Advertisement

هموم داعية



كتاب هموم داعية ...

للشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه

تمهيد

لا أدري لماذا يخالطني شعور بأني أعيش في القرن السابع أيام سقوط "بغداد" ووفاة
الدولة العباسية، أو بعد دلك بقرنين أيام سقوط "غرناطة" واختفاء الإسلام من
الأندلس؟!!
نعم أنا أحيا في القرن الخامس عشر للهجرة. والمسلمون من خمس العالم ومنتشرون في
كل القارات، بيد أن هزائم ثقيلة تنزل بهم، ومؤامرات لئيمة تحاك لهم، وظلمات
كثيفة تتجه إلى مستقبلهم، ويستحيل أن يبتسم مسلم مخلص وهو يرى هذا الهوان يكتنف
دينه وقومه!!
وكيف يبتسم وهو يرى الأخطار تتجه إلى قلب أمته وأطرافها، والأعداء وهم جادون في
الإجهاز عليها، ومع ذلك فجماهيرنا تلهو وتلعب!
إن الذنوب التي نقارفها، والتوافه التي تشغلنا هي الثغرات التي ينفذ العدو
إلينا منها، ويحكم قبضته علينا، ولا نزال نلفت الأنظار إلى مصادر الخطر على
حياتنا كلها إنها:
أولاً: مواريث الثقافة المغشوشة التي تحتضن البدع والخرافات، ولا تعرف عادة من
عبادة، ولا ركنا من نافلة، ولا دنيا من آخرة، ولا ترسم للإسلام صورة صحيحة تبرز
فيها أجهزته الرئية وسماته التابعة، وأهدافه الأولى، ومطالبه الثانوية...
وثانيًا: ما وفد به الاستعمار الثقافي للحضارة المنتصرة! إنها حضارة تعبد
اللذة، تزدري الآخرة، وتنسى الله وتجحد حقوقه. وقد سخَّرت الأرض-التي خلقها
الله لعباده- لخدمة إلحادها على حين وقف المؤمنون الذين يجهلون قواها لا يحسنون
دفاعًا بل لا يستطيعون حراكًا...
إن الدعاة الحقيقيين للإسلام لابد أن يكتئبوا، ولا يعني ذلك تكاسلاً
واستسلامًا، إنهم يشمّرون عن سواعدهم ويرتبون صفوفهم، ويدافعون عن دينهم، ولا
يزالون في كفاح حتى يحكم الله لهم...


محمد الغزالي
03/12/1995

مقدمة

قد أحزن عندما أبذل جهدي ثم لا أدري الثمرة المرتقبة، ومع ما يخامرني من ضيق
فإن ضميري يكون مستريحًا، وحسابي لنفسي لا يصحبه ندم أو خزي، وقد يجري على
لساني قول القائل: "صح مني العزم والدهر أبى" وحسبي ذلك تأساء وتعزية..
والأمر على العكس تمامًا عندما أُفرط فأجني الخسار، وعندما أُسيءُ البذر والحرث
فأجد الحصاد الرديء فلا مكان هنا لاعتذار، ولا تقبل المكابرة من مكابر..!!
بهذا المنطق العادل أريد أن يحاسب المسلمون أنفسهم، إنهم أمة دعوة عالمية، فما
الذي قدموه لهذه الدعوة على الصعيدين المحلي أو الدولي؟ ومحمد نبيهم رحمة
للعالمين فما مجلى هذه الرحمة العامة فيما يسود العالم من أفكار وفلسفات
ومذاهب..؟
ليس هناك جهد إسلامي واضح لخدمة الرسالة الخاتمة وتبصرة الناس لما فيها من حق
وخير، بل الذي يقع داخل الأرض الإسلامية يثير الريب حول القيمة الإنسانية
لرسالة الإسلام ومدى انتفاع أهل الأرض منها، وتلك مصيبة طامة، أن يعمل الإنسان
ضد نفسه وسمعته!! وسواء درى أم لم يدر فتلك نتيجة تسوّد لها الوجوه..!!
والسنوات الأولى من القرن الخامس عشر للهجرة ضمت في أضوائها هزائم قابضة،
ذكرتني بـ "ابن الأثير" وهو يصف همجية التتار في اجتياح بغداد وعواصف الدمار
التي هبت على العالم الإسلامي يوم ذاك، وأين المؤرخ الكبير، وهو يقول: ليت أمي
لم تلدني لأشهد هذه الأحداث الجسام!!
إننا عشنا لنرى دك مدن عظام وتمزيق أمة كبيرة وغيبوبة الوعي الإسلامي بإزاء
آلام تحرك الرواسي!. ومع النشاط الهائل الذي يسود جبهة الأعداء فقد رأيت بني
قومي لا يزالون يمضغون خلافات جوفاء، وتسيطر عليهم أفكار ضحلة، وتسيرهم أهواء
قاتلة وشهوات غبية..!! ومن حقي وأنا أحد المشتغلين بالدعوة الإسلامية أن أُصرّح
بأشجاني وأن أبث همومي، إنه هم، وثان، وثالث..!!
أحيانًا نتحرك في موضعنا، وأحيانًا نسير في طريق مسدود!، وأحيانًا نضرب عن يمين
وشمال وكأن بيننا وبين الصراط المستقيم خصومة..!!
في عالم يبحث عن الحرية نصور الإسلام دين استبداد، وفي عالم يحترم التجربة،
ويتبع البرهان نصور الدين غيبيات مستوردة من عالم الجن، وتهاويل مبتوتة الصلة
بعالم الشهادة، وفي عالم تقارب فيه المتباعدون ليحققوا هدفًا مشتركًا. فلا بأس
أن يتناسوا أمورًا ليست ذات بال، في هذا الوقت ترى أناسًا من الدعاة يجترون
أفكارًا بشرية باعدت بين المسلمين من ألف عام، ليشقوا بها الصف ويمزقوا بها
الشمل!!
إن الثقافة الإسلامية المعروضة تحتاج إلى تنقية شاملة، وإن الدعاة العاملين في
الميدان التقليدي يجب أن يغربلوا لنعدم السقط، وننفي الغلط..
وفي هذا الكتاب نماذج محدودة لمثار الشكوى، ومصدر الهم!!
والله من وراء القصد ...

محمد الغزالي
]السلفية التي نعرف ونحب

الهداة المبلغون عن الله جمّ غفير من بدء الخليقة إلى ختام النبوات بصاحب
الرسالة العظمى، تلك الرسالة التي سوف تصحب العالم حتى يومه الأخير..
وهؤلاء الهداة تتفاوت أنصبتهم فيما أحرزوا من نجاح، وفيما أُوتوا من مواهب،
مثلما تتفاوت نجوم السماء قدرًا وسنى..!!
نعم، هناك نبي دعا فما استجاب له أحد، وهناك من دعا فلباه نفر قلائل، وهناك من
نجح في هداية قرية متوسطة العمران والسكان، وهناك من قدر على تربية جيل مضى على
الدرب قليلاً ثم أدركه الإعياءُ فتوقف..
وهناك من بلغ الحق واستحفظه صحبه، وما هي إلا سنون طويلات أو قصيرات حتى تسرب
الحق من أيديهم، فتلاشى مع الزمن، وحل مكانه باطل خدّاع..

الرسالة الخاتمة
ولكن من خمسة عشر قرنًا ظهر إنسان فذّ، رمق ببصيرته القرون الماضية والقرون
الآتية، وأمده الله بروح من عنده، فإذا هو يتحرك في صحراء الجزيرة حاملاً
البلاغ المبين، كانت الظلمة كثيفة والخصومة ملتهبة، وكسف الضلالة تتراكم في
الشرق والغرب، وكأنما نجح إبليس في إغواء البر والبحر فما يبدو بصيص أمل..
على أن الرسوم العربي الملهم، بدأ عمله بعزم يفل الحديد، وشرع في تكوين الرجال
الذين يؤمنون به، ويجاهدون معه، وأفلست كل المقاومات في ثنيه عن وجهته، لقد مزق
الحجب المسدلة على الفطرة، وانتعش العقل من غيبوبة رضّته بالوثنية المخرّفة،
وصاح في القلب الإنساني: ألا تستحي من البعد عن الذي خلق فسوى وقدر فهدى..وأبصر
الرجال من حوله الطريق، فالتقوا به واستمدوا من صلابته بأسًا في إحقاق الحق
وإبطال الباطل:
كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم
يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب
(الرعد:30)
وتلاوة الرسوم ليست قراءة مجردة على نحو ما نألف!، إن تلاوته دليل عمل ورسم
منهج وإيضاح خطة، كما يعلن في زماننا أي حزب عن برنامجه العام وإن كان الفرق
بعيدًا..
ومنهاج الرسالة الخاتمة تغيير العالم أجمع، والعُدة أُولئك الأصحاب الذين نفخ
فيهم محمد من روحه، وفقّههم في كتابه، وجعل منهم أساتذة في فن الحكم، ورعاية
الجماهير، وحماية الحقوق، وتزكية السرائر، وبناء الأخلاق الحسنة، ودعم التقاليد
الجميلة..>لك كله في سياج من التوحيد المحض والعبادة النقية..
لا يدري أحد كيف صنع محمد هذا الجيل القوي الوفي الزكي!، لا يدري أحد ماذا سكب
في أفئدتهم من تقوى وفداء، وشهود لعظمة الله وإقبال على الدار الآخرة، لا يدري
أحد قوة الدفع وراء هذا الجيل الذي هزم فتن الحياة، وكيد الجبابرة، واستطاع
بعظمة رائعة أن يُسلّم القرآن الكريم للأجيال التابعة دينًا ودولة، وأن يجنّبه
ما عرا الكتب الأولى من تحريف وتصحيف..
أولئك هم سلفنا الصالح، الصالح لقيادة الحياة، وإرث الآخرة، عن جدارة لا عن
دعوى..أُصارح أنني معجب بمحمد وصحبه، مسحور بتربيته لهم وبجهادهم معه ومن بعده
لاستبقاء الحق في الأرض، ونفع العالمين به..
ألا ما أعظم صحابة محمد وما أكبر دينهم في رقابنا!
أتباع محمد صلى الله عليه وسلم
في الأوّلين والآخرين
والآن بعد مسيرة طويلة للإنسانية أنظر إلى نفسي ومن حولي، فأجد الشبه قريبًا
بين أعداء محمد في الأولين وأعدائه في الآخرين! على حين أجد الشبه بعيدًا بين
أتباع محمد في الأولين وأتباعه في الآخرين..
إن صحابة محمد عندما قدموا كلمة التوحيد للناس قدموها على أنها فكاك لأعناقهم
من ضروب الوثنيات الدينية والاجتماعية والسياسية، فلا مكان في ظل الإسلام
لفرعونية حاكمة، ولا قارونية كانزة، ولا كهنوتية موجهة، ولا جماهير ذلول الظهر
لكل راكب أو مستغل، ومن خلال تعاليم الكتاب والسنة أدرك الناس دون تكلف ولا
تقعر أن الحريات موطدة وأن الحقوق مصونة، وأن العقل ينبغي أني فكر دون قيد، وأن
أشواق الفطرة تلبي دون حرج، وأن الدولة في الإسلام مع المظلوم حتى ينتصف وعلى
الظالم حتى يعتدل، وأن الصيحة الوحيدة التي يصحو عليها النائم ليصلي، ويصغي
إليها المرهق قبل أن يدلف إلى فراشه ليرقد هي "الله أكبر الله أكبر" فجرًا
وعشاءً..
هذه هي الدنيا كما فهمناها من ديننا، بيد أن العالم الإسلامي لا يعرف هذه
المعالم في دنياه، وقد يسمع عن شيءٍ منها في العالم الذي لا يعرف الإسلام..
ومما يثير الدهشة أن ناسًا من المتحدثين في الإسلام لا يعرفون عن هذه المعالم
شيئًا يُذكر، وعندما يتكلمون في الدعوة الإسلامية لا يعرجون من قريب ولا بعيد
على هذه المعالم..
إنني لا أُكلفهم باعتراض أوضاع فاسدة فهم دون ذلك!
وإنما أكلفهم ببيان الحقائق العلمية، وشرح المقررات الإسلامية وحسب!
منذ أيام قُدِّمَ استجواب في "الكنيست" اليهودي عن مقتل شاب عربي في إحدى
المظاهرات، ويظهر أن مقدم الاستجواب من العرب الشيوعيين في "دولة إسرائيل"..
ووقف "مناحم بيجن" يرد في غضب شديد ويقول: تريدون أن تقيموا الدنيا وتقعدوها
لمقتل شاب عربي؟! على حين خيم الصمت التام بعد مقتل عشرة آلاف في "مدينة عربية
مجاورة" وتسوية ثلث مساكنها بالأرض؟؟
وشعرت بالخزي وأنا أسمع الإجابة، وقلت لرجل يسمع معي" إن "بيجن" هنا ينطبق عليه
الحديث المشهور: "صدقك وهو كذوب".
وإذا كانت مجزرة "هذه المدينة" محنة تقشعر منها الجلود، وتتقرّح العيون، فإن
الصمت-الذي لفت نظر السفاح اليهودي "مناحم بيجن" بعد وقوعها- محنة أنكى
وأقسى..وقرأتُ في الصحف نبأ هذا الكاثوليكي الذي تبنى ثلاثين ألف طفل مسلم في
الصومال لينشئهم على النصرانية بداهة، وقلت: إن جزءًا من المال العربي الضائع
في أندية القمار كان يمكن أن يحفظ مستقبل هؤلاء..
وما أكثر يتامانا الذين استولت عليهم مؤسسات التنصير جراء هذا التفريط..
الغرابة ليست في وقوع هذه الجرائم على فداحتها! الغرابة في ذهول ناس من
المتحدثين في الإسلام عنها، وعن المقدمات النفسية والفكرية التي أدت إليها.
إنني أرتاب في عقل هؤلاء أو دينهم.
فلنتأمل في ذاتنا نحن المسلمين! إننا نزيد على ألف مليون من البشر، ونسكن أرضًا
تمتد بين المحيطين الأطلسي والهادي، وتحتوي على معاقل الممرات العالمية، ونملك
ثلث ثروات العالم السائلة والجامدة، وهذه إمكانات تجعل منا أُمة طليعة لا أمة
ذَنَبًا..
وقد كان سلفنا أقل عددًا، وأفقر مالا، ويحيا على أرض قفرة معزولة عن الحضارات
الإنسانية الكبرى فكيف نجح وساد على حين أخفقنا وتخلفنا؟!
في اعتقادي أن الثقافات المسمومة التي نتناولها، والأحوال المعوجة التي ألفناها
هي التي أزرت بنا.!
إن الإسلام يدرس بطريقة جنونية، وشياطين الإنس والجن يحرسون هذه الطريقة حتى
تسلم لهم مكاسبهم الحرام وتبقى لهم زينة الحياة الدنيا..
ومع الإحساس العام بضرورة التغيير كي لا نفنى، ومع أننا بصّرنا القاصرين بأسباب
الانحراف ومصادر الشر، فإن المستقبل غامض إلا أن يشاء الله..
خصومات علمية فات وقتها
وفيما كنت أُفكر في هذه الأمور وأمثالها، طرق بابي شاب وكان في عينيه بريق يدل
على الذكاء والحماس معًا!
قال: قرأتُ بعض كتبك، ورأيت أن أستكمل معرفتك من أسئلة أُوجهها إليك!
قلت له: حسبك سؤال واحد فلدي ما يشغلني..
قال: ما رأيك في "الفوقية" بالنسبة إلى الله تعالى؟!
ومع تعوّدي لقاء شباب كثير من هذا الصنف إلا أن السؤال فاجأني..
تريثت قليلا ثم شرعت أتكلم: لا أدري كيف أُجيبك؟ أنا مع أهل الإسلام كلهم أُسبح
باسم ربي الأعلى وبين الحين والحين يطوف بي من إجلال الله وإعظامه ما أظنني به
واحدًا من الذين قيل لهم: ويخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون
(النحل:50)
تسألني عن هذه الفوقية؟ لا أدري!، أنا مع العقلاء الذين يقولون: السماءُ فوقنا
والأرض تحتنا، ثم إني بعدما اتسعت مداركي العلمية عرفت أن الأرض التي أسكنها
كرة دائرة طائرة، وأنها مع أخوات لها يتسقن في نظام مع أمهن الشمس التي تجري هي
الأخرى مع ولدات لها في مجرة معروفة الأبعاد والمدار.
وقد أحصى علماءُ الفلك مجرات كثيرة عامرة بالشموس مثل مجرتنا وحسبوا بعد
مطالعات ومتابعات أنهم عرفوا حدود الكون..
ثم كشفت لهم المراصد على مسافة ملايين الملايين من السنين الضوئية أن هناك
مجرات أُخرى أسطع ضوءًا وأشد تألقًا..فعرفوا أن الكون أرحب مما يظنون..
أنا لم يهُلني أمر هذه الكشوف، وإنما زاد إعظامي لربي، الذي بنى فأوسع، وذرأ
فأبدع، إنه يهب لهذه الأكوان كلها وجودها وبقاءها لحظة بعد أُخرى!.
وأذكر أني رأيت مرة أسرابًا من النمل تحف بقطعة من الحلوى وتسلم فتاتها لأسراب
أُخرى، رأيت أُلوفًا تأخذ من أُلوف، فاتجهت إلى السماء وأنا أقول: وثم أُلوف
مؤلفة من النجوم الثابتة والكواكب الدوّارة. إن الدقة التي تحكم حياة النمل في
جحوره هي الدقة التي تحكم الشموس في داراتها..رؤية تامة هناك وهناك
له غيب السماوات والأرض أَبصِر بهِ وأَسمِع ما لهُم من دونهِ من وليٍ ولا
يُشرِكُ في حُكمِهِ أحدًا
(الكهف:26)
ما دامت السماءُ محيطة بنا فهي فوقنا وتحتنا، ونحن على أرضنا قد نكون فوق قوم
يعيشون على الأرض في جانب آخر منها..وعلى أية حال فالخالق الأعلى له فوقية تقهر
الخلائق جميعًا، وتستعلي وتستعلن على الجن والإنس والملائكة وسائر
الموجودات..ذاك ما أعرف، ولا أُحب إفساد النُظُم القرآني الكريم بتعاريفٍ ما
أنزل الله بها من سلطان.
عقيدة المسلم
قال الشاب: ألم تقرأ العقيدة الطحاوية؟ قلت: أُوصى المسلمين أن يقرءوا القرآن،
وألا يعملوا عقولهم في اكتناه المغيبات التي يستحيل إدراك كنهها، وكذلك فعل
سلفهم الصالح فأفلح..
قال الشاب: كتابك عقيدة المسلم؟ قلت: قررت فيه ما سمعت الآن!..
قال: إنه يتجه مع مذهب السلف ولكنك تبعت في ترتيب العقائد منهج أبو الحسن
الأشعري وهو مؤوّل منحرف..قلت: رحم الله أبا الحسن وابن تيمية كلاهما خدم
الإسلام جهده، وغفر الله لهما ما يمكن أن يكون قد وقع في كلامهما من خطأ.
اسمع يا بني: لماذا تُحيون الخصومات العلمية القديمة؟ كانت هذه الخصومات -ودولة
الإسلام ممدودة السلطة- خفيفة الضرر، وإنكم اليوم تجددونها ودولة الإسلام
ضعيفة، بل لا دولة له، فلم تعيدونها جذعة وتسكبون عليها من النفط ما يزيدها
ضرامًا؟
وجِّهوا الأمة إلى كتاب ربها وسُنًّة نبيِّها واشغلوهم بما اشتغل به سلفنا
الأول، اشتغل بالجهاد في سبيل الله فاعتز وساد مع ملاحظة أنهم يحررون غيرهم،
أما نحن فمُكلَّفون بتحرير أنفسنا.
قال الشاب وهو يتململ: حسبناك من السلف!! قلت: إن انتماء إلى السلف شرف أتقاصر
دونه وفي الوقت نفسه أحرص عليه، لقد جئت تسألني عن قضية لو سُئِل عليها
الأصحاب-رضي الله عنهم- لسكتوا..
وأغلب الظن أنك تود لو تعثرت في الإجابة حتى تتخذني غرضًا أنت ومن وراءك،
فلتعلم أن طهر النفس أرجح عند الله من إدراك الصواب..!
ليس سلفيّا من يجهل دعائم الإصلاح الخلقي والاجتماعي والسياسي، كما جاء بها
الإسلام، وأعلى رايتها السلف، ثم يجري هنا وهناك مذكيًا الخلاف في قضايا
تجاوزها العصر الحاضر، ورأى الخوض فيها مضيعة للوقت..
أما كان حسبنا منهج القرآن العزيز في تعليم العقائد؟.
في تعريف الناس بربهم نسمع قوله تعالى: الله لا إله إلا هو لهُ الأسماءُ
الحُسنى
(طه:8)
والاستجابة الفطرية لدى سماع هذه الآية أن نقول: عرفنا ربنا وما ينبغي له من
نعوت الكمال!
ويقول تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات
(محمد:19)
والاستجابة الطبيعية لدى تلقي هذا الأمر أن نقول: سمعًا وطاعة، علمنا أن الله
واحد، ونستغفره من تقصيرنا في الوفاء بحقوقه..
ثم تتجه بعد ذلك جهود المربين والموجهين إلى تنمية الإيمان النابت في مغارسه
الصحيحة حتى يتحول من معرفة نظرية إلى خشية وتقوى وحياء وخشوع، ولا نزال ننميه
كما فعل سلفنا الصالح حتى يفعم المؤمن بمشاعر التمجيد، فيقول كما علمه الرسوم
الكريم: "يا ربي لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك"، فإذا واجه الموت
في سلام أو حرب لم يجزع بل قال: "غدًا أُلاقي الأحبة محمدًا وحزبه" كما هتف
بذلك بلال.
أما جعل الإيمان قضايا جدلية فهذا الموت الأدبي والمادي. ولو أن سلفنا مضى مع
تيار الجدل ما فتح بالإسلام بلدًا، ولا شرح بالإيمان صدرًا..
إن منهج القرآن الكريم في إنشاء العقائد وإنضاجها خفيف رقيق أخف من الهواء وأرق
من الماء، أما بعض الكتب التي تعرض العقائد في كثير من الأعصار والأقطار فعلى
نقيض ذلك، وقد ألّفت كتابي "عقيدة المسلم" وأنا متشبع بهذه الأفكار، وأحسب أن
الله نفع به كثيرًا..
إقحام السلف في فقه الفروع
على أن هناك أمورًا يُقحَم فيها السلف إقحامًا، ولا علاقة لهم بها، فما دخل
السلف في فقه الفروع واختلاف الأئمة فيه؟!
ومن الذي يزعم أن ابن حنبل هو ممثل السلفية في ذلكم الميدان، وأن أبا حنيفة
ومالكًا والشافعي جاروا على الطريق، وأمسوا من الخلف لا من السلف؟
إن هذا تفكير صبياني..وبعض من سُمّوا بالحنابلة الذين حكى تاريخ بغداد أنهم
كانوا يطاردون الشافعية لحرصهم على القنوت في صلاة الفجر هم فريق من الهمل لا
وزن لهم..وأنا موقن بأن الإمام أحمد نفسه لو رآهم لأنكر عليهم وذم عملهم..!
التبعة ليست على رعاع يمزقون شمل الأمة بتعصبهم، وإنما التبعة على علماء يعرفون
أن رسول الله حكم بأن للمجتهد أجرين إذا أصاب، وأجرًا واحدًا إذا أخطأ.
ولو فرضنا جدلاً أن الحق مع الحنابلة والأحناف في أنه لا قنوت في الفجر فمن
الذي يحرم مالكًا والشافعي أجر المجتهد المخطئ.
وإذا كان من يخالفنا في الرأي مأجور فلم نسبّه ونحرجه ونضيق عليه الخناق؟؟!
المشكلة التي نطلب من أُولي الألباب حلها هي معالجة نفر منا لناس يرون الحق
حكرًا عليهم وحدهم، وينظرون إلى الآخرين نظرًا انتقاص واستباحة!الواقع أن
الأمراض النفسية عند هؤلاء المتعصبين للفرعيات تسيطر على مسالكهم وهم –باسم
الدين- ينفسون عن دنايا خفية! وعندما يشتغل بالفتوى جزار فلن تراه أبدًا إلا
باحثًا عن ضحية!!
وقريب من ذلك ما أقصه على ضيق تردد إن البعض يُنكر المجاز، أو يستهجن القول به
ويغمز إيمان الجانحين إليه.
سألني سائل: تذكر حديث الإبراد بصلاة الظهر؛ لأن شدة الحر من فيح جهنم؟ قلت:
نعم!. قال: جاء في الكلام عن فيح جهنم أن النار اشتكت إلى الله قائلة: أكل بعضي
بعضًا..فأذن لها بنفسين في الصيف والشتاء. فأشد ما تجدون من الحر في الصيف فهو
من أنفاس جهنم، وأشد ما تُحسّون من برد في الشتاء فهو من زمهرير النار!!..
قلت: ذلك تقريبًا معنى حديث. قال: أوتؤمن به؟ قلت: لا أدري ماذا تريد؟ الإبراد
بالظهر مطلوب تجنبًا لوقدة الحر ولا غضاضة في ذلك، يريد الله بكم اليسر ولا
يريد بكم العسر.
قال: أسألك عن المعنى المذكور في الحديث؟ أتؤمن بأن جهنم شكت بالفعل وأن الله
استمع إليها، ونفَّس عنها؟!..
قلت في برود: كون النار تكلمت بلسان فصيح وطلبت ما طلبت فهم لبعض الناس ولهم أن
يقفوا عند الظاهر الذي لا يتصورون غيره، وهناك رأي آخر أنا أميل إليه وهو أن
هذا أسلوب في تصوير المعاني يعتمد على المجاز والاستعارة..
وهنا تنمر السائل وبدأ في التشنج وقال: أكثير على قدرة الله أن تتكلم النار؟
أما يقدر ربنا أن تتكلم الحجارة؟
وأجبته ببرود أكثر: ما دخل القدرة الإلهية هنا؟ إن العلماء يفهمون النصوص على
ضوء اللغة العربية، وما نقل إلينا من تراكيبها، وقدرة الله فوق الظن والتهم!
إن العرب الأقدمين أجروا على ألسنة الجماد والحيوان كلامًا ما نعلم نحن أنه ليس
على ظاهره، وقد ذكرت في مكان آخر المثل العربي "قال الجدار للوتد: لم تشقني؟
قال: سل من يدقني"
وجاء مثل آخر على لسان الثور المخدوع: "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض"
والجدار ما تكلم، والثور ما نطق!..
ثم قلت يائسًا: ومع ذلك فإذا كنت ترى أن الجدار نطق والثور تكلم فلك مذهبك، ولا
دخل للسلف أو الخلف في الموضوع كله!
وعاد الشاب يقول: هل في القرآن مجاز؟
وكتمت الغيظ الذي يغلي في دمي، وقلت: ما لاكه بعض العلماء في القرون الوسطى، ثم
انتهوا منه وانتهى أهله، تريدون اليوم إحياءه وشغل الناس به؟ مرة حديث الفوقية،
ومرة حديث المجاز؟!!
حدثني عن هذه الآيات:
إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مُقحمون(8)
وجعلنا من بين أيديهم سدًَّا
(يس:8،9)
ترى هذه السدود هي السد العالي أو سد الفرات؟ وهل الأغلال هنا هي القيود والتي
توضع أحيانًا في أيدي المجاهدين..أم أن هناك مجازًا في القرآن الكريم..؟
واستأنفت الكلام وأنا أتجه إلى الضحك..
لما سرّ المتنبي بشعب بوان وراقه الهواء والظل وتسلل الأشعة بين الأوراق
والغصون تصنع دوائر شتى على ثيابه قال:
وألقى الشرق منها في ثيابي دنانيرًا تفر من البنان!
ثم قال في مجون لا يسوغ:
يقول بشعب بوان حصاني أَعن هذا يسار إلى الطعان
أبوكم آدم سن المعاصـي وعلمكم مفارقة الجنــان
هل وقف حصان المتنبي وسط الحديقة الغنّاء وألقى هذه الخطبة العصماء؟ أم أن
المتنبي أنطق دابته بهذا الشعر؟ أظن الحكم على مذهبك أن الحصان هو الذي فسق
بهذا الكلام ضد الأنبياء ويجب ذبحه!!.
إن هذا الشاب وأمثاله معذورون، والوزر يقع على من يوجههم، لأنه لا يفقه أزمات
الحياة المعاصرة، ولا يرتفع إلى مستوى الأحداث، ولا يحس آلام أُمته، ولا يخطر
بباله ما يُبيَّت للأمة الإسلامية ودينها العظيم من مؤامرات.
إننا نريد ثقافة تجمع وتفرّق، وترحم المخطئ ولا تتربص به المهالك، وتقصد إلى
الموضوع ولا تتهارش على الشكل..
ولا أدري لماذا لا نؤثر العمل الصامت المنتج بدل ذلك الجدل العقيم؟
حاجتنا إلى منهج يصل حاضرنا بغابرنا
لا أريد الإطالة في نقد انحرافاتنا الفكرية والنفسية، وأُحب أن أخلص إلى منهج
يصل حاضرنا بغابرنا، ويُنشئ خلفًا على غرار السلف، ويعيننا على استدامة رسالتنا
وهزيمة عدونا..
إننا لا نستطيع –فرادى- أن نحقق شيئًا طائلا، فالجماعة من شعائر الإسلام،
والجماعة رحمة، والفرقة عذاب..
وفي الميدان الدولي نجح أعداؤنا في طي راية الخلافة، وتقطيع أُمة التوحيد
أُممًا شتى التحقت ذيولا بالكتل العالمية الكبرى، واصطبغت ثقافيًا وسياسيًا
بألوان أُخرى غير صبغة الله..
والمطلوب من الدعاة الراشدين أن يدركوا الأُمة من الداخل، ويقفوا حركة التمزيق
الفكري والروحي الوافدة من الخارج.
وذلك يفرض علينا إحياء الإخاء الديني، وتنشيط عواطف الحب في الله، واختصار
المسافات أو ردم الفجوات التي تفصل بين المنتسبين إلى الإسلام.
ولكي لا يكون ذلك خيالاً أو خطابة منبرية نرى صب الأمة كلها في تجمعات ذات
أهداف حقيقية، تجمعات تشبه حلقات الإخوان التي قام عليها التحرك الإسلامي في
نجد أو السودان أو مصر، تتعارف على نصرة الإسلام وتتجاوب بروح الله وتتكاثر حتى
تنضم المدن والقرى.
وأتخيل هذا التجمع على صورتين: الأولى أساسها وحدة العمل، كالروابط المهنية
والهندسية والقانونية والعلمية وغرف التجارة واتحاد الطلاب والأندية
الجامعية..إلخ.
والأخرى مُشكَّلة من طوائف متبانية جمعتها أسباب دائمة أو طارئة.
عمل التجمعات الأولي: خدمة الإسلام في ميادينها التخصصية، ومحو كل آثاره
لتخلفنا الحضاري والمنافسة على السبق الشريف والحرص على نصرة الإسلام بدءًا من
قراءة العداد الكهربائي –مثلاً- إلى ملاحظة تسجيلات "الكمبيوتر".
وعمل التجمعات الأخيرة توثيق الروابط بين الأعضاء الذين يتوزع نشاطهم على
مجالات متباعدة، فالطبيب هنا قد يلتقي بموظف كتابي، والعامل بشركة أقمشة قد
يلتقي بعامل في شركة أدوية، والمحاسب قد يلتقي بمدرس، والنقّاش قد يلتقي
بصحافي..إلخ.
والمهم أن يرقب هؤلاء جميعًا أثر أعمالهم في النشاط الإسلامي، وأن يتعاونوا على
ما فيه الخير لدينهم وأُمتهم.ولا بأس أن يتزاوروا ويتهادوا ويُعمِّقوا مشاعر
الود بين أُسرهم وأولادهم، في نطاق الأدب الإسلامي المقرر..
وإنما دعاني إلى هذا الاقتراح ما يعانيه أهل الدين من غربة، وما يعانيه الدين
نفسه من خذلان في أخطر شئون الحياة، وما ينحصر فيه الدعاة من كلام حسن أو ممل.
إن الوعظ أخف الواجبات التي يتطلبها الإسلام في عصرنا.
الجهد الأول هو تحريك قافلة الإسلام التي توقفت في وقت تقدّم فيه حتى عبيد
البقر..
وقد تكون الكلمة الجارية داخل معهد، أو مصنع، أو ديوان، أثقل في ميزان المؤمن
من وعظ كثير..
وألفتُ النظر إلى منع الجدل الديني داخل هذه التجمعات، وقبول جميع المذاهب
الفقهية المعروفة، وتكريس الجهود والأوقات لرد العدوان على ديننا وإعادة بناء
أُمتنا على قواعدها الأولى..
فإذا كان لابد من بحث علمي، فليوكل كذلك ذلك إلى الأخصائيين، وهم فيه أصحاب
الرأي..
إنني –فيما بلوت- رأيت الخلاف الفقهي يتحول إلى عناد شخصي، ثم إلى عداء ماحق
للدين والدنيا، فكيف إذا تصور البعض أن الأمر ليس خلافًا في الفروع، ولكنه خلاف
في الأصول؟ المصيبة تكون أدهى وأمر..!


لا سُنّة من غير فقه

الاتزان العقلي نصاب لابد من توفره في أي جو ديني! إنه أساس التكاليف الدينية،
ثم هو يُعدّ أساس التحدث إلى الناس باسم الإسلام..
وسعة العلم ضرورة لفهم وجهات نظر المجتهدين وترجيح مذهب فقهي على آخر..أما
مرتبة الاجتهاد المطلق فاعتقادي أنها درجة أسنى تقوم –بدءًا- على الفضل الإلهي
كما جاء في الحديث: "إلاَّ فهمًا يُؤتَاهُ رَجُلٌ في كِتَابِ الله" وكما جاء في
الآيات:
وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرثِ إذ نفشت فيهِ غنمُ القومِ وكُنَّا
لِحُكمِهِم شاهدين(78)فَفَهَّمنها سُليمان وكُلاًّ ءاتينا حُكما وعِلما
(الأنبياء:79)
وانظر إلى عبدالله بن عباس، كيف فهم من سورة النصر ما غاب عن أفهام الصحابة في
مجلس عمر، فقال موضحًا المعنى المراد: "أراه حضور أجل النبي"..!
إن هذا الذكاء اللماح بعض الحكمة التي ينعم الله بها على من يريد له الخير
يؤتي الحِكمَةَ من يشاءُ ومن يُؤتَ الحِكمَةَ فقد أُوتِيَ خيرًا كثيرًا
(البقرة:269)
عمل الفقهاء أكمل جهد المحدثين
إن جو الفقه والفتوى وتربية الأُمة وتبصير أولي الأمر شأو يستبعد منه قصار
الباع والهمة والفكر، ويستحيل أن يحيا فيه المتطاولون الذين يحسنون الهدم ولا
يطيقون البناء، نقول ذلك كله لنلفت الأنظار إلى خاصة بارزة في ثقافتنا القديمة
هي أن عمل الفقهاء أكمل جهد المحدِّثين وضبطه وأحسن تنسيقه ويسر الإفادة منه.
ومن ثم قاد الفقه حضارتنا التشريعية في أغلب العصور..
والتأمل في الآثار الواردة يجعل وظيفة الفقهاء لا محيص عنها، ويجعل الاستقاء
المباشر من السُنة صعبًا على العامة ومَن في منزلتهم من ذوي النظر القريب، ذلك
أن هناك قضايا وردت فيها آثار متقابلة، وقضايا أخرى لا ينفرد بالبت فيها حديث
فذ..
روى مالك قال: "بلغني أن عبدالرحمن بن عوف -- تكارى أرضًا فلم تزل في يديه حتى
مات! قال ابنه: فما كنت أراها إلا لنا من طول ما مكثت في يديه! حتى ذكرها لنا
عند موته وأمرنا بقضاء شيء كان عليه من كرائها، ذهب أو ورق..."" وهذا الحديث
يجيز استئجار الأرض لزراعتها.
وروى الشيخان عن ابن عباس قال: خرج رسول الله إلى أرض وهي تعتز زرعًا فقال:
"لِمَن هَذِهِ؟ قَالوا: اكتَرَاهَا فُلاَنٌ، قَالَ: لو مَنَحَهَا إيَّاهُ كان
خيرًا أن يأخُذَ عليها أجرًا معلُومًا.."!
وفي رواية عن رافع بن خديج: سألني رسول الله: "كيف تصنعُونَ بمَحَاقلكُم؟ قلت:
نؤجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير! قال: لا تفعلوا، ازرعوها –يعني
بأنفسكم- أو ازرعوها –أي امنحوها غيركم- أو امسكوها! قال رافع: قلت: سمعًا
وطاعة..."!
وللفقهاء كلام في هذه المرويات، منهم من رفض الإيجار، حيث تجب المواساة
والتراحم، وأباحه في الأحوال العادية، ومنهم من رفضه إذا كان هناك غبن أو غرر،
ومنهم من أبطل المزارعة، ومنهم من أباحها، وكلاهما غلَّب بعض النصوص على بعض
آخر لملحظ ما، وليس هنا مكن التفصيل.
وقبل أن نورد نماذج أخرى ننبه إلى ن العقائد والعبادات الرئيسية والسنن العلمية
جاءت كلها عن طريق التواتر القاطع، وأن أصول الدين وأركان الطاعات وقاعد السلوك
لا يرتقي إليها لبس أو تفاوت، وإنما يحدث الخلاف في أمور ثانوية لا يضخمها إلا
أصحاب الفكر المختل..
ما قيمة أن يشرب امرؤ قائمًا أو قاعدًا؟! لقد جاءت مرويات شتى في ذلك..! صح عن
الخمسة –ما عدا أبا دود- عن ابن عباس -- قال "سقيت رسول الله من ماءِ زمزم
فشرب وهو قائم".
وعن ابن عمر -- قال: كنا نأكل على عهد رسوم الله ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام
–أخرجه الترمذي وصححه.
وعن مالك أنه بلغه أن عمر وعثمان وعليًا كانوا يشربون قيامًا..وظاهر من هذه
المرويات جواز الشرب عن قيام ومع ذلك فقد روى مسلم عن أنس بن مالك، قال: نهى
رسول الله عن الشرب قائمًا، بل روى عن أبي هريرة أن رسول الله قال: "لا
يَشربَنَّ أحدُكُم قائمًا! فَمَن نَسِيَ فليستقيء.."!!
ويرى الفقهاء أن الشرب عن قيام مباح، وأنه عن قعود أفضل ولا حرمة فيما لو شرب
قائمًا ويخيل إليَّ أن الأحوال التي تكتنف المرء هي التي تحدد طريقة شربه، فلا
عزيمة في القعود ولا جريمة في القيام، وإن كان بعض الفارغين يريد أن يجعل من
الحبة قبة، وأن يكثر حولها اللغو!!
ومن المرويات التي تحدثت فيها إحدى الإذاعات أخيرًا، ما جاء في الأمور التي
تبطل الصلاة، فقد تعلمنا ونحن صغار أن الصلاة لا يقطعها شيءٌ، وأن مرور إنسان
أو حيوان أمام المصلي لا يفسد صلاته. وقد أخرج الستة –ماعدا الترمذي- -عن
عائشة- رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله يصلي من الليل وأنا معترضة بينه
وبين القبلة كاعتراض الجنازة، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت..
وروى أبوداود والنسائي عن الفضل بن عباس –رضي الله عنهما- قال: زارنا النبي في
بادية لنا، ولنا كليبة وحمارة فصلى بنا العصر وهما بين يديه فلم يزجرا ولم
يؤخرا..!
وظاهر من هذه الأحاديث صحة الصلاة في الأحوال التي وصفتها، ومع ذلك فقد روى
مسلم أن الصلاة –من غير سترة- يقطعها الكلب الأسود والمرأة والحمار، وأن الكلب
الأسود شيطان!
وقد استنكرت عائشة هذا الكلام واستغربته وذكرت ما يرده!!
وأغلب الأئمة أن الصلاة لا يقطعها شيء، وهم يتجاوزون حديث مسلم ولا يأخذون به،
وهناك من أخذ به وبنى عليه مذهبه..
وقال لي أحدهم: إن السيدة عائشة لم تكن مارة بين يدي المصلي حتى تبطل صلاته!!
فقلت ضاحكًا: مرور المرأة أمام المصلي يبطل صلاته ونومها أمامه لا يبطلها!!.
والأمر عندي أهون من أن تثور حوله معركة..لكن الذي رفضته أن يتصدى أحد أولئك
المبطلين لعلم الأحياء، ويهاجم مقرراته ليقول: إن الكلب الأسود شيطان وليس
كلبًا كبقية بني جنسه!! قلت: حديث رفض العمل به جمهور الفقهاء، ولم يروه
البخاري وهو يعالج الموضوع ندخل به معركة ضد العلم باسم الإسلام والمسلمين!!
إن التعصب المستغرب لوجهة نظر فرعية لا يبلغ هذا الشطط، ولكنه للأسف مسلك ملحوظ
على عدد ممن يشتغلون بأحاديث الآحاد.
ومن نماذج المرويات المتقابلة، ما جاء في طريقة البول، فقد وردت آثار بجوازه عن
قيام، وجاءت أخرى بمنعه، وروى عن ابن مسعود: إن من الجفاء أن يبول الرجل
قائمًا، قالوا الجفاء خلاف البر واللطف، والذي أراه أن ذلك يتبع الأحوال التي
تكتنف الإنسان، وفي الأمر سعة. على أن الأمر المثير للقلق أن تجد البعض يعرف
أطرافًا من المرويات، يكترث بها وحدها ويذهل عن غيرها، ثم يذهب يتحدث عن
الإسلام دون فقه أو روية.
روى أحدهم حديث "ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار" ثم حكم على الألوف
المؤلفة من عباد الله أنهم من أهل جهنم! قلت له: إن إسبال الإزار كبرًا رذيلة
وقد كان في الجاهلية الأولى شارة الرياسة والملك، وقصة الأمير "جبلة بن الأيهم"
معروفة أما طول الإزار حتى الكعبين أو دونهما قليلاً لستر الجسم وتجميله دون
اغترار ولا استكبار فهو لا يدخل النار! فأبى المتحدث أن يستمع إلى شرحي، وعدّني
من علماء السوء، الخارجين على السنة..!
ونظرت إليه وهو كميش الثوب، بالغ الاعتداد برأيه، وقلت له: إذا كان الكبر بطر
الحق وغمط الناس –كما عرّفه الرسول الكريم- فأنت متكبر، ولو ارتديت ثوبًا إلى
الركبتين!!
ورأيت نفرًا من هؤلاء يغشون المجامع، مذكرين بحديث أن أبا الرسول في النار!
وشعرت بالاشمئزاز من استطالتهم وسوء خلقهم!
قالوا لي: كأنك تعترض ما نقول؟ قلت ساخرًا: هناك حديث آخر يقول:
وما كُنَّا مُعَذَّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولاً
(الإسراء: 15)
فاختاروا أحد الحديثين...قال أذكاهم بعد هنيهة: هذه آية لا حديث! قلت: نعم
جعلتها حديثًا لتهتموا بها، فأنتم قلما تفقهون الكتاب!!
قال: كانت هناك رسالات قبل البعثة والعرب من قوم إبراهيم وهم متعبدون بدينه.
قلت: العرب لا من قوم نوح ولا من قوم إبراهيم، وقد قال الله تعالى في الذين بعث
فيهم سيد المرسلين:
وَمَاَ ءَاتينَاهُم مِن كُتُبٍ يَدرُسُونَهَا وَمَاَ أَرسَلنَا إليِهِم
قَبلَكَ مِن نَّذِيرٍ
(سبأ: 44)
وقال لنبيه الخاتم:
وَمَاَ كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذ نَادَينَا وَلَكِن رَّحمَةً مِن رَّبِّكَ
لِتُنذِرَ
قَوُمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذيِرٍ مِن قَبلِكَ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّروُنَ
(القصص:46)
كل الرسالات السابقة محلية مؤقتة وإبراهيم وموسى وعيسى كانوا لأقوام خاصة!!
وللفقهاء كلام في أن أبوي الرسول ليسا في النار، يردون به ما تروون..لقد أحرجتم
الضمير الإسلامي حتى جعلتموه ليستريح، يروى أن الله أحيى الأبوين الكريمين
فآمنا بابنهما، وهي رواية ينقصها السند. كما أن روايتكم ينقصها الفقه، ولا أدري
ما تعشقكم لتعذيب أبوين كريمين لأشرف الخلق؟ ولم تنطلقون به>ه الطبيعة المسعورة
تسوءون الناس..؟ إن المرويات تتعارض في ظاهر الأمر، وهنا يدخل علماء الفقه
والأثر للتنسيق والترجيح، وقد يصح السند ولا يصح المتن، وقد يصحان جميعًا ويقع
الخلاف في المعنى المراد، وهذا باب واسع جدًا ومنه نشأ ما يسمى بمدرسة الأثر
ومدرسة الرأي، والأولون أقرب إلى الفقه الظاهري، وإن خالفوه كثيرًا..والآخرون
أوسع دائرة وأبصر بالحكمة والغاية، وكلاهما إلى خير إن شاء الله.
وعندما يخالف أثر صحيح ما هو أصح سُمِّي شاذا ورفض، وعندما يخالف الضعيف الصحيح
يسمى متروكًا أو منكرًا، وقد رأيت ناسًا يبنون كثيرًا من المسالك على هذه
المتروكات والمناكر باسم السنة، والسنة مظلومة مع هؤلاء الجهال..
ضرورة العناية بالقرآن الكريم
ولست أقرر جديدًا في هذا الميدان، والذي أراني مضطرًا إلى التنبيه إليه، هو
ضرورة العناية القصوى بالقرآن نفسه، فإن ناسًا أدمنوا النظر في كتب الحديث
واتخذوا القرآن مهجورًا، فنمت أفكارهم معوجّة، وطالت حيث يجب أن تقصر، وقصرت
حيث يجب أن تطور، وتحمسوا حيث لا مكان للحماس، وبردوا حيث تجب الثورة! نعم: من
هؤلاء من ظن الأفغانيين من أتباع أبي حنيفة لا يقلون شرًا عن الشيوعيين أتباع
"كارل ماركس"، لماذا؟ لأنهم وراء إمامهم لا يقرءون فاتحة الكتاب (!). والذهول
عن المعاني الأولية والثانوية التي نضح بها الوحي المبارك لا يتم معه فقه ولا
يصح دين..
ذكر أبوداود حديثًا واهيًا جاء فيه عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول
الله": "لا تركب البحر إلا حاجًا أو معتمرًا أو غازيًا في سبيل الله تعالى،
فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا" هذا الحديث ضعيف أو موضوع خدع به الإمام
الخطابي، وعلل النهي عن ركوب البحر بأن الآفة تسرع إلى راكبه ولا يؤمن هلاكه في
غالب الأمر..!!
والكلام كله باطل، فقد قال المحققون: لا بأس بالتجارة في البحر. وما ذكره الله
تعالى في القرآن إلا بحق. قال عز وجل:
وَتَرَى الفُلكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبتَغُوا مِن فَضلِهِ وَلَعَلَّكُم
تَشكُروُنَ
(النحل:14)
إن الغفلة عن القرآن الكريم والقصور في إدراك معانيه القريبة أو الدقيقة عاهة
نفسية وعقلية لا يداويها إدمان القراءة في كتب السنة. فإن السنة تجيء بعد
القرآن، وحسن فقهها يجيء من حسن الفقه في الكتاب نفسه.
وقد ذكر ابن كثير أن الإمام الشافعي، قال: كل ما حكم به الرسول" فهو مما فهمه
من القرآن فكيف يفقه الفرع من جهل الأصل؟!
إن الوعي بمعاني القرآن وأهدافه يعطي الإطار العام للرسالة الإسلامية، ويبين
الأهم فالهم من التعاليم الواردة، ويعين على تثبيت السنن في مواضعها الصحيحة.
والإنسان الموصول بالقرآن دقيق النظر إلى الكون، خبير بازدهار الحضارات
وانهيارها، نيّر الذهن بالأسماء الحسنى والصفات العلى، حاضر الحس بمشاهد
القيامة وما وراءها، مشدود إلى أركان الأخلاق والسلوك ومعاقد الإيمان، وذلك كله
وفق نسب لا يطغى بعضها على بعض، وعندما يضم إلى ذلك السنن الصحاح مفسرة للقرآن
ومتممة لهداياته فقد أوتى رشده.
والمسلم الذي يحترم دينه وأُمته لا يرى الصواب حكرًا عليه فيما يعتنق من وجهات
النظر! وقد يرى الصمت وراء الإمام عبادة، ولكنه لا يزدري أو يخاصم من يرى
القراءة عبادة!
وقد وسعت جماهير الأمة هذه السماحة من عصور طوال، وقامت مذاهب كثيرة متحابة،
حتى جاء من يرى في الحديث رأيًا، خطأ كان أم صوابًا، ثم يقوم: هذا هو الدين، لا
دين غيره!!
لقد خامرني الخوف على مستقبل أُمتنا لمَّا رأيت مشتغلين بالحديث ينقصهم الفقه،
يتحولون إلى أصحاب فقه، ثم إلى أصحاب سياسة تبغي تغيير المجتمع والدولة على نحو
ما رووا ورأوا..!
إن أعجب ما يشين هذا التفكير الديني الهابط هو أنه لا يدري قليلاً ولا كثيرًا
عن دساتير الحكم وأساليب الشورى وتداول المال وتظالم الطبقات، ومشكلات الشباب
ومتاعب الأسرة وتربية الأخلاق..
ثم هو لا يدري قليلاً ولا كثيرًا عن تطويع الحياة المدنية وأطوار العمران لخدمة
المثل الرفيعة والأهداف الكبرى التي جاء بها الإسلام.
إن العقول الكليلة لا تعرف إلا القضايا التافهة، لها تهيج، وبها تنفعل، وعليها
تصالح وتخاصم!. هززت رأسي أسفًا وأنا أرمق مسار الدعوة الإسلامية!
إن الرسالة التي استقبلها العالم قديمًا استقبال المقرور للدفء، واستقبال
المعلول للشفاء، هانت على الناس فلم يروا ما يستحق التناول، وهانت على أهلها
فلم يدروا منها ما يرفع خسيستهم ويحمي محارمهم..!
هبوط عم الدين واللغة معًا
ويبدو أن الهبوط عم الدين واللغة معًا، فهان الأدب هوان الإيمان، ورسب المبنى
والمعنى جميعًا في قاع بعيد القرار..
كنت أقرأ صحيفة "الجزيرة" فاستوقفني عنوان عن القلق والإبداع والأديب المعاصر،
وأدهشني وأنا أقرأ، أن المتنبي ذكر اسمه في سياق واحد مع نزار قباني..المتنبي
الحكيم يقول في تصوير المجد وتكاليفه:
لا يدرك المجد إلا سيد فطـن لما يشق على السادات فعال..!
لا وارث جهلت يمناه ما كسبت ولا سئول بغير السيف سـآل
والقباني يقول في رثاء امرأته:
السيف يدخل لحم خاصرتي وخاصرة العبارة!
كل الحضارة أنت يا "بلقيس" ... والدنيا حضارة!
الحق أني استنكرت الجمع بين الحكمة والقمامة، بين الأدب في الأوج والأدب في
القاع! بيد أني عدت إلى نفسي أقول: إن ما وقع في ميدان الشعر والنثر صورة
مساوية لما وقع في ميدان الدعوة، أليس مضحكًا أن يدخل داعية في مسجد، فينظر إلى
المنبر ثم يقول: بدعة!! لماذا؟! لأنه من سبع درجات، ويرى أن يقف على الثالثة لا
يعدوها..ثم يرى المحراب فيقول أيضًا: بدعة..لماذا؟! لأنها تدق كالجرس..وأخيرًا
يتكلم، فيخوض في موضوع غث لا ينبه غافلا ولا يعلم جاهلا ولا يكيد عدوا. المهم
عنده الاستمساك بالسنة..!! على الشكل الذي يراه..أي سنة تعني؟!
إن النبي العربي محمدًا قدر بسنته على إحياء أجيال بدلت الأرض غير الأرض، وحطمت
إمبراطوريات ذاهبة في الطول والعرض!
إنه -"- أنعش بسنته جماهير كانت في غيبوبة، وأطلقها تسعى بعدما أضاءها من
الداخل، فعرفت المنهج والغاية!! إننا بحاجة إلى شعاع على مسار الدعوة، وحقيقة
السنة، فكم ظلمت السنة ممن يتشدقون بها.

هم بنو إسرائيل..فبنو من نحن؟

أصغيت بانتباه إلى إذاعات عربية كثيرة شاركت في الاحتفال "بيوم الأرض" وهو يوم
حزين يخرج فيه عرب فلسطين المحتلة ليحيوا ذكرى شهدائهم الذين قاوموا الاغتصاب
اليهودي لترابهم الوطني، هذا الاغتصاب الذي تحول إلى اجتياح مسعور بعد هزيمة
سنة 1967م.
وشعرت بالسخط وأنا أسمع ما قيل من شعر ونثر، إذ كان المتحدثون يؤكدون عروبة
فلسطين، لأن الكنعانيين هم أصحابها الأوائل، والكنعانيون والعدنانيون
والقحطانيون جميعًا عرب، أما بنو إسرائيل فهم طارئون غرباء..
وحاولت أن أتسمع معنى آخر يربطنا بأرضنا فلم أرجع بطائل!
ما تحدث أحد عن الله ورسوله، ما تحدث أحد عن عمر بن الخطاب وتسلمه الأرض من
النصارى لا من اليهود، ما تحدث أحد عن أصلنا الديني وتاريخنا الإسلامي، ما تحدث
أحد عن انتهاء الدور الروحي والحضاري لليهود وبزوغ رسالة أخرى بعيدة عن الأثرة
والحقد، ما تحدث أحد عن أن وظيفة الهيكل وبنائه مسكنًا للرب قد أُلغيت وأن
الوظيفة الجديدة هي لمسجد يصيح في أرجاء العالمين..
الله أكبر!!!
كان التنادي بالعودة إلى الأرض، وحق أبناء كنعان، في وراثتها!
إن دوران المعركة على هذا المحور هدف استعماري انزلق إليه العرب في محنتهم
النفسية والعسكرية، ولن ينالوا من ورائه خيرًا..!
فبنو إسرائيل يديرون المعركة على أساس ديني بحت ويستقدمون أتباع التوراة من
المشرق والمغرب قائلين: تعالوا إلى أرض الميعاد، تعالوا إلى الأرض التي كتبها
الله لأبيكم إبراهيم كما أكد العهد القديم..
مستوطنون باسم التوراة
في تقرير "لفرانس برس" نشرته صحيفة "الراية القطرية" 2-5-1982 تحت عنوان
"مستوطنون باسم التوراة" التقى الكاتب بنفر من اليهود في المستعمرات التي
أنشؤوها، وتحدث معهم ليستكشف سرائرهم وأسباب مجيئهم، ومدى حرصهم على البقاء مع
المقاومة العربية المتصلة.
قال "هارون" الذي يقيم في مستعمرة "أوفرا" من خمس سنين: "إنني أمتلك ما لدي
باسم التوراة!! واعتراضات العرب لا وزن لها..ويبلغ هارون من العمر 40 سنة، وهو
يضع مسدسًا في حزامه، ويوالي حركة "جوش أمونيم" كتلة الإيمان الدينية المتطرفة.
والواقع أن الاتجاه الذي يمثله هو الغالب على جمهور المستوطنين
الإسرائيليين..".
وفي "كبريات أربع" وهي مستعمرة بجوار مدينة الخليل يؤكد شالوم –وعمره 33 عامًا-
ما ينتويه فيقول: "إن اهتمامي الرئيسي مُنصب على عودة الشعب اليهودي للإقامة
بأرضه..وإذا كان العرب لا يرون أن نصوص التوراة ليست سببًا كافيًا لحق الملكية
فليست هذه مشكلتي".
وتقول "مريم لوينجز" وهي قرينة حاخام يهودي مشهور: "إن علينا أن نطيع أوامر
الله الذي طلب منا العودة إلى الأرض المقدسة! وهي تقيم مع أحد عشر ابنًا لها
وسط مدينة الخليل العربية على أنقاض معبد قديم!!"
ويقول هارون وشالوم ومريم جميعًا" "إن أمام العرب الفلسطينيين متسعًا في الدول
العربية المجاورة فليهاجروا إليها. ويقول كاتب التقرير: إن حدود إسرائيل –كما
يرسمها هؤلاء- أبعد من الحدود الحالية، فإسرائيل المذكورة في التوراة تشمل
جانبًا كبيرًا من لبنان، ودولة الأردن كلها، وشبه جزيرة سيناء حتى قناة
السويس..
والمستوطنون مسلحون جميعًا بالمسدسات أو المدافع الرشاشة ولهم فرق حراسة تدور
حول المستعمرات ليلا ونهارا.
وختم الكاتب تقريره بهذه العبارات على لسان "هارون": "لقد صاح وهو يطل من
النافذة ويشير إلى مزارع الفاكهة: هذا البلد ملك لنا، عندما وصلنا هنا لم تكن
توجد إلا تلال وحجارة! لقد خضّرنا الصحراء، ولقد ساعدنا الله منذ ألفي عام ولن
يمتنع عن ذلك فجأة، بل سوف يساعدنا على حل مشكلاتنا مع العرب!!.."
أرأيت أيها الأخ فلسفة القادمين الجدد، وأحاديثهم السرية والعلنية؟ الله
ومواعيده لشعبه المختار! التوراة والحدود التي رسمتها! حق التملك للأرض باسم
الدين اليهودي، وجهود البناء والتعمير، ليكن العرب أبناء كنعان أو قحطان
فليعيشوا بعيدًا عنا..!
وما يقوله رجل الشارع العادي هو ما يردده رئيس الوزراء المسئول..
فكيف برب الأرض والسماء، يصرخ القوم بانتمائهم وننسلخ نحن من هذا الانتماء
مؤثرين عليه انتماء عرق لا يقدم ولا يؤخر..؟!
وعندما يتكلم السياسي اليهودي رافعًا بيمينه كتابه المقدس، فهل يسكته سياسي
عربي، يستحي من كتابه ولا يذكره لا في محراب ولا في ميدان؟؟
ولنعد إلى طيب الذكر "كنعان" الذي أيقظناه من سباته، وقلنا له: نحن أولادك! من
هو؟ وما تاريخه؟..
إن اليهود يعرفون كما نعرف أن فلسطين لم تكن خالية من سكانها يوم دخلوها فاتحين
باسم التوراة! كان الكنعانيون يحيون في هذه الربوع التي فاضت عليهم سمنًا
وعسلا، وكانوا أصحاب تفوّق مدني وعسكري أغراهم بالترف والعبث والجبروت، وكانوا
مرهوبين يخشى الناس بطشهم، ويوجلون من التعرض لهم!
فلما خرج موسى وقومه من مصر واحتوتهم سيناء، قيل لهم: ادخلوا فلسطين، فسيناء
معبر إليها، ففزع اليهود من هذا التكليف وخشوا مقاتلة أهلها يومئذ، وقالوا: يا
موسى:
إِنَّ فِيهَا قَومًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدخُلَهَا حَتَّى يَخرُجُوا
مِنهَاَ فَإِن يَخرُجُوا مِنهَا فإِنَّا دَاخِلُونَ
(المائدة:24)
وهذا الرد يقطر جبنًا، فإن الكلاب والقطط تدخل بلدًا خرج منه أهله، أي شجاعة في
هذا الموقف؟ وحاول موسى وبعض الصالحين تشجيع بني إسرائيل على الهجوم فقالوا في
إصرار:
إِنَّا لَن نَّدخُلَهَا أَبَدًا مَّادَامُوا فِيهَاَ فَاذهَب أَنتَ وَرَبُّكَ
فَقَاتِلاَ إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ
(المائدة:26)
وعمت الأقدار على بني إسرائيل أرض سيناء فظلوا يتيهون فيها أربعين سنة، هلكت
خلالها الأجيال الجبانة، ونبت جيل أنظف، ولكن بعدما مات موسى، وقاد القوم يوشع
الذي دخل فلسطين بعد قتال شديد مع جبابرتها الأولين..
وتحكي كتبنا أن يوشع في إحدى معاركه طلب من الله أن يتم له النصر قبل غروب
الشمس، فأخر الله الغروب، وكانت الشمس أذنت به حتى تم له ما أراد.
وإلى هذا يشير "شوقي" في رثائه لسعد زغلول بعد ثورته الوطنية:
شيعوا الشمس، ومالوا بضحاها وانحنى الشرق عليها فبكاها!
ليتني في الركب لما أفلــــت يوشع، همت، فنادى، فثناها!
ودخل اليود فلسطين، وأقاموا لهم دولة مكثت قرابة قرنين فماذا فعلوا؟ أضحوا شرًا
من سلفهم الذاهب، وملؤوا الأرجاء خبثًا وسفكًا وفتكًا، وقتلوا الأنبياء
المختارين والأئمة المقسطين، فحكم الله عليهم بالطرد والذل، وتوارث الأقوياء
نبذهم وتشريدهم.
وأشرق الإسلام في القدس
فلما دخل المسلمون بيت المقدس في الشروق الإسلامي الأول، كانت العاصمة العتيقة
في أيدي الرومان، وكان دخولها محرمًا على اليهود، وأقبل أمير المؤمنين عمر من
جوف الصحراء يتألق جبينه بشعاع الوحي الخاتم، وتمشي في خطاه معالم التوحيد
الحق.
قال التاريخ: كان التواضع المذهل يكسو موكبه الساذج، وكان الرجل الذي قوّض صرح
الدولتين العظيمتين في العالم يتحرك مطرق الطرف خاشعًا لله، فوق رحل رث وبين
حاشية مستكينة، يقول بصوت رهيب: كنا نحن العرب أذل الناس حتى أعزنا الله
بالإسلام، فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله.
ولم يقل عمر: الويل للمغلوب! بل أمَّن النصارى على كنيستهم، وقرر حرية العبارة،
ثم شرع يرسي قواعد الدولة الجديدة على التقوى والعدالة والمرحمة، شرف العروبة
في هذه الدولة ذوبانها في إعلاء كلمة الله..!!
مهزلة الفصل بين العروبة والإسلام
حتى جاءت هذه الأيام النحسات، فإذا ناس من العرب ينسون عمر، والإسلام، والتاريخ
كله، ويقولون: نحن أبناء كنعان!! مسحورين بالاستعمال العالمي الذي ألغى الدين
وجعل مكانه الوطنية أو القومية!!
وبقي أن يقول العرب في جنوب الجزيرة: نحن أبناء عاد، وأن يقول العرب في شمال
الجزيرة: ونحن أبناء ثمود!
وفي الوقت الذي يتعرى العرب فيه عن دينهم ويحيون مكشوفي السوأة، يتسربل اليهود
بعقيدتهم ويصرخون بحماس هائل: نحن أبناء التوراة وأولاد الأنبياء، نحن بنو
إسرائيل..!
ونمضي في مهزلة فصل العروبة عن النسب الإسلامي في الميدان الدولي والتربوي على
سواء، فنلحظ بقدر من الدهشة أن مسئولين في المؤتمر الإسلامي أحزنهم بطش اليهود
بالعرب داخل إسرائيل ففزعوا إلى "باب الفاتيكان" يسألونه النجدة لإخوانهم! لقد
سألوه باسم الإنسانية التي تجمع الكل، وما أحسبهم سألوه باسم "الوحي" الذي يشمل
الأديان الثلاثة..
وجاء الجواب...
قالت الصحف: خطب الباب في مائة ألف مصل احتشدوا في الكنيسة لتحية ذكرى دخول
المسيح القدس! فقال: إنه لا يسعنا إلا أن نفكر في أرض المسيح (!) أرض فلسطين،
حيث علم المسيح المحبة ومات كي تتصالح الإنسانية.
ثم أعرب عن أمله في مجيء اليوم الذي يوافق فيه شعبا هذه الأرض على وجود وحقيقة
كل منهما، حتى يعيش الطرفان –يعني العرب واليهود- في سلام..!!
وكتبت صحيفة "الراية" القطرية في 5-4-1982 تحت عنوان "تمخض الجبل..." أخيرًا
وجد قداسة البابا وقتًا كي يكرم الأرض المحتلة بكلمة، فحظيت فلسطين منه بعد طول
انتظار! وحق لنا أن نقول لقداسته: صح النوم...
قال كاتب التعليق: إذا تدبرنا موضوع الموعظة نرى أن ما جادت به قريحة البابا
يستحق الاستغراب، لقد استكثر قداسته ذكر العرب –وهم الشعب المضطهد في الأرض
المحتلة- وخلط في حديثه بين القاتل والمقتول، وأعجب من ذلك أنه ساوى بين حق
الشعب الفلسطيني في أرضه وبين باطل الصهاينة المستعمرين، وشاء أن يسمى شذاذ
الآفاق شعبًا آخر ينافس العرب على أرضهم..إلخ.
وأول: إن الذي يرتقب غير هذا الوعظ من بابا روما مخطئٌ، ولا يعرف حقيقة
النصرانية. وقد وقع في هذا الخطأ عرب آخرون استنجدوا بمجلس الكنائس العالمي،
وعادوا من محاولتهم بخفى حنين!
إن النصرانية تؤيد قيام إسرائيل، وترى عودة اليهود إلى فلسطين معجزة للكتاب
المقدس وآية تشهد بصدقه، وقد نبّه "وايزمان" في مذكراته إلى هذا، وقال: إن
"لورد بلفور" وغيره من الوزراء الإنكليز كانوا يعبدون الله حين أصدروا إعلان
الوطن القومي، وكانوا يمثلون الإيمان المسيحي!!
هل أقول: إن العرب لا يقرءون، وأنهم يجهلون ذلك حقّا! ما أظن!
الواقع أن العرب فتنهم الغزو الثقافي وحسبوا أن الوطنيات أو القوميات الحديثة
تخلت عن عقائدها الأولى، فتزحزحوا عن قواعدهم. وفرّطوا في دينهم، على حين بقي
خصومهم بمشاعر القرون الأولى...
ولو حدث بالفعل أن غيرنا نسي أو تناساه، فهل ذلك عذر للكفر والفسوق والعصيان،
إن قضية فلسطين خاصة يستحيل تجريدها من طابعها الديني، والقول بأنه يجب طرد
المستعمرين اليهود من بلادنا، كما يجب طرد المستعمرين البيض من جنوب أفريقية،
وأن كلا النظامين يقوم على نزعة عنصرية، هذا الكلام تغطية سخيفة لحقائق مرة...
إن العدوان اليهودي المدعوم بقوى الصليبية العالمية له غاية مرسومة معلومة، هي
إبادة أمة وإزالة دين، هي الإجهاز على الأمة العربية التي حملت الإسلام أربعة
عشر قرنًا، وتريد أن تظل عليه شكلاً إن تركته موضوعًا...
والذين يبعدون الإسلام عن معركة فلسطين، يشاركون في تحقيق هذه الغاية، لأن
فلسطين من غير الدفع الإسلامي زائلة، والعرب من بعدها زائلون، والمسلمون بعد
زوال العرب منتهون! وهذه الهي الخطة!
إن ذهاب العرب بأنفسهم وشموخهم بجنسهم وحديثهم عن حضارة كنعان وقحطان وعدنان،
إن كانت لهم حضارة، إن ذلك يطعن الأُخوة الإسلامية طعنة نافذة، فإذا انضم إلى
هذا الغرور نسيان لفضل الإسلام وبعث لنشاط عصري جديد يقود العروبة فيه
الشيوعيون والنصارى والمسلمون فذاك هو الارتداد الذي ينتهي بالعرب إلى مصارعهم
ويحولهم أجمعين إلى لاجئين لا وطن ولا دين!!
إنني مسلم عربي –من مواليد مصر- تخيلت أن واحدًا من إخوتنا التركستانيين جاء
يعاتبني قائلا: يا أخا العرب لقد نجدناكم في محنتكم باسم الإسلام وحده، تدري
متى وقع ذلك؟ عندما سقطت بغداد تحت أقدام التتار، وقتلت الخلافة والخليفة معًا،
وأطبق الظلام على كل أُفق وانطلق التتار وأمامهم إشاعة أن جيشهم لا يُقهر!
عندئذ تحرك رجلنا "قطز" ووقَّف الفارين وثبَّت المذعورين، وتحت صيحاته المخلصة
الجريئة "واإسلاماه" دحر التتار في "عين جالوت" وظل يطاردهم حتى بدد جموعهم،
فلم تقم لهم بعد قائمة..ألا تذكر ذلك؟
قلت: أذكر ذلك، ولا أنساه...
قال: لا أُحدثك عن خدماتنا الثقافية للكتاب والسنة، أو أئمة الحديث منا، وعلى
قمتهم أميرهم أبو عبدالله البخاري، وأئمة المفسرين منا وفي طليعتهم الرازي
والزمخشري...
قلت: ما ننكر فضلكم على العلوم الإسلامية..
قال: بل نسيتمونا كل النسيان، وتركتمونا وحدنا نقاتل روسيا القيصرية حتى احتل
الصليبيون أرضنا وعندما نجحنا في الخلاص من القياصرة، تركتمونا نقاتل روسيا
الشيوعية حتى قهرتنا، وكسرت شوكتنا، واعتبرت أرضنا جزءا لا يتجزأ من الاتحاد
السوفيتي، ما بكيتم قتلانا، ولا وديتم مجاهدينا، ولا تحدثتم عن قضايانا، وأظلكم
صمت عجيب! لم هذا العقوق؟ لم هذا الكنود؟
ماذا أقول؟ وبم أُجيب؟ إن احتباس العرب في نطاق مآربهم الخاصة رذيلة منكورة.
واهتمامهم بقضاياها وحدها أنانية مرذولة.
في الحرب العالمية الأولى انضمت الثورة العربية الكبرى إلى الإنكليز، وقاتلت
الأتراك، وتسببت في هزيمتهم، فماذا جنى العرب؟ أعطى الإنكليز فلسطين وطنا
لليهود، وسقطت الخلافة التي رفضت أيام عبدالحميد بيع فلسطين بالقناطير المقنطرة
من الذهب، ووقعت وحشة هائلة بين الترك والعرب وانتهت بارتداد الحكم التركي عن
الإسلام!
أما نتقي الله في ديننا ورسالتنا بعد هذه النتائج الرهيبة، ونستمسك بالإسلام
الذي شرفنا الله به، ونجعل الولاء له بعد ما تبين شؤم ما عداه..؟
في حمّى اعتزاز العرب بقوميتهم وقع تزوير مثير في دراسة التاريخ، فسمي البطل
الكردي المسلم "صلاح الدين الأيوبي" بحامي القومية العربية!، والرجل الضخم لم
يكن يعرف قومية لا عربية ولا كردية، كان مسلمًا فقط.
وفي حفل تم في رمضان الأسبق وقعت مشادة بيني وبين أحد السفراء العرب لأنه يريد
جعل "صلاح الدين" بطلا عربيًا..ولولا تدخل العقلاء لوقع ما لا تحمد عقباه!
ومن ربع قرن اعتلى شيخ كبير منبر المسجد الأقصى، وخطب الناس قائلا: أيها العرب!
وغضب المصلون لهذا النداء، فما كانوا يرتقبون إلا النداء التقليدي العظيم: أيها
المسلمون!
إن إبعاد العرب من الإسلام خيانة وطنية، إلى جانب أنها ردة دينية، والذين يمضون
في هذا الطريق يخدمون الصهيونية والشيوعية:
فَليَحذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَن أَمرِهِ أَن تُصِيبَهُم فِتنَةُ أَو
يُصِيبَهُم عَذَابُ أَلِيم
(النور:63)

أحوالنا العامة قبل الهزائم التاريخية الكبرى

تأملت في تاريخ الأمة الإسلامية طويلاً، وتأكدت من أنها لا تصاب من الخارج،
وتلحقها الآلام الشداد إلا بعد أن تصاب من الداخل، وينفرط عقدها وتذهب
رسالتها!.
ليس لنا أن نسيء وننتظر من الله الإحسان، ولا أن نغدر بمعالم دينه وحقائق
رسالته، ثم نرقب منه –سبحانه- البر والنصر! لماذا وهو القائل لنا –بعدما حملنا
أمانات الوحي: فَاذكُرُونيِ أَذكُركُم وَاشكُرُوا ليِ وَلاَ تَكفُرُونِ ؟
(البقرة:151)
إن لدينا كتابًا يخرج الناس من الظلمات إلى النور، فإذا أبينا المشي في هداه
وإذا غطينا بأهوائنا وهجه فهل يتركنا القدر لنعبث كما نشاء؟
ولأترك الكلام الآن عن حاضرنا الموجع، ولأقلب صفحات الماضي البعيد لأقرأ من
سطوره ما يثير العبرة ويوقظ الفكرة.
وقد يكون الحاضر صورة من الماضي فندرك أن القضية واحدة والحكم هو هو !!
تأملات في التاريخ
قال التاريخ: هجم الصليبيون على العالم الإسلامي بعدما حفرت الفرقة بين دوله
خنادق بعيدة القاع، فأمسى بعضها يتربص بالبعض الآخر، ويتمنى له الدمار! الدولة
الفاطمية في الشمال الأفريقي ومصر تغير على الدولة العباسية في العراق والشام
والحجاز، والدولة الأموية في الأندلس تتمنى البوار للفريقين، كي يؤول إليها
الميراث الدسم..والفرقاء المتشاكسون محصورون في أحقادهم، لا يحسون الزحف
الصليبي القادم من الغرب، ولا الزحف التتاري القادم من الشرق..!!
أيرضى الإسلام عن هذه الضغائن الخسيسة، أو ينتظر من أصحابها أن يخدموا عقائده
وشرائعه؟!
ما خدعتني الألقاب المهيبة التي شهر بها هؤلاء، ولا دلت على رسوخ في دين أو
مكانة في دنيا!!
هرب الخليفة العباسي "القائم بأمر الله" بعدما سقطت بغداد في أيدي الفاطميين،
واعتقله أحد البدو، ولكن الملك السلجوقي "طغرلبك" استنقذه ورده إلى عاصمة ملكه،
فكافأه الخليفة على حسن صنيعه بأن زوّجه من أخته، ولقبه ملك المشرق والمغرب،
وأطلق يده في إدارة الدولة!! ومات الملك السلجوقي فورثه ابن أخيه "ألب" ومات
الخليفة العباسي وورثه عباسي آخر لقب نفسه "بالمقتدى" وكان شابًا في التاسعة
عشرة من عمره..
ولم يكن الشاب الشريف النسب! قديرًا على الإدارة، فتولاها عنه سلجوقي آخر يدعى
"ملكشاه"، وهو ابن إلب أرسلان الذي توفي بعد حياة عامرة بالجهاد..
قال التاريخ: واستبد "ملكشاه" بالسلطة، وازدرى الخليفة ، وبلغ من احتقاره له أن
أمره بترك بغداد، وتضرع الخليفة إليه أن يمهله شهرًا، فأبى بعد إلحاح إلا أن
يمهله عشرة أيام وحسب.!!
وشاء الله أن يموت "ملكشاه" قبل انقضاء الأجل المضروب، وتكتمت زوجته نبأ موته،
وذهبت إلى الخليفة المهدد طالبة أن يولّي ابنه مكانه، وكان الولد لا يبلغ من
العمر خمس سنين، ولكن الخليفة المقتدى ولاه، ومنحه لقب ناصر الدين والدنيا.!!
أرأيت هذا الهزل كله؟ إنها مساخر يحار المرء كيف تقع باسم الإسلام في عاصمة
الإسلام.!
ومتى يحدث هذا السخف في دفة الحكم؟ يحدث وملوك أوروبا وبابا الفاتيكان ورجال
الكنيسة يصرخون بضرورة الثأر من المسلمين والإجهاز على دين محمد.!
لكن هذه الصيحات لا يبلغ صداها رجال السياسة العليا في بلادنا! إنهم ينادون من
مكان بعيد! إنهم غرقى في شهواتهم الشخصية، ومطامعهم العرقية.
لقد فهموا من الإسلام شيئًا واحدا، أن الوحي الأعلى نزل ليخص أفراد أسرتهم
بمكانة ممتازة.
فبعد ستة قرون أو أقل أو أكثر من شروط الإسلام، يرى شاب مسكين من ولد العباس
أنه جدير بقيادة العالم الإسلامي.!
أو يرى نظير له من بني أُمية أن المسلمين على شاطئ الأطلسي يجب أن يدينوا له
بالطاعة!. ألم...يكن أجداده الأمجاد عمدا في بطحاء مكة قديمًا؟
ولو انتقل الإسلام إلى غرب الأطلسي واعتنقه سكان الأمريكتين فينبغي أن يدخلوا
في سلطانه، أليس من قريش؟
إن أي مملوك عديم الكفاية يغنيه هذا الانتساب ليطلب أمرًا لا يعرف له رأسًا من
ذنب!!..والغريب أن صاحب الرسالة قال لابنته فاطمة: "يا فاطمة بن محمدأعملي لا
أُغني عنك من الله شيئًا"، ثم جاء بعد ذلك من ينتسب إلى فاطمة بالحق أو بالباطل
ليتذرع بهذا النسب إلى قيادة المسلمين.!!
الحق أن الأجهزة العليا للدولة الإسلامية لحقها عطب مبكر من جراء هذه المزاعم
الصبيانية، وأن غلبة التافهين على مناصب الخلافة أصاب الأمة الإسلامية كلها
بجرح غائر، مازال ينزل حتى أفقدها الحياة، ومكن منها الأعداء.
ثم كان سببًا في أن ناسًا من أهل الطموح والقدرة رأوا العجز الفاضح لأبناء هذه
الأُسر، فنحوهم عن السلطة واحتازوها لأنفسهم.
ولما كان التطلع والادعاء شائعين بين الناس، فقد تهارش على الحكم طامعون
كثيرون، وأصبح الاستيلاء على مقاليد الحكم مطلبًا ميسورا لكل من يملك سيف المعز
وذهبه..
وبديه أن يستخفى في هذا الجو ذوو المروءة والشرف والعفاف والتقى!، فماذا
يصنعون؟ وبأي سلاح يقاتلون؟
لنطو هذا التعليق السريع، ولنعد أدراجنا إلى بلاد الإسلام قبيل الحملة الصليبية
الأولى، عندما كان أولاد العباس، وأولاد فاطمة، وأولاد أُمية يتنافسون على
مقاليد الحكم في العالم الإسلامي..
في مقدمة جيدة كتبها الشيخ علي محمد يوسف المدرس بكلية الشريعة بجامعة قطر، عن
ابن الجوزي جاءت هذه العبارات في وصف المسلمين قبيل الهجوم الصليبي: "بينما هم
في غمرة انقسامهم على أنفسهم إذ برز عدو يرفع شعار الصليب يريد القضاء عليهم
واقتلاع الإسلام من جذوره!
وقد قامت أولى الحملات الصليبية سنة 492هـ. وقال عنها ابن الجوزي: وردت الأخبار
بأن الإفرنج ملكوا أنطاكية، ثم جاءوا معرة النعمان فحاصروها، وقتلوا ونهبوا،
وقيل: إنهم قتلوا ببيت المقدس سبعين ألف نفس، وكانوا قد خرجوا في ألف ألف..."
ونقف عند عبارة ابن الجوزي، قيل: إنهم قتلوا سبعين ألفًا! الأمر عنده، وعند
سكان بغداد، وفي مركز الخلافة الإسلامية لا يعدو أن يكون إشاعة!!
إن دار الخلافة آخر من يعلم، وأنى لها العلم ورجال الدولة في شغل بصيد المتع
ونشدان الملذات والتقاتل على السلطة..
كان الحكم مغنمًا يستحق المخاطرة! أَبلغَ أُولئك النتنى من الخلفاء، أن عمر بن
الخطاب آثر صرف الخلافة عن ابنه ضنًا عليه بمتاعبها ومغرمها قائلا: "بحسب آل
الخطاب أن يحاسب واحد منهم عن المسلمين."
كانت الخلافة أيام الرجل الكبير عبئًا ومغرمًا..
ثم جاءت أيام الملك العضوض فأصبحت بقرة حلوبًا..فلما هجم الصليبيون على فلسطين
كان التقطع في كيان الأمة الكبيرة قد بلغ مداه، ولولا أن مذبحة بيت المقدس طمت
وعمت واستحال حصر أبنائها لبقي النائمون نيامًا.
ولم تلبث دولة الخلافة غير قليل حتى دفعت ثمن بلادتها فاجتاحها التتار، وجعلوها
خبرًا كان، ولم تغن عنها الألقاب الخادعة من مسترشد بالله! ومقتف لأمر الله،
ومستنجد بالله! وناصر لدين الله..إلخ!
إن الظن لا يغني من الحق شيئًا، فكيف بالكذب الصراح؟ والمسلمون إذا لم يصدقوا
الله فلا يلومون إلا أنفسهم!!
أثر الاستبداد السياسي على الدين والحياة
قد يقال: أين جهاد العلماء في مقاومة هذه الفوضى؟ والجواب يقتضينا شيئًا من
التفصيل، فإن أصحاب العقول الكبيرة والهمم البعيدة حاربهم الاستبداد السياسي،
وفض مجامعهم، فضاقت الدائرة التي يعملون فيها، وتضاءل الأثر الذي يرتقب منهم..
والمرء لا يسعه إلا الحزن لمصائر قادة الفكر الديني الذين قتلوا أو أُهينوا
وحيل بينهم وبين نفع الجماهير..
ومع غياب هؤلاء انفسح المجال لعارضي الأحاديث الذين يخبطون في السنة الشريفة
خبط عشواء..ولفقهاء الفروع الذين خدعوا العوام بسلعهم، وأوهموهم أنهم يشرحون
لباب الدين وشعب الإيمان الكبرى، وهم في الحقيقة يذكرون تفاصيل ثانوية يكثر
فيها لأخذ والرد، ولا تمس جوهر العقيدة أو الشريعة.
إن الأحاديث الشريفة –بعد تمحيص سندها- تحتاج إلى الفقيه الذي يضعها في الإطار
العام للإسلام الحنيف، ولكن جاء ناس يروون للعامة –مثلا- حديث الترمذي عن أبي
هريرة قال رسول الله: "يَدخُلُ الفُقَرَاءُ الجَنَّةَ قَبلَ الأَغنِيَاءِ
بِخَمسِمَائةَ عَامٍ" أو حديث أبى داود عن أبى سعيد قال: جلست في عصابة من
ضعفاء المهاجرين –وإن بعضهم ليستتر ببعض من العرى- وقارئ يقرأ علينا إذ جاء
رسول الله فقام علينا، فسكت القارئ، فقال: "ما كنتم تصنعون؟" قلنا: كان قارئ
يقرأُ علينا نستمع كتاب ربنا، فقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أُمرت أن
أصبر نفسي معهم" وجلس وسطنا ليعدل نفسه بنا.
ثم قال بيده هكذا –يعني أمرهم أن يصنعوا دائرة- فتحلقوا وبرزت وجوههم، فما رأيت
رسول الله عرف منهم أحدا غيري!! ثم قال: "أبشروا يا صعاليك المهاجرين بالنور
التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بخمسمائة سنة".
بديه أن هذه الأحاديث للمواساة والبشرى، ولا تعني أبدًا أن الغني عيب، وأن
الثراء يؤخر المنزلة.
بيد أن جهلة المحدثين أرادوا إقامة مجتمع من الصعاليك ورووا آثارًا تجعل عبد
الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوًا!
وهذه بلاهة منكورة، فإن المال قوام الحياة وأساس الدولة، وكافل المؤسسات
المدنية والعسكرية، وعبدالرحمن بن عوف هو بنص القرآن من السابقين الأولين،
الذين حازوا الرضوان الأعلى، وبُشروا قبل غيرهم بالجنة..
وتحبيب الفقر للناس كما يفعل أولئك المحدثون القاصرون جريمة.
فإذا انضم إلى هذا أن العرب يحتقرون الحرف –تمشيًا مع جاهليتهم الأولى- ويفضلون
عليها الفقر عرفت أي مجتمع تصنعه هذه التعاليم.
والغريب أن هذه الأحاديث كانت تروى وفي الأمة الإسلامية طبقات انتفخت من السحت.
وبدلا من تقويم عوجها بالآيات والسنن الصحاح، انتشرت هذه المرويات، وانتشر
مثلها في ميادين كثيرة، مما بلبل المجتمع وكاد يفقده وعيه..!
معارك في فقه الفروع
أما فقهاء الفروع فقد زادوا الطين بلة، وزحموا أوقات الناس بصور من الأحكام
تكتنفها التهاويل المزعجة، مع أنها لا تستحق لا هذا الجهد ولا هذا الوقت.!!
ثم أعلنوا حروبًا غير شريفة على من يخالفهم في تلك الأحكام الجزئية.
روى (عن مقدمة علي بن محمد يوسف المحمدي التي أشرنا إليها آنفًا) ابن الجوزي عن
الشيخ ابن عقيل، قال: رأيت الناس لا يعصمهم من الظلم إلا العجز! لا أقول:
العوام، بل العلماء. كانت أيدي بعض الحنابلة مبسوطة في أيام ابن يوسف –الحاكم
السابق- فكانوا يتسلطون بالبغي على أصحاب الشافعي في الفروع –التي يخالفونهم
فيها- حتى لا يمكنوهم من الجهر بالقنوت، وهي مسألة اجتهادية –يعني لا حرج في
اختلاف فيها- فلما جاءت أيام النظام ومات ابن يوسف، وزالت شوكة الحنابلة استطال
عليهم أصحاب الشافعي استطالة السلاطين الظلمة فاستعدوا عليهم، وآذوا عامتهم
بالسعايات، والفقهاء بالنبذ والاتهام بالتجسيم.!!
قال ابن عقيل: فتدبرت أمر الفريقين فإذا هم لم تعمل فيهم أداب العلم، وهل هذه
إلا أفعال العسكر؟ يصولون في دولتهم ويلزمون المساجد في بطالتهم!"
وذكر ابن الجوزي عن أبى نصر القشيرى –الواعظ بالنظامية- أنه كان يذم الحنابلة
وينسبهم إلى التجسيم، فرموه بالحجارة حتى وصلت إلى حاجب الباب، وتقاتل القوم
مرة بسببه، حتى وقع بينهم قتلى وجرحى وحرق ونهب إلى أن أرسل الخليفة من أخمد
الفتنة..!!
يحدث هذا التمزق في الأمة الإسلامية والعالم الصليبي يحترق شوقًا إلى ضرب
الإسلام في عقر داره ومحو أعيانه وآثاره.
وعلام الخلف والتظالم؟ على قضايا تركها كفعلها أو فعلها كتركها، لا يخدش
إيمانًا ولا يجرح المروءة! وهل في قنوت الفجر إن فعلناه أو تركناه ما يضير؟
إن العرى عن الأخلاق، وإبطان الكره للآخرين والعجب بالنفس هو الجريمة التي
ارتكبها نفر من فقهاء الفروع غرتهم بضاعتهم فقدموها للناس مقرونة بالغلو، ولم
يبالوا بما تتركه من فرقة!
وفساد المتدينين من أهل الكتاب صدر عن هذا المنبع، زوّقوا الشعارات، وخرّبوا
القلوب فقال الله فيهم:
وَمَا اختَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعدِ مَا جَاءَتهُمُ
البَيّـِنَاتُ بَغيَا بَينَهَم
(البقرة:211)
وكانت عقبى الشقاق وعوج الصفوف واضطراب الحكم وحب الرياسة أن اقتحم الصليبيون
والتتار حدود الأمة المختلة وفعلوا بها الأفاعيل.
لماذا أذكر ذلك الآن؟ لماذا أنفض الغبار عن صحائف مضت؟
ما أشبه الليلة بالبارحة
لأني أرى العلل القديمة تتجمع، ونذر العاصفة المدمرة تبدو في الأفق البعيد، بل
إن الأعداء شرعوا في الهجوم، والأرض الإسلامية تنتقص من أطرافه، والخطط توضع
لضرب القلب بعد قص الأجنحة!
نجح الصليبيون في تنصير أربعة أخماس الفلبين، ثم اتجهوا إلى جزر إندونيسيا
يحملون الخطة ذاتها، وقد محوا المعالم الإسلامية من "سنغافورة" وهم الآن
يبعثرون طلائعهم في شرق وجنوب آسيا..
وقد نشرنا في أحد كتبنا مقالا كاثوليكيا عن ضرورة إزالة الإسلام من أفريقية مع
نهاية القرن العشرين! وبابا الفاتيكان يتنقل بين أقطار شتى ليطمئن إلى نجاح
الخطة المرسومة ويزيدها ضراوة..!!
كيف لا يقشعر جلد المؤمن وهو يطالع هذه الأنباء؟ كيف يطيب له منام أو طعام؟
أعرف أن الأمة الإسلامية أحست الخطر المحدق وهبت لتحيا، وعلائم الصحو تنتشر
بسرعة مع اقتراب الفزع واكفهرار الجو.
وإني لمؤمل الخير من وراء هذا الصحو الشامل، بيد أني أُحذِّر من الأمراض
القديمة، من فساد السياسة بالفرقة وفساد الثقافة بالجهل والهوى.
من الناحية العلمية يجب أن نتعاون في المتفق عليه، ونتسامح في المختلف فيه،
ونتساند صفا واحدًا في مواجهة الهجمة الجديدة على ديننا وأرضنا حتى نردها على
أعقابها.
وعلى أهل المسئولية الإسراع في جمع القوى، وسد الثغرات وحشد كل شيء لاستنقاذ
وجودنا المهدد..!
إن أي امرئ يشغل المسلمين بغير ذلك، إما منافق يمالئ العدو ويعينه على هزيمتنا،
وإما أحمق يمثل دور الصديق الجهل، ويخذل أُمته من حيث لا يدري!
وكِلا الشخصين ينبغي الحذر منه وتنبيه الأمة إلى شره.
]عدوان من البشر ... أم عقاب من القدر؟

ثغرات نفذ منها الغزو الصليبى


الخبراء بالتاريخ الإسلامي في عصوره الوسيطة والحديثة يكادون يتفقون على أن
أضعف نقطة في الكيان الإسلامي هي الحكومات، إنها الثغرة التي نفذ منها الغزو
الصليبي واستطاع بعدها أن يفسد ويعربد كيف شاء.

وكان الإسلام هو الضحية، وكانت أمته هي التي حملت أفدح العبء والخسار...

ثغرات نفذ منها الغزو الصليبى

وقبل أن نصف أشخاص الحاكمين، نذكر نماذج لما اقترفوا...

قال الأستاذ أحمد الشقيري وهو يتحدث عن الحملة الصليبية الأولى، ويصور الهجوم
على "إنطاكية" –وإنطاكية هي المدينة التي تسمى الآن "الإسكندرونة". وقد انتزعها
الفرنسيون من سورية وضموها إلى تركيا، مكافأة لقائدها المرتد- :"...امتدت
المعركة شهورا مضنية، كان القتال خلالها يدور داخل المدينة وخارجها، وعلى
أبراجها وأسوارها، وبين شوارعها وساحاتها. والحامية الشجاعة تستصرخ وتستنجد!
ولا مجيب...

وكانت حلب ودمشق أقرب الحواضر إلى إنطاكية ولكن الصراع بين الأخوين العدوين
الألدين "رضوان" ملك حلب "ودقَّاق" ملك دمشق كان على أشده، وكانت الحرب ناشبة
بينهما حين وصلت قوات الفرنجة إلى أسوار إنطاكية!"

ما سبب هذه الحرب بين الأخوين الملكين؟ "السبب أن رضوان ملك حلب يطمع في دمشق
ويريد انتزاعها من أخيه دقَّاق. ومن هنا وقف الملكان: دقَّاق ورضوان يتفرجان
على إنطاكية وهي تقاتل الصليبيين وحدها دون أن يدريا ما يخبئه لهما القدر!".

"ولعل الصليبيين كانوا على علم بالصراع بين الملكين، فاتصلوا بدمشق وكتبوا إلى
ملكها يطمئنونه على ملكه، فاستكان إلى هذه الموادعة الذليلة، ماله ولإنطاكية؟
ليكن من بعدها الطوفان!"

قال ابن القلانسي: "إن الصليبيين كاتبوا صاحب دمشق بأننا لا نأخذ ولا نقصد غير
البلاد التي كانت بيد الروم ولا نطلب سواها –مكرًا منهم وخديعة- حتى لا يساعد
صاحب إنطاكية".

وصمدت "إنطاكية" وحدها، لكن من الذي صمد وبذل دمه في سماحة للدفاع عن البلد
المهدد؟

طلاب الآخرة وحدهم! أما ملك إنطاكية نفسه فقد كان فاسقًا ظالمًا شديد الوطأة
على الرعية، كما يقول مؤرخونا..بل ذكروا أن أهل مدينة "ارتاح" وكانت تحت سيطرته
استجاروا منه بالإفرنج، وطلبوا منهم مددًا لمقاومته! وهذا لقبح سيرته وظلمه في
بلاده.

على أن مسلمي إنطاكية نسوا كل شيء، وقاوموا الغزاة إلى آخر رمق، بيد أن الخيانة
والفرقة عجلتا بمصير المدينة الباسلة فسقطت بأيدي الصليبيين.

قال ابن القلانسي: "فقتل وأسر وسبى من الرجال والنسوان والأطفال ما لا يدركه
حصر" وقال المؤرخ الأوروبي "رانسيمان": "إن الصليبيين ذبحوا في إنطاكية ما لا
يقل عن عشرة آلاف من الأهلين، واضطر الجند إلى المسارعة في دفن الجثث قبل أن
ينتشر الوباء في المدينة."

ومضى السليبيون في طريقهم إلى بيت المقدس، لم يكن أمامهم كيان إسلامي متماسك،
ولا حكم موحد معروف.

يقول الأستاذ أحمد الشقيري: "كانت ديار الشام مهيأة للهزيمة، إذ كانت جملة
ممالك وإمارات لا رباط بينها. إمارة إنطاكية يحكمها الأميران "سيان" ومملكة حلب
على رأسها الملك "رضوان" ومملكة دمشق وعلى رأسها الملك "دقَّاق" وإمارة حمص
يحكمها الأمير "كربوغا" وإمارة حماة يحكمها الأمير "سليمان" ثم هناك الدولة
الفاطمية في القاهرة..والدولة العباسية في بغداد...

وكانت الجماهير الغاضبة تذهب جموعًا جموعًا إلى عاصمتي الخلافتين المتنازعتين
على الرئاسة دون جدوى.

ما فكرت إحداهما في عمل شيء يعين المدافعين أو يعرقل المهاجمين..كان الحرص على
البقاء في السلطة هو المهيمن على فكر الحكام، وإذا كان هناك من اتصال
بالصليبيين الهاجمين فهو للتفاوض معهم على منفعة خاصة، وترضيتهم ببعض الأقطار
من أرض "الخصوم السياسيين"!

ودخل الصليبيون بيت المقدس


ولم يجد أعداء الإسلام أفضل من هذه الفرصة لبلوغ مآربهم، فانطلقوا خفافًا إلى
بيت المقدس يحكمون المقاومات الشعبية التي تعترضهم، ومع أن الجماهير استماتت في
الدفاع عن المدينة المقدسة، وتحملت الحصار الرهيب نحو خمسين يومًا، إلا أ،
النتيجة الكئيبة لم يكن منها بُدّ.

ماذا تفعل الحامية القليلة المعزولة أمام جيوش أوروبا كلها.

ما تحركت دولة إسلامية لنجدة البلد المحروب! تُرك وحده ليواجه مصيره!

ولنسمع كلام المؤرخين المسيحيين، يصفون هذا المصير الفاجع..

يقول ابن العبري المالطي: "لبث الإفرنج في البلد أسبوعًا يقتلون المسلمين،
فقُتل بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفًا".

أما المؤرخ متى الرهاوي فقد نقّص العدد خمسة آلاف فقال: "إن عدد من قتلهم
الإفرنج من المسلمين زاد على خمسة وستين ألفًا".

ويقول المؤرخ وليم الصوري: "إن المدينة المقدسة قد أصبحت مخاضة واسعة من دماء
المسلمين".

ويقول المؤرخ ريمون ديجل: -وكان من الذين قاتلوا في صفوف الصليبيين- "أنه ذهب
لزيارة الحرم الشريف بعد المذبحة الرهيبة، فلم يستطع أن يشق طريقه وسط أشلاء
المسلمين إلا بصعوبة بالغة، وإن دماء القتلى بلغت ركبته".

قال الأستاذ الشقيري –وعنه نقلنا الروايات السابقة- "شاء القدر أن يحفظ لنا
مذكرات وافية كتبها أحد الذين قاتلوا في تلك المعركة، وتُرجمت أخيرًا إلى اللغة
العربية جاء فيها: إن الإفرنج جدوا في قتال الأهلين ومطاردتهم حتى قبة "عمر"
حيث تجمعوا واستسلموا لرجالنا الذين أعملوا فيهم أفظع القتل طيلة اليوم بأكمله،
حتى فاض المعبد كله بدمائهم، وانطلق رجالنا في جميع أنحاء المدينة يستولون على
الذهب والفضة والجياد والبغال، وكما أخذوا في نهب البيوت الممتلئة بالثروات.

وفي صباح اليوم التالي تسلق رجالنا أسطح المعبد وهجموا على الرجال والنساء،
وراحوا يعملون فيهم القتل، فرمى بعضهم بنفسه من أعلى المعبد وصدر الأمر بطرح
الموتى كافة خارج البلد لشدة النتن المتصاعد من الجثث، ولأن المدينة كادت
بأجمعها تغص بهم، فتعالت أكوام الجثث حتى جاوزت البيوت ارتفاعًا.."

هل يعيد التاريخ نفسه؟


لماذا ننقل هذه الذكريات الفظيعة الآن؟ لأن التاريخ يعيد نفسه، والهجوم على
الأرض الإسلامية يتجدد في هذا العصر، فالمطلوب منا طال الزمان أو قصر أن نرتد
عن ديننا وأن نتنازل عن بلادنا..

وأحوال المسلمين صورة قريبة الملامح من صورتهم قبل الهجوم الصليبي الأول،
والفجوات الواقعة بين شتى الحكومات هي هي، وكذلك البعد عن تعاليم الدين، واتخاذ
القرآن مهجورًا، ونسيان محمد وسيرته وسنته...

والسؤال الذي أطرحه على نفسي وعلى غيري: ماذا كان موقف الفقهاء من الحكام الذين
جلبوا هذه الهزائم وأحلوا قومهم دار البوار؟

لا أعني محاكمة ناس جيفوا، وانتقلوا إلى دار أخرى يلقون فيها جزاءهم!

إنما أعني: كيف بُليَ المسلمون بأولئك الرؤساء؟ كيف وصلوا إلى مناصبهم؟ هل ناقش
الفقهاء الطرق التي وصلوا بها إلى الحكم؟ هل كانت هناك أجهزة تشير عليهم وتضبط
أعمالهم؟

وإذا فقدت الدولة هذه الأجهزة، فهل اقترح وجودها وضمن بقاؤها؟

هناك حكام ارتدوا بتعاونهم مع الصليبيين، فهل أعلن ارتدادهم؟ وكيف تمر خيانة
عظمى بهذه السهولة؟؟

وهناك حكام أضعفوا الجبهة الداخلية بمظالمهم ومآثمهم فكيف تُرِكُوا يمهدون
لسقوط البلاد بين أيدي أعدائها؟

إن المسلمين الذي جاء في وصفهم أنهم جسد واحد، صعقهم شلل رهيب، فكان كل عضو
يقطع ويمزق وبقية الجسد لا يدري أو لا يحس، كيف حدث هذا؟ ومن المسئول..؟

ترى ماذا يشغل فقهاءنا ومفكرينا إذا كانت حياة الدين كله في مهب العواصف؟ ما هي
القضايا الأهم التي تشد انتباههم ويبدءون فيها ويعيدون؟

وإذا كان المسلمون حملة دعوة عالمية، فهل درسوا العالم حولهم وعرفوا ما يسوده
من ملل ونحل؟!

وهل عرفوا العدو والصديق؟

وإذا قيل لهم –في كتابهم عن المتربصين بهم-: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقاتِلُونَكُم
حَتَّى يَرُدُّوكُم عَن دِينِكُم إِنِ استَطاعُوا) (البقرة:217)

فهل فتحوا عيونهم على مكامن الخطر واتخذوا أسباب الحيطة؟! كيف بوغتوا بالهجوم
الصليبي؟

وبعدما بوغتوا به، كيف تقاعسوا عن رده؟

ما هي الملذات وأنواع الترف التي فتنتهم عن دينهم؟ وهل جفت منابعها أم بقيت
تجعل الحكم مغنمًا لا مغرمًا؟ وتجعل المناصب العليا مصيدة للحرام لا خدمة
للصالح العام.

الشورى والحرية من قضايا الإسلام الأولى


في عملي بميدان الدعوة الإسلامية اكترثت لهذه الأسئلة، ورفضت تجاوزها، وقلت:
لابد من إكراه الكبار والصغار على الاهتمام بها، فإن فساد نفر منا لحكام جرّ
على ديننا وأمتنا بلايا غليظة.

إن الخونة الذين مهدوا لسقوط إنطاكية والقدس وغيرهما نسلوا في عصرنا هذا من
يمهد لضياع عواصم الإسلام كلها، والسكوت كفر..!!

في القارات الخمس تعطى الشعوب الحق في أن تستبقي الحاكم الذي تحب، وتستبعد
الحاكم الذي تكره، فما الذي يجعل الأمة الإسلامية تشذ عن هذه القاعدة في أغلب
أقطارها؟

وارتقت أجهزة الشورى ارتقاء عظيمًا، وتطورت محاسبة الحاكم تطورًا جذريًا، فكيف
تبقى لحاكم في بلادنا عصمة؟ وكيف يبقى فوق المساءلة؟

وظفر الفرد في أرجاء الدنيا بضمانات لصون دمه وماله وعرضه ومثوله أمام قضاء
عادل حصين إذا بدر منه خطأ، فلماذا يحرم الفرد عندنا مما توفر لغيره من خلق
الله؟

وعجبت لمتحدثين في الإسلام يسكتون عن هذه القضايا ويستمرئون الثرثرة في قضايا
أخرى لا تمس الحاضر ولا المستقبل. وإنما تشغل الفراغ وتقتل الوقت وحسب.

كل شيء يمر بأذهانهم إلا قضايا الحرية الفكرية والسياسية وحقوق الأفراد
والشعوب!! مع أن هناك منا لحاكمين من يرفض علانية الولاء للإسلام، ومن يطوح
بنصف أصوله العلمية في التراب، ومن يأبى باستهانة تنفيذ شرائعه، ومن يفخر
بتحلله من روابط العقيدة، ومن لا يرى بأسًا بتحليل الحرام وتحريم الحلال، ومن
لا يبالي بقتل الألوف المؤلفة من الناس توطيدًا لسلطانه..

كيف يصح الرضا عن هؤلاء؟


ونريد –والإسلام يتعرض لمحنة كبرى- أن نحدد المواقف!. إن أعداءنا لم يكتموا من
نياتهم شيئًا، لأنهم لم يروا أمامهم ما يبعث الكتمان أو الحذر..

اليهود يقولون: لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل!
والمعنى واضح فإن الهيكل المطلوب فوق تراب المسجد الأقصى!.

والصليبيون الجدد يقولون: خلقت إسرائيل لتبقى..بل يهددون بنسف هيئة الأمم إذا
اتخذت قرارًا بفصل إسرائيل..!

هل بقي غموض حول أوضاعنا بعد تصريحات الفريقين؟!

إن المعركة –في حقيقتها- ليست حشد بضعة ملايين من اليهود في فلسطين لسبب أو
لآخر!! إن المعركة حول الوجود الإسلامي كله.

وتساؤل القوم هو: لماذا يبقى الإسلام أكثر مما بقى؟!

واليهود والنصارى معًا يؤمنون بالعهد القديم، ويرون إن إسرائيل حقيقة دينية لا
تقاول ولا يجوز تركها!!

فإذا تحدد موقف أعداء الإسلام على ما رسموا هم فما هو موقفنا؟

أنستسلم للفناءوندع ديننا ورسالتنا للجزارين الجدد أم ماذا؟

معالم المنهج للصحوة الإسلامية


إن العالم الإسلامي لا يبيع دينه، ويؤثر أن يهلك دونه ولا يغض من موقفه نفر
شذاذ من الخونة والجبناء، فقدوا الدين والشرف، ونشدوا العيش على أي حاجة وبأي
ثمن!.

ولكي نحسن الوقوف أمام عدو الله وعدونا يجب أن تتوفر لجبهتنا العناصر الآتية:

أولاً: يعود الولاء للإسلام ويستعلن الانتماء إليه، وفي حرب تعلن علينا باسم
الدين لا مجال لإطفائها بالتنكر لديننا!.

لماذا يتقرر إبعاده عن المعركة؟ ولحساب من؟

إن رفض الإسلام في هذه الساعة هو الانتحار، وطريق الدمار، بل هو قرة عين
الاستعمال..

ثانيًا: الولاء الشكلي للإسلام مخادعة، ومن المستحيل أن نرتبط روحيًا ومنهجيًا
بالماركسية أو بالصليبية وفي الوقت نفسه ندّعي الإسلام..

يجب أن تعود الروح لعقائدنا وشعائرنا وشرائعنا، والمسلم الذي يستحي من الصلاة
بينما يستعلن اليهودي بصلاته في أرقى العواصم لا يمكن عده مسلمًا!. ولن ننال
ذرة من عناية الله إذا اتخذنا الدين لهوًا ولعبًا..

ثالثًا: يقصى من ميدان التدين العلماء الذين يحرقون الخور بين أيدي الساسة
المنحرفين، ويزينون لهم مجونهم ونكوصهم..

والعلماء الذين يشغلون الناس بقضايا نظرية عفى عليها الزمن..أو خلافات فرعية لا
يجوز أن تصدع الشمل أو تمزِّق الأهل..

والعلماء الذين يظلمون الإسلام بسوء الفهم، ويرونه في سياسة الحكم والمال
ظهيرًا للاستبداد والاستغلال وإضاعة الشعوب..!

إن المسلمين في المشارق والمغرب مهيئون ليقظة عامة تحمي كيانهم وتستبقي
إسلامهم..

وهم كارهون أشد الكره لأن تكون الأحوال المعاصرة صورة طبق الأصل لما كان عليه
المسلمون قبل الهجوم الصليبي في العصور الوسطى!!.

أطلب من عباد الله الصالحين أن يصيخوا السمع للنذير العريان..قبل أن يأخذنا
الطوفان، فإن الأقدار تقتص من المستضعفين المفرطين، كما تقتص من المجرمين
المعتدين.

وينبغي أن نزيد الأمر وضوحًا فيما يفعل اليهود، وفيما يراد منا فعله، فإن مسافة
الخلف واسعة بين الموقفين، لقد تأملت في الأحداث المثيرة التي وقعت فوجدت أن
الذي أضرم النار في المسجد الأقصى من بضع سنين يهودي أسترالي، وأن الذي أطلق
الرصاص على المصلين فقتل وجرح عشران، وصوب طلقاته على قبة الصخرة فكاد يهدها
يهودي أمريكي!.

إن الأخوة الدينية جمعت بين الأستراليين والأمريكيين لدعم "إسرائيل" وكذلك جمعت
هذه الأخوة بين شرق أوروبا وغربها، وبين اليهود العرب في أفريقية وآسيا! وعد
أولئك كلهم أولاد الأنبياء، ونسل يعقوب المبارك!.

والعالم المتحضر لا يرى في هذا الرباط شيئًا ينكر..الشيء الذي ينكر حقا هو
الإخاء الديني بين المسلمين وحدهم وتحول هذا الإخاء إلى سياج يحمي عرب فلسطين
من الهاجمين عليهم!!

ومن ثم كانت قضية فلسطين عنصرية لا دينية، كما يصورها لنا الخادعون المخدوعون!

والوجود اليهودي في فلسطين المحتلة لا يجوز أن يستغربه العرب، لماذا لا يكون
إحساسهم به على أنه واقع طبيعي لابد منه؟ ونتساءل: هل الوجود العربي إلى جوار
اليهود له أي احترام في توراة اليهود وتلمودهم..؟ إن إسرائيل من الفرات إلى
النيل من دمشق إلى المدينة..!! وبلوغ المرام يتم خطوة خطوة عند قوم يستغلون
الزمن، ويحسنون التريث ويعرفون متى يضربون..!

ظاهر أن المراد تنويم الأمة المثخنة من الداخل والخارج حتى يتم الإجهاز الكامل
عليها..

إن المأساة المقلقة وقوع الغارة اليهودية، ومن قبلها الغارة الصليبية في أيام
نحسات من تاريخنا المديد..فالعلم بالدين سيء والعمل به أسوا، وقد استطاع
الاستعمار الثقافي خلق جيل مهزوز الإيمان والفقه، ضعيف الثقة بنفسه وأمته، فهو
يعطي الدنية في دينه ودنياه غير شاعر بأولاه وعقباه..

إننا بحاجة إلى يقظة عامة تتناول أوضاعنا كلها حتى نحسن الدفاع عن وجودنا
ورسالتنا في عالم لا تسمع فيه إلا عواء الأقوياء..
]عوائق مزعومة أمام الإسلام

1 - موقف الكنيسة التاريخى من الاسلام


صلة أوروبا بالإسلام قديمة، لعلها بدأت منذ بدأ، لكنها صلة مصبوغة بالدم،
ملفوفة بالضغائن، وهذا ما نأسف، ونكره بقاءه.

من المسئول عن هذا التاريخ الكالح؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل تختلف اختلافًا
كبيرًا.

1 - موقف الكنيسة التاريخى من الاسلام

صور أبعدت الأوربي عن الإسلام

ومع ذلك فإن الإسلام بعيد عن الأوربيين، تصدهم عنه –كما قرأت- أسباب ثلاثة، هي:
قسوة أحكامه ، موقفه من تحريم الربا ، و موقفه من المرأة ونظام الأسرة.

وأريد هنا تسجيل بعض الحقائق عن هذه الأسباب الثلاثة..

قسوة أحكام الشريعة بزعمهم

يقولون أحكام الإسلام قاسية، فما الموقف إذا كانت هذه الأحكام هي ما لدى اليهود
والنصارى في الكتاب المقدس؟ سيقولون: لقد تركنا رجم الزناة مع وجوده في التوراة
لأنه قاس عنيف، وتركنا القصاص كذلك نفسًا بنفس وعينًا بعين، لأن تنفيذ ذلك أمر
مخيف!. ولا أريد أن أقول: لا تذموا الإسلام بأمر هو في كتابكم المقدس، وإنما
أريد أن أتساءل: ماذا كسبتم من جحد القصاص وإلغاء عقوبة الإعدام؟ إنكم خدمتم
المجرمين وأشعتم العدوان في أقبح صوره!

قرأت هذا الخبر الآتي من "لندن" تحت عنوان "السجن مدى الحياة لثلاثة بريطانيين
مزقوا ضحيتهم إلى شرائح". استدرج رجال ثلاثة، وهم حفار قبور، وبواب، وعامل،
ضحيتهم إلى منزل أحدهم لسرقته وبعد ضربه على رأسه بمدية، قطعوا الجسد إلى شرائح
باستخدام سكين كهربائي يعين على تمزيق اللحم، بينما كان المسكين لا يزال حيا
(!) ثم نثروا اللحم الممزع في منطقة قريبة لإلقاء القمامة وتنبه الجيران عندما
رأوا دماء الضحية تنساب من أبواب المنزل، كما أبلغت سيدة الشرطة، أن القتلة
دعوها إلى تناول بعض اللحم الطازج (!) وظلت محاكمة القتلة شهرين، وقد تأجلت في
إحدى الجلسات عندما شعر المحلفون بالغثيان بعد أن رأوا الصور الملتقطة للأشلاء
–التي كانت سابقًا رجلا يحيا لنفسه وأهله.

بماذا جوزي المجرمون؟ بالسجن يأكلون ويسكرون ما بقوا أحياء!! إن قتل هؤلاء عيب
يوصم به الإسلام، ويصد عن الدخول فيه!!

* وننتقل من أوربا إلى أمريكا، حيث حكم القاضي في مدينة "أطلانطا" بالسجن مدى
الحياة على مجرم متهم بقتل ثمانية وعشرين شابًا من الزنوج صرعهم واحدًا بعد
الآخر خلال عام تقريبًا..

قالت صحيفة الراية القطرية: إن موجة القتل توقفت بعد اعتقال المتهم، كما انتهى
الرعب الذي كان يسود المدينة، وعلى الدولة أن تطعم هذا المجرم كذلك حتى يموت
حتف أنفه لأن القصاص عيب، والإسلام يؤكد هذا العيب! ومن ثم فلا يجوز أن ندخل
فيه! أهذا ما يرضي آباء الكنيسة؟!

يوم يكون الخطأ زلة قدم لم تألف العوج، أو انهيارًا مباغتًا في الإرادة
الإنسانية وهي تنشد الخير، فإن الإسلام يقف مع العاثر حتى ينهض ومع المنهار حتى
يثبت، والشروط التي وضعها لإقامة الحدود والقصاص تؤكد هذه الحقيقة.

أما تحوّل الرذيلة إلى عمل معتاد لا حياء في مواقعته، فإن ذلك ما تنهض السلطة
في الإسلام لمقاومته بالرجم أو الجلد، ولست أتصور فاحشة ترتكب أمام أعين أربعة
من الرجال إلا أنها مسلك دابة هائجة في إحدى الغابات أو أحد الأجران!! كيف
تستغرب الصرامة في منع هذا البلاء؟

* إن الحد تسقطه شبهة!!.. وقد تسقطه –في بعض المذاهب- التوبة، والقضاء بصير
بمواضع العنف واللطف، والمهم صوت المجتمع من استقرار الفساد والجرأة على
المحرمات.!

أما القصاص فهو مشروع للإحياء لا للإماتة، وإبطال القصاص ذريعة للمزيد من سفك
الدماء وإهدار حق الحياة، ونشر القلق في كل ناحية.

والغريب أن الاستعمار الثقافي جعل بعض المسلمين المعاصرين يستحي من شرائع
الحدود والقصاص، ويريد أن تكون دار الإسلام مرقصًا عامًا تنمو فيه الدنايا، أو
مسرحًا يجد فيه المتوحشون فرصًا شتى للاغتيال والاعتداء كما حكينا عن بعض
العواصم..!

هذه ملاحظة خاطفة عن صرامة العقوبات الإسلامية التي يقال: إنها تصد الناس عن
الإسلام، أو التي زعمها المبشرون مآخذ على الإسلام..!

2 - قضايا الرِّبَــا


أما قضية الربا فإن الكلام فيها يشبه ما سبق، هل الربا حلال في التوراة
والإنجيل؟ كلا، إن الإسلام لم يبتدع تحريم الربا، وإنما جدد الحرمة النازلة في
الوحي القديم! واليهود والنصارى يعلمون أن الربا مستقبح، ولكن اليهود استبقوا
قباحته فيما يدور بينهم من معاملات، وأطلقوا العنان لأنفسهم في أكل أموال الناس
بالباطل.

وقد انساق النصارى في هذا الانحراف، فاستباحوا الربا بعدما كان بينهم محظورًا،
ثم زال كل استنكار له على مرِّ الأيام وأصبح اليوم من أركان الاقتصاد العالمي،
واختفى تمام الاختفاء معنى الإثم فيه..!

عندما ساعدت دول أوربا ""بولندا" وأمدتها بقروض ضخمة، ظننت أن ذلك تراحم أملاه
الإخاء المسيحي، فإن في بولندا جمهورًا يتشبث بدينه ويلتف حول كنيسته، وينحرف
عن الشيوعية الحاكمة.

ولا ننسى أن بابا الفاتيكان بولندي الموطن!

ويظهر أني كنت مخطئًا، فإن الغرب كان يتعامل بالربا مع الشعب المحتاج إلى
العون..وأي ربا؟

يقول السيد محمود سيف الدين في مجلة "الاقتصاد الإسلامي": "إن بولندا تقترب من
كارثة مروعة بعدما عجزت عن تسديد (500 مليون دولار أمريكي) قيمة الفوائد
المستحقة عن ديونها لعام 1981 وحده. واضطرت إلى اقتراض 350 مليون دولار أمريكي
لتستطيع أداء الفوائد المطلوبة عن هذا العام التعيس..!"

وقد صرّح أحد المصرفيين الإنكليزيين الدائنين بأنه يفضل احتلال الروس لبولندا
ليقوم الضامنون الروس بدفع الفوائد المستحقة!.

والمعنى واضح في هذا الكلام، المال أهم من الدين، ومن حرية الشعب البولندي،
والغريب أن أحدًا من الكاثوليك لم يحاول تذكير رجال السياسة والاقتصاد الغربيين
بأن الربا حرام!، فإن هذه الحرمة قد تلاشت من الأذهان تلاشيًا تامًا!، ورجال
الكنيسة مشغولون بمحو الإسلام في أفريقية وآسيا، ولا وقت لديهم للتفكير في حلال
أو حرام.

* إن المسلمين كانوا ومازالوا يرون الربا من أخبث المعاصي، والضمير الديني
عندنا –برغم ما أصاب الإسلام من هزائم- باق على رفضه للربا، قل أو كثر..

لكن الوقف السلبي في عالم متحرك لا يجدي فتيلا، وسيقع الناس في الحرام إن لم
نيسر لهم الحلال، وندفعهم في طريقه دفعًا..

وقد كان حقا على المسلمين أن يقدموا المعاملات البديلة عن الربويات، ويقيموا
لها مؤسسات شامخة. وأيًا كان الأمر، فقد استفاقوا متأخرين، وبدأت مصارف إسلامية
تعمل عملها هنا وهناك.

وبعض الناس يتصور أن التجربة سوف تولد عملاقة، وهذا خطأ، فبين النظرية والتطبيق
مسافة لا يطويها إلا الزمن.

وبعض آخر يريد الارتباط بكل قول ورد، وهذا أيضًا خطأ، فإن الإسلام في ميدان
العبادات منشئ مبدع –كما قال ابن القيم- أما في ميدان المعاملات فهو مصلح لا
مخترع وحسبه أن يقي الناس رذائل الغبن والتغرير والاستغلال الرديء.

وعندما تنجح مشروعاتنا في ضمان الربح الحلال، وتنقية المكاسب من الربا، فسوف
نغير الاقتصاد العالمي كله، ومن ثم فإني أناشد المتربصين والناقمين لأمور صغيرة
أن يتقوا الله في هذه المصارف الإسلامية الناشئة، وأن يدعموها حتى تنجح وتؤتي
ثمارها..

- المرأة والأسرة في الإسلام


* بقي – مما يريب أوربا من الإسلام- أمر المرأة!

فقد زعم الزاعمون أن الإسلام يهينها وينتقص إنسانيتها، والحق أن تعاليم الإسلام
المستفادة من كتابه وسنة رسوله وتطبيق السلف الأول لا يمكن أن ترفضها الغربيات
الواعيات.

حتى تعدد الزوجات! فإني رأيت في حديث بعض النسوة الألمانيات أن التعدد أفضل
وأشرف من المخادنة، وكاد الألمان في أعقاب الحرب العالمية الثانية يصدرون
تشريعات تبيح التعدد لمعالجة الزيادة الهائلة في عدد النساء! غير أن الكنيسة
تدخلت معترضة فوقف التشريع!.

والنساء العاقلات يرين أن كفالة الآباء والأزواج للمرأة أفضل وأشرف من مطالبتها
بالإنفاق على نفسها منذ أن تبلغ سن النضج، أو بعد ذلك!

إن المرأة تتعرض لبلاء مثير في طلبها للرزق، وانطلاقها للكدح في أرجاء الأرض..!


وما ركبت طائرة يومًا إلا ونظرت للفتيان العاملات نظرة أسف، وقلت في نفسي:
لماذا لا يخدمنا رجال بدل هؤلاء الفتيات؟ إنهن يقمن بعمل شاق، ويتنقلن بين
العواصم المتباعدة، ويبتن بعيدًا عن أهلهن!، إن اختيار النساء لهذه الأعمال ليس
دلالة إنسانية، بل هو أقرب إلى المسالك الحيوانية، وإن حملن اسم "مضيفات". إن
الإسلام يعلو بالمرأة فوق هذا المستوى!

بيد أن نساء كثيرات يفزعن من "التقاليد الإسلامية" التي يسمعن عنها، أو يعرفن
نماذج لها في شتى الأقطار الإسلامية..ولست أدافع عن هذه التقاليد أو أرتضيها!

إن كل امرأة تتبع دينًا من الأديان يتاح لها أن تذهب إلى معبدها، أما المرأة
المسلمة وحدها فمحظور عليها أن تدخل المسجد، لأن التقاليد فرضت عليها ألا تشارك
في جماعة! وعشرات الألوف، بل مئات الألوف من المساجد لا يلمح فيها شبح امرأة في
القرى والمدن!

كيف وقع هذا، مع أن الصحابيات ما انقطعن عن المسجد النبوي يومًا، ولا خلت صفوف
النساء منهن على عهد النبوة والخلافة الراشدة.

إن الإسلام شيء، واتجاهات الناس في معاملة المرأة شيء آخر، ولا ريب أن ذلك يسيء
إلى الإسلام، ولعله يوقف رسالته في هذا العصر!

* كنت أقرأ في حياة "أسامة بن منقذ" وهو شاب صاحب بطولات باهرة في قتال
الصليبيين وعصابات الحشاشين وفرق الباطنية التي ظهرت في القرن الخامس الهجري،
ويبدو من سيرته أنه صاحب مغامرات وبأس، وكان لأسرته حصن في ضواحي "حماة" يأوون
إليه ويحتمون به.

خرج أسامة هذا في إحدى المعارك وتغيّب عن الحصن طويلا تاركًا أمه وأخته، فماذا
حدث بعده؟ فرقت الأم السيوف على المقاتلين الذين انبثوا بعيدًا للدفاع، ثم جاءت
الأخت وأمرتها أن ترتدي ملابسها، ثم أجلستها في شرفة تطل على واد سحيق! وأخذت
الأم مكانها قريبًا من الباب ترقب الموقف وتنظر ما يكون!

وعاد أسامة إلى الحصن بعدما أدى واجبه، ومد بصره ليرى أسلحته فلم يجدها فقال
لأمه: أين السيوف؟ قالت: أعطيتها من يقاتل عنا، وما ظننتك سالمًا!

ورمق أخته جالسة على شفا الوادي، فتساءل: أختي، أي شيء تفعل هنا؟ قالت الأم:
أجلستها في الشرفة، وجلست بمرأى منها حتى إذا وصل العدو إلينا دفعت بها في
أعماق الوادي، لأن تموت خير من أن تقع أسيرة بين هؤلاء الكفار، قال أسامة بن
منقذ: فشكرت أمي على حسن تصرفها، وتقدمت الأخت إلى أمها بالشكر قائلة لها: جزاك
الله خيرًا..!!

غصت في لجة من الذكريات وأنا أطالع هذه القصة، الأم تريد إراحة نفسها وابنتها
والأسرة من عار الأسر بالموت في هاوية سحيقة، والابن يشكر، والبنت توافق راضية!
وتذكرت قول الشاعر:

تبغي حياتي وأبغي موتها شفقًا والموت أكرم نزال على الحرم!!

هذه مكانة الشرف في حياتنا وتاريخنا، وهي مكانة ينبغي أن نحافظ عليها، لكن
لماذا لم تدرب هذه الأخت النبيلة على الكفاح لتكون كصفية بنت عبدالمطلب التي
نزلت من الحصن وقتلت يهوديًا كان يطيف به، وتركت تجريده من سلاحه لحسان بن
ثابت، لأنها استحت من تجريد رجل قتيل!!

إن المرأة ينبغي أن تجيد القتال دفاعًا عن الأرض والعرض والدين والدنيا!!.

إننا أهملنا ذلك كما أهملنا ربطها بشعائر المسجد!!

ولست أدعو إلى تجنيد النساء، وإن فعل ذلك الآن بنو إسرائيل استعدادًا ليوم ما
معنا! فإن الألوف المؤلفة من الرجال لم تؤد هذا الواجب بعد، وإنما ألفت النظر
إلى تفاوت بين ديننا وحياتنا، وربما يؤثر في مسيرته أو ينال من دعوته، أو يجعل
البعض يتهم الإسلام باحتقار المرأة.[/align] رد مع اقتباس
]أين الإسلام فى هـذا الركـام؟

1 - نماذج محسوبة على الإسلام


كيف يُعدّ ذلك في جماعة المسلمين؟!، مع أن الله يصف هذا السلوك وأصحابه فيقول:
(تَرَى كَثِيرًا مّنهُم يَتَوَلَّونَ الذَِّينَ كَفَرُوا لَبِئسَ مَا قَدَّمَت
لَهُم أَنفُسُهُم أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيهِم وَفيِ العَذَابِ هُم
خَالِدُونَ(80) وَلَو كَانُوا يُؤمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ
إِلَيهِ مَا اتَّخَذُوهُم أَولِيَاءَ) (المائدة:80،81)

كيف يسلك في عداد المسلمين امرؤ خالي الذهن عن الله؟ يسمع من بعيد عن اسمه
وصفاته، ويسمع من بعيد أنه لابد بعد الموت من لقائه، ومع ذلك يبتسم في بلاهة
ويمضي في طريقه مشغولا عن ذلك بعمل يدر عليه ربحًا ويضمن له طعامًا أو شهوة؟؟

فإذا أوقفته لتعيد إليه رشده ظنك عابثًا وتركك وهو ثائر أو بارد حتى لا تعطله
عن شأنه.

نظرت يومًا إلى نفر يقيمون في أحد الفنادق، وخيل إليَّ من ملامحهم أنهم أجانب،
ولكني عرفت بعد زمن ليس بقصير أن هذا مسلم، وهذا كاثوليكي وهذا شيوعي، ما يوجد
شيء يميز أحدهم عن الآخر، ولو بقوا سنين ما عرفت إلى أين ينتمون؟.

إن الشيوعي يتعصب لزملائه في شتى القارات، ويتحدث عن الأُلوهية بسوء، ومن هنا
عرفت نزعته،

والنصراني يحترم يوم الأحد ويشرب الخمر ويرقص في عيد الميلاد المسيحي، وبذلك
عرفت هويته...

أما المسلم المزعوم فحيوان مستأنس يشارك هذا وذاك ويحيا وسط ضباب فكري محيط،
ولا يعي عن محمد شيئًا. كيف يُحسب هذا المخلوق من المسلمين؟

2 - وهناك ألوف مؤلفة ولدت في وصاية الاستعمار وسيطرته المادية والأدبية،
ومائلة مع توجيهاته القانونية والخلقية والسياسية والاقتصادية.

ربما ربطها بالإسلام أنها تسمع القرآن يُتلى...

ربما دخلت المساجد يومًا أو حينًا بعد حين..!

ربما وصل إليها من عظة عابرة أن الإسلام عقيدة وشريعة،

بيد أنها اكتفت بما سمعت ورأت تجميد هذه المعلومات، لأن هناك ما هو أهم! هناك
البحث عن المستقبل، عن العمل الرابح، عن الاستقرار الاجتماعي والمكانة المرموقة
وحسب. أذلك يحسب من جمهور المسلمين، ويزيد به عددهم كما يحسب في عداد اليهود
ذلك الأمريكي الذي جاء من "سان فرانسيسكو" مهاجرًا إلى فلسطين، ملبيًا نداء
العقيدة حتى بلغ مدينة "الخليل" وهناك نزل مقاتلا العرب ليقيم بين ظهرانيهم
مستعمرة تضمه وإخوانه الوافدين!!.

2 - مصارحة لا بد منها


إن الفارق بعيد بين المثالين..إن "المليار" مسلم الموجودين الآن فيهم أصفار
كثيرة، وإحصاء الصفر واحدًا خطأ فاحش.

من أجل ذلك لابد من وضع نهاية لهذه المأساة، ولابد من مصارحة حاسمة بالحقيقة
الدينية المظلومة.

نعم..لابد من كشف القناع عن هذا الخداع؛ حتى نستطيع الدفاع عن بيتنا المستباح
وحقوقنا المهدرة: (لِّيَهلِكَ مَن هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحيَ مَن حَيَّ عَن
بَيِّنَةٍ) (الأنفال:42)

نريد أن نعرف من له دين ينتسب إليه حقًا، ويحامي عنه في الضائقات، ومن فرض عليه
وصف لا يقدره قدره.

وحاشاي أن أكفر مسلمًا أو أفسق مخلصًا، ولكنه الحساب الذي لابد منه أمام هجوم
متتابع لا يغني في رده الادعاء ولا يسد ثغراته الكذب..

كان الفرار من الزحف كبيرة تعاقب بالموت، فكيف الحال إذا وجد مَنْ يفلسف فراره
ويُمجِّد عاره؟ أنترك هذه الفوضى لتأتي على ديننا وأمتنا من القواعد؟

أريد في تلك السطور أن أُبين من هو المسلم؟

المسلم الذي ينطق الشهادتين يعلن بهذا النطق أنه يعرف الله، ويحيا على ضوء تلك
المعرفة.

لو قال لك شخص: إنه يعرف الكهرباء ثم مد يده إلى سلك مكشوف مشحون بالتيار فهلك
أكان صادقًا حين قال إنه يعرف الكهرباء؟!

كذلك المسلم الذي يعلن أنه مؤمن بالله، إن كان صادق الإيمان لم يجز له أن يخشى
الناس ولا يخشى الله، وأن يدعو الناس ويرجوهم، ولا يدعو الله ويرجوه.

3 - المسلم الحقيقى


* إن للإسلام أخلاقًا لا يمكن أن تنفك عن المسلم، إنها تصبغ سريرته، وتحد
مسيرته، وتجعله يتوكل على الله، ويفوّض إليه أمره، ويتعلق برفده، ويؤجل من
غضبه، ويتشبث بحبله، ويثق بما عنده، ويحب ويبغض فيه، ويعطي من أجله ويمنع،
ويخاصم ويسالم ويختلط ويعتزل..

إن لمعرفة الله آثارًا حاسمة في الأخلاق والأعمال، وفي هذه الأيام التي يتعرض
الإسلام فيها للموت، لا نقبل عالمًا يتملق الظلمة بالفتوى الضالة، ولا مداهنًا
يبيع دينه بعرض من الدنيا، ولا خائنًا يسوغ الهزيمة قبولا للأمر الواقع، ولا
أنانيًا تهمه نفسه ولا تهمه أُمته.

في الخلاص من هزيمة أحد ومحوًا لآثارها بين المؤمنين والكافرين، صدر أمر عام من
رسول الله (صلى الله عليه و سلم) أن يخرج المسلمون لملاقاة جيش الشرك ومواجهته
على أية حال، وأرجف المنافقون أن حشود العدو كبيرة لا يثبت أمامها أحد، وقال
المؤمنون: ليكن!. لن ننكص عن القتال...وواجهوا الموقف وابيضت وجوههم وأخزى الله
عدوهم، وقال سبحانه- : (إِنَّمَا ذَالِكُم, الشَّيطَانُ يُخّوِفُ أَولِيَاءَهُ
فَلاَ تَخَافُوهُم وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤمِنِينَ) (آل عمران:175)

نعم..ثمرة الإيمان أن يكون الخوف والرجاء في جنب الله وحده..وتوقع النصر أو
الهزيمة من عنده وحده، وذلك معنى قوله سبحانه- : (إِن يَنصُركُمُ اللهُ فَلاَ
غَالِبَ لَكُم وَإِن يَخذُلكُم فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعدِهِ
وَعَلَى اللهِ فَليَتَوَكّلِ المُؤمِنُونَ) (آل عمران:160)

* ويخامرني شعور أن أعداء الإسلام على اختلاف مللهم رأَوا أن يبتوا في مستقبله
على نحو هائل!

فهل يفل هذا العزم الخبيث تردد وارتياب؟

ليس أمامنا إلا أن نصدق الله، ونثوب إلى رشدنا وندخل أفواجًا في ديننا، وندع
التفريط أبدًا...وإلا صرنا أحاديث يرويها التاريخ، وأثرًا بعد عين..

عمل الإيمان في النفس كعمل الكاتب على آلة الكتابة، أو عمل جامع الحروف في
المطبعة وفق أصل معيّن.

كانت الحروف خليطًا مبعثرًا لا يفيد معنى ما، ثم صارت رسالة ذات غرض، أو كتابًا
مفهوم العبارات والغايات...

4 - صـياغـة الإسـلام للنفس البشرية


كذلك كانت النفس الإنسانية قبل أن ينظمها الدين أو يشكلها على نسق مقصود، لقد
كان العرب ركامًا غامضًا قبل أن يسلموا، فلما دخلوا في دين الله تحول هذا
الركام إلى كيان آخر فيه وسامة، وله معنى يستفاد.

وكانت الملكات الإنسانية فوضى فرتبت، وعقيمة فأثمرت، ومتضاربة فتعاونت، فأصبح
العرب بالإسلام كتابًا يقرأ ويفيد ويعجب ويغري الآخرين بالاقتداء!!.

إنني الآن أنظر في الملكات الإنسانية والتقاليد الاجتماعية والأخلاق العامة
التي تسود أمتنا فأرى أن الإسلام لم يصنع بها شيئًا! لأن الأمة التي تنتسب إليه
تأبى عليه أن يقوم بعمله! يكفيها الانتماء!.

الإسلام يبني اليقين على الفكر الثاقب، والنظر الحسن في الكون وآفاقه..

والمسلمون تغلب عليهم الأمية أو الثقافات الضحلة، أو المعارف التي مزجت الغيوب
بالخرافات، فلا هي دين ولا هي دنيا.

الإسلام يسخر الكون للإنسان العاقل الذكي الدؤوب المكافح.


5 - واقع ألـيم


* والمسلمون اليوم مسخرون في الكون لكل ذي غلبة وبأس بعدما فقدوا الذكاء
والكفاح على ظهر الأرض.

أركان النفاق كما عرفها نبينا هي: الكذب، والخيانة، والغدر، والفجور، فماذا
صنعنا لنبني الفرد والجماعة على الصدق، والأمانة، والوفاء، والشرف؟

تركنا الاتجاه، ثم شرعنا نقول: النفاق قسمان: نفاق في العقيدة ونفاق في العمل،
الأول: كفر. والثاني: عصيان، والكفر ينتفي بكلمة التوحيد، والعصيان مهما قدح
مفوّض للمشيئة العليا، فلنرج الخير..!!!

ونتج عن ذلك انهيار هائل في بنيان الأخلاق، واستهانة مقبوحة بجملة الفضائل، ولم
يهتم أحد ببيان أن النفاق العملي منته بأصحابه إلى البوار، وأن النفاق في
العقيدة كثيرًا ما ينشأ عن فقدان الشرف، والصدق، والأمانة، والوفاء.

إن الأخلاق الشخصية والإدارية والاجتماعية أصبحت لدينا شيئًا لا يطاق..والناس
تصنع التقاليد لتستجم بعد تعب، ولتتلاقي بعد وحشة، ولتتغلب على صعاب الحياة.

* ونحن نصنع التقاليد مبنية على التكلف والمراءاة، وتغطية الحقائق، فتقاليد
الزواج تقصم الظهور وتخلق الأزمات وتخلف وراءها أحزانًا ومتاعب، وتقاليد
الأعياد كذلك، بل تقاليد الأحزان أيضًا...

أكاد أقول: إن الدين المبني على الفطرة انتهى، وحل محله شيء آخر قوامه القيود
والأوهام والإخلاد إلى الأرض..

إن منطق الفطرة وجد مجالاته الواسعة في أقطار أخرى، وبين أُناس أقل منا تكلفًا
ورياء. إن العبادات حق فلابد من الصلاة والصيام والحج..إلخ.

غير أني أساءل: ما هي الصلاة الواجبة؟

جاء في القرآن الكريم: (وَاستَعِينُواْ بِالصَّبرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا
لَكَبِيرَةُ إِلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ) (البقرة:45)

وجاء في السنة المطهرة: أن آخر ما يحل من عرا الإسلام الصلاة...فما معنى ذلك
هنا؟ معناه أن الصلاة الحقيقية واجب كبير يحتاج إلى الرجال ذوي القلوب الحاضرة
والنفوس المتسامية، ومن ثم كان أثرها عميقًا في الأخلاق والأعمال.

أما صلاة الوقوف والانحناء والذهول والانصراف فهي آخر ما ينحل من عرا الدين ولو
بقيت ما أجدت شيئًا، إن الشكل لا يغني عن الموضوع!!.

إنني أشعر بخزي يوم تكون كلماتنا سائبة، وكلمات غيرنا مربوطة!، وأعمالنا ناقصة
وأعمال غيرنا متقنة، ومن حقي أن أقول: إن بيئة هذا إنتاجها لم يصنعها الإسلام،
وعلينا أن نسارع إلى تغيير التناقض بين ديننا وحياتنا، وأن نفهم كل منتسب إلى
هذا الدين، أن الأمر جد لا هزل، وأن استبقاء هذه الفوضى طريق الكفر إن لم تكن
الكفر نفسه.

6 - معاصى القلوب و معاصى الجوارح


* قال لي صديق مشفق: يظهر أنك مبهور بأخلاق النظافة والنظام والإجادة التي تسود
مجتمعات أخرى لا تؤمن بالإسلام!

هوّن عليك، فإن وراء هذا التقدم ضياعًا رهيبًا للعفة، وانحلالا جنسيًا موغلا في
السقوط.

وأُمتنا والحمد لله بعيدة عن هذه الآفات، ولا تزال بعيدة عن الفحشاء والمنكر.

أجبت: اسمع يا صديقي، إنني مسلم أشكر ربي أن عرفني به، وأن جعلني من أتباع نبيه
الخاتم، ونعمة الإسلام لا ترجحها نعمة أبدًا.

والفلاّح الساذج الذي يقف بين يدي ربه صباحًا ومساء يقول له: الحمد لله رب
العالمين هو أرقى إنسانية –في نظري- من غاز للفضاء قلبه خال من الله، ولكنني
تعلمت من قرآني وسيرة رسولي أن أحترم الحق وأحتفي به وحده.

تقول: إن المدنية الحديثة غارقة في الآثام الجنسية وهذا شين في وجهها..

وأقول: هذا واقع ما يدافع عنه عاقل، والانطلاق المادي الجامح داء أهلك مدنيات
قديمة، وقد يبيد هذه المدنية أيضًا: (أَلَم نُهلِكِ الأَوَّلِينَ(16) ثُمَّ
نُتبِعُهُمُ الأَخِرِينَ(17) كَذَلِكَ نَفعَلُ بِالمُجرِميِنَ(18) وَيلُ
يَومَئِذٍ لِّلمُكَذِّبِيِنَ) (المرسلات:16-19)

إن رذائل الجنس شاعت بين غيرنا، وهذا يذكرني بقانون تربوي تعلمناه ونحن طلاب،
مؤداه أن معاصي القلوب أخطر من معاصي الجوارح، وأخشى أن يكون ما ينشر بيننا
وبين غيرنا من عوج خاضع لهذا القانون!!.

قال صديقي: لا أفهم ما تعني!

* قلت، تذكر حرب 1967 التي خسر العرب فيه القدس وسيناء والجولان والضفة الغربية
في حرب لم تدم إلا بضع ساعات؟

قال: أذكر هذه الحرب الفاجعة، ولا أنسى مصابنا فيها..

قلت: لو أن الذي قاد هذه الحرب أحد الخواجات لآثر أن يطلق على دماغه الرصاص
واستحى أن يقابل أُمه بهذا العار..

لكن قائد الهزيمة عندنا عاد إلى قواعده سالمًا ليُكافئ مَنْ يقول له: الحمد لله
على سلامتك، وليطارد من يقول له: كيف ألحقت بنا هذه الفضيحة!!؟

إن أوروبا وأمريكا التي يشيع فيها الانحراف الحيواني لا تقبل ولا يمكن أن تقبل
أن يقع فيها هذا الانحراف الإنساني، هذا هو الفرق بين الرذيلة عندنا وعندهم..

قال صديقي: مرة أخرى أكرر أنني لا أفهم ما تعني؟

قلت: إن الأكل من الشجرة المحرمة كما فعل آدم معصية دون التكبر على الله كما
فعل إبليس!.

معصية الإرادة المنهارة أمام شهوة الأكل دون معصية الأنانية المستعلية على
الآخرين، ولست أُهوّن من معاصي الجوارح ولكني أُقبح معاصي القلوب! وأكشف مبلغ
الدمامة في وجهها..

- إن الكبر والحسد والافتخار بالنفس أو النسب أو المال، وحب الخلاف، وحب
الظهور، وحب السمعة، والرغبة في التسلط، والرغبة في هضم أولى الكفاية، إن هذه
الرذائل أشنع من ترك العنان للغريزة الجنسية تنطلق على النحو السيء الموجود في
ظل المدنية الحديثة، ومن هنا فإن خصومنا لن يضاروا كثيرًا وعلى عجل من عللهم،
كما نظار نحن المسلمين من آفات الرياء والكبرياء المبعثرة في كل ناحية.

إن الإسلام –بداهة- عافية سابغة من أنواع العلل التي تستهلك النفوس والمجتمعات
وهو يحارب المعاصي ويحصن أبناءه ضدها.

وهو يرمق الحضارات ليرى أولا مبلغ معرفتها بالله وتوحيدها لذاته –تبارك اسمه-
على أن القيادة الإسلامية للعالم –كما عرفت قديمًا- كانت تصدر قيمًا نفيسة،
وتقاليد سمحة رائعة، ومناهج إنسانية وجديرة بالاحترام كله.

أي أن الارتقاء العقلي والخلقي لدى المسلمين كان الرصيد الذي ينفق منه الدعاة،
والسياج الذي به يحتمون.

وإنها لجريمة قتل عمد أن ننتمي إلى الإسلام، ثم لا نحسن فهمه، ولا عرضه، ولا
العمل به، ولا الدفاع عنه!.

والقدر لا يترك هذه الجرائم دون قصاص، فهل نحسن العمل قبل أن نؤخذ
بجريرتنا؟
]خلاف جذرى وراء أحقاد لم تطفئها الأيام

1 - معالم النصرانية نبتت فى الأرض بعيدا عن وحى السماء


النصرانية التي جاء بها عيسى بن مريم ديانة جليلة القدر، طيبة الثمر، إلا أنها
رسالة محدودة في مساحتها المعنوية والمادية، فهي مقصورة على شعب إسرائيل، مختصة
بمعالجة العلل التي شاعت بين أولئك الناس وحدهم.

وما تزيد في مساحتها عن رسالة زكريا وابنه يحيى، أو رسالة داود وابنه سليمان،
وإن كان عيسى –عليه السلام- يرجحهم في معاناته وجلادته ومزيد من الحكمة في
معاملة اليهود!!

والنصرانية النازلة من السماء تتسق مع ما قبلها وما بعدها من رسالات الله، أي
أنها قائمة على الإيمان بالله وحده، ومنبهة إلى أن الساعة حق، وإن كل امرئ –عند
لقاء الله- مسئول برأسه عن نفسه: (وَاخشَوا يَومًا لاَّ يَجزِى وَالِدُ عَن
وَلَدِهِ شَيئًا) (لقمان:33)

1 - معالم النصرانية نبتت فى الأرض بعيدا عن وحى السماء

- ولم يقع قط من بدء الخلق أن نبيّا جاء من عند الله، فيذكر أن الآلهة ثلاثة،

ولم يقع قط من بدء الخلق أن نبيّا جاء فزعم أن فلانًا قُتل ليحمل خطايا أبناء
آدم

حتى الأنبياء الذين ذكروا في العهد القديم عاشوا وماتوا وما يعرف أحدهم شيئًا
عن الثالوث والفداء!.

والحق أن معالم الصليبية التي تكونت في العصور الأولى للتاريخ الشمسي نبتت من
الأرض، ولا علاقة لها بوحي!.

وما يدري آدم ولا نوح إبراهيم شيئًا عنها، وقد نفاها النبي الخاتم، وبيّن أنها
شيء يغاير كل المغايرة رسالة عيسى عليه السلام!.

وعيسى – وإن أُوتي الإنجيل- إلا أنه لم يزد عن أنبياء بني إسرائيل في سياسته
العامة فهو مكلف بتنفيذ التوراة، مع بعض التيسيرات التي لا تنقص الأساس، ولا
يخرج بها عن نطاق الشعب الغليظ الرقبة،

نعم..هو مكلف بهداية أولئك وحدهم!!.

وقد تدبرت قصص القرآن الكريم فوجدته –في أغلب السور- يكتفي بذكر النبي الأول،
أو الأهمّ لبني إسرائيل أعني موسى ويستغني به عن سائر النبوات اليهودية!. ففي
سور: الأعراف وهود والشعراء والقمر، وفي سورة الكهف والإسراء والذاريات، لم
يُذكر عيسى وقومه، كما ذُكر نوح وقومه وهود وقومه استغناء بذكر إسرائيل في
إيجاز وإطناب..

لقد ذُكر موسى نحو ثلاثين ومائة مرة!. أما عيسى فقد ذُكر دون ذلك بكثير، وليس
ذلك غضّا من شأنه، فكلا الرجلين من الرسل أُولي العزم، وإنما الذي لفت نظري أن
أُمة عيسى طويت في الكيان الإسرائيلي لأنها جزء منه، ثم يجيء الكلام بعد شعيب
ومدين عن موسى والفراعنة، أو عن موسى وقومه إجمالا..

وينتقل الحديث بعد ذلك إلى الرسالة الخاتمة، طاويًا الأجيال والرجال، وكما طوى
اسم عيسى طوى اسم الإنجيل، لأن الإنجيل في حقيقته كتاب ملحق بالتوراة مؤكد
لعقائدها وشرائعها، فلا غرابة في الاستغناء بالأصل عن الملحق،

وتلمح هذا في قوله –تعالى- على لسان الجن: (إِنَّا سَمِعنَا كِتابًا أُنزِلَ
مِن بَعدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّما بَينَ يَدَيهِ يَهدِي إِلَى الحَقِّ وَإِلَى
طَرِيقٍ مُّستَقِيمٍ(30) يَاقَومَنَا أَجِيبُواْ دَاعِيَ اللهِ وَءَامِنُواْ
بِهِ) (الأحقاف:30-31) وهذا التعبير واضح في ذكر القرآن بعد التوراة.

وفي موضع آخر تقرأ قوله تعالى: (وَلَقَد ءَاتَينَا بَنيِ إِسرَاءِيلَ الكِتَابَ
وَالحُكمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقنَاهُم مِّن الطَّيِّبَاتِ) (الجاثية:16)

ثم يمتد السياق مباشرة متخطيًا القرون ليقول:

(ثُمَّ جَعَلنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمرِ فَاتَّبِعهَا وَلاَ تَتَّبِع
أَهوَاءً الَّذيِنَ لاَ يَعلَموُنَ) (الجاثية:18)

وتتضح الصورة أكثر وأكثر عندما يتحدث القرآن عن حياة موسى حديثًا مستفيضًا
يستغرق النصف الأول من سورة القصص، ثم يعقب على ذلك بقوله: (وَلَقَد ءَاتَينَا
مُوسَى الكِتَابَ مِن بَعدِ مَا أَهلَكنَا القُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ
لِلنَّاسِ وَهُدىٍ وَرَحمَةٍ لَّعَلَّهُم يَتَذَكَّروُنَ) (القصص:43)

- والقرون الهالكة هي قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأهل مَدْيَنَ وغيرهم..ثم
يختار الله نبيه موسى ليُنزِّل عليه التوراة فيها هدى ونور، ولعل حملتها يؤدن
حقها ويعبدون ربهم على سناها.

وبعد تلك الإلماحة التاريخية يقول الله لنبيه محمد(صلى الله عليه وسلم): (وَمَا
كُنتَ بِجَانِب الغَربِّي إِذ قَضَينَا إِلَى مُوسَى الأَمرَ وَمَا كُنتَ مِنَ
الشَّاهِدِينَ(44) وَلَكِنَّا أَنشَأنَا قُروُنًا فَتَطَاَوَلَ عَلَيهِمُ
العُمُرُ) (القصص:44)

وهذه القرون هي التي توارثت التوراة وأساءت العمل بها، لأن قلبها –تراخى الزمان
قسا، وعزمها وهي! واحتاج إصلاح الأرض إلى نبوة جديدة وكتاب أوثق وأعمق، فاختار
الله محمدًا ليقيم ما اعوج من شئون الناس، وليعيد الدين إلى قواعده التي زاغ
عنها، قال تعالى: (وُمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذ نَادَينَا وَلَكِن
رَّحمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَومًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن
قَبلِكَ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ) (القصص:46)

إن الإنجيل لم يرج له ذكر هنا، لأن أصل الشرائع في التوراة لا في الإنجيل، ولأن
موسى هو كبير أنبياء بني إسرائيل، وصاحب الجهد الهائل في استنقاذهم وتربيتهم.

وقد ظل كتابه كذلك حتى نزل القرآن الكريم، فهيمن على التوراة والإنجيل معًا، بل
نقى الوحي كله مما عراه في سيره الطويل.

- إن قصة مريم وابنها عيسى –عليه السلام- في القرآن الكريم ذكرت بقدر من
التحقيق والتصحيح في سياق الكلام عن بني إسرائيل أنفسهم، وعن عبثهم بالمواثيق
التي أُخذت عليهم، وعن جمعهم بين المعصية والإصرار أو الجهل والكبرياء.

وفي هذا السياق من التقريع لليهود والتشنيع على مخازيهم أثبت القرآن الكريم
أطرافًا من حياة عيسى وأُمه، فنفى أن تكون مريم البتول زانية، وأنكر ذلك بغضب،
ونفى أن يكون عيسى قد صلبه اليهود، وأظهر أن ذلك إشاعة لا نصيب لها من الصحة،
وأن الله سبحانه لم يمكن اليهود ولا الرومان منه..!!

قال تعالى معنفًا لليهود ومزريا عليهم: (فَبِمَا نَقضِهِم وَكُفرِهِم بآََيَاتِ
اللهِ وَقَتلِهِمُ الأنبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ وَقَولِهِم قُلُوبُنَا غُلفُ بَل
طَبَعَ اللهُ عَليهَا بِكُفرِهِم فَلاَ يُؤمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً(155)
وَبِكُفرِهِم وَقَولِهِم عَلَى مَريَمَ بُهتَانًا عَظِيمًا(156) وَقَولِهِم
إِنَّا قَتَلنَا المَسِيحَ عِيسَى ابنَ مَريَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ
وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُم) (النساء:155-157)

أرأيت كيف تناول القرآن النصرانية ونبيها الكريم؟ إنه تناول مدرج في أثناء
الكلام على بني إسرائيل ومخازيهم ولا شبه بينه وبين تناول القرآن الكريم لقصة
عاد مثلاً! إذ جاء الحديث مستقلاً واضح البدء والختام..

وهذا الشرح الحاسم لوفاة عيسى بعد ادعاء اليهود أنهم قتلوه، وقع له نظير عند
الكلام عن حياة عيسى، أو طريقة وجوده..!

إن عيسى طلب من اليهود أن يؤمنوا به، وبالله الذي بعثه، وأن يحسنوا عبادة
الخالق الأعلى قائلا: (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُم فَاعبُدُوهُ هَذَا
صِرَاطُ مُّستَقِيم) (آل عمران:51) بيد أن اليهود التووا به، واستعصوا عليه
وظهر كفرهم به وبمن أسله: (وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيرُ
المَاكِرِينَ) (آل عمران:54) في هذا الجو ظهر الحواريون مصدقين ومؤيدين للرسول
الذي جحده قومه، وقالوا: (رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنزَلتَ وَاتَّبَعنَا
الرَّسُولَ فَاكتُبناَ مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران:53)

لقد آمن الحواريون بالله، وبعيسى الذي أرسله داعيًا إلى عبادته وحده، وناعيًا
على بني إسرائيل ما يفعلون، هل كون عيسى لا أب له يعني أنه إله؟!

لو كان الأمر كذلك لكان آدم أَولى بالألوهية فإنه لا أب له ولا أم. (إِنَّ
مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ
لَهُ كُن فَيَكُونُ) (آل عمران:59)

تلك هي النصرانية الصحيحة! وهذه هي مساحتها الروحية والتشريعية! ذلك هو وضع
النبي الذي جاء بها وبلغ كتابه، ديانة محدودة الزمان والمكان توافق ما قبلها
وتمهد لما بعدها .

2 - الصليبية ديانة جديدة فى منبعها و مصبها


- وهذا شرف كبير يتوّج صاحبها ومن سار في ركابه ومن تحمل المتاعب معه..

أما الصليبية فشأن آخر، إنها تشبه أن تكون ديانة جديدة في منبعها ومصبها!!

والمتفرس في هذه الديانة يجد أنها من ناحية الإيمان جمعت بين التوحيد والتعدد،
ومن ناحية السلوك جمعت بين المسئولية الشخصية والقربان الفادي المخلص، و لما
أحست بغرابتها عن تعاليم الرسل الماضين، وصفت نفسها بأنها عهد جديد!!

و المنهج الذي اتبعه القرآن في مواجهة ذلك كان سهلا حاسمًا، فعندما حمل على
الوثنية في مكة رفض بصيغة عامة أن يكون لله أولاد، وكان المشركون يسمون أصنامهم
بنات الله. وتدبر الآيات النافية للتعدد، يشعرك بأنها تعني الوثنية والصليبية
معًا، وانظر في قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحمَنُ وَلَدًا
سُبحَانَهُ, بَل عِبَادُ مُّكَرَمُونَ(26) لاَ يَسبِقُونَهَ, بِالقَولِ وَهُم
بِأَمرِهِ يَعمَلُونَ) (الأنبياء:26-27). إن الرد هنا يتناول الصليبية قبل أن
يتناول الوثنية، ويؤيده ما جاء عقب ذلك: (وَمَن يَقُل مِنهُم إِنِّي مِّن
دُونِهِ فَذَلِكَ نَجزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجزِي الظَّالِمِينَ)
(الأنبياء:29)

إن الأصنام الحجرية لا يتصور منها هذا القول، وإنما يتصور من الأصنام البشرية!
وعلى أية حال فما زعم نبي قط أنه إله مع الله!!

وفي سور أخر مكية كثرت الآيات النافية للشفعاء والأولياء والوسطاء، وتحدد بجلاء
أن من أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها: (قُل أَغَيرَ اللهِ أَبغيِ رَبًَّا وَهُوَ
رَبُّ كُلِّ شَيءٍ وَلاَ تَكسِبُ كُلُّ نَفسٍ إلاَّ عَلَيها وَلاَ تَزِرُ
وَازِرَةُ وِزرَ أُخرَى) (الأنعام:164)

وهذا التوضيح لمبدأ المسئولية الشخصية يستبعد أن يكون المسيح ربّا أو فاديًا أو
حاملا خطايا الآخرين أو مكفرًا عنها بدمه.

- ويكتفي القرآن الكريم بتقرير عقائده وتكثير أدلتها ومناقشة خصومه بالأسلوب
العقلي واثقًا من أن المصير إليه مهما طالت اللجاجة وتراخت الأيام..

أما الصليبية فقد قررت الإجهاز على هذا الدين والخلاص منه بأي ثمن، وقد مضت
القرون وهي تحاول، ونحن نقاوم!!.

ولا نستعرض الآن الماضي، وإنما ننظر في حاضرنا الدامي وما يتربص بنا من أحداث
جسام.

العالم الصليبي الآن راجح الكفة بالغ القوة تسود أرجاءه حضارة بشرية متفوقة في
ميادين الصناعة بعيدة السبق في استغلال التقدم العلمي لخدمة مآربها المادية
والمعنوية..!

وعنوان "العالم الصليبي" يطلق على كيان موار بالمذاهب الفكرية والخلقية
والنزعات المادية والإباحية، والمسالك الروحية والفوضوية.

ولاشك أنه يحتوي على بقايا من النصرانية الموحدة القديمة، كما يحتوي على أعداد
من أتباع الكنائس المثلثة!.

ومن المكابرة الكاذبة القول بأن الحضارة البشرية السائدة في ربوع هذا العالم من
صنع الصليبية، وأن الصليبية أسهمت في رفعتها.

الحق أن المدنية الحديثة شاركت في بنائها عناصر بشرية حرة الفكر، نيّرة العقل،
ليس لها انتماء ديني مؤثر، ثم جاءت بعد ذلك الصهيونية والصليبية والشيوعية،
ووضعت يدها على الحصيلة الأخيرة لتجعلها في رصيدها الخاص!..

وصادف ذلك كله أن الأمة الإسلامية كانت تتلوى مكانها من علل فادحة برحت بها
وعطلت حراكها، ومن ثم أخذت تتلقى الضربات من كل ناحية.

والذي يدعو للغرابة أن الضربات لا تفتر، وأن الكيان لا يسقط! ترى كم سيبقى؟

إن الأعداء ماضون في الهجوم وقد أصابهم في الأيام الأخيرة لون من الهوس، لأنه
خيل إليهم أن الدين الضحية، غالب آلامه، وعاودته العافية، ولذلك فإن العدوان
زاد..

ولا يزال الدين الجلد صامدًا، بل بدا كأنه يتأهب لأمر ما..!

3 - مصادر الحقد على الإسلام


- ونريد أن نعرف مصادر الحقد على الإسلام وأمته في النفس الأوروبية والسياسة
الأوروبية!

إن انسلاخ المرء عن ماضيه صعب مهما ارتفع مستواه الثقافي!

والعالم الصليبي ضائق بالإسلام منذ ظهر، وقد اشتبك معه في حروب طويلة، اشتركت
فيها شعوب أوربا جمعاء، وترادفت حملاتها حينًا من الدهر..

وإذا كانت هذه الحروب لم تقض على الإسلام، فإن مخلفاتها الدامية رسبت في نفوس
الصليبيين، والتصقت بأفئدتهم وأمست ذكريات متقدة في السرائر..!!

ورؤساء الكنيسة يسرهم بين فترة وأخرى، أن يصبوا الزيت على النار لتزداد
اشتعالا، ولا تدع مكانًا لتراحم أو سماح!.

بل إن أولئك الرؤساء تدخلوا في صياغة التاريخ ودفع العلاقات الدولية في مجار
رسموها بعناية حتى لا تتاح فرصة يلتقط الإسلام فيها أنفاسه.

ومنطق الصليبية هنا يصرخ بالثأر، وينادي بالموت، على عكس منطق النصرانية
القديمة القائم على العفو والمرحمة.

والواقع أن الخلاف واسع بين القيم النصرانية، والمسالك الصليبية، وهو نضج
التفاوت بين عقيدتين متباعدتين!

والعالم الصليبي –كما قلنا- تسوده حضارة بشرية، تزامل في إقامتها يهود ونصارى
وملاحدة ومحايدون.

- وكراهية اليهود للإسلام معروفة، فهم يرون العرب مغتصبين للنبوة التي كانت
حكرًا في بني إسرائيل، كما يرونهم المطاردين الأوائل ليهود الحجاز ووارثي
أملاكهم!

وقد وجد هذا الضغن متنفسه عندما تمهدت ميادين العمل لليهود في العالم الصليبي!
وكيف تمهدت هذه الميادين؟

في رأينا أن الطابع البشري العام للمدنية الغربية هو الذي يسر لليهود أن يعملوا
وينتجوا ويبلغوا مرادهم!.

وهناك أمر آخر مهم، إن القصور في تعاليم الصليبية، ونسيانها للعهد القديم جعل
العلوم الإنسانية تنشأ لتسد الفراغ الواقع، فكانت علوم النفس والاجتماع
والاقتصاد والسياسة..إلخ.

وقد نجح اليهود في قيادة هذه العلوم، وتضمينها ما يشتهون، وعن طريقها قادوا
وسائل الدعاية المسموعة والمقروءة والمرئية، فتلاقى الحقد اليهودي مع الحقد
الصليبي في تشويه سمعة الإسلام وتحريف قضاياه كلها.

وكره الملاحدة للإسلام معروف البواعث، فإن الحديث عن الله وحقوقه لم يقو في
مكان مثل ما قوى في الإسلام، وقد أمكن صرف أمم شتى عن مواريثها الروحية
وتلقينها الفكر المادي وحده.

أما المسلمون فما فتئوا متشبثين بدينهم يثوبون إليه، كلما أبعدتهم الظروف عنه،
إن هذه المصادر الكثيرة الجياشة بالبغضاء ضد الإسلام وأمته، تلاقت جميعًا في
هذه الأيام لتبت في مصيره!.

وهذه المصادر كلها تتحول ترابًا تذروه الرياح يوم يصحو المسلمون من رقادهم
العميق! أما آن الأوان لهذه الصحوة المرتقبة؟

إن كل ساعة تمر دون يقظة منا ندفع ثمنها باهظًا وتحقق لخصومنا انتصارات رخيصة،
وما أظن العالم –في عصرنا هذا- امتهن حقوقًا ولا ازدرى قضايا مثل ما فعل في
حقوقنا وقضايانا، وخطته الموضوعة ألا تقوم لنا قائمة..

4 - خطر عودة الإسلام


- في رسالة للدكتور إدريس الكتاني عن أوضاع المسلمين ومكر أعدائهم بهم جاءت هذه
العبارات:

من النصوص الاستعمارية السرية التي نشرت أخيرًا ما ورد في تقرير وزير
المستعمرات البريطانية "أورمسي غو" لرئيس حكومته في 09/01/1938.

إن الوزير المذكور أشار أولا إلى أنه ظل ربع قرن شديد الاهتمام بالسياسة
البريطانية في الشرق الأوسط، وأنه يلح على استمرار نهجها المدروس لأنه أكثر
تمشيًا مع مصالح بريطانيا البعيدة المدى في ذلك الجزء من العالم.

ونتساءل: ما هذا النهج المدروس؟ تاركين الإجابة لوزير المستعمرات كما ذكرت
الوثيقة المحفوظة بالمركز العام للوثائق بلندن تحت رقم 371-5595، وقد نشرت هذه
الوثيقة في جريدة العلم نقلا عن مجلة "درع الوطن" بالإمارات العربية المتحدة..

- وهاك نص الوثيقة:

"إن الحرب علمتنا أن الوحدة الإسلامية، هي الخطر الأعظم الذي ينبغي على
الإمبراطورية أن تحذره وتحاربه!". وليست إنجلترا وحدها هي التي تلتزم بذلك، بل
فرنسا أيضًا..!

من دواعي فرحنا أن الخلافة الإسلامية زالت، لقد ذهبت ونتمنى أن يكون ذلك إلى
غير رجعة!

إن سياستنا تهدف دائمًا وأبدًا، إلى منع الوحدة الإسلامية أو التضامن الإسلامي،
ويجب أن تبقى هذه السياسة كذلك!

إننا في السودان ونيجيريا، ومصر ودول إسلامية أخرى شجعنا –وكنا على صواب- نمو
القوميات المحلية، فهي أقل خطرًا من الوحدة الإسلامية أو التضامن الإسلامي!

إن سياستنا الموالية للعرب في الحرب العظمى –يعني الأولى- لم تكن نتيجة متطلبات
"تكتيكية" ضد القوات التركية، بل كانت مخططة لغرض أهم، هو إبعاد سيطرة الخلافة
على المدينتين المقدستين مكة والمدينة، فإن العثمانيين كانوا يمدون سلطانهم
إليهما لمعان مهمة!..

ومن أسباب سعادتنا أن "كمال أتاتورك" لم يضع تركيا في مسار قومي علماني فقط، بل
أدخل "إصلاحات" بعيدة الأثر، أدت إلى نقض المعالم الإسلامية لتركيا.

وفي إيران أيضًا وقع مثل ذلك، فإن "رضا شاه" اتبع سياسة تحد من إرادة ومقدرة
المؤسسات الدينية، وأدخل القبعة كما فعل الأتراك بكل ما تحمل القبعة من دلالات
على رفض العادات الإسلامية والتقاليد الموقرة المتبعة من قبل.

وهذه العادات والتقاليد السائدة فيما كان يسمى قديمًا بالعالم الإسلامي تجب
مقاومتها، ونبهت الوثيقة في ختامها إلى أن الوحدة العربية قد تكون حركة تمهيدية
لإقامة وحدة إسلامية، ويعني الوزير بذلك ضرورة الحذر من هذا الاتجاه حتى لا
يواجه الاستعمار خطر عودة الإسلام.

- إن قيادة العالم الصليبي تداولتها أجناس شتى، وفي هذه الأيام انتقلت من قارة
إلى قارة، بيد أن الخطة هي هي، ومن ورائها حقد رهيب وتربص عنيد. والشيء الذي
يدعو للأسف أن الفريسة غافلة، لا تعرف ما يبيت لها بليل، ولا ما تُكاد به في
النهار.

والأعجب أن الذين يحاربون الإسلام من بني جلدتنا يسمون أنفسهم بالأحرار (!) أو
بالمتقدمين.

وقد رأيت لحساب مَنْ يتحركون؟ وأي عقائد عفنة يخدمون!!

إنهم يحاربون الإسلام وأمته الكبرى استعادة لجاهليات يزدريها العقل وتعافها
الفطرة.

إن هناك من يتلو القرآن الكريم فيصل إلى قوله تعالى: (وَقَفَّينَا بِعِيسىَ
ابنِ مَريَمَ وَءَاتَيناهُ الإِنجِيلَ وَجَعَلنَا فىِ قُلُوبِ الَّذِينَ
اتَّبَعُوهُ رَأفَةً وَرَحمَةً) (الحديد:27)

فيحسب أن هذه الصفات يمكن ارتقابها في الصليبية الحديثة، وهذا حسبان موغل في
السذاجة.

إن الناس غير الناس، والتوجيه غير التوجيه، ونحن المسلمين نجني العلقم من أقوام
لا يعرفون في معاملتنا إلا الفتك والاستئصال، فإذا لم يباشروه بأيديهم أعانوا
من يباشر ذلك من اليهود والوثنيين والملاحدة، ووضعوا في أيديهم السلاح، وأشاروا
عليهم بالرأي.

علينا أن نعتمد على الله ونيأس من طهارة هذه النفوس، فإن صدقنا الله صدقنا:
(وَاللهُ أَعلَمُ بِأَعدَائِكُم وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا نَصِيرًا)
(النساء:45)
]مستقبلنا رهن بوفائنا لديننا

1 - اجتماع أهل الديانات المحرفة على الإسلام


أكان المسلمون في مطلع القرن الماضي يعرفون أن لهم رسالة يجب أداؤها؟

ما أظن الخلافة العثمانية قد اكتمل لديها هذا الإحساس!، لقد كانت أشبه بالغريق
الذي يلتمس النجاة، يغالب الأمواج الطاغية طلبًا للحياة وحسب.

أما المسلمون فكانت لديهم رسالة غبرت أيام، وهي وسيمة الوجه مقبولة الطلعة،
فمازالوا يلوثون محياها بالأهواء ويشوبون كيانها بالخرافات حتى أمست دميمة
المحيا ثقيلة الظل!!

1 - اجتماع أهل الديانات المحرفة على الإسلام

-ومن هنا استطاع أعداؤها الأيقاظ المكرة، أن يستأجروا أحد الساسة المرتدين
ليدفن الخلافة المعتلة، وليمزق الرسالة التي أهانها أهلها، ويعلن البعد عنها!!
ما فعله "كمال أتاتورك" كان واضح المعنى، فقد طوى الوجود الدولي للإسلام، ومحا
شارته العالمية، وجعل الأمة الكبيرة تحيا بلا كافل يحنو ويكافح، وانقطعت العروة
التي كان يهفو إليها المسلمون في المشارق والمغارب..

وفي الوقت الذي نزلت بالإسلام هذه الضربة الشديدة، كانت الأديان الأخرى تلم
شملها وتجمع شتاتها.

وخلال سنوات معدودة تجمع النصارى الكاثوليك وراء بابا روما، ثم تجمع النصارى
البروتستانت وراء مجلس الكنائس العالمي، ثم أُنشئت لأول مرة في التاريخ بابوية
لتجميع النصارى الأرثوذكس –بإيعاز أجنبي- ثم أُنشئ مجلس صهيوني عالمي ليقيم
كيانًا لليهود بعد التيه الذي عاشوا فيه عشرات القرون..

أما الإسلام فهو وحده الدين الذي حظر على أهله التجمع!، والذي اعتبرت خلافته
أمرًا لا يجوز!! والذي اعتبر الولاءُ له رجعية منكورة!!.

- ومضى أعداء الإسلام يتابعون ضرباتهم، لقد تفكك الكيان الكبير سبعين جزءًا،
لكن كل جزء يحمل طبيعة الأصل الذي انفصل عنه، وإذا بقى كذلك فمن يدري؟ ربما
تضامت الأجزاء مرة أخرى فعاد الكيان المحظور!

لابد إذن من تغيير كل جزء وتنسيته أصله، وصبه في قالب جديد كل الجدة وشرع
الاستعمال السياسي والثقافي يعمل عمله، ويستغل تفوّقه العسكري والحضاري لينشئ
أجيالاً كافرة بدينها وتراثها وتاريخها، همّها أن تحيا على أي نحو لا فكر ولا
ضمير ولا هدف، تخدعها كل هيعة ويمتطيها كل خبيث..

ومن ثم قسم الإسلام قسمين: عقيدة وشريعة، فوضع لمحو العقيدة سياسة بعيدة المدى
إذ لا يمكن غير هذا..

أما الشريعة فقد محا وجودها بجرة قلم، وجعل القانون الغربي أساس الحكم والتقاضي
ونفذ ذلك لفوره! واستبقى –مؤقتًا- قوانين الأسرة، حتى استطاع أن يكون من
المسلمين أنفسهم من يغيرها كلا أو بعضًا.

وقد كتبت امرأة تحمل اسمًا إسلاميًا: "إن تغيير شرائع الزواج والطلاق والحضانة
هو تمهيد لتغيير شرائع الميراث نفسها لتساوي الرجال والنساء في أنصبتهم، وبذلك
تمحى معالم الإسلام كله في عالم القانون.."

على أن تكوين دويلات غير إسلامية لتحكم الشعوب الممزقة، بدل الخلافة الإسلامية
التي كانت تحكم أمة شبه موحدة –لم يشغل الأعداء المنتصرين عن الكيد المتين
للعقيدة ذاتها.

2 - غارات و حروب تشن ضد الإسلام


- فإذا الغارات تشن بانتظام على القرآن والسنة، على وحدانية الله وشخص محمد
(صلى الله عليه و سلم)، على الصلاة والصيام، على شُعب الإيمان، من أدناها إلى
أعلاها، على التاريخ الإسلامي طولا وعرضًا، على اللغة العربية شعرا ونثرًا، على
كل ما يمت إلى الإسلام من قرب أو بعد..

وما استعصى على التلاشي بالخداع فليعامل المعاملة التي تهدر حقه، وترخص دمه،
وتحرمه هو وذريته من حق الحياة وكرامة العيش.

ولا بأس من كل وسائل البطش والفتك حتى يمكن الخلاص من هذا الدين والمتشبثين
به!، وشرعت الأمة اليتيمة المهزولة تجابه حرب الاستئصال، وحرب الخيانة وحرب
الختل! واشترك في ضربها الشيوعيون والوثنيون والصليبيون واليهود! وشارك في
ضربها متفرجون استهواهم الخطف من تراث لا صاحب له..

وكان ميدان المعركة من الرحابة بحيث لا يمكن إحصاء الخسائر في النفوس والأموال
والأعراض.!

فالحرب لسحق الإسلام تدور رحاها من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب! والذين يلفظون
أرواحهم سرّا أكثر من الذين يلفظونها علانية! والذين يغتالون في المنافي
والسجون أكثر من الذين يغتالون في البيوت والشوارع!، والحرب تهدأ لتندلع وقد
مرّ أكثر من قرن على هذا البلاء الموصول ومع ذلك كله، فقد أبى المسلمون نسيان
ربهم ونبيهم، ولا تزال بين الأنقاض والآلام جماعات غفيرة تعلن بقاءها على
الإسلام واستمساكها بكتابه وسنته ولغته وقيمه..

إن المدافعين لم يستكينوا، ولكن المهاجمين مصرون على الحنث العظيم، وماضون في
طريق العدوان، كأي وحش مفترس لا يقفه إلا العجز أو الموت..وقد لجؤوا إلى حيلة
أخيرة للنيل من الإسلام وأمته، وأوعزوا إلى عملائهم كي ينفذوها لعلها تختصر لهم
الطريق إلى ما يبغون!.

3 - الدعوة إلى أخوة الأ ديان مشبوهة


قالوا: الأديان كلها سواء، وأتباعها جميعًا إخوة لا فرق بين يهودي وبوذي
ونصراني ومسلم..

فلم هذا التصارع المتوارث؟ إن راية الإنسانية تظل هذا وذاك، فليبق اليهود في
فلسطين ولتدم لهم دولتهم!

وليترك للبعثات الكنيسة أن تنصر مسلمي أندونيسيا، ما المانع؟! الأديان كلها
سواءٌ أمام رب واحد!!!

ينبغي أن نقيم مجمعًا للأديان في كل قطر، يكون رمزًا للتسامح والتآخي..!
والحيلة ساذجة، فإن اليهود الذين أقاموا دولتهم اغتصابًا يرفضون إقامة دولة
العرب إلى جوارهم (!)

والزحف التبشيري في الفلبين وأندونيسيا يرفض إقامة كيان إسلامي للمسلمين
المضيعين هناك..

أي أن السلام المقترح أساسه أن يرضى المسلمون بزوالهم شعبًا وحمًا، ويعقب ذلك
على مر الأيام زوالهم أفرادًا وجماعات..!

وهذا السلام الذي روّج له سماسرة معروفون، يرفض من قبل ومن بعد أن يكون الإسلام
دينًا له خصائصه التي تميز بها!، إنه دين له قيمة روحية كالقيمة المقررة
للهندوكية مثلا!!

ومن المفيد أن يعرف القارئ أن كلمة "القيم الروحية" من وضع الزعيم الهندي
"جواهر لال نهرو" وقد عنى بها الأديان كلها، ونقلها عنه بعض الزعماء العرب،
فلما خفت تأثير الكلمة حل محلها مجمع الأديان وتدريس الأديان كلها في كتاب
واحد، فالأديان كلها سواءٌ على أن ينفرد اليهود بفلسطين، وتملك الصليبية حق
التوسع، خصوصًا في أرض الإسلام وببن أبنائه.

الاقتراح ينطوي على بلاهة سمجة كما يلحظ كل عاقل..بيد أن سماسرته يعرضون مع
ثرثرة طويلة! وإذا عجزت الثرثرة عن كسب المؤيدين، تولت القوة الإقناع!

ونحن نؤكد أن كل الجهود المبذولة كيما نرتد عن ديننا سوف تبوء بالفشل، وأن
الآلام التي تفرض علينا ستصقل معادننا وتنقينا مما أزرى بنا وتجعلنا –إن شاء
الله- أهلا لكسب المعركة الأخيرة.


4 - تحت شعار التوحيد نحيا


ونذكر المسلمين بحقائق ما أخالهم يجهلونها..إننا نعبد الله الأحد الصمد الذي لم
يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، ولا يعني هذا أننا نشتري العداوات أو نفرض
على غيرنا ديننا بالإكراه..

فليعبد من شاء ما شاء!، وليتركنا تحت شعار التوحيد نحيا وإلى نهجه ندعو. وليست
الإنسانية المزعومة أن تجمع الواحد الذي أومن به مع الثلاثة التي تؤمن بها،
فيكون الحاصل أربعة!!، ويؤمن كل منا باثنين على التساوي، وبذلك تتحقق العدالة!!
هذا جنون..

وليست الإنسانية أن أكفر بما عندي، وتكفر بما عندك ثم نلتقي على الإلحاد
المشترك!! هذا أيضًا جنون..

الإنسانية المحترمة أن أظل على وحدانيتي، وتظل –إن شئت- على شركك وتظللنا مشاعر
البر والعدالة والتعاون الكريم.

لن أجعل حقي باطلا لترضى..ولن يعنين سخطك آخر الدهر إذا حنقت بي!

وأنا أومن بأن النبي العربي صلوات الله عليه أشرف من مشى على الثرى، وأن أمجاد
البشرية كلها التقت في شخصه، وأن تراث النبوات من بدء الخلق إلى الآن موجود في
كتابه وسنته، وأن تعاليمه نسيج محكم من الوحي الأعلى تزدان الأجيال به وترشد..

5 - الإسلام رسالة سماوية وليس حركة قومية


ومن هنا فأنا أرفض ما يزعمه العروبيون من أن الإسلام حركة قومية أو نهضة عربية،
وأرى هذا الكلام ارتدادًا صريحًا عن الإسلام وجحودًا تاما لرسالته، وهو الوثنية
والإلحاد سواء.

إن نعت محمد بكل ما في القواميس من محامد مع قطع صلته بالسماءِ هو في نظرنا
هجاء خبيث!! فشرف محمد عندنا مبلغ عن الله.

وصحيح أن عباقرة الحروب والسياسات دون قدمه، بيد أن بشريته السامية تأهيل مجرد
لحمل أمانات الرسالة الخاتمة، وتربية الأجيال التي تبقى عليها أبدًا. ونحن
المسلمين نعي هذه الآية التي وجهت إلى صاحب الرسالة الخاتمة: (قُل إِنَّمَا
أَنَا بَشَرٌ مّثِلُكُم يُوحَى إِلَىَّ أَنّمَا إِلَهُكُم إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن
كَانَ يَرجُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ فَليَعمَل عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشرِك
بِعِبَادة رَبِّهِ أَحَدَا) (الكهف:110)

وكذلك هذه الآية: (قُل إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثلُكُم يُوحَى إِلَىَّ
أَنَّمَا إِلَهُكُم إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاستَقيِمواْ إِلَيهِ وَاستَغفِرُوهُ)
(فصلت:6)

إن محمدًا بشر له منهاجه المرسوم من وحي الله، فنحن نتبعه لنرضي ربنا ولنقف في
محراب عبادته راغبين راهبين..وستبوء بالفشل جميع المحاولات لإبعادنا عن محمد
وصرفنا عن رسالته..

6 - البداءل الإستعمارية عن الإسلام


- تفرست في بدائل كثيرة قدمها الاستعماريون لنا كي تصرفنا عن دين محمد، إنها
بدائل في ميادين السياسة والاقتصاد والقانون والأخلاق والأدب والسلوك...إلخ.

قالوا: الولاء للتراب الوطني..قلنا: فنحن نحب أوطاننا ولكن ولاءنا لرب الأرض
والسماء!.

قالوا: الولاء للدم والجنس..قلنا: نحن نحب قومنا ولكن حبنا لربنا أوقى وأوثق،
ولا تناقض بين حبنا لربنا وحبنا لأهلنا..!

وبدأت غارات اليهود على فلسطين يؤازرها الحق الاستعماري القديم! وإذا يهود
اليمن والعراق ينضمون إلى يهود بولندا وروسيا في ضربنا..

أين الوطنية المزعومة؟

سبحان الله كأن الوطنية استجلبت لتمزيق الإسلام وحده..وبدأ الانفصاليون
اللبنانيون ينشقون على إخوانهم العرب! وإذا نصارى قادمون من وادي النيل جاءوا
لشد أزر المنشقين الغادرين!

إذن المراد الالتفاف بالأمة الإسلامية وحدها ومخادعتها عن رسالتها ومواريثها!
وما هذا..؟ هذا قانون وضعي أجدى من الشرائع السماوية! وما هذا أيضًا؟ هذه
تقاليد مستوردة ميزتها أنها واقعية أما تقاليدكم فمثالية أو خيالية.

قبحكم الله، الشيطانة الراقصة في أحضان الأصدقاء والخصوم أفضل من الخفرات
التقيَّات!.

إن الحقد كله على الإسلام ونبي الإسلام ورجال الإسلام ودعاة الإسلام، وإن استتر
تحت عناوين خدّاعة، وكلمات حديثة.

- قلت ومازلت أكرر: إن هذا العصر هو العصر الذهبي للأديان كلها ما عدا الإسلام!
أكذوبة كبيرة الزعم بأن الأديان انسحبت تاركة مكانها للإنسانية العامة، وهيئة
الأمم وحقوق الشعوب، وشتى المؤسسات البعيدة عن التعصب والجمود. إن الأديان
الأرضية والسماوية استغلت هذه المؤسسات لخدمة مآربها، وقد استطاعت أن تدعم
قضاياها الثقافية والسياسية دعمًا دفعها إلى الأمام وبقينا نحن وراء وراء..!

إن اليهودية لم تكن في قرن من القرون أقوى منها في هذه الأيام الكالحة،
والصليبية التي حاربت الحضارة، وقتلت العلماء وتخلصت من هذه الذكريات وفرضت
نفسها بقوة على سياسة الدول العظمى، حتى الوثنية ما تستحي من أصنامها وأوهامها،
بل تسخر شارات الدول الحديثة لتكريمها..!

وتلك الجبهات كلها تريد اهتبال الفرصة واقتطاع جزء ما من الكيان الإسلامي
الأعزل، يقع ذلك جنوب شرق آسيا، كما يقع في الشرق الأوسط، كما يقع في وسط
أفريقية، كما يقع في جنوب أوروبا.

7 - تفاهة دفاع الأمة عن حماها


ومع أن العداوات تطفح من حولنا بالبغضاء والتحدي، فإن القلق لا يخامرني من
ضراوة الهجوم، بل يخامرني من تفاهة الدفاع وسذاجته، ومن نوع الحرّاس في مواقع
خطيرة أو جريهم وراء المتع.

ويبدو أن أُمتنا نسيت أن استحقاقها للبقاء في الأرض يرتبط بمدى ولائها للإسلام
وعملها له!

إنني تابعت احتفال عرب فلسطين "بيوم الأرض" وسمعت كلاً كثيرًا عن الإنسان
العربي وكرامته وحقوقه، وعن فلسطين وضرورة تحريرها ورد العدوان عنها...وترقبت
أن أسمع كلمة عن الله وعن الإسلام، عن الآباء الذين طردوا الرومان من هذه
الأرض! فلم أسمع شيئًا قط!

كيف يقع هذا الذهول! وما المستقبل إذا كان اليهود لا يتحدثون إلا عن حدودهم
التوارتية ومواريثهم الدينية!، هل الانتماء اليهودي تقدمية والانتماء الإسلامي
رجعية؟!

يجب أن نتوب عن هذه الغفلة وإلا كان ضياع الأبد..!

والانتماء النظري إلى الإسلام لا يكفي، لابد من الارتفاع إلى مستوى الدين في
جميع المجالات العلمية والعملية، إن الحكومة جسم روحه الشعب، وفي أقطار الدنيا
ترى الروح والجسم مقترنين في كيان الدولة وكأنهما قلب وقالب!.

أما في كثير من أجزاء أمتنا المترامية الأطراف، فالحكم جسد بلا روح، لأن ولاء
الشعوب للإسلام واتجاه بعض الحكومات إلى قبلة أخرى، وهذا في ميدان الحياة
الخاصة والعامة معناه الموت!!.

إن أسلافنا سادوا الدنيا في العصور الوسطى لأنهم كانوا أعلم وأعدل، فلم يكن
رجحان كفتهم مصادفة أو شذوذًا، فإذا استوحشت المعرفة والعدالة في بلادنا
فالمصير معروف.

يا حسرتنا على العباد!، يفتخر اليهود بأسلافهم ويستحيون تاريخهم، وننأى نحن عن
أسلافنا ونستحي من قرآننا وتاريخنا.

إن أي رجل في أي موقع ينسى الإسلام، ويرخص رسالته ويريد الالتحاق بأي جهة أخرى
في الشرق أو في الغرب، لا يمكن أن يتم على يديه نصر، بل سيجر علينا العار
والنار: (إِنَّ هَذِهِ تَذكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىَ رَبِّهِ
سَبِيلاً) (المزمل:19) .
]كلمات فى القدر بين الكتاب و السنة

1 - حديث الآحاد


القرآن الكريم ينبوع الهداية الأول، ولباب الحق الذي لا يرقى إليه زيغ، ولا
تلتبس به شبهة.

وقد أُمر النبي (صلى الله عليه و سلم) أن يتلوه بلسانه، وأن يشغل بدراسته ويزكو
ببِّيناته ويخرج الناس به من الظلمات إلى النور، وعلى فمه وفي ضميره هذا القول
الكريم: (إِنَّ وَلِّىَ اللهُ الَّذِى نَزَّلَ الكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى
الصَّالِحِينَ) (الأعرف:196)

والسُّنة الشريفة أثر هذا الهدي المستقيم، منه تنبجس وفي وجهته تنطلق!

وصاحبها المعصوم يستحيل أن ينطق بباطل أو يفعل شيئًا لهى يعرض أو شهوة تغلب،
فهو من جهاته كلها محفظ بأعين الله..

ومن هنا نستطيع الحكم بأنه من الممتنع أن يكون في سُّنة رسول الله (صلى الله
عليه و سلم) ما يخالف القرآن في معنى أو اتجاه، كيف والمنبع واحد؟؟..

ولما كان القرآن الكريم متواترًا حرفًا حرفًا فهو جملة وتفصيلا قطعي الثبوت،
أما السنة ففيها الكثير من المتواتر لفظًا أو معنى، وفيها أخبار آحاد، بذل
العلماء والنقاد جهودًا هائلة في ضبطها، لم يعرف لها نظير في تراث عظيم من
العظماء.

ولا عجب فما التفَّت قلوب حول بشر، كما التفَّ المسلمون حول نبيهم، وما أظفر
أحد بإعزاز وحب كما ظفر بذلك صاحب الرسالة الخاتمة.

ولو استمعنا إلى من يرى تجاوز السُّنة لوجب أن ترتفع الثقة بتاريخ البشر كلهم،
فإن الروايات التي ثبت بها التاريخ أخف وزنًا من الروايات التي ثبتت بها السنة
المحمدية..

1 - حديث الآحاد

وقد سمعت إلى مغموصين أنكروا السنة كلها فما وجدت في سيرتهم أو منطقهم ما يستحق
الاحترام، ولو ادعوا الإسلام، وكانوا من الحكام..!

ولكن تراث السنة نفسه تعرض لمتاعب من مسلمين مخلصين لم يحسنوا تناوله، ولم
يلتزموا الضوابط التي وضعها أئمة السنة الأولون، فكانوا للأسف بلاء على السنة
وفتَّانين عن الإسلام كله، ولو لزموا موقف الأئمة الأوائل لكانوا أهدى سبيلا..

هناك من يسوي بين الأخبار المتواترة، وبين أخبار الآحاد في إفادة اليقين، وهذا
غلو مرفوض..

وهناك من يرحب بأخبار الآحاد دون تطبيق للشروط العلمية المقررة عن ضرورة خلوها
من الشذوذ والعلل القوادح.

وهناك من يقضي سحابة عمره في دراسة السنن، وصلته بالقرآن الكريم واهية، وبصره
بهداياته كليل، ولذلك لا يحسن وضع الأحاديث في مواضعها العتيدة من كتاب الله،
ولا وضع النسب بين الأركان والنوافل والوسائل والغايات..!

ويتضح هذا المعنى قليلا إذا عرفنا أن علماء المذهب الحنفي يرون أن لا فرض إلا
بنص قاطع، وأنه لا حرمة إلا بنص قاطع، وأن أخبار الآحاد لا تفيد القطع، بل هي
–كما يرى الجمهور- تفيد الظن العلمي أو العلم الظني..!

ولنترك رأي الأحناف جانبًا لنشرح ما نريد عن طريق ضرب الأمثال..

يقول الله تعالى في جلالة كتابه: (لاَّ يَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَدَيِهِ
وَلاَ مِن خَلفِهِ تَنزِيلٌ مِّن حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت:41)

فهل وعى ذلك مَنْ قَبِلَ حديث الغرانيق، وقال إن تظاهر الروايات يجعل له أصلا
ما..والقائل محدث كبير، وقد قبل فرية الغرانيق مدع للسلفية كبير، ووضعها في
سيرة ألفها..!

الحرث مكان الإنبات بإجماع أُولي الألباب، فهل وعى ذلك مَنْ روى في شرح الآية
(نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَّكُم) (البقرة:223) أنه يجوز إتيان النساء في غير مكان
الحرث؟

قتال العدوان مرفوض بنص القرآن الكريم، فهل درى ذلك من روى أو رأى جواز القتال
دون دعوة إلى الإسلام، وبالتالي جواز أخذ الناس على غرة؟ .

2 - الإنسان صانع مستقبله


ولأدخل في الموضوع الذي أُريده..في سورتي الشمس والليل نقرأُ هذه الآيات:
(وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7) فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا(8) قَد
أَفلَحَ مَن زَكَّاهَا(9) وَقَد خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس:7-10)

(فَأَمَّاَ مَن أَعطَى وَاتَّقَى(5) وَصَدَّقَ بِالحُسنَى(6) فَسَنُيَسِّرُهُ
لِلعُسرَى(10) وَمَا يُغنِي عَنهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىَ) (الليل:5-11)

السياق في السورتين الكريمتين صارخ في إظهار الجهد البشري، صارخ في أن الإنسان
صانع مستقبله!.

السياق مبين كل الإبانة عن كسب الإنسان واكتسابه، وأنه هو لا غيره الذي يغرس
ويجني ما غرس.

ويتجه –دون شائبة إكراه- إلى ما يبغي، ولا يخرج هذا عن قدر الله الذي علم بفعله
من الأزل..

ولكن بعض المحدثين يذكرون من مروياتهم هنا لتقتل هذا السياق قتلا، وتجعل المرء
مقهورًا مجبورًا مغلوبًا على أمره لا حيلة له ولا عزم..

من السياق القرآني نقول في جزم: إن من زكى نفسه وكبح هواه فقد أفلح..لا مرية في
ذلك، وإن من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فهو إلى خير يقينًا لا شك في ذلك..

وزلزلة هذه الروابط بين السبب والنتيجة مرفوض في دين الله، بل هو جريمة نفسية
واجتماعية..

ولا يجوز تأويل الآيات البينات لتوافق ما روى من أخبار الآحاد، بل الواجب أن
تؤول أخبار الآحاد لتستقيم مع الآيات، ولتنسجم مع العقل والنقل.

إن الفرع يمال به إلى الأصل لا العكس..

وإذا كان لبعض الناس ذاكرة جيدة، وليس لهم بصيرة نيّرة، فعليهم تسليم محفوظاتهم
إلى الفقهاء لينزلوها في مكانها الصحيح..

وهذا هو السر في نعيي على نفر من علماء السنة أنهم أفنوا أعمارهم في دراسة
الحديث، وبقوا سطحيين في فهم القرآن الكريم.


3 – وهم المحدثين


وبهذه السطحية رووا ما نعده وهمًا في إدراك المقصود، مثل وهم "نافع" مولى ابن
عمر في قضية الغارة على العدو دون دعوة..

ومن هذا القبيل ما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص، قال: خرج علينا رسول الله
(صلى الله عليه و سلم) وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ فقلنا:
لا يا رسول الله إلاَّ أن تخبرنا..! فقال: للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب
العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجل على آخرهم فلا
يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا، ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين
فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم
ولا ينقص منهم أبدًا..

فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه..؟

فقال: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ
بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلْ..

وَإِنَّ صَاحِبَ النَّار يُخْتَتمُ لَهُ بِعَمَلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِل أَيَّ
عَمَلٍ".

والعبارات الأخيرة هي التي نريد التعقيب عليها، فهي في نظرنا من أوهام الراوي،
ومخالفتها للكتاب والسنن الصحاح ظاهرة.

فإن التيسير لليسرى يتم لمن أعطى واتقى وصدق بالحسنى ولا يتم لمن عمل أي
عمل..وكذلك التيسير للعسرى يتم لمن بخل واستغنى وكذب بالحسنى ولا يتصور البتة
أن يكون ختام امرئ مخلص لربه مستغفر من ذنبه..!

وتوهين راوٍ خالف النقل الثابت والعدل السائغ هو مسلك أئمة السنة.

فتعريف الحديث الصحيح بعد اتصال السند بالثقات، أن يكون خاليًا من الشذوذ
والعلة القادحة.

وأي شذوذ أشد من مخالفة الآي، وأي قادح أقوى من مصادمة العدل؟.

أما صدر هذا الأثر فهو تصوير للعلم الإلهي،وما تضمن في سجلاته مما كان ويكون
أزلا وأبدًا..وهذا ما لا شك فيه.

على أن علاقة العلم الإلهي بأعمال الناس علاقة انكشاف وإحاطة، وليست علاقة سلب
وإيجاب، أَو إيجاد وإعداد أو ضغط وإكراه..

وعلماء الأُمة متفقون على أن خبر الآحاد مردود إذا ما خالف المتواتر، وبديهي أن
يتلاشى الظن أمام اليقين..

ويشاء الله أن نرى مثالا لذلك في سورة الليل ذاتها...

4 - خبر الواحد تتلاشى صحته بمخالفته المتواتر


- قال القرطبي وهو يفسر قوله تعالى: (وَمَا خَلَقَ الذَكَرَ والأُنْثَى)- روى
عن ابن مسعود أنه كان يقرأُ: (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَالذَّكَرَ
والأُنْثَى) ويسقط (وَمَا خَلَقَ) وفي صحيح مسلم عن علقمة قال: قدمنا الشام
فأتانا أبوالدرداء، فقال: فيكم أحد يقرأُ علي قراءة عبدالله الله؟ فقلت نعم
أنا..قال: فكيف سمعت عبدالله يقرأ هذه الآية: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) قال:
سمعته يقرأُ:

(وَالَّيلِ إِذَا يَغشَى(1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى(2) وَمَا خَلَقَ
الذَّكَرَ وَالأُنثَى) قال: وأنا الله هكذا سمعت رسول اللهr يقرؤُها! ولكن
هؤلاء يريدون أن أقرأَ: (وَمَا خَلَقَ) فلا أُتابعهم!!

قال ابن العربي في كتابه الأحكام: هذا مما لا يلتفت إليه بشر، إنما المعول عليه
ما في المصحف، فلا تجوز لأحد مخالفته..فإن القرآن لا يثبت بنقل الواحد وإن كان
عدلا،وإنما يثبت بالتواتر الذي يقع به العلم، وينقطع معه العذر، وتقوم به الحجة
على الخلق.

ويعقب القرطبي على حديث أبي الدرداء السابق برفضه وضرورة الأخذ برواية الجماعة
وإبطال نقل الواحد لما يجوز عليه من النسيان والإغفال..!!

والواقع أن خبر الواحد تتلاشى صحته عندما يخالف المتواتر. والمسلمون على هذه
القاعدة.

بيد أن ناسًا خفاف الفقه يرون أو يروون ما يخالف المقطوع به، وينتظرون أن نستمع
إليهم!

ومن المقطوع به أن الله –تبارك وتعالى- لا يُزِلُّ قدم عابد أخلص له لأنه يريد
إيذاءه وسبق بذلك قضاؤه.

ولا يقبل مجون فاجرٍ تمرد عليه لأنه يريد إدخاله الجنة وسبق بذلك علمه!!

- ويستحيل شرعًا أن يسوى بين مؤمن وكافر، كما يستحيل شرعًا أن يدخل المؤمنين
النار ويدخل الكفار الجنة..

وفي طبيعة الجزاء الأعلى يقول الله تعالى: (أَفَنَجعَلُ المُسلِمِينَ
كَالمُجرِمِينَ(35) مَالَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ) (القلم:35-36)

ويقول:
(أَم حَسِبَ الَّذِينَ اجتَرَحُو اْلسَّيَِّئَات أَن نَّجعَلَهُم كَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحيَاهُم وَمَمَاتُهُم سَاءَ
مَا يَحكُمُونَ) (الجاثية:21)

ومع ذلك، فإن البعض يريد أَن يثير الخلل في هذه الموازين قائلا: إن الله لا
يُسأل عما يفعل، وله أن يتصرف في ملكوته كيف يشاء!

وهذا حق أُريد به باطل. وهو ينطوي على جهل بأمجاد الألوهية وبأسماء الله
الحسنى، وما يقول ذلك من يعرف أن الله هو الحميد المجيد الحكيم الرحيم العدل
المقسط..إنه قادر واسع القدرة، وفي الكتاب العزيز: (قُل فَمَن يَملِكُ مِنَ
اللهِ شَيئًا إِن أَرَادَ أَن يُهلِكَ المَسِيحَ ابنَ مَريَمَ وَأُمَّهُ,وَمَن
فيِ الأَرضِ جَميِعًا) (المائدة:17)

بداهة لا أحد يملك شيئًا لو أراد مالك الملك أن يهدمه على رؤوس الأنبياء
والملائكة..ولكنه –عز وجل- ما أهلك نبيًا لا ملكًا وإنما أهلك الكفرة الفجرة
وحدهم..

وعندما نفهم أنه يرد التائبين،ويقبل الفاسقين لأنه لا يسأل عما يفعل فنحن نعبث
بالدين كله، وننسب إلى الرحمن الرحيم ما لا يليق به..

5 - العلم الإلهى لا يعنى الجبر


- وهنا يرد الحديث المشهور عن سبق الكتاب وأثره في مصادر العباد..والمعنى
الصحيح لهذا الحديث يحتاج إلى بيان، ونرى أن نضرب مثلا بين يدي المعنى المراد..


قد ينظر المدرس إلى طلابه نظرة فاحصة، ثم يصدر أحكامًا عليهم حسب ما يرى من
ذكائهم وجهدهم، ويذكر أحكامه هذه لصديق له قد يرى في مظاهر الطلاب ما يغاير
ذلك..

ويجيء الامتحان النهائي وتظهر النتيجة، ويسأل أستاذ الفصل صديقه عن أحوال
الطلاب فيقول له هذا الصديق: لم يفلتوا من حكمك أو نفذ فيهم رأيك..!! سقط من
قدرت سقوطه ونجح من قدرت نجاحه!!.

هل معنى هذه العبارات أن علم الأستاذ بخبايا الطلاب الفكرية والخلقية هو الذي
أحدث ما حدث؟ العبارات كلها مجازية، والجهد الدراسي وحده هو الذي أَسقط من سقط،
وأنجح من نجح..!

على ضوء هذا المثال ندرك أن العلم المكتوب لا يعني الجبر الإلهي، وأن عبارة
"سبق الكتاب" لا تفيد إلا التنويه باستحالة تخلف هذا العلم لكماله لا لشيء
آخر..

ولو أن حديث سبق الكتاب لا يفيد إلا الجبر لرددناه –وإن صح- لأن خبر الواحد لا
يعترض يقينًا عقليا أو نقليا..

قال صديق: إن المعنى الذي قررته يخفى على كثيرين!

قلت: وينبغي عدم ذكر هذا الحديث للناس إلا مقرونًا بمعناه الحق..

فليس كل حديث يروى وإن صح إذا كان سيعقب فوضى في سلوك العامة!

- إن النبي (صلى الله عليه و سلم) عرف معاذ بن جبل أن حق العباد على الله أن لا
يعذب من لا يشرك به شيئًا، قلت: يَا رَسُولَ الله أَفلا أُبشر الناس؟ قال: "لاَ
تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا" رواه مسلم.

وقد استجاب رسول الله لرأْي عمر بن الخطاب في منع أبي هريرة من التحدث بمثل هذا
قائلا: "يَا رَسُولَ الله أَخْشَى أَن يَتَّكِلَ النَّاس عَلَيْهَا فَخَلِّهِمْ
يَعْمَلُونَ! قَالَ رَسُولُ اللهِ: فَخَلِّهِمْ..!!".

وورد عن علي بن أبي طالب: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يطيقُونَ. أَتُحِبُّونَ
أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ" رواه مسلم. وكذلك قال: "إِنَّكَ مَا
حَدَّثْتَ قَوْمًا بِحَديِثٍ لَمْ تَبْلُغْهُ عُقُلُهُمْ إِلاَّ كَانَ
لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً".

ويؤسفني أن حديث سبق الكتاب يذكر الآن في بعض المواعظ والدروس الدينية، دون
التأويل الواجب، وأن ناقليه يسهمون في إشاعة عقيدة الجبر واليأس من قيمة العمل
والاتكال على حظوظ غائبة وغيوب مبهمة..

وعلماؤنا يرون أن خبر الواحد لا يرده المتواتر وحسب، بل يرده الأرجح!.

سُئل ابن عباس: أَكانَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه و سلم) يقرأُ –أي السورة-
فيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ؟ فَقَالَ: لاَ! فَقِيل لَهُ: لَعَلّهُ كَانَ
يَقْرَأُ فيِ نَفْسِه! خَمْشًا، هَذِهِ شَرٌّ مِنَ الأُولَى..إلخ.

والمعروف أَن القراءة في الأُوليين تدور بين الوجوب والندب عند الجمهور!

وكلام بن عباس هنا لم يؤخذ به، مع قيام سنده! ومع جلالة قدر ابن عباس، فهو على
أية حال ليس بمعصوم، والحق في خلافه، وما زلنا نؤكد أن خبر الآحاد لا يفيد إلا
العلم الظني، ولا مدخل له في إنشاء العقائد..

6 - العلم الإلهى لايلغى الإرادة


- ونلفت النظر بعد ذلك البحث إلى أُمور أولها: أن نفرًا من ذوي القصور العقلي
ظنوا أن الله – سبحانه- لا يعلم ما يكون حتى يقع، وجاءهم هذا الظن الضال من
أخذهم لظاهر قوله تعالى: (وَتِلكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَينَ النَّاسِ
وَليِعلَمَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُم شُهَدَاءَ..) (آل
عمران:140)

وقوله:
(وَمَا أَصَابَكُم يَومَ التَقَى الجَمعَانِ فَبِإذنِ اللهِ وَلِيَعلَمَ
المؤُمِنِينَ(166) وَلِيَعلَمَ الَّذيِنَ نَافَقُواْ..) (آل عمران:166-167)

وهذا ضلال بعيد، فإن المعنى انكشاف العلم القديم، ووقوع الأحداث على النحو الذي
تتم به محاكمة هؤلاء في الدنيا والآخرة، فالقاضي لا يحكم بعلمه، ومهما كانت
خبرة الأستاذ بتلامذته فلا نجاح ولا رسوب إلا بامتحان يظهر الخبايا..

وعلم الله بكونه ليس معجزًا ولا مضنيًا، ألا يعلم من خلق؟

إن الأمس واليوم والغد صفحة واحدة أمام شهود لا يغيب، وعلم لا يضل ولا
ينسى..ومن هنا قال المفسرون: (كُلَّ يَومْ هو فيِ شَأنٍ) (الرحمن:29) شئون
يبديها ولا يبتديها..!

الأمر الثاني: ما يكلف العباد به لا تلغي إرادتهم بإزائه! فحريتهم النفسية
والفكرية قائمة وعلى أساسها تتم محاسبتهم!

وإذا حدث –لأمر ما- أن صودرت هذه الحرية فإن التكليف الأعلى يقل بنسبة ما
يصادر!

ويمتنع عقلا وشرعًا أن يؤاخذ الله عبدًا ليس له كسب أو اكتساب..

وكل أثر يفيد أن الجنة والنار مصادفات، وأن الناس يقادون إلى مصايرهم وفق مخطط
لا دخل لهم فيه، فهو مرفوض!.

إن النصوص القطعية والقواعد الثابتة تأبى ذلك كل الإباء..

- الأمر الأخير..يعلم الناس، مؤمنهم وكافرهم، أن الأعمال التي يحسونها قسمان:
إرادية وغير إرادية، قد أدخل البيت أو أخرج منه بمشيئتي، وقد أرفع يدي أو
أخفضها بمشيئتي..

ولكن أين مشيئتي في حركتي الزفير والشهيق، في دقات قلبي وأنا نائم أو يقظان؟

بل أين مشيئتي في ميلادي ووفاتي، وتيارات الحياة التي تتقاذفني كما تتقاذف
الأمواج زورقًا خفيفًا؟

وأين مشيئتي في قدراتي المادية والأدبية التي زودني الله بها وانفرد بتحديد
كمها وكيفها..؟

إن غددًا معينة –لا سلطان لي على إفرازها- قد تسبب الخوف أو الجرأة أو العفة أو
الجماح..!

وقد يكون اللقاء برجل ما سببًا في رفعة أو هبوط، وهذا اللقاء لا سلطان لي على
تقريبه أو تبعيده..!

تلك كلها "جبريات" يعرفها المؤمنون والكافرون على سواءٍ، وتحديد وضع المرء معها
مضبوط عند من لا تخفى عليه خافية، ومن يحسب مثقال الذرة في موازين الجزاء..

وأحسب أن ذلك كله من وراء التعبير المطرد في الكتاب العزيز:

(يَغفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ) (آل عمران 129) فالمشيئة هنا
لا تعني الفوضى كما يتصور الجهلة، وإنما تعني أن الله وحده هو الخبير بخلقه،
العليم بحساب المعوّقات والمنشطات في حياتهم على ظهر الأرض إلى يوم يلقونه...

ونعود إلى ما بدأنا به، على الدعاة أن يدرسوا كتاب الله وسنة رسوله ببصر مفتوح،
وأن يعرفوا علاقة النصوص بعضها ببعض..

إن البناء الإسلامي شامخ، ومن المضحك أن يجيء أحدهم بهيكل نافذة ليضعه في فتحة
باب أو ليضعه في كوة جانبية..لابد من فقه، لابد من ذوق، وإلا حرّفنا الكلام عن
مواضعه وأسأنا قيادة المجتمع باسم الله..
]حقائق خفية وراء حروب تعيسة

1- كيف انهزم العرب


الدولة التي أقامها بنو إسرائيل على أنقاضنا تتمتع بميزات محلية ودولية كثيرة..


لكن شيئًا من ذلك لا يجديها إذا عرفنا من نحن؟ وقررنا أن نعمل! أي إذا انطلقنا
بعقائدنا الإسلامية، ومضينا نطلب إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وكان وراء
المقاتلين جمهور جاد كادح مستميت..!

إن تفوّق السلاح وتظاهر الأعداء من كلف فج لن يفتّا في عضدنا! فنحن خلال
تاريخنا الطويل لم نكسب معاركنا الكبرى بكثرة العدد ورجحان السلاح، بل كسبناها
بالاستناد إلى الله وبذل كل ما لدينا من طاقة..

وجميع المعارك التي كسبها اليهود في عدوانهم علينا في السنين الأخيرة لم تكن
لبسالة المقاتل اليهودي أو لعظمة أسلحته، بل كانت –ونقولها محزونين مكسورين-
لتفاهة القيادات وسذاجة الخطط وعربدة الشهوات في صفوف العرب..!!

ولو كان العرب بهذه الخصال يقاتلون جيشًا من القردة لانهزموا، فأنى لهم النصر،
وبعضهم يأكل بعضًا ويتربص به الدوائر، والكل بعيد عن الإسلام منسلخ من
تعاليمه...؟

إن أبناءنا المخدوعين دفعوا من لحومهم ودمائهم ثمنًا فادحًا لمسالك قادة فقدوا
الدين والشرف! وجعلوا اليهود يقولون في تبجح: إن جيشهم لا يقهر!!

أضحوكة نرويها ونحن نهز رأسنا من عجب! متى كان لليهود جيش لا يقهر؟

ولكن حفنة من ساسة العرب خرب الإلحاد قلوبها، وأطاشت الأهواء ألبابها هي التي
صنعت هذه الفرية!

1- كيف انهزم العرب

- الإنجليزي في البر والأسطول الإنجليزي في البحر ما قدر يهودي على البقاء في
الأرض المقدسة..

ثم استدرجت الجيوش العربية –وفق خطة دولية ماكرة- بعد ما أعلن اليهود دولتهم،
وأعدوا للنزال عدتهم وأقنعوا العالم أنهم قادرون على كسب الحرب!

ووقعت المفاجأة وأحيط باليهود! وكادت "تل أبيب" تسقط..

وهنا تدخلت هيئة الأمم المتحدة لتفرض هدنة إجبارية على العالم ربما تجيء
النجدات لليهود من أرجاء العالم الصليبي والشيوعي.

واستؤنف القتال، وكان الجنود العرب قادرين على محو الدويلة الوليدة، ولكن
الساسة العرب –وفق خطة موضوعة- توقفوا، فاشتغلت مصر بضرب الحركة الإسلامية،
وأبى العراق إصدار أوامر لجيشه بالتحرك نحو "تل أبيب" وكان قريبًا منها! وأعان
الجنرال "جلوب" القائد الإنجليزي في الجبهة الأردنية على تسليم "اللد"
و"الرملة" لليهود.

وانطلقت الصيحات في كل مكان: انهزم العرب!

- كانت مهزلة سياسية وعسكرية فغر الناس أفواههم مبهوتين بإزائها، ثم توجت هذه
المهزلة باعتراف الأمم المتحدة "بإسرائيل".

ثم قال رؤساء الدول الكبرى: إن إسرائيل خلقت لتبقى!

ولكن تبقى يجب تغيير البيئة من حولها، فكيف يبقى لليهودية الظافرة كيان وحولها
الإسلام؟! وكيف يبقى للغرباء الهاجمين كيان وحولهم عرب أحرار؟!

فلينزف الإسلام دمًا حتى يموت! ولتوضع أكوام التراب على الحريات حتى تختنق
وتتلاشى، ومن يؤدي هذه المهمات الهائلة؟ بعض من حكومات عسكرية يقيمها شبان
طائشون.

وقامت حول فلسطين الجريح أو حول إسرائيل الغاصبة حكومات عسكرية أعلنت على
الإسلام حروب استئصال، وعلى الحريات الدستورية حروب إبادة، ونجحت خلال ربع قرن
في دعم الحكم الفردي والاستبداد السياسي، ونجحت كذلك في جعل الدعوة إلى الإسلام
صيحة ضد القانون السائد!!.

عن طريق حكومات العسكر القائمة هنا وهناك كسبت إسرائيل حربين أُخريين!! كسبتهما
بداهة في غيبة الوعي الإسلامي والحريات الإنسانية!!.

واستطاعت أن توسع رقعتها، وتفرض شخصيتها، بل استطاعت أن تكرر أُكذوبتها
الحقيرة: الجيش اليهودي لا يقهر!.

2 - تصعيد الروح المعنوية قوة و نصر


- وعقب هزيمة 1967 كان الجيش المصري يعاني آلامًا هائلة، وكنت مع عشرات من
الدعاة نختلط برجاله ونتحدث معهم حديثًا ذا شجون.

كان الحاج "حافظ سلامة" إمام مسجد الشهداء قد عقد اتفاقًا مع الضباط المنبثين
في الجبهة أن يزودهم بخطباء يصلون الجمعة بالجنود، وآخرين يسمرون معهم الليل،
ويدرسون معهم فصولا من الجهاد الإسلامي.

وكانت السيارات تنقلنا عشرات الأميال لنقوم بهذه الواجبات، ثم تعود لتجمعنا من
الفرق التي توزعنا عليها لنبيت في مسجد الشهداء، أو ليعود بعضنا إلى القاهرة.

وبقينا سنين لا نسأم من التحشيد وتصعيد الروح المعنوية، وبين الحين والحين كنت
أذهب مع بعض الإخوة لنرى اليهود قابعين على الضفة الشرقية، فتسري الكآبة في
فؤادي، وأتراجع مخترقًا الدور المهدمة –وما أكثرها- وأقول في نفسي: لو كان هذا
التخريب أثر مقاومة شريفة من بيت إلى بيت ما حزنت، ولكنه عمل قادة صغار ضاعت
عقولهم من فرط الإدمان، وضاعت أخلاقهم من فرط التهارش والأثرة..!

وكان آخر العهد بهذه الجبهة أوائل سنة 1973، في ليلة غاب القمر فيها، وتغورت
النجوم، وفهمت من الحاج "حافظ سلامة" أن العمل سيكون في أحد الخنادق أبعد من
"الشلوفة" بعدة أميال..

نزلت من السيارة، وتيممت الخندق، وأنا لا أرى شيئًا أبدًا، وشرع رفاقي ينحدرون
بي رويدًا رويدًا حتى بلغت المكان، وكانت تنبعث منه أضواء خافتة، وتحدثت مع
مجموعة من الضباط في موضوعات كثيرة، وأجبت عن أسئلة مختلفة، ونفَّستُ عن بعض
الأحزان، وسكَّنتُ بعضَ القلق..

ثم خرجت من تحت الأرض ومشاعري تغلي، وكان الجنود الذين يصحبونني يحسون أني أضع
قدمي حيث لا أدري، وأني أتعثر في ليل ليس فيه بصيص نور، وصحراء متماوجة
الكثبان.

وبلغت السيارة وعدت إلى القاهرة، والأرض التي خلفتها ملأى برجال نفذ صبرهم
يريدون إنهاء هذه الحال بأي ثمن!.

- كنت يومئذ المدير العام للدعوة، وكنت أخطب الجمعة في مسجد عمرو بن العاص،
وفوجئت بدعوة إلى الدروس "الحسنية" في المغرب مع الشيخ الكبير حسنين مخلوف
المفتي الأسبق..

ولم أُلق الدرس الذي كلفت به لأن الدروس كلها أُلغيت في النصف الثاني من شهر
رمضان، بعدما بدأت الحرب بين مصر واليهود!.

كنا نصغي إلى الأنباء بانتباه حاد، وكلما سمعنا نبأ شاقنا إلى مزيد!

وكان أصدقاؤنا يتسمعون الإذاعات الأوروبية ويترجمون لنا آخر ما أعلنته واتفقت
المصادر كلها على أن المصريين أقاموا معابر على القناة، وأنهم أخذوا يتدفقون
حول خط "بارليف" وأن التكبير يقصف كدوي الرعد من شمال إلى جنوب، وأن الرمال
الساكنة تحولت إلى خلايا محمومة لا تسمع منها إلا جؤار الجنود باسم الله.

وأخذت مطارق المؤمنين تنهال ببأس شديد على سلسلة الحصون التي شادها النبوغ
العسكري، وبرز فيها آخر الإبداع الأمريكي! فإذا المدافع التي تتحرك من تحت
الأرض قاذفة الحمم تتبلد، وإذا البروج المشيدة تندك.

والمفزع هذا التكبير الذي لا تنقطع أصداؤه بين حصن وحصن، إن طنينه يصم الآذان.
إن المسلمين المقاتلين تحولوا جنّا لا يقفهم شيء! ولقد تلاشى الخط المنيع
المبني من أحدث الاستحكامات، أمام هذا السيل الذي يضرب باسم الله ويسحق ما
يعترضه..!!

قلت لمن حولي: أنا أدري! إن جنودنا قاتلوا اليوم فقط بطبيعتهم الإسلامية.

لقد أصابت القيادة غيبوبة بعد هزيمة سنة 1967، أضعفت قبضتها على كل شيءٍ،
وانتهز الضباط المؤمنون الفرصة وأعادوا الوعي الإسلامي إلى أفئدة الرجال، فعادت
الصلوات وارتفع الأذان، واستيقظ حب الله وطلب الآخرة والغضب للعار القديم، فإذا
هذا الفيضان من الرجال، وهذا الهدير من طلاب الآخرة، وهذا العشق للاستشهاد في
سبيل الله..

آه لو كانت لأولئك الأبطال قيادة على مستواهم! إذن لبلغوا "الممرات" في عدة
أيام، ولوثبوا منها إلى "العريش"!

أتحسبون أن هذه الحركة لو تمت باسم الله ستلقى برودًا داخل فلسطين؟ كلا والله
إن النساء الفلسطينيات قبل الرجال سيقلن لقادة إسرائيل: إما أن تذهبوا من حيث
جئتم وإما جعلنا قبوركم بطون الأمواج..

3 - القيادة حولت النصر إلى هزيمة


- إن القيادة كانت دون مستوى الجيش، بل لعلها بوغتت بالنصر العاجل فلم تدر كيف
تستغله!!

وكان بعض القادة المحليين يعتذرون بأن الأوامر تجيء من القاهرة، وأنهم طولبوا
بالتوقف بعدما حطموا الجيش اليهودي في معركة دبابات من أهم ما سجل تاريخ
الحروب.

وسمعنا أن هدنة فرضت، وأن مصر قبلتها، ورأيت الشيخ حسنين مخلوف يرسل الدمع من
عينيه وهو يغالب أنينه!.

لقد انهزمت تسعون سنة في كيان الرجل المهيب فلم يجد بدًا من البكاء، وهو يهمس:
هدنة مرة ثانية، أما كفتنا الهدنة الخادعة سنة 1948؟

وأحسست أن الأيدي الخفية تعبث بمصير المسلمين في الظلام وهم لا يدرون، وشعرت
أني عاجز عن معرفة شيء!

ولم نمكث طويلا حتى انكشف المخبوءُ، ولكي نأخذ بطرف من الحديث الكئيب، نتابع
الدكتور "هيثم عبدالكريم" في مقالاته بصحيفة "الراية القطرية" تحت عنوا "قراءة
في مذكرات كيسنجر" قال: "...قرر كيسنجر تحويل انتصار العرب إلى هزيمة، وتأكيد
هذه الهزيمة على أرض المعركة، في الميدان نفسه! قبل أن تتوصل هيئة الأمم إلى
قرار يفرض على المتحاربين إلقاء السلاح والتوجه إلى مائدة المفاوضات..!

لابد من إقدار إسرائيل على تحطيم الجيش المصري، وتمكينها من اختراق صفوفه،
وتأمين وجودها غربي قناة السويس، وإتمام حصار الجيش الثالث، وإزالة قواعد
الصواريخ المصرية لتصبح الطائرات اليهودية سيدة الجو!

وكم من الخطط والمؤامرات حاكها "كيسنجر" لبلوغ هذا الهدف؟

عندما جاءه "سميحا دينيتز" سفير إسرائيل بالولايات المتحدة يقص عليه نبأ
المعركة قال: فلنترك إسرائيل تضرب العرب يومًا أو يومين لتؤدبهم، ولتضعهم في
مكانهم الصحيح! وبعد ذلك يمكن أن نتعامل معهم ونفرض عليهم ما نشاء..!!

وجاء السفير اليهودي مرة ثانية يقول له: إن الخسائر بلغت خمسمائة دبابة، منها
أربعمائة على الجبهة المصرية وحدها، وحوالي خمسين طائرة منها أربع عشرة من طراز
الفنتوم، وإن الوضع سيء جدا، وإن رئيسة الوزراء "جولدا مائير" تنوي المجىء غدًا
–إلى الولايات المتحدة- تطلب النجدة!

- وتنتفض في قلب وزير خارجية أمريكا يهوديته، ويطلب من السفير إبلاغ "مائير"
بالبقاء في إسرائيل تقود الجيش والشعب حتى لا تهتز ثقته وينهار، وإن كل شيء
سيسير على ما يرام!!

وسار كل شيء على ما يرام، وتدخلت الولايات المتحدة وأُقيم جسر جوي تعبر عليه
الأسلحة إلى إسرائيل، واشتركت طائرات الاستطلاع والتجسس الأمريكية في استكشاف
الجبهة المصرية، وتعرف المواقع الضعيفة، وأدركت أن الفرقة المدرعة الحادية
والعشرين التي كانت رابضة غرب القناة لحراسة الجيش العابر، تحركت نحو الشرق،
فنصبت لها الكمائن وبدأ هجوم يهودي مضاد في الوقت نفسه، وكان الهجوم مزودًا
بالأسلحة الأمريكية القادمة على عجل خصوصًا الطائرات العمودية المضادة
للمدرعات، والمجهزة بتوجيه تلفزيوني..

ويقول كيسنجر –وملء فمه الفخر- إن الجسر الجوي السوفيتي الذي كان يمد مصر
وسوريا والعراق لمدة أربعة أيام لم يصنع شيئًا، فإن الجسر الأمريكي لإسرائيل
كان يمدها في اليوم الواحد بضعف الإمدادات الروسية للدول الثلاث خلال الأيام
الأربعة، كانت خمسون طنا من العتاد العسكري تصل إسرائيل كل ساعة..!!"

وبهذا العون الأمريكي الكثيف انفتحت ثغرة في الخطوط المصرية انتهت بكارثة كبيرة
غيرت الوضع كله!.

4 - حرب الإنسحاب وحرب الهجوم


- قد يقال: وماذا كان بوسع المقاتل المصري وهو يواجه أقوى دول العالم؟

والإجابة عندي حاضرة إنني أكره التهويل وخداع الأسماء، إن المجاهدين الأفغان
يحتقرون الجنود الروس ويصمونهم بأخس النعوت، ويذكرون أنهم ما لاقوهم في معركة
إلا اضطروهم للهرب..! ولولا القصور الهائل في أسلحتهم ما بقى للروس وجود..

وما يقوله الأفغانيون عن الروس يقوله الفيتناميون عن الأمريكيين، حذوك النعل
بالنعل.

إن الخلل الذي وقع في صفوفنا هو الذي حوّل المعركة عن مسارها..!

لماذا لم نتابع الزحف بعد الضربة الأولى المظفرة؟ إن الذي أمر بالتوقف هو الذي
أمر بأن تدع الفرقة الحادية والعشرين مكانها إلى الضفة الأخرى، وهو خطأ فاضح!

قلت لصديق لي: كيف وقع هذا ؟

قال: إن الرئيس "حافظ الأسد" طلب من صديقه أنور السادات معاونة الجبهة السورية
بهذا العمل..!

ولما كنت ضعيف الخبرة في هذه الشئون فقد لذت بالصمت، إلا أن هناك ما لا يصمت
عليه أبدًا، إن حرب الانسحاب لا تقل خطورة عن حرب الهجوم، وعمل الإيمان فيها
بعيد المدى..

ولنثبت هذه القصة، بعدما نجح اليهود في الوثوب إلى الضفة الغربية للقناة،
سيّروا دباباتهم نحو السويس لاحتلالها ورأى المحافظ أن الاستسلام أولى تجنبًا
للخسائر الكبيرة، وأعدّ علمًا أبيض لرفعه!

ولكن الشيخ "حافظ سلامة" إمام مسجد الشهداء صرخ: لن نسلم بلدنا أبدًا، سنموت
دونها.

واحتشد مع إخوانه المدرّبين على القتال، وساروا على أقدامهم يعترضون الدبابات
الزاحفة، ويرمونها بما في أيديهم من متفجرات.

ومرة أخرى انشقت الحناجر بالتكبير، وصرخ أهل الفداء يطلبون الشهادة، وتوقفت
الدبابات عن المسير، فقد أُصيبت في مقاتلها!

ها هي ذي الأولى تحترق، والثانية تتبعها، والثالثة تعطب، إن الصف كله اختل.

وتراجع اليهود مذعورين وقد أحسوا أن الزبانية سوف تتخطفهم إن تقدموا، فنكصوا
على أعقابهم، ونجت المدينة المعزولة!

تحول المسجد إلى غرفة عمليات باهرة، إنه لا يسهر على الدفاع وحسب، وإنما يرسل
بالمؤن إلى الجيش الثالث الذي كان مستر "كيسنجر" قد خطط له أن يموت جوعًا
وعطشًا..

ورأيت مكاتبات من الضباط المعزولين في الصحراء، يطلبون لجنودهم ما يحتاجون
إليه، وقلَّت المآسي شيئًا ما بعد النجدة التي نهض بأعبائها إمام المسجد!

- والأمر الذي يدعو للدهشة أن صنيع الرجل الشجاع وإخوانه الشهداء أو الذين بقوا
أحياء قد أُهيل عليه التراب عمدًا..

إن أهل السويس يعرفون رجلهم كما يعرفون أبناءهم.

وكان جزاؤه السجن والاتهام بالجنون. وتربص به حتى سنحت فرصة فاعتقل بين الرجال
الذين أُمر باعتقالهم قبيل مصرعه (وكان السادات قبل مصرعه، قد اعتقل الشيخ حافظ
سلامة مع بعض المجاهدين ورواد الفكر..)!!

ما أخس العقوق والخيانة!!

وأترك هذه القصة لأقول رأيي في هذه الحرب وغيرها

إن القادة الكبار أو الساسة المسئولين كانوا دون مستوى الجيوش التي فُرضوا
عليها. هذه أضعف كلمة تصف ملكاتهم وقدراتهم النفسية، ولا أحب أن أقول كلمات
أقسى أو أصرح..

إن الجمهرة الكبرى من الضباط والجنود كانوا أهلا لكسب أعتى المعارك، ولا تزال
مخايل البطولة والفداء تتألق في شمائلهم، وهم يؤدون واجباتهم بسرور ورضًا في
أحرج المواقف..ولكنهم وقعوا ضحايا ساسة محقورين، ومؤامرات عالمية تريد أن تصف
اليهود بالشجاعة البالغة وأن جيشهم لا يقهر، حتى يفقد العرب كل ثقة في أنفسهم
ومستقبلهم.

والمتابع لسير المعارك كلها يعرف أن اليهود كسبوا معاركهم بغير قتال جاد..وأنهم
لما قاتلوا انهزموا وفروا.

5 - محاربة البواعث الدينية


كان الساسة –أعني ساستنا- يريحونهم من أعباء المعارك ويهيئون لهم الغنائم
الباردة!! ثم يقال بعد ذلك في افتراء صفيق: إن الجيش اليهودي لا يقهر..!!

كانوا يأبون أن يكون للدين –أعني الإسلام- أي أثر في المعركة! وهذا المسلك قرة
عين إسرائيل، فهي ببواعث دينية باطنة وظاهرة تحرّك أجهزتها المدنية والعسكرية،
وتجند الرجال والنساء والشباب والشيوخ، وتستجيش أحقاد الصليبيين على العرب،
وتستجمع كل متاح من الأقلام والأفكار وفنون الدعاية كي تنتصر!

أما ساستنا فكانوا أمام هذا التحدي الديني الصارخ، يقولون لشعوبهم: لا دخل
للدين في السياسة، ولا صلة للدين بالحكم ولا بالحرب! بل يصبون الويلات على رأس
من يتحدث عن الإسلام وضرورة الولاء له..

ماذا تنشد إسرائيل أكثر من هذا؟ لتلقي برجال خواء فتحصدهم حصدًا؟

قلت: إنني كنت في المغرب يوم قامت حرب العبور، وكنت أتسمع ترجمات الأنباء من
شتى الإذاعات العالمية، إن بعض هذه الإذاعات علق على تجاوب الصحراء بتكبير
الجنود الهاجمين قائلا: عادت الهمجية! وهو تعليق تشم منه فتن الضغائن التاريخية
علينا..

والغريب أن مفاوضات "فض الاشتباك" كانت تجرى أحيانًا أثناء صلاة الجمعة
والمفاوضون العرب ذاهلون عن معنى ذلك ومغزاه، أما المفاوضون اليهود فيستحيل أن
يقبلوا أي حراك يوم السبت؟!

التدّين عندنا تهمة وتخلف، أما عندهم فشرف وثقة.

وقد تابعت كلمات "كيسنجر" فيمواقف شتى، فرأيت كراهيته للمسلمين تقطر بالعداء
البالغ..يقول في أسباب سقوط الشاه: "إنه حاول الانطلاق بشعبه نحو الحضارة بسرعة
لا تتفق مع تخلفه الشديد! إن الشاه لم يفهم طبيعة أُمته الجاهلة! إن الشعب
الإيراني لا يمكن أن يحكم إلا بالحديد والنار والذل والجوع والقهر، كما كان
يفعل والده في سياسته الناجحة. أما الجديد فهو الذي قاد الشاه إلى السقوط عن
عرشه"

يقول الدكتور هيثم عبدالكريم: "إن هذا الأسلوب الذي يتكلم به "كيسنجر" ليس
موجهًا إلى الشاه الذي رحل عنا لحياة، إنه إنذار موجه إلى الرؤساء العرب كي
يحذروا.." أي كي يضربوا بيد من حديد كل يقظة في بلادهم..

ولعل هذه النصيحة هي ما قرر نفر من الرؤساء اتباعه لما لجئوا إلى فتح السجون
واعتقال الأحرار وقتل طلائع الإيمان..!!

إننا مكلفون بالإخلاص لديننا، سواء كفر الناس بأديانهم أم أصروا عليها.

فإذا استمسك كل ذي عقيدة بعقيدته، فكيف وحدنا بترك الإسلام وإطراح شعائره
واستدبار توجيهاته؟؟

إن صدور هذه الدعوة من فم إنسان لا تعني فقط أنه مرتد، بل تعني أنه جاسوس قذر،
كلفته المخابرات العالمية للقوى المعادية لنا أن يبث بيننا جراثيم الخذلان
والضياع!.[/align] رد مع اقتباس
]على مسار الدعوة

1 - الإنحراف عن الصراط المستقيم


نحن ندعو ربنا في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم،والصراط المستقيم ليس
خطًّا وهميا ينشأ عن هوى الأفراد والجماعات، وإنما هو حقيقي يرسمه من الناحية
العلمية: القرآن الكريم، ومن الناحية العملية: الرسول الذي حمل الوحي وطبقه
وربى جيلا من الناس على عقائده وشرائعه.

والتاريخ الإنساني يشهد بقوة ووضوح أن قافلة الإسلام لزمت هذا الصراط حينًا من
الدهر، وأنها قدّمت للعالم نماذج حية في بناء الخلق والمجتمع والدولة..

نعم..كان السلف الأول عابدين لله، ذوي بصائر ترنو إليه وتستمد منه، وتنضح
بالتقوى والأدب في كل عمر يباشرونه.

وكانوا –إلى ذلك- خبراء بالحياة يسوسونها بالعدل والرحمة، ويقمعون غرائز التطلع
والحيف، ويرفضون ما سبق الإسلام في ميدان الحكم من فرعونية وكسروية وقيصرية،
كما يرفضون ما سبق الإسلام في ميدان التديّن من شرك أو تجسيد أو تعطيل..

إن الصراط المستقيم ليس وقوف فرد في المحراب لعبادة الله وكفى،

إنه جهاد عام لإقامة إنسانية توقر الله، وتمشى في القارات كلها وفق هداه،

وتتعاون في السرّاء والضرّاء حتى لا يذل مظلوم، أو يشقى محروم،

أو يعيث في الأرض مترف، أو يعبث بالحقوق مغرور،

وقد وقعت خلال القرون الطويلة انحرافات دقيقة أو جليلة! وقبل أن نتفرس في هذه
الانحرافات ونتحدث عن مداها نريد أن نقرر حقيقة مهمة: إن السلف الأول وحدهم هم
مصدر الأسوة، ويعجبني ما روي عن ابن مسعود –رضى الله عنه-: "من كان مستنّا
فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة! أولئك أصحاب محمد (صلى الله
عليه و سلم) كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا
اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم على
أثرهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".


إن بعض الذين ضاقوا بالانحرافات المعاصرة في العالم الإسلامي فكروا في العودة
إلى الأمس القريب، أو إلى بضعة قرون مضت! فقلت لهم: لا.

مثلنا الأعلى في القرن الأول وحده، ففي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه و
سلم): "إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين المهديين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ".

والاقتداء بداهة ليس في ركوب الخيل والإبل، والحرب بالسيف والرمح!

الاقتداء في التجرد والخشية وإيثار الآخرة!! أما تأمين الحقيقة فقد استحدثت له
وسائل مدنية وعسكرية لا حصر لها، ويجب على حملة الرسالة إتقان هذه الوسائل..وقد
بيّن أولو العلم ما يجب التزامه شكلا وموضوعًا من شئون العبادات المحضة أما
غيرها فنسق آخر..

العدل هو العدل، ولكن ضمانات وصوله إلى ناشديه تكثر وتتغاير على مر العصور، وقد
قيل: تحدث للناس أقضية بقدر ما استحدثوا من فجور..

والشورى هي الشورى بيد أن ضمانات التعبير عن الرأي وضمانات الوقوف أما
الاستبداد تختلف باختلاف البيئات والملل..

وفي عصرنا هذا قامت أجهزة للدعاية تخدم شتى الملل والنحل بأساليب فاتنة، فإذا
لم نسبقها ونسبق، ظلمنا ديننا،وأضعنا حقنا، وكان علينا وزر المفرطين.

الصراط المستقيم إذن معروف بالعقل والنقل فلماذا يقع الانحراف عنه؟

والجواب: طبيعة البشر! إننا نخطئ وليس في ذلك عجب! ولكن العجب أن يبقى الخطأ
وأن نُصرَّ عليه!!

1 - الإنحراف عن الصراط المستقيم

والأعجب من ذلك أن يمضي البعض في طريق الانحراف وهو لا يدري! أو لعله يحسب نفسه
على صواب..

وميلاد الانحراف خلقيّا كان أو اجتماعيّا أو سياسيّا يبدأ من نقطة ما، ثم يسير
مشكلا مع الخط المستقيم زاوية حادة، فإذا قست المسافة بين خط الزيغ والخط
المستقيم وجدتها قدر إصبع، ثم تمتد فتصير قدر شبر، ولا يزال الزمان يطيل
المسافة بين الخطين حتى تصير قدر ميل أو أميال، ويكون البعد عن الحق شاسعًا!!

والانحراف المعيب لا يقع في مكان واحد بل قد تتعدد أسباب الميل، وتكثر
المتعرجات التائهة، وتنحل عرا الإسلام عروة عروة بالصمت الجبان وترك الفتن تمشي
حبلها على غاربها، بل إن معالم الصراط المستقيم تكاد تخفى مع توارث العوج وذيوع
الجهل لولا أن الله سبحانه تعهد دينه بمن يجدد أمره، ويجلو بريقه، ويذود عنه
الآفات..

إذا ذكرت كلمة "الدين" سبق إلى فكر الناس ما وراء المادة والبحوث الغيبية
المحيرة في هذا المجال!!، فهل الأمر كذلك عندنا؟ كلا.

إن الفاتحين الأوائل ما أثاروا بين الشعوب قضية من هذا الطراز، لقد انطلقوا
باسم الله الواحد ينقلون الجماهير من الظلمة إلى النور، من الظلم إلى العدل، من
الخرافة إلى الحق فشغلوا الناس برؤية الميزان الذي أقاموه لكفالة معاشهم
ومعادهم عن بحوث ما وراء المادة.

الكلام في العقيدة موجز مجمل: (اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهَ الأَسمَاءُ
الحُسنَى) (طه:8)

والتفاصيل أعمال صالحة تبدأُ من إقام الصلاة وتنتهي بتنظيف الطرق! وتقصي من
الحياة العامة أسباب الشكوى والهوان: (لَقَد أَرسَلنَا رُسُلَنَا
بِالبَيِّنَاتِ وَأَنزَلنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالقِسطِ) (الحديد:25) .

2 - ما ينبغى أن يهتم به العقل الإسلامى اليوم


كان السلف الذين حملوا الإسلام قديًما واقعين يعرفون مراد الله بذكاء وينفذونه
بدقة، والإسلام –كما نعرفه من كتاب ربنا وسنة نبينا- فطرة سليمة لا فطرة ملتاثة
وتعاليم يعيها أولو الألباب لا أولو الثقافة القاصرة والأحكام البلهاء.

وقد أحس ورثة المدنيات القديمة أنهم أمام عقل أذكى من عقولهم، وخلق أنبل من
أخلاقهم، وبر بالشعوب أوسع من برهم، وأدركوا أن صفحتهم يوم تطوى، فلكي يرى
العالم صفحة جديدة أملا بالرحمة والعدل يخطها أولئك الذين رباهم محمد (صلى الله
عليه و سلم).

فهل كذلك الداعون إلى الإسلام في يوم الناس هذا؟

إن التفكير الواقعي في معالجة شئون الناس هو الذي أنجح الإسلام قديمًا، وجعل
الناس يدخلون في ديون الله، أما معظم مسلمي اليوم فأبعد عن قضايا الشعوب
المصيرية الشاملة!

وأُحب أن ألفت الأنظار إلى تغير في الفكر العالمي، صبغ الإنسانية الآن، أساس
هذا التغير الحفاوة بالمنطق التجريبي والزهد في المنطق الفلسفي، وقد نشأ عن ذلك
إهمال متعمد للفكر اليوناني في الإلهيات باعتبار هذا الفكر رجمًا بالغيب وبحثًا
لا طائل تحته..

وينبني على هذا أن ما انشغل به العقل الإسلامي قديمًا من تراث الإغريق، يجب
وضعه على الرف إن لم يرم في سلال المهملات!!

وعلى الدعاة المسلمين من سلف وخلف أن يلزموا أسلوب القرآن الكريم في عرض
المعتقدات، وأن يشغلوا أنفسهم بتقديم حلول إسلامية للمشكلات المحدثة والأزمات
المادية والأدبية الطارئة.

إن ذلك ما فعله السلف الأول فأعانه على فتح المشارق والمغارب..أما المشتغلون
اليوم بإعلان حرب على ال********ة والمعتزلة والأشاعرة فإنهم قد يحرزون نصرًا
في ميدان لا عدو فيه، إنه نصر على الأشباح ولا يغنم إلا الوهم!!

ولست أمنع بعض المتخصصين من دراسات تاريخية لماضينا القريب والبعيد، بيد أن
ميدان الدعوة يجب إبعاده عن هذه المخلفات البالية، ويجب شحنه برجال لهم عقول
ناضرة تعرف ما يقدم الإسلام وما يفتقر إليه الناس.

وكما تراجعت خيالات الفلسفة النظرية أمام تقدم العقل العلمي وأمام انتقال العلم
بالتطبيق إلى المصانع، وارتقاء الحضارة المادية إلى آفاق أخرى، كما حدث ذلك
تراجعت تقاليد كثيرة أمام الدراسات النفسية والقانونية والاجتماعية التي تجتاح
العالم كله، وهنا أصيح بصوت عال: لا يجوز الخلط بين تعاليم الإسلام والتقاليد
التي تسود بلدًا ما، إن للناس تقاليد ألبسوها الزي الإسلامي وهي من عند أنفسهم
وليست من عند الله، والدعوة إلى هذه التقاليد على أنها المنهج الإسلامي جهل
قبيح! فمصادر الإسلام معروفة، وميزانه في الحلال والحرام حساس، والأمم التي
دخلت فيه كثيرة، وتاريخ تقلب بين مد وجزر، وفقهاؤه المجتهدون تعرّضوا للصواب
والخطأ، وحكامه على اختلاف الأيام والدول فيهم من أحسن وفيهم من أساء، وقد بقي
الكتاب الكريم معصومًا لا ترقى إليه ريبة، ولم يلق تراث بشر من العناية ما لقيه
تراث محمد عليه الصلاة والسلام.

ويعني ذلك أن نتحرى في ميدان الدعوة، فلا نصد عن سبيل الله بأمر نحسبه من
مسلمات الدين وليس كذلك، أو من فرائضه وهو إن عد من النوافل فعلى سبيل الإغماض
والتجوّز.

3 - مزاج منحرف لبعض من يتصدى للدعوة


في تطوافي بالعالم الإسلامي رأيت ناسًا يتحدثون عن الإسلام حديثًا تأباه الفكرة
ويمجه العقل.

إذا كان العقلاء يتعشقون الحرية، فهم يتعشقون القيود، وإذا كان العقلاء يؤثرون
السهولة والمياسرة فهم يؤثرون التعقيد والمعاسرة، ومهمتهم بعد هذا الطبع المريض
أن يتأولوا النصوص أو يصطادوا من الشواهد النادرة ما يؤيد نظرتهم ويرجح كفتهم..


قال أحدهم –وهو يشتغل بعلم الحديث-: إن إلغاء الرّق ليس من الإسلام..

قلت له: آفتك أنك اشتغلت بالأحاديث قبل أن توثق صلتك بالقرآن الكريم، فلم
تتكوّن لديك الحصيلة العلمية التي تعينك على ضبط الأحكام، واستتليت: إن تحرير
العبيد لا تقوم به دولة واحدة ما دام القتال يسود الأرض وما دام الأسرى يسترقون
فإذا اتفقت الدولة على ميثاق لتكريم الأسرى ومنع استرقاقهم، فهل نحن المسلمين
نرفض ذلك؟ وليس في كتابنا أمر باسترقاق، وإنما فيه أوامر بالإعتاق! هل إشاعة
الاسترقاق هدف إسلامي؟ ما قال ذلك أحد!!.

وقال أحدهم –وهو يشتغل بالفقه-: يجوز للقرشي أن يتزوج من يشاء من العرب أو
العجم، أما القرشية فلا بد من مراعاة الكفاءة في النسب..

قلت له: إن البيوت مغلقة على عوانس بائسات محرومات من الزواج فهل هذا الكلام
يحل مشكلاتهم؟

إن هناك أقطارًا واسعة في العالم الإسلامي تشقى فيها النساء لأن التقاليد جعلت
دمًا دون دم وأبًا دون أب، أفهذا إسلام؟

ولا أريد المضي في سوق الأمثال، وإنما أذكر الشارة العامة عند هؤلاء المتحدثين
الخطرين على الإسلام ودعوته.

إن العقل عند هؤلاء متهم حتى تثبت براءته، والقياس الصريح مؤخر عن الأثر
الضعيف، والمصالح المرسلة مذهب مردود على أصحابه، والسيف لا الإقناع أساس نشر
الدعوة! وملابس البداوة إمارة على التقوى، أما الأزياء الأخرى فإن لم تدل على
التحلل فهي موضع ريبة، وعدم البصر لا غض البصر أساس العلاقة بين الجنسين!

وقلما يعرف هؤلاء شيئًا عن ضوابط الحكومة العادلة، ولو سألتهم لعادوا يبحثون في
التاريخ عن أساليب الحكم في الكوفة أو بلخ ليعطوا صورة شرعية للحكم المطلوب..!!


إنني أصادف هذه المناظر المؤذية في طريق الدعوة فأشعر بالنكد، وآخر ما لقيت من
هؤلاء شاب يقول لي: أليس في الالتحاق بالجيش شيء من الوثنية؟ قلت: ويحك كيف!
قال –فض الله فاه- إنهم يحيّون العلم كل يوم وهذه وثنية..!!.

4 - دعاة مرضى ظلموا الدين


هؤلاء المرضى مع ديننا المظلوم يشبهون الزمان المدبر الذي قال البحتري فيه:

وكأن الزمان أصبح محمو لا هواه مع الأخس الأخس

تساءلت: هل وراء هؤلاء أحد يكيد للإسلام؟ فقد ظهورا بغتة في عدة أقطار متباعدة.


وجاءني الجواب على غير انتظار، فقد كنت أُحاضر في مدينة "المنيا" وعقب المحاضرة
رأيت أن أنصرف مسرعًا، لأني كنت متعبا، ولكن شابا ألح عليّ أن أنتظر لأجيب عن
سؤال أثار بعض البلبلة، واضطررت للانتظار، فإذا السؤال المعروض عن حكم "الخل".

وعقدت لساني الدهشة! حكم ماذا؟ قالوا: حكم الخل! قلت: ماذا جرى للخل؟

قالوا: نسأل عن حله أو حرمته.

قلت وأنا ضجر: حلال! فرد أحد المتقعرين: الدليل؟

قلت: الأصل الحل، ومن زعم الحرمة فهو المطالب بالدليل، وتركت المكان وأنا
أتعجب..

وشاء الله أن أسافر إلى "أبى ظبي"، وأن أخطب الجمعة في مسجد حاشد، وعقب الخطبة
تلقيت أسئلة مكتوبة لأجيب عنها، وإذا سؤال يتصدرها عن حكم "الخل".

قلت للمصلين: هل هذا السؤال مكتوب في عاصمة أجنبية، أشرف على وضعه مع غيره من
الأسئلة المحقورة بعض المبشرين والمستشرقين الذين يعملون لحساب الاستعمار
الثقافي ويريدون شغل العوام بما يصرفهم عن لب الإسلام؟!

وقصصت عليهم كيف سبق لي هذا السؤال في صعيد مصر، وإذا كنت أسمعه الآن في غرب
آسيا بعد شرق أفريقيا فلابد أنه مع أسئلة أسخف منه سوف يصدر للهند والسند،
وغانا والسنغال!!

ولست أرمي بالتبعة على أعداء الإسلام، فإن القانون لا حمي المغفلين، وإنما
أُلفت النظر إلى هذا الهوس الفكري وحملته في كل مكان..

لقد أصبح هناك متخصصون في إثارة الخلافات الغريبة وشحن القلوب بالغضب من أجلها،
فلحساب مَنْ يقع هذا؟

أعرف متعصبين ذوي قلوب طيبة لبعض وجهات النظر الخفيفة الوزن، وهؤلاء صيد سهل
لأعداء الإسلام، وينبغي تفتيح أعينهم على مغبة سلوكهم حتى لا ينكبوا دينهم
وأُمتهم.

ولقد سمعت في إحدى المحافظات شكوى من أن هؤلاء تجيئهم الكتب بسهولة من وراء
الحدود وتبذل لهم بالمجان وآخر ما شغلوا الأذهان به قضية "خلق القرآن" التي
ماتت من اثني عشر قرنًا ولم يُعدّ أحد يحسها، إن هؤلاء الملتاثين رأوا إحياءها
أو رئى لهم ذلك!!.

وتوجد قوى محلية وعالمية تعين على ذلك حتى تنتكس النهضة المعاصرة، ويتدحرج
المسلمون من العالم الثالث إلى..عالم الفناء والتلاشي!!.[/align] رد مع اقتباس
]من جوانب إنهيار المسلمين الحضارى

1 - أمتنا تعانى تخلفا حضاريا


الاستعدادات كبيرة لتوديع القرن الرابع عشر، واستقبال القرن الذي يليه..وسأشارك
في أحفال كثيرة تقام لذلك الغرض..ولكني –بعد طول تجربة- وَجِلٌ من أحوال
أُمتنا..وقلق مما ينتظرها إذا بقيت على ما أرى..

بعض المرضى يحتاج إلى صدمات كهربائية لتصحيح وعيه، وإيقاظ ما تخدّر من
حسه..والمسلمون يحتاجون إلى أمثال هذه الصدمات كي يحسنوا الخلاص مما حل
بهم..والسير على نهج يشبه أو يقارب نهج الراشدين من أسلافهم!!.

1 - أمتنا تعانى تخلفا حضاريا

إن أمتنا الآن جزء كبير من العالم الثالث..تخلفها الحضاري لا ريب فيه..ومظاهر
التقدم المجلوب من هنا ومن هنا عارية قد تسترد. إنها ليست إفرازًا لكيانها
الخاص..ولا أثرًا لنشاطها الأصيل..

ما الذي أوصلنا إلى هذا الدرك؟ إن التقدم والتأخر ليس حظوظًا عمياء!..

إن ما نزل بنا هو نتائج لمقدمات طال عليها الأمد..وعلل هدت قوانا جيلا بعد
جيل!..وبعض الأجسام يصيبها في سن مبكرة مرض شديد ولكن عافية الشباب
تهزمه..فتكمن الجرثومة متربصة الفرص السوانح لتثبت عندما تريد. ملحقة بالجسم ما
تشاء من عطب..!!

وأمتنا الكبيرة تعرضت لأدواء وبيلة خلال عصورها الخوالي..وقد قاوم كيانها الصلب
هذه الأدواء، وبدا للعين المجردة كأنه سليم معافي..ولكن الجراثيم الخانسة برزت
من مكامنها خلال القرون الأخيرة. فلما اصطدمت بنا القوى المعادية للإسلام
فضحتنا المعارك في كل ميدان، وسقط المسلمون بين المحيطين الأطلسي والهادي بين
أواسط أوربا وآسيا شمالا، وجزائر أندونيسيا والفلبين والمحيط الهندي وأقطار ما
تحت الصحراء الكبرى جنوبًا..

إن هذا الكيان الإسلامي تهاوى تحت ضربات المغيرين وأصبح بين عشية وضحاها أسيرًا
تدميه القيود، ويرهقه الإذلال..

لقد حدث هذا..وكان لابد أن يحدث..لأن المسلمين فقدوا أسباب التمكين في الأرض
فعصفت بهم الرياح الهوج..إن الرياح مهما اشتدت لا تنقل الجبال..ولكنها تنقل
كثبان الرمال..

وإذا كنا على أبواب نهضة حقة فلندرس بدقة وبصيرة أسرار ما أصابنا..فإن العافية
لا تتيسر بدواء مرتجل، والنصر لا يجئ باقتراح عشوائي..إن الأسلاف تصدروا قافلة
العالم بجدارة. والأخلاف ملئوا ذيل القافلة بجدارة أيضًا.

وقد تأملت في أحوال الناس الذين يعملون في الحقل الإسلامي ويتحمسون لنصرة
دينهم..ولكنهم يحملون في دمائهم جراثيم الفوضى القديمة..والجهالة
المدمرة..فأدركت أن هؤلاء يتحركون في مواضعهم، وأنهم يوم يستطيعون نقل أقدامهم
فسيتجهون إلى الوراء لا إلى الأمام، وسيضيفون إلى هزائمنا الشائنة هزائم قد
تكون أنكى وأخزى.

من أجل ذلك رأيت استثارة الهمم لبدء نهضة واعية هادية تعتصم بالوحي الأعلى.

وتتأسى بالرسول (صلى الله عليه و سلم) وصحبه، وتنتفع بتجارب القرون الأربعة عشر
التي مرت بنا. قد تقول:وهل يخالف أحد في هذا حتى تتناوله بالغمز واللمز؟!

وأُجيب: إن أحدًا لن يجرؤ على هذه المخالفة بقوله ولكنه بفراغ فكره أو فساد
باطنه قد يجر الكوارث على الكتاب والسنة. ولا يزيد الطين إلا بلة..

2 – الفساد السياسى


- الفساد السياسي مرض قديم في تاريخنا، هناك حكّام حفروا خنادق بينهم وبين
جماهير الأمة..لأن أهواءهم طافحة وشهواتهم جامحة..لا يؤتمنون على دين الله ولا
دنيا الناس..ومع ذلك فقد عاشوا آمادًا طويلة.

وقد عاصرت حكامًا تدعو عليهم الشعوب، ولا تراهم إلا حجارة على صدرها توشك أن
تهشمه..

انتفع بهم الاستعمال الشرقي والغربي على سواء في منع الجماهير من الأخذ
بالإسلام والاحتكام إلى شرائعه..بل انتفع بهم في إفساد البيئة حتى لا تنبت فيها
كرامة فردية ولا حرية اجتماعية..أيا كان لونها.

ومع هذا البلاء، فقد رأيت منتسبين إلى الدعوة الإسلامية يصورون الحكم الإسلامي
المنشود تصويرًا يثير الاشمئزاز كله..قالوا: إن للحاكم أن يأخذ برأي الكثرة أو
رأي القلة، أو يجنح إلى رأي عنده وحده..!

أهذه هي الشورى التي قررها الإسلام؟ فما الاستبداد إذن؟!

ووضع بعضهم دستورًا إسلاميا أعطى فيه رأس الدولة سلطات خرافية لا يعرفها شرق
ولا غرب..وعندما تدبرت هذا الكلام وجدت أن معايب ثلاثًا تلتقي فيه:

الأول: سوء فهم لمعنى الشورى، وغباء مطلق في إنشاء أجهزتها المشرفة على شئون
الحكم.

الثاني: عمى عن الأحداث التي أصابت المسلمين في أثناء القرون الطوال والتي نشأت
عن استبداد الفرد، وغياب مجالس الشورى.

الثالث: جهل بالأصول الإنسانية التي نهضت عليها الحضارة الحديثة والرقابة
الصارمة التي وضعت على تصرفات الحاكمين.

فإذا استقبل المسلمون القرن الخامس عشر، وفهم عدد منهم لوظيفة الحكم لا يتجاوز
هذا النطاق العقيم..فكيف تسير الأمة، وأين تتجه؟؟!

إن الفقه الدستوري في أمتنا يجب أن تنحسر عنه ظلال الحجاج، وعبيد الله بن زياد،
وبعض ملوك بني العباس، وبعض سلاطين آل عثمان..

ويجب أن يمنع عن الخوض فيه شيوخ يقولون: إن الرسول(صلى الله عليه و سلم) افتات
على الصحابة في عمرة الحديبية..فمن حق غيره أن يفتات على الناس ويتجاوز آراءهم.


إن ذلك الضلال في تصوير الإسلام يفقد الإسلام حق الحياة..

- والمعروف أن الرسول(صلى الله عليه و سلم) احترم الشورى، ونزل على حكمها فيما
لا وحي فيه، وأن قصة الحديبية تصرف فيها الرسول(صلى الله عليه و سلم) على النحو
المروي لما حبس ناقته حابس الفيل، وأحس أن الله تعالى يلزمه بمسلك يجنب الحرم
ويلات حرب سيئة.

فكيف يجئ من يعطي الرؤساء حق الحرب والسلام..بعيدًا عن الشورى..لأن الرسول(صلى
الله عليه و سلم) فعل ذلك يومًا ما في مكة، التي يعلل القرآن منع الحرب فيها
بقوله:

(وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُم عَنكُم وَأَيدِيَكُم عَنهُم بِبَطنِ مَكَّةَ
مِن بَعدِ أَن أَظفَرَكُم عَلَيِهِم وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعمَلُونَ
بَصِيرًا(24) هُمُ الذَِّينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُم عَن} المَسجِدِ الحَراَمِ
وَالهَدىَ مَعكُوفًا أَن يَبلُغَ مَحِلَّهُ وَلَولاَ رِجالٌ مُّؤمِنُونَ
وَنِسَاءٌ مُّؤمِنَاتٌ لَّم تَعلَموُهُم أَن تَطَئُوهُم فَتُصِيبَكُم مِّنهُم
مَّعرَّة بِغَيرِ عِلمٍ لِيُدخِلَ اللهُ فيِ رَحمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَو
تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبنَا الذَِّينَ كَفَرُواْ مِنهُم عَذَابًا أَلِيمًا)
(الفتح:24-25)

وظاهر أن الرسول(صلى الله عليه و سلم) اتجه مع توجيه السماء له.

وظاهر كذلك أن الشورى تكون حيث لا نص فيه يوجه، وأن الأمة هي مصدر السلطة حيث
لا نص بداهة.

ويؤسفني أن الكلام عن تكوين الدولة عندنا تعرّض له أقوام على خط كبير من
الطفولة العقلية، أو على حظ منا لزلفى يكسبون به الدنيا ويفقدون به الإيمان.

وإصلاح أداة الحكم وأصله الأول يحتاج إلى فقهاء أتقياء أذكياء..


3 - التخلف الإقتصادى


- والأوضاع الاقتصادية في عالمنا الإسلامي تحتاج من أعصار طويلة إلى النظر
الفاحص والقلب النقاد.

وكثيرًا ما تساءلت: إلى متى يظل التنفير من الحرام شغل واعظ ناصح، أو وصية
مربٍّ مخلص بصورة تدعو إلى اليأس أو الزهد في الدنيا..لتظل هذه الدنيا فقط في
أيدي أعداء المسلمين؟؟

ما أقل جدوى ذلك الكلام في مواجهة الغرائز المريضة والأماني السيئة!!.

لو أننا جئنا إلى كل ميل مربع من الأرض الممهدة للزراعة أو المعدّة للبناء،
وتساءلنا: أمن الحلال تم تملُّكُهُ أم من الحرام؟ لكان الجواب مفزعًا.

إن تاريخ التملك أو واقعه المعاصر يشهد بأن كفة الشر أرجح، وأن المسلمين من
أفقر أهل الأرض إلى قوانين صارمة تحرس قيمهم الدينية ونصوصهم السماوية.

وما يقال في ملكية الأرض، يطَّرد في سائر الأموال..!!

ثم لماذا تبقى محاربة البطالة، والبأساء والضراء خاضعة لتطّوع أفراد بأداء
الزكاة وبذل المعونة؟ لقد كان من أول أعمال الدولة الإسلامية –بعد حراسة
الإيمان- أخذ الزكاة..وهذا ما عزم عليه الصدِّيقُ، وتابعه فيه بقية الصحابة.

ومعنى الأخذ من الأغنياء أن الدولة هي التي تتولى الإنفاق في المصارف
المقررة..وأنها مسئولة عن رعيتها أمام الله. وأمام جماعة المسلمين..

وسؤال آخر له خطره، وتجاربنا نحن المسلمين مع الزمن توحي بتوجيهه إلى كل ذي
لب..

هل راقبنا سير المال في المجتمع وطرق تداوله بين شتى الطبقات، ومساوئ تكدسه في
ناحية وإقفار ناحية أخرى منه، أو نواح كثيرة؟

وهل أدركنا آثار الترف المادي في انتهاء الوجود الإسلامي بالأندلس –مثلا-
وعلمنا على منع تكرار المأساة..

إن المال قوام الحياة وسياج المروءة، وعندما يكون دولة بين جماعة من الناس..فإن
نتائج ذلك مدمرة..إذ الجوع كافر..وحقد المحرومين قاتل.

وهل انتشرت الشيوعية إلا مع هذه الخلخلة التي أحدثها العصيان لأوامر الله،
واعتداء حدوده؟! فحتى متى يسترسل المسلمون مع أخطاء قديمة؟!

لقد رأيت في أوروا وأمريكا دولا شتى تشرع قوانين دقيقة لضبط سياسة المال
والحكم..وذلك لأنها تعرضت لنزوات الجور والأثرة والطغيان، وكما قال الشاعر:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفـة فلعله لا يظلم!

- فإذا وجدنا مجتمعات بشرية حصنت نفسها من هذه المآسي..فلماذا لا نقتدي بها..أو
نقتبس منها.

قال لي البعض: هذا ما نخافه منك..إن تستورد الإصلاح من منابع بعيدة عن ديننا
وتراثنا..ونحن أغنياء عن مقترحاتك تلك..!

قلت: تمنيت لو كانت غيرتك هذه في موضعها! إنني معتز بديني ولله الحمد..ولكن ليس
من الاعتزاز بالدين أن أرفض الجهاد بالصواريخ والأقمار الصناعية لأنها بدعة..!

إن التفتح العقلي ضرورة ملحة لكل من يتحدث في الفقه الإسلامي.

إننا في صمت نقلنا تسجيل كل مولود في دفاتر خاصة واستعنا بذلك على تحصينه من
الأمراض، وإلحاقه بمراحل التعليم، واقتياده للجيش كي يتم تدريبه وإعداده
للقتال. وذلك إجراء نقلناه عن دول أخرى دون حرج..فماذا يمنع الفقيه المسلم من
قبول كل وسيلة أصيلة أو مستوردة لتحقيق الغايات التي قررها دينه؟

إن النقل والاقتباس في شئون الدنيا..وفي المصالح المرسلة وفي الوسائل الحسنة
ليس مباحًا فقط..بل قد يرتفع الآن إلى مستوى الواجب.

ثم إن الدين في باب المعاملات مصلح لا منشئ كما يقول ابن القيم، إنه لم يخترع
البيع أو الزواج..وإنما جاء إلى هذه العقود فضبطها بتعاليمه!.

فالبيع –مثلا- بإيجاب وقبول ولا يجوز فيه الغش، أو الربا، أو الاحتكار..إلخ.

والزواج –مثلا- بإيجاب ولا يجوز فيه الاتصال بالمحارم، ولا الافتيات على
الولى..ولا ترك الإشهار..إلخ.

وفي شتى المعاملات إذا تحققت المصلحة فثم شرع الله! فما الذي يمنعنا؟ نحن
–الذين جمدنا فقهنا وأغلقنا باب الاجتهاد ألف عام- أن ننظر في الوسائل التي
اتخذها غيرها لمنع الفساد السياسي أو منع الاعوجاج الاقتصادي، ونقتبس منها ما
لا يصادم نصا، ولا يند عن قاعدة؟

الحق أن التوقف في هذا المجال ليس إلا امتدادًا للكسل العقلي الذي سيطر على
مسيرة الإسلام التاريخية أمدًا ليس بالقصير..!!

4 - التردى الإجتماعى


- وهناك تقاليد اجتماعية لابد من إعادة النظر فيها، لتستقيم مع ديننا وأحكامه
الصحيحة..وهي تقاليد تتصل بوضع المرأة وتكوين الأسرة.

إنني أحد الذين حاربوا تقاليد الغرب الجنسية، وجاهليته الذميمة في إشباع
الغرائز من الحرام..وقد وقفت في وجه الذين يحاولون نقل هذه التقاليد إلى بلادنا
وقفة جرّت عليّ المتاعب..وإني لراض كل الرضا عما أصابني في هذا الميدان..لأنه
في سبيل الله..

إلا أنه حديث ما جعلني أطيل الفكرة في العلاقة بين الجنسين، ومكانة المرأة في
بنائنا الاجتماعي، لقد رأيت البعض يؤكد أن المرأة قعيدة بيتها..لا تخرج منه
أبدًا إلا إلى الزواج أو إلى القبر..!!

قلت: أهذا هو البديل الإسلامي عن حالة المرأة في الغرب..بشقيه الشيوعي
والرأسمالي؟

لا..الإسلام غير ذلك..إن قرون التخلف التي مرّت بنا انتهت في القرن الماضي بوضع
للمرأة المسلمة لا يقول به فقيه مسلم!.

لقد رأيت المرأة في بلادنا لا تدخل مسجدًا أبدًا..بل في قرانا..وكثير من المدن
كانت المرأة لا تصلي وهي إلى جانب هذا الحرمان الروحي كان التعليم محرمًا
عليها..فلا تدخل مدرسة أبدًا..

وقلما يؤخذ لها رأي في الزواج..ويغلب أن يجتاح ميراثها.

وإذا انحرف الشاب تسوهل معه..أما إذا انحرفت المرأة فجزاؤها القتل..!

هل هذه المعالم المنكورة لحياة المرأة تنسب إلى الإسلام؟ الله يعلم أن الإسلام
برى من هذه التقاليد، كما هو برئ من المفاسد الجنسية في أوربا وأمريكا..!

ومع ذلك فإن منتسبين إلى الإسلام وعلومه، يرتضون هذه الأحوال أو لا يتحمسون
لتغييرها..وأذكر أني كنت ألقي محاضرة في اليوم العالمي للمرأة، فلما قلت: إن
وجه المرأة وصوتها ليسا بعورة..حدثت ضدي مظاهرة صاخبة، وسمعت طالبًا يقول
لزميله: كنا نحسن الظن بهذا الرجل فإذا هو شر من قاسم أمين!.

ولست –ولله المنة- مفرطًا في ديني، ولكني مشفق على حاضره ومستقبله من الجهال
القاصرين..لاسيما إذا واتتهم فرصة فتحدثوا عنه وتكلموا باسمه.

وأسوق للقراء قصة وقعت في مؤتمر نصراني–إسلامي انعقد في استراليا في السنة
الماضية 1399هـ.

- روى هذه القصة الدكتور "حسن باجودة" رئيس قسم الدراسات العليا العربية–كلية
الشريعة، قال: "نظرت فوجدت المرأة في سمت عفريت داخل قاعة المؤتمر..كانت مغطاة
من أعلاها إلى أدناها. مستخفية الوجه واليدين، تطل على الحضور من وراء ثقبين من
نقاب الوجه عليهما غطاء من زجاج أو باغة..قلت: ما هذا؟

قالوا: سيدة نصرانية جاءت تحتج على ظلم الإسلام للمرأة..فارتدت هذا الزي
الشرعي! عند المسلمين لتري النساء في أستراليا ما يعدّه الإسلام لهن إذا انتشر
في هذه القارة الجديدة..".

إن الحجاب الإسلامي يحفظ للمرأة شرفها. ويرد عنها عيون الذئاب..وليس كما يتصور
القاصرون أنها في سمت عفريت..لماذا تحترم الراهبات ولا تحترم المحجبات وزيهما
واحد؟!.

قال لي أحد المبعوثين في لندن: أن رجلا إنجليزيا أبدى إعجابه بالإسلام ثم قال
لكني أذهب مع امرأتي إلى الكنيسة يوم الأحد..فأين تذهب امرأتي إذا كنتم
تمنعونها من المسجد فلا تدخله طوال الأسبوع؟..

قلت: ما حدث في أستراليا وفي إنجلترا حجة على المسلمين لا على الإسلام..فليس في
كتاب الله ولا في سنة رسوله (صلى الله عليه و سلم) أن وجه المرأة عورة يجب أن
تستر..ولا في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله(صلى الله عليه و سلم) أنها تُمنع من
دخول المسجد..

إن ناسًا غلبهم الهوى هم الذين شرّعوا هذه التقاليد بعدما تعسفوا في شرح الآي
بتفاسير مرفوضة، تفاسير لم يقل بها واحد من الأئمة الأربعة الذين انتشر فقههم
في طول البلاد وعرضها..

وقد دهشت لأن عالمًا من شنقيط –وهو قُطْرٌ مالكيُّ المذهب- وقف في المسجد
النبوي يقول أثناء إلقاء درس له: إن مالك بن أنس يقول: إن وجه المرأة ليس
بعورة..وأنا أخالف مالك بن أنس!!

قلت: ليس مالك وحده الذي يقول ذلك..بل سائر الأئمة الأربعة إلا رواية واهية عن
أحمد بن حنبل تخالف المقرر من مذهبه، كما حكى ذلك ابن قدامة الحنبلي.

والشيخ الشنقيطي –غفر الله له- حين يخالف أو يوافق ما يقدّم ولا يؤخر، وذكرت
قول الشاعر:

يقولون هذا عندنا غير جائز ومَنْ أنتم حتى يكون لكم عند؟!.

إن التربية الراشدة الناضجة هي الضمان الأول لكل نهضة، والبيت هو المدرسة
الأولى لتلك التربية، وعندما تكون المرأة صفر العقل والقلب، لا ثقافة في
مدرسة..ولا عبادة في مسجد..فمن أين تحقق التربية المنشودة.

إنه لا مجتمع يصلح عندما تكون المرأة حيوانًا يحسن تقديم الأكل والمتعة..وحسب!
.

5- أسباب الإتهيار


- والانهيار الذي عرض لأمتنا في العصور الأخيرة يرجع إلى أسباب علمية واقتصادية
وسياسية كثيرة..بيد أن فقدان التربية السديدة، والأخلاق الصلبة يرجع إلى العوج
الهائل في وسائل التربية وأول ذلك المرأة المخرّفة الغافلة، والبيت الساذج
المحدود..

لقد كانت النساء في العصر الأول تصلي التراويح في مساجد خاصة بهن حتى جاء
أخيرًا من يمنعهن أداء الفرائض في بيوت الله..وكن يبايعن الإمام على نصرة
الإسلام، ومكارم الأخلاق..حتى جاء من يقوم بتجهيلها عمدًا في قضايا الإسلام
الكبرى، ومكافحة أعدائه المتربصين به..

وقال لي رجل –ممن يرون سجن المرأة: نحن نعلمهن كل شيء. ولا يخرجن من بيوتهن!.

فقلت له: إننا نعرق في محاولات مضنية لرفع مستواكم الفكري، ولا نكاد ننجح! فكيف
نأمنكم على وظائف التربية والتعليم؟

ثم هذا الذي تقوله..أما كان محمد (صلى الله عليه و سلم) وأصحابه يعرفونه عندما
فتحوا المسجد للمرأة. وأذنوا لبعضهن بالمسير مع الجيش؟!

إن الإسلام لا يؤخذ من أصحاب العقد النفسية..سواء كانت غيرتهم عن ضعف أو شبق
جنسي..

إن الإسلام يؤخذ من كتاب الله تعالى وسنة رسوله (صلى الله عليه و سلم)،
والمجتمع الذي يصنعه الكتاب والسنة يجعل المرأة تلد ذريّات مشرفة، باهرة
الأخلاق..لا دابة تلد حيوانات.

- في هذه السنة قرأت أسماء من نالوا جائزة "نوبل" العالمية..فإذا بين العمالة
المختارين اسم راهبة في الهند تدعى "تيريزا"!.

وتساءلت: لماذا منحت هذه الجائزة؟

وكانت الإجابة: أنها نجحت نجاحًا تامًا في أداء رسالتها التبشيرية!.

قالت صحيفة "الرائد" التي تصدر في الهند: "إنها من مركز عملها في "كلكتا" منذ
سنة 1947 كانت تقوم بخدمات عظيمة في إغاثة المنكوبين ورعاية المرضى..وتقدر قيمة
الجائزة التي نالتها بمليون ونصف روبية..وكان "السيناتور كيندي" قد رشح الراهبة
عندما زار الهند في أثناء أزمة "بنجلاديش" واطلع على الجهود التي بذلتها لإسكان
لاجئ باكستان الشرقية، وقد شاهد بنفسه نشاط الراهبة التي تعمل لنشر الدين
المسيحي بين شتى الطبقات وبين البؤساء والمساكين والمضطهدين..وذلك عن طريق فتح
شبكات "كذا" المدارس والمستشفيات والملاجئ، ودور رعاية اللقطاء والأطفال
المهجورين.

ويعرف مدى نشاط هذه الراهبة، واتساع الرقعة التي تعمل فيها إذا ذكرنا أن 250
راهبة يعملن تحت إشرافها في دائرة "كلكتا" وحدها، ويبلغ عدد الراهبات التابعة
لمركزها 1800 راهبة في عشرين بلدًا منها بلاد عربية!! وتدير منظمتها الخيرية 87
دارًا للأيتام في الهند و40 دارًا في خارجها و213 مستشفى للعلاج بالمجان و54
مستشفى للمجذومين و60 مدرسة للتعليم، ومستشفى من مائة سرير للمرضى اليائسين
الذين ينتظرون الموت!!".

قالت جريدة "الرائد": "واعترافًا بخدماتها منحتها الخطوط الجوية الهندية، وكذلك
السكك الحديدية رخصة للسفر بالمجان.".

- إنني أسوق هذا الخبر لنفر من المتكلمين باسم الإسلام يرون المرأة في الجامع
أو الجامعة قذى في أعينهم، ويضعون العوائق من عند أنفسهم –لا من عند الله- كيلا
يكون للنساء وجود في ميادين الأمر والنهي، والنصح للعامة والخاصة..

وهم مهرة في ليَّ أعناق الآيات، وقلب الأحاديث النبوية رأسًا على عقب، وتحريف
الكلم عن مواضعه حتى يأخذ الناس دينهم من عقول بها مس..

وأعرف الآن نساء يقمن بعمل رحب في خدمة بيوت الطالبات، وإنشاء المؤسسات الصحية
والثقافية..في مقدمتهم السيدة الجليلة "زهيرة عابدين" الأستاذة بكلية الطب
جامعة القاهر..وقد استعانت بي في فتوى متواضعة لتمنع متخرجة في كلية الصيدلة من
القعود في البيت والارتزاق من آلة الخياطة..لأن أحد المشايخ قال لها: "إن
المرأة لا يجوز أن ترى أحدًا أو يراها أحد"!.

قلت لها: هذه فتوى مخبول لا يعرف الإسلام..بل هو وأمثاله قرّة عين لأعداء
الإسلام..فلا يحرّم الإسلام على المرأة أن تبيع وتشترى. وأن تتعامل مع الناس،
ما دامت مستترة في زيها الإسلامي متأدبة بآداب الإسلام، غير متبرجة بزينة..تحفظ
نفسها وعرضها من الذئاب.

6- الثقافة الإسلامية السائدة


- وضرورة الانتفاع من عبر الزمان، ومرّ القرون، تقودنا إلى حديث عن الثقافة
الإسلامية السائدة، وجرائم الاسترخاء والفناء التي تسرح فيها..

إن هذه الثقافة اختلطت بها عناصر سامة من جهالات الدهماء، وأهواء الخاصة،
وخرافات أهل الكتاب، وزيغ الجاهلية القديمة، وإيحاءات الحكام الطاغين..

وكم أذكر حاجة المسلمين بين الحين والحين إلى علماء نقدة من الصنف العبقري الذي
قال فيه الرسول الكريم (صلى الله عليه و سلم): "يَحمِلُ هذا العِلمَ من كل
خَلَفٍ عَدُولُهُ، يَنفُونَ عنه تحريف الغالين، وانتحال المُبطلين، وتأويل
الجاهلين".

وكما اختلطت بالثقافة الدينية هذه المواد الضارة، فإنها نقصت أجزاء مهمة..لتكون
صورة صحيحة للقيم والغايات الإسلامية.

وهذا النقصان هو السبب في اضمحلال العلم الديني داخل حدود العالم الإسلامي
وخارجه..ولا أريد الآن ضرب أمثلة كثيرة من علوم الكلام والتفسير والحديث
والفقه..فإن الأمر في هذه الميادين يحتاج إلى مؤتمرات تنعقد باستمرار..لمصادرة
الزوائد المؤذية، واستكمال العناصر المفقودة.

وإنما أضرب المثل من علمين شعرت –وأنا أحدث الجماهير- بمدى عجزنا فيهما..

الأول: علم التاريخ، والثاني: علم الدعوة.

إن التاريخ يسجل الوقائع ويستخلص منها العبر..

وعلم التاريخ الإسلامي في كلا المجالين مقصّر.

ونظرة عجلى إلى الأربعة عشر قرنًا التي غبرت، وإلى الأقطار الفيحاء التي انداح
فيها الإسلام خلال هذه المدة الطويلة، ونظرة أخرى إلى الهزائم والانتصارات،
وظروف التقدم والتأخر التي عرضت لهذه الأمة..تبرز بقوة أن علم التاريخ لم
يتناول إلا مساحة محدودة من الزمان والمكان، وأن حساب الأرباح والخسائر ومضطرب
حينًا ومعدوم حينًا آخر.

وأن محاكمة الأشخاص والأشياء إلى المثل الإسلامية غامضة أو ضائعة..بل إن الوحدة
الجامعة للأمة كلها على اختلاف الأعصار والأمصار تائهة في هذا التاريخ الطويل..


كان الأمر قصة مؤسسة افتتحت لها فروعًا في عواصم عديدة ثم طال الأمد ونسى الأصل
ما تفرّع عنه هنا وهناك..!!

ولولا لقاء الحجيج في مكة ما عرف مسلمو (داكار) و(لاجوس) على المحيط الأطلسي أن
لهم إخوة في (أندونيسيا) و(الفلبين) على المحيط الهادي..!!

- أين التاريخ الذي يعرض هذا الكيان الطويل العريض في نسق واحد، صفحات متقاربة؟
عندما كان تاريخ الإسلام سنين عددًا، كان الصحابة يروون لأولادهم مغازي رسول
الله(صلى الله عليه و سلم)، وعلاقة هذه الأمة بغيرها.

فلما طال التاريخ وجد نفر من الرجال قد يروون الجد والهزل. وقد يعقبون بعبر
قليلة أو لا يعقبون.

ثم عجز التاريخ عن ملاحقة التحرك الإسلامي، ثم عجز أقبح العجز عن لفت الأنظار
إلى غارات العدو على هذه الأمة.

فإذا (الفلبين) مثلا تضيع منا في صمت..وهذا العنوان جلبته الصليبية الغازية
لشرق العالم الإسلامي، ووضعته على مجموعة الجزر القريبة من أندونيسيا.

وكانت هذه الجزر إسلامية مائة في المائة، ثم أخذ الغزو النصراني يلح عليها،
ويتغلغل فيها قرنًا بعد قرن حتى وضع عليها اسم "فيليب الثاني" ملك
أسبانيا..فأصبحت "الفلبين".

ومضى التنصير في طريقه الدامي..ومنذ قرن كان المسلمون نصف السكان..وهم الآن خمس
السكان..والمراد الإجهاز عليهم واستئصال بقيتهم.

ماذا كان يصنع الترك والعرب خلال هذه الحقب المشئومة؟ أين كتَّاب التاريخ
والمعلقون على أحداثه الكبرى؟!

لقد سكتوا كما سكت إخوان لهم من قبل وبعد كارثة الأندلس..كأن ضياع الأندلس سقوط
بضعة دريهمات من جيب ثري متلاف!!

عندما كنا طلابًا درسنا للشيخ الخضري محاضرات عن التاريخ العباسي..وضعها رجل
ذكي بصير..ساق الأحداث بين يدي شرح ضاف للصمود والهبوط، والنصر والهزيمة، قلت:
ما أحوج أمتنا إلى مثل هذا المؤرخ يلقي الضوء على تاريخها كله طوال أربعة عشر
قرنًا، متناولا بقلمه الكشَّاف أبعاد هذا التاريخ على خطوط الطول والعرض،
وأجناس الدول التي صنعته أو شاركت فيه.

إن ذلك لزام علينا حتى نواجه الردة المجنونة التي وقفت بتاريخ الإسلام العام،
وجعلت العرب يضعون لهم تاريخًا، والترك تاريخًا، والعجم تاريخًا، والهنود
تاريخًا..إلخ..

إن للتاريخ رسالة واضحة الهدف، انتظمت أجناسًا شتى، وعاشت أعصارًا
متطاولة..رسالة مفروض أن تبقى إلى آخر الدهر..إن هذا التاريخ يجب أن يكتب
بأسلوب أجمع، وأُفق أوسع مما هو الآن!!

- ذاك عن علم التاريخ..أما الدعوة إلى الإسلام فشأنها عجيب..

في عصرنا الحاضر توجد أنواع من الإعلام تخدم بذكاء ودهاء ألوانًا شتى من
الإلحاد والانحراف. والأجهزة الخادمة للشيوعية والصهيونية والصليبية، بلغت من
النجاح حدا كاد يقلب الحق باطلا..ويجعل النهار ليلا..

أما الإسلام..فإن الجهود الفردية التي بلغت رسالته من قديم لا تزال تواصل عملها
بكلال وقصور..وأكاد أوقن بأنه لولا عناية عُليا ما بقي للإسلام اسم ولا كتاب.

فإن أجهزة الدعاية الإسلامية وهم كبير..حتى بعد قيام جامعات كبرى على الاهتمام
بعلوم الدعوة وطرائق نشرها.

7 - أين عمل الحكومات الإسلامية


- معروف أن الدعوة إلى الله تعالى عبادة يقوم بها المسلم القادر..مرضاة لربه.
وابتغاء ما عنده..وقد نشط أفراد كثيرون لتبليغ الإسلام في أرجاء العالم. وشرح
صدور به كانت مغلقة.

والجهد الفردي مهما قارنه من إخلاص قليل الثمر..إنه يشبه نشاط التجّار الصغار
أمام الشركات الكبرى. أين عمل الحكومات الإسلامية؟..وأين ما وضعته من خطط لنشر
رسالة عالمية؟!

إن الفساد السياسي عندنا كان السرطان الذي أودى بحضارتنا ورسالتنا خلال قرون
مضت..إن بعض حكامنا كانوا القشرة العفنة في كياننا من زمن بعيد..!!

ولكي نعرف الفروق بين نشاط ونشاط. نلفت النظر إلى أن "الفاتيكان" استطاع
بأجهزته المنظمة أن يجعل عشرين دولة في أمريكا الجنوبية تتبع مذهبًا واحدًا،
وتنطق لغة واحدة..أما نحن ففي الشام وحده جمدنا نحلا داخل الكيان الإسلامي، أو
وفرنا لها النماء المستغرب..فبقيت الفرق الباطنية إلى جانب اليهودية
والنصرانية، بقيت داخل قطر إسلامي واحد ألف عام!!

أين أجهزة الدعوة..بل أين أجهزة التعليم العادي؟؟!

- وكان في الهند عشرات الملايين من المنبوذين..هل فكرت الحكومات الإسلامية في
اجتذاب هؤلاء إلى الإسلام وحركت العلماء لدرس أحوالهم وكسب جانبهم؟

إن ما كان على الدولة أن تقوم به نهض به أفراد احتسابًا..ولا ننكر نجاحهم في
توسيع دائرة الإسلام شرقًا وغربًا.

لكن الأفراد قد ينجحون في نشر الإسلام لسهولة تعاليمه ومواءمته للفطرة..بيد
أنهم يعجزون عن تعليم اللغة العربية، وتيسير قواعدها.

والعرب الآن سبع، أو ثمن مسلمي العالم الإسلامي.

وقد نشأ عن توقف العربية..وعجز اللهجات المحلية أن اهتبل أعداء الإسلام الفرصة
فقاموا بعملين مهمين عميقي الآثار.

الأول: نشر اللغات الأوربية، خصوصًا الإنجليزية والفرنسية..

الثاني: كتابة اللغات القومية بالحروف اللاتينية..ومعنى ذلك أن ما كتب باللغات
المحلية والحروف العربية عن الإسلام خلال ألف عام أمسى لا قيمة له.

انقطعت صلة الأجيال الجديدة به..وسهل الطريق أمام هؤلاء ليتصلوا بثقافات
أخرى..وديانات أخرى عن طريق اللغات العالمية التي تساندها الدول الاستعمارية!!.

8 - الدعوة علم و فن ورسالة و فهم


هذا جانب من عجزنا عن تبليغ دعوتنا..

أما علم الدعوة نفسه، وتكوين الدعاة الأكفاء لما يناط بهم..فالكلام فيه مرّ
المذاق..وربما كان في حديثنا المستأنف ما يشير إلى ما نقصد..

نظرت بعيدًا عن دار الإسلام، وراقبت زحام الفلسفات والملل التي تتنافس على
امتلاك زمام العالم..فوجدت الإعلاميين أو الدعاة يختارون من أوسع الناس فكرًا،
وأرقهم خلقًا، وأكثرهم حيلة في ملاقاة الخصوم، وتلقف الشبهات العارضة.

حتى البوذية –وهي دين وثني- رزقت رجالا على حظ خطير من الإيمان والحركة..لقد
طالعت صور الرهبان البوذيين الذين يحرقون أنفسهم في (فيتنام) ليلفتوا الأنظار
إلى ما يصيبهم من اضطهاد..وعرتني رجفة لجلادة الرجال والنساء الذين يفعلون
ذلك!.

فلما رجعت ببصري إلى ميدان الدعوة في أرض الإسلام غاص قلبي من الكآبة!.

كأنما يختار الدعاة وفق مواصفات تعكر صفو الإسلام وتطيح بحاضره ومستقبله..وما
أُنكر أن هناك رجالا في معادنهم نفاسة، وفي مسالكهم عقل ونبل..بيد أن ندرتهم لا
تحل أزمة الدعاة التي تشتد يومًا بعد يوم.

والغريب أن الجهود مبذولة لمطاردة الدعاة الصادقين من العلماء الأُصلاء،
والفقهاء الحكماء للقضاء عليهم، وترك المجال للبوم والغربان من الأُميين
والجهلة والسطحيين يتصدون للدعوة ويتحدثون باسم الإسلام.

وراء ذلك مخطط استعماري مدروس بدهاءٍ، تنفذه الحكومات المدنية بدقة، حتى لا
يبقى للإسلام لسان صدق، وحتى تبقى العقول المختلة هي التي تحتكر الحديث عن هذا
الدين المظلوم..! .

- ويوجد الآن شباب وشيوخ يعملون في ميدان الدعوة، أبرز ما يمتازون به
الجهل..بالنسب التي تكون معالم الدين. وتضبط شعب الإيمان..!

تصور تلميذًا يقال له: ارسم خريطة لجزيرة العرب..وضح مكان الحرمين بها..فإذا هو
يرسم الخريطة وليس بها إلا الربع الخالي..فإذا سألته: وأين مكان الحرمين؟ وضع
نقطًا بين تبوك والأردن! وتلميذًا يقال له: ارسم خريطة لنهر النيل..فإذا هو
يجعل فرعي الدلتا يبدآن من الخرطوم لا من القاهرة.

إن كلا التلميذين ساقط لا محالة في هذا الاختبار..فما الرأي إذا اختير كلاهما
مدرسًا للجغرافيا؟!

أعداد غفيرة من المتحدثين في الدعوة يشبهون هذا المدرس الجهول.

قضايا صغيرة تتضخم في رؤوسهم، وقضايا تستخفى وحماس في موضع البرود، وبرود في
موضع الحماس، وأحاديث ضعيفة أو منكرة تصحح، وصحيحة تضعف وترد.

كنا ضيوفًا عند أحد الناس. فسكب في يدي قطرات من ماء الكولونيا..فإذا أحد
الدعاة يصرخ: حرام! نجس!

فقلت له: دعني ورأيي، إن مالكًا –رضي الله عنه- يرى ريق الكلب وعرقه
طاهرين..ويراهما غيره نجسين. فلنتعاون فيما اتفقنا عليه..ويعذر بعضنا بعضًا
فيما اختلفنا فيه.

فقال: اليد التي بها (كولونيا) نجسة، وتحرم مصافحتها!

وعلمت أني أُحدث من لا يستحق المحادثة..علمت أني أمام امرئ مسعور!

ورأيت طالبًا في القاهرة يريد أ، يدخل كلية الطلب بجلباب وقلنسوة..وسألته: لم
هذا الشذوذ؟ قال: لا أتشبه بالكفار في ارتداء البدلة الفرنجية..قلت: التشبه
الممنوع يكمن في انحلال الشخصية، وإعلان التبعية النفسية والفكرية لغيرنا، ولقد
لبس الرسول (صلى الله عليه وسلم) جبّة رومية كانت ضيقة الأكمام..فلما أراد
الوضوء أخرج ذراعيه أسفل..ولكن الطالب الأحمق أبى وترك الدراسة الجامعية.

9 - نماذج من سوء الفهم


- وكنا يومًا في حفل جامع وكنت أُلقي محاضرات "ذات بال" في موضوع خطير..ورأى
أحد الصحافيين التقاط صورة للجمع الحاشد..ولكن الداعية نهض يمنع التصوير..فلما
أصرّ الصحافي على المضي في عمله اتجه الداعي إلى الآلة ليكسرها.

وجاءني الواعظ الغيور يسألني: لماذا لم تمنع التصوير؟ قلت: لأني أراه مباحًا.

قال: ألم يقل الرسول (صلى الله عليه وسلم): "إن أشد الناس عذابًا المصورون؟".

قلت: إنه يعني صانعي التماثيل للعبادة..ولا يتصور أن يكون هذا الصحافي أشد
عذابًا من الزناة والقتلة والمرابين والظَّلَمَة..

قال: الحديث عام فلماذا تخصصه؟ قلت: خصصه الواقع الذي لا يمكن
تجاهله..فالوثنيون كانوا يعبدون أصنامًا مجسمة ولم يعبدوا صورًا شمسية..وعندما
تكون الصورة الشمسية لصنم أو لصليب أو لمعنى ديني مرفوض فسنحرّمها.

أما التقاط الصوت في شريط مسجل، أو التقاط الظل والملامح على ورقة لأغراض علمية
أو اجتماعية فلا علاقة له بالوثنية، ولا يحكم عليه بتحريم..بل هو كما نبّه مسلم
في صحيحه ليس (إلا رقمًا في ثوب)..

قال: هذا الكلام مردود، ومحاضرتك عن الوحدة الإسلامية، وعن التناحر بين
المسلمين لا تقبل. ما دامت مقرونة بإقرار التصوير!

وشعرت بالضيق..كم كظمت غيظي ورفضت مواصلة النقاش.

- وأحيا آخرون السنة النبوية بالأكل على الأرض، واستخدام الأيدي، رافضين الأكل
على الموائد، واستعمال الشوك والملاعق.

قلت: مَنْ قال: إن الأكل على المائدة، أو استخدام الملاعق مخالف للسنة؟

إن فهم هؤلاء الناس للدين غريب، وإثارة هذه القضايا دون غيرها من أساسيات
الإسلام مرض عقلي..إنه ضرب من الخبال.

إن المؤامرات تستحكم يومًا بعد يوم لاغتيال الإسلام أو الإجهاز عليه جهرة..فكيف
يشتغل قوم بهذه السنن فقط ثم يتساهلون في الواجبات وعظائم الأمور؟!!

جاءني أحدهم يسألني بأدب: أنت فلان؟ قلت: نعم قال: قرأت رسالة وزِّعت علينا
تصفك بأنك تهاجم السنة! وأنك مع الشيخ "أبى رية" في تكذيب الأحاديث! قلت في
سكون: وقعت هذه الرسالة في يدي..!

قال: ما رأيك في هذه التهم؟ قلت: ما رأيك؟ هل قرأت لي كتبًا؟ قال: نعم، قرأت
كتابك "خلق المسلم". قلت: في هذا الكتاب وحده أكثر من ألف حديث عن النبي (صلى
الله عليه وسلم)، وفي فقه السيرة وكتابي آخرين نحو ألفي حديث.

فإذا أثبت رجل في عُشر مؤلفاته نحو ثلاثة آلاف حديث، فكيف يتهم بتكذيب السنة؟!.

- قال: إنك رددت حديثًا صحيحًا رواه البخاري ومسلم. وهو أن الرسول (صلى الله
عليه وسلم) أغار على بني المصطلق وهم غارون! قلت على عجل: لقد رددت الفهم القذر
الذي استقر في ذهن بعض الناس لما قرأ هذاالحديث..

إننا نحمي السنة من أفهام الأراذل.

قال: وحديث آخر من الصحاح رددته..وهو حديث "أنه ما من يوم يجيء إلا والذي بعده
شر منه" قلت: بل رده حديث آخر: "أمتي كالغيث لا يُدرى أوله خير أم أخره" وحديث
حذيفة الذي رواه مسلم وجاء فيه: "أن بعدا لخير شرا وبعد الشر خيرًا".

ومن جملة الأحاديث الواردة في القضية يُفهم أن تاريخ الإسلام بين مد وجزر،
وغربة وإيناس، ونصر وهزيمة..

أما القول بأن الإسلام يسير كل يوم إلى الهاوية، وأن مستقبله مشئوم..فقول
مكذوب.

قال: هذا ظاهر الحديث.

قلت: هذا ظاهر فهمكم أنتم لحديث لم تبلغ عقولكم غوره..!

بم سينزل عيسى بن مريم؟ وحديث نزوله صحيح؟ أليس نزوله لمقاتلة الصليبيين ونصرة
التوحيد، وذبح الخنزير، ووضع الجزية..ألستم تقرءون هذا..فأين الهاوية التي
ينتهي إليها الإسلام حتمًا.

هل السلفية التي تزعمونها هي اتهام رجل بتكذيب السنة لأنه أوّل حديثًا يشعر
ظاهره بسوء مستقبل الإسلام.

أي تديّن هذا الذي تزعمونه. وأي دعوة هذه التي تنشرون؟!..الحق أن هناك أُناسًا
يشتغلون بالدعوة الإسلامية وفي قلوبهم غل على العباد، ورغبة في تكفيرهم أو
إشاعة السوء عنهم..غل لا يكون إلا في قلوب الجبابرة والسفاحين وإن زعموا
بألسنتهم أنهم أصحاب دين..

إن فقههم معلوم. وتعلقهم إنما هو بالقشور والسطحيات.

10 - تطاول بغير علم


إن الاكتراث البالغ بالشكل يتم عادة على حساب الموضوع، كما أن الاهتمام الشديد
بالنوافل يكون على حساب الأركان..وأذكر أني دخلت المسجد النبوي عقب أذان المغرب
وجلست في انتظار الصلاة التي قدرت أنها ستقام توا..فإذا شخص يقول لي بكبرياء:
لماذا لم تصل النافلة؟ فقلت له: هما ركعتان لمن شاء! لا إلزام هنالك! قال: أعني
تحية المسجد..قلت: لا إلزام كذلك..

وما هي إلا لحظات حتى أُقيمت الصلاة وتهيأ للفريضة وقال لي مراقب الحوار: أيمكن
أن يكون قبل المغرب أربع ركعات؟ فقلت له: لا..وهذا امرؤ يريد الاستطالة عليَّ
بغير علم، ولو أنه صرف نشاطه في تعليم اللغة العربية لرجل أعجمي لكان ذلك أرجى
لله عند الله من النوافل التي يريد توبيخنا على تركها.



إن هناك مشتغلين بالعلم الديني، قاربوا مرحلة الشيخوخة ألفوا كتبًا في الفروع،
وأثاروا معارك طاحنة في هذه الميادين..ومع ذلك فإن أحدًا منهم لم يخط حرفًا ضد
الصليبية، أو الصهيونية، أو الشيوعية.

إن وطأتهم شديدة على الأخطاء بين أُمتهم، وبلادتهم أشد تجاه الأعداء الذين
يبغون استباحة بيضتهم.

بأي فكر يحيا أولئك؟!

تصور شخصًا ذهب إلى خيّاط ليصنع له جلبابًا، فهو يقول له: أُريد الكم مضاعف
الأساور، واصنع في كل طرف عروة مكشوفة لتظهر الأزرار منها! لكن بلغني أن الصيحة
الأخيرة في دنيا الأزياء مضاعفة العرا وتغطيتها، اصنع لي عروتين في كل كم وغطها
بحيث تخفى من تحتها الأزرار!! وإذا كان لدين (كبّاسين) بدل الأزرار ربما كان
ذلك أفضل، وقد رأيت البعض يصنع ثلاث عرا لوضع ثلاثة أزرار..ماذا ترى؟ أيكون ذلك
خيرًا أم..إلخ.

هل الدماغ المشغول بهذه القضايا يصلح لشيء طائل في الحياة..أهذا رجل يتماسك في
تفكيره أمر ذو بال؟

إن أعدادًا كبيرة من المتدينين تائهون في هذه الموضوعات، وقد استقلت الباكستان
من ثلث قرن. ولكن الخلاف بين الأحناف وأهل الحديث، وبين التبليغيين ورجال
الجماعة الإسلامية، وبين فرق أخرى نسيت أسماءها..هذا الخلاف جعل الهند الوثنية
تظفر وتستقر وتفجر الذرة.

11- الإشتغال بالجزئيات على حساب الكليات


أما الدولة المسلمة فهي منتكثة الشمل داخل فنون من النزاع الطائش قصم ظهرها
وهدد وجودها!!

إن هذا الدوخان في دوّامة الرسوم والمظاهر، أو في دائرة هيئات العبادة وأقدارها
نشأ عنه أمران خطيران..كلاهما يهو بالأمم من حالق، ويذهب بريحها.

الأول: ضعف الخلق..فقد ترى الرجل دقيقًا في التزام المندوبات الخفيفة..فإذا كان
تاجرًا احتكر السلع دون مبالاة، وإذا كان موظفًا تبلدت مشاعره في قضاء مصالح
الجمهور، وإذا كان رئيسًا وجدته سيء الملكة، قاسي القلب، مشكوف الهوى.

وقد ترى العابد من هؤلاء يضع يديه على صدره وهو قائم للصلاة ثم يعيد وضعهما بعد
الرفع من الركوع، ويثير زوبعة على ضرورة ذلك..فإذا كلفته بعمل ترقى به الأمة
اختفى من الساحة!!.

وكم تفتقر أمتنا داخل البيوت، وأوساط الشوارع، وفي الدكاكين والدواوين، وفي
الأسواق والمعاهد، وفي كل مكان، إلى الأخلاق الضابطة الصارمة كي تؤدي رسالتها
الجليلة على نحو جدير الاحترام..ولكن الاكتراث بالمراسم غض من هذه الأخلاق.

أما الأمر الثاني: فهو العجز العجيب عن فقه الدنيا..والاقتدار على تسخيرها
لخدمة الدين..إن الدين الحق تقوى تعمر القلوب، من العبادات، لا يستغرب تعلمها
زمانًا.

ثم مهارة في شئون الحياة تتحول مع صدق النية إلى وسائل لدعم الحق وسيادته.

إن تعلم الصلاة –وهي الركن الأول في الإسلام- لا يستغرق دقائق معدودات..

ولكن التدريب على اقتياد دبابة أو طائرة أو غواصة يحتاج إلى زمان طويل..فبأي
فكر يطلع علينا القرن الخامس عشر وجمهورنا جاهل في فنون الجهاد، وبارع في
الحديث حول تحية المسجد، ووضع اليدين في الصلاة؟ مستغرق في قضايا جزئية.

إن هناك علماء –هم في حقيقتهم عوام- لا شغل لهم إلا هذه الثرثرات والتقعّرات،
وقد أضاعوا أمتهم، وخلفوا أجيالا من بعدهم لا هي في دنيا ولا هي في دين!! .

***************