Advertisement

1 موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين

موقف العقل والعلم والعالم
الجزء الأول

الفهرس
فهرس بداية من صفحة 503
الاشارة الى بعض المباحث المهمة التى ينطوى عليها هذا الجزء من الكتاب
الى روح والدى 1 أساتذتى 1 الى قراء كتابى 3 مسألة العلم بين الدين و الدنيا 3 أضعنا الدنيا و أضعنا الفرصة 5 فتنة اليهود على المسلمين و فتنتهم على النصارى 6 من الحكمة القيمة قول عمر بن عبد العزيز 9 ربما يشق على المسلمين التسليم بضياع الدنيا 9 يمكننا أن نستفيد القوة من ديننا الذى هو أقوى الأديان 10 تصادم الدين مع العقا – كما فى المسيحية – يؤدى الى ضعفهما معا 10 فصل الدين عن السياسة 11 ما يقال من أن الانجليز مخلصون فى صداقة من يتصادقون معهم شعبا لا حكومة 11
يجب أن تكون خطة المسلم الجديد ترك التقليد للغرب اللادينى و الغرب المسيحى, الذى كان قبل نشر هذا الكتاب خطة المسلم الجديد 13 الاستقلال فى العقيدة الدينية يتقدم على الاستقلال السياسى للأمم الاسلامية 13
المسلمون فى زماننا كثيرا ما يتلاومون فيما بينهم بالتقصير فى العمل مع أن تقصيرهم فى العقيدة التى لا تقبل التقصير أصلا أشد 14 دار الاسلام فى عرف علمائنا 14
الخارجون عن الجمود فى الاسلام طلبا للسهولة و المصلحة و المحاولون رد النبوة الى العبقرية 15 الاسلام جنسية تكفل للمتجنسين به تضامنا أصدق و أنزه و أسمى مما فى شركة الشيوعية الجديدة و الماسونية القديمة 16
مما يدل على عظم خطورة الناحية الاعتقادية فى الاسلام 16 الديموقراطية الاسلامية
بداية الصفحة 504
التى هى وضع الهى لابد أن تفوق الديموقراطية الموضوعة بأيدى رجال سياسيين 17 أصدق ناحية القول عن البلشفية التى ينساق اليها الفقراء و أصحاب القلوب المتألمة بآلامهم 17
كيف يكون الروس البلاشفة أقوى الأمم الحاضرة و لا نكون نحن المسلمين أقوى منهم؟ 18 من أدلة كون الروس السوفييت لا يتفق ظاهرهم مع باطنهم وقوفهم فى مسألة فلسطين بجانب اليهود 18 _ 19
دعوة علماء الدين الى أن يكونوا رسل الديموقراطية الاسلامية بالسعى لتعديل ما بين طبقات الناس من الفروق الشاسعة التى يمكن أن يعد بقاؤها تهمة على الاسلام 20 _ 21
تلخيص ما بعثنى على تأليف هذا الكتاب من الأسباب مما رأيته فى مصر التى آوتنى بعد مغادرة بلادى فأصبحت بدلا منها، يعنينى ما يعنيها من خير أو شر 22
دولة الترك المسلمة التى دفاعها بسيفها عن حياض الاسلام يستغرق الثلثين من تاريخه، كان آخر سلاح حاربتها به الدول الوارثة لضغائن تلك القرون الطويلة، نشر الالحاد بين أبناء البلاد الاسلامية و نشر المبادئ القومية بين العناصر المندرجة تحت لواء هذه الدولة 22
و كنت لما كنت فى بلادى كافحت ذينك السلاحين على طول فترة انتقال الحكم فيها الى أيدى الملاحدة .. و كان ظنى عند مغادرة تركيا مهاجرا الى بلاد العرب أنى أستريح من مجاهدة الملاحدة 23
نائب سلانيك قره صو اليهودى يتولى تبليغ السلطان عبد الحميد قرار خلعه ضمن بعثة اختارها البرلمان العثمانى لهذه المهمة 22 _ 23
مؤلف كتاب باسم " محمد عبده " يضع فى غلاف الكتاب لوحة تصور ايفل الباريسية مع مآذن الجامع الأزهر تقتبس رؤوس الثانية ضياء من الأولى 23
قول الأستاذ فرح أنطون عند مناقشة الشيخ محمد عبده و قول الأستاذ فريد وجدى
بداية الصفحة 505
عند مناقشة الشيخ التفتازانى و قوله عند مناقشتى 24 نوابغ البلاد الاسلامية من الكتاب و الشعراء يستبطنون الالحاد على قول الأستاذ فريد وجدى 24
ان الدين بمصر لفى حالة عجيبة، فمعجزات الأنبياء الخارقة غير معترف بها عند المبرزين من علماء الدين مثل الشيخ محمد عبده و الشيخ رشيد رضا صاحب المنار و الأستاذ الأكبر المراغى 25
قول الدكتور نوفيق الطويل فى كتابه " التنبؤ بالغيب عند مفكرى الاسلام " : " ان ابن خلدون يخالف الاتجاه الحديث الذى ينكر المعجزات و خوارق العادات من غير تأويلها بما يبدو متفقة مع منطق العقل و سنة الكون" 25
نبوات النبياء تنهار بانهيار المعجزات .. و عدم الاعتراف بوجود الله له علامات أبرزها تصريح الأستاذ فريد وجدى بأن جميع الأديان قذف بها العلم الحديث الذى دالت اليه الدولة فى الأرض، الى عالم الأساطير 25 _ 26 و حسبك ما ينادى به الأستاذ المتولى رئاسة تحرير مجلة الأزهر من أن العلم لا يعتد بمعقول لا يؤيده محسوس .. و قوله فى مقالة افتتاحية لمجلة "الرسالة" : " ان الدين ان كان يعيش الآن فانما يعيش فى قلوب السذج من العامة" 26
عقلية انكار المعجزات غير معجزة القرآن على أن يكون اعجازه أيضا غير مفهوم منذ أزمنة طويلة خلت كما صرح به الأستاذ الأكبر المراغى 27 و معنى اعجازه على قول هيكل باشا .. و على قول الأستاذ فريد وجدى بك 27 _ 29
فالدين بكلا ركنيه الأساسيين مقذوف به بيد العلم الى عالم الأساطير 30 قول الأستاذ الأكبر المراغى عند توديع بعثة الأزهر فى محطة مصر : ان العقول تنظر الى الأديان نظرها الى شئ تاريخي خال من الحياة 31
قول الأستاذ أحمد أمين بك فى مجلة الثقافة ان علماء التوحيد لم ينجحوا فى مهمتهم
بداية الصفحة 506
و قول الأستاذ الأكبر المراغى ليس علم الفقه علم الدين و تصديق مفتى الديار المصرية سابقا لقول على علوبة باشا رئيس لجنة التقريب بين المذاهب : " ان مذاهب الأئمة المجتهدين مبنية على السياسة .. و تفسير الأستاذ فريد وجدى الايمان بالغيب بالايمان بغير الواقع 31 _ 32
مقالة كاتب مصرى مرسلة من باريس الى لجنة المباراة الصحفية بالقاهرة تنحى باللائمة على علماء أصول الدين القائلين بأن العالم يسير على نظام وضعه الله ، فيكسب الجائزة الأولى 33
شغل الفلسفة الوضعية الالحادية مكانا هاما فى قلوب كتاب كبار مع فكرة فصل الدين عن السياسة اكتفاء بدين الأمة و استغناء به عن دين الحكومة 33
منشأ الحركات الساعية لتهيئة الأذهان الى الالحاد 34 الكتاب يبدد هذه الشبه و يجدد كل ما طرأ عليه الخراب فى الشرق الاسلامى من نواحى الايمان الدينى 35 ما تتضمنه ذكريات قاسم أمين صاحب الحملة على حجاب النساء من المفاسد و المهازل 35
التعريف بمنهج الكتاب فى نقد الأقوال 37 عيوب نقد القول بالنقل عن نصه فى اقتضاب و غير كفاية 37 حملة مدرس الفلسفة بجامعة فاروق على تعريفى للغيب و تعريف الأستاذ فريد وجدى و جوابها 37 _ 41
من الناس من يتخذ من المناصب الحكومية طبقات فى العلم يوشك من ارتقاها أن لا يصعد اليه صوت ناقد 41 مقالة الأستاذ الأكبر المراغى المرجحة لقراء القرآن من الأعاجم أن يقرأوها فى الصلاة من تراجمه على لغاتهم و تجاهله عند نشر المقالة بعينها مرة ثانية بعد سنين عما لفت اليه فى كتابى " مسألة ترجمة القرآن " من الأخطاء التى تشتمل عليها تلك المقالة 42
مسألة التصريح بأسماء الذين ناقشتهم فى الكتاب، و قد أشار الى بعض الأصدقاء
بداية الصفحة 507
بالكف عن ذكر الأسماء فى المعاصرين، تحتاج الى شئ من الايضاح و التمهيد 42 _ 46 و ليس من حق القارئ المنصف أن يتوقع منى عند نقل الأقوال وضع توطئة لعملية النقد تتضمن مدح أصحاب تلك الأقوال و اكبارهم 44
و أمر ثان و هو أن البعض الآخر ممن قرأت عليهم من أصدقائى بعض أبحاث الكتاب وجد فى أسلوب نقاشه شيئا من الشدة و القسوة .. و جوابى عليه 46 و ما قسوت فى القول الا على الذين قست قلوبهم على أساس من أسس الدين أو علم من علومه أو طائفة من علمائه، و ما فرطت فى جنوب من ناقشتهم و فيهم المفرطون فى جنب الله و المستهينون بالعقل و المنطق 46
القول بأن المعجزات من غير تأويل لا تتفق مع منطق العقل فتخرق العقل و العادة معا، ناشئ من عدم التمييز بين خارق العادة الممكن و بين خارق العقل المستحيل 48
نقول عن " القول الفصل " منبهة على الفرق بينهما أغمض عنها الدكتور الطويل .. و لو كان الدكتور و غيره ممن يصرون على انكار المعجزات و اعتبارها شبهة لا حجة مثل صاحب المنار، مصارحين بأنهم لا يأبهون بنصوص القرآن التى أحصيتها فى القول الفصل، لكونهم غير مخلصين أيضا فى الايمان بحجية القرآن _ لهان الأمر و انتهى الكلام
موقفى فى الكتاب ليس موقف الواعظ ، و لو كان كذلك لكان الرفق و اللين أوقع فى النفوس و أنجع ، و كان للوعظ أهل غيرى من أهل اللسان العربى 51 _ 52
و قد يخطر ببال بعض القراء أن كثيرا من المناقشات التى عنيت بها كان المحل الأولى به الصحف و المجلات 51 و لقد رأيت كثيرا من كبريات الصحف و المجلات الواسعة الانتشار ، واقعة تحت سيطرة كتاب متآزرين فى السعى لاضعاف نفوذ الدين
بداية الصفحة 508
فى المجتمع متلاعبين بأحكامه و قواعده ، و لهذا لا تتسع صدور تلك الصحف و المجلات لمقالات الذود عن الدين 52 _ 56
مقالتى التى أبت الرسالة نشرها فى الرد على ما انتشر فيها من مقالة الأستاذ فريد وجدى بك " الدين فى معترك الشكوك " 57 _ 70 المنطق الذى يستهين به من يستهين من المصريين كالأستاذ رئيس تحرير مجلة الأزهر و معالى هيكل باشا معلنين استهانتهم بأن يسموه المنطق الصورى أو التجريدى ، و هو المنطق العظيم الذى يجد القارئ أمثلة و نماذج هامة من عظمته و براعته فى أماكن مختلفة من كتابنا هذا 69
ان لهذا الكاتب المعروض على نظر القارئ قصة تستحق الذكر 71 قول الأستاذ محمد عبد الله عنان : " و اذا كان الاسلام لم يعتز قط بتركيا يوم كانت دولة قوية شامخة ، فكيف يحاول اليوم أن يعتز بهذه البقية الضئيلة من تركيا القديمة " و الرد عليه بشهادات شهود من أهل الأستاذ و غيرهم 72 _ 90
انظر قول المرحوم محمد فريد بك زعيم الحزب الوطنى المصرى و خليفة مصطفى كامل باشا : " و قد مضى على الشرق أجيال طوال رأى أهلوه من أهوال الأحوال ما تندك به الجبال فانفرط عقد بنيه و تشاغل كل بنفسه عن أخيه و ذويه ، فأغار الدهر بخيله و رجله على الشرق و دوله فتناسوا ما كان لهم من فخامة الاقتدار و استكانوا الى المذلة و الهوان صاغرين و قد أوشكوا أن يقضى عليهم الدمار و يكونوا عبرة لأولى الأبصار .. لكن العناية الصمدانية تداركتهم فأضاءت العالم الاسلامى بظهور النور العثمانى و أمده بالنصر اللدنى و العون الربانى فقامت الدولة العلية بحياطة الدين و حماية الشرقيين 74 _ 75
كان الحاكم فوق الحكومة فى الدولة العثمانية هو الاسلام .. فان كنت فى ريب من هذا فانظر قول (ا د . آنكلهارد) من سفراء فرنسا بتركيا فى مقدمة كتابه عن
بداية الصفحة 509
تاريخ اصلاحات الدولة العثمانية : " ان الاسلام الذى قد كان مؤسس الحكومة فى الدولة العثمانية بقى حاكما مطلقا فوق الحكومة ناظما " 81
و قال الأستاذ فرح أنطون صاحب مجلة " الجامعة " الذى ناقشه الشيخ محمد عبده و تحامل فى نقاشه على المسلمين من غير العرب : " ان الأتراك قد حفظوا حياة الاسلام بقوة السيف " و قال أيضا ان ميراث العرب لولا الدولة العثمانية لم يبلغ هذا المقام ، بل ربما لم يثبت بعد أصحابه بضعة أعوام 77
كان صلة الأتراك بالاسلام رغم الأتاذ عنان الى حد أن لفظ الترك ظل يستعمل أجيالا طويلة على لسان الغربيين كمرادف المسلمين .. صرح به المرحوم على الزينى بك عميد كلية التجارة بجامعة مصر فى كتابه أصول القانون التجارى 79
و انظر الى قول الأستاذ عنان أيضا ان مصر الاسلامية لم تعرف رغم ما توالى عليها فى عصور الاضطراب و الفتنة من الخطوب و المحن نكبة أعظم من الفتح العثمانى و لم تعرف حكما أقسى و أمر من حكم الدولة العثمانية الذاهبة 83
ثم اقرأقول عبد الرحمن عزام باشا أمين الجامعة العربية : " لما وصل العثمانيون الى شرق أوروبا و كلها سجون أبدية يتوالد فيها الفلاحون للعبودية ، فكسروا أغلال السجون و أقاموا مقامها صرح الحرية الفردية و تعلمت أوروبا الشرقية على يد محرريها سيادة القانون على الأحساب و الأنساب و لم يكن فوز آل عثمان مستمدة من سيف و شجاعة ، بل ما هو أعظم منهما : احترام الحق و الخضوع لسلطان القانون و الشرع 86
و قول صديقى المرحوم شكيب أرسلان فى " حاضر العالم الاسلامى " : احترام المعاهدات و العمل بموجب الكلمة المعطاة الذى يدور تاريخ العثمانيين كله ناشئ من كونهم مسلمين حقيقيين 88 و قوله فى ديوانه يخاطب الأتراك العثمانيين 87 :
بداية الصفحة 510
أحبكم حب من يدرى مواقفكم فى خدمة الدين و الاسلام من حقب
و كل غر يمارى فى فضائلكم لا يعرف الحشف البالى من الرطب
مجدى بعثمان حامى ملتى و أنا لم أنس قحطان أصلى فى الورى و أبى
و آخر رد على الأستاذ عنان تولاه كتاب " تاريخ أوروبا الحديثة " تأليف رتشارد لوج و تعريب محمد عبد الله عنان ، حيث قال : " و سر نجاح الترك يرجع الى استبسالهم فى تضحية نفوسهم و هى عاطفة الجهاد التى غرسها الاسلام فى قلوبهم ، و كذا يرجع بالأخص الى حسن ادارتهم الدينية و الحربية 90
دامت عزة الاسلام الى أن أخذ يطرأ الضعف على صمصام الدولة العثمانية ، فعند ذلك بدأ الاسلام يضعف يوما بعد يوم و يسير جنبا لجنبمع ضعف شوكتها 90 تجريد الاسلام من قوة السيف _ كما يسعى اليهكثير من حملة العلم و القلم بمصر _ يصير كتجريد الاسلام من غزوة بدر الكبرى 90
و من غريب المصادفات الهامة أن اكتشاف الآلات الجديدة الحربية الذى كان مبدأ قوة الدول الغربية و ضعف دولة الاسلام المجاهدة فى سبيله ، لا يختلف زمانهما عن زمان رواج العلم الحديث فى الغرب ، ذلك العلم الذى يدور مع الحس و التجربة و لا يعتد بحجة العقل ، على الرغم من أنها كانت مستند أساس الدين طيلة قرون الاسلام التى راج علم الكلام فيها و احتفظ برواجه مدة احتفاظ الأمم الاسلامية برواج الدين فيما بينهم 90 _ 91
و زادت فى اضعاف المسلمين و اضعاف الرابطة الدينية فيما بينهم بل و فى ضعف الاسلام فى قلوبهم ، بقدر ما أضعف السلاح الحديث و العلم الحديث من كل ذلك _ فتنة النزعات القومية الداخلة فيما بين الأمم الاسلامية تقليدا منهم لأمم الغرب و اغراء من تلك الأمم بينهم بواسطة تلك النزعات .. فقد قرأت كتاب "حاضر العالم الاسلامى"
من ترجمته العربية ,فأحسست منه أن مؤلفه الأمريكي كتبه لتنفير المسلمين العرب من المسلمين الترك , و قد ادخل الانجليز في برامج المدارس المصرية , الداعية ضد عهد الدولة العثمانية بمصر 91
المسلمون اليوم أقوام مختلفة أكثر من أنهم مسلمون, فلا يمنع إسلام قوم أن يناوئهم و يتجرا عليهم مسلمون من قوم آخر... فهذا محمد عبد الله عنان العربي الذي ينكر إفادة الإسلام من تركيا يوم كانت دولة شامخة و يرميها بأشد أنواع الهمجية و التخريب 91 .
و يقوم شيخ عربي نحدى قصيمى فينكر إفادة الدنيا من المسلمين أجمعين في جميع القرون و يرميهم بما رمى الأستاذ عنان به الترك , حتى قال الأستاذ سيد قطب : " و ليس المسلمون هم الأتراك فأجد عذرا و لكنهم أصحاب محمد بن عبد الله و عمر بن الخطاب ... بل القران هو الذي أباح التخريب و التمثيل 91
و يقوم شاعر عربي فيقول: 91
أليس قريشكم قتلت حسينا و قام على خلافتكم يزيد
ا صبحت لغة العرب بفضل القران و اعتناء علماء الإسلام بشأنها من كل امة, بذلك الفضل, و قد و ضعوا علم النحو الذي لا مثيل له في أي لغة الدنيا _أصبح جميع اللغات و أفضلها 92 و في الأيام الأخيرة أخذت نغمة جنونية تسمع في مصر من الكتاب المستصعبين لعلم النحو العربي , داعية إلى إلغاء هذا العلم أو تعديله على وفق أهواء الجاهلين بالنحو 92
و من عجائب مصر المضحكات المبكيات أن واحدا من أكابر أعضاء المجمع اللغوي اقترح استبدال الحروف اللاتينية , بوضع حروف جديدة تضحك
الثكلى ,نصفها لاتيني و نصفها عربي فافسد الحروف العربية و اللاتينية مما 93
قتلة سيدنا حسين من المسلمين العرب و فيهم عمرو بن سعد بن أبي وقاص من العشرة المبشرين بالجنة ...رضي قتله ووضع جسده من البطن و الظهر تخت أقدام الخيل , في مساومة بينه و بين عبيد الله بن زياد ابن أبيه والى الكوفة يوليه قيادة جيش القتلة و بعده أمارة رقة فيقبله الرجل لابقضا لحسين و لكن حبا للمنصب 93
و الجواب على الشيخ القصيمي الطاعن في المسلمين و كتابهم أن الآية نزلت في رهط من اليهود نقضوا العهد و كان رسول الله صالحهم على أن لا يكونوا له و لا عليه...
وقد سبق في تركيا و أنا لم أغادر البلاد أن كتب الدكتور عبد الله جودت صاحب جريدة الاجتهاد المعروف بنزمته اللادينية مقالة عاب فيها على النبي صلى الله جودت صاحب جريدة الاجتهاد المعروف بنزمته اللادينية مقالة عاب فيها على النبي صلى الله عليه و سلام ما فعله بيهود قرطبة ... و كتبت أنا مقالة الرد عليه أنهم نقضوا العهد في أحرج وقت على المسلمين وانضموا إلى أعدائهم ....و نالت مقالتي شكرا من السلطان المغفور له وحيد الدين95_ 98
ما وقع فيه معالي مؤلف )) حياة محمد(( من خطا التوجيه لانهاء حرب الأحزاب بسلام المسلمين 96_ 97
استمر تقهقر الدولة التي تولت الجهاد في سبيل الإسلام من استمرار تألب أعدائه عليها و استمر معه تقهقر مكان العلم القديم الذي تولى قرونا طويلة الحاجة لانتصار عقائد الإسلام, أمام العلم الحديث المبني على الحس و التجربة... استمر تقهقر المسلمين من الناحيتين , حتى انه لما ختمت الدولة العثمانية أنفاسها و انسلخت الدولة المحتلة مكانها من صبغتها الإسلامية ,استتبع هذا الانقلاب الخاص بتركيا انقلابات كثيرة في البلاد الإسلامية الأخرى أيضا 97 _98
و مما زاد في طين الضلال بلة أحصار لقب العلم عند المتعلمين العصريين في العلم
الحديث الذي يتمرد على الأديان فيقذف بها جميعا إلى عالم الأساطير أو على الأقل لا يثبتها و لا ينفيها .... فهم لا يرضون بغيره من العلوم الدينية المعروف عندنا علما ....وعلى هذا يكون الإسلام خارجا عن ساحة العلم كالنصرانية و قد ادعاه الأستاذ فرح انطون عند مناقشته الشيخ محمد عبده 99
وهناك مسالة أخرى وهي أن هذا الشيخ الذائع الصيت يكافح الأستاذ الذي ضرب أساس الأديان بمعول التشكيك ...ثم نراه و من تتلمذوا عليه ينكرون معجزات الأنبياء و يسعون لتأويلها ,مع أن إنكار المعجزات ليس إلا رمزا لإنكار النبوات و أن أساس الدافع إلى هذه الإنكارات هو العلم الحديث الذي لا يقبل الخوارق99
إن مصر في حاجة إلى نصر دينيها الذي يوشك أن يتغلب عليه الإلحاد القوة دعاته وانقسام العلماء المكلفين بحراسة الدين على أنفسهم 100فهل لي أن أكون القائم بهذه المهمة على الرغم من شتات شملي و ضعف صحتي ?. هل لي أن أجد بين مفارقة الشباب و مفارقة البلاد و الأحباب ما يعوضني عن كل ذلك بما هو اعز من الكل وهو خدمة الإسلام? 100
على أن بي ضعفا آخر كدت أنساه وهو ضعف اللغة مع ما كان في طبيعتي من شدة الحرص على التعمق في بحث المسائل , فكيف يكون لى الجمع و التأليف بين ضعف اللغة و التعمق في معضلات الأبحاث? .أضف إلى ذلك أن القارئ المصري ينجذب في الغالب إلى قوة اللغة و جمال الأسلوب.لكني ارجوا الله تعالى أن يجعل ضعفي في اللغة و مايؤدى إليه من معاناة الصعوبة عند الكتابة, ثقلة للكتاب في ميزاني يوم عرض الأعمال, لاثقلة على أن لا يخيب سائله101_102
انتهينا من قصة الكتاب, وقد فهم منها سبب تأليفه إجمالا...لكنها لا نكتفي بذلك 102 أصحاب الشكاية عن جمود الدين غير مخلصين في نواياهم ..يبتغون الهدم لا التيسير 103
) 33- موقف العقل -أول(
معالي هيكل باشا مستيئس من إحياء الفكرة الدينية في قلوب الناس مبتدئا من إثبات و جود الله على الطريقة العلمية 105 مؤلف حياة محمد التجأ إلى سيرة نبينا ودل الناس عليها لعلهم يجدون فيها ما لا يجدون في العلم والعقل من طريقة الوصول إلى الدين وواضعه جل شانه 106 و قد يلاحظ في أسلوب معاليه بعض الشبه بإيمان المسلمين في عصر النبي 107
معالي المؤلف معلوم العقلية بداء إنكار المعجزات غير معجزة القران 108 قوله لم يذكر التاريخ أن المعجزات حملت أحدا على أن يؤمن..وجوابه 109-111 وانظر قول الإمام الرازي إن النبوة تنطوى على ثلاث معجزات و لا تكون النبوة بدونها نبوة111
يجب على من يريد إثبات الدين أن يتشجع ويبدأ الأمر من إثبات وجود الله إن لم يكن بالعلم الحديث فبالعلم القديم 112 أمامنا ثلاث مسائل...إثبات و جود الله ووجود منصب النبوة ووجود معجزة النبي 113 كتاب الأستاذ العقاد الحديث) الله ( 113
إثبات وجود الله أهم و أقدم من إثبات وجود رسل الله, ودليل و وجوده أقوى و اظهر من دليل و جودهم.وأنت تجد الكثرة الساحقة من الفلاسفة مؤمنين بالله و القليل منهم مؤمنين بالأنبياء 114 و المذهب السائد اليوم في الأوساط المثقفة هو الاعتراف بوجود الله دون وجود الانبياء116
أستاذ مجلة الأزهر يحاول إثبات وجود النبوة بوجود العبقريات117 -118 هذا الأستاذ له في مراحل خضوعه للعلم, كلام يحاول ترويجه في سوق المساومة على نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ..مسالة وجود الأثير 119 –120
استهانة الأستاذ بالأدلة العقلية المنطقية 121 و إذا كان داء المرء في عقله و منطقه فلا دواء له 124 مؤلف )) حياة محمد(( وضع جميع كتب السيرة و الحديث تحت شبهة
الكذب لئلا يصدق الروايات الوردات فيها عن المعجزات نبينا الكونية 125
الدكتور شبلي شميل معرب كتاب بوخنر في شرح مذهب داروين, يسمى الإيمان بالدين إيمانا بالمعجزة المستحيلة.ومن أخطاء الرجل الرجل الفاضحة انه يرى في الإلحاد سعادة الدنيا 126
النقاش بين الشيخ محمد عبده والأستاذ فرح أنطوان وقوله جوابا لنقد الشيخ المسيحية بأنها لا تتفق مع العقل: )) إن كل كذلك لا فرق فيه بين المسيحية و الإسلام لان الدين هو الإيمان بخالق غير منظور ووحي و نبوة و معجزة و آخرة وبعث وحشر الخ وكلها غير محسوسة و لا معقولة (( 127 ثم قال الأستاذ إن المدو الحقيقي الأديان في هذا الزمان لم يعد منها بل صار خارجا عنها وهو المبادئ المادية المبنية على البحث بالعقل.
وهذا الكلام يستهدف انتقادات واسعة في أمكنة مختلفة من هذا الكتاب....
حتى أني قلت في احدها إن الكتاب استئناف المناظرة التي جرت بين الشيخ محمد عبده والأستاذ فرح أنطوان.وسلفا أقول هنا وأزيد على قول الأستاذ الذي تعزى بمعاداة العلم الحديث المادي الإسلام كمعاداته للمسيحية: إن ذلك العلم اضر بالإسلام أكثر من المسيحية وان كان الإسلام المتضرر إسلام المتضرر إسلام المتعلمين المحدثين...وتوضيحا لهذا رأيت
أن انقل القسم الأول مما كتبته في التقرير المتقدم إلى وزارة الأوقاف 128 -132
وكانت فيما ادعى الأستاذ فرح في مقالاته حاجة الأمم إلى فصل الدين عن الدنيا و عن سياسة الحكومات وقد عزا رقى أوروبا إلى العمل بهذا الفصل كما رأى سبب تأخر المسلمين في إهمال العمل به ...و خصمه الشيخ حمل تأخر المسلمين على جمود علماء الدين 133
وبالنظر إلى اشتهار اسم الشيخ وإكباره يظن انه الغالب في النقاش المذكور ,لكن ما نراه اليوم في جو مصر الثقافي من غلبة فكرة الإلحاد على الإيمان يثبت عكس ذلك...فلو كان الفوز والغلبة في جانب الشيخ لما ارتكزت في نفوس الجيل المتعلم

القريب العهد بزمان الشيخ,عقلية اعتبار الدين في جانب والعقل والعلم في جانب آخر كما هو رأى الأستاذ معارض الشيخ 133
أما النهضة الإصلاحية المنسوبة إلى الشيخ فخلاصته انه زعزع الأزهر عن جموده على الدين نقرب كثيرا من الأزهريين إلى اللادينيين خطوات ولم يقرب اللادينيين إلى الدين خطوة 133-134 حكاية تحديه مشايخ الأزهر في إثبات وحدانية الله تعالى نقلا عن كتاب الأستاذ محمد صبيح المسمى باسم الشيخ 134-138
ويقول هيكل باشا إن الشيخ محمد عبده وزملاءه لم ينجحوا في ادحاض مزاعم المتعصبين على الإسلام من أبناء الغرب لكونهم لم يسلكوا الطريقة العلمية في دفاعهم و لكونهم قد اتهموا بالكفر والزندقة 138
الطريقة العلمية التي عاب معاليه الشيخ وزملاءه بأنهم لم يسلكوها يلزم أن تكون الطريقة العلمية التي بفضلها الأستاذ فريد وجدي على الطريقة المنطقية 140
و الشيخ و من معه إما لم يفطنوا المحال الضعف في دفاعهم عند الغربيين أو قطنوا لها ولم يقدروا على مجابهة الخصوم بإثبات القوة لما يستضعفونه و تبين الخطأ فيما يدعونه ويتمسكون به من الانقلاب في نظام الاستدلال,كما نفعله نحن إن شاء الله 141
ما هو حقيقة موقف الشيخ من الدين?هل هو صديقه الساهر أو عدوه الماكر?
وماذا سر اصرار الأقلام العصرية على إكباره?مع عجزه عن إثبات وجود الله ووحدانيته رغم تبجحه بأنه المثبت الوحيد 142 الشيخ يغلب علماء الأزهر و الأستاذ فرح أنطوان يغلب الشيخ 144

الشيخ جمال الدين الاففاني لم يستطع أن يسحر علماء استانبول برسالته التي أنجحها في مصر فلعب دورا هاما في هدم الأزهر القديم 144
من أسباب شيوع الإلحاد بمصر عدم كون الكتب الفلسفية الهامة سهلة الدرس و المطالعة وكون الاهتمام بتدقيق المسائل و قتلها بحثا غير ممتاد في الأوساط العلمية 145 و قد كان لاهراع من استطاع سبيلا من الناشئين إلى الغرب ليرووا غلتهم من مناهله
غير مكثرتين بالمحافظة على كيانهم الإسلامي, اثر تكون الجو اللاديني بمصر 145
عصر الإلحاد في فرانسة,قال بول رانه مؤلف تاريخ الفلسفة :
)) لم يؤلف في أي قرن ما ألف فيه من الكتب الكثيرة لإثبات وجود الله ((
145 قول الماديين:الإنسان آلة ميكانيكية وجسم متحرك من غير إرادة..ورد مونتسكيو عليهم قائلا:ما ابعد أن تكون قدرة عمياء خلقت دوي العقول 146-147
أصحاب الفلسفية الاثباتية وبالتعبير المصري الوضعية كانوا عاملين في زيغ فرنسا إلى الحكومة اللادينية ولم تخل اقوال معالي هيكل باشا وأستاذ مجلة الأزهر عن التنويه بفلسفتهم حتى قال الثاني إنها أدق و اصدق الفلسفات العصرية في أصولها الأولية147-148
قول هيكل باشا عن اتهام الشيخ محمد عبده وغيره من العلماء بالسكفر و الزندقة )) :انه كان عميق الأثر في نفوس الشباب المتعلمين حيث شعروا بان الزندقة في نظر جماعة من علماء المسلمين تقابل حكم العقل ونظام المنطق وان الإلحاد قرين الاجتهاد كما أن الإيمان قرين الجمود 151 لذلك انصرفت نفوسهم عن التفكير في الأديان واخذوا يقرأون كتب الغرب يلتمسون فيها الحقيقة,اقتناعا منهم بأنهم لن يجدوها في كتب المسلمين ((151
ولم يكن معالي الباشا منصفا في اتهام العلماء بمناوأة حكم العقل و نظام المنطق152 ذلك المنطق الذي يجله معاليه تارة ويحتقره تارة أخرى محترم مطلقا إذا كان منطق الغربيين.وكان أبشع أقواله وأمسها بكرامة مؤلف الإسلام وكتبهم وصفه لمؤلفي الغرب بصدق القصد وخالص التوجه إلى المعرفة ابتغاء الحق,مما لم يجدوه حتى في كتب امة الإسلام الأقدمين 153
وقد أخذني العجب كل الاخد من قوله بعد المقارنة الظالمة بين مؤلفي الإسلام و مؤلفي الغرب: ))انصرفت نفوس الشباب المتعلمين عن التفكير في الاديان وفي الرسالة الإسلامية كيلا يثور بينهم و بين الجمود حرب لا ثقة لهم بالانتصار فيها((و الدكتور المؤلف المحارب نفسه صعد إلى كرسي الوزارة وكذا مؤلف كتاب)) الإسلام وأصول الحكم(( المفصول بسببه عن الازهر156
ولان يكون معالي مؤلف حياة محمد قد جمع أخطاء جمة في صفحة واحد من مقدمة كتابه,أثنى في مختتم كلامه على المبدأ الغربي المتعلق بفصل الدين عن الدولة 162

مناقشتي الأستاذ فريد وجدي على صفحات الأهرام لكونه ينكر معجزات الأنبياء ويحمل الآيات الواردة عنها في كتاب الله على المتشبهات 165-186
قد أدهشتني عقلية الأستاذ في زعم أن معجزات الأنبياء مستحيلة عند العقل ورغم أن الحكم باستحالتها مقتضى العلم كما انه مقتضى العقل..يعلنها على صفحات الأهرام,ولا يقابلها الرأي العام الإسلامي بالاستنكار حتى ولا إفشاءه عن نوابغ البلاد الإسلامية من الكتاب والشعراء في استبطانهم الإلحاد تماشيا مع العقل والعلم,ولا يكون بين إعلان هذه العقلية عن نفسه وبين تعيينه مديرا ورئيس تحرير لمجلة
))نور الإسلام (( الأزهرية إلا بضعة أيام 173

مناقشة أستاذ يكتب مقالة من باريس إلى لجنة المباراة الصحفية بالقاهرة ويكسب الأولى186-198 من مناقضات كاتب المقالة لنفسه الدالة على عدم إلمامه بالمباحث العلمية التي يتكلف التكلم فيها,انه قال يعد رمى علماء الكلام بعدم الفهم لقدرة الله أو تفهيمها للناس:إن النظام المطرد في العالم وتسلسل العلل و المعلومات أدل على قدرة الله اللامتناهية من ذلك التصور الركيك الذي يجعل من قدرته وسيلة لتغير النظام الذي فطرته و أبدعته 191
الأستاذ يجعل من قدرة الله اللامتناهية وسيلة لاغناء الكائنات عن وجود الله و لا يرى ما فيه من الركاكة البالغة حد الاستحالة وهي قدرة الله على أن تجعل سلسلة الكائنات مستغنية عن الله,فتجعلها أي الكائنات موجودة من غير حاجة منها إلى وجود الله,فبالنظر إلى أن هذا الجعل من الله فالله موجود و بالنظر إلى وجود الكائنات من غير حاجة إلى وجود الله فالله غير موجود.فهذا تناقض ناتج من كلام الاستاذ في مقالته 192

مناقشتي الأستاذة محمد احمد المغراوي و محمد فريد وجدي واحمد أمين بك و محمد يوسف والشاعر إقبال, دفاعا عن علم الكلام و الأدلة العقلية اللذين استهان بهما أولئك الأستاذ 186-282
قول علماء الإسلام الإعلام مثل القاضي عضد الدين الايجى صاحب المواقف والسيد الشريف الجرجاني شارحه و الإمام القشيري صاحب الرسالة المشهورة, في إكبار علم الكلام 203-205

أستاذ مجلة الأزهر لا يعرف- لعدم معرفته بعلم الكلام – أن الحصول على الدليل الملموس لإثبات وجود الله محال.وما ذنب علم الكلام الذي يكرهه الأستاذ? 212-213 علماء الكلام المساكين وعلمهم المغموط يطعن فيهم ابن رشد الأندلسي و صدر الدين الشيرازي صاحب الأسفار الأربعة بمخالفهم الفلاسفة اليونانيين لو الأستاذ الغمراوي بموافقتهم, وكذا ابن تيمية و ابن القيم الجوزية و من تابعهما,ويعاديهم المتصوفة أصحاب مذهب وحدة الوجود 224
مقارنة الأستاذ احمد أمين بين قوة العقل والمنطق وبين قوة القلب في تأييد الإيمان بعد مقارنتهما بالتجربة و تفضيلها عليهما و تبيين خطاه في مقارنتين و تعيين الفاضل و المفضول 258-260 هاجم رئيس تحرير مجلة الأزهر علم الكلام, وكان صنيعه هذا اقتراحا ضمنيا لإلغاء تدريس هذا العلم في الأزهر من غير إقامة علم من العلوم الإسلامية مقامه, لكن الأستاذ احمد أمين بك على الرغم من تسليمه برجحان براهين العلوم التجريبية لم يقع في سذاجة الاستجارة من التجارب الحسية لاكتشاف وجود الله...
قول الإمام الرباني مجدد الألف الثاني في تفضيل أقوال العلماء على كشف و الهام الصوفية لان سندهم تقليد الأنبياء عليهم السلام المؤيدين بالوحي المعصومين عن الخطأ و الغلط 265 أما الإمام الغزالي فقد أتى فيما نقل عنه احمد أمين بك بالعجيب المعيب
حيث يرفع الأمان عن شهادة العقل و الحس وعالم اليقظة..وفي تصوفه القائل بوحدة الوجود خطر 266-267
إن تيار الإلحاد الغربي وجد السبيل إلى الشرق الإسلامي من احد البابين:المادية و الريبية 269 ريبية الأستاذ احمد أمين بك اشد من ريبية الغزالي 670
وهناك أستاذ آخر من المدرسين في الأزهر كتب مقالات في ))منبر الشرق(( ودخل في مسائل مهمة ثم خرج غير مؤت شيئا منها حقه في البحث...وهو أيضا يتهم علم الكلام بعدم إزالة الشكوك ويرى الخلاص منها في الالتجاء إلى التصوف و تراه لا يبت في أن الدين يسع حرية التفكير أو يحضرها 270 قصة التصوف و تراه لا يبت في أن الدين يسع حرية التفكير أو يحظرها 270 قصة في المقارنة بين العقل و القلب يخطئ فيها كاتبها 274-277 وخطا المقارنة بين العلم و العمل 277-282
نحن ملتزمي الدفاع عن علم الكلام اهتماما بعقائد الإسلام و صيانتها من اعتداء المعتدين,لا نضيق علينا موضوع الدفاع بان نقصره على المسائل التي اعتاد المؤلفون في علم الكلام أن يشتغلوا بتدقيقها,بل نتوسع فندخل في ساحة الاهتمام الناحية الاعتقادية الموجودة في الأعمال الدينية 282-283
وباء السفور 282-294 هل يملك أولو الأمر تحريم تعدد الزوجات? 294 مسالة إهمال النص و ترجيح العمل بالصلحة294-300

كاتب مقالتين في مجلة الأزهر يطعن على منطق أرسطو مع الطاعنين في زعمه من المتكلمين,أو يطعن على المتكلمين لعدم اعترافهم بمبدأ التناقض من منطق أرسطو 300-306
فتنة الفن القصصي في القران ومكافحة أبطالها الأساتذة خلف الله صاحب الرسالة المقدمة إلى كلية الآداب فؤاد لينال الدكتوراه و أمين الخولى المشرف على الرسالة و توفيق الحكيم المدافع عنهما بحرص و حماسه بالفتين مبلغ دعوة المرحوم النقراشي باشا رئيس الوزراء إلى الاستقالة إن لم يطفئ ثورة الثائرين على الرسالة بدافع الغيرة على الاحتفاظ بكرامة القران 306-332
الأستاذ توفيق الحكيم يغضب على مطران انجليزي طعن في صدق العقائد المسيحية المتعلقة بحياة سيدنا المسيح بعد موته وفي عذرة أمه ، ويحامي عن الطاعنين في صدق القرآن بجميع ما فيه310 ويخطئ في قوله عن غاندي (( إنه عاش كما عاش المسيح ومات مقتولاً بيد عشيرته كما قتل المسيح)) ثم يحنق على كاتب يرشده إلى الحق والصواب 311
ومن عجائب المحاباة من الأستاذ الحكيم أنه يحكي شكوى أستاذ الأدب في الجامعة الفاحص للرسالة ثم القائل برفضها ، من كون الجهات الرسمية منعته عن الكلام .. يحكيها ثم يعلق عليها بما يخيل للقارئ أن الجهات الرسمية منعت صاحب الرسالة من الكلام لا الأستاذ الفاحص 314
ثم من أعجب العجائب أن المتهمين لصاحب الرسالة من الجامعيين وغير الجامعيين يقطمون التهمة في الرسالة والمشرف عليها ولايمدونها إلى الأستاذ الإمام ، على الرغم من أن المدافعين عن الرسالة يستندون إلى أقوال الأستاذ الإمام المتفقة مع ما ورد في الرسالة و هاج الثائرين عليها 320 وممن كتبوا في بحث رسالة الفن القصصي في القرآن الأستاذ سيد قطب و هو يمتاز عن غيره بحملاته على الطرفين من أصحاب الرسالة والثائرين عليها 324ـ 330
نصوص كتاب الله على وجود طائفة من عباده تسمى ملائكة 332ـ336 المقالة التي كتبتها جوابا على خطاب الأستاذ أحمد حمزة بك صاحب مجلة لواء الإسلام ، ثم عدلت عن إرسالها 337ـ344 الأستاذ الإمام وكتاب الله في كفتي الميزان 345ـ352
الرد على الشعر المنشور في الأهرام بعنوان " النبي الجديد " 353ـ358 الرأي العام العلمي السائد في مصر مسموم منذ نشوب النقاش بين الشيخ محمد عبده والأستاذ فرح أنطون 358 لم يبق مما أنكره ملاحدة الغرب الماديون إلا و أنكره هواة العلم الحديث بمصر ولو كان من علماء الدين .. فضيلة الشيخ شلتوت ينكر وجود الشيطان 360ـ364

لما لم تنتج المناقشة الجارية بين الشيخ محمد عبده و الأستاذ فرح أنطون غلبة الحق على الباطل وجب استئناف تلك المناظرة 364 و إني أردت أن أكون القائم بهذا الواجب الكبير مع عجزي وغربتي بمصر وباللغة العربية ، و هو شكري و خدمتي لمصر التي آوتني و أسرتي والتي كانت لها سمعة قديمة في الإسلام ومكانة معروفة في علومه 366
وهناك مسألة وحدة الوجود ومسألة فصل الدين عن الدولة 366 ـ 367 فهذه أربع مسائل يتكون منها موضوع الكتاب ، كما أن مسألة الإيمان بالقدر الذي يؤول إلى عقيدة الجبر عنيت بتحقيقه مرة ثانية 367
قول الأستاذ فريد وجدي " إن الشعب التركي الذي أشبه الشعوب الحية في دخوله أدوار الانقلابات الاجتماعية ليستحق منا كل الإعجاب وكل التشجيع ، فإننا سنمر في كل الأدوار التي مر بها الترك متى جاء دورنا في نهوض حقيقي صحيح " 368ـ370
سؤال مفروض أورده علي دفاعاً عن الأستاذ فريد وجدي ، ثم أجيب عنه 371 ـ 378 انقلاب الأستاذ إلى مضادة العلم الحديث المادي بعد أن اتخذه سلاحاً هائلاً لهدم الدين 379 ـ 386 يكاد لا يوجد في الدنيا مثال لمنقضة النفس أبلغ وأظهر مما ناقض الأستاذ بعد توليه الوظيفة الأزهرية ، نفسه قبل توليها 383 بل لا يكاد يوجد مثل مشيخة الأزهر انتدبت لبناء الدين من سعى لهدمه .. ولا ادري أي الموقفين أعجب و أمس بكرامة الواقف ، أموقف الذي احتاج إلى شخص الهادم لأمر البناء ، أم موقف الهادم المتولي بناء ما هدم ؟ 384
وجد عجيب من الأستاذ تحوله ضد الفلسفة المادية ، لا من قبيل تصحيح الخطأ ولا من حيث لا يشعر . . بل من حيث لا يشعر 385 الأستاذ عند التكلم عن الفلسفة وعلوم الغرب لا يتكلم بميزان يميز النافع للدين من الضار بل الحق من الباطل 387 ـ 391
الأستاذ يضع الإيمان بالغيب في مقابل الإيمان بالواقع ، كأن الإيمان بالغيب المثنى على أصحابه في كتاب الله إيمان بخلاف الواقع 392 الحاصل أن الناظر المدقق يرى

الأستاذ في دورة دفاعه عن الدين أي دورة البناء أيضاً لا يقلع و لا يتخلى عن الهدم . . كما أن دورته المتقدمة المتحاملة على الدين كلها هدم 393
ومحور تمحيص البحث الذي تدور عليه أفكار الأستاذ و أقواله أن الدليل العقلي المنطقي الذي أقنع علماء القرون الماضية لا تقنع المصريين . . ولكن المهم أن نعرف هل عدم إقتناعهم اليوم به من عيب في الدليل العقلي نفسه أم العيب والتقصير في الذين لا يقتنعون به ؟394 ـ396
نعم ، يمكن أن يقال لا يستطيع كل أحد تمييز صحيح الدليل العقلي من سقيمه كما قال الأستاذ فعلا عند الطعن في هذا الدليل . . فالدليل التجربي إذن ـ الذي يسميه المصريون الدليل العلمي ـ يكون دليل العامة ، و الدليل العقلي المنطقي ـ الذي يعد منطقياً عند ا ستجماعه لشروط الصحة ـ يكون دليل الخاصة . . و المعولون عليه كالإخصائيين القادرين على تمييز الأحجار الكريمة الثمينة من زيفها و رخيصها 396 ـ 396
أذكر مثالا للدليل العقلي داخلا في موضوع الكتاب ، و أتحدى به الذين لا يعولون على الأدلة العقلية لاحتمال الخطأ فيها . . فإن كان في استطاعتهم نقضه فلينقضوه 396 و إذا لم يبن الأستاذ مسألة إثبات وجود الله على الدليل العقلي المنطقي فإن كان ينتظر إثباته تجربيا من مستقبل البحوث النفسية فإني أقول من غير انتظار لنتيجة تلك البحوث إن البحث النفسي و لا أي علم تجربي لا يعطينا بوسائله التجربية دليلا على وجود الله ، و أعني بذلك أنه لا يستطيع أن يعطيناه و هو أقل من أن يعطيه . . نعم إن دليل العلم التجربي لا يكفي إزاء عظمة المسألة 397
مقالة كتبتها بمناسبة نقاش بين أستاذين ردا على تصور علاقة الدين بالبحوث النفسية 401 ـ 422 الأستاذ المنقبادي ينتظر من مستقبل البشر أن يكتشف لكل داء دواء و يتغلب على الموت 404 أنا لا أرضى أن يكون ديننا مترجما من الغرب مع كل شئ مترجم عنه بمصر 406 لا أقبل خصيصا قول الأستاذ اتباعا لما قررته الفلسفة الةضعية من أن كل معقول

لا يؤيده محسوس فلا اعتداد به . . بل أعده أكبر خطأ إن جاز صدوره عن قلم أحد فلا يجوز عن قلم رئيس تحرير مجلة الأزهر . . والعجب أن الأستاذ يتمسك بذلك القول الذي هو دستور الماديين ، في الرد على الأستاذ المنقبادي المادي 407
إن التمسك بهذا القول يتنافي مع مصلحة من يدافع عن الدين لحد أن إثبات وجود الله الذي هو رأس الدين لا يمكن إلا بعد إبطال ذلك القول 308 ماذا يتصور أن تكون نتيجة البحوث النفسية ؟ فلنفرض أنهم وجدوا الروح على الرغم من عدم اعتراف الأستاذ المنقبادي بذلك ، لكن أساس الدين لا يقوم على وجود الروح بل على وجود الله ، ولا يلزم وجود الله من وجود الروح إلا بقدر ما يلزم من وجود أي موجود ممكن وجود موجود واجب ، ومعناه الرجوع في إثبات وجود الله إلى الدليل القديم العقلي 408 ـ 409
فإذا لم يبق للماديين بعد تلك البحوث النفسية التجربية مجال لإنكار وجود الروح يفتح لهم باب لإنكار وجود الله أوسع مما كان قبلها 407 إن وجود الله لن يكون موضوع التجربة فإذا أمكن إثبات وجود كل شئ بالتجربة فلا يمكن إثبات وجود الله بها 410
وكما لاتثبت البحوث النفسية وجود الله لعدم كونه روحا . . لا تثبت حتى وجود الروح ، لثبوت وجودها قبل وجود الباحثين النفسيين وبحوثهم ، والثابت لايحتاج إلى إثبات ، بل يستحيل إثبات الثابت كتحصيل الحاصل . وقد نص الفيلسوفان الكبيران ديكارت وليبنتز على أن وجود الروح قطعي أكثر من وجود الأجسام 411 ـ 412
ومع عدم كون المذهب المادي مذهب التدريب الخالص لأن العلم حتى بوجود المادة لم يكن مؤيدا بالتجربة ، إذ المادة لا تري ولا تلمس ـ فعدم الاعتداد بغير التجربة في استيقان وجود أي شئ ، يدفع الإنسان إلى إنكار البديهيات 416 إن لم يكن وراء هذا الجسم المتغير شئ يستمر و لا يتغير طول عمره يعبر عنه بالروح أو النفس لم يوجد

هناك ما يصح أن يقال عنه ) أنا( ضميراً للمتكلم 417
وليس لمنكري الروح ما يقولون جواباً عنه غير ما ادعاه الفيلسوف الحسباني داويدهيوم الذي يصور ما نسميه الروح و نعتقد وجوده ، كالحركة بمعنى القطع المعروفة في كتب المتكلمين والتي لا وجود لها في الخارج 419 ـ 420
من الواجب التصريح بتعجبي من تخصيص الغربيين اسم " العلم " في الأعصر الأخيرة بما ثبت بالدليل التجربي دون ما ثبت بالدليل العقلي وتقليد الشرقيين الجدد إياهم من غير كما هو دأبهم ، حتى ملأ العصريون كتبهم و مقالاتهم بحديث الطريقة العلمية و الأسلوب العلمي إلى حد ممل 421
أن مناسبة العلم بالعقل أقوى و أشد من مناسته بالحواس لأن العقل والعلم كلاهما من جنس واحد غير محسوس . قال كوزين " إن العلم إلهي بالطبع " فكيف يكون إذن هذا العلم مهنة ملاحدة الماديين و الإثباتيين أو الوضعيين دون الحكماء الإلهيين 422
ثلاث نظريات للأستاذين فريد وجدي وفرح أنطون و أضرابهما من مقلدي الغرب المادي تدل على ما هم فيه من عقيدة مضطربة في موقف العقل والدين بعضهما من بعض وفي موقف العقل من الحقيقة 435 ـ 441
إثبات ما قلنا من أن الأستاذين يعتنقان فكرة إبعاد العقل من الدين الذي يستند إلى القلب مع تأييد القلب ضد العقل . . تلك الفكرة المادية و المسيحية معا ... 436 ما أعظم خطأ الأستاذ فريد وجدي الذي حمل سقوط الجيل الحديث من الأمم المتمدنة في الأخلاق و الآداب إلى دركة الإباحية البهيمية ، على طغيان العقل بما بذلت الجهود الجبارة في تربيته وتنميته و أهمل الاهتمام بالقلب 438 ـ 441
المفسرون فسروا القلب في قوله تعالى )) إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب (( بالعقل ، على الرغم من قول الأستاذ : )) ولم يقل لمن كان عقل (( ومنشأ الغلط أن الأستاذ كما التبس عليه الأمر فظن العلم عقلاً ، فهو ظن طغيان الهوى طغيان العقل 441

نعود إلى مناقشة الشيخ محمد عبده و الأستاذ فرح أنطون : كان الشيخ قد حمل على النصرانية بعدم ائتلافها مع العقل ، وخصمه لما لم يستطيع الدفاع عن دينه ولم يجد ثلمة للنيل من الإسلام ، صوب حملاته على جميع الأديان مدعيا عدم ائتلاف كلها بالعقل .. وهناك لم يوف الشيخ حق الدفاع عن الدين لاسيما الإسلام الذي لا تعارض مع العقل أصلا في أصول عقائده ، فافتتنت عقول الخاصة بدعاية خصمه ضد الأديان و إن كان الرجل قد غالطهم بوضع المحسوس مكان المعقول و اعتبار عدم الائتلاف بالعلم الحديث المبني على التجربة الحسية ، عدم الائتلاف بالعقل .. و كان واجب الشيخ الذي عجز عن القيام به مكافحة هذا العلم ووقفه عند حده 441 ـ 442
افتتن المثقفون العصريون في الشرق الإسلامي بالعلم الحديث و أتبعوه العقل بغير حق فلم يبق من انتسب إلى العقل و العلم إلا و استبطن الإلحاد كما ذكره الأستاذ فريد وجدي و تمذهبوا بمذهب الإثباتيين الذين نوه به هيكل باشا و الأستاذ فريد وجدي باسم الفلسفة الوضعية ، و جاء قاسم أمين فأعلن شعار المذهب وهو عبادة المرأة 442
كان العربي الجاهلي القديم إذا بشر بالأنثى يتوارى من القوم من سوء ما بشر به والعربي الحديث العلماني يبدأ خطبته بقوله سيداتي سادتي و لا يتوارى من القوم عندما خاصر قرينته رجل غيره وراقصها بين ظهرانيهم ، و هذا العربي أيضا جاهلي و لكن من طراز آ خر 442 ـ 443 قصة أستاذ أزهري في حفلة جامعة بين الجنسين 443
ذكرى قاسم أمين الثلاثين و ادعاء ولده قاسم قاسم أمين بأن والده قد سن سنة حسنة لها أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة 444 تأميل الثواب من الله لقاسم أمين من سفور النساء المسلمات كرر في قصيدة الشاعر علي الجارم بك .. والقصيدة تتضمن الإشارة إلى أن للأستاذ الإمام إصبعا في تشجيع قاسم ، ومثلها خطبة هدى الشعراوي بمناسبة الذكرى 445 ـ 446
أملي عظيم في تأثير كتابي هذا في عقول الشباب الطرية غير الجامدة على الضلال

الحديث لاسيما جماعة المجاهدين المتسمين شباب محمد صلى الله عليه وسلم 447
و قد وقع قبل بضع سنين أن قررت الجامعة المصرية على جعل شارات حراسها رموزاً من صور آللهة المصريين القدماء ، فكتب المرحوم الشيخ عبد المجيد اللبان عميد كلية أصول الدين في الجرائد يستنكر هذا القرار فلم تسمع له الجامعة و الوزارة وسكتت مشيخة الأزهر عن تأييد شيخ الكلية ، فاستقرت شارات الآلهة وشكر الله وحده سمى الشيخ اللبان 448
ومما هو جدير بالذكر هنا أنه كتب الدكتور طه حسين بك مقالة في الأهرام تدل على أن وزارة المعارف بمصر إن صادفت وزيراً يحترم شعائر الإسلام و آدابه استهدف حملات ساعية لأن تجعله غريباً كالإسلام نفسه فقد سخر الكاتب في مقالته من مرسي بدر بك لإلغائه الرقص التوقيعي في مدارس البنات والبعثات منهن إلى البلاد الغربية وشبه هذا الوزير بوزير المعارف الأسبق محمد حلمي عيسى باشا 449 ـ 452 وكتب ضد قرار الوزير مرسي بدر بك أيضاً كاتب نحو النور في الأهرام 452 ـ 455
وهناك مسألة عدم تدريس الدين في مدارس المعارف أو عدم اعتبار دروسه من المواد الأصلية 455 ـ 456 أما الأزهر فالباحث الحازم يتردد في القول بأنه أحسن حالاً 456
هل يجوز الشك في أن نبينا صلى الله عليه و سلم آخر الأنبياء وفي أن قوله تعالى ))ماكان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين (( يدل عليه دلالة قطعية لا يمكن تفسيره بغير هذا المعنى 456 ـ 462
قصيدة الشاعر المرحوم شوقي بك التي مدح فيها مصطفى كمال وهجا السلطان وحيد الدين قائلاً إنه أمير الطواغيت يدعى بأمير المؤمنين والتي قلت عنها في زمن انتشارها على رأس الأهرام : إن الله تعالى وصف الشعراء في كتابه بأنهم يقولون مالايفعلون لكني وجدت أولى صفة لهذا الشاعر أنه من الذين يقولون ما لا يعلمون .. وكان معنى قولي ذلك أن ابتعاد الشاعر في شعره من أفعاله نفسه لايكون أفظع من

ابتعاده هن العلم والشعور . ثم زاد الشاعر في طين الابتعاد عن الحقيقة ، بلة لما قال في تهنئة أنقرة عاصمة الجمهورية التركية اللادينية :
إن الذين بنوك أشبه نية بشباب خيبر أو شباب تبوك 464
وبعد خراب البصرة يقول الشاعر مخاطباً للخلافة :
الهند والهة ومصر حزينة تبكي عليك بمدمع سحاح
والشام تسأل والعراق وفارس أمحا من الأرض الخلافة ماح؟
نظرة في كون مصطفى كمال بطل نصر الترك الحاسم في نهاية الحرب العالمية الأولى 465 ـ 481
وما قولك في حديث منشور لسعادة حافظ رمضان باشا في مجلة آخر ساعة :
)) ما قولك في مصطفى كمال الذي كان فارا في الأناضول ؟ ألم ينشئ جيشاً تحت سيل من قنابل الأعداء في وقت كان خليفة المسلمين يطالب فيه برأسه لقاء جنيهات معدودات)) 467 ـ 481
ومن عجائب النكران الجميل ما يروى من بعض العلماء المتتلمذين على الشيخ محمد عبده أنهم كانوا يشكون علمي الكلام والفقه لحيلولتهما بين المسلمين وصلتهم بالكتاب والسنة حيث يأخذون دينهم من الكتب الكلامية والفقهية ويهجرون كتاب الله وسنة رسوله 482ـ 484
نقض كتاب )) تحرير المرأة (( لقاسم أمين 485 ـ 486


بداية الكتاب صفحة رقم 1
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة المؤلف
إلى روح والدى....
كان أعظم أمانيك فى أمرى...رحمة الله عليك وعلى والدتى التى لم تكن تساهمك فقط ، بل تسابقك فيما يرجى فيه رضى الله تعالى ، حتى أنى كنت أقنعتها قبلك –وأنا فى ملتقى الشباب والصبا – بأن تأذن لى و تستأذنك فى السفر لأول مرة إلى قيصرية المشتهرة بعلمائها بين مدن الأناضول.... كان أعظم أمانيك أن أجتهد فى طلب العلم وأصبح عالما من علماء الدين. وكنت فى رغبتك هذه أشد شرها من المنهومين (1) حتى انك لما أتيت الأستانبول من بلدنا توقاد ورأيتنى مدرسا فى جامع السلطان محمد الفاتح – الذى كان فى عهد الدولة العثمانية كالأزهر الشريف بالقاهرة و أفضل من الأزهر الحاضر – وأنا يومئذ فى الثانية والعشرين من عمرى ، قلت لبعض اصدقائك عنى : " استأذننى لطلب العلم فى الاّستانة بعد القيصرية (2) فما لبث أن حصل على شهادة العالمية وتربع على كرسى التدريس. وكان الواجب عندى أن يستمر فى التعلم حتى يبلغ الثلاثين على الأقل ".
بداية هامش
(1) منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا (الحديث).
(2) أخذت العلم فى القيصرية عن الشيخ محمد أمين الدرويكى الشهير بداماد الحاج طرون أفندى ، وقبلها فى بلدنا توقاد عن تلميذ أستاذى فى القيصرية الشيخ أحمد أفندى زولبية زادة إلى اّخر التصورات من شرح الشمسية الى القطب الرازى ، وأخذت فى الاّستانه عن محمد عاطف بك الأستانبولى وعن أحمد عاطف أفندى الكوملجنوى الذى كان وكيل الدرس فى المشيخة الإسلامية والذى زوجنى بنته بعد أن توليت التدريس. فأولئك أساتذتى وشيوخى تغمدهم الله برحمتة.
نهاية هامش
2
وقد كنت رحمك الله على حق فى استقلال مكتسباتى العلمية ، لكن أستعجال القدر فى أمرى ظهرت حكمتة بعد أن عانيت ما كان ينتظرنى من وقائع الحياة الهامة.
ثم كان ثانى ما لم يسرك من موقفى يومئذ أنى توليت وظيفة التدريس بمرتب من الحكومة ، وكان هذا على الرغم من أنك لست بذى ثروة تكفلنى أسرتى المستقبلية . وبالقياس على هذا لا أرتاب فى أنك لو كنت حيا يوم توليت منصب المشيخة الاسلامية فى الدولة العثمانية ما ازددت مكانة عندك وحصولا على مرضاتك.
ولكنك لو رأيتنى وأنا أكافح سياسة الظلم والهدم والفسوق والمروق ، فى مجلس النواب وفى الصحف والمجلات قبل عهد المشيخة والنيابة وبعدها ، وأدافع عن دين الأمة وأخلاقها واّدابها وساّئر مشخصاتها ،وأقضى ثلث قرن فى الكفاح ، معانيا فى خلالة ألوان الشدائد والمصائب ومغادرا المال والوطن مرتين فى سبيل عدم مغادرة المبادىء ، مع اعتقال فيما وقع بين الهجرتين ، غير محس يوما بالندامة على ما ضحيت به فى هذة السبيل من حظوظ الدنيا و مرافقها – لأوليتنى إعجابك ورضاك .
وهذا الكتاب الذى وضعتة فى سنواتى الأخيرة سنوات التوقف فى المهجر عن الجهاد السياسى متفرغا للجهاد العلمى الدينى ، والذى كتبت فيه ما يحتاج المتعلم المسلم إلى معرفتة من المسائل العلمية والفلسفية لتسلم عقيدتة الدينية وتصمد أمام تيارات الزيع المصرى وناضلت أشتاتا من أهل العلم والأدب فى الشرق والغرب احياء وأمواتا (1) وقد توغلت فى طريق الجهاد حتى جاهدت مع الذين ناضلتهم ، عجمة قلمى عند الكتابة ............ هذا الكتاب أرجو أن يكون مما يرضيك ويتفق مع ما كنت تتوقع منى بعد طلب العلم ،وأنا أحتسب فى رضاك هذا ربى سبحانة وتعالى (2) .
بداية هامش
(1) وبعضهم كان أحياء فى أثناء تأليف الكتب ثم ماتوا قبل نشرة .
(2) رضى الرب فى رضى الوالد (الحديث)
3
أما رضى الله مباشرة فذاك أجل واسمى من أن يكون مبيتغى مثلى من أقل عباد الله بواسطة كتاب مثل كتابى من أقل الكتب .
ثم إلى الفئة القليلة الذين يرغبون فى قراءة كتابى هذا رغم ما تضمنت قرائتة من إتعاب الفكر وشغل غير قليل من الوقت.... إلى الذين يرغبون فى قراءتة مهتمين به ، لا قائلين بعد إجالة نظرات عابرة فميما اتفق لأعينهم من صفحاتة ، ما معناة :
" مالنا والتثبيت فى العقيدة الدينية الضائعة بين العقلية القديمة والحديثة المتأثرة من تيار الشكوك الذى أصدرها الغرب المسيحى من ناحية واللادينى من ناحية إلى شرقنا الأسلامى ، كما يصدر سئر بضائعة ، وكان فى طليعة هذا النوع من الصادرات المتعلمون على النظام الحديث.......مالنا وللتثبيت الذى يصل بنا هذا الكتاب اليه ويستأصل جذور تلك الشكوك فى ادعاء مؤلفة ؟ فهل فيه للفقير ما يقوتة أو يكسوة فى دنيا المجاعة والعرى ، وللعامل المجهود الذى يخفف عنة ثقل العمل ، وللمهموم ما يعللة ويسلية ؟ وبالاختصار : هل فية ما ينفع الإنسان فى هذة الدنيا الدنية المتردية برداء المدنية ؟ " أقول :
إن بين الدين والدنيا مسألة العلم لا يمكن أن يتخلى عنها متعلمو البلاد كما لا يمكن أن تتخلى البلاد عن المتعلمين . فهذه المسائلة هى التى تكون رابطة بين الدين والدنيا وتمنع الدنيويين أن يتخلوا عن الدين ، لأن مرجعة الى فلسفة ما بعد الطبيعة التى هى فلسفة العالية رغم المستخفين بها من فلاسفة الغرب والمحاولين إخراجها من العلم وحصر اللعم فيما يستند إلى التجارب الحسية ، وتبعهم معالى هيكل باشا فى مقدمة كتابة " حياة محمد " والأستاذ فريد وجدى بك على طول مجلة الأزهر . ونحن سنثبت فى غير موضعنا من كتابنا هذا بعون الله وتوفيقة أن العلم الذى يستند اليه الدين أفضل من علم الماديين . وهنا نكتفى بأن نقول سلفا ان النفس الناطقة التى هى مناط العلم ليس
4
إلا أمرا ميتافيزيقيا كالعلم نفسة يعجز الطبيعيون عن إدراك ماهيتة ، ولهذا قال (شاتوبربان) : "إن الإنسان حيوان ميتافيزيقى " وفيه امتيازة على سائر الحيوانات... وناهيك فى اتصال الدين الوثيق بالعلم قول الله عز وجل "إنما يخشى الله من عبادة العلماء ".
قلنا أن مسألة العلم تتوسط بين الدين والدنيا وتربط أحدهما بالاّخر فيحتاج اليها طالب كل من الطرفين ، إن كان كتابى هذا يعنى العلم من ناحية اتصالة بالدين كما أنه أى كتابى يعنى بناحية كون الدين حقيقة من الحقائق مقطوع النظر عن نفسة فى الدنيا و الاّخرة....
وكذا كما قد يكون العلم مطلوبا لنفسة من غير ملاحظة نفسة للدين أو الدنيا فهو يستغنى بما فيه من لذة الروح عن غاية أخرى ، ويكون مدعو هذا القصد من العلم كثيرا وأصحابة أقل من القليل ...وإنى قوى الأمل فى أن كتابى يخدم مه أهل الدين هذه الطائفه القليلة الوجود من الراغبين فى العلم .
فبقيت الطائفة المتعلمة التى يكون مقصودها من طلب العلم الحصول على شهادة العلم لا العلم نفسة ، فإذا استفادوا بتلك الشهادة شيئا من الدنيا كالمال والجاه والشهره كان ذلك شهادة على شهادتهم التى تحتاج الى شهاده......بقيت هذة الطائفة لا يعنيهم الدين ولا صلتهم بالعلم ولا مبلغ هذا العلم من القوة والأهمية ، وهم الذين يكونون على كثرتهم وتجارتهم الرابحة ، رمزا لفقر البلاد وإفلاسها المعنويين .
وللقائل أن يقول لى وأنا مشغول البال بالمتعلمين المتوقع منهم أن يكونوا قراء كتابى : إن للبلاد فى هذه الاّونه شغلا شاغلا عن قراءة الكتب مهما كان مبلغ أهميتها فى الدين والعلم وفى فصل النزاع بينهما قدما فى الغرب وحديثا فى الشرق الإسلامى منذ تفانى فى تقليد الغرب...... وهو شغلها بالسعى فى الاستقلال والتخلص من تحكم الدول الكبيرة الغالبة فى الحرب الأولى والثانية العالميتين ، فهى تسعى قبل كل شىء وترجيحا على كل شىء أن تتخذ لها مكانا بين الدول تعيش فى الدنيا كما يعيش
5
غيرها فى مأمن من التدخل والعدوان ..... وجوابى على هذا القول يحتاج الى تبسط فى البيان على الوجه الاّتى :
يا إخوانى المسلمين فى المشارق والمغارب ويا أمم الدول الصغيرة قدما أو بعد أن كانت دولة شامخة : إنا أضعنا الدنيا ،وبقينا ألعوبة فى أيدى ثلاث دول كبيرة من الكبائر ، أولاها ثالثة الأثافى وثالثها شر من أولاها ; وقد سنحت لنا بأجمعنا أثناء الحرب العالمية الثانية المنتهية انتهاء لفظيا ، فرصة أقل ما كان فى انتهازها أن لا نقع فى ندامة من جرب المجرب أن لا نتطفل على الغالب تطفلنا اليوم ، فرصة فطن لا من فطن فتقدم مثالا لغيره يدعوهم الى الواجب ، وكان كزيادة فرصة على فرصة ، ولكنهم خذلوه وضيعوه مع الفرصة : وهكذا كلمة الحق أقولها ولو كره المبطلون ، لعلها تنفعنى يوم ينفع الصادقين صدقهم .
أضعنا الدنيا وأضعنا الفرصة فأصبحنا ألعوبه فى أيدى الدول الكبرى اللائى فعلن ما فعلن فى الحرب وقتلن ما قتلن فيها من ملايين البشر .....والاّن وقد مضى على انتهاء الحرب ثلاث سنوات لا يزال الموت الذى فتحت الحرب أبوابه على مصراعيها , يأكل من سكان الأرض الباقين بعد الحرب الصارخة صراخ النفخة الأولى المميتة من صور إسرافيل .... يأكلهم بأنيابهم الصامته من الجوع والعرى والتشريد .....مع أن هذا النوع من الموت أعم و أشمل لغير المحاربين .... فما ذنبهم يشتركون فى تبعات الحرب التى لم يشتركوا فى غالبين و لا مغلوبين ؟
ولم تقنع الدول المحاربة بإثارة هذا النوع من الموت على العالم فى السلم بعد الحرب بل ابتدعوا نوعا اّخر أدعى وأمر ، وهو أنهم أسسوا مجمعا مسمى بهيئة الأمم دعوا اليها مندوبين من كل دولة صغيرة وكبيرة ليحكموا فيها على من يشاءون من الأمم بما يشاءون ظلما وعدوانا ويقسموا وبال الظلم والعدوان بين مجموع الهيأة ، حتى جعلوا من حق هذه الهيئة وفى وسعا أن تنزع بلادا من أهلها وتمنحها قوما غيرهم من غير
6
حرب ، ولكن كزكاة الظفر للحرب العالمية الثانية المنتهية ، إن لم تكن صلة هذه الحرب بتلك البلاد ولا بأهلها ....كما ترى هذه الحاله فى فلسطين التى تمنحها هيئة الأمم مشردى اليهود الأفقيين لينشئوا فيها دولة .....حتى إن أمريكا وروسيا الحليفتين ضد الألمان فى الحرب وضد العرب بعد الحرب والجارتين من ورائهما فى هيئة الأمم كثيرا من الدول الصغيرة ، لو اتفقتا على إنشاء دولة يهودية فى ألمانيا أو فى اليابان كان لة شىء من المناسبة والمعقولية .......لكنى أرى تلك الدول الصغيرة التى انحازت الى جانب الكبيرتين الظالمتين فى مسألة فلسطين احق الى التعيير و التشهير من أمريكا وروسيا و أحمق هبنقة فى موقفها المؤيد لخصوم الدول العربية الظالمين (1).
بداية هامش
(1) كلنا يعلم فتنة اليهود المسلطه على المسلمين منذ عهد الصحابه رضوان الله عليهم بل من عهد النبى صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا الذى يحاربون فيه العرب لاغتصاب فلسطين من أيدى أهلها بقوة المهاجرين اليها من أبناء دينهم المتشردين فى مختلف بلاد العالم لاسيما أوروبا المسيحيه .....يحاربون اليوم ليتملكوا فلسطين ويختلقوا لهم فيها دولة ، بعد أن كانوا بين سكان تلك البلاد قلة ضئيلة ، فى استطاعة الحاكمين فيها قرونا طويلة قبل الحروب الصليبية وبعدها من العرب والترك أن يطردوهم أو يذيبوهم فى أمتهم . أما فتنة اليهود على النصارى فهى أعظم من فتنتهم على المسلمين وأعمق لأنها فتنة متعلقة بدينهم لا من حيث أنهم حاربوا النصراينة وحاربوا سيدنا المسيح نفسه أشد وأصرح من محاربة سيدنا محمد ، حتى أنهم قتلوه فيما يعتقدون ......بل من حيث أن ضررهم على الديانه المسيحيه بعيد الأثر جدا .....فلما قتل المسيح فى عقيدة النصارى ثم قام حيا ورفع الى السماء سبب ذلك عندهم التباسا بين ألهوية الله ونبوة المسيح ، التباسا يفسد عقيدة النبوة والألوهية معا ، فأخذوا يعدون المسيح ابن الله أو الله نفسه ويعدون الله الواحد ثلاثة والثلاثة واحد ، ومعناه أنهم جعلوا العقيدة النصرانيه مجمع النقائض والسخافات .
يتجلى من هذا البيان مبلغ تأثير اليهود فى إفساد ديانة المسيحية بسبب تصديقهم بقتل المسيح عليه السلام .
وزاد فى الفساد فسادا والسخافة سخافة تضحية الله بنفسه فى قتل المسيح توسلا بها الى العفو عن ذنوب البشر . والله متعال عن أن يكون له مثل ضلال المعتقدين له هذه التضحيه – كما أن عقيدة الدين الأصلى المنزل من عند لله على سيدنا المسيح براء من هذه السخافات الطارئه على المسيحيه بعد رفعه الى السماء ، بأيدى المحرفين المسرفين فى التحريف اسرافا ليس وراءوه اسراف - فيجعل الله من نفسه كبش الفداء لمصلحة المذنبين من عباده كأنه هو المذنب والمذنبون هم العافون =
نهاية هامش
7
وقد كان أجدر و أجدى للدول الصغيرة المضيعة للفرصة التى أشرنا اليها من قبل أن يجمعن شملهن بعد الحرب على الأقل فيعقدن فيما بين مجموعتين حلفا رائعا ويصبحن بفضل عددهن الكثير رغم ما فى اّحاداهن من الصغر ، قوة رابعة فى خارج الدول الثلاث الكبرى الغالبة فى الحرب .
أضعنا الدنيا وخسرناها فلا نخادع أنفسنا بالاعتماد على قوة المستند العقلى وسلاح المنطق ، فهذا السلاح الذى كثيرا ما أدافع عنه فى هذا الكتاب ، إن كان يجدى كل أحد فى إثبات الحق أمام الحاكم العدل فلا يجدى أمام الحاكم بالقوة . فلو سعينا لأن نتقوى نحن ايضا – ولابد أن نسعى ونجتهد فى تعلم أسبابها – فلا نتقوى بقدر ما تقوت الألمان وتعلمت واجتهدت . ولو بلغنا مبلغها فى العلم والاجتهاد والاستعداد لما يكفينا ذلك فى بلوغ الغلبة النهائية كما لم يكلف الألمان ، ولو سبقناهم واكتشفنا سلاحا أمضى من القنبلة الذرية فلا يمهلنا حكام الدنيا المتغلبون لاستكمال تجاربه كما لم يمهلوا الألمان وكانت مزية الحلفاء الناجحين فى الحربين العظيمتين ، مزيتهم التى لا تبارى : أن لو كانوا سابقين غيرهم فى التحكم على أمم الأرض والاستيلاء على القواعد سبقا زمنيا .
أضعنا الدنيا مع قوتنا البعيدة التدارك اليوم ، فلا نتوقع من بعد خيرا فيها ولا نأمل من سباع الإنس الضوارى إلا ولا زمة .
بداية هامش
= عن ذنبه بدلا من ذنوبهم والله الذى يملك العفو عن الذنوب مات فى عقيدة التضحية فليس هناك من يتولى العفو عن المذنبين غير المذنبين أنفسهم ، وليس هناك من يحى الله الذى مات ، فلو قلنا أن احياء الله بعد موته كان بيده لم تكن التضخية تضحيه .
وإنى كنت قلت عن مسيحى أمريكا ورئيسهم ترومان الذين انحازوا فى مسألة فلسطين الى جانب اليهود وجانبوا العرب والحق .... كنت قلت عنهم إنهم أبعد الناس عن الغيرة الدينية كبعدهم عن الغيرة على الحق والعدل ..... لولا أنى وجدت لفعالهم هذا الذى لا يوجد مثيل له فى السخافة ، اللهم الا ما فى عقيدة المسيحيين من تضحية الله بنفسه للعفو عن المذنبين والمجرمين من البشر الذين يدخل فيهم اليهود قتلة المسيح المعدود ابن الله أو الله نفسه ، دخولا اوليا .
8
ومما يأسف له أن الدول الكبرى الغالبة التى وقعت البشريه بعد انتهاء الحرب بغلبتها تحت رحمتها ، أرادت إشراك الصغريات فى جنايتهم الحربية المفسدة للحياة المهلكة للحرث والنسل الجاعلة للدنيا تضيق على أهلها بما رحبت ..... فحضتها أى الصغريات على إعلان الحرب على الألمان وهم فى حالة سكرات الموت من الأنهزام وفى غير سمة الوقت لأن تصل اليهم ضربه من المحاربين الجدد ولو على اّخر رمق من حياتهم . فكان معنى إعلان هذه الحرب اشتراكا لاّثام الغالبين إن لم يكن اشتراكا فعليا فى الحرب ، وبالاختصار حرب غير شريفه طليا لمرضاة الغالب عله يتصدق على الدخيل من زكاة الظفر . وقد نال هذا الرجاء المبنى على خدمة القوى ضد الضعيف ما يستحقه من الخيبه .
وكانت مصر طالبت الانجليز فى غداة الحرب الكبيرة الأولى أيضا باستقلالها ، مستنده فى تلك المطالبة الى مساعدتها فى الحرب ضد الدولة العثمانية التى كانت مصر تابعة لها وموقف الانجليز منها الغاضب ....كما استندت فى مطالبتها الثانية الى مساعدتها ضد الألمان فى الحرب الثانية التى لا ناقة لها فيها ولا جمل (1) سوى التمهيد للاشتراك فى الغنيمة بعد غلبة الانجليز على الألمان بفضل مساعدة مصر .
أما موقف مصر فى مساعدتها الأولى للأنجليز فكان عبارة عن مطالبة الغاضب بثمن المساعدة . وأعجب منه أنها رمتنى لما هاجرت اليه رفضا لحكومة مصطفى كمال الذى كان يعد فى ذلك الزمان عدو الانجليز ومكرهها على الجلاء من الاّستانه .فكأنهم عابونى بمشايعة المغلوب فى معارضة الغالب فى حين أنهم لا عيب عليهم فى مشايعة الانجليز الغالبه وخذلان تركيا المغلوبه وإن كانوا جد غالطين فى توهم
بداية هامش
(1) كما خرج هذا التعبير اثناء الحرب من لسان شيخ الأزهر المراغى وسبب اشمئزاز الانجليز
نهاية هامش
9
الخصومة بين مصطفى كمال و الانجليز ثم فى افتراضه غالبا عليها فى تلك الخصومة ، وجد ظالمين فى رمى بدائهم ودائه .
عود على بدء ..... ضيعنا الدنيا حين ضيعنا اللبن فى الصيف . فمهمتنا اليوم أن نتمسك بديننا ونكسب الاّخرة. وهذا الكسب هو الذى لا يمكن الأقوياء الدنيويين من أعداء الدين أن يبارونا والذى لا أدعو نفسى وأخوانى المسلمين اليه بدافع القنوط من الفوز الدنيوى ، فلو فزنا بالدنيا كان ما أدعو اليه أهم منها ايضا .... لما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة قال فيما معناه : " بلغت المنتهى فى اكتساب الدنيا فمهمتى اليوم كسب الاّخره ! " . فهذا الكسب هو الصفقة الرابحة التى لا صفقة تعدها والتى تعوز الملوك . وإذا كان كسب الاّخرة هو مهمة الناجح فى كسب الدنيا فلأن يكون مهمة الذين خسروها أولى .
ربما يوجد بين القراء المسلمين لاسيما مسلمى هذا العصر من يشق عليهم التسليم بضياع الدنيا بل قد يوجد فيهم من لا ترضيهم الاّخرة المجردة من الدنيا مهما جل نعيم الاّخرة وضؤل بجانبة نعيم الدنيا الفانية ....ولى كلام معهم ايضا وطريقة توصلهم الى الجمع بين سعادة الدارين الذى لا يجانبه الإسلام القائل بلسان نبيه : "ليس بخيركم من ترك دنياه لاّخرته ولا من ترك اّخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعا فإن الدنيا بلاغ الاّخره " ولسنا نحن بفاقدى الأمل فى حالتنا الحاضرة كل الفقد إن كنا رجالا مستملكى العزم فى تدارك ما فاتنا من كلا الأمرين . وإنى أعلنت الى هنا كيف أضعنا الدنيا بتقصيرنا فيما كان يجب أن نعمل به على حسب ما حدث للدنيا من الأوضاع الجديده ، ولم أذكر شيئا عن تقصيرنا فى الأزمنة الطويلة المتقدمة على الأوضاع الأخيرة ..... ذلك التقصير الذى استمر إلى الزمان الحاضر وهيأ لنا خسارة الدنيا و الاّخره . ولقد لفت الأنظار هنا إلى الخسارة الأولى فقط لما تجلت هى أمام كل عين
10
بصيرة فأهبت بالمسلمين بالاحتفاظ ببقية ما فى أيديهم من قوة الإسلام صونا لهم من خسارة الدارين .
أما إذا أرادوا أن يكونوا أقوياء فى الدين والدنيا معا ويبعثوا إلى الحياة مرة ثانية قبل مبعث الاّخرة ، فطريق الوصول إلى هذه الغاية فى موقفنا هذا الذى لا أمل لنا ولا قدرة على سباق الأمم الغالبة فى الحربين المذكورتين ، بالسلاح هو التمسك بديننا وأخذ القوة من قوته حتى القوة الدنيوية إلى حد ان نغلب الغالبين ; لأن الإسلام أقوى الأديان و أوفقها للعقل الذى يغلب بفضله غلاب الدنيا . والقارىء يتبين هذه النقطة الأساسية من هذا الكتاب ، ويتبين منه ايضا أن غلاب الدنيا فى الحروب الأخيره يحاربون الأمم بسلاح العقل ، حتى اذا قام العقل يحارب دينهم الذى لا يتفق مع العقل كسروا هذا السلاح واستسلموا للدين ولكن لابد أن يكون هذا الدين الذى سبب قتل العقل وكسره ، مكسورا ايضا و على الأقل متهما بقتل العقل .
ومع هذا فالقوم أصحاب هذا الدين المكسور والعقل المكسور يقومون بعجائب الأعمال . ونحن السليمى العقل والدين من اصطدام بعضهما ببعض بل المتقوى ديننا بعقلنا وعقلنا بديننا عاجزون أمامهم . فإن كان الدين قوة والعقل قوة فلماذا لا نستفيد قوتين منهما سليمتين فى حين انهم يستفيدون من قوتهما مصطدمين ؟ وماذا ينقصنا بالنسبه اليهم حتى وقعنا فى هذا العجز المقيم؟
وقد يقال أنهم لا دين لهم أو بالأصح لا دين لرجال الدولة والسياسة و العلم الذين يقودونهم ويسوقونهم ....لا دين لهذه العناصر العقلية فيهم حتى يقع الصطدام بين دينهم وعقلهم فيكون العقل فى واد والدبن فى واد وتكون السلطه فى غير جانب الدين .وهذا هو الشكل المعير عنه بفصل الدين عن السياسة و الدولة . وسيجىء بحثه منا فى هذا الكتاب مع نتيجة البحث القائلة بعدم جوازه فى الإسلام . فهل هذا سبب قوتهم وتقدم بلادهم كما يدعى المدعون ايضا .

-21-
لكونه آمراً بطاعة أولى الأمر والمحافظة على الأمن والأسرة والملكية وناهية عن الفتنة والثورة .. حتى يقال أن الدين هو أعظم ضمان للبلاد يصونها من الشيوعية والبلشفة . ونحن نقول إن هذا من عظيم فضل الدين على البلاد ، لكن معناه من ناحية أخرى ينم على كون الدين يحمى الطبقات العليا من ثورة الكثرة المظلومة فيعمل على إدامة سلطة القلة عليهم ويظلمهم مع الظالمين المتغافلين عن حقوق الفقراء على الأغنياء .
فيجب على علماء الإسلام رفع التهمة عن الدين تهمة كون الأغنياء يحافظون على طبقتهم الممتازة في ظل حماية الدين مع حرمان الفقراء عن هذه الحماية محكومين على الصبر والسكون وممنوعين عن التوصل بالقوة إلى حقوقهم المضيعة .. وهذا التفريق بالنفع والضرر على الرغم من أن الدين إن كان باقياً في هذا الازمان فعند غير البقات العليا .
يجب على علمائنا رفع التهمة عن الدين تهمة الظلم على الفقراء وعلى نفسه في خذلان أنصاره ونصر غير الناصرين لأنصاره .. بأن يسدوا النصح المتواصل إلى المترفين ويقولوا : الإسلام الذي يصونكم من الثورة جعل في أموالكم حقا للفقراء إن لم نؤدوه عن طيب نفس وتدعوهم في بأسائهم فلا يحتملها الزمان إن إحتملوها ، وإن كانت نتيجة عدم الإحتمال خسارة الثائرين مع المثور عليهم وإنتفاع غيرهما من تجار المبادء العصرية الهدامة الماهرين .. ثم يرفعوا العقيرة لإيقاظ المترفين عن نومهم المقيم على شفا جرف خطر يدهمهم في الدنيا قبل الآخرة ، من قبل مواطنهم الذين يبيتون في ظلامين من الجهل والليل ويظلون على جمرتين من حرارة الشمس وحمى الأمراض ، يلبسون الأسمال ويشربون الأوحال التي لا يسوغ شربها لذة أو طبا .
***
-22-
وفي آخر كلمتي إلى القراء الكرام ألخص ما بعثني على تأليف هذا الكتاب ما رأيته في مصر التي آوتني بعد مغادرة بلادي فأصبحت بدلا منها يعنيني ما يعنيها من خير أو شر ويتحتم علىَّ أن أخدمها بما يتوقع من مثلي شيخاً من مشايخ الإسلام حنكه الزمان ولم يفت في عضده مالقيه من الشدائد في سبيل المصارحة بكلمات الحق والصدق _ التي تكون على الأكثر مرة _ مع التنقيب في درس مسائل العلوم المتعلقة بحياة الإسلام العلمية النافعة في صيانّها من تيار الإلحاد الحديث ، فأقول :
إن دولة الترك المسلمة التي دفاعها بسيفها عن حياض الإسلام ضد إعدائه يستغرق الثلثين من تاريخه وتندرج في ذلك _ عند التحقيق _ أدوار الحروب الصليبية الموجهة إلى البلاد الإسلامية والمنهية بالنسبة إلى تلج الأدوار في ردها على أعقابها ... هذه الدولة كان آخر سلاح حاربّها به الدول الوارثة لضغائن تلك الحروب ، نشر الإلحاد القائم على العلوم والمبادىء المادية بين أبنائها المثقفين ونشر المبادىء القومية بين العناصر المندرجة تحت لوائها .
وقد وجد أول هذين السلاحين عوناً للأعداء في قلب تركيا ، فكان إستعماله كفتح الحصن من داخله ، كما وجد السلاح الثاني رواجاً عظيماً في أطراف تركيا .
وكفى السلاحان في القضاء على دولة الترك المسلمة المجاهدة (1) .
_________________________________
[1] وهذا السلطان عبد الحميد آخر من تولى السلطنة العثمانية بمعنى الكلمة وحكم مدة ثلث قرن على البلاد الواسعة التي من ضمنها الأقطار العربية ، إلى أن خلع في ثورة دبرها حزب الأتحاد والترقي ، وتفرقت تلك البلاد بعده أيدي سبأ في حروب متعاقبة ...
هذا السلطان كان سداً منيعاً لنزول المهاجرين اليهود إلى فلسطين ، وكان من المصادفات التي لها مغزى أن بلغ السلطان قرار البرلمان على خلعه ، قره صو اليهودي نائب سلانيك الذي إختارته لهذه المهمة الهيأة الممتازة لها من رف البرلمان الملفة من خمسة رجال من الشيوخ والنواب المختلفى الدين والعنصر ... والذي سبق له الحصول قبل إعلان الدستور في تركيا على مقابلة السلطان مندوباً من اليهود الصهيونيين ، فاتحة فيها رجاءهم المتعلق بمسألة الهجرة إلى فلسطين مع تقديم هدية موعودة ?
-23-
وكنت لما كنت في بلادي كافحت هذين السلاحين على طول فترة إنتقال الحكم فيها إلى أيدي الملاحدة وكان ظني عند مغادرة تركيا مهاجراً إلى بلاد العرب التي جاء نور الإسلام إلينا منهم ، أني أستريح من مجاهدة الملاحدة . لكني وجدت الجو الثقافي بمصر أيضاً مسموماً من تيار الغرب ، فشق هذا على نفسي أكثر مما شق عليَّ موقف تركيا الجديدة من ذلك التيار ، كما شق وقوفي على أن أخواني العرب يفضلون تركيا هذه على تركيا القديمة المسلمة ، فرأيتهم توغلوا في تقليد الغرب وسابقوا الترك في الإفتتان به . والإنقلاب الثائر في تركيا حصل عندهم في شكل هاديء ومن طريق التأثير والتجديد في الأزهر ، فترى مجدده الشيخ محمد عبده الذي ناظره الأستاذ فرح أنطون منشيء مجلة (( الجامعة )) وقال في مناظرته : (( إن الدين يخالف العقل والعلم لأنه الإيمان بخالق غير منظور وآخرة غير منظورة ووحي ونبوءة ومعجزة وبعث وحشر وحساب وثواب وعقاب وكلها غير محسوسة ولا معقولة ، وأن العدو الحقيقي للأديان في هذا الزمان لم يعد منها بل صار خارجاً عنها ، فهو عدو جديد أخرجه التمدن الجديد ... ))
هذا الشيخ الذي ناقش ذلك الأستاذ في الماضي البعيد نراه في الماضي القريب يؤلف الأستاذ محمد صبيح كتاباً مسمى بإسمه ويضع في غلاف الكتاب لوحة تصور إيفل الباريسية مع مآذن الجامع الأزهر تقتبس رؤوس الثانية ضياء من رأس الأولى ؛ ويحكي المؤلف في كتابه بكل إعجاب كيف قضي الشيخ على علماء الأزهر القدماء وعلومهم وكتبهم كما سيجيء تفصيله في كتابنا هذا .
وكما ترى الأستاذ فريد وجدي بك الذي ناقش الشيخ التفتازاني المرحوم دفاعاً
_________________________________
? قدرها خمسون ميليونا من الجنيهات الذهب لخزينة الدولة وخمسة ملايين منها لخزينة السلطان الخاصة على تقدير قبول المسئول ، فلقى رجاؤه رداً عنيفا من السلان مقرونا بإخراجه من حضوره في سخط وإحتقار ... فهل يعرف إخواننا هذه المواقف السابقة لفلسطين في الماضي القريب ويقارنونها بالحالات الحاضرة ؟
-24-
عن الإنقلاب الكمالي اللاديني في تركيا ، وقال : (( فنحن الذين شهدنا هذه الآية الإجتماعية يحرم علينا أن نصغر من شأنها أو نمر بها غير مكترثين ، فإننا سنمر في كل الأدوار التي مر بها الأتراك متى جاء دورنا في نهوض حقيقي صحيح . فأن لم نتعلم مما دخل فيه الأتراك درساً فلا أقل من أن نعجب به مع المعجبين . )) وناقشني هذا الأستاذ بعد سنتين منكراً لمعجزات الأنبياء ومضيفاً إليه عند النقاش إنكار البعث بعد الموت ، وقال : (( ... ولد العلم الحديث وما زال يجاهد القوى التي كانت تساوره فتغلب عليها ودالت الدولة إليه في الأرض فنظر نظرة في الأديان وسرى عليها أسلوبه فقذف بها جملة إلى عالم الميتولوجيا ( الأساطير ) ثم أخذ يبحث في إشتقاق بعضها عن بعض وإتصال أساطيرها بعضها ببعض ، فجعل من ذلك مجموعة تقرأ لا لتقدس تقديسا ، ولكن ليعرف الباحثون منها الصور الذهنية التي كان يستعبد لها الإنسان نفسه ويقف على صيانتها جهوده غير مدخر في سبيلها روحه وماله . (( وقد اتصل الشرق الإسلامي بالغرب منذ أكثر من مئة سنة فأخذ يرتشف من مناهله العلمية ، ويقتبس من مدنيته المادية ، فوقف فيما وقف على هذه الميتولوجيا ووجد دينه ماثلا فيها فلم ينبس بكلمة لأنه يرى الأمر أكبر من أن يحاوله ولكنه استعبان الإلحاد متيقنا أنه مصير أخوانه كافة متى وصلوا إلى درجته العلمية . (( وقد نبغ في البلاد الإسلامية كتاب وشعراء وقفوا على هذه البحوث العلمية فسحرتهم فأخذوا يهيئون الأذهان لقبولها دساً في مقالاتهم وقصائدهم غير مصارحين بها غير أمثالهم تفادياً من أن يقاطعوا أو ينفوا من الأرض . )) فيفهم من هذا ومما يأتي أن الدين في مصر مع ما فيها من الجامع الأزهر وغيره من المعالم والمعاهد القديمة في حالتها الراهنة ، ومع كون دستورها الجديد لا يزال ناطقاً بدين الدولة .. لفى حالة عجيبة ، لا من ناحية العمل بأحكام الشريعة الإسلامية
-25-
وقوانينها فحسب ، بل ومن ناحية الاعتقاد والاعتراف بأصول الدين الملخصة في الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر . فمعجزات الأنبياء المعدودة من الخوارق التي تستند إليها نبواتهم غير معترف بها عند المبرزين من العلماء الذين اتخذتهم مصر الحديثة أئمة في الدين مثل الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا والشيخ الأكبر المراغي واقتدى بهم الكتاب من كبار المؤلفين مثل الدكتور هيكل باشا والأستاذ فريد وجدي بك الذي يعدُّ آيات المعجزات ، بل آيات البعث بعد الموت أيضاً من المتشابهات غير المحكمات .. إلى صغارهم مثل الدكتور توفيق الطوبل القائل في كتابه (( التنبؤ بالغيب عند مفكرى الإسلام )) ص 27 : (( رأي ابن خلدون يخالف الاتجاه الحديث الذي ينكر الكرامات وخوارق العادات وبؤول المعجزات بحيث تبدو متفقة مع منطق العقل متمشية مع سنة الكون مسايرة لطبيعة الاشياء )) مع أن المعجزة المؤولة بما يتمشى مع سنة الكون لا تعود معجزة فتأويلها به وإتبارها بدون تأويل غير متفقة مع منطق العقل يرجع إلىإنكارها . ثم إن نبوات الأنبياء تنهار بإنهيار المعجزات لاشتراكهما في علة المخالفة لسنة الكون . ولذا جاء تعريف الشيخ محمد عبده بالنبي _ كما يأتي نصه بالباب الثالث من هذا الكتاب _ خالياً من خصائص النبوة المعروفة مثل الوحي والملك المرسل والكتاب المنزل والمعجزة . والنبوة المنهارة تتحول في لسان الاتجاه الحديث إلى (( العبقرية )) فيعتبر أنها ما خسرت ما ميزتها !.. فهذه حالة مصر الحاضرة _ المستورة المكشوفة _ في عدم الاعتراف بوجود الأنبياء . أما عدم الاعتراف بوجود الله فله علامات أبرزها تصريح الأستاذ فريد وجدي بك _ كما سبق نصه وسيتكرر ذكره في هذا الكتاب عند مناسبات كثيرة _ بأن في
-26-
الشرق الإسلامي نوابغ من الكتاب والشعراء اتصلوا بالغرب وعلومه فرأوا دينهم مقذوفاً به مع سائر الأديان إلى عالم الأساير ، فلم ينبسوا بكلمة لأن الأمر أكبر من يحاولوه ولكنهم استبطنوا الإلحاد متيقنين أنه مصير اخوانهم كافة متى وصلوا إلى درجتهم العلمية ، وهم اليوم مشتغلون بتهيئة الأذهان إلى قبول ما استبنوه دسا في مقالاتهم وقصائدهم ، غير مصارحين به غير أمثالهم . والأستاذ نفسه منهم وفي طليعتهم وإن كان لا ينسى تفريقه منهم يتسع لها قانون الدس ، حسبك ما ينادي به دستواً علمياً يردده دائماً في مجلة الأزهر التي يديرها ويرأس تحريرها منذ بضع عشرة سنة : من أن العلم لا يعتد بمعقول لا يؤيده محسوس كخالق غير منظور وآخره غير منظورة ونبوءة غير منظورة ووحي معجزة وبعث وحشر وحساب وثواب في الجنة وعذاب في النار ، وكلها _ مما عده الأستاذ فرح أنطون منشيء مجلة (( الجامعة )) عند مناظرة الشيخ محمد عبده وانطبق عليه دستور الأستاذ فريد وجدي بك العلمي _ غير منظورة ولا معقولة .
وحسبك أيضاً تعليل الأستاذ رئيس تحرير مجلة الأزهر قارئيه بما ينتظره من الغربيين المشتغلين بالبحوث النفسية أنهم سيكتشفون وجود الله فيما يكتشفون . والجمهور من القراء يسرون بهذه المواعيد ولا يفطنون لما دس فيها الكاتب النابغة من أن وجود الله لم يثبت إلى الآن بالطريقة التي تقنع العلم توفيقاً لدستوره المذكور آنفاً .
ونرى دعاية الأستاذ ، دعاية وياللأسف ضد الديانة . تتخطى من فوق منبر الأزهر إلى ساحة الأدب ، فيكتب مقالة في مجلة (( الرسالة )) بعنوان (( الدين في معترك الشكوك )) والمجلة تضعها في صدرها ، يعلن فيها الكاتب أن الدين قضى عليه قضاء لا يرجى له البعث إلا من طريق إستحضار الأرواح . وهو أن الدين إن كان يعيش الآن فإنما يعيش في قلوب السذج من العامة ... فلا يحرك هذا الإعلان الذي ينعي الدين ويتضمن أشنع دعاية ضده ، ساكناً في مصر بين أوسا المتعلمين ، وكيف
-27-
يحرك والناعي مندوب الأزهر وممثله في عالم لاصحافة ؟ فياخسارة البلاد التي تسعى للتخلص من إستعمار الإنجليز ، وأفظع الاستعمار الغربي الذي أفسد الدين والأخلاث _ ولا شك في مجيء هذا الفساد مع الإنجليز _ مخيم في عقول مثقفيها !..
وهل كان يخطر بالبال أن يكون هؤلاء المثقفون _ ومعهم سادة الأزهر _ ينكرون معجزات الأنبياء إلا معجزة القرآن لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، على أن يكون إعجازه أيضاً غير مفهوم منذ أزمنة طويلة خلت ؟ كما صرح به الأستاذ الأكبر المراغي في مقالة نشرها في الفترة المتخللة بين مشيخته الأولى والثانية على صفحات (( السياسة الأسبوعية )) و (( الأهرام )) وقال فيها : (( وقد انقضى عهد الذين أدركوا الإعجاز من طريق الذوق وآمنوا بالقرآن بسبب هذا الإدراك ، ونحن الآن نقيم على الإعجاز أدلة عقلية ونقول إنه تحدى العرب وأنهم عجزوا ، وهذا يدول على أنه من عند الله . ))
فيرد عليه أولاً : لماذا لا يعترف هذا الشيخ بإعجاز القرآن حالا وبنفوذه في نفسه وهو شيخ أكبر المعاقل الدينية والعربية الذي يستوجب أن يكون فهمه للعربية وللقرآن أكثر من غيره ؟ لماذا لا يعترف بإعجازه حالا فيحيله على الماضي ؟ فهل هو الذي أعجز العرب القدماء لا يعجز العرب الحاضرين ؟
ويرد عليه ثانياً : أن مسألة إعجاز القرآن على هذا لا تقوم على أدلة عقلية أيضاً ، وإنما تنقلب مسألة تاريخية وتقدره قوة ثبوتها بقدر قوة ثبوت المسائل التاريخية ومثلها مسألة معجزات الأنبياء مطلقا ، فلماذا إذن يعترف بمعجزة القرآن ولا يعترف بغيرها من المعجزات ؟ ولا محل لإصتضعاف التاريخ في تلك المعجزات لتأيدها بتصديق القرآن المنقول إلينا تواتراً والمسلم إعجازه متحدياً للعرب الماضين .
ومعنى إعجاز القرآن على قول معالى هيكل باشا وزير المعارف سابقاً ورئيس مجلس الشيوخ حالا أنه معجزة عقلية إنسانية بلغت أسمى ما يستطيع الإنسان أن
-28-
يبلغه . قال في (( حياة محمد )) ص 44 من الطبعة الثانية : (( فحياة محمد حياة إنسانية بلغت أسمى ما يستطيع الإنسان أن يبلغ ، وقد كان حريصاً على أن يقدر المسلمون أنه بشر مثلهم يوحى إليه ، حتى كان لا يرضى أن ينسب إليه معجزة غير القرآن ويصارح أصحابه بذلك . وقلنا عند الكلام عن قصة شق الصدر إنما يدعو المستشرقين والمفكرين من المسلمين إلى هذا الموقف من هذا الحادث أن حياة محمد كلها حياة إنسانية سامية وأنه لم يلجأ في إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق . وهم في هذا يجدون من المؤرخين العرب والمسلمين سنداً حين ينكرون من حياة النبي العربي كلها مالا يدخل في معروف العقل . )) وهذا القول من معاليه يستهدف انتقادات كثيرة نحصيها إن شاء الله في الباب الثالث من هذا الكتاب ونقتصر هنا على القول بأن خلاصته تنزيل إعجاز القرآن ، الذي أتى به وكان أكبر وقائع حياته المقيدة بأنها حياة إنسانية لم يدخلها خارقة من الخوارق _ إلى استطاعة إنسانية ، وإن كانت أسمى ما يستطيعه الإنسان ، في حين أن القرآن نفسه يصرح بأنه فوق استطاعة البشر وأنه كلام الله . وهل يظن معالي الباشا أن القرآن الذي لا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بمثله مجتمعين ، في إستطاعة محمد صلى الله عليه وسلم أن يأتي به من عنده ؟ أما إتيانه به من عند الله على أنه كلام الله فهذا مالا يدخل عند الباشا في معروف العقل وأنه يكون القرآن على هذا التقدير من الخوار التي ينكرها معاليه ولا يراها جديرة بأن يلجأ إليها محمد صلى الله عليه وسلم . أما قوله حكاية عنه ، بعد التنبيه على أنه بشر مثلهم : (( يوحي إليه )) فقد كنت قلت أنه جار على قلم معاليه استرسالا يساير فيه نظم الآية القرآنية ويحتمي به عند اللزوم في ضمن قانون الدس ، إذ لو لم أنقل هكذا كان ذلك القول من الحاكى خروجاً عن حدود معروف العقل ، ومن المحكى عنه لجوءاً إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق ،
-29-
وكلاهما مالا يرضاه الباشا . فلا محل لاحتمال كونه جادا في الاعتراف بالوحى ، لأنه متناقض مع سميه لتنزيهه صلى الله عليه وسلم من الخوارق ... كنت قلت هكذا وكان لي الحق في ذلك تأليفاً لأقوال معاليه عن حياة محمد صلى الله عليه وسلم المنقولة آنفاُ ، بعضها مع بعض ... لو لم يكن مفهوماً من آخر مقدمة كتابه أنه يتشجع أمام العلم فيعترف له صلى الله عليه وسلم بالوحي ... فإذن يبقى قوله (( يوحى إليه )) مناقضاً لما أضاف إليه من الجمل . وكان الأستاذ فريد وجدي بك وهو من غلاة منكرى المعجزات بدعوى أنها مخالفة للعقل وسنة الكون كما ادعى هيكل باشا ، حتى ان الأستاذ فريد ينكر البعث بعد الموت للسبب نفسه ... كان هذا الأستاذ أنكر إعجاز القرآن بألفاظه ومبانيه في مقالاته التي كتبها دفاعاً عن فتنة ترجمة القرآن المثارة في تركيا المنقلبة ، قائلاً : (( إنه لم يتحد أحداً ببلاغته وإنما تجدي الإنس والجن أن يأتوا بمثله في حكمته وشريعته )) مع أن الأستاذ يعرف أن أمماً إسلامية لم تعجبهم شريعة القرآن فاستبدلوا بها شرائع الغرب قبل استبدالهم ألفاظاً أعجمية بألفاظه ومبانيه ، والأستاذ الذي ناصرهم في تبديل ألفاظه لم يؤاخذهم يؤمئذ على تبديل شريعته ... فمنكرو المعجزات ، كما يفرقون بين الكتاب والسنة فيعولون على الكتاب ولا يعولون على السنة توسلا إلى إنكار أحاديث المعجزات لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ... يفرقون أيضاً بين لفظ الكتاب ومعناه ، فيتمسكون بمعناه ويخذلون لفظه ، ويتمسكون بلفظه ويخذلون معناه على حسب ما يقضى به هوى التجديد المصري المتسكع . وعلى كل تقدير في موقف الكثرة من كتاب مثر وعلمائها الجدد إزاء معجزة القرآن خصوصا ومعجزات الأنبياء عموما ، فالنبوة لا تزيد على مرتبة العبقرية وهي ليست بمرتبة النبوة المعروفة في الإسلام وفي سائر الأديان ، كما أن النبي الذي عرفه الشيخ محمد عبده بإنسان فطر على الحق علماً وعملا بحيث لا يعلم إلا حقاً ولا يعمل
-30-
إلا حقاً على مقتضى الحكمة ... إلخ )) ليس بالنبي المعروف . فالنبوة مقضي عليها عند أصحاب القول السائد في مصر الحديثة من الكتاب والعلماء ، منحلة في بوتقة التأويل . وقد عرفت موقف مسألة الألوهية المخذولة عند أصحاب (( مجلة الأزهر )) و (( الرسالة )) في معترك الشكوك ، قبل موقف النبوة . فالدين بكلا ركنيه الأساسيين مقذوف به في نظر الأوساط المثقفة المصرية بيد العلم الحديث الذي لا يؤمن بغير ما ثبت بالتجربة الحسية ، إلى عالم الأساطير .. لا فرق بين مصر وتركيا الحديثتين في غلبة الإلحاد على الديانة إلا من حيث أن الإنقلاب اللاديني تأسس في تركيا جبراً من الحكومة مفاجأة من عهد مصطفى كمال ، وفي مصر بالنشر والدعاية المدسوسة من حملة الأقلام والمحاباه من الحكومة المرتبطة هي الأخرى بمحاباه من الغرب الذي هو رأس هذه الفتنة المدبرة في المملكتين ، فانجلترا انتهزت فرصة كون تركيا في عداد الدول المغلوبة في الحرب العالمية الأولى ، فساومتها بواسطة مصطفى كمال الذي وجدته أنصع أهل لهذه المساومة على الاحتفاظ باستقلالها في مقابل التنازل عن الخلافة والتجرد عن الدين والمشي في السياسة الدولية من وراء الإنجليز ، كأنها مولى العتاقة لها ، وتسنى إنتشار الإلحاد في مصر تحت حماية الإنجليز من غير ثمن مقابل يذكر . نعم ، إن تركيا الجديدة أخسر صفقة وأسوء عاقبة من مصر التي أدركت ما تضمر الإنجليز من البغض العميق نحو المسلمين فأخذت تقابل البغضاء بالبغضاء وتكرهها بكل قوتها على أن تكف يدها عن مصر في حين أن تركيا دخلت في حماية الإنجليز ووصايتها وكفرت بنعمة الله التي كانت لها في بعد عنها حين كانت دولة إسلامية . وعدو الدولة العثمانية وصديقة تركيا الجديدة .
_________________________________
[1] بعد أن أدخل _ هذا الشيطان _ النزاع الغربي بين الدين والعقل في عقول المثقفين ?
-21-
لكونه آمراً بطاعة أولى الأمر والمحافظة على الأمن والأسرة والملكية وناهية عن الفتنة والثورة .. حتى يقال أن الدين هو أعظم ضمان للبلاد يصونها من الشيوعية والبلشفة . ونحن نقول إن هذا من عظيم فضل الدين على البلاد ، لكن معناه من ناحية أخرى ينم على كون الدين يحمى الطبقات العليا من ثورة الكثرة المظلومة فيعمل على إدامة سلطة القلة عليهم ويظلمهم مع الظالمين المتغافلين عن حقوق الفقراء على الأغنياء .
فيجب على علماء الإسلام رفع التهمة عن الدين تهمة كون الأغنياء يحافظون على طبقتهم الممتازة في ظل حماية الدين مع حرمان الفقراء عن هذه الحماية محكومين على الصبر والسكون وممنوعين عن التوصل بالقوة إلى حقوقهم المضيعة .. وهذا التفريق بالنفع والضرر على الرغم من أن الدين إن كان باقياً في هذا الازمان فعند غير البقات العليا .
يجب على علمائنا رفع التهمة عن الدين تهمة الظلم على الفقراء وعلى نفسه في خذلان أنصاره ونصر غير الناصرين لأنصاره .. بأن يسدوا النصح المتواصل إلى المترفين ويقولوا : الإسلام الذي يصونكم من الثورة جعل في أموالكم حقا للفقراء إن لم نؤدوه عن طيب نفس وتدعوهم في بأسائهم فلا يحتملها الزمان إن إحتملوها ، وإن كانت نتيجة عدم الإحتمال خسارة الثائرين مع المثور عليهم وإنتفاع غيرهما من تجار المبادء العصرية الهدامة الماهرين .. ثم يرفعوا العقيرة لإيقاظ المترفين عن نومهم المقيم على شفا جرف خطر يدهمهم في الدنيا قبل الآخرة ، من قبل مواطنهم الذين يبيتون في ظلامين من الجهل والليل ويظلون على جمرتين من حرارة الشمس وحمى الأمراض ، يلبسون الأسمال ويشربون الأوحال التي لا يسوغ شربها لذة أو طبا .
***
-22-
وفي آخر كلمتي إلى القراء الكرام ألخص ما بعثني على تأليف هذا الكتاب ما رأيته في مصر التي آوتني بعد مغادرة بلادي فأصبحت بدلا منها يعنيني ما يعنيها من خير أو شر ويتحتم علىَّ أن أخدمها بما يتوقع من مثلي شيخاً من مشايخ الإسلام حنكه الزمان ولم يفت في عضده مالقيه من الشدائد في سبيل المصارحة بكلمات الحق والصدق _ التي تكون على الأكثر مرة _ مع التنقيب في درس مسائل العلوم المتعلقة بحياة الإسلام العلمية النافعة في صيانّها من تيار الإلحاد الحديث ، فأقول :
إن دولة الترك المسلمة التي دفاعها بسيفها عن حياض الإسلام ضد إعدائه يستغرق الثلثين من تاريخه وتندرج في ذلك _ عند التحقيق _ أدوار الحروب الصليبية الموجهة إلى البلاد الإسلامية والمنهية بالنسبة إلى تلج الأدوار في ردها على أعقابها ... هذه الدولة كان آخر سلاح حاربّها به الدول الوارثة لضغائن تلك الحروب ، نشر الإلحاد القائم على العلوم والمبادىء المادية بين أبنائها المثقفين ونشر المبادىء القومية بين العناصر المندرجة تحت لوائها .
وقد وجد أول هذين السلاحين عوناً للأعداء في قلب تركيا ، فكان إستعماله كفتح الحصن من داخله ، كما وجد السلاح الثاني رواجاً عظيماً في أطراف تركيا .
وكفى السلاحان في القضاء على دولة الترك المسلمة المجاهدة (1) .
[1] وهذا السلطان عبد الحميد آخر من تولى السلطنة العثمانية بمعنى الكلمة وحكم مدة ثلث قرن على البلاد الواسعة التي من ضمنها الأقطار العربية ، إلى أن خلع في ثورة دبرها حزب الأتحاد والترقي ، وتفرقت تلك البلاد بعده أيدي سبأ في حروب متعاقبة ...
هذا السلطان كان سداً منيعاً لنزول المهاجرين اليهود إلى فلسطين ، وكان من المصادفات التي لها مغزى أن بلغ السلطان قرار البرلمان على خلعه ، قره صو اليهودي نائب سلانيك الذي إختارته لهذه المهمة الهيأة الممتازة لها من رف البرلمان الملفة من خمسة رجال من الشيوخ والنواب المختلفى الدين والعنصر ... والذي سبق له الحصول قبل إعلان الدستور في تركيا على مقابلة السلطان مندوباً من اليهود الصهيونيين ، فاتحة فيها رجاءهم المتعلق بمسألة الهجرة إلى فلسطين مع تقديم هدية موعودة ?
-23-
وكنت لما كنت في بلادي كافحت هذين السلاحين على طول فترة إنتقال الحكم فيها إلى أيدي الملاحدة وكان ظني عند مغادرة تركيا مهاجراً إلى بلاد العرب التي جاء نور الإسلام إلينا منهم ، أني أستريح من مجاهدة الملاحدة . لكني وجدت الجو الثقافي بمصر أيضاً مسموماً من تيار الغرب ، فشق هذا على نفسي أكثر مما شق عليَّ موقف تركيا الجديدة من ذلك التيار ، كما شق وقوفي على أن أخواني العرب يفضلون تركيا هذه على تركيا القديمة المسلمة ، فرأيتهم توغلوا في تقليد الغرب وسابقوا الترك في الإفتتان به . والإنقلاب الثائر في تركيا حصل عندهم في شكل هاديء ومن طريق التأثير والتجديد في الأزهر ، فترى مجدده الشيخ محمد عبده الذي ناظره الأستاذ فرح أنطون منشيء مجلة (( الجامعة )) وقال في مناظرته : (( إن الدين يخالف العقل والعلم لأنه الإيمان بخالق غير منظور وآخرة غير منظورة ووحي ونبوءة ومعجزة وبعث وحشر وحساب وثواب وعقاب وكلها غير محسوسة ولا معقولة ، وأن العدو الحقيقي للأديان في هذا الزمان لم يعد منها بل صار خارجاً عنها ، فهو عدو جديد أخرجه التمدن الجديد ... ))
هذا الشيخ الذي ناقش ذلك الأستاذ في الماضي البعيد نراه في الماضي القريب يؤلف الأستاذ محمد صبيح كتاباً مسمى بإسمه ويضع في غلاف الكتاب لوحة تصور إيفل الباريسية مع مآذن الجامع الأزهر تقتبس رؤوس الثانية ضياء من رأس الأولى ؛ ويحكي المؤلف في كتابه بكل إعجاب كيف قضي الشيخ على علماء الأزهر القدماء وعلومهم وكتبهم كما سيجيء تفصيله في كتابنا هذا .
وكما ترى الأستاذ فريد وجدي بك الذي ناقش الشيخ التفتازاني المرحوم دفاعاً
_________________________________
? قدرها خمسون ميليونا من الجنيهات الذهب لخزينة الدولة وخمسة ملايين منها لخزينة السلطان الخاصة على تقدير قبول المسئول ، فلقى رجاؤه رداً عنيفا من السلان مقرونا بإخراجه من حضوره في سخط وإحتقار ... فهل يعرف إخواننا هذه المواقف السابقة لفلسطين في الماضي القريب ويقارنونها بالحالات الحاضرة ؟
-24-
عن الإنقلاب الكمالي اللاديني في تركيا ، وقال : (( فنحن الذين شهدنا هذه الآية الإجتماعية يحرم علينا أن نصغر من شأنها أو نمر بها غير مكترثين ، فإننا سنمر في كل الأدوار التي مر بها الأتراك متى جاء دورنا في نهوض حقيقي صحيح . فأن لم نتعلم مما دخل فيه الأتراك درساً فلا أقل من أن نعجب به مع المعجبين . )) وناقشني هذا الأستاذ بعد سنتين منكراً لمعجزات الأنبياء ومضيفاً إليه عند النقاش إنكار البعث بعد الموت ، وقال : (( ... ولد العلم الحديث وما زال يجاهد القوى التي كانت تساوره فتغلب عليها ودالت الدولة إليه في الأرض فنظر نظرة في الأديان وسرى عليها أسلوبه فقذف بها جملة إلى عالم الميتولوجيا ( الأساطير ) ثم أخذ يبحث في إشتقاق بعضها عن بعض وإتصال أساطيرها بعضها ببعض ، فجعل من ذلك مجموعة تقرأ لا لتقدس تقديسا ، ولكن ليعرف الباحثون منها الصور الذهنية التي كان يستعبد لها الإنسان نفسه ويقف على صيانتها جهوده غير مدخر في سبيلها روحه وماله . (( وقد اتصل الشرق الإسلامي بالغرب منذ أكثر من مئة سنة فأخذ يرتشف من مناهله العلمية ، ويقتبس من مدنيته المادية ، فوقف فيما وقف على هذه الميتولوجيا ووجد دينه ماثلا فيها فلم ينبس بكلمة لأنه يرى الأمر أكبر من أن يحاوله ولكنه استعبان الإلحاد متيقنا أنه مصير أخوانه كافة متى وصلوا إلى درجته العلمية . (( وقد نبغ في البلاد الإسلامية كتاب وشعراء وقفوا على هذه البحوث العلمية فسحرتهم فأخذوا يهيئون الأذهان لقبولها دساً في مقالاتهم وقصائدهم غير مصارحين بها غير أمثالهم تفادياً من أن يقاطعوا أو ينفوا من الأرض . )) فيفهم من هذا ومما يأتي أن الدين في مصر مع ما فيها من الجامع الأزهر وغيره من المعالم والمعاهد القديمة في حالتها الراهنة ، ومع كون دستورها الجديد لا يزال ناطقاً بدين الدولة .. لفى حالة عجيبة ، لا من ناحية العمل بأحكام الشريعة الإسلامية
-25-
وقوانينها فحسب ، بل ومن ناحية الاعتقاد والاعتراف بأصول الدين الملخصة في الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر . فمعجزات الأنبياء المعدودة من الخوارق التي تستند إليها نبواتهم غير معترف بها عند المبرزين من العلماء الذين اتخذتهم مصر الحديثة أئمة في الدين مثل الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا والشيخ الأكبر المراغي واقتدى بهم الكتاب من كبار المؤلفين مثل الدكتور هيكل باشا والأستاذ فريد وجدي بك الذي يعدُّ آيات المعجزات ، بل آيات البعث بعد الموت أيضاً من المتشابهات غير المحكمات .. إلى صغارهم مثل الدكتور توفيق الطوبل القائل في كتابه (( التنبؤ بالغيب عند مفكرى الإسلام )) ص 27 : (( رأي ابن خلدون يخالف الاتجاه الحديث الذي ينكر الكرامات وخوارق العادات وبؤول المعجزات بحيث تبدو متفقة مع منطق العقل متمشية مع سنة الكون مسايرة لطبيعة الاشياء )) مع أن المعجزة المؤولة بما يتمشى مع سنة الكون لا تعود معجزة فتأويلها به وإتبارها بدون تأويل غير متفقة مع منطق العقل يرجع إلىإنكارها . ثم إن نبوات الأنبياء تنهار بإنهيار المعجزات لاشتراكهما في علة المخالفة لسنة الكون . ولذا جاء تعريف الشيخ محمد عبده بالنبي _ كما يأتي نصه بالباب الثالث من هذا الكتاب _ خالياً من خصائص النبوة المعروفة مثل الوحي والملك المرسل والكتاب المنزل والمعجزة . والنبوة المنهارة تتحول في لسان الاتجاه الحديث إلى (( العبقرية )) فيعتبر أنها ما خسرت ما ميزتها !.. فهذه حالة مصر الحاضرة _ المستورة المكشوفة _ في عدم الاعتراف بوجود الأنبياء . أما عدم الاعتراف بوجود الله فله علامات أبرزها تصريح الأستاذ فريد وجدي بك _ كما سبق نصه وسيتكرر ذكره في هذا الكتاب عند مناسبات كثيرة _ بأن في
-26-
الشرق الإسلامي نوابغ من الكتاب والشعراء اتصلوا بالغرب وعلومه فرأوا دينهم مقذوفاً به مع سائر الأديان إلى عالم الأساير ، فلم ينبسوا بكلمة لأن الأمر أكبر من يحاولوه ولكنهم استبطنوا الإلحاد متيقنين أنه مصير اخوانهم كافة متى وصلوا إلى درجتهم العلمية ، وهم اليوم مشتغلون بتهيئة الأذهان إلى قبول ما استبنوه دسا في مقالاتهم وقصائدهم ، غير مصارحين به غير أمثالهم . والأستاذ نفسه منهم وفي طليعتهم وإن كان لا ينسى تفريقه منهم يتسع لها قانون الدس ، حسبك ما ينادي به دستواً علمياً يردده دائماً في مجلة الأزهر التي يديرها ويرأس تحريرها منذ بضع عشرة سنة : من أن العلم لا يعتد بمعقول لا يؤيده محسوس كخالق غير منظور وآخره غير منظورة ونبوءة غير منظورة ووحي معجزة وبعث وحشر وحساب وثواب في الجنة وعذاب في النار ، وكلها _ مما عده الأستاذ فرح أنطون منشيء مجلة (( الجامعة )) عند مناظرة الشيخ محمد عبده وانطبق عليه دستور الأستاذ فريد وجدي بك العلمي _ غير منظورة ولا معقولة .
وحسبك أيضاً تعليل الأستاذ رئيس تحرير مجلة الأزهر قارئيه بما ينتظره من الغربيين المشتغلين بالبحوث النفسية أنهم سيكتشفون وجود الله فيما يكتشفون . والجمهور من القراء يسرون بهذه المواعيد ولا يفطنون لما دس فيها الكاتب النابغة من أن وجود الله لم يثبت إلى الآن بالطريقة التي تقنع العلم توفيقاً لدستوره المذكور آنفاً .
ونرى دعاية الأستاذ ، دعاية وياللأسف ضد الديانة . تتخطى من فوق منبر الأزهر إلى ساحة الأدب ، فيكتب مقالة في مجلة (( الرسالة )) بعنوان (( الدين في معترك الشكوك )) والمجلة تضعها في صدرها ، يعلن فيها الكاتب أن الدين قضى عليه قضاء لا يرجى له البعث إلا من طريق إستحضار الأرواح . وهو أن الدين إن كان يعيش الآن فإنما يعيش في قلوب السذج من العامة ... فلا يحرك هذا الإعلان الذي ينعي الدين ويتضمن أشنع دعاية ضده ، ساكناً في مصر بين أوسا المتعلمين ، وكيف
-27-
يحرك والناعي مندوب الأزهر وممثله في عالم لاصحافة ؟ فياخسارة البلاد التي تسعى للتخلص من إستعمار الإنجليز ، وأفظع الاستعمار الغربي الذي أفسد الدين والأخلاث _ ولا شك في مجيء هذا الفساد مع الإنجليز _ مخيم في عقول مثقفيها !..
وهل كان يخطر بالبال أن يكون هؤلاء المثقفون _ ومعهم سادة الأزهر _ ينكرون معجزات الأنبياء إلا معجزة القرآن لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، على أن يكون إعجازه أيضاً غير مفهوم منذ أزمنة طويلة خلت ؟ كما صرح به الأستاذ الأكبر المراغي في مقالة نشرها في الفترة المتخللة بين مشيخته الأولى والثانية على صفحات (( السياسة الأسبوعية )) و (( الأهرام )) وقال فيها : (( وقد انقضى عهد الذين أدركوا الإعجاز من طريق الذوق وآمنوا بالقرآن بسبب هذا الإدراك ، ونحن الآن نقيم على الإعجاز أدلة عقلية ونقول إنه تحدى العرب وأنهم عجزوا ، وهذا يدول على أنه من عند الله . ))
فيرد عليه أولاً : لماذا لا يعترف هذا الشيخ بإعجاز القرآن حالا وبنفوذه في نفسه وهو شيخ أكبر المعاقل الدينية والعربية الذي يستوجب أن يكون فهمه للعربية وللقرآن أكثر من غيره ؟ لماذا لا يعترف بإعجازه حالا فيحيله على الماضي ؟ فهل هو الذي أعجز العرب القدماء لا يعجز العرب الحاضرين ؟
ويرد عليه ثانياً : أن مسألة إعجاز القرآن على هذا لا تقوم على أدلة عقلية أيضاً ، وإنما تنقلب مسألة تاريخية وتقدره قوة ثبوتها بقدر قوة ثبوت المسائل التاريخية ومثلها مسألة معجزات الأنبياء مطلقا ، فلماذا إذن يعترف بمعجزة القرآن ولا يعترف بغيرها من المعجزات ؟ ولا محل لإصتضعاف التاريخ في تلك المعجزات لتأيدها بتصديق القرآن المنقول إلينا تواتراً والمسلم إعجازه متحدياً للعرب الماضين .
ومعنى إعجاز القرآن على قول معالى هيكل باشا وزير المعارف سابقاً ورئيس مجلس الشيوخ حالا أنه معجزة عقلية إنسانية بلغت أسمى ما يستطيع الإنسان أن
-28-
يبلغه . قال في (( حياة محمد )) ص 44 من الطبعة الثانية : (( فحياة محمد حياة إنسانية بلغت أسمى ما يستطيع الإنسان أن يبلغ ، وقد كان حريصاً على أن يقدر المسلمون أنه بشر مثلهم يوحى إليه ، حتى كان لا يرضى أن ينسب إليه معجزة غير القرآن ويصارح أصحابه بذلك . وقلنا عند الكلام عن قصة شق الصدر إنما يدعو المستشرقين والمفكرين من المسلمين إلى هذا الموقف من هذا الحادث أن حياة محمد كلها حياة إنسانية سامية وأنه لم يلجأ في إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق . وهم في هذا يجدون من المؤرخين العرب والمسلمين سنداً حين ينكرون من حياة النبي العربي كلها مالا يدخل في معروف العقل . )) وهذا القول من معاليه يستهدف انتقادات كثيرة نحصيها إن شاء الله في الباب الثالث من هذا الكتاب ونقتصر هنا على القول بأن خلاصته تنزيل إعجاز القرآن ، الذي أتى به وكان أكبر وقائع حياته المقيدة بأنها حياة إنسانية لم يدخلها خارقة من الخوارق _ إلى استطاعة إنسانية ، وإن كانت أسمى ما يستطيعه الإنسان ، في حين أن القرآن نفسه يصرح بأنه فوق استطاعة البشر وأنه كلام الله . وهل يظن معالي الباشا أن القرآن الذي لا يستطيع الإنس والجن أن يأتوا بمثله مجتمعين ، في إستطاعة محمد صلى الله عليه وسلم أن يأتي به من عنده ؟ أما إتيانه به من عند الله على أنه كلام الله فهذا مالا يدخل عند الباشا في معروف العقل وأنه يكون القرآن على هذا التقدير من الخوار التي ينكرها معاليه ولا يراها جديرة بأن يلجأ إليها محمد صلى الله عليه وسلم . أما قوله حكاية عنه ، بعد التنبيه على أنه بشر مثلهم : (( يوحي إليه )) فقد كنت قلت أنه جار على قلم معاليه استرسالا يساير فيه نظم الآية القرآنية ويحتمي به عند اللزوم في ضمن قانون الدس ، إذ لو لم أنقل هكذا كان ذلك القول من الحاكى خروجاً عن حدود معروف العقل ، ومن المحكى عنه لجوءاً إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق ،
-29-
وكلاهما مالا يرضاه الباشا . فلا محل لاحتمال كونه جادا في الاعتراف بالوحى ، لأنه متناقض مع سميه لتنزيهه صلى الله عليه وسلم من الخوارق ... كنت قلت هكذا وكان لي الحق في ذلك تأليفاً لأقوال معاليه عن حياة محمد صلى الله عليه وسلم المنقولة آنفاُ ، بعضها مع بعض ... لو لم يكن مفهوماً من آخر مقدمة كتابه أنه يتشجع أمام العلم فيعترف له صلى الله عليه وسلم بالوحي ... فإذن يبقى قوله (( يوحى إليه )) مناقضاً لما أضاف إليه من الجمل . وكان الأستاذ فريد وجدي بك وهو من غلاة منكرى المعجزات بدعوى أنها مخالفة للعقل وسنة الكون كما ادعى هيكل باشا ، حتى ان الأستاذ فريد ينكر البعث بعد الموت للسبب نفسه ... كان هذا الأستاذ أنكر إعجاز القرآن بألفاظه ومبانيه في مقالاته التي كتبها دفاعاً عن فتنة ترجمة القرآن المثارة في تركيا المنقلبة ، قائلاً : (( إنه لم يتحد أحداً ببلاغته وإنما تجدي الإنس والجن أن يأتوا بمثله في حكمته وشريعته )) مع أن الأستاذ يعرف أن أمماً إسلامية لم تعجبهم شريعة القرآن فاستبدلوا بها شرائع الغرب قبل استبدالهم ألفاظاً أعجمية بألفاظه ومبانيه ، والأستاذ الذي ناصرهم في تبديل ألفاظه لم يؤاخذهم يؤمئذ على تبديل شريعته ... فمنكرو المعجزات ، كما يفرقون بين الكتاب والسنة فيعولون على الكتاب ولا يعولون على السنة توسلا إلى إنكار أحاديث المعجزات لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ... يفرقون أيضاً بين لفظ الكتاب ومعناه ، فيتمسكون بمعناه ويخذلون لفظه ، ويتمسكون بلفظه ويخذلون معناه على حسب ما يقضى به هوى التجديد المصري المتسكع . وعلى كل تقدير في موقف الكثرة من كتاب مثر وعلمائها الجدد إزاء معجزة القرآن خصوصا ومعجزات الأنبياء عموما ، فالنبوة لا تزيد على مرتبة العبقرية وهي ليست بمرتبة النبوة المعروفة في الإسلام وفي سائر الأديان ، كما أن النبي الذي عرفه الشيخ محمد عبده بإنسان فطر على الحق علماً وعملا بحيث لا يعلم إلا حقاً ولا يعمل
-30-
إلا حقاً على مقتضى الحكمة ... إلخ )) ليس بالنبي المعروف . فالنبوة مقضي عليها عند أصحاب القول السائد في مصر الحديثة من الكتاب والعلماء ، منحلة في بوتقة التأويل . وقد عرفت موقف مسألة الألوهية المخذولة عند أصحاب (( مجلة الأزهر )) و (( الرسالة )) في معترك الشكوك ، قبل موقف النبوة . فالدين بكلا ركنيه الأساسيين مقذوف به في نظر الأوساط المثقفة المصرية بيد العلم الحديث الذي لا يؤمن بغير ما ثبت بالتجربة الحسية ، إلى عالم الأساطير .. لا فرق بين مصر وتركيا الحديثتين في غلبة الإلحاد على الديانة إلا من حيث أن الإنقلاب اللاديني تأسس في تركيا جبراً من الحكومة مفاجأة من عهد مصطفى كمال ، وفي مصر بالنشر والدعاية المدسوسة من حملة الأقلام والمحاباه من الحكومة المرتبطة هي الأخرى بمحاباه من الغرب الذي هو رأس هذه الفتنة المدبرة في المملكتين ، فانجلترا انتهزت فرصة كون تركيا في عداد الدول المغلوبة في الحرب العالمية الأولى ، فساومتها بواسطة مصطفى كمال الذي وجدته أنصع أهل لهذه المساومة على الاحتفاظ باستقلالها في مقابل التنازل عن الخلافة والتجرد عن الدين والمشي في السياسة الدولية من وراء الإنجليز ، كأنها مولى العتاقة لها ، وتسنى إنتشار الإلحاد في مصر تحت حماية الإنجليز من غير ثمن مقابل يذكر . نعم ، إن تركيا الجديدة أخسر صفقة وأسوء عاقبة من مصر التي أدركت ما تضمر الإنجليز من البغض العميق نحو المسلمين فأخذت تقابل البغضاء بالبغضاء وتكرهها بكل قوتها على أن تكف يدها عن مصر في حين أن تركيا دخلت في حماية الإنجليز ووصايتها وكفرت بنعمة الله التي كانت لها في بعد عنها حين كانت دولة إسلامية . وعدو الدولة العثمانية وصديقة تركيا الجديدة .
[1] بعد أن أدخل _ هذا الشيطان _ النزاع الغربي بين الدين والعقل في عقول المثقفين ?
صفحة(31)
تسافر بعثة أزهرية إلى أوربا لطلب العلم فيقول الأستاذ الأكبر المراغى فيما يوقل عند توديعهم في محطة القاهرة: " إن العقول تنظر إلى الأديان نظرها إلى شيء تاريخي خال من الحياة " ويكرر ذكر العقل والعلم في كلامه مناوئا للدين. وتكتب "السياسة الأسبوعية" عن أعضاء البعثة المؤلفة من الشبان المدرسين في الأزهر : "إنهم سيواجهون نهجا في البحث جديدا وهو أن يطالب الإنسان ليكون بحثه صحيحا بأن ينكر كل ما يعرفه وأن لا يثبت شيئا إلا إذا قام عليه دليل من التجربة و الملاحظة و الاستنباط" ثم تقول: "إن أساس المنهج العلمي الصحيح الشك في كل شيء" ويقول الأستاذ الكبير أحمد آمين بك في كتابه "قصة الفلسفة الحديثة": "إن قانون التناقض الذي يقول به المنطق الشكلي القديم والذي يقرر أن الشيء يستحيل أن يكون أن لا يكون في آن واحد , يجب عليه الآن أن يزول من أجل حقيقة "هيجل" العليا التي تنسجم فيها المتناقضات والتي ذهب إلى أن كل شيء يكون موجودا وغير موجود" وهذا الأستاذ يكتب في مجلة "الثقافة" التي هي مجلة لجنة التأليف والنشر "إن علماء التوحيد لم ينجحوا في مهمتهم"(1) , كما أن الأستاذ فريد جدى بك رئيس تحرير مجلة الأزهر ينادى بالطعن في علم هؤلاء العلماء المسمى بعلم الكلام.
هامش
من أهل البلاد التي استعمرها فلبس الأمر عليهم أيضا , وألبس جنودها برانيط الغريين فكأن الجالين أنابوها نائبة عنهم ناطقة بأن من تشبه بقوم فهو منهم , ويكاد من يرى هؤلاء الجنود و الظباط في الشوارع و المراكب لا يقتنع بجلاء الإنجليز عن مصر
"1" يقول أن علم التوحيد برهان لمن يعتقد لمن لا يعتقد , ويذكر حكاية نابليون مع جلسائه من العلماء الملحدين على سفينة في ليلة بديعة فقال لهم انظروا أيها الرفاق ما أبدع هذه النجوم وما أجملها فمن أبدعها ؟ قال ملحد : نحن نسأل هذا السؤال وما يدور في ذهنك لا يدور في أذهاننا إنما نسأل نحن كيف تطور هذا العالم وكيف وصل إلى ما ترى أن برهانك أيها الإمبراطور دليل جميل لك. وكأن هذا الجواب الذي لنا كلام عليه في محل آخر من هذا الكتاب , أفحم نابليون في زعم مجلة الثقافة.
انتهى الهامش
صفحة(32)
ويقول الأستاذ الأكبر المراغي: "ليس علم الفقه علم الدين" . وتنقل "الأهرام" عن الأستاذ الكبير عبد المجيد سليم مفتى الديار المصرية سابقا ووكيل لجنة الفضوليين المسلمين أنفسهم "بلجنة التقريب بين المذاهب الإسلامية" أنه قال تصديقا لقول رئيس اللجنة على علوبة باشا وزير المعارف سابقا(1) "إن مذاهب الأئمة المجتهدين مبنية في الواقع على السياسة" وفى هذا القول إساءة الظن بأئمة الشريعة الإسلامية مثل أبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضوان الله عليهم , أي إساءة . وفى أهرام 28 فبراير سنة 1936 قول الأستاذ الأكبر المراغى لوفد الشبان العراقيين: "إن من ينظر في كتب الشريعة الأصلية بعين البصيرة والحذق يجد أنه من غير المعقول أن تضع قانونا أو كتابا أو مبدأ في القرن الثاني من الهجرة ثم يجيء بعد ذلك فتطبق هذا القانون في 1354 هجرية."
أقول إن القوانين التي وضعها أئمة الشريعة الإسلامية في القرن الثاني الهجري وأخذوها من الكتاب أو السنة .. إذا كان عيبها عند شيخ آخر الزمان قدمها إلى هذا الحد فماذا يكون عيب مأخذها وهو أقدم منها ؟
وترى الأستاذ فريد وجدي بك يفسر الإيمان بالغيب المثنى عليه في كتاب الله, بالإيمان بخلاف الواقع. ويكتب أستاذ مصري من باريس إلى لجنة المباراة الصحفية
هامش
"1" والقارئ يرى يري في محل من هذا الكتاب أن الجامعة قررت في عهد وزارة على علوبة باشا, أن تكون شارات حراسها من صورة آلهة المصريين القدماء فتكون شارة كلية الزراعة إله الزراعة وشارة كلية الطب صورة إله الحكمة وهلم جرا .. فكتب صديقي الشيخ المغفور له عبد المجيد اللبان شيخ كلية أصول الدين مقاله في الجرائد يستنكر هذا القرار وبلغت نظر الجامعة و الوزارة إلى واجبها نحو دين الدولة الذي هو الإسلام البعيد كل البعد عن الوثنية ورموزها , فلم تعمل له وسكتت مشيخة الأزهر عن تأيد شيخ الكلية فاستقرت شارت الآلهة وشكر الله وحده سعي الشيخ اللبان .. فلمل الباشا رئيس لجنة التقريب بين المذاهب مستعد لتوسيع هذا التقريب إلى ما بين مصر الإسلامية و الفرعونية.
انتهى الهامش
صفحة(33)
بالقاهرة مقالة يستحق بها الجائزة الأولى يوجب فيها على رجل القرن العشرين أن ينبذ العقلية الغيبية ويطاردها في كل مكان حتى تستوي له عقلية علمية , ويريد بالعقلية الغيبية العقلية الدينية , ثم ينحى باللائمة على علماء أصول الدين القائمين بأن العالم يسير على نظام وضعه الله تعالى له وهو قادر على تغير ذلك النظام الذي فطره وأبدعه , مع أن نظام العالم "في ادعاء الكاتب" من طبيعة الأشياء ليس مفروضا عليها من خارجها , وهؤلاء العلماء لم يفهموا أن النظام المطرد في العالم وتسلسل الملل ومملولاتها أدل على القدرة اللامتناهية من ذلك التصوير الركيك الذي يجعل من قدرته تعالى وسيلة لتغير النظام . وصاحب المقالة الذي يعجبه تسلسل الملل و المملولات إلى مالا نهاية له , لا يدرى أن التسلسل في جانب الملل المتراجعة إلى الماضي باطل عند العقلاء القائلين بوجود الله ليقطع هذا التسلسل الذي اهتدت عقولهم إلى بطلانه ويكون مبدأ له تنتهي فيه السلسة , حين أنه لا توجد علة أولى في مذهب التسلسل إلا وقبلها علة .. أو أنه يدريه ولا يعترف ببطلان التسلسل مقتفيا ذلك أثر الشيخ محمد عبده الذي حكم بأن كل ما قيل أو يقال في إبطاله فهو من قبيل الأوهام الكاذبة , وكأن خطأ الشيخ حكمة هذا عظيما , كما أن مسألة إبطال التسلسل في الملل أصبحت من رؤوس مسائل هذا الكتاب . والشاهد هنا أن الآراء المؤدية إلى نفى النبوة و الأولوهية تنفق سوقها في مصر الحديثة وتمهد لأصحابها مراكز عظيمة بقدر عظمة الأخطاء التي تضمنها .
ومن الظاهر المؤيدة لفكرة الإلحاد المستوردة المكشوفة بمصر , شغل الفلسفة الوضمية التي أحدث فلسفة الإلحاد في الغرب , وأشدها في الخبث و إخفاء المكيدة للدين , لا يخفف عن سوأته السواء نقد الأستاذ العقاد الخفيف في كتاب "الله" عن هذه الفلسفة – مكانا هاما في قلوب كبار الكتاب , مع فكرة فصل الدين عن السياسة الذي يستلزم إلغاء المادة من الدستور الناطقة بأن دين الدولة الإسلام , اكتفاء بدين
(3 – موقف العقل - أول)
صفحة 34
الأمة، إن كان يبقى دين في الأمة الراضية لتجرد حكومتها من الدين.
وكل هذه الحركات المختلفة الساعية لتهيئة الأذهان إلى قبول فكرة الإلحاد، منشؤها عدم إيمان العلم الحديث بوجود ما ليس منظوراً بالعيون مما عدده الأستاذ فرح أنطون عند مناظرة الشيخ محمد عبده في سالف الزمان، وإيمان المثقفين المصريين من صميم قلوبهم بهذا العلم الذي هوه العدو اللدود الراهن للأديان، كما قال الأستاذ فرح، ولم يزل قوله نافذا إلى الآن، حتى أن أستاذ مجلة الأزهر لم يعد – فيما ننقل عنه عند تعداد أسباب التأليف رقم 5 – ردود الشيخ محمد عبده عليه، كلمة منبوسة.
ومن فروع الإيمان بالعلم الحديث المنكر لغير المحسوبات إنكار فضيلة الشيخ شلتوت عضو جماعة كبار العلماء ومجمع فؤاد الأول للغة العربية ولجنة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وجود الشيطان الرجيم الذي نستعيذ به كل يوم في الصلوات الخمس، وإنكاره لرفع سيدنا عيسى ونزوله في آخر الزمان، بل إنكار الأستاذ الأكبر المراغى أيضاً.
وزاد في الإشكال الديني الناشئ عن قصر التمويل على ما ثبت وجوده بالتجربة الحسية وعدم الثقة بالدليل العقلي الذي كان علماء الإسلام يعتمدون عليه في إثبات وجود الله، فزاد في الطين بلة أن نقل الدكتور غلاب أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين، عن أحد علماء الغرب، نقداً ينم على عدم صحة ذلك الدليل من الناحية العقلية أيضاً... وإن كان الدكتور غلاب نقله في سياق النقد على برهان "ديكارت"، ولم ينبس بكلمة في الرد عليه، تصديقاً لقول الأستاذ فريد وجدي بك المار الذكر، الذي يرى الرد على ما فعله العلم الحديث بالأديان من قذفها جميعاً إلى عالم الأساطير، أكبر من أن يحاول محاول، مع أن ذلك البرهان برهان علمائنا بعينه وسيجئ تفصيله وتمحيصه في محله.
صفحة 35
وهذا الكتاب يبدد هذه الشبة ويذيبها إن شاء الله بعونه وتوفيقه ويجدد كل ما طرأ عليه الخراب في الشرق الإسلامي من نواحي الإيمان الديني المبنى على أساساته العلمية القديمة، مهما كان الخراب عظيماً متولداً من استيلاء الإيمان بالعلم الحديث على مكان العلم القديم في القلوب... يجدد كل آثار الخراب ويسترد مركز الإيمان القديم إليه، في كفاح وحرب مشنونة، إن لم تكن على العلم الحديث فعلى متعلميه وعلمائه الضالين في تقدير قيمة ذلك العلم ومعرفة حدوده. ولم يهمل الكتاب بين مساعيه في مكافحة الضلالات وإزالة الشبهات الحديثة معالجة ما قدم منها وانتقل من الماضي إلى الزمان الحاضر محتفظا برواجه في سوق الضلالات الإعتقادية لكونه جديداً في بطلانه لم يعف عليه الدهر رغم قدمه، فكأن بطلانه أعاشه وأفاض عليه الجدة في نظر المصريين المغرمين بالأضاليل... ونعنى بهذا المسألة وحدة الوجود التي لم نأل جهداً في درسها واكتشاف منشئها واستئصالها بعون الله تعالى وقولنا هذا الذي هوه عبارة هنا عن الدعوى المجردة، يتجلى في الباب الثاني من هذا الكتاب إن شاء الله على القارئ المجد الصابر لا صاحب النظر العابر.
هذا ما يتعلق بتعمير الدين وتعزيزه في نواحيه الأساسية الاعتقادية المحتاجة إلى التعمير بعد الخراب والتعزيز بعد الاستهانة. أما ما طرأ على الناحية العملية والاجتماعية فحسبك في تقدير مبلغه من الفساد أن تعرف مبلغ الضلال في عقليات القائمين بتنظيمها وعلى الأقل المتكلمين في أمرها فتقرأ معي في الجرائد أو تسمع من الراديو في الذكرى الثلاثين مثلا من ذكريات قاسم أمين صاحب الحملة على حجاب النساء ومؤلف كتاب "تحرير المرأة"، مهزلة تأميل الثواب له من سفورهن.. نعم مهزلة تأميل الثواب له على الرغم من آيات الحجاب الموجودة في كتاب الله. وسنتكلم على هذه المسألة أيضاً في محله من الكتاب بما تستحقه من التفصيل. ومما يقضى العجب من تلك الذكريات أنها تحتوى الكشف عن كون حركة قاسم أمين مقرونة بتأييد الشيخ محمد عبده،
صفحة 36
فيقول الشاعر الكبير على الجارم بك خطاباً لقاسم صاحب الذكرى:
كنت في الحق للإمام نصيراً والوفي الصفي من أصحابه
نم هنيئاً فمصر نالت ذرى المجد وفازت بمحضه ولبابه
منك عزم الداعي وفضل المجلي وعلى الله ما ترى من ثوابه
لا شك للإسلام في كفر مستحل الحرام القطعي الذي منه رفع الحجاب عن النساء وجعلن كالرجال في الظهور أمام الأعين، بل أكثر منهم إلى أن يصبحن كاسيات عاريات كما في حالة النساء الحاضرة بعد العمل برأي قاسم أمين مفتى الديار المصرية في النساء، في حين أن كتاب الله يحرم عليهن إبداء زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى إخوانهن أو بنى أخواتهن أو نسائهن إلى آخر الآية الواردة في سورة النور بكل صراحة وتفصيل.
وإذا كان استحلال الحرام كفراً في الإسلام فماذا يكون دعوى استحقاق الثواب على استحلال الحرام؟ ولماذا سميناها مهزلة.
صفحة 37
التعريف بمنهج الكتاب في نقد الأقوال:
لم أسلك في الذين انتقدت آراءهم في هذا الكتاب – وهم كثيرون – السبيل المعتاد في زماننا للتأليف، لاسيما تأليف كتاب مثل كتابي في خطورة الموضوع وجلالته، وهو أن لا يشتغل المؤلف في صلب كتابه بمناقشة كل من خالفه في رأيه بأقوالهم المذكورة في الكتب والمنشورة في الصحف والمجلات، بل يتعرض لما يستحق منها التعرض في إشارة قصيرة على الهامش مع رقم صفحة الكتاب الذي يتضمن تلك الأقوال، أو على الأكثر مع النقل من نصوصها في اقتضاب وغير كفاية، حتى يحتاج من يريد من القراء أن يطلع على تمام النص أو ما يقوم مقام التمام، إلى مراجعة ذلك الكتاب ليكون حكماً عدلا في المقارنة بين المؤلف والمخالف. وفيه شغل للقارئ ربما يعده شاغلا فينصرف عن مراجعته ويكتفي بما نقل عنه نقلا منقوصا ويتقبله بغير حق كالمنقوض، أو ينصرف في سبيل المراجعة عن الاستمرار في مطالعة الكتاب الذي بيديه، أو على الأقل يتأخر في قضاء حاجته الذهنية عن أوانه، وربما تتعذر عليه المراجعة بالمرة.
وفضلا عن هذا فقد رأيت في اختيار هذا الأسلوب في نقد الأقوال شيئاً مما ينافى الأمانة والصراحة ويشبه الخلس والدلس في عرض المسائل على الأنظار. اذكر مثالا لهذا من كتاب "التنبؤ بالغيب عند مفكري الإسلام" المنتشر حديثاً للدكتور توفيق الطويل مدرس الفلسفة بجامعة فاروق ص 9.
فبعد أن عرف الغيب نقلا عن "كشاف اصطلاحات الفنون" بالأمر الخفي الذي لا يدركه الحس ولا تقتضيه بداهة العقل، قال في الهامش:
"وقد رأى الأستاذ محمد فريد وجدي أن الغيب يقابل الواقع (مجلة الأزهر في الجزء الخامس من المجلد الثامن) ولكن هذا التعريف أحنق فضيلة الأستاذ مصطفى صبري شيخ الإسلام في الدولة العثمانية سابقاً فندد به في (القول الفصل بين الذين
صفحة 38
يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون) وقرر ص 149، بأن الغيب ماغاب عن الحاسة. والذي يبدو لنا أن التعريفين ليس بينهما تناقض، وإن كلاهما غير واف بالحاجة".
فنقول ماذا يفهم القارئ من هذا القول؟ يفهم أن كلاً منا، أنا والأستاذ فريد وجدي بك مخطئ في الإتيان بتعريف غير واف، وزيادة على هذا الخطأ المشترك فإني مخطئ أيضاً في الحنق على الأستاذ فريد وجدي الذي جعل الغيب مقابلا للواقع، لكون تعريفه لا يتناقض مع تعريفي. ونحن ننقل هنا نص الأستاذ فريد في الجزء المذكور من مجلة الأزهر:
قال في مقالته التي كتبها على وفاة جميل صدقي الفيلسوف (على تعبير الأستاذ) العراقي:
"أسلوب الفلاسفة الأولين الاعتداد بالمسلمات العقلية والقضايا المنطقية والتدرج منها إلى إدراك الملل الأولية (يعنى الإدراك المنتهى إلى الاعتراف بوجود الله) وهو أسلوب أصبح لا يقنع أكثر المتعلمين على الطريقة الحديثة (وكأن الأستاذ يعذر بقوله هذا المتوفى المعروف بإلحاده).
ومن أقوال الأستاذ عن المتوفى في نفس المقالة: "افتتن بمقررات العلم الطبيعي وشغف حباً بالفلسفة المادية فخلعته عن العقائد الدينية، ولم يستطع أن يتغلب على عقائده الوراثية فيعلن أنه أصبح ماديا، فوقف حائراً لا يدرى بأي فريق يلتحق: أفريق الذين يؤمنون بالغيب أم بفريق الذين يؤمنون بالواقع؟"
هذا قول الأستاذ فريد الذي أحنقني لكونه جعل فريق المؤمنين بالغيب الذين أثنى عليهم الله في رأس كتابه والذين نحن المسلمين منهم، مقابلا لفريق المؤمنين بالواقع، ومعناه انه اعتبر الفريق الأول أعنى المؤمنين بالغيب، مؤمنين بغير الواقع على الرغم من أن الإيمان بالله داخل في الإيمان بالغيب دخولا أوليا ثم يأتي الإيمان بملائكته
صفحة 39
وكتبه ورسله واليوم الآخر. فهل كل هذا إيمان بخلاف الواقع؟ فالأستاذ فريد كاتب مجلة الأزهر يعيب على الفريق المثنى عليهم في كتاب الله، مادحاً ضد هذا الفريق بأنهم المؤمنون بالواقع، مع أن الفيلسوف الذي تظاهر الأستاذ بانتقاد عقيدته كان يتردد – على رأى الأستاذ – حائراً بين الفريقين، غير جازم بتفضيل فريق الذين لا يؤمنون بالغيب على الذين لا يؤمنون به، كما فضل الأستاذ فهو أشد في ارتباك العقيدة من الفيلسوف الزهاوى.. ولا أدرى لماذا لم يحنق الدكتور الطويل ما أحنق الشيخ مصطفى صبري مؤلف "القول الفصل" من حالة الأستاذ فريد وجدي في جعل المؤمنين بالغيب وغير المؤمنين عليهم سافلهم ومناورته القادحة في الفيلسوف الملحد بما يشعر المدح؟
وبعد هذا البيان يظهر خطأ الدكتور فيما لا يرى تناقضاً بين تفسيري للغيب وتفسير الأستاذ كاتب مجلة الأزهر الذي يتناقض مع رؤوس عقيدة الإسلام، فضلا عن تناقضه مع تفسيري.
أما كون الدكتور المؤلف يعد كلا من التعريفين غير واف بالحاجة فخطأه فيه ظاهر أيضاً بالنظر إلى اكتفائه في التعبير عن تعريف الأستاذ بأنه غير واف بالحاجة، بل تعبير الدكتور نفسه غير واف بما يستحقه تعريف الأستاذ من التشدد في الرفض.
وأما خطأ ذلك التعبير بالنسبة إلى تعريفي فإني لم أقصد بما ذكرته في "القول الفصل" عن الغيب بما غاب عن الحاسة تعريف الغيب إلا بقدر ما يتبين به تخبط الأستاذ كاتب مجلة الأزهر في تفسير الغيب، ولا أقول في تعريفه، ولعله أيضاً لم يرد التعريف. لكنه فسره ولو عرضا وإجمالا وأخطأ فيه خطاً فاحشاً، كما ذكرته واكتفيت في تصحيح ذلك الخطأ بحمل الغيب على ماغاب عن الحاسة لا عن الوجود كما يوهمه تفسير المخطئ فيكون الغيب على تفسيري مقابلا للشهادة كما ورد في قوله تعالى "عالم الغيب والشهادة" ويكون مغزى التفسير هوه الرد على جعله مقابلا للواقع المفهوم منه كون الإيمان بالغيب إيماناً يغير الواقع. وقد كفاني هذا التفسير في الرد على ذلك
صفحة 40
الخطأ الفاحش، كما فسره الفخر الرازي صاحب التفسير الكبير بما فسرت به أعتي الغائب عن الحاسة وقال إنه رأى جمهور المفسرين.
هذا، ولكون مقصودي مما ذكرته في "القول الفصل" متعلقاً بتفسير الغيب، بل من "القول الفصل" كله وغيره مما نشرته وأنشره إن شاء الله من الآثار... تصحيح ما صادفته في نشريات المعاصرين المغترفين من مناهل الغرب غير المصفاة، من الأخطاء الضارية لعقائد الإسلام في صميمها، لا الاشتغال بتفسير الألفاظ وتفصيل المعاني والتكاثر بكماليات العلوم والمعارف – اكتفيت في تعريف الغيب بما يفي بحاجتي التي ذكرتها، غير مبال بأنه قد يكون وافياً بحاجة غيري، كمن أراد التأليف في موضوع الغيب فأتى بتعريف من "كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوى أضيف فيه إلى ما غاب عن الحاسة "ما لا تقتضيه بداهة العقل" ولا مانع من أن يكون هذا التعريف أفضل من تعريفي لمن أراد بتعريف للغيب يحدده فنياً ويخرج منه ما غاب عن الحاسة فقط.
على أن لي أن أقول: لاشك في أن المعنى المتبادر من الغيب في كلام العرب وفى كتاب الله الذي نزل على لعنتهم وعلى ما تنساق إليه إفهامهم في استعمال الألفاظ، هو مقابل الشهادة... أما ما تقتضيه بداهة العقل من غير المحسوسات فإن لزم إخراجه من الغيب – رغم كونه غائباً عن الحاسة – وإدخاله في الشهادة، فالمعقول أن يكون ذلك من طريق إلحاقه بالشهادة تشبيهاً، لا لكونه مشهوداً حقيقة.
ولى أن أقول أيضاً إن الله تعالى داخل في الغيب الذي أثنى في كتابه على المؤمنين به كما صرح به علماء الإسلام. ومع هذا فلا مغالاة في القول بأن إدراك وجود الله مما تقتضيه بداهة العقل على ما ذهب إليه الفيلسوف العظيم ديكارت من أن الإنسان يدرك وجود الله بعد وجود نفسه وقبل إدراك وجود العالم، وسيجئ بحثه في هذا الكتاب. فالأولى بالجمع بين هاتين الدقيقتين أن يقتصر في تفسير الغيب على
بداية صفحة 41
ما غاب عن الحاسة ، لئلا يكون الله خارجا عن الغيب الذي يؤمن به المؤمنون ، على مذهب ديكارت أيضا.
فهذا نموذج أسلوب النقاش الذي التزمته في كتابي ترجيحا على الأسلوب المعتاد عند المعاصرين من أصحاب التأليف الذي يستأثرون لأقوالهم بمتسع من صلب الكتاب يخاطبون منه خصومهم من غير أن يؤذن لهم بالدفاع عن آرائهم إلا بكلمات مقتضبة يهمسونها من دهاليز الصفحات (الهوامش) ، وقد رأيتم نموذجه المنقول من كتاب الدكتور الطويل ، فليقارن القراء بين الأسلوبين.
نعود إلى استعراض مناهج المؤلفين في كتبهم إزاء مخالفيهم : وكما لا يعجبني عند النقل من الأقوال التي يراد نقدها أن لا يعطى حق النقل ، كذلك لا يعجبني الإعراض عن أقوال طائفة من المخالفين بالمرة مهما كانت صلتها بموضوع الكتاب ، بل ومهما كانت قيمتها في نفس الأمر ، لعدم كون أصحاب تلك الأقوال من أكفاء المناظرة للمؤلف ، سواء كانوا من غير أكفائه حقيقة أو في زعم المؤلف ، ففي هذا المنهج الذي يهتم فيه بالقائل أكثر من القول تقصير ظاهر في مراعاة حق البحث العلمي ، ترجيحا لمراعاة حظ النفس المتكبرة. ومن الناس من يتخذ من طبقات المناصب الحكومية طبقات في العلم يوشك من ارتقاها أن لا يصعد إليه صوت ناقد ، وإني رأيت مصر في طليعة بلاد لا تعدم أناسا من هذا الطراز أقاموا حولهم سياجا من سمك المناصب الرسمية إذا استووا عليها سقط عنهم التكليف مثل غلاة الصوفيين المختلفين في مراتب الطريقة مرتبة تسقط التكاليف الشرعية عمن بلغها.
وقد سبق حين حدثت في تركيا الكمالية فتنة ترجمة القرآن أن كتب الأستاذ الأكبر المراغي مقالة طويلة في "السياسة الأسبوعية" وفي "الأهرام" يرتأي فيها ، لا جواز القراءة في الصلاة للأعاجم بتراجم القرآن على لغاتهم مع القدرة على قراءة الأصل العربي ، بل ترجيح قراءة التراجم على قراءة الأصل ، فضلا عن جوازها (هامش : ومما يلفت النظر أن هذه الفتنة على الرغم مما وجدت مظاهرين متطوعين في مصر مثل الأستاذ فريد وجدي والشيخ المراغي ، ما نجحت حتى في تركيا التي هي محل حدوثها)
بداية صفحة42
وكنت انتقدت تلك المقالة في كتابة "مسألة ترجمة القرآن" المنتشر سنة 1351 ه ، انتقادا مفصلا ، وكان الأستاذ لم يجب على انتقاداتي ؛ ثم تجدد النقاش على موضوع ترجمة القرآن بعد سنين بين بعض الفضلاء الذائدين عن حمى القرآن كالشيخ محمد سليمان والأستاذ محمد الههياوي رحمهما الله ، وبين الذائدين عن حمى مشيخة الأزهر المروجة للموضوع ، مثل الأستاذ فريد وجدي ، فإذا بمقالة الأستاذ الأكبر المراغي القديمة قد نشرت في مجلة الأزهر مرة ثانية بعينها إصرارا على ما فيه من الأخطاء التي من جملتها عدم إصابة صاحب المقالة في فهم أقوال الفقهاء الأحناف التي كان يستند إليها. وقد نبهت عليها في كتابي المذكور ، فتجوهل للتنبيه والمنبه ، فلعله لم رني كفؤا لمناظرته.
أما مسألة التصريح بأسماء الذين أناقشهم على آرائهم أو الكف عن ذكر الأسماء في المعاصرين والاكتفاء بنقد الأقوال والآراء كما أشار به إلي بعض الأصدقاء وأصر بعضهم على ترجيح هذا الرأي قائلا أن خلافه يخرج الكتاب عن وقاره فيجعله كتاب جدال وقيل وقال ويجلب عليه الخصومات ، فهذه المسألة تحتاج إلى شيء من الإيضاح والتمهيد ، فأقول :
أيها القارئ الكريم ، ما أعظم المهمة التي أخذها هذا الكتاب على عاتقه ، وما أغمض المشكلة التي وعدك حلها وتحليلها قبل حلها ، أعني مشكلة إنقاذ الدين عن الشكوك المستولية على قلوب المتعلمين العصريين. لأن عملية التحليل الذي يتقوف عليه الحل تؤدي إلى نصب كلمات بنصها كتبها أصحاب تلك الشكوك في مقالة كذي أو كتاب كذا أمام الأعين
بداية صفحة 43
ثم إن الشكوك لا تلقى في الأكثر صريحة على أنها شكوك في الدين ، وملقيها يريد التشكيك والتوهين في عقائد المؤمنين ، بل تلقى على طريقة الدس وتهيئة الأذهان التي يشتغل بها نوابغ الشرق من زمان كما سبق نقله من كلام الأستاذ فريد وجدي بك.
وبالنظر إلى كون أصحاب الشكوك راضين عن شكوكهم مرتاحي القلوب إلهيا في عصر سيادة العقلية الريبية في الغرب الذي هو قدوة الشرق الحديث في الثقافة ، فهم ليسوا في حاجة إلى أن أنبههم على أخطائهم وأذكرهم بأسمائهم في الكتاب مع أقوالهم التي أخطأوا فيها جنبا لجنب ، ليكون ضمانا لوصول التنبيه إليهم لعلهم يستفيدون منه.
على أني ضعيف الأمل جدا فيما إذا كان ينفعهم التنبيه ، ما دامت الشكوك راسخة في رؤوسهم لا تساورهم ولا تقض مضاجهم ، لكونها شكوكا في الدين الذي لا يهمهم كما يهم المؤمن القديم ، وكونها في زعمهم شكوكا مبنية على أسباب علمية غير مرجوة الدفع ، لا سيما إذا كان من تولى الدفع واحدا من علماء الدين الذي أصبحو منذ أزمنة طويلة غير مسموعي الكلم وامتاز من امتاز بينهم برواج القول ، تابعا لتيارات الضلال الحديثة لا متبوعا في معارضتها. وعلى كل حال فذكر الأسماء عند نقل الأقول ، أعترف بأنه لا ينفع القائلين ولا يؤثر فيهم غير إثارة الضغائن على الكتاب ربما تحول دون ذيوعه أو دون إذاعة من أراد الأعلان عنه.
أما القراء فهم لا يلفتهم كل كلمة تثير الشك في الدين على أنها تثيره أو على أن المثار شك ذو خطر على عقيدة الإسلام ، إلا بالقياس على خطورة مركز المتكلم ، فلا ينجح ما بذلته في الكتاب من الجهود ليكون كفيلا بتصحيح ما فسد من العقائد إزاء التشكيكات العصرية ، مع دوام مراكز المشككين محفوظة في قلوب الناس ولو بالنسبة إلى كلماتهم التي تضمنت الزيغ والإذاعة في العقيدة. فحقيقة الواجب الذي توليت القيام به ليست عبارة عن تأليف كتاب في علم أصول الدين يشرح مسائله أو يشرح طائفة مهمة منها تشتد الحاجة في هذا الزمان إلى معرفتها على وجه الصحة
بداية صفحة 44
وليس كتابي ككل كتاب علمي يحتذي خطته المعتادة ، وإنما الغاية التي أهدف إليها مكافحة الشبهات العصرية المسلطة على مسائل تقوم عليها دعائم عقيدة الإسلام وغيره من الأديان ، مع مكافحة أشخاص المثيرين لتلك الشبهات من الغربيين ومطبقيها على عقائدنا من الشرقيين .
مكافحة الشبهات ومكافحة مثيريها معا ، بل ومكافحة المكامن أيضا التي ربما يستتر المثيرون وراءها ، إلى أن يتزعزع مكان الشبهات مع مكان مثيريها في قلوب الناس كائنين من كانوا ... فتنهار الشبهات ومروجوها وتسلم عقيدة المؤمنين من شرورهم وتسويلاتهم التي قد لا يحسونها بأنفسهم أو لا يقدرون قدر مضارها ، وموقفي منهم موقف المحارب ولا تكون الحرب خفية ، فإن كانت فأنا لا أعرف مزاولتها كما يعرفون. ثم إنهم مشككون ويكفيهم العمل في الخفاء كالصيد في الماء العكر.
فلا بد إذن من التصريح بأسماء الذين أناقشهم ، وقد قلت في مقدمة الكتاب التي أحصبت فيها أسباب تأليفه مبسوطة كل البسط :"ولما هاجرت بعد انقلاب تركيا إلى مصر وجدت فيها العلم الحديث الغربي الناظر إلى الأديان نظره إلى الأساطير ، أنطق لسانا من علم أصول الدين الإسلامي وأعلى صوتا" فكان من واجبي إثبات صدق هذا القول ، وقد كان معلوما أن مهمة هذا الكتاب الرئيسية مكافحة اللادينيين ومحاربتها بطريقة علمية متجلية في القضاء على كل شك يرمي إلى الإلحاد. ومن المعقول أن تتقدم هذه المرحلة التي هي مرحلة الغاية مرحلة أخرى يشرح فيها وقوع الشرق الإسلامي في خطر من انسياب العقليات الغربية المناوئة للدين إلى أذهان المثقفين ، وإثبات هذا الخطر يتوقف على سرد شواهد من كلمات رجال يستدل بأهمية مراكزهم الرسمية أو الأدبية على أهمية الخطر.
وليس من حق القرائ المنصف أن يتوهم مني في هذا الكتاب عند نقد الأقوال التي لا يجوز الإغضاء عليها من رجال الدين أن أضع توطئة لعملية النقد في كلمات متقدمة تتضمن مدح أصحاب تلك الأقوال وإكبارهم كما هو المعتاد في زماننا
بداية صفحة45
وفي ظني أن الأقوال التي تستوجب التعقيب والاستنكار فالاشتغال قبلهما بمدح وإكبار القائلين أصبح عادة متبعة بين نقاد الشرق الإسلامي بعد أن تعودوا تقليد الغربيين وهي من زيوف مدنيتهم فيهتمون بالمصانعة أكثر من المصارحة ، مع أن في الشرق اليوم شخصيات وأسماء أكبرت وأتخذت قدوة في الزيغ عن محجة الإسلام ، فالحق أو بالأولى من واجب رد الحق إلى نصابه ، الحط من مراكزهم في القلوب بقدر ما حازوه منها بغير حق.
هذا واجب الكتاب ليطمئن على كونه نافعا للقراء المحايدين ، ثم إني غير مسيء للذين أصارحهم ساعيا لإقامة ما في عقديتهم أو فهمهم لعقيدة الإسلام من عوج ، ومصارحتي إياهم بالحق أنفع لهم من أن يغضبوا علي بسبب هذه المصارحة ، ومن كلمات الحكمة :"صديقك من صدقك لا من صدّقك" . والمقصد الأسمى هو خدمة الدين والمسلم بمعناه الصحيح وخلاصتها خدمة الحقيقة من غير مسايرة العادات والتيارات أو مراقبة المراكز . ولو كنت سايرت في خدمة الدين والعلم الاعتبارات الخارجة عنها لقلت مع القائلين العصريين أن العلم والدين ضدان لا يجتمعان وانصرفت عن تأليف هذا الكتاب أو جعلته كتابين متفرقين تفريقا لخدمة أحدهما عن خدمة الآخر ، كما فرق الشيخ الأكبر المراغي في خطابه للبعثة الأزهرية عند توديعهم في محطة القاهرة ، وسيجيء نقله في هذا الكتاب بنصه.
ثم إن في عدم التصريح بأسماء الذين أناقشهم ، بعض التنكب عن مسلك الصراحة وأهم من ذلك أن القول الذي أريد نقده من غير تعيين صاحب القول قد يظن أني زدت على أصله أو نقصت أو غيرته وصورته في صورة يسهل الرد عليه ، ولو ذكر نصه بين القوسين وأراد القارئ أن يتبين صحة النقل وتمام مطابقته للأصل ، صعب عليه تعيين محل القول من غير تعيين القائل. فالأولى بمصلحة العلم وأمانة البحث ما اختره من طريق الصراحة.
بداية صفحة 46
وأمر ثان : وهو أن البعض الآخر ممن قرأت عليهم من أصدقائي بعض أبحاث الكتاب وجد في أسلوب مناقشته شيئا من الشدة والقسوة وأرى أن التأثير على القارئ عند الملاينة يكون أكثر ، وجوابي عليه :
أن ردي على المخالفين صغته في درجات مختلفة من الشدة واللطف وأنه ليس تعنيفي وتشديدي موجها إلى القراء ، بل إلى الذين أناقشهم ، وهم لا أمل لي في تحويلهم عن آرائهم الضالة المضلة بما جربهم وجربهم غيري . وإنما أنا أهزمهم وأقضي عليهم بوابل من النقد العلمي ولا غرو إذا كان الوابل قد تصحبه الرعد والبرق. وبذلك أكون مؤثرا في عقول القراء الذي يجري النقاش في مرأى ومسمع منهم والذين عنيت بتأليف هذا الكتاب لأجلهم ، ولست بشاتم الذين صوبت نحوهم سهام النقد الحاسم. ثم إني ما قسوت في القول إلى على الذين قست أقوالهم على أساس من أسس الدين أو علم من علومه أو طائفه من علمائه. وما فرطت في جنوب من ناقشتهم وفيهم المفرطون في جنب الله والمستهينون بالعقل والمنطق.
وقولي في الذين ناقشتهم "وهم لا أمل لي في تحويلهم عن آرائهم الضالة والمضلة بما جربتهم" أذكر لهم مثالا من الأستاذ فريد وجدي الذي يرى أسمه كثيرا في هذا الكتاب فقد ناقشته على إنكاره لمعجزات الأنبياء في بضع مقالات من الطرفين منشورة في الأهرام قبل سنوات ، فلم يقلع عن رأيه بل أضاف إليه في ردوده علي إنكار البعث بعد الموت. ومثلا آخر من فضيلة الشيخ شلتوت عضو كبار العلماء : انتقدت في "القول الفصل" قوله المنشور في "الرسالة" المنكر لرفع عيسى عليه السلام إلى السماء ونزوله في آخر الزمان ؛ فرد علي بخمس مقالات أخرى مصرا على إنكاره . وسيرى القراء جوابي على هذه المقالات إن شاء الله.
بداية صفحة 47
وأحدث مثال لعدم تأثير بيان الحق في قلوب المثقفين المصابين بالضلال العصري مهما كان الحق ظاهرا وبيانه مفحما ، أن الدكتور توفيق الطويل مؤلف "التنبؤ بالغيب عند مفكري الإسلام" يقول في هامش صفحة 27 :
"رأي ابن خلدون يخالف الاتجاه الحديث الذي ينكر الكرامات وخوارق العادات ويؤول المعجزات بحيث تبدو متفقة مع منطق العقل ، متمشية مع سنن الكون ، مسايرة لطبائع الأشياء ، وبهذا يمتنع وصفها بالخوارق. ويقال أن القرآن وحده هو الحجة القطعية على نبوة الرسول وما عداه شبهة لا حجة. وقد تصدى لدفع هذا الاتجاه الشيخ مصطفى صبري وهاجم من أجله بعض أعلام المحدثين"
وأنا أقول : ليس ابن خلدون وحده يخالف ما سماه الدكتور الاتجاه الحديث الذي ينكر الكرامات وخوارق العادات ويؤول المعجزات بما يخرجها عن كونها معجزات تتمشى مع سنن الكون وتساير طبائع الأشياء ، بل جميع علماء الإسلام على خلافه إلى أن جاء الشيخ محمد عبده ومن أخذوا منه ، لأن تأويل المعجزات بما خرجها عن خوارق العادات يخرجها أيضا عن كونها معجزات ويؤدي إلى إنكار نبوات الأنبياء مع المعجزات لما في إنزال الوحي والكتب عليهم وإرسال الملك إليهم خرقا لسنن الكون ، ولا تكون المعجزات معجزات بدون خرقها ، حتى أن القرآن الذي يتظاهر الدكتور الطويل باستثنائه بين المعجزات والاعتراف بكونه وحده حجة قطعية مع من قلدهم من المعترفين ، لا يكون حجة إن لم يكن كغيره من المعجزات خارقة من الخوارق ، وهو متوقف على كونه كلام الله إذ لو كان كلام سيدنا محمد لا يكون معجزة كما لا يكون خارقة . فمعنى الاتجاه الحديث المنكر للكرامات وخوارق العادات والمؤول للمعجزات بما يخرجها عن إعجازها ويرجع إلى إنكارها أيضا اتجاه إلى رفض أساس من أسس الدين. فكيف يتأسس هذا الفكر المترجم عن الكفر البائح والجهل الفاضح في جامعة مصر الإسلامية وينشر بقلم مؤلف من مدرسيها من غير أن يلقى نكيرا من داخل الجامعة وخارجها؟
بداية صفحة 48
أما أن المعجزات بدون تأويل ، لا تتفق مع منطق العقل فتخرق العقل والعادة معا ، فهو غلط ناشئ من عدم التمييز بين خارق العادة الممكن وخارق العقل المستحيل.
وإني خصصت لتحقيق هذه المسألة وتوضيحها 15 صفحة من "القول الفصل" (من 25 إلى 39) ونبهت فيها إلى أن المتعلمين العصريين لا يدرون أن دائرة الإمكان أوسع بكثير مما يظنون. والدكتور الطويل الذي يرى أنه قرأ كتابي ، لا أقول لم يفهم تلك الصفحات بل تعمد أن لا يفهمها عندا وإصرارا على عقليته الراسخة فيه تقليدا للملاحدة الغرب أو تقليدا للمقلدين من أساتذته المصريين ، وهم يستهينون بالعقل والمنطق مستضعفين الأدلة المبنية عليها ، ثم يقولون عن المعجزات الخارقة للعادة وبعبارة أخرى لسنة الكون والتي لا مانع من اتفاقها مع العقل والمنطق :"لا تتفق مع منطق العقل" ، وليتهم قلدوا من علماء الغرب المتكلمين بمنطق العقل ، وهم موجودون ومذكورون في "القول الفصل".
قال وليام استانلي جون من كبار المنطقيين الإنجليز :"القدرة التي خلقت العالم لا تعجز عن حذف شيء منه أو إضافة شيء إليه ، ومن السهل أن يقال عنه أنه غير متصور عند العقل (لكونه مخالفا لسنة الكون) لكن الذي يقال عنه أنه غير متصور عند العقل ، ليس غير متصور إلى درجة وجود العالم
"يعني لو لم يكن شيء من هذا العالم موجودا غير رجلين أحدهما ينكر المعجزات الخارقة ولا يتصور وجودها ، والآخر يؤمن بها فقال المؤمن للمنكر سيوجد عالم كذا كان جوابه أنه غير متصور وكان نفي تصوره أشد من نفي تصور المعجزات
" وأصل هذه الإنكارات يرجع إلى عدم الإيمان بوجود الله ، قال (استوارت ميل) عند انتقاده لإنكار (هيوم) المعجزات :"إن من لا يؤمن بموجود فوق الطبيعة ولا بتدخله في شئون العالم لا يقبل فعل إنسان خارق للعادة على أنه معجزة ويوؤله مطلقا بما يخرجه عن كونه معجزة"
بداية صفحة 49
ومن كلامنا في "القول الفصل" : "نقول لمنكري المعجزات الخارقة لنظام العالم وهم يدعون أنهم يؤمنون بالله : أليس واضع هذا النظام المسمى بسنة الكون هو الله ، فكيف تقيدون الله بالنظام الذي هو واضعه بقدرته وإرادته واختياره ، فهل يكون القادر المختار عاجزا عن تغيير ما وضعه متى شاء ذلك؟ أما أنه لم يغيره فيما رأيناه وهو سنته التي لن تجد عنه تحويلا ، فذلك بالنسبة إلينا. ومعناه أنا لا نقدر على تبديل سنة الكون ، فلا تكون النار إلى حارة محرقة لكل ما من شأنه الاحتراق بموجب نظام العالم ، ومصلحتنا في استمرار نظامه أنا نعتمد عليه مطلقا في أمورنا وحاجاتنا وتحصل لنا منه قواعد مضبوطة. ولكن نظام النار هذا مثلا الذي نحن مقيدون به لا خالق النار وواضع نظامها ، ليس بمانع أن يجعلها الله بردا وسلاما على نبيه وخليله إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ، تأييدا لرسالته من عنده"
قلنا هذا وأكثر في صفحات "القول الفصل" التي أشرنا إليها وقرأها الدكتور الطويل ، ثم قال القول المذكور سابقا كأنه لم يقرأها وافترض أن القراء لم يقرأوها أيضا.
وقرأ الدكتور الطويل في ص 121 ردا على الشيخ رشيد رضا القائل بأن المعجزات الكونية شبهة لا حجة ، قولي :" إعتبر قول علماء العصريين حجة ، حين لا يعتبر معجزات الأنبياء حجة ، ولا تعبير القرآن عن تلك المعجزات ، تارة بالحق وتارة بالبينات وتارة بالآيات الكبرى وتارة بالسلطان وتارة بالبرهان وتارة بالفرقان – حجة في أنها حجة"
بداية صفحة 50
وقرأ بعده الآيات التي تنطوي على هذه التعبيرات ، ثم قال قوله المذكور سابقا :"إن القرآن وحده هو الحجة القطعية على نبوة الرسول وما عداه شبهة لا حجة".
ونحن نقول هنا إذا كان القرآن حجة قطعية على نبوة رسولنا لزم أن يكون حجة أيضا على أن معجزات الأنبياء غير القرآن حجة على نبواتهم ، بشهادة القرآن في آياته التي أشرنا إليها وأحصيناها في "القول الفصل" . أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ؟ أم تقول أن القرآن شهد على نبواتهم فلا حاجة إلى شهادة معجزاتهم التي هي شبهة لا حجة ، رغم تعبير القرآن عنها بأسماء عالية ؟ فإذن يلزم أن تكون نبواتهم قبل نزول القرآن قائمة على شبهة ، وإيمان من آمن بهم في عهدهم مبنيا على شبهة ، ومعجزاتهم بعد أن نزل القرآن وأشاد بذكرها وتفنن في الإشادة أي تفنن ، لا تزال شبهات. أمثل هذه اللوازم بإنكار حجية المعجزات والتي ينقض بعضها بعضا تتفق مع منطق العقل حين لا تتفق المعجزات نفسها من غير تأويل يخرجها عن كونها معجزات؟
ولو كان الدكتور الطويل وغيره ممن يصرون على تأيول المعجزات واعتبارها شبهة لا حجة مثل الشيخ رشيد ، مصارحين بأنهم لا يأبهون بنصوص القرآن التي أحصيتها في القول الفصل لكونهم غير مخلصين أيضا في الإيمان بحجية القرآن لهان الأمر وانتهى الكلام.
وهذا هو الاتجاه الحيث الذي قيل عن أعلامه بمصر إن الشيخ مصطفى صبري هاجمهم ، أما ما قيل في نفس الهامش عن مهاجمته بقسوة على تعريف الشيخ محمد عبده للنبي ورد الدكتور الطويل عليه بالتخفيف ، فقد أرجأت التكلم عليه إلى محله ، وقد طال الكلام هنا قبل الدخول في الكتاب ، وسبق الجواب على ما يرى في أسلوب نقدي من القسوة . ولي جواب آخر عليه :
وهو أن موقفي في الكتاب ليس موقف الواعظ ، ولو كان كذلك لكان
صفحة 51
الرفق واللين أوفق وأنجح، و كان للوعظ أهل غيرى من أهل اللسان العربى. لكن موضوع الكتاب علمى بحت تنفق فى سوقه الحقائق المجردة من كل تمويه وتطلية وتقُرع فيه الحجة بالحجة ولا بدع إذا كان صوت القراع والصدام شديداً لاسيما مع أصحاب الأقلام الذين طالما تلاعبوا بعقول قرائهم وباعوا الضلالة بيع الهدى حتى إذا عرضوا على الناس الإيمان بالله عرضوه غير مستيقنين، ان لم يكونوا مستبطنى الإلحاد أو إذا عرضوا عليهم الإيمان بالرسول لا تكون بضاعتهم فى ذلك غير سمسرة للمستشرقين أعداء الإسلام. ولا شك أن انقاذ القراء واجتذابهم من أيديهم يتطلب عملاً عنيفاً وصراعاً قاسياً.
فأمامنا عند النقاش محاربون لعقيدة الإسلام محاربة مباشرة أو من وراء الحواجز و اللين مع المحارب من شيمة الأحمق أو العاجز.
هذا وقد يخطر ببال بعض قراء الكتاب أن بعض المناقشات التى عنيت به كان المحل الأولى به الصحف والمجلات لاسيما وفى ذلك عدم التأخر فى الرد على ما يسيحف الرد من الأقوال والأفكار التى انتقدتها فى الكتاب، عن أوانه والجواب عليه أن تلك الأقوال المنتقدة نُشرت متفرقة فى أزمنة مختلفة ولفتت نظرى فاثرت فى نفسى تدريجياً حتى حصل عندى من مجموعها خبرة وقناعة بموقف مصر من الإسلام وحاجتها الى ما قمت به فى هذا الكتاب من تدقيق مسائل هامة متعلقة بأصول الدين وفلسفتها وإزالة شبه الزائغين فيها، وقد عرضتها فى الكتاب شواهد فعليه لأنواع ذلك الزيغ المطلوب إزالته، وكان الأولى والأوقع فى النفوس عرضها جملة والرد عليها جملة وتخليدها جملة من الكتاب لا تفريقها فى مقالات مفرقة على الأزمنة المختلفة والصحف والمجالات المختلغة والقراء المختلفين.
ولقد رأيت كثيراً من كبريات والمجلات الواسعة الانتشار واقعة تحت سيطرة كتاب متآزرين فى السعى لإضعاف نفوذ الدين فى الدين فى المجتمع متلاعبين بأحكامه.
صفحة 52
وقواعده، فلهذا لا تتسع صدور تلك الصحف والمجلات لمقالات الذود عن الدين برغبة صحيحة. وقد ضاق نطاق استطاعة مصر المالية الى الان عن تأسيس جريدة يومية اسلامية فى حين أنها تملك عدة جرائد حزبية. أما المجلات الإسلامية بمصر فهى إما ضعيفة الانتشار أو ضعيفة التمسك بالمبدأ، فقد رأينا مجلة الإسلام لم تحجم عن رئاء مصطفى كمال جاعل دولة الترك المسلمة لا دينية وماحى اثار الدين فيها حتى الحلف الرسمى باسم الله. لما مات فبكت عليه مع الباكيات وكم ذا بمصر من المضحكات.
وعلى الرغم من أن كلمة التعريف بمنهج الكتاب فى البحث والنقد تزداد طولا على طولها لابد من إيراد مثال لعدم اتساع صدور المجلات المعروفة بين المصريين بمصر لمقالات الذود عن حمى الدين وكرامة أهله حتى بعد أن كان الاستفزاز الى الذود وقع من جانب تلك المجلات بمقالات منشورة فيها، فقد كتب الأستاذ فريد وجدى بك مقالة افتتاحية لمجلة الرسالة عدد 602 عنوانها الدين فى معترك الشكوك وكانت مقالة يُظن من خطورتها الناعية لليدن أنها تثير عواطف شديدة فى قلوب اهل الدين الذين لابد أن يكونوا موجودين فى هذه البلاد وعائشين مهما نُعى الدين نفسه من زمان وانقضى عهده كما نصت عليه مقالة الأستاذ و كانت هذه المقالة كالذكرى عن ميت قديم ربما لم يبق منه عظم بدون أن يدركه البلى وكانت كذكرى شماتة لا ذكرى حسرة أو رحمة والعلاج الذى ذكره صاحب المقالة لإحياء هذا الميت أشبه بالهزء.
صفحة 53
والسخرية أو الشعوذة منه بالعلاج ومع كل هذه التى تضمنتها مقالة الأستاذ فلم تحرك ساكناً والحركة التى أردت أنا إبداءها قد قوبلت بمحاولة الإطفاء والإخفاء من بعض شركاء الناعى الشامت الذن يظاهرونه من وراء الستار وهذه هو المعنى الظاهر من كتابتى الرد على الأستاذ فريد وجدى وإرساله الى الرسالة لتنشره كما نشرت مقالة الاستاذ ثم إباء الرسالة عن نشره وانفهام ابائها بعد انتظار النشر بأسابيع. ولم يكن نشر مقالة الأستاذ فى الرسالة دون مجلة الأزهر التى هى مجلته نفسهصونا للأزهر عن مثل تلك المقالة الماسة للدين بعد أن لم تُصن المجلة والأزهر عن كاتب المقالة طيلة سنوات تستغرق تمام عهد المشيخة الثانية للشيخ المراغى والشيخ مصطفى عبد الرازق وقسما من عهد مشيخة الظواهرى قبلهما بل اختير نشرها فى الرسالة ليقرأها المثقفون المصريون الذين لا يقرأون مجلة الأزهر وإن كانت تصدر تحت رئاسة واحد منهم.
وإنى أريد أن أكتب هنا مقالتى التى لم تحظ عند الرسالة توفية للمثال حقه وقبل الشروع فى المقالة أريد البحث عن سبب هذا الحرمان ماذا يمكن أن يكون:
لا تابى الرسالة نشر مقالة الدكتور زكى مبارك التى يعبر فيها عن علماء الدين بالجهلة كما يأتى نصه وتنشر مقالة الأشتاذ فريد وجدى الذى يردد فيها ذكر أهل الدين الصادقين فى ايمانهم بالله ورسله باسم الاعتقاديين ويصفهم بالسذاجة العامية ويرى الدين نفسه تحت الشبهات لم تجع محلا للعقيدة بعد أن أخذ العلم ينتشر بخطوات واسعة وضعفت حجة الاعتقاديين أمام هذا التحدى.
صفحة 54
تنشر الرسالة وسائر المجلات بمصر الراقية فى أسلوبها الادبى كأن بين الادب الراقى وبين ضعف الدين نسبا. هذه الطعنات ف الدين وأهل الدين على حين غفلة أو مسامحة من الشعب المتدين سواء كانوا مسلمين أو هودا أو نصارى وعلى حين أكثر من مسامحة من حكومة البلاد التى لها دين رسمى وليس الرسمى هنا بمعنى ضد الحقيقى تنتشر تلك مقالات الطعن فى الدين ويتسع لها صدرها اتساعاً لا يخلو من الترحيب و تنتشر الرسالة مقالات لمؤلف كتاب لماذا أنا ملحد أو تعتذر اليه فى غاية من اللطف والمجاملة ولا تنشر مقالة الدفاع عن الدين رداً على المعتدين وإنى أقرأ فى الصحف شيئا كبيرا عن حرية الصحافة فى البلاد الديموقراطية وعن الاهتمام العظيم بشأنها، فهل المقصود منها حرية خاصة بأصحاب الصحف التى هى صاحبة الجلالة كما يقولون من غير أن يستفيد منها غيرهم من أفراد الأمة إلا بشرط أن يدخلوا تحت حماية أصحاب الصحف فتكون حصة الامة من هذه الحرية الخاصة بالصحف مقصورة على قراءة ما ينشر فيها حتى إذا أنكرت صحيفة فيما تكتبه حقا أو روجت باطلا أو مست كرامة وأراد أى واحد من القراء الرد على ذلك فالصحيفة حرة فى نشر الرد أو وقفه بعيدا عن وقوف الجمهور عليه فعلى الحكومات أن تعترف بحرية الصحف وليس على أصحاب الصحف أن يعترفوا بحرية النشر للناس فمن اراد الحصول على ذلك فليؤسس صحيفة لنفسه إلى أن ينقلب القراء كلهم صحفيين أو يسايروا أهواء الصحفيين
فأنت إذا فتشت عن دخيلة الصحف والمجلات بمصر وجدت فى أصحابها المدعين
صفحة 55
لحرية النشر كثيرا من أعداء هذه الحرية، نعم انا معترف بمعذرة الصحف والمجلات إن لم تنشر كل ما رود اليها من القراء، ففيه ما يجدر بالنشر وفيه مالا يجدر والثانى ينقسم الى مالا يجدر لتفاهته أو مضرته أو لعدم توفقه مع مبدأ الصحيفة وأنا أسلم بحرية الصحف أيضاً فى امتناعها عن نشر مالا يتفق مع مبادئها بشرط أن توكن مصارحة لذلك المبدأ أما المتسترون فى المبادىء ففيهم الطامة الكبرى وعليهم ينطبق قول ابى العلاء المعرى نطق اللسان لا ينبىء عن اعتقاد الإنسان وهم اللذن ينشرون كل دعاية ضد الدين لا سيما إذا كان تحت ستار التعبير بالغيب ويكفون عن نشر كل دفاع عن الدين لا سيما إذا كان الدفاع قوياً
ولا محل لاحتمال أن يكون ردى على مقالة الأستاذ فريد وجدى بك لم يعجب الرسالة لشدة لهجته إذ لا يكفى كون الرد شديد اللهجة مانعاعن نشره إذا كان المردود كبيرة من الكبائر واى ذنب أكبر من التشكيك فى الدين؟ وعند ذلك يكون التشدد فى الرد عملا بمقتضى الحال الذى يُتهم به فى قانون البلاغة وأن لم أنا من البغاء ولا يلام على الرد الشديد اللهحة إلا إذا كان مع ذلك ضعيف الحجة. اما شدة اللهجة مع قوة الحجة فلا يرغب عن نشر مقالة تجمع بينهما إلا ناشر يضمر المخالفة لمبدأ المقالة ويتظاهر بعدم الموافقة على لهجتها و فى ظنى الذى يوشك أن يكون يقينا كان السبب فى استنكاف الرسالة عن نشر ردى ما ذكرته فى هذه الصورة الأخيرة وكان الذى لم يعجب المستنكفين عن نشر قوة حجته التى لا تدع استطاعة الجواب للأستاذ الردود عليه المتفق مع الرسالة فى المبدأ لا شدة لهجته
صفحة 56
التى يمكن أن يتعللوا بها وهى فى الحقيقة شدة الوطأة والمقصود من عدم النشر محاباة الأستاذ فريد وجدى من الرسالة وهى السلاح السرى لشركة احتكار النشر فى هذه البلاد التى يتعارف أصحابها فيما بينهم بتوافق المبادىء غير مصارحين بها غير أمثالهم كما يقول الأستاذ فريد وجدى فى مقالة أشرنا اليها وسنضعها موضع البحث عن نوابغ الكتاب والشعراء فى الشرف الإسلامى المستبطنين للإلحاد المهيئبن أذهان الناس لقبوله دسا فى مقالاتهم وقصائدهم غير مصارحين بها غير أمثالهم
والان نشرع فى عرض مقالة الرد على الأستاذ فريد وجدى التى لم يجد محلا للقبول فى صفخى الرسالة على نظر القارىء وبها تنتهى الكلمات الطويلة المتقدمة على الكتاب:
صفحة 57
آخر وحى الغرب الى الأزهر الحديث
عفا الله عن الشيخ محمد عبده لما أراد النهوض بالأزهر حارب علماء القدماء وفض المسلمين وخصيصاً الشباب المتعلمين من حولهم. حاربهم حتى أماتهم أو على الأقل أنساهم نسيان الموتى فأصبح بفضل النهضة التى نادى بها الشيخ محمد عبده يقول رجل مثل الدكتور زكى مبارك الرسالة عدد 572 نزعنا راية الإسلام من أيدى الجهلة - يريد بهم علماء الدين- وصار الى أقلامنا المرجع فى شرح–أصول الدين.
ولم تقف الحالة التى أدى اليها مشروع محمد عبده فيما ذكرنا من مرحلة الهدم بل ظهر الأستاذ فريد وجدى بك منذ سنوات على منبرالأزهر الناهض فحارب علوم العلماء الذين حاربهم الشيخ محمد عبده فقتلهم وقتل الأستاذ فريد علوم هؤلاء العلماء المقتولين وعلى رأسها علم أصول الدين حتى أنه قال فى الجزء التاسع من المجلد الثانى عشر من مجلة الأزهر التى يديرها ويرأس تحريرها اذا كان فى الأرض دين تأبى طبيعته أن ينشأ فيه علم الكلام فهو الإسلام
وقد كانت النتيجة الطبيعية لإماتة علماء الدين وعلومهم التى يعتمد عليها الدين موت الدين نفسه فقد وقع ذلك أيضاً بفضل هذا الأستاذ وكم لعب فى مقالاته دور النفى له وهو الذى كتب فى مقاله قديمة له عنوانها سطوة الإلحاد على الأديان:
تقدم الزمان وأفلتت الحكومات من سلطان رجال الدين فاقتصر سلاح الدين على ما كان لديه من قوة الإقناع وفى هذه الأثناء كان العلم يؤتى ثمرات من استكشاف المجهولات وتخفيف الويلات وترقية الصناعات وابتكارات الأدوات والآلات ويعمل على تجديد الحياة البشرية تجديدا رفعها عن المستوى فشعر الناس بفارق جسيم بين ما اتنهوا اليه فى عهد الحياة الحرة وتحت سلطان العلوم المادية و بينما كانوا عليه أيام
صفحة 58
خضوعهم لحفظة العقائد، فانتهز الإلحاد فرصة هذه الشعور الجديد وازداد كلبا على مهاجمة الدين و واستهتر فى فظائعه فرمى الى القضاء علية القضاء الأخير
وكتب قبل أسبوعين مقالة افتتاحية لمجلة الرسالة عدد 202 بعنوان الدين فى معترك الشكوك ردد فيها ذلك النعى قائلاً:
حفظ الدين وجوده فى العصور الاولى للإنسانية بالغريزة الطبيعية فلم يجد العلماء فى تاريخها كله جماعة مجردة عن الدين حتى الدين حتى فيما نقبوا عليه من عهودها الأولى قبل التاريخ
ولما أجال الإنسان فكره فى الوجود المحيط به ونشأت فيه خاصة النظر والاستدلال أيد الإنسان دينه بالعقل
ولما استبحر علم الكون وافتتن العقل بالبحوث المادية تحت تأثير المكتشفات الطبيعية فى عالم القوى والنواميس ووضع الدستور العلمى وظهرت اثاره فى ترقى المعارف وتجنب الأخطاء التى كان دليلها مجرد النظر العقلى لم يعد للمنطق سلطان على الإنسان وأصبح الدين لا يستطيع البقاء إلا إذا كان له دليل من الوجود المحسوس وصرح علماء القرن الثامن عشر والتاسع عشر بان عهد الدين قد انقضى و ان بقاءه على الأرض مرتبط ببقاء السذاجة العامية فإذا نشر العلم على العامة رواقه زال الدين كما يزول كل ما ليس له أصل ثابت يقوم عليه.
على هذا كان الإجماع منعقداً فى العالم العلمى إلى زمان ليس ببعيد فهل العقل يكفى لإيجاد الإيمان فى العهد الذى نحن فيه؟
يكفى إذا كان يستمد مسلماته من العلم الكونى المحسوس أما والعقل الذى يعتمد عليه الاعتقاديون يقوم على مسلمات لازال فى فى نظر فى نظر العلم مسائل تعوزها الحلول
صفحة 59
كنشوء السكون والمادة الخ فما يقرره الاعتقاديون اعتمادا على أمثال هذه المسلمات لا يراه العلم جديرا بالعتبار
ومعنى هذا أن الاعتقاديين فى هذا العصر قج أصبحوا عزلا من الاسلحة التى تصلح للكفاح فى هذه المعترك فإذا لم يستكمل هذا النقص فلا يرجى للموضوع الذى هم بسبيله بقاء
ونحن نقول بعد التنبيه على أن مراد الأستاذ من الذى يسميهم الاعتقاديين هم المؤمنون بالدين إنا نرى فى هذا الكلام الذى نقلناه عن الرسالة بنصها، نعى الدين بتمام معنى الكلمة من الأستاذ ترجمان لسان الأزهر واعترافا منه بأن الدين ليس له فى العصر الحاضر أصل ثابت يقوم عليه
ثم أيد الأستاذ كلامه بقول و.ميرس مدرس علم النفس بجامعة كمبريدج: كنت مقتنعاً بأنه لو أمكنت معرفة شىء عن العالم على أسلوب يستطيع العلم أن يقبله ولن يكون ذلك بالتنقيب فى الأساطير القديمة. يريد المعجزات المنقولة الينا من عصور الأنبياء ولا بالتامل فى علم ما بعد الطبيعة كاستدلال علماء الكلام على وجود الله بالأدلة العقلية ولكن بواسطة التجربة والمشاهدة وبتطبيقنا على الظواهر التى تشاهد أساليب المباحث المضبوطة تلك الأساليب التى نحن مدينون لها بمعارفنا على العالم المرئى المحسوس، هذه المباحث لا يجوز أن تبنى على التأكيدات التى صدرت عن هذا الوحى أو ذاك بل يجب أن تؤسس ككل بحث علمى بمعناه الصحيح على
صفحة 60
تجارب يمكننا منها تكرارها اليوم مؤملين أن نزيد عليها غدا ويكون الدافع اليها هذه القضية: إذا كان يوجد عالم روحانى ظهر للناس فى أى عهد كان فيجب أن يكون كذلك قابلاً للظهور فى أيامنا هذه
يشترط مدرس كمبريدج للاقتناع بصحة الأديان المنقولة إلينا من عهود الأنبياء والتى تستند الى نزول الوحى عليهم بتلك الأديان من عالم غير عالمنا يعنى من طرف الله فكان لهم على ما يقولون اتصال بذلك العالم يشاهدون منه أموراً مثل ما تشاهد نحن من عالمنا الحاضر. فيشترط هذا المدرس الانجليزى للتصديق بصحة وقوع تلك الحالات المروية عن الانبياء أن يظهر لنا فى هذا الزمان أيضاً مثل ما ظهر لهم فينزل علينا مثلاً أيضاً مثل ما ظهر لهم فينزل علينا مثلا الوحى من الله كما نزل عليهم ويظهرعلى أيدينا ما كان يظهر على أيدينا ما كان يظهر على أيديهم من المعجزات فكأن الرجل يقول لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله وبقول الأستاذ فريد وجدى بك فى مقالته بعد أن نقل قول المدرس الانجليزى:
نحن نقول هذه شرط العلم فى قبول الاعتقادية يعنى فى الاعتراف بصحة الأديان السماوية كاليهودية والمسيحية والإسلام وهو شرطلا يجوز الاستخفاف به ولا إغفاله لأن العلم آخذ فى الانتشار بخطوات واسعة وأساليب المحررة أى المحررة للإنسان من التقيد بالقيود الدينية وآثاره الفاتنة فى العقول أبلغ تأثير.
واشتهرت معها شبهات لم تدع محلا للعقيدة وضعفت حجة الإعتقاديين يعنى المؤمنين بالأديان أمام هذا التحدى ضعفاً ظهرت آثاره فى الجماعات وخاصة فى البلاد الشرقية.
ونحن نرى الأستاذ فريد يحكى فى هذه الجمل ما وقع فى الشرق لا سيما الشرق الإسلامى ولا سيما بين متعلميه العصريين من انتشار التجرد من الدين يحكى ما وقع من غير تحميل تبعة الواقع على عاتف أحد غير الدين نفسه فكل ما منى
بداية الصفحة 61
به الدين عند الأستاذ من الاندراس ناشئ من ضعف حجته أمام انتشار حجة العلم المشهود آثاره كل يوم بالتجربة ، في حين أنه لا نصيب للدين من تأييد التجارب. فالعلم الحديث أصبح في زماننا ألد أعداء الدين الذي زاحمه إلى أن قضى عليه القضاء الأخير، و هذا القضاء أمر طبيعي على ما قاله الأستاذ من أن آثار العلم الفاتنة أثرت في العقول أبلغ تأثير. لكن هذه العقول لا قيمة لها عندنا، بل عند أصحابها ايضاً، لكوننها عقول الذين يقولون ليس للمنطق سلطان على الإنسان و يقولون ان مجرد النظر العقلي يكون دليل الأخطاء، فهي عقول الذين خرجوا على سلطان العقل و المنطق. و هل يعرف أصحاب تلك العقول أن عدم كون الدين مؤيداً بالتجربة ليس لعيب في الدين بل في التجربة نفسها لكونها ميزاناً قاصراً على الماديات، و الدين أرفع شأناً من أن يدخل في متناول هذا لاميزان، و إذا لزمت التجربة للدين فلا يجربه إلا العقل الذي هو أيضاً منحة للأنسان من العالم العلوي كالدين، و كل مخترعات الغرب أمور مادية يستخدمونها في تطمين شهواتهم و مطامعهم، فهم و إن كانت لهم عقول فلا يهتمون بها إلا للإستفادة منها في المنافع الدنيوية، و لا ينقادون لأحكام العقل في غير ذلك، و لهذا نرى مقلديهم منا كالأستاذ صاحب المقالة المنتشرة في" الرسالة" تتناقض آراؤهم في أمر العقل يجلونه تارة و يحتقرونه أخرى كما سبق مثاله آنفا، و احتقارهم العقل ازاء التجربة حجة قاصرة ينطبق حكمها على عقول المحتقرين فقط. و على كل حال ففي عقول الغربيين المنهمكين في المادة و عقول مقلديهم منا خلل يستعصى على مداويه، و هم رغم تبجحهم بفهم أسرار الكون لا سيما ما يكون كثير الإتصال بنا منها، بعيدون عن فهم ماهية العقل كما أنهم بعيدون عن النجاح في معالجة الأمراض العقلية رغم ترقيهم في الطلب فلا يتصور منهم يوماً من الأيام أن يعملوا فيما عملوا و يعملون من الأعضاء الصناعية للإنسان، مخاً صناعياً مع أن صنع المخ ليس صنعاً للغقل
نهاية الصفحة 61
بداية الصفحة 62
نعود إلى ما كنا فيه: فأستاذ ( مجلة الأزهر ) يتفق مع أستاذ جامعة كامبريدج – كما تبين مما نقلنا عنهما – على أن ثبوت الدين في نظر العلم يتوقف على كون أصوله الإعتقادية ككل بحث علمي بمعناه الصحيح مؤسسة على تجارب حسية يمكن تكرارها لكل من أراد، فيجب أن لا نؤمن بوجود الله من دون أ، نرى شخصه أو نسمع صوته يكلمنا كما يكلم واحد في التليفون أو الراديو على الأقل، و أن لا نؤمن بالأنبياء الماضين إلا بشرط أن يأتينا ما أتاهم من الوحي أو الملك المبلغ عن الله أو الكتاب المنزل من السماء، و إلا بشرط أن يظهر على أيدينا ما ظهر على أيديهم من المعجزات المعبرة بالأساطير ما دام هذا الشرط لم يتحقق إلى الآن، و يجب أن تكون التجربة لصحة الدين و ثبوته كتجربة كون النار محرقة أو كتجربة كون التيار الكهربائي قاتلا إذا مس الإنسان أو الحيوان، و يجب أن يتبين خطأ المنكر للدين عند التجربة الحالية كما يتبين خطأ المنكر لاحتراق النار أو خطر التيار الكهربائي.
و نحن نقول: لكن طبيعة الدين تأتي الشرط الذي اتفق على قبوله عقل الأستاذين و ذوقهما، فهو لا يكون إلا غبياً كما جاء في نص القرآن فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر، و ما أحسن قول الشاعر التركي القديم:
غيبه ايمان كتير أي ملحد بي دين كه سكا أخر تدن خط تعليق ابله حجت كلمز
و معناه:" آمن بالغيب أيها الملحد إن كنت تريد أن تكون مؤمناً، و إلا فإن تأتيك براءة من الآخر بالخط الفارسي أو الديواني كما تخط به البراءات!" و الأستاذان المتفقان يحاولان في الشرط الذي وضعاه للإيمان أن لا يبقى امتياز المؤمن على الكافر، فإما أ، يتحقق شرطهما فلا يبقى على الأرض كافر، كما لا يوجد أحد ينكر كون النار تحرق يده عند مماستها.... و إما أن لا يتحقق شرط الأستاذين فلاىى يبقى على الأرض مؤمن بالدين. لكنهما لا يدريان أن الإيمان يتجلى في الإنسان بهداية الله و توفيقه، فلا يزال
بداية الصفحة 63
الناس منقسمين بين من شرح الله صدره للإيمان فيؤمن مستغنياً بأدلته العقلية عن غيرها، و بين من جعل صدره ضيقاً حرجاً ليشترط على إيمانه بما يجعل الدين من الأمور العادية التي لا يختلف فيه الناس و لا يمتاز من ينتفع بعقله على من لا ينفع. و لا يدري هذا لاقسم الغافل أنهم لا يؤمنون حتى و لو تحقق شرطهم الذي لا يتحقق، كما قال الله تعالى في الذين حرموا هداية ربهم و حقت عليهم الضلالة: " و أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جائتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله و ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون و نقلب أفئدتهم و أبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة و نذرهم في طغيانهم يعمهون و لو أننا نزلنا إليهم الملائكة و كلمهم الموتى و حشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله و لكن أكثرهم يجهلون".
و أنا ال أتعجب من أستاذ كمبردج، و إنما أتعجب من الأستاذ فريد وجدي بك الذي يقال إنه كتب فيما مضى تفسيراً للقرآن أو كتب القرآن مفسراً، كيف لم ير هذه الآيات! لكن المسألة إذا كانت في هداية الله أو الحرمان عن هدايته فلا عجب مطلقاً، إذ ليس موقف من اشترط على الإيمان شرطاً بعد أن رأى هذه الآيات في كتاب الله، بأعجب من موقف الذين نزلت الآيات المذكورة لبيان مبلغهم في عدم الاستعداد للإيمان. و لم يفكر الأستاذ الأول و لا لاثاني الذي يصدق الأول في إشتراطه للاقتناع بوجود الله، و أكبر شبهة الشاكين في الدين يكون في وجود هذا الرأس. و بعد الاقتناع بوجود الله فكل مشكلة سهلة الحل. فإذا لم ينفع الأستاذين مثول هذا العلام الجسماني أمام أعينهم بكل عظمته و بداعة أنظمته، في الدلالة على وجود الله مالك هذا العالم و موجده، فأولى بأن لا ينفعهما ظهور عالم آخر لأعينهما أخفي من عالمنا لكونه غير جسماني، و أولى بمن لا يعترف بحاجة العالم الجسماني الذي
بداية الصفحة64
يكون وجوده في غاية الظهور، إلى موجد ذلك العالم و مالكه: أن لا يعترف بالحاجة إلى الموجد المالك للعالم الثاني الذي ليس في الظهور للعيون بدرجة العالم الأول، فيرتاب في وجود هذا العالم نفسه، قبل أن يرتاب في و جود موجده، و يعتبر ظهوره لعينه من قبيل الخيال الخادع.
ثم إن الأستاذ الثاني أعني أستاذ مجلة الأزهر و كاتب المقالة " الرسالة" بعد اعترافه بوجوب تحويل الإيمان بالغيب لإثبات صحة الدين في نظر العلم، إلى الإيمان بالمعاينة......أشار إلى طريق الحصول عليه من اكتشاف العالم الروحاني الذي يسعى له طائفة من العلماء في الغرب منذ مائة عام و يزداد الأمل – أمل الأستاذ – يوماً عن يوم لفوزهم في مساعيهم!
كان الأستاذ قبل تعيينه مديراً و رئيس تحرير لمجلة الأزهر يهاجم الدين و يهدمه بمعول العلم الحديث الغربي. و النزاع بين العلم و الدين معروف في الغرب، و لم يكن الدين الذي ينازعه العلم دين الأستاذ، و مع هذا كان ينقل ذلك النزاع إلى ما بين العلم و ديننا، كأنه الآخر ليس دين الأستاذ أيضاً. فلما جئ به قبل بضع عشرة سنة إلى رأس " مجلة الأزهر" ليبني الدين الذي هدمه لم يدر ماذا يعمل. و ليس بواقع منه طول حياته الكتابية أن يتنازل عن رأيه معترفاً بخطائه، فلاح له أن يهاجم العلم الذي كان سلاحه عند مهاجمته للدين، فاشتعل بذلك حيناً، و لم يكن العلم علمه كما لم يكن الدين دينه، و إنما الذي للأستاذ من هذه الأمور خالصاً صحيح النسبة إليه أن يكون واسطة الغرب إلى الأزهر في أحدث آرائه و أفكاره إن لم يكن آراء جميع العلماء هناك فليكن رأي بعض منهم. ثم ما وسع الأستاذ أن ينكر عدم إمكان القضاء على العلم الذي يقضي على الدين، فأخذ يتزلف إليه من جديد بدعوى كون الاستمرار في تجارب البحوث النفسية و استحضار الأرواح الذي ينتظر منه التأييد للدين، معدوداً
بداية الصفحة 65
من الاستمرار في الطريق العلمي، و التأييد المنتظر من تلك التجارب تأييداً علمياً. فاهتم بهذه المسألة و ذاك الانتظار حتى جعل " مجلة الأزهر " مجلة دعاية لاستحضار الأرواح و أداة لنشر و ترويج أعمال المشتغلين به من الغربيين، في الشرق.
و أنا الذي (1) كنت أتعقب مقالات الأستاذ في " مجلة الأزهر " و غيرها منذ ناقشته على إنكار معجزات الأنبياء.- و كان تعيينه لرئاسة المجلة قبل أن يجف مداد ذاك النقاش في صفحات الأهرام، من عجائب مصر الحديثة التي تبرز عجائبها القديمة – حتى رلأيت انتهاء نزاع العلم و الدين في ذهن الأستاذ و هو القائد الصحفي الأزهري الأعلى لفض هذا النزاع و حسمه إلى حالة النزع للدين، بل الحكم بموته و دفنه في قلوب من بقي على الأرض من العامة السذج، الحكم بموته و عدم إمكان إعادة الحياة إليه إلا بشرط نجاح الغربيين المشتغلين باستحضار الأرواح في مهمتهم، علّهم يجدون بين الأرواح التي يكتشفونها أو يستحضرونها روح الدين أيضاً المتفرقة من بدنه فيعيدونها إليه و ينقذون البشرية من وباء الإلحاد، إلحاد الخاصة العام إن لم يكن إلحاد العامة!..
أنا الذي أتعقب مقالات الأستاذ و أ/ثاله ممن يتلقون الوحي من الغرب حتى في الدين، تاركين وحي الشرق الإسلامي ورائهم ظهريا، و أرى الصعوبات في مقابلة المقالات بالمقالات للدفاع عن تراثنا العلمي، حجة من كون أولئك المستوحين المستعجلين في الشرق طلوع الشمس من مغربها، تغلبوا في حلبة الصحافة و احتكروها فضاقت على أقلام غيرهم بما رحبت – قد كتبت كتاباً (هذا الكتاب) حللت فيه مشكلات
هامش الصفحة 65
(1) صفة (لأنا) المبتدا لا خبر عنه، و الخبر (قد كتبته) الجائي بعد بضعة عشر سطر. و الكتاب يحتاج إلى وصف الضمير عند اقتضاء الحال و ان منعه ابن الحاجب رحمه الله في "كافيته" قائلا: " و الضمير لا يوصف و لا يوصف به"،
انتهى الهامش
بدية الصفحة 66
الأستاذ الإعتقادية، وذلك بعون الله و توفيقه كل صعب في علاج مرضه العقلي العميق الذي هو مرض مصر الحديث و الذي قد يكون سبب هلاكها في الدنيا و الآخرة، إن بيق على حالته الحاضرة، و هوالكتاب الذي نشرت الباب الثالث منه قبل بضعة أعوام على شكل كتاب مستقل مسمى " موقف العقل و العلم و العالم من رب العالمين" إلى ما بعد أزمة الورق. و هذا الكتاب الذي كرست فيه حياة مشبي حتى كان لي أرزل العمر بروح مستمدة منه، أعزه و الذي أرجو أن يكون كتاب أعمالي يوم عرض الأعمال نسخة منه...هذا الكتاب سأقدمه إلى مصر التي آوتني بعد مغادرة بلادي ... أقدمه إليها لتقرأه و تثبت عقيدتها الدينية المتزلزلة من تشكيكات سماسرة الغرب الشرقيين، و لي سببعيد أن يسألها الله عن هذا الكتاب فيما يسألها عند يوم الحساب.
لا أشتغل بتقريظ كتابي إلى القراء المصريين فسيرونه، و إنما أنقل هنا صفحة منه لتكون جواباً على مقالة الأستاذ المنشورة في "الرسالة" الذي نعى فيها الأدلة العقلية و نعى الدين المبني في الإسلام قدماًعلى تلك الأدلة. و الجواب بهذه الصفحة من الكتاب المكتوبة من زمان المتقدمة على مقالة الأستاذ الجديدة، معجزة الدليل العقلي الذي استهان به الأستاذ في مقالته. فقد كان حضرته منذ مدة مديدة يروج مسألة البحوث النفسية و يعرضها على الأنظار كملجأ للشاكّين في الدين مؤملا منها إثبات الدين على الطريقة الحديثة العلمية المبنية على التجربة الحسية، بعد ادعاء عدم كفاية إثباته بالطريقة العقلية لكونها طريقة قديمة ميتة، فأحييت في الكتاب طريقة الإثبات التي أماتها الأستاذ و أمت الطريقة التي أعتمد على حياتها، أمتُّها فيما يتعلق بمسألتنا، و في غيرها فضلتُ ما جعله مفضولاً على ما
جعله فاضلا. و دعواي هذه التي لابد أ، بستبعدها الأستاذ كل الاستبعاد تنجلي في أعين الغافلين عن عظمة
بداية الصفحة67
ـــــــــــــــــ ص 66ـــــــــــــــــ
الأستاذ الاعتقادية ، وذلك بعون الله وتوفيقه كل صعب فى علاج مرضه العقلى العميق الذى هو مرض مصر الحديث والذى يكون سبب هلاكها فى الدنيا والآخرة ، إن بقى على حالته الحاضرة ، وهو الكتاب الذى نشرت الباب الثالث منه قبل بضعة أعوام على شكل كتاب مستقل مسمى "القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لايؤمنون " وأرجأت نشر الكل المسمى "موقف العقل والعلم واللعالم من رب العالمين " إلى ما بعد أزمة الورق . وهذاالكتاب الذى كرست فيه حياة مشيي حتى كان لى أرذلُ العمر بروح مستمدة منه ،أعزَّه والذى أرجو أن يكون كتابُ أعمالى يوملى يوم عرض الأعمال نسخة ً منه.. هذاالكتاب سأقدمه إلى مصر التى آوتنى بعد مغادرة بلادى ..أقدمه إليها لتقرأه وتثبِّت عقيدتها الدينية المتزلزلة من تشكيكات سماسرة الغرب الشرقين ، وليس ببعيد أن يسألها الله عن هذاالكتاب فيما يسألها عند يوم الحساب.
لا أشتغل بتقريظ كتابى إلى القراء المصريين فسيرونه ، وإنما أنقل هنا صفحة منه لتكون جواباً على مقالة الأستاذ المنشورة فى "الرسالة" الذى نعى فيها الأدلة العقلية ونعى الدين المبنى فى الإسلام قدماً على تلك الأدلة . والجواب بهذه الصفحة من الكتاب المكتوب من زمانٍ المتقدمة على مقالة الأستاذ الجديدة، معجزةُ الدليل العقلى الذى استهان به الاستاذ فى مقالته . فقد كان حضرته منذ مدة مديدة يروج مسألة البحوث النفسية ويعرضها على الأنظار كملجأ للشاكّين فى الدين مؤملا منها إثبات الدين على الطريقة الحديثة العلمية المبنية على التجربة الحسية ، بعد ادعاء عدم كفاية إثباته بالطريقة العقلية لكونها طريقة قديمة مينة ، فأحييت فى الكتاب طريقة الإثبات التى أماتها الأستاذ وأمتّ الطريقة التى اعتمد على حياتها ، أمتها فيما يتعلق بمسألتنا ، وفى غيرها فضلتُ ماجعله الأستاذ مفضولا على ماجعله فاضلا . ودعواى هذه التىلابد أن يستبعدها الأستاذ كلالاستبعاد تنجلى فى أعين الغافلين عن عظمة
ـــــــــــ ص 67ـــــــــــــ
الإسلام ومتانة الأساس الذى وضع علمائنا عليه إيمان المسلمين ، تنجلى فى أعينهم بعد التغلغل فى أعماق الكتاب ، ولا يمكننى أن أدرج كتابى المؤلف من أربع مجلدات كبيرة فى هذه المقالة ، مع أن فى نموذج الإفحام الذى تضمنته الصفحة المنقولة عنه ، كفاية وهى:
"إن المؤمنين بالله القدماء إيماناً بالغيب أى منغير أى مشاهدته بإحدى الحواس الظاهرة ، ولكن مستيقنين بوجوده كأنهم شاهدوه ، لاسيما علماء المؤمنين ،أسندوا إيمانهم – على قول الأستاذ وغيره من العصريين –إلى غير مسند، وهو الدليل العقلى ، إلا أنهم كانوا يزعمونه دليلا يُقنع به فاقتنعوا وآمنوا . ولنقل : وقد تحقق بذلك ماذكره الاستاذ فى بعض مقالاته من أن الله تعالى يأتى العقول فى كل زمان بما أحست الحاجة إليه من وسائلالنجاح ... وبإنقلاب الزمان تبين للأستاذ وزملائه المتصلين بالعلم الحديث الغربى أن دليل الأولين ليس بدليل على جدير بالاعتبار والاقتناع – كما نص عليه فى مقالته المنتشرة فى "الرسالة" – لكن الأستاذ وجد أخيرا ً ما يعوضه عما فات : وهو مااكتشفه بعض العلماء الغربيين فى بحوثهم النفسي ، فاقتنع به واعتبره دليلا قاطعاً علميا ً ، وإن لم يوافقه على ذلك كثير من العلماء الآخرين وقالوا انها أوهام قوم مخدوعين.
" وعلى فرض كونه دليلا قاطعاً يلزم التنبيه إلى أن ماوجده الباحثون الغربيون واكتشفوه بالطريقة العلمية التجربية ليس ذات الله أو وجود الروح، إلا أن هذا الاكتشاف قد أطمع الستاذ فى أنهم يجدون الله أيضا فى الزمن القريب أو البعيد ، سواء تحقق فى المستقبل ماكان يطمع فيه أو لم يتحقق وصار طمعاً مقضياً عليه بالخيبة ، وعلى كلا التقديرين فليس لدينا ، لا ، بل ليس لدى الأستاذ وأمثاله العصريين غير المقتنعين بغير الأدلة التجريبية ، ليس لديهم فيما بين الزمان الماضى الذى كان يُعتمد فيه على الدليل العقلى المنطقى وبين الزمان الذى يجد الباحثون الغربيون فيه
ـــــــــــــــــ ص 68ـــــــــــــ
ذات الله بالطريقة العلمية التجريبية –إن وجدوها- كما وجدوا الروح ... ففيما بين هذين الزمانيين من المدة – مدة انتظار نتيجة البحوث النفسية – التى يمكن أن تطول أعصارا ، وفيها زمننا الحاضر الذى وُجد الأستاذ فيه على رأس مجلة الأزهر وهو يدافع عن الدين – ليس لديهم دليل على وجود الله . ولا يجرى بالنسبة إلى هذا الزمان المتوسط ماقاله الأستاذ من أن الله يأتى العقول وفى كل زمان بما أحست الحاجة إليه من وسائل البحث ،لأنه لم يأت العقول الحاضرة أعنى عقول العصريين ، وفيها عقل الأستاذ ، بما أحست الحاجة إليه من الدليل على وجود الله ، وإنما أتاها بأن الدليل القديم على وجوده لا يكفى لإثباته علميا ، ولا أحست تلك العقول بالحاجة من الدليل على وجود الله ، وإنما أتاها بأن الدليل القديم على وجوده لا يكفى لإثباته علميا ، ولا أحست تلك العقول بالحاجة إلى دليل جديد يكفيه ،إذ لو أحست لأتى به ، وإنما أحست الانتظار إلى أن يكتشفه الباحثون فليس لدى الأستاذ وأمثاله المنتظرين فى العصر الحاضر دليل على وجود الله ولا حاجة إليه محسوسةٌ !! ومالا دليل على وجوده فلا مانع من أن يقال عنه إنه غير موجود عندهم فى الزمان الحاضر !!!
" بل أقول ان الله تعالى لم يكن موجوداً عندهم فى الأزمنة الماضية أيضاً التى كان الناس فيها يظنونه موجوداً ، لعدم كون دليلهم على وجوده دليلا علميا يصح الاعتماد عليه .. بل أقول لا دليل عندهم أيضاً على أن الله تعالى سيكون موجودا ، بأن يكتشف وجوده فى المستقبل بالدليل العلمى ، إذ لامعنى لانتظار الاكتشاف فى المستقبل عن وجود مالم يوجد إلى الآن ولم يقم على وجوده دليل يعتمد عليه(1) فالله تعالى على رأى الأستاذ المنجلى من أقواله – وياللأسف انحلاء منطقيا - ليس بموجود فى أى زمان من أنواع الأزمنة الثلاثة ، نعم كان الله تعالى موجوداً عند أصحاب السذاجة العامية
--------- هامش ص 68--------
(1) فلو كان وجود الله معلوما بالدليل وكان المنتظر هو اكتشاف ذاته وكنا سلمنا بإمكان هذا الاكتشاف ، كان للانتظار .
ــــــــــــــص 69ــــــــــــــــــــ
والذين يلتحقون بهم من العلماء المعتمدين على الدليل العقلى ، غير أن العلم الحديث قضى على هؤلاء العلماء ودليلهم المبنى على العقل والمنطق ، والأستاذ بلّغنا نبأ هذا القضاء من منبر الأزهر الحديث !..
" فهذه خلاصة أعمال الأستاذ فى رئاسة تحرير مجلة الأزهر منذ بضع عشرة سنة أعنى إعدام الله الموجود عند الناس الذين يسميهم الستاذ "الاعتقاديون" وتعليق الحكم بوجوده من جديد إلى أجل غير مسمى بل غير مرجو المجئ ... هذه خلاصة أعمال الأستاذ وخدمته للأزهر خاصة والإسلام عامة ، فليقدر أجرها فى الدنيا والآخرة القادرون!!"
وهذه صفحة من كتابى تتضمن نموذجاً من الدليل العقلى المنطقى فى الرد على مقالات الأستاذ ضد هذا النوع من الأدلة . فإن لم تكفه مفحمة ومفهمة لخطأه الفاحش فى تقدير قيمة الدليل العقلى المنطقى قدرها فسيقول ردَّا على : هذا كلام معقول منطقى ولكن لم يعد للمنطق سلطان على الإنسان (1).
---------- هامش ص 68-----------
(1) المنطق الذى يستهين به من يستهين العصريين مثل الأستاذ فريد وجدى بك رئيس تحرير مجلة الأزهر معلنين استهانتهم بأن يسموه المنطق القديم أو المنطق الصورى أو التجريدى كما فعل معالى الدكتور حسين هيكل باشا فى مقدمة كتاب " حياة محمد "- هو المنطق العظيم الذى يجد القارىء أمثلة ونماذج هامة من عظمته وبراعته ، فى أماكن مختلفة من كتابنا هذا ... ومن طريف غفلة المستهنيين به فى وصفه صوريا أو تجريديا . أن منشأ عظمة هذا المنطق وقوته ، فى صوريته كما سيطلع عليه القارىء أيضا . وقد أستعان كتابنا هذاالفريد فى تحليل وحدة الوجود العالمية الذى يجئ دوره فى الجزء الثالث من الكتاب ، استعان فى أدق مراحله كثيراً من فيض وفضل ذلك المنطق.
ومن تلك النماذج الدالة على براعة هذا المنطق أن فى أدلة الفيلسوف ديكارت على وجود الله دليلا مسمى بالدليل الأنطلوجى ذكره وأطراه صديقنا الدكتور عثمان أمين فى كتابه (ديكارت) وأيده الأستاذ الكبير العقاد فى كتابه (الله) على الرغم من أن ذلك الدليل نقد على كاشفه قدما ... فلم يجد نفعا نقد الناقدين فى الحيلولة دون اتفاق الدكتور عثمان والأستاذ العقاد على الأعجاب بالدليل المذكور والاعتراف بمتانته.=
انتهى الهامش
ــــــــــــــص 70ـــــــــــــــ
وهنا انتهيت من إيضاح منهج الكتاب فى نقد الأقوال بعد كلمتى إلى القراء .
والآن أشرع فى نسخ الكتاب مستعينا بالله ومسمداً من توفيقه .
مصطفى صبرى
صفحة 71
بسم الله الرحمن الرحيم
شهد الله أنه لا إله إلا هو و الملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم. غن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم.
سبحان الله عدد خلقه سبحان الله رضى نفسه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.
سبحان من كان لايحصى ثناء عليه من لا أحصى ثناء عليه فيقول انت كما أثنيت على نفسك ، و هو كما أثنى عليه من هو كما أثنى على نفسه صلى الله عليه و سلم و على إخوانه المراسلين وآله و صحبه أجمعين.
وبعد فيقول العبد الفقير فى الدنيا إلىلا هداية ربه لسبيله وصيانته بعد الهداية من زيغ القلب و سوء المنقلب، و فى الآخرة إلى عفوه و مغفرته وواسع رحمته الشيخ مصطفى صبرى التوقادى ابن أحمد بن محمد القازابادى:
إن لهذا الكتاب المعروض على نظر القارئ قصة تستحق الذكر هنا (1) و هى أنى قرأت مقالة نشرتها مجلة "الرسالة" قبل أكثر من عشر سنوات للأستاذ
هامش صفحة 71
(1) وهى أول وأخر قصة مع كلمة تاريخية اعتذر إلى القارئ عن وجودها فى كتابى الذى لايعنيه فيما يتناوله إلا التمحيص و التعمق العلمى فى مسائل هامة دينية و فلسفية، و هذا على عكس مالايجده القارئ فى أكثر الكتب الفلسفية المؤلفة بمصر غير الحكايات التاريخية و التراجم.
صفحة 72
محمد عبد الله عنان عنوانها "حرب منظمة يشهرها الكماليون على الإسلام" و كان من جملة ما كتبه فى مقالته هذه الأسطر:
" ومهما يكن من أمر البواعث التى تحفز الكماليين إلى هذه الخصومة المضطرمة نحو الإسلام فإن الإسلام أقوى و أرسخ من أن يتأثر بمثل هذه الثورات العصبية الطارئة ، وقد صمد الإسلام و مازال يصمد لخصومة الغرب كله مع ما يحشده الغرب لغزوه من العوامل و الوسائل الخطرة. ذلك أن الإسلام أقوى بعقائده و مبادئه ...
"ولن يضير الإسلام أن يسقط من عداده تركيا الكمالية ، وإذا كان الإسلام لم يعتز قط بتركيا يوم كانت دولة قوية شامخة ، فكيف يحاول اليوم أن يعتز بهذه البقية الضئيلة من تركيا القديمة؟ "
فآذتنى الجملة الأخيرة من هذا القول التى خرج فيها الكاتب خروجا ظاهرا عن حدود الحق و الإنصاف (1) فقد تعجبت أولا كيف يجمع الكاتب خروجا ظاهراً عن حدود الحق و الإنصاف (1) فقد تعجبت أولا كيف يجمع الكاتب فى نفسه التى بين جنبيه البغضاء نحو تركيا الجديدة و القديمة معاً ، و هو يعرف ما يحشده الغرب من الوسائل الخطرة لخصومة الإسلام، ولا يعرف انه أى الغرب كان يحفظ فى خصومته للإسلام خصومة تركيا القديمة وأن إنشاء تركيا الجديدة و إبادة تركيا القديمة من أهم تلك الوسائل الخطرة التى حشدها لخصومه الإسلام . و الأستاذ عنان ينضم بعداوته لتركيا القديمة الإسلامية العثمانية ، إلى تلك الوسائل المحشودة لخصومه الإسلام و يؤيد
هامش صفحة 72
ولو كان طعن الكاتب فى تركيا قديمها و جديدها بدافع من الغيرة الصادقة على الإسلام و الخبرة الصحيحة بمبادئه لعذرته بعض المعذرة و عاملته بالتسامح ، و لكن الأمر ليس كذلك بشهادة أنه كان لا يرى فى الخطوات الأولى للثورة الكمالية مثل إلغاء الخلافة و حل الجماعات الدينية و الصوفية و فرض الثياب المدنية و القبعة ، ما يثير الأذهان المستنيرة ( على تعبير الأستاذ الكاتب) بل يقول: كانت هذه الأذهان تتبع جهود تركيا الجديدة فى سبيل التجديد القومى و الاجتماعى ( على أن يكون فى تلك الجهود تجريد الدولة من صبغتها الدينية) بمنتهى الإعجاب و العطف.
صفحة 73
جديدها الذى تظاهر بمعاداته مع قديمها، كما يؤيد الغرب الحاشد . وليس الأستاذ صميميا فى هذه المعاداة ، و إنما هو جاد فى خصومة تركيا القديمة الإسلامية الشامخة التى لابد أن يكون من خاصمها من خصوم الإسلام ، و الأمور التى أعجبت الأستاذ مما فعلته تركيا الجديدة و أحصيناها فى الهامش الآنف ، تدل على ماقلنا دلالة باهرة.
ثم إنك قد رأيت هذا الأستاذ يعترف بشموخ دولة الترك فى الماضى. أما كون تلك الدولة من الدول الإسلامية المعمرة فلا شك فيه لأحد ، ولا يمكن أن يشك فيه الأستاذ أيضاً، وقد كان عمر العثمانيين مع السلاجقة و أبناء طولون و المماليك الترك و غيرهم لا يقل عن ألف سنة. فهل يمكن إذن أن تكون دولة إسلامية من الدول الشامخة ومعمرة غاية التعمير ثم لا يعتز بها الإسلام؟ فهذا يخالف بداهة العقل ، وقد كانت صلة الدولة العثمانية التى هى أطولها عمراً وآخر دولة الترك الإسلامية، بالإسلام بدرجة ان هذه الصلة عدها الترك الجدد من أسباب انقراضها ، وصدق ذلك المسلمون القاصون حيث أصبحوا يعتبرون تركيا الحاضرة التى خلفت الدولة العثمانية وشهرت حربا منظمة على الإسلام بشهادة الأستاذ عنان، أقوى من الدولة العثمانية فى أواخر عهدها.
وإنى لما قرأت مقالة الأستاذ عند انتشارها وقمت للرد عليها و الانتصاف لدولة الترك القديمة المسلمة المنتهية فى الدولة العثمانية وأخذت أكتب مقالة فى هذا الصدد ، ولم أملك إرادتى فى تجديد مقدارها حتى صارت من طولها كتاباً ، وانتقل الكلام فى الكتاب إلى مبحث دينى طال القول فيه أيضاً حتى لاح لى اخراجه من الكتاب الأول وجمله كتاباً بمفرده، و كان الدافع إلى وضع الكتاب الثانى عن الإسلام نفسه ، وإذا بدافع الثانى قد غلب فى نظرى وأنسى الكتاب الأول موجهاً كل عزيمتى إلى تحقيق الغرض الثانى الأسمى ، حتى حصل هذا الكتاب بإذن الله و حمده و توفيقه وليد الكتاب
صفحة 74
الأول. فإن لم يتيسر لى بعد هذا المود إلى الكتاب الوالد فإنى أتأسى بأن وليده قد يقوم مقامه و يسد فراغه من حيث ان هذا الكتاب تأليف رجل من الترك المسلمين العثمانيين، فإن أدى فيه خدمة للإسلام يعتز بها خادمه إن شاء الله، على الرغم من أنه قد سبق أن طعن بخيانة الدين و الوطن إبان مجيئه إلى مصر مهاجراً ، بسبب معارضته لمصطفى كمال (1) كما طعن الأستاذ عنان الدولة العثمانية بل الدول التركية الإسلامية بأجمعها – كان كتابه هذا جواباً على مقالة الأستاذ يغنيه عن الجواب.
على أنه قد رد على هذا الكتاب قبل ردى بل قبل صدور مقالته عن قريحته الحاقدة على "الرسالة" كاتب مصرى أكبر منه بكثير و هو المغفور له محمد فريد زعيم الحزب الوطنى و خليفة مصطفى كامل باشا حيث قال فى أول كتابه عن تاريخ الدولة العثمانية: " وبعد فقد مضى على الشرق أجيال طوال رأى أهلوه من أهوال الأحوال ماتشيب له الأطفال و تندك من وقعه عزائم الرجال بل شوامخ الجبال. وما كان ذلك إلا بعد أن انفرط عقد بنيه وتناثر نظام أهليه وتشاغل كل بنفسه عن أخيه و ذويه، فأغار الدهر بخيله ورجله على الشرق ودوله وقلب لأبنائه ظهر المجن وقلبهم بين الإحن و المحن، فتناسوا ما كان لهم من فخامة الاقتدار وجلالة الحضارة وضخامة العمران و اصالة الإرادة و انغمسوا فى بحار الكسل و الخمول ذاهلين و استكانوا إلى المذلة و الهوان صاغرين حتى صاروا و هم على شفا جرف هار وقد أوشكوا أن يقضى عليهم الدمار و الاندثار و يكونوا عبرة لأولى البصائر و الابصار.
هامش صفحة 74
(1) حتى كان بين الطاعتين من قال انك لست شيخ الإسلام و المسلمين بل شيخ الأبالسة و الشياطين. ومن أراد أسماء الذين أمطروا على المطاعن فليراجع الصحف المنتشرة بعد قليل من انتشار قصيدة الشاعر شوقى بك التى أولها : ارفعى الستر و حى بالجبين * وأرينا فلق الصبح المبين
فى مفتتح جريدة الأهرام والتى أطرى فيها مصطفى كامل و اعتدى على السلطان وحيد الدين. فرددت الاعتداء على الشاعر بخطاب مفتوح ، فهاجم على أتباعه الغاوون.
صفحة 75
"لكن العناية الصمدانية تداركهم بلم الشعث ورم الرث ورتق الفتق ورقع الخرق فأضاءت الأفق الإسلامى بظهور النور العثمانى وأمدته بالنصر اللدنى و العون الربانى فقامت الدولة العلية بحياطة هذا الدين وحماية الشرقيين ، ودعت إلى الخير و أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر فكانت من المفلحين. ثم وقفت فى طريق أوروبا حاجزاً منيعاً وسوراً حصيناً وحالت دون أطماعها وألزمتها بكف غاراتها بأنواعها، ثم اهتمت بالإصلاح وسعت فى تأييد النظام فصار لها بين الدول المقام الأول و الرأى الراجح والقول النافذ فكانت لا يضاهيها دولة من الدول بما أحرزته من الأملاك الواسمة فى قارة أوروبا و آسيا وأفريقية، ونالت من العزة و التوفيق مايجدر بكل شرقى أن يتذكره الآن لتستفزه عوامل الغيرة ودواعى النشاط فى بذل نفسه ونفيسهفى سبيل تقويتها و تعزيز رايتها و تأييد كلمتها ما كان ولا يزال من الحسنات الحسان على كافة بنى الإنسان من غير نظر إلى الأجناس و المذاهب و الأديان مما لايراه الباحث فى أى دولة غيرها قديما و حديثا بل نرى عكس ذلك فى الدول ذات الدعاوى الطويلة العريضة التى نتقول بأنها عماد المدنية والإنسانية، وهى مع ذلك تصدر أوامرها الرسمية بارتكاب الفظائع و البشائع التى لا يكاد يصدقها السامع مما نمسك البراع عن تعداده فى هذا المقام لعدم دخوله فى موضوع الكتاب ، لا سيما وأن التلغرافات والجرائد تتوارد علينا كل يوم ببيان هذه الأنباء الشنيعة ، وذلك بخلاف الدولة العلية، فإن جميع الناس تعيش فيها بغاية الحرية و السلام وكل المطرودين من الدول الأوروبية يفدون إلى أراضيها فيرتعون فى بحبوحة الراحة و الهناء آمنين على أنفسهم و أعراضهم وعروضهم ، وقد أصبحت الآن ملجأ وحيداً لكل من تلفظه الدول الأخرى من أبناء الإنسان ، فماذا يكون حظ هؤلاء المذكورين إذا جارتهن فى هذا المضمار وناظرتهن فى هذا الفعال. وهذه حسنة من أقل حسناتها يحق للعثمانى مهما كان جنسه ودينه أن
صفحة 76
يفاخر بها ويذكرها فى كل فرصة وفى كل حين، وفى ذلك أكبر داع واعظم باعث إلى الوقوف على تفاصيل تاريخها".
فالنظر قول المرحوم محمد فريد هذا الذى يضع الدولة العثمانية المرحومة فى أرفع مكان تبلغه دولة إسلامية فى الاحتفاظ بعزة الإسلام و المسلمين على وجه الأرض فى أحوج أدوار التاريخ إلى هذا الاحتفاظ، ثم انظر قول الأستاذ عنان إن الإسلام لم يعتز قط بتركيا يوم كانت دولة قوية شامخة: فهل ترى ان محمد فريد الذى لايزال المصريون يكبرون منزلته فى وطنيته وتضحيته ومجاهدته لمصر ، ارتكب الكذب الصريح فى قوله المنقول آنفا المزكى للدولة العثمانية تزكية إسلامية وأنسانية عظيمتين، أم الكاذب هو الأستاذ عنان الذى أنكر كل خدمة وكل سابقة لدول الترك فى إعلاء كلمة الله وتمجيد الإسلام و المسلمين ، حتى إنه لا يحقنه حكم الفرنسيس و الإنجليز فى مصر ولا الصليبيين فى بلاد العرب ، حنقه على حكم العثمانيين فيها، كما سيأتى.
وإذا اعتمدنا على قول زعيم مصر الوطنى أكثر من قول الأستاذ عنان كاتب المقالة المنشورة فى "الرسالة" فالدولة العثمانية المرحومة، فضلا عن أنه لو لم تكن حمايتها للإسلام ووقوفها طول حياتها فى وجه أعدائه لعاد الإسلام غريبا قبل ستة قرون من غربته الحاضرة الظاهرة للعيون – عم نفع هذه الدولة لغرباء آخرين من بنى الإنسان المختلفى الأجناس و الأديان.
ومع قطع النظر عن هذا الرد المفحم فإن انتهاء الحروب الصليبية وانقطاع دابرهامن الشرق الإسلامى بعد ظهور الدولة العثمانية وانتقال الحرب إلى بلاد الصليبيين أنفسهم واعتزاز الإسلام بهذا التحول العظيم طيلة أعصار ، مما لا يمكن الجدال فيه.
وقال الأستاذفرح أنطوان مؤلف كتاب "فلسفة ابن رشد" وصاحب مجلة "الجامعة" الذى ناقشه الشيخ محمد عبده وتحامل فى نقاشه على المسلمين من غير العرب ، بأنهم أفسدوا الإسلام (ص 174 فلسفة ابن رشد باب الردود) : "إن
صفحة 77
الفرس لم ينفعوا الإسلام الحاضر إلا من حيث العلم ، وأما الأتراك فقد حفظوا حياته بقوة السيف ، وقد جاء فى أمثال الافرنج: "أريد أن أحيى قبل أن أخلد" ففضل الدولة التركية على الإسلام لا ينكره أحد".
وقال هذا المؤلف فى رده على الشيخ ص نفسها: " إن دولة سلاطيننا آل عثمان ورثت الميراث العربى بانتخاب طبيعى فكفت بقوتها ذلك الميراث ما كان يحدق به من المصائب و الأخطار" ثم قال :" إن ميراث العرب لولا الدولة العثمانية لم يبلغ هذا المقام ، بل ربما لم يثبت بعد أصحابه بضعة أعوام " أقول وشهادة هذا الشاهد البالغة، وربما المبالغة فى فقرتها الأخيرة، عن قيام الدولة العثمانية بحراسة كيان الإسلام فى عهدها الطويل، لا نفترق فى المعنى عن شهادة محمد فريد بك الوطنى الكبير.
ومهما اجتهد الأستاذ عنان فى غمط الترك القدماء المسلمين ماسبق لهم فى خدمة الإسلام وإعلاء كلمته، فالحق لا يعدم أنصارا.. فقد كتب الأستاذ حسن حبشى مقالة فى "الرسالة" عدد 663 بعنوان "السلاجقة عنصر قوة فى الإسلام" قال فيها بعد كلام: " .. إن الحالة التى وصلت إليها الدولة العباسية من الضعف كادت تودى بها لولا أن قيض الله لها السلاجقة فأنقذوا الإسلام" ثم قال نقلا عن تاريخ كمبردج: "كما أن شخوصهم شطر الغرب وأضاف عنصراً جديداً إلى الإسلام مكن المسلمين من الوقوف ضد الغزاة الأوربيين ووحدوا الإقليم الممتد من ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى حدود الهند تحت زعامة واحدة وإن كان لفترة محدودة، وردوا الصليبيين البزنطيين" ثم قال نقلا عن نفس المرجع:"ويعزى إليهم قيام الدولة الأيوبية بمصر".
وكتب هذا الأستاذ فى الهامش : يقول لين بول فى Mohamed Dynastis 150 ولقد أحييوا عصبية المسلمين بعد ركودها وأوجدوا جيلا من المحاربين المسلمين المتعصبين الذين يرجع إليهم – أكثر من شئ آخر – ما منى به الصليبيون من إخفاق مرات عديدة . وهذا مايجعل للسلاجقة المكانة الهامة فى تاريخ الإسلام".
صفحة 78
فلو سئل الأستاذ عنان الذى ينكر اعتزاز الإسلام بالترك حتى ولا يوم كانت دولة شامخة: من أكبر رجل فى تاريخ مصر الطويل بعد فتحها فى عهد سيدنا عمر بيد الصحابى العبقرى عمرو بن العاص، تولى ملك مصر وخدم الإسلام وجاهد فى سبيله حق الجهاد؟. فكان جوابه صلاح الدين الأيوبى، فهل لا يخجل هذا الأستاذ إذا قيل له: إن قيام الدولة الأيوبية بمصر يرجع إلى السلاجقة الترك؟
وإذا فكرنا فى أن السلطان صلاح الدين الأيوبى الشهير بمجاهداته الإسلامية كان متخرجا من مدرسة الجهاد ضد الصليبيين التى أسسها السلطان محمد نور الدين ابن زنكى التركى السلجوقى، تبين كون النصيب الأسمى فى الحروب المنتصرة على سيول الاعتداء الصليبى نحو الشرق الإسلامى قبل ظهور الدولة العثمانية، لطوائف الملوك السلجوقيين.
قال مؤلف "الفتوحات الإسلامية" أحمد بن زينى دحلان مفتى السادة الشافعية بمكة المكرمة نقلا عن ابن الأثير: " قد طالت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى زمننا هذا فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين" . وقال صاحب الفتوحات فى صلاح الدين الأيوبى:"وهو مع ماجمع الله فيه من الصفات حسنة من حسنات السلطان محمد نور الدين بن زنكى فإنه هو الذى أقامه حتى صار من الكاملين ومن عباد الله المقربين". وقال أيضاً:
"كان السلطان صلاح الدين بن أيوب من أتباع السلطان نور الدين فجهزه إلى مصر" ونقل عن صلاح الدين نفسه قوله: "كل ماترى فينا من عدل فمنه تعلمناه ! " زكان نور الدين قد عمل منبر البيت المقدس رجاء أن يفتحه الله عل يديه وأمر الصناع بتحسينه وإتقانه إلى حد أنه لم يعمل مثله فى الإسلام. ولما فتحه صلاح الدين أمر بإحضار ذلك المنبر فحمل من حلب ونصب ببيت المقدس وكان بين عمله و حمله مايزيد
صفحة 79
على عشرين سنة وعد ذلك من كرامات نور الدين كما فى "الفتوحات الإسلامية" ص 15 من الجزء الثانى.
فلولا أولئك المجاهدون من السلاجقة الأتراك وفروع السلاجقة من الأيوبيين و المماليك الترك ومماليكهم الشراكسة ... ولولا ظهور العثمانيين فى الأناضول آخذين التوسع إلى أوروبا الصليببية و دام زحف جيوش الصليبيين إلى مصر و سوريا وفلسطين ماكان من المستبعد أن يتقلص ظل الإسلام من تلك البلاد باستقرار الصليبيين فيها وأن لا يحتفظ الأستاذ محمد عبد الله عنان اليوم بهذا الاسم . وليس ببعيد أن يكون الذين يبغضون الدولة العثمانية المستولية على الشرق العربى من الكتاب المصريين – وقد رأينا منهم من حمد الحملة الفرنسية – يبغوضونها لكونها السبب فى عدم وقوع ماذكرنا من الاحتمال.
فقد انبسطت عزة الإسلام وسلطانه على القارات الثلاث كما ذكر المرحوم محمد فريد الوطنى ودامت مدة دوام العز و الغلبة للعثمانيين، حتى انهم قد وضعوا الحصار على فينا فى قلب أوروبا مرتين، وهم ماكانوا يفعلون مافعلوا من الفتوحات باسم الترك بل باسم الإسلام(1) ولم يكن الحاكم فى البلاد التى يحكمونها قانون الترك
هامش صفحة 79
(1) وقد ظل لفظ الترك يستعمل أجيالا طويلة على لسان الغربيين كمرادف المسلمين كما صرح به المرحوم الدكتور على زينى عميد كلية التجارة بجامعة فؤاد فى كتابه "أصول القانون التجارى" ص 41 وكما كتب ابنى و صديقى العزيز الأستاذ على حسين يعقوب الألبانى اليوجوسلافى الموظف بمكتبه جامعة فؤاد و الذى تطوع بتبييض هذا الكتاب ،لما وصل إلى هذا المحل ، كلمة من عنده قائلة: "ولايزال لفظ الترك يستعمل فى ألسنة عامة الشعوب البلقانية كمرادف المسلمين" فأثبتها هنا شاكرا له. وفى هاتين الشهادتين ما يقصم ظهر الأستاذ عنان المحاول لقطع صلة الترك بالإسلام فى أدوار اعتزازه وانتصاره. أما أنا فقد كتبت فى الباب الرابع من هذا الكتاب على هامش قول الدكتور زينى المنقول هناك أيضا بعد كلام من كتابه انتهى إليه:
أعظم مفخرة امتاز بها قومى الترك إلى أن جاء دور الإنقلاب الكمالى فى تركيا وأعظم مخزاة للترك بعد ذلك الانقلاب اللادينى .فليس بكثير إذن أن ألف فى أوروبا المعادية للاسلام منذ الحروب =
صفحة 80
بل قانون الإسلام الذى أعرضت عنه تركيا الجديدة الكمالية فأخذت قانون سويسرة كما أعرضت مصر فأخذت قانون فرنسا.
وإن كنت فى ريب من أن الدولة العثمانية كان الحاكم فيها هو الإسلام فانظر ماقاله (اد. انكلهارد) من سفراء فرنسا بتركيا، فى مقدمة كتابه "تركيا والتنظيمات فى تاريخ إصلاحات الدولة العثمانية":
"كان الغرض من التنظيمات تقريب الهيأة الاجتماعية الإسلامية إلى الهيئات الاجتماعية المسيحية التى عاشت منذ قرون بعيدة عنها معنى وسياسة ، ولا شبهة فى خطورة المشكلات التى يتضمنها هذا المشروع ، فقد كان العامل فى وقف الأمبراطورية العثمانية فى موقفها بالقرون الوسطى الذى غمسها يوماً عن يوم فى ظلام تلك القرون الكثيف ، والذى سينتج يوماً من الأيام اندراسها التام – بقاء الحكومة العثمانية
هامش صفحة 80
= الصليبية ماينيف على ستمائة كتاب اشادة باسم زعيم الانقلاب القاضى على إسلام الترك الذين كانت أوروبا تستعمل اسمهم كمرادف للمسلمين.
ولعل ذلك لانتهاء الحروب الصليبية المبتدئة منذ عهد السلاجقة الأتراك ، فى أيدى الترك العثمانيين وتحول تلك الحروب فى عهدهم من شكل الدفاع إلى شكل الهجوم كما أشار إليه زعيم الوطنيين المصريين محمد فريد . فلذلك اعتبرت أوروبا انتهاء الدولة العثمانية وانتهاء الخلافة يفضل مصطفى كمال ، انتهاء دولة الإسلام.
فليس بكثير إذن تلك الكتب المؤلفة فى أوروبا بشأنه . وليس بكثير أيضا كتاب الأستاذ عزيز خانكى بك عنه بمصر المسمى " كمال آتاتورك" ولا معيب عليه لكونه فى دين الصليبيين المحاربين القدماء إن لم يكن فى عروقه شئ من دمائهم.
ومانقله أعداء الإسلام من أمم أوروبا فى الإشادة المنقطعة النظير بظهور مصطفى كمال فى تركيا، قد وقع مذكر لما سبق أن أقامت الدول المسيحية من أعياد المسرة والفرح على وفاة السلطان محمد فاتح العثمانى ، مالم يقم مثلها فى الدنيا على وفاة أحد. ومن عجائب المصادفات أن الأستاذ خانكى بك أنكر كون السلطان المذكور فاتح قسطنطنية فى نقاش جرى بينى وبينه على صفحات جريدة الأهرام، فهو يعترف بمصطفى كمال فاتح تركيا المسلمة ولايعترف بالسلطان محمد الثانى العثمانى فاتح قسطنطنية المسيحية !! فهل كانت إذن تلك الأعياد على وفاته عبثا ؟
صفحة 81
منفردة في خارج الهيأة الأوروبية، وكان السبب الحقيقي في هذا الانفراد هو الدين.
" وفي الحقيقة أن الإسلام الذي قد كان مؤسس الحكومة العثمانية بقى حاكما مطلقا فوق الحكومة ناظماً ، فقد كان القانون المدني متحداً مع القرآن .. ولكون تشكيلات الأمة اشتبكت بالعقائد الدينية بحيث لا يمكن تفريق بعضها عن بعض، كانت تشكيلات الأمة لا تقبل التغيير كالعقائد الدينية.
" فوجب لتحصيل الائتلاف الذي لا تستطيع تركيا الاستمرار على الاستغناء عنه، إما إزالة الحائل في البين بالمرة أو تخفيف وطأته. ومعناه إما أن تحول الحكومة من الروحانية إلى الدنيوية بتخليها عن تأثير القوانين الدينية كما وقع في العالم المسيحي، وإما أن تخلص بالتدريج من الحدود والقيود الدينية من طريق تفسير العقائد الأساسية تفسيراً موسعا.
"وللاحتراز من الحالات الموجبة لاشمئزاز شعب جاهل متعصب لا يلبث أن ينفعل ويتأثر من كل شيء، كانت الحكومة العثمانية اختارت الشق الثاني."
فهذه الكلمة المنقولة من كتاب (اد . انكلهارد) الذي ألفه في سنة 1882 للبحث في تاريخ تطورات الدولة العثمانية منذ عهد السلطان محمود الثاني وطبعت ترجمته إلى التركية بقلم على رشاد بك في سنة 1912 ،تعلن ما كان يضمره الترك المتفرنجون أن يفعلوه بدين الأمة – ثم ظهر مع الانقلاب الكمالي – ما يضمره المتفرنجون العرب في مصر وغيرها ، ولم يظهر تمامه بعد.
وفي قول هذا المؤلف الفرنسي عن صلة الدولة العثمانية بالإسلام لحد كون الإسلام في تلك الدولة مؤسس الحكومة وبقائه بعد ذلك حاكما مطلقاً فوق الحكومة أكثر
صفحة 82
من خمسمائة سنة إلى زمان التنظيمات الجديدة .. وعن كون المقاومة لإسلام هذه الحكومة على طول عهدها، شغلا شاغلا لدول أوروبا المسيحية، حتى أن تلك الدول لجأت إلى طريق الحيلة بعد أن رأت عدم نفع الشدة في المقاومة ... في هذا فخر عظيم للدولة العثمانية المرحومة وإرغام للأستاذ محمد عبد الله عنان الذي أنكر اعتزاز الإسلام بالترك حتى يوم كانت منهم دولة شامخة، وكيف لا يعتز الإسلام بدولة يصفها المنكر نفسه بالشموخ وتشهد الدنيا باتصالها بالإسلام اتصال الجسم بالروح؟
نعم أن المؤلف الفرنسي أتى بهذه الشهادة عائباً على الدولة العثمانية صلتها القوية بالإسلام وعادَّا لها في رأس الأسباب الموجبة لضغائن الدول الأوروبية المسيحية عليها، تلك الضغائن المتمادية التي انتهت إلى انقراض الدولة كما يقول بذلك الترك الجدد اللادينيون أيضاً الذين ورثوا دولة الترك القدماء المسلمين. لكنني أنا لا أبالي بذاك التعبيب المتولد من عدم إتباع العثمانيين لأهواء الدول المسيحية المتغلبة على الأرض ظلماً، فمن حق كل حكومة أن تختار لنفسها من القوانين ما يتفق مع طبيعتها ودينها، وإنما المطلوب مراعاة العدل في معاملة الحكومة مع الناس، ولا شبهة في كون الدولة الثمانية المتمسكة بقانون الشريعة الإسلامية لا تظلم أحداً من سكان بلادها مهما كان جنسه ودينه.
لا أبالي بذاك التعييب وأباهي بتلك الشهادة المثبتة لدعواي ضد الأستاذ عنان المدعي خلافها، بل أباهي بطول عمر الدولة العثمانية المسلّمة رغم تألب الدول أعداء الإسلام عليها من الخارج ومشايعيهم المنافقين في الداخل، حتى كان انقراضها بأيدي أعدائها الداخليين، ولكل أمة أجل (1) .
هامش صفحة 82
(1) وقد كان تجريد الدولة من دينها وخلافتها ومحاكمها الشرعة ومعاهدها الدينية، استجلابا لمرضاة الدول الكبيرة الغالب في الحرب العالمية الأولى، ثم أضافوا إلى ذلك تغيير كل شيء من مشخصات الأمة كزيها وحروفها التي تشترك فيها مع الأمم الإسلامية، فكفى هذا التغيير الأخير وحده في قطع صلة تركيا بماضيها ومؤلفاتها العلمية والأدبية. واليوم لا يؤذن لكتاب من مؤلفات الترك أنفسهم أن يدخل من حدود تركيا بسبب كونه مطبوعا أو مخطوطا بالحروف العربية. وقد حصلوا في أقل من ربع قرن بعد الانقلاب الكمالي على إناء الماضي. حتى إذا أرادات الحكومة معرفة مسألة تتعلق بتاريخ الترك القريب احتاجت إلى ترجمان من بقية السلف القادرين على قراءة الحروف العربية.
وفي السنوات الأخيرة أخذوا يحدلون تغييرات في اللغة نفسها تثقل على اللسان والفهم والذوق ولا تفيد فائدة غير إيجاد حاجز ثان بين حاضر الترك وماضيها القريب والبعيد، فمن أراد أن يرى أمة مسخت نفسها لتجعلها أمة جديدة مبتعدة عن قديمها في كل ناحية من نواحي القومية غير اسم الترك، فلير تركيا الحاضرة!!
صفحة 83
هذا، وقد كنت منذ قرأت مقالة الأستاذ عنان في "الرسالة" وكتبت في الرد عليها إلى أن أصبح ردى من طوله كتابا، ثم تولد منه كتاب ثان انصرفت بكل عنايتي إليه ونسيت كتاب الرد .. كنت طيلة هذا الزمان وما حصل لنفسيتي فيه من التطورات، لا أعرف طعنا للأستاذ في دولة الترك الماضية غير ما نقلته من مقالة "الرسالة" فإذا بي عند التأهب لنشر هذا الكتاب المولود، اطلع على طعنات له في تأليفاته يكاد نقلها بجملتها والاشتغال بالرد عليها يعوقني من نشر الكتاب الذي هو قرة عيني وذخر آخرتي في آخر عمري، ويرجعني إلى الكتاب الأول الوالد بعد الانصراف عنه، لكني أغالب نفسي الثائرة من جديد وأكف عن سرد تلك الطعنات، مكتفياً بنقل ما كتبه في كتابه "مصر الإسلامية" ص 149 وهذا نصه:
"إن مصر الإسلامية لم تعرف رغم ما توالى عليها في عصور الاضطراب والفتنة من الخضوب والمحن نكبة أعظم من الفتح العثماني ولم تعرف حكماً أقسى وأمر من حكم الدولة العثمانية الذاهبة. وإذا كانت فتوح الوندال والبربر والهون تبقى على مر الأحقاب، مضرب الأمثال في الشناعة والهول، وإذا كانت آثارها المعنوية تقدر دائماً بمعيار ما حطمت من صروح المدنية الرومانية وما قتلت من مجتمعات أوروبا نصف المتحضرة فإن غزاة الترك كانوا أشد وندالية وفظاعة إذا ذكرنا فروق الإعصار
صفحة 84
والمدنيات وإذا قدرنا مدى الضربة التي أصابت الإسلام والأمم الإسلامية من جراء الفتح العثماني.
ثم قال : " والحقيقة أن فتح الترك للأمم العربية الإسلامية لم يكن إلا تتمة لأعمال السفك والتخريب الهائلة التي بدأها هولاكو وبرابر التتار بسحق الدولة العباسية والمدنية الإسلامية واستأنفها تيمورلنك في أواخر القرن الرابع عشر، بيد أن الفتح العثماني كان باستقراره أعمق أثراً من الوجهة المعنوية وأشد تقويضاً للمدنية الإسلامية من الفتوح التتارية المؤقتة."
وقال في ص 161: " لبث سليم الأول في القاهرة ثمانية أشهر يذيق وجنده المصريين أشنع ألوان السفك والظلم والمصادرة وجمع من تراث مصر وثروتها الفنية كل ما وصلت إليه يده ويخرب المساجد والآثار الخالدة لينتزع منها نفائسها الفنية ويبعث بها إلى القسطنطينية ويقبض على أكابر مصر وزعمائها وعلمائها ورجال الفنون ومهرة الصناع والعمال ويحشدهم أكداسا في السفن ويبعث بهم إلى القسطنطينية."
والأستاذ يسمي هذا البعث في محل آخر من كتابه "النفي". ولعل معظم الآثار التي ادعي نقلها إلى الآستانة هي الكتب المخطوطة كما سمعته من غير الأستاذ عنان، لكن كيف يعد عمل السلطان بالكتب الدنية والعلمية التي وجدها في خزائن مصر ونقلها إعجاباً بها واعتناء بشأنها إلى عاصمة ملكه بعد أن أصبحت مصر جزءا من بلاد الدولة لا فرق بينها وبين الآستانة في ذلك – من أعمال التخريب ويعتبره تتمة لتخريبات هولاكو في بغداد الذي قذف بما في خزائنها من الكتب إلى الدجلة والفرات؟
وكيف يعد الذين أخذهم من علماء مصر وزعمائها ومهرة الصناع فيها وذهب بهم في معيته إلى عاصمة ملكه – منفيين؟ فهل في نقل أولئك إلى بلد يقيم فيه السلطان نفسه وإيوائهم به ليكونوا من المقربين إليه ويكون نفعهم لجميع البلاد التي يحكمها والتي
صفحة 85
من جملتها مصر وأهلها إخوان المصريين في الدين والوطن – معنى النفي المتضمن للإبعاد والإيذاء؟؟
لكن الأستاذ الذي في قلبه مرض التفريق بين المسلمين العرب والترك وعلى بصره غشاوة من معاداة آل عثمان لا يتحرج من تصوير عمل التقريب والتحبيب من السلطان سليم في صورة النفي والتعذيب. فالذي يُغضبه من عمله بمصر فتحُها أكثر مما جرى بعد الفتح من الأعمال التي ذكرها. ولم يكن مقصود سليم من الفتح إلا توحيد مصر الإسلامية بتركيا الإسلامية، فإن رضيه الأستاذ كان هذا معنى الفتح. وأن أبى وعده انتزاع مصر من حكم المماليك الشراكسة فقد كانوا هم الآخرون انتزعوها من حكم المماليك البحرية الترك وهم مماليك هؤلاء المماليك، ولم تكن مصر يومئذ تحت حكم فاتحيها العرب ، ولا المقصود من الفتح التحكم على الشراكسة والمصريين العرب.
ويؤيد ما قلنا أمير الشعراء المصري بقوله في قصيدته الطويلة التي عنوانها "في وادي النيل":
واذكر الترك أنهم لم يطاعوا ... فيرى الناس أحسنوا أم أساءوا
حكمت دولة الشراكس عنهم ... وهي في الدهر دولة عسراء
هذا جوابي على الفقرة الأخيرة من مطاعن الأستاذ في آل عثمان بمناسبة فتح مصر وما فعل فيها سليم الأول (1). أما تسمية أولئك الفاتحين عامة بأشنع أسما البرابرة
هامش صفحة 85
(1) إن السلطان سليم فتح مصر بعد محاربة إيران وهزم جيوشها إلى أن اغتنم عرش الشاه إسماعيل الصفوي المحفوظ الآن في خزينة المتحف التركي ، ويقال إن حرب إيران دعت لإلى محاربة مصر التي أحس سليم في أثناء الحرب مع الإيرانيين بانحيازها إلى جانبهم والتي يحاول الأستاذ عبد الله عنان أن يأخذ ثأرها بحملاته ضد السليم الأول عن الدولة العثمانية كما أخذ مصطفى كمال ثأر الدول الإفرنجية بهدم هذه الدولة التي عانت منها تلك الدول ما عانت ، وساعده في هدمها غلاة الروافض الموجودين في تركيا ال.......ون (فيزيلباش) ولهم خاصة في أنحاء الأناضول وهم الآخرون أخذوا بواسطة الانقلاب الذي تم على يد مصطفى كمال ، ثأر هزيمة الإيران بيد السليم العثماني . والباحث يجد في بعض معاهدات الدولة العثمانية مع الإيرانيين نصوصا تفرض عليهم أن يكفوا من شتم سيدنا أبي بكر وعمر وسيدتنا عائشة ، فانظر المجتمعين ضد الدولة العثمانية لأخذ الثأر!!.
صفحة 86
الطغاة الهمج فإني اكتفى في الرد عليها بنقل أسطر من مقالة في "الأهرام" (22/10/1944) بعنوان : "آخر الخلفاء" وقلم كاتب مصري اكبر بكثير أيضاً من الأستاذ عنان وأكثر معرفة بالترك وهو سعادة عبد الرحمن عزام بك (باشا) أمين الجامعة العربية، وهذا نصها:
"لما وصل العثمانيون إلى شرق أوروبا وكلها سجون أبدية يتوالد فيها الفلاحون للعبودية ، فكسروا أغلال السجون وأقاموا مكانها صرح الحرية الفردية. فهم الذين قضوا على نظام الإقطاع والارستقراطية ليحل محله نظام المواطن الحر والرعية المتساوية الحقوق، فوصل في دولتهم الرقيق الشركسي والصقلي وغيره إلى أكبر مقام في الدولة كما وصل النابه من عامة الناس حتى المجهول الأصل إلى مقام الصدارة العظمى والقيادة العليا، وتعلمت أوروبا الشرقية على يد محرريها سيادة القانون على الأحساب والأنساب والطوائف والملل والنحل.
"فترتب على ذلك تطور هائل في اتجاه الحرية والديمقراطية الغربية الحديثة. وكانت القرون الأولى لسيطرة آل عثمان عصوراً ذهبية شمل فيا الناس الأمن والرخاء والسلام الروحي، ولم تكن فوز آل عثمان كما يظن بعض الناس مستمدة من سيف وشجاعة بل مما هو أعظم من السيف والشجاعة، احترام الحق والوفاء بالعهد والخضوع لسلطان القانون والشرع.
"ولو كان الأمر كما يتصوره الذين ينخدعون بآثار دون الانحطاط من استخدام الطوائف والغيرة بين العناصر والبطش لتغطية الضعف لاستحال أن يدوم ملك آل عثمان ستمائة سنة منها مائتان لا يسندهم فيها إلا سيف مبتور.
صفحة 87
"لقد رويت لي في رحلاتي بالبلقان وملدافيا أمثلة باقية في لغة العامة من عدل آل عثمان بين بيوت الملك الذي طال أمده وتنوعت رعاياه وقد ثقلت كفته بالخير والرحمة والمروءة والشرف."
أقول من الغريب المفهوم من شهادة سعادة هذا الوزير المصري سابقاً وأمين الجامعة حالياً ، أن آل عثمان الذي وصفهم الأستاذ عنان بأفظع الوندالية وأوحش الهمجية التغلب على همجية التتار، نشروا الحرية والديمقراطية والعدل والمروءة والمساواة في شرق أوروبا وتعلم غربها منهم الحرية والديمقراطية الحديثة.
هذا، وما وسعني مهم سعيت في إيجاز القول على موضوع الدولة العثمانية (1) إلا أن أنقل بعض كلمات قصيرة مما قرأته في تعليقات صديقي المرحوم أمير البيان شكيب أرسلان (2) على "حاضر العالم الإسلامي" (الجزء 3 ص 326) نقلا عن كتاب "مائة مشروع تقسيم لتركيا" تأليف "دجوفارا" عقب الحرب العالمية الأولى
هامش صفحة 87
(1) وأنا أرجو من قراء كتابي أن يعذروني فيما شغلتهم بهذه النبذة التاريخية الخارجة عن موضوع الكتاب وينظروا إلى أنها غير خارجة عن موضوع الكتاب الأول الذي له حق في ذمة هذا الكتاب الثاني المولود منه والذي اشتغالي به عن مولوده لا يبلغ عشر معشار اشتغالي بالمولود عن الوالد.
(2) الذي قال في ديوانه ص : 129 يخاطب الأتراك العثمانين مرغما لأنف الأستاذ عبد الله عنان القائم بدعوى عدم اعتزاز الإسلام بالترك قط يوم كانت لهم دولة شامخة ودعوى أنهم همج لم تر الإنسانية خيرا منهم كما لم ير الإسلام:
أحبكم حب من يسعى لطيته ... في طاعة العقل لا في طاعة الغضب
أحبكم حب من يدري مواقفكم ... في خدمة الدين والإسلام من حقب
ومذ تقلدتموا أمر الخلافة قد ... آويتموا بينها من كل مغترب
وكل غر يمارى في فضائلكم ... لا يعرف الخشف البالي من الرطب
مهما يكن من هنات بيننا قلنا ... معكم على الدهر عهد غير منقضب
كفى العهادة فيما بيننا نسبا ... إن لم تكن جمعتنا وحدة النسب
مجدى بعثمان حامي ملتي وأنا ... لم أنس قحطان أصلي في الورى وأبى
صفحة رقم 88
والمؤلف – على تعبير الأمير – من أفاضل وزراء رومانيا. قال بعد كلام طويل : "ثم إن احترام المعاهدات والعمل بموجب الكلمة المعطاة من مزايا العثمانيين يدور عليهما التاريخ كله" ثم قال: "فإن كان الشعب التركي قد غُلب (يعني في تلك الحرب) فإنه قد فقد كل شيء إلا الشرف" وأنا أقول – القائل الأمير شكيب – احترام المعاهدات والعمل بموجب الكلمة المعطاة الذي يدور تاريخ العثمانيين كله عليه ناشئ من كونهم مسلمين حقيقيين."
وقال الوزير الروماني أيضاً بعد أن أحصى مائة مشروع تقسيم لتركيا ونقلها الأمير شكيب مفصلة : " هذه كانت في مدة ستة قرون مساعي المسيحيين في سلطنة العثمانيين التي كانت من أعظم الممالك التي عرفها تاريخ البشرية" وقال : " كانت السلطنة العثمانية سلطنة عسكرية محضا مستندة على شرع سماوي" وقال : "العداوة الحقيقية كانت عداوة النصارى للمسلمين برغم تسامح المسلمين في الحرية الدينية التي يتمتع بها المسيحيون في السلطنة العثمانية" وقال : " مدة ستة قرون متتابعة كانت الشعوب المسيحية تهاجم الدولة العثمانية" . أقول : ولعل عداوة الأستاذ عنان لهذه الدولة من تأثيرات العداوة المسيحية المعدية إلى بعض المسلمين في الأزمنة الأخيرة الذين لا يعرف بعضهم بعضاً ومن الإسلام إلا أسمه . (انظر الهامش في أول هذا المبحث ص 72)
وقال الأمير شكيب : "بقى علينا أن نترجم خلاصة هذا الكتاب تأليف دجوفارا الروماني مؤثرين منقولة على مقولنا لأنها شهادة رجل أجنبي عنا، رجل سياسي مسيحي كانت الأمة التي ينتمي إليها من جملة الأمم التي تحررت من حكم تركيا " . أقول فهل الدولة العثمانية التي لم تظلم المسيحيين من أتباعها بشهادة شاهد من كبار السياسيين المسيحيين، كانت تظلم العناصر الإسلامية حتى استجلبت شكاية الأستاذ عنان المارة الذكر وهي في غاية المرارة ، أم كان الظالم هو الأستاذ نفسه؟؟
صفحة 89
وقال الأمير أيضاً عن المؤلف الروماني : " ثم ذكر في خلاصة كتابه أن أعظم أسباب انحلال الدولة العثمانية هو مشربها في إعطاء الحرية المذهبية والمدرسية التامتين للأمم المسيحية التي كانت خاضعة لها ، لأن هذه الأمم بواسطة هاتين الحريتين كانت تبث دعابتها القومية وتتماسك وتنهض وتمالأ وتسير سيراً قاصداً في طريق الانفصال عن السلطنة العثمانية . وسواء كان هذا المؤلف قد أعلن هذه الحقيقة أم لم يعلنها فإنها الحقيقة التي لا شائبة فيها. ولذلك تجد ملاحدة أنقرة يجعلون من جملة حججهم في التقصي عن الشريعة الإسلامية قولهم انه لولا مراعاة هذه الشريعة لكانت السلطنة التركية بقيت على عظمتها الأولى ولم يطرأ عليها هذه المصائب التي لزمتها مدة قرون بسبب كون الثلث من سكانها وربما أكثر من الثلث ، مسيحيين وبأن الشريعة كانت تمنع السلاطين من إجبارهم على الدخول في الإسلام أو الجلاء."
وأنا أقول ولئن كان حقاً ما يقول ملاحدة أنقرة من كون تمسك الدولة العثمانية بالإسلام وجهادها في سبيله جرّ عليها عداوة نصارى الدنيا وجرت هذه العداوة التي لم يخففه ما ناله أهل الذمة تحت حكم آل عثمان من الحرية والتسامح ، مصائب جمة لم تنته إلا بعد انتهاء الدولة – فإن رقى هذه الدولة إلى أوج عظمتها ثم بقاءها هذه المدة الطويلة في جهاد متوال لأعداء الإسلام منقطعة النظير بين الدول الإسلامية في طول بقائها وكثرة أعدائها بل واتساع بلادها ... كان نعمة عليها من نعم الإسلام ومعجزة من معجزات الجهاد في سبيله لا يقدر على إنساء تلكم النعمة وتلك المعجزة من تمادي في معاداة العثمانيين ومعاداة الإسلام معهم والدعاية ضده وضدهم حتى بعد انقضاء عهدهم ، من ملاحدة أنقرة وغيرهم.
وآخر رد على الأستاذ عنان جدير بالذكر تولاه كتاب "تاريخ أوروبا الحديثة" تأليف رتشاردلوج وتعريب محمد عبد الله عنان ، حيث قال (جزء 1 ص 47) :
" وسر نجاح الترك يرجع إلى استبسالهم في تضحية نفوسهم وهي عاطفة الجهاد التي غرسها الإسلام في قلوبهم وكذا يرجع بالأخص إلى حسن إدارتهم المدنية والحربية" وهنا أنهينا الكلام في مناقشة الأستاذ عنان ، دفاعاً عن الدولة العثمانية المرحومة التي لا نحصي شهادات الرجال من مختلفي الأجناس والأديان بأن الإسلام وما يستتمه من الإنسانية والرجولة والمروءة أيضاً ، عاش قروناً طويلة في وجه الأرض عزيزاً مرفوع الرأس ، مع قوة تلك الدولة وعزتها . وأنا لا أقول إن آل عثمان حتى الأعاظم المشهورين منهم في تاريخ العالم براء من كل ما ينتقدونهم به ، وإنما أرد على من أنكر اعتزاز الإسلام بهم .
دامت عزة الإسلام إلى أن أخذ يطرأ الضعف على صمصام الدولة العثمانية . فعند ذلك بدأ الإسلام أيضاً يضعف يوماً بعد يوم ويسير جنباً لجنب مع ضعف شوكتها ، فكأن بين قوة الحجة وقوة السيف رابطة طبيعية إن كان الإسلام الذي يسمو بعقائده ورجحان مبادئه في غنى عن هذه الرابطة كما قال الأستاذ عنان ، فطبيعة الإنسان الراكنة إلى الغالب ، في حاجة إلى الاحتفاظ بهذا الارتباط ولا يرتاب مسلم ماهر على دينه أن الإسلام فقد حتى بين مسلمي الأزمنة الأخيرة كثيراً من كرامته وأهميته. فهل زالت في هذه الأزمنة قوة حججه وبراهينه التي كان يعتمد عليها؟
فالحق أن تجريد الإسلام من قوة السيف – كما يسعى إليه كثير من حملة العلم والقلم بمصر – يكون كتجريد الإسلام من غزوة بدر الكبرى.
ومن غريب المصادفات الهامة المؤثرة في التحول الطارئ على مركز الإسلام ، أن اكتشاف الآلات الجديدة الحربية الذي كان مبدأ قوة الدول الغربية وضعف دولة الإسلام ... لا يختلف زمانهما عن زمان ظهور العلم الحديث في الغرب ، ذلك العلم الذي يدور مع الحس والتجربة ولا يعتد بحجة العقل ، على الرغم من أنها كانت
صفحة 91
مستند أساس الدين منذ قرون الإسلام التي راج علم الكلام فيها عند علماء المسلمين واحتفظ برواجه مدة احتفاظ الأمم الإسلامية برواج الدين فيما بينهم. فلولا تقهقر دولة تلك الأمم أمام سلاح الدول المعادية للإسلام لما تسنت مزاحمة العلم الحديث المادي وفلسفته الوضعية الإلحادية لعلم الكلام الإسلامي وفلسفته وتقهقر سلاح هذا العلم أمام سلاح ذاك، المنتهي إلى احتلال العلم الثاني مكان الأول في قلوب المتعلمين، كما احتلت تلك الدول بلاد المسلمين. ومعنى هذا القول مع عدم الرابطة الحقيقية بين قوة السلاح وقوة الحجة، أنه لولا قوة السلاح المادي وغلبته التي أضاعها المسلمون وتمكلها غيرهم، لما أضاع أبناؤهم المتعلمون الذين هم الآخرون المعتلون بعلة الميل إلى الغالب، قوة التفكير الصحيح في تقدير الحجج قدرها.
وزادت في إضعاف المسلمين وإضعاف الرابطة الدينية بينهم بل وفي إضعاف الإسلام نفسه في قلوبهم بقدر ما أضعف السلاح الحديث والعلم الحديث من كل ذلك .. فتنة النزاعات القومية الداخلة فيما بين الأمم الإسلامية تقليداً منهم لأمم الغرب، وإغراء من تلك الأمم بينهم بواسطة الدعاة إلى تلك النزاعات، فقد قرأت كتاب (حاضر العلم الإسلامي) من ترجمته العربية فأحسست منه أن مؤلفه الأمريكي كتبه لتنفير المسلمين العرب من المسلمين الترك؛ وقد أدخل الإنجليز الدعاية ضد عهد الدولة العثمانية بمصر في برامح المدارس المصرية.
فمن كل هذا ضعف مركز الإسلام عند المسلمين أنفسهم فضلا عن سواهم، وهزل حتى بدا من هزاله كلاه، فالمسلمون اليوم أقوام متفرقة أكثر من أنهم مسلمون، فلا يمنع إسلام قوم أن يناوئهم ويتجرأ عليهم مسلمون من قوم آخر .. بل لا مانع لمن شاء من المسلمين أو بالأصح لمن تسمى بأسمائهم عن التجرؤ على الإسلام نفسه.
فهذا محمد عبدالله عنان العربي الذي ينكر إفادة الإسلام من تركيا يوم كانت دولة شامخة ويرميها بأشد أنواع الهمجية والتخريب ... ويقوم شيخ عربي نجدي
صفحة 92
قصيمي فينكر إفادة الدنيا من المسلمين أجميعن في جميع القرون ويرميهم بما رمى عبدالله عنان به الترك، حتى قال الأستاذ سيد قطب كانت مقالة الرد على الشيخ في جريدة (شباب محمد)–النذير-: (وليس المسلمين هم الأتراك مثلاً فأجد عذراً، ولكنهم أصحاب محمد بن عبدالله وعمر بن الخطاب بل القرآن الذي أباح التخريب والتمثيل: ( ماقطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين.)
ويقوم شاعرعربي فيقول :
أليس قريشكم قتلت حسيناً وقام على خلافتكم يزيد
وقد كذب الأستاذ عدو الترك، وكذب الشيخ عدو الإسلام ألف مرة، وصدق الشاعر، وقال أصدق القائلين: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون.)
وأنا أقول إذا تكلمنا في المفاضلة بين الأقوام فإني فضلت العرب على قومي الترك وأعلنت قبل موقفي الحاضر بمصر مهاجراً من تركيا – أعلنته في البرلمان العثماني يوم كنت عضواً فيه وسمعه أعضاؤه العرب السوريون والحجازيون والعراقيون واليمانيون. وأنا اليوم أيضاً ثابت على رأي القديم في تفضيل العرب، لأن القرآن نزل على لغتهم وبقي محفوظاً كما نزل فأصبحت هذه اللغة بفضل القرآن وباهتمام علماء الإسلام بها من كل أمة، بذلك الفضل- وقد وضعوا علم النحو العربي الذي ليس له مثيل في أي لغة الدنيا (1) –أصبحت لغة العرب أفصح جميع اللغات وأفضلها ... ولأن فيهم أي
هامش صفحة 92
(1) وفي الأيام الأخيرة أخذت نغمة جنونية تسمع في مصر من الكتاب المستصعبين لعلم النحو العربي داعية إلى إلغاء هذا العلم أو تعديله على وفق أهواء الجاهلين به، مع أن له صلة قوية بعلم الفقه الإسلامي الذي هو من معجزات هذا الدين. كما أن في إلغاء النحو جناية كبيرة على لغة العرب ومساساً بإعجاز القرآن المنزل من عند الله .. في حين أن علم النحو العربي ليس ملك أولئك المجانين ولا ملك العرب خاصة بل ملك جميع علماء الإسلام الذين لم تكن خدمتهم للقرآن وعلم النحو أقل من خدمة العرب وهي أعظم مفاخرهم القومية، فهل تجد في الدنيا لغة من اللغات=
انتهى هامش صفحة 92
صفحة 93
العرب فضلاً عن محمد بن عبدالله العربي المبعوث إلى الناس خاتم النبيين ورحمة للعالمين– رجالاً ممتازين مثل أبي بكر وعمر لايوجد ولا يمكن أن يوجد نظيرهم في الإسلام والإنسانية في غير العرب ... وإن كان في العرب أيضاً مثل الأستاذ عبدالله عنان المصري والشيخ عبدالله القصيمي (1) اللذين أولهما أعمى التعصب القومي الجاهلي عينه وقلبه فلم يتحرج من محاربة دولة مرحومة حاربت طيلة عهدها في سبيل الإسلام. وثانيهما ملأ الكفر والنفاق إهابه فتولى دعاية الأوروبيين في غاية من التذلل والتطفل
هامش صفحة 93
=الحية بقيت على مر العصور غير مختلف قديمها عن حديثها في الالتذاذ والاتسئناس بها اليوم ولو حال دون القديم والحديث ألف ومئات من السنين. ومن عجائب مصر المضحكات المبكيات أن واحداً من أكابر أعضاء مجمع اللغة العربية اقترح قبل سنين استبدال الحروف اللاتينية العاجزة عن كتابة كثير من الحروف الموجودة في لغة العرب، بالحروف العربية، وفي اقتراحه النام على مناوأة النحو العربي الناشئة من استصعابه، مناوأة اللغة العربية نفسها عن طريق هدم الفصحى التي بها تتحد لغة العرب بلغة القرآن، ومع كل هذا لا يخرج الرجل من عضوية المجمع رغم خروجه على المجمع وماوضع له، وقد حاول سد الفراغ الحاصل من وجود حروف في لغة العرب لا مقابل لها في الحروف اللاتينية، بوضع حروف جديدة تضحك الثكلى نصفها لاتيني ونصفها عربي، وتفسد الحروف اللاتينية والعربية معاً.
وإني قد كتبت كثيراً في رجحان الحروف العربية التي كانت حروفنا نحن الترك أيضاً قبل الانقلاب الكمالي اللاديني –على الحروف اللاتينية، لما كنت في بلاد اليونان أحارب فتنة تغيير الحروف في تركيا وتصدر مع ابني إبراهيم جريدة تركية. ومما قلته في هذا الموضع أن الغربيين إن كان لهم عقل يميز الراجح من المرجوح فليقلدونا في حروفنا العربية بدلاً من أن نقلدهم في حروفهم اللاتينية.
(1) اطلعت عليهما بعد بياني المذكور في البرلمان العثماني على مسمع من نواب الولايات العربية. وقبل اطلاعي عليهما كنت أعرف قتلة حسين من العرب وفيهم عمرو بن سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة، عينه عبيد الله بن زياد ابن أبيه قائداً أعلى للجيش المأمور بقتال حسين ووضع جسده بعد قتله وفصل رأسه عنه، تحت أقدام الخيل لتطأه على صدره ثم على ظهره، واتفق مع الرجل على هذه الأعمال الشنيعة في مقابل إمارة رقة التي سألها من عبيد الله والي كوفة، فقام بكل ما أمر به لا بغضاً لحسين ولكن حباً في المنصب الموعود.
النتهى هامش صفحة 93
صفحة 94
حيث يهجم المسلمين ويهجم معهم الإيمان والأديان والأخلاق ويجمع في نفسه الدعاية للمستعمرين أعداء الإسلام مع الدعاية لدولة الحجاز خازنة بيت الله وروضة الرسول، مستظلاً برعاية هذه الدولة ومدعياً بين كفرياته وتحاملاته على المسلمين في جميع القرون أنه يحمل جميع أوزار التأخر والانحطاط عليهم أنفسهم وينفي عن الدين ذاته هذه الأوزار.. وهنا ينسى المجنون حملته على القرآن الذي لايمكن تفريقه عن الدين إن أمكن على زعمه تفريق جميع المسلمين عنه.
وجوابه أن الآية التي أوردها بهذا الصدد وهي (ماقطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) نزلت في بني النضير، وهم رهط من اليهود نقضوا العهد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم صالحهم على أن لا يكونوا عليه ولا له .. فلما ظهر يوم بدر قالوا هذا النبي المنعوت في التوراة بالنصر، ولما هزم المسلمون بأحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى المدينة وحالفوا أبا سفيان عند الكعبة، فأمر رسول الله محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعباً غيلة وكان أخاه من الرضاعة، ثم صبحهم رسول الله بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف، فقال لهم اخرجوا من المدينة فقالوا الموت أحب إلينا من ذلك فنادوا بالحرب .. وقيل استمهلوا رسول الله عشرة أيام ليتجهزوا للخروج فبعث إليهم عبدالله بن أبي وقال لاتخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم ولإن خرجتم لنخرجن معكم .. فحصنوا الأزقة، فحاصرهم رسول الله إحدى وعشرين ليلة..فلما قذف الله الرعب في قلوبهم وأيسوا من مدد المنافقين طلبوا الصلح، فأبى إلا الجلاء على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ماشاءوا من متاعهم، فجلوا إلى الشام إلى أريحا وأذرعات إلا أهل بيت منهم آل أبي الحقيق وآل يحيى بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر ولحقت طائفة بالحيرة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم شدد في معاملة بني النضير لكونهم نقضوا العهد مع
صفحة 96
فهل يظن الرجل الذي يعد ظلماً مالقي ناكثوا العهد من الجزاء الشديد بعد إنقاذ الله المؤمنين من المأزق الذي زادت خيانة الناكثين خطراً على خطره ... أن سياسة الإسلام ينبغي أن تكون سياسة الحمقى المغفلين بعيدة عن الحزم والحسم يغتفر مالا يغتفر ويضع الندى موضع السيف؟!!
هامش صفحة 96
=فقال تنزلون على حكمي؟ فأبوا، فقال على حكم سعد بن معاذ سيد أوس؟ (الذي كان بنو قريظة من حلفائها) فرضوا به، وقد نسوا ماقالوا له لما جائهم مع سعد بن عبادة سيد الخزرج يحذران مغبة الالتحاق بالأحزاب .. ولما ذكرهم ما بينهم وبين رسول الله من العهد قالوا : من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبينه ولا عقد ... فحكم سعد بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم ونسائهم، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: لقد حكمت بحكم الله –يريد حكم التوراة- فقتل منهم 600 أو 400 مقاتل وفيهم امرأة طرحت الرحا على خلاد بن سويد تحت الحصن .. حكم به على الرغم من أنه حليفهم وأوصاه كثير من الأنصار بالرحمة عليهم في الحكم، وكان سعد بن معاذ لما دعي للحكم يداوى من الجرح الذي أصابه في حرب الأحزاب بسم واحد من قريش لا من اليهود حتى يتأثر به حياده في الحكم.
كان موقف بني قريظة المنضمين إلى أعداء المسلمين في حرب الخندق لا يقاس في شدة الخطر وجسامة احتمال الضرر على المسلمين بموقف بني النضير المار ذكرهم وإن كانت كلتا الطائفتين خانت ونكثت عهدها .. لكون خيانة بني قريظة في أحرج وقت على المسلمين، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع نبأ هذه الخيانة وأرسل زعيمي الأوس والخزرج وأنصاريين آخرين ليقفوا على جلية الأمر لفتهم إلى أن يتكلموا في العودة بما لايفهم غيره صلى الله عليه وسلم إن كان حقاً، كيلا يفتوا في أعضاد الناس، لكون خيانتهم مؤدية إلى انقطاع المدد والميرة على المسلمين وفتح الطريق لدخول المدينة من ناحيتهم .. فألفاهم الرسل على أخبث مابلغ عنهم ... وحتى أته صلى الله عليه وسلم فكر في البعث إلى غطفان يعدها ثلث ثمارالمدينة إن هي انسحبت، ثم رجع عنه لما استشار السعدين في الأمر فقالا ان كانت هذه الفكرة وحياً من الله، وإلا فنحن لم نؤد هذه الجزية في الجاهلية فكيف نؤديها في الإسلام الذي أتانا بحياة جديدة وسر هذا الجواب رسول الله غاية المسرة ... أما ماكتب معالي هيكل باشا في كتابه (حياة محمد) (صحيفة 326 الطبعة الثانية) من تنفيذ فكرة البعث إلى غطفان بالوعد المذكور وإيهام تأثيره في انسحاب غطفان فلا أصل له .. وإنما هو مسايرة من المؤلف المعتل بعلة إنكار المعجزات، على مبدأ بناء انهزام الأحزاب على أسباب مدبرة دو بنائه على المدد السماوي المذكور في كتاب الله، وكانت دعواه في مقدمة كتابه أنه لايثق بما جاء في كتب الحديث من تلك المعجزات فماذا عذره فيما جاء به القرآن؟.
انتهى هامش صفحة 96
صفحة 97
وكتبت في آخر هذه المقالة التي أشرت هنا إلى خلاصتها والتي نال شكراً من السلطان المغفور له محمد وحيد الدين ... قول أبي تمام:
وما خير حلم لم تشبه شراسة وماخير لحم لا يكون على عظم
وهل غير أخلاق كرام تكافأت فمن خلق طلق ومن خلق جهم
نجوم فهذا للضياء إذا بدا تجلى الدجى عنه وآخر للرجم
نعود إلى ماكنا بصدده:
استمر تقهقر الدولة التي تولت الجهاد في سبيل الإسلام من استمرار تآلب أعدائه عليها واستمر معه تقهقر مكان العلم القديم –الذي تولى قروناً طويلة المحاجة لانتصار عقائد الإسلام- أمام العلم الحديث المبني على الحس والتجربة. ولم يكن هذا التقهقر ناشئاً من نفس العلم القديم، كما سينجلي ذلك على قراء هذا الكتاب، بل من نظر أناس أحداث متزلفين إلى العلم الحديث تزلفاً إلى الأمم الغالبة بأسلحتها المستفادة من ذلك العلم، فالتبست عليهم الغلبة بالسلاح بالغلبة بالحجة ... استمرالتقهقر للمسلمين من الناحيتين حتى أنه لما ختمت الدولة العثمانية أنفاسها وانسلخت الدولة المحتلة مكاناها
هامش صفحة 97
=على أن المؤلف كتب في الصفحة التالية مايناقض قوله الأول عن بعث رسول الله إلى غطفان يعدها ثلث ثمار المدينة، من أن ذلك الوعد لم يتم أن اعترض سعد بن معاذ وسادة المدنية من الأوس والخزرج ومن أصحاب مشورة رسول الله، وماذا يكون معنى عدم تمام الوعد بعد أن بلغ غطفان كما يدل عليه ماقاله من تردد غطفان في الإقدام على قتال محمد، متأثرة بما كان قد بدأ به من وعدهما ثلث ثمار المدينة. إلا إخلافه صلى الله عليه وسلم ماوعده باعتراض أصحابه؟ وفيه مالاينبغي له ولا لأصحابه. كما أنه لا معنى لاستشارته إياهم بعد الوعد.
انتهى هامش صفحة 97
صفحة 98
من صبغتها الإسلامية، استتبع هذا الانقلاب الخاص بتركيا انقلابات كثيرة في البلاد الإسلامية الأخرى أيضاً، فلم يقتصر تعري النساء من جلابيبهن وخمرهن على نساء تركيا المقلدة للغرب في الظاهر والباطن. ولما هاجرت بعد انقلاب تركيا إلى مصر وجدت العلم الحديث الغربي فيها الناظر إلى الأديان نظرها إلى الأساطير، أنطق لساناً من علم أصول الدين الإسلامي وأعلى صوتاً عند الأزهريين، أو على الأقل عند ذوي القول السائد منهم .. حسبك دليلاً على هذا أن الأستاذ الأكبر المراغي شيخ الجامع الأزهر قال في كلمة ألقاها قبل سنوات عند توديعه للبعثة الأزهرية المؤلفة من بعض شبان المدرسين إلى مدارس أوروبا لطلب العلم : (ولو أن حملة الدين سايروا حملة العلم..) فذكر حملة الدين في مقابل حملة العلم واعتبر علماء الدين خالين عن العلم بالمرة، لعدم كون ماعندهم من العلم جديراً عنده باسم العلم. وتمام الكلمة منا على كلمة الأستاذ الأكبر يأتي في مكان آخر من هذا الكتاب مع نقل تمام الكلمة بنصها.
ومن الدليل الواضح على كون علوم الدين القديمة غير محتفظة بقيمتها وكرامتها عند سادة الأزهر الحاضر، صدور (مجلة الأزهر) تحت إشراف الأستاذ فريد وجدي بك مدير المجلة ورئيس تحريرها، على الرغم من حملاته الشنيعة على علم الكلام في الجزء التاسع من المجلد الثاني عشر للمجلة. وسيجيء ردنا أيضاً على تلك الحملات. ودليل آخر أهم منه كون تلك الحملات لم تحرك ساكناً من الاحتجاج والانتقاد. وقد قرأت قبل ذلك في جريدة (الأهرام) لشاعر مسلم قوله بعد أبيات:
آمنوا بالعلم ديناً وهدى ليس بعد العلم للافهام دين
ومما زاد في الطين بلة أن المعروف عند حملة الأقلام بمصر كون المراد من العلم ذلك العلم الحديث الذي يتمرد على الدين فيقذف به في الأساطير كما سننقله عن الأستاذ فريد وجدي بك، أو على الأقل كما يقول عنه هيكل باشا : (لايثبت ولاينفي) وهم لايرضون بغيره من العلوم المعروفة عندنا يسمى علماً، فليس علم أصول الدين
صفحة 99
مثلاً – وهو اسم أخر لعلم الكلام الذي كان علماؤنا يبنون إيماناً بالله ورسله عليه- بمستحق عندهم لاسم العلم. وعلى هذا يكون الإسلام خارجاً عن ساحة العلم مثل النصرانية، كما ادعاء الأستاذ فرح أنطون منشئ مجلة (الجامعة) في مناظرته الشيخ محمد عبده، وسيجيء تمام قول الأستاذ فرح. وهنا مسألة أخرى وهي أن هذا الشيخ الذائع الصيت في البلاد العربية وفي عالم الإسلام بواسطتها، يكافح الأستاذ الذي قد ضرب أساس الدين في مناظرته بمعول التشكيك، ثم نراه أي الشيخ ومن تتلمذوا عليه مثل الشيخ الأكبر المراغي والشيخ رشيد رضا ينكرون معجزات الأنبياء ويسعون بتأويلها بأمور عادية، كما ستطلع عليه في الباب الثالث من هذا الكتاب (1) وتطلع أيضً على أن إنكار المعجزت ليس إلا رمزاً لإنكار النبوات وأن أساس الدافع إلى هذه الإنكارات هو العلم الحديث الذي لايقبل الخوارق.
فدهشت من كل ذلك وقلت في نفسي ماهذه الحالة التي وقفت عليها بمصر؟ فكأن شيطان العلم الحديث الغربي قد أضل مبرزي كتابها وعلمائها السبيل فتسابقوا بوسوسته في الخروج على الإسلام، إن لم يكن علانية ففي السر، وكأن ماقاله الأستاذ فريد وجدي بك في مقالة منشورة على (الأهرام) وسننقله عنه بنصه من أن نوابغ الكتاب والشعراء في البلاد الإسلامية يستنبطون الإلحاد ويهيئون الأذهان لقبوله دساً في مقالاتهم وقصائدهم، قد كان .. وكأن في مصر مثل مافي تركيا من الانقلاب غير أن ذلك حصل هناك واستتب أمره جبراً من الحكومة، وفي مصر اختياراً من كتابها وعلمائها بعد البحث والتفكير فيما بينهم .. وإنا نحن المهاجرين من تركيا المنقلبة لو وجدنا حرية القول فيها من غير خطر على حياة القائل لما فاتتنا الغلبة بالحجة على دعاة الانقلاب ولما احتجنا إلى مغادرة البلاد، أليس في مصر من العلماء والعقلاء من يضطلع
هامش صفحة 99
(1) قد وفقنا بحمد الله لنشر هذا الباب من قبل، في شكل كتاب مستقل مسمى (القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لايؤمنون).
انتهى هامش صفحة 99
صفحة 100
الوقوف في وجه انقلابها المقنع أو بالأولى من يسعى لكشف قناعه ثم مواجهته بضربات الحجج؟ مع أن أصحاب القلم من العلماء وخلص المسلمين في مصر أكثر منهم في تركيا، ولا خطر يخاف منه بمصر في سبيل الجهاد للدين إلا على مناصب المجاهدين؛ وهذا إذا فرضنا كفة نفوذ الملاحدة أثقل في ميزان الحكومة. فلعل البقية الصالحة من العلماء والكتاب الذين لم يغفلوا عن مكايدة الملاحدة للإسلام ولم يشايعوهم في الإيمان بالعلم الحديث، أكثر من الإيمان بالله ورسله –تهيبوا معارضة ذلك العلم ولم يثقوا بالنجاح في معارضته، فالتزموا السكوت وخلوا الجو للملاحدة ومشايعهم .. مع أن حقيقة الموقف الذي يقفه المجاهد الدقيق ليست معارضة العلم المذكور، بل معارضة طائفة من علمائه الغربيين الذين يستخرجون منه مضادة الدين ومناوأته، ومعارضة مقلديهم من ملاحدة الشرق. إذ لايمكن أن يكون أي علم من العلوم الناصبة نفسها لاكتشاف الحقائق، مناوئاً للدين الصحيح الذي هو أيضاً حقيقة من الحقائق التي لايتصور أن يزاحم بعضها بعضاً .. وإن أمكن دائماً أن يكون علم من العلوم غير مطلع على بعض الحقائق لكونه خارجاً عن موضوعه، أو لكون العلم المذكور لم يبلغ في مرحلة رقيه الحاضرة مبلغ الاطلاع عليه.
وعلى كل حال فمصر في حاجة إلى أن لا تخذل دينها الذي يشوك أن يتغلب عليه الإلحاد لقوة دعاته وانقسام العلماء المكلفين بحراسة الدين على أنفسهم .. فهل لي أن أكون القائم بهذه المهمة على الرغم من شتات بالي بعد شتات شملي في حياة المهاجرة وضعف صحتي بعد مفارقة شبابي مفارقة بعيدة؟. فهل لي أن أجد بين مفارقة الشباب ومفارقة البلاد والأحباب مايعوضني عن كل ذلك بما هو أعز من الكل ألا وهو خدمة الإسلام؟ ولقد أحسن من قال:
في الله من كل ماضيعته خلف وليس لله إن ضيعت من خلف
إن دولة الترك الماضية الشامخة الوارئة لحكومة الإسلام قد حفظت ترائها مدة
حياتها الطويله بقوه سيفها ثم شابت ثم ماتت,ولكل امه اجل.
ولا عيب فيهم غير ان سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
وبعد انتهاء الدوله العثمانيه لم تظهر دوله اخرى تقوم مقامها فى الذود عن حياض الإسلام بسلاحها , فانتهت قوه السيف فى الاسلام(1)وإنى اتيت مصر فى هذه الفتره فوجدت ما فيها من قوه الاسلام العلميه ايضا فى حاله النزع بعد نزاع دام مده بين أنصاره واعدائه, وكان من اثار حاله النزاع انى رايتها لاتميز بين انصار الاسلام واعدائه, فرمانى بعض اهلها فى الجرائد بخيانه الدين والوطن وسكت الباقون سكوتا ينبئ عن مواقفهم على رمى الرامين ..ولكنى مضيت فى سبيلى واثقا ان الحق يمرض ولا يموت ..وكما ان الدوله العثمانيه ودعت الحياه مسلوله السيف بعد الدفاع عن الاسلام سته قرون , فقد عزمت انا الاخر على ان ادافع فى اخر عمرى عن قوه هذا الدين العلميه التى تعيد الشيوخ المجتهدين تحت رايتها الى الشباب..وانا عارف بما يحيطنى من عوامل الضعف التى ذكرتها على ان بى ضعفا اخر كدت انساه مع جدارته بالذكر قبل كل شئ وهو ضعف اللغه, مع ما كان فى طبيعتى من شده الحرص على التعمق فى المسائل التى اضعها موضع البحث , فكيف يكون لى الجمع والتأليف بين ضعف اللغه والتعمق فى بحث المسائل ؟ اضف الى ذلك ان القارئ المصرى ينجذب فى الغالب الى قوه اللغه وجمال الاسلوب, ويسام من التعمق فى البحث مهما كان الموضوع هاما حيوياو ولا يبالى بان يكون مثله فى هذه الحاله كمثل مريض يسأم من فحص أسباب المرض واماراته ولا يهتم بتنفيذ ما فى تذاكر العياده الطبيه ..بل ربما يلقيها بعد تمزيقها فى سله الإهمال , بحجه انها لم تكتب على اسلوب عال من الادب الفنى..وانى ارجو الله تعالى ان يجعل ضعفى فى اللغه وما يؤدى اليه من معاناه الصعوبه عند الكتابه, ثقله للكتاب فى ميزانى يوم عرض الاعمال لا ثقلة على قارئه فى الدنيا ..والله تعالى قادر على ان لا يخيب سائله مهما كان السائل عاجزا عن القيام بمهمته , ومن يتوكل على الله فهو حسبه.
عذيرى من لسان اعجمى اراوده على تعريب كتبى
وقد انطقته ماسطاع حتى اذا لم يُرونى انطقت قلبى
***
انتهينا من قصه الكتاب وقد فهم من القصه سبب تأليفه اجمالا ..لكنا لا نكتفى بذلك, بل نضم الى هذا الاجمال تفصيلا طويلا قد يزيد فى طول مقدمه الكتاب لنورد فى غضونها شواهد تثبت ما قلنا فى الاجمال عن حاله مصر بالنظر الى عقليه كتابها المصريين وعلمائها التابعين لهم بغير احسان من التابع والمتبوع المتفقين على هدم العقليات القديمه الاسلاميه فنقول:
ان مما لا يخفى على المسلمين الذين يهمهم بسبب اخلاصهم لدينهم اولا وتاثيره فى حالاتهم الاجتماعيه ثانيا, ما مر ولا يزال على الاسلام فى الازمنه الاخيره التى اتصل فيها الشرق بالغرب, من ادوار اعقبت عقليات مختلفه فى خواص الناس المحدثين, مع الاتصال المذكور, ان لم يكن فى عامتهم وفى خاصتهم القدامى ..فكان اول مرحله ان اثيرت الشكوى من جمود المسلمين وعلماء الاسلام فى دينهم , وشاطر تلك الشكوى وناصرها بعض العلماء انفسهم..ولعدم كون الشاكين ومناصريهم على جانب كبير من العلم الناضج والعقل السليم التبس الامر عليهم فهُجم على الدين نفسه عند الهجوم
فلنبدأ من تحليل ماحدا هيكل باشا الى تأليف "حياه محمد "
1
قال معالى هيكل باشا فيما يقرب من اخر مقدمه كتابه "حياه محمد":
" فالتفكير الاسلامى – على انه تفكير على الاساس على الطريقه الحديثه فى صله الانسان بالحياه المحيطه به وهو من هذه الناحيه واقعى بحت – ينقلب تفكيرا ذاتيا حين يتصل الامر بعلاقه الانسان بالكون وخالق الكون, ويبدع له ذلك فى النواحى النفسيه والنواحى الروحيه اثارا قد يقف العلم بوسائله حائرا امامها لا يستطيع ان يثبتها ولا ان ينفيها وهو لذلك لا يعتبرها حقائق علميه.
""ثم هى تظل مع ذلك قوام سعاده الانسان فى الحياه مقومه سلوكه فيها .فما الحياه؟وما صله الانسان من الوجود ووحدته؟؟
""هذه مسائل خضعت للمنطق التجريدى ووجدت ادبا مترامى الاطراف لكنك تجد حلها فى حياه محمد وتعاليمه ادنى لتبليغ الناس سعادتهم من هذا – المنطق التجريدى – الذى افنى فيه المسلمون قرونا منذ القرن العباسى (1) وافنى فيه الغربيون ثلاثه قرون منذ القرن السادس عشر الى القرن التاسع عشر مما انتهى بالغرب الى العلم الحديث على نحو ماانتهى بالمسلمين فيما مضى . ثم وقف العلم فى الماضى كما أنه مهدد اليوم بالوقوف دون اسعاد الانسانيه, ولا سبيل الى درك هذه السعاده الا العود الى حسن ادراك هذه الصله الذاتيه بالوجود وخالق الوجود فى وحدته التى لاتتغير سنتها ولا يعتبر للزمان او المكان فيها الا وجود نسبى لحياتنا القصيره. وحياه محمد هى لاريب خير مثال لدراسه هذه الصله الذاتيه دراسه علميه لمن تؤهله مواهبه ان يحاول هذا الاتصال فى مراتب اوليه لبعد ما بينه وبين الصله الالهيه التى افاء الله على رسوله. واكبر ظنى ان هاتين الدراستين خليقتان يوم يتاح لهم التوفيق ان تنقذا عالمنا الحاضر من وثنيه تورط فيها على اختلاف عقائده الدينيه أو العلميه, و ثنيه جعلت المال وحده معبودا , وسخرت كل ما فى الوجود من علم وفن ومواهب لعبادته والتسبيح بحمده"".
وخلاصته ان معاليه من المستيئسين من احياء الفكره الدينيه فى قلوب الناس , مبتدئا من اثبات وجود الله على طريقه علميه, وبانيا لاساس الاخلاق التى هى مدار سعاده الجمعيه البشريه على هذا الدين المثبت..وهو يعتبر ما اعتمد عليه علماء الاسلام المتكلمون قرونا طويله من اثبات عقائد الدين بادلتها المبسوطه فى كتبهم والتى يدرس شئ منها فى كليه اصول الدين الازهريه , غير جدير بان يسمى اثباتا بالطريقه العلميه ولا ادله ذلك الاثبات ادله علميه بناء على ان العلم الحديث الغربى لا يعتد بتلك الادله ولا يعد العلوم المشتمله عليها علما.
وقوله فى ص 15 اصرح فى هذا الصدد : ""انصرف هؤلاء الشبان عن التفكير فى الاديان وفى الرساله الاسلاميه وصاحبها, وزادهم انصرافا ما رأوا العلم الواقعى والفلسفه الواقعيه ]الوضعيه[ بقراراته, من المسائل الدينيه التى لاتخضع للمنطق ولا تدخل فى حيز التفكير العلمى , وان ما يتصل بها من صور التفكير التجريدى ]الميتافزيقى[ ليس هو ايضا من الطريقه العلميه فى شئ .""
وترى معاليه قائل هذين القولين يناقض نفسه فيقول فى مقدمه الطبعه الثانيه لكتابه ص 55: ""فالايمان بالله وحده لا شريك له لا يحتاج الى اكثر من النظر فى هذا الكون الذى خلقه الله"(2) مع ان النظر فى الكون لا يكفى المستدل على وجود الله فى نظر العلم الحديث كما ذكرنا فيما نقلنا عن معاليه انفا.لكن قوله هذا وقع بصدد نفى الحاجه فى الدين الى الايمان بالمعجزه, فلم يتحرج ان يعترف فى سبيل هذا النفى بما لايعترف به العلم من وجود الله.
وانكار المعجزه اعتمادا على الايمان بالله, واستغناء الايمان به عنها ثم انكار الدليل على وجود الله اعتمادا على العلم الحديث من عجائب العقليات الحديثه, مع ان الايمان بالله يذهب بالانسان الى الايمان بالمعجزه لا الى انكارها .
وعلى كل فمؤلف "حياه محمد" لا يعجبه عدم وجود الله وان كان يعجبه عدم وجود المعجزات, مع ان المانع من وجود الامور الغيبيه كلها يرجع الى اصل واحد هو العلم الحديث والعقل المقيد به. ولا ينتظر من معالى المؤلف شن الحرب على هذا العلم وهذا العقل اللذين شنا الحرب على وجود اى شئ ثابت فيما وراء الطبيعه.
فبالضروره التجأ المؤلف الى حياه محمد صلى الله عليه وسلم ودل الناس على الالتجاء اليها لعلهم يجدون فيها ما لا يجدونفى العلم والعقل من طريق الوصول الى الدين وواضعه جل شانه.
ونحن نأمل من الاطلاع على سيره نبينا صلى الله عليه وسلم كل خير وبركه وهدايه لاسيما سيرته المكتوبه على وجه امثل مما كتبه معاليه. الا ان هذه السيره المباركه التى لم يأل معالى المؤلف جهدا فى تصويرها على صوره لا تتنافى مع سنن الكون ليأتلف مع العلم والعقل, لامناص من ان تتعارض نتيجتها التى تنتهى اليها – وكان الانتهاء اليها مقصود المؤلف ايضا من كتابه وهى صله الانسان على تعبير المؤلف بالوجود وخالق الوجود –لامناص من ان تتعارض هذه النتيجه مع العلم والعقل المقيد بالعلم فكيف يتصل الانسان بخالق الوجود الذى لا يقر العلم والعقل بوجوده ان كان هذا الانسان مقرا بالعلم والعقل ؟ وكيف يتصور رسول الله مجردا عن الله ان امكن تجريده عن المعجزات؟ مع ان العلم والعقل اللذين لا يعترفان بالمعجزات لكونها من الامور الغيبيه الميتافيزيقيه, لا يعترفان بالله ايضا للسبب نفسه.
وصفوه القول هنا ان الدين يقوم على ركنيين رئيسيين: الايمان بالله والايمان برسوله من البشر.لكن العلم الحديث التجربى الذى هو اساس ما يؤمن به المتعلمون المصريون بمصر المقلده للغرب, لا يعترف بالله ولا برسوله على انهما من الحقائق الثابته المستنده الى التجربه الحسيه. اما العلم القديم المبنى على العقل المحض والمنطق التجريدى والذى امن بالله اولا وامن برسوله بعد الايمان بالله وامن بهما علماء الاسلام المتكلمون من قديم الزمان بواسطه هذا العلم – فغير معتد به عند المتعلمين العصريين ... فالعلم قديمه وحديثه لا يضمن الايمان بالله ورسوله, ولهذا اتخذ معالى هيكل باشا تتبع حياه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خير وسيله للايمان بالله , عكس ترتيب العلم القديم وعلمائه المتكلمين, وان لم يصرح بترتيبه هذا .
وقد يلاحظ فى اسلوب معالى الباشا للايمان بعض الشَّبه بايمان المسلمين فى عصر النبى صلى الله عليه وسلم ويمكن ان يكون هذا الشبه هو الذى جذبه كما قال فى مقدمه الطبعه الثانيه لكتابه }ص55{ :
""ولوامه غير مسلمه امنت اليوم بهذا الدين من غير حاجه الى التصديق بمعجزه غير القران لكان الذين امنوا من ابنائها احد رجلين : رجل لم يتلجلج قلبه ولم يتعثر فؤاده بل هداه الله الى الايمان اول ما دعى اليه كما هدى ابا بكر فامن وصدق من غير تردد, واخر لم يلتمس فيما وراء سنه الكون من خوارق, بل التمسه فى خلق الله هذا الكون الفسيح الارجاء الذى بقصر تصورنا دون ادراك حدوده فى الزمان او فى المكان , وتجرى اموره مع ذلك على سنن لا تحويل لها ولا تبديل , فاهتدى من سنه الله فى الكون الى بارئه ومصوره , سواء عند هذين اكانت الخوارق ام لم تكن"".وخلاصته ان من يهتدى الى الاسلام فى هذا الزمان من الامم غير المسلمه يهتدى اليه باحد طريقتين : اما بان يدخل الايمان فى قلبه اول ما دعى الى الايمان واول ما سمع القران فيؤمن من غير ان يتلجلج قلبه كما امن ابو بكر من غير تردد. فهذا الرجل لا يحتاج طبعا الى غير معجزه القران. واما بان ينظر الى سنه الله فى هذا الكون الفسيح الارجاء فيهتدى منها الى بارئه. وهذا الرجل ايضا لايحتاج الى فى ايمانه بالله الى المعجزات والخوارق .اما ايمان هذا الرجل بالرسول فكانه تكفل به معجزه القران. وانا اقول مؤلف كتاب "حياه محمد" مملول العقليه بداء انكار المعجزات غير معجزه القران (1) ولذا ينساق الى تأييد هذه العقليه المريضه فى مناسبه وغير مناسبه. ونحن نوفى حق الكلام على مساله المعجزات فى الباب الثالث من كتابنا هذا. والمقصود هنا التنبيه على ان ما ذكره من الطريقين لايصال اى امه غير مسلمه الى الايمان بدين الاسلام فى هذا الزمان فكلاهما غير ضامن للوصول اليه. فالرجل الاول الذى يؤمن اول ما دعى الى الايمان من غير تردد وحاجه الى التصديق بمعجزه غير القران كما امن ابو بكر, لا وجود له فى هذا الزمان الذى لا يوجد فيه داع الى الايمان كالنبى صلى الله عليه وسلم ولا مدعو كابى بكر, والرجل الثانى الذى ينظر الى الكون الفسيح الارجاء وسنته المنظمه للاهتداء الى بارئه غير مضمون له الايمان ايضا على مذهب المؤلف , لان طريقه هذا الرجل الى الايمان بالله تعالى هى طريقه الاستدلال من الاثار الى مؤثرها, اعنى بها طريقه العلم القديم المبنى على العقل المحض والمنطق التجريدى اللذين لا يعتد بهما العلم الحديث ولا متعلموه العصريون اشباه المؤلف, ولا يعتبرون ما يبنى عليهما من المسائل حقائق علميه . وهل هذا الا تناقض من المؤلف مع ذكره اولا وبنى عليه تاليف كتابه .ولعله يظن ان الدين غير لازم بلوغه عند المتدين مبلغ الحقائق العلميه, وفيه حط الدين عن مرتبه العلم وعلمائه عن مرتبه العلماء وسيسمع القارئ كلمه من الشيخ الاكبر تنم على هذا.
ولو تغاضينا عن هذا التناقض وفرضنا كفايه النظر الى الكون وسنته فى ايمان الرجل الثانى ببارى الكون وبلوغ هذا الايمان فى قلبه مبلغ الحقائق الثابته مخالفا لراى العلم الحديث فيه- فماذا يكون سبب ايمان هذا الرجل بالرسول من غير حاجته الى التصديق بالمعجزات غير القران؟ولم يذكر المؤلف هذا الايمان منه ولا سببه. فان قال ان السبب هو القران, ورد عليه ماذا يكون تاثير معجزه القران التى يدعى المؤلف استغناء اى امه غير مسلمه فى هذا الزمن عن التصديق بمعجزه غيرها, فى ايمان الامم من غير العرب؟ والعرب نفسها لاتربط اليوم معجزه القران بهذا الدين كثيرا من ابنائها المثقفين . وقد انقضى عهد الذين ادركوا الاعجاز بالذوق وامنوا بالقران بسبب هذا الادراك , على ما قاله الاستاذ الاكبر المراغى فى مقاله نشرها فى ]الاهرام[ و] السياسه الاسبوعيه[ قبل بضعه عشر عاما فى مساله ترجمه القران وانتقدناها عليه فى كتاب نشرناه يومئذ .قال:
""ان قراءه الاعاجم للنظم العربى نفسه لا يدلهم على الاعجاز وليس فى استطاعتهم فهمه, والامم العربيه الان ومن ازمنه طويله خلت لا يفقهون الاعجاز من النظم العربى , وقد انقضى عصر الذين ادركوا الاعجاز من طريق الذوق وامنوا بالقران بسبب هذا الادراك. ونحن الان نقيم على الاعجاز دلائل عقليه فنقول ان القران تحدى العرب وانهم عجزوا وهذا يدل على انه من عند الله.""
اما قول معالى المؤلف بعد اسطر من القول الذى نقلنا عن كتابه انفا:""مثل الذين يؤمنون اليوم بالله ورسوله من غير ان تحملهم المعجزات على الايمان, كمثل الذين امنوا بالله ورسوله من غير ان تحملهم المعجزات على الايمان , كمثل الذين امنوا بالله ورسوله فى حياه النبى العربى . فلم يذكر التاريخ ان المعجزات حملت احدا منهم على ان يؤمن , بل كانت حجه الله البالغه عن طريق الوحى على لسان نبيه وكانت حياه النبى فى سموها البالغ غايه السمو هى التى دعت الى الايمان.""
فجوابى عليه انى كنت ايضا فى راى معاليه, على ان تكون طريقه الايمان هذه خاصه بالامه العربيه التى تنقاد افئدتهم لجمال البلاغه ويملهم التعمق والاستقصاء فى الاستدلالات العقليه, ولا ازال شديد التعجب من ان المرء يفهم القران ولا يدين بالاسلام, ولا ازال ايضا قوى الاعتقاد بان مسئوله ابناء العرب ازاء الاسلام تكون اشد .
الا انه مع كل هذا فبين الذين يتوقع منهم الايمان بالله ورسوله فى الازمنه الاخيره وبين المؤمنين به فى عصر النبى فارق عظيم من حيث ان العلم الحديث والعقل الحديث اللذين اقتبسهما الشرق المقلد من الغرب واللذين يُعتبران مانعين عن الايمان عن الايمان بالله ورسوله وجاعلين وجود الله ورسوله فى خارج الحقائق الثابته ثبوتا علميا – لم يكونا موجودين حين امن النبى صلى الله عليه وسلم اصحابه.ومن هذا الفارق نرى معالى الباشا كاتب حياه نبينا يجتهد فى اخلائها عن ماعدا القران من المعجزات التى يعبر عنها بالخوارق. .كما يظهر مبلغ اجتهاده هذا من الكلمتين المنقولتين عن كتابه. ولا يدرى معاليه ان معجزه القران بصفه انها معجزه يلزم ان تكون هى ايضا من الخوارق التى يصر على نفيها من حياته صلى الله عليه وسلم , حتى ان النبوه نفسها خارقه تقتضى اخلاء حياه النبى العربى منها على شرط كاتبها الحديث . وسنبين ذلك فى محله ان شاء الله .فمعاليه يناقض نفسه من حيث لا يشعر ويبتعد فى مساله النبوه ومعجزه القران عن العلم. ولذا نرى الاستاذ فريد وجدى بك يرد البوه فى "السيره المحمديه على ضوء العلم والفلسلفه" التى اخذ يكتب مقالات بهذا العنوان فى "مجله الازهر" – الى العبقريه كما سنذكره .فهذا الكاتب عن حياه النبى صلى الله عليه وسلم بعد الدكتور هيكل باشا يراعى جانب العلم اكثر من معاليه , لان فى نظر الكتاب
صفحة 111
العصريين كما لا يقبل المعجزة لا يقبل النبوة أيضاً بمعناها المعروف عند المسلمين و غيرهم من أهل الملل.
ثم من الفوارق بين اليوم و عصر النبى صلى الله عليه و سلم أنه لم يكن فى عصره مستشرقون من أهل الغرب يدرسون حياته من غير إيمان بنبوته و يكون أكثر اعتماد كتاب من المسلمين عن حياته على أقوالهم، حتى أنه يوشك أن يتبعوهم أيضاً فى عدم الإيمان بنبوته لكون النبوة بمعناها المعروف خارقة لسنة الكون كخوارق المعجزات (1) فى حين أنهم يهتمون بإخلاء حياته عن الخوارق أى اهتمام، فيجعلون نبوته أو يلزمهم أن يجعلوها عبقرية!! فلو كان درس حياته صلى الله عليه و سلم مؤدياً كافياً لدراستها
هامش صفحة 111
[1] بل النبوة تنطوى على ثلاث معجزات كما قال الفخر الرازى فى تفسيره عند قوله تعالى:"و ما كان لبشر أن يكلمة الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشاء".
"البحث الثانى أن الرسول إذا سمعه من الملك كيف يعرف أن ذلك المبلغ ملك معصوم لا شيطان خبيث. و على هذا التقدير فالوحى من الله تعالى لا يتم إلا بثلاث مراتب فى ظهور المعجزات: المرتبة الأولى أن الملك إذا سمع ذلك الكلام من الله فلابد ًمن معجزة تدل على أنه كلام الله، و المرتبة الثانية أن الملك إذا وصل إلى الرسول فلابد له أيضاً من معجزة، و المرتبة الثالثة أن الرسول إذا أوصله إلى الأمة فلابد له أيضاً من معجزة، فئبت أن التكليف لا يتوجه على الخلق إلا بعد وقوع ثلاث مراتب من المعجزات".
أقول ان هذه الكلمة القصيرة التى نقلتها من تفسير الإمام الرازى مهمة جداً من حيث ان فيها تجلية لزوم المعجزة للنبى و خصيصا للرسول الذى أخص من النبى و تجلية أن الرسالة من الله متضمنة لثلاث معجزات، لا يكون الرسول رسولا بدونها، و بها يحصل التثبت فى الروابط الثلاثة التى يحتاج إليها تحقق صفة الرسالة من الله المذكورة فى قولى تعالى "الله يصطفى من الملائكة رسلا و من الناس" و الذين يؤلفون فى حياة سيدنا محمد من الكتاب العصريين المنكرين للخوارق يناقشوننا فى الاعتراف بالمرتبة الأخيرة من مراتب المعجزات الثالثة التى هى أوضح المراتب، فضلا عن المرتبتين الأوليين اللتين يغفلون عنهما بالمرة فليقرأوا هذة الكلمة المنقولة و ليقرأها معهم طائفة من الكتاب و العلماء المحدثين بمصر ابتلوا بداء الإعراض عن كتب التفسير القديمة استخفافا بشأنها و نكرانا لجميل مؤلفيها عليهم الرحمة و الرضوان.

صفحة 112
إلى الإيمان بالله و رسوله لكان أولى الناس بهذا الإيمان هم المستشرقين الذين لهم الحظ الأوفر فى درس حياته على رأى معاليه، حتى انه يعول على ما كتبوا عنها أكثر من كتب مؤلفى الإسلام كما يطلع عليه القارىء فيما يأتى.
فالحق أن تأثير الاطلاع على حياة نبى الإسلام فى إيمان أى مرىء ينبوته مشروط بطهارة دماغ المطلع عن عقليات تمانع الإيمان كإنكار الخوارق لسنن الكون و نفى كل ما يغيب عن الحواس و اعتبار هذا النفى و ذاك الإنكار أو على الأقل نفى و إنكار ثبوت شىء منها،علما.
وقد علمت من من كلام الدكتور هيكل باشا أن الإيمان بالله لا يكفل به العلم الحديث لكونه حائرا فى مسألة وجود الله لا يثبته و لا ينفيه لعدم كونه فى متناول التجربة.
و العلم القديم لا اعتداد عند المصريين بما أثبته، فوجود الله تعالى إذن غير ثابت ثبوتا علميا فى نظر مؤلف حياة محمد و أمثاله من المثقفين ثقافة جديدة غريبة ، و علمت من كلامى أن درس حياة النبى صلى الله عليه و سلم الذى التجأ إليه الدكتور المؤلف لإثبات الدين لا يجدى بمجرده فى دفع الشبهة فى وجود الله لا سيما للذين شحنوا أذهانهم بصادرات الغرب، و إن كانت الشبهة فى وجود الله تضر دارس حياته صلى الله عليه و سلم و أيضا و تبعده عن الاقتناع بنبوته.
فيجب إذن على من يريد إثبات الدين أن يتشجع و بيدأ الامر كما قلنا من إثبات و جود الله إن لم يكن بالعلم الحديث فبالعلم القديم. و سيعلم الذين يستخفون بهذا العلم أن هذاا العلم يثبت وجود الله إثباتا أقوى و أفضل مما لو أثبته العلم الحديث و أحرى من هذة الناحية أن يكون إثباتا علميا.
ولابد إذن لإثبات الدين الذى هو اتصال الانسان بخالقه - و يكون مبدأ هذا الاتصال و مجلاه فى اتصال النبى الذى يبدأ الدين منه - و إثبات إمكان هذا الاتصال،
صفحة 113
أن نكافح العلم الحديث المانع عن الإيمان بالغيب و العقل المقيد بذلك العلم، مادام لا ينفع الفرار من مكافحتها، فإن لم نكافحهما نحن المؤمنين بالغيب فهما يكافحاننا...و بعبارة أولى و أوضح لابد أن بنتدى الأمر بدعوة المسلم و العقل إلى الإيمان ، و هما بشرط أن لا نكون نحن الداعين جبناء أسارى التقليد للغرب اللادينى من ناحية و الغرب المسيحى من ناحية الذى بينى دينه على العاطفة الروحية لا على العلم و العقل - أكثر استعدادا لقبول الحق من مدعى العلم و العقل الغافلين.
فأمامنا ثلاث مسائل: و جود الله ووجود منصف النبوة ووجود معجزة النبى.
فالمسألة الأولى من كونها أساس المسألة الثانية بل أساس كل شىء .. لا يجد المتعلمون تعلماً عصريا الاستطاعة فى أنفسهم و الشجاعة لإثباتها علميا فيغفلونها (1) و المسألة الثالثة لا يريدون إثباتها و لا يرون حاجتهم إلى ثبوتها لكونها مخالفة لسنن الكون و العلم المبنى على التجربة الحسية، و هذا المانع نفسه هو المانع لثبوت المسألة الأولى. فبقيت المسألة الثانية أعنى مسألة النبوة أسوة للذين يحنون إلى الدين بعد خراب بنيانه، فاليوم يبكى على أطلالها من أراد أن يبكى فى الإسلام.
ثم إن هؤلاء الذين تمسكوا بالنبوة و خلوا ما يسمونه العلم يقضى على المسألة الأولى و الثالثة ، لا يروقهم النبوة أيضاً من دون أن يجرى عليها عملية من التعديل يجعلها ملتئمة مع العلم. فالعملية الأولى تجريدها من المعجزات. و ربما يكون هذا التجريد
هامش صفحة 113
-1- نعم كتب الأستاذ العقاد كتابة الحديث عن الله مسمى باسمه جل و علا، و هو كتاب ينقب و ينفر عن منشأ فكرة الألوهية فى الإنسان و يهدف إلى الإحاطة بتاريخ تطورات هذة الفكرة، أكثر من إثبات وجود الله علمياو حل شبهات تخالج أذهان المتعلمين العصرين حول هذا الاثبات الذى هو حاجة مصر العاجلة فى هذا الزمان بل الشرق الإسلامى كله . و إن كان الكتاب لا ينقصه أيضا ما يتعلق بهذا الصدد عرضا من بعض نفائس لم نكتم إعجابنا به فى محله المناسب و مآخذ لم نحجم عن نقذها.
صفحة 114
مغيرًا للنبوة عن حقيقتها الأصلية و يغني المجددين عن إجراء العملية في نفس النبوة، بناء على أن النبوة نفسها معجزة خارقة لسنن الكون، لأنها بمعناها المعروف عند المسلمين اتصال صريح بعالم الغيب لا يشبه صلة العاقل بذلك العالم بعقله و صاحب الحدس بحدسه، مع أن العلم و أعني به العلم الحديث المؤسس على شهادة الحواس لا يعترف بوجود عالم الغيب.
و صفوة الصفوة من الكلام الذي لم يطرأ على عقيدتهم بحمد الله أدنى شبه في وجود الله و رسله رغم تطور الزمان و اتصال الشرق الإسلامي بالغرب، و كذا قضية المسلمين الذين أصيبت قلوبهم بشئ من الزيغ أو على الأقل خالجها شك في عقيدتهم و زين لهم الشيطان هذا الشك أو ذاك الزيغ باسم التجديد أو الخلاص من التقليد، على الرغم من كون حقيقة هذا الخلاص هو الميل إلى التقليد الجديد..خالجها شك، ثم حدث في هفوسهم الحنان للرجوع إلى صوابهم و اطمئنانهم اللذين لا يجدونهما في غير أحضان عقيدتهم القديمة..قضية هاتين الطائفتين التي هما في حاجة إلى اكتسابها و تخليصها من شر دعاة الإلحاد الذين هم أشد المبشرين في هذا الزمان خطرًا على الإسلام، لا يدانيهم مبشر و النصرانية مكيدة و خبثًا لكونهم جائين من جانب العلم - تتكون من مسألتين: وجود الله و وجود رسل الله، و لا ريب في أن إثبات وجود الله أهم و أقدم من إثبات وجود رسل الله، حيث لا معنى لوجودهم على تقدير عدم وجوده أو على الأقل على تقدير الشك في وجوده، فضلًا عن أن دليل وجوده أقوى و أظهر من دليل وجودهم، و حسبك من الفرق أن الرسول ليس بواجب الوجود مهما صح واضح لحد الفرق بين الله و رسله، تجد الكثرة الساحقة من الفلاسفة الغربيين، مؤمنين بالله و تجد اقل قليل منهم يؤمنون بالنبوات، حتى إنهم أغفلوا مبحث النبوة من المطالب
صفحة 115
الفلسفية و حتى إن المذهب السائد اليوم فى أوساط الغرب المثقفة الاعتراف بوجود الله دون وجود الأنبياء، بل هو مذهب كثير من المثقفين المصريين منا أيضاً الذى يكنونه فى صدورهم و لا يظهرونه إلا إذا خلوا إلى أمثالهم. و هذا مع الفرق فى إيمان العصريين منا بالله من إيمان الغربيين، بناء على أن إيمان الأولين أضعف من إيمان الآخرين لكونهم مقلدين و لكون ميلهم إلى ملاحدة الماديين من الغربيين، لا يقل عن ميلهم إلى المؤمنين منهم. و حالة هؤلاء المثقفين هذه التى تلازمهم هى سر ضعفهم الذى يلازمهم و يضمن لمثلى الغلبة عليهم دائماً عند النقاش فى أى مسألة دينية، فليس لهم حق التمسك بكتاب الله و سنة رسوله، و انهم فى حرمان دائم عن بركة هذين المنبعين، فإن تمسكوا بهما فقلما يستفيد المرء من تمسكه بما لا يكون ممسكا عنده، و فى هذا أيضاً سر كونهم يخطئون كثيراً فى فهم معانى القرآن متى وقعت آية من آياته محل الخلاف بيننا و بينهم.
و من كل هذا الذى قلنا، نرى تقديم مسألة وجود الله فى الإثبات على مسألة وجود الأنبياء حين كان الكتاب العصريون الموجهون أنظار الناس إلى درس حياة نبينا، يرون أنفسهم فى غنى عن درس المسألة الأولى حتى بعد الاعتراف منهم بعدم قول العلم فيها إثباتاً أو نفياً المؤدى إلى القول بالتشكيك الذى لا يجتمع مع الآيمان بالله. على أن المسألة الأولى التى هى إثبات وجود الله، نحن محتاجون إليها أيضاً فى الاقتناع و الإقناع بوجود رسل الله، و لذا جعلناه مسألة ثانية و قلنا انه أصعب من الاقتناع و الإقناع بالمسألة الأولى التى هى إثبات وجود الله. فكأن كتابنا العصريين اهتموا بإثبات الأصعب و استغنوا عن إثبات الأسهل. و كنا قلنا عن القيام بواجب الخدمة للإسلام على هذا الشكل من الترتيب: إنه أوفق لمسلك الأنبياء وحال المسلمين فى مبدأ الإسلام، حيث كانوا يلبون دعوة الرسول بعد اختبار صدقه فى دعوى الرسالة من الله بمعجزته التى هى وساء صدق تلك الرسالة، فيؤمنون برسالته و يصدقونه فيما بلغه
صفحة 116
من الله، و يكون تصديقهم هذا يتضمن الإيمان بالله أيضا...كنا قلنا كذلك لو لم نكن نرى أولئك المصريين المشتغلين بكتابة حياة نبينا، خصوم معجزات الأنبياء اللد، جريا وراء العلم الحديث المادي. و لو لم تكن أيضا هذه الخصومة منهم كالسعي في هدم ما تستند إليه نبوة النبي الذي يشتغلون بالكتابة عن حياته، فعملهم بالبناء مقترن بالهدم، و الدسم الذي يقدمونه للقراء خليط بالسم، ليس فيه ما يسر المسلم الساهر على دينه و منزلة نبيه...إلا ان النبوة التي لم يبلغ دليل إثباتها في القوة و الظهور مبلغ أدلة وجود الله و التي أهملها الفلاسفة و لم يدخلوها في المطالب الفلسفية..أصبحت في نبينا محمد صلى الله عليه و سلم بفضل حياته الناصعة المضبوطة، ذات قوة و جاذبية حملت كتابنا المصريين الذين أخذوا يرجعون إلى رشدهم و يقومون بدور علماء الدين في دعوة الناس إلى الرغبة في الإسلام و تقدير نبيه الجليل قدره..حملهم نصوع حياة هذا النبي و جاذبيتها على تقديم مسألة النبوة في ترتيب الخدمة للدين الإسلامي و عقيدته في عصر ساور كثيرًا من القلوب الشك في صحة جميع الأديان.
و كانت هذه الفائقية الناصعة في حياة محمد صلى الله عليه و سلم أمرًا زائدا على علامة نبوة النبي يصح عدها من االكماليات و أكمل الكماليات بالنسبة إلى الضروريات التي هي المعجزات الخارقة..لكن الكتاب المصريين تصوروا -و ياللأسف الزائد- في النصوع و الفائقية المشهودين في حياة محمد، مزاحمة للمعجزات (1)، ساعين في تفسيرهما بتجريد حياته عن الخوارق، مع كون النبوة نفسها منها، فأبانوا رغم اشتغالهم بكتابة حياة النبي، عن عدم فهمهم لأساس معنى النبوة و الرسالة من الله التي هي اتصال بعالم الغيب..و منشأ المرض كون العلم الحديث لا يقبل وجود عالم الغيب و كون الكاتبين لا يزال يزاحم إيمانهم بهذا العلم إيمانهم بالنبي.
هامش الصفحة 116
[1] رغم ما ينبغي للعاقل أن يرى فيهما تأييدا للمعجزات
صفحة 117
2(1)
و من هذا نرى الأستاذ فريد و جدى بك الذى كان قبل بصع عشرة سنة قد أنكر معجزات الأنبياء على صفحات جريدة "الأهرام" فلما أنكرتُ عليه هذا الإنكار أضاف إليه إنكار البعث بعد الموت لكونهما من جنس واحذ يأباه العلم و لا يسيفه العقل المدرب على العلم...نراه فى الأزمنة الأخيرة يكتب فى مجلة "الأزهر" التى يرأس تحريرها، مقالات بعنوان "السيرة المحمدية تحت ضوء العلم و الفلسفة" محاولا إثبات إمكان الوحى بوجود النعبقريات، ثم يتحول فينفى عن نفسه القول بأن النبوة عبقرية، و مع هذا لا يجوز فى إيضاحها إلى ما وراء التمثيل بالعبقريات، تجنباً لمخالفة العلم و خرق سنن الكون، و هو غافل أو متغافل عن أن النبوة لا تكون نبوة إلا بخرق سنن الكون التى يعترف بها العلم و لا يعترف بما وراءها. و الأستاذ يجعلها أى النبوة حدا بين العبقرية و الخارقة، بل يجعلها عبقرية ممتازة فاقت فى محمد صلى الله عليه و سلم كل ما فى عباقرة الدنيا!...يشهد به قوله:
"ربما يخيل لمن يطلع على شرطنا إيراد السيرة النبوية على أصول الدستور العلمى أن جانب الإعجاز فيا سيكابد نقصاً عظيما، إن لم يغفل إغفالا تاما، و إغفال هذا الجانب منها يجعلها أمراً طبيعيا فتفقد النبوة صبغتها المميزة و تصبح سيرة النبى كسيرة أحد عظماء الرجال، و ليكن من الممكن إثبات أنه أعظمهم، فتكون النتيجة سلبية من الناحية الدينية.
"نقول: لا، فآننا إن سرنا على شرط العلم فى إثبات الحوادث و عزوها إلى عللها القريبة فإنه سيتألف من جملتها أمر جلل يقف العلم نفسه أمامه حائراً لا يستطيع تعليل صدوره من فرد واحد، و سيكون مضطراً إلى أن يعترف بأن محمداً صلى الله عليه و سلم
هامش صفحة 117
[1] تحت هذه الأرقام نعد بعض الأسباب الداعية إلى تأليف هذا الكتاب.
صفحة 118
كان عبقريًا من طراز خاص فاق جميع العباقرة. و هذا كسب عظيم للقائلين بنبوته (1) لأن العبقرية في العلم لا تعني ما تعنيه في عرف العامة. هي في العلم ما يلقى في روع العبقري من علم أو عمل بدون جهد منه، فيجئ فذا لا سابقة له تتخذ مثالا لغيره و لا يمكن تقليده. فالعبقرية بهذا المعنى العلمي تقرب معنى النبوة إلى العقل (2) و تسوغها في العلم)) (الجزء الأول من المجلد العاشر من ((مجلة الأزهر)) ص 15)
و أنا أقول كثرة وقائع العبقرية لا تصعد العبقري إلى مرتبة النبي و لا يكون في هذه الكثرة كسب للقائلين بنبوة سيدنا محمد و إن طمع فيه الأستاذ الذي وضع نبوته موضع المساومة، و إنما يكون فيها كسب القائلين بعبقريته الفائقة. و الأستاذ يحاول أن يتصور في نبينا نبوة يسوغها العلم الذي لا يسوغ الخوارق و المعجزات، فيحذف شيئًا من إعجاز النبوة و يستلين شيئًا من قسوة العلم فيتردد بين الضدين، و يقول: ((العلم حائر أمام عبقرية محمد)) يعني أنها نبوة لا عبقرية، ثم يقول بعد أن أدخل فيه ما أدخل من التغيير: ((إن العلم يسوغها)) يعني أنها عبقرية لا نبوة. و مهما أتعب الأستاذ قلمه فإنه لا يستطيع أن يجعل العلم الذي لا يعترف بغير الطبيعيات يقبل النبوة التي هي حالة وراء الطبيعة، اللهم إلا أن تكون نبوة معدلة عصرية للمسلمين العصريين! فليقل الأستاذ بصراحة: هل يعترف العلم أي العلم الذي لا يعترف بشئ فيما وراء الطبيعة و هو يؤمن بهذا العلم و بمبدئه القائل: ((كل معقول لا يؤيده محسوس فلا يعتد به)) و هو يعلم انه بمبدئه هذا لا يعترف بالله و لا بالنبوة و لا بالمعجزة و لا باليوم الآخر كما قال معالي الدكتور هيكل باشا ((ان العلم يقف حائرًا أمام مثل هذه الأمور لا يستطيع أن ينفيها و لا أن يثبتها)) و معنى هذا أنه ينفي ثبوتها فلا يصدقها و ينافي بذلك الدين كل المنافاة، و لذا قال بعده: ((و هو بذلك لا يعتبرها حقائق علمية)).
هامش الصفحة رقم 118
(1) ليتأمل القارئ القائل بنبوته تعبير الأستاذ
(2) المفهوم من هذا أن النبوة من غير تأويلها بالعبقرية بعيدة عند الأستاذ عن العقل.
صفحة 119
فليقل الأستاذ فريد وجدي بك بصراحة : هل هذا العلم و من لا يسعهم من الكتاب إلا أن
يسايروه مثل الأستاذ الذي اشترط على نفسه كتابة السيرة المحمدية على أصول الدستور العلمي
... هل يعترف و معه المسايرون بأن محمدا صلى الله عليه و سلم كان ينزل عليه ملك
يأتيه ببلاغ من الله ؟ وليقل بصراحة إنه لا يعترف به.فمن شاء فليكن مع العلم و من شاء
فليكن مع الدين ... ليقل ذلك و لا يتعلل بإخراج نبوة محمد إلى سوق السماسرة ليكسب القائلون بنبوته في تلك السوق بعض أرباح معوضة عن فقد النبوة صبغتها المميزة ... و ماذا يقول الأستاذ في نبوة سائر الأنبياء الذين لا يجتمع فيهم ما يجتمع في سيدنا محمد من حوادث العبقرية ليجعل له من جملتها عبقرية من طراز خاص ، فيخسر القائلون بنبوتهم على تقدير ردها إلى العبقرية ، حتى ما يكسبه القائلون بنبوته؟
وهذا الأستاذ الذي سيراهالقارئ عندما أمعن في قراءة مقدمة كتابنا هـــذا الطويلة، في موقف عجيب من العلم المزاحم للدين، لا يقر له قرار أيستمر في التمسك به أم ينبذه و يحمل عليه ... هذا الأستاذ في مراحل خضوعه للعلم ، كلام في سوق المساومة على مسألة وجود الله أسخف من كلامه في سوق المساومة نبوة سيدنا محمد. قال في المقالة التي كتبها للمدد الممتاز من مجلة ((الرسالة)) النتشرة في 5 يناير 1947 :
(ظل العلم من الناحية الاعتقادية عدوا للدين راميا إلى محو أثره من النفسية البشرية لاعتباره إياه عاملا انقضى زمنه و بطلت الحاجة إليه و ما ليس إليه حاجة مادية و أدبية كان وجوده معطلا للآخذين به من التأدي للكمال المنشود .
(ولكن في القرن التاسع عشرالذي نال العلم فيه أقصى مناه من الدين ، ظهرت اثار علمية قضت بها الضرورة كان لها لأثر في إعادة سلطان الدين إليه ، منها الحاجة الملحة إلى افتراض وجود عنصر أولي لطيف إلى أقصى حد ، مالئ للكون كله ، وهو الأثير لا يخلو منه حيز في الأرض و لا في السماء ،وإنه كان موجودا من أذل الاذال،
صفحة 120
و سيبقى موجوداً أبد الآباد و انه أصل المادة، منه نشأت و إليه تعود. و غلا الأستاذ هيكيل المدرس بجامعة بينا من المانيا فكتب في كتابه (( وحدة الوجود )) (( المونيسم ))
يقول :
(( إن نظرية الأثير إذا أخذت كقاعدة للإيمان يمكنها أن تعطينا شكلاً معقولاً للدين و ذلك إذا جعلنا إزاء تلك الكتلة الجامدة الثقيلة و هي المادة ذلك الأثير الموجود في كل مكان الذي يمكن اعتباره إلهاً خالقاً )) ثم قال الأستاذ فريد بعد نقل قول في الأثير عن أستاذ ألماني آخر يؤيد قول الأول : (( لعمري أن ماذكرناه لربح للدين من العلم أعاد إليه ما سلبه منه من الاحترام في نظر أتباعه، فكان هذا جزاء للعلم من جنس العمل على نحو لا يمكن إخفاؤه، يجب أن يفطن له الذين يهيمنون على العقائد)) ثم نقل أقوالاً لعلماء الغرب عن المادة و عن التنويم المغناطيسي يزعمها نافعة للدين.
و قال في مختتم مقالته : (( أليس من العجيب بعد هذا أن رجال الدين لا يأبهون لهذه الأسلحة العلمية بل يوجد فيهم من يكذبها و يعمل على ملاشاتها ! ألا فليتحققوا أن العصر الذي نعيش فيه عصر العلم، و أن أي مدرك من المدركات لا يمكن أن يأبه به أحد إلا إذا جاء من طريق العلم فلا نجعلن بيننا و بينه حجاباً )) أقول بعد التنبيه على أن مراده من العلم العلم الحديث الذي لا يعترف بغير ما ثبت بإحدى الحواس الظاهرة و الذي لا يعرف الأستاذ غيره علماً و لا يأبه به : لكنه أي الأستاذ يغفل عن أن الاعتراف بوجود الأثير ضرورة تعليل بعض ظواهر الطبيعة به تراجع من العلم الحديث المبني على الحس إلى العلم القديم العقلي الذي يستند علماء الدين اليه في إثبات عقائد الدين غير محتاجين إلى شهادة الحواس كما احتاج أهل العلم الحديث.
و ثانياً ان احتمال تصور الألوهية للأثير و تصور الكسب للدين من هذا الاحتمال
صــــــــ121
لايطوف إلا ببال الغافلين عن أول مانع فى الأثير عن الألوهية وهو تركيبة من الأجزاء المنبىء عن حاجته إليها، فإن كان كل جزء منها إلهآ كان آلهة متعددة بعددها الذى يكاد أن يكون غير متناه ، وفسدت السماوات والأرض بها أكثر من فسادهما على فرض إلهين اثنين، وإن كان الله مجموع تلك الأجزاء كان محتاجآ إلى كل جزء منها .
ولهذا يعنى العلم القديم بنفى كل شائبة التركب عن الله. ولعل الأستاذ لايعرف هذه الأمور (1) ولا كون الفلاسفة القدماء ينزهزن الله تعالى حتى عن الأجزاء الذهنية فيقولون ان وجوده عين ذاته كيلا يكون مركبآ من الذات وصفة الوجود.
وثالثآ أن الأثير على تقدير وجوده يكون أضأل الموجودات وأوغل الخامات فى الحامية وبالإختصار أقرب الأشياء إلى التلاشى وأبعدها عن العلم والقدرة والإرادة ، فكيف يكون إلهآ خالقآ للكون؟
نعود إلى أقوال الأستاذ فى مسألة النبوة :
وانظر الى ماقاله فى الجزء الثانى من المجلد العاشر من مجلة الأزهر أى فى العدد الذى يلى العدد المتقدم ص 90 " الأدلة المنطقية على صحة النبوة وإمكان الوحى كثيرة ولكن العقلية العصرية يصعب عليها أن تقتنع بها فإن الفلسفة المادية قد أثارت شبهات جمة على النبوات ونفت وجود العالم الروحانى وادعت أن كل مايقال فيه ويسند إليه من أوهام الأقدمين وأساطيرهم ، وقد تسربت هذه الفلسفة إلى عقول الناس من مصادر عدة ، لذلك وجب على من يعالج مسألة النبوة والوحى أن يعدل عن الإستناد إلى الأدلة المنطقية ، إلى الأدلة العلمية بشرط أن تكون مبنية على أمور يقينية سرى على بحثها الأسلوب العلمى."
(1) كما أنه كان الزهاوى الشاعر العراقى لايعرفها ، وقد كتب عنه إلى مجلة "الرسالة" عددها 745 من الموصل بتوقيع لؤى النورى ، أنه كان يعتقد أن الله هو الأثير لقوله:
مالكل الأكوان إلا إله واحد لايزول وهو الأثير
وأقول ولعل الكاتب من الموصل أيضآ لايعرف مافى الأثير على تقدير وجوده من موانع الألوهية حيث احتاج الى استفتاء الأستاذ العقاد.
صـــــــــ122
كأن الواجب على من يعالج مسألة النبوة والوحى نظرآ الى قول الأستاذ أن يعدل عن الأدلة المنطقية الى الأدلة الغير منطقية ومن هنا تبتدىء عقلية الأستاذ غير المنطقية ولذا قال بعده: "وهذه محاولة عنيفة تستدعى كثيرآ من الجهد يبذل فى سبيل جمعها وترتيبها وتهيئتها للدفاع عن النبوة "
أقول من الصعب فى الحقيقة إثبات مسألة بأدلة يلزم أن تكون علمية ولاتكون منطقية فى وقت واحد ،بل أن هذا لايمكن حتى بعد بذل الجهود التى ذكرها ، لأن الدليل إن كان علميآ كان منطقيآ ، وإن لم يكن منطقيآ لم يكن علميآ أيضآ . وكان الواجب على الأستاذ الذى يرى التعارض بين العلم والمنطق مع الرائين من ذوى العقلية العصرية الذين عزا إليهم الإستخفاف بالأدلة المنطقية ، وهو واحد منهم ، لكنه يتظاهر كالحاكى عن الآخرين اتباعآ لقانون الدس فى ترويج الأباطيل كما أشار اليه فى مقالة من مقالاته عازيآ ذلك أيضآ الى غيره ...كأن الواجب عليه أن يبطل أحد المتعارضين من العلم والمنطق بصراحة ، ولو كنت مكانه لما ترددت فى إبطال العلم المخالف للمنطق الذى وضعه العقلاء لتمييز صحيح الفكر من سقيمه. لكن الأستاذ يفضل الإنحياز الى جانب العلم والى جانب الذين تسربت الى عقولهم الفلسفة المادية ولم يعرفوا المنطق عن كثب. وأى مزية لعلم لايخضع للمنطق فتخضع له عقول الناس ؟ فهل مزيته فى معارضته للدين وفى معارضته للمنطق مع الدين؟ وأصدق القول أن الإنحياز فى تدقيق المسائل إلى مالا يتفق مع المنطق شىء مضحك والتبجح به جهل فاضح(1).
(1)وقد ظهر قبل سنين ملحد باسم اسماعيل أدهم ونشر كتابآ باسم "لماذا أنا ملحد؟" فحاول الأستاذ فريد وجدى بك حل شبهة الرجل بما كتبه فى مجلة الأزهر مع أن النجاح فى حل شبهته كان متوقفآ على الأدلة العقلية المنطقية التى يعاديها الأستاذ بدل أن يعرفها ، ويأتى بحث هذه المسألة أيضآ فى كتابنا هذا إن شاء الله
صــــــــــ123
ومن الأمور المشرفة لكتابى هذا أنه يتولى الدفاع عن حقوق المنطق كما يتولى الدفاع عن الدين . وعندى أن محاولة تأليف النبوة بالعلم الذى لايقبل وجود شىء فيما وراء العالم المادى المحسوس ولايعترف حتى بوجود الله ، من قبيل طلب المحال. ففضلآ عما فى مسلك الأستاذ من عيب التنازل عن المنطق فلابد إما أن يكون العلم الذى يريد أن يتمشى معه، يأبى الإعتراف بالنبوة مصرآ على إبائه وإما أن تخرج النبوة عن حقيقتها. وكيف يقر العلم برسالة من الله وهو لايقر بوجود الله؟ ثم ماحاجة الناس إلى رسول من الله إن لم يكن لهم البعث بعد الموت؟ كما هو مذهب الأستاذ تمشيآ منه أيضآ مع العلم. وسيجىء الكلام فى مذهبه هذا ، كما أن للكلام منا على مقالاته " السيرة المحمدية على ضوء العلم والفلسفة" بقية تأتى فى محله.
الحاصل أن أصحاب العقليات الحديثة المتمسكين بالعلم المادى مع الإعتناء بسيرة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، لايستقيم لهم الطريق كما لايستقيم للجامع بين الضدين، وماذا قد يكون مأرب المؤمنين بالعلم المعارض للإيمان بالغيب المستهينين بالأدلة المنطقية وفلسفة ماوراء الطبيعة . ماذا قد يكون مأربهم فى سيرة محمد ونبوته التى هى اتصال بعالم الغيب عالم ماوراء الطبيعة وبعالم الغيب والشهادة؟ إلا أن يكون مأربآ قوميآ للباحث العربى فعند ذلك يجوز أن لايراعى المنطق فى مبحث النبوة كما لايراعى فى المباحث القومية.
فالمتعلمون العصريون الذين أبعدهم عن الدين مااقتبسوه من علم الغرب المادى ثم أحسوا بحاجة الرجوع إلى حضانة الإسلام فحاولوا أن يجدوا مافقدوه من لذة الإيمان والإطمئنان فى مطالعة حياة نبينا ...تراهم لايزالون تحت سلطة العلم الذى أضلهم الطريق أولآ، حيث أنكروا المعجزات فى حياة النبى الذى يؤملون فى مطالعتها هداية لهم الى الحق بعد الضلال ، فحرفوا تلك الحياة عن حقيقتها وأفسدوها بدلآ من أن يستفيدوا منها الصلاح والهداية لأنفسهم.
صـــــ124
بل أفسدوا نبوة النبى ساعين فى تحويلها الى العبقرية ليمكنهم الإعتراف بها ،فأصبح مثلهم كمثل مريض أفسد الدواء عند التداوى به.
وقد كنت رأيت فى عدد مجلة "الرسالة" الممتاز الخاص بأول العام الهجرى 1358 مقالة للدكتور زكى مبارك بعنوان" النواحى الإنسانية فى الرسول" كان يقول فيها بعد أمور كثيرة ترجىء ذكرها الى الباب الثالث من هذا الكتاب " إن محمدآ حرم نفسه الشهرة بإجادة البيان وبفضل الكتاب الذى بلغه عاش البيان" فماذا الذى يعنيه الرجل: أيمدح سيدنا محمدآ صلى الله عليه وسلم بعدم الجرى وراء الشهرة والظهور أم يرميه بالكذب فى نسبة القرآن الى الله؟؟
وكان أصل الضلال فى عدم إيمان هذه الطائفة المتعلمة بالدين عدم إيمانهم بالأمور الغيبية التى فى رأسها وجود الله ثم وجود الأنبياء المتميزين عن الناس بمعجزاتهم ، ونبواتهم كمعجزاتهم من الغيبيات التى لايعترف بها علمهم الحديث. فهؤلاء المتعلمون النادمون على مافقدوا من حضانة الدين وحلاوة اليقين لن يصلوا بأى وسيلة مباركة الى ماينشدونه من استدراك مافات ، ماداموا ينكرون الأمور الغيبية. ومعناه أنهم ينكرون المعقولات ولايؤمنون بغير المحسوسات، ولعدم إيمانهم بغير المحسوسات لايؤمنون أيضآ بالمنطق ويكون إيمانهم به وبالعقل مشوبآ بالإستخفاف . وهذا هو الضلال البعيد والخسران المبين .فإذا كان داء المرء فى عقله ومنطقه فلا دواء له، وأشد أدواء العقل والمنطق يتجلى فى الإستخفاف بهما وحصر الثقة فى المحسوس.
فالواجب عليهم قبل كل شىء أن يقيموا أود عقليتهم التى جعلتهم لايؤمنون بغير المحسوسات وينتبهوا الى مافى علمهم الذى ينهاهم عن الإيمان بالغيب مطلقآ، من الجهل.
ونحن الذين نأمل كل خير وبركة –كما قلنا من قبل- فى درس حياة نبينا التى اتخذها كتاب مصر العصريون موضوع كتاباتهم فى الأزمنة الأخيرة لسد الفراغ الحاصل فى قلوب الناس من ضعف العقائد الدينية التى حاربها بين تصريح وتلميح هؤلاء الكتاب وحلفاؤهم من العلماء الأزهريين حتى حصل الضعف..
صــــــ125
نحن الذين نأمل كل خير وبركة فى درس حياة نبينا، لانأمل من أقلام هؤلاء الدارسين خيرآ إلا ومعه شر أكبر منه...خير يسر المسلم الذى وصفه الحديث النبوى بأنه غر كريم، يسره رواج سيرة النبى بين حملة الأقلام ويليمه عن المكائد الزمنية الموجهة الى الإسلام، وشر يهمس فى أذن المتعلم الناشىء بأن نبيك ليس نبيآ وإنما هو عبقرى من الطراز الأول ونحن عباقرة الكتاب نطلعك على هذه الحقيقة الخفية التى اكتشفها العلم الحديث الغربى ...نطلعك عليها بين تصديق لنبوته وإنكار لمعجزاته غير القرآن. وأنت تفهم معنى معجزة القرآن مع إنكار المعجزات!. هذا مايرمى إليه الكتاب العصريون لاسيما وقد نقلنا من افشاءات الأستاذ فريد وجدى بك عن نوابغ الكتاب والشعراء فى الشرق الإسلامى بعد اتصاله بالغرب وعلمه الحديث أنهم يستنبطون الإلحاد وأنهم يهيئون الأذهان لقبوله دسآ فى مقالاتهم وقصائدهم ..وكان الأستاذ نفسه يلعب فى هذه الإفشاءات الهامة دور شاهد الملك، وإفلاتها من قلمه وقع قبيل توليه الوظيفة الأزهرية وسيجىء الكلام مفصلآ على هذه المسألة.
وقد علمت أن مبدأ الضلال إنكار الأمور الغيبية وأوضح مايدل على وجود عالم الغيب هو المعجزة التى تخرق سنن الكون والتى نعتبر الإعتراف بها علامة الإعتراف بالأديان وإنكارها علامة لإنكار الأديان. ولشدة اتصال المعجزة بالدين نرى الكتاب العصريين الذين نحن مضطرون الى الشك فى ديانتهم ، ينفون المعجزات ويخصون هذا النفى بعناية بالغة، حتى أن مؤلف" حياة محمد" وضع جميع كتب الحديث والسيرة وجميع مافيها من الأحاديث المنسوبة الى النبى صلى الله عليه وسلم تحت شبهة الكذب، لئلا يصدق الروايات الواردة فى تلك الكتب عن معجزات نبينا الكونية أى المخالفة لسنة الكون كما ستطلع عليه فى الباب الثالث.(1)
(1) مما يسرنى ذكره لإعطاء كل ذى حق حقه أن الدكتور هيكل باشا مع كونه فى غاية البعد عن الحق نظرآ لإصراره على إنكار المعجزات وكونه فى مرتبة واحدة مع الأستاذ فريد وجدى بك فى هذه المسألة ..يفترق بالنظر الى رأيه فى مسألة النبوة ، عن الأستاذ فريد وجدى ويقترب الى جانب الحق لأن الأستاذ لايقبل النبوة الا بعد التلاعب فى تصويرها واخراجها عن حقيقتها، فلا حاجة للنبى فى مذهبه الى تلقى الوحى من الله بل يكفيه وحى عقله الزائد الى حد العبقرية الممتازة ، كما عرفت رأيه فى نبوة سيدنا محمد. أما معالى هيكل باشا فهو مجتنب عن انكار الوحى ومستعد لقبوله فى شكله المعروف عند المؤمنين بالأنبياء ، وهو مع هذا حائر فى تأليفه مع العلم الذى لايعترف بالوحى كسائر المغيبات والذى يؤمن به معاليه ويريد أن يجمع بين ايمانه بالعلم وايمانه بالوحى فلا يستطيع ، كما يفهم من مقدمة كتابه. وكان تمام الحق أن يبت فى تخطئة نظر العلم الى الوحى بعدم القبول، وقد أوشك معاليه أن يصل الى هذا التمام فى قوله – هداه الله الى مثله فى مسألة المعجزات- :" وقد يصل العلم الى ادراك بعض الحقائق ومعرفة سننها وأسرارها بعد أجيال وقرون، وقد يظل بعضها لايتناوله العلم حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهى مع ذلك حقائق يقينية تهتدى قلوب المؤمنين الصادقين الى حقيقتها على حين تظل قلوب عليها أقفالها جاهلة اياها لغفلتها عنها" حياة محمد صـــ 41
صــــــــ126
ومن قرأ ماكتبه الدكتور شبلى شميل مقدمة لتعريب كتاب بوخنر فى شرح مذهب داروين وهو يسمى الإيمان بالدين إيمانآ بالمعجزة المستحيلة . ولكن الغافل لايعرف أن المعجزة مهما كانت مما تستبعده طبيعة الإنسان المرتبطة بالعادات والمحسوسات فلايكون استبعادها بدرجة الإلحاد الذى تسلط على ذهنه وأقنعه بوجود هذا الكون من غير موجد ولاسيما وجود هذا الكون المنظم من غير موجد حكيم عليم.
ثم إن من أخطاء الرجل – أعنى شبلى شميل- الفاضحة أنه يرى فى الإلحاد سعادة الدنيا مع أن السعادة بعيدة عن الدنيا التى لاتكون فيها مخافة الله ، لكون الأخلاق التى تتوقف سعادة الدنيا على سيادتها لاتجد ضمانآ أقوى من هذه المخالفة ، حتى قال الفيلسوف " فيخته " : " إن الأخلاق من غير دين عبث" وقد بنى الفيلسوف "كانت" اثبات وجود الله على دليل الأخلاق كما يأتى بيانه مع الكلام عليه.
صـــــــــ127
وقال "كلفين" المصلح المشهور الذى كان هو و" لوتر" سبب وجود البروتستانية : "إن الملك الذى لاينشد مجد الله فليس بالذى يقيم مملكة وإنما يقيم لصوصية."
3
ومما أطلعت عليه بعد مهاجرتى الى مصر أنه جرت مناظرة قلمية قبل أكثر من أربعين عامآ بين العالم الشهير الشيخ محمد عبده مفتى الديار المصرية وبين الأستاذ فرح أنطون منشىء مجلة " الجامعة" فى ست مقالات من الطرفين(1) فجرت الشيخ المفتى الى القول بأن الدين المسيحى لايتفق مع العقل والأستاذ المنشىء الى مقابلته بإدعاء: " أن كل دين كذلك لافرق فيه بين المسيحية والإسلام وغيرهما، لأن الدين هو الإيمان بخالق غير منظور وآخرة غير منظورة ووحى ونبوءة ومعجزة وبعث وحشر وحساب وثواب وعقاب فى الجنة والنار وكلها غير محسوسة ولا معقولة. ولهذا كان العقلاء من الفلاسفة ورجال الدين فى كل ملة ينادون بإبعاد العقل عن الدين . بل إن الأديان تخالف أيضآ العلم الذى يجب أن يوضع فى دائرة العقل لكون قواعده مبنية على المشاهدة والتجربة والإمتحان. وأما الدين فيجب أن يوضع فى دائرة القلب لأن قواعده مبنية على التسليم بما ورد فى الكتب المقدسة من غير تمحيص فى أصولها" .
ثم قال الأستاذ فرح:"إن العدو الحقيقى للإسلام والمسيحية واليهودية والبوذية والكونفوشيوسية والوثنية فى هذا الزمان لم يعد منها بل صار خارجآ عنها ، فهو عدو جديد أخرجه التمدن الجديد. وهذا العدو اللدود تطربه أصوات تنازع الأديان بعضها مع بعض ويثلج صدره سرورآ كلما رآها يكفر بعضها بعضآ ويطعن بعضها على بعض، وهذا العدو الذى يهددها على السواء والذى اذا استطاع هدم واحدة منها هدم معها الباقيات بلا مراء ، هو المبادىء المادية المبنية على البحث بالعقل دون سواه".
(1) والمقالات جمعها الأستاذ فرح وكتبها فى باب الردود من كتابه "فلسفة ابن رشد"
صـــــــــ128
وأنا أقول كلام الأستاذ فرح مناظر الشيخ محمد عبده يستهدف لإنتقادات واسعة فى أمكنة مختلفة من كتابى هذا، حتى أنى قلت فى أحدها أنه أى الكتاب استئناف المناظرة التى جرت فى الماضى بين الشيخ محمد عبده والأستاذ فرح أنطون(1). وسلفآ أقول هنا وأزيد على قول الأستاذ الذى تعزى بمعاداة العلم الحديث المادى للإسلام كمعاداته للمسيحية: إن ذلك العلم أضر بالإسلام أكثر من المسيحية وإن كان الإسلام المتضرر إسلام المتعلمين المحدثين المكتفين فى تعلمهم بالتطفل على الغربيين. ولم يكن السبب فى هذا الفرق بين المسيحية والإسلام من ناحية التأثر والتضرر من العلم الحديث، زيادة الإسلام فى الإبتعاد عن العقل الذى يلازم ذلك العلم، بل كون الإسلام بالعكس متمشيآ مع العقل ومبنيآ فى أصوله على أدلة عقلية.
وتوضيحآ لهذا رأيت أن أنقل القسم الأول مما كتبته فى التقرير المتقدم الى وزارة الأوقاف المصرية لما جمعت قبل سنين رجالآ من المفكرين باسم "لجنة النهوض بالمساجد" تحت رئاسة الوزير ودعتنى عضوآ فيما بينهم:
حضرة صاحب المعالى الأستاذ عبد الحميد عبد الحق بك.
أتشرف بعرض أرائى الخاصة فى إنهاض المساجد على الوجه الآتى:
1- لفتنى ماسمعته فى خطبة ألقيتموها فى ديوان الوزارة وفتحتم بها الجلسة الأولى للجنة النهوض بالمساجد ، من أن مساجدنا لايرى فيها الباحث عن الذين يسمون الطبقة العليا مابحث عنه، فى حين أن معابد مواطنينا اليهود والنصارى لايقل
(1) وان كان من ناحية أخرى استئناف مابين الشيخ محمد عبده وبين مشايخ الأزهر القدماء من الخلاف الذى انحاز فيه المثقفون العصريون الى جانب الشيخ وخذلوا خصومه . فى حين أنهم خذلوه فى اختلافه مع الأستاذ فرح أنطون وانحازوا الى الأخير.. وكل هذا ينجلى للقارىء النبه عند التغلغل فى أعماق الكتاب .. وينجلى أيضآ إمكان القول بأنه أى الكتاب يتلخص فيما عدا بحث " وحدة الوجود " ومسألة فصل الدين عن الحكومة، بهذين الإستئنافين.
صــــــــ129
صــــــــ130
فى بيوتهم أيضآ. فالإعراض عن الصلاة فى المساجد ناشىء عن الإعراض عن الصلاة نفسها التى هى عماد الدين الإسلامى.
الثانى – وهو المهم- أن الإعراض عن المساجد يبدو على الأكثر كما قلنا من كبار المسلمين ويكون أكثر هؤلاء الكبار فى زماننا من المثقفين ثقافة غربية، ثم يسرى المرض من هؤلاء الى غيرهم، فيصبحون شر قدوة للناس ويأخذ المرض أو سيأخذ شكل الوباء العام. أما إعراض المثقفين عن المساجد فسبب هذا المرض فيهم أعمق مما يظن فى بادىء النظر، ومعنى هذا أن ضعف رغبتهم فى حضور المساجد ليس راجعآ الى ضعف الرغبة فى الصلاة فحسب، الناشىء من تكاسل النفس أو ضعف كرامتها كما قلنا فى الفقرة السابقة، بل الى ضعف فى العقيدة أيضآ مبنى على الشك فى صحة الدين الذى ورثوه من آبائهم . وهم وقعوا فى هذه الحالة بعد اتصالهم بعلوم الغرب التى لاتؤمن بغير المحسوسات. ولذا قال الله تعالى فى كتابه: " إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله " أقول قولى هذا بالصراحة التى جبلت عليها ، ومن هذا قلت أولآ إن لجنة النهوض بالمساجد لاتستطيع علاجه، فهل فى وسعها أن تقترح على الحكومة سن قانون يحتم على رؤوس الدواوين، وفيهم الوزراء المسلمون، أن يحضروا صلوات الجمعة على الأقل ويضطر الغائبين من غير عذر إلى الإستقالة من مناصبهم؟ فعند ذلك تكون هذه اللجنة لجنة النهوض بالمساجد فى معناه الصحيح، ويتحقق كون هذا النهوض مقترنآ بإرادة حقيقية من الحكومة.
وإلا فما دام الشك فى قلوب المثقفين العصريين المؤمنين بالعلم الحديث فوق إيمانهم بالدين، ومادمتم لاتخرجون الشك من قلوبهم أو لا تدخلون فيها الخوف على مناصبهم، فلا تستطيعون أن تدخلوهم المساجد والإعتناء بالمواعظ والخطب فى المساجد، الذى كان موضوع البحث فى الإجتماع الأول للجنة، لايجدى نفعآ فى البعيدين عن المساجد وعن سماع تلك الخطب والمواعظ ، للسبب المذكور الذى جعلهم معرضين عن
ص131
المساجد و الصلاة.بل لا تنفع فيهم الخطب و المواعظ ولو سمعوها فى غير مناسبة الصلاة بالمساجد،و إنما تنفع فيهم الحاجة فى الصحف و المجلاتو الكتب إلى أن يقلع الشاكون عن عقليتهم الباطلة القائلة بأن الثقافه الحديثه الغربيه من حق حاملها أن يشك فى دينه.
بقى هنا سؤال:وهو لماذا تذهب الثقافه الحديثه بحاملها من بعض المسلمين إلى ضعف فى الدين،و لا تذهب بالمثقفين من اليهود و النصارى إلى هذه النتيجه المشؤومه فلا يكون العلم خطراً على دينهم،و من هذا لا نراهم معرضين عن معابدهم على خلاف ما نرى فى المسلمين،حيث يبعدهم العلم بمعناه العصرى عن المساجد و الصلاه و الصوم و العقيده الدينيه؟
و الجواب أن اليهود أصحاب المبادىء الراسخه المحافظون على قوميتهم و دينهم الذى مزجوه بقوميتهم كل المزج، بل انهم افنوا قوميتهم فى دينهم فلا يوجد لهم اسم من اسماء القوميات يدعون بها و يمتازون عن غيرهم من الأمم إلا اليهود، أينما كانوا و مهما اختلطت دماؤهم بدماء الأمم المختلفه. فعنصر الدين اليهودى يبقى فيهم و يحتفظ به رغم كل إنقلاب سياسى أو ثقافى فى العالم. بل أن اليهود على ما سمعت من الواقفين على احوالهم لا يعملون أى دعايه لترغيب الأجانب فى دينهم ، فلا يعتنق اليهوديه من يعتنقها من غيرهم إلا على خلاف إرادتهم،لأنهم ينظرون إلى دينهم كأعز ما يملكونه فيغارون عليها ما دخول الأجنبى.
و النصارى يعتمد دينهم الحاضر على العاطفه(1)ولا صله له بالعلم تأييداً أو نقضاً. فلم يكن العلم مؤيده بأدلته القديمه، حتى ينقلب ضده بأدلته الحديثه المبنيه على التجارب
هامش ص131
(1)و لذا جعل له الأستاذ فرح أنطوان المار و الأتى ذكره،دائرة القلب دون العقل.
إنتهى الهامش
ص132
الحسيه.لكن الإسلام ليس كذلك(1)،فقد كان له فى الماضى أدله من العلم مبنيه على العقل و المنطق الذى يستخف به اليوم بعض المتعلمين منا بحجة أنه منطق تجريدى! و منذ أصبح العلم فى الغرب و الشرق المقلد له لا يعترف إلا بما يثبت وجوده بالتجربه الحسيه و يقل إن كل معقول لا يؤيده محسوس فلا يعتد به،ظن كثير من الناس الذين هم فى عقلية المتعلمين المذكورين المستخفين بالمنطق التجريدى: أن الإسلام فقد مستنده من العلم ،و إن شئت فقل ظنوا أن العلم الذى يستند إليه الإسلام اصبح لا يقام له وزن،و ربما ظنوا الظنون بالعقل أيضاً فرجعوا عن ثقتهم بالعلم المبنى على العقل.وهذا خطاء عظيم ناشىء عن طغيان التجربه على العقول الضعيفه(2)
انتهى ما اردت نقله من التقرير الذى قرأته فى لجنة النهوض بالمساجد بوزارة الأوقاف المصريه.والجمله الختاميه منه اعنى بها قولى ((وهذا خطاء عظيم ناشىء من طغيان التجربه على العقول الضعيفه )) يشرحها هذا الكتاب إن شاء الله.
نعود إلى بحث الأستاذ فرح أنطون منظر الشيخ محمد عبده: و كانت فيما ادعى
هامش ص 132
(1)ليس معنى قولى هذا ترجيح بناء الدين على العواطف القلبيه كما وقع من بعض الأساتذه العصريين بمصر و سيجىء الكلام عليه.
(2) و لم يسلم بعض علماء الدين بمصر منذ عهد قريب من تأثير هذا التيار، ففسروا نصوص كتاب الله و سنة رسوله المتعلقه بالمغيبات و التى لا تتفق مع العلم الحديث، بما يخرجها عن ظواهرها، و قتحوا أمام حملة الأفلام باباً واسعا لتأويل النبوه بالعبقريه و رد معجزات الأنبياء الخارقه للعاده إلى العاديات.
وكان هذا بمثابة إلغاء الفارق بين رسل الله و بين عقلاء الناس المتطوعين بإصلاح المجتمع بدافع من جبلتهم ، بإلغاء الرمز الحقيقى الذى ميز الله به رسله عن غيرهم كما يميز الملك مندوبه بمرسومه الخاص،وهو المعجزه الخارقه .
فأصبح بعد ذلك الوحى و الملك و الكتاب المنزل بواسطة الملك كاها ملغاه،و عاد عدم تصديق الأنبياء فى دعوى رسالتهم من الله : لا فرق بينه و بين عدم تصديق المصلحين من الناس الممتازين عن الجمهور بقوة عقولهم فقط ، إن لم يترتب على عدم التصديق هذا عقاب فى الدنيا فلا معاقبه عليه فى الآخره قطعا. فبهذا الشكل الذى أوضحته ذهب دين الطبقه العليا أدراج الرياح.
إنتهى الهامش
ص133
هذا الأستاذ فى مقالاته حاجة الأمم فى إصلاح أحوالها إلى فصل الدين عن الدنيا و عن سياسة الحكومات، و قد غزا رقى اوربا فى العلم و المدينه إلى العمل بهذا الفصل كما رأى سبب تأخر المسلمين فى إهمال العمل بمبدأ الفصل. و مناظرة الشيخ مناقشه فى هذه المسأله أيضاً و لم يوافقه فى الظاهر على رأى الفصل، أما تأخر المسلمين فأجاب عنه بحمل قبعته على جمود علماء الدين.
و على ضوء هذه المناظرة وضع الشيخ محمد عبده كتابه "الإسلام و النصرانيه مع العلم و المدنيه" و بالنظر إلى شهرة الكتلب و تأثيره فى شهرة واضعه يظن أنه غلب خصمه فى تلك المناظرة،لكن الواقع الذى نشاهده آثاره اليوم فى جو مصر الثقافى غلبه فكرة الإلحاد الدالة على غلبة الأستاذ منشىء مجلة "الجامعه" فى المناظرة على الشيخ المفتى. فيفهم أن الشيخ اكتسب الشهرة و خصمه اكتسب القضيه المنازع فيها، فمن الذى يستحق منهما لقب الغالب إذن؟ ولو كان الشيخ هو الذى اكتسب القضيه ضد مناظره لمل ارتكزت فى مصر اليوم عقلية اعتبار الدين فى جانب و العقل و العلم فى جانب مقابل، و لما سرت هذه العقليه حتى إلى الأزهر، و قد ذكرنا و سنذكر له من الأمثله ما يقنع به القارىء إن شاء الله.
ثم لو كان محمد عبده هو الذى كسب القضيه ضد مناظره لما اجترأ الأستاذ فريد وجدى الذى لابد أن يكون فى طليعة الشاهدين لهذه المناظرة أو على الأقل العارفين بها، على نشر قوله الأتى فى رقم (5) على صفحات "الأهرام" و الذى اسفر عن قضاء العلم على الأديان كلها كما يراه الأستاذ فرح، و عن استيلاء الإلحاد على نوابغ الشرق الإسلامى .
أما النهضه الإصلاحيه المنسوبه إلى الشيخ محمد عبده فخلاصته أنه زعزع الأزهر عن جموده على الدين فقرَب كثيراً من الأزهريين إلى اللادينيين خطوات،ولم يقرب
ص134
اللادينيين إلى الدين خطوه.وهو الذى أدخل الماسونيه فى الأزهر(1) بواسطة شيخه جمال الدين الأفغانى،كما أنه- على ما يقال و سيأتى إيضاحه فى هذا الكتاب – هو الذى شجع قاسم امين على ترويج السفور فى مصر.
فالشيخ، بدلاً من أن يتغلب على مناظره و يهزم جيوش المتفرنجين الكامنين وراءه، هزم جيش علماء الدين الذى هو جيشه نفسه ، بطول مل رماهم به من وصمة الجمود، و بفضل ذلك حاز مكانة عظيمة عند المتفرنجين طبعاً و عند المنهزمين تبعاً(2). قال الأستاذ محمد صبيح فى كتابه "محمد عبده" (ص 86-88) :
"لم يتحرج محمد عبده طول حياته فى أن يسعى إلى المعارك العقليه و العلميه يخوض غمارها ، وه يعلم أن سلاحه بتار و أنه سوقع الرجفة فى قلوب خصومه و بفتح اعين النائمين من أبناء الأزهر و أجياله المتعاقبه...
"ففى اثناء درس من دروس التوحيد التى كان يلقيها قال لطلبته: " إنكم تعلمون أن الإيمان بوحدانية الله تعالى هة الأساس الأعظم لدين الإسلام. و لذلك جعلت كلمة التوحيد عنوان الدخول فيه، حتى إذا ما قالها المشرك فى ميدان القتال وجب الكف عنه. و سيكون موضوع درسنا الأتى إقامة البرهان على هذه العقيدة
هامش ص 134
(1) روى ثقة عن أستاذ من المدرسين فى إحدى كليات الأزهر الذى كان من اقرب اصحاب المرحوم الشيخ بخيت أنه استفسر الشيخ ذات يوم من اخريات ايتمه عن الماسونيه، فنهره بشدة و تحزير ينمان على التأسف و التندم على ما سبق له من الإنتساب إليها. ثم لقيت أنا هذا الأستاذ يوما من الأيام فسألته عما جرى له مع الشيخ المرحوم فأجاب بتصديق ما سمعته أولاً و نقلته آنفاً.
(2) و كان من مضار الشيخ بالاسلام و علمائه الناشئين بعده أن حملة الأقلام بمصر المنحرفين عن الثقافه الإسلاميه، لما أكبروا الشيخ و أراءه الشاذة-التو انتقدتها فى هذا الكتاب – و أوجدوا له من السمعه العلميه الساميه مالا يزال طنينه فى أذن الصرق الإسلامى – و لا شك فى تأييد القوة الماسونيه له – كان ذلك حثاً لذين يحبون الشهرة و الظهور من شباب العلماء و كهولهم، على نيل ما أرادوه بواسطة الشذوذ فى الرأى و التزلف إلى الكتاب المتفرنجين بل الإنتماء إلى الماسونيه.
إنتهى الهامش
ص135
و إنى سأحضر معى عند المجىء إلى هذا الدرس 100 جنيه و أعدكم بأن من أقام امامى البرهان على الوحدانيه قبل أن يسمعه منى و أمكنه أن يجيب عما اورده عليه من الأعتراض جواباً صحيحاً فإنى أدفع إليه هذا المبلغ،و ليبلغ الشاهد منكم الغائب.
" ألقى الشيخ محمد عبده هذه القنبلة متحدياً الأزهريين شيوخهم و شبابهم قدمائهم و محدثيهم فدوت فى رحابه دوياً شديداً. أذهلت الناس كلهم، و أيقن الجميع أن حدثاً من أعظم الأحداث فى تاريخ الفكر الإسلامى يوشك أن يحدث أو هو حدث فعلاً قبل المناظرة و قبل تمثيل فصولها."
ثم قال الأستاذ المؤلف :"ما معنى المتحدى من هذا الشيخ المتعقب ؟. معناه أنه لا يوجد بين علماء الأزهر طبعاً أن يجادل عن عقيدة وحدانية الله تعالى جدلاً قويا يرد كل شبهة و ينفى كل اعتراض. معناه أن الأزهر بعلومه و شيوخه، و متونه و شروحه لا يصلح لإظهار مسلم مستنير يجابه الجدل بقوانينه الحديثة و يفتح عينيه بثبات امام أضوائه.
" زكان من المنتظر فى الموعد المضروب ، أن يفد عالم أو علماء يتصدون للرد و الجواب ، لا طمعاً فى الجنيهات المئة و لكن رغبه فى إزالة شبهات الجهل التى ألصقها بهم الشيخ محمد عبده، و قد إزدحمت ساحة الأزهر بخلق عديد من كل لون ز مثال.
و أخذ الشيخ مجلسه و قال:
هذه هى الجنيهات المئه فمن كان مستعداً لإقامة البرهان قبل أن يسمع منى فليتقدم.
" و كان صمت و طال الصمت. و كان انتظار و تقليب البصر فى وجوه من حضر..
ولكن لم ينهض للمبارزه فارس من فرسان العلم."
ثم أطرى الأستاذ صبيح فى البرهان الذى أقامه محمد عبده فارس مضمار العلم الوحيد،
ص136
بين ظهرانى علماء الأزهر الذين أصمتهم التحدى.. أطرى البرهان و أطرى ما فى تقريره من البلاغه من حيث نقل كلمة عن نص البرهان المعجز بمادته و صورة تقريره، كما هو عادة اكثر المؤلفين بمصر فى العلم و العالم، يكتبون حكاية و ترجمة أو منقبة و لا يدخلون فى مسائل العلم.. ذكر هذا المؤلف أيضاً جميع ما حدث فى مجلس التحدى و استحق الذكر من حركات الشيخ القاهر و سكنات شيوخ الأزهر المقهورين ، و إنما لم يذكر شيئاً من لب المسأله العلميه ، و نسى فيما ذكره من الحركات و السكنات أن ينص على انتهاء الجلسه بأن قام الشيخ ملقياً جنيهاته التى و ضعها على المنصه إلى جيبه، و خرج يمشى مشية الظافرين.
و الذى فعل الأستاذ فى السطور المنقوله عن كتابه عباره عن إصغار علماء الأزهر حاضرهم و غابرهم و علومهم و كتبهم متونا و شرحا، لإكبار الشيخ محمد عبده. و إنى لا اعرف هؤلاء العلماء هل كانوا جاهلين إلى حد ما حكاه الأستاذ المؤلف من عجزهم عن إقامة الدليل على وجود الله قبل أن يقيم على وحدانيته، بناء على أنه يفكر بطلان التسلسل و لا يفهم أن وجود الله لا يمكن إثباته ما لم يبطل التسلسل كما سيجىء بحثه .
و إنى مدرك بثقل هذا القول منى ، و لكنى لا يسعنى أن أضحى بالله و بالحقيقه فى سبيل إكبار الشيخ محمد عبده كما ضحى الأستاذ مؤلف كتاب " محمد عبده" بعلماء الأزهر أجمعين فى هذا السبيل !
أما مسألة إثبات الوحدانيه فقد راجعت رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده، فوجدت هذه المسأله أيضاً لم يؤد حقها بأن يقول:"لو تعدد الواجبون (يعنى الألهه) تخالفت افعالهم بتخالف علومهم و إرادتهم و هو خلاف يستحيل معه الوفاق و كل واحد بمقتضى وجوب وجوده و ما يتبعه من الصفات له السلطه على الإيجاد فى جميع الممكنات فكل له تصرف فى كل منها على حسب علمه و إرادته و لا مرجح لنفاذ إحدى القدرتين دون
ص 137
الأخرى فتضارب أفعالهم حسب التضارب فى علومهم و إراداتهم فيفسد نظام الكون بل يستحيل أن يكون له نظام بل يستحيل وجود ممكن من الممكنات لأن كل ممكن لابد أن يتعلق به الإيجاد على حسب العلوم و الإرادات المختلفه فيلزم أن يكون للشىء الواحد وجودات متعددة و هو محال".
لأن مدار الإثبات فى هذه الجمل الكثيرة على اختلاف الآلهه فى علومهم و إراداتهم و إستحالة الاتفاق فى الافعال بعد هذا التخالف، مع أن هؤلاء الآلهه المفروضين لابد أن يكونوا قادرين على الاتفاق فيما بينهم من الأفعال كما يكونوا قادرين على الاختلاف. وليس كونهم متخالفين فى العلوم و الارادات بمعنى التضاد و التضارب حتى يستتبع التضارب فيهما التضارب فى الافعال،بل بمعنى الاستقلال فى العلم و الاراده. فلا ضروره لأحد منهم أن يكون على خلاف مع صاحبه فيستحيل الاتفاق و يتعين الاختلاف، و إلا لا يكون مستقلا ولا يصح فرضه إلها. و هذا ظاهر لا يحتاج الانسان فى فهمه إلى أن يكون من العلماء المبرزين بدرجة الشيخ محمد عبده الذى تحدى مشايخ الازهر فأعجزهم و أصمتهم.. فضلا أن يكون ذلك التحدى نفسه. و كان فى إمكان الشيخ المتحدى و المتعدى إثبات وحدانية الله بصحه و سهوله، مادام يعرف أن الله تعالى واجب الوجود أى من يضطرنا العقل إلى الاعتراف بوجوده لبناء وجود العالم على إيجاده، و سيجد قارىء هذا الكتاب تفصيلا وافيا عن أهمية وجوب الوجود الذى هو أخص ميزة الله
تعالى عن سائر الموجودات...
كان فى إمكان الشيخ أن يستخرج دليل وحدانية الله من كونه واجب الوجود، فيقول باختصار: لو تعدد الآلهه الواجبون و كانوا على الأقل إلهين اثنين أى واجبين فإما أن يحتاج كل منهما أو أحدهما إلى الآخر فى إيجاد العالم فلا يكون أى متهما أو أحدهما المحتاج إلها، و إما أن يستغنى كل منهما أو أحدهما عن الآخر فى إيجاد العالم
ص 138
فلا يكون المستغنى عنه واجب الوجود. و كلا الاحتمالين يؤدى إلى خلاف المفروض أى تناقض المحال.
والشيخ المتحدى أراد إثبات الوحدانيه بدليلها المعروف المسمى "برهان التمانع" فلم يأت بالصوره الصحيحة له التى لا تقبل النقض، و نحن نذكرها إن شاء الله فى محله من هذا الكتاب، و ليكتف القارىء هنا بما ذكرنا.
و انظر ما قاله معالى هيكل باشا فى مقدمة كتابه "حياة محمد" بعد الكلام عن الطاعنين فى الإسلام من كتاب الغرب المتعصبين، يدلك على أن الشيخ محمد عبده ما نجح فى الدفاع عن الإسلام لعدم سلوكه الطريقه العلميه فيه، و لكونه متهما بالكفر و الإلحاد و الزندقه. و مع هاتين الوصمتين اللتين ألصق به إحداهما على الأقل معالى هيكل باشا، لم ينصرف عنه الشبان المتعلمون الذين ذكر معاليه إنصرافهم عن الأديان و هذا قول الباشا بنصه:
" و لقد قام بعض علماء المسلمين بمصر فى ظروف مختلفه فحاولوا إدحاض مزاعم أولئك المتعصبين من أبناء الغرب، و اسم الشيخ محمد عبده من أنصع الأسماء فى هذا الصدد، لكنهم لم يسلكوا الطريقه العلميه التى زعم أولئك الكتاب و المؤرخون الأوروبيون أنهم يسلكونها لتكون لحجتهم قوتها فى وجه خصومهم. ثم إن هؤلاء العظماء المسلمين و الشيخ محمد عبده فى مقدمتهم قد أتهموا بالإلحاد و الكفر و الزندقه، فأضعف ذلك من حجتهم أمام خصوم الإسلام . و لقد كان اتهامهم هذا عميق الاثر فى نفوس شباب المسلمين المتعلمين"
و فيه أن الحجه إن كانت قويه فلا يضعفها كون المستند إليعا متهما بعيب فى نفسه، لاسيما إذا كان ذلك عياً فى نظر المسلمين يبعد أصحاب الحجة عن محاباتهم. و من المعروف أن العبره يالقول لا بالقائل، حتى ان معاليه الحاكى لحالة المتهمين و المهتمين
ص 139
و شباب المسلمين المتعلمين المذكورين فى الحكايه، عابوا المتهمين و أكبروا المتًهمين نظراً إلى قوله بعده:
"شعر هؤلاء الشبان بأن الزندقه تقابل حكم العقل و نظام المنطق فى نظر جماعة من علماء المسلمين و أن الإلحاد عندهم قرين الأجتهاد كما أن الإيمان قرين الجمود" فلا نظام منطقياً بين كون الإتهام المذكور أضعف من حجة العلماء المتهمين امام خصوم الإسلام و بين كونه أعلى منزلتهم عند المتعلمين من شباب المسلمين، حتى انصرفوا بسبب ذلك الأتهام الممقوت من الأديان كما-سيذكر ايضاً- و لم ينصرفوا من العلماء المتهمين.
و فى الحقيقه ماذا يمكن أن يكون سبب اشتهار الشيخ من بين علماء مصر و استحقاقه لدوام الصحف و المجلات فى الإشاده بأسمه، هل هو عدم سلوكه الطريقه العلميه كغيره فى الدفاع عن الدين و عدم نجاحه فيه لهذا السبب، كما ذكره هيكل باشا أو كونه متَهماً فى دينه؟ و الأول غير معقول جداً أن يكون سبباً لأشتهار أحد من العلماء و أمتيازه على غيره، فتعين الثانى.
و لا تقل غير معقول ايضاً أن يكون اتهام الرجل فى دينه مزيه له و منقبة أدت إلى ارتفاع درجته عند الناس، إذ لا يسبعد كونه مزية له عند الذين يعدون هذه التهمه حرية و عبقرية، وهم المتغلبون فى زماننا. و قد قال فضياة الأستاذ المراغى شيخ الجامع الأزهر فى خطبة القاها بمناسبة الأحتفال بذكرى الشيخ محمد عبده يوم 11 يونيه سنة 1941 نقلآ عن الإمام الغزالى: " اسنصغر كل من كان بالكفر لا يعرف و بالضلال لا يوصف" و كان هذا القول من الشيخ الخطيب بعد كلام عن الإتهام المعروف الموجه نحو الشيخ المحتفل بذكراه. لكن صيغة القول المذكور، كائنا من كان قائله سيئه جدا، بحيث ان الإمام الغزالى إن كان قال هذا القول الذى يحث العلماء على الكفر و الضلال و الناس على اتباع المشهورين منهم بهما، كان احق العلماء عنده بالإكبار،
ص140
أكفرهم و أضلهم فى نفس الأمر، فلا بد أن يكون هو أى الإمام الغزالى أيضاً متهما فى دينه أو عقله، و إلا فنقل المسلم السليم لا يقبل أن يكون مجرد الإتهام بالكفر و الضلال رمزاً للعظمه فى علم الدين. نعم يحتمل كون الشيخ محمد عبده أعلم معاصريه و أنجحهم فى الدفاع عن الدين فيحسدوع عليه و يختلقوا له تهمة الكفر و الزندقه، لكن الشيخ الخطيب مدح بالقول الذى نقله عن الغزالى "الاتهام" مطلقا حقا أو باطلا. و قد صرح هيكل باشا بعدم نجاح محمد عبده فى الدفاع عن الإسلام لعدم سلوكه الطريقه العلميه فى دفاعه، فلا وجه لكون معاصريه من العلماء يحسدونه.
ثم إنه يجب التنبيه هنا على أن الطريقه العلميه التى عاب الدكتور هيكل باشا على الشيخ محمد عبده و غيره أنهم لم يسلكوها، يلزم أن تكون الطريقه العلميه التى فضلها الأستاذ فريد وجدى بك فيما نقلناه سابقا من كلامه، على الطريقه المنطقيه: فيفهم أن الشيخ و أصحابه أغفلوا هذه الطريقه التى يسميها المصريون الطريقه العلميه، و سلكوا الطريقه المنطقيه فاعتبر هذا ذنبا عليهم! فانظروا اى مبلغ بلغت عقلية الكتاب المصريين العصريين؟ فيحتاج المنطق نفسه فى نظرهم الى الدفاع عنه، قبل الدفاع عن الدين، و يظهر ان ذنب الشيخ محمد عبده الحقيقى و من معه عدم دفاعهم أولا عن حقوق المنطق إذاء الخصوم الغربيين المتمسكين بالعلم من غير خضوع للمنطق، و إزاء مقلديهم من المسلمين الذين ينصرفون عن المنطق عندما رأوا الغرب ينصرف عنه.
فالشيخ محمد عبده لم يقدر موقفه فى الدفاع عن الإسلام مع موقف خصومه الذين يناقشهم و السامعين الملتحقين بالخصوم ، حق قدرها. فهو أى الشيخ اضر به الذين نص الدكتور هيكل باشا على عدم نجاحهم فى دفاعهم عن الإسلام لعدم سلوكهم الطريقه العلميه،اما لم يفطنوا لكون خصوم الإسلام ، بل خصوم الأديان جميعا الناجمين فى الغرب و المتشبثين بأذيالهم من الشرقيين، يصوبون حملاتهم على الاسس العلميه التى يستند إليها العلماء المدافعون عن الدين، فلا يقيمون الادله العقليه المنطقيه التى هى افضل ما عند العلماء
________141___________
وأقصى مايرغبون فيه، وزنا ولا يعتبرون الأدلة العقلية أدلة علمية ، ويسمون المنطق الذى نعتبره رمزا لقوة الدليل وقطيعته ، منطقا تجريديا أو صوريا ، وإنما الدليل العلمى عندهم مايكون مستندا إلى الحس والتجربة ، والمنطق الموثوق به فى نظرهم هو المنطق الاستقرائى ، فكأن المنطق الاستقرائى يناوئ المنطق التجريدى ويزاحمه ، وكأنما الجديد منهما نسخ القديم وقضى على قيمته العلمية . على أنا لانرى فى أقوال المدعين المصريين مسحة من المنطق قديمه وحديثه .
فالشيخ محمد عبده ومن معه إما لم يفطنوا لِمحَال الضعف فى دفاعهم عن الدين عند الخصوم . أو فطنوا لها ولم يقدروا على مجابة الخصوم بإثبات القوة لما يستضعفونه وتبين الخطأ فيما يدعونه ويتمسكون به من الانقلاب فى نظام الاستدلال ، كما نفعله نحن إن شاء الله . فقد تولينا مستعينا بتوفيقه احياء ماحاول الدكتور هيكل باشاو الأستاذ فريد وجدى بك ومن على عقليتهما من إمانة العلم القديم المبنى على الأدلة العقلية المنطقية والذى اعتمد عليه علماء الإسلام المتكلمون قرونا طويلة فى إثبات الدين المبنى على أساسه على وجود رب العالمين، وحرسوا المسلمين طوال تلك القرون من الوقوع فى هاوية الإلحاد السائد اليوم بين المتعلمين العصريين القاصريين اعتمادهم على العلم الحديث المبنى على شهادة الحس والتجربة والحائرين فى وجود كل مالا يدخل فى متناول الحواس والتجارب كوجود الله ، مع العلم الحائر فيه الذى قال عنه الدكتور هيكل باشا "لايثبت ولا ينفى " فإن قالوا بوجود الله كان قولا غير علمى .
فنحن نخرق هذه العقلية المظلمة فى هذا الكتاب إن شاء الله ، وندافع عن حقوق العلم القديم المستند إلى العقل والمنطق أمام العلم الحديث المباهى باستناده إلى الحس والتجربة .ولعل الشيخ محمد عبده لم يقم بهذا الواجب لعدم كونه تام الإيمان بالعلم القديم كما يدل على إنكاره لبطلان التسلسل بتهور لا مثيل له ، مع أن إبطال التسلسل له موقف خطير فى مسألة إثبات وجود الله ، وسيجئ بحثه .
-----142-----
والمقصود هنا التنبيه على موقف الشيخ محمد عبده الأستاذ الإمام لمصر الحديثة ، موقفه العجيب المرتبك ارتباكا شديداًً يصيب رأس الناقد البصير منه الدوار: يدافع عن الإسلام طائفة من العلماء ، يقول معالى هيكل باشا اسم الشيخ محمد عبده أنصع الأسماء بهذا الصدد، ثم يقول ماخلاصته أنهم لم ينجحوا فى دفاعهم لعدم سلوكهم الطريقة العلمية وأنهم والشيخ محمد عبده فى مقدمتهم قد اتًُُهموا بالإلحاد والكفر والزندقة ، فأضعف ذلك من حجتهم أمام حضور الإسلام .
ويدافع الشيخ أيضاً عن الإسلام عند ما جرت مناظرة بينه وبين منشئ مجلة "الجامعة" الأستاذ فرح فيقول فيها الشيخ إن الإسلام دين العقل ، ويدعى خصمه أن جميع الأديان لا تتفق مع العقل والعلم فينفق ادعاؤه فى سوق الثقافة العصرية بمصر وينتشر الإلحاد والاجتهاد فى تهيئة الأذهان لقبوله إن لم ي كن جهاراً فدسٌُُُُا فى المقالات المنشورة فى الصحف كما سنذكره فى أحد الأرقام الآتية نقلا عن الأستاذ فريد وجدى بك ومعزواً إلى نوابغ الشرق الإسلامى المستبطنين لللإلحاد ، تيقناً منهم بأنه مصير أخوانهم كافة متى وصلوا إلى درجتهم العلمية ... ينفق رأى الأستاذ خصم الشيخ فى سوق الثقافة ولا يُسمَع قول الشيخ بأن الإسلام دين العقل ، بل الشيخ نفسه يخالف العقل فينكر بطلان التسلسل ، مع أن وجود الله الذى هو رأس الدين يتوقف إثباته بدليله العقلى على إبطال التسلسل كما سنذكره فى محله من هذا الكتاب . فإن كان العقل يقبل التسلسل ولا يقبل بطلانَه كما هو رأى الشيخ فلا يقبل العقل وجود الله لتوقف إثباته على إبطال التسلسل الذى لا يمكن إبطاله ، وجود الله . ثم إن الشيخ الذى قال معالى هيكل باشا إنه متهم بالإلحاد والكفر والذى لا يأتلف عقله مع العقل الدينى المبطل للتسلسل ، لا يعترف بكثير من المغيبات عن الحواس كالملائكة والشيطان والمعجزات التى نصت الكتب المقدسة على أنها ظهرت للناس فى عهد الأنبياء ولكنها
ــــــــــــــــــــ143ــــــــــــــــــ
لايظهر مثلها للناس فى هذا الزمان . فكأنه أى الشيخ يتفق مع خصمه فى المناظرة ويخالف نصوص الكتب المقدسة ويكون له إصبع فى سفور المسلمات ، وهو القائل بأن وجود شئ فى القرآن لا يقتضى صحته ، كما نقلوا عنه هذا القول عند حدوث فتنة القصص الفنى فى القرآن بمصر ، وسنوفى بحثها فى أحد الأرقام الآتية .
فما هى حقيقة موقف الشيخ من الدين الذى يدافع عنه ثم لا يقبل كثيراً من نصوصه ، ويخرج على صراحة الكتاب فى احتجاب النساء ،ويكون دفاعه عن الدين غير ناجح لعدم سلوكه الطريقة العلمية قديمها وحديثها ؟ أما حديثها فهو مراد هيكل باشا فى قوله بأن الشيخ وزملاءه من العلماء المدافعين عن الإسلام لم يملكوا الطريقة العلمية ، وأما قديمها فقد علمت وستعلم أنه يجيز التسلسل فى العلل ويرى ماقيل أو يقال فى إبطاله للتوصل إلى إثبات وجود الله ، أوهاما وخيالات كاذبة . وينحرف فى تعريف النبى والرسول عن طريق العلماء المتكلمين فيأتى بتعريف غير معروف ينطبق على العظماء النمصلحين من الناس غير الأنبياء والمرسلين الحقيقين . ويأتى تفصيل هذا البحث أيضا .
فما هى إذن حقيقة موقف الشيخ من الدين ؟ هل هو صديقه الساهر أو عدوه الماكر ؟ وماذا سر إصرار الأقلام العصرية على إكباره وإعلاء منزلته بين العلماء مع عجزه عن إثبات وجود الله وإثبات وحدانيته، رغم تبجحه تبجحه بأنه المثبت الوحيد ، وتمرده على كثير من نصوص الدين وعدم نجاحه عند دفاعه عنه إلى حد اتباع المثقفين رأى خصمه فى النقاش والمناظرة ؟ فهل هو يناقش ويناضل أعداء الدين ليغلبوه ويكون هو من الخاسرين مع الدين ؟أجل ، إنه فاز فى إحدى محارباته فقط وهى محاربته لشيوخ الأزهر القدماء فأسقطهم من عيون الناس (1) وفوزه هذا أيضاً جدير بأن يعد من غلبات خصمه
-------هامش ص 143-----
(1) كنت أردت عند قولى عن محيط الفاتح باستانبول فى كلمة خاطبت بها روح والدى وكتبتها فى أول الكتاب :" انه كان أفضل من الأزهر الحاضر " ... أن أضع هامشا لذاك=
انتهى الهامش
ــــــــــــــــــــــــــ144ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأستاذ فرح أنطون على الشيخ ، حيث عاب الإسلام بعدم فصل الدين عن السياسة الذى أدى إلى تقدم الغربين وعدمُه فى الإسلام إلى تأخر المسلمين . وكان جواب الشيخ عليه عبارة عن حمل تبعة هذا النقص فى الإسلام على علماء الدين الذين يتهمون بالجمود ، ويعنى بهذا الحمل والاتهام انه من انصار فصل الدين عن السياسة إدخاله تحت حماية السياسة ورحمتها كما سنفصله فى محله من الكتاب . فالشيخ يغلب علماء الأزهر والأستاذ فرح أنطوان يغلب الشيخ ، فلعله وصديقه أو شيخه جمال الدين أرادا أن يلعبا فى الإسلام دور لوثر وكليفن زعيمى البروتستانت فى المسيحية فلم يتسن لهما الأمر لتأسيس دين حديث للمسلمين ، وإنما اقتصر تأثيره سميهما على مساعدة الإلحاد المقنع بالنهوض والتجديد .وكان مؤسسو البروتستانت لم يريدوا هدم المسيحية ، وإنما أرادوا هدم اللاعبين الأولين بها ، وقد أعانهم كون المنابع الأصلية للدين المسيحى لم يٌحتفظ بها سليمة كما احتفظ بها فى الإسلام ، فأراد المتزعمان للتجديد فيه أن يضعا أئمة الفقه المجتهدين مثل الإمام أبى حنيفة واخوانه فى درجة الاجتهاد رضى الله عنهم وحاشاهم موضع الاعبين الأولين فى الإسلام وتشجعا لفتح الباب إلى هدم ما قاموا به (1) كما
-----------هامش ص 144---------
= القول الخاص بما قبل عهد الكماليين ثم رأيت إرجاءوه وكان نص الهامش هكذا يدل: على رجحان استانبول بعلماء دينها الراسخين فى مبادئهم العلمية أمران : الأول أن الشيخ جمال الدين الأفغانى لم يستطع أن يسحرهم برسالته التى أنجحها فى مصر فخرج من بين علمائها من يشد ازره ويشترك فى أمره ثم يلعب دورا هاما فى هدم الأزهر بزحزحته عن نهجه القديم القويم . والأمر الثانى :ان وباء الماسونية لم يجد بيئة صالحة للانتشار بين رجال الدين فى الاستانة كما وجدها بين أقطاب الأزهر . وهذا على الرغم من مصر كان فى الماضى البعيد مركزا كبيرا للعلوم الإسلامية قبل دخول الإسلام فى استانبول .
(1) وفى تصريح رجلين من تلامذة محمد عبده ومن أقطاب الأزهر الأستاذ الأكبر المراغى بمناسبة مناقشة الرسائل التى قدمها لأول مرة المتخرجون من كلية الشريعة لنيل شهادة =
انتهى الهامش
ــــــــــــــــــــــــــ ص 145ـــــــــــــــــــــــ
هدم لوثر ومساعده الكثلكة والأرثوذوكس فأسسا البروتستانت ولكن خان القياس للشيخين أى ّ خيانة ، فأبان ما فى محاولّتهما من الجناية .
نعود إلى أسباب سيادة الزيغ فى عقليات المتعلمين : ومن ناحية أخرى فإن كون كتب الفلسفة المهمة المؤلفة فى الشرق والغرب غير مهلة الدرس والمطالعة وكون الاهتمام بتدقيق المسائل وقتلها بحثاً ، غير معتاد بين الأوساط العلمية بمصر سبَبا شيوعَ الإلحاد فيها .
وقد كان لإهراع أبناء أعيان البلاد وبناتهم إلى الغرب وكل من استطاع إليه سبيلا من الناشئين ليرووا غلَهم من مناهله ، من غير اكتراث بالمحافظة على كيانهم الإسلامى ، أثرٌ أيضا ً فى تكوين الجو الا دينى بمصر ، لكن فكرة الإلحاد ماراجت فى الغرب رواجها اليوم فى مصر وأن دور رواجها فى الغرب عقبَََ الثورة الفرنسية وبلغ غايته فى القرن الثامن عشر (1) ثم لم يلبث أن ثابت العقول إلى رشدها وخمدت سورة الماديين المنكريين للإله الخالق ، وإن كانت مصر الحديثة المخيرة تزعم كتركيا الحديثة المسيََرة أن الغرب باق على عهده الذى س اد فيه اعتقاد أن الكون بجميع أجزائه تابع لقوانينه الطبيعية التى لا يمكن تغييرها ، ومانرى فيه من النظام فمصادفة
--------- هامش ص 145 --------
=الأستاذية فى الشريعة،والأستاذ عبد المجيد سليم المفتى الأكبر سابقا،بمناسبة كونه وكيل لجنة التقريب بين المذاهب لاحقا .. فى تصريح الأول بعدم عد علم الفقه من الدين- وسيجىء تفصيله فى الباب الرابع من هذا الكتاب –وتصريح الثانى بأن مذاهب الأئمة المجتهدين مبنية على السياسة ، تأييد ظاهر لما قلنا.
(1) ومع هذا فلم يؤلف فى أى قرن ماألف فى ذلك من الكتب الكثيرة فى إثبات وجود اللّه على ما ذكره الفيلسوف الفرنسى (بول ثرانه)مؤلف(المطالب والمذاهب) فى تاريخ الفلسفة، حتى قال انه أجدر بأن يسمى عصر العقلية الإلهية(ده تيزم)من أن يسمى عصر الإلحاد(آته تيزم).
(10-موقف العقل-أول)
انتهى الهامش
ــــــــــ ص 146 ــــــــــــــ
مجردة عن تدبير مدبر وإرادة مريد . فلا إله ولا فعل فى الكون ولا نبوة ولا نعجزة ولا الحياة الأخرى بعد الموت بل ولا الحياة الدنيا ولا الروح ، والإنسان آلة ميكانيكية وجسم متحرك من غير إرادة لا فرق بينه وبين الأجسام المتحركة (1) وقد كان أحد
---------- هامش 146-----------------
(1) قال المادى المعروف "بوخنر " فى خلاصة الفصل الثالث والعشرين من كتابه " الطاقة والقوة ": " حتى ان المتفكر المشهور "شوبنهاور " لم يتخلص - تحت تأثيره أفكاره الفلسفية الباطلة – من فكرة القوة الحيوية وعد المعترض عليها من الحمقى " ثم قال "بوخنر " :" وهى يعنى فكرة القوةالحيوية - كما قال "ويرشو" ليست بخطأ فقط بل فكرة باطلة كالشيطان والاكسير ".
ثم قال "بوخنر " : "إن الحياة غير تابعة لأى قانون استثنائى وإنما هى محصلة الفعل المشترك للقوى الطبيعية والكيميائية أو مثال آخر للحركات الميكانيكية وهيأة مجموعة لها مختلطة معقدة - بحد غير معلوم – يقتضى إيضاحها بقوانين الطبيعة العادية المعلومة . ومن لم يفهم الحياة إلا بفرض قوة حيوية فقد استدل بصورة غير معقولة كما حاول إيضاح حركة ساعة بقوة خصوصية للساعة بدل من إيضاحها ببنيتها الميكانيكية . فكما أن حركة الساعة محصلة الحركات المرتبة المنتظمة للمواد اللازمة المنتظمة والقوى المتصادقة بعضها مع بعض ، فكذلك الحياة ليست بقوة بل محصلة حركات أو حركة لأقسام مجتمعة معينة".
ثم قال : " والحادثات الطبيعية فى داخل الجسم ذى الحياة تقع مثل الحادثات الكميائية . وحركة الدم ميكانيكية خالصة والجهاز الذى يحصلها مشابه من كل وجه للماكينة المصنوعة بي الإنسان " ثم قال :" إلا أنه يجب أن يعترف بأن جميع الحادثات الواقعة فى العضو ذى الحياة إن لم يوضح بالقوانين الطبيعية الكميائية وصودف المعمى فى المعمى فليس ذلك بناشئ من طبيعة الأشياء بل من نقصان علومنا ، وذلك النقصان يقل كل يوم برقى العلوم . وهذا بظل يجعلنا قادرين على إرجاع الحادثات الحيوية يوما عن يوم إلى القوانيين الطبيعية ".
أقول وهذا تسويف لا ينقضى أمده . وكان اللائق بصاحب العلم الواقعى أن يقتدر حالا على إرجاع الحياة إلى القوانين الطبيعية والكيميائية ، بل على إيجاد ذى الحياة توفيقا لتلك القوانين ، ثم يقول نحن قادرون ... ونحن نجتزىء بنقل أقوال "بوخنر" الدالة على حماقته كما نقل هو نفسه عن "شوبنهاور" وإنما نعلق كلمة قصيرة عن قوله :" فالجهاز الذى يحصل القوى الحيوية يشابه من كل وجه للماكينة المصنوعة بيد الإنسان " فنقول : ومن هو صانع هذا الجهاز ؟ فهل هو إنسان أيضا ؟. وكلمة على قوله :" إن حركة الساعة محصلة الحركات المرتبة المنتظمة للمواد الازمة والقوة =
انتهى هامش ص 146
ــــــــــــــص 147ـــــــــــــــــــــ
الغربيين المضلين ألف فى عصر الإلحاد كتابا ً سماه " هوم ماشين " يعنى الإنسان الذى هو ماكينة . فراج فى سوق الضلالة . ومع ذلك كله كان العالم الشهير "مونتسكيو" رد فى ذلك الحين على هؤلاء الملحدين قائلا :" ما أبعد أن تكون قدرة عمياء خلقت ذوى العقول !" ورد كثيرون آخرون لا سيما فى العصر الأخير ومنهم الحكيم المشهور "جوستاف لوبون" وإن لم يكن من الحكماء الإلهيين ، حيث قال فى كتابه "الأفكار والعقائد ": "العلم الذى أفلت من يوم إلى يوم من العقيدة فهو خليط بها وتابع لها فى جميع الأمور التى لم يعرفها الإنسان حق المعرفة كأسرار الحياة (1) ومنشأ الأنواع والنظريات المتبعة فيها لا قيمة لها غير سمعة الاساتذة الذين قرروا نظرياتهم فى شكل الدساتير ".
وهناك غلطة فظيعة وجعجعة مثارة حول الذين يسموَََََّالإثبانيين . ويبتدى الغلط من تسميتهم أصحاب الفلسفة المثبتة بادعاء أنهم يبنون العلم على ما ثبت من طريق الحواس والتجربة فينكرون كل ما ثبت من غير طريقها ويخرجونه من دائرة العلم . وهم الذين كانوا عامليين فى زيغ فرنسا إلى الحكومة اللادينية "لائيك" وزيغ الشرقين الذين اتخذوا فرنسا قدوة لهم (3) فهم أعنى الإثبانيين مع حلفائهم الماديين أصبحوا أئمة
----------- هامش 147-------------
= المتصادقة بعضها مع بعض ." فنقول إن كان هناك ترتيب وانتظام فلا تصادف ، ثم من المرتي والناظم ؟ وإن كان تصادف فلا ترتيب ! وهل سمعتم ساعة مصنوعة بالمصادفة؟
هذا ، والمقصود هنا بيان أن الملاحدة ينفون الحياة والروح ويتحملون تبعة إنكار البديهيات لحاجة فى نفوسهم قضوها على زعمهم ، وهى عدم اللجوء إلى الاعتراف بوجود الله خالق الحياة والروح .
(1) تعريض لإنكار غلاة المادين القوة الحيوية والروح كما نقلنا قريبا عن "بوخنر".
(2) تعريض لمذهب "دارون " النافق عند مثقفى مصر وسائر بلاد العرب لحد أن من علماء الدين من تأهب لتأويل آيات القرآن التى لا تأتلف وهذا هو المذهب إزاء كل احتمال .
(3) الفلسفة الإثباتية أو الفلسفة المثبتة يسميها أصحاب الثقافة العصرية بمصر : الفلسفة =
انتهى الهامش
ـــــــــــــــــــــ 148ــــــــــــــــــــــ
الكفر يأثم من سفه نفسه وكفر بدينه من مثقفة الشرق أنصاف العلماء ، وقد قال "باكون" إمام المذهب التجربى مامعناه :"إن قليل العلم يبعد صاحبه عن الله وكثيره يرجعه إليه ".
----------- هامش 148--------
= الوضعية ، والتسمية الأولى للمثقفين الترك وهى أحسن ،وإن كان بوزيثيويزم الذى هو الاسم الأصلى الفرنسى لتلك الفلسفة تحتمل كلتا الترجمتين .لأن الترجمة التركية تتضمن معنى مادحا لتلك الفلسفة وتكون أوفق بمقصود صاحبها الفرنسى الذى أسسها وسماها بذلك ، فى حين أن الفلسفة الوضعية لا تتضمن معنى خصوصيا تمتاز به هذه الفلسفة ويوفى زعم صاحبها ، إذ لا بد أن يكون كل مذهب فلسفى وضعيا أى موضوع شخص أو طائفة من الفلاسفة .
وهذه الفلسفة الإثباتية –أو الوضعية على التعبير المصرى – لم تخل أقوال الدكتور هيكل باشا والأستاذ فريد وجدى بك المنقولة فى كتابنا هذا ، عن التنويه بها حتى ان الأستاذ فريد قال فى الجزء الثالث من المجلد السادس عشر من مجلة الأزهر ص 99 عنها :"انها أدق وأصدق من جميع الفلسفات العصرية فى أصولها الأولية "!..
جاءت مدرسة الفلسفة الإثباتية فادعت للروح الإنسانية حالات وأطوارا ثلاثا ! الحالة الإلهية والحالة وراء الطبيعة والحالة أو العلمية . فالحالتان الأوليان عرضيتان زائدتان والحالة الأخيرة هى الحالة الكمالية والحالة الجدية (مقابل "العرضية " ) فالإنسان فى حالته هذه يترك مسائل المبدأ والمعاد ويتفرغ لمشاهدة الحادثات وما بينها من النسب الثابتة . فيجب على رأى "اوجوست كونت" مؤسس هذه الفلسفة أن ينحى الدين والصيغة الدينية عن العلم . وقد أطاع هذا القانون مؤلفو الشرق العصريون حيث أخلوا مطالع كتبهم عن التبرك باسم الله وبحمده.
ومع ذلك مالبث زعيم الإثبانيين أن وضع دينا جديداً تثليثيا قال :"أقسامه الموجود الأعظم وهو الإنسان ، والوثن الأعظم وهو الأرض ، والمحيط الأعظم وهو الفضاء المحيط بالأرض .فالوثن الأعظم ضحى بنفسه فعرضها للتقلب والمذلة ليكون منشأ للموجود الأعظم ، فنحن مدينون له بالعبادة شكراً لكن ممثل الكمال الأعلى هو الإنسان فهو الحقيقى لأن يتخذ معبوداً ، بل الإنسان أفضل من الله وأجدر بالعبادة لكونه مستفيدا من محبّتنا ومحتاجا إلى خدمتنا ، ولأنه لا يحثنا بوعد المكافأة عن الملاحظات الكسبية ، ولا سيما المرأة فى الجدارة بالعبادة لكونها محلا لتحقيق أمانى الصداقة والعشق وهى رمز البشرية ، فالأم تمثل الماضى والمرأة تمثل – يعنى الزوجة – تمثل الحال والبنت تمثل الاستقبال ." وفى هذا الدين 84 عيداً فى السنة للاحتفال بالمرأة و9 مراسم التقديس .
وهذا الدين اشتهر بدين الأشراف . وعندى أن الأنسب تسميته بدين العشاق والفساق .قال
انتهى الهامش
ـــــــــــــــــــــــ ص 149ــــــــــــــــ
وكلمة " باكون " هذه ربما يستشهد بها غيرى على الموضوع نفسه ، وفعلا أعرف الأستاذ فريد وجدى بك استشهد بها فى بعض أعداد " مجلة الأزهر " كما أنه يستشهد فى كل عدد من أعداد تلك المجلة بكلمات فلاسفة آخرين غريبين يؤمنون بالله ، ولكن شواهده لا تؤثر فى تصحيح عقلية المستشهد المربوطة بالعلم الحديث ، يله عقليات قارئيه المنصرفين عن الدين لأنه لا يزال يعتقد عدم إمكان المعجزات والخوارق المخالفة لقوانين
----------هامش ص 148-------
="بول ثرائه " :"إن (اوجوست كونت ) سواء كان الدين الذى وضعه جافا أو فلسفيا قليلا فهو حسبه ناقضا نقضا تاما لقانون الحالات الثلاث الذى اتخذه أساسا لدينه وفلسفته والذى اعتبر الانكشافات الدينية فى الإنسان الحالة الأولى الأبتدائية ".
وفى التزامه التثليث دليل على أن فلاسفة الغرب حتى ملاحدتهم لا يزالون يحومون حول النصرانية وللفيلسوف "اسبنسر "أيضا حملات على هذا الدين كما أن "لها كملهى" رداً على نظرية الحالات الثلا ث . ولما التحق العلامة "باستور " بالأكاديمية الفرنسية وألقى خطبته التى تتضمن الثناء على سلفه " ليتره " – كما هو المعتاد – وكان أكبر تلامذة "أوجوست كونت " نبه على الخلاف بينه وبين سلفه فى الأفكار الفلسفية فعاب على مذهب الفلاسفة المثبتة عدم مراعاته لمعلومة اللا متناهى التى هى أهم المعلومات المثبتة ، وأراد بمعلومة اللامتناهى معلومة وجود الله . ثم أن تعليل رجحان الإنسان على الله عند الإثبانيين فى استحقاق العبادة ، باستفادته من محبتنا واحتياجه إلى خدمتنا ، غاية فى السخافاة .
بقى أن صديقى العالم الكبير مترجم كتاب "بول ثرانه" "المطالب والمذاهب " إلى اللغة التركية ذكر بمناسبة الدين الذى وضعه "اوجوست كونت " أموراً تلفت النظر ، منها أن اعتراض العصريين على ممنوعية التصوير فى الإسلام بدعوى أنه لا احتمال لللإنسان من بعد فى الرجوع إلى عصر عبادة الأوثان ، ينتقض باتخاذ المرأة معبودة فى دين الإثبانيين الموضوع فى عصر الرقى الغربى .
ومنها أن العاقل إذا نظر فى الدين الذى وضعه فيلسوف كبير فرنسى وقارن بينه وبين الدين الذى أتى به من عند الله نبى أمى قبل ثلاثة عشر قرنا يندهش من الفرق الباهر بين الدين الحقيقى المنزل من عند الله وبين الدين الصناعى ولو كان مصنوعا فى عصر العلوم .
ومنها أن كتب تاريخ الأديان التى ألفها علماء ا لغرب يعتبرون الوثنية " فتيشيزم" أصلا والتوحيد تطورا وتكاملا لها ، لكن دين الإثبانيين " بوزيتويزم" يرى عكس ذلك ويثبت أن الوثنية تحدث بازدياد الشهوات بعد أن كان الأصل هو التوحيد .
انتهى الهامش
ــــــــــــــــ ص 150ــــــــــــــــــــــ
العلم الطبيعى ، ولهذا يصعب عليه تصوير مسألة النبوة فيذهب لتقريبها من العقول مذاهب بعيدة ، وخصيصا ً يعتقد الدستور العلمى القائل "كل معقول لا يؤيده محسوس فلا يعتد به " حقا ! . فكيف يعترف إذن بوجود الله قبل أن رآه بعينه ؟ كما قاله الأستاذ فرح أنطون منشئ مجلة "الجامعة" فى مناظرته الشيخ محمد عبده ، وعلى الأقل كيف يعترف به علميا ً ؟ والعلم حائر فيه لا يثبته ولا ينفيه لعدم قابليته لأن يكون موضوع التجربة . وكيف يجمع بين ذلك الدستور ا لعلمى وبين هذا الاعتراف ؟
لكنى عندما أستشهد بقول " باكون" لا أفعله جريا ً على عادة الاستشهاد بأقوال علماء الغرب ، كما أتى قبل الاطلاع على قوله أعرف بعقلى الذى أعطانيه الله أنه لا يصح قولهم :"كل معقول لايؤيده محسوس لا يعتد به " على إطلاقه ولا يمكنه أن يصح . وعندما أستشهد بقول "باكون" أقف عليه وأستوقف القارئ فأقول : هذا إمام العلم التجربى كيف يقول هذا القول الناص ٌ على اعترافه بوجود الله لو صح أن العلم لا يعترف به ؟ حتى أنه يبنى اعترافه على اعتراف العلم ، انظر قوله فى شطره الثانى :"كثير العلم يوصل صاحبه إلى الله !" مع أن أستذتنا العصريين غن تفضلوا فقادونا إلى الإيمان بالله قادونا مهربين عن العلم حذرين ، فما قولك فيهم ؟ ألا ينطبق عليهم الشطر الأول من كلا م " باكون" أعنى أليس هذا من نقصان العلم ؟
ولى تعليقة أو بالأصح وقفة على قول "باستور" العظيم أيضا الذى استشهدت به فى الهامش السابق ، تأتى فى محلها من الكتاب إن شاء الله تعالى . وهذا الأستاذ فرح أنطون مناظر الشيخ محمد عبده على الرغم من تصريحه بأنه مسيحى صميم ، يظهر من قوله المار النقل أنه من الذين يؤمنون بالعلم ويزعمون أن الإيمان بالعلم يجافى الإيمان بالله ورسله ، وبالاختصار من الذين يبيعون بضائع الغرب القديمة الفاسدة بأثمان باهظة فى الشرق .
- 151-
4
وان أردت زيادة الوقوف على مبلغ اعتلال العقلية في أساتذتنا العصريين واختلالها وابتعادها عن الحق إزاء الدين والعلم وعلماء الدين، فانظر قول معالي باشا في مقدمة كتابه" حياة محمد " وقد كنا نقلنا رأيه في دفاع الشيخ محمد عبده وغيره من العلماء عن الإسلام وهو انه ما كان دفاعا دافعا نافعا لعدم سلوكهم الطريقة العلمية ولأنهم اتهموا بالكفر والإلحاد والزندقة فأضعف ذلك من حجتهم أمام خصوم الإسلام ، ونقلنا قوله أيضا بعده: (( ولقد كان اتهامهم هذا عميق الأثر في نفوس شباب المسلمين المتعلمين...........)) ثم قال:
((شعر هؤلاء الشبان بأن الزندقة تقابل حكم العقل ونظام المنطق في نظر جماعه من علماء المسلمين ، وأن الإلحاد عندهم قرين الاجتهاد كما أن الإيمان قرين الجمود .لذلك جزعت نفوسهم وانصرفوا يقرأون كتب الغرب يلتمسون فيها الحقيقة اقتناعا منهم بأنهم لن يجدوها في كتب المسلمين ،وهم لم يفكروا في كتب المسيحية والتاريخ المسيحي بطبيعة الحال، إنما فزعوا إلى كتب الفلسفة يلتمسون في أسلوبها العلمي ري ما في نفوسهم من ظمأ محرق للحق ،وفي منطقها ضياء للجذوة المقدسة الكمينة في النفس الإنسانية ووسيلة للاتصال بالكون وحقيقته العليا. وهم واجدون في كتب الغرب سواء منها كتب الفلسفة وكتب الأدب الفلسفي وكتب الأدب نفسه الشئ الكثير مما يغري الإنسان بالأخذ به لروعة أسلوبها وقوة منطقها وما يظهر فيها من صدق القصد وخالص التوجه إلى المعرفة ابتغاء الحق ، لذلك انصرفت نفوسهم عن التفكير في الأديان كلها وفي الرسالة الإسلامية وصاحبها ، حرصا منهم على أن لا تثور بينهم وبين الجمود حرب لا ثقة لهم بالانتصار فيها ،ولأنهم لم يدركوا ضرورة الاتصال الروحي بين الإنسان وعوالم الكون اتصالا يرتفع به الإنسان إلى أرقى مراتب الكمال وتتضاعف به قوته المعنوية.
(( انصرف هؤلاء الشبان عن التفكير في الأديان كلها وفي الرسالة الإسلامية
-152-
وصاحبها ،وزادهم انصرافا ما رأوا العلم الواقعي والفلسفة الواقعية" الوضعية" يقررانه من أن المسائل الدينية لا تخضع للمنطق ولا تدخل في حيز التفكير العلمي وأن ما يتصل بها من صور التفكير التجريدي ليس هو أيضا من الطريقة العلمية في شئ . ثم إنهم رأوا الفصل بين الكنيسة والدولة واضحا صريحا في البلاد الغربية ورأوا البلاد التي تقرر دساتيره أن ملكها هو حامي البروتستنية أو الكثلكة أو تقرر أن دين الدولة الرسمي المسيحية ، لا نقصد من ذلك إلى أكثر من مظاهر الأعياد والمراسم وما يتصل به من فلسفه وأدب وفن بأوفر نصيب .))
فأنت ترى معاليه ينتقد كلا الفريقين من العلماء الجامدين والذين ذابوا في بوتقة التجديد حتى اتهموا بالكفر والزندقة والإلحاد ، وكان انتقاده العلماء الجامدين اشد من انتقاده العلماء المتهمين بالزندقة والإلحاد ، بل ومن انتقاده للشبان المتعلمين المنصرفين عن الدين الذين بينما يأسف لحالهم إذ به يسرد أعذارا عنهم ويروجها من عنده ثم يحمل أوزارهم - ا ن كان لهم ذلك - على العلماء الجامدين المتهمين للعلماء المجددين ، متهما أولئك المتهمين بأنهم اعتبروا حكم العقل ونظام المنطق ، ونبذوا الإيمان مع الجمود .
ولم يكن معاليه منصفا في اتهام العلماء بمساواة حكم العقل ونظام المنطق ، لأني لا أعرف عالما من علماء الدين بعد تأسس علم الكلام في الإسلام يستهين بالعقل والمنطق ، بل الأساتذة العصريون أنفسهم هم الذين يستهينون بهما ولا يعدون طريقتهما طريقه علمية . ومعاليه نفسه عندما عاب على الشيخ محمد عبده وزملائه المدافعين عن الإسلام بأنهم لم يسلكوا في دفاعهم الطريقة العلمية ، إنما عاب عليهم سلوكهم الطريقة القديمة المنطقية التي حكم اولا بأن علماء الإسلام أفنوا فيها قرونا طويله، كما أن الأستاذ فريد وجدي تمدح بأنه سلك الطريقة المنطقية . أما حكم العقل فعلماؤنا يتمسكون في إثبات وجود الله بالدليل العقلي والأساتذة العصريون لا يعدون الدليل
-153-
العقلي دليلا علميا! وسيراني القارئ كيف أعني في هذا الكتاب بالدفاع عن كرامة العقل إزاء المستخفين بها .
ولم يكتف معاليه باتهام العلماء الجامدين في انصراف الشباب المتعلمين عن الدين ، بل اتهم الدين نفسه أيضا حيث عاب المسائل الدينية بعدم خضوعها للمنطق ، وقد كان فيما نقلنا عنه عاب المنطق التجريدي الذي أفنى فيه المسلمون قرونا طويلة. فالمسائل الدينية إذن معيبة مطلقا خضعت للمنطق أو لم تخضع ، حتى إنها إن خضعت للمنطق يكون المنطق نفسه معيبا معها ، فيلزم لأن ينال المنطق تقدير المنصرفين عن الدين والذين يعذرونهم ، أن يكون منطقا خاصا بالعلم الذي انصرفوا إليه لما انصرفوا عن الدين. لكن المنطق الذي هو ميزان العلوم لا يختص بعلم ويكون تجريديا بطابعه الأصلي .. ولذا قال الفيلسوف (( كانت )) منتقدا لمذهب الإحساسية : (( إن المنطق مستند إلى القوانين العقلية المحضة وإن الخواص التي هي موضوع الرياضيات وما يتبعها من القواين ليست بموجودة في الطبيعة وإنما هي موجودة في العقل ،فالحادثات الطبيعية تحل بهذه القوانين)).
وهذا المنطق الذي يجله معاليه تارة ويحتقره تارة أخرى محترم مطلقا إذا كان منطق الغربيين فهو يمدح كتبهم بدقة المنطق ،ويزيد فيقول : (( يلتمس الشبان المتعلمون في منطقها ضياء للجذوة المقدسة الكمينة في النفس الإنسانية )) وأنا أقول فهل لذلك كان انصرافهم عن الدين غير الخاضع للمنطق ؟
وكان أبشع أقوال الدكتور هيكل باشا وأمسها بكرامة مؤلفي الإسلام وكتبهم وصفه لمؤلفي الغرب بصدق القصد وخالص التوجه إلى المعرفة ابتغاء الحق ، مما لم يجده الشبان المتعلمون أو بالأصح لم يجده عاذرهم الدكتور هيكل باشا حتى في كتب أئمة الإسلام الأقدمين من المحدثين والمجتهدين (1) ولذلك أسقط في مقدمة كتاب (( حياة
بداية الهامش
[ 1 ] وأنا لا أنكر أن في الغرب وكتبه العلمية والفلسفية والأدبية ما تحتاج الى الآخذ منه =
نهاية الهامش
-154-
محمد ( الطبعة الثانية) جميع ما في كتب الحديث فضلا عن السيرة ، مثل صحيح البخاري ومسلم وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وموطأ مالك ومسند أحمد وغيرها من أحاديث معجزات نبينا صل الله عليه وسلم ، من حيز الاعتداد والاعتماد (1) حتى إن هذه المقارنة
بداية الهامش
= والاعتبار به ، وليت علماء مصر تعلموا من علماء الغرب ان لم يتعلموا من علمائنا الماضين، السعي البالغ لتدقيق المسائل العلمية من غير ملل ، وتقويم الآراء والأفكار بقيمتها الذاتية لا بمراكز أصحابها الرسمية ولا بسمعتهم المموهة ، وليتهم تعلموا الشجاعة والجهاد والتضحية في نصرة لحق وإزهاق الباطل وعدم السكوت عليه ، بعد استعمال البصيرة والتثبت في تمييز الحق من الباطل .. وخصيصا لا أنكر ما يحتاج إليه كتاب مصر وأدباؤها وشعراؤها من تعلم هذه الخصلة الشريفة خصلة الجهاد والتضحية في نصرة الحق بعد بذل المجهود في تمييزه من الباطل ، فلهم وظائف عاليه غير الوقوف في صف المداحين أمام الأحياء الذين قال عنهم نبي الإسلام صل الله عليه وسلم )): احثوا في أفواه المداحين التراب )) وفي صف النائحات من وراء الأموات ، فقد كان الشاعر الفرنسي ((هوجو )) يمطر في أشعاره من منفاه سهام الإنذار والتنديد على نابليون الثالث .
ومن أوجب واجبات الشعراء أن لا يمدحوا من يمدحونه إلا بميزان ومقياس ينطبق على الممدوح فلا يطول عن قدة كثوب طويل يكنس بأذياله مواطئ الأقدام ، وخلافه يكون إعلانا من الشاعر بأن مدحه لا قيمة له فيبذله جزافا بغير حساب ( ولهذا الهامش بقية وضعتها لطولها في آخر هذا الجزء من الكتاب . )
[1] ولمعالي الدكتور هيكل باشا المنكر لمعجزات سيدنا محمد مع تظاهره باستثناء معجزة القرآن عنها ، محاولة غير محمودة في مقدمة كتاب (( حياة محمد)) ترفع الأمان عن كتب الأحاديث وتشكك في صحة ما ورد فيا بجملتها منسوبا إلى النبي صل الله عليه وسلم ، للتشكيك في صحة أحاديث المعجزات ... وكلامه المنقول هنا في إكبار مؤلفي الغرب وإصغار مؤلفي الإسلام يحوم حول تلك المحاولة .
وإني ، بجانب موقف معالي الباشا المذكور ضد كتب الحديث ، أعتبر علم الحديث والفقه وأصول الفقه تلك العلوم التي دونها علماء الإسلام وقاموا في تمحيصها بمساعي جبارة لم ترعين الدنيا مثلها في أي طائفة من أهل المتطوعين بالبحث عن الحقائق العلمية ،لا في سبيل الوصول الى الغايات الفانيات بل في سبيل الحصول على رضوان من الله اكبر .. ثم اتخذتها دول الإسلام العظيمة من العرب والترك والمغول أساسا لقوانينها في القرون الطويلة التي كان المسلمون فيها أصحاب الكلمة النافذة على وجه البسيطة وحماة الحقوق الإنسانية الصادقين لا يجر منهم شنآن قوم على أن لا يعدلوا .. وقد صدق القول بان الإسلام دين ودولة. نهاية الهامش
-155-
بين مؤلفي الغرب والإسلام المثيرة للشبهة في أمانة المؤلفين المسلمين ، تضر كتاب هيكل باشا هذا أي (( حياة محمد )) الذي في مقدمته هذه المقارنة.. تضره فتحط من قيمته بصفة أن مؤلفه من كتاب المسلمين ، ولا تحول دون هذا الحط المضر المزري تزكية
بداية الهامش
أعتبر هذه العلوم وعلماءها- وقد ذكرته في أمكنة مختلفة من هذا الكتاب – معجزة من معجزات الإسلام الباقية بعد عصر نبيه صل الله عليه وسلم كالقرآن وأعم تأثيرا من القرآن الذي لا بسحر إعجازه غير العرب ، بل لا تلين له أيضا قلوب كثير من العرب الحاضرين ومنهم الشيخ الأكبر المراغي كما صرح في مقالته المنشورة لترويج فتنة ترجمة القرآن.. وأنا الذي اعتبر علم الحديث والفقه وأصول الفقه وعلماءها من معجزات الإسلام ولا بد أن يشاطرني في هذا الاعتبار غيري ممن لهم صلة بتلك العلوم من كثب ... يعز على وعلى أولئك الشاطرين أن يستهين معالي الدكتور هيكل باشا بعلماء هذه العلوم أئمة الحديث والفقه وأصول الفقه فيفضل عليهم المؤلفين الغربيين .. حتى في صدق القصد وخلوص التوجه إلى المعرفة ابتغاء الحق.
نعم أنا اكبر علم الحديث والفقه وأصول الفقه إلى حد عدها من معجزات الإسلام مع عدم كونها من الخوارق الحقيقية لسنن الكون ، ومع أن كون المعجزة من الخوارق ليس بلازم في نظر معاليه ،ولهذا فاعتبار هذه العلوم وعلمائها من معجزات الإسلام كان أولى مني بمعاليه ، لو كانت له صلة بتلك العلوم ولم تكن معرفته بها وبعلمائها تقتصر على ما قرأه في كتب الغربيين عنا وعنهم .
فهل يمكن أن يكون هد الأمي حكيما فقط وإن شئت فقل كما قالوا : عبقريا فقط ، ولكن إلى حد أن يستخرج علماء الإسلام من أقواله وأفعاله التي نسميها نحن الكتاب والسنة ، قوانين كافية لإدارة الدول الكبيرة وسيادة الدنيا والآخرة . وقد بسط أحد هؤلاء العلماء بتلك القوانين في كتاب يكون ثلاثين مجلدا على مذهب الإمام أبي حنيفة في الفقه سماه (( المبسوط )) ... هل يمكن أن تكون أقوال وأفعال محمد الأمي تحتوي خزائن أحكام يكتشفها ويستخرجها علماء أمته ، ثم يكون هذا الاختزان منه وذاك التوفيق للعلماء المستخرجين ، من غير أن يكون ذلك الأمي نبيا مؤيدا من عند الله ، وهؤلاء العلماء المستخرجون معجزة من معجزات نبوته ؟.. وكم يكون مضحكا ما يدعيه بعض الغربيين الذين أكبر معاليه علماؤهم مستهينا بعلمائنا ،أن الكنوز التي حفظها أئمة القراءة والحديث مما أوتي محمد الأمي من الحكمة وفتحها وشرحها أئمة الفقه المجتهدون ، إنما هي تفصيل ما تعلمه من الراهب المسيحي بحبرا في دقائق معدودة من مقابلته في طريق سفره إلى الشام وهو مراهق في الثانية عشرة من عمره؟. ولماذا لم ينفق ذلك الراهب من خزائن علومه التي فتحها علماء الاسلام ، في دينه المسيحي؟ نهاية الهامش
-156-
المؤلف نفسه لكتابه ولا تزكية فضيلة الأستاذ الأكبر المراغي شيخ الجامع الأزهر ،بعد إن لم تنفع شهادة المسلمين قاطبة في جميع قرون الإسلام الماضية على أن أصح الكتب بعد القرآن صحيحا البخاري ومسلم ، ولا شهادة القرآن على أمانة هذه الممة بقوله: (( كنتم خير أمة خرجت للناس )) وقوله : (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا )) بناء على أن المسلمين متهمون كائنين من كانوا وتهمتهم إسلامهم ، ولو ذكرتم المؤلف أن إجماع المسلمين حجة قاطعة وهو ثالث الأركان الأربعة التي تقوم عليها الشريعة الإسلامية ، فلعله يضحك منكم ويقول أنا لا أعتمد على ركن السنة وهو قول النبي وفعله وأنتم تذكرون لي أقوال الناس .
وقد أخذني العجب كل الأخذ من قوله بعد هذه المقارنة الظالمة : (( لذلك انصرفت نفوس شباب المسلمين المتعلمين عن التفكير في الأديان كلها وفي الرسالة الإسلامية وصاحبها ، حرصا منهم على أن لا يثور بينهم وبين الجمود حرب لا ثقة لهم بالانتصار فيها . )) فلماذا لا يثقون بانتصارهم في محاربة الجمود والدكتور المؤلف المحارب نفسه صعد إلى كرسي الوزارة؟ وكذا مؤلف كتاب (( الإسلام وأصول الحكم )) قاضي المنصورة الشرعي سابقا والمفصول بسبب كتابه عن الأزهر ، والشيخ المحارب قبلهما كان مفني الديار المصرية . وانتصاره الأكبر أن اسمه يعيش على الصحف والمجلات أكثر من اسم أي عالم عاش من قبله بمصر (1 ) وقبل عشر سنوات أنكر الأستاذ فريد وجدي بك معجزات الأنبياء وأنكر البعث بعد الموت أثناء المناظرة بيني وبينه على صفحات جريدة (( الأهرام )) يعني أنه حارب الجمود ، وعقب المحاربة والمناظرة قرر مجلس الأزهر الأعلى
بداية الهامش
[1] أما أستاذه ومجدده جمال الدين الأفغاني فحدث عن مركزه بمصر ولا حرج ، وأنا لا أدري أحدا من النازلين بها اشتهر ودامت شهرته في ألسنة المتعلمين وأقلامهم مثل جمال الدين ، حتى إن الإمام الشافعي لا يعدله في التذكار إن لم يكن في الإكبار ، كما أن فرعون أشهر في مصر الحاضرة من سيدنا موسى وادعى منه إلى الفخر للمصريين المجددين .
نهاية الهامش
-157 –
تعينيه بمرتب قدره خمسون جنيها مديرا ورئيس تحري (( لمجلة الأزهر )) المسماة يومئذ (( نور الإسلام )) ولو أحصيت أسماء المنتصرين في محاربة الجمود لطال الكلام فماذا يطلبون فوق هذه الانتصارات ؟ ( 1 ) .
بداية الهامش
[1] وهل يظن معاليه أننا لا ندري أن الرياء القديم الذي كان يطلق على الظهور في مظهر الديانة من غير أهلها قد كسدت سوقة وانقلب على عكسه ، حتى أن بعض ضعاف الدين من العلماء والكتاب يودون اليوم أن يظهروا في مظهر الخروج على أحكام دينهم ليختلسوا من يد الدهر المقلوب ما يستحقونه من المركز الدنيوي ، يودون ذلك لو أن مبدأ الديانة سامح ذويه ولم يحظر عليهم التنكر والإنكار معا كما سامح المتفرنجين مبدأهم وسوغ لهم التسلح في نضال الحياة بسلاحين .وقد يكون هذا المبدأ موافقا لمبدأ التحرر التام .
وهل يظن معاليه أننا لا ندري ومعنا الواقفون على الأحوال أن ضعف الدين أضمن للنجاح في مضمار الثقافة المصرية من قوة العلم ، كما أن شهادات العالمية لا سيما الشهادات المكتسبة في الغرب أكثر رواجا من العالمية نفسها .
وقد ظهر في الآونة الأخيرة كتاب يدعو فيه مؤلفه الشيخ عبد الله القصيمي – كما قال الأستاذ سيد قطب في مقالته المنشورة في (( مجلة الرسالة )) عدد 702 إلى إيثار العقلية الأوربية ، لأنها خلعت ربقة الدين وربقة الخلق وربقة التطلع إلى الله وانطلقت تهدف إلى الأرض وحدها ولا تطلق نظرها مرة إلى السماء لأن التطلع إلى الله كفيل بإفساد الحياة .
(( وفي ثنايا هذا الذي يبدو تحررا فكريا لي ظاهره ، يخدع المخدوعين ممن يحسب التحرر الفكري مجرد التحلل من الأديان والأخلاق على أي وضع من الأوضاع ؛من ثنايا هذا يدس الإيماء إلى الشرق العربي المسلم بان لا حق له في كراهة الاستعمار والمستعمرين لأنهم ورثة الأرض التي يستحقون كنوزها وخيراتها . ))
وأنا أقول لقد أحسن الأستاذ في كشف الستار عن الضجة المفتعلة التي أثيرت حول هذا الكتاب التافه المريب كما عبر الأستاذ والتي انزلق فيها بعض كبار الكتاب مخدوعين بما صور لهم المؤلف من مخاوف تحيط به وتدنيه من حبل المشنقة بسبب كتابه كما قال الأستاذ أيضا ؛ وأحسن كل الإحسان في عد هذه الضجة وذلك الانزلاق فضيحة أدبية لمصر وربما دليلا على غفلة النقد فيها إلى حد مخجل .
ثم أقول ليس كل مقصود المؤلف المعتدي الأثيم التزلف إلى المستعمرين الأقوياء في مغارب الأرض ومشارقها ، بل التزلف أيضا أو بالأصح أولا إلى الأوساط المثقفة المسموعة الكلم في الشرق = نهاية الهامش
- 158 -
ولا أدري لماذا كتب معالي المؤلف بعد سرد أعذار الشباب في انصرافهم من الأديان، قوله (( ولأنهم لم يدركوا ضرورة الاتصال الروحي بين الإنسان وعوالم الكون اتصالا يرتفع به الإنسان إلى أرقى مراتب الكمال وتتضاعف به قوته المعنوية ؟ )) ولماذا لم يأتهم الإحساس بهذه الضرورة المكملة في نتيجة الانصراف بكليتهم إلى كتب الغرب المهذبة للنفوس ؟
بداية الهامش
= الإسلامي الحديث وفي مصر خاصة التي يعجبها ضعف الدين ويروج عندها كأقوى شهادة علمية تؤهل صاحبها مركزا ممتازا ، لا سيما إذا كان التزلف من الشيوخ المعممين . يؤيدني في هذا التوجيه قول الأستاذ صاحب المقالة التي قسمت ظهر الشيخ القصيمي وقذفت بكتابه الى أسفل سافلين : (( ... أولئك هم جميع المسلمين في نظر المؤلف وهذه هي عقليتهم الإسلامية التي جرد قلمه لينسفها نسفا . فيقف جماعة من النقاد في مصر معجبون بهذا القلم القوي البتار . ))
فليس الشيخ المؤلف سوى واحد من مستنبطى الإلحاد في الشرق الإسلامي الحديث المذكورين في مقالة الأستاذ فريد وجدي القديمة.. واحد منهم آن له أن يخلع ثوب الاستبطان ويخرج على الملأ عريانا . فإن كان الأستاذ فريد وصفهم بالنوابغ وكان الشيخ بعيدا عن هذه الصفة اللهم إلا أن تعده نابغة في سرقة فصول كاملة من كتاب الأستاذ عبد المنعم خلاف،فهو على كل حال يؤمل الحصول على رتبة النبوغ في الأوساط المذكورة الذي من أعظم وأسهل شروطه ضعف الدين .
أما النقد في مصر فليس الحاكم فيه هو الغفلة فقط كما يرى الأستاذ قطب ، وإنما هو يستند أكثر من الغفلة إلى يقظة متنكرة أو متغافلة ويباع كسلعة في سوق التغرير والإغراض السوداء الصائنة أو الصامتة ويبتعد ابتعادا عن النقد الحر.
ولا بد أن أذكر هنا مثالين ذكرتهما من قبل أيضا : فقد سبق أن حدثت فتنة ترجمة القرآن في تركيا الكمالية وكتب الأستاذ الأكبر المراغي في
(( السياسة الأسبوعية )) و (( الأهرام )) مقالة طويلة يرتأى فيها لا جواز القراءة في الصلاة للأعاجم بتراجم القرآن على لغاتهم ، مع القدرة على قراءة الأصل العربي .. بل ترجيح قراءة التراجم على قراءة الأصل ، فضلا عن جوازها . وكنت انتقدت مقالته تلك انتقادا مفصلا في كتابي (( مسألة ترجمة القرآن )) المنشور سنة 1351 هـ وكان الأستاذ المراغي لم يجب على انتقادتي ، ثم تجدد النقاش على موضوع ترجمة القرآن بعد سنين بين بعض الفضلاء الذائدين عن حمى القرآن كالشيخ محمد سليمان نائب المحكمة الشرعية العليا والأستاذ الههياوي صاحب جريدة (( المنير )) تغمدها الله برحمته وبين الذائدين عن حمى مشيخة الازهر المروجة =
نهاية الهامش
- 159 -
ثم إن معاليه اعتنى غاية الاعتناء بالفلسفة الوضعية (( بوزيتويزم )) التي سبق منا ذكرها باسم الإثباتية مع التنبيه على زعيمهم الذي احتقر فكرة الدين وعدها حالة ابتدائية في الإنسان ثم وضع دينا جديدا معبوده الإنسان ولا سيما المرأة ، وعلى أنها احدث فلسفة لدعاة الإلحاد في الغرب العاملين في زيغ فرنسا الى الحكومة اللادينية )) ، اعتنى بهذه الفلسفة الملعونة لحد اعتبارها حجة للمنصرفين عن الدين واستهان بالتفكير التجريدي الميتافيزبقي اعني فلسفة ما وراء الطبيعة التي منها الفلسفة الإلهية ولم يعتد بها تفكيرا علميا لكونها ميتا فيزيقية غير مستنده الى التجربة الحسية ولعدم اعتداد الميتافيزيق من العلم . وهذا هو المرض المستولي على عقول المتعلمين العصريين – طبقا لبرنامج الملاحدة الإثباتيين – والذي بذلت لمداواته كل مجهود في هذا الكتاب . وأنت ترى
بداية الهامش
للموضوع فإذا بمقالة الأستاذ الأكبر المراغي القديمة قد نشرت مرة ثانية بعينها في (( مجلة الأزهر )) إصرارا على ما فيها من الأخطاء التي من جملتها طيش سهم صاحب المقالة عن فهم أقوال الفقهاء الأحناف – وهو يشبه خطأه في فهم بيت من أبيات البردة استشهد به في مدح كتاب هيكل باشا نافيا لمعجزات سيدنا محمد غير القرآن ، ثم سد أذنيه لئلا يسمع نقدي كما أغمض عينيه عن أبيات أخرى في نفس القصيدة ناطقة بتلك المعجزات المنفية ومكذبة للمادح والممدوح . وقلما يوجد في الدنيا استهتار كهذا في الجهل والتجاهل – وكنت قد نبهت إليها في كتابي المذكور فتجوهل للتنبيه والمنبه اعتمادا على غفلة الناس عن الاطلاع عن الحقيقة .
والمثال الثاني أني لما نشرت كتابي (( القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون )) وفيه انتقادات على كثير من كبار الكتاب وذوي المنصب لا سيما معالي هيكل باشا مؤلف ((حياة محمد )) وجريت على عادة المؤلفين في الإهداء إلى الجرائد المعروفة فأعلن عن كتابي كل جريدة أهديت إليها واطلعت هي على محتويات وشذت (( الأهرام )) في الإباء عن الإعلان مع استلام النسخة المهداة إليها . فكانت هذه المحاولة الصامتة من الجريدة في عهد رئيس تحريرها أنطون جميل باشا ، دفن النقد الحر في التراب ، كما أن ترك الرد من الأستاذ الأكبر على نقدي تجاهلا له كان خوفا من شيوع النقد اكثر من النقد نفسه .
وعندي مثال ثالث أغرب من الأولين لقيه كتابي (( تحت سلطان القدر )) المنشود قبل (( القول الفصل )) وبعد (( مسألة ترجمة القرآن ))ليس من الحكمة أن أذكره ، وربما يذكره التاريخ .
نهاية الهامش
- 160 -
الفيلسوف الكبير ديكارت يقول تقديرا لجلالة قدر الميتافيزيق : (( لما كان الذهن الإنساني مشغولا بالمحسوسات فقد وجب تخليصه منها وفتح عينيه إلى مسائل الميتافيزيقا لكي يرى الأفكار والمعاني في صفائها وجلائها ويحتاج ذلك إلى مجهود خاص وهو ما يسمى بالانتباه أي تركيز الفكر كله في الأمر المعروض عليه (1 ).
ويقول أيضا : (( من أراد الوصول إلى الحقيقة في المسائل النظرية وجب عليه أن يتدرب على المنهج وان يمارس قواعده لكي يصل إلى استعمالها في يسر واطمئنان ، وبعد أن يطول مران الإنسان على استخدام المنهج يجب أن يبادر بالنظر في الفلسفة الحقيقية التي جزؤها الأول الميتافيزيقا والثاني الفيزيقا الخ ... واذن فالمنهج قد ألف ليكون سبيلا لإقامة الميتافيزيقيا التي منها يكون الشروع في كل ما عاداها ( 2 ) .
ويقول : (( إن القوانين التي تسيطر على العالم الطبيعي يحددها ما تعلمنا الميتافيزيقا عن الله ( 3 ) واذا كان الله تعالى لا يثبت وجوده إلا بطريقة ميتافيزيقية وكان هذه الطريقة غير معترف بها من العلم ؛ فماذا فائدة كتاب عن حياة محمد رسول الله الذي لم يثبت وجوده علميا ؟ وماذا فائدة مراعاة الطريقة العلمية الحديثة الغربية في تأليف هذا الكتاب كما ادعاه مؤلفه وكرر دعواه بهذا الصدد تكريرا ؟
وهل أول مراعاته الطريقة العلمية الحديثة الغربية في وضع كتاب عن حياة محمد رسول الله أن يعتبره رسولا من غير ثبوت وجود مرسله ثبوتا علميا ؟ اللهم إلا أن تكون فائدته إثبات زعيم عربي عظيم مستحق بالوجوه للزعامة ، ووضع كتاب عن حياة ذلك الزعيم تحت عنوان رسول الله كما اشرنا إليه من قبل أيضا ، فإن لم تثبت رسالته لعدم وجود مرسله فلا كلام في زعامته واستحقاقه للزعامة .
بداية الهامش
[ 1 ] من 83 من كتاب (( ديكارت )) للدكتور عثمان أمين – طبعة ثانية .
[ 2 ] ص 116 من الكتاب المذكور .
[ 3 ] ص 182 .

بداية صفحة 161
لكنا نحن لا يقنعنا ولا يروى علمنا وعقلنا الا أن يكون الله موجودا أحق بالوجود من كل موجود وأقدم ، والا أن يكون محمد العربى صلى الله عليه وسلم رسول الله , على الرغم من كون كل من وجود الله والرسالة عن الله من المسائل الميتافيزيقية ، فتلزم لضرورة وجود الله قبل كل شىء الذى هو موجود ميتافيزيقى ، ضرورة الاعتراف بالموجود الميتافيزيقى ، فان كان فى الوجود موجود فيزيقى فلا بد أن يكون قبله موجود ميتافيزيقى كما ستعرف ذلك فى هذا الكتاب ان شاء الله . فاذن الموجود الميتافيزيقى أثبت فى الوجود من الموجود الفيزيقى ، بله أن يكون وجود الأول أضعف ثبوتا من وجود الثانى كما أوهمه كلام معالى المؤلف .
وكما أن الله تعالى موجود ميتافيزيقى فالعقل الذى به نفكر فى كل شىء ونحكم بوجوده أو أو عدم وجوده ميتافيزيقى أيضا . ومن هنا قال "شاتوبريان" : " ان الانسان حيوان ميتافيزيقى" ومن هنا أيضا لا يعترف العلم الذى لا يعترف بما وراء الطبيعة ، بالعقل كقوة خاصة تمتاز عن القوى العادية الطبيعية , كما لا يعترف بالله ولا بالروح.
لا يقال ان المادتين النافين للميتافيزيق لا ينفون العقل ، ولا يلزم من انكار كونه قوة خاصة مختلفة عن القوى الطبيعية نفى وجوده بالمرة ، فهم يقولون ان الادراك فعل المخ وأثره الطبيعى كما يلد الكبد الصفراء والكلية البول . لأنا نقول ليس الفكر أثر المخ الذى هو موجود مادى وان كان وجود المخ شرطا عاديا لوجود الفكر . فلو كان الفكر أثر المخ ومولوده لكان ماديا كالمخ وكان متعلق احدى الحواس كما كانت الصفراء و البول . فليس الفكر مادة ولا قوة من القوى المادية المعلومة ، مع أن الموجود الطبيعى منحصر فى المادة و قواها المعلومة ، فيلزم أن لا يكون الفكر موجودا على قاعدة العلم الطبيعى لعدم كونه محسوسا باحدى الحواس .. فوجود الفكر فى الانسان أجلى دليل على وجود موجود ميتافيزيقى ، ووجوده الغير قابل للانكار ينقض نقضا ظاهرا لقاعدتهم
بداية صفحة 162
القائلة بأن كل معقول لا يؤيده محسوس فلا يعتد به (1) حتى ان وجود الروح لو ثبت بالتجارب الجديدة الحسية كما يدعونه وأمكن الماديين أن يعترفوا بوجودها الحاقا لها بالمادة لكونها محسوسة ، فلا يمكنهم أن يعترفوا بوجود الفكر كوجود الأشياء المادية الطبيعية .
ولأن يكون معالى المؤلف قد جمع أخطاء جمة فى صفحة واحدة من مقدمه كتابه ، أثنى فى مختتم كلامه على المبدأ الغربى المتعلق بفصل الدين عن الدولة فصلا واضحا صريحا . والدين فى مصر وان كان مفصولا عن الدولة والحكومة الى حد ما ، لانقسام المحاكم فيها الى شرعية وغير شرعية ولعدم دخول شيخ الأزهر فى الوزارة ،... لكن معاليه يتمنى فصلا أوضح وأصرح ، بأن يحذف بتاتا من الدستور كون دين الدولة الرسمى الاسلام كما وقع فى تركيا الحديثة ، أو يجرد لفظه عن كل معنى حقيقى كما فعلت الدول الأوربية بدينها المسيحى الذى يبتدىء خظأ الخاطئين من قياس الاسلام عليه .. وهذا الفصل الواضح الصريح الذى هو آخر آمال المتعلمين المصريين وآخر منالهم من ديننا والذى ذكره الأستاذ فرح أنطوان أيضا عند مناظرته الشيخ محمد عبده وجعل رقى أوربا مدينا له ، ويفهم من اتفاق رأى معاليه مع رأى الأستاذ فرح صدق ما قلته من قبل أن الرجل اكتسب القضية ضد مناظره عند الرأى العام – أفردت فى آخر كتابى بابا للنظر فيه .
وهنا أقول سلفا وباختصار ان معناه خروج حكومة المسلمين من ربقة الاسلام ورقابته عليها وخروج الأمة أيضا من ربقته باختيارها الحكومة الخارجة على الاسلام حكومة لها ، لاسيما الحكومة المستندة الى البرلمان المستند الى الأمة ، فمثل الفصل فى تلك الحكومات كمثل المناداة بالردة حكومة وأمة . واذا كان فى الأفراد أو على الأصح
بداية هامش صفحة 162
(1) بل المحسوس أشد احتياجا الى تأييد المعقول من عكسه فلا يمكن الاقتناع بوجود المحسوس لو لم يكن المعقول ، وسيأتى بيان كل ذلك ان شاء الله .
انتهى الهامش
بداية صفحة 163
فى بعضهم دين يعيش الى أن ينقضى جيلهم ، يعيش محكوما للحكومة لا حاكما عليها كما كان قبل الفصل . وهذا وحده كاف فى أن يكون الفصل كفرا لاسيما اذا كان تنزيل الاسلام عن عرش حكمه، بأيدى المسلمين أنفسهم ، لأن الاسلام يعلو ولا يعلى عليه .
والمضحك المبكى أن حكومات المسلمين أيام كانت فى أوج عزها وقوتها وخضعت لها الدول ، كانت تخضع لحكم الاسلام وترضى أن تكون تحت رقابته واشرافه ، والآن يسول لحكومات المسلمين العاجزة المهزولة أن تخرج على الاسلام و تتحكم هى عليه .
وقد يقول المجددون الأكياس لا حاكم هناك ولا محكوم عليه ، وانما يراد بالفصل أن يكون الدين والحكومة مستقلين لا يتدخل أى منهما فى شأن الآخر . لكنى أعرف جيدا ويعرف الاسلام الذى هو أكيس منهم أن الجانب الذى يتولى السياسة والسلطة ، لا بد أن يحكم على الجانب الذى تنازل عنهما ، فيصير الدين المنعزل عن السياسة كالخليفة الزائف عبد المجيد الذى تنازل عن السلطة لمصطفى كمال فكفى فى اجلائه عن عرش خلافته الاسمية وعن بلاده فى منتصف ليلة من الليالى ، ورود أمر من أنقرة الى مدير البوليس بالأستانة وقيام البوليس بتبليغه أياه مع ايقاظه عن نومه بكلا معنييه .
وبالنظر الى أن بلاد الاسلام تطلق فى عرف الشرع على بلاد تحكم فيها قوانين الاسلام وأن عزل الدين عن التدخل فى أمور الدولة يخرج تلك البلاد من عداء بلاد الاسلام .. فبالنظر الى هذا وعلى الرغم منه ان كانت المخالفة لمبدأ الفصل والعزل ممدودة من الجمود المعيب عند معاليه وأمثاله من المجددين ، فأنا أجمد الجامدين وأحمد الحامدين لله تعالى على جمودى هذا ؛ وباقى الكلام على مبدأ فصل الدين عن الدولة يأتى ان شاء الله فى محله الذى هو الباب الرابع من هذا الكتاب .
وكنت أود ارجاء الجواب أيضا على قول معاليه فى الدول الغربية المنتمية الى الدين انها لا تقصد منه سوى مظاهر الأعياد والمراسم ، الى ذلك الباب الذى ينتهى فيه الكتاب ، ومعنى قول معاليه هذا أن الأولى بالدول الاسلامية أيضا أن تكتفى فى
بداية صفحة 164
ديانتها بما اكتفت به الدول المسيحية ؛ لكن خطورة هذا المعنى تضطرنى الى أن أتعجل فى الجهر بالحق فأقول:
ان كون الدولة لا تقصد فى ديانتها سوى مظاهر الأعياد والمراسم ليس من الديانة الحقيقة فى شىء ، وانما هو نفاق أى ديانة فى الظاهر وكفر بالدين فى الباطن ان كان الدين المسيحى يقتنع بهذا وينخدع فلا يقنع الاسلام ولا ينخدع به فى المنتمين اليه أفراد أو جماعات متشكلة .. ولهذا فنحن المسلمين ان كنا جادين فى ديننا معترفين بأننا تحت حكم الله وتكاليفه الواصلة الينا بواسطه رسوله ، فلا فرق بيننا فى هذا الموقف منفردين أو مجتمعين ، فكما لا يجوز أن ينفصل الفرد المؤمن بالله ورسوله عن دينه فيكون فى أفعاله محررا عن القيود الدينية ، لا يجوز لدولة تعتبر دولة المسلمين فصل الدين عن نفسها لتكون الهيأة الحاكمة فيها تفعل ما تشاء غير مهتمة بأمر الدين و نهيه . فاذا خرجت حكومة أمة مسلمة عن حدود دين الأمة من غير ادعاء لنفسها حق الانفصال عن الدين ، كانت حكومة فاسقة كأحد المذنبين من أفراد المسلمين ، ولم تكن حكومة مرتدة عن الاسلام ، لأنها فصلت الدين عن الدولة عمليا لا علميا واعتقاديا . فينطبق عليها قول الله تعالى " ومن لم يحكم بقول الله فأولئك هم الفاسقون " .
أما اذا خرجت عن حدود الدين مدعية لكون الخضوع لأمر الدين ونهيه واجبا على الأمة دون الحكومة ، فهذا فصل الدين عن الدولة مبدئيا أى علميا واعتقاديا ، وهذا ارتداد الدولة عن الاسلام وارتداد الأمة معها اذا رضيت هذه الحالة لحكومتها أو كانت فى حكم الراضية بأن تكون الحكومة حكومة برلمانية تحكم بالنيابة عن الأمة . فينطبق عليهما حينئذ قوله تعالى: " ومن لم يحكم بقول الله فأولئك هم الكافرون " .
وموقف الحكومات الاسلامية من الاسلام لا يقاس على مواقف الحكومات الغربية المكتفية من دينها المسيحى بمظاهر الأعياد ، لأن رجال تلك الحكومات
بداية صفحة 165
الذين لابد أن يكونوا من عقلاء بلادهم ، لابد أيضا أن يكونوا غير صميميين فى دينهم الذى لا يتفق مع العقل ، ( كما سبق بيانه منا فى أول هذا الكتاب ) فيكتمون بالمظاهر احتراما للعامة المتدينين واعترافا بمصلحة البلاد فى احتفاظ العامة بالدين .
بخلاف الاسلام الذى تسير أصول الدين فيه مع العقل ويحق من هذه الحيثية أن يكون دين العقلاء ، فلا يختلف خاصة المسلمين عن عامتهم فى اخلاصها للديانة ، بل يكون الخاصة أولى به من العامة .. وكتابنا على طوله يثبت هذا المدعى ، حتى ان مؤلفه يحتاج عند كل دفاع عن الاسلام الى الدفاع عن قيمة العقل وكرامته .
هذا ومع كون الاسلام لا يقاس بالمسيحية ان كانت هى يتسع صدرها لفصل الدين عن الدولة ، فقد صرح المصلح المسيحى المشهور " كلفين " بالاسم الذى يستحق أن تسمى به الدولة المتجردة عن الدين كما سبق نصه فى آخر الرقم (2)
بداية الرق 5
وانظر الى قول الأستاذ فريد وجدى فى جريدة الاهرام ردا على مقالتى فى مسألة معجزات الأنبياء ، والقارىء يرى مقالتى ومقالة الأستاذ المشورة قبيل توليه الوظيفة الأزهرية .. يراهما بتمامهما فى ذيل الكتاب .
يقول الأستاذ (1) : "فى تلك الأثناء ولد العلم الحديث وما زال يجاهد القوى التى
بداية هامش صفحة 165
(1) قول الأستاذ هذا سبق ذكره منى مرارا بعينه أو بصورته الملخصة ، وسأذكره كذلك بنصه أو بخلاصته عند كل مناسبة تقتضيه ، فقد عزمت على ذلك ووعدته للقارىء فى أوائل الكتاب . لأنى وجدته حجة ضد الأستاذ ومن على عقليته من ضعاف الايمان بالاسلام أفلتت من قلمه عند أول ما التقينا فى حلبة المناظرة على صفحات الأهرام . وكان مقصوده من هذا الافشاء عن الشرق الاسلامى المنهزم أمام سلاح العلم الحديث ، تهديدى بسمعة ذلك السلاح عند المنهزمين ، ومقصودى من تكرارها عكس سلاح الأستاذ عليه والاستمرار فى تذكيره بأنى لا اعبأ بذلك السلاح الذى غالى فى اعظامه .
انتهى الهامش
بداية صفحة 166
كانت تساوره حتى تغلب عليها فدالت الدولة اليه فى الأرض ، فنظر نظرة فى الأديان وسرى عليها أسلوبه (1) فقذف بها جملة الى عالم الميتولوجيا "الأساطير" ثم أخذ يبحث فى اشتقاق بعضها عن بعض واتصال أساطيرها بعضها البعض فجعل من ذلك مجموعة تقرأ لا لتقدس قديسا ولكن ليعرف الباحثون منها الصورة الذهنية التى كان يستعبد لها الانسان نفسه ويقف على صيانتها جهوده ، غير مدخر فى سبيلها روحه وماله .
"وقد اتصل الشرق الاسلامى بالغرب منذ أكثر من مائة سنة فأخذ يرتشف من مناهله العلمية ويقتبس من مدنيته المادية فوقف فيما وقف عليه على هذه الميتولوجيا، ووجد دينه مائلا فيها فلم ينبس بكلمة لأنه يرى الأمر أكبر من أن يحاوله ( ليتأمل القارىء هذه الكلمات ) ولكنه استبطن الالحاد متيقنا أنه مصير اخوانه كافة متى وصلوا الى درجته العلمية ( ليتأمل القارىء ) .
"وقد نبغ فى البلاد الاسلامية كتاب وشعراء وقفوا على هذه البحوث العلمية فسحرتهم فأخذوا يهيئون الأذهان لقبولها دسا فى مقالاتهم وقصائدهم ، غير مصارحين بها غير أمثالهم تفاديا من أن يقاطعوا أو ينفوا من الأرض.
" وقد عثرنا نحن فى جولاتنا العلمية على ما عثروا عليه فكانت صدمة كادت تقذف بنا الى مكان سحيق لولا أن من الله علينا بوجود المخلص منها وهو قوله تعالى : "هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات " ..
فسجدنا شكرا وقلنا مانعة الصواعق بل مانعة الغرق " .
وأنا أقول ماذا هو مناسبة كون القرآن مشتملا على المحكمات والمتشابهات – حتى ولو فرضنا فرض المحال أن آيات المعجزات وآيات البعث بعد الموت داخلة فى المتشابهات لا المحكمات كما زعمه الأستاذ .. ماذا مناسبة هذا بكارثة حلت بالأديان
هامش صفحة 166
(1) يريد بأسلوبه قانونه القائل بأن كل معقول لا يؤيده محسوس فلا يعتد به.
انتهى الهامش
بداية صفحة 167
وهى كونها مقذوفا بها بيد العلم الحديث فى عالم الأساطير ثم جعل مجموعة منها تقرأ لا لتقدس تقديسا بل تقرأ كتاريخ الأديان ليفهم منه الانسان الحديث مبلغ حماقة قديمة الذى استعبد نفسه لدينه وضحى فى سبيله بماله وروحه ؟ فهل كانت مانعة الصواعق أو مانعة الغرق هذه أعنى متشابهات القرآن منقذة للأديان عامة وللاسلام خاصة الذى رآه المسلمون الشرقيون المطلعون على علوم الغرب مقذوفا به مع سائر الأديانالى حفرة الأساطير ، فلم ينبسوا بكلمة فى الدفاع عن دينهم لكون حكم العلم الذى هو صاحب الدولة اليوم فى الأرض ضد الأديان ، أكبر من أن يحاول دفعه محاول ، فلهذا تركوا الدفاع عن دينهم بل تركوا دينهم ، واستبطنوا الالحاد وتمسكوا به غير مصارحين الناس متيقنين يأن مصيرهم أيضا الالحاد متى وصلوا الى درجتهم العلمية ؟
كلا ، لم تنقذ آية المتشابهات شيئا من ذلك ، وانما سجل الأستاذ فريد وجدى فى كلمته هذه على كبار المثقفين من أهل الشرق الاسلامى باستبطان الالحاد وعلى نفسه بما يؤول اليه ، وان شئت فسمه باستبطان الاستبطان !.. فلو فرض أنا استقبلنا الملاحدة المعتدين على الأديان عامة والاسلام خاصة بسلاح العلم الحديث الذى لا يؤمن الا بما ثبت بالتجارب الحسية .. لو فرض أنا استقبلنا سلاحهم بالسلاح الذى اخترعه الأستاذ فريد وجدى بك وقلنا لهم ان فى كتاب الله المنزل على رسولنا آيات محكمات وآيات متشابهات ، لضحكوا منا ومن مناسبة كلامنا بدعواهم ضد الأديان . فهم لا يعترفون بوجود الله لعدم كونه فى متناول التجربة الحسية التى لا يعتمد العلم الحديث على غيرها ، ونحن نقول لهم ان فى كتاب الله آيات كذا وكذا!.. لكن مصر لم تضحك من الأستاذ فريد ومن تظاهره بالدفاع عن الاسلام بل ولته ادارة مجلة الأزهر ورئاسة تحريرها ليستمر فى الدفاع عن الدين من فوق منبر الأزهر بهذا الشكل المضحك لأعداء الاسلام وأعداء الأزهر ، ولم يضحك الأستاذ من نفسه بل من المسلمين الغافلين
بداية صفحة 168
الذين انتدبوه للدفاع عن دينهم وهو نفسه من الضاحكين مع أولئك الأعداء .
وكما لم تكن آية المتشابهات التى تمسك بها الأستاذ لانقاذ الاسلام من قذف العلم الحديث به مع سائر الأديان الى حفرة الأساطير ، منقذة له منه ومنقذة لنوابغ الشرق الاسلامى وفيهم الأستاذ نفسه من استبطان الالحاد ، ولم يوجد فى تلك الآية أى مخلص من الصعق أو الغرق – فكذلك لا تكون هذه الآية ولن نكون بمنقذ للأستاذ من انكار معجزات الأنبياء والبعث بعد الموت ، افتتائا منه بالعلم الحديث الذى لا يعترف بالمغيبات الخارجة عن متناول التجربة فى الزمان الحاضر .
فلا وجه اذن لتمسك الأستاذ بهذه الآية كعروة النجاة من الانزلاق الى الالحاد الذى انزلق اليه غيره من نوابغ الكتاب والشعراء فى الشرق الاسلامى وكان هو الآخر نفسه موشكا للانزلاق لولا هذه الآية فى كتاب الله .. لا وجه للتمسك بها دفعا لتيار الالحاد الجارف ، الا أن يكون معنى التمسك بها أن السبب فى الحاد هؤلاء النوابغ وانصرافهم من الأديان انطواء الأديان على أنباء من الماضى والمستقبل لا يصدقها العقل لمخالفتها السنن الكونية ولا العلم لعدم امكان وزنها بميزان التجربة كظهور خوارق المعجزات على أيدى الأنبياء السالفين المعروفين بأسمائهم فى الكتب المقدسة وبعث الناس من قبورهم للنشأة الآخرة بعد أن ماتوا وأكلت الأرض أبدانهم .
فالأستاذ فريد على زعمه أو بالأصح على ما يتظاهر منه ، حل هذه المشكلات التى أخرجت غيره عن دينهم ، بآية المحكمات والمتشابهات ، فكأن هذه الآية تقول ان أنباء الخوارق الماضية والآتية المذكورة فى كتاب الله لم يرد الله بها ما يفهمه الناس منها ، لكونها من قسم المتشابهات التى تنقسم آيات القرآن اليها والى المحكمات ، فلا معانى لها مفهومة ولا مطلوبة الفهم ، وما أراده الله بها مستور عنا.
لكنه يرد على حمل التمسك بالآية المذكورة على هذا المعنى أن فيه تصديقا للعقلية
بداية صفحة 169
غير المعترفة بالمغيبات الخارجة عن متناول التجربة الحسية ، ويدخل فى هذه العقلية عدم الاعتراف بوجود الله أيضا كما قال الأستاذ فرح أنطوان : " ان فى رأس الدين الايمان بخالق غير منظور " فليس الله على هذه العقلية بموجود أى ثابت الوجود حتى يكون له كتاب منزل كالقرآن ويكون فى آية من آيات ذلك الكتاب حل شبهة الأستاذ وانقاذه من المشكلة العلمية التى تسوق الانسان الى اعتناق فكرة الالحاد وقد ساقت اليه غيره من نوابغ الشرق الاسلامى الذين لم يطلعوا على ما اطلع عليه ذكاء الأستاذ من الآية المذكورة المنقذة.
فتبين أن الأستاذ لم يكن له أى نفع من الآية التى تمسك بها يجعله مختلفا عن الملاحدة النوابغ ، فهو كهؤلاء لا يعترف به العلم الحديث الذى هو سائقهم الى الالحاد ، فينكر المعجزات وسائرالمغيبات كما ينكرون . بل الأستاذ أسخف موقفا منهم ، لأنهم على الأقل لا يضيفون الى ضلال الالحاد الذى فى انكار المغيبات ضلالا آخر هو حمل آيات المعجزات وآيات البعث بعد الموت الصريحات المالئات للقرآن ، على المتشابهات غير مفهومة المعانى ، لكن الأستاذ ينكر المغيبات فيلحد ويقيم على الحاده دليلا من القرآن (1) فيلغى بهذا الدليل آيات لا تحصى من القرآن يخليها عن المعنى المفهوم .
بداية هامش صفحة 169
(1) لا أريد أن أتهم الأستاذ بالكفر والالحاد ولا أخاله ينفى وجود الله عمدا . فهو ليس غير رجل متقلب فى شكله الذى استفاده من العلم الحديث ، وربما تراه فى بعض تاراته وتطوراته خصما هاجما على هذا العلم الذى أكبره هنا كل الأكبار ، تراه خصما هاجما عليه من غير تخلص من مخالب أضلاله ... لا أريد أن أتهمه وانما ألفت النظر الى ما يلزم أقواله التى صرح بها أو يستنتج منها . وأنا أعرف أيضا عدم جواز الحكم فى حق أحد بما يلزم قوله أو يستنتج منه . وأعترف بأن لزوم الكفر ليس بكفر ، وانما الكفر فى التزامه كما أن لازم المذهب ليس بمذهب الا أن يكون اللزوم فى المسألتين لزوما بينا ، اذ عند ذلك يكون اللزوم فى قوة الالزام .
أعرف كل ذلك وليس لى أى عداوة أو خصومة نحو الأستاذ . (التكملة فى هامش الصفحة 170 )
بداية صفحة 170
وكان الأستاذ قد كتب قبل مقالته التى نقلنا الجمل السبقة منها ، مقالة ادعى فيها استحالة كل ما ورد فى القرآن من قصص معجزات الأنبياء عليهم السلام وقصة أصحاب الكهف وخروج دابة من الأرض تكلم الناس وخروج الموتى من قبورهم للحشر والحساب .. ادعى استحالة كل ذلك عند العقل والعلم ، ثم رد تلك الآيات الواردة فيها والتى تكاد تكون من كثرتها وتكرارها ربع القرآن ، الى متشابهات غير مفهومة المعانى . وكان هذا سبب ردى عليه فى فى مقالات نشرتها الاهرام وقد جمعتها وكتبتها فى آخر هذا الكتاب مع مقالات الأستاذ التى قابل مقالاتى بها ،ن لتسهل المقارنة بينهما للقارىء.
بداية هامش صفحة 170
(تكملة هامش صفحة 169)
لكن من واجبى فى هذا الكتاب وقد أردت أن أكون مشخصا للداء العصرى الذى أصيب به الملمون المتعلمون فى دينهم ، حق التشخيص ثم مداويهم بكل ما أتيته من قوة والهمته من حجة – أن أتتبع أقوال الأساتذة العصريين وأتعقبها ، فربما يكون لازم القول الذى لا يكون عقيدة لقائله ، مذهبا متبعا لكثير من الذين اتخذوا ذلك القائل قدوة لهم . فيكون فيما لا يضر القائل –ان فرضنا ذلك –ضرر عظيم لقرائه فبجب تنبيههم عليه ، لأنى كتبت هذا الكتاب للقراء المحايدين الصادقى الرغبة فى معرفة الحق واتباع ما هو الأحق بالقبول ، ولم أكتب للأساتذة الذين ناقشتهم وأنا أعرفهم لا يعترفون بأخطائهم مهما تبينت عنذ النقد ، لأنهم مرتبطون بما وصل اليهم من مذاهب الغربيين فلا يحيدون عنه ، وحسبك أنهم لا يعتدون بالأدلة المنطقية فأصبحوا لا دواء لدائهم كما قال الشاعر :
جنونك مجنون ولست بواجد طبيبا يداوى من جنون جنون.
وحسبك أنهم لا يثقون بغير ما ثبت بالتجربة الحسية ، وقد قال الأستاذ فريد وجدى : كل معقول لا يؤيده محسوس فلا يعتد به ، لأ، ذلك ما وصل اليه من علم الغرب . ومقتضى هذا عدم ثبوت وجود الله ثبوتا علميا لأنه لا يدخل تحت التجربة الحسية ، وعلى الأقل لم يدخل الى الآن .
ثم ان الأستاذ رغم هذا المانع العلمى يصدق بوجود الله لأن كبار العلماء فى الغرب مثل " كانت " الألمانى يؤمنون بالله ولا يسع الأستاذ أن يخالفهم . وهو أى " كانت " لا يبنى ايمانه على دليل عقلى نظرى بل على دليل سماه دليلا أخلاقيا أساسه الايمان بالنشأة الآخرى كما سيأتى تفصيله فى هذا الكتاب. لكن الأستاذ لا يؤمن بالنشأة الآخرة ويرد آيات البعث بعد الموت أيضا الى متشابهات القرآن فلا يتمشى مذهبه فى الايمان بالله مع مذهب "كانت" أيضا ! فهل يستطيع أحد من العقلاء المنصفين أن يقول معتذرا عن الأستاذ : ليس فى رد آيات البعث بعد الموت فى القرآن الى المتشابهات غير مفهومة المعانى ولاسيما غير مفهومة المعانى لاستحالتها ، انكار للنشأة الآخرة ؟
صفحة ( 171 ) و لا شك أن تلك الأمور المذكورة التى أنكرها الأستاذ زاعما عدم إمكانها لا يراها المعتقدون للأديان و المقتنعون بوجود الله خارجة عن متناول قدرته المحيطة بجميع الممكنات – و هى ممكنة فى حد ذاتها – فلا يترددون فى تصديق أن ما نطق به كتاب الله من أنباء المعجزات قد وقع كلها فى عهود الأنبياء الماضين كما نطق و فهمت معانيها و تفهم حالا و استقبالا كما نطق و فهمت معانيها و تفهم حالا و استقبالا فهم معانى أوضح آيات الكتاب كما أن ما نطق به من أحوال النشأة الآخرة فهمت معانيها و آمن بها المؤمنون فى كل عصر و كيف لا تفهم و قد خصها الله سبحانه بالاعتناء بتفهيمها فيرى قارئ كتاب الله فى آياته التى قلما تخلو عنها سورة من سوره كيف يجادل القرآن منكرى البعث بعد أن كان الإنسان ترابا أو عظاما نخرة و يتشدد فى محاجتهم حتى إذا قال أحد من الناس المدعين لأنفسهم الفهم أكثر من غيرهم أو المتساوين معهم فى الفهم : (( لا أفهم تلك الآيات كان ذلك معاندة القرآن لا أكثر و لا أقل وهذا كما تحدى الله بما أظهره على أيدى رسله إلى الناس من المعجزات مفكرى رسالاتهم فى القرون الماضية و قد أظهرها الله لإعجازهم عن المعارضة بأمثالها و قصها القرآن تذكرة و عبرة للخلف من عجز السلف لا لإعجاز الخلف عن فهم ما وقع للسلف مع أنبياءهم فهل يمكن بعد هذا و ذاك أحداً ممن يؤمنون بالله و كتبه و رسله و اليوم الآخر أن يبلغ به استبعاده لوقوع معجزات الأنبياء فيما مضى من الزمان كما قصها الله علينا فى كتابه ووقوع البعث بعد الموت فى مستقبل الزمان كما أخبر الله له فيما لا يحصى من آيات كتابه مبلغ أن يقول : لا أفهم ماذا يقول الله فى تلك الآيات الكثيرة و لا يفهمه أحد من أصحاب العقول فتلك الآيات آيات متشابهة خارجة عن طور الفهم لما أراده من معانيها كما أن المعانى الظاهرة منها خارجة عن طور العقل و الإمكان .. فإن بلغ به استبعاده لما نطقت به تلك الآيات الصريحات الصارخات مبلغ أن يقول هذا القول كان ذلك إنكاراً مضاعفا لتلك الآيات و ما نطقت هى به .
صفحة ( 172 ) لا ، لا إن دعوى كون تلك الآيات من المتشابهات غير المفهومة احتقار من الأستاذ لقراء كلامه بنسبتهم إلى العجز عن فهم ما يرمى إليه بدءواه من عدم إيمانه بصدق تلك الآيات أو إشارة منه إلى أن فى مصر يقول من شاء ما يشاء و لا يخاف تبعة ما قاله لا من حيث حرية القول الدستورية بل من حيث أنه لا تراعى بها حرمة القول و كرامته فيلقى به جزافا و لا يبالى بكونه حقا أو باطلا أو مصادما للبديهى و إنما يبالى بأسلوب الإلقاء و بما فى القول من إرضاء هوى محمى بقوة من القوى الزمنية . فقد قرأت لأحد من كبار الأساتذة بمصر – المرحوم عبد الله عفيفي بك – أنه كان يدعى فى مناقشة واحد من أعيان محررى (( الأهرام )) أن الشاعر المتنبى لم يهج الأمة المصرية فى مناداتها بقوله (( يا أمة ضحكت من جهلها الأمم )) فى قصيدة له فى هجاء كافور (1)
بداية هامش صفحة (172 )
[1] و فى مصر التى أصبح العلم فيها عبارة عن تحسين الكلام و تزينه لم يحتفظ الكلام أيضا بقيمته و لم تعد صلة صحيحة بين اللفظ و مدلوله إذ لا يقرأه القارئ – من تعويدة الكتاب عليه – على أنه كلام صادق وإنما يقرأه على أنه قول بليغ جاذب . و هذا هو الذى تواضع الكتاب وقراؤهم عليه ، و هذا هو ما ينتظره القراء من الكتاب فلو شذ أحد و اهتم فيما كتبه بمطابقة الواقع ذهب اهتمامه هدرا ، فارتفع الأمان من تأثير القائل بقوله فى قلب السامع من ناحية مطابقته للواقع . و إذا كان قول الله فى كتابه عن معجزات أنبيائه و بعثه الناس من قبورهم للنشأة الأخرة و ما بعد البعث من الحشر و الحساب و الثواب و العذاب لا يؤثر فى قلب قارئ القرآن على ما تلقاه الأستاذ فريد وجدى بوقوع تلك المعجزات فى سالف الزمان ووقوع تلك الأحوال الأخروية فى المستقبل فما ظنك بما يقوله الإنسان ليؤثر بقوله فى نفوس سامعيه .
ثم إنك لو أردت مثلا أ، تمدح أحدا بما يستحقه فقد قيل بمصر فيمن هو أدنى من ممدوحك بما هو أكثر من قولك و أغلى و إن شئت أن تهجو أحدا بما يتفق مع حالته فقد هجى فى مصر من هو أهون شرا من مهجوك بما هو أشد و أمر من قولك الذى وازنته مع القول فيه و قدرته بقدره . وقلما يقرأ كتاب فى مصر و يشاد بذكره من دون محوبية كما أن الموظفين يعبثون لو ظائفهم و ينالون فيها المنح بهذا الشكل و أكبر المحوبيات التى تنال بها كبريات الوظائف هو المحوبية المتصلة بالإنجليز ثم الأقوى فالأقوى من القوى الداخلية المختلفة الألوان و ليس للحق أى نفوذ بحنب هذه القوى فمن العجائب أن الجريدة المعروفة الإنجليزية (( تيس )) كانت هى التى رشحت الأستاذ المراغى لمشيخة الأزهر الشريف فى المرة الثانية .
نهاية هامش صفحة ( 172 )
صفحة ( 173 ) و هنا شئ آخر و هو أن منكرى معجزات الأنبياء و النشأة الأخرى يكونون فيما نعرفه من منكرى الأديان أما الجمع بين إنكار المعجزات و إنكار اليوم الآخر و بين ادعاء الإسلام و (( رئاسة )) نور الإسلام (1) فهذا أول قارورة كسرت و أعجب حادثة وقعت من عجائب مصر التى تبارى أمريكا بلاد العجائب . و قد كان الشيخ محمد عبده أورد فى كتاب (( الإسلام و النصرانية )) أمثلة فى تاريخ الخلفاء عن سماحة الإسلام فلو عاش و رأى الأستاذ فريد وجدى بك فى رأس (( نور الإسلام )) و (( مجلة الأزهر )) لأضاف مثالا هاما إلى أمثلة سماحة الإسلام و شاهداً إلى شواهدها و لاعترف بأن الأستاذ بقوله فى تفسير آيات المعجزات و أيات البعث قد ضرب الرقم القياسى الذى وضعه الشيخ فى تفسير سورة الفيل !!
و كانت قد أدهشتنى عقلية الأستاذ فريد فى زعم أن معجزات الأنبياء مستحيلة عند العقل ، و كذا البعث بعد الموت طبق زعم الملاحدة من الماديين و الطبيعيين و زعم أن هذا الحكم باستحالتهما مقتضى العلم كما أنه مقتضى العقل و هو يعلن عقليته هذه على صفحات (( الأهرام )) و لا يقابلها الرأى العام الإسلامى بالاستنكار حتى و لا إفشاءه عن نوابغ البلاد الإسلامية من الكتاب و الشعراء فى استبطانهم الإلحاد و تمسكهم بها تماشيا مع اعلم و العقل ، و لا يكون بين إعلان هذه العقلية عن نفسه و عن نوابغ الشرق الإسلامى و بين تعيينه لرئاسة مجلة (( نور الإسلام )) الأزهرية إلأ بضعة أيام (2)
بداية هامش صفحة (173)
[1] اسم المجلة الأزهرية فى مبدأ تولى الأستاذ الوظيفة .
[2] و من العجائب أن الشيخ المرحوم الظواهرى الذى كان شيخ الأزهر يومئذ يقول فى مذكراته التى نشرها ابنه بعد وفاته ( س 289 ) متعمداً لتبرير هذا التعيين و متحملا لأوزاره عند الله : (( عند انتشار مجلة نور الإسلام أوصانى توفيق نسيم باشا بتعيين صديقه عبد العزيز محمد بك ( الباشا وزير الأوقاف سابقا ) مديراً لها و أثنى عليه كثيرا فعينته و لكن للأسف وجدته بعد ذلك غير كفء لها فأبعدته و عينت الأستاذ فريد وجدى بدله فتألم توفيق نسيم باشا من ==
نهاية هامش صفحة (173)
صفحة ( 174 ) ساورت أفكارى هذه الاحجيات الغامضة حتى اطلعت على المناظرة القلمية بين الشيخ محمد عبده و الأستاذ فرح أنطوان صاحب مجلة (( الجامعة )) الذى ادعى فى غضون المناظرة أن جميع الأديان تتنافى مع العقل و العلم و لم يتغلب الشيخ المناظر على خصمه أو على الأقل لم يقتنع الرأى العام الثقافى بغلبته عليه بل تأثر الشيخ نفسه من عقلية الأستاذ (1) و لم يسلم عن التأثر بها حتى بيئة الأزهر و بفضل هذا الاطلاع انحل على كثير من الألغاز العجيبة المصرية حتى أصبح مفهوما سر استقبال كتاب (( حياة محمد )) الذى سمى مؤلفه جهد طاقته لإخلاء حياته صلى الله عليه و سلم من المعجزات برغبة عظيمة من القراء استلزمت طبعه مرة ثانية قبل أن يمضى على طبعته الأولى سنة و ما كفت ثانية الطبعة فى رى الرغبات المتعطشة حتى احتيج إلى ثالثتها .. أصبح سره مفهوما و معه سر تقريظ الأستاذ الأكبر المراغى للكتاب المذكور .
فبعد أن رأيت بمصر ذلك التيار الذى يقلب الحقائق رأسا على عقب فيعد الديانة جهلا و غباء و الإلحاد علما و عقلا و نبوغا و قد علا التيار حتى تسلق منبر الأزهر و بعد
بداية هامش صفحة (174 )
== ذلك كثيرا و كان هذا من ضمن مخاصمته لى فيما بعد )) .. و كان المعقول للأستاذ فريد وجدى بك الذى ثبت فى منصبه الأزهرى على طول عهد شيخه الأستاذ المراغى الثانية أن يكون تعيينه أيضا فى ذاك العهد و لا أدرى من أوعز إلى الشيخ الظواهرى الضعيف الإرادة بهذا التعيين السابق لأوانه و لم يبعد الشيخ الظواهرى فى هذا التبديل عبد العزيز بك محمد فقط بل أبعد معه عن المجلة الأزهرية فضيلة الأستاذ محمد الخضر حسين لعدم إمكان اتفاقه مع الأستاذ فريد وجدى فى المبادئ قاستبدل بهذين الرجلين المؤمنين بمعجزات الأنبياء و النشأة الآخرة من أنكرهما على صفحات الأهرام و لم يجف مداد الإنكار بعد .
[1] و كان الشيخ قبل مناظرته الأستاذ تحت تأثير مشكك آخر . و من أجل ذلك قابل شبه خصمه فى مناظراته هذه بإيمان ضعيف لا يكفل لحجته النجاح و الغلبة و لو لم يكن الشيخ تحت هذه المؤثرات لما وسعه أن يذهب فى تفسير بعض آيات القرآن الحكيم إلى تأويلات سخيفة لا يقبلها العقل و الذوق السليمان كقوله فى عرش بلقيس إنه لم يؤت به إلى سليمان عليه السلام كما هو مقتضى صراحة القرآن و إنما صنع مثله و قوله فى انفلاق البحر لموسى عليه السلام ثم أنطباقه على فرعون و جنوده أنه كان جزرا و مدا.
صفحة ( 175) أن رأيت بها من العجائب باسم العلم ما يعتبر الممكنات مستحيلات – فى حين أن العلم يسعى فيكاد يجعل المستحيلات ممكنات – و باسم الدين و تأليفه مع العقل و العلم ما يلغى ربع القرآن و يخليه من المعنى باسم المتشابهات .. بعد أن رأيت كل هذا أصبح عندى من الواجب كبح جماح المقتنعين و المغترين بالدعاوى الإلحادية تقليداً منهم و انخداعاً بما سمعوا من بعيد أن فى الغرب علوما مثبتة و علماء إثباتيين و على التعبير المصرى : و ضعيين لا يعترفون إلا بما يشهد به الحس و ينكرون ما وراء ذلك لعدم ابتنائه على أساس صحيح من العلم فمنهم الأستاذ فرح أنطوان مناظر الشيخ محمد عبده الذى يقول إن العقل و العلم لا يعترفان بوجود الله لعدم كونه منظورا بالعيون و كذا كل ما جاءت به الأديان و لم يدخل تحت المشاهدة و التجربة لأهل هذا العصر من المعجزة و الوحى و النبوة و البعث و الجنة و النار . و منهم نوابغ الكتاب و الشعراء المسلمون الذين شهد الأستاذ فريد وجدى بك باستيطانهم الإلحاد من غير ذكر أسمائهم و منهم الأستاذ المذكور نفسه المنقول كلامه من قبل و هو ينص على أن الأديان لا تأتلف مع العلم . فهى منبوذة بيد العلم إلى عالم الأساطير و كل ما ورد فى كتبها المقدسة مما ذكرنا فمن المستحيلات فى نظر العلم و العقل و غاية ما يقال فى تأويلها أنها متشابهات غير مفهومة و قد كان من جملة أقوال الأستاذ فريد وجدى المنقولة : (( أن الشرق الإسلامى لما اتصل بالغرب و ارتشف من مناهله العلمية ووقف على الميتولوجيا و الأديان المقذوف بها فها و وجد الإسلام أيضا بين تلك الأديان – لم ينبس بكلمة لأنه رأى الأمر أكبر من أن يحاوله و لكنه استبطن الإلحاد و تمسك به متيقنا أنه مصير أخوانه كافة متى وصلوا إلى درجته العلمية )) .. ففى هذا القول شئ كثير من المغزى جدير بأن تطال عليه وقفة التأمل : رجال من نوابغ البلاد الإسلامية يستنبطون الإلحاد و يتسترون فى تهيئة الأذهان لقبوله و لا يصارحون به غير أمثالهم لئلا يقاطعوا أو ينفوا من الأرض مع أن الأستاذ يعرف أن الإلحاد فى زماننا لا يكون مدعاة لنفى الملحد أو مقاطعته بل يهيئ له
صفحة ( 176 ) مركزا و أنصاراً بقدر ما يهيئ له من الأذهان الجديدة فضلا عن المهيئين و المهيئين من قبل و إنما السبب فى اجتنابهم المصارحة لغير أمثالهم أن الدعوة إلى الإلحاد من وراء الستار تكون أنجح و هم يعرفون ذلك كما يعرف الأستاذ و يقلدهم فى السعى من وارء الستار .
ثم لا شك أن الأستاذ صور نفسه حين يصور الشرق الإسلامى الذى أخبرنا باستبطانه الإلحاد بسبب اتصاله بالغرب و علومه إذ لا معنى لاستبطان الشرق الإسلامى و خصوصا لا معنى لقوله (( و تمسك به متيقنا أنه مصير أخوانه كافة متى وصلوا إلى درجته العلمية )) لأن ذلك القول لا ينطبق على الشرق الإسلامى فمن هم اخوان الشرق الإسلامى الذين سيكون مصيرهم مصيره فى الإلحاد متى وصلوا إلى درجته فى العلم ؟ فهل الشرق الإسلامى ألحد أولا و استبطن إلحاده انتظاراً منه أن يصل أخوانه الشرقيون غير المسلمين إلى درجته العلمية فيلحدوا مثله (1) ؟
و الحق انه لا معنى لهذا البيان فليس مراده من الشرق الإسلامى إلا نفسه و اخوانه الذين ينتظر أن يكون مصيرهم مصيره أخوانه .. ثم ذكر أن فى البلاد الإسلامية نوابغ مثله من الكتاب و الشعراء يستبطنون الإلحاد و يهيئيون الأذهان لقبوله دسا فى مقالاتهم و قصائدهم كما يدس الأستاذ .. فإن كان للفقرة المتقدمة من كلام الأستاذ معنى غير ما ذكرنا كانت هذه الفقرة الثانية تكراراً للأولى من غير طائل (2)
بداية هامش صفحة (176)
[1] و من العجائب أن مشيخة الأزهر تحاول دعوة الغرب إلى الإسلام بواسطة ترجمة القرآن إلى لغات الغربيين فى حين أن الشرق الإسلامى يستبطن الإلحاد على قول رئيس تحرير (( مجلة الأزهر )) و (( نور الإسلام )) فهل لا يلزم إذن أن يكون الشرق الإسلامى أحوج إلى الدعوة إلى الدين قبل الغرب ؟ و إن كان المراد من الشرق الإسلامى المستبطن للإلحاد هو الأستاذ نفسه أعنى رئيس تحرير مجلة الأزهر نبتدئ الحاجة إلى الدعوة من دعوة الأزهر و تستفحل الرزية.
[2] مثلا إن الأستاذ لا يصدق أو على الأقل يلزمه أن لا يصدق بخارقة تولد المسيح عليه السلام من مريم البتول بسبب كونها مخالفة لقانون العلم الطبيعى ويرد قول كتاب الله فيها إلى المتشابه كما رد إليه سائر آيات المعجزات بعين السبب و نص الكتاب هكذا : ==
نهاية هامش صفحة (176)
صفحة (177 )
و كان دس الاستاذ بلغ و اقرب إلى المصارحة لاسيما فى قوله (( لم ينبس بكلمة لما رأى دينه مائلا بين الأديان المقذوف بها إلى عالم الأساطير ، لأنه يرى الأمر أكبر من أن يحاوله )) يعنى أنه يرى غير ممكن أن ينقذ دينه فيخرجه من الحفرة التى قذف به إليها مع سائر الأديان بأن يدافع عنه بالمحاجة فقد سجل على نفسه نيابة عن الشرق الإسلامى بالعجز عن الدفاع عن الإسلام و لقن من يحاول الدفاع عنه درس اليأس ، و بهذه تم الدس !!
و قد جاءت كتابة هذه الكلمات من الأستاذ جوابا عما كتبته فى الرد على مقالته الأولى فكأنه حاول تهديدى بسلاح العلم الحديث قائلا : إن هذه المسائل التى تصر أ،ت على الاحتفاظ باعتقادها و توصى بها الناس ليعضوا عليها بالنواجذ قد قذف بها العلم الحديث – الذى له الدولة اليوم فى الأرض – قذف بها مع الأديان المنطوية عليها إلى حفر الأساطير .. وقد جرى قبلك أمور أنت فى غفلة منها و هى أن متعلمى الشرق الإسلامى بعد الاتصال بعلوم الغرب رأوا دينهم فى تلك الحالة المنبوذة ، فلم يستطيعوا أن يتكلموا فى اللوذ عن يدنهم كلمة .. قاله و ظننى أتهيب كون القاذف بالأديان جملة هو العلم و أكم فمى كما تهيب الشرق الإسلامى و كم فمه ، وقد عرفت أنه كنى بالشرق الإسلامى عن نفسه أو ظننى أشوب دفاعى عن كرامة الدين الإسلامى
بداية هامش صفحة ( 177)
== (( و اذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا . فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا . قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا . قالت أنى يكون لى غلام و لم يمسسنى بشر و لم أك بغيا . قال كذلك قال ربك هو على هين و لنجعله آية للناس و رحمة منا و كان أمراً مقضيا . فحملته فانتبذت به مكاناً قصيا ))
و لينظرالقارئ كيف تكون هذه الآيات الصريحة متشابهة غير مفهومة ؟ نعم فيها من المتشابه قوله تعالى فقط (( فأرسلنا إليها من روحنا )) . ( 12- موقف العقل – أول )
نهاية هامش صفحة (177 )
صفحة رقم ( 178 ) بشئ من التخوف و التقهقر أمام ذلك السلاح الراقى كما شاب الشيخ محمد عبده فى مناظرة الأستاذ فرح أنطوان لما حمل عليه الأستاذ بسلاح فصل الدين عن الدولة الذى تمسك به الغربيون فتقدموا على زعمه بفضل هذا التمسك و أهمله المسلمون فتأخروا فجعلته أى الشيخ هذه الجملة يتقهقر أمامها و يهاجم علماء الدين بدلا من خصمه متهما إياهم بالجمود و محملا عواتقهم وبال تأخر المسلمين فكأنه لولا جمودهم الذى يمنعهم من الأخذ بكل جديد لاقتبس المسلمون مبدأ الفصل أيضا كأنه لا مانع من العمل به غير جمودهم أو كأنه لا جواب عن مسألة إهمال هذا المبدأ غير الطعن فى علماء الدين بدلا من الطعن فى مبدأ الفصل نفسه!
لكن الأستاذ سيرانى إن شاء الله أصمد و لا أتقهقر أمام أى خصم فى الدفاع عن الإسلام حتى ولو كان الخصم علما من العلوم أو بالأصح و لو كان زعم كثير من الناس كذلك لأن لى عقيدة راسخة و إيمانا ثابتا يكفلان لى بأن الإسلام يعلو و لا يعلى عليه و أنه لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا.
أما تظاهر الأستاذ بالدفاع عن الإسلام بعد أن لقن الناس درس اليأس عن الدفاع برد ما فى القرآن من أنباء المعجزات و البعث عن القبور للحشر و الحساب و الثواب و العقاب .. برد كل ذلك إلى المتشابهات – فلا يزيد على العجز الذى سجله على نفسه فى تسجيله على الشرق الإسلامى بشئ غير ما يشبه قولهم : (( عذره أقبح من ذنبه)) إذ ليس معنى رد تلك الأنباء إلى المتشابهات إنكار ما جاء عنها فى القرآن بلطف بل معناه إنكاره بأقسى تعبير و أشنعه .. ففيه تكذيب القرآن بادعاء أن ما ورد فيه على صورة الواقع غير واقع ، و فيه تجهيل القرآن بادعاء أنه لا يميز المحال من الممكن فيحدث عما لا يمكن وقوعه فى صيغ الواقع (1) و فيه مع ذلك رمى القرآن بالفشل
بداية هامش صفحة (178 )
[1] و كان واجب الأستاذ لو أن عنده شئ من الغيرة الدينية أو استقلال الفكر أن لا يحكى فعل العلم الحديث هذا بالدين كمسلم بصحة ما فعله بل يحتج عليه بما معناه : غاية ما يكون ==
نهاية هامش صفحة (178 )
صفحة (179 ) و الإخفاق فى محاجة المنكرين فلا يحصل على شئ من غير إضاعة أنفاسه ، حيث يجتهد ليقيم شواهد على قدرة الله و صدق أنبيائه بالمعجزات التى أخبرنا بظهورها على أيديهم ، فتكون نتيجته عجز الله عن خلق تلك المعجزات و عن تفهيم الناس أنباءها المسرودة فى كتابة المنزل على خاتم رسله .. ففضلا عن إقناعهم بوقوعها يأتى بالقول المتشابه بدلا من المقنع كما أنه أى القرآن يحاول محاجة المنكرين لليوم الآخر استبعادا منهم لبعث الموتى عن قبورهم بعد أن كانوا ترابا بإيضاح قدرة الله عليه فى فنون من أساليب الإقناع و أمثلة القدرة ليقربه من الأفهام فلا يستطيعه و يقضى عليه بالفشل فهو فيما يقول مثلا فى آخر سورة يوسف: (( لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى و لكن تصديق الذى بين يديه .. )) الآية .
و فيما يقول : (( ذرهم يخوضوا و يلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون . خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذى كانوا يوعدون )) و فيما يقول : (( فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب و الترائب إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة و لا ناصر و السماء ذات الرجع و الأرض ذات الصدع إنه لقول فصل وما هو بالهزل .. )) وفيما يقول : (( و نادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين
بداية هامش صفحة ( 179 )
== من حق العلم المبنى على التجربة الحسية أن لا يحكم فى شأن الدين إثباتا أو نفيا كما قال معالى الدكتور هيكل باشا (( لا يثبت و لا ينفى )) أما قذفه بالأديان جملة إلى عالم الأساطيرالذى يرجع إلى الحكم فيها بالنفى فليس ذلك من حق هذا العلم بميزانه الحسى الضيق فإذا اجترأ عليه خرج عن حدوده فانقلب جهلا و سيطلع القارئ على تحقيق قولى هذا و تفصيله إن لم يطلع عليه فيما سبق من هذا الكتاب .
نهاية هامش صفحة ( 179)
صفحة (180 ) الذين يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا و هم بالأخرة كافرون )) و فيما يقول : (( فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إنى كان لى قرين يقول أئنك لمن المصدقين أئذا متنا و منا ترابا و عظاما أئنا لمدينون . قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرآه فى سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين و لولا نعمة ربى لكنت من المحضرين أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى و ما نحن بمعذبين إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون )) و فيما يقول : (( و أقسموابالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعداً عليه حقا و لكن أكثر الناس لا يعلمون . ليبين لهم الذى يختلفون فيه (1) و ليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ))
وفيما يقول : (( و من آياته خلق السموات و الأرض و ما بث فيهما من دابة و هو على جمعهم إذا يشاء قدير ))
وفيما يقول : (( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى و ربى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم و ذلك على الله يسير.))
و فيما يقول : (( يخرج الحى من الميت و يخرج الميت من الحيى و يحيى الأرض بعد موتها و كذلك تخرجون ))
و فيما يقول : (( أفعيينا بالخلق الأول بل هم فى لبس من خلق جديد))
و فيما يقول : (( أو لم يروا أن الله الذى خلق السموات و الأرض و لم يعى بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى بلى إنه على كل شئ قدير))
بداية هامش صفحة (180 )
[1] الأستاذ فريد أحوج الناس إلى البعث ليبين له الله ما اختلف فيه مع مجادليه و فيهم القرآن و آياته التى أوردنا بعضا منها و لم يقع من الأستاذ أن عدل عن دعواه و اعترف بأنه مخطئ أمام آية حجة قطعية و لعله ينكر البعث لئلا يظهر أخطاؤه فى مجادلاته مع الناس ظهورا لا قبل له بإنكاره .
نهاية هامش صفحة (180)
-181-
وفيما يقول : ((ق . والقر?ن المجيد .بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب . أءِذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد . قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ ))
وفيما يقول : (( لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة . أيحسب الانسان أن لن نجمع عظامه . بلى قادرين على أن نسوِّىَ بنانه . بل يريد الانسان ليفجر أمامه يسأل أيان يوم القيامة ))
وفيما يقول : (( ويل للمكذبين الذين يكذبون بالدين وما يكذب به الا كل معتد أثيم اذا تتلى عليه ?ياتنا قال أساطير الأولين . كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون . كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون . ثم انهم لصالو الجحيم . ثم يقال هذا الذى كنتم به تكذبون . ))
وفيما يقول : (( ويل يومئذ للمكذبين . فبأى حديث بعده يؤمنون (1). ))
وفيما يقول : (( يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون الا من أذن له الرحمن وقال صوابا . ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ الى ربه ما?با انا أنذرناكم عذابا قريبا . يوم ينظر المرء ماقدمت يداه ويقول الكافر يا ليتنى كنت ترابا .))
وفيما يقول : (( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ان الله عزيز ذو انتقام . يوم تُبدَّل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار وترى المجرمين يومئذ مقرنين فى الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشي وجوههم النار ليجزى الله كل نفس ما كسبت ان الله سؤيع الحساب هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو اله واحد وليذكر أولو الألباب ))
فى كل ذلك وأمثاله التى لا تحصي من كثرتها , يلزم على رأى الأستاذ فريد وجدى
الهامش
[1] وهذه الأيه أخر سورة كرر فيها قوله ((ويل يومئذ للمكذبين)) عشر مرات.
-182-
أن يكون القر?ن ببلاغته المسلَّمة لم ينجح فى مهمته ولم يقم بحجته وانما بحجته وانما أتى بعبارات غير مفهومة . واذا لم ينجح القر?ن فى تفهيم قدرة الله على انشاء الناس بعد موتهم وكونهم ترابا , نشأة جديدة , بالرغم من كمال اعتنائه بتفهيم ذلك فليس بناجح فيما سواه من مقاصده , ولم يبق معنى لكونه فى أعلى درجات البلاغة .. و اذا كان القر?ن معجزا فهل اعجازه فى أن لا يستطيع تفهيم كلامه وتبليغ مرامه فيأتى بما لا يفهم ويكرره فى أساليب منوعة غير مفهومة ؟ فهو معجز أم عاجز ؟(1) مع أن نصوصه التى أوردنا قبل هذا الكلام نماذج واضحة يفهم معانيها كل من يعرف العربية الفصحى . والحقيقه أن قول القائل فى حق كلمات ظاهرة المعانى:(( انها لا تفهم ))
معناه انكار مافهم منها ببرود ومرود .
هذا اذا كان مراد الأستاذ من اعتبار ?يات المعجزات و ?يات البعث بعد الموت من المتشابهات اعتبارها من متشابه اللفظ الذى لا يفهم معناه اللغوى كالحروف المنفصلة الواردة فى أوائل بعض السور(?) أما اذا كان مراده من رد المتشابهات اعتبارها من متشابه المعنى مثل ((الرحمن على العرش استوى )) بناء على أن له معنى مفهوما ولكن
الهامش
[1] وليت شعرى كيف يؤلف الأستاذ فريد الذى كان فى طليعة المحيذين لحادثة ترجمه القر?ن الى اللغة التركية ليقرأها المصلون فى تركيا الحديثة , وفى طليعة المنفقين فى سبيل تحبيذها كثيرا من الحبر والورق , كيف يؤلف بين ادعاء امكان الترجمه وبين كون كثير من ?يات القر?ن متشابها عنده لايفهم مراد الله منه ؟
أجل ولا عجب فى ذلك فان الأستاذ فسر القر?ن فيما مضي من الزمان من أوله الى أخره فيظهر أنه فسره من غير فهم , فلا يدع اذن ترجمة المترجمون أيضا غير فاهمين .
[2] وهذا الاحتمال على الرغم من كونه فى غاية البعد قد حملنا مراد الأستاذ عليه أولا لكون المحذور المترتب على الاحتمال الثانى الذى ذكرناه بعده وهو تكذيب ما نطلق به القر?ن, مستورا غير ظاهرا فى هذا الاحتمال ولأن ماادعاه الأستاذ فى مقالاته التى رد بها علىّ , من عدم كون ما أراد الله من تلك الأيات مفهوما ولا كونه مطلوب الفهم , يميل الى هذا الاحتمال , كما كان فى كلامه ما يميل الى الاحتمال الثانى أيضا .
-183-
المعنى المفهوم منه محال فى حقه تعالى لايهامه الجسمانية . فكأن المعانى المفهومة من ?يات المعجزات وبعث الاموات مستحيلة أيضا لاستحالة وقوعها , وقد صرح الأستاذ فى مقالاته بهذه الاستحالة عند نقاشنا المسألة . فاذا كان الأمر كذلك كان مراده من تسمية هذه الايات بالمتشابهات تكذيبها لكونها ناطقة بالمحالات , مع استبطان هذا التكذيب .
ثم انا لو فرضنا أن الأستاذ يتأول أيات المعجزات والبعث والنشور بهذا التأويل الفاسد المبنى على الفاسد وينقذ القر?ن على زعمه من أن يكون ناطقا بالمستحيلات , فماذا يفعل فيما يعتقده المسلمون أن القر?ن كلام الله المنزل بواسطة الملك على محمد صلى الله عليه وسلم وينطق به القر?ن نفسه كما ينطق بنزول التوراة والانجيل والزبور على موسي وعيسى وداود عليهم السلام ؟ مع أن العلم الحديث الذى تبجح الأستاذ به وبنبذه الأديان الى عالم الأساطير , لا يقر بمسألة الوحى وانزال الكتب , ويراها أيضا من المستحيلات المخالفة لسنة الكون كما يري المعجزات وبعث الأموات منها (1) ويعتبر هذا الرأى فى رأس أسباب نبذه الأديان الى عالم الأساطير , فهل يصد?ق الأستاذ العلم الحديث فى رأيه هذا أيضا , ثم يراجع الملخص الذى ابتدعه ازاء أيات المعجزات واحياء الموتى فيرد أيات الوحى وانزال الكتب أيضا الى المتشابهات التى لا تفهم معانيها أو لا تقبل على ظواهرها وينتهى بسخافته الى انكار أساس النبوة وانكار أن يكون القر?ن كتاب الله المنزل ؟؟ واذن فما معنى تأويل أياته وتأليفها بمقتضي العقل والعلم ؟ وما الحاجة الى هذا التكلف فى تصحيح نصوص كتاب ليس بكتاب الله ولا بضرورى
الهامش
[1] ألا ترى أن الأستاذ فرح أنطوان حين أحصي مالا يقبله العقل والعلم على زعمه من العقائد الدينية الأساسية مثل وجود الله والمعجزات والبعث والحشر والثواب والعقاب, ذكر معها الوحى والنبوة أيضا, ومن هنا سر اجتهاد الاستاذ فريد لما لاح له أخيرا أن يكتب مقالات فى ((مجلة الأزهر)) لاثبات امكان النبوة والوحى, فى تصوير النبوة بما يشبه العبقرية ان لم يجعل منها صراحة, وقد سبق الكلام عليه.
-184-
من هذه الناحية أن يكون جميع ما حواه مضمون الصحة ؟ مع أن ذلك التصحيح فى معنى الافساد والالغاء .
هذا رأى الأستاذ فريد وجدى بك وهذا ما ينتهى اليه رأيه وهو يعلن على صفحات جريدة(( الاهرام)) ولا يقابله الرأى العام الاسلامى بمصر بالاستنكار حتى ولا انشاءه عن كتاب المسلمين وشعرائهم النوابغ فى استبطانهم الالحاد وما ينتظرونه من أن يكون مصير غيرهم مصيرهم متى وصلوا الى درجتهم العلمية .
وقد يتوقع من الاستاذ بعد اطلاعه على قولى هذا أن يقول : (( اذا كان الرأى العام الاسلامى لم يقبل ما جهرت به من الفكرة بالاستنكار ولا الكتاب والشعراء النوابغ الذين أفشيت عنهم ما يستنبطونه من الالحاد وما يدسون فى مقالاتهم وقصائدهم ن تهيئة الأذهان لقبول ا يستنبطونه الى أن يكون الباطن ظاهرا ..... اذا كان هؤلاء وهؤلاء ل ينكروا علىّ ما كتبته وأنا اليوم رئيس تحرير ((مجلة الازهر)) ومديرها بعد مجلة ((نور الاسلام)) فماذا يكون من حق الشيخ مصطفي صبري أن يقوله , ومعى من المؤيدات ما أحصاه هو نفسه ؟.. ومن بديع المؤيدات أن تعيينى من مجلس الازهر الأعلى لرأس مجلة الازهر المسماة يوم التعيين ((نور الاسلام)) صادف زمنا اوشك فيه النقاش بينى وبين الشيخ أن ينتهى ولم ينه بعد , فجاء ذلك جوابا على حملات الشيخ أبلغ من الرد الذى تتضمنه مقالاتى المقابلة )) !!
وأنا أجيب على قول الأستاذ هذا المفروض بأنى لا أنكر هذه المؤيدات لاسيما الأخيرة التى نالها كمكافأة على رأيه فى معجزات الأنبياء وبعث الناس بعد الموت وتحمسه فى حكاية مافعله العلم الحديث بالأديان وماعجز الشرق الاسلامى أن يفعله من الدفاع عن دينه وما زاد الطين بلة من تطوع نوابغ الكتاب والشعراء وكلاء العلم الحديث الغربي فى الشرق الاسلامى للسعى فى القضاء على ما بقي فى القلوب من الاسلام
-185-
واقامة الالحاد مقامه , دسا فى مقالاتهم وقصائدهم .... أنا لا انكر وقوع المكافأة على ما لعب الأستاذ من دوره فى هذه الأفعال التى مثلها بمهارة , حتى انى لا أنكر احتمال ارتقائه بعد حملاتى الجديدة عليه فى كتابي هذا , ان لم أقل الى مشيخة الازهر فالى مشيخه كلية أصول الدين !.. وربما أكون أخدم مصلحته بتلك الحملات ولا أضمن به عليه , بصفة رجل ضحى بكل شيء فى سبيل التصريح بكلمة حق , لاسيما فيما يتعلق بالدفاع عن الاسلام وعقائده العزيزة .... لا يمنعنى من نقد أفكار الأستاذ ومبادئه المستندة الى التقليد المحض للغرب , كثرة المؤيدات التى وجدها وقد لا يزال يجدها فى مصر الحاضرة المقلدة بل المستبطنة للالحاد على تقدير الأستاذ نفسه فى حق الشرق الاسلامى الذى لا يمكن أن تكون مصر خارجة عنه , ولا يكبر فى عينى أن تكون الدنيا مع الأستاذ زيادة على مستبطنى الالحاد النوابغ بل ولا العلم الذى يدعى أنه يستند اليه فيما يستند اليه , اذ لا يمكن أن يكون العلم الذى يدعو منعلميه الى الالحاد , علما صحيحا تجاه قوله تعالى ((شهد الله أنه لا اله الا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط )) بل انى أقول قولا يحل ماأشكل على الأستاذ فى مسألتى المعجزة والبعث بعد الموت من أساسهما : وهو أن الأستاذ الذى أنكرهما وادعى استحالتهما عند العقل ... لاشك أنه تابع فى هذا الرأى للغربيين علماء العلم الحديث الذى أطراه فى صدر مقالته كما نقلناه من قبل , ولكن هل يعرف الأستاذ أن منكرى المعجزات والنشأة الأخرى من علماء الغرب ينكرونها لعدم اعترافهم بوحود الله وبنائهم الكائنات على أساس الطبيعة ؟ فلو كانو اعترفوا بوجود الله الذى يخلق ما يشاء ويختار فلا داعى اذن الى انكار المعجزات والنشأة الثانية ولا الى القول باستحالتهما عند العقل لأنه اذا كان الله هو الذى خلق الناس فى نشأتهم الحاضرة ففى الامكان دائما أن يخلقهم بعد موتهم وتلاشي أبدانهم مرة ثانية أو ثالثة أو كلما شاء ذلك . وكذا اذا كان الله خالق الحيوان والنبات بجميع أنواعهما فمن السهل عليه أن يخلق ثعبانا من عصا موسي عليه السلام
-186-
ولامانع منه أصلا فى نظر العقل بعد تسليمه بوجود الله , وبعد الاعتراف بوجود الله يكون كل شيء سهلا ويكون التوقف فى مسألة المعجزات أو البعث بعد الموت لا داعى له الا غباوة المتوقف (1).
فلابد للاستاذ فريد وجدى اما أن يومن بالله ويؤمن معه بما جاء فى كتابه من أنباء معجزات أنبيائه وبعث الناس بعد موتهم كما يفعله كل مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر , واما أن لا يؤمن بالله ولا بما جاء فى كتابه من أنباء المعجزات والبعث كما يفعله الذين أخذ عنهم انكار المسألتين من ملاحدة الماديين والطبيعين والذين سأناقشهم فى هذا الكتاب على أساس ضلالاتهم أعنى انكار وجد الله .
?
ثم انا لا نقتصر فى الاستشهاد لغلبة عقلية الالحاد فى مصر بين المتعلمين العصريين بدافع تيار الضلال العلمى , على الشواهد المتقدمه , وان كان كل من تلك الشهادات لاسيما شهادة الأستاذ فريد وجدى بك بالنظر الى مركزه الأزهرى الذى حصل عليه قبل خروجه من حلبة المناظرة , قائمة مقام شهادات شهود غفيرة :
فقد وقع فى مقالة أرسلت من باريس الى مصر قبل سنوات (2) نالت الجائزة الأولى فى المباراة الصحفية عنوانها : (( عدة النجاح لرجل القرن العشرين )) وقد نشرتها جريدة (( الأهرام )) فى عددها 1858:
الهامش :
[1] على أن الفليسوف الكبير ((كانت)) الذى انتقد جميع أدلة وجود الله المعروفة واختار دليلا أخر اخترعه كما سيأتى بيانه فى هذا الكتاب, أثبت وجود عالم الأخرة بالدليل نفسه الذى أثبت به وجود الله, ومعنى هذا أن لوجود عالم الأخرة أهميه عند ((كانت)) بدرجه أهمية وجود الله حتى انه ان لم يصح وجود الأخرة لعيب فى دليله لم يصح وجود الله أيضا لاستنادهما عنده الى دليل واحد.
[2] لكاتبها عضو بعثة الجامعة المصرية بباريس, الوربون والماجستير فى الأداب
-187-
((.... واذا أردت أن تعرف الفرق بين العقليتين ((الغيبية والعلمية)) فسل من شئت من عامة الناس لماذا يطير الطائر ؟ فسيكون جوابه حتما : لأن له أجنحة , وهو بذلك يجعل الطيران نتيجة العضو , والعلم يري عكس ذلك أى يري الوظيفة متقدمة وقد نتجت عنها العضو .
(( وصفوة القول أن الرجل العصري يجب أن ينبذ العقلية الغيبية (1) ويطاردها فى كل مكان حتى تستوى له عقلية علمية من هذا الطراز الذى نشاهده فى معامل العلماء .
((يتصل بالعقلية الغيبية هذا الاعتقاد الشرقي بأن العالم مسيَّر لا قدرة لنا فيه وأن القوة المسيَّرة تتدخل فى تتابع أحداثه تقدم وتؤخر وتحي وتميت بغير حساب , ويجوز أن تعدل عما سبق أن كتبت من أجال , وقد تسرب هذا الاعتقاد الى فلسفاتهم دينية كانت أو عقلية , فقد بحث متكلمو المسلمين فى هل يستطيع الله أن يقدم الأجال أو يؤخرها عن ساعتها فذهب بعضهم الى امكان ذلك , وهم لعمري لم يفهموا بذلك قدرة الله تعالى , فان النظام المطرد فى العالم وتسلسل العلل ومعلولاتها أدل على القدرة اللامتناهية من ذلك التصور الركيك الذى يجعل من قدرته تعالى وسيلة لتغيير النظام الذى فطرته وأبدعته (2) وكأنى بأولئك المتكلمين ومن لف لفهم , يتصورون هذا النظام على أنه ليس من طبيعة الاشياء نفسها ولكنه فرض فرضا عليهما من خارجها يمكن تعديله او العدول عنه فى كل لحطة , لهذا استسلم أهل الشرق الى ما أسموه تارة ((بالقدر)) وتارة ((بالقسمة)) وتارة ((بالنصيب)).
الهامش
[1] يريد بها العقلية الدينية.
[2] يريد به التعريض لمسألة المعجزة والطعن فى المؤمنين بها أيضا, فالله تعالى يمدح الايمان بالغيب ويجعله رأس أوصاف المهتدين بهدى القر?ن فيقول ((الم ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)) وكاتب المقالة من باريس يوصي قومه بمصر أن يطاردوا العقلية الغيبية وتراها لجنة المباراة الصحفية بها جديرة بالجائزة الاولى.
-188-
أوجب كاتب المقالة على رجل القرن العشرين أن يطارد العقلية الدينية , التى ذكرها تحت ستار العقلية الغيبية أى عقلية الايمان بالغيب , فى كل مكان ويطارد معها ما يتصل بها من الاعتقاد الشرقي القائل بأن العالم مسير لا قدرة لنا فيه , ذلك الاعتقاد الذى نسميه الايمان بالقدر .
وأنا أقول ان الشرقيين المتدينين يعتقدون كون العالم مسيرا من قِبل الله وهذا ما لا يرضاه الكاتب , لانه على مذهبه الذى يفهم من كلامه سائر بنفسه ولا مسير له .
وخلاصة ما لا كه بين فكي قلمه هى الشكاية المعروفة المبتذلة من تأخر الشرق المتدين باستسلامه الى القدر واهماله السعي والعمل وهو يزعم ان منشأة الايمان بالقدر المستور عنا , فى ضمن الايمان بالغيب الذى أوله الايمان بالله على الرغم من كونه غير منظور كما قال الأستاذ فرح أنطون وذكرناه فى رقم (?) والايمان بالله – يقود المؤمن الى اعتقاد أنه الحاكم المسيطر على العالم الذى هو ملكه لا يشاركه فيه أحد ولا يجرى فى ملكه الا ما يشاء . فلا يسع عقل الكاتب القصير تأليف السعى والعمل للانسان وتقدير أى قيمة لسعيه وعمله , مع اعتقاد أن العالم فى قبضة الله لا ينفذ فيه غير مشيئة الله , وتكون نتيجة عجزه عم هذا التأليف أنه يسعى لتحريض الشرق المؤمن بالله وبالقدر خيره وشره من الله , على مطاردة العقليه الدينية الغيبية وبعد تلك العقلية رأس كل خطيئة , وتعد لجنة المباراة الصحفية بمصر مقالة هذا الكاتب – وياللاسف – جديرة بالجائزة الاولى .
فلو علم الكاتب بالاختصار قول نبيه صلى الله عليه وسلم (( اعملوا فكل ميسر لما خلق له )) أو قرأ بالتفصيل كتابي (( تحت سلطان القدر )) المنشور قبل مقالته بعامين , لما فقد عقله بين العقليه الغيبية والعلمية وما تعذر عليه التأليف بين سعى الانسان وايمانه بالقدر . وانى جد متعجب من كون الطاعنين فالايمان بالقدر وفيهم كثير من علماء هذا الزمان , يعيبون هذه العقيدة القائلة بأن كل شيء فى العالم يجرى تحت مشيئة الله وفيه أفعال الانسان وارادته , بأنها تجر معتقدها الى الكسل وتمنعه عن العمل , مع أن أصحاب
-189-
هذه العقيدة الرادين كل ما يقع فى العالم الى مشيئة الله , يقولون ان الانسان يعمل تحت مشيئة الله ولا يقولون انه يكسل ويتوقف عن العمل تحت مشيئة الله , ومن أين يحكم أولئك الطاعنون أن الله تعالى يريد لعباده الكسل ولا يريد لهم العمل ؟؟ نعم يتثاقل من يتثاقل عن السعي بمشيئة الله ويسعي من يسعي أيضا بمشيئة الله , فلا فرق فى مسألة السعى والعطالة بين العقيدتين عقيدة كون الانسان فى قبضة مشيئة الله وعقيدة كونه مستقلا فى افعاله .
ولهذا لم يقع فى السلف ترجيح أحد المذهبين المختلفين بين الأشاعرة والمعتزلة فى مسألة أفعال الانسان على الأخر بسبب تأديته الى العمل والأخر الى الكسل , وانما حدث هذا الترجيح فى زماننا من بعض العلماء الغافلين تقليدا للجريان الأتى من الغرب الرامى الى اتهام المسلمين فى عقائدهم , وكاتب المقالة ماش على طريقة هذا الاتهام ومن اين له – وستعلم مبلغ عقله ومنطقه – التقدير بدقه المسألة النى التبست على عالم كبير مثل المرحوم الشيخ بخيت كما هو مبسوط فى كتابي المار الذكر ؟ فقد لا يستكثر التباسها على كاتب المقالة من باريس . الا أن هناك نقطة أخرى توجب معاتبة الكاتب ومؤاخذته عليها , وهى أنه يعيب الشرق المتدين بعقيدة القدر لكونها عقيدة الجبر بالاجمال وهو لا يدرى أن الانسان مسير أيضا فى مذهب ملاحدة الماديين والطبيعين الذين يروج الكاتب أراءهم فى غير موضع من مقالته لكنه مسير عندهم من قبل الطبيعة لا من قبل الله , ويسمي مذهبهم مذهب الايجابية , والجبر الذى فى مذهبهم أشد وأقسي من جبر الله الذى يؤلفه باختيار الانسان وقد حققته فى (( تحت سلطان القدر )) كما انى سأزيد على تحقيقه فى هذ الكتاب ان شاء الله . وهذا الذى قلنا يشهد به أن المادى والملحد المشهور ((بوخنز)) ينفي فى كتابه (( القوة والمادة)) الارادة والاختيار للانسان , لكن كاتب المقالة غير عارف حتى بمذهب الذين يقتدى بهم .
فقوله بصدد الاستهانة بالمتكلمين علماء الاسلام : (( وكأنى بأولئك المتكلمين ومن لف لفهم يتصورون هذا النظام (فى العالم ) على أنه ليس من طبيعة الأشياء نفسها
-190-
ولكنه فرض فرضا عليها من خارجها يمكن تعديله أو العدول عنه )) من ذلك الفارض , صريح فيما ذهب اليه ملاحدة الماديين والطبيعين مثل ((بوخنز )) الالمانى وغيره من أن نظام العالم الذى يجد فيه المتكلمون فى الشرق والفلاسفة الالهيون فى الغرب أجلى دليل على وجود ناظم حكيم عليم خارج عن العالم المعبر عنه بما سوى الله , أتاه من نفسه وطبيعته لا من خارجه . فكاتب المقالة يزين هذا المذهب القديم الباطل فى أعين القارئين بزى حديث علمى يليق برجل القرن العشرين أن يتخذه مذهبا له ويستغنى عما كان الناس يعتقدون فى القرون الماضية من وجود اله خالق للكائنات ونظمها .... ذلك المذهب الذى عنينا بابطاله فى هذا الكتاب , ولجنة المباراة الصحفية بمصر تري المقالة مستحقة للجائزة الأولى معلنة بذلك تحبيذ ما اقترحه الكاتب فى مقالته على أهل بلاده من نبذ العقلية الدينية التى يسميها العقلية الغيبية استنكارا لها ونبذ ما عليه المتكلون علماء أصول الدين من أن واضع نظام العالم هو الله الذى خلق العالم . وهذا كارتقاء الأستاذ فريد وجدى الى رئاسة مجلة ((نور الاسلام ))
الأزهرية عقب نشر مقالاته المنكرة لمعجزات الأنبياء والنشأة الأخرة للناس بعد موتهم .
أما ايهام كاتب المقالة الباريسية فى سياق كلماته كأنه يؤمن بالله وبقدرته السامية فهو تكتم ظاهر ومراعاة لصنعه الدس الذى ذكره الأستاذ فريد وجدى لستبطني الالحاد من الكتاب والشعراء النابغين فى الشرق الاسلامى . فان لم يكن كاتب المقالة من النوابغ فهو يسعى بدس الالحاد فى مقالته ليكون منه , حيث يتكلم عن قدرة الله تعالى اللامتناهية التى فطر بها نظام العالم وأبدعه ثم يدعى أن ذلك النظام أـ من طبيعة الأشياء نفسها لم يفرض فرضا عليها من خارجها كما يتصوره المتكلمون , ويعنى بهذا أن نظام العالم لم يأته من قبل الله . وهذا تناقض واضح ينفجر ن بين عقلية الكاتب اللادينية العلمية وبين تظاهره بالايمان بالله وبقدرته اللامتناهية , رئاء لا تتماسك أركانه , وقلما تكتب فى الدنيا مقالة ملأى بالمناقضات والاغلاط العلمية كهذه المقالة . فلو قدرت
الصفحة المائة وواحد وتسعون
لأعطيت لجنة المباراة الصحفية المصرية التى أنالت المقالة الجائزة الأولى جائزة الاختيار المعكوس الأولى وبهذا كانت مصر اتت بشاهد جديد لصدق ما قلت عنها سابقا من أن ضعف الدين يروج فيها أكثر من قوة العلم و إني أرجح هذا الاحتمال على احتمال كون أعضاء اللجنة بعيدين إلى هذا الحد من تمييز الكاسب في المباراة عن الراسب ومن مناقضات كاتب المقالة لنفسه الدالة على جهلة العميق بالمباحث العلمية التي يتكلف التكلم فيها أنة قال بعد رمى المتكلمين بعدم الفهم لقدرة الله أو تفهيمها للناس أن النظام المطرد في العالم وتسلسل العلل والمعلولات أدل على قدرة الله اللامتناهية من ذلك التصور الركيك الذي يجعل من قدرته تعالى وسيلة لتغيير النظام الذي فطرته وأبدعته وأنا أقول : تسلسل العلل والمعلولات ليس ألا قول المنكرين لوجود الله فهم يقولون إن العالم عبارة عن مجموعة سلسلة العلل والمعلولات اللامتناهيه فكل علة في السلسة معلولة لعلة تقدمتها وكل معلول علة لمعلول آخر يعقبه فلا تنتهي سلسة العلل المتصاعدة إلى علة تكون هي العلة الأولي وينقطع فيها التسلسل لعدم وجود علة تتقدمها كما لا تتنازل المعلولات إلي معلول أخير لا معلول بعدة فسلسلة الكائنات وكم فيها من سلاسل كالحلقة المفرغة من حيث أنها لا أول لها ولا آخر وإن كانت مختلفة عن الحلقة في شكل الامتداد إذ لا تنازل في الحلقة ولا تصاعد كما كانا في سلاسل الكائنات الممتدة بين الماضي والمستقبل فهذا هو تسلسل العلل والمعلولات والذين يثبتون وجود الله يثبتونه بأبطال هذا التسلسل من جانب الماضي أي تسلسل العلل الذي لا ضرورة علي تقدير القول
صفحه مائة اثنان وتسعون
بعدم بطلانه للاعتراف بوجود الله فيجعلون الله تعالي مبدأ لسلسة الكائنات ويقطعون بة تسلسل العلل الذي هو تسلسل في جانب الماضي والقائلون بهذا التسلسل يريدون أن يستغنوا به عن الاعتراف بحاجة العالم إلي وجود الله وكاتب المقالة يقول عن هذا التسلسل الذي يتمسك به نفاه الله للاستغناء عن القول بوجوده إنه أدل علي قدره الله اللامتناهية فكأنة تعالي خلق آثارا ومؤثرات تتعاقب في الوجود وتغني من كثرتها وعدم تناهيها عن أن يكون الله هو نفسه موجودا علي أن يكون المؤثر الأول الذي لا مؤثر قبلة لأن الحاجة إلي وجود الله إنما تتصور علي تقدير انقطاع سلسلة العلل المؤثرة في جانب الماضي أما إذا لم تزل السلسة مستمرة في الانتقال من علة سابقة إلي أسبق ولم تنته إلي علة ليست قبلها علة فلا يكون الله موجودا ولا يأتي في السلسلة الممتدة إلي جانب الماضي دور الحاجة إلي وجودة مهما تمادى متماد في الرجوع إلي ذلك الجانب وكان كاتب المقالة إلي لجنة المباراة يأخذ علي المتكلمين أنهم يجعلون من قدره الله وسيلة لتغيير النظام الذي فطرته وأبدعته ويعتبر ذلك تصورا ركيكا والحال أن الأستاذ نفسه يجعل من قدره الله تعالي اللامتناهية وسيلة لإغناء الكائنات عن وجودة أي الله نفسه ولا يري ما فيه من الركاكة البالغة حد الاستحالة وهى قدره الله على أن تجعل سلسة الكائنات مستغنية عن الله نفسه فتجعلها أي الكائنات موجودة من غير حاجة منها إلي وجود الله فبالنظر إلي أن هذا الجعل من الله فالله موجود وبالنظر إلي وجود الكائنات من غير حاجة إلي وجود الله فالله غير موجود فهذا تناقض ناتج من كلام الأستاذ في مقالته منشأه تجويز تسلسل العلل من غير انتهاء إلي العلة الأولي الذي يتمسك به نفاه وجود الله بالمرة والكاتب من المعجبين بهم مع التظاهر بالاعتراف بوجود الله ولا معنى لهذا الاعتراف غير التناقض المردود أو الدس المعهود ومسألة بطلان تسلسل الذي يأتي تحقيقه إن شاء الله في المطلب الأول من الباب
صفحه مائة وثلاثة وتسعون
الأول من هذا الكتاب وفي الفصل المعقود لمسألة حدوث العالم من الباب الثاني لم يفهمها الشيخ محمد عبده بل الفيلسوف الألماني الكبير كانت أيضا لما انتقد أدلة وجود الله المعروفة فما ظنك بالأستاذ الكاسب للجائزة الأولي من لجنة المباراة الصحفية الغافلة أو المغرضة وما ذنب علماء الأزهر المتأخرين بقليل في تجرؤ من هب ودب من الكتاب الأحداث على العلوم الدينية من غير أن يكون لديهم إلمام بها وهذا بعد ذنب البيئة العلمية التي نشأت هذا الشاب مجهزا بخليطه من العلم بدنياه والجهل بدينة مع الظن بأنة علم أيضا يقضى علي علوم علماء الإسلام المتقدمين والمسئول الأول عن ضلالة الطريق العلمي المستقيم بل المذنب الأول الذي شجعه علي التخبط في مسائل تتعلق بالدين الإسلامي من غير تزويده بما يجعله أهلا للتكلم فيها هو الجامعة المصرية إن كانت هي منشأه وإن كان ناشئا من جامعة غربيه فالمذنب الحقيقي سوق مصر الثقافية التي تقيم لأبناء البلاد المتخرجين من جامعات الغرب وزنا زائدا والشاب المنغمس إلي ذقنه في أخطاء علمية ليوجه حملات طائشة إلى دينه وعلماء أصول دينه المتكلمين لابد أنة ضحية أولئك المذنبين الأولين أما عد قول المتكلمين القائلين بقدره الله علي تغيير النظام الذي فطره وأبدعه في الكائنات من التصور الركيك ففيه نزعه إلي منكري المعجزات مدعين أنها تغيير نظام العالم وأنة محال إلا أن محالية التغيير هذا مبنية علي قولهم بكون نظام العالم طبيعيا ناشئا من العالم نفسه لا دخل فيه لصنع الله إذ لو لو كان هو صانعة وواضعة وكان مختارا في وضعه لكان من الضروري أن يقدر علي تغييره إذا شاء ذلك ككل واضعي نظم وقوانين حيث يقدرون علي تغيير ما وضعوه عند اللزوم لكن كاتب المقالة خلط قول المنكرين لتغيير نظام العالم إنكارا ناشئا من إنكارا وجود الله وإنكار كونه واضع ذلك النظام بكونه فاطره ومبدعه وهو تشوش وتناقض
صفحه المائة وأربعه وتسعين
ومع كون الكلمة التي نقلنا عن مقاله هذا الكاتب مكتظة بالأخطاء الفاحشة الدالة علي أن يتخبط في مسائل علميه لا علم له بها إلا سماعا لبعض نواحيها من بعيد فمع ذلك لا مناسبة منطقيه بين الجمل التي ربط ب بعضها ببعض وانطوى كل منها بمفردة علي غلط فكري انظر قوله يتصل بالعقلية الغيبية هذا الاعتقاد الشرقي بأن العالم مسير لا قدره لنا فيه يعني ونحن مسيرون مع العالم لا قدره لنا في أفعالنا ولا اختيار فهو يحاول الطعن في الإيمان بالقدر وقد قلنا إنه يريد بالعقلية الغيبية التي يراها سامحه الله جديرا بالمطاردة في كل مكان العقلية الدينية مع أنه لا اتصال بين مسألة كون الإنسان مسيرا لا قدره له ولا اختيار وبين العقلية الدينية اتصال تلازم فقد يكون المرء من أهل الدين ولا يكون في مذهب التيسير كالمعتزلة من المسلمين بل الماتريديه أيضا وقد يكون في مذهب التيسير مع كونه غير معتقد للدين كملاحدة المادية الإيجابية من الغربيين ومقلديهم في الشرق وقد يكون الرجل الغربي أو الشرقي مسيحسا أي متدينا ويكون عنده الإيمان بالقدر كالمسلم الشرقي فلا صله إذن بين الأمرين اللذين ذكرهما الكاتب متصلين أما تدقيق مسألة التسيير الذي يتضمنه الإيمان بالقدر للتوصل إلي كونه حقا أو باطلا فالكاتب بمعزل عن الدخول في ذلك البحث الذي اتخذته موضوعا لكتاب مستقل ولم يخل عنه هذا الكتاب أيضا ومن أمثله الخلط والخبط في كلامه قوله فقد بحث المتكلمون في هل يستطيع الله تعالي أن يقدم الآجال أو يؤخرها عن ساعتها فيقال له متى ساعة الأجل ومن ذا يعينها حتى يبحث في هل يستطيع الله تقديم الآجال أو تأخيرها من ساعتها فإن كان الله تعالي هو معين ساعة الأجل فالبحث في استطاعته التقديم و التأخير أو عدم استطاعته لتقديم الآجال عبث وتناقض وإن كانت الطبيعة تحكم في الكائنات فلا معني لوجود الله وتدخله في تقديم الآجال أو تأخيرها من ساعتها فإن كان الله تعالي هو معين ساعة الأجل فالبحث في استطاعته التقديم والتأخير أو عدم استطاعته لتقديم الآجال أو تأخيرها وليس في علم الكلام متكلم تكلم في استطاعته الله أو عدم استطاعته لتقديم الآجال أو تأخيرهم
صفحة مائة وخمسة وتسعين
عن ساعتها ولعل هذا القول من الأستاذ كاتب المقالة تحريف مسألة كلامية هي أن المقتول ميت بأجله خلافا للمعتزلة الذاهبين إلي موته قبل أجلة لكن هذا التقديم عندهم من القاتل لا من الله كما في قول كاتب المقالة ثم لا مناسبة أصلا بين هذه المسألة التي لا محل لها في علم الكلام أعني مسألة هل يستطيع الله تعالي تقديم الآجال أو تأخيرها عن ساعتها وبين ما ذكر الكاتب بعدة معتديا علي المتكلمين وهم لعمري لم يفهموا بذلك قدرة الله تعالي فإن النظام المطرد وتسلسل العلل والمعلولات أدل علي القدرة اللامتناهيه ولا بين هذا القول الأخير وما يعقبه من قولة من ذلك التصور الركيك الذي يجعل من قدرته تعالي وسيله لتغيير النظام الذي فطرته وأبدعته كما بيناه وكذا لا مناسبة بين قوله وكأني بأولئك المتكلمين يتصورون هذا النظام علي أنه ليس من طبيعة الأشياء بل فرض فرضا عليها من خارجها ..الخ وبين قوله لهذا أي لكون متكلمي الإسلام قائلين بأن نظام العالم ليس من طبيعة الأشياء بل له ناظم من خارج العالم فرض هذا النظام علي كل شيء فيه وهو الله أستسلم أهل الشرق إلي ما أسموه يعني أن رأس الخطأ في استسلام الشرقيين إلي ما أسموه القدر اعتقاد وجود إله واضع لنظام هذا العالم فكأن الرجل ينعي علي الشرقيين هذا الاعتقاد وذاك الاستسلام الذي يتفرع عليه وهو كفر صريح يستحق به الكاتب النعي علي نفسه وعلي ما تحيه الجائزة الأولي وأما تمثيله العقلية الغيبية والعقلية العلمية ليتبين الفرق بينهما بمثال أجنحه الطائر سائلا هل هو يطير لوجود أجنحه له أم أن كونه ذا أجنحه نتيجة لوظيفة الطيران المتقدمة علي الأجنحة وبالاختصار هل يطير لكونه ذا أجنحه أم أنه ذو أجنحه لكونه في حاجه إلي الطيران ومجيبا باختيار الشق الثاني واعتباره العقلية العلمية دون الشق الأول المبني علي العقلية الغيبية فما يثير الضحك وقد قلنا إن مراده من العقلية الغيبية العقلية الدينية ولم يكن من الصعب إيراد مثال بل أمثله لإيضاح الفرق
صفحة مائة وستة وتسعون
بين العقليتين ولا لمسألة أجنحه الطائر صلة بالدين لكن الأستاذ كاتب المقالة وكاسب الجائزة وحد بين العامي الجاهل والمتدين المؤمن بالغيب وجعل لهما عقليه واحده سماها العقلية الغيبية ثم حاول في تمثيلها بمثال أجنحة الطائر أن يفيد الناس من علومه الحديثة فعرض عليهم مسألة من نظريات لامارك الذي كان زعيم مذهب النشوء والارتقاء قبل دارون وقد وجد هذا الأخير عيبا في آراء الأول وانتزع الزعامة منه واليوم حين انتقدوا نظرية دارون وظهرت علامة الإفلاس في أساس المذهب يحاول الكاتب الكاسب أن يبيع نظريه لامارك التي أفلست قبل نظريه داروين بثمن غال و إذا رجعنا إلي بحث المثال فلامارك هذا يري أن العضو نتيجة الحاجة إلية فالحيوان يحتاج مثلا إلي الطيران للفرار من أعدائه ويسعي إلي الجهة التي تنجيه منها فتذهب سيالات من بدنه إلي المحل المحتاج إلي العضو فيحصل فيه الجناح وكذا الاستعمال واعتياده يقوى العضو ويزيد في نموه ولا كلام لنا في صحة المسألة الثانية أعني نمو العضو بكثرة استعماله فهي ثابتة بالتجارب إلا أن لامارك اجتاز منها إلي المسألة الأولي أعني كون وجود العضو نتيجة الحاجة إليه عملا بالقياس لكن حصول العضو من عدم بمجرد الحاجة إليه والاجتهاد في تحصيله لا يقاس علي نمو العضو الموجود بكثرة استعماله لكونه قياسا مع الفارق بل لا إمكان للقياس بناء علي ما قلنا وكما لا صحة لهذا القياس لا تثبت التجربة حصول العضو من الاحتياج فلو كانت أجنحه الطيور نابتة من احتياجها في زمن من الأزمنة الماضية إلي الفرار من مهلكة والسعي فيه لحصلت أجنحة في أفراد الجيش المنهزم الهارب وأفراد الجيش الغالب المعقب ولا سيما إذا تكرر الهرب من الأول والتعقيب من الثاني وفضلا عنها
الصفحة المائه وسبعه وتسعون
لو صح ما قاله كان الأولي بالناس في عصر الطيران هذا أن يبذلوا جهودهم في الحصول علي الأجنحة العضوية ليطيروا بأنفسهم بدلا من أن يبذلوا في أنشاء الطائرات أو علي الأقل في الجمع بينهما وقد سعي أحد الأمريكيين علي ما كتبته الجرائد أن يطير بأجنحة صناعية وقضي نحبه في سبيل الطيران بها فليته تعلم نظريه لامارك من الأستاذ كاتب المقالة من باريس إلي لجنة المباراة الصحفية بمصر وفكر في الحصول علي أجنحه عضويه إنسانية والطيران بهذه كان أسلم من خطر السقوط قياسا علي أجنحه الطيور هذا ويمكن أن يكون مراد بطل المباراة الصحفية مما أتي به مثالا من أجنحة الطائر للفرق بين العقلية الغيبية والعقلية العلمية أن ملاحده الماديين ينكرون وجود العلل الغائية في نظام العالم إنكارا منهم للنظام نفسه وتوسلا به إلي إنكار وجود الله الذي أنشأ العالم عالما بما يصلح له كل جزء من أجزائه من الوظائف فيدعون انه لا شيء من الموجودات قد وجد لأي غاية أو فائدة فإن كانت تترتب علي وجودة فائدة من الفوائد فذاك ترتب اتفاقي غير مقصود فالعين تبصر و الأذن تسمع والمخ يفكر والأجنحة تطير لا لأن كل ذلك وظائف عينت لها هذه الأعضاء إذ لا منشئ ولا وظائف ولا تعيين وإنما يحصل كل ما يحصل من الأشياء في العالم علي طريق المصادفة والاتفاق فالطائر يطير لأن له جناحين لا أن له جناحين ليطير بهما ومعني هذا أنه لم يعطهما ليستعين بهما عند الطيران وإنما وجد له جناحان مصادفه وحصل بهما الطيران مصادفه من غير أن يكون معطي الجناحين ولا قصد شيء من إعطائهما وسيجئ بحث هذة النظرية العجيبة التي بني الملاحده عليها صرح الإلحاد مستوفي في محلها من هذا الكتاب فبطل المباراة الصحفية يعتبر هذه العقلية المنكرة للعلل الغائية في العالم ونظامه إنكارا ناشئا من وجود الله يشهد به قوله بكون النظام ناشئا من طبيعة
صفحة مائة وثماني وتسعون
الأشياء غير مفروض عليها فرضا من خارجها عقليه علميه ويعتبر العقلية المعترفة بالعلل الغائية والنظام في العالم عقليه غيبيه غير علميه ونحن نبطل فيما سيأتي إن شاء الله ما أعتبره البطل عقليه علمية كما أبطلنا هنا كثيرا من اعتباراته ومزاعمه وتوجيه قوله في تمثيل الفرق بين العقليتين بأجنحة الطائر علي هذا الوجه الثاني أوفق للتقابل بينهما وللتعبير عن العقلية الدينية بالعقلية الغيبية وإن كان في تطبيق كلامه علي هذا الوجه نوع من الصعوبة ولذا أخرناه علي الوجه الأول قد أطلع القارئ مما كتبنا فر الرقم السابق علي طعن واحتقار موجهين إلي المتكلمين من صاحب المقالة المرسلة من باريس إلي لجنة المباراة الصحفية بمصر ومن اللجنة نفسها لكونها رأت تلك المقالة مستحقه للجائزة الأولي وقد رأيت في كتاب الأستاذ الفاضل محمد أحمد الغمراوي الذي نشرة وسماه في سنن الله الكونية فصلا بعنوان العلم والدين أقتبستة مجله الأزهر تنويها بالكتاب قال فيه الأستاذ المؤلف يظن من لا خبرة له بالعلم أو الدين أو بكليهما أن هذه العلوم المسماة بالعلوم الطبيعية والتي يصح تسميتها بعلوم الفطرة علوم مستحدثة وأنها غريبة عن الدين وأن من الجائز وجود تناقض بين حقائقها وحقائقه لكن ظنهم هذا باطل لأن هذه العلوم الطبيعية هي في الواقع علوم إسلامية لأنها في الواقع علوم قرآنيه قرآنية في موضوعها قرآنية طريقها قرآنية في اسمها لأن مادة علم بهذا المعني الطبيعي المعروف واردة أيضا في القرآن
صفحة مائة وتسعة وتسعون
تصدير كتاب مؤلف في علم الطبيعة بهذا الفصل الذي أثني مؤلفه الفاضل فيه علي ذلك العلم بأنة علم قرآني بموضوعه وطريقه واسمه وخطأ ظن المنافاة بين حقائقه وحقائق القرآن إنما كان يناسب في دور من الزمان يوجد فيه أناس متجنبون دراسة هذا العلم وأشباهه بداعية من التعصب الديني في غير موضعه أما بعد أن أدخل تدريس هذه العلوم في مدارس الأزهر ومضي وقت طويل لم يسمع فيه صوت اعتراض من المسلمين علي دراستها بل أخذت أصوات الاستغناء والاستثقال تسمع موجهه إلي علوم عريقة الدخول في الازهر عريقة المكانة في علوم الدين الرئيسية مثل علم الكلام الذي بلغ مركزة بين العلوم الإسلامية مبلغ أن يسمي بعلم أصول الدين بعد أن أصبحت دنيا الإسلام مقلوبة إلي هذا الحد فإني أري تصدير كتاب في علم الطبيعة بهذا الفصل غير متناسب مع حاجة الزمان ولازمة التحوط والتحفظ من مؤلفي الإسلام لمصلحه دينهم في كل ما يكتبون أري هذا التصدير غير المصادف لأوانه يزيد في تشويش العقليات ويؤيد العقلية المنقلبة ضد كل ما ورثنا من أسلافنا بعد اتصال الشرق الإسلامي بالغرب لاسيما وقد ضمنة المؤلف طعنا في موقف المتكلمين من تحري الحق وتجنب التقليد الأعمى وحطا لمرتبة الاستدلال العقلي فجاء كوخزه في محل الأمراض العصرية التي أريد مداواتها بهذا الكتاب ثم إن المؤلف ذكر العلم الطبيعي عند سوق الكلام في مدائحه باسم العلم المطلق كقوله عنه إنه قرآني بموضوعه و قرآني بطريقه وقرآني باسمة كأنه أي العلم الطبيعي هو العلم لا علم غيرة وهذا الاصطلاح البدعي في التسمية الذي شاع في الغرب وقلده الشرق العصري من غير محاسبة نري الأستاذ المؤلف ينحاز فيه أيضا إلي جانب المقلدين فإذا كان علم الكلام متهما علماؤه كما قال الأستاذ الغمراوى بتقليد فلاسفة اليونان
الصفحة مائتين
وإذا كان ذلك العلم مستغني عنه في الإسلام بل متنافيا مع طبيعته كما قال الأستاذ فريد وجدي بك رئيس تحرير مجله الأزهر في الجزء التاسع من المجلد الثاني عشر من المجلة المذكورة (ص 567) فإذا كان في الأرض دين تأبي طبيعته أن ينِشأ فيه علم الكلام فهو الإسلام وقال (ص569)إن مضي مائة وخمسين عاما علي أمه أتمت فيها نشوءها وتطوراتها الاجتماعية والأدبية ووصلت إلي أبعد فتوحاتها وهي طوال ذلك العهد الذهبي لا تحتاج فيه لعلم الكلام لأدل دليل علي أن هذا علم دخيل لا فائدة له في تقوية إيمان ولا في تأييد عقيدة ولا في أناره طريق فإذا كان علم الكلام دخيلا في الإسلام والعلم الطبيعي قرآنيا بطريقته قرآنيا باسمة فماذا يحاول الأستاذان أن يقولا؟ فهل لمصر أن تخرج علم الكلام رغم كونه مسمي بعلم أصول الدين عن كليه أصول الدين الأزهرية وتكتفي بتدريس العلم الطبيعي في الأزهر علي أن يكون الأزهر مخيرا في تسميه علم الطبيعة بعلم أصول الدين أو تخرج كليه أصول الدين عن الأزهر بأن تلغي تلك الكلية ؟لكني أشك في أن الأستاذ الغمراوي الذي أعجب بكتبه ومقالاته وأحفظ له في قلبي مكانا ممتازا بين كتاب مصر يرضي بهذه النتيجة وإن كنت مقتنعا بمرضاه الأستاذ فريد وجدي بك فإذا قيل لهذا الأستاذ الثاني ولم يكن علم الفقه أيضا ولا علم أصول الفقه موجودا في صدر الإسلام فليس ببعيد أن يكون جوابه فلنلغهما أيضا باخراج دراستهما من كليه الشريعة أو بإلغاء الكلية نفسها أيضا مع أن القول باستغناء المسلمين في زماننا عن العلوم التي استغنوا عنها في صدر الإسلام يكون كالقول باستغنائنا عن أسلحه الحرب التي لم يستعملها مسلمو عصر الإسلام الذهبي لا أكثر ولا أقل
ومما يجب التنبيه إليه أني لا أغمط العلم الطبيعي حين جعله الأستاذ الغمراوي الذي عرّض بعلم الكلام والمتكلمين ، علما قرآنيا بموضوعه وطريقته واسمه ، وأسلَّم بأن القرآن دعا عباد الله إلى التفكير في آياته التي اختزنها في الكون وأن هذه الآيات تُعرَف حق المعرفة بما يقال عنه اليوم العلم الطبيعي .. وسيرى قراء كتابي كيف اعتنيت بشأن هذا العلم في مبحث دليل نظام العالم الذي أطلت الكلام فيه أكثر من غيره .
لكن هذا العلم الذي أطراه الأستاذ الغمراوي من الناحية الدينية لا يتعلمه من يتعلمه في الشرق والغرب ويخوض فيه من يخوض لغرض الاطلاع على آيات الله وأسراره في الكون ، كيف ، والملاحدة أكثرهم من الطبيعيين ، فهل يقاس بهم المتكلمون ؟ وأين الذين تزندقوا في زماننا من التعمق في علم الكلام على مقتضى القول المشهور : " من تكلم تزندق " ؟ في حين أن زناقة العصر يلزم أن يبحث عنهم بين الجاهلين بعلم الكلام المعرضين عنه إعراض رجل عدو لما جهله . ولم ينس قراء هذا الكتاب ما نقلته في أحد الأرقام السابقة من قول الأستاذ فرح أنطون منشىء مجلة " الجامعة " ومناظر الشيخ محمد عبده أن عدو الاديان اللدود في هذا الزمان هو العلوم المادية التي لا تعتد بغير المسائل الثابتة بالتجربة الحسية كما أن الأستاذ الغمراوي وأستاذ " مجلة الأزهر " متفقان في تفضيل الأدلة التجريبية على الأدلة العقلية .
أما أنا فبصفة رجل من رجال الدين يكون أول ما يمنعني عن مصافاة علم الطبيعة في بحث مقارنته بعلم الكلام ، تسميته بعلم الطبيعة ، فإن كان هذا العلم علمَ ما وضعَتْه الطبيعة من النظم والقوانين التي يسير عليها العالم ، ومرماه الذي يدُلُّ عليه اسمه دلالة صريحة ، قطعَ صلة العالم بالله إنكاراً لوجوده وربطَه بطبيعة الأشياء ... لزم أن يكون معنى تفضيل هذا العلم على علم الكلام تفضيل علم الإلحاد على علم الإيمان بالله (1) ولهذا نرى الأستاذ الغمراوي المؤمن بالله يغير اسم الطبيعة عند تفضيل علمها على علم الكلام
(1) وسيأتي منا في هذا الكتاب إبطال ربط العالم بما يسمونه الطبيعة .
ويعبر عنها بسنة الله الكونية ولكن الناس لا يستمعون إلى تغيير الأستاذ الغمراوي مصرين على تسميته بعلم الطبيعة .. وبالنظر إلى هذا الإصرار يسقط الاعتراض علينا بأننا نتمسك بالألفاظ والأسماء معرضين عن المسميات والمقاصد (1) على ان المقصود من علم الطبيعة لا يمكنه أن يعادل المقصود من علم الكلام في خدمة الإسلام بعد التنازل عن دلالة الأسماء والألفاظ ... بل لا يعادل علم الكلام غيره من العلوم الإسلامية فضلا عن علم الطبيعة وقد صرح العلماء المحققون أمثال القاضي عضد الدين الإيجي صاحب المواقف وسعد الدين التفتازاني والسيد الشريف الجرجاني بأنه أشرف العلوم لكونه أساس الأحكام الشرعية ورئيس العلوم الدينية ، والتكلم ضد علم الكلام إن كان سلامة صدر في الماضي أو غفلةً عن المستقبل فهو اليوم بعد ظهور أعداء جديدة يهاجمون الأدلة العقلية ويسعون لهدم أسس الدين من وراء هدم علم الكلام جناية أو جهالة .
قال العلامة الشريف الجرجاني في شرح المواقف: " إن المقصد الأعلى في علمنا هذا إثباته تعالى فإذا لم يثبت وجود صانع عالم قادر مرسل للرسول منزل للكتب لم يتصور علم تفسير وحديث وفقه وأصوله فكلها متوقف على علم الكلام " .
نعم إن دليل نظام العالم الذي تمسكت به في إثبات وجود الله وعددته من خير
(1) لأن هذا الإصرار العام في الغرب والشرق من غير الأستاذ الغمراوي المؤمن بالله ، ينادى بالإصرار على إسناد نظام الكون إلى طبيعة الأشياء والتمسك بفكرة الاستغناء عن الاعتراف بناظم من خارج الكون يسمونه الله ، لكونه خارجا أيضا عن دائرة العلم الحديث الذي لا يذعن لغير ما ثبت بالتجربة – كما تمسك بطل العقلية العلمية الأستاذ كاسب الجائزة الأولى من لجنة المباراة الصحفية بمقالته المرسلة من باريس المذكورة في الرقم 6 – وهذا العلم غير المؤمن بالله يكون ممدوح الأستاذ الغمراوي المؤمن ، حينما يكون العلم المؤمن وعلماؤه مذمومين عنده !! فهل العلم الحديث الذي يحتكر له المغرمون به اسم " العلم " ويقصرون لقب العلماء على علمائه ، يراهم الأستاذ وعلمهم غير المؤمن أحق بالانطباق على " أولي العلم " في قوله تعالى : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط ) من العلم القديم المؤمن بالله وعلمائه الذين يدخل فيهم علماء التوحيد أي المتكلمون دخولا أوليا ؟
الأدلة يستفاد من علم الطبيعة ، ومن هذا كان علماء هذا العلم أجدر بتصديق وجود الله كما ذكرته عند مؤاخذة الملاحدة من أولئك العلماء .. لكني قلت مع ذلك إن الدليل المأخوذ من العلم الطبيعي التجربي ليس بكاف في إثبات وجود الله ما لم ينضم إليه شيء من الدليل العقلي الكلامي (1) ولا أن إثباته موضوعُ ذلك العلم أو مقصوده ، كما كان ذات الله وصفاته وأفعاله في الدنيا والآخرة ، موضوعَ علم الكلام أو مقصوده الأعلى ، على أن يكون موضوعه المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية تعلقاً قريباً أو بعيداً ، وهو التعريف المختار .. فهل يعرف الأستاذ رئيس تحرير " مجلة الأزهر " القائل بأن علم الكلام لا فائدة له لا في تقوية إيمان ولا في تأييد عقيدة ولا في إنارة طريق " أن موضوع علم الكلام كل معلوم يتعلق به إثبات العقائد الدينية تعلقا قريبا أو بعيداً .. ولذا صرحوا بأن هذا العلم يتناول من كل علم شرعي أو غير شرعي كلَّ ما يتعلق بالعقائد الدينية الإسلامية .. حتى إن العلم الطبيعي إذا كان فيه ما يصلح للنظر في درس عقائد الإسلام فهو داخل في علم الكلام ، وقد جعلوا موضوعه : " المعلوم " ليشمل الموجود والمعدوم . قال في " المواقف " :
" المقصد الرابع في مرتبته ( أي مرتبة علم الكلام ) قد علمت أن موضوعه أعم الأمور وأعلاها فيتناول أشرفَ المعلومات التي هي مباحث ذاته تعالى وصفاته وأفعاله . وغايته التي هي الترقي من حضيض التقاليد إلى ذروة الإيقان وإرشاد المسترشدين بإيضاح المحجة وإلزام المعاندين بإقامة الحجة ، وحفظ قواعد الدين عن أن تزعزعها شُبه المبطلين وبناء العلوم الشرعية عليه وتقوية الإخلاص في العمل بأحكام الشرع بتقوية الاعتقاد .. والتي غاية كل ذلك الفوز بسعادة الدارين – أشرف الغايات وأجدادها . ودلائله يقينة يحكم بها صريح العقل وقد تأيدت بالنقل وهي الغاية في الوثاقة ، وهذه هي جهات
(1) ولهذا يكون في علماء الطبيعة الذين لا يضمون إلى علومهم الأدلة العقلية الكلامية ملاحدة .
شرف العلوم لا يعدوها . فهو إذن أشرف العلوم .) قال : " ومسائله كل حكم نظري لمعلوم هو أي ذلك الحكم النظري يدخل في العقائد الدينية أو يتوقف عليه إثبات شيء منها توقفاّ قريباً أو بعيداً .. وهو العلم الأعلى الذي ينتهي إليه العلوم الشرعية كلها ، فليست له مباديء تُبَيَّنُ في علم آخر سواء كان شرعيا أو غير شرعي . "
وقال شارح المواقف العلامة الشريف الجرجاني : " وذلك أن علماء الإسلام دونوا لإثبات العقائد الدينية المتعلقة بالصانع تعالى وصفاته وأفعاله وما يتفرع عليها من مباحث النبوة والمعاد ، علماً يُتوصَّل به إلى إعلاء كلمة الحق فيها ولم يرضوا أن يكونوا محتاجين فيه إلى علم آخر أصلا فأخذوا موضوعه على وجه يتناول تلك العقائد والمباحث النظرية التي تتوقف عليها تلك العقائد سواء كان توقفها عليها باعتبار مواد أدائها أ باعتبار صورها وجعلوا جميع ذلك مقاصد مطلوبة في علمهم هذا .. فجاء علماً مستغنياً في نفسه عما عداه ليس له مبادىء في علم آخر." قال في المواقف : ( فمنه يستمد العلوم الشرعية وهو لا يستمد من غيره ، فهو رئيس العلوم الشرغية على الإطلاق لنفاذ حكمه فيها بأسرها وليس ينفذ فيه حكم شىء منها . "
أقول من يُعلم من هذا سبب الفرق بين كلام القدماء وكلام المتأخرين الذي مزجوه بفلسفة اليونان والذي عيب عليه ذلك من بعض السلف كما حكى عنهم تحريم علم المنطق . وإني أرى هذا التعييب وذاك التحريم نفسهما عجيبا يجب تنزيه الإسلام الذي يباهى بكونه دين العقل عن مثله كائناً من كان العائبون (1) فهل نجعل الإسلام كالمسيحية في
(1) قال الإمام القشيري في رسالته المشهورة المسماة " شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة " على ما نقل عنها التاج السبكي في طبقاته رداً على القائلين بأن الاشتغال بعلم الكلام بدعة ومخالفة لطريق السلف :
" الاسترواح إلى مثل هذا الكلام صفة الحشوية الذين لا تحصيل لهم . وكيف يظن بسلف الأمة أنهم لم يسلكوا سبيل النظر ورضوا بالتقليد ؟ حاش لله أن يكون ذلك وصفهم . ولقد كان =
إبعاد العقل والمعقولات عن ساحة عقائده ؟ فإذا كان في الفلسفة ما يؤيد الدين أو المذهب الحق في الدين فلا لوم على عالم كلامي إذا ذكرها في علم الكلام استظهارا به لدينه أو مذهبه .. وإذا كان في الفلسفة ما يتنافى مع الدين أو المذهب الحق في الدين وذكره العالم الكلامي للرد عليه فلا لوم أيضا . ولا تنس أن فلاسفة اليونان الذين دخلت فلسفاتهم في كلام المتأخرين مثل أرسطو وأفلاطون كانوا قبل كل شيء موحدين مثبتين الله الواجب الوجود وواضعين منطق الاستدلال العقلي الذي لا بد أن يستند إليه من يريد إثبات وجود الله في نفسه وفي إزاء منكريه استنادا إجماليا أو تفصيليا ، وقد وقع مني في هذا الكتاب اشتغال بفلسفة الغربيين ونقل عن حقهم وباطلهم للاستظهار
= السلف من الصحابة رضوان الله عليهم مستغنين بما عرفوا من الحق وسمعوا من الرسول من أوصاف المعبود وتأملوه من الأدلة المنصوبة في القرآن وأخبار الرسول فلما ظهر أهل الأهواء والبدع من الخوارج والجهمية والمعتزلة وأوردوا الشبه انتدب أئمة أهل السنة لمخالفتهم والانتصار للمسلمين بمعاينة طريقتهم والرد عليهم لما أشفقوا على القلوب أن تخامرها شبههم فحاموا عن دين الله بإيضاح الحجة .. ) إلى أن قال : ( وفي الجملة لا يجحد علم الكلام إلا أحد رجلين جاهل ركن إلى التقليد وشق عليه سلوك أهل التحصيل وخلا عن طريق أهل النظر ، والناس أعداء ما جهلوا ، فلما انتهى عن التحقيق بهذا العلم نهى الناس ليضل غيره كما ضل .. أو رجل يعتقد مذاهب فاسدة فينطوي على بدع خفية يلبس على الناس عوار مذهبه ويعمى عليهم فضائح طويته وعقيدته ويعلم أن ذوي التحصيل من أهل النظر هم الذين يهتكون الستر عن بدعه والقلاب ( مزيف النقود ) لا يحب من يميز النقود ، والخلل فيما بيده من النقود الفاسدة لا في الصراف ذي التمييز والبصيرة " .
فانظر هل الأستاذ فريد وجدي بك أحد ذينك الرجلين أو كلاهما حيث يتقلب دائما في النقل عن أقوال فلاسفة الغرب في حين أنه يطعن في علم الكلام الإسلامي مع من يطعن لاختلاطه بالفلسفة القديمة . وإذا كان الحق يقال فالسبب الحقيقي للأستاذ في معاداة علم الكلام أنه لا يستطيع التمسح بذلك العلم من قشره إذ لا قشر له ، كما يتمسح بفلسفة الغرب من القواميس المدونة من غير دخول في لبها ، حسبك دليلا على صدق قولي هذا ما سيأتي في محله من هذا الكتاب الخاص بالنظر في رد الأستاذ على الملحد الجديد إسماعيل أدهم مؤلف كتاب " لماذا أنا ملحد " ... أن الأستاذ لا علم له بالصورة الصحيحة لفلسفة ( كانت ) فيما يتعلق بإثبات وجود الله وانتقاده لعامة الأدلة النظرية القائمة على هذا المطلب .
بالأول والرد على الثاني ، ولعلي ما أسأت صنعا ولم أشتغل بما لا يعنيني في خدمة الحق وعقيدة الإسلام التي هي قطب دائرة الحق ، كما لم يكن أسلافي الذين أخذوا في كتبهم ما رأوا أخذه من فلسفة اليونان ، مسيئين ولا مشتغلين بما لا يعنيهم . وإذا كانت مباحث الطبيعيات في علم الكلام لا تسد حاجة العصر الحاضر فلا أقل من أن تكون هذه المباحث جوابا ماثلا أمام أعين المولين وجوههم عن علم الكلام جاعلين من العلم الطبيعي مزاحما له مفضلا عليه .. جواباً بأنهم لا يعرفون علم الكلام ولا مون دائرته الواسعة تحيط بالعلم الطبيعي . أما أن مباحث الطبيعيات في علم الكلام المنتقل إلينا من علمائنا باسم كلام المتأخرين لا تسد حاجة العصر الحاضر ، فلا لوم على علماء الكلام من ذلك ، وهم كانوا حاكمين في علوم زمانهم حتى جعلوا ما ليس بإسلامي من العلوم إسلاميا وأدخلوه في علم الكلام الذي عرفتَ مبلغ سعة موضوعه وحمَّلوا بتأسيس هذه السنة المباركة واجباً كبيراً على عواتق الخلف ، والخلف بعد أن مكثوا حقبة من الدهر في عجزهم وتوانيهم عن تحمل هذا الواجب أخذوا يريدون لإنساء واجبهم إنساءَ علم الكلام نفسه .
فإذا كانت مكانة علم الكلام عند علماء الإسلام وسعة دائرته كما قدمنا ، فحكم رئيس تحرير ( مجلة الأزهر ) ضده حكم جاهلي ناشيء من عقلية جاهلية حديثة ليس فيها تقدير العلوم الإسلامية والجهود التي بذل علماؤنا فيها لإعلاء كلمة الحق ، قدرها وإنما فيها نكران ذلك التراث العظيم . والمؤسف أن أكثر الذين يكتبون عن العلوم في الجرائد والمجلات المصرية يحومون حول الناحية التاريخية أي تراجم العلماء من غير ولوج في داخل العلم . فمن نظر إلى تاريخ علم الكلام وجد فيه فِتَناً وإِحَناً ومِحَناً تكفي لتنفيره عنه إن لم تكن عنده خبرة من لباب العلم نفسه أو رغبة غريزية في استقصاء دقائق العلوم . وإني أذكر شاهداً على صدق ما قلته وأرجو من الله تعالى العفو والمغفرة ومن القراء الكرام أن لا يحملوه مني على الإعجاب بالنفس ، وهو : أن مسألة وحدة
الوجود من يدري كم كتب عنها أناس في الصحف والمجلات بل الكتب أيضا بمصر ؟ فليقارن من شاء ما كتبوه مع ما كتبته عنها وسيجيء إن شاء الله في الباب الثاني من هذا الكتاب .
بقي سؤال في أهمية علم الكلام ولزوم دراسته وهو أن كل احد لا يتسنى له الانتفاع بهذا العلم في تثبيت أو تصحيح عقائده وأنه يكثر الخلاف في مسائله ويكثر الخطأ بعدد كثرة الخلاف بناءًا على أن الخلاف يكون أحد طرفيه حقاً وأحد طرفيه باطلاً .. وجوابي على هذا السؤال أولا أن أكثر الاختلافات الواقعة في علم الكلام لا يبلغ مبلغ إكفار المخالف (1) ، مثلا أن متكلمي المعتزلة الذين قامت أشد الحرب الكلامية بينهم وبين علماء أهل السنة ، تمسكهم بالإسلام أقوى بكثير من المسلمين الحديثين المستهينين بعلم الكلام ، غليس منهم أحد ينكر اليوم الآخر كالأستاذ رئيس تحرير مجلة الأزهر . وثانيا أن الذين يشكون من عدم جدوى علم الكلام يريدون أن يجديهم ذلك العلم من غير اتعاب الأنفس في دراسته . وثالثا – وهو المهم – أن استفادة كل أحد من أي علم لا سيما العلوم العزيزة المنال تكون على قدر حظه من العقل وحظه من هداية الله وتوفيقه ، فإذا كان القرآن يضل الله به كثيراً ويهدي به كثيراً فما ذنب
(1) يجدر بنا التنبيه إلى ،أ أكثر الخلافات في علم الكلام مع كونه لا يؤدي إلى إكفار المختلفين بعضهم عن بعض ، لا تقل عن أن يكون جانب الخطأ فيه ضلالاً ومن المعروف تسمية الفرق المخطئة في هذا العلم بالفرق الضالة ، ولهذا لايمكن الجمع والتأليف بين مذاهبه التي تدور بين الإيجاب والتحريم ، فمن أراد توحيد المذاهب الكلامية ودعا الناس في دروسه وأحاديثه إلى رفع هذه الخلافات فيما بينهم وهم على دين واحد كما وقع من الأستاذ الأكبر المراغي ( راجع حديث رمضان له نشرته الأهرام قبل وفاته بقليل ) فمنشؤه عدم الاعتقاد والاقتناع من نفس الداعي بأي مذهب من تلك المذاهب ، فلهذا يكون من السهل عليه التنازل لكل أحد من مذهبه الذي استقر رأيه على اختياره . ومما يجدر أن يذكر بهذه المناسبة أن التقليد لا يجوز في المذاهب الكلامية المتعلقة بالاعتقاد ن بخلاف المذاهب الفقهية المتعلقة بالأعمال .
علم الكلام إن لم يكن نافعا في نظر الأستاذ فريد وجدي بك ؟ وهل نفعته مئات من آيات كتاب الله ناطقة بدلائل قدرة الله على بعث الموتى من قبورهم بعد أن كانوا ترابا وعظاما ، لتجعله مصدقا لليوم الآخر يوم البعث والحشر ومصدقا لدلالة تلك الآيات القطعية على ذلك اليوم ، حتى تنفعه دلائل علم الكلام في تأييد عقائد الإسلام ؟
فرّقنا بين الأستاذين في الرضى بإلغاء تدريس علم الكلام لعلمنا بأن الأستاذ رئيس تحرير مجلة الأزهر لا يقنعه إثبات وجود الله الذي كان القائم به إلى يومنا هذا علمَ الكلام وأنه ينتظر فيه ويستنظر غيره مع غير القانعين ، فيحيل إثباته على ما يؤمله من مستقبل البحوث النفسية الجارية في الغرب ، ولا إخال الأستاذ الغمراوي رغم تكلمه ضد علم الكلام يكون مثل الأستاذ رئيس تحرير مجلة الأزهر صبوراً عن البت الحالي في إثبات وجود الله .
ومن عجائب الأستاذ رئيس التحرير أنه أورد في المقالة التي تكلم فيها ضد علم الكلام أيضا وهي في الجزء الثامن من المجلد الثاني عشر أي قبل الجزء الذي نقلنا عنه قوليه السابقين ضد علم الكلام – نقلاً طويلاً عن ( رسالة التوحيد ) للشيخ محمد عبده معنوِناً له بالإمام الحجة ومستشهداً بكلامه في رسالته .. فهل هو لا يعرف أن تلك الرسالة رسالة في علم الكلام وأن احد أسماء علم الكلام ( علم التوحيد ) . ومن أسمائه ( الفقه الأكبر ) كما أن من أسمائه علم ( أصول الدين ) وأن الشيخ لم يكفَّ في رسالته عن الخوض في مسألة القضاء والقدر التي ينهى الأستاذ عن التكلم فيها مستنداً إلى آية المحكم والمتشابه في القرآن ، حتى إن الشيخ يختار عند المقارنة بين المذاهب المختلفة في تلك المسألة مذهب إمام الحرمين الذي انتقدناه نحن في ( تحت سلطان القدر ) والأستاذ رئيس مجلة الأزهر كما انه انتقد بنقد علم الكلام كتاب من اتخذه الإمام الحجة من حيث لا يشعر ، انتقد أيضا بنقد هذا العلم إمامَه الأكبر المراغي المتكلم عن مسألة الجبر والقدر في أحد دروسه المنشورة في مجلة الأزهر . فإن كان
هذا الإمام بطعنه في مذهب الجبر لم يشتغل في ظن الأستاذ بعلم الكلام بل بإبطال مذهب من المذاهب الكلامية فالسعي في إبطال مذهب من المذاهب المذكورة في علم الكلام اشتغال بعلم الكلام أيضا ، بل اشتغال بإثبات مذهب كلامي هو مذهب القدرية أي المعتزلة بدل مذهب الجبر . أما أن إمام الأستاذ لم ينجح في إبطال ما حاول إبطاله في الدرس المذكور وإثبات ما حاول إثباته فتلك مسألة أخرى يأتي بحثها منا في محل آخر من هذا الكتاب .
ومن عجائب الأستاذ في الجزء التاسع المذكور قوله ( ص 568 ) : ( إن آية المحكم والمتشابه في القرآن لا تسمح بنشوء علم الكلام في الإسلام ) في حين أن الإمام الرازي الذي يسميه الأستاذ دائما عند الاستشهاد بكلامه في نفسير آية من آيات القرآن ( إمام المفسرين ) (1) يقول في تفسير آية المحكم والمتشابه : ( إن هذه الآية تدل على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل العقلية ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله وصفاته . ) فانظروا هذه الشهادة في علماء الكلام ودلائلهم العقلية ..
وآية المحكم والمتشابه في القرآن التي هي قوله تعالى : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ) سلاح عجيب في يد الأستاذ فريد وجدي يستعمله في كل زمان بما يقتضي هواه : وربما يكون قراء مقالاته الجديدة في ( مجلة الأزهر ) غير عارفين أو ناسين كون الأستاذ قد تمسك بهذا السلاح
(1) المعروف بين علماء الإسلام إطلاق لقب الإمام على الرازي في العلوم العقلية مثل الكلام والمنطق لا في التفسير وإن كان له تفسير كبير مسمى ( بمفاتيح الغيب ) لكن الأستاذ الذي لا يعرف هذه العلوم من كثب لا يعرف أي علم هو الذي كان الرازي أماماً فيه ؟
( 14 – موقف العقل – أول )
قبيل توليه الوظيفة الأزهرية لما جرى بينه وبيني نقاش على صفحات جريدة " الأهرام " في مسألة معجزات الأنبياء المذكورة في الفرآن فأنكر تلك المعجزات وأضاف إليه إنكار البعث بعد الموت بحجة عدم إمكانها عقلاً وألغى في سبيل إنكاره جميع الآيات الصريحة الواردة في القرآن بشأن المعجزات والبعث ، رادّاً لها إلى المتشابهات غير الصالحة للاحتجاج ، ولم يفكر في أن آية المحكم والمتشابه إذا كانت تنعى على مبتغي التأويل للمتشابهات ابتغاء الفتنة فماذا يكون حال من يبتغي تأويل المحكمات مثل آيات المعجزات وآيات البعث لا سيما آيات البعث التي هي من أصرح آيات القرآن وآكدها ، ليردها إلى المتشابهات أي ليلغيها تحريفاً للكلِم عن مواضعه ؟
ثم إن آية المحكم والمتشابه تسع احتمالين رئيسيين يُظهرهما الوقف على جملة ( وما يعلم تأويله إلا الله ) أو عطف ( والراسخون في العلم ) على الله . وعليه فإما لا يعلم تأويل المتشابه غير الله أو غير الله وغير الراسخين في العلم . فالآية نفسها إذن من المتشابهات والأستاذ فريد يتبع هذه الآية المتشابهة فيجعل منها سنداً في غير مناسبة قريبة ولا بعيدة يستند إليه في إلغاء آيات المعجزات وآيات المعجزات وآيات البعث في القرآن بردها إلى المتشابهات غير مفهومة المعنى ولا مطلوبة الفهم ، لكونه من الذين في قلوبهم زيغ وهو يبتغي فتنة إزاحة المؤمنين بمعجزات الانبياء وباليوم الآخر ، عن عقائدهم .
آية المحكم والمتشابه يحتاج تفسيرها في حد ذاتها إلى كلام طويل لا يتحمله المقام ، لكن علاقة الآية بمقامنا مقصورة على ما إذا كان فيها تأييد لدعويي الأستاذ فريد وجدي بك الغريبتين اللتين غرابتهما أشد من بطلانهما وبطلانهما أشد من غرابتهما .
احديهما دلالة الآية على ممنوعية الاشتغال بعلم الكلام في الإسلام ! فكأن الآية تنهى المؤمنين عن إثبات وجود الله بعلم الكلام ضد المنكرين وجوده أو الشاكّين فيه وتأمرهم بالانتظار إلى ان يثبته الغربيون ببحوثهم النفسية ( اسبيرتيزم ) فيراه الناس بأعينهم ويلمسونه بأيديهم كما رأوا النفس ولمسوها على ما يقولون ، وإثبات الموجود
ص211
على زعمه لايكون إلا هكذا. وثانية الدعويين كون الآية أعني آية المحكم والنتشابه قرينة مانعة عن دلالة آيات المعجزات وآيات البعث في القرآن على ماتدل عليه من وقوع المعجزات في أزمنة الأنبياء السابقة كما حكى القرآن أنبائها ووقوع بعث الأموات من قبورهم إذا جاء وقتها كما قال الله تعالى: (( ونفق في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون)) يعني أن المعجزات لم تقع وأن البعث بعد الموت لايقع ولم يكذب الله في آيات المعجزات والبعث ولكنه تكلم بما لايفهم أو لم يقدر- وحاشاه- على تفهيم ماهو مراده من تلك الآيات على الرغم من كمال وضوحها، وقد دلت على هذه الحقيقة الخفية على جميع قارئي القرآن غير الأستاذ، آية المحكم والمتشابه التي لاتبلغ صراحتها ووضوحها معشار مافي آيات المعجزات وآيات البعث ولا سيما آيات البعث من الصراحة ووضوح الدلالة، فكل آية غيرها في القرآن على زعم الأستاذ يمكن التحلل من وجوب التصديق بمضمونها لكل من شاء ذلك وطريقع ردها إلى المتشابهات مهما كانت صريحة المعنى، فهي لاتكون أصرح من آيات البعث التي قد أوردنا نماذج منها في الرقم (5).
لا، لا، ياأستاذ لم يكن دليلك الحقيقي في عدم تصديقك بآيات المعجزات والبعث بعد الموت متلاعبا بها وبعقول الناس في دلالتها، آية المحكم والمتشابه، فلست مصابا في عقلك لهذا الحد ولا التاس مصابين ليلتبس عليهم موقف آية المحكم والمتشابه من آيات المعجزات، وآيات البعث! و|إنما دليلك الحقيقي ظنك بأن العلم الطبيعي الذي أطراه الأستاذ الغمراوي وجعله قرآنيا بموضوعه قرآنيا بطريقته قرآنيا باسمه، يمنع صدق آيات المعجزات وآيات البعث، مع الظانين من أهل الغرب والشرق المقلد. وحضرتك تؤمن بأحكام العلم أكثر من منك بآيات القرآن (1)، كما أشرت إليه فيما
هامش ص 211
وليس العلم الذي تؤمن بهأكبر من نصوص كتاب الله جديرا بهذا الإسم على إطلاقه محيطا بجميع الحقائق، وإنما هو علم خاصبالماديات يستند إلى التجارب الحسية ويقصر مداه عن اليقين الضروري الأبدي. وهناك علم أسمى وأقوى يغفل عنه أستاذ مجلة الأزهر ويستهين به عند استهانته بعلم الكلام الذي يبني علماء الإسلام مسألة وجود الله على الأدلة المأخوذه منه ويتحدون به المنكرين كما أني سأتحداهم وأتحدى أستاذ مجلة الأزهر لما جاء في هذا الكتاب دور الإستدلال على وجود الله بدليله العقلي الكلامي، فإن وجد فيه محلا للإعتراض فليقل وليدخل البحث والنقاش من بابه، وإلا فلا ينفع الطعن في علم الكلام بأنه دخيل في الإسلام لافائدة له في تقوية إيمان ولا في إنارة طريق، لأن هذا طعن من ضل الطريق ونكب عن طريق علماء الإسلام غير مستمع لصوت الداعي إليها، ممنتظرا لأصوات الغربيين المشتغلين بالبحوث النفسية أن يقولوا: إنا وجدنا الله، لمسناه بأيدينا وقبضنا عليه ليراه أستاذ مجلة الأزهر ويلمسه بيديه فيؤمن بوجوده. وهذا الأستاذ الذي يلقى من علا منبر الأزهر منذ عهد عدة من شيوخه الآكابر درس اليأس للمسلمين من إنقاذ دينهم وإخراجه من حفرة الأساطير التي قذف به العلم الحديث إليها مع الأديان الأخرى وخصيصا درس اليأس من إثبات وجود اله الذي هو رأس الأديان، بأدلتهالعقلية المبسوطة في علم الكلام ساعيا لإسقاط هذا العلم القديم من عيون المسلمين المعاصريم ومعلقا اعتماده على الدليل المحسوس الملموس الذي لابد أن يكتشفه الباحثون الغربيون!! فكأن ذلك الدليل لايكون عند الاستاذ دخيلا في الإسلام. نعم إنه لايكون دخيلا عندنا أيضا، يناء على أن اكتشافه من المستحيلات التي لاتقع، وقولنا عنه إنه لايكون دخيلا في الإسلام صادق لصدق القضية السالبة مع عدم وجود موضوعها. لكن الأستاذ لايعرف- لعدم معرفته بعلم الكلام- أن الحصول على الدليل الملموس لإثبات وجود الله محال، كما أنه لايعرف السبب في صدق قولنا بأن ذلك الدليل المنتظر المستحيل لايكون دخيلا في الإسلام لعدم معرفته بعلمي الكلام والمنطق.
وذنب علم الكلام الذي لايقتنع الأستاذ بدليله الموجود لإثبات وجود الله فيحيله على الدليل الملموس المحال، أن أدلة على الكلام تكون مبنية على العقل والمنطق اللذين لايحبهما الأستاذ، وقد ساقه عدم معرفته بعلم الكلام إلى البحث عن الله الذي فقده مع عقله ومنطقه في الأثير كما سبق منا الكلام عليه ؛ وفيما يأتي من هذا الكتاب سينجلي للقارئ كيف أخفق هذا الأستاذ في ردوده على الملحد الجديد مؤلف كتاب (( لماذا أنا ملحد)) وذلك الإخفاق أيضا ناشئ من عدم معرفته بعلمي الكلام والمنطق.
وآخر ذنوب على الكلام وأدلته العقلية المنطقية على أستاذ مجلة الأزهر، أو بالأولى أول ذنوبه انه صعب المزاولة يحتاج إلى العقل السليم المجهز بالمنطق الفطري، ولهذا تراه في كتاباته يعيب تلك الأدلة بكثرة وقوع الخلاف والأخطاء فيها، فلما لم يعول على عقله في تمييز الدليل الصحيح من الفاسد بين الأدلة العقلية ولا على عقول المميزين من علماء الإسلام ، وجد الطعن على علم الكلام أسهل من الدخول في ميدان الإستدلال على وجود الله الذي هو ميدان هذا العلم ، كما انه ميدان القرآن القائل : (( أفي الله شك فاطر السماوات والأرض)).
لكن الأستاذ لم يقتنع بأدلة علم الكلام والقرآن وعدها دخيلة فبقى على شك في ثبوت وجود الله أو على الأقل بقى عاذرا للشاكين من المتعلمين العصريين ملقيا درس اليأس عليهم إلى أن يظفر الغربيون على الدليل الملموس بإدخاله في متناول التجربة الحسية رغم تعذر دخلوله فيه.
انتهى الهامش
ص212
كتبته ردا على قبل توليك الوظيفة الأزهرية، وما استنادك إلى آية المحكم والمتشابه غيلر تستر وتعلل- وبتعبيرك أنت نفسك استبطان الإلحاد- فلو ذكرت للأستاذ الغمراوي سندك هذا في إنكار معجزات الأنبياء والبعث بعد الموت لضحك منك على الرغم من اشتراكه معك في الحط عن منزلة علم الكلام؛ ولهذا كان الواجب على هذا الأستاذ الذي لايمكن أن يكون من الذانين بأن العلم الطبيعي يمانع صدق آيات المعجزات وآيات البعث كما ظننته لما جرى بيني وبينك نقاش في مسألة المعجزات والبعث.. كان الواجب و يكتب شيئا من هذا القبيل عند تأليف كتابه ويدرجه في المقدمه التي صدر بها الكتاب، تبرئة للعلم الطبيعي الذي يحسن الظن به ويقربه إلى القرآن، من ظن سيئ الظن. أما دليل الأستاذ رئيس مجلة الأزهر من هذا العلم ضد آيات المعجزات والبعث وما بعده من أحوال الآخرة فإني بعون الله وتوفيقه سأقضي عليه في الباب الثالث من هذا الكتاب.
نعود إلى الكلام على فصل ((العلم والدين)) الذي صدر به الأستاذ الغمراوي كتابه في علم الطبيعه: كان الأستاذ المؤلف أثنى على العلم الطبيعى بكونه قرآنيا بموضوعه وطريقته واسمه ثم فصل هذه القرابه بين ذلك العلم والقرآن الحكيم بمهارة علمية وخبرة دينية لابد أن أشكره عليهما مع كل قارئ غيور على دينه وقرآنه، إلا أن المؤلف قال في آخر الفصل:(( لو بحثنا في تاريخ الفلسفة الإسلامية وما كان بين علماء المسلمين من خلافات كلامية وجدنا أكثر هذه الخلافات إن لم يكن كلها راجعا
ص214
إلى قضايا فلسفية أخذها المسلمون عن اليونان من غير تمحيص)) وهنا اتهم الأستاذ علماء الإسلام المتكلمين بالتقليد الأعمى الذي شدد النكير عليه فيما سبق من كلامه، باسم العلم والقرآن المتفق فيه مع العلم.
ثم قال : (( كان قدماء الفلاسفة يرون العقل مصدرا للحقائق مستغنيا بذاته عن المشاهدة، أما محدثوهم فيرونه وسيلة. أما الحقائق نفسها عند العلم الحديث فهي خارج النفس والعقل. كان القدماء لايون امتحان الأشياء نفسها ضروريا لطلب الحقيقة. أما المحدثون فلا يرون سبيلا للوصول إلى الحقيقة إلا امتحان الأشياء تحت إشراف العقل. والعلم الحديث باكتشافاته واختراعاته قد ولد حين ترك الإنسان مذهب الأقدمين في طلب العلم عن طريق التفكير البحت وبدأ هو يطلب العلم عن طريق المشاهدة مع التفكير. لذلك كان الدور الأول من أدوار نشوء العلم الحديث مشاهدة تكاد تكون بحته ليس للتفكير فيها إلا بقدر مايضمن صحتها.))
وقال أيضا إن العلم يمنع التقليد في النظر من غير وقوف على الدليل والإقتناع به والعلم الحديث يخالف قديما في هذا لأن العلماء قديما، خصوصا في القرون الوسطى، كانوا كثيرا مايقنعون في الإستدلال على الصحة والبطلان بإثبات أن القضية توافق أو تخالف رأي فلان أو علان من المشاهير ، فكان مايثبت عن أرسطو مثلا حجة قاطعة في موضوعه من غير أن ينظر في رأي أرسطو هذا في ذاته ومن غير أن يسأل مادليل أرسطو وكان هذا منبع شر كبير، بعد أن ترجمت كتب اليونان في العصر العباسي، فيما يتعلق بالعلاقة بين الشريعة ، وما كانوا يسمونه الحكمة، يريدون بالحكمة غالبا ماأخذوه عن حكماء اليونان مثل أفلاطون وأرسطو حتى جاء أمثال الغزالي فوضعوا الأمر في نصابه.))
وأنا أقول عدد الأستاذ مفاخر العلم الحديث قائلا إنه فعل كذا وفعل كذا وبقى
ص 215
شيئ فقط من مفاخره لم يقله وكان الأستاذ فريد وجدي بك قاله في أثناء حدوث النقاش بيني وبينه وهو يهددني بالعلم الحديث لأتقهقر في الدفاع عن عقائد الإسلام المبنية على المؤيدات العقلية والنقلية دون التجربة والمشاهدة في الحال الحاضر، كاعتقادنا بوقوع معجزات الأنبياء في الزمان الماضي ووقوع البعث بعد الموت في المستقبل. وذلك البتقي من مفاخر العلم الحديث الذي لم يذكره الأستاذ الغمراوي وذكره الأستاذ فريد وجدي بك يفهم من قوله الآتي وقد نقلته عنه من قبل أيضا:
(( ولد العلم الحديث ومازال يجاهد القوى التي كانت تساوره حتى تغلب عليها ودالت الدولة إليه في الأرض فنظر نظرة في الأديان وسرى عليها أسلوبه فقذف بها جملة إلى عالم الميتولوجيا (الأساطير) ثم أخذ يبحث في اشتياق بعضها عن بعض واتصال أساطيرها بعضها ببعض فجعل من ذلك مجموعة تقرأ لا لتقدس تقديسا ولكن ليعرف الباحثون منها الصور الذهنية التي كان يسعبد لها الإنسان نفسه ويقف على صيانتها جهوده غير مدخر في سبيلها روحه وماله.
(( ودية فقد اتصل الشرق الإسلامي بالغرب منذ أكثر من مائة سنة فأخذ يرتشف من مناهله العلمية ويقتبس من مدينته المادية فوقف عليه على هذه الميتولوجيا ووجد دينه ماثلا فيها فلم ينبس بكلمة لأنه يرى الأمر أكبر من أن يحاوله ولكنه استبطن الإلحاد وتمسك به متيقنا أنه مصير إخوانه كافة متى وصلوا إلى درجته العلمية.
(( وقد نبغ في البلاد الإسلامية كتاب وشعراء وقفول على هذه البحوث العلمية فسحرتهم فأخذوا يهيئون الأذهان لقبولها دسا في مقالاتهم وقصائدهم غير مصارحين بها غير أمثالهم تفاديا من أن يقاطعوا أو ينفوا من الأرض)).
(( وقد عثرنا نحن في جولاتنا العلمية على ماعثروا عليه فكانت صدمة كادت تقذف بنا إلى مكان سحيق لولا أن من الله علينا بوجود المخلص منها وهو قوله تعالى :
ص 216
(( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات .. الآية)).
فانظروا ماذا فعل العلم الحديث : قضى على الأديان كلها ولم يستثن منها الإسلام وقضى على معتقدات نوابغ الكتاب والشعراء الإسلامية فجعلهم يسنبطون الإلحاد في بلاد الإسلام ويهيئون أذهان أهلها لقبول الإلحاد من غير إشعار بهم. هذا مااعترف به الأستاذ فريد وجدي بك على حساب نوابغ الكتاب والشعراء الموجودين في البلاد الإسلامية المشتغلين بالدعاية المقنعة ضد الأديان، أما الأستاذ نفسه وهو لايرضى من غير شك أن لايكون من نوابغ الكتاب فقد استثناء في الظاهر من استبطان الإلحاد، وإني قلت عن هذا الاستثناء : ((استبطان الاستبطان))..وماذكره من المخلص الذي لولاه لوجد نفسه من تأثير العلم الحديث في مكان سحيق عن الدين، لايغر غير السذج. أما أولا فلم لم ينقذ هذا المخلص وأعنى به آية المحكم والمتشابه غير الأستاذ من نوابغ الكتاب والشعراء المسلمين إن كان فيها مايصلح لإنقاذ المشرف على الإلحاد بسبب مايراه من مخالفة عقائد الأديان لقواعد العلم الحديث؟ وأما ثانيا فلأن خلاص الأستاذ بفضل تلك الآية عن ورطة الإلحاد الناشئة من التخالف المذكور بين عقائد الدين غالبا عليه في المحاجة أو أزالت الخلاف الواقع بينهما، وإنما معناها أن الآيات الورادة في القرآن منبثة بوقوع مالا يقبله العلم الحديث كأنباء المعجزات والبعث وما بعد البعث من الحشر والحساب والجنة والنار، لاعبرة بها ولا تعويل على دلالتها لكونها من المتشابهات. فالعلم الحديث على قول الأستاذ قضى على تلك الآيات وآية المحكم والمتشابه قضت على قيمة دلالتها تصديقا للعلم الحديث. فلا صحة إذن لعقيدة الإسلام في المعجزات والبعث ومابعد البعث كما يقتضيه العلم الحديث وتصدقه آية المحكم والمتشابه في القرآن ، فالقرآن والعلم والحديث متفقان ضد عقيدة الإسلام.
ص217
هذا معنى خلاص الأستاذ من مشكلة التخالف بين العلم والدين بفضل آية المحكم والمتشابه، وفيه خلاصة وتخليص قرائه من اليوم الآخر ومن مخافة الحساب والعذاب في ذلك اليوم. وهذا الأستاذ الذي أعلن مذهبه ضد الأديان عن طريق الدس الذي ذكر هو نفسه أنه طريق مستنبطى الإلحاد النوابغ، ليفهمه من يفهمه، وهيأ الأذهان لقبوله، هذا الأستاذ هو اليوم ومن سنوات طويلة لسان الأزهر الناطق ومعلم الأزهريين الأول لايعترض عليه من يريد منهم أن يقيم أوده ويقف في وجه دسائسه.. ومن قام بهذا الواجب من علماء الأزهر يقوم على تخوف من مركز الأستاذ ومكانته عند الأستاذ الأكبر (المراغي) فيفسد الواجب بين إنكار القول وإكبار القائل، والكثيرون لاينتهون لما يذيعه في منبر الأزهر من الأضاليل فضلا عن الوقوف في وجهها.
أما الأستاذ الغمراوي فكما أني أبرئه عن شوائب الظنه في عقاذد الدين، أربأ به عن مشابهة أستاذ مجلة الأزهر في رفع العلم الحديث وخفض العلم القديم من غير تحديد لناحية الرفع والخفض في العلمين. ولاسك في أن العلم القديم أدى واجبه في ساحة العقليات وإثبات أساس الدين، في حين أن العلم الحديث الذي لاينكر تقدمه في الماديات شوهد ضرره بالدين أكثر من نفعه، وإن كان العامل في ذلك سوء فهم الطائشين من علمائه وأذناب علمائه دون العلم نفسه.
وبعد أن يكون هذا البيان معلوما للقراء الكرام فأقول إن الأستاذ الغمراوي ماأنصف علماء الإسلام المتكلمين في رميهم بتقليد فلاسفة اليونان ولا هؤلاء الفلاسفة في رميهم بطلب العلم عن طريق التفكير البحت والاستغناء به عن طريق المشاهدة. بل الحق أن مذهب التقليد للغرب وفلسفته سائد عند المسلمين وعلمائهم اليوم أكثر مما كان منه لقدمائنا إزاء الفلسفة اليونانية، لأن الكتب الكلامية التي ورثناها من أسلافنا ملأى بنضال الفلاسفة ونقاشهم النام على أنهم رحمهم الله لم
ص218
يهملوا التمحيص في مسائل العلم أصلا (1) حسبك مثالا اهتمامهم العظيم بمسألة حدوث العالم الذي له صلة قوية بكون الله تعالى فاعلا مخنارا بالمعنى الحقيقي، لامختارا بالمعنى الأعم المجامع للإيجاب الذي اخترعته أنصار الفلاسفة وفسروه بقولهم (( إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل)). وهذا البحث يأتي إن شاء الله مفصلا في فصل خاص من هذا الكتاب يحسن بي أن أنقل شيئا مما قلت فيه، فلعله يطول انتظار القارئ إلى أن يجئ دور ذلك الفصل في الجزء الثالث أو الرابع من طبع الكتاب، وهو:
ثم إن العالم ليقوم بواجبه الذي هو إثبات وجود الله بوضوح، يلزم أن يكون حادثا ، حيث إن حاجة القديم الذي لاأول له ولم يسبقه العدم، إلى الموجد غير واضحة. وبهذا تزداد مسألة حدوث العالم أهمية وخطورة في علم الكلام، على الرغم ممن خفى عليه خطورة المسألة كابن رشد فلم ير بأسا في مذهب الفلاسفة القائلين بقدم العالم وعاب على المتكلمين تشددهم على هؤلاء.
ولما خصصنا الفصل الأول من الباب الثاني لدرس مذهب وحدة الوجود ومنشئه الذي هو عبارة عن تعيين حقيقة لله تعالى على أنها الوجود وعن القول بأن الموجود في كل موجود هو الوجود ولا موجود غيره، وكان مقتضى هذا أن يكون الله كل الموجودات فيتحد العالم مع الله – أردنا أن نبين في هذا الفصل الثاني موقف العالم الحقيقي من الله وهو أنه ماسوى الله ومخلوقه الحادث أي الكائن بعد أن لم يكن، كما
هامش صفحة 218
وليأخذ الأستاذ مثالا صغيرا مني وأنا من أقل أعقاب المتكلمين القدماء ولينظر كيف ناضلت الفلاسفة الذين كان علماؤنا يناضلونهم. كيف ناضلتهم ومن انحاز إليهم من علمائنا في مبحث وجود الله هل هو عين ذاته أو زائد عليها كما سيراه القارئ في الفصل الأولى من الباب الثاني المعقود لمسألة ((وحدة الوجود)) وكيف سلكت في هذا الكتاب مسلك التثبت والتمحيص والنقد من غير هوادة ولاتقليد أعمى لأحد من العلماء والفلاسفة الشرقيين والغربيين مهما جل مركزه.
انتهى الهامش
ص219
هو مذهب علماء الإسلام المتكلمين بأجمعهم ، بل مذهب المليين مطلقا. والمخالف في هذه المسألة أيضا الفلاسفة والصوفية الوجودية، وإن كان دأب العلماء المؤلفين في علم أصول الدين أن يناقشوا الفلاسفة فقط عند درس مسألة حدوث العالم ويضربوا عن أذنابهم صفحا وأعني بهم الصوفية القائلين بوحدة الوجود.
مذهب فلاسفة اليونان أن العالم قديم إلا في رواية عن أفلاطون يقول فيها بحدوثه، وعن جالينيوس يتردد فيها بين القول بحدوثه وقدمه (1) وأكثر القائلين بقدم العالم من أولئك الفلاسفة معترفون بوجود الله وبتأثيره في وجود العالم . والملم بعلم الكلام يشهد معركة عظيمة بين متكلمي الإسلام وهؤلاء الفلاسفة في هذه المسألة لو تذكرها وحدها على الأقل الأستاذ الفاضل الغمراوي المار الذكر في الجزء الأول من الكتاب، الخاص بأسباب تأليفه، أو هيئة (مجلة الأزهر)- ولاأقول لو عرفوها- لكفت في منع الأول عن رمي المتكلمين بتقليد فلاسفة اليونانيين في المسائل الكلامية ، وفي منع الآخرين عن إشادة كتاب الأستاذ بنشر مايتضمن ذلك الرمي منه في مجلتهم .
اعلم أن المتكلمين علماء أصول الدين قد عنوا بمسألة حدوث العالم عناية عظيمة حتى شنوا على الفلاسفة القائلين بقدمه حربا شعواء لاأغالي إذا قلت لامثيل لها في أي مسألة خلافة بين الفريقين. ومن الغفلة استكثار هذا التشدد من المتكلمين في الإنكار على مذهب القدم زعما من المستكثر أن المسألة لاعلاقة لها مباشرة بموضوع الإلهيات ، فكأنه يقول : (( إن وجود الله مضمون عند الفلاسفة كما أنه مضمون عند المتكلمين وليكن العالم بعد ذلك ماكان)) ومثال تلك الغفلة ماوقع للقاضي أبي الوليد بن رشد الأندلسي من الإستخفاف بمسألة قدم العالم أو حدوثه من ناحية
هامش ص 219
على ماحكي عنه أنه قال في مرضه الذي توفى فيه لبعض تلامذته : (( اكتب عني ماعلمت أن العالم قديم أو حادث)) قال الإمام الرازي وهذا جليل على أن جالينيوس كان منصفا طالبا للحق، فإن الكلام في هذه المسألة قد يقع من العسر والصعوبة إلى حيث يضمحل أكثر العقول فيه.
ص220
الدين وإنحائه باللوائم على المتكلمين الذين اعتبرهم مبتدعي هذه البدعة باسم مسألة حدوث العالم أو قدمه. فأولا ان كون الله تعالى فاعلا مختارا لايتفق مع قدم العالم، ومن هذا اعتبر الخلاف في حدوث العالم وقدمه ناشئا من الخلاف في كونه تعالى فاعلا بالإختيار أو فاعلا بالإيجاب. وقيل بالعكس أي أن الخلاف في حدوث العالم وقدمه. والحق أن كلا من المسألتين له خطوته الخاصة، زيادة على مابينهما من شدة الاتصال. فلو صرفنا النظر عن علاقة القول بقدم العالم مع القول بكون الله فاعلا غير مختار، كفانا مانحس في القول بقدم شيئ مما سوى الله من استغنائه عن فاعليته بالمرة لامختارا ولاموجبا، إذ لاتعقل حاجة القديم الذي لم يزل موجودا ولم يسبقه العدم إلى إيجاد من الفاعل، فأي شيئ يوجد الفاعل من الموجود الأزلي؟ ظاليس إيجاد الموجود تحصيلا للحاصل أي تناقضا؟ وإذا كان القائلون بقدم العالم يعترفون باستناده إلى الله استناد المعلول إلى علته كانت حاجته إلى وجود الله لاإلى فاعليته، وحاجته إلى فاعليته لاتتحقق إلا بالإستناد إلى إرادته التي هو مختار فيها، إذ الإرادة بالمعنى الذي ابتدعه الفلاسفة ليست من الإرادة في شيئ... على أن الله تعالى غير متصف عندهم بأي صفة زائدة على ذاته، فليس هناك إرادة ولاعلم ولا غيرهما وإنما هناك ذات. فإذا كان الله تعالى فاعلا للعالم على أن لاينفك فعله للعالم من ذاته ولايتأخر عنها فمعنى هذه الفاعلية لزوم وجود العالم لذات اللهبحيث لايمكن وجود الله مستقلا عن وجود العالم كما لايمكن وحجود العالم مستقلا عن الله، وفعله الغير الإرادي يجعله أشبه شيئ بالماكينة المسخرة منه بالفاعل، بل الإشتغال غير لازم للماكينة لزوم الفعل لله عندهم، فهل يقال عن الماكينة إنها فاعلة؟ وإذا قيل فهل يكون ذلك قولا حقيقيا ؟ ولذا اعتبر فاعل القطع بالسكين هو الإنسان والسكين آلة القطع لافاعله وإن صح لغة إسناد القطع إلى السكين أيضا، بل وإن كان السكين أحق بإسناد القطع إليه من الإنسان الذي استخدمه ، وأقرب.
صفحة -221-
وكل هذه الفروق ناشئة من ترجيح صاحب الإرادة لأن يكون فاعلا . وليس في الله إرادة علي مذهب الفلاسفة القائلين بأن الله تعالي لا يمكنه أن لايفعل كالشمس لا يمكنها أن لا تشرق,وغير المريد لا يوصف بالقدرة حتي فيما فعله لعدم قدرته علي أن لايفعل .
أما قول صاحب( الأسفار ):((المريد هو الذي يكون عالما بصدور الفعل الغير المنافي عنه ,وغير المريد هو الذي لا يكون عالما بما يصدر عنه كالقوي الطبيعية ,وإن كان الشعور حاصلا لكن الفعل لم يكن ملائما بل منافرا مثل الملجأ علي الفعل فإن الفعل لا يكون مرادآ له)) ففيه أنه رد الإرادة إلي العلم والعلم لا يجعل صاحبه مريدآ , كالإنسان يعلم مرضه وليس ذلك بقصده وإرادته ,فإن قلنا إنه غير ملائم فصحته التي يعلمها وهي ملائمة ,تحصل ايضآ من غير قصد وإرادة منه .علي أن حديث الملائم أو غير الملائم فيمن سلبت عنه الإرادة وردت إلي العلم يكون حديث خرافة , إذ الملائم يمتاز عن غير الملائم بموافقته للإدارة , ولا إدارة هناك 1 .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
وإني أقول هنا قولا لعله لم يلح ببال أحد وهو أن وجوب أفعاله تعالي عنه من غير اختيار منه عند الفلاسفة ووجوب مفعولاته المبني علي وجوب أفعاله والمستلزم لقد العالم وكون صدوره منه كصدور الإشراق من الشمس ,وقد نص بعض أنصارهم مثل صاحب (الأسفار )علي هذا التشبيه مع إدعاء الفرق بينهما بعدم وجود الإرادة في الشمس ووجودها في الله ,ومع كوننا لا نعترف بهذه الإرادة المردودة إلي العلم المردود إلي ذات الله...كل ذلك مما يقرب العالم من ذات الله ويزيد من تقريبه حتي يجعله ــ لا أقول كصفة من صفاته إذ لا صفة له عندهم إلا وهي منتفية في الذات بل أقول كما قال صاحب الأسفار: ((شأنا من شؤونه وطورآ من أطواره )) فيلغي كلمة ماسوي الله ويفتح طريقا إلي مذهب وحدة الوجود أي مذهب إتحاد العالم مع الله . ويؤيده ماقلت في الفصل السابق المعقود لتحليل ذلك المذهب ولا أزال أقول من أن الصوفية الوجودية بنوا آراءهم في الله علي آراء الفلاسفة , ومن أجل ذلك ابتعدوا عن عقائد علماء أهل السنة والجماعة , وكانوا أي الصوفية الوجودية هم الحقيقين بتفنيد الأستاذ الغمراوي وتعييبه بتقليد الفلاسفة اليونانيين لا علماء أهل السنة المتكلمون .
وقد نري هناك مذهبا ذا وجهين من الفلسفة والتصوف بعكس مافعله الصوفية الوجودية
صفحة-222-
انتهي ما أردت نقله مما قلت في فصل حدوث العالم ,ليكون نموذجا لإثبات أن علم الكلام لم يكن علم تقليد لفلاسفة اليونان .فهل يمكن الذين لا يقدرون الأوائل حق قدرهم أن يرونا من الآثار الحديثة في الفلسفة الإسلامية مايعدل أو يداني آثار السلف كيفا او كما ويناضل فلسفة الغرب الحديثة الملحدة كالفلسفة المادية أوالوضمية ..إن أسلافنا لم يسكتوا إزاء مايتنافي مع مباديء الإسلام من الفلسفة القديمة اليونانية ولم يتقهقروا ولم يقبل أحد منهم علي رؤوس الأشهاد مثل ماقال مدير (مجلة الأزهر )ورئيس تحريرها قبل ماتولي الوظيفتين:
ولد العلم الحديث ومازال يجاهد القوي التي كانت تساوره حتي تغلب عليها ودالت الدولة إليه في الأرض ,فنظر نظرة الأديان وسري عليها أسلوبه فقذف بها جملة إلي الميتولوجيا (الأساطير )ثم أخذ يبحث في اشتقاق بعضها عن بعض واتصال أساطيرها بعضها ببعض ,فجعل من ذلك مجموعة تقرأ لا لتقدس تقديسا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيبني الفلسفة علي التصوف الوجودي ,ومثال هذا ما قاله صاحب (الأسفار)عند تفضيل مذهب الفلاسفة القائلين في علم الله بارتسام صور الأشياء في ذاته تعالي وحصولها فيه حصولا ذهنيا علي الوجه الكلي ص97((وأما تحاشيه أي تحاشي شيخ الاشراقيين وتحاشي تبعه عن القول بالصور الإلهية لظنهم أنه يلزم حلول الأشياء في ذاته وفي علمه الذي هو عين ذاته , فقد علمت أن ذلك غير لازم إلا عند المحجوبين عن الحق الزاعمين أنهاأي الأشياء كانت غيره تعالي وكانت أعراضا حالة فيه , وأما إذا كانت عينه من حيث الحقيقة والوجود وغيره من حيث التعين والتقيد فبالحقيقة ليس هناك حال ولا محل بل شيء واحد متفاوت الوجود في الكمال والنقص والبطون والظهور ,ونفس الأمر عبارة عن التحقيق عن هذا العلم الإلهي الحاوي لصور الأشياء كليها وجزئيها وقديمها وحديثها فإنه يصدق عليه أنه وجود الأشياء علي ماهي عليها فإن الأشياء موجودة بهذا ((الوجود الإلهي الحاوي لكل شيء
وأنا أقول إذا لم تكن الأشياء غير الله ,بل كان كل شيء عينه فحدث كما شئت عن أي مسألة شئت ولا حرج ,إنما المخطيء والمصيب ليسا غير الله
.ولو قلنا تعالي الله عما يقولون الظالمون لقال هذا الفيلسوف الصوفي : ولا الظالمون أيضا
صفحة-223-
ولكن ليعرف الباحثون منها الصور الذهنيبة التي كان يستعبد لها الإنسان نفسه ويقف علي صيانتها جهوده غير مدخر في سبيلها روحه وماله .
وقد اتصل الشرق الإسلامي بالغرب منذ أكثر من مائة سنة فأخذ يرتشف من مناهله العلمية ويقتبس من مدنيته المادية ,فوقف فيما وقف عليه هذه الميتولوجيا ووجد دينه ماثلا فيها فلم ينبس بكلمة ,لأنه يري الأمري أكبر من أن يحاوله ولكن استبطن الإلحاد وتمسك به متيقنا أنه مصير إخوانه كافة متي وصلوا إلي درجته العلمية .
ولم يقل أحد منهم أيضا لتحريض المسلمين علي تقليد أوروبا كما قال هذا الأستاذ نفسه :إن اليابان لم يصلوا إلي ما وصلوا إليه إلا بمد أن خرجوا علي جميع تقاليدهم القديمة وجعلوا حكومتهم لا دينية وانتحلوا علوم أوروبا وثقافتهاحتي إلحادها وقلدوا الأوربيين في مراقصهم وملاهيهم .
الحاصل أن مافعله الأستاذ الغمراوي من رمي علماء الإسلام المتكلمين بتقليد فلاسفة اليونان ليس لها إلا مثالا كبيرا لرمي الكلام علي عواهنه*1* وكذلك رمي فلاسفة اليونان بإهمال المشاهدة وبناء علومهم علي التفكير البحث ,فقد قال سيد المحققين في شرح ((المواقف))في المرصد الرابع من المواقف الأول عند قول المصنف : وإليها أي وإلي الحسيات تنتهي علومهم:((إن العلم الإلهي النسوب إلي أفلاطون مبني علي الأستدلال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- علماء الكلام المساكين وعلمهم المغموط يطعن فيهم ابن رشد الأندلسي وصدر الدين الشيرازي صاحب ((الأسفار الأربعة)),بمخالفتهم الفلاسفة اليونانيين والأستاذ الغمراوي بموافقتهم وكذا ابن تيمية وابن قيم الجوزية ومن تابعهما -وفي مصر كثير منهم يعتبر علم الكلام علم اليونان - ويكرههم قوم ويبدعون علمهم , وهم الذين يكرهون العلوم العقلية ويترددون في القول بجواز تعلم المنطق وتعليمه , وهو منتهي الجمود .وأصحاب هذه الفكرة غير الذين يعرضون عن العقل والمنطق تزلفا إلي علم الحديث .ويقدح في التكلمين أيضا أصحاب مذهب(وحدة الوجود)
صفحة-224
بأحوال المحسوسات المعلومة بمعاونة الحس (1) وأكثر أصول العلم الطبيعي المنسوبة إلي أرسطو كالعلم بالسماء والعلم بالكون والفساد وبالآثار العلوية وبأحكام المعادن والنبات والحيوان مأخوذ من الحس ,وعلم الأرصاد والهيأة المنسوب إلي بطليموس مبني علي الإحساس وأحكام المحسوسات وعلم التجارب الطبية المنسوب إلي جالينوس مأخوذ من المحسوسات .
وقال ((دارير ))في كتابه ((المنازعة بين العلم والدين)):((لقد كان تفوق العرب ناشئا من الأسلوب الذي توخوه في مباحثهم وهو أسلوب اقتبسوه من فلاسفة اليونان ,فإنهم تحققوا أن الأسلوب العقلي المحض لا يؤدي إلي التقدم وأن الأمل في وجدان الحقيقة يجب أن يكون معقودآ بمشاهدات الحوادث ذاتها.من هنا كان شعارهم في بحوثهم الأسلوب التجربي والدستور العلمي.))
وفضلا عن هذه التصريحات فإن بداهة العقل تأبي عزو نقيصة الإهمال لطريق المشاهدة والإحساس إلي فلاسفة اليونانيين بجملتهم وتقليد علماء الإسلام إياهم في ذلك من غير تمحيص ,أليس لهم أجمعين المقلدين والمقلدين أعين يبصرون بها أو آذان يسمعون بها .نعم يمكن أن لا يوجد عند الأوائل من آلات المشاهدة والإمتحان مايوجد عند الآخرين فتفضل مشاهداتهم ,ومع هذا فإن فلاسفة الغرب الجدد الذين استخف الأستاذ الغمراوي بالفلاسفة اليونانيين عند إكبارهم ,لا يرضون هذا الإستخفاف بل يعدونهم المعلمين الأولين ولا يستخرجون من رقيهم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولكن مسلك المتكلمين لاسيما من أهل السنة والجماعة منهم كالأشاعرة والماتريدية ,أقوم من مسالك جميع الفئات المذ كورة المختلفة=
. وأخدم للإسلام
1-يمكننا أن نستخرج من هذا القول جوابا يمشي علي عائبي الدليل الكلامي القائم علي إثبات وجود الله الراجع إلي إثبات وجوده بوجود العالم موهمين أنه دليل مبني علي التفكير البحث وهم لا يدرون أن ذلك إستدلال مبني علي المشاهدة والإحساس بالعالم ,لا إلي التفكير البحث .
صفحة-225-
الحاضر ما يحط من مقادير الأسلاف لأنهم يعرفون أن العلوم تزداد بتلاحق الأفكار وتقادم الأزمان ,وإنما الأستخفاف بالأسلاف وغمطهم من خصائصنا نحن المسلمين الأحداث ,إنه لا يكفينا غمط أسلافنا مباشرة فنتوسل إليه بغمط أسلاف غيرنا .
قلنا إن الأستاذ الغمراوي أورد من قوله الذي نقلناه مثالا كبيرآ لرمي الكلام علي عواهنه,ونقول أيضا إن الأستاذ الغمراوي الذي عاب علماء علم الكلام بتقليد فلاسفة اليونان من غير تمحيص أظهر لنا من نفسه أمثالا رائعا للمقلد ,لأنا لا نراه في إطراء التجربة وإنتقاص العقل البحث إلا مقلدا لما شاع في الغرب من المنهج بعد الفيلسوف ((كانت))صاحب (إنتقاض العقل المحض)...ولكن هل يعرف الأستاذ أن هذا المنهج أعني مهنج إطراء المشاهدة والتجربة وإنتقاص العقل المحض توسل به من توسل إلي الطعن في أدلة وجود الله لعدم ابتنائه علي المشاهدة ,كما أن كانت نفسه انتقد بهذه العقلية جميع الأدلة النظرية المنتصبة لإثبات وجود الله ,ثم بني عقيدة وجوده علي دليل الأخلاق ؟
وستعرف عند الكلام عليه ضعفه وعدم كفايته أكبر مطلب علمي كمسألة وجود الله...وبهذه العقلية أيضا استمهل الأستاذ رئيس تحرير مجلة الأزهر الشبان المتعلمين الشاكين في وجود الله فعلق الأمل في إثبات وجوده علي وجه صحيح علمي بتقدم البحوث النفسية (اسيبرتيزم)في الغرب وقد تكلمنا من قبل علي هذا الأستمهال وسنتكلم أيضا...وقد عرفت أيضا كيف وقع الأستاذ فرح أنطون منشيء مجلة (الجامعة)ومناظر الشيخ محمد عبده , في خطأ مزدوج من إنكار العقل والعلم بصحة بصحة الدين الذي في رأسه الإيمان بخالق غير منظور ,ومن التباس إنكار المشاهدة عليه بإنكار العقل حتي قال بتنافي العقل مع الدين ,بناء علي أن العلم يجب أن يوضع في دائرة العقل لكون قواعده مبنية علي المشاهدة والتجربة والإمتحان في حين أن الدين يجب
15موقف العقل -أول
صفحة-226-
أن يوضع في دائرة القلب لكون قواعده مبنية علي التسليم بما ورد في الكتب المقدسة من غير فحص في أصولها.قال:((ولهذا كان العقلاء من الفلاسفة ورجال الدين من كل ملة ينادون بإبعاد العقل عن الدين ,أما العقلاء الفلاسفة فلأنهم يكرهون مقاومة معتقدات الناس ,وأما رجال الدين فا الفرار من برهان العقل الذي يهدم كل شيء لا يقع تحت حسه .
فتراه أي الأستاذ فرح أنطوان كيف تطور في خلسة تفكير أو غفلة من إنكار المشاهدة والعلم الحديث المبني عليها للدين ,إلي إنكار العقل أيضا للدين وهذا هو غلطة الزدوج وبمثل هذا الغلط المزدوج أنكر الأستاذ فريد وجدي إمكان معجزات الأنبياء وإمكان البعث بعد الموت عقلا واستند في هذا الإنكار إلي العلم الحديث المبني علي المشاهدة أي التجربة الحسية.وسيجيء تفصيل كل ذلك منا مع ردوده بما لا مزيد عليه ...فهل الأستاذ الغمراوي الذي أظهر افتتانه بالعلم الحديث مثل الأستاذيين المذكوريين يوافقهما أيضا فيما رتبا علي افتتانهما من عدم الأعتراف بوقوع معجزات الأنبياء في الماضي والبعث بعد الموت في المستقبل إعترافا علميا وعقليا ؟ وهل الأستاذ الغمراوي أيضا يؤمن بالله بقلبه دون عقله وعلمه ؟
نحن نربأ بالأستاذ الغمراوي الذي لا نشك في صحة دينه وسلامة عقله وعلمه ,ومن كل ذلك والذي نريد أن نحيطه علما بأن المقارنة بين العلم القديم والحديث وترجيح كفة الحديث علي القديم لإبتناء الأول علي المشاهدة والثاني علي العقل البحث ,مما يديدن به علي الأكثر ملاحدة العصر الحديث تزييفا للدين المبني علي الدليل العقلي فقط دون التجربة الحسية ,فلا يروقنا أن يشابه صنيع الأستاذ صنيعهم ,لاسيما إذا اقترنت به مذمة المتكلمين علماء أصول الدين.
مع أن هذه المقارنة بين العقل والحس والمشاهدة مما ينم علي السذاجة...ومن أين للحس المشترك بين الإنسان والحيوان أن يباري العقل الذي فيه كل ميزة الإنسان
-227-
علي غيره؟فها أنا أرفض بعقلي البحث في هذه المقارنة وذلك من غير أن أحتاج إلي إعانة التجربة المحسوسة,لأن العقل هو الذي يرشد الإنسان إلي الإستعانة بالتجربة والمشاهدة فيما يحتاج إليهما ,وهو وحده الذي يفسرهما ويستخرج المعني منهما ,وهما ليستا بشيء إزاء العقل وبدون العقل-1حتي إنهما بدونه لا يستطيعان الخطأ في معرفة أي شيء,بله إصابة الحق .فالإصابة والإخطاء كله يصدر من العقل فهو معدن الإدراك مطلقا مايتعلق بالمحسوس ومايتعلق بغيره .
ثم إني لا أنكر فضل التجربة علي العلوم الطبيعية المتعلقة بالماديات وإحتياج العقل في تلك الساحة إلي مساعدة الحواس,حتي إن عقلي هو الذي يدفعني إلي الإعتراف بهذه الحاجة...فالعقل لا ينكر قيمة التجارب الحسية وقيمة العلم الطبيعي المبني عليهما .
لكن المغرمين بالتجربة لا يقدرون العقل حق قدره حيث ينكرون علم ماوراء الطبيعة لعدم إبتنائه علي التجارب الحسية.وهذا الفرق أيضا في التقدير وعدم التقدير من مميزات العقل علي الحس.والأستاذ الغمراوي لا أحسبه ينكر علم ما وراء الطبيعة وإنما غاب عنه أن علم الكلام بالنظر إلي مباحثه الرئيسية المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله لا يختلف عن علم ما وراء الطبيعة إلا أنه إسلامي غير مترجم عن فلسفة اليونان ؛ أو غاب عنه أن العلم الطبيعي ليس كل العلوم حتي يلزم من إحتياج العقل فيه إلي التجربة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- وقد قلت في أحد المواضع من هذا الكتاب إن الملاحدة الماديين يمنعون في توهين السند العقلي ويعادون العقل مع الدين المستند إليه فيقولون لا قيمة للإستدلال العقلي المجرد من التجربة والمشاهدة ونحن ندافع في هذا الكتاب عن العقل ليتسني لنا الدفاع عن الدين ..ومن حسن حظنا في موقف مناضلة الخصوم أن يكون العقل معنا فندافع عنه ويدافع عنا .فلو لم يكن لنا إلا كوننا في موقف الدفاع عن العقل وخصومنا في موقف المخاصمة للعقل لكفانا وكفاهم.وقلنا أيضا فإن أعتذر معتذر عن الخصوم بأنهم لا يفضلون الحس ولا يستهينون بالعقل وإنما يشترطون في التعويل علي العقل شرط إستناده إلي الحس وتأيده بها فالجواب أن هذا إستهانة بالعقل المحض بجعل الثقة دائرة مع الحس والتجربة وليس تفضيل الحس علي العقل غير هذا.
صفحة-228-
الحسية إحتياجه إليها في جميع العلوم,أو بالأصح غاب عنه مايترتب علي سلب الثقة بالإستدلال العقلي من المفاسد العظيمة التي منها أن يكون الشاك في وجود الله معذروا في شكه,بل الملحد في إلحاده.
فلو قيل للأستاذ غير الواثق بالدليل العقلي مغرما بالدليل التجربي مع المغرمين:إن ((كانت))الذي سن سنة إنتقاد جميع الأدلة العقلية النظرية لوجود الله التي أعتمد عليها علماؤنا من الكتاب الدليل التجربي-انتقده بأن نظام العالم إنما يدل علي وجود ناظم ولا يدل علي كون الناظم هو الله,أو يدل علي وجود ناظم كامل بقدر مافي نظام العالم من الكمال ولايدل علي وجود ناظم أكمل الذي هو الله القادر علي وضع نظام أبدع من نظام العالم. فلو قيل للأستاذ هكذا فكيف يدفع إعتراض ((كانت))ويثبت كون واضع نظام العالم هو الله من دون أن يضيف إلي الدليل التجربي المستفاد من نظام العالم ما نضيفه من أن نظام العالم من الممكنات لا من الواجبات الضروريات ولا من المستحيلات ؟ولهذا يحتاج إلي ناظم يخرجه من العدم إلي الوجود ويعين له هذا الشكل الذي اختاره علي غير الأشكال ,فلو كان له ناظم غير الله كان ممكن الوجود كالنظام نفسه لا واجب الوجود لأن وجوب الوجود خاص بالله تعالي.وإذا كان ممكن الوجود كان محتاجا إلي علة موجدة فننقل الكلام إلي علته الموجدة الممكنة أيضا ,إلي أن يلزم التسلسل في العلل الممكنة أو ينتهي إلي موجد واجب الوجود,ونحن نبطل التسلسل في الفصل الأول من الباب الأول من أبواب الكتاب الأربعة...فيتعين الشق الثاني أي الأنتهاء إلي موجد واجب الوجود,وهو الله.وخلاصة هذا الكلام أن إثبات وجود الله عبارة عن إثبات موجود واجب الوجود,ولا يمكن إثبات هذا الموجود بالتجربة من دون أن يضم إليها شيء من الإستدلال العقلي ,والذي يثبت بالتجربة والمشاهدة وجود شيء لا وجوب وجوده .
صفحة-229-
ولو قيل للأستاذ إن أصحاب الفلسفة الإثباتية أو بعبارة معروفة بين مثقفي مصر
الثقافة الغربية:أصحاب الفلسفة الوضعية أتباع ((اجوست كونت ))وأكثر الماديين المنتمين كلهم إلي العلم الحديث المبني علي التجربة ركنوا إلي الإلحاد بحجة أن التجارب العلمية لا تري في العالم غير القوي الميكانيكية التي تعمل عملها من غير شعور ولا إرادة ولا نري التجربة حتي وجود أي ناظم وأن مايري في صورة النظام ليس بنظام صادر عن قصد تنظيم وإرادته ,وأنما هو مصادفة صادرة بنفسها من غير العاقل .فلو قيل للأستاذ هكذا فكيف يجيب عنه ويثبت وجود فاعل النظام من دون مراجعة الدليل العقلي القاضي بإستحالة المصادفة لكونها راجعة إلي الرجحان من غير مرجح وكون هذا الرجحان راجعا إلي التناقض المستحيل كما سنوضحه في أمكنة كثيرة من هذا الكتاب ؟ -1.
ولو قيل للأستاذ إن العلم الحديث المثبت المبني علي التجربة الحسية لا يعترف بالنظر إلي آخر آرائه بوجود أي شيء في الكون غير الحركة حتي إنه لا يعترف بوجود المادة أيضا لعدم وصول التجربة إليها كما قال ((كانت))وغيره من المتدربين :نحن نعرف الشؤون ولا نعرف ذا الشئون وكما قال ((يول زانه))في كتابه عن تاريخ الفلسفة ((مطالب ومذاهب)):إن مذهب التدريب ينتهي إلي السوفسطائية الحسبانية))الحاصل أن الذي أجمعوا علي معرفته بالتجربة الحسية هو الشؤون والحادثات التي يردون جميع أنواعها إلي الحركة.ثم إن الذين لا يعترفون بوجود الله من أهل العلم المثبت يقولون إن العالم بجميع أجزائه عبارة عن سلاسل الحركات علي أن تكون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-ولا يجوز أن يظن بنا أن ندافع عن الدليل العقلي لكوننا نحتاج إليه ونشمد عليه في إثبات العقائد الدينية التي رأسها إثبات وجود الله لا لكون الدليل العقلي حقيقا بالإعتماد في نفس الأمر لا يجوز...أن يظن بنا ذلك بل إننا نثبت في هذا الكتاب أن الدليل العقلي المنطقي أقوي الأدلة وأفضلها محتفظا بقوته وتفوقه أبد الآبدين .
صفحة-230-
علة كل حركة هي الحركة التي تقدمتها ,ولما كان كل سلسة من سلاسل الحركات تمتد نحو الماضي إمتدادا لا نهاية له ,فكل حركة في كل سلسة تجد علتها المحركة في داخل السلسلة التي لا أول لها وتستغني عن وجود محرك من خارجها.فلو قيل للأستاذ هكذا فكيف يثبت وجود الله المحرك لهذه الحركات التي تتشكل منها سلاسلها أو علي الأقل كيف يثبت المحرك الأول لهذه الحركات التي أثبته أرسطو الفيلسوف الكبير اليوناني بدليلة الخاص العقلي ؟وكيف يثبته الأستاذ المستهين بالدليل العقلي وبفلاسفة اليونان من دون البراهين العقلية المبطلة للتسلسل ؟
ولا يغرن الأستاذ ماقاله الشيخ محمد عبده في تعليقاته علي شرح الجلال الدواني للعقائد المضدية(ص28):((وجميع ماقالوه في إبطال التسلسل من البراهين فإنما هو مبني علي أوهام كاذبة.وإلي الآن لم يقم برهان خطابي فضلا عن يقيني علي وجوب تناهي سلسة اجتمعت أجزاؤها في الوجود مع الترتيب أو لم يكن كذلك...وطريق إثبات الواجب متسع لنا فيه مندوحة عن إرتكاب هذه الأوهام .
لا يغرن الأستاذ قول الشيخ الذي يتبع في آرائه الخاصة هواه في الأزدراء بآراء علماء الإسلام...ومسألة بطلان التسلسل الذي أجمع عليه علماؤنا المتكلمون والذي كان عليه فلاسفة اليونان بشرطين فجاء علماؤنا المقلدون -كما قال الأستاذ-وألحقوا ما لم يوجد فيه الشرطان بما وجدا فيه وإستقر إجماع الفريقين علي بطلان التسلسل في أمور مرتبة مجتمعة في الوجود وفي رأس هذا النوع تسلسل العلل..ثم يجيء الشيخ محمد عبده فيخالفهم حتي في محل إجماع الفريقين علي بطلانه لأنه معلول بداء الخلاف والشذوذ.
ولايدري الشخ المعجب بعقله ولا عقلاء مصر المعجبون به أن إثبات وجود الله يتوقف علي إبطال تسلسل العلل(1 )كما لا يدري هو والمعجبون به أن تسلسل العلل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-فالذين إلتزموا إثبات وجود الله الذي هو إثبات موجود واجب الوجود,بالعقل =
رقم : 231
الى مالا نهاية له بديهى البطلان بالنسبة الى العقول السليمة والبراهين التى اقامها العلماء لابطاله كبرهان التطبيق وبرهان التضايف والتى اعتبرها الشيخ أوهاما كاذبة مقامة للذين لايفهمونه من غير تفهيم وتنبيه ونحن بفضل الله تعالى نزيح فى الفصل الاول من الباب الاول النقاب عن وجه هذا البطلان بكل بداهة بحيث لايستطيع اى منكر انكاره ولو كان الشيخ محمد عبده فيتبين هناك ان سلسلة العلل المحتاجة الى علة ان لم تنته الى علة لاتحتاج الى الى علة لتكون مبدأ السلسلة بل امتدت الى غير نهاية وهو التسلسل الذى اجازه الشيخ وانكر بطلانه كل الانكار فهى معدومة بجملتها وان وجود سلسلة كهذه مبنى على اوهام كاذبة لا البراهين المقامة لابطال التسلسل كما توهم الشيخ والدليل المختصر الذى ذكره (1) لاثبات الواجب واستغنى
هامش
= النظرى – وعليه علماء الاسلام جميعا والحكماء الالهيون قديما وحديثا عدا "كانت" – كان حتما عليهم ابطال تسلسل العلل الممكنة الوجود المحتاجة الى علة موجودة الى غير نهاية حتى ينتهى فى علة واجبة الوجود .. اما "كانت" الذى لم يقتنع ببطلان التسلسل كالشيخ محمد عبده فقد عدل لذلك عن اثبات وجود الله بالعقل النظرى لكونه يعرف ان اثبات وجود الله بالعقل النظرى يتوقف على ابطال التسلسل واستدل على هذا المطلب بدليل آخر يخصه وسننقله ثم ننقده ان شاء الله
لكن الشيخ محمد عبده مع كونه شريك "كانت" فى عدم التنبه للبطلان الذى فى التسلسل لاسيما تسلسل العلل والذى لاعذر للعقل السليم فى عدم التنبه له – مفترق عن "كانت" ومضيف الى عدم تنبهه هذا عدم التنبه ايضا لكون الطريق الى اثبات وجود الله مسدودا على العقل النظرى مالم يبطل التسلسل كما تنبه "كانت" فعدل الى دليل غير دليل العقل النظرى وبقى الشيخ الذى لادليل له غير دليل العقل النظرى بلا دليل .. وحق لنا ان نقول : لاعجب ان شاعت عداوة علم الكلام فى اوساط المتعلمين بمصر الحديثة بعد ان كان استاذها الامام تخبط فى اعظم مسالتين من مسائل علم الكلام وهما اثبات وجود الله واثبات وحدانيته وقد مر الكلام منا على تخبطه فى المسألة الثانية فى الرقم 3.
(1) ص 82 من كتابة المذكور آنفا
رقم : 232
به عن ابطال التسلسل يتوقف على ابطال التسلسل وان خفى هذا التوقف على الشيخ لان اثبات وجود الله كما قلنا من قبل ايضا عبارة عن اثبات موجود واجب الوجود والذى بنى عليه الشيخ دليله واكتفى به هو ابطال الرجحان من غير مرجح وابطال هذا وان كان ضروريا ايضا فى اثبات وجود الله لكنه انما يثبت به وجود صانع للكائنات مطلقا لاوجود صانع واجب الوجود فتبقى الحاجة فى دليل الشيخ الى اثبات وجود صانع لصانع الكائنات وهلم جرا .. فيلزم التسلسل ويتوقف اثبات الواجب على ابطاله ولايمكن ابطاله عند الشيخ فلايمكن اثبات الواجب اى اثبات وجود الله عنده وانما يقوم العالم على سلاسل العلل الممكنة الوجود غير المتناهية التى يفى عدم تناهيها فى زعم المتمسكين بها عن وجود الله الواجب الوجود(1)
نعود الى ما كنا فيه : اما قول الاستاذ الغمراوى : " اما الحقائق نفسها فهى خارج النفس خارج العقل " فانا اجيب عنه مضيفا اليه قولى : خارج الحس ايضا .
قال "أ.رابو" (2) :"من البديهى ان الادراك الخارجى اعنى الاحساس لايصل الى ماهيات الاشياء ولاتحدثنا التجربة ماهو العالم فى حد ذاته . لانه اذا عمق النظر فى المسالة فلا ادراك خارجيا اصلا والتى تقول عنها الاشياء "اوبره"ماهى الاتكيفات نفسية نرسمها بوهمنا فى خارج شعورنا " (3)
وقال ايضا :" لانستنبط من احساس اكثر من احساس ولا يستثنى من هذا الحكم الاحساسات اللمسية التى يخول لها على الاكثر امتياز كونها تجعلنا فى حالة التماس مع الخارج فاحساس المقاومة التى يفسر بها اللمس داخلى محض كاحساس اللون "
هامش
(1) هنا هامش طويل ارجأناه الى نهاية هذا الجزء من الكتاب
(2) فى دروس الروحيات ص (157) من الترجمة التركية للاستاذ الكبير محمد على عينى
(3) "المطالب والمذاهب" ليول رانه
رقم : 233
وقال "كانت" سائلا عن معيار الحق (1) "فهل نحن نبحث عنه فى متعلق المعرفة العينى؟" ثم قال :" ان الحقيقة عبارة عن مطابقة المعرفة للعين"الواقع" فالاقتناع بحقية معرفتنا يكون مشروطا بمطابقتها للواقع والحال ان موازنة المعرفة بالواقع ليست غير موازنتها بالمعرفة فتكون نتيجة المطالبة بمطابقة المعرفة للواقع هى المطالبة بمطابقة المعرفة للمعرفة لانه لما كانت معرفتى فى والواقع خارجا منى فغاية ما احكم به موافقة معرفتى بالواقع لمعرفتى بالواقع او عدم موافقتها اعنى موافقة المعرفة للمعرفة لاللواقع وكان الحسبانيون يعبرون عن هذا الدور (بالمصادرة ) فتعريف الحقيقة دور كما قالوا وهو يشبه ان يقوم احد فى تاييد ما اخبر به فيأتى بشاهد غير معروف عند الناس مدعيا له العدالة والصدق وساعيا فى اقناع الناس بشهادته فالاعتراض على طريق معرفة الحق وارد جدا وحل هذه المشكلة ممتنع لجميع العالم امتناعا مطلقا "
فيرى ان فيلسوفا كبيرا مثل "كانت" مؤسس انتقاد العقل المحض ذلك الفكر الذى حاز اعجاب الاستاذ الغمراوى مع المعجبين من الغربيين والشرقيين يحكم بكون الطريق الى معرفة الحقيقة مسدودة لعدم امكان الوصول لنا الى الواقع الخارج بالخروج منا .. فنحن محصورون فينا ولا يخرجنا من هذا الحصار اى واسطة لاعقل ولاحس كما ذكره " أ. رابو"
ولست انا على راى "كانت" لانه حسبانى كما سياتى تحقيقه فى آخر الفصل الاول من الباب الاول ولكنى ذكرت قوله هنا ليعلم الاستاذ ان الحس كالعقل فى عدم الوصول الى الحقيقة عند علماء العلم الحديث لان المدرك فى الاحساس ايضا هو العقل فاذا كانت الحقائق فى خارج النفس وفى خارج العقل كما قال الاستاذ فالعقل الذى
هامش
(1) ص 81 من الكتاب المذكور آنفا
رقم : 234
لايخرج من محله ولايدخل اليه شىء من الخارج لايتصل بالحقيقة التى فى الخارج ولاتجعله الحواس متصلا بها فادراك الخارج الذى نعبر عنه بالاحساس داخلى محض كما أن التصور الذى هو الإدراك بغير واسطة الحواس داخلى محض
أما الإشكال العظيم الذى أثاره "كانت" وقال لاجواب له فيعلم جوابه مما سنذكره عند تدقيق مذهب "كانت" وهو أن الإشكال الذى نصادفه فى مبحث المعرفة والذى لايمكن حله راجع إلى كيفية معرفتنا لا الى المعرفة نفسها وقد قلنا هناك إن الإنسان يعرف ما يعرفه من المحسوسات والمعقولات ولايعرف كيف يعرفه لأن الله عرفه ما شاء أن يعرفه ولم يعرف كيفية معرفته فعندنا معلومات من المحسوسات والمعقولات نعرفها ونعرف أننا نعرفها وإنما لانعرف كيف نعرف ولايضر معرفتنا بما نعرف كوننا لانعرف كيف نعرف فاندفع الإشكال الذى تصوره "كانت" ولو ورد الإشكال لورد على المعقول والمحسوس سيين كما أن "كانت" نفسه لم يفرق بينهما فى إيراده . فما نعرفه بعقولنا المحضة وما نعرفه بواسطة الحواس سيان فى أنهما اولا تعريف الله لانعرف بهما أى شىء لا أنا نعرف بواسطة الحواس ولانعرف بواسطة العقول لكون الحواس تصل بنا الى الواقع الخارج ولاتصل العقول .. والدليل على عدم الفرق بينهما فى عدم الوصول بنفسهما كوننا لانعرف عند ما نعرف بكل منهما ما نعرفه كيف نعرف ولايزال هذا الجهل فينا وهو الإشكال الذى ظن "كانت" أنه فى معرفة ما نعرفه مع أنه كان ولايزال فى كيفية معرفتنا
وجواب آخر عن إشكال "كانت" وإن لم يكن فى درجة الجواب الاول : وهو أن المطلوب فى المعرفة ليس الوصول إلى الواقع الخارج بالخروج منا والولوج فيه أو خروجه منه وولوجه فينا بل المطلوب معرفته اليقينية عن معرفة دليلها العقلى والحسى فتكون معرفة الشىء بدليله فى مثابة معرفة الواقع التى هى المطلوب ومثال الإخبار بالشىء ثم الإتيان بشاهد غير معروف عند الناس الذى ذكره الفيلسوف بكل
رقم : 235
حذاقة ومهارة لايكفى فى تصوير الدقة التى ينطوى عليها موقف العارف بالشىء معرفة يقينية وسنوفى القول حقه فى بحث المعرفة عند الكلام على فلسفة "كانت"
وقال الفليسوف "ليبنز" :" اليقين على ثلاث درجات اليقين البديهى واليقين البرهانى واليقين الحسى فنحن نعرف وجودنا بالبداهة ووجود الله بالبرهان ووجود الأشياء السائرة بالإحساس . واليقين البرهانى يرجع إلى اليقين البديهى الذى ينطبق على الرابطة بين القضايا المتعددة بدلا من انطباقه على حقيقة منفردة . أما اليقين الحسى فمع أنه لاكلام فى حصولنا بالإحساس على معنى شىء خارج منا فإن محل النظر هو معرفة أن يكون لنا حق التقيد به باعتقاد فطرى "(1)
فى المعرفة الحسية أيضا يقين عند "لينز" كالمعرفة البديهية والبرهانية إلا أنه يلزم وجود معيار للتمييز بين المعرفة الحسية والتخيلات الواقعة فى النوم واليقظة ولاتكفى شدة التمثلات فى أن تكون معيارا وإنما الحقيق بأن يعد معيارا حقيقيا هو الارتباط الواقع بين الشؤونات كتوافق التجارب من أناس مختلفين فى أزمنة مختلفة وأمكنة مختلفة واتحاد نتائجها . فارتباط الشؤونات التى توثق الحقائق الواقعة بشأن الأشياء المحسوسة فى الخارج منا يحقق بحقائق العقل . وخلاصته أن الحقائق الحسية تعتمد على الحقائق العقلية . فليفهم من هذا مبلغ خطأ الذين يظنون أن مرتبة الأدلة العقلية دون الأدلة التجربية .
وقد قلنا من قبل إن العقل وحده هو الذى يفسر التجربة والمشاهدة ويستخرج منهما المعنى وهما ليسا بشىء بدون العقل فالإحساس بدونه أعمى والتجربة بدونه خرساء فاستخراج المعنى منهما ثم توثيق ذلك المعنى وتحقيقه إنما يكونان بفضل العقل .
فإذا كان الأمر كذلك وكان العقل يخطىء ويصيب فكلا الاحتمالين جار فى المعقول
هامش
(1) المطالب والمذاهب
رقم : 236
والمحسوس . والخطأ فى المحسوس كثيرا ما يقع فيما إذا كان المعنى المستخرج من الإحساس مركبا ومن هذا لايندر أن العلم المبنى على التجربة قد ينتقض قديمة بحديثة . فمدار الإصابة سواء كانت فى المعقول أو المحسوس على سلامة العقل ومدار الخطأ فيهما على عدم سلامته فلن يخطىء سليم العقل والمنطق مهما كان ناقص التجربة وغير سليمهما يخطىء وسط التجارب
وإنى أذكر كلما اقتضت المناسبة ما وقع لأكبر أدباء تركيا فى العصر الأخير "جناب شهاب الدين بك " عند مناظرتى إياه فى مسألة تعدد الزوجات من عدم اعترافه بفائدته المعروفة فى إكثار النسل – رغم كون فائدته هذه كالثابت بالدليل الرياضى من حيث ان الزوجات العديدة يلدن أكثر من زوجة واحدة – مدعيا أن الإحصاءات "ستاتيستيك" ترى انتقاص عدد الأهلين فى البلاد التى تبيح تعدد الزوجات بله ازديادهم ومطمئنا على أن الإحصاء لايكذب .. فكنت قلت يومئذ ما معناه أن الإحصاء لا عقل له ولا منطق ومن هذا لايكذب وإنما يكون تابعا لعقل ومنطق من يستنطقه وربما يقوله مالم يقله .. فإذا شهد الإحصاء على انتقاص الناس فى أى مملكة تبيح تعدد الزوجات على مر الزمان من غير وقوع مهاجرة منها الى الخارج فشهادته يجب أن تقصر عليه أى الانتقاص نفسه فقط وأما سبب الانتقاص فهو خارج عن شهادة الإحصاء ودلالته وإنما هو علاوة على مدلوله من عقل من يستشهد به فإذا وقع الخطأ فى المسألة فالمخطىء عقل صاحب العلاوة الذى جعله يظن انه استند فى الحكم بتعيين سبب الانتقاص ومثله الازدياد إلى الإحصاء . وكذلك كل حكم تجربى اتفق عليه الناس حقبة من الدهر بل اتخذوه دستورا علميا ثم تبين أنه خطأ فسبب الخطأ الخروج فى الحكم الأول من حدود التجربة ولا خطأ للتجربة فى حدودها . وهذه مزلقة أقدام المجربين الذين لايتحوطون حق التحوط فى تحديد ما دلت عليه تجاربهم والذنب ذنب عقولهم التى لم تقفهم عند حدود التجربة . وأكبر مثال فى هذا الباب
رقم : 237
أن المادة التى كان الماديون قائلين بأزليتها وأبديتها ولم يكن عندهم شىء أحق باسم الموجود منها وأسلم من الهلاك والفناء وكانوا يقولون ما قالوا فيها بناء على التجارب المستمرة منذ تاريخ العلم الطبيعى إلى هذا الزمان المسفرة عن أنها يتغير شكلها أو خصوصية نوعها ولا يضيع شىء من كميتها وثقلتها . وكانت النتيجة المعقولة التى يجب أن يكتفى بها فى الاستنباط من تلك التجارب أن يقال إننا لانقدر على محو المادة ولا على معرفة انمحائها بنفسها بوسائطنا الحاضرة فتبقى كمية الأجسام فى تقديرنا بهذه الوسائط محفوظة دائما .. لكنهم جاوزوا حدود مدلول التجربة وحكموا بأن المادة لاتتغير ولاتقبل المحو بل قالوا إنها أزلية أبدية .. فلما ظهر أخيرا أن بعض الأجسام مثل " أورانيوم " ينشر أشعة غير مرئية وينمحى بالتدريج ثم تبين بتجارب أخرى أن هذه الحالة أعنى نشر الأشعة والانمحاء التدريجى لايختص بالجسمين المذكورين بل يعم جميع الأجسام إلا أنه يكون فيهما أزيد من غيرهما وإن كان فناؤهما أيضا فى بطء لا يعد بمئات ألف من السنين .. فلما ظهر ذلك ثبت أن ما يعتقدونه الدائم الباقى من الأجزاء الفردة للأجسام البسيطة يتفرق فى بطء متناه وينمحى شيئا فشيئا مضيعا لصفاته التى بها تعتبر المادة مادة .. وظهر لاحق التجربة ناقضا لسابقها فى أشهر أمثلها وأصحها عندهم .. وما سبب ذلك الخطأ السابق إلا المغالاة فى قيمة التجارب وإضافة الضرورة والاستحالة خارجتان عن حدود التجربة داخلتان فى حدود ما وراء الطبيعة الذى القول الفصل فيه قول العقل فله وحده الحق فى الحكم بالضرورة التى تجعل الاحتمال المخالف مستحيلا ولايكون هذا الحق أبدأ للتجربة والتجربة نفسها بريئة من ادعاء هذا الحق لها وإنما الذنب لعقول المجربين وأذنابهم فى إلصاقه بها كما ذكرنا (1) والاختلاف بين المتمسكين بالتجربة والمتمسكين بالدليل العقلى لايكون
هامش
(1) وإنى أحس فى الرأى المرتب على التجارب الأخيرة فى فناء المادة أيضا بعض الخروج =
رقم : 238
خلافا بين التجربة والعقل بل بين عقول الطرفين ويكون الحق دائما فى جانب الأقوى والأقوم منهما عقلا .. وليس معنى هذا إلغاء التجربة والاستغناء عنها بالدليل العقلى بل العقل نفسه يقضى بلزوم التجربة فى المسائل لايكون أقوم عقلا من ملتزمى التجربة . فالعقل يقدر التجربة قدرها فى حين أن المولعين بالتجربة لايقدرون العقل حق قدره وهو مما يدل على فضل العقل .
على أنه لاشك فى أن الدليل العقل أسمى قيمة من الدليل التجربى ومن هذا تكون الأحكام الضرورية إما بديهية أى مستندة إلى بداهة العقل أو إلى البرهان العقلى المحض كالبراهين الرياضية والمنطقية لا مستندة إلى التجربة التى لاينقطع دابر احتمالات الشبهة فيها فيبقى دائما احتمال مخالف مكنون فى أحد الأزمنة والأمكنة وقد اعترف بها كبار علماء المذهب التجربى مثل "ستوارت ميل " . قالفى منطقه : " إنه وإن كان هناك بعض التجارب غير منحلة وغير منتقضة فليست أى تجربة غير ممكنة الأنحلال والانتقاض فقد كان اقتنع بناء على تجارب متكررة فى مدة طويلة أن الطائر (Le Cigne) لايكون إلا أبيض فلما اكتشفت استراليا تبين بطلان هذا الاعتقاد " حتى إن هذا الفيلسوف لما كان مذهبه أن المبادىء الأولى للمعرفة التى لايشك أحد فى قطعيتها
هامش
= عن حدودها فيقولون مثلا إن ما كان يظن من قبل من وجود شيئين باسم المادة والقوة تبين الآن أنهما شىء واحد وهو القوة أما المادة فلا وجود لها وإنما هى عبارة عن قوات مجتمعة متكاتفة فهذا أيضا زيادة على مدلول التجربة الأخيرة ومدلولها الصحيح كون المادة تفترق وتغنى .. أما عدم كونها موجودة منذ الأول .. أما انها عبارة عن قوى مجتمعة فالتجربة ساكنة عنه بل يأباه قديمها وجديدها ويأباه العقل إذ لايمكن أن تجتمع قوات لاثقل لها أصلا فتحصل مادة ثقيلة ولا أن تتجتمع أعراض لاتقوم بذاتها فتقوم بذاتها . ومنشأ هذه الأغلاط الزعم القديم بأن الموجود لايقبل العدم والمعدوم لايقبل الموجود . ومذهبنا أن الله تعالى أوجد الكائنات بعد ان لم تكن وهو يعدمها متى شاء .
رقم : 239
ويقينيتها محصول الاختبار والتجربة أثار حولها شكا قائلا:
"لاريب فى أنها أى المبادىء الأولى تمثل جميع التجارب السابقة فى الماضى إلا أن عدد الحالات الواقعة مهما كان عظيما فليس بشىء إزاء ما يحتفظ به المستقبل من العدد غير المتناهى .. والقول بأنه لاسبب داعيا على أن لاتكون حالات المستقبل طبق الماضى مؤيدة للتجارب السابقة خروج عن دائرة التجربة وإقامة مبدأ آخر مقامها فمن الممكن أن يوجد فى أنحاء العالم الذى لايحد له حد محل لا يعترف فيه بهذه المبادىء "
وفى قول الفيلسوف هذا على الرغم من كونه من أكبر علماء المذهب التجربى فى الغرب عبرة عظيمة للذين يكبرون التجربة ويستخفون بالدليل العقلى لأن المبادىء الأولى التى هى رأس اليقينيات والبديهات كمبدأ التناقض ومبدأ العلية لما كانت عند هذا الفيلسوف مستنبطة من التجربة تنزلت قيمتها اليقينية باعترافه حتى قال بإمكان أن لاتكون هذه المبادىء مسلمة فى مكان من أمكنه العالم الذى لايحد لسعته حد إلا أن مذهبه التجربى فى المبادىء الأولى لما لم يكن مختارا عند المحققين كما سيأتى فى الفصل الثالث من الباب الأول لهذا الكتاب لم يؤثر تشكيكه فى قيمتها اليقينية .
فقد عرفت أن مايدرك بالحس والتجربة فدور العقل فيها أكبر منهما ومالا يدرك بالحس والتجربة فكل الدور فيه للعقل . والذين لايعترفون بهذا النوع من المدركات أو يحلونه محلا دون محل المدركات بالحس والتجربة ثم يبينونه بأحلال العقل نفسه دون محل الحس والتجربة فدافعهم إلى كل ذلك ضعف عقولهم بالنسبة إلى حواسهم .
نعم إن ما يدرك بالحس والعقل فاجتماعهما فى إدراكه أصح وأقوى أو بالأصح أظهر وأوضح من انفراد العقل . وهذا أيضا من أحكام العقل إلا أنه يكون من التباس الأمور على المرء أن يطبق قاعدة الترجيح هذه فيما لاسبيل فيه للتجربة والمشاهدة
رقم : 240
فيجعل المحسوسات فوق المعقولات فى مرتبة الإدراك . فالمعقولات أعنى مايدركه العقل مما لايتعلق به الحس يدركها العقل بقوة لاتقل عن إدراك العقل والحس معا للمحسوسات إن لم تفضل عليه . ولايضره تمحض العقل فى إدراكه لأن المعقول محل هذا التمحض بخلاف المحسوس الذى يحتاج العقل للتثبت فيه إلى مساعدة الحس ولايحتاج إليها فى المعقول كمسائل ما وراء الطبيعة . وقد علمت أن المدرك فى الكل هو العقل إلا أنه لعدم المناسبة بينه وبين الماديات مباشرة احتاج فى إدراكها بيقين إلى توسط آلة من الحواس أما المعقولات فهى متجانسة مع المدرك أى العقل فإدراكه إياها بنفسه وبمحضه يكون تاما من غير حاجة إلى توسط آلة . فلما كانت مسائل ماوراء الطبيعة لاسيما الإلهيات التى هى أهم ما كان يدرسه المتكلمون بل كبار فلاسفة اليونان أيضا مما يتمحض فيه العقل ولاتمشى فيه التجربة والمشاهدة فتعييب الأستاذ الغمراوى إياهم بأنهم يستندون إلى العقل المحض – كأن الاستناد إلى العقل المحض عيب – من قلة التدبر .. ألا يرى أن ما وضعه الفيلسوف "ديكارت" فى رأس المدركات اليقينية من انتقاله من شكله الذى هو نوع من الإدراك إلى وجوده قائلا : "أدراك فأنا إذن موجود" ليس إلا استدلالا عقليا محضا ؟ فلو قال : " أرانى فأنا إذن موجود ما كان أبلغ وأقوى من قوله الأول "
ثم نقول فى سر انهماك الناس فى هذا الزمان فى إطراء التجربة ووضعهم إياهم فوق مايستحقه من المرتبة العلمية إن التجربة يستفاد منها كثيرا فى العلوم المادية والصناعات التى يدور عليها رقى الغرب وتقدمه وغلبته فتلك العلوم تعطى ثمراتها فى الحياة الدنيا . أما علم ماوراء الطبيعة لاسيما الإلهيات فمعظم ثمراتها يتأخر إلى الحياة الأخرى والناس مغرمون بترجيح العاجل وإيثاره على الآجل . فماذا يستفيد رجل الدنيا والمادة من أدلة وجود الله والتفكير فيها مهما امتلأت بها الكائنات ؟ فالطبيب الذى قال عنه شاعر العرب الكبير المعرى :
صفحة 241
عجبي للطبيب يلحد في الخا لق من بعد درسه التشريحا
لا شك أن ما يعرفه الطبيب من علم الطب ليس بشئ يحق أن يطلق عليه اسم العلم، لأن مسائله كلها تكاد تكون ظنية، وقوة الملازمة بين أدويته وبين صحة المريض لا تبلغ عشر معشار قوة الملازمة بين المعاني التي تواجهه عند تشريح بدن الإنسان وبين وجود الله، فما حضر عنده من العلم بوسائل مداواة المرضي أضعف بكثير مما حضر عنده من دلائل وجود الله مع كونها أيضاً دلائل تجريبية، كما سنبينه علي طول الفصل الرابع من فصول الباب الأول باسم دليلي العلة الغائية ودليل نظام العالم، فلماذا لا تكون للتجربة من أهميتها عند الطبيب في ناحية ما يكون لها من أهميتها عنده في ناحية أخري؟ ولماذا تهم المشرَّحَ الناحية الطب، في حين أنه يغمض عن الناحية التي هي أثري وأجلي، يغمض عنها كائن لم يمر بها؟.. وجوابه ظاهر.
ويحسن بنا في هذا المقام الباحث عن سر اهتمام الناس بالعلوم المادية ويقظتهم بشأنها أن ندل القارئ علي حكاية الراهب الحكيم "غالياني" الآتي ذكرها في أوائل الفصل المشار إليه آنفا، ولم نكتبها هنا خوف الإطالة.
وممن لم يقدر علماء الإسلام المتكلمين حق قدرهم فغمطهم ولكن أكثر اعتدالا من غمط الأستاذ الغمراوي ولا سيما من غمط الأستاذ فريد وجدي بك، الأستاذ أحمد أمين بك القائل في مقالة من مقالاته في مجلة "الثقافة" عدد (696) عنوانها "في الحالة الروحية"، وإن شئت فعد قول الأستاذ إيهام الغمط وليس غمطا بمعنى الكلمة، لكن نوع العقلية المعلولة واحد ولهذا يجب التعليق عليه أيضاً. وهذا قوله: "لقد سلك رجال الدين في تأييده وتقويته مسلكين: قوم حددوا عقولهم وقوم
(16 – موقف العقل – أول)
صفحة 242
حددوا مشاعرهم؛ فأما الأولون فعلماء التوحيد أو علماء الكلام، وأما الآخرون فصادِقوا الصوفية – في جميع الأديان – فالأولون جعلوا الدين منطقاً وفلسفة وخلفوا لنا تراثاً ضخماً من المؤلفات تبرهن برهانا عقليا منطقيا علي وجود الله وصفاته وما إلي ذلك."
إلى هنا كلام في غاية الصحة والإستقامة. ثم قال الأستاذ: "ولكني أعتقد أنهم لم نجحوا في ذلك نجاح العلماء في البراهين العقلية علي قضايا العلم. إن قانون الكيمياء أو الطبيعة أو الرياضة إذا قال به أحد العلماء وبرهن عليه آمن به كل الناس بلا فارق بين أمة وأمة وأهل دين وأهل دين وشرقي وغربي. أما علم التوحيد أو علم الكلام فبرهان لمن يعتقد لا لمن لا يعتقد، برهان لصاحب الدين لا لمخالفه. ولهذا لم نر في التاريخ أن علم الكلام كان سبباً في إيمان من لم يؤمن أو إسلام من لم يسلم إلا نادراً. إنما كان سبباً في إيمان الكثير أو إسلام الجم الغفير الدعوةمن طريق القلب لا من طريق علم المنطق."
أقول إن هذا الأستاذ اتبع في قوله "إنهم لم ينجحوا نجاح العلماء في البراهين العقلية علي قضايا العلم" تيار العرف الغربي في إطلاق اسم العلم علي العلوم الحديثة خاصة المبنية علي التجربة الحسية(1). ولم يصب فى اعتبار الكيمياء والطبيعة مع الرياضة في صف واحد واعتبار براهينهما براهين عقلية، كما لم يصب فى تمييز الراجح من المرجوح بين طرفى النجاح. فإذا كان علماء التوحيد المسلمون المتكاملون جعلوا الدين منطقاً فكيف يصح أن يقال إنهم لم ينجحوا في قضيتهم نجاح علماء الطبيعة والكيمياء أو المتمسكين بعواطف القلب كالمتصوفين في جمي الأديان؟ فكأن علماء
------------------------------------------
بداية هامش صفحة 242
[1] إنا لا نقبل هذا العرف الذي يحتكر اسم العلم للعلوم الحديثة المبنية علي التجربة وسيجئ بحثه في هذا الكتاب.
نهاية الهامش
صفحة 243
التوحيد نجحوا في جعل الدين منطقاً ولم ينجوا في إنجاح المنطق، وهو غير معقول جداً. بل المنطق والعقل الذي يمشي معه لابد أن يكونا ناجحين، ولا شئ في الدنيا أنجح منهما. فإن لم ينجحا كان ذلك عند العامة العاجزين عن تقدير العقل والمنطق قدرهما، ومثلهم المتعلمون العصريون الذين فسدت عقولهم بتقليد الغرب المعرض عن العقل والمنطق، احتفاظا بدينه الذي لا يتألف معهما، وغاية في الخسارة والضلالة انصراف هؤلاء المقلدين عن طريقة علمائهم المتمسكين بالعقل والمنطق، من غير حاجة منهم في دينهم إلي أن يبحثوا عن غير هذه الطريقة، وإنما تقليداً للمحتاجين.
فليعلم هؤلاء المتعلمون وليعلم الأستاذ أحمد أمين بك أن أفضل طرق النجاح وأقواها طريقة العقل والمنطق، وثانيتها التجربة طريقة علماء الطبيعة والكيمياء، وثالثتهما التمسك بالعواطف. ولكون الطريقة الأولي أفضل وأقوي لا يعدل العاقل عنها إلي إحدي اثنتين بعدها ما أمكن التمسك بها، وخصيصاً لا يعدل العاقل عن طريق العقل والمنطق استخفافاً بهما ورغبة في غير طريقهما.
أما الاستدلال في رجحان قوانين الطبيعة والكيمياء علي أدلة علم التوحيد المنطقية بعدم الاختلاف بين الناس في الإيمان بأي واحد من تلك القوانين إذا برهن عليه أحد العلماء، بخلاف علم التوحيد، فغلط ناشئ من قلة استعمال المنطق في التفكير بعد أن ظل مقوموه الطريق في العهد الأخير. وقد وقع الأستاذ فريد وجدي بك في مثل تلك الغلطة لما كتب مقالة في مجلة "الرسالة" بعنوان "الدين في معترك الشكوك" – وقد نقلناها في الكلمة المتقدمة علي الكتاب – فبعد أن نص الأستاذ في مقالته علي أنه لم يعد للمنطق سلطان علي الإنسان، صدّق بقول الأستاذ (بيرس) مدرس علم النفس بجامعة كمبرديج:
"كنت معتنقاً بالدين لو أمكنت معرفة شئ عن العالم الروحاني علي الطريقة التي نحن مدينون لها بمعارفنا عن العالم المحسوس. وهذه المباحث لا يجوز أن تنبني
صفحة 244
علي التأكيدات التي صدرت عن هذا الوحي أو ذاك، بل يجب أن تؤسس ككل بحث علمي بمعناه الصحيح علي تجارب يمكننا تكرارها اليوم... " فقال الأستاذ فريد وجدي بك "هذا شرط العلم في قبول الأصول الاعتقادية وهو شرط لا يجوز الاستخفاف به ولا إغفاله."
فهؤلاء الأساتذة الثلاثة – مع الأستاذ أحمد أمين بك – يحاولون في الشرط الذي وضعوه للإيمان بأصول الدين أن يكون الإيمان بالأديان من الأمور العادية التي لا يختلف فيها الناس لاستنادها إلي تجارب حسية كمعرفة كون النار محرقة ومماسة التيار الكهربائي قاتلة، فلا يكون هناك امتياز المؤمن علي الكافر، فإما أن يتحقق شرطهم فلا يبقي علي الأرض كافر ينكر الدين، كما لا يوجد أحد ينكر حرارة النار وإما أن لا يتحقق الشرط فلا يبقي علي الأرض من يؤمن بالدين، بل لا يبقي في الدنيا إخصائي في أي مسألة يعرف ما لا يعرفه غيره أو لا تكون معرفته فوق جهل الجاهل في الصحة والجدارة بالقبول.
وقد ذكّرني قول الأستاذ أحمد أمين بك: "إن علم التوحيد أو علم الكلام برهان لمن يعتقد لا لمن لا يتعقد.. " قول صديق لي في الآستانة من فضلاء المحامين كتب إليّ وقوعه في تفكرات عميقة بعد أن قرأ تأليف العالم الكبير فضيلة صديقي الشيخ زاهد رداً علي رسالة منشورة لإمام الحرمين فيها حملات شنيعة علي مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة لا مبرر لها سوي التعصب لمذهب الإمام الشافعي. ويفهم من كتاب الرد أن للإمام الرازي أيضاً مثل تلك الحملات المنكرة. ثم أراد الصديق المحامي أن يطلع علي رأيي فيها وهذا ما كتبه:
"إن كان يمكن إفحام أحد بالبراهان والمنطق فلا يمكن طمأنة قلبه بسهولة بل ولا بصعوبة أيضاً، فلا يستطيع أحد تحويل أحد عن مذهبة ما لم تدخل العواطف التي تجعل
صفحة 245
كل شيئ عاليه سافله، في البين؛ فقد يلعب العشق والحرص والخوف والأمنية الدنيوية دوراً كثيراً حين لا تنفع البراهين مهما كانت منطقية؛ حتي إن هذا البراهين لا تري إلا كترنمات مزينة لتلك العواطف أو ساترة لها، ففي المقابل اتفاق الآراء علي قبول مقررات العلوم المادية لا ينصرف أحد في الساحة الروحية والوجدانية عن حركته الابتدائية، فالذي وُلد حنيفا مقضي عليه أن يموت حنيفا والذي ولد شافعيا أن يموت شافعيا والسلام، كأن العلم (1) لا يجدي أي فائدة في هذه الأدوية، وكأن هذه العلوم فيما رأيتُ تبقي عبارة عن الدفاع عن مذهب أو مسلك، حتي إن الأمر يكون دفاعاً للمرء عن طريقة له بين أصحاب المذهب الواحد يعينه، ولعله مع هذا لا مندوحة عنه."
فكتبت جوابي إليه وقلت تقريباً: "لا بد أن يكون الحق واحداً في كل ساحة مادية أو غير مادية. فعند وقوع الخلاف في أي مسألة ، يكون أحد المتخالفين علي حق والآخر علي باطل؛ ولا يمنع من هذا الحكم القطعي كون المجتهد المخطئ في الأحكام الشرعية العملية ينال نصف أجر المصيب تفضلا من الشارع في مكافأة من اجتهد وكان أهلا له ومخلصاً في اجتهاده، كما لا يمنع إصرار المخطئ علي مخالفة المصيب قطعية كون الحق في جانبه ولا يعد هذا الإصرار فشلا لدليل المصيب، لأن نجاح الدليل في إثبات الحق يعتبر بالنسبة إلي نفس الأمر وإلي اقتناع المتمسك به غيرَ مقصر في عرضه علي طلاب الحق، لا إلي اقتناع المخالف المصر علي خطأه.
"ثم قلت، لكم العذر فيما خضتم من التفكرات العميقة، وخصيصاً ما أصدق قولكم بأن الأدلة لا تري إلا كترنمات مزينة أو ساترة لما تحتها من العواطف. ومع كون علماء أصول الفقه صرحوا بعدم جواز الاجتهاد مع التشهي، فإني لا أظن أن الإنسان يدرك أولا أدلة الدعاوي التي يستدل عليها ثم ينساق إلي ما يتناسب مع تلك الأدلة من
--------------------------------------
بداية هامش صفحة 245
[1] لم يرد به العلم الحديث.
نهاية الهامش.
صفحة 246
الدعاوي، إلا أن يكون إدراك الدليل قبل الدعوي في غاية الإجمال. نعم يمكن أن يستثني من هذا الحكم مسائل الفقه المستندة إلي النقل أكثر من العقل أو حالة الإنسان في أوقات كونه صادف نظره دليلا لمسألة ثم المسألة نفسها بينما هو خالي الذهن عن كليهما.
"ومع هذا وبعد عد الأفكار الستندة إلي عوارض كالعشق والحرص والخوف والأمنية أو إلي التقليد المحض خارجة عن البحث بالمرة، فالذي يتقرر في ذهني أولا أو يجذب قناعتي يكون هو الدعاوي، فأنا أميل منها إلي ما أميل من القبول أو الرفض. وهذا هو ساعة تجلي هداية الله علي من يطمئن قلبه إلأي شئ أو حرمانه عن هدايته، فإن كان الرجل مهديا إلي الحق في دعواه فالهداية الإلهية تجد أدلتها وتأتي بها إلي قلبه، وإن كان من المحرومين تلقن أدلتها أيضا أو بالأصح شبهاتها إلي المدعي.
"أما كون كل الناس في موقف متفق عليه تجاه العلوم المادية حين ساد الخلاف في الساحة الروحية والوجدانية وعدم كفاية دليل أحد في تحويل أحد عن مذهبه وكون المولود الحنفي لهذا مكتوبا عليه أن يموت حنيفا والشافعي شافعيا، فالمفهوم منه في النظرة الأولي عدم كون الأدلة العقلية مفيدة ومقنعة بقدر الأدلة المادية التجربية. وإني أذكر بهذه المناسبة أن في مصر فكرة لا شبهة في مجيئها من الغرب مستولية علي حملة الأقلام العصرية من صغارهم المتطفلين إلي كبارهم البارزين (1) مثل الأستاذ فريد وجدي بك الذي تولي إدارة "مجلة الأزهر" ورئاسة تحريرها منذ سنوات وأصبح لسان أكبر محيط ديني، فعند معتنقي هذه الفكرة لا يوثق بالأدلة العقلية المنطقية، حتي إنها لا تسمي أدلة علمية بحجة أن العلم يستند إلي دليل حسي وحتي إن الكلمة القائلة كل معقول لا يؤيده محسوس فلا يعتد به، دستورهم الذي يتشدقون به،
------------------------------------------------------
بداية هامش صفحة 246
[1] مع أنهم الآخرون أنفسهم متطفلون علي الغرب.
نهاية الهامش
صفحة 247
فسعيت أنا في كتابي الذي ذكرت اسمه في أحد خطاباتي إليكم (هذا الكتاب) وأرجأت نشره بسبب أزمة الورق، لتصحيح هذه الفكرة.
"إن الفيلسوف "كانت" منتقد جميع الأدلة العقلية المقامة لإثبات وجود الله الذي لا يدخل في متناول التجربة الحسية ثم المقيم من عنده دليلا عمليا أو أخلاقيا لإثبات هذا المطلب .. استفاد الملاحده كثيراً منه حتي اتخذ أصحاب الفلسفة الوضعية المعتني بها بين كبار الكتاب المصريين مثل هيكل باشا ومحمد فريد وجدي بك، علي الرغم من أنها أحدث فلسفة إلحادية وأخبثها. وقد سبق الكلام عليها باسم الفلسفة المثبتة ... اتخذوا الناحية السلبية لفلسفة كانت، سنداً لهم في عدم الاعتراف بوجود الله، غير عابئين بالدليل الذي اختاره لإثباته. وفي الواقع لا يتسني إثبات وجود الله الذي هو إثبات موجود واجب الوجود، إن لم يبق الاعتماد علي الأدلة العقلية. ولا محل لأن يقال: "فماذا يكون إن لم يبق؟" تفسيراً لموقف أمثالنا نحن المعتمدين علي تلك الأدلة، بموقف المنساقين إلي المحاباة العاطفية المماثلة لتعصب إمام الحرمين والإمام الرازي المذهبي، موقف الذين يحبون أن يموتوا مؤمنين بالله لكونهم ولدوا مؤمنين .. لا محل لهذا التفسير وذاك التشبيه، بل الإخلاد – في زمان يركن الكثير من أبنائه إلأي الإلحاد متهمين آبائهم بالغفلة والجمود – إلي الصبر والثبات في موقف الأسير لعاطفة كسدت سوقها وفي موقف المقلد للغافلين، أصعب علي ذوي النفوس العزيزة من أن يعابوا بترك عقائد الآباء والأمهات. فلو كنا مؤمنين ومعتمدين علي أدلة وجود الله العقلية بدافع المحاباة العاطفية فعاطفة الإلحاد أقوي في زماننا وأشهي من عاطفة الإيمان بالله.
"فلذا لم تكن مسألة الإيقان بوجود الله أو عدم وجوده أو الشك بين الاحتمالين لا سيما عند الذين يرون أنفسهم فوق العامة، غير مسألة اختلاف العقول الفطري، فعقلي أنا يستيقن وجود الله ولا يلبث أن يرتب الأدلة لذلك بل يكفي الإنسان في هذا الباب كما قال "ديكارت" إدراك وجوده نفسه، أما رؤية العالم بأرضه وسمائه فزيادة.
صفحة 248
علي الكفاية بكثير وبأكثرمن الكثير. فهذه الحالة البديهية عبارة عن شدة نفوذ مسألة بطلان الترجيح بلا مرجح التي هي المركز الأول لثقلة دليل إثبات الواجب وقوة وطأته في بعض العقول. ولا أغالي في التعبير عنها بالحالة البديهية لأن ما ننساق إليه من إنكار الترجيح بلا مرجح هو بعينه الاعتراف بمبدأ العلية الذي هو أحد الأمور التي يسميها علماء الغرب المبادئ الأولي ويرونها فوق كل مناقشة؛ مع أن كثيراً من العقول الجديدة لا يتحرجون من القول بأن العالم موجود من تلقاء نفسه، غير متأثرين من تلك البداهة الملتطمة بعقولنا.
"وأني لا أظن أن حضراتكم تنحازون عند القول بأن البراهين العقلية لا تصرف أحد عن مذهبه، إلي الأفكار الحديثة التي ذكرتها، لا أظنكم تنحازون إليها حتي عندما تشتكون بدافع التأسف المحق عن عجز تلك الأدلة عن تقريب علماء أجلة كإمام الحرمين والفخر الرازي إلي رؤية الحق بدعوي الشافعية والحنفية الجاهلية .. إذ لا شك في احتفاظ الأدلة العقلية المنطقية المستجمعة لشرائط الصحة دائماً بقوتها وقطعيتها بدرجة تفوق قوة الأدلة المادية التجريبية المبنية علي القوانين الطبيعية التي قال عنها الفيلسوف "ليبنتز" : " إن القوانين الطبيعية ليست قوانين عندية كما ادعي "بايل" ولا ضرورية ضرورة هندسية" لأن الأدلة العقلية تفيد الضرورة مثل الأدلة الرياضية، وإمكان اجتماع الآراء علي ماثبت في العلوم المادية بواسطة التجربة والاستقراء بل وقوع ذلك الاجتماع دائما، في حين أن تفريق الحق من الباطل بواسطة الأدلة والبراهين العقلية ليس أمراً سهلا، لا ينقص قيمة الأدلة العقلية بل يزيد قيمة علي قيمتها كما قال شاعر فارسي:
قدر زرزر كرشنا سد ، قدر كوهر كوهري
ومعناه لا يقدر الذهب والماس قدرهما إلا القسطار والجوهري. ولا يحط من قدرهما أن لا يستطيع كل أحد تمييز صحيحهما من زيفهما.
صفحة 249
ولا يقال أليس إمام الحرمين أو الفخر الرازي قسطارا جوهريا؟ لأني أقول يفهم من كتابيهما ثم من كتاب الرد عليهما لفضيلة صديقي الشيخ الزاهد أنهما لم يكونا قسطارين ولا جوهريين فيما أخطآ من المسائل العلمية، لأن القسطرة في العلوم تفوق ما عند نقاد الأحجار الثمينة من الخبرة وتتوقف علي اختصاص وامتياز أسمي وهو الاختصاص بتوفيق الله، فلكون تأثير الأدلة العقلية في العقول منوطا بإرادة الله يظل تمييز صحيحهما من سقيمها، تابعاً لتوفيقه وهدايته، ولا يدور هذا الحظ الممتاز المختلف باختلاف المسائل حتي مع كثرة العلم والعقل أو زيادة السمعة – بعد أن كان كل واحدة من هذه الميزات أيضاً تابعة لتوفيق الله – بل يكون التوفيق في كل مسألة بعينها حظا ثانيا مفترقاً عن الحظ الأول المتعلق بكثرة العلم أو العقل أو زيادة السمعة. فالذي يكفل بسلامة العقل السليم من الخطأ هو الإرادة الإلهية، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وبالنظر إلي أن كل شيئ في العالم يجري تحت إرادة الله فاتفاق العقول علي قبول مقررات العلوم المادية وإن لزم أن يكون مستنداً أيضاً إلأي إرادة الله، إلا أن إرادة الله التي ساوت التمييز بين الناس في ساحة الماديات ساقت الأفكار في المعقولات إلي الاختلاف، تشريفاً للذين أصابوا سواء السبيل في تلك الساحات وإعزازاً للأدلة التي تمسك بها أولئك الأشراف وصينوا عن خطر الإخطاء. فوجود احتمال الخطأ في الأدلة العقلية لا ينخفض قيمة تلك الأدلة بل يرفع درجة المستدل المصيب للحق ويرفع قيمة دليله الذي امتاز بالصحة واستند إليه الحق. وليس هذا الفضل والرجحان بالنسبة إلي دليل المبطل الذي حقه أن يسمي شبة لا دليلا، بل الفضل الذي نريد تفهيمه فضل صحيح الدليل العقلي الذي كلامنا فيه علي صحيح الدليل من غير العقلي. وفضله من ناحيتين، الأولي كون تمييز الصحيح من غي الصحيح صعباً في العقلي.
صفحة 250
يكسب به المصيب شرفاً ورفعة درجة، والثانية ارتقاء مدلول الصحيح من الدليل العقلي إلي مبلغ الضرورة.
"وخلاصة الفرق بين الدليلين العقلي وغير العقلي بشرط أن يكون كل منهما صحيحاً، ان الثاني أوضح في الدلالة، ولذا يشترك في فهمه الجميع. والأول أقوي وأفضل. وقد عبرت عنه في محل آخر من الكتاب بأنه دليل الخاصة وعن الثاني بأنه دليل العامة. وأنت تعلم مما ذكر آنفا أن المراد من الخاصة هنا المختصون بتوفيق الله في الاهتداء إلي صحيح الدليل العقلي.
"ومثال ما ذكرنا من فضل الدليل العقلي علي غيره مع احتمال الخطأ في الدليل العقلي (1) أن الإنسان بعد أفضل من الملائكة مع كون الإنسان منقسما إلي الخيار والشرار وكون الشرار أضل من الأنعام، لكن وجود هذا القسم بين الناس لا يحط من مرتبة الخيار بل يعلي قدرهم، لكونهم لم يقعوا في الشر الذي وقع فيه طائفة من بني نوعهم، مع احتمال وقوعهم فيه وعدم احتمال وقوع الملائكة ... وهكذا الأدلة بنوعيها العقلي وغير العقلي، حيث لا نقص احتمال الخطأ في الأدلة العقلية مرتبة الصائب منها الذي كلامنا فيه، بل يعلي قدره. فافهم هذا الموقف فإنه دقيق.
"وقولكم من ولد حنفيا يموت علي مذهبه ومن ولد شافعيا علي مذهبه من غير تأثير الدليل القائم علي خلاف المذاهب في قلب كل منهما، معناه أن الإنسان متمسك بالتقليد أكثر من غيره أو يكون تأثير التربية فيه أكثر من غيرها.
"لكن المقلد العامي الذي يصر علي ما ورث من آبائه ولا يستمع إلي القول بخلافه – ومثله المتعلم المعاند من الخاصة – قد تركناه خارج البحث وكان كلامنا في تعيين
---------------------------------------------
بداية هامش صفحة 250
[1] ومعني احتمال الخطأ في الدليل العقلي انقسام الناس فيه إلي من يصيب الحق في استدلاله ومن لا يصيبه، وليس معناه احتمال الخطأ في دليل المصيب كما يتوهم الشاكون في قيمة الدليل العقلي.
نهاية الهامش
الصفحة: 251
أفضل واسطة لهداية الإنسان إلى طريق الحق. فيلزم أن يكون هذا الإنسان طالباً للحق باحثاً عن أسباب الوصول إليه، وليس هو مقلد المتمسك بما وجد عليه آباءه المذموم في كتاب الله أو المتعصب لما أخذ من أستاذته، ولا تقاليد أو التعصب طريق الهداية والإصلاح.
"نعم التربية طريق من طرق الإصلاح والهداية إلى الحق، لكن يلزم أولا أن يكون الحق الذي تهدف إليه التربية والتنشئة حقا في نفس الأمر لا في زعم المربين، لأن التربية كما تكون موجهة إلى تأييد الحق تكون موجهة أيضا إلى تأييد الضلال فيجب قبل كل شئ معرفة الحق وتمييزه من الباطل، ولا يكون ذلك إلا بدليل العقل.
"ثم إن التربية التي ترجع إلى تنظيم العاطفة –وسيجئ بحثها ومقارنتها بدليل العقل والمنطق- تأتلف مع العلم والجهل على السواء كما تأتلف مع الهدى والضلال.. فإذا فرضناها تهدف إلى تأييد الدين الحق وتثبيته في قلوب النشء وسلم دين الأمة بفضل سلامة دين الناشئين ودامت سلامته أعصاراً طويلة كما دامت للترك في عهد االدولة العثمانية وقبله... فقد يجئ رجل لا ديني مثل مصطفى كمال ويجد أعوانا من المتعلمين المشايعين للغرب اللاديني، فيفتح أبواب أبواب الدعاية لهم على مصرعيها ويكم أفواه المدافعين عن الدين. فلما اختلت الموازنه بين الفئتين من خاضة الترك وتغلبت الفئة الفاسدة على الفئة السليمة، كفى ذلك في القضاء على دين الأمة في أقل من ربع قرن.. وسيتجلى صدق ظننا هذا السئ بدين الأمة المسكينة بعد انقضاء بقية الجيل القديم المسلم التي لا تزال تملأ المساجد وينخدع بها الغافلون، فلو كان دين الأمة قائماً على دليل العقل والمنطق –كما يخدمه علم الكلام- بدلا من قيامه على التربية لما تسنى للفئة الفاسدة التغلب في البلاد، بل لو كان الغرب الذي هو منبع الفساد يتفق دينه مع العقل وينفذ في قلوب عقلاء البلاد الذين يكون رجال الحكومة منهم كما ينفذ في قلوب
الصفحة: 252
العامة لما كان الدين هناك منحصراً. في المظاهر ولما ضربت فوضى الأخلاق والآداب أطنابها في المجتمعات، وبفضل ذلك كان يبقى الشرق في مأمن من عدوى المدنية الزائفة والعقليات الزائغة إليه.
"فخير ضمان للدين والأخلاق المبنية عليه في أي أمة أن تركز عقيدته في قلوب المثقفين بأدلته العقلية ثم يستند إليه أساس دين العامة العاجزين عن الاستدلال والدائرين مع التقليد والتربية.."
وإذا عدت مما كتبته إلى الصديق المحامي في الآستانة –ربما زدت عليه هنا عند النقل أو نقصت شيئا عنه- إلى قول الأستاذ أحمد أمين بك فقد تضمن الخطاب كثيراً من الرد على على ما ذكره من عدم نجاح علماء التوحيد في براهينهم العقلية المنطقية ونجاح علماء الكمياء والطبيعة في براهينهم، وقد عرفت أن نجاح البرهان يقدر بايصال من تمسك به إلى الحق في نفس الأمر، فلا ينافي نجاح برهان المحق في رأيه وإبراهه عدم خضوع الطرف المخالف له، لأن هذا يكون عدم النجاح في نظر المبطل أو نظر من لا يميز بين المحق والمبطل فيجب أن لا يعتد به، ولا بد أن يكون في كل محل الخلاف من محق ومبطل في نفس الأمر. ولا تقل من يدري مَن المحق ومن المبطل في الاستدلال العقلي الذي يصعب فيه التمييز بين الحق والباطل؟ لأن الفضل يكون حينئذ لمن يدريه ويميزه، وهو المطلوب.
وآخر ما أقول لأحمد أمين بك الذي استضعف براهين علماء التوحيد لكونها براهين عقلية منطقية وفضٌل عليها براهين علماء الطبيعة والكمياء معتبراً لهما في درجة واحدة مع براهين الرياضة: إن براهين الرياضة تفيد الضرورة لكونها براهين عقلية ولا تعادلها في ذلك براهين الكمياء والطبيعية المبنية على التجربة والتي تفيد الصدق فقط ولا تفيد ضرورة الصدق، وإنما تعادلها في إفادة الضرورة براهين علم التوحيد العقلية المنطقية.
الصفحة: 253
والدليل عليه ما قاله "كانت" وقد نقله الأستاذ في تصنيفه الذي اشترك فيه مع الأستاذ زكي نجيب محمود وسمياه: "قصة الفلسفة الحديثة" (ص273) ونقلناه نحن أيضاً في محل آخر من الكتاب:
"التجربة تدلنا على ما هو واقع ولكنها لا تدلنا على أن هذا الواقع لا بد بالضرورة أن يكون هكذا ولا يكون على صورة أخرى، وهي لذلك لا تمدنا بالحقائق العامة(1) [يريد بها المبادئ الأولى التي يجئ بحثها في هذا الكتاب ويذكر هناك أنها فطرية في الإنسان على المذهب المختار غير المستفادة من التجارب] مع أن هذا الضرب من المعرفة هو ما تنزع إليه عقولنا بصفة خاصة، فالتجربة توقظ العقل أكثر مما تقنعه...وما دام العقل في مكنته أن يصل إلى الحقائق العامة مع أنها ليست من التجربة فهو إذن مصدر العلم إلى جانب التجربة. ولعل أنصع مثال يدل على وصول العقل إلى المعرفة من غير طريق التجربة هو مثال الرياضة لأنها يقينية، ويستحيل التجربة أن تنقضها يوماً ما، فلقد يجوز لك أن تتصور الشمس (على خلاف التجارب المشهودة منذ تاريخ الدنيا) مشرقة من الغرب في الغد وأن النار قد تتبدل عليها الظروف فلا تعود قادرة على إحراق عصاك الخشبية، ولكنك لا تستطيع بحال من الأحوال أن تتصور العالم سيحدث فيه ما يجعل اثنين في اثنين لا تساوي أربعة، فهذه الحقيقة الرياضة ثابتة إلى الأبد ومن الأزل، ولا تحتاج لكسبها إلى التجربة، لأنها حقيقة مطلقة ضرورية لازمة الحدوث، والتجربة لا تمدنا إلا بإحساسات متفوقة وأحداث مفككة لا يطرد تتابعها، فقد تجئ في الغد على غير النظام الذي جاءت به اليوم أو أمس."
فنعم ما قاله "كانت" في هذه الأسطر المنقولة بصدد المقارنة بين التجربة والعقل ونبه إلى أن السبب في قوة الرياضة اليقينية الأبدية استنادها إلى العقل .. ونعم ما قاله
الصفحة:254
الأستاذ العقاد في كتابه الجديد: "الله" ص49-51، وقد نقله هنا على طوله تسجيلا لشدة إعجابي به:
"وقد أحس الإنسان قبل أن يفكر فلا جرم ينقضي عليه ردح من الدهر في بداية شأنه وهو يفكر حسيا أو يفكر لمسيا فلا يعرف معنى الوجود إلا مرادفاً لمعنى المحسوي أو الملموس. فكل ما هو منظور أو ملموس أو مسموع فهو واقع لا شك فيه، وكل ما خفى على النظر أو دق عن السمع واللمس فهو والمعدوم سواء(1).[زعم الإنسان البدائي هذا يشبه كل الشبه ما سبق للأستاذ فريد وجدي بك من وضعه "الغيب" في مقابل "الواقع" وجعله الإيمان به إيمانا بخلاف الواقع].
"وقد كان للحاسة الدينية فضل الإنقاذ من هذه الجهالة الحيوانية. لأنها جعلت عالم الخفاء مستقر وجود، ولم تتركه مستقر فناء في الأخلاد والأوهام. فتعلٌم الإنسان أن يؤمن بوجود شئ لا يراه ولا يلمسه بيديه. وكان هذا "فتحاً علمياً" على نحو من الإنجاد ولم ينحصر أمره في عالم التدين والاعتقاد، لأنه وسٌع آفاق الوجود وفتح البصيرة للبحث عنه في عالم غير عالم المحسوسات والملموسات. ولو ظل الإنسان ينكر كل شئ لا يحسه لما خسر بذلك الديانات وحدها، وبل خسر معها العلوم والمعارف وقيم الآداب والأخلاق.
"ويجئ الماديون في الزمن الأخير فيحسبون أنهم جماعة تقدم وإصلاح للعقول وتقويم لمبادئ التفكير. والواقع أنهم في إنكارهم كل ما عدا المادة يرجعون القهقري إلى أعرق عصور في القدم، وليقولوا للناس مرة أخرى إن الموجود هو المحسوس وإن المعدوم في الإنظار والأسماع معدوم كذلك في ظاهر الوجود وخافية، وكل ما بينهم وبين الهمج البداءة من الفرق في هذا الخطأ –أن حسهم الحديث يلبس النظارة ويضع المسامع على أذنيه.
"ويحسبون على هذا أنهم يحسبون على هذا أنهم يلتزمون حدود العلم الأمين حين يلتزمون حدود النفي
الصفحة: 255
ويصرون عليه في مسألة المسائل الكبرى وهو مسألة الوجود، بل مسألة الآباد التي لا ينقطع الكشف عن حقائقها في مئات السنين ولا ألوف السنين ولا ملايين السنين.. ونحن لا نستطيع أن نقول "لا" إلى آخر الزمان في مسألة من مسائل الحجارة أو المعادن أو الأعشاب أو مسائل البيطرة وعلاج الأجسام.
"وليس النوع البشري على أبواب محكمة يخاصم فيها من ثبتون أو ينكرون ويتحداهم وهو جالس في مكانه أن يثبتوا له ما ينفيه ولا يهتدي إليه بالعين والمجهار.
ولكنه على الأقل أمام "معمل للتجارب" يبدأ فيه البحث ويعيده ثم يبدأه ويعيده في كل عصر على ضوء جديد، وهو أمام الكون خاصة لم يكد يبدأ البحث في مسألة الآباد إلا منذ مئات معدودة من السنين. فياله من علم بديع هذا العلم الذي يقطع بالنفي إلى آخر الزمان... دون أن يتردد أو ينتظر مفاجآت الزمان.
"والواقع أن العلم كله يقوم على أساس الإيجاب والترقب ولا يقوم على أساس النفي والإصرار ومن حقيقة علمية إلا وهي تطوي في سجلها تاريخاً من تواريخ الاحتمال والرجاء والأمل في الثبوت، وإن تكررت دواعي الشك بل دواعي القنوط. فبَحَث الإنسان عن العقاقير وبحث عن المعادن وبحث عن الثمرات والفلات بروحٍ ترقٌبُ إيجابا وثبوتا ولا تنتقل من نفي إلى نفي ومن إصرار إلى إصرار، وهذه هي روح العلم أمام الصغائر من شئون البيوت والأسواق. فلما تكون روح العلم إصراراً محضاً وإنكاراً متلاحقاً على غير إحساس وبغير ترقب أو انتظار في كبرى المسائل على الإطلاق؟
"وأجدر الأزمنه أن يتبدل فيه هذا الموقف هو الزمن الذي تكشف فيه الأجسام عن عنصرها الأول، فإذا هو إشعاع أو حركة في فضاء فاقترب الوجود المادي نفسه من عالم المعقولات والمقدورات، وتقرر لنا أن الحواس لا تستوعب معنى الوجود في
الصفحة: 256
الصميم، لا، زوال العدم هو الضفة الوحيدة اللازمة للوجود، ولا تستلزم زوال العدم تجسما ولا تجرما ولا كثافة من هذه الكثافات التي تتمثل بها الأجسام للحواس بل يكفي حركة مقدورة أو معنى كأنه من طبيعة المعقولات. فما أضيق النطاق الذي بقى للحس مظاهر من أسرار الوجود. وما احرانا أن نفسح للوعي لكوني وللبداهة مما لا يتسع مع الزمان، ولا نحبسه في نطاق يضيق ثم يضيق حتى يسقط من الحسبان.
"والإنسان قد رآي نور الشمس والكواكب بعينيه منذ مئات آلاف من السنين ولم يقبس نور الكهرباء من ينبوع الضياء الكوني إلا في القرن الأخير. فتدرج من قدح الحجر إلى حك الحطب إلى فتيلة الدهن إلى غاز الاستصباح إلى نور الكهرباء في هذا الأمد الطويل من الدهور وراء الدهور.
"فوعيه الباطي لم يقصر عن وعي عينه في هذا الشوط البعيد، لأنه تنقف من عبادة الحصى والحشرات إلى عبادة الإله الواحد في بضعة آلاف من الدورات الشمسية وجاز لنا أن نقول إن ضميره كان أسرع من عينيه إلى اقتباس الضياء وكان أقدر من فكره على مغالبة الظلام. وأي ظلام؟ إنه لم يكن إظلاما كظلام الليالي والكهوف يُسلم مقاده لكل قادح رند أو نافح عود، ولكنه كان ظلاماً تجوس فيه مردة الجهل والشياطين العادات وأبالسة المطامع والشهوات. فإن ذل ذلك على شئ فإنما يدل على حاجة الضمير إلى ذلك النور الذي اهتدى به واهتدى إليه."
كلمة الأستاذ العقاد هذه القيمة جدا لا تحتاج إلى أي تعليق منا سوى أن نقول إنه حارب فيها أصحاب العلم الحديث المادي القاصرين كل تعويلهم على المحسوسات والنافين لما وراءها النفي البات دون أن يترددوا كما قال الأستاذ أو نيتظروها مفاجآت الزمان ودون أن يفسحوا للوعي الكوني والبداهة إلا نطاقاً يضيق هم يضيق حتى يسقط من الحسبان..حاربهم فهزمهم هزيمة منكرة ولكن خاصة بالمنكرين دون
الصفحة: 257
الشاكين والمشككين، والدين لا سيما الإسلام كما يناوئ إنكار وجود الله يناوئ الشك في وجوده ولا يكفيه الاعتراف باحتمال وجوده ولا الوعي الذي ينطوي على هذا الاحتمال بل يتوقف على قناعة جازمة تحقق التعبير عن الله بواجب الوجود.
فإيمان العامة من المسلمين يقوم على هذا الوعي إجمالا، وتفصيل هذا الإجمال الذي يجعله قانونا علميا يفيد الوجوب والضرورة ويفوق بهذا ما يستفاد من العلم الحديث فمحله في علم الكلام وصدور علمائه.
ثم إنا وجدنا الأستاذ أحمد أمين بك بسيطا جدا في قوله من المقالة المذكورة المنشورة في "الثقافة": "وكان نابليون –في حلمته على مصر- في سفينة حوله ملحدون، وفي ليلة بديعة لمعت النجوم في السماء وتلألأت في رونقها وبهائها وجمالها؛ فقال نابليون: انظروا أيها الرفاق ما أبدع النجوم وأجملها! فمن أبدعها؟ قال ملحد نحن لا نسأل هذا السؤال، وما يدور في ذهنك من هذه الأسئلة لا يدور في أذهاننا، إنما نسأل نحن كيف تطور هذا العالم، وكيف وصل إلى ما نرى، إن برهانك أيها الأمبراطور –دليل جميل لك."
لأن تطور العالم بنفسه وارتقاءه حتى وصل إلى ما وصل إليه بنفسه من غير وجود واضح لهذا النظام، محال مخالف لمبدأ العلٌية على تعبير علماء الغرب ومستلزم للرجحان من غير مرجح على تعبير علمائنا المتكلمين، فلا يلتفت إليه ولا يستحق الذكر مقابلا لقول نابليون. لكن الأستاذ نقله من غير تعليق عليه، وهي يرمي إلى قوله السابق في المقالة –وكأنه مؤيد له-: "إما علم التوحيد فبرهان لمن يعتقد لا لمن لا يعتقد، برهان لصاحب الدين لا لمخالفة" وهل لا يلزم التحديد أنه برهان في نفس الأمر أو غير برهان؟ لأن اختلاف صاحب الدين وغير صاحب الدين في الاعتقاد لا ينفي نفس الأمر،
موقف العقل-الأول)
الصفحة: 258
فهل علم التوحيد برهان وغير برهان معاً؟ ولهذا أقول أنا إن المتعلم المصري الناشئ في أحضان هذه المقالات والكتب العصرية يختار لنفسه عقيدة الشك.
إما قول الأستاذ بعد الجملة المنقولة آنفا: "ولهذا لم نر في التاريخ أن علم الكلام كان سبباً في إيمان من لم يؤمن أو إسلام من لم يسلم إلا نادراً. إنما سبباً في إيمان الكثير وإسلام الجم الغفير الدعوة من طريق القلب لا من طريق علم المنطق" فمقارنة آخرى من الأستاذ للعقل والمنطق يوازن قوتهما في تأييد الإيمان بقوة القلب، بعد مقارنتهما بالتجربة بالنجاح دون براهين علم التوحيد المبنية على العقل والمنطق، عد مساعدة القلب للإيمان أنجح من مساعدة العقل والمنطق.
وفيه عندي نظر ظاهر لأن معنى تأييد القلب والإيمان تأييد بعواطفه وليس التأييد بالعاطفة تأييداً بالدليل والبرهان الذي كلامنا فيه، ولهذا لا يُبحث عن الحق والباطل في التمايلات القلبية، وهذا كاعتزاز كل قوم بقوميته وترجيحها على القوميات الآخرى. فيكون لكل قوم الحق في ذلك من غير أن تكون قوميات الآخرين معرضة للبطلان ويكونُ الترجيح بمثل هذه العواطف القلبية عنديا محضا ليس من الرجحان الحقيقي في شئ. لكن المطلوب في ترجيح الإنسان لما اختاره ديناً له وعقيدة يبتغي فيها مرضاة الله، لزم أن يكون ترجيحا ناشئا من كون حقا وما يخالفه باطلا وأن يكون له في ذلك دليل من العقل والمنطق، ولا يجوز أن يكون ترجيحه، حتى إذا استطاع أن يذكر لعاطفته ومحاباته سبباً معقولا انقلبت العاطفة القلبية إلى الاستدلال العقلي.
الحاصل أن المقصود من العلوم هو الوصول إلى الحقيقة، وعليه فلا شك أن العقل المحايد أحق بالثقة من العواطف المحابية وأن في إسناد الإيمان إلى العواطف اعترافا ضمنيا
الصفحة: 259
بعدم استناده إلى سبب معقول بل إلى اختيار صحيح أيضا مبني على الموازنة بين المختار وغير المختار. لهذا فإن صح هذا الإيمان صح إيمانا تقليديا لا إيمانا استدلاليا، ولا يمكن أن يكون إيمان مقلد أفضل من إيمان المستدل فإن أمكن ذلك في أي دين فليس بممكن في الإسلام. وليس بصحيح ادعاء كون الإيمان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحالة. فإن لم يكن علم الكلام في ذلك العصر على شكله المدون كان روحه مركوزة في عقول الصحابة، ألا يرى أن كتاب الله مشحون بأدلة الفكر والنظر، ومن ذا ينكر ما في قول سيدنا إبراهيم: "إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض.." من الاستدلال الكلامي، بحجة أنه سابق لتدوين علم الكلام بقرون كثيرة؟
فلا شك في أن ترجيح القلب لأن يكون بعواطفه سنداً للإيمان، على سند علم الكلام العقلي والمنطقي، نزعة من الأستاذ إلى عقلية علماء الغرب المتدينين المحتاجين إلى الابتعاد عن ساحة العقل والمنطق تهريبا لدينهم المسيحي من براثن انتقادهما ومتمسكين بدلا منهما بالقلب وعواطفه، وسيجئ منا كلام عن شنهم الحرب في هذا السبيل ضد العقل، كلام ننقله عن كتاب الأستاذ نفسه ثم نعلق عليه، ولا حاجة في الإسلام الذي هو ديننا ودين علمائنا المتكلمين إلى تلك الحرب.
ومن حاجة الغربيين في تقوية الدين إلى تأييد العاطفة القلبية وترجيحها على العقل تراهم قد يدٌعون أن إيمان العامة أمتن من إيمان الخاصة وترى مقلدهم في الشرق يصدقونهم في ذلك. ولا صحة لدعواهم هذه أيضا(1) [وإنما يتم هذا على ضعف الإيمان في الخاصة الغربيين بل وفي مقلدهم من الخاصة العصريين في الشرق الإسلامي أيضا، فتقتصر مهمة هؤلاء على الاحتفاظ بدين العامة من طريق العاطفة القلبية لا من طريق العقل والمنطق، إذ لو كانت عقولهم مائلة إلى الإيمان كانوا هم أنفسهم أقوى فيه من العامة] وكفى دليلا على هذا أن حالة
الصفحة: 260
العامة تتغير بتغير الخاصة من دون عكس، وتدور قوة ارتباطهم بدينهم مع قوة المنتمين إلى ذلك الدين وغلبتهم في وجه الأض فيظن الغافل ذلك قوة في الدين. وأصدق القول قول علمائنا المتكلمين إن إيمان المقلد عُرضة للزوال بتشكيك مشلك.
هم إن الأستاذ القائل: "لم نر في التاريخ أن علم الكلام كان سببا لإيمان من لم يؤمن أو إسلام من لم يسلم إلا نادراًً. إنما كان سببا لإيمان الكثير وإسلام الجم الغفير الدعوة من طريق القلب لا من طرييق علم المنطق" لم يفكر في سبب كون المسلمين احتفظوا بدينهم وصحة عقيدتهم في القرون الطويلة المتقدمة على اتصالهم أو بالأصح على اتصال متعلميهم بالغرب وتياراته في الأزمنة الأخيرة. وما كان السبب في هذا الاحتفاظ إلا استناد علمائهم إلى علم الكلام واستناد الخلق إلى أقوال هؤلاء وإرشاداتهم. فإذا مست الحاجة إلى المباحثة والمجادلة في العقائد كانوا يقومون بها متكئين إلى قوة علم الكلام ويفقون في وجه التيارات المضللة بهذا السلاح المؤيد بالعقل والمنطق. ولم يكن ممكنا في أي وقت من الأوقات استخدام العاطفة القلبية ولا تهذيب القلب بالتصوف الذي هو طريق المعروف في تربية العواطف والمشاعر، سلاحا للمجادلة الدينية العلمية لكونه سلاحا لا يتعدى تأثيره إلى غير حامله. فلو كان رجال الدين في العصر الحاضر أقوياء في علم الكلام وفي الوثوق بعقولهم المؤيدة لهذا العلم كما كان سلفهم، لما وجد الإلحادُ وكل ما لا يتفق مع الإسلام من الأفكار الغربية، فرصة النفوذ في عقول مثقفي الشرق العصريين وما اجترأ الأستاذ فريد وجدي بك مدير ورئيس تحرير "مجلة الأزهر" على أن يقول بين طهراني شيخ وأستاذة كلية أصول الدين أقاويل ضد علم الكلام ونتصب في رأس المجلة عدوا له عدواة المرء لما جهله حتى كأنه يجهل أيضا كون هذا العلم اسما آخر للعلم الذي أضيفت إليه تلك الكلمة الأزهرية.
بداية صفحة 261
هاجم رئيس مجلة الأزهر علم الكلام و كان صنيعه هذا اقتراحا ضمنيا لإلغاء تدريس هذا العلم بالأزهر ، و لكن من غير إقامة علم مقامه تستند إليه عقائد الإسلام،بل ليس فى الإسلام شئ يستحق أن يسمى علما بعد أن اشترط فى العلم أن يكون مؤسسا على التجربة الحسية وتُقُبل هذا الرط فى نظر الغرب و أذنا به الشرقيين، ولذا لم يذكر الأستاذ خلفاً لعلم الكلام المطلوب إلغاؤه بل ترك الإيمان بالله معلقاً بذمة المستقبل ، لعل جهود علماء الغرب تكتشف يوما وجود الله بتجاربها الحسية كما اكتشفت الروح، ففى ذلك اليوم السعيد فقط يثبت على زعمه وجود الله علميا !
لكن الأستاذ أحمد أمين بك ، على الرغم من تسليمه برجحان براهين العلوم التجريبة على براهين العلوم العقلية المنطقية ،لم يقع فى سذاجة الاستجارة من التجارب الحسية لاكتشاف وجود الله وامتاز عن أستاذ مجلة الأزهر أيضا فذكر خلفا لعلم الكلام فى حفظ العقائد وهو علم التصوف . وإنى لا أرضى أن يخترع من التصوف الذى هو عمل و إخلاص وتربية للنفس أكثر من أنه علم ،والذى ينبغى أن يكون متمما لعلم الكلام – مزاحم له، و إن كان هذا الاختراع الممقوت قد وقع غلاوة الصوفية القدماء قبل الأستاذ أحمد أمين بك.ولما كان علم الكلام عند ما قلت فى أوائل الكتاب : " انتهت قوة السيف فى الأسلام بأنتهاء الدولة العثمانية ، وإنى هاجرت إلى مصر فى هذه الفترة فوجدت قوة الإسلام العلمية أيضا فى حالة النزع " ، فى طليعة المقصود من قوة العلم الإسلامية المتحضرة –فقد حق لى أن لا أبرح موضوع الدفاع عن علم الكلام وعن العقل الذى بنيت أدلته عليه ،قبل أن أعطيه حقه فأقول :
الأستاذ الذى يروقه التصوف لإثبات الدين ولا يعول على أدلة علم الكلام العقلية و المنطقية ، نسأله عن كيفية غلبة الصوفى على منكرى الدين وعن السلاح الذى يستعمله فى إفحامه ؟ هل يكون سلاحه إظهار خارقة من كراماته تدهش من عاينها ؟ وهل يكون للصوفى أن يتحدى بها فى حين أن الفارق بين معجزة النبى و كرامة الولى أن يتحدى
بداية صفحة 262
النبى بمعجزاته ولا يتحدى الولى بكرامته وفى حين ان منكرى الدين فى زماننا وكثيرا ممن يعد نفسه من المسلمين لا يؤمنون بالمعجزات الخارقة للقوانين الطبيعية ،بل الكرامات ؟
فالحق أن محاولة تحويل وجهة المسلمين من علم التوحيد إلى التصوف تأييدا لدينهم وتثبيتا لعقائدهم ، تشبه محاولة إحداث نوع من بعثة الأنبياء بعد انقضاء عهد النبوات يستغنى به الناس عن البحث و النظر بعقولهم لتمييز الحق والباطل من الأديان وأضداد الأديان ، وعن العلوم المستندة إلى ظاهر كتاب الله وسنة رسوله ، بل وعن المبالات بآيات الكتاب نفسه الآمرة بالتفكير فى السماوات و الأرض وفى أنفسهم والقائلة مثلا: " إنما يتذكر أولو الألباب ، إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون ولقوم يعقلون وإن فى ذلك لآيات لأولى النهى " ، والقائلة بألسنة أهل جهنم للنادمين على ما فاتهم عند معاينة العذاب : "لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير "
وقد كان طروء الضعف على دين المسلمين و استيلاء الشك على قلوب المثقفين ،بل تغلب الإلحاد على الإيمان ، حصل كل هذه التقلبات فى الشرق الإسلامى بعد أن أخذ الغرب يغزو دين الشرق بعلمه الحديث ، لما وجد الناحية العلمية فى الدين ضعيفة ضعيفة وصدقه فى زعمه هذا و أعوانه المقلدون فى البلاد الإسلامية (1) ولم يكون دخول الإلحاد الغربى فى الشرق ناشئا من كون العلم الحديث الذى هو أداة فتحه الوحيدة ، وجد فى الأعصر الأخيرة ضعف البلاد اللإسلامية فى التصوف.
فإذا كانت حرب العلم الحديث الغربى متوجهة إلى الأدلة العلمية القديمة الذى كان الإسلام منذ قرون طويلة معتمدا عليها ،لا متوجهة إلى التصوف .. وإن شئت فقل لما كان دخول الإلحاد فى كثير من أذهان المصريين بواسطة حرب العلم الحديث ضد
هامشة صفحة 262
(1)وفى استخفاف الأستاذ بعلم التوحيد مثال واضح لهذا التصديق
بداية صفحة 263
الأدلة العلمية الكلامية وجب أن يكون الهجوم المقابل فى نفس الجبهة التى شنت الحرب منها، ليكون الحرب بين العلمين لا بين العلم والعاطفة اللذين لا حرب بينهما فى الإسلام ، وإنما المثقفون المصرين من مقلدى الغرب فى الشرق رأوا ملاحدة الغرب يحاربون الأديان بالعلم الحديث الذى لا يؤمن بغير ما ثبت بالتجربة الحسية فانحازوا إلى جانب العلم وألحدوا، قم رأوا أهل الدين فى الغرب المسيحى يتمسكون بالعاطفة لإنقاذ دينهم من مخالب العقل و العلم فانحازوا إلى جانب الدين وقلدوا المسيحيين فى الاستهانة بالعقل و العلم ، وفى ضمن هذا التقليد استهانوا بعلم الكلام المبنى على العقل و المنطق و الذى هو سلاحنا فى حرب الملاحدة، مع أن العاطفة ترجع قيمتها العلمية إلى قيمة التعصب ولا تنهض حجة ضد العقل و المنطق ولا نحن فى حاجة إلى التمسك بها أو بالتصوف الذى يربيها .. لا فى إثبات الديانة ضد الإلحاد ولا فى مقارنة الإسلام بالأديان الأخرى وإنما نحتاج إلى التصوف فى داخل الإسلام لترويض النفس على العمل بأحكامه لنكون مسلمين عمليين بعد أن كنا مسلمين نظريين بفضل علم أصول الدين الذى هو الكلام وفروعه التى هى الفقه .
وانا لا أغالى ولا أظلم إذا قلت إن الأستاذ الذى يفضل التصوف على علم التوحيد عند المقارنة بينهما ، يفضله أيضا على المنابع الأصلية للإسلام أعنى بها ظواهر الكتاب والسنة ،ومما يؤيدنى فى قولى "لا اغالى ولا أظلم " أن الأستاذ حين مدح التصوف مقابل علم التوحيد مدحه شاملا للتصوف فى جميع الأديان .ولو كان لغير دين الإسلام علم كعلم التوحيد فى الإسلام ، ولهذا بقى علم التوحيد الإسلامى وحده مفضولا فى كلام الأستاذ ومقابلا للتصوف فى جميع الأديان، فكأنه لا قيمة لهذا العلم بالنسبة إلى التصوف ..حتى ولو كان تصوفا غير إسلامى .وفضل هذا التصوف عنده حتى ولو كان تصوفا غير إسلامى ،ناشئ من عدم كونه مبنيا على العقل
بداية صفحة 264
والمنطق كما كان علم التوحيد ؟ ومنشا هذه العقلية فى الأستاذ ظنه بان الدين خير له أن لا يأخذ مسنده من العقل و المنطق كما فى المسيحية المتجافية عنهما فيسمى الأستاذ أن يبعد الإسلام عنهما كما بعدت . فهو إن لم يكون مقلدا للمسيحية فى نظرة إلى الإسلام فمقلد للعقلية الغربية المسيحية الممرضة عن العقل و المنطق، وبهذا التقليد أصبح علم التوحيد الذى يدور مع العقل و المنطق ، منبوذا عنده تاركا مكانه للتصوف .
وههنا نقطة هامة يجب ان يلفت إليها وهى أن وجود التصوف لا سيما وجوده ممترفا به عند الأستاذ – فى المسيحية التى لا توحيد فيها ولا علم التوحيد و لا أنفاق مع العقل و المنطق ، ولا الحاجة إلى ذاك الاتفاق- يضر عند أولى العقل والمنطق بمركز التصوف فى الإسلام أيضا ، إذ يفهم من هذا كون التصوف واسع الصدر إزاء ما يوافق العقل و المنطق وما يخالفهما .ولعل الأستاذ يتعجب من أنى أعد مخالفة العقل عيبا ، يبنما هو يعيب علم التوحيد بان علماءه جعلونه عقلا و منطقا ، وكأنه يقول قول الفيلسوف المسيحى " سبنسر ": "خير للدين أن يترك هذا العقل العنيد الذى لا يطمئن إلى غير الحجة المنطقية " وقد نقله فى كتابه " قصة الفلسفة الحديثة " ص 478. فليعلم الأستاذ أن التصوف فى الإسلام إن خالف علم التوحيد و خالف معه العقل و المنطق مان باطلا كما بطل زعم فى دعوى وحدة الوجود وسيجئ بحثه مستوفى فى هذا الكتاب ، وليحذر قارئ الكتاب قبل أن يقرأه، التكلم ضد العقل و المنطق .فإن كان التصوف يمتاز بالإلهام من الله فالعقل الذى هو قانون الله ، يقدم إلهامه على الإلهام الخاص الذى يخالفه ويكون معنى هذا أن الإلهام المخالف ليس بإلهام .ولهذا لم يجئ فيما جاءت به الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ما يحيله العقل ، فإذا كان فى سعة علم التوحيد المتكلم بالعقل و المنطق أن يضه لمقدورات الله حدودا من الممكنات حيث تقول متوه
بداية صفحة 265
عند ذكر صفاته تعالى الثبوتية " قادر على جميع الممكنات " فاولى أن يكون فى سعة ذلك العلم تحديد التصوف دائما .
ولينظر الذين يجعلون التصوف من أساتذة مصر مزاحما لعلم التوحيد المسمى بعلم الكلام مفضلين الأول و مستهينين بالثانى ... لينظروا بعين العبرى إلى ما نقلناه سابقا من كلام الإمام القشيرى (1) فى إنذار من يجحد بعلم الكلام ، وكلمة السيد الشريف الجرجانى شارح المواقف فى إكبار ذلك العلم و تقديمه على جميع العلوم الإسلامية مع كون كلا الرجلين الجليلين ممن جمع العلمين الكلام و التصوف فى نفسه ، ومما يزيد فى العبرة أن ناقل الكلمة عن الصوفى العظيم الأولى أى الإمام الشقيرى كان هو الصوفى العظيم الآخر فخر الصوفية المعاصرين فضيلة لاشيخ سلامة العزامى المصرى متع الله الإسلام بطول حياته ، ونحن نقلناها من كتابه " فرقان القرآن بين صفات الله وصفات الأكوان ".
وقال الصوفى العظيم الإمام الربانى مجدد الألف الثانى أحمد بن عبد الله السر عندى فى "المكتوبات " ،وسننقله أيضا مع تصريحات أخرى منه فىمبحث تدقيق وحدة الوجود(المكتوب 86):
"فينبغى للسالك قبل بلوغه منه الأمر أن يعد تقليد علماء أهل الحق لازما لنفسه مع مخالفة كشفه و إلهامه وأن يعتقد العلماء محقين ونفسه مخطئا ، لأن مستند العلماء تقليد الأنبياء عليهم السلام المؤيدين بالوحى المعصومين عن الخطأ و الغلط و كشف وإلهامه على تقدير مخالفته للأحكام الثابتة ،خطأو غلط . فتقديم الكشف على قول العلماء تقديم له فى الحقيقة على الأحكام القطعية المنزلة وهو عين الضلالة و الخسارة ."
هامشة صفحة 265
(1)فى رسالته التى يعدها الصوفية – كما قال أحد فضلاء الكتاب فى مجلة " الرسالة " – ككتاب سيبويه عند النحويين و لا ينصرف الأطلاق إلا لها.
بداية صفحة 266
أما الأمام الغزالى الذى تشبث الأستاذ أحمد أمين بك فى مقالته الأخرى المنشورة "بالثقافة " والأستاذ عبد الحليم محمود المدرس بالأزهر وكاتب المقالات فى "منبر الشرق " –بذيل أقواله ضد علم الكلام ، فهذا الإمام الملقب بحجة الأسلام نقول –عملا بقوله الذى نقله هو – فى مقالة الأستاذ أحمد أمين – عن على كرم الله وجهه : "لا نعرف الحق بالرجال"-إنه ليس بحجة الإسلام فى تلك الأقوال التى قالها فى أواخر عمره ... وله رحمه الله أخطاء لا تغتفر ولا تستصغر نبهنا إلى بعضها فى " القول الفصل" وسننبه على بعض آخر منها فى هذا الكتاب غير الذى نتكلم الآن عليه.والأقوال الأخيرة لهذا الإمام ، لا سيما ما قاله فى عدم الاعتماد على المحسوسات والمعقولات التى يستمد بها للحصول على اليقين ، لا تؤثر عندنا فى إكبار علمه الجديد و إنما تحدث تأثيرا سلبيا فى سمعته بقديم علمه.وهذا السيد الشريف الجرجانى الذى يسميه من جاء بعده من فرسان الميدان فى العلوم " سيد المحققين " والذى أكبر علم الكلام إلى أنه قدمه على جميع العلوم كما سبق بنصه فى الرقم (7) ما أكبره جاهلا بالتصوف ولا مطففا فى وزنه أو مجازفا فى وزن علم الكلام .وماذا يقول الإمام الغزالى الذى ينفى الطريق إلى اليقين غير طريق الكشف ، فى قول على رضى الله عنه : "لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ؟ "
ولقد اتى الغزالى فيما نقل عنه الأستاذ فى الثقافة (عدد 358) بالعجيب المعيب حين رفع الامان عن شهادة الحس والعقل وعن عالم اليقظة .وعنده : كما أن ما يشاهده الإنسان فى حالة المنام أى الرؤيا لا حقيقة له مع كون الحالم يراه على أنه حقيقة ،فكذلك يمكن أن يكون عالم اليقظة عبارة عن الخيال الكاذب ..وعليه فلو ضرب زيد عمرا فى منامه فاقتص منه المضروب فى اليقظة ورفعت القضية الى الحاكم وقال الضارب اليقظان إنه ضربه قصاصا ورد عليه الحاكم بأنه لا قصاص على أضغاث الأحلام ، فللمقتص أن يجيب قائلا :" من يدرى أن عالم اليقظة ليس له أضغاث كأضغاث
بداية صفحة 267
الأحلام ؟". والحقيقة السالمة المسالمة عند افمام و من تصوف معه من الأساتذة المصريين إنما هى فى العالم الثالث المتجلى لهم من دون المشتغلين بالمحسوسات و المعقولات و لا ندرى انهم لما تكلموا هذه الكلمات الرافعة الأمان عن حالة اليقظة ،وكانوا فى حالة اليقظة أو فى عالم غيرها.
ويرد عليهم أن المبادئ الريبية التى تمسكوا بها فى هدم الاعتماد على المحسوسات و المعقولات صالحة لأن تتسلط على التصوف أيضا . وبالنظر إلى أن التصوف علم الوصلة إلى الله فمن لم يقتنع بوجود الله ولم يكفه فى الجزم بوجوده أدلة علم التوحيد لزمه أن لا يقتنع بأن الذى اتصل به بعد دخوله العالم الثالث الذى هو التصوف هو الله بعينه . وكيف يتسنى له التعرف بمن لم يسبق منه التسليم بوجوده ؟ (1) ومعنى هذا أن علم الكلام يتولى إثبات أن الله موجود وواحد ، من غير تحديد لذات ذلك الموجود الواحد بنه هذا أو ذاك .وهذا العلم يعترف بعجزه عن التحديد والتعيين ، بل يمنع المسلم عن السعى من ورائه ويقول :" العجز عن درك الإدراك إدراك، والبحث عن سر ذات الله إشراك ،والتصوف أو بالأصح تصوف الإمام الغزالى القائل بوحدة الوجود مع القائلين اشتغال بتعيين ذات الله ، حتى إن الاتحادى المعروف الشيخ محى الدين عربى تجرأ على تجهيل من قال: العجز عن درك الأدراك إدراك على الرغم من كونه منقولا عن الصديق الأكبر رضى الله عنه كما سيجئ فى بحث وحدة الوجود ، وحتى إنه صرح بإن خطأ النصارى إنما هو فى قصرهم الألوهية على المسيح بن مريم دون سائر الموجودات .. فالإمام الغزالى الذى تنكر للمحسوس والمعقول وتنكر لعلومه من نوعها وقع من التصوف فى هاوية وحدة الوجود. فإن كان من حقنا أن نعرف الرجال بالحق
هامش صفحة 267
(1)ومن الغريب وقوع التجلى من الله للشاكين فى وجود الله المنكرين للأدلة العقلية التى أقامها علم التوحيد عليه ،دون المؤمنين بوجوده اعتمادا على تلك الأدلة.
بداية صفحة 268
ولا نعرف الحق بالرجال فنحن نعده فى طوره هذا ممكن قال كتاب ا لله عنهم :
"ومنكم من يرد إلى أرذل العمل لكيلا يعلم بعد علم شيئا "
وأنا الذى دفعنى تصوف الأساتذة المصريين دراوشة الإمام الغزالى (1) إلى التكلم بما قد يظن منه أنى من خصوم الصوفية، وليس الأمر كذلك ..أصارحهم بأنى أحبهم وأجلهم بشرط أن يكون واجبهم تعويد الناس العمل بعلوم علماء الدين الذين قد يكونون أى العلماء أنفسهم مقصرين فيه ، وبذلك يكون فى إمكان الصوفية أن يتولوا إرشاد العلماء وإصلاحهم فضلا عن العامة .ثم لا أرضى بهم أن يجاوزوا هذا الواجب وهو إرشاد الناس وتعويدهم العمل بعلوم العلماء إلى أن يحاربوا علوم العلماء ويدعوا الناس إلى الاستغناء عنها بالتصوف المزيج فى الغالب بالأباطيل و الأضاليل.وبفضل إرشاد هذه الطائفة للناس وتمرينهم على العمل ولا سيما الإخلاص فى العمل بعد أن كانوا قدوة للناس فى العمل و الإخلاص ، يمكنهم أن ينالوا من فيوضات الله ما يمتازن بع على غيرهم فيصبحوا من عباد الله المقربين ، كما يشير إليه الحديث القدسى : " لا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أخبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها و رجله التى يسعى بها " (2)ومع هذا الامتياز العظيم فالحجة التى لا عوج فهيا ولا أمت ، للحصول على العلم و المعرفة طريق العقل ولا يزال قول علماء الكلام فى أوائل كتبهم : "أسباب العلم ثلاثة الحواس السليمة و الخبر الصادق و العقل.وليس الإلهام من أسباب المعرفة عند أهل الحق" قانونا معترفا به عندى ذوى العقول ،قانونا لا ينقضه خطا الحواس مثلا فى أحوال نادرة يظهر منشأ الخطأ فيها عند التفتيش بالعقل الذى لا تستقل عنه الحواس أصلا و لا تستغنى عن
هامش صفحة 268
(1)دراوشته للطعن فى علم التوحيد وما ينى عليه من العقل و المنطق، لا للمواظبة على الأذكار و الوراد الصوفية ولا للتخلى عن مناصب الدنيا وملاذها كما تخلى الإمام الغزالى
(2)وقدتوهم أصحاب المذهب الوجودى من المتصوفين أن هذا الحديث من مؤيدات مذهبهم الباطل
بداية صفحة 269
مساعدته فى القيام بدورها ، كما لا تنقصه إصابة الكشف والإلمام من بعض الخواص فى بعض حالاتهم ، مع عدم الاطراد فى حالات الاصابة وفى تعيين أصحاب هذا الكشف المصيب كتعيين أشخاص الأنبياء المؤيدين بالمعجزات و المعصومين عن الخطأ .فلا يوثق بإلهامهم كما يوثق بإلهام الأنبياء .
إن تيار الإلحاد الغربى وجد السبيل إلى الشرق الإسلمى من أحد البابين الأول المادية التى لا تمول إلا على ما ثبت بالتجربة الحسية و يمتاز فى زعم المصرييين باسم العلم وقانونها الذى يردده الأستاذ فريد وجدى بك ويتمسك به وهو "كل معقول لا يؤيده محسوس فلا يعتد به " وهذا مذهب إيقانى فى دائرته المحدودة التى تخرج عنه المغيبات الداخلة فى عقيدة الإسلام وعلى رأسها الإيمان بالله .
وثانى البابين السوفسطائية اليبية التى لا نعترف بالحصول على اليقين لا فى المحسوسات و لا فى المعقولات . ويتفق كل من المذهبين على عدم الثقة بالعقل و المنطق اللذين يبنى الإسلام عقائده عليهما .فالإسلام يأبى كلا من هذين المذهبين كما أن المذهبين يتنافيان فى أنفسهما مع بعضهما.فيلزم منطقيا لمن ينتمى إلى أحد المذهبين أن يرفض المذهب الآخر، كما أن من ينتمى إلى الإسلام لزمه أن يرفضهما.والعجب ان الأستاذ أحمد أمين بك لم يكن ريبيا عندما قال :" إن علماء التوحيد أو علماء الكلام لم ينجحوا حين جعلوا الدين منطقا و فلسفة نجاح العلماء فى البراهين العقلية على قضايا المسلم.إن قانون الكيمياء او الطبيعة او الرياضة إذا قال به أحد العلماء وبرهن عليه آمن به كل الناس بلا فارق بين أمة و أهل دين وأهل دين وشرقى و غربى.أما علم التوحيد أو علم الكلام فبرهان لم يعتقد لا لمن لا يعتقد ،برهان لصاحب الدين لا لمخالفة"وقد تكلمنا عليه . ولم يكن مؤمنا بقضايا العلم التى قال عنها إنها يؤمن بها كل الناس والتى آمن بها مع الناس ،عند تحبيذ كلمة الإمام الغزالى القادحة فى المحسوسات والمعقولات ، فأنكر قضايا العلم التجربى و الثقة بالحواس إيمانا بمبادئ الريبية ، وأنكر الريبية إيمانا
بداية صفحة 270
بقضايا العلم وثقة بالحواس وآمن بهاتين اللتين أنكرهما ، إنكار للعقل و المنطق اللذين يستند إليهما علم التوحيد ..وجاوز عنده إيمانه بالريبة ريبية الأمام الغزالى القائل عن الرياشيات كما نقل عنه الأستاذ قوله :"هذه امور برهانية لا سبيل إلى مجاحدتها" فعلق عليه الأستاذ قوله "هذا ما كان يعتقد فى زمنه " ومعناه أن الأستاذ يجاحدها أيضا لأنه أخذ الريبية عن سوفسطائية الغرب الحديثة قبل أخذها عن الإمام.وسيجئ بحثه منا فى مدخل المطلب الأول من هذا الكتاب . وكذا المنطق يختلف نظر الأستاذ فيه عن نظر الغزالى الذى يعترف بأنه لا ينكر .فالأستاذ ربي تام غير محتاج إلى أخذها عن الإمام .
وهناك أستاذ آخر من المدرسين فى الأزهر ذكرنا اسمه من قبل ، كتب عدة مقالات فى "منبر الشرق" عن التصوف وأخرى بعنوان "على هامش فلسفة الأزهر" فرأيته يدخل فى مسائل مهمة مختلفة ويخرج غير مؤت شيئا منها حقه فى البحث ، وهو أيضا يرمى علم التوحيد الذى اعتنى علماؤنا بشانه وعتمدوا عليه قرونا طويلة بعدم إزالة الشكوك ويرى الخلص منها فى الالتجاء إلى التصوف بل يعز مذهب العلماء إلى اعتبار الشك أول واجب على الإنسان .ولعله وصل إلى سمعه من بعد قوله أبى هاشم المعتزلى فى ذلك فظنه مذهب علماء الإسلام مطلقا.
وتراه لا يبت فى أن الدين يسع حرية التفكير أو يحظرها ولا يدرى أن حرية التفكير مضمونة فى أساس الدين الإسلامى المبنى على الأدلة العقلية ،إلا ان هذه الحرية الواسعه لا تنافى بعد التسليم والتصديق يكونه الدين الحق القيم ، أن يتقيد من اتخذه دينا له بأحكامه وقوانينه التى يكون العمدة فيها على ثبوتها عن الرسول المبلغ عن الله ولا يكون المنتمى إلى الإسلام حرا فى مناقشتها . والمناقشة التى كانت من حق المسلم
صفحة رقم ( 271)
العاقل قبل التثبيت فى عقيدة الإسلام والاطمئنان على كونه ديناً إلهيا متفقا مع العقل ، لا تكون من حقه بعد ذلك . وإلا كانت هذه المناقشة مناقشة الله.
ثم إن هذا الأستاذ الذى تردد فى الحكم بوجود حرية الرأى فى الدين والذى كتب جل ما كتبه مشوبا بظلام الشبهات غير مكون فيه رأيا واضحا واقتناعاً صريحاً ، قال فى عدد الصحيفة المذكورة ( 361 ) :
" إلى أى مدى يسمح الدين بحرية الفكر فيما يتعلق بما وراء الطبيعة ؟ إننا نعلم أن كل الأديان نبذت هؤلاء الذين لم يعتقدوا بوجود الإله واستنكرت أو استغربت لهؤلاء الذين لا يؤمنون (( أفى الله شك )) ولم يستنكر الأديان هؤلاء فحسب وإنما استنكرت أو نبذت كل أولئك الذين لم يستكملوا الإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وليس الأمر كذلك فقط ، بل فى الأديان أيضاً إشارات وإشارات إلى أن الطريق المستقيم ليس هو حرية الرأى وإنما هو اتباع الوحى (( فيه آيات محكمات هن أم الكتاب ... إلى قوله تعالى : من عند ربنا )) وجاء فى الأثر : ((إذا ذكر القدر فامسكوا.))
(( وموقف الدين فى تلك الناحية موقف طبيعى حكيم ذلك أن تلك الناحية – ما وراء الطبيعة – لا يمكن مطلقا أن يصل الإنسان فيها إلى رأى ، إذ أن الإنسان لا يمكنه أن يون رأياً إلا فى المحسوس. أما الأشياء الغيبية فكل رأى فيها هو بلا شك ضرب من الأوهام ولا يمكن أن يقر الدين ذلك النوع خصوصاً إذا اتصلت المسألة بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وفى الواقع كيف يمكننا أن نكون رأياً فى تلك الناحية والدين يرشدنا إلى أن (( كل ما خطر ببالك فالله غير ذلك.))
(( وهذه الخطة – خطة الاتباع فى تلك الناحية – هى خطة السلف الصالح . خطة الإمام مالك وغيره ، وهى كذلك خطة الشيخ محمد عبده فى تفسير جزء عم كلما ذكرت
صفحة رقم ( 272 )
الجنة أو النار وكلما ذكر شيء من المغيبات ، حيث يقول هذه أشياء أخبرنا الله بها لا نعلم حقيقتها ولكنا بها من المؤمنين . ))
فزعم هذا الأستاذ أن الدين لا يسمح بحرية الفكر فى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فكأن الإنسان إن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فلا يؤمن مقتنعا بعقله حرا فى تفكيره وإنما يؤمن اتباعا للوحى الآمر بالإيمان ، وكأن الوحى الآمر به من المتشابهات حيث يأمر بالإيمان بما يستحيل عند العقل الحر فى تفكيره ، وكأن الذين يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر يؤمنون بها قياما للواجب بالوحى وإن لم توافقهم عقولهم فى هذا الإيمان . وهذه خطة الشيخ محمد عبده فى تفسير جزء عم حيث يقول : هذه أشياء أخبرنا الله بها لا نعلم حقيقتها ولكنا بها من المؤمنين.
وأنا أقول هذا كلام الأساذ صاحب المقالات فى (( منبر الشرق )) وقد كتبها غير واع لما تضمنته ، كالمؤمن بالمغيبات فى مذهب الشيخ . والحق أن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لما كان المراد منه الإيمان بوجودها فلا شك فى اعتراف العقل الحر بهذا الإيمان ، أما وجود الله فليس العقل يعترف به فقط بل يوجبه أيضاً بأدلته القطعية حيث لا يتصور وجود هذا العالم بغير وجوده . وأما ما ذكر بعد الله من الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر فالعقل الحر فى تفكيره يعترف بها أيضاً ولكن مع الفرق بينه وبين اعترافه بوجود الله الضرورى فإن معنى اعتراف العقل بهذه الأمور إنها غير مستحيلة فى حد ذاتها عند العقل ممكنة الوجود بعد وجود الله القادر على إيجادها ، وحاجة العقل إلى الوحى فى الإيمان بهذه الأمور إنما تعتبر لتصديق وقوعه تفصيلا لا للاعتراف بها إجمالا الذى يكفى فيه إمكانها . كما قال خضر بك أستاذ المحقق الخيالى فى منظومته النونية الكلامية :
وواقع كل ما نص الصدوق به من ممكن كصراط أو كميزان
صفحة رقم ( 273 )
فالأمور المذكورة بعد الله يثبت إمكانها بالعقل ويصدق وقوعها بالوحى ، جتى إنه لو لم يثبت إمكانها عقليا لما كفى الوحى فى الإيمان بها وكان الوحى من المتشابهات. أما الذين يقولون باستحالتها العقليه ويبنون الإيمان بها على مجرد الوحى من غير أن يدعموه باعتراف من العقل الحر فغير جادين فى إيمانهم إن لم يكونوا من عامة الناس كائنين من كانوا ، ولذا أنكر الأستاذ فريد وجدى بك معجزات الأنبياء الخارقة للقوانين الطبيعية وأنكر البعث بعد الموت والجنة والنار على أوصفافها الواردة فى القرآن وجرى نقاش بينى وبينه قبل سنوات على صفحات (( الأهرام )) وكان الأستاذ يعدها من متشابهات الكتاب التى لا تحمل على ظواهرها ، ولهذا أيضاً اعتاد الشيخ محمد عبده تأويل المعجزات بما يخرجها عن منافاة الطبيعة . والأستاذ كاتب المقالات فى (( منبر الشرق )) يمشى على آثارهما كما مشى على رأى الأستاذ أحمد أمين بك فى الاستهانةبعلم التوحيد وترجيح علم التصوف عليه فى الاقتناع بأصول الدين .
أما قول الأستاذ : (( إن ما وراء الطبيعة لا يمكن مطلقاً أن يصل فيه الإنسان إلى رأى إذ أن الإنسان لا يمكنه أن يكون رأيا إلا فى المحسوس. أما الأشياء الغيبية فكل رأى فيها هو بلا شك ضرب من الأوهام )) فاتباع منه للضلال الفكرى المستولى على المثقفين العصريين بمصر ، القائل بأن العلم إنما يبنى على المجربات المحسوسة وما وراء ذلك لا يعتد به ، ولذا لا يعد ما وراء الطبيعة علماً ولا يعول على الأدلة العقلية . وأنا الذى كتبت هذا الكتاب للقضاء على هذه الضلالات أقول لهذا الأستاذ الماشى على الضلال العصرى مدعياً لعدم إمكان الحصول للإنسان على رأى فى غير المحسوسات : كيف أمكنه أن يرتأى كون التصوف طريقاً إلى الحصول على اليقين فى الدين أفضل من علم التوحيد فى حين أن التصوف بعيد عن المحسوسات ؟.
بداية هامش الصفحة
( 18 – موقف العقل – أول )
نهاية هامش الصفحة
صفحة رقم ( 274 )
بل أقول أليس له رأى مكون ومقرر فى وجود الله الذى هو فى رأس مسائل ما وراء الطبيعة ؟ لا أسأل عن رأيه فى كيفية وجوده أو كنه ذاته حتى تلتبس عليه هذه المسألة بما يرشدنا إليه الدين – بل العقل أيضا قبل الدين – من أن (( كل ما خطر ببالك فالله غير ذلك )) وقد ذكره الأستاذ فى غير موضعه – بل أسأله عن وجود الله الذى ينازعنا فيه الملاحدة الماديون والطبيعيون غير المؤمنين بغير المحسوسات.
ومما التبس على الأستاذ فذكره فى غير موضعه خطة السلف الصالح خطة الإمام مالك وغيره المتوقفين عن تأويل المتشابهات فى كلام الله ورسوله المستحيلة عند العقل إذا حملت على ظواهر معناها مثل قوله تعالى : (( الرحمن على العرش استوى )) ، فقد خلطها الأستاذ بخطة الشيخ محمد عبده أو الأستاذ فريد وجدى بك فى معجزات الأنبياء وأحوال الآخره ، خطة عد الآيات الواردة فيها من المتشابهات التى تستحيل معانيها الظاهرة على العقل . وعندنا وعند غير المختلطة عقولهم بمباديء العاكفين على المحسوس لا مانع عقليا عن تلك الآيات على ظواهرها ، لكن الأساتذة العصريين عاجزون عن التمييز بين الممكن والمستحيل والمتشابع وغير المتشابه.
وفى مختتم بحث المقارنة بين العقل والعاطفة القلبية التى يرجع إليها التصوف ويراها الكتاب العصريون منا قدوة جديرة بالاتباع أفضل من العقل ، تقليداً للعقلية الغربية المتولدة من العقلية المسيحية التى هى فى حاجة إلى استضعاف العقل ليخلص الدين من محاربته ... فى مختتم هذا البحث يحسن لى أن أنبه القاريء على أن العقل الذى يخالف المسيحية ويحاربها والذى لا يمكن التغلب عليه هو العقل السليم . لا عقل الغرب المتجنن بالحياة الدنيا وزيناتها وشهواتها ، فتراه يجعل الدنيا عاليها سافلها مستأثراً بتلك الشهوات لذويه وواضعاً للقوة فوق الحق .. وقد سميت هذا العقل فى أوائل الكتاب عقلا شيطانيا تمرد على بارئه وأصبح الشيطان بفضل هذا العقل من المنظرين
صفحة رقم ( 275 )
إلى يوم الوقت المعلوم . وهكذا يكون ما يكسب الغربيون من عقولهم على أكثر تقدير ، وهم لكونهم أقل عقلا من الشيطان لا يدرون ما يدريه أستاذهم من العاقبة التى تنتظره فى الآخرة وينص عليه قوله تعالى : (( لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين .)) بل ربما يكون إنظارهم أقصر من إنظار أستاذهم .
كتبت هذه الأسطر مقدمة للانتقال إلى قصة كتبها الأستاذ إبراهيم المصرى فى جريدة (( أخبار اليوم )) بعنوان (( عند ما يتحير الإنسان )) يحاول بها إثبات فضل العاطفة على العقل .
وخلاصة القصة : أن رجلا أرستقراطيا أنانيا من كبار أدباء الألمان فى القرن التاسع عشر بلغت أنانيته وكبرياؤه أنه لم يعرف الحب ولم يخفق قلبه لإمرأة وهو فى الثلاثين من عمره ... ثم اتفق له أن يرى فتاة فقيرة يتيمة الأبوين باهرة الجمال اهتم بها أولا ثم أحبها وأحبته خاضعة لكبريائه ومطيعه له فى كل ما يرومه ، فتزوجها واشتد حبه بها فكان يغار عليها غيرة عنيفة أنانية تجاوز حدودها المعقولة ولا تخلو من مضايقتها وهى تصبر على كل ذلك عن طيب نفس .. ثم ولدت غلاماً فأحبته كما تحب زوجها وشق على الزوج الأنانى أن يرى من ولده شريكا له فى حبها فحاول إبعاده منها فأبت فأصر الرجل على محاولته والمرأة على إبائها حتى عزمت على الهرب من بيته فى ليلة من ليالى الشتاء حاملة ولدها فأردكها الرجل وأبت هى إلا أن تخرج ولكن الرجل انقض عليها وانتزع الطفل منها وصفعها أمام الخادمة فحدقت إليه تحديقا هائلا ، ثم ارتمت عليه كاللبوة المفترسة وانتزعت منه طفلها وانطلقت تعدو على غير هدى ، حتى اندفعت من باب الحديقة الى الشارع الكبير وكان الظلام كثيفاً والبرد شديداً. وإذ ذاك وفى ومض الطرف زادت الريح ودوى الرعد وأبرقت السماء وانفجرت العاصفة وانهمر المطل وانصب على الأم وطفلها كسيل من رصاص فاضطربت وتراجعت ودب الذعر فى قلب الرجل فلحق بها وهو يصرخ ارجعى رحمة بابنك .. فاضطرت إلى الرجوع ولكن
صفحة رقم (276)
هذه الصفحة فارغة لدى
صفحة رقم (277)
مبينا على العاطفة دون العقل ولم يقل علماء الإسلام عبثا إن مدار التكليف الشرعى هو العقل ... فإذا رسخ الدين فى قلوب هذه الطائفة من الأمة بواسطة عقولهم كان دين العامة ودين البلاد فى مأمن من الضعف والإنحلال ، وكل ما نراه فى الشرق الإسلامى الحديث من ضعف الدين وفساد الأخلاق فمنشؤه كون الضعف متمركز فى الخاصة المثقفة.
9
الدكتور السيد محمد يوسف الهندى الذى كانت أعجبتنى مقالته فى مجلة (( الرسالة )) المعنونة (( رأى الأكثرية فى السياسة الشرعية )) .. هذا الدكتور كتب مقالة أخرى (( فى الرسالة )) أيضا (( عدد 772)) بعنوان (( مجلس الشورى لإبليس )) ترجمه من شعر المرحوم الدكتور لإقبال شاعر الهند المشهور ، يضرب فيها الدكتور الشاعر والدكتور المترجم على وتر الاستهانة بعلم الكلام ومعاداته الشائعة بين المثقفين العصريين فى البلاد الإسلامية . وهما لا يبديان استهانتهما بعلم الكلام فى صدد المقارنة بينه وبين التصوف ، أو بينه وبين العلم الخديث بل انهما يحملان على الكلام والتصوف معا ويعتبرانهما شاغلين عن العمل الذى هو الأولى بالشتغال فى خدمة الإسلام وإعلاء كلمته.
وأنا أقول إن الذين أحدثوا المقارنة بين علم الكلام المبنى على العقل وبين التصوف المبنى على العاطفة ، مع تفضيل التصوف على علم الكلام فى بناء الدين عليه ، وقد أخطأوا فى كلا الأمرين كما سبق منا إيضاحه وإثباته ... هؤلاء المقارنون المخطئون كانوا على الأقل معقولين فى مقارنتهم ، وإن كانوا مخطئين فى تفضيلهم .أما إحداث المقارنة بين العمل ومباحث الإلهيات الموجودة فى علم الكلام أو بين العمل والتصوف ثم تفضيل الاشتغال بالعمل على الاشتغال بهما فليس له معنى معقول أصلا.
صفحة رقم (278)
ولنبدأ من المقارنة بين العمل والتصوف : فهى كالمقارنة بين العمل وبين العمل وقد سبق منى أن قلت عند مناقشة أحمد أمين بك فى أوائل هذا البحث إن التصوف عمل وإخلاص فى العمل وتربية النفس أكثر من أن يكون علما .. فهو أى التصوف لا ينفك عن العمل إلا فى مذهب غلاة المتصوفين القائلين بأن للإنسان مرتبة عند الله من مراتب الكمال إذا وصل إليه يسقط عنه التكاليف الشرعية . وهو مذهب باطل لا نعتد به.
وأما إحداث المقارنة بين العمل وبين علم الكلام فكان هذا كالسعى لإحداث المزاحمة بين العلم والعمل مع دعوى الاستغناء بالعمل عن العلم ، فى حين أنا نحن المهتمين بعلم الكلام لم نقل يوماً بعدم الحاجة إلى العمل بعد تعلم علم الكلام ، بل العلم أوضح طريق إلى العمل وأسلمها ، والعمل بدون العلم يكون بناء على شفا جرف هار ، ولا يعتد به إن لم يكن كذلك بل احتفظ بكيانه على خلاف القياس ولم يزل قائما .. لا يعتد به لكونه عملا من غير عقيدة ، وليس المقصود من علم الكلام إلا تأسيس عقيدة الدين على أساسه العلمى ، ولذا كان من أسمائه على أصول الدين ، فصاحب الأعمال الدينية من غير اشتغال بهذا العلم إما أن يكون له عقيدة أيضا جازمة بصحة أساس الدين ... فهو منافق ينطبق عليه قوله تعالى : (( والذين كفروا أعمالهم كرماد اشتدت به الريح فى يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد ..)) وإما أن يكون له عقيدة جازمة من طريق تقليد العلماء المشتغلين والاعتماد على علمهم ، أو تقليد المقلدين والمعتمدين .. فلابد أن ينتهى القائمون بأعمال الدين إلى المنشغلين بعلم أصول الدين .. ولا نقول نحن أيضاً بلزوم هذا الاشتغال لكل أحد من المسلمين ، وأنما نقول كما قال الله تعالى : (( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم .. الآية )) فيكفيهم أن يكون لهم علماء يعتمدون على علمهم فى تثبيت عقائدهم الدينية ، كما يعتمد الناس فى قضاء حوائجهم الدنيوية على إخصائيين فى علوم أخرى
صفحة رقم (279)
مثل الأطباء والمهندسين . ولا يكون من شأن العاقل المهتم بدنياه أن يهجم على علم الطب أو الهندسة مدعياً لاستغناء الناس عنه .. وليس ما فعله الدكتور إقبال والدكتور محمد يوسف المترجم عنه إلا من قبيل هذا الهجوم والاستهانة غير المعقولين.
وقد سبق أن قلت فى هذا الكتاب (( المسلمون فى زماننا يتلاومون فيما بينهم بالتقصير فى العمل عازين إليه تأخرهم المشهود ، مع أن تقصيرهم فى العقيدة التى لا تقبل التقصير أصلا أشد من تقصيرهم فى العمل .. حتى إن تقصيرهم فيما قد يبلغ كما ترى – مبلغ مناوأتها والاستهانة بها ، وهو داؤهم الذى أصيبت بها الكثرة الساحقة من مثقفيهم فعاقهم عن الصلاة والصيام وعاق حكوماتهم عن العمل بقوانين الإسلام فى بلاد معدودة من البلاد الإسلامية استبدالا بها قوانين فرنسية أو غيرها ، أو تعديلا فى قوانين الإسلام يتضمن الخروج عليها باسم التسهيل على الأمة أو التوفيق بمصلحتها حتى إن الكثيرين يعجبهم فصل الدين عن الدولة ، وحتى كان الشيخ الأكبر المراغى لا يعد الفقه من الدين ولا التغيرر فى أحكامه تغييرا فى الدين وكان كل هذه الحالات والمحاولات يتظاهر أصحابها بالخروج على الجمود فى الإسلام طلباً للسهولة والمصلحة والتجديد فى ناحية العمل ، لكن الحقيقة أنهم خارجون على الإسلام نفسه من ناحية العقيدة أى ناحية الإيمان به الذى هو أساس العمل بأحكامه ولهذا سهل عليهم التغييرفى أحكامه العملية ، ولهذا ايضاً عنيت فى هذا الكتاب بالناحية الإعتقادية التى هى الناحية العلمية وصرفت كل جهد فى تثبيتها .))
هامش الصفحة رقم (279)
(1) ولا يمكن الدفاع عن الدكتور الشاعر والدكتور المترجم باحتمال أن يكون مرادهما من الأعمال التى يفضلان الاشتغال بها على الاشتغال بعلم أصول الدين والتصوف ، الأعمال النافعة للمسلمين فى دنياهم ، لأنه إذا لم يكن لإحداث المقارنة بين علم أصول الدين والتصوف وبين الأعمال الدينية ، معنى معقول ، مع كون الطرفين من جنس واحد .. فعدم المعقولية فى إحداث المقارنة بين ذلك العلمين الدينيين وبين الأعمال الدنيوية أولى.
(2) لهذا البحث تفصيل وتمحيص فى الباب الرابع من هذا الكتاب
نهاية هامش الصفحة رقم (279)
صفحة رقم (280)
وقلت هناك أيضاً : (( وبعد اقتناع المسلمين بعقيدة الإسلام اقتناعاً يتفق مع العقل والعلم الصحيحين يكونون مسلمين حقيقيين ويسهل لهم الحصول على ما يحتاجون إليه من العمل بأحكام الشريعة الإسلامية ، إذ العمل المعتد به ينبنى – كما قلت من قبل – مباشرة أو انتهاء على العقيدة العلمية التى لا يتعب بها الإنسان أصلا بعد استيفائها بعقله وفهمه ، بل يكون له منها قوة ينشرح بها صدره ويستعين على القيام بالناحية العملية التى ليست سهلة فى حد ذاتها سهولة الناحية الاعتقادية لانظوائها على تكاليف وتضحيات.))
نعم إن الناحية الاعتقادية المبنية على تدقيق علم أصول الدين المسمى بعلم الكلام ليست سهلة أيضاً لاسيما على العامة وعلى أكثر العقول الحديثة التى تستصعب هذا العلم لاستئناس أصحابه بالعلوم الحديثة المادية فيسهل عليهم الإعراض عنه والكلام ضده بدل الاشتغال به والتعمق فيه ، بدعوى عدم فائدته وعدم حاجة الإسلام إليه ، لكنا نقطع إن شاء الله فى هذا الكتبا خصوم علم الكلام والذين هم خصوم العقل والمنطق أيضاً – حتى إن القاريء اطلع على الأستاذ فريد وجدى بك رئيس تحرير مجلة الأزهر وهو يتمدح فى مقالاته بأنها خالية عن الأدلة المنطقية – مع أنا كما آنفا لا ندعو كل أحد إلى الخوض فى مسائل علم الكلام كلها حتى ولا بعضها الذى خصصنا ، بالتدقيق فى هذا الكتاب لاشتداد الحاجة إليه فى هذا العصر ... لا ندعو الناس إلى أن يكونوا علماء علم الكلام الملقبين بالمتكلمين وإنما ندعوهم إلى الاعتراف بحاجة الإسلام إليهم ليعتمد الناس فى عقائدهم إلى علومهم إن لم يكن لأنفسهم علم تعتمد عقائدهم عليه كيلا يبقى اعتقاد لأحد من غير سند علمى ولو بالواسطة أى تقليداً لعلماء السند.
هامش الصفحة رقم(280)
(1) وقاريء كتابى هذا يستبين خصوم العقل والمنطق بأسمائهم ونصوصهم فى أمكنة مختلفة منه.















فإن قال قائل إن مراد الشاعر و المترجم الدكتورين الهنديين من التكلم ضد التوغل في علم الإلهيات ما يضاهي قول الاستاذ عبد القادر المغربي في كتابه ((جمال الدين الافغاني)) مترجما عن رأيه في واجب المسلمين ص 30:
((القرآن وحده سبب الهداية و العمدة في الدعاية. أما ما تراكم عليه تجمع حوله من آراء الرجال و استنباطهم و نظرياتهم، فينبغي أن لا نعول عليها كوحي. و إنما نستأنس بها كرأي و لا نحملها على أكفنا مع القرآن في الدعوة إليه و إرشاد الأمم إلى تعاليمة لصعوبة ذلك و تعسره و إضاعة الوقت في عرضه. ألسنا مكلفين بالدعوة الى الاسلام وحمل الأمم على قبوله؟ وهل تمكن الدعوة من دون ترجمة تعاليم الإسلام إلى لغة الاقوام الذين ندعوهم؟ هل في طاقة سكان البرازيل مثلا إذا اردنا دعوتهم إلى الاسلام ان يفهموا كنه الإسلام من ترجمة علماء الاسلام و ارائهم المتشعبة في تفسير القرآن و الحديث؟ الق نظرك على فهرست أحد الكتب الدينيه الكبى و تأمل فيها لترى ما الذي يمكن عرضه و الدعوة إليه من أحكامه و تعاليمه وما لا يمكن، تجد أن ما لا يمكن العمل به ولا الدعوة إليه ولا تطبيق مفاصله أصبح عبئا يجب الاستغناء عنه بما يمكن، و الممكن هو ما في القرآن وحده.))
فجوابي عليه أن كتابي هذا و إن كان ينطوي على كثير من الانتقادات الموجهة نحو آراء الفلاسفة الغربيين فليس المقصوم الأول من الكتاب دعوة الأمم الغربيه إلى الإسلام و لا تعليم العامة من المسلمين دقائق علم أصول الدين، و إنما المقصود دعوة الخاصة المثقفه العصريين منا المولين وجوههم قبل الغرب ليأخذوا كل ثقافتهم منه حتى الثقافه الدينيه... المقصوم دعوتهم إلى حظيرة الإسلام و تعلم ما لم يعلموا من دقائق علومه لتصح عقيدتهم و تأمن شر ما يدهمها من الشكوك التي يوحيها إليهم شيطان العلم الحديث المادي و يأمن دين العامة المسلمين وطلاب العلم من الجيل الآتي شر هؤلاء الثقفين.
أما قول جمال الدين الأفغاني ((إن القرآن وحده سبب الهداية من غير ما تراكم عليه و تجمع حوله من آراء الرجال)) فنحن نرى آراء الرجال المجددين الذين التفوا حول مدرسه هذا الزعيم الافغاني مثل الشيخ محمد عبده و تلامذته.. نرى آراءهم التي لا تتجمع حول القرآن و لا تصلح أن تنضم إليه بل تناقش نصوصه مثل إنكار المعجزات و الملائكة و الشيطان وعدم الاعتراف بصحة قصصه كما وردت.. أليست هي أكثر مخالفة لقضية المحافظه على وحدة القرآن مما تراكم عليه و تجمع حوله من أراء العلماء المتقدمين؟
عنيت في هذا الكتاب بالناحية الاعتقادية وصرفت كل جهدي في تثبيتها عسى ان يكون من قوة العقيدة ذخر لأخرتي وليس لي شيء يذكر من الأعمال الا تعميم هذه القوة لينتفع بها المسلمون الذين هم صفر الايدي من العمل مثلي.. أما المحتاجون الى هذه التقوية لابتلائهم يضعف العقيدة فانتفاعهم بهذا الكتاب ان كان فيهم استعداد لقبول الحق، يكون عظيما إن شاء الله.
و توضيح هذا المقام يحتاج إلى اطناب في القول يتضح به أهمية العقيدة التي ترجع إلى العلم و تقابل العمل.. كما يتضح به ما قلنا من أن العقائد لا تكلف اصحابها بعد أن استيقنتها أنفسهم صعوبة تدوم مع دوام العقيدة، كما كانت الحال في الأعمال الدائمة الصعوبة مدة دوام العمل.. لا تكلفهم صعوبة وتقيهم شرورا خطرة عند انتشار الفساد في الأعمال.
مثلا إن وباء السفور الذي اتى الشرق الاسلامي من الغرب بواسطه سماسرة مثل قاسم أمين وجعل نساء المسلمين كاسيات عاريات كالغريبات، لا شك في أنه حرام بنص الكتاب و السنة و إجماع الأمة، وهذه الحرمة دامت إلى هذا العصر الذي هو عصر فساد الامة المشار إليه بالحديث النبوي: ((من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيد)) وفي إعظام الاجر الموعود للتمسك إلى هذا الحد عند تطبيق الحديق الى فتنة السفور، دلالة على شدة صعوبة هذا التمسك بحيث يعجز رؤساء الاسر عن وقايتها شر هذه الفتنة، كما دلت هذه الصعوبوة على قلة التمسكات بالحجاب في زماننا الى حد الندرة، ولا شك في كون التمسك بالاحتجاب أصعب من خرط القتاد في عصر انتشار السفور و انتشاء الشكاية من الحجاب على الرغم من عدم وقوع الشكايه منه طول عصور الإسلام عصور كرامة احكامه..
كما لا شك في كون هذا السفور المقلد للسفور الغربي فسقا و كون إباحته و استحسانه كفرا و الحث عليه أشد الكفر و النجاة من خطر هذه الفتنة العظيم الذي هو الكفر المؤدي الى عذاب الابد في نار جهنم إنما تتاح في عصر ابتلاء المسلمات بالسفور، بفضل الإلتجاء الى الاحتفاظ بصحة العقيدة، رغم فساد العمل الذي مهما عظم خطره فهو دون خطر الكفر كما قال الله تعالى: (( إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمين يشاء))، و قال: ((إن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية)).
فإذا سفرت السافرات من نساء المسلمين العاجزات بمقتضى ضعفهن الغريزي عن مقاومة هذه الفتنة التي عمت عدواها و عز دواؤها، وكن مع ذلك لا يزلن معترفات بذنبهن الذي يقترفنه لاعنات للزمان الذي يضطرهن الى اقترافه، و إن لم يكن هذا الاضطرار معدودا من الضرورات الحقيقة التي تبيح المحظورات – وقين انفسهن بفضل هذا الاعتراف المنبئ عن عدم سراية الفساد إلى عقيدتهن الإسلامية القائله بأن السفور من عمل الشيطان، وكان خيرا لهن في الدنيا و الاخرة ان لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى و الثانية.. وقين أنفسهن شر الوقوع في الكفر بفضل هذا الاعتراف الراسخ في نفوسهن، و إن كانت هذه الوقايه المبنية على ذلك الرسوخ أيضا في غاية الندرة المتناسبة مع ندرة بقاء العقيدة عند شيوع الفساد في العمل، سليمة عن الفساد.
و هؤلاء النوادر العاقلة المحتفظه على الأقل بعقيدتهن الإسلامية ضد السفور كما يقين أنفسهن من أعظم اخطاره الاخروية، يقينها في الدنيا من الإفراط و الاستهتار في تقليد الكاسيات العاريات.
وهذه الطريقة التي عرضناها على المرأة العصرية المسلمية و أوصينا بها إليها، طريقة الاهتمام والاحتفاظ بالعقيدة على خلاف التقصير في العمل على وفق الحكم الشرعي.. أنفع في حق الوصى اليها و الموصي جميعا و أقوم من البحث عن طريق إباحة السفور المحرم في طريقة العلماء الدائريين مع الزمان.
كان في العهد القديم عند المسلمين يخاف على علماء الدين أن لا يتفق أعمالهم مع علومهم ولا يخطر بالبال أن لا ينطقوا بالحق أو يلتبس عليهم الحق و الباطل لا سيما فيما كان معدودا من الضروريات الدينيه التي لم تكن تلتبس على المسلمين، إن التبست على العماء من طريق فرض المحال.
و الآن أصبح الاسلام في حاجة إلى العلماء الذين يولون الحق مهما كان فيه مصادمه لأهواء الزمان.. يقولون الحق و يهتدون إلى معرفته بين دعاية المضلين، كما أصبح الإسلام في حاجة إلى المسلمين الذين لا يلتبس عليهم العالم من الجاهل، و المحق من المبطل، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف: ((أخوف ما اخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان)).
لا تتكلم في سفور النساء بمعنى الكشف عن وجوههن بحجة أن المرأة الاخرى إنسان كالرجل يضايقها ما يضايقه من الاحتجاب و الاستتار.. بل بمعنة كونهن كاسيات عاريات لا يقنعهن ما يقنع الرجل من أعضائهم المشكوفة فيزدن بكثير على مبلغهم فيها.. و إن شئت فقل في اختصار يتفق مع تعبير القرآن: سفورهن بمعنى إبداء زينتهن لغير الاقربين من الرجال المعدودين في آيه الحجاب التي ينكر أنصار السفور وجودها في كتاب الله.. إبداء زينتهن مستهترات في ابدائها المموع عنه في تلك الآيه، يتكون و يتفنن على حسب العادات المستخدثه في الغربيات غير المسلمات.
هذا السفور وهذا الابداء للزينة الذي جعل الأندية و المحافل و الشوارع معارض و اسواقا للنساء تنادي بتنازلهن عن منصة الاستغناء و الاحتشام إلى ميادين الابتذال، لدلالتها على احتياجهن إلى هذا التصنع و التكلف لاستجلاب انظار الرجال أو لتلافي ما فيهن من نقصان الجمال و الكمال.. إن لم تكن هذه الدلالة و تلك المناداة بلسان المقال فبلسان الحال الذي هو أنطق.
فهؤلاء المبديات الزينة من أجسامهن كأنهن في سباق دائم تكسب السابقة منهن و تخسر المسبوقة و تكون أولى الخاسرات أزواج الرجال الذين يصطادهم السابقات ليكن خليلات لهم او ازواجا ثانية. فيعود ضرر هذا السباق السافر إلى أخوات الكاسيات من بنات جنسهن، في حين أن السفور عند الغافلين و الغافلات يمد من منافع المرأه.. يعود ضرر هذا السفور و السباق في السفور الى اخوات السابقات من بنات جنسهن ثم تنتقم من تلك السابقات سابقات أخرى في سباق اخر جديد.
فتنة السفور هذه ادت إلى ضلالات و اعتمدت على سخافات لم يتعمق في مثلها من الضلالات و السخافات أنصار الضلالات و السخافات الاخرى.. فنرى قاسم أمين ينكر وجود احتجاب المرأة في الإسلام بالمرة، فيدعى انه دخيل طرأ على المسلمين من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوه و أخذوا به و بالغوا فيه و ألبسوه لباس الدين كسائر العادات الضاره التي تمكنت في الناس باسم الدين و الدين براء منها..
و ناقص الرجل هذا الادعاء في دعواه الاخرى الضاله ايضا فقال ان الاحتجاب امرت به ازواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصه.. دون نساء المسلمين فكأن هذه العادة الضاره التي هي دخيلة في الإسلام و لا مناسبه لها بالدين، منيت بها من غير مبرر أزواج النبي اللاتي هن أقرب الناس إلى الدين و خاصة الاسلام و نبي الاسلام.
أقول وفي سورة الأحزاب التي فيها قول الله: ((يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)) الذي تمسك به قاسم في دعواه الباطله الثانية متغاضيا عما يحفه من القران المانعه عن دعوى الاختصاص كما فصلناه في مكان اخر من هذا الكتاب – آية اخرى تبطل هذه الدعوى بكل صراحة، وهي قولة تعالى: ((يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك و نساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين)) فكيف ينكر الرجل من غير مخافة ولا استحياء من الله وجب الحجاب للنساء في الإسلام، إن كان يؤمن بان القران كلام الله، او كيف يدعي اختصاصه بأزواج النبي؟ ومثله في نبذ الخوف و الحياء المحتفلون كل عام بذكاره في مصر من مدعي الاسلام و الايمان.
ولم يكف قاسما ان يستخفف بضلال السفور و بإثمه فجاء ولده وادعي استحقاق ابيه لأجر من سن سنة حسنة وجرى على رأي الولد البار اصحاب الذكرى المحتلفين بقاسم في كل سنة من وفاته بالغة اليوم الذكرى الاربعين وهذا اعتراف منهم لاسمه بالخلود في الألسنة رغم كون مسماه من المستحليين ما حرمه الله و الحاكمين بغير ما أنزله.
ثم يعود قاسم المخلد في السنة المحتلفين بذكاره مدعيا لكون الاحتجاب اجنبيا عن الاسلام فيصرح بأن السفور تمسك به الغرب وهو قدوتنا اليوم و نعم القدوة، فأي شيء يتمسك به الغربيون الذين هم أعقل منا ولا يكون خيرا محضا؟
فقد تبين من هذا ان السفور الحاضر يأتينا من الغرب وقد كان الرجل يدعي أن الاحتجاب أجنبي عن الاسلام أخذ المسلمون من مخالطة الأمم. فهل السفور الذي نأخذه من الغرب باعتراف من قاسم امين لا يكون اجنبيا عنا، في حين أن الاحتجاب الذي لا يعرف من اي قوم أخذناه و إنما يعرف على الاقل أن ازواج النبي كن مأمورات به... كان اجنبيا عنا في زعمه؟
ضلالات السفور و سخافات الدفاع عنه لم تنحصر في قاسم امين، بل اصبحت طريقا معبدة يركض فيها من حدثته نفسه الامارة بالحياة المختلطة من أزيرة النساء المتعلمين في مدرسة المغفليت كما سماه الاستاذ توفيق الحكيم و اتخذه عنوانا لإحدى مقالاته في ((أخبار اليوم)) ولعل الوجه لهذه التسمية عن الحياة المختلطة وما يمسمونها الحفلات الساهره. أن تلك الجياة التي كثيرا ما يخالطها القمار ايضا مقامره بذاتها من غير قمار، و رأس المال الموضوع على المائدة عقيلات القاصرين او قريباتهم الاخرى التي يحضرن معهم محافل الاختلاط.
وقد رأيت في مجلة ((الرسالة)) عدد 773،774 مقالتين بتوقيع الشيخ محمـد رجب اليومي وعنوان ((المرأه في شعر الرصافي)) يحكم من قرأها بأن دين محمـد صلى الله عليه وسلم يكفر به في صحف مصر و العراق جهارا و يغدق على الكافرين المدح و الثناء. أما المحافظون على إيمانهم بهذا الدين و كتابة فهم منهزمون و مقهورون لا يقام لوجودهم وزن ولا يصغى الى اقوالهم بأذن، فكأن البلاد و لا سيما العراف اصبح فيها المنكر معروفا و المعروف منكر بين عشية الحكم العثماني وضحى الخروج عليه من العرب الجدد قبل الترك الجدد.. ولولا هذا التقديم المشئوم في البلاد الاسلامة المجاوزة لما فاز إعلان الجمهورية اللادينيه في تركيا الجديدة.
يقول الشيخ رجب: ((حيا الله الشعر العربي، فلقد آزر النهضة الشرقية أتم مؤازرة، فأيقظ عيوبا نائمة، و اسمع اذانا موصدة، و طاح بجبابرة قساة و ادوا الكرامة الانسانية و أرهقوا العزة القومية..!
((ولقد كان الرصافي رحمه الله في طليعة هؤلاء العباقرة المجاهدين، فقد اتخذ من يراعه القوى صارما بتارا، تنقل به من معركه إلى معركه، فهو في ميدان السياسه يشن الغارة على السرطان الاستعماري، ويقف في وجه الطاغوت التركي!))
((وسأحاول اليوم أن اكشف عن اثر الرصافي في النهضة النسوية كما أبين شعوره نحو المراه كإنسان ناضح!))
ثم قال الشيخ رجب: ((لم تكن حال المرأة في العراق خيرا منها في مصر، بل كان الحجاب و الجهل من لوازمه الأكيده في كلا القطرين، فارتعفت الدعوة بتحريرها في ربوع النيل، و احتدم الجدال بين الانصار و الخصوم، فكانت معركة طاحنة تردد صداها في ربوع العراق،، فنهض الرصافي و الزهاوي للمطالبة بحق الفتاة، و تصديا للهجوم العنيف بما يملكان من بيان، فكانت المقالات الضافيه و القصائد الرنانة، تعبر عن ارائهما الجديدة في جرآه و عنف، و اوصل الرصافي جهوده، فتأب عليه الجمهور و تنبه الحاكم التركي في عدوه و رواحه، وهو لا يفتأ يناضل عن حق اعتقده ويقوض اركان عقيدة يراها غير صالحة للبقاء.
((كان قاسم أمين في مصر صاحب الرأي الاول في حركته التحريرية، وكان الشعراء و المثقفون يسيرون وراءه في كثير من التحفظ و الاحتياط، أما في العراق فقد كان معروف وجميل يقومان بعبء قاسم في حماسه يصل بها الى الثورة و الاندفاع، ومنا هنا كانت مكانهما الاجتماعية في بغداد اقوى من مكانة شوقي وحافظ و مطران في مصر، و الفرق بين هذين و هؤلاء فرق ما بين الحطيب و المصفقين مع التسامح اليسير.))
أقول منشأ هذا الفرق بين من ذكرهم من شعراء مصر وبين معروف الرصافي و جميل الزهاوي ان الاولين لم يكونوا في ضعف الدين بدرجة الرصافي و الزهاوي المشهرين بالالحاد، ومن سوء حظ الشيخ رجب و القضية الممقوته التي التزم اثباتها في مقالته وفضل مؤيديها العراقيين على المؤييدين المصريين، كون المفضلين من الملاحده، و الشيخ لا يكتم في مقالته الثانيه كون معروف الرصافي اباحيا متحللا يبحث عن شهوات الجسد من اي طريق، و إلحاد جميل معروف اكثر من معروف، فنعم الشود إذن شهود القضية الشيخ!! وقد قال الرصافي في احدى قصائده التي اوردها الشيخ معجبا بها:
لم أر بين الناس ذا مظلمة أحق بالرحمة من مسلمة
منقوصة حتى بميرائها محجوبة حتى من الكرمة
و البيت الثاني اعتراض على الله في تقسيم الميراث بين الذكور و الاناث. وفي البيت الاول الذي يرى الشاعر فيه المرأه المسلمة ذات مظلمة وظالمها الذي هو الله لم يرحمها في تقسيم الميراث و في غيره من الأحكام الشرعية التي تفترق فيها المرأه عن الرجل في دين الإسلام. يريد الشاعر أن يكون للمرأه المسلمة أرحم من الله الذي يتمدح
فى القرآن الكريم بأنه ارحم الراحمين . و فى كل هذا يكفر الرصافى و الشيخ صاحب المقالة
بل و صاحب " الرسالة " لنشر مقالة فى مجلته من غير نكير . و انى ارى حماقهالمعترضين على احكام الإسلام الخاصه بالمرأة ؛ فى وقوفهم مع المسليمن فى صف واحدرغم خروجهم على حكم دينهم الظالم !!أما ما سبق من قول الشيخ صاحب المقالة : " لم تكن حال المرأة فى المراق خيرا ًمنها فى مصر ؛ بل كان الحجاب و الجهل من لوازمها الاكيدة فى كلا القطرين "فالجواب ان القرون الإسلاميه قبل عصور السفور الأخير لاسيما القرون الذهبية ،مضت فى الجحاب و لم يمنع الحجاب وجود المتعلمات و مشاهير الفضليات فى تلك القرونكما لم تسمع فيها شكايه عن حجاب المرأة ، فهل أهل تلك القرون الطويلة كانوافى غفلة عميقة عن مظلمة الحجاب و اليراث ظالمين و مظلومات ، حتى جاء قاسم أمينفى مصر فتنبه للعلاقة بين الحجاب و الجهل ؟ و لم يبال بالعلاقة بين السفور و الفسق معكون علاقه الفسق أيبن من علاقة الحجاب بالجهل فأثار ثورة السفور ، و اقتنى شاعر انملحدان فى العراق أثر قاسم و تبعهم الفاسقون و الغاوون ففازت دعواهم فى عصر الفسقو الفجور ، و اصبحت حال المرأة فى القطرين خيرا من ماضيها على زعم الشيخ صاحبالمقاله فى " الرسالة "و أما قول الرصافى :شرف المليحه ان تكون ادبية و حجابها فى الناس ان تهذباو الوجه ان كان الحياء نقابه اغـــــــــى فتاة الحى ان تتنقبا= الأزواج تلافياً للنقصان الطارىء عليهن من ابتذال السفور ، فى حين أن المرأة قيمة بذاتها فىالإسلام غانية عن مصاريف الحصول على الزوج بما يسمونه الدوطة ، بل الرجل مكلف بالإنقاقعيلها عند عقد الزواج و بعده الى ما شاء الله ان يعيشا عيشه الزوجينفمن قبيل التضليل و التسويل ، لأن الحياء فى وجه الفتاة أول ما تدعوها إلى التنقبو التننع لا الى السفور و الإستغناء عن النقاب ، لأن المناسبه بين الحياء و التنقب أشدمن المناسبة بين الحياء و السفور ، و لذا يكنى عن قليل الحياء بخيلع العذار .و بمانسبة الكلام عن الحياء انقل هنا قول الشيخ عن الرصافى فى آخر مقالتهالأولى " ثم دلف إلى آراء المحافظين فدحضها فى هدوء و بساطه و بين موقف الشريعهالإسلاميه من المرأة و كيف أخطأ الجامدون فنسبوا الى الدين ما ليس منه ، و استدلبمناقشه أم المؤمنين و ما كانت عليه من فصاحه و فقه ز "ثم آتى الشيخ بأبيات من شعر ممدوحه بل إمامه العراقى و فيه قوله عن المحافظين :و قالوأ شرعة الإسلام تقضى بتفضيل الذين على اللواتىلقد كذبوا على الإسلام كذبا تزول الشم عنه مزلزلاتانقل هذا عن مقالة الشيخ ثم أنعقت قائلا : لا يكون من حق الذين ينكرونوجود موقف خاص للمرأة فى الشريعه الإسلاميه موافق لآراء المسلمين بأن تكونممنوعة من إبداء زينها للرجال غير المحارم الذى هو سفورها الحاضر و أقل من سفورهاالحاضر ، و أن تكون مرتبتها دون مرتبه الرجل فى كثير من الأحكام الشرعيةكالميراث و الشهادة و ولاية الطلاق .. لا يكون من حق هؤلاء المنكرين وجود موقفخاص للمرأة مع وجود قول الله تعالى فى كتابه :" و ليضربن بخمرهن على جيوبهنو لا يبدين زينتهن إلا لبعولهن أو آبائهن أو آباء بملهن او أبنائهن أو أبناء بمولهن . الخ "و قوله : " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ... " و قوله :" و للرجال عليهن درجه " و قوله : " و استشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونارجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء .. " و قوله : " للذكر مثل حظ الانثيين . "لا يكون بعد هذه الآيات من حق هؤلاء المنكرين وجود موقف خاص للمرأةفى الشريعه الاسلاميه ، الذين خلقهم الله عارى الوجوه من حلية الحياء ، أن يتكلموافى الموازنة بين حياء الفتاة المتحجبه و الفتاة الكاسية العرية .الحاصل ان الحصومة فى مظلمة المرأة المسلمة إن كانت هناك مظلمة فهى تتوجه الى دينالإسلام ثم إلى المحافظين ز فعلى انصار السفور الحاضر و انصار مساواة المرأة مع الرجلأن يحاربوا الإسلام قبل محاربة اللمحافظين على قانون الإسلام . إلا أن يلتزم التقاضىو التعامى على طول خط المحاربه و المناقشه عن نصوص الكتاب و السنه فى المرأة أوتقابل تلك النصوص بوجوه مفلفه بفلف غليظه من المكابرة فى فهم معانيها ، كأنأصحاب هذه الوجوه يممتتلون بأمر أسلافهم القائلين : " لا تسمعوا لهذا القرآن و النوافيه لعلكم تغلبون " و ما دامت تلك النصوص فى القرآن ، فضلا عن نصوص السنةفى كتب الأحاديث ، فلا خلاص لحملة الأقلام المتخذين من المؤمنات الغافلاتأدوات اللهو و الخلاعة و الجون و من محاسنهن نصبا و أهدافاُ لخائنة العيون .. لا خلاصلهم من الإلزام .. فعليهم إن أرادوا الخلاص ان يخترعوا كتاباُ للإسلام يختلف عماانزل على محمد ، كما اختراع القساوسة بعد المسيح ، و كما قيل لنبيينا من قبل : " ائت بقرآنغير هذا أو بدله ."و استدلال أنصار المرأة الجديدة بسيدتنا عائشه و فصاحتها و فقهها من فقدانالحياء أيضا ، كأنهم يستدلون بفقهها على سفورها ، مع ان زعيم السفوريين قاسم أمينيقصر الحجاب فى الشريعة الإسلام على ازواج النبى صلى الله عليه و سلم . فهل عائشةأم المؤمنين التى إن كان فى الإسلام حجاب فهى مامورة به حتى فى اعتراف أول قائمبفتنة السفور .. هل سيدتنا عائشة هذه كانت فى ظن الرصافى و الشيخ محمد رجب البيومىمثالا رائعا للمراة الجديه الناهضة عارية الساقين عارية المضدين عاريه السحر و النحرإلى مفترق الثديين على أن تكون الغاية داخلة فى المفيا ؟ .. و لنا كلام اخر مع قاسم أمينفى غير هذا المكان من الكتاب .***نعود الى أساس الموضوع : و لدينا مثال آخر يسفر عن أهمية العقيدة و هو معلومأن المثقفين العصريين مغرمون بمحاربة الحكم الشرعى القائل بجواز تعدد الزوجات ؛وأخيراُ قام احد الباشوات الكبار يسعى لاستخراج تحريمه من آية التحليل نفسهاأعنى قوله تعالى فى أوائل سورة النساء :" فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنىو ثلاث و رباع " و هو ضلال جديد بناء على غايه من الغرابة فى تفسير تلك الآية ، و كأنأصحاب الضلال القديم يستخرجونه من قوله تعالى : " و لن تستطيعوا أن تعدلوا بينالنساء و لو حرضمُ " فى مكان آخر من سورة النساء أيضا جمعا بينه و بين قوله عقبالقول الأول : " فإن لم تعدلوا فواحدة " و لم يمنع الباشا من سعيه الغريب المكابرو لا الضالين الأولين ماجرى طول تاريخ الإسلام من العمل بتعدد الزوجات .و ادعى الأستاذ عبد المتعال الصعيدى من علماء الأزهر فى مجلة " الرسالة " أنأولى الأمر يملكون تحريم التعدد لا من الطريق الذى سلكه الباشا من طريق المحافظةعلى العدالة و رعاية المصلحة . و خالفهما أى الباشا و الأستاذ الدكتور زكى الدين بدوىنافياً عن أى جهة أن تملك تحريم ما أحله الله .و أنا اقول إن ما يذكرونه من المصلحة فى تحريم تعدد الزوجات أن الزوجه الأولىيشف عليها ان تشاركها فى زوجها امرأة واحدة على انها زوجة ثانية ، أكثر منمشاركة الف امرأة على أنهن خليلات ، كما سمعت هذا القول فعلا من كاتب مصرىمعروف سبق أن ناقشته فى الجرائد دفاعاً عن مبدأ التعدد الإسلامى و كتبه فى " قولىعن المرأة " و المفهوم منه أن هذا المبدأ يشق على اعدائه من كتاب المسلمين المصريينقبل الزوجات الأولى و إن السبب الحقيقى لمعاداتهم عدم اتفاق هذا الميدأ مع عقلياتالغربيين التى يهتم بها كتابنا منذ زمان أكثر من اهتمامهم بعقليات المسلمين .أما ظلم الرجل على زوجته الأولى بعد تزوج التانية فلأولى الأمر أن يمنعوه بمايملكونه من الطرق الأخرى المشروعة ، لا من طريق تحريم الحلال الذى لا يملكونهو يعدونه مصلحة يصادمون بها النصوص فيصدمونها .. مع أن تحريم التعدد يسوقالرجال الذين لا يكتفون بالزوجة الواحده إلى اتخاذ خليلة له بدل الزوجة الثانيةبل خليلات ، و تساعده إباحة السفور للنساء مع تحريم التعدد على الرجال . و لا شكفى انتشار الزنا فى بلاد تسقر نساؤها و يمنع رجالها من تعدد الزوجات ، فيضمن هذاالمنع مفسدة أكبر من المصلحة التى بينونه عيها و هى انتشار الزنا فى بلاد الأسلام ،فهل يملك أولو أمرها إباحة الزنا ، كما يملكون تحريم تعدد الزوجات على رأى الأستاذعبد المتعال الصعيدى ؟ و هل يقول الأستاذ كما قال الكاتب الذى ناقشته من قبل :إن المرأة يهون عليها أن تكون لزوجها ألف خليلة و يشق عليها أن لا يكون من حقالزوج أن يدوسها كما يدعى أعداء مبدأ التعدد ، بل يكون لأولى الأمر فى سبيل المحافظةعلى الكرامة المزعومة أن يحرم حلالا كمبدأ التعدد و يحلل حراما كانتشار الزنافى البلاد أو على الأقل كالتغاضى عن انتشاره ؟و الشاهد المستفاد من هذا البحث لموضوعنا – و هى أهمية العقيدة بالنسبه إلىالعمل – أن تحرم الحلال كفر كتحليل الجرام لأنها ممارضة لقانون الإسلام و رفضلحكم الله ، و التورط فى الحارم فعلا معصية دون الكفر . فأذا استهتر أولو الأمرفأحلوا حراماً و حرموا حلالا تقليداً لسنن الغرب و قام الناس بالعمل على مقتضى التيارالجارف كان التحليل و التحريم الذان هما حصة أولى الأمر من هذا التحول المعارضلحكم الله ، كفراً و العمل بموجبها من غير اعتراف بصحهما و كونهما حقا و صواباو إنما استصعا بالمخالفة الجمهور كما ذكرناه فى فتتنة السفور أو لشهوات النفس –معصية دون الكفر لا ييأس مرتكبها من غفو الله و مغفرته .فنحن المهتمين بصحة العقيدة التى يمتاز بها الإسلام على الادينية أولا و الأديانالضالة ثانيا ، كما عنينا فى هذا الكتاب بإزالة شكوك اللامحدة فى وجود الله و شكوكاشباههم المنكرين بنبوة الأنبياء فى إنكارهم المعجزات فأسسنا عقيدة الأوهية و النبوةعلى أساس علمى يفوق علم اللاحدة الحديث الذين يقعون به فى تلك الشكوك –فكذلك نستخرج من الأعمال التى تقابل العلم و العقيدة ، ناحية اعتقادية فنلفت إلىالأهتمام بالمحافظة على صحة هذه الناحية عند صحة الناحية العلمية و عند فسادها ، أماعند حة العمل فليكون صحته مبنية و متوقفة على صحة العقيدة . وأما عند فسادالناحية العلمية فلا ن صحة الناحية الاعتقادية تلافى الى حد لا يسهان به ما فى العملمن الفساد ... فنحن باستجلاب الاهتمام إلى صحة العقيدة حتى فى العمل ، نخدمطلاب الحق و الصلاح من المسلمين المتلبين فى الزمان الفاسد لأعمالهم الفاسدة .ثم نقول لمفضلى المصلحة على النصوص عند تعارضهما ، الواجدين فى تفضيلهمهذا طريقاً إلى جعل الإسلام ديناً خالداً يأتلف بكل تجديد فى كل عصر .. كسعادةعبد الرجمن عزام باشا مؤلف كتاب " رساله سنة الله الخالدة " و فضيلة مفتى حضر موتكاتب المقاليم فى مجلة " الرساله " – ثاييداً لسعادته فيما دار بينه و بين الأستاذ بهجتالأثرى – ثم الأستاذ عبد النتعال الصعيدى المعطى لأولى الأمر حق تحريك ما أحل اللهفى تعدد الزوجات ، و قبلهم الأستاذ فريد وجدى بك صاحب كتاب " اإسلام دينعام خالد " و القائل : " لا يوجد تجديد إلا ويسعه صدر الإسلام الرحب " حتى انه هتفحكومة أنقر’ الكمالية عند إعلانها قبل ربع قرن ، جمهوريه لاتينية تلغى الخلافةالإسلامية و المحاكم الشرعية و المدارس الدينية .. و عند ما عادت أخيراً تتظاهر ببعضآثار الرجوع إلى الدين ، و إن كان لا يؤمن لجديها إلا الغافلون ، و الأستاذ يهتفبتلك الحكومة فى حالقها أى على خروجها من الدين جملة ثم عودها إليه بنسبة واحدفى المائة و بعد كليها من الإسلام .. و قد سمعت أن الأزهر الجديد الذى أسسه أستاذهالأكبر المراغى اتخذ مسألة التعارض بين النص و المصلحة مادة امتحانية لطلاب تخصصالقضاء فى آخر هذه السنة الدراسية ( 1948 ) ! ..و نحن نقول لهؤلاء العلماء المصريين : أى مصلح’ يرأها أى فريق من أولى الأمرو تفضلونها أنتم على النصوص ؟ .. فهذه تركيا الجديدة قد سن اولو أمرها قانوناً يبيح زواجغير المسلمين بالمسلمات ، و لهم فى ذكك طبعا ما يسمونه المصلحة .. و فى مصر و غيرها منالبلاد الإسلامية من لا يزالون يعدون تركيا دولة إسلامية .. ثم إن الدول الإسلاميةالحاضرة غير تركيا الجديدة تنتابها ما نابت تركيا من ذاء التقليد للغرب حتى قضى علىدينها ، و أول دليل على هذا أن تلك الدول لم تقم بواجب النصيحة نحو تركيا قاطعةصلتها السياسية عنها عند إعلانها عن نفسها جمهورية لا دينية و الدليل الثانى أن تلكالدول أيضا قد دخلت منذ زمان فى طريق فصل الدين عن السياسه و قطعت فيهامراحل ..فلنفترض أن واحدة من تلك الدول سن أولو أمرها – لا قدر الله – ماسنت تركيافى زواج غير المسلمين بالمسليمات ، وهم لا يعدمون مصلحة فى ذلك على وعمهم كما لا نعدمتركيا الجديدة . فماذا يكون قول مفضلى المصلحة على النص عند تمارضمها فى هذهالمسألة المفروضة ؟ و ماذا يكون فيها قول الأستاذ الأزهرى عبد المتعال الصعيدى المخوللأولى الأمر قلب الحرام حلالا و الحلال حرما لمصلحة يتصورنها فى القلب ؟ و السألةجامعة لشروط الستاذ فى التخول و التفضيل : أولو الأمر و المصلحة ! بل ماذا يكونقولهم و قوله عندما ما فرضنا أن أى دولة من تلك الدول أراد أولو أمرها حذف المادةمن دستورها القائلة بأن دين الدوله الإسلام و اضافة مادة الى قانونها المدنى – بدلا منالماده المحذوفة من الدستور تجعل كل ما بلغ سن الرشد من أقراد الأمة ، حراً فى اختيارأى دين شاء ؟ كما فعلته تركيا الجديدة أيضا ، و لا تسل عن المصلحة فى هذا الحذفو الإضافة ، فكل تجديد فى عصرنا يتضمن مصلحة يرغب فيها المصريون و لو كانوامن علماء الدين ، لا سيما التجديد الذى يهدف إلى تقليد الغرب القوى من الشرقالضعيف ، كما سبق فى مسألتى السفور و تعدد الزوحات .فهذا ما يؤدى إليه ترجيح المصلحة على النص ، فيجعل الإسلام لا مبادىء لهثانبته بل تابعه لتصرفات الحاكمين فى كل عصر .. يستخدمه من شاء إلغاء أى حكممن الأحكام التى شرعها الله فى الإسلام إلى أن يلغى الإسلام نفسه .. و هذه سبيلىفى الفصل بين المسليمن المحافظين و المجدين الذين يرمونهم بالجمود ، أناضل الرامينبطريقة عقلية تكشف عما يسترة مشروعهم من مفسدة أعظم مما يظهرونه من المصلحة .يقول الأستاذ عبد المتعال ما معناه قد فسد الزمان و فسدت أخلاق الرجال فاتخذواما حل لهم من الجمع بين عدة زوجات أداة لظلم الزوجات الأولى .. ففى مثل هذا الزمانيكون من حق أولى المر أن يحرموا عليهم ذكك الحلال القديم ... كما كان من حقهمفى عصرنا هذا قبل سنوات ، إلغاء الطلقات الثلاث بلفظ واحد و اعتبارها واحدة ،بعد أن جرت الأحكام على وقوعها مجموعة منذ سيدنا عمر الذى كان هو الآخر قد غيرالحكم الجارى فى عهد النبى صلى الله عليه و سلم و خلافة أبى بكر و صدر خلافة عمر نفسه ،على وقوعها واحدة .. ولكن الناس خالفوا ذلك فأوقعوها ثلاثاً ، فامضاها همر عليهمعقوبة لهم و أخذ الأمة الأربعة بحكم عمر .. ثم أصبح أولى الأمر فى زماننا باعتبارالثلاث واحدة ، رجوعا إلى ما كان فى عهد النبى و ابى بكر و موافقاً لمصلحة منع الناسعن اإسراف فى الطلاق .. هكذا قال الأستاذ عيد المتعال .و أنا أقول يحاسب الأستاذ فساد أخلاق الرجال بفساد الزمان فيعتبر حكم أولىالأمر بتحريم ما كان حلا لهم من تمدد الزوجات – إذا حكموا – حقا موافقا للمصلحةو لا يحاسب الفساد فى أولى أمر الزمان الفاسد و لا ما أصبح فيه كثير من الفاسدمصلحة ! .. و قد اودرنا نماذج منها .و لا نقبل عنه ما عزى إلى سيدنا عمر من تحريم ماحل أو تحليل ما حرم فى عهدالنبى و أبى بكر لأن الشارع فى الإسلام واحد و هو الله الذى لا يتصور له الخطأ فيهابلغه بواسطة نبيه ، و قد يخطى النبى فى اجتهاده ثم لا يلبث أن يصحح حطأه من عندالله فى عهده بله أن يلبث التصحيح إلى عهد عمر او يكون من عند عمر ! ..و لا نقبل أيضاً ما غزى إلى عمر من إمضاء الطلقات الثلاث ثلاثاً ، مخالفاً لاعتبارهافى عهد البنى و أبى بكر واحدة . و نبنى عدم قبولنا على أساس عقليتنا الدينية غير القابليةلكون عمر ينقض ما بناء النبى .. لا على ترجيح ما رواه المحافظون من أن الطلقاتالثلاث الواردة بلفظ واحد كانت تعتبر فى عهد النبى و خليفته الأول أيضاً ثلاثاً كماأمضاها عمر ، و لو بنيناء على ترجيح هذه الرواية كان حقا و لكنه لا يكفى فى إسكاتغير المنصفين من أنصار المصلحة إذا أصروا على ترجيح الرواية المرجوحة و كان ما فعلتهعبارة عن مقابلة رواية برواية أخرى ، مهما كان إحدى الروايتين أقوى و لم تكن مقابلةحاسمة .و قد رأينا الأستاذ عبد المتعال يذكر مثالا و يستشهد به على ما ادعاء فى قوله :" نعم نملك تحريم تعدد الزوجات " رداً على الدكتور زكى الدين المستنكر لهذه الملكيةهو أن الطلقات الثلاث بلفظ واحد قد ألغيت قبل سنتين بقرارا من أولى الأمرو اعتبرت تطليقة واحدة ، يعد أن اتفقت مذاهب الأمة الأربعة فى وقوعها مجموعةو جرى العمل عليه فى البلاد اإسلامية التابعة لتلك الأمة الأربعة على طول التاريخإلى أن جاء هذا العصر فرأى أولو الأمر إلغاء الثلاث . فكأن الأستاذ يقول : هكذايفعل أولو الأمر فتلغى إباحة تعدد الزوجات كما ألغيت الطلقات الثلاث بلفظ واحدو ينتهى الكلام فى المسألتين كما سكت الدكتور زى الدين فى الشوط الأخير من النقاش .و أنا أقول فإن كان المحافظون لم يعترفوا بمصلحة الإلغاء فى الطلقات الثلاث كما انتقدهفضيلة صديفنا الشيخ زاهد الكوثرى و قضى عليه علميا بتأليف مستقل سماه " اإشفاقعلى أحكام الطلاق " فالأستاذ عيد المتعال يرى جانب أولى الأمر أقوى و يعتبر كتاب
فضيلة الصديق صرخة فى واد ، فيتجاهل عنه بالمرة . أما الحق فهو عند الأستذد يدور مع المصلحة فى أيدى أولى الأمر يقلبونها كما يشاءون و قد سبق منا أسئلة من تقلباها يعتبر فيها المعتبرون . و لا يسعنا أن نحكم الكلام فى الدفاع عن العقل و علماء علم الكلام قبل أن نضيف إليه الكلام دعتنا إليها مقالتان نشرها " مجلة الأزهر " فى الجزء التاسع و العاشر من المجلد الرابع عشر بعنوان " نقد متعلمى الإسلام لقانون الفكر الأرستطاليين " لأحد المدرسين بجامعة فاروق ادى كاتبها دعوى غريبه قائلو بأن متكلمى اًسلام انتقدوا منطق ارسطو فى أعظم مبدأ ين من مبادئه و هما استحالة اجتماع النقضين و استحالة ارتفاعهما . و لا أدرى بالظبط أن مراد الأستاذ كاتب المقالتين الطمن على منق ارسطو مع الطاعنين المكلمين فى زعمه بإثبات إمكان ما ظنه أرسطو مستحيلا ، أم الطمن على
بداية صفحة 301
المتكلمين في إنكارهم استحالة ما لا شك في استحالته ؟ وعلى كلا التقديرين أراد الأستاذ ابتكار الكشف عن الخلاف بين منطق أرسطو ومتكلمي الإسلام في أعظم أساسين من أسس ذلك المنطق بل عن الخلاف بين العقل والمنطق وعلى الأقل بينه وبين عقل المتكلمين. وقد ذكر أمثلة من أقوال المتكلمين ومذاهبهم في سعة قدرة الله وموقف صفاته من ذاته واختلافهم في إثبات الحال المتوسط بين الموجود والمعدوم ونفيه.
وأنا أقول استخراج الطعن والاعتراض من أقوال متكلمي الإسلام على منطق أرسطو في مبدأ استحالة التناقض جمعا أو رفعا ، وهم لا يعادله وهم واهم في الدنيا ، كما أن قول كاتب المقالتين عن مذهب المتكلمين الأشاعرة :"إن سلطان قدرة الله يجمع بين الاثنين معا الممكن والمستحيل ، فللقدرة الإلهية أن تجمع بين الوجود والعدم وتجمع بين القدرة والعجز ، وتجمع بين العلم والجهل. وبهذا قضت الأشاعرة على مبدأ عدم الجمع بين النقيضين قضاء تاما" فرية ما فيها مرية ، ناهيك قول المؤلفين على مذهب الأشاعرة من أصحاب المتون في بيان قدرة الله :"قادر على جميع الممكنات" وقول الشراح :"إن الممكنات احتراز عن المستحيلات" ومن المسائل المعروفة فيما بين علماء الكلام أن المستحيل لا يكون متعلقا لقدرة الله.
إن كان الأستاذ كاتب المقالتين يرى في أي مذهب من مذاهب المتكلمين أنه يتضمن التناقض جمعا أو رفعا كان واجبه إبطال هذا المذهب ورده على أصحابه بدلا من تفسيره بأنه نقد منطق أرسطو ونقضه في مبدأ التناقض ، لأن هذا المبدأ أقوى وأرفع من أن يدركه النقد والنقض ، كما أن متكلمي الإسلام أعقل من أن يعترضوا على منطق أرسطو ويخالفوه في مبدأ التناقض ، لأنه أعرف وأشهر المبادئ الأولى التي أجمع علماء الغرب مع علماء الشرق على كون المناقشة ضدها تعد غرابة وهذيانا. وليس مبدأ التناقض بمبدأ أرسطو فقط بل من مبادئ العقل البشري التي فطر الله الإنسان عليها ، فمن حاول نقده فقد رجع النقد على نفسه.
بداية صفحة 302
ولا يرد على أن وجود الريبيين في فلسفة اليونان وفي فلسفة الغرب مع (هيوم) و (هيجل) يجعل استحالة التناقض أمرا مختلفا فيه مترددا بين مذهبي النفي والإثبات ، لا مذهبا عاما بشريا. إذ لا مذهب للشاك يثبت عليه ويقطع به. والقطع في مذهب الشك ليس بمذهب بل قطع بنفي المذهب. ولذا قال اسبنوزا إن واجب الحسباني أي الريبي السكوت ، وقال أرسطو إن الحسباني الذي لا يقرر على شيء ويؤمن بما قاله ولا يؤمن به معا. لا يمتاز على النبات.
والحق إنه لا يوجد عاقل ينكر استحالة التناقض فإن أمكن اعتراء الشبهة على هذه الاستحالة انهار علم البشر من طريق البرهنة على ثبوت أي مسألة يقينية ، لأن اليقينيات الضرورية في مسائل العلوم تستند إلى كون خلافها مستلزما للتناقض. حتى إن مسألة إثبات وجود الله مبنية على أساسين : لزوم الرجحان من غير مرجح في وجود العالم ثم لزوم التسلسل على تقدير عدم وجود الله ، وهما مستحيلان لانطوائها على التناقض المستحيل كما نبينه في محله من هذا الكتاب ، فلو أمكن عدم استحالة التناقض لما أمكن إثبات وجود الله.
ولهذا فإن توهم الأستاذ من بعض مذاهب المتكلمين أن أصحاب تلك المذاهب انتقدوا منطق أرسطو ونقضوه في مبدأ التناقض ، يكون اعتداء عليهم وعلى مذهبهم في صورة الاعتراض على منطق أرسطو وهم لا يقبلون ولا يرضون أي توجيه لمذهبهم يتضمن مثل هذا الاعتراض ، والاعتراض على المنطق إنما هو شأن أساتذة مصر العصريين لا علماء الإسلام المتكلمين.
نعم ، ربما يكون من أصحاب المذهب في العلوم أنهم عند النقاش فيما بينهم ينسبون المختلفين عنهم في المذهب إلى التناقض اتهاما لمذهبهم بمخالفة مبدأ التناقض لا اتهاما لمبدأ التناقض بمخالفة مذهبهم.
بداية صفحة 303
ربما يكون ذلك ثم يتعقبه جواب المتهم ساعيا لتبرئة مذهبه عن مخالفة مبدأ التناقض المسلم به عند جميع العقلاء. ولا يخطر ببال أحد من أصحاب المذاهب المختلفة أن يشذ في مذهبه فيخترق به مبدأ التناقض. انظر ما قاله الفاضل الكلنبوي في تعليقاته على قول المحقق الجلال الدواني في شرح العقائد العضدية عند قول القاضي عضد :"متصف بجميع الصفات الكمالية" : "... ولكنهم تخالفوا في كون الصفات عين ذاته أو غير ذاته أو لا هو ولا غيره فذهب المعتزلة والفلاسفة إلى الأول وجمهور المتكلمين إلى الثاني والأشعري إلى الثالث" فقال الكلنبوي تعليقا على قول الشارح "أو غير ذاته" : "أي ما يطلق عليه في الشرع والعرف واللغة أنها غير ذاته إطلاقا حقيقا كما بدل عليه سياق كلامه من أن الغير لا يطلق في الشرع والعرف واللغة إلا على الموجود الذي من شأنه الانفكاك عند الأشعري وعلى ما ليس بعين عند غيره ، فلا يرد عليه أن يقال إن أريد بالغير المعنى المصطلح أعني جائز الانفكاك فقوله :"وجمهور المتكلمين إلى الثاني" محل نظر ، إذ لم يذهب أحد ، من المتكلمين إلى جواز انفكاك الصفات عنه تعالى ، وإن أريد المعنى اللغوي أعني نقيض هو هو فقوله :" والأشعري إلى الثالث" محل تأمل ، لا لما قيل "فإنه ليس بمختص بمذهب الأشعري بل مذهب جميع الأشاعرة والماتريدية كذلك" بل لأن مذهب الأشعري على هذا المعنى يستلزم التناقض فكيف يكون مذهبا له ولغيره".
فإذن لا وجه يعقل لفهم كاتب المقالتين موقف متكلمي الإسلام من منطق أرسطو على أنه موقف النقد والاعتراض ولا لانتشار المقالتين في مجلة الأزهر من غير أي تعليق عليهما من المشرفين على المجلة ، لا وجه يعقل إلا أن كلهم لا يعرفون مذاهب المتكلمين المذكورة على وجه الصحة ول منطق أرسطو ولا حقيقة مبدأ التناقض المستجمع لشروط استحالته ولا درجة قيمته في العلوم ولا مركزه في العقل البشري غير القابل للنقد والاعتراض
بداية صفحة 304
وقد هان على كل من الكاتب وأصحاب المجلة تصور الخلاف بين متكلمي الإسلام ومنطق أرسطو بعد أن راجت الاستهانة بالمنطق في أوساط مصر العلمية الحديثة.
ولعل الحقيقة أن السائد في جو هذه البلدة المنكودة الحظ منذ عهد الشيخ محمد عبده الذي داله إليه دولة الزعامة العلمية بها على الرغم من كونها عريقة في العلوم الإسلامية منقولاتها ومعقولاتها وكون الشيخ ربيبا كما ذكره فضيلة الشيخ زاهد في إحدى مقالاته المنشورة في مجلة (الإسلام) نقلا عن اللورد كرومر ، ويؤيده ما ذكرنا في هذا الكتاب من أنه كان يفكر استحالة التسلسل في شكله المجمع على استحالته ، لأن إنكار استحالة التسلسل معناه إنكار استحالة التناقض ، بناء على أن التسلسل ينطوي على التناقض. إن السائد في جو مصر منذ ذلك العهد عدم الاستيقان بأي شيء والشك في كل شيء. ناهيك بشك محمد عبده في بطلان التسلسل وناهيك بشك مدرس في الجامعة في استحالة التناقض وناهيك في شكه فيها بتفسيره لمذاهب المتكلمين بنقد منطق أرسطو في مبدأ التناقض وناهيك دليلا على كون الفساد مستوليا على الجو انتشار مقالتيه في "مجلة الأزهر".
ولا يظن كون الشيخ محمد عبده ريبيا ولا إنكاره استحالة التسلسل ابتكارا من عنده ، فلعله رأي أن أكبر فلاسفة الغربيين في أقرب العصور السالفة وأعني به "كانت" ينكر استحالة التسلسل فأنكرها ، ورأي الحسبانية التي ظهرت في فلسفة اليونان ثم قضوا عليها ثم ظهرت ثم قضوا عليها ثم انتقلت إلى فلسفة الغرب وبقيت إلى أن قضى عليها "ديكارت" ثم ظهرت على يد "دافيد هيوم" ولم يدخل هذا الوباء في فلسفة الإسلام.
بداية صفحة 305
فعلماؤنا رحمهم الله أخذوا ما أخذوه من فلسفة اليونان خالصا من لوث الحسبانية. رأي الشيخ محمد عبده هذه الحسبانية في فلسفة الغرب ارتدت عند "كانت" الذي تولى معالجتها ، ثوبا جديدا ثم ازدهرت تحت هذا الشكل في فلسفة "هيجل" وهو الذي نفي اليقين في كل شيء حتى في استحالة التناقض وفي كون اثنين في اثنين يساوي أربعة وصدق أحدث آراء العلم الحديث هذه الفلسفة كما يأتي ذكره في هذا الكتاب نقلا عن "قصة الفلسفة الحديثة" فصارت نتيجة هذه العقليات الفلسفية في الغرب أن جعلت إمام مصر الحديثة ريبيا.
ولا يجوز أن تعتبر هذه الحالة في فلسفة الغرب التي أوقعت رجلا من علماء المسلمين في هوة الحسبانية ، معذرة للأستاذ كاتب المقالتين مخففة لخطأه الفاحش ، لأن خطأه الذي لا يغتفر هو في توهم كون الخلاف الحادث أخيرا بين فلسفة الغرب وبين منطق أرسطو المسفر عن إفلاس الفلسفة في الغرب ، قد حدث مثله في فلسفة متكلمي الإسلام ! فلا يعنينا كون الفلسفة تجنتت في الغرب فأنكرت اليقين والضرورة المطلقة في الدنيا واكتفت بالظن الغالب والاحتمال الراجح في جميع معلومات الإنسان حتى أصبح وجود الله عند المؤمنين به احتمالا راجحا بالنسبة إلى عدم وجوده غير بالغ مبلغ اليقين القطمي الذي يستحيل خلافه لعدم وجود المحال وعدم وجود اليقين الضروري المستند إلى مجانبة المحال وأصبح لذلك كون اثنين في اثنين يساوي الأربعة أو كون الكل أعظم من الجزء ، غير مقطوع فيهما بالقطعية الضرورية المستحيلة الخلاف .. لا يعنينا كثيرا اعتناق مصر لهذا الجنون تحت زعامة الشيخ محمد عبده ، وإنما يعنينا كل العناية أن لا يتصل شيء من ذلك بفلسفة الإسلام ، فلسفة علم الكلام.
بداية صفحة 306
أما كون الأمثلة التي ذكرها صاحب المقالتين من مذاهب المتكلمين على أنها مخالفة لمبدأ استحالة التناقض ، غير مخالفة له مخالفة مقصودة ، فإني في غنى عن إطالة الكلام في إثباته وإيضاحه مع كون الكتب الكلامية المعتبرة متولية لهذا الإثبات والإيضاح عند تمحيص تلك المذاهب في أمكنتها الخاصة من تلك الكتب . ولا يعنيني في كلمتي هذه التي لفت بها النظر إلى خطأ كاتب المقالتين وغفلة أصحاب مجلة الأزهر كون هؤلاء المتكلمين أخطأوا أو أصابوا ، وحسبي في إثبات وقوع الكاتب نفسه في أعظم خطأ من الشذوذ الفكري ووقوع المشرفين على المجلة في غفلة عظيمة ، حسبي في كل ذلك أن تكون المقالتان قد سيقتا بنصهما وعنوانهما كتفسير مذهب المتكلمين في الأمثلة المذكورة بإحداث مخالفة منهم لمنطق أرسطو ونقده في أعظم مبادئه ، في حين أن هذه المخالفة لا يرضاها أصحاب تلك المذاهب قطعا وفي حين أن هذه المخالفة وذاك النقد لا يتصور صدورهما من عاقل.
11
ومن راجع العدد 155 من (أخبار اليوم) رأى صفحة تعرض عواصف حول الكتب المقدسة تحت عنون "مطران إنجليزي ينكر المعجزات" وتعرض طالبا أو معيدا بجامعة فؤاد مسمى خلف الله يقدم إلى كلية الآداب رسالة عن الفن القصصي في القرآن للحصول على دكتوراة فيتهمه الناس بالكفر والإلحاد وهو يلتجئ إلى الكاتب القصصي توفيق الحكيم.
وخلال الصفحة أن قصة موسى في سورة الكهف لم تعتمد على أصل من واقع الحياة بل ابتدعت على غير أساس من التاريخ وأن ما تمسك به الباحثون المستشرقون ليس سببه جهل محمد بالتاريخ ، بل قد يكون من عمل الفنان الذي يلا يعنيه الواقع التاريخي ولا الحرص على الصدق العقلي.
بداية صفحة 307
وإنما ينتج عمله ويبرز صورته بما ملك من الموهبة الفنية والقدرة على الابتكار والاختراع والتغيير والتبديل (هامش : غير خاف على القارئ اليقظ أن كاتب الصفحة أو الرسالة يدير قلمه ويبني قوله على أن القرآن تأليف محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد نادت بذلك نتحيته عن الجهل بالتاريخ وتحليته بالموهبة الفنية)
ثم قال الكاتب : " وقد طالبه البعض بحرق الرسالة على مرأى ومشهد من أساتذة وطلبة كلية الآداب. وطالب آخرون بفصل الأستاذ خلف الله .. وقد طلبت جريدة (الإخوان المسلمون) باتخاذ إجراءات حاسمة وقالت : إذا ثبت أن ما نقل عن رسالة الفن القصصي في القرآن قد ورد فيها كما نقل فلا يكفي أن يحرقها مؤلفها بيديه أو بيدي غيره على مرأى ومشهد من الأساتذة والطلاب ، بل لا بد أولا أن يعلن رجوعه إلى الإسلام ويجدد عقد نكاحه على زوجته إن كان متزوجا وأن يقوم بكل ما يقوم به من ارتكب جريمة الردة عن دين الإسلام".
ثم ذكر الكاتب ردا على هذه الطلبات بما يدل على أن العادة في مصر رجوع المتهمين في أمثال هذه الحادثة عن مطالباتهم ، بدلا من رجوع أصحاب الجريمة ، فقال : "وليست هذه الحركة هي الأولى من نوعها في مصر ، فقد سبق أن ألف الأستاذ علي عبد الرازق وزير الأوقاف الحالي كتابا عن الإسلام وأصول الحكم فقامت قيامة الأزهر واحتجت هيئة كبار العلماء وفصلته ، واستقال الوزراء الأحرار الدستوريون من وزارة زيور باشا احتجاجا على الفصل وأقيل وزير العدل عن منصبه ، وكان عبد العزيز فهمي باشا ، بهذا السبب .
"وحدث مرة أخرى أن ألف الدكتور طه حسين بك كتابا عن الشعر الجاهلي شك فيه في بعض المعتقدات فقامت قيامة البرلمان وأراد مجلس النواب إخراجه من منصبه ، فهدد عدلي باشا رئيس مجلس الوزراء بالاستقالة حماية للبحث العلمي"
بداية صفحة 308
ومن عجائب المصادفات في هذه الآونة الأخيرة أن مطرانا إنجليزيا قام قبل كاتب الصفحة في أخبار اليوم ، كأنه يؤيد المرتد المصري صاحب الرسالة المقدمة إلى كلية الآداب ، يعد قصة قيام عيسى بعد قتله ، قصة وهمية ، وينفي أن السيدة كانت عذراء ، كما أنه قال إن أبحاثه أظهرت أن كل المعجزات هي إشاعات عامية سخيفة ، وأن الفن القصصي يلعب دورا هاما في صياغتها وقالت الصحب عن قول كبير الأساقفة ضد المطران : هذا لا يصح أن يكون ردا على أبحاثه في كتابه ، كما أشارت تلك الصحف إلى أن مؤتمر الكنيسة الذي اجمتع عام 1922 واستمر 14 عاما قرر عدم الأخذر بحرفية الإنجيل.
أقول ولم يختلف صوت الأزهر في حق الرسالة المقدمة إلى كلية الآداب على ما نقله كاتب الصفحة في أخبار اليوم عن فضيلة الشيخ شلتوت والمفتي السابق ، عن قرار مؤتمر الكنيسة على عدم الأخذ بحرفية الإنجيل. كما أن المطران الإنجليزي القائل بكون كل المعجزات إشاعات عامية سخيفة ، قد سبقه فئة من كتاب المسلمين وعلماء الدين الذين أنكروا المعجزات.
وزاد صوت الأزهر فوعد لصاحب الرسالة المقدمة إلى كلية الآداب والقائلة بأن القرآن لا يهمه في قصصه أن تعتمد على أصل واقع من الحياة وعلى أساس معترف به من التاريخ بعد أن كانت مبتدعة على صيغتها الفنية وابتكاراتها الخيالية طبق ما هو مهمة الرواة الفنيين. زاد فوعد له أجرا واحدا إن أخطأ وأجرين إن أصاب ، شأن المجتهدين في الإسلام ، وهذه الفتوى الأزهرية يتعزى بها في أخبار اليوم على الرغم من أن الأستاذ الشائب أستاذ الآداب في الجامعة وجماعة الإخوان المسلمين حكموا بارتداد صاحب الرسالة عن دين الإسلام ، كما أن قول الأستاذ أحمد أمين بك الذي تولى فحص الرسالة مع الأستاذ الشائب لا يقل في التشديد عليها عن قول زميله (هامش : وقد روي في مجلة الرسالة نفي أحد هذين العالمين الأزهريين أو كلاهما ما عزي إليهما من القول المساعد لصاحب الرسالة المقدمة . لكن نبأ النفي إن صح كان الواجب عندي نشره من جانب النافين باهتمام يتناسب مع أهمية الموضوع.)
بداية صفحة 309
ثم التجأ صاحب الرسالة إلى الكاتب القصصي الأستاذ توفيق الحكيم كآخر مرجع لرفع قضيته وأكبر مفت في البلاد المصرية غير مفتيها الأكبر من اختصاصه النقض والإبرام في المسائل المعضلة الدينية : فقال هذا الأستاذ بعد أن عد اختلاف الطرفين في تفنيد صاحب الرسالة وتأييده ، تحررا لرجال الأزهر ، ورجعية وتأخر لرجال الجامعة ، ورأى الأمر يدعو إلى العجب لاسيما بعد ضم حادثة المطران الإنجليزي المنكر لمعجزات المسيح عليه السلام إلى حادثة الرسالة المقدمة إلى كلية الآداب ، ورأي جامعة مصر فيها ، لحد أنه لا يدهشه أن سمع غدا بقيام أساتذة جامعة لندن يفتون بأن ذلك المطران يستحق أن يحرق حيا .. قال "ما الذي حدث الآن بالضبط في عقول الناس؟
"رجال التعليم الروحي – كالمطران الانجليزي وعالمين من كبار علماء الأزهر يريدون الخروج إلى نور المنطق العقلي ، ورجال العلم العقلي كرجال جامعة مصر الحاضرين القائمين ضد صاحب الرسالة – يريدون الدخول إلى معبد النور الإلهي .. إنه ولا شك عصر الجشع .. كل طائفة لا تقنع بما في يدها وتنظر إلى ما في يد الآخرين حتى في المسائل العقلية والدينية"
ثم قال :"إني أفهم موقف علماء الإسلام (يعني الذين انحازوا إلى صاحب الرسالة ولم يقولوا ضده) فهم يفتون طبقا لقواعد مقررة في هذه الرسالة الجامعية ، وشاء لهم اتساع الأفق أن يضيئوا النصوص القديمة بأضواء جديدة .. دون أن يحيدوا عن روح الدين وجوهر العقدية... ولكن الذي لست أفهمه هو موقف أساتذة الجامعة الذين يحكمون بالكفر على طالب جامعي ويطفئون بأيديهم الجامدة مشعل الحرية الفكرية الذي هو صلب عملهم وعمود رسالتهم.
بداية صفحة 310
ولئن استطعت أيضا أن أفهم هؤلاء ، فإني لا أستطيع أبدا أن أفهم موقف المطران الإنجليزي الذي يحلل المسيحية كما يحلل تاجر الزيوت فن رفائيل أو تاجر المسرح فن شكسبير
"لماذا يهدم المطران الوقائع التاريخية في الدين ؟وهو الذي يجب أن يعلم أن الحقيقة الدينية لا يمكن أن توضع تحت مصباح الذهن البشري.." ثم قال :"ما قيمة اكتشافات المطران بارتر بالنسبة إلى الحقيقة الدينية ؟... إذا كان هذا المطران رجل دين حقا لفهم ذلك ، ولكنه فيما يبدوا لم يخلق للدين .. ولكن لمهمة أخرى .. وإني أرشحه لمهمة الصحافة لأنه ولا شك قد خلق لها دون أن يشعر.."
هذا ما نقلته ملخصا من أخبار اليوم متعلقا بالرسالة المقدمة إلى كلية الآداب والضجة المثارة حولها .. وإني أتعجب من الأستاذ توفيق الحكيم المتعجب ممن شاء وغير المتعجب ممن شاء ، كونه يعذر الخروج على دين الإسلام من صاحب الرسالة ويعذر العالمين الأزهريين اللذين يجعلان من هذا الخارج على الإسلام مجتهدا يستحق أجرا واحدا على الأقل .. ولا يعذر أبدا المطران الإنجليزي الخارج على الدين المسيحي!
ومن عجائب الأستاذ كونه يرى أن ذلك المطران لم يخلق للدين فيرشحه لمهمة الصحافة كأن الصحفي يجوز له أن يقول في الدين ما لا يجوز لغيره ، فكأن الدين مسئول عنه رجاله فقط ، ومن أجل هذا يرى للأزهر موقفا من الإسلام وللجامعة موقفا مختلفا عنه.
وإني لا أقول عن الأستاذ توفيق الحكيم المتطوع للدفاع عن المسيحية حيال حملات المطران الإنجليزي عليها والمتطوع في الوقت نفسه لمؤازرة الثائرين على كتاب الإسلام.
لا اقول انه يفضل المسيحيه ويعادى الاسلام, وانما اقول انه لا يعلم الاسلام علمه بالمسيحيه(1) وطبيعى ان يكون المرء مدافعا عما يعلمه ومعاملا لما لا يعلمه ولا يميز اعداءه من انصاره معامله العدو, واذا اراد ان يدافع عن الاسلام ايضا يتكلم عنه بالقياس الى المسيحيه التى يجعلها اسمى من المنطق ومن كل العلوم كما جعل المسيحيون و هو يظن ان علماء الاسلام كرجال الكنيسه فى حاجه الى الابتعاد عن العقل, ولهذا اسست الجامعه بجانب الازهر للمحافظه على الحريه العقليه والمنطقيه, ولهذا ايضا كان المسموع من صوت الازهر المقرر ازاء صوت الجامعه المستنكر فى مسأله الرساله المقدمه الى كليه الاداب عن الفن القصصى فى القران – عكس المتوقع , حتى التجأ صاحب الرساله الى توفيق الحكيم بمقاله عنوانها ]اتحررُ فى الازهر ورجعيه فى الجامعه؟[ لكن الرجل وملتجأه قد وقعا فى لبس وبعد عظيمين عن الحقيقه فى تحليل المسأله وتعيين موقف الجامعه والازهر من الاسلام...اذ لا يجوز ان يكون للازهر موقف من الاسلام وللجامعه موقف اخر منه ولا اختلاف مع العقل ازاء اتفاق الجامعه معه, بل الازهر بل الازهر فى موقفه الاصلى القديم اكثر تمسكا بالعقل والمنطق ازاء استخفاف الملاحده العصريين بادله علماء الاسلام العقليه والمنطقيه فى اثبات وجود الله, حين اصبح اولئك الملاحده متمسكين بالشك استنادا الى علمهم الحديث القائم على التجربه, ولى معارك عظيمه فى هذا الكتاب لدحض حجتهم بهذا الصدد, فان كان الاستاذ توفيق الحكيم المحتكم اليه ليقول قوله المؤيد للرساله الخارجه على صدوقيه القران, يرغب فى قراءه كتابى اطلع على انه ليس هناك حقيقه دينيه غير مؤتلفه مع الحقائق العقليه, حتى ان النصرانيه الصحيحه المنزله على سيدنا المسيح غير مختلفه فى ذلك عن الاسلام..واطلع الاستاذ ايضا على اشياء اخرى تنفعه وتحرره من الاغلال التى يرزخ تحتها افكار المعاصرين التابعين للغرب حتى فى المعلومات الدينيه متوهمين لهم التحرر الفكرى فى تلك الاغلال. اما مسأله الفن القصصى فى القرانفضلال صاحب الرساله فيها لا يوزن بميزان الموافقه لاجماع المفسرين أو المخالفه له ولا بميزان المجتهد المخطئ او المصيب المستحق للاجر على كلا التقديرين كما وزنه فضيله الشيخ شلتوت واشرك معه فى الرأى فضيله المفتى الاكبر السابق على ما نقل عنه صاحب الرساله فيما كتبه الى الاستاذ توفيق الحكيم . وكان هذه الفتوى الازهريه ابلغت قضيه صاحب الرساله المنازع فيها مبلغ القضيه المحكمه بما اعجبت الاستاذ الحكيم اخر المفتين ..حتى قال عن اصحابها: ""ان هؤلاء العلماء شاء لهم اتساع الافق ان يضيئوا النصوص القديمه باضواء جديده دون ان يحيدوا عن روح الدين وجوهر العقيده""وان لم يكن الاستاذ عارفا لا بروح الدين ولا بجوهر العقيده كما اشرنا اليه.
لا يوزن ضلال صاحب الرساله بما ذُكر من الموازين وانما يوزن بميزان العقل الذى يظن الاستاذ الحكيم انه بمعزل عن الدين اى دين كان..فعند ذلك يتبين انه ضلال لايقبل التبرير, بل يقضى على مبرره كما يقضى على الرساله نفسها, ليكون رميا للقران الذى هو كلام الله فى اعتقاد المسلمين, بان وجود شئ فيه لا يقتضى صحته ومطابقته للواقع .وهو تشكيك صريح فى صدوقيه الله يحكم العقل قبل كل شئ بانه كفر بالله وانتقاص لمقام الالوهيه . فان لم يكن كفرا بالله فهو كفر بنبوه محمد وتلميح الى ان القران كلامه لا كلام الله . لا يؤيد هذا الاحتمال الاخير اهتمام صاحب الرساله فى سعيه لترويج رأيه, بنفى الجهل عن سيدنا محمد بالتاريخ دون نفيه عن الله.والاستاذ الحكيم الذى يسعى عبثا بما يكتبه فى اخبار اليوم لمناصره صاحب الرساله وامتداح مساعديه بالفتوى , غير عابئ بما يطوّقه من اللوازم العقليه التى ذكرناها قاضيه عليه ...لابد ان يكون شريكه فى اعتناق احدى العقيدتين اللتين اقلهما كفر بنبوه سيدنا محمد وتجويز وجود الكذب فى القران باعتبار انه كلامه لا كلام الله ثم تأويله بانه كذب فنى ..او انه كلام الدين فلا يقاس بمقياس الحقيقه التاريخيه لان الحقيقه الدينيه لا يمكن ان توضع تحت مصباح الذهن البشرى .وهذا الوجه الاخير الذى هو زياده من الاستاذ توفيق الحكيم على تأويل صاحب الرساله بوضع الاسلام مع المسيحيه فى بوتقه ثم اعتبار مكان الحقيقه الدينيه اسمى من كل حقيقه ..معناه الخفى فى كلام الكتاب العصريين قضاء على الاديان بلطف ولباقه .ومن عجائب المحاباه من الاستاذ الحكيم انه يحكى فى العدد 156من اخبار اليوم شكوى الاستاذ احمد الشائب استاذ الادب فى الجامعه والفاحص للرساله ثم القائل برفضها ..من كون الجهات الرسميه منعته من الكلام ..يحكى شكواه ثم يعلق عليها بما يخيل للقارئ ان الجهات الرسميه منعت الاستاذ صاحب الرساله من الكلام لا الاستاذ الذى فحصها ورفضها..يحكى الشكوى عائبا للمنع من الكلام ولا يساعد جانب الممنوع منه الذى هو الاستاذ فاحص الرساله ورافضها, بل يتكلم مؤيدا لصاحب الرساله المرفوضه كانه هو الممنوع من الكلام .فهو اى الاستاذ توفيق الحكيم يؤيد المانعين بمناورته فى صوره المهاجمه عليهم ثم يتشدد محابيا لصاحب الرساله الذى يراه ماشيا فى طريق الحريه الفكريه ..وهو طريق النهضه التى فاتُحتها فى مصر هو الاستاذ الامام , وهم قليلون مثل فاحص الرساله جزاه الله عنى خيرا كثيرا..
يتشدد فيدعو رئيس الحكومه –النقراشى باشا رحمه الله- الى مشاركته فى التكلم مصدقا لما بين يديه من الرساله الممقوته ويتشدد ايضا فى دعوه الرئيس الى الكلام القائل: "ليس هو الذى يخيف الانجليز بصوته فى مجلس الامن وبصمته فى مجلس الوزراء ...ولكن الذى يخيف الانجليز هو هذه النهضه الفكريه التى اعتقدوا انها من الجامعه.وهذه النهضه الروحيه اعتقدوا انها سرت فى الشرق من مصباح الاستاذ الامام ! ..التقدم الفكرى والروحى فى مصر هو وحده مفتاح القضيه المصريه..واذا جلت جيوش الاحتلال عن ارضنا..فلانها لاتستطيع البقاء طويلا امام اشعه عن الفكر والعرفان تعمى ابصارها..واذا حسب المستعمرون حساب مصر,فلانهم يخشون تلك المناره الفكريه والروحيه ان تلاحقهم باشعتها فى العالم العربى".
ثم انتهى تحكم الاستاذ الحكيم وتحمسه لترويج الرساله الجامعيه الطاعنه فى امانه القران والتى رفضته حتى الجامعه نفسها ..الى تهديد رئيس الوزاره المصريه فى ادق ادوار فلسطين واحوجها الى استقرار جميع الوزارت فى جامعه الدول العربيه المستعده لمقاومه فكره التقسيم الغربيه الظالمه مقاومه حربيه ..انتهى تحكم الاستاذ الحكيم وتحمسه لترويج رساله الاستاذ خلف الله المتقدمه الى كليه الاداب لنيل الدكتوراه .. فى تهديد النقراشى باشا بقوله :
"فالامر خطير يا رئيس الحكومه الى حد, اطالبك معه بواحد من امرين لا ثالث لهما: اما ان تدرا فى الحال الخطر المحيق بهذه المناوره الفكريه والروحيه..واما ان تستقيل! "
وانا اقول لم يقنع حرص الاستاذ توفيق الحكيم على حل مشكله الرساله المشئومه المقدمه الى كليه الاداب ولو كان فى نجاح الرساله ضعضعه مكان كتاب الاسلام فى قلوب المؤمنين..لم يقنع حرص الاستاذ على قضيه صاحب الرساله التى جعلها قضيه لنفسه ايضا, بحلها على الطريقه العلميه والعقليه..بل راجع فى انجاحها الطريقه السياسيه فاراد كسب المساله العلميه بالسياسه اى بقوه الحكومه ..حتى بنى على كسبها كسب قضيه مصر..وكفى هذا عيبا على الاستاذ المحابى واعترافا بضعف ادلته العلميه التى تمسك بها اولا فى ترويج الرساله..وقد استحق تحوله هذا من الطريقه العلميه الى الطريقه السياسيه, تعليقا طويل الذيل ربما لا يتحمله المقام .
لكن لابد من ان اتبسط بعض الشئ فاقول ان معنى ما قاله الاستاذ فى هذه الاسطر الاخيره ...معناه الخفى بالنسبه الى بعض القراء والجلى الى بعض اخر ان المسلمين ولا سيما العرب ان ارادوا وكانوا جادين فى ارادتهم ان يكسبوا قضاياهم المعلقه بينهم وبين الانجليز وغيرها من دول الاستعمار فعليهم ان يضحوا بدينهم وتمسكهم بقرانهم وعقيدتهم فى قرانهم .وليست هذه تضحيه من قبيل مداراة الخصوم ومصانعتهم او مخادعتهم, بل فى ذلك هدى للعرب الى طريق النهضه وتحرر من الجمود والتاخر واشراق لامم الشرق بنور عرفان الغرب الذى اكتشف مصباحه الاستاذ الامام...وهذا النور الذى يصل مصر بباريس ويربط مآذن الازهر ببرج إيقل كما صوره الاستاذ محمد صبيح فى غلاف كتابه المسمى ]محمد عبده[ ..هو الذى يخيف الانجليز وسائر المستعمرين على قول الاستاذ توفيق الحكيم ويعمى أبصارهم.
ولم يفكر الاستاذ فى غرابه خوف الدول الاستعماريه من نور النهضه الفكرية التى اقتبسته مصر الشرقية من الغرب حتى أدى إلى جلاء جيوش الاحتلال عن ارضها .
أى غرابة...فكانت هذه الحادثة كتحدى تلميذ مصارع لأستاذه الذى علّمه بعض حيل النجاح فى المصارعه ولم يعلَّمه تمامها...أو كما ظن الغافلون أن انسحاب جيوش الانجليز والفرنسيس والطليان وأساطيلهم من استانبول بعد احتلالها فى الحرب العظمى الأولى, قد وقع خوفاً من قوة مصطفى كامل الحربية التى هزمت اليونان وأخرجتها من أزمير, على الرغم من أنها أى اليونان كانت حليفة الدول المذكورة الغالبة ثم منتدبتها إلى أزمير .
وأصدق القول فى تحليل هذا المقام ان الانجليز وغيرهم من دول الاستعمار الكبيرة إن انسجبوا من بلاد المسلمين بعد ما استيقنوا نهضة أهلها الفكرية التى اخذوها من وحى المستعمرين أنفسهم فلا يكون ذلك خوفاً من بأس تلاميذتهم فى تلك البلاد الذين لاشك فى أنهم لايزالون ضعافاً بالنسبه الى اساتذتهم, وإنما يكون حبا بأولئك للناهضين..لكون النهضة الفكرية الموحاة اليهم – والتى وجد الأستاذ توفيق الحكيم أروع مثال لها فى رساله الأستاذ خلف الله المقدمة إلى كليه الآداب لجامعه فؤاد الأول فروّجها وناضل مستنكريها فى صفحات اخبار اليوم بكل ما فى يديه من قوة القلم رغم ان الجامعيين لم يتقبلوها بقبول حسن , فناضلهم الأستاذ أيضا –تقربهم من المستعمرين وتحببهم إليهم, بقدر ما تبعدهم من الإسلام والقرآن الذى طعنت الرسالة المذكورة فى صميمها قائلة : "إن وجود شئ فيه لايقتضى صحته" .
فالمستعمرون لا تخيفهم النهضة الفكرية المزعزعة إيمان المسلمين بالقرآن بل تحببهم إليهم ,وإنما يخيفهم القرآن كما شهد به القول المروى عن غلادستون ..يخيفهم بقاؤه سليما ومؤمنا به حرفيا عند المسلمين الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون .والذين إن يكن منهم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منهم مائه صابرة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ..والذين قد سبق أن مثلهم من السلف الصالحين, نصروا الله فنصرهم وكانت لهم الدولة والغلبة فى الارض .فالمستعمرون يخيفهم القرآن والإيمان به حرفيا على أنه كلام الله الذى لا يتصور منه الكذب ..لا كلام محمد الذى يكفيه كذبا أن كان كلامه فعزاه إلى الله...يخيفهم ويسخطهم المؤمنون به , ويسرهم دخول ثلمة فى إيمان المؤمنين به ليفتحوا حصن الإسلام من هذه الثلمة المفتوحة, فيحبون طبعا فاتحيها بأيديهم من المسلمين الأخلاء ..حبا جما ويتخذون منهم سماسرة للقضاء على إيمان الباقين فيحبونهم جميعا ..وربما ينجر هذا الانقلاب فى عقيدة الإيمان بالقرآن, إلى كف أيدى الدول الكبرى الغربية عن بلاد المنقلبين عن صلابه الإسلام إلى حرية الزندقه والإلحاد .وهنا فقط اعترفُ للأستاذ توفيق الحكيم بإمكان الحصول للأمم الإسلاميه على صداقة الدول الغربية...فأى أمة من هذه ألامم رأت مصلحتها فى اختيار هذه الطريقة لكسب صداقة الدول الغربية والتخلص من عداوتها ..فلها ما تشاء من اشتراء الدنيا بالدين واستبدال عداوة الله بعداوة الدول أعداء الإسلام .ولا بارك الله فى نهضة أمه مسلمة تتنازل فيها عن إيمانها بصدق القرآن لتكسب صداقة الدول غير المسلمة .كما ذكر فى قوله تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم".فهذا مفترق الطرق فى تحديد المسألة التى دخلها الاستاذ توفيق الحكيم وأبدى كثيراٌ من النشاط والتعمق فى بحثها ..وكما أن الأستاذ لم يدخر جهداٌ فى الوصول إلى النهاية التى قصدها حتى دعا رئيس الحكومة إلى حسم المسألة راجياٌ أن يفعل مثل ما فعل أسلافه فى المسائل المماثلة التى ذكرها الأستاذ فى العدد السابق من أخبار اليوم, كنماذج الأمثال للحكومة الحاضرة – فإنى اذهب إلى أكثر أبعد مما طلبه الأستاذ فى حسم المسألة ..بأن يكون الحسم مجاهراً لأساس الخلاف فى الاحداث التى تظهر الفينة بعد الفينة فى الأوساط الفكرية وتثير ضجة تهز كيان الدين فى قلوب المسلمين..مجاهراً للأساس العامل فى تلك الأحداث غير خاص بجزئيات المسائل والوسائل ...فليقرر المسلمون فيما بينهم :هل هم باقون على الإسلام وعقيدته التى تمسك بها آباؤهم ثلاثه عشر قرناً أفراداً وجماعات أى حكومات, راضون عنها ومعتزون بها كما رضى آباؤهم واعتزوا, مؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله وسائر ما أنزل فى كتابه على خاتم انبيائه كما آمنوا .لا مؤمنون ببعض الكتاب وكافرون ببعض ولا متدينون أفراداً ولا دينيون حكومات ومسلمون أسماء وغير مسلمون فى الأعمال والآداب, متبعين سنن غير المسلمين شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه..أم إنهم غير باقين؟
يقوم الفينة بعد الفينة من سولت له نفسه بالخروج على الإسلام فى ناحية من نواحيه الاعتقادية فيثور احتجاجاً عليه فئة من الغيورين على دينهم , ويحميه منهم رجال من الوزراء المستبطنين ماأظهره الخارج ..وإن لم يحمه حامٍ مجابٍ عاجلا ففى المستقبل القريب أو البعيد ينال الرجل مكافأته خروجه بأضعاف ما كان له من المراكز والمناصب يوم خرج وثار عليه المستنكرون ..ويكون هذا المصير له غبطة لآخرين فااكرر المهزلة فى أيام أُُُخر على مسائل أخرى مماثلة وتستقر بدعة استخراج فوائد عند قوم من مصائب الدين..عادة مستمره فى بلاد الإسلام إلى أن يقضى الله أمراً كان مفعولا.
هذا ولم يقف حرص الأستاذ الكيم على تأييد الرسالة الطاعنة فى أمانة القرآن , عند دعوة رئيس الحكومة ‘لى العمل الحاسم...بل دعا الله تعالى ايضا الى التدخل فى الامر ليصدّق صاحب الرساله فى تكذيب ما جاء فى القرآن.وهذا هو معنى الجمله الدعائيه التى اختتم بها الاستاذ الحكيم قوله فى العدد التالى لاخبار اليوم المنشور فيه مقال الاستاذ امين الخولى المشرف على الرساله معنونا "إنها لحق ..ألقوا بى فى النار": "شهادة الاستاذ الخولى خطيره وإنى أحب أن الفت النظر الى نقطة الخطورة فيها, تلك هى قوله إن الاستاذ الإمام محمد عبده انتهى الى مثل هذه الآراء منذ اثنتين واربعين عاما..اذا كان القول صحيحا كما يؤكد الاستاذ الخولى ,فلنا أن نطلب تعليللا لما صرنا اليه .وعلى المسئولين من رجال الدين أن يوضحوا الموقف لأنهم لا يرضيهم أن نرجع إليهم فى عهدهم –القهقرى بعد نهضة إسلامية بعثها الأستاذ الإمام , أما رجال الجامعة فيلصق بهم زميلهم الاستاذ الخولى فى عقليتهم وخلقهم, تهمه لا يدفعها عنهم غير دليلهم ..وهى إن صحت لكانت قديرة على هدم "التعليم الجامعى" من أساسه وإقتلاع أهدافه من جذورها..اللهم لا تخيب آملنا كله فيما حسبناه نهضتنا".
أقول ان الأستاذ توفيق الحكيم يتحكم فيعدل عن محط النزاع الذى هو تهمة صاحب الرسالة إلى تهمة الجامعيين الذين اتهموه, استناداً إلى قول الأستاذ أمين الخولى المشرف على الرسالة والمتفق مع صاحبها فى الرأى. لكن شهادة الأستاذ الخولى لا تسمع ولا تنفع صاحب الرسالة المتهم – كشهادته لنفسه – وقد اتهموه مع المتهم لكون الرسالة وضعت تحت إشرافه , فضلاً عن أن للأستاذ العمارى مقالة بل مقالات فى مجلة "الرسالة" عن هذا الأستاذ الخولى وعن دروسه فى الجامعة التى هو أستاذ البلاغه فيها منذ عشرين سنه كما يقال...مقالات حسبها قاضيه عليه وعاراً على الجامعة(1).
وإنى ألفت النظر إلى أن الأستاذ الحكيم يهتم بإتهام الأستاذ الخولى للجامعيين المتهمين ولا يهتم باتهامهم له, فماذا السبب لهذا الوضع المعكوس؟ والجواب أن سند المتهمين للرسالة مخالفتها لكرامة القرآن, وسند الأستاذ الخولى المتهِم للمتهِمين موافقة الرسالة للآراء الأستاذ الإمام!..وفى هذا مفتاح هذه الفتنة وما سبقها من الامثال ...فمن كان اهتمامه بكرامة الأستاذ الإمام فوق اهتماه بكرامة القرآن لا يسمع كلام التهِمين للرسالة ويفتخ أذنيه بين إطار من كفيه لسماع من يتهم المتهمين.
ومن أعجب العجائب أن المتهمين لصاحب الرسالة من الجامعيين وغير الجامعيين يقطمون التهمة فى الرسالة والمشرف عليها ولا يمدونها إلى الأستاذ الإمام ,على الرغم من أن كلا من الأستاذين اللذين اتهموها دافع عن نفسه بإيراد حمل من أقوال الأستاذ الإمام , تتفق مع الأقوال التى وردت فى الرسالة واتخذت تهمة لها وللمشرف عليها , كما يفهم ايضاً من قول الأستاذ الحكيم الذى نقلناه آنفا .فتلك الأقوال إن صحت نسبتها إلى الإمام فلا كلام عند الأستاذ الحكيم فى استحقاق الأستاذين المتهمين لكسب القضية ضد متهِميها وفى انتقال التهمه منهم إليهم..بل وعلى ما يلزم عندى أيضاً لا كلام فى براءة الأستاذين عن التهمة عند متهميهم أنفسهم إذ كانوا فى اتهامهم لا يَعدونهما إلى الأستاذ الإمام ,فكيف يصح أن يكون قول تمهةً إذا قاله زيد ولا يكون إذا قاله عمرو...وقد رأينا متهمى صاحب الرسالة والمشرف عليها على ما فيها نت أقوال قال مثلها الأستاذ الإمام قبل اثنين وأربعين عاما ..رأيناهم سكتوا إذا جاء دور
الكلام إلى اتهام الأستاذ الإمام وذلك عند تمسك الأستاذين المتهمين بأقواله دفاعا عن نفسيهما وهم الآخرون يتهمون بهذا السكوت إلا الأستاذ الشائب الممنوع من الكلام. وقد رأينا بين الساكتين إذا جاء دور الكلام على الأستاذ الإمام الأستاذ علي الطنطاوي الذي من عادته أن يتظاهر متحمسا في مثل هذه الأدوار والذي قال عند إحدى حملاته المنشورة في مجلة " الرسالة" : "لو قال ما نقلته عنها (يعنى رسالة الأستاذ خلف الله) معتقدا به أبو بكر وعمر لكفر به أبو بكر وعمر وصارا به أبا جهل وأبا لهب. " فهل مركز الأستاذ الإمام في الإسلام أحصن من مركز أبي بكر وعمر؟.
ومما رأينا في هذه المسألة قول عميد كلية الآداب صديقنا الدكتور عبد الوهاب عزام بك تخفيفا عن كاتب الرسالة : " إني فيما أعرف عنه وكما يبدو كتابته شاب مسلم قصد أن يدفع عن القرآن بعض شبه الملاحدة أو رجال الأديان الأخرى فجار به رأيه عن القصد وحاد به اجتهاده عن سواء السبيل " وقد كتب الأستاذ الطنطاوي ما نقلنا عنه آنفا، معلقا على قول العميد ومشددا ... ولعل الدكتور العميد الذي شهد على إسلام الرجل، غاب عنه أن الاعتداد بإسلام أحد مشروط بسلامة عقيدته وابتعاده في عقيدته عما يناقض الإسلام، ولا يبرره قصد الدفاع عن القرآن بعد أن تضمن دفاعه التنازل باسم التأويل عن صحة القرآن في بعض ما ينطق به نصوصه، فيكون بذلك قبولا لدعوى أعداء الإسلام لا دفعا لشبههم.
وأخيرا انتهى أمر صاحب الرسالة رسميا فيما قال عنه عميد الكلية ونقلناه قريبا أنه شاب مسلم لم تخرجه رسالته من الإسلام، فقد انعقدت بأمر وزارة المعارف– على ما كتبته أخبار اليوم تحت عنوان "عاصفة تهدأ"–لجنة مؤلفة من أستاذ الشريعة
( 21- موقف العقل – أول)
في كلية الحقوق ووكيل كلية الآداب، تحقق ما ورد في تقرير الأستاذ أحمد أمين بك عن اتهام صاحب الرسالة بأنه ذهب في رسالته إلى ثلاثة أمور أولها أن محمدا فنان هذا القرآن وصانعه الخ .. وقد سلم صاحب الرسالة بأنه لو قال شيئا من هذا كان كافرا، كما قال الأستاذ أحمد أمين بك إنه قال هذا فعلا .. أما اللجنة الجامعية فقد قالت بالعكس: "" .. أما القول بأن محمدا فنان بهذا المعنى فإنه قد يستنتج من عبارة الرسالة في آخر صفحة 125 وأول صفحة 126 ورأت اللجنة أن العبارة التي قد يستند إليها في هذا ليست صريحة ولا قطعية الدلالة على معنى معين، ولكن توجد في صفحة 169 من الرسالة عبارة أخرى تدل على أن الكاتب لا يعتقد أن محمدا فنان هذا القرآن وإنما يؤمن بأن القرآن نزل من السماء على أنه معجزة العرب الكبرى وأوحاه خالق مبدع منزه عن كل ما يتصف به البشر".
وأنا أقول لم أر الرسالة كما لم يرها الكثيرون (1) وعابهم الأستاذ سيد قطب بأنهم حكموا عليها من غير أن يقرءوها. لكني قرأت مع الناس في مجلة "الرسالة" لصاحب وفي أخبار اليوم للأستاذ أمين الخولي المشرف على الرسالة، مقالات بتوقيعهما كافية في اتهام كل منهما ناصة على أن وجود شئ في القرآن لا يقتضي صحته، وهما ينقلان هذا القول عن الأستاذ الإمام ويتعزان بل يعتزان بالاستناد إليه في قطع ألسنة المتهمين - وفيهم الأستاذ أحمد أمين بك الذي لا يتهم بالجمود وضيق الأفق في الأفكار الدينية – حتى أن الأستاذ المشرف قال في دفاعه عن الرسالة: "إنها لحق .. ألقوا بي في النار" وقد صدقه قرار اللجنة الأخيرة المؤلفة بأمر وزارة المعارف على براءة صاحب الرسالة. لكنا نحن لا نستدل على تعيين الحق والباطل بقول فلان أو قرار لجان، لاسيما وأمامنا سوابق من الوزارات المصرية حمت الخارجين على الدين، وكان اعتماد الأستاذ الخولي
[1] لأن أصحابها هربوا كما يهرب الحشيش تاجروه ولا عجب فإن أصحاب الرسالة أيضا رامو تجارة المناصب والمناقب في عصر العجائب، وإنما كون الحكومات بمصر لا تعاقب المهربين بل تكافئهم.
عليها في قوله الحماسي: "إنها لحق ألقوا بي في النار" لأعلى أنها حق يضحى بالنفس في سبيله ويكون المضحون عشاق الحق المحققين، لا المنساقين وراء شهرة الأستاذ الإمام والمقلدين لمن سمعوا من بعض أبطال علماء الغرب أنه قال مثل ذلك القول ... وإذا لم يكن فنان القرآن على فهم اللجنة الجديدة من قول صاحب الرسالة، سيدنا محمد وكان فنانه هو الله انتقل احتمال الكذب السائغ في الفن القصصي-على مذهب الرسالة-إلى الله .. ولا ينفع صاحب الرسالة ما كتبه في مجلة "الرسالة" دفاعا عن نفسه أن الأساطير التي ذكرها المشركون ردا للقرآن إليها وطعنا فيه ليست بمعنى الأكاذيب، بل بمعنى الأقوال مطلقا، واستدل عليه بقوله تعالى "وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض"حيث تهتم الآية في رد قول المشركين بكون القرآن كلام الله لا كلام الأولين. واللجنة المؤلفة بأمر وزارة المعارف المشتملة على عبد الوهاب خلاف بك أستاذ الشريعة لكلية الحقوق بجامعة فؤاد للنظر في رسالة الفن القصصي في القرآن والمقررة على براءتها من تهمة الطعن في القرآن، إنما اهتمت بناحية براءة الرسالة من تهمة عد القرآن تأليف سيدنا محمد لا كلام الله(1) ولم تهتم بما فيها من القول بأن القرآن لا يعنيه أن يكون جميع قصصه متفقة مع الحقائق والوقائع .. فمؤلف الرسالة كالمشرف عليها ليس إلا بطل الاعتماد على ما يعرفه من مسامحة الوزارات المصرية في أمر الدين وضعف التمسك به في أوساط المثقفين الجدد المعتلين بتقليد المبادئ الغربية من ناحية وتقليد الشيخ محمد عبده من ناحية الذي أحدث بما أسرف من تأويلاته لنصوص القرآن مادية جديدة في الإسلام أو باطنية جديدة متمشية مع مادية الغرب. أما دفاعه عن الإسلام ضد أعدائه فقد تبخر بين تقهقراته
[1] مع أن في اهتمام صاحب الرسالة بنفي الجهل عن سيدنا محمد بالتاريخ عند ما يرى قصص القرآن مخالفة للحقائق التاريخية كما سبق نقله في هذا البحث عن المقالة المنشورة في "أخبار اليوم" – ما يوهم بحق أن القرآن في نظر صاحب الرسالة تأليف محمد.
أمامهم .. وقد سبق أن ناقش الأستاذ فرح أنطون صاحب مجلة "الجامعة" مدافعا عن الدين ضد الإلحاد، وفي النتيجة ازداد مستنبطو الإلحاد بين المثقفين بمصر كما أشار إليهم الأستاذ فريد وجدي بك في مقالة من مقالاته وإني أسجله عليه في هذا الكتاب عند كل مناسبة .. ومعناه هنا أنه نجحت دعوى الأستاذ فرح أنطون، ولم تنجح مدافعة الأستاذ إمام.
وممن كتبوا في بحث رسالة الفن القصصي في القرآن الأستاذ سيد قطب صاحب كتاب "التصوير في القرآن" لكن مقالات هذا الأستاذ التي كتبها في مجلة "السوادي" تمتاز بأنها حملات على الطرفين من صاحب الرسالة والأستاذ أمين الخولي المشرف عليها ومن الحاملين عليها المهددين بإخراجها من دائرة الإسلام ..
وتمتاز أيضا بأنها كاشفة عن أسباب وأغراض حملت الأولين على إثارة الضجة على نفسيهما والرغبة في الفرقعة التي تلفت النظر وتحدث حدثا يتلفت عليه الناس .. والأخيرين أو البعض منهم وهو الأستاذ أحمد أمين بك والأستاذ حسن الزيات صاحب مجلة "الرسالة" على رد جميل الأستاذ أمين الخولي.
قال "فذكرت الوقائع ليعلم الناس أية مهزلة تكمن وراء الموضوعات الجدية. وكيف تمنح أرقى الشهادات العلمية وتمنح في جامعاتنا الوليدة وكيف يصير الكثيرون دكاترة أو ماجستيرات وكيف لا يصيرون ... ثم قال "ولكن ما شأن مجلة الرسالة ومحررها العباس وما شأن الأستاذ توفيق الحكيم، وقد أرسل الأستاذ علي الطنطاوي صيحته المفرقعة الطنانة وسل سيف الإسلام على رأس الطالب الجامعي وأستاذه. وبذلك وصلت المهزلة أول أهدافها"
والأستاذ قطب، على الرغم مما ذكر في خارج الموضوع أمورا كثيرة لا تعنيني، قد خدم الحقيقة في فتح عيون القراء وسجل على أن الخروج على الإسلام والقرآن بمصر يذهب بالخارجين إلى ما راموه من الوظائف والمناصب، قال: ثم تمضي خطوة
إلى الأمام فتجد رجالا من رجال الدين ورجالا من المحترفين حماية الدين لم يطلع أحد منهم على الرسالة ولم يحقق قضايا ومواجبها ولم يعلم أكثر من إشاعة تشيع، أو تلخيص ينشر، أو تقرير لا يكون صوابا .. ترى هؤلاء الناس لا يحترمون أنفسهم ولا يحترمون إسلامهم الذي يوجب التثبت قبل الحكم، يثيرون ضجة حمقاء شعواء، يرفعونها إلى القصر ويصرخون بها في الطرقات .. ويهتفون بها في الصحف أحرقوا الرسالة اطردوا الخولي من الجامعة طلقوا زوج الطالب الجامعي ... مهزلة لا تقع إلا في مصر .. وحماقة ليس وراءها تعقل، وضجة ينقصها الإخلاص الصحيح.
"وقف الطالب الجامعي خلف هذه المهزلة يغذيها بالوقود كلما هدأت والدنيا لا تكاد تسعه من الفرح وأحسبه قد أعد نفسه عميدا لكلية الآداب ثم مستشارا فنيا لوزارة المعارك أو يعد نفسه لأن يكون وزيرا للأوقاف! .. ألا يعرف مثله أن الضجة التي ثارت حول كتاب "الأدب الجاهلي" للدكتور طه حسين بك هي التي جعلته عميدا لكلية الآداب ومستشارا فنيا بعده؟ ألا يعتقد مثله أن الضجة التي ثارت حول كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للأستاذ عبد الرازق بك هي التي جعلته كذلك وزيرا للأوقاف؟
"فلماذا إذن لا يرشح نفسه لأحد هذه المناصب، ونحن في مصر. والضجات الحمقاء التي يثيرها رجال الدين والمحترفون حماية الدين حول هذه الموضوعات ترفع للذكر وتنشر الصيت وتغير الأقدار."
أقول فهل على رأى الأستاذ قطب خير للذين أثاروا الضجة من رجال الدين و المحترفين حماية الدين على الطالب الجامعى أى صاحب رسالة (الفن القصصى فى القرأن) و حمقهم الأستاذ .. خير لهم أنفسهم بل خير للدين نفسه أيضا أن لا يثيروها عليــــــــــه فيخدموا من حيث لا يشعرون أغراضه المنكرة فى اكتساب الشهرة و تصيد المناصب
بواسطة الخروج على الإسلام والقرآن، فقد أصبح مبلغ الفساد بمصر في رأيه إلى الحد الذي لو قلت للخارج المعتدي على كرامة الإسلام وقداسة القرآن: (أسأت) كان تأثير قولك هذا عند الرأي العام الحاكم في تقسيم المناصب أو في تمييز المسيء من المحسن.. كأنك قلت له: (أحسنت)!!
أم أن الأستاذ لا يرى في رسالة الطالب الجامعي ولا في تأييده أستاذه المشرف عليها ما يستحقه الضجة التي أثارها عليهما المثيرون؟ وإنما يرى خطأ الطالب بل وأستاذه المشرف على رسالته أيضاً – الذي يراه الأستاذ قطب في أزمة نفسية وقد حكاها مفصلة في مقالته- في قياس نفسهما على الدكتور طه حسين بك والأستاذ على عبد الرزاق بك كما يفهم من قول الأستاذ بعد أقاله المنقولة آنفا: "وليس صغار الطلاب مكلفين أن يدركوا أن للدكتور طه حسين بك مواهبه الذاتية وأن للأستاذ على عبد الرزاق بك ميزاته الشخصية والعائلية.. فهم معذورون إذا رأو هذا الطريق جيد التوصيل"
أقول وهل هم معذورون أيضاً ومعهم الأستاذة المشرفون عليهم في التلاعب بكرامة القرآن ابتغاءً لنيل المناصب العالية؟ ومن عبد لهم طريق التوصيل هذه إن كان الذين اتخذوهم قدوة لهم نالوا ما نالوا بمواهبهم وميزاتهم، لا بما ابتدعوا في القرآن والإسلام ما يمس كرامتهم؟ ولماذا لم يحل – على الأقل – شذوذهم هذا بينهم وبين المناصب المذكورة التي نالوها في بلد إسلامي عريق ولو بمواهبهم وميزاتهم؟
وعلى كل حال فلا يفهم موقف الأستاذ قطب من اتهام الطالب الجامعي وأستاذه المشرف على رسالته، بقدر اتهام المثيرين عليهما الضجة من رجال الدين ومن الذين سماهم المحترفين حماية الدين، وإن كان مذهب الأستاذ لا يتفق مع الأولين في تصور التصوير الفني في القرآن، بمعنى أنه يراه أعلى شأناً من عرض قصصه على تصديق المؤرخين من أهل الغرب والشرق ثم تأويله عند الاختلاف معهم بالمسامحة الفنية ومع هذا لا يبت الأستاذ في فساد مذهبيهما بل وفي صحة مذهبه نفسه أيضاً، حيث
قال في آخر مقالته الثالثة المنشورة في مجلة "السوادي" بعد إيضاحاته القيمة المسفرة عن إعظام القرآن:
"وبعد فلست أنكر أن شبهات اعترضت طريق وأنا أبحث موضوع القصة في القرآن ومشاهد القيامة في القرآن أهذا كله مسوق على أنه حاصل واقع، أم أن بعضه مسوق على أنه صور وأمثال؟
"وقفت طويلاً أمام هذه الشبهات ولكني لم أجد بين يدي حقيقة من حقائق التاريخ أو حقائق التفكير فأطمئن إلى بيقينها وقطعيتها، فأحاكم القرآن إليها وما كان يجوز لدى أن أحاكم القرآن إلى ظن أو ترجيح
"ولم أكن في هذه الوقفة رجل دين تصده العقيدة البحتة عن البحث الطليق بل كنت رجل فكر يحترم فكره عن التجديف والتلفيق.
"فإذا وجد سواي هذه الحقيقة التي يحاكم إليها القرآن فإني على استعداد أن أستمع إليه في هدوء واطمئنان".
أقول: لا يحتاج إلى البحث والتنقيب عن حقيقة من حقائق التاريخ أو التفكير ليحاكم إليها القرآن، إلا من يخالج قلبه الشك في كونه كلام الله الذي لا تحوم حوله شبهة الكذب، وبعد استيقان أنه كلام الله يكون البحث في حاجة إلى حقيقة تاريخية أو تفكيرية ليحاكم إليها، تناقضاً لا يقبله منطق الفكر ولعل قبل الحقيقة التاريخية التي لا تعدل الحقيقة الفكرية والتي يقول عنها الأستاذ حسن الزيات في مجلته عدد 816 التاريخ مادته عمل ابن آدم حيوان كذاب لا يقول الحق على نفسه ولا ينقل الصدق عن غيره إلى آخر ما قال في مقالة برأسها عن منزلة ما يسمونه الحقائق التاريخية بالنسبة إلى الحق وأحسن كل الإحسان.
وأنا لا أقول هذا القول كرجل دين تصده المقيدة البحتة عن البحث الطليق،
بل رجل عقل ومنطق بصدائة عن التناقض المستحيل ويحترم دينه وعقيدته في ضمن احترام العقل والمنطق، وليس رجل الدين في الإسلام من يكون في واد والعقل والمنطق في واد آخر، بل هذا الرجل أشد تمسكاً بالعقل والمنطق من غيره كما يتبين قارئ هذا الكتاب، حتى إني أرى الأستاذ قطب الذي يقول في مقالته المارة الذكر: (إن الذهن البشري خليق بأن يدع للمجهول حصته) دون رجل الدين في تقدير العقل الذي لا يلتبس عليه المحال بالممكن، قيمته فهو أقول قسطاس في الفصل بينهما وليس له أن يدع للمجهول حصته في هذا التمييز. وما دام يعرف هو أي العقل حدود الممكن والمحال بمبادئه الأولى التي فطره الله عليها ففي إمكانه أن يدرك بسهولة ما يصلح لأن يكون متعلقاً لقدرة الله وهو جميع الممكنات التي لا حد لها ولا حصر وما لا يصلح له، وهو ينحصر في أمور معينة مستحيلة يعرفها العقل بالبداهة الفطرية كجميع النقيضين ورفعهما والدور التسلسل فالعقل المقيد بقوانينه الخاصة مهما كان طليقاً فليس له أن يكون أداة شبهة في المقيدة الدينية المعلقة بالقرآن الذي هو كلام الله، إلا أن ينطلق غارقاً في قوانينه نفسه فهو أي العقل الحر في دائرة قوانينه الخاصة حسب المسلم نبراساً في إنارة طريقة إلى أصول المقاصد الدينية. ولذاقال خضر بك أستاذ السلطان محمد الفاتح العثماني وأستاذ المحقق الخياليً أيضاً صاحب التعليقات الدقيقة على شرح العلامة التفتازابي للعقائد النسفية، في قصيدته النونية الكلامية:
وواقع كل من نص الصدوق به من كان كصراط أو كميزان
فقصص القرآن كلها ومشاهد القيامة المذكورة في القرآن كلها ما دامت من الممكنات وما دام الله قادراً على جميع الممكنات – كما هو مقرر في علم الكلام – فلا وجه لصاحب العقل وصاحب الفكر الحر أن يتردد في قبول ما ورد في القرآن منها كما ورد.. فلو عرف الأستاذ قطب هذه الحقيقة الوجيزة التي يتضمنها بيت خضر بك،
حق قدرة ولا القرآن الذي هو كلام الله حق قدرة ولا سعة حدود الممكنات التي يدخل جميعها تحت قدرة الله حق قدرها.. فماذا يكون معنى قداسة القرآن التي يعترف بها الأستاذ قطب؟ وماذا يكون الفرق بين كلام الله وكلام البشر؟ أم القداسة المعترف بها للقرآن لا تبلغ مبلغ أن يكون كلام الله؟
فهذه النقطة المنتهي إليها الكلام هي منبع جميع المشكلات والشبهات في موقف القرآن التي تنتاب أفكار المصريين من كتاب مصر وعلمائها بعد أساتذتهم وإمامهم الشيخ محمد عبده والتي تختلف شدة وخفة باختلاف أشخاصهم ، أو قل إن شئت: بالنسبة إلى شدة إيمانهم بالشيخ وضعف إيمانهم بالقرآن!... وإذا فكرت وتعمقت في التفكير فأدنى شك في قداسة القرآن وأقل استعاد لصدقه في جميع ما نص عليه ....... على أنه شك في كونه كلام الله بدلا من كونه كلام محمد، ثم يتعدى الشك نبوته صلى الله عليه وسلم بل نبوة جميع الأنبياء فيرتكز فيها بل يتقوى ويتحول إلى النفي البات بإنكار المعجزات التي هي شواهد نبوتهم وقد اشهر هذا الإنكار من كتاب مصر وعلمائها المصريين، حتى ظن الدكتور توفيق الطويل مدرس الفلسفة بجامعة فاروق أن ابن خلدون شذ فاعترف بالمعجزات من غير تأويلها بما يخرجها عن كونها خارقة لسنة الكون، مع أن جميع علماء الإسلام متفقون قبل ابن خلدون وبعده في الاعتراف بها من غير تأويل.. وليس الشذوذ في ابن خلدون المعترف بل في الأستاذ الإمام المؤول، إذ التأويل كما يخرج المعجزات عن كونها خوارق، يخرجها أيضاً عن كونها معجزات ولا يغرنك قولهم: ( إن المعجزات غير القرآن شبهة لا حجة) أنهم يعترفون بمعجزة القرآن باعتباره معجزة عقلية وإنسانية وخارقة – وقد سبق منا شرح قولهم هذا – كما أن ذلك الاعتبار الخاص منهم بالقرآن تستر في إنكار معجزة القرآن، وهم ملاحدة مستبطنون كما وصفهم الأستاذ فريد وجدي بك – متظاهراً باستثناء نفسه من بينهم
ص 331
في قوله الذي أردده كثيراً في هذا الكتاب، لا مجاهرون، وإلا فإعجاز المعجزة ليس إلا في خرقها لسنة الكون.. ولابد أن تكون معجزة القرآن كذلك.
وعند ضم إنكار المعجزات التي هي شواهد صدق الأنبياء في دعوي نبواتهم، إلي عدم تصديق القرآن في كل ما حكاه عن الأنبياء و غيرهم، كما علم القارئ من رسالة الفن القصصي في القرآن.. ثم تجريد النبي في التعريف الذي ذكره الشيخ محمد عبده له، من خواص النبي المعروف في الإسلام- لاسيما من أخص خواصه الذي هو الوحي و سياتي بحثه في هذا الكتاب- ثم إنكار وجود الملائكة الذين ملك الوحي منهم و تاويلهم بالأرواح و القوي.. ثم النظر إلي اجتماع هذه الإنكارات في الشيخ – يكون الإنسان معذوراً في سوء ظنه بدين هذا الشيخ الذي هو أستاذ و إمام عصر الفتن الدينية بمصر و سند مؤلف رسالة الفن القصصي و أستاذه المشرف علي رسالته- سندهما الذي يكاد أن يكون يقيناً، غلي إيمانه بالنبوة . وقد عرفت ماهية هذه الإنكارات عدا إنكار الملائكة و درجة منافاته لعقيدة الإسلام.
أما إنكار الملائكة – ومثله إنكار وجود الشيطان الذي لم يهمله الشيخ أيضاً(1) – فإني لا أقضي العجب من جرأة الشيخ علي هذا الإنكار من غير اكتراث منه بمصادمته لآيات جد كثيرة من القراآن ناطقة بوجود طائفة من عباد الله تسمي ملائكة.. ولا يعنيني زيغ الشيخ و ضلاله في دينه إذا اهتديت أنا وسلم المسلمون من سراية زيغه إليهم.. ولكني يعنيني كل العناية إذا رأيته يجر من ورائه الجيل الحاضر.
____________________
هامش ص331
(1) وفضيلة الشيخ شلتوت عضو هيئة كبار العلماء و منكر وجود الشيطان غير مبتكر في هذا الضلال بل تابع الأستاذ الإمام.

إنتهي الهامش
________________________________________________________________________________
ص 332
من مثقفي المسلمين الذين سحرتهم شهرته في التجديد و لم تكفل لهم ثقافتهم بالتمييز بين الحق و الباطل من الجديد.. وقد كان الإسلام القديم يسمي الحادث بدعة و يأخذ حٍذره في انتقاء النافع منه لا يغره كل ما هب و دب، ولا يقول لكل جديد لذة.
قال الشاعر:
لكل جديد لذة غير أنني وجدت جديد الموت غير لذيذ
فإن لم تُجٍد عتابي بوزن مبتدعات الشيخ محمد عبده في ميزان التحقيق، ما تستحقه من الاهتمام و الالتفات في الجيل الحاضر بمصرلانفلات أزمة عقولهم إلي تقليد الشهرة الواصلة إليهم من الغرب و الشرق... فسيهتم بها الجيل الآتي إن شاء الله و هو شهيد علي أنى قد بلغت.
نصوص كتاب الله علي وجود طائفة من عباده
تسمي الملائكة
وهي جمع ملأك علي الأصللأن الهمزة متروكة بكثرة الاستعمال.. فلما جمعوها ردوها. وهو مقلوب مألك من الألوكة بمعني الرسالة.. سُموا به لكون الطبقة العالية منهم رسلا بين الله و الناس . وقد اختلف علماء الإسلام في المفاضلة بين الملائكة و البشر، لكن الراجح تفضيل رسل البشر علي عامة الملائكة، والدليل علي هذا الترتيب مذكور في الكتب الكلامية.
وعلي كل حال فهم يوصفون بما يوصف به ذوو العقول و الحياة يتلقون القول ويقولون و يخاطٍبون كما يخطبون لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون ولا
ص 333
يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون .وأول شاهد علي ما قلنا تسميتهم بالملائكة التي هي بمعني الرسل، وقد قال الله تعالي: مثني و ثلاث و رباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله علي كل شئ قدير"(1)
والمراد من الرسول في قوله تعالي في سورة التكوير: " إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثَم أمين و ما صاحبكم بمجنون و لقد رآه بالأفق المبين" – جبريل عليه السلام، وفي وصفه بذي قوة مانه آخر عن تأويله بالقوة، وإلا كانت للقوة، قوة.. ومثله قوله تعالي في سورة النجم:" علمه شديد القوي ذو مرة فاستوي و هو بالأفق الأعلي ثم دنا فتدلي فكان قاب قوسين أو أدني فأوحي إلي عبده ما أوحي ما كذب الفؤاد ما رأى" لأن المراد من هذا المعلم الشديد القوي أيضا جبريل.. فهلا تصلح القوي التي أول بها الشيخ محمد عبده الملائكة، أن توصف بالتعليم؟
ولا ينحصر تعبير القرآن عن الملائكة بالرسل فيما ذكرناه، قال" ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشري قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حينئذ فلما رأي أيديهم لا تصل إليه نكرهم و أوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أُرسلنا إلي قوم لوطا.. ولما جاءت رسلنا لوظا سئ بهم و ضاق بهم ذرعا و قال هذا يوم عصيب و جاءه قومه يهرعون إليه و من قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله و لا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق و إنك لتعلم ما نريد قال لو أن لي بكم قوة أو أوى إلي ركن شديد قالوا يا لوط إنا رسل
____________________
هامش ص333
(1) كنت قرأت في ( منبر الشرق) الأغر لرجل يكتي الفينة بعد الفينة: أن ما في كتب التفسير من الملائكة ذات الأجنحة حديث إسرائيلي لا أصل له. فلعل الرجل لا يقرأ كتاب الله أو لا يعول عليه تعويله علي أقوال الأستاذ الإمام.
إنتهي الهامش
________________________________________________________________________________
ص 334
ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ... ألخ" وفي هذه الآيات دلالة ظاهرة علي ان الملائطة مستعدون للظهور في غير صورتهم الأصلية كما ظهر المرسلون منهم إلي قوم لوط في صورة أناس من الشبان الحسان.
قمن سولت له نفسه إنكار وجود الملائكة و تاويلهم – من غير داع – بغير ما نعرفه نحن المسلمين و عرفنا القرآن أى القوي و الأرواح، ومن غير اكتراث بما في تأويله من إلغاء جميع ما جاء به كتاب الله للملائكة من الأوصاف الكثيرة المختلفة التي لا تنظبق علي غير ذوي العقل و الشعور و الحياة، مثل " عباد مكرمون" و " الملائكة المقربون" و " الملائكة يشهدون" ويسبحون بحمد ربهم و يؤمنون به و يستغفرون الذين آمنوا" و " الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم، ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون" و " يخافون ربهم من فوقهم و يفعلون ما يؤمرون"و " لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون" و " لا يشفعون إلا لمن ارتضي و هم من خشيته مشفقون"... وجميع مافيها من صيغ الجمع جممع العقلاء و الضمائر ضمائر العقلاء_ فهو كل (1) مجنون مصاب في عقله إن لم يكن مصاباً في دينه(2)
____________________
هامش ص 334
(1) جواب " من سولت له نفسه" في صدر الكلام.
(2) مفرطا في احترام نصوص الله في كتابه.. وليس بشئ ما يقوله أصحاب هذا المفرط المفترون بمقرراته مثل الطالب الجامعي صاحب الرسالة الممقوتة و أستاذه المشرف علي رسالته: " ان إيمان المؤول بكون أقوى من إيمان المستسلم بنصوص القرآن في القصص وغيره من غير تاويل، فأى الإيمانين أقوي من رجلين يؤمن أحدهما بوجود الملائكة المذكورين في كتاب اللهبأوصاف مختلفة لا تنطبق إلا علي الكائن الحي العاقل فيؤمن بوجودهم طبق ما ورد في الكتاب من غير حاجة إلي تاويل بغيرهم عما ورد، ولا يؤمن أحدهما بوجودهم إلا بتأويل بغيرهم إلي حد انه ينفيهم، كأن قدرة الله لا تسع إيجاد المنصوص عليهم بعينه لكون المؤول الغافل بظنه محالا عقليا كما قال الله تعالي:" بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه و لما يأتهم تأويله كذلك كذب الذن من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين".
إنتهي الهامش
ص 335
وهل لا يخاف منكر الملائكة قول القرآن:" ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب و لكن البر من آمن بالله و الملائكة و الكتاب المبين" وقوله " آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه و المؤمنون كل آمن بالله وملائكته و كتبه و رسله" وقوله:" ومن يكفر بالله و ملائكته و كتبه و رسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا".
فهذه الآيات صريحة في كون الإيمان بالملائكة من أركان الإسلام، معدوداً في صف الإيمان بالله و كتبه و رسله و اليوم الآخر.. والشيخ محمد عبده وأستاذ مصر الحديثة ساه عن هذه الآيات المروعة أو لاه. وقد أدهشني مما كتب الطالب الجامعي المار الذكر دفاعاً عن رسالته في الفن القصصي وأسوة بإنكارالأستاذالإمام كثيراً مما جاء في القرآن، قوله المنشور في مجلة" الرسالة " عدد 750 عن إنكار الملائكة الكاتبين لحسنات الإنسان الملازمين لجانبه الأيمن و الكاتبين لسيئاته الملازمين لجانبه الأيسر: " هل تري شيئاً من هؤلاء الملائكة مهما طال نظرك إلي جانبيك" كأنه يتهكم أو يعاند قوله تعالي:" وغن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون" وقوله: " ولقد خلقنا الإنسان و نعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد إذ يتلقي يتلقي المتلقيان عن اليمين و عن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد".
والذين لا ينكرون وجوود الملائكة بحجة أنهم لم يروا أحداً منهم إلي الأن فسيندمون " يوم يرون الملائكة لا بشري يومئذ للمجرمين، هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً قل انتظروا إنا منتظرون" يندمون " إذا دكت الأرض دكا وجاء ربك و الملك صفا صفا" وأما نحن فلا نؤول من هذه اللآيات إلا مجئ الرب لتنزهه عن الأوصاف الجسمانية كالحركة و السكون و نؤمن بما عداه كما ورد، من غير تاويل.
________________________________________________________________________________
ص 336
آيات الملائكة في كتاب الله كثيرة جدا(1) لا تنحصر فيما ذكرته بمناسبة الرد علي أصحابفتنة الفن القصصي في القرآن الذين جرأهم علي إيقاد نارها أقوال الشيخ عبده مقبل اثنتين و أربعين سنة في الخروج علي نصوص كتاب الله فنبذوها وراء ظهورهم و تمسكوا بأقوال الشيخ. ولهذا فإني بعد حدووثها و تبين ما يعتمد عليه محدثوها و مؤيدوها عند دفاعهم عنها، طتبت مقالة وصوبت حملاتي فيها علي الشيخ المذكور و أرسلتها إلي مجلة " لواء الإسلام" ثم سمعت أن صاحبها سعادة أحمد حمزة بك يأبي نشرها قائلا: " أنا لا انشر مقالة في مجلتي ضد الشيخ محمد عبده" وهذا علي الرغم من أنى كنت تلقيت من سعادته وهو متاهب لتأسيس مجلته، خطابا يبدي رغبته في مقالاتي، وكنت يومئذ كتبت جوابا أنصح له فيه وأذكر نوع مجلة دينية تحتاج البلاد الإسلامية في أعصرها الأخيرة، ما لا أدري ما بدا لي فكففت عن إرسال هذا الجواب إليهواكتفيت بحفظه عندي.. إلي أن كتبتٌ مقالتي في نقد مبادئ الشيخ محمد عبده وأرسلتها إل مجلة لواء الإسلام فلم تحظ بالقبول فتبينت منه إصابتي في عدم إرسال مقالة النصح و تبين أنه لواء الإسلام الذي يهمه الأسماء و الأهواء أكثر من الإسلام نفسه، فقد يقوم واحد من علماء مصر يحارب العلماء ويتجرأ علي تغيير مبادئ الإسلام المعروفة عند المسلمين ويقول إن وجود شئ في القرآن لا يقتضي صحته، فيجيز له هذا اللواء ذلك و لا يجيز أن يتجرأ أحد علي المتجرئ.
وإني قد رأيت أن أنشرها هنا مقالة النقد علي الشيخ و المقالة التي كتبتها جوابا لخطاب صاحب اللواء المتضمن طلب مقالات مني لنشرها في لوائه و التي كتبتها ثم لم أرسلها.. رأيت نشر المقالتين هنا بادئا من ثانيتهما ليحكم القارئ بيننا ثم يحكم الله و هو خير الحاكمين.
____________________
هامش ص 336
(1) وهناك حديث مسلم و أبي داود والترمزي و النسائي عن عمربن الخطاب: " الإيمان أن نؤمن بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الأخر و بالقدر خيره و شره ".
إنتهي الهامش
ص 337
المقالة التي كتبتها جوابا علي خطاب سعادة الأستاذ أحمد حمزة بك ثم عدلت عن إرسالها إليه:
حضرة الأستاذ الكبير صاحب مجلة لواء الإسلام الغراء
تحية و تكريما ثم مباركة عطرة لأثركم الخطيروسؤالا مرفوعا إلي الله تعالي أن يؤيدكم بتوفيقاتهإنه سميع قريب مجيب.
وبعد فإن مصر المحروسة لم تعدم ذوى همة من القادرين في العلم و الأدب و المالي تتابعوا بعد أن وضعت الحرب أوزارها في وضع الكتب و إصدار الصحف و المجلات، بل سابقوا وضع الحرب أوزارها بوضعهم ذاك، كما لم ينقص هذه الموضوعات في جملتهم ما ينحو نحو الدين و يعني المسلمين. لكن أعظم الواجب في التأليف و الإصدار أن يسد فراغا محسوسا ويقضي حاجه ملحة من حاجات الزمان ، فهل قام بهذه المهمة من ناحية الدين أحد المؤلفين و المصدرين في هذه الأيام الأخيرة؟ ولا أعد من القيام بهذه المهمة في ناحية الدين أحد المؤلفين و المصدرين في هذه الأيام الأخيرة؟ ولا أعد من القيام ها ما كُتب أو يُكتب في هذه الناحية و يهدف إلي التزيد في المعلومات أو الحث الباقيات الصالحات و الردع عن المنكرات، لأن حاجة الزمان في مسألة الدين غير هذا وأهم من هذا.. ألا وهي مسألة الفصل في أمره ووضعه من أساسه إلي الميزان، حتي ينجلي الحكم و الحسم في هل له أصل ثابت يقوم عليه ، كما كنا نحن المسلمين نعتقده غير مدخرين في سبيل الاحتفاظ بهذه العقيدة كل نفيس ورخيص عندنا وشاركنا فيها الجادون من أهلا الاديان الأخري .. أم إنه خرافة من الخرافات يُعد استمرار العاقل في التمسك بها غفلة ورجعية لا تليق بمصر العلوم؟
ولا يقال لي من أين هذا الاحتمال المظلم المتشائم في موقف الدين حتي يلزم أن يحتاج المؤمنون به إلي وضعه فيالميزان ليكونوا علي بينة حاسمة من امره؟ إذ مما لا شك فيه ولا مساغ للتغاضي عنه أن دين الأجيال الأخيرة من المسلمين بل من جميع المنتمين.
( 22 – موقف العقل – أول)
_______________________________________________________________________________
ص 338
إلي الديان أصابه ضعف ظاهر في نفسه يري آثاره أولا في إهمال العبادات أو الاجتراء علي المحرمات المسرفين عن التقصير و التفريط في معاملاتهم مع الله، ثم يري آثار ذلك الضعف في ضياع الأخلاق التي يقوم عليها نظام معاملات الناس بعضهم مع بعض.
ومما يلفت إليه أن هذا الضعف في الناحيتين إن كان يبدو الثاني منهما كثيراً وواضحاً بين الخاصة المثقفة العصريين.. فلا يوجد من يصلي ويصوم فيهم إلا نادراً ولا يُسمع صوت الأذان في دور الوزارات وكليات الجامعة و سائر المدارس الحكومية يدعو الموظفين و المدرسين و الطلاب رسميا إلي الصلاة بالجماعة في مساجدها التي لابد أن تشتمل عليها تلك الدور، والمحافظون علي الأخلاق من الخاصة المثقفة إنما يحافظون أو يتظاهرون بها لئلا يكونوا شر مثال للعامة الذين يحتاجون إلي كونهم محافظين أكثر منهم أنفسهم ليستقر الأمن في المجتمع، بل الواقع أنهم إذا إعترفوا بلزوم الدين نفسه فإنما يعترفون بلزومه للعامة ولا يؤمنون به لأنفسهم، ولا بلزومه للعامة إلا ليكون واسطة إلي حفظ أخلاقهم، فكأنهم أنفسهم ليسوا في حاجة إلي الدين حتي للاحتفاظ بالأخلاق.. مع أن الأخلاق لا تستقيم بلا دين و لا يكون الدين المقصود لغيره دينا صحيحا و لا واسطة يوثق بها في حفظ الأخلاق، كما لا يصح الاعتماد علي دين العامة و صلاحهم، من غير دين في الخاصة و لا صلاح يقوم علي الدين أو بالأصح من غير دين في الحكومة. فعدم الدين في الخاصة المثقفين الذين تتشكل الحكومة أيضاً منهم منشأ كل شر وفساد في المجتمع، والدين مع ضعف وشبهة في العقيدة مساو لعدم الدين. ولا ينفع في معالجة هذا المرض الاجتماعي نشر المقالات الناصحة في الصحف و المجلات إذا كان الفساد في الكتُّاب الناصحين.. هم يكتبون إما لينالوا فيه مكسبا أو ليعمل به غيرهم. ومادامت الخاصة المصريون علي شك في عقيدتهم الدينية غير متثبتين- ويكون أكثر الكتاب.
ص 339
منهم في زماننا – فلابد أن يكونوا متخبطين فيما كتبوا أو غير مأمونين من التخبط، فلا خير للمجتمع منهم ومن العامة التي لابد أن يكون لزيغ الخاصة تأثير فيهم.
فأعظم الواجب لكاتب الزمان في الدين تصحيح عقيدة الخاصة، وحاجة الامم الإسلامية الأولية اليوم ترتكز في الاهتمام بمداواة خاصتهم قبل عامتهم.. حتي إن أخطر مرض إجتماعي في الزمن الحاضر وهو الشيوعية والبلشفة و إن كانتا تاخذان مادتهما و قوتهما من العامة ويتظاهر دعاتها بادعاء أن كل الكسب فيهما للعامة، لكن الرأى و التدبير في نجاح الشيوعية و البلشفية و تمشية نظامهما بعد النجاح يكون التمويل فيهما علي عقول الخاصة الماكرين وهما نفسهما من شباك الصيد الجديدة لهم المنصوبة للعامة و الخاصة.
ولنا أن نقول في تحليل المرض الحاضر إن الخاصة المثقفين كان يوجد فيما بينهم قدما مقصرون في العبادات و المجترئون علي المحرمات، ومع هذا لم يكن مستوي الدين في المجتمع نازلا إلي هذا الحد الذي نراه في الأجيالالأخيرة بعد أن اتصل الشرق الإسلامي بالغرب و أتت منه إلينا مع انواع الملاهي المتنافية مع الدين من ناحية العمل، عقليات أفسدت عقيدة الدين و أصبح تأثير هذا الوباء الثاني ظاهراً في الخاصة المثقفة. فأخذ الذين يكتبوا في الصحف و المجلات ليدلوا الناس بأقلامهم علي الطريقة الحديثة التي يجدر بهم أن يسلكوها ، يضلون طريق الهدي و يحتاجون إلي من يدلهم عليها، وحق أن نقول – كما يقال حاميها حراميها- هاديها معاديها.
وقد سبق قبل أكثر من بضع عشرة سنين أن كتب الأستاذ فريد وجدي بك في ( الاهرام) أن العلم الحديث الذي نجم في الغرب ودالت إليه الدولة في الأرض، قذف بالأديان إلي عالم المتولوجيا( الأساطير) حتي إن الشرق الإسلامي لما اتصل بالغرب و علومه ورأى دينه ماثلا فيها مع سائر الاديان لم ينبس بكلمة، لأنه يري الأمر
________________________________________________________________________________
ص 340
أكبر من أن يحاوله، ولكنه استبطن الإلحاد متيقناً أنه مصير إخوانه كافة متي وصلوا إلي درجتهم العلمية.. كتبه حضرة الأستاذ الذي هو اليوم ترجمان لسان الأزهر و قرأه القراء المسلمون بمصر فلم ينبسوا هو الآخرون بكلمة إلا راقم هذا الخطاب، فإني نبست و ما حبست لساني، كما لم يرعني سلطان دولة العلم الحديث أن انصب من قلمي العربي الأعجمي رقيبا عليه يناقشه الحاسب علي قذفه بديني العزيز إلي عالم الأساطير..
اتخذت كلام الأستاذ هذا – الذي قاله لا حسرة علي الدين بل تلقيناً لليأس علي ناصريه – حجة ضده أردد ذكرها في كتبي عند كل مناسبة و أندم الأستاذ في سره ألف مرة علي ما قاله و إن لم تكن الندامة علي فرطاته عادة له.
وقال الأستاذ حديثا – بالنسبة إلء قوله الأول – في مقالة نشرها في مجلة ( الرسالة) " صرح علماء القرن الثامن عشر والتاسع عشر بأن عهد الدين انقضي و ان بقاءه علي الأرض مرتبط ببقاء السذاجة العامية، فإذا نشر العلم رواقه علي العامة زال الدين كما يزول كل ما ليس له أصل ثابت يقوم عليه"(1).
ولا يستطيع الأستاذ أن يعتذر عن هذين القولين اللذين نقلناهما، بأن ذكرهما حكاية للحالة الواقعة ثم ذيل كلا منهما بما يراه لتلافي ما فات.. لأن ما ذكره في ذيليهما من هذا القبيل – وقد سبق نقله بنصه – لا يغني فتيلا عنه، وبعيد كل البعد أن لا يدركه الأستاذ، لكنه الدس الذي لا يتركه – كما ذكره أيضا فيما ذكره مع قوله الأول، عازيا إلي نوابغ الكتاب و الشعراء في البلاد الإسلامية المستبطنين للإلحاد.
الحاصل أن نوابغ الكتاب العصريين في الشرق الإسلامي – والأستاذ منهم - إن كتبوا عن الدين فإنما يكتبون فتا في عضده ودسا للشر في خيره، ولا خير للدين.
____________________
هامش ص 340
(1) وحول هذين القولين اللذين نقلتهما أقوال أخري للأستاذ نفسه تماثلهما كففت عن نقلها هنا اكتفاء بأنى اشتغات بنقلها في غير هذا الخطاب.
إنتهي الهامش
ص 341
فيهم، فهم ليسوا من أنصاره. و إني اقتصرت الكلام عن موقف الدين و مركزه الحاضر في قلوبهم على أقوال كاتب واحد هو الأستاذ فريد وجدي بك باعتبار أنه كاتب مجلة الأزهر و خطيب منبره في عهد شيوخه الأربعة الأخيرين. فإذا سمعنا انقطاع الأمل عن بقاء الدين في غير قلوب العامة السذج الجهال و زواله عن قلوبهم أيضاً عند بسط العلم رواقه على الجميع، كما يزول كما ليس له أصل ثابت يقوم عليه فماذا نؤمل من الخير للدين فيما نسمعه من الكاتبين الكرام بعد كلام كاتب الأزهر. و سبب كل ذلك أن هؤلاء الكاتب يريدون أن يمشوا وراء العلم الحديث الذي أذَّن مؤذن بينهم أنه لا يعد الأديان إلا أسطورة من الأساطير، و لم ينكره الباقون عليه.
ولعل سعادتك تقول لي: ما بالك في اقتصار الكلام عن موقف الدين على ما سمعته أو تسمعه من الكتَّاب و لو كان في طليعتهم كاتب مجلة الأزهر، و على علم هؤلاء الكتّاب الحديث الذي هو داعيهم عن الانصراف عنه؟ أليس هناك علماء الأزهر و علومهم المؤيدة للدين و على رأسها علم أصول الدين المسمى بعلم الكلام؟
و جوابي عليه: ماذا تقول سعادتكم أنتم إذا كان حضرة الأستاذ رئيس تحرير مجلة الأزهر نفسه قاضياً لهذا العلم في مجلته قائلاً: " فإذا كان في الأرض دين تأبى طبيعته أن ينشأ فيه علم الكلام فهو الإسلام. ثم إن الأستاذ محمد صبيح الذي نشر في الماضي القريب كتاباً عن الشيخ محمد عبده مسمى باسمه، يقول في ذلك الكتاب إن الشيخ لم يبق على علماء الأزهر و علوم