: « يُجَرِّبهم »، وكذلك معنى « يبتلي »: أنه يكلفهم1 ».
وفيما يتصل بتسمية الله باسم « مُحْبِل النساء » يقول عبد القاهر البغدادي إن ذلك كان إلزاماً من الأشعري له بذلك. قال البغدادي2: « وألزمه شيخنا أبو الحسن (= الأشعري) رحمه الله أن يسميه محبل النساء لأنه خالق الحبل فيهن. فالتزم (أي الجبائي) ذلك. فقال له (الأشعري): بدعتك هذه أشنع من ضلالة النصارى في تسمية الله أباً لعيسى مع امتناعهم من القول بأنه مُحْبِل مريم ».
ــــــــــــــ
1 الكتاب السابق، ? 2، ص 200 ـ 201.
2 عبد القاهر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 110. القاهرة، 1948.

321

الله قديم:
« معنى أن الله: « قديم »: أنه لم يزل كائناً لا إلى أول، وأنه المتقدم لجميع المحدثات لا إلى غاية ـ وهذا قول الجبائي.
وقال عباد (بن سليمان): معنى « قديم »: أنه لم يزل؛ ومعنى لم يزل: أنه قديم.
وقال بعضهم: معنى « قديم » بمعنى إله.
وقال من ثبّت القديم قديماً بِقدَم: معنى أن الله « قديم »: إثباتُ قِدمٍ لله كان قديماً؛ وكذلك معنى « عالم » عندهم إثبات علم، وكذلك القول في سائر الصفات.
وقد حكي عن بعض المتفلسفة أنه كان لا يقول إن الباري قديم.
وحكي عن مُعَمّر (بن عباد السُّلَمي) أنه كان لا يقول إن الباري قديم. إلاّ إذ أوجد المحدثات1 ».

الله موجود
الله موجود: معناه عند الجبائي: إما أنه معلوم، « والباري لم يزل واجداً للأشياء بمعنى أنه لم يزل عالماً، وأن المعلومات لم تزل موجودات لله (أي) معلومات له، بمعنى أنه لم يزل يعلمها، وقد يكون موجوداً بمعنى لم يزل معلوماً، وبمعنى لم يزل كائناً2 ».
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 179 ـ 180.
2 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 182.

322

الله شيء
« شيء: سمة لكل معلوم ولكل ما أمكن ذكره والإخبار عنه. فلما كان الله عز وجل معلوماً يمكن ذكره والاخبار عنه وجب أنه شيءٌ » (الكتاب نفسه، ? 2، ص 181).
« وكان الجبائي يقول إن الباري لم يزل غير الأشياء التي يعلم أنها تكون، والتي يعلم أنها لا تكون، وأنها تعلم أغياراً له قبل كونها، وأن الغيرين لأنفسهما كانا غيرين. ومعنى أنه غير الأشياء: أنه يفرق بينه وبين غيره من سائر المعلومات، وأنه بمنزلة أنه ليس بعضاً لشيء منها وليس (شيءٌ) منها بعضاً له. وكذلك كان يقول: إن الباري لم يزل غير الأشياء » (الكتاب نفسه ? 2 ص 181).
وكان الجبائي لا يجيز قولَ القائلين: « لم يزل الباري ولا يزال » دون أن يصل ذلك بقول آخر فيقول: « لم يزل الباري عالماً ». فإذا وصله بقولٍ يكون خبراً له ـ جاز. » (? 2، ص 182).

الله خالق، قادر
يقول الجبائي إن معنى الخالق هو أنه « يفعل أفعاله مقدَّرة » على مقدار ما دبرها عليه. وذلك هو معنى قولنا في الله إنه: خالق، وكذلك القول في الإنسان إنه خالق: إذا وقعت مُقَدّرة. وأبى ذلك سائر المعتزلة » (? 2، ص 196).
والجبائي لا يصف الله بالقدرة على أن يخلق الإدراك مع العمى، لأن العمى ضد الإدراك. ويصف الله بالقدرة « على أن يجمع بين النار والقطن ولا يخلق إحراقاً، وأن يسكن الحجر في الجو فيكون ساكناً على غير عَمَدٍ من تحته؛ وإذا جمع بين النار والقطن فعل ما ينفي الإحراق وسَكن النار فلم تدخل بين أجزاء القطن، فلم يوجد إحراق1 ».
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ? 2، ص 220.

323

وقال « إن الباري قادر على ما هو من جنس ما أقدر عليه عباده من الحركات والسكون وسائر ما أقدر عليه العباد، وإنه قادرٌ على أن يضطرهم إلى ما هو من جنس ما أقدرهم عليه، وإلى المعرفة به سبحانه. وكان لا يصف ربه بالقدرة على أن يخلق إيماناً يكونون به مؤمنين، وكفراً يكونون به كافرين، وعدلاً يكونون به عادلين، وكلاماً يكونون به متكلمين؛ لأن معنى « متكلم »: انه فعل الكلام ـ عنده، وكذلك القول في سائر ما ذكرناه من العدل والجور عنده. وكذلك يحيل ذلك في كل شيء يوصَف به الإنسان. ومعنى ذلك أنه فاعل مما اشتق له الاسم منه2 ».

الدولة
دار الإيمان، ودار الكفر

ميّز الجبائي بين نوعيْن من البلاد: دار الإيمان ودار الكفر. « فكل دار لا يمكن فيها أحداً أن يقيم بها، أو يجتاز بها إلا بإظهار ضرب من الكفر، أو بإظهار الرضا بشيء من الكفر وترك الإنكار له ـ فهي دار كفر.
وكل دارٍ أمكن القيام بها والاجتياز بها من غير إظهار ضرب من الكفر، أو إظهار الرضا بشيء من الكفر وترك الإنكار له ـ فهي دار إيمان1. »
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ? 2، ص 206.
2 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 2، ص 137.

324

ويعلّق الأشعري على موقف الجبائي هـذا قائلاً إن بغداد، على قيـاس الجبائي هذا، « دار كفر لا يمكن المقام بها عنده إلا بإظهار الكفر الذي هو عنده كفر، أو الرضا: كنحو القول إن القرآن غير مخلوق، وإن الله سبحانه وتعالى لم يزل متكلماً به، وإن الله سبحانه أراد المعاصيَ وخَلقها، لأن هذا كله عنده كفر. وكذلك القول في مصر وغيرها على قياس قوله، وفي سائر أمصار المسلمين. وهذا هو القول بأن دار الإسلام دار كفر ـ ومعاذ الله من ذلك » (الموضع نفسه). أي أنه لما كانت أية مدينة من المدن الكبيرة لا بد تحتوي على آراء مخالفة يكفّر الناس بها بعضهم بعضاً، فكل مدينة إذن دار كفر! لكن استدلال الأشعري هنا يتجاوز ما قاله الجبائي: ذلك أن الجبائي يحدد ذلك بقوله: إظهار ضرب من الكفر، أو إظهار الرضا بشيء من الكفر وترك الإنكار له؛ وما دام المؤمن الحق لا يظهر أي ضرب من الكفر، ولا يظهر الرضا بشيء منه بل يستنكره، فهو لن يعد كل مدينة دار كفر، بل فقط تلك التي يظهر فيها هو أيّ ضرب من الكفر أو لا يستنكر ما يراه فيها من الكفر. ومذهبه هنا متسق مع ما يذهب إليه المعتزلة في أحد أصولهم الخمسة، وهو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إذ بتطبيق هذا الأصل يجب على المؤمن أن ينهى عن المنكر وبالتالي أن يستنكر ما يراه منكراً أو كفراً، ولا يسكت عليه. وتبعاً لذلك لن تكون المدينة دار كفر، ما دام سيستنكر كل ما يراه منكراً أو كفراً.
فإلزام الأشعري هذا مغالطة. وموقف الجبائي سليم متسق مع أصل المعتزلة في القول بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وليست دار الإسلام إذن دار كفر، ما دام المعتزليّ يؤدي واجبه وينفذ هذا الأصل، وهو بحكم مذهبه لا بد فاعل ذلك.

325

الإمامة

يرى المعتزلة أن الإمامة تكون بانعقاد رأي الأمة على اختيار من يكون لها إماماً في شئون دينها ودنياها.
لكن ثم مشكلة وهي: ماذا يكون الأمر لو اتفق العقد والاختيار على شخصيْن يصلحان للإمامة؟
اتفق أبو علي الجبائي مع ابنه أبي هاشم في أن الشخصيْن إذا عقد لهما فإن الإمام هو من عُقِد له أولاً. أما إذا اتفق العقد لهما دفعة واحدة فإن بينهما خلافاً: « فعند أبي هاشم أنه لا تنعقد إمامة واحدٍ منهما، كما في وليّ النكاح، ولا بد أن يعقد ثانياً لأحدهما. وقد قال أبو علي: إنه لو اتفق العقد لهما جميعاً في حالة واحدة، فإن الواجب أن يقرع بينهما1 ».
وعند المعتزلة عامة أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه: أبو وبكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي؛ ثم من اختارته الأمة وعقدت له، ممن تخلق بأخلاقهم وسار بسيرتهم. ولهذا نراهم يعتقدون إمامة عمر بن عبد العزيز لأنه سلك طريق الخلفاء الراشدين الأربعة.
وفي التفضيل ذهب المتقدمون من المعتزلة إلى أن أفضل الناس بعد الرسول هو أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، إلاَّ واصل بن عطاء فإنه فضل عليّاً على عثمان، ولهذا سموه شيعياً.
أما أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم فقد توقفا في التفضيل، فلم يفضلا أحد الخلفاء الراشدين الأربعة على الآخر، وقالا: « ما من خصلة ومنقبة ذُكِرت في أحد هؤلاء الأربعة، إلاّ ومثله مذكور لصاحبه2 ».
ــــــــــــــ
1 القاضي عبد الجبار: « شرح الأصول الخمسة »، ص 757.
2 الكتاب نفسه، ص 767.

326

وذهب أبو علي الجبائي « إلى أن الإمامة لا تصحّ بأقل من عقد خمسة رجال1 ». وهذا القول قد تعلق فيه الجبائي بفعل عمر بن الخطاب في الشورى، « إذ قلد ستة رجال وأمرهم أن يختاروا واحداً منهم، فصار الاختيار منهم بخمسة فقط » (الكتاب نفسه، ? 4، ص 168) وقد رد عليه ابن حزم في هذا رداً محكماً فراجعْه في ذلك الموضع.
ويقول الشهرستاني2، في عرض مذهبهما في الامامة: « الجبائي وأبو هاشم قد وافقا أهل السنة في الامامة وأنها بالاختيار، وأن الصحابة مترتبون في الفضل ترتبهم في الإمامة. غير أنهم ينكرون الكرامات أصلاً للأولياء من الصحابة وغيرهم. ويبالغون في عصمة الأنبياء عن الذنوب: كبائرها وصغائرها، حتى يمنع الجبائي القصد إلى الذنب، إلاَّ على تأويلٍ. والمتأخرون من المعتزلة مثل القاضي عبد الجبار وغيره انتهجوا طريقة أبي هاشم؛ وخالفه في ذلك أبو الحسين البصري وتَصَفَّحَ أدلة الشيوخ، واعترض على ذلك بالتزييف والإبطال ».

الرزق

الرزق هو ما ينتفع به، وليس للغير المنع منه.
وهو ينقسم إلى ما يكون رزقاً على الإطلاق، مثل الكلأ والماء وما يجري مجراهما، ـ وإلى ما يكون رزقاً على التعيين، وذلك نحو الأشياء المملوكة.
ــــــــــــــ
1 ابن حزم: « الفصل »، ? 4، ص 167.
2 « الملل والنحل »، ? 1، ص 107 ـ 108.

327

وأسباب المِلك عديدة: منها الحيازة، ومنها الإرث، ومنها المبايعة ومنها الهبة.
والانتفاع معناه الالتذاذ، والالتذاذ هو إدراك الشيء مع الشهوة.
« ثم إن ما يُدْرَك مع الشهوة ينقسم إلى ما يكون حادثاً، وإلى ما يكون باقياً. أما ما يكون حادثاً، فهو المعنى الحاصل عند حك الجرب وما يجري هذا المجرى، وهو الذي يسمى لذةً مرةً وألماً أخرى: يُسمَّى لذة إذا أُدرِك مع الشهوة، وألماً إذا أُدرِك مع النفار. ـ أما ما يكون باقياً فهو كالطعوم والأراييح، فإن الالتذاذ إنما يقع بإدراكها مع الشهوة ولا يحدث هناك معنى يلتذ به ـ هذا هو الذي ذهب إليه أبو هاشم. وقد خالفه فيه أبو علي وقال: بل يحدث عند إدراك أن هذه الباقيات معانٍ يقع بها الالتذاذ. » ويعقب عبد الجبار فيقول: « والصحيح ما اختاره أبو هاشم: والذي يدل على صحته هو أنه لو كان على ما ذكره أبو علي لكان يجوز اختلاف الحال فيه. فكان يجب أن يتناول في بعض الحالات بعض الأطعمة الشهية، ثم لا يقع بها الالتذاذ بأن يحدث ذلك المعنى. وقد عُرف خلافه. فليس إلاّ القضاء بأن الالتذاذ إنما يقع بإدراك هذه الباقيات نفسها، لا غير1 ».
ربط المعتزلة بين الملكية والرِّزق، ومن هنا جعلوا الرزق حلاً لصاحبه حراماً على غيره، كالشيء المملوك. ولهذا فإن « من غَصب إنساناً مالاً أو طعاماً فأكله أكل ما رزق الله غيره ولم يرزقه إياه2. » والأرزاق كلها كأنها من جهة الله: فهو الذي خلقها وجعلها بحيث يمكن الانتفاع بها.
والرزق عندهم ينقسم إلى قسميْن: ما يحصل من جهة الله ابتداءً،
ــــــــــــــ
1 القاضي عبد الجبار: « شرح الأصول الخمسة »، ص 785.
2 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 296.

328

وما يحصل بالطلب. فالأول نحوُ ما يصل إلينا من المنافع بطريق الإرث ونحوه مما وُصِل إليه بغير علاج ولا كلفة. والثاني هو مثل التجارات والزراعات وغير ذلك مما يحتاج إلى علاج وعمل.
والنوع الثاني، وهو ما يحصل بالطلب والسعي، ينقسم إلى ما يلحقه بتركه ضررٌ، وإلى ما لا يلحقه بتركه ضرر. والأول يقتضي أن يشتغل به دفعاً للضرر عن نفسه. والثاني وهو ما لا يلحقه بتركه ضرر، فإنه إن اشتغل به جاز وحَسُن، وإن لم يشتغل به جاز أيضاً وحَسُن.
وقد اعترض المتوكلة قائلين بأن الطلب قبيح، واحتجوا لذلك بأمرين: الأول هو أن الطلب يضاد التوكل وينافيه ويمنع منه فيجب القضاء بقبحه، والثاني أن الطالب لا يأمن فيما يجمعه ويتعب فيه نفسه أن تغصبه الظَّلَمة، فيكون في الحكم كأنه أعانهم على الظلم، وذلك قبيح.
وقد رد المعتزلة على هذا فقالوا إن قولهم إن الطلب ينافي التوكل ويضادّه ـ محالٌ؛ إذ التوكل هو طلب القوت من وجهه. أما قولهم إن ذلك في الحكم كأنه إعانة للظلمة على ظلمهم ـ فغير صحيح ولا يقبله العقل، إذ تقرر في العقل أن التجارات والفلاحات حسنةٌ طلباً للأرباح. والتاجر يتاجر والزارع يزرع ليربح أو يكسب، لا ليغصبه السلطان.

329


أبو هاشم الجبائي
مولـده

هو أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي محمد الجبائي بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حُمران بن أبان مولى عثمان بن عفان.
أما مولده فقد ذكر عنه الخطيب البغدادي في « تاريخ بغداد »1 ما يلي: « حدثني التنوخي عن أبي الحسن أحمد بن يوسف الأزرق قال: قال أبو هاشم عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي: ولدتُ في سنة سبع وسبعين ومائتين، وولد أبي، أبو علي، سنة خمس وثلاثين ومائتين، ومات في شعبان سنة ثلاث وثلثمائة ».
وقد ورد هذا التاريخ محرفاً في ابن2 خلكان هكذا: « وكانت ولادة أبي هاشم سنة سبع وأربعين ومائتين »، وربما كان التحريف من الناسخ أو الطابع.
وكان مولده بالبصرة.
ــــــــــــــ
1 الخطيب البغدادي: « تاريخ بغداد »، ? 11، ص 55 تحت رقم 5735.
2 « وفيات الأعيان »، ? 2، ص 335، القاهرة طبعة محيي الدين عبد الحميد.

330

قدومه إلى بغداد

ثم قدم إلى بغداد سنة أربع عشرة وثلثمائة، كما نص على ذلك « الفهرست »1 لابن النديم.
وذكر ابن المرتضى2 سبب قدومه إلى بغداد، فقال: « ولما قلّ ما في يده قدم إلى بغداد سنة سع عشرة وثلاث مائة ». ومن هذا نرى خلافاً في بيان سنة قدومه إلى بغداد.
وقال الخطيب البغدادي عنه إنه « سكن بغداد إلى حين وفاته » (« تاريخ بغداد »، ? 11، ص 55 تحت رقم 5735).

دراسته

أخذ علم النحو عن أبي العباس المُبَرِّد. « وكان في المُبَرِّد سخف: فقيل لأبي هاشم: كيف تحتمل سخفه؟ قال: رأيت احتماله أولى من الجهل بالعربية ـ هذا معنى كلامه3 ».
وأخذ علم الكلام عن أبيه. وكان شديد الحرص عليه، ملحاحاً في سؤال أبيه عن مختلف مسائل الدين حتى كان أبوه يتأذى به. قال ابن المرتضى: « وكان من حرصه يسأل أبا علي (الجبائي) حتى يتأذى به. فسمعتُ أبا علي في بعض الأوقات عند حجاجه يقول: لا تُؤذِنا! ويزيد فوق ذلك. وكان يسأل طول نهاره ما قدر عليه. فإذا كان في
ــــــــــــــ
1 ابن النديم: « الفهرست »، ص 261، القاهرة.
2 « طبقات المعتزلة »، ص 96 س 10.
3 ابن المرتضى: « طبقات المعتزلة »، ص 96.

331

الليل سبق إلى موضع بيته لئلا يُغْلِق دونه الباب، فيستلقي أبو عليّ على سريره، ويقف أبو هاشم بين يديه قائماً يسأله حتى يُضجره، فيحوّل وجهه عنه. فيتحول إلى وجهه. فلا يزال كذلك حتى ينام. وربما سبق هو (أي أبو علي) فأغلق الباب دونه (أي دون أبي هاشم). ومَنْ هذا حرصه على ما فيه من الذكاء لم يتعجب من تقدمه في العلم » (الموضع نفسه).

وفـاته

« وتوفي يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، ببغداد. ودفن في مقابر البستان من الجانب الشرقي. وفي ذلك اليوم توفي أبو بكر محمد بن دُرَيْد اللغوي المشهور1 ». وفي « تاريخ بغداد2 » للخطيب البغدادي: « قال أبو الحسن (أحمد بن يوسف الأزرق): ومات أبو هاشم في رجب أو في شعبان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة ببغداد. وتوليتُ دفنه في مقابر باب البستان من الجانب الشرقي. حدثني عبيد الله بن أبي الفتح عن طلحة بن محمد بن جعفر أن أبا هاشم بن أبي علي الجبائي مات ببغداد في سنة إحدى وعشرين وثلثمائة. أخبرنا علي بن أبي علي عن أبيه قال: حدثني أبو علي الحسن بن سهل بن عبد الله الايذجي القاضي ـ قال: لما توفي هاشم الجبائي
ــــــــــــــ
1 ابن خلكان: « وفيات الأعيان »، الترجمة رقم 356، ? 2، ص 355. القاهرة 1948.
2 الخطيب البغدادي: « تاريخ بغداد » تحت رقم 5735، ? 11، ص 55 ـ 56. القاهرة 1931.

332

ببغداد اجتمعنا فئةً لندفنه، فحملناه إلى مقابر الخيزران في يوم مطير، ولم يعلم بموته أكثر الناس. فكنا جُميّعة في الجنازة. فبينا نحن ندفنه إذ حملت جنازة أخرى ومعها جُمَيّعة عرفتهم بالأدب. فقلت لهم: جنازة من هذه؟ فقالوا: جنازة أبي بكر بن دريد. فذكرتُ حديث الرشيد لما دفن محمد بن الحسن والكسائي بالريّ في يوم واحد. قال: وكان هذا في سنة ثلاث وعشرين وثلثمائة، فأخبرت أصحابنا بالخبر: وبكينا على الكلام والعربية طويلاً ثم افترقنا.
قلتُ (أي الخطيب البغدادي): الصحيح أن أبا هاشم مات في سنة إحدى وعشرين، وفيها مات ابن دريد بغير شك. وذكر لي هلال بن المحسن أن أبا هاشم مات في ليلة السبت الثالث والعشرين من رجب سنة إحدى وعشرين، قال: وكان عمره ستاً وأربعين سنة وثمانية أشهر وإحدى وعشرين يوماً ».
ويؤيد « الفهرست1 » لابن النديم هذه الرواية أيضاً فيقول: « وتوفي سنة إحدى وعشرين وثلثمائة ».
ونجد في « إنبـاه الرواة على أنبـاه النحاة2 » لجمال الدين القفطي أن ابن دريد مات « يوم الأربعاء لاثنتي عشرة (ليلة) بقيت من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة... ولما توفي ابن دريد حملت جنازته إلى مقبرة الخيزران ليدفن فيها. وكان قد جاء في ذلك اليوم طشٌ3 من مطر. وإذا بجنازة أخرى مع نفر قد أقبلوا بها من ناحية باب الطاق، فنظروا فإذا هي جنازة أبي هاشم الجبائي. فقال الناس: مات علم اللغة والكلام بموتهما. ودفنا جميعاً في الخيزرانة4 ».
ــــــــــــــ
1 طبعة القاهرة، ص 261.
2 تحقيق أبي الفضل إبراهيم، ? 3، ص 97 ـ 98. القاهرة 1955.
3 الطش: المطر الضعيف فوق الرذاذ.
4 راجع أيضاً تاريخ بغداد، 197؛ نزهة الألباء 326؛ « مرآة الجنان »، 2: 284

333

فوفاته إذن في الثامن عشر من شعبان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، الموافق لـ 16 أغسطس سنة 933 ميلادية.
مؤلفـاته

ذكر له ابن النديم في « الفهرست1 » الكتب التالية:
1 ـ الجامع الكبير2.
2 ـ الأبواب الكبير ـ وذكره الجويني في « الشامل » (ص 472، س 1)
3 ـ الأبواب الصغير.
4 ـ الجامع الصغير ـ وقد ذكره ونقل عنه عبد الجبار في (« المجموع من المحيط بالتكليف »، ? 1، ص 30، بيروت).
5 ـ الإنسان.
6 ـ العوض.
7 ـ المسائل العسكريات ـ وقد ذكره ونقل عنه عبد الجبار في « المجموع من المحيط بالتكليف »، ? 1، ص 1.
8 ـ النقض على أرسطاطاليس في « الكون والفساد ».
9 ـ الطبائع والنقض على القائلين بها.
10 ـ الاجتهاد.
وذكر له عبد القاهر البغدادي في « الفَرْق بين الفِرَق »3 كتاب:
ــــــــــــــ
1 ص 261. طبع القاهرة.
2 ذكره ونقل عنه البغدادي في « الفرق »، ص 116، س 4، القاهرة 1948.
3 ص 113، س 4 س 5. القاهرة، 1948.

334

11 ـ استحقاق الذم.
12 ـ البغداديات ـ ذكره الجويني في « الشامل » (ص 471، الاسكندرية سنة 1969) وقـال إنه « مسائل تكلّم فيها على نقض مذاهب البغداديين من المعتزلة ».

آراء المعاصرين له ومن تلاهم فيه

ذكر أبو الحسن الكرخي « أنه لم يبلغ غيرُه مبلغه في علم الكلام1 ».
وكان أبو عبد الله البصري يحكي من ورعه وزهده ما يدل على الدين العظيم » (الموضع نفسه).
وقال القاضي عبد الجبار عنه: « كان أبو هاشم من أحسن الناس أخلاقاً وأطلقهم وجهاً. وقد استنكر بعضُ الناس خلافه على أبيه. وليس مخالفة التابع للمتبوع في دقيق الفروع بمستنكر: فقد خالف أصحابُ أبي حنيفة أبا حنيفة، وخالف أبو علي أبا الهذيل والشحّام. وخالف أبو القاسم أستاذه. وقال أبو الحسن (الكرخي) في ذلك شعراً: (من المتقارب).

يقولـون بيـن أبي هاشـم وبين أبيـه خلافٌ كثـيرُ فقلتُ: وهل ذاك من ضائر؟ وهل كان ذلك مما يضيرُ؟ فخلُّوا عن الشيخ لا تعرضوا لبحرٍ تضايقُ عنه البحورُ وإن أبـا هـاشـمٍ تلـْوُه إلى حيث دار أبـوه يدورُ ولكن جرى من لطيف الكلا م كلامٌ خفيٌّ وعلمٌ غـزير
وإنما عنى بذلك ما ظهر من محمد بن عمر الصيمري وغيره مِنْ
ــــــــــــــ
1 ابن المرتضى « طبقات المعتزلة »، ص 94.

335

إكفارهم له في مسئلة استحقاق الذمّ، والأحوال، وغير ذلك. فإن أصحاب أبي علي كان فيهم من يوافقه في ذلك، أو في بعضه؛ وفيهم من يتوقف؛ وفيهم من يُعَظّم خلافه وينتهي به إلى الإكفار في بعضه. وله عليهم الكتب الكثيرة. وقد كان أغلظهم في ذلك محمد بن عمر الصيمري، فكان فيه خشونة، حتى كان ربما أنكر على أبي علي بعض ما يأتيه1 ».
ومحمد بن عمر الصيمري من الطبقة التاسعة من المعتزلة، ومن تلاميذ أبي علي الجبائي؛ وكان قد أخذ قبله عن معتزلة بغداد: أبي الحسين الخياط وغيره؛ وله كتب ومناظرات. وكان عالماً زاهداً، ورعاً، حسن الطريقة. ولكنه غلا « في معاداة أبي هاشم حتى أكفره بسبب قوله في الأحوال، حتى جاء إلى أهله (= زوجته) وأوهمها أن الفُرقة وقعت بينها وبين أبي هاشم. فقالت: فماذا تقول إذا كنّا. على مثل رأيه؟ فانصرف » (الكتاب نفسه، ص 96).

انتشار مذهبه

يقول عبد القاهر البغدادي2 وهو يتكلم عن أبي هاشم بن الجبائي: « وأكثر معتزلة عصرنا على مذهبه، لدعوة ابن عبّاد، وزير آل بويه، إليه ».
والبغدادي توفي سنة 429 ? (1037 م)، أي أن المعتزلة في الربع الأول من القرن الرابع والربع الأول من القرن الخامس كانوا على مذهب
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ص 95 ـ 96.
2 « الفرق بين الفرق »، ص 184 ـ 185. طبعة محيي الدين عبد الحميد.

336

أبي هاشم. وهو يفسر ذلك بأن الصاحب بن عباد، الذي ولد في 26 ذي القعدة سنة 326 ? في اصطخر، وقيل في الطالقان، وتوفي في 24 صفر سنة 385 بالريّ هو صاحب الفضل في ذلك لأنه دعا إلى مذهب المعتزلة على مذهب أبي هاشم الجبائي. والصاحب بن عباد تولى الوزارة في سنة 366 بعد أبي الفتح علي بن أبي الفضل بن العميد، وزيراً لمؤيد الدولة أبي منصور بويه بن ركن الدولة بن بويه الديلمي. ولما توفي مؤيد الدولة هذا في شعبان سنة ثلاث وسبعين وثلثمائة بجرجان استولى على مملكته أخوه فخر الدولة أبو الحسن عليٌّ فأقرّ الصاحب على وزارته، فاستمر فيها حتى وفاته في 24 صفر سنة 385. أي أنه تولى الوزارة لبني بويه من سنة 366 ? حتى سنة 385 ?. ففي هذه الفترة كانت دعوة الناس إلى الاعتزال على مذهب أبي هاشم ابن الجبائي.

تلاميذه

وما أكثر ما كان لـه تلاميذ ممتازون، ذكر بعضهم ابن المرتضى في « المنية والأمل » ضمن الطبقة العاشرة من طبقات المعتزلة.. وذكر منهم:
1 ـ أبو علي بن خلاّد، صاحب كتاب « الأصول » و« الشرح ». درس على أبي هاشم بالعسكر ثم ببغداد. ولم يعمّر طويلاً. ويقصد بالشرح « شرح الأصول »1.
2 ـ وربما كان أشهرهم هو أبا عبد الله الحسين بن علي البصري. أخذ عن أبي علي بن خلاّد أولاً، ثم أخذ بعد ذلك عن أبي هاشم. « لكنه بلغ بجدّه واجتهاده ما لم يبلغه غيره من أصحاب أبي هاشم.
ــــــــــــــ
1 راجع هذا في مجلة « مجلة الأشوريات »، ZA المجلد 26، ص 198.

337

وكما صبر على ذلك في علم الكلام صبر على مثله في الفقه، فإنه لازم مجلس أبي الحسن الكرخي الزمان الطويلَ حالاً بعد حال. ولم يحظَ في الدنيا بما جرت به العادة للعلماء، بل كان في بغداد يصبر على الشدائد وهو مُكِبٌّ على طلب العلم » (ص 105). وكان عضد الدولة يغلو في تعظيمه حتى قال: ما رأيت أبا الحسن منقطعاً قط: إن كان الكلام له فاته يتجلى، وإن كان عليه يورد ما لا يُعرَف معه ذلك. وكان يطوّل في أماليه ويختصر في تدريسه. وتوفي في سنة سبع وستين وثلثمائة.
3 ـ أبو اسحق العيّاش، وهو إبراهيم بن عياش البصري. « قال القاضي عبد الجبار: وهو الذي درست عليه أولاً، وهو من الورع والزهد والعلم على حدّ عظيم. وكان رحل إليه من بغداد قوم، فيجمعون مجلسه إلى مجلس أبي عبد الله الحسين البصري. وكان مع مواصلته لأبي هاشم كثر أخذه عن أبي علي بن خلاّد ثم عن أبي عبد الله الحسين البصري. وله كتاب في إمامة الحسن ».
4 ـ أبو القاسم السيرافي، توفي عن اثنتين وستين سنة.
5 ـ أبو عمران السيرافي: درس على أبي هاشم أولاً، ثم فارقه واختلف إلى أبي بكر الإخشيد. وكان يدعو الناس إلى التوحيد والعدل، ولحقه بسبب ذلك المحن العظيمة.
6 ِـ أبو الحسين الأزرق، وهو أحمد بن يوسف بن يعقوب بن اسحق بن بهلول الانباري التنوخي. أخذ الكلام عن أبي هاشم، والفقه عن الكرخي، والقرآن عن ابن مجاهد، والنحو عن ابن السرّاج. وكان من بيت رئاسة، عظيم الشأن، وكان مع ذلك يأتي المتفقهة طلباً للتعاليق. وكان له من الأفضال على أبي هاشم وأصحابه شيءٌ كثير.
7 ـ أبو الحسين الطوائفي البغدادي، وهو شافعي المذهب، وله كتاب في أصول الفقه.

338

8 ـ أخت أبي هاشم، بنت لأبي علي الجبائي: « وقد بلغت في العلم مبلغاً، وسألت أباها عن مسائل، فأجاب عنها. وكانت داعية النساء، انتفع بها في تلك الديار » (الكتاب نفسه، ص 109).
9 ـ أحمد بن أبي هاشم، له درجة في العلم، وهو أنجبُ أولاد أبي هاشم.
10 ـ أبو الحسن بن النجيع، من أهل بغداد. « أخذ عن أبي اسحق بن عياش، ثم اختلف إلى أبي هاشم ببغداد، واستفاد منه علماً كثيراً وصار بمنزلة عظيمة ».
11 ـ أبو بكر البخاري: « وكان يلقب بجمل عائشة لتعصبه لها، أخذ عن أبي هاشم الكلامَ، وعن أبي الحسن الفقه، وبلغ في العلم مبلغاً » (الموضع نفسه).
12 ـ أبو محمد العبدكي: أخذ عن أبي هاشم، كان عارفاً بدقيق الكلام وجليله.

339


جليل الكلام
صفات الله

الصفات الإلهية إما أن تكون للذات، أو لمعنى، أو لا للذات ولا لمعنى.
فأبو علي الجبائي قال كما رأينا إن صفات الله هي لذاته.
فجاء ابنه أبو وهاشم وقال إن صفات الله هي لما هو عليه في نفسه. ولهذا قال إن الصفات « هي أحوال ثابتة للذات، وأثبت حالة أخرى توجب هذه الأحوال. وقالت الصفائية من الأشعرية والسَلف إن الباري تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة، سميع بسمعٍ، بصير ببصرٍ، مريد بإرادة، متكلم بكلام، باقٍ ببقاء. وهذه الصفات زائدة على ذاته سبحانه. وهي صفات موجودة أزلية، ومعان قائمة بذاته1. »
فأبو علي الجبائي يقول « إنه تعالى يستحق هذه الصفات الأربع التي هي كونه: قادراً، عالماً، حياً، موجوداً ـ لذاته. وعند شيخنا
ــــــــــــــ
1 الشهرستاني: « نهاية الاقدام في علم الكلام »، ص 180 ـ 181.

340

أبي هاشم يستحقها لما هو عليه في ذاته1 ».
ومعنى قوله: لما هو عليه في ذاته ـ أي لحالٍ هو عليها في ذاته. ومن هنا جاء إثباته للأحوال. وسنرى ذلك تفصيلاً عند الكلام عن الأحوال عند أبي هاشم.
فالجبائي الوالد يقول إن الله عالم لذاته، قادر حيّ لذاته « ومعنى قوله: لذاته، أي لا يقتضي كونه عالماً صفة هي حال علم أو حال يوجب كونه عالماً. وعند أبي هاشم: هو عالم لذاته بمعنى أنه ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتاً موجوداً. وإنما تعلم الصفة على الذات، لا بانفرادها. فأثبت أحوالاً هي صفات لا معلومة ولا مجهولة، أي هي على حيالها لا تعرف كذلك، بل مع الذات2. »

الخلق

عند أبي علي الجبائي أن الخَلْق هو التقدير، والمخلوق هو الفعل المقدَّر بالغرض والداعي المطابق له على وجهٍ لا يزيد عليه، ولا ينقص عنه.
وذهب أبو هاشم الجبائي وأبو عبد الله الحسين البصري « إلى أن المخلوق مخلوقٌ بخَلْقٍ. ثم اختلفا:
فذهب أبو هاشم إلى أن الخَلْق إنما هو الإرادة.
ــــــــــــــ
1 « شرح الأصول الخمسة » للقاضي عبد الجبار. ص 182، وراجع أيضاً له: « المجموع في المحيط بالتكليف »، ? 1، ص 100، س 17 ـ س 21. تحقيق جين يوسف هوبن، بيروت 1965.
2 الشهرستاني: « الملل والنحل »، ? 1، ص 101 ـ 102. القاهرة، 1321 ?.

341

وقال أبو عبد الله البصري: بل هو الفكر، وقال: لولا ورود السمع والإذن بإطلاق هذه اللفظة على الله تعالى، وإلا ما كنا نجوّز إطلاقها عليه تعالى عقلاً...
والأصل في الجواب عن ذلك أن هذا غير جائز على مذهبهما، لأن أبا هاشم لا يجوّز أن يحصلَ الخَلْقُ ولا يحصل المخلوق، وهكذا فإن أبا عبد الله لا يُجوِّز حصول الفكر ثم لا يحصل الفعل1 ».
والفكر يقصد به فكر الله في الشيء، أي أنه شبه اللوغوس أو الصور الإلهية التي بها يتم الخلق في الأفلاطونية المحدثة. ففكر الله في الشيء هو خلقه إياه. فأبو عبد الله الحسين البصري يقول إن الخلق هو فكر الله في الأشياء، وأبو هاشم الجبائي يرى أن فعل الخلق إرادة وليس تصوراً، لأنه فعل، والفعل يقتضي الإرادة.

الأحوال*

أهم مسألة اشتهر بها أبو هاشم هي مسألة الأحوال، وقد تناولتها كتب الكلام والمِلَل. وهي داخلة في مسألة: صفات الله وكيفية قيامها به.
ــــــــــــــ
1 القاضي عبد الجبار: « شرح الأصول الخمسة »، ص 548.
* تناول هذه المسألة من الأوربيين:
a) S. Horten, Die philosophischen Systeme der Spekulativen Theologen im Islam, 352 ff, 403 ff.
b) S. Horten: « Die Modustheorie des abu Hashim » in ZDMG, LXIII, 303-324.

342

ونحن نعلم أن المعتزلة نفت جميع الصفات الأزلية. وقال أبو الهذيل ـ كما رأينا ـ إن الله عالم (مثلاً) بعلم إلاَّ أن علمه هو نفسه، وقادر بقدرة وقدرته هي نفسه. وقد « خالفه الجبائي فقال إن الله عالم لنفسه وقادر لنفسه، فألزمه أصحابنا (= الأشعري) أن يكون نفسه علماً وقدرة، لأن حقيقة العلم ما به يعلم العالم، والقدرة ما بها يقدر القادر.
وعلم أبو هاشم ابن الجبائي فساد قول أبيه بأن جعل نفس الباري علةً لكونه عالماً وقادراً فخالف أباه وزعم أن الله عالم لكونه على حال، قادر لكونه على حال. وزعم أن له في كل معلومٍ حالاً مخصوصاً، وفي كل مقدَّر حالاً مخصوصاً، وزعم أن الأحوال لا موجودة ولا معدومة، ولا معلومة، ولا أشياء. وزعم أيضاً أنها غير مذكورة، وقد ذكرها بقوله إنها غير مذكورة، فناقض بأول كلامه آخره. وهذا مذهبٌ لا يعقله هو عن نفسه. فكيف يناظر في تصحيحه خصمه1؟! ».
وشرح الشهرستاني (المتوفى سنة 548 ?) مذهب الأحوال بشكل أوضح فقال، وهو يتحدث عما تخالف فيه الجبائي مع ابنه أبي هاشم:
« أما في صفات الباري تعالى فقال الجبائي: عالم لذاته، قادر حيّ لذاته. ومعنى قوله: « لذاته » ـ أي لا يقتضي كونه عالماً صفةً هي حالُ علمٍ أو حالٌ يوجب كونه عالماً.
وعند أبي هاشم « هو عالم لذاته » بمعنى أنه « ذو حالة هي صفة معلومة وراء كونه ذاتاً موجوداً » وإنما تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها. فأثبت أحوالاً هي صفات لا معلومة ولا مجهولة، أي هي على حيالها لا تعرف كذلك مع الذات.
قال: والعقل يدرك فرقاً ضرورياً بين معرفة الشيء مطلقاً، وبين
ــــــــــــــ
1 عبد القادر البغدادي (المتوفى سنة 429 ?): « أصول الدين »، ص 92، استانبول، 1928 م.

343

معرفته على صفة. فليس من عرف الذات عرف كونه عالماً، ولا من عرف الجوهر عرف كونه متحيّزاً قابلاً للعَرَض. ولا شك أن الإنسان يدرك اشتراك الموجودات في قضية، وافتراقها في قضية. وبالضرورة نعلم أن ما اشتركت فيه غير ما افترقت به. وهذه القضايا العقلية لا ينكرها عاقل. وهي لا ترجع إلى الذات، ولا إلى أعراضٍ وراء الذات: فإنه يؤدي إلى قيام العَرَض بالعَرَض. فتعيَّن بالضرورة أنها أحوال. فكون العالم عالماً حالٌ هي صفة وراء كونه ذاتاً، أي المفهوم منها غير المفهوم من الذات. وكذلك كونه قادراً حياً. ثم أثبت للباري تعالى حالة أخرى أوجبت تلك الأحوال.
وخالفه والده وسائر منكري الأحوال. وردوا الاشتراك والافتراق إلى الألفاظ وأسماء الأجناس. وقالوا ليست الأحوال تشترك في كونها أحوالاً، وتفترق في خصائص. وكذلك نقول في الصفات. وإلا فيؤدي إلى إثبات الحال للحال، ويفضي إلى التسلسل. بل هي راجعة إما إلى مجرد الألفاظ إذا وضعت في الأصل على وجهٍ يشترك فيها الكثير، لا أن مفهومها معنى أو صفة ثابتة في الذات على وجهٍ يشترك فيها الكثير، لا أن مفهومها معنى أو صفة ثابتة في الذات على وجهٍ يشمل أشياء ويشترك فيها الكثير ـ فإن ذلك مستحيل، أو يرجع ذلك إلى وجوه واعتبارات عقلية هي المفهومة من قضايا الاشتراك والافتراق. وتلك الوجوه كالنسب والإضافات والقرب والبعد وغير ذلك مما لا يعدّ صفات بالاتفاق.
وهذا هو اختيار أبي الحسين البصري وأبي الحسن الأشعري. وبنوا على هذه المسئلة: المعدوم شيء؟ فمن أثبت كونه شيئاً، كما نقلنا عن جماعة المعتزلة: فلا يبقى من صفات الثبوت إلاَّ كونه موجوداً. فعلى ذلك لا يثبت للقدرة في إيجادها أثرٌ ما، سوى الوجود. والوجود ـ على مذهب نُفاة الأحوال ـ لا يرجع إلاَّ إلى اللفظ المجرد. وعلى مذهب مثبتي الأحوال هو حالة لا توصف بالوجود والعدم. وهذا ـ كما ترى ـ من النقائض والاستحالة. ومن نفاة الأحوال من يثبته

344

شيئاً، ولا يسميه بصفات الأجناس. وعند الجبائي (أبي علي) أخص وصف الباري تعالى هو القِدَم، والاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في الأعم. وليت شعري كيف يمكنه إثبات الاشتراك والافتراق، والعموم والخصوص حقيقةً وهو من نفاة الأحوال!
فأما على مذهب أبي هاشم فلعمري هو مطّرد. غير أن القدم إذا بحث عن حقيقته رجع إلى نفي الأولوية. والنفي يستحيل أن يكون أخصَّ وصف1. »
ثم فصّل الشهرستاني القول في الأحوال، وذلك في كتابه « نهاية الإقدام في علم الكلام2 »، القاعدة السادسة، ص 131 ـ 149، وهذا أوسع ما لدينا عن هذه المسألة في كتب علم الكلام، ولهذا نحتاج إلى إيراد زبدة هذا الفصل، حتى نستطيع فهم هذه المشكلة العويصة. والشهرستاني يبدأ بأن يبين اختلاف الناس فيها، فيقول:
« اعلم أن المتكلمين قد اختلفوا في الأحوال نفياً وإثباتاً، بعد أن أحدث أبو هاشم ابن الجبائي رأيه فيها.
وما كانت المسألة مذكورة قبله أصلاً. فأثبتها أبو هاشم، ونفاها أبوه الجُبّائي، وأثبتها القاضي أبو بكر الباقلاني ـ رحمه الله ـ بعد ترديد الرأي فيها على قاعدة غير ما ذهب إليه. ونفاها: صاحب مذهبه الشيخ أبو الحسن الأشعري وأصحابه، رضي الله عنهم. وكان إمام الحرمين من المثبتين في الأول والنافين في الآخر ».
ومن ثم يريد الشهرستاني أن يتناول المسألة برّمتها فيبين ما معنى « الحال »، وما مذهب المثبتين فيها، وما مذهب النافين لها. ثم يتكلم
ــــــــــــــ
1 الشهرستاني: « الملل والنحل »، ? 1، ص 101 ـ 104. القاهرة 1321 ?.
2 « نهاية الاقدام في علم الكلام »، تأليف أبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، المتوفى 548 ?، حرره وصححه الفرد جيوم.

345

بعد ذلك في نقد أدلة الفريقين، ويشير إلى مصدر القولين، وصوابهما من وجه وخطأهما من وجه.

1 ـ تعريف « الحال »

فيعرّف معنى « الحال » فيقول:
« اعلم أنه ليس للحال حدٌّ حقيقي يذكر حتى نعرفها بحدّها وحقيقتها على وجه يشمل جميع الأحوال، فإنه يؤدي إلى إثبات الحال للحال. »
ولا سبيل إلى حدها إلاَّ بالقسمة، ولهذا يقسمها إلى: ما يعلَّل، وإلى ما لا يعلَّل. أما ما يعلل: فهي أحكام لمعانٍ قائمة بذوات. وأما ما لا يعلل فهو: صفات ليست أحكاماً للمعاني.
أما الأول، وما يعلل، فهو « كل حكم لعلّة قامت بذات يشترط في ثبوتها الحياة عند أبي هاشم: ككون الحيّ حيّاً عالماً قادراً مريداً سميعاً بصيراً، لأن كونه حياً عالماً يُعلّل بالحياة والعلم في الشاهد، فتقوم الحياة بمحل، وتوجب كون المحل حياً. وكذلك العلم والقدرة والإرادة وكل ما يشترط في ثبوته الحياة. وتسمى هذه الأحكام أحوالاً. وهي صفاتٌ زائدة على المعاني التي أوجبتها.
وعند القاضي (= الباقلاني) رحمه الله: كل صفة لموجود لا تتصف بالوجود فهي حال، سواء كان المعنى الموجب مما يشترط في ثبوته الحياة، أو لم يشترط، ككون الحيّ حياً وعالماً وقادراً، وكون المتحرك متحركاً والساكن ساكناً، والأسود والأبيض، إلى غير ذلك.
ولابن الجبائي (= أبو هاشم) في المتحرك اختلاف رأي. وربما يطّرد ذلك في الأكوان كلها. ولما كانت البنية عنده شرطاً في المعاني

346

التي تشترط في ثبوتها الحياة، وكانت البنية في أجزائها في حكم محل واحد فتوصف بالحال.
وعند القاضي أبي بكر (= الباقلاني) رحمه الله: لا يوصف بالحال إلاَّ الجزء الذي قام به المعنى فقط. وأما القسم الثاني فهو كل صفة إثبات لذاتٍ من غير علّة زائدة على الذات كتحيّز الجوهر وكونه موجوداً، وكون العَرَض عَرَضاً ولوناً وسواداً.
والضابط أن كل موجود له خاصية يتميز بها عن غيره فإنما يتميّز بخاصيّة هي حال. وما تتماثل المتماثلات به وتختلف المختلفات فيه فهو حال وهي التي تُسمّى صفات الأجناس والأنواع.
والأحوال عند المثبتين ليست موجودة ولا معدومة، ولا هي أشياء، ولا توصف بصفة ما. وعند (أبي هاشم) ابن الجبائي ليست هي معلومة على حيالها، وإنما مع الذات.
وأما نفاة الأحوال فعندهم الأشياء تختلف وتتماثل لذواتها المعينة. وأما أسماء الأجناس والأنواع فيرجع عمومُها إلى الألفاظ الدالة عليها فقط. وكذلك خصوصها. وقد يُعْلَم الشيء من وجهٍ، ويُجْهَل من وجه. والوجوه اعتبارات لا ترجع إلى صفات هي أحوال تختص بالذوات.
وهذا تقرير مذهب الفريقين في تعريف الحال. » (ص 132 ـ 133).

2 ـ أدلة المثبتين للحال والنافين له

« أما أدلة الفريقيْن فقال المثبتون: العقل يقضي ضرورةً أن السواد والبياض يشتركان في قضية وهي اللونية والعرضية، ويفترقان في قضية وهي: السوادية والبياضية. فما به الاشتراك هو1 ما به الافتراق، أو
ــــــــــــــ
1 في طبعة جيوم: الاشتراك غير ما به.. ـ وهو تحريف واضح.

347

غيره. فالأول سفسطة،والثاني تسليم المسئلة.
وقال النفاة: السواد والبياض المعنيان قط لا يشتركان في شيء هو كالصفة لهما، بل يشتركان في شيء هو اللفظ الدالّ على الجنسية والنوعية والعموم. والاشتراك فيه ليس يرجع إلى صفةٍ هي حالٌ للسواد والبياض: فإن حالتي العَرَضين يشتركان في الحالية، ولا يقتضي ذلك الاشتراك ثبوتَ حالٍ للحال: فإنه يؤدي إلى التسلسل، فالعموم كالعموم والخصوص كالخصوص.
قال المثبتون: الاشتراك والافتراق قضية عقلية وراء اللفظ. وإنما صيغ اللفظ على وفق ذلك ومطابقته. ونحن إنما تمسكنا بالقضايا العقلية دون الألفاظ الوضعية. ومن اعتقد أن العموم والخصوص يرجعان إلى اللفظ المجرد، فقد أنكر الحدود العقلية للأشياء والأدلة القطعية على المدلولات. والأشياء لو كانت تتمايز بذواتها ووجودها، بطل القولُ بالقضايا العقلية. وحسم باب الاستدلال بشيء أولى على شيء مكتسب متحصل. وما لم يُدرج في الأدلة العقلية عموماً عقلياً لم يصل إلى العلم بالمدلول قط. وما لم يتحقق في الحدّ شمولاً بجميع المحدودات لم يصل إلى العلم بالمحدود.
قال النافون: الكلام على المذهب رداً وقبولاً إنما يصحّ بعد كون المذهب معقولاً. ونحن نعلم بالبديهة أن لا واسطة بين النفي والإثبات، ولا بين العدم والوجود. وأنتم اعتقدتم الحال لا موجودة ولا معدومة، وهو متناقض بالبديهة. ثم فَرّقْتُم بين الوجود والثبوت فأطلقتم لفظ الثبوت على الحال، ومنعتم إطلاق لفظ الوجود. فنفس المذهب إذاً لم يكن معقولاً. فكيف يسوغ سماعُ الكلام والدليل عليه؟!
ومن العجب أن ابن الجبائي (= أبو هاشم) قال: لا توصف بكونها معلومة أو مجهولة. وغاية الاستدلال إثبات العلم بوجود الشيء. فإذا لم

348

يتصور له وجود ولا تعلق العلم به بطل الاستدلال عليه وتناقض الكلام فيه.
ثم قالوا: ما المعنى بقولكم: الافتراق والاشتراك قضية عقلية؟ إن عَنَيْتُم به أن الشيء الواحد يُعْلَم من وجه، ويُجْهَل من وجه فالوجوه العقلية اعتبارات ذهنية وتقديرية، ولا يقتضي ذلك صفاتٍ ثابتة لذوات، وذلك كالنسب والإضافات، مثل القرب والبعد في الجوهرين. وإنْ عنيتم بذلك أن الشيء الواحد تتحقق له صفةٌ يشارك فيها غيره وصفة يمايز بها غيره فهو نفس المتنازَع فيه: فإن الشيء الواحد المعين لا شِركة فيه بوجهٍ، والشيء المشترك العام لا وجود له البتة.
وقولهم إن نفي الحال يؤدي إلى حسم باب الحد والحقيقة والنظر والاستدلال بالعكس أولاً1. فإن إثبات الحال التي لا توصف بالوجود والعدم، وتوصف بالثبوت دون الوجود ـ حسْم باب الحدّ والاستدلال، فإن غاية الناظر أن يأتي في نظره بتقسيم دائرٍ بين النفي والإثبات، فينفي أحدهما حتى يتعين الثاني. ومثبت الحال قد أتى بواسطةٍ بين الوجود والعدم، فلم يُفِدْ التقسيم والابطال علماً، ولا يتضمن النظر حصول معرفةٍ أصلاً. ثم الحد والحقيقة على أصل نفاة الأحوال عبارتان عن مُعَبَّر واحد. فحدُّ الشيء حقيقته، وحقيقته ما اختص في ذاته عن سائر الأشياء. ولكل شيء خاصية بها يتميز عن غيره. وخاصيته تلزم ذاته ولا تفارقه، ولا يشترك فيها بوجه، وإلاَّ بَطَل الاختصاص. وأما العموم والخصوص في الاستدلال فقد بينا أنه راجع إلى الأقوال الموضوعة لها ليربط شكلاً بشكل ونظيراً بنظير. والذات لا تشتمل على عموم وخصوصٍ البتة، بل وجود الشيء وأخصُّ وصفه: واحدٌ.
قال المثبتون: نحن لم نثبت واسطه بين النفي والإثبات، فإن الحال
ــــــــــــــ
1 كذا يجب أن: تثبت كما في مخطوط أ، وليس « أولى » كما أثبت المحقق.

349

ثابتة عندنا. ولولا ذلك لما تكلمنا فيها بالنفي والإثبات، ولم نقل على الإطلاق إنه شيء ثابت على حياله موجود. فإن الموجود المحدَث إما جوهر، وإما عَرَض. وهو ليس أحدهما، بل هو صفةٍ معقولة لهما. فإن الجوهر قد يعلم بجوهريته: ولا يُعلم بحيزه وكونه قابلاً للعَرَض، والعَرَض يُعْلَم بعرضيته ولا يخطر بالبال كونه لوناً أو كوناً، ثم يعرف كونه لوناً بعد ذلك، ولا يعرف كونه سواداً أو بياضاً إلا أن يعرف. والمعلومان إذا تمايزا في الشيء الواحد رجع التمايز إلى الحال. وقد يُعْلَم ضرورةً من وجه، ويُعْلَم نظراً من وجهٍ: كمن يعلم كون المتحرك متحركاً ضرورةً، ثم يعلم بالنظر بعد ذلك كونه متحركاً بحركة. ولو كان المعنيان واحداً، لما عُلِم أحدهما بالضرورة والثاني بالنظر، ولما سبق أحدهما إلى العقل وتأخر الآخر. ومن أنكر هذا فقد جحد الضرورة. ونُفَاة الأعراض أنكروا أن (تكون) الحركة عرضاً زائداً على المتحرك. وما أنكروا كونه متحركاً. وأنتم معشر النفاة وافقتمونا على أن الحركة علة لكون الجوهر متحركاً. وكذلك القدرة والعلم وجميع الأعراض والمعاني. والعلة توجب المعلول لا محالة: فلا يخلو إما أن توجب ذاتها، وإما شيئاً آخر وراء ذاتها. ويستحيل أن يقال: « توجب ذاتها »، فإن الشيء الواحد من وجهٍ واحدٍ يستحيل أن يكون موجباً وموجَباً لنفسه. وإن أوجب أمراً آخر فذلك الأمر إما ذاتٌ على حيالها، أو صفة لذات. ويستحيل أن يكون ذاتاً على حيالها، فإنه يؤدي إلى أن تكون العلة بإيجاب موجدة للذوات. وتلك الذوات أيضاً علل. وهو محال، فإنه يؤدي إلى التسلسل. فيتعين أنه صفةٌ لذاتٍ. وذلك هو الحال التي أثبتناها. فالقسمة العقلية ألجأتنا إلى اثباتها، والضرورة حملتنا على أن لا نسميها موجودة على حيالها ومعلومةً على حيالها. وقد يُعْلَم الشيء مع غيره ولا يُعْلَم على حياله كالتأليف بين الجوهرين والمماسّة والقرب والبعد. فإن الجوهر الواحد لا يُعْلَم فيه تأليف

350

ولا مماسّة، ما لم ينضم إليه جوهر آخر. وهذا في الصفات ـ التي هي ذوات وأعراض ـ مُتَصوَّرٌ، فكيف في الصفات التي ليست بذوات بل هي أحكام الذوات؟!
وما قولكم: إنه راجع إلى وجوه واعتبارات عقلية: فنقول: هذه الوجوه والاعتبارات ليست مطلقة مُرْسلة، بل هي مختصة بذوات. فالوجوه العقلية لذات واحدة هي بعينها الأحوال، فإن تلك الوجوه ليست ألفاظاً مجردة قائمة بالمتكلم، بل هي حقائق معلومة معقولة، لا أنها موجودة على حيالها، ولا معلومة بانفرادها، بل هي صفات توصف بها الذوات. فما عبرتم عنه بالوجه عبرنا عنه بالأحوال، فإن المعلومَين قد تمايزا وإن كانت الذات متحدة. وتمايُز المعلومَيْن يدل على تعدُّد الوجهين والحالين، وذلك معلومان محققان تعلق بهما علمان متمايزان أحدهما ضروري، والثاني مكتسب. وليس ذلك كالنسب والإضافات: فإنها ترجع إلى ألفاظ مجردة ليس فيها علمٌ محقق متعلق بمعلوم محقق.
وقولهم: الشيء الواحد لا شركة فيه، والمشترك لا وجود له ـ باطل. فإن الشيء المعين من حيث هو معين لا شركة فيه. وهذه الصفات التي أثبتناها ليست معينة مخصوصة، بل هي صفات يقع بها التخصيص والتعيين، ويقع فيها الشمول والعموم. وهو من القضايا الضرورية، كالوجوه عندكم. ومَنْ ردّ التعميم والتخصيص إلى مجرد الألفاظ فقد أبطل الوجوه والاعتبارات العقلية. أليست العبارات تتبدّل لغة فلغةً وحالةً فحالةً، وهذه الوجوه العقلية لا تتبدل، بل الذوات ثابتة عليها قبل التعبير عنها بلفظ عام وخاص على السواء؟ ومن ردّها إلى الاعتبارات فقد ناقض وردّها إلى العبارات، فإن الاعتبارات لا تتبدل ولا تتغير بعقل وعقل؛ والعبارات تتبدل بلسان ولسانٍ وزمان وزمان.
وقولهم: « حد الشيء وحقيقته وذاته عباراتٌ عن معبَّر واحد،

351

والأشياء إنما تتميز بخواص ذواتها ولا شركة في الخواص » ـ قال المثبت: هبْ أن الأمر كذلك، لكن خاصية كل شيء معين غير، وخاصية كل نوع محقق غير. وأنتم لا تحدون جوهراً بعينه على الخصوص، بل تحدُّون الجوهر من حيث هو جوهر على الإطلاق. فقد أثبتُّم معنى عاماً يعم الجواهر، وهو التحيز مثلاً، وإلاَّ لكان كل جوهر على حياله محتاجاً إلى حدّ على حياله. ولا يجوز أن يجري حُكم جوهرٍ في جوهر: من التحيُّز وقبول الأعراض والقيام بالنفس. فإذاً لم نجد بُداً من إدراج أمرٍ عامٍ في الحد، وذلك يبطل قولكم إنما الأشياء تتمايز بذواتها ويصحّ قولنا إن الحدود لا تستغني عن عمومات ألفاظ تدل على صفات عموم الذوات وصفات خصوص. وتلك أحوالٌ لها ووجوهٌ واعتبارات عقلية، أو ما شئت فَسمِّها، بعد الاتفاق على المعاني والحقائق.
قال النافون: غاية تقريركم في إثبات الحال هو التمسك بعمومات وخصوصات ووجوه عقلية واعتبارات. أما العموم والخصوص فمنتقضٍّ عليكم بنفس الحال، فإن لفظ الحال يشمل جنس الأحوال. و« حال » هي صفة لشيء تخصُّ ذلك الشيء لا محالة. فلا يخلو إما أن يرجع معناه إلى عبارةٍ تعمُّ وعبارةٍ تخصُّ. فخذوا منّا في سائر العبارات العامة والخاصة كذلك. وإما أن ترجع إلى معنى آخر وراء العبارة فيؤدي إلى إثبات الحال للحال. وذلك محال. ولا يغني عن هذا الإلزام قولكم: الصِفة لا توصف ـ فإنكم أول من أثبت للصفة صفةً، حيث جعلتم الوجود والعرضية واللونية والسوادية أحوالاً للسواد. فإذا أثبتُّم للصفات صفاتٍ فهلا أثبتم للأحوال أحوالاً؟ وأما الوجوه والاعتبارات فقد تتحقق في الأحوال أيضاً، فإن الحال العام غير، والحال الخاص غير؛ وهما اعتباران في الحال، وحال يوجب أحوالاً غير، وحالٌ هي موجبة الحال غير. أليس قد أثبت أبو هاشم حالاً للباري سبحانه توجب كونه عالماً قادراً؟ والعالمية والقادرية حالتان: فحال توجب، وحالٌ هي غير موجِبة

352

مختلفتان في الاعتبار، واختلاف الاعتبارين لا يوجب اختلاف الحالين للحال.
هذا من الإلزامات المفحمة. ومن جملتها أخرى وهي أن الوجود في القديم والحادث. والجوهر والعَرَض عندهم حال لا يختلف البتة، بل وجود الجوهر في حكم وجود العَرَض على السواء. فيلزمهم على ذلك أمران منكران.
(الأول): إبهام شيءٍ واحد في شيئين مختلفين، أو شيئان مختلفان في شيء واحد. وواحد في اثنين، واثنان في واحد: محال. أما أحدهما: أن شيئاً واحداً كيف يتصور في شيئين، فإن حال الوجود من حيث هو وجود واحد. ومن بدائه العقول أن الشيء الواحد لا يكون في شيئين معاً، بل في جميع الموجودات على السواء، وفيما لم يوجد بعدُ لكنه سيوجد على السواء ـ وهو من أمحل المحال.
والمنكر الثاني: إذا كان الوجود حالاً واحداً، واجتمعت فيه أجناس وأنواع وأصناف ـ فيلزم أن تتحد المتكثرات المختلفة فيه، ولزم تبدل الأجناس من غير تبدل وتغير في الوجود أصلاً. وذلك كتبدل الصُّوَر بعضها ببعض في الهيولى عند الفلاسفة من غير تبدُّل في الهيولى. وذلك التمثيل أيضاً غير سديد: فإن الهيولى عندهم لا تعرى عن الصورة؛ إلاَّ أن من الصور ما هو لازم للهيولى كالأبعاد الثلاثة، ومنها ما يتبدل كالأشكال والمقادير المختلفة والأوضاع والكيفيات. وبالجملة: وجود مجرد مطلق عام غير مختلف: كيف يتصور وجوده؟ وما محله؟ فإن كان الجوهر محلاً له فقد بطلت عمومة العَرَض؛ فإن عنيتم العَرَض فقد بطلت عمومة الجوهر، وإن لم يكن ذا محل ـ وهو من أمحل المحال.

353

وعن هذه المطالبة الحاقة يلوح الحق، ولا نبوح به لأنّا بعدُ في مدارج أقوال الفريقيْن.
فيقول النافي: كيف يتصور وجودٌ على الحقيقة التي لا تتبدل ولا تتغير، وإنما تتغير أنواعه بعضها إلى بعض، فيصير الجوهر عرضاً والعَرَض جوهراً، والوجود لا يختلف. وذلك يُجوِّز قلب الأجناس: فالأول سريان الوجود الواحد في أجناسٍ وأنواع مختلفة، والثاني اتحاد أنواع وأجناس مختلفة في وجود واحد.
وقال المثبتون: إلزام الحال علينا نقضاً متوجه. فإن العموم والخصوص في الحال كالجنسية والنوعية في الأجناس والأنواع. فإن الجنسية في الأجناس ليس جنساً حتى يستدعي كل جنسٍ جنساً ويؤدي إلى التسلسل. وكذلك النوعية في الأنواع ليست نوعاً حتى يستدعي كل نوعٍ نوعاً. فكذلك الحالية للأحوال لا تستدعي حالاً إلى التسلسل. وليس يلزم على من يقول: الوجود عام ـ أن يقول للعام عام. وكذلك لو قال: العرضية جنس ـ فلا يلزمه أن يقول للجنس: جنس. وكذلك لو فرق فارق بين حقيقة الجنس والنوع وفصل أحدهما عن الثاني بأخص وصفٍ لم يلزمه أن يثبت اعتباراً عقلياً في الجنس هو كالجنس، ووجهاً عقلياً هو كالنوع. فلا يلزم الحال علينا بوجهٍ: لا من حيث العموم والخصوص، ولا من حيث الاعتبار والوجه. وأنتم، معاشر النفاة، لا يمكنكم أن تتكلموا بكلمة واحدة إلاّ وأن تدرجوا فيها عموماً وخصوصاً. ألستم تنفون الحالَ ولم تعيّنوا حالاً بعينها هي صفة مخصوصة مشار إليها، بل أطلقتم القول وعممتم النفي وأقمتم الدليل على جنسٍ شمل أنواعاً، أو على نوعٍ عمّ أشخاصاً، حتى استمرّ دليلكم؟ ومَنْ نَفَى الحالَ لا يمكنه

354

إثبات التماثل في المتماثلات وإجراء حكمٍ واحد فيها جميعاً. فلو كانت الأشياء تتمايز بذواتها المعينة بَطَل التماثل وبطل الاختلاف. وذلك خروجٌ عن قضايا العقول.
وأما قولكم: « الوجود لو كان واحداً متشابهاً في جميع الموجودات لزم حصولُ شيء في شيئيْن، أو شيئيْن في شيء » ـ فنقول: يلزمكم في الاعتبارات والوجوه العقلية ما لزمنا في الوجوه والحال. فإن الوجه كالحال، والحال كالوجه. ولا ينكر منكر أن الوجود يعم الجوهر والعرض، لا لفظاً مجرداً بل معنى معقولاً. ومَنْ قال: كل موجود إنما يمايز موجوداً آخر بوجوده ـ لم يمكنه أن يجري حكم موجود في موجود آخر. حتى إن من أثبت الحدوث لجوهرٍ معين لم يتيسَّر له إثبات الحدوث لجوهر آخر بذلك الدليل بعينه، بل لزمه أن يفهم1 على كل جوهرٍ دليلاً خاصاً، وعلى كل عرضٍ دليلاً خاصاً. ولا يمكنه أن يقسّم تقسيماً في المعقولات أصلاً، لأن التقسيم إنما يتحقق بعد الاشتراك في شيء. والاشتراك إنما يُتصوَّر بعد الاختصاص بشيء. ومن قال: هذا جسمٌ مؤلف ـ فقد حكم على جسم معين بالتأليف لم يلزمه جريان هذا الحكم في كل جسم ما لم يقل: كل جسم مؤلف. ولو اقتصر على هذا أيضاً لم يُفْضِ إلى العلم بحدوث كل جسم ما لم يقل: وكل مؤلَّف محدَث ـ حتى يحصل العلم بأن كل جسم محدث. فأخذ الجسمية عامة والتأليف عاماً، واستدعى التأليف للحدوث عاماً، حتى لزمه الحكم بحدوث كل جسم مؤلف عاماً. فمن قال: الأشياء تتمايز بذواتها المعينة ـ كيف يمكنه أن يجري حكماً في محكوم خاص؟ فألزمتمونا قلب الأجناس، وألزمناكم رفع الأجناس. ودعوتمونا إلى المحسوس، ودعوناكم إلى المعقول. وأفحمتمونا بإثبات واحد في اثنين واثنين في واحد، وأفحمناكم بنفي الواحد في الاثنين. والدليل متعارض، والدست قائم: فمن الحاكم؟ » (133 ـ 143).
ــــــــــــــ
1 كذا في المطبوع، ولعل صوابه: يقيم.

355

3 ـ المحاكمة بين الفريقيْن
فريق النفاة وفريق المثبتين للأحوال

أ ـ خطأ نفاة الحال:
« قال الحاكم المُشرف على نهاية إقدام الفريقيْن:
أنتم معشر النفاة أخطأتم من وجهيْن:
(الأول): من حيث رددتم العموم والخصوص إلى الألفاظ المجردة، وحكمتم بأن الموجودات المختلفة تختلف بذواتها ووجودها. فكلامكم هذا ينقض بعضه بعضاً، ويدفع آخره أولَه. وهذا إنكارٌ لأخصّ أوصاف العقل. أليس هذا الردّ حكماً عاماً على كل عام وخاص بأنه راجع إلى اللفظ المجرد؟ أليست الألفاظ، لو رُفِعَتْ من البين، لم ترتفع القضايا العقلية؟ حتى البهائم التي لا نطْق لها ولا عقل لم تعْدَم هذه الهداية: فإنها تعلم بفطرتها ما ينفعها من العشب، فتأكل، ثم إذا رأت عشباً آخر يماثل ذلك الأول ما اعتراها ريبٌ في أنه مأكول كالأول. فلولا أنها تخيلت من الثاني عين حكم الأول، وهو كونه مأكولاً، وإلاَّ لما أكلت. وتَعْرِفُ جِنسَها فتألف به، وتعرف ضدها فتهرب منه. ولقد صدق المثبتون عليكم أنكم حسمتم على أنفسكم باب الحد وشموله للمحدودات، وبابَ النظر وتضمُّنه للعلم.
وأنا أقول: لا بل حسمتم على العقول باب الإدراك، وعلى الألسن بابَ الكلام. فإن العقل يدرك الإنسانية كلية عامة لجميع نوع الإنسان مميّزة عن الشخص المعيّن المشار إليه، وكذلك العَرَضية كلية عامة لجميع أنواع الأعراض، من غير أن يخطر بباله اللونية والسوادية، وهذا السواد بعينه. وهذا مُدْرَك بضرورة العقل، وهو مفهوم العبارة،

356

مُتَصوَّر في العقل لأنفس العبارة. إذ العبارة تدل على معنى في الذهن محقق هو مدلول العبارة. والمعبَّر عنه، لو تبدلت العبارة عربية وعجمية وهندية ورومية لم يتبدل المعنى المدلول. ثم: ما من كلام تام إلاَّ ويختص معنى عاماً فوق الأعيان المشار إليها بهذا. وتلك المعاني العامة من أخصِّ أوصاف النفوس الإنسانية. فمن أنكرها خرج عن حدود الإنسانية، ودخل في حريم البهيمية، بل هم أضلُّ سبيلاً.
وأما الخطأ الثاني: فهو رد التمييز بين الأنواع إلى الذوات المعيّنة. وذلك من أشنع المقالات: فإن الشيء إنما يتميّز عن غيره بأخصّ وصفه.
قيل له: أخص وصف نوع الشيء: غير، وأخص وصف الذات المشار إليها: غير. فإن الجوهر يتميز عن العَرَض بالتحيز مطلقاً إطلاقاً نوعياً لا معيّناً تعييناً شخصياً. والجوهر المعيّن إنما يمتاز عن جوهر معين بتحيز مخصوص، لا بالتحيز المطلق. وقط لا يمتاز جوهر معين عن عَرَض معين بتحيز مخصوص، إذ الجنس لا يميز الوصف عن الموصوف، والعَرَض عن الجوهر. والعقل إنما يميّز بمطلق التحيّز. فعُرف أن الذوات إنما يتمايز بعضها عن بعضٍ تمايزاً جنسياً نوعياً لا بأعمّ صفاتها كالوجود، بل بأخص أوصافها بشرط أن تكون كلية عامة. ولو أن الجوهر مايز العرض بوجوده، كما مايزه بتحيزه لحكم على العرض بأنه متحيّز، وعلى الجوهر بأنه محتاج إلى التحيز لأن الوجود والتحيز واحد. فما به يفترقان هو بعينه ما فيه يشتركان؛ وما به يتماثلان هو بعينه ما فيه يختلفان، ويرتفع التماثل والاختلاف والتضاد رأساً. ويلزم أن لا يجري حكم مثل في مثل، حتى لو قام الدليل على حدوث جوهرٍ بعينه كان هو محدثاً. ويحتاج إلى دليل آخر في مثل ذلك الجوهر. ويلزم أن لا يسلب حكم ضد عن ضد، وخلاف عن خلاف حتى لو حكم على الجوهر بأنه قابل للعَرَض لم يسلب هذا الحكم من العرَض، إذ لا تماثل ولا اختلاف ولا تضاد، وارتفع العقل والمعقول، وتعدد الحسُّ والمحسوس.

357

ب ـ خطأ المثبتين للحال
وأما وجه خطأ المثبتين للحال فهو أنهم أثبتوا لموجودٍ معين مشارٍ إليه صفاتٍ مختصةٌ به وصفات يشاركه فيها غيره من الموجودات. وهو مِنْ أمحل المحال: فإن المختص بالشيء المعين والذي يشاركه فيه غيره ـ واحد بالنسبة إلى ذلك المعين. فوجود عرضٍ معين وعرضيته ولونيته وسواديته عبارات عن ذلك المعين المشار إليه. فإن الوجود إذا تخصص بالعرضية فهو بعينه عَرَض، والعرضية إذا تخصصت باللونية فهي بعينها لون. وكذلك اللونية بالسوادية، والسوادية بهذا السواد المشار إليه. فليس من المعقول أن توجد صفة لشيء واحد معين، وهي بعينها توجد لشيء آخر فتكون صفة معينة في شيئيْن: كسوادٍ واحد في محلين، وجوهر واحد في مكانين، ثم لا يكون ذلك في الحقيقة عموماً وخصوصاً: فإن مثل هذا ليس يقبل التخصيص، إذ يكون خاصاً في كل محل، فلا يكون البتة عامّاً؛ وإذا لم يكن عاماً لم يكن خاصاً أيضاً ـ فيتناقض المعنى.
والخطأ الثاني أنهم قالوا: الحال لا يوصف بالوجود ولا بالعدم. والوجود عندهم حال. فكيف يصح أن يقال: الوجود لا يوصف بالوجود؟ وهل هو إلاَّ تناقضٌ في اللفظ والمعنى؟! وما لا يوصف بالوجود والعدم كيف يجوز أن يعم أصنافاً وأعياناً؟ لأن العموم والشمول يستدعي أولاً وجوداً محققاً وثبوتاً كاملاً حتى يشمل ويعمّ، أو يعين ويخصّ. وأيضاً فهم أثبتوا العلّة والمعلول ثم قالوا: العلة توجب المعلول وما ليس بموجود كيف يصير موجِباً وموجَباً؟ فالعلمية عندهم حال، والعالمية عندهم أيضاً حال. فالموجِب حال؛ والموجَب حال. والحال لا يوجب الحال، لأن ما لا يتصف بالوجود الحقيقي لا يتصف بكونه موجباً.
الخطأ الثالث أنّا نقول معاشر المثبتين: كل ما أثبتموه في الوجود هو حالٌ عندكم: فأرونا موجوداً في الشاهد والغائب هو ليس بحالٍ لا يوصف

358

بالوجود والعدم. فإن الوجود الذي هو الأعم الشامل للقديم والحادث عندكم حالٌ. والجوهرية والتحيز وقبوله العَرَض كلها أحوال. فليس على مقتضى مذهبكم شيء ما في الوجود هو ليس بحال. وإن أثبتم شيئاً وقلتم هو ليس بحالٍ ـ فذلك الشيء يشتمل على عموم وخصوص. والأخص والأعمّ عندكم حال. فإذاً لا شيء إلاَّ لا شيء، ولا وجود إلا لا وجود ـ وهذا من أمحل ما يتصور.

رأي الشهرساني في مسألة الأحوال

فالحق في المسئلة إذاً أن الإنسان يجد من نفسه تصوُّر أشياء كلية عامة مطلقة دون ملاحظة جانب الألفاظ، ولا ملاحظة جانب الأعيان. ويجد من نفسه اعتبارات عقليةً لشيء واحد، وهي: إما أنْ ترجع إلى الألفاظ المحدودة ـ وقد أبطلناه؛ إما أن ترجع إلى الأعيان الموجودة المشار إليها ـ وقد زيفناه. فلم يَبْقَ إلاَّ أن يقال: هي معانٍ موجودة محققة في ذهن الإنسان؛ والعقل الإنساني هو المُدرِك لها. ومن حيث هي كلية عامة لا وجود لها في الأعيان فلا موجود مطلقاً في الأعيان ولا عَرَض مطلقاً ولا لون مطلقاً. بل هي الأعيان بحيث يتصور العقل منها معنى كلياً عاماً فتصاغ له عبارة تطابقه وتنصُّ عليه. ويعتبر العقل منها معنى ووجهاً، فتصاغ له عبارة؛ حتى لو طاحت العبارات أو تبدلت لم يبطل المعنى المقدر في الذهن المتصور في العقل.
فنفاة الأحوال أخطأوا من حيث ردُّوها إلى العبارات المجردة، وأصابوا حيث قالوا: ما ثبت وجوده معيناً لا عموم فيه ولا اعتبار.
ومثبتو الأحوال أخطأوا من حيث ردّوها إلى صفاتٍ في الأعيان،

359

وأصابوا من حيث قالوا هي معانٍ معقولة وراء العبارات. وكان من حقهم أن يقولوا هي موجودة متصورةً في الأذهان، بدل قولهم لا موجودة، ولا معدومة. وهذه المعاني مما لا ينكرها عاقلٍ من نفسه، غير أن بعضهم يعبّر عنها بالتصور في الأذهان، وبعضهم يعبّر عنها بالتقدير في العقل، وبعضهم يعبّر عنها بالحقائق والمعاني التي هي مدلولات العبارات والألفاظ، وبعضهم يعبّر عنها بصفات الأجناس والأنواع. والمعاني إذا لاحت للعقول واتضحت فليعبِّر المعبّر عنها بما يتيسّر له. فالحقائق والمعاني إذاً ذات اعتبارات ثلاثة: اعتبارها في ذواتها وأنفسها، واعتبارها بالنسبة إلى الأعيان، واعتبارها بالنسبة إلى الأذهان. وهي من حيث هي موجودة في الأعيان يعرض لها أن تتعين وتتخصص؛ وهي من حيث هي متصورة في الأذهان يعرض لها أن تَعُمَّ وتشمل. فهي باعتبار ذواتها في أنفسها حقائق محضة لا عموم فيها ولا خصوص.
ومن عرف الاعتبارات الثلاثة زال إشكاله في مسألة الحال، وتبين له الحق في مسألة المعدوم: « هل هو شيء، أم لا » (« نهاية الاقدام »، ص 143 ـ 149).
وهذا أدق عرض لمشكلة الأحوال وحجج مثبتيها ونفاتها. ومنه يتبين:
1 ـ أن مشكلة الأحوال هي بعينها مشكلة الكليات المعروفة، والتي احتدم الجدل حولها طوال العصور الوسطى الأوربية من روسلان (المتوفى بين سنة 1123 و1125) حتى أوكام (المتوفى في سنة 1349 أو 1350). ونحن نعلم أنها نشأت بناءً على إشارة عابرة في « إيساغوجي » فرفوريوس الصوري (النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي)، أدت إلى إثارة ثلاث مسائل هي:
أ ـ هل للكليات، أي الأجناس والأنواع، وجود في الخارج؟ أم أن وجودها في الذهن فحسب؟

360

ب ـ إذا كان لها وجود في الخارج، فهل هذا الوجود مادي أو غير مادي؟
? ـ إذا كانت توجد في الخارج، فعلى أي نحو يكون هذا الوجود: هل توجد وحدها، أو توجد متصلة بالأشياء؟
وليست المشكلة منطقية فحسب كما تصورها فرفوريوس، بل لها نتائج ميتافيزيقية ولاهوتية. ومن هنا لعبت دوراً خطيراً في تفكير فلاسفة العصور الوسطى الأوروبية. وقد عرضنا لها تفصيلاً في كتابنا « فلسفة العصور الوسطى » فنكتفي بالإحالة إليه.
2 ـ أن مثبتي الأحوال أفلاطونيو النزعة ويناظرهم الواقعيون في أوروبا Réalistes، وأن نفاة الأحوال أرسططاليو النزعة، ويناظرهم الاسميون في العصور الوسطى الأوربية Nominalistes والمعتزلة ـ فيما عدا أبا هاشم الجبائي ـ كانوا ذوي نزعة اسمية، لما تجره النزعة الواقعية من نتائج خطيرة تتعلق بحقيقة صفات الله، إذ ستتأدى بها إلى أن تكون جواهر أو أقانيم، وهو ما أنكرته المعتزلة كل الإنكار. ومن هنا هبّت كلها ضد أبي هاشم، حتى أبوه. ولهذا يقول عبد القاهر1 البغدادي بلهجته الحادة المعتادة: « من فضائحه (أي أبي هاشم) قوله بالأحوال التي كفره فيها مشاركوه في الاعتزال، فضلاً عن سائر الفرق. » ثم يشرح السبب الذي أدى به إلى القول بالأحوال، فيقول:
« والذي ألجأه إليها سؤال أصحابنا (أي الأشاعرة) قدماءَ المعتزلة عن العالِمِ منا: هل فارق الجاهلَ بما علمه لنفسه، أو لعلةٍ؟ وأبطلوا مفارقته إياه لنفسه مع كونهما من جنس واحد. وبَطَل أن تكون مفارقته إياه لا لنفسه مع كونهما من جنس واحد. وبَطَل أن تكون مفارقته إياه لا لنفسه، ولا لعلة، لأنه لا يكون حينئذ بمفارقته له أولى من آخر
ــــــــــــــ
1 عبد القاهر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 117، القاهرة، 1948.

361

سواه. فثبت أنه إنما فارقه في كونه عالِماً: لمعنى ما. ووجب أيضاً أن يكون لله تعالى في مفارقة الجاهل معنى أو صفة بها فارقه. فزعم أنه إنما فارقه لحالٍ كان عليها. فأثبت الحال في ثلاثة مواضع:
أحدها: الموصوف الذي يكون موصوفاً لنفسه، فاستحق ذلك الوصفَ لحالٍ كان عليها.
والثاني: الموصوف بالشيء لمعنى صار مختصاً بذلك المعنى لحالٍ.
والثالث: ما يستحقه لا لنفسه، ولا معنى، فيختص بذلك الوصف دون غيره عنده لحالٍ.
وأحوجه إلى هذا سؤالُ مُعَمّر (بن عَبّاد السلمي) في المعاني لمّا قال: إن علم زيد اختص به دون عمرو لنفسه، أو لمعنى، أو لا لنفسه، أو لا لمعنى؟
فإن كان لنفسه وجب أن يكون لجميع العلوم به اختصاص، لكونها علوماً.
وإن كان لمعنى صحّ قول مُعَمّر في تعلق كل معنى بمعنى، لا إلى نهاية.
وإن كان لا لنفسه، ولا لمعنى لم يكن اختصاصه به أولى من اختصاصه بغيره.
وقال أبو هاشم: إنما اختص به لحالٍ.
وقال أصحابنا (= الأشاعرة): إن علم زيد اختصّ به لعينه، لا لكونه علماً ولا لكون زيد؛ كما تقول: إن السواد سوادٌ لعينه، لا لأن له نفساً وعيناً. ثم قالوا لأبي هاشم: هل تَعْلَمُ الأحوال، أو لا تَعْلَمُها؟ فقال: لا من قِبل أنه لو قال إنها معلومة لزمه إثباتها أشياء، إذ لا يُعْلم عنده إلا ما يكون شيئاً. ثم إنه لم يقل بأنها أحوال متغايرة، لأن التغاير إنما يقع بين الأشياء والذوات. ثم إنه لا يقول في

362

الأحوال إنها موجودة، ولا إنها معدومة، ولا إنها قديمة، ولا محدثة، ولا معلومة، ولا مجهولة، ولا يقول إنها مذكورة مع ذكره لها بقوله إنها غير مذكورة ـ وهذا متناقض.
وزعم أيضاً أن العالِمَ له في كل معلومٍ حالٌ لا يقال فيها إنها حالة مع المعلوم الآخر. ولأجل هذا زعم أن أحوال الباري ـ عز وجل ـ في معلوماته لا نهاية لها وكذلك أحواله في مقدوراته لا نهاية لها، كما أن مقدوراته لا نهاية لها. وقال له أصحابنا: لماذا أنكرت أن يكون لمعلوم واحدٍ أحوالٌ بلا نهاية لصحة تعلق المعلوم بكل عالمٍ يوجد، لا إلى نهاية. وقالوا له: هل أحوال الباري من عمل غيره، أم هي هو؟ فأجاب بأنها: لا هي هو، ولا غيره. فقالوا له: فلِمَ أنكرت على الصفـاتية قولهم في صفـات الله ـ عز وجل ـ في الأزل أنها لا هي، ولا غيره ».
وقد نبّه الشهرستاني في « نهاية الإقدام » (ص 198) إلى عدم وجود فرق في الحقيقة بين أصحاب الأحوال وبين أصحاب الصفات فقال: « وقال أبو هاشم: العالمية حال، والقادرية حال، ومفيدهما حال يوجب الأحوال كلها. فلا فرق في الحقيقة بين أصحاب الأحوال، وبين أصحاب الصفات. إلا أن الحال مناقضٌ للصفات1: إذ الحال لا يوصف بالوجود ولا بالعدم، والصفات موجودة ثابتة قائمة بالذات. ويلزمهم مذهب النصارى في قولهم: واحد بالجوهرية ثلاثة بالاقنومية، ولا يلزم ذلك التناقضُ مذهب الصفاتية ».
وهكذا تنبه الشهرستاني إلى ما تنبه إليه من هاجموا روسلان Roscelin وإن كان الهدف معاكساً: إذ أدت اسمية روسلان إلى القول بأن الثالوث
ــــــــــــــ
1 في النص: متناقض للصفات، وفي نسخة ب: متناقض الحال.

363

المسيحي يتألف من ثلاثة أقانيم متمايزة، وإن كانت ذات إرادة واحدة، وهذه الأقانيم الثلاثة جواهر Substances متمايزة1. كذلك القول بالأحوال عند أبي هاشم يؤدي ـ في نظر الشهرستاني ـ إلى القول بأن الصفات جواهر متمايزة. حتى إن القديس أنسلم Anselme اتهم روسلان بأنه يكاد أن يقول إن ثمّ ثلاثة آلهة، تماماً كما يتهم الشهرستاني أبا هاشم بأن مذهبه يؤدي إلى القول بتعدد الآلهة!

اللطف

من المسائل التي اختلف فيها أبو علي الجبائي مع ابنه أبي هاشم مسألة اللطف.
فقال أبو علي الجبائي إن من يعلم الله « من حاله أنه لو آمن مع اللطف لكان ثوابه أقل لقلة مشقته، ولو آمن بلا لطف لكان ثوابه أكثر لِعظم مشقته ـ أنه لا يحسن منه أن يكلفه إلاّ مع اللطف. ويسوي بينه وبين المعلوم من حاله أنه لا يفعل الطاعة على كل وجه إلاَّ مع اللطف. ويقول إن لو كلفه مع عدم اللطف لوجب أن يكون مستعسراً حاله غير مزيجٍ لعلته.
ويخالفه أبو هاشم في بعض المواضع في هذه المسئلة: قال: يحسن منه تعالى أن يكلفه الإيمان على استواء الوجهيْن بلا لطف2 ».
ــــــــــــــ
1 راجع عن روسلان:
F. Picavet: Roscelin, Philosophe et théologien, d'après la légende et d'après l'histoire. Paris, F. Alcan, 1896.
2 الشهرستاني: « الملل والنحل »، ? 1، ص 105. القاهرة 1321 ?.

364

الإيمان

الإيمان عند أبي علي الجبائي وعند أبي هاشم عبارة عن أداء الطاعات: الفرائض دون النوافل، واجتناب المقبحات.
أما عند أبي الهذيل فالإيمان هو أداء الطاعات: الفرائض منها والنوافل، واجتناب القبائح.
وقد احتج أبو علي وأبو هاشم لما ذهبا إليه بأن قالا: لو كانت النوافل من الإيمان لكان يجب إذا ترك المرء نافلة، وأخلّ بها أن يكون تاركاً لبعض الإيمان، ويصير بذلك ناقص الإيمان، غير كامله.

العوض

هل يحسن من الله إيلام عباده دون عوض لهم عن ذلك؟
مسألة أثارها عباد بن سليمان من كبار المعتزلة، وأجاب عليها بالإيجاب فقال « إن الإيلام يَحْسُن من الله تعالى دون العِوَض، ويجعل الوجه في حسن ذلك: الاعتبار، » أي اعتبار مصلحة معينة.
وقد رد عليه كثير من المعتزلة في ذلك، ومنهم القاضي عبد الجبار الذي تناول هذه المسألة تفصيلاً في « شرح الأصول الخمسة »، ورد على مذهب عبّاد بن سليمان، قائلاً إنه فاسد، والدليل على ذلك أن هذا الألم: إما أن يوصله الله تعالى إلى المكلَّف، أو إلى غير المكلَّف.
فإن أوصله إلى غير المكلف كان ظلماً لأنه لا يعتبر. ومتى قال إن في إيلامه اعتباراً للمكلفين كان لا يخرج بذلك على أن يكون ظلماً، لأنه ما من ظلمٍ إلاَّ وفيه منفعة للظالم أو لغيره. يوضح ذلك أن الظلم ليس بأكثر من أن لا يكون

365

فيه للمظلوم نفع، ولا دفع ضرر، ولا استحقاق، ولا الظن، لأحد الوجهيْن المتقدميْن. وهذا صورة ما جوّزه عبّاد (بن سليمان).
وإن أوصله إلى المكلف فإنه لا يخرج أيضاً عن كونه ظلماً، لأنه وإنْ كان يجوز أن يعتبر به، إلاَّ أن النفع الذي يصل إليه هو في مقابلة ما أتى به من الواجبات واجتنبه من المقبحات، فيقع حِسه الألمَ خلواً عما يقابله، فيكون ظلماً قبيحاً، تعالى الله عن ذلك.
وله (أي لعبّاد بن سليمان) في هذا الباب شبهتان اثنتان:
إحداهما: أن أحدنا يستحق ما يستحقه ثواباً أو عِوَضا بفعل نفسه. والإيلام من فعل الله تعالى. فلا يجوز أن يستحق عِوَضاً.
والثاني: هو أنه لو كان يحسن من الله تعالى الإيلامُ للعوض لكان يحسن منا الألمُ للعِوَض، سيما على مذهبكم أن الحسن والقبيح إنما يحسن ويقبح لوقوعه على وجهٍ متى وقع على ذلك الوجه قُبح أو حسن من أي فاعلٍ كان:
والجواب: أما الأول فلا يصحّ، لأن الاستحقاق ينقسم إلى:
1 ـ ما لا يثبت لأحدنا إلاَّ على فعل نفسه نحو المدح والتعظيم وغير ذلك، والثوابُ من هذا القبيل.
2 ـ وإلى ما لا يستحقه إلاَّ على فعل الغير. ولهذا فإنّ من فَرَّق على غيره ثوبه يستحق عليه قيمته. ولو مزّقه على نفسه لم يستحق العوض، نظيره في الشاهد: قِيَم المُتْلَفات. ففسد ما ظنوه.
وأما الثاني فانّا نعارضهم أولاً بالاعتبار، فنقول: لو حَسُن من الله تعالى الإيلام للاعتبار لحَسُن منّا أيضاً كذلك. والمعلوم خلافه. ثم نفصّل الجواب عن ذلك فنقول:
إن ما يفعله الواحد منّا من الآلام: إما أن يفعله بنفسه أو بغيره. وإذا فعله بغيره: فاما أن يكون مفعولاً بالمكلّف، أو بغير المكلّف.

366

فإن فعله بنفسه فإنه يحسن للنفع ولدفع الضرر. ألا ترى أنه يحسن تحمل المشاق طلباً للعلوم والآداب؟ وكذلك فإنه يحسن منه الفصد والحجامة ونحو ذلك. ولا وجه في حسنه إلا النفع أو دفع الضرر، على ما ذكرناه قبلُ. ولسنا نعني بذلك أنه لا بد من حصول النفع ودفع الضرر، فقد بيّنا أنه لا يفترق الحال في ذلك بين أن يكون معلوماً، وبين أن يكون مظنوناً. ـ وأن فعله بغير المكلف فإنه يحسن للعوض ودفع الضرر.
ولا خلاف في هذا بين أبي علي وأبي هاشم. وإنما الخلاف في أن حُسْنَ ذلك: هل يُعْلَم عقلاً أو شرعاً؟
فعند أبي علي أنه يعلم شرعاً، وعند أبي هاشم أنه يعلم عقلاً ـ وهو الصحيح: فإن الواحد منا يستحسن بكمال عقله ركوب البهائم في تعهدها: من سقيها وتحصيل العَلَف عليها، وغير ذلك. وبهذا أجاب أبو هاشم من سأله عن ركوب النبي ـ صلى الله عليه ـ البهائم قبل البعثة، وأنه لو لم يكن متعبداً بشريعة من قبله لكان لا يستحسن ذلك، فقال: إن ركوب البهائم لمصالحها والمنافع العائدة إليها مستحسنة عقلاً. فلا وجه لما ذكرتموه.
وإن فعله بالمكلف فإنه يحسن للنفع، ودفع الضرر، والاستحقاق. ولا شك في أنه يحسن من أحدنا إيلامُ الغير لمكان الاستحقاق، فإن المُساء إليه يذمُّ المسيء ويؤلمه بذمّه. ويحسن منه ذلك، لا لوجهٍ سوى الاستحقاق.
فإذن لا كلام في هذا وإنما الكلام في أنه: هل يحسن منه إيلامه للنفع ولدفع الضرر من دون اعتبار رضاه، أم لا؟
فعند أبي علي أن ذلك لا يحسن ـ وإن بلغ النفع ودفع الضرر مبلغاً عظيماً ـ إلاَّ برضاه.
وقال أبو هاشم: إن النفع ودفع الضرر إذا عظم لم يعتبر برضاه، بل يحسن منه إيلامه لمكانه ـ أراد المؤلم ذلك، أم كرهه. وهو الصحيح

367

من المذهب الذي نختاره. فإن أحدنا لو قال لغيره: قُمْ من هذا المكان ولك ألوف دنانير، ثم لم يختر هو ذلك، فإن له أن يجبره على القيام ويقيمه، ثم يدفع إليه الدنانير الألوف.
إذا ثبت هذا وتقرر ـ قلنا: إن القديم تعالى لِسَعة جوده وكرمه، ولعلمه بتفاصيل ما يوصله إلينا من الآلام، وكمية ما يستحق أحدنا من الأعواض في مقابلته ـ يحسن منه أن يؤلمنا من دون اعتبار رضانا بذلك. وليس كذلك حال الواحد منا، فإن نفسه لا تطاوعه على بذلك الرغائب في مقابلة إقامة الغير من مقامه، دون أن يكون له في ذلك نفعٌ يقابله، أو دفعُ ضررٍ أعظم منه، ولا يعلم بتفاصيل ما يصل إليه من أجر الآلام، ولا كمية ما يستحقه من العِوَض. فلذلك افترق الحالُ فيما أورده بين الشاهد والغائب، حتى لو قدرنا أن يكون الحال في أحدنا كالحال في الغائب، لحَسُنَ منا الإيلام للعوض كما حَسُن من الله تعالى.
واعلم أن من مذهب أبي علي أن الألم يحسن من الله تعالى لمجرد العِوض، لما اعتقد أن العوض بصفة1 لا يجوز التفضل به ولا الابتداء بمثله.
وقال أبو هاشم: لا بد فيه من غرض آخر، وهو الاعتبار. وهو الصحيح. والذي يدل على صحته هو أن العِوَض لا يبلغ حداً إلاَّ ويجوز أن يتفضل به ويبدأ بمثله. وإذا كان كذلك ـ والقديم تعالى قادرٌ على أن يبتدئ بالعوض من دون هذا الألم، فالإيلام لمكانه والحال هذه يكون عبثاً قبيحاً، وصار الحالُ فيه كالحال فيمن استأجر أجيراً ليصبّ الماء من نهر إلى نهر من دون أن يتعلق له بذلك غرض، ثم يعطيه الأجرة. فكما أن ذلك يقبح منه، كذلك ها هنا.
فإن قال: إن للاستحقاق مزية، قلنا: لو حَسُن من الله تعالى ذلك لمزية الاستحقاق، لحَسُن منا الاستئجار على الحدّ الذي ذكرناه لهذه العلّة. ومعلومٌ خلافه. على أن الاستحقاق إنما يكون له مزيةٌ في
ــــــــــــــ
1 أي: هو بحيث لا يجوز...

368

الشاهد، لأن أحدنا ربما يستنكف من قبول نعمة الغير وتلحقه لذلك أنفة وغضاضة. وهذا غير ثابت فيما بيننا وبين الله عز وجل، فلا يمكن قياس أحدهما على الآخر. » (« شرح الأصول الخمسة »، ص 489 ـ 493).
ويشرح القاضي عبد الجبار معنى العوض فيعرّفه بأنه « كل منفعة مستحقة لا على طريق التعظيم والإجلال، ولا يعتبر فيه الحسن وغير ذلك لكي يطرد وينعكس ويشمل ويعم » (ص 494). ويرى أنه « لا يحسن من الله تعالى أن يؤلمنا من غير اعتبار رضانا إلا إذا كان في مقابلته القدر الذي لا تختلف أحوال العقلاء في اختيار ذلك الألم لمكانه، لأن من المعلوم أن أحدنا لا يختار أن يمزّق عليه ثوبه لكي يقابل بثوب مثله، أو ما يزيد عليه زيادة متقاربة. وإذا لم يحسن ذلك في الشاهد، فكذلك في الغائب ».
وعند أبي هاشم أن العوض لا يستحق على طريق الدوام. أما أبو الهذيل وأبو علي وقوم من بغدادية المعتزلة فقالوا إن العوض يستحق دائماً. والقاضي عبد الجبار يؤيد مذهب أبي هاشم، قائلاً إن نظير العوض في الشـاهد هو قيم الأمور التي تُتلف وأروش الجنـايات. « ومعلوم أن ذلك لا يستحق على طريقة الدوام: فإن من مَزّق على غيره ثوبه لا يلزمه أن يعطيه كل يوم ثوباً جديداً. وأيضاً فلو كان كذلك لكان يجب أن لا يحسن في الواحد منّا تحمل المشاقّ طلباً للأرباح والمنافع المنقطعة، ومعلومٌ خلافُ ذلك. فإن قيل: إن ذلك إنما يحسن من الواحد منّا لأن القديم تعالى قد ضمن في مقابلته أعواضاً دائمة ـ قلنا: لو كان كذلك لكان يجب فيمن لا يعلم أن القديم تعالى قد ضمن في مقابلته أعواضاً دائمة أن لا يحسن منه ذلك. والمعلوم أن أحدنا يستحسن بكمال عقله تحمل المشاق في الأسفار طلباً لمنافع منقطعة، وإنْ لم يخطر بباله دوام العوض. ففسد ما ظنوه » (ص 495). ويستمر عبد الجبار في إيراد الاعتراضات والردّ عليها. والظاهر أن أبا الهذيل وأبا علي الجبائي

369

قالا باستحقاق العوض على طريق الدوام على أساس أن إثابة الله إثابة دائمة، وكذلك عقابه. ولهذا رأيا أن العوض ـ وهما يقصدان العوض الإلهي ـ دائم.
وقيل إن الجبائي رجع عن ذلك، وشاطر ابنه الرأي1.

العقـاب

يرى أبو هاشم أنه لا بدّ من العقاب زجراً عن اتيان القبائح، وترغيباً في الإتيان بالواجبات. ذلك « أن القديم تعالى خلق فينا شهوة القبيح ونفرة الحسن. فلا بدّ أن يكون في مقابلته من العقوبة ما يزجرنا عن الإقدام على المقبحات، ويرغبنا في الاتيان بالواجبات، وإلاّ كان يكون المكَلَّف مُغْزىً بالقبح، والإغراء بالقبح لا يجوز على الله تعالى2 ».
وكانت « الملحدة » ـ على حد تعبيرهم ـ تعلقوا بشُبه فقالوا: إن غرض الله من التكليف هو نفع المكلف، فإذا لم ينتفع المكلف بتكليف الله إياه فليس يجوز أن يعاقب، وقصارى أمره أنه فوّت على نفسه النفع، فكيف يحسن من الله أن يعاقبه على تفويته نفعاً لنفسه؟ ومَثل ذلك مثل أجير فوّت الأجرة على نفسه بترك العمل. فكما أنه لا يحسن من المستأجر أن يضربه بالسياط لتفويته الأجرة على نفسه، كذلك ها هنا: لا يحسن بالله أن يعاقب العبد على تفويته المنفعة لنفسه.
ويرد القاضي عبد الجبار على هذه الشبهة فيقول: « إن الله تعالى
ــــــــــــــ
1 « شرح الأصول الخمسة »، ص 627، س 8.
2 القاضي عبد الجبار: « شرح الأصول الخمسة »، ص 620.

370

لا يعاقب المكلف لأجل أنه فوّت على نفسه النفع بالتكليف، وإنما يعاقبه لإقدامه على القبيح وإخلاله بالواجب ـ ذلك وجه استحقاق العقاب كما في الذم، ألا ترى أن العقلاء لا يذمون المخلّ بالواجب والفاعل للقبيح على تفويته النفع بالواجب على نفسه، وإنما يذمُّونه لإخلاله بالواجب وإقدامه على القبيح؟ فكذلك في العقاب » (الكتاب نفسه، ص 622).
ومن شبه هؤلاء « الملحدة » أيضاً « أن العقاب ضرر من جهة الله تعالى. وإيصال الضرر إلى الغير إنما يحسن لتشفي الغيظ أو لنفع المعاقَب أو المعاقِب. وأي هذه الوجوه كان. فهي مفقودة في مسألتنا هذه. فجيب القضاء بقبح العقاب من جهة الله تعالى.
والجواب: أن هذه القسمة محتملة للزيادة، غير مترددة بين النفي والإثبات، فلا يصحّ الاحتجاج بها. على أن هذه الوجوه التي ذكرتها مما لا تأثير لها في حُسْن العقاب: فإن تشفيّ الغيظ مما لا يتضمن وجهاً في حسن الإضرار بالغير، وهكذا نفع المعاقب. وبعدُ، فقد خلت هذه القسمة عن مذهب الخصم، فإن من مذهب من خالف في هذه المسألة أنه إنما يحسن من الله تعالى معاقبة المكلف لاستحقاقه له بإقدامه على القبائح وإخلاله بالواجبات. ولم يُدخِل هو هذا القسم في القسمة التي أوردها، ففسد كلامه. » (الموضع نفسه).

حساب العقوبات

وثم مسألة أخرى وقع فيها الخلاف بين أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم وهي ما أطلق عليه اسم « الموازنة »، أي إجراء حساب بين العقاب والثواب بحيث نسقط من العقاب بمقدار ما يستحق العبد من الثواب.

371

فمثلاً إذا أتى المكلف بطاعة يستحق عليها 10 أجزاء من الثواب، وبمعصية يستحق عليها 20 جزءاً من العقاب:
فإنه من رأي أبي علي أنه يحسن من الله ألا يسقط 10 أجزاء الثواب من ا? 20 جزءاً من العقاب، ويبقي فقط على 10 أجزاء من العقاب.
ومن رأي أبي هاشم أنه « يقبح من الله تعالى ذلك، ولا يحسن منه أن يفعل به من العقاب إلاَّ عشرة أجزاء. فأما العشرة الأخرى فإنها تسقط بالثواب الذي قد استحقه على ما أتى به من الطاعة ». ويعلق القاضي عبد الجبار على ذلك فيقول: وهذا (أي رأي أبي هاشم) هو الصحيح من المذهب. ولعمري أنه القول اللائق بالله تعالى، دون ما يقوله أبو علي. والذي يدل على صحته هو أن المكلف أتى بالطاعات على الحد الذي أمر به، وعلى الحد الذي لو أتى به منفرداً عن المعصية لكان يستحق عليها الثواب، فيجب أن يستحق عليها الثواب وإن دَنّسها بالمعصية. إلاَّ أنه لا يمكن والحالة هذه أن يوفر عليه على الحد الذي يستحقه لاستحالته، فلا بد أن يزول من العقاب بمقداره، لأن دفع المضرة كالنفع في أنه مما يعدُّ في المنافع. وعلى هذا يصح قوله تعالى: « فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره ». فأما على مذهب أبي علي فإنه يلزم أن لا يكون قد رأى صاحب الكبيرة شيئاً مما أتى به من الطاعات. وقد نصَّ الله تعالى على خلافه. ومتى قيل: فكيف لم يثبه إذن لو كان الأمر على ما تظنونه؟ قلنا: لما قد ذكرنا من أن إثابته غير ممكن ولا متصور.
وأما شيخنا أبو علي فقد تعلق في ذلك بوجوه: أحدها هو أن الفاسق بإقدامه على المعاصي وارتكابه الكبائر قد جنى على نفسه، وأخرجها من أن تستحق الثواب البتة. وعلى هذا المعنى قال تعالى: « أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون »، وصار حاله كحال من خاط لغيره ثوباً ثم

372

فتقه قبل أن يسلمه إلى صاحبه، فإنه لا يستحق على الخياطة الأجرة لما قد أفسدها على نفسه بالفتق. كذلك ها هنا. وربما استدل على ذلك بقوله تعالى: « وقدمنا إلى ما عملوا من عمل » الآية، ويقول: لولا أن الأمر في ذلك على ما ذكرته، وإلا كان لا يصح ما ذكره الله تعالى في أعمال الكفار والمرتكبين للكبائر. وربما يقول: إن الثواب إذا سقط فإنما يسقط: أما بالندم على ما أتى به من الطاعة، أو بعقابٍ أعظم منه، ثم سقط بالندم الكلُّ ـ فكذلك إذا سقط بالعقاب الذي هو أعظم منه وجب أن يسقط الكل. فلا فرق بينهما في قضية العقل. » (« شرح الأصول الخمسة »، ص 629 ـ 630). ولكن القاضي عبد الجبار يفنّد هذه الحجج دفاعاً عن مذهب أبي هاشم، مما لا مجال له ها هنا.

هل الثواب والعقاب لا يستحقان إلاَّ على الفعل؟

ومسألة أخرى اختلف فيها أبو علي وأبو هاشم وهي: هل الثواب والعقاب لا يستحقان إلاَّ على الفعل؟ أو يستحقان على الفعل وعلى ترك الفعل؟
يقول أبو علي أن الثواب والعقاب لا يستحق إلاَّ على الفعل، ولا يستحقان على الترك. واما أبو هاشم فيرى أن ترك الفعل مثله مثل الفعل في أنه جهة الاستحقاق. وبعبارة أوضح: ترك القبيح عند أبي علي لا يستحق ثواباً، وعند أبي هاشم يستحق الثواب، والإخلال بالواجب لا يستحق عقاباًَ عند أبي علي، ويستحق العقاب عند أبي هاشم. وقد بنى أبو علي رأيه هنا على هذا الأصل وهو أن القادر بالقدرة لا يخلو من الأخذ والترك، وأنه يستحيل خلو القادر بالقدرة عن الأخذ والترك. ثم

373

أن الثواب أو العقاب على الترك هو ثواب أو عقاب على معدوم، فكيف يجوز الثواب أو العقاب على معدوم؟
ويرد أنصار أبي هاشم قائلين إن استحقاق الثواب أو العقاب ها هنا لا يقع على معدوم، وإنما استحق المكلف ذلك على إخلاله بالواجب مع التمكن وإزاحة العلة، في حالة ما يستحق العقاب.
* * *
ومن رأي أبي هاشم أنه « يجب على الله أن يزيح علل العباد في كل ما أمرهم به. ولا يزال يقول في كتبه أن أمر كذا لم يزل واجباً على الله1 ».
وينسب إليه ابن حزم أنه كان يقول: « لو طال عُمْر المسلم المُحسِن لجاز أن يعمل من الحسنات والخير أكثر مما عمل النبي صلى الله عليه وسلم2 ».

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

خالف أبو هاشم أباه أبا عليّ في أن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُعْلَم: عقلاً، أو شرعاً.
فذهب أبو علي إلى أن ذلك يعلم عقلاً.
وذهب أبو هاشم إلى أنه « لا يعلم عقلاً إلاَّ في موضع واحد، وهو أن يرى أحدنا غيره يظلم أحداً فيلحقه بذلك غم: فإنه يجب عليه النهي ودفعه، دفعاً لذلك الضرر الذي لحقه من الغم عن نفسه. أما فيما عدا
ــــــــــــــ
1 ابن حزم: « الفصل »، ? 4، ص 200.
2 الكتاب نفسه، ? 4، ص 201.

374

هذا الموضع فلا يجب إلاَّ شرعاً. » ويعلق قاضي القضاة على رأي أبي هاشم فيقول أنه الصحيح من المذهب. « والذي يدل على أن ذلك مما لا سبيل إلى وجوبه من جهة العقل إلاَّ في الموضع الذي ذكرنا هو أنه إن وجب عقلاً: فإمّا أن يجب للنفع أو لدفع الضرر، ولا يجوز أن يجب للنفع، لأن طلب النفع لا يجب... فليس إلاَّ أن يكون وجوبه لدفع الضرر1 ».
وحجة أبي علي هي أنه « لو لم يكن الطريق إلى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ العقل، لكان يجب أن يكون المكلف مُغرىً بالقبيح، ويكون في الحكم كمن أبيح له ذلك. وليس يصحّ، لأن ذلك يقتضي أن لا يجب الواجب ولا يقبح القبيح إلاَّ والطريق إلى وجوبه أو قبحه: العقل، وإلاّ لَزِم أن يكون المكلف مغرىً على القبيح وعلى الإخلال بما هو واجب عليه، ويكون كأنه أبيح له ذلك. ومعلومٌ خلافُ ذلك: يبين ذلك ويوضحه أن وجوب الصلاة وقبح الزنا إنما نعلمه شرعاً، ثم لم يقتض أن يكون المرء من قبلُ كان مغرى على القبيح أو الإخلال بالواجب، أو يكون في الحكم كمن أبيح له شيء من ذلك. وبعدُ، فكيف تصحّ هذه العبارة، مع أن الإباحة ليس المرجع بها إلاَّ إلى تعريف المكلف حسن الفعل وأنه لا صفة له زائدة على حسنه: إما بخلق العلم الضروري، أو بنصب الأدلة. فكيف تصح إباحة ما ليس بمباح؟!
ومما يقوله (أي أبو علي) أيضاً هو أنه قد ثبت أن الامتناع عن المنكر واجب، فيجب أن يكون المنع أيضاً واجباً، لأنه لا فرق في قضية العقل بينهما. »
ــــــــــــــ
1 القاضي عبد الجبار: « شرح الأصول الخمسة »، ص 742.

375

ويجيب القاضي عبد الجبار عن حجة أبي علي بما يلي: « لو كان الأمر على ما ذكرته لكان يجب كما يمتنع القديم تعالى عن هذه القبائح أن يمنعنا عن ذلك ويضطرنا إلى خلافه. ومعلومٌ خلاف ذلك. فثبت بهذه الجملة أن الطريق إلى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هو السمع، إلاَّ في الموضوع الذي ذكرناه، على ما يقوله أبو هاشم1 ».

التوبـة

التوبة عن الصغائر تجب عقلاً وسمعاً ـ في نظر الجبائي.
وعند أبي هاشم أن التوبة عن الصغائر لا تجب إلاَّ سمعاً، لأن التوبة إنما تجب لدفع الضرر عن النفس، ولا ضرر في الصغيرة، فلا تجب التوبة عنها. والدليل على ذلك أنه لا تأثير لها إلاَّ في تقليل الثواب.
وإذا كانت معاصي العبد أكثر من طاعاته فهو صاحب كبيرة، وتلزمه التوبة لكي يسقط عنه ما يستحقه من العقوبة.
وحدّ التوبة هو أن يندم على القبيح لقبحه ويعزم على ألا يعود إلى أمثاله في القبح.
وقد اختلف المعتزلة في: هل تسقط التوبةُ العقوبةَ؟
فالبغداديون من المعتزلة يروي أن التوبة لا تأثير لها في إسقاط العقاب، وإنما الله يتفضل بإسقاطه عند التوبة.
والبصريون قالوا إنها هي التي تسقط العقوبة، لا غير. فإذا تاب المذنب لا بدَّ من أن تسقط عنه العقوبة على حد لولاه لما أسقطت.
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ص 744.

376

ولو لم تكن مسقطة للعقاب لكان يجب أن يحسن من الله تعالى أن لا يتفضل بل يعاقب عند التوبة؛ لأن التفضل إنما يَبين عما ليس بتفضل بهذه الطريقة: وهو أن لفاعله أن يفعل وأن لا يفعل.
وشروط التوبة الندم والعزم جميعاً حتى تكون التوبة صحيحة: فيكون الندم ندماً على القبيح لقبحه، والعزم عزماً على أن لا يعود إلى أمثاله في القبح.
والندم أمر معقول يجده كل إنسان من نفسه. « فإن قيل: كيف يوجد من النفس مع أن الناس مختلفون فيه وفي جنسه؟ وقال بعضهم: هو من قبيل الاعتقادات، وهو الذي قال شيخكم أبو هاشم؛ وقال الآخرون: بل هو جنسٌ برأسه، وهو الذي اختاره شيخكم أبو علي...
فإن قيل: فما قولكم في الندم: أهو جنس برأسه، على ما قاله أبو علي، أم الصيح ما قاله أبو هاشم من أنه من قبيل الاعتقادات؟
قلنا (أي القاضي عبد الجبار): بل الصحيح ما قاله أبو هاشم. والذي يدل على صحته هو أنه لو كان أمراً آخر سوى الاعتقاد لكان لا يمتنع انفصال أحدهما عن الآخر، فكان يصحّ أن يعتقد الواحد منّا استضراره بالفعل المتقدم مع التأسُّف على ذلك ثم لا يكون نادماً، أو يكون نادماً ولا يكون معتقداً هذا الاعتقاد، فإن هذه الطريقة هي الواجبة في كل أمرين لا علاقة لهما في وجه معقول. ومعلومٌ خلافه1. »
* * *
وها هنا مسألة أخرى، وهي: هل تصح التوبة عن بعض الكبائر مع الإصرار على البعض ـ أو لا تصح؟ يرى أبو علي الجبائي أن هذا يصحّ ما لم يُصرّ على شيء من ذلك الجنس. « فلو أنه تاب من
ــــــــــــــ
1 القاضي عبد الجبار: « شرح الأصول الخمسة »، ص 792 ـ 793.

377

شرب الخمر وأصرّ على الزنا كانت توبته عن الأول نصوحاً صحيحة. فأما إذا أصرّ على شيء من ذلك الجنس لم تصح توبته، وذلك لأنه لو تاب عن شرب هذا القدح من الخمر مع إصراره على شرب قدح آخر، فلا إشكال في أنه لا تصح توبته هذه.
أما شيخنا أبو هاشم، فقد ذهب إلى أنه لا تصحّ التوبة عن بعض القبائح مع الإصرار على البعض. وهو الصحيح من المذهب. والذي يدلّ على صحته أن التوبة عن القبيح يجب أن تكون ندماً عليه لقبحه، وعزماً على أن لا يعود إلى أمثاله في القبح... وإذا كان هذا هكذا فليس تصحّ توبته عن بعض القبائح مع الإصرار على البعض، إذ لا يصح أن يترك أحدنا بعض الأفعال لوجهٍ، ثم لا يترك ما سواه في ذلك الوجه. ألا ترى أنه لا يصح أن يتجنب سلوك طريق لأن فيها سبعاً، ثم لا يتجنب سلوك طريق أخرى فيها سُبع؟ وكذلك لا يصح أن لا يتناول طعاماً لأن فيه سماً، ثم يتناول طعاماً آخر مع أن فيه سماً1؟ ».
وإذا فعل المرء فعلاً لوجه فليس يجب أن يفعل كل ما شاركه في ذلك الوجه، وذلك لأن الفعل مشقة. وليس الأمر كذلك في الترك، لأنه لا مشقة فيه. ولهذا يختلف الحال في الفعل والترك.
* * *
ومن رأي أبي هاشم أن التوبة « لا تصح عن الذنب بعد العجز عن مثله، فلا تصح عنده توبةُ من خرس لسانه عن الكذب، ولا توبة من جُبَّ ذَكَره عن الزنا2. »
* * *
ــــــــــــــ
1 القاضي عبد الجبار: « شرح الأصول الخمسة »، ص 794 ـ 795.
2 عبد القاهر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 115، القاهرة 1948.

378

فأبو هاشم إذن كان لا يرى التوبة صالحة إلا إذا كانت عن جميع الذنوب، أما التوبة عن ذنب واحد مع الإصرار على سائر الذنوب فلا تفيد. فالله « لا يقبل توبة أحد من ذنب عمله ـ أيَّ ذنب كان ـ حتى يتوب من جميع الذنوب1 ».

ــــــــــــــ
1 ابن حزم: « الفصل »، ? 4، ص 201. القاهرة 1321 ?.

379


القاضي عبد الجبار

عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن الخليل بن عبد الله، القاضي، أبو الحسين الهمداني الأسدابادي « وهو الذي تلقبه المعتزلة قاضي القضاة ولا يطلقون هذا اللقب على سواه، ولا يعنون به عند الإطلاق غيره1 ».
ولا نعرف من مصادرنا تاريخ مولده، والمصدر الوحيد الذي أشار إلى عمره هو ابن الأثير (« الكامل »، ? 9، ص 138) إذ يقول إنه توفي وقد جاوز التسعين. فإن صح ذلك كان ميلاده بين سنة 320 و324 ?.

شيوخه في الحديث

« سمع الحديث من أبي الحسن بن سلمة القطان، وعبد الرحمن بن حمدان الجلاب، وعبد الله بن جعفر بن فارس، والزبير بن عبد الواحد
ــــــــــــــ
1 السبكي: « طبقات الشافعية »، ? 3، ص 219 ـ 220، الطبعة الأولى بالمطبعة الحسينية.

380

الأسدابادي وغيرهم » (السبكي، ? 3، ص 220)
« سمع علي بن إبراهيم بن سلمة القزويني، وعبد الله بن جعفر بن أحمد الأصبهاني، والقاسم بن أبي صالح الهمداني، وعبد الرحمن بن حمدان الجلاب، والزبير بن عبد الواحد الأسدابادي؛ ومحمد بن أحمد بن عمرو الزئبقي البصري، ومحمد بن عبد الله بن أخي الساوي، ومحمد بن عبد الله الرامهرمزي1 ».

من رووا عنه

« وروى عنه القاضي أبو يوسف عبد السلام بن محمد بن يوسف القزويني المفسّر المعتزلي، وأبو عبد الله الحسن بن علي الصيمري، وأبو القاسم علي بن الحسن التنوخي (السبكي، الموضع نفسه). وقـد رويا عنه حديث: « مَثُـل أمتي مثل المطر، لا يُدرى أوله خيرٌ أو آخره »، وحديث جابر بن عبد الله قـال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم « لتعزّروه2 » قال لنا رسول الله صلعم: « ماذاكم؟ » قلنا: « الله ورسوله أعلم ». قال: « لتنصروه ».

أوليته

« كان في ابتداء حاله يذهب في الأصول مذهب الأشعرية، وفي
ــــــــــــــ
1 الخطيب البغدادي: « تاريخ بغداد »، ? 11، ص 113.
2 سورة الفتح، آية: 9: « لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه ».

381

الفروع مذهب الشافعي، فلما حضر مجلس العلماء ونظر وناظر عرف الحق فانقاد له وانتقل إلى أبي اسحق بن عياش، فقرأ عليه مدة1. »
وأبو اسحق بن عيّاش هو إبراهيم بن عيّاش البصري. « قال القاضي (عبد الجبار): وهو الذي درسنا عليه أولاً، وهو من الورع والزهد والعلم على حدّ عظيم. وكان رحل إليه من بغداد قومٌ فيجمعون مجلسه إلى مجلس أبي عبد الله2 » الحسين بن علي البصري.

أساتذته في الاعتزال

وأخذ إذن الاعتزال عن أبي اسحق بن عياش، وعن أبي عبد الله الحسين بن علي البصري. « وأقام عند الشيخ أبي عبد الله (الحسين بن علي البصري) مدة مديدة، حتى فاق الأقران، وخرج فريد دهره3 ».

ارتحاله إلى الريّ

واستدعاه الصاحب بن عباد إلى الريّ بعد سنة ستين وثلثمائة، فبقي فيها مواظباً على التدريس إلى أن توفي.
وكان الصاحب بن عباد يقول فيه إنه أفضلُ أهل الأرض، ومرة
ــــــــــــــ
1 « طبقات المعتزلة »، ص 112.
2 « طبقات المعتزلة »، ص 107.
3 الكتاب نفسه، ص 112.

382

أخرى قال عنه: هو أعلم أهل الأرض. وقد عينه الصاحب في منصب قاضي القضاة في الريّ.

وروده إلى بغداد

« وورد بغداد حاجّاً، وحدّث بهـا. حدثنا عنه القاضيان: الصيمري والتنوخي وغيرهما1 ».

وفـاته

يقول الخطيب البغدادي (تاريخ بغداد، ? 11، ص 115) إن وفاته كانت في أول سنة خمس عشرة وأربعمائة. ويقول المرتضى (« طبقات المعتزلة »، ص 112، س 14 ـ 15) إنه توفي سنة خمس عشرة أو ست عشرة وأربعمائة.
وقال ابن السبكي (طبقات الشافعية، ? 3، ص 220) إنه « توفي في ذي القعدة سنة خمس عشرة وأربعمائة بالريّ، ودفن في داره »، وهذا يناظر شهر يناير سنة 1025 م.
وقد جعل ابن الأثير2 تاريخ وفاته في سنة أربع عشرة وأربعماية، فمن
ــــــــــــــ
1 الخطيب البغدادي: « تاريخ بغداد »، ? 11، ص 113 س 16 ـ س 17.
2 ابن الأثير: « الكامل في التاريخ »، ? 9، ص 638، القاهرة، المطبعة الأزهرية المصرية، 1301 ?.

383

حوادث هذه السنة يذكر أنه « فيها توفي القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي الرازي، صاحب التصانيف المشهورة في الكلام وغيـره. وكان موته بمدينة الريّ وقد جاوز تسعين سنة ».

تقديره

« قال الحاكم1: وليس تحضرني عبارة تحيط بقدر محلّه في العلم والفضل فإنه الذي فتق علم الكلام ونشر بروده، ووضع فيه الكتب الجليلة التي بلغت المشرق والمغرب، وضمنها من دقيق الكلام وجليله ما لا يتفق لأحدٍ مثله.
وطال عمره مواظباً على التدريس والإملاء، حتى طبّق الأرض بكتبه وأصحابه؛ وبعُد وعَظُم قدره.
وإليه انتهت الرياسة في المعتزلة حتى صار شيخها وعالمها غير مُدافع. وصار الاعتماد على كتبه ومسائله. (حتى) نَسَخَتْ كُتُب من تقدمه من المشايخ.
وشهرة حاله تغني عن الإطناب في الوصف2 ».
ــــــــــــــ
1 هو الحاكم أبو السعد المحسن بن كرامة الجشمي البيهقي المتوفى سنة 545 ?، وصاحب كتاب « شرح عيون المسائل »، ومنه نسخة مصورة بدار الكتب المصرية ضمن المخطوطات المصورة من اليمن. راجع عنه « مطلع البدور » لأبي الرجال 4/ 414.
2 « طبقات المعتزلة » لابن المرتضى، ص 112.

384

مؤلفاته

« قال الحاكم: ويُقال إن له أربعمائة ألف ورقة مما صنّف في كل فنّ. ومصنفاته أنواع:
أ ـ منها في الكلام:
1 ـ كتاب الدواعي والصوارف.
2 ـ كتاب الخلاف والوفاق.
3 ـ كتاب الخاطر.
4 ـ كتاب الاعتماد.
5 ـ كتاب المنع والتمانع1.
6 ـ كتاب ما يجوز فيه التزايد وما لا يجوز.
إلى غير ذلك مما يكثر تعداده، وأماليه الكثيرة ?:
7 ـ المغنى.
8 ـ الفعل والفاعل.
9 ـ كتاب المبسوط.
10 ـ كتاب المحيط.
11 ـ كتاب الحكمة والحكيم.
12 ـ شرح الأصول الخمسة.
ب ـ ومنها نوع في الشروح ?:
13 ـ شرح الجامعين.
ــــــــــــــ
1 ذكر له في « شرح الأصول الخمسة » كتاب « مختصر الحسنى »، ص 122.

385

14 ـ شرح الأصول.
15 ـ شرح المقالات.
16 ـ شرح الأعراض.
? ـ ومنها في أصول الفقه:
17 ـ النهاية.
18 ـ العمد ـ (ذكره القاضي عبد الجبار في « شرح الأصول الخمسة »، ص 46، س 3).
19 ـ وشرحه.
د ـ وله كتب في النقض على المخالفين ?:
20 ـ نقض اللُّمع ـ [ ذكر في « المجموع من المحيط بالتكليف »، ? 1، ص 351 (طبع بيروت) ].
21 ـ نقض الامامة.
? ـ ومنها جوابات مسائل وردت عليه من الآفاق ?:
22 ـ الرازيات.
23 ـ العسكريات.
24 ـ القاشانيات.
25 ـ الخوارزميات.
26 ـ النيسابوريات.
و ـ ومنها في الخلاف نحو:
27 ـ كتابه في الخلاف بين الشيخيْن (= أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم).

386

ر ـ ومنها في المواعظ ?:
28 ـ نصيحة المتفقهة.
ثم له:
29 ـ كتاب في كل من بلغني اسمه ومن لم يبلغني ـ أحْسَنَ فيه وأبدع.
وعلى الجملة « فَحَصْرُ مصنفاته كالمتعذّر » (« طبقات المعتزلة » لابن المرتضى، ص 133).
وأورد له بروكلمن (الملحق ? 1، ص 343 ـ 344) ما يلي:
1 ـ « تنزيه القرآن عن المطاعن »: منه مخطوط في دار الكتب المصرية الفهرست القديم ? 1، ص 155، الفهرست الجديد ? 1، ص 42، وطبع في القاهرة سنة 1326، 1329.
2 ـ « تثبيت دلائل نبوّة سيدنا محمد »، وفيه رد على الشيعة، منه مخطوط في شهيد علي باستانبول برقم 1575.
3 ـ « كتاب المحيط بالتكليف ». منه مخطوط تيمور بدار الكتب المصرية. وله مختصر في برلين برقم 5149، اختصره ابن متويه ولابن متويه « التذكرة في لطيف الكلام ». منه مخطوطة في الامبروزيانا C 104 (راجع RSO ? 8، ص 581).
4 ـ « طبقات المعتزلة » وهو أساس « طبقات المعتزلة » لابن المرتضى.
5 ـ « رسـالة في علم الكيمياء »، مخطوط في رامفور برقم كيميـاء 9 (راجع « تذكرة النوادر » 178).
6 ـ « الأمالي » (« نظم القواعد وتقريب المراد للرائد »)، بترتيب

387

القاضي شمس الدين أبي يحيى جعفر بن أحمد بن عبد السلام (المتوفى سنة 573 ? ـ 1177 م)، وله ترجمة في مخطوط الامبروزيانا F. 278 vi، قـارن فهـرس المتحف البريطاني، الملحق 423 v ـ ويوجـد من هـذه « الأمالي » مخطوط في الفاتيكان برقم 1027 فاتيكان.
7 ـ « شرح الأصول الخمسة ».
8 ـ « مسألة في الغيبة »، منه مخطوط في الفاتيكان برقم 1028 وتقع فيه برقم 2.
9 ـ « الخلاف بين الشيخيْن »، ويتساءل بروكلمن هل هو الوارد في المخطوط رقم 100: فاتيكان فاتيكاني؟
* * *
ولنذكر الآن الوضع الحالي لمعلوماتنا عن كتب القاضي عبد الجبار التي وصلت إلينا:

1 ـ « شرح الأصول الخمسة »:
وقد علق هذا الشرح عنه تلميذان هما: أبو محمد ابن اسماعيل علي الفرزاذي، وأحمد بن أبي هاشم الحسيني المعروف ? « مانكديم1 » و« ششديو ».
ومن الشرح الأول نسخة مصوّرة ضمن المخطوطات المصوّرة من
ــــــــــــــ
1 كلمة مانكديم « معناها: « وجه القمر » سمي به لحسن وجهه (الجنداري: « تراجم الرجال المذكورة في شرح الأزهار »، ص 3، القاهرة 1332 ?).

388

اليمن في دار الكتب المصرية؛ ولم ينشر حتى الآن.
ومن الشرح الثاني، أعني الذي علقه أحمد بن أبي هاشم المعروف ? مانكديم، توجد على الأقل نسختان هما:
أ ـ نسخة أحمد الثالوث باستانبول، وتتألف من 197 ورقة، وتاريخ كتابتها في سنة 756 ?، وناسخها هو قاسم بن محمد بن أحمد بن علي، وقد جاء في أولها: « كتاب شرح الأصول الخمسة لقاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد، عُلّق عن السيد الإمام قوام الدين مانكديم أحمد ابن أحمد بن الحسين بن أبي هاشم الحسين ششديو ».
ب ـ نسخة من صنعاء، مصورة بدار الكتب المصرية ضمن المخطوطات المصورة عن اليمن، وأوراقها 153 ورقة. ومكتوب عليها ما يلي: « شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار بن أحمد الأسد ابادي المتوفى سنة 415، المؤلف السيد مانكديم وهو أحمد بن أبي هاشم الحسيني الرازي المعروف ? ششديو، المتوفى سنة 425 ». وأصلها من مكتبة الامام عبد الله بن حمزة، أحد أئمة الزيدية، المتوفى سنة 614.
وعن هاتيْن النسختيْن نشره د. عبد الكريم عثمان في القاهرة سنة 1965، ولكنها نشرة حافلة بالتحريف والنقص والأخطاء الفاحشة؛ ولا بد من إعادة نشر هذا الشرح بسرعة حتى لا تضيع الفائدة من هذا الكتاب البالغ الأهمية.

2 ـ « المجموع من المحيط بالتكليف »
ويقع في أربعة أجزاء. وقد عثر حتى الآن على أربعة مخطوطات له هي:
أ ـ مخطوط تيمور في دار الكتب المصرية، وهو أقدم المخطوطات، وتاريخه 18 رمضان سنة 683 « بخط العبد الفقير إلى الله العليّ القدير: علي بن عبد الله بن عطية النجراني ». ويشتمل على 263 صفحة،

389

ومسطرة الصفحة 27 سطراً؛ وفي السطر من 18 إلى 20 كلمة. ويحوي الجزء الأول فقط. ب ـ مخطوط برلين، الموجود في توبنجن حالياً (رقم 52 في مجموعة جلازر، وبرقم 5149 في فهرس أ??رت). وتاريخ نسخة 13 جمادى الثانية سنة 691، وناسخه هو محمد علي بن يوسف البطلمي بخط نسخي قديم. وتنقصه الصفحات العشر الأولى. ويشمل على 220 ورقة، ومسطرة الصفحة 21 سطراً، ويحتوي السطر على 18 أو 19 كلمة. ويحوي الجزء الأول فقط.
? ـ مخطوط اليمن، وقد ورد على الصفحة الأولى منه: « هذا من كتب الوقف منقولاً من ظفار بأمر مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله حفظه الله وأحيا به معالم الدين؛ وأمر بوضعه في المكتبة العامة الجامعة لكتب الوقف التي أمر بعمارتها بإزاء الصومعة الشرقية بالجامع الكبير المقدس بمحروس. مدينة صنعاء، وحرر بتاريخه شهر ربيع الأول سنة 1348 ».
وهذا المخطوط هو الوحيد الكامل، الذي يحتوي على الأجزاء الأربعة.
أ ـ مخطوط مؤسسة كايتاني في أكاديمية لنشاي في روما، برقم 20، وقد وهبه إياها الأستاذ المرحوم اتوري روسّي. وتاريخ نسخه 3 ربيع الثاني سنة 691. ويشتمل على الجزء الأول حتى « الكلام في التولد »؛ وعدد أوراقه 169 ورقة، ومسطرته 25 ـ 26 سطراً، وكلمات السطر من 18 إلى 20 كلمة.
وعلى أساس هذه المخطوطات الأربعة نشر منه الجزء الأول الأب جين يوسف هوبن اليسوعي الهولندي تحت عنوان: « كتاب المجموع في المحيط بالتكليف »، بيروت سنة 1965. ومع الأسف كان منهج الناشر منهجاً فاسداً، إذا أهمل الهمزات وقواعد الإملاء الحالية ـ ابتغاء أن « يحتفظ ـ فيما زعم ـ بصورته الأصلية وينشر كتابته الأصلية

390

القديمة »، وكأنه نقش قديم أثري وليس كتاباً للقراء! وعلى مذهبه هذا كان عليه أن يكتفي بنشر صورة فوتوغرافية بالأوفست، حتى يطابق الأصل المنسوخ تماماً، ويوفر على نفسه كل عناء!! ثم هو إلى جانب ذلك لم يبذل أي جهد في قراءة النسخ، ولا في وضع علامات الترقيم، فجاءت نشرته حافلة بالأخطاء الشائنة المضحكة معاً مما يكشف عن قلة بضاعته من اللغة العربية، فضلاً عن موضوع الكتاب. ومن العجب أنه في اختياره للقراءات بين المخطوطات كان يختار في الغالب ما هو محرف خطأ!
وفي نفس الوقت نشره الأستاذ عمر عزمي على أساس المخطوطة التيمورية، نشرة جاءت ناقصة جداً، مشحونة بالأغلاط والمناقص. فما أتعس حظ عبد الجبار مع هاتيْن النشرتين!

3 ـ « المغني في أصول الدين »
يقع في عشرين جزءاً؛ ولكن لم يعثر منه حتى الآن إلاَّ على أربعة عشر جزءاً هي: 4 ـ 5 ـ 6 ـ 7 ـ 8 ـ 9 ـ 11 ـ 12 ـ 13 ـ 14 ـ 15 ـ 16 ـ 17 ـ 20.

تلاميذه

يؤلف تلاميذ القاضي عبد الجبار الطبقة الثانية عشرة، وهي الأخيرة من المعتزلة، بحسب تقسيم أحمد بن يحيى المرتضى في كتـابه « المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل » المعروف ? « طبقات المعتزلة ». فمن أراد أن يحصيهم تفصيلاً فليرجع إلى ذلك الفصل (116 ـ 119، نشرة سوسنة د??لد ـ ??زر، بيروت سنة 1961). ونقتصر هنا على ذكر أشهرهم:

391

1 ـ أبو رشيد سعيد بن محمد النيسابوري وكان بغدادي المذهب، واختلف إلى القاضي عبد الجبار ودرس عليه، وصار من أصحابه. وإليه انتهت الرئاسة بعد قاضي القضاة. انتقل إلى الريّ وتوفي فيها.
وله تصانيف جيدة منها:
أ ـ « ديوان الأصول » ـ وابتدأ فيه بالجواهر والأعراض، ثم بالتوحيد والعدل. واعترض عليه في ذلك، فوضع نسخة أخرى ابتدأ فيها بالجليل من الكلام.
وكانت له حلقة في نيسابور، قبل خروجه إلى الريّ، يجتمع بها المتكلمون.
ب ـ « المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين » ـ منه نسخة في برلين برقم 5225.
وقد نشر الفصل الأول منه برَم Biram وترجمه إلى الألمانية، بعنوان:
Die atomistische substanzlehre aus dem Buch der streitfragen. Berlin, 1902.
وهذا الفصل الأول هو « الكلام في الجوهر ».
وراجع:
Horten: Die Philosophie des Abu Raschid (um 1068), aus dem arabischen uebersetzt und erlaeutert, Bonn, 1910.
2 ـ أبو محمد عبد الله بن سعيد اللبّاد.
أخذ عن القاضي، وكان خليفته في الدرس، وله كتب حسنة، منها كتاب « النكت »، وهو كتاب جيد.
3 ـ الشريف المرتضى أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي، ولد في رجب سنة 355 وتوفي سنة 436 ?.
أخو الشريف الرضي، الشاعر المشهور، وصاحب كتاب « الأمالي »

392

أو: « غرر الفوائد ودُرر القلائد1 ».
وهو شيعي امامي، ويميل إلى الإرجاء. أخذ عن قاضي القضاة عند انصرافه من الحج؛ وعن النصيبيني والمرزباني. وصـار نقيب العلويين في بغداد. راجع عنه: الثعـالبي « تتمة اليتيمة »، ? 1، ص 53 ـ 56؛ الباخرزي « دمية القصر » 75؛ الخطيب: « تاريخ بغداد »، ? 11، ص 402 وما يتلوها؛ ابن حجر: « لسان الميزان »، ? 4، ص 223 وما يليها.
4 ـ أبو القاسم البستي، اسماعيل بن أحمد. « أخذ عن القاضي. وله كتب جيدة. وكان جدلاً حاذقاً، ويميل إلى مذهب الزيدية. وناظر الباقلاني فقطعه، لأن قاضي القضاة ترفَّعَ عن مكالمته » (« طبقات المعتزلة »، ص 117).
5 ـ أبو الحسين محمد بن علي البصري.
أخذ عن القاضي، ودرس ببغداد. وكان جدلاً حاذقاً. وله مؤلفات عديدة:
أ ـ أشهرها: « المعتمد في أصول الفقه ».
وقد نشره حميد الله وحنفي ضمن مطبوعات « المعهد الفرنسي بدمشق » في جزئيْن.
ب ـ « تصفح الأدلّة ».
? ـ « نقض الشافي في الإمامة ».
د ـ « نقض نقض المقنع في الغيبة ».
ــــــــــــــ
1 منه مخطوطات في برلين برقم 8740/ 2، الاسكوريال، الفهرس الثاني برقم 1485، قلج علي في استانبول برقم 787، مراد ملاّ باستانبول برقم 1277، راغب باشا في استانبول برقم 711/ 2، فيض الله في استانبول برقم 1678، دار الكتب المصرية، الفهرس القديم، ? 4، 287. طبع حجر في طهران 1272، وفي القاهرة 1325 ?، وآخرها 1954 م في جزئيْن.

393

وكان أوفر أتباع أبي هاشم وقاضي القضاة حظاً من دراسة الفلسفة وعلوم الأوائل. ومن تلامذته محمود بن الملاحمي، مصنِّف « المعتمد الأكبر ». « وقد تابعهما خلق كثير من العلماء المتأخرين كالإمام يحيى بن حمزة وأكثر الإمامية. والفخر الرازي اعتمد رأيه في اللطيف وغيره » (ص 119).
6 ـ أبو محمـد الحسن بن أحمد بن متّويه. « أخـذ عن القاضي، وله كتب مشهورة « كالمحيط في أصول الدين » و« التذكرة في لطيف الكلام » (ص 119).
وهو الذي جمع ـ كما ذكرنا ـ « المجموع في المحيط بالتكليف » للقاضي عبد الجبار، إذ ورد في مخطوطاته: « وهـو من جمع الشيخ أبي محمد الحسن بن أحمد بن متويه. »
وتوفي ابن متويه في سنة 469 ?/ 1076 م.

مذهب القاضي عبد الجبار

من حسن حظ القاضي عبد الجبار ـ دون سائر المعتزلة ـ أن مقداراً وافراً من مؤلفاته قد وصل إلين،ا، وعلى رأسها: « المغني » (في 14 مجلداً)، و« شرح الأصول الخمسة »، و« المجموع من المحيط بالتكليف ». ومن شأن هذا توفير مادة غزيرة لعرض آرائه.
وإذا كانت هذه مزية كبرى، فإن لها وجهاً غير ملائم. ذلك أن ما ورد في هذه الكتب هو في الأغلب زبدة ما ذهب إليه كبار المعتزلة من واصل حتى الجبائيَّين. ولا بد أنه أحاط بقدر وافر من إنتاج أقطاب المعتزلة، وكان ميسوراً لديه يرجع إليه ويأخذ منه، وإنْ كان لا يشير

394

إلى ذلك إلاَّ في الفرط، ولا يكاد يعني بذكر مذاهب غير الجبائيين بالاسم، وعند الرد يذكر أسماء معتزلة آخرين لهم آراء لا يراها فيرد عليها، ويضطر من أجل ذلك إلى ذكر أسمائهم.
ولهذا كان الباحث في حيرة شديدة وهو يعرض آراء القاضي عبد الجبار الخاصة، التي انفرد بها دون سائر المعتزلة، لأن تمييز ما له خاصة وما لغيره أمرٌ مستحيل في معظم الأحوال، ولا سبيل إلى اتخاذ معيار يعين على هذا التمييز ولا إلى درجة محدودة. ولو أننا عرضنا ما ورد في كتبه من آراء غير منسوبة إلى أحد على أنها آراء خاصة به كان هو ابن بجدتها وسِنّ بكرها لظلمنا سائر المعتزلة وبالغنا مبالغة فاحشة في تقدير منزلته. ولو كانت لدينا كتب أو حتى بعض كتب أقطاب المعتزلة لهان الخطب، وأمكن تمييز ما له مما لهم، ولكن ما العمل، ولم تبق لنا غير كتبه هو وحده دون سائر أقطاب المعتزلة جميعاً؟
لعل أسلم طريقة هي أن نعرض ما ورد في كتبه تلك من آراء لم يسندها إلى قائل ولم نجدها منسوبة إلى غيره فيما بين أيدينا من مصادر، دون أن نقرر شيئاً عمن ابتكرها، بل ندع أمر من تنسب إليه مشكلةً مفتوحة للبحث باستمرار.
وما دامت المادة عندنا وفيرة، فسنسعى إلى عرض مذهبه بطريقة منظّمة ومستقصاة.

395


الله
1 ـ براهين وجوده

معرفة الله في الدنيا لا تتم بالبديهة والضرورة، بل باكتساب عقلي، أي بالنظر. والدليل على ذلك أنها تتم على طريقة واحدة ووتيرة مستمرة، لذا فإنه يجب أن تكون متولدة عن نظرنا. ويضاف إلى ذلك أنها تقع بحسب قصودنا ودواعينا، فهي محتاجة إلينا؛ ولا تقع إذن ضرورةً. ودليل ثالث: هو أنه لو كان العلم ضرورياً لوجب أن يكون من يعدم هذا العلم معذوراً في ذلك لأن ذلك ليس بإرادته. « وهذا يوجب في الكفار كلهم أن يكونوا معذورين في تركهم معرفة الله1 ». ورابعاً: أنه لو كان العلم به ضرورياً لوجب أن لا يختلف العقلاء فيه، كما لم يختلفوا في سائر الضروريات من سواد الليل وبياض النهار. ومن المعلوم أنهم مختلفون فيه: فمنهم من أثبت وجوده ومنهم من نفاه. وخامساً: لو كان العلم بالله ضرورياً لما أمكن نفيه عن النفس بشكٍ أو شبهة. « والمعلوم خلافُه. ولهذا فإنك تجد كثيراً ممن برز في الإسلام واشتهر به قد ارتدّ وكفر ونفى عن نفسه العلم بالله تعالى، كابن الراوندي
ــــــــــــــ
1 « شرح الأصول الخمسة »، ص 54.

396

وأبي عيسى الورّاق » (الموضع نفسه).
والله لا يعرف أيضاً بالمشاهدة، وإلاَّ لشاهده الناس عياناً.
إذن الله لا يعرف بالضرورة، ولا بالمشاهدة، فوجب أن نعرفه إذن بالنظر والاستدلال.
وقد قال البعض إنه يعرف بالتقليد؛ فأجاب عن ذلك القاضي عبد الجبار وقال: « إن التقليد هو قبول قول الغير من غير أن يطالبه بحجة وبينة حتى يجعله كالقلادة في عنقه. وما هذا حاله لا يجوز أن يكون طريقاً للعلم... والذي يدل على ذلك هو أن المقلِّد لا يخلو:
1 ـ إما أن يقلد أرباب المذاهب جملةً؛
2 ـ أو لا يقلد واحداً منهم، إذ لا معنى لتقليد بعضهم دون بعض، لفقد المزية والاختصاص. لا يجوز أن يقلد أرباب المذاهب جملة، لأنه يؤدي إلى اجتماع الاعتقادات المتضادات. فلم يَبْقَ إلاَّ أن لا يقلد واحداً منهم، ويعتمد على النظر والاستدلال1 » وهو المطلوب.
* * *
والعلم بالله أول الواجبات، لأن سائر الشرائع من قول وفعل لا تحسن إلاَّ بعد معرفة الله. ذلك لأن سائر الواجبات تتأخر عن معرفة الله.

الاستدلال بالأجسام على وجود الله

ويرى القاضي أن الدلالة المعتمدة في إثبات وجود الله هي القائمة على الأجسام. وأول من استدلّ بها على وجود الله هو أبو الهذيل بن العلاّف. وتابعه عليها بقية الشيوخ.
ــــــــــــــ
1 الكتاب نفسه، ص 61.

397

وتحرير هذه الدلالة هو أن نقول:
« إن الأجسام لم تنفك من الحوادث ولم تتقدمها.
وما لم يخلُ من المحدث يتقدمه يجب أن يكون محدثاً مثله » (ص 95). وتقوم هذه الدلالة على أربع دعاوى:
1 ـ أن في الأجسام معاني هي الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون؛
2 ـ أن هذه المعاني محدثة؛
3 ـ أن الجسم لم ينفك عنها ولم يتقدمها؛
4 ـ أنها إذا لم ينفك الجسمُ ولم يتقدمها وجب حدوثه مثلها.
وبعبارة أوضح: الأجسام لا تخلو من الحوادث، التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون
وهذه الحوادث مُحْدَثة
والجسم لا ينفك عنها ولا يتقدمها
وما دام الجسم لا ينفك عنها (= لا يخلو منها) ولا يتقدمها فيجب أن يكون حادثاً مثلها. ويأخذ القاضي في إثبات صحة كل دعوى من هذه الدعاوى الأربع:
الدعوى الأولى: وهي إثبات الأكوان التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون.
ذلك أن الجسم حصل مجتمعاً في حالٍ وكان يجوز أن يبقى مفترقاً. فلا بد من أمر خصص كونه مجتمعاً، وإلاَّ لم يكن بأن يحصل على هذا الوجه أولى من أن يحصل على وجه آخر.
وإذا قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون الجسم مجتمعاً لذاته، أو لما هو عليه في ذاته، دون حاجة إلى مخصص؟ فالرد على ذلك أنه « لو كان كذلك لوجب أن يكون مجتمعاً أبداً، ولا يكون مفترقاً أصلاً. ولأنه

398

لو كان كذلك لوجب أن يكون كل جزءٍ فيه مجتمعاً، لأن صفة الذات ترجع إلى الآحاد والأفراد دون الجُمَل. ولأنه لو كان كذلك، لوجب إذا افترق أن يكون مفترقاً لذاته، وأيضاً فكان يؤدي إلى أن يكون مجتمعاً على قصدنا مفترقاً دفعةً واحدة ـ وذلك محال. ولأنه لو كان كذلك لكان يجب أن لا يقف كونه مجتمعاً ـ على قصدنا ودواعينا. والمعلوم خلافه. ولأنه لو كان كذلك، لوجب في الأجسام كلها أن تكون مجتمعة لأنها متماثلة، والاشتراك في صفة من صفات الذات يوجب الاشتراك في سائر صفات الذات » (ص 99).
ويستمر القاضي في تفنيد كل الاعتراضات التي يتصور أن تثار ضد هذه الدعوى، وينتهي من هذا التفنيد الطويل المتشعب إلى إثبات الأكوان التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون.
الدعوى الثانية: وهي الكلام في حدوث الأعراض. والخلاف فيها مع أصحاب الكمون والظهور، « فإنهم ذهبوا إلى قدم الاجتماع والافتراق، وقالوا: إن الاجتماع متى ظهر كَمَنَ الافتراق، وإذا ظهر الافتراق كَمَنَ الاجتماع » (ص 104).
والقاضي يستدل على دعواه الثانية هذه بقوله إن العرض يجوز عليه العدم، بينما القديم لا يجوز أن يُعْدَم. والعرض لا يجوز أن يكون قديماً، فيجب أن يكون محدثاً، لأنه لا وسط بين هذين الوصفيْن: فإذا لم يكن على أحد الوصفيْن، كان على الآخر لا محالة.
والعرض يجوز عليه العدم، لأن « الجسم المجتمع إذا افترق فما كان فيه من الاجتماع لا يخلو:
1 ـ إما أن يكون باقياً فيه كما كان؛
2 ـ أو زائلاً عنه.
لا يجوز أن يكون باقياً فيه كما كان.

399

وإذا كان زائلاً فلا يخلو:
1 ـ إما أن يكون زائلاً بطريقة الانتقال.
2 ـ أو بطريقة العدم.
لا يجوز أن يكون زائلاً بطريقة الانتقال، لأن الانتقال محالٌ على الأعراض.
فلم يبق إلاَّ أن يكون زائلاً بطريقة العدم » (ص 104 ـ 105).
« وأما الدليل على أن القديم لا يجوز عليه العدم، فهو أن القديم قديمٌ لنفسه. والموصوف بصفة من صفات النفس لا يجوز خروجه عنها بحالٍ من الأحوال. وهذه الدلالة مبنية على أصلين:
أحدهما: أن القديم قديمٌ لنفسه؛
والثاني: أن الموصوف بصفة من صفات النفس لا يجوز خروجه عنها بحال من الأحوال. » (ص 107).
ودليل آخر هو أن القديم باق، والباقي لا ينتفي إلا بضدٍّ أو ما يجري مجرى الضد؛ فيجب أن لا ينقضي القديمُ أصلاً، لأنه لا ضدّ له ولا ما يجري مجرى الضد.
الدعوى الثالثة: وهي الكلام في أن الأجسام لا يجوز خلوّها من الأكوان التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون.
والخلاف فيها مع أصحاب الهيولى « وهم جماعة ذهبوا إلى أن الأعيان قديمة، والتراكيب محدثة؛ وعبروا عنها بعبارات هائلة نحو الاستقص، والبسيط، والطينة، والعنصر، والهيولى ـ إلى غير ذلك.
والدليل على صحة ما نقوله في ذلك هو أن الجسم لو جاز خلوه عن هذه المعاني، لجاز خلوه عنها الآن، بأن يبقى على ما كان عليه من الخلو ». مثل اللون فإنه وإن صحّ خلو الجسم منه لم يصحّ أن يخلو منه بعد وجوده فيه.

400

ودليل أيضاً آخر هو أن كل جسميْن إما أن يكون بينهما مسافة، أو لا يكون. فإن كان بينهما مسألة كانا مفترقيْن، وإن لم يكن كانا مجتمعين.
ودليل ثالث: إن الجسم لو خلا عن الاجتماع والافتراق لكان السائق إلى تكوينه لا يخلو من أن يكون إما الاجتماع، وإما الافتراق. فإن قيل: السائق إليه الاجتماع، قلنا: كيف يصح تجميع ما لم يكن مفترقاً من قبل؟ وإن قيل: السائق إليه الافتراق، قلنا: كيف يصحّ تفريق ما لم يكن مجتمعاً من قبل؟
الدعوى الرابعة: والكلام فيها في أن الجسم إذا لم ينفك عن هذه الحوادث التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون ـ وجب أن يكون محدثاً مثلها.
والدليل على صحة هذه الدعوى « أن الجسم إذا لم يَخْلُ من هذه الحوادث ولم يتقدمها، وجب أن يكون حظه في الوجود كحظها؛ وحظُّ هذه المعاني في الوجود أن تكون حادثة وكائنة بعد أن لم تكن. فوجب في الجسم أن يكون محدثاً أيضاً وكائناً بعد أن لم يكن، كالتوأمين إذا ولدا معاً وكان لأحدهما عشر سنين، فإنه يجب أن يكون للآخر أيضاً عشر سنين » (ص 113 ـ 114).
وبعد إثبات هذه الدعاوى الأربع أخذ القاضي في تفنيد الاعتراضات:
1 ـ وأولها أن يقال: إنَّ الجسم وإنْ لم يخل من الحوادث ولم ينفك عنها يجوز أن يكون مُحْدَثاً مثلها، « بأن يكون قد حدث فيه حادث، قبله حادث، وقبل ذلك الحادث حادث، إلى ما لا أول له.
ويرد على هذا بأن يقول: هذه مناقضة ظاهرة، لأن الحادث والمحدث سواء، والمحدَث لا بد له من مُحْدِث وفاعل؛ والفاعل المحدِث يجب أن يكون متقدماً على فعله؛ وما تقدم غيره لا يجوز أن

401

يكون مما لا أول لوجوده.
أو بعبارة أخرى: « لو كان الجسم قديماً لوجب أن يكون متقدماً على هذه المعاني المحدثة، لأن من حق القديم أن يكون متقدماً على ما ليس بقديم، كما أن من حق ما وجد منذ يومين أن يكون متقدماً على ما وجد منذ يوم. وقد عرفنا أن الجسم لا يجوز أن يكون متقدماً على هذه المعاني. فوجب أن لا يكون قديماً. وإذا لم يكن قديماً وجب أن يكون محدثاً، لأن الموجود يتردد بين هذين الوصفين، فإذا لم يكن على أحدهما كان على الآخر، لا محالة » (ص 114 ـ 115).

حجج القائلين بقدم العالم

2 ـ وثانيها حجج القائلين بقدم العالم، ويذكر القاضي منها:
1 ـ لو كان العالم مُحْدَثاً لاحتاج إلى مُحْدِث وفاعل. وفاعله، إذا حَصَل فاعلاً بعد أن لم يكن فاعلاً، فلا بدَّ من وجود معنى، له صار فاعلاً. وذلك المعنى إذا كان محدثاً احتاج إلى آخر؛ والكلام في مُحْدِثه كالكلام فيه. فيتسلسل إلى ما لا نهاية له. وهذا محال.
ويرد القاضي على هذه الحجة بأن يقول: « إن الفاعل ليس له، بكونه فاعلاً، حالٌ، بل المرجع به إلى أنه وجد من جهته ما كان قادراً عليه. وليس يجب إذا وجد من جهته ما كان قادراً عليه أن يكون هنالك معنى حتى يحتاج ذلك المعنى إلى مُحْدِث، ومُحْدِثُه إلى معنى آخر، فيؤدي على ما لا يتناهى. ألا ترى أن أحدنا في الشاهد يحصل فاعلاً بعد أن لم يكن فاعلاً، ولا يجب أن يكون هناك معنى؟ كذلك في مسألتنا. » (ص 115 ـ 116).
2 ـ وحجة ثانية هي « إنهم قالوا: لو كان العالم مُحْدَثاً لوجب

402

أن يكون له مُحْدِث وفاعل، وفاعله لا بد من أن يفعله لداعٍ وغرض. وذلك الداعي لا يخلو: إما أن يكون داعي الحاجة، أو داعي الحكمة. لا يجوز أن يكون داعي الحاجة؛ فلم يَبْقَ إلاَّ أن يكون داعي الحكمة. وداعي الحكمة هو علمه بحسنه وانتفاع الغير به. وذلك ثابتٌ فيما لم يزل. فوجب وجود العالم فيما لم يزل. وهذه شبهة أوردها ابن زكريا المتطبب الرازي.
والجواب عنه: أن داعي الحكمة لا يوجب الفِعْلَ؛ ألا ترى أن الواحد منّا مع كونه عالماً بحسن الصدقة قد يتصدق في وقت ولا يتصدق في وقت، ويتصدق في وقتٍ بدرهمٍ ولا يتصدق في وقتٍ بدرهم. فما ذكره جهلٌ ».
بهذا يرد القاضي عبد الجبار على حجة محمد بن زكريا الرازي، وردّه ضعيف، لأن المتصدق في الوقت دون الوقت أو بالقليل تارة والكثير أخرى إنما يفعل ذلك عن عجز عن فعل الأمثل وهو التصدق باستمرار وبالكثير دائماً، وهو الأليق بالله، خصوصاً والقاضي معتزلي، والمعتزلة يقولون بأن الله يفعل الأصلح.
3 ـ وحجة ثالثة « إنهم قالوا: لو كان العالم محدثاً لاستحال وجوده فيما لم يزل، فيجب أن يكون لاستحالته وجهٌ. ثم لا يخلو: إما أن يكون راجعاً إلى المقدور، أو إلى القادر. لا يجوز أن يكون راجعاً إلى المقدور وإلاَّ استحال وجوده فيما لم يزل؛ ـ ولا أن يكون راجعاً إلى القادر لهذا الوجه أيضاً. فيجب وجود العالم فيما لم يزل.
والأصل في الجواب عن ذلك أن هذا حُكْمٌ لا يُعَلَّل، كما في غيره من المواضيع: نحو الحلول وغيره.
وبعدُ، فلِمَ لا يجوز أن يكون لأمرٍ يرجع إلى المقدور؟ فإنه لو وُجد الجسم، فحينما لم يزل انقلب جنسه وصار المحدث قديماً. وذلك

403

محال. أو: لِمَ لا يجوز أن يكون لأمر يرجع إلى القادر؟ لو وجِد الجسم فيما لم يزل، قدح في كونه قادراً، لأن من حق القادر أن يكون متقدماً على فعله. ولو كان العالم موجوداً فيما لم يزل، لم يصحَّ هذا. » (ص 116 ـ 117).
4 ـ والحجة الرابعة « إنهم قالوا: لو كان العالم مُحْدَثاً، لوجب أن يكون القديم تعالى غير عالم بوجوده فيما لم يزل، ثم حصل عالماً بوجوده بعد أن لم يكن عالماً. وهذا يوجب أن يكون قد تغير حاله.
والأصل في الجواب عنه أن العلم بالشيء أنه سيوجد: علمٌ بوجوده إذا وُجِد. » (ص 117).
وهذا الرد فيه مغالطة ظاهرة، لأن علم الله بالشيء أنه سيوجد يتعلق ـ ضرورةً ـ بمعلوم موجود، لا بمعدوم. وما دام لم يوجد بعدُ فهو معدوم. فلا يصحّ إذن أن يقال إن العلم بالشيء أنه سيوجد هو عِلْمٌ بوجوده إذا وجد.
تلك هي الحجج الأربع التي أوردها ثم فندها القاضي عبد الجبار فيما يتعلق بقدم العالم.
وبهذا خيل له أنه أثبت أن العالم ليس قديماً، وأن الأجسام محدثة.
وما دامت « الأجسام محدثة فلا بد لهـا من محدث وفاعـل، وفاعلها ليس إلاَّ الله تعالى » (ص 118).
ويبرهن على الشطر الأول بما تدل عليه تصرفاتنا في الشاهد فإنها محتاجة إلينا ومتعلقة بنا، تحتاج إلينا لحدوثها. « فكل ما شاركها في الحِدَث وجب أن يشاركها في الاحتياج إلى مُحْدِث وفاعل. والأجسام قد شاركتها في الحدوث. فيجب احتياجها إلى محدث وفاعل. »
ويأخذ على عادته في سرد الاعتراضات والرد عليها. ثم ينتقل إلى الشطر الثاني وهو الكلام في أن فاعلها ليس إلا الله، فيقسّم تقسيماته

404

العقلية ويقول: لا يخلو: إما أن تكون قد أحدثت نفسها، أو أحدثها غيرها.
« لا يجوز أن تكون قد أحدثت نفسها لأن من حق القادر على الشيء أن يكون متقدماً على فعله. فلو كان الجسم هو الذي أحدث نفسه لزم أن يكون قادراً وهو معدوم... والمعدوم لا يجوز أن يكون قادراً...
وإن أحدثها غيرها فلا يخلو: إما أن تكون من فعل أمثالنا من القادرين بالقدرة، أو من فعل فاعلٍ مخالفٍ لنا. لا يجوز أن تكون من فعل أمثالنا من القادرين بالقدرة، لأنه لو كان كذلك لصحّ منا أيضاً فعلُ الجسم، وهذا يوجب أن يصحّ من الواحد منّا أن يخلق لنفسه ما شاء من الأموال والبنين. والمعلومُ خلافه » (ص 119).
« فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون الجسم قد حدث بالطبع؟
قلنا: لأن الطبع غير معقول. ثم إنّا نقول لهم: وما تعنون بالطبع؟ أتريدون به الفاعل المختار، أم تريدون به معنى موجباً؟ فإذا أردتم به الفاعل المختار فهو الذي نقوله. وإن أردتم به المعنى الموجب، فلا يخلو: إما أن يكون معدوماً، أو موجوداً. ولا يجوز أن يكون معدوماً لأن المعدوم لا حظّ له في الإيجاب. وإذا كان موجوداً فلا يخلو: إما أن يكون قديماً، أو محدثاً. لا يجوز أن يكون محدثاً لأنه يحتاج إلى طبع آخر، والكلام في ذلك الطبع كالكلام فيه، فيتسلسل لما لا يتناهى، وذلك محال. ولا يجوز أن يكون قديماً، لأنه لو كان كذلك للزم قدم العالم، لأن حق المعلوم أن لا يتراخى عن العلّة. وقد بينا أن العالم لا يجوز أن يكون قديماً...
فإن قيل: أين أنتم عن القائلين بالنفس والعقل، وعمن يقول بإثبات علّة كنى بها عن الباري؟ وكذلك فأين أنتم عن أصحاب النجوم الذين أضافوا هذه الحوادث إلى تأثيرات الكواكب؟

405

والأصل في الجواب عن ذلك أن القول بالنفس والعقل والعلّة إشارة إلى ما لا يعقل، لأن العقل في الشاهد يدل على فاعل مختار حتى صار كالحقيقة فيه، فلا يتغيّر شاهداً وغائباً. ولو أنهم أرادوا بذلك ـ الفاعل المختار، فلا مُشاحَّة بيننا وبينهم إلاَّ في العبارة: والمرجع فيها إلى أرباب اللسان وأهل اللغة، ومعلومٌ أنهم لا يسمّون الفاعل نفساً ولا عقلاً ولا علة.
وأما أصحاب النجوم ـ الذين أضافوا هذه الحوادث إلى تأثيرات الكواكب ـ فقد أبعدوا. وذلك لأن هذه النجوم ليست بأحياءٍ فضلاً عن أن تكون قادرة، والفاعل المختار لا بد من أن يكون حياً قادراً. يبين ما ذكرناه ويوضحه أن الشمس على ما هي عليه من الحرارة لا يصح أن تكون حيّة، لأن الحياة تحتاج إلى بنية مخصوصة هي اللحمية والدمية، وهي مفقودة فيها. وبعدُ، فلو كانت الشمس قادرة، لوجب وقوع الاختلاف في تصرفاتها فتطلع تارةً من الشرق، وتارةً من الغرب. ومعلومٌ أنه لا اختلاف في حركاتها، بل هي على طريقة واحدة ووتيرة مستمرة. على أنّا نعلم من وحي النبي ـ صلعم ـ ومن دين الأمة ضرورةً أنها مسخرة مُدَبّرة غير حية ولا قادرة. ففسد ما قالوه. » (ص 120 ـ 121).
ولا نرى في هذه الآراء أثراً للفارابي، لا سلباً ولا إيجاباً، ولا يذكرهُ بالاسم. وحتى إشارته إلى « القائلين بالنفس والعقل » وإلى « من يقول بإثبات علة كنى بها عن الباري » ـ لا يمكن أن تنصرف إلى الفارابي، بل تصلح أن تشير إلى مذهب إخوان الصفا ومذاهب الإسماعيلية بطريقة عامة مبهمة.
ويبدو من سائر مؤلفات القاضي عبد الجبار الباقية لدينا أنه لا يشير إلى الفارابي إطلاقاً، ولا يشير إلى فلاسفة الإسلام إلاَّ بعبارات غامضة

406

لا يمكن تحديد انطباقها على فيلسوف بالذات، اللهم إلاَّ محمد بن زكريا الرازي. ويظهر أنه كان قليل البضاعة جداً من الفلسفة، فحتى حجج الكندي في بداية العالم وعدم لا نهائيته لا يظهر لها أي أثر لديه، مع أنها كانت تفيده فيما ذهب إليه. كل هذا بالرغم من أنه عاش في فترة زاخرة جداً بالأفكار الفلسفية في العالم الإسلامي، وفي بيئة الصاحب بن عباد ومدينة الريّ، حيث انتشرت علوم الفلسفة.

صفات الله

يقسم القاضي صفات الله إلى: صفات يختص بها على وجه لا يشاركه فيه غيره، مثل كونه قديراً وغنياً، وإلى صفات يشاركه غيره في نفسها، ويخالفه في كيفية استحقاقه لها، نحو كونه قادراً، عالماً، حياً، موجوداً؛ وإلى صفات يشاركه فيها غيره في نفس الصفة وفي جهة الاستحقاق، نحو كونه مدركاً ومريداً وكارهاً، فإن الله مدرك لكونه حياً بشرط وجود المدرك، كذلك الواحد منا. وكذلك هو مريد وكاره بالإرادة والكراهية، وكذلك الواحد منا، إلاَّ أن ثمّ فرقاً هو أن القديم تعالى حيٌّ لذاته فلا يحتاج إلى حاسة، ومريد وكاره بإرادة وكراهة موجودتيْن لا في محل، بينما الواحد منا مريد وكاره لمعنييْن محدثيْن في قلبه1.

1 ـ الله قادر
وأول ما يعرف استدلالاً من صفات الله إنما هو كونه قادراً، وما
ــــــــــــــ
1 « شرح الأصول الخمسة »، ص 130 ـ 131.

407

عداه من الصفات يترتب عليه. لأن الدلالة التي دلت على أنه هو المحدث للعالم، دلت على كونه قادراً من غير واسطة. وليست الحال كذلك في سائر الصفات، لأننا نحتاج فيها إلى واسطة أو واسطتيْن أو وسائط.
فالدليل على القدرة صفةً لله أنه صحّ منه الفعل، وصحة الفعل تدل على كونه قادراً.
والله قادر فيما يزال لأنه يستحق هذه الصفة لنفسه « والموصوف بصفة من صفات النفس لا يجوز خروجه عنها بحال من الأحوال. » (ص 155).
والغريب أن يقرر القاضي هذه القضية مع إنكاره قدم العالم بقدم القادر الصانع!

2 ـ الله عالم
الله عالم لأنه صحّ منه الفعل المحكم، وصحة الفعل المحكم دليلٌ على كونه عالماً. والفعل المحكم هو كل فعل واقع من فاعل على وجهٍ لا يتأتى من سائر القادرين، وفي الأكثر إنما يظهر ذلك في التأليف، بأن يقع بعض الأفعال إثر بعض.
« وهذه الدلالة مبنية على أصليْن:
أحدهما: أنه تعالى قد صحّ منه الفعل المحكم؛
والثاني: أن صحة الفعل المحكم دلالة كونه عالماً.
أما الذي يدل على أنه تعالى قد صحّ منه الفعل المحكم فهو خلقه للحيوانات مع ما فيها من العجائب وإدارته للأفلاك وتركيب بعضها على بعض، وتسخيره الرياح، وتقديره الشتاء والصيف...
وأما الذي يدل على أن صحة الفعل المحكم دلالة كونه عالماً فهو أنا وجدنا في الشاهد قادرين: أحدهما قد صح منه الفعل المحكم كالكاتب،

408

والآخر تعذر عليه كالأمي. فمن صحّ منه ذلك فارق من تعذر عليه بأمر من الأمور، وليس ذلك الأمر إلاَّ صفة ترجع إلى الجملة وهي كونه عالماً، لأن الذي يشتبه الحال فيه ليس إلاَّ كونه ظاناً ومعتقداً، وذلك مما لا تأثير له في إحكام الفعل. ألا ترى أن أحدنا في أول ما يمارس الكتابة ويتعلمها قد يظنها ويعتقدها، ثم لا يتأتى منه إيقاعها على هذا الوجه المخصوص. فصحّ بهذا أن يكون صحة الفعل المحكم دلالة كونه عالماً في الشاهد. وإذا ثبت ذلك في الشاهد ثبت في الغائب، لأن طرق الدلالة لا تختلف غائباً وشاهداً » (« شرح الأصول الخمسة »، ص 156 ـ 157).
وهنا قد يعترض بأن في أفعال الله ما لا يظهر فيه الإحكام والاتساق، مثل كثير من الصور القبيحة الناقصة.
والرد على هذا أن يقال: إن ما ليس بمحكم من الأفعال قد يوجد من العالِمِ، كما قد يوجد ممن ليس بعالم. وليس يجب إذا وجد في أفعال الله ما لا يظهر فيه الإحكام والاتساق أن يدل على أنه ليس بعالم، وإنما يدل على كونه قادراً فقط.
« فإن قيل: إذا كان الله قادراً على أن يخلق هذه الصور في غاية الحسن والتمام، فما الوجه في خلقها ناقصة قبيحة؟
قلنا: الغرض حِكمي (أي لحكمةٍ).
فإن قيل: وما ذلك الغرض؟
قلنا: ليكون لطفاً لنا في أداء الواجبات. يبين ذلك ويوضحه أن الله تعالى إذا خلقنا وأنعم علينا بضروب النعم وكلفنا الشكر عليها، فلا بدَّ من أن يفعل بنا ما نكون عنده أقرب إلى أداء الشكر عليها. فقد خلق هذه الصور غير تامة ليدعونا إلى الشكر على النعم، إذ المعلوم أن أحدنا إذا رأى صورة ناقصة قبيحة فإنه يكون عند ذلك أقرب إلى أداء الشكر

409

الواجب على تحسين صورته وإتمام خلقه » (ص 158 ـ 159).
ومعنى هذا أن السبب في إيجاد الله للصور القبيحة هو أن تكون هذه منبهة ذوي الصور الحسنة للشكر على ما أنعم الله عليهم!
وهو تعليل واهٍ، غير جدير بمن يرى أن على الله فعل الأصلح. وإلاَّ فمعناه أن الله خلق المرض ليشكره الصحيح على صحته، وخلق القبح ليشكره الخَيِّر على الخَيْر، وخلق الفقر ليشكره الغنيُّ على الغِنَى! ومن الواضح أنه لا يمكن أن يكون الطريق إلى فعلٍ حسنٍ أمراً قبيحاً.

3 ـ الله حيّ
لما ثبت أن الله عالم قادر، وجب أن يكون حياً.
والدلالة هنا مبنية على أصلين:
الأول: أن الله عالم قادر؛
الثاني: أن العالم القادر لا يكون إلاَّ حياً.
والأصل الأول سبق البرهان عليه. « أما الثاني فهو أنّا نرى في الشاهد ذاتيْن: أحدهما صحّ أن يقدر ويعلم كالواحد منا؛ والآخر لا يصح أن يقدر ويعلم كالجماد. فمن صحّ (له) ذلك فارق من لا يصح (له ذلك) من الأمور، وليس ذلك الأمر إلاَّ صفة ترجع إلى الجملة وهي كونه حيـاً. فإذا ثبت هذا في الشاهد، ثبت في الغائب، لأن طرق الدلالة لا تختلف شاهداً وغائباً » (ص 161).

4 ـ الله موجود
وإثبات هذه الصفة مثل إثبات صفة الحياة بأن يقال إنه عالم قادر، والعالم القادر لا يكون إلاَّ موجوداً.

410

والموجود هو المختص بصفةٍ تظهر عندها الصفات والأحكام.
وكان أبو عبد الله الحسين بن علي البصري يعرّف الموجـود بأنه: الكائن الثابت. وبهذا أيضاً كان يقول المعتزلة البغداديون. ويعترض القاضي على هذا التعريف لأن قولنـا: « موجود » ـ أظهر منه، ومن حق الحدّ أن يكون أظهر من المحدود. ثم إن في هذا التعريف تكراراً، لأن الكائن هو الثابت، والثابت هو الكائن. ويلاحظ ثالثاً « أن الكائن إنما يستعمل في الجوهر الذي حصل في حيّز، فكيف يصح تحديد الموجود به » (ص 176).

5 ـ الله قديم
القديم ـ كما قلنا من قبل ـ هو في اصطلاح المتكلمين: ما لا أول لوجوده، والله هو الموجود الذي لا أول لوجوده، ولهذا وصف بأنه قديم.
والدليل على ذلك أنه « لو لم يكن قديماً كان محدثاً، لأن الموجود يتردد بين هذين الوصفين، فإذا لم يكن أحدهما كان على الآخر لا محالة. » فلو كان القديم تعالى مُحْدَثاً لاحتاج إلى مُحْدِث، وذلك المحدث إما أن يكون قديماً أو محدثاً. فإن كان محدَثاً كان الكلام في محدثِه كالكلام فيه. فاما أن يُنْتَهَى إلى صانعٍ قديم على ما نقوله، أو يتسلسل إلى ما لا نهاية ولا انقطاع من المحدثين ومحدثي المحدثين. وذلك يوجب أن لا يصح وجود شيء من هذه الحوادث. وقد عُرِف خلافُه.
فإن قيل: ومن أين ذلك؟
قلنا: لأن ما وقف وجوده على وجود ما لا انقطاع له ولا تناهِيَ ـ لم يصح وجوده، ويقتضي ما ذكرناه من استحالة حدوث شيء من هذه الحوادث. ألا ترى أن أحدنا لو قال: لا آكل هذه التفاحة ما لم آكل تفاحات لا تتناهى، لم يصح أكله لهذه التفاحة قط، لمّا وقف

411

ذلك على وجود ما لا يتناهى. كذلك لو قال إني لا أدخل هذه الدار حتى أدخل دوراً لا تتناهى، فإنه لا يدخلها البتة لما ذكرناه. فلما وجدت هذه الحوادث صح إنها مستندة إلى صانع قديم تنتهي إليه الحوادث » (ص 181 ـ 182).

كيفية استحقاق الله لهذه الصفات

ذكرنا من قبل في مواضع عدة الخلاف في هذه المسألة. وحسبنا هنا أن نذكر أن القاضي عبد الجبار أخذ بمذهب أبي علي الجبائي وهو أن الله تعالى يستحق الصفات الأربع التي هي كونه: قادراً، عالماً، حياً، موجوداً ـ يستحقها لذاته. وكان ابنه أبو هاشم يقول إنه يستحقها لما هو عليه في ذاته. وكان أبو الهذيل يقول إنه تعالى عالم بعلم هو هو « وأراد به ما ذكره الشيخ أبو علي، إلاَّ إنه لم تتلخص له العبارة1 ».
ويفند القاضي رأي الأشعري الذي « أطلق القول بأنه تعالى يستحق هذه الصفات لمعان قديمة، لوقاحته وقلة مبالاته بالإسلام والمسلمين » (الموضع نفسه) ـ فيقول « إنه تعالى لو كان يستحق هذه الصفات لمعان قديمة ـ وقد ثبت أن القديم إنما يخالف مخالفه بكونه قديماً، وثبت أن الصفة التي تقع بها المخالفة عند الافتراق بها تقع المماثلة عند الاتفاق، وذلك يوجب أن تكون هذه المعاني مِثْلاً لله تعالى، حتى إذا كان القديم تعالى عالماً لذاته، قادراً لذاته ـ وجب في هذه المعاني مثله، ولوجب أن يكون الله تعالى مثلاً لهذه المعاني ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً،
ــــــــــــــ
1 « شرح الأصول الخمسة »، ص 183.

412

لأن الاشتراك في صفة من صفات الذات يوجب الاشتراك في سائر الصفات؛ بل كان يجب أن يكون كل واحد مِثلاً لصاحبه، وكان يلزمهم العلمُ بصفة الحياة والقدرة وغيرها، حتى يقع الاستغناء بواحدة منها عن سائرها » (ص 195 ـ 196).
ويبين القاضي الأصول التي يقوم عليها هذا البرهان، ويبرهن عليها، ويرد على ما يرد عليها من إلزامات.
وجملة القول أنه « لو كان الله حياً بحياة، والحياة لا يصح الإدراك بها إلاَّ بعد استعمال محلها في الإدراك ضرباً من الاستعمال، لوجب أن يكون القديم تعالى جسماً. وذلك محال. وكذلك الكلام في القدرة، لأن القدرة لا يصح الفعل بها إلاَّ بعد استعمال محلها في الفعل أو في سببه ضرباً من الاستعمال، فيجب أن يكون الله تعالى جسماً ومحلاً للأعراض. وذلك لا يجوز » (ص 200 ـ 201).

ما يجب نفيه عن الله من الصفات

أ ـ الله لا يجوز أن يكون جسماً
ويتحدث القاضي عبد الجبار عما يجب نفيه عن الله من الصفات؛ وأول ذلك أنه لا يجوز أن يكون جسماً. ويعرف الجسم بأنه « ما يكون طويلاً عريضاً عميقاً، ولا يحصل فيه الطول والعرض والعمق إلاَّ إذا تركب من ثمانية أجزاء: بأن يحصل جزآن في قبالة الناظر ويسمى طولاً وخطاً، ويحصل جزآن آخران عن يمينه ويساره منضمان إليهما، فيحصل العرض ويسمى سطحاً أو صفحة. ثم يحصل فوقها أربعة أجزاء مثلها

413

فيحصل العمق. وتسمى الثمانية أجزاء المركبة على هذا الوجه جسماً. » (ص 217).
والدليل على أن الله لا يمكن أن يكون جسماً هو أنه لو كان الله جسماً لكان محدثاً. وقد أثبتنا أن الله قديم. فلا يمكن أن يكون جسماً. ذلك أن الأجسام كلها يستحيل انفكاكها من الحوادث التي هي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون. وما لم ينفك من الحوادث يجب أن يكون حادثاً لا محالة.
وللمخالف في هذا الباب شُبَهٌ من جهة العقل، وأخرى من جهة السمع.
أما الشبه التي من جهة العقل فهي:
1 ـ قالوا أولاً: قد ثبت أنه تعالى قادر، والعالم القادر لا يكون إلاَّ جسماً، دليله الشاهد. ويرد على هذه الشبهة فيقول: « إن الواحد منا إذا كان عالماً قادراً فيجب أن يكون جسماً، لعلةٍ، وتلك العلة مفقودة في حق القديم تعالى، وهو أن أحدنا عالم بعلم وقادر بقدرة، والعلم والقدرة يحتاجان في الوجود إلى محل مبني ببنية مخصوصة. والمحل المبني على هذا الوجه لا بدَّ من أن يكون جسماً. وليس كذلك القديم تعالى، لأنه عالِمٌ لذاته، قادرٌ لذاته؛ فلا يجب إذا كان عالماً قادراً أنْ يكون جسماً » (ص 225).
2 ـ وقالوا أيضاً: « المعقول إما الجسم، وإما العَرَض. والقديم تعالى يستحيل أن يكون عَرَضاً. فيجب أن يكون جسماً ».
ويرد على هذه الشبهة فيقول: « ما تعنون بالمعقول؟ إن أردتم المعلوم فيه وقع النزاع. وهلا جاز أن يكون هاهنا ذاتٌ معلومٌ مخالف للأجسام والأعراض، وهو القديم تعالى؟ وإن أردتم به ما يمكن اعتقاده، فهو نفس التنازع فيه أيضاً. وهلا جاز أن يكون ها هنا ذاتٌ يمكن اعتقاده ولا يكون جسماً ولا عرضاً، وهو الله تعالى؟ » (ص 225).

414

وأما الشبه التي من جهة السمع فكثيرة:
1 ـ منها قوله تعالى: « الرحمن على العرش استوى » (سورة طه، آية 5) قالوا: الاستواء هو القيام والانتصاب، وهاتان من صفات الأجسام، فيجب أن يكون الله جسماً.
والرد على هذا أن يقال إن الاستواء هنا بمعنى الاستيلاء والغلبة، وذلك مشهور في اللغة، قال الشاعر:

فلما علونا واستوينا عليهم تركناهُمُ صَرعى لنَسرٍ وكاسر

وقال آخر:
قد استوى بشرٌ على العراق من غير سيفٍ ودمٍ مُهْراق فالحمد للمهيمن الخلاّق
ويمكن أن يقال أيضاً إلى العرش هنا بمعنى المُلك، وذلك ظاهر في اللغة إذ يقال: تُلَّ عرش بني فلان، أي زال ملكهم. وقال الشاعر:

إذا ما بنوا مروان ثُلَّثْ عروشهم وأوْدَتْ كما أوْدَتْ إيادٌ وحِمْيَرُ

2 ـ ومنها قوله تعالى: « ولتصنع على عيني » (سورة طه، آية 39) قالوا: أثبت لنفسه العين، وذو العين لا يكون إلا جسماً.
والجواب على ذلك أن المراد به: لتقع الصنعة على علمي. إذ العين تورد بمعنى العلم، يقال: جرى هذا بعيني، أي: جرى بعلمي.
3 ـ وتعلقوا بقوله تعالى: « كل شيء هالكٌ إلاَّ وجهه » (سورة القصص، آية 88) قالوا: فأثبت لنفسه الوجه، وذو الوجه لا يكون إلاَّ جسماً.
والجواب عن هذا أن المراد به هو: كل شيء هالكٌ إلاَّ ذاته، أي نفسه. والوجه بمعنى: الذات ـ مشهورٌ في اللغة؛ يقال: وجه هذا الثوب جيد، أي ذاته جيدة.

415

4 ـ وتعلقوا بقوله تعالى: « لِما خَلَقْتُ بيديَّ استكْبَرْتَ » (سورة ص، آية 75) قالوا: فأثبت لنفسه اليدين؛ وهذا يدل على كونه جسماً.
والجواب عنه أن اليدين هاهنا بمعنى القوة، وذلك ظاهر في اللغة، يقال ما لي على هذا الأمر يد، أي قوة. وهذا مستعمل في اللغة، قال الشاعر:

فقالا شفاك الله! والله ما بنا لما حملت منك الضلوع يدان

5 ـ وتعلقوا بقوله تعالى: « بل يداه مبسوطتان » (سورة المائدة 64) قالوا: فأثبت لنفسه اليد، وذو اليد لا يكون إلاّ جسماً.
والجواب عن ذلك أن اليد ها هنا بمعنى النعمة وهو ظاهر كثيراً في اللغة.
6 ـ وبقوله تعالى: « يا حسرتا على ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ الله » (سورة الزمر، آية 56) قالوا: وذو الجنب لا يكون إلاَّ جسماً.
والجواب عنه أن الجنب معناه هنا: الطاعة، وذلك مشهور في اللغة، يقال: اكتسبت هذه الحال في جنب فلان، أي في طاعته وخدمته.
7 ـ وبقوله تعالى: « والسموات مطويّات بيمنيه » (سورة الزمر، آية 67) قالوا: وذو اليمين لا يكون إلاَّ جسماً.
والجواب أن اليمين هنا بمعنى القوة، وهذا ظاهر في اللغة، قال الشاعر:

رأيت عَرَابةَ الأوسيّ يسـمو إلى العليـاء منقطع القرين إذا ما رايـة رفعت لمجـدٍ تلقـاها عرابـة باليميـن
8 ـ وتعلقوا بقوله تعالى: « وجاء ربك » (سورة الفجر، آية 22) قالوا: فالله وصف نفسه بالمجيء، والمجيء لا يُتصوَّر إلاَّ من الأجسام.
والجواب عن ذلك أن الله ذكر نفسه وأراد غيره جرياً على عادتهم في حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما قال تعالى: « واسأل القرية » (سورة يوسف، آية 82) يعني: أهل القرية.

416

ب ـ الله لا يجوز أن يكون عَرَضاً
كذلك لا يجوز أن يكون الله عَرَضاً. والعرض في الاصطلاح هو ما يَعْرِض في الوجوه، ولا يجب لُبْثُه كلُبث الجواهر والأجسام.
لأنه لو كان الله عرضاً « لكان لا يخلو: إما أن يكون شبيهاً بالأعراض جملةً، وذلك يقتضي كونه على صفات متضادة ـ وذلك محال، أو يكون شبيهاً ببعضها دون بعض ـ وذلك يقتضي أن يكون القديم تعالى محدثاً مثلها، أو هي قديمة مثل الله تعالى. وكلا القوليْن فاسد، لأنّا قد بيّنا قِدَم القديم وحدوث الأعراض.
« وإن شئت قلت: الأعراض على ضربيْن: باقٍ، وغير باقٍ. ولا يجوز أن يكون القديم تعالى من قبيل ما لا يبقى لما قد مرّ من قبل، ولا أن يكون من قبيل ما يبقى لأنه ما من شيء منها إلاَّ وهو مختص بحكم، وذلك الحكم مستحيل على الله تعالى » (ص 231).
وبالجملة، الأعراض حادثة، والله قديم، فلا يمكن أن يكون الله عَرَضاً.

? ـ لا يجوز رؤية الله
كان الأشعرية يقولون « إن الله تعالى يكون مرئياً للمؤمنين في الآخرة. وقالوا بجواز رؤيته في كل حال ولكل حيّ من طريق العقل، ووجوب رؤيته للمؤمنين خاصة في الآخرة من طريق الخبر. وهذا خلاف قول من أحال رؤيته من القدرية (= المعتزلة) والجهمية، وخلافُ قولِ مَن زعم أنه يرى في الآخرة بحاسّة سادسة كما ذهب إليه ضرار بن عمرو، وخلاف قول من زعم أن الكفرة أيضاً يرونه كما قال ابن سالم البصري1 »،
ــــــــــــــ
1 عبد القاهر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 202. القاهرة 1948.

417

رئيس السالمية، وهي فرقة من المشبّهة.
وقد اجتمعت المعتزلة على أن الله لا يرى بالأبصار؛ ثم اختلفوا هل يرى بالقلوب:
« فقال أبو الهذيل وأكثر المعتزلة: إن الله يُرَى بقلوبنا، بمعنى أنّا نعلمه بها. وانكر ذلك الفُوطي وعبّاد (بن سليمان).
وقالت المعتزلة والخوارج وطوائف من المرجئة وطوائف من الزيدية: إن الله لا يُرَى بالأبصار في الدنيا والآخرة، ولا يجوز ذلك عليه1. »
وقد استدل القاضي على صحة رأي المعتزلة ـ بالعقل والسمع معاً.
الاستدلال بالسمع:
بدأ بأن استشهد بالآية: « لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير » (سورة الأنعام، آية 103) وقال: « وجه الدلالة في الآية هو ما قد ثبت من أن الإدراك إذا قُرِن بالبصر لا يحتمل إلاَّ الرؤية؛ وثبت أنه تعالى نفى عن نفسه إدراك البصر، ونجد في ذلك تمدحاً راجعاً إلى ذاته. وما كان في نفيه تمدح راجع إلى ذاته كان إثباته نقصاً، والنقائص غير جائزة على الله تعالى في حالٍ من الأحوال.
فإن قيل: ولِمَ قلتم إن الإدراك إذا اقترن بالبصر لم يحتمل إلاَّ الرؤية؟
قلنا: لأن الرائي ليس بكونه رائياً حاله زائدة على كونه مدركاً، لأنه لو كان أمراً زائداً عليه لصحّ انفصال أحدهما عن الآخر، إذ لا علاقة بينهما من وجهٍ معقول. والمعلوم خلافه ». (« شرح الأصول الخمسة »، ص 233 ـ 234).
ووجه التمدح هنا هو كون الله رائياً دون أن يُرى.
ويستدل القائلون برؤية الله ـ بالآية: « وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة » (سورة القيامة، آية 23).
ــــــــــــــ
1 الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 265. القاهرة 1950.

418

ويرد القاضي على استدلالهم بهذه الآية فيسألهم: « ما وجه الاستدلال بالآية؟ فإن قالوا: إنه تعالى بيّن أن الوجوه يوم القيامة تنظر إليه، والنظر هو بمعنى الرؤية ـ قلنا: لسنا نُسلّم أن النظر بمعنى الرؤية؛ فما دليلكم عليه؟ ـ فلا يجدون إلى ذلك سبيلاً.
ثم يقال لهم: كيف يُعْلَم أن يكون النظر بمعنى الرؤية، ومعلوم أنهم يقولون: نظرت إلى الهلال فلم أره. فلو كان أحدهما هو الآخر لتناقض الكلام ونَزّل منزلة القائل: رأيتُ الهلال وما رأيت، وهذا تناقض فاسد.
وبعدُ، فإنهم يجعلون الرؤية غاية للنظر، فيقولون: نظرتُ حتى رأيت. فلو كان أحدهما هو الآخر لكان أحدهما بمنزلة أن يجعل الشيء غايةً لنفسه. وذلك لا يجوز. ولذلك لا يصحّ أن يقال: رأيت حتى رأيت.
وبعدُ، فإنهم يعقبون النظر بالرؤية فيقولون: نظرت فرأيت. فلو كان أحدهما هو الآخر، لكان في ذلك تعقيب الشيء بنفسه، وينزل منزلة قولك: رأيت فرأيت. وهذا لا يستقيم.
وبعدُ، فإنهم ينوّعون النظر فيقولون: نظرتُ نظر راضٍ، ونظرت نظر غضبان، ونظرت نظر شزر. وعلى هذا قال الشاعر:

نظروا إليـك بأعيـن مزوّرة نظر التيوس إلى شِـفار الجـازر1
وقال آخر:

تخبّرني العينان ما الصدر كاتم وما جَنَّ2 بالبغضاء والنظر الشزر ــــــــــــــ
1 شفار: جمع شفرة: نصل، سكين.
2 جنَّ: ستر.

419

ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: « وتراهم ينظرون إليك وهم لا يُبْصِرون » (الأعراف 198) ـ أثبت النظر ونفى الرؤية. فلو كان أحدهما بمعنى الآخر لتناقض الكلام، ونزل منزلة قول القائل: يرونك ولا يرونك. وهذا خُِِلفٌ من الكلام.
فإن قيل: إن ذلك مجاز لأنه ورد في شأن الأصنام، قلنا: إنه وإنْ كان كذلك، إلاَّ أن المجاز كالحقيقة في أنه لا يصح التناقض فيه.
وحاصل هذه الجملة أن النظر من الرؤية بمعنى الإصغاء من السماع، والذوق من إدراك الطعم، والشمّ من إدراك الرائحة...
فإن قيل: النظر المذكور في الآية إذا لم يُفدْ الرؤية فما تأويل الآية؟
قيل له: قد قيل إن النظر المذكور ها هنا بمعنى: الانتظار، فكأنه تعالى قال: وجوه يومئذ ناضرة، لثواب ربها منتظرة. والنظر بمعنى الانتظار قد ورَد، قال تعالى: « فَنَظِرةٌ إلى ميسرة » (البقرة 280)، أي: فانتظارٌ. وقال عزّ وجلّ فيما حكى عن بلقيس: « فناظرة بم يرجع المرسلون » (النمل 35) أي: منتظرة. وقال الشاعر:

فإن يَكُ صدرُ هـذا اليـوم ولّى فـإن غـداً لنـاظره قـريب أي: لمنتظره.

وقال آخر:

وإنّ امرءاً يرجو السبيل إلى الغنى بغيرك عن حدّ الغنى حد جابر تراه على قربٍ، وإن بعد المـدى بأعيـن آمــالٍ نـواظـر
وقال آخر:

وجـوهٌ يوم بدرٍ ناظـراتٌ إلى الرحمـنُ يأتي بالخـلاص »
ذلك هو التأويل الأول. وتأويل ثانٍ هو « أن النظر بمعنى تقليب الحدقة الصحيحة »، فكأنه تعالى قال: « وجوه يومئذ ناظرة » ـ ذكر

420

نفسه وأراد غيره، كما قال في موضع آخر « واسأل القرية » أي أهل القرية، وقال: « إني ذاهب إلى ربي » أي إلى حيث أمرني ربي، وقال: « وجاء ربك » أي وجاء أمر ربك. وقال عنترة:

هلا سألتِ الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلةً بما لم تعلمي
أي: أرباب الخيل. وقال آخر:

سَلِ الرَّبْعَ أنّى يممَتْ أمُّ مالك وهل عـادةٌ للرَّبْع أن يتكلَّما
والتأويلان مرويان عن أمير المؤمنين عليه السلام، وعن عبد الله بن عباس، وجماعة من الصحابة والتابعين.
قالوا على التأويل: إن هذه الآية وردت في شأن أهل الجنة؛ فكيف يجوز أن يكون بمعنى الانتظار، لأن الانتظار يتضمن الغم والمشقة، ويؤدي إلى التنغيص والتكدير، حتى يقال في المثَل: الانتظار يورث الاصفرار، والانتظار (هو) الموت الأحمر. وهذه الحالة غير جائزة على أهل الجنة.
وجوابنا: أن الانتظار لا يقتضي تنغيص العيش على كل حال، وإنما يوجب ذلك متى كان المنتظر لا يتعين وصول ما ينتظره إليه، أو يكون في حَبْس ولا يدري متى يتخلص من ذلك، وهل يتخلص أم لا، فإنه والحال هذه يكون في غم وحسرة. فإما إذا تيقن وصوله فلا يكون في غم وحسرة، خاصة إذا كان في حال انتظاره في أرغد عيش وأهنأه. ألا ترى أن من كان على مائدة وعليها ألوان الطعام اللذيذة يأكل منها ويلتذ بها، وينتظر لوناً آخر ويتيقن وصوله إليه، فإنه لا يكون في تنغيص ولا تكدير، بل يكون في سرور متضاعف، حتى لو قدم إليه الأطعمة كلها لتبرّم بها؟ كذلك حالُ أهل الجنة: لا يكونون في غم وتنغيص إذا كانوا يتيقنون وصولهم إلى ما ينتظرون على كل حال. » (ص 242 ـ 248).

421

تلك هي الأدلة السمعية، وهي كما ترى تنحصر في التمسك بالآية: « لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار »، وتأويل للآية التي يتمسك بها الخصوم، وهي: « وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ». وتأويله للآية الثانية محتمل، ولكنه غير قاطع.
أما الأدلة العقلية فقد « بدأ منها بدلالة المقابلة، وتحريرها هو أن الواحد منا راء بحاسة، والرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلاَّ إذا كان مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل. وقد ثبت أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مقابلاً، ولا حالاً في المقابل، ولا في حكم المقابل.
وهذه الأدلة مبنية على أصول:
أحدها: أن الواحد منا راء بالحاسة؛
والثاني: أن الرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلاَّ إذا كان مقابلاً، أو حالاً في المقابل، أو في حكم المقابل؛
والثالث: أن القديم تعالى لا يجوز أن يكون مقابلاً ولا حالاً في المقابل.
أما الأول: فالذي يدل عليه أن أحدنا متى كان له حاسة صحيحة، والموانع مرتفعة، والمدرك موجود ـ يجب أن يرى. ومتى لم يكن كذلك استحال أن يرى. فيجب أن يكون لصحة الحاسة في ذلك تأثيرٌ، لأن بهذه الطريقة يُعْلَم تأثير المؤثرات من الأسباب والعلل والشروط.
وأما الكلام في أن الرائي بالحاسة لا يرى الشيء إلاَّ إذا كان مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل ـ فهو أن الشيء متى كان مقابلاً للرائي بالحاسة أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل، وجب أن يُرى؛ وإذا لم يكن مقابلاً ولا حالاً في المقابل ولا في حكم المقابل لم يَرَ. فيجب أن تكون المقابلة أو ما في حكمها شرطاً في الرؤية، لأن بهذه الطريق يُعْلَم تأثير الشرط.
وأما الكلام في أنه تعالى لا يجوز أن يكون مقابلاً، ولا حالاً في المقابل ولا في حكم المقابل ـ فهو أن المقابلة والحلول إنما تصح على

422

الأجسام والأعراض، والله تعالى ليس بجسم ولا عرض. فلا يجوز أن يكون مقابلاً ولا حالاً في المقابل. » (ص 248 ـ 249).
ويشير إلى ما ذهب إليه ضرار بن عمرو من أننا نرى القديم تعالى بحاسة سادسة، فيقول:
« فإن قيل: هلا جاز أن نرى القديم تعالى بحاسة سادسة، فلا يجوز أن يكون مقابلاً ولا حالاً في المقابل ولا في حكم المقابل، لأن تلك الحاسة بخلاف هذه الحواس؟
قلنا: مخالفة تلك الحاسة لهذه الحواس ليست بأكبر من مخالفة هذه الحواس بعضها لبعض، فإن فيها شهلاً وزرقاً وملحاً، ومعلوم أن هذه الحواس مع اختلافها واختلاف بنائها متفقة في أن لا يرى الشيء بها إلاَّ إذا كان مقابلاً أو حالاً في المقابل أو في حكم المقابل. على أنه لا دلالة تدلّ على تلك الحاسة، فلا يصح إثباتها. فلو جاز أن يرى القديم تعالى بحاسة سادسة، لجاز أن يذاق بحاسة سابعة، وأن يلمس بحاسة ثامنة، وأن يُشَم بحاسة تاسعة، ويُسمع بحاسة عاشرة ـ تعالى عن ذلك علواً كبيراً! » (ص 252 ـ 253).
وبعد أن قرّر القاضي أدلته لنفي رؤية الله، أورد شُبَه القائلين بأن الله يُرى، وهي شبه سمعية تعتمد على آيات من القرآن وأحاديث منسوبة إلى النبي؛ وشبه عقلية. وفنّدها بتوسع وتفصيل بالغين (ص 261 ـ 277) مما يدل على اهتمامه البالغ بهذه المسألة، وهذا يؤذن بأنها من المسائل التي كانت مثار نزاع واضح في عصره.

نفي الثاني عن الله

ثم يأخذ القاضي، بعد أن نفى رؤية الله ونفى أنه جسم، في نفي أن

423

لله ثانياً، مثبتاً أن الله تعالى واحد لا ثاني له يشاركه فيما يستحقه من الصفات نفياً وإثباتاً على الحدّ الذي يستحقه.
ومعنى أنه واحد ها هنا هو أنه لا يشاركه غيره فيما يختص به من صفات.
ويبين أن المذاهب في هذه المسألة لا تخلو:
1 ـ من القول بأن مع الله قديماً يشاركه في صفاته ـ ولا قائل بهذا القول؛
2 ـ أو القول بأن مع الله قديماً ثانياً يشاركه في بعض صفاته ـ والقائل بهذا المذهب: الديصانية، والمانوية، والمجوس.
ويبدأ بوضع تفنيد عام لكلا المذهبين الأول والثاني. فيقول: « لو كان مع الله تعالى قديم ثانٍ لوجب أن يكون مِثْلاً له، لأن القِدَم صفة من صفات النفس (= الذات)، والاشتراك فيها يوجب التماثل والاشتراك في سائر صفات النفس (= صفات الذات). وإذا كان كذلك، والقديم تعالى قادر لذاته، وجب أن يكون الثاني أيضاً قادراً لذاته، فيجب صحة وقوع التمانع بينهما، لأن من حق القادر على الشيء أن يكون قادراً على جنس ضده إذا كان له ضد. ومن حقه أيضاً أن يحصل مقدوره إذا حصل داعيه إليه ولا منع، وذلك يوجب ما ذكرناه.
وإذا ثبت هذا، فلو قُدّر وقوعُ التمانع بينهما: بأن يريد أحدهما تحريك جسمه والآخر يريد تسكينه ـ لكان لا يخلو: إما أن يحصل مرادهما، وذلك يؤدي إلى اجتماع الضديْن؛ أو لا يحصل مرادهما، وذلك يقدح في كون الواحد الذي يثبت بالدلالة قادراً لذاته، أو يحصل مراد أحدهما دون الآخر. فمن حَصَل مُرادُه فهو الإله، ومن لم يحصل مراده فهو الممنوع. والممنوع متناهي المقدور قادر بقدرة. والقادر بالقدرة لا يكون إلاَّ جسماً. وخالق العالم لا يجوز أن يكون جسماً.
وهذه الدلالة مبنية على أصول:

424

منها: أن القديم قديمٌ لنفسه،
ومنها: أن الاشتراك في صفة من صفات الذات يوجب التماثل والاشتراك في سائر الصفات؛
ومنها: أن من حق كل قادِرَيْن صحةَ وقوع التمانع بينهما؛
ومنها: أن من حق القادر على الشيء إذا دعاه الداعي أن يحصل لا محالة، حتى (إنه) لو لم يحصل لخرج عن كونه قادراً؛
ومنها: أن من حق القادر على الشيء أن يكون قادراً على جنس ضده إذا كان له ضد؛
ومنها: أن من لم يحصل مراده يكون ممنوعاً متناهي المقدور؛
ومنها: أن متناهي المقدور لا بدَّ من أن يكون قادراً بقدرة؛
ومنها: أن القادر بالقدرة لا بدَّ من أن يكون جسماً؛
ومنها: أن خالق العالم لا يجوز أن يكون جسماً. »
وقد تقدم الكلام في أن القديم قديم لنفسه، وأن الاشتراك في صفة من صفات الذات يوجب التماثل والاشتراك في سائر الصفات.
« وأما الكلام في أن من حق كل قادرَيْن صحة وقوع التمانع بينهما فهو لأن من حق القادر على الشيء أن يكون قادراً على جنس ضدّه إذا كان له ضد، وإذا قدر عليه صح وقوع التمانع بينهما...
فإن قيل: وما التمانع؟ قلنا: هو أن يفعل كلُّ واحدٍ من القادرَيْن ما يمنع به صاحبه.
وأما الكلام في أن من حق القادر على الشيء إذا دعاه الداعي إليه أن يحصل لا محالة ـ فظاهرٌ، لأن الواحد منا إذا كان جائعاً وبين يديه طعامٌ شهي لذيذ، وكان له داعٍ إلى أكله، لا بد من أن يأكله؛ حتى (أنه) لو لم يأكله لخرج عن كونه قادراً.
وأما الكلام في أن من لم يحصل مراده فإنه يكون ممنوعاً ـ فظاهرٌ

425

لا إشكال فيه، لأنه لو لم يكن ممنوعاً لحصل مراده، فلما لم يحصل؛ دل على أنه ممنوع.
وأما الكلام في أن الممنوع متناهي المقدور، فهو أنه لو لم يكن كذلك لحصل مراده، فلما لم يحصل مراده دلَّ على أن مقدوره قد تناهى. ألا ترى أن أحدنا إذا حاول حمل الثقيل فلا بدَّ من أن تكون قدرته زائدة على ثقله حتى يمكنه رفعه، ومتى لم يمكن رفعه عُلِم أن مقدوره قد تناهى؟
وأما الكلام في أن متناهي المقدور قادرٌ بقدرة، فهو أن الذي يحصر المقدورات في الجنس والعدد إنما هو القدرة. فإذا تناهى مقدوره دل على أنه قادر بقدرة.
وأما الكلام في أن القادر بالقدرة لا بد من أن يكون جسماً، فهو أن القدرة لا يصح الفعل بها إلاَّ بعد استعمال محلها في الفعل ـ أو في سببه ـ ضرباً من الاستعمال. ألا ترى أنه لا يمكننا رفع الثقيل بما في أيدينا من القدرة إلاَّ بعد أن نستعملها في الفعل أو في سببه نوعاً من الاستعمال؟ فإذا كان كذلك، وجب أن يكون جسماً.
وأما الكلام في أن خالق العالم لا يجوز أن يكون جسماً، فقد تقدم » (278 ـ 280).
وبعد تقرير هذه الدلالة العامة المفندة لمذهبي القائليْن بأن الله ثانياً ـ أخذ في تفنيذ المذاهب المختلفة:
1 ـ فبدأ بالمانوية والديصانية والمرقيونية والمجوس ـ ووضعهم جميعاً تحت اسم الثنوية dualisme.
والخلاف بينهم كما عرضه القاضي عبد الجبار هو أن:
أ ـ المانوية قالوا بإلهيْن: النور والظلمة، وأنهما حيّان؛ وقديمان؛ والعالم ممتزج منهما؛
ب ـ والديصانية أثبتوا النور والظلمة، وقالوا إن النور حي، والظلمة موات؛ وكلاهما قديم.

426

? ـ والمرقيونية أثبتوا ثالثاً مع النور والظلمة لأنهم لما رأوا أن العالم ممتزج منهما، قالوا: لا بد من مازج يمزجه، فأثبتوا الثالث.
د ـ والمجوس هم من الثنويّة « إلاَّ أنهم يغيرون العبارة، فيسمون النور: يزدان، والظلمة: أهرمن. ثم اختلفوا: فمنهم من قال بقدم الظلمة ومنهم من قال بقدم يزدان وحدوث أهرمن.
ثم اختلفوا في كيفية حدوثه: فمنهم من قال إنه حدث من عفونات الأرض، ومنهم من قال: لا، بل حدث من فكرته الرديئة، فإن يزدان لما استوى له الأمر واستتب، فكر في نفسه فقال: لو كان مضادٌ ينازعني، فكيف يكون حالي معه؟ فتولد من فكرته الرديئة هذه: أهرمن، فقال له: أنا منازِعُك ومخاصِمُك. وكادا يقتتلان. فَسَفر هناك ملك، فاصطلحا إلى أجلٍ معلوم. وعندهم أنه إذا جاء ذلك الوقت يغلب حينئذ يزدانُ أهرمن ويقتله، ويصفو له العالم. وعند هؤلاء الفرق الأربع أن النور مطبوع على الخير لا يقدر على خلافه، وأن الظلمة مطبوعة على الشر لا تقدر إلاَّ عليه. » (« شرح الأصول الخمسة »، ص 284 ـ 285).
وهذا التقرير للمذاهب الأربعة يتفق مع ما تورده المصادر العربية الأخرى:
فأبو عيسى الوراق ـ فيما نقله الشهرستاني1 ـ يقول: « إن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع مركب من أصليْن قديميْن، أحدهما نور، والآخر ظلمة؛ وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا. وأنكر وجود شيء لا من أصل قديم. وزعم أنهما لم يزالا قوتين حسّاسين سميعين بصيرين، وهما مع ذلك في النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان، وفي الحيز متحاذيان تَحاذِيَ الشخص والظل. وإنما تتبين جواهرهما وأفعالهما في هذا الجدول:
ــــــــــــــ
1 الشهرستاني: « الملل والنحل »، ? 2 ص 81 ـ 83.

427


النـور الظلمـة الجوهر جوهره حسن فاضل كريم نقي طيب الريح حَسَن المنظر جوهرها قبيح ناقص لئيم كدر خبيث منتن الريح قبيح المنظر النفس نفسه خيرة كريمة حكيمة نافعة عللة نفسها شريرة لئيمة سفيهة ضارّة جاهلة الفعل فعله الخير والصلاح والنفع والسرور والترتيب والنظام والاتفاق فعلها الشر والفساد والضر والغم والتشويش والتبتير والاختلاف الحيّز جهة فوق، وأكثرهم على أنه مرتفع من ناحية الشمال، وزعم بعضهم أنه بجنب الظلمة جهة تحت، وأكثرهم على أنها منحطة من ناحية الجنوب، وزعم بعضهم أنها بجنب النور الأجناس أجناسه خمسة: أربعة منها أبدان، والخامس روحها. فالأبدان هي النار والنور والريح والماء، وروحها النسيم، وهي تتحرك في هذه الأبدان. أجناسها خمسة: أربعة منها أبدان، والخامس روحها: فالأبدان هي الحريق والظلمة والسموم والضباب. وروحها الدخان، وهي تدعى الهمامة، وهي تتحرك في هذه الأبدان الصفات حية طاهرة خيّرة زكية. وقال بعضهم: كون النور لم يزل على مثال هذا العالم له أرض وجو. وأرض النور لم تزل لطيفة خبيثة شريرة نجسة دنسة. وقال بعضهم: كون الظلمة لم يزل على مثال هذا العالم، لها أرض وجو. فأرض الظلمة لم تزل كثيفة على
428


على غير صورة هذه الأرض، بل هي على صورة جرم الشمس، وشعاعها كشعاع الشمس؛ ورائحتها طيبة أطيب رائحة. وألوانها ألوان قوس قزح. ـ وقال بعضهم: ولا شيء إلاَّ الجسم. والأجسام على ثلاثة أنواع: أرض النور، وهي حَمِئة. وهناك جسم آخر ألطف منه، وهو الجو، وهو نفس النور. وجسم آخر وهو ألطف منه، وهو النسيم، وهو روح النور. قال: ولم يزل يولد ملائكة وآلهة وأولياء ليس على سبيل المناكحة، بل كما تتولد الحكمة من الحكيم، والنطق الطيب من الناطق. وملك ذلك العالم هو روحه. ويجمع عالمه الخير والحمد والنور. » غير صورة هذه الأرض، بل هي أكثف وأصلب؛ ورائحتها كريهة، أنتن الروائح. وألوانها لون السواد. قال بعضهم: ولا شيء إلاَّ الجسم. والأجسام على ثلاثة أنواع: أرض الظلمة وشيء آخر أظلم منه، وهو السَّموم. قال: ولم تزل تولد الظلمة شياطين أراكنة وعفاريت، لا على سبيل المناكحة، بل كما تتولد الحشرات من العفونات القذرة. وقال: وملك ذلك العالم هو روحه. يجمع عالمه الشرّ والذميمة والظلمة.
429

أما الديصانيّة فيقول عنهم الشهرستاني (? 2، ص 88 ـ 89): « أصحاب ديصان: أثبتوا أصليْن: نوراً وظلاماً. فالنور يفعل الخير قصداً واختياراً، والظلام يفعل الشر طبعاً واضطراراً. فما كان من خير ونفع وطيب وحُسْن فمن النور، وما كان من شرّ وضُرّ ونتن وقبح فمن الظلام. وزعموا أن النور حيّ عالم قادر حسّاس درّاك. ومنه يكون الحركة والحياة. والظلام ميّت جاهل عاجز جماد لا فعل ولا تمييز. وزعموا أن الشرّ يقع منه طباعاً وخرقاً. وزعموا أن النور جنس واحد، وكذلك الظلام جنس واحد؛ وأن إدراك النور إدراك متفق، وأن سمعه وبصره وسائر حواسه شيء واحد: فسمعه هو بصره، وبصره هو حواسُّه. وإنما قيل: سميع بصير لاختلاف التركيب، لا لأنهما في نفسيهما شيئان مختلفان. وزعموا أن اللون هو الطعم وهو الرائحة وهو المجسّة. وإنما وجدوه لوناً لأن الظلمة خالطته ضرباً من المخالطة ووجدوه طعماً لأنها خالطته بخلاف ذلك الضرب. وكذلك تقول في لون الظلمة وطعمها ورائحتها ومجستها. وزعموا أن النور بياض كله لم يزل يلقي الظلمة بأسفل صفحته منه، وأن الظلمة لم تزل تلقاه بأعلى صفحته منها. واختلفوا في المزاج والخلاص، فزعم بعضهم أن النور داخل الظلمة، والظلمة تلقاه بخشونة وغلظ. فتأذى بها وأحبّ أن يرققها ويلينها، ثم يتخلص منها وليس ذلك لاختلاف جنسهما، ولكن كما أن المنشار جنسه حديد وصفحته لينة وأسنانه خشنة. فاللين في النور، والخشونة في الظلمة، وهما جنس واحد، فتلطف النور بلينه حتى يدخل تلك الفُرج فما أمكنه إلاَّ بتلك الخشونة. فلا يتصور الوصول إلى كمال ووجودٍ إلاَّ بلينٍ وخشونة. وقال بعضهم: بل الظلام لما احتال حتى تشبث بالنور من أسفل صفحته، فاجتهد النور حتى يتخلص منه ويدفعها عن نفسه. فاعتمد عليه، فلجّج فيه، وذلك بمنزلة الإنسان الذي يريد الخروج من وحل وقع فيه فيعتمد على رجله ليخرج فيزداد لجوجاً فيه. فاحتاج النور إلى

430

زمان ليعالج التخلص منه والتفرد بعالمه.
وقال بعضهم إن النور إنما دخل الظلمة اختياراً ليصلحها ويستخرج منها أجزاءً صالحة لعالمه. فلما دخل تشبثت به زماناً، فصار يعمل الجور والقبيح اضطراراً، لا اختياراً. ولو انفرد في عالمه ما كان يحصل منه إلاَّ الخير المحض والحسن البحث. وفَرْقٌ بين الفعل الضروري والفعل الاختياري ».
وابن1 ديصان هو كما يكتب في السريانية: برديصان (= ابن ديصان)، وهو اسم النهر الذي يخترق مدينة الرها. وكان شاعراً وفيلسوفاً، يكتب باللغة السريانية. ويذكر في تاريخ الكنيسة بوصفه أحد أساتذة النزعة الغنوصية.
وُلد في الرها في شمالي سوريا في 11 يوليو سنة 154 بعد الميلاد، وكان أبواه فارسيين هاجرا من فارس إلى الرها في أيام الملك مَعْنو الثامن.
ــــــــــــــ
1 اعتمدنا هنا على مقال جوز?? فورلاني G. Furlani في « دائرة المعارف الإيطالية » Enciclopedia Italiana، ? 6، ص 167 ب، 168 أ. وهاك المراجع المذكورة في آخر هذه المقالة:
a) W. Cureton: Spicilegium Syriacum, London 1855,
b) A. Merx: Bardesanus von Edessa, Halle 1863,
c) A. Hilgenfeld: Bardesanes, der letzte Gnostiker, Leipzig 1864,
d) F. Nau : Une biographie inédite de Bardesane l'astrologue, Paris 1897,
e) idem : Le livre des lois des pays, Paris 1899.
f) idem: Bardesanes, Liber legum regionum in Patrologia Syriaca, I, 2, Paris 1907,
g) G. Levi della Vida: Il dialogo delle leggi dei paesi, Roma 1921; idem, in Riv. Trim. di Studi filos. I, pp. 399-430,
h) Baumstark: Geschichte der syrischen Literatur, Bonn 1922, pp. 12-14.

431

وكانت أسرته وثنية. وبعد أن تلقى دراسة جيدة، رحل أهله إلى مبّوغ Gerapulis، وسكنوا في بيت كاهن وثني يُدعى أنودزبر، الذي أعجب بذكاء الطفل فاهتم به ورعاه. وفي سنة 179 تهيأت له الفرصة لسماع الأسقف اسطاسب وهو يشرح الكتاب المقدس للشعب. فأثار ذلك حب استطلاعه لمعرفة المسيحية، وتتلمذ على الأسقف الذي عمّده ورسمه شمّاساً. وفي نفس السنة ارتقى أبجر التاسع العرش. فمضى برديصان إلى بلاطه، ونال مكانة مرموقة وشهرة واسعة وصار له أتباع كثيرون خصوصاً بين الطبقات المثقفة في مدينة الرها. وصار برديصان مسيحياً متحمساً، وحارب آراء ??نتينوس الغنوصي، وتجادل مع مرقيون ودافع عن النصارى المضطهدين. ودعاه أحد أصدقاء الامبراطور كركلا إلى نبذ المسيحية، فرفض. وتوفي في الرها سنة 222 م.
وصنف برديصان محاورات وكتباً باللغة السريانية، ترجمها الكثير من تلاميذه إلى اللغة اليونانية. وصنف محاورة عن القضاء والقدر، وجهها إلى الإمبراطور كركلا (أو إلى الأجبل Elagabal)؛ ورسائل ضد المرقيونية، وحوالي 150 مزموراً أو نشيداً دينياً، كان أهل الرها يحفظونها وينشدونها. ومن هنا عُدّ ابن ديصان مبدع الشعر السرياني. وألف كتاباً عن الهند، وآخر عن تاريخ أرمينية، ورسائل في علم النجوم. وتنسب إليه محاورة بعنوان: كتاب نواميس البلاد (كتاب ها ناموسي دثراواثا)، بقيت لنا منه أيضاً بعض المختارات في ترجمة يونانية. وقد حرره بالسريانية ???وس تلميذه وفيه يدافع عن الاختيار وحرية الإرادة. وهذا الكتاب يعد أقدم أثر في الأدب السرياني، باستثناء ترجمة الكتاب المقدس. والمؤلف في هذا الكتاب يبرهن على أن الإنسان حرّ في أفعاله، وسيحاسب وفقاً لها في يوم الحساب. ويفرّق بين الأفعال الحرّة، والأفعال الكيانية (الكيان = الطبيعة) وهي القسرية.
ويشك الكثيرون في أن تكون هذه المحاورة من تأليف ابن ديصان

432

أو حتى من تأليف أحد تلاميذه.
وكان ابن ديصان يقول بالثنوية، إذ كان يرى أن الجسم الإنساني بطبعه شرير، ومرجع ذلك إلى تكوين العالم نفسه، فقد نشأ العالم وتكون في سلسلة من الصدورات من الموجود الأعلى، أبي الحياة الذي اتحد مع الهيولى فولد الرياح والروح، ومنها تولدت النار والماء. لكن الظلمة ـ وهي مبدأ الشر ـ أفسدت انسجام الكون، واتحدت بشدةٍ مع عناصر الخير، وهذه العناصر أعانها الله بمدد من الكلمة.
وفي مذهبه ملامح قوية من المذاهب الغنوصية ومن المانوية. ولهذا فإن القديس افرام1 يجمع بين ماني ومرقيون وبرديصان في اتجاه مشترك. وبعض الباحثين المحدثين، مثل بوكرت2، يرون في ابن ديصان سلفاً مباشراً للمانوية.
وقد استمر مذهب ابن ديصان زماناً طويلاً حتى القرن العاشر الميلادي (الرابع الهجري) ودخلت فيه عناصر كثيرة جديدة ربما أخذت عن المانوية. وهذا هو الذي يبرز في عرض الشهرستاني لمذهبه.
* * *
أمّـا مذهب المرقيـونية فيقـول عنه الشهرسـتاني (? 2، ص 89 وما يليهـا) إن « المرقيونية أثبتوا أصليْن قديميْن أحدهما النور، والآخر الظلمة. وأثبتوا أصلاً ثالثاً هو المعدِّل الجامع، وهو سبب المزاج، فإن المتنافرين المتضادين لا يمتزجان إلاَّ بجامع. وقالوا: الجامع دون النور في الرتبة
ــــــــــــــ
1 راجع
C. W. Mitchell: St. Ephraim's prose refutations of Mani, Marcion, Bardaisan. I, London 1912; II, 1921
2 F. C. Bukritt : The religion of the Manicheans, Cambridge, 1925.

433

وفوق الظلمة. وحصل من الاجتماع والامتزاج هذا العالم. ـ ومنهم من يقول: الامتزاج إنما حصل بين الظلمة والمعدِّل، إذ هو قريبٌ منها فامتزجت به لتتطيب به وتتلذّ بملا ذه. فبعث النور إلى العالم الممتزج روحاً مسيحية، وهو روح الله وابنه، تحنُناً على المعدل السليم الواقع في شبكة الظلام الرجيم، حتى يخلصه من حبائل الشياطين. فمن اتبعه فلا يلامس النساء، ولم يقرب الزهومات ـ أفلت ونجا. ومن خالفه خسر وهلك.
قالوا: وإنما أثبتنا المعدِّل، لأن النور الذي هو الله تعالى لا يجوز عليه مخالطة الشيطان. وأيضاً، فإن الضدّين يتنافران طبعاً ويتمانعان ذاتاً ونفساً. فكيف يجوز اجتماعهما وامتزاجهما؟ فلا بدَّ من مُعَدِّل تكون منزلته دون النور وفوق الظلام، فيقع المزاج معه.
وهذا على خلاف ما قاله المانوية، وإن كان ديصان أقدم. وإنما أخذ ماني منه مذهبه، وخالفه في المُعَدِّل. وهو أيضاً خلاف ما قال زرادشت فإنه يثبت التضاد بين النور والظلمة، ويثبت المُعَدِّل كالحاكم على الخصميْن الجامع بين المتضاديْن: لا يجوز أن يكون طبعه وجوهره من أحد الضديْن، وهو الله عز وجل الذي لا ضد له ولا ند.
وحكى محمد بن شبيب عن الديصانية أنهم زعموا أن المعدل هو الإنسان الحسّاس الدرّاك، إذ هو ليس بنور محض ولا ظلام محض. وحكى عنهم أنهم يرون المناكحة وكل ما فيه منفعة لبدنه وروحه حراماً. ويحترزون عن ذبح الحيوان لما فيه من الألم. » (? 2، ص 89 ـ 90).
فإذا رجعنا إلى المصادر غير العربية وجدنا أن مرقيون كان نُوتِياً يعمل في بحر البنطس، ولعله ولد في سينوب على البحر الأسود. وهناك رواية غير محتملة تقول إن والده كان أسقفاً مسيحياً وأن أباه هذا حَرَمه لأنه فسق بعذراء. وربما كانت هذه الرواية مبنية على سوء فهم لعبارة تتعلق بإفساده لبكارة الكنيسة وطهارتها. والأرجح أنه ولد وثنياً،

434

وأنه اعتنق المسيحية في رحلته إلى روما. وقد ولد في السنوات الأخيرة من القرن الأول الميلادي. وسافر إلى روما حوالي سنة 140 م، وكان على علاقة طيبة مع الطائفة المسيحية هناك، ويقول ترتليان (De Praesar. 30) إنه تبرع للكنيسة المسيحية بمبلغ مائتيْ ألف سِسْترس. ثم نشأت علاقات بينه وبين كردون، أحد رجال النزعة الغنوصية في روما، أشار إليها ايرينيه وترتليان وهبوليت ويوسابيوس القيسراني وابيفانيوس وكان لذلك أثره في الأزمة الروحية التي عاناها مرقيون، مما أدى إلى انفصال هذا الأخير عن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. ويذكر ترتليان أن نشاط مرقيون كان في أيام حكم أنطونينوس بيوس (138 ـ 161 م). وكان انفصاله عن الكنيسة الكاثوليكية في يوليو سنة 144 م: ففي ذلك الشهر تقدم مرقيون أمام شيوخ الكنيسة، وعرض أمامهم اعتقاده بأنه من المستحيل التوفيق بين الإيمان الذي دعا إليه يسوع وبولس وبين التراث الديني الإسرائيلي الذي أقرّت به الكنيسة المسيحية، مستنداً إلى ما ورد في إنجيل لوقا من قول المسيح: « لا يمزّق المرء قطعة من ثوب جديد يضعها على ثوب قديم؛ ففضلاً عما في ذلك من تمزيق للجهد فإن القطعة المأخوذة من الجديد لا تتناسب أبداً مع القديم » (فصل 5، عبارة 36)، وقوله أيضاً: « الشجرة الطيبة لا تعطي ثمرة رديئة، والشجرة الرديئة لا تعطي ثمرة طيبة » (فصل 6، عبارة 43). فقال له الشيوخ إن من الممكن التوفيق بين هذيْن القوليْن من ناحية وبين دعوة المسيحية من ناحية أخرى؛ فلم يقتنع، وحرموه وأعادوا إليه المبلغ الذي تبرع به. ولم تصلنا أخبار عن نشاط مرقيون بعد ذلك. وتاريخ وفاته من المحتمل أن يكون حوالي سنة 160 ميلادية.
وقد فقدت مؤلفات مرقيون كلها؛ ولم تبق لنا معلومات عن مذهبه إلاّ في كتب خصومه، وعلى رأسها كتاب ترتليان الموسوم باسم: « ضد مرقيون » Adversus Marcionem. وهم يذكرون لمرقيون كتابيْن:

435

1 ـ « الآلة » Instrumentum؛ « المتقابلات » Antitheses. والكتاب الأول عبارة عن مجموعة من الكتابات المقدسة التي يعترف بها مرقيون؛ وهو يرفض جملةً كل أسفار العهد القديم، ولا يعترف من أسفار العهد الجديد إلاّ بإنجيل لوقا وبعشر رسائل للقديس بولس. وقد حاول كل من أ. هان A. Hahn، وت. اتسان Th. Zahn، وأدولف فون هرنك A. v. Harnack استعادة إنجيل مرقيون، خصوصاً على أساس المقالة الرابعة من كتاب « ضد مرقيون » لترتليان. والرواية التي استعادها فون هرنك خير هذه الروايات الثلاث المستعادة. وتبدأ الرواية بوعظ المسيح في كفر ناحوم، وتستمر حتى آخر ظهور للمسيح (اصحاح 24: 36 ـ 49). وقد أسقط مرقيون من إنجيل لوقا الفصول (الاصحاحات) 1 ـ 4: 30 وكل المواضع في إنجيل لوقا التي بدت له أنها تتناقض مع آرائه، ورأى أنها منحولة (ذكر أم المسيح وأخوته؛ الإشارة إلى عناية الأب السماوي، حكاية الولد المتلاف؛ التنبؤ بعذاب المسيح؛ دخوله إلى أورشليم وطرده لتجار المعبد؛ التنبؤ بدمار أورشليم، الخ). ـ أما عن رسائل القديس بولس، فإن مرقيون لم يعترف منها إلاّ بالرسائل التالية: إلى أهل غلاطية، الرسالتيْن إلى أهل كورنثوس، الرسالة إلى أهل رومية، الرسالتين إلى أهل تسالونيك، الرسالة إلى أهل اللاذقية، وإلى أهل كولوسُّ وإلى أهل ????وس، وإلى فيلامون. والرسالة إلى أهل اللاذقية هي المعروفة بالرسالة إلى أهل أفسوس. وهكذا فقد رفض مرقيون من رسائل بولس: الرسائل الرعوية، والرسالة إلى العبرانيين. وفضلاً عن ذلك فقد أسقط بعض الفقرات من الرسائل التي أقر بها، خصوصاً في الرسالة إلى أهل غلاطية، والرسالة إلى أهل رومية.
وكتـاب « الآلـة » قـد كتبه مرقيون باليونـانية. ولا نكاد نعلم شـيئاً عن كتـاب « المتقابلات » الذي ذكره ترتليان مراراً. ويرى فون هرنك أن هذا الكتاب الأخير كان مقسماً إلى قسميْن منفصلين تماماً: في الأول

436

منهما ناقش مرقيون العلاقات بين بولس وبين سائر الحواريين، وكذلك العلاقة بين إنجيل مرقيون والكتاب المقدس الكاثوليكي.
أما عن انتشار مذهب مرقيون، فإن الخصومات والردود العنيفة التي انطلقت من بلاد الغال، وافريقية واليونان وكريت وآسيا الصغرى ومصر تدل على انتشار مذهبه انتشاراً خطيراً، إلى حد أن أحد الباحثين وهو أمان Amann قال: « من المحتمل أنه في كل البلدان ذوات الأهمية نشأت كنيسة مرقيونية تعارض الكنيسة الكاثوليكية. وعلى كل حالٍ، ففي أوربا نجد كنائس مرقيونية بارزوة في القرنين الثالث والرابع بعد الميلاد. وفي الشرق استطاعت المرقيونية أن تثبت للمحنة التي أمرت بها أيام اضطهاد فالريان وديوكليسيان للمسيحية ـ وانتشرت المرقيونية ورسخت دعائمها، خصوصاً في جنوبي سوريا وفي فلسطين. ولما سيطرت المسيحية البيزنطية وأخذت تضطهد الفرق المسيحية الأخرى، نزحت المرقيونية إلى الأرياف وإلى داخل البلاد. ويبدو أنها تحالفت مع المانوية في الصراع ضد الكنائس المسيحية الرسمية. وهذا يفسّر الربط القويّ الذي نجده عند المؤلفين المسلمين بين المرقيونية والمانوية. وفي نهاية القرن الرابع وطوال القرن الخامس كانت المرقيونية خطراً كبيراً على المذاهب المسيحية الأخرى في المناطق التي يتكلم أهلها باللغة السريانية. ومن الواضح من أخبارها لدى المؤلفين المسلمين أنها استمرت قوية حتى القرن الحادث عشر الميلادي (الخامس الهجري)، ونجد لها آثاراً في خراسان في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي).
أما عن مذهب مرقيون، فنحن نعرف أنه يتلخص في النقط التالية:
أ ـ فيما يتعلق باللاّهوت: يقول مرقيون إن الإلـه الموصوف في أسفار « العهد القديم » (من الكتابات المقدس، وهي أسفار اليهودية) هو إله عادل، ولكنه يختلف وينحط درجةً عن الإله الذي دعا إليه يسوع،

437

وصفته الرئيسية هي الرحمة. فثم إذن إله العدل، وإله الرحمة.
وإله العدل هذا، إله قاس، لجأ إلى شريعة قاسية فرضها على الخليقة، وجعل أساسها القِصاص الذي يفرضه على أبناء الخاطئين إلى الجبل الرابع. وفي مقابل ذلك جاء إله المسيح رحيماً عطوفاً. فكيف يحق بعد هذا للكنيسة المسيحية أن تعترف بأسفار « العهد القديم » وتواصل بينها وبين أسفار « العهد الجديد »، أعني خصوصاً الأناجيل؟ وكيف يجوز أن توضع الخمر الجديدة في دنان قديمة، كما قال المسيح نفسه (لوقا: أصحاح 5: آية أو عبارة 37)؟ ومن هنا نفهم لماذا لم يعترف مرقيون بأسفار « العهد القديم » كله. لقد رأى مرقيون في موعظة الجبل التي أودع فيها المسيح زبدة دعوته: في المحبة، والغفران، والرحمة ـ دعوة جديدة تماماً مختلفة كل الاختلاف عن الدعوة الواردة في أسفار « العهد القديم »، وهي قائمة على القصاص، لا على الرحمة؛ على القسوة، لا على الغفران. والمحبة.
وتلك هي الثنوية التي قال بها مرقيون وقرّبت بينه وبين المانوية وسائر مذاهب الثنوية، فثنويته تقوم على القول بإله عادل قاس خالق ـ كما في « العهد القديم »، وإله رحيم طيّب غريب تقول به الأناجيل. وكما قال بإلهيْن، كذلك قال بمسيحيْن.
ب ـ أما عن المسيح: فيرى مرقيون أن الإله الطيب قد نزل في السنة الخامسة عشرة من حكم طيبريوس إلى مدينة كفر ناحوم في الجليل. وقد رفض مرقيون القول بأن المسيح ولد ولادة بشرية كما ورد في الأناجيل، قائلاً إن ظهور المسيح في سنة 29 ظاهرة جديدة تماماً، ليس لها جذور في التاريخ الماضي للجنس البشري. ويرى أن المسيح لم يتألم على الصليب إلاَّ ظاهرياً فقط. وكما أشرنا من قبل، فإن مرقيون قال بمسيحَيْن: المسيح الأول هو الذي تنبأ به « العهد القديم »، وهو ليس

438

يسوع المسيح، بل هـو مسيح آخـر سيظهر فيمـا بعد كرسول للإله العادل الموصوف في « العهد القديم ».
? ـ وفيما يتعلق « بالكتاب المقدس » نجده يرفض كل تأويل رمزي لأسفار « العهد القديم »، وهو أمر كان شائعاً جداً ومبالغاً فيه كثيراً لدى الغنوصيين. ولم يعترف من بين الأناجيل ورسائل الحواريين إلاّ بما ذكرناه.
فإذا نظرنا فيما أورده الشهرستاني نجد أنه نسب إلى المرقيونية القول بمعدِّل ثالث هو سبب المزاج بين النور والظلمة. وهذا أمر لا نجده فيما بقي لنا من أخبار عن مذهب مرقيون. وما أورده الشهرستاني ورد عند القاضي عبد الجبار. ولا بدَّ ـ إنْ صح ـ أن يكون من التطورات التي طرأت على المرقيونية بعد اتصالها بالمانوية في إيران1.
وعلى كل حال فلا بدَّ من دراسة مذهبيْ ابن ديصان ومرقيون على ضوء المصادر العربية، وإنْ كانت الكتب الأساسية في الفرق غير الإسلامية
ــــــــــــــ
1 أهم كتاب عن مرقيون والمرقيونية هو كتاب فون هرنك بعنوان:
Marcion: Das Evangelium vom fremden Gott, 2. Auflage, Leipzig 1924.
فقد ظل يدرس مذهبه قرابة خمسين سنة. وبعد ظهور كتابه قوبل بردود كثيرة أجاب عنها في كتاب بعنوان: « دراسات جديدة عن مرقيون ».
Neue Studien zu Marcion, Leipzig, 1923
وراجع أيضاً:
a) J. Rivière : « Sur la doctrine marcioniste de la rédemption », in Revue des Sciences Religieuses, (1925), pp. 633-642;
b) W. Mundle: « Die Herkunft der Marcionistischen Prologe zu den Paulinischen Briefen », in Zeitsch. d. neutest. Wiss., 1925, pp. 50-77;
c) E. Buonaiuti: « Marcione e il Nuovo Testamento latino », in Ricerche Religiose II (1926), pp. 336-348.

439

قد ضاعفت كلها، مثل مؤلفات أبي عيسى الوراق، والكعبي البلخي والنونجتي، ولم يبقَ غير مواضع قليلة عند الشهرستاني والقاضي عبد الجبار والشهرستاني والباقلاني وابن النديم.
والقاضي عبد الجبار في نقده للمذاهب الأربعة يبدأ بتنفيذٍ يعمها جميعاً، على النحو التالي:
1 ـ يدل على فساد مذهب الثنوية دليل التمانع الذي يقضي بأنه لا يمكن أن يكون مع الله ثانٍ يشاركه في جميع صفاته.
2 ـ والدليل الثاني: « أن النور جسم رقيق مضيء، والظلمة جسم رقيق غير مضيء. والأجسام لا تخلو عن الحوادث ولا تنفكّ عنها. وما لم ينفك عن الحوادث وجب حدوثه مثلها. فكيف يجوز أن يكونا قديميْن؟! » (« شرح الأصول الخمسة »، ص 285)
3 ـ ودليل ثالث « هو أنهما إذا كان قديميْن، وكان أحدهما قادراً لذاته، فلن يكون (الأمر) كذلك إلاَّ والخير والشرّ مقدوران لكل واحد منهما. وهذا يوجب أن يقع الاستغناء بأحدهما عن الآخر ».
4 ـ ودليل رابع « هو أنه لو كان الأمر على ما قالوه لوجب أن يبطل حسن الأمر والنهي والمدح والذم لأن الأمر لا يخلو: إما أن يكون أمراً بالخير، أو أمراً بالشر. فإن كان أمراً بالخير فلا يخلو: إما أن يكون أمراً للنور، أو للظلمة. لا يجوز أن يكون أمراً للظلمة، لأنها غير قادرة عليه. ولا يجوز أن يكون أمراً للنور، لأنه لا يمكنه الانفكاك عنه. والأمر بما هذا حاله بمنزلة إمرة المرمي به من شاهق بالنزول. فكما أن ذلك قبيح لما لم يمكنه الانفكاك من ذلك، كذلك هاهنا. وإن كان أمراً بالشرّ فلا يخلو: إما أن يكون أمراً للنور أو للظلمة، والكلام فيه كالكلام في الأول. » (ص 286).
وهذه الحجج الأربع تعم الفرق الأربع، وتخص المانوية بالذات.

440

وفيما يتصل بالديصانية يخصون بوجه آخر: هو « أن الظلمة إذا كانت فاعلة للشر فلا بدَّ من أن تكون قادرة. وإذا كانت قادرة، فلا بدَّ من أن تكون حيّة. فكيف يصحّ قولكم (أي: أيها الديصانية) إنها موات؟! » (ص 286).
« وأما المرقيونية فالكلام عليهم مثل الكلام على أولئك. ووجه آخر يخصهم، وذلك الوجه هو أن نقول: إن هذا الثالث إذا كان قديماً وجب أن يكون مثلاً لهما، لأن القِدَم صفة من صفات النفس، والاشتراك فيها يوجب التماثل. وهذا يوجب أن يكون مثلاً للنور والظلمة جميعاً. فإذا كان أحدهما قادراً على الخير، وجب أن يكون الآخر قادراً عليه؛ ووجب أيضاً أن يكون الثالث قادراً عليه. وهذا يؤذن بوقوع الاستغناء به عنهما » (ص 286 ـ 287). وهذا يشبه الحجة الثالثة ضد المانوية، التي أتينا على ذكرها.
« وأما الكلام على المجوس، الذين يقولون بحدوث أهرمن، فهو أن يقال لهم: إن يزدان إذا جاز أن يخلق ما هو أصلٌ لكل شر، فهلاّ جاز أن يخلق الشرّ بنفسه من دون واسطة؟ ـ وليس يمكنهم أن يقلبوا ذلك علينا فيقولوا: أليس الله عندكم خلق الشيطان، وهو أصلٌ لكل شرّ؟ فلِمَ لا يجوز أن يخلق الشرّ بنفسه؟ ـ لأنّا لم نقل: إن الشيطان موجِبٌ للشرّ وأنه مطبوع عليه، بل هو قادر على الخير قدرته على الشر، إنْ شاء اختار هذا، وإنْ شاء اختار ذاك، فلا يلزمنا ما ألزمناكم. وإن لزم هذا فإنما يلزم إخوانكم المجبرة، لأنهم يقولون إن القدرة موجبةٌ، وإن المؤمن لا يقدر إلاّ على الإيمان، والكافر لا يقدر إلا على الكفر. وهذا هو أحد وجوه المضاهاة بين مذهب المجبرة وبين مذهب المجوس، لأنهم يقولون: النور مطبوع على الخير ولا يقدر على الشرّ البتة، والظلمة مطبوعة على الشر ولا تقدر إلا عليه. وهذا مذهب

441

القوم بعينه » (ص 287). ويستمر القاضي عبد الجبار في بيان أوجه الشبه بين المجوس والمجبره، من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة وهي أن المجبرة يصح دخولهم تحت قول النبي ـ صلعم ـ: « القدرية مجوس هذه الأمة ». وطبعاً هو يقصد بالقدرية: المجبرة.
وعلى طريقته دائماً: الحجج المفنِّدة، ثم الشُّبَه وتفنيدها ـ يذكر القاضي عبد الجبار شُبَهِ الثنوية:
1 ـ وأول شُبَههم « هو أن قالوا: إن الآلام قبيحة كلها، والملاذ حسنة كلها؛ والفاعل الواحد لا يجوز أن يكون موصوفاً بالخير والشرّ جميعاً. »
ويجيب عن هذه الشبهة بقوله: « إنّا لا نُسَلِّم أن الآلام قبيحة كلها، وأن الملاذ حسنة كلها، بل فيها ما يقبح، وفيها ما يحسن، لأنها إنما تقبح وتحسن لوقوعها على وجه. ولهذا نستحسن بعقولنا تحمل المشاق في الأسفار طلباً للعلوم والأرباح، وأن نفتصد ونحتجم، ونستقبح بعقولنا الانتفاع بالأشياء المغصوبة.
وبعدُ: فلِمَ لا يجوز في الفاعل الواحد أن يكون موصوفاً بالخير والشرّ؟ فإن قالوا: لأنهما متضادان، قلنا: ومن أين أن الألم واللذة يتضادّان؟ ونحن لا نسلّم ذلك، بل هما من جنس واحد.
وبعدُ: فإن لم يَجُزْ في الفاعل الواحد أن يكون موصوفاً بهذيْن دفعة واحدة، يجوز أن يوصف بهما على وقتين؛ فهلا جاز في الفاعل الواحد أن يفعل الألم في وقت، واللذة في وقت آخر، فلا يُحتاج إلى فاعلين؟! » (ص 288 ـ 289).
ويورد بعد ذلك أسئلة محرجة وجهها شيوخ المعتزلة إلى الثنوية في حجاجهم معهم، ومنها سؤال وجّهه أبو الهذيل إلى واحد من الثنوية، فأسلم. وهذا السؤال هو: « لو قدرنا أن يكون ها هنا رجلان دُفِعا

442

إلى ظلمة شديدة، ضاع من أحدهما بدرة، واستتر الآخر من العدو: فإن هذه الظلمة محسنة إلى من استتر من العدو، ومسيئة إلى من ضاع منه البدرة. وكذلك إذا طلعت الشمس فإن هذا النور مُحْسِن إلى من ضاعت هذه البدرة منه، مسيء إلى من استتر عن العدو. » (ص 289). وإلى هذا أشار المتنبي في قصيدة له مدح بها كافوراً الاخشيدي فقال:

فكم لظلام الليل عنـدك من يـدٍ تخبـِّر أن المـانوية تكـذب وقال ردي الأعداء يسري إليهـم وزارك فيه ذو الدلال المحجب
2 ـ وشبهة أخرى مستمدة من القرآن، قـال الثنوية: « أليس قـال تعالى في كتابكم « الله نور السموات والأرض » (النور: 35)؟ وهذا هو مرادنا. قلنا: لا تعلق لكم بكتاب الله تعالى، لأن الاستدلال بكتابه ينبني على القول بتوحيده وعَدْلِه، وأنتم لا تقولون بذلك. ثم إن المراد بقول الله تعالى: « الله نور السموات والأرض » أي: مُنَوِّر السموات والأرض، فذكر الفعل وأراد به الفاعل. وهذا كثير في كلامهم: ألا ترى أنهم يقولون: رَجْلٌ صَوْمٌ وعَدْلٌ ورضاً؟ والذي يؤكد هذا أنه أضاف النور إلى نفسه، فقال: « مَثَلُ نورِه » وهذا يقتضي أن يكون النور غيره » (ص 291).
وبهذا ينتهي القاضي عبد الجبار من الرد على الثنوية وشُبَههم.

الرد على النصارى

وبعد أن فرغ من الردّ على الثنوية بفرقها الأربع هاتيك شرع في الرد على النصارى. ويحصر الكلام معهم في مسألتيْن:

443

1 ـ التثليث.
2 ـ الاتحاد.
ويعرض مذهبهم في التثليث هكذا: « إنهم (النصارى) يقولون إنه تعالى جوهر واحد، وثلاثة أقانيم: أقنوم الأب ـ يعنون به ذات الباري، عزّ اسمه، وأقنوم الابن، أي الكلمة، وأقنوم روح القدس، أي الحياة. وربما يغيرون العبارة فيقولون: إنه ثلاثة أقانيم ذات جوهر واحد. » (ص 291).
ويعرض مذهبهم في الاتحاد هكذا: « اتفقوا على القول به، وقالوا: إنه تعالى اتحد بالمسيح، فحصل للمسيح طبيعتان: طبيعة ناسوتية، وطبيعة لاهوتية. ثم اختلفوا فيه، فقال بعضهم: إنه اتحد به ذاتاً حتى صار ذاتاهما ذاتاً واحدة ـ وهم اليعقوبية. وقال الباقون، وهم النسطورية: لا، بل اتحدا مشيئةً، على معنى أن مشيئتهما صارت واحدة، حتى لا يريد أحدهما إلاَّ ما يريده الآخر » (ص 292).

أ ـ الرد عليهم في التثليث
ويأخذ في الرد عليهم في كلتا المسألتين.
ففيما يتصل بالتثليث يقول إن القول بأن الله جوهر واحد ثلاثة أقانيم هو مناقضة ظاهرة « لأن قولنا في الشيء إنه واحد يقتضي أنه في الوجه الذي صار واحداً لا يتجزأ ولا يتبعض، وقولنا ثلاثة يقتضي أنه متجزئ. وإذا قلتم إنه « واحد ثلاثة أقانيم » كان في التناقض بمنزلة أن يقال في الشيء إنه: موجود معدوم، أو: قديم مُحْدَث.
على أنه تعالى ليس بجوهر: إذ لو كان جوهراً لكان مُحْدَثاً، وقد ثَبَتَ قِدَمُه. ففسد قولهم إنه « جوهرٌ واحدٌ ثلاثة أقانيم ».

444

وبعد، فلو جاز في الله تعالى أن يُقال إنه جوهرٌ « واحد ثلاثة أقانيم لجاز أن يقال إنه « قادر واحدة ثلاثة قادرين » و« عالِم واحد ثلاثة عالمين » و« حيٌّ واحد ثلاثة أحياء ». ومتى قالوا: كيف يكون قادرٌ واحدٌ ثلاثة قادرين، وعالمٌ واحدٌ ثلاثة عالمين؟ قلنا: كما يكون شيء واحدٌ ثلاثة أشياء ـ فليس بُعْدُ أحدهما في العقل إلا كبُعْد الآخر. فقد ظهر تناقض ما يقولونه في ذلك ».
وقد يعترضون على هذا فيقولون: « ألستم تقولون: إنسان واحدٌ وإنْ كان ذا أجزاءٍ وأبعاض، ودار واحدة وإنْ اشتملت على بيوت وأروقة، وعَشَرةً واحدة وإنْ اشتملت على آحاد كثيرة، ثم لا يتناقض كلامكم؟ فلا جاز أن نقول: جوهر واحد ثلاثة أقانيم، ولا يتناقض كلامنا أيضاً؟ »
فيقال في الرد على اعتراضهم إن الأمر ليس سواء « لأن هذه الأسماء كلها من أسماء الجُمَل. فالغرض بقولنا: إنسان واحد، أنه واحد من جملة الناس، لأنه شيء واحد. وكذلك إذا قلنا: دار واحدة وعَشَرة واحدة ـ بخلاف ما تقولونه في القديم تعالى: فإنكم تجعلونه شيئاً واحداً في الحقيقة ثلاثة أشياء في الحقيقة. فيلزمكم التناقض من الوجه الذي ذكرنا. »
ويتابع حجاجه معهم فيقول: « ما تعنون بهذه الأقانيم؟
فإن قالوا: نعني بأقنوم الأب ذات الباري.
قلنا: هب أنكم رجعتم بهذا الأقنوم إلى ذات الله تعالى، على بُعْد هذه العبارة وفسادها ـ فإلى ماذا ترجعون بالأقنومين الآخرين؟
فإن قالوا: نرجع بهما إلى صفتين يستحقهما القديم تعالى، وهو كونه: متكلماً، حيّاً.
قلنا: إن الحيّ، وإن كان له، بكونه حياً، حالٌ، فليس له ـ بكونه متكلماً ـ حالٌ. وإنما المرجع به إلى أنه فاعلٌ للكلام... على

445

أن الذات لا يتعدد بتعدد أوصافه. فإن الجوهر الواحد، وإن كان موصوفاً بكونه جوهراً ومتحيزاً وموجوداً وكائناً في جهة، فإنه لا يتعدد بتعدد هذه الأوصاف ولا يخرج عن كونه واحداً. فكيف أوجبتم تعدُّد الله لتعدد أوصافه؟ ولم جعلتموه واحداً وثلاثة؟
وبعدُ، فإن هذه الطريقة توجب عليكم أن تزيدوا في عدد الأقانيم بعدد صفاته ـ جلَّ وعزَّ ـ وأن تثبتوا له أقنوماً بكونه قادراً، وأقنوماً بكونه عالماً، وآخر بكونه مدركاً، ورابعاً وخامساً بكونه مريداً وكارهاً ـ حتى يبلغ عدد الأقانيم ثمانية أو تسعة. وقد عُرِف فسادُه.
هذا إن رجعوا بالأقانيم إلى الصفات.
وإن قالوا: إنّا إنما نرجع بها إلى معانٍ قديمة هي الحياة والكلمة ـ فقد فسدت مقالتهم بدلالتهم التمانع...
ويقال لهؤلاء النصارى: يلزمكم أن تقتصروا على أقنوم واحد، لأجل أن هذه الأقانيم إذا اشتركت في القِدَم فلا بد من تماثلها، ولا بد من أن يسدّ بعضُها مسدَّ بعض فيما يرجع إلى ذاتها، وذلك يوجب أن يقع الاستغناء بأحدها عن الباقي، حتى يقال إنه تعالى: جوهر واحد وأقنوم واحد... وأن لا تثبتوا سواه، لأنه يقع الاستغناء عن الجميع لمشاركته إياها في القِدَم. » (ص 292 ـ 295).

ب ـ الرد عليهم في الاتحاد
اتفق النصارى في القول باتحاد الأب والابن. « واختلفوا في كيفيته: فمنهم من قال بالاتحاد من جهة المشيئة وهم النسطورية؛ ومنهم من قال إنه من جهة الذات وهم اليعقوبية.
ونحن نبدأ بالكلام على النساطرة، فنقول: قولكم إنه تعالى اتحد بالمسيح من حيث المشيئة لا يخلو: إما أن تريدوا به أنه تعالى مريدٌ

446

بإرادة المسيح، وأن المسيح يرد بإرادة الله تعالى الموجودة لا في محل، أو تريدوا به أنهما لا يختلفان في الإرادة، بل لا يريد أحدهما إلاَّ ما يريده صاحبه. وأي هذه الوجوه أردتم فهو فاسد.
أما الأول: فلأنه تعالى لو جاز أن يريد بإرادة المسيح مع أنها موجودة في قلبه، لجاز أن يريد بإرادة موجودة في قلب غيره من الأنبياء، وذلك يخرج المسيح من أن تكون له مزية الاتحاد والنبوة.
وبعد، فلو جاز أن يريد بإرادة في المسيح لجاز أن يكره بكراهة في إبراهيم عليه السلام، لأن بُعْد أحدهما في العقل كبُعْد الآخر. وذلك يقتضي أن يكون حاصلاً على صفات متضادة. وذلك مستحيل.
وأما الثاني: فلأن الإرادة لا توجب للغير حالاً إلا إذا اختصت به غاية الاختصاص. والاختصاص بالمسيح هو بطريقة الحلول، حتى يستحيل أن يريد بإرادةٍ في قلب غيره، لا لوجه سوى أنها لم تحله، فكيف يريد بالإرادة الموجودة لا في محل ولا اختصاص لها به؟!
وأما الثالث: فلأن القديم تعالى قد يريد ما لا يعلم المسيح ولا يعتقده ولا يظنه ولا يخطر بباله أصلاً. وكذلك المسيح: يريد ما لا يريده الله تعالى كالأكل والشرب وغيرها من المباحات. ففسد كلام النسطورية إذ قالوا بالاتحاد من جهة المشيئة.
وأما اليعقوبية: فالكلام عليهم إذ قالوا بالاتحاد من جهة الذات ـ أن يقال لهم: لا يخلو الغرض بذلك من أحد وجوهٍ ثلاثة:
1 ـ فأما أن يراد به أن ذات الله تعالى وذات المسيح صارا ذاتاً واحدةً؛
2 ـ أو يراد به أنهما تجاورا، فحصل بينهما الاتحاد من طريق المجاورة؛
3 ـ أو يراد به أنه تعالى حلّ بالمسيح، فاتحد به على هذا السبيل.

447

والأقسام كلها باطلة:
أما الأول فلأن الشيئيْن لو صارا شيئاً واحداً لَلِزمَ خروج الذات عن صفتها الذاتية، أو حصول الذات الواحدة على صفتيْن مختلفتيْن للنفس. وذلك مستحيل.
وأما الثاني: فلأن المجاورة إنما تصح على الجواهر لأجل أنها من أحكام التحيُّز. ألا ترى أن العَرَض والمعدومَ، لما استحال عليهما التحيز، استحال عليهما المجاورة؟ فكذلك سبيل القديم تعالى، لأن التحيز مستحيل عليه. وعلى أن المجاورة لا تقتضي الاتحاد، فإن الجوهريْن على تجاورهما لا يخرجان عن أن يكونا جوهرين، ولا يصيران جوهراً واحداً.
وأما الحلول: فالمرجع به إلى الوجود بجنب الغير، والغير متحيّز، والله تعالى يستحيل ذلك عليه لأنـه يترتب على الحدوث، ويقتضي أن يكون من قبيل هذه الأعراض. وذلك محال. » (295 ـ 297).
ويرجع القاضي عبد الجبار السبب في القول بالاتحاد أن النصارى رأوا أنه ظهر على عيسى ـ عليه السلام ـ من المعجزات ما لا يصح دخوله تحت مقدور الإنسان: نحو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك. لهذا « ظنوا أنه لا بد من أن يكون قد تغير وخرج عن طبيعة الناسوتية إلى طبيعة اللاهوتية. وذلك يوجب عليهم أن يقولوا بأنه تعالى متحد بالأنبياء كلهم، كإبراهيم وموسى وغيرهما عليهم السلام. فقد ظهرت عليهم الأعلام المعجزة التي لا يدخل جنسُها تحت مقدور القادرين بالقدرة. والقوم لا يقولون بذلك، فيجب أن لا يقولوا (ذلك) في المسيح أيضاً. » (ص 298).
بهذا القدر ردّ القاضي عبد الجبار على مذاهب الثنوية ومذاهب النصارى؛ وسنرى أن أبا بكر محمد بن الطيب بن الباقلاني في كتابه « التمهيد » سيتوسع كثيراً في رده على هذه المذاهب.

448

وما أورده عبد الجبار في « المجموع من المحيط بالتكليف » لا يخرج في مجموعه عما ورد في « شرح الأصول الخمسة » ولهذا اكتفينا بما ورد في هذا الأخير.

أفعال العبـاد

وفي مسألة أفعال العباد يذهب القاضي عبد الجبار ـ شأنه شأن كل المعتزلة، ـ إلى أن أفعال العباد محدثة منهم، وأنهم هم المحدثون لها. ويسوق لذلك الأدلة التالية:
1 ـ أننا نفصل بين المُحسن والمسيء، ونحمد المحسن على إحسانه ونذم المسيء على إساءته، بينما نحن لا نصدر حكماً بالحسن أو القبح فيما يتعلق بحسن الوجه وقبحه، ولا طول القامة وقصرها؛ إذ لا يجوز أن نقول للطويل: لَمَ طالت قامتك، ولا للقصير لم قصرت؟ بينما لنا أن نقول للظالم: لِمَ ظلمت؟ وللكاذب: لِمَ كذبت؟ فلولا أن أحدهما متعلق بنا وموجود من جهتنا، وليس الآخر كذلك، « لما وجب الفصل، ولكان الحال في طول القامة وقصرها كالحال في الظلم والكذب. وقد عُرِف فساده1 ».
وقد يعترض على هذا بأن يقال: أنتم تحمدون الله على الإيمان، وإن كان الإيمان من فعلكم ومتعلقاً بكم، وكذلك تذمون أحدنا على الإماتة والغرق والحرق وغير ذلك، مع أن شيئاً من ذلك لا يتعلق به.
والرد على هذا أن يقال إنه فيما يتعلق بالأمر الأول « فليس على
ــــــــــــــ
1 « شرح الأصول الخمسة »، ص 332.

449

ما تظنونه، لأنّا لا نحمد الله تعالى على الإيمان نفسه؛ وإنما نحمده على مقدماته: من الإقدار والتمكين وإزاحة العلّة بأنواع الألطاف؛ وذلك موجود من قِبَله ومتعلّق به، فلا يلزم » (ص 333). كذلك ليس الأمر فيما يتعلق بالأمر الثاني كما يقولون « لأنّا لا نذم أحدنا على الإماتة والغرق والحرق؛ وإنما ذممناه على مقدمات ذلك. ألا ترى أن من وضع صبيّاً تحت بردٍ ليموت فإن ذمّنا إياه ليس على الإماتة، وإنما هو على إلقائه أو وضعه تحت البرد؛ وكذلك من ألقى صبياً في تنّور ليحرقه الله تعالى، فانّا لا نذمه على الإحراق الموجود مِنْ قِبَل الله تعالى، وإنما نذمه على تقريبه من النار وإلقائه فيها؟ » ففسد ما ظنوه، وصحّ الاستدلال بهذه الطريقة.
2 ـ أن مذهب المخالفين يلزم عنه « أن لا يُفَرَّق بين المحسن والمسيء، وأن يرتفع المدح والذم والثواب والعقاب، ويلزمهم قبح بعثة الأنبياء؛ ويلزمهم أيضاً أن يكون هو فاعل القبائح، لأنه إذا كان خالقاً لأفعال العباد وفيها القبائح، لزم ما ذكرناه، وذلك يوجب أن لا تقع لهم ثقةٌ البتة بكتاب الله تعالى، وأن يجوّزوا أن يبعث إليهم رسولاً كاذباً ويُظهر المعجزَ عليه، ليضلّهم عن سواء السبيل، ويدعوهم إلى الكفر، ويصرفهم عن الإسلام، لأن إذا جاز أن يفعل بعض القبائح جاز أن يفعل سائرها، إذ لا فَرْقَ بين بعضها وبين البعض في القبح ـ » (ص 334).
3 ـ كذلك يلزمهم أن لا تثبت لرسل الله حجة على الكفار، إذ للكافر حينئذ أن يقول: كيف تدعونا إلى الإسلام، ومن أرسلك إلينا أراد منّا الكفر وخلقه فينا، وجعلنا بحيث لا يمكننا الانفكاك عنه؟ كذلك لا يبقى بعدُ معنى لإرسال الرسل: لأنهم إما أن يدعونا إلى ما خلقه الله فينا، ولا فائدة في هذا؛ أو إلى ما لا يخلقه الله فينا، وهذا أمرٌ لا نطيقه ولا نتمكن منه.

450

4 ـ كذلك يلزمهم قبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، « لأن الأمر لا يخلو: إما أن يكون أمراً بالواقع ـ وذلك قبيح ويجري في القبح مجرى أمر المرميّ من شاهق بالنزول؛ وإن كان أمراً بما لا يقع، فإن المأمور غير قادر عليه عندهم لقولهم بالقدرة الموجبة، فيكون الأمر به أمراً بما لا يطاق. وتكليف ما لا يطاق قبيحٌ. وهكذا الكلام في النهي عن المنكر: لأنه إن كان نهياً عن الواقع، فإن ذلك قبيح ولا فائدة فيه، وإن كان نهياً عما لم يقع، فإن ذلك نهيٌ عما لم يقدر عليه، وذلك قبيح أيضاً، ويجري في القبح مجرى نهي الزمِن عن العدو » (ص 335).
5 ـ وكذلك يلزم أيضاً قبح مجاهدة أعداء الإسلام والكفار، « لأن للكفرة أن يقولوا: لماذا تجاهدوننا؟ إن كان جهادكم إيانا على ما لا يريده الله تعالى منا ولا يحبه فالجهاد لكم أولى وأوجب، وإن كان الجهاد لنا على ما خلق فينا وجعلنا بحيث لا يمكننا مفارقته والانفكاك عنه، فذلك جهادٌ لا معنى له » (ص 336).
وبهذه الإلزامات أراد القاضي عبد الجبار أن يبين للقائلين بنسبة أفعال العباد إلى الله أن قولهم هذا يؤدي إلى نتائج لا يقرونها ومن شأنها إبطال الدين وقواعده.
وبعد أن انتهى من طريق الإلزام ـ وهو سلبي ـ، لجأ إلى طريق الإيجاب. ويقوم على أساس أن ما يصدر عنا من تصرفات إنما يقع بحسب قصودنا ودواعينا، وهي تنتفي بحسب كراهتنا. فلولا أنها محتاجة إلينا ومتعلقة بنا لما وجب ذلك فيها. والدليل على « أن هذه التصرفات يجب وقوعها بحسب قصدنا وداعينا هو أن أحدنا إذا دعاه الداعي إلى القيام حصل منه القيامُ على طريقة واحدة ووتيرة مستمرة، بحيث لا يختلف الحال فيه. وكذلك فلو دعاه الداعي إلى الأكل بأن يكون جائعاً وبين يديه وما يشتهيه، فإنه يقع منه الأكل على كل وجه، ولا تختلف الحال في

451

ذلك. وهذه أمارة كونه موقوفاً على دواعينا ويقع بحسبها. وكما أنها تقع بحسب دواعينا وتقف عليها، فقد تقف على قصودنا أيضاً وعلى آلاتنا وعلى الأسباب الموجودة من قِبَلنا. ألا ترى أن قوله: محمد رسول الله لا تنصرف إلى محمد بن عبد الله دون غيره من المحمدين ولا يكون خبراً عنه إلا بقصده؟ وكذلك الكتابة لا تحصل منه إلاَّ إذا علمها، ولا يكفي ذلك حتى يكون مستكملاً للآلات التي تحتاج الكتابة إليها، نحو القلم وغيره. وأيضاً فإن الألم يقع بحسب الضرب الموجود من جهته، يقلّ بقلته ويكثر بكثرته. فصحّ حاجة هذه التصرفات إلينا وتعلقها بنا على الحدّ الذي ادعيناه » (ص 337 ـ 338).
وقد يعترض الخصوم ـ وهم هنا الأشاعرة ـ بقولهم: « ما أنكرتم أن هذه التصرفات يخلقها الله تعالى فيكم مطابقاً لقصودكم ودواعيكم بمجرى العادة، لا أنها متعلقة بكم تعلق الفعل بفاعله.
قيل له: إن كل اعتراض لا يثبت إلاَّ بعد ثبات ما اعترض به عليه فهو فاسد، لأنه إن صحّ ذلك المذهب المعترَض عليه فالاعتراض عليه فاسد، وإنْ لم يصح فالاعتراض لا يثبت أصلاً. وهذا الاعتراض من ذلك القبيل، لأنا ما لم نعلم المحدِث في الشاهد، لا يمكننا أن نعلم المحدِث في الغائب، فإن الطريق إلى إثبات المُحْدِث في الغائب هو أن هذه التصرفات محتاجة إلينا ومتعلقة بنا في الاحتياج إلى مُحْدِث وفاعل، وإنما احتاجت إلينا لحدوثها. فكل ما شاركها في الحدوث، وجب أن يشاركها في الاحتياج إلى مُحْدِث وفاعل. » (ص 340).
ولو كان حدوث هذه التصرفات عند قصودنا يقع بمجرى العادة لجاز أن يختلف الحال فيها حتى يصدق قول القائل إنه شاهد في بعض البلاد الغائبة عنا من كان يقع منه الفعل عند صارفه، وينتفي عند داعيه، ويمكنه نقل الثقيل من الأجسام وهو ضعيف، ولا يمكنه نقل الخفيف

452

منها إذا عاد إلى قوته، وتتأتى منه الكتابة البديعة وهو لم يتعلم الكتابة، فلما تعلمها لم يستطع الكتابة!
إذن هذه التصرفات تحتاج إلينا لحدوثها، وحاجتها إلينا إما أن تكون لاستمرار الوجود، أو لتجدد الوجود. والأول غير صحيح، لأننا نخرج عن كوننا قادرين، وتستمر هي في الوجود. فلم يبقَ إلا أن تكون محتاجة إلينا لتجدد الوجود.
« فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن تكون محتاجة إلينا ومتعلقة بنا من جهة الكسب؟ قلنا: إن الكسب غير معقول، وما لا يعقل لا يجوز أن يُجْعَل جهة الحاجة. » (ص 343).
وحجة ثانية « على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقاً لأفعال العباد، هو أن في أفعال العباد ما هو ظلم وجور. فلو كان الله تعالى خالقاً لها لوجب أن يكون ظالماً جائراً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً » (ص 345).
وقد يعترض على ذلك فيقال: « ما أنكرتم أن الظالم اسمٌ لمن لم يجعل الظلم كسباً لغيره، والله تعالى جعل الظلم كسباً لنا، فلا يجب أن يُسمَّى ظالماً.
قلنا: إن هذا السؤال مع ركاكته يدل على عمى قلب السائل، لأن فحوى هذا الكلام أن الظالم اسم لمن جعل الظلم كسباً لنفسه. وهذا يوجب أن لا يكون أحدنا ظالماً، لأنه لم يجعل الظلم كسباً لنفسه، وإنما جُعِل ذلك كسباً له.
وبعدُ، فإن قولنا: « ظالم » إثبات « وأنه لم يجعل الظلم كسباً لغيره »: نفي، ولا يجوز أن يرجع بالإثبات إلى النفي، كما في العادل والرازق » (ص 353).
ثم استشهد القاضي عبد الجبار بعد ذلك بما ورد في القرآن، وقال

453

« إن جميع القرآن يشهد على ما قلناه ويؤذن بفساد مذهبهم، لأن جميع القرآن أو أكثره يتضمن المدح والذم، والوعد والوعيد، والثواب والعقاب ـ فلو كانت هذه التصرفات من جهة الله تعالى مخلوقة في العباد، لكان لا يَحْسُن المدح والذم، ولا الثواب ولا العقاب، لأن مدح الغير وذمه على فعل لا يتعلق به ـ لا يَحْسُن. » (ص 359). ومن جملة هذه الآيات:
1 ـ قولـه تعالى: « وما منع الناسَ أن يؤمنوا إذ جـاءهم الهدى » (الإسراء 94). « فلو كان الإيمان من جهة الله تعالى وموقوفاً على اختياره ـ حتى إن خَلَق كان، وإن لم يَخْلق لم يكن ـ لكان لا يكون لهذا الكلام معنى، لأن للمكلف أن يقول: الذي منعني منه أنك لم تخلقه فيَّ، وخَلَقْتَ فيَّ ضدَّه الذي هو الكفر، وصار الحال فيه كالحال في أحدنا إذا شدَّ يدي غلامه إلى رجليه، ويطرحه في قعر بيتٍ مظلم، ويغلق عليه الأبواب، ويقول: يا شقيّ! لِمَ لا تخرج من هذا البيت، وما منعك منه؟ فكما أن هذا سخف منه، كذلك في مسألتنا.
2 ـ ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: « كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم1 » ـ أورد ذلك متعجباً منهم في الكفر، مع ما له عز وجل عليهم من النعم. ولو كان كما قالوه لم يكن للاستعجاب موضع، ولكان بمنزلة قوله: كيف تَسْوَدّون وقد أنعمت عليكم وفعلت وصنعت؟ فكما أن ذلك مما لا وجه له لم يكن الاسوداد متعلقاً بهم وموقوفاً على اختيارهم، كذلك في مسألتنا...
3 ـ ومن ذلك قوله: « جزاء بما كانوا يعملون2 »، وقوله:
ــــــــــــــ
1 سورة البقرة 28.
2 الاحقاف 14، والفرقان 15، والواقعة 24، والسجدة 17.

454

« جزاء بما كانوا يكسبون1 »، وقوله: « هل جزاء الإحسان إلاّ الإحسان2 » ـ فلولا أنّا نعمل ونصنع، وإلا كان هذا الكلام كذباً، وكان الجزاء على ما يخلقه فينا قبيحاً.
4 ـ ومن ذلك قولـه تعالى: « وماذا عليهم لو آمنـوا بالله واليوم الآخر3 » وقوله، « وما لكم لا تؤمنون بالله4 » ـ فلولا أن الإيمان موقوف على اختيارنا، وإلاَّ كان لا يستقيم هذا الكلام، ويجري مجرى من يقول لهم: ما لهم لا يَسْوَدّون، وماذا عليهم لو اسودّوا؟ وذلك مما لا يجوز، وكان للخصم أن يقول: أنت الذي منعتني عن الإيمان بأشدّ منع، لم تخلقه فيَّ، وخلقتَ فيَّ ضده الذي هو الكفر.
5 ـ ومن ذلك قوله تبارك وتقدس وتعالى: « فما لهم عن التذكرة مُعْرِضين5 » وذلك إنما يصح إذا لم يكن الإعراض من قِبَله. فأما إذا كان هو الذي منعهم عن التذكرة وخَلَق فيهم الإعراض عنه، فلا وجه لهذا التوبيخ والسؤال.
6 ـ ومن ذلك قوله: « فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر6 » فقد فوض الأمر في ذلك إلى اختيارنا. فلولا أن الكفر والإيمان متعلقان بنا ومحتاجان إلينا، وإلاَّ كان لا معنى لهذا الكلام، وتنزل منزلة قوله: من شاء فليسوَدّ؛ ومن شاء فليبيّض، فكما أن ذلك سخف، لأن الاسوداد والابيضاض غير متعلقين بنا، كذلك في مسألتنا.
7 ـ ومن جملة ذلك قوله تعالى وتقدس: « هو الذي خلقكم فمنكم
ــــــــــــــ
1 التوبة 82، 95.
2 سورة الرحمن 60.
3 سورة النساء 39.
4 سورة الحديد 8.
5 سورة المدثر 49.
6 سورة الكهف 29.

455

كافر ومنكم مؤمن1 » ـ أورد الآية على وجه التوبيخ، وذلك لا يحسن إلاَّ بعد احتياج الكفر والإيمان إلينا وتعلقهما بنا، وإلاَّ كان ذلك بمنزلة أن يوبخ أحدنا على طول قامته أو قصرها، فيقال: قد أنعمنا عليك وصنعنا بك وفعلنا ـ فقصرت قامتك أو طالت » (ص 360 ـ 362).
فهذه الآيات كلها تقطع بأن الأفعال من صنع العباد، وأن الإنسان خالق لأفعاله.

إبطال نظرية الكسب

ولما كانت نظرية الكسب هي التفسير الذي أدلى به الأشاعرة لدور الإنسان في الأفعال التي تصدر عنه، وهي التي عارض بها الأشعري نظرية المعتزلة في أن الإنسان خالق لأفعاله، فقد كان القاضي عبد الجبار من أوائل كبار المعتزلة الذين تصدوا لتفنيدها.
لكن القاضي لا ينسب الكسب إلى الأشعري، بل إلى ضرار بن عمرو فهو أول قائل بالكسب. وضرار2 بن عمرو عاش في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري، وكان المجلس له بالبصرة قبل أبي الهذيل. ويقـول عبد القاهر البغدادي في « الفرق بين الفرق » أنه قال بالكسب (ص 130)، واذن يعترف الأشاعرة أنفسهم بأنه أول من قال به قبل
ــــــــــــــ
1 سورة التغابن 2.
2 راجع عنه: « الفرق بين الفرق » للبغدادي، ص 129، الاسفراييني: « التبصير في الدين »، ص 63، الرازي: « اعتقادات فرق المسلمين »، ص 69، « التنبيه » لأبي الحسين الملطي، ص43، أبو الحسين الخياط: « الانتصار »، ص 136 وما يليها.

456

شيخهم أبي الحسن الأشعري. ومن هنا لا يذكر القاضي عبد الجبار اسم الأشعري، بل صاحب المذهب الأول وهو ضرار بن عمرو.
ويبدأ القاضي عبد الجبار فيبين الآراء في مسألة الأفعال، فيقول:
المجبرة ينسبون أفعال العباد إلى الله. ومنهم جهم بن صفوان الذي يقول إنها لا تتعلق بنا، وإنما نحن كالظروف لها، فإن خلقها فينا كانت، وإن لم يخلقها لم تكن.
وضرار بن عمرو يقول إن الأفعال متعلقة بنا ومحتاجة إلينا ـ وفي هذا القدر يتفق مع المعتزلة، ولكن جهة الحاجة إنما هو الكسب، وفي هذا يفترق عن المعتزلة.
والمتأخرون من المجبرة قسموا التصرفات قسمين: وجعلوا أحد القسمين متعلقاً بنا، وهو المباشر، والقسم الآخر غير متعلق بنا، وهو المتولّد. وهكذا فرّقوا بين المباشر، والمتولّد.
ثم يأخذ في الرد على فكرة الكسب1. فيقول إن الكسب هو كل فعل يستجلب به نفع، أو يستدفع به ضرر. وضرار لا يقصد هذا، بل يتكلم على الكسب الاصطلاحي. فيرد القاضي عبد الجبار قائلاً: « الاصطلاح على ما لا يعقل غير ممكن، لأن الشيء يعقل معناه أولاً. ثم إن لم يوجد له اسمٌ في اللغة، يصطلح عليه، فأما والمعنى لم يثبت بعدُ ولم يُعقل فلا وجه للاصطلاح عليه. وأيضاً فلا بدَّ من أن يكون للاصطلاح شَبَهٌ بأصل الوضع. وما يقوله مخالفونا لا شبه له بأصل
ــــــــــــــ
1 راجع أيضاً:
a) W. Montgomery Watt: « The origin of the Islamic doctrine of acquisition » in journal of the Royal Asiatic Society, 1943 pp. 234-247.
b) H. Stieglecker: Die Glaubenslehren des Islam, pp. 103 sqq. München 1959-52.

457

الوضع » (« شرح الأصول الخمسة »، ص 364). وهكذا يناقشهم أولاً في أنه لا وجه للاصطلاح على الكسب بغير ما يدل عليه اللغة والاستعمال.
وبعد هذا الاعتراض الشكلي، يدخل في موضوع المقصود من الكسب. فيقول إنه غير معقول في نفسه، إذ لو كان معقولاً لكان يجب أن يعقله مخالفو المجبرة في ذلك، من الزيدية والمعتزلة والخوارج والإمامية، والمعلوم أنهم لا يعقلونه. وما ذلك إلاَّ لأنه غير معقول في نفسه، لأن دواعيهم متوافرة، وهم حريصون على البحث عن هذا المعنى، ولو كان معقولاً لوجب أن يكون كما عقله أهل اللغة وعبروا عنه، وأن يعقله غيرهم من أرباب اللغات، وأن يضعوا له عبارة تنبئ عن معناه. وهذه الطريقة في الرد ذكرها أبو هاشم الجبائي.
ولكن القاضي لا يكتفي بهذا، بل يجادلهم بدقة، فيقول لهم، أي للمجبرة ولضرار بن عمرو وأصحابه الضرارية بخاصة:
« عقّلونا معنى الكسب وخيّرونا عنه؟ فإن اشتعلوا بالتحديد، قلنا: الشيء يعقل أولاً ثم يُحَدّ، لأن التحديد ليس إلاَّ تفصيل لفظ مشكل بلفظ واضح، فكيف توصلتم إلى معناه بطريق التحديد؟
ثم يقال لهم: وما هو الذي حددتم به الكسب؟ فإن قالوا: ما وقع بقدرة محدثة ـ قلنا: ما تعنون بقولكم « ما وقع بقدرة محدثة »؟ فإن أردتم به ما حدث فهو الذي نقوله، وإن أردتم به ما وقع كسباً، فعن الكسب سألناكم، فكيف تفسرونه بنفسه، وهل هذا إلاَّ إحالة للمجهول على المجهول؟
وأيضاً: فإن قولكم: « ما وقع بقدرة حادثة » ـ ينبني على إثبات القدرة، وإثبات القدرة يترتب على كون الواحد منا قادراً، وذلك ينبني على كونه فاعلاً. ومن مذهبكم أنه لا فاعل في الشاهد.

458

وأيضاً فإن هذا يقتضي أن يكون للفاعل وقدرته ـ فيه تأثير، وذلك خلاف ما ذهبتم إليه، لأن عندكم أن هذا الفعل يتعلق بالله تعالى، إن شاء أبصره1 مع القدرة، وإن شاء أبصره ولا قدرة.
وأيضاً: فلو جاز أن يقال: هذه الأفعال كسب لنا مع أنها متعلقة بالله تعالى على سائر وجوهها، لجاز في القدرة مثله، فيقال: إنها كسب لنا، وإن لم تتعلق بنا البتة. فإن قالوا: إن الكسب ما وقع، وكانت القدرة عليه على ما يقوله بعضهم، فإن ما ذكره في الحد الأول يعود ها هنا؛ فلا معنى لإعادته. »، ص 366 ـ 367).
ويستمر في بيان تهافت فكرة الكسب، ثم يورد بعض شبههم التي تعلقوا بها.
1 ـ مثل إنهم قالوا إنه توجد حركة اختيارية، وأخرى اضطرارية « فلو كانت أحداهما متعلقة بنا من طريق الحدوث، لوجب مثله في الأخرى، لأن الحدوث ثابت فيهما. وقد عُرف خلافه، فليس إلاَّ أنها متعلقة بنا من طريق الكسب ». ويرد القاضي على هذه الشبهة قائلاً « إن ذلك لا يستقيم على أصلكم: فإن من مذهبكم أن كل واحدة من هاتيْن الحركتيْن موجودتان من جهة الله تعالى وموقوفتان على اختياره » حتى إن اختارهما كانتا، وإن لم يخترهما لم تكونا. فكيف سميتم إحداهما اضطرارية، والأخرى اكتسابية واختيارية؟ وهل هذا إلاَّ تسمية لا معنى تحتها، ولا فائدة فيها؟! » (ص 372).
2ـ ومن شبههم أيضاً قولهم: « لو كان الواحد منا محدثاً لتصرفاته لوجب أن يكون عالماً بتفاصيل ما أحدثه، كالقديم تعالى: فإنه لما كان محدثاً لأفعاله، قادراً عليها، كان عالماً بتفاصيلها. »
والرد عليها أن يقال إن ثمّ فرقاً بين الوضعيْن « لأنه تعالى عالم لذاته، ومن حق العالم لذاته أن يكون عالماً بجميع المعلومات على الوجوه التي يصح
ــــــــــــــ
1 كذا! ولعل صوابه: أنجزه.

459

أن تعلم عليها. وليس كذلك الواحدُ منا، فإنه عالم بعلم. ففارق أحدهما الآخر. ـ ثم يقال لهم: أليس أن أحدنا يقدر على الاكتساب ولا يجب أن يكون عالماً بتفاصيل ما اكتسبه؟ فهلا جاز مثله في الحدوث، فيكون قادراً على الإحداث، وإنْ لم يعلم بتفاصيل ما أحدثه؟ » (ص 378).
3 ـ ومما يتعلق به الخصوم أيضاً قولهم « إن الواحد منّا لو كان محدثاً لتصرفاته لوجب أن يسمى خالقاً لها، والأمة قد اتفقت على أن لا خالق إلاَّ الله، وقد نطق به الكتاب أيضاً، قال الله تعالى: « هل من خالق غير الله » (فاطر 3) وقال: « أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم » (سورة الرعد 16).
ويرد القاضي على هذا بقوله إن اللغة تسمح بهذا التعبير، لأن الخلق معناه التقدير، والشواهد على ذلك كثيرة، منها قول زهير:

وَلأَنْتَ تَفـْرِي ما خَلَـقْتَ وبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْري1

وقيل للحجاج: إنك إذا وعدت وفيت، وإذا خَلَقْتَ فَرَيْتَ ـ أي إذا قدرت قطعت.
« وأظهر من هذا كله قوله تعالى: « وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون بإذني » (سورة المائدة 110) وقوله تعالى: « فتبارك الله أحسن الخالقين » (سورة المؤمنون 14) فلولا أن هذا الاسم (= الخلق) مما يجوز اجراؤه على غيره، وإلاَّ لتنزل ذلك منزلة قوله: فتبارك الله أحسن الآلهة. ومعلومٌ خلافه.
ــــــــــــــ
1 فرى: قطع وشق. والمعنى: أنت تنفذ ما تعزم عليه وتُقَدِّره، أو: أنت إذا قدرت أمرا قطعته وأمضيته، وغيرك يقدر ما لا يقطعه لأنه ليس بماضي العزم (« لسان العرب، ? 11، ص 375). وقد ورد في الموضع نفسه من « اللسان » أن الخلق هو التقدير، واستشهد بهذا البيت.

460

وأما في الاصطلاح فإنما لم نجزْ أن نُجزي هذا اللفظ على الواحد منا، لأنه عبارة عمن يكون فعله مطابقاً للمصلحة. وليس كذلك أفعالنا، فإن فيها ما يوافق المصلحة وفيها ما يخالفها، فلهذا لم يجز إجراء هذه اللفظة على الواحد منا، لا لشيء آخر. وأما قوله تعالى «هل من خالق غير الله» فليس فيه ما ظنوه لأن فائدة الكلام معقودة بآخره، وقد قال تعالى: « هل من خالق غير الله يرزقكم » (فاطر 13)، ونحن لا نثبت خالقاً غير الله يرزق » (ص 380).
إذن، وإن سمح استعمال اللغة بإطلاق اسم الخلق على فعل الإنسان، فإن الاصطلاح لم يطلقه على أساس أن الخلق إذا أطلق فإنما يطلق على الفعل المطابق للمصلحة وحده؛ وأفعال الإنسان فيها ما يطابق المصلحة، وفيها ما يخالفها. وهنا يمكن أن نسأل القاضي عبد الجبار: وهل إذا كان الفعل من أفعالنا مطابقاً للمصلحة أمكننا اصطلاحاً أن نطلق عليه اسم الخلق؟ ولا بد أن يجيب بالإيجاب، بحسب تقريره هذا. لكن هذا لا يتم إلاَّ بعد تقويم الفعل، لا لمجرد صدوره.
4 ـ ومما يتعلقون به أيضاً قوله تعالى: « الله خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل » (الزمر 62).
ويجيب القاضي بأن الله من الأشياء، والله لم يخلق نفسه، فلا يمكن التعلق بظاهر هذه الآية. ثم إن هذه الآية وردت في مورد التمدح، وليس من المدح أن يكون الله خالقاً لكل أفعال العباد وفيها الكفر والإلحاد والظلم، لهذا لا يحسن التعلق بظاهرها. فإن أخذنا بالتأويل والعدول عن الظاهر، فيجب أن يكون التأويل على وجه يوافق الدليل العقلي، فيقول: إن المراد به أن الله خالق كل شيء، بمعنى مُعْظَم الأشياء. ويشهد على إمكان هذا التأويل وتفسير « الكل » بمعنى: