Advertisement

مذاهب الإسلاميين عبد الرحمن بدوي دار العلم للملايين 2


إلى الريّ، وكان يسكن بخارى، ثم سار إلى هراة فسيّر منها جيشاً في المحرم من سنة 298 إلى سجستان فاستولى عليها واستعمل عليها الأمير أحمد أبا صالح منصور بن اسحق. ولكنها عصت عليه، فأنفد إليها عسكراً يفتحها ثانياً، فحصرها تسعة أشهر في سنة 300، وفتحها واستعمل عليها سيمجور الدواتي.
واستمرت خراسان تحت حكم الأمير أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني هي وما وراء النهر إلى أن قتل في سنة 301 ?، فانتقضت سجستان إذ تغلب عليها كثير بن أحمد بن شهفور.
وتولى بعده السعيد نصر بن أحمد، أبو عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني. ولكنه خرج على طاعته أهل سجستان، واسحق بن أحمد بسمرقند، وبعض العلويين بطبرستان، غير أنه انتصر عليهم، واستمر على ولاية خراسان وما وراء النهر حتى توفي في سنة 331 ?. وتولى بعده ابنه نوح، ولقّب « بالأمير الحميد »، واستمر في ولايته حتى توفي في ربيع الآخر سنة 343 ?. ولما توفي ملك بعده ابنه عبد الملك، فاستمر في الحكم حتى توفي في سنة 350 ?. وافتتنت خراسان بعده وولي بعده أخوه منصور بن نوح، وقد وقع قتال شديد بينه وبين ركن الدولة وابنه عضد الدولة انتهى بصلح عقد في سنة 361 ?. وتوفي منصور بن نوح في سنة 366 ?، وولي الأمر بعده ابنه أبو القاسم نوح، وكان عمره حين ولي الأمر 13 سنة ولقب بالمنصور.
وفي هذه السنة ـ سنة 366 ـ كان ابتداء دولة آل سبكتكين، إذ فيها ملك سبكتكين مدينة غزنة وأعمالها. وكان ابتداء أمره أنه كان من غلمان أبي إسحق بن البتكين، صاحب جيش غزنة للسامانية. وكان مقدّماً عنده، وعليه مدار أمره. وقدم إلى بخارى أيام الأمير منصور بن نوح مع أبي اسحق، فعرفه أرباب تلك الدولة بالعقل والعفة وجودة

655

الرأي والصرامة، وعاد معه إلى غزنة، فلم يلبث أبو اسحق أن توفي، ولم يُخلف من أهله وأقاربه من يصلح للتقدم. فاجتمع عسكره ونظروا فيمن يلي أمرهم ويجمع كلمتهم. فاختلفوا، ثم اتفقوا على سبكتكين لما عرفوه من عقله ودينه ومروءاته وكمال خِلال الخير فيه. فقدموه عليهم وولوه أمره وحلفوا له وأطاعوه. فوليهم وأحسن السيرة فيهم، وساس أمورهم سياسة حسنة، وجعل نفسه كأحدهم في الحال والمال. وكان يدّخر من إقطاعه ما يعمل منه طعاماً لهم في كل أسبوع مرتين. ـ ثم إنه جمع العساكر وسار نحو الهند مجاهداً، وجرى بينه وبين الهنود حروب يشيب لها الوليد. وكشف بلادهم وشنّ الغارات عليها، وطمع فيها. وخافه الهند. ففتح من بلادهم حصوناً ومعاقل؛ وقتل منهم ما لا يدخل تحت الإحصاء... ثم إن سبكتكين عظم شأنه وارتفع قدره... واستولى سبكتكين على بست1 » ثم قصد إلى قصدار فاستولى عليها. ولما فرغ من بست وقصدار غزا الهند بعدد كبير من عساكره ومن المتطوعة، وحارب ملك الهند جيبال وانتصر عليه؛ والتقى به في موقعة تالية فانتصر عليه انتصاراً عظيماً. وتوفي سبكتكين في سنة 387 وهو في الطريق من بلخ إلى غزنة. وكانت مدة ملكه نحو عشرين سنة.
ولما توفي سبكتكين وبلغ الخبر إلى ولده يمين الدولة محمود بنيسابور جلس للعزاء، ثم أرسل إلى أخيه إسماعيل يعزيه بأبيه ويعرفه أن أباه إنما عهد إليه لبعده عنه، ويذكره بما يتعيَّن من تقديم الكبير ويطلب منه الوفاق. فلم يوافق اسماعيل، وترددت الرسل بينهما، فلم يفلح التوسط. لهذا سار محمود عن نيسابور إلى هراة عازماً على قصد أخيه بغزنة، واجتمع بعمه: بفراجق في مدينة هراة، فساعده على أخيه، وسار نحو بُست وبها أخوه نصر فتبعه وأعانه وسار معه إلى غزنة. وأسرع اسماعيل،
ــــــــــــــ
1 ابن الأثير، ? 8، ص 227.

656

واقتتل الفريقان اقتتالاً شديداً، فانهزم إسماعيل، وتخلى عن الملك، وكانت مدة ملكه سبعة أشهر. واستتب الأمر لمحمود بن سبكتكين. ولما فرغ من أمر أخيه ومَلَك غزنة وعاد إلى بلخ، رأى بكتوزون قد ولي خراسان. فأرسل إلى الأمير منصور بن نوح يذكر طاعته والمحاماة عن دولته، ويطلب خراسان. فرد منصور معتذراً عن خراسان، آمراً اياه بأخذ ترمذ وبلخ وما وراءها من أعمال بست وهراة. فلم يقنع محمود بذلك، وأعاد الطلب. فلما تيقن المنع سار إلى نيسابور وبها بكتوزون، فلما بلغه مسيرة محمود رحل عنها، فدخلها محمود وملكها. فلما سمع بذلك منصور بن نوح سار عن بخارى نحو نيسابور. فلما علم محمود بذلك سار عن نيسابور إلى مرو الروذ، ونزل عند قنطرة راعول. فسار بكتوزون إلى الأمير منصور وهو بسرخس، ودبر محمود حيلة انتهت بالقبض على الأمير منصور بن نوح سنة 389 ?. وتولى بعده أخوه عبد الملك. ووقعت معركة عند مرو انهزم فيها بكتوزون. وسار محمود حتى استولى على خراسان واستقر ملك محمود بخراسان. فأزال عنها اسم السامانية، وخطب فيها للقادر بالله واستقل بملكها منفرداً. وهكذا انقرضت دولة السامانية على يد محمود بن سبكتكين في سنة 389 ?.
وهكذا استولى على خراسان محمود بن سبكتكين وبدأت دولة آل سبكتكين فيها. وقد استمر محمود يحارب في الهند، فانتصر مرة أخرى على جيبال ملك الهند في سنة 392 عند برشور وفتح بعدها ويهند، وعاد إلى غزنة ظافراً. وسار إلى سجستان فانتزعها من يد خلف بن أحمد. وفي سنة 396 غزا المولتان، وافتتح كواكير واستولى على حصن كالنجار. ثم بلغه عن خراسان اضطراب الأحوال فيها بسبب قصد ايلك الخان لها، والتقى به فهزمه، وسلمت خراسان لمحمود، وانهزم ايلك الخان في سنة 397. ولما فرغ محمود من الترك سار إلى الهند لاستئناف الغزو. وعاد إليها في سنة 400 فانتصر في معركة ناردين بالهند.

657

وفي سنة 407 غزا قشمير وقنوج، وفي سنة 416 فتح عدة حصون ومدن في الهند وأخذ الصنم المعروف ? « سُومنات »، وكان فتحاً عظيماً. وفي سنة 420 استولى على الريّ وبلد الجبل. واستخلف بالري ابنه مسعود، وقصد أصبهان فملكها من علاء الدولة، وسار إلى الري فأقام بها. وتوفي يمين الدولة محمود بن سبكتكين في ربيع الآخر من سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وكان مولده يوم عاشوراء سنة ستين وثلثمائة. وقد أوصى بالملك لولده محمد. فلما بلغ مسعوداً خبر وفاة أبيه وهو بأصبهان سار إلى خراسان وكتب إلى أخيه محمد بأنه لا يريد من البلاد التي وصى له أبوه بها شيئاً وأنه يكتفي بما فتحه من بلاد طبرستان وبلد الجبل وأصبهان وغيرها، ويطلب منه الموافقة. فرد عليه محمد رداً غليظاً. فسار مسعود لملاقاته فانهزم جند محمد، ووصل مسعود إلى غزنة في 8 جمادى الآخرة من سنة 422، وثبت ملكه، واجتمع له مُلك خراسان وغزنة وبلاد الهند والسند وسجستان وكرمان ومكران والري وأصبهان وبلاد الجبل وغير ذلك. وسار إلى التيز ومكران فملكهما. واستأنف الغزوات في الهند ففتح قلعتي سرستا وغيرها من بلاد الهند، ولكن أتاه خبر هجوم الغُزّ على بلاده فعاد إلى خراسان وأجلى السلجوقية عنها في سنة 430 وهزم الغز في عدة مواقع. ولكن خطر السلجوقية زاد، ومن ناحية أخرى اتفق أخوه محمد وابن عمه يوسف بن سبكتكين على قتل مسعود، فاحتالوا حتى قتله أولاد أحمد نيالتكين وذلك في سنة 432 ?. واستولى السلجوقية على خراسان.
ودالت دولة آل سبكتكين، وعَظُم شأن السلجوقية، وارتفع شأن ملكهم طغرلبك وأخيه داود، وهما ميكائيل بن سلجوق بن بغاق. ففي سنة 433 ملك طغرلبك جرجان وطبرستان؛ وفي سنة 437 أرسل أخاه ابراهيم إلى بلاد الجبل فملكها، وإلى الدينور فملكها وتابع سيره إلى حلوان. وفي سنة 442 فتح أصبهان. وسار حتى مَلَك بغداد في سنة 447،

658

وصار أول « ملوك » السلجوقية، وتملّك على العراق. وتوفي في 8 رمضان سنة 455 ?. وتولى بعده ألب أرسلان، الملقب بسلطان العالم، وهو ابن داود جغري بك بن ميكائيل بن سلجوق التركي. وملك بعد عمه طغرلبك سبع سنين وستة أشهر وأياماً. وتوفي في 10 ربيع الأول سنة 465 ?. وتولى بعده ابنه ملكشاه. وقد استوزر كلاهما نظام الملك وهو الحسن بن علي بن اسحاق، ووزر الملك ألب أرسلان وولده ملكشاه تسعاً وعشرين سنة؛ وولد بطوس سنة 408، وكان أبوه من أصحاب محمود بن سبكتكين، وكان من الدهاقين. وهو الذي بنى المدرسة النظامية ببغداد ونيسابور وغيرهما؛ وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والعلماء، بحيث يقضي معهم غالب نهاره. وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجوبني قام لهما وأجلسهما معه في المقعد. فإذا دخل أبو علي الفارمذي قام وأجلسه مكانه وجلس بين يديه. وخرج نظام الملك مع السلطان ملكشاه من أصبهان قاصداً بغداد في مستهل سنة 485 فلما كان في بعض طريقه بقرية بالقرب من نهاوند « وهو يسايره في محفة، قال: قد قُتل هنا خَلقٌ من الصحابة زمن عمر. فطوبى لمن يكون عندهم! فاتفق أنه لما أفطر (في مغرب 10 رمضان من تلك السنة) جاءه صبيّ في هيئة مستغيث به ومعه قصة (= شكوى). فلما انتهى إليه، ضربه بسكين في فؤاده وهرب، وعثر بطنب الخيمة فأُخذ فقُتل. ومكث الوزير ساعة. وجاءه السلطان يعوده فمات وهو عنده. وقد اتُّهم السلطان في أمره أنه هو الذي مالأ عليه. فلم تطل مدته سوى خمسة وثلاثين يوماً وكان في ذلك عبرة لأولي الألباب1 ».
* * *
ــــــــــــــ
1 ابن كثير: « البداية والنهاية »، ? 12، ص 141 بيروت 1966.

659

ونكتفي بهذا القدر من تاريخ خراسان. وقد توسعنا فيه أكثر مما ينبغي في مثل هذا الكتاب الذي هو في العقائد، لا في التاريخ السياسي، لأن خراسان لم تلقَ عناية كافية من الباحثين، ولأن الأحداث السياسية العنيفة فيها كانت لها ظلال على العقائد؛ ولأنها كانت من أخصب بلاد الإسلام، خصوصاً في القرن الخامس الهجري، بالتيارات الكلامية والفلسفية. ويكفي أن نذكر أسماء: عبد القاهر البغدادي، وإمام الحرمين الجويني، وأبو إسحاق الاسفراييني، وأبو القاسم القشيري، وأبو حامد الغزالي.
وقد كانت خراسان المركز الرئيسي لمذهب الكرّامية، إذ أن مؤسس المذهب، أبا عبد الله محمد بن كرّام السجستاني ورد نيسابور في زمان ولاية محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر (وقد تولى خراسان من سنة 248 إلى سنة 259 ?) وتبعه على مذهبه « شرذمة من أكَرَة القُرى والدُّهم1 » من أهل سواد نيسابور. واستمر المذهب من منتصف القرن الثالث الهجري في خراسان إلى أوائل القرن الخامس الهجري على الأقل، وكان لهم مشايخ يتولون رسالة المذهب. فقد ذكر عبد القاهر البغدادي وكان لهم مشايخ يتولون رسالة المذهب. فقد ذكر عبد القاهر البغدادي (« الفرق بين الفرق »، ص 224، طبعة محي الدين) أنه كان في عصره شيخ للكرامية يعرف بإبراهيم بن مهاجر، اخترع آراءً لم يسبق غليها « فزعم أن أسماء الله ـ عزَّ وجلَّ ـ كلها أعراض فيه. وكذلك اسم كل مسمى عرضٌ فيه. فزعم أن الله تعالى عَرَضٌ حالٌّ في جسم قديم، والرحمن عَرَض آخر... » ويقول إنه ناظر ابن مهاجر هذا في مجلس ناصر الدولة أبي الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور صاحب جيش السامانية في سنة سبعين وثلثمائة فيما ذهب إليه ابن مهاجر من أن الزاني عَرض في الجسم الذي يضاف إليه الزنى، والسارق عَرَضٌ في
ــــــــــــــ
1 عبد القاهر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 216، طبعة محي الدين عبد الحميد، القاهرة، بدون تاريخ.

660

الذي تضاف إليه السرقة، وليس الجسم زانياً ولا سارقاً.
وانتشر بها مذهب الأشاعرة، ومن أوائله في خراسان: أبو الطيب ابن أبي سهل الصعلوكي النيسابوري، المتوفى في سنة 369. وقد تخرج على يديه جماعة من الفقهاء بنيسابور وسائر مدن خراسان؛ وأبو علي الدقاق النيسابوري، شيخ أبي القاسم القشيري، وقد ولد في نيسابور، وخرج إلى مرو، وسلك طريق التصوف، وصحب الأستاذ أبا القاسم النصر أباذي وتوفي في ذي الحجة سنة 405 ?؛ والحاكم أبو عبد الله بن البيع النيسابوري الحافظ، أمام أهل الحديث في عصره، ولد في 3 ربيع الأول سنة 321، وسمع بخراسان أبا العباس بن يعقوب وأبا عبد الله الصفّار وأبا العباس المحبوبي وطبقتهم، وبالجبال: أبا محمد بن حمدان وأبا جعفر بن عبيد الحافظ الهمذاني، وهـو صاحب كتـاب « تاريخ علماء أهل نيسابور »، و« مزكي الأخبار »، و« المدخل إلى علم الصحيح » و« الإكليل في دلائل النبوة »، وتوفي في 3 صفر سنة 405 ?؛ وأبو بكر بن فورك الأصبهاني، أقام أولاً بالعراق حتى درس بها مذهب الأشعري، وورد إلى نيسابور فتخرج عليه جماعة كثيرة، وتوفي في سنة 406، وكان قد دُعي إلى غزنة وجرت له بها مناظرات. وأبو سعد بن أبي عثمان النيسابوري الخركوشي الزاهد، تزهد وجالس الزهاد والمتجردين، وسمع بنيسابور الحديث من أبي محمد يحيى بن منصور القاضي، وأبي عمر بن نجيد وأقرانهم، وتوفي في سنة 406 في رواية، وسنة 407 في رواية أخرى؛ ـ وأبو حازم العبدوي النيسابوري، توفي سنة 417؛ ـ أبو اسحق الاسفراييني، المتكلم الكبير، أحد كبار الأشاعرة، درّس في نيسابور في مدرسة بنيت من أجله ولم يبن بنيسابور قبلها مثلها، وكان فقيهاً متكلماً أصولياً، وعليه دَرَس القاضي أبو الطيب الباقلاني أصول الفقه باسفرايين، وأخذ عنه الكلام والأصول عامةُ شيوخ نيسابور، توفي يوم عاشوراء سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وكان الصاحب بن عباد

661

إذا انتهى إلى ذكر الباقلاني وابن فورك والاسفراييني ـ وكانوا متعاصرين ـ من أصحاب الأشعري قال لأصحابه: ابن الباقلاني بحر مُغْرِق، وابن فورك صِلٌّ مطرق، والاسفراييني نارٌ تُحرق؛ ـ والإمام أبو محمد الجويني والد الامام أبي المعالي إمام الحرمين، كان فقيهاً أصولياً أديباً نحوياً مفسّراً، تخرَّج به جماعة من أئمة الإسلام لـه في الفقه تصانيف كبيرة الفوائد مثل « التبصرة » و« التذكرة » وله التفسير الكبير، وتوفي في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة؛ ـ أبو القاسم الاسفراييني الأصم المعروف ? « الاسكاف »، من أصحاب الأشعري، توفي في 28 صفر سنة 452 وقرأ عليه امامُ الحرمين الأصول؛ ـ أبو بكر النيسابوري البيهقي الحافظ الفقيه الأصولي، واحد زمانه في الحفظ، ومن كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله الحافظ، توفي في نيسابور في 10 جمادى الأولى سنة 458 ?؛ أبو القاسم القشيري النيسابوري، عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد، الصوفي الكبير صاحب « الرسالة » المعروفة باسمه (« الرسالة القشيرية »)، كان في الأصول على مذهب الأشعري، وفي الفروع على مذهب الشافعي ولد في ربيع الأول من سنة ست وسبعين وثلثمائة، لسان عصره وسيد فرقته، وأستاذ الجماعة ومقدم الصوفية في عصره، وأصله من ناحية استوا من العرب الذين وردوا خراسان وسكنوا النواحي، درس على أبي بكر بن فورك الأصولَ، ثم اختلف إلى أبي اسحق الاسفراييني، وأخذ طريق التصوف من أبي علي الدقاق، وأبو علي أخذه عن أبي القسم النصرأباذي ـ، والنصرأباذي عن الشبلي، والشبلي عن الجنيد، والجنيد عن السَّريّ السَّقطي، والسريّ عن معروف الكرخي، ومعروف عن داود الطائي، وداود لقي التابعين. وسعى بعض الولاة ضده، فاضطر إلى مفارقة الأوطان، وورد على أمير المؤمنين القائم بأمر الله في بغداد ولقي قبولاً عنده، وعاد إلى نيسابور، توفي صبيحة يوم الأحد 16 ربيع الآخر سنة خمس وستين وأربعمائة.

662

وهنا نروي خبر المحنة التي نالت أصحاب مذهب الأشعري في مفتتح سنة خمس وأربعين أربعمائة هجرية (ابن عساكر « تبيين كذب المفتري »، ص 110 س 10) في مدينة نيسابور، في زمان تولي طغرلبك. ذلك أن طغرلبك أراد أن يستظهر بأهل السنة المتشددين، لتأييد ملكه. فحدث ما يحدث عادة في مثل هذه الظروف من السعاية بين أصحاب المذاهب للانتقام من خصومهم. ومن ذلك أن بعض أهل السنة نسبوا إلى الأشعري مذاهب ذميمة، وحكوا عنه مقالات من شأنها أن تظهر الأشاعرة بمظهر المبتدعة؛ فانبرى أصحاب الأشعري للدفاع عنه. فرفع أبو القاسم عبد الكريم بن هوازي القشيري شكوى سماها « شكاية أهل السُّنة بحكاية ما نالهم من المحنة »، ونصها هكذا: « أما بعد! فإن الله إذا أراد أمراً قدره، فمن ذا الذي أمسك ما سيّره، أو قدَّم ما أخره، أو عارضَ حكمه فغيّره، أو غلبه على أمره فقهره؟! كلا بل هو الله الواحد القهار، الماجد الجبار. ومما ظهر ببلد نيسابور، من قضايا التقدير، في مفتتح سنة خمس وأربعين وأربعمائة من الهجرة، ما دعا أهل الدين إلى شق صدور صبرهم، وكشف قناع ضُرّهم. بل ظلت الملة الحنيفية تشكو غليلها، وتبدي عويلها؛ وتنصب غرائز رحمة الله على من يسمع شكوها، وتصغي ملائكة السماء حين تندب شجوها ـ ذلك مما أُحدِث من لعن إمام الدين، وسرُج ذي اليقين، مُحيي السُّنّة وقامع البدعة، وناصر الحق، وناصح الخَلق، الزكيّ الرضيّ أبي الحسن الأشعري ـ قدس الله روحه، وسقى بماء الرحمة ضريحه. وهو الذي ذبّ عن الدين بأوضح حُجج، وسَلك في قمع المعتزلة وسائر أنواع المبتدعة أبين منهج، واستنفد عمره في النصح عن الحق، وأورث المسلمين بعدَ وفاته كتبه الشاهدة بالصدق. ولما مَنّ الله الكريم على الإسلام بزمان السلطان المعظم، المحكم بالقوة السماوية في رقاب الأمم، الملك الأجل شاهانشاه، يمين خليفة الله، وغياث عباد الله: طغرلبك أبي طالب

663

محمد بن ميكائيل، وقام بإحياء السُّنّة والمناضلة عن الملة، حتى لم يبقَ من أصناف المبتدعة حزباً إلا سلّ لاستئصالهم سيفاً عضباً، وأذاقهم ذلاً وخسفاً، وعقب لآثارهم نسفاً ـ حَرِجتْ صدور أهل البدع عن تحمُّل هذه النقم، وضاق صبرهم عن مقاساة هذا الألم، ومُنوا بلعن أنفسهم على رؤوس الأشهاد بألسنتهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت بانفرادهم بالوقوع في مهواة محنتهم. فسوّلت لهم أنفسهم أمراً، فظنوا أنهم بنوع تلبيس وضرب تدليس يجدون لعسرهم تيسيراً. فسعوا إلى عالي مجلس السلطان المعظم1 بنوع نميمة، ونسبوا الأشعري إلى مذاهب ذميمة، وحكوا عنه مقالات لا يوجد في كتبه منها حرف؛ ولم يرَ في المقالات المصنفة للمتكلمين الموافقين والمخالفين ـ من وقت الأوائل إلى زماننا هذا ـ لشيء منها حكاية ولا وصف، بل كل ذلك تصوير بتزوير، وبهتان بغير تقدير. وما نقموا من الأشعري إلاَّ أنه قال بإثبات القدر لله: خيره وشره، نفعه وضره؛ وإثبات صفات الجلال لله: من قدرته، وعلمه، وإرادته، وحياته، وبقائه وسمعه، وبصره، وكلامه، ووجهه، ويده؛ وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه تعالى موجود تجوز رؤيته، وأن إرادته نافذة في مراداته، ـ وما لا يخفى من مسائل الأصول التي تخالف طرقه طرق المعتزلة والمجسمة فيها.
« معاشر المسلمين! الغياث، الغياث! سعوا في إبطال الدين، وراموا هدم قواعد المسلمين، وهيهات هيهات! « يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ». وقد وعد الله للحق نصره وظهوره، وللباطل محقه وثبوره. إلاَّ أن كتب الأشعري في الآفاق مبثوثة، ومذاهبه عند أهل السُّنّة من الفريقين معروفة
ــــــــــــــ
1 أيْ طغرلبك، السلطان السلجوقي، وقد استولى على نيسابور في 7 رمضان 431 ? (= 22 مايو 1040).

664

ومشهورة. فمن وصفه بالبدعة علم أنه غير محق في دعواه، وجميع أهل السنة خَصْمُه فيما افتراه (ثم ذكر « القشيري » أربع مسائل شنع بها عليه، وبيّن براءة ساحته فيما نسب منها إليه، ثم قال:) ولما ظهر ابتداء هذه الفتنة بنيسابور، وانتشر في الآفاق خبره، وعظم على قلوب كافة المسلمين من أهل السُّنّة والجماعة أمره، ولم يبعد أن يخامر قلوب بعض أهل السلامة والوداعة توهمٌ في بعض هذه المسائل أن لعل الإمام أبا الحسن علي بن اسماعيل الأشعري ـ رحمه الله ـ قال ببعض هذه المقالات في بعض كتبه ـ ولقد قيل: مَنْ يَسْمَعْ يُخِلّ ـ أثبتنا هذه الفصول في شرح هذه الحالة، وأوضحنا صورة الأمر بذكر هذه الجملة، ليضرب كلُّ مَنْ (هو) مِنْ أهل السنة إذا وقف عليها بسهمه في الانتصار لدين الله من دعاءٍ يخلصه، واهتمام يصدقه، وكل عن قلوبنا بالاستماع إلى هذه القصة يحمله، بل ثواب من الله على التوجع بذلك يستوجبه. والله غالبٌ على أمره، وله الحمد على ما يمضيه من أحكامه ويبرمه، ويقضيه من أفعاله فيما يؤخره ويقدمه، وصلواته على سيدنا المصطفى وعلى آله وسلم، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العليّ العظيم1 ».
ولم يورد ابن عساكر نص هـذه الأربع مسائل، ولكننا نجد هـذه الرسالة بكاملها في « طبقات الشافعية » للسبكي (? 2، ص 275 ـ 288). ومن ناحية أخرى كتب أبو القاسم القشيري بخطه مكتوباً في ذي القعدة سنة ست وثلاثين وأربعمائة وقع هو عليه ومعه وقع: أبو عبد الله الخبازي المقري، وأبو محمد الجويني، وعبد الله بن يوسف، وأبو الفتح الشاشي، ومضر بن محمد الشاشي، وعلي بن أحمد الجويني (والد إمام الحرمين)، وأبو الفتح العمري الهروي الفقيه، وناصر بن الحسين، والأيوبي (!)، وأحمد بن محمد بن الحسن بن أبي أيوب،
ــــــــــــــ
1 ابن عساكر: « تبيين كذب المفتري... »، ص 110 ـ 112.

665

وعلي بن محمد بن أبي أيوب، والإمام أبو عثمان الصابوني، وإسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، وابنه أبو نصر الصابوني، وعبد الله بن إسماعيل الصابوني، والشريف البكر، وعلي بن الحسن البكري الزبيري، ومحمد بن الحسن، وأبو الحسن الملقاباذي، وعبد الجبار الاسفراييني الذي كتب بالفارسية تقريظاً للأشعري، وعبد الجبار بن علي بن محمد الاسفراييني، وابنه محمد.
ونص هذا البيان الموجز الذي أصدره هؤلاء وكتبه أبو القاسم عبد الكريم ابن هوازن القشيري بخطه، ووقع عليه، وأحياناً مع تعليق، هؤلاء المذكورون ـ هو:
« بسم الله الرحمن الرحيم. اتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن علي بن اسماعيل الأشعري رضي الله عنه ـ كان إماماً من أئمة أصحاب الحديث، ومذهبه مذهب أصحاب الحديث. تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السُّنّة، وردّ على المخالفين من أهل الزيغ والبدعة. وكان على المعتزلة والروافض والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين عن الملة ـ سيفاً مسلولاً. ومن طعن فيه أو قدح، أو لعنه أو سبه ـ فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السُّنّة. بذلنا خطوطنا طائعين بذلك في هذا الذكر، في ذي القعدة سنة ست وثلاثين وأربعمائة. والأمر على هذه الجملة المذكورة في هذا الذكر. وكتبه عبد الكريم بن هوازن القشيري1. »
والسبكي في طبقات الشافعية (? 2، ص 269 ـ 272) يشرح حال هذه الفتنة التي وقعت بمدينة نيسابور، قاعدة خراسان، وكيف أدت إلى خروج إمام الحرمين، والحافظ البيهقي، وأبي القاسم القشيري من نيسابور، فيقول إن السلطان في ذلك الوقت كان هو طغرلبك السلجوقي، « وكان رجلاً حنفياً سُّنياً خيراً عادلاً محبباً إلى أهل العلم، من كبار الملوك وعظمائهم. وهو أول ملوك السلجوقية. وكان يصوم الاثنين
ــــــــــــــ
1 ابن عساكر: « تبيين كذب المفتري... »، ص 113، دمشق 1347?.

666

والخميس » (? 2، ص 269). وكان له وزير « سوء » على حد تعبير السبكي، هو أبو مضر منصور بن محمد الكندري. « وكان معتزلياً رافضياً... يقول بخلق الأفعال وغيره من قبائح القدرية، وسب الشيخين (أبي بكر وعمر) وسائر الصحابة وغير ذلك من قبائح شرّ الروافض، وتشبيه الله بخلقه وغير ذلك من قبائح الكرامية والمجسمة » (ص 270). واتفق أن رئيس البلد كان هو الأستاذ أبا سهل ابن الموفق، وكان جواداً ذا أموال جزيلة وصدقات دارة وهبات هائلة، وكان مرموقاً بالوزارة، وداره مجتمع العلماء وملتقى الأئمة من فريقي الحنفية والشافعية في داره يتناظرون. وكان عارفاً بأصول الدين على مذهب الأشعري، مناضلاً في الذب عن هذا المذهب. فعظم ذلك على الكندري، لما في نفسه من كراهية مذهب الأشعري، ومن بغض ابن الموفق وخشيته من أن يثب على الوزارة. لهذا حسّن الكندري للسلطان طغرلبك لَعْنَ المبتدعة على المنابر. فأمر طغرلبك بلعن المبتدعة على المنابر. فاتخذ الكندري من ذلك ذريعة إلى التنكيل بالأشعرية، « وصار يقصدهم بالإهانة والأذى والمنع من الوعظ والتدريس وعزلهم عن خطابة الجامع. واستعان بطائفة من المعتزلة الذين زعموا أنهم يقلّدون مذهب أبي حنيفة؛ أشربوا في قلوبهم فضائح القدرية، واتخذوا التمذهب بالمذهب الحنفي سياجاً عليهم. فحسنوا إلى السلطان الازراء بمذهب الشافعي عموماً، وبالأشعرية خصوصاً. وهذه هي الفتنة التي طـار شررها فملأ الآفاق، وطال ضررها فشمل خراسان والشام والحجاز والعراق » (? 2، ص 270).
فتدخل أبو سهل ابن الموفق لدفع الأذى عن الأشاعرة، وتردد إلى المعسكر في هذا الغرض؛ لكن لم يفلح مسعاه، وبالعكس « جاء الأمر من قِبل السلطان طغرلبك بالقبض على الرئيس الفراتي، والأستاذ أبي القاسم القشيري، وامام الحرمين، أبي سهل ابن الموفق، ونفيهم، ومنعهم عن المحافل. وكان أبو سهل غائباً إلى بعض النواحي. ولما قرئ الكتاب بنفيهم

667

أغري بهم العامة والأوباش. فأخذوا بالأستاذ أبي القاسم القشيري والفراتي يجرونهما ويستخفون بهما، وحبُسا بالقهندز1. وأما إمام الحرمين فإنه كان أحس بالأمر، واختفى، وخرج على طريق كرمان إلى الحجاز؛ ومن ثم جاور وسمي إمام الحرمين. وبقي القشيري والفراتي مسجونين أكثر من شهر. فتهيأ أبو سهل ابن الموفق من ناحية باخَرْز، وجمع من أعوانه رجالاً عارفين بالحرب. وأتى باب البلد، وطلب إخراج الفراتي والقشيري. فما أجيب، بل هُدّد بالقبض عليه بمقتضى ما تقدم من مرسوم السلطان. فلم يلتفت، وعزم على دخول البلد ليلاً، وإخراجهما مجاهرة. وكان متولي البلد قد تهيأ للحرب. فزحف أبو سهل ليلاً إلى قرية له على باب البلد، ودخل مُعافصةً2 إلى داره وصاح من معه بالنقرات العالية. فلما أصبحوا ترددت الرسل والنصحاء في الصلح، وأشاروا على الأمير بإطلاق الأستاذ والرئيس. فأبى، وبرز برجاله وقصد محلة أبي سهل. فقام واحد من أعوان أبي سهل، إلاَّ أنه يُعدُّ بألفٍ، وضرغام إلاَّ أنه في زي إنسان، واستدعى منه كفاية تلك الثائرة إياه وأصحابه. وأذنوا لهم. فالتقوا في السوق، وثبت هؤلاء حتى فرغ نُشّاب أولئك، وتأنى الحقُّ حتى انقضت تُرهات الباطل. ثم حمل أصحاب ابن الموفق على أولئك حملة رجلٍ واحد، فهزموهم بإذن الله، وجرحوا أمير البلد وهموا بأسره. ثم توسَّط الناسُ ودخلوا على أبي سهل في تسكين الفتنة وإطفاء الثائرة. وأتوا بالأستاذ (القشيري) والرئيس إلى داره. وقالوا: قد حصل القصد، وأُخْرِج هذان من الحبس. فلما انتصر أبو سهل وتمّ له ما ابتغى تشاور هو وأصحابه فيما بينهم، وعلموا
ــــــــــــــ
1 قهندز: كلمة فارسية الأصل، أصلها بالفارسية: كهن ـ دز: اسم لأربعة أماكن محصنة، ثم أطلق على القلعة بوجه عام.
2 أي عنوة وغلبة.

668

أن مخالفة السلطان لها تبعة، وأن الخصوم لا ينامون. فاتفقوا على مهاجرة البلد إلى ناحية استواء، ثم يذهبون إلى الملك (طغرلبك)، وبقي بعض الأصحاب بالنواحي مفرقين. وذهب أبو سهل إلى المعسكر، وكان على مدينة الري. وخرج خصمه من الجانب الآخر، فتوافيا بالري، وأنهى إلى السلطان ما جرى، وسعى بأصحاب الشافعي وبالإمام أبي سهل خصوصاً. فقبض على أبي سهل وحُبِس في بعض القلاع وأخذت أمواله وبيعت ضياعه، ثم فرج عنه وخرج وحج. فهذا ما كان من الفتنة. وكان هذا السلطان مع دينه وخيره ممن لم يمهله الله بعد إذنه بالسب وبحبس القشيري. ولم يمكث بعد هذه الوقعة الشنيعة واتفاق هذه الفضيحة الفظيعة إلاَّ زمناً يسيراً، وتوفي. وتسلطن بعده السلطان الأعظم عضد الدولة أبو شجاع ألب أرسلان. ولم يلبث الكندري إلاَّ يسيراً وقُتِل شرَّ قتلة وجُعل كل جزء من أجزائه في ناحية ـ ولذلك شرح يطول لسنا له الآن، وأسفر صباح الزمان عن طلعة الوزير نظام المُلْكِ، فقام في نصرة الدين قياماً مؤزراً، وعاد الحق معززاً موقراً، وأمَرَ بإسقاط ذكر السبّ وتأديب من فعله » (السبكي: « طبقات الشافعية »، ? 2، ص 270 ـ 271، الطبعة الأولى بالمطبعة الحسينية) وكان مقتل الكندري في سنة 456 ?.
ويذكر بعد ذلك أن أهل خراسان من نيسابور ونواحيها ومرو وما والاها تفرقوا: فمنهم من ذهب إلى العراق، ومنهم من ذهب إلى الحجاز. فمِمّن حجّ: الحافظ أبو بكر البيهقي، وأبو القاسم القشيري، وامام الحرمين أبو المعالي الجويني. ويقال إن أربعمائة قاض من قضاة المسلمين من الشافعية والحنفية هجروا بلادهم بسبب هذه الواقعة.
وكان البيهقي بمدينة بيهق حين وقعت المحنة بنيسابور، فكتب إلى عميد الملك الكندري كتاباًَ أورده بكامله ابن عساكر (« تبيين كذب المفتري... »، ص 100 ـ 108) وأورده باختصارٍ السبكي (« طبقات

669

الشافعية »، ? 2، ص 272 ـ 275)، فراجعه فيهما. وفيه يدافع عن الأشاعرة ويطلب من الكندري وقف اضطهادهم. ولكن لم يفلح في ذلك، وبعد أن وفد على نيسابور لشد أزر أصحابه، اضطر معهم أن يهاجر فهاجر إلى الحجاز كما رأينا مع القشيري وإمام الحرمين. ولم يعد إلاَّ بعد مصرع الكندري في سنة 456، ولما كان قد توفي في سنة 458 ? فكأنه لم يعش بعد عودته إلى نيسابور إلاَّ عامين.
وابن الأثير في حوادث سنة 456 التي قتل فيها عميد الملك الكندري يشير إلى هذه الأحداث فيقول عن الكندري إنه « كان شديد التعصب على الشافعية، كثير الوقيعة في الشافعي ـ رضي الله تعالى عنه. بلغ من تعصبه أنه خاطب السلطان (= طغرلبك) في لعن الرافضة (= الشيعة) على منابر خراسان. فأذِن في ذلك، فأمر بلعنهم. وأضاف إليهم الأشعرية، فأنف من ذلك أئمة خراسان: منهم الإمام أبو القاسم القشيري، والإمام أبو المعالي الجويني وغيرهما، ففارقوا خراسان. وأقام إمام الحرمين بمكة أربع سنين إلى أن انقضت دولته، يدرّس ويُفتي، فلهذا لُقِّب: « إمام الحرمين ». ـ فلما جاءت الدولة النظامية (نسبة إلى نظام الملك الذي تولى الوزارة لألب أرسلان) أحضر من انتزح منهم وأكرمهم وأحسن إليهم1. »
وكان سبب اتصال الكندري بالسلطان طغرلبك أن السلطان لما ورد نيسابور طلب رجلاً يكتب له ويكون فصيحاً بالعربية، فدل عليه الموفق والد أبي سهل. فاستطاع أن ينال الحظوة عند السلطان حتى صار وزيراً له ولقب بلقب « عميد الملك » (= وزير)، وظل في هذه المكانة إلى أن توفي السلطان طغرلبك في 8 رمضان سنة 455. فأجلس
ــــــــــــــ
1 ابن الأثير الجزري المتوفى 630 ?: « الكامل في التاريخ »، ? 8، ص 97، القاهرة، المكتبة التجارية.

670

الكندري مكانه في السلطنة: سليمان بن داود جغري بك أخي السلطان طغرلبك، وكان طغرلبك قد عهد إليه بالملك. ولكن الأمراء السلاجقة اختلفوا في أمر تعيين سليمان سلطاناً. فمضى باغي سيان واردم إلى قزوين، وخطبا لعضد الدولة ألب أرسلان محمد بن داود جغري بك، وكان حينئذ صاحب خراسان، ومعه نظام الملك وزيره. وكان الناس يميلون إليه فلما رأى عميد الملك الكندري انعكاس الحال عليه أمر بالخطبة للسلطان ألب أرسلان. ثم ذهب قاصداً خدمة نظام الملك وزير ألب أرسلان، وقدم بين يديه خمسمائة دينار، واعتذر وانصرف من عنده، فسار أكثر الناس معه، فخوف نظامُ الملك السلطان ألب أرسلان من مغبة ذلك. فقبض عليه، وأنفذ إلى مروالروذ، وحبس هناك عاماً. ثم بعث إليه غلامين ضرباه بالسيف وقتلاه، وكان ذلك في ذي الحجة من سنة ست وخمسين وأربعمائة، وكان عمره يوم قتل نيفاً وأربعين سنة.
فالكندري إذن حمل على الشيعة والأشاعرة والشافعية واضطهدهم من سنة 445 حتى سنة 455.

منهج عبد القاهر البغدادي

يتميز منهج عبد القاهر البغدادي بذكر الآراء المختلفة في المسألة الواحدة، أي أن عنده حاسة تاريخية مذهبية واضحة. ويظهر هذا خصوصاً في كتاب « أصول الدين »، إذ هو يذكر دائماً المذاهب المختلفة بأسمائها ويورد آراء أصحاب الآراء. ولهجته هنا موضوعية هادئة، بعكس لهجته الحادة العنيفة الظاهرة في عرضه لسائر المذاهب عدا مذهب أهل السنة، في كتاب « الفرق بين الفرق »، والسبب في هذا أن هذا

671

الكتاب الأخير قصد به إلى « بيان الفرقة الناجية » أي أهل السنة، فاضطر من أجل ذلك إلى الهجوم العنيف على سائر الفِرَق: الشيعة، المعتزلة، الخوارج، الكرامية، الجهمية، الخ.
والتبويب الذي التزمه عبد القاهر في « أصول الدين » منظم عقلي مُحْكَم. فقد ذكر فيه خمسة عشر أصلاً من أصول الدين، وشرح كل أصل بخمس عشرة مسئلة. وراح يبرر اتخاذه الرقم 15 أساساً للتقسيم والحصر فقال إن كثيراً من أحكام الشريعة تتعلق أو يرد فيها الرقم 15، ولهذا لم يكره تقسيم قواعد الدين على خمسة عشر أصلاً، وتقسيم كل أصل منها خمس عشرة مسئلة. وتبعاً لذلك انقسم كتابه هذا إلى مائتيْن وخمس وعشرين مسئلة في كل مسئلة منها: المذهب، والخلاف، أي رأي الأشاعرة والرد على آراء مخالفيهم.
والأصول الخمسة عشر التي بينها في هذا الكتاب هي:
1 ـ بيان الحقائق والعلوم على الخصوص والعموم
2 ـ حدوث العالم على أقسامه من أعراضه وأجسامه
3 ـ معرفة صانع العالم ونعوته في ذاته
4 ـ معرفة صفاته القائمة بذاته
5 ـ معرفة أسمائه وأوصافه
6 ـ معرفة عدله وحكمه
7 ـ معرفة رُسُله وأنبيائه
8 ـ معرفة معجزات أنبيائه وكرامات أوليائه
9 ـ معرفة أركان شريعة الإسلام
10 ـ معرفة أحكام التكليف في الأمر والنهي والخبر
11 ـ معرفة أحكام العباد في المعاد
12 ـ بيان أصول الإيمان

672

13 ـ بيان أحكام الإمامة وشروط الزعامة
14 ـ معرفة أحكام العلماء والأئمة
15 ـ بيان أحكام الكفر وأهل الأهواء الفَجَرة
وهو في العادة يبتدئ بإيراد رأي الأشاعرة، ويتلوه برأي الخصوم والرد عليه. ولا نستطيع أن نحدّد إلى أي مدى أو متى يكون الرد من عند البغدادي وليس منقولاً عن أحد شيوخ المذهب: فهو عادة يستخدم التعبير: « عندنا » أو « أصحابنا » للدلالة على آراء شيوخ المذهب، ورأيه هو رأيهم. ويفرق أحياناً بين أجيال من هؤلاء الأصحاب فيقول مثلاً: « قال قدماء أصحابنا... » (« أصول الدين »، ص 108، س 17). ويخص بالذكر من أصحاب مذهب الأشعرية التالية أسماؤهم:
أبو الحسن الأشعري (ص 10، 25، 29، 40، 41، 45، 56، 88، 97، 104، 109، 115... الخ الخ)
أبو محمد عبد الله بن سعيد القطان (ص 89، 90، 97، 104، 109... الخ الخ)
أبو العباس القلانسي (ص 10، 29، 40، 67، 87، 89، 90، 97، 109، 111...)
أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (45، 67، 90، 109، 123... الخ الخ)
وهو يقول في « الفرق بين الفرق1 »: « وقد أدركنا منهم (أي أهل السنة) في عصرنا: ابن مجاهد، وابن الطيب، وابن فورك، وابراهيم بن محمد2 ». ويذكر أحياناً اسم أبي محمد عبد الله بن سعيد
ــــــــــــــ
1 ص 221، نشرة الكوثري، القاهرة 1947.
2 هو أبو اسحق ابراهيم بن محمد الاسفراييني، المتوفى في 10 محرم 418، ومؤلف: « أصول الدين » (5 مجلدات)، و« تعليقه في أصول الفقه » الخ.. وبه تفقه أبو الطيب الطبري والقشيري والبيهقي، راجع عنه « شذرات =

673

القطان مقروناً بالنعت: قال شيخنا... (ص 104). ويعدّ البغدادي لذلك مصدراً رئيسياً من مصادرنا عن مذهب الأشاعرة، أولاً لدقته في إيراد مذهبهم، ولاستيفائه لأوجُه آرائهم في مختلف مسائل الدين، والحجج التي أدلوا بها في الدفاع عن هذه الآراء ضد الخصوم، خصوصاً وأنه ينقل عن كتب للأشعري والقطان والقلانسي ضاعت. وهو يمتاز عن الباقلاني مثلاً بتقسيماته الهندسية المحكمة، وعرضه الآراء المختلفة في المسألة الواحدة بإيجاز مجزئ. وقدرته على التقسيمات الدقيقة الهندسية راجعة على عقليته الرياضية الفذّة.
ولكن لما كان لا يتميز له مذهب خاص في هذا العرض، فإن من الصعب جداً عرض مذهبه الخاص الذي انفرد به دون أصحابه من الأشاعرة.
لقد كان عبد القاهر البغدادي ـ بحسب ما لدينا من مؤلفاته ـ عارضاً لآراء الأشاعرة أكثر منه مفكراً أصيلاً ذا آراء انفرد بها أو براهين جديدة ساقها. ولهذا نجد عنده أوضح عرض لجماع مذهب أهل السنة، وذلك في القسم الأخير من كتاب « الفرق بين الفرق ». وهذا العرض يتفق تماماً مع ما يورده من آراء الأشاعرة في « أصول الدين »، بحيث يمكن أن نعد ذلك القسم من « الفرق » بمثابة تجريد لما في « أصول الدين » من عرض لآراء الأشاعرة.
ــــــــــــــ
= الذهب »، ? 3، ص 209 ـ 210. ـ أما ابن فورك (بضم الفاء وفتح الراء) فتوفي سنة 406. وقد دعي إلى نيسابور، وبنيت له مدرسة بها، ودعي إلى مدينة غزنة وجرت له بها مناظرات عظيمة ويقال إن السلطان محمود بن سبكتكين دس سماً فمات ونقل إلى نيسابور فدفن بها. راجع « شذرات الذهب »، ? 3، ص 181 ـ 182.

674

مذهب أهل السنة والجماعة
كما يعرضه البغدادي

والبغدادي يحاول أن يبين في « الفِرَق » (ص 362 ـ 365، طبعة محي الدين) أن مذهب أهل السنة والجماعة ـ ويقصد مذهب الأشعري ـ هو بعينه مذهب الصحابة والتابعين ومن تلاهم من الأئمة الأعلام. إذ يجعل أول متكلمي أهل السنة من الصحابة: علي بن أبي طالب حيث ناظر الخوارج في مسائل الوعد والوعيد، وناظر القدرية في المشيئة والاستطاعة والقدر.
ويتلوه عبد الله بن عمر حيث تبرّأ من معبد الجهني في نفيه القدر.
وأول متكلمي أهـل السُّنة من التابعين: عمر بن عبد العزيز، وينسب إليـه البغدادي « رسالة بليغة في الرد على القدرية » (ص 363). ثم زيد بن علي زين العابدين، وله كتاب في الرد على القدرية. ثم الحسن البصري، وله رسالة إلى عمر بن عبد العزيز في ذم القدرية يقول البغدادي إنها « معروفة ». ثم الشعبي، وكان أشدّ الناس على القدرية. ثم الزُّهري، وهو الذي أفتى عبدَ الملك بن مروان بدماء القدرية.
ويتلو هذه الطبقة: جعفر بن محمد الصادق، وينسب إليه: كتاب الرد على القدرية، وكتاب الرد على الخوارج، ورسالة في الرد على الغلاة من الروافض.
وأول متكلمي أهل السنة من الفقهاء وأرباب المذاهب: أبو حنيفة والشافعي. فأبو حنيفة « له كتاب في الرد على القدرية سماه كتاب: الفقه الأكبر؛ وله رسالة أملاها في نصرة قول أهل السنة إن الاستطاعة مع الفعل... وللشافعي كتابان في الكلام، أحدهما: في تصحيح النبوة والرد

675

على البراهمة، والثاني في الرد على أهل الأهواء. »
ثم من بعدهم جاء الامام أبو الحسن الأشعري. ولا يذكره البغدادي على أنه مؤسس المذهب أو واضع أسسه الحقيقية مثلاً، بل يكتفي بأن ينعته بقوله: « الإمام أبو الحسن الأشعري الذي صار شَجىً في حلوق القدرية ».
ويذكر من تلامذة الأشعري المشهورين: أبا الحسن الباهلي، وأبا عبد الله بن مجـاهد، « وهما اللذان أثمرا تلامذةً هم إلى اليوم شموس الزمان وأئمة العصر: كأبي بكر محمد بن الطيب (الباقلاني)، وأبي اسحق ابراهيم بن محمد الاسفراييني، وابن فورك ».
ثم يستدرك ويقول إنه كان قبل هذه الطبقة: أبو علي الثقفي « وفي زمانه كان إمام السُّنة أبو العباس القلانسي الذي زادت تصانيفه في الكلام على مائة وخمسين كتاباً ». وأما الذين أدركهم البغدادي فهم كما قلنا من قبل: ابن مجاهد، وابن الطيب، وابن فورك، وابراهيم بن محمد.
ويضيف إلى هؤلاء طوائف من أئمة الفقه، وأئمة الحديث والاسناد، وجمهرة من أهل النحو واللغة والأدب من كوفيين وبصريّين، وأئمة القراءة وحَملة التفسير بالرواية وبعض مشاهير علماء المغازي والسير والتواريخ ونقد الأخبار.
ويريد أن يتوصل من هـذا إلى أن « جِماع الفضل في العلوم في أهل السنة والجماعة » (ص 365)
وصنيعه هذا سنجده عند المرتضى في « المنية والأمل »، وهو يعدد في الفصل الأخير أسلاف المعتزلة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين والخلفاء الخ.
وهو في مستهل الباب الخامس من « الفِرَق » ـ وهو الذي عقده على بيان مذهب أهل السنة والجماعة ـ يصنفهم إلى ثمانية أصناف:

676

1 ـ صنف المتكلمين على مذهب أهل السنة؛
2 ـ صنف أئمة الفقه من فريقي الحديث والرأي، ويدخل فيه أصحاب مؤسسي المذاهب كلهم تقريباً: مالك، الشافعي، الأوزاعي، الثوري، أبو حنيفة، ابن أبو ليلى، أبي ثور، أحمد بن حنبل وأهل الظاهر،
3 ـ علماء الحديث.
4 ـ علماء اللغة من نحويي الكوفة والبصرة « الذين لم يخلطوا علمهم.. بشيء من بِدعَ القدرية أو الرافضة أو الخوارج »؛
5 ـ علماء القراءة وتفسير القرآن؛
6 ـ الزهاد الصوفية « الذين أبصروا فأقصروا واختبروا فاعتبروا... »
7 ـ « قوم مرابطون في ثغور المسلمين في وجوه الكفرة، يجاهدون أعداء المسلمين... ويظهرون في ثغورهم مذاهب أهل السُّنة والجماعة » (ص 317).
8 ـ « عامة البلدان التي غَلَب فيها شعار أهل السُّنة دون عامة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة » (ص 318)، بيد أنه لم يحدد هذه البلدان.

أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية

ثم يأخذ في بيان الأسباب التي تقطع بأن أهل السنة والجماعة هم وحدهم الفرقة الناجية من بين فرق الأمة الثلاث والسبعين، لأنهم وحدهم الموافقون للصحابة، بينما سائر الفرق تخالف الصحابة أو تطعن فيهم.

677

الأصول التي اجتمع عليها أهل السنة والجماعة

ويبين الأصول التي اتفق عليها أهل السنة والجماعة، وقسم ذلك على أركان عدّتها خمسة عشر ركناً، تمشياً مع الرقم 15 الأثير لدى صاحبنا. وفي كل ركن يبين مذهب أهل السنة الذي أجمعوا عليه. والتناظر دقيق واضح ـ كما قلنا ـ بين عرضه في « الفرق » وعرضه في « أصول الدين ». وإنما عرضه في « الفرق » هو مجرد تقرير لمذهب أهل السنة دون بيان الآراء المخالفة، ودون سرد الحجج المؤيدة لأقوال أهل السنة أو تقييد الآراء المخالفة. ومن شاء عرضاً واضحاً متسقاً مجرداً من الجدل لمذهب أهل السنة والجماعة لما وجده خيراً منه في كتاب « الفرق بين الفرق » (ص 324 ـ 359) فهو أوضح وأوجز وأدق عرض لعقيدة Catéchisme أهل السنة والجماعة. وينبغي على من يلتمس مذهبها أن يرجع إليه في هذه الصورة المجردة، خصوصاً وأنه بهذه الصورة قد صار بمثابة عقيدة كافة أهل السُّنة منذ ذلك التاريخ حتى يوم الناس هذا. ويمكن أن يجد فيه من يلتمس معرفة عقيدة المسلمين بوجه عام خير عرض وأوفاه وأوضحه.

678


إمام الحرَمين أبو المعالي الجويني

هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف ين محمد بن عبد الله بن حيويه الجويني النيسابوري، إمام الحرمين؛ وكنيته أبو المعالي.
ولد في ثامن عشر المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة (17 فبراير سنة 1028 م) في بليدة تدعى أزاذْوار، وهي قصبة كورة جُوين من أعمال نيسابور، وأول هذه الكورة لمن يجيئوها من ناحية الريّ!. ويقول ياقوت (« معجم البلدان »، ? 1، ص 231، نشرة ?ستنفلد) عن البلد: « وعهدي به عامِرٌ آهِل، ذو سوق ومساجد، وظاهره خان كبير عمّره بعض التجار من أهل السبيل. وينسب إليه جماعة من أهل العلم منهم أبو عبد الله محمد بن حفص بن محمد بن يزيد الشعراني النيسابوري الأزاذْواري... توفي ببلده سنة 313، وأبو العباس محمود بن محمد بن محمود الأزاذواري... وأبو حامد أحمد بن محمد بن العباس الازاذواري ».
ولكن أبا المعالي لم ينسب إليها، بل نسب إلى الكورة: جوين. وجوين (بضم الجيم وفتح الواو وسكون الياء)، وأهل خراسان يقولون ?وان، كورة من كُور نيسابور، يقول عنها ياقوت1: « عهدي بها
ــــــــــــــ
1 ياقوت: « المشترك وضعاً والمفترق صعقاً »، ص 115 ـ 116، نشرة ?ستنفلد، جتنجن، سنة 1846.

679

مليحة نَزِهة متصلة العمارة كثيرة القنيّ والبساتين، طويلة مسيرة ثلاثة أيام، وعرضها نحو ميل. أولها مدينة صغيرة يقال لها ازاداوار (!) إلى دون نيسابور بيوم. خرج منها جماعة من الأئمة الأعلام، منهم إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله الجويني هو وأبوه وجده أئمة، وغيرهم كثير ».
ويظهر أن أبا الفداء في « تقويم1 البلدان » أساء فهم هذا الموضع، فظن أن قوله خرج « منها » يعود الضمير فيه على ازاذوار، مع أنه يعود على جوين كما هو واضح من النص. ولهذا الفهم الخاطئ قال أبو الفداء في ذلك الموضع: « ومن ازاذوار إمام الحرمين الجويني ».
ويلاحظ أن ياقوت لم يذكر في مادة أزاذوار أن إمام الحرمين ولد بها. وإذن فرواية أبي الفداء هذه هي سوء فهم لما أورده ياقوت في « المشترك وضعاً ».
ومن ناحية أخرى لم تذكر لنا المصادر كلها مكان ولادته. فهل هذا الإغفال لما هو متبادر إلى الذهن من نسبته، فيكون مولده في جوين؟ لا نستطيع أيضاً أن نقطع بهذا.
ويقول ألار « إنه يبدو أن والديه سكنا حينئذ في نيسابور » لأن السبكي2 يذكر أن الامام أبا محمد الجويني استقر في نيسابور في سنة 407 بعد أسفار طويلة؛ « فلا بد إذن أن يكون (أبو المعالي) قد ولد في العاصمة (= نيسابور) أو في نواحيها المباشرة3 ». وهذا احتمال يحتاج إلى مزيد تأييد.
ــــــــــــــ
1 ص 451، نشرة رينو والبارون دي سلان، باريس 1840.
2 ? 3، ص 208، س 14.
3 M. Allard: Le problème des attributs divins dans la doctrine d'Al-As’ari, p. 373, Beyrouth, 1965.

680

نشأته ووالده

وقد درس على والده أبي محمد عبد الله بن يوسف بن محمد بن عبد الله بن حيويه الجويني، وكان فقيهاً يدرّس الفقه في إحدى المدارس في نيسابور. وقد أفرد له السبكي ترجمة واسعة (? 3، ص 208 ـ 219) أورد ضمنها الرسالة التي أرسلها إليه الحافظ البيهقي، كما ذكر بعض الفرائد والغرائب والمسائل المنقولة عنه. يقول السبكي عن أبي محمد، والد إمام الحرميْن: « أوحد زمانه علماً وزهداً وتقشفاً زائداً، وتحرياً في العبادات. كان يلقب ? « ركن الإسلام ». له المعرفة التامة بالفقه والأصول والنحو والتفسير والأدب... سمع الحديث من القفّال وعدنان بن محمد الضبّي، وأبي نعيم عبد الملك بن الحسن وابن محسن، وببغداد من أبي الحسين بن بشران، وجماعة. وروى عنه ابنه إمام الحرمين، وسهل بن إبراهيم المسجدي وعلي بن أحمد المديني، وغيرهم. تفقه أولاً على أبي يعقوب الأبيوردي، بناحية جوين. ثم قدم نيسابور واجتهد في التفقه على أبي الطيب الصعلوكي. ثم ارتحل إلى مرو قاصداً القفّال المروزي، فلازمه حتى تخرج به: مذهباً وخلافاً، وأتقن طريقته. وعاد إلى نيسابور سنة سبع وأربعمائة، وقعد للتدريس والفتوى ومجلس المناظرة وتعليم الخاص والعام. وكان ماهراً في إلقاء الدروس. وأما زهده وورعه فإليه المنتهى. قال الامام أبو سعيد بن الإمام أبي القاسم القشيري: كان المتأخرون في عصره والمحققون من أصحابنا يعتقدون فيه من الكمال والفضل والخصال الحميدة أنه لو جاز أن يبعث الله نبياً في عصره لما كان إلاَّ هو: من حُسن طريقته وزهده وكمال فضله » (? 3، ص 208). وتوفي الشيخ أبو محمد سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة بنيسابور. ومن تصانيفه: « الفروق »؛ و« السلسلة »؛ و« التبصرة »؛ و«التذكرة»؛

681

و« مختصر المختصر »؛ و« شرح الرسالة »؛ وله مختصر « في موقف الإمام والمأموم »؛ وعلق عنه شرح على كتاب « عيون المسائل » تصنيف أبي بكر الفارسي؛ وله تفسير كبير يشتمل على عشرة أنواع في كل آية1.
فكان والده إذاً عالماً فقيهاً شافعياً غزير الانتاج، مستقيم السيرة، حريصاً على ألا يتناول إلاَّ الحلال. ويقول عبد الغافر الفارسي2 عن أخذ أبي المعالي العلم عن أبيه: « تفقه (أبو المعالي) في صباه على والده، ركن الإسلام، فكان يزهى بطبعه وتحصيله وجودة قريحته وكياسة غريزته لما يرى فيه من المخايل. فخلفه فيه من بعد وفاته؛ وأتى على جميع مصنفاته فقلبها ظهراً لبطن، وتصرّف فيها، وخرّج المسائل بعضها على بعض. ودرس سنين. ولم يرضَ في شبابه بتقليد والده وأصحابه، حتى أخذ في التحقيق وجدّ واجتهد في المذهب والخلاف ومجالس النظر، حتى ظهرت نجابته ولاح على أيامه همة أبيه ».
ولما كان قد توفي في سنة 438، فإنه ترك ابنه وهو في سن التاسعة عشرة. ورغم حداثة سنه قعد مكانه للتدريس. فيلقي الدروس في المدرسة التي كان يدرّس فيها والده، وفي نفس الوقت يتم تحصيل نفسه بالاختلاف
ــــــــــــــ
1 بقي له من الكتب: أ ـ كتاب « الجمع والفرق »، في الفقه، منه مخطوط في برلين برقم 4811، ودار الكتب المصرية، الفهرس القديم 3: 215 والفهرس الجديد 1: 508 وبنى جامع باستانبول 2: 146، ب ـ « الوسائل في فروق المسائل »، مخطوط في جار الله برقم 1653. ? ـ « موقف الامام والمأموم »، مخطوط في بلدية الاسكندرية « فقه شافعي » 38 (2).
2 أورده السبكي ? 3، ص 254. وعبد الغافر الفارسي ولد 451 ? (1059 م) وهو اذن شاهد الجويني وعرفه عن قرب، وحضر دروسه كما يبدو من كلامه (? 3، ص 254، س 6 من أسفل).

682

إلى مدرسة البيهقي « حتى حصّل الأصول (= أصول الدين) وأصول الفقه على الأستاذ الامام أبي القاسم الاسكافي الاسفراييني1. وكان يواظب على مجلسه. وقد سمعته يقول في أثناء كلامه: كنت علقت عليه في الأصول أجزاء معدودة، وطالعت في نفسي مائة مجلدة » (3/ 254).
كما حضر مجلس أبي عبد الله الخبازي، ويقرأ عليه القرآن. وهو مع ذلك مواظب على التدريس في مدرسة والده.

محنة الأشاعرة وأبو المعالي

وقد أشرنا من قبل بالتفصيل إلى ما أصاب الأشاعرة ـ والشافعية والشيعة ـ من محنة أوقعهم فيها عميد الملك الكندري سنة 455، وكيف انتهت إلى اضطرار الجويني مع غيره إلى مغادرة نيسابور. وذكرنا أن أبا المعالي يمم شطر الحجاز عن طريق كِرمان (السبكي 2/ 271).
لكن المصادر لا تدلنا على التاريخ الدقيق لمغادرته نيسابور، متوجهاً إلى الحجاز. وفضلاً عن ذلك يذكر عبد الغافر الفارسي (السبكي 3/ 255) أن أبا المعالي واظب على المناظرة إلى أن ظهر التعصب بين الكندري من ناحية، والأشاعرة والشافعية من ناحية أخرى « واضطربت الأحوال
ــــــــــــــ
1 ذكره الجويني في « الشامل » (ص 460 وص 461) بهذا الوصف: « (والذي ارتضاه) الأستاذ شيخي أبو القاسم الاسفرايني... »، « وقد ذكر شيخي... » راجع عنه السبكي ? 3، ص 220.
واسمه الكامل: عبد الجبار بن علي بن محمد بن حسكان، أبو القاسم الاسفراييني الاسكافي. ويظهر من ترجمته أنه كان فقيهاً عني بالفقه والأصول، ولم يكن متكلماً، وقد توفي في 28 صفر سنة 452 ?.

683

والأمور، فاضطر إلى السفر والخروج عن البلد. فخرج مع المشايخ إلى المعسكر، وخرج إلى بغداد يطوف مع المعسكر ويلتقي بالأكابر من العلماء ويدارسهم ويناظرهم، حتى تهذب في النظر وشاع ذكره. ثم خرج إلى الحجاز وجاور بمكة أربع سنين يدرّس ويفتي ويجمع طرق المذهب، ويقبل على التحصيل، إلى أن اتفق رجوعه بعد مضي نوبة التعصب. فعاد إلى نيسابور، وقد ظهرت نوبة ولاية السلطان ألب أرسلان. وتزين وجه المُلكِ بشارة نظام الملك. واستقرت أمور الفريقين، وانقطع التعصب، فعاد إلى التدريس » (السبكي 3/ 255).
ونحن نعلم من ناحية أخرى أن ألب أرسلان تولى حكم نيسابور سنة 455، وخُلِع الكندري في هذه السنة، وتولى الوزارة نظام الملك.
فإذا كانت عودة أبي المعالي إلى نيسابور قد تمت بعد تولي ألب أرسلان الملك في نيسابور وتولي نظام الملك الوزارة، وإذا كانت مدة إقامة إمام الحرمين في مكة والمدينة أربع سنوات، أي من سنة 451 إلى سنة 455، فأين أمضى إمام الحرمين المدة من 445 ? إلى 451 ?؟
هنا نجد أولاً رواية غريبة انفرد بها ابن السمعاني في ترجمته لأبي المعالي في كتاب « الذيل » وأوردها ابن العماد (« شذرات الذهب »، ? 3، ص 301 ـ 302، القاهرة سنة 1350) مفادها أن أبا المعالي تنقل في البلاد « وخرج إلى بغداد، وصَحِب العميد الكندري أبا نصر مدةً يطوف معه ويلتقي في حضرته بالأكابر من العلماء ويناظرهم حتى تهذب في النظر وشاع ذكره. قال ابن خلكان: وهذا خلاف ما ذكره شيخنا ابن الأثير في تاريخه في سنة ست وخمسين وأربعمائة فإنه قال: إن الوزير المذكور (= الكندري) كان شديد التعصب على الشافعية، كثير الوقيعة في الشافعي... »
وقد رجعنا إلى ابن خلكان (? 2، ص 341 ـ 343، القاهرة

684

سنة 1949 تحت رقم 351) فلم نجد ما أشار إليه ابن العماد هنا، ولا شيئاً مما نقله ابن العماد عن « ذيل تاريخ بغداد » لأبي سعد (سعيد) عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني (ولد في 21 شعبان سنة 506 ?/ 11 فبراير 1113 م، وتوفي في 10 ربيع الأول سنة 562 ?/ 5 يناير سنة 1167 م). ومن الأسف أن هذا الكتاب ـ « ذيل تاريخ بغداد » للسمعاني ـ مفقود، ولا يوجد منه إلاَّ مختصر قام به محمد بن المكرّم الأنصاري (المتوفى سنة 711 ?/ 1311 م)، ومن هذا المختصر نسخة في ليدن (رقم 1023) وكمبردج (الملحق برقم 230).
والرواية غريبة، إذ لا نجد في أي مصدر من المصادر أن الكندري حتى آخر حياته قد رجع عن معاداة الشافعية والأشاعرة. ومن ناحية أخرى، لو صح ذلك فماذا دعا أبا المعالي إلى ترك خراسان وبغداد والذهاب إلى الحجاز والمجاورة هناك أربع سنوات، إذا كان الكندري قد عَدَل عن محاربة الشافعية؟
لهذا نشك في صحة رواية السمعاني. ولكن يبقى بعد ذلك أن نعرف كيف أمضى إمام الحرمين الفترة المذكورة، أي من سنة 455 ? إلى 451 ?؟
التفسير المقنع هو أن نقول إن الاضطهاد لم يمسّ شخص أبي المعالي إلاَّ في حوالي سنة 451 أو قبلها بقليل: وأنه استمر في نشاطه ـ وربما في بغداد ومعسكر السلطان طغرلبك ـ يناظر وينافح عن مذهب الشافعي والأشعري طوال هذه السنوات الخمس أو الست، إلى أن بلغ الاضطهاد أوجه فاضطر إلى الفرار إلى الحجاز.

685

مجاورته بمكة والمدينة

والمصادر كلها تجمع على أن إقامته بمكة والمدينة استمرت أربع سنوات1؛ وخلال هذه السنوات الأربع كان « يُدَرِّس ويفتي ويجمع طرق المذهب »، وهي العبارة التي كتبها عبد الغافر الفارسي، وكررها ابن خلكان (الموضع نفسه).
ومن هـذه الإقامة في مكة والمدينة حيث الحرمان الشريفان جاءه لقب: « إمام الحرمين ».

عودته إلى نيسابور وتدريسه في النظامية

وعاد إلى نيسابور في أوائل ولاية السلطان ألب أرسلان السلجوقي، أي في سنة 455 أو بعدها بقليل. وقد قرّبه نظام المُلك، وزير ألب أرسلان. ومن أجله بنى المدرسة النظامية بمدينة نيسابور وفيها جلس للتدريس. واستمر على التدريس فيها حتى آخر حياته (سنة 478)، أي قرابة عشرين سنة لا ثلاثين كما قال عبد الغافر (السبكي، ? 3، ص 255، س 9) وكرره من بعده ابن خلكان (? 2، ص 342، س 4) ولم يذكره ابن العماد (? 3، ص 358 ـ 362). وكان يحضر دروسه الأكابر، والعدد الغفير من
ــــــــــــــ
1 السبكي عن عبد الغافر الفارسي، ? 3، ص 255، س 4؛ ابن خلكان، ? 2، ص 341، س 2 من أسفل؛ « شذرات الذهب » لابن العماد، ? 3، ص 359، س 7؛ ابن عساكر، ص 282، س 10.

686

الطلبة1. « وكان يقعد بين يديه كل يومٍ نحوٌ من ثلثمائة رجل من الأئمة ومن الطلبة، وتخرج به جماعةٌ من الأئمة والفحول وأولاد الصدور » (السبكي، ? 3، ص 255).
وفي نفس الوقت كان يتولى الخطبة في جامع أقامه أبو علي المنيعي، وقد كسر منبره في الجامع المنيعي عند وفاته حزناً عليه. ويجلس يوم الجمعة للتذكير والوعظ.
وعيّن مشرفاً على الأوقاف (السبكي 3/ 255؛ ابن عساكر، ص 281، س 13).
وتقلد زعامة الشافعية، وصار إليه المرجع في الفتوى.
وصنف برسم نظام الملك مصنفات منها: « النظامي » و« الغياثي »، وبعث بها إلى الوزير نظام الملك فوقعت منه موقع القبول، وقوبلت بما يليق بها من الشكر والرضا والخِلع الفائقة والمراكب المثمنة والهدايا والرسومات. ولقي من نظام الملك كل تكريم واعزاز حتى وفاته، أي وفاة إمام الحرمين.

وفـاته

واستمر أبو المعالي في هذه المكانة الرفيعة حتى توفي ليلة الأربعاء بعد صلاة العتمة في الخامس والعشرين من شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وسبعين وأربعمائة (الموافق 19 أغسطس سنة 1085 م).
ــــــــــــــ
1 من كبار تلاميذه أبو الفتح الأنصاري النيسابوري، وله شرح على « الارشاد »، توفي سنة 512. وله كتاب « المغنية في الكلام » ومنه نسخة أحمد الثالث برقم 1916 في 252 ورقة مقاس 26 × 19 سم وتاريخها 592 ?.

687

مؤلَّفـاته

1 ـ نهاية المطلب في دراية المذهب
وهو أهم كتبه في الفقه، ويُعد من أمهات كتب الفقه الشافعي.
وتوجد منه المخطوطات التالية: الاسكندرية، مكتبة البلدية، فقه شافعي تحت رقم 44؛ دار الكتب المصرية الفهرس القديم، ? 3 288، الفهرس الجديد، ? 1 546؛ أيا صوفيا برقم 1500 1؛ الظاهرية بدمشق 48 (285 ـ 289). ـ واختصره عبد العزيز بن عبد السلام السلمي (المتوفى سنة 660 ?) ومنه مخطوط في جوتا برقم 949 (بخط المؤلف في سنة 645)، ودار الكتب المصرية الفهرس الثاني ? 3، ص 245. ولهذا المختصر نظم، منه مخطوط في دار الكتاب المصرية الفهرس الثاني 1، 526.
2 ـ الورقات
في أصول الفقه، وهو واسع الانتشار.
وتوجد منه المخطوطات التالية: برلين برقمي 4358/ 9؛ همبورج، السمينار الشرقي برقم 128؛ باريس برقم 672 (5)؟؛ المتحف البريطاني برقم 252 (3)، (257) (3)؛ الجزائر برقم 213 (3)، الاسكوريال الفهرس الثاني 102 (4)، ليبتسك 882 (3)، الامبروزية Ambr. F. (4)، الفاتيكان فاتيكاني برقم 1155 (4)، 1459، دار الكتب المصرية الفهرس الثاني ? 1 الملحق 52.
ــــــــــــــ
1 وكذلك أحمد الثالث برقم 1130، الأحمدية بحلب برقم 666، دار الكتب المصرية 378 فقه شافعي، 300 فقه شافعي، 301 فقه شافعي، 21209 ب.

688

وطبع ضمن « مجموع متون أصولية لأشهر مشاهير علماء المذاهب الأربعة »، دمشق بدون تاريخ، وكذلك طبع على هامش « شرح تنقيح الفصول في الأصول » لأحمد بن إدريس القرافي، القاهرة سنة 1306 ?.
وترجمه إلى الفرنسية ل. برشيه L. Bercher تحت عنوان:
Le Kitab al-Waraqat traité de méthodologie juristique musulmane. Trad. et annoté, Par L. Bercher. Tunis, 1930.
وكتبت عليه الشروح التالية:
أ ـ « الدركات » لعبد الرحمن بن إبراهيم بن الفركاح الفزاري (المتوفى سنة 690 ?) ومنه مخطوط في توبنجن برقم 108، وكوبريلي برقم 516.
ب ـ وشرحه جلال الدين محمد بن أحمد المحلي (المتوفى سنة 864) ومنه مخطوط في توبنجن برقم 107، فيرنتسه برقم 19 (1)؛ باريس برقم 1396 (8)؛ الاسكوريال الثاني 521 (6)؛ برنستون 226؛ دار الكتب المصرية الفهرس القديم ? 2 254، 258؛ الرباط 532 (3، 4)، كمبردج 1498 (6)؛ دار الكتب المصرية الفهرس الثاني ? 1 100 (66). وطبع على هامش « لطـائف الإشارات إلى تسهيل الطرقات لنظم الورقات في الأصول الفقهية » لعبد الحميد بن محمد علي الامريطي، فاس سنة 1317.
? ـ شرح محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن إمام الكاملية (المتوفى سنة 874). ومنه مخطوطات في ليبتسك برقم 852، والموصل برقم 113 و195 (2)، برلين 4368، باريس 424 (2)، الاسكندرية، أصول 12، 18، فنون 176 (2)، ودار الكتب المصرية، الفهرس القديم 2: 261.
د ـ حاشية على شرح المحلي، كتبها أحمد بن محمد العُبادي القاهري

689

(المتوفى سنة 994 ?)، ومنه حاشية كبيرة في مخطوط برلين برقم 4363/ 4، وبتنا،: 45 تحت رقم 2628 (1)، وحاشية صغيرة في برلين 4365، والاسكندرية أصول 12، تونس الزيتونة 4: 29 برقم 1823. وطبعت على هامش « شرح تنقيح الفصول » لابن ادريس القرافي، القاهرة سنة 1306، وعلى هامش « إرشاد الفحول » للشوكاني، القاهرة سنة 1346 مع تقرير لعبد الحق السنباطي (المتوفى سنة 995).
? ـ « إرشاد الفحول » لسعد الدين التفتازاني (المتوفى سنة 791 ?)، منه مخطوط في باريس برقم 5311، والجزائر برقم 569 (4).
و ـ « غاية المأمول » لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن أحمد الرملي (المتوفى سنة 957 ?) ومنه مخطوط في باريس برقم 5049، والاسكندرية فنون 114.
ز ـ شرح عمرو بن عبد الرحمن بن الصلاح (المتوفى سنة 643 ?)، منه مخطوط في سليم أغا برقم 269، رامفور 1: 275 (79).
ح ـ « غاية المرام بشرح مقدمة الإمام » لأحمد بن محمد بن زكرى، منه مخطوط في دار الكتب المصرية الفهرس الثاني، ? 1، ص 390.
ط ـ « لطائف الإشارات إلى تسهيل الطرقات لنظم الورقات في الأصول الفقهية »، لعبد الحميد بن محمد علي الامريطي. طبع في القاهرة سنة 1330، سنة 1343 ?.
ي ـ نظم الورقات مع شرح بعنوان « اقدس الأنفس » لمحمد مصطفى ماء العينين، طبع حجر في فاس سنة 1321 ?.
يا ـ تقرير السنباطي (المتوفى سنة 995 ?/ 1587 م)، منه مخطوط في برلين برقم 4366، والجزائر 218 (2).
يب ـ تقرير أحمد بن سلامة القليوبي (المتوفى سنة 1609 ?/ 1658 م)، منه مخطوط في برلين برقم 4367، والاسكندرية أصول 9، 18.

690

وتوجد منظومات وشروح لها عديدة، راجع فهرست برلين لأ??رت. تحت رقم 4368.
3 ـ مغيث الخلق في بيان الأحق
وفيه يبين أن آراء الشافعي الفقهية أرجح من آراء سائر أصحاب المذاهب.
منه مخطوط في برلين برقم 4853 (يحتوي على المقدمة فقط)، باريس برقم 984، المتحف البريطاني، الملحق برقم 1221 (1)، الاسكندرية، أصول 20، دار الكتب المصرية الفهرس القديم 2: 265، 7: 700، الفهرس الثاني 1: 395، باريس 5896 (2).
4 ـ الارشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد (إلى سواء الاعتقاد)
منه مخطوط في ليدن برقم 1983، المتحف البريطاني 1628 (2)، الجزائر 616، الاسكوريال، الفهرس الجديد برقم 1550 (؟)، القرويين في فاس برقم 1570، دار الكتب المصرية الفهرس الثاني 1: 163 برقم 819 توحيد، وأخرى برقم 1179 توحيد، الأحمدية بحلب برقم 764 توحيد.
وتوجد له الشروح التالية:
أ ـ شرح إبراهيم بن يوسف بن محمد بن المرأة (المتوفى بعد سنة 616 ?)، ومنه مخطوط في دار الكتب المصرية الفهرس القديم 2: 58، الفهرس الجديد 1: 188,
ب ـ « المقترح » لأبي العز المظفر بن علي الشافعي، ومنه مخطوط في ليدن 4: 237، كمبردج 613، الجزائر 617، دار الكتب المصرية الفهرس الجديد 1: 190، وله مختصر: منه مخطوط في الجزائر برقم 618.
? ـ « الإسعاد على الإرشاد » لأبي العز المظفر بن علي الشافعي، منه مخطوط في جامع القرويين بفاس برقم 1574.

691

د ـ شرح أبي بكر بن ميمون، مخطوط في أحمد الثالث برقم 1860.
? ـ « نكت الارشاد في الاعتقاد » لأبي اسحق ابراهيم بن يوسف بن محمد بن دهاق الأوسي المالكي 223 ورقة المتوفى سنة 616 ?. الجزء الأول من نسخة كتبت في سنة 739 عن نسخة المؤلف، مخطوط بدار الكتب المصرية برقم 6 كلام 4. والجزء الثاني في 221 ورقة. والثالث في 220 والرابع في 230 ورقة.
وله مختصر بعنوان « العقيدة السلالجية » كتبه أبو عمرو عثمان بن عبد الله السلالجي، ذكره حاجي خليفة 4: 243، ومنه مخطوط في جار الله باستانبول برقم 1559.
وقد حققه لأول مرة لوسياني J. D. Luciani الأستاذ في جامعة الجزائر، ولكنه توفي قبل أن ينجز عمله، فطبع على حاله بحروف مطبعية مغربية الرسم في باريس سنة 1938 1، ونقد هذه النشرة ج ?يدا (أو ?جدا) في مقال بالمجلة الآسيوية Journal Asiatique (عدد يناير ـ مارس سنة 1938، ص 149 ـ 153).
وكان لوسياني قد هيأ النص وترجمة فرنسية، لكنه توفي في سنة 1933 قبل نشر النص والترجمة. واعتمد في تحقيقه على ثلاثة مخطوطات هي: مخطوط الجزائر 616، ومخطوط في تونس، وثالث في باريس.
واستعان في تعليقاته عليه بشرح عبد العزيز بن إبراهيم القرشي المعروف بابن بزيزة (606 ـ 662 ?) وعنوانه « الاسعاد في شرح الارشاد ».
ثم نشر الكتاب نشرة ثانية د. محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد، في القاهرة سنة 1950 واتخذ الناشران نشرة لوسياني أساساً، حسب ما قالاه، وأثبتا اختلافات النسخ الأخرى في نهاية كل
ــــــــــــــ
1 ويوجد مختصر آخر منه مخطوط في جامعة استانبول برقم 3850 في 75 ورقة مقاس 14 × 21.
El-Irchad par Imam el-Haramein, Ve siècle (Hégire), édité et traduit par J.-D. Luciani (Collection du Centenaire de l'Algérie).- Paris, Librairie Ernest Leroux, 1938; in 4o de 363 + 244 pp.

692

صفحة « إذ لم نرَ من العدل أن نفرض اختيارنا على القراء » (ص ث). ومع ذلك يقولان (تعليق، ص ث) إنهما وازنا بين النسخ وأجريا « الاختيار لما رأيناه الصحيح »!! والنسخ التي اعتمدا عليها هي:
1 ـ نسخة دار الكتب المصرية رقم 819 توحيد، وتاريخ نسخها 562 ?، في 398 ورقة، مسطرتها 17 سطراً، ومقاسها 13 × 19.5 سم.
2 ـ نسخة أخرى بدار الكتب المصرية بخط مغربي واضح، رقم 1179 توحيد في 108 ورقة، ومسطرتها 21 سطراً، ومقاسها 16 × 22 سم.
3 ـ نسخة المكتبة الأحمدية بحلب، رقم 764 توحيد، وتاريخ نسخها سنة 682 ?، وهي في 106 ورقة، ومسطرتها 22 سطراً، بخط نسخي قديم.
على أنه يلاحظ من جهاز الاختلافات في القراءات أنها هينة وليست بذات بال.
وكان من المفروض أن تكون نشرتهما أفضل من نشرة لوسياني، ولكن الواقع أنها أسوأ بكثير جداً من نشرة لوسياني: فنشرتهما حافلة بالأخطاء وسوء الاختيار بين القراآت، وهوامشها معظمها أخطاء تاريخية فضلاً عن آلاف الأغلاط المطبعية.
5 ـ لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السُّنّة.
منه مخطوطات في برلين برقم 2073، ومكتبة جمعية المستشرقين الألمانية برقم 16، دار الكتب المصرية الفهرس الثاني 1: 205، حلب، راجع « مجلة المجمع العلمي العربي » في دمشق ? 8 270: 18.
وله شرح كتبه عبد الله بن محمد الفهري التلمساني (المتوفى سنة 658 ?/ 1260 م) منه مخطوط في برلين برقم 2074، ودار الكتب المصرية، الفهرس القديم 2: 30، حلب، راجع « مجلة المجمع

693

العلمي العربي » في دمشق ? 8، ص 270: 17، الاسكوريال الفهرس الثاني برقم 1600، وفي أحمد الثالث برقم 9869 في 124 ورقة مقاس 25 × 16. ونسخة دار الكتب المذكورة هي برقم 255 كلام في 83 ورقة مقاس 16 × 23.
وقد نشرت الأصل د. فوقية حسين، القاهرة سنة 1964 نشرة رديئة للغاية.
6 ـ رسالة في إثبات الاستواء والفوقية.
وفيها يفسر ما ورد في السورة 20 آية 4. ومنها مخطوط في مجموعة لندبرج ـ بريل برقم 591، وفي الموصل برقم 246، 357.
7 ـ خطبة وعظية
منها مخطوطة في برلين برقم 3953.
8 ـ قصيدة يخاطب بها ابنه ويعظه فيها، وتنسب عادة إلى اسماعيل بن أبي بكر بن المُقري المتوفى 837 ?/ 1433 م. ومنها نسخة في برلين رقم 7621 (3).
9 ـ غياث الأمم في التياث الظُّلَم.
منه نسخة في مكتبة بلدية الاسكندرية برقم 92 تاريخ.
10 ـ مختصر في أصول الدين، منه نسخة في باريس برقم 672 (5)
11 ـ شفاء الغليل في بيان ما وقع في التوراة والإنجيل من التبديل.
منه مخطوط في أيا صوفيا برقم 2246 (2)، و2247 (2).
وينسب إلى الغزالي. ولكن ورد صراحة في مخطوط أيا صوفيا رقم 2246 (2) أنه لإمام الحرمين.
12 ـ العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية.

694

منه نسخة في الاسكوريال، الفهرس الثاني برقمي 1514/ 6 في 37 ورقة؛ وفي بتنا 2: 543 برقم 2916، وفي أحمد الثالث برقم 1238 (3) في 32 ورقة مقاس 17 × 26 سم.
وقد نشره الشيخ زاهد الكوثري بالقاهرة سنة 1948 بمطبعة الأنوار مع مقدمة جيدة.
13 ـ الدرة المُضيَّةِ في ما وقع فيه الاختلاف بين الشافعية والحنفية.
منه مخطوط في المتحف البريطاني برقم 7574 شرقي.
14 ـ غياث الإمام.
وهو برسم غياث الدين نظام المُلك، ولهذا يسمى أيضاً: « الغياثي »، ومنه نسخة في بنكيبور 10: 493. وربما كان هو رقم 9.
15 ـ كتاب الفروق.
منه نسخة في عاشر باستانبول 1: 146.
16 ـ رسالة في التقليد والاجتهاد.
منه نسخة في الآصفية 2: 1720 (1).
17 ـ رسالة في الفقه.
منه نسخة في الموصل ص 101 برقم 387.
18 ـ الشامل في أصول الدين.
كان بروكلمن (الملحق، ? 1، ص 672، س 24 ـ س 25) أول1 من نبَّه إلى وجود النسخة المصوّرة في دار الكتب المصرية لهذا الكتاب، وهي منقولة بالتصوير الشمسي عن المخطوط رقم 826 في مكتبة كوبريلي
ــــــــــــــ
1 ظهر الملحق الجزء الأول من GAL بروكلمن في ليدن 1937.

695

باستانبول، وهذه المصوّرة الشمسية توجد في دار الكتب المصرية برقم 1290 علم الكلام، ومذكورة أنها مصورة عن نسخة كوبريلي.
وعن هذه الصورة الشمسية استنسخ الأستاذ المرحوم محمود الخضيري لنفسه (عن طريق أحد نسّاخ دار الكتب) نسخة هي التي استعان بها الأب ج. شحاته قنواتي ولوي جاريه في بيان أبواب الكتاب (باللغة الفرنسية) في كتابهما « المدخل إلى علم الكلام الإسلامي1 » سنة 1948.
أفليس من العجيب المضحك معاً أن يأتي بعد هذا هلموت كلو?فر Helmut Klopfer في مقدمة نشرته للكتاب الأول من الكتب التي ينقسم إليها « الشامل » فيدعي أنه هو الذي اكتشف الجزء الأول من الشامل تحت رقم 826 في مخطوطات كوبرولي في استنبول، وأنه « لم يعثر على هذا الكتاب مدة قرون طويلة حتى وقفت (اقرأ: وُفّقت) أنا للعثور عليه مستدلاً بإشارة في « تاريخ الأدب العربي » لبروكلمان »؟!
صحيح أنه في « دفتر » (فهرس) كتبخانه كوبرولي نسب هذا المخطوط إلى أبي الفضل محمد بن أحمد الطيبي الذي عاش في منتصف القرن السادس؛ ولكن هذا وهم من هذا الفهرست القديم تبين للباحثين خطؤه منذ وقت طويل جداً، حتى إن دار الكتب المصرية صوّرته في أوائل العشرينات وسجّلته على أنه لإمام الحرمين، وذكر ذلك بروكلمن بعد ذلك في ملحق كتابه « تاريخ الأدب العربي »، ? 1، سنة 1937. فأي توفيق إذن في العثور عليه بعد أن أشار إليه بروكلمن في سنة 1937
ــــــــــــــ
1 Introduction à la théologie musulmane, par Gardet et Anawati, pp. 181-184. Paris, Vrin, 1948.
ومخطوط كوبريلي ابتر البداية، إذ ضاعت منه الكراسة الأولى وتقدر بحوالي عشرين صفحة. وبسبب ضياع هذه البداية يصعب علينا الآن معرفة أقسام الكتاب.

696

ثم قنواتي وجادريه في سنة 1948 ـ ومتى؟ في سنة 1960 ـ 1961!!
ويا ليته نشر ما نشر منه بعد ذلك نشرة صحيحة! كلا! فهذه النشرة للكتاب الأول (القاهرة سنة 1960 ـ 1961 عند الناشر دار العرب للبستاني في 7 صفحات مقدمة + 200 صفحة من النص) جاءت حافلة بأفحش الأخطاء التي تتجاوز الآلاف في هذا النص الصغير المنشور! وقد أحسن حين عدل عن الاستمرار في هذا العمل فلم يصدر باقي الموجود من الكتاب.
ويظهر أن الكتاب منكود الطالع إلى أقصى حد. فقد جاء د. علي النشار وفيصل عون وسهير مختار، فزادوا على بحر الأغلاط التي حفلت بها نشرة كلو?فر بآلاف أخرى، وزودوا طبعتهم (التي شملت كل ما بقي من الكتاب في مخطوط كوبريلي رقم 826) بتعليقات تعرّف ببعض الأعلام ومعظمها بالغة الفحش في الغلط إذ خلطت بين الأعلام الواردة في نص الكتاب وبين أعلام آخرين يشابهونهم من بعيد في الاسم، دون أن ينتبهوا إلى التفاوت التاريخي الكبير بين تواريخ حياة هؤلاء وأولئك، فضلاً عن استحالة أن يكونوا هم المقصودين لأسباب تتعلق بالآراء المنسوبة إليهم! وأعجب من هذا كله ـ وهو أمر لا يمكن أبداً أن يغتفر ـ توهم الناشرون (أو الطابعون) أن مصوّرة دار الكتب المصرية (تحت رقم 1290 علم الكلام) هي لمخطوط آخر غير مخطوط كوبريلي، مع أنها مصوّرة لهذا المخطوط نفسه!! وراحوا تبعاً لذلك يزعمون وجود مخطوطين مختلفين؛ وواضح أنهم لم يحصلوا على نسخة من مخطوط كوبريلي في استانبول. وإلاَّ لتنبهوا إلى هذا، ومع ذلك يزعمون أنهم حصلوا على الكتاب الأول منه. والحق أنهم استعملوا نشرة كلو?فر لهذا الكتاب الأول وأوهموا أنهم راجعوه في الأصل؛ وكانت نتيجة هذا أنهم جعلوا من كيفية قراءة كلو?فر لمخطوط كوبريلي نسخة مخطوطة أخرى رمزوا إليها

697

بالحرف « ب »، وقارنوا بين النسخة المزعومة ومصوّرة دار الكتب لنفس الأصل1!!
ولهذا ينبغي نشر ما بقي من « الشامل »، أعني مخطوط كوبريلي هذا، نشرة علمية دقيقة بأسرع ما يمكن، انقاذاً لهذا الكتاب الممتاز بين مؤلفات الجويني.
و« للشامل » مختصر بعنوان « الكامل في اختصار الشامل »، منه نسخة في أحمد الثالث باستانبول برقم 1322 في 274 ورقة مقاس 17 × 25 سم، بخط تعليق واضح من القرن الثامن. وهذا المختصر وضعه ابن الأمير.
ولهذا المختصر مختصر بعنوان: « مختصر الكامل في مسائل الشامل » لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد البساطي الطائي المتوفى سنة 842، نسخة في الأزهر (99) 337 توحيد في 116 ورقة.
19 ـ الكافية في الجدل.
مخطوطة في الأزهر (84) 10633 آداب البحث، في 95 ورقة.
20 ـ يقول ابن خلدون في « المقدمة » في باب علم الفرائض: « ولإمام الحرمين فيها (أي في: الفرائض) تآليف على مذهب الشافعي تشهد باتساع باعه في العلوم ورسوخ قدمه. »
ولكنه لم يذكر أسماءها.
ــــــــــــــ
1 وفد أخذ قسم المخطوطات بالجامعة العربية نسخة مصورة عن نسخة دار الكتب هذه، ونص المرحوم فؤاد سيد في « فهرس المخطوطات المصورة » (ص 130 تحت رقم 142، القاهرة 1954) على أن مصورة دار الكتب مصورة عن نسخة كوبريلي.

698


مذهبه الكلامي

مذهب الجويني في التوحيد ينبغي أن يتلمس أولاً في كتاب « الشامل » حتى الباب الذي بقي لنا منه وهو كتاب العلل. وما يتلو ذلك من موضوعات يشتمل عليها القسم المفقود من الكتاب فيمكن الاستعانة في بيانها بما أورده مختصراً في كتاب « الارشاد » و« لمع الأدلة » و« العقيدة النظامية ».
ويلاحظ أن هذه الكتب الثلاثة الأخيرة فيها عرض لآرائه وآراء الأشاعرة دون أدلتها ودون الردود على أقوال الخصوم، وهذا يجعلها تقريرية مجرّدة خالية من الحِجاج العقلي الـدقيق، الـذي هـو من أخصّ خصائص علم الكـلام، ونراه يتجلى غنيـاً وفيراً في كتاب « الشامل ».
ويستشهد الجويني في عرضه لمذهب الأشاعرة ـ وهو مذهبه ـ بثلاثة على وجه التخصيص هم:
1 ـ أبو الحسن الأشعري المتوفى سنة 324، ويشير إليه عادة بقوله شيخنا؛
2 ـ أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة 403، وكثيراً ما يشير إليه بقوله: القاضي؛

699

3 ـ أبو اسحق الاسفراييني المتوفى سنة 413 ? ويشير إليه مراراً بقوله: الأستاذ.
وهو يعترف بأنه يستمد جلّ ما يورده من حجج وتقريرات مما كتبه مشايخ المذهب، وخصوصاً هؤلاء الثلاثة. ولم يصرّح بأنه أتى بجديد إلاَّ في مسألة واحدة وهي إيراده برهاناً من عنده على إثبات استحالة حوادث لا أول لها. فقد قال بعد إيراده1:
« قال عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني: هذه الطريقة التي طردناها مقتضية مجتلبة مما أشار إليه المشايخ رضي الله عنهم، فما تركوا مما مهدوه من قواعد العقائد مُضطرباً (= مجالاً) للمتأخرين. ولكني لم أرَ هذه الدلالة على هذه الصيغة للمتقدمين، وهي ما ألهمني الله تعالى لتحريرها. ولو لم يكن في كتابنا هذا سواها، لكان بالحريّ أن يغتبط به: فإن جملة مذاهب الدهرية تستند إلى إثبات حوادث لا أول لها. وفي إيضاح فساد ذلك تصريح بمنع عقائدهم بالنقض والرفض. ـ ولم نذكر هذه الكلمات متمدحين، بل أوردناه لنميز بين هذه الطريقة وبين ما عداها، ولا نجري جميع الأدلة مجرىً واحداً في الوضوح والخفاء ». ولا يغفل مع ذلك أن يذكر أن لهؤلاء المشايخ براهين في المسألة، ولكنها غير كافية؛ فيقول مباشرةً: « وقد ذكر الأئمة جملاً من الأمثلة في تحقق هذا الأصل نحو قول بعضهم... ».
وهذه أمانة علمية من الجويني، وليست على سبيل التواضع فقط.
ولما كنا قد فصّلنا القول في مذهبي أبي الحسن الأشعري وأبي بكر الباقلاني فينبغي أن نقول كلمة عن أبي اسحق الاسفراييني.
ــــــــــــــ
1 « الشامل في أصول الدين »، ص 218 ـ 219، الاسكندرية 1969.

700

هو ابراهيم بن محمد بن ابراهيم بن مهران، الأستاذ1 أبو إسحق الاسفراييني، وكان يلقب ? « ركن الدين ».
ونسبته تدل على أنه من اسفراين. وقد سمع بخراسان الشيخ أبا بكر الاسماعيلي، وبالعراق أبا بكر محمد بن عبد الله الشافعي ودعلج بن أحمد وأقرانهما. وأقام مدة بالعراق. ثم عاد إلى اسفراين. وبعد الجهد ذهب إلى نيسابور « وبُني له المدرسة التي لم يبنَ بنيسابور قبلها مثلها. ودرّس فيها وحدَّث2 ». و« عنه أخذ الكلام والأصول عامة شيوخ نيسابور » (ابن عساكر، ص 244؛ السبكي، ? 3، ص 112)
وتوفي في 10 المحرم سنة ثماني عشرة وأربعمائة في نيسابور (21 فبراير سنة 1017).
ويروي ابن عساكر3: « حكى لي مَن أثق به أن الصاحب بن عباد كان إذا انتهى إلى ذكر الباقلاني وابن فُورك والاسفراييني ـ وكانوا متعاصرين من أصحاب الأشعري ـ قال لأصحابه: ابن الباقلاني بحرٌ مُغرِق، وابن فورك صِلٌّ مُطرِق، والاسفراييني نار تُحرق. ـ وكأن روح القدس نفث في روعه حيث أخبر (أي ابن عباد) عن حال هؤلاء الثلاثة بما هو حقيقة الحال فيهم ».
وكان يتقن العربية والفقه والكلام والأصول، مجتهداً في العبادة، مبالغاً في الورع والتحرّج.
ــــــــــــــ
1 يظهر أن هذا اللقب كان ملازما له، إذ نجد الجويني يشير إليه عادة بهذا اللقب، وأحياناً يكتفي به في الإشارة إليه.
2 ابن عساكر: « تبيين كذب... » ص 243، السبكي « طبقات الشافعية »، ? 3، ص 111.
3 ابن عساكر: « تبيين كذب... » ص 244، ونقله السبكي، ? 3، ص 112.

701

وله من المؤلفات1:
1 ـ « الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين » (ذكره « الشامل »، ص 430، 448 الخ، « الارشاد »، ص 333).
2 ـ « مسائل الدور » ـ في الفقه.
3 ـ « تعليقة في أصول الفقه ».
4 ـ « الجليّ في أصول الدين ».
ويروي السبكي (? 3، ص 114) مناظرة جرت بين الأستاذ أبي اسحق الاسفراييني وبين القاضي عبد الجبار المعتزلي هذا نصها:
« قال عبد الجبار في ابتداء جلوسه للمناظرة: سبحان من تنزّه عن الفحشاء!
فقال الأستاذ مجيباً: سبحان من لا يقع في مُلكه إلاَّ ما يشاء!
فقال عبد الجبار: أَفيشاءُ ربنا أن يُعصى؟
فقال الأستاذ: أيُعصَى ربُّنا قهراً؟
فقال عبد الجبار: أفرأيت إنْ منعني الهُدى وقضى عليَّ بالرَّدى: أحسن إليَّ أم أساء؟
فقال الأستاذ: إنْ كان منعك ما هو لك فقد أساء. وإنْ منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء.
فانقطع عبد الجبار ».
وكان القاضي عبد الجبار رأس متكلمي المعتزلة في تلك الفترة.
ــــــــــــــ
1 وقد نسب إليه خطأ فيما يظهر كتاب « نور العين في مشهد الحسين » وهو الذي طبع في القاهرة 1298، سنة 1300، 1303 (ويليه: « قرة العين في أخذ ثأر الحسين » » لعبد الله محمد بن عبد الله) وفي بومباي 1292. راجع بروكلمن الملحق، ? 1، ص 667.

702

ولم يصلنا حتى الآن أي كتاب من كتب أبي اسحق الاسفراييني هذه، وليس لدينا عن مذهبه إلاَّ ما أورده خصوصاً الجويني في « الشامل ».
وقد ذكر أبو المظفر الاسفراييني (المتوفى سنة 471 ?) في كتابه « التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين » ـ أبا اسحق الاسفراييني من بين أئمة أهل السنة والجماعة الذين تفاخر بهم، وقال في وصفه: « عقمت النساء عن أن يلدن مثله، ولم ترَ عيناه في عمره مثل نفسه. وكان شديداً على خصمه يَفْرَق الشيطان من حِسّه. قدس الله روحه. ـ وله تصانيف في أصول التوحيد وأصول الفقه: كل واحد منها معجز في فنه:
« منها: كتاب « الجامع » ـ وهو كتاب لم يصنّف في الإسلام مثله، ولم يتفق لأحد من الأئمة في شيء من العلوم مثل ذلك الكتاب. ومن حُسن إحكامه أنه لا طريق لأحد من المخالف والموافق إلى نقضه لحسن تحقيقه واتقانه، ولا يتجاسر أحدٌ لأن يتصدى لنقضه للطف صنعته في وضعه. وله في دقائق الفقه والمقدرات1 كتاب 2 حيّر به الأفهام، ولا يهتدي لحلّه إلاَّ من أنفق دهره على حسه (!).
وله عـدد كثير من لطـائف التصانيف يهتدي بهـا النـاس في أصول الـدين، مثل « المختصر في الردّ على أهل الاعتزال والقدر » ـ ولم يوجد في الإسلام كتابٌ مثل حجمه، يجمع ما يجمعه من النكت في الرد على أهل الزيغ والبدع؛ وكتاب « الوصف والصفة » ـ لم يُرَ كتابٌ في مثل حجمه يجمع من الفوائد في أصول الدين ما يجمعه؛ وكتاب « تحقيق الدعاوى » ـ وهو في لطافة حجمه يتضمن الطُّرق التي يتوصل بها إلى إبانة بطلان الباطل من المقالات وتصحيح الصحيح منها جميعها في سبع
ــــــــــــــ
1 أي علم الفرائض.
2 لم يورد المؤلف اسم الكتاب.

703

طرق، من يهتدي إليها لم تخفَ عليه كيفية الرد على شيء من مقالات الملحدين والمبتدعين؛ وكتاب « شرح الاعتقاد » الذي لا يطلع على علومه أحدٌ إلاَّ استبان له طريقُ السُّنة على وجه لا يتخالجه فيه شيء من الشك والشبهة. ـ وله في الأصول كتاب « ترتيب المذهب »، وكتاب « المختلف في الأصول » لم يجمع مثلهما، في علم أصول الفقه، بعد الشافعي. » (174 ـ 175، الطبعة الثانية، القاهرة سنة 1955 م).
* * *
وفي هذا بيان لما لأبي اسحق الاسفراييني من كتب مهمة في أصول الدين التي ينقل عنها إمام الحرمين في « الشامل » وغيره.
على أنه من المؤسف حقاً ضياع الأوراق الأولى من مخطوط كوبريلي، وهو كما قلنا المخطوط الوحيد الباقي لنا (فيما نعرف حتى الآن) من كتاب « الشامل »، لأننا كنا سنعثر فيه على أقسام الكتاب بأسمائها إن لم يكن مع تفاصيل للأبواب. ولا يسد هذا النقص ما ورد في مختصره: « الكامل في اختصار الشامل1 ».

طريقة عرض الجويني لمسائل علم الكلام

وإذا فحصنـا عن طريقة عرض مسائل علم الكـلام كمـا تتجلى في « الشامل » و« الإرشاد » لوجدنا أنها هي الطريقة التي استقرت في كتب الباقلاني من
ــــــــــــــ
1 تأليف « الإرشاد » لاحق على تألف « الشامل » كما يدل على ذلك إحالة « الإرشاد » (ص 337) على الشامل.

704

الأشاعرة، والقاضي عبد الجبار من المعتزلة، وصارت الخطة العامة لدى المتكلمين، ونعني:
1 ـ البـدء بالكلام على النظر والعـلم وطرقه (« الشـامل » 97 ـ 122 ـ 215؛ « الإرشاد » 3 ـ 16).
2 ـ يتلو ذلك البحث في الجوهر والأعراض (« الشامل » 139 ـ 215؛ «الارشاد» 18 ـ 21).
3 ـ اثبـات حدوث العـالم عن صـانع (« الشامل » 215 ـ 223، 251 ـ 287؛ « الإرشاد » 28 ـ 30).
4 ـ الرد على مذاهب المخالفين في إثبات الصانع، وهم: الدهرية، الفلاسفة، الثنوية، المجوس. وقد يسمى الفلاسفة باسم: الطبائعيين لقولهم بقدم الطبائع الأربع (الشامل 226 ـ 245).
5 ـ الـرد على النصارى واليهود والبراهمة (« الشامل »: النصارى 570 ـ 607؛ « الإرشاد » 46 ـ 51).
6 ـ صفات الله (« الشامل » 617 ـ 629، ولها قسم على حدة مفقود هو « كتاب الصفات » من أقسام « الشامل »؛ « الإرشاد » 61 ـ 79).
7 ـ باب الأحوال والرد على منكريها (« الشامل » 629 ـ 646؛ « الإرشاد » 80 ـ 84).
8 ـ معاني أسماء الله (« الإرشاد » 141 ـ 155).
9 ـ جواز رؤية الله (« الإرشاد » 166 ـ 187).
10 ـ خلق الأفعال (« الإرشاد » 187 ـ 257).
11 ـ التعديل والتجوير (« الإرشادات » 257 ـ 287).
12 ـ الصلاح والأصلح (« الإرشاد » 287 ـ 302).

705

13 ـ إثبات النبوات (« الإرشاد » 302 ـ 338).
14 ـ نبوة محمد (صلعم) (« الإرشاد » 338 ـ 355).
15 ـ السمعيات (« الإرشاد » 358 ـ 361)؛ (375 ـ 381).
16 ـ الآجال (« الإرشاد » 361 ـ 364).
17 ـ الرّزق (« الإرشاد » 364 ـ 367).
18 ـ الأسعار (« الارشاد » 367 ـ 368).
19 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (« الإرشاد » 368 ـ 371).
20 ـ الثواب والعقاب واحباط الأعمال (« الارشاد » 381 ـ 396).
21 ـ الأسماء والأحكام (« الارشاد » 396 ـ 401).
22 ـ التوبة (« الارشاد » 401 ـ 410).
23 ـ الإمامة (« الارشاد » 410 ـ 434).
ونحن قد وجدنا هذه الخطة بعينها لدى الباقلاني ثم أبى منصور عبد القاهر البغدادي. وهكذا استقرت منذ الربع الأخير من القرن الرابع الهجري على أنها تمثل رؤوس المسائل في كل بحث شامل في علم الكلام.
وسنورد في الفصول التالية ما اختاره أبو المعالي من أقوال في هذه الموضوعات، ونقول: ما اختاره، لأنه ليس له آراء أصيلة شخصية أدلى بها، بل اختار من آراء شيوخ الأشاعرة وبخاصة الثلاثة الذين أبرزناهم: أبو الحسن الأشعري، أبو بكر الباقلانيّ، أبو اسحق الإسفراييني.

706

العـلم

العلم كما يعرّفه الجويني « هو معرفة المعلوم على ما هو به » (« الإرشاد »، ص 12، القاهرة سنة 1950).
وينقسم إلى قديم وحادث. فالعلم القديم صفة للباري تعالى، وهو قائم بذاته، ويتعلق بما لا يتناهى من المعلومات، ولا يوصف بكونه ضرورياً أو كسبياً.
أما العلم الحادث فينقسم إلى ثلاثة أقسام: الضروري، والبديهي، والكسبي. والفرق ضئيل جداً بين النوع الأول والثاني: فالضروري هو المقدور للعبد مع الاقتران بضرر أو حاجة، بينما البديهي لا يقترن بضرر ولا حاجة.
والضروري لا يتأتى الانفكاك عنه في مستقر العادة، أي عادةً، وذلك مثل العلم بالمدركات، وعلم المرء بنفسه، والعلم باستحالة اجتماع المضادات. وهذا التحفظ: « في مستقر العادة » لأن الأشاعرة لا يقولون بوجود ضرورة حتمية أو قانون ثابت، وإنما الأمر أمر اطرادات تجري في مستقر العادة.
« والعلم الكسبي هو العلم بالحادث المقدور بالقدرة الحادثة » (الكتاب نفسه، ص 14). وكل علم كسبي هو نظري.
وللعلوم أضداد تخصها، وأخرى تضادها وتضاد غيرها. فالذي يخصها من الأضداد: الجهل، وهو اعتقاد المعتقد بخلاف ما هو عليه، والشك، وهو الاسترابة في معتقديْن أو أكثر دون ترجيح أحدهما على الآخر، والظن، وهو كالشك في التردد، ولكنه يترجح فيه أحد المعتقديْن ترجحاً ما.

707

والعقل علوم ضرورية، وليس العقل من العلوم النظرية، لأن شرط ابتداء النظر أن يتقدم العقل. فالعقل عنده هو العلم، لا الملكة.
والنظر إما جلي أو دقيقك فالجلي هو « ما يلوح ويتضح من غير بحث، حتى يتسرع إلى دركه الشادي (= المبتدئ) والمنتهي » (« الشامل »، ص 101)، والدقيق هو الذي لا يدركه إلاَّ « كل بازل من النظار » (الموضع نفسه) أي كل حاذق.
والنظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله واجبان. ويدلل إمام الحرمين على ذلك بإجماع المسلمين على وجوب معرفة الله، وهذه المعرفة لا تتم إلاَّ بالنظر الصحيح. اذن النظر المؤدي إلى معرفة الله واجبٌ.

2
الجوهر والأعراض

الشيء هو الموجود. وذهبت المعتزلة إلى أن حقيقة الشيء هي أنه: المعلوم. ويرد أبو المعالي على هذا بأن يقول لهم: إذا زعمتم أن كل معلوم شيء، فما قولكم فيمن عَلِم أنه لا شريك لله تعالى، أو علم أن الضدين لا يجتمعان ـ فهل لعلمه هذا معلوم؟ ـ فإن أثبتوا له معلوماً، ـ وهو مذهب جمهور المعتزلة ـ قيل: فيلزم على مقتضى أصلكم أن يكون معلوم هذا العلم شيئاً، فيفضي ذلك إلى إثبات شريك لله تعالى معدوم هو شيء. وهذا خروج عن الدين » (« الشامل »، ص 127). ويستمر في إبطال قول المعتزلة هذا بأدلة عديدة.
والموجودات تنقسم إلى قسميْن: الحادث، وهو ما لوجوده أول،

708

وقديم، وهو ما لا أول لوجوده. ولا وسط بينهما.
والحوادث (جمع: حادث، أي موجودات حادثة، لا قديمة) تنقسم بالضرورة إلى قسميْن: ما لا يفتقر إلى محل يحلّه، وهو الجوهر؛ وما يفتقر إلى محلٍّ يحله وهو العَرَض.
ويسرد الجويني التعريفات المختلفة التي أعطيت للجوهر: فالمعتزلة يقولون إن الجوهر هو ما تحيز في الوجود ـ وهذا حد مدخول (= فاسد) لأنهم أثبتوا الشيء جوهراً في العدم ونفوا تحيزه (ص 142 ـ 143)، والنصارى قالت: الجوهر هو القائم بالنفس، وقال بعض الأئمة (ولا يحددهم): الجوهر هو مايشغل الحيّز، وقال القاضي الباقلاني إن الجوهر هو ما له حظ من المساحة.
والإسلاميون اتفقوا على أن الأجسام تتناهى في تجزيئها حتى يعتد جواهر فردة لا تقبل القسمة بعد ذلك. ولكنّ معظم الفلاسفة قالوا إن الأجسام لا تتناهى في تجزيئها، وبه قال النظام. ويرد الجويني على الفلاسفة أولاً بالرد المشهور وهو: لو أننا تصورنا نملةً تبدأ الدبيب من أحد طرفي جسم، ولا تزال كذلك حتى تنتهي إلى الطرف الآخر، فمعنى هذا أنها قطعت الجسم. فلو كانت أجزاؤه غير متناهية لما أمكنها الوصول إلى الطرف الآخر. فما دامت وصلت فهذا يدل على أن الأجزاء متناهية. وقد رد النظّام على هذا الاعتراض كما عرفنا بأن قال إن القاطع يقابل جزءاً منه ويطفر الباقي، فيقطع الجسم مرة قطعاً ومرة طفراً. ويرد الجويني بما سبق مراراً الرد به على النظّام وهو: « ما قطعته مما سلمته: متناه، أو غير متناه؟ فإن زعم أنه متناه فقد أثبت قدراً متناهياً، وسَلّم المسألة. وإن زعم أنه غير متناه وقد تصور القطع فيه فما يغنيه بعد ذلك تصور الطفرة، وقد سَلّم قطع ما لا يتناهى، وهذا أقصى مطلبنا. » (« الشامل » 144). ويكر عليه باعتراض آخر فيقول:

709

« لو ساغ إثبات الطفرة من غير محاذاة ولا مماسّة، لما امتنع أن يبتدئ شخصٌ قَطَع الأرض من أول المشرق ثم تنفق له طفرةٌ إلى أقصى المغرب، من غير أن يحاذي في طفرته أرضاً ولا سماء ولا هواء، وذلك كله في ألطف (= أدقّ) لحظة، إذ الطفرة لا مدة لها. وهذا قريب من جحد الضرورات » (ص 145).
والجوهر موجود متحيّز، وهو غير الأعراض القائمة به. وكان النظّام والنجار قد ذهبا إلى أن الجوهر أعراض مجتمعة، وأن الجوهر هو عين الأعراض القائمة به. والدليل على صحة رأيه في نظره أنه يجوز تقدير عدم الأعراض مع بقاء الجوهر. ومن الإسلاميين من يجوز خلو الجوهر من الأعراض.
والجواهر متجانسة، بمعنى أن جوهر الهواء هو بعينه جوهر النار، والاختلاف هو في الأعراض القائمة بالنار عنها في الهواء.
والتحيز هو الجرم، والمتحيز هو الجرم.
والجوهر الفرد لا شكل له، وإنْ كان له « حظ ثابت من المساحة غير موقوف على انضمام غيره إليه، ولو قَدْر، غير أنه ليس لقدره بعض » (ص 159). والجوهر لا يفتقر إلى مكان، إذ لو افتقر إلى مكان لكان مكانه جوهر، ثم يتسلسل القول في مكانه ومكان مكانه.
والجوهر باقٍ غير متجدد، وكان النظّام قد ذهب إلى أن الجوهر متجددٌ حالاً فحالاً كالأعراض، وسبب موقفه أنه جعل الجوهر هو عين الأعراض. أما موقف الجويني وأصحابه فالدليل على أنه لو كان الجوهر متجدداً حالاً فحالاً لأفضى ذلك « إلى ألاَّ يحيا ميت ولا يكون حيّ، فإن الذي مات غير الذي كان حياً قبل موته، وكذلك القول في جملة الأعراض. ويلزم أيضاً أن يجوز كون الشخص في حالتيْن متعاقبتيْن بالمشرق والمغرب بأن يوجده الله في أقصى المشرق، ثم يوجده

710

الله في الحالة الثانية في أقصى المغرب. وكل ذلك خلاف الضرورات » (ص 160).
والجواهر لا تتداخل، ولا يجوز وجود جوهر بحيث ذات جوهر آخر. وإن أطلق تداخل الجواهر واختلاطها، فهذا من باب التجاور، والمعنى المقصود من ذلك هو: تجاورها.
وللجوهر صفات واجبة، وأخرى جائزة: فأما ما يجب له فهو التحيز وصحة قبول العَرَض، وما يجوز عليه هو وجود أغيار الأعراض فيه.
ويستحيل على الجوهر خروجه عن صفة نفسه، فإن في ذلك انقلاب جنسه.

الأعراض

وبعد أن أشبع القول في الجوهر تطرق إلى العَرَض، وحدّه بأنه: ما لا يبقى وجوده. وهذا التعريف لا ترتضيه المعتزلة، لأن من أصولهم القول ببقاء معظم الأعراض.
كذلك يمكن حد العَرَض بأنه: ما يقوم بالجوهر.
وقد ذهبت طوائف من الدهرية ونفاة الصانع إلى نفي الأعراض، وقد رد عليهم الجويني تفصيلاً (ص 168 ـ 186) لأهمية هذه المسألة:
« والجوهر لا يخلو عن كل جنس من الأعراض وعن جميع أضداده. » («الإرشاد»، ص 23).
ويهتم ببيان أنه يستحيل قيام العَرَض بالعرض، بل إنما يقوم بالجوهر. و« الدليل على ذلك أن العلم لو جاز أن يقوم به ليكون عالماً بالعلم

711

القائم به، جاز أن يقوم به جهل، إذ سبيل قيام أحدهما كسبيل قيام الثاني. وما يقبل العلم والجهل لا يخلو عن أحدهمـا... ثم الكلام في العلم القائم بالعلم كالكلام في العلم الأول، فينبغي ألا يخلو عن علمٍ أو ضد، ثم يتسلسل القول ويؤدي إلى إثبات حوادث لا نهاية لها. » (« الشامل »، ص 198).
وقد ساق الأشعري دليلاً آخر يورده الجويني، وهو: « لو قام عَرَضٌ بعَرَض، لم يخلُ العَرَض الذي قُدِّر محلاً من أمريْن: إما أن يكون قائماً بنفسه، وإما أن يكون قائماً بالجوهر ثم قام العرض الثاني به وهو قائم بالجوهر. فإن قيل: إن العَرَض الذي قُدِّر محلاً قائمٌ بالجوهر، والعَرَض الثاني قام بالذي قام بالجوهر ـ آل الخلافُ إلى عبارةٍ لا محصول لها، فإنه لا معنى لقيام العَرَض بالجوهر إلا أن يوجد بحيث وجود الجوهر. والعَرَض الثاني إذا وجد بحيث وجود (= حيث يوجد) العَرَض الأول، فقد وجد بحيث وجود (= حيث يوجد) الجوهر لا محالة. فإن الأول منهما وجد بحيث الجوهر، ووجد الثاني بحيث الأول، فقد وجد بحيث الجوهر. ولا فرق بين العرض الثاني والأول، من حيث أن كل واحد منهما وجد بحيث الجوهر. وهذه صفةٌ له لا يتفاوتان فيها، وهي معنى القيام. فقد قام إذاً كل عَرَض بالجوهر، ولم يبقَ تحت قول القائل: قام العرض بالعرض ـ محصولٌ » (« الشامل »، ص 199).
كذلك يستحيل قيـام العَرَض بنفسه و« الدليل عليه أن العلم ونحوه لو قام بنفسه لم يخلُ: إما أن يعلم به ويثبت حكمه، أو لا يعلم به. فإنْ لم يعـلم به، كان ذلك انقلاب جنسه » (« الشامل »، ص 203).
وبعد البرهنة على هذيْن الأصليْن: يستحيل قيام العَرَض بالعَرَض، ويستحيل قيام العَرَض بنفسه ـ أثبت الأصل الثالث وهو استحالة تعري الجواهر عن الأعراض.

712

فمذهب أهل الحق أن الجواهر لا تخلو من الأعراض. والأعراض إما أن يجمع ضروباً منها اسم واحد ثم هي مختلفة متضادة، أو لا توصف بالاختلاف. « فأما ما يوصف بالاختلاف والتضاد فمعظم الأعراض: كاللون، والطعم، والكون، والرائحة: فكل قبيل من هذه الأجناس يتناول ضروبها اسمٌ واحدٌ، وهي مختلفة متضادة. ثم اسم اللون ينطبق على مختلفات متضادة كالسواد والبياض، والحمرة والصفرة. ولا يجوز خلو الجوهر عن ضربٍ من هذه الضروب، ولا يجوز أن يحتمل ضربيْن منها معاً... ومن قبيل الأعرض ما لا يثبت فيه أضداد مختلفة، وذلك نحو: البقاء، إذا أثبتنا البقاء معنىً، فليس له ضد يخالفه. وتحرير القول فيه أن الجوهر إذا كان حالةٍ يجوز أن يقبل فيها فلا تخلو عنه، وليس له ضدٌّ يخالفه، فنقول: إنه لا يخلو عنه، أو عن ضده. » (« الشامل »، ص 204).
ويرد على المخالفين من الدهرية، وعلى بعض المنتمين إلى الإسلام المجوّزين عروّ الجواهر عن بعض أجناس الأعراض أو كلها. وهؤلاء هم: أبو الحسين الصالحي الذي ذهب إلى جواز تعري الجـواهر عن جميع الأعـراض؛ وافترق المعتزلة البصريون والبغداديون: « فصار البصريون إلى منع تعري الجواهر عن الأكوان، وتجويز عروها عما عداها من الأعراض؛ وصار الكعبي ومتبعوه ـ وهم البغداديون ـ إلى منع تعرّي الجواهر عن الألوان، وتجويز تعريها عما عداها من الأعراض » (« الشامل »، ص 205) ويرد على الدهرية أولاً، ثم ينعطف على الإسلاميين فيرد عليهم. أما الصالحي فيوجه عليه الأدلة المقامة على الدهرية والإسلاميين معاً ويخصه بضرب من الإلزام، فيقول له: « جوّزت تعرّي الجواهر عن الأعراض، فكيف تستدل على حِدث الجواهر إذ لا سبيل إلى معرفة حدثها (إلاَّ بالأعـراض)... وكل مذهب يسدّ بـاب الاستدلال على حـدث الجواهـر فهـو مردود. » (« الشامل »، ص 212)

713

استحالة حوادث لا أول لها

يسوق الجويني في إثبات هذه القضية دليل الأشعري وبعض دلائل أئمة الأشعرية. ولكنه يختار دليلاً نجده لأول مرة في الفكر الإسلامي عند الكِندي، وتكرر بعد ذلك عند الفارابي وابن سينا وبعض المتكلمين المعتزلة، وهو الذي سيقول به بعد ذلك القديس بونا فنتورا من بين دلائله على إبطال اللاتناهي في الزمان.
ويصوغه الجويني هكذا: « إذا فرضنا الكلام في وقتنا هذا، فقد انقضى قبله ما لا نهاية له. ولو فرضنا قولنا في الوقت المتقدم على وقتنا بأحقاب ودهور، لقال الخصم فيه: إنه انقضى ما لا يتناهى، ولا يزال يقدّم الوهم ويقدر الانقضاء قبله. ويجرّنا هذا الكلام إلى أحد أمريْن كلاهما ينقضان أصول الدهرية:
أحدهما أن نقول: ينتهي الوهم إلى وقت يقال فيه الآن ينصرم ما لا يتناهى، حتى لا يتحقق هذا القول قبل ذلك الوقت. فإن ارتضى الخصم ذلك، كان باطلاً بضرورة العقل: فإنّا نعلم أن تقدير وقتٍ قبيل ذلك الوقت المعيّن الذي فرضنا الكلام فيه، كتقدير ذلك الوقت. وليس أحدهما أولى من الثاني، ثم كذلك القول في وقتٍ قبله إلى غير أول. والذي يوضح ذلك: أنّأ لو خصصنا ذلك بوقتٍ معين لزم منه إذا بقي قبل هذا الوقت حادث واحد، فالذي قبله متناه؛ وما كان متناهياً لا يصير بواحدٍ غير متناه. وهذا معلومٌ ضرورةً وبديهةً. فاستبان بما قلناه بطلان قول مَن يقول: إنما ننتهي في تقديمنا أوهامنا إلى وقت يقال فيه: انقضى قبله ما لا يتناهى. ولا يسوغ تقديم الوهم على ذلك الوقت. فقد وضح بطلان ذلك.
وإن زعم الخصم أن لا ننتهي في الحكم بانقضاء الحوادث إلى أول

714

لا يتعدى ولا يتجاوز، وأن حكم الانقضاء تحقق أزلاً من غير أول، فإن قال ذلك اتضح تناقض قوله: فإن الذي يتحقق من غير أولية لا يُتصور أن يقع قبله شيء حتى يكون مسبوقاً به ويكون المتقدم عليه سابقاً له، إذ ما لا أول له لا يُسبق، فكيف يتحقق ـ قُبَيْل الانقضاء المحكوم به في الأزل ـ حوادثُ ثم انقضت؟! ولا تناقض يزيد على الحكم بإثبات حادث قبل الحكم فيه بانقضاء أزلي. وهذا تصريحٌ بتقديم الحـادث على الأزلي، وهذا باطلٌ بضرورة العقل » (« الشامل »، ص 217 ـ 218).
ويعترف الجويني بأن هذه الطريقة في الاستدلال هي « مما أشار إليه المشايخ رضي الله عنهم، فما تركوا مما مهدوه من قواعد العقائد مضطرباً للمتأخرين. ولكني لم أرَ هذه الدلالة على هذه الصيغة للمتقدمين... » (« الشامل »، ص 218) إلى آخر كلامه الذي أوردناه من قبل: فكأن فضله ليس في إبداع هذا الدليل بل في صياغته على هذه الصيغة التي يقول عنها « وهي مما ألهمني الله تعالى لتحريرها، ولو لم يكن في كتابنا هذا (= « الشامل ») سواها لكان بالحري أن يغتبط به ».
ونحن فعلاً لم نرَ صياغة الدليل على هذا الشكل عند أحد ممن سبقوا الجويني. فلنسلّم له بأصالة هذه الصياغة وأنه مبدعها ومبتكرها لأول مرة.
ويردّ على حجة أخرى هي من نوع رد الحجة على الخصم، ومفادها: « إذا لم يبعُد إثبات حوادث لا آخر لها، لم يبعد إثبات حوادث لا أول لها. » (ص 219)؛ أي: ما دمتم تعترفون بالأبدية، فماذا يمنعكم من الاعتراف بالأزلية؟ فيرد الجويني قائلاً إن هذه الطريقة في الرد معارضة لفظية من غير رعاية للمعنى، وفضلاً عن ذلك فإن حقيقة الحادث هي أنه ما له أول، فإذا نفينا الأولية نفينا حقيقة الحدوث؛ وليست حقيقة الحادث أنه ما له آخر؛ فهناك إذن فرق واضح بين الوضعين.

715

« وضرب بعض الأئمة للفَرق مثالاً، فقال: نظير انقضاء ما لا ينقضي، قولُ القائل: لا أعطيك درهماً إلا أعطيك درهماً إلاَّ أعطيك قبله درهماً ـ فيستحيل منه الإقدام على إعطاء درهمٍ على موجب شرطه. ونظير ما ألزمونا في الآخر: لا أعطي درهماً إلاَّ أعطي بعده آخر، وذلك غير ممتنع » (« الشامل »، ص 220).
فالجويني يفرق بين الحالتيْن: حالة أن الحادث له أول، وحالة أن الحادث قد لا يكون له آخر؛ فالأولية ضرورية لما هو حادث، ولكن الانتهاء ليس لازماً عن كونه حادثاً. فالشيء يصح أن يكون أبدياً دون أن يكون أزلياً، أي أنه لا يوجد تلازم ضروري بين الأولية والانتهاء فقد يكون للشيء بداية وليس له انتهاء.

الرد على مذاهب القائلين بقدم العالم

ويأخذ الجويني بعد ذلك في الرد على القائلين بقدم العالم. فيخصص فصلاً للرد على الطبائعيين (« الشامل »، ص 237 ـ 242)، ويكتب فصلاً في الرد على الثنوية القائلين بقدم النور والظلمة (243 ـ 245). ويعرّج للدفاع عن الأشعري ضد من طعنوا على ما أورده في كتابه « اللمع » (ص 245 ـ 251). وليس في كلامه ها هنا جديد يستحق الذكر.

716

ـ 3 ـ
إثبات حدوث العالم عن صانع

وفي إثبات العلم بالصانع يشير الجويني إلى وجود مسلكيْن: أحدهما طريق الاستدلال بالجملة؛ والثاني طريق استناد العلم بالمحدث إلى ضرورات العقول وبدائهها مع تقدير العلم بحدوث العالم.

أ ـ الاستدلال بالجملة
وخلاصة الطريق الأول أن ما كان بعد أن لم يكن، واختص كونه بوقت: فإما أن يكون كونه في هذا الوقت المعين واجباً، أو جائزاً. والوجه الأول باطل، لأنه لو وجب الوجود في وقت مخصوص لما كان أولى بالوجود من سائر ما يماثله، إذ من حكم المتماثلات استواؤها في الوجوب والجواز. فلماذا يكون أحدها واجباً والآخر جائزاً وهما مستويان؟ إذا وجب الوجود لأحدهما فيجب أن يكون واجباً للباقي. ولما كان بعضها يتقدم والبعض الآخر يتأخر، فإن وجوب الوجود لأحدها دون الباقي غير صحيح. فلا معنى لاختصاص وجوب الوجود بوقت دون وقت.
« وسلك بعض الأئمة مسلكاً آخر فقال: لو كان الحادث واجب الوجود، والقديمُ واجب الوجود لما تميّز وجود القديم عن وجود المحدث. ولو كان جاز حادثٌ واجبٌ وجوده لجاز قديمٌ جائزٌ وجوده. ولو جاز وجود القديم لجاز عدمه. وقد وضح الدليل على استحالة عدم القديم. » (« الشامل »، ص 264).

ب ـ الاستدلال بالضرورة العقلية
لكن الجويني يرى أن « أحسن الطرق وأولاها أن نقول: المصير إلى

717

وجوب وجود الحادث يفضي إلى القول باستحالة ما عُلِم جوازه بضرورة العقل. وإيضاح ذلك أن قول القائل بوجوب وجود الحادث في وقت مخصوص يوجب عليه القول باستحالة تقدير استمرار العدم في الوقت المعين بدلاً عن الوجود. ومَن زعم أن الذي يتحقق عدمه سابقاً إلى غير أول ثم فرض الكلام في وقت يماثل ما قبله من الأوقات ويشاكل ما بعده، وقال: كان العدم جائزاً في الوقت الذي قبل هذا، ثم استحال العدم في هذا الوقت مع تماثل الوقتيْن وعدم تأثيرهما فيما يتحقق فيهما من عدمٍ أو وجود، ولم يثبت موجب مقتضٍ لم يكن ثابتاً ـ قيل: ومع هذه القواعد يستحيل استمرار العدم في الوقت المعيّن ـ فقد1 خرج عن ضرورة العقل. وسبيل ادعاء استمرار العدم كسبيل ادعاء استمرار الوجود للقديم. والمصير إلى وجوب وجود ما ثبت عدمه كالمصير إلى وجوب عدم القديم في وقتٍ مخصوص. وقد أوضحنا فيما سبق أن الصائر إلى وجوب عدم القديم، الذاهب إلى استحالة استمرار وجوده من غير طروء مقتضٍ يقتضي العدم ـ خارجٌ عن المعقول. فاستبان بما قلناه بطلانُ قول من يقول إن الحادث واجب الوجود » (« الشامل »، ص 264 ـ 265).
أما وقد ثبت جواز وجود الحادث فهذا يعني جواز عدمه، أي أن الحادث يجوز وجوده ويجوز عدمه، ولي أحدهما أولى من الآخر. فإذا تحقق وجود الحادث فهذا التحقق: إما أن يكون لنفسه، أو لمعنى زائد عليه قائم به، أو لجوازه، أو لتخصيص مخصِّص، أو لا لمعنى ولا لتخصيص ولا لنفسه ولا للجواز.
والأول، وهو كونه يتحقق لنفسه، باطل، إذ « لو تحقق لنفس الحادث لما اختص بذلك آحاد من جنس ولوَجب اقرار هذا الحكم في جميع الجنس
ــــــــــــــ
1 جواب قوله: « ومن زعم... ».

718

لتساوي الأنفس المتماثلة في الصفات... وتحقيق القول في ذلك أن قول القائل: حدث الشيءُ لنفسه، لا يخلو: إما أن يصدر عن إثبات نفسٍ قبل الحدث، أو يصدر عن نفي النفس قبل الحدث. فإن كان الذاهب إلى هذا السؤال ممن يعتقد أن المعدوم قبل حدثه نفس، ثم قال مع هذا المعتقد إنه يحدث لنفسه ـ فهو إفصاحٌ منه بالتناقض. فإنه لو حدث لنفسه لَحَدث مهما تحققت نفسه، وقد تحقق كونه نفساً قبل حدوثه. وهذا لا خفاء به. وإنْ كان السائل يعتقد أن المعدوم ليس بنفس ويصير نفساً، فيقال له: لِمَ صار نفساً ولم يكن نفساً؛ فإن قال: صار نفساً لنفسه ـ كان ذلك من لغو الكلام. فإنّ مصيره نفساً عينُ كونه نفساً؛ فآل محصولُ الكلام إلى أنه إنما صار نفساً لأنه صار نفساً؛ وهذا خارجٌ عن قضايا التعليل وموجب اقتضاء المقتضيات. ويؤول محصول هذا القسم إلى أن الحادث حدث لا لعلة ولا لمقتضٍ. » (« الشامل »، ص 265)
ويرد على بعض الاعتراضات التي ترد على هذا البرهان. وينتهي على تقرير أن الحادث محتاج إلى محدِث.
وكان عليه بعد هذا أن يدافع عن شيخه أبي الحسن الأشعري فيما وجه إلى الدليل الذي أورده لإثبات الصانع في كتابه « اللمع » ـ من مطاعن. ويستغرق هذا الدفاع صفحات طويلة. ولا بدَّ أن هذه الحجج هي مما أورده المعتزلة، وخصوصاً القاضي عبد الجبار الذي هاجم طريقة الأشعري في إثبات الصانع، وذلك في « شرح الأصول الخمسة » وربما في كتب أخرى لم تصلنا. لكنه لا يذكر اسم القاضي عبد الجبار في هذا المجال ولا أسماء أصحاب الاعتراضات. وقد كان بين الجويني وبعض شيوخ المعتزلة مناظرات حامية في هذا المجال وغيره، كما ذكر هو (« الشامل »، ? 1، ص 179 نشرة هلموت كلو?فر = 304، الاسكندرية. سنة 1969).

719

نفي التشبيه

ويعقد الجويني فصلاً طويلاً للقول في نفي التشبيه. وهو حين يطرق هذا الموضوع يهاجم طائفتيْن إحداهما غلت في نفي التشبيه « حتى نفت جملة صفات الإثبات ظناً منها أن المصير إلى إثباتها مفضٍ إلى التشبيه. وإلى ذلك صار مَن أثبت الصانع من الفلاسفة، وإليه مال بعضُ الباطنية، فزعموا أن القديم لا يوصف بالوجود، ولكن يقال إنه: ليس بمعدوم؛ وكذلك لا يوصف بكونه حياً عالماً قادراً، بل يقال: ليس بميت ولا عاجز ولا جاهل. وطردوا ذلك في جملة صفات الإثبات التي تثبت للمحدثات أسماؤها. وقالوا: لو وصفنا الربَّ بشيء منها مع اتصاف الحوادث بها اقتضى تشبيهاً. واختلف هؤلاء في وصف الرب بالقدم والإلهية وسائر الصفات التي يختص بها ولا يشاركه في أسمائها المحدثون: فذهب بعضهم إلى التمنُّع من إثباتها حسماً للباب؛ وذهب آخرون إلى إثباتها وصاروا إلى أن إثباتها يخالف إثبات الصفات الثابتة للحوادث، إذ في إثباتها لزوم اشتراك القديم والحادث في الصفة، وليس يلزم ذلك فيما يختص به الإله من الصفات. فهؤلاء أدتهم ظنونهم في نفي التشبيه ـ إلى التعطيل.
وغلت طائفة من المثبتين فاقتربوا من التشبيه واعتقدوا ما يُلْزمهم القولَ بمماثلة القديم في صنعه وفعله. فذهب ذاهبون إلى أن الرب سبحانه وتعالى جسمٌ. ثم اختلفت مذاهب هؤلاء، فزعم بعضهم أن معنى الجسم الموجود وأن المعنيَّ بقولنا إن الله جسم أنه موجود. وصار آخرون إلى أن الجسم هو القائم بالنفس. وقد مال إلى هذيْن المذهبيْن طائفةٌ من الكرّامية. وذهب بعض المجسِّمة على وصف الرب تعالى بحقيقة أحكام الأجسام، وصار إلى أنه متركّب متألف من جوارح وأبعاض ـ تعالى الله عن قولهم. ثم غلا الجهلة من المجسّمة: فمن غلاتهم مقاتل بن سليمان وداود الخوارزمي

720

وهشام بن الحكم. فيؤثر عن مقاتل وداود أنهما قالا: إنه لحم ودم. وقال هشام: هو نورٌ يتلألأ كالسبيكة البيضاء؛ وقال هو سبعة أشبار بشبر نفسه. وأشار إلى أبي قبيس وقال: ما أظن إلاَّ أنه أكبر منه بقليل، وصرّح بما يناقض ذلك في بعض مقالاته، فقال: هو أكبر من العرش، والعرش يُقله ويحمله مثقلاً به، وهو مع العرش كالكركي تحمله ساقاه. وصرّح كثيرٌ من أتباع المجسمة بأنه على صورة الإنسان وهيئته.
ومما يتصل بذلك: القول بالحلول. وقد اختلف القائلون به: فصار صائرون إلى القول بقِدم الأرواح والمصير إلى أنها من ذات القديم تحلُّ الأشخاص والأشباح فتحيا بها، ثم ترجع إلى الذات عند انقضاء حالها. وصار آخرون إلى تخصيص الحلول بالأجسام المونقة البديعة الهيئة المختصة بحُسن المنظر، فزعم أن جزءاً من الإله يحلُّ هذا الضرب من الأجسام. ومنهم من خصص ذلك بالحيوان، ومنهم من طرده في جملة الأجسام التي تتخصص بحسن الهيئة.
ومما يجر إلى إثبات أحكام الأجسام: مذهبُ النصارى في اتحاد اللاهوت بالناسوت وامتزاجهما...
ومن الغلاة في التشبيه اليهود » (ص 166 ـ 168 نشرة هلموت كلو?فر = 280 طبعة الاسكندرية).
وهكذا عدّد الجويني المذاهب القائلة بالتشبيه فحصرها في:
1 ـ الكرّامية
2 ـ غلاة المجسّمة من أمثال مقاتل بن سليمان (المتوفى سنة 150 ?) وداود الخوارزمي (المتوفى سنة 139 ?) وهشام بن الحكم.
3 ـ القائلون بالحلول

721

4 ـ النصارى في قولهم باتحاد اللاهوت بالناسوت
5 ـ اليهود.
وفي الطرف المقابل للمشبهة يوجد المعطلة وهم الفلاسفة المثبتون للصانع، وبعض الباطنية. ويلاحظ أنه لا يذكر المعتزلة من بين المعطِّلة، وهو تدقيق منه جيد؛ فقد خلط بعض المؤلفين فزعموا أن المعتزلة من المعطلة، وهذا خطأ فاحش.
ولكنه قبل الرد على هؤلاء يتقدم بمقدمة طويلة في بيان معنى المثليّة وحقيقة المثلين، يبدؤ بتقرير أن « كل شيئين استويا في جميع صفات النفس فهما مثلان » (ص 169 نشرة كلو?فر = 292 من الطبعة الأخرى).
ومن أجل تقرير هذا الحد يرد على الجبائي وابن الاخشيد من معتزلة البصرة: ويحمل على المعتزلة ها هنا بلهجة عنيفة سوقية أحياناً، مما يدل على عنف المناقشات التي كانت تجري بينه وبين شيوخهم في زمانه، ويخص الجبائي منهم بالحملة عليه بخاصة.
وغايته من هذه المقدمة أن يوضح « تقديس الربّ عن الحِدَث وعن كل صفةٍ دلّت على الحِدَث. فهذا أقصى مرامنا بنفي التشبيه والتمثيل » (« الشامل »، ص 199 نشرة كلو?فر = 318 من الطبعة الأخرى).

هل يوصف الباري بالوجود؟

وهنا يثير الجويني مشكلة دقيقة طريفة وهي: هل يوصف الباري بالوجود؟
ذلك أن بعض الفلاسفة والباطنية أنكروا ذلك وقالوا: « لا نصف

722

الرب بالوجود، إذ لو وصفناه به لوجب كونه مماثلاً للحوادث. » (ص 318).
ويرد عليهم ببرهان واضح فيقول لهم: « إذا سُئِلتم عن وجود الباري قلتم إنه ليس بمعدوم، ومعلومٌ أن نفي النفي إثبات، كما أن نفي الإثبات نفي. وهذا معلومٌ بأوائل العقول وبدائهها. فإذا قلتم: الرب ليس بمنفيّ ـ فقد صرّحتم بكونه ثابتاً: إذ ليس بين النفي والإثبات رتبة. ثم إذا لزم الثبوت من نفي النفي، لوجب المماثلة على قضية أصلكم، فإن الثبوت متحقق فينا. فإما أن تنقضوا أصلكم في التماثل، وإما أن لا تقولوا إنه ليس بمنفي ـ وهذا لا مخلص لهم منه. فإن رجعوا عند لزوم السؤال إلى عبارة محضة فقالوا: لم ننطق في صفات الباري بإثبات، ونطقنا في صفاتنا بالإثبات، فلم يلزمنا التماثل. قيل لهم: أنتم وإن لم تنطقوا في صفات الإله بصيغة إثبات، فقد نطقتم بصيغةٍ معناها الإثبات. وإنما الغرض من العبارات معانيها. وأقوال القائلين وعبارة المعبّرين لا توجب للذوات شيئاً من الصفات فإنها ترجع إلى اللغات الثابتة توفيقاً واصطلاحاً. ووضوحُ ذلك يغني عن بسطه.
ثم الذي يقطع دابرهم أن نقول: إذا قلتم: الرب ليس بمنفي، فلا يخلو إما أن تعتقدوا ثبوتكم عند نفيكم نفيه وتمنعوا من تسميته ثابتاً مع انطواء معتقدكم عليه، وإما أن تزعموا أنّا مع نفي النفي لا نعتقد الثبوت. فإن قلتم: إنا نعتقد الثبوت ونمتنع من العبارة، وزعمتم أن التماثل في العبارة، فصفوا الله تعالى بالوجود وانطقوا به، واعتقدوا وجود الحادث، ولا تنطقوا به، لتنتفي المماثلة لفظاً كما قلتم ـ وهذا ما لا مخلص لهم منه. والثبوت اللازم أولى بأن ننطق به من الجائز. ـ وإن زعمتم: أنا مع نفي النفي لا نعتقد الثبوت ـ فقد خرجتم عن ضرورة العقل، فإنّا نعلم بديهاً أن ما عُلِم أنه ليس بمنفي فهو ثابت. والمناقِش في ذلك مُراغِم.

723

ومما نستدل به أيضاً أن نقول: معاشر الفلاسفة! خَبِّرونا: أتزعمون أن الاشتراك في وصفٍ واحدٍ من أوصاف الإثبات يوجب الاشتراك فيما عداه من الأوصاف، أم تزعمون أن الاشتراك في وصفٍ لا يوجب الاشتراك في غيره؟
فإن زعمتم أن الاشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتراك في سائر الصفات، كان ذلك باطلاً، لعلمنا باشتراك السواد والبياض في كونهما عَرَضين مع اختلافهما في كون أحدهما سواداً وكون الثاني بياضاً. فاستبان بذلك أن الاجتماع في صفةٍ واحدة لا يوجب الاجتماع في سائرها.
فإن اعترفوا بأن الاشتراك في صفةٍ لا يوجب الاشتراك في غيرها، فيقال لهم: ما المانع من اشتراك الحادث والقديم في صفة الوجود: مع اختصاص الربّ بصفات الألوهية ونعوت الربوبية؟ والاشتراكُ في الوجود ليس مما يدل على الاشتراك في الحِدَث، والذي نحاذره إثبات الحِدَث أو ما يدل على الحدث.
فإن رجعوا فقالوا: التشبيه مما يتوقى في العقائد أيضاً ـ قيل لهم: ما توقينا التشبيه للفظة، وإنما توقيناه لأدائه إلى الحِدَث؛ وكل ما لا يؤدي إليه لا نكترث به. ثم محاذرة التعطيل أولى من محاذرة التشبيه، إن رجعتم إلى محض الإطلاقات.
فبطل ما قالوه من كل وجه. » (« الشامل »، ص 319 ـ 321)

4
صفـات الله

يقسم الجويني صفات الله إلى نوعيْن: نفسية، ومعنوية.
فالصفة النفسية هي اللازمة لذات الشيء، غير المعللة بعلل قائمة

724

بالموصوف. أي أنها الصفة الذاتية، المنبثقة عن الذات بما هي ذات.
والصفة المعنوية هي الحكم الثابت للموصوف بها، وهو معلَّل بعلل قائمة بالموصوف.
فمثلاً كون الجوهر متحيزاً: هذه صفة إثبات لازمة للجوهر طالما بقي الجوهر، غير معللة بزائد على الجوهر. أما كون العالم عالماً فهو معلل بالعلم القائم بالعالم، ولهذا كان هذا النوع من الصفات: صفات معنوية.
ولم نجد التعبير ?: صفة نفسية ـ قبل الجويني، إذ كان المتكلمون، خصوصاً المعتزلة، يقسمون الصفات إلى: صفة ذات، وصفة فعل. وهو نفس التقسيم الذي أتى به الجويني، وإنما الخلاف في الألفاظ فقط: النفس = الذات، نفس الشيء = ذاته، صفة نفسية = صفة ذاتية.
* * *
وأول ما يتعرض له فيما يتعلق بصفات الله: البحث فيما إذا كان الوجود يُعدّ صفة من صفات الله. « والوجه المرضيُّ أن لا يعدّ الوجود من الصفات، فإن الوجود نفسُ الذات، وليس بمثابة التحيز للجوهر: فإن التحيز صفة زائدة على ذات الجوهر1 ».

الله واحـد

ويخصص باباً (أو « كتاباً » كما يسميه) واسعاً للتوحيد، يتعرض فيه لمعاني التوحيد وأن الله واحد، ويرد على مذاهب الشرك وكل مذهب
ــــــــــــــ
1 « الإرشاد »، ص 31، القاهرة 1950.

725

يقول بالتعدد في ذات الإله كالمسيحية.
ويصدر البحث ببيان لمعاني « الواحد »، خصوصاً وقد اختلف المتكلمون من كل الفرق الإسلامية في تفسير معناه. والذي صار إليه الأكثرون هو أن الواحد: هو الشيء الذي لا يصح انقسامه. وقد أنكر هذا الحد القاضي أبو بكر الباقلاني لأن من قال إن حقيقة الواحد هي أنه الشيء الذي لا ينقسم ـ فقد ركب الحد من وصفيْن، إذ « ذكر في حده: الشيء، ثم تعرّض بعده لانتفاء الانقسام، وهذا تعرُّضٌ لمعنيين: أحدهما نفي، والثاني: إثبات. ولا يسوغ الاكتفاء بانتفاء الانقسام من غير تعرُّضٍ لإثبات الشيء1 ».
ويرى الباقلاني وابن فورك أن الواحد إذا أطلق يدل على ثلاثة معان:
1 ـ ما لا ينقسم؛
2 ـ مَنْ لا نظير له؛
3 ـ مَنْ لا ملجأ ولا ملاذ بسواه.
« وهذه المعاني الثلاثة تتحقق في صفة الإله: فهو المتحد في ذاته المتقدس عن الانقسام والتجزيء، وهو الواحد على (= بمعنى) أنه لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، وهو الواحد على أنه الملجأ في دفع الضرّ والبلوى، ولا ملجأ سواه ولا ملاذ في انتفاء النفع وروم دفع الضرّ إلاَّ إياه. ولا يستقيم اعتقاد الوحدانية لمن حرم ركناً من هذه الأركان الثلاثة2 ».
وكون الشيء واحداً لا يرجع إلى معنى زائد على ذاته، ولذا كانت هذه الصفة ـ الواحدية ـ صفة نفس، وليست من صفات المعاني.
ــــــــــــــ
1 « الشامل »، ص 345.
2 « الشامل »، ص 347.

726

إثبات الوحدانية

والتوحيد في المقام الأول هو القول بأن الإله واحد لا إله سواه.
ويسوق المتكلمون الأدلة على الوحدانية بهذا المعنى. وأولها دليل التمانع المشهور، ويصوغه الجويني هكذا: « لو أثبتنا إلهيْن قديميْن حييْن قادريْن، وأراد أحدهما حركة جوهرٍ في وقت معين، وأراد الثاني سكونه في ذلك الوقت، وقصد كل واحدٍ منهما إلى تنفيذ مراده فلا يخلو: إما أن يُقَدَّر حصول المرادين، وإما أن يقدر انتفاؤهما، وإما أن يقدّر حصول أحدهما وانتفاء الآخر. فإن قُدِّر حصول المرادين كان ذلك محالاً ولزم من تقديره تجويز اجتماع الضديْن. وإن قُدّر انتفاء المرادين، كان ذلك محالاً لاستحالة عروّ الجوهر القابل للحركة والسكون عنهما... علىأنه لو قدر امتناع المرادين، لدلّ ذلك على نقص كلّ واحدٍ من القديمين وخروجهما من الإلهية. وإن قدر نفوذٌ لمراد أحدهما دون الثاني فالذي نفذ مراده الغالبُ؛ والذي لم ينفذ مراده مع قصده تنفيذه هو الممنوع الضعيف المهين، والممنوع المنعوت بالنقص لا يستوجب صفة الإلهية1 ».
وقد أُسند هذا الدليل على ثمانية أصول:
1 ـ الأصل الأول: تقدير قديمين قادرين مريدين، فيجوز تقدير اختلافهما في الإرادة. وهنا يرد على من يزعمون إمكان تصور استحالة اختلاف إرادتي القديميْن.
2 ـ الأصل الثاني: المراد من التمانع إنما يستقيم عند فرض الكلام في المحل الواحد، إذ الغرض هو تصوير منع أحدهما الثاني مع اتحاد
ــــــــــــــ
1 « الشامل »، ص 352: وقارن « الارشاد »، ص 53.

727

المحل. « فإنه إذا بطل في المحل الواحد نفوذ المرادين للتضاد المعلوم بطلانه ضرورةً، واستحال انتفاء المرادين للعلم باستحالة خلو المحلّ عن الضدين، لم يبقَ بعد ذلك إلاَّ منع أحدهما الثاني. ولو فرضنا الكلام في محلين، لنفذ المرادان من غير استحالة ولم يؤد ذلك إلى تمانع أصلاً1 ».
3 ـ الأصل الثالث: تقدير التمانع يتوقف تجويزه على تصوير تناقض الإرادتيْن القائمتيْن بالمريديْن، ولا يتحقق تقدير التمانع دون ذلك. فلو تصورنا من أحد القديمين تحريك جسم، ولم نتصور من الثاني القصد إلى تسكينه في وقت تحريكه، لما كان ممنوعاً. « فإن أحدهما إذا أراد التحريك، والثاني وافقه فيما أراده، ولم يرده ولم يكرهه، أو ذهل عنه، ولم يحاول الحركة ولا ضدّها، فلا يسمى ممنوعاً. وإنما الممنوع من يريد الشيء ويقصده فيُصَدُّ عن مراده ويحال بينه وبين مقصوده. » (« الشامل »، ص 357).
4 ـ الأصل الرابع: « الغرض من التمانع وتقديره يتوقف على تثبيت حالِ واحدٍ من القديميْن مختصاً بحكم الإرادة، تحقيقاً على وجهٍ يصحّ الاختصاصُ عليه. ومن امتنع عليه ذلك لم يستقم له فصل التمانع. وإيضاح ذلك أنّا لو قدرنا قديميْن، لقدّرنا كل واحدٍ منهما مريداً بإرادةٍ قديمة قائمة بذاته على الاختصاص. فصح لذلك اختلافهما في الإرادة، ويترتب على صحة الاختلافِ: التمانع » (ص 358).
5 ـ الأصل الخامس: « إذا قدّرنا قديميْن فلا نثبت لواحدٍ منهما قدرةً توجب مقدورها لا محالة، وكذلك لا نصير إلى إن إرادة كل واحد منهما توجب وجود المراد على حسب تعلقها بالمراد. وذلك أنّا لو سلكنا هذه الطريقة، وصرنا إلى أن مقدور كل واحدٍ منهما يجب وجوده
ــــــــــــــ
1 « الشامل »، ص 356.

728

فلا نسلِّم طرد دلالة التمانع مع ذلك. وذلك أنّا إذا قلنا: تحريك الجسم مقدورٌ لأحدهما، وتسكينه مقدور للثاني، وأحدهما يريد التحريك والثاني يريد التسكين، فلو قلنا بوجوب نفوذ مراديهما لما كان ذلك تمانعاً، بل تجويزاً لاجتماع الضدين. وهو مستحيلٌ لا شك فيه. » (ص 359).
6 ـ الأصل السادس: لو تحقق ما قدرناه بين القديمين من المنع، لدلّ وجود المنع على ضعف الممنوع؛ وإذا لم يقع المنع وجاز وقوعه دل جواز وقوعه على مثل ما يدل عليه نفس وقوعه مِنْ ضعف مَنْ تصورناه ممنوعاً من فعله بواسطة الآخر.
7 ـ الأصل السابع: التمانع يرجع إلى الأفعال المتضادة، لا إلى ذاتي القديميْن وصفاتهما.
8 ـ الأصل الثامن: أن أحدهما لو نفذ مُراده، ولم ينفُذ مراد الثاني مع قصده إلى تنفيذه، دلّ ذلك على ضعفه.
ولما كان المعتزلة رفضوا دليل التمانع، فقد واجه الجويني اعتراضاتهم، وتتلخص فيما يلي كما عرضها هو:
أ ـ إرادة القديم حادثة لا في محل، فإذا ثبتت الإرادة كذلك لم تكن مختصة بأحدهما دون الثاني، لأنها لم تختص بواحدة من الذاتين.
ب ـ أقصى ما تفضي إليه قضية التمانع أن يريد أحد القديمين فلا يتم مراده، هذا دليل على نقص مَن لم ينفذ مراده. ولكننا، نحن المعتزلة، نرى أن الرب غير قادر على أن يضطر الخلق إلى الطاعة، ويلجئهم إليها كرهاً، فلا يلزمنا تعجيز الإله ووصفه بالنقص.
د ـ القديمان متماثلان قطعاً، لأن القِدَم أخصُّ وصف القديم؛ والمشتركان في الأخصّ يجب تماثلهما في سائر صفات النفس.

729

والحق أن دليل التمانع لا يصحّ على أصول المعتزلة لأنهم يقولون بحرية الإنسان في أفعاله، فالفعل مخلوق للعبد، لا للرب، فلا شأن إذن لإرادة الرب في أفعال الإنسان، وبالتالي لا محل للكلام على التمانع بين إرادتي إلهيْن قديميْن، لأن الإرادة، التي يتوقف عليها الفعل الإنساني، إرادة إنسانية حرّة لا تعلُّق لإرادة إلهيْن أو أكثر بها.
ويكرّس الجويني صفحات عديدة للردّ عليهم والدفاع عن دليل التمانع (« الشامل »، ص 383 ـ 400).
* * *
ويتصل بصفة التوحيد الردّ على النصارى. وقد استغرق هذا الرد 29 صفحة (ص 570 ـ 609)، لكنه لا يخرج عما أورده الباقلاني في « التمهيد »، ويزيد عليه الباقلاني بإيراد النصوص من « الإنجيل » ورسائل الرسل في « العهد الجديد » بحروفها، مما يدل على اطلاع مباشر بينما الجويني لا يورد غير الحجج العقلية العامة التي نجدها لدى الباقلاني ولدى من سبقوه من المتكلمين المسلمين الذين عنوا بالرد على النصارى. ولهذا لا حاجة بنا إلى إيرادها.

الله قادر، عالم، حي، مريد

مذهب الأشاعرة هو أن الله قادر، عالم، حيّ، مريد، بمعنى أن له الحياة القديمة، والعلم القديم، والقدرة القديمة والإرادة القديمة.
ومن أجل إثبات كون هذه الصفات غير الذات لجأ الجويني إلى فكرة « الأحوال ». وهو يعرف الحال بأنه: « صفةٌ لموجود غير متصفةٍ

730

بالوجود ولا بالعدم1. » ومن الأحوال ما يثبت للذوات معَّللاً، ومنها ما يثبت غير مُعلَّل. فأما المعلّل منها فكلُّ حكمٍ ثابتٍ للذات عن معنى قائم بها: نحو كون الحيّ حياً، وكون القادر قادراً. وكل معنى قام بمحل فهو يوجب له حالاً.
والحال التي لا تعلَّل هي كل صفة إثبات لذات من غير علةٍ زائدةٍ على الذات، وذلك كتحيُّز الجوهر فإنه زائدٌ على وجوده. ويندرج في هذا النوع كل صفة لوجود لا تنفرد بالوجود ولا تعلل بموجود. وقد أنكر معظم المتكلمين الأحوال وقالوا إن كون الجوهر متحيزاً هو عين وجوده. والدليل على إثبات الأحوال أن مَن علم بوجود الجوهر ولم يُحط علماً بتحيزه، ثم استبان تحيُّزه، فقد استجدَّ علماً متعلقاً بمعلوم. ويسوغ تقدير العلم بالوجود دون العلم بالتحيز » (« الإرشاد »، ص 81).
وإذا سئل الجويني: وكيف يوجد شيء لا يتصف بالوجود ولا بالعدم؟ أليسا نقيضين، ولا وسط بين النقيضين؟
وهنا نراه يقسم المعلومات تقسيماً ثانياً فيقول إن المعلومات تنقسم إلى وجودٍ، وعدمٍ، وصفةِ وجودٍ لا تتصف بالوجود والعدم.
ويسوق الجويني الدليل التفصيلي على ذلك في « الشامل » (ص 635) فيقول: « مَن علم وجود الجوهر فقد يجهل تحيّزه مع العلم بالوجود، ثم يعلم التحيّز. فإذا اجتمع له العلمُ بوجود الجوهر وتحيزه، لم يخلُ الخصم من أحد أمريْن: إما أن يقول هما علم واحد، فيكون مباهتاً، لقطعنا بجواز ثبوت العلم بوجود الجوهر مع الجهل بتحيزه. فلو كان العلم بالتحيّز عين العلم بالوجود لاستحال ارتفاعه مع العلم بالوجود. وهذا القسم لا يقول به أحد، ولكنّا أدرجناه في التقسيم استيعاباً للأقسام. فإذا ثبت
ــــــــــــــ
1 « الإرشاد » من 80.

731

أنهما عِلمان، يجوز ثبوت أحدهما وانتفاء الثاني، فنقسّم بعد ذلك الكلام ونقول: هما متعلقان بمعلوم واحد، أو بمعلومين؟ فإن زعم الخصم أنهما متعلقان بمعلومين، قيل له: أحد المعلومين وجود الجوهر، فخبرنا من الآخر! فيضطرب عند ذلك قوله، ولا يجد مخلصاً عن إثبات معلوم زائدٍ على الذات وهو الحال الذي قلنا به. فإن المعلوم لا يخلو: إما أن يكون انتفاءً أو ثبوتاً؛ وتحيُّز الجوهر ليس بانتفاءٍ وفاقاً (= أي باتفاق الجميع). فقد تقرر بما قلناه: معلومٌ غير مُنتفٍ، زائدٌ على وجود الجوهر. ـ وإن زعم الخصم أن العلمين متعلقان بمعلومٍ واحد، قيل له: فينبغي أن يستحيل ثبوت ضد أحدهما مع العلم بالآخر، كما لو تعلق علمان بالوجود مثلاً، فإنه يستحيل ثبوت ضدّ أحدهما مع الآخر، إذ لا يجوز أن يكون جاهلاً بالوجود عالماً به. فلما تصور الجهل بالتحيُّز أو الغفلة عنه، مع العلم بالوجود، وَضح ما قلناه » (« الشامل »، ص 635).
كذلك مما يعول عليه في إثبات الحال « أن نقول: إذا خطر للعاقل شيئان مختلفان وعلم اختلافهما، فلا يخلو: إما أن يختلفا عنده بوجودهما، أو بحالٍ زائدة على الوجود. فإن اختلفا بوجودهما كان ذلك محالاً من أوجهٍ: أحدها أن حقيقة الوجود لا تختلف في قضايا العقول، إذ الوجود هو الثبوت، والسواد لا يخالف البياض في وصف الثبوت. ولو اختلف المختلفـان في الوجود لاختلف المِثلان، فوجب صرف اختلافهما إلى وصفٍ زائدٍ على الوجود » (« الشامل »، ص 637).
وقد نفى أبو الحسن الأشعري1 الأحوال، وكذلك نفاها الباقلاني2؛ فكان الجويني أول من قال بها من الأشاعرة. وبعد أن قرر الأحوال،
ــــــــــــــ
1 راجع ما يقوله الجويني عن الأشعري في « الشامل »، ص 631.
2 في « التمهيد » ـ راجع الفصل الخاص به.

732

صار من السهل عليه بعد ذلك أن يثبت لله الحياة القديمة، والعلم القديم، والقدرة القديمة، والإرادة القديمة، من غير أن يقع تحت طائلة اعتراض المعتزلة بأن في ذلك تعدداً للقدماء، لأنها أحوال، والأحوال لا توصف بالوجود ولا بالعدم، فلا تعدد في ذات الإله إذن بإثبات هذه الصفات قديمة.
1 ـ أما الدليل على كون الصانع قدراً فهو وجود المقدورات عن أول واتصافها بالجواز أي بأنها جائزة الوجود لا واجبته.
2 ـ وما دام قد ثبت أنه قادر، فهو حيّ « إذ لا يصحّ عالم قادر غير متّصفٍ بكونه حيّاً » (« الشامل »، ص 622).
3 ـ إن ما في العالم من اتقان يقتضي كون الصانع عالماً.

ـ 5 ـ
كلام الله

اهتم الجويني اهتماماً بالغاً بمسألة كلام الله. ومع الأسف الشديد ضاع الفصل الخاص بكلام الله في كتاب « الشامل »، ولم يبقَ لنا غير ما أورده في « الإرشاد » (ص 102 ـ 140).
والجديد حقاً عند الجويني في هذا الباب اهتمامه بالكلام النفسي، وجعله إياه جوهر الكلام. والكلام النفسي أي القائم بالنفس هو التفكير، وهو اللوغوس اليوناني بالضبط في معناه الأصيل أي التفكير والتعقل والعقل. وهو في هذا متأثر خصوصاً بالباقلاني1.
ــــــــــــــ
1 راجع « التمهيد »، ص 251 حيث يقول: « الكلام فيما بينا إنما هو معنى قائم بالنفس يعبر عنه بهذه الأصوات المسموعة تارة وبغيرها أخرى ».

733

وتعريفه « للكلام » هو أنه « القول القائم بالنفس، الذي تدل عليه العبارات وما يصطلح عليه من الإشارات1 ». فهو الفكر الذي يدور في خَلَد الإنسان وتدل عليه العبارة أو الإشارة.
وقد أنكرت المعتزلة الكلام القائم وقالوا إن الكلام هو الأصوات المتقطعة والحروف المنتظمة. اللهم إلاَّ الجبائي فقد أثبت كلام النفس، وسماه: الخواطر، وقال إن تلك الخواطر تُسمَع وتدرك بحاسة السمع، « وإن الأصوات المتقطعة على مخارج الحروف ليست بكلام، وإنما الكلام بالحروف المقارنة للأصوات: وهي ليست بأصوات ولكنها تسمع إذا سمعت الأصوات. » (« الإرشاد » 105).
ولكن الأشاعرة يرون أن الكلام الذي يقولون بقدمه هو الكلام القائم بالنفس، لا العبارات والألفاظ والإشارات.
ويورد الجويني اعتراضات المعتزلة على القول بأن كلام الله أزليّ، ومنها:
1 ـ من يزعم أن الكلام أزلي، لا يخلو من أحد أمريْن: إما أن يقول بأن الكلام الأزلي أمر ونهي وإخبار؛ وإما لا يقول بذلك. فإن زعم أنه كان في الأزل أمراً ونهياً وإخباراً فقد أحال، إذ من حكم الأمر والنهي أن يصادف مأموراً، ومنهياً، ولم يكن في الأزل مخاطب متعرّض لأن يُحث على أمر ويزجر عن آخر.. ولا يعقل أمرٌ ليس له مأمور به. وإن زعم أن الكلام في الأزل لم يكن موصوفاً بأحكام أوصاف الكلام، فقد ذهب إلى ما لا يُعقل.
2 ـ أجمع المسلمون على أن القرآن كلام الله، وأنه آيات وسور وحروف منتظمة وكلمات، وهي مسموعة على التحقيق ولها ابتداء وانتهاء،
ــــــــــــــ
1 « الإرشاد »، ص 104.

734

وهي معجزة النبي (صلعم) وآية على صدقه. « ويستحيل أن يكون القديم معجزاً، إذ لا اختصاص للصفة الأزلية ببعض المتحدين دون بعض. ولو جاز تقدير كلامٍ قديمٍ قائمٍ بالنفس أزليٍّ معجزاً، لجاز تقدير العلم القديم عند مثبتيه معجزاً » (« الإرشاد »، ص 122).
ويكرّ الجويني على هاتيْن الحجتيْن بالرد المفصّل (« الإرشاد »، ص 120 ـ 128)، وفي ثنايا ذلك يورد رأياً غريباً للجبائي وهو قوله إن كلام الله يوجد مع قراءة كل قارئ، والكلام عنده حروف تقـارن الأصوات المتقطعة على مخارج الحروف، وليست هي أصواتاً؛ « وزعم أنها توجد عند الكتابة: فإذا اتسقت الحروف المنظومة والرسولم المرقومة، وجدت حروفٌ قائمة بالمصحف ليست بالأشكال البادية والأسطر الظاهرة... وقال أيضاً: مَن قرأ كلام الله تعالى تثبت مع لهواته حروفٌ هي قراءته وهي مغايرة للأصوات، وحروفٌ هي كلام الله وهي مغايرة للقراءة والأصوات. وإذا أضرب القارئ عن القراءة عُدم عنه كلام الله تعالى، وهو بعينه موجودٌ قائمٌ بغيره. ومن شنيع مذهبه أنه قال: إذا اجتمع طائفةٌ من القرّاء على تلاوة فيوجد بكل واحدٍ كلامُ الله، والموجود بالكل كلام واحد1. »
كما يشير إلى مذهب الحشوية القائل بأن كلام الله تعالى قديم أزلي، وأنه حروف وأصوات، وأن المسموع من أصوات القرّاء ونغماتهم هو عين كلام الله؛ بل إن الرعاع منهم أطلقوا القول بأن المسموع هو صوت الله، وأن المرئي من الأسطر التي كتب فيها كلام الله هو الكلام القديم، ولو مثلت الحروف من بعض الجواهر كالحديد مثلاً فهي عين كلام الله، وأن اسم الله إذا كتب فالرقم المرئي في الكتابة هو الإله بعينه.
ــــــــــــــ
1 « الإرشاد »، ص 123.

735

وقد ظن ألار1 أن المقصود من « الحشوية » هنا الكرامية، وهذا غير صحيح، بل الإشارة إلى الحشوية النابتة المبالغة في التجسيم، ولم تكن الكرامية بهذا الغلط في التشبيه، وإلاَّ لذكرهم باسمهم. وهو يفرق بينهما بوضوح حين يجتمعان في مذهب، فيقول مثلاً: « ذهبت الكرامية وبعض الحشوية2... »
* * *
أما مذهب الجويني في كلام الله فيتلخص فيما يلي:
1 ـ التفرقة بين الكلام النفسي، وبين العبارة عنه بالأصوات والحروف.
2 ـ الكلام النفسي قديم، أما العبارة عنه بالأصوات والحروف فمحدثة.
3 ـ القراءة هي أصوات القراء ونغماتهم، وهي أكسابهم التي يؤمرون بها في بعض العبادات إيجاباً، وفي بعض الأوقات ندباً، ويزجرون عنها إذا كانوا جُنباً، ويثابون عليها ويعاقبون على تركها. أما المقروء بالقراءة فهو المفهوم منها المعلوم، وهو كلام الله القديم الذي تدل عليه العبارات. وهذا المقروء لا يحل القارئ ولا يقوم به.
4 ـ وكلام الله مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، ولكنه ليس حالاًّ في مصحف، ولا قائماً بقلب. ولكن الكتابة حادثة، والمفهوم من الكتابة هو القديم.
ــــــــــــــ
1 « صفات الله عند الأشعري وتلاميذه الأول »، ص 391.
2 « الارشاد »، ص 39.

736

5 ـ وكلام الله مُنَزَّل على الأنبياء؛ ولكن ليس معنى التنزيل: الانزال، أي حطّ شيء من علو إلى سُفْل، فإن الانزال بمعنى الانتقال يتخصص بالأجسام. وإنما المقصود من الانزال هو أن جبريل أدرك كلام الله « وهو في مقامه فوق سبع سموات، ثم نزل إلى الأرض فأفهم الرسول (صلعم) ما فهمه عند سدرة المنتهى من غير نقل لذاتٍ الكلام1 ».
وهذا الرأي الأخير في غاية الجرأة، ولم نجد له مثيلاً من قبل فيما وصلنا من كتب الأشعرية أو غيرهم من أصحاب المذاهب الكلامية، إذ مؤداه أن جبريل فهم عن الله كلامه؛ وفهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن جبريل مقاصد الله دون أن ينقل له ذات كلام الله. فالتنزيل إذن هو تنزيل للمعاني، لا للألفاظ. ويلزم على هذا أن تكون الألفاظ والعبارة من عند النبي محمد (صلعم) ولكن الجويني لم يستخلص هذه النتيجة صراحةً؛ بيد أنها نتيجة لازمة عن قوله هذا.

6
أسماء الله

فـرّق الجويني بين الاسم والتسمية، وهي تفرقة نجدهـا من قبل عند البـاقلاني في « التمهيد ». فالتسمية هي اللفظ الدال على الاسم، والاسم هو مدلول التسمية. فإذا قال القائل: زيد ـ كان قوله تسمية، وكان المفهوم منه اسماً.
ــــــــــــــ
1 « الارشاد »، ص 135، القاهرة، 1950.

737

وكانت المعتزلة تسوي بين الاسم والتسمية، والجويني يهاجمهم لهذا السبب. والدليل عنده على أن الاسم يفارق التسمية ويراد به المسمى ـ آيـاتٌ من القرآن، منها قوله تعالى: « سَبّحْ اسمَ ربّك الأعلى » (سورة الأعلى: 1)، والمُسَبَّح هو وجود الباري تعالى دون ألفاظ الذاكرين؛ وقال عز وجل: « تبارك اسمُ ربك » (الرحمن: 78)، وقال تعالى: « ما تعبدون من دون الله إلا أسماءً سميتموها أنتم وآباؤكم » (يوسف: 40). « ومعلوم أن عبدة الأصنام ما عبدوا اللفظ والكلام، وإنما عبدو المسميات لا التسميات. » (« الإرشاد »، ص 142).
وتعدد أسماء الله لا يعد حكماً يتعدد الآلهة، إنما الأسماء تدل على أفعال، والأفعال متعددة.
ويورد الجويني التقسيم الذي وضعه الأشعري بين أسماء الرب، وهو تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
1 ـ فمن أسمائه ما نقول إنه هو هو، وهو كل ما دلت التسمية به على وجوده؛
2 ـ ومن أسمائه ما نقول إنه غيره، وهو كل ما دلت التسمية به على فعل: كالخالق والرازق؛
3 ـ ومن أسمائه ما لا يقال إنه هو، ولا يقال إنه غيره، وهو كلّ ما دلت التسمية به على صفة قديمة، كالعالم والقادر.
وأسماء الله منها ما يدل على الذات، ومنها ما يدل على الصفات القديمة، ومنها ما يدل على الأفعال، ومنها ما يدل على النفي، فيما يتقدس الباري عنه.
ثم يأخذ في شرح 83 اسماً من أسماء الله (« الإرشاد »، ص 144 ـ 155) وليس في تفسيره لها ما يلفت النظر بخاصة.

738

7
خلق الأفعال

من الحجج التي أدلى بها القائلون بأن الله خالق أفعاله، وهم خصوصاً المعتزلة، قولهم باستحالة إثبات مقدور بين قادرين.
والجويني يرد على هذه الحجة، فيقول: « الرب تعالى قبل أن أقدر عبده وقبل أن أخترعه ـ هل كان موصوفاً بالاقتدار على ما كان في معلومه أنه سيقدر عليه مَنْ يخترعه، أم لا؟ فإنْ زعموا أنه تعالى لم يكن موصوفاً بالاقتدار على ما سيقدر عليه العبد، فذلك ظاهر البطلان، فإن ما سيقدر عليه العبد عينُ مقدور الله تعالى، إذ هو من الجائزات الممكنات المتعلق بها قدرة العبد بعدُ في الصورة التي فرضنا السؤال عنها.
وإن كان يمنع تعلق كون الباري تعالى قادراً بمقدور العبد، من حيث يستحيل عند الخصوم مقدورٌ بين قادرين، فلا ينبغي أن يمتنع كون ما سيقدر عليه العبد مقدوراً لله تعالى قبل أن يقدر عليه العبد عنده، فإنه لم تتعلق به بعدُ القدرةُ الحادثة. وإذن وجب كون ما سيقدر عليه العبد مقدوراً لله تعالى قبل أن يُقدر عبده عليه، فإذا أقدره، استحال أن يخرج ما كان مقدوراً لله تعالى عن كونه مقدوراً له. ولو تناقض في معتقد المخالفين بقاؤه مقدوراً للرب تعالى مع تجدد تعلق قدرة العبد به، فاستبقاء كونه مقدوراً للرب تعالى وانتفاء كونه مقدوراً للعبد ـ أولى من انقطاع تعلق كون الرب تعالى قادراً عليه لتجدد كونه مقدوراً للعبد.
وإذا ثبت وجوب كون مقدور العبد مقدوراً لله تعالى، فكل ما هو مقدور له، فإنه مُحْدِثه وخالقه، إذْ من المستحيل أن ينفرد العبد باختراع ما هو مقدورٌ للرب تعالى1 ».
ــــــــــــــ
1 « الإرشاد »، ص 188 ـ 190.

739

ودليل الجويني في منتهى التهافت: لأن كون الله قادراً على الأفعال التي سيقدر عليها العباد ـ حتى لو سلم له ـ هو أمرٌ افتراضيٌّ محض لا محصّل له، لأن القدرة التي لا تتحول إلى أفعال هي كعدم القدرة سواء. وقدرة الله الافتراضية هذه لن تتحول إلى أفعال لأن الله لا يجوز أن يفعل الأفعال القبيحة التي هي في مقدور الإنسان.
وتمشياً مع فكرة الأشعري في الكسب، يقر الجويني بأن « العبد قادر على كسبه، وقدرته ثابتة عليه1 » بخلاف ما يذهب إليه الجبرية من نفي القدرة، وما يذهب إليه المعتزلة من أن العبد خالق لأفعاله. والدليل عند الجويني على القدرة هو أن العبد إذا ارتعدت يده، ثم إنه حركها قصداً، فإنه يفرّق بين حالته في الحركة الضرورية وبين الحالة التي اختارها واكتسبها، والتفرقة بين حالتي الاضطرار والاختيار معلومةٌ على الضرورة.
وهذه القدرة الحادثة عَرَضٌ من الأعراض، وهي غير باقية شأنها شأن باقي الأعراض عند الأشاعرة. وعلى عكس من ذلك أطبقت المعتزلة بالعناصر على بقاء القدرة.
وهذه القدرة تحدث مع المقدور وتزول بزواله، فهي غير باقية شأنها شأن باقي الأعراض عند الأشاعرة. وعلى عكس من ذلك أطبقت المعتزلة بالعناصر على بقاء القدرة.
وهذه القدرة تحدث مع المقدور وتزول بزواله، فهي لا تتقدم عليه، ولا تتأخر في البقاء عنه. والاستطاعة تقارن الفعل.
والقدرة الحادثة لا تتعلق إلاَّ بقائم بمحلها، أما « ما يقع مبايناً لمحل القدرة فإنه لا يكون مقدوراً بها، بل يقع فعلاً للباري تعالى من غير اقتدار العبد عليه: فإذا اندفع حجرٌ عند اعتماد العبد عليه فاندفاعه غير مقدورٍ للعبد عند أهل الحق. وذهبت المعتزلة إلى أن ما يقع مبايناً لمحل القدرة، أو للجملة التي محل القدرة منها، فيجوز وقوعه متولداً عن
ــــــــــــــ
1 « الإرشاد »، ص 215.

740

سبب مقدور مباشر بالقدرة: فإذا اندفع الحجر عند الاعتماد عليه، فاندفاعه متولّد عن الاعتماد القائم بمحل القدرة1 ».
فهو ينكر إذن فكرة التولّد التي قال بها المعتزلة، وهو حدوث فعلٍ بتوسط آخر. ويرى أن هذا النوع من الفعل غير مقدور. ويسوق لتأييد رأيه الدليل التقليدي القديم وهو: مَنْ رمى سهماً ثم اخترمته المنية قبل اتصال السهم بالرمية، ثم اتصاله بالهدف واحداث جرح فيه يؤدي إلى زهوق الروح في سنين وأعوامٍ، فسيكون معنى ذلك نسبة القتل إلى الميت بعد زهوق روحه بأعوام2!
* * *
وكل حادثٍ مرادٌ لله تعالى حدوثه. ومشيئة الباري لا تتعلق بصنف من الحوادث دون صنف، بل هو مريد لوقوع جميع الحوادث: خيرها وشرّها، نفعها وضرّها3.

8
الرد على الفلاسفة

ويعقد الجويني فصلاً صغيراً للردّ على الفلاسفة في فلسفتهم الطبيعية: من القول بالنباحد† الأربعة، وتفسير ما يجري في العالم المنحط عن فلك القمر ومداره من الاستحالات الضرورية بأنها آثار طبيعية، أما ما يجري
ــــــــــــــ
1 « الإرشاد »، ص 230.
2 « الإرشاد »، ص 233.
3 « الإرشاد »، ص 237.
[† هكذا في النص؛ وربما كان المقصود «العناصر الأربعة ».]

741

في العالم العلوي فهو من آثار نفوس الأفلاك وعقولها، وهذه الآثار تستند « إلى الروحاني الأول، وهو يستند إلى الموجود الأول، وهو الباري على زعمهم؛ وهو سبب الأسباب وموجبها. وليس من مقتضى أصلهم أن الموجود الأول يخترع شيئاً على اختيارٍ في إيقاعه، بل هو موجِب الروحاني الأول، ثم الروحاني الأول موجِب الفلك ونفسه وعقله؛ وكذلك القول في الفلك الأعلى مع الذي يليه إلى الانتهاء إلى فلك القمر. والآثار العلوية متناسبةٌ لا اختلاف فيها، ولا يعتورها قبول اختلاف الأشكال. والشمس لا يتصور تقديرها على هيئة أخرى غير الهيئة التي هي عليها؛ وإنما تتعرض لقبول الأشكال المختلفة هيولي عالم الكون والفساد. ويعبرون في هذه المواضع بالهيولى عن الجواهر، ويعبرون عن أعراضها بالصورة1 ».
فهذا ما أدركه الجويني من الفلسفة الطبيعية عند الفلاسفة اليونانيين والمسلمين، مما يدلّ على قلة بضاعته من الفلسفة، وخلطه بين الآراء: إذ يرى الهيولى عندهم هي الجوهر، والأعراض هي الصورة. وقوله الروحاني الأول يقصد به العقل الأول. ويتحدث عن آرائهم هذه بأنها « مواقف » وو« يسمونها الإلهيات » (ص 336، س 3). وهو يرد عليهم في فكرة العقول العشرة بأن يقول: « هلاّ اكتفيتم بالموجود الأول في إيجاب كل ما عداه؟ وما الذي دلكم على إيجاب الروحاني الأول، ثم إيجاب الروحاني ما دونه؟ وهل هذا إلاَّ تحكُّمٌ محض لا محصول له؟ » فهو يأخذ عليهم أنهم يجعلون كل عقل يوجب ما تحته، وكان الأولى بهم ـ في نظره ـ أن يرجعوا كل خلق وإيجاب وإيجاد إلى الأول، بدلاً من هذا التسلسل من واحد إلى الذي يليه. ويرى أن هذه الحجة كافية للرد عليهم إذ « لا يحتمل هذا المعتقَد أكثر من ذلك2 ».
ــــــــــــــ
1 « الإرشاد »، ص 235.
2 « الإرشاد »، ص 236.

742

وهذا يدل على أن الفلسفة، وخصوصاً بفضل ابن سينا، بدأت تؤثر في مواقف المتكلمين؛ لكن لن يقدر لهم الردّ عليها ردّاً يبين عن فهم إلاَّ ابتداءً من الغزالي، لأنه بدأ بدراسة مذاهب الفلسفة وفهمها فهماً جيداً لإمكان الرد عليها عن فهم فيما بعد. وبهذا أكمل القصور الواضح الموجود عند أستاذه الجويني.

9
التحسين والتقبيح

ومن الطبيعي أن يقول الجويني بأن التحسين والتقبيح ليسا عقليين، وإنما يدركان بالشرع. ويزيد على أسلافه من أئمة المذهب بأن إطلاق هذا القول قد يوهم أن الحسن والقبيح زائدان على الشرع؛ « وليس الأمر كذلك، فليس الحسْن صفة زائدة على الشرع مدركة به، وإنما هو عبارة عن نفس ورود الشرع بالثناء على فاعله. وكذلك القول في القبح فإذا وصفنا فعلاً من الأفعال بالوجوب أو الحظر، فلسنا نعني بما نثبته تقدير صفة للفعل الواجب يتميز بها عما ليس بواجب؛ وإنما المراد بالواجب: الفعل الذي ورد الشرعُ بالأمر به إيجاباً، والمراد بالمحظور: الفعل الذي ورد الشرع بالنهي عنه حظراً وتحريماً1 ».
ويرد على المعتزلة في قولهم بأن الحسن والقبح يدركان بالعقل: فمنه ما يدرك قبحه وحسنه بداهة دون نظر، ومنها ما يدرك حسنه وقبحه بنظر عقلي.
ــــــــــــــ
1 « الإرشاد »، ص 259.

743

وحججه ضدهم تنحصر فيما يلي:
1 ـ ما يقولون إنه يدرَك ضرورةً وبداهةً لماذا يختلف فيه الناس إذن؟ فإن ما ادعوا أن حسنه وقبحه يدركان بالضرورة والبداهة قد أنكره كثير من الناس. فلا يصح إذن ادعاء الضرورة في إدراكه. فالبراهمة مثلاً يعتقدون قبح ذبح البهائم وإيلامها وتعريضها للتعب، بينما المعتزلة لا يرون ذلك.
2 ـ والمعتزلة يقولون إن الحسن لو لم يعقل قبل ورود الشرع لما فُهِم أيضاً عند وروده. ويرد الجويني على هذا قائلاً إن هذا باطل، لأننا نعلم مثلاً قبل ظهور المعجزات أن من تأتي على يديه يكون نبياً، فإذا أتت على يديه أدركنا وحكمنا أنه نبي.
3 ـ ثم يسألهم: هل يكون القبيح قبيحاً بنفسه أو إلى صفة نفسه؟ إن قلتم هذا فهو باطل لأن القتل ظلماً يماثل القتل حداً وقصاصاً، ومع ذلك فالأول قبيح والثاني حسن وعادل. كذلك نجد بعض الأفعال لو صدر من غير مكلف فإنه لا يتصف بكونه قبيحاً، ولو صدر من بالغ لكان قبيحاً. فليس الفعل في ذاته هو الذي يتصف بالقبح أو بالحسن.
وبعد أن فرغ الجويني من هذه المقدمة، تناول مقدمة أخرى وهي أنه لا يجب على الباري شيء. وراح يسوق الدليل على بطلانها فقال: « ما الذي عنيته بوجوبه؟ فإن قال: أردت توجُّه أمرٍ عليه كان ذلك محالاً إجماعاً لأنه الآمر، ولا يتعلق به أمر غيره. وإن قال: المعني بوجوبه أنه يرتقب ضرراً لو ترك ما وجب عليه، فذلك محالٌ أيضاً، فإن الربّ تعالى يتقدس عن الانتفاع والتضرر والآلام واللذة، والربّ متعالٍ عنهما1 ».
ــــــــــــــ
1 « الإرشاد »، ص 271 ـ 272.

744

الصلاح والأصلح

وبهذه المناسبة يتعرض الجويني لمسألة الصلاح والأصلح، فينقد المعتزلة لقولهم بأنه حتمٌ على الله فعل الأصلح للعباد في دينهم ودنياهم، وأن عليه فعل أقصى ما يقدر عليه في استصلاح عباده1.
وهو يستعين في ذلك بالحجج المشهورة التي ساقها الأشعري ضد أستاذه أبي علي الجبائي في مسألة الإخوة الثلاثة. ويظهر أن هذا الاحتجاج قد صار تقليدياً لدى الأشاعرة من بعده. غير أن الجويني زاد فيه إيضاحات2.

ـ 10 ـ
إثبـات النـبوات

وفي باب إثبات النبوات يتناول الجويني خمس مسائل:
1 ـ إثبات جواز بعث الرسل؛
2 ـ المعجزات وشرائطها؛
3 ـ إيضاح وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول؛
4 ـ تخصيص نبوة محمد (صلعم) بالآيات، والرد على منكريها من أهل الملل؛
5 ـ أحكام الأنبياء، وما يجب لهم وما يجوز عليهم.
ــــــــــــــ
1 « الإرشاد »، ص 287.
2 « الإرشاد »، ص 297 ـ 299.

745

وتعنينا هنا المسألة الأولى. وهي دائماً تثار ضد « البراهمة » بوصفهم منكري النـبوّات. وجرى التقليد على ذلك منذ أيـام أبي الهذيل، وأصبح لفظ « البراهمة » مسـاوياً « لمنكري النبوات ». وقد ذهب كراوس1 إلى أن ابن الراوندي هو الذي اخترع نسبة القول بإنكار النبوات إلى البراهمة، فصاروا اسماً مستعاراً لأصحاب هذا القول، ولا شأن له بمذهب البراهمة الهنود. وربما نجد في عرض مذهب البراهمة في إثبات عدم جواز إرسال الرسل ونقد الطقوس الدينية الإسلامية ـ ما يشهد بصحّة افتراض كراوس هذا.
والجويني في « الإرشاد » (303 ـ 307) يعرض شُبه البراهمة في ذلك، وهي:
1 ـ ما يجيء به النبي إما أن يكون مستدركاً بالعقل، أو لا يستدرك به. فإن كان ما يجيء به مما يتوصل العقل إليه، فلا فائدة في بعثه، ويكون إرساله عبثاً وسفهاً، وإنْ كان ما يجيء به مما لا تدل عليه العقول، فلا يمكن قبوله. إذ المقبول هو ما يدل عليه العقل.
ويرد الجويني على هذه الشبهة قائلاً إنها تقوم على أن التحسين والتقبيح عقليان ـ وهو لا يقول بذلك، شأنه شأن سائر الأشاعرة. لكنه مع ذلك يسلم به جدلاً ويقول إنه إذا كان ما يأتي به الرسول مطابقاً لما يأتي به العقل، فهذا لا يخلو من فائدة هي توكيد المدلول الواحد بأدلة مختلفة. وحتى إذا وقع الاكتفاء بدليل واحد، فهذا لا يعني أن الأدلة الأخرى عبث. وإذن فبعث الرسل توكيد لما يتوصل إليه العقل، ولا بأس منه.
ورد الجويني ينطوي هنا على مغالطة: إذ مذهب البراهمة هو الاعتماد على العقل وحده، وعدم الاعتراف بأية أداة أخرى للمعرفة مثل الوحي.
ثم يردف رده ذلك بقوله إن ما يأتي به العقل يأتي كلياً، والرسول
ــــــــــــــ
1 راجع كتابنا: « من تاريخ الإلحاد في الإسلام »، الفصل الخاص بابن الراوندي، القاهرة، 1945.

746

هو الذي يفصل الجزئيات مثل الطبيب الذي ينصُّ على ما يشفي المريض المعين بدواء معيّن.
وكلام الجويني هنا أيضاً مردود بأن النبي يأتي بأمور كلية، لا بتفصيلات جزئية منطبق على الأحوال الجزئية المفردة.
2 ـ وقال « البراهمة » ثانياً إن الشرع يشتمل على أمور مستقبحة عقلاً، مع أننا نعلم أن الحكيم لا يأمر بالفواحش ولا يندب إلى القبائح، فكيف جاء الشرع بهذه الفواحش وندب إلى هذه القبائح، مثل ذبح البهائم وتسخيرها، والعقل يقضي بأن هذا قبيح.
ويرد الجويني على هذه الشبهة بأن يقول إن هذه الحجة ترتدّ على « البراهمة » لأن الله يؤلم البهائم والأطفال الذين لم يقترفوا ذنباً؛ فإن قال « البراهمة » إن هذا لحكمة قصدها الله، قيل لهم: وكذلك الأمر بالذبح والتسخير للبهائم هو لحكمة أرادها الله.
3 ـ كذلك يقول البراهمة إن في الشرائع ما تردع منه العقول، مثل الانحناء في الركوع، والانكباب على الوجه في السجود، والتحسير والتعرّي والهرولة والتردد بين جبليْن ورمي الجمار من غير مرميٍّ إليه ـ مما هو من مناسك الحج، وهي أمور لا يقبلها العقل ولا يدرك لها حكمة ولا معنى.
والجويني يردّ على هذه الشبهة بأن يقول إن الرب « قد يضطر عبده ويفقره ويعرّيه ويتركه كلحم على وضم والسوأة منه بادية، ولو عَرّى واحدٌ منا عبده مع تمكنه من ستره ومداراة سوأته لكان ملوماً. والرب تعالى يفعل من ذلك ما يشاء، لا يُسألَ عما يفعل وهم يُسألون. وهو الذي يسلب العقول، ويضطر المجانين إلى ما يتعاطونه مما تبقى مضرّته، مع القدرة على أن يكمّل عقوله. فإذا لم يبعد ما ضربنا فيه الأمثلة، أن يكون فعلاً لله تعالى، لم يبعد أيضاً وقوعه مأموراً به » (« الإرشاد »، ص 305 ـ 306).

747

وهو هنا أيضاً يستخدم نفس الطريقة التي استخدمها في الرد على الشبهة الثانية، وهي أن يردّ على الخصم حجته، اعتماداً على أصل واحد وهو أنه ليس كل ما في الكون معقولاً أو مقبولاً في العقل، حتى تلتزموا بهذه المعقولية في مسألة بعث الأنبياء، وما ورد في الشرائع من أمور تبدو منافية للمعقول. ويخلص الجويني من هذا إلى أن إرسال الله للرسل والشرائع ليس من المستحيلات التي يمتنع وقوعها. فإن ثبتت بعد هذا فائدة بعث الأنبياء، كان هذا قاطعاً في إثبات جواز إرسال الأنبياء.
على أن ما ورد في « الإرشاد » ما هو إلاّ مختصر موجز جداً مما أورده الباقلاني في « التمهيد1 »؛ ويمكننا أن نفترض أنه توسّع في الموضوع في كتاب « الشامل » في القسم الذي لم يصل إلينا منه.

تقـويم

يبدو لنا الجويني ـ بوجه عام ـ خالياً من الأصالة، وأنه اعتمد على أسلافه من كبار الأشاعرة في الدفاع عن آراء الأشاعرة، وخصوصاً على الباقلاني والأشعري وأبي إسحق الاسفراييني على الترتيب في الأهمية. صحيح أن كتابه الرئيسي، وهو « الشامل » لم يصلنا منه إلاَّ ثلثه، ولكنه كافٍ في الحكم على مدى أصالته بالنسبة إلى أسلافه. وهو نفسه يعترف بأنه لم يأتِ فيه بجديد، إلاَّ في النادر. أما كتاب « الإرشاد » فمختصر بسيط خال من الحجاج الكلامي الدقيق، وما هو إلاَّ متن بسيط سهل للمبتدئين.
ــــــــــــــ
1 الباقلاني: « التمهيد »، ص 104 ـ 131، نشرة مكارثي، بيروت 1957.

748


القسم الثاني
الإسماعيليّة، القرامطة، النّصيريّة

[Blank Page]

فِرَق الباطِنِيَّة

« الباطنية » لقب عام مشترك تتدرج تحته مذاهب وطوائف عديدة، الصفة المشتركة بينها هي تأويل النص الظاهر بالمعنى الباطن تأويلاً يذهب مذاهب شتى، وقد يصل التباين بينها حد التناقض الخالص. فهو يعني أن النصوص الدينية المقدسة رموز وإشارات إلى حقائق خفية وأسرار مكتوبة؛ وأن الطقوس والشعائر، بل والأحكام العملية هي الأخرى رموز وأسرار، وأن عامة الناس هم الذين يقنعون بالظواهر والقشور، ولا ينفذون إلى المعاني الخفية المستورة التي هي من شأن أهل العلم الحق، علم الباطن.
وقد استقرى الغزالي(1) تحت هذا الاتجاه ثمانية ألقاب، هي:
(1) الباطنية؛ نسبة إلى التأويل بالباطن؛
ــــــــــــــ
(1) الغزالي: « فضائح الباطنية »، ص 11 من نشرتنا، القاهرة، سنة 1964.

751

(2) القرامطة (والقرمطية)؛ نسبة إلى حمدان قَرْمَط، أحد دعاتهم في الابتداء؛
(3) الخُرَّميّة، نسبة إلى حاصل مذهبهم وزبدته، وهو تحصيل اللذة، فإنَّ « خُرَّم » لفظ فارسي يدل على الشيء المستلذ، وقد كان لقباً للمزدكية، وهم أهل الإباحة من المجوس؛
(4) البابكية، نسبة إلى بابك الخرّميّ الذي خرج من بعض الجبال بناحية أذربيجان في أيام المعتصم بالله (218 ـ 227 ?) الذي وجه إليه جيشاً قضى على حركته في سنة 222 ?.
(5) الإسماعيليّة، نسبة إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، سابع الأئمة ابتداءً من محمد (ص).
(6) السبعية، ولُقبوا بذلك لأمرين: الأول اعتقادهم بأن أدوار الإمامة سبعة؛ والثاني قولهم إن تدابير العالم السُّفلي منوطة بالكواكب السبعة؛
(7) المُحَمِّرة، ولُقبوا بذلك لأنهم صبغوا ثيابهم بالحمرة أيام بابك، وكان ذلك شعارهم؛
(8) التعليمية، ولقبوا بذلك لأن مذهبهم يقوم على إبطال الرأي وتصرف العقل، وعلى دعوة الخلق إلى تلقي العلم من الإمام المعصوم، وعلى أنه لا مدرك للعلوم إلاّ التعليم من إمام معصوم.
ويلاحظ على هذه الألقاب:
أولاً: أن لقب « الباطنية » عام تشترك فيه كل هذه الفِرَق.
ثانياً: أن رقمي 3 و4 يدلان على فرقة واحدة، وكذلك رقم 7 يدل على نفس الفرقة. فالثلاثة إذن تدل على نفس الطائفة.

752

ثالثاً: أنه فيما عدا هذه الطائفة (المشار إليها بالأرقام 3، 4، 7) يتشيع الباقون لعليّ بن أبي طالب وعترته.
رابعاً: أن « التعليمية » وصف مشترك مثل « الباطنية »، وليس فرقة برأسها.
خامساً: أن القرامطة والبابكية والإسماعيليّة كانت حركات سياسية لعبت أدواراً متفاوتة الأهمية في تاريخ الإسلام السياسي، أهمها من هذه الناحية « الإسماعيليّة » في صورة « الفاطمية »: إذ كوّنت دولة واسعة شملت المغرب ومصر والشام واليمن، وبَثَّتْ الدعاة في كل بلاد الإسلام من الهند حتى المغرب الأقصى، ولا تزال باقية حتى اليوم.
لكن ينبغي أن نضيف طائفة أخرى تندرج تحت فرق الباطنية، ولا يزال لها أتباعها اليوم، وهي النصيرية، نسبة إلى ابن نُصَيْر مؤسس الفرقة. ولهذا فإننا نصنّف « الباطنية » من حيث فرقها إلى:
1 ـ الإسماعيليّة
2 ـ البابكية
3 ـ القرامطة
4 ـ النصيرية
وكلها فيما عدا البابكية ـ تندرج تحت مذهب الشيعة.

753

التأويل بالباطن

قلنا إن الخاصية الأساسية المشتركة بين كل هذه الطوائف هو التأويل بالباطن، على أساس قولهم بأن لكل ظاهرٍ باطناً، ولكل تنزيل تأويلاً.
ودواعي التأويل بالباطن عديدة، منها:
1 ـ التحرر من قيد النص المقدّس، ابتغاء التوفيق بينه وبين الرأي الذي يذهب إليه صاحب التأويل.
2 ـ التحرر من قيد النص المقدس، ابتغاء التوفيق بين ما يفهم من صريح اللفظ وبين ما يقتضيه العقل.
3 ـ الرغبة في تعميق صريح النص المقدس الساذج، ابتغاء مزيد من العمق في الآراء التي يحتويها. ومن هذه الدواعي يتبين أن ما يُلْجئ إلى التأويل هو الاضطرار إلى الأخذ بنصّ يعدّ مقدساً، أو مقيّداً. ولولا هذا لما كان ثمّ أي داع إلى التأويل.
ولهذا كانت عملية التأويل قائمة دائماً هناك حيث يضطر الإنسان إلى الأخذ بنصّ. ومن هنا لم يقتصر الأمر على الكتب المقدسة، بل امتد إلى النصوص القانونية، وإلى الآثار الأدبية حين تصبح ذات سلطة.
فحينما صار شعر هوميروس نصّاً ذا سلطةً، أخذ المفكرون اليونانيون والأدباء في القرن الخامس قبل الميلاد في تأويله، وخصوصاً لدى أنصار المدرسة الكلبية، وعلى رأسهم أنتسثانس Antisthenes الذي عني بالتأويل الرمزي لشعر هوميروس(2)، وفرّق بين ا? doxa (الظن) وا?
ــــــــــــــ
(1) الشهرستاني: « الملل والنحل »، ? 2، ص 29 بهامش « الفصل » لابن حزم، القاهرة، طبعة الجمالي والخانجي.
(2) راجع ديوجانس اللائرسي 6: 1: 17 وما يليه. Diog. Laertius, VI, I, 17 sqq.

754

aletheia (الحقيقة) عند هوميروس، كما يقول لنا ديون الذهبي(1) الفم في الخطبة رقم 53.
وقد سار في إثره زينون الرواقي في تفسيره لهوميروس، كما تدل الشذرات الباقية لنا منه في هذا الصدد(2) وتبعه خروسيفوس. فهو مثلاً يفسّر زيوس ـ كبير الآلهة ـ بأنه اللوجوس Logos (ـ العقل الأول) الذي يرتّب كل شيء، وتوسّع في ذلك كراتوس الذي من مالوس Crates of Mallus الذي شمل كل هوميروس بهذا التأويل. ولا يزال بين أيدينا كتابان من ذلك العهد اليوناني المتأخر يتناولان تأويل هوميروس رمزياً، وهما: التأويلات الهوميرية Allegoriae Homericae لهيرقليطس (وهو غير الفيلسوف المعروف) و« خلاصة اللاهوت اليوناني » Theologiae Graecae Compendium لكورنوتس Cornutus. ونذكر أمثلة من الكتاب الأول: فهو يؤول تقييد الإلهه هيرا بالأغلال (الالياذة 3: 277) بأنه اتحاد العناصر (3)؛ وقذف هيفاستوس في الهواء (1: 592) بأنه النار الأرضية التي هي أضعف من الشعلة السماوية؛ وجرح أفروديت وأرس (5: 336 وما يليه، 858 وما يليه) بأنه هزيمة جيش البرابرة الذي يحدث أصواتاً غير أرضية (30، 31)؛ واتحاد افروديت وأرس (الأدويسا: 8: 266 وما يليه) بأنه الاتحاد بين الحب والصراع لتكوين انسجام.
ومن ثم انتقل التأويل الرمزي إلى اليهودية على يد فيلون اليهودي في القرن الأول الميلادي، الذي يُعد من أكبر ممثلي النزعة إلى التأويل
ــــــــــــــ
(1) Dion Chrysostome, VIII, 276 R, 283 R. وراجع Antisthenica نشرة دوملر Dûmmler، ص 22 ما يليها.
(2) في نشرة آرنم، ? 1، ص 43، 167 وما يليها
H. V. Arnim: Stoicorum Veterum Fragmenta.

755

في العصر القديم، وإنْ كان قد سبقه في اليهودية كثيرون أوّلوا الكتب المقدسة في العهد القديم تأويلاً رمزياً، وهو نفسه يشير إليها. وهؤلاء اليهود السابقون قد فسروا ابراهام (= إبراهيم) بأنه « النور » (= العقل)، وزوجته ساره بأنها الفضيلة (راجع Philon: de agrad. II, 15, Mangey) والفصح بأنه إما تطهير الروح أو خلق العالم (de Seften. II, 291). لكن فيلون ذرّف عليهم بأن جعل من التأويل مذهباً قائماً برأسه ومنهجاً في الفهم. وقد دفعه إلى اتخاذ هذا المذهب الحملة التي قام بها المفكرون اليونانيون على ما في التوراة (العهد القديم) من قصص وأساطير ساذجة أو غير معقولة: مثل برج بابل، والحية التي أغرت حوّاء في الجنة، وغضب الله، وأحلام يوسف. فاضطر فيلون إلى الدفاع عن التوراة بتأويل هذه المواضع الأسطورية وغير المعقولة الواردة في التوراة تأويلاً بالباطن. ورأى أن التأويل بالباطن هو روح النص المقدس، وأن التفسير بالمعنى الحرفي ـ هو مجرد جسم هذا النص المقدس (Philon: de Migr. Abr. I, 450) ـ للنص سيؤدي إلى الكفر والاحالة. ونسوق بعض الأمثلة على تأويلات فيلون لمواضع في التوراة:
فهو يؤول الجنة بأنها ملكوت الروح؛ وشجرة الحياة بأنها خوف الله؛ وشجرة المعرفة هي الحكمة(1)؛ والأنهار الأربعة في الجنة هي الفضائل الأربع الأصيلة(2)، وهابيل بأنه التقوى الخالصة من الثقافة العقلية(3)، وقابيل بأنه الأناني، وشيث بأنه الفضيلة المزودة بالحكمة؛ وأخنوخ بأنه الرجاء(4)؛ وهاجر بأنها [...(†)]، وسارة بأنها
ــــــــــــــ
(1) De Mund. Op. I, 37; Leg. all. I, 56.
(2) De Post. Caini, I, 250; Leg. all. I, 56.
(3) Qu. det. Pot. ins. I, 197; de Sacrif. Ab. I, 163; de Post. Caini, I, 249.
(4) Qu. det. Fot. ins. I, 217; de Proem et Poem. II, 410.
[(†) بياض في النسخة المطبوعة بمسافة ثلاثة كلمات، ووجدنا نفس الخلل في الطبعة التالية.]

756

الفضيلة والحكمة(1)؛ ويوسف بأنه نموذج الرجل السياسي(2)، ومعطفه المؤلف من عدة ألوان يدل على سياسته المركبة الضيقة الإدراك(3).
وقد يقع لفيلون أن يؤول الموضع الواحد عدة تأويلات (de Prof. I, 572).
ومن فيلون انتقلت طريقة التأويل الرمزي إلى المسيحية، وخصوصاً لدى المدافعين الأوائل عنها في عصر الآباء ضد هجمات رجال الأفلاطونية المحدثة وممثلي الفلسفة والثقافة اليونانية عامة. وقد غلوا أحياناً في هذا التأويل غلوا عظيماً، نراه خصوصاً عند يوستينوس الشهيد St. Justin Martyr الذي أوّل هذه الجملة في التوراة (التكوين 49: 11): « غسل ثيابه في الحمر، ورداءه في دم العِنب » ـ هكذا: أي أنه سيطهّر المؤمن الذي يسكن فيه اللوغوس (الكلمة) بدمه الذي يأتي من أمه مثل عصير العنب (Apol. I, 32)؛ وجعل مدلُول هذه العبارة (سفر اشعيا 9: 6): « ستكون الحكومة على عاتقه » ـ هكذا: أي أن المسيح سيشنق على الصليب. ومن بين هؤلاء الآباء المسيحيين المدافعين عن النصرانية برز خصوصاً أوريجانس، الذي تأثر خصوصاً بفيلون. فقد قال إن الكتاب المقدس يُفسّر على ثلاثة أوجه: (1) فالـرجل البسيط يكفيه « جَسَد » الكتـاب المقدس؛ (2) والرجل المتقدم في الفهم يدرك « روح » هذا الكتاب؛ (3) والكامل من الرجال هو الذي يفهمه بالناموس النفساني الذي يطلع على الغيب.
ذلك أن أوريجانس، تحت وطأة هجمات المنكرين اليونانيين، اضطر إلى الإقرار بأن في التوراة استحالات: إذْ لا يمكن أن يكون ثمّ أيام قبل خلق النجوم، ولا يمكن أن يكون الله مثل بستاني « يزرع
ــــــــــــــ
(1) De Cherub. I, 139 sqq.
(2) De Jos. II, 41.
(3) Qu. det. Pot. ins. I, 192.

757

بستاناً، أو يتنزه فيه »؛ كذلك أقر بأنه لا يمكن التحدث عن « وجه لله، استتر منه قابيل. كذلك رأى في الإنجيل كثيراً من القواعد الأخلاقية التي لا يمكن اتباعها حرفياً (مثل ما في لوقا 10: 4؛ متى 5: 39 الخ). وأقرّ بأن كثيراً من القصص الوارد في التوراة لو أخذ بحروفه لكان محالاً غير معقول، وكذلك في الإنجيل (متى 4: 8 وما يليها حيث يرد أن الشيطان أخذ يسوع إلى قمة جبل عالٍ).
ازاء هذه الإحالات رأى أوريجانس التفريق في نصوص الكتاب المقدس بين نوعين من الأقوال: أقوال يمكن أن تفسر حرفياً، وأخرى يجب أن تؤول باطنياً.
على أن هذه النزعة إلى التأويل قد لاقت معارضة شديدة بين المسيحيين، تولاّها خصوصاً أتباع ما يعرف باسم « مدرسة أنطاكية » وعلى رأسهم: لوقيان، واوستاثيوس الأنطاكي، ودودورس الطرسوسي وايسيدورس الفرماوي، وخصوصاً ثيودورس الذي من موفسوستيا Mopsuestia الذي ألف كتاباً في خمسة مجلدات ضد الداعين إلى التأويل.
ورغم ذلك استمر أنصار التأويل في نموّ وازدهار وانتشروا في الغرب المسيحي، وقعّدوا له القواعد. وعلى رأسهم هيرونيموس St. Jérôme الذي وضع قاعدة التأويل الشهيرة التالية:
Regula scripturarum est: ubi manifestissima prophetito de futuris, texitur, per incerta allegoriae non extennare quae scripta sunt
ولكنه مع ذلك بالغ في التأويل أحياناً: فهو يقول إن ليا هي الديانة اليهودية، وإن راشيل هي الديانة المسيحية(1)!
ورغم كل ما بذله دعاة التفسير الحرفي للكتاب المقدس من محاولات
ــــــــــــــ
(1) St. Jérôme : Epis. CXXIII, 13, i, h. 910, éd. Migne.

758

فقد بقي كتاب « نشيد الأناشيد » خصوصاً عقبة كأداء أمامهم، ولهذا نرى رجلاً مثل القديس برنار الذي من كليرفو St. Bernard de Clairvaux في القرن الحادي عشر الميلادي يؤول هذا الشّعْر تأويلاً رمزياً خالصاً، ومارتن لوثر نفسه اضطر أمام هذا الشعر المستعصي على كل تفسير حرفي أن يؤوله تأويلاً باطناً(1).

كيف وصل التأثير اليهودي والمسيحي إلى الإسلام؟

ومن هذا العرض التاريخي الموجز لمنهج التأويل عند اليونان واليهود النصارى يتبين أن الحاجة إلى التأويل ضرورية للدواعي التي بدأنا بإيرادها في أول هذا الفصل. وهي قائمة في كل دين، حتى لو لم يحدث تأثير من دين في دينٍ آخر. ولهذا كان لا بد من حدوث هذه الظاهرة في الإسلام، كما حدثت من قبل في الدينين السالفين له: اليهودية والمسيحية، دون أن يكون ثم تأثير من الواحد في الآخر بالضرورة.
وهنا يقوم السؤال: هل تأثر أصحاب مذهب التأويل بالباطن من المسلمين بأصحاب التأويل في اليهودية والمسيحية؟
وهو سؤال في غاية التعقيد، بحيث يصدق هنا إلى أقصى درجة
ــــــــــــــ
(1) اعتمدنا في هذا العرض التاريخي للتأويل عند اليونان وأوائل آباء المسيحية على مقالة جيدة بقلم يوهان جفكن Joh. Geffeken في « دائرة معارف الدين والأخلاق »، ? 1، ص 327 ـ 331، سنة 1955، ادنبره، ونيويورك.
a) Jean Pépin: Mythe et allégorie: les origines grecques et les contestations judéo Chrétiennes, Paris, 1958;
b) H. de Lubac: Exégèse médiévale, les quatre sens de l'Ecriture, Paris, 1959.

759

قول فردريك أميل Fr. Amiel إن « كل الأصول أسرار »:
أولاً: لما يحيط من غموض بشخصية عبد الله بن سبأ، أوَّل من غلا في عليّ غلواً عظيماً: هل صحيح أنه كان يهودياً وأسلم؟ وهل كان إذا صحّ أصله اليهودي، على اطلاع على حركة التأويل عند اليهود ابتداءً من الهجاد حتى فيلون؟
1 ـ لنلاحظ أولاً أن تأثير فيلون في الفكر الديني اليهودي من بعده كان ضئيلاً، لا نكاد نعثر عليه عند الكتاب اليهود التالين له. « وإذا كانت كتبه قد بقيت موجودة لدى اليهود حتى العصر الجيوني Geanie فإنها قليلاً ما كانت تدرس، أو يشار إليه »(1). ولم يستطع ل. فنكلشتين(2) أن يثبت وجود تأثير له في الأدب الربّاني إلاَّ بتعسف شديد، مما من شأنه أن يؤيد كون تأثيره كان ضئيلاً جداً. وكذلك كان تأثيره في الأدب اليهودي بالعربية ضئيلاً جداً(3) . ولهذا نستطيع مطمئنين أن نستبعد تأثير فيلون لدى يهود جزيرة العرب.
2 ـ ولنلاحظ ثانياً أن الأفكار المهدوية (أي القول « بمسيح » منتظر) كانت منتشرة في شبه الجزيرة العربية في القرنيْن الخامس والسادس الميلاديين(4). ولا بدَّ أن رجلاً مثل عبد الله بن سبأ ـ إنْ
ــــــــــــــ
(1) Sch. Baron: A social and Religious History of the Jews, vol. I. p. 206. Columbia Univ. Press, New York, 1962.
(2) L. Finkelstein: “Is Philo mentioned in Rabbinic Literature?” in Journal of Biblical Literature, LIII, 142-149.
(3) S. Poynauski: “Philon dans l'ancienne littérature judéo-arab”, in Revue des Etudes Juives, L. 10-31.
(4) H. Z. Hircheberg: “Messisanic Vestiges in Arabia during the fifth and the sixth centuries after the fall of Jerusalem” in Vienna Mem. Vol., pp. 112-124; - Israel ba. Arab, p. 175.

760

كان عالماً يهودياً ـ قد كان على علم بها. وفي هذا سينحصر تأثيره: أعني في كونه قد أدخل فكرة المسيح المنتظر في الإسلام، وعلى هذا أشاع فكرة أن علياً بن أبي طالب هو «الوصيّ» المنفّذ لوصية محمد (ص).
3 ـ أما عن كونه قد كان في الأصل يهودياً، فذلك هو ما تكاد تجمع عليه المصادر العربية، واعتماداً عليها وعلى غيرها ساق ا. فريد ليندر الحجج العديدة في دراسته المشهورة بعنوان: « عبد الله بن سبأ، مؤسس الشيعة، وأصله اليهودي »(1).
قال الطبري: « عن يزيد الفَقْعَسيّ قال: كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء، أُمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان. ثم تنقّل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم. فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحدٍ من أهل الشام. فأخرجوه حتى أتى مصر. فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول ـ: لعجبٌ ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمداً يرجع! وقد قال الله عزّ وجلَّ « إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معادٍ » (28: 85) محمد أحق بالرجوع من عيسى. ـ قال: فقُبِل ذلك عنه. ووضع لهم الرجعة فتكلّموا فيها. ثم قال لهم بعد ذلك إنه كان ألف نبيّ، ولكل نبيّ وصيٌّ، وكان عليٌّ وصيَّ محمد. ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعليٌّ خاتم الأوصياء. ثم قال بعد ذلك: مَنْ أظلمُ ممن لم يُجِزْ وصية رسول الله (ص) ووثب على وصيّ رسول الله (ص) وتناول أمر الأُمّة! ثم قال لهم بعد ذلك إن عثمان أخذها بغير حق. وهذا وصيُّ رسول الله (ص) فانهضوا في
ــــــــــــــ
(1) I. Friedlânder: “Abdullâh b. Saba, der Begrûnder der Shîa und sein Jûdisher Ursprung”, in Zeischrift für Assyriolgie, XXII, 296-327; XXIV, 1-46.

761

هذا الأمر، فحرّكوه. وابدأوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس. وادعوهم إلى هذا الأمر.
« وبث دعاته، وكاتبَ مَنْ كان استفسد في الأمصار وكاتبوه. ودعوا في السرّ إلى ما عليه رأيهم. وأظهروا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب وُلاتهم. ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصرٍ منهم إلى مصرٍ آخر بما يصنعون، فيقرأ أولئك في أمصارهم، وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة، وأوسعوا الأرض إذاعةً؛ وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسرُّون غير ما يبدون، فيقول أهل كل مصر: إنّا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء، إلاّ أهل المدينة، فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا: إنا لفي عافية مما فيه الناس.
« وجاء معه محمد وطلحة من هذا المكان. قالوا: فَأتَوا عثمانَ فقالوا: يا أمير المؤمنين! أَيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ قال: لا والله، ما جاءني إلاّ السلامة. قالوا: فإنّا قد أتانا ـ وأخبروه بالذي أَسقطوا إليهم. قال: فأنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا عليَّ. قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالاً مِمّن تثق بهم إلى الأمصار، حتى يرجعوا إليك بأخبارهم.
« فدعا محمد بن مَسْلَمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة، وأرسل عمّار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام. وفرّق رجالاً سواهم، فرجعوا جميعاً قبل عمّار فقالوا: أيها الناس! ما أنكرنا شيئاً، ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامّهم. وقالوا جميعاً: الأمر أمر المسلمين، إلاّ أن أمراءهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم. واستبطأ الناسُ عمّاراً حتى ظنوا أنه

762

اغتيل، فلم يفجأهم إلاَّ كتاب من عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح يخبرهم أن عمّاراً قد استماله قومٌ بمصر. وقد انقطعوا إليه، منهم عبد الله بن السوداء، وخالد بن مُلْجَم وسُودان بن خُمْران، وكنانة ابن بشر » (« تاريخ الرسل والملوك، » تحت سنة 35 ?، القسم الأول، ص 2942 ـ 2944، طبعة ليدن).
وفي أخبار سنة 30 يذكر الطبري عن نفس المصدر وهو يزيد الفَقْعَسي أن ابن السوداء ورد الشام ولقي أبا ذر، وأنه هو الذي بث في نفسه فكرة أن المال مال المسلمين وحركه إلى الدعوة إلى إشراك الفقراء في أموال الأغنياء (قسم 1، ص 2858 ـ 2859). وفي هذا الموضع أيضاً ورد أن أبا الدرداء حين جاءه ابن السوداء (عبد الله بن سبأ) قـال له « مَنْ أنت؟ أظنك والله يهودياً » (ص 2859، س 6).
وفي أخبار سنة 33 أن ابن السوداء ذهب إلى البصرة واجتمع بواليها عبد الله بن عامر الذي سأله من أنت: فأخبره أنه رجل من أهل الكتاب رغب في الإسلام، ورغب في جوارك. فقال: مَا يبْلُغن ذلك. اخرج عني! فخرج حتى أتى الكوفة فأُخرج منها، فاستقرّ بمصر.
ونراه في أخبار سنة 36 (ص 3180، س 17 مع من خرجوا مع علي بن أبي طالب، وكان على رأس العمور، وفي هذا الموضع يسميه: عبد الله بن السوداء.
ومن هذه المواضع يتبين:
1 ـ أن عبد الله بن سبأ هو بعينه ابن السوداء، لأن أمه سوداء؛
2 ـ وأنه كان يهودياً من أهل صنعاء؛
3 ـ وأنه أسلم في عهد عثمان؛
4 ـ وأنه هو الذي أثار الفتنة على عثمان بن عفان، وطوّف في

763

مصر والعراق والشام والحجاز لتأليب الناس على عثمان؛
5 ـ وأنه أول من قال بأن عليّاً وصِيٌّ للنبي محمد، وبأن عليّاً سيرجع إلى الأرض.
ورواية الطبري في هذا الموضوع مأخوذة عن سيف بن عمر. ومن هنا توجه الباحثون إلى سيف بن عمر ليقوّموا شهادته. واعتماداً على تجريح الذهبي لسيف بن عمر شكك فريدليندر(1) في رواية الطبري، وكذلك فعل ?لهوزن(2).
غير أن فريدليندر انتهى إلى القول بأن دور ابن سبأ الرئيسي لم يكن في تأليه عليّ، بل في إنكار موته قائلاً إنه لم يمت في الحقيقة، وإنما شبّه للناس ذلك، وإنه سيرجع من السحاب. والفكرة أصلها يرجع إلى يهود اليمن وما يقوله الفلاشا في الحبشة من اليهود الذين تصوروا المسيح المنتظر هكذا.
وأنكر كايتاني(3) جملةً دور ابن سبأ العقائدي، وقصره على الدور السياسي الخالص الذي قام به في تأييد عليّ بن أبي طالب والدعوة إلى خلافته والاشتراك في الحروب ضد خصومه.
وزعم ???? دلاّ ?يدا(4) أنه لم يكن يهودياً، لكنه لم يأتِ بأي دليل مقنع على رأيه هذا الذي يتعارض مع كل المصادر.
وربما كان من المفيد للقارئ العربي أن نورد ها هنا آراءهم بالتفصيل:
ــــــــــــــ
(1) I. Friedlânder: Zeit. Assyr. 1909, p. 297.
(2) J. Wellhausen: Skizzen und Vorarbeiten, VI, 6.
(3) L. Caetani: Annali dell Islam, VIII, 42 sqq.
(4) Levi della vida: R S O, 1912, p. 495.

764

1 ـ يبدأ فريدليندر بحثه عن ابن سبأ بإيراد ما ذكره الطبري من رواية سيف بن عمر التميمي (تاريخ الطبري، نشرة دي خوي، ? 1، ص 2942، حوادث سنة 35)، ثم يتلوه ما أورده الشهرستاني عن السبئية (نشرة كيورتن، ? 1، ص 132) ـ وعليها اعتمد الباحثون الأوربيون(1) عن ابن سبأ حتى ذلك الحين، ويستخدم مصدراً جديداً آنذاك وهو كتاب « الفرق بين الفرق » لعبد القاهر البغدادي كما لخصه شاهفور بن طاهر الاسفراييني (المتوفى سنة 471) حسب مخطوطة برلين (رقم 2801 في فهرست أ??رت).
ثم يعلق على هذه المصادر قائلاً إنها رغم وفرة أخبارها فإنها تتناقض فيما بينها بحيث لا يسهل التوفيق بينها. فيلاحظ أولاً أنه
ــــــــــــــ
(1) وهم:
a) D'Herbelot: Biblioteca Orientalis, s. v.
b) De Sacy: Exposé de la religion des druzes, 1838, I, XIV sqq.
c) Weil: Geschichte der Chalifen, I, 1846, h. 175 sqq. 209.
d) Kremer: Geschichte der herrschender Ideen des Islams, 1868, pp. 14, 339, 361, 377.
e) Dozy: Essai l'histoire de l'Islamisme, 1979, h. 221 sqq.
f) Muir: Annals of the early caliphate, 1883, h. 316 sqq.
g) August Muller: Der Islam in Morgen-und abendland, I, 1385, p. 300, 327
h) Van Vloten: Recherches sur la domination Arabe, le Chiisme et les croyances messianiques sous le Khalifat des Omayyades, p. 40 sqq.
i) Gratz: Geschichte der Juden, 3. éd., V (1895), p. 115
j) Wellhausen: Skizzen und Vorarbeiten, VI (1899), p. 124, 133 sq., Religiôs - politische Oppositionspartein in alten Islam, 9, sqq. Das arabische Reich, 1902, h. 43.
k) Hirschfeld: Jewish Encyclopedia, I (1906), p. 43 b.
l) Houtsma: Encyclopedie de l'Islam, I (1908), s. v.

765

بحسب الطبري يتعلق مذهب عبد الله بن سبأ بالنبي محمد أوّلاً، بينما بحسب الشهرستاني والبغدادي يتعلق بعليّ بن أبي طالب وحده. كذلك يتباين عرضه الآراء المنسوبة إلى ابن سبأ تبايناً شديداً. والدور السياسي الكبير الذي يعزوه إليه الطبري، قد أغفل ذكره تماماً المصدران الآخران. والشهرستاني لا يتحدث إلاّ عن « ابن سبأ »، والطبري يقول عن ابن سبأ هو ابن السوداء. أما البغدادي فيتحدث عن كليهما على أنهما شخصان مختلفان. وبحسب الطبري أصل ابن سبأ من صنعاء؛ بينما بحسب البغدادي أنه كان من الحيرة.
ولا يقتصر التعارض على هذه الجزيئات، بل يمتد خصوصاً إلى ذكر الآراء. ومن الواضح أنه حينما يتعلق الأمر بالمذهب الديني فإن الكتّاب تعوزهم الموضوعية، خصوصاً إذا رأوا في المذهب ضلالاً أو انحرافاً عن السنة أو زندقة، فهنا يفيدهم في اتجاههم أن يعزوه إلى شخص مجهول الأصل أو غامض النسب، وأن يكون يهودياً، حقاً أو عن غير حق. ولهذا لا يستغرب أن تنسب إليه آراء قال بها المتأخرون. فلا تعجبن إذن إن نُسِبَ إلى ابن سبأ آراء لم يقلْ بها، آراء ستكون من بين آراء الشيعة المتأخرين.
ورواية سيف بن عمر في الطبري تعزو إلى ابن سبأ دوراً حاسماً ومدمِّراً في الفتنة التي قامت ضد عثمان، وكذلك فيما بعد في معركة الجمل. وقد برهن ?لهوزن(1) على أن هذا الوصف لدوره هو عرضٌ مُغْرَض من جانب سيف بن عمر. ويرى فريدليندر(2) في إثره أن هذه الرواية هي من نسج سيف بن عمر لأغراض تتعلق بتبرئة
ــــــــــــــ
(1) Wellhausen: Skizzen und Vorarbeiten, VI, 124.
(2) والغريب أنه يضيف أيضاً أن الروايات التاريخية الأقدم من الطبري لا تتحدث عن ابن سبأ!

766

الصحابة وأتقياء أهل المدينة من هذه الفتنة الآثمة التي كانت أول حرب أهلية في الإسلام.
كذلك يرى فريدليندر أن ما أورده عبد القاهر البغدادي هو الآخر مُغْرِض وغير متفق مع التاريخ، وهو الذي أشار إليه كتاب آخرون مثل ابن قتيبة(1) وابن عبد ربه(2) وابن حزم(3) والدميري(4) وابن خلدون(5) والكشّي(6) ألا وهو أن عليا بن أبي طالب أحرق أتباع ابن سبأ الذين قالوا إن عليّاً إله.
وما يورده الشهرستاني هو الآخر ـ في نظر الكاتب ـ مُغْرِض، ويمكن أن نتبين فيه انعكاسات مسبَقة لما ستقول به بعض طوائف الغلاة من الشيعة.
وبعد أن رفض هذه الروايات راح يتعلق بخبر بسيط، ويقول عنه إنه رغم قِصَرَه فإنه ذو أهمية بالغة في حل مشكلة حقيقية ابن سبأ ومذهبه. وهذا الخبر أورده الجاحظ (المتوفى سنة 255 ?/ 869 م) في كتاب « البيان والتبيين » (? 2، ص 73، طبعة القاهرة سنة 1311 ـ 1313 ?)، وهذا نصه:
« حبيب بن موسى، عن مجالد، عن الشعبي، عن جرير بن قيس، قال: قَدِمْتُ المدائن بعدما ضُرِب عليّ بن أبي طالب ـ كرّم الله تعالى وجهه ـ فلقيني ابنُ السوداء، وهو ابن حرب،
ــــــــــــــ
(1) ابن قتيبة: « المعارف »، ص 300 (?ستنفلد) 90.
(2) « العقد الفريد »، ? 1، ص 269، س 17.
(3) ابن حزم: « الملل والنحل »، ? 1، ص 115.
(4) « حياة الحيوان »، ? 1، ص 71، س 11 (بولاق سنة 1284 ?).
(5) ابن خلدون: « المقدمة »، ? 1، ص 358، نشرة كاترمير.
(6) الكشي: « كتاب معرفة الرجال »، ص 198.

767

فقال لي: ما الخبر؟ فقلتُ: ضُرِب أمير المؤمنين ضربةً يموت الرجلُ مِنْ أيسر منها، ويعيش مِنْ أشدّ منها. قـال: لو جئتمونا بدمـاغه في مائة صُرّة لعَلِمْنا أنه لا يموت حتى يذودكم بعصاه ».
ويعلّق فريدليندر على هذا الخبر قائلاً إنه « يحمل كل علامات الصحّة. ولا يستهدف أي نزعة تاريخية أو دينية تريغ إلى افتراض أي اختراع أو تأييد. ولم يذكر إلاَّ بسبب عَرَضي تماماً وهو ذكر العصا. وما في الخبر من بعض التفاصيل يتأيد من نواحٍ أخرى. كذلك يتقوى ذكر المدائن بما يروى(1) من أن عليّاً قد نفى ابن السوداء إلى المدائن. والإشارة المميّزة إلى دماغ عليّ يتضح مدلولها إذا تذكرنا أن القاتل قد أصاب بالخنجر رأس(2) عليّ. أما أن ابن السوداء أنكر موت علي، فهذا ما أوردته أيضاً كثير من المصادر الأخرى. ونظراً لهذا كله، ينبغي أن ينظر إلى أهمية هذه الواقعة، وهي أن السند صحيح: فالشعبي هو المحدث المشهور عامر بن شراحيل الشعبي (المتوفى سنة 103 أو 104)، الذي يبدو أيضاً أنه اهتم بغلاة الشيعة. ومجاهد بن سعيد، وهو من همدان أيضاً (توفي سنة 134 أو 144) كثيراً ما يعتمد الشعبي على روايته. أما حبيب بن موسى وجرير بن قيس فلا نكاد نعرف عنهما شيئاً ولا يتصور أنهما مخترعان. وهكذا كان هذا الخبر يبدو من أية ناحية نظرنا إليه خبراً تاريخياً صحيحاً.
وهذا الخبر نفسه قد رواه آخرون لم يستمدوه من الجاحظ، في صيغة تكمله وتؤيده. فهو يرد عند ابن حزم (« الملل والنحل »، ? 4
ــــــــــــــ
(1) ذكر ذلك الشهرستاني وعبد القاهر البغدادي في الكلام عن ابن سبأ.
(2) الطبري، ص 3459، س 5؛ الـذهبي: « تاريخ دول الإسـلام » (مخطوط ليدن ورقة 38) حيث ورد: « وثب عليه الكلب عبد الرحمن بن ملجم المرادي الخارجي، فضربه بخنجر على دماغه فمات بعد يومين ».

768

ص 180) هكذا: « وقال عبد الله بن سبأ إذ بلغه قَتْلُ علي ـ رضي الله عنه: لو أتيتمونا بدماغه في سبعين صرة ما صدّقنـا موته؛ ولا يمـوت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ».
وبعد هذا يشير إلى ما ينسب إلى ابن سبأ من القول بالرجعة، وما يذكره البغدادي من أن ابن سبأ قال بأن موت عليّ لم يكن إلاّ وهماً، وأن الذي قُتِل هو الشيطان الذي تلبّس هيئة عليّ بن أبي طالب.
وإذا نظرنا إلى هذا الرأي المنسوب إلى ابن سبأ ـ هكذا يتابع فريدليندر بحثه ـ أمكننا أن نميّز فيه بسهولةٍ بين عنصرين: نظرية الدوكتيين Docetism ونظرية المهدي.
والدوكتية ليست عقيدة فرقة دينية معينة، بل نزعة تمدّ جذورها في الغنوصية. وكانت هذه العقيدة، شأنها شأن الغنوصية، منتشرة في الشرق الأدنى منذ وقت مبكر، ونجدها في صيغة واضحة في القرآن إذ يرد (3: 47 ـ 50؛ 155 ـ 156) أن المسيح لم يصلب ولم يقتل، بل « شُبّه لهم ».
أما عن العنصر الثاني، وهو نظرية المهدي، فقد اتجه الرأي إلى التصويرات اليهودية للمسيح المنتظر، خصوصاً والتصورات الخاصة بالمهدي عند أهل السنة يظهر فيها تأثير يهودي عميق. وفريدليندر يقول إنه كان سابقاً(1) من هذا الرأي، ولكنه الآن عدل عنه، لأنه رأى أن الحكم في هذه المسألة ينبغي ألاَّ يستند إلى الفكرة العامة الغامضة، بل إلى ملامح وثيقة. ونحن إذا نظرنا في تفاصيل فكرة المهدي عن
ــــــــــــــ
(1) في بحثه “Die Messiaidee in Islam”, in Festschrift zum siebzigsten Geburtstage A. Berliner's, Frankfurt, a. Main, 1903, p. 116-130.
769

ابن سبأ وجدناها تختلف اختلافاً بيّناً عن فكرة المسيح في اليهودية الرسمية. ذلك أن النظرة اليهودية إلى المسيح ـ على الرغم من بعض الاستثناءات المنفردة وبعض المبالغات المتأخرة ـ تتمسك بالطابع الإنساني والأرضي للمسيح. وتصوير المسيح بأنه « الذي يجيء في السحاب » لا يوجد إلاَّ نادراً في اليهودية بالرغم مما ورد في سفر دانيال (7: 13) مما هو الأساس في هذا القول.
وفي مقابل ذلك يذكر هذا التصوير والتعبير بما ورد في الأناجيل: « هنالك سيرى ابن الإنسان قادماً في السحاب بقوة ومجد » (متى 24: 30؛ 26: 64؛ مرقص: 13: 26؛ 14: 62؛ لوقا 21: 27. وقارن الرسالة الثانية على أهل تسالونيك 1: 7). ولكن ما هو أشد شبهاً هو ما ورد من تصورات للمسيح (المهدي) في الكتب المنحولة: ففيها يؤكّد الطابع السماوي للمخلّص؛ وفيها يؤكد ما ورد في سفر دانيال من أن « الذي سيجيء في السحاب » هو المسيح(1). كذلك يصور المسيح على أنه يحيا في السماء(2)، ويؤكد غيبته في السماء ورجعته بعد ذلك إلى الأرض. وحتى في التفاصيل نجد التشابه بين مذهب ابن سبأ في المهدي وبين ما يرد في هذه الكتب المنحولة: فالمسيح السماوي لا يتورع عن استعمال الأسلحة الأرضية(3). وسيجيء المسيح من قبة السماء رجلاً سعيداً يحمل في يده عصا(4). بل إنه لا حاجة به إلى أسلحة أرضية للانتقام من أعدائه، لأنه يملك وسائل خارقة للانتصار بها عليهم. « إنه يقضي
ــــــــــــــ
(1) IV Esra 14, 9.
(2) IV Esra 7, 27.
(3) Henoch 52, 8-9.
(4) Sibyllinen, V 414-415.

770

على مناقضيه بكلمة من فمه »(1). وهذا التصور يظهر بوضوح في السفر الرابع من عزرا. وصحيح أن هذا التصور لا ينطبق كل الانطباق على تصوير ابن سبأ للمهدي، ولكن ما هناك من تشابه بينهما يدل على أن ابن سبأ تأثر بالتصورات الخاصة بالمسيح الواردة في الأناجيل، والواردة خصوصاً في الكتب المنحولة Pseudep igraphische Literatur .
وبعد هذا يعود المؤلف إلى الخبر الذي أورده الطبري وفنده ?لهوزن على أساس أنه من اختراع سيف بن عمر، ويرى أن من الممكن التوفيق بينه وبين المصادر الأخرى على أساس أن نشاط ابن سبأ مرّ بطوريْن:
الطور الأول: وذلك حين جاء ابن سبأ من اليمن إلى الحجاز، وحاول أن يمزج العقيدة الإسلامية بالتصورات الخاصة بالمهدي، وقرر ـ ولم يكن في هذا وحده(2) ـ أن موت النبي محمد كان مجرد وهم من الناس، وأن غيبته مجرد غيبة موقتة « سيرجع » بعدها إلى الأرض ليملأها عدلاً بعد أن ملئت جوراً. لكن طالما كان النبي في الغيبة فإن المؤمنين لا يمكنهم أن يظلوا بدون إمام. ولهذا لا بد للنبي من وكيل عنه أو نائب له أو خليفة. وهذا النائب عنه ليس عثمان بن عفّان، بل علياً.
الطور الثاني: ولكن لما وقعت الحرب الأهلية بين المسلمين: أنصار علي من ناحية، والمطالبين بدم عثمان من ناحية أخرى، ولما سقط عليّ بن أبي طالب شهيداً، هنالك غير ابن سبأ مذهبه في الرجعة بأن تخلى عن القول برجعة محمد، وقرر أن المهدي المنتظر هو عليّ بن أبي طالب. ولم يرد في المصادر مَنْ ذا الذي تصور ابن سبأ أنه
ــــــــــــــ
(1) Psalterium Salomonis 17, 27. 39.
(2) راجع ?لهوزن: « الدولة العربية »، ص 22.

771

نائب عليّ في غيبته (بعد مقتله). « ولكن ربما لم يكن من المجازفة الشديدة ـ هكذا يقول المؤلف ـ أن نفترض أن ابن سبأ قد تصور نفسه هو ذلك النائب أو الخليفة. فمثل هذا تماماً تصور المختار (الثقفي) نفسه كخليفة لابن الحنفية، وكان يقول بعودته؛ كذلك نجد فيما بعد أن الشيعي المشهور أبا الخطاب (المتوفي سنة 167 ?) تصور أنه خليفة جعفر الصادق (المتوفي سنة 148 ?) واعتقد أن جعفراً تغيب فقط وأنه سيرجع قطعاً » (ZA، ? 24، ص 15 اشتراسبورج، سنة 1910).
* * *
أما عن يهودية ابن سبأ فيرى فريدليندر أن هذا أمرٌ محتمل ـ وفي هذا المجال، هكذا يقول، لا مكان لأكثر من الاحتمال ـ؛ وأما أنه من صنعاء فكونه يهودياً يؤيد هذا، لأن صنعاء كان بها جالية يهودية قديمة جداً، ترجع، فيما يرى جلازر(1)، إلى حوالي سنة 300 بعد الميلاد.
وإذا اعترض على يهوديته بالقول، كما رأينا، بأنه في تصوراته للمهدي إنما تأثر الأناجيل، لا التصورات اليهودية للمسيح، فيمكن أن يرد على هذا ـ في نظر المؤلف ـ بأن يقال إن يهودية اليهود المقيمين في اليمن امتزجت فيها المسيحية بالموسوية، وكانت يهوديةً سطحية(2)، لا تلتزم بأوامر التوراة. كذلك يرى أن يهوديته ربما كانت أقرب إلى يهودية الفلاشا، وهم يهود الحبشة. ويهودية الفلاشا شديدة التأثر بالمسيحية الحبشية: فهم يستعملون مثلهم نفس الكتاب المقدس؛ ولغة
ــــــــــــــ
(1) Glaser: Skizze der Geschichte Arabiens, Erstes Heft, 1889, p. 81 sqq.
(2) راجع Grâtz: Geschichte der Juden, V3 p. 77.

772

الكتاب المقدس سواء عند اليهود والنصارى في الحبشة، هي لغة الجعز القديمة. والكتب الموجودة عند الفلاشا، عدا الكتاب المقدس، حافلة بالأخبار المنتزعة من العهد الجديد ومستمدة مراراً من النصارى مباشرة(1).
ويختم المؤلف بحثه بأن يقرر أن في هذا إسهاماً في حل مشكلة أصول الشيعة وما تأثرت به من مذاهب أجنبية: أهي فارسية أو هندية، أو يهودية. ويشير إلى أن ?لهوزن هو أول من تبين أن عقائد الشيعة مأخوذة عن اليهود أحرى من أن تكون مأخوذة عن الإيرانيين. وفريدليندر قد انتهى إلى نفس النتيجة.
2 ـ وهنـا نشير إلى تعليقة عابرة كتبهـا ???? دلاّ ?يدا وهو يورد نصّاً من كتـاب « أنساب الأشراف » للبلاذري، وهذا النص هو: « وأتَى حُجْرٌ بن عديّ الكندي، وعمرو بن الحيق الخزاعي، وَحبّةُ بن جُوَيْن البَجَلي ثم العَدَني، وعبد الله بن وهب الهمداني وهو ابن سبأ ـ عليّاً فسألوه عن أبي بكر وعمر، فقال: أَوَقد تفرّغتم لهذا، وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي بها قد قُتِلت. وكتب كتاباً يُقرأ على شيعته في كل أيام ننتفع بذلك الكتاب. وكان عند ابن سبأ منه نسخة حَرَّفها ».
يقول ???? دلاّ ?يدا معلقاً على ابن سبأ: « هذا هو الموضع الوحيد فيما أعرف الذي فيه يُذْكر أن عبد الله بن سبأ ينتسب إلى قبيلة عربية. ومن المحتمل أن يكون هذا الخبر صحيحاً، وأن صفة « يهودي » التي يوصف بها في النقول Tradizione ليست إلاّ استنتاجاً ممن
ــــــــــــــ
(1) Halévy: Te’ezâza XIV, n. 2, XV, XIX n. 2 et 4, XXIII n. 2; XXXIII sqq.
(2) G. Levi della vida: “Il califfato di ’ali secondo kitâb ’ansab al-Ashraf di Al-Balâduri”, in RSO, anno. VI, volume VI, p. 495, Roma, 1913.

773

لم يستطع الإقرار بأن مؤسس البدعة الشيعية (الذي نسب إليه بعد ذلك كل ما حل بعليّ من مصائب في خلافته) كان من أصل عربي. ونفس الإيمـان نجده في خبر (راجع « كنز العمال »، ص 6، ص 412 تحت رقم 3217) يقول إن قاتل عليّ، وهو عبد الرحمن بن ملجم، كان يهودياً ».
ونلاحظ على هذا التعليق أنه استنتاج بدون مبرر، ذلك لأن ما ورد في البلاذري لا يمنع من أن يكون « عبد الله بن وهب الهمداني وهو ابن سبأ » يهودياً في الأصل، إذ كونه همدانياً ـ سواء بالنسب أو بالولاء، ولا نستطيع أن نحدد أيهما ـ لا يمنع من كونه يهودياً، ويهود اليمن منهم من كان من حمير، ومنهم من كان من هَمْدَان، وغير ذلك. قال ابن قتيبة(1): « كانت اليهودية في حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة ». فمن العجب إذن أن يتصور ???? دلاّ ?يدا أن ثم تناقضاً بين أن يكون المرء يهودياً وأن يكون من قبيلة عربية!
3 ـ وممن تناولـوا مشكلة عبد الله بن سبأ بعد ذلك ليوني كايتـاني في كتابه العظيم « حوليات الإسلام(2) » (الجزء الثامن: من سنة 33 إلى سنة 35 ?، ص 42، وما يتلوها، ميلانو سنة 1918): هاجم أولاً رواية سيف بن عمر الواردة في الطبري قائلاً إن زيفها يتبين من أدلة عديدة. أولها أن المصادر الأقدم والموثوق بها عن خلافة عثمان تجهل عبد الله بن سبأ كما تجهل هذا الاضطراب القائم على أساس ديني: ومدرسة المدينة والروايات ذات الأصل الشامي والمصري
ــــــــــــــ
(1) ابن قتيبة: كتاب « المعارف »، ص 299، نشرة ?ستنفلد، جنيف، سنة 1850 م.
(2) Leon Caetani: Annali deli Islam, vol. VIII, p. 42 sqq. Milano, Hoepli, 1918.

774

تعطي للحركة التي حدثت في أيام عثمان طابعاً سياسياً وإدارياً واقتصادياً فقط، ولا تتحدث عن أي أساس ديني. ثم إن مثل هذا الاضطراب الديني من ذلك النوع المنسوب إلى ابن سبأ كان من المستحيل حدوثه في تلك اللحظة التاريخية بين العرب الفاتحين. ومثل هذه الآراء التي يظهر فيها آثار نزعات هجينة مسيحية، وإشارات إلى النزعة المهدية اليهودية وبداية تسلل للأفكار الإيرانية المتعلقة بالتناسخ ما كان يمكن أن تحدث أي تأثير في عهد خلافة عثمان، ولن تكون مفهومة عند العرب، وهم من الساميين الخُلّص، وميولهم مادية وثنية ولم يُسلموا إلاّ بالاسم.
كذلك لا يعقل ظهور مثل هذه الآراء في ذلك العصر من نوع ما ينسب إلى ابن سبأ من القول بالجزء الإلهي في عليّ، وأن علياً هو الوريث الذي قدره الله للنبي محمد.
وكل ما هنالك أنه وجدت جماعة مشايعة لعليّ، من بين العرب، وقد أرادوا الخلافة لعليّ. ولكنها كانت جماعة سياسية خالصة، كتلك التي أيدت عثمان.
والحركة الدينية التي تركزت حول شخص عليّ ثم أبنائه من بعده، لم تكن قد ولدت بعدُ في أيام عثمان: ذلك لأنه لكي تنمو بذرتها كان لا بدَّ أن يموت عليّ شهيداً لقضية سيئة الحظ محاطاُ بهالة من المأساة، مثيراً الجزع في النفوس، ومُلْهِباً خيال شعوب ليست بالعربية الخالصة ولا بالصادقة الإيمان الإسلامي.
وإلى جانب هذه الصعوبات من ناحية العقائد، توجد عقبات ذات طابع سياسيّ. ذلك أن العرب الذين ألّفوا المعسكرات الحربية في الولايات كانوا لا يزالون يخضعون فقط لنظام القبيلة ورابطة الدم. وكان النظام الاجتماعي لا يزال ديمقراطياً في جوهره، وكان كل

775

شيء يناقش في وضح النهار، وفي اجتماعات عَلنية، لم يكن يسمح بحضورها لمن ليسوا من أصل القبيلة. واطار المؤامرة السرّية، المنسوبة إلى ابن سبأ، يعكس ظروفاً اجتماعية وسياسية مختلفة عن هذا تماماً، أعني أحوال مجتمع متقدم، حوّلته أجيال من الحياة في المدينة وزال منه نهائياً الطابع الأبوي لنظام القبيلة.
ولما وضع زعماء حركة المطالبة بالخلافة ضد الأمويين أساس اضطرابهم السياسي والديني الكبير في نهاية القرن الأول للهجرة، وبدأوا دعوتهم السرية للانقضاض على الخلافة الأموية، كان عليهم أن يقصروا حركاتهم التخريبية هذه على المناطق الشرقية القصوى من إيران. وكان زعماء الحركة عربا وفرساً، ضعيفي الإسلام؛ لكن لم يكن القيام بالحركة إلاّ في خراسان، أعني في أبعد مناطق عن بلاد العرب وأقلّهما تأثراً بالتعريب. ونموذج المؤامرة المنسوبة إلى ابن سبأ هو ذلك الذي سيصير شائعاً ابتداءً من القرن الثاني للهجرة فصاعداً. أما في السنوات الخمسين الأولى لظهور الإسلام فإنها سَبْق للتاريخ anacronismo لا أساس له. والاضطراب السياسي على أساس المؤامرات التي تدبر في الخفاء، واستناداً إلى اعتبارات دينية، ودون اعتبار العلاقات بين القبائل ـ قد فرض نفسه على الساخطين حينما لم يعد للحكومة ـ كما حدث في أواخر الدولة الأموية ـ أساس شعبي تعتمد عليه، وحينما صارت تحكم بمحض القوة المطلقة وبقسوة هائلة ضد كل من تسوّل له نفسه أن يهدد النظام السياسيّ القائم.
وفي عهد عثمان لم يكن أحد يخشى الحكومة، ولم يتعرض أحد لمخاطر الاضطهادات العنيفة. وكانت حرية الفكر والعمل كبيرة إلى درجة أن القوات المحاربة كانت تفعل ما يحلو لها بقوّادها. وكان في وسع مئة أو بضع مئات أن يذهبوا إلى المدينة لاغتيال الخليفة دون أن

776

يكون في مقدوره أن يدافع عن نفسه.
ثم يشير كايتاني بعد هذا إلى ما تورده كتب الفِرَق: عبد القاهر البغدادي، والشهرستاني ويقول إن كلا المصدرين يجهل كل علاقة بين ابن سبأ وآرائه وبين مأساة المدينة، أعني مقتل عثمان، ولو كان لأسباب دينية لكان لهذيْن المصدريْن أن يذكر ذلك.
وكايتاني في خلال هذا البحث كله إنما يحرص على إثبات أن عبد الله بن سبأ لم يكن من الممكن أن يكون قد بث الآراء المنسوبة إليه في عهد عثمان، أو أن يكون قد اشترك في مؤامرة سرية ذات أساس ديني في عهد عثمان من أجل قتله وتنصيب عليّ بن أبي طالب خليفةً مكانه. كذلك يحرص على بيان أن الحركات التي حدثت في عهد عثمان، بل وفي أوائل عهد عليّ كانت ذات نزعة سياسية خالصة، ولم يكن فيها أي عنصر ديني. وإنما دخل العنصر الديني بعد وفاة عليّ حينما خابت آمال أنصاره وأنصار أبنائه في الاستيلاء على الخلافة، وحينما فرض البطش الأموي على هؤلاء الأنصار، أو « الشيعة »، أن يعدّلوا الطابع السياسي الخالص لحركتهم ويبثوا فيها عناصر دينية. وتطور هذا التحول حتى صار الطابع الديني هو الغالب، بعد أن كان ثانوياً.
ويفسّر كايتاني رواية سيف بن عمر الخاصّة بعبد الله بن سبأ بأن يقول إنه حين أخذت الروايات المحلية تتخذ شكلاً عينياً ـ وقد عاش سيف بن عمر بين سنة 150 و180 تقريباً، كان الحادث التاريخي الذي سيطر على كل المسرح السياسي هو تولي العباسيين للخلافة، وكان في هذا انتصار لأسرة بني هاشم، أسرة النبي، لكن لا لذرية عليّ بالذات. وكان من شأن هذا أن يثير ثائرة أنصار عليّ وذريته، ومن هنا استمرت المؤامرات والفتن في الفترة الأولى من الخلافة العباسية.

777

واستولت على الشعور الشعبي هذه المشاعر في نهاية القرن الثاني للهجرة، فجعل الناس يرجعون إلى خلافة عثمـان الأحوال والمشاعر التي سـادت بعد ذلك بقرن ونصف في العراق ». ومن المحتمل أن مُهيّجاً سياسياً من أنصار علي في الفترة من سنة 36 إلى سنة 40، ربما كان اسمه عبد الله بن سبأ، أو ابن السوداء، قد تحول تلقائياً، في الخيال الشعبي، إلى مهيّج ديني، وآراء السبئية، كما تكونت طوال قرن من التطور، قد أرجعت إلى السنوات 35، 40 بنوع من السبق التاريخي الصارخ ».(1)
وهكذا ينصبُّ رأي كايتاني في هذه المسألة على نص الرواية التي رواها سيف بن عمر وأوردها الطبري والتي تقول باشتراك عبد الله بن سبأ في المؤامرة التي دبّرت لقتل عثمان بن عفان، على أساس أن هذه المؤامرة لم تقم لأسباب دينية، بل لأسباب سياسية وإدارية، واقتصادية بحتة. وخلاصة رأيه أن رواية سيف بن عمر هذه هي وليدة تصورات الشيعة في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة، وأن ما ينسب إلى ابن سبأ من آراء فيها تأليه لعلي لا بد أنها حدثت بعد مقتل عليّ، لا في أيامه ولا ـ بالأحرى ـ قبل خلافته.
وهنا يحق لنا أن نسأل كايتاني: ماذا كان يفعل ابن سبأ إذن في عهد خلافة عثمان؟ وإذا كان قد أخذ دوراً بارزاً في عهد خلافة علي القصيرة (36 ـ 40 ?)، أفلا يدل هذا على أنه كان له قبل ذلك شأن بين شيعة عليّ وأنصاره؟ وهل ظهر بأفكاره الدينية المهدوية والتأليهية فجأة بعد وفاة عليّ؟ أم أن الأقرب إلى الواقع والمعقول أن يقال إنه لا بد قد كان ذا دور ـ ولو خفي مستور ـ أثناء الفتنة التي انتهت بمقتل عثمان؟
ــــــــــــــ
(1) Leone Caetani: Annali dell, Islam, vol. V, p. 49.

778

نرى نحن أن هذا هو الأقرب إلى المعقول، وأن عبد الله بن سبأ شارك ـ سرّاً وعلى استحياء ـ في هذه الفتنة، ثم لما تولى عليّ الخلافة كان من أشد أنصاره تحمساً، ولا بد أنه بدأ ببث أفكاره الخاصة بأحقية عليّ في الخلافة، ليس فقط من عثمان، بل ومن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، على أساس أنه « وصيُّ » النبي كما كان يوشع بن نون وصيّ موسى. ومن الواضح أن ابن سبأ قد أتى بكل الجهاز العقلي الذي كونته لديه اليهودية، خصوصاً في صورها الممزوجة بالمسيحية المنحولة عند الفلاشا، يهود الحبشة، وراح يطبقه على الإسلام.
على أن تشكيك كايتاني إنما ينصبُّ على كون ابن سبأ قد دبّر مؤامرة بهذا الإحكام والتنظيم: من بث الدعاة، وإثارة الشكوك، وإذاعة الأراجيف، ورأى أن مؤامرة بهذا الإحكام لا يمكن تصور حدوثها في العالم الإسلامي عام 35 ? بنظامه القبلي، وأنها تعكس بالأحرى أحوال العصر العباسي. ولكن هذا الافتراض من جانب كايتاني لا مبرر له من الوقائع التاريخية: إذ من الثابت أن مؤامرة دبرت ضد عثمان، وأنها بدأت في مصر، واشترك فيها بعض أهل المدينة، وكان من هؤلاء عبد الله بن السوداء (أو ابن سبأ) ـ فماذا يريد كايتاني إذن أن ينكر؟ وما معنى التحدث عن النظام القبلي في ذلك العصر، وكانت الخلافة الإسلامية قد استقر وضعها كسلطة سياسية فوق النزاعات القبلية؟ وهل كان مقتل عثمان لأسباب قبلية؟ إن تدبير المؤامرة ضد عثمان كان تدبيراً سياسياً فوق مستوى الخلافات القبلية، ولم يكن من السعة والبراعة والإحكام بحيث يحتاج إلى تصور أن ذلك غير ممكن الوقوع قبل العصر العباسي.
أما تشكيك فريدليندر و?لهوزن في رواية سيف بن عمر استناداً إلى

779

ما يورده الذهبي فهو أيضاً لا محل له، لان كلام الذهبي أولاً يتعلق بسيف بن عمر بوصفه محدّثاً، لا بوصفه مؤرخاً أو إخبارياً. وهاك ما يقوله الذهبي: « سيف بن عمر الضبي الأُسَيْدي، ويقال: التميمي البُرْجُمي، ويقال: السعدي الكوفي. مصنّف الفتوح والردة وغير ذلك. هو كالواقدي. يروي عن هشام بن عروة، وعبيد الله بن عُمر، وجابر الجعفي، وخلق كثير من المجهولين. كان إخبارياً عارفاً. روى عنه جبارة بن المغلّس، وأبو معمر القطيعي، والنضر بن حماد العتكي، وجماعة. قال عباس، عن يحيى: ضعيف روى مطينّ، عن يحيى: فَلْسٌ خيرٌ منه. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: متروك. وقال ابن حِبّان: أُتهم بالزندقة. وقال ابن عديّ: عامة حديثه منكر »(1).
والطعن فيه ـ إنْ صحّ ـ فيما يتعلق بالحديث لا ينسحب بالضرورة على الأخبار التي يرويها. وفضلاً عن ذلك: فهل هناك مصدر آخر معاصر له أو أسبق منه ينكر شيئاً مما قاله عن عبد الله بن سبأ؟ لم نعثر على مصدر آخر ينكر روايته هذه. فلا مناص من اتخاذها، إلى أن يظهر مصدر أوثق منه ينفيه أو يعدّل من روايته(2).

ما هي مبادئ السبأية؟

كان لعبد الله بن سبأ إذن دور قويّ في الأحداث السياسية التي بدأت
ــــــــــــــ
(1) الذهبي: « ميزان الاعتدال »، ? 2، ص 255. القاهرة سنة 1963.
(2) نقل برنارد لويس ـ في كتابه « أصول الإسماعيليّة » ـ آراء فريدليندر نقلاً خاطئاً، وكذلك فعل في نقله وتلخيصه لرأي ?لهوزن. كذلك أورد رأي كايتاني دون تمحيص.
Bernard Lewis: The Origin of Isma'alism, p. 25, Cambridge, 1940.

780

بالتآمر على عثمان بن عفان فقتله وانتهت بصراع عليّ بن أبي طالب لتثبيت خلافته. فما هي حقيقة مذهبه؟
أشرنا إلى ما أورده الطبري من أن عبد الله بن سبأ (ابن السوداء) قال إن عليّاً وصيّ النبي محمد، وأنه خاتم الأوصياء، وأنه سيرجع إلى هذه الدنيا.
فلنترك الطبري وأصحاب التاريخ، ولننظر في كتب أصحاب المقالات لنعرف منها ما ينسب إلى عبد الله بن سبأ من آراء ومبادئ دينية.
1 ـ ونبدأ بما قاله سعد بن عبد الله أبي خلف الأشعري القُمّي (المتوفى سنة 301 ?) في كتابه: « المقالات والفِرق »، قال:
« السبأية: أصحاب عبد الله بن سبأ، وهو عبد الله بن وهب الراسبي الهَمْداني. وساعده على ذلك (أي على مذهبه) عبد الله بن حرس وابن أسود، وهما من أجلّة أصحابه. وكان أول من أظهر الطعن على أبي بكر، وعمر، وعثمان والصحابة وتبرّأ منهم. وادّعى أن عليّاً ـ عليه السلام ـ أمره بذلك، وأن التقيّة لا تجوز ولا تحل. فأخذه عليّ فسأله عن ذلك، فأقرّ؛ وأمر بقتله. فصاح الناس إليه من كل ناحية: يا أمير المؤمنين! أتقتل رجلاً يدعو إلى حبّكم أهل البيت، وإلى ولايتك، والبراءة من أعدائك؟ ـ فسيّره عليٌّ إلى المدائن.
وحكى جماعة من أهل العلم: بأن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى عليّاً. وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون ـ وصيّ موسى ـ بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله (ص) في عليّ بمثل ذلك. وهو أول من شهد(1) بالقول بفرض
ــــــــــــــ
(1) في النوبختي: من شهر القول.

781

إمامة علي بن أبي طالب، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه، وأكفرهم. فمن ها هنا قال مَنْ خالف الشيعة إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية.
ولما بلغ ابن سبأ وأصحابه نعيُّ عليٍّ وهو بالمدائن، وقدم عليهم راكب فسأله الناس فقال: ما خبر أمير المؤمنين؟ قال: ضربه أشقاها ضربةً قد يعيش الرجل من أعظم منها، ويموت من وقتها. ثم اتصل خير موته، فقالوا للذي نعاه: كذبت يا عدوّ الله! لو جئتنا والله بدماغه ضربة(1) فأقمت على قتله سبعين عَدْلاً ما صدّقناك، ولعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل. وإنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الأرض.
ثم مضوا من يومهم حتى أناخوا بباب عليّ. فاستأذنوا عليه استئذان الواثق بحياته الطامع في الوصول إليه. فقال لهم مَنْ حَضَره من أهله وأصحابه وولده: سبحان الله! ما علمتم أن أمير المؤمنين قد استشهد؟ قالوا: إنا لنعلم أنه لم يُقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بسيفه وسوطه كما قادهم بحجته وبرهانه، وإنه ليسمع النجوى ويعرف تحت الديار العتل (!) ويلمع في الظلام كما يلمع السيف الصقيل الحسام. فهذا مذهب السبأية ومذهب الحربية، وهم أصحاب عبد الله بن عمر بن الحرب الكندي في عليّ عليه السلام. وقالوا بعد ذلك في عليّ إنه إله العالمين، وإنه توارى عن خلقه سخطاً منه عليهم، وسيظهر »(2).
ــــــــــــــ
(1) كذا، وصوابه كما في الفرق للبغدادي: في صرة. وهذا الخبر أورده الجاحظ في « البيان والتبيين »، ? 3، ص 81، ط 3، القاهرة سنة 1968.
(2) « كتاب المقالات والفرق » لسعد بن عبد الله أبي خلف الأشعري القمي، نشرة د. محمد جواد مشكور، طهران سنة 1963 من 20 ـ ص 21 والمؤلف توفي سنة 301 وقبل سنة 299 (رجال العلامة الحلي، ص 39، طبع طهران).

782

وهذا أقدم خبر عن السبأية، وقد كرر معظمه أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي (المتوفى بين عامي 300 و310 ?) في كتابه « فِرَق الشيعة »(1)، وكانا متعاصرين.
وكما هو واضح، فإن سعد بن عبد الله بن أبي خلف ذكر أنه « حكى جماعة من أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم » (ص 20، س 9). ولم يذكر أنه نقل هذا عن سيف بن عمر، مما يدل على أن هذا الخبر لم ينفرد به سيف بن عمر، بل رواه « جماعة من أهل العلم ». وإذن فتجريح الخبر على أساس تجريح شهادة سيف بن عمر لا محل له. وبهذا يسقط ما يحتج به بعض الباحثين المحدثين ( ???? دلاّ ?يدا، وفريدليندر و?لهوزن) من تجريح الرواية بتجريح صاحبها، إذ وردت عن غيره.
وإذن فقد كان من المعروف والمسلّم به عند المؤرخين (الطبري) ومؤرخي الفِرَق (سعد بن عبد الله بن أبي خلف، النوبختي) أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً وأسلم وشايع علياً، وأنه كان يقول بالآراء التالية:
1 ـ أن عليّاً بن أبي طالب وصيّ النبي محمد كان يوشع بن نون وصيّ موسى؛
2 ـ وأن عليّاً لم يمت ولم يُقْتَل، بل توارى عن الناس؛ وأنه سيرجع إلى الدنيا.
وهذا الرأي الثاني هو الذي ذكره الأشعري للسبئية، فقال: « السبئية: أصحاب عبد الله بن سبأ. يزعمون أن علياً لم يمت، وأنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.
ــــــــــــــ
(1) نشرة هلموت رتر في اسطنبول، سنة 1931.

783

وذكروا عنه أنه قال لعليّ ـ عليه السلام ـ: أنت أنت. والسبيئة يقولون بالرجعة، وإن الأموات يرجعون إلى الدنيا »(1).
* * *
ويزيد عليه قائلاً عبد القاهر البغدادي في « الفرق بين الفرق » فيقول عن السبئية:
« السبئية: أتباع عبد الله بن سبأ، الذي غلا في علي ـ رضي الله عنه ـ وزعم أنه كان نبيّاً، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله. ودعا إلى ذلك قوماً من غواة الكوفة. ورُفع خبرهم إلى علي رضي الله عنه فأمر بإحراق قوم منهم في حفرتيْن، حتى قال بعض الشعراء في ذلك:

لِتَرْمِ بي الحوادثُ حيث شاءت إذا لم تَرْمِ بي في الحفرتيْن

ثم إن علياً ـ رضي الله عنه ـ خاف، مِنْ إحراق الباقين منهم، شماتة أهل الشام، وخاف اختلاف أصحابه عليه. فنفى ابن سبأ إلى ساباط المدائن.
فلما قُتِل عليّ ـ رضي الله عنه ـ زعم ابن سبأ أن المقتول لم يكن علياً، وإنما كان شيطاناً تصوّر للناس في صورة علي؛ وأن عليّاً صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى بنُ مريم عليه السلام. وقال: كما كذبت اليهود والنصارى في دعواها قَتْلَ عيسى، كذلك كذبت النواصب والخوارج في دعواها قتل عليّ. وإنما رأت اليهود والنصارى شخصاً مصلوباً شبهوه، بعيسى، كذلك القائلون بقتل عليّ رأوا قتيلاً يشبه عليّاً فظنوا أنه عليّ، وعليٌّ قد صعد إلى السماء وإنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه.
ــــــــــــــ
(1) أبو الحسن الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 85، القاهرة سنة 1950.

784

وزعم بعض السبئية أن عليّاً في السحاب وأن الرعد صوته، والبرق سوطه؛ ومَنْ سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين!
وقد روي عن عامر بن شراحيل الشعبي(1) أن ابن سبأ قيل له: إن علياً قد قتل، فقال: إن جئتمونا بدماغه في صرة لم نصدق بموته؛ لا يموت حتى ينزل من السماء ويملك الأرض بحذافيرها.
وهذه الطائفة تزعم أن المهديّ المنتظر إنما هو عليٌّ دون غيره »(2).
ثم يورد بعد هذا كلاماً يفهم منه ـ لو صحّ النص ـ أن عبد الله بن السوداء شخص آخر غير عبد الله بن سبأ وأن ابن السوداء كان « في الأصل يهودياً من أهل الحيرة، فأظهر الإسلام، وأراد أن يكون له عند أهل الكوفة سُوق ورياسة، فذكر لهم أنه وجد في التوراة أنه كان لكل نبي وصيٌّ، وكان عليّاً ـ رضي الله عنه ـ وصيُّ محمد (ص)، وأنه خير الأوصياء، كما أن محمداً خير الأنبياء. فلما سمع ذلك منه شيعةُ عليّ، قالوا لعلي: إنه من مُحبّيك. فرفع عليٌّ قدره، وأجلسه تحت درجة منبره. ثم بلغه غلوّه فيه، فهمّ بقتله. فنهاه ابنُ عباس عن ذلك وقال له: إن قتلته اختلف عليك أصحابك، وأنت عازم على العَوْد إلى قتالِ أهل الشام، وتحتاج إلى مدارة أصحابك. فلما خشي من قتله ومِنْ قتل ابن سبأ: الفتنة التي خافها ابن عباس نفاهما إلى المدائن، فافتتن بهما الرعاع بعد قتل عليّ رضي الله عنه. وقام لهم ابن السوداء: الله لينبعنّ لعليّ في
ــــــــــــــ
(1) المتوفى في سنة 104 وقيل في سنة 13 عن بضع وثمانية سنة (العبر 1/ 127؛ تذكرة الحفاظ برقم 76؛ تهذيب التهذيب 5/ 65).
(2) عبد القاهر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 233 ـ 234، طبعة محيي الدين عبد الحميد، القاهرة بدون تاريخ.

785

مسجد الكوفة عينان تفيض إحداهما عَسَلاً والأخرى سَمْناً، ويغترف منهما شيعته » (الكتاب نفسه، ص 235).
ونحن هنا بإزاء شخصيْن مختلفيْن وإنْ اتفقا في المذهب والسيرة، أحدهما: عبد الله بن سبأ، وبحسب هذه الروايات التي أسلفناها: كان في الأصل يهودياً من اليمن؛ والثاني: عبد الله بن السوداء، وبحسب هذه الرواية الأخيرة كان في الأصل يهودياً من أهل الحيرة.
فهل صحيح أنه وجد شخصان قاما بنفس العمل وكلاهما أصله يهودي، وكلاهما اسمه عبد الله؟ أم اختلط الأمر على الرواة، خصوصاً وأن الروايات الخاصة بعبد الله بن سبأ تذكر أن أمه سوداء، وهذه الرواية الأخيرة تسمي الشخص الآخر عبد الله بن السوداء؟ لكن الشعبي المنقول عنه هذه الرواية الأخيرة يتحدث عنهما معاً في نفس الموضع على أنهما شخصان مختلفان اتفقا على شيء واحد هو التشيع لعلي والغلو فيه؛ لهذا ليس من السهل القطع برأي في هذه المسألة، بحسب مصادرنا الموجودة حتى الآن. وإن كنا نميل إلى أنهما شخص واحد، لأن عبد الله بن سبأ يقال إن أمه سوداء، فمن اليسير أن ينعت بأنه عبد الله بن السوداء.
وأقدم مصدر يتحدث عن شخصيْن متميزين هو سعد بن عبد الله الأشعري القُمّي (المتوفى سنة 301 ?) فهو يقول بنفس رواية الشعبي هذه، هكذا: « عبد الله بن سبأ، وهو عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني. وساعده على ذلك عبد الله بن حرس وابن أسود، وهما من أجلّة أصحابه »(1). فربما كان ابن أسود هذا هو ابن السوداء الذي
ــــــــــــــ
(1) سعد بن عبد الله الأشعري القمي: « المقالات والفرق »، ص 20، س 2 ـ س 4. طهران سنة 1963.

786

ذكره عبد القاهر البغدادي. غير أنه لم يذكر أن اسمه عبد الله.
وإذا استقرينا هذه الروايات عن عبد الله بن سبأ نجد أن غلُوّة في عليّ مرّ بدوريْن: دور أثناء حياة عليّ، ودور آخر بعد وفاته. فأثناء حياته زعم أن عليّاً وصيّ محمد (ص). وبعد مقتل عليّ زعم أن عليّاً صعد إلى السماء، وأنه لم يقتل، وأنه في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق سوطه. ولكن لم يرد أنه قال بألوهية عليّ إلاّ في كلام عبد القاهر البغدادي، أما عند الطبري والأشعري القمي وأبي الحسن الأشعري فلم يرد شيء من ذلك. والأرجح أن هذا تزيُّدٌ من عند عبد القاهر البغدادي(1)، لأن يهودية ابن سبأ لم تكن لتوحي إليه بفكرة ألوهية عليّ، ولا بدّ للقول بها من تلمّس تأثير غير يهودي.
ولا بدَّ أن يكون الشهرستاني قد أخذ عن عبد القاهر البغدادي ما نسبه إلى ابن سبأ أو السبئية من أنهم « زعموا أن علياً حيٌّ لم يُقتل، وفيه الجزء الإلهي »(2).
ويتأيد هذا من ناحية أخرى إذا لاحظنا أن الناشئ الأكبر في كتـابه في « أصول النحل » لا يورد هذا الخبر عن السبئية، وهو أيضاً معاصر لسعد بن عبد الله القمي، فقد توفي سنة 293 ?، إذ قال عن السبئية: « وفرقة زعموا أن عليّاً ـ عليه السلام ـ حيٌّ لم يمت، وأنه لا يموت حتى يسوق العربَ بعصاه ـ وهؤلاء هم السبئية، أصحاب عبد الله بن سبأ. وكان عبد الله بن سبأ رجلاً من أهل صنعاء، يهودياً، أسلم على يد عليّ، وسكن المدائن.
ــــــــــــــ
(1) إلاَّ إذا أوّلنـا ما أورده من قول عبد الله بن سبأ لعلي: أنت أنت ـ بمعنى أنت الإله (راجع « الملل والنحل » للشهرستاني، ? 2، ص 11، طبع الأدبية بالقاهرة).
(2) الشهرستاني: « الملل والنحل »، ? 2، ص 11 (بهامش الفصل، الطبعة المذكورة).

787

ورُوي عن عبد الله بن سبأ أنه قال للذي أتى بنَعْي عليّ إلى المدائن: والله لو أتيتنا بدماغه في سبعين صُرّة ما صدّقناك، ولعلمنا أنه لم يمت وأنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه! فبلغ قولُه عبد الله بن عباس فقال: لو علمنا هذا لم نقسّم أمواله ولم ننكح نساءه!
ورُوي عن رُشَيْد الهَجَري ـ وكان ممن يذهب مذهب السبئية ـ أنه دخل على عليّ بعد موته وهو مُسَجّى، فسلّم وقال لأصحابه: إنه ليفهم الآن الكلام، ويرد السلام، ويتنفس نَفَس الحيّ، ويعرق تحت الدثار الوثير؛ وإنه الإمام الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت جواراً وظلماً.
وزعموا أن الله عزَّ وجل! ـ رفعه إليه كما رفع المسيح. قالوا: وإنما رفعه لغضبه على أهل الأرض إذ خالفوه ولم يطيعوا أمره »(1).

ــــــــــــــ
(1) الناشئ الأكبر: « مسائل الإمامة ومقتطفات من الكتاب الأوسط في المقالات »، حققهما وقدم لها يوسف فان إس، ص 22 ـ ص 23. بيروت سنة 1971.
كذلك ممن نسب إلى عبد الله بن سبأ القول بتأليه علي، ابن قتيبة في كتاب المعارف، قال: « وكان أول من كفر من الرافضة وقال علي رب العالمين، فأحرقه علي وأصحابه بالنار » (ص 622، القاهرة سنة 1960).

788


القائلون بألوهية علي وذريته

يغلب على الظن إذن أن السبيئة لم يقولوا بألوهية عليّ بن أبي طالب وإنما قالت بهذا أصناف عديدة من غلاة الشيعة:
1 ـ أولها ـ فيما نعرف من مصادرنا ـ الجناحية أو الحربية وسميت بالاسم الأول لأن أصحابها نقلوا الإمامة من ذرية عليّ إلى ذرية جعفر ذي الجناحيْن، عم الرسول. وسميت بالحربية نسبة إلى عبد الله بن حرب أحد رؤوسائهم، وهو الذي تَزَعَّم أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بعد مقتله.
وأقدم مصادرنا هنا وهو الناشئ الأكبر في كتابه في « أصول النحل » يقول عن عبد الله بن حرب وأصحابه إنه زعم أن عبد الله بن معاوية (بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب) حيٌّ لم يمت، وانه في جبل اصبهان، وهو مهديّ هذه الأمة الذي بَشّر به النبي (ص) وأخبر أنه يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، وأنه لا يموت حتى يجيء(1) ما بين مشرق الشمس ومغربها ويقود الخيل بنواصيها، وتتفق عليه الأمّة،
ــــــــــــــ
(1) كذا ينبغي أن تقرأ، لا، يجبي كما أثبت فان إس.

789

ويدين بدينه أهل الملل. وزعم أن علياً وولده الذين أثبت لهم الإمامة، آلهةٌ، وأن روح القدس كانت في النبي (ص) ثم انتقلت إلى عليّ ثم إلى الحَسَن، ثم إلى الحسين، ثم إلى محمد بن عليّ، ثم إلى أبي هاشم، ثم إلى عبد الله بن معاوية؛ وأن روح القدس قديمة لم تزل ـ على مذهب النصارى؛ واحتج بحديث قد رواه لنا أصحاب الحديث عن عبد الله بن موسى الكوفيّ قال: حدثني خَلَف الأزْدي عن حَرْمَلة الضبيّ عن جُمَيع بن عُمَير قال: سألت عائشة رضي الله عنها: مَنْ كان أحبّ الناس إلى النبي (ص)؟ فقالت(1): علي بن أبي طالب؛ وما يمنعه من ذلك وقد رأيتُ روح النبي (ص) ـ أو نفسه ـ خرجت فتلقاها عليٌّ عليه السلام فجعلها في فيه؟ ـ فزعموا أن تلك الروح التي جعلها عليٌّ في فيه هي لاهوتية كانت في النبي (ص) وبها كان يعمل الآيات (المعجزات) ويخبر الناس بالغيوب؛ وزعموا أنها روح القدس...
وهذا الصنف يزعمون أن القيامة تكون بخروج الروح من بدن إلى بدن، ويزعمون أن الأرواح إذا كانت مطيعة نُقِلَتْ إلى أبدان طاهرة وصُور حِسان ولذات دائمة. ثم لا يزالون ينتقلون في مراتب الحسن والطهارات واللذات على قدر نظافتهم حتى يصيروا ملائكةً ويصيروا في أبدان صافية نورية. وإذا كانت الأرواح عاصية نقلت إلى أبدان نجسة وصور مشوّهة وخِلَقٍ مذمومة كالكلاب والقردة والخنازير والحيّات والعقارب.
قالوا: فالجنان والنيران هي الأبدان. وتأولوا قول الله عز وجل: « وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ »
ــــــــــــــ
(1) الغريب أن يُروى هذا الحديث المزعوم عن عائشة وهي التي كانت تكره علياً أشد الكراهية. وفيم إذن كانت معارضتها له في الخلافة وموقعه الجمل؟!

790

(29: 64) ـ قالوا: فالآخرة التي يصير الناس إليها بعد الموت إنما هي انتقال الروح من حيوان إلى حيوان حتى يكون آخر ما يصيرون إليه من الأبدان السود المحترقة، أو الأبدان الصافية النورية. وتأولوا قول الله عز وجل: « يا أيها الإنسان! ما غَرَّك بربّك الكريم؟! الذي خَلَقَك فسوّاك فَعَدَلك، في أيّ صورة ما شاء ركّبك » (82: 6 ـ 8). قالوا: فالله يركّب الإنسان فيما شاء من صور الحيوان على قدر ما اكتسب من الطاعات والمعاصي. وإلى هذا يذهب الخرَّمية وسائر غالية الشيعة »(1).
ومن هذه الرواية لمذهب الجناحية أو الحربية يتبيين:
1 ـ أنهم قالوا بأن عليّاً وأبناءَه الذين أثبتوا لهم الإمامة (الحسن، الحسين، محمد بن عليّ) آلهة؛
2 ـ وأن روح القدس كانت في النبي ومنه انتقلت عند موته إلى عليّ، ثم إلى الحسن، ثم إلى الحسين، ثم إلى محمد بن عليّ، ثم إلى أبي هاشم، ثم إلى عبد الله بن معاوية؛ وأن روح القدس قديمة، على نحو ما تذهب إليه النصارى في الثالوث؛
3 ـ ومن هذين الرأيين يبدو تأثر أصحاب هذه الفرقة بالمسيحية تأثراً شديداً؛
4 ـ وأنهم قالوا بمذهب التناسخ، وذلك بانتقال الأرواح المطيعة إلى أبدان طاهرة وصور حسان، والأرواح الشريرة العاصية إلى أبدان نجسة وصور مذمومة كالكلاب والقردة والخنازير والحيات والعقارب؛
5 ـ أنهم أسرفوا في التأويل الباطن للقرآن بحيث يتفق مع ما
ــــــــــــــ
(1) الناشئ الأكبر: « مسائل الإمامة... »، ص 37 ـ 39. بيروت سنة 1971.

791

يذهبون إليه. فأنكروا الآخرة وقالوا إنما هي انتقال الروح من حيوان إلى حيوان.
6 ـ كذلك يضيف الناشئ إليهم قولهم بالأدوار، وذلك أنهم « زعموا أن الله خلق سبعة آدميين واحداً بعد واحد. فمكث آدم الأول ونسكه على الأرض خمسين ألف سنة: يحيون ويموتون وَيطّردون وتتناسخ أرواحُهم في صُوَر بعد صور، قالوا: وذلك مقدار ما يتميّز أهلُ الطاعة من أهل المعصية. فإذا مضت خمسون ألف سنة صُيِّر المطيعون من جنس الملائكة، ورفعوا إلى سماء الدنيا؛ وصُيِّر العاقّون خَلْقاً لا يعبأ الله بهم في خِلَق مشوّهة، وأنزلوا إلى تحت الأرض. قالوا: ويصدّق هذا قولُ الله عز وجل: « أَوَلَمْ يَهْدِ لهم كم أهلكنا من قَبْلهم من القرون يمشون في مساكنهم، إنّ في ذلك لآيات، أفلا يسمعون؟! » (32: 26). وزعموا أن النمل والخنافس والجعلان التي تمشي في مساكنهم (هي) الذين أهلكهم الله عزّ وجلَّ في الأزمان السالفة، والذين مسخهم الله ومسخ أرواحهم في هذه الأبدان المبيّنة. قالوا: ثم ينشأ آدم آخر فيفعل به وبنسله مثل الذي فعل بآدم الأوّل، ويُرفع المطيعون من نسله إلى سماء الدنيا، ويرفع الذين كانوا في سماء الدنيا قبلهم درجةً إلى السماء الثانية، وينزل العاصون من ولده إلى تحت الأرض ويخرج الذين كانوا فيها قبلهم فيسكنون في الأرض الثانية. ـ وهكذا يُفْعَل بكل آدم وولده وذريته حتى تتم الأدوار السبعة ثم ينقطع التعبد. وتأولـوا قول الله عز وجل: « لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ثم رددناه أسفل سافلين، إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ غير ممنون » (95: 4 ـ 6)، وقولـه عز وجل: « لتركبُنّ طبقاً عن طبَق » (84: 19) ـ قالوا: « فإنما عنى الله بذلك أطباق السماوات والأرضين » (الكتاب نفسه، ص 39).

792

7 ـ وأخيراً ينسب المؤلف إليهم أنهم يبطلون الشرائع، ويزعمون أن العبد إذا عرف إمامه زالت عنه الفرائض. وإلى هذا المذهب يذهب أهل الغلوّ من أصحاب الإمامة » (الكتاب نفسه، ص 39 ـ 40).
8 ـ ويجيء عبد القاهر البغدادي في « الفَرْق بين الفرق »، فيزعم أن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر هو نفسه « زعم أنه رب، وأن روح الإله كانت في آدم، ثم في شيث، ثم دارت في الأنبياء إلى أن انتهت إلى عليّ، ثم دارت في أولاده الثلاثة، ثم صارت إلى عبد الله بن معاوية. وزعموا أنه قال لهم: إن العلم ينبت في قلبه كما تنبت الكمأة والعشب(1) ».
ويعزو إلى هذه الطائفة أنها كفرت « بالجنة والنار، واستحلوا الخمر والميتة والزنا واللواط وسائر المحَرّمات. وأسقطوا وجوب العبادات. وتأولوا العبادات على أنها كنايات عن قوم يجب بغضهم كأبي بكر وعمر وطلحة والزبير وعائشة » (الكتاب نفسه، ص 150). وهذا تفصيل لما ذكر الناشئ الأكبر من أنهم « يبطلون الشرائع ويزعمون أن العبد إذا عرف إمامه زالت عنه الفرائض ». وإذن فلا تَزَيُّد ها هنا من البغدادي على ما قاله الناشئ الأكبر. وإنما الخلاف الرئيسي هو في أن هذه الآراء ينسبها البغدادي إلى عبد الله بن معاوية نفسه، لا إلى عبد الله بن حرب.
فمن عبد الله بن معاوية هذا؟
يقول عنه ابن قتيبة في « المعارف » إنه « طلب الخلافة، وظهر بأصبهان وبعض فارس. فقتله أبو مسلم. ولا عقب له » (ص 207، س 18 ـ 19، القاهرة سنة 1960). وكان يزيد بن عمر بن
ــــــــــــــ
(1) عبد القاهر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 150. القاهرة سنة 1948.

793

هبيرة قد بعث عامر بن ضبارة « إلى فارس ليقاتل عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، فَهَزم عَبد الله بن معاوية. » (ص 418، س 3 ـ س 4). ـ ويقول أبو الحسن الأشعري في « مقالات الإسلاميين » (? 1، ص 154، القاهرة سنة 1950) إنه « خرج بالكوفة في آخر أيام بني أمية عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب، فحاربه عبد الله بن عمر فهزمه. ومضى عبد الله بن معاوية إلى فارس فغلب عليها وعلى أصبهان ثم مات بفارس ».
وقد اختلفت الحربية في أمر موته: فزعمت فرقة منهم أنه قد مات. وزعمت فرقة منهم أخرى أنه بجبال أصفهان، وأنه لم يمت، ولا يموت حتى يقود بنواصي الخيل إلى رجالٍ من بني هاشم. وزعمت فرقة أخرى أنه حيّ بجبال أصفهان لم يمت، ولا يموت حتى يلي أمور الناس؛ وهو المهديُّ الذي بشر به النبي صلعم »(1).
ويذكر سعد بن عبد الله القمي (« المقالات والفرَق »، ص 39) أن أصحابه غلوا فيه وقالوا إن الله نور، وهو في عبد الله بن معاوية، وقالوا عنه إنه عالم بكل شيء.

ــــــــــــــ
(1) أبو الحسن الأشعري: « مقالات الإسلاميين »، ? 1، ص 95. القاهرة سنة 1950.

794


الخطابية أو المخمسة

وتلى الحربية في تأليه علي والأئمة فرقة الخطابية، أصحاب محمد بن أبي زينب الأجدع الأسدي، وهو محمد بن مقلاص الأسدي الكوفي، أبو الخطاب، ويكنى أبا زينب البزار (أو البراد)، وأبا إسماعيل، وأبا الطيبات. وقد توفي ـ بحسب الكشي (ص 191) في سنة 138 ?.
ويُسمَّي أصحابه باسم الخطابية، ويسمون أيضاً باسم المخمّسة؛ « وإنما سُمُّوا المخمّسة لأنهم زعموا أن الله ـ جلَّ وعزّ ـ هو محمد، وانه ظهر في خمسة أشباح وخمس صور مختلفة: ظهر في صورة محمد، وعلي وفاطمة والحسن والحسين. وزعموا أن أربعة هذه الخمسة تلبيس لا حقيقة لها، والمعنيّ شخص محمد وصورته لأنه أول شخص ظهر، وأول ناطق؛ لم يزل بين خلقه موجوداً بذاته، يتكون في أيّ صورة شاء. يُظْهِر نَفْسَه لخلقه في صور شتى من صُوَر الذكران والأناث، والشيوخ والشباب، الكهول والأطفال؛ يَظْهر مرةً والداً، ومرة ولداً، وما هو بوالد ولا بمولود؛ ويظهر في الزوج

795

والزوجة. وإنما أظهر نفسه بالإنسانية والبشرانية لكي يكون لخلقه به أنس ولا يستوحشوا ربهم.
وزعموا أن محمداً كان آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى. لم يظلّ ظاهراً في العرب والعجم. وكما أنه في العرب ظهر، كذلك هو في العجم ظاهر في صورة غير صورته في العرب: في صورة الأكاسرة والملوك الذين ملكوا الدنيا، وإنّما معناهم محمد لا غير... وأنه كان يظهر نفسه لخلقه في كل الأدوار والدهور. وإنه تراءى لهم بالنوارنية، فدعاهم إلى الإقرار بوحدانيته. فأنكروه. فتراءى لهم من باب النبوّة والرسالة فأنكروه. فتراءى لهم من باب الإمامة فقبلوه. فظاهر الله عزّ وجلَّ ـ عندهم الإمامة، وباطنه الله الذي معناه محمد: يدركه مَنْ كان من صفوته بالنورانية، ومن لم يكن من صفوته يدركه بالبشرانية اللحمانية الدموية. وهو الإمام، وإنما بغير جسم، وبتبديل اسم. فصيّروا كل الأنبياء والرسل والأكاسرة والملوك من لدن آدم إلى ظهور محمد صلى الله عليه: مقامهم مقام محمد. وهو الرب، وكذلك الأئمة من بعده مقامهم مقام محمد صلى الله عليه. وكذلك فاطمة زعموا أنها هي محمد، وهي الرب. وجعلوا سورة التوحيد لها: « قل هو الله أحد »! إنها واحدية مهدية؛ « لم يلد »: الحَسَن، و« لم يُولَد »: الحسين؛ « ولم يكن له كفواً أحد ». كذلك نزلهم(1) (!) في خديجة، أم سلمة(2)، من بين أزواجه: إنه كان يظهر في صورة الزوج والزوجة، كما ظهر في الوالد والولد. وإن كل من كان من الأوائل مثل أبي الخطاب وبيان، وصائد، والمغيرة، وحمزة بن عمارة، وبزيغ، والسريّ، ومحمد بن بشير: هم
ــــــــــــــ
(1) لعل صوابها: نزل لهم (أي محمد).
(2) كذا، وصوابه: وأم سلمة.

796

أنبياء أبواب بتغيير الجسم وتبديل الاسم، وإن المعنى واحد وهو سَلْمان، وهو الباب الرسول: يظهر مع محمد أبداً في أي صورة ظهر. وظهروا فأموا معه الأبواب، والأيتام، والنجباء، والنقباء، والمصطفين، والمختصّين، والممتحنين، والمؤمنين. فمعنى الباب هو سلمان، وهو رسول محمد، متصل به، ومحمّد الربُّ. ومعنى اليتيم: المقداد، سُمّي يتيماً لقربه من الباب وتفرده بالاتصال بهما. وهما يتيمان: يتيم صغير، ويتيم كبير: فالكبير المقداد، والصغير: أبو ذر. ـ وزعموا أن مَنْ عرف هؤلاء بهذه المعاني فهو مؤمن ممتحن، موضوعٌ عنه جمِيعُ الشرائع، والاستعباد(1)؛ محلَّلٌ مباح له من جميع ما حرم الله في كتابه وعلى لسان نبيّه. وإن هذه المحرمات: رجالٌ ونساء من أهل الجحود والإنكار التي (!) اقرّوا هم به. وإن جميع ما أمر الله به من صلاة وزكاة وحج وصوم وعبادة هي الآصار والأغلال؛ فهي على أهل الجحود دونهم، عقوبةً لهم. وإن المحرّمات: من الزنا والخمر والربا والسرقة واللواط وكل الكبائر، وكذلك الوضوء وغسل الجنابة والتيمّم ـ فكل ذلك اجتناب رجالٍ ونساء وتوليتهم. فإذا حرمت على نفسك توليتهم واجتنابهم فقد اجتنب ما حرّم الله عليك. وأباحوا الفروج كلها، وأبطلوا النكاح والطلاق. وعموا أن النكاح: باطنه مواصلة أخيك المؤمن، فإذا وصلته فقد نكحته. والصداق: أن تُطْلِع أخاك المؤمن على ما عندك من العلم والمعرفة. والطلاق: أن تعتزل أضدادك المِقصرّة، ولا تطلعهم على أمرك. وان المرأة بمنزلة الريحانة الثابتة: تقلعها إذا اشتهيت، فإذا شممتها حييت بها أخاك المؤمن.
وجعلوا امتحان الناس بينهم على آيات من كتاب الله تأوّلوها. فمما
ــــــــــــــ
(1) لعله يقصد: العبادات.

797

يمتحن به بعضهم بعضاً، ويمتحنون به المسترشد الطالب لمذاهبهم، قول الله في الدَّيْن: « يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدينٍ إلى أجلٍ مسمى فاكتبوه؛ وليكتب بينكم كاتب بالعدل » (2: 282) ـ (معناه الباطن هو:) فإذا جاء مسترشد فلا تطلعه على أمرك حتى تأنس منه رشداً. وتأولوا في ذلك قول الله: « ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً... » إلى قوله: « فإن آنستم منهم رشداً » (4: 4 ـ 5) (أي:) فانبذ إليه الشيء. فهو الكاتب بالعدل. فإذا عرفت منه صحّة الطلب، وآنست منه الرَّشَد، فخذ رهانه، كما قال الله: « فرهانٌ مقبوضة. فإن آمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي ائتُمن أمانته، وليتقّ الله ربّه، ولا يبخس منه شيئاً » (2: 283). والرهان: أن يشرب الخمر على الاستحلال لها. فإذا شرب فاعْرِض عليه معرفة باطن الصلاة. فإذا عرف باطن الصلاة ـ وهو معرفة الولي ـ وأقرّ به، فاعرِض عليه المواساة. فإن هو جعلك شريكه في جميع ما يملكه، وانه ليس شيء من ملكه أولى عنك فأخرج إليه الوعاء، وليخرج إليك وعاءه، فليطأ ما عندك، ولتطأ ما عنده. فإن لم يكن له أهل أو بنت أخت أو قرابة ذات رحم ـ فذلك هو الرهان المقبوضة ـ فاتقّ الله ربك حينئذ ولا تبخسه دينا ولا دنيا، فهو أخوك وشريكك.
وقال هؤلاء بالتناسخ، على خلاف غيرهم من الغلاة. وذلك أنهم زعموا أن أرواح مَنْ جَحَد أمرهم تجري في كل الأشياء(1): في الإنسانية وغير الانسانية. وإنما يجري في كل ذي روح، وفي جميع المأكولات والمشروبات والملبوسات والمنكوحات، وفي كل رطب ويابس، حتى لا يبقى في السموات والأرضين دواب ولا ساكن ولا
ــــــــــــــ
(1) أصلحنا ما في المطبوع هنا.

798

متحرك إلاّ جرت فيه الأرواح، حتى النجوم والكواكب. فإذا جرى في ذلك كله صار جماداً: صخرةً أو مَدَرةً أو حديداً. وتأوّلوا في ذلك قول الله: « قلْ كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم؛ فسيقولون: مَنْ يُعيدنا؟ قل: (17: 50) الله الذي خلقكم(1)، فذلك عندهم جهنم، يعذب بذلك أبد الآبدين.
وزعموا أن المؤمن العارف منهم لا تنتقل روحه في شيء من الأشياء، وأن روح المؤمن منهم أُلبس سبعة أبدان، بمنزلة سبعة أقمصة تكون للإنسان. فمتى تعرّى من قميص فيقمّص آخر. وزعموا أن الإيمان سبع درجات: فالدرجة السابعة: الارتقاء إلى معرفة الغاية، فيُكْشَف الغطاء حتى تراه بالنورانية. وإن المؤمن يلبس في كل دور قميصاً، وهو قالب غير القالب الأول. والدور عشرة آلاف سنة. وهي سبعة أدوار. والسبعة إذا دار هو كور. والكور سبعون ألف سنة. ففي سبعين ألف سنة يصير عارفاً، فيكشف له الغطاء، ويرفع عنه التلبيس، فيدرك الله الذي هو محمد بذاته، بالنورانية لا بالبشرية اللحمانية »(2).
هذه آراء الخطابية كما عرضها سعد بن عبد الله القمي. أما أبو الحسن الأشعري فعرضها بشكل آخر:
فقد قسمها إلى خمس فرق هي: ـ الخطابية الأصلية، نسبة إلى أبي الخطاب مؤسسها؛
ب ـ المعمرية، نسبة إلى رجل يقال له معمر؛
? ـ البزيغية، نسبة إلى بزيغ بن موسى؛
ــــــــــــــ
(1) في الآية (الإسراء: 51): « قل الذي فطركم أول مرة ».
(2) سعد بن عبد الله القمي: « المقالات والفرق »، ص 56 ـ 59. طهران، سنة 1963.

799

? ـ العميرية، نسبة إلى عمير بن بيان العجلي؛
? ـ المفضلية، نسبة إلى صيرفي يقال له المفضل.
وتشترك كلها في القول بأن « الأئمة أنبياء مُحَدَّثون، ورسل الله وحُجَجه على خلقه، لا يزال منهم رسولان: واحد ناطق، والآخر صامت: كالناطق محمد صلعم، والصامت علي بن أبي طالب. فهم في الأرض اليوم طاعتهم مفترضة على جميع الخلق، يعلمون ما كان وما هو وكائن. وزعموا أن أبا الخطاب نبيُّ، وأن أولئك الرسل فَرَضوا عليهم طاعة أبي الخطاب. وقالوا: الأئمة آلهة؛ وقالوا في نفسهم مثل ذلك. وقالوا وَلَدُ الحسين أبناءُ الله وأحبّاؤه، ثم قالوا ذلك في نفسهم. وتأولوا قـول الله تعالى: « فإذا سَوَيتُه ونفختُ فيه من روحي فَقعُوا له ساجدين » (38: 72) قالوا: فهو آدم ونحن ولده. وعبدوا أبا الخطاب. وزعموا أنه إله. وزعموا أن جعفر بن محمد إلههم أيضاً، إلاّ أن أبا الخطاب أعظم منه، وأعظم من عليّ. وخرج أبو الخطاب على أبي جعفر (المنصور)، فقتلَه عيسى بن موسى في سَبْخة الكوفة. وهم يتدينون بشهادة الزور لموافقيهم »(1).
وقالت المعمرية إن « الدنيا لا تفنى، وأن الجنة ما يصيب الناشئ من الخير والنعمة والعافية، وأن النار ما يصيب الناشئ من خلاف ذلك. وقالوا بالتناسخ، وأنهم لا يموتون، ولكن يُرْفَعون بأبدانهم إلى الملكوت، وتوضع للناس أجسادٌ شبه أجسادهم. واستحلوا الخمر والزنا، واستحلوا سائر المحرمات، ودانوا بترك الصلاة » (الكتاب
ــــــــــــــ
(1) أبو الحسن الأشعري: « مقالات الإسلاميين، ? 1، ص 75 ـ 77. القاهرة، سنة 950.

800

نفسه، ? 1، ص 77). ـ ومن هذا يظهر اشتراكهم مع الحربية في كثير من الآراء.
أما البزيغية فيزعمون أن « جعفر بن محمد هو الله، وأنه ليس بالذي يَرَوْن، وأنه تشبّه للناس بهذه الصورة. وزعموا أن كل ما يحدث في قلوبهم وَحيٌ، وأن كل مؤمن يُوحى إليه، وتأوّلوا في ذلك قول الله تعالى: « وما كان لنفسٍ أن تموت إلاّ بإذن الله » (3: 145) أي بوحي من الله، وقـوله: « وأوحى ربك إلى النحل » (16: 68) و: « إذ أوحيتُ إلى الحواريين » (5: 111) وزعموا أن منهم مَنْ هو خَيرٌ من جبريل وميكائيل ومحمد. وزعموا أنه لا يموت منهم أحد، وأن أحدهم إذا بلغت عبادته رُفع إلى الملكوت. وادعوا معاينة أمواتهم، وزعموا أنهم يرونهم بكرة وعشية » (الكتاب نفسه ?1، ص 78).
أما العميرية فيكذبون الفرقة السابقة في قولها إنهم لا يموتون. وخالفت المفضلية الفرقَ الأربع الأخرى في البراءة من أبي الخطاب، لأن جعفراً أظهر البراءة منه. وكانت تقول بربوبية جعفر دون نبوته (راجع الشهرستاني: « الملل والنحل »، ? 2، ص 17 بهامش الفيصَل).
وعن هذا التقسيم الوارد في « مقالات الإسلاميين » نقل الشهرستاني في « الملل والنحل » (? 2، ص 15 ـ ص 17، المطبعة الأدبية) دون أن يضيف شيئاً جديداً.
كذلك ينقل عبد القاهر البغدادي ما ورد في « مقالات الإسلاميين » كما هو بتمامه، ولا يضيف إلاّ بعض الأخبار التاريخية القليلة، التي يأخذها عنه الشهرستاني، من كون أبي الخطـاب كان يقول إن جعفراً الصادق إله، فلمّـا بلغ ذلك جعفراً الصادق لعنه وطرده، وأنه « نصب خيمة في كناسة الكوفة ودعا فيها أتباعه إلى عبادة جعفر

801

(الصادق). ثم خرج أبو الخطاب على والي الكوفة في أيام المنصور فبعث إليه المنصور بعيسى بن موسى في جيش كثيف، فأسَروه، فصُلب في كناسة الكوفة »(1).
ومن هذه الأخبار يتبين لنا أن الخطابية، وتسمى أيضاً المحمرة، تقوم مبادؤها على ما يلي:
1 ـ الله هو محمد، بمعنى أن محمد هو صورة الله أو أن الله ظهر في صورة محمد. ومحمد هو أول صورة لله تجلى فيها، وأول ناطق نطق. ويظهر محمد بدوره في أي صورة شاء. وقد أظهر الله نفسه في صورة بشرية، صورة محمد، لكي يأنس خلقه به ولا يستوحش الناس من ربهم.
وهذه هي بعينها عقيدة التجسُّد incarnation ، أي تجسد الله في إنسان.
وعقيدة تجسد الله في إنسان قديمة قدم الإنسانية: نجدها في الديانات البدائية، وفي مذاهب الهند، كما نجدها في مذاهب مصر القديمة.
والتجسد إما موقت وإما دائم. فالتجسد الموقت أن يحل الإله في شخصٍ فترة من الزمن أو بين الحين والحين. فالكهنة في منجايا، إحدى جزر جنوب المحيط الهادي، تحلّ فيهم الآلهة من حين إلى حين. وحالة التجسد الموقت قد تتولد بعد تناول شراب معين، مثل الدم العبيط من ضحية. ففي معبد أبولو ديراديوتس Apollo Diradiotes في أرجوس كان يضحَّى بِحَمَلٍ مَرة كل شهر في الليل، وتأتي امرأة التزمت الطهارة فتشرب من دمه، وبهذا يلهمها إلهها، وتصير قادرة على التنبؤ. وكاهنة الأرض في ايجيرا Aegira بأخايا Achaia كانت
ــــــــــــــ
(2) عبد القاهر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 247، القاهرة، بدون تاريخ.

802

تشرب الدم الطازج المنزوف من ثور قبل أن ينزل إلى كهف التنبؤ.
والمصريون القدماء لم يقصروا العبادة على القطط والكلاب، بل امتدوا بها إلى البشر. ومن بين الناس الذين عبدوا كان ثم رجل في قرية أنابيس، كانت تقدم إليه القرابين المحروقة على مذابح؛ وكان بعد ذلك يتناول طعامه كأي إنسان، كما يقول فورفوريوس الصوري(1).
وبين المذاهب الهندوسية فرقة لها أتباع كثيرون في بمباي في وسط الهند، وهي تعتقد أن رؤساءها الروحيين أو المهاراجا هم تجسدات للإله كرشنا. ولهذا يتعبد الناس في المعابد المهاراجات. ومن أنواع هذا التعبد تحريك صورة أو تمثال المهاراجا يميناً وشمالاً، بدلاً من تحريك تمثال كرشنا.
والتجسيد في المسيحية لم يقتصر على يسوع الناصري مؤسس الديانة المسيحية، بل زعم بعض المسيحيين أن روح الله حلت فيهم. « فمنذ أقدم العصور حتى اليوم كثير من فرق النصارى آمنت بأن المسيح، بل الله نفسه، تجسّد في كل مسيحيّ ممتلئ بالعقيدة، وقد استخلصوا من هذا القول نتيجته المنطقية وذلك بأن عبد كل واحد منهم الآخر. إذ يذكر ترتوليان أن هذا حدث عند أخوانه المسيحيين في قرطاجة في القرن الثاني (بعد الميلاد)؛ وأتباع القديس كولمبا عبدوه على أنه تجسّد ليسوع المسيح؛ وفي القرن الثامن الميلادي تحدث اليفندس Elipandus الكليكي عن المسيح على أنه « إلهُ بين آلهة »، ويعني بذلك أن كل المؤمنين بالمسيحية آلهة مثل يسوع المسيح. وانتشر بين الالبيجانيين Abligeneses عبادة بعضهم لبعض؛ وهذا مسجل مئات
ــــــــــــــ
(1) Porphyre: De abstimentia, IV, 9; Eusebius, Preparativ Evangelii, III, 12.
راجع في هذا. فيدمن: « ديانة المصريين القدماء، ص 93؛ « تأليه البشر في مصر القديمة »، مقال في:
Am Urquell, N. F. I (1897), pp. 290 sqq.

803

المرات في سجلات محاكم التفتيش في تولوز (جنوبي فرنسا) في الثلث الأول من القرن الرابع عشر. ولا يزال هذا المعتقد سارياً لدى البوليسيين Policians في أرمينية وعند البوجوميليين Bogomiles حوالي موسكو. ذلك أن البوليسيين يحاولون أن يبرروا معتقدهم هذا، إنْ لم يكن ممارستهم هذه، بالاستناد إلى قول القديس بولس: « لست أنا الذي أتكلم، بل المسيح المقيم في نفسي ». ومن هنا سُمَّي أتباع هذه الفرقة الروسية باسم « المسيحين » (جمع: مسيح)... وهم يسمون أنفسهم: آلهـة، ويعبد كل منهم الآخر كأنه إلـه حقيقي أو يسوع حيّ أو مريم العذراء(1) ».
إذن قالت ديانات عديدة سابقة على المسيحية بتجسُّد الله في الإنسان. فليست عقيدة التجسد عند الخطابية مأخوذة بالضرورة عن المسيحية: فربما كانت من مصادر هندية، وربما كانت من معتقدات بدائية قديمة منتشرة كما رأينا في مناطق عديدة من الأرض. ولهذا لا نستطيع القول بتأثير المسيحية في الخطابية ـ وما شابهها من مذاهب مؤلّهة لبعض البشر أو قائلة بتجسد الله في أحد البشر ـ إلاّ إذا كان لدينا دليل كتابي على حدوث هذا التأكيد. وليس لدينا من المعلومات عن أبي الخطاب ما يسمح بتبيين ما تأثر به من أفكار أو ديانات. ولا نعرف من أين قدم الكوفة وأحدث رأيه هذا ودعا إليه هناك.
على أن ابن حزم قد خص فرقة معينة من الشيعة بأنها تقول بألوهية محمد (صلعم) سماها « المحمدية »، قال: « وقالت طائفة من الشيعة ـ يُعرفون ? « المحمدية » إن محمداً عليه السلام هو الله ـ تعالى
ــــــــــــــ
(1) سير جيمس جورج فريزر « الغصن الذهبي »، ? 1 المجلد 1، ص 407 ـ 408. نيويورك، سنة 1966.
Sir James G. Frazer: The Golden Bough, Part I, Vol. I.

804

الله عن كفرهم. ومِنْ هؤلاء كان البهنكي، والفياض بن علي، وله في هذا المعنى كتـاب سمّاه « القسطاس »، وأبوه(1) الكاتب المشهور الذي كتب لإسحق بن كنداج أيام ولايته، ثم لأمير المؤمنين: المعتضد. وفيه يقول البحتري القصيدة المشهورة التي أولها:

شَطَّ مِنْ ساكِنِ « الغُرَيْرِ » مَزَارُهْ وَطَوْتْـهُ البلادُ، فاللهُ جـارُهْ!
والفياض هذا ـ لعنه الله ـ قتله القاسم بن عبد الله بن سليمان بن وهب، لكونه من جملة من سعى به أيام المعتضد. والقصة مشهورة »(2).
وكون علي بن محمد بن الحسين بن الفياض، والد الفياض بن علي هذا، من أهل دير قنى ودير العاقول، وهما من مراكز النصرانية المشهورة في العراق، قد يرجّح أن أصحاب هذه الطائفة ـ المحمدية ـ قد تأثروا بالمسيحية في تأليههم لمحمد (صلعم)، لا بديانة أخرى. وعلى هذا يكون تكوين هذه الفرقة في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي).
كما يذكر ابن حزم (نفس الكتاب، ? 4، ص 187 وما يليها) أسماء بعض الذين ألِّهوا أو ادعيت ألوهيتهم، فيذكر:
ــــــــــــــ
(1) هو علي بن محمد بن الحسين بن الفياض، كاتب إسحق بن كنداج، وهو فارسي الأصل، أصله من أهل دير قنى ودير العاقول. وإسحق بن كنداج أصله من بلاد الخزر، وهو من كبار القواد، أرسله الخليفة المعتمد لمحاربة الزنج سنة 259.
(2) ابن حزم: « الفصل »، ? 4 من 186 ـ 187، القاهرة، المطبعة الأدبية. وقد أصلحنا المطبوع.

805

أ ـ فرقة قالت بإلهية آدم والنبيّين بعده نبياً نبياً إلى محمد (عليه السلام)، ثم بإلهية علي، ثم بإلهية الحسن، ثم بإلهية الحسين، ثم بإلهية كل من: محمد بن علي بن الحسين، ثم جعفر بن محمد الصادق، ووقفوا هنا. وهؤلاء هم أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب، مولى بني أسد بالكوفة. وقد ألّهوا بعد ذلك أبا الخطاب نفسه، وقالوا إنه أكبر من جعفر الصادق.
ب ـ وقالت طائفة بإلهية معمر ـ بائع الحنطة بالكوفة، وعبده. وكانا من أصحاب أبي الخطاب.
? ـ وقالت طائفة بإلهية الحسين بن منصور الحلاج، الصوفي الشهير.
د ـ وقالت طائفة بإلهية محمد بن علي ابن الشلمغاني، الكاتب المقتول ببغداد أيام الراضي.
? ـ وقالت طائفة بإلهية أبي مسلم السراج.
و ـ وقالت طائفة بإلهية المُقَنّع الأعور، القصار، القائم بثأر أبي مسلم، واسم هذا القصار: هاشم، وقُتل أيام أبي جعفر المنصور.
ز ـ وقالت الراوندية بإلهية أبي جعفر المنصور.
ح ـ وقالت طائفة بإلهية عبد الله بن حرب الكندي.
ط ـ وقالت السبئية بإلهية عليّ.
ي ـ وقالت النصيرية بإلهية عليّ « وقد غلبوا في وقتنا هذا على جند الأردن بالشام، وعلى مدينة طبرية خاصة ».

806

فهذه عشر فرق ألّهت أشخاصاً إنسانيين. ونستطيع من المصادر الأخرى أن نضيف إليها:
أ ـ العليائية، أصحاب بشار الشعيري؛ وهم الذين قالوا « إن علياً هو الرب الخالق، ظهر بالعلوية الهاشمية، وأظهر وليّه وعبده ورسوله بالمحمدية... وأنكروا شخص محمد، وزعموا أن محمداً عبدٌ لعليّ، وعليٌ الرب »(1).
ب ـ فرقة من الغلاة زعموا أن سلمان هو الرب، « وأن محمداً داعٌ إليه، وأن سلمان لم يزل يظهر لأهل كل دين » (الكتاب نفسه، ص 61)(2).
2 ـ تبرر الخطابية وسائر من سار على دربها فكرة التجسد بأن الأصل فيه أن يأنس الناس بالله ولا يستوحشوا منه. وهذا الموقف حكاه محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين عن يونس بن عبد الرحمن فقال: « إن الغلاة يرجعون ـ على اختلافهم ـ إلى مقالتيْن هما أصلهم في التوحيد:
فإحدى المقالتيْن « أنهم يقولون إن الله يتراءى لمن شاء فيما شاء كيف شاء في عدله، إذ يرى مِنْ ما يرى من نفسه خلقه. فلم يَجُزْ أن يتراءى لهم إلاّ في مثل ما يعرفونه لكي يكونوا آنسين به، ولما يدعوهم إليه أَسْرَعَ ولقوله أَقبَلَ؛ فيريهم في مرأى العين نفسه إنساناً، وليس هو بإنسانٍ من جهة اقتداره على ما أراهم نفسه به.
ــــــــــــــ
(1) سعد بن عبد الله القمي: « المقالات والفرق »، ص 59.
(2) وقد ورد مثله في كتـاب « الزينة » لأبي حاتم الرازي (المتوفى حوالي سنة 322 = 934 م) إذ يقول: « ومن الغلاة: السلمانية: وهم الذين قالوا بنبوة سلمان الفارسي؛ وقوم قالوا بإلهيته » (راجع النص في كتابنا: « شخصيات قلقة في الإسلام »، ص 47، ط 2، القاهرة 1964).

807

والمقالة الثانية أنهم قالوا: إنه في ذاته وكهنه روح القدس، ساكنٌ في مسكون فيه، والمسكون حجابه، ولا يوجد أبداً إلاّ بصفته وصفة غيره. غير أنه في وقت احتجابه على خلقه لم يجد بُداً من أن يتغير عن ذاته وهيئته بآلة معروفة جسدانية. والدليل على ذلك أنه لا نطق معروف معقول إلاّ بجسد معروف. فمن أدرك الله بغير الله فقد أدركه. واعتلّوا في ذلك بأن قالوا: هو ظاهر من باطن، وصف نفسه أنه الظاهر الباطن. فروح القدس باطنه، والظاهر الجسم المضاف إليه المستعمل، الذي هو نعت له في وقت حاجة الخلق إليه، لأنه سبب ولا يدرك لطيفه إلاّ بسبب معروف. ومن السبب يكون التسبّب. فسبب الولد من التسبّب، أي من الروح. فروح القدس ساكنٌ باطن، والظاهر الجسمُ المضافُ إليه: فالذي يلهو ويأكل ويشرب وينام ويسقم ويألم هو الجسم؛ ـ وروح القدس لا يلهو ولا يألم ولا يولد(1) ».
وسيكون من الشائق أن نقارن بين هذه الحجج وبين ما أورده القديس أنسلم من حجج في نفس الموضوع في كتابه: « لماذا صار الله إنساناً؟ » Cur Deus Homo، وقد كتبه أنسلم في أخريات القرن العاشر وأوائل الثاني عشر بعد الميلاد (ولد أنسلم سنة 1033 وتوفي سنة 1109).
3 ـ والخطابية يقولون بالتناسخ على نحو يختلف عما تقول به سائر الفرق القائلة به. فهم يجعلون التناسخ في الأشياء: الإنسانية وغير الإنسانية مقصوراً على المنكرين لمذهبهم. أما العارفون المؤمنون بمذهب
ــــــــــــــ
(1) سعد بن عبد الله القمي: « المقالات والفرق »، ص 62. طهران، سنة 1963. وقد صححنا المطبوع وقد ورد فيه أغلاط كثيرة.
(2) في نشرة ميني Patrologia Latina, et CLVIII & CLIX
808

الخطابية فلا تنتقل أرواحهم في شيء من الأشياء. بل تَلْبَس روح المؤمن منهم سبعة أبدان، هي بمثابة سبعة أقمصة يلبسها الإنسان، متى خلع الواحد لبس الآخر. والمؤمن يلبس في كل دور من الأدوار السبعة قميصاً، وهو قالب غير القالب الأول. والدور يتألف من عشرة آلاف سنة. وكل سبعة أدوار تؤلف كَوْراً، فالكور سبعون ألف سنة. حتى إذا ما أمضى المؤمن سبعين ألف سنة صار عارفاً وانكشف عنه الغطاء، ورُفِعَ عنْه التلبيس، وصار يدرك الله ـ الذي هو محمد بذاته ـ يدركه بالنورانية لا بالجسدية. ـ أما المنكر لمذهبهم فتتناسخ روحه في الأشياء والأحياء حتى يصير جماداً: صخرة أو حديداً أو أيّ شيء آخر.
وعقيدة التناسخ هي الأخرى ـ مثل عقيدة التجسيد ـ قديمة جداً: نجدها في الهند وفي اليونان:
ففي الهند نجدها في أقدم كتب الهنود القانونية، « قوانين مانو »: ففي هذه القوانين وصف دقيق مفصل للعقوبات التي يعانيها مرتكبو الذنوب في الولادات المقبلة. فمثلاً من يعنّفّ أستاذه ـ حتى لو كان التعنيف عن حق ـ فإنه سيولد في الولادة المقبلة حماراً؛ وإذا افترى شيئاً على أستاذه، ولد كلباً؛ وإذا عاش على حساب أستاذه ولد دودة(1). والزوجة الخائنة لزوجها تولد في ولادتها المقبلة بنت آوى (الكتاب نفسه، 5: 164). والناس الذين يغتبطون بإهانة الغير سيولدون حيوانات مفترسة، ومن يأكلون الطعام المحرّم سيولدون دوداً. واللص يولد من جديد بحسب ما سرق: فمن يسرق أحجارً كريمة يولد صائغاً؛ ومن يسرق حبوباً يولد فأراً؛ ومن يسرق عسلاً يولد حشرة نتنة الرائحة؛ ومن يسرق تيلاً يولد ضفدعة الخ. وبوذا
ــــــــــــــ
(1) « قوانين مانو » 2: 201.

809

نفسه وهو من أكثر أصحاب المذاهب الدينية الهندية توسعاً في مبدأ التناسخ، ينسب إليه أنه احتمل كثيراً من الولادات الحيوانية قبل وصوله إلى مكانته العالية: فكان مرة كلباً، وكان خنزيراً مرتيْن، وضفدعة مرّتيْن، وثعباناً أربع مرات، وأسداً عشر مرات، وغزالاً إحدى عشرة مرة وقرداً ثماني عشرة مرة؛ بل كان لصاً،(1) الخ. ـ ولا نجد إشارة صريحة لعقيدة التناسخ الهندية قبل عصر الاو??نيشادات، وإنما نمت واتخذت تمامها في عصر بوذا (القرن السادس قبل الميلاد). وكان مغزاها أخلاقياً في الأصل وهو فكرة الجزاء وفقاً للأعمال الخيرة أو الشريرة التي ارتكبها الإنسان. ونظرية الولادة الجديدة تأصلت في البوذية، وإنْ كانت لها سوابقها في المذاهب الأخرى. ومفادها أن حياتنا هنا الآن سبقتها حيوات لا نهاية لها، وستتلوها حيوات لا نهاية لها، اللهم إلاّ فيما يختص بقلة ضئيلة ممن تحررت نفوسهم. وحياتنا الحالية لا تقع إلاّ وفقاً لحياة سابقة هي التي تحددها(2).
وفي يونان آمن فيثاغورس وأنباذوقليس بفكرة التناسخ. إذ يروى أن فيثاغورس كان يقول عن نفسه إنه كان يوفوربوس الطروادي في إحدى حيواته السابقة، وقدّم دليلاً على هذا أنه استطاع أن يتعرّف درع يوفوربوس Euphorbus بين الغنائم الطروادية في موقينا(3) Mycena. وقال إن الأرواح الإنسانية تتناسخ في الحيوانات والنباتات(4) ولهذا حرم قتل الحيوان(5) وزعم انباذوقليس عن نفسه أنه في حيواته
ــــــــــــــ
(1) Sir Mouier-Williams: Buddhism, 2nd ed. p. III sq. London, 1890.
(2) راجع Surendranath Dasgupta: A History of Indian Philosophy, vol. I, p. 87. Cambridge, 1957. (3) ديودورس الصقلي 10: 6: 1 ـ 3؛ ايامبليخوس: « حياة فيثاغورس » 14: 63.
(4) ذيوجانس اللائرسي: « حياة الفلاسفة » 8: 1: 4؛ 36.
(5) ايامبليخوس: « حياة فيثاغورس » 24 ـ 107 ـ 109؛ سكستوس امبريكوس 9: 127 ـ 130؛ اولوس جيليوس ع: 11.

810

السابقة كان بنتاً، وشجيرة، وطائراً وسمكة. ولهذا اعتبر قتل الحيوان وأكل لحومها جريمة، لأنه ربما ذبح أو أكل أحد أقاربه: أباه، أو أمه أو ابنته أو ابنه. وكانت الدوافع لدى كل من فيثاغورس وانباذوقليس إلى القول بتناسخ الأرواح دوافع أخلاقية: لحمل الناس على السلوك المستقيم والحياة البريئة الطاهرة الزاهرة، لأن هذا الذي يضمن للإنسان، أن يعيش في العالم الآخر عيشة النعيم. وهذا أظهر لدى أنباذوقليس، على الأقل بحسب ما بقي لنا من شذرات منسوبة إليه. ذلك أنه كان يرى أن الأرض كهف لا سعادة فيه، يهيم فيه الناس على غير هدى، في ظلام لا يعمهون، فريسة للقتل والانتقام، وضحية للأسقام والاضمحلال. وينظر باحتقار إلى حياة الناس، لأنه وجدَها حافلة بالصراع والأحزان وكأنها جعلت لعقابهم عن ذنوب اقترفوها(1).
لكن يغلب على الظن أن القائلين بالتناسخ من أصحاب المذاهب في الإسلام إنما تأثروا في هذا بالديانات الهندية، لا بمذهب فيثاغورس أو ابنادقليس، لغزارة المادة عند الهنود وضآلة ما وصل العرب من كلام فيثاغورس وأنبادقليس في التناسخ(2). فضلاً عن أن وجود جاليات هندية في البصرة ثم في الكوفة وهما المركزان الرئيسيان لحركات القائلين بالتناسخ في الإسلام، من شأنه أن يؤيد افتراض أن تكون عقيدة التناسخ قد وصلت هؤلاء عن طريق الهنود.
ــــــــــــــ
(1) راجع ديلز: « شذرات السـابقين على سـقراط »، ? 1، ص 207 وما يتلوهـا؛ كليمانس السكندري: « أمشاج » 8: 3: 14؛ 6: 23: 152؛ 5: 14: 123، ص 516 وما يتلوها، 632، 722 نشره بوتر.
(2) لا تجد عند الشهرستاني في كلامه عن مذهبيْ انباذقليس وفيثاغورس (? 2، ص 166 ـ 184) أية إشارة إلى كونهما كانا يقولان بالتناسخ.

811

على أن الشهرستاني يتحدث عن فرقة نعتها باسم « التناسخية » وجعلها من مذاهب الثنوية الإيرانية وعرض رأيها في التناسخ فقال: « والتناسخية منهم قالوا بتناسخ الأرواح في الأحياء والانتقال من شخص إلى شخص. وما يلقى من الراحة والتعب والدعة والنّصَب فمرتّب على ما أسلفه قبلُ وهو في بدن آخر جزاءً على ذلك. والإنسان أبداً في أحد أمريْن: إمّا في فعل، وإمّا في جزاء. وما هو فإمّا مكافأة على عملٍ قدّمه، وإما عمل ينتظر المكافأة عليه » (« الملل والنحل » ? 2، ص 91، بهامش « الفصل » لابن حزم، المطبعة الأدبية، القاهرة). ولا ندري لماذا جعل الشهرستاني هذا المذهب من مذاهب الثنوية، إذ هو بالأحرى مذهب هندي (برهمي أو بوذي). فهل هذا خلط منه، أو وجد هذا المذهب فعلاً لدى بعض الثنوية الايرانيين؟ لقد عزا بعض مؤرخي الفرق إلى المانوية القول بالتناسخ(1).
وإذا قارنّا الآن بين الجناحية والخطابية وجدنا تشابهاً تامّاً في العقائد الرئيسية وهي:
1 ـ تأليه محمد وعلي وبعض ذريته وبعض الأئمة.
2 ـ القول بتناسخ الأرواح.
3 ـ الاسراف في التأويل الباطن للقرآن.
وستكون هذه العقائد قاسماً مشتركاً بين غلاة الشيعة، ولا اختلاف إلاَّ في بعض التفاصيل المتعلقة بالأئمة الذين يؤلّهونهم، وفي مكانة محمد (صلعم) وعلي:
أ ـ فالعلبائية، أصحاب العلبا بن ذراع السدوسي، كانوا يفضلون
ــــــــــــــ
(1) عبد القاهر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 271، نشرة محيي الدين عبد الحميد.

812

علياً على النبي (صلعم) ويقولون إن عليّاً هو الذي بعث محمداً، ولكن محمداً بدلاً من الدعوة إلى عليّ دعا إلى نفسه.
ب ـ والميمية يقولون بإلهية محمد (صلعم) وعليّ معاً، ولكنهم يقدمون محمداً في الإلهية.
? ـ وفرقة قالت بإلهية أصحاب الكساء الخمسة: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن والحسين ـ وجعلت مراتبهم سواء « والروح حالـة فيهم بالسوية، لا فضل لواحدٍ على الآخر(1) ».
د ـ والغُرابية « زعموا أن الله عزّ وجلَّ أرسل جبريل ـ عليه السلام ـ إلى عليّ، فغلط في طريقه فذهب إلى محمد لأنه كان يُشْبهه، وقالوا: كان أشْبَهَ به من الغُراب بالغرابِ والذباب بالذباب؛ وزعموا أن علياً كان الرسول وأولاده بعده هم الرسل. وهذه الفرقة تقول لأتباعها: العنوا صاحب الريش، يعنون جبريل عليه السلام(2) ».
أما في عقيدة التناسخ فرأى الخطابية أقرب على رأي المانوية بحسب ما يرويه عبد القاهر البغدادي الذي يرى أن المانوية ذهبت أيضاً إلى التناسخ: « وذلك أن ماني قال في بعض كتبه: إن الأرواح التي تفارق الأجسام نوعان: أرواح الصديقين، وأرواح أهل الضلالة. فأرواح الصدّيقين إذا فارقت أجسادها سَرَتْ في عمود الصبح إلى النور الذي فوق الفلك، فبقيت في ذلك العالم على السرور الدائم؛ وأرواح أهل الضلال إذا فارقت الأجساد وأرادت اللحوق بالنور الأعلى رُدَّت منعكسةً إلى أسفل، فتتناسخ في أجسام الحيوانات إلى أن
ــــــــــــــ
(1) الشهرستاني: « الملل والنحل »، ? 2، ص 13 بهامش « الفصل ». القاهرة سنة 1321 ?.
(2) عبد القادر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 250، القاهرة بدون تاريخ.

813

تصفو من شوائب الظلمة، ثم تلتحق بالنور العالي(1) ». فهذا التقسيم أقرب إلى ما يقوله الخطابية في التناسخ إذ يقصرونه على غير المؤمنين بمذهبهم، وهم « أهل الضلال » في مذهب المانوية. وهذا يجعلنا نرجّح أن الخطابية في عقيدة التناسخ تأثروا بالمانوية، وهي كانت واسعة الانتشار في المنطقة التي قامت فيها حركة الخطابية (جنوب العراق)؛ أما سائر فرق الشيعة القائلة بالتناسخ فإن تناسخهم أقرب إلى التناسخ الذي قالت به الديانات الهندية، وخصوصاً البوذية.
وهنا نجد عبد القاهر البغدادي يذكر لنا أن القائلين بالتناسخ من الهنود هم السمنية. وأصحاب التناسخ من السمنية قالوا بقدم العالم، « وقال فريق منهم بتناسخ الأرواح في الصور المختلفة، وأجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى كلب، وروح الكلب إلى إنسان » (« الفرق بين الفرق »، ص 270). والسمنية من الفرق الصعبة التحديد في كتب الفرق، ويشار إليها خصوصاً فيما يتعلق بنظرة المعرفة، إذ ينسب إليهم أنهم حِسّيون، لا يعترفون بغير المعرفة الحسية، ويقولون إنه لا معلوم إلاّ من جهة الحواس الخمس.

ــــــــــــــ
(1) عبد القادر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 271، القاهرة بدون تاريخ، طبعة محيى الدين عبد الحميد.

814


فكرة المهدي

أقدم فرقة إسلامية نجد لديها فكرة المهدي، بحسب ما لدينا من نصوص، هي الكيسانية، أنصار إمامة محمد بن الحنفية، هو محمد بن علي بن أبي طالب، وأمه من بني حنيفة، ولذلك سُمَّي ابن الحنفية. وهذه الفرقة لا تسوق الإمامة في أحفاد فاطمة بعد مقتل الحسين، بل تنقلها من الحسين إلى محمد بن الحنفية.
وأول من دعا إلى إمامة محمد بن الحنفية هو المختار بن أبي عبيد الثقفي (الذي قُتل في سنة 67) الذي قام يطلب ثأر الحسين بن علي، ودعا إلى محمد بن الحنفية، وزعم أن ابن الحنفية قد استخلفه، واجتمع إليه نفر كبير، منهم عبد الله بن الحر، وكان من أشجع أهل زمانه، وإبراهيم بن مالك الأشتر (المقتول في سنة 72) ـ واستولى على الكوفة ونواحيها، وقَتَل كل من كان بالكوفة من الذين قاتلوا الحسين بن علي بكربلاء؛ وحارب عبيد الله بن زياد، وهو يومئذ بالموصل على رأس ثمانين ألفاً من جند الشام قد ولاّه عليهم عبدُ الملك بن مروان، فانتصر المختار على عبيد الله بن زياد وَقَتَل هذا الأخير. وتمت للمختار ولاية الكوفة والجزيرة والعراقين إلى حدود أرمينية.

815

وعلم ابن الحنفية بحركة المختار هذه، وأراد قدوم العراق، فخاف المختار من ذلك أن تذهب رياسته، « فقال لجنده: إنّا على بيعة المهديّ، ولكن للمهديّ علامة، وهو أن يُضْرَب بالسيف ضربةً. فإن لَم يقْطع السيفُ جِلده فهو المهدي. وانتهى قوله هذا إلى ابن الحنفية، فأقَام بمكة خوفاً من أن يقتله المختار بالكوفة ».(1) ثم إنه لما تمكّن له السلطان، راح يتكهّن، ويدّعي نزول الوحي عليه؛ فبدأ أهل الكوفة بالتمرد عليه، وخرج عليه إبراهيم بن مالك الأشتر وعبد الله بن الحرّ الجعفي ومحمد بن الأشعث الكندي وأكثر سادات الكوفة ـ غيظاً منهم على المختار لأنه استولى على أموالهم وعبيدهم؛ وأطمعوا مصعب بن الزبير في أخذ الكوفة. فخرج مصعب من البصرة، والتقى مع الجيش الذي أنفذه المختار في المدائن فانهزم أصحاب المختار، وانهزم بعد ذلك المختار وأصحابه، وقُتِل المختار.(2)
والكيسانية اختلفوا في سبب إمامة محمد بن الحنفية، فقال بعضهم إنه كان إماماً بعد أبيه علي بن أبي طالب مباشرة، واستدلوا على ذلك
ــــــــــــــ
(1) عبد القادر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 47.
(2) راجع تفاصيل هذا كله في كتاب يوليوس ?لهوزن: « الخوارج والشيعة » الذي ترجمناه، وظهر في القاهرة سنة 1959.
* راجع عن فكرة المهدي والمهدية في الإسلام:
Sir Mouier Mouier – Williams: Buddism, 2nd ed. p. III sq. London, 1890.
a) James Marmesteter: Le Mahdi depuis les origines de l'Islam jusqu'à nos jours, Paris, 1885;
b) Van Vloten: Recherches sur la domination Arabe, Amsterdam, 1864, pp. 54 sqq.;
c) Van Vloten in ZDMG. LII, 218 sqq.;
d) E. Polochet: Le Messianisme dans l'hétérodoxie musulmane, Paris, 1903;
e) I. Friedlânder: Die Messiasidee in Islam (Festschrift für A. Berliner, Frankfurt-am-Main, 1903, pp. 116-130.

816

بأن عليّاً دفع إليه الراية يوم موقعة الجمل؛ وقال آخرون « إن الإمامة بعد علي كانت لابنه الحسن، ثم للحُسين بعد الحسن، ثم صارت إلى محمد بن الحنفية بعد أخيه الحسين بوصية أخيه الحسين إليه حين هرب من المدينة إلى مكة حين طولب بالبيعة ليزيد بن معاوية » (« الفرق بين الفرق »، ص 39).
والكيسانية فِرق:
1 ـ منهم الكربية، أصحاب أبي كرب الضرير، الذين يزعمون « أن محمد بن الحنفية حيٌّ لم يمت، وأنه في جبل رَضْوَى، وعنده عينٌ من الماء وعين من العسل، يأخذ منهما رزقه. وعن يمينه أسد، وعن يساره نمر، يحفظانه من أعدائه إلى وقت خروجه، وهو المهديّ المنتظر.
ب ـ وذهب الباقون من الكيسانية، إلى الإقرار بموت محمد بن الحنفية. واختلفوا في الإمام بعده: فمنهم من زعم أن الإمامة بعده رجعت إلى ابن أخيه: علي بن الحسين زين العابدين؛ ومنهم من قال برجوعها بعده إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية. واختلف هؤلاء في الإمام بعد أبي هاشم: فمنهم من نقلها إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب (والد السفاح والمنصور، وتوفي في سنة 124 أو 125 ?) بوصية أبي هاشم إليه ـ وهذا قول الراوندية؛ ومنهم من زعم أن الإمامة بعد أبي هاشم صارت إلى بيان بن سمعان، وزعموا أن روح الله كانت في أبي هاشم، ثم انتقلت منه إلى بيان؛ ومنهم من زعم أن تلك الروح انتقلت من أبي هاشم إلى عبد الله بن عمرو بن حرب، وادعت هذه الفرقة إلهية عبد الله بن عمرو بن حرب ».(1)
ــــــــــــــ
(1) عبد القاهر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 39 ـ 41.

817

والذين قالوا إن ابن الحنفية حيّ محبوس بجبل رَضْوَى إلى أن يؤذن له بالخروج، اختلفوا في سبب حبسه هناك: « فمنهم من قال: لله في أمره سرٌّ لا يعلمه إلاَّ هو، ولا يُعْرَف سببُ حبسه. ومنهم من قال: إن الله تعالى عاقبه بالحبس لخروجه بعد قتل الحسين بن علي إلى يزيد بن معاوية وطلبه الأمانَ منه، وأخذِهِ عطاءه، ثم خروجه في وجه ابن الزبير من مكة إلى عبد الملك بن مروان هارباً من ابن الزبير... وقالوا: إنه كان يجب عليه أن يقاتل ابن الزبير ولا يهرب. فعصى ربه بتركه قتاله، وعصاه بقصده عبد الملك بن مروان، وكان قد عصا قبل ذلك بقصده يزيد بن معاوية. ثم إنه رجع من طريقه إلى ابن مروان ـ إلى الطائف؛ ومات بها ابنُ عباس ودفَنَه ابنُ الحنفية بالطائف. ثم سار منها إلى الذر. فلما بلغ شِعْبَ رَضْوَى اختلفوا فيه: فزعم المقرُّون بموته أنه مات فيه، وزعم المنتظرون له أن حَبَسه هنالك وغيّبه عن عيون الناس عقوبةً له على الذنوب التي أضافوها إليه، إلى أن يؤذن له بالخروج؛ وهو المهديّ المنتظر(1) » ويؤيد هذه الأخبار ما أورده سعد بن عبد الله القمي في « المقالات والفرق » إذ ذكر أن إحدى فرق الكيسانية قالت: « إن محمد بن الحنفية، هو الإمام المهدي، وهو وصيّ عليٍّ، ليس لأحد من أهل بيته أن يخالفه ولا يخرج عن إمامته، ولا يشهر سيفه إلاّ بإذنه. وإنما خرج الحسن إلى معاوية محارباً بأذنه (أي بإذن ابن الحنفية)، ووادعه وصالحه بإذنه؛ وخرج الحسين إلى قتال يزيد بن معاوية: بإذنه، ولو خرجا بغير إذنه هلكا وضلاّ؛ ومَن خالف محمد بن الحنفية من أهل بيته وغيرهم فهو كافر مشرك(2) ».
ــــــــــــــ
(1) عبد القاهر البغدادي: الكتاب نفسه، ص 52 ـ 53.
(2) سعيد بن عبد الله القمي (المتوفى سنة 301 ?): « كتاب المقالات والفرق »، ص 26. طهران سنة 1963.

818

كذلك يذكر عن فرقة أخرى من الكيسانية أنها قالت « إن محمد بن الحنفية هو المهدي، سماه أبوه عليُّ: مهدياً، ولا يجوز أن يكون مهديان: مهدي في أيام ابن الحنفية، ومهدي بعد ذلك. وإنما المهدي هو واحد، وهو ابن الحنفية. وإنما غاب، فلا يُدْرَى أينَ هو. وسيرجع ويملك الأرض، ولا إمام بعد غيبته إلى رجوعه. وهم الكربية، أصحاب أبي كرب.
وبعضهم يزعم بأنه عبد الله بن محمد بن الحنفية فيه روح أبيه، وأنه حيّ لم يمت، وأن المُغيّب في جبال رضوى هو عبد الله بن محمد، لا الأب؛ وأنه يملك الأرض، وأنه إِنما غيب وجعل بين أسدين ونمرين عقوبة أصَابتْه لإتيانه عبد الملك بن مروان. وهم من أصناف المختارية » (الكتاب نفسه، ص 27).
كذلك نرى أبا الحسن الأشعري في « مقالات الإسلاميين » يذكر عن فرقة من فرق الكيسانية ـ وعددها عنده عشر فرق ـ أنها قالت عن عبد الله بن معاوية « إنه حيّ بجبال أصفهان لم يمت، ولا يموت حتى يليَ أمور الناس، وهو المهدي الذي بَشّر به النبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان المختار بن عبيد (المقتول في سنة 67 ?/ م) قد قال بفكرة المهدي، كما يذكر عبد القاهر البغدادي، وأنه زعم في البدء على الأقل ـ أنه محمد بن الحنفية، فستكون إذن فكرة المهدي قد ظهرت وشاعت وأصبحت عقيدة في منتصف القرن الأول للهجرة أو بعده بقليل حتى يتخذ منها المختار شعاراً له في مطالبته بثأر الحسين وفي حركته التي انقضّ بها على الأمويين.
ويؤيد ذلك أن كثير عزة ـ الشاعر المشهور صاحب عزة (المتوفى

819

في أصح(1) الروايات في سـنة 105 هجرية) ـ ذكر في شـعره أن ابن الحنفية كان يلقب ? « المهديّ ». قال كثير عزة في ابن الحنفية(2):

هـو المهديُّ: خَبّرنـَاه كعبٌ أخو الأحبـار، في الحقب الخوالي
وقال أيضاً يستحثه على الخروج:

هُـدِيتَ يا مهدَّينـا ابن المهـدِيَ أنت الذي نرضى به ونرتجي أنت ابن خير الناس من بعد النبي أنت إمـام الحق، لسنا نفتري يا بن عليٍّ سِرْ؛ ومَنْ مِثـْلُ عَلي حتى تحلّ أرض كَلْبٍ وبلى(3)
وفي البيت الأول ـ إن صحّ ـ إشارة إلى أن كعب الأحبار(4)، اليهوديّ الأصل، هو الذي بث فكرة المهدي في الإسلام. وابن حزم الأندلسي يذكر أن من اليهود من كانوا يقولون بغيبة بعض كبار الصالحين، قال وهو يتحدث عمن زعموا أن عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب حيّ يرزق بجبال أصفهان: « صار هؤلاء في سبيل اليهود القائلين بأن ملكيصدق بن عامر بن أرفحش بن سام بن نوح، والعَبد الذي وجهه إبراهيم ـ عليه السلام ـ ليخطب ربقا بنت نبؤال بن ناخور بن تارخ ـ على اسحق ابنه عليه السلام، وإلياسَ عليه السلام، وفنحاشَ
ــــــــــــــ
(1) « الأغاني »، ? 9، ص 36.
(2) شرح ديوان كثير، ? 1، ص 270، نشرة هنري ?يرس ـ في الجزائر سنة 1928 ـ سنة 1930.
(3) ابن سعد: كتاب « الطبقات »، ? 5، ص 73.
(4) « هو كعب بن ماتع، ويكنى أبا اسحق؛ وهو من حمير من آل ذي رعين. وكان على دين اليهود وينزل اليمن، فأسلم هناك. ثم قدم المدينة في خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ ثم خرج إلى الشام، فسكن حمص حتى توفى بها سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان » (ابن قتيبة؛ « المعارف »، ص 430 تحقيق د. ثروت عكاشة، القاهرة سنة 1960). وقد اتهم بأنه يصنع الأخبار (الجاحظ: « الحيوان »، ? 4، ص 202). وكثير مما يعرف بالإسرائيليات في التاريخ والتفسير يرجع إليه.

820

ابن العازار بن هارون عليه السلام: أحياءٌ إلى اليوم. وسلك هذا السبيلَ بعضُ نوكَى الصوفية، فزعموا أن الخضر وإلياس ـ عليهما السلام ـ حَيّان إلى اليوم، وادعى بعضهم أنه يلقى إلياس في الفلوات، والخِضِر في المروج والرياض، وأنه متى ذكر حضر على ذاكراه(1) ».
وإذا كان كعب الأحبار ـ المتوفى سنة 32 هجرية ـ هو الذي بثّ فكرة المهدي في الإسلام، فسيجعلنا هذا نرتفع بظهور الفكرة في الإسلام إلى قبل سنة 34 أي في أوائل خلافة عثمان. لكن عدم تحديد ما قاله كعب الأحبار بالضبط لا يسمح لنا بمزيد من التوسّع في هذا الفرض. ولربما كان حديثه عامّاً عن فكرة المهدي دون أن يربطها بشخص بعينه. فمن الأحوط أن نقول إنها أصبحت عقيدة دينية بالمعنى(2) الاصطلاحي ابتداءً من حركة الكيسانية التي تزعمها المختار بن عبيد (المتوفى سنة 67 ?)، أي حوالي سنة 60 ?.
فلننظر الآن في الدوافع التي دفعت إلى القول بفكرة المهدي في الإسلام:
1 ـ أول هذه الدوافع هي الدوافع السياسية للتغلب والسيطرة. فقد اتخذ منها المختار الثقفي شعاراً للحركة التي قام بها ضد الأمويين، وكذلك سائر حركات التمرد في الدولة الأموية والدولة العباسية مما اصطبغ بصبغة التشيع للعلويين، خصوصاً الإسماعيليّة الفاطمية.
ــــــــــــــ
(1) ابن حزم: « الفصل في الملل والنحل »، ? 4، ص 180، المطبعة الأدبية، القاهرة سنة 1321 ?.
(2) أشار جولدتسيهر إلى استعمال الوصف ? « المهدي » استعمالا لغوياً صرفاً لدى حسان بن ثابت في مدح النبي (ديوانه طبع تونس، ص 24) والفرزدق في مدحه سليمان بن عبد الملك، وجرير في مدحه سليمان بن عبد الملك الخليفة الأموي نفسه (ديوان جرير، ? 1، ص 58، القاهرة سنة 1313). ولكن لا شأن لهذا بالمعنى الاصطلاحي الذي نتحدث عنه هنا. راجع:
I. Goldzihr: Le Dogme…, ,tr. fr. p. 287.

821

ويدخل في هذا الحركات التي قامت بها الشعوب المغلوبة ضد سيطرة الجنس العربي، وعلى رأسها العنصر الفارسي.
وفي هذا يقول جولدتسيهر: « وخلال تاريخ الإسلام استطاعت هذه العقيدة (عقيدة المهدي) أن تستخدم لتبرير ما قام به بعض المتمردين السياسيين الدينيين الذين طمحوا إلى قلب النظام القائم، ولكي يكسبوا لأنفسهم شعبية بوصفهم ممثّلين لفكرة المهدي، ويوقعوا أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي في الاضطراب والحروب. والناس جميعاً يذكرون ما سجله تاريخ الإسلام في الماضي القريب جداً من ظواهر من هذا النوع، وفي أيامنا هذه الطامحون إلى مرتبة المهدي في نواحٍ مختلفة من العالم الإسلامي، خصوصاً ابتغاء مناهضة التأثير المتزايد للدول الأوربية في البلاد الإسلامية(1) ».
وحتى غير الشيعة استعانوا بفكرة المهدي في الدعوة لأنفسهم بالخلافة. فالعباسيون قد لجأوا أيضاً إلى فكرة المهدي في الدعوة إلى أحقيتهم في الخلافة. ذكر المسعودي بأن الخليفة العباسي الأول، الملقب بالسفّاح، كان يلقب بلقب « المهدي »، (2) قال: « وقد كان (أي عبد الله السفّاح) لُقِّب أولاًَ بالمهدي ». كذلك يروى أنه بعد انتصار الخراسانيين بقيادة أبي مسلم الخراساني، كان القوم ينتظرون ظهور « المهدي ». وثالث الخلفاء العباسيين سُمّي المهدي وهو الذي خلف أباه جعفر المنصور.
وقد وضع دعاة العباسيين من أجل هذا حديثاً نسبوه إلى النبيّ، وعُرف باسم حديث الرايـات، وقد ورد من طريق يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: « بينما نحن عند رسول
ــــــــــــــ
(1) جولدتسيهر: « العقيدة والشريعة في الإسلام »، ترجمة فرنسية، ص 185. باريس سنة 1958.
(2) « التنبيه والاشراف »، ص 338، س 4.

822

الله (صلعم) إذ أقبل فتيةٌ من بني هاشم. فلما رآهم رسول الله (صلعم) ذَرَفَتْ عيناه وتغيّر لونه. قال: فقلتُ ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه؛ فقال (أي النبي): « إنّا أهلَ البيت، اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنّ أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً، حتى يأتي قوم من قِبَل المشرق معهم رايات سودٌ، فيسْألون الخَيْرَ فلا يُعْطَوْنه، فيقَاتِلون ويُنْصَرون، فيُعْطَون ما سَأَلوا. فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجلٍ من أهل بيتي فيملأها قِسْطاً كما ملأوها جوراً. فمن أدرك ذلك منكم فليأتِهم ولو حَبْواً على الثلج ».(1) وقد بيّن ابن خلجون ضعف هذا الحديث قائلاً إن الأئمة ـ ولم يذكر أسماءَهم ـ صرّحوا بضعف هذا الحديث؛ وإن وكيع بن الجَرّاح قـال فيه إنه ليس بشيء، وكذلك قـال فيه أحمد بن حنبل. وقـد خرجه ابن ماجة في كتاب « السُّنّة » عن عبد الله بن مسعود.
وأصحاب الرايات السود هم الذين قاموا بالدعوة للعباسيين في خراسان بزعامة أبي مسلم، وخراسان في المشرق الإسلامي فهم إذن أتوا من المشرق. وأهل البيت هنا يقصد بهم المعنى الواسع الذي يشمل عمّه العباس بن عبد المطلب، أي بني هاشم بعامّة.
وربما كانت فكرة « السفياني » أيضاً صدى لفكرة « المهدي ». وفكرة « السفياني » يُعْزى وضعها إلى خالد بن يزيد، الأمير الأموي الذي كان مولعاً بالكيمياء، إذ يقول ابن تغري بردي عنه: « وقيل إنه هو الذي وضع حديث السفياني لما سمع حديث المهدي ». وذلك حين
ــــــــــــــ
(1) أورده ابن خلدون في « المقدمة، ص 565 ـ 566، بيروت 1961.
(2) ? 2، ص 1366، الحديث رقم 4082، القاهرة سنة 1954، وبصورة مختصرة برقم 4084، ورقم 4088.
(3) ابن تغري بردى: « النجوم الزاهرة »، ? 1، ص 221، القاهرة، دار الكتب المصرية. وراجع « البدء والتاريخ »، ? 2، ص 176.

823

غلبه مروان بن الحكم على تولي الخلافة. وكما بالنسبة إلى المهدي، وُضِع من أجله حديث رووه عن حذيفة بن اليماني أنه قال: « قال رسول الله (صلعم) وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب، قال: فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس، حتى ينزل دمشق فيبعث جيشيْن: جيشاً إلى الشـرق، وجيشاً إلى المدينة حتى ينزلـوا بأرض بابل... ».
فإنْ كان العباسيون، بل والأمويون قبلهم استندوا إلى فكرة المهدي، فهذا يدل على مدى انتشارها وتأثيرها في الناس بحيث تصلح لإثارة عواطفهم ضد نظام حكم والدعوة إلى حكم جديد.
2 ـ وهذا يفضي بنا إلى التحدث عن النوع الآخر من الدوافع إلى القول بفكرة المهدي، وأعني بها الدوافع الاجتماعية والاقتصادية.
ذلك أننا نرى المهديّ يجيء أساساً « ليملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جوراً »، والجور هنا يشمل:
أ) الجور في الدين، بعدم اتباع أوامره ونواهيه؛
ب) والجور في الاقتصاد، باستئثار فئة قليلة بالأموال والخيرات وبقاء سائر الجماعة في فقر وحرمان.
ولما كانت هذه الدوافع عامة لا تقتصر أصولها على شيعة آل البيت، فقد لعبت فكرة المهدي لدى أهل السنة أيضاً نفس الدور الذي لعبته عند الشيعة أي: انتظار مجيء حاكم عادل ينصف المظلومين ويضرب على أيدي الظالمين، ويشيع العدالة الاجتماعية بين الناس.
لهذا انتشرت فكرة المهدي رافع المظالم ومشيع العدالة في الأوساط السُّنيّة منذ وقت مبكر، نستطيع أن نحدده بابتداء خلافة عمر بن عبد العزيز (99 ـ 101 ?/ 718 ـ 721 م)، إذ وردت أخبار تومئ إلى

824

أن المهدي هو عمر بن عبد العزيز، أشجّ بني أمية. ويذهب بعض هذه الأخبار إلى حدّ أن بني عبد المطلب وبني عبد شمس قد توزّعا النبوة والمهدية: فخُصّ بنو هاشم بالنبوة، وخُصّ بنو عبد شمس (ومنهم الأمويون) بالمهدية ». ويقول ابن سعد في طبقاته: « سمعت محمد بن علي يقول: النبيّ منّا، والمهديّ من بني عبد شمس، ولا نعلمه إلاّ عمر بن عبد العزيز(1) ».
وفي بداية ظهورها في الأوساط السُّنيّة كان يعتقد أن مجيئه قريب. ولكن حينما خابت الآمال في العباسيين صاروا يؤخرون موعد مجيئه شيئاً فشيئاً كلما رأوا الأمر « لا يزداد إلاّ شدّة، ولا الدنيا إلاّ إدباراً، ولا الناس إلاّ شُحّاً، ولا تقوم الناس إلاّ مع شرار الناس(2) ».
لقد تصوروه أولاً أنه الخليفة المهدي أي أبو جعفر المنصور الذي خلف أباه في الخـلافة، وقد انطبق عليه شكلياً ما اشترط في المهدي: وهـو أن اسمه محمد، ولقبه المهدي « وهو من أهل البيت، ولم يَأْلُ جهداً في إظهار العدل ونفي الجَوْر »(3).
وكلما ضعف الأمل في قرب ظهوره ازداد ما يرجو الناس منه، حتى قالوا في المهدي إنه « يرفع الجور عن أهل الأرض، ويُفيض المَعْدَلة عليهم، ويسوّي بين الضعيف والقويّ، ويبلّغ الإسلام مشارق الأرض ومغاربها، ويفتح القسطنطينية؛ ولا يبقى أحدٌ في الأرض إلاّ دخل الإسلام أو أدّى الجزية. وعند ذلك يتم وعدُ الله ليُظْهره على الدين كله(4) ». ومن هذا يتبين: 1) أن مهمته تشمل الأرض كلها:
ــــــــــــــ
(1) ابن سعد: « الطبقات »، ? 5، ص 245.
(2) المقدسي: « البدء والتاريخ »، ? 2، ص 181، نشرة كليمان هوار.
(3) المرجع نفسه، ? 2، ص 181 ـ 182.
(4) المرجع نفسه، ? 2، ص 182 ـ 183.

825

يبسط العدل فيها بين الناس جميعاً؛ ب) إن من مهمته الدعوة إلى نشر الإسلام حتى يبلغ مشارق الأرض ومغاربها؛ ?) أنْ يفتح القسطنطينية؛ د) أنْ يخضع العالم كله لحكم الإسلام: إما بالدخول فيه، أو أداء الجزية للحكام المسلمين. وهذا الإطار الجديد لمهمة المهدي قد وسّع إذن في دوره حتى صار دوراً عالمياً، وواضح أيضاً من هذا النص أن القسطنطينية في وقت وضع هذا النص كانت الهدف الأساسي لحركة الإسلام في التوسع والفتح.
وهذه المطالب في المهدي قد خرجت عن نطاق الشيعة المحدود، وجعلت من فكرة المهدي فكرة إسلامية عامة لا تخص طائفة ولا فرقة، بل تشمل المسلمين أجمعين.
وارتبط بذلك تحديد هيئته ومكان ظهوره: « فقال بعضهم: يكون ابنَ أمةٍ، أسمرَ العينين، بَرّاق الثنايا، في خدّه خالّ »، وقالوا: « مِنْ حِلْية المهدي أنه أسمر اللون، كَثّ اللحية، أكحل العينين، برّاق الثنايا، في خدّه خال ». أما عن مكان ظهوره فقال قوم: مولده بالمدينة، ومخرجه بمكة، يُبايَع بين الصّفا والمَرْوة. وزعم آخرون أنه يخرج من أَلمَوت(1) ».
كما حددوا أيضاً مدة عمره « فقيل: يعيش سبع سنين؛ وقيل: تسعاً؛ وقيل: عشرين؛ وقيل: أربعين؛ وقيل سبعين(2) ».
وفي تحديد كونه ابن أَمَة (= عبدة، غير حُرَّة) ما يؤذن بأن مخترع هذا الوصف من الموالي، وأن المهدي يقوم أساساً بإنصاف العبيد والأرقاء والموالي والشعوب المغلوبة على أمرها في دولة الإسلام. فهذا
ــــــــــــــ
(1) المرجع نفسه، ? 2، ص 182.
(2) المرجع نفسه، ? 2، ص 183.

826

النّسَب بين الإمام الذي من قريش (سواء أكان من بني هاشم، أو من بني عبد شمس، أو من عترة عليّ بن أبي طالب وحده) وبين الأَمة التي من الموالي تقع التسوية أو في القليل: التقريب بين الموالي المغلوبين وبين القرشيين الحاكمين. إنها مصاهرة قصد بها إلى إزالة الحواجز العنصرية بين هؤلاء وأولئك.
ويلاحظ، مع ذلك، أن أهل السُّنّة لم يوجبوا عقيدة المهدي جزءاً من العقيدة الإسلامية؛ ولهذا لا نرى أبا الحسن الأشعري في « مقالات الإسلاميين » ولا الباقلاني في « التمهيد » ولا عبد القاهر البغدادي في « الفَرْق بين الفِرق » يذكرها من بين ما يؤمن به أهل السنة.


827

[Blank Page]


الإسماعيليّة

[Blank Page]


الإسماعيليّة

رأينا كيف تطور الرأي في تاريخ مجيء المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت جوراً: من القول بقرب مجيئه، إلى القول بأن مجيئه سيتأخر به الزمان. وهذا التطور حدث عند أهل السنة وعند الشيعة على السواء.
وكان أكثر فرق الشيعة تمسكاً بالرأي القائل بقرب مجيئه فرقة الإسماعيليّة:

نشأتها

وسُميت بهذا الاسم نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق. ولكن إسماعيلاً تُوفي في حياة أبيه، ولهذا انقسمت إلى فرقتيْن أساسيتيْن:
أ) الأولى، وهي الإسماعيليّة الخالصة قالت « إن الإمام بعد جعفر: ابنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه، وقالوا: كان ذلك يلتبس على الناس لأنه خاف عليه فغيّبه عنهم.

831

وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض ويقوم بأمور الناس، وأنه هو القائم، لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده، وقلّدهم ذلك له، وأخبرهم أنه صاحبهم(1) ». وهذه الفرقة تنتظر إسماعيل بن جعفر(2).
ب) والثانية قالت « إن الإمام بعد جعفر: محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأمّه أمّ ولد. وقالوا: إن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه، فلما توفي قبل أبيه جعل جعفرُ بن محمد الأمرَ لمحمد بن إسماعيل. وكان الحق له، ولا يجوز غير ذلك لأنها لا تنتقل من أخ إلى أخٍ بعد حسن وحسين، ولا يكون إلاّ في الأعقاب. ولم يكن لإخوة إسماعيل: عبد الله وموسى ـ في الإمامة حق، كما لم يكن لمحمد بن الحنفية فيها حق مع علي بن الحسين، وأصحاب هذه المقالة يسمون المباركية، برئيس لهم كان يُسمى المبارك: مولى إسماعيل بن جعفر(3) ».
وهنا تثور مسألة تاريخ ظهور هذه الفرقة: هل ظهرت بعد وفاة إسماعيل وفي حياة أبيه جعفر الصادق (توفي جعفر الصادق في المدينة في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة وهو ابن خمس وستّين سنة، وكان مولده في سنة ثلاث وثمانين)، أي قبل سنة 148 ?؟ أو بعد وفاة جعفر الصادق مباشرة حيث تُنوزع على الأحق بالإمامة بعده، أي بعد سنة 148 ? مباشرة؟ أو بعد ذلك بمدة طويلة تجاوز المائة عام؟
يرى أقدم المصادر (سعد بن عبد الله القمي «: المقالات والفرق ») أن الخطابية، أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي دخلوا في فرقة محمد بن إسماعيل. وقد قُتِل أبو الخطاب في عام
ــــــــــــــ
(1) سعد بن عبد الله القمي: « المقالات والفرق »، ص 80. طهران، سنة 1963.
(2) البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 63، طبعة محيى الدين.
(3) سعد بن عبد الله القمي: « المقالات والفرق »، ص 80 ـ 81.

832

143 ?، قتله عيسى بن موسى والي الكوفة مِنْ قِبَل العباسيين. ولكن يبدو من كلامه أن الخطابية الرؤساء الذين قتلوا مع أبي الخطاب لم يقولوا بإمامة محمد بن إسماعيل، وإنما فرقة خطابية متأخرة هي التي قالت بذلك. وعلى هذا ينبغي أن نميز بين فرقة أبي الخطاب نفسه، وبين فـرق تالية انتسبت إلى الخطابية، ذكر منها أبو الحسن الأشعري في « مقالات الإسلاميين » (? 1، ص 77 ـ 78) أربعاً هي: اليعمرية، والبزيغية، والعميرية، والمفضّلية ـ فيما يتعلق بالقول بإمامة محمد بن إسماعيل. لكن من الغريب أن أبا الحسن الأشعري لا يذكر لأية واحدة منها أنها قالت بإمامة محمد بن إسماعيل. لهذا يصعب معرفة ما هي الفرقة الخطابية التي قالت بذلك. ومن ثمّ يصعب تحديد نشأة الإسماعيليّة، إذ ربطناها بالخطابية.
أما إذا ربطناها بالمباركية، والمباركية نسبة إلى المبارك، مولى إسماعيل بن جعفر، فهذا يجعلنا نرتفع بظهور الإسماعيليّة إلى منتصف القرن الثاني للهجرة أو قبيل ذلك بقليل.
وهنا إما أن نقول بعدم وجود استمرارا واتصال بين المباركية وبين القرامطة، أو نقول بوجود اتصال:
وممن قالوا بالرأي الأول صمويل اشترن(1) إذ يرى أن العلاقة واهية بين الخطابية وبين الإسماعيليّة التي ظهرت في منتصف القرن الثالث الهجري، ويسوق لتأييد رأيه سببيْن:
(الأول) أنه حوالي سنة 260 ? ظهرت فجأةً ارساليات في مختلف
ــــــــــــــ
(1) راجع بحثه في مجموعة أبحاث ندوة استراسبورج 12 ـ 14 يونيو سنة 1959، والتي نشرت بعنوان l'Elaboration de l'Islam ، باريس سنة 1961، ص 100 ـ 101.

833

مناطق العالم الإسلامي تدعو إلى مذاهب ثورية. وفي سنة 261 نجد دعوة إسماعيلية تستقر في جنوب العراق، كان زعماؤها المحليون هم حمدان قرمط وعَبْدان؛ وبعد ذلك بقليل نجد الإسماعيليّة يستقرون في البحرين بزعامة أبي سعيد الجنابي، وفي اليمن بزعامة منصور اليمني وعلي بن الفضل. والداعية الإسماعيليّ المشهور: أبو عبد الله الشيعي، الذي يدين له الفاطميون بالمُلْك، جاء إلى شمال أفريقية من اليمن في سنة 280 ?. وقيام مركز إسماعيلي في الرّيّ في الشمال الغربي من إيران يمكن أن يُؤرّخ بالنصف الثاني من القرن الثالث الهجري.
(الثاني) والمذاهب التي دعا إليها الإسماعيليّة في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري كانت مختلفة كثيراً عن مذاهب الفرق الأولى: فمثلاً بينما الخطابية وما شابهها من فرق تعتقد في ألوهية الأئمة، لم تقلْ الإسماعيليّة المتأخرة بالتجلي الإنساني للألوهية. صحيح أنه لا بد أن يكون ثم ارتباط بين الفرق الأولى وبين حركة الإسماعيليّة (المتأخرة) لأن هذه وتلك تتركز حول شخص محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وبهذا تقول بنفس التسلسل في الأئمة، لكن هذا في نفسه ـ هكذا يقول ـ لا يعني وجود اتصال تاريخي. ولا بد أن نفترض أن بعض الأشخاص ممن انتسبوا إلى الفرق الأولى قد بقي حتى منتصف القرن الثالث، غير أنه أعطى الفرقة (الإسماعيليّة) الجديدة وجهاً جديداً مختلفاً تماماً فيما يتعلق بالهدف والتنظيم والعقيدة.
وهكذا نراه يخفف من توكيده الأول، ويقرّ بنوع من التواصل بين الخطابية وبين إسماعيلية النصف الثاني من القرن الثالث. ولكنه إنما دعاه إلى ذلك مقارنة بين الخطابية وبين الإسماعيليّة المتأخرة. والحق أن المقارنة ينبغي أن تكون بين المباركية ـ لا الخطابية ـ وبين إسماعيلية النصف الثاني من القرن الثالث. وعبد الله بن سعد القمي (ص

834

83) قـد أعطـانا الدليل حين ربط بين هـذه الإسماعيليّة المتأخرة وبين المبـاركية، فقال: « وتشعبت بعد ذلك فرقة منهم من المباركية ممن قال بإمامة محمد بن إسماعيل تُسمى القرامطة، سميت بذلك لرئيس كان لهم من أهل السواد من الأنباط كان يلقب ?« قرموطويه ». وكانوا في الأصل على مقالة المباركية ثم خالفوهم وقالوا... »(1).
ولهذا نرى نحن أن المباركية، نسبة إلى المبارك، مولى إسماعيل بن جعفر الصادق، هم الإسماعيليّة الأولى، وأنهم استمروا من منتصف القرن الثاني الهجري إلى النصف الثاني من القرن الثالث الهجري حين تشعبت عنهم فرقة القرامطة.
غير أن المصادر لا تطيل في الحديث عن المباركية، ولا تحدثنا عن سائر مقالاتها، وتقتصر فقط على ذكر أنها قالت بإمامة محمد بن إسماعيل بعد وفاة جده جعفر الصادق في سنة 148 ?، وأن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه جعفر. فلما توفي قبل أبيه جعل جعفر نفسه الأمر لمحمد بن إسماعيل.
ولهذا لا نملك إلاّ أن ننتقل من هذه الإسماعيليّة الأولى، إلى الإسماعيليّة الثانية، التي دعا إليها القرامطة.

ــــــــــــــ
(1) سعد بن عبد الله القمي: « المقالات والفرق »، ص 83. طهران، سنة 1963.

835


القرامطة

والقرامطة تختلط أخبارها بفرق أخرى من الباطنية: مثل البابكية، أو الباطنية بوجه عام.
وأقدم مصدر ميّز القرامطة فرقة برأسها هو سعد بن عبد الله القمي (المتوفى سنة 301 ?) في كتابه « المقالات والفرق » فقال عنها:
« القرامطة: سُميت بذلك لرئيس كان لهم من أهل السواد من الأنباط كان يلقب بقرمطوية. وكانوا في الأصل على مقالة المباركية، ثم خالفوهم وقالوا: لا يكون بعد محمد (صلعم) (غير) سبعة أئمة: عليّ ـ وهو إمامٌ رسولٌ، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، ومحمد بن إسماعيل بن جعفر ـ وهو الإمام القائم المهدي، وهو رسول. وهؤلاء رُسُلٌ أئمة. وزعموا أن النبي ـ صلعم ـ انقطعت عنه الرسالة في حياته في اليوم الذي أُمِر فيه بنصب عليّ بن أبي طالب بغدير خُمّ. فصارت الرسالة في ذلك اليوم إلى أمير المؤمنين وفيه. واعتلّوا في ذلك بخبر تأوّلوه وهو قول رسول الله: « مَنْ كنتُ مولاه فعليّ مولاه »؛ وإن هذا القول فيه خُروجٌ من الرسالة والنبوة وتسليم منه ذلك لعليّ بن أبي طالب ـ بأمر الله؛ وإن النبيّ (صلعم) بعد ذلك صار تابعاً

836

لعليّ، محجوباً به. فلما مضى أميرُ المؤمنين صارت الإمامة والرسالة في الحَسَن. ثم صارت من الحَسَن في الحُسَين. ثم صارت في عليّ بن الحسين. ثم في محمد بن عليّ. ثم كانت في جعفر بن محمد. ثم انقطعت عن جعفر في حياته. ثم إن الله بدا في إمامة جعفر وإسماعيل فصيّرها عزّ وجلَّ ـ في محمد بن إسماعيل. واعتلّوا في ذلك بخبر رووه عن جعفر بن محمد أنه قال: « ما رأيتُ مثلَ بداءٍ بدا لله في إسماعيل ». وزعموا أن محمد بن إسماعيل حيٌّ لم يمت، وأنه غائب مستتر في بلاد الروم، وأنه القائم المهديّ. ومعنى القائم عندهم: أنه يبعث بالرسالة وبشريعة جديدة ينسخ بها شريعة محمد. وأن محمد بن إسماعيل من أولي العَزْم. وأولو العزم عندهم سبعة: نوح، وإبراهبم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وعلي، ومحمد بن إسماعيل ـ على معنى أن السماوات سبع، والأرضين سبع، وأن الإنسان بدنه سبع: يداه، ورجلاه، وظهره، وبطنه، وقلبه؛ وإنّ رأسه سبع: عيناه، وأذناه، ومنخراه، وفمه؛ وفيه لسانه؛ وفمه بمنزلة صدره الذي فيه قلبه. والأئمة سبعٌ كذلك، وقلبهم: محمد بن إسماعيل. وأولو العزم سبع. واعتلّوا في نسخ شريعة محمد (صلعم) وتبديلها بأخبار رووها عن جعفر بن محمد أنه قال: لو قام قائمنا علمتم القرآن جديداً، وأنه قال: « إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء » ـ ونحو ذلك من أخبار القائم.
وزعموا أن الله جعل لمحمد بن إسماعيل جنة آدم ـ ومعناها عندهم: الإباحة للمحارم وجميع ما خلق في الدنيا، وهو قول الله: « فكُلا منها رغداً حيث شئتما » (2: 34) يعني: محمد بن إسماعيل وأباه إسماعيل، « ولا تقربا هذه الشجرة » (2: 34) أي موسى بن جعفر بن محمد ووَلَده مِنْ بعده: مَنْ ادعى منهم الإمامة.

837

وزعموا أن محمد بن إسماعيل هو خاتم النبيين، الذي حكاه الله في كتابه؛ وأن الدنيا اثنتا عشرة جزيرة، في كل جزيرة حجة وإن الحجج اثنا عشر. ولكل داعية يد، يعنون بذلك أن اليد رَجُلٌ له دلائل وبراهين يقيمها كدلائل الرسل. ويسمّون الحجة: الأب، والداعية: الأم، واليد: الابن ـ يضاهُون قول النصارى في ثالث ثلاثة أنه الله: (الأب): الابن، وأمّه: مريم. فالحجة الأكبر هو الرب، وهو الأب. والداعية هو الأم. واليد هو الابن.
وزعموا أن جميع الأشياء التي فرضها الله على عباده وسنها نبيُّه (صلعم) فلها ظاهر وباطن؛ وأن جميع ما استعبد الله به العباد في الظاهر من الكتاب والسُّنّة فأمثال مضروبة، وتحتها معانٍ هي بطونها، وعليها العمل، وفيها النجاة. وإن ما ظهر منها فهي التي نهى عنها (و) في استعمالها الهلاك، وهي جزء من العذاب الأدنى عذّب الله به قوماً وأخذهم به ليشقُوا بذلك إذْ لم يعرفوا الحقّ ولم يقولوا به ولم يؤمنوا. وهذا مذهب عامة أصحاب أبي الخطاب.
واستحلوا ـ مع ذلك ـ استعراضَ الناس بالسيف وسفكَ دمائهم وأخذ أموالهم والشهادةَ عليهم بالكفر والشِرك، على مذهب البيهسية والأزارقة من الخوارج. واعتلّوا في ذلك بقول الله: « واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم » (9: 5). وقالوا إن قتلهم يجب أن يكون بمنزلة نحر الهَدْي، والشعائر. وتأولوا في ذلك قول الله: « ذلك ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب » (22: 32). ورأوا سَبْيَ النساء وقتل الأطفال، واعتلّوا في ذلك بقول الله: « لا تَذَرْ على الأرض من الكافرين دَيّارا » (71: 24). وزعموا أنه يجب عليهم أن يبدأو بقتل مَنْ قال بإمامة موسى بن جعفر وولده، ثم (من) قال بالإمامة مِمّن ليس على قولهم ومذهبهم. ولا يجب عندهم أن يبدأوا بأحد فيقتل إلاّ من قال بإمامة موسى بن جعفر بن محمد وولده من

838

بعده، وتأولوا في ذلك قول الله: « قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلطةً » (9: 123) ـ فالواجب أن يبدأوا بهؤلاء الذين نصبوا إماماً مِنْ ولد جعفر بن محمد غيرَ إسماعيل وابنه محمد، ثم بسائر الناس ممن نصب إماماً من بني هاشم وغيرهم، ثم بسائر الناس.
وقد كثر عدد هؤلاء القرامطة، ولم يكن لهم شوكة ولا قوة، وكان كلهم بسواد الكوفة، وكثروا بعد ذلك باليمن ونواحي البحر(ين) واليمامة وما والاها(1). ودخل فيهم كثير من العرب فقووا لهم وأظهروا أمرهم »(2).
ويأتي الغزالي فيوضح كيف استجاب حمدان قرمط لدعوة الإسماعيليّة؛ يقول: « وأما القرامطة فإنما لقبوا بها نسبة إلى رجل يقال له حمدان قرمط، كان أحد دعاتهم في الابتداء، فاستجاب له في دعوته رجالٌ، فسموا قرامطة. وكان المُسَمّى حمدان قرمط رجلاً من أهل الكوفة مائلاً إلى الزهد. فصادفه أحد دعاة الباطنية في طريقه وهو متوجه إلى قريته وبين يديه بقرٌ يسوقها. فقال حمدان لذلك الداعي ـ وهو لا يعرفه ولا يعرف حاله: « أراك سافرتَ عن موضع بعيد، فأين مقصدك؟ » فذكر موضعاً هو قرية حمدان. فقال له حمدان: اركب بقرةً من هذه البقر لتستريح عن تعب المشي. فلما رآه مائلاً إلى الزهد والديانة، أتاه من حيث رآه إليه فقال: إني لم أومر بذلك. فقال حمدان: وكأنّك لا تعمل إلاّ بأمر؟ قال: نعم! قال حمدان: وبأمر مَنْ تعمل؟ فقال الداعي: بأمر مالكي ومالكك، ومَنْ له الدنيا والآخرة. فقال حمدان: ذلك إذن هو
ــــــــــــــ
(1) ويضيف النوبختي (ص 73): ولعلهم أن يكونوا زهاء مائة ألف.
(2) سعد بن عبد الله القمي: « كتاب المقالات والفرق » من 85 ـ 86. طهران، سنة 1963.

839

رب العالمين. فقال الداعي: صدقتَ؛ ولكن الله يهب مُلْكه لمن يشاء. قال حمدان: وما غرضك في البقعة التي أنت متوجّه إليها؟ قال: أُمِرْتُ أن أدعو أهلها من الجهل إلى العِلْم، ومن الضلال إلى الهُدى، ومن الشقاوة إلى السعادة، وأن أستنقذهم من ورطات الذل والفقر، وأملّكهم ما يستغنون به عن الكد والتعب. فقال له حمدان: أنقذني! أنقذك الله! وأَفِضْ عليَّ من العلم ما يحببني فيه، فما أشدّ احتياجي إلى مثل ما ذكرته! فقال الداعي؛ وما أُمِرْتُ بأن أُخْرِج السرَّ المخزون لكل أحد إلاّ بعد الثقة، والعهد عليه. فقال حمدان: وما عهدك؟ اذكره لي، فإني ملتزمٌ له. فقال الداعي: أن تجعل لي وللإمام على نفسك عَهْدَ الله وميثاقه أن لا يخرج سرُّ الإمام الذي ألقيتُه إليك، ولا تفشي سرّي أيضاً.
فالتزم حمدان سِرَّه. ثم اندفع الداعي في تعليم فنون جهله حتى استدرجه واستغواه واستجاب له في جميع ما دعاه. ثم انتدب حمدان للدعوة، وصار أصلاً من أصول هذه الدعوة، فسمّى أتباعه: القرمطية »(1).
وقوله: أحد دعاتهم، يقصد: دعاة الباطنية على أساس أن مذهب الباطنية سبق القرامطة، وأن القرامطة متفرعة عن دعوة الباطنية.
وأول مصدر يتحدث عن دعوة الباطنية بهذا الاسم: عبد القاهر البغدادي في « الفَرق بين الفِرق » (ص 169، القاهرة سنة 1948)، وعنه أخذ الغزالي في « فضائح الباطنية »، وعن كليهما أخذ الشهرستاني في « الملل والنحل ».
ــــــــــــــ
(1) أبو حامد الغزالي: « فضائح الباطنية »، ص 12 ـ ص 14 تحقيق د. عبد الرحمن بدوي، القاهرة سنة 1964.

840

ويقول عبد القاهر البغدادي « إن الذين أسسوا دعوة الباطنية جماعة، منهم: ميمون بن ديصان المعروف بالقدّاح، وكان مولى لجعفر بن محمد الصادق، وكان من الأهواز؛ ومنهم: محمد بن الحسين الملقب ? « دندان ». اجتمعوا كلهم مع ميمون بن ديصان في سجن والي العراق، فأسسوا في ذلك السجن مذاهب الباطنية. ثم ظهرت دعوتهم. بعد خلاصهم من السجن، من جهة المعروف بدندان. وابتدأ بالدعوة في ناحية تَوّز. فدخل في دينه جماعة من أكراد الجبل مع أهل الجبل المعروف بالبدين. ثم رحل ميمون بن ديصان إلى ناحية المغرب، وانتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي طالب، وزعم أنه من نسله. فلما دخل في دعوته قومٌ من غلاة الرفض والحلولية منهم ادّعى أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. فقبل الأغبياءُ ذلك منه، على جهلٍ منهم بأن محمد بن إسماعيل بن جعفر مات ولم يعقب عند علماء الأنساب. ثم ظهر في دعوته إلى دين الباطنية رجل يقال له حمدان قرمط، لُقّب بذلك لقرمطة في خطه أو في خَطْوه. وكان في ابتداء أمره أكّاراً من أكَرَة سواد الكوفة، وإليه تنسب القرامطة »(1).
ويذكر عقب ذلك أن ابن زكرويه من مهرويه الدنداني كان من تلامذة حمدان قرمط، وأن هذا الأخير كان له أخ يدعى مأمون ظهر بأرض فارس، وقرامطة فارس يقال لهم: المأمونية لأجل ذلك.
فتبعاً لعبد القاهر البغدادي إذن:
1 ـ أسس دعوة الباطنية ميمون بن ديصان، المعروف بالقداح، مولى جعفر بن محمد الصادق، هو ومحمد بن الحسين الملقب بدندان؛
2 ـ أظهر الدعوة دندان الذي ادعى أنه من وَلَد محمد بن إسماعيل بن
ــــــــــــــ
(1) عبد القاهر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 169. القاهرة، سنة 1948.

841

جعفر الصادق، فدخل في دعوته قوم من غلاة الرفض والحلولية.
وهذا تناقض تاريخي فاضح: فكيف يدعي أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، بينما هو زميل في الدعوة لميمون بن ديصان مولى جعفر الصادق؟ لا بد أن نفترض مرور مدة طويلة من الزمان لكي يدعي أنه من ولد حفيد جعفر الصادق، إذ لا بدَّ لهذا من مرور جيليْن أو ثلاثة إنْ لم يكن أكثر.
فلننتقل عن روايته إلى رواية أبي عبد الله بن رزام في كتابه الذي رد فيه على الإسماعيليّة؛ وقد نقلها ابن النديم في « الفهرست »(1) وأخلى نفسه من عهدة الصدق فيها أو الكذب. قال ابن رزام:
« عبد الله بن ميمون. ويعرف ميمون ? « القدّاح ». وكان من أهل قوزح العباس بقرب مدينة الأهواز. وأبوه ميمون الذي تنسب إليه الفرقة المعروفة ? « الميمونية »، التي أظهرت اتّباعَ أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الذي دعا إلى إلهية علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وكان ميمون وابنه ديصانيين؛ وادعى عبد الله أنه نبيٌّ مدة طويلة. وكان يظهر الشعابيذ، ويذكر أن الأرض تطوى له فيمضي إلى أين أَحَبَّ في أقرب مدة. وكان يخبر بالأحداث الكائنات في البلدان الشاسعة. وكان له مُرَتّبون في مواضع يُرَغبهم ويُحسِن إليهم ويعاونونه على نواميسه، ومعهم طيور يطلقونها من المواضع المتفرقة إلى الموضع الذي فيه بيت عبد الله، فيخبر مَنْ حضره بما يكون، فَيَتَموّه ذلك عليهم.
وكان انتقل فنزل عسكرُ مكْرَم فكُبِس بها، فهرب منها؛ فنُقِضَتْ له داران في موضع يعرف بساباط أبي نوح، فبنيت إحداهما
ــــــــــــــ
(1) ابن النديم: « الفهرست »، ص 278 ـ 280. طبع مصر.

842

مسجداً، والأخرى خراب إلى الآن. وصار إلى البصرة، فنزل على قومٍ من أولاد عقيل بن أبي طالب. فكُبِس هناك؛ فهرب إلى سَلَمْية بقرب حمص. واشترى هناك ضياعاً، وبث الدعاة إلى سواد الكوفة. فأجابه من هذا الموضع (الكوفة) رجلٌ يعرف ? حمدان بن الأشعث، ويلقب ? « قرمط »، لِقصَرٍ كان في متنه وساقه. وكان قرمط هذا أكاراً بقّاراً في القرية المعروفة ? قس بهرام. ورَأَس قرمط، وكان داهياً. وتنصَّب لدعوته عبدانٌ، صاحب الكتب المصنفة، وأكثرها منحول إليه. وَفرّق عَبْدانٌ الدعاةَ في سواد الكوفة وأقام قرمط ? كَلْواذَى(1). ونَصَبَ له عبدُ الله بن ميمون رجلاً من ولده يكاتبه من الطالقان(2)، وذلك في سنة إحدى وستين ومائتين.
ثم مات عبد الله. فخلفه ابنه: محمد بن عبد الله. ثم مات محمد، فاختلفت دعاتهم وأهل نحلتهم: فزعم بعضهم أن أخاه: أحمد بن عبد الله، خَلَفَه؛ وزعم آخرون أن الذي خَلَفه ولد له يُسمَّى أحمد أيضاً، ويلقب ? أبي الشلعلع.
ثم قام بالدعوة بعد ذلك: سعيد بن الحسين بن عبد الله بن ميمون وكان الحسين مات في حياة أبيه. ومِنْ قِبَل سعيد انتشرت الدعوة في بني العليص الكلبيين.
ــــــــــــــ
(1) كلواذى (بفتح الكاف وسكون اللام، وفتح الذال وبالياء المقصورة): طَسُّوج قرب بغداد ناحية الجانب الشرقي من جانبها، وفي ناحية الجانب الغربي من نهر بوق. ذكر ياقوت أنها كانت خربة في أيامه. وقد ذكرها أبو نواس ومطيع بن إياس والمتنبي في أشعارهم. راجع ياقوت: « معجم البلدان »، ? 4، ص 301 ـ 302، نشرة ?ستنفلد.
(2) الطالقان: بلدتان، إحداهما بخراسان بين مروالروذ وبلخ، وهما أكبر مدينة بطخارستان؛ والأخرى بلدة وكورة بين قزوين وأبهر، وبها عدة قرى يقع عليها هذا الاسم، وإليها ينسب الصاحب بن عباد.

843

ولم يزل عبد الله وولده، بعد خروجهم من البصرة، يَدّعون أنهم من ولد عقيل، وكانوا قد أحكموا النسب بالبصرة. فمِنَ ولد عبد الله انتشرت الدعوة في الأرض. وقَدِم الدعاةُ إلى الري وطبرستان، وخراسان، واليمن، والاحساء، والقطيف، وَقَدس(1).
ثم خرج سعيد إلى مصر فادّعى أنه عَلَويٌّ فاطمي، وتسمَّى ? عبيد الله. وعاشر هناك النوشرى ووجوه أصحاب السلطان، وتًَخَوَّق في الأموال. وبلغ خبره المعتضد، فكتب في القبض عليه. فهرب إلى المغرب. وقد كانت دعاته هناك قد غلبت على طائفتيْن من البربر، وكانت له أحاديث معروفة. ووطأ لنفسه (في) ذلك البلد. ثم نظر أن ما ادعاه مِنْ نسبه لا يقبل منه. فأظهر غلاماً حَدَثاً، وزعم أنه من ولد محمد بن إسماعيل (بن جعفر الصادق)، وهو الحسن أبو القاسم، وهو القيّم بالأمر بعد عبيد الله. وفي أيامه ظهر في كثير من أتباعه الاستخفاف بالشريعة والوضع من النبوة. فخرج عليه رجلٌ يُعرف بأبي يزيد المحتسب، واسـمه: مخلد بن كيـداد البربري الزنـاتي، من بني يَفْرَن، الإباضي النكـاري، ويعرف ? « صاحب الحمار ». فكثر أتباعه ومعاونوه. فحاربه وحصره في المهدية، إلى أن مات الحسن في الحصار. فقام بعده ابنه إسماعيل، ويكنى أبا طاهر: فأظهر تعظيم الشريعة، وأظهر أبو يزيد مذهب الإباضية، فأقفل عنه الناس، فقُتِل وصُلِب، وذلك في سنة ست وثلاثين وثلثمائة. فلما كان في سنة أربعين ظهر في البلد قريبٌ مما كان ظهر في أيام الحسن: من الاستخفاف بالشرع. فعاجل الله إسماعيل بالمنيّة.
وقام بالأمر بعده ابنه مَعَد، أبو تميم. ثم توفي معد بمدينة مصر في سنة... (بياض في الأصل) وكان فتحها في سنة... (بياض
ــــــــــــــ
(1) بفتح القاف والدال: بلد بالشام قرب حمص، وإليه تضاف بحيرة قدس.

844

في الأصل)؛ وقام بالأمر مكانه ابنه نزار بن معد، ويكنى أبا منصور ».
ثم يورد ابن النديم ـ بعد رواية رزام هذه ـ أخباراً أخرى لا تنفي رواية رزام، بل تكملها في بعض النواحي، ومفاد بعضها أن ابن القداح إنما أراد بحركته إحياء دولة المجوس ونقل السلطان من العرب إلى الفرس.
ويمكن سلسلة دعوة القرامطة بحسب رواية أبي عبد الله بن رزام هذه في الشكل التالي:

ميمون القداح عبد الله بن ميمون محمد بن عبد الله حمدان بن الأشعث الملقب ?« قرمط » عبدان أحمد بن عبد الله
(ابن محمد أو أخوه)
سعيد بن الحسين بن عبد الله بن ميمون
(تسمّى في مصر باسم: عبيد الله)
الحسن أبو القاسم
(المزعوم أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر)
إسماعيل بن الحسن معد أبو تميم أبو منصور نزار بن معد
845

ومن هذا يبدو تسلسل فرقة الميمونية، التي تنسب إلى ميمون القدّاح، في فرقة القرامطة، وتسلسل الفاطمية من عبد الله بن ميمون القدّاح. فكأن القرامطة والفاطمية نبعتا من عبد الله بن ميمون القدّاح على استقلال فيما بينهما، ولم تندرج الفاطمية في القرامطة ولم تتسلسل إذن منها مباشرة، بل كانتا متوازيتيْن.
وعلى الرغم من التشكيك الذي أبداه ابن النديم حين نقل رواية أبي عبد الله بن رزام، فإن هذه الرواية لا تزال أصحّ الروايات وأضبطها وأوضحها.

846


الأهداف السياسية والاجتماعية
لحركة القرامطة*

يقول دوزي في بيـان البرنامج الـذي وضعه القرامطة لأنفسهم في العالم الإسلامي: « أن يجمع في رابطة واحدة بين المقهورين والظافرين؛ وأن يضم في جماعة واحدةٍ سرّية فيها مراتب عديدة: أحرار الفكر الذين لم يروا في الدين غير جامع للشعب، ثم اغتصبته المتعصبة من كل الفِرَق، وأن يستخدم المؤمنين لتمكين السلطان لغير المؤمنين، والغزاة لتحطيم الدولة التي أسّسوها؛ وأن يتحدوا في حزب كثير العدد متماسك مطيع كل الطاعة يعطيه العرش له أو على الأقل لأحد ذريته في الوقت المناسب: ـ تلك كانت الفكرة المتسلطة على ذهن عبد الله بن ميمون؛ وهي فكرة غريبة وجريئة، لكنه حققها بمهارة مدهشة وبراعة لا نظير لها ومعرفة عميقة بالقلب الإنساني ».
ــــــــــــــ
* راجع من أحدث الأبحاث في هذا الموضوع:
Wilfred Madelung: “Fatimider und Bahrainqarmater”, in Der Islam, Bd., 34, September 1959, pp. 34-88.
(1) R. Dozy: Histoire des Musulmans d'Espagne, III, h. 8 sqq.

847

وهذا البرنامج يلخص ما قام به القرامطة في الناحيتيْن السياسية والاجتماعية.
ذلك أن عبد الله بن ميمون القدّاح لما اضطر إلى الفرار من الأهواز ومن البصرة انتهى به المقام إلى سلمية قرب حمص في سورية. وتوفي في هذه المدينة، وصار ابنه أحمد زعيماً للإسماعيلية. وأقام أحمد في سلمية أيضاً ثم راح يبث منها الدعاة، فأرسل إلى العراق الحسين الأهوازي. فلما وصل الحسين إلى سواد(1) الكوفة لقي حمدان قرمط وكان يقود ثوراً محملاً بالأعشاب. فسأله الحسين عن الطريق المؤدي إلى قس بهرام(2). فقال حمدان إنه ذاهب إلى نفس المكان. فسأله الحسين أيضاً عن بلد آخر قريب من دور، وهي قرية يقيم فيها حمدان. فسافر كلاهما معاً. وكان أن دعاه الحسين إلى مذهبه، فتأثر به حمدان ودعاه إلى الإقامة عنده، ووقّره لأنه رآه يحيا حياة كلها ورع وتقوى: إذْ كان يصوم النهار ويتهجد في الليل. وكان يتكسب من الخياطة. ولما جاء وقت نضج البلح استأجره أبو عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدوي لحراسة النخيل والمكان الذي تجمع فيه الثمار. وكان ذلك في سنة 264 ? فأدى هذه المهمة على خير وجه وبكل أمانة.
وازدادت العلاقة توثقاً بين الحسين وبين حمدان قرمط، حتى إنه عين ـ عندما قربت منيته ـ حمداناً خلفاً له.
يقول النويري: « وحكى الشريف أبو الحسين محمد بن علي بن الحسين (بن) أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وهو المعروف
ــــــــــــــ
(1) السواد: الأرض المزروعة.
(2) أو بهرام.

848

? « أخي مُحَسِّن » في كتاب ألّفه ذكر فيه عبد الله الملقب ? « المهدي » الذي استولى على بلاد الغَرْب، واستولى بنوه مِنْ بعده على الديار المصرية والشام وغير ذلك. وذكر الشريف أصل عبد الله هذا، ونفاه عن النسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. واستدلّ على ذلك بأدلّة يطول شرحها أجاد في تبيانها ـ قال في أثناء ما حكاه إنه لما صار الأمر إلى أحمد بن عبد الله بن ميمون بن ديصان بعد أبيه ـ وأحمد هذا هو جد عبد الله الملقب بالمهدي ـ بعث، وهو بالسلمية، الحسينَ الأهوازي داعيةً إلى العراق. فلقي حمدان بن الأشعث قرمطاً بسواد الكوفة ومعه ثور ينقل عليه. فقال له الحسين الأهوازي: كيف الطريق إلى قس بهرام؟ فعرفه حمدان أنه قاصدٌ إليه. وسأله الأهوازي عن قرية تعرف ? تايورا من قرى السواد، فذكر أنها قريبة من قريته. وكان أحمد هذا من قرية تعرف ? « الدور على نهر هد من رُستاق فهروسا من طسوج فرات مادقلي.
قال: فتماشيا ساعةً. فقال له حمدان: إني أراك جئت من سفر بعيد وأنت مُعَنّى، فاركب ثوري هذا. فقال له الحسين: لم أومر بذلك. فقال له حمدان: كأنك تعمل بأمر آمرٍ لك. قال: نعم! قال: ومَنْ يأمرك وينهاك؟ قال: مالكي ومالكك ومَنْ له الدنيا والآخرة. قال: فبهت حمدان قرمط مفكراً، وأقبل ينظر إليه. ثم قال له: يا هذا! ما يملك ما ذكرته إلاّ الله تعالى. قال: صدقت، والله يهب ملكه لمن يشاء. قال له حمدان: فما تريد في القرية التي سألتني عنها؟ قال: دُفِع إليّ جرابٌ فيه علم سِرّ من أسرار الله تعالى، وأردت أنْ أشفي(1) هذه القرية وأعين أهلها وأستنقذهم وأملكهم أملاك أصحابهم.
ــــــــــــــ
(1) في المخطوط ما يفيد أن الشين سين، وحينئذٍ تكون: أسعى (إلى) هذه القرية.

849

وابتدأ يدعوه. فقال له حمدان: يا هذا! نشدتك الله إلاّ دَفَعْتَ إليَّ مِنْ هذا العلم الذي معك وأنقذني ينقذك الله. قال له: لا يجوز ذلك أو آخذ عليك عهد الله وميثاقاً أخذه الله تعالى على النبيين والمُرْسَلين وألقي عليك ما ينفعك.
قال: فما زال حمدان يضرع إليه حتى جلسا في بعض الطريق، وأخذ عليه العهد ثم قال له: ما اسمك؟ قال: قرمط.
ثم قال له قرمط: قُمْ معي إلى منزلي حتى نجلس فيه، فإنّ لي إخواناً أصير بهم إليك لتأخذ عليهم العهد للمهدي. فصار معه إلى منزله. فأخذ على الناس العهد هناك. وأقام في منزل حمدان، وأعجبه أمره وعظّمه وكرّمه؛ وكان على غاية ما يكون من الخشوع صائماً نهاره، قائماً ليله. وكان المغبوط مَنْ أَخَذَه إلى منزله ليلةً. وكان ربما خاط لهم الثياب وتكسّب بذلك. فكانوا يتبركون به وبخياطته.
قال: وأدرك التّمْرُ. فأحتاج أبو عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدوي إلى عمر تمره. وكان مِنْ وجوه أهل الكوفة، ومِنْ أهل العلم والفضل والتوحيد. فوُصِف له هذا الرجل. فنَصَبه لحفظ تمره والقيام في حظيرته فأحسن حفظها، واحتاط في أداء الأمانة (ورقة 48 ب) وظهر منه من التشديد في ذلك ما خرج به عن أحوال الناس في تساهلهم في كثير من الأمور، وذلك في سنة أربع وستين ومائتين. فاستحكمت ثقة الناس به وثقته بحمدان قرمط وسكونه إليه. فأظهر له أمره وكَشَف له الغطاء.
وقال: وكل ما كان هذا الداعية يفعله من الثقة والأمانة وإظهار الخشوع والنُّسْك إنما كان حيلةً ومكراً وخديعة وغشّاً.
قال: فلما حضرت هذا الطاغية الوفاة جعل مقامه حمدان بن

850

الأشعث قرمطاً. فأخذ على أكثر أهل السواد، وكان ذكياً خبيثاً.
قال: وكان ممن أجابه من أصحابه الذين صار لهم ذكر: زكرويه بن مهرويه السلماني، وجلندى الرازي، وعكرمة النائلي، واسحق السوداني، وعطيف النيلي، وغيرهم.
وبث دعاته في السواد(1) يأخذون على الناس(2). وكان أكبر دعاته عبدان. وكان عبدان متزوجاً أخت قرمط، وقرمط متزوجاً أخته. وكان عبدان رجلاً ذكياً خفيفاً فطناً خبيثاً خارجاً عن طبقة نظرائه من أهل السواد، ذا فهم وخبث. فكان يعمل عند نفسه على حد قد نُصِب له ولا يُرَى أنه يجاوزه إلى غيره من خَلْع الإسلام، ولا يظهر غير التشيع والعلم، ويدعو إلى الإمام من آل رسول الله (ص): محمد بن إسماعيل بن جعفر.
وكان أحد مَنْ تبع عبدان: زكرويه بن مهرويه. وكان زكرويه شابّاً فيه ذكاء وفطنة. وكان من قرية بسواد الكوفة يُقال لها: الملسانية تلاصق قرية الصوّان. وهاتان القريتان على نهر هد.
نصبه عبدانُ على إقليم نهر وطسوج السالحين وإقليم نهر يوسف ـ داعيةً، ومِنْ قِبَله جماعة دعاة متفرقون في عمله، يدور كل واحد منهم في عمله في كل شهر مرةً ـ وكل ذلك بسواد الكوفة. ودخل في الدعوة من العرب من بني ضُبَيْعة بن عجل، وهم من ربيعة، رجلان: أحدهما يُعرف برباح والآخر يعرف بعليّ بن يعقوب العمر. فأنقذهما دعاةً إلى العرب في أعمال الكوفة وسوار وبرسما وبابل. ودخل في دعوته من العرب أيضاً رفاعة، من بني يشكر، ثم من بكر
ــــــــــــــ
(1) أي سواد الكوفة.
(2) أي العهود.

851

ابن وائل رجل يعرف بسند، وآخر يعرف بهارون؛ فجعلهما دعاة حبلا وما والاها في العرب خاصة إلى حدود واسط. فمال إليه هذان البطنان، ودخلا في دعوته. فلم يكن يختلف رفاعي ولا ضُبَعي. ولم يَبْقَ من البطون المتصلة بالكوفة بطن إلاّ دخل في الدعوة منه ناس كثير أو قليل من بني عابس وذُهَل وغيره، وبني عنز وتيم الله وثعل وغيرهم، وفيهم نفر يسير من بني شيبان.
فقوي قرمط بهم، وزاد طمعه. فأخذ في جَمْع أموالهم. وذكَرَ ما فرضه قرمط على من دخل في دعوته واستجاب له، وكيف نقلهم ـ في استئصال أموالهم ـ من اليسير إلى الكثير حتى استقام له أمرهم:
كان أول ما ابتدأ به وافترض عليهم وامتحنهم بتأدية درهم واحد وسمَّى ذلك الفطرة، من كل رأس من الرجال (49 أ) والنساء والصبيان. فسارعوا إلى ذلك، فتركه مُدَيْدة(1). ثم فرض عليهم الهجرة، وهو دينار على كل رأس أدرك الخبيث. وتلا عليهم قوله تعالى: « خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكّيهم بها وصلّ عليهم إن صلواتك سكنٌ لهم والله سميع عليم » (التوبة 103) وقال: هذا تأويل هذا. فدفعوا ذلك مبادرين به إليه وتعاونوا عليه(2): فمن كان فقيراً أسعفوه. فتركهم مديدة، ثم فرض عليهم البلغة، وهي سبعة دنانير، وزعم أن ذلك هو البرهان، المراد بهذا قوله تعالى: « قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين » (البقرة 111) وزعم أن ذلك بلاغ من يريد الإيمان والدخول في السابقين السابقين « أولئك المقربون » (الواقعة 1). وصنع لهم طعاماً طيّباً حلواً لذيذاً، وجعله على قدر البنادق وأطعم كل مَنْ أدى إليه سبعة دنانير واحدة منها،
ــــــــــــــ
(1) في المخطوط: مدنه (!).
(2) في المخطوط: إليه.

852

وزعم أنه طعام أهل الجنة نزل إلى الإمام. واتخذ ذلك كالخواتيم فينقل إلى الداعي منها مائة بلغة ويطالبه بسبعمائة دينار. ـ فلما توطأ له هذا الأمر فرض عليهم أخماس ما يملكون وما يكسبون، وتلا عليهم قولـه تعالى: « واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإنّ لله خمسه وللرسول... » الآية (الأنفال 41). فقوّموا جميع ما يملكونه من ثوب وغيره وأدّوا خُمْسَه إليه، حتى كانت المرأة تخرج خُمْسَ ما تغزل، والرجل يخرج خُمْسَ ما يكسب. ـ فلما تم ذلك له واستقر، فرض عليهم الألفة: وهو أن يجمعوا أموالهم في موضع واحد وأن يكونوا في ذلك(1) أسـوة واحـدة لا يفضل أحدٌ منهم صاحبه وأخـاه في ملك يملكه. وتلا عليهم قولـه تعالى: « واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءٌ فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً » (آل عمران 103) وتلا عليهم قوله تعالى: « لو أنفقتَ ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم، ولكن الله ألّف بينهم، إنه عزيز حكيم » (الأنفال 63). وعرفهم أنه لا حاجة بهم إلى مالٍ يكون معهم، لأن الأرض بأسرها ستكون لهم دون غيرهم. قال لهم: هذه محنتكم التي امتحنتم بها ليُعْلَم كيف تعملون. وطالبهم بشراء السلاح وإعداده، وذلك كله في سنة ست وسبعين ومائتين.
وأقام الدعاة في كل قرية رجلاً مختاراً من ثقاتها يجمع عنده أموال أهل قريته من بقر وغنم وحَلى ومتاع وغيره. فكان يكسو عاريهم، وينفق عليهم وما يكفيهم، ولا يبقى فقيراً بينهم ولا محتاجاً ضعيفاً. وأخذ كل رجل منهم بالانكماش في صناعته والتكسب بجهده ليكون له الفضل في رتبته. وكان المرأة تجمع إليه كَسْبَها من مغزلها، والصبي أجر نظارته الطير. فلم يملك أحدهم إلاّ سيفه وسلاحه.
ــــــــــــــ
(1) بالواو في المخطوط، وربما كان صوابها: أسرة (بالراء).

853

فلما استقام له ذلك كله وصَبَوْا إليه وعملوا به أمر الدعاة أن يجمعوا النساء ليلة معروفة ويختلطن بالرجال وقال إن ذلك من صِحّة الود والإلفة بينهم. فربما بذل الرجل لأخيه امرأته متى أحب.
فلما تمكن من أمورهم ووثق بطاعتهم وتبين مقدار عقولهم أخذ في تدريجهم إلى الضلالة وأتاهم بحجج من مذهب الثنوية. فسلكوا معه في ذلك، حتى خلعهم من الشريعة ونقض عليهم ما كان يأمرهم به في مبدأ أمرهم (49 ب) من الخشوع والورع والتقى؛ وأباح لهم الأموال والفروج والغناء عن الصوم(1) والصلاة والفرائض، وأن ذلك كله موضوع عنهم، وأن أموال المخالفين ودماءهم حلالٌ لهم، وأن معرفة صاحب الحق الذي يدعو إليه تغني عن كل شيء، ولا يخاف معه إثم ولا عذاب »(2).

أبو سعيد الجنابي في البحرين

وفي سلمية، التي سميت من ذلك الحين « دار الهجرة » أقام حمدان قرمط، وبث من هناك الدعاة إلى مختلف الجهات.
وكما رأينا كان عبدان، الملقب « بالكاتب » الساعد الأيمن لحمدان.
وعبدان عين داعييْن مهمّيْن هما: زكرويه بن مهرويه، وأبا سعيد الحسن بن بهرام الجنابي: الأول داعية على منطقة من العراق، والثاني على القسم الجنوبي من فارس.
ــــــــــــــ
(1) في المخطوط: الصور.
(2) النويري: « نهاية الأرب ». الفن الخامس، القسم الخامس، الباب 8 ـ 9، مخطوط باريس رقم 1576، ورقة 47 ق إلى 49 ب ـ وهذا القسم لم ينشر من قبل.

854

قال ابن حوقل: « ومنهم (أي من الفرس الذين انتحلوا ديانات خرجوا بها عن المذهب المشهورة فدعوا إليها وانتصبوا لها) الحسن المكنى بأبي سعيد بن بهرام الجنابي، من أهل جنابة. كان دقّاقاً(1)، تعلّق بدعوة القرامطة مِنْ قبَل عبدان الكاتب، صهر حمدان قرمط، واستخلفه على نواحيه وجعل الدعوة إليه بحنابة وشينيز وتوج ومهروبان وجروم فارس. فدعاهم وأخذ الكثير من أموالهم. وفُطِن به فقُبض على ما جمعه من المال واتخذه من الخزائن والعدد. وأفلت بحشاشته. فلم يزَل في خفية حتى كتب إليه حمدان قرمط من كلواذي بالشخوص إلى ما قِبَله، ولم يكن رآه. فلمَّا عاينه رأى منه نافذاً فيما يكلفه. ورأى ما دار عليه ليس مِنْ قِبَل سوء سياسة فيما كان بسبيله، لكن وجوهٌ وقعت كالضرورة. فأنفذه إلى البحرين، وأمره بالدعوة هناك وأيده بوجوده القوة: من المال، والكتب، وغيرهما.
فورد البحرين، وصاهر ابن سنبر، وبث الدعوة في العرب الذين بتلك النواحي فقبلوها، وانفتحت الديار على يده. وأجابه القبائل والعشائر رغبةً ورهبةً بعد أن حاصر هَجَر وافتتحها بضروب من الحيل ومشاقّ من الأعمال ليس هذا موضع ذكرها.
وكان حمدان قرمط إذ ذاك في دعوة السلطان حَذَرَ أمير المؤمنين المقتدر بالله. فرجعا عما كانا يعتقدانه وخالفا ذلك. وجرت خطوبٌ وتخاليط كثيرة في بعض الروايات. وذُبِح أبو سعيد في حمام قد اتخذه في قصره مع جماعة من وجوه رجاله بالأحساء.
وخَلَفه ابنه أبو طاهر سليمان بن الحسن ـ لعنه الله ـ الفاتح البصرة والكوفة، وصاحب قوافل الحاج في طريق العراق. وقاتِلُ
ــــــــــــــ
(1) أي يبيع الدقيق.

855

آل أبي طالب وبني هاشم، والمستحلّ دماءهم وفروجهم وأموالهم، ومخرّبُ مكة، وآخِذُ الحجر، وفاعل كل كبيرة، ومستحلّ كل عظيمة ـ إلى أن أهلكه اللهُ ودمّر عليه وأتى على أهله وولده بتشتيت الكلمة واختلاف الدعوة وغيلة بعضهم لبعض بالقتل والختل بالمكايد، وما كان من أفعالهم في بلدان المسلمين واعتراضهم على حجيجهم، وعيثهم في بلادهم ومالهم منه ـ فلا حاجة بنا إلى ذكره لشهرته والغِنَى عن إعادته مثل: أخذه كنوز الكعبة، وقتله المعتكفين ببيت الله، إلى أن أُخذ عمُّ أبي طاهر، أخو أبي سعيد، وقراباته وذووه فحبسوا بشيراز مدة، وكانوا مخالفين له في الطريقة يرجعون إلى صلاح وسداد، فشُهد لهم بالبراءة من القرامطة، فخليّ عنهم(1) ».
كذلك يقول في نفس المعنى أبو زيد البلخي (مخطوط برلين برقم 1 في فهرست اشبرنجر، ورقة 61): « ومنهم الحسن الجنابي، ويُكنَّى بأبي سعيد، من أهل جنابة، كان دقاقاً، أظهر مذهب القرامطة، فنُفِي عن جنابة، فخرج منها إلى البحرين، فأقام بها تاجراً يستميل العرب بها ويدعوهم إلى نحلته حتى استجابوا له. ومَلَكَ البحرين وما والاها. فكان مِنْ كسره عساكر السلطان وعيثه وعدوانه أنه (استولى) على أهل عُمان وسائر ما يصاقبه من بلدان العرب ما قد انتشر ذكره، حتى قُتِل وكفى الله أمرَه. ـ ثم قام ابنه سليمان بن الحسن، فكان مِنْ قتله الحاج وانقطاع طريق مكة في أيامه والتعدي في الحرم وانتهاب الكعبة وقتل المعتكفين بمكة ما قد اشتهر ذكره. ولما أعرض الحاج، بما كان منه، أخذ عمه، أخو سعيد وقراباته، فحبس بشيراز مدةً، وكانوا مخالفين لهم في الطريقة يرجعون إلى صلاح وسداد، وشهد لهم بالبراءة من القرامطة فخُلّي عنهم ».
ــــــــــــــ
(1) ابن حوقل: « المسالك والممالك »، مخطوط ليدن، ص 104.

856

وابن الأثير يعطينا تفاصيل أكثر عن أبي سعيد الجنابي، فيقول ـ تحت حوادث سنة 286 ـ أن ابتداء أمر القرامطة بالبحرين هو « أن رجلاً يُعرف ? يحيى بن المهدي قصد قطيف، فنزل على رجل يُعرف ? علي بن المعلى بن حمدان، مولى الزياديين، وكان يغالي في التشيع. فأظهر له يحيى أنه رسول المهديّ، وكان ذلك سنة إحدى وثمانين ومائتين. وذكر أنه خرج إلى شيعته في البلاد يدعوهم إلى أمره، وأن ظهوره قد قرب. فوجه عليُّ بنُ المعلى إلى الشيعة من أهل القطيف فجمعهم وأقرأهم الكتاب الذي مع يحيى بن المهدي إليهم من المهدي. فأجابوه، وأنهم خارجون معه إذا ظهر أمره. ووجّه على سائر قرى البحرين بمثل ذلك، فأجابوه.
وكان فيمن أجابه، أبو سعيد الجنابي. وكان يبيع للناس الطعام ويحسب لهم ببيعهم.
ثم غاب عنهم يحيى بن المهدي مدةً. ثم رجع ومعه كتاب يزعم أنه من المهديّ إلى شيعته، فيه: « قد عرّفني رسول الله يحيى بن المهدي مسارَعَتَكُم إلى أمري. فليدفع إليه كل رجل منكم ستة دنانير وثلثين. ففعلوا ذلك.
ثم غاب عنهم وعاد ومعه كتاب فيه أن أدافعوا إلى يحيى خُمْسَ أموالكم. فدفعوا إليه الخُمْس.
وكان يحيى يتردد في قبائل قيس، ويورد إليهم كتباً يزعم أنها من المهدي، وأنه ظاهر، فكونوا على أهبة.
وحكى إنسان منهم يُقال له إبراهيم الصايغ أنه كان عند أبي سعيد الجنابي وأتاه يحيى فأكلوا طعاماً. فلما فرغوا خرج أبو سعيد من بيته، وأمر امرأته أن تدخل إلى يحيى وأن لا تمنعه إنْ أراد. فانتهى هذا

857

الخبر إلى الوالي، فأخذ يحيى فضريه وحلق رأسه ولحيته. وهرب أبو سعيد الجنابي إلى جنابا. وسار يحيى بن المهدي إلى بني كلاب وعقيل والخريس فاجتمعوا معه ومع أبي سعيد. فعظم أمر أبي سعيد(1) ».
وقوي أمر أبي سعيد الجنابي بالبحرين، وقتل ما حوله من أهل القرى، وسار إلى القطيف فقتل عدداً من الناس بها، وأظهر أنه يريد البصرة، فكتب والي البصرة، أحمد بن محمد بن يحيى الواثقي، إلى المعتضد بذلك، فأمره بعمل سور على البصرة في سنة 286 ?. وفي ربيع الأخر من سنة 287 ? عظم أمر القرامطة بالبحرين، وأغاروا على نواحي هَجَر، وقرب بعضهم من نواحي البصرة. فكتب الوالي، أحمد الواثقي، إلى المعتضد يسأل المَدَد. فأرسل المعتضد العباسَ بن عمرو الغنوي ـ الذي كان والياً على بلاد فارس ـ وأقطعه اليمامة والبحرين وأمره بمحاربة القرامطة، وانضم إليه زهاء ألفي رجل. فسار إلى البصرة واجتمع إليه كثير من المتطوعة والجند والخدم. وسار بهم إلى لقاء أبي سعيد الجنابي فالتقوا به مساءً، وتناوشوا القتال، وحجز بينهم الليل. ولكن في الليل انصرف عن العباس الغنوي من كان معه من أعراب بني ضبة، وكانوا ثلثمائة، وذهبوا إلى البصرة، وتبعهم متطوعة البصرة. وفي الصباح باكر العباس الحرب. فاقتتلوا اقتتالاً شديداً. ثم حمل نجاح، غُلام أحمد بن عيسى بن الشيخ، وكان على ميسرة العباس في مائة رجل، فحمل على ميمنة أبي سعيد الجنابي حتى قتل هؤلاء عن آخرهم. أما الجنابي فقد حمل ومن معه على أصحاب العباس فانهزم العباس وأصحابه، وأُسِر العباس، واستولى الجنابي على ما كان في عسكر العباس. وفي الغد أحضر الجنابيُّ الأسرى فقتلهم
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير: « الكامل في التاريخ »، ? 7، ص 341، تحقيق تورنبرج، بريل، ليدن سنة 1865.

858

جميعاً وأحرقهم. وجرت هذه الوقعة في آخر شعبان سنة 287 ?.
وبعد ذلك سار الجنابي، بعد انتصاره العظيم هذا على جيش العباس الذي بعثه الخليفة المعتضد، وقصد إلى هجر، فدخلها وآمَنَ أهلها. وانصرف الذين سلموا من المنهزمين، وهم قليل، نحو البصرة بغير زاد. فخرج إليهم من البصرة نحو 400 رجل على الرواحل ومعهم الطعام والكسوة والماء، فلقوا بها المنهزمين. فخرج عليهم بنو أسد وأخذوا الرواحل وما عليها، وقتلوا مَنْ سَلِم من المعركة. فاضطربت البصرة لذلك، وعزم أهلها على الانتقال منها، فمنهم أحمد الواثقي، الوالي.
وبقي العباس عند الجنابي أياماً، ثم أطلقه وقال له امضِ إلى صاحبك ـ أي الخليفة المعتضد وعرّفه ما رايت. وذهب العباس إلى الخليفة المعتضد وأخبره بما كان. (ابن الأثير، حوادث سنة 287 ?).

القرامطة في سواد الكوفة

ومن ناحية أخرى انتشر القرامطة في سواد الكوفة، فوجه إليهم الخليفة المعتضد: شبلاً، غلام أحمد بن محمد الطائي، وظفر بهم « وأخذ رئيساً لهم يُعرف بأبي الفوارس (وفي نسخة: بابن أبي الفوارس) فسيّره إلى المعتضد، فأحضره بين يديه وقال له: « أخبرني؟ هل تزعمون أن روح الله تعالى وأرواح أنبيائه تحلّ في أجسادكم فتعصمكم من الزلل وتوفقكم لصالح العمل؟ » فقال له: « يا هذا إن حلّت روح الله فينا فما يضرّك، وإن حلّت روح إبليس فما ينفعك. فلا تسأل عمّا لا يعنيك، وَسَلْ عمّا يخصك ». فقال: « ما تقول فيما يخصّني؟ » قال: « أقول إن رسول الله (صلعم) مات وأبوكم العباس حيّ؛ فهل طالب بالخلافة، أم هل بايعه أحدٌ من الصحابة على ذلك؟ ثم مات

859

أبو بكر فاستخلف عُمَر، وهو يرى موضع العباس ولم يوصِ إليه. ثم مات عمر وجعلها شورى في ستة أنفس ولم يوصِ إليه ولا أدخله فيهم. فبماذا تستحقون أنتم الخلافة وقد اتفق الصحابة على دفع جدّك عنها؟ » فأمر به المعتضد فعذب وخلعت عظامه ثم قطعت يداه ورجلاه، ثم قتل » (ابن الأثير، حوادث سنة 289 ?، ? 7، ص 354، ليدن سنة 1865).

القرامطة في الشام

ومن ناحية ثالثة ظهر بالشام رجل من القرامطة وجمع جموعاً من الأعراب وسار بها إلى دمشق، وأميرها حينئذ طُغْج بن جُفّ، مِنْ قِبَل هارون بن خمارويه بن أحمد طولون.
وكان ابتداء حال هذا القرمطي هو أنه لما رأى زكرويه بن مهرويه، داعية حمدان قرمط في سواد الكوفة، أن جيوش الخليفة المعتضد قد انتصرت على القرامطة، سعى في استغواء مَنْ قرب من الكوفة من الأعراب من قبائل: أسد، وطيّ وغيرهم. لكن لم يستجب له أحد. فأرسل أولاده إلى كلب بن وبرة، فاستغروهم، لكن لم يستجب منهم إلاَّ فخذ من بني كلب بن وبرة، وهو: بنو القليص بن صمصم بن عديّ بن جناب ومواليهم خاصة. فبايعوا في سنة 289 بناحية السماوة: ابن زكرويه المسمّى يحيى، المكنى أبا القاسم، ولقبوه الشيخ، وزعم أنه محمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. وزعم أن له بالبلاد مائة ألف تابع. وأن ناقته التي يركبها مأمورة، فإذا تتبعوها في مسيرها نُصِروا. وأتاه جماعة من بني الأصبع، وسمّوا الفاطميين، ودانوا بمذهبه. فقصدهم شبل ـ غلام المعتضد ـ من ناحية الرصافة، فجاءوه

860

علي غرة فقتلوه وأحرقوا مسجد الرصافة. واعترضوا كل قرية اجتازوا بها حتى بلغوا ولاية هارون بن خمارويه التي قوطع عليها طغج بن جُف. فأكثروا القتل فيها، فقاتلهم طغج. لكنهم هزموه غير مرة (ابن الأثير حوادث سنة 289، ? 7، ص 353 ليدن سنة 1865).
وفي ربيع الآخر سنة 290 سيّر طغْج بن جُف جيشاً من دمشق. على رأسه غلام له اسمه بشير. فهزمهم القرمطيّ وقتل بشيراً. وحاصر القرمطي دمشق وضيّق على أهلها وقتل أصحاب طغج حتى لم يبقَ منهم إلاّ القليل، وأشرف أهل دمشق على الهلاك فأمد المصريون أهل دمشق ببدر وغيره من القواد فقاتلوا الشيخ، مقدّم القرامطة، فقُتِل القرمطي على باب دمشق وقتل من أصحابه خلق كثير. وكان هذا القرمطي يزعم أنه إذا أشار بيده إلى الجهة التي فيها محاربوه انهزموا.
ولما قُتِل يحيى بن زكرويه، المعروف ? « الشيخ »، وقُتِل أصحابه اجتمع مَنْ بقي منهم على أخيه الحسين، وسمّى نفسه أحمد وكنيته أبو العباس. « ودعا الناس. فأجابه أكثر أهل البوادي وغيرهم. فاشتدت شوكته، وأظهر شامة في وجهه، وزعم أنها آيته. فسار إلى دمشق. فصالحه أهلها على خراج، رفعوه إليه، وانصرف عنهم. ثم سار إلى أطراف حمص فغَلَب عليها وخُطِب له على منابرها، وتسمّى المهدي أمير المؤمنين. وأتاه ابن عَمّه عيسى بن المهدي المسمى عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل. فلقبه المدثر، وعهد إليه، وزعم أنه المدثر الذي في القرآن. ولَقّبَ غلاماً من أهله: المطوّق، وقلّده قتل أسرى المسلمين. ولما أطاعه أهل حمص وفتحوا له بابها خوفاً منه، سار إلى حماة ومعرّة النعمان وغيرهما، فَقَتَلَ أهلها وقَتَلَ النساءَ والصبيان. ثم سار إلى بعلبك فقتل عامة أهلها ولم يبق منهم إلاّ اليسير. ثم سار إلى سلمية، فمنعه أهلها. ثم صالحهم

861

وأعطاهم الأمان، ففتحوا له بابها. فبدأ بمن فيها من بني هاشم ـ وكانوا جماعةً ـ فقتلهم أجمعين. ثم قتل البهائم والصبيان بالكتاتيب. ثم خرج منها وليس بها عينٌ تطرف. وسار فيما حولها من القرى: يسبي، ويقتل، ويخيف السبيل... ثم إنَّ كتب أهل الشام ومصر وصلت إلى المكتفي يشكون ما يلقون من القرمطي: من القتل والسّبيْ وتخريب البلاد. فأمر الجند بالتأهب وخرج من بغداد في رمضان (سنة تسعين ومائتين) وسار إلى الشام، وجعل طريقه على الموصل. وقَدَّم بين يديه أبا الأغرّ في عشرة آلاف رجل. فنزل قريباً من حلب. فكبسهم القرمطيُّ صاحب الشامة، فقتل مهم خلقاً كثيراً. وسَلِم أبو الأغر، فدخل حلب في ألف رجل. وكانت هذه الوقعة في رمضان. وسار القرمطي إلى باب حلب. فحاربه أبو الأغر بمن بقي معه وأهل البلد، فرجع عنهم. وسار المكتفي حتى نزل الرقة، وسيّر الجيوش إليه، وجعل أمرهم إلى محمد بن سليمان الكاتب. وفيها (أي في سنة 290 ?) تحارب القرمطيُّ صاحب الشامة وبدر مولى ابن طولون، فانهزم القرمطي وقُتِل مِنْ أصحابه خلقٌ كثير. ومضى مَنْ سَلِم منهم نحو البادية. فوجّه المكتفي في إثرهم: الحسين بن حمدان وغيره من القوّاد. » (ابن الأثير، حوادث سنة 290 ?، ? 7، ص 362 ـ 364 طبعة ليدن سنة 1865)(1).
* * *
ونعود إلى البحرين وأبي سعيد الجنابي، فنجد أن ابن بانو أمير
ــــــــــــــ
(1) في الطبري عن حوادث سنة 290: « ولخمس بقين من المحرم منها (أي من سنة 290) ورد فيما ذكر كتاب علي بن عيسى من الرقة يذكر فيه أن القرمطي ابن زكرويه، المعروف ? « الشيخ » وافى الرقة في جمع كثير فخرج إليه جماعة من أصحاب السلطان، ورئيسهم سبك ـ غلام المكتفى ـ فواقعوه. فقتل سبك وانهزم أصحاب السلطان » (السلسلة الثالثة، ? 4، ص 2221، ليدن سنة 1890).

862

البحرين كبس حصناًَ للقرامطة في سنة 290 ?، فظفر بمن فيه، وواقع قرابة أبي سعيد الجنابي، فهزمه ابن بانو، وكان مقام هذا القرمطي بالقطيف، وهو وليّ عهد أبي سعيد. وبعد ما انهزم أصحابه وُجِد هذا القرامطي قتيلاً، فأخذ رأسه. وسار ابن بانو إلى القطيف فافتتحها. (ابن الأثير، حوادث سنة 290 ?، ? 7، ص 364، طبعة ليدن).
وقد أورد الطبري (حوادث سنة 290 هو) نموذجاً من الرسائل التي كان صاحب الشامة هذا يبعث بها إلى بعض عماله ورسائل بعض هؤلاء العمال إليه، منها يبين ما كان يخلع على نفسه من الألقاب وما يدعيه من الدعاوى. فمن ذلك هذه الرسالة:
« بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله أحمد بن عبد الله المهديّ، المنصور بالله، الناصر لدين الله، القائم بأمر الله، الحاكم بحكم الله، الداعي إلى كتاب الله، الذابّ عن حريم الله، المختار من ولد رسول الله؛ أمير المؤمنين، وإمام المسلمين، ومذلّ المنافقين، خليفة الله على العالمين، وحاصد الظالمين، وقاصم المعتدين، ومبيد الملحدين، وقاتل (!) القاسطين، ومُهْلِك المفسدين، وسراج المبصرين، وضياء المستضيئين، ومشتّت المخالفين، والقيّم بسُنّة المرسلين، وولد خير الوصيّين صلى الله عليه وسلم وعلى أهل بيته الطيبين، وسلّم كثيراً ـ إلى جعفر بن حميد الكردي. سلام عليك! فانّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو وأسأله أن يصلّي على جدّي محمد رسول الله... » (الطبري، سلسلة 3، ? 4، ص 3223).
فهو يدعي إذن أن جدَّه محمدٌ رسول الله، وأنه القائم بأمر الله، وأنه خليفة الله على العالمين.
كذلك نجد مَنْ يراسلونه يخلعون عليه نفس النعوت. فقد كتب عاملٌ له يقول: « لعبد الله أحمد، الإمام المهدي، المنصور بالله »

863

ثم الصدر كله على مثال الكتاب السابق الذكر.
* * *
ونعود إلى المكتفي بعد نزوله الرقّة وإرساله الجيوش إلى صاحب الشامة، وتوليته محمد بن سليمان الكاتب أمر حرب صاحب الشامة؛ فنقول إن محمد بن سليمان سار إليه في عسكر الخليفة حتى صاروا إلى موضع بينهم وبين حماة اثنا عشر ميلاً، فلقوا به أصحاب القرمطيُّ في يوم الثلثاء لستٍ خلون من المحرّم سنة 291 ?. « وكان القرمطي قدَّم أصحابه وتخلّف هو في جماعة من أصحابه ومعه مال قد كان جمعه. وجعل السواد وراءه. فالتحمت الحرب بين أصحاب السلطان وأصحاب القرمطي واشتدت. فهُزِم أصحابُ القرمطي وقُتِلوا وأُسِر من رجالهم بَشَرٌ كثير. وتفرّق الباقون في البوادي، وتبعهم أصحاب السلطان ليلة الأربعاء لسبع خلون من المحرم (سنة 291). فلما رأى القرمطي ما نزل بأصحابه من الفلول والهزيمة، حمّل، فيما قيل، أخاً له يُكنى أبا الفضل، مالاً وتقدم إليه أن يلحق بالبوادي إلى أن يظهر في موضع يصير إليه. وركب هو وابن عمّه المسمّى المدثر، والمطوّق صاحبه وغلام له رومي، وأخذ دليلاً وسار يريد الكوفة عرضاً في البرية، حتى انتهى إلى موضع يعرف ? الدّالية، من أعمال طريق الفرات، فنفد ما كان معهم من الزاد والعلف. فوجّه بعض ما كان معه ليأخذ له ما يحتاجون إليه. فدخل الدالية المعروفة ? دالية ابن طوق لشراء حاجة، فأنكروا زيّه. وسُئل عن أمره فمجمج. فأُعْلِم المتولّي مَسْلحة هذه الناحية بخبره، وهو رجل يُعرف بأبي خُبْزَة ـ خليفة أحمد بن محمد بن كُشْمَرد، عامل أمير المؤمنين المكتفي على المعادن بالرحبة وطريق الفرات. فركب في جماعة، وسأل هذا الرجل عن خبره. فأخبره أن صاحب الشامة خلف رابية هناك في ثلاثة نفر. فمضى إليهم فأخذهم وصار بهم إلى صاحبه،

864

فتوجه بهم ابن كُشْمَرد وأبو خبزة إلى المكتفي بالرقة. ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن قتلوا وأسروا جميع مَنْ قدروا عليه من أولياء القرمطي وأشياعه. وكتب محمد بن سليمان إلى الوزير بالفتح(1) » ويورد الطبري نص هذا الكتاب، وفيه يشرح كيف حارب أنصار القرمطي، وفيه يثني على ما قام به بنو وشيبان وتغلب وبنو تميم من الاستبسال في الحرب ضد القرامطة.
« وفي يوم الاثنين لأربع بقين من المحرم (سنة 291 ?) أدخل صاحبُ الشامة الرقة ظاهراً للناس على فالج ـ وهو الجمل ذو السنامين ـ وبين يديه المدثر والمطوّق. وسار المكتفي إلى بغداد، ومعه صاحب الشامة وأصحابه وخَلَّفَ العساكر مع محمد بن سليمان. وأدخل القرمطي بغداد على فيل، وأصحابه على الجمل. ثم أمر المكتفي بحبسهم، إلى أن تقدم محمد بن سليمان فقدم بغداد. وقد استقصى في طلب القرامطة، فظفر بجماعة من أعيانهم ورءوسهم. فأمر المكتفي بقطع أيديهم وأرجلهم وضرب أعناقهم بعد ذلك. وأخرجوا من الحبس وفُعِل بهم ذلك. وضُرِبَ صاحب الشامة مائتي سوط، وقطعت يداه وكوي فغشي عليه؛ وأخذوا خشباً وجعلوا فيه ناراً ووضعوه على خواصره، فجعل يفتح عينيه ويغمضهما. فلما خافوا موته ضربوا عنقه ورفعوا رأسه على خشبة. فكبّر الناس لذلك، ونُصِبَ على الجسر.
« وفيها (أي في سنة 291 ?) قَدِم رجلٌ من بني العُلَيْص من وجوه القرامطة، يُسمّى إسماعيل بن النعمان، وكان نجا في جماعة لم ينج من رؤسائهم غيره. فكاتبه المكتفي وبذل له الأمان. فحضر في الأمان هو ونيف مائة وستين نفساً، فأومنوا وأحسن إليهم ووُصِلوا بمال،
ــــــــــــــ
(1) الطبري: « تاريخ الرسل والملوك » السلسة 3، ? 4، ص 2237 ـ 2238؛ وعنه نقل ابن الأثير، ? 7، ص 366 ـ 367، طبع ليدن سنة 1865.

865

وصاروا إلى رحبة مالك بن طوق مع القاسم بن سيما، وهي من عمله فأقاموا معه مدّة. ثم أرادوا الغدر بالقاسم، وعزموا على أن يثبوا بالرحبة يوم الفطر عند اشتغال الناس بالصلاة. وكان قد صار معهم جماعة كبيرة. فعلم بذلك، فقتلهم. فارتدع مَنْ كان بقي من موالي بني العليص، وذلّوا وأتْربوا حتى جاءهم كتاب من الخبيث زكرويه يعلمهم أنه مما أوحي إليه أن صاحب الشامة وأخاه المعروف ? « الشيخ » يُقتلان، وأن إمامه الذي هو حيُّ يظهر بعدهما ويَظْفر(1) ».
وفي سنة 293 استطاع الداعية الذي بنواحي اليمن، أن يحارب أهل صنعاء وينتصر عليهم وتغلّب على سائر مدن اليمن.
وبعد مقتل صاحب الشامة أنفذ زكرويه مع مهرويه رجلاً كان يعلم الصبيان بقرية تُدْعَى الزَّابوقة، من عمل الفَلُّوجة، اسمه عبد الله بن سعيد، ويُكنى أبا غانم، فتسمّى نصراً ليعلن أمره على الناس. « فدار على أحياء كلب يدعوهم إلى رأيه فلم يقبله منهم أحد سوى رجل من بني زياد يُسمَّى مقدام بن الكيال فإنه استغوى له طوائف من الأصبغيين المنتمين إلى الفواطم وسواقط من العُلَيْصيين وصعاليك من سائر بطون كلب. وقصد ناحية الشام ـ وعامل السلطان على دمشق والأردن أحمد بن كيغلغ وهو مقيم بمصر على حرب ابن خلِج(2) الذي كان خالف محمد بن سليمان ورجع إلى مصر فغلب عليها. فاغتنم ذلك عبد الله بن سعيد هذا، وسار إلى مدينتيْ بُصْرَى وأَذْرعات من كورتيْ حَوْران والبَثَنية. فحارب أهلها، ثم آمنهم. فلما استسلموا قتل مقاتلتهم
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير: « الكامل في التاريخ »، ? 7، ص 367 ـ 368، ليدن سنة 1865.
(2) وفي ابن الأثير: « الخانجي »، وفي ابن مسكويه: ابن الخلنجي، راجع التعليق في الطبري سلسلة 3، ص 4، ص 2253، حيث يرد أسماء: محمد بن علي الخليج، والخليجي، الخ.

866

وسبى ذراريهم واستصفى أموالهم. ثم سار يؤمُّ دمشق. فخرج إليه جماعة ممن كان مرسوماً بتشحينها من المصريّين كان خَلّفهم أحمدُ بن كيغلغ مع صالح بن الفضل فظهروا عليهم وأثخنوا فيهم، ثم اغتروهم ببذل الأمان لهم، فقتلوا صالحاً وفضّوا عسكرَه، ولم يطمعوا في مدينة دمشق، وكانوا قد صاروا إليها، فدافعهم أهلُها عنها، فقصدوا نحو طبرية، مدينة جند الأردن، ولحق بهم جماعة افتتنت من الجند بدمشق. فواقعهم يوسف بن إبراهيم بن بغامردي، عامل أحمد بن كيغلغ على الأردنّ، فأسروه، وبذلوا الأمان له، ثم غدروا به فقتلوه ونهبوا مدينة الأردن، وسبوا النساء، وقتلوا طائفة من أهلها. فأنفذ السلطان الحسين بن حمدان لطلبهم ووجوهاً من القوَّاد، فورد دمشق وقد دخل أعداءُ الله طبرية. فلما اتصل خبره بهم عطفوا نحو السماوة وتبعهم الحسين يطلبهم في برّية السماوة، وهم ينتقلون من ماءٍ إلى ماءٍ، ويعوّرونه حتى لجأوا إلى الماءيْن المعروفتيْن بالدمعانة والحالة. وانقطع الحسين من اتباعهم لعدم الماء فعاد إلى الرحبة. وأسرى القرامطةُ على غاويهم المسمّى نصراً إلى قرية هيت فصبّحوها وأهلها غارُّون لتسع بقين من شعبان (سنة 293 ?) مع طلوع الشمس فنهب ربضها وقتل من قدر عليه من أهلها وأحرق المنازل، وانتهب السفن التي في الفرات في فرضتها، وقتل من أهل البلد ـ فيما قيل ـ زهاء مائتيْ نفس... ثم رحل عنها بعد المغرب إلى البريّة، وإنما أصاب ذلك من ربضها، وتحصّن منه أهلُ المدينة بسورها. فشخص محمد بن اسحق بن كنداجبين (أو كنداج) إلى هيت في جماعة من القوّاد في جيش كثيف بسبب هذا القرمطي، ثم تبعه بعد أيام مؤنس الخازن. وذكر عن محمد بن داود أنه قال إن القرامطة صبّحوا هيت وأهلها غارُّون، فحماهم الله منهم بسورها. ثم عجل السلطان محمد بن اسحق بن كنداجين نحوهم، فلم يقيموا بها إلاَّ ثلاثاً حتى قرب محمد بن اسحق منهم. فهربوا منه

867

نحو الماءيْن. فنهض محمد نحوهم، فوجدهم قد عوّروا المياه بينه وبينهم. فأنفذت إليه من الحضرة الإبل والروايا والزاد وكُتب إلى الحسين بن حمدان بالنفوذ من جهة الرحبة إليهم، ليجتمع هو ومحمد ابن اسحق على الإيقاع بهم. فلما أحسّ الكلبيون بإشراف الجند عليهم ائتمروا بعدو الله المسمّى نصراً، فوثبوا عليه وفتكوا به؛ وتفرَّد بقتله رجلٌ منهم يقال له الذئب بن القائم، وشخص إلى الباب تقرّباً بما كان منه ومستأمناً بتقيتهم. فأسنيت له الجائزة، وعُرِف له ما أتاه، وكُفّ عن طلب قومه. فمكث أياماً، ثم هرب. وظفرت طلائع محمد بن اسحق برأس المسمّى نصر، فاحتزّوه وأدخلوه مدينة السلام.
واقتتلت القرامطة بعده حتى وقعت بينهما الدماء. فصار مقدام بن الكيال إلى ناحية طيء مُقْلنناً بما احتوى عليه من الحُكام. وصارت فرقة منهم، كرهت أمورهم، إلى بني أسد المقيمين بنواحي عين التمر. فجاوروهم، وأرسلوا إلى السلطان وفداً يعتذرون مما كان منهم، ويسألون اقرارهم في جوار بني أسد، فأجيبوا إلى ذلك وحصلت على الماءَيْن بقية الفسقة المستبصرة في دين القرامطة..(1) ».
وهكذا أخفق عبد الله بن سعيد في حركته هذه.
لهذا أنفذ زكرويه داعية آخر من أكرة أهل السواد، يُسمَّى القاسم بن أحمد بن علي، ويُعرف بأبي محمد، من رستاق نهر تلحانا. « فأعلمهم أن فعل الذئب بن القائم قد انفرد عنهم، وثقّل قلبه عليهم، وأنهم قد ارتدوا عن الدين، وأن وقت ظهورهم قد حضر. وقد
ــــــــــــــ
(1) الطبري: « تاريخ الرسل والملوك » سلسلة 3، ? 4، ص 2256 ـ 2260، حوادث سنة 293.

868

بايع له بالكوفة أربعون ألف رجل، وفي سوادها أربعمائة ألف رجل، وأن يوم موعدهم الذي ذكر الله في كتابه في شأن موسى كليمه صلعم وعدوّه فرعون إذ يقول: « موعدكم يومُ الزينة، وأن يُحْشر الناس ضحىً » (سورة 20 آية 61). وأن زكرويه يأمرهم أن يخفوا أمرهم ويظهروا الانقلاع نحو الشام، ويسيروا نحو الكوفة حتى يصبحوها في غداة يوم النحر، وهو يوم الخميس لعشر تخلو من ذي الحجة سنة 293، فإنهم لا يمنعون منها؛ وأنه يظهر لهم وينجز لهم وعده الذي كانت رُسُله تأتيهم به، وأن يحملوا القاسم بن أحمد معهم ». فامتثلوا أمره ووافوا باب الكوفة. وقد انصرف الناس عن مصلاّهم مع إسحق بن عمران، عامل السلطان بها، وكان الذين وافوا باب الكوفة في هذا اليوم فيما ذكر ثمانمائة فارس أو نحوها، رأسهم الذبلاني بن مهرويه من أهل الصّوْأَر، وقيل إنه من أهل جُنْبلاء(1) ».
ولكن المعركة انتهت بهزيمة القرامطة وفرارهم إلى القادسية. وفي نفس الوقت بعث اسحُق بن عمران، عامل الخليفة على الكوفة، بطلب المدد، فأرسل إليه الخليفة جماعة من قوّاده منهم طاهر بن علي بن وزير، ووصيف بن صَدَراتكين التركي والفضل بن موسى بن بَغا الخادم الأفشيني. والتحم جيش الخليفة مع زكرويه والقرامطة في يوم الاثنين لتسع بقين من ذي الحجة سنة 293، وذلك في موضع يعرف بالصّوْأر بينه وبين القادسية أربعة أميال. واشتدت الحرب بينهم، ودارت الدائرة أول النهار على القرمطي وأصحابه حتى كاد جيش الخليفة أن يظفر بهم. « وكان زكرويه، قد كمّن عليهم كميناً من خلفهم، ولم يشعروا به. فلما انتصف النهار خرج الكمين على السواد
ــــــــــــــ
(1) الطبري: « تاريخ الرسل والملوك » سلسلة 3، ? 4، ص 2260 ـ 2261، حوادث سنة 293 ?.

869

فانتهبه، ورأى أصحاب السلطان السيف من ورائهم، فانهزموا أقبح هزيمة. ووضع القرمطي وأصحابه السيف في أصحاب السلطان فقتلوهم كيف شاءوا... وذكر أنه يبلغ من قتل من أصحاب السلطان في هذه الوقعة ـ سوى غلمانهم والحمالين ومن كان في السواد ـ ألف وخمسمائة رجل. فقوي القرمطيُّ وأصحابه بما أخذوا في هذه الوقعة » (المرجع نفسه ـ سلسلة 3، ? 4، ص 2263).
وفي 12 محرم ورد الخبر بغداد أن زكرويه بن مهرويه القرمطي ارتحل من الموضع المعروف بنهر التينة يريد الحاج، وأنه وافى موضعاً بينه وبين واقصه أربعة أميال. ومضوا في البرّ من جهة المشرق حتى بلغوا الماء المسمّى سَلٍمان. وأقام بموضعه يريد الحاج، ينتظر القافلة الأولى. واعترض قافلة الخراسانية في 11 محرم بالعقبة من طريق مكة « فحاربوه حرباً شديداً. فساءلهم وقال: « أفيكم السلطان؟ قالوا: ليس معنا سلطان، ونحن الحاج. فقال لهم: فامضوا، فلست أريدكم. فلما سارت القافلة تبعها فأوقع بها » (ص 2270) ووقع نفس المصير لأصحاب القافلة الثانية، وكان فيها من الحاج زهاء عشرين ألفاً، قُتِل جميعهم غير نفر يسير، وأخذوا من المال والأمتعة الفاخرة ما قيمته مليونا دينار.
« فلما فرغ زكرويه من أهل القافلة الثانية من الحاج وأخذ أموالهم واستباحَ حرمهم رحل من وقته من العقبة بعد أن ملأ البرك والآبار بها بالجيف من الناس والدواب » (ص 2273).
فعظم ذلك على الخليفة فندب الوزيرُ العباسُ بن الحسن بن أيوب محمد بن داود بن الجراح للخروج إلى الكوفة والاشراف منها على إنفاذ الجيوش لمحاربة زكرويه. فخرج من بغداد في 19 محرّم. ثم سار زكرويه، من ناحيته، إلى زُبَالة، فنزلها وبث الطلائع أمامه ووراءه

870

خوفاً من أصحاب السلطان المقيمين بالقادسية أن يلحقوه، ومتوقعاً ورود القافلة الثالثة التي فيها الأموال والتجار. ثم سار إلى النعلبية، ثم إلى الشقوق. وأقام بها بين الشقوق والبطان في طرف الرمل في موضع يُعرف بالطليح ينتظر القافلة الثالثة، وفيها من القواد نفيس المولدي وصالح الأسود ومعه الشمسة والخزانة. وكانت الشمسة جعل فيها المعتضد جوهراً نفيساً، وفي هذه القافلة كان إبراهيم بن أبي الأشعث. وإليه كان قضاء مكة والمدينة... فلما صار أهلُ هذه القافلة إلى فَيْدِ بلغهم خبر الخبيث زكرويه وأصحابه. وأقاموا بفَيْد أياماً ينتظرون تقوية لهم من قِبَل السلطان. وقد كان ابن كشمرد رجع من الطريق إلى القادسية في الجيوش التي أنفذها السلطان معه وقبله وبعده. ثم سار زكرويه إلى فيد، وبها عامل للسلطان يُقال له حامد بن فيروز فالتجأ منه حامد إلى أحد حصنيها في نحو من مائة رجل كانوا معه في المسجد. وشحّن الحصن الآخر بالرجال. فجعل زكرويه يراسل أهل فيد ويسألهم أن يسلّموا إليه عاملهم ومن فيها من الجند، وأنهم إن فعلوا ذلك آمنهم. فلم يجيبوه إلى ما سأل. ولمّا لم يجيبوه حاربهم فلم يظفر منهم بشيء.
فلما رأى أنه لا طاقة له بأهلها تنحّى فصار إلى البنّاج، ثم على حُفَيْر أبي موسى الأشعري.
وفي أول شهر ربيع الأول (سنة 294 ?) أنهض المكتفيُّ وصيفَ بن صوارتكين، ومعه من القواد جماعة. فنفذوا من القادسية على طريق خَفّان. فلقيه وصيفُ يوم السبت لثمانٍ بقين من شهر ربيع الأول. فاقتتلوا يومهم. ثم حجز بينهم الليل، فباتوا يتحارسون ثم عاودهم الحربَ. فقتل جيشُ السلطان منهم مقتلةً عظيمة وخلصوا إلى عدوّ الله زكرويه. فضربه بعض الجند بالسيف على قفاه وهو مَولٍ ضربةً

871

اتصلت بدماغه فأخِذ أسيراً وخليفته وجماعة من خاصّته وأقربائه فيهم ابنه وكاتبه وزوجته واحتوى الجند على ما كان في عسكره. وعاش زكرويه خمسة أيام، ثم مات، فشُقّ بطنه، ثم حُمِل بهيئته وانصرف من كان بقي حيّاً في يديه مِنْ أسرى الحاج(1) ».

قرامطة البحرين
أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي

ولما مات أبو سعيد الجنابي خلفه ابنه أبو طاهر سليمان، وكان شجاعاً فصيحاً جواداً. وقد اهتم في بداية رئاسته بالاستيلاء على طريق الحج بين العراق ومكة. ففي سنة 302 ? أغار على قافلة الحاج وهي عائدة من مكة إلى العراق، وسلبها وسبى 280 امرأة منها وترك سائر الحجاج جياعاً عطاشاً(2). فلما خاف الوزير علي بن عيسى على قوافل الحجاج في العام المقبل أسرع فوافق على السماح للقرامطة بالتجارة كما طلبوا (أبو المحاسن، ? 2، ص 197) بشرط ألاّ يتعرضوا للحجاج وأن يسلّموا إليه رئيس قاطعي الطريق.
واستمر طريق الحجاج بين العراق ومكة آمناً من اعتداء القرامطة من سنة 303 ? حتى المحرم(3) من سنة 312 لما أن هاجم جماعة من القرامطة مؤلفة من ألف فارس وألف راجل قافلة الحجاج في سهل
ــــــــــــــ
(1) الطبري: « تاريخ الرسل والملوك »، سلسلة 3، ? 4، ص 2274 ـ 2275، عن سنة 294 ?. وقد توفي الخليفة المكتفي بالله في ذي القعدة سنة 295 ? وكان عمره 33 أو 32 سنة وتولى الخلافة ست سنين وستة أشهر و19 يوماً.
(2) أبو المحاسن، ? 2، ص 194.
(3) « مراصد الاطلاع »، ? 3، ص 306.

872

الهبير، وهو سهل يجتازه الطريق بين مكة إلى الكوفة، ويمتد من الشقوق إلى الأجفر. قال ابن الأثير: « وفي هذه السنة (سنة 312 ?) سار أبو طاهر القرمطيّ إلى الهبير في عسكر عظيم ليلقى الحاج سنة إحدى عشرة وثلثمائة في رجوعهم من مكة. فأوقع بقافلة « تقدمت معظم الحاج، وكان فيها خلق كثير من أهل بغداد وغيرهم فنهبهم... وأخذ أبو طاهر جمال الحجاج جميعها وما أراد من الأمتعة والأموال والنساء والصبيان، وعاد إلى هجر وترك الحاجّ في مواضعهم. فمات أكثرهم جوعاً وعطشاً ومن حَرّ الشمس. وكان عمر أبي طاهر حينئذ سبع عشرة سنة. وانقلبت بغداد واجتمع حُرَم المأخوذين إلى حُرَم المنكوبين الذين نكبهم ابنُ الفرات وجعلن ينادين: القرمطيّ الصغير أبو طاهر قتل المسلمين في طريق مكة، والقرمطي الكبير ابن الفرات قد قتل المسلمين ببغداد!(1) ».
وقد أدت هذه النكبة إلى خلع ابن الفرات من الوزارة والقبض عليه ثم قتله بعد ذلك.
وكان أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد قد هاجم في السنة السابقة (سنة 311 ?) البصرة في ربيع الآخر (سنة 311 ?) وحاربوا أهلها « وقتلوا خلقاً كثيراً، وطرح الناس أنفسهم في الماء فغرق أكثرهم. وأقام أبو طاهر سبعة عشر يوماً يحمل منها منا يقدر عليه من المال والأمتعة والنساء والصبيان، فعاد إلى بلده »(2) أي إلى هَجَر.
وفي سنة 312 دخل أبو طاهر إلى الكوفة. « وكان سبب ذلك أن أبا طاهر أطلق مَنْ كان عنده من الأسرى الذين كان أسرهم من
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير: « الكامل »، ? 8، ص 107 ـ 108، ليدن سنة 1826.
(2) ابن الأثير، ? 8، ص 105.

873

الحُجّاج، وفيهم ابن حمدان وغيره، وأرسل إلى (الخليفة) المقتدر يطلب البصرة والأهواز؛ فلم يجبه إلى ذلك. فسار مِنْ هجر يريد الحاجّ. وكان جعفرُ بن ورقاء الشيباني متقلد أعمال الكوفة وطريق مكة. فلما سار الحجّاج من بغداد، سار جعفر بين أيديهم خوفاً من أبي طاهر، ومعه ألف رجل من بني شيبان. وسار مع الحُجّاج مِنْ أصحاب السلطان: ثمل، صاحب البحر، وجنيّ الصفواني، وطريف السبكري (أو اليشكري) وغيرهم في ستة آلاف رجل. فلقي أبو طاهر القرمطيُّ جعفر الشيباني، فقاتله جعفر. فبينما هو يقاتله، إذ طلع جمعٌ من القرامطة عن يمينه. فانهزم من بين أيديهم. فلقي القافلة الأولى وقد انحدرت من العقبة، فردّهم إلى الكوفة ومعهم عسكر الخليفة. وتبعهم أبو طاهر إلى باب الكوفة، فقاتلهم. فانهزم عسكر الخليفة، وقَتَل منهم وأسر جنباً الصفواني، وهرب الباقون والحجاج من الكوفة. ودخلها أبو طاهر وأقام ستة أيام بظاهر الكوفة، يدخل البلد نهاراً فيقيم في الجامع إلى الليل، ثم يخرج فيبيت في عسكره. وحَمَل منها ما قدر على حمله من الأموال والثياب وغير ذلك، وعاد إلى هجر »(1) ولم يحج أحدٌ في هذه السنة من العراق.
وفي سنة 315 ? سار أبو طاهر القرمطي من هجر نحو الكوفة. فكتب المقتدر إلى يوسف بن أبي الساج يأمره بالمبادرة إلى الكوفة فسار إليها من واسط آخر شهر رمضان. ولما وصل أبو طاهر إلى الكوفة هرب نواب الخليفة عنها، واستولى عليها أبو طاهر. ووصل يوسف ابن أبي الساج إلى الكوفة بعد وصول القرمطي بيوم واحد، في 8 شوال. فلما وصل بعث إلى القرامطة يدعوهم إلى طاعة المقتدر « فإن أبوا فموعدهم الحرب يوم الأحد. فقالوا: لا طاعة علينا إلاّ لله
ــــــــــــــ
(3) ابن الأثير، ? 8، ص 114 ـ 115.

874

تعالى، والموعد بيننا للحرب بكرة غد... ورأى يوسف (بن أبي الساج) قلَّة القرامطة فاحتقرهم... وزحف بعضهم إلى بعض. فسمع أبو طاهر أصوات البوقات والزعقات، فقال لصاحب له: ما هذا؟ فقال: فشل. قال: أَجَل »! لم يزد على هذا فاقتتلوا من ضحوة النهار يوم السبت إلى غروب الشمس. وصَبَر الفريقان. فلما رأى أبو طاهر ذلك باشر الحرب بنفسه ومعه جماعة يثق بهم، وحمل بهم. فطحن أصحابَ يوسف ودقّهم، فانهزموا بين يديه وأسر يوسفاً وعدداً كثيراً من أصحابه. وكان أسره وقت المغرب؛ وحملوه إلى عسكرهم. ووكل به أبو طاهر طبيباً يعالج جراحه.
وورد الخبر إلى بغداد بذلك، فخاف الخاصُّ والعام من القرامطة خوفاً شديداً وعزموا على الهرب إلى حلوان وهمذان. ودخل المنهزمون بغداد رجالة حفاة عراة. فبرز مؤنس المظفّر ليسير إلى الكوفة. فأتاهم الخبر بأن القرامطة قد ساروا إلى عين التمر. فأنفذ من بغداد خمسمائة سُمَيْرية فيها المقاتلة لتمنعهم من عبور الفرات. وسيّر جماعة من الجيش إلى الأنبار لحفظها ومنع القرامطة من العبور هنالك.
ثم إن القرامطة قصدوا الأنبار. فقطع أهلُها الجَسْرَ، ونزل القرامطة غربيّ الفرات. وأنفذ أبو طاهر أصحابه إلى الحديثة، فأتوه بسفن. ولم يعلم أهل الأنبار بذلك. وعبر فيها ثلثمائة رجل من القرامطة. فقاتلوا عسكر الخليفة فهزموهم وقتلوا منهم جماعةٍ. واستولى القرامطة على مدينة الأنبار، وعقدوا الجسر. وعبر أبو طاهر جريدة وخَلّف سواده بالجانب الغربي.
ولما ورد الخبر بعبور أبي طاهر إلى الأنبار، خرج نصر الحاجب في عسكر جرّار فلحق بمؤنس المظفر، فاجتمعا في نيف وأربعين ألف مقاتل سوى الغلمان ومَنْ يريد النهب. وكان ممن معه: أبو الهيجاء

875

عبد الله بن حمدان، ومن إخوته: الوليد، وأبو السرايا في أصحابهم. وساروا حتى بلغوا نهر زبارا على فرسخين من بغداد عند عقرقوف. فأشار أبو الهيجاء بن حمدان بقطع القنطرة التي عليه فقطعوها. وسار أبو طاهر ومن معه نحوهم فبلغوا نهر زبارا، وفي أوائلهم رجل أسود. فما زال الأَسْوَدُ يدنو من القنطرة والنّشابُ يأخذه ولا يمتنع حتى أشرف عليها فرآها مقطوعة، فعاد وهو مثل القنفذ. وأراد القرامطة العبور فلم يمكنهم لأن النهر لم يكن فيه مخاضة. ولما أشرفوا على عسكر الخليفة هرب منهم خلق كثير إلى بغداد من غير أن يلقوهم. فلما رأى ابنُ حمدان ذلك، قال لمؤنس: كيف رأيت ما أشرت به عليكم؟ فوالله لو عبر القرامطة النهر لانهزم كل من معك، ولأخذوا بغداد.
ولما رأى القرامطة ذلك عادوا إلى الأنبار.
وسيّر مؤنس المظفر صاحبه بليق في ستة آلاف مقاتل إلى عسكر القرامطة غربي الفرات ليغنموه ويخلِّصوا ابن أبي الساج. فبلغوا إليهم وقد عبر أبو طاهر الفرات في زورق صياد، وأعطاه ألف دينار. فلما رآه أصحابه قويت قلوبهم. ولما أتاهم عسكر مؤنس كان أبو طاهر عندهم. فاقتتلوا قتالاً شديداً. فانهزم عسكر الخليفة. ونظر أبو طاهر إلى ابن أبي الساج، وهو قد خرج من الخيمة ينظر ويرجو الخلاص وقد ناداه أصحابه: أَبْشرْ بالفرج! فلما انهزموا، أحضره وقتله وقتل جميع الأسرى من أصحابه. وسلمت بغدادُ من نهب العيّارين... وكان عدة القرامطة ألف رجل وخمسماية رجل، منهم سبعماية فارس، وثمانماية راجل؛ وقيل: كانوا ألفين وسبعمائة.
وقصد القرامطة مدينة هيت؛ وكان المقتدر قد سيّر إليها سعيد بن حمدان وهارون بن غريب. فلما بلغها القرامطة رأوا عسكر الخليفة

876

قد سبقهم، فقاتلوهم على السور. فقتلوا من القرامطة جماعة كثيرة، فعادوا عنها. ولما بلغ أهل بغداد عودُهم من هيت، سكنت قلوبهم.
ولما علم المقتدر بعدة عسكره وعسكر القرامطة قال: لعن الله نيفاً وثمانين ألفاً يعجزون عن ألفين وسبعمائة.
وجاء إنسانٌ إلى علي بن عيسى وأخبره أن في جيرانه رجلاً من شيراز على مذهب القرامطة يكاتب أبا طاهر بالأخبار. فأحضره وسأله، فاعترف وقال: ما صحبتُ أبا طاهر إلاّ لما صحّ عندي أنه على الحق، وأنت وصاحبك كُفّار تأخذون ما ليس لكم. ولا بدَّ لله مِنْ حُجّة في أرضه. وإمامنا المهدي محمد بن فلان بن فلان بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، المقيم ببلاد المغرب. ولسنا كالرافضة والاثنا عشرية الذين يقولون ـ بجهلهم ـ إن لهم إماماً ينتظرونه، ويكذّب بعضُهم لبعضِ فيقول: قد رأيته وسمعتُه وهو يقرأ. ولا ينكرون ـ بجهلهم وغباوتهم ـ أنه لا يجوز أن يعطى من العمر ما يظنونه ».
فقال له (علي بن عيسى الوزير): « قد خالطت عسكرنا وعرفتهم. فمَنْ فيهم على مذهبك؟ فقال: « وأنت بهذا العقل تدبّر الوزارة؟! كيف تطمع منّي أنَني أُسَلّم قوماً مؤمنين إلى قوم كافرين يقتلونهم؟! لا أفعل ذلك ».
فأمر به فضرب ضرباً شديداً ومُنع الطعام والشراب؛ فمات بعد ثلاثة أيام(1) ».
وإنه لأمر يدعو إلى العجب حقاً أن تستطيع هذه القلّة من القرامطة هزيمة هذا العدد الكبير من جيش الخليفة. ولهذا يفترض دي خويه(2)
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير: « الكامل في التاريخ »، ? 8، ص 124 ـ 127، ليدن سنة 1862 م.
(1) M. J. De Goeje: Mémoire sur les carmathès du Bahreïn, p. 35. Leiden, 1862.

877

وجود تواطؤ بين بعض القواد في جيش الخليفة وبين أبي طاهر القرمطي. ويقول إن من المؤكد أنه قد كان لأبي طاهر أعوانٌ كثيرون مستترون في العراق، وكان في جيوش الخليفة خونة.
ولا بدَّ أن يكون الأمر كذلك، ولا يكفي لتفسيره أن تقول إن القرامطة نظموا شبكة قوية من المخابرات في بغداد وفي داخل جيوش الخليفة، كما رأينا فيما ذكره ابن الأثير عن ذلك الشخص الذي استدعى علي بن عيسى الوزير والذي كان ينقل إلى أبي طاهر القرمطي أخبار تحركات جيش الخليفة ضده.
* * *
ولنتابع مسيرة أبي طاهر لما أن سار من الأنبار.
لقد « سار أبو طاهر القرمطي إلى الدالية من طريق الفرات فلم يجد فيها شيئاً. فقتل من أهلها جماعة. ثم سار إلى الرحبة فدخلها ثامن المحرّم (سنة 316 ?) بعد أن حاربه أهلها. فوضع فيهم السيف بعد أن ظفر بهم.
فأمر مؤنسُ المظفرّ بالمسير إلى الرقة. فسار إليها في صفر، وجعل طريقه على الموصل، فوصل إليها في ربيع الأول، ونزل بها.
وأرسل أهلُ قرقيسيا يطلبون من أبي طاهر الأمان فآمنهم وأمرهم أن لا يظهر أحد منهم بالنهار، فأجابوه إلى ذلك. وسيّر أبو طاهر سريّةً إلى الأعراب بالجزيرة فنهبوهم، وأخذوا أموالهم. فخافه الأعراب خوفاً شديداً، وهربوا من بين يديه. وقرر عليهم إتاوة، على كل رأسٍ ديناريْن يحملونها إلى هجر.
ثم أصدر أبو طاهر من الرحبة إلى الرقة، فدخل أصحابه الربض وقتلوا منهم ثلاثين رجلاً. وأعان أهل الرقة أهلُ الربض، وقتلوا

878

من القرامطة جماعة. فقاتلهم ثلاثة أيام. ثم انصرفوا آخر ربيع الآخر. وبثّت القرامطة سَرِيّة إلى رأس عين، وكفرتوثا. فطلب أهلُها الأمان، فآمنوهم. وساروا أيضاً إلى سنجار، فنهبوا الجبال، ونازلوا سنجار؛ فطلب أهلُها الأمان فآمنوهم.
وكان مؤنس قد وصل إلى الموصل. فبلغه قصد القرامطة إلى الرقة، فجدّ السير إليها. فسار أبو طاهر عنها، وعاد إلى الرحبة؛ ووصل مؤنس إلى الرقّة بعد انصراف القرامطة عنها.
ثم إن القرامطة ساروا إلى هيت، وكان أهلها قد أحكموا سورها، فقاتلوه، فعاد عنهم إلى الكوفة. فبلغ الخبر إلى بغداد، فأُخرِج هارون بن غريب ونبى بن نفيس ونصر الحاجب إليها. ووصلت خيل القرمطي إلى قصر ابن هبيرة، فقتلوا منه جماعة.
ثم إن نصر الحاجب حُمَّ في طريقه حُمّى حادة، فتجلّد وسار. فلما قاربهم القرمطي لم يكن في نصر قوةٌ على النهوض والمحاربة. فاستخلف أحمد بن كيغلغ؛ واشتد مرض نصر وأمسك لسانه لشدّة مرضه، فردوه إلى بغداد فمات في الطريق أواخر شهر رمضان. فجُعل مكانه على الجيش هارون بن غريب، ورُتّب ابن أحمد بن نصر في الحجبة للمقتدر مكان أبيه. فانصرف القرامطة إلى البريّة(1). »
وكانت نتيجة هذه الانتصارات المتوالية التي أحرزها القرامطة في حروبهم ومناوشاتهم مع جيوش الخليفة ومع مختلف البلدان التي غزوها أن الذين كانوا في سواد العراق يسترون اعتقادهم مذهب القرامطة أخذوا يظهرون اعتقادهم. « واجتمع منهم بسواد واسط أكثر من عشرة
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير: « الكامل في التاريخ »، ? 8، ص 132 ـ 133. ليدن، سنة 1865.

879

آلاف رجل، وولّوا أمرهم رجلاً يعرف ? حُرَيْث بن مسعود. واجتمع طائفة أخرى بعين التمر ونواحيها في جميع كثير، وولّوا أمرهم إنساناً يُسمّى عيسى بن موسى. وكانوا يدعون إلى الهدى. وسار عيسى إلى الكوفة، ونزل بظاهرها، وجَبَى وصَرَفَ العمّال عن السواد.
وسار حريث بن مسعود إلى أعمال الموفقي، وبنى بها داراً سمّاها دار الهجرة. واستولى على تلك الناحية. فكانوا ينهبون ويَسْبون ويقتلون. وكان يتقلّد الحرب بواسط نبيُ بن نفيس، فقاتلهم فهزموه. فسيّر المقتدر بالله إلى حُريْث بن مسعود ومن معه: هارون بن غريب، وإلى عيسى بن موسى ومَنْ معه بالكوفة: صافي البصري. فأوقع بهم هارون. وأوقع صافي بمن سار إليهم. فانهزمت القرامطة، وأُسر منهم كثير، وقُتل أكثر ممّن أُسر. وأخذت أعلامهم ـ وكانت بيضاً، وعليها مكتوب: « ونريد أن نُمَنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين » (سورة 28 آية 4). فأُدخلَتْ بغداد منكوسة. واضمحل أمر مَنْ بالسواد منهم، وكفى الله الناسَ شرّهم(1) »، وذلك في سنة 316 ?.

مهاجمة مكة وأخذ الحجر الأسود

وفي سنة 317 ? بلغت فظائع القرامطة ذروتها بمهاجمتهم لمكة وقتل من في البيت الحرام واقتلاع الحجر الأسود وأخذه.
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثيـر: « الكـامل في التـاريخ »، ? 8، ص 136، 137. ليـدن، سنة 1862. وورد مثله في « المنتظم » لابن الجوزي، حوادث سنة 316 ?، ? 6، ص 216، حيدر أباد، سنة 1357 ?.

880

يقول ابن الأثير في ذلك: « حج بالناس في هذه السنة منصور الديلمي. وسار بهم من بغداد إلى مكة، فَسلموا في الطريق. فوافاهم أبو طاهر القرمطي بمكة يوم التروية. فنهب هو وأصحابه أموال الحُجّاج، وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه. وقلع الحجر الأسود وأنفذه إلى هجر. فخرج إليه ابن محلب أمير مكة في جماعة من الأشراف فسألوه في أموالهم فلم يشفعهم، فقاتلوه، فقتلهم أجمعين. وقلع باب البيت، وأصعد رجلاً ليقلع الميزاب فسقط فمات. وطَرَح القتلى في بئر زمزم ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قتلوا، بغير كفن ولا غسل، ولا صُلّي على أحد منهم. وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة(1) ».
ويذكر ابن الجوزي في « المنتظم » تفاصيل منقولة عن بعض الأسرى، يهمنا منها الخبر التالي بعد السَّنَد: « أخبرني رجل من أصحاب الحديث أسره القرامطة سنة الهبير واستعبدته سنين. ثم هرب منها لما أمكنه، قال: كان يملكني رجلٌ منهم يسومني سوء العذاب، ويستخدمني أعظم خدمة، ويعربد عليَّ إذا سكر. فسكر ليلة وأقامني حياله وقال: ما تقول في محمدٍ هذا صاحبكم؟ فقلت: لا أدري؛ ولكن ما تعلّمني، أيها المؤمن، أقوله. فقال: كان رجلاً سائساً. ـ فيما تقول في أبي بكر؟ قلتُ: لا أدري! قال: كان رجلاً ضعيفاً مهيناً. فما تقول في عمر؟ قلت: لا أدري. قال: كان والله فظّاً غليظاً. فما تقول في عثمان: قلت: لا أدري. قال: كان جاهلاً أحمق. فما تقول في عليّ؟ لا أدري. قال: كان ممخرقاً؛ أليس يقول: إن ها هنا علماً لو أصَبْتُ له حَمَلة؟! أما
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير: « الكامل في التاريخ »، ? 6، ص 303 ـ 304، القاهرة سنة 1353 ?.

881

كان في ذلك الخلق العظيم بحضرته من يودع كل واحد منهم كلمةً حتى يفرغ ما عنده ـ هل هذه إلاّ مخرقة؟ ـ ونام.
فلما كان من غدٍ دعاني، فقال: ما قلت لك البارحة؟ فأريته أني لم أفهمه. فحذّرني من إعادته والإخبار عنه بذلك.
فإذا القوم زنادقة لا يؤمنون بالله، ولا يفكرون في أحدٍ من الصحابة.
قال المُحسِّن: ويدل على هذا أن أبا طاهر القرمطي دخل الكوفة دفعات فما دخل إلى قبر عليٍّ عليه السلام، واجتاز بالحائر فما زار الحسين. وقد كانوا يمخرقون بالمهدي، ويوهمون أنه صاحب المغرب، ويراسلون إسماعيل بن محمد، صاحب المهدية المقيم بالقيروان.(1) »

رد الحجر الأسود

وقد ظل الحجر الأسود في حوزة القرامطة في هجر من سنة 317 ? حتى سنة 339 ?، أي طوال اثنتين وعشرين سنة.
ويورد ابن الأثير في سبب ردهم له روايتيْن مختلفتيْن، الأولى تقول إنه لما بلغ المهدي أبا محمد عبيد الله العلوي، مؤسس الدولة الفاطمية بتونس أخذ القرامطة للحجر الأسود، كتب إلى أبي طاهر « ينكر عليه ذلك، ويلومه ويلعنه ويقيم عليه القيامة ويقول: قد حققت على شيعتنا ودعاة دولتنا اسم الكفر والإلحاد بما فعلت. وإنْ لم تردّ على أهل مكة وعلى الحُجاج وغيرهم ما أخذت منهم وتردّ الحجر الأسود إلى مكانه وترد كسوة الكعبة، فأنا بريء منك في الدنيا
ــــــــــــــ
(1) ابن الجوزي: « المنتظم في التاريخ »، ? 6، ص 224، حيدر أباد سنة 1357 ?.

882

والآخرة. فلما وصله هذا الكتاب أعاد الحجر الأسود ـ على ما نذكره ـ واستعاد ما أمكنه من الأمول من أهل مكة فرده وقال: إن الناس اقتسموا كسوة الكعبة وأموال الحجاج ولا أقدر على منعهم(1) ».
وهذه الرواية غير معقولة، لأن القرامطة لم يردوا الحجر الأسود إلاَّ في سنة 339 ?، أي بعد أخذه باثنين وعشرين عاماً، ولا يعقل أن يكون أبو محمد عبيد الله الشيعي لم يبلغه خبر أخذ القرامطة للحجر الأسود إلاّ بعد حدوث ذلك باثنين وعشرين عاماً. وفضلاً عن ذلك فإن أبا محمد عبيد الله الشيعي تولى سنة 322، أي قبل رد الحجر الأسود بسبعة عشر عاماً. وإنما المعقول هو الخبر الثاني الذي أورده ابن الأثير نفسه في حوادث سنة 339 ?، فقال: « في هذه السنة أعاد القرامطة الحجر الأسود إلى مكة وقالوا: أخذناه بأمرٍ، وأعدناه بأمرٍ. وكان بجكم(1) قد بذل في رده خمسين ألف دينار، فلم يجيبوه، وردوه الآن بغير شيء في ذي القعدة (سنة 339 ?). فلما أرادوا ردّه حملوه إلى الكوفة، وعلقوه بجامعها حتى رآه الناس. ثم حملوه إلى مكة. وكانوا أخذوه من ركن البيت الحرام سنة سبعٍ عشرة وثلثمائة، وكان مكثه عندهم اثنتين وعشرين سنة(3) ».
وابن الجوزي في المنتظم لا يورد إلاّ هذه الرواية فيقول: « وفي ذي القعدة (من سنة 339 ?) رُدّ الحجر الأسود الذي كان
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير: « الكامل »، ? 6، ص 304 ـ 305، القاهرة سنة 1353، حوادث سنة 317.
(2) عن بجكم راجع ابن الأثير: « الكامل »، ? 6، ص 266، القاهرة سنة 1353، حوادث سنة 326 ?.
(3) ابن الأثير: « الكامل »، ? 6، ص 335، القاهرة سنة 1353، حوادث سنة 339 ?.

883

أبو طاهر سليمان بن الحسن الهجري أخذه من الكعبة. وعُلّق على الأسطوانة السابعة من مسجد الكوفة. وقد كان بجكم بذل في رده خمسين ألف دينار فلم يرد. وقيل: أخذناه بأمرٍ، وإذا ورد الأمر برده، رددناه. فلما كان في ذي القعدة كتب إخوة أبي طاهر كتاباً يذكرون فيه أنهم ردوا الحجر بأمر من أخذوه بأمره، وليتم مناسك الناس وحجهم. فردّ إلى موضعه(1).
وواضح أن ابن الأثير (المتوفى سنة 630 ?) نقل رواية ابن الجوزي (المتوفى سنة 597 ?) باختصار. ورواية ابن الجوزي أدق عبارة، وتحدد أن الذي كان له الفضل في إعادة الحجر هم أخوة أبي طاهر، وذلك بعد اختلال أمرهم، كما سنرى.
وكان محمد بن ياقوت، حاجب الخليفة، قد أرسل في سنة 322 رسولاً إلى أبي طاهر القرمطي « يدعوه إلى طاعة الخليفة ليقرّه على ما بيده من البلاد، ويقلده بعد ذلك ما شاء من البلدان ويُحْسِن إليه؛ ويلتمس منه أن يكفّ عن الحجّاج جميعهم، وأن يردّ الحجر الأسود إلى موضعه بمكة. فأجاب أبو طاهر إلى أنه لا يتعرض للحاجّ ولا يصيبهم بمكروه. ولم يجب إلى ردّ الحجر الأسود إلى مكة. وسأل أن تطلق له الميرة من البصرة ليخطب للخليفة في أعمال هَجَر. فسار الحاجُّ إلى مكة، ولم يتعرض لهم القرامطة »(2).
وهذا يدل على تمكن أبي طاهر في منطقة البحرين وهجَر وما حولهما، ومنطقة اليمامة.
ــــــــــــــ
(1) ابن الجوزي: « المنتظم »، ? 6، ص 367، حوادث سنة 339، طبع حيدر أباد سنة 1357 ?.
(2) ابن الأثير: « الكامل »، ? 6، ص 242، حوادث سنة 322، القاهرة سنة 1352.

884

غير أن أبا طاهر عاد في السنة التالية، سنة 323، فاعترض الحجّاج حينما بلغوا القادسية ولكنهم لم يعرفوه « فقاتله أصحاب الخليفة، وأعانهم الحجاج. ثم التجأوا إلى القادسية. فخرج جماعة من العلويين بالكوفة إلى أبي طاهر، فسألوه أن يكفّ عن الحجاج. فكفّ عنهم وشرط عليهم أن يرجعوا إلى بغداد. فرجعوا، ولم يحج بهذه السنة من العراق أحد. وسار أبو طاهر إلى الكوفة، فأقام بها عدة أيام ورحل عنها(1) ».

وقوع الخلاف بين القرامطة بعضهم وبعض

غير أنه في سنة 326 ? دب الخلاف بين رؤساء القرامطة بعضهم وبعض. ويروي ابن الأثير سبب ذلك فيقول: « وسبب ذلك أنه كان رجل منهم يُقال له ابن سنبر ـ وهو من خواص أبي سعيد القرمطي والمطلعين على سره ـ كان له عدو من القرامطة اسمه أبو حفص الشريك. فعمد ابن سنبر إلى رجل من أصبهان وقال له: « إذا ملكتك أمر القرامطة أريد منك أن تقتل عدوي أبا حفص ». فأجابه إلى ذلك وعاهده عليه. فأطلعه على أسرار أبي سعيد وعلاماتٍ كان يذكر أنها في صاحبهم الذي يدعون إليه. فحضر عند أولاد أبي سعيد وذكر لهم ذلك. فقال أبو طاهر: هذا هو الذي يدعو إليه فأطاعوه، ودانوا له، حتى كان يأمر الرجل بقتل أخيه فيقتله. وكان إذا كره رجلاً يقول له: إنه مريض ـ يعني أنه قد شك في دينه؛ ويأمر بقتله.
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير: « الكامل »، ? 6، ص 249، حوادث سنة 323، القاهرة سنة 1353.

885

وبلغ أبا طاهر أن الأصبهاني يريد قتله لينفرد بالملك. فقال لإخوته: لقد أخطأنا في هذا الرجل وسأكشف حاله. فقال له: إن لنا مريضاً فانظر إليه ليبرأ. فحضروا وأضجعوا والدته وغطوها بإزار. فلما رآها قال: إن هذا المريض لا يبرأ فاقتلوه. فقالوا له: كذبت، هذه والدتك. ثم قتلوه بعد أن قُتل منهم خلق كثير من عظمائهم وشجعانهم وكان هذا سبب تمسكهم بهجر، وتَركِ قَصْدِ البلاد والإفساد فيها(1) ».

وفاة أبي طاهر القرمطي

واستمر أبو وطاهر قوياً في منطقته، يستجير به من يريد (ابن الأثير، ? 1، ص 291، القاهرة سنة 1353) مما يدل على بسطة نفذوه، إلى أن توفي في رمضان سنة 332 ?، « أصابه جدري فمات »(2).
وكما ذكرنا من قبل كان له ثلاثة إخوة: أبو القاسم سعيد بن الحسن، وهو الأكبر؛ وأبو العباس الفضل بن الحسن ـ وكانا يتفقان مع أبي طاهر على الرأي والتدبير؛ وثالثهم لا يجتمع بهم، وهو مشغول بالشرب واللهو » (ابن الأثير، ? 1، ص 299، القاهرة سنة 1353 حوادث سنة 332 ?).
ويقول ابن الجوزي إنه « لم يحج في هذه السنة (سنة 332 ?) أحدٌ من بغداد ولا من خراسان لأجل موت الهجري (= أبي طاهر سليمان بن الحسن الهجري)، فلم يحضر أحدٌ من أهل هجر يبذرق(3) الحاج.
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير: « الكامل »، ? 6، ص 268، حوادث سنة 326، القاهرة سنة 1353 ?.
(2) ابن الأثير: « الكامل »، ? 6، ص 299.
(3) بذرق وبدرق: خفر. والبذرق والبدرقة: الخفارة، أو الجماعة تتقدم القافلة فتحرسها من العدو. والمبذرق: الخفير. والكلمة فارسية الأصل.

886

فخاف الناس فأقاموا. وكان الذي بقي من إخوة أبي طاهر ثلاثة: أبو القاسم سعيد، وهو الرئيس الذي يدبّر الأمور؛ وأبو العباس، وكان ضعيف البدن كثير الأمراض، وأبو يعقوب يوسف وكان مقبلاً على اللعب؛ إلاَّ أن الثلاثة كانت كلمتهم واحدة، والرياسة لجميعهم؛ وكانوا يجتمعون على رأي واحد فيضمونه. وكان وزراؤهم سبعة، كلهم من بين سنبر »(1).
وأحد هؤلاء، وهو أبو محمد بن سنبر، هو الذي حمل الحجر الأسود إلى مكة، فوافى مكة ومعه أمير مكة، فلما صار بفناء البيت الحرام أظهر الحجر من سفط وعليه ضباب فضة قد عملت من طوله وعرضه تضبط شقوقاً حدثت فيه بعد انقلاعه. فأحضر صانع معه جص ليشد به الحجر. فوضع سنبر بن الحسن بن سنبر الحجر بيده، وشدّه الصانع بالجص.
* * *
وكذلك نعرف من حوادث سنة 354 أن قرامطة البحرين أنفذوا سرية إلى عمان، وعمان منطقة زاخرة بالخوارج، فردّها الخوارج وقتلوا من القرامطة عدداً كبيراً.
كذلك ثار أحد القرامطة الذين استأمنوا إلى سيف الدولة في الشام، واسمه مروان، وكان يتقلد السواحل الشامية لسيف الدولة. فلمـا تمكن ثار في حمص، وتملكها وتملك غيرها « فخرج إليه غلام لقرعويه ـ حاجب سيف الدولة ـ اسمه بدر، وواقع القرمطي عدة وقعات. وفي بعضها رمى بدرٌ مروانَ بنشابة مسمومة. واتفق أن
ــــــــــــــ
(1) ابن الجوزي: « المنتظم في التاريخ »، ? 6، ص 336، حوادث سنة 332 ?، حيدر آباد سنة 1357 ?.

887

أصحاب مروان أسروا بدراً، فقتله مروان، ثم عاش بعد قتله أياماً ومات » (ابن الأثير، ? 7، ص 16، القاهرة سنة 1353 ?).
كذلك أرسلوا في سنة 358 « رسلاً إلى بني نمير وغيرهم من العرب يدعونهم إلى طاعتهم فأجابوا إلى ذلك وأخذت عليهم الأَيمان. وأرسل أبو تغلب ابن حمدان إلى القرامطة بهجر هدايا جميلة قيمتها خمسون ألف درهم » (ابن الأثير، ? 7، ص 35).
* * *
ولقد تولى الأمر بعد وفاة أبي طاهر القرمطي أخوته الثلاثة. ولكن في سنة 358 طلب ابنه سابور بن أبي طاهر القرمطي من أعمامه أن يسلموا الأمر إليه والجيش. « وذكر أن أباه عهد إليه بذلك. فحبسوه في داره، ووكلوا به (من يحرسه) ثم أخرج ميتاً في نصف رمضان » من نفس السنة (ابن الأثير، ? 7، ص 35).
ويظهر أن سلطان القرامطة كان يمتد حتى إلى مكة، في سنة 359 إذ يذكر أن الخطبة بمكة كانت « للمطيع لله وللقرامطة الهَجَريين » (ابن الأثير، ? 7، ص 40).

استيلاء القرامطة على دمشق مرة أخرى

كان ابن طغج قد اتفق مع القرامطة على أن يحمل إليهم كل سنة ثلثمائة ألف دينار.
لكن لما استولى جعفر بن فلاح على الشام في سنة 359 علموا أنهم لن تصلهم هذه المبالغ. لهذا عزموا في سنة 360 « على قصد الشام، وصاحبهم حينئذ (هو) الحسين بن أحمد بن بهرام القرمطي. فأرسل إلى عزّ الدولة بختيار يطلب منه المساعدة بالسلاح والمال، فأجابه إلى ذلك.

888

واستقر(1) الحال أنهم إذا وصلوا إلى الكوفة سائرين إلى الشام حَمَل الذي(2) استقر. فلما وصلوا إلى الكوفة أوصل إليهم ذلك. وساروا إلى دمشق. وبلغ خبرُهم إلى جعفر بن فلاح فاستهان بهم ولم يحترز منهم. فلم يشعر بهم حتى كبسوه بظاهر دمشق وقتلوه وأخذوا ماله وسلاحه ودوابه. وملكوا دمشق، وآمنوا أهلها. وساروا إلى الرملة واستولوا على جميع ما بينهما. فلما سمع مَنْ بها من المغاربة خبرهم، ساروا عنها إلى يافا فتحصنوا بها. وملك القرامطةُ الرملة، وساروا إلى مصر، وتركوا على يافا مَنْ يحصرها. فلما وصلوا إلى مصر اجتمع معهم خلقٌ كثير من العرب والجند والأخشيدية والكافورية.
فاجتمعوا بعين شمس عند مصر. واجتمع عساكر جوهر (الصقلي) وخرجوا إليهم، فاقتتلوا غير مرةٍ والظفر في جيمع تلك الأيام للقرامطة، وحصروا المغاربة حصراً شديداً.
ثم إن المغاربة خرجوا في بعض الأيام من مصر؛ وحملوا على ميمنة القرامطة، فانهزم مَنْ بها من العرب وغيرهم. وقصدوا سواد القرامطة فنهبوه. فاضطروا (أي القرامطة) إلى الرحيل، فعادوا إلى الشام، فنزلوا الرملة، ثم حصروا يافا حصراً شديداً، وضيّقوا على مَنْ بها. فسيّر جوهر (الصقلي) من مصر نجدة إلى أصحابه المحصورين بيافا ومعهم ميرة في خمسة عشر مركباً. فأرسل القرامطة مراكبهم إليها فأخذوا مراكب جوهر ولم يَنْجُ منها غير مركبين، فغنمها مراكب الروم.
وللحسين بن بهرام، مقدم القرامطة، شعر: فمنه في المغاربة أصحاب المعز لدين الله:
ــــــــــــــ
(1) أيْ اتفقوا على...
(2) أيْ أعطاهم ما اتفقوا عليه.

889


زعمت رجـالُ العرب أنى هِبْتـُها فـدمي إذن مـا بينهـم مطـلول يا مصر! إنْ لم أسْقِ أرضك من دمٍ يروي ثراك، فلا سقاني النيل!(1) »
وهذا هو أول قتال بين القرامطة وبين الفاطميين، وكان الفاطميون قد استولوا على مصر في شعبان سنة 358 ? بقيادة جوهر الصقلي. ولما استقر جوهر بمصر وثبّت قدمه أرسل جعفر بن فلاح الكتامي إلى الشام في نفس السنة فحارب ابن طغج وأسره، وسار إلى دمشق فاستولى عليها ونهب بعض البلد وكفّ عن الباقي، وأقام الخطبة للمعز لدين الله الفاطمي يوم الجمعة لأيام خلت من المحرم سنة تسع وخمسين وثلثمائة، وقطعت الخطبة للخليفة العباسي. غير أن أبا القاسم بن أبي يعلى الهاشمي ثار وقام يقاتل جعفر بن فلاح ومعه أهل دمشق، وانتهى القتال بانتصار جعفر بن فلاح، وتقرر الصلح في يوم الخمس 16 ذي الحجة سنة 359 ?. وتولى جعفر بن فلاح إمرة دمشق من قبَل الفاطميين، إلى أن انتصر عليه الحسين بن بهرام القرمطي وقتله في سنة 360 ? كما رأينا.
وكانت المعركة الثانية بين القرامطة والفاطميين في سنة 363. ففي هذه السنة « سار القرامطة، ومقدمهم الحسن بن أحمد، من الأحساء إلى ديار مصر فحصرها. ولما سمع المعز لدين الله (الفاطمي)، صاحب مصر، بأنه يريد قصد مصر، كتب إليه كتاباً يذكر فيه فضل نفسه وأهل بيته، وأن الدعوة واحدة، وأن القرامطة إنما كانت دعوتهم إليه وإلى آبائه منْ قبله. ووعظه، وبالغ، وتهدّده، وسيّر الكتاب إليه.
فكتب (القرمطي) جوابه: « وَصَل كتابك الذي قلّ تحصيله،
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير، ? 7، ص 42 ـ ص 34.

890

وكثر تفصيله، ونحن سائرون إليك على إثره. والسلام! ».
وسار (القرمطي) حتى وصل إلى مصر. فنزل على عين شمس بعسكره، وأنشب القتال، وبثّ السرايا في البلاد ينهبونها. فكثرت جموعه، وأتاه من العرب خلقٌ كثير. وكان ممن أتاه: حسان بن الجرّاح الطائي، أمير العرب بالشام، ومعه جمع عظيم. فلما رأى المعزّ كثرة جموعه، استعظم ذلك وأهمّه وتحيّر في أمره، ولم يُقْدِم على إخراج عسكره لقتاله. فاستشار أهل الرأي من فصحائه. فقالوا: « ليس حيلة غير السلم في تفريق كلمتهم وإلقاء الخُلْف بينهم. ولا يتم ذلك إلاَّ بابن الجراح ». فراسله المعز، واستماله، وبذل له مائة ألف دينار إنْ هو خالف على القرمطي. فأجابه ابن الجراح إلى ما طلب منه. فاستحلفوه، فحلف أنه إذا وصل إليه المال المقرر انهزم بالناس. فأحضروا المال. فلما رأوا استكثروه، فضربوا أكثرها دنانير من صُفْر (= نحاس) وألبسوها الذهب، وجعلوها في أسافل الأكياس، وجعلوا الذهب الخالص على رءوسها. وحُمل إليه. فأرسل إلى المعز أن يخرج في عسكره يوم كذا، ويقاتلونه وهو في الجهة الفلانية، فإنه ينهزم. ففعل المعز ذلك، فانهزم (ابنُ الجراح) وتبعه العربُ كافةً ـ فلما رآه الحسن القرمطي منهزماً تحير في أمره، وثبت وقاتل بعسكره. إلاّ أن عسكر المعز طمعوا فيه وتابعوا الحملات عليه من كل جانب، فأرهقوه، فولى منهزماً واتبعوا أثره، وظفروا بمعسكره فأخذوا مَنْ فيه أسرى، وكانوا نحو ألف وخمسمائة أسير، فضُربت أعناقهم ونُهب ما في المعسكر.
وجرّد المعزُّ القائدَ أبا محمد بن إبراهيم بن جعفر في عشرة آلاف رجل، وأمره باتباع القرامطة والإيقاع بهم. فاتبعهم وتثاقل في سيره خوفاً أن ترجع القرامطة إليه.

891

ولما بلغ المعزَّ انهزام القرمطي من الشام وعوده إلى بلاده، أرسل القائد ظالم بن موهوب العقيلي والياً على دمشق، فدخلها وعظم حاله وكثرت جموعه وأمواله وعُدّته، لأن أبا المنجا، وابنه ـ صاحبيْ القرمطي ـ كانا بدمشق ومعهما جماعة من القرامطة، فأخذهم ظالم وحبسهم وأخذ أموالهم وجميع ما يملكون » (ابن الأثير، ? 7، ص 54).

أفول نجم القرامطة

وربما كان لهذه الهزيمة أثرها في بدء أفول نجم القرامطة.
إذ نعرف من أخبار سنة 375 ? أن صمصام الدولة هزم القرامطة هزيمة عظيمة لما أن هاجموا الكوفة. كذلك هزمهم رجل يعرف بالأصفر من بني المنتفق في سنة 378 هزيمة شنيعة في عقر دارهم، كان ذلك في الأحساء، وقد سار إليها فتحصنوا منه فيها، فعدل إلى القطيف فأخذ ما كان فيها من عبيدهم وأموالهم ودوابهم وسار بها إلى البصرة (ابن الأثير، ? 7، ص 136). وحل الأصفر محل القرامطة في التعرض للحجاج، وقد توفي في سنة 410 ? (ابن الأثير، ? 7، ص 303)
ولما كان ابتداء أمر القرامطة بالبحرين هو سنة 286 ?، فيمكن القول بأن دولتهم ظلت قوية مهيبة الجانب طوال مائة سنة على الأقل، وأن أوج قوتها كان في عهد أبي طاهر سعيد بن الحسن الجنابي الذي توفي في رمضان سنة 332 ?.
ولم نعثر على شيء في كتب التاريخ التي بأيدينا عما صار إليه أمر دولة القرامطة بعد هزيمة الأصفر المنتفقي لهم في سنة 378 ?. والنويري يؤكد هذا أيضاً فيقول إنه بعد هزيمة الأصفر لهم « انتقض أمر

892

القرامطة وضعفوا. وكانت مدة ظهور مذهبهم إلى هذا التاريخ مائة سنة، ومنذ ظهور أمرهم استولوا على البلاد وتجهزت العساكر لقتالهم خمساً وتسعين سنة. وكانت فتنتهم قد عمّت أكثر البلاد والعباد. ولم أقف لهم بعد واقعة الأصفر على واقعة أخرى فاذكرها »(1).
غير أن دى خويه، في مقال له « بالمجلة الآسيوية » (عدد يناير ـ فبراير سنة 1895 ص 5 ـ 30) وجد أخباراً عن نهاية دولة القرامطة بالبحرين، وذلك في شرح على القصيدة الميمية(2) لابن مَقرّب، وابن مقرب شاعر عاش في بداية القرن السابع الهجري، وأصله من الأحساء، وينحدر من الأمير الذي قضى على دولة القرامطة. ولا يذكر اسم الشارح، لكن يمكن افتراض أنه من الأحساء، نظراً لوفرة معلوماته عن هذا البلد.
وقد بدأت الاضطرابات التي أدت إلى سقوط دولة القرامطة، بدأت في جزيرة أوَال، بعد زيارة الناصر بن خسرو للأحساء في سنة 442 ? بقليل. ذلك أن شخصاً يُدعى أبا البهلول (العوّام بن محمد بن يوسف بن الزجاج)، من قبيلة عبد القيس، وأخاه أبا الوليد مُسْلم، خطيب الجزيرة، وكلاهما سُنِّي، التمسوا من الناظر (الحاكم) القرمطي للجزيرة واسمه ابن عرهم أن يتدخل لدى حكومة الأحساء للسماح ببناء مسجد، لأن التجار الغرباء كانوا يتجنبون النزول في جزيرة أُوَال بسبب عدم وجود مسجد صالح لصلاة الجمعة. وأعطى الأذن، وبُني المسجد، ولكن الخطبة عقدت فيه باسم الخليفة العباسي:
ــــــــــــــ
(1) النويري: « نهاية الأرب »، مخطوط باريس رقم 1576، النص الخامس، القسم الخامس، الباب 8 ـ 9، ورقة 382.
(2) مخطوط ديوان ابن مقرب كان آنذاك ضمن مجموعة مخطوطات الناشر بريل في ليدن، وقد وضع فهرسها هوتسما.

893

القائم بأمر الله. فثار أنصار القرامطة، قائلين إنه لا سلطان الآن للخليفة العباسي، وحتى في العراق يخطب باسم المستنصر الخليفة الفاطمي في مصر. ورفض أهالي أوال دفع الخراج للقرامطة، وثاروا على الناظر القرمطي بزعامة أبي البهلول، وأفلحوا في ثورتهم وطردوا الموظفين القرامطة وأعلن أبو البهلول نفسه أميراً. غير أنه لم يستمر طويلاً، إذ نعرف من الشرح للقصيدة أنه في سنة 469 ? استولى أمير القطيف وهو يحيى بن العبّاس على جزيرة أوال. وطلب يحيى بن العباس من الخليفة العباسي ووزيره نظام الملك وسعد الدولة أن يبعثوا بنجدة من الفرسان، فجاءه كجكينا، حاجب السلطان ملكشاه ومعه 400 فارس عربي وتركي. فخاف يحيى بن العباس على نفسه، فرفض النجدة وبمعونة البدو اضطر كجكينا إلى العودة إلى البصرة في سنة 468 ? وهو في أسوأ حال.
لكن ثار على القرامطة بعد ذلك عبد الله بن علي بن محمد بن إبراهيم، من قبيلة عبد القيس، فقام بالحرب ضد القرامطة في الأحساء، وهزم القرامطة، وصار من مشاهير القوّاد. ولا نعلم بالدقة متى حدثت هذه المعركة. وكل ما نعلمه أن القرامطة تحصنوا بعاصمتهم طوال سبع سنوات. ولما رأى عبد الله بن علي أن قواته غير قادرة على الاستيلاء على الأحساء، تفاوض مع الخليفة في بغداد. فأرسل الخليفة جيشاً مؤلفاً من 700 فارس سلجوقي (شركسية) بقيادة أكْسُك سلار في سنة 467، ويلقب بابن توبك، وكان مقطعاً على حلوان ونواحيها. ومضى اكسك سلار إلى القطيف ليعاقب أولاً يحيى بن العباس لموقفه من كجكينا، فلما اقترب جيشه من القطيف لجأ ابن عباس إلى جزيرة أوال، وتابع اكسك سلار مسيرته في اتجاه الأحساء. واستطاع عبد الله بن علي حصار الأحساء حصاراً محكماً. فاضطر القرامطة إلى طلب الصلح، ووافقوا على الخضوع ودفع مبلغ ضخم للخليفة في مقابل

894

تأمين حياتهم وأموالهم. لكن القرامطة ـ بما طبعوا عليه من دهاء ـ انتهزوا الفرصة لتموين أنفسهم، وكانوا يعلمون أن جيش اكسك سلار غير قادر على البقاء حتى فصل الصيف. واضطر اكسك فعلاً إلى العودة إلى بغداد، تاركاً أمر الحصار لعبد الله بن علي وأخيه هو (أي أخي اكسك). ثم عاد منحدراً في الدجلة إلى واسط، متوجهاً إلى البصرة. ولكن جاءه البريد بأن القرامطة والأزد تحالفا عليهما. ولكنهما، أي عبد الله بن علي وأخاه، هجما على القرامطة والأزد في مكان يُدعى « ما بين الرجتيْن »، وانتصرا على هؤلاء الأخيرين، مما اضطرهم إلى طلب الصلح فدخل عبد الله بن علي القلعة. وهكذا استولى عبد الله بن علي على عاصمة القرامطة، الأحساء، ورحل الأتراك السلاجقة. ولكن القرامطة لم يهدأوا بعد هذه الهزيمة، بل تفاوضوا مع قبيلة عامر ربيعة. فحاربهم عبد الله وقضى على جنود عامر ربيعة، وكان اللقاء بين نهري محلم وسُلَيْل. واستولى عبد الله على 4000 من الإبل وكثير من الخيل. وبعد هزيمة عامر ربيعة هاجم عبد الله بن علي القرامطة، وكان اللقاء بين نهر الخندق وباب الأصفر (أو: باب الأصفر)، وقتل في المعركة ثمانون من زعماء القرامطة، وكان ذلك في سنة 470 ?.
ولكن بقي على عبد الله الاستيلاء على منطقة القطيف وجزيرة أوال اللتيْن كانتا تحت حكم أسرة يحيى بن عباس. وهذا ما فعله عبد الله إذ انقض على الناظر واستولى على القطيف وأرسل ابنه، الفضل، للاستيلاء على جزيرة أوال، وتمكن الفضل من ذلك. وبهذا استقر السلطان في كل منطقة البحرين لعبد الله بن علي.
وبهذا أيضاً زالت دولة القرامطة نهائياً من منطقة البحرين، حيث كان مركز دولتهم. وكان ذلك آخر عهدهم بالسلطان.

895


مذهب القرامطة
ـ 1 ـ
كيفية الدعوة

اتخذ القرامطة أسلوباً في الدعوة إلى مذهبهم فريداً بارعاً، هو من أدق ما عرف تاريخ الحركات السرية في العالم.
وخير مصدر لنا عنه هو ما كتبه الشريف أبو الحسين محمد بن علي، ونقله إلينا النويري في « نهاية الأرب »، وهو مما لم ينشر بعدُ من هذه الموسوعة العظيمة ولهذا سنورده هنا بتمامه.
« قال الشريف أبو الحسين محمد بن علي:

صفة الدعوة الأولى

أول الدعوة بعد عمل(1) الداعي بالتزويق(1) (!) وقوة إجابة
ــــــــــــــ
(1) لعلها: علم.
(2) كذا غير واضحة في مخطوط باريس.

896

المدعو من سائر الأمم: أن يسلك به في السؤال عن المشكلات مسلك الملحدين والشكاك. فيكثر(1) السؤال عن تأويل الآيات ومعاني الأمور الشرعيات، وشيء من الطبائع، ووجوه القول في الأمور التي تكثر فيها الشُّبَه، ولا يصل إليها إلاّ العالم المبرّز ومَنْ جرى مجراه.
فإنْ اتفق له نجيبٌ عارف ممارس جَدِل، سَلّم إليه الداعي وعظّمه وكرّمه وحشمه وصوّب قوله وداخله بما يجب من علم شريعته التي يومئ إليها؛ وكل ذلك يقطع كلامه لئلاّ يتبيّن ما هو عليه من الحيلة والمكر، وما يدخل به على الناس من أمر الدعوة.
وإنْ اتفق مغرور مغفل غليظ الحواس ألقى إليه ما يشغل به قلبه، مثل قوله: إن الدين لمكتوم، وإن الأكثر له منكرون وبه جاهلون. ولو علمت هذه الأمة ما خصّ الله به الأئمة من العلم لم تختلف. ويُوهم مَنْ سمع كلامه أن عنده علوماً خفية لم تصل إليهم. فتتطلع(2) نفس المستمع إلى معرفة بيان ما قال. وربما وصل أمره مع من يجالسه ـ واحداً كان أو جماعةً ـ بشيء من معاني القرآن وذكر شرائع الدين وتأويل الآيات وتنزيلها وكلام لا يشك المسلم العارفُ في حقيقته، ويوهم المستمعين منه أنه قد ظفر بعلم لو صادف له مستمعاً لكان ناجياً مشفعاً. وقرر عندهم أن الآفة التي نزلت بالأمة وحيرت في الديانة وشتّت الكلمة وأورثت الأهواء المُضلّة: ذهابُ الناس عن أئمة نصبوا لهم وأقيموا حافظين لشرائعهم يؤدونها على حقائقها ويحفظون عليهم معانيها وبواطنها. وأنهم لما عدلوا عنهم ونظروا من تلقاء عقولهم واتباعهم لما حسن في رأيهم وسمعوه من أسلافهم وغُلاتهم: اتباع الملوك في طلب الدنيا، وحاملي الغنَى، ومسمعي
ــــــــــــــ
(1) في النص: ويكثر.
(2) في النص: فتطلع.

897

الإثم وأنصار(1) الظلمة وأعوان الفسقة، الطالبين العاجلة والمجتهدين في الرئاسة على الضعفاء؛ ومَنْ يكايد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أمته، وَغيّر كتابه، وبَدّل سُنّته، وقتل عترته، وأفسد شريعته، وسلك بالناس غير طريقته، فتحيّر وحيّر مَنْ قَبل منه. وصار الناس إلى أنواع الضلالات به وباتباعه.
وقالوا لهم حينئذ كالنصحاء الحكماء: « إن دين محمد لم يأتِ بالتخلي ولا بالتحرّي، ولا بأماني الرجال ولا شهوات الخلق، ولا بما خَفّ على الألسنة وعرفته دهماء العامة. وإنما الدين صعب مستصعب وأمر مستثقل وعلم خفي غامض، ستره الله في حُجّته وعظم شأنه عن ابتذال الأشرار له. فهو سرّ الله ـ عزّ وجلَّ ـ المكتومُ وأمره المستور الذي لا يطيق حمله ولا ينهض بأعبـائه وثقله إلاّ مَلَكٌ مقرّب، أو نبي مُرْسَل، أو عبدٌ مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان » ـ في أمثال هذا الكلام.
ويموّه على من لا يعلم بأنهم لو أظهروا ما عندهم من العلم لا يكره من يسمعه ويَعْجَبُ منه، وكفّر أهله. وهذه مقدمة يجعلونها في نفوس المخدوعين ليواطئوهم على أن لا ينكروا(2) ما يسمعونه ولا يدفعوه، فيجعلوا ذلك تأنياً وتلبيساً(3) لينخلع من الشرائع وترتيب أصولها والحرص على طلبها.
وربما قالوا لهم شيئاً يموّهون به أن له تفسيراً، وإنما هو تقليد في الديانة. فمن مسائلهم: ما معنى رمي الجِمار والعَدْو بين الصّفا والمَرْوة؟ ولم قضت الحائضُ الصيامَ ولم تقض الصلاة؟ وما بال
ــــــــــــــ
(1) في النص: احساد (!).
(2) ص: ينكرون.
(3) غير واضحة في النص.

898

الجُنُب يغتسل من ماء دافق بشيء طاهر منه يسير(1)، ولا يغتسل من البول النجس الكثير القدر؟ وما بال الله تعالى خلق الدنيا في سبعة أيام: أعجز عن خلقها في ساعة واحدة؟ وما معنى « الصراط » المضروب في القرآن مثلاً؟ « والكاتبين الحافظين »؟ وما لنا لا نراهما؟ أخاف ربنا أن نكابره ونجاحده فأذكى العيون وأقام علينا الشهود وقيد ذلك بالقرطاس والكتابة؟ وما « تبديل الأرض غيرَ الأرض »؟ وما عذاب جهنم؟ وكيف يصحّ تبديل جلد مذنب لم يذنب فعذب؟ وما معنى: « ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية » (سورة الحاقة 17)؟ وما إبليس وما ذكرته الشياطين وما وصفوا به، وأين مستقرّهم ومقدار قدرهم؟ وما يأجوج ومأجوج وهاروت وماروت؟ وما سبعة أبواب النار؟ وما ثمانية أبواب الجنة؟ وما شجرة الزقوم النابتة في أصل الجحيم؟ وما دابة الأرض ورءوس الشياطين، والشجرة الملعونة في القرآن، والتين والزيتون؟ وما الخُنّس وما الكُنّس؟ وما معنى « ألم »، و« ألمص »، وما معنى « كهيعص » وما معنى « حَم » « عسق » ـ وأمثال هذا من الكلام؟ ولِمَ جُعلَتْ السموات سبعاً والأرضون سبعاً، والمثاني من القرآن سبع آيات؟ ولم فجّرت العيون اثنتي عشرة عيناً؟ ولمَ جعلت الشهور اثني عشر شهراً؟ ـ وأمثال هذا من الكلام والأمور مما يوهمون أن فيه معاني غامضة وعلوماً جليلة.
وقالوا للمغرورين: ما يعمل معكم الكتاب والسُّنّة ومعاني الفرائض اللازمة؟ وأين أرواحكم، وكيف صُوَرها، وأين مستقرّها، وما أول أمرها؟ والإنسان: ما هو، وما حقيته، وما فرق بين حياته وحياة البهائم، وفَرْقُ ما بين حياة البهائم وحياة الحشرات، وما
ــــــــــــــ
(1) ص: الببسير.

899

بانت به حياة الحشرات من حياة (ورقة 50 ب) النبات؟ وما معنى قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: ـ خلقت حواء من ضلع آدم؟ وما معنى قول الفلاسفة: الإنسان هو العالم الصغير؟ ولِمَ جعلت قامة الإنسان منتصبة دون الحيوان؟ ولمَ جُعل في أربعة أصابع من بدنه ثلاثة شقوق، وفي الإبهام شقان؟ ولم جعل في وجهه سبعة ثُقُب وفي سائر بدنه ثقبان؟ ولم جُعل في ظهره اثنتا عشرة عقدة، وفي عنقه سبعة؟ ولم جعل رأسه في صورة ميم، ويداه حاء، وبطنه ميماً ورجلاه دالاً، حتى صار كتاباً مرسوماً يترجم عن « محمد »(1)؟ ولم جعلت أعداد عظامكم كذا، وأعداد أسنانكم كذا؟ ولم صارت الرؤساء من أعضائكم كذا وكذا؟ ـ وسألوا عن التشريح والقول في العروق وفي الأعضاء ووجوه منافع الأعضاء، ويقولون لهم: ألا تفكرون في حالكم وتعتبرون وتعلمون أن الذي خلقكم حكيم غر مجازف، وأنه فعل ذلك جميعه بحكمة، وله في ذلك أغراض باطنة خفية حتى جمع ما جمعه وفرّق ما فرّقه؟ وكيف الإعراض عن هذه الأمور وأنتم مستمعون قول الله عز وجل: « وفي أنفسكم أفلا تبصرون » (الذاريات 21)، وقوله: « وفي الأرض آياتٌ للموقنين » (الذاريات 20) ويقول: « ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون » (إبراهيم 25) ويقول: « سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنه الحق » (فصلت 53) ـ فأي شيء رآه الكفار في أنفسهم وفي الآفاق فعرفوا أنه الحق؟ وأيّ حق عرفه مَنْ جحد الديانة؟ أَوَلا يدلكم هذا على أن الله ـ عزّ وجلَّ ـ أراد أن يدلكم على بواطن الأمور الخفية والمستور في باطنه (!) وعرفتموه(2) لزالت عنكم كل حيرة وشبهة، ووقعت لكم المعارف السّنية. أَوَلا ترون أنكم جهلتم أنفسكم التي مَنْ جهلها كان حريّاً بأن لا يعلم غيرها؟ أوَليس الله
ــــــــــــــ
(1) في الهامش ورد: صفة الاسم المذكور عليه السلام.
(2) الجملة غير واضحة في النص، ومعناه: وما في باطن الأمور لو عرفتموه لزالت...

900

تعالى يقول: « ومَنْ كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا » (الاسراء: 72) ـ وأمثال هذه الأمور مما يسألون عنه ويعرّضون به من تأويل القرآن ـ وتفسير ألفاظ كثيرة من ألفاظ السُّنَن والأحكام والجواب عن معانٍ يفسّر بها وضع الشرائع السمعيات(1) فيما رفع منها وما نصب، وكثير من أبواب التعديل والتجوير مما يأتي في المقالة الثانية، إنْ شاء الله تعالى.
فإنْ أوجب ذلك للمسئول عنه شكاً وحيرة واضطراباً، وتعلقت نفسه بالجواب عنه، وتشوق إلى معرفته فسألهم عنه ـ عاملوه بمثل ما يفعل به صاحب الفأل والزّرّاق والقصّاص على العوام عند امتلاء صدورهم بما يفخمون به أولاً عندهم من الأحوال قد عرفوها من أحوالهم لهم إلى معرفتها أكبر الحاجة وعلقوا بمعرفتها أنفسهم، وعند بلوغ القصاص إلى ما يبلغون إليه يقطعون الحديث لتَعْلَق قلوبُ المستمعين بما يكون بعده(2). وهذه صفة الدعاة وحالُهم: يُقْدِمون على الكلام والمسائل، ثم يقطعون، فتتعلق أنفس المغرورين بما تأخر من القول الذي قدموا (ورقة 51) له مقدمة. فإذا خاطبهم على علم معرفته تأويل البيان، قالوا له: لا تعجل، فإن دين الله أجل وأكبر من أن يبذل لغير أهله ويُجْعَلَ غرضاً للعب، وما جانسه. ويقولون: قد جرت سُنّة الله ـ عزّ وجلَّ ـ في عباده عند شرع من نَصَبه من النبيّين: أَخْذُ الميثاق. وكما قال تعالى: « وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا ميثاقاً غليظاً »
ــــــــــــــ
(1) ص: السمعيات.
(2) يشير إلى عملية اجتذاب المستمعين (أو المشاهدين اليوم) لرواية تروى، وذلك بما يُعرف با? Suspense.

901

(الأحزاب: 7) وقال: « ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً، إن الله يعلم ما تفعلون. ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها منْ بعد قوةٍ أنكاثاً تتخذه » (النحل: 92) وقال تعالى: « لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل » (المائدة: 70) ـ في أمثال هذا، خَبّر الله ـ عزّ وجلَّ ـ فيه أنه لم يملّك حقه إلاَّ لمن أخذ عهده، فأعطنا صفة(1) يمينك وعاهدنا بالتوكيد من أَيمانك وعقودك ألا تفشي لنا سرّاً ولا تظاهر علينا أحداً ولا تطلب لنا غيلة، ولا تكلّمنا إلاّ نصحاً، ولا توالٍ لنا عدوّاً ـ في أمثال(2) لهذا.
وإنما غرضهم في ذلك كله أمور:
منها أن يستدلوا بها بظاهر ما يعطيهم المخدوع من انقياده وطاعته ـ على باطن أمره من شكه واضطرابه وكيف موقع ذلك منه؛
ومنها التوثق بالأمن من كشف أحوالهم وانتشار أمورهم إلاّ بعد توطئة ما يريدونه حالاً فحالاً؛
ومنها أن يرسموه بالذل والطاعة لهم والرضا منه بأن يكون منقاداً تابعاً ومعظّماً لهم مُكْبراً. وإلاَّ فإن نكث الأيمان وقلة الاكتراث بها والفكرة فيها والاعتدال بها هو دينهم عند البلوغ إلى غايتهم التي يجرون إليها. وإنما يجعلون ذلك(3) هذه الطبقات ما داموا مستعدين للعمل بالديانات.
فإنْ سمح المدعو بإعطاء عهده وتصاغَرَ لهم بقوة اضطراب قلبه وشكّه، قالوا له حينئذ: أعطنا جُعلاً من مالك ـ وغَرْماً نجعله مقدمة
ــــــــــــــ
(1) ص: صعقه (!).
(2) في أمثال لهذا: وما شابه ذلك.
(3) في النص: ذلك ما معالا هذه الطبقات.

902

كشفنا لك الأمور وتعريفك إياها. وكان ذلك مما يستظهرون به عليه في الاستدلال به أيضاً على قوة شكه وتعلق نفسه وظهرياً لهم على الاستعانة على أمرهم وتمكينهم لدعوتهم. ثم رسموا في مبلغ ذلك رسماً بحسب ما يراه الداعي في أمره اصلاحاً. وإنْ امتنع عليهم المخدوع في رتبة العهد وإعطائه الداعي، أو في رتبة العزم وعطيته أمسكوا عنه، وزادوه أبداً في شكه وحيرته.
فهذا حال الدعوة ووصفها وما تدرج بها الدعاةُ المخدوعين.

صفة الدعوة الثانية(1)

(51 ب) قال الشريف رحمه الله:
فإذا قبل المخدوع الرتبة الأولى وحصل عليها اعتقد تُهمة الأمة فيما فعلته عمّن كان قبلها من علماء المسلمين، وقوي شكه في ذلك. ثم يقرر في نفسه أن الله تعالى لم يرضَ في إقامة حقه وما شَرَعه لعباده إلاّ بأخذ ذلك عن أئمّةٍ نصبهم لهم وأقامهم لحفظ شرائعه على مراده. وسلكوا به في تقرير هذه الأمور عنده والدلالة على صواب قولهم، وجعلوا على قولهم وبرهانهم طريقاً يسلكون به مسلك أصحاب الإمامة في تعاطي إثباتها من جهة السمع والعقل حتى يُتأثر ذلك عند من يأخذون عليه ويقرره في نفسه. فيكون ذلك منزلة ثانية ودعوة مرتبة بعد الدعوة الأولى التي قدمنا ذكرها؛ ثم ينقلونه إلى الدعوة الثالثة.
ــــــــــــــ
(1) العنوان في النص هو: « ذكر ظهور الدعوة الثانية » وقد آثرنا العنوان الذي وضعناه، ليتسق مع باقي العنوانات.

903

صفة الدعوة الثالثة

قال:
وأما الدعوة الثالثة فهي أن يقرر الداعي عند المخدوع أن الذي يعتقده في عدد الأئمة أنهم سبعة، عظموا في أنفسهم وأعدادهم؛ ورتبوا سبعة كما رتبت جلائل الأمور وأصول الترتيب كالنجوم السبعة السيارة، والسموات والأرضين. ثم يعدّد له ما في ذلك جارٍ على هذا العدد مما سنذكره في المقالة الرابعة ونبينه ونذكر مذهبهم فيه إن شاء الله.
قال:
ثم يقرر عند المخدوعين أمر الأئمة وعددهم فيقول إن هؤلاء الأئمة: علي بن أبي طالب، ثم الحَسَن ثم الحُسَيْن ابناه، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الجليل الرضى، ثم أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق، ثم السابع: وهو عندهم القائم وصاحب الزمان إلى آخره(1). وقد كان منهم من يجعل القائم: محمد بن إسماعيل بن جعفر، ولا يبتدئ بإسماعيل بن جعفر قبله. ومنهم من يجعل إسماعيل، ثم القائم محمد بن إسماعيل: فمن فعل هذا أخرج من أعداد السبعة.
فإذا قرر الداعي عند المخدوع أن الأئمة سبعة أسقط ستة لم يجعل لهم إمامة وهم: موسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن أحمد، والحسن بن علي، ومحمد المنتظر.
فإذا قبل منه المغرور ما يلقى إليه من هذا القول استقر عليه وأخذ في حرفه عن طريق الإمامة، ويقع في أبي الحسن بن موسى بن جعفر
ــــــــــــــ
(1) في النص: الآخرة.

904

ويتليه بما ليس فيه ثم يقول له إن الإمامية الذين يقولون باثني عشر إماماً ليس لهم حقيقة بما يعتقدونه ـ يريد بهذا أن يسهّل عليه طريق المخالفة لأهل الإمامة، كما سهل عليه التهمة لما عليه سائر الأمة من الاعتقاد كما تقدم في الدعوة الأولى والذين يصدّون عن طريق الإمامة في أبي الحسن. ويقال إن موسى بن جعفر يكنى أبا إبراهيم. يقولون: إنّا وجدنا صاحبنا محمد بن إسماعيل بن جعفر عنده علوم المستورات وبواطن المعلومات، وفقدنا ذلك (252) عند كل أحد سواه. وربما أتوا بروايات في الطعن على أبي الحسن موسى بن جعفر، ورموه بالعظائم ويقولون إنه(1) ليس إماماً. وقد اجتمعت الشيعة، التي إجماعها أولى بالاتباع والحجة، أنه لا تُسْتَحق الإمامة، بعد مضي الحسين بن علي إلاَّ في ولد الإمام. وقد اتفقنا وهم على صحتها وترتيبها إلى جعفر بن محمد. ثم اختلفنا في أي أولاده أحق بها، فوجدنا عند صاحبنا علم التأويل وتفسير ظاهر الأمور وسرّ الله ـ عزّ وجلَّ ـ في وجه تدبيره المكتوم واتفاق دلالته في كل أمر يُسْأل عنه في جميع المعدومات وتفسير المشكلات ومواطن الظاهر كله والتأويلات وتأويل التأويلات. فنحن الوارثون من بين طبقات الشيعة المعبرين، عنه أخذناه، ومن جهته ورثناه، ممن لا نجد من خالقنا يمكنه أن يساوينا فيه، ولا يتحقق به ويدّعيه. فصحّ بذلك أن صاحبنا أولى بالإمامة من جميع ولد جعفر بن محمد. وربما قالوا: وجدنا فلاناً من ولد جعفر بن محمد من شأنه كذا، وفلاناً من قصته كذا ـ في فروق لهم كاذبة، بأقاويل لا تليق بهم. ثم يقولون: فلم يَبْقَ مَنْ سَلم من الطعون المعروفة إلاّ صاحبنا، فوجب أن يكون هو صاحب الأمر دون كل أحد.
ــــــــــــــ
(1) في النص: ليس له إماماً.

905

وليس غرض هؤلاء أصحاب هذه الدعوة الخبيثة(1) أن يؤخروا موسى بن جعفر ولا (أن) يقدموا إسماعيل بن جعفر ولا ابنه محمداً، وإنما جعلوا هذا كأداة الصانع التي لا تتم الصنعة إلاَّ بها. فإذا انقاد لهم المغرور وسمع قولهم تيقنوا أنهم قد تمكنوا من عقله، وسلكوا به أيّ مسلك أرادوه. فهذه الدعوة الثالثة.

صفة الدعوة الرابعة

قال الشريف:
إن الدعوة الرابعة أن يقرر عند المدعو بأن عدد الأنبياء الناسخين للشرائع المبدّلين لها أصحاب أدوار وتقلبات(2) الأحوال الناطقين على الأمور: سبعة. فعدد الأئمة سواء. كل واحد منهم له صاحب يأخذ عنه دعوته ويحفظها على أمّته، ويكون معه ظهريّاً في حياته وخليفةً له من بعد وفاته، إلى أن يؤديها إلى آخر يكون سبيله معه سبيله هو مع نبيّه الذي هو تابعه. ثم كذلك لكل مستخلفٍ خليفة، إلى أن يمضي منهم على تلك الشريعة سبعة. ويُسَمُّون هؤلاء السبعة: الصامتين لثباتهم(3) على شريعة اقتفوا فيها أثر واحدٍ هو أولهم. ويسمون صاحب الأول: سُوسَه، وربما عبروا عنه بغير ذلك. ثم يزعمون أن لا بدَّ عنه انقضاء هؤلاء السبعة واستنفاد دورهم بشرعهم ـ من استفتاح دور ثانٍ ينسخ به شَرْعَ مَنْ قَبْلَه، ويكون خلفاؤه بعده يجري أمرهم كأي(4) مَنْ كان قبلهم، ثم يأتي بعدهم ناسخ
ــــــــــــــ
(1) في النص: الجبلية.
(2) في النص: تغلبت.
(3) في النص: لسامهم.
(4) في النص: كان.

906

ثم أتباعٌ سبعةٌ صُمْتٌ أبداً، إلى أن يأتي السابع فينسخ لجميع ما قبله ويكون صاحب (52 ب) الزمان الأخير الناطق.
ثم يزينون هؤلاء بالتسمية لهم والأوصاف فيقولون: أول هؤلاء النطقاء: آدم، وصاحبه وسوسه: شيث، ويقال: « بابه » في موضع: « سوسه ». ويسمون بعده تمام سبعة صمتوا على شريعة آدم. ـ ثم نوح: فإنه ناطق ناسخ، وسام: سوسُه، ثم تمام السبعة. ـ ثم الثالث: إبراهيم، وسوسه: إسماعيل، ثم تمام السبعة. ـ ثم الرابع: موسى، وسوسه هارون، ثم مات هارون في حياته فصار سوسه: يوشع بن نون، ثم تمام السبعة بعده. ـ ثم الخامس: المسيح عيسى بن مريم، أخذها عن يحيى وهو آخر السبعة قبله، وهو أقامه ونصبه، ولهم في هذا ما سيأتي ذكره. وسوس المسيح: شمعون الصفا، ثم تمام السبعة بعده. ـ ثم السادس: محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وسوسه: عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، ستةٌ ثم السابع قائم الزمان محمد بن إسماعيل بن جعفر، وهو المنتهي إليه علومٌ مَنْ قَبْله والقائم بعلم بواطن الأمور وكشفها وإليه تفسيرها، وإلى أمره أُجْرِي ترتيب سائر مَنْ قبله في أمور سيأتي ذكرها إن شاء الله. فهذه درجة أخرى قرر بها الداعي عند المدعو نبوة نبيّ بعد محمد صلى الله عليه وسلم وسهّل بها طريق النقل عن شريعة، وأخرج بها المدعو إليها عما هو معلوم عند كل سامع لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أنّ مِنْ دينه وما علم من مذهبه ونحلته أنه خاتم الرسل، وأن لا نبي بعده، وأن دولته مُبْقاة وشريعته مفترضة أبداً إلى أن يرث اللهُ الأرضَ ومَنْ عليها. فالعلم بذلك من ديانته وما عرف من مذهبه، وأن أمّته بلغت عند ذلك وفهمته، وأن من مفهوم شريعته أنه لم يكن يجوز لأحدٍ اعتقاد نبوّة غيره في وقته ولا فيما بعده. فكانت هذه الدعوة أول ما أخرج الداعي بها المدعوَّ عن شريعة رسول

907

الله صلى الله عليه وسلم، وأدخله في جملة الكفار والمرتدين عن شريعته، هو مع هذا لا يعلم ما خرج منه ولا ما دخل.

ذكر صفة الدعوة الخامسة

قال:
اعلم أنه من يحصل على ما قدمنا ذكره يحصل عليه وقد مهّد له بطريق تعظيم الأعداد ووكّد بذكر الطبائع في أبنية العالم وأمور كثيرة سيأتي ذكرها في المقالة الثامنة كلها، مبنية على مذاهب مدخولة وأمور فاسدة مرذولة: مذاهب كثير من الملحدين المتفلسفة مع اطّراح ما نقلت الأمة واستخفاف بحال الشريعة، والاعتقادات(1) الشنعة والإنكار، لفسخ ما وُرث عن النبوة وتوقع أمورٍ باطنة بخلاف ما أُلِف من علم الظاهر، وقلة احتفالٍ بدلال ظاهر القرآن وغيره من الكلام (53 أ) على الأمور بحقائق اللغة العربية واقتفاء أثر(2) العرب في أوضاع كلامهم. مع ثَرْب(3) العرب ومع تحبيب دناة العجم. ويوهم أن العرب للعجم أعداء وظالمون، وأنهم لملكهم مغتصبون. هذا يقال للمدعو إذا كان أعجمياً. فإنْ كان أعرابياً خوطب في حال دعوته بأن العجم غلبوا على دعوته، وفازوا بمملكته، وأن له الاسم ولهم الدنيا، وأنه أحق بذلك منهم وأولى ـ في أمورٍ من هذا يطول وصفها بحسب ما يتخرج للداعي فيها. ثم يمكن عنده طرفاً من الهندسة في الأشكال، ويعرف أن طبائع الأعداد في النظام لأمرٍ يستخرج منه علوم الأئمة والطريق إلى علم الإله والنبوة.
ــــــــــــــ
(1) ص: والاعتقاد الشفعة والانتظار (!).
(2) ص: اثرب العرب (!). ـ وثربه ثرباً: لامه وعيره.
(3) ص: عصت (!).

908

ويقرر عنده أن مع كل إمام حُججاً متفرقين في الأرض، وأن عددهم في كل زمان اثنا عشر رجلاً، كما أن عدد الأئمة سبعة، وأن دلالة ذلك ظاهرة وحجته قاهرة بأن يعلم أن الله ـ جلّ وعزّ ـ لا يخلق الأمور مجازفة على غير معانٍ توجبها الحكمة. وإلاّ، فلِمَ خلق النجوم التي فيها قوام العالم سبعة، وجعل السموات والأرضين سبعة؟ وأمثال هذا؛ وبالغوا (في هذا). وكذلك الاثنتا عشرة حجة عدد البروج المعظمة وعدد الشهور المعروفة، وعدد النقباء من بني إسرائيل، ونقباء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأنصار؛ وفي كف الإنسان أربعة أصابع، في كل اصبع ثلاثة شقوق، تكون اثني عشر شقاً. وفي كل يدٍ إبهام، فيها شقان، بها قوام جميع كفه وسداد أصابعه ومفاصله. فالبدن الأرض، والأصابع كالجزائر الأربع، والشقوق كالحجج فيها، والإبهام كالذي يقوم الأرض بعد ما فيها. والشقان فيها هما الإمام وسوسه لا يفترقان، ولذلك صار في ظهر الإنسان اثنتا عشرة خرزة كالحجج، وفي عنقه سبعة عالية كالأنبياء والأئمة، وكذلك حال السبعة الأثقاب في وجه الإنسان الغالبة على بدنه ـ في أمثال لهذا كثيرة يحصلون بها المدعو على الأنس بتمهيد طريق للخروج عن أحوال الأنبياء وشرائعهم، والعدول عن ذلك إلى أمور الفلاسفة في ترتيب شبههم أبداً ما رأوا أن هناك بقيةً من دين.

صفة الدعوة السادسة

قال الشريف ـ رحمه الله:
اعلم أنهم إذا مكنوا ما وصفنا وأحكموه ووثقوا بمشاركة(1)
ــــــــــــــ
(1) ص: ووثقوا المساكن المدعو (!).

909

المدعو، أخذوا في تفسير معاني الشرائع بغير ما يدين به أهلها، وسهّلوا عليه العدول عنها، فرتّبوا له معاني الصلاة والزكاة والحج والإحرام والطهارة وسائر الفرائض ـ على أمور سيأتي وصفها في المقالة الثامنة. إلاّ أن ذلك يكون تفسيره على إحكام وتمهيد بغير مجازفة ولا استعجال، فحصل أولاً على معنى أن ذلك وُضِعَ دلالةً على أمور يذكرها (53 ب) ويُنبه عليها. فإذا قوي الانسلاخُ من جملة الأمة في نفسه وسهُل عليه طريقُ العدول عما هي عليه، لم يحتم حينئذ أن يجعل ذلك موضوعاً على جهة الرموز إلى فلسفة من الأنبياء والأئمة وسياسة العامة للحياشة إلى منافعهم(1) في ذلك وفي شغل بعضهم عن البغي على بعض أو عن الفساد في الأرض، مع إظهار تنظيم الناصبين لذلك، وأنهم أهل الحكمة فيما رتبوه منه.
وإذا تمكّن أيضاً في نفسه ما بدأنا بذكره نقوله إلى التمييز بين الأنبياء وبين أفلاطن وأرسطوطاليس وغيرهما(2)، وحسنوا عنده أشياء من حكمهم، وعادوا على ناصب هذه الشرائع بالاستخفاف والمذمّة(3) والطعن واللائمة، فيأتي ذلك على قلوب قد فرغت له وسهل عليها فلم تنكره ورأته ما بدأت به في تأنيسها.

صفة الدعوة السابعة

قال رحمه الله:
اعلم أنه متى أَنِس المدعو بما ذكرناه كله أو بكثيرٍ منه، وقوي
ــــــــــــــ
(1) ص: منافهم (!).
(2) ص: وغيرها.
(3) ص: والاستخفاف (مكررة) والطعن.

910

في نفس الداعي أنه يصلح لما بعد هذا، إنْ كان الداعي بالغاً وبأغراض الدعوة عالماً، وإلى التبليغ بمن يدعوه إلى هذه الأمور قاصداً أتى بما نذكر. وأما إنْ كان الداعي مخدوعاً ومتخذاً كالآلة ليتوصل به إلى التكسب ويمهد به الطريق ويرتب، وهو غير بالغ إلى أعلى المرتبة في دعوة دون ذلك، فإنه غافل لا يدري كيف قصّته، ولا يظن أن الأمر الذي يراد به إلاَّ ما عرفه وبلغه أو ما يجانسه ويقارنه.
فإذا أراد الداعي أن يسلك بالمدعو فوق ما وصفنا قال له: قد صحّ لك أن صاحب الدلالة الناصب للشريعة لا يستغني بنفسه، ولا بد له من صاحب معه يعبّر عنه ليكونا اثنين: أحدها هو الأصل، والآخر كان عنه كان. واعلم أن ذلك لم يحصل في العالم السفلي إلاّ وقد يحصل مثله في العالم العلوي. فمنذ بدأ العالم: اثنان هما أصل الترتيب وقِوام النظام: أحدهما هو الأعلى والمفيد، والآخر هو الآخذ عنه المستفيد.
وربما أَنّسوه في ذلك بأن يقولوا له: هذا هو الذي أراده الله بقوله: « إنما أمره إذا شاء أن يقول له كن فيكون » (يس: 82 « وكُنْ » هو الأكبر في المرتبة. وأما الثاني فهو «القدر» الذي قال فيه: « إنّا كل شيء خلقناه بقدَر » (القمر: 49). وربما قالوا: هذا معنى ما تسمعه مما جاء به الملة من أن أول ما خلق الله: اللوح والقلم؛ قال للقلم: اكتب، فكتب ما هو كائن، واللوح والقلم هما ما ذكرنا. وربما قالوا: هذا معنى قول الله: « وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله » (الزخرف: 84). فسلك به في هذا الطريق العدولَ عن التوحيد، وأن الصانع اثنان ـ وإنْ كان عندهم صنع الأجسام على جهة المثل والنظام، لا على معنى الاختراع والإحداث. وسيأتي ذلك وبيانه. وإنما قَدّم هذا تمهيداً له.

911

صفة الدعوة الثامنة

قال الشريف رحمه الله تعالى:
اعلم أنهم إذا رتبوا ما ذكرنا قرروا عند المدعو أن أحد المُدَبِّرون أسبق من الآخر في الوجود، وأعلى منه في الرتبة؛ وأن الآخر مخلوق منه وكائن به، ولولاه لم يكن. وأنه كوّنه من نفسه. وأن السابق أنشأ الأعيان، والثاني صورها وركّبها. ثم ذكروا له منزلة السابق، وأن السابق كان عمّن كان عنه، كما كان الثاني عن السابق. إلاّ أن الذي كان عنه السابق لا اسم له ولا صفة، ولا ينبغي لأحدٍ أن يعبّر عنه ولا أن يعيده.
فإذا بلغ إلى هذه الرتبة تنازعوا(1) في الأسباب التي كان لها ـ عندهم ـ السابق عمّن كان مِمّن لا اسم له ولا صفة؛ ما هو؟ وهل هو باختيار، أم بغير اختيار؟ وكذلك الحال التي كان عليها(2) الثاني عن السابق. فذهب بعضهم إلى أن ذلك كان لفكرة عرَضت لمن كان عنه السابق فجاء منها السابق. ثم عرضت فكرة للسابق فجاء منها الثاني، على نحو ما يقوله بعض المجوس في تولّي اهرمن(3) الذي هو الشيطان عن القديم، وأن ذلك بفكرة وقعت رديئة ولدته. وربما قال بعضهم إن تلك الفكرة لأن الذي لا صفة له فكر: هل(4) أخلق مثلي، أم لا؟ وكان من ذلك أن تصوّر الثاني هذه الأمور التي سيأتي وصفها مما يخرج به قائلون عن كل ديانة دان بها أحدٌ من أهل
ــــــــــــــ
(1) ص: تنازعوا إلا أن في الأسباب.
(2) ص: كان الثاني.
(3) ص: توليد الهو وهرم الذي... أقدر أخلق...
(4) ص: هل أقد اخلق.. وربما كانت: هل أقدر أخلق...

912

الشرائع التي تنعقد معها نبوة وشريعة، ولا يكون إلاّ مع دُهْرية أو ثنوية ـ ثم رتب هؤلاء أن الثاني يدأب في أعمال منه حتى يلحق بمنزلة السابق، وأن الناطق في الأرض يدأب في أعماله حتى يلحق بمنزلة التالي فيقوم مقامه فيكون بمنزلة الناطق سواء، وأن الداعي يدأب في أعماله (حتى) يبلغ منزلة السوس وحاله سواء. وأن هكذا تجري أمور العالمين في أدواره وأكوراه ـ في أمثال لهذا.
ثم قرر عنده أن القول في معنى النبيّ الصادق الناطق ليس يجري على ما يقوله أهل الشرائع من أنه جاء بمجعزات ودلالات خارجة عن أحوال العادات. وأن معنى ذلك إنما هو: معانٍ تنتظم بها السياسة ووجوه الحكمة ويرتب بها الفلسفة، ومعان تبنى عن حقائق ابتداء السموات والأرض وبذاتها على حقائق الأمور إما برموز، وإمّا بإفصاح. وتنظيم ذلك شريعة يقتفي عليها الناس.
ورتب له أمر القرآن وما معنى كلام الله بخلاف ما يدين به أهل الكتب. ورتب له أمر القيامة وتَقَضِّي أمر الدنيا وحصول الجزاء: من الثواب والعقاب ـ على أمور ليست مما يعتقده الموحّدون في شيء، بل ذلك على معانٍ أُخَر: من تقلب الأمور وحدوث الأدوار عند انقضاء أدوار الكواكب وعوالم جماعتها، والقول في الكون والفساد على ترتيب الطبائع (54 ب) ـ على أمورٍ كلها سيأتي شرحها إنْ شاء الله تعالى.

صفة الدعوة التاسعة

قال:
اعلم أنه إذا حصل المدعو على ما ذكرنا أحيل حينئذ على طلب

913

الأمور وتحقيقها وحدودها، والاستدلال عليها من طريق المتفلسفة، وإدراكها من كتبهم. وجعلوا ما قدموه سائعاً له على طرائقهم واستنباط ما خفي عنهم. وَبَنْوه على علم الأربع طبائع التي هي اسطقسات وأصول الجواهر عندهم، وعلى ترتيب القول في الفلك والنجوم والنفس والعقل وأمثال ذلك مما هو معروف. فيحصل الآن البالغون إلى هذه الرتب على أحد هذه الوجوه التي يعتقدها بعض أهل الإلحاد مِمّن يدين بقدم أعيان الجواهر، ويصير ما قدم من ذكر الحدث والأصول رموزاً إلى معاني المبادئ وتقلب الجواهر وحدوث الأمور التي يكون لها على أحوال وأحكام، وعلى نحو تنزيل كثير منهم لحال العقل من حال النفس، وحال الفلك من حال العقل، وحال الطبائع والأعراض من حال النفس والعقل، وحال المنقلب بالكون والفساد، وما يكون من حال الهيولى بتقلب الأعراض المختلفة وترتيب العناصر والقول في العلّة: هل تفارق المعلول، أم لا؟ وإقرار بعضهم بصانع لم تزل معه العناصر والمبادئ أولاً، وما هي تلك الأمور، وكيف حدودها، وما يصح من صفاتها، والأسباب التي تُعْلَم بها.
فربما صار البالغ في النظر في هذا إلى اعتقاد مذهب ماني وابن ديصان، وربما صار إلى مذهب المجوس، وربما دان بما يحكى عن ارسطاطاليس، وربما صار إلى أمور تحكي عن أفلاطون. وربما اختار من تلك معاني مركبة من هذه الأمور، كما يجري كثير من هؤلاء المتحيّرين.
قال:
وجميع ما وصفنا من التدرج بالمقدمات إنما يحصّل الانسلاخ من شرائع أهل الكتب والنبوة فقط. وجميعها يصلح أن يجعل تمهيداً ورموزاً إلى جميع هذه المذاهب التي ذكرناها، ويجتذب بألفاظها إليها

914

بالتأويل بحسب ما يريد المعتقد لما شاء منها، مما سنبين ذلك إن شاء الله.
قال:
وأما سلخة من جميع ما قدم عليه من أمر الإمامة والنبوة فإنه أولاً يجعل عنده منازل جميعهم منقوضة، غيرَ منزلة محمد بن إسماعيل صاحب الدور الأخير(1). ويرتب له أن جميعهم لا يأتي بوحي من الله ـ عز وجل، ولا معجزة كما يقول الظاهرية، وإنما يختص بالصفاء فيلقى في فهمه ما يريد الله، فيكون ذلك كلاماً، ثم يجسّده النبي ويظهره للخلق وينظم الشرائع بحسب المصالح في سياسات الناس. ثم يُؤمر بالعمل بذلك مدةً، ثم يترك، وإلى(2) أن يُؤمر بذلك يستدعي بها الناس لا لأنها لا يجب على أهل المعرفة بأعراضها (55 أ) وأسبابها.
ثم يُقال له بعد ذلك: إنما هي آصارٌ وأثقال، حملها الكفار؛ وكذلك سائر المحرمات. ثم يلقن أن إبراهيم وموسى وعيسى وهؤلاء الأنبياء أنبياء سياسات وشرائع. فأما أنبياء الحكمة فإن هؤلاء أخذوا عنهم، كأفلاطن وأمثاله من الفلاسفة فبثوا شرائعهم ليوصلوا بها العامة إلى علومهم.
ثم يُقال له: أنظر أيّما أحكَمُ: فلانٌ النبي، أو فلان؟ ثم يلقنه أن في بعض أحكامهم اختلالاً وفساداً. ثم يلقن البراءة منهم(3) وسوء سيرتهم، وأنهم قتلوا النفس، وأمثال هذا. ويلقن في (شأن) محمد بن إسماعيل بن جعفر أنه سيظهر. ثم يُقال له بعد ذلك: إنما يظهر في العالم الروحاني إذا صرنا إليه؛ فأما الآن فإنما يظهر أمره على
ــــــــــــــ
(1) ص: الاخر.
(2) ص: ثم يترك إلى أن (بدون واو العطف قبل: إلى).
(3) ص: منه.

915

ألسن أوليائه ثم يلقنه أن الله أَبْغَضَ العربَ لما قتلت الحسين بن علي، فنَقَلَ خلافةَ الأئمة عنهم كما نَقَل (أي الله) النبوة عن بني إسرائيل لما قتلوا الأنبياء. ولا يقوم بخلافة الأئمة إلاّ أولاد كسرى. ـ فيكون ذلك غاية ما يقدمونه في هذا الباب كله، متى استوى لهم. فإن لم يتم ذلك مع الدعوة تركه في أي منزلة نزلها مستغيذاً بهذه الوجوه.
قال:
ثم اعلم ـ رحمك الله ـ أن هذا الترتيب والتخريج والتنزيل إنما كانت الدعاة عند اجتماعها على مبتدأ الدعوة والانعقاد على طلب الغوائل للمسلمين فيها، اتفقوا على جملة منها وأصولها، وفتحوا بالفكر طريقها ومهدوه على معنى ما ذكرناه، وتفرقوا في البلدان، وتمهيدهم بحسب أفكارهم، واجتهادهم في الحيلة على المستمع. وتميّزوا في ذلك وتمكنوا منه في طول الأيام، سيّما منذ قويت أحوال الجنابي على ما نذكر إن شاء الله تعالى في أخباره.
قال:
فقد بيّنا خبر هذه الدعوة، وكيف جرى أمرها، وكيف يُسْلَك بالمخدوع كلَّ مسلك حتى يصير إلى التعطيل والإباحة.
فهذا أصل هذه الدعوة الملعونة، وما أُسّسَتْ عليه قديماً. ثم تغيّرت وتفرّعت منذ انتشرت ببلاد المغرب ومصر والشام، وجعلوا فيها طرقاً وأبواباً: فمنها علم القوت، وعلم الكفاف، وبلاغات مفصّلة. وبطل الترتيب الأوّل الذي وصفنا: من أن الدعوة كانت إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، فصار موضعه يكون من ولد عبيد الله بن ميمون القداح، الذين ملكوا المغرب ومصر والشام، على ما نذكر ذلك إنْ شاء الله في أخبارهم.
ولنصل هذا الفصل بذكر العهد الذي يحلفون به.

916

ذكر العهد الذي يُؤخذ على المخدوعين
في أول الدعوة الخبيثة

قال الشريف:
يقول الداعي لمن يأخذ عليه العهد:
« جعلت على نفسك عهد الله وميثاقه وذمّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنبيائه وملائكته ورسله، وما أخذه على النبيين من عهد وعقد (55 ب) وميثاق: أنك تستر جميع ما تسمعه وسمعته، وعلمته وتعلمه، وعرفته وتعرفه ـ مِنْ أمري وأمر المقيم بهذا البلد لصاحب الإمام الذي عرفتً اقراري له ونصحي لمن عقد ذمّته وأمور إخوانه وأصحابه وولده وأهل بيته المطيعين له على هذا الدين ومخالصته له من الذكور والاناث، والصغار والكبار، ولا تظهر من ذلك قليلاً ولا كثيراً ولا بشيء يدل عليه، إلاّ ما أطلقت لك أنك تتكلم به وأطلقه صاحبُ الأمر المقيم بهذا البلد، فتعمل في ذلك بأمرنا ولا تتعداه ولا تزيد عليه. وليكن ما تعمل عليه قبل العهد وبعده، بقولك وفعلك أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك (له)، وتشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ وتشهد أن الجنة حق، وأن النار حق؛ وأن الموت حق، وأن البعث حق، وأن الساعة حق آتٍ لا ريب فيها؛ وأن الله يبعث من في القبور. وتقيم الصلاة لوقتها، وتؤتي الزكاة بحقها، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت الحرام، وتجاهد في سبيل الله حقّ جهاده على ما أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، وتوالي أولياء الله، وتعادي أعداءَ الله، وتقوم(1) بفرائض الله وسننه وسنن نبيه
ــــــــــــــ
(1) ص: وتقول.

917

صلى الله عليه وسلم وعلى الطاهرين ظاهراً وباطناً، وعلانية وسرّاً وجهراً، فإنَّ ذلك يؤكد هذا العهد ولا يهدمه، ويثبته ولا يزيله، ويقرّبه ولا يباعده، ويشده ولا يضعفه، ويوجب ذلك ولا يبطله، ويوضحه ولا يعمّيه. كذلك هو في الظاهر والباطن وسائر ما جاء به النبيّون من ربهم صلى الله عليهم أجمعين، على الشرائط المبيّنة في هذا العهد.
وجعلتَ على نفسك الوفاء بذلك ـ قُلْ: نعم!
فيقول له المغرور: نعم!
ثم يقول له: والصيانة له بذلك، وأداء الأمانة؛ على أن لا تظهر شيئاً أخذ عليك في هذا العهد في حياتنا ولا بعد وفاتنا، ولا على غضب ولا على حال رضا، ولا على حال رغبة ولا رهبة، ولا على حال شدة ولا على حال رخاء، ولا على طمع ولا على حال حرمان. تلقى الله على السير لذلك والصيانة له على الشرائط المبيّنة في هذا العهد.
وجعلتَ على نفسك عهد الله وميثاقه وذمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله. وأن تمنعني وجميعَ مَنْ أسميه لك وأبيّنه عندك مما تمنع منه نفسك، وتَنصح لنا ولوليك، وليّ الله، نصحاً ظاهراً وباطناً. ولا تَخُنْ اللهَ ووليّه، ولا تَخُنّا ولا أحداً من إخواننا وأوليائنا ومن تعلم أنه منّا بسبب ـ: في أهل ولا مالٍ ولا رأي ولا عهد ولا عقد تتأول عليه بما يبطله. فإنْ فعلْتَ شيئاً من ذلك وأنت تعلم أنك قد خالفته وأنت على ذكر منه، فأنت بريء من الله خالق السموات والأرض، الذي سوّى خَلْقَك وألّف تركيبك، وأحسن إليك في دينك ودنياك وآخرتك، وتبرأ من رُسُله الأولين والآخرين وملائكته المقرّبين الكروبيين والروحانيين والكلمات التامّات والسبع المثاني والقرآن العظيم، وتبرأ من التوراة والإنجيل والزبور والذكر

918

الحكيم (56 أ) ومن كل دين ارتضاه الله في مقدم الدار الآخرة ومن كل عبدٍ رضي الله عنه، وأنت خارج من حزب الله وحزب أوليائه، وخذلك الله خذلاناً مبيناً؛ يعجل لك بذلك النقمة والعقوبة والمصير إلى نار جهنم التي ليس فيها رحمة، وأنت بَريءٌ من حول الله وقوته، مُلْجَأٌ إلى حول نفسك وقوتها؛ وعليك لعنة الله التي لعن بها إبليس، فحرم عليه بها الجنة وخلده (في) النار. وإن خالفت شيئاً من ذلك لقيته(1) يوم تلقاه وهو عليك غضبان. ولله عليك أن تحجّ إلى بيته الحرام ثلاثين حجة نذراً واجباً ماشياً حافياً، لا يقبل الله منك إلاَّ الوفاء بذلك.
وإنْ خالفتَ ذلك فكل ما تملكه في الوقت الذي تخالف فيه فهو صدقة على الفقراء والمساكين الذي لا رحم بينك وبينهم؛ لا يأجرك الله عليه، ولا تدخل عليك بذلك منفعة. وكل مملوك لك من ذكر وأنثى في ملكك وتستعبده إلى وقت وفائك، إنْ خالفت شيئاً من ذلك، فهم أحرارٌ لوجه الله عز وجل. وكل امرأة لك وتتزوجها إلى وقت وفائك، إنْ خالفت شيئاً من ذلك، فهن طوالق ثلاثاً بتةً طلاق الحرج والسُّنة، لا مثنوية لك فيها ولا اختيار ولا رجعة ولا مشيئة. وكل ما كان لك من أهل ومال وغيرهما فهو عليك حرامٌ. وكل ظِهارٍ فهو لازمٌ بك، وأنا المستحلف لك لإمامك وحجتك، وأنت الحالف لهما.
وإن نويت أو عقدت أو أضمرت خلاف ما أحملك عليه وأحلّفك به فهذه اليمين من أوّلها إلى آخرها محددة عليك، لازمة لك، لا يقبل الله منك إلاّ الوفاء بها والقيام على ما عاهدت بيني وبينك.
قُلْ: نعم! فيقول المخدوع: نعم! »
ــــــــــــــ
(1) ص: لقيت.

919

فهذه اليمين التي يؤنس بها المخدوع: من ذكر الصلاة والصيام والزكاة والحج وشرائع الإسلام، فما ينكر شيئاً مما يسمعه. وكل ذلك تأنيس، إلى أن يتوصل به إلى هذه الأمور التي تقدّم ذكرها على التدريج.

(كيفية الدخول على أصحاب الديانات المختلفة)

قال الشريف رحمه الله تعالى:
ووجدت في كتابٍ من كتبهم يعرف ? « كتاب السياسة » ما ينشرح به ذكر ما تقدم من أمر الدعوة، فيه وصايا الدعاء. وهذا مختصر منه، يقول فيه:
مَنْ وجدته شيعياً فاجعل التشيع عنده دينك، واجعل المدخل عليه من جهة ظلم الأمة لعليّ وولده وقتلهم الحسين وسَبْيهم البنات، والتبرّي من تيم وعديّ، ومن بني أميّة وبني العباس وما شاكل ذلك من الأعاجيب التي تستهلك عقولهم. فمن كان بهذه الصورة أَسْرَعَ إلى إجابتك بهذا الناموس حتى يتمكن ما يحتاج إليه.
ومَنْ وجدته صابئاً فداخله بالأسابيع يقرب عليك جداً.
ومَنْ وجدته مجوسياً فقد اتفقت معه في الأصل من الدرجة الرابعة: من تعظيم النار والنور والشمس. واتْلُ عليه أمر السابق فإنه لهرمس الذي يعرفونه بالنور(1) المكنون من ظنه الجيد، والظلمة المكنونة من وهمه الرديء، فإنهم (56 ب) مع الصابئين أقرب الأمم إلينا وَأوْلاهم بنا لولا يسيرٌ صحفوه بجهلهم به.
ــــــــــــــ
(1) ص: باليد (!).

920

وإنْ ظفرت بيهودي فادخل عليه من جهة المسيح، يعني مسيح اليهود الدجال، وأنه المهدي وأن عند معرفته تكون الراحة من الأعمال وترك التكليفات كما أمر بالراحة في يوم السبت. وتقرب من قلوبهم بالطعن على النصارى والمسلمين الجهال وزعمهم أن عيسى لم يولد ولا أب له. وقرر في نفوسهم أن يوسف النجار أبوه، وأن مريم أمه، وأن يوسف كان ينال منها ما ينال الرجال من نسائهم؛ وما شاكل ذلك، فإنهم لا يلبثون أن يتبعوك.
وادخل على النصارى بالطعن على اليهود والمسلمين جميعاً، وبصحّة عقدهم، وعرّفهم تأويله، وأَفْسِد ما قام بهم من حجة الفارقليط. وقرّر عندهم أنه جائي، وإنك إليه تدعوهم.
ومَنْ رفع إليك من المنانية فإنه بَحْرك الذي منه تغترف. فداخلهم بوجه من الباب السادس، وأظهر من الدرجة السادسة من حدود البلاغ وامتزاج الظلمة بالنور، إلى آخر ما في الباب من ذلك فإنك تملكهم به وتخلبهم(1). فإنْ آنست من بعضهم رشداً كشفت له الغطاء.
ومَنْ رفع إليك من الفلاسفة فقد علمت أن على الفلاسفة العمدة، وأنّا قد اجتمعنا وهم على نواميس الأشياء(2) وعلى القول بقدم العالم، لولا ما يخالفنا بعضهم فيه من أن للعالم مدبّراً لا يعرفونه. فإذا وقع الاتفاق على أنه لا مدبر للعالم، فقد زالت الشبهة فيما بيننا وبينهم.
وإنْ وقع لك ثنوي(3) فبخٍ بخٍ! قد ظفرت ـ فالمدخل عليه بإبطال التوحيد، والقول بالسابق والتالي ووراثة أحداهما، على ما هو مرسوم في أول درجة البلاغ وثالثه.
ــــــــــــــ
(1) ص: بحبلهم.
(2) ص: الاسا.
(3) يظهر من هذا أنه يفرق بين المنانية (= المانوية) وبين الثنوية.

921

وإنْ وقع لك سُنِّي فعظم عنده أبا بكر وعمر واذكر فيهما فضائل، واثلب علِيّاً وولده واذكر لهم مساوئ. وصرّح له أن أبا بكر وعمر قد كان لهما في هذا الأمر الذي تلقنه إليه نسب. فإذا دخلت عليه بهذا المدخل درجته إلى ما تريده ومَلَكْته.
واتخذ غليظ العهود ووكيد الأيمان وشديد المواثيق جُنّة لك وحصناً. ولا تهجم على مستجيبك بالأشياء التي تهزّ(1) عقولهم حتى ترقيهم إلى المراتب حالاً فحالاً ودرّجهم درجةً درجة: فواحداً لا تزده على التشيع والايمان بمحمد بن إسماعيل شيئاً، وأنه حي، لا تجاوز به هذا الحد. وأظهر لهم العفاف عن الدراهم والدينار. وخفف عليهم وطأتك. ومُرْه بالصلاة السبعين. وحذّره الكذبَ والزنا واللواط وشرب الخمر. وعليك في أمره بالرفق والتؤدة والمداراة يكُنْ لك عوناً على دهرك وعلى مَنْ يعاديك أو يتغيّر عليك من أصحابك وينافسك، فلا تخرجه عن عبادة إلهه، والتدثر بشريعته، والقول بإمامة عليّ ونبيه إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر. وأقِمْ له دلائل الأسابيع فقط، ودقه بالصلاة دقاً، فإنك إن أومأت إلى كُراعه(2) فضلاً عن ماله لم يمنعك. فإنْ أدركته الوفاة وصى (257) إليك بما خَلّف وورّثك إياه ولم يرَ أن في العالم أوثق منك.
وآخر ترقيه من ذلك إلى نسخ شريعة محمد؛ وأن السابع هو الحكم للرسل، وأنه ينطق كما نطقوا ويأتي بأمرٍ جديد؛ وأن محمداً صاحب الدور السادس؛ وأن علياً لم يكن إماماً. وحسّن القول، فإن هذا بابٌ كبير وعلم عظيم يُرَجِّي الارتقاء إلى ما هو أكبر منه، ويعينك
ــــــــــــــ
(1) غير واضحة تماماً، وقد تقرأ: تبهر، تنهر الخ.
(2) ص: إلى كراعه هو ما فضلا...!

922

على زوال ما جاء مِنْ قبله من وجود النبوات على المنهاج الذي هو عليه. وقليل مَنْ ترقيه من هذا الباب إلى معرفة أم القرآن ومؤلفه وسننه.
وإياك أن تغتر بكثير ممن يبلغ معك إلى هذه المنزلة فترقيه إلى غيرها ـ إلاّ من بعد طول المؤانسة والمدارسة واستحكام الثقة، فإن ذلك يكون عوناً لك عند بلاغه على تعطيل الكتب التي يزعمون أنها منزلة من عند الله. فيكون هذا نِعْمَ المقدمة. ـ وآخر ترقيه من هذا إلى ما هو أعلى منه. فإن القائم قد مات، وإنه يقوم روحانياً، وإن الخلق يرجعون إليه بصور روحانية، وإنه يفصل في العباد بأمر الله عزّ وجلّ: يشتفي من الكافرين للمؤمنين بالصور الروحانية، فإن ذلك يكون لك عوناً عند بلاغه على إبطال المعاد الذي يزعمونه والنشور من القبور.
وآخَرٌ ترقيه من هذا إلى إبطال الملائكة في السماء والجن(1) في الأرض، فإنه قبل آدم بشر كثير، وتقيم على ذلك الدلائلَ المرسومة في كتب شيوخنا المتقدمين، فإن ذلك مما يعينك في وقت بلاغه على تسهيل التعطيل لله والإرسال بالملائكة إلى الأنبياء والرجوع به إلى الحق، والقول بقدم العالم.
وآخَرُ ترقيه إلى أوائل درج التوحيد، وتدخل عليه مما تضمنه كتاب « الدرس الشافي للنفس » من أن لا إله، لا صفة ولا موصوف فإن ذلك مما يعينك على القول بإلهية تستحقها عند البلاغ إلى ذلك. ومَنْ رقيته إلى هذه المنزلة فعرّفه ـ حسب ما عرفناك ـ حقيقة من أمر الإمام، وأن إسماعيل ومحمد ابنه من أبوابه. ففي ذلك عونٌ لك على إبطال إمامة ولد علي بن أبي طالب عند البلوغ والرجوع إلى القول بالحق لأهله. ثم لا يزال شيئاً فشيئاً في أبواب السبعة حتى يبلغ
ــــــــــــــ
(1) ص: الحق.

923

الغاية القصوى على تدريج. وكل بابٍ يأتي يشهد للمتقدم قبله، والمتقدم يشهد للمتأخر. واستعمل في أمرك الكتمان، كما يوصي نبي القوم خاصة فقال: استعينوا على أموركم بالكتمان. ولا تظهر أحداً على شيء مما يظهر عليه مَنْ هو فوقه بوجه ولا سبب. وعليك بإظهار التقشف للعامة والوقار عندهم وتجنب ما هو منكر عندهم. ولا تنبسط كل الانبساط لأخوتك البالغين، كما فعل مَنْ كان قبلك فإنه أتى بالتشديد ثم حل الأمور.
فإذا تدبّرت بهذا التدبير وسلكت طريقه فقد سلكت طريق الأنبياء وأخذت حدودهم. وعليك بعد ذلك بالاجتهاد في معالجة خفة اليد والأخذ بالأعين (57 ب) والحذق بالشعبذة إلى إقامة المعجزات، كما نسبوا قوماً تقدموا. وعليك بمعرفة أحاديث الأولين وقصصهم وطرائقهم ومذاهبهم لتكون بيّنة أمرك في الأقاويل على قدر ما يصلح لأهل زمانك ـ تَرْشُدْ وتوفقّ وتقدم على الإمام أمرك ويعلو ذكرك ويكون الداخل في أمرك بعد وفاتك أكثر من الداخل معك في حياتك فتنفع لك ـ ولمخلفيك من بعدك وعلى يديك ويرى أمثالك من أهل النجابة والعقل ـ دعوةُ الحق، وتُمَلّك لك ولعقبك وذريتك ملكاً لا ينبغي لغيرك مثله.
فهذه وصيتي لك مشتملة على جمل من النواميس الطارقة للأنبياء على قدر عقولهم.
قال الشريف رحمه الله تعالى:
وجدتُ في هذا الكتاب المعروف ? « كتاب السياسة » أيضاً فصلاً فيه، ولشيخنا الجليل المقدس، وهذا مختصر منه يوصي دعاته في أهل الأديان، وذلك لأمة محمد خاصة: فابذل الآن سيفك فيهم إذا تمكنت منهم وصار لك حرب وظهرت. فهذه الحيل التي قد وقفتك عليها

924

واشتملت الناس بها، فإنهم أعداؤنا. وَصِفّ أموالهم واستقدْ بناتهم(1) وأولادهم. ولا تحابي لهم ذمة، ولا تحفظ لهم قربة، ولا ترحم علوياً، فلو تمكن علويٌّ كتمكن غيره من الأنبياء للقينا منه جهداً، وعبّر بما يدعيه من حقوق جده على هؤلاء الحمير ما هو أكبر مما عبره جدّه. وإياك والاغضاء عمن تجده من ولد عليّ ـ يعني: اقتله إذا تمكنت منه. وإياك والرخصة لأحد من أسبابك في الثقة بواحد منهم ـ تَهْتَدِ وتوفّقْ. لا زلت بالعلم سعيداً، وإلى الخير هادياً ومَهْديّاً، وعلى جميع الأحوال لإلهنا على ما منحنا، وصوالة على عباده المصطفين ـ يعني إلهه الذي أباحه اللذات وأعماه عن الهدى وفتح له طرق الضلالة، ـ وعباده الذين اصطفى: دعاته الذين بهم يُضِلون الناس.
هـذا ما حكاه الشريف أبو الحسين من دعواتهم التسع وعقدهم الذي يأخذونه ووصاياهم ».
* * *
وهذا البيان لمراتب الدعوة وللعهد والوصايا هو الذي سنجده بعد ذلك عند عبد القاهر البغدادي في « الفرق بين الفرق » (ص 179 ـ 183، القاهرة سنة 1948)، اللهم إلاّ أنه ذكر أسماءً لهذه المراتب هي: التفرس ـ التأنيس ـ التشكيك ـ التعليق ـ الربط ـ التدليس ـ التأسيس، المواثيق بالإيمان والعهود ـ الخلع والسلخ (ص 179) والبغدادي يشرح كل مرتبة ويعلّق عليها. وربما نقله البغدادي عن الباقلاني (المتوفى سنة 403) في كتابه « كشف أسرار الباطنية ».
ثم نراه على هذا التصنيف بعد ذلك عند الغزالي في « فضائح
ــــــــــــــ
(1) ص: واستقده ببالهم!

925

الباطنية » (ص 24 ـ 32 من نشرتنا، القاهرة 1964) ويضع أسماءها على هذا النحو: الزرق والتفرس ـ التأنيس ـ التشكيك ـ التعليق ـ الربط ـ التدليس ـ التلبيس(1) ـ الخلع ـ السلخ. ويغلب على الظن أن مصدر الغزالي هنا هو عبد القاهر البغدادي، وليس الشريف أبو الحسين، وإنْ كان هذا لا يمنع من أن يكون الغزالي قد اطلع أيضاً على كتاب الشريف أبو الحسين، خصوصاً والغزالي يقول: « ولقد طالعت الكتب المصنّفة في هذا الفن (أي: دعوة الباطنية) فصادفتها مشحونة بفنيّة من الكلام: (فن) في تواريخ أخبارهم وأحوالهم من بدء أمرهم، إلى ظهور ضلالهمم... والفن الثاني في إبطال تفصيل مذاهبهم من عقائد تلقوها من الثنوية والفلاسفة وحرفوها عن أوضاعها » (« فضائح الباطنية »، ص 9، القاهرة سنة 1964). ولكن الغزالي، مع الأسف الشديد، لا يذكر أبداً مصادره.
والبغدادي والغزالي يزعمان أن هذه الأسماء من وضع الباطنية أنفسهم. بيد أن اغفال الشريف أبي الحسين لذكرها يجعلنا نشكك في هذا الزعم، ونرجح أن تكون من وضع خصوم الباطنية.

القرامطة والشعوبية

ومما يلفت النظر فيما يورده الشريف أبو الحسين ـ الملقب بأخي مُحسِّن ـ أن دعاوة القرامطة كانت عند غير العرب تقوم على العنصرية أو الشعوبية، وأنه لا حق للعرب في احتكار الحكم والسلطان، وأن الفرس مثلاً أولى منهم بالحكم والسلطان لرسوخ قدمهم في الحضارة أكثر من العرب. على أنه يلاحظ مع ذلك ـ خصوصاً لما بدأ الفرس
ــــــــــــــ
(1) وفي نسخة من (القرويين) من « فضائح الباطنية »: التأسيس ـ وفي هذه الحالة يتفق مع ما في « الفرق بين الفرق ».

926

في التغلب على يد بني بويه ـ أنهم كانوا يفعلون عكس ذلك مع العرب فيثيرون حفيظتهم ضد الفرس لانتقال الملك من أيدي العرب إلى الفرس. وهذا يدل على أن موقف القرامطة في هذه المسألة كان مزدوجاً ويتوقف على المخاطب: فإنْ كان عربياً أثاروا فيه نعرة العروبة ضد الأعاجم، وإن كان أعجمياً أثاروا فيه حقد الأعاجم على تغلب العرب. وإذن فلا يمكن أن نعدّ الشعوبية مبدءاً من مبادئ القرامطة، بل مجرد « تكتيك » مع غير العرب. وما كان لهم أن يفعلوا غير ذلك، خصوصاً قرامطة الاحساء والقطيف والبحرين فإن أتباعهم كانوا من القبائل العربية الخالصة، فمن غير المعقول أن يتخذوا من الشعوبية مبدءاً معهم في دعاوتهم بينهم.

من هو الشريف أبو الحسين؟

والشريف أبو الحسين ـ أقدم مصادرنا عن القرامطة، وقد فُقد كتابه ولم يبقَ منه ـ فيما نعلم ـ إلاَّ ما نقله النويري في « نهاية الأرب » هو:
أبو الحسين محمد بن علي بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق.
ويُعرف ? «أخي مُحَسِّن ».
قال عنه المقريزي في « اتعاظ الحنفاء »(1) بعد أن ذكر نسبه إنه كان سكن دمشق، ولا عقب له.
ــــــــــــــ
(1) تقي الدين أحمد بن علي المقريزي: « اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء »، نشرة بونتس Bunz، ص 11، ونشرة د. جمال الدين الشيال، ص 24، القاهرة سنة 1948.

927

ويقول ماسينيون إنه توفي حوالي سنة 375 ?، ولكنه لا يذكر لذلك سنداً، ولا ندري كيف استخرج هذا التاريخ.
وقد ذكر كتابه المقريزي في « اتعاظ الحنفاء »(1) فقال: « قد وقفت على مجلدة تشتمل على بضع وعشرين كراسة في الطعن على أنساب الخلفاء الفاطميين، تأليف الشريف العابد المعروف ? « أخي محسن »، وهو محمد بن علي بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، ويُكنى بأبي الحسين؛ وهو كتاب مفيد »(2).
والغريب أنه لا المقريزي ولا النويري يذكران عنوان الكتاب.
وأول من نبه من الباحثين الأوروبيين إلى أهمية ما نقله عنه النويري المستشرق الفرنسي سيلفستر دي ساسي في كتابه عن « ديانة الدروز » (? 1، ص 191 ـ 202) فقد حلله تحليلاً وافياً.

ــــــــــــــ
(1) المقريزي: « اتعاظ الحنفاء » نشرة الشيال، ص 25.
(2) بعكس ما يلاحظه ماسينيون، انظر Opera Minora، ? 1، ص 634، س 1.

928


مؤلَّفات الإسماعيليّة

لا يميز ابن النديم ـ أقدم مصادرنا عن كتبهم ـ بين مؤلفات القرامطة بخاصة وبين مؤلفات الإسماعيليّة بعامة. فهو يضع الجميع تحت اسم الإسماعيليّة، ويعقد فصلاً « لأسماء المصنفين لكتب الإسماعيليّة وأسماء الكتب » (ص 281 ـ 286، طبعة القاهرة).
لكننا نستطيع مع ذلك التفرقة بين هذه المؤلفات بحسب المؤلفين، وإنْ صعب الأمر في بعض الأحوال. وتبعاً لذلك نقدم التصنيف التالي للمؤلفين القرامطة بخاصة، ثم المؤلفين الإسماعيليّة بعامة. ويلاحظ أن ماسينيون في بحثه بعنوان « مخطط لثبت مؤلفات القرامطة » (سنة 1922) لم يميز بين الفريقيْن.

مؤلفات القرامطة
1 ـ مؤلفات عبدان، المتوفى سنة 286

يقول ابن النديم (ص 281، طبع القاهرة) إن عبدان، الذي تنصّب لدعوة حمدان قرمط، أي كان تلميذه الأول المباشر وداعيته،

929

« هو أكثر الجماعة كتباً وتصنيفاً. وكلُّ مَنْ عمل كتاباً نحله إياه. ولعبدان فهرست يحتوي على ما صنفه من الكتب. فمن ذلك:
1 ـ كتاب الرحا والدولاب
2 ـ كتاب الحدود والإسناد
3 ـ كتاب اللامع
4 ـ كتاب الزاهر
5 ـ كتاب الميدان
ومن كتبه الكبار:
6 ـ كتاب النيران
7 ـ كتاب الملاحم
8 ـ كتاب المقصد
فهذه الكتب بلغتنا، وهي الموجودة والمتداولة. وباقي ما في الفهرست فقلّ ما رأيناه أو عرفنا (من) إنسان أنه رآه ».
ثم يعقب ذلك بقوله: « ولهم » ـ وواضح من هذا أنه يقصد: للإسماعيلية ـ عامة، لا لعبدان(1). يقول: « ولهم البلاغات السبعة ـ وهي:
كتاب البلاغ الأول للعامة
كتاب البلاغ الثاني لفوق هؤلاء قليلا.
كتاب البلاغ الثالث لمن دخل في المذهب سنةً.
كتاب البلاغ الرابع لمن دخل في المذهب سنتيْن.
كتاب البلاغ الخامس لمن دخل في المذهب ثلاث سنين.
كتاب البلاغ السادس لمن دخل في المذهب أربع سنين.
ــــــــــــــ
(1) بعكس ما ظنه أستاذنا ماسينيون فقال (Opera Minora, h. 630) ses balâghât

930

كتاب البلاغ السابع: وفيه نتيجة المذهب والكشف الأكبر.
قال محمد بن اسحق (ابن النديم): قد قرأته (أي السابع) فرأيت فيه أمراً عظيماً: من إباحة المحظورات والوضع من الشرائع وأصحابها ».
وقد أشار إلى هذه البلاغات نظام الملك في كتابه « سياست نامه » (الترجمة الفرنسية، ص 286).
ولم يصلنا شيء من مؤلفات عبدان، حتى الآن.

2 ـ أحمد بن الكيّال الخصيبي
المتوفي حوالي سنة 270؟

يقول الشهرستاني إنه « بقيت من مقالته في العالم تصانيف عربية وعجمية، كلها مزخرفة مردودة، شرعاً وعقلاً » ثم أورد بعض كلام الكيال(1)، لكنه لم يذكر له أسماء هذه التصانيف. وقد ردّ محمد بن زكريا (الرازي) على بعض هذه المؤلفات(2). ويبدو من كلام ابن كمال باشا (« الفرق الضالّة »، عند النهاية) أن مؤلفاته العربية والفارسية بقيت زماناً طويلاً.
ــــــــــــــ
(1) الشهرستاني: « الملل والنحل »، ? 2، ص 18 بهامش الفصل، القاهرة سنة 1321 ?.
(2) ابن النديم: « الفهرست »، ص 300، نشرة فلوجل.

931


أعلام الفكر الإسماعيليّ
ـ 1 ـ
أبو حاتم الرازي

هو أبو حاتم أحمد بن حمدان بن أحمد الورسامي الليثي(1).
لا نعرف تاريخ ميلاده ولا مسقط رأسه، وإنْ كان هناك من يذكر أنه ولد في ناحية بشاووي قرب الريّ.
ولكن نعرف عن نشاطه في الدعوة الإسماعيليّة أنه « دخل أرض الديلم، فاستجاب له جماعة من الديلم، منهم: أسفار بن شيرويه(2) ».
ويقول عنه الاسفراييني (المتوفي سنة 471 ?): « ثم خرج(3)
ــــــــــــــ
(1) ابن حجر: « لسان الميزان » برقم 523، ? 1، ص 164.
(2) عبد القاهر البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 267.
(3) قوله: « خرج منهم »... لا تدل على أن هذا الخروج كان من المغرب، كما توهم حسين همداني في مقدمة نشره لكتاب « الزينة » (? 1، ص 26 ـ 27، القاهرة سنة 1957) ولا محل لما رتبه على ذلك من ادعاء وجوده في شمالي إفريقية.

932

منهم (أي من دعاة الإسماعيليّة) رجل كان يُدعى أبا حاتم إلى أرض الديلم، فأجابته منهم جماعة ودخل في دعوتهم من أهل خراسان.. الحسين بن علي المروزي، في الوقت الذي كان يتولى هراة ومروروذ. ولما قُتِل قام بدعوته فيما وراء النهر: محمد بن أحمد النسفي المعروف بالبزدوي(1) ».
وأسفار بن شيرويه « كان من أصحاب « ماكان » بن كالي الديلمي. وكان سيء الخلق والعشرة فأخرجه « ماكان » من عسكره، فاتصل ببكر بن محمد بن اليسع وهو بنيسابور وخدمه. فسيره بكر بن محمد إلى جرجان ليفتحها. وكان « ماكان » بن كالي ذلك الوقت بطبرستان، وأخوه أبو الحسن بن كالي بجرجان. وقد اعتقل أبا علي بن أبي الحسين الأطروش العلوي عنده. فشرب أبو الحسن بن كالي ليله ومعه أصحابه ففرقهم وبقي في بيت هود العلوي. فقام إلى العلوي ليقتله، فظفر به العلوي وقتله وخرج من الدار واختفى. فلما أصبح أرسل إلى جماعة من القواد يعرفهم الحال، ففرحوا بقتل أبي الحسن بن كالي وأخرجوا العلوي وألبسوه القلنسوة وبايعوه. فأمسى أسيراً وأصبح أميراً. وجعل مقدم جيشه علي بن خرشيد، ورضي به الجيش، وكاتبوا أسفار بن شيرويه وعرفوه الحال واستقدموا إليهم » ثم مات ابن خرشيد صاحب الجيش، وعاد « ماكان » بن كالي إلى أسفار فحاربه فانهزم أسفار منه ورجع إلى بكر بن محمد بن اليسع وهو بجرجان، وأقام بها إلى أن توفي بكر فولاها الأمير السعيد نصر بن أحمد: أسفار بن شيرويه، وذلك سنة 315 ?. وأرسل أسفار إلى مردوايج بن زياد الجبلي
ــــــــــــــ
(1) الاسفراييني: « التبصير في الدين »، ص 124 ـ 125 القاهرة سنة 1955 م.

933

يستدعيه(1). غير أن مرداويج تحالف مع سلار صاحب شِمران الطرم ضد أسفار، وكان الجند قد سئموا أسفار لسوء سيرته وظلمه وجوره. فحارب أسفار وانهزم الأخير وقُتِل سنة 316 واستقر أمر مرداويج فملك قزوين والري وهمذان ونَكور والدينور ويزدجرد وقم وقاشان وأصبهان وغيرها. « ثم إنه أساء السيرة في أهل أصبهان خاصة وأخذ الأموال وهتك المحارم وطغى » (ابن الأثير حوادث سنة 316، ? 1، ص 73 من الطبعة المذكورة) واستولى بعد ذلك على طبرستان، وهكذا استولى على بلاد الجبل والري. ثم حارب هارون بن غريب الذي أنفذه إليه الخليفة المقتدر، فانهزم هارون، وذلك في نواحي همذان. ثم استولى مرداويج بعد ذلك على أصبهان في سنة 319، وعلى جرجان في سنة 321، وعلى الأهواز في السنة التالية. ولكن قتل في سنة 323 « وكان سبب قتله أنه كان كثير الاساءة للأتراك، وكان يقول إن روح سليمان بن داود ـ عليه السلام ـ حلّت فيه وأن الأتراك هم الشياطين والمردة(2) ». ولهذا اجتمعوا عليه ودخلوا عليه الحمّام وقتلوه.
ويلوح أن أبا حاتم الرازي استطاع في البداية الظفر برضا مرداويج وحمايته، غير أن مرداويج لم يلبث أن انقلب على الإسماعيليّة. فاضطر أبو حاتم إلى الفرار إلى مفلح (الذي كان حاكماً على أذربيجان) في سنة 319 ?.
وتوفي أبو حاتم في سنة 322 ?، حسب ما يقوله ابن حجر(3).
وقد جرت مناظرة بين أبي حاتم الرازي ومحمد بن زكريا الرازي
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير: « الكامل »، ? 8، ص 65 سنة 1301 ?.
(2) ابن الأثير: « الكامل في التاريخ »، ? 8، ص 113، القاهرة سنة 1301 ?.
(3) ابن حجر: « لسان الميزان »، ? 1، ص 164.

934

الطبيب المشهور، وكانت تدور حول النُبوّة. وقد أورد أبو حاتم مناظرته مع « الملحد » في كتابه أعلام النبوة. وذكر أحمد حميد الدين الكرماني في مقدمة كتابه « الأقوال الذهبية » أن المراد ? « الملحد » هو محمد بن زكريا الرازي، وقال « إن ما جرى بينه وبين الشيخ أبي حاتم الرازي ـ صاحب الدعـوة بجزيرة الري ـ كان في أيام مرداويج وبحضرته ». وقد نشر ??ول كراوس هـذه المناظرة في مجلة Orientala ثم أعـاد نشرها في الجزء الأول من « الرسائل الفلسفية لمحمد بن زكريا الرازي » (القاهرة سنة 1939)، وقد حلّلناها بالتفصيل في كتابنا « من تاريخ الإلحاد في الإسلام » (القاهرة سنة 1945).
ونعرف من مؤلفات أبي حاتم الرازي ما يلي:
ـ كتاب أعلام النبوة ـ وتوجد منه نسخ عديدة في مكتبات الإسماعيليّة (ومنها المحمدية الهمدانية)(1).
ـ كتاب الزينة ـ ومنه نسخ عديدة في مكتبات الإسماعيليّة. وقد نشر قطعة صغيرة منه حسين بن فيض الله الهمذاني، وذلك في جزئيْن صغيريْن (الأول في القاهرة سنة 1957 ويقع النص من ص 56 ـ 152، والثاني في القاهرة سنة 1958، 1 ـ 229 ص) وقد نشره عن ست نسخ هي:
1 ـ نسخة المحمدية الهمدانية (نسخة الأسرة)؛
2 ـ خزانة كتب عبد الله حكيم الدين بسورت (الهند)؛
3 ـ خزانة كتب الإمام يحيى المتوكل على الله بصنعاء (اليمن)؛
ــــــــــــــ
(1) فيما يتعلق بمخطوطات المكتبة المحمدية الهمدانية (وهي ملك لأسرة حسين الهمداني في سورت بالهند) اعتمدنا على ما يقوله حسين الهمداني في كتابه « الصليحيون والحركة الفاطمية في اليمن »، ص 351 ـ 362، القاهرة، بدون تاريخ (سنة 1955).

935

4 ـ مكتبة الجامع الكبير المقدس بصنعاء؛
5 ـ « « « « « ؛
6 ـ مكتبة المتحف العراقي ببغداد.
ومجموع ما نشره هو 150 ص من أصل 395 ص في نسخة المحمدية الهمدانية.
والكتاب بحث في الأسماء العربية الواردة في القرآن. فهو بحث لغوي، وليس فيه كلام عن المذهب الإسماعيليّ.
3 ـ كتـاب الاصلاح ـ ومنه نسخ في مكتـبات الإسماعيليّة، وفيه رد على كتـاب « المحصول » لمحمد بن أحمد النسفي.
4 ـ كتاب الرجعة ـ ولا تعرف له نسخة.
5 ـ كتاب الجامع ـ ولا تعرف له نسخة.

936

ـ 2 ـ
أبو يعقوب إسحق السجستاني (أبو السجزي)

لا نكاد نعرف عن حياته شيئاً. واسمه أبو يعقوب إسحق بن أحمد السجستاني. وهذه النسبة تدل على أنه من إقليم سجستان، وهذا الإقليم موزع الآن بين إيران وأفغانستان، وكان مواطن البطل الفارسي المشهور رستم. ويقال إنه ينحدر من أسرة رستم هذا.
ويعرف أيضاً ? « بندانه » (البغدادي: « الفرق بين الفرق »، ص 283).
ويقول عبد القاهر البغدادي: « وقتل النسفي والمعروف ببندانه على ضلالتهما » (ص 283). وقد أدى هذا الربط إلى ظن البعض أن أبا يعقوب السجستاني قد قُتل في سنة 331 ? (942 م) وهي السنة التي قُتل فيها الداعي المشهور محمد بن أحمد النخشبي (أبو النسفي) في حركة الاضطهاد العنيفة التي جرت في أواخر حكم نصر بن أحمد الساماني ضد الإسماعيليّة في نواحي ما وراء النهر.
ولكن هذا الفرض غير صحيح، كما لاحظ هنري كوربان(1) « إذ يبدو
ــــــــــــــ
(1) المقدمة الفرنسية لنشرته للترجمة الفارسية لكتاب « كشف المحجوب » للسجستاني، تهران سنة 1949، ص 9، استناداً إلى ايفانوف في: « دراسات في الإسماعيليّة الفارسية المبكرة »، ليدن سنة 1948، ص 119 تعليق 1.

937

من إشارة دقيقة موجودة في أحد كتبه، وهو كتاب الافتخار، أن من المؤكد أن أبا يعقوب كان لا يزال حياً في سنة 360 ? (سنة 971 م) ».
أما مؤلفاته فعديدة، نذكر منها، وكلها كتبها السجستاني باللغة العربية:
1 ـ كشف المحجوب
وقد فُقد أصله العربي حتى الآن، ولكن بقيت له ترجمة فارسية أشار إليها كراوس أولاً في نقده لكتاب ايفانوف عن « كتب الإسماعيليّة » استناداً إلى ما كشفه مينوى. وهذه الترجمة الفارسية موجودة في مجموعة كان يملكها السيد نصر الله التقوي (ويقع من ورقة 1 ب إلى ورقة 38 ب في هذا المجموعة). وعن هذه النسخة نشر هذه الترجمة الفارسية هنري كوربان ضمن مجموعة « المكتبة الإيرانية » برقم 1 تحت هذا العنوان: « كشف المحجوب » رسالة در آئين إسماعيلي از قرن جهارم هجر، تصنيف أبو يعقوب سجستاني. با مقدمة بزبان فرانسه بقلم هنري كربين؛ تهران سنة 1949.
ويقع في سبع مقالات:
1 ـ في التوحيد
2 ـ في فعل الخَلْق الأول
3 ـ في الخَلْق الثاني
4 ـ في الخَلْق الثالث وطبيعته
5 ـ في الخلق الرابع
6 ـ في الخلق الخامس
7 ـ في الخلق السادس.
وكل مقالة تنقسم إلى سبعة فصول أو مباحث (جستار) في الوجود.
ــــــــــــــ
(1) في « مجلة الدراسات الإسلامية » REI سنة 1932 الكراسة 4، ص 485.

938

2 ـ الينابيع
وقد نشره هنري كوربان بالاشتراك مع عـارف تامر ضمن « ثلاث رسائل إسماعيلية »، منشورات المعهد الفرنسي بتهران.
كذلك نشره مصطفى غالب، بيروت سنة 1965 (مقدمة الناشر من ص 5 ـ 54؛ والنص من ص 55 ـ 173).
3 ـ تحفة المستجيبين
نشره عارف تامر ضمن « خمس رسائل إسماعيلية »، سنة 1956.
4 ـ اثبات النبوة
ومنه مخطوطات في مكتبات الإسماعيليّة (ونذكر منها مخطوطاً في المكتبة المحمدية الهمدانية).
5 ـ أسس الدعوة
6 ـ الافتخار
منه مخطوط في المكتبة المحمدية الهمدانية
7 ـ تأويل الشرائع
8 ـ الموازين
منه مخطوط في المكتبة المحمدية الهمدانية
9 ـ الرسالة الباهرة
10 ـ مؤنس القلوب
11 ـ سوسن النعم أو سوسن البقاء
12 ـ أسرار المعاد

939

13 ـ تأمين الأرواح
14 ـ سلم النجاة
15 ـ النصرة
ويناقش ما جاء به أبو حاتم الرازي من آراء في كتابه « الإصلاح » الذي رد به على كتاب « المحصول » للنسفي.
16 ـ المقاليد
منه مخطوط في المكتبة المحمدية الهمدانية
17 ـ مسلّيات الأحزان
18 ـ المواعظ في الأخلاق
19 ـ الغريب في معنى الأكسير
20 ـ الأمن من الحيرة
21 ـ خزائن الأدلة
22 ـ البرهان

940

ـ 3 ـ
حميد الدين أحمد الكرماني

الملقب ? « حجة العراقيْن » (= العراق + إيران).
واسمه حميد الدين أحمد بن عبد الله.
ونسبته إلى كرمان قد تدل على أنه من مدينة كرمان.
وقد درس على أبي يعقوب السجستاني.
واستطاع أن يضم إلى المذهب الإسماعيليّ واليَ الموصل المقلد بن يوسف، حتى خُطِب على منبر الموصل للإمام العزيز، الخليفة الفاطمي، في سنة 382 ?.
وتورد المؤلفات الإسماعيليّة أن الكرماني استدعي إلى القاهرة في سنة 408 ?، استدعاه ختكين الضيف، داعي الدعاة في مصر، حينما وقعت الخلافات المذهبية بين الإسماعيليّة وكثر الشغب بين أصحابها، كما ذكر هو ذلك في « الرسالة(1) الدرية ». فكان يحضر مجلس داعي الدعاة هذا، وكان أبناء الدعوة يلقون عليه المسائل التي جعلوها « إلى الامتحان ذريعة، وإلى بسط الشغب شريعة » (الموضع نفسه)
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « الرسالة الدرية في معنى التوحيد »، ورقة 13 ـ انظر مقدمة مصطفى غالب لنشرته لكتاب « راحة العقل »، بيروت 1967، ص 42.

941

فكان يجيب عليها. وكان يلقي المحاضرات في دار الحكمة بالقاهرة. وكثير من رسائله هي ردود على من رآهم حادوا عن الدعوة الإسماعيليّة أو ابتدعوا فيها.
وقد ذكر ايفانوف في كتابه « المرشد إلى مؤلفات الإسماعيليّة » مؤلفات الكرماني العديدة، ونخص بالذكر منها:
1 ـ المصابيح في إثبات الإمامة
وفيها بحث في إثبات الخالق، وفي النفس، والعقاب، والشريعة، ووجوب التأويل، والحاجة إلى النبي؛ وإثبات الإمامة، وعصمة الأئمة، وأن الإمامة بالنص.
ومنه نسخة مخطوطة بالمكتبة المحمدية الهمدانية.
2 ـ راحة العقل
وهو أهم كتبه من الناحية العقائدية الفلسفية. ومقسّم إلى سبعة أسوار، وكل منها إلى سبعة مشارع (ما عدا السابع فيحتوي على 14 مشرعاً، وهذا على كل حال ضعف 7). والسور الأول تمهيدي فيما يجب على قارئ الكتاب ومقاصده ونتائج قراءته. والسور الثاني: في التوحيد والتقديس والتحميد والتمجيد، أي يبحث في توحيد الله وبطلان كونه أيساً، وأنه لا يوصف بصفة، ولا ضد له ولا مثل. والسور الثالث: في القلم، الذي هو الموجود الأول. والسور الرابع: في الموجود عن الإبداع الذي هو المبدع الأول، بالانبعاث من القلم. الخامس في الموجود عن المبادئ الشريفة التي هي الحروف العلوية من الطبيعة وأجسامها العالية. والسور السادس: في الموجود عن الأجسام العالية من الأجسام السفلية وأحوالها. والسور السابع: في الموجود عن الأجسام العالية والسفلية ـ ناراً وهواءً وماءً وأرضاً ـ من المواليد

942

الثلاثة التي هي المعادن والنبات والحيوان. ويبحث أيضاً في الأنفس البشرية وأفعالها وبقائها ومصيرها.
وقد نشره نشرة أولى الدكتوران محمد كامل حسين ومحمد مصطفى حلمي في القاهرة سنة 1952.
ثم نشره مرة أخرى مصطفى غالب في بيروت سنة 1967 عن مخطوطتين.
3 ـ كتاب الأقوال الذهبية
وفيه يرد على محمد بن زكريا الرازي الطبيب في كتابه « الطب الروحاني ».
ومنه نسخة مخطوطة بالمكتبة المحمدية الهمدانية.
4 ـ تنبيه الهادي والمستهدي
ويرد فيه على المخالفين من أهل السنة والشيعة الاثنى عشرية والزيدية في مسألة الإمامة. ومنه نسخة خطية بالمكتبة المحمدية الهمدانية.
5 ـ المحصول
ينسب إلى الداعي النخشبي.
6 ـ معاصم الهدى
يرد فيه على الجاحظ فيما قاله بشأن علي بن أبي طالب.
7 ـ فصل الخطاب وإبانة المتجلي عن الارتياب
بحث في الإمامة وأحقية ذرية عليٍّ فيها.
8 ـ الإصابة في تفضيل عليٍّ على الصحابة

943

9 ـ الرسالة الوضية في معالم الدين
وتحتوي على مقالتيْن، الأولى في العبادة الباطنة، وتقع في 17 فصلاً، والثانية في العبادة الظاهرة، وتقع في ثمانية فصول.
10 ـ الرياض في الحكم بين (الصادين) صاحبي « الإصلاح » و« النصرة »(1).
ويناقش فيه الخلافات التي جاءت في ثلاثة كتب إسماعيلية هي: كتاب « المحصول » للنسفي، وكتاب « الاصلاح » لأبي حاتم الرازي، وكتاب « النصرة » لأبي يعقوب السجستاني.
ومنه نسخة خطية في المكتبة المحمدية الهمدانية، وأخرى في طهران وقد نشره عارف تامر في بيروت سنة 1960 عن نسختيْن حديثتيْن الأولى نسخت سنة 1354 والثانية سنة 1355.
11 ـ مباسم البشارات بالإمام الحاكم بأمر الله
نشرها د. محمد كامل حسين ضمن كتابه: « طائفة الدروز »، ص 55 ـ 74. القاهرة، سنة 1962.
12 ـ الرسالة الدرية في معنى التوحيد والموحِّد والموحَّد
نشرها د. محمد كامل حسين، في القاهرة.
13 ـ الرسالة الرضية في جواب من يقول بقِدم الجوهر وحِدَث الصورة
ــــــــــــــ
(1) يفسر المؤلف هـذا العنوان بقوله: « ووسمته بكتـاب « الرياض » في الحكم بين الصـاديْن: صاحب « الاصلاح » وصاحب « النصرة » لكونه فيما نجمله من أقاويلهما وما نورده: فصلاً بينهما، وبياناً لما استمر من الخطأ وما أهل إصلاحه من كتاب المحصول » (ص 5 من طبعة عارف تامر. بيروت، دار الثقـافة، دون تاريخ). فهـو يقصد ? « الصـاديْن »: صاحبيْ « الإصـلاح » (= أبو حاتم الرازي) و« النصرة » (= أبو يعقوب السجستاني).

944

14 ـ الرسالة المضيئة في الأمر والآمر والمأمور
15 ـ رسالة تاج العقول
16 ـ رسالة ميزان العقل
17 ـ رسالة أسبوع دور الستر
نشرها عارف تامر
18 ـ المقادير والحقائق
19 ـ المجالس البغدادية والبصرية
20 ـ رسالة الشعرى في الخواص
21 ـ رسالة المقاييس
22 ـ المصابيح في إثبات الأئمة
23 ـ الوديعة
24 ـ الكفاية في الرد على الهاروني
25 ـ كتاب الفهرست
26 ـ النقد والالزام
27 ـ الرسالة الزاهرة
28 ـ الروضة في الأزل
29 ـ كتاب المعاد
30 ـ خزائن الأدلة
31 ـ رسالة النظم
32 ـ الرسالة الواعظة ـ تحقيق محمد كامل حسين، مجلة كلية الآداب بجامعة القاهرة، ? 14، القسم الأول، مايو سنة 1952.

945

ـ 4 ـ
عبد الله بن أحمد النسفي البردغي (المتوفى سنة 331 ?)

1 ـ المحصول ـ وقد بقيت شذرات منه في كتاب « الرياض » للكرماني.
2 ـ كون العالم
3 ـ الدعوة الناجية
4 ـ أصول الشرع
5 ـ عنوان الدين
راجع عنه: ابن النديم، ص 226
سياسة نامه، ? 2، ص 278 ـ 281.

946

ـ 5 ـ
القاضي النعمان (302 ـ 363 ?)

أغزر مؤلفي الإسماعيليّة إنتاجاً(1). ويمكن تقسيم كتبه بحسب الموضوعات هكذا:

1 ـ في الفقه:
1 ـ كتاب الإيضاح
2 ـ مختصر الإيضاح
3 ـ الاخبار في الفقه
4 ـ مختصر الآثار فيما رُوي عن الأئمة الأطهار
5 ـ الاقتصار ـ نشرة محمد وحيد ميرزا
6 ـ المنتخبة
7 ـ دعائم الإسلام في فكر الحلال والحرام والقضايا والأحكام ـ نشره آصف فيضي في جزئيْن، بالقاهرة.
8 ـ منهاج الفرائض
9 ـ الاتفاق والافتراق
10 ـ المفتقر
11 ـ الينبوع

ب ـ في الأخبار:
12 ـ شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار، في 16 جزءاً
ــــــــــــــ
(1) ذكر إدريس عماد الدين (? 6، ص 36 ـ 39) للنعمان أسماء 42 كتاباً.

947

13 ـ قصيدة ذات المحن
14 ـ قصيدة ذات المِنَن
15 ـ تأويل الشريعة
16 ـ أساس التأويل ـ نشره عارف تامر في بيروت سنة 1960.
17 ـ شرح الخطب التي لأمير المؤمنين
18 ـ كتاب التوحيد والإمامة
19 ـ اثبات الحقائق في معرفة توحيد الخالق
20 ـ حدود المعرفة في تفسير القرآن والتنبيه على التأويل
21 ـ نهج السبيل إلى معرفة علم التأويل
22 ـ تأويل الدعائم
نشره محمد حسن الأعظمي (القاهرة، سنة 1969 في جزئيْن، مطبعة دار المعارف) عن خمس مخطوطات موجودة في:
(1) دار الكتب الأعظمية بكراتشي، باكستان؛
(2) مكتبة المدرسة الحكيمية بمدينة برهانبور، الهند؛
(3) مكتبة الدكتور زاهد علي في حيدر أباد الدكن، الهند؛
(4) مكتبة الجامعة السيفية في مدينة سورت، الهند؛
(5) مكتبة ملاّ يونس شكيب، مدير الإدارة الأدبية الفاطمية في سورة والهند.
23 ـ الراحة والتسلي

? ـ في الرد على المخالفين
24 ـ اختلاف أصول المذاهب
25 ـ الرسالة المصرية في الرد على الشافعي

948

26 ـ الرد على أحمد بن سريج البغدادي
27 ـ ذات البيان في الرد على ابن قتيبة
28 ـ دافع الموجز في الرد على المعتقي

د ـ في العقائد
29 ـ القصيدة المختارة أو الأرجوزة المختارة
نشرها وعلق عليها إسماعيل قربان حسين بونادالا، مونتريال ـ كندا، سنة 1970 عن 11 نسخة.
30 ـ الهِمّة في آداب إتباع الأئمة
نشره د. محمد كامل حسين بالقاهرة، ضمن سلسلة مخطوطات الفاطميين التي أصدرها، دون تاريخ. ويبحث في الإمامة وما ينبغي لأتباع الأئمة من اعتقاد ولايتهم والولاء لهم والتسليم في جميع الأمور إليهم وما ينبغي عليهم من آداب نحوهم وأداء الأموال المفترضة لهم الخ.
31 ـ كتاب الطهارة
32 ـ الأرجوزة
33 ـ الدعاء
34 ـ عبادة يوم وليلة
35 ـ مفاتيح النعمة
36 ـ كيفية الصلاة على النبي
37 ـ التعقيب والانتقاد
38 ـ التقريع والتعنيف
39 ـ الحلى والثياب

949

40 ـ الشروط
41 ـ منامات الأئمة
42 ـ تأويل الرؤية

? ـ في التاريخ والوعظ
43 ـ رسالة إلى المرشد الداعي بمصر في تربية المؤمنين
44 ـ المجالس والمسايرات والمواقف والتوقيعات
45 ـ معالم الهدى
46 ـ المتاعب لأهل بيت رسول الله
47 ـ افتتاح الدعوة
وهي رسالة في ظهور الدعوة الفاطمية
تحقيق الآنسة وداد القاضي، بيروت، دار الثقافة بدون تاريخ.

كتب منسوبة إلى القاضي النعمان
1 ـ الرسالة المذهبة في فنون الحكمة وغرائب التأويل
2 ـ رسالة المرشد والهداية
3 ـ أجوبة الإمام المعتز على القاضي النعمان
4 ـ البيان في معرفة إمام الزمان
على أن أهمية القاضي النعمان هي في ميدان الفقه أكثر منها في ميدان العقيدة. وقد عينه القائم بأمر الله الفاطمي قاضياً على طرابلس

950

الغرب. ولما بنى المنصور مدينة المنصورية عين النعمان أول قاضٍ فيها. وبعد ذلك عينه قاضياً في القيروان والمهدية وسائر مدن أفريقية (تونس)، أي أنه كان قاضي قضاة الفاطميين. ولما تولى المعز لدين الله الخلافة الفاطمية سنة 341 قويت علاقة القاضي النعمان به حتى جمع من مجالسه معه كتابه « المجالس والمسايرات ». وصحب القاضي النعمانُ المعزَّ لدين الله لما رحل إلى مصر سنة 362 ? بعد أن فتحها له جوهر الصقلي. غير أنه لم يعين القاضي النعمان قاضياً على مصر، بل أقرّ فيها القضاء لأبي طاهر محمد بن أحمد الذهلي الذي كان يتولى قضاء مصر منذ سنة 348 ?. وبقي القاضي النعمان بمصر رفيع المكانة حتى توفي سنة 363 ?.
ولسنا نعلم شيئاً عن تاريخ ميلاده، ولا عن نشأته. ويقول ابن خلكان(1) إنه كان مالكي المذهب ثم اعتنق مذهب الفاطميين. غير أن أبا المحاسن بن تغري بردي يقول إن النعمان كان حنفي المذهب قبل اعتناقه مذهب الفاطميين.

ــــــــــــــ
(1) راجع ترجمته الوافية له في كتابه « وفيات الأعيان »، ? 5، ص 48 ـ 56، القاهرة سنة 1949 تحت رقم 737.

951

ـ 6 ـ
أبو القاسم رستم بن الحسن بن فرج بن حوشب

له في الكتب:
1 ـ كتاب تأويل الزكاة
2 ـ الشواهد والبيان لمباحثة الإخوان
3 ـ أسرار النطقاء
4 ـ الكشف
5 ـ الأنوار الفضية في معرفة الأنفس الزكية
6 ـ الإيضاح
ويقول مصطفى غالب(1) إن الأرقام 2، 3، 5، 6 موجود منها نسخ خطية في مكتبته الخاصة.
ــــــــــــــ
(1) مصطفى غالب: « تاريخ الدعوة الإسماعيليّة »، ص 97 ـ 98. دمشق، سنة 1952.

952

ـ 7 ـ
داعي الدعاة هبة الله بن موسى بن داود الشيرازي
(391 ـ 470 ?)

له المؤلفات التالية:
1 ـ المجالس المؤيدية
2 ـ ديوان المُؤيد في الدين
نشره د. محمد كامل حسين، القاهرة، سنة 1949.
3 ـ شرح المعاد
4 ـ الإيضاح والتبصير في فضل يوم الغدير
5 ـ سيرة المُؤيد في الدين
نشرها د. محمد كامل حسين بالقاهرة، سنة 1949.
6 ـ الابتداء والانتهاء
7 ـ جامع الحقائق في تحريم اللحوم والألبان
8 ـ تأويل الأرواح
9 ـ نهج العبادة
10 ـ المسألة والجواب
11 ـ الرسالة الدرية
12 ـ جامع الحقائق ـ ملخص 800 محاضرة (في جزئيْن)

953

ـ 8 ـ
ناصر خسرو (394 ـ 481 ?)

له من الكتب:
1 ـ ديوان ناصر خسرو
طبع في طهران سنة 1929.
2 ـ سفر نامه
نشرة شيفر
وترجمه إلى العربية د. يحيى الخشاب.
3 ـ روشانا نامه
نشره منير بادخشاني في بمباي.
4 ـ خوان الإخوان
نشره د. يحيى الخشاب، القاهرة.
5 ـ كلامي بير
نشره و. ايفانوف.

954

ـ 9 ـ
جعفر بن منصور اليمن

له من الكتب:
1 ـ سرائر النطقاء
2 ـ أسرار النطقاء
3 ـ كتاب الكشف
نشره اشتروطمان.

955

ـ 10 ـ
علي بن محمد بن الوليد
(522 ـ 612 ?)

له من الكتب:
1 ـ تاج العقائد ومعدن الفوائد
نشره عارف تامر، بيروت، دار المشرق (المطبعة الكاثوليكية) سنة 1967 في 193 ص.
2 ـ ديوان شعر
3 ـ دامغ الباطل وحتف المناضل
4 ـ مختصر الأصول
5 ـ مجالس النصح والبيان
6 ـ الإيضاح والتبيين في كيفية تسلسل ولادتي الجسم والدين
نشره اشتروطمان في جيتنجن سنة 1923.
7 ـ تحفة المرتاد وغصّة الأضداد
نشره اشتروطمان في جيتنجن، سنة 1923.
8 ـ لب المعارف
9 ـ لب الفوائد وصفو العقائد في المبدأ والمعاد
10 ـ الذخيرة في الحقيقة
نشره محمد حسن الأعظمي، دار الثقافة، بيروت، بدون تاريخ.

956

11 ـ جلاء العقول وزبدة المحصول
12 ـ الرسالة المفيدة في إيضاح ملغز القصيدة
13 ـ ضياء الألباب المحتوي على المسألة والجواب
14 ـ مُلْهمة الأذهان ومنبهة الوسنان
15 ـ نظام الموجود في ترتيب الحدود
16 ـ معنى الاسم الأعظم
17 ـ الإيضاح والتفسير في معنى يوم النذير
18 ـ تاج الحقائق
وهو والد الحسين، مؤلف رسالة المبدأ والمعاد(1)، وكان يقيم في منطقة « حراز » باليمن. وهو من كبار دعاة اليمن، ونصره زعماء همدان.

ــــــــــــــ
(1) نشرها عارف تامر ضمن كتاب « ثلاث رسائل إسماعيلية »، منشورات المعهد الفرنسي بطهران.

957

ـ 11 ـ
ابراهيم الحسين الحامدي
(المتوفى سنة 552 في همدان باليمن)

1 ـ كنز الولد

ـ 12 ـ
محمد بن طاهر الحارثي

1 ـ مجموعة التربية
2 ـ الأنوار اللطيفة

ـ 13 ـ
الداعي حاتم بن ابراهيم

1 ـ الشموس الزاهرة
2 ـ تنبيه الغافلين
3 ـ زهر بذر الحقائق

958

ـ 14 ـ
الداعي علي بن الحسين بن حنظلة
(المتوفى سنة 626 ? في همدان باليمن)

1 ـ سمط الحقائق
نشره عباس العزاوي المحامي في بغداد، ضمن منشورات المعهد الفرنسي بدمشق، سنة 1953.

ـ 15 ـ
عماد الدين إدريس بن الحسن
(توفي سنة 872 ?)

1 ـ عيون الأخبار
2 ـ زهر المعاني

ـ 16 ـ
حسن بن نوح

1 ـ الأزهار

959

[Blank Page]


آراءُ الإسماعيليّة

يمكن أن نقسم البحث في آراء الإسماعيليّة إلى ثلاثة أبواب:
1 ـ باب الإلهيات
2 ـ باب النفس الإنسانية
3 ـ باب الإمامة

961

[Blank Page]


باب الإلهيات

الفصل الأول
التوحيد

يصف الإسماعيليّة وسائر فرق الباطنية أنفسهم بأنهم أهل « التوحيد »، ويحاولون دائماً التوكيد على هذا المعنى. ولعل السبب في ذلك الالحاح في التوكيد شعورهم بأن أهم طعن يوجهه إليهم أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى هو أنهم أشركوا بالله الواحد الأحد موجودات قديمة: مثل العقل الكلي والنفس الكلية، وأنهم قالوا بالحلول: حلول روح الله في الأئمة.
ولهذا نرى الإسماعيليّة يحرصون دائماً على توكيد معنى التوحيد بالنسبة إلى الله. ويذهبون في هذا إلى حد نفي الصفات عنه، لأن كل صفة وموصوف مخلوق. ولذا لا يقتصرون على نفي التشبيه عنه بل يمضون إلى نفي التسمية والحد والصفات والزمان والمكان ـ عنه، وحتى صفة الوجود ينفونها عنه، وإنْ كانوا يسمّون الوجود « أيساً » وهي

963

الكلمة التي نجدها في ترجمة مؤلفات أرسطو إلى العربية، كما نجدها عند الكندي والفارابي وابن سينا وسائر الفلاسفة الإسلاميين.
فلننظر تفصيلاً في هذه الموضوعات:

ـ 1 ـ
في بطلان كونه تعالى أيساً

ومن أوسع مصادرنا في هذه النقطة كتاب « راحة العقل » للكرماني، فقد تناولها في السور الثاني (المشرع الأول والثاني، ص 129 ـ 134، نشرة مصطفى غالب، بيروت سنة 1967).
يقول الكرماني:
« لما كان الأيس في كونه أيساً (أي: لما كان الموجود في كونه موجوداً) محتاجاً إلى ما يستند إليه في الوجود... وكان هو ـ عزّ كبرياؤه! ـ متعالياً عن الحاجة فيما هو هو إلى غيرٍ به يتعلق ما به هو هو، كان من ذلك الحكم بأنه تعالى خارج عن أن يكون أيساً، واستحالة الأمر في أن يكون هو تعالى أيساً. ولا هو يحتاج فيما هو هو إلى غيرٍ به هو هو فيستند إليه... وإذا كان هو ـ عزّ وعلا ـ غير محتاج فيما هو هو إلى غيرٍ به يتعلق ما به هو هو ـ فمحالٌ كونه أيساً.
ثم إن الله تعالى إنْ كان أيساً فلا يخلو أن يكون: إما جوهراً، وإما عرضاً. فإن كان جوهراً فلا يخلو أن يكون: إما جسماً، أو لا جسماً فإنْ كان جسماً فانقسام ذاته إلى ما به وجودها تقتضي وجودَ ما يتقدم عليه... وإنْ كان لا جسماً فلا يخلو أن يكون إمّا قائماً بالقوة، مثل الأنفس، أو قائماً بالفعل مثل العقول. فإنْ كان

964

قائماً بالقوة فحاجته إلى ما به يخرج إلى الفعل تقتضي ما يتقدم عليه، وهو يتعالى عن ذلك. وإنْ كان قائماً بالفعل فلا يخلو من أن يكون إمّا فاعلاً في ذاته من غير حاجة إلى غير به يتم فعله، أو فاعلاً في غير به يتم فعله. فإنْ كان فاعلاً في غير به يتم فعله فلنقصانه في فعله. وحاجته إلى ما يتمَّ به فعله تقتضي ما يتأول(1) عليه، وهو يتعالى عن ذلك. ـ وإنْ كان فاعلاً في ذاته من غير حاجةٍ إلى غير به يتم فعله فلاستيعات ذاته النسَب المختلفة بكثرة المعاني المتغيرة بكونه في ذاته فاعلاً ومفعولاً بذاته تقتضي ما عنه وجوده الذي لا تكون فيه كثرة ولا قلّة بهذه النسب ـ وهو يتعالى عن ذلك. وكان إذا كان جوهراً لا يخلو من هذه الأقسام، وبرئت ساحته من أنحاء الحاجة والتكثر اللازمة للجوهر. فقد بطل أن يكون جوهراً.
وإنْ كان عرضاً وكان وجود العَرَض مستنداً إلى غير وجود ما يتقدم عليه: من الجوهر الذي به وجوده ـ وهو يتعالى ويتكبر عن أنْ تتعلق هويته بما يتأول عليه ـ بطل أن يكون عرضاً.
وإذا كان لا يخلو الأيس من أن يكون إمّا جوهراً أو عَرَضاً، وبطل كونُه تعالى جوهراً أو عرضاً، بطل ـ ببطلان كونه جوهراً أو عرضاً ـ أنْ يكون أيساً. فباطلٌ إذن كونه أيساً.
ثم لا يجوز أن يكون من الأيس ما هو لا جوهر ولا عَرَض، فيكون ذلك الأيس هو تعالى، فإنه يجب بذلك مما يتأول عليه تعالى ما وجوده محال. وذلك أنه إنْ كان من الأيس ما هو لا جوهر ولا عَرَض، كما كان الجوهر أيساً وهو لا عرض، والعَرَض أيساً وهو لا جوهر، وهو هو لا جوهر ولا عَرَض ـ فإنه نوع
ــــــــــــــ
(1) أيْ ما يكون أول بالنسبة إليه.

965

من أنواع جنس الأيس، وواقع نحته ويستحق كل ذلك من الجوهر...
ثم إنه تعالى إنْ كان أيساً فلا يخلو أن يكون: إما هو أيّس(1) ذاته، أو غيره أَيّسَه. وباطل أن يكون هو مؤيِّساً لذاته، إذ يقتضي ذلك أنه لم يكن أيساً، وذلك آية الاستحالة والحِدَث بأنه لم يكن فكان ـ هذا على امتناع الأمر في هذه القضية. فإنْ ما لا عين له في الوجود على قِسميه ممتنع أن يصير ذا وجود ولما يكون وراءه فاعل يرتبط به وجوده. وباطِلٌ أن يكون غيره أَيّسه فيتأول عليه. وإذا بَطَل الوجهان، فباطلٌ كونه أيساً(2) ».
وخلاصة حجاجه هنا هو أنه لا يجوز أن نصف الله بصفة الوجود. وحتى لا يصدم المشاعر الدينية يستعمل كلمة: « أيس » بدل « وجود ».
ذلك أن وصفه بالوجود يقتضي كونه محتاجاً إلى الوجود، وبالتالي محتاجاً إلى غيره. والله لا يحتاج إلى أحد.
كذلك فإن الوجود إما جوهر، وإما عرض. والجوهر إما جسم، أو لا جسم. ولا يجوز أن يكون الله جسماً، إذ الجسم مؤلف من أجزاء، والأجزاء أسبق من الكل. فيكون الله ـ لو كان جسماً ـ محتاجاً إلى أجزاء ستكون أسبق منه. وهذا محال. ـ كما لا يجوز أن يكون لا جسماً لأن ما هو لا جسم إما قائم بالقوة، مثل الأنفس، أو قائم بالفعل مثل العقول. وما هو قائم يحتاج إلى ما يخرجه إلى الفعل، ويكون متقدماً عليه. فمحال أن يكون الله جوهراً هو لا جسم وهو قائم بالقوة. وإنْ كان لا جسماً وقائماً بالفعل فإما أنْ يكون فاعلاً في ذاته من غير حاجة إلى غير به يتم
ــــــــــــــ
(1) أي: أوجد.
(2) أحمد حميد الدين الكرماني: « راحة العقل »، ص 131 ـ 133. وقد أصلحنا بعض مواضع في النص المطبوع.

966

فعله، أو يكون فاعلاً في غيرٍ به يتم فعله. فإنْ كان فاعلاً في غير به يتم فعله، فسيكون ناقصاً في فعله محتاجاً إلى غيره. والله يتعالى عن ذلك. وإنْ كان فاعلاً في ذاته من غير حاجة إلى غيرٍ يتم به فعله، فإن ذاته ستكون مستوعبة للنسب المختلفة: جانب فاعل، وجانب مفعول؛ وستكون في ذاته كثرة، والله يتعالى عن ذلك. فإنه لا يمكن إذن أن يوصف بأن وجوده جوهر.
كذلك إنْ كان وجوده عرضاً فالأمر أظهر: لأن العرض يستند إلى وجود الجوهر المتقدم عليه في الوجود، فيكون الله محتاجاً إلى جوهر يستند إليه، وهذا محال.
كذلك لا يجوز أن يكون وجوده لا جوهراً ولا عرضاً، فستكون حاله كحال الجوهر في كونه ليس عرضاً، وحال العرض في كونه ليس جوهراً، وينطبق عليه ما قلناه في الجوهر والعَرَض.
وحجة أخيرة هي أنه لو كان الله موجوداً (أيساً) أي موصوفاً بصفة الوجود، فلا يخلو إما أن يكون هو الذي أوجد (أيّس) ذاته، أو يكون غيره هو الذي أوجده (أيّسه). والثاني باطل، إذ هو علة العلل ولم يوجد عن علة. والأول باطل إذ يقتضي أنه لم يكن موجوداً ثم صار موجوداً، أي أنه استحال، وباطل أن يستحيل الله.
لهذا لا يجوز وصف الله بأنه موجود.
ومن الشائق أن نقارن موقف الإسماعيليّة (في النصف الأول من القرن الرابع الهجري، أي العاشر الميلادي) بموقف جان اسكوت اريجين (المتوفى حوالي سنة 877 م) من هذه المسألة: فإنْ جان اسكوت اريجين في لاهوته السلبي يتناول مسألة: هل يمكن وصف الله بالوجود، ويقرر أن « الله هو من هو أكبر من الوجود ».

967

est qui plus quam esse est : أي أننا لا نستطيع أن نقول عن الله إنه موجود، وإنما يمكن أن نقول إنه فوق الوجود.
ومن قبل الكرماني نفى أستاذه أبو يعقوب السجستاني في كتاب « الينابيع » الهويات عن الله « لأن كل هوية تقتضي علةٍ، والمبدع الحق ليس بذي علة، فلم يقتض هوية. وإذا لم يقتض هوية، لم يقتض نفيها(1) ». والهوية هنا = الوجود؛ على أنه في نفس الموضع يستعمل كلمة أيسية (ص 71، س 4، 5، 7، 9؛ ص 72، س 1، س 2).

ـ 2 ـ
في نفي الصفات عنه

ويجعل الداعي الإسماعيليّ اليمني المطلق: علي بن محمد الوليد (ولد سنة 522 ? وتوفي سنة 612 ?) نفي الصفات عن الله اعتقاداً أساسياً (رقم 13 عنده) بين اعتقادات الإسماعيليّة، فيقول: « ويعتقد (أي الإسماعيليّ) أن نفي الصفات عنه (عن الله) معتقد صحيح لا يسوغ تركه، لأن الصفات تلحق الجوهر: إمّا في الأجسام، وإمّا في النفوس. وتكون في الأجسام كيفيات من خارجها كالأقدار والألوان وما يجري مجراها. وفي النفوس كيفيات من داخلها: كالعلم، والجهل، وما يجري هذا المجرى. وهو يتعالى عن أن يكون له داخل أو خارج.
وممّا تقرر عند كل ذي عقل أن الصفات تلحق الموصوف من
ــــــــــــــ
(1) أبو يعقوب السجستاني: « كتاب الينابيع »، نشرة مصطفى غالب بيروت سنة 1965، ص 72.

968

غيره، لا من ذاته. ألا ترى أن صفات الأجسام التي هي لها تأتي من خارجها، كالأقدار والألوان وما يجري مجراها؟ وفي النفوس كيفيات من داخلها: كالعلم والجهل وما يجري هذا المجرى. وهو يتعالى أن يكون له داخلٌ أو خارج...
وإذا توهمت شيئاً من الصفات أزلياً فهو ذات الموجود الأول. وإذا كان الأمر على ذلك فيجب أن توجد كل صفة تصفه بها لأنها منه، ولا فرق بينها وبينه لكونها قديمة، على ما تقرر.
وقد حَقَّ أن التوحيد نفيُ الصفات عن المتعالي سبحانه. فإذا أثبتَّها فلا توحيد، لأن الدليل قد قام على أنه كان ولا صفة (له). فالقِدم له خالص. ولا يمكننا التعبير عنه بما فينا من الأعراض والجواهر، إذ العالم لا يوجد فيه غيرهما، لا يستقر في ذواتنا سواهما. ولا قدرة لنا على الخروج مما نحن مفطورون عليه. فمنعُ الصفات الموجودة في الخلقة عن أن تكون تضاف إليه ـ معتقد صحيح »(1).
ولهذا نرى المؤلف، علي بن محمد الوليد، يذكر في الاعتقاد رقم 1: نفي التسمية عن الله، « إذ كانت التسمية إنما جعلت وسماً توسم بها المخلوقات، ليكون الخلْق بها فصولاً فصولاً تتميّز بها كل صورة عن الصورة الأخرى، حتى ينحفظ كل صنفٍ منها، ويمكن للعقل الحكاية عنها إذا دعت الحاجة إليها... وهو (أي الله) متعالٍ، ليس له صورة نفسانية ولا عقلية ولا طبيعية ولا صناعية، بل يتعالى
ــــــــــــــ
(1) علي بن محمد الوليد: « تاج العقائد ومعدن الفوائد »، ص 27 ـ 28. بيروت سنة 1967، نشره عارف تامر.

969

بعظيم شأنه وقوة سلطانه عن أن يوسم بما توسم به أسباب خلقته وفنون برّيته »(1).
وفي الاعتقاد رقم 12: نفي الحد عن الله « لأن المحدود بالحد إما أن يكون متناهياً في الجهات فيكون جسماً، أو متناهياً في الدرك فيكون نفساً. وهو يتعالى عن ذلك بأن يكون جسماً فتتناهى جهاته، فتلزمه الحدود؛ ولا متناهي الدرك فيكون نفساً، وهو يتعالى عن أن يكون نفساً فتلزمه الصفات... وليس هو تعالى بعاجز فيتوهم له حد، بل قدرته تقصر العقول عن احاطتها سبحانه تعالى » (الكتاب نفسه، ص 26 ـ 27).
وفي الاعتقاد رقم 14 ينفي المكان عن الله « لأن المكان نهاية المحيط من المحاط به، وهو من صفات الخلقة الموجودة على ذلك ويوجب الحصر لمن وصف به » (الكتاب نفسه، ص 28).
وفي الاعتقاد رقم 15 ينفي الزمان عنه إذ « أنه تعالى كان ولا مكان ولا زمان، ولا إنس ولا جان. فأظهر الموجودات كما أراد. لأن الزمان أوجده تعالى لتفريق المخلوقات بأحكامه الثلاث، ولنعرف الأول، والآخر، والمتوسط بين الخلقة الطبيعية والأسباب التركيبية، لأن الزمان يوجب استحالةً وانتقالاً. وقد تقرّر عند حذاق العلماء أن الزمان معلول بالحركة لأنها هي التي تبيّن فصوله؛ والحركة لها ضد، وهو السكون. ولولا ذلك لما عُلم في الحكمة أن الحركة والسكون أوصافٌ الخلقة » (الكتاب نفسه، ص 29).
ويقول الكرماني في « راحة العقل » « إنه تعالى متعالٍ عن أن
ــــــــــــــ
(1) علي بن محمد الوليد: « تاج العقائد ومعدن الفوائد »، ص 26، بيروت سنة 1967.

970

يكون صورة، لكون الصورة في وجودها محتاجة إلى ما تكون هي صورة له. والمحتاج في وجوده إلى وجود ما سواه سمة الخلق، الموجب تناهيه إلى ما لا يكون صورة ولا غيرها مما يحتاج. ومتعالٍ عن أن يكون أيضاً مادة، أو ما يجري مجراها، إذ هي غير منفكة في وجودها عما تكون هي مادة له وقابلة لأفعاله. ومتقدس عن أن يكون هو تعالى كليهما ـ أعني: صورةً ومادةًة معاً، فتكون ذاته منقسمة إلى الصورة والمادة المحتاجين في وجود كل واحدة منهما إلى وجود الأخرى، الموجبة ذاتهما مما يتقدم عليهما مما هو أقوم بذاته منهما. ولا يجوز أن يكون معه مادة بها يوجد ما يوجد عنه: إذ لو كانت لكان في فعله ناقصاً بامتناع وجود فعله لولا المادة التي تم بها فعله. والذي يكون في فعله ناقصاً فوجودُه عن غيرٍ يتقدم عليه، وهو يتسبّح (يتنزّه) عن أن يكون لغيرٍ عليه تأول أو تقدم. فباطل وجودُ مادة معه فيما هو هو »(1).
الله إذن ليس صورة ولا مادة ولا كلتيهما؛ وليس معه مادة بها يفعل.
وينبغي نفي صفات الموجودات: حاملها ومحمولها، باطنها وظاهرها، عن الله.
ومن هذا نرى أكبر توكيد لنفي الصفات عن الله، ولاستحالة التعبير عنه.
ويؤكد الكرماني في « راحة العقل » هذا المعنى في الشرع السابع من السور الثاني، فيقول إنه لما كان توحيد الله يتم بطريقيْن: « طريق من جهة إلحاق الصفات التي لا يكون أشرف منها وإثباتها له، وطريق
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 139، بيروت سنة 1967.

971

من جهة نفي الصفات وسلبها عنه؛ وكان طريق الوحيد والتمجيد من جهة إثبات الصفات له مؤدياً إلى الكذب على الله تعالى والافتراء عليه بنَسْب ما لا يَليق به إليه وإجرائه مجرى ما دونه من مختَرَعاته ـ كان أصدق ما يُعْتَمد عليه في التوحيد والتمجيد: ضد إثبات الصفات وهو: نفيها عنه؛ فأخذنا ـ معاشرَ الدعاة الموحِّدين المتّبعين للأئمة الطاهرين ـ في التوحيد والتسبيح طريقة نفي الصفات لكونه حقاً وصدقاً. وذلك أنه لما كان الصدق هو إثبات شيء لما هو موجود له، ونفي شيء مما هو ليس بموجود له، رأينا أننا إن أثبتنا له تعالى صفةً، وكانت الصفة لا له، بل لغيرها بكونها مختصة بالموجودات عنه التي هي غيره تعالى الله ـ كُنّا فيه كاذبين، إذ الكذب هو إثبات شيء لما هو ليس له، أو نفي شيء عما هو له. وإننا إن نفينا عنه صفة، وكانت تلك الصفة ليست له بل لغيره ـ كنا في ذلك صادقين. فلزمنا هذه الطريقة على ما رسمت الأدلة المنصوبون للهداية إلى طريق الحق في التوحيد ـ صلوات الله عليهم. إذ نحن بذلك ـ إذا فعلناه ـ مثبتون مسبِّحون مقدّسون ممجّدون حامدون، بقولنا الصدق وإثباتنا إياه تعالى بلا قصد لصفته، ولا تناول منا إياه بتشبيه أو تمثيل، أو تحديد »(1).
ومع ذلك نرى الكرماني يبرّئ الإسماعيليّة من تهمة التعطيل، إذ التعطيل هو نفي الصفات أو عدم نسبة صفة إلى الله، ويبرر ذلك بقوله: « إن التعطيل إنما تنقدح ناره ويعتلي في الإلحاد مناره إذا اعتمد حرف: « لا » في القول قصداً بفعله الذي هو النفي نحو الهوية المتعالية ـ سبحانها ـ لتعطيلها ونفيها بأن يقال: لا هو، أو لا إله فقط، الذي يدل على التعطيل الصريح الذي يكسب النفس بواراً، ويضرم
ــــــــــــــ
(1) المصدر نفسه، ص 147 ـ 148.

972

عليها في سواد الجحيم ناراً. فأمّا حرف « لا » فيتوجه فعله نحو الصفات لنفيها من دون الهوية ـ سبحانها. فالصفات هي المُعَطّلة المنفية، لا الهوية سبحانها. وذلك مثل قولنا في الله سبحانه أولاً بأنه ا? « لا موصوف »، الذي صار فعل حرف « لا » موجهاً نحو الصفات والموصوفات من الأجسام لنفيها عنه سبحانه المشار إليه بقولنا: « إنه »، والمشار إليه ثابت، والصفات هي المعطّلة المنفية. ومثل قولنا ثانياً بأنه تعالى: « ولا هو لا موصوف » ـ الجاري مجرى قولنا الأول في النفي عن الهوية المتعالية سبحانها ما هو غير المنفي أولاً بقولنا « لا موصوف ». وذلك أن فعل في قولنا: « ولا هو لا موصوف » موجه نحو أشياء صار سلب الصفات عنها سِمةً لها، مثل الأنفس والعقول التي تتعالى عن أن توصف بالأجسام وصفاتها، لنفي ما تستحقه تلك الأشياء على ما عليه ذواتها عن الهوية المتعالية سبحانها المشار إليها بقولنا هو، والمشار إليه ثابت والهوية قائمة؛ وما يُقال على تلك الأشياء عنها معطلة، وليس في ذلك ما يوجب هجنة تبطل، أو يستحق عليه اسم تعطيل » (المصدر نفسه، ص 148 ـ 149).
ثم يحدد موقف الإسماعيليّة من التوحيد بإزاء موقف المعتزلة، فيقرر أن القاعدة بين المذهبيْن واحدة، وهي أن الله لا يوصف بصفات المخلوقين ولا يُقال عليه ما يُقال على المخلوقين. ولكن المعتزلة ـ هكذا يزعم الكرماني ـ وإنْ قالوا بهذه القاعدة بأفواههم، فإنهم بأفئدتهم لم يقرروها، إذ نجدهم رغم ذلك يصفون الله بصفات المخلوقين، فيقولون إن الله حي، عالم، قادر؛ وهذا منهم خروج على القاعدة التي سلّموا لنا بها. وللاستدلال على موقف الإسماعيليّة من صفات الله يشرح صفة واحدة ليكون منها الاستدلال على سائرها في وجوب مثلها، وهي صفة الوجود. وكما رأينا من قبل، ينكر الكرماني إمكان وصف الله بالوجود لأنه يعني أن ثمّ ذاتاً، وأن هذه الذات اتصفت بالوجود

973

بعد أن لم تكن؛ وهذا يوجب كونها كانت ناقصة ثم كملت بالوجود. بأن كانت مفتقرة إلى الوجود ثم اتصفت بالوجود. ولكنه لا يجوز وصف الذات الإلهية بالنقص أو الافتقار، وعلى هذا فإيجاب الوجود لله تعالى « محالٌ ظاهرٌ لا يليق بمجده؛ والمحال لا يجوز أنْ يُقال عليه تعالى. هذا إذا كان إيجاب هذه الصفة منسوباً إلى ذاته التي تتقدم في الثبوت على الإيجاب. فإنْ ألحقت هذه الصفة به تعالى على أن الذات لا تتقدمها في الثبوت بل تساويها، صار ذلك موجباً غيراً خَصّص الذات بأن تكون، لا الصفة، والصفة بأن تكون لا الذات بكون الذات غير عرّية منها ولا بائنة فتكون منها بإيجابها لها، وكون الصفة المساوية للذات لا من اقتضائها ولا من إيجابها فيحصل ثبوتها متعلقاً بإيجاب الغير. وإذا وجب الغير كان الكلام على الغير بمثله، إلى ما لا يتناهى، الذي هو المحال الصريح. » (ص 125).
وإذا نحن أطلقنا الوجود على الله « فإنما نقوله للاضطرار إلى العبارة ». (ص 153).
وبالجملة لا يوجد في اللغات ما يمكن الإعرابَ عنه بما يليق به، لأنه مباين للمحدثات وغير مناسب لها ولا من جوهرها. « وإذا كان مبايناً للمحدثات فقد حصل اليأس بالكلية عن أن تكون للألفاظ والعبارات دلالة على شيء يستحقه تعالى الله سبحانه! ـ وأسفر عن صدق الموحِّدين بأنه لا يُعْرَبُ عنه بلفظِ قولٍ ولا بعقد ضمير. وكيف يكون للحروف دلالة على هويةٍ ظهرت عنها المُبْدَعات والمنبعثات والمكوّنات التي منها هي، وهو تعالى من ورائها في ذروة العزة، فلا تهتدي العقول إلى تناوله بصفة؟! أم كيف يكون للعقول طريقٌ إلى تصوّرٍ فيه وهي لا تعقل إلاّ بما شملته سمَةُ الجوهرية والعرضية؟! » (ص 145 ـ 146).

974

ـ 3 ـ
في أنه تعالى لا ضد له ولا مثل

كذلك ينبغي أن يتقرر أنه تعالى لا ضد له ولا مثل. ذلك أن « مِنْ شأن الضد أن ينافي ضده، ولا يوجد أحدهما إلاَّ بفقد الآخر، وأن يكون له ما هو وضدّه يتناوبان عليه في الوجود، وأن يكون أحدهما بالإضافة إلى الآخر ضعيفاً... ولا يجوز أن يكون للمتعالي ـ سبحانه! ـ ضدٌّ: إذْ لو كان له ضدٌّ لكان لا يخلو ضده أن يكون: إمّا قائم العين، أو مفقود العين. فإنْ كان الضد مفقود العين، ففَقْدُ ضده سببٌ لوجوده. وما يكون له سبب، فسببه أولى بالتقدم منه وأحرى بالإلهية. وإنْ كان الضد قائم العين موجوداً وهما جميعاً في الوجود سواء، فوجودهما جميعاً من غير أن يبطل أحد منها يوجب أن يكون لهما ما يجري معهما مجرى الحافظ عليهما وجودَهما؛ إنْ الضدان لا يجتمعان في الوجود إلاّ بحفظ حافظٍ وربط رابطٍ يحفظ عليهما جميعاً وجودهما من خارجهما؛ وذلك الحافظ لهمـا أولى بالإلهية منهما. وإذا كان وجود الضد يوجب بمـا يتقدم عليه تعالى ما وجـوده محال، فوجود الضد له تعالى محالٌ باطل » (« راحة العقل »، ص 141).
وحجة أخرى هي أنه « لو كان له ضد ـ تعالى عن ذلك! ـ لكان يقتضي أن يكون لهما ما يتعاقبان عليه في الوجود: تارةً هذا، وتارةً هذا ـ حتى يأخذ كلُّ واحدٍ منهما حظه الأجزلَ منْ حاليهما وجوداً كالأضداد في وجودها، وكان إذا كان لهما ما يتعاقبان عليه في الوجود ويستندان إليه فيه، فالمتعاقب والمستند إليه سابق عليهما، وبه يتعلق وجودهما في نوبتهما، وهو يتعالى عن أن يكون فيما هو هو مسبوقاً، ويتكبر عن أن يكون فيما هو هو بغيره مشفوعاً، أو

975

تتعلق هويته بغيرٍ يكون له فيما هو هو سبباً. فلمصير وجود الضد سبباً لوجوب وجود ما يتعاقب عليه في الوجود الذي به يصير مسبوقاً، واتصالِ الأمر في ذلك على هذه القضية إيجاباً إلى ما لا يتناهى ـ بطل أن يكون له تعالى ضدٌّ. وإذا بطل أن يكون له ضدٌّ بَطَلَ وجود ما يتعاقب عليه مما يعلل الهوية المتعالية ـ تقدست سبحانها! » (« راحة العقل »، ص 141 ـ 142).

ـ 4 ـ
في الإبداع

وعند الإسماعيليّة أن وجود الموجودات عن الله لا يتم عن طريق الفيض، كما يقول الفلاسفة، بل على طريق الإبداع. وهذه هي النتيجة الضرورية عن القول بنفي الصفات عنه، وبأنه ليس كمثله شيء، ولا من جنسه شيء.
« ذلك أن من شأن الفيض أن يكون من جنس ما منه الفيض ومشاركاً له ومناسباً، ويكون الفيض من جهة ما هو فيض كعين ما يفيض منه الفيض بكونه كذات الفيض. إذْ ما يفيض منه الفيض فيه من طبيعة الفيض مثل ما في الفيض من طبيعته، ولا فرقان بينهما من هذه الجهة، كما أن الضوء الذي هو فيض من عين الشمس من جهة ما هو ضوء كعين الشمس التي منها فاض الضوء بكونها كذات الفيض؛ إذ ذات الشمس يوجد فيها من الضوء مثل ما فاض عنها، ولا فرقان بينهما من هذه الجهة، فيصير الذي منه يفيض الفيض متكثراً بما يشاركه في الفيض وما يختص به هو مما لا يشاركه، فتكون ذاته من شيئيْن: شيء تشاركا فيه فلم يتباينا فيه، وشيء وقع به التباين بينهما

976

وحصلت الغيرة التي لولاها لما أمكن أنْ يُقال: ذاك غير هذا، وهذا غير ذاك، والذي يكون متكثراً لحاجة بعض تلك الأشياء التي بها كانت الكثرة في وجوده إلى البعض الآخر الذي لولاه لما وجدا جميعاً، وهما جميعاً في الوجود، ووجودهما باستناد الواحد منهما إلى الآخر ووقوعهما تحت القدرة الجامعة لها، ويقتضي ذلك أن يكون المتعالي سبحانه ـ إنْ كان ما وجد عنه فيضاً ـ متكثراً واقعاً تحت قدرة غيره في وجوده وأنْ يتقدم عليه ما وجوده محال. وإذا كان المتعالي سبحانه هويتُه لا عن هوية هي غيرها، فقد تعالى عن أن يكون موصوفاً بقلة أو كثرةٍ فقد بطل أن يكون من شيئين. وإذا بطل أن يكون من شيئين، بطل أن يكون ما وجد عنه فيضاً... ثم إن من الأوائل في العقل وأحكامه أن الذي يكون أبسط وأعرى من آيات الكثرة وأقومَ بذاته فهو أشرف من غيره. وعلى هذه القضية فالفيض أبسطُ من الذي فاض منه بكونه شيئاً واحداً، وكون الذي فاض منه شيئين بأحدهما يشارك الفيض، وبالآخر يختص فيباينه. ويلزم من ذلك أن يكون الفيض أوْلى بأن يكون تقدماً على الذي فاض منه كشرفه عليه بقلة الكثرة فيه ووجود الكثرة في ذلك... ثم إن الفيض لا يكون إلاّ عن تمامية ذات ما يفيض منه؛ والمتعالي سبحانه قد تسبّح (= تنزّه) عن أن يكون تماماً أو تامّاً، فيقع الاشتراك، بينه وبين غيره في معنى من المعاني فيلزم من ذلك وجود ما عنه تكون هويته: إذ التمام مشارك للتام، والتام مشارك للتمام ومناسب، والمشاركة والمناسبة بين شيئيْن تقتضيان ما يتقدم عليهما. ولو كان للمتعالي سبحانه مشاركة مع غيره في شيء من الأشياء أو مناسبة، لاقتضى ما يتقدم عليهما. ثم لو كان للمتقدم أيضاً مشاركة مع غيره في شيء من الأشياء لاقتضى ما يتقدم عليهما ويستندان في الوجود إليه كلاهما؛ فتؤدي الحال في ذلك إلى أمرٍ في نهايته يوجب أن لا توجد الموجودات. فلما كان هذا باطلاً محالاً،

977

بطل أن يكون الموجود عن المتعالي سبحانه فيضاً »(1).
وإذن فالإسماعيليّة ينكرون نظرية الفيض émanation التي قالت بها الأفلاطونية المحدثة وأخذ بها الفارابي وعرضها في معظم كتبه، وخصوصاً في كتاب « آراء أهل المدينة الفاضلة ».

الفوارق بين الإسماعيليّة وبين إخوان الصّفا
في مسألة الإبداع

وبذلك اختلفوا عن إخوان الصّفا. ذلك أن إخوان الصّفا قالوا بالفيض. إذ هم يرون أن العقل فيض عن الباري. « وعلة بقاء العقل هو إمداد الباري ـ عزّ وجلَّ ـ له بالوجود والفيض الذي فاض أولاً. وعلة تمامية العقل هي قبول ذلك الفيض واستمداه من الباري تعالى. وعلة كمال العقل هي إفاضة ذلك الفيض والفضائل على النفس بما استفاده من الباري عزّ وجلَّ »(2). وأن « النفس الكلية إنما هي قوة روحانية فاضت من العقل » (المرجع نفسه، ? 3، ص 189). وأن الله « فيضه متصل » (? 3، ص 189).
وقد بيّنوا السرّ في الفيض فقالوا: « اعلم يا أخي ـ أيدك الله وإيانا بروح منه ـ أن الله تعالى لما كان تامّ الوجود، كامل الفضائل، عالماً بالكائنات قبل كونها، قادراً على إيجادها متى شاء ـ لم يكن من الحكمة أن يحبس تلك الفضائل في ذاته فلا يجود بها ولا يُفيضها. فإذاً بواجب الحكمة أفاض الجود والفضائل منه، كما يفيضُ من عين الشمس النورُ والضياء، ودام ذلك الفيضُ منه متصلاً متواتراً غير
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 171 ـ 173، بيروت سنة 1967.
(2) « رسائل إخوان الصّفا »، ? 3، ص 185، بيروت سنة 1957.

978

منقطع. فيسمّى أول ذلك الفيض العقلَ الفعال، وهو جوهر بسيط روحاني، نورٌ محض، في غاية التمام والكمال والفضائل، وفيه صور جميع الأشياء، كما تكون في فكر العالم صورُ المعلومات.
وفاض من العقل الفعّال فيضٌ آخر دونه في الرتبة، يُسمَّى العقلَ المنفعلَ، وهي النفس الكلية؛ وهي جوهرة روحانية بسيطة ـ قابلة للصور والفضائل من العقل الفعّال على الترتيب والنظام، كما يقبل التلميذُ من الأستاذِ التعليم.
وفاض من النفس أيضاً فيضٌ آخر دونها في الرتبة، يسمّى الهيولى الأولى، وهي جوهرة بسيطة روحانية، قابلةٌ من النفس من الصور والأشكال بالزمان شيئاً بعد شيء. فأولُ صورة قبلت الهيولى: الطول والعرضُ والعمق، فكانت بذلك جسماً مطلقاً، وهو الهيولى الثانية. ووقف الفيضُ عند وجود الجسم ولم يفض منه جوهرٌ آخر لنقصان رتبته عن الجواهر الروحانية، وغَلظ جوهره، وبُعْده من العلة الأولى »(1).
تلك هي نظرية الفيض التي قال بهـا إخوان الصّفا. وإذا كانوا أحيـاناً يقولون إن الله « أبدع الموجودات واخترع المخلوقات » (? 3، ص 201، س 2 ـ س 3) فإن معنى الإبداع هنا هو الفيض، ولا شأن له بالإبداع الذي يتحدث عنه الكرماني. والحق أن إخوان الصّفا كانوا مخلصين لنظرية الفيض الأفلاطونية المحدثة، لم يؤولوها ولم يخرجوا عنها.
وبهذه المناسبة كثيراً ما نلاحظ أن إخوان الصّفا كثيراً ما يسخرون من الإسماعيليّة، ويسمونهم المسبّعة. فيقولون مثلاً: « وقد توغلت المسبّعة في الكشف عن الأشياء السباعية فظهر لهم منها أشياء عجيبة،
ــــــــــــــ
(1) « رسائل إخوان الصّفا »، ? 3، ص 196 ـ 197، بيروت سنة 1957.

979

فشغفوا بها وأطنبوا في ذكرها، وأغفلوا ما سوى ذلك من المعدودات(1) » بينما هم يمدحون الفيثاغوريين لأنهم لم يتشبثوا بعدد معين، وإنما « أعطوا كلّ ذي حقَ حقه، حتى قالوا: إن الموجودات بحسب طبيعة العدد، يعنون أن الأشياء الموجودة منها ما هو إثنان إثنان، ومنها ما هو ثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وخمسة خمسة، وهكذا بالغاً ما بلغ » (الموضع نفسه، ? 3، ص 181، س 1 ـ س 4).
ويقولون في موضع آخر: « وأما المسبّعات من الأمور الموجودة فتركنا ذكرها، إذ كان قومٌ من أهل العلم قد شغفوا بها وأطنبوا في ذكرها، وهي معروفة موجودة في أيدي أهل العلم »(2).
ومن لهجة هذه العبارات يتبين أن إخوان الصّفا لم يعدوا أنفسهم من الإسماعيليّة. فإذا أضفنا إلى هذا الفوارقَ المذهبيةَ العديدة جداً بين آراء الإسماعيليّة وآراء إخوان الصّفا أمكن أن نقرر بكل يقين أن إخوان الصّفا ليسوا من الإسماعيليّة في شيء، بل لكل منهما مذهب مستقل مباين لمذهب الآخر. ولهذا نعجب كل العجب من أولئك الباحثين الذين أصرّوا مع ذلك على القول بأن إخوان الصّفا من الإسماعيليّة أو أن مذهب كلتا الطائفتيْن واحد أو حتى متشابه.
وإذا كان بين كلتا الطائفتيْن بعض التشابه في القول بالعقل وبالنفس الكلية، فليس هذا التشابه أكبر من التشابه بين الفارابي وبين إخوان الصّفا، بل الأمر على العكس: فالتشابه بين الفارابي وبين هؤلاء الأخيرين أقوى.

الإبداع بوصفه العقل الأول

وإذا كان الله عريّاً عن كل صفة، فإن صفات الكمال موجودة
ــــــــــــــ
(1) « رسائل إخوان الصّفا »، ? 3، ص 180، بيروت سنة 1957.
(2) الكتاب نفسه، ? 3، ص 206.

980

في أول مُبْدَع أبدعه. ويسميه الكرماني باسم الإبداع.
والإبداع هو « الحق والحقيقة، وهو الوجود الأول، وهو الموجود الأول؛ وهو الوحدة، وهو الواحد؛ وهو الأزل، وهو الأزليّ؛ وهو العقل الأوّل، وهو المعقول الأوّل؛ وهو العلم، وهو العالم الأول، وهو القدرة، وهو القادر الأول؛ وهو الحياة، وهو الحيّ الأول. ذات واحدة تلحقها هذه الصفات. يستحق بعضها لذاته، وبعضها بإضافته إلى غيره من غير أن تكون هناك كثرة بالذات... وهذه الأمور وجودها له ضروريٌّ بكونه أوّلاً في الوجود فواجب احتواؤه على أشرف الكمالات وأشرف الموجودات... فجوهر هذا الإبداع جوهر الحياة، وعينه عين الحياة؛ والحياة متقدمة على سائر هذه الصفات... فهو متوحد من جهة كونه إبداعاً وشيئاً واحداً؛ ومتكثرٌ من جهة الموجود فيه من الصفات »(1).
وواضح أن هذه الصفات التي يخلعها الكرماني على العقل الأول هي عينها الصفات التي ينسبها المعتزلة إلى الله. وهذا فارق ضخم بين مذهب المعتزلة وبين مذهب الإسماعيليّة في الصفات، وينبغي التنبه له، وعدم الخلط بين مذهبي كلتيهما، وهو ما وقع فيه الكثير من الكتاب مع ذلك.
ويتضح هذا الاتجاه أكثر حينما نتذكر سائر الأوصاف التي يخلعها الإسماعيليّة ـ وعلى الأقل عند الكرماني ـ على العقل الأول:
1 ـ فهم يقولون عن العقل الأول إنه « النهاية في الكمال والزينة والجمال، بكونه هو أولاً في الوجود، وعلةً تنتهي إليها الموجودات، ولم يكن في الكمال والجمال مثل ذاته، ولا شيء أوفق له من ذاته »
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 189 ـ 190، بيروت سنة 1967.

981

ولما كان كذلك « وكان مدركاً لذاته بذاته كان بين ذلك الحكمُ بأن مسرّته وغبطته بذاته على حالةٍ تكافئ المسرور به من ذاته، وعلى أمرٍ لا تتقصاه عبارة. فسبحان مُبْدِعه ما أعظم أمره، وأعلى سلطانه وإبداعه! ثم سبحان مَنْ صُنْعه في الجلالة هذا الصُّنْع، ومَنْ وُجد عنه هذا الموجود، ولا إله إلاّ هو!
ثم إن المُبْدَع الأول، الذي هو الإبداع التام الكامل، مع تمامه وكماله لا يحيط علماً بما عنه وجوده سبحانه أصلاً؛ ولا يعقله ولا يهتدي إلى شيء عند الانتداب لذلك، ولا ينهض لأمرٍ يعقله في ذلك إلاّ وهو بكونه نهاية النهايات كلها في الأشياء كلها شرفاً وكمالاً: من ذاته استعاره، وفي ذاته وجده، فلا يحصل إلاّ على تصور ذاته فيرجع حاسراً، عالماً بأن ذلك غير مقدور عليه، على ما يكون للواحد منا إذا أراد أن يقبض على الماء الذي في يده فلا يحصل إلاّ على قبض أصابعه وضمها إلى راحته... ثم أن من شأن العقول أن تعقل ذواتها بذواتها؛ وأن تكون أفعالها في ذواتها بذواتها. وإذا كان ذلك كذلك فممتنع أن تعقل إحاطةً فيما هو خارج عنها مما عنه وجودها؛ إذ إحاطتها بما هو خارج عنها لا يكون إلاّ بالخروج عن ذواتها، وفي خروجها من ذواتها بطلانُ كونها عقولاً، وفي بطلان كونها عقولاً حصولها جاهلةً. وإذا كان في خروجها من ذواتها بطلانُ كونها عقولاً ومصيرها جاهلةً، فمحالٌ أن تعقل ما هو خارج من ذواتها وهي عقول.
فالمبدع الأول الـذي هو العقل الأول لا يعقل ما هو خارج عنه الذي هو مُبْدِعه سبحانه »(1). والسبب في ذلك أن المتعالي سبحانه،
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 193 ـ 194.

982

أي الله، يعظم عن الإدراك ويتعالى عن إحاطة العقل به. فالعقل الأول لا يدرك الله، بل يدرك ذاته هو فقط.
2 ـ كذلك يقول الكرماني عن العقل الأول، الذي هو المُبْدَع الأول إنه هو المحرك الأول لجميع المتحركات، وإنه العلة في وجود ما سواه، وإنه لا يحتاج في الفعل إلى غير ذاته، وإنه عقلٌ في ذاته وعاقلٌ لذاته ومعقول بذاته.
وهذه بعينها خصائص إله أرسطو وإله الفارابي وابن سينا. وواضح من هذا تماماً أن ما وصف به هؤلاء المحركَ الأول أو الله هو بعينه ما وصف به الكرماني (والإسماعيليّة عامة) العقل الأول. وهذا يؤيد مرة أخرى أن صفات الله عند المعتزلة وأوصاف الله عند أرسطو والفارابي وابن سينا هي بعينها صفات العقل الأول عند الإسماعيليّة. فيمكن إذن أن يُقال إن الإسماعيليّة وضعوا فوق إله المعتزلة وأرسطو والفارابي وابن سينا ـ إلهاً لا يوصف بوصف، ولا ينعت بنعت، وليس هو علة الوجود، ولا المحرك الأول؛ إنه هوية غامضة، وعماء تام.
إن العقل الأول هو إذن « المحرّك الأول الذي لا يتحرك » (الكتاب نفسه، ص 199، س 3) وتحريكه للغير هو على سبيل العشق مثل إله أرسطو والفارابي وابن سينا. يقول الكرماني عن العقل الأول: إن « تحريكه للغير (هو) على نحو ما تكون حركة المحبوب إليه، أو على نحو تحريك حجر المغناطيس للحديد إليه تشبّهاً. والأمر في ذلك أن المتحرك الأول، الذي هو أحد المنبعثين، غايته وكماله الثاني الذي به يتعلق: قيامُه بالتقديس والتمجيد والتحميد، وفيه سروره وبهجته؛ وبقاؤه ودوامه (هما) في عقله(1) ما سبق عليه في الوجود من
ــــــــــــــ
(1) مصدر: عقل، يعقل، عقلاً.

983

المحرِّك الأول الذي هو المبدع والموجود الأول؛ وعقْلُه إياه هو صورة في ذاته مقوِّمة له بما قيامة بالفعل كاملاً في التقديس والتمجيد والتسبيح للاغتباط بما له من الكمال والبقاء والسرور. والصورة أبداً هي فاعلة بما هي له صورة، محرِّكة إياه إلى ما له أن يتحرك إليه. فصارت تلك الصورة ـ التي هي المحركة له ـ محركةً إياه إلى فعل ما يوجبه تمامه الذي حصل له بها، ويقتضيه من التقديس والتمجيد والمسرّة بالدوام والبقاء... فالعلة في حركة المتحرك هي تلك الصورة المعقولة عن المبدع الذي هو الموجود الأول، التي هي كما له، وطلبها قبول الفيض الساري في جميع الموجودات المعطي إياها الوجود والبقاء. وبهذه الصورة صار المحرك الأول محركاً أولاً لغيره، والمتحركُ متحركاً أولاً بذاته. فإن توهمنا فيه حركة فهي إحاطة ذاته بذاته ومسرّته في ذاته بما عليه أمره عظمةً وجلالةً، وقيامه بالإقرار والعجز عن إدراك ما وُجد عنه » (الكتاب نفسه، ص 199 ـ 200).
هذا من حيث كونه محركاً أول.
3 ـ أما من حيث كونه علة أولى، فتوكيد الكرماني لهذا لا يقل عن توكيده لكونه محركاً أول. إذ يقول عن العقل الأول إنه « علة لوجود ما سواه، وذلك أن الموجودات هي معلولة لعللها. وعلَلُها متقدمة عليها في الرتبة وجوداً؛ وهي غايات لها. وليس في الموجودات ما هو غاية لكل غاية ومتقدّم على كل متقدم غيرُ الإبداع الأول والموجود الأول؛ فهو علة لوجود ما سواه. ثم إن الإبداع، الذي هو المبدع السابق على كل شيء في كل شيء، لو لم يكن علّة لوجود ما سواه، لما كان للموجودات وجود. فلما كانت الموجودات موجودة، لزم أن يكون ما تنتهي إليه الموجودات ـ الذي إن تعدى منه طلباً لشيء آخر وراءه تعدّى إلى ما يكون له وجودٌ ـ علةً بها يتعلق وجودُ الكل، ولم يكن ما تنتهي إليه الموجودات ولا

984

شيء وراءه غيرُ الإبداع الذي هو المبدع. فالمبدع الأول علةٌ لوجود الموجودات الكائنة، كالواحد الذي هو أول الأعداد ـ ثم امتناع الشيء عن أن يكون علةً لوجود شيء آخر لا يكون إلاّ بعائقٍ يعوقه إما: ذاته، أو من خارج عنه هو غيره. ولما كان لا عائق للمبدع الأول عن الفعل بتمام قدرته: لا من خارجٍ بشيء تقدمه، ولا من ذاته بمادة تعوقه ـ كان المبدع الأول، الذي هو الإبداع، علةً لوجود الموجودات.
ثم وجودُ شيء عن شيء لا يكون إلاّ بكون ذلك الشيء، الذي وُجد عنه هذا الشيء، في غاية الكمال وفي نهاية التمام، وعلى أمرٍ من الفضل في ذاته، والغَناء والقدرة له ما تجود ذاته وتسمح بأن يوجد عنه، مثل الرجل العالم الحاوي للعلوم الذي يفيد المتعلم... ولما كان الإبداع، الذي هو المبدع الأول، غاية الكمال ونهاية التمام والغناء والفضل، كان علةً لوجود ما سواه.
ثم لما كان المبدع الأول هو الحيّ الأول ـ ولا يكون حيّاً ما لا يفعل ـ كان المبدع الأول فاعلاً. وإذا كان فاعلاً، والفاعل علة لوجود مفعوله، فالمبدع الأول علة لوجود ما سواه. فهو المحرك الأول والعلّة الأولى »(1).
فهذه الأوصاف إذن: أن المبدع الأول محرك أول، وعلة أولى ـ هي أوصاف إله أرسطو وابن سينا.
4 ـ كذلك يقول الكرماني، إن العقل الأول عقل وعاقل ومعقول وهذا بعينه ما يقوله ابن سينا عن الله في الفصل الذي عقده في
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 199 ـ 202.

985

« النجاة »(1) بعنوان: « فصل في أن واجب الوجود بذاته عقل وعاقل ومعقول ». ولكنهما يختلفان في تعليل ذلك.
فالكرماني يقول: « إن المبدع الأول عقل وعاقل ومعقول: فكونه عقلاً، من جهة كونه محض العقل الموجود عن المتعالي سبحانه. وكونه عاقلاً من جهة فعله في ذاته وإحاطته بها، وهي عقله إياها. وليس يحتاج في عقله ذاته، الذي هو فعله، إلى شيء هو غيره، كما نحتاج إليه نحن في إحاطتنا بذاتنا، معرفةً وعقلاً لها، إلى أشياء هي غيرنا نستعين بها فيها؛ بل ذلك العقل: ذاته هي العاقلة لذاتها. وكونه معقولاً (هو) بمصير ذاته معقولة له؛ وليس يحتاج، في أن يكون معقولاً، إلى شيء غيره يعقله، بل ذاته معقولة لذاته، والعاقل منه هو المعقول، والمعقول منه هو العاقل: ذات واحدة، مثلما عليه حال عقول دار الطبيعة عند إحاطتها بجوهرها ومعرفتها بذاتها بأنها جوهر حيٌ ضابطٌ للصور المتقدمة عليه في الوجود. فليس المحيط بجوهرها والعارف بذاتها بأنها جوهر حيٌ ـ شيئاً هو غيرها، بل هي المحيطة العارفة لذاتها؛ ولا المحاط به المعلوم منه شيءٌ هو غيرها، بل هو هي، وهي هو، عالمة بذاتها ومعلومة لذاتها؛ والمعلوم هو العالم، والعالم هو المعلوم: ذات واحدة »(2).
أما ابن سينا فيقول: « إذ قد ثبت واجب الوجود، فنقول إنه بذاته عقل وعاقل ومعقول. أما أنه معقول الماهية فلأنك تعرف أن طبيعة الوجود، بما هي طبيعة الوجود، وطبيعة أقسام الوجود بما هي كذلك، غير ممتنع عليها أنْ تعقل. وإنما يَعْرِض لها أن لا تعقل
ــــــــــــــ
(1) راجع « النجاة »، ص 243 ـ 245، القاهرة سنة 1938، طبعة محيى الدين الكردي.
(2) الكرماني: « راحة العقل »، ص 202.

986

إذا كانت في المادة أو مكنوفة بعوارض المادة: فإنها من حيث هي كذلك محسوسة أو متخيلة. وظهر ـ فيما سلف ـ أن ذلك الوجود إذا جُرِّد عن هذا العائق كان وجوداً وماهيةً معقولة. وكل ما هو بذاته مجرد عن المادة والعوارض، فهو بذاته معقول. والأول الواجب الوجود مجرد عن المادة وعوارض المادة، فهو، بما هو هويةٌ مجردة، عقلٌ؛ ـ وبما يعتبر له من أن هويته المجرّدة لذاته فهو معقول لذاته؛ ـ وبما يعتبر له من أن ذاته لها هوية مجردة هو عاقل ذاته. فإن المعقول هو الذي ماهيته المجرِّدة لشيء، والعاقل هو الذي له ماهية مجردة لشيء. وليس في شرط هذا الشيء أن يكون هو أو آخر، بل شيء مطلقاً. والشيء المطلق أعمّ من أن يكون هو، أو غيره... فالأول، لأنَّ له ماهية مجرَّدة لشيء هو عاقل، وبما ماهيته مجردة لشيء هو معقول. وهذا الشيء هو ذاته. فهو عاقلٌ بأن له الماهية المجردة التي لشيء هو ذاته، ومعقول بأن ماهيته المجردة هي لشيء هو ذاته »(1).
ومن مقارنة هذيْن النصّيْن يتبين أن ابن سينا (المتوفى سنة 428 ?) لم يتأثر في هذا الموضع ـ ولا في غيره ـ بالكرماني (المتوفى سنة 411 ?) ولا بغيره من الإسماعيليّة، كما زعم بعض الأغرار من الباحثين المحدثين. أما القول العام المشترك بينهما وهو أن واجب الوجود ـ عند ابن سينا ـ أو العقل الأول ـ عند الكرماني: عقل وعاقل ومعقول لذاته فمرجعه إلى أرسطو في الفصل التاسع من مقالة اللام من كتاب « ما بعد الطبيعة »: إنه المصدر المشترك لكل من قال هذا القول.
ــــــــــــــ
(1) ابن سينا: « النجاة »، ص 243 ـ 244، القاهرة سنة 1938.

987

الإبداع والكلمة

ويستعمل بعض الإسماعيليّة(1) « الإبداع » مرادفاً « للكلمة »، وصورة الكلمة هي فعل الأمر: « كُنْ ». وإذن فإن الكلمة هي الإبـداع، وهي فعل الأمر: كُنْ. وبهذا تختلف عن « الكلمة » بمعنى « اللوغوس » Logos في المسيحية وفي الأفلاطونية المحدثة.

خصائص العقل الأول

1 ـ ليس قبل العقل الأول شيء، إذ هو شيئية الأشياء كلها « ولو جاز توهم شيئية قبل العقل ـ والعقل شيئية الأشياء كلها ـ كان العقل إذن قبل ذاته. والشيء لا يكون قبل ذاته. فإذن توهم شيئية قبل العقل ممتنع »(2).
2 ـ والعقل لا يبيد، إذ أن « كل ما يبيد إنما يدخل الفساد عليه: إمّا من ذاته، وإمّا من غيره. فالذي يدخل الفساد عليه من ذاته إنما يكون ذلك بالاستحالة؛ والذي يدخل عليه الفساد من غيره، فبالقوة والقهر. » وليس مع العقل غيره ممّن له « قوة مكافئة لقوّته فيستحيل من ذاته إليه. ولا يوجد شيء غيره ممّن له قوة تقهر العقل، فيَدْخل الفسادُ عليه من قوته. والباري ـ جلَّ جلاله! ـ تعالى عن أن يُقال له قوة، بل هو الوهّاب للخلقِ القوى
ــــــــــــــ
(1) أبو حاتم الرازي في كتاب « الإصلاح » حسب ما أورده منه الكرماني في « الرياض »، ص 139.
(2) أبو يعقوب السجستاني: « الينابيع »، ص 82، بيروت سنة 1965، نشره مصطفى غالب.

988

الشريفةَ البهيّة... وأيضاً فإن الفساد كيفية ما، والكيفيات إنما تدرَك بجوهر العقل »(1).
3 ـ والعقل ساكن، لأن « كل شيء متحرك إنما تظهر حركته من أجل شيء ساكن. ولا يسبق العقل شيء فيتوهم في جوهره حركة بسكون الشيء الذي سبقه. ولما لم يسبق العقل شيءٌ، كان العقل ساكناً غير متحرك... وأيضاً فإن الحركة لطلب ما: إما لطلب موضع وإما لطلب ما احتاج المتحرك إليه. وليس للعقل حاجة إلى شيء يتحرك لطلبه، ولا هو أيضاً بزائلٍ عن موضعه، فيخرجه زواله إلى طلب موضعه، لأن المواضع كلها لجوهرية العقل موضع واحد، وميله إلى جميع المواضع بالسواء. ولئن كان ميله إلى جميع المواضع بالسواء، كان توهم حركته لطلب موضعٍ ما محالاً ممتنعاً. فإنْ قال قائل: إنه متحرك لطلب مبدعه، ويحتاج إلى إدراكه والإحاطة به. وإذا ثبتت الحاجة فيه، ثبتت الحركة له.. قلنا: إنْ كان العقل يتوهم إدراك المبدع ويحتاج إليه، لم يكن عقلاً، إن العقل يوجب دفع توهم إدراك المبدع؛ والعقل لا يخالف جوهريته. فإذاً العقل لا يتوهم إدراكَ مَنْ أبدعه لعلمه بوحدته »(2).
4 ـ والعقل تام بالفعل والقوة معاً، إذ العقل « يشبه الواحد من الأعداد، والواحد عدد تام بالقوة والفعل معاً، لم يكن في عدد آخر لكون جميع الأعداد بعضها من بعض؛ فإنه لا يمكن أن يسبق الواحدَ عددٌ، يكون ذلك العددُ سبباً لظهور الواحد، كما يكون سبباً لظهور الاثنين »(3). ـ وأيضاً فإن العقل لا يكتسب قوته وشرفه من شيء
ــــــــــــــ
(1) الكتاب نفسه، ص 84.
(2) الكتاب نفسه، ص 86 ـ 87.
(3) الكتاب نفسه، ص 89.

989

آخر، كاكتساب الطبيعيات المتصرّفة بين القوة والعقل، حتى يتهيأ « لنا أن نقول إنه يكون بالقوة، فيكتسب من شيء شيئاً يخرج باكتسابه من حد القوة إلى الفعل، كما تكتسب الطبيعيات حين تريد الخروج من القوة إلى الفعل. فلما امتنع اكتسابه من شيء آخر، امتنع تصرّفه بين القوة والفعل. فإذن ظهوره بالقوة والفعل معاً »(1).
5 ـ والعقل يوجد مجرداً عن المادة، ولا يحتاج إلى الجسدانية. ولو لم يكن العقل مجرداً من الجسدانية، لم توجد أوائل عقلية تشترك في الإحاطة بها جميعُ الأشخاص الإنسانية. « لأنه لو كان للعقل شَوْبٌ بالجسد، لما أمكن صحيح المزاج أن يشارك فاسدَ المزاج في الإحاطة بالأوائل العقلية. فوجدنا الناس جميعاً: سواءٌ صحيح المزاج وغيره، مشتركين في الإحـاطة بالأوائل العقلية. وذلك ينفي عن العقل الشّوْب بالجسد ويثبته مجرداً بجوهريته وهويته »(2).
6 ـ والعقل يخاطب النفس خطابيْن: خِطاباً علوياً، وخطاباً سفلياً. فالخطاب السفلي هو المتوجه إلى الأشياء الجسمانية لتعلق النفس بها، ورحمة العقل عليها، فيدلها العقل على حقارة الأشياء الجسمانية الطبيعية واختلافها وفسادها، وينبهها إلى أن ما هي ساهية عنه من فوائد عالمها أفضلُ وأشرف مما هي متعلقة به من هذه الجسمانيات المتضادة المختلفة، مما يحملها على الزهد في هذا العالم ونسيانه والشوق إلى اللحاق بعالمها، « فتطلب الفوائد العقلية المحضة التي بها خلاصها وفوزها وراحتها. » أما الخطاب العلوي فهو خطاب العقل للنفس من جهة الروحانيات. وأوله الشوق الدائم الذي أفاض عليها. فتراها أبداً مشتاقة متحننة إلى عِلّتها. « فإذا تصورت الشوق المفاضَ عليها من
ــــــــــــــ
(1) الكتاب نفسه، ص 89.
(2) الكتاب نفسه، ص 90 ـ 91.

990

جهة العقل نحوها، تراها مستبشرة مسرورة ناسية تعلقها بالطبيعة، بل كأنها متجردة مُخَلِّيةٌ عنها تأثيرَ الطبيعيات. فلا تزال تكتسب من فوائده ما يمكنها حمله وإحاطتها به. فإذا أعجزها صعوبةُ المسلك، هبطت (منها) كليلةً تَعِبةً نَصِبةً من جهة الهبوط، لا من جهة الصعود. وللعقل مع النفس خطابٌ آخر روحاني، وهو إفاضة العجز عليها عن نيل جميع فوائد العقل. فهي ـ أعني النفس ـ بين شوق وعجز من إفاضة العقل لمخاطبته الروحانية معها. فلا تزال تكتسب بالشوق، وتقف بالعجز عن السلوك إلى غير مقدارها ومرتبتها »(1).

ــــــــــــــ
(1) الكتاب نفسه، من 94 ـ 95.

991

الفصل الثاني
الموجودات عن المبدع الأول

ـ 1 ـ
النفس الكلية وهي المنبعث الأول

وعن الإبداع، أو المبدع الأول، أو العقل الأول ـ وكلها بمعنى واحد ـ انبعث العقل الثاني، أي النفس الكلية وتسمى في السُّنّة الإلهية باسم: القلم.
ويُلاحظ أن الإسماعيليّة يستعملون اللفظ « انبعث » بدلاً من « خُلِق » أو « فاض » أو « صدر ». ويقرّر الكرماني، الذي ميّز بين الإبداع والانبعاث تمييزاً وثيقاً، أنّ « الانبعاث انفعالٌ ما، لا عن قصدٍ أول؛ وهو وجود يحصل عنه ذاتٌ جامعة لأمريْن: بأحدهما تكون محيطة، وبالآخر تكون محاطةً، فتشرق تلك الذات عند ملاحظتها ذاتها واغتباطها بها، فيحصل من بين الأمريْن خارجاً عنها:

992

أمرٌ يثبت بثبوت الذات »(1).
ثم يشرح الدافع إلى هذا المبدع الأول، فيقول: « إن الإبداع، الذي هو المبدع الأول، لما كان حيّاً بذاته وقادراً بذاته وعالماً بذاته. وكاملاً وأزلياً وعقلاً وعاقلاً وغير ذلك ـ على ما بينّاه فيما تقدم من كونه نهاية في الفضائل، وأحاطت ذاته، لقدرتها، بذاته فلاحظها وعقلها إحاطةً بها، وصارت ذاته، التي هي عقلٌ، عاقلةً لذاته التي هي معقولة لذاته التي هي عقل، ولم يَعُقْه عائق كان: لا مِنْ خارِجه ولا مِنْ ذاته، عمّا توجيه قدرته التامة، فرأى ما أحبه من ذاته في أنه أول في الوجود، وأنه لا يتقدمه شيء، وأنه علةٌ بها يتعلق وجودُ الموجودات، وأنه النهاية في السناء والنور والضياء والمجد والعلاء والعظمة والكبرياء والقدرة والبهاء، وأنه محض الفعل الحاصل في الوجود بلا واسطةٍ في الوجود بينه وبين المتعالي سبحانه ـ اغتبط(2) بذاته بما عليه أمرها عند تلك الملاحظة اغتباطاً يفوق كل اغتباط، وابتهج بأمره ابتهاجاً لا يمكن قياسه إلى الموجود منه في أنفسنا مع نقصها عند إدراك المطلوب والظفر بالمحبوب، بل أعظم وأكبر؛ فكان من ذلك الاغتباط بإشراق ذاته ـ عند إحاطته بذاته وعقله إياها وملاحظته لها في ذاته فرحاً بها ـ سطوعُ نور عنه، على نحو ما يكون من الدم عند ورود المسرّة على النفس بلقاء معشوقها ومعاينة محبوبها: من نفوذ لون حمرته الباطنة في أقاصي البدن إلى خارج الوجنتيْن وظهورها في بَشَرة الوجه. إلاّ أن تلك الحمرة ـ لوجود العوائق في الذات التي ظهرت فيها ولعجزها ـ لا تفارقها ولا
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 207، بيروت سنة 1967. وأبو يعقوب السجستاني يستعمل أيضاً كلمة « انبعاث » (« الينابيع »، ص 109، بيروت سنة 1965).
(2) هذا جواب الشرط من قوله: لما كان حياً...

993

يكون لها نفوذٌ من أقاصي البدن أكثر من ظهورها في سطح بَشَرة الوجه؛ وذلك النور، لخلوّ الذات، التي سطع منها، من العوائق ولتمام قدرتها عما يفارقها عند سطوعه، فيقوم خارجها ثابتاً قائماً بحسب ما عليه عِلّته، مثلما يكون من الشمس إذا أشرقت على وجه الماء أو على وجه المرآة المُجَلاّة: من انبعاث ضوءٍ خارجٍ عنها قائم بذاته، ووجوده بوجود الشمس وإشراقها. حتى إننا لو توهمنا كونَ الشمس في موضعٍ من السماء ثابتةً أبداً، وهي مشرقة على مرآة أو وجهِ ماءٍ باقيين أبداً ـ لكان الضوء المنبعث عنهما موجوداً أبداً وهي مشرقة... فملاحظة المبدع الأول، الذي هو العقل الأوّل ذاته، وعقلُه إياها وإحاطتُه بها، كملاحظة الشمس وجه المرآة وإشراقه عليها، وكون الذات معقولة منوَّرة كالمرآة المشرقة بنور الشمس؛ ووجود المنبعث خارجاً عن العقل الأول كوجود الضوء خارج المرآة بتعكيسها ما لمع فيها من نور الشمس إلى خارجها. وكون العقل والمعقول ذاتاً واحدة وشيئاً واحداً ككون الشمس والمرآة من حيث الجسمية ذاتاً واحدة وشيئاً واحداً. وكون ذات العقل الأول من جهة نسبة كونها عاقلة وعقلاً أشرف من شرفها من جهة نسبة كونها معقولة... فالانبعاث سطوعُ نورٍ عن ذات المبدع الذي هو العقل الأول، ثابتٍ قائم على السبيل الذي ذكرناه »(1).
وإذن فالانبعاث سطوع نور، وليس انبثاث نور؛ أي أنه انعكاس، وليس انبثاثاً. والكرماني يلح في توضيح ذلك تجنباً لفكرة الفيض، حتى لا يكون المنبعث من جنس ما ينبعث عنه. فوجود العقل الأول عن الله يسميه الكرماني: إبداعاً؛ ووجود العقل الثاني عن العقل الأول يسميه إنبعاثاً.
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 207 ـ 209، بيروت سنة 1967.

994

والمنبعث عن العقل الأول هو أول العقول المنبعثة في عالم القدس. وهو عقل قائم بالفعل مثل ما عنه وجد، كاشعاع الموجود عن الشمس. وهو يناظر الوصي ـ أول الأئمة ـ في عالم الشرع والدين. وكماله أقل مرتبة من كمال العقل الأول لأنه ثاني في الوجود، كما أن الوصي ـ في عالم الدين ـ مرتبته دون مرتبة الناطق. « وهو عاقلٌ لذاته ولذات ما عنه وجوده من المبدع الأول الذي هو العلة في وجوده. وذلك أنه لما كانت العلة في بقاء الباقي تعلقه بما يُمِدُّ بقاءه من علّته التي منها كان وجوده ولولاها لما كان، وكان المبدع الأول علةً له في وجوده سابقةً عليه ـ تعلق هذا به ليدوم وجوده »(1). فهو إذن عاقلٌ لذاته ولذات ما عنه وجوده. وكذلك الحال في عالم الدين: لا يجوز أن يكون الوصي ـ الذي هو ثاني الناطق ـ خالياً من معرفة مرتبة الناطق الذي هو السابق عليه في الوجود في عالم الدين. والقاعدة العامة بعد ذلك هي أن التالي ينبغي عليه معرفة مرتبة السابق، لا الكلي، أي ليس من الضروري أن يعرف السابقُ مرتبة التالي. ولهذا يقول الإسماعيليّة إن الناطق ـ وهو السابق ـ لا يلزمه أن يعرف الدعاة والمأذونين، ولا المنصوبين في الجزائر (جمع جزيرة، وهي النواحي التي يقسّمون إليها مناطق دعوتهم؛ فالجزيرة هي: منطقة الدعوة الإسماعيليّة)، ولا الأئمة المقدسين، لكن يلزمه معرفة ما سبق عليه في الوجود من الملائكة المقربين الذين بهم يتعلق وجوده.
والمنبعث الأول « كامل الاغتباط من جهة السابق عليه في الوجود. وهو قائم بالتسبيح والتهليل، مشتاقٌ وَلهٌ حيرانُ، كالأول مقدس؛ ذلك المَلَك المقرّب المُعْرَب عنه في السُّنَة الإلهية بالقلم. وإنما سُمِّي ذلك بالقلم لكونه والأول من جنسٍ واحد »(2).
ــــــــــــــ
(1) الكتاب نفسه، ص 214 ـ 215.
(2) الكرماني: « راحة العقل »، ص 219.

995

الخلاف بين أبي حاتم الرازي وبين أبي يعقوب السجستاني
حول تحديد طبيعة النفس الكلية

وهنا نصل إلى مسألة احتدام الخلاف بين ثلاثة من كبار مفكري الإسماعيليّة حول تحديد ماهية هذا المنبعث الأول، أي النفس الكلية، أو القلم.
ذلك أنه ينسب إلى محمد بن أحمد النسفي (الذي أُعدم في سنة 331 ?/ 942 م) كتاب عنوانه « المحصول »، فيه يعرض آراء الإسماعيليّة الأوائل في أمهات مسائل العقيدة الإسماعيليّة. وقد تصدى أبو حاتم الرازي (المتوفى سنة 322 ?) لمناقشة ما جاء فيه من آراء، وذلك في كتاب بعنوان: « الإصلاح ». فانبرى لمساجلته هو الآخر أبو يعقوب السجستاني (المتوفى بعد سنة 360 ?) في كتاب سماه باسم: « النصرة ». ثم جاء حميد الدين الكرماني (المتوفى سنة 411 ?) فأقام نفسه حكماً بين الرازي والسجستاني، وذلك بكتاب: الرياض في الحكم بين الصادين: صاحبي « الإصلاح » و« النصرة ». ومع الأسف الشديد لم يبقَ لنا غير هذه المحاكمة، أي كتاب الكرماني غير أنه يورد نصوصاً بحروفها في كل مسألة من كلا الكتابيْن اللذيْن حاكم بينهما، مما يعوّض عن هذا الضياع بعض التعويض.
1 ـ اختلفا أولاً في « التام » و« التمام » في اطلاقهما على النفس والعقل الأول.
فقال صاحب « الإصلاح » (الرازي): « إن النفس تامة في ذاتها، لأنها انبعثت من العقل الأول تامة؛ وهي انبعاث تام من التمام، لأن العقل هو التمام ».
ورد عليه صاحب « النصرة » (السجستاني) فقال: « إنه لا

996

يُعْلَم أن التمام أفضلُ وأكملُ من التام، إذ أن التمام صفة والتام موصوف، والتمام محمول والتام حامل؛ والموصوف والحامل أفضل وأكمل من الصفة والمحمول، لأن التام موصوف بالتمام وحامل له، والتمام صفة التام وهو محمول عليه ».
ويحكم الكرماني بينهما في هذا الخلاف فيقول: « إن مراد صاحب « الاصلاح » (الرازي) في قوله ما قال: « إن النفس تامة » لأنها منبعثة من التمام، لا أن التمام صفة أو لا صفة، أو التام موصوف أو لا موصوف. بل مراده أن التام هو كالعلة التي عنها يكون وجود المعلول. وذلك أنه رأى أن التمام علة التام ومتقدم في الرتبة عليه، إذ لولا التمام لما وجد التام، بدليل أنه إذا رفع في الوهم التمامُ ارتفع التام بارتفاعه... وإذ كان قصد صاحب الاصلاح ذلك، كان قوله « إن العقل الأول هو التمام »: حقاً. وإذا كان حقاً كان ما قاله صاحب « النصرة » (السجستاني) على هذا الوجه تحاملاً على صاحب « الإصلاح »(1).
2 ـ ويقول صاحب « النصرة » « إن العقل هو المتوسط الأول، والنفس هي المتوسط الثاني، والمتوسط الأول أقرب إلى العلة من المتوسط الثاني. والقرب والمنزلة للشيء إلى الشيء لا يكون إلاّ من الكمال والشرف؛ والبُعْد لا يكون إلاّ من النقصان وقلة الشرف ».
ويرد الكرماني نفسه (دون أن يورد رأي صاحب « الإصلاح » (أي الرازي) على هذا القول فيقول: « إن هذا القول لا يصحّ معناه في العقول الإبداعية والانبعاثية الأولى. وذلك أن المتوسط يقتضي
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « الرياض في الحكم بين الصاديْن: صاحبي الإصلاح والنصرة »، نشرة عارف تامر، بيروت بدون تاريخ (سنة 1960)، ص 53 ـ 54.

997

طرفيْن، ولا يجوز أن يقال إن العقل الأول متوسط، إلا ليس ما عنه وجوده في مثل حاله فيكون له طرفاً، كما كان عنه حدوثه له طرفاً، ولكونه في مثل حاله في الوجود. وكيف يجوز أن يُتوَّهَم الواحد ـ الذي هو أول الآحاد ـ أنه متوسط، وليس شيء يتقدم عليه من نوع وجوده فيكون هو متوسطاً بينه وبين الاثنين حتى يجوز أن يتوهم العقل الأول متوسطاً؟! إنْ هذا إلا محالٌ، لكون وجوده وجوداً أولاً. وما يكون وجوده وجوداً أولاً لا يطلق عليه القول بأنه متوسط بل المتوسط إنما يستحق أن يكون متوسطاً بأن يتقدم عليه شيء من نوع وجوده فتكون بينهما مناسبة، ويتأخر عنه شيء أيضاً ليناسبه من بعض الوجوه؛ فيكون هو يناسب ذلك من وجه، ويناسب هذا من وجه، وهما له طرفان، وهو متوسط بينهما. أما العقل الأول فلا مناسبة بينه وبين مُبْدِعه جل ذكره، ولا هو من نوع وجوده فيكون هو بينه وبين ما دونه متوسطاً... أمّا ما كان بينه وبين مبدعه سببٌ به وجوده فهو غيره، فيقال إنه واسطة بينه وبين ما دونه، فإنه عين الإبداع، والعلة التي يقال إنها مُبْدَعة ومعلولة ـ على ما بيّنـاه في الرسالة « المضيئة » وفي كتابنا المعروف ? « راحة العقل ». وإذا كان ذلك كذلك فلا معنى لاستدلال صاحب « النصرة » بذلك على ما رام نصرته »(1).
3 ـ ومن الأدلة على نقصان النفس وتمامية العقل في نظر السجستاني أن « الحكماء جعلوا العقل بمنزلة الروح للنفس، وجعلوا النفس بمنزلة الجسد للعقل. وإنما فعلوا ذلك لما علموا من نقصان النفس وكمال العقل؛ فشبّهوا النفس بالشيء الناقص، وشبّهوا العقل بالشيء الكامل »(2).
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « الرياض »، ص 62 ـ 63.
(2) الكتاب نفسه، ص 64 ـ 65.

998

غير أن الرازي يرى أن « الناقص هو فعل النفس، لا ذات النفس »؛ فرد عليه السجستاني بأن قال إن « هذا القول متناقض، لأن الفعل إذا كان ناقصاً فلا يخلو ذلك أن يكون: إمّا من نقصان ذات الفاعل، أو من نقصان المادة التي منها فعل الفاعل، أو من نقصان كليهما. فإن كان نقصان الفعل من نقصان ذات الفاعل، فقد قال بنقصان النفس، لأنها هي الفاعلة. وإنْ كان ذلك من نقصان المادة، فقد أثبت مادة أزلية، وهذا خروج من مذهب الديانة وميلٌ إلى مذهب أبو زكريا الرازي ومَنْ قال بقدم الهيولى. وقد توهمتُ(1) على صاحب هذا الكتاب (« الإصلاح ») أنه قد مال على ذلك لأنه جعل الزمان أزلياً مع العقل، وهو فصُّ مذهبه. ـ وإنْ كان نقصان الفعل من نقصان كليهما، فقد قال بالقوليْن جميعاً وقال بنقصان النفس إذ هي فاعلة وقال بأزلية الهيولى »(2).
4 ـ ويرد على حجة الرازي بقوله، أي السجستاني: « فأما اعتلاله (أي الرازي) بأن النفس إنما صارت تامة لأنها انبعثت من العقل الأول ـ وهو تمام ـ ولا يجوز أن يكون المنبعث من التمام إلاّ تاماً، فليس هذا بحق. لأنه لم يجب أن تكون النفس تامة لأنها منبعثة من العقل التام. ولو كان ذلك واجباً، كان المنبعث من النفس أيضاً تامّاً، وهو الهيولى والصورة، والمنبعث من الهيولى والصورة تامّاً أيضاً، إلى أن يبلغ إلى الأشخاص المفردة الغير متجزئة، فتصير تامة. ويحصل من هذا القول أن جميع العالم تامّ لا نقصان فيه، ولا في شيء منه » (الكتاب نفسه، ص 68).
ويتصدى الكرماني للرد على هذه الحجة بقوله إن « قول صاحب النصرة » (السجستاني) في هذا الفصل ليس بمستقصى: وذلك أن
ــــــــــــــ
(1) أيْ: خيل إلي.
(2) الكرماني: « الرياض »، ص 67.

999

الهيولى ليست بمنبعثة من النفس، ولا الأشخاص ـ كما زعم ـ هي غير متجزئة. فالأشخاص كلها متجزئة إلى أبعاضها. والهيولى منبعثة مع النفس مما يتقدم في الوجود عليها، لا منها، بدليل أن النفس ـ التي هي التالي ـ ليس وجودها وجوداً أولاً فلا يوجد معها مِثْلٌ من نوع وجودها، ولا يعلوها في المرتبة غيرها مثل الأول الذي هو العقل الأول، بل وجودها وجودٍ ثانٍ. وما يكون وجوده وجوداً ثانياً فلا يكون وجوده إلاّ ومعه وجودٌ من نوع وجوده، مما يكون هو وإياه مشتركين في النوعية » (الكتاب نفسه، ص 68 ـ 69).
ويرى الكرماني أن الهيولى والصورة تامتان، وأن العالم بما فيه كامل تام، وأجزاءه في ذاتها كاملة تامة، « بدليل أن التام هو ما لا يوجد خارجاً عنه ما يكون من نوع وجوده. والعالم ـ الذي هو جملة الهيولى والصورة ـ يجمع أجزاء الجسم، والجسم في ذاته تامٌ في مقاديره الثلاثة، فلا يوجد شيء يلزمه حده إلاّ وهو فيه (غير) خارج عنه. فهو تام. وإذا كان تامّاً فدفاع (= إنكار) صاحب « النصرة » أن يكون العالم تامّاً كاملاً ـ من المحال. » (الكتاب نفسه، ص 72).
5 ـ ومن الدليل أيضاً « على نقصان النفس وكمال العقل ـ هكذا يقول السجستاني ـ أن كثيراً من الأنفس الناطقة تخضع للطبيعة وتنقاد لها وإلى ما تأمرها به، وتميل إلى شهواتها ولذّاتها، وتنسى عالمها ونورها وبهاءها، وتستحسن عالم الطبيعة ورسومها وآثارها، ولا تذكر شيئاً من بهاء عالمها ولذاتها النورانية، لنقصانها. فلنقصانها ترغب فيما عند الطبيعة من الشهوات واللذات، وتزهد في عالمها ولذاتها وحسنها وبهائها. والعقل، بكماله وحسنه وبهائه وتمامه فإنه لا ينسى لذات عالمه وحسنه وبهاءه، ولا يميل إلى الطبيعة ولا يرغب فيما عندها:

1000

من لذاتها وشهواتها، ولا ينظر إليها. وإذا نظر إلها فإنما ينظر إليها من جهة الشفقة والرحمة والاستحقار لما عندها، واعلامه إياها من نفسه أن الذي عندها قليل إذا نُسِب إلى ما في عالمه. فلو كانت النفس تامّه مثل العقل، لثبتت على ما رأت في عالمها، ولم ترغب فيما عند معلومها. » (ص 87 ـ 88).
ويرد الكرماني على هذا القول بأن يقرر أن هذا إنما يصحّ بالنسبة إلى النفس الحِسيّة، والأنفس الحسية ليست هي التالي المنبعث من العقل الأول الذي عليه يتكلم الرازي. ويستحيل ورود هذه الأنفس من عالم العقل.

* * *

1001

ـ 2 ـ
المنبعث الثاني وهو الهيولى
المُسمَّى في السُّنّة الإلهية باللوح

يرى الكرماني أنه ينبعث عن العقل الأول موجودان: أحدهما هو النفس الكلية، وقد عرفناها في الفصل السابق، والثاني هو الهيولى. والسبب في كونهما اثنيْن أن للعقل الأول نسبة إلى المتعالي سبحانه، أيْ الله الذي أبدعه، ونسبة إلى ذاته تأتي من إحاطته بها. وهذا هو رأي أفلوطين: فالعقل (« النوس ») يدرك الواحد ويدرك ذاته فيكون عن هذيْن الإدراكيْن النفس الكلية. والخلاف بين أفلوطين والكرماني أن الكرماني يجعل العقل الأول يصدر عنه موجودان هما النفس الكلية والهيولى، بينا أفلوطين يجعل العقل الأول يصدر عنه موجود واحد هو النفس الكلية. ومن العجب أن يقول الكرماني بصدور الهيولى أو بالأحرى انبعاثها من العقل الأول، رغم التباين التام في الطبيعة بين العقل والهيولى. لكن يزول هذا العجب إذا تذكرنا أن هيولى الكرماني غير هيولى أرسطو والفلاسفة. إن هيولى الكرماني ـ ويقول إنها تسمى في السنة الإلهية باسم: اللوح ـ هيولى سماوية إنْ صح هذا التعبير. إذ هذه الهيولى تصير مادة للعقول(1). وهي
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 225، س 13، بيروت سنة 1967.

1002

أصل لوجود السموات والكواكب والطبائع؛ وليس وجودها مجرداً عن الصورة، « بل وجودها والصورة معاً(1) ». إن الهيولى « شيءٌ ما، يمكن أن يقبل الصُّور، فيكون بما قبله من الصور موجوداً للحسّ؛ وإن وجودها من الأول ضروري؛ وإنها هي المعرَب عنها باللوح الذي أودع كل الصور؛ وإنها بكونها قائمة بالقوة لا بالفعل لا تشبه المبدع الأول، ولا المنبعث الأول، وإنها تجري من تلك العقول الخارجة المنبعثة مجرى المواد اللواتي فيها يعمل الصناع؛ وإنها لا وجود لها خارج النفس وجوداً مجرداً عن الصورة، بل وجودها كذلك في الذهن فقط، ولا تُدرك خارج النفس إلاّ مشغولة بالصور؛ وإن منزلتها من الموجودات منزلة الثلاثة من الأعداد، بكونها ثالثاً في الوجود، وإنْ كان غير واقع عليه العدد بالقول، وموجوداً بوجود الواحد والاثنين(2) ».
غير أن السجستاني في « النصرة » قـال إن الهيولى ظلمـانية، ومتولدة من النفس. « وإنما وقعت الهيولى ظلمانية لبعدها من العلة الأولى من أجل تولدها من النفس(3) ». ذلك أن للنفس طرفيْن: أحدهما نحو العقل الأول وفي أفقه، وهو الطرف النوراني الشريف؛ والثاني نحو الطبيعة، وهو في أفقها، « وهو الذي فيه بعض الظلمة »(4). « وإنما وقعت الهيولى ظلمانية لبعدها عن العلة الأولى، من أجل تولّدها من النفس »(5).
ــــــــــــــ
(1) الكتاب نفسه، ص 226.
(2) الكتاب نفسه، ص 228 ـ 229.
(3) أورده الكرماني: « الرياض »، ص 112.
(4) أورده الكرماني: « الرياض »، ص 115.
(5) أورده الكرماني: « الرياض »، ص 116.

1003

على أن الكرماني في كلامه عن العلاقة بين الهيولى والصورة يتجه مع ذلك اتجاهاً أرسطياً فيقول إن الهيولى ليست « سابقة في وجودها على الصورة، ولا الصورة سابقة في وجودها على الهيولى، بل هما ذات واحدة، هي في ذاتها جزءان بهما ذات الجسم جسم على كون الصورة أشرف من المادة لتعلق الفعل بها، وعلى كون كل منهما ـ أعني الهيولى والصورة ـ في ذاته غير جسم، فلا الهيولى بمجردها جسم ولا الصورة بمجردها جسم أيضاً، لكنهما باعتقاد كل منهما في الوجود بالآخر على أمر ينافي ذاتيهما إذ كانتا في حالهما الأولى لا كما في حالهما الثانية عند البحث(1) ».
كذلك سنجد الكرماني متأثراً أشدّ التأثر بأرسطو في كثير من مسائل الطبيعة: فحركة الجسم السماوي دورية (ص 328)، ولا يوجد خلال في عالم الطبيعة (ص 329).

* * *

ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 322 ـ 323، بيروت سنة 1967.

1004

ـ 3 ـ
العلاقة بين الأنفس الناطقة الإنسانية وبين النفس الكلية

واختلف هؤلاء الثلاثة: أبو حاتم الرازي، وأبو يعقوب السجستاني، وحميد الدين الكرماني ـ في مسألة هل الأنفس الإنسانية أجزاء من النفس الكلية أو آثار منها.
فالرازي يرى أنها « آثار من الجوهر الأول، لا أجزاء منه، فإن اتحادنا هو بالآثار التي من الجوهر الأول، لا بأجزائه؛ وإن اتحاد الأول لا بأجزائه، لأن اتحاد الأول بذات الكلمة. والأجزاء التي هي فينا، وإن كانت آثاراً من الأول، فليست بأجزاء منه ولا هي متحدة به، بل هي متحدة بآثاره ».
فيرد عليه السجستاني بأن هذا القول فيه تخليط ومناقضات ظاهرة « وذلك أنه قال إن الأجزاء التي فينا هي آثار من الجوهر الأول. فكيف تكون الأجزاء آثاراً، وإنما هي جواهر قائمة بذواتها، والآثار فليس لها قَوام بذواتها ».
ويحاكم الكرماني بينهما، فيعطي لصاحب النصرة (= السجستاني) الحق في أن يقول إن الأنفس جواهر قائمة بذواتها، والآثار مستحيل أن تكون قائمة بذواتها، فمن التناقض أن يُقال إن الأنفس جواهر، وفي نفس الوقت آثار. غير أنه يعتذر لصاحب « الإصلاح »

1005

(= الرازي) بأن هذا رأى أن الأشياء التي تتجزأ هي الأجسام التي لا تنفكّ عن الأعراض التسعة وتدرك بالحواس الخمس؛ والنفس ليست بجسم. ومراد الرازي من قوله آثار هو: « ما يجري من النفس مجرى الصورة، وهو ما به تتم جوهرية الأنفس(1) ».
وبالجملة فإن السجستاني يقرر أن الأنفس الناطقة التي فينا أجزاء وجواهر من النفس الكلية، وليست آثاراً منها؛ وهي « لا تزال تكتسب من نور العالم الأعلى الشريف، وتزداد به شرفاً في ذاتها من غير تغيير يقع في ذاتها » (الكتاب نفسه، ص 123).
ويلخص السجستاني المسألة كلها بقوله: « العقلُ مُبْدَعٌ بالكلمة، والنفس صورة العقل، والطبيعة متولِّدة من النفس، والأنفس الناطقة أجزاء من النفس الكلية(2) ».
غير أن الكرماني يصحح هذا بقوله « إن العقل ليس إلاّ ذات الكلمة، والكلمة ليست إلاّ ذات العقل » (الكتاب نفسه، ص 126).

* * *

ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « الرياض »، ص 119 ـ 120.
(2) الكتاب نفسه، ص 125.

1006

ـ 4 ـ
البَشَر (الإنسانية) ثمرة العالم

وصاحب « الإصلاح » (= أبو حاتم الرازي) يرى أن « البشر هو ثمرة هذا العالم بأسره، ومن أجله كوّن هذا العالم كله من أصوله وأسسه التي أولها الهيولى، وهي أُسّ الأفراد، المتولدة منها بالحركة والسكون، ثم الأفراد التي هي أسّ المركبات، ثم المركبات التي هي أسّ المتولدات لهذا العالم كلها، وأُس الطبائع التي منها تركبت صورة البشر المتهيئة لقبول الأنفس الثلاث وهي: النامية، والحسية، والناطقة ».
ولا يوافقه أبو يعقوب السجستاني على هـذا الرأي الـذي يراه شـبيهاً بقول الدُّهْرية « الذين لم يقرروا للنفس بقاءً بعد مفارقة الأجسام. لأنه لو كان البشر ثمرة هذا العالم، لكان هذا العالم يمسكه (أي البشر)، ولا يدعه أن ينتقل إلى عالم آخر ». ويقرر « أن البشر ثمرة العالم الشريف النوراني. فمن أجل ذلك جاء الأنبياء عليهم السّلام بإنذارهم ليتزودوا (أيْ البشر) من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن الدنيا إلى دار المعاد، لأنهم علموا أن الدنيا ليست بدار ولا هم أيضاً ثمرة هذا العالم ».
ويحكم بينهما الكرماني فيقرر أن كليهما صادق من جهة، غير صادق من جهة أخرى.

1007

« فالوجه الذي به هما صادقان أن كلاًّ منهما قد قال في البشر ما هو له (أي للبشر). والوجه الذي به هما غير صادقيْن نفيهما ما هو من كونه (أي البشر) ثمرة العالَميْن جميعاً. وذلك أن البَشَر منبعث من بين العَالَميْن. وله من هذا العالم الكمالُ الأول؛ ومن ذلك العالم الكمال الثاني. فنهاية العالم الطبيعي أن يعطي موجوداته الكمال الأول الذي هو إخراج الصورة الجسدانية بواسطة الأجساد الدائرة والكواكب النيّرة والأسباب القريبة على الهيئة التي بها يقبل ما له... ونهاية ذلك العالم أن يعطي ما قَبِل من موجودات عالم الطبيعة الكمالَ الثاني، وهو الإفاضة على الصورة الروحانية ـ التي هي الشيء المتهيئ الطبيعي ـ ما به تتجوهر وتبقى: من معرفة توحيد الله تعالى بواسطة الحدود كلهم، سلام الله عليهم... يصحح ما قلناه في ذلك قولُ مولانا أمير المؤمنين المعز لدين الله معدّ بن إسماعيل ـ صلوات الله عليه! ـ في كتاب « تأويل الشريعة » إن الإنسان هو غرض الثاني ونهاية فعل الطبيعة(1) ».

* * *

ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « الرياض »، ص 127 ـ 128، بيروت، بدون تاريخ (سنة 1960).

1008

ـ 5 ـ
الحدود العلوية

وفي العالم العلوي ماهيات عالية ليست في جسم ولا بجسم؛ ويناظرها ماهيات سفلية في العالم السفلي. والإسماعيليّة تسميها حدوداً: حدوداً علوية، وحدوداً سفلية.
ذلك أن العقل الأول يوجد عنه اثنان، وأحدهما أشرف من الآخر: وهما النفس الكلية، أي القلم، والهيولى أي اللوح. والأول يُسمَّى أيضاً العقل الثاني القائم بالفعل، والثاني يُسمّى أيضاً العقل القائم بالقوة.
وبالإبداع والانبعاث يوجد من العقول الفاعلة في ذواتها بذواتها عشرة، يتم بها عالم الإبداع والانبعـاث. وتُسمَّى « المبادئ الشريفة في عالم الانبعـاث الأول »، وتسمى أيضاً ? « الحروف العلوية ».
وعلى هذا تكون العقول عشرة: الإبداع الذي هو العقل الأول؛ العقل الثاني؛ العقل الثالث؛ العقل الرابع؛ العقل الخامس؛ العقل السادس؛ العقل السابع؛ العقل الثامن؛ العقل التاسع؛ العقل العاشر.
والعقل العاشر يقوم منها لعامة الجسم مقام المبدع الأول في عالم الإبداع الأول والإنبعاث الأول. « فالعقل الأول مركز لعالم العقول إلى العقل الفعال. والعقل الفعّال عاقلٌ للكل، وهو مركز لعالم الجسم

1009

من الأجسام العالية الثابتة إلى الأجسام المستحيلة المسماة عالم الكون والفساد. وعالم الجسم جامعٌ لفيض العقول، وهو مركز لوجود الأنفس الطاهرة التي هي أنفس النطقاء إلى القائم، والقائم ـ صلوات الله عليه ـ جامعٌ للكل الذي انتهى إليه ما سرى من بركة الإبداع(1) ».
ويناظر كل حدّ من هذه الحدود في العالم العلوي فَلَكٌ. ونظام ترتيب الحدود السفلية في عالم الدين مثل النظام الموجود في ترتيب الأجسام العلوية. ولهذا فإن الموجود من الحدود السفلية هو مثل الموجود من العقول العلوية في عالم الإبداع والانبعاث مثلاً بمثل. والموجود من العقول العلوية في عالم الإبداع مثل الموجود من الحدود في عالم الدين، لم يغادر منه شيئاً. وقد وضع الكرماني(2) هذا التناظر في الجدول التالي:

ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 245، بيروت سنة 1967 م.
(2) الكتاب نفسه، ص 256.

1010



الحدود العلوية الحدود السفلية الموجود الأول هو المبدع الأول الفلك الأعلى الموجود الأول هو الناطق رتبة التنزيل الموجود الثاني هو المنبعث الأول الفلك الثاني الثاني هو الأساس رتبة التأويل الموجود الثالث الفلك الثالث (زحل) الثالث هو الإمام رتبة الأمر الموجود الرابع الفلك الرابع (المشتري) الرابع: الباب رتبة فصل الخطاب (الذي هو الملك) الموجود الخامس الفلك الخامس (المريخ) الخامس: الحجة رتبة الحكم فيما كان حقاً وباطلاً الموجود السادس الفلك السادس (الشمس) السادس: داعي البلاغ رتبة الاحتجاج وتعريف المعاد الموجود السابع الفلك السابع (الزهرة) السابع: الداعي المطلق رتبة تعريف الحدود العلوية والعبادة الباطنية الموجود الثامن الفلك الثامن (عطارد) الثامن: الداعي المحدود رتبة تعريف الحدود السفلية والعبادة الظاهرة الموجود التاسع الفلك التاسع (القمر) التاسع: المأذون المطلق رتبة أخذ العهد والميثاق الموجود العاشر ما دون الفلك من الطبائع العاشر: المأذون المحدود الذي هو المكاسر رتبة جذب الأنفس المستجيبة
1011

وهذه العقول كلها صور محضة، وانبعاثها لم يكن في زمان. وهي لا تعقل إلاّ ذواتها وما تقدم عليها في الوجود. ذلك أن الأفعال تنقسم في وجودها ثلاثة أقسام: أولها، الذي هو أشرفها وأكملها، ما يكون لا بزمان ـ وَيُخصُّ ذلك باسم الإبداع. وثانيها، الذي هو أوسطها، ما يكون مع الزمان ـ ويُخصُّ ذلك باسم: الانبعاث. وثالثها، الذي هو أدونها وأخسُّها، ما يكون بزمانٍ ـ ويخصّ ذلك باسم: الإحداث. وكل ما يكون بزمان هو الفعل الصادر عن علة فاعلة معوّقة عن فعلها: إما من جهة ذاتها بكونها مشوبة بما يعوقها، أو من جهة المادة التي فيها تفعل بامتناعها عن القبول دفعةً واحدة أو كليهما، وذلك يُخص بعالم الكون والفساد مثل الأمور الصناعية. وما يكون مع الزمان هو الفعل الصادر عن علة فاعلة في ذاتها أو غيرها مما هو على غاية القبول، وذلك يخصّ بالذوات البرية من الأجسام والأجسام العالية، بكونها قائمة بالفعل. وما يكون لا بزمان هو الفعل الصادر لا عن علة فاعلة في ذاتها ولا في غيرها، ولا عن علّة معوقة في ذاتها ومادّتها، بل عن المتعالي ـ سبحانه! عن ذلك كله. و(لما) كان الموجود في عالم الإبداع والانبعاث لا عن علة فاعلة في ذاتها ولا في غيرها، ولا عن علةٍ معوَّقة في ذاتها ومادتها، كان في ذلك الإيجابُ بأن وجوده بلا زمان. ـ ثم وجودُ الأشياء في عالم الكون والفساد: شيءٌ بعد شيء من المواليد؛ وفي عالم الدين كذلك: شيءٌ بعد شيء من فريضةٍ بعد فريضة، وسُنّة بعد سُنّة، وإمام بعد إمام ـ إنما هو للعوائق التي تعوق العلل الفاعلة عن أفعالها: إما في ذواتها بأن تكون مشوبة بما منه يقع التعويق من المواد التي تقعدها عن الفعل إلاّ بزمانٍ، أو في موادها التي منها تفعل بأن تكون غير قابلةٍ دفعةً واحدة إلاّ بمدة وزمان، كالشمس التي هي علة فاعلة للإسخان؛ فإسخانها جسمَ الحجر القابل لفعلها الذي لا

1012

يكون نفوذ حرارتها فيه لضيق جوهره وتكاثف أجزائه ـ أعني الحجر ـ وتداخل بعضها في بعض لا بزمان، لا كإسخانها جسم الهواء، وذلك من جهة الجسم القابل، لا من جهتها. ودار الإبداع والانبعاث لا عائق فيها لخلوّها من المواد التي تعوق وتجردِها منها وكونها صوراً محضةً لا تتعلق بمادة ولا ذاتها مادة فتحجزها عن الفعل. وإذا كان لا عائق فيها فوجودُ موجوداتها لا بزمان، بل دفعةً واحدة، مثل وجود إشراقِ بسيطِ الهواء عن ضوء الشمس لا بزمان، وإضاءة النار البيتَ المظلم دفعةً واحدة لا بزمان(1) ».
وقوى هذه العقول في دار الإبداع نافذة في دار الطبيعة، سارية فيها إلى الأنفس التي هي النهاية، وبها يتعلق وجود الموجودات. وهذه « الأنوار السارية في العالم تعطي الأنفس في بدء وجودها ما به تعرف الخير والشر، وبه تميل إلى الجميل وتُؤثِره، وتَرْهب القبيح وتكرهه... وهي ـ أعني العقول في دار الإبداع ـ هي التي تهذّب الأنفس في عالم الجسم وتصلها إذا تهذبت ذواتُها من أمارات الطبيعة، وتكسبها الكمال والبهاء والهيبة والعلاء وتستخلصها، وتشفق عليها شفقة الوالد على ولده، ولذلك قال عيسى بن مريم، عليه صلوات الله: « أنا ابنُ مَنْ في السماء »(2) ».

الحدود الجسمانية

ويقابل هذه الحدود العشرة الروحانية عشرة جسمانية هي على الترتيب التنازلي:
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 258 ـ 259. بيروت، سنة 1967.
(2) الكرماني: « راحة العقل »، ص 265.

1013

1 ـ الناطق: وهو الرسول من أولي العزم، وله رتبة التنزيل.
2 ـ الأساس = الوصي: وهو الوزير الأيمن للناطق، وله رتبة التأويل.
3 ـ المتمّ الأول = الإمام: وهو ومن يُعد كل واحد منهما هادياً في زمنه حتى ختام الدور، وله رتبة الأمر.
4 ـ المتمّ الثاني = الباب: ورتبته فصل الخطاب.
5 ـ المتمّ الثالث = الحجة: ورتبته الحكم فيما كان حقاً وباطلاً.
6 ـ المتمّ الرابع = داعي البلاغ: يلي داعي الدعاة وأعلى من بقية الدعاة.
7 ـ المتمّ الخامس = الداعي المطلق: وهو النائب عن الإمام في دور الاستتار.
8 ـ المتمّ السادس = الداعي المحدود: ومهمته تعريف الحدود السفلية والعبادة الظاهرة.
9 ـ المتمّ السابع = المأذون المطلق: ورتبته أخذ العهد والميثاق من المستجيبين.
10 ـ المتمّ الثامن = المأذون المحدود = المكاسِر = المكالِب: وهو التالي للمأذون المطلق في دور الاستتار، وله رتبة جذب الأنفس المستجيبة.
ويؤازر المأذون اثنان هما: اللاّحق، والجناح، ويقومان بمهمته أثناء غيابه.
وقد وصفهم الكرماني وبيَّن أدوارهم على النحو التالي: « إذا

1014

فعل في أعلى الأنفس رتبة في تهذيبها، فألف وأسس العبادة الظاهرة التي بها تتقدم الأنفس فهو: ناطق، (وهو) الذي سمّته السُّنّة الإلهية: رسولاً. وإذا قَنّن العبادة الباطنة التي بها تتصور النفس، فهو: أساس، (وهو) الذي سمّته السُّنّة الإلهية: شاهداً. وإذا أمر وساس السياسة التي بها تنقاد الأنفس للاستفادة فهو: إمام، (وهو) الذي سمّته السّنّة الإلهية: مبشّراً. وإذا فصل الخطاب فهو: باب، (وهو) الذي سمّته السنة الإلهية: نذيراً. وإذا حكم وأوّل فهو: حجة، (وهو) الذي سمّته السُّنّة الإلهية: داعياً. وإذا تكلم بالحجة والبرهان والبيان فهو: داع، (وهو) الذي سمّته السنة الإلهية: سراجاً، وعلى ذلك إلى العاشر(1) ».

* * *

ــــــــــــــ
(1) الكتاب نفسه، ص 272 ـ 273.

1015

ـ 6 ـ
الطبيعة والأفلاك

الطبيعة توجد عن المُبْدَع الأول. وهي من جهة جوهرها شيءٌ واحد، ومن جهة أفعالها في موادها أشياءُ كثيرة. وهي تحرك كل شيء: وهي إذا حركت الأجسام دوراً فهي فلك، وإذا حركت النار والهواء عَلْواً فهي خفة، وإذا حركت الماء والشيء الثقيل إلى مركزه سفلاً فهي ثقل، وإذا حركت النبات للنماء فهي نفس نامية، وإذا حركت الحيوان لطلب اللذات فهي نفس حية، وإذا حركت الإنسان للإحاطة بالموجودات فهي نفس ناطقة. والطبيعة من حيث هي فاعلة طبيعةٌ واحدة، ومن حيث أن فعلها في مواد مختلفة فهي كثيرة، « وذلك كالنفس في العالم الصغير: التي هي واحدة بذاتها، وباختلاف المواد المختلفة التي فيها تعمل: كثيرةٌ بأفعالها »(1). وهي مجمع الأنفس وقواها.
وللطبيعة نهايتان: نهاية أولى محيطة بما هي علة لها، ونهاية ثانية محاطة بما هي معلولة لها. والشمس هي مركز الطبيعة.
والإنسان نهاية ثانية للطبيعة. وكمال الطبيعة واحتواؤها على الفضائل إنما هما بالإنسان. والطبيعة لها بالإنسان الغُنْية والكمال والاستغناء.
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 270.

1016

ويورد الكرماني تعريف أرسطو للطبيعة بأنها « مبدأ حركة وسكون في الشيء الذي هي فيه بالذات »، ولكنه ما يلبث أن يؤوّل هـذا التعريف الفزيائي تأويلاً باطناً بأن يقول إنّ « ذات هذا المحرك هي الحياةُ السارية عن عالم الربوبية المعرب عنها (أو عنه) بالصورة التي وجودها بالانبعاث من عالم الإبداع مع الهيولى، على النسبة الموجبة وجودهما على ذلك بأن تكون إحداهما فاعلة، والأخرى مفعولة فيها على النظام الموجود عليه حالُ الموجود الأول الذي هو الإبداع، على ما عليه طبيعة النسبة بكونها مفعولاً، وذاته لا كذات العقول في التجرد من المواد صوراً محضة، بل هي من شيئيْن بهما وجوده: أحدهما الهيولى، والأخرى الصورة، سمّاها عالَمُ الدين: الكرسي، والعرش »(1). فالمحرِّك الأول للفلك يُسمَّى في عالم الدين: الكرسي، والمتحرك الأول الذي هو الفلك يسمى في عالم الدين: العرش.
والفلك الأعلى جسم متحرك بما هو جسم، ويجري من متحرّكه الذي فيه مجرى الهيولى والموضوع hupokeimenon . وقد وجد بالانبعاث من عالم الإبداع. « ويتلوه الفلك الثاني الذي يجمع أجسام الكواكب كلها التي منها كان الاستدلال على وجود هذا الفلك الأعلى. وتليها أفلاكٌ سبعة طبيعية كلها شيء واحد في كونها أجساماً متحركة وصوراً محركة. وفي خلال هذه الأفلاك أفلاكٌ أُخَر صغار بها يستقيم دوران الجميع وينتظم. وهي بجميعها ـ الكبار والصغار ـ بكونها غير منتقلة بكليتها عن أماكنها ولا زائلة عنها ـ معدودةٌ فيما يكون ساكناً؛ وبكون أجزاء كلٍّ منها منتقلة متبدلة عن أماكنها في حركتها ـ هي معدودةٌ فيما يكون متحركاً، كحجر الطاحونة الدائرة في مكانها التي
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 296.

1017

بكليتها لا تنتقل، وبأجزائها من جانب إلى جانبٍ تتحول »(1).
ولما كان الجسم الأعلى الذي هو الفلك الأول له حركة واحدة، وما دونه له حركات، فإنه أبسط الأفلاك جسماً وأشرفها أمراً. « فالأفلاك أجسام شريفة، وأشرفها الفلك الأعلى، وهو أبسطها جسماً. ولا يجوز أن يلحقها الاستحالة »(2)، إذْ الاستحالة تلحق الأشياء القائمة بالقوة عند حركتها نحو كمال ليس لها لتناله؛ وحركة الأفلاك ليست حركة نحو كمال ليس موجوداً لها، بل هي حركة ذوات الكمال، فلا استحالة إذاً في ذواتها. « فالأجسام العالية أشرفُ الأجسام وأبسطها ومحالٌ فسادها واستحالتها. ثم لا يجوز أن تقبل صورةً غير الصورة التي لها، لكونها في الكمال على أمرٍ لا تحتاج (معه) إلى زيادة. وذلك أن قبول الصورة لا يكون إلاّ للمادة؛ والذي يجري من تلك الموجودات مجرى المواد قد شغلته الصورة فشاعت فيه، فانتهى به إلى حدٍّ لا قبول له بعدها، إذ ذلك أمارات الأجسام: فإنها تنتهي في بقبول إلى حَدٍّ تمتنع به عن قبول شيء آخر وإذا كانت تلك الأجسام (الأفلاك) قد شَغَلَتْ من الصورة بما لها أن تشغله، فلا قبول لها بعدها صورةً أخرى »(3).

الاستدلال على أحوال الأجسام العالية
من ميزان أهل الديانة

وهنا نجد الكرماني يقلب الوضع الذي جرى عليه حتى الآن، وهو تطبيق أحوال العالم العلوي على عالم الديانة، بأن يطبق أحوال
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 303 ـ 304.
(2) الكتاب نفسه، ص 306.
(3) الكتاب نفسه، ص 308 ـ 309.

1018

الديانة على عالم الأجسام العالية، أي أنه يريد أن يستنبط علم الفلك من علم الدين، وذلك لأنه ليس في الاستطاعة إدراك أحوال الأجسام العالية بواسطة الحواس لبعدها عنها. ولهذا يجب الرجوع في ذلك إلى « أولياء الله الذين هم آل محمد (ص)، الذي هو الذكْر، وإلى الشرائع النبوية والسُّنَّة الوضعية التي هي ميـزان أهل الـديانة التابعين لهـا في معرفة ما يراد معرفته »(1).
وعلى هذا الأساس يقرَّر الكرماني:
1 ـ أنه لما كان الناطق مختصا بدعوة ظاهرة على الدعوات كلها، فإن هذا يوجب أن تكون للفلك الأعلى حركة واحدة مستولية على ما دونها من الحركات كلها.
وكون الناطق يتحرك من محرك هو داخله يوجب أن للفلك الأعلى محركاً، ومحركه داخله.
وكون بقاء مُحَرِّك الناطق هو داخله يتم باتصاله بما هو خارجه الذي هو الهواء، يوجب أن بقاء محرك الفلك هو دار الإبداع واستمداده منها الفيض.
وكون وجه الناطق من الإفادة إلى وصيّه، الذي هو مغرب علمه، يوجب أن تكون حركة الفلك الأعلى إلى المغرب.
وكون الدعوة الظاهرة خالية عن بيان مراتب الحدود العلوية والسفلية يوجب أن الفلك الأعلى ليس فيه كوكب.
2 ـ وكون الأساس، الذي هو دون الناطق في الاستفادة، متوجهاً إلى الناطق الذي هو مشرق علمه، يوجب أن تكون حركة
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 311.

1019

الفلك الثاني ـ الذي هو دون الفلك الأعلى ـ إلى المشرق.
وكون دعوة الأساس جامعة لبيان مراتب الحدود الثابتة، يوجب أن الفلك الثاني جامع للكواكب الثابتة كلها.
3 ـ وكون الناطق جامعاً لجميع صور الموجودات العقلية السابقة في الوجود عليه يوجب أن يكون الفلك جامعاً لجميع الصور الطبيعية التي يتعلق به وجودها.
4 ـ وكون ما حواه الناطق بكليته منقسماً بين اثني عشر هم أصحابٌ له ـ يوجب أن الفلك بما يجمعه من الصور مقسوم باثنتي عشرة قسمة.
وكون كل واحد من الصحابة جامعاً لبعض ما حواه الناطق من الصور والمعلومات الدينية ـ فمنهم مَنْ جمع كثيراً، ومنهم مَنْ جَمَع قليلاً ـ يوجب أن كل قسمة من الأقسام الاثنى عشر قد جمع صوراً: فمنها ما جَمَع كثيراً، ومنها ما جَمَع قليلاً.
وكون بعض الأصحاب عقيماً في الدين لا ولد له، وبعضهم له أولادٌ كثير، يوجب أن من أقسام الفلك التي هي البروج ما هو عقيم لا يكون لمن يولد به ولد، ومنها ما هو كثير الأولاد لمن يولد به.
وكون بعض الحدود الذين هم الأصحاب ـ صادقي اللهجة؛ وبعضهم كاذبين، يوجب أن من البروج، التي هي أقسام الفلك، ما هو صادق، ومنها ما هو كاذب.
وكون بعض الحدود ـ أعني الأصحاب ـ مستقيم الطريقة في عبادة الله، وبعضهم معوجّي الطريقة فيها، يوجب أن من البروج ما هو معوج، ومنها ما هو مستقيم.

1020

وكون بعض الحدود ـ أعني الأصحاب ـ ثابتين على العهود والمواثيق؛ وبعضهم غير ثابتين، يوجب أن من البروج، التي هي أقسام الفلك، ما هو ثابت ومنها ما هو متقلب.
وكون بعض الحدود أبالسة ذئاباً ـ يُضّلون مَنْ اقتبس عِلْمَ الدين منهم ويهلكونه، وبعضهم ملائكة يهدون المستهدين ويخلصونهم من الضلال بالتعليم ـ يوجب أن في الفلك درجاتٍ هي آثارٌ مظلماتٌ مَنْ يولد بها يكون شقياً، ودرجاتٍ نيرةً مضيئةً سعيدة مَنْ يولد بها يكون سعيداً.
وكون الحدود في الأدوار الكبار سبعةً، يوجب أن الأفلاك، دون الفلكيْن الأول والثاني، سبعة. وكون أئمة ستة في كل دور صغير، يوجب أن لكل فلك من الأفلاك السبعة ستة أفلاك صغار أُخَر بها تدور الكبار.
وكون الدعوة قائمةً أبداً بالناطق والأساس والإمام والحجة، وبولايتهم واتّباعهم في دين الله توجد المواليد الدينية ـ يوجب أن في الأفلاك مواضع أربعة قائمة، بها يكون وجود المواليد في دار الطبيعة.
وكون الأساس أشرف من الإمام والحجة ـ يوجب أن موضعيْن من الأربعة أشرف.
وكون الناطق المستولي على الكل، والأساسِ الذي به تتعلق حياة أهل الدعوة أشرفَ من الإمام والحجة ـ يوجب أن الموضع الذي في وسط السماء هو العالي على ما دونه، وموضع الطالع الذي تتعلق به حياة المواليد أشرف من وتد الغارب ووتد الأرض.
وكون تصرف الحدود كل من الناطق وغيره في التعليم والهداية على العبادتيْن علماً وعملاً ـ يوجب أن يكون دوران الأفلاك كلها

1021

بما فيها ـ على القطبيْن الشمالي والجنوبي.
وكون عدد القائمين بحفظ مراسم التعليم في الدور سبعة ـ يوجب أن تكون المؤثرة من الكواكب في عالم الطبيعة سبعة.
وكون الناطق مشرقاً يضيء عالم الدين بعلم وسياسة، وبه وبدعوته تتحرك الأنفس لنيل الكمال الأول والثاني ـ يوجب أن تكون الشمس المضيئة لعالم الطبيعة بها وبتأثيرها تتحرك المواليد الطبيعية إلى الوجود الذي هو الكمال الأول.
وكون أنوار الناطق وعلمه لا عن مثل له جسماني، بل عن تخصيص العناية الإلهية إياها بها انبعاثاً، وكونُ الناطق متولياً من مراتب الدين تأسيسَ رسوم العبادة الظاهرة وحدها ـ يوجب أن الشمس لها بيت واحد.
وكون العبادتيْن: الظاهرة والباطنة ـ مقترنتيْن معاً ـ يوجب أن بيتي الشمس والقمر في الفلك أحدهما بجنب الآخر.
وكون الناطق في جميع أحواله ثابتاً على الظاهر من الأمور فقط على ما يقتضيه مقامه من جميع الكافة ـ يوجب أن بيت الشمس ثابت.
وكون الأساس في تعليمه وتأويله منتقلاً من تأويل إلى تأويل ومن بيان إلى بيانٍ آخر ـ يوجب أن يكون بيت القمر منقلباً.
وكون الأساس متولياً لأمور عالم الدين وإخراج المواليد الروحانية إلى الوجود ـ يوجب أن يكون القمر هو المتولّي لأمور عالم الكون والفساد وبه يتعلق وجود المواليد الطبيعية في الوجود.
وكون الأساس مستفيداً من الناطق ومستمدّاً من جهته، وما علمه مِنْ تعليمه إياه حصل له ـ يوجب أن القمر مستمد من الشمس وضوءَه مِنْ جهتها لا في ذاته.

1022

وكون كل من الحدود ـ دون الناطق والأساس ـ قائماً بتعليم العبادتيْن جميعاً والدعوةِ إليهما والعملِ بهما: ظاهراً ذا وجه واحد، وباطناً ذا أوجه ـ يوجب أن لكل كواكب من الكواكب بيتيْن: أحدهما ثابت على حالٍ واحدة ووجه واحد، والآخر منقلب على أوجهٍ كثيرة في الدلالة.
وكون مقام الناطق في عالم الدين محفوظاً بالإمام، لا تبطل دعوته ولا تنعكس ـ يوجب أن الشمس لا رجوع لها ولا تنعكس في سيرها.
وكون مقام الأساس في عالم الدين محفوظاً بالحجة لا تبطل دعوته ولا تنعكس ـ يوجب أن القمر لا رجوع له ولا يبطل سيره بالانعكاس فيه.
وكون الحدود قائميْن في عالم الدين بالأمر والنهي، عاكفين على مراسم الناطق، دائرين في جميع أحوالهم حيث دار ـ يوجب أن الكواكب المؤثرة في عالم الطبيعة تدور حول الشمس (حالة) كونها متعلقة بها.
وكون الحدود، في تعليمهم المستجيبين وتعريفهم أمرَ أديانهم، إذا انتهوا فيه معهم إلى مراتب العقول الإبداعية والانبعاثية التي هي غاية الموجودات التي تحصرها مراتب الأعداد الاثنى عشر، ولم تكن لهم قدرة على تصوير تلك الأشياء في أنفس المتعلمين، رجعوا في تفهيمهم ذلك والتمثيل لهم إلى مرتبة الناطق ومقامه الثابت في عالم الدين والأنفس، وبيّنوا لهم مراتب تلك الأشياء المقولة من هذه الأشياء المحسوسة المعلولة ليسهل عليهم معرفتها فيستقيم لهم الأمر في التعليم ـ يوجب أن للكواكب رباطات من الشمس إذا انتهت بسيرها إليها التي أكثرها مائة وعشرون درجة، التي هي اثنا عشر عقداً وأقلها عشرون درجة التي هي عقدان، وعجزت عن إتمام أفعالها ببعدها ـ رجعت

1023

إلى لقاء الشمس في الاستمداد منها لإكمال ما سبق من تأثيرها فيه.
وكون الناطق والأساس والإمام والحدود دونهم أفلاكٌ ونجومٌ نفسانية بها توجد المواليد الروحانية في عالم الدين ـ يوجب أن الأجسام العالية هي الأفلاك (وأن ثم) نجوماً جسمانية بها توجد المواليد الطبيعية في عالم الجسم.
وكون الولاية في عالم الدين أمراً يُسْعِد الدعاة الفضلاء القائمين بالعبادتيْن جميعاً ويزيدهم مرتبة وشرفاً في المعاد باكتسابهم فيها بتعليم الأنفس وبهدايتها طريق السعادة، ويُشْقِي دعاة السوء الجهال المخلّين بالعبادتيْن أو إحداهما، ويزيدهم ضَعةً وهبوطاً وشقاوة في دار المعاد باكتسابهم فيها ـ بتعليم الأنفس ما ليس من الدين والعدول بهم عن طريق الحق ـ الشقاوة(1): يوجب أن في الفلك موضعاً يسعد الكواكب السعيدة بزيادته في سعادتها، وينحس المنحوس منها زيادةً في نحوسها، وهو الرأس عند المنجمين.
وكون العقول في عالم الدين أمراً يضع من منزلة الدعاة الفضلاء والعلماء والحدود القائمين بالعبادتيْن المتصرفين على الأمر والنهي، وينقص من شقاوتهم الأبدية بتعطلهم عن التعليم وقعودهم عن الهداية والتفهيم الذي هو طريق الاكتساب، وينقص من شقاوة الجُهّال منهم والمنافقين الذين ينصبون أنفسهم بغير أمرٍ للرياسة والتعليم بتعطلهم عن اكتساب ما يزيدهم شقاوةً في الآخرة بتعليمهم ما لم يُؤمروا به وتكلفهم في الدين ما لم يُكَلَّفوا ـ يوجب أن في الفلك موضعاً بإزاء الموضع الذي يعطي السعود زيادة سعادة، والنحوس زيادة نحس، وقبالته موضوع ينقص من سعادة الكواكب السعيدة، وينقص من نحوس الكواكب النحسة، وهو الذَّنب.
ــــــــــــــ
(1) مفعول به للمصدر: اكتسابهم.

1024

وكون ما جاء به النبي (ص)، وآله: من الكتاب والشريعة ومراسم العبادة بالعمل كالجسم من عالم الدين، والقائمين فيه من الحدود كالنفس منه، وفعل كل من الشريعة والحدود القائمين بها في الأنفس المتعلمة كمالاً لها بالشرائع ورسومها بإكسابها إياها الفضائل الخلقية التي تتعلق بتقويم النفس، والحدود القائمة بها بإكسابها إياها الصور العلمية التي تتعلق بتصوير النفس واستتمام أمر عالم الدين بذلك ـ يوجب أن الأجسام العالية بصورها الفاعلة تعطي كلاً من المواليد ما به يتم وجود الأجسام بإعطائها إياها ذاتاً بها يتعلق الكمال الأول والصور الفاعلة بها بإعطائها إياها نفساً بها يتعلق كمالها الثاني في الوجود الأول، وبجميعها تم عالم الطبيعة.
وكون الأنفس في عالم النفس قابلةً كلَّ ما يلقى إليها وتُعَلّم ـ يوجب أن الأجسام السفلية التي دون الأفلاك مستحيلةٌ بقبولها الصور.
وكون الأنفس للحدود المعلِّمين في عالم كالهيولى يعملون فيها بإيداعها الصور العلمية فتكون عنها ملائكة دينية وشياطينُ مَرَدَة بحسب قبولها منهم ـ يوجب أن الأجسام التي تحت الأفلاك كمادة وهيولى للأفلاك والكواكب تؤثر فيها وتودعها الصور التي تليق بها فتكون عنها مواليد محمودة ومذمومة بحسب قبولها عنها.
وكون النطقاء في عالم الدين ثلاثة: منهم أوائل مثل آدم الذي هو أوّل من وضع الشريعة، ومثل نوح الذي هو أول أولي العزم، ومثل إبراهيم الذي هو أول في إكمال الدين؛ وثلاثة منهم روادف يقوم كل واحد منهم بإزاء واحدٍ منهم يجدّد شريعته ويظهر قوته ويبسط في الأنفس قدرته ـ يوجب أن الكواكب ثلاثة علوية، وثلاثة سفلية، يقوم كل منها بإزاء واحدٍ منها في قبول قوّته وفعله وبسطه في عالم الطبيعة.

1025

وكون الثلاثة التي هي روادف تمامية لأمر الثلاثة التي هي أوائل لما قام، أعني للأوائل، فعلٌ ولا حصل عنها في عالم الدين مواليد روحانية ـ يوجب أن الكواكب الثلاثة التي قامت بإزاء الكواكب الثلاثة العلوية لولاها لما وُجِد عنها مواليد في الطبيعة.
وكون مقامات الحدود محفوظة في عالم الدين والنفس لا تزول ولا تبطل ـ يوجب أن الأفلاك والكواكب كلها محفوظة من التغير(1).
ومن هذا الاقتباس الطويل يبين لنا كيف أن الكرماني ـ وهو أكبر عقلية فلسفية بين أعلام الإسماعيليّة ـ قد أوغل في التأويل حتى جعل عالم الأفلاك صورة لعالم الدين، لا العكس كما هي الحال في المذاهب الغنوصية والباطنية المختلفة. ونحن نراه في سائر فصول كتابه « راحة العقل » ـ الذي يعد حتى الآن وفيما نعرف من كتب الإسماعيليّة، أعظم كتبهم من الناحية الفلسفية ـ يفسّر عالم الإبداع بعالم الدين، دون أن يجعل عالم الدين الأصل في عالم الإبداع. ولعل السبب في أنه في هذا الفصل قد قلب الأمر، هو أن عالم الأفلاك ليس كعالم الإبداع مرتبة، بل هو، بسبب درجته من المبدَع الأول في مرتبة أقل من مرتبة عالم الدين، فكان من اليسير عليه بعد ذلك أن يجعل عالم الدين أصلاً لعالم الأفلاك، على أساس القاعدة العامة عند الإسماعيليّة والاشراقيين وهي أن الأشراف أصلٌ للأقل شرفاً.

* * *

ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 310 ـ 317. بيروت، سنة 1967. وقد عدلنا في بعض العبارات.

1026

ـ 7 ـ
النفس الناطقة

النفس الناطقة عند أرسطو وفلاسفة الإسلام هي القوة التي تدرك الأمور الفعلية المجردة. أما عند الكرماني فالمراد بهذا الوصف « كون النفس فاعلةً ما يقتضيه كمالها، عاملةً بأحكام الملة (وفي نسخة: الله) وسننها، وأنها قد استغنت وارتقت منزلتها في الاكتساب من الأمور الحسيّة، وصار ـ بدلَ ما كانت لها من الاكتساب من جهة المحسوسات ـ ما تتصوره من جهة المعقولات »(1).
فهناك نفس حسية هي عقل هيولاني، وشرفها هو في فعلها في المحسوسات الموجودة خارجها التي هي محسوسات بالقوة؛ ونفس ناطقة تتصور المعقولات الخارجة عن عالم الطبيعة. والأولى عقل بالقوة، والثانية عقل بالفعل، إذ الصور العقلية هي التي تجعل العقل القائم بالقوة عقلاً بالفعل. وأول مراتب النفس الناطقة: التخيل، وهو أقرب الأمور إلى الإحساس، إذ التخيل في الحقيقة لا يكون إلاّ من الإحساس، والاحساس يتعلق بالنفس الحِسيّة.
ويؤكد الكرماني أن النفس جوهر، وأن « كونها جوهراً هو من وجهيْن اثنيْن: أحدهما من قبيل الجاري منه مجرى الحامل، والآخر
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 467، بيروت سنة 1967.

1027

من قبيل ما يجرى منه مجرى المحمول. فأما من جهة ما يجري منه مجرى المحمول فمعلومٌ أن ما كان موجوداً فإن وجوده لأمرٍ أوجبته الحكمة، وإلاَّ كان باطلاً وجوده. ثم معلومٌ أنه موجودٌ لنفس البشر من المعارف، باكتسابها، ما لا تحتاج إليه في حفظ جسمها وطلب المصالح: مثل الإحاطة بالعلل والمعلولات، والعلم بكيفية الجواهر والأعراض وغير ذلك. فثبت كونُ ما كان موجوداً هو لأمرٍ توجبه الحكمة. وكون ما لا تحتاج النفس إليه في حفظ جسمها وطلب مصالحها ـ موجوداً لها، يوجب أن الموجود لها من ذلك لمعنىً هو لغير جسمها. إذْ لو كان لأجل جسمها لشاركته البهائمُ والسباع فيه... وإذا ثبت أن الموجود لها من ذلك المعنى هو لغير جسمها، لم تكن تلك المعارف الموجودة بعد اكتفاء جسمها بما يحصل لها أولاً من المعرفة بمصالحه ـ إلاَّ لنفسها؛ فإذا لم تكن لجسمها فهي لذاتها، وهي واردة عليها من خارجها، مقبولة في ذاتها، طارئة عليها، فهي قابلة لها. وشرط القابل أن يكون جوهراً فهي جوهر. وأما من جهة ما يجري منه مجرى الحامل، فمعلومٌ أن الموجود الأول عن المتعالي سبحانه الذي هو العقل الأول هو نهاية أولى للموجودات. وكونه نهاية أولى لا يتقدم عليه شيء فيكون به لا نهاية، يوجب كونها جوهراً ثابتاً. وذلك أنه لو كان في وجوده عن المتعالي ـ سبحانه ـ عَرَضاً، لاحتاج في وجوده إلى محل يكون منه بمنزلة المادة لحفظ وجوده، ولكان الأمر في وجود المحل له ولا وجوديته على وجهيْن موجبيْن كلاهما بطلانَ كونه عرضاً: فأحدهما أنه لو كان المحل موجوداً لكان متميّزاً في الوجود قديماً فيما لم يزل، كما يقول القائلون بقدم الخمسة(1)، ولكان لا يكون بأن يكون محلاًّ أولى مما
ــــــــــــــ
(1) مثل محمد بن زكريا الرازي، راجع « رسائل فلسفية » محمد بن زكريا الرازي، نشرة كراوس، القاهرة.

1028

عنه وُجد العَرض، بل لا يكون أحدهما بأن يكون فاعلاً أولى من الآخر، ولكان ذلك يوجب اختصاص كلّ منهما بما لا يختص به الآخر، ولكان يوجب الاختصاص تقدمَ ما يكون مخصصاً عليهما، ثم يكون الكلام عليه وعلى ما يكون محلاً كالكلام عليهما الذي يوجب تقدم مُخَصّص، إلى ما لا يتناهى الذي هو موجبُ لا وجودية للموجودات التي وجودها ناطق ببطلان ما لا يتناهى...
وثانيهما أن الموجود عن المتعالي سبحانه لو كان عرضاً، والمحل ـ الذي بمثله يتعلق وجود الأعراض لا موجوداً ـ لبَطَل وجوده، وفي بطلان وجوده لا وجودية للموجودات التي وجودها يتعلق ببطلان ما يوجب لا وجوديتها؛ وفي بطلان ما يوجب لا وجوديتها بطلان الموجود الأول عَرَضاً. والوجهان جميعاً ناطقان ببطلان كون الموجود الأول عن المتعالي سبحانه عرضاً. وإذا كان باطلاً كونه عرضاً لما فيه من المحال الذي تردُّه العقول الصحيحة فواجبٌ كونه جوهراً. وإذا كان جوهراً بكونه نهاية أولى، كانت نفس البشر وجودُها وجوداً أخيراً، لا بعدها موجودٌ آخر في الترتب وكانت نهاية ثانية للموجودات وخاتمة لها. وكونها نهايةً ثانية يوجب كذلك كونها جوهراً لا عرضاً. إذ لو كانت عَرَضاً لكانت غير مجانسةٍ لتلك النهاية الأولى... فهي جوهر وغاية انتهت الطبيعة إليها في فعلها »(1).
ولنفس البشر في وجودها مرتقية إلى نهايتها مراتب: فهي في الرتبة الأولى حياة نامية لا حسّ لها؛ وفي الرتبة الثانية تصير حساسة؛ وفي الثالثة تصير قادرة على الموازنة والمقابلة والاستدلال والتخيل، وذلك حين تصير مفكرة في الأمور وباحثة عن عللها؛ وفي الرابعة تكون ذات قدرة على تصور الأمثلة القائمة للعقول المفارقة، وعلى تصور
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 475 ـ 477.

1029

وجود الموجودات في وجودها إبداعاً وانبعاثاً أولاً وآخراً، فيتقد في ذاتها نورُ العقل؛ وفي الخامسة تصير عقلاً مفارقاً، وذلك حين تنفتح لها أبوابُ الحكمة وتستغني في أفعالها عن الغير، فتنتهي حينئذ في ذلك، فلا تكون لها بعده رتبة ترتقيها. وعلى عادته ينتهي الكرماني بوزن ذلك بميزان الديانة، مما لا حاجة إلى ذكره لعدم أهميته من الناحية الفلسفية(1).

بقاء النفس الناطقة

والنفس الناطقة باقية، و« سبب بقائها أن الموصوف بالأزل. والبقاء هو حظيرة القدس التي هي مجمع العقول الإبداعية والانبعاثية التي جعلها الله ـ تبارك وتعالى! ـ كذلك. ولا بقاء للنفس ولا ارتقاء لها إلى درجة العقول الإبداعية والانبعاثية إلاّ بالانتساب إلى حظيرة القدس والتعلق بها وقبول فيضها(2) قبولا تنقلب به ذاتها عقلاً. فتلك القوى والبركات المفاضة المقبولة هي التي تصير النفس في انقلابها كاملةً كالنار للفحم كما قلنا، وكالخمير للعجين مثلاً، فتجعلها كما فاضت منه عقلاً، وتحفظها من الاستحالة، وتصلها به، فتبقى البقاءَ الدائم، وتحيا الحياة الأبدية التي هي الدوام في الوجود. فهي السبب القريب الثاني وتلك العقول الإبداعية والانبعـاثية التي تفيض منها البركات ساريةٌ قواها في الموجودات باعتنائها بأمر عالم الطبيعة »(3).
ــــــــــــــ
(1) راجعه في « راحة العقل »، ص 482 ـ 484، بيروت سنة 1967.
(2) الفيض هنا وعند الإسماعيليّين هو: المدد، ولا شأن له كما رأينا بالفيض بمعنى الصدور في مذهب الأفلاطونية المحدثة وعند الفارابي وابن سينا.
(3) الكرماني: « راحة العقل »، ص 496.

1030

والنفس الناطقة الباقية هي تلك التي تجتهد في الأمور التي تُكْسِبها السعادة، والتي تستفيد العلم من ذوي الوحي، وتواظب على الأمور المكتوبة في الملة الشريفة، حتى تكون كاملة الفضيلة.
وينكر الإسماعيليّة مبدأ التناسخ، وقـد رد عليه وبيّن فسـاده الكرمـاني في كتـاب « الرياض » وفي « ميزان العقل »، وأشار إلى ذلك في « راحة العقل » (ص 510 ـ 511). ولا نجد في أي كتاب من كتب الإسماعيليّة أية أشارة إلى أن الإسماعيليّة قالوا بالتناسخ. وإنما الذي قال به، كما رأينا، هم أصحاب عبد الله بن معاوية، والسبأية، والمخمّسة من أصحاب أبي الخطاب، وأصحاب بشار السعيري (العلبائية) ـ وهم من غلاة الشيعة.

* * *

1031


عالم الدين

ـ 1 ـ
الوحي

والوحي عند الإسماعيليّة هو « ما قَبلتْه نفسُ الرسول من العقل، وقَبِله العقلُ مِنْ أمر باريه، ولم يخالفه علم تؤالفه النفسُ الناطقة بقواها... والفرق بين الوحي وغيره من سائر العلوم أن الوحي يَرِد، على من يُوحى إليه، مفروغاً منه قد استغنى عن الزيادة فيه والنقصان منه »(1).
ويعرّفه الكرماني بأنه « اسمٌ لما يُعْلَم كلياً من غير تفسير وتفصيل. وينقسم قسميْن: أحدهما ما يُعْلَم لا بواسطة، والثاني ما يُعْلَم بواسطة محسوسة. فالذي يُعْلَم لا بواسطة محسوسة هو الذي يكون
ــــــــــــــ
(1) علي بن محمد الوليد: « تاج العقائد ومعدن الفوائد »، ص 47. بيروت سنة 1967.

1032

يعلو الجد، فيحصل للنفس بما يجيؤها من نور دار القدس من جهة المَلَك المتمثل بشرر النار. وذلك أعلى المراتب كلها من وجوه المعارف. وأما الذي يُعْلَم بواسطة محسوسة فينقسم قسميْن: أحدهما خاصٌّ، وهو ما يُعْلَم من جهةٍ تختص بالنفس المبعوثة صورة بإدراكها إياها حسّاً من غير مشاركة غيرٍ فيها، مثل المَلَك الذي يتمثل لها صورةً عن حصول المعاني الكلية المعرّاة من المواد من خارجها وحياً في الذات... فتراها بالحسّ وتخاطبها، وغيرها لا يراها ولا يحسّ بها، وذلك هو الخيال. وثانيهما: وهو ما يُعْلَم من وجوهٍ تشترك فيها بالاحساس النفسُ المؤيدة المبعوثة، وتنفرد بمعرفة المنطوي فيها من المعالم كلها النفسُ المبعوثة والمقتفون آثارها، مثل الذي يعلم من جهة المحسوسات بالموجود فيها من آثار الحكمة والصنعة وأحكامها اللازمة لها والطارئة الناطقة عن ذاتها وإنْ كانت ساكتة، المنبئة له وإنْ كانت صامتة، المعرّفة به وإنْ كانت غير عارفة ـ وذلك هو الفتح »(1).
فللوحي مراتب، أعلاها شبيه « بالشرر الذي يضيء الذات الشريفة بنور القدس المتصل بها من خارجها، الجاري منها مجرى الضوء الذي به تبصر العين حقائق الألوان والأشكال »(2).
والتعليم الإلهي له ثلاثة وجوه: الوحي، والخطاب من وراء حجاب، والخيال. وهذا الأخير هو إرسال رسولٍ يتمثل بَشَراً سوياً هو الروح الأمين المُسمّى بجبرائيل.

* * *
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 559، بيروت سنة 1967.
(2) الكتاب نفسه، ص 561.

1033

ـ 2 ـ
النبوة والرسالة والولاية

والرسالة على ضربيْن: خاصة، وعامة، فالرسالة العامة شاملة طبعاً وعقلاً. ولولا الرسالة العامة، لم تقبل الرسالة الخاصة. والرسالة العامة يقصد بها الفطرة السليمة التي أوجدها الله في الإنسان بعامة. والرسالة الخاصة هي التي يكلف الله بها نفراً مخصوصاً مؤهلاً لأدائها، وغايتها وضع الشرائع التي فيها مصلحة الناس، والنفع العام.
ومن يختـاره الله للرسالة الخاصة يُسمى رسولاً؛ ورسول الله هو مبعوثه إلى الخلق، « وحُجّته على أهل زمانه، وهو لسانه فيهم، وترجمانه في العالم السفلي بأسره، والمتبحر أبداً في الحكمة والمبيّن لها. ولولاه لما وصل الناس، بمجرد عقولهم، إلى باب واحدٍ من أبواب الحكمة »(1).
ولا بدَّ أن يكون تامّاً مؤيداً تامّاً من الله فاضلاً، وأنْ يكون جيد الحفظ لما يراه الخاطر والعين، جيد الفطنة والذكاء والتوقد، جيد العبارة والخطاب، سليم الأعضاء، عظيم النفس، محباً للعدل، مبغضاً للظلم، مقداماً في الأمور. وأتباعه الموالفون له أخيار، ومخالفوه أشرار. وأصحابه « المختصون به، خزان سرّه، وأبواب حكمته
ــــــــــــــ
(1) علي بن محمد الوليد: « تاج العقائد ومعدن الفوائد »، ص 50.

1034

ومن يحتاج إليهم في إقامة أمر الله تعالى ونهيه لا يتجاوز عددهم اثني عشر، بكونهم في وجودهم له كالأنثى عشر في الموجودات في العالم الكبير والصغير. وكذلك كان لكل نبيٍ مبعوثٍ هذا العدد: لموسى عليه السلام اثنا عشر نقيباً، ولعيسى عليه السلام اثنا عشر نقيباً حوارياً، ولمحمد صلى الله عليه وآله اثنا عشر صاحباً؛ ولآدم ونوح وابراهيم من قبلُ، كذلك لكل واحد منهم اثنا عشر حَمَلة علمه والقائمون بأمره، والقابلون أنوارَ حكمته. ولكلٍ منهم درجة ومنزلة وحقٌّ لا ينكر. وأعلاهم درجةً وأقربهم إليه رتبةً مَنْ كان منهم أكثر تشابهاً؛ وأكثر مناسبة فيما خصه الله تعالى من الفضائل، وأكثر قبولاً لأمره ونهيه، وأكثر اهتزازاً لما سَرّه في أمره وساءه... والأوْلى بمقامه بالخلافة عنه، وبالنص عليه في ذلك: مَنْ كان في هذه المنزلة، فيكون جامعاً لتلك الأمور بتهذيبه من جهة واستفادته منه ما يتم به أمره في رياضة الأمة وسياستها بعده؛ ـ حكيماً عليماً بما جاء به من الملة وأحكامها، حافظاً له على سننها على كثرتها، تابعاً له فيما أمر ونهى وغير مخالف؛ ـ جيد الرأي والروية والقوة في أمور الحرب ومباشرتها، جيد التأني في الأمور الحوادث، داعياً إلى قانون الأصل بجودة الهداية، مبيّناً ما كان مجملاً من أقواله، دالاّ على الحكمة مما كان منه مِنْ أفعاله، كاشفاً عن وجه العلوم المستكنّة في شرائعه ومناسك مِلّته، معلِّماً ذلك للطالبين من أمته، قاضياً للحق فيها، صابراً في حفظ نظام أمره على ما ساءه وعلى ما سرّه »(1).
وواضح من سوق هذه الأوصاف أن المقصود بها عليُّ بن أبي طالب، ولهذا يعقب الكرماني على ذلك فيقول: « ولذلك اختار محمد (ص) وآله عليّاً بن أبي طالب ـ صلى الله عليه ـ بعده للقيام؛
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 574 ـ 575.

1035

فنصّ عليه، وسَلّم أَمْرَ أمّته إليه، لكونه عالياً في كل الأحوال، متقدماً عليهم (أي على سائر المسلمين). فكانت مرتبته بعده عليه السلام مرتبة الخلافة التي هي القيام مقامه في كل ما كان متعلقاً به في أمر الدعوة العملية في إقام الأمر فيما فوّض إليه من أمر الدعوة العملية، التي بيّنها النبي، (ص) وآله، بقوله: « أنا مدينة العلم وعَلِيٌّ بابها. فمن أراد العلم، فليأتِ الباب ».
وبعد أن قرر أن الخلافة للنبي مباشرة هي لعليّ بن أبي طالب، وذلك بالأحقية وبالنص معاً من الرسول (ص)، أتبع ذلك بأحقية آل البيت بالخلافة بعد عليّ، فقال: « ثم القائمون مقامهما (مقام محمد وعليّ) في حفظ دعوتيهما العلمية والعملية، وهم الأئمة عليهم السلام. ولكلٍّ (منهم) تأييد من السماء ».
ولكن الكرماني لا يستطيع أن يتابع تسلسل الأئمة ـ على النحو المشاهد عند الاثنا عشرية ـ وإلاّ لما كان إسماعيلياً، فيقول بعد ذلك مباشرة: « ويختص كل سابع منهم بقوةٍ لا تنكر، وتأييدٍ من السماء لا يستحقر، بموازنته عدداً شريفاً(1)، فيكون متمماً لدورٍ صغير في الدور الكبير الذي هو دور النطقاء، صلوات الله عليهم، المبعوثين. (وهذا السابع) يجري في مرتبته ـ التي هي القيام بحفظ العبادتيْن ظاهراً وباطناً، وارثاً مقام النبي، صلى الله عليه، والأساس منهما، وإنْ كان غير مواصلٍ بالوحي الأعلى، التي هي مرتبة المبعوثين ـ مجرى الأساس القائم مقامه المبعوث المؤيد المُوَفّر حظُّه من البركات القدسية »(2). ثم يتلو الكرماني ذلك بتفسير لآية النور: « الله نور السموات والأرض... » (سورة 24 آية 35) على هذا الأساس.
ــــــــــــــ
(1) أي لأنه مناظر للعدد الشرف: سبعة...
(2) الكرماني: « راحة العقل »، ص 575 ـ 576.

1036

وواضح من هذا أن الإسماعيليّة يقررون ما يلي:
1 ـ أن النبي محمداً (ص) هو الناطق، وهو في أعلى المراتب.
2 ـ وأن علياً بن أبي طالب هو وصيّه وخليفته الساهر من بعده على شريعته، والمفسّر لما أشكل من مسائلها، والمفصّل لما ورد مجملاً فيها؛ وأن أحقية عليّ في الخلافة نصّ عليها النبي محمد (ص)!
3 ـ وواضحٌ من هذا طبعاً أن مقام عليّ أدنى من مقام النبيّ.
4 ـ وأن صاحب الحق في الخلافة بعد عليّ بن أبي طالب هم ذرّيته، وهم الأئمة؛
5 ـ وحتى الآن تتفق الإسماعيليّة مع الاثنا عشرية، وبعد ذلك يبدأ الخلاف في تحديد من هو الإمام السابع: فالاثنا عشرية يرفضون سوقها، بعد الإمام السادس: جعفر الصادق، إلى ابنه إسماعيل لأنه توفي في حياة أبيه، ويسوقونها بعد جعفر الصادق إلى موسى الكاظم؛ بينما يقول الإسماعيليّة بأن الإمام بعد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه، إذ هو أكبر أولاده، فهو الأحق بالإمامة؛ ثم يسوقونها بعد ذلك في أولاد إسماعيل، على أساس أن إسماعيل هو سابع الأئمة، وهو بهذا متمم لدور صغير في الدور الكبير، وابتداءً من ابنه محمد يبدأ دور صغير آخر.
6 ـ ومن ثمّ يقول الإسماعيليّة ـ وهو ما ينكره عليهم الشيعة الاثنا عشرية: إن الإمام محمد بن إسماعيل هو الناطق السابع؛ والإمام الناطق السابع ناسخ عهد، وفاتحٌ لعهد جديد؛ وهو صاحب شريعة. ولكن ليس معنى أنه ناسخ عهد: أنه ناسخ شريعة؛ فهو لا ينسخ شريعة محمد (ص)، بل يؤكدها، ويظهر باطنها، بمزيد من التأويل والكشف عن حقيقة التوحيد. فهو، كما قال الإمام المعزّ لدين

1037

الله الفاطمي، « عُطِّلَت بقيامه ظاهر شريعة محمد، لمّا كان لمعانيها مبيناً، ولأسرارها كاشفاً ومُجَلّياً ». فالنسخ يتعلق بظاهر الشريعة، لا بباطنها.

الولايـة

ويعزو الشيعة الاثنا عشرية والإسماعيليّة أهمية خاصة إلى فكرة الولاية.
وهم يعرّفون « الولاية » بأنها سرّ النبوة وباطنها. ولهذا فإنَّ الولاية تُعدّ بالغة الأهمية.
والولاية إما كلية، أو خاصّة. فالولاية الخاصة تجلّت في كل أولياء الله الذين سمّوا أنبياء. أما الولاية الكلية فقد تجلّت في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب؛ وينسبون إليه أنه قال: كنت ولياً وآدم بين الماء والطين. ولهذا ينعتون علياً بأنه خاتم الولاية الكلية، كما كان محمد (ص) خاتم الأنبياء.
والنبي، قبل أن يصل إلى مرتبة النبي المرسل أو الرسول، ينبغي عليه أن يمرّ بمرتبة الوليّ، على أن النبي الرسول يجمع في نفسه بين الصفات الثلاثة: الولاية والنبوة والرسالة، ويرسمون هذا على الشكل التالي:

1038



الرّسالة
النبوّة

الولاية




وأولو العزم من الرسل، أي أهل العزيمة الصادقة من الرسل، هم خمسة: نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، محمد؛ إذْ كلُّ واحد منهم أتى بعزم وشريعة ناسخة لشريعة مَنْ تقدمه. وقِيل إنّهم سُمّوا أولي العزم لأنه عهد إليهم في محمد (ص) والأوصياء من بعده والقائم وسرّه، فاجمع عزمهم على أن ذلك كذلك. وقيل أولو العزم أي « أولو الجدّ والثبات ». ومصدر التسمية ما ورد في الآية: « واصبر كما صبر أولو العزم من الرسل » (الأحقاف آية 35).

* * *

1039

النطقاء

والنطقاء عند الإسماعيليّة سبعة؛ ولما كان لكل ناطق أساس، فالأسس السبعة ـ هكذا:
1 ـ آدم، وأساسه شيث.
2 ـ نوح، وأساسه: سام؛ وضده: عوج بن عنق؛ وقام عن أمر إمام زمانه: هود.
3 ـ ابراهيم، وأساسه: إسماعيل؛ وضده: النمرود بن كنعان وقام عن أمر إمام زمانه: صالح.
4 ـ موسى، وأساسه: هارون؛ وضده: فرعون.
5 ـ عيسى، وأساسه شمعون الصفا؛ وقام عن أمر إمام زمانه: خزيمة.
6 ـ محمد (ص)، وأساسه علي بن أبي طالب؛ وكان له ضدان: أبو لهب وأبو جهل.
7 ـ إسماعيل بن جعفر الصادق وأساسه قدّاح الحكمة.
وقد اختلف الرازي والسجستاني والكرماني حول مسألة: هل كان لأول النطقاء، آدم، شريعة أو لم يكن.
فقال أبو حاتم الرازي إنَّ من زعم أن أول النطقاء لم تكن له شريعة فقد غلط، وذلك لأنه إنما استوجب اسم الناطقية لتأليفه الشريعة، ولولا ذلك لما اعتبر من النطقاء، ولا استوجب إقامة أساس يدعو إلى توجيه الله. وقد احتج لذلك بقوله تعالى: « واتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحق، إذ قرّبا قرباناً فتُقُبِّل من أحدهما ولم يتقبّل

1040

من الآخر » (سورة المائدة آية 27). فذكر أن القربان لا يكون إلاَّ من رسوم الشرائع.
فيرد عليه السجستاني في كتاب « النصرة » قائلاً إنه « ليس الأمرُ في تأويل هذه الآية كما ظُن، لأنه لو كان القربان في الموضع هو ما لا يكون إلاّ في الشرائع الظاهرة: من ذبح الأغنام والابل، لكان كما ذكره. لكن أمر القربان في هذا الموضوع هو ما لا يكون في الشرائع، وهو إقامة الحجج من تحت أيديهم ومَنْ يقوم مقامهم إذا فارقوا العالم. فهذه القصة ظاهرٌ تأويلها عند الحكماء. ولو أنه قرأ هذه القصة إلى آخرها لبان له أن آدم ـ عليه السلام! ـ لم تكن له شريعة، إذْ أن أحد ابنيْه لم يوارِ سوأة أخيه ولم يُحْسِن ذلك حتى بعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه. فإن مواراة الميت ودفنه، من أي الوجوه كانت، هي من الشرائع. ولو كان لآدم شريعة، لما كان يخفى عليه مكانها »(1).
والكرماني يوفق بينهما قائلاً إن ما يقوله السجستاني لا ينقض كون آدم كان ذا شريعة.
أما عن الدور فالـدور دوران: دور كبير، ودور صغير. « فالدور الكبير للنطقاء الذين يحفظ مكانهم الأئمة بعدهم في أمّتهم، والدور الصغير للأئمة المتمّين الذين يختمون الأسابيع »(2).
* * *
ــــــــــــــ
(1) حميد الدين الكرماني: « الرياض في الحكم بين الصاديْن: صاحب الإصلاح وصاحب النصرة »، ص 178 ـ 179. بيروت، بدون تاريخ.
(2) الكتاب نفسه، ص 206.

1041


الواجبات نحو الأئمة

ألزمَ الإسماعيليّة أتباعهم بواجبات نحو الأئمة، صادرة عن تصورهم لدورهم وحقيقتهم. وقد أفرد لبيانها القاضي النعمان بن محمد المغربي كتاباً بعنوان: « الهمّة في آداب اتّباع الأئمة »، نجمله فيما يلي:

1 ـ الوفاء بعهود الأئمة:
إنَّ عهد الأئمة هو عهد النبيين، وهو عهد الله. ولهذا فإنَّ إطاعة الإمام في مستوى إطاعة الله ورسوله. وإذا أطاع المرء الله ورسوله بزعمه وعصى إمامه أو كذّب به، فهو آثم في معصية ولا تقبل منه طاعته لله وطاعته لرسوله، لأن الله جمع تلك الطاعات معاً، وافترضها معاً، وَوَصلها ولم يجزئها، وجمعها ولم يفرّق بينها. وبالوفاء بعهد الله وعهد أنبيائه وأوليائه، وهم الأئمة، يستحق المؤمن اسم الإيمان، ويستوجب الثواب الذي وعد الله به في كتابه؛ وبنكث عهدهم واطّراحه يستحق الناكثون عذابَ الله ويخسرون رحمته.
ورعاية الحدود والوفاء بالعقود لا يكون إلاَّ بعد علم بما أُخذت عليه وعقدت فيه وحفظه والقيام بواجب فرضه.

1042

2 ـ توقير الأئمة:
ويجب توقيرهم. فيما يجب لرسول الله (صلى الله عليه)(1) من التعظيم والتوقير على أهل عصره « يجب لكل إمام على أهل دهره، إذ كانت طاعتهم مقرونة بطاعته، وإن عَلَتْ منزلة النبي (صلع) وارتفعت درجته، لارتفاع درجة الرسالة على درجة الإمامة. فإن تعظيمهم من تعظيم الله جلّ وعزّ الذي أقامهم لخلقه، كما كانت طاعتهم موصولة بطاعته، ولأنه جعلهم القائمين بأمره والدعاة إليه وأهل الدلالة عليه. فينبغي لكافة الناس تعظيمهم وإجلالهم في أعينهم وصدورهم، والتذللُ والتواضعُ لهم، ورفعُهم في القلوب والأبصار عن أقدار ملوك الدنيا وجبابرتها، وإحلال مهابتهم في النفوس فوق محل سلاطين الدنيا فيها، واعتقادُ ذلك التعظيم والإجلال والهيبة والإكبار لله الواحد القهّار، لمكانتهم منه وجلالتهم لديه. وإذا نظر أهل الدنيا إلى ملوكهم بعين تعظيم ما عندهم من حطامها وهيبة مخافتهم من سطواتهم فيها، فلينظر أتباعُ الأئمة وأولياؤهم إليهم بعيون من يرى عظمة الإمامة منهم، ويعرف سيماءَ الحكمة في وجوههم، وينظر إلى هيبة سلطان الدين لديهم، وينزلون في قلوبهم بمكانهم من الله، ويشعروا مخافتهم منه في ترك ما أوجب من تعظيمهم، ويخافوا تضييع ذلك على أنفسهم(2) ».
وهم من أجل هذا يؤولون الآية: « أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
ــــــــــــــ
(1) يُلاحظ أن الإسماعيليّة لا يضيفون: « وسلم » إلى هذه الصيغة، ولهذا يختصرونها هكذا: « صلع »، لا « صلعم » كما يفعل أهل السنة، وفي العادة يقولون: صلى الله عليه وعلى آله.
(2) القاضي النعمان بن محمد المغربي: « الهمة في آداب اتباع الأئمة »، ص 45، نشرة د. محمد كامل حسين، القاهرة بدون تاريخ.

1043

وأولي الأمر منكم » (سورة النساء آية 59) على أساس أن المقصود من أولي الأمر هم الأئمة بالمعنى الإسماعيليّ.

3 ـ إخبارهم بأحوال أنفسهم وسؤالهم والاستغفار لهم
كذلك يجب على المؤمنين أن يخبروا الإمام بأحوال أنفسهم، وأن يسألوهم في شئونهم وأن يلتمسوا لديهم الاستغفار عند الله مما يرتكبون من آثام. ذلك أن الله جعل الأئمة أبواباً لرحمته تعالى وأسباباً لمغفرته. فمن خالف الله في شيء فعليه أن يأتي الإمام ويرفع الأمر إليه تائباً متنصلاً مما صار إليه، مستغفراً مما ارتكب من ذنوب في حق الله، مستشفعاً إلى الله بإمام دهره من هذه الذنوب. لقد قال جعفر بن محمد الصادق: « نحن أبوابُ الله وأسبابه لعباده. ومَنْ تقرّب منا قرب، ومَنْ استشفع بنا شُفع، ومَنْ استرحم بنا يُرحم؛ ومَنْ أعرضَ عنا ضل(1) ». فمن أراد غفران الله فليلجأ إليه من أبوابه، وهم الأئمة.
وبهذه المناسبة يثير القاضي النعمان مسألة: هل يعلم الأئمة الغيب؟ ويقرر تقريراً قاطعاً ضد من يسميهم « الغلاة الضالّين » أن الأئمة لا يعلمون الغيب، لأن الله قال: « قُلْ لا يعلم مَنْ في السموات والأرض الغيبَ إلاَّ الله » وقال لنبيه: « قلْ لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضرّاً، إلاّ ما شاء الله. ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسنّي السوء » (سورة الأعراف آية 188). فإذا كان النبي لا يعلم الغيب، وهو فوق الأئمة، فبالأحرى والأولى ألاَّ يعلم الأئمةُ الغيب. كل ما هنالك أن الأئمة « يعلمون ما غاب عن الخلق ـ سواهم
ــــــــــــــ
(1) أورده القاضي النعمان في الكتاب المذكور، ص 51.

1044

ـ من العلوم، وينظرون بنور الله جلّ ذكره، وأنه يمدهم بتوفيقه ويهديهم بهدايته، ويطلعهم على ما سألوه أن يُطْلِعهم عليه بلطيف تدبيره وحكمته وفضله عليهم ونعمَته، كما جاء عن رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله ـ: « إن المؤمن ينظر بنور الله » ـ وهو الإمام صلوات الله عليه. فإن قال قائل إن ذلك لكل مؤمن ـ فَنَظرُ الإمام بعد رسول الله أفضل لأنه فوق جميع المؤمنين »(1) ـ أي أنه إذا كانت هذه النعمة grâce يتفضل الله بها على كل مؤمن، فكم بالأحرى تكون لمن هو فوق جميع المؤمنين، وهو الإمام!

4 ـ الصبر على ما يمتحن به الأئمة أتباعهم، والشكر لما يولون من نِعَم
ومن الطاعة للأئمة الصبر على ما يمتحنون به من نوائب فيما أرادوهم لهم وندبوهم إليه واستعملوهم له.
كذلك ينبغي على المؤمنين شكر الأئمة على ما يولونهم من نِعَم؛ إذ بالشكر تدوم النعم، ويرجى المزيد للشاكرين. إذ الأئمة يولون أتباعهم ما لا يحصى من النعم: إذ يحيون وليهم من موت الجهل بالحكمة، ويبصّرونه بعد عمى الجهل، ويستخرجونه من الظلمة إلى النور، ويستنقذونه من النار، ويحلونه محل الأبرار. هذا بالنسبة إلى الأئمة عامة، أما بالنسبة إلى الأئمة أصحاب السلطان، فهم يشملون رعاياهم بغامر الفضل والاحسان: « من ذلك أنهم (أي الرعية) يُمْسون ويصبحون في أسرابهم وادعين آمنين، قد كفّوا عنهم أيدي المعتدين، وَحَموْهم مِنْ تطاول المفسدين، ودافعوا
ــــــــــــــ
(1) الكتاب نفسه، ص 53.

1045

عنهم الأعداء المتطاولين، بمهج أنفسهم وما خوّلهم الله من أموالهم » (الكتاب نفسه، ص 58).

5 ـ الجهاد مع الأئمة
الجهاد في سبيل الله مع أولياء الله ومَنْ أقاموه من عباده ـ فرضٌ من الله في أرضه بين عباده، لأنه جهاد في سبيل الدين والتوحيد والإيمان.
على أن للجهاد مع الأئمة حدوداً وشروطاً « جماعُها تقوى الله وطاعة الأئمة ومَنْ نصبوه، وبذلُ النصيحة، والاجتهاد في اجتياح أعداء الله والتسليم لأوليائه، والعمل بطاعة الله، وحفظ حدود الله ».
وأساس الجهاد الطاعة والصبر: الصبر عند مصاولة العدو، والصبر على الباساء والضرّاء في السير والمقام؛ والطاعة للأئمة ومَنْ أقاموه لهم وأمّروه عليهم، ما دام على طاعة الله، فإن عصى الله وعصى الأئمة فلا طاعة في المعصية.

6 ـ التسليم في جميع الأمور إلى الأئمة
وعلى المؤمنين أن يسلموا الأمر للأئمة قوة وفعلاً، واعتقاداً ونية. ذلك أن الله سبحانه لا يجري على يدي أوليائه عقوبةً إلاّ لمن استحقها، ولا أمراً إلاَّ ما يرضاه.

7 ـ الخوف من الأئمة والحذر من عقوبتهم وسقوط المنزلة عندهم
و« ينبغي لمن عرف الأئمة أن يخافهم كما يخاف ربه، ويتقيهم

1046

كما يتقي الله، إذ كان الله ـ عزّ وجلّ! ـ قد قرن طاعتهم بطاعته، وجعلهم الوسائط فيما بينه وبين خلقه، والشهداء على عباده. فرضاهم موصول برضا الله، وسخطهم معقود بسخطه، وبهم يثيب وبهم يعاقب. قال جعفر بن محمد... بنا يُعبد الله، وبنا يُطاع الله، وبنا يعصى الله. مَنْ أطاعنا فقد أطاع الله، ومن عصانا فقد عصى الله. سبقت طاعتنا عزيمة من الله إلى خلقه أنه ألا يقبل من أحدٍ عملاً إلاَّ بنا، فنحن باب الله وحجته وأمناؤه على خلقه، وحفظة سرّه ومستودع علمه(1) ».
وينبغي لمن زاده الإمام منه قرباً أن يزداد له تعظيماً ومنه خوفاً، إذ في الخوف من الأئمة تعظيم لأمرهم واجلالٌ لقدرهم. وأكثر من يتهاون في ذلك من يؤتى من الثقة بنفسه والاعجاب بعمله وقرب منزلته بالله. يجب أن يعلم المؤمن، مهما قرّبه الإمام، إنه ليس لأحد على أولياء الله حق ولا إيجاب، وإنما ينال ما ينال عند الإمام من منزلة تفضلاً من الله ومنة عليه. وإنما يقرّب الإنسان ويزكيه الأعمال الصالحة فقط.

8 ـ تولي من والى الأئمة وعداوة من عاداهم
يروى عن جعفر الصادق أنه قال: « لا يجتمع حبّنا وحبّ عدوّنا في قلب مؤمن ».
فالناس ثلاثة أصناف: الأول أهل ولاية الأئمة، على تفاوت في درجاتهم في ذلك الولاء؛
ــــــــــــــ
(1) القاضي النعمان بن محمد: « الهمة في آداب اتباع الأئمة »، ص 78 ـ 79.

1047

والثاني أهل عداوة الأئمة، على منازلهم في العداوة؛
والثالث: قوم مستضعفون مذبذبون لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء لا يعرفون حقاً، ولا ينكرون باطلاً »، على أنهم مع ذلك أحسن حالاً، وإنْ ساءَت أحوالهم، ممن نصب العداوة لأولياء الله.

9 ـ تحري ما وافق الأئمة والنهي عن إتيان ما خالفهم
« ينبغي لأتباع الأئمة... أن يؤدبوا أنفسهم ويأخذوها في سِرّهم وعلانيتهم بما وافق أئمتهم ويحذروا خلافهم ».

10 ـ التجرد عن الحسد والبغي والشره والحقد وسوء الظن
تكفل الله بالنصر على أهل البغي. وقد أمر الله بجهاد مَنْ بغى على الأئمة وعلى المؤمنين. والبغي يكون بالمناصبة والمحاربة والسعي والأذى. وأعظم البغي أن ينسب إلى الأئمة ما لم يفعلوه. وأعظم الحسد ما حُسِد به الأئمة. والحسد كما قال جعفر بن محمد الصادق: رأس كل خطيئة، وهو أول ذنب كان في السماء، وأول ذنب كان في الأرض، وأول ذنب كان في الإنس، وأول ذنب كان في الجن. فإبليس حسد آدم فكان ذلك سبب معصيته، وقابيل حسد أخاه هابيل لما قبل الله قربانه ولم يقبل قربان قابيل. « ومَنْ أنكر نبوة الأنبياء وإمامة الأئمة ونصب لهم وتغلب دونهم، فإنما سبب ذلك أنه حسدهم على ما أعطاهم الله، وأحبّ أن يكون ذلك له دونهم.

1048

وكذلك يجري هذا المجرى مَنْ نافس غيره في حظه فسعى في إزالته عنه » (الكتاب نفسه، ص 95). ومن كبائر الحسد حَسَد مَنْ حَسَدَ أحداً على فضل من أفضال الأئمة عليه، لأنه يدخل في ذلك ـ مع ذنب الحسد ـ ذنب الإنكار على الأئمة فعْلَهم، لأن ذلك الحاسد يرى أن الذين أنعموا عليه ليس بأهل للنعمة، وأنْ فعلهم ذلك له غير صواب.

11 ـ دفع الخمس من المكسوب إلى الأئمة
وذلك تأويلاً للآية: « وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ » (الأنفال آية 41). قـال جعفر بن محمد الصادق: « الخمس لنا أهل البيت، ليس للناس معنا فيه شيء، ونحن شركاؤهم في أربعة أخماس الغنائم فيما شهدناه معهم (أي من الحروب). والخمس لنا دونهم، نُعْطِي منه يتامانا وفقراءنا ومساكيننا وابن سبيلنا، وليس لهم ولا لنا في الصدقات شيء ». وقول الله عزّ وجلّ: « فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ » معناه أنه يراد به وجه الله وثوابه وللرسول إذا كان حيّاً. فلما قبضه الله إليه عاد ذلك إلى الإمام من أهل بيته من بعده، يُعْطِي منه قرابته وأهلَ بيته الذين يراهم لذلك أهلاً، ويصنع فيه ما أحب. فعلى جميع المؤمنين أن يدفعوا خُمْسَ ما غنموه في كل عصر إلى إمام ذلك الزمان من أهل بيت رسول الله، كما أمر الله عزّ وجلَّ بذلك، بالإضافة إلى زكاة أموالهم على القدر المعروف.
والغريب أن يفسّر جعفر الصادق « ذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل » بقصرهم على من يتصفون بهذه الأوصاف من أهل بيت النبي وأهل بيت الإمام، لا من المسلمين عامة. وقد ذهب في

1049

هذا إلى حد أن قال فيما ينقله(1) القاضي النعمان عنه: « قال جعفر بن محمد صلوات الله عليه: « أوجب الله تعالى لنا (أي أهل البيت) الخمس في أموال عباده المؤمنين وجعله لنا حقاً عليهم. فمن منعنا حقّنا ونصيبنا في ماله لم يكن له عند الله من حق ولا نصيب ».

* * *

ــــــــــــــ
(1) القاضي النعمان بن محمد المقري: « الهمة في آداب اتباع الأئمة »، ص 69، القاهرة بدون تاريخ.

1050


الأخرويات

ـ 1 ـ
أ ـ انكار التناسخ

يرفض الإسماعيليّة، كمـا قلنا، التناسخ رفضاً قاطعاً، وفنّده أئمتهم في كتبهم، نذكر من ذلك ما كتبه الكرماني في كتـابيْ « الريـاض »، و« ميزان العقل »، وكذلك في كتـاب « المقاييس ». وأشار إلى ذلك « في راحة العقل » فقال:
« وأما مَنْ يرى الجزء مثل محمد بن زكريا (= الرازي) والغلاة وأهل التناسخ، وأنه (أي التناسخ) يكون في الدنيا ـ فمن اعتقادهم: أن هذه الأنفس لها وجود قبل أشخاصها، بخلاف اعتقاد الدُّهرية وأمثالهم ممن ينحون نحوهم الذين يقولون إن وجودها بوجود أشخاصها ويقولون إنها (أي النفس) جواهر تتردد في الهياكل (= الأجسام) بحسب اكتسابها إلى أن تصفو وتعود ـ فقد أوردنا في كتابنا المعروف ? « الرياض » و« ميزان العقل » وغيرهما من رسائلنا في فساد قولهم

1051

ما يغني، سيما ما يختص بذلك من كتابنا المعروف ? « المقاييس » ردّاً على الغلاة وأشباههم. وسبيلهم في إيجاب (= إثبات) ما أوجبوه من ذلك سبيل أمثالهم ممن منعوا (= أنكروا) الجزاء أصلاً، اقتداءً بعقولهم واكتفاءً باستدلالاتهم، الذي هو منبع الضلال. فالجزاء ثابتٌ، وهو متعلق بالبعث(1) ».

ب ـ البعث

ويقررون أنَّ ثمَّ بعثاً. ويعرفونه بأنه « فعل لله تعالى ـ من جهة الملائكة المقرَّبين ـ في المبعوث الطبيعي: كمالاً له ليكون منبعثاً الانبعاث الثاني. ومعناه هو الْمَعرب عنه بالنفخ المخصوص بالقوة التي هي إفاضة على المفاض عليه الذي كان من قبل خالياً منها، فيحيا الحياة الأبدية(2) ». ذلك أن ثم نوعيْن من البعث: الأول هو النفخ الأول، ويكون في عالم الطبيعة، وينقسم إلى: ما يكون بتعليم، وإلى ما يكون بتأييد إلهي. والذي يكون بتأييد إلهي هو إسراء القوى الإلهية من عالم الملكوت في نفس المبعوث الكائن في عالم الطبيعة وسريانها فيه، فيتيسر لها جميعُ الأمور المتعلقة بالسعادات الأبدية. والذي يكون بتعليم فهو الذي يتم بواسطة المؤيدين من الله: من الأنبياء والأئمة والأوصياء.
والنوع الثاني من البعث، وهو النفخ الثاني، فهو المخصوص بالقيامة عند تكامل الأدوار السبعة واستكمال قيام العلم بالفعل، حين تتجرد الصورة بكمالها، فتسطع فيها أنوار الملكوت.
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 510 ـ 511. بيروت سنة 1967.
(2) الكتاب نفسه، ص 511.

1052

وقوله تعالى: « وَنُفِخَ فِي الصُّورِ » (سورة 39 آية 68) فيه إشارة إلى صاحب الدور السابع الخاتم للأدوار الذي به يتم الخلق الجديد يُنفَخ أولاً في دار الطبيعة بابُ الجزاء، وفي دار الآخرة ثانياً. فالبعث يتم لصاحب الدور السابع.

? ـ الحساب

والحساب تابع للبعث، و« هو فعل يحدث عنه من النفس للنفس الثواب: الذي هو الملاذُّ والمسارُّ، والعقابُ: الذي هو الألم والعذاب والغم. وينقسم هذا الفعل إلى ما يكون وجوده في الدنيا، وإلى ما يكون وجوده في الآخرة. فأمّا ما يكون وجوده في الدنيا فينقسم قسميْن: إلى ما يكون وجوده في الأنفس للأنفس عاجلاً في كل الأوقات، وهو عامٌّ؛ وإلى ما يكون وجوده في الأنفس للأنفس عاجلاً لا في كل الأوقات، وهو خاصٌّ. فأما ما يكون وجوده في الأنفس للأنفس عاجلاً في كل الأوقات، وهو عام، فهو ما يكون من جهة الأنفس في كل وقت وكل مكان عند مقاصدها في أعمالها بالمناسك الدينية المتقنة من جهة أنبياء الله ورسله عليهم السلام: مِنْ طلب عزّ وجاه وصيت في الناس بأنها سخيّة أو غنية، أو تتصور بصورة الأخبار فيجعل لها ذلك بما تعمله من التحلّي بسنن العبادتيْن، مثل المجتهد في أعمال الصلاة الذي يكون قصده المسجد الجامع لا لقربه إلى الله ولطلب وجهه والتذلل لكبريائه، ولا لإقامة رسوم الملة وقضاء ما فُرِض عليه من مناسكها، بل لأن يمشي بزيّ حسن، ولأن يقال إنه من حاله وصفته فيما يريده ويتمناه في نفسه، أو لأن يتفرّج لضيق صدره، فيحصل له بذلك ما أراده عاجلاً، فذلك ثوابه... ومثل المتهاون بأمر العبادتيْن المنجّيتيْن

1053

له بالإخلال بأوامر الله سبحانه وتعالى وسننه والإقرار بأوليائه وأنبيائه ورسله، فيشمله بذلك من الذل والصغار عاجلاً ما يحصل له من الغم والعذاب الدائم، فذلك عقابه عاجلاً دون عقابه الآجل. ـ والذي يكون وجوده فيها لا في كل الأوقات، بل هو خاص بوقت دون وقت، هو الذي يكون من جهة المبعوث المؤيد بروح القدس الذي هو صاحب الدور السابع عند اتصال القوى الملكوتية به المعرب عنه بالنفخ الثاني في يوم القيامة...
وأما ما يكون وجوده في الآخرة فهو من جهة العقول الإبداعية والانبعاثية بما يسري من روح القدس في الأنفس الحاصلة من حضانة التعليم بظهور النفس الزكية صاحب الدور السابع في العالم الطبيعي واستكمال الأسباب، أسباب السعادات، له طبيعياً وملكوتياً، قياماً بحكم العلم بكل صورة بما لها وعليها، بحسب ما جرى به الحكم من جهة الله في دار حكمته، مثلاً بمثل، فيسعد السعيد ويشقى الشقيّ »(1).
ويذكر الكرماني(2) عن الحاكم بأمر الله الفاطمي أنه قال: « إن الذنوب والمعاصي، التي ترتكبها النفس في دنياها ـ لولا تشاغلها بأمور جسمها في استعمال الآلات التي لها في طلب مقاصدها ومطالبها وإلهاء الأَشْغال عنها ـ لكانت تجد الألم في الوجع في ذاتها بواقع أفعالها ». فعدم شعور النفس بالآلام بسبب ما ترتكبه من المعاصي مرجعه إلى انشغال النفس بالمشاغل التي تلهيها عن الشعور بنتائج سيئاتها.
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 516 ـ 519.
(2) الكتاب نفسه، ص 522.

1054

د ـ الجنة والنار

الجنة سرمدية أبدية، وفيها كل الملاذ؛ وهي لا تستحيل ولا تتغير ولا يطرأ عليها تبدل. وما كان بهذه الأوصاف فهو النهاية الأولى من الموجودات عن الله تعالى.
وأسماؤها كثيرة بحسب مراتبها حول العرش: فتسمى جنة المأوى باعتبارها مأوى المثابين من العقول المنبعثة في دار الطبيعة والأنفس العاقلة المتخيلة وهي مجمعهم، وفيها المتّقون؛ وهي المُعْرَب عنها بأنها عند سدرة المنتهى، خارج الأجسام في جوار المَلك المقَرَّب الموكول إليه أمرُ العالم الذي به تتعلق الأنفس. ـ وتسمى أيضاً: دار القدس.
أما نعيم الجنة فيؤوله الإسماعيليّة تأويلاً روحياً خالصاً لا مجال فيه للذات الجسدية أيا كان نوعها. ذلك أن النفس بعد أن تصل إلى الجنة بصفائها وتنزهها « تبطل منها أفعال ومعارف كانت لها في دنياها لأجل جسمها الذي فارقته، وتكون أفعالها ما تقتضيه ذاتها بكمالها...: من تعظيم الله وتسبيحه، ولا يكون لها فعل (من نوع ما كان لها)... في دار الطبيعة، فإنَّ ذلك كان لها من كونها في دار الطبيعة لها زيادة التكثر به والتجوهر والتهذب. فأمّا وهي قد خلصت وانتهت مع المنتهين من دار الطبيعة فحَسْبُها كونُها نهايةً في جوار النهاية الأولى وجوهراً باقياً ملتذاً بثمرة اكتسابها مناسبة لتلك العقول، وتلك المناسبة لها في الذات لا في الفعل »(1).
ولهذا نجد أبا يعقوب السجستاني في كتابه « الينابيع » يقرر أن الثواب هو العلم، ويبرر ذلك بقوله: « لما كان قصارى الثواب إنما هي اللذة، وكانت اللذة الحسّية منقطعة زائلة، وجب أن تكون التي ينالها المثاب أزليةً غيرَ فانية، باقية غير منقطعة. وليست لذةٌ بسيطةٌ
ــــــــــــــ
(1) الكرماني: « راحة العقل »، ص 547.

1055

باقيةٌ على حالاتهـا غير لذة العـلم. فكان من هذا القـول وجوبَ لذة العلم للمثاب في دار البقاء »(1). يضاف إلى ذلك أن العلم لا يبيد، بل يزيد وينمو عند كل استنباط ويتكثر، بينما الحس يفسد وينقص ويضمحلّ عند الاستعمال ويستحيل. لهذا كان الثواب في دار البقاء هو العلم لا الحس، ولا الأشياء الحسية.
ولهذا يشبه أن يكون فيما يقوله السجستاني، أبو يعقوب، ما يؤذن بأنه ينكر وجود الجنة والنار بمعنى أن ثمّ موضعاً مستقلاً هو الجنة أو النار. وكأنه يفهم منهما أن الجنة هي التمييز والعلم الواصل من النطقاء والأسس والأئمة واللواحق (الحجج والأبواب والدعاة على اختلاف مراتبهم). وتبعاً لذلك تكون الجنة هي العلم، وتكون النار هي الجهل بالعلوم الجارية من النطقاء والأسس والأئمة. ونقرر هذا كله في معرض الشك والاحتمال، لأن كلام السجستاني في هذا الينبوع الثامن والعشرين (ص 137 ـ 139) من « ينابيعه » غامض غير محدّد المعالم.
أما الكرماني فواضح في هذه المسألة، يحدد للجنة مكاناً قرب العرش عند سدرة المنتهى، وبهذا يجعل لها كياناً عينياً حقيقياً.
ولكن الإسماعيليّة جميعاً يتفقون في إنكار أن يكون النعيم في الجنة حسيّاً، وفي القول بأن لذات الجنة معنوية. وهذه نتيجة منطقية لمذهبهم في استحقاق النفس للجنة، وفي تحديدهم لحقيقتها. ذلك أن النفس تستحق الجنة حين تصير خالصة من شوائب المادة، معرّاة من الجسمانية مناسبة لذوات الملائكة وصورها، بحيث تصير إلى حال تستمد فيها قبول فيض العقل على الدوام، وتخلص من آثار الحسّ، فيترادف الفيض على ذاتها. ودار الثواب لا تغير فيها، فلا يمكن أن تكون لذاتها حِسيّة، لأن ما هو حِسّي متغير فاسد(2).
ــــــــــــــ
(1) أبو يعقوب السجستاني: « الينابيع »، ص 135، طبعة مصطفى غالب، بيروت سنة 1965.
(2) راجع أيضاً: علي بن محمد الوليد: « تاج العقائد »، ص 165 ـ 166، بيروت سنة 1967.

1056


إسماعيليّة اَلَموت

اختلت دولة الفاطميين، وهي الدولة الإسماعيليّة الكبرى، في عهد المستعلي بالله أبي القاسم أحمد (ولد في المحرم سنة 467 ?، وتوفي في صفر سنة 495 ?، ومدة خلافته سبع سنين وشهران) إذ نازعه الخلافة أخوه نزار. لكنه استطاع التغلب على أخيه بفضل خاله الوزير الأفضل بن بدر الجمالي، الذي صار الحاكم الفعلي لمصر والشام.
وتولد عن الخلاف بين المستعلى وأخيه نزار أن انقسمت الإسماعيليّة فرقتيْن: فرقة نزارية تطعن في خلافة المستعلي، وفرقة ترى صحة خلافته. وانتهى الصراع بينهما إلى قتل نزار، ففر أتباعه من مصر والشام، واستقر الأمر بالنزارية في جبال إيران، حيث كونوا في هذه المنطقة دولة إسماعيلية نزارية استمرت سبعاً وسبعين ومائة سنة إذ بدأ حكمهم سنة سبع وسبعين وأربعمائة وانتهى في غرة ذي القعدة سنة أربع وخسمين وستمائة. وكان عدد ملوكهم ثمانية، تولوا الحكم على التوالي بالترتيب التالي(1):
ــــــــــــــ
(1) راجع: رشيد الدين فضل الله الهمذاني: « جامع التواريخ »، تاريخ المغول، المجلد الثاني، الجزء الأول، ص 258 ـ 259، القاهرة بدون تاريخ.

1057

1 ـ حسن بن علي بن محمد الصباح الحميري
2 ـ ركيا بزر?ث أميد
3 ـ محمد بن بزر?ث أميد، المشهور بلقب: « على ذكره السلام »
4 ـ حسن بن محمد بن بزر?ث أميد
5 ـ محمد بن حسن
6 ـ جلال الدين حسن بن محمد بن حسن، الملقب: « نيو مسلمان » (المُسْلِم الجديد)
7 ـ علاء الدين محمد بن جلال الدين بن محمد بن حسن (محمد الثالث)
8 ـ ركن الدين خورشاه بن علاء الدين، وبه خُتمت دولة الإسماعيليّة في 24 شوال سنة 654 ?.
ويمكن تقسيم تاريخ الدولة بحسب التقسيم الديني إلى ثلاثة أصناف من الملوك(1).

أ ـ دعاة ديلمان

مدة 24 سنة : الحسن بن الصبّاح من 1090م إلى 1124م : تأسيس الدولة « 14 « : بزر?ث أميد 1124 ـ 1138م : توطيدها « 24 « : محمد بن بزر?ث أميد 1138 ـ 1162م : وضع حرج للمملكة
ب ـ أئمة القيامة

« 4 سنوات : حسن بن محمد بن بزر?ث أميد، أو الحسن الثاني 1162 ـ 1166م : إلغاء ظاهر الشريعة ــــــــــــــ
(1) راجع Marshall G. S. Hodgson: The order of Assassins, p. 42. ’s – Gravenhage, 1955.

1058



مدة 44 سنة : محمد بن حسن، أو محمد الثاني 1166 ـ 1210م : روحية خالصة
? ـ أئمة السّتْر

« 11 سنة : جلال الدين حسن بن محمد بن حسن، أو الحسن الثالث 1210 ـ 1221م : تحالف مع الخلافة « 34 سنة : علاء الدين محمد بن جلال الدين، أو محمد الثالث 1221 ـ 1255م : عزلة عدوانية « سنة واحدة: ركن الدين خورشاه بن علاء الدين 1255 ـ 1256م : سقوط ألموت
ويحدد القزويني في نشرته لكتاب « تاريخ جهان ?شا » تواريخهم على النحو التالي:

وصول الحسن الصبّاح إلى ألموت 6 رجب سنة 383 ? وفاة الحسن الصبّاح 6 ربيع الثاني سنة 518 ? « بزر?ث أميد 26 جمادى الأولى سنة 532 ? « محمد بن بزر?ث أميد 3 ربيع الأول سنة 557 ? « الحسن الثاني 6 ربيع الأول سنة 561 ? « محمد الثاني 10 ربيع الأول سنة 607 ? « الحسن الثالث 15 رمضان سنة 618 ? « محمد الثالث 29 شوّال سنة 653 ? استسلام خورشاه 29 شوّال سنة 654 ?
1059

تأسيس دولة ألموت

مؤسس دولة أَلَموت الإسماعيليّة النزارية هو الحسن بن علي بن محمد بن الصباح الحميري.
وخير مصادرنا عنه اثنان: رشيد الدين فضل الله الهمذاني (الذي كتب مؤلفه سنة 1310 م) في كتابه « جامع التواريخ »؛ وعطا ملِك جويني (الذي كتب سنة 1260) في كتابه « تاريخ جهان ?شا ». وقد اعتمد الجويني على مكتبة ألموت بعد الاستيلاء عليها؛ وإن كان يحمل على الإسماعيليّة، فإنه اطّلع على المصادر الأصلية. أما رشيد الدين فقد اعتمد من ناحية على الجويني، ومن ناحية أخرى على مصادر الجويني نفسها، لأن فيه تفاصيل غير موجودة لدى الجويني(1).
هذا من الناحية التاريخية السياسية، أما من الناحية المذهبية فأوسع ما لدينا الخلاصة التي قدمها الشهرستاني في « الملل والنحل » لبعض كتابات الحسن بن الصبّاح.
ــــــــــــــ
(1) أورد ابن الجوزي في « تلبيس ابليس » عن الحسن بن الصباح ما يلي: « أصله من مرو. وكان كاتباً للرئيس عبد الرزاق بن بهرام إذْ كان صبياً. ثم رحل إلى مصر وتلقى من دعاتهم المذاهب. وعاد داعية القوم ورأساً فيهم. وحصلت له هذه القلعة (قلعة الروزباد من نواحي الديلم). وكانت سيرته في دعاته ألا يدعو إلاَّ غبياً لا يفرَّق بين يمينه وشماله مثلاً، ومن لا يعرف أمور الدنيا. ويطعمه الجوز والعسل والشونيز، حتى ينبسط دماغه. ثم يذكر له حينئذ ما تم على أهل بيت المصطفى ـ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ـ من الظلم والعدوان، حتى يستقر ذلك في نفسه. ثم يقول: « إذا كانت الأزارقة والخوارج سمحوا بنفوسهم في قتال بني أمية، فما سبب بخلك بنفسك في نصرة إمامك؟ » فيتركه بهذه المقالة طعمة للسيف. وكان ملكشاه قد أرسل إلى هذا ابن الصباح يدعوه إلى الطاعة ويتهدده إنْ خالفه ويأمره بالكف عن بث أصحابه لقتل العلمـاء والأمراء. فقـال في جواب الرسالة، والرسول حاضر: « الجواب ما تراه. » ثم قال لجماعة =

1060

1 ـ الحسن بن الصباح في شبابه

واعتماداً على رشيد الدين والجويني نستطيع أن نورده نوعاً من الترجمة الذاتية للحسن الصباح. ومنها نعرف أنه كان يبحث عن الحق في شبابه من السابعة إلى السابعة عشرة، وأنه ولد من أسرة تدين بمذهب الشيعة الاثنا عشرية. وكان أبوه أصله من الكوفة في العراق، ويُقال إنه ينحدر من ملوك حمير في الجاهلية. ومن اليمن انتقل إلى الكوفة ومنها إلى قُمّ ومن ثم إلى الريّ. وفي الريّ بدأ الحسن الصباح دراسة العلوم الدينية، وقيل إن نظام المُلْك، وزير السلاجقة المشهور كان زميله في الدراسة.
يقول الحسن الصباح عن نفسه:
« منذ صباي ومنذ أن بلغت السابعة من عمري، وأنا شغوف بالعلوم المختلفة، وأردت أن أكون من العلماء في الدين؛ وبقيت حتى السابعة عشرة أبحث وأسعى في طلب العلم. وكنت آنذاك على مذهب الشيعة الاثنا عشرية الذي كان مذهب آبائي. غير أني التقيت
ــــــــــــــ
= وقوف بين يديه: « أريد أن أنفذكم إلى مولاكم في حاجة؛ فمن ينهض لها؟ » فاشرأب كل منهم لذلك. فظن رسول السلطان أنها رسالة يحملها إياهم. فأومأ إلى شاب منهم، فقال له: « اقتل نفسك! » فجذب سكينة وضرب بها غلصمته (أي رأس حلقومه)، فخر ميتاً. وقال لآخر: ارمِ نفسك من القلعة! » فألقى نفسه، فتمزق. ثم التفت إلى رسول السلطان وقال: « أخبره أن عندي من هؤلاء عشرين ألفاً، هذا حد طاعتهم لي، وهذا هو الجواب ». فعاد الرسول إلى السلطان ملكشاه، فأخبره بما رأى، فعجب من ذلك، وترك كلامهم. وصارت بأيديهم قلاع كثيرة، ثم قتلوا جماعة من الأمراء والوزراء » (ابن الجوزي، المتوفى سنة 597 ?: « تلبيس ابليس »، ص 107 ـ 108، ط 2، القاهرة، بدون تاريخ).

1061

في مدينة الريّ بشخص يُدعى أمير ذرّاب. وكان بين الحين والحين يشرح عقيدة خلفاء مصر، كما كان يفعل قبله ناصر خسرو، حجّة خراسان وجرجان. ولم تلقَ نجاحاً في أيام السلطان محمود. وقد اعتنق هذا المذهب أبو علي سيمجور ونفر كبير؛ كذلك اعتنقه نصر بن أحمد الساماني وعدد من كبار الناس في البلاط في بخارى.
« ولم يشب اسلامي أي شك أو تحيُّر؛ بل كنت أومن بوجود الله الحيّ الصمد القدير العظيم السميع البصير؛ وبالنبي، وبإمام يأمر وينهى؛ وبالجنة والنار والأوامر والنواهي. وحسبت أن عامة الناس كانوا على الدين والعقيدة الصحيحة، وبخاصةٍ الشيعة، ولم يخطر لي أبداً أن أبحث عن الحق خارج الإسلام، واعتقدت أن مذاهب الإسماعيليّة فلسفة، وأن الحاكم في مصر فيلسوف. وكان أمير ذرّاب رجلاً كريم الخلق. ولما حادثني أول مرة قال لي إن الإسماعيليّة يقولون كذا وكذا. فقلت له: يا صاحبي، لا تقل لي ماذا يقولون، لأنهم تجاوزوا الحدود، ورأيهم لا يتفق مع العقيدة (الصحيحة). وكنا نتجادل، وكان يفنّد رأيي. ولم أُسَلِّم له، لكن كان لكلماته تأثيرها. وفي أثناء حديثنا قلت له إنه حين يموت شخص على هذه العقيدة فإن الناس يقولون: هذه جثة مُلْحِد؛ وهنالك يلفظ العامة، على عادتهم، الكثير من الأكاذيب والأباطيل. ورأيت أن فرقة النزارية تخاف الله، ويتصف أهلها بالتقوى والزهد وبالولع بالشراب؛ وكنت أفزع من الشراب، إذْ جاء في الخبر أن (الخمر) جماع الجنون وأم الخبائث. وقال لي أمير: في الليل حين تفكر وأنت على فراشك ستعلم أن ما أقوله لك يُقْنِعك.
« ثم فارقته. غير أني وجدت براهين كثيرة على إمامة إسماعيل في كتب الإسماعيليّة، ثم وصلت بعد ذلك إلى الأئمة المستورين، فتعجبت وقلت إن هذه الإمامة تستند إلى نص وتعليم؛ وأنا لا أعرف

1062

ما هذه. وفي وسط هذا كله حدث لي مرض خطير. لقد أراد الله أن يتبدل لحمي وبَشَرتي ـ وانطبق عليّ القول: « بدّل الله لحمه بخير منه، وبدّل دمه بخير منه ». فاعتقدت أن هذا المذهب (مذهب الإسماعيليّة) صحيح؛ ولكني لم أقرّ بذلك، نظراً إلى شدة خوفي. ثم قلت لنفسي لقد آن الأوان، وسأهلك دون أن أصل إلى الحق.
« وأخيراً شفيت من هذا المرض العضال. والتقيت بإسماعيليّ آخر اسمه أبو نجم السرّاج؛ فباحثته في هذا المذهب. فشرحه لي شرحاً كشف لي عن مسائله الخفية وحقيقته النهـائية. فسعيت إلى أخذ العهد والميثـاق على شخص آخر اسـمه « مؤمن »، الذي أجاز له بالدعـوة الشيخ عبد الملك العطاش. فقـال لي: أنت يا « حسن » أرفع مني مكاناً، إذ أنا « مؤمن »؛ فكيف آخذ منك العهد والميثاق والطاعة للإمام؟ وبعد جدال أخذ مني العهد والميثاق. وفي شهر رمضان سنة 464 (هجرية) وصل إلى الريّ عبد الملك عطّاش، وكان آنذاك داعي اصفهان وأذربيجان، ولما رآني أبدى رضاه عني، وعيّني نائباً في الدعوة. وقال لي لا بد لك من الذهاب إلى الحضرة »(1).

ب ـ الرحلة إلى مصر

والحضرة هي حضرة الخلفاء الفاطميين في مصر، حيث مركز الدعوة الإسماعيليّة.
لهذا ارتحل الحسن الصبّاح، في سنة 469 ? (1077 م) قاصداً مصر. فذهب أولاً إلى أذربيجان ومن ثم إلى ميافارقين. ولكن قاضيها طرده منها لأن الحسن نازع في حق الأفراد في تفسير أمور
ــــــــــــــ
(1) رشيد الدين: « جامع التواريخ ».

1063

الدين، معلناً أن هذا حق الإمام وحده. فذهب إلى دمشق، وسافر بحراً إلى مصر فبلغها في سنة 370 ? (سنة 1078 م).
وكانت مصر في ذلك العهد يحكمها الخليفة المستنصر، وإنْ كانت السلطة الفعلية في يد بدر الجمالي. واتصل الحسن الصباح به. ويقول ابن الأثير (حوادث سنة 478) إنه سأل المستنصر من سيكون الإمام بعده، فقال له إنه نزار. ويقوم رشيد الدين إن الحسن ظل يعامل معاملة حسنة إلى أن جلب على نفسه عداوة بدر الجمالي، وذلك بتأييده لنزار، وكان بدر الجمالي يكره نزاراً فحبسه بدر، ونفاه من مصر.
ويشكك بعض الباحثين(1) في هذه الرواية، ويفترضون أن الحسن الصباح لم يلتقِ بالمستنصر أبداً وأنه لم يقم في مصر إلاَّ عاماً ونصف عام، في ظروف مضطربة، وأن مسألة من يخلف المستنصر لم تكن قد أثيرت بعد. ذلك أن المستنصر توفي في سنة 1094 م (487 ?) وبعد وفاته قام الخلاف بين المستعلي الذي يؤيده بدر الجمالي، وبين أخيه نزار. لكن الحسن الصباح كان قد استولى على ألموت قبل ذلك بأربع سنوات (في سنة 1090 م ـ 483 ?) وتوطد سلطانه فيها.

? ـ في الطريق إلى ألموت

ترك الحسن الصباح مصر إذن بعد عام ونصف من إقامته بها في حضرة الخلافة الفاطمية وفي القاهرة مركز الدعوة الإسماعيليّة في العالم آنذاك. وتوجه نحو الشمال الغربي من إيران، مارّاً بيزد، وكرمان، وخوزستان، وعراق العجم. وكان في كل موضع يدعو إلى مذهب الإسماعيليّة ويضم الأتباع.
ــــــــــــــ
(1) مارشال هودجسن: « طريقة الحشاشين »، ص 47. لاهاى، سنة 1955.

1064

وكان السلاجقة قد وطّدوا للمذهب السّني، وانقذوا خليفة بغداد من تحكم الشيعة الاثنا عشرية. وأوقفوا زحف الفاطميين الذين وصلت جيوشهم إلى بغداد نفسها واحتلوها لبضعة أشهر. وعادت للمذهب السُّنّي السيطرة على بلاد الخلافة الشرقية من الهند حتى العراق.
لكن الحسن بن الصباح أراد مع ذلك أن ينشر الدعوة الإسماعيليّة في هذه المناطق، رغم بطش السلاجقة بها. وقد وقعت من بعض الإسماعيليّة أحداث أدت في عهد السلطان ملكشاه (المتوفى سنة 1092 م ـ سنة 485 ?) إلى إلقاء القبض على بعض زعمائها، وقتل أحدهم وهو طاهر النجار(1). كذلك يذكر أن قائد إحدى القلاع الإسماعيليّة القريبة من مدينة قائن قد هاجم قافلة، وهزم الحامية التي أرسلت من قائن لتأديبه. ويذكر ابن الأثير (حوادث سنة 494) أن بعض الإسماعيليّة في « عانة » على نهر الفرات هاجموا بعض القوافل؛ كذلك نسمع عن غارات قام بها قادة القلاع في تلك الأيام.
وفكر الحسن بن الصباح في أن يبدأ أعماله الحربية بالاستيلاء على قلعة ألموت التي تقع في مقاطعة الديلمان على الشاطئ الجنوبي من بحر قزوين. وفي سبيل ذلك اتصل بقائد القلعة، واسمه المهدي، وكان علوياً شيعياً. وبواسطة الحسين القائني استطاع اقناع هذا القائد بالدخول في الدعوة الإسماعيليّة هو وأفراد حامية القلعة. ولما تهيأت الحامية للدخول في الدعوة جاء الحسن الصباح بنفسه واستطاع بشيء من الدهاء أن يستولي على قلعة ألموت، وذلك في شهر رجب سنة 483 ? (سنة 1090 م).
وفي ألموت أقام الحسن الصباح التحصينات، وهيّا التموين المستمر،
ــــــــــــــ
(1) راجع ابن الأثير: « الكامل »، ? 10، ص 108 ـ 109 حوادث سنة 494 ?. القاهرة، سنة 1303 ?.

1065

وقاوم محاولة السلاجقة اخضاعها لحكمهم من جديد؛ وحكم القلعة بشدة وصرامة، حتى إنه قتل أولاده: واحداً منهم بسبب قتله لإنسان؛ والثاني لأنه شرب الخمر! ويرى فون هَمّر(1) أن الحسن لم يفعل ذلك عن تشدّد في الدين، بل عن قسوة في طبيعة الحسن بن الصباح، وعن رغبة في انتزاع كل ألوان الشفقة من قلوب أتباعه.
يقول ابن الأثير في شأن الحسن بن الصباح: « كان الحسن بن الصباح رجلاً شهماً كافياً، عالماً بالهندسة والحساب والنجوم والسِّحْر وغير ذلك. وكان رئيس الريّ إنسان يُقال له « أبو مسلم »، وهو صهر نظام الملك. فاتهم الحسن بن الصبّاح بدخول جماعة من دعاة المصريين (الفاطميين) عليه. فخافه ابن الصبّاح، وكان نظام الملك يكرمه، وقال له يوماً من طريق الفراسة: عن قريب يُضِلُّ هذا الرجلُ ضعفاءَ العوام. فلما هرب الحسن من أبي مسلم، طلبه فلم يدركه. وكان الحسن من جملة تلامذة ابن عطّاش الطبيب الذي ملك قلعة أصبهان.
ومضى ابن الصبّاح فطاف البلاد، ووصل إلى مصر، ودخل على المستنصر صاحبها فأكرمه وأعطاه مالاً، وأمره أن يدعو الناس إلى إمامته. فقال له الحَسَن: فمَنْ الإمام بعدك؟ فأشار إلى ابنه نزار.
وعاد من مصر إلى الشام والجزيرة وديار بكر والروم. ورجع إلى خراسان، ودخل كاشغر وما وراء النهر، يطوف على قومٍ يضلّهم. فلما رأى قلعة ألموت واختبر أهل تلك النواحي أقام عندهم وطمع في إغوائهم، ودعاهم في السرّ، وأظهر الزهد، ولبس المسح. فتبعه أكثرهم، والعلويّ صاحب القلعة، حَسَن الظن فيه، يجلس إليه
ــــــــــــــ
(1) فون همر Von Hammer : « تاريخ الحشاشين »، الترجمة الانجليزية، ص 72.

1066

يتبرك به. فلمَّـا أحكم الحَسَنُ أمره، دخل يومـاً على العلوي بالقلعة. فقـال له ابن الصباح: « أخرج من هذه القلعة! ». فتبسم العلوي وظنّه يمزح. فأمر ابنُ الصباح بعضَ أصحابه بإخراج العلوي. فأخرجوه إلى دامغان، وأعطاه ماله. ومَلَكَ القلعة.
ولما بلغ الخبرُ إلى نظام المُلْك بعث عسكراً إلى قلعة ألموت، فحصروه فيها، وأخذوا عليه الطريق. فضاق ذرعه بالحصر. فأرسل مَنْ قتل نظامَ الملك. فلما قُتِل (أي نظام الملك) رجع العسكر عنها.
ثم إن السلطان محمد بن ملكشاه جهّز نحوها العساكر فحصرها »(1).
وكان أمر الباطنية، وهم الإسماعيليّة، قد استفحل في دولة السلاجقة حوالي سنة 494 ? فأمر السلطان بركيارق بقتل الباطنية. وكانوا قد استولوا على عدة حصون:
1 ـ منها قلعة أصبهان، وهي لم تكن قديمة، بل بناها السلطان ملكشاه. وقد اتصل بقائدها أحمدُ بن عطاش الذي « كان الباطنية قد ألبسوه تاجاً وجمعوا له أموالاً وقدّموه عليهم على جهة. وإنما كان أبوه مقدماً فيهم » (الكتاب نفسه، ? 10، ص 109) واستولى أحمد بن عطاش عليها، ونال المسلمين منه ضرر عظيم: من أخذ الأموال وقتل النفوس وقطع الطريق والخوف الدائم؛
2 ـ وألموت، وهي من نواحي قزوين، وقد رأينا كيف استولى عليها الحسن بن الصبّاح.
3 ـ ومنها « طبس » وبعض « قهستان ». « وكان سبب ملكهم
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير: « الكامل في التاريخ »، ? 10، ص 110. القاهرة سنة 1303 ?.

1067

لها أن قهستان كان قد بقي فيها بقايا من بني سيمجور، أمراء خراسان أيام السامانية؛ وكان قد بقي من نسلهم رجلٌ يقال له المنوّر. وكان رئيساً مطاعاً عند الخاصة والعامة. فلما وُلّى كلسارغُ قهستانَ ظَلَمَ الناس وعَسَفهم؛ وأراد أختاً للمنوّر بغير حِلّ. فحمل ذلك المنوّرَ على أن التجأ إلى الإسماعيليّة، وصار معهم. فعظم حالهم في قهستان، واستولوا عليها، ومن جملتها خور، وخوسف، وزُوزَن، وقاين، وتون، وتلك الأطراف المجاورة لها.
4 ـ ومنها قلعة « وسمكوه »: ملكوها، وهي بقرب أَبْهَر، سنة أربع وثمانين (وأربعمائة). وتأذى بهم الناس، لا سيما أهل أبهر. فاستغاثوا بالسلطان بركيارق، فجعل عليها من يحاصرها. فحوصرت ثمانية أشهر، وأخذت منهم سنة تسع وثمانين (وأربعمائة) وقُتِل كل مَنْ بها عن آخرهم.
5 ـ ومنها قلعة « خالنجان »، على خمسة فراسخ من أصبهان. كانت لمؤيد الملك بن نظام الملك. وانتقلت إلى « جاولي سقاووا ». فجعل بها إنساناً تركياً. فصادفه نجار باطني، وأهدى له هدية جميلة ولزمه حتى وثق به وسلم إليه مفاتيح القلعة. فعمل دعوةً للتركي وأصحابه فسقاهم الخمر فأسكرهم. واستدعى ابنَ عَطّاش، فجاء في جماعة من أصحابه، فسلّم إليهم القلعة، فقتلوا مَن بها، سوى التركي فإنه هرب. وقوي ابن عطاش بها، وصار له على أهل أصبهان القطائع الكثيرة.
6 ـ ومن قلاعهم المذكورة « استوناوند »، وهي بين الري وآمل. ملكوها بعد ملكشاه. نزل منها صحابها فقُتِل، وأخذت منه.
7 ـ ومنها « أردهَن »، ومَلَكها أبو الفتوح، ابن أخت الحَسَن بن الصباح.

1068

8 ـ ومنها « كردكوه »، وهي مشهورة.
9 ـ ومنها قلعة الناظر بخوزستان.
10 ـ وقلعة الطنبور، وبينها وبين أرّجان فرسخان. أخذها أبو حمزة الاسكاف، وهو من أهل أرّجان. سافر إلى مصر وعاد داعية لهم.
11 ـ وقلعة « خلادخان »، وهي بين فارس وخوزستان. وأقام بها المفسدون نحو مائتيْ سنة، يقطعون الطريق، حتى فتحها عضد الدولة بن بويه وقَتَل مَنْ بها. فلما صارت الدولة لملكشاه أقطعها الأمير « أنز »(1)، فجعل بها دزداراً. فأنفذ إليه الباطنية الذين بأرّجان يطلبون منه بيعها، فأبى. فقالوا له: نحن نرسل إليك من يناظرك حتى يظهر لك الحق. فأجابهم إلى ذلك، فأرسلوا إليه إنساناً ديلمياً يناظره. وكان للدزدار مملوك قد ربّاه وسلم إليه مفاتيح القلعة فاستماله الباطني، فأجابه إلى القبض على صاحبه وتسليم القلعة إليهم. ثم أطلقه. واستولوا (أي الإسماعيليّة الباطنية) على عدة قلاع، هذه أشهرها »(2).
ومن هذا يتبين أن حركة الباطنية (الإسماعيليّة) كانت حوالي 490 ? قوية السلطان في قلاع متفرقة مبثوثة في منطقة واسعة من إيران الحالية، تمتد من قهستان شرقاً حتى الديلمان في جنوب بحر قزوين من ناحية الشمال الغربي(3).
ــــــــــــــ
(1) اسمه في المنتظم: انر، وفي نسخة: أتز (« المنتظم » لابن الجوزي، ? 9، ص 110).
(2) ابن الأثير: « الكامل في التاريخ »، ? 10، ص 109 ـ 111. القاهرة، سنة 1303 ?.
(3) يرى هودجسون أن الاستيلاء على هذه القلاع تم في الفترة ما بين سنة 485 ? (1092 م) و494 ? (1101 م) راجع كتابه: « طريقة الحشاشين »، ص 75 ـ 76 ـ تعليق رقم 44.

1069

عبد الملك بن عطاش وابنه أحمد

وكان من أبرز رجالاتها في ذلك الوقت عبد الملك بن عطّاش، ثم ابنه أحمد الذي لم يكن في مستوى أبيه من الناحية العلمية، ولكنه كان من الناحية السياسية بارعاً. وكان قاسياً يؤمن بسفك الدماء وقطع الطريق وأخذ الأموال نهباً. ولعله هو الذي وضع للإسماعيلية هذا الناموس الجديد في العنف وقتل النفوس، وعنه أخذه الحسن بن الصبّاح مما سيصبح بعد ذلك ناموس الإسماعيليّة الفتاكة التي ستجعل أمضى أسلحتها في النضال السياسي: الاغتيالَ الفردي لكبار خصومهم.
وكان عبد الملك بن عطاش، كما يقول ابن الأثير، « أديباً بليغاً حسن الحظ سريع البديهة عفيفاً. وابتُلي بحب هذا المذهب (مذهب الإسماعيليّة). وكان هذا ابنه أحمد جاهلاً لا يعرف شيئاً. وقيل لابن الصبّاح، صاحب قلعة ألموت: لماذا تعظّم ابن عطّاش مع جهله؟ قال: لمكان أبيه، لأنه كان أستاذي.
وصار لابن عطاش عدد كبير، وبأس شديد، واستفحل أمره بالقلعة (قلعة شاهوز بالقرب من أصبهان). فكان يرسل أصحابه لقطع الطريق وأخذ الأموال وقَتْل مَن قدروا على قتله. فقتلوا خلقاً كثيراً لا يمكن إحصاؤهم. وجعلوا له على القرى السلطانية (أي التابعة للسلطان محمد بن ملكشاه) وأملاك الناس ضرائب يأخذونها ليكفوا عنها الأذى، فتعذر بذلك انتفاعُ السلطان بقراه والناسِ بأملاكهم. وتمشى لهم الأمر بالخلف الواقع بين السلطانيْن بركيارق ومحمد (ابني ملكشاه). فلما صَفَتْ السلطنة لمحمد ولم يبقَ له منازع، لم يكن عنده أمرٌ أهم من قصد الباطنية وحربهم والانتصاف للمسلمين من جورهم وعسفهم. فرأى البداية بقلعة أصبهان التي بأيديهم، لأن الأذى بها أكثر، وهي متسلطة على سرير ملكه. فخرج بنفسه فحاصرهم في سادس شعبان

1070

(سنة 500 ?). وكان قد عزم على الخروج أول رجب، فساء ذلك من يتعصب لهم من العسكر، فأرجفوا أن قلج أرسلان بن سليمان قد ورد بغداد وملكها، وافتعلوا في ذلك مكاتبات. ثم أظهروا أن خللاً قد تجدد بخراسان. فتوقف السلطان لتحقق الأمر. فلما ظهر بطلانه عزم عزيمة مِثِله وقَصَد حربهم وصعد جبلاً يقابل القلعة من غربيها، ونُصِب له التخت في أعلاه. واجتمع له من أصبهان وسوادها لحربهم الأممُ العظيمة للذحول (الثارات) التي يطالبونهم بها. وأحاطوا بجبل القلعة ودوره أربعة فراسخ. ورتب الأمراء لقتالهم: فكان يقاتلهم كلَّ يوم أمير. فضاق الأمر بهم واشتد الحصار عليهم وتعذّرت عندهم الأقوات. فلما اشتد الأمر عليهم كتبوا فتوى فيها: « ما يقول السادة الفقهاء، أئمة الدين، في قوم يؤمنون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن ما جاء به محمد (ص) حقٌ وصدق، وإنّما يخالفون في الإمام: هل يجوز للسلطان مهادنتهم وموادعتهم وأن يقبل طاعتهم ويحرسهم من كل أذى؟ » فأجاب أكثر الفقهاء بجواز ذلك، وتوقف بعضهم، فجمعوا للمناظرة، ومعهم أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السجستاني؛ وهو من شيوخ الشافعية، فقال بمحضر من الناس: يجب قتالهم؛ ولا يجوز إقرارهم بمكانهم. ولا ينفعهم التلفظ بالشهادتيْن، فإنهم يقال لهم: أخبرونا عن إمامكم. إذا أباح لكم ما حظره الشرع. أو حظر عليكم ما أباحه الشرع: أتقبلون أمره؟ فإنهم يقولون: نعم! وحينئذٍ تباح دماؤهم بالإجماع.
وطالت المناظرة في ذلك.
ثم إن الباطنية سألوا السلطان أنْ يرسل إليهم مَن يناظرهم، وعينوا على أشخاص من العلماء. منهم القاضي أبو العلاء صاعد بن يحيى شيخ الحنفية بأصبهان وقاضيها وغيره. فصعدوا إليهم وناظروهم وعادوا كما صعدوا. وإنما كان قصدهم التعلل والمطاولة.
فلجَّ حينئذ السلطانُ في حصرهم. فلما رأوا عين المحاققة أذعنوا

1071

إلى تسليم القلعة، على أن يعطوا عِوَضاً عنها قلعة خالنجان، وهي على سبعة فراسخ من أصبهان. وقالـوا: « إنّا نخاف على دمائنا وأموالنا من العامّة، فلا بُدّ من مكان نحتمي به منهم ». فأشير على السلطان إجابتهم إلى ما طلبوا. فسألوا أن يؤخرهم إلى النوروز، ليرحلوا إلى خالنجان ويسلموا قلعتهم. وشرطوا أن لا يسمع قول متنصّح فيهم؛ وإنْ قال أحدٌ عنهم شيئاً سلّمه إليهم؛ وأن من أتاه منهم ردّه إليهم. فأجابهم إليه. وطلبوا أن يحمل إليهم من الإقامة ما يكفيهم يوماً بيوم. فأجيبوا إليه في كل هذا، وقَصْدهم المطاولة انتظاراً لفتقٍ ينفتق أو حادث يتجدد.
ورتب لهم وزير السلطان، سَعْدُ الملْك، ما يحمل إليهم كلّ يومٍ من الطعام والفاكهة وجميع ما يحتاجون إليه. فجعلهم يرسلون ويبتاعون من الأطعمة ما يجمعونه ليمتنعوا في قلعتهم.
ثم إنهم وضعوا مِنْ أصحابهم مَنْ يقتل أميراً كان يبالغ في قتالهم. فوثبوا عليه وجرحوه، وسلم منهم. فحينئذ أمر السلطانُ بإخراب قلعة خالنجان، وجدّد الحصار عليهم. فطلبوا أن ينزل بعضهم ويرسل السلطانُ معهم من يوصلهم إلى طبس، وأن تقيم البقية منهم في ضِرس من القلعة إلى أن يصل إليهم من يخبرهم بوصول أصحابهم، فينزلون حينئذ، ويرسل معهم من يوصلهم إلى ابن الصبّاح بقلعة ألموت: فاجيبوا إلى ذلك. فنزل منهم إلى الناظر وإلى طبس وساروا. وتسلم السلطان القلعة وخرّبها.
ثم إن الذين ساروا إلى قلعة الناظر وطبس وصل منهم من أخبر ابن عطّاش بوصولهم فلم يسلم السنّ الذي بقي بيده، ورأى السلطانُ منه الغدرَ والعودة عن الذي قدره. فأمر بالزحف إليه. فزحف الناس عامةً ثاني ذي القعدة (سنة 500 ?)، وكان قد قلّ عنده من يمنع

1072

ويقاتل. فظهر منهم صبر عظيم وشجاعة زائدة. وكان قد استأمن إلى السلطان إنسانٌ من أعيانهم، فقال لهم: إني أدلكم على عورة لهم. فأتى بهم إلى جانب لذلك السّنّ لهم لا يرام، فقال لهم: اصعدوا مِنْ ها هنا. فقيل إنهم قد ضبطوا هذا المكان وشحنوه بالرجال. فقال: إن الذي ترون أسلحة وكذاغندات قد جعلوها كهيئة الرجال لقلتهم عندهم. وكان جميع من بقي ثمانين رجلاً. فزحف الناس من هناك، فصعدوا منه، وملكوا الموضع، وقُتِل أكثر الباطنية، واختلط جماعة منهم مع من وصل، فخرجوا معهم.
وأما ابن عطاش فإنه أُخِذ أسيراً، فتُرِك أسبوعاً. ثم إنه أُمِر به فأُشهر في جميع البلد، وسُلِخ جلده، فتجلّد حتى مات. وحشي جلده تبناً، وقتل ولده؛ وحُمِل رأساهما إلى بغداد. وألقت زوجتُه نفسها من رأس القلعة فهلكت، وكان معها جواهر نَفيسة لم يوجد مثلها، فهلكت أيضاً وضاعت.
وكانت مدة البلوى بابن عطاش اثنتي عشرة سنة »(1).
ويضيف ابن الجوزي(2) إلى هذه المعلومات الوفيرة أن ابن عطاش كان في أول أمره طبيباً، وأن أباه أُخذ في أيام طغرلبك لأجل مذهبه الإسماعيليّ، فأراد طغرلبك قتله، لكنه أظهر التوبة ومضى إلى الريّ، وصاحب أبا عليّ النيسابوري، وهو متقدم الإسماعيليّة في الري؛ وصاهره، وصنّف رسالة في الدعوة إلى هذا المذهب سماها « العقيقة »، ومات، أي عبد الملك بن عطاش، في سواد مدينة الريّ.
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير: « الكامل في التاريخ »، ? 10، ص 151 ـ 152، حوادث سنة 500 ?. القاهرة سنة 1303 ?.
(2) ابن الجوزي: « المنتظم في تاريخ الملوك والأمم »، ? 9، ص 151، حيدر أباد سنة 1359 ?.

1073

ورواية ابن الأثير هذه تكشف لنا عن مهارة الباطنية الإسماعيليّة في فنون الحرب والمراوغة والمخادعة، وتشهد لهم بالشجاعة الفائقة، خصوصاً ما أشار إليه في آخر الرواية من أنهم كانوا يصنعون دُمى على هيئة رجال حين يعوزهم الرجال، ليوهموا العدوّ كثرة عددهم.
وفي هذه السنة عينها، سنة 500 ?، اغتالوا فخر الملك أبا المظفر ابن نظام الملك، وكان أكبر أولاده، قتله باطني جاءه مستصرخاً ودفع إليه رقعة فبينما هو يتأملها ضربه بسكين في مقتله فتوفي، وكان ذلك بنيسابور، وهو يومئذ وزير السلطان سنجر.
ومن قبله قتل أبوه نظامُ الملك أبو علي الحسن بن علي بن اسحق، وزير السلطان ملكشاه، وذلك بالقرب من نهاوند. فقد أتاه صبيٌّ ديلمي من الباطنية في صورة مستغيث، فضربه بسكين كانت معه، فقضى عليه؛ وهي نفس الطريقة التي اتبعت في اغتيال ابنه.

حرب السلطان محمد بن ملكشاه مع الحسن بن الصباح

وبعد الاستيلاء على قلعة شاهرز وقتل أحمد بن عبد الملك بن عطاش، استمر السلطان محمد في مطاردة الباطنية في حصونهم، وقد تولى أمر الباطنية بعد مقتل أحمد بن عبد الملك بن عطاش: الحسنُ الصباح، صاحب قلعة ألموت، فصار يلقب بلقب: « الحجة »(1).
ظل الحسن الصباح يغير على جيرانه، ويقتل رجالهم ويسبي نساءَهم ولم تفلح الحملات الأولى التي أرسلها السلطان محمد في القضاء عليه. « فلما أعضل داؤه ندب (السلطانُ محمد) لقتاله الأمير نوشتكين
ــــــــــــــ
(1) انظر: « كلام ?ير »، ص 44/ 51، نشرة ايفانوف؛ « روضة التسليم »، ص 174؛ « المواقف » لعضد الدين الايجي، ص 352، نشرة سيرنسن، ليبتسك، سنة 1848 م.

1074

شيركير، صاحب آية وساوة وغيرها. فملك منهم عدة قلاع، منها قلعة كلام، ملكها في جمادى الأولى سنة خمس وخمسماية. وكان مُقدُمها يعرف ? « علي بن موسى ». فأمّنه ومن معه، وسيّرهم إلى ألموت. وملك منهم أيضاً قلعة بيرة، وهي على سبعة فراسخ من قزوين. وأمّنهم وسيّرهم إلى ألموت أيضاً. وسار إلى قلعة ألموت فيمن معه من العساكر. وأمده السلطان بعدّة من الأمراء، فحصرهم، وكان هو من بينهم صاحب القريحة والبصيرة في قتالهم، مع جودة رأي وشجاعة. فبنى عليها مساكن، يسكنها هو ومَنْ معه. وعيّن لكل طائفة من الأمراء أشهراً يقيمونها. فكانوا ينيبون ويحضرون، وهو ملازم الحصار. وكان السلطان ينقل إليه الميرة والذخائر والرجال. فضاق الأمر على الباطنية وعدمت عندهم الأقوات وغيرها. فلما اشتد عليهم الأمر، نزَّلوا نساءَهم وأبناءَهم مستأمنين، ويسألون أن يفرج لهم ولرجالهم عن الطريق، ويؤمَّنوا. فلم يجابوا إلى ذلك، وأعادهم إلى القلعة، قصداً ليموت الجميع جوعاً. ـ وكان ابن الصبّاح يجري لكل رجلٍ منهم في اليوم رغيفاً وثلاث جوزات. فلما بلغ بهم الأمرُ إلى الحد الذي لا مزيد عليه، بلغهم موتُ السلطان محمد، فقويت نفوسهم وطابت قلبوهم. ووصل الخبرُ إلى العسكر المحاصِر لهم بعدهم بيوم، وعزموا على الرحيل. فقال شيركير إن رحلنا عنهم وشاع الأمر نزلوا إلينا وأخذوا ما أعددناه من الأقوات والذخائر. والرأي أن نقيم على قلعتهم حتى نفتحها. وإنْ لم يكن المقام فلا بدَّ من مقام ثلاثة أيام حتى ينفد منا ثقلنا وما أعددناه، ونُحرِق ما نعجز عن حمله لئلاّ يأخذه العدوّ. فلما سمعوا قوله علموا صدقه. فتعاهدوا على الاتفاق والاجتماع. فلما أمسوا رحلوا من غير مشاورة، ولم يَبْقَ غير شيركير. ونزل إليه الباطنية من القلعة، فدافعهم وقاتلهم. وحمى مَنْ تَخلف من سَوقه ـ العسكر وأتباعه. ولحق

1075

بالعسكر. ـ فلما فارق القلعة غنم الباطنية ما خلف عندهم »(1).
وفي سنة 518 ? مات الحسن بن الصباح (ابن الأثير ط 1، ص 222، حوادث سنة 518 ?).
ولكن استمر سلطان الباطنية في ألموت وبعض النواحي المجاورة. واستمروا في الاغتيال السياسي:
1 ـ ففي سنة 519 قتلوا القاضي أبا سعد محمد بن نصر بن منصور الهروي، بهمذان، وكانت له مكانة كبيرة في الدولة السلجوقية.
2 ـ وفي سنة 520 في 8 ذي القعدة قتلوا قسيم الدولة آقسنقر البرسقي، صاحب الموصل، وذلك في مدينة الموصل.
3 ـ وفي سنة 521 ? قتلوا معين الملك أبا نصر أحمد بن الفضل، وزير السلطان سنجر، وكان قد أبلى في قتالهم.
4 ـ وفي سنة 522 ? قتلوا عبد اللطيف بن الخجندي، رئيس الشافعية بأصبهان.
5 ـ وفي سنة 524 ? قتلوا الآمر بأحكام الله أبا علي بن المستعلي العلوي صاحب مصر؛ خرج إلى منتزه، فلما عاد وثب عليه الباطنية فقتلوه.
وتستمر سلسلة الاغتيالات التي قام بها الباطنية في تلك الفترة.

قتال السلطان سنجر للباطنية
وفي سنة 520 أمر الوزير أبو نصر أحمد بن الفضل، وزير
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير: « الكامل في التاريخ »، ? 10، ص 185، 186، حوادث سنة 511. القاهرة، سنة 1303 ?.

1076

السلطان سنجر، بالاستمرار في مطاردة الباطنية « وقتلهم أين كانوا، وحيثما ظفِر بهم، ونهب أموالهم وسَبْي حريمهم. وجَهّز جيشاً إلى طريثيث، وهي لهم؛ وجيشاً إلى بَيْهَق، من أعمال نيسابور. وكان في هذه الأعمال قرية مخصوصة بهم، اسمها طرز، وقعد لهم فيها إنسانٌ اسمه: الحسن بن سمين. وسيّر إلى كل طرف من أعمالهم جمعاً من الجند، ووصّاهم أن يقتلوا مَنْ لقوهم منهم. فقصدت كل طائفة إلى الجهة التي سيرت إليها. فأما القرية التي بأعمال بيهق فقصدها العسكر فقتلوا كلَّ من بها. وهرب مقدمهم، وصعد منارة المسجد، وألقى نفسه منها فهلـك. وكذلك العسكر الْمنفذُ إلى طريثيث قتلوا من أهلها فأكثروا وغنموا مِنْ أموالهم، وعادوا » (ابن الأثير، ? 1، ص 224 ـ 225، حوادث سنة 520 ?).

استيلاء السلطان محمود بن محمد خان على ألموت

وفي سنة 524 ? ملك السلطان محمود بن محمد خان قلعة ألموت(1). وتولي السلطان محمود بن محمد خان في شوال سنة 525 بهمذان، وسنُّه نحو 27 سنة، وكانت ولايته للسلطنة 12 سنة و9 أشهر و20 يوماً. وبعده تولى السلطنة ابنه داود، فوقعت الفتنة في همذان وسائر بلاد الجبل. ثم سكنت. لكن عمّه السلطان مسعود سار من جرجان واستولى على تبريز، فسار إليه داود وجرى بينهما القتال إلى سلخ المحرم سنة 526 ? ثم اصطلحا. ثم قامت الحرب بين السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر، فانهزم السلطان مسعود، وعاد إلى كنجه، وتولى الملك طغرل السلطنة. وحارب الملك داود ابن أخيه، فانهزم
ــــــــــــــ
(1) ابن الأثير: « الكامل »، ? 10، ص 238، س 4 من النص، حوادث سنة 524 ?. القاهرة، سنة 1303 ?.

1077

داود. ثم عاد السلطان مسعود إلى السلطنة وانهزم الملك طغرل، واستقر بهمذان، فأرسل بعض الباطنية لقتل آقسنقر الاحمديلي. وفي سنة 528 عاد طغرل بن محمد بن ملكشاه فملك بلاد الجبل جميعها، وأجلى عنها أخاه السلطان مسعوداً، فعاد هذا منهزماً إلى بغداد. ثم توفي طغرل في المحرم من سنة 529 ?، فاستعاد السلطان مسعود امتلاكه لبلاد الجبل.
وفي نفس السنة، سنة 529 قتل الباطنية الخليفة العباسي المسترشد بالله، وتولى الخلافة بعده ابنه الراشد بالله، ولكنه لم يستمر طويلاً، بل عُزل وتولى الخلافة مكانه المقتفي بالله في سنة 531 ?.
ويظهر أن استيلاء السلطان محمود بن محمد خان على قلعة ألموت في سنة 524 ? لم يستمر طويلاً، إذ يظهر أنه بعد وفاته في سنة 525 ? استردها الباطنية من جديد.
ونعرف من ابن الأثير (حوادث سنة 624 ?) أن الإسماعيليّة كانت تمتد بلادهم من حدود ألموت إلى كردكوه بخراسان، وأن جلال الدين بن خوارزمشاه محمد بن تكش أرسل جيشاً لقتال الإسماعيليّة لأنهم قتلوا أميراً من أمرائه، فانتقم له منهم، وقتل الكثير منهم، ونهب أموالهم (ابن الأثير، ? 12، ص 182، القاهرة، سنة 1303 ?) مما يدل على أن دولة الإسماعيليّة في ألموت وسائر القلاع الرئيسية كانت لا تزال قوية إلى سنة 624 ?.
والحقيقة أن ألموت لم تسقط نهائياً إلاّ في شوّال سنة 654 ? حينما استولى عليها المغول بقيادة هولا?و؛ وبهذا انتهت دولة ألموت الإسماعيليّة نهائياً.

1078


الدعوة الجديدة

يُسمَّي الشهرستاني مذهب الحسن بن الصباح ? « الدعوة الجديدة » تمييزاً لها من الإسماعيليّة القديمة، المتمثلة في الإسماعيليّة الفاطمية.
والشهرستاني هو أهم مصدر عربي عن آراء الحسن بن الصبّاح. إذ نقل إلى العربية « الفصول الأربعة » التي كتبها الحسن بن الصبّاح باللغة الفارسية، وضاع الأصل الفارسي لها، فصار هو مصدرنا الوحيد لهذه « الفصول الأربعة ».
يقول الشهرستاني عن الحسن بن الصباح والدعوة: « نحن ننقل ما كتبه بالعجمية (= الفارسية) إلى العربية. لا مَعاب على الناقل... فنبدأ « بالفصول الأربعة » التي ابتدأ الدعوة بها؛ وكتبها عجمية، فعرّبتها، قال (أي الحسن بن الصباح):
للمفتي في معرفة الباري تعالى أحدُ قوليْن: إما أن يقول: أعْرِفُ الباري تعالى بمجرد العقل والنظر، من غير احتياج إلى تعليم معلّم؛ وإما أن يقول: لا طريق إلى المعرفة مع العقل والنظر، إلاَّ بتعليم معلّم صادق. قال: ومن أفتي بالأوّل فليس له الإنكار

1079

على عقل غيره ونظره: فإنه متى أنكر فقد عَلّم، والإنكار تعليم، ودليل على أن المنكَر عليه يحتاج إلى غيره. قال: والقسمان ضروريان: فإن الإنسان إذا أفتى بفتوى أو قال قولاً فإما أنْ يقول مِنْ نفسه، أو من غيره. وكذلك إذا اعتقد عقداً: فإما أن يعتقده مِنْ نفسه، أو مِنْ غيره. هذا هو الفصل الأول، وهو كسْرٌ على أصحاب الرأي، والعقل.
وذكر في الفصل الثاني أنه إذا ثبت الاحتياجُ إلى مُعَلّم: أفيصلح كلُّ معلم على الإطلاق، أم لا بدّ من معلّم صادق؟ قال: ومَنْ قال إنه يصلح كل معلم، ما ساغ له الإنكارُ على معلِّم خصمه. وإذا أنكر فقد سلّم أنه لا بدَّ من مُعلّم معتمد صادق. قيل: وهذا كَسْرٌ على أصحاب الحديث.
وذكر في الفصل الثالث أنه إذا ثبت الاحتياج إلى معلم صادق: أفلا بدَّ من معرفة المعلم أولاً والظفر به ثم التعلم منه؟ أم جاز التعلم من كل معلم من غير تعيين شخصه وتبيين صدقه؟ والثاني رجوع إلى الأول.
ومن لم يمكنه سلوك الطريق إلاّ بمقدم ورفيق فالرفيق ثم الطريق. وهو كسر على الشيعة.
وذكر في الفصل الرابع أن النّاس فرقتان: فرقة قالت: يُحتاج في معرفة الباري تعالى إلى معلّم صادق، ويجب تعيينه وتشخيصه أولاً، ثم التعلم منه؛ وفرقة أخذت في كل علم من معلم وغير معلم. وقد تبيّن بالمقدمات السابقة أن الحق مع الفرقة الأولى. فرأسهم يجب أن يكون رأس المحققين. وإذا تبيّن أن الباطل مع الفرقة الثانية فرؤساؤهم يجب أن يكونوا رؤساء المبطلين. قال: وهذه الطريقة

1080

التي عرفتنا المحِق بالحق. عرفتنا(1) المُحِق بالحق معرفةً مجملة. ثم نعرف بعد ذلك الحق بالمُحِقّ معرفة مفصلة حتى لا يلزم دورانُ المسائل. وإنما عنى بالحق ها هنا الاحتياج، وبالمحق: المحتاج إليه. وقال: بالاحتياج عرفنا الإمام، وبالإمام عرفنا مقادير الاحتياج، كما بالجواز عرفنا الوجوب، أي واجب الوجود، وبه عرفنا مقادير الجواز في الجائزات. قال: والطريق إلى التوحيد كذلك، حذو القذة بالقذة.
ثم ذكر فصولاً في تقرير مذهبه: إمّا تمهيداً، وإمّا كَسْراًَ على المذاهب. وأكثرها كَسْرٌ، وإلزام، واستدلال بالاختلاف: على البطلان، وبالاتفاق: على الحق.
منها « فصل الحق والباطل »، والصغير والكبير. يذكر أن في العالم حقاً وباطلاً؛ ثم يذكر أن علامة الحق هي الوحدة، وعلامة الباطل هي الكثرة؛ وأن الوحدة مع التعليم، والكثرة مع الرأي. والتعليم مع الجماعة، والجماعة مع الإمام؛ والرأي مع الفرق المختلف، وهي مع رؤسائهم. وجَعَل الحق والباطل والتشابه بينهما من وجه، والتمايز بينهما من وجه، والتضاد في الطرفيْن، والترتيب في أحد الطرفيْن: ميزاناً يزن به جميع ما يتكلم فيه.
قال: وإنما أنشأت هذا « الميزان » من كلمة الشهادة وتركيبها من النفي والإثبات، أو النفي والاستثناء. قال: فما هو مستحق النفي: باطلٌ، وما هو مستحق الإثبات: حقُّ؛ ووزن بذلك الخير والشرّ والصدق والكذب، وسائر المتضادات.
ونكتته(2) أن يرجع في كل مقالة وكلمة إلى إثبات المعلم، وأن التوحيد هو التوحيد والنبوة معاً حتى يكون توحيداً؛ وأن النبوة هي النبوة والإمامة معاً حتى تكون نبوةٌ.
ــــــــــــــ
(1) في نسخة: عرفنا بها الحق.
(2) أيْ غايته الرئيسية.

1081

وهذا هو منتهى كلامه.
وقد مَنَع العوامَّ عن الخوض في العلوم، وكذلك الخواصَّ عن مطالعة الكتب المتقدمة، إلاَّ من عرف كيفية الحال في كل كتاب، ودرجة الرجال في كل علم.
ولم يتعدّ بأصحابه ـ في الإلهيات ـ عن قوله: إن إلهنا إله محمد. قال: أنا وأنتم تقولون: إلهنا إلهُ العقول، أي ما هدى إليه عقل كل عاقل. فإن قيل لواحد منهم: ما تقول في الباري تعالى، وأنه: هل هو واحد أم كثير، عالم قادر أمْ لا؟ لم يُجبْ إلاّ بهذا القدر: « إن إلهي إله محمد، « وهو الذي أرسل رسوله بالهدى » (سورة التوبة آية 33)؛ والرسول هو الهادي إليه ».
وكم قد ناظرتُ(1) القومَ على المقدمات المذكورة فلم يتخطوا عن قولهم: أفنحتاج إليك؟ أو نسمع هذا منك؟ أو نتعلم عنك؟
وكم قد ساءلت القوم في الاحتياج، وقلت: أين المحتاج إليه؟ وايش يقرّر لي في الإلهيات؟ وماذا يرسم لي في المعقولات؟ إذ المعلم لا يُعْنى لعينه، وإنما يُعْنَى ليُعلِّم. وقد سددتم باب العلم، وفتحتم باب التسليم والتقليد. وليس يرضى عاقلٌ بأن يعتقد مذهباً على غير بصيرة، وأن يسلك طريقاً من غير بيّنة. وإن كانت مبادئ الكلام تحكيمات، وعواقبها تسليمات، « فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حَرَجاً مما قضيت ويسلّموا تسليماً » (سورة النساء آية 64)(2) ».
ــــــــــــــ
(1) أي: أنا الشهرستاني.
(2) الشهرستاني (المتوفى سنة 548 ?): « الملل والنحل »، بهامش « الفصل » لابن حزم، ? 2، ص 33 ـ ص 36. القاهرة، 1321 ?؛ ? 1، ص 437 ـ 447، نشرة محمد بن فتح الله بدران، القاهرة مطبعة الأزهر سنة 1951.

1082

وكان الشهرستاني (ولد سنة 479 ?، وتوفي سنة 548 ?) معاصراً للحسن الصبّاح أصغر منه سنّاً، وقد عاصر أحداث الباطنية الرئيسية مع السلاجقة، وعاش في منطقة قريبة من دولتهم.
وواضح من هذا التلخيص ـ إذ هو تلخيص موجز جداً، وليس تعريباً للأصل كما زعم الشهرستاني في أول كلامه ـ أن الجديد في دعوة الحسن بن الصباح هو التمسك بالتعليم من معلّم هو الإمام، وإنكار المعرفة العقلية.
وقد أشار إلى هذا أبو حامد الغزالي في « فضائح الباطنية » فقال، وهو يعدد ألقابهم، ويذكر أخيراً لقب التعليمية:
« وأما التعليمية فإنهم لقبوا بذلك لأن مبدأ مذاهبهم إبطالُ الرأي وإبطالُ تصرف العقول، ودعوةُ الخلق إلى التعليم من الإمام المعصوم، وأنه لا مدرك للعلوم إلاّ التعليم. ويقولون في مبتدأ مجادلتهم: الحق إما أن يُعْرَف بالرأي، وإمّا أن يُعْرَف بالتعليم. وقد بَطَل التعويل على الرأي لتعارض الآراء وتقابل الأهواء واختلاف ثمرات نظر العقلاء؛ فتعيّن الرجوعُ إلى التعليم والتعلّم. وهذا اللقب هو الأليق بباطنية هذا العصر، فإن تعويلهم الأكثر على الدعوة إلى التعلم وإبطال الراي وإيجاب إتباع الإمام المعصوم، وتنزيله ـ في وجوب التصديق والاقتداء به ـ منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم(1) ».
وقد خصص الغزالي الباب السادس (ص 73 ـ ص 131) للرد عليهم في هذه النقطة، فاستوفاه وقسمه قسميْن: ردّ إجمالي، ورد تفصيلي؛ وهذا الباب من خير ما كتبه الغزالي في هذا الموضوع.
والواقع أننا لم نجد ـ فيما رجعنا إليه من مصادر ـ ما يدلّ على
ــــــــــــــ
(1) أبو حامد الغزالي: « فضائح الباطنية »، ص 17، تحقيق د. عبد الرحمن بدوي، القاهرة، سنة 1964 م.

1083

أن مذهب التعليم كان عقيدة أساسية عند الإسماعيليّة قبل عهد الحسن بن الصبّاح، أي قبل العشرين سنة الأخيرة من القرن الخامس الهجري. صحيح أن الشيعة الاثنا عشرية تنطوي مبادؤهم على فكرة التعليم، لارتباطها بفكرة الإمام المعصوم ولهذا السبب أنكروا في الفقه الرأي والقياس لأنهما يقومان على العقل. ولهذا نجد الحسن بن الصبّاح يأخذ عليهم بعض مآخذ في نظريتهم في التعليم، كما رأينا في النص الذي أورده الشهرستاني، إذ يذكر في تلخيص الفصل الثالث من « الفصول الأربعة » للحسن بن الصبّاح أن هذا يأخذ على الشيعة أنهم يقولون بضرورة الأخذ عن معلم؛ وهذا يقتضي معرفة المعلم أولاً والظفر به من أجل أن يكون في الوسع الأخذ عنه. فمن أين لنا أن نعرف المعلم إلاّ بمعلّم يدلّنا عليه، ما دامت المعرفة لا تؤخذ إلاّ من معلّم؟ وهذا يؤدي إما إلى الدور، أو إلى التسلسل، وكلاهما باطل.
وهكذا ينتهي الحسن بن الصبّاح إلى بيان أن موقف الشيعة نفسها موقف حَرِج: لا معرفة إلاَّ من الإمام، ولكن لا تحديد للإمام إلاّ بإمام أو بالعقل. والثاني يناقض كون المعرفة لا تتم إلاّ بالتعليم من إمام. والأول يتسلسل.
غير أنه لا يستطيع حل المشكلة: فكل ما يقوله في الفصل الرابع من فصوله الأربعة هو أننا نعرف الإمام بالاحتياج، كما نعرف واجب الوجود بالإمكان. ولكن ماذا يقصد بالاحتياج؟ هل يقصد: من يشعر الناس بالحاجة إليه ـ أي الزعيم الذي يفرض نفسه ويُشْعر الناس بالحاجة إليه؟
ربما يكون هذا قصده؛ ولكن هذا يبعدنا تماماً عن جو الإسماعيليّة التي تقول بالنص من إمام إلى مَنْ يخلفه، ويقترب من نظرية الخوارج

1084

في إمامة الأفضل؛ وهذا أبعد ما يكون عن الفكر الشيعي بعامة، والإسماعيليّة بخاصة.
ولا نستطيع أن نتوسع أكثر من هذا في تقرير ما يذهب إليه الحسن بن الصبّاح، لأن ما أورده الشهرستاني هو مجرد تلخيص موجز، وليس فيه إيضاح كافٍ لرأي الحسن بن الصباح في هذه النقطة.
على أن كتاب « روضة التسليم(1) » يذكر لنا رأياً آخر للحسن بن الصباح، وهو أن كل إمام مستقل في رأيه عن أي إمام آخر يسبقه، وبهذا ينكر الالتزام بما قرره الأئمة السابقون. وقد يفسر هذا ما نسب إلى الخليفة الفاطمي الآمر بالله من أنه اتهم الإسماعيليّة النزارية بالاعتقاد بحرية اختيار الإمام(1).

* * *

ــــــــــــــ
(1) نصير الدين الطوسي: « روضة التسليم » أو « التصورات »، نشره وترجمه ايفانوف، ليدن، سنة 1950، ص 118 ـ 119.: « الهداية الآمرية »، ص 28 نشرة علي أصغر فيضي، لندن، سنة 1938.

1085


دولة ألموت بعد وفاة الحسن بن الصباح

لما توفي الحسن بن الصبّاح في 6 ربيع الثاني سنة 518 ? تولى رئاسة الإسماعيليّة في ألموت وسائر قلاع الجبل: بزر?ث أميد، وقد تميّز عهده بالحروب مع السلاجقة وتدهور قوة الإسماعيليّة في قلاع كثيرة، مما أدى إلى انحسار دولة ألموت. وكان رؤساء الإسماعيليّة في القلاع المختلفة يتوارثون رئاسة القلعة الواحدة ولداً عن والد، كما هي الحال في طريثيث مثلاً، وإنْ لم تكن هذه القاعدة مطردة في كل الأحوال.
وفي عهد بزر?ث أميد استمر الإسماعيليّة في مواصلة سياستهم الأساسية، وهي الاغتيال الفردي، فقتلوا، كما ذكرنا، ثلاثة قضاة، وبعض القواد العسكريين في المنطقة الممتدة جنوبي بحر الخزر وشمالي إيران؛ كما قتلوا الخليفة العباسي الراشد.
ولكنهم لم يتوسعوا في الاستيلاء على مزيد من القلاع، فيما عدا مرتيْن هاجموا فيهما جرجيان، وجيلان.
وتوفي بزر?ث أميد في 26 جمادى الأولى سنة 532، وخلفه ابنه محمد بن بزر?ث أميد. وفي عهده استمر قتالهم مع السلاجقة. ذلك أن الإسماعيليّة قتلوا جوهراً، وهو أحد الأمراء في معسكر السلطان

1086

سنجر. فقام العباس، نائب جوهر في الرىّ، بالانتقام له، فذبح عدداً من الإسماعيليّة في الريّ. غير أن عبّاساً قتل هو الآخر وهو في زيارة إلى سلطان العراق السلجوقي، وكان قتله فيما تزعم المصادر الإسماعيليّة على يد الإسماعيليّة. لكن حدثت بعد ذلك هدنة بينهم وبين سنجر، استمرت إلى قبيل نهاية حكم محمد بن بزر?ث أميد. وفي نفس الوقت حدث قتال بين إسماعيلية قهستان وبين ابن أنز، استمر ست سنوات (ابن الأثير، حوادث سنوات 545، 546، 549، 551، 554).
على أنه في داخل دولة محمد بن بزر?ث أميد بدأ الصراع الداخلي بين الإسماعيليّة أنفسهم. وكان لابنه الحسن، الذي سيخلفه، دور في هذا الاضطراب. ذلك أن الحسن الثاني هذا أراد العودة بالإسماعيليّة في ألموت إلى عهد الحسن بن الصبّاح بما كانت عليه من حيوية. ثم أنه كان ذا عقلية فلسفية قوية. فراح ـ فيما يروي رشيد الدين ـ يدرس مؤلفات كبار المفكرين الإسماعيليّين السابقين، والفلاسفة، وخصوصاً كتب ابن سينا؛ وكتب التصوف. وبدأ في الدعوة إلى تأويل روحيّ للإسماعيلية مختلف عما ألفته الإسماعيليّة في عهد أبيه وجده ـ وكان فصيحاً، عالماً، فاستطاع التأثير في أتباع الإسماعيليّة في ألموت وقلاع الجبل، وأصبحت له عندهم مكانة كبيرة. ويبدو أن بعض هؤلاء قد أخذوا يمجدونه إلى درجة أن يزعموا أنه هو الإمام المنتظر. فاضطر أبوه إلى وقف هذه الحركة، قائلاً إن الإمام يجب أن يكون ابن إمام، والحسن ليس كذلك. بل يروى أنه اضطر إلى قتل 250 من أنصار الحسن ونفي مثلهم.
ثم توفي محمد بن بزر?ث أميد في 3 ربيع الأول سنة 557 ? بعد أن حكم دولة الإسماعيليّة في ألموت أربعة وعشرين عاماً (1138 ـ

1087

1162 م) ولقب « شيخ الجبل ».
فتولى زعامة الدولة الألموتية ابنه الحسن، المعروف بالحسن الثاني. وقد بدأ حكمه بإطلاق سراح عدد من الأسرى من الريّ وقزوين. وخفف من التشدد الديني في ألموت، ولم يعد يعاقب على اقتراف الذنوب المخالفة للشريعة. وبدأ من ثم، وبعد عاميْن ونصف عام من حكمه، في نشر اصلاحاته. ذلك أنه في يوم 17 رمضان سنة 599 دعا كل الأهالي في مملكته للاجتماع في رحبات الصلاة عند سفح قلعة ألموت. وأمر برفع أربعة ألوية كبيرة ذات أربعة ألوان: أبيض، أحمر، أصفر، وأخضر، في زوايا المنبر الأربع.
ونزل الحسن الثاني، « على ذكره السلام » (وهذا هو اللقب الذي سيطلق عليه)، من القلعة عند الظهر مرتدياً رداء أبيض ومعتماً بعمامة البيضاء، ووصل المنبر من الناحية اليمنى، وصعد. وألقى السلام ثلاث مرات: الأولى للديلميين (في الوسط)، ثم عن يمين (لأهل قهستان)، ثم عن شمال (للقادمين من العراق). ثم جلس لحظة، ونهض بعدها، ورفع سيفه وقال بصوت عالٍ: « يا سكان العالمين، من الجن والناس والملائكة أجمعين! »! وقال لهم إنه جاءه شخص سرّاً من عند الإمام المستور، يحمل رسالة منه فيها بيان للإيمان. وقرأها عليهم، وعند نهاية الكلمة قال لهم: « إن إمام الزمان يبعث إليكم ببركاته ورحمته، ويقول إنك خاصة أتباعه. وقد رفع عنكم تكاليف الشريعة وجاءكم بالقيامة.
ثم ألقى خطبة باللغة العربية، زاعماً أنها من كلام الإمام المستور؛ وأمر محمد البستي بترجمتها إلى الفارسية. ومضمون هذه الخطبة ما يلي: « إن الحسن بن محمد بن بزر?ث أميد هو خليفتنا، وداعينا، وحُجّتنا؛ وعلى شيعتي أن تطيعه في أمور الدنيا والآخرة، وأمره

1088

لا يرد، وكلمته كلمتنا. وليعلموا أن مولانا شفع لهم وقرّبكم إلى الله ». وقرأ رسالة بهذا المعنى مشحونة بمثل هذه الألفاظ، ثم نزل من المنبر، وصلّى ركعتي العيد. ثم مد سماطاً وأجلس الناس ليفطروا من الصيام. فأكلوا واستمتعوا كما يستمتع في الأعياد. وقال لهم: « اليوم هو العيد » ـ مع أن اليوم كان يوم 17 رمضان.
ومنذ ذلك التاريخ أطلق الإسماعيليّة في ألموت على يوم 17 رمضان اسم « عيد القيامة ». وصاروا يحتفلون به في كل عام ويشربون ويفرحون(1).
وبعد ذلك الإعلان الأول بأسبوعيْن، أصدر بياناً ثانياً في مؤمنأباد بقهستان. فرتب المنبر على نفس الترتيب وقرأ رسالة أخرى أعلن فيها أنه كما أن المستنصر كان خليفة الله في الأرض فكذلك الحسن الثاني هو خليفة الله على الأرض وأن الرئيس مُظَفّر هو خليفة الحسن في قُهِسْتان، ويجب إطاعته في كل شيء.
وهكذا أتى الحسن الثاني بثلاثة تجديدات، ما لبث النزارية في كل مكان أن قبلوها على درجات متفاوتة:
1 ـ الأول أنه أعلن نفسه خليفة لله في أرضه، ولم يعد مجرد داعٍ كما كان أسلافه في ألموت؛
2 ـ وأنه نسخ حكم الشريعة؛
3 ـ وأنه أعلن قيامة الموتى، ونهاية الدنيا، وأن الذين استجابوا لدعوته قد بعثوا الآن للحياة الباقية، وأن من لم يستجيبوا له قضي عليهم بالفناء.
ــــــــــــــ
(1) انظر رشيد الدين، ورقة 304 من المخطوط رقم 7628 في المتحف البريطاني.

1089

وابتداءً من هذه اللحظة لقبه المستجيبون له بلقب: « على ذكره السلام! ».
ويذكر رشيد الدين أنه بعد أن أعلن الحسن الثاني هذا البيان بعث برسائل، بعضها سرّاً، يعلن فيها أنه الإمام على الحقيقة، وإنْ لم يكن كذلك ظاهرياً. إنه من نسل نزار روحياً. ومن هنا يمكن القول بأنه الإمام روحياً، تلافياً لاشتراط أن يكون الإمام من نسل علي بن أبي طالب.
ولما كان قد أعلن قيامة الموتى فقد صار هو « قائم القيامة ». أي الحكَمَ بين الناس يوم القيامة. وكتاب « هفت باب أبي اسحق » يمجد الحسن الثاني باعتباره « قائم القيامة ». ومهمة « القائم » هي إيجاد الجنة على الأرض: فتسقط التكاليف، ولن يكون على الأرض شغل ولا مرض، والولادة لن تحدث إلاّ في الربيع(1). وفي الوقت الذي يأتي فيه القائم، لا بد للناس أن يقرّوا بالإمام؛ إذ حين يجيء القائم، لن يكون ثم وقت للتوبة، وسيَفنى كل الذين لم يؤمنوا به. وهنالك تعود نفسُ الكل إلى الاتحاد بعقل الكل؛ وسيحدث سكون وسلام، وسيلقى المؤمنون خير الجزاء(2).
وبمجيء القائم تزول مبررات التقية، وما تستتبعه من التظاهر بالعمل بالتكاليف الشرعية. ولهذا دعا الحسن الثاني إلى إسقاط التكاليف علناً؛ وأوغل في هذا الاتجاه إلى حد أنه كان يعاقب من يتبع التكاليف الشرعية. ويقول الجويني(3) إن ذلك كان سبباً في نفور كثير من أتباعه منه
ــــــــــــــ
(1) راجع Strothmann : Gnosistete, 1941-3, A, I.
(2) انظر ناصر خسرو: « وجه دين »، ص 131، 153.
(3) الجويني: ترجمة دفريمري في « المجلة الآسيوية » JA سنة 1860، ص 210.

1090

وتركهم له، واضطر الباقون الذين بقوا معه إلى العمل بإسقاط التكاليف الشرعية، على الأقل في الظاهر.
وبعد أن أعلن الحسن الثاني يوم القيامة بعام ونصف قتله حسين ناماور، صهره؛ وحسين ناماور هذا كان شيعياً من البويهيين الذين كانوا يسيطرون على غربي إيران في القرن الرابع في نفس الوقت الذي كانت فيه الخلافة الفاطمية في أوجها في مصر. ويرى رشيد الدين أن السبب في قتل حسين ناماور للحسن الثاني هو مقاومة فكرة القيامة ومحاولة إعادة الإسلام إلى صفائه مستنداً إلى الشريعة، ولكن على مذهب الشيعة الاثنى عشرية.
وكان مصرع الحسن الثاني في يوم الأحد 6 ربيع الأول سنة 561 بعد أن حكم أربعة أعوام (557 ـ 561 ? = 1162 ـ 1166 م).
وخلفه ابنه محمد الثاني، وهو في التاسعة عشرة من عمره. وقد استطاع رغم شبابه أن يمسك بزمام الأمر بحزم وقوة، وأرغم أتباعه على الاعتراف به إماماً، وسيدوم ملكه أربعة وأربعين عاماً، كرّسها لتعمق آراء أبيه.

إعلان القيامة

ونورد فيما يلي ترجمة لما أورده كتاب « هفت باب بابا سيدنا »، الذي كتب في عهد محمد الثاني، ابن الحسن الثاني، وقد نشره ايفانوف سنة 1933 ضمن مجموعة « رسائل إسماعيلية قديمة »(1):
ــــــــــــــ
(1) Vladimir Ivanow: Two Early Ismaili Treatises. Islamic Research Association Series, Vol. II, Bombay, 1933.

1091

(الفصل الثالث ـ القسم الثاني)

ينبغي فحص ألفاظ الخطبة الشريفة. حين قال مولانا علي (عليه السلام) إني سأرفع منبراً في مصر، فإنه رفعه هناك؛ وسأستولي على دمشق، فإنه استولى عليها؛ وبعد ذلك سأذهب إلى الديلمان، فإنه ذهب إلى هناك. لكن ينبغي أن يكون للمرء عين لا ترى نفسها، وتراه هو. وكلماته عزَّ وعلا! ـ لا تتناقض. وحين ينفخ في صور القيامة مرّتيْن، سيكون نفخه من الديلمان؛ ودعوة القيامة، وهي شمس عصرها، ستشرق هناك؛ وعين الشمس ستكون هناك، وإلاّ فأين تكون!
ولن يختفي النور عن أية مدينة. ربما قال قائل إن عين شمس السماء في الأرض، وقد قطعت عن فلكها. هذا محال، لا يقول به عاقل. لكن إن كان محالاً بالنسبة إلى الحس الخارجي أن يقطع النور ويفصل من شمس السماء، التي هي جرم بين أجرام، فكذلك من المحال بالنسبة إلى القيامة (أي بالنسبة إلى الحقيقة) أن يقطع النور ويفصل من الشمس، التي هي الدعوة المباركة. هذه محالات: الأولى محال في التأويل، والثانية محال في الكل، في الحقيقة.
ثم إن حكم الشريعة مشترك بين الله والناس، لكن حكم القيامة خاص بالله العظيم ذي البهاء. والناس لا يشاركون في الألوهية من كون القيامة؛ وليس عندهم، عن هذا الملكوت، أية علامة أو وجود لأنفسهم. ولهذا فإنه من المحال في زمان الشريعة أن يختفي؛ وفي زمان القيامة يفصل بين الأول والأخير.
والنبي ـ عليه السلام! ـ قال: « قزوين باب الجنة »، أي أن قزوين أحد أبواب الجنة. فلما كانت قزوين باب الديلمان، فإن الديلمان هي الجنة. وكل الناس في العالم يرجون وهم واثقون أن

1092

الرب تعالى سيدخل الأبرار في الجنة ويلقي بالأشرار في النار. فمن المحال إذن أن يجعل حضرة مولانا الأبرار يدخلون الجنة ويصيرون بين الأشرار في النـار ويستترون في زاوية. « ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار » (البقرة 201). وهم قالوا إن أهل الجنة سيرون الله في الجنّة، وأهل النار في النار.
ودليل آخر: إن زمان القيامة الذي كان قبل آدم استمر إلى هذا الوقت الذي نحن فيه الآن. وعلى الرغم من أن القيامة أبدية، فإنها بالنسبة إلى الشريعة تتجدد (في الزمان). وكل الصالحين من الناس أشاروا إلى الحجة الأكبر وذكروا أنباءً حسنة قائلين إن الحجة والقائم سيكونان في المكان الذي شهد به الأولياء والأوصياء والأنبياء وأولو العزم ـ شهدوا به لكل المؤمنين.
وحضرة بابا سيدنا حسن الصبّاح ـ قدس الله ضريحه وتباركنا به ـ كان أكبر حجة لقائم القيامة، وكان عيسى زمان القيامة، الذي ينير عمل أبيه. وسيدنا ـ قدس الله ضريحه ـ يقول إنه حين يظهر القائم فإنه سيضحّي بحمل، ويأتي براية حمراء. ثم يخرّب مولانا القلاع، ويرفع حجاب التقية التي هي باب الشريعة، ولن تكون نهاية في عالم الأيس والليس. وفي الظاهر (با حكم ظاهر = بحسب الظاهر) سيقتل كل أصحاب القائم. وقد رأيت كل هذه الأنباء العظيمة في حضرة « على ذكـره السلام »: ان سيدنا حسن أرسل حـامداً رسولاً إلى (من) « على ذكره السلام » طاعة وخضوعاً، وطلب منه المغفرة. وعلى المرء أن يقرأ « فصل » ده ـ خداوند إلى الحسين بن عبد الملك حتى يعرف هذه المسألة.
وحتى خاتم التقية الذي ختم به حضرة مولانا على قلوب الناس منذ زمان القيامة: لقد مزّق الخاتم الإلهي، ونسخ حكم الشريعة، مهما

1093

كانت شجاعة الناس لفعل ذلك. ولو أراد إنسان آخر أن يفعل ذلك، فيجب على المرء أن يعتبر أنه يزيل هذا (الخاتم) قبل القرآن نفسه. وهذا عسير إلاَّ إذا جاء مولانا ـ عزّ وعلا ـ وأزاله. لقد جاء، ونسخ حكم التقيّة التي فرضها، وحكم الشريعة التي فرضها. ألم يقل حضرة: إنني قلت ووعدت بأن أرفع حجاب التقية من وجه الأمور بقوة؛ وقد نفذت وعدي.
ألم يعدّد سيدنا « على ذكره السلام » في نهاية فصل القاضي مسعود ـ حدود الدين، ثم قال: لست هذا ولا ذاك؟ فأجابوه بأن قالوا إن كنت نبياً فأرنا معجزة. فقال: حاشا لله، لأن ذلك سيتسبب في عقاب الناس. فقالوا له مرة أخرى: إن كنت حُجّة الله فآت بحجة. فقال: حاشا لله؛ لكني أنا حجة الله، وسبب عدم الناس. وبين الحدود التي حددها قال إنني لست هذا ولا ذاك؛ لكنه لم يقلْ إنني لست قائم القيامة، وسيد الكائنات.
وفي الفصل إلى الأمير حيدر مسعود يقول... (بياض في المخطوط) ـ وهذه الطريقة في التفكير هي طريقة من هو نائب وقاضي لديني؛ وهذا سرّ لا ينكشف. والميلاد الطاهر لحضرة حسن (تقدس اسمه) تَمَّ في الظاهر بعد زمان طويل وسنوات عديدة. وفي الفصل العربي الذي تلاه « على ذكره السلام »، لما قال « إنني أطوي عالم الزمان والمكان »، أراد أن يكشف جزئياً عن سرّ حاله. وبعد ذلك كان حضرة محمد (تقدس اسمه) ـ بعد حضرة حسن (أضاء جلاله)؛ وقال في نهاية « تفسير سيدنا حسن الكبير من البداية إلى النهاية »: إن البداية والنهاية فيه. ولا بدَّ من التفكير في هذه المسألة.
وحضرته (تقدّس) يقول: ولمن قام سيدنا بالدعوة بين الناس؟

1094

ألم يقمْ بالدعوة من أجل مولانا « على ذكره السلام »؟ إن مولانا كان من ذلك الوجه الذي قال عنه: « كل شيء هالك إلاَّ وجهـه » (سورة القصص آية 88). وكان اليد، التي قـال عنها: « يد الله فوق أيديهم » (سورة الفتح آية 10). وفي موضع آخر قال « جَنْب الله » (سورة الزمر آية 56) هو طبيعتي وجنبي. وطوال ذلك اليوم تكلم باللغة العربية، وفي هذا الفصل قال بالفارسية: لو أن مخلوقاً ادعى الألوهية، وجعل ناساً آخرين يبلغون مرتبة الألوهية ـ وكذلك إذا ادعى بالنيابة عن شخص ليست له هذه المرتبة وادعى هذا الادعاء بدون معنى، قائلاً أما حجة القائم ـ فإنني سأقول له: لا حق لك في دعواك. فهذا حق واجب الوجود، مالك العالمين.
وتكلم مع كل أصناف الناس بقصد أن يقرر أنه سبب كل عالم (من هذه العوالم): مثلاً، يقول لأهل التضاد إنه سبب وجود عالم التضاد، ولأهل الترتب يقول إنه سبب وجود عالم الترتب، ولأهل الوحدة يقول إنه سبب وجود عالم الوحدة؛ وهو ينقذ الناس من التخبط، ويجعل أهل الوحدةِ يصلون إلى توحيده.
ويقول « مولانا على ذكره السلام »: « أنا عبد من عباد الله، وأخو الرسول » ـ أي أنني عبد من عبيد الحضرة، وأخو حضرة رسول الله. وقال أيضاً إذا عرف « خداوند » بهذه الطريقة، فلا كفر أشد من هـذا. وينبغي أن يسمى مولانا: الدرة اليتيمة (أي الذي لا نظير لها)، لأنه أخرج فصولاً عن حـدود العقل. وبالجملة، فهنـاك أدلة كثيرة من هذا النوع على « خداوندية » مولانـا على ذكره السلام؛ ولكن يكفي العاقل هذا القدر، وإلاَّ لما انتهى الأمر.(1) »
ــــــــــــــ
(1) « هفت باب بابا سيدنا »، ص 19 ـ 23، نشرة ايفانوف، بومباي، سنة 1933.

1095


النزارية والمستعلية

وهنا ينبغي علينا أن نعرض بإيجاز ما جرى للإسماعيلية في مصر وسوريا:
بلغت الدعوة الإسماعيليّة الفاطمية ذروة مجدها في عهد الخليفة المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر، الذي ولد في 16 جمادى الآخرة سنة 420 ? في القاهرة، وبويع بالخلافة في 15 شعبان سنة 427 ? وهو في السابعة من عمره، وتوفي في 28 ذي الحجة سنة 487 ? فكأنه بقي في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر. وفي عهده حدثت مجاعات شديدة. وهو الذي أرسل علي بن محمد الصليحي (حكم بين سنتيْ 429 ـ 473 ?) للدعوة له باليمن، وبعث إليه بمال النجوى (وكانت قيمة النجوى عن كل فرد 3/1 3 درهم). ولما وقعت الحروب والثورات استقدم أمير الجيوش بدر بن عبد الله الجمالي، وأسند إليه منصب الوزارة، وأسندت إلى بدر رئاسة الدعوة الإسماعيليّة، وصار الحاكم الفعلي في مصر، وكان مقدمه في سنة 466 ?.
كذلك أرسل المستنصر الداعي الحارث أرسلان البساسيري لتولي الدعوة في بغداد، حوالي سنة 448 ?، فقام يدعو للمستنصر واستطاع

1096

أن يأخذ بغداد ويقيم الخطبة فيها للمستنصر، وفرّ الخليفة العباسي القائم بأمر الله إلى عانة. وفي سنة 451 أقيمت الدعوة للمستنصر بالبصرة وواسط. لكن طغرل السلجوقي قدم إلى بغداد، وأعاد الخليفة القائم بأمر الله، بعدما خُطِب للمستنصر ببغداد أربعون خطبة؛ وقتل البساسيري في سنة 451 ?.
وفي سنة 459 ? اغتيل الصليحي، رئيس دعاة اليمن، فأسندت رئاسة الدعوة في اليمن لابنه « المكرم أحمد »، الذي تزوج داعية صنعاء، السيدة الحرة بنت أحمد بن جعفر بن موسى الصليحي، وسلمها زمام الأمر، فكان لها شأن كبير في تثبيت دعائم الدعوة الإسماعيليّة في اليمن.
ولما مات المستنصر أقام الأفضل بن أمير الجيوش بدر الجمالي في الخلافة من بعده ابنه: المستعلي بالله أبا القاسم أحمد. وهنا يقول النزارية إن المستنصر نصّ على أن يخلفه ابنه نزار، المولود في 10 ربيع الأول سنة 437 ? بالقاهرة، وكان ذلك العهد بالخلافة في سنة 480 ?. ولكن الأفضل بن بدر الجمالي وكان خال المستعلي، خاف من تولي نزار أن يضيع نفوذه، فعمل على تولية أخيه المستعلي. يقول المقريزي في ذلك: « لما مات الخليفة المستنصر بالله أبو تميم معد ابن الإمام الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي، ابن الحاكم بأمر الله أبي علي منصور في ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة بادر الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالي إلى القصر، وأَجْلَس أبا القاسم، أحمد بن المستنصر، في منصب الخلافة، ولقّبه: المستعلي بالله. وسيّر إلى الأمير نزار والأمير عبد الله والأمير إسماعيل: أولاد المستنصر، فجاءوا إليه. فإذا أخوهم أحمد (= المستعلي) وهو أصغرهم، قد جلس على سرير الخلافة. فامتعضوا لذلك وشقّ عليهم. وأمرهم الأفضل بتقبيل الأرض وقال لهم:

1097

قَبّلوا الأرض لمولانا المستعلي بالله وبايعوه، فهـو الـذي نصّ عليه الإمام المستنصر قبل وفاته بالخلافة من بعده. فامتنعوا من ذلك، وقال كل منهم إن أباه قد وعده بالخلافة. وقال نزار: « لو قُطّعتُ ما بايعتُ مَنْ هو أصغر مني سِنّاً، وخطُّ والدي عندي بأني وليُّ عهده، وأنا أُحضِره ». وخرج مسرعاً ليحضر الخط. فمضى لا يدري به أحد، وتوجّه إلى الإسكندرية. فلما أبطأ مجيئه بعث الأفضل إليه ليحضر بالخط، فلم يَعِ له خبراً. فانزعج لذلك انزعاجاً عظيماً.
وكانت نُفرة نزار من الأفضل لأمور: (منها) أنه خرج يوماً، فإذا بالأفضل قد دخل من باب القصر وهو راكب. فصاح به نزار: « انزلْ يا أرمني الجنس! » فحقدها عليه، وصار كلّ منهما يكره الآخر. و(منها) أن الأفضل كان يعارض نزاراً في أيام أبيه، ويستخفّ به ويضع من حواشيه وأسبابه ويبطش بغلمانه. فلما مات المستنصر خافه لأنه كان رجلاً كبيراً وله حاشية وأعوان. فقدّم (أي الأفضل) لذلك أحمدَ بن المستنصر (= المستعلي) بعدما اجتمع بالأمراء وخّوفهم من نزار. وما زال بهم حتى وافقوه على الإعراض عنه. وكان من جملتهم محمود بن مصال، فسيّر خفيةً إلى نزار وأعلمه بما كان من اتفاق الأفضل مع الأمراء على إقامة أخيه أحمد وإدارته لهم عنه. فاستعد للمسير إلى الإسكندرية هو وابن مصال.
فلما فارق الأفضلَ ليحضر إليه بخط أبيه، خرج (= نزار) من القصر متنكراً، وسار هو وابن مصال إلى الإسكندرية، وبها الأمير نصر الدولة أفتكين، أحد مماليك أمير الجيوش بدر الجمالي. ودخلا عليه ليلاً، وأعلماه بما كان من الأفضل، وتراميا عليه. ووعده نزار بأن يجعله وزيراً مكان الأفضل. فقبلهما أتمَّ قبول، وبايع نزاراً. وأحضرَ أهل الثغر (= الإسكندرية) لمبايعته، فبايعوه.

1098

ونعَته ? « المصطفى لدين الله ».
فبلغ ذلك الأفضلَ. فأخذ يتجهز لمحاربتهم. وخرج في آخر المحرم سنة ثمان وثمانين (وأربعمائة) بعساكره. وسار إلى الإسكندرية. فبرز إليه نزار وأفتكين. وكانت بين الفريقيْن عدة حروب شديدة، انكسر فيها الأفضل، ورجع بمن معه منهزماً إلى القاهرة.
فقوي نزار وأفتكين، وصار إليهما كثيرٌ من العرب. واشتد أمر نزار وعظُم، واستولى على بلاد الوجه البحري. وأخذ الأفضل يتجهّز ثانياً إلى المسير لمحاربة نزار، ودسّ إلى أكابر العربان ووجوه أصحاب نزار وافتكين، وصاروا إلى الإسكندرية. فنزل الأفضلُ إليها، وحاصرها حصاراً شديداً، وألحّ في مقاتلتهم، وبعث إلى أكابر أصحاب نزار، ووعدهم.
فلما كان في ذي القعدة وقد اشتد البلاء من الحصار، جمع ابن مصال ماله وفرّ في البحر إلى جهة بلاد المغرب. ففتّ ذلك في عضد نزار وتبيّن فيه الانكسار. واشتدّ الأفضل وتكاثرت جموعه. فبعث وقَبَضَ على نزار وأفتكين، وبعث بهما إلى القاهرة.
فأمّا نزار فإنه قُتِل في القصر بأنْ أقيم بين حائطيْن بُنيا عليه، فماتَ بينهما. وأما أفتكين فإنه قتله الأفضل بعد قدومه.(1) »
هذه هي الرواية التاريخية الصحيحة. أما المصادر الإسماعيليّة النزارية، فتزعم أن نزاراً تمكن من مغادرة الإسكندرية سرّاً أثناء الحصار، واتجه إلى بلاد فارس، حيث استقر به المقام في جبال الطالقان، وأسس الدولة النزارية هناك. وينقل مصطفى غالب رواية مفصلة عن كتاب يدعى « الأخبار والآثار » للداعي المغربي الشيخ
ــــــــــــــ
(1) المقريزي: « الخطط »، ? 1، ص 422 ـ 423، طبع مطبعة بولاق، القاهرة سنة 1270.

1099

محمد أبي المكارم ذكر فيه قصة فرار نزار من الإسكندرية، ورد فيه ما يلي: « عندما اشتد الحصار على الإسكندرية مِنْ قِبَل الجاحد المارق الزنديق الأرمني الأفضل، غادرها مولانا الإمام نزار عليه السلام مع أهل بيته متخفياً بزيّ التجار نحو سجلماسة، حيث مكث عند عمته هناك بضعة أشهر، حتى عادت إليه الرسل التي أوفدها لإبلاغ الحسن بن الصبّاح عن محل إقامته. فسار إلى جبال الطالقان مع أهل بيته ومَنْ بقي معه من دعاة وخدم، حيث استقر بقلعة ألموت بين رجال دعوته المخلصين، وعمل مع الحسن بن الصبّاح على تأسيس الدولة النزارية. وبعد أن تم له ذلك أصابه مرض شديد، استدعى على أثره دعاته، ونصَّ على إمامة ابنه « علي »، وذلك سنة 490 ?، وتوفي في اليوم الثاني ودفنه في قلعة ألموت(1) ».
وهذه الرواية، وليس لها أيّ سند تاريخي، ولم يذكرها أي مؤرخ، قصد من اختراعها إلى الربط بين نزار وبين إسماعيلية إيران في ألموت وسائر القلاع الإسماعيليّة التي أتينا على ذكرها.
* * *
المهم أن الإسماعيليّة الفاطمية قد انقسمت من ذلك التاريخ، أي سنة 488 ?، إلى فرقتيْن رئيسيتيْن: النزارية، وتطعن في إمامة المستعلي؛ والمستعلية وترى صحّة خلافته.
والنزارية صارت قاعدتها الأساسية في شمال إيران، وصار لها أنصارها في سورية والعراق والهند.
ــــــــــــــ
(1) مصطفى غالب: « تاريخ الدعوة الإسماعيليّة »، ص 183، دمشق، دار اليقظة، بدون تاريخ (سنة 1953). وقد أصلحنا الأغلاط النحوية والاملائية، والغريب أن كتابته وكذلك كتابة عارف تامر حافلة بأفحش الأخطاء النحوية والإملائية واللغوية لدرجة مذهلة هذا فضلاً عن اللعب بالنصوص التي ينقلون عنها، والأخطاء التاريخية التي لا حصر لها.

1100

أما المستعلية فقد بقيت لها الخلافة الفاطمية في مصر والشام. فظل المستعلي في الخلافة حتى توفي (وقيل إنه سمّ، وقيل إنه قُتِل سرّاً) في سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وعمره 27 سنة و27 يوماً، ومدة خلافته سبع سنين وشهران. وفي أيامه اختلّت أحوال الدولة، وانقطعت الدعوة الإسماعيليّة من أكثر مدن الشام، بعد أن استولى على بلاد الشام السلاجقة والصليبيون وتنازعوها فيما بينهم.
ولما مات المستعلي أقام الأفضل من بعده في الخلافة ابنه الآمر بأحكام الله أبا على منصوراً، وعمره 5 سنوات وشهر وأيام. وفي أيامه قُتِل الأفضل سنة 517 ? وبقي الآمر في الخلافة تسعاً وعشرين سنة و8 أشهر ونصفاً، إذ قُتِل في 14 ذي القعدة سنة 524 ?. وفي أيامه ملك الصليبيون كثيراً من المعاقل والحصون بسواحل الشام: إذ ملكوا عكا في شعبان سنة 497، وغزة في رجب سنة 502، وطرابلس (لبنان) في ذي الحجة سنة 502، وبانياس وجبيل وقلعة تبنين في ذي الحجة سنة 502، وصور في سنة 518. وكان عهده الأول عهد رخاء إلى أن عين راهباً يُدعى ابن أبي نجاح قَسا في فرض الضرائب واغتصاب الأموال وكثرت مظالمه حتى قتله الناس. والآمر بأحكام الله « هو الذي جدّد رسوم الدولة، وأعاد إليها بهجتها بعد ما كان الأفضل أبطل ذلك. ونقل الدواوين والأسمطة من القصر بالقاهرة إلى دار الملك بمصر »(1) وكان جريئاً على سفك الدماء، وارتكاب المحظورات، واستحسان القبائح، وقتل وعمره 34 سنة و9 أشهر وعشرون يوماً. وفي حياة الأفضل لم يكن له حول ولا طول، بل ظل محجوراً عليه حتى قُتل الأفضل في سنة 515 ?.
والنزارية هم الذين قتلوا الآمر بأحكام الله.

ــــــــــــــ
(1) المقريزي: « الخطط »، ? 2، ص 291، طبع بولاق، سنة 1270 ?.

1101

فلمّا قُتل الآمر، أقام برغش وهزار الملوك الأمير عبد المجيد في دست الخلافة، ولقباه الحافظ لدين الله. فثار العسكر وأقاموا أبا علي بن الأفضل وزيراً، وقُتِلَ هزار الملوك الذي استقر وزيراً، وتم ذلك كله في يوم واحد. واستمر الحافظ لدين الله أبو ميمون عبد المجيد هذا في الخلافة حتى توفي في 5 جمادى الآخرة سنة 544 ? عن سبع وسبعين سنة، منها مدة خلافته ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة عشر يوماً، أصابته فيها شدائد كثيرة.
ومات والفتنة قائمة بالقاهرة، فأقيم ابنه الظافر بأمر الله أبو منصور إسماعيل، فأقام في الخلافة 4 سنين و8 أشهر إلاَّ خمسة أيام، واستبد الوزراء بالحكم. وفي أيامه أُخذت عسقلان، وظهر الوهن في الدولة، وكان كثير اللهو، وهو الذي أنشأ الجامع المعروف بجامع الفاكهيين. وكان بينه وبين وزيره نصر بن عباس مودة أكيدة؛ لكنه خشي من أن يقتله الظافر. فدبر له القتل، فقُتِل الظافر في آخر المحرم سنة 549، وكانت سنه يوم قتل 21 سنة و9 أشهر، منها في الخلافة بعد أبيه 4 سنوات و8 أشهر إلاَّ 5 أيام.
فلما قُتِل الظافر، أقيم من بعده ابنه الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى، وعمره 5 سنوات. وكان أهل القصر، بعد أن علموا بمقتل الظافر، قد بعثوا إلى طلائع بن رزيك، وكان على الأشمونين، يستنجدون به. فقدم طلائع بن رُزَيك، وإلي الأشمونين، بجموعه إلى القاهرة، ففر الوزير ابن عباس، واستولى طلائع على الوزارة، وقام بأمر الدولة إلى أن مات الفائز بنصر الله في 17 رجب سنة 555 عن إحدى عشرة سنة وستة أشهر ويوميْن، منها في الخلافة ست سنين وخمسة أشهر وأيام، لم يرَ فيها خيراً. فإنه لما أُخْرِج ليقام خليفة رأى أعمامه قتلى، وسمع الصراخ، فاختل عقله، وصار يصرخ حتى مات.

1102

فأقام الصالح بن رزيك في الخلافة بعده: العاضد لدين الله أبا محمد عبد الله، وكان عمره يوم بويع إحدى عشرة سنة. وقام الصالح (وهو اللقب تلقب به طلائع بن رزيك بعد توليه الوزارة) بتدبير الأمور إلى أن قتل في رمضان سنة 556 ?. فقام من بعده ابنه رزيك بن طلائع، وحسنت سيرته، فعزل شاور بن مجير السعدي عن ولاية قوص. فلم يقبل شاورٌ هذا العزل، وحشد جيشاً وسار على طريق الواحات في البرية إلى تروجه، فجمع الناس، وسار إلى القاهرة. فلم يثبت رزيك، وفرّ. فقبض عليه في أطفيح (بمحافظة الجيزة) واستقر شاور في الوزارة لأيام خلت من صفر سنة 558. فأقام إلى أن ثار ضرغام، صاحب الباب، ففرّ منه إلى الشام. واستبدّ ضرغام بالوزارة، فقتل أمراء الدولة. فضعفت الدولة بسبب ذهاب أكابرها. فقدم الصليبيون ونازلوا بمدينة بلبيس مدة، ودافعهم المسلمون عنها عدة مرات حتى عادوا إلى مواقعهم بساحل الشام. ثم وصل شاور بعد أن تجهز في جند من الشام في جمادى الآخرة سنة 559، فحاربه ضرغام على بلبيس بعساكر مصر. وانتهت الحرب بانهزام ضرغام. فمضى شاور إلى القاهرة، وقامت بين الفريقيْن حروب جديدة انتهت بهزيمة ضرغام وقتله في شهر رمضان سنة 559 ?. « فاستولى شاور على الوزارة مرة ثانية. واختلف شاور مع النفر القادمين معه من الشام، وكانت له معهم حروب آلت إلى أن كتب شاور إلى مري، ملك الفرنج، يستدعيه إلى القاهرة ليعينه على محاربة شيركوه ومَنْ معه من الغز. فحضر، وقد صار شيركوه في مدينة بلبيس. فخرج شاور من القاهرة ونزل هو ومري على بلبيس، وحصرا شيركوه ثلاثة أشهر. ثم وقع الصلح. فسار شيركوه بالغُزّ إلى الشام، ورحل الفرنج. وعاد شاور إلى القاهرة سنة ستين وخمسمائة فلم يزل إلى أن قدم شيركوه من الشام بالعساكر مرة ثانية، في ربيع

1103

الآخر. فخرج شاور من القاهرة إلى لقائه، واستدعى مري ملك الفرنج. فسار شيركوه على الشرق وخرج من أطفيح. فسار إليه شاور بالفرنج، وكانت له معه الوقعة المشهورة. وسار شيركوه بعد الوقعة من الأشمونين وأخذ الإسكندرية. وعاد شاور إلى القاهرة، وخرج شيركوه من الإسكندرية بعد أن استخلف عليها ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب »(1) وانتهت هذه الأحداث بتقلد شيركوه الوزارة، وقام بالدولة شهريْن وخمسة أيام. ومات في 22 جمادى الآخرة سنة 560 ?، فقلد الخليفة العاضد الوزارة لصلاح الدين يوسف بن أيوب، فساس الأمور، وأضعف العاضد باستنفاد ما عنده من المال. ولم يزل أمر صلاح الدين الأيوبي في ازدياد، وأمر العاضد في نقصان، حتى صار يخطب من بعد العاضد للسلطان محمود نور الدين، وانحل أمر الخليفة الفاطمي حتى لم يبقَ له سوى إقامة ذكره في الخطبة فقط. ثم قطعت الخطبة للعاضد، فمرض ومات وعمره إحدى وعشرون سنة إلاّ عشرة أيام، منها في الخلافة إحدى عشرة سنة وستة أشهر وسبعة أيام، وذلك في ليلة يوم عاشوراء (10 المحرم) سنة سبع وستين وخسمائة، بعد قطع اسمه من الخطبة والدعاء للمستنجد العباسي بثلاثة أيام. وهو آخر الخلفاء الفاطميين بمصر. وكانت مدة الفاطميين بالمغرب ومصر منذ قام عبيد الله المهدي إلى أن مات العاضد مائتيْ سنة واثنتين وسبعين سنة وأياماً (272 سنة وبضعة أيام)، بالقاهرة منها 208 سنوات.
ــــــــــــــ
(1) المقريزي: « الخطط »، ? 1، ص 358، طبع بولاق سنة 1270 ?.

1104


الإسماعيليّة النزارية في الشام

بعد مصرع نزار في سنة 488 ? أصبح ابنه علي الهادي، بحسب اعتقاد الإسماعيليّة النزارية، إماماً، حتى توفي سنة 530 ?، ودفن في قلعة لامستر، وتولى بعده محمد المهتدي، الذي نقل مقره إلى قلعة ألموت. وتوفي المهتدي في سنة 552 ?. وفي عهده هاجم الخليفة العباسي الراشد بالله في سنة 532 قلاع الإسماعيليّة، حتى استولى على بعضها وأعمل في الإسماعيليّة القتل وسبى نساءَهم. وقد أدى ذلك إلى فرار عدد كبير من الإسماعيلية إلى قلاعهم في الشام، مثل القدموس، ومصياف، والخوابي، والمِرقب والكهف.
ويلوح أن الحسن بن الصبّاح لما رأى انشقاق الإسماعيليّة الفاطمية إلى أنصار نزار وأنصار المستعلي، انتهز هذه الفرصة ليتولى قيادة الدعوة الإسماعيليّة في الشرق، في مقابل الدعوة الإسماعيليّة في مصر. وحاول في نفس الوقت أن يبسط نفوذ الإسماعيليّة النزارية في ديار الإسماعيليّة المستعلية، أي في مصر والشام. فأرسل دعاة إلى كل منهما، وأفلح إلى حد غير قليل في بسط نفوذه في الشام، حتى أصبحت الشام موزّعة بين أنصار الإسماعيليّة النزارية والإسماعيليّة المستعلية.

1105

وبدأت النزارية بحلب، وكانت تحت حكم(1) الملك رضوان بن تتش بن ألب أرسلان السلجوقي، الذي تولى ولاية حلب بعد وفاة أبيه تاج الدولة تتش. ذلك أن الحسن بن الصباح أرسل إلى الشام داعياً لقب بلقب « الحكيم المُنَجِّم الباطني »، واستطاع هذا الداعي أن يستميل رضوان بن تتش على أساس أن يستغل هذا شجاعة الإسماعيليّة في الاغتيال السياسي لخصومه. قال ابن العديم عن « الحكيم المنجم الباطني »: « وكان هذا الحكيم قد أفسد ما بينه (أي جناح الدولة) وبين رضوان، واستمال رضوان إلى الباطنية جدّاً. وظهر مذهبهم في حلب، وشايعهم رضوان، وحفظ جانبهم. وصار لهم بحلب الجاهُ العظيم والقدرة الزائدة. وصارت لهم دارُ الدعوة بحلب في أيّامه. وكاتبه الملوكُ في أمرهم، فلم يلتفت ولم يرجع عنهم »(2).
وفعلاً حقق الباطنية لرضوان ما أمّله فيهم، إذ سيّر الحكيم المنجم الباطني ثلاثة أعجام من الباطنية إلى جناح الدولة وهو في حمص فاغتالوه في 22 رجب سنة 496 ? وهو يصلّي الجمعة. يقول ابن القلانسي: « نزل من القلعة إلى الجامع لصلاة الجمعة وحوله خواص أصحابه بالسلاح التام، فلما حصل بموضع مُصَلاَّهُ على رسمه، وثب عليه ثلاثة نفر عجم من الباطنية، ومعهم شيخ يدعون له ويسمعونه في زيّ الزهاد. فوعدهم، فضربوه بسكاكينهم وقتلوه، وقتلوا معه جماعة من أصحابه؛ وكان في الجامع عشرة من متصوفة العجم وغيرهم، فاتهموا، وقتلوا، جبراً للمظلومين، في الوقت
ــــــــــــــ
(1) حكمها رضوان بن تتش من سنة 487 ? على سنة 507 ?.
(2) كمال الدين ابن العديم: « زبدة الحلب من تاريخ حلب »، ? 2، ص 145، مطبوعات المعهد الفرنسي بدمشق، سنة 1954.

1106

عن آخرهم »(1). ويضيف ابن العديم إلى ذكره للواقعة: « وقيل: إن ذلك كان يأمر رضوان ورضاه. وبقي المنجم الباطني بعده (أي بعد هذا الحادث) أربعة وعشرين يوماً (في ابن القلانسي، ص 142: أربعة عشر يوماً) ومات. وقام بعده بأمر الدعوة الباطنية بحلب رفيقه أبو طاهر الصائغ العجمي »(2). والطريقة التي تمّ بها الاغتيال هي الطريقة التي قررها الحسن بن الصبّاح للاغتيال السياسي.
وهذا الداعي الجديد، أبو طاهر الصائغ، استمر في نفس الطريقة. فنراه في سنة 498 قد سيّر « جماعة من الباطنية من أهل سَرْمين إلى خَلَف بن مُلاعِب ـ بتدبير رجل يُعرف بأبي الفتح السّرْميني ـ من دعاة الإسماعيليّة، فقتلوه. ورافقهم جماعة من أهل أفاميه، ونقبوا سور الحصن، ودخلوا منه؛ وطلع بعضهم إلى القلّة فأحسّ بهم. فخرج، فطعنه أحدهم بخشب؛ فرمى بنفسه، فطُعِن أخرى فمات. ونادوا بشعار الملك رضوان. ووصل أبو طاهر الصائغ إلى الحصن عقيب ذلك وأقام به »(3).
غير أن السلطان محمد بن ملكشاه، السلطان السلجوقي بلغه نبأ مشايعة رضوان للباطنية. فخاف رضوان، وأمر أبا الغنائم، ابن أخي أبي الفتح الباطني الذي دبر قتل ابن ملاعب، بالخروج من حلب هو وأصحابه. فخرج أبو الغنائم بجماعة، وقُتِل أفراد منهم. ومع ذلك نرى رضواناً في سنة 505 لا يزال يستعين بالباطنية لخدمته وحراسته (ابن العديم، ? 2، ص 159، س 11)، وعلى رأسهم أبو طاهر
ــــــــــــــ
(1) ابن القلانسي: « ذيل تاريخ دمشق »، ص 148، نشرة آمدروز، بيروت سنة 1908.
(2) ابن العديم: « زبدة الحلب في تاريخ حلب »، ? 2، ص 146 ـ 147، الطبعة المذكورة، دمشق سنة 1954.
(3) ابن العديم: « زبدة الحلب في تاريخ حلب »، ? 2، ص 151، 152.

1107

الصائغ العجمي رئيس الباطنية بحلب. لكن السنة والشيعة معاً استغاثوا من فتك الباطنية، وهجموا عليهم، وتواثبوا على الباطنية، ولم يتجاسر رضوان على إنكار ذلك.
على أن رضواناً سبق له في سنة 490 ? أن استجاب لدعوة المستعلي إياه للطاعة وإقامة الدعوة له. إذ أرسل إليه الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي يدعوه إلى ذلك، وحمل إليه « هدية سنية من مصر، ووعده بأن يمده بالعساكر والأموال. فتقدّم بالدعوة للمصريين (الإسماعيليّة الفاطميين في مصر) على سائر منابر الشّام التي في يده؛ ودعا الخطيب أبو تراب حيدرة بن أبي أسامة بحلب للمستعلي، ثم للأفضل، ثم لرضوان، في يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من هذه السنة (سنة 490 ?)... ودامت الدعوة بحلب إلى رجب من سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة. وقيل: لم تَدُمْ أكثر من أربع جمع. وأعادها رضوان للإمام المستظهر (الخليفة العباسي) ثم للسلطان بركيارق، ثم لنفسه. ولم يصحّ له مما التمسه من المصريين شيء »(1).
وتوفي رضوان بن تتش في 28 جمادى الآخرة سنة 507 ?. ومَلَك حلبَ بعده ابنهُ ألب أرسلان. فكتب السلطان محمد بن ملك شاه إلى ألب أرسلان قائلا: « كان والدك يخالفني في الباطنية، وأنت وَلَدِي، فأحِبُّ أن تقتلهم » وشرع الرئيس ابن بديع في التحدث مع ألب أرسلان بشأن الباطنية فقررا الإيقاع بهم والقضاء عليهم. « فَقَبض على أبي طاهر الصائغ وقتله (أي قتله ابنُ بديع رئيس الشرطة في حلب)، وقتل إسماعيل الداعي وأخا الحكيم المنجّم والأعيانَ من أهل هذا المذهب (الإسماعيليّة) بحلب، وقبض على زهاء مائتيْ نفس منهم. وحبَسَ بعضهم واستصفى أموالهم. وشفع
ــــــــــــــ
(1) ابن العديم: « زبدة الحلب في تاريخ حلب »، ? 2، ص 128 ـ 129.

1108

في بعضهم: فمنهم من أطلق، ومنهم من رُمِي من أعلى القلعة، ومنهم مَنْ قُتِل. وأفلت جماعةٌ منهم فتفرقوا في البلاد؛ وهرب إبراهيم الداعي من القليعة إلى شيزر. وخرج حسام الدولة بن دملاج عند القبض عليهم فمات في الرقة » وكل ذلك في سنة 507 ?.
على أنه في السنة نفسها، سنة 507 ?، وثب جماعة من الباطنية من أهل أفامية وسرمين ومعرّة النعمـان ومعرة نصرين في أيـام فصح النصارى، وثبوا على حصن شيزر « على غفلة من أهله في مائة رجل فملكوه وأخرجوا وأغلقوا باب الحصن، وصعدوا القلعة فملكوها وأبراجها. وكان بنو منقذ، أصحابُها، قد خرجوا لمشاهدة عيد النصارى. وكان هذا أمراً قد رتب في المدة الطويلة. وقد كانوا (أي بنو منقذ) أحسنوا على هؤلاء المُقْدِمين على الفساد كل الإحسان فبادر أهل شيزر قبل وصولهم إلى الباشورة ورفع الحرم بالحبال من الطاقات وصاروا معهم، وأدركهم الأمراء، بنو منقذ أصحاب الحصن وصعدوا إليهم وكبّروا عليهم وقاتلوهم حتى ألجأوهم إلى القلعة. فخُذلوا وذلوا. وهجموا عليهم وتكاثروا عليهم وتحكمت سيوفهم فيهـم فقتلوهـم بأسرهم. وقُتِـل كلُّ مَنْ كان على رأيهم في البلد من الباطنية »(1).
وفي سنة 520 ? « استفحل أمر بهرام، داعي الباطنية، وعَظُم خَطْبُه في حلب والشام، وهو على غاية من الاستتار والاختفاء وتغيير الزي واللباس، بحيث يطوف البلاد والمعاقل ولا يعرف أحدٌ شخصه. إلى أن حصل في دمشق بتقرير قرره نجم الدين ايل غازي بن أرتق مع الأمير ظهر الدين أتابك، وخطاب وكّده بسببه. فأكْرِم لاتقاء
ــــــــــــــ
(1) أبو علي حمزة ابن القلانسي: « ذيل تاريخ دمشق »، ص 190 ـ 191، نشرة أمدروز، بيروت سنة 1908.

1109

شرّه وشرّ جماعته، وحُمِلَتْ له الرعاية وتأكدت به العناية، بعد أن تقلّبت به الأحوال، وتنقلّ من مكان إلى مكان، وتبعه ـ من جَهلة الناس وسفهاء العوام وسفساف الفلاحين الطغام ـ مَنْ لا عقل له ولا ديانة فيه، احتماءً به وطلباً للشر بحزبه. ووافقه الوزير أبو علي طاهر بن سعد المزدقاني ـ وإنْ لم يكن على مذهبه ـ على أمره، وساعده على بث حبال شرّه وإظهار خافي سره. فلما ظهر أمره وشاع وطاوعه وزير ظهر الدين المذكور ليكون عوناً له على فعله وتقوية يده في شغله، التمس من ظهير الدين أتابك حصناً يأوي إليه ومعقلاً يحتمي به ويعتمد عليه. فسلّم له ثغر بانياس في ذي القعدة سنة 520 فلما حصل فيه اجتمع إليه أوباشه من الرعاع والسفهاء والفلاحين والعوام وغوغاء الطغام الذين استغواهم بِمِحاله وأباطيله، واستمالهم بخدَعُه وأضاليله. فعظمت المصيبة بهم، وجَلّت المحنة بظهور أمرهم وسببهم، وضاقت صدور الفقهاء والمتدينين والعلماء وأهل السُّنّة والمقدمين و(أهل) الستر والسلامة من الأخيار المؤمنين. وأحجم كلٌّ منهم من الكلام فيهم والشكوى لواحد منهم، دفعاً لشرّهم وارتقاباً لدائرة السوء عليهم، لأنه شرعوا في قتل من يعاندهم ومعاضدة من يؤازرهم على الضلال، ويرافدهم، بحيث لا ينكر عليهم سلطانٌ ولا وزير، ولا يَفُلُّ حدَّ شرهم متقدمٌ ولا أميرٌ »(1).
وهكذا تسلم بهرام، داعي الباطنية، ثغر بانياس في سنة 520 ?. « فلما حصل في بانياس شرع في تحصينها وترميم ما استرم وتشعّث منها. وبث دعاته في سائر الجهات، فاستغووا خلقاً كثيراً من جهّال الأعمال وسفساف الفلاّحين من الضياع وغوغاء الرعاع، مِمّن لا لُبّ له يصدّه عن الفساد ويردعه، ولا تقيّة تصرفه عن المنكر وتمنعه.
ــــــــــــــ
(1) ابن القلانسي: « ذيل تاريخ دمشق »، ص 216، بيروت سنة 1908.

1110

فقوي شرهم، وظهر بقبح الاعتقاد سرُّهم، وامتدت أيديهم وألسنتهم إلى الأخيار من الرعية بالثلب والسبّ، وإلى المنفردين في المسالك بالطمع والسلب، وأخذهم قهراً وتناولهم بالمكروه قهراً، وقَتْلِ من يُقْتَل من الناس تعدّياً وظلماً. وأعانهم على الايغال في هذا الضلال أبو علي طاهر بن سعد المزدقاني الوزير، معونةً بالغ فيها، وحَصًل له وخيمُ عاقبتها وذميمُ مغبّتها، لما تقرر بينه وبين بهرام الداعي المقدّم من المؤازرة والمعاضدة والمظافرة والمرافدة، موافقةً في غير ذات الله ولا طاعة، طلباً لأن تكون الأيدي واحدة على مَنْ يقصدهما بمكروهٍ، والنيّات مترادفة على من ينوي لهم شرّاً. وتاج الملوك(1) غير راضٍ بذاك ولا مؤثر له، بل تبعثه السياسة السديدة والحلم الوافر والمعرفة الثابتة على الإغضاء منهم على القذى والصبر على مؤلم الأذى. وهو يسرُّ في نفسه ما لا يظهره، ويطوي من أمرهم ما لم ينشره إلى حين يجد الفرصة »(2).
ووجد الفرصة لما أن قام بهرام الداعي فخدع برقاً بن جندل، أحد مقدّمي وادي التيم، حتى حصل في يده، واعتقله وقتله صبراً. فتألم تاج الملوك من هذه الفعلة الشنعاء. وقام أخو القتيل، ضحاك بن جندل، يطالب بدم أخيه والثأر له. فجمع جيشاً، ولما شعر بهرام بذلك حشد جيشاً ظهر به من بانياس في سنة 522، وقصد إلى ناحية وادي التيم. وقامت معركة انهزم فيها أصحاب بهرام، وقتلوا جميعاً، وقطع رأس بهرام نفسه، ومُضِي به إلى مصر بشارةً بهلاك بهرام.
لكنه قام بعد بهرام صاحبه إسماعيل العجمي، وأخذ في استغواء العامة، وتجمع حواليه بقايا الباطنية المتفرقين في النواحي والبقاع. لهذا
ــــــــــــــ
(1) هو بورى بن أتابك، وقد تولى الأمر بعد أبيه ظهير الدين في دمشق وما حولها، سنة 522 ?.
(2) ابن القلانسي: « ذيل تاريخ دمشق »، ص 221.

1111

قرر تاج الملوك الايقاع بهم، وبدأ بقتل وزيره أبي علي طاهر بن سعد المزدقاني لتواطؤه مع الباطنية، وكان ذلك في 17 رمضان سنة 523 ?. « وشاع الخبر بذلك في الحال. فثارت الأحداث (الشباب) بدمشق والغوغاء والأوباش بالسيوف والخناجر المجرّدة، فقتلوا من ظفروا به من الباطنية وأسبابهم وكلّ متعلق بهم ومُنْتَم إليه، وتتبّعوهم في أماكنهم واستخرجوهم من مكامنهم وأفنوهم جميعاً تقطيعاً بالسيوف وذبحاً بالخناجر ». وممن أخذ المعروف ? « شاذي الخادم » الذي رباه أبو طاهر الصائغ الحلبي، وكان أصل البلاء والشرّ، فقتل وصلب ومعه نفر على شرفات سور دمشق. وكان صاحب الشرطة في دمشق هو يوسف بن فيروز، فاحتاط خوفاً من أز يرسل باطنية ألموت من يقومون بالاغتيالات.
« وأما إسماعيل، الداعي المقيم ببانياس، ومن معه فإنه لما سمعوا ما حدث من هذه الكائنة، سُقِط في أيديهم، وانخذلوا وذلّوا، وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، وتفرّق شملهم في البلاد. وعلم إسماعيل أن البلاء محيط به إنْ أقام ببانياس؛ ولم يكن له صبرٌ على الثبات، فأنفذ إلى الافرنج يبذل لهم تسليم بانياس إليهم ليأمن بهم. فسلّمها إليهم.وحصل هو وجماعةٌ، في أيديهم؛ فتسللوا من بانياس إلى الأعمال الافرنجية (أي المدن التي في قبضة الصليبيين) على غاية من الذل ونهاية من القلّة. وعرض لإسماعيل علةُ الذرب، فهلك بها وقبر في بانياس في أوائل سنة 524، فخلت منهم تلك الناحية »(1).
وانتقاماً من ذلك بعث رجال ألموت باثنين من الخراسانية لقتل تاج الملوك، فجاءا إلى دمشق وتدرجا بالحيلة والمكر إلى أن صارا من
ــــــــــــــ
(1) ابن القلانسي: « الذيل على تاريخ دمشق »، ص 224.

1112

المرتّبين لحفظ تاج الملوك، ووثبا عليه في يوم الخميس 5 جمادى الآخرة سنة 525 وضربه أحدهما بالسيف، ولكن لم يتمكن من قتله، وضربه الأخر بسكين فلم يتمكن من قتله، ورمى تاج الملوك بنفسه في الحال عن فرسه سليماً وتكاثر الرجال عليهما وقطعوها بالسيوف. وعوفي تاج الملوك من جراحه. وهذا يدل مرة أخرى على الاتصال المستمر بين قلعة ألموت وبين الباطنية في الشام.
كذلك حاول الإسماعيليّة الانتقام مما أوقعه بهم ضحّاك بن جندل الذي قتل بهرام الداعي. ففي شعبان سنة 543 ندب الإسماعيليّة لقتل ضحّاك بن جندل « رجليْن أحدهما قَوّاسٌ والآخر نَشّابٌ، فوصلا إليه وتقرّبا بصفتهما إليه، وأقاما عنده برهة من الزمان طويلة، إلى أن وجدا فيه الفرصة متسهّلة. وذاك أن ضحّاك بن جندل كان راكباً مسيراً حول ضيغة له تُعرف ? « بيت لهيا » من وادي التيم. فلما عاد عنها وافق اجتيازه بمنزل هذيْن المفسديْن. فلقياه، وسألاه النزول عندهما للراحة، وألحّا عليه في السؤال. فنزل والقدر منازله، والبلاء معاد له. فلما جلس أتياه بمأكول حضرهما. فحين شرع في الأكل مع الخلوة وثبا عليه فقتلاه. وأجفلا، فأدركهما رجاله فأخذوهما وأتوا بهما إلى ضحّاك، وقد بقي فيه رمق، فلما رآهما أمر بقتلهما بحيث يشاهدهما. ثم فاضت نفسه في الحال »(1).

رشيد الدين سنان

وفي تلك الأيام ظهرت شخصية بارزة بين إسماعيلية الشام، هي شخصية: راشد الدين سنان. ولد سنان ـ بحسب ما يقول ياقوت
ــــــــــــــ
(1) ابن القلانسي: « الذيل على تاريخ دمشق »، ص 303، بيروت سنة 1908.

1113

الحموي(1) ـ في قرية بين واسط والبصرة، كان معظم أهلها من النصيرية والإسحاقية، وهما فرقتان غاليتان من الشيعة. ثم فرَّ في شبابه إلى ألموت. وهناك درس، وكان زميلاً للحسن الثاني قبل توليه الإمامة في سنة 557 ?. فلما تولى الحسن الثاني الإمامة بعث به إلى الشام. فسافر إلى بلاد الشام متخفياً محتاطاً، ووصل إلى الرقة ثم إلى حلب حيث قصر اتصاله على الأوساط الإسماعيليّة هناك. ثم انتقل إلى مدينة « كهف »، وظل بها مدةً طويلةً، قال أبو فراس(2) إنها بلغت سبع سنوات.
وفي الوقت الذي تولى فيه سنان زعامة الحركة الإسماعيليّة الباطنية في الشام، كان نور الدين زنكي في أوج مجده وانتصاراته العظيمة ضد الصليبيين.
وكان الإسماعيليّة يملكون ثماني قلاع هي: قدموس، ومصياف، والكهف، والخوابي، والمنيفة(3)، والعليقة، والرصافة، والقليعة، يضاف إليها ثلاث أخرى هي: المرقب، وصافيتا، وعريمه. وقد ذكـر أسـماءها وليم الصوري، مطران صور. وذكـر أنهـا كانت في حوزة « الحشاشين »، وأن عدد الإسماعيليّة في ذلك الجزء من الشام قرابة ستين ألفاً. وقد انتشروا في المنطقة الواقعة بين طرابلس واللاذقية من جهة، ووادي العاصي والبحر المتوسط من جهة أخرى.
وباستقرار الإسماعيليّة في مصياف، صاروا مجاورين لكونتات
ــــــــــــــ
(1) ياقوت: « معجم البلدان »، ص 3، ص 275، نشرة ?ستنفلد.
(2) نشره وترجمه جويار في مقال له في « المجلة الآسيوية » السلسلة 7، ? 9 (سنة 1877)، ص 324 وما يليها.
(3) وفي ابن بطوطة: المينقة، وقد عدد حروفها. وكذلك في « مناقب راشد » المنشور بالمجلة الآسيوية سنة 1877، ص 452.

1114

طرابلس الشام، مما نجم عنه بعد قليل الحربُ بين الإسماعيليّة وبين الأمراء الفرنجة الصليبيين. ويقول بنيامين التطيلي Benjamin de Tudèle إن الإسماعيليّة كانوا في حرب مع النصارى الملقّبين بالفرنجة، ومع كونت طرابلس الشام Comte de Tripoli. وقد اغتال الباطنية ريموند الأول Raymond 1er كونت طرابلس في سنة 543 ? (1148/ 1149 م) بحسب رواية ابن الفرات، أو سنة 1152 م (سنة 547 أو سنة 548 ?) بحسب رأي البندكتيين(1). وانتقاماً من هذا الاغتيال هاجم الفرسان المعبديون Les Templiers (التمبلار، كما في المصادر العربية) بلاد الإسماعيليّة وأرغموهم على عقد صلح بمقتضاه يدفع الإسماعيليّة جزية سنوية مقدارها ألفا قطعة ذهبية، أو 1200 دينار، ومائة مد من القمح والشعير، بحسب ما يقول المقريزي.
قلنا إن راشد الدين سنان (واسمه الكامل: أبو الحسن بن سليمان بن محمد راشد الدين) وصل إلى الكهف وأقام بها سبع سنوات. ويقول أبو فراس إنه جاء أولاً إلى مصياف(2)، ومنها ذهب إلى بسطريون، ثم إلى الكهف، حيث بقي إلى وفاة المولى(3) أبي محمد، رئيس الإسماعيليّة في الشام. ولم يعلن أنه مبعوث من قِبَل ألموت لرئاسة الدعوة في الشام إلاّ قبيل وفاة أبي محمد.
ــــــــــــــ
(1) Art de vérifier les dates, édition de 1770, p. 380.
(2) ورد في المصادر بالرسوم التالية: مصيات، مصياث، مصياف، مصياب. ويرى دى ساسي أن الرسم الأول هو الأصح، ووافقه على ذلك جويارر « شذرات متعلقة بمذهب الإسماعيليّة »، ص 3، تعليق 2. ولكن فان برشم (5 « المجلة الآسيوية » مايو ـ يونيو سنة 1897) يرى أن الرسم الثاني هو الأصل لأنه متوسط بين الأول والثالث.
(3) نشير هنا إلى أن زعماء الإسماعيليّة في الشّام كانوا يلقبون بالألقاب التشريفية التالية: مولى، صاحب، أو مقدم. أما قائد القلعة فكان يلقب بلقب: « متولي القلعة » وراجع عن قلاع الإسماعيليّة في الشام: « صبح الأعشى » للقلقشندي، ? 4، ص 146 ـ 147، القاهرة سنة 1914.

1115

يقول أبو فراس: « وسمعت من الرجال الثقاة الأمناء أن المولى راشد الدين ـ منه السلام! ـ في أول قدومه إلى قلاع الدعوة لم يُظْهر تقليده (أي خطاب تعيينه رئيساً للدعوة في الشام)، ولم يعرّف أحداً بنفسه. وأقام في مصياف مدة. فتمشى ذات يومٍ إلى خارج المدينة، ومعه رجل آخر. فمرّا على بركة مملوءة من الماء. فصار الرجلُ يرى صورته (أية صورة نفسه) في الماء، ولا يرى للمولى ـ منه السلام! ـ في الماء شخصاً ولا صورة، وكلاهما واقفان على البركة. فأدهش الرجلَ ذلك، وجعل يقبّل أرجل المولى ـ أعاد الله عليه من بركاته. فقال له المولى ـ منه السلام!: « اكتُم سِرّي! ولا تعرِّف أحداً بما رأيت ».
ثم توجه إلى بسطريون، وهي قريبة إلى الكهف، فأقام بها يعلّم الصبيان الخطّ مدةً. فكان إذا مرض أحدٌ يأمرهم بشيء يداويه، فيتعافى من مرضه. فسَمّوْه طبيباً. وصار الناس يقصدونه بسبب المَرَض، ويتباركون به ويثنون عليه.
فقال الشيخ أبو محمد ـ رحمة الله عليه! ـ لما بلغه عنه ذلك: ينبغي أن يكون هذا الرجل مقيماً عندنا في القلعة. ثم طلبه ورتّب له طعاماً وخبزاً، بكرة وعشية. فقَبِل ـ منه السلام! ـ بعضَ المرتب وهو يستر نفسه. فأقام ـ منه السلام ـ سبع سنين. وظهر من صلاحه وزهده ما استعظمه الناس. فسمّوه الشيخ العراقي. وكان عليه بُرْدٌ يمني، وهو في كل عام إذا نزلت الشمس برجه يفتق البردة ويغسلها ببطانتها ويصلح قَضّها، ثم يخيطها بيده ـ منه السلام! ـ ويلبسها. ويصنع لنفسه سرموجة لا خياط فيها سوى خيط النعل لا غير، ولها زرٌّ عجمي يمشي بها عليه السلام.
فلما انقضت المدة، مرض الشيخ أبو محمد ـ رحمة الله عليه ـ

1116

وبقي أياماً. فدخل المولى (سنان) في بعض الأيام وقال له: « يا شيخ أبا محمد! قد انقضت مُدّتك، وحان أجلك. ونهارَ غد تُفارق هذا العالم. فقِفْ على تقليدي قبل موتك! » فلما أن قرأ تقليده على الشيخ أبى محمد بكى. فقال له المولى (سنان) ـ منه السلام! ـ: « لماذا تبكي؟ ». فقال: « يا سبحان الله! كيف لا أبكي أسفاً على ما فات من امتثال الأمر المطاع من مدة سبع سنين، حتى إن مولانا قد جاءنا بك عِوَض المملوك (أي نفسه، أبا محمد) ولم أعلم ما يجب عليّ من تسليم إليك والدخول في طاعتك، ولم أَقْضِ حقاً من حقوقك؟ » فقال المولى ـ منه السلام!: « يا هذا! رأينا الأمور جارية على يديك فأحْسِنَ بناؤها. وحقِّ جابر السموات والأرض، لقد كان لك من السعادة والتسديد والتوفيق والتأييد ما لو شئت تأخذ قلعة الجبل (قلعة جبل المقطم) بمصر وأمرت بها لأخذتها. »
فعند ذلك فارق الشيخ أبو محمد الثاني و(قت) الظهر، وهو الوقت الذي أشار إليه المولى ـ منه السلام! »(1).
وهذا الخبر غريب: فكيف ينتظر راشد الدين سبع سنوات ليعلن أنه مُعَيّن من قِبَل ألموت لتولي رئاسة الإسماعيليّة؟ ويرى جويار أن ثم أسبابا عديدة تبرر ذلك: أقواها في نظره هو وفاة حاميه « الحسن على ذكره السلام » في سنة 561 ? (1165 م). ولم يشأ مَنْ خلف الحسن أن يصدّق على تعيين سنان طالما كان أبو محمد في قيد الحياة. ومن ناحية أخرى فإن أبا فراس يقول لنا إن سناناً كان يقدّر مناقب أبي محمد وما قدمه للدعوة من خدمات بحيث لم يشأ أن
ــــــــــــــ
(1) « فصل من اللفظ الشريف « هذه مناقب المولى راشد الدين » نشره ستانسلاس جويار في «المجلة الآسيوية » JA عدد ابريل ـ مايو ـ يونيو سنة 1877، ص 454 ـ 455. وقد أصلحنا بعض المواضع المحرفة في النشرة.

1117

يطرده بعنف. واعتبار ثالث هو أن علوّ سِنّه قد فرض الاحترام له. واعتبار رابع هو أن الإسماعيليّة لم يكونوا قوماً من السهل حكمهم، وقد جرّب ذلك سنان منهم مراراً. فلعله قدّر أن طرد زعيمهم كان سيتسبب في حدوث فتنة بينهم. وخامساً كان راشد الدين من الفطنة بحيث أراد أن يسبر الوضع ويعرف رعاياه معرفة وثيقة قبل أن يتولى زعامتهم. وكانت سيرته الحميدة بينهم طوال سبع سنوات مدعاة إلى بث احترامه وحبه في نفوس الإسماعيليّة؛ مما هيّأ لسنان فيما بعد أن يقنعهم بأنه من طراز خارق للعادة.
ولم يكد أبو محمد يموت حتى نهض أخوه علي وحاول أن يتولى زعامة الإسماعيليّة، وناصره في ذلك قسم من الإسماعيليّة في الكهف. غير أن رجلاً يُدعى فهد أرسل فدائياً فقتل خوجه علي، بتحريض من حفيد لأبي محمد.
وبلغت هذه الأنباء ألموت، فكتب إمام ألموت إلى سنان يثبته في وظيفته ويدعوه إلى لم شمل الجماعة. وفي مصياف حاول البعض السخرية من تولي سنان الرئاسة، فكتب إلى متولي مصياف يأمره باستدعاء هؤلاء وقد سمّاهم جميعاً بأسمائهم وذكر ما قالوه فيما بينهم، وأمره أن يقرأ عليهم الكتاب ويوبّخهم. فتابوا، لما رأوا أن سناناً يطلع على الغيب وأنه قد كشف الله له المحجوب وأطلعه على أسرار الغيوب. فرضي عليهم سنان وصفح عنهم. وهذا يدل ـ فيما لاحظ جويار ـ أن سناناً كانت لديه شرطة سرية تمده بالمخابرات وبأدق التفاصيل؛ وأنه وضع الحمام الزاجل في القلاع يحمّله الرسائل ويتسلمها منه. ولهذا أمر بعدم قتل الحَمَام.
ولقد ذكر ياقوت في مادة: « الشُّرْطة » ما يلي: « الشُّرْطة: كورة كبيرة مِنْ أعمال واسط؛ بينها وبين البصرة، لكنّها عن

1118

يمين المنحدر إلى البصرة. أهلها كلُّهم اسحاقية نُصَيْرية أهل ضلالة. منهم كان سنان داعي الإسماعيليّة، من قرية من قراها يُقال لها: عَقْدُ السّدَن »(1). وقال في مادة: « عقر... عَقْرُ السّدَان: من قرى الشُّرْطة، بين واسط والبصرة، منها كان الضالُّ المُضِلُّ، سنان، داعية الإسماعيليّة ودجّالهم ومُضِلُّهم الذي فعل الأفاعيل التي لم يقدر عليها أحدٌ قبله ولا بعده. وكان يعرف السيمياء »(2).
ولما كان ياقوت بن عبد الله الرومي، الحموي المولد، قد ولد في سنة أربع أو خمس وسبعين وخمسمائة، وتوفي في 20 رمضان سنة 626 ?، فقد كان معاصراً حيناً وقريب العهد جداً من راشد الدين سنان. ولهذا فإن لهذه المعلومات قيمتها الكبيرة، ومنها نستخلص.
1 ـ أن سناناً كان في الأصل نصيرياًُ، ثم تحول عن النصيرية إلى الإسماعيليّة.
2 ـ وأنه كان يعرف الحيل والشعبذة والسيمياء.
1 ـ والأمر الأول له أهميته الكبرى في أنه أدخل في المذهب الإسماعيليّ في سوريا مبدأ التناسخ، الذي لم يقلْ به لا إسماعيلية مصر ولا إسماعيلية ألموت، كما ذكرنا من قبل. ويذكر أبو فراس حكايات كثيرة تدل على إيمان سنان بمدأ تناسخ الأرواح:
ا ـ منها أنه كان يكثر الصعود في الليل إلى رأس الجبال، فينقض عليه طائر أخضر له جناحان عظيمان ويحلق بين يديه في فيض من النور، ويناجيه. وهذا الطائر هو المولى حسن، جاء من ألموت ليناجيه.
ــــــــــــــ
(1) ياقوت: « معجم البلدان »، ? 1، ص 275، نشره ?ستنفلد.
(2) الكتاب نفسه، ? 1، ص 697.

1119

ب ـ ومنها أنه كان نازلاً من القدموس إلى مصياف ومعه جماعة فظهرت في الطريق حية عظيمة. فبادر الرجال إليها يريدون قتلها. فمنعهم سنان من قتلها وقال لهم: « هذا فهد بن الحيطية؛ وهو معذَّب وعليه ذنوب، ولا تخلّصوه مما هو فيه »(1). وفهد هذا هو الذي بعث بفدائي لقتل خوجه علي.
? ـ ومنها حكايات مع قرد وثور، وحمامة، وكلها تدل على أن هذه الحيوانات تناسخت فيها أرواح ناس.
د ـ وحكايته عن فَرَسٍ أخبر سنان أنها هي بنت الملك الفلاني وقد جاءت إليه تشكوه مما وقع عليها من ظلم وترجوه أن يخلصها.
وهكذا وهكذا حكايات عديدة يذكرها صاحب « مناقب المولى راشد الدين » (ص 481 ـ 487) تدل على ايمان راشد الدين سنان بتناسخ الأرواح الانسانية في أنواع من الحيوان، خصوصاً في الفَرَس، والحية، والقرد، والطائر، والطائر الأخضر والثور.
2 ـ وفيما يتصل بالأمر الثاني، تروي حكايات عن مقدرة سنان على معرفة الغيب وعلى التنبؤ والرؤية من بُعْد. من ذلك أنه كان يرد على الرسائل التي ترد إليه قبل أن تفتح وتقرأ؛ وأنه كان يذكر لمن يرسله في مهمة ما سيلقاه في أثناء الطريق من أحداث وأحوال، ويتحقق ذلك كله فيما بعد؛ وأنه كان يكلّم الرؤوس التي تفصل عن أجسادها: فيذكر أنه في ذات يوم جمع راشد الدين سنان أصحابه في مصياف؛ فلما دخلوا قاعة الاجتماع وجدوا إلى جانب كرسيّ راشد الدين رأساً مقطوعاً وموضوعاً على صحن، ويتدفق منه الدم. وهنا قال راشد الدين مخاطباً الرأس المقطوع: « اروِ لرفاقك ماذا رأيت.
ــــــــــــــ
(1) أبو فراس: « مناقب المولى راشد »، ص 482، المجلة الآسيوية سنة 1877.

1120

على تفضل العودة إلى الدنيا بين أهلك، أو البقاء في الجنة؟ » فأجاب الرأس: « ما حاجتي إلى العودة إلى الدنيا بعد أن شاهدت مقامي في الجنة والحور وما أعدّه الله لي! بلغوا أهلي السلام، يا إخواني؛ واحذروا من معصية هذا النبي! » ويقول المؤلف الذي كشف هذه الحيلة إن راشد الدين أخرج بعد ذلك هذا الشخص ـ المزعوم أن رأسه قطع ـ من الحفرة التي وضعه فيها ولم يدع ظاهراً منه إلاَّ رأسه، وبضربة من سيفه قتله حقاً وفعلاً، وذلك حتى لا يفتضح أمر حيلته هذه(1).
وأفلحت هذه الحيل والشعوذات في التلبيس على العامة والأغرار حتى اعتقد فيه البعض أنه نبيّ وصاحب معجزات، كما هي حال أبي فراس الذي أورد الحكاية التي ذكرناها؛ واعتقد البعض الآخر أنه إله تجسّد بينهم. واستغلّ سنان هذه السذاجة، وراح يؤكد في النفوس هذه المعاني بالكتابة والتعاليم.
فبدأ بأن ألغى الإمام السابع محمد بن إسماعيل، ووضع نفسه مكانه. وأربى على ذلك بأن ادّعى الألوهية، وكتب رسالة في إثبات ألوهية نفسه نشرها جويار(2) ضمن « الشذرات المتعلقة بمذهب الإسماعيليّة ». وقد كتب ابن جبير في رحلته عن سنان يقول وهو يصف جبل لبنان: « وهو سامي الارتفاع، ممتدّ الطول، متّصل من البحر إلى البحر. وفي صفحته حصونٌ للملاحدة الإسماعيليّة: فرقة مرقت من الإسلام، وادعت الإلهية في أحد الأنام. قُيِّض لهم شيطان من الإنس يعرف ? « سنان »، خدعهم بأباطيل وخيالات موّه عليهم باستعمالها،
ــــــــــــــ
(1) أورد لنا فون همر في « كنوز الشرق »، ? 3، ص 377.
(2) Stanislas Guyard : Fragments relatifs à la doctrine des Ismaélis, Paris, Maisonneuve, 1874, fragment I.

1121

وسحرهم بمحالها، فاتخذوه إلهاً يعبدونه، ويبذلون الأنفس دونه. وحصلوا من طاعته وامتثال أمره بحيث يأمر أحدهم بالتردّي من شاهقة جبلٍ فيتردّى، ويستعجل في مَرْضاته الردى »(1). وكان ابن جبير زار هذه المنطقة في 19 ربيع الأول سنة 580، الموافق آخر يونيه سنة 1184 م.
وتمكّن نفوذ سنان في إسماعيلية الشام حتى استقل عن إسماعيلية ألموت. وحاول الذي خلف « الحسن على ذكره السلام » أن يرد سناناً إلى الطاعة، ولكنه أخفق. وأرسل إليه كثيراً من الإسماعيليّة مراراً لاغتياله، ولكنه أفلت.
وكان كثير التجوال، يتفقد قلاع الإسماعيليّة باستمرار. وهو الذي أمر ببناء قلعة المرقب. واستولى على قلعة العليقة بحيلة بارعة. ورمّم قلعة الخوابي.
وفي ذلك الوقت كان نور الدين محمود قد استولى على الشام: إذ صار ملكاً على حلب في سنة 541 ? (سنة 1146 م)؛ وملك دمشق في صفر سنة 549 ? (سنة 1154 م). واستولى على بقية بلاد الشام: من حماة، وبعلبك وافتتح من بلاد الروم عدة حصون: منها مرعش وبهنا، وكان فتحه مرعش في ذي القعدة في سنة 568 ?، وافتتح من بلاد الفرنج (الصليبيين) حارم، في أواخر رمضان سنة 559، « وفتح عزاز وبانياس، وغير ذلك مما تزيد عدّته على خمسين حصناً. ثم سيّر الأمير أسد الدين شيركوه... إلى مصر ثلاث
ــــــــــــــ
(1) « رحلة ـ ابن جبير، ص 242، 243، طبعة حسين نصار، القاهرة بدون تاريخ (سنة 1955)، ونشره رايت Wright، ص 256.

1122

دفعات. وملكها السلطان صلاح الدين (الأيوبي) في الدفعة الثالثة نيابة عنه »(1).
ولما رأى نور الدين أن الإسماعيليّة يملكون قلاعاً داخل دولته هذه وأنهم خطر عليه، راح يرسل الحملات ضد سنان، لكن دون نجاح يذكر، حتى إنه تهيأ في سنة 569 ? للسير بنفسه على رأس جيش لمحاربة سنان، لولا أن فاجأته المنيّة في 11 شوال سنة 569 ? (سنة 1174 م).
ويذكر ابن خلّكان أنه « كانت بين نور الدين محمود وبين أبي الحسن سنان بن سليمان بن محمد الملقب راشد الدين ـ صاحب قلاع الإسماعيليّة ومقدّم الفرقة الباطنية بالشام، وإليه تنسب الطائفة السنانية ـ مكاتبات ومحاورات بسبب المجاورة. فكتب إليه نور الدين، في بعض الأزمنة، كتاباً يتهدده فيه ويتوعده لسببٍ اقتضى ذلك. فشقّ على سنان، فكتب جوابه أبياتاً ورسالة، وهما (من البسيط):

ماذا الـذي بقراع السيف هدّدنا لا قام مصرع جنبي حين تصرعه قام الحمام إلى البـازي يهدّده واستيقظت لأسـود البـَرّ أَضْبُعهُ أضحى يسدُّ فم الأفعى بإصبعه يكفيه ما قـد تُلاقي منـه أصْبَعُه
وقفنا على تفاصيله وجُمَله، وعلمنا ما هددنا به من قوله وعمله. فبالله! العَجَبُ من ذبابة تطنُّ في أذن فيل، وبعوضة تعدُّ في التماثيل. ولقد قالها من قبلك قوم آخرون. فدمّرنا عليهم وما كان لهم من ناصرين. أو للحق تدحضون، وللباطل تنصرون؟ وليعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون (سورة الشعراء 227). وأما ما صدر من قولك
ــــــــــــــ
(1) ابن خلكان « وفيات الأعيان » الترجمة رقم 686، ? 4، ص 272، القاهرة سنة 1948.

1123

في قطع رأسي، وقلعك لقلاعي من الجبال الرواسي، فتلك أماني كاذبة، وخيالات غير صائبة: فإن الجواهر لا تزول بالأعراض، كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض. كَمْ بين قويٍّ وضعيف، ودنيٍّ وشريف؟ وإن عُدْنا إلى الظواهر والمحسوسات، وعدلنا عن البواطن والمعقولات، فلنا أسوة برسول الله (ص) في قوله: « ما أوذي نبيٌّ ما أوذيتُ ». ولقد علمتم ما جرى على عترته، وأهل بيته وشيعته. والحالُ ما حالَ، والأمرُ ما زال؛ ولله الحمد في الأولى والآخرة، إذ نحن مظلومون لا ظالمون، ومغصوبون لا غاصبون. وإذا جاء الحق زهق الباطل « إن الباطل كان زهوقاً » (سورة الإسراء آية 81). ولقد علمتم ظاهر حالنا، وكيفية رجالنا، وما يتمنونه من الفوت، ويتقربون به إلى حياض الموت. « قل فتمنّوا الموت إنْ كنتم صادقين ولن يتمنوه أبداً بما قدّمت أيديهم والله عليم بالظالمين » (البقرة 94 ـ 95). وفي أمثال العامّة السائرة: أو للبط يتهددون بالشطّ؟ فهيّئ للبلايا جلبابا، وتدرّع للرزايا أثواباً؛ فلأظهرنّ عليك منك، ولأفنينّهم فيك عنك، فتكون كالباحث على حتفه بظلفه، والجادعِ مارنَ أنفه بكفّه، وما ذلك على الله بعزيز.
وهذه الرسالة نقلت من خط القاضي الفاضل على هذه الصورة. ورأيتُ في نسخةٍ زيادةً على هذا، وهي: فإذا وقفت على كتابنا هذا فكن لأمرنا بالمرصاد، ومِنْ حالك على اقتصاد، واقرأ أول « النحل » وآخر « ص »(1).
والصحيح أنه كتبها إلى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، والله أعلم »(2).
ــــــــــــــ
(1) أوّل سورة النحل هو: « أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون »؛ وآخر سورة (ص) هو: « ولتعلمن نبأه بعد حين ».
(2) ابن خلكان: « وفيات الأعيان »، ? 4، ص 272 ـ 273، القاهرة سنة 1948.

1124

كذلك يورد ابن خلكان رسالة أخرى من سنان إلى نور الدين « وقد جرت بينهما وحشة (من الطويل):

بنا نلت هذا المُلـْكَ حتى تأثّلَتْ بيوتُك فيهـا واشمخرّ عمودها فأصبحت ترمينا بنَبْل بنا استوى مغارسها عنّا، وفينا حديدها(1)
وهذا يدل على أن سناناً ساعد نور الدين في بعض الأوقات. وفعلاً نرى ابن العديم والقلانسي يذكران بعض الأخبار الدالّة على ذلك.
وإنما استحكمت العداوة بين سنان وبين صلاح الأيوبي، لما أن ملك صلاح الدين يوسف بن أيوب مدينة دمشق وحمص وحماه في سنة 750، وبقي عليه أن يستولي على حلب، وكان قد عهد بالملك عليها نور الدين محمود إلى ولده الملك الصالح عماد الدين إسماعيل وعمره يوم مات أبوه إحدى عشرة سنة، فقام بالأمر من بعد أبيه، وانتقل من دمشق إلى حلب، ودخل قلعتها يوم الجمعة مستهل المحرم سنة سبعين وخمسمائة، ولكن الأمر كان بيد وزيره سعد الدين كمشتكين. ولما قصد صلاح الدين إلى حلب، « أرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان، مقدّم الإسماعيليّة، أموالاً عظيمة ليقتلوا صلاح الدين. فأرسل سنان جماعةً فوثبوا على صلاح الدين، فقُتِلوا دونه. »(2)
وكانت هذه أول محاولة للإسماعيلية بزعامة سنان لقتل صلاح الدين الأيوبي، وكان ذلك في جمادى الآخر سنة 570 ?.
وكانت المحاولة الثانية في ذي القعدة من سنة 571 ?، حينما
ــــــــــــــ
(1) ابن خلكان: « وفيات الأعيان »، ? 4، ص 274، القاهرة سنة 1948.
(2) تاريخ أبي الفداء، ? 3، ص 60، دار الطباعة العامرة باستانبول سنة 1286 ?.

1125

كان صلاح الدين يحاصر مدينة أعزاز إذ « وثب إسماعيلي على صلاح الدين في حصاره أعزاز، فضربه بسكّين في رأسه فجرحه. فأمسك صلاح الدين يدَيْ الإسماعيليّ، وبقي يضرب بالسكين، فلا يؤثر، حتى قتل الإسماعيليّ على تلك الحال. ووثب آخر عليه فقُتِل أيضاً. وجاء السلطان (صلاح الدين) إلى خيمته مذعوراً وعَرَض جنده، وأبعد مَنْ أنكره منهم »(1).
ومن ثمّ عزم صلاح الـدين القضاء على الإسـماعيليّة. ففي سنة 572 ? (1176 م) « قصد صلاح الدين بلد الإسماعيليّة في المحرم. فنهب بلدهم وخَرّبه وأحرقه. وحصر قلعة مصياف. فأرسل سنان ـ مقدم الإسماعيليّة ـ إلى خال صلاح الدين، وهو شهاب الدين الحارمي، صاحب حماة، يسأله أن يسعى في الصلح. فسأل الحارميُّ الصفح عنهم. فأجابه صلاح الدين إلى ذلك وصالحهم ورحل عنهم »(2).
ويظهر أنه من ذلك التاريخ دخل الإسماعيليّة في طاعة صلاح الدين، وصاروا يستخدمون في اغتيال ملوك وأمراء الصليبيين. من ذلك أنه في سنة 588 ? قتل بعضُ الباطنية المركيس صاحب صور، « وكانوا (أي هؤلاء الباطنية) قد دخلوا في زي الرهبان إلى صور(3) ولما وقّع صلاح الدين الهدنة مع رتشرد قلب الأسد، ملك انجلتره، في 22 شعبان سنة 588 ?، واقتسموا فيما بينهم بلاد الشام، « اشترط السلطان (صلاح الدين) دخول بلاد الإسماعيليّة في عقد هدنته،
ــــــــــــــ
(1) تاريخ أبي الفدا، ? 3، ص 61.
(2) تاريخ أبي الفداء، ? 3، ص 62.
(3) تاريخ أبي الفداء، ? 3، ص 86. والمركيس صاحب صور هو كونراد دى مونفرا Conrad de Monferrat . راجع عن العلاقات بين صلاح الدين والإسماعيليّة مقال برنرد لويس في « مضبطة مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية » في لندن BSOAS ، ? 15 في سنة 1953.

1126

واشترط الفرنج دخول صاحب انطاكية وطرابلس في عقد هدنتهم »(1)
ويتوسع ابن الأثير (أخبار سنة 588) في ذكر مقتل كونراد دي مونفرّا، صاحب صور، الذي قتله الباطنية، فيقول: « في هذه السنة (سنة 588 ?) في ثالث عشر ربيع الآخر قتل المركيس الفرنجي لعنه الله، صاحب صور، وهو أكبر شياطين الفرنج. وكان سبب قتله أن صلاح الدين راسلَ مقدّمَ الإسماعيليّة، وهو سنان، أن أرْسل من يقتل ملك انكلتار (رتشرد قلب الأسد)، وإن قتل المركيس فله عشرة آلاف دينار. فلم يمكنهم (أي الباطنية) قتل ملك انكلتار ولم يره سنان مصلحةً لهم، لئلاّ يخلو وجه صلاح الدين من الفرنج ويتفرغ لهم. وشَرِه (طمع) في أخذ المال، فعدل إلى قتل المركيس فأرسل رجليْن في زي الرهبان. واتصلا بصاحب صيدا وابن بارزان صاحب رملة، وكانا مع المركيس لصور، فأقاما معهما ستة أشهر يظهران العبادة. فانسرّ بهما المركيس ووثق إليهما. فلما كان بعد التاريخ عمل الأسقف بصور دعوةً للمركيس، فحضرها وأكل طعامه وشرب مُدامه وخرج من عنده. فوثب عليه الباطنيان المذكوران، فجرحاه جراحاً وثيقة، وهرب أحدهما ودخل كنيسة يختفي فيها. فاتفق أن المركيس حُمِل إليها ليشد جراحه. فوثب عليه ذلك الباطني فقتله. وقُتِل الباطنيان بعده. ونسب الفرنج قتله إلى وَضْع (ترتيب) من ملك انكلتار لينفرد بملك الساحل الشامي »(2).
وإذن فالأمر فيمن حرّض على قتل كونراد دي مونفرّا Conrad de Monferrat صاحب صور مختلف فيه: هل هو صلاح الدين، أو
ــــــــــــــ
(1) تاريخ أبي الفدا، ? 3، ص 87.
(2) ابن الأثير: « الكامل في التاريخ »، ? 12، ص 31، حوادث سنة 588 ?، القاهرة، سنة 1303 ?. وصاحب صيدا هو Renaud ، وصاحب الرملة هو Balian II .

1127

رتشرد قلب الأسد ملك انجلترة؟
كما أن سناناً لم يبعث برجاله لقتل كونراد دي مونفرّا تعاوناً مع صلاح الدين ضد الصليبيين، بل طمعاً في المال الذي خصصه صلاح الدين لمن يقتل كونراد دي مونفرّا. فالدافع إلى عمله كان المال، لا الجهاد ضد الصليبيين.
والواقع أن موقف سنان من الحرب ضد الصليبيين كان موقفاً مشبوهاً لا تمليه الغيرة الإسلامية، بل الاعتبارات السياسية وحدها. وكذلك كان موقف الإسماعيليّة في سوريا طوال الحروب الصليبية كلها: تمليه الاعتبارات السياسية الخاصة بالطائفة، دون أي اعتبار للغيرة الإسلامية(1).
أما عملية اغتيال كونراد دي مونفرّا فترجع إلى كون العلاقات بين طريقة الاسبتلار Hospitaliers وبين الإسماعيليّة قد ساءت منذ أن جعل الاسبتلار مركز قيادتهم في المرقب، بالقرب من قواعد الإسماعيليّة، في سنة 582، وكان كونت طرابلس هو الذي أعطاهم حصن المرقب.
ومع ذلك نجد أنه في سنة 590 زار هنري دي شامباني Henry de Champagne إحدى قلاع الإسماعيليّة، بقصد تحسين أو إعادة العلاقات الودية التي كانت قائمة فيما بين الإسماعيليّة والصليبيين(2).
ــــــــــــــ
(1) خصص ديفد شافنر رسالة لهذا الموضوع بعنوان: « العلاقات بين طريقة الإسماعيليّة وبين الصليبيين خلال القرن الثاني عشر »:
David Schaffner: « Relations of the Order of assassins with the Crusades during the Twelfth Century », University of Chicago, 1939.
(2) راجع في هذا أيضاً:
Claude Cahen : La Syrie du Nord à l'époque des Croisades et la principauté franque d'Antioche, pp. 514 sqq. Institut Français de Damas, Bibliothèque Orientale, I, Paris, 1940.

1128

ويرى كلود كاهـن Cl. Cahen أن الإسماعيليّة في القرن السابع (الثالث عشر الميلادي) عادوا فتحالفوا مع طريقة الاسبتلار Hospitaliers وصاروا في حماية هؤلاء الأخيرين في مقابل جزية يدفعها الإسماعيليّة، وأن المسيحيين الذين اغتالهم الإسماعيليّة كانوا خصوم الاسبتلار(1). ونحن نعلم من « أخبار سان دني » الخاصة بأعمال فيليب أوجيست، ملك فرنسا، أنه أرسل وفداً إلى الإسماعيليّة ليتأكد أنهم لا يتآمرون على اغتياله بتحريضٍ من رتشرد قلب الأسد، ملك انجلترة(2). كما أن الكسيوس، امبراطور بيزنطة، يُقال عنه إنه استأجر إسماعيلية لاغتيال والي قونية المسلم، في بلاد الأناضول.
وهذه الوقائع التاريخية تثبت إذن بكل يقين أن الإسماعيليّة في علاقاتهم مع الصليبيين ومع المسلمين المجاهدين لطرد الصليبيين من بلاد الإسلام لم يصدروا إلاّ عن دوافع سياسية خاصة بهم كطائفة تريد أن تمكن لنفسها البقاء والسلطان في المناطق والقلاع التي استطاعوا الاستيلاء عليها، ولم يصدروا عن أية اعتبارات إسلامية. وكان ذلك دأبهم منذ بداية الحملات الصليبية، فمثلاً في سنة 524 (سنة 1129 ـ سنة 1130 م) حين أصبح أبو الوفا الإسماعيليّ هو المتحكم في دمشق مكان بهرام الذي قتل، « كاتب أبو الوفا الفرنج، على أن يسلم إليهم دمشق، ويسلّموا إليه عِوَضها مدينة صور؛ واتفقوا على ذلك، وأن يكون قدوم الفرنج إلى دمشق يوم الجمعة، ليجعل أبو الوفا أصحابه على أبواب جامع دمشق. وعلم تاج الملوك تو