Advertisement

2 موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين

موقف العقل والعلم والعالم
من رب العالمين
وعباده المرسلين
تأليف: مصطفى صبري
شيخ الاسلام للدولة العثمانية سابقا
الجزء الثاني
الطبعة الثانية
1401هـ - 1981م
دار احياء التراث العربي
بيروت – لبنان

فهرس
الإشارة إلى بعض المباحث المهمة
التي ينطوي عليها هذا الجزء من الكتاب
ـــــــ
الباب الأول في إثبات وجود الله 3
عنوانه المعبر عنه في علم الكلام " إثبات الواجب " 3
مسألتان قبل الدخول في صميم هذا الباب . الأولى هل للدين أساس من الصحة وهل يهم الإنسان درس ذلك ؟ 4
القضاء على فكرة الديانة الراسخة في فطرة الإنسان يعده بعض الناس في العصر الحديث من تمام تحرير البشر 4
هل يصح إيمان المرء بالدين احتياطاً 5
من مؤسسات المدنية الحديثة شركات التأمين على الحياة فهل في ذلك ضمان على حياة الناس حقيقة ؟ 6
لاشيء يعدل الدين مما يعمد الأخلاق كالقانون والعلم ، حيث لا يؤثر القانون في الباطن وتأثير العلم أدبي بحت مع كون تعميم الدين أسهل من تعميم العلم 7 -8
اختلاف الخاصة في العقلية الدينية عن العامة قد حفر حفرة هائلة بين طبقات الأمم أعمق وأخطر مما بين الفقراء والأغنياء . فالعامة تلبي الدعوة الشيوعية وتنتهب أموال الأغنياء ومع ذلك لا ينجو من الفقر وأسر الخاصة . والرأسمالية التي كانوا يشكون من أسرها قبل البلشفة تتمركز بعدها في الحكومة ثم يكون أسرها أشد وسلطتها أقوى من أسر وسلطة الرأسماليين المتفرقين 10
العقل الذي يمتاز به الإنسان على غيره من طبقات الموجود الطبيعي يتطلب من صاحبه أن لا يتفانى في الطبيعيات بل يُفْرِزَ من أثمن أوقاته – مهما كانت مشغولة – قسطا للتفكير في منشأه ومصيره .. فمن يأكل ويشرب ويمشي في مناكب الأرض الذلول ويشتغل نهاره في معاشه وينام ليله مستريح الجسم فراغ البال من دون فحص عن أصله ومنشأه ومُنشئه ، مدَّعِياً استغناءه عنه واستغناء العالم الذي أتاه بأرضه وسمائه ونجومه ، أو يعيش على شك في أمره غيرَ حاصل على بينة منه فهو لقيط وإن عرف أباه وأمه ، وإن شئت فقل لقيط أبويه 14-15 .
المسألة الثانية المقارنة بين الإسلام والنصرانية 15
في الغرب نزاع وجدال بين العلم والدين ناشيء من خصوصية دين الغربيين وليس في الشرق هذا النزاع إلا في قلوب مقلدي الغرب الذين لا يعرفون الإسلام رغم أنه دينهم 18 .
يجب تفريق النصرانية إلى صفحتين الأولى النصرانية التي جاء به سيدنا المسيح من الله تعالى ولا مناوأة بينها وبين الإسلام الذي لا يفرِّقُ بين أحدٍ من رسل الله .
وثانيتهما النصرانية المبتدعة بعد المسيح وفيها التثليث وإصعاد المسيح فوق مرتبة النبوة ، والفلاسفة الغربيون مع كونهم مسيحيين لم يتصدوا للنظر في النبوة ولم يعتبروها من المطالب الفلسفية وأفاضوا في بحث وجود الله ولم يتكلموا في وجود النبي وعدم وجوده كلمة ، في حين أنهم تكلوا أيضاً في الحياة الآخرة 19 .
والمسيحي الذي يرى عدم اختلاف دينه بالعقل يقول تعليلاً لنفسه إن الدين فوق العقل . فلما صار العقل عندهم مسلوب الكرامة ومخفوض الصوت إزاء الدين سهل عليهم أن يستهينوا به في غير المواقف الدينية أيضاً فيُحلّوا الأدلة العقلية محلا دون الأدلة التجريبية وتبعهم أصحاب الثقافة العصرية من المسلمين 20 .
لم تقتصر نكبة الاستهانة بالعقل والمنطق في سبيل المحافظة على الديانة المسيحية على الإسلام خاصة وعلى الاديان عامة وفيها المسيحية نفسها ، ضرورة احتياج كل دين سماوي إلى الدليل العقلي في إثبات وجود الله الذي هو غير منظور كما قال الأستاذ فرح أنطون الذي ناظر الشيخ محمد عبده ... فانتشر الإلحاد بين عقلاء البلاد ، ومنهم نوابغ الكتَّاب والشعراء في الشرق الإسلامي الذين أفشى أستاذ رئيس تحرير مجلة الأزهر استبطانهم الإلحاد , ولم تقتصر نكبة سقوط العقل عن صدارته في دولة العلوم ، على الأديان بل تأثرت منها الفلسفة نفسها فاستُخف أولا بفلسفة ما وراء الطبيعة القريبة الصلة بالدين ثم استخفت بالفلسفة مطلقاً فلم تعتدَّ من العلوم وصُرف اسم العلم عن مسماه واحتُكر فيما لا يستحقه أكثر مما يستحق 20 .
في فلاسفة القرون الوسطى المسيحيين من جعلوا الإيمان مقابلاً للعقل واعتبروه فوق العقل حتى إن الفيلسوف " كانت " ينفي الإيمان بوجود الله مع إثبات الإيمان به ويقول إن الإيمان على الأكثر يكون أقوى من العلم ، في حين أن علماء الإسلام قائلون بأن الإيمان غير المستند إلى العلم عرضة للتزلزل بتشكيك مشكك 23 – 24 .
مسألة التثليث في المسيحية 25 – 46
المسلم ينكر ألوهية المسيح ، والمسيحي ينكر نبوة محمد ن فأي من الطائفتين تظلم الأخرى ؟ 26 .
يقول الأستاذ فرح في دفاعه عن المسيحية ومقارنتها بالإسلام " إن تفاضل الأديان يجب أن يكون مبنيا على ما فيها من الآداب والفضائل لأن هذه أساس الشرائع والأديان . وفيما عدا ، فجميع هذه لأديان متشابهة ، لأن مبادئها وأصولها مشتركة وهي غير معقولة " 27 – 28 .
مسألة المرأة في الإسلام وفي المدنية الغربية 30 .
يقول الأستاذ إن القول بأن الدين دين عقل قول يناقض لكل دين وكل عقل لأن العقل مبنى على المحسوسات ولا يعرف نواميس غير نواميسها والدين مبنى على الغيب" 32.
والأستاذ يرمى جميع الأديان فى أصولها ومبادئها المشتركة بعدم المعقولية وهو طعن فى الأديان يعد إبطالها فانظروا من الأستاذ المدافع عن النصرانية سوء نظره فى الأديان مطلقا، فماذا حاجته إذن إلى تأويل ما فى دينه من التثليث وبنوة المسيح لله البعيدين عن العقل؟ 34.

يقول الأستاذ مخاطبا لمناظره: " إن الدين فى غنى عن دفاعكم ودفاعنا ونحن ننزهه عن أن يحتاج إلى الدفتع لأن ذلك بمثابة الدلالة على ضعفه وإذا ضعف الدين فماذا يفيده دفاعنا ودفاعكم" وهو يتكلم بالنظر إلى النصرانية التى هى دينه ودين الأمم المتغلبة اليوم على الأرض. وإنى فى موقف يذوب له القلب من كمد، حيث أظل إزاء استغناء الأستاذ عن الدفاع عن دينه المحتاج إلى الدفاع، فى حاجة ملحة إلى الدفاع تجاه الأستاذ فرح أنطون فقط، بل أكثر منه تجاه المسلمين المثقفين العصريين الذين انجذبوا إلى أمم الغرب الأقوياء ولكنهم لم يقتبسوا قوة من قوتهم وإنما اقتبسوا ضعفا دينيا من موقف دينهم الضعيف المحتاج إلى الدفاع 36.
إقرار الأستاذ ضد الأديان حجة قاصرة على دينه الذى هو المسيحية 38.
الأمور المعتقدة فى الدين التى عددها الأستاذ من إله غير منظور ونبوءة غير منظورة، ومعجزة وآخرة وحشر وسؤال وحساب وثواب فى الجنة وعذاب فى النار... عددها وأنكر عدم معقوليتها لعدم محسوسيتها.. فإنى أرى معقولية كل ذلك إجمالا بمعنى أن العقل يعترف بإمكانها عامة وبوجوب وجود الله خاصة.
(31- موقف العقل- ثان)
والأستاذ لا يتكلم عن علم وإحاطة بما يحاول أن يرمى به الأديان فلا يتعين تماما أنه يرميها بمخالفة العقل أو الحس أو بمخالفتهما معا 40.
مسألة التثليث وقياس الأستاذ إياه على القول بتعدد صفات الله 43.
ليس معنى كون الآلهة الثلاثة فى النصرانية إلها واحدا أن كلا منها جزء الإله والإله الحقيقى مجموع الثلاثة، بل معناه أن كلا منها إله حقيقى تام الألوهية حتى إنه متصف بالوحدانية اللزمة للإله الحقيقى 45
عقيدة التوحيد التى كانت تعتقد فى فلسطين منشأ النصرانية، لما رفضت فى مجلس الرهبان بإزنيك لعدم اقترانها بأكثرية الأصوات قرروا على قبول عقيدة التثليث المركبة من الإشراك والتوحيد وهى عقيدة النصرانية الحاضرة المؤدية إلى خلاف دائم فى الغرب بين العلم والدين يجعل العلم مستخفا بالدين والدين مستخفا بالعلم 46
مسألة بنوة المسيح لله 46
تعريض الأستاذ فرح بتعبير القرآن عن المسيح بأنه:" رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه" 46-47
مسألة تجسد الله فى المسيح فى العقيدة النصرانية. فالمقتول هو المسيح الله لا المسيح الرسول ولذا كان قتله ثمنا كافيا للعفو عن ذنوب البشر 49
العفو عن الذنوب فى الإسلام 49-50
قول الأستاذ إذا وجد اعتراض على تسمية أبناء الله التى وردت فى الإنجيل فعباد الله التى وردت فى القرآن لا تسلم من الاعتراض، وجوابه 52
لا يدافع عن النصرانية مؤمنا بأنه يدافع عن الحق وإنما يحاول إسقاط الإسلام بل الدين مطلقا فى نظر العقل والعلم ولا يتجنب فى سبيل إسقاطه إسقاط النصرانية أيضا. وأكبر دليل على عدم صداقته للأديان اقتراحه التصالح مع مناظره على أن يختارا بعض الآيات من الإنجيل والقرآن ثم ينبذا بعد ذلك بلطف ما بقى من الكتابين، ثم يتفقا مع مناظره على الدعوة إلى دين ليس فيه معجزة رلا نار بل كله إخاء عام ومحبة مطلقة لجميع لجميع بنى آدم 53-54
ما أشبه هذا الاقتراح من الأستاذ المدافع عن النصرانية، بإلغاء الأستاذ فريد وجدى بك لآيات المعجزات والحساب والعذاب بنار جهنم باعتبارها متشابهات غير مفهومة ولا مطلوبة الفهم 55
ثم انتهى نقاش الأستاذ فرح أنطون الدينى فى أن يقول: " وإذا كان يرجى فى المستقبل وصول البشر إلى محجة الكمال فإن هذا لا يكون إلا بالعلم ووضع الدين جانبا، ويعنى به العمل بفضائله وتغطية ما بقى منه بستار مقدس. وهذا ديانة الأستاذ فرح أنطون ومبلغ صداقته لكتاب النصرانية وكتاب الإسلام 56
ولينظر القراء كيف يرمى الأستاذ عن قوس الشاعر محمد إحسان المصرى القائل مدحا للعلم وقدحا فى الدين.
قام فى الناس نبى إنما شأنه ليس كشأن المرسلين
وحد الناس وقد فرقهم كافة الرسل على مر السنين
إلى أن قال:
آمنوا بالعلم دينا وهدى ليس بعد العلم للأفهام دين
وترى الأستاذ فرح قد يتغلب عليه داء الرياء فينسى شغفه بالعقل والعلم فينحاز إلى جانب الدين ويعيب العقل والعلم بالعجز وعدم المسايرة بالفضيلة 62.
وهذه ضربة الأستاذ فرح قد يتعلب عليه داء الرياء فينسى شغفه بالعقل والعلم فينحاز إلى جانب الدين ويعيب العقل والعلم بعد ضربته على الدين بقبول مناوأته العقل وهو مقلد الغرب فى كل هذه الأفكار، وقد سهل له هذا التقليد كونه مسيحيا مثل الغربيين. أما حصول هذه العقلية المفرقة بين الدين والعقل ثم بين العقل والفضائل فى أصحاب العقلية العصرية من المسلمين، مثل الأستاذ فريد وجدى بعد انحياز الرأى العام فى المناظرة الجارية بين الشيخ محمد عبده وفرح أنطون، إلى جانب الأستاذ، فذلك تقليد للمقلد المسيحى وغفلة مضاعفة ناشئة من الجهل بالإسلام وسلامته من الاصطدام بالعقل وسلامة عقله من التهكم على الفضائل 63.
الذين نناقشهم فى مسألة الدين والعقل والعلم ينكرون أولا وجود سند للدين من العقل والعلم ثم يرجعون معترفين له بسند العقل بعد أن استبانوا قيام الدليل العقلى على وجود الله..وهذا يفهم من احتياجهم إلى إدعاء عدم كفاية الدليل العقلى فى إثبات المسائل العلمية. فيكون آخر دعواهم أن الدين لا يستند إلى العلم وإن استند إلى العقل، ويحدث من هذه دعوى أخرى وهى أن العلم لا يثق بالعقل المحض المجرد عن التجربة 66
فأمامنا درس عدة مواقف موقف العقل من الدين وموقف العلم من الدين وموقف العلم من العقل ثم إن الموقف الثالث يستجلب النظر فى مسألة هى هل أساس الدين يعوز الدليل التجربى؟ فيحصل موقف رابع إضافى جدير بالدرس والنظر وهو موقف التجربة من الدين 66-67.
المطلب الأول موقف العقل من الدين، وفيه إثبات وجود الله بالدليل العقلى 67.
ظن الأستاذ فرح وأضرابه من أدعياء العلم العصريين بمصر أن من لا يعترفون بوجود الله من علماء الغرب يتكئون على العقل والعلم ومن هذا يصير الإلحاد مذهب العقل والعلم مع ان كل ما يقوله الملاحدة من علماء الغرب المحدثين أن وجود الله لا يثبت بالتجربة التى تدور عليها ثقة العلم الحديث. وهم عند دعوى حصر اليقين العلمى فى المحسوسات يحاولون تنزيل قيمة العقل المحض ليتوسلوا به إلى تنزيل قيمة الاستدلال بوجود الكائنات على وجود الله. فالعقل إدن أكبر نصير لمسألتنا 67.
من حسن حظنا فى موقف المعارضة للملاحدة أن يكون العقل معنا ندافع عنه ويدافع عنا فلو لم يكن لنا إلا كوننا فى موقف الدفاع عن العقل وخصومنا فى موقف الحط من شأنه لكفانا 68.
لا يخفى ما فى كلام الأستاذ من الاضطراب الدال على أنه لا يتكلم عن علم وإحاطة بما يحاول أن يرمى به الدين: هل يرميه بمخالفة العقل أو الحس أو بمخالفتهما معا. وكان أصل دعواه أن الدين لا يتفق مع العقل، لكنه عند إثبات هذا المدعى خلطه بمخالفة أصل دعواه أن الدين لا يتفق مع العقل، لكنه عند إثبات هذا المدعى خلطه بمخالفة الحس 69.
كفى موقفه سخافة وركاكة أن يحتاج إلى الاستهانة بالعقل بينما هو يعيب الدين الدين بعدم معقولية أساسه 70.
ان الكائنات من أصغرها إلى أكبرها ومن أقربها منا إلى أبعدها مع ما فيها من النظام والترتيب والتشكيل البديع المحير للعقول، آثار وأفعال.. فهل من اللزم الضرورى لها من فاعل مؤثر مدبر أم أنها أفعال بدون فاعل وآثار بدون مؤثر؟
فذهب الإلهيون إلى الأول والملاحدة إلى الثانى وهو عدم وجود فاعل مؤثر لهذه الأفعال والآثار. وحجتهم أنهم بحثوا عن خذا الفاعل الموجد للعالم الذى يسميه المؤمنون: الله فلم يجدوه 73.
السبب في كونهم لم يجدوه أنهم ما بحثوا عنه بعقولهم، إنما بحثوا عنه بعيونهم أو أنهم بحثوا بعقولهم وكانت ضعيفة فأخطأت فى التفكير 73-74.
وكأني بالملا حدة الضعاف العقول فى بهت وحيرة من عدم رؤية الموجد ومن عظمة الأثر المستوجبة فى موجده ما يحير العقول ضعفاءها وأقوياءها من القدرة والإحاطة العلمية بحيث يفتن الناظر ويقوله: من يقدر على إيجاد هذا الأثر العظيم؟ فالأولى ان لا يكون له موجد!! 74.
هذا العالم الذى يحتاج وجوده إلى غيره لا يمكن أن يقضى حاجته هذه من داخله، لشمول الإمكان الذى هو رمز الحاجة جميع أجزائه فيلزم وجود موجود آخر غير محتاج ليقضى حاجة العالم المحتاج 76.
كيف ينكر العقل والعلم وجود الله بحجة أنه لا يُرى فى حين أنهما لا يريان أيضا وإنما يُعرفان بآثارهما 78.
مسألة كون موجد العالم الطبيعة 79.
بل نقول للملاحدة وللأستاذ فرح: كنتم لا ترتابون فى وجود المادة،فهل أنتم رأيتموها؟ 80.
لا يجوز انحلال المادة إلى القوة ولا تكونها منها كما فى الرأى الجديد 81.
بل نقول طريق إدراك المحسوسات والحكم بوجودها عين طريق إدراك الله حكم بوجوده لأن التى نراها بأعيننا من الكائنات ونلمسها بايدينا هى الصور الذهنية للأشياء نفسها 83.
لولا الاستدلالات التى تعودنا من غير شعور بوقوعها فى الأكثر لسرعتها واعتيادها لما كان من حقنا الحكم بوجود الأشياء فى خارج الذهن. فانظر إلى غفلة المزدرين بالاستدلال العقلى الجاعلين كل الأهمية للاحساس، لولا الاستدلال لما كان الاحساس احساسا 85.
ثم انا نزيد فى نقاش الخصم الى لا يعترف بوجود الله لعدم كونه منظورا ونتقدم مرخلة أخرى فى الاقدام عليه فنقول إنك لا تبصر أى شىء، ولا تدرك وجود ما أبصرته إلا وتدرك كعها وجود الله، فإن كنت فى فلة من هذا فالعقل يقضى بذلك 86.
فعند تحليل الاحساس تحليلا علميا، لا مندوحة عن الاعتراف بوجود الله الذى هو خالق الادراك فينا كلما أحسسنا شيئا من احساساتنا المختلفة. ولأجل كون الانسان يفعل ما يفعله من أفعاله العادية غير عالم بتفاصيلها، ذهب علماء الكلام من أهل السنة إلى أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. والاحساس أيضا من هذا الفعل 87.
الحاصل أنه لو لم يكن موجودا فلا وجه للاحساس ولا للمحسوسات. وفى هذا إرغام لنفاة الله بناء على عدم كونه محسوسا بالبصر وللقائلين باحتياج إثبات وجود الله الدليل المحسوس لأن الله عند التحقيق يثبت قبل ثبوت وجود المحسوسات 88.
فللمحسوسات دلالة على وجود الله غير المحسوس مرتين 89.
من لطيف الغرائب أن يكون فيلسوف من أكبر فلاسفة الغرب مؤمنا بوجود الله غير المحسوس وغير مؤمن بوجود المحسوسات رغم الذين يرون الايمان بوجود الله غير معقول لكونه غير محسوس 89.
قياس الاسلام بمقياس المسيحية وتقليد الغرب فى كل ناحية أعتبره ابا مقدمة ضعف الشرق الحديث فيرى من يحاول نصر دينه ان انصار الديانة فى الغرب يسعون لاضعاف منزلة ازاء العاطفة فيسعى هو له مثلهم ولا يفكر فى ان أهل الدين هناك يلجأون إلى ذلك لأن دينهم أقام بينهم وبين العقل حاجزا من عقيدة التثليث ولا يفكر أيضا فى أن قيمة العقل لا تنزل أبدا وأن الاسلام فى غنى عن طلب المحال لتقوية نفسه 91.
المتعلم المصرى لا يعنى بالفهم والتفكير عنايته لحشر المعلومات فى ذاكرته 91.
وكما أن موقف العقل من الاسلام غير موقفه من الاسلام غير موقفه من دين الغربيين كذلك موقف العلم يختلف فى نظر كل من الفريقين وهذا على الرغم من أن عقلية المثقفين منا ثقافة عصرية تتفق فى موقف العقل والعلم مع عقلية الغرب الدينية، لكون مكتسباتهم العلمية كلها مترجمة من تأليفات علمائه، فالدين منبوذ العقل عند ملاحدتهم والعقل منبوذ الدين ومبغوضه عند تأليفات علمائه، فالدين منبوذ العقل متساندان فى الاسلام. لكن الجيل المتتلمذ منا على الغرب فى غفلة من هذا يستخرج ملاحدتهم من العقل عدوا للدين غير مغلوب ويتأسف المتمسكون بدينهم لضعف العقل وعدم كفايته دليلا يقوم عليه الدين.. ومنشأ الغلط لكل من هذين الفريقين تقليد فريق من الغرب الل دينى أو الغرب المسيحى 92.
والعلم فى معناه الحديث يختص بما يعتمد على التجربة الحسية ويعد أقوى مما يعتمد على دليل العقل. وبهذه العقلية يخرج الدين من ساحة العلم لكونه خارجا عن متناول التجربة ونحن نحارب هذه العقلية فى هذا الكتاب محاولين قلع جذورها من أذهان المتعلمين الجدد 92.
نقد ما كتبه الأستاذ كاتب " نحو النور" فى الأهرام 93-94.
نقد كلمة الأستاذ الأكبر المراغى شيخ الجامع الأزهر التى ألقاها على البعثة الأزهرية إلى أوروبا مودعا لهم ومطلا من نافذة القطار الذى سيُقل أعضاء اليعثة معادرين القاهرة 95-104.
الكلام على منهج الشك الذى يدور فى ألسنة الكتاب والمؤلفين بمصر منسوبا إلى الفيلسوف ديكارت 89-102
اذا كان أعضاء البعثة شدوا الرحال إلى الغرب لينكروا كل ما تعلموه فى الازهر على قول كاتب جريدة السياسة فويل لهم وويل لمصر منهم 105.
برهنة العقل على وجود الله 106
التنبيه قبل المشروع فى هذا البحث على فروق فى موقفنا بالنسبة إلى موقف الغربيين الدينى وفلاسفتهم 106.
قد يظن بعض الغافلين منا أن عناية الغرب بالدليل التجربى ناشئة من كونه أقوى من بالدليل العقلى. ويتلو التالى توقع الحصول على هذا الاولى غافلا عن عدم إمكانه وعن عدم كونه أولى وأفضل لو أمكن. وكل هذه التغفلات وقع فيها الاستاذ فريد وجدى 106.
وربما يغر الاستاذ ومن حذا حذوه فى تلك الغفلات قصر التسمية بالعلم فى عرف الغربيين على العلوم المستندة إلى التجربة ونقل ذلك العرف إلينا وقبوله كأنه عرف فى الاسلام أيضا: وهو خطأ فاحش لم يلفت إليه قبل نشر هذا الكتاب 107.
كون الغرب تسود فيه العناية بالتجربة فله أسباب: منها أن التجربة رغم عدم بلوغها مبلغ الدليل العقلى فى اثبات الوجوب والضرورة لمدلولها ، فهى كثرة النفع والانتاج فى أمور الدنيا يُعمل بها ويعتمد عليها عند استجماع شروطها وان لم يكن نتيجتها فى مرتبة الوجوب والضرورة، فهى تكفى للعمل إن لم تكف للعلم الذى لم تكف للعلم الذى نعنى به المعرفة القطعية الضرورية المستحيلة الخلاف. مع أن الغرب خص هذا الذى يكفى للعمل ولا يكفى للعلم بلقب العلم ومع أن "كانت" سعى لمنح هذا العلم الذى لا يستحق هذا اللقب تمام الاستحقاق، درجة الضرورة أيضا 108.
وسبب السبب، لما ذكرنا عن الغربيين، وعلمائهم أنهم دنيويون قبل كل شىء وعمليون، وهم بعيدون من أن يطلبوا العلم للعلم ذاته وان كانوا لا يتخلفون من ادعاء ذلك أيضا، حتى إن دليل كانت الذى اختاره لاثبات وجود الله يرمى إلى محافظة الأخلاق التى يحتاج إليها صلاح الدنيا بواسطة الاقتناع بوجود الله 107-108.
لا أغالى فى تفسير عقليات الغربيين بما يتهمهم. فقد قال سنتياتى من فلاسفة " قصة الفلسفة الحديثة": " أن عقيدة الانسان قد تكون خرافة وهى خير ما دامت الحياة تصلح بها ولاح الحياة خير من استقامة المنطق" 109:
وقال اسبنسر لا بد أن تخضع مبادىء الاخلاق للايجاب الطبيعى فى تنازع البقاء فلنقبل من الاخلاق ما يلائم الحياة ولنرفض منها ما يعترض سبيلها ومجراها 110.
ان الغربيين بما يرون بين العقل والدين من المنافاة يمضى تاريخ أفكارهم الفلسفية بين محاياة للدين ومتابعة العقل رغبة فى الحصول على اليقين. ويرى قراء الفلسفة الغربية بمصر هذه السجال الحربية الصاعدة والازلة بين العقل والدين من غير تنبيه من ناقليها من الغرب إلى الشرق، إلى اختصاص هذه الحالة بدين تلك البلاد 111
فعلماء الغرب المسيحيون يسعون لتنزيل مرتبة العقل فى الوصول إلى الحقيقة مدافعة عن دينهم تجاه ملاحدتهم المتمسكين بالعقل، فى حين إنى أدافع عن مرتبة العقل عند المدافعة عن الدين 111.
أما ملاحدتنا فمتراوحون بين فريق يجهل الفرق بين دينى الغرب والشرق ويتمسك بالعقل عند الازدراء بديننا كملاحدة الغرب، وفريق يعرف ان الاسلام يتفق مع العقل ولا يقاس بالمسيحية فيتمسك فى محاربته الظاهرة أو الخفية ضد الأديان مطلقا وفيها الاسلام، بالعلم المبنى على التجربة ولا يخضع الا لحكمة مستهينا بالعقل والمنطق اللذين نستمدهما فى تأييد أصول ديننا.. ومن العجائب أن هذا الفريق من ملاحدتنا يستفيدون من مساعى أنصار الدين المسيحى للحط من نفوذ العقل الذى لا يفق مع دينهم فيستخدم هؤلاء السفهاء من امسلمين ليعتنقوا الالحاد، ما استخدم متحمسو النصارى للفاع عن دينهم، والقارىء الشرقى المسكين يقف مشتت البال أمام الأفكار التى ينقلها سماسرة الغرب منا لى الشرق 112
وقد ترجمت فيما مضى فلسفة اليونان قبل فلسفة الغرب ولم يكن فى ذلك الوقت سماسرة من الناقلين يروجون الغث والسمين من بضائع اليونان وانما المترجمون فقط ولم يكن لا سيما سماسرة منا نحن المسلمين، ولا عقول مستعارة نقلت مع البضائع المنقولة، فأخذنا منها ما ينفعنا ورددنا ما يضرنا على أصحابه وحاججناهم فحججناهم، فلو قارنتم ما فعله علماء الاسلام عند عرض الفلسفات اليونانية عليهم وكان لها زخارفها وجدتها المغرية، ولكن كان لهم الآخرين استقلال عقلهم... لو قارنتم ما فعل السلف من علمائنا مع فلسفة البونان، بما فعل الخلف مع فلسفة الغرب لوجدتم الفرق بين قوة السلف وضعف الخلف هائلا 112-113
الجواب على قول اسبنسر: " أما الدين فخير له أن يترك هذا العقل العنيد الذى لا يطمئن إلى غير الحجة المنطقية" وقوله: " قل للعلم ان يكف عن اثبات الله أو إنكاره فليس اللهوت ميدانه الذى يصول قيه ويجول. وقل للدين أن يكف عن مناشدة العقل لأنه لا يستقيم

بداية صفحة 491
مع نهجه فى التفكير ، تر الدين والعلم متصافحين لكل منهما حلبة مجال " 122-124
ليس كسبنا من فلسفة الغرب الواصلة إلينا بأيدى سماسرة من المغرضين أو حاطبى الليل من المترجمين طروء الشك فى عقائدنا الدينية فقط بل اختلال موازيننا العقلية أيضا وتزلزلها من أساسها 124
الجواب على قول أصحاب "قصة الفلسفة الحديثة" : " فقانون التناقض الذى يقول المنطق الشكلى القديم ،ذلك القانون الذى يقرر أن الشئ يستحيل أن يكون وأن لا يكون فى آن واحد ، يجب عليه الآن أن يزول من أجل حقيقة هيجل العليا التى تنسجم فيها المتناقضات والتى ذهب إلى أن كل شئ يكون موجوداً وغير موجود 124-128
السبب الذى دفع هيجل إلى هذه الفلسفة المتجننة 128
تأييد الأبحاث العلمية الحديثة لفلسفة هيجل الهدامة ناشئ من انحصار العلوم الحديثة وانحباسها فى التجربة المقفرة من معالم اليقين 128
منشأ الإفلاس الأخير فى فلسفة الغرب طغيان التجربة على التفكير العقلى السليم. فلما كان السائد فى فلسفة الغرب الحاضرة تفضيل الأدلة التجربية على الأدلة العقلية لحاجة لا دينية فى نفوس ملاحدتهم وحاجة دينية فى نفوس متدينيهم قضاها كل من الفريقين فى الابتعاد عن العقل ، زال اليقين الضرورى من الوجود وتردّت قيمة العلم إلى مأدون ذلك 129
لكن مسألة وجود الله الذى هى مسألة إثبات الواجب ماثلة أمامنا ناقضة لهذه الفلسفة العقيمة المسكينة ، فأصحابُ الفلسفة الحديثة الغربية المجانين إم أمكنهم تنزيل قيمة أية حقيقة ثابتة عن مرتبتها الائقة من الضرورة ، فلا يمكنهم تنزيل قيمة وجود الله عن درجته العليا 129-139
بداية صفحة 492
المقصود من هذا الكتاب ليس تثبيت عقيدة دينية إسلامية فقط بل تثبيت عقلية متزنة يُسدِّد بها المسلم المتعلم طريقه فى نظره الفلسفى إلى الكون 139
نموذج من فلسفة الغرب المنقولة إلى العربية يتصارع فيها العقل والدين ويكون من يريد الانتصار لأحدهما فى حاجة إلى أن يفت من عضد الآخر ويكون القارئ المسلم مغلوب العقل مع عقل ومغلوب الدين مع دين الغرب لغير ما سبب فى ذلك سوى التقليد الغافل مع اللفت إلى نقاط منها هامة تحتاج إلى اللفت ويحتوى كل منها محلَّ عبرة عظيمة لأولى الأبصار منا نحن المسلمين 140-154
إطراء مركز كانت الفلسفى بين فلاسفة الغرب كلما اعتقده أصحاب "قصة الفلسفة الحديثة" 140
من فولتر إلى كانت 142
أخذت العقيدة فى فرنسا تتقوض وتنهار لكن الهجمة العنيفة التى سددت نحو الدين فى عصر التنوير لم يطل أمدها فليس من اليسير أن تزحزح إيمانا يحمل معه التفاؤل والأمل قد مد جذوره فى أفئدة الناس ، هيهات للعقل أن يقتلع بعاصفته هذه الدوحة الراسخة المتأصلة ، ولهذا لم يلبث الإيمان – الذى ظن العقل أنه قد طاح به ومحاه – أن عاد وشك فى أهلية القاضى الذى حكم عليه بالزوال 142-143
لقد مهد لوك وبركلى وهيوم الطريق لهذه المحاكمة التى نريدها للعقل فنادى جان جاك روسو : إن الثقافة أقرب إلى الشر منها إلى الخير وإننى لأصرح فى يقين أن التفكير مناقض لطبيعة الإنسان وأن الرجل المفكر هو حيوان سافل ، إنه لخير للناس ألف مرة أن يطرحوا هذا العقل وأن يعمدوا إلى رياضة القلب والمحبة 146
وجد كانت فى روسو رجلا يريد أن يشق لنفسه طريقاً يفلت به من الإلحاد فأراد هو أيضاً أن يتصدى لهذه المهمة وينقذ الدين من العقل وأن يخلص العلم من الشك فكانت هذه رسالته 147
بداية صفحة 493
يختلف موقفى فى هذا الكتاب عن موقف عظيمين من فلاسفة الغرب رغم اتحاد الغاية التى أريد الوصول إليها ويريدانه أيضاً والتى اتخذناها جميعاً المهمة الكبرى وهى إنقاذ الدين من الإلحاد ، فهما يريدان فى سبيل هذه الغاية إنقاذ الدين من العقل فيستهينان بالعقل وأنا أريد إنقاذ العقل من استهانة المستهينين لأتمسك بأدلته المنطقية فى إثبات وجود الله 147
قال أصحاب الفلسفة الحديثة لقد حان الوقت لنحاكم القاضى ( أى عقل ) على يد " كانت " وأنا أقول : إن من يحاول محاكمة القاضى لفى حاجة إلى العقل وهو حسبه منبهاً على أنها محاولة فوق حد المحاول 146-150 .
الذين تكلموا ضد العقل اتكاؤا على أدلة خطابية لا تنهض فى المقاسات اليقينية وربما على أدلة دون الخطابيات فإذا كان العلم يذهب بالإنسان إلى فساد الأخلاق والعقل إلى الإلحاد فهل لنا إذن أن نفضل عدم العقل وهو الحمق أو الجنون على العقل والجهلَ على العلم فنكون حمقى لأن نؤمن بالله ورسله ونظل جهالا لأن نكون من خيار الناس ؟ 150 .
أما قول أصحاب القصة " ولقد أراد كانت أن ينقذ الدين من العقل ويخلص العلم من الشك فكانت تلك رسالته " ففيه أن هذه الرسالة لابد أن تكون فاشلة وليس بصحيح ولا ممكن إذا كان العقل خصما لأى دين ، إنقاذ ذلك الدين من تلك الخصومة وإن كان المنقذ هو الفيلسوف كانت . وحديث خلاص العلم من الشك على يد هذا الفيلسوف شبيه بخلاص الدين من العقل 151-152 .
علماء الغرب الذين خسروا العقل حينما اختاروا الدين قد خسروا الأشرفين معا بعدم إصابتهم فى اختيار الدين وهذا مع كونهم المثل الأعلى فى تقدير الدين قدره حتى ضحوا بعقولهم فى سبيل التمسك بدينهم وإن لم يكن الدين الحق .. أما سفهاء الشرق الإسلامى الذين يستهينون بالعقل تقليدا للغربين فهم المثل الأعلى فى عدم تقدير الدين
بداية صفحة 494
قدره لكونهم يتنازلون عن عقولهم لا للاحتفاظ بدينهم بل ليتنازلوا عن دينهم المتفق مع العقل 153 .
من نظر فى الأديان وكان له عقل وبصيرة وشئ من الخبرة بتاريخ الإسلام أصبح لا دينيا إن لم يكن مسلما .. وخصيصا لا يكون مسيحيا . فعقلاء الغرب فى اعتقادى ورجال حكومهم لادينيون ، وعداوهم للاسلام ناشئة من عداوة الدين لامن مسيحيهم ويدل عليه عدم خصومهم للاحدة المسلمين خصومتهم للمسلمن. فلو كانوا مسيحيين حقيقة لعدوا للمسلمين أقرب اليهم من اللاحدة حتى من ملاحتهم أنفسهم، كما أنا نعد أهل الكتاب أقرب الينا من المشركين ومن اللادينيين من كل أمة 154.
لايتم البحث الموضوع فى مدخل إثبات وجود الله إلابعد التمريض لدفع شبهة وقع فيها عالم كبير مترجم مطالب ومذاهب واستخرجها من كون الله تعالى فاعلا مختارا فى خلق العلم بالنتيجة فى ذهن العالم بالمقدمتين للقياس المنطقى أعلى الصغرى والكبرى قال هذا العالم الكبير فى المقدمة القيمة التى وتثبيتهم العلم العادى أنه ليس فى علم البشر ضرورة مطلقة منطقية !! 156 .
إثبات وجود الله بدليله العقلى المعروف 165 .
مسألة وجود الله ليس طريق وضعها موضع الدرس أن يقال هل الله موجود وإنما طريقه أن يقال هل يوجد موجود يجب وجوده أم يكون كل موجود ممكن الوجود لا واجبه كالعالَم المشهود الذى كان فى الإمكان أن لا يكون موجودا ؟ 165 .
هذا الكون المسمى بالعالم الذى هو دليل وجود الله يلزم لأن يقوم بدوره دليلا على قضيتنا نحن المؤمنين هذه ، أن يكون وجود العالم نفسه ممكنا أى مسلوب الضرورة عن وجوده وعدمه بأن يكون له قابلية للحالتين على السواء فلا موجب له من نفسه أن يكون موجودا أو معدوما .
بداية صفحة 495
ومثل هذا الموجود الذى ليست له ضرورة الوجود لا يكون موجودا إلا بإيجاد موجود آخر ضرورى الوجود فعدم الضرورة فى وجود هذا الكون المشهود هو حجر الأساس لإثبات وجود الله – 165 – 167 .
لكن الدكتور محمد غلاب أستاذ الفلسفة فى الجامعة الأزهرية قال نقلا عن ليرو تلكيذ الفيلسوف برغسون عند الكلام على برهان ديكارت : " ويضيف الموسيو ليرو إلى المآخذ الأربعة المتقدمة مأخذاً خامساً وهو أن أساس هذا الدليلى الطبيعى هو أن العالم ممكن وهذا شئ غير مسلّم لأنه لا يبدو لنا شئ من الكائنات ممكنا إلا ما نجهل صلته ببقية الأجزاء الأخرى للكون ولو انكشفت لنا هذه الصلات لرأينا أنه واجب يستحيل تخلفه " والدكتور غلاب نقل هذا القول من غير تعليق عليه 167 – 168
الموجود على نوعين موجود وجوده غير ضرورى له يمكن الانفكاك منه وموجود وجود ضرورى لا يمكن انفكا كه منه 169
لإثبات وجود الله طرق متعددة اشهرها طريق العلية المعروفة عند المتكلمين ويسميها الغربيون الدليل الكيانى 170
من مبادئ الذهن المدبرة له أن لكل حادثة علة 171
الاستاذ فى طريقة المتكلمين لإثبات الواجب إلى استحالة الرجحان من غير مرجح استاذ فى المعنى إلى مبدأ العلة 173
علماؤنا المتكلمون لم يدونوا المبادئ الأولى 173
إنهيار الدليل الذى أقمناه لإثبات الواجب إن كان هذا العالم المحسوس غير موجود وكانت حواسنا تغالطنا 149
العاقل يدرك وجود الله كما يدرك وجود المحسوسات أعنى أن إدراك وجودها ليس أقوى من إدراك وجوده 176
بداية صفحة 496
كيف يكون وجود الله ضروريا مع عدم الضرورة فى وجود هذا الكون الذى نسميه العالم ونبنى وجود الله على وجوده ؟ 177
إثبات وجود الله يتوقف فى مرحلته الثانية على بطلان التسلسل كما يتوقف فى مرحلته الأولى على بطلان الرجحان من غير مرجح 180
مسألة التسلسل وإبطاله 178 – 202
بطلان ماادعاه الشيخ محمد عبده وشذ فيه شذوذا بعيدا من أن كل ماقيل أو يقال فى إبطال التسلسل فعبارة عن أوهام وخيالات كاذبة 181
إيضاح البطلان المتصور فى تسلسل العلل غير المتناهية بتصويره فى تسلسل العل المتناهية 183
تمثيله بسلسلة الأصفار غير المتناهية الممتدة إلى جانب اليسار 184
وتمثيله بسلسلة استقراض جنيه ذهبى معيَّن ينتقل إلى يد المستقرض من مقرض قبله مقرض وقبله مقرض . إلى مالانهاية له .. فإذا لم تكن نهاية أو بالأولى بداية لهذه السلسلة الممتدة فى جانب الماضى صاعدة من مستقرض إلى مقرض فلا وجود لهذا الجنيه 174 ، 198 .
التمثيل بسلسلة الواقفين المستندين بعضهم إلى بعض 186 -190 .
نعود من المثال إلى الممثل 191 .
الحاصل أن التمسك فى تعليل وجود أى موجود بسلسلة العلل الممكنة الوجود من غير انتهاء إلى العلة الواجبة الوجود وإن كان يكفل فى الظاهر لكل معلول مندرج فى السلسلة علة لكن هذا فى الحقيقة ترك كل معلول فى السلسلة بلا علة . وحيث لا يوجد معلول من غير وجود علته فلا معلول ولا علة ولا سلسلة مؤلفة من المعلولات وعللها .. وإنما كل ذلك فى أوهام المتخيلين . فكانت السلسلة عبارة عن تعليقات
بداية صفحة 497
مجرد يتوقف الحكم بوجود معلقاتها على وصول الذهن إلى نهاية السلسلة التى لا نهاية لها . إذ لم يقض أى فرد من أفراد تلك المعلقات حاجته إلى علة وجوده ودامت هذه الحاجة مستمرة منتقلة من معلقٍ وجودُه بمعلق . إلا أن الذهن لما عجز عن تعقيب هذه الشياء المعلق وجود كل منها بوجود ما قبله ، تخلى عنها وخُيل إليه كأن السلسلة تمتد إلى ما لا نهاية له . وفى الحقيقة لا وجود للسلسلة ولا لأى جزء من أجزائها ، ووجود كل منها كوعد لا إنجاز له إلا بوعد مثله . ومادامت هذه التعليقات لا تنتهى فلم يتقرر ولم يتحقق وجود أى جزء من السلسلة . فهذه الأجزاء اللامتناهية لا يقال عنها إنها موجودات بل مرشحات للوجود كالأصفار المحضة المنتظِرة لعدد صحيح بجانبها اليسر ليُفيض عليها القيمة والحياة انتظارا لا نهاية له أيضا 191 – 192
سلسلة العلل الموجودة متناهية وسلسلة العلل اللامتناهية غير موجودة ، والغافل يظنها موجودة مقضية الحاجة إلى الموجد بفضل عدم تناهى السلسلة الذى هو محل النزاع . ولو كان عند الغافل ما يكفيه من العقل يعلم أن ما لا يوجد متناهيا – وتبين ذلك من تطبيقنا الأمر على سلسلة ذات عشرة أجزاء – فعدم وجوده غير متناه أولى .. وليس ما خيل غليه من عدم تناهى السلسلة إلا تغطية لعدم وجودها . والعارفون بالحقيقة لما لم يمكنهم الغوص فى أعماق اللانهاية ليُيظهروا ماهية هذه السلسلة الوهومة فى اعين الذين تخيلوا لها الوجود وإمكانَ الوجود راجعوا طرقا أخرى لإبطال التسلسل ووضعوا براهين عديدة كبرهان التطبيق وبرهان التضايف تقريبا لبطلانه إلى الأذهان . ومع هذا فبعض الغافلين لم تنفعهم البراهين ايضا 194 – 195
انظر معجزة العقل الحر إزاء عجز العقل التابع للتجربة العاجزة عن تعقيب سلسلة غير متناهية لا وجود لها غلا فى الخيال . فالعقل الأول لا يتردد فى غبطال التسلسل حاكما بعدم وجود السلسلة اللامتناهية التى يختلقها التسلسل ، من غير أن يحتاج فى حكمه إلى
(32 – موقف العقل – ثان )
بداية صفحة 498
اختبار السلسلة اللامتناهية المستحيلة المستحيل . والعقل الثانى يعجز عن اختبار السلسلة اللامتناهية فيتردد فى إبطال الباطل ويخطئ فى قبول التابعية للتجربة العاجزة ... معجزة العقل القادر على إبطال التسلسل الناطقة بكون العقل أقوى وأفضل من التجربة الذى جعلنا إثباته من أعظم مقاصد هذا الكتاب .. يتجلى حصول هذا المقصود العظيم فى ضمن السعى لكسب قضية من أعظم القضايا التى يمتاز هذا الكتاب بحلها ، أعنى بها إبطال التسلسل ، فينجى هذان المقصودان العظيمان للأعين فى وقت واحد متصلين بعضهما ببعض 202
الفيلسوف رونووى يه يؤيد مذهب علمائنا المتكلمين فى شرط استحالة التسلسل 203
برهان التطبيق المعروف بين المتكلمين لإبطال التسلسل 203 – 204
اعتراضات كانت على أدلة وجود الله العقلية النظرية 205 – 211
ديكارت وكانت 211
لفت النظر إلى خطأ الرأى العام الثقافى بمصر فى تلقى فلسفة هذين الفيلسوفين الكبيرين 211
قول ديكارت العظيم إن الله مبدأ العلم كما أنه مبدأ الوجود 212
مسألة الشك الشائعة ومووقف ديكارت الصحيح منها والكلام على فلسفته القائلة بقدرة الله على المستحيلات 213
جاء ديكارت فألغى ثنائية العقل والإيمان الموجودة فى فلسفة القرون الوسطى المتأثرة من النصرانية ، باطراح الإيمان وإعادة حقوق العقل إليه وخلصه من الحسبانية قاضيا على الشك بسلاح مأخوذ من الشك فابتدأ به دور جديد 215
حقيقة ما عُزى إلى ديكارت ولم يُفهم بمصر إلى الآن كما هو حقه ، من مسألة الشك حتى فى الحقائق الرياضية 219 - 220
بداية صفحة 500
كانت الحسبانية مرضا مستوليا على فلسفة اليونان فأصبح الحال فى فلسفة الغرب كذلك ، فقد قال كانت إن جعل ماوراء الطبيعة كان ولا يزال خيالا طبيعيا ولد فى روح الإنسان 235
أقدم أدلة الحسبانيين تناقض آراء البشر وتصادمها ومن ذلك استُخرج مبدأ التناقض وإن كان إفراغه فى شكل الدستور تأخر إلى عهد أرسطو 237
كان القضاء على الحسبانية الولى بفضل الأقطاب الثلاثة سقراط وأفلاطون وأرسطو لاسيما سقراط الذى هزم الحسبانيين بمبدأ التناقض توجيها لسلاحهم هذا على أنفسهم . وكان أرسطو يقول : " إذا كان روح الحسبانى لا تقرر على شئ ويؤمن بما قاله ولا يؤمن به أيضا فكيف يمتاز مثل هذا الإنسان على النبات ؟ " 238
الرواقيون افيقانيون 239 – 241
ترجيح الرواقيين اليقين العقلى الثابت بالبرهان على اليقين الحسى رغم كونهم ماديين مفرطين جدير بأن يتخذ اصلا لما نجده فى فلسفة ديكارت وتلاميذ مدرسته من أن اليقين العقلى أعلى رتبة من اليقين الحسى ودليل على دقة الرواقيين 239 – 240
إن الله جسم نارى عند الرواقيين 241
أخذ فلاسفة الغرب قديمهم وحديثهم ، مؤمنوهم بالله وملاحدتهم أكثر ىرائهم من فلاسفة اليونان .. فحسبانيتهم من حسبانيتهم وإيقانيتهم من فحسبانيتهم من حسبانيتهم وإيقانيتهم من يقانيتهم الرواقية .
وأخذ منهم علماؤنا المتكلمون من غير وقوع فى أوحال الحسبانية وجسمانية الرواقيين 241 – 242 .
ثم نُكست فلسفة اليونان مرة ثانية بداء الحسبانية بعد الرواقيين فكانت تُنتقد إيقانيتُهم وإيقانيةُ الإيكوريين وكان يبرون ومِن بعدِه بقرنٍ آرئه سيلاس ومن بعدع بقرنين كارنه آد أشهر زعماء الحسبانية فى ذلك العهد الذى كان جميع المذاهب الفلسفية تنتهى إلى الحسبانية حتى ان معارضيها ايضا كانوا يؤيدونها بمذهبهم التدريبى 242 .

الصفحة 501
وكان يجيب آرئه سيلاس عن اعتراض الرواقيين علي الحسبانية بأنها تسلب إمكان الحياة فيقول إن الحياة العملية تعتمد علي شبه الحق . وفيه نظر 242.
وهذا المذهب أعدل مذاهب السفوسطائية وأوفقها بأسم الحسبانية ويسمي الأحتمالة أيضا 242.
كان يقول كانه آد : (( إن الأنتقال من الحق إلي الباطل يحصل بدرجات غير محسوسة ، فلها لا يدرك الفرق بينهما 243 .
كان مذهب شبه الحق خطوة في الرجوع إلي الاإيقانية فتولدت منه الإيقانية التلفيقية ، وقد أسسها آنتيوكوس 243.
ثم ظهرت الحسبانية مرة أخري في العصرين الأولين من ميلاد عيسي عليه السلام 243.
كان يقول آغريبا : (( إن التصورات العقلية تثبت بإعانة الشهودات والشهودات تثبت بإعانة التصورات وهو دور )) 244.
ويقول سكتوس أميريكوس : (( هل قرار الحقية من أختصاص إنسان واحد أو من اختصاص الجميع والعلة والمعلول متضايقان فيكونان مع بعضهما في الذهن وفي الوجود لا قبله ولا بعده فكيف يعرف أن هذة علة وذاك معلولها مع احتمال العكس؟) 244.
إلا أن يقبل كوننا قد باغناه من منبعه الأزلي فهذا هو الحل الأخير الذي قبله يلوتن إسكندراني والذي اعدته الحسبانية . قال : (( إن معني تأمبل القلب نفسه في حده الأخير اتحاده مع المبدأالأعلي الذي هو مصدر كل وجود وكل حق )) 245
وقال : (( كان أرسطوا قد فهم أن قيمة البرهان بفضل مبادئه الموهوبه غير المبرهن عليها . فمبدأ اليقين الأنسلاخ منا والأتحاد مع الله ولولا ذلك لبقيت ثنائية القلب والعين والذهن والخارج والإدراك والوجود التي لاتفتأ تهدد وتمنع اليقن ، وهذا الانسلاخ يحصل
صفحة 502
بتهذيب النفس بالعلم والفضيلة . فالإيقان لطف سماوي خاص ببعض النفوس المنتخيه (1) 245 .
وعندي أن هذة طفرة في الأنسان الذي لا يعلم شيئا إلي الإنسان المتحد مع الله الذي يعلم كل شئ 246.
وما الفلاسفه القدماء والشرقيون منفردين في الحيرة بشأن مسألة المعرفة ، ومثلهم الغربيون القائلون : إن الإنسان يعرف الشؤون ولا يعرف ذا الشؤون . والعالم علي رأي الفلاسفة الفكريين الذي يسود مذهبهم اليوم في الغرب ومعهم علماء النفس ليس غير ما بناه ذهن كل واحد منا في نفسه ، ولولا الإدراك لانتفي العالم حتي قال تن : (( الإدراك برسام ولكنه برسام صادق )) 246 .
وعندي أن هذة النظريات نفسها برسام ولكنها برسام كاذب . والحق أن مرتبة الإدراك مرتبة عالية ومع هذا فالله قادر علي أن يخلق الإنسان من طين أو من ماء مهين ويجعله يدرك ويوقن من غير أن يصعده إلي مرتبة الألوهية .. فمقام الإنسان المكرم بالعقل مقام الخلافة عن الله لا مقام الله نفسه الذي لا يقبل الشركة . وقبل يلوتن الإسكندراني الملقب بالأفلاطون الثاني قال سقراط كبير حكماء اليونان ك (( في الإنسان من حيث أوتي العقل نصيب من اللاهوت )) 247.
نعود إلي ما كنا فيه من موقف الفلسفة بعد لجوء مدرسة يلوتن إلي القول بوحدة الوجود تخلصا من الحسبانية وتوصلا إلي اليقين . ثم جاء فلاسفة القرون الوسطي المسيحيون فادخلوا الإيمان ركنا في نظرية اليقين . ثم إتسعت الشقة بين الإيمان والعقل فكان سببا لمعاودة الحسبانية .. إلي أن جاء ديكارت فأعاد للعقل كرامته وفتح عهدا جديدا في الفلسفة وقضي علي الحسبانية 251.
بداية هامش
(1)فتكون وحدة الوجود التي في مذهب الفيلسوف الإسكندراني وحدة خاصة بالعقلاء وأوقات إدراكهم الحق
نهاية هامش
صفحة 503
وكان يظن أنه لا يكون لها بعث فيالغرب ولكن خاب الظن فبعثها هيوم بما هو أدهي مما كان ، فرفع اليقين من الدين والدنيا والعلم . وتسمي الحسبانية المنسوبة إليه الحسبانية الأخيرة 251 .
وكان للإنسان قبل هيوم إيقانه علي الأقل بوجود نفسه فأنكر هيوم هذا اليقين 252
الفلاسفة الغربيون ينتهي أمرهم من الأفراط في التمسك بالتجارب إلي التفاق علي أن علمهم لا يجاوز الؤون والحوادث والفيلسوف هيوم يوفقهم علي هذا اليقين ، فهم يقولون نحن ندري الشؤون ولا ندري ذا ا لشؤون 252 .
ماذا يكون حظ من اصطدم رأسه بالحائط من الإدراك ؟252-253
الدنيا علي ما قال كانت تدور حول النفس الناطقة لا أن النفس الناطقة تدور حول الكائنات 254
فالصورة المستفادة من كتب الفلسفة وعلم النفس أن أكثر الفلاسفةاليوم غير مستيقنين بوجود العالم الخارجي وربما صرحوا بنفيه بتاتا ، فكما أنهم تابعون في هذة المسألة لكانت فكانت نفسه تابع لهيوم فهو حسباني مثله . وقد عرفت أن كانت ينكر أيضا وجود الروح فيالخارج حين قال بوجود الإدراك الذي هو من الشؤون دون المدرك والمدرك اللذين من ذوي الشؤون ، والمنك بالفتح في هذين الأنكارين جميع الموجودات حتي إن الله دخل فيه ويدخل كانت نفسه 255-256
وجود العالم في الخارج عند بركلي عبارة عن وجوده في علم الله فهو داخل في صفة العلم لله ، كما أن العالم الذي نشاهده في حالة الصورة الذهنية لنا داخل في علمنا ممثلا للعالم الذي في علم الله . وليس هذا مذهب وحدة الوجود 259
يفترق هيوم عن كانت فينكر العلم زيادة علي إنكار العالم وينكر قوانين العلم لكونها
صفحة 504
مبنية علي التجربة التي منها كثرت وتوالت لا تفيد الكلية الضرورية اللازمة للقانون 261
اهتمام كانت بالعلم وسعية لجعله الحقيقة الوحيدة المنقذة من الحسبانية بعد الرياضيات والنقاط الضعيفة التي في مساعيه 261-272
اختتام المطلب الأول من الباب الأول ، لبيان موقف العقل من الدين ، بقوله تعالي : (( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا من أصحاب السريع )) ونقل كلمات بهذا الصدد عن فلاسفة الغرب والشرق 272-274
المطلب الثاني موقف العلم من الدين 275
إن العلم لا يناوئ العقل ولا يسعه ان يناوئه ولا أن يناوئ ما يؤيده ، ما لم يكن مشوبا بالجهل 275
أما العلوم المدونة فمنها ما يؤيد الدين بتأييد مسألة وجود الله ومنها ما يحايده لعدم دخوله في موضوعه ولا شئ من العلوم يمانع أساس الدين وينكر وجود الله 276
ليس العلم الطبيعي اسما لنزع صلة الكون بالإله الخالق وإسناد التكون إلي الأشياء نفسها وليس بضروري أن يكون علماء الطبيعه الملاحدة بل إنهم الأجدرون أن يعترفوا بوجود الله بالنسبة إلي علماء العلوم الأخري .. والملاجدة من علماء الطبيعة لم يلحدوا بصفة أنهم علماء بسبب أنهم جهلاء مخطئون متخطون حدود علم الطبيعه إلي ما ورائها مع عدم كونهم من علمائه فأخطئوا لما حاولوا فتح تلك المملكة بسلاخ خاص بالعلم الطبيعي وأعني بالتجربة 277-278
كثيرا ما يقع الماديون في خطأ اللتباس بين التجربة والأستنتاج فيستنتجون ويخطئون فيه لعدم كونه من صناعتهم .. ومن ذلك حكم المتمذهبين بمذهب النشوء والارتقاء مثل داروين وأتباعه حكما مبنيا علي ما يكتشف في طبقات الأرض من المستحدثات 279-285
صفحة 505
ماذا تقول في أناس لا يصدقون وجود الله بأدلتهه العقلية المنطقية ثم ترونهم يصدقون كون الأنسان من نسل القرد أو نسل نسله المنقرض بادعاء أن دليل الثاتي وهو التجربة والمشاهدة أقوي من دليل الأول والحال أن نظرية القرد لم يستند قط إلي ما يصح إطلاق اسم التجربة عليه ولا أن التجربة أو أشباه التجربة أفضل من العقل 285
قال كارو : (( لا نثبت أية تجربة ان الحركة التي ترجع الكائنات إليها اليوم ، ابتدأت من نفسها )) 289
وقال شورول : (( يقول الملحد إن الله غير موجود وإنما الموجود في العالم المادة غير العاقلة وقوي لا تنفك منها وهل هو في قوله هذا يتخذ التجربة مبدأ له ؟ كلا بل إثبات الله منطق أوفق للأصول التجريبية منه في نفيه )) 291
وقال أوليورج : (( التجربة الدالة علي وجود القوانين الميكانيكية في العالم لا تدل علي عدم وجود من يدريها ، بل هو أحري بأن يدل علي وجوده )) 293
فإن احتاجت حركة الجسم غير الماكينة إلي محرك فحركة الماكينةة تحتاج إلي محرك ومرتب 294
وقال ديموقراط اليوناني جد الماديين الأعلي الذي وضع المذهب المادي وأولاه باكون المرتبة الأولي بين القدماء وفضله علي أرسطوا في النفوذ الطبيعية : (( علة كل حركة هي الحركة التي تقدمتها إلي غير نهاية )) كأن المسكين استغني عن المحرك الاول بالتوسل إلي التسلسل الباطل خفي بطلانه علي بعض الناس الممدودين من كبا ر العقلاء فتغلب كبر خطئهم هذا علي كبر منزلتهم عند الناس 295
فالفيلسوف ذيمقراط ذهب عنه أن الحركات المتقدمة إنما هي وسائط في انتقال الحركة إلي ما بعدها ، ولابد هناك من محرك أول نشأ منه الحركة بالإصالة . ولعل كانت القائل بإمتناع إثبات وجود الله بالعقل النظري كان من أسباب قوله هذا أنه عدل عن
صفحة 506
فكرة الحركة الميكانيكية للعالم إلي فكرة الحركة القوانية (ديناميك ) فلو أختار الحركة الميكانيكة لرأي فيها الدلالة علي وجود الله ظاهرة . وقد فاته في فكرة الحركة القوانية أنه لا يتشكل بها العالم المنظم 296-297 .
قول فيلسوف شن حربه الشعواء علي النزعة الآلية المادية : (( لقد أسرف علماء المعامل في تقدربير علمهم إسرافا بلغ حد الشطط حتي ذهب بهم الوهم إلي أنهم قادرون علي وضع الكون كله في انبوبة من أنابيب اختبارهم )) 299
كتاب للاستاذ إسماعيل مظهر فيه طعن شديد علي كتاب جمال الدين الأفغاني (( إبطال مذهب الماديين )) وتجهيل لمؤلفه يدلان علي صدق قولي في مقدمة الكتاب : المجددون من علماء الدين زعزعوا الأزهر عن جموده علي الدين فقربوا الأزهريين إلي اللادينيين خطوات ولم يقربوا اللادينيين إلي الدين خطوة 302 .
المطلب الثالث موقف العلم من العقل
بينما فيما سبق أن العلم لا يناوي , الدين الذي يؤيده العقل وإنما المناوئون بعض المنتمين إلي بعض العلوم الشائبون العلم بالجهل المقولوه ما لم يقله 303 .
ليس العلم الطبيعي ميزان العلوم حتي يكون ما يعلمه حقا وما لا يعلمه ويعترف به خلاف الحق وإنما ميزان العلوم المنطق ، والحاكم فيه العقل لا التجربة ، وليس العلم الطبيعي أيضا علم الموجود والمعدوم علي إطلاقهما حتي يكون الوجود من حق ما يعلمه ولا يكون من حق ما يجهله 304 .
أعلي مراتب الوجود وجود الموجود الذي يحكم العقل بوجوب وجوده وإستحالة عدمه ولا بحكم مثل هذا الحكم الذي يقبل النقض أبد الآبدين إلا العقل لا التجربة ولا أي علم مبني عليها 305-306
شبهات المنكرين تتلخص في أمرين الاول عدم إمكان وجود الله ، وقد يتغزي المؤمنون بالله أمام عدم الأمكان هذا بأن العلم إن لم يثبت وجود الله فلم ينفه ،
صفحة 507
لكم ما لا يثبته العلم المثبت يكون في حكم المنفي وعلي الأقل يكون منفي الثبوت في ذلك العلم وفي نظر الذين يعتبرونه علم الوحيد .. أما أن هذا العلم لا ينفي وجود الله ويبقي له إحتمال الوجود فذاك لا يروي غليل المؤمنين ولا يكفي في صحة الإيمان بالله في نظر الإسلام أن تكون عقيدة المؤمن فيه أنه جائز الوجود بدلا من كونه واجب الوجود 307-308
والثاني من الأمرين أن نظام العالم يجري علي قوانين طبيعية لا تتغير فأي فائدة في وضع فرضية من نوع الأسرار أو في فرض وجود إله عاطل تتحد إرادته بقوانين الطبيعية وتمتزج بضروراتها ؟ والجواب علي هاتين الشبهتين 307.
لله در العلماء المتقدمين الذين استيقنوا أولا وجود العالم حتي لم يستيقنه كانت كبير فلاسفة الغرب وأتباعه الفكريون القائلونن بأن العالم محصول إدراكنا ثم نظروا أي العلماء المعترفون بوجود العالم مستقلا عن ادراكنا في عدم كون الوجود ضروريا له ضرورة ذاتية ، فاستيقنوا منه عدم وجود هذا العالم من نفسه ، ومنه حاجتنا إلي موجد ، ومنه كون هذا الموجد غير محتاج إلي موجد أخر بأن يكون موجودا أزليا واجب الوجود ... لله در عقول اخترقت بنورها غياهب الغيب فآمنت به فوق إيمانها بالشهادة 318-323
وكتابنا هذا يدور في معظم الباب الأول منه علي طوله الممتد إلي الجزء الثالث من الكتبا .. يدور علي محور التفكير والتنقيب والتعقيب في مسائل معدودة عي أسس الزيغ والأنحراف للمتعلم المصري .. ضلال متأصل في الأذهان بانتشار المذهب التجربي .
وبناء العلم عليه يعد باكون الإنجليزي وكانت الألماني ورواج هذا المذهب في الغرب وطروء الشك علي العقائد الدينية بتطبيق المذهب التجربي من طريق فلسفة الوضعية ضلال عدم رؤية التناقض في مذهب الإلحاد المبني علي تجويز استغناء العالم عن الموجد المعبر عن هذا الاستغناء في لسان علمائنا بالرجحان من غير مرجح .. ضلال الشك في بطلان تسلسل العلل 323-326
صفحة 508
المبادئ الأولي الذهنية 326-330
فقد أنجلي ان تعذر إثبات الله بالتجربة ناشئ أولا من كون مسألة إثبات وجود الله إثبات الموجود الواجب الوجود التي يلزم أن تكون من المسائل الضرورية الثبوت المستحيلة الخلاف وثانيا من كون التجربة لا يثبت بها الضرورة والوجوب ،ولهذا كانت مسائل العلم الطبيعي وقوانينه مبنية علي التجارب غير الضرورية ، فلو كان الله ثابتا بالتجربة كما يتمناه الغافلون بدلا من ثبوته بالبرهان العقلي لما كان واجب الوجود مستحيل العدم ومعناه لا يكون الله 332
كثرة وقوع الخطأ في الأدلة العقلية لا تنقص قيمة الدليل العقلي الصحيح بل تزيدها .. ولا يحسبني القارئ أني اغمط الدليل التجربي محاباة للأدلة العقلية التي يتمسك بها المتمسكون في إثبات وجود الله ، فعندي وثائق من شهادات علماء الغرب المؤيدة لفضل أدلة العقل علي أدلة التجربة 333-336
المطلب الرابع موقف التجربة من الدين
وفيه الدليل لإثبات وجود الله المسمي بدليل العلة الغائبة وسميه علماؤنا المتكلمون دليل نظام العالم الذي هو (( طابع الله )) علي صفحات الكائنات كما قال الراهب والأديب المشهور الفرنسي ( فنلون ) ونعم ما قال . والأكتشافات اعلمية المتزايدة يوما عن يوم بتلاحق الأفكار والأعصار والتي طاشت بعقول الملاحدة الخفيفة فقولت ( بوخنز ) : إن العلم والايمان مملكتان مختلفتان ولا تزال حدودهما تتبدل في مصلحة العلم ، فالأراضي التي كانت تحت حكم الدين قبل مائة عام احتلها اليوم العلم وستزداد هذة الحركة بمرور الأزمان ) يخدم كلها الدين في نظرة العقل السليم 342-350
ومن الحماقة اتخاذ الاكتشافات العلمية في الغرب وسيلة الشرق إلي الابتعاد عن الأديان 354 .
ومثله أستاذ مجلة الأزهر في أثناء مناظرة جرت بيني وبينه علي صفحات
صفحة 509
الأهرام وذلك قبل توليه الوظيفة الأزهرية بأيام : ( ولد العلم الحديث وتغل القوي التي تساوره فدالت غليه الدولة في الأرض ونظر نظرة فقذف بها جملة إلي عالم الأساطير الخ )) 355-358
وكذا قول الشاعر محمد إحسان المحامي :
معجزات العلم قد أوفت علي معجزات الدين في ماضي القرون 358
في حين أن العلماء الغربيين لا يستنكفون القول بأنهم لا يعلمون شيئا ولم تصل علومهم إلي حقيقة ذرة 359 .
ليس الله كمصارع علم تلميذه ستمائة حيلة إلا واحدة 359.
قول رئيس المجمع العلمي الربيطاني : ((لقد اقبض عندي هذا النسيج العنكبوتي للعلم كما عبر به بعض المؤلفين غلي حد أنه لم يبقي منه إلا كرة صغيرة تكاد لا تدرك )) 362
وقال الزمخشري : ما للتراب وللعلوم وإنما يسعي ليعلم أنه لا يعلم 363
مسألة إتصال الروح بالبدن وأقوال الفلاسفة فيه أٌقوال المنكرين لوجود الروح 363-371 .
جوابي علي اعتراض كانت علي قول ديكارت : ( أشك فأدرك فأنا إذن موجود ) 370-374
من أهم دلائل العله الغائية علي وجود الله ما يسمونه السوق الطبيعي الذي يسود قانونه علي الحيوانات 376 .
ولفظ السوق الطبيعي غير مطابق غير مطابق لتمام الحقيقي بأعتبار وصف السوق الطبيعي 379 .
لماذا لا يظهر العالم في شكل مجموعة أغلاط ؟ والجواب علي هذا السؤال بقانون الأصطفاء الطبيعي جواب مشوب بتسليم ورود الاعتراض لكونه فرارا من تعبير إلي تعبير والطبيعي صفة تتناقض مع موصوفها 379 .
صفحة 510
إذا أراد أن يقول الملحد بصناعات لا صانع لها وبأفعال من دون فاعل عصاه لسانه وكذبته نفسه فيقول السوق الطبيعي أو الاصطفاء الطبيعي أو القوانين 380 .
أبواب التعبير مسدودة علي ألسنة الملاحدة كباب الهداية المسدودة علي قلوبهم ، إلا تعبيرا واحدا بكلمة المصادفة ، كلمة العجز عن إيضاح ما وقع في الكون وما يقع 381
قول الكيمياء الشهير شورول : نحن لا نفهم الفكرة للذين قالوا بالطبيعة محاولة إخراج الله من اللغة وليس الله بموجود يتصف بالصفات الإلهية ولا يكون إياه 382-383 .
إن انكروا الله لأنهم لم يروه فلم يرو الطبيعة أيضا والله موجود ولو بأدلة يعتمد عليها المؤمنون ولا دليل علي وجود الطبيعة ، فقولهم بالطبيعة بدلا من الله معناه استغناء العالم عندهم عن الصانع ، لا أن الطبيعة أولي بصنعه وأقدر 383-384
إسناد الكائنات إلي الطبيعة معناه أنه لا فاعل لها وأنها مصنوعه من نفسها وهو يستلزم أن يكون كل شئ واجب الوجود ، قائلين بوجوب وجود كل شئ من حيث لا يشعرون 385
ما معني كون القرأن لا يكافح الملاحدة مكافحته للمشركين ؟
تنبيه القارئين إلي أنا نحن المسلمين لا نسمي الله بأي اسم ولا نصفه بأي صفة توهم مالا يليق بعزته 387.
كان الحري بالعاقل إذا رأي في العالم ما يدل علي التدبير واتقان الصنع أن ينسبه إلي فعل العليم الحكيم وهو الغالب الساحق وإذا رأي غير ذلك فالحري به أن لا يتخذه دليلا علي نفي العلة الغائية ووجود الغلط 391.
قول ليبنتز جوابا عن الاعتراض بالحادثات التي لا تعلل بالعلة الغائبة : (( وهذا نصب مراقب علي أفعال الله مضحك يشبه ظن الملك الفونس الحكيم حين انتقد هيأة بطليموس أنه ينتقد هياة العالم . فأنتم اللذين لا ترون في بعض مخلوقات الله شيئا من

بداية الصفحة 511
الحكمة إنما تتعرفون العالم منذ ثلاثة أيام و لا ترون أمام أنوفكم فانتظروا كثيرا كي تروه" 392.
هل يمكن أن يكون نظام بدون تنظيم بدون ناظم؟ 394 – 495.
الفيلسوف الملحد بوخنر يريد نفي التنظيم و النظام جميعا علاوة على الناظم 395 – 401.
ملحد جديد اسماعيل أدهم يقيم مقام مبدأ العلية حالات الإمكان و الإحتمال التي يحددها قانون العدد الأعظم الصدفي و يناقشه أستاذ مجلة الأزهر فلا ينجح 402 – 425.
الجواب عن استناد بوخنر في دعوى تولد النظام من طول الزمان 425
بعض الملاحده لما سئم من الفرار و التراجع بين المصادفة و ما ينافيها من القانون و أشباهه ثم تأويل ذلك بالمجاز و الاستعارة، عزم على نبذ الحياة بالمرة فادعى أن قانون طبيعي و ما يماثلة من السوق و الانتخاب و الاصطفاء و التكمل على حقيقته و أن للمادة إحساس و شعور: قال شوبنهاور: "كما أن المادة تسقط فهي تفكر أيضا" 428 – 429
هكل مؤسس مذهب الوحدية "مونيزم" يعدل مذهب الماديين القائلين بحصول نظام من غير ناظم 429
رد على جميل صدقي الملحد البغدادي 433
اعتراضان على دليل العلة الغائية أحدهما لنيوتن و الآخر لكانت 434 – 440
اعتراض اسبينوزا 440
علماؤنا المتكلمون الذين لا يرون تعليل أفعال الله بالعلل الغائية لهم مرمى سام 441
مدح دليل العلة الغائية الذي يسمسه علماؤنا دليل نظام العالم لأنه يكفي و يزيد في إلزام الملاحدة المصريين المغرمين بدليل التجربة و في الرد على اتهام علماء الغرب القائلين بوجود الله بل المجاهدين الملاحدة في سبيل إثباته من غير ترقية العلم بوجوده إلى درجة العلم
انتهت صفحة 511
بداية صفحة 512
التجربي المثبت بالتقصير.. مع الاعتراف و التقدير بفضل رجل العلم الفرنسي باستور في هذا الصدد 441 – 447
علماء الغرب يلتبس عليهم موضوع إثبات وجود الله بمعرفة حقيقته فيتأثر في نظره وضوح الأول و ثبوته بسواطع التجارب مشهودة في نظام الكائنات، من غموض الثاني 445
و ما في كلام اسبنسر من الحقيقة المجهولة المعروفة بين العلماء بعنوان لا يعرف يشهد بما قلنا
فإن قيل: قال رونووي بهعن فلسفة اسبنسر إنها مادية متسترة لأن الحقيقة المجهولة التي اعترف بها تعمل عنده على الطريقة الميكانيكية من غير علة غائية و خصومة الغائية من شعار الملاحدة.
يمكن نزع اسم العلم عن معناه المحدث الخاص بعلم الطبيعة لعدم كون قوانينه قوانين ضرورية و لذا أنكر هيوم العلم و لا يمكن نزع اسم العلم عن معناه الأصلي الذي هو أقوى و الذي ينطبق على العلم بوجود الله لكونه معرفة مستندة إلى سببها المستلزم لمسببه. و سر هذا و ذاك أن اسباب المعرفة في العلم الطبيعي ليست سباب عقلية لا يمكن تخلف مسبباتها عنها و إنما هي أسباب مبنية على تجارب التي هي غير مضمونة النتائج ضمانا أبديا. فإن لم يحدث شيئ يغير ما ثبت بالعلم الطبيعي فقد تأتي معجزة تغيره و تنقضه، و لا تأتي معجزة تنقض قوانين العلوم العقلية. فإن انتهت المعجزات بانتهاء رسل الله – مع أن ما سبق منها يكفينا في نقض العلم الطبيعي – فلابد أن يأتي يوم البعث بعد الموت فينقض قوانين العلم الطبيعي التي تأباه و ينقض عقلية الدائرين مع ذلك العلم في إنكار المعجزات 453
انتهت صفحة 512
انتهى الفهرس

بداية الكتاب من صفحة رقم 3

صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الأولس الدين وأساسه الأعظم وركنه الأول – عنوانه المعبر عنه في علم الكلام: اثبات الواجب، لكون معنى وجود الله الذي يثبته أهل ذلك العلم، وجود من يحب وجوده ففي الموجودات موجود كذلك ونحن المؤمنين بالله نؤمن بهذا الموجود الواجب الوجود .. ونثبت وجوده من غير تعيين لذاته بغير هذا الوصف الذي هو وجوب الوجود، ومرادنا من "الله" هو تلك الذات المتصفة بهذا الوصف كائنة من كانت. وليس في الموجودات ما يثبت وجوده من طريق وجوبه الا الله، لأن كل ما سواه موجود لا ضرورة لوجوده ولا استحالة لعدمه ويسمونه: "الممكن" والله هو الواجب، فلا موجود أحق منه تعالى بأن يكون موجودا، فهو أحق بالوجود من مثبتيه ونفاته ومن كل ما يثبته المثبتون. وليس في الدنيا أحمق وأضل من نفاته أو الشاكين في وجوده، اذ يمكن كل شئ ألا يكون موجودا أو يشك في وجوده، لأنه ممكن يقبل الوجود والعدم ليس وجوده اذا كان موجودا، ضروريا ولا عدمه اذا معدوما، ولا يمكن أن لا يكون الله موجودا، ولو فرض عدمه كان هذا فرض عدم من يجب وجوده، وهو تناقض محال.
صفحة 4
أما أنه لابد في الموجودات من وجود موجود واجب الوجود فنحن نحكم به موقنين من دون أن نراه، مستدلين على وجوده من وجود الموجودات الممكنة الوجود التي نراها ونشاهدها والتي لا يتسنى لها أن توجد لولا وجود ذلك الموجود الواجب الوجود. وهذا الباب الكبير من الكتاب مسوق لايضاح هذا الاستدلال الذي توليناه بتوفيق الله وعنايته. وقبل الشروع في صميم الموضوع نبحث في مسألتين:
1- المسألة الأولى
هل للدين أساس من الصحة، وهل يهم الانسان درس ذلك؟
وبعبارة اخرى: هل البت في مسألة الدين اثباتا أو نفيا واستيقان وجود الله الذي هو أساس الدين، من المسائل الرئيسية الحيوية للانسان، بل في رأس تلك المسائل بأجمعها؟
نحن لا نجهل عندما ندعو كل من يعد نفسه من أهل التفكير الى درس كتابنا هذا، أن من المبادئ العصرية الحديثة أن يقضى على فكرة الديانة الراسخة في أذهان الأمم منذ ابتدأ تاريخها، وأن القضاء عليها يعد من تمام تحرير البشر. ولا ريبة في كون هذا المبدأ المعادي لفكرة الديانة مبنيا على زعم أن الدين ليس له أساس من الصحة ولا لله تعالى وجود الا في أوهام معتقدية (بداية الهامش) – كما سمعت واحدا من العامة الذين كنا نحسب أن عقيدتهم الدينية أمتن، فاذا بك تراها تزول بأسخف تشكيك من مشكك كما نبه عليه علماؤنا في مسألة ايمان المقلد .. سمعته وهو من عامة تركيا الحديثة .. يتأسف على ما مضى له من الزمان حال كونه مؤمنا بما ألقى رجال الدين في وهمه من الأفكار التي اختلقوها ولا أساس لها من الصحة. على أن عقيدة الانكار الحادثة في ذلك العامي ملقاة أيضا، الا أنها في دورته الجديدة ملقاة من أناس آخرين. فهو مقلد في حالتيه – (نهاية الهامش) غير أنه ان كان الله موجودا والنشأة
صفحة 5
الاخرى واقعة مع ما فيها من محاسبة الانسان على ما سبق له في حياته الدنيا، وجزائه عليه ان خيرا فبالخير وعلى رأسه الايمان بالله الذي خلقه، وان شرا فبالشر وعلى رأسه الكفر والالحاد ... ان كان الأمر كما يعتقده المؤمنون وكان المتوهمون هم الكاذبين، فلا يكون اذا حد لأهمية مسألة الدين وتبينها .. ولا يكون حد لضلال المنكرين ولا للويل الذي يجره عليهم انكارهم (بداية الهامش) – بل ولا للويل الذي يجره شك الشاكين في دينهم عليهم، لأن الدين لا يأتلف مع الشك ويتطلب الجزم الخالص. ولا يصح أيضا ايمان المرء احتياطا، ليقي نفسه من العذاب ان كان ما يعتقده المؤمنون حقا وهو لا يزال على شك في صحة ما يعتقدونه. وما ادعاه ابن الوزير اليمني في (ايثار الحق على الخلق) ص19 من كفاية هذا الايمان الاحتياطي في انقاذ صاحبه، استدلالا بآخر قوله تعالى ((قالت الأعراف آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولو أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم وان تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا ان الله غفور رحيم)) فليس بشئ، وكيف يصح ايمان من قال الله عنهم: (( ولما يدخل الايمان في قلوبكم؟)) أما اعتراف القرآن باسلامهم فذاك الاسلام بمعنى الاستسلام اذ لا يتصور اسلام بدون ايمان. وآخر الآية مقيد بشرط اطاعتهم مخلصين لا متظاهرين، ليلتئم من أولها. وليس بشئ أيضا قياس المؤلف اليمني هذا الايمان الاحتياطي بايمان المقلد عند القائلين بصحته، لأن القائلين بذلك يشترطون كون المقلد جازما بصحة ما يعتقده جزما لا يشوبه بأدني شك ولا ينقصه الا الاستدلال – (نهاية الهامش) وعليه فتكون هذه الحياة الحاضرة التي نعقد كل آمالنا عليها ونقف كل جهودنا على اجتناء سعادتها واجتناب شقوتها، كالدور المدرسي الذي لا يقام لسعادته ولا لشقائه وزن الا على قدر ما يفتح لمن يجتازه من باب السعادة أو الشقاء في الدور الذي يأتي من بعده.
ولا يزيد شيئا من خطورة المستقبل الكبير الذي ينتظر المرء في نشأته الثانية ما نسمع كثيرا من أبناء العصر أن ما يهم أهل هذا الزمان هو الحقائق الملموسة الراهنة دون ما قدر له من الوقائع الغيبية الآتية، بعد أن كان أتيها مقطوعا به من دون شك يتناب عقيدة المرء الدينية ويخامرها الفينة بعد الفينة، كما لا يزيل شيئا من خطورة الحياة التي تواجه الفتى بعد انقضاء الدور المدرسي أن لا تكون هذه الحياة
صفحة 6
أيضا من الحقائق الملموسة الراهنة وهو في الدور المدرسي وسنه، الا عند الشاب الغافل الذي تلهيه الأهواء عن واجب ذلك الدور. فخطورة المسألة انما هي في تحقق وقوع الحياة الثانية أو عدم تحققه، ذللك الذي يعنى به العاقل المفكر في العواقب والذي ندرسه في هذا الكتاب مقلبين النظر فيه ومبتدئين من مسألة وجود الله مالك يوم الدين والدنيا. والذين ينكرون الحياة الثانية من غواة التجربة بحجة أنها ليست من الحقائق الملموسة فهم كما لم يجربوا وقوع تلك الحياة لم يجربوا عدم وقوعها أيضا. والموت الذي كل نفس ذائقته وكل نفس تجربه كل يوم في أناس غيره يكفي العاقل حقيقة ملموسة رهيبة .. ومن مؤسسات المدنية الحديثة الغربية شركات التأمين على الحياة يراجعها الناس للتأمين على حياتهم. ولا معنى لهذا التعبير عن غاية تلك المعاملة، فهل تكون حياة المقيدين في تلك الشركات مضمونة؟ كلا، والمعنى الحقيقي للتأمين على الحياة الأبدية انما يوجد عند الكاسبين آخرتهم في دنياهم.
ثم لا نجهل ما سيقولون اعتراضا علينا من أن أناس هذا الزمان لا يجدون في خلال مجادلتهم الحياة الحاضرة القاسية التي لا تدر على الأكثرين غير المعيشة الضنك، فراغا من الوقت ليشتغلوا فيه بالأعمال الدينية ولا سيما بدرس وتحقي ما يكون أساس تلك الأعمال من البت في مسألة وجود الله، حتى يتوجه اليهم ما ذكرته أنفا من التكاليف على تقدير أن يكون الدين حقيقة من الحقائق الهامة الحيوية للبشر ان لم يسأل الانسان عنها في الدنيا يسأل في الآخرة. وحتى يصبح تشبيه واجباته بواجبات السنين المدرسية التي تكتسب بها سعادة سنوات اخرى أهم مما قبلها وأطول.
أنا لا أجهل اعتراضهم هكذا بما يشبه اعراض أمة عن سماع دعوة النبي المبعوث اليهم وعن النظر في معجزته للتثبت من نبوته .. لا أجهل حالتهم هذه وهم يجهلون جوابي عليهم بوجهين: الأول كيف يجد من يجد من الناس فراغا وسعة من وقته المشغول
صفحة 7
قبل كل شئ بالسعي في أمر المعيشة ومجادلة حوائج الحياة الضرورية، للتوسع في أنواع العلوم والتمرن في شتى اللغات؟ فان كان هذا الصنف من الناس على كثرته في هذا الزمان، قليلا بالنسبة الى الجميع ومنحصرا على الأكثر في الأغنياء وأولادهم، فليكن المشتغلون أيضا بتدقيق أمر الدين والنعنقون في درسه من تلك الفئة القليلة .. لكن على شرط أن لا يكون القيام بهذا الواجب مقصورا على رجال الدين بل منتشرا بين كل صنف من صنوف الخاصة، وأن لا يبقى الاسلام كأنه دين صنف المعممين من المسلمين فقط وواجب الاهتمام به والدفاع عن حقوقه واجبهم، وموقف غيرهم من الاسلام موقف المساوم المترخص!! وبعد مراعاة هذه الشروط يكون درس أمر الدين من الفئة المختصة مقبولا عند الجميع وما تقرر بين الدارسين معمولا به لذى الجميع كما هو الحال في سائر المسائل.
والوجه الثاني أنا لو صرفنا النظر عن ما يصيب منكري الدين في يوم الدين من الويلات كما صرفوا هم أنفسهم، فلا شك لهم معي في لزوم الأخلاق لأي أمة تسعى أن لا تتأخر عن سائر الأمم في حلبة الحياة الدنيا زأن تقوم حق القيام بواجبها في الذود عن كيانها وكرامتها ووطنها واستقلالها فيه. فهل يسع المعترضين أن ينكروا الأخلاق كما ينكرون الدين، أو على الأقل كما ينكرون سعة أوقاتهم للنظر في أمر الدين أم يعترفون باصابة شاعر مصر في قوله:
وأنما الأمم الأخلاق ما بقيت – وأن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ولا شئ يعدل الدين مما يعمد الأخلاق، وان كان الملاحدة يدعون الاستغناء عن الدين بالعلم المقوم للأخلاق، لأن وازع الدين أقوى من غيره .. حيث يكون تأثيره قانونيا ماديا مؤيدا بالعقوبات الشاملة للظاهر والباطن، في حين أن تأثير العلم أدبي بحت وتأثير القانون الحكومي لا يجاوز الظاهر. ألا يرى أن تعميم التعليم في الأمم الراقية
صفحة 8
لا يغنيهم عن وضع قوانين زاجرة، مع أن تعميم الدين أسهل من تعميم العلم. وقد نفى "اسبنسر" الأخلاق العلمية. وقال "هانري بولونكاريه" في كتابه "الأفكار الجديدة": "ليست هناك أخلاق علمية ولن تكون، وانما يكون العلم مساعدا للأخلاق بالواسطة" ورأى "فيخته" تلازما بين الدين والأخلاق فقال: "ان الدين من غير أخلاق خرافة والأخلاق من غير دين عبث".
ولم يرى "كانت" ضمانا للأخلاق يوثق به غير الدين .. حتى ان هذا الفيلسوف انتقد جميع الأدلة المنصوبة لاثبات وجود الله كما سيأتي، ثم بنى الايمان به على دليل الأخلاق فأوشك ألا يعترف بوجود الله لولا ضرورة الحاجة اليه لصيانة الأخلاق، ورأى أجدر وصف لمن ينكر وجود الله أن يقول: "أنه كافر بالأخلاق" وان كان لنا كلام على رايه هذا في ترجيح دليل الأخلاق لاثبات وجود الله على أدلته المعروفة النظرية، يأتي ان شاء الله في محله من هذا الكتاب. وخلاصة الجواب على اعتراضهم الأخير عدم التعويل على صلاح الدنيا أيضا من غير استناد الى الدين.
وأنا لا أجهل بعد هذا أيضا أن المتظاهرين بالدين مع عدم الاعتراف به من صميم قلوبهم يماشونني في التسليم بلزوم المحافظة على أخلاق الأمم بواسطة الدين، وانما يخالفونني في اعتقاد أن الدين حقيقة تستند الى الواقع لا الى قضاء حاجة اجتماعية فقط، فالدين عندهم يقبل على أنه ذريعة الى الأخلاق وضرورة لصلاح المجتمع. واني بعد التنبيه على أن هذا المذهب ليس مذهب "كانت" المار الذكر الذي أنزهه عن أن يكون على مذهب هذه الفئة غير المؤمنة، أنتقد عليهم هذه العقلية الزائفة ولا أرى فيها ضمانا معقولا لا لمصلحة الدين ولا لمصلحة الأخلاق، لأن معناها لو فكروا أن الدين أكذوبة يتمسك بها ويتخذ أساسا تقوم عليه أخلاق المجتمع، الا أن هذه الأكذوبة تعتبر بل تعتقد صدقا ليح اتخاذها أساسا للأخلاق، ولا تكون الأخلاق قائمة على
صفحة 9
أساس فاسد فتفسد هي أيضا، وبعبارة اخرى لئلا يكون قد ارتكب في مبتدأ الأخلاق ومبتناها ما ينافيها من الكذب الذي هو رأس المفاسد والمساوئ. ومعنى هذا المعنى بناء الأخلاق على التناقض، لأن تحليل تلك العقلية أن المرء يكلف مع علمه بكون الدين خرافة أن يعتقده كأنه حقيقة وأنه أفضل ما تبنى عليه الأخلاق وأمتنه، فيخادع نفسه وغيره في دينه وأخلاقه. لكن الخرافة لا تكون حقييقة باعتبارها حقيقة والكذب لا يكون صدقا باعتباره صدقا، وانما يتضاعف الكذب ويرتقي من الكذب البسيط الى المركب كما هو الحال في قسمي الجهل البسيط والمركب، مع كون المركب أشد القسمين وأسوأهما. فلا مناص اذا ولا خلاص بعد بناء الخلاق على الدين من أن يكون الصميمي في دينه هو الصميمي في أخلاقه وأن يكون زائف الدين زائف الأخلاق ومشبوهها (بداية الهامش) – لا يخفى أن كلامنا في هذا الباب محمول على الأغلبية التي يبنى عليها الحكم. فلا عبرة بالنادر المفروض ممن لا دين له وهو مستقيم الأخلاق – (نهاية الهامش) ومعنى هذا البيان أن كون الدين ضرورة اجتماعية كما يدعون، يتوقف على كونه حقيقة من الحقائق، والا فلا يكفي هذا الدين لتأدية تلك الضرورة ما تحتاج اليه حق الأداء، فتكون دعواهم مع ما يضيفون اليها من عدم الاعتراف يكون الدين من الحقائق الثابتة، جمعا بين النقيضين ناقضة لنفسها بنفسها.
لم يبق بعد قطع كل طريق هكذا على محاولي الجمع بين الأخلاق وبين عدم الاقتناع بأساس الدين الا أن يقولوا: لا نماريك في وجوب أن يكون العامة متدينين ومخلصين في دينهم. وليس هذا بمانع عن معرفة الخاصة بحقائق الأمور، وانما واجبهم أن لا يتظاهروا بهذه المعرفة ويحترموا عقائد الأمة.
وأنا أقول: أي حقيقية هي التي يعرفها الخاصة ضد الدين؟ أليست معرفتهم عبارة عن الجهل بالحقائق الدينية مع الاعراض عن درسها ونقاشها؟ فان لم يعرضوا عنه فاني
صفحة 10
أدعوهم الى مطالعة هذا الكتاب ومناقشتي فيه. أما اختلاف الخاصة عن العامة في العقلية الدينية فهذا هو الداء العضال العقام الذي أصيب به الغرب أولا ثم قلده الشرق وأمعن فيه أكثر من مقلده حتى حفر حفرة هائلة بين طبقات الأمم أعمق وأخطر مما بين الأغنياء والفقراء وقضى على التواد والتراحم .. فالعامة تلبي دعاة الشيوعية وتنهب أموال الأغنياء ومع هذا لا ينجو من الفقر، وأسر الخاصة (بداية الهامش) – والرأسمالية التي كانوا يشكون من أسرها قبل البلشفة تتمركز بعدها في الحكومة ثم يكون أسرها أشد وسلكتها على الفقراء المأسورين أوسع وأقوى بكثير من الرأسماليين الأولين المتفرقين – (نهاية الهامش) الذين يعتبرون مخادعة الناس من حقوق الأذكياء لفقدان الدين الذي يدعوهم الى رحمة الناس وانصافهم ويؤسس بين طبقاتهم المتفاوتة في المال والعقل، أخوة صادقة انسانية. وتشخيص ذلك الداء على القاعدة التي انتهينا اليها مع القارئ من أن زائف الدين زائف الأخلاق البتة ومشبوهه مشبوهها، أن يكون الخاصة العريون اقتسموا الأخلاق بينهم وبين العامة فاختاروا لهم صميمها القائم على أساس الديانة واختاروا لأنفسهم زيوفها ومشبوهاتها.
وأقول بعد كل هذا وذاك من الكلمات المقنعة بلزوم الدين والايمان بالله لمصلحة البشر في دنياه وآخرته: ان العلم ان كانت له عند الانسان قيمة وخطورة لا يجوز معهما أن يشغله عنه شاغل، فمن الضروري أن يكون العلم بالله وبوجوب وجوده، في رأس جميع العلوم والمعارف البشرية. من حيث أنه على تقدير وجوده تكون تلك العلوم مع العقول المهتدية اليها كلها من خزائن جوده، ويكون في عدم الاعتراف بوجوده أشنع ما يتصور وما لا يتصور من سوء الأدب ونكران الجميل.
والعقل الذي امتاز به الانسان على غيره من طبقات الموجود الطبيعي – حتى قال "شاتوبريان": "ان الانسان حيوان ميتافيزيقي" – يتطلب من صاحبه أن لا يتفانى
ص11
فى الطبيعيات بحيث تستفرق كل همه و كل شغله،بل يفرز من أثمن أوقاته-مهما كانت مشغوله – قسطا للتفكير فى منشأة و مصيره و المحيط الذى يتنفس من هوائه و يشبع نظره من مدى أنحائه.. فلو وجد أحدنا نفسه على أثر استيقاظه من نومه ذات صباح فى صرح لم يره من قبل و هو أفخم و أبدع و أوسع ما يكون، فلا شك فى أنه يندهش و يكون اول ما يسأله و يفحص عنه مالك القصر(1) فهل عظمة صرح العالم و سعة
هامش ص11
(1) قال الاستاذ أحمد أمين بك فى مقالة له منشورة فى مجلة "الثقافة" عدد 346 بعنوان "الحياة الروحيه": "بيت جميل تروعك عظمته و فخامته و قد اسبل عليه القدم جلالا، يشهد لمهندسه بالقدره الفنيه، تدخله فتعجبك آياته كما اعجبك بناؤه قد فرشت كل حجره منه فرشاً جميلا متناسقاً و زين البيت كله بأنواع الزينه و حلى بأنواع الطرف، و كان حديث الناس فى الإعجاب به و وصف حماله و جلاله يفيض المهندس فى وصف بنائه و الفنان فى الإشلده بفنه و الهاوى فى الإعجاب بظرفه و الاديب بوحى مناظره و كلهم متفقون على حسنه.
" و لكنهم مختلفون اختلافا كبيرا فى أمر من أموره: فقوم يقولون إن فى البيت كنزا مدفونا لسنا نعلم مقره و لكنا واثقون من وجوده، و هذا الكنز فى غاية من عظم القيمة حتى إن البيت و ما فيه لا يساوى شيئا بجانبه، و من وصل إليه أو نال شيئا منه كان ذا حظ عظيم. أما من اكتفى بمنظر البيت و متاعه فلم يدرك من الامور إلا ظواهرها.
" و قال آخرون إن هذا الكلام من صنع الخيال، و ليس فى البيت إلا ما نحس و ما نرى و ما نلمس، فهذا هو الحق و هو الحق وحده، أما الكنز فلا نؤمن به إذ لا دليل عليه، و إنما هى اقوال قالها السلف و توارثها الخلف، و لسنا نؤمن إلا بالحس، فإن شئتم أن نؤمن بالكنز فأرونا جهره.
" و لمل خلا المؤمنون بالكنز إلى أنفسهم إختلفوا فيما بينهم على طريقة استكشافه. فقال قوم نطلق البخور ز نقراء التعاويذ حتى يفتح الكنز، و قال آخرون إنما يكون ذلك بسحر و ضرب الرمل و هزىء آخرون بكل ذلك و قالوا إن الوسيله للوصول إليه صفاء النفس و رياضتها و تطهيرها و إرهاف مشاعرها حتى تصبح كالمرآة المجلوة تنعكس عليها صور الأشياء و منها الكنز"
ثم قال:" هذا مثل الحياه الماديه و الحياه الروحيه و هذا مثل الحياه الروحيه بما فيها من حق و باطل".=
ص12
حدوده و ارتفاع سمكه فوق ما يتصوره المتصورون، مغنيته عن أن يكون له مالك يفحص عنه؟ ثم إنه كيف و من أى طريق أتى هذا الصرح و من أتى به و أين كان قبل أن يأتيه؟ و هكذا مجيئه إلى هذه الحياة الدنيا من أتى به إليها؟ و من اى طريق كان مجيئه؟ فهل كان يعرفه لو لم يسمعه من الناس فى سن التمييز؟ و لماذا لا يندهش عندما سمع أنه خرج من بطن امه؟ و طريق النطفه و التكون منها فى بطن امه ينبغى ان لا يقنعه فيغنيه عن التفتيش فى مصدره، لكون ذلك التكون أعظم معجزة جديره بأن ينكرها
هامش ص12
باقى هامش ص11
= و ختم الأستاذ مقالته هذه التى لا تخلو من مواضع تجلب الإعجاب و الاستحسان ، بقوله: " فقد اصبح الناس بين قائل يقول ليس فى البيت كنز و قائل إن فى البيت كنزاً يفتح بالبخور و التعاويذ. و ليس هذا و لا ذاك مما يدعو إلى اطمئنانهم. و هم ينتظرون من يهديهم إلى الكنز بما يتفق و عقليتهم و عواطفهم".
و أنا اقول: أراد الأستاذ باختلاف سكنة البيت فى وجود كنز لا يعلم محله من البيت أو عدم وجود شىء فيه غير ما يحسونه و يلمسونه، اختلاف الناس فى وجود موجود وراء هذا الكون المحسوس و هو الله الذى يعترف المؤمنون بوجوده، حينما ينكره ملاحدة الماديين و الطبعيين. لكن المناسب المعقول فى التمثيل عن الله ان يكون صاحب البيت المذكور الذى يتصرف فيه و يراقب اعمال الداخلين فيه من غير ان يكون منظوراً لهم، و يعد الذين يرضى عنهم ما لا عين رأت و لا أذن سمعت... فى بيت آخر اجمل من هذا و أفخم لا أن يكزن كنزاً مدفوناً فى محل مجهول منه. لأن الكنز مهما غلت و عظمت قيمته لا يتصور له التصرف فى البيت و سكنته، و إنما يتصرف فيه صاحب البيت الذى بناه أو بنى له غيره. و البيت يمكن ان يكون بلا كنز و لا يمكن ان يكون من غير مالك و لا بان ... ثم لا ينفع المؤمن مجرد الإيمان بوجود الكنز من غير وصوله إليه، حين ينفع المؤمن إيمانه بالله من وراء الغيب. فالتمثيل عن الله بالكنز غير ملائم من وجوه، و إنما انجذاب العقول و الافكار فى مصر إلى المال حتى فى الحياه الروحيه أكثر من اى شىء غيره، أمال الأستاذ إلى ترجيح هذا التمثيل.
و أدعى ما فى هذه المقاله إلى الاعتراض و الانتقاد كون كاتبها قد حصر فى موضعين منها وسائل الإيمان بالله من المؤمنين فى خرافات المحترفين او رياضات المتصوفين و أهمل براهين علماء الكلام العقليه المنطقيه، و قد علم القارىء فى مناسبة أخرى سبقت فى مقدمة كتابنا هذا أن الأستاذ أحمد أمين بك من الغامطين لعلم الكلام، و الجواب عليه سابق فى محله.
ص14
عنه و استغناء العالم الذى أتاه، بأرضائه و سمائه و نجومه التى لا تعد و تصغر بجانب بعضها الشمس التى هى اكبر من كرتنا بملايين، أو يعيش على شك فى امره غير حاصل على بينه منه – فهو لقيط و إن عرف أباه و أمه، و إن شئت فقل لقيط ابويه.
و جملة القول أن الدين الذى يشاطر العقل فى كونه أشرف مميزات الإنسان – حتى إن كثيراً من الفلاسفه الغربيين عرَفوا الانسان بأنه حيوان له دين(1) و على رأسه الايمان بوجود خالقه و الاذعان لسلطته عليه فوق كل السلطات و مد بنيته له فوق كل المدينيات؛ يعز على الكريم أن يكون موقفه من قلبه موقف المتطفل الذليل تبعده عنه شبهته فى صحته و تقربه إليه شفقته الوراثيه عليه، تفكيره فيه- إن كان يفكر- يجعله فى قلق و اضطراب دائمين لا يطمئن إلى الايمان و لا يجهر بالكفر فيبيت بينهما حائراً او يأوى إلى إقفال بحثه و عدم الالتفات إليه كائناً ما كان من الحقيه و البطلان... كمن يمرن نفسه من اناس المدنيه الحديثه و يروضها على تعطيل حاسة الغيرة الجنسية على قرابته من النساء، و إن كان المدربون على التغاضى و التسامح و رحابة الصدر بشأنها، يعاكسون الحقيقه فيسمونها الحريه. لكن الرجل رجل الكرامه و الفطره السليمه يبيت على الجمر و لا يبيت على مثل تلك العقليات الفاسده المخدره لها فى فطرة الانسان من الغرائز الساميه الحيه المتعلقه بدينه و دنياه و بعد مكافحتها من أشرف الجهاد.
هامش ص14
(1) و قال " اوجست سباتييه" أستاذ الفلسفه بجامعة باريس فى كتابه "فلسفة الدين": "إن الديانه من لوازم الإنسان إلى حد أنه لا يستطيع أن يفعلها من قلبه إلا إذا حكم على نفسه أن ينفصل عن نفسه و أن يلاشى فى ذاته كل خصائص الإنسانيه.
إنتهى الهامش
ص 15
-2- المقارنه بين الإسلام و النصرانيه
المسأله الثانيه من المسألتين اللتين قدمنا البحث فيهما على الدخول فى صميم الباب الاول: أنا نقارن بين الأسلام و النصرانيه بعض المقارنة، مع عدم كون هذا البحث من موضوع الكتاب، و ذلك لأن الشيخ محمد عبده سلك فى مناظرة الأستاذ فرح انطون – التى جعلنا هذا الكتاب استئناف تلك المناظرة، و قد ذكرناه من قبل-طريق الحمله على النصرانيه، ففتح السبيل لأن يقول خصمه: " إن العدو الحقيقى للإسلام و المسيحيه و اليهوديه و البوذيه و القونفوشيوسية و الوثنيه فى هذا الزمان لم يعد منها بل صار خارجاً عنها، فهو عدو جديد اخرجه التمدن الجديد. و هذا العدو اللدود تطربه أصوات تنازع الأديان بعضها مع بعض و يثلج صدره سروراً كلما رآها يكفر بعضها بعضاً و يطمن بعضها على بعض. و هذا العدو الذى يهددها على السواء و الذى إذا استطاع هدم واحدة منها هدم معها الباقيات بلا مراء، هو المبادىء الماديه المبنيه على البحث بالعقل دون سواه".
و أنا ما كنت اريد أن أدخل فى هذا البحث لولا أن دخل الشيخ و أدخل خصمه الذى عاب على مناظره الكلام على النصرانيه و أشار إلى العدو الحقيقى لجميع الأديان فى هذا الزمان. ثم ما لبث أن اشترك مع ذلك العدو اللدود و هاجم الاديان كلها و فيها دينه و دين مناظره... و كان السبب فى انقلابه إلى جانب العدو كون دينه النصرانيه التى لا يمكن الدفاع عنها، فكأنه لما عجز عن مناصرة دينه أراد التعزى عنه بتعميم البليه. ثم إن الأستاذ المناظر عدل على العداله حين ساوى بين الأديان فى كونها عرضه لخطر الإنهدام بالمبادىء الماديه المبنيه على البحث بالغقل، لأن تاك المبادىء إن كانت
ص16
كما قال مبنيه على البحث بالعقل فلا يخافها الإسلام. أما إذا خرجت المبادىء المذكورة عن حدودها المعقوله فهى تختلف عندئذ لا مع الاسلام فقط بل مع العقل أيضاً و الإسلام لا يخافها فى هذه الحاله أيضاً.
نعم هناك دين يخاف كل شىء مبنى على البحث بالعقل و هو النصرانيه. فمع انى ما كنت أريد أن أحمل عليها و أتبع أثر الشيخ محمد عبده فى ذلك عند استئناف المناظرة الجاريه بينه و بين خصمه، لا أرى اليوم مندوحة عن الكلام على النصرانيه لسببين أولهما أن الأستاذ مناظر الشيخ المتظاهر بالمحافظه على كرامة الأديان عامة لم تمنعه نصرانيته عن انقلابه ضد الأديان بسلاح المبادىء الماديه التى جعل منها عدواً لدوداً لها، فاستوجبت هذه التسويه بين الأديان من الاستاذ أن نثيت الفرق بين النصرانيه و سائر الاديان لا سيما الاسلام. و ثانيهما ان النصرانيه أضرت بالمسلمين خاصه و البشر عامه... ذلك ان القدر شاء ان تكون للغربيين فى الاعصار الاخيره قوة و غلبة على امم العالم، و صادف انهم كانوا من قديم الزمان اعتنقوا المسيحيه دينا... فلما أخذوا يرتقون فى العلوم و الصناعات رأى عقلاؤهم أن دينهم لا يتفق مع العقل و العلم، و عز عليهم ان يبحثوا لهم عن دين آخر أو شغلتهم عن البحث مشاغلهم الكثيره، و خصوصا أبعدتهم عن الاسلام و درسه الدعايات المتواليه ضده لعداوة راسخه ترجع إلى ازمنة زحف الصليبيين إلى بلاد الإسلام ثم زحف العثمانيين إلى بلاد النصارى(1).
و لما رأوا عدم ائتلاف دينهم بالعقل و العلم و زعموا ان كل دين كالنصرانيه فعند ذلك خرج بعضهم على الأديان و دعا الناس إلى الإلحاد و كثير منهم اتخذوا لهم دينا فلسفيا مبنيا على العقل المحض(2)
هامش ص16
(1) و القليل من النصارى الذين درسوا الإسلام كالمستشرقين درسوه بأعين كلها بغض الإسلام و عقول شوشها منطق النصرانيه.
(2) فاتهم أن الدين يكون معقولا و لا يكون عقلياً أى من موضوعات العقل،لأن الدين=
ص17
و قتلوا مسألة الألوهيه بحثاً من غير تعرض لمسألة النبوة و الوحى- كما قال العالم الكبير مترجم كتاب بول زانه إلى التركيه – فأوشكوا أن يتفقوا على القطع بوجود الله مع الأختلاف فى حقيقته. و ملاحدة الماديين سبحوا فى مشكلة بعد مشكلة لإيضاح الكائنات، و وقعوا فى حيص بيص عند تفسير الحياة و العقل و الارادة بالاسباب الطبيعيه.. و فضلا عن هذه الموجودات العاليه فإنهم لم يفهموا على الرغم من كونهم ماديين ماذا يفرق بين الاجزاء الفرده للماده و بأى مبدأ يوضح ما بينها من المناسبات و المواصلات الحركيه و غير الحركيه؟ و الذين فهموا ذلك نت الماديين اعترفوا باستناد المادة إلى الله الذى يمسك السماوات و الأرض أن تزولا.. فما من مانع عن القول بأن فكرة الإله الواحد هى السائدة الناجحهاليوم بين علماء الغرب، و فيها تصديق الأنبياء عليهم السلام فى دعوتهم الناس إلى التوحيد من دون تصديقهم فى نبوأتهم كما نبهنا عليه.
و كأن مقلدى الغرب فى الشرق سهل عليهم اتباع النفاة من الغربيين سواء كانوا نفاة الإله أو نفاة الانبياء، لأن هؤلاء المقلدين لا يعرفون الإسلام بالمرة و لا يدرسونه(1)
هامش ص17
- الذى هو إلهى بالطبع يجب أن يأتى من عند الله. و لذا قال بول زانه فى "المطالب و المذاهب": "إن الدين يتميز بثلاثة اشياء النبى و الكتاب المقدس و ثالثها نسبته إلى ما وراء الطبيعه و الأخلاق. و قال " أجوست سباتييه": " إن الديانه الطبيعيه تقصر عن أن تكون ديانه، ذلك لأنها تحرم الإنسان من الصلاة فتدع الله و الإنسان بعيدين أحدهما عن الاخر فلا تكزن بينهما صله صحيحه و لا وخاطبة باطنية و لا مبادله بينهما و لا عمل إلهى فى الانسان و لا رجوع من الانسان إلى الله. و إذا تعمقت فى جوهر هذه الديانه وجدتها جزءاً من الفلسفه ولدت على عهد سلطان المذهب العقلى "الراسيوناليزم" و هو مذهب فلسفى ينكر الوحى و يدعى تعليل كل شىء بالعقل. و أصولها الثلاثه ليست إلا مواد ثقيله لا روح فيها بقيت فى قاع البوتقه التى ذابت فيها جميع الديانات الماديه".
(1) و من الاسباب المؤثره فى ذلك أن بعض العلماء بمصر بث عداوة علم الكلام فى قلوب الناس، و قد جاءت عداوته اسهل على هؤلاء العلماء و الذين اتبعوهم، من دراسة ذلك العلم كما هو حقها.
إنتهى الهامش
ص 18
و يعرفون من فلسفة الغرب ما وصل إليهم من غير طريقها و من غير تثبت فى اختيار الكتب المؤلفه فيها و من غير تفرغ و تعمق بعد الاختيار، فى درسها.. و خصيصاً لا يوجد فيهم استقلال الفكر فى تمييز الحق من الباطل عند دراستها. و إنما يوجد فيهم ما قاله الاستاذ فريد وجدى بك عن الشرق الاسلامى – لما اتصل بعلوم الغرب و رأى دينه مائلا فى الاساطير-: " إنه لم ينبس بكلمه و رأى الامر اكبر من أن يحاوله". و أصل البليه كون دين الغرب النصرانيه التى لا تتفق مع العقل و العلم و انهماك الشرق فى تقليد الغرب. ففى الغرب نزاع و جدال بين العلم و الدين ناشىء عن خصوصية دين الغربيين، و ليس فى الشرق المسلم هذا النزاع و الجدال إلا فى قلوب مقلدى الغرب الذين لا يعرفون من الإسلام على الرغم من دينهم إلا الاسم، فهم يحدثون هذا الجدال فى الشرق تقليداً لموقف الغربيين من دينهم.. فإذا تكلم احد هناك ضد الدين كلمة فلا يحجم المقلدون عن تكلمها بعينها ضد الإسلام، حتى إن اسبطان الإلحاد فى الشرق الإسلامى الذى أبانا عنه الاستاذ فريد وجدى بك إنما وقع تقليداً اعمى لأولئك الغربيين الذين وقفوا على اصطدام دينهم أعنى النصرانيه بالعقل، و لم تسع درايتهم (أى المقلدين) أو جرأتهم أن يصعدوا إلى مصاف أحد الفريقين الذين ذكرناهما من العلماء الإلهيين و المجاهرين بالإلحاد، فاستبطنوه.
يجب تفريق النصرانيه إلى صفحتين: النصرانيه التى جاء بها سيدنا المسيح عليه الصلاة و السلام من الله تعالى. و هى كالإسلام لا تخالف العقل و العلم و لا المبادىء الماديه الصحيحه، و لا مناوأة بين الإسلام و بين هذة النصرانيه أصلا، و لا كلام لنا معها غير ما جاء به القرآن يصفنا نحن المسلمين بقوله: "الذين يؤمنون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك" و لا مع الأستاذ فرح انطون مناظر الشيخ محمد عبده فى شأنها، عدا ما يجىء فى الباب الثالث من هذا الكتاب عند الكلام على المفاضله بين الأسلام
ص 19
و المسيحيه و اليهوديه التى خاض فيها الشيخ رشيد رضا صاحب المنار فى كتاب "الوحى المحمدى".
و الصفحه الثانيه النصرانيه المبتدعه بعد سيدنا المسيح، و فيها التثليث و إصعاد المسيح فوق مرتبة النبوه. فالإسلام يناوىء هذه النصرانيه و بناؤها العقل و العلم و تناؤها النصرانيه الاولى الحقيقية، و ليس من المعقول عدَها من الاديان المنزلة الإلهية. و أجلى دليل على ذلك أن الفلاسفه الغربيين مع كونهم مسيحيين لم يتصدوا للنظر فى النبوه و لم يعتبروها مطلباً من المطالب الفلسفيه كما اعتبروهاالألوهيه و أفاضو فى بحث وجود الله فأثبته من اثبت و نفاه من نفى، و لم يتكلموا فى وجود النبى و عدم وجود النبى كلمة فى حين انهم تكلموا ايضاً فى الحياة الآخرة و جعلوها مطلبا من المطالب. فماذا تفهمون من إغفالهم الكلام عن النبوة؟ و هل سبب ذلك كما قال العالم الكبير التركى مترجم "المطالب و المذاهب" إلا أن يكونوا مسيحيينو إلا أن تكون نبوة المسيح التى توارثوها نوعا من الألوهيه أى شيئاً لا يقبله العقل و العلم للبش. و ليس معنى هذا أن العقل يقف دونها و يعترف بالعجز إزاءها بل معناه انه يمجها و يرفضها. فإما أن يتخلى الانسان عن عقله او عن الاعتراف بهذة النبوة.. و قد تخلى المسيحيون عن عقولهم فعلا: فهذا الاستاذ فرح انطون ادعى عند مناقشة الشيخ محمد عبده الذى جعل للاسلام فضلا من الإستناد إلى العقل.. فادعى الأستاذ فى رده على الشيخ أن عدم الائتلاف بالعقل يعم جميع الاديان، ثم احتاج إلى دفع هذه التهمه عنها فقال مغاليا إن الدين فوق العقل!!
و أنا اقول : كما أن دعوى الأستاذ الأولى القائله بأن جميع الأديان مخالفه للعقل لا نصح و لا تسلم بالنسبه إلى بعض الأديان مثل الإسلام، فكذلك لا نصح مطلقا دعوى كون الدين فوق العقل و لا يلتفت إليها، و المسيحى الذى يرى عدم ائتلاف دينه مع
ص20
العقل فيقول تعليلا لنفسه: إن الدين فوق العقل، لا ينال بدعواه هذه من كرامة العقل و إنما يكون مستهيناً بالدين الذى لا يقبله العقل، كما لا يكون مكبراً لنبيه من يضيف إليه شيئاً من الألوهيه و إنما يكون معتدياً على الله و محتقراً لمقامه جل و علا. و كل من يدعى لنفسه العلم و الفلسفه مع الدين من المسيحيين يتورطون فى هذه الغلطه الكبيره..
فلما صار العقل عندهم اسلوب الكرامه و مخفوض الصوت إذاء الدين سهل عليهم أن يستهينوا به فى غير المواقف الدينيه أيضاً، فيُحلوا الأدله العقليه محلا دون الأدله التجربيه، و تبعهم اصحاب الثقافه العصريه من المسلمين المقلدين للغرب المسيحى و الغرب الادينى.. حتى قال أستاذ مجلة الازهر: " لم يعد للمنطق سلطان على الإنسان" و هذا خلاف مسلك الإسلام و علمائه البنين عقيدة وجود الله الذى هو اعظم مطلب علمى و فلسفى على دليله المعروف و المبتهجين غاية الابتهاج من كون ذلك الدليل عقليا منطقيا.
و لم تقتصر نكبة الاستهانه بالعقل و المنطق فى سبيل محافظة الديانه المسيحيه على الإسلام خاصة و على الأديان عامه و فيها المسيحيه ايضا، ضرورة احتياج كل دين سماوى إلى الدليل العقلى فى إثبات وجود الله الذى هو غير منظور كما قال الأستاذ فرح انطون. و لذا انتشر الإلحاد بين عقلاء البلاد، و منهم نوابغ الكتاب و الشعراء فى الشرق الإسلامى الذين أفشى أستاذ مجلة الأزهر عن استبطانهم الإلحاد...
انتشر الإلحاد بين عقلاء البلاد بعد سقوط العقل من اوج سلطانه على الأرض و داسه أولئك العقلاء بأقدامهم.. فلم تقتصر نكبة سقوط العقل عن صدارته فى دولة العلوم على الأديان ، بل تأثرت منها الفلسفه نفسها فأستخف أولا بفلسفة ما وراء الطبيعه القريبة الصلة بالدين، ثم استخف بالفلسفه مطلقاً فلم تمتد من العلوم و حُرَف اسم العلم عن مسماه و احتكر فيما لا يستحقه أكثر مما يستحق.
ولم يلبث الاستخفاف بالعقل فى مرحلة من مراحل النكبات إلى أن تسود الريبية فى ساحة المعقولات والمحسوسات حتى سيئ بفهم فلسفة ديكارت الذى هدم الريبية قائلا: "أشك فأدرك فأنا موجود". ولم يهدمه إلا بعقلة وفضل عقله.. سيئ بفهم فلسفة ديكارت وجعل له منهج الشك فى كل شئ، فإن أريد به الشك فى كل شيئ لم يقم عليه برهام فلا اختصاص له بديكارت، بل هو منهج كل عاقل، وإن أريد به الشك فى كل شئ مطلقا حتى ولو قام عليه برهان كما يدعيه الريبيون فذلك الفيلسوف هادم مذهب الشك بنفس الشك، كما ذكرته آنفا وسيأتى توضيحه فى محله إن شاء الله.
عود على بدء: فلما لم يكن الفلاسفة الغربيين البحث فى هذه النبوة البعيدة عن العقل القريبة من الألوهية، بل الملتبسة بها، وهى النبوة فى دينهم المتصورة لسيدنا المسيح، أماطوا الكلام عن سائر النبوات المنسوبة إلى الأنبياء فى غير دين النصرانية أيضا. وهذا شئ عجيب ينم على عدم تخلص الفلاسفة الغبيين فى البحث والنظر عن المحاباة والتغريض ولو من حيث لا يشعرون، فإن نقل إنهم لا يؤمنون بالإسلام وبنبوة نبيه صلى الله عليه وسلم، فماذا نقول فى نبوة سيدنا موسى مثلا؟ إذ لابد للمسيحيين أن يعترفوا بها.. وكيف لا، والدي ن المسيحى يستند إلى التوراة والإنجيل معا.
وحق القول أن الفلاسفة الغربيين لا يؤمنون بالنبوة مطلقا بسبب عدم إيمانهم بنبوة سيدنا المسيح الملتبسة بالألوهية عند المسيحيين1 وكون هؤلاء الفلاسفة أيضا مسيحيين إنما هو بحسب الظاهر أو بقدر الاحترام بما فى وصايا إنجيل على لسان المسيح من الفضائل كما سيظهر ذلك من كلمات الأستاذ فرح أنطون، ولا يخلو من الدلالة على ما قلنا قول هذا الأستاذ أيضا: "إن العقلاء من الفلاسفة ينادون بإبعاد العقل عن الدين" ومعنى هذا أن العقل لا يقبل الأديان عند أولئك الفلاسفة العقلاء فيلزم أن يكون قبول القابلين إياها، من غير نظر إلى عدم قبولها من جانب العقل.. وعندى أن قولا كهذا فى حق الأديان لا يكون قولا فى مصلحة الأديان ولا فى مصلحة هؤلاء الفلاسفة القائلين أنفسهم. ومن هذا كان ضرر النصرانية بالأديان عظيما وبالإسلام خصوصا وبالفلاسفة أنفسهم أيضا، حيث حالت بينهم وبين النظر فى النبوات التى ترتكز عليها الأديان. فبقى الفلاسفة بعيدين عن نفوذ الدين الذى أنزله الله على أنبيائه، فى قلوبهم2 وبقى مكان الدين فى قلوب المعجبين به من قريب أو بعيد محاطا بظلام الشكوك. ثم احتاج أولئك الفلاسفة اليائسون من مسألة النبوة مع اضطرارهم إلى الإيمان بالله أن يبحثوا لأنفسهم عن دين فلسفى عقلى3 ومنشأ الكل عجزهم عن تأليف المسيحية بالعقل، حتى أن بعضهم تعصبوا وهم هاملتون وتانسهل من المتأخرين وكيليوم دوككام ومنتة نية وشاردون من الدماء فحاولوا هدم الفلسفة بالحسبانية اللاإرادية ليقيموا بعدها النصرانية التى هى مضادة للفلسفة اى العلم والعقل كما أن "المطالب والمذاهب" ص (65) و (295) من الترجمة التركية، وفاتهم أن الدين لا يبنى على الجهل المطلق كما قال استوارت ميل ص (295). ولهذه المناسبة بين النصرانية والحسبانية التى ابتدأت من عهد الحكماء اليونانيين والتى سنكتب عنها ما بقى بحاجة قراء هذا الكتاب فى آخر المطلب الأول من الباب الأول، ولم تستطع إنقاذ نفسها من تسلطها إلا فى الأعصر الأخيرة، ولما تنفذ تماما. وفى مقابل هذا ترى فلاسفة الإسلام وأعنى بهم المتكلمين من أول عهدهم بعلم أصول الدين، لا يترددون فى إبطال الحسبانية مصدرين متونهم الكلامية بقولهم: "حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق خلافا للسوفسطائية" مجمعين على ذلك. والسوفسطائية الذين يعبر عنهم بالحسبانية أيضا ينكرون وجود العالم وينكرون العلم بوجوده ولا يثقون بالحواس وبكل شئ من أسباب العلم وينكرون وجود الله طبعا لإنعدام الكائنات عندهم التى نستدل من وجودها على وجوده. وهذه الحسبانية تنكر بالطبع النصرانية أيضا وآلهتها الثلاثة، إلا أن المتعصبين للنصرانية أخذوا من الحسبانية ما يستخدمونه لهدم العلم الذى يناوى دينهم وغضوا الأبصار عما وراءه.
ولما كان تعارض الحسبانية بالحواس التى هى العمدة فى الاعتراف بوجود الكائنات أشد من تعارضها بالعقل وكانت الحسبانية قبل تقدم العلوم المادية المبنية على الإحساس والمشاهدة، قد تساير العقول وتغالطها، أصبح تقدم تلك العلوم الذى كان الضربة القاضية على الحسبانية أثر شيئا فى قيمة العقل أيضا وتولدت منها أضرار وأغلاط جديدة لا نزال نفصلها عند كل مناسبة تتيح لها فى هذا الكتاب.
فههنا أمور ثلاثة: الإيمان، العقل، والمشاهدة بالحواس والتجارب والأمر الرابع العلم المبنى على العقل المحض أو مع المشاهدة. فالإيمان فى النصرانية يفترق عن العقل وعن العلم المبنى على العقل المحض وعن العلم المبنى على العقل مع المشاهدة. والإيمان فى الإسلام يجامع كل ذلك حتى العلم المبنى على المشاهدة كما سيأتى تفصيله. فالإسلام لا يخالف العلم بجميع أنواعه ةلا يحتاج على هدم العلم وإنكار المحسوسات لتثبيت نفسه، بل يعنى بإبطال الحسبانية المعادية للعلم المنكرة للمحسوسات.
نعم إن فى فلاسفة القرون الوسطى من المسيحيين من جعلوا الإيمان مقابلا للعقل واعتبروه فوق العقل، حتى إن "كانت" من كبار فلاسفة القرون الجديدة الغربيين ينفى العلم بوجود الله مع إثبات الإيمان به ويقول: "إن الإيمان على الأكثر يكون أقوى من العلم" فى حين أن علماء الإسلام قائلون بأن الإيمان غير المستند إلى العلم أى الدليل عرضه للتزلزل بتشكيك مشكك.
ففى علماء الغرب من يختارون جانب العلم وينكرون الله وفيهم من يعترفون بالله مستخفين بالعلم وفيهم من يعترفون بالله من غير اعتراف بالأنبياء والحياة الآخرة وفيهم معترفون بالله والحياة الآخرة من غير اعتراف بالأنبياء. وليس من علماء الإسلام من ذهب مذهبا من أمثال ذلك ولا الإسلام بغامط شيئا مما ذكر من العقل والعلم والتجربة والإحساس حقه، وليس الإسلام دينا فلسفيا أو موضوعا من قبل العقل بل موضوعا من قبل الله، لكنه دين له فلسفة واتصال بالعقل. وليست للنصرانية فلسفة. قال العالم الكبير مترجم "المطالب والمذاهب" فى تاريخ الفلسفة "لبول رانة" إلى التركية فى المقدمة القيمة التى وضعها فى صدر ترجمته:
"إن رقى أوربا ابتدأ بسعيها لإنقاذ العقل من الانطفاء إزاء تعبد النصرانية ووقفها فى حدود عاطفتها القلبية. وهذا السعى حصل لأوربا بتأثير الوجدان الحادث فيها بعد التحكك بالإسلام، فمدنية أوربا مدنية متصدعة متباينة العقل والعاطفة 1 وهذا الانصداع أعظم لمة لأوربا حرمته الكمال الانسانى.. وربما يجئ وقت تهدم بنيانها الحاضر، فيجب علينا أن نرتعد خوفا من هذه الثلمة بينما نحن غابطون للأوربيين".
فلو كان دين الفلاسفة الغربيين الإسلام بدل النصرانية لما رأينا دينهم فى واد وفلسفتهم فى واد ولما سادت فوضى الأخلاق والاجتماع فى بلادهم مؤذنة بانتهاء مدنيتهم إلى الدمار والانهيار. وزيادة على ذلك – وهو المهم عندنا – لما الحد العصريون منا الذين فقدوا الانسجام الاسلامى بين عقولهم وقلوبهم بتقليد العقلية الغربية المسيحية. ثم لو كان دين علماء الغرب الإسلام لوجدوا فى فلسفته ما ينيل لهم سبل الحقيقة، فأصبحت فلسفتهم أرى وأقوم من حالتها الحاضرة وأصبح علم أصول الدين فى الإسلام أثرى بانضمام خدماتهم إليه، وهم فى حالتهم هذه خدموه بعض الخدمة وأيدوه بعض التأييد وإن حصل ذلك من غير صد منهم. وأنا سأستفيد من أقوالهم فى هذا الكتاب بصدد تقرير حجتى وتعزيز قضيتى قضية الإسلام قضية دين التوحيد كما أطلع القارئ على بعض نماذج من هذه الاستفادة.
يقول الأستاذ فرح أنطون منشئ مجلة "الجامعة" ومناظر الشيخ محمد عبده فى باب الردود فى كتابة "فلسفة إبن رشد" ص (189):
"ربما كان الغرض من القول بأن النصرانية دين عجائب وغرائب وأن الإسلام دين العقل، الإشارة إلى مذهب التثليث فى الأقانيم ومسألة نبوة المسيح لله، فإذا كان هذا الظن فى محلة فهو جدير بأن لا يقابل إلا بالابتسام، لأننا نعلم أن العقلاء من إخواننا المسلمين قد عرفوا أن مسألة التثليث ليست سوى مسألة شعرية تصورية. وأى نصرانى جاهل يقول اليوم إن الله ثالث ثلاثة؟ بل هم يشبهون الألوهية بالشمس وما فيها من التثليث أى ذاته وحرارته وضياؤه. ولا ننكر أن هذا التشبيه يخالف مذهب الفلاسفة لأنه يقتضى أن يكون "الواحد الأحد" كثرة، ولكن ما العمل؟ فإنه كلما أريد تعيين صفات للخالق جاءت الكثرة.. تلك الكثرة التى صعق بها الغزالى فلاسفة العرب، ولذلك كان المتعزلة وهؤلاء الفلاسفة ينفون الصفات عن الخالق كاستحالة إثبات العلم والإرادة والقدرة له. ومتى صح هذا فقد نفى التوحيد عن كل أمة وكل ملة، ولزمهن الشرك جميعا لأن جميعهن يثبتن للخالق صفات عديدة متناقضة(!) فالخلاف الأساسى إذن على نفى الصفات وإثباتها. وبما أن المليين المسيحيين والمسلمين واليهود متفقون على إثباتها فلا فرق بعد ذلك بينهم قطعيا. إذ قال بعضهم روح الله وكلمته وقال بعضهم يمين الله وعرشه وكلامه أو غير ذلك. ذلك أن كل هذه الصفات مجازية تصورية وهى ضرورة لعامة الناس الذين لا يفهمون الدين إلا من قيل التخيل كما قال إبن رشد (ص 10 سطر 9) ولأن اللغة البشرة قاصة. فمسألة التثليث إذن ليست إلا مسألة شعرية تصورية من هذا القبيل وقد شهد بذلك كثيرون من إخواننا المسلمين منهم كاتب فاضل كتب فى مجلة "الموسوعات" منذ بضعة سنين قولا نقلناه فى الجزء الثانى عشر من السنة (يعنى من الجامعة) وهذا نصه: "النصرانى يقو بالأب والابن وروح القدس وإن كل لا يرى فى الحقيقة غير إله واحد".
"هذا ما يقال فى مسألة التثليث وبه تزول عقبة بين عقلاء الفريقين. بقيت العقبة الأخرى وهى بنوة المسيح لله 1 .
"ولو لم تكن "الجامعة" قد نشرت فى هذا العام كتاب "تاريخ المسيح" بقلم "رنان" للزمنا أن نسهب بهذا الموضوع. أما وقد نشرنا فى هذا التاريخ وعرفنا صداه بين المسلمين والمسيحيين فى الشرق والغرب فقد صار الكلام عن نبوة المسيح لله من قبيل تحصيل الحاصل. وحقيقة المسألة أن الإنجيل يسمى البشر "أبناء الله" كما يسميهم القرآن "عباد الله" على سيبل الاصطلاح، وإذا وجه اعتراض على تسميته
"أبناء الله" التى وردت ألف مرة فى الإنجيل "فعباد الله" لم تسلم من الاعتراض أيضا. ذلك أن الإنسان لا يريد أن عبدا لأحد إذا كان الله قد خلقه ليجعل عبدا له فقد ظلمه.. أجل إن الإنسان الذى يحمل فى داخله روح الله من حقه أن يطلب أن لا يكون عبدا بل حرا. ومن ذلك يظهر أن كل تسمية لا تسلم من الاعتراض وأن هذه الاصطلاحات يجب التسليم بها كما هى لأنها لا تخرج عن أن تكون اصطلاحات "فأبناء الله" إذن لا يقصد بها غير المعنى المجازى وكل إنسان صالح فيه روح الله يكون من هؤلاء الأبناء وهم يعتبرون أن أكبر هؤلاء الأبناء ذلك الابن الذى اجتمع فيه من روح الله ما لم يجتمع فى سواه وهو الذى تنحنى له اليوم تيجان القياصرة والملوك والرؤساء فى جميع أنحاء العالم، وما عدا هذا فالقرآن يشهد للمسيح بأنه روح الله فهل نترك هذه الشهادة ونتمسك بتسمية عامية مجازية تأييدا لحجتنا وإباء للنزاع والنفار؟ إذن فكل مسلم عاقل يعرف فى هذا الزمنا أن اعتقاد عقلاء النصارى بالمسيح موافق لشهادة القرآن؟
"فمن كل ما تقدم يتضح ثلاثة أمور.. الأول أن القول بأن الدين دين عقل قول مناقض لكل دين وكل عقل لأن العقل مبنى على المحسوسات ولا يعرف نواميس غير نواميسها والدين مبنى على الغيب2.. الثانى أن الخلاف بين المسلمين والنصارى بشأن التوحيد والتثليث ولاهوت المسيح خلاف مقطوع لدى عقلائهم لأن الفريقين متفقان على الحقيقة المؤيدة بكتابيهما ولا يروج هذا الخلاف منهم أحد إلا من كان له مصلحة خصوصية فى ترويجه.. الثالث أن تفاضل الأديان وتنافسها يجب أن يكون مبنيا على ما فيها من الآداب والفضائل لأن هذه هى أساس الشرائح والأديان وفيما عدا هذه الفضائل والآداب فجميع الأديان متشابهة لأن مبادئها وأصولها مشتركة وهى غير معقولة".
نقلنا كلام الأستاذ فرح أنطون بنصه على طوله لتظهر للقارئ عقليته فى شأن الأديان مطلقا حال دفاعه عن النصرانية. والآن نشرع فى نقد ما يحتويه من مواضع النظر غير مقيدين فى ترتيب النقد بترتيب كلامه:
1) نرى الأستاذ يحاول ملافاة ضعف النصرانية تجاه البحث والمناظرة العلمية، بتيجان ملوك العالم وقياصرته ورؤسائه الأقوياء المسيحيين. ونراه قد نسى ما كتبه فى ص (161) من كتابه وهو: "إن الملوك والرؤساء فى أوربا عادوا لاستعمال الدين فى أغراضهم لا تدبيرا لأرواح رعيتهم بل محاربة للمبادئ الاشتراكية والجمهورية التى يخشون على عروشهم منها. وإذا كان الآن للدين موضع فى قصور الملوك فى أوربا – أولئك الذين يخالفون بأعمالهم كل سطر من إنجيلهم –فما موضعه إلا هذا الموضع ولا ريب عندنا أن الدين يفقد شيئا كثيرا من كرامته ووظيفته إذا اتخذ آله لإنقاذ الأغراض وم يطلب لذاته وفضائله".
فمن العجب أن الأستاذ قائل هذا القول يريد أن يكسب1 الدين المسيحى كرامة من تيجان أولئك الملوك المسيحيين غير المخلصين فى دينهم. وقال فى ص نفسها أيضا: "إن أوربا تتخذ الدين آله لما ذكرنا فهى تبنى الدين على السياسة لا السياسة على الدين".
وقال فى ص (170): " فالدين إذن ليس إلا آله فى أوربا فى هذا الزمان ولكن حاشا لنا أن نطلق القول إطلاقا عاما وإنما نريد هنا بالدين الدين المقرون بالحكومات والنازل فى قصر الملوك".
وأنا أقول زيادة على ما قاله الأستاذ: لا شك فى أن الملوك ورجال حكوماتهم يلائم أهوائهم الدين الذى يخلى لهم الجو ويقول كما فى ص 187 من كتاب الأستاذ: "لا تقاوموا البشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر" وكما فى ص (193): "إن الرجل المسيحى يعمل أن السعادة محال فى هذه الدنيا ولذلك يقبل أى حاكم كان ولو كان رومانيا وثنيا" لا الدين الذى لا يقبل أن يحكم عليه الملوك بل يريد أن يكون هو حاكما عليهم والذى يقول كتابة: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله". ويقول: "وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن اله لا يحب المعتدين". ويقول نبيه: "لا طاعة للمحلوق فى معصية الخالق". ويقول: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
ولما كان الإسلام يأبى الذل والعبودية للبشر فلا تأمن الدولة على مستعمراتها التى يسكنها المسلمون وتضيق عليهم الخناق أكثر من غيرهم وتخاف القرآن وتضمر للإسلام عداوة تجعلها تسعى لإزالة آثاره من وجه البسيطة. وقول الوزير الانجليزى "غلادستون" فى القرآن معروف.
ثم إن الحكومات الغربية مسيحية بالاسم ولا دينية فى الباطن ورجالها لا دينيون لأن العقلاء الذين يكون رجال الحكومات منهم لا يقبلون الدين الذى لا يقبله العقل، ولذا اختاروا فصل الدين عن الدولة. ومقلدوا عقلاء الغرب فى الديانة الاسمية من المسلمين الذين يجهلون الإسلام فيقيسونة على دين الغربيين فى عدم المعقولية، ويجعلون الحكومات فى بلاد المسلمين مفصولة عن الدين كما فى الغرب لو استطاعوا، ولو أن الإسلام يتفق مع النفاق.
ومن أهم الأسباب التى تستميل بحكومات أوربا إلى النصرانية وتنفرها عن الإسلام – وتنفر حكومات البلاد الإسلامية الجديدة المقلدة أيضا، موقف المرأة فى المجتمع الأوربى لأن الإسلام يقيم حاجزا بين الجنسين ويمنعهما من الاختلاط المكشوف الذى تنجذب نفس الإنسان إليه طمعا وتصعب عليها مقاومة ذلك الانجذاب لا سيما بعد أن تعود الإنسان الاختلاط الحر ونشأ فى أحضان تلك العادة، فى حين أن أوربا المسيحية تخلى السبيل على الرجل والمرأة للاستمتاع من هذا الاختلاط حتى فى الكنائس وتراه المسيحية ولا تمنعه.
وقد قلت فى كتابى المسمى "قولى فى المرأة" ص (25): "إن احتجاب المرأة كما هو تقييدا للفوضى فى المناسبات الجنسية الطبيعية ويضاد الطبيعة من هذه الناحية، فهو يتناسب مع الغيرة التى جبل عليها الإنسان ويوافق الطبيعة من الناحية الأخرى. إلا أن الغيرة غريزة تستمد قوتها من الروح والتحرر من القيود فى المناسبة الجنسية غريزة تستمد قوتها من الشهوة الجسمانية فهذه تغرى بالسفور والاختلاط وتلك تبعث على الابتعاد، وبين هاتين القوتين تجاف وتحارب يجريان فى داخل الإنسان. فالمدنية الغربية انحازت إلى الطبيعة الأولى وقررت أن لا تحرم المنتسبين إليها التمتع الجاذب الحلو فى سفور النساء واختلاط الجنسين فى الأندية ومحافل الأنس والسهر وضحت بالطبيعة الثانية فى سبيل ذلك التمتع، فالرجل الغربى يخالط نساء الناس ويقبل أيديهن – نيابة عن خدودهن – ويجالسهم بل يخصارهن سافرات ونصف عاريات، مقابل التنازل من غيرته على زوجته وأخته وبنته فيخالطهن غيره ويجالسهن ويخاصرهن، ويرى أن عدد ضحاياه قليل بالنسبة إلى مكسوباته وربما لا يوحد من يضحى فيخلص له الربح، والحفلات الراقصة التى هى من لوازم المدنية الاجتماعية فى الغرب ليست إلا تأييدا علنيا للمعاشرة المختلفة وتقريبا لأحد الجنسين من الآخر تقريبا جسمانيا، وقضاء على الغيرة بين ظهرانى من يتوقع منهم التحمس له، فكأن تلك الحفلات أفراح القران العام.
"والقضاء على الغيرة بلغ عند مدنية الغرب مبلغ اعتبارها من النقائص الخلقية
ـــــــــــــــــ ص 31 ـــــــــــــــــــ
على الرغم من شعور الإنسان بفطرته انها فضيلة ".
وقلت فى ص 45 "ومن العبث الواضح لالعقول ما قرأته فى جريدة "الأهرام" نقلا عن مقال مكتوب فى مجلة غريبة " ربدرزديجست" تعد فيه الصفات التى يجب أن يتحلى بها الشاب المصرى :"كذلك يجب أن يتعلم الشاب الرقص لأنه بجانب كونه رياضة بدنية فهو فن يُنمى فيه روح الفضيلة ويعودِّ النظر إلى الجنس اللطيف بعين مجردة عن الخسة والشهوات ".. يفهم من ذلك أن المدينة الغربية تواضعت مع المتمسكين بها على أتباع الرذيلة فى سوقها باسم الفضيلة . وسبب نفاق هذا البيع أنه يتضمن لذة مادية للمتبايعين فيُهتك فى سبيلها الحياء ويسمى الاعتياد والإدمان على قضاء الشهوات وعلى الأقل شهوة ضم النساء الكاسيات العاريات إلى الصدر ، فضيلة وتجرداً عن الخسة والشهوة ، ويغالى فى الجرأة فتُغلب على الإسلام فضيلته المانعة من سفور النساء واختلاطهن بالرجال الأجانب والتصاقهن بهن ، حتى يحتاج الإسلام من هذه الناحية إلى دفاع عنه يمتد طول اعتداءات العابثين ، فى حين أن الحضارة الغربية القاضية على الفضيلة . المبنية على أساس قضاء الشهوة سالمةٌ عن التنديد والاتهام . وهذه المعاكسة بالحقائق تروج بفضل تعصب الغربيين لما ينسب إليهم من التقاليد وضلاال أبناء المسلمين صراطهم المستقيم . ولو لم يكن وراء الحياة الخليعة المختلطة مايؤيدها من قوة الغرب وشوكته ، لكفت أن تعد سواد وجه لأى قوم اختارها . ولهذا كانت مسألة المرأة أعظم حاجز بين الإسلام والمدينة الغربية (1) فالمسلم لا يقبل الحياة العارية المختلطة مادام إسلامه يصح له والغربى لا يرى كحجاب النساء أكبر مانع فى اختيار الإسلام دينا له .. وربما لا يشك فى كونه أحق الأديان بالقبول ، لكنه
-------------هامش ص31 ---------------
(1) لا يظن القارىء من قولنا بأن المدينة الغربية لا تقبل احتجاب المرأة ،أن المدينة نفسها توجب عدم قبوله ، فقد رأينا منبوذى الهند أيضا البعيدين عن التمدن لا يريدون حجب نسائهم على تقدير اعتناقهم الإسلام دينا.
ــــــــــــــ ص 32ــــــــــــــــ
يصعب عليه فراق ماتعوّده من الحياة المختلطة بالنساء وفيها حظ عظيم للنفس الأمارة بالسوء ".
واليوم أقول إن مسيحية الغربيين وأعنى المسيحية الموضوعة بعد سيدنا المسيح ائتلفت بهذه الحياة المختلطة الخليعة وتسامحت معها (1) فهذا الدين الذى يقال عنه دين السلام والمحبة وسع التحاب َّ العام بين الجنسين أيضا . لكن الإسلام الغيور على أعراض الناس المقومها كأرواحهم لا يأذن لنساء المسلمين أن يتبرجن إلا لأزواجهن ، ولا يسمح لأحد غيرهم أن يلامسهن فيقضى بعض شهواته منهن حتى ولو سمحوا هم أنفسهم ، لفساد غريزة الغيرة فيهم ... لا يسمح لهم بذلك مادامت البلاد بلاد الإسلام ورجالها الآمرون والناهين بعا رجاله ، كما لا يسمح أن يقضى تمام شهوته . وشرعة الإسلام على مذهب الإمام أبى حنيفة تحكم بلمسة بين الرجل والمرأة الأجنبية من لمسات الحياة المختلطة المنطوية حتما على الشهوة ، بالمصاهرة بين الطرفين فتحرّم أصول أى منهما وفروعه على الآخر .
(2) يقول الأستاذ فرح أنطون :"إن القول بأن الدين دين عقل قول مناقض لكل دين وكل عقل لأن العقل مبنى على المحسوسات ولا يَعرف نواميس غير نواميسها والدين مبنى على الغيب ".
ونحن نقول إذا قال مسلم يباهى بدينه إن الإسلام دين العقل فمراده أنه دين يتفق مع العقل ولا يناقضه كالنصرانية وليس مراده أن الإسلام دين اخترعه العقل حتى يناقض ذلك القول كل دين وكل عقل . أما حصر مايبنى عليه العقل فى المحسوسات
--------- هامش ص 32 --------
(1) ومن المؤسف أن الإسلام أخذ هو الآخر أيضا يتسامح مع هذه الحياة السافرة المختلطة الشائعة فى تركيا ومصر الجديدتين . ولم يبق فرق التسامح الجنسى بين الإسلام والمسيحية فى هذه البلاد إلا أن المسلمين والمسلمات المتبرجات لا يصلون بعد فى المساجد جنباً إلى جنب كما يصلى النصارى فى كنائسهم مع المصليات المتبرجات
انتهى الهامش
ــــــــــــــــ ص 33ـــــــــــــــــــــــــ
وحصر نواميسه فى نواميسها فالعقل لا يقبل هذا الحصر وهذا التضييق ، وإلا يلزم أن يتخطى العقل إلى ماوراء المحسوس فلا يبقى فرق العقل والحس بعضهما من بعض ، مع أن دائرة العقل أوسع بكثير من دائرة الحس (1) وان الإنسان يمتاز عن البهائم بعقله لا بحواسه ، بل الإحساس فى البهائم أقوى منه فى الإنسان وقد عرَّفوا الإنسان بأنه حيوان مستعد للاستدلال العقلى وبأنه حيوان له دين، فالعقل والدين من خواص الإنسان . وهل يعقل فى خواص الشئ أن يتزاحم بعضها مع بعض ؟قال " أ.رابو" فى كتابه "دروس الروحيات":"إن الأخلاق والصنعة والدين لا تجتمع فى غير الإنسان لأن العقل من خواصه " لكن قول فرح بحصر مبنى العقل فى المحسوسات يجعل العقل فى حكم العدم ويجعله لا يعترف بوجود مالا تراه العيون أو تلمسه الأيدى ، ومن هذا الأصل الفاسد يستنبط عدم وجود الله عند العقل لكونه غائباً عن الس .. وبطلانه ظاهر ، حتى أن الأستاذ فريد وجدى بك مع اشتراكه هو والأستاذ فرح فى عدم الإيمان بالغيب لا يدعى أن العقل لا يعترف به ، وإنما يدعى عدم كفاية اعتراف العقل .
فمسألة كون الدين مبنيا على الغيب المشار إليه فى قوله تعالى "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب " أوقعت كلا من الأستاذين فى الخطأ مع الفرق بين خطأيهما . فخطأ الأستاذ فريد اعتبر الغيب خلاف الواقع فجعل الإيمان بالغيب إيمانا بخلاف الواقع وجعل كتاب الله يُثنى على الإيمان بخلاف الواقع . وهذا خطأ فاحش من رئيس تحرير مجلة الأزهر .لأن المراد من الغيب ماغاب عن الحواس ولا ينافيه
------- هامش 33----------
(1) فهل الأستاذ لا يصدق وجود عقله بعقله ؟ لكون العقل عنده لا يصدق غير المحسوس وإنما يصدقه بقلبه كما فعله بالدين ، حيث أخرجه من دائرة العقل وخصصه بدائرة القلب وسيجى نصه .
(3- موقف العقل – ثان )
انتهى الهامش
ـــــــــــــــص 34ـــــــــــــــ
كونه حقا وواقعا . والاستاذ فرح ما أخطأ فى فهم معنى الغيب حيث جعله مقابل المسوس كما جعلنا لكن أخطأ فى جعل الغائب عن الحواس غائباً عن العقل أيضا ً . ولا يكون الإيمان بالغيب الذى هو الإيمان الدينى غائبا ً عن العقل ومناقضاً له حتى نعمَّ
هذه المناقضة جميع الأديان كما ادعاه الأستاذ ، وإنما يناقض الدين العقل بانطوائه على عقيدة إلهية لا يقبلها العقل ككون الإله الواحد بالذات ثلاثة بالذات .
يقول الأ ستاذ مستمر على خطائه :"إن جميع الأديان متشابهة فيما عدا الآداب والفضائل لأن مبادئها وأصولها مشتركة وهى غير معقولة".
وأنا أقول :"إن ربى جميع الأديان فى أصولها ومبادئها المشتركة بعدم المعقولية طعن عظيم فى الأديان يعدل إبطالها .. فلينظر القارىء من الأستاذ المدافع عن النصرانية ، سوء نظره فى الأديان كلها ! وماذا حاجته إذن إلى تأويل ما فى دينه مما لا يقبله العقل كالتثليث والأوة والبنوة ، بعد اعترافه بعدم معقولية الأديان فى مبادئها وأصولها المشتركة التى هى مبادئها وأصولها الرئيسية ؟ ومنه يعلم أن الأستاذ نفسَه غير مقتنع بكونه ردَّ دينه غير المعقول من أساسه إلى المعقولات بتلك التأويلات . والذى نعلمه نحن أن نقاط الاشتراك بين الأديان الحق السماوية كالإسلام واليهودية والنصرانية يلزم أن تكون أقوى ما فيها وأخلده وأسلمه من النسخ والتعديل والتأويل ، كمسألة التوحيد وإنزال الكتب وإرسال الرسل وتأييدهم بالمعجزات والبعث بعد الموت والحساب والثواب والعقاب .. وكل ذلك معقول كما سنثبته فى هذا الكتاب ، وإن لم يكن معقولا على مقياس عقول بعض الناس مثل الاستاذ فرح مناظر الشيخ محمد عبده ، لعدم كونه محسوسا . إذ لو لم يكن معقولا كان محالا ولم يكن حقا وواقعا .. إلا أن الأستاذ فيه مرض الأستاذ فريد وجدى بك وعقليته التى تزعم استحالة معجزات الأنبياء والبعث بعد الموت عند العقل ، وإلا ان عدم المعقولية الذى يلازم المسيحية ليس بعيب فى نظره أى الأستاذ فرح . فمن هذا يحاول أن يرمى به جميع الأديان فيخفف َ عن المسيحية
ـــــــــــــ ص 35ـــــــــــــــ
بهذا الاشتراك .. وستعرف الفرق الواضح بين الإسلام والمسيحية فى هذا الشأن المهم . فإن كان عدم المعقولية عيبا فما فعله الأستاذ من رمى الأديان كلها به إهانة للأديان عظيمة ، وإن لم يكن عدم معقولية الأديان يعدٌ عيباً عليها عند الأستاذ فهذا استهانة بالعقل أية استهانة .
ويقول الأستاذ ص 122 :" إن العلم يجب أن يوضع فى دائرة القلب لأن قواعده مبنية على التسليم بما ورد فى الكتب المقدسة من غير فحص فى أصولها ".
ويقول فى ص 182 :" إن الدين متى صار عقليا لم يعد دينا بل أصبح علما (1) إذ ماهو ال دين ؟ هو الإيمان بخالق غير منظور وآخرة غير منظورة ووحى ونبؤة ومعجزة وبعث وحشر وحساب وثواب وعقاب وكلها غير محسوسة ولا معقولة ولا دليل عليها غير ما جاء فى الكتب ا لمقدسة (2) . فمن يريد فهم هذه الأمور بعقله ليقول إن دينه عقلى ، ينتهى إلى رفع ذلك لا محالة . وهذا هو السبب فى قسمتنا الإنسان فى الجزء التاسع من " الجامعة " إلى عقل وقلب ، تلك القسمة التى رد عليها الاستاذ (يعنى مناظره الشيخ محمد عبده ) فى رده الرابع دون أن يقنعنا . ولا يمكن أن يوجد
---------- هامش ص 35-------------
(1) سيأتى منا أن أساس الدين فى الإسلام ماهو ببعيد عن العلم إن لم يكن العلم نفسه .
(2) ماذا يكون جواب الاستاذ لو سألناه : بأى حق يسمى تلك الكتب ، الكتب المقدسة مادامت لا دليل على ماجاء فيها ؟ فإن قال لأنها جاء بها الأنبياء عليهم السلام ، قلنا لا نبى عندك لأن العقل لا يقبل النبوة لكونها غير محسوسة ولا معقولة ولا دليل على وجود الأنبياء غير ماجاء فى كتبهم أنفسهم . وإن قال إن نبوءتهم ثبتت بالمعجزات التى ظهرت على أيديهم ، قلنا لا معجزة عندك والعقل لا يقبلها ولا دليل على ظهورها فى أيديهم غير ماجاء فى كتبهم . بل يقال للأستاذ : من أرسل هؤلاء الرسل وأنزل عليهم تلك الكتب ؟ فإن قال : الله ، ي قال وجود غير معقول عندك لكونه غير منظور ولا دليل على وجوده غير ماجاء فى كتب الأنبياء الذين لا دليل على كونهم أنبياء ولا على كون تلك الكتب كتبا إلهية مستندة إلى وحى من الله لأن الوحى أيضا غير معقول عندك ، لكونه غير منظور ولا دليل على وقوعه غير ماجاء فى تلك الكتب نفسها !..
ـــــــــــــــ ص 36ــــــــــــــــــــــ
فى العالم دين عقلى إلا إذا كان ذلك الدين يٌثبِت بأدلة عقلية مبنية على الامتحان والتجربة والمشاهدة نفسَ الإنسان الخالدة َ والآخرة وبعثَ الأجساد والثواب َ والعقابَ والوحىَ والحقَّ سبحانه وتعالى . ولذلك كان العقلاء من الفلاسفة ورجال الدين فى كل ملة (!) ينادى بإبعاد العقل عن الدين ،أما العقلاء من الفلاسفة فإنهم يكرهون مقاومة معتقدات الناس وذلك للضرر من جراء هذه المقاومة ، وأما رجال الدين فالفرار من برهان العقل الذى يهدم كل شئ لا يقع تحت جنسه".
أقول :إن الأستاذ أنكر عقله مرة أخرى وانزله منزلة الحسن وهدم أسس الأديان قاطعاً علاقتهما بالعقل !.. فالدين عنده حتى القول بوجود الله لا يقبله العقل ولا العاقل مع أنه يدعى كونه مسيحيا صميما (1) فهو ينكر الدين ولا يدرى أنه ينكر ، وهل
----------- هامش 36----------------
(1) قال فى ص 87 :"إن الدين فى غنى عن دفاعكم (يخاطب مناظره) ودفاعنا ونحن ننزه الأديان التى هى سلم مدينة الشعوب وروح حياتها الأدبية عن أن يحتاج إلى دفاع ، لأن ذلك بمثابة الدلالة على ضعفها ومتى أصبح الدين ضعيفا فماذا يفيد" دفاعنا أو دفاع غيرنا ؟"
أقول الأستاذ يتكلم بالنظر إلى النصرانية التى هى دينه ودين الأمم المتغلبة اليوم على الأرض فإذا كان دين لمعتنقيه القوة والغلبة العالمية هكذا ، يأخذ الدين قوة من قوتهم ولا يحتاج إلى قوة الحجة والبرهان كما قال الأستاذ وصدق بعض الصدق ، لكن الإسلام والمسلمين فى زماننا على العكس ، فهم ضعفاء فى الأرض على الرغم من كون دينهم أقوى الأديان حجة وبرهانا . ثم إن هذا الدين القوى يعتريه وياللأسف ضعف من المسلمين حيث لا يستفيد المسلمون من قوة دينهم لكون الشيطان استولى على قلوبهم زيادة على استيلاء الغالبين على كيانهم .وأنى فى موقف يذوب له القلب من كمد حيث أظل إزاء استغناء الأستاذ عن الدفاع عن دينه المحتاج إلى الدفاع ، فى حاجة ملحة إلى الدفاع عن دينى الغنى عنه ، لا فى حاجة إلى الدفاع عنه تجاه الأستاذ فرح أنطون فقط، بل أكثر منه تجاه المسلمين المثقفين المصريين الذين أنجذبوا إلى الغربيين الأقوياء ولكنهم لم يقتبسوا قوة من قوتهم وإنما اقتبسوا ضعفا دينيا من موقف دينهم الضعيف المحتاج إلى الدفاع .
وقال فى ص 142:" ليس يهم عقلاء المسيحين أن يقالا كل مايقال فى دينهم كما أن عقلاء المسلمين لا يهمهم كل ما يقال فى دينهم أيضا لأن الفريقين يعلمان أن هذا الأقاويل كلها ليست سوى هباء منثور فى الهواء ". =
انتهى الهامش
ـــــــــــ ص 37ــــــــــــــــــ
يكون إنكار للدين أكبر من اعتباره مما ينكره العقل ويأباه .. مع أن ما ينكره العقل يكون محالا باطلا فضلا عن أن يكون مخالفاً للواقع . ولا يجدى بعد هذا أن يجد الدينُ مسنداً ومتكأ من القلب ، لأن العاقل لا يتبع ميوله القلبية غير المعقولة ويعتبرها أهواء وضلالات ، وحسب الأديان سقوطا وإفلاسا أن لا يكون مخاطبها العقل وأنصارها ذوى العقول .
--هامش 37-----------
= أقول :ما للعقلاء والأديان لا سيما الأديان القوية بالمثابة التى ذكرها الأستاذ ؟ أما يكفيهم عقولهم هادمة لأديانهم ؟ أليس هذا تناقضاَ من الأستاذ مع ما ادعاه ونقلنا قريبا ً عنه من أن برهان العقل يهدم كل شئ لا يقع تحت حسه؟
وقال فى ص 150:"إن الدين صار يشك بنفسه وصار رؤساؤه يتخذونه آلة لكبح جماح الشعب الشعب وقضاء أغراضهم العمومية أو الخصوصية ولذلك خمدت وا أسفاه تلك الحماسة الدينية اللطيفة التى كانت أضاءت العالم فى صدرى المسيحيه والإسلام. لذلك لم تعد ترى أناساً يبكون عند سماعهم وعظ الإمام أو الكاهن من على المنبر كما كان يحدث فى صدر الإسلام والمسيحية ، اللهم إلا النساء اللاتى هن مثال الرقة واللطف فى الأرض وحافظات الدين القلبى فيها ولذلك أيضاً ضعفت آداب الشعوب وانحطت أخلاقها بارتخاء تلك الفضيلة السامية ".
واقرأ قول الأستاذ أيضا من 168 ثم انظر هل يلتئم مع أقواله السابقة النقل :"إنا نعتقد أن خاصة الأمة يمكنها الاستغناء عن رجال الدين بكل سهولة لأنها قادرة على أن تعبد الله مباشرة وليست فى حاجة إلى واسطة بينها وبينه ، فالرجل المهذب الذكى القلب كلما أشرق الصباح ورأى بهاء النور . كلما أمسى المساء وشاهد جمال السماء فى الظلام . كلما رأى نباتاً ينمو وعصفوراً يفرد وندى يترقرق على أوراق الشجر تحت أشعة الشمس ... كلما رأى ذلك يشكر الله تعالى على آلائه ونعمه (*) وهذا الشكر من أحسن أنواع العبادة ، ولسنا نقول أنه لا عبادة سوى هذه العبادة فإن للعبادة مع الجماعة فى الكنائس والجوامع أى الصلاة فيها معهم من الجمال والعظمة إذا كانت مستوفاة شروط الرزانة والوقار والأدب ، ماتتحرك له كل نفس تعرف الخالق معرفة حقيقية . ولكنا نقول إن خاصة الأمة المهذبة نفوسهم وعقولهم فى غنى عن الذهاب إلى الجامع أو الكنيسة
-------- هامش 37-----------
(*) الرجل المهذب العقل الذكى القلب إذا شكر لله تعالى لزمه أن يشكر بقلبه ويأباه بعقله الذى لا يعترف على قول الأستاذ بوجود مالا يدخل تحت حسه ولا بمعنى الشكر لما لا وجود له .
ــــــــــــــــــــ ص 37ــــــــــــــــــــــــ
وقد علمت أن دافع الأستاذ إلى القول بعدم معقولية الدين كونه دينه الذى هو النصرانية إنما يستند إلى العاطفة وليس له مستند من العقل ولا ائتلافٌ معه . لكن لا يلزم من عدم معقولية النصرانية أن يكون كل دين كذلك .. فإقرار الأستاذ ضد الأديان حجة قاصرة على دينه ، وها أنا أقول إن الإسلام دين معقول تأتلف عقائده بالعقل
--------- هامش ص 38-------------
لا ستشارة الشيخ أو الكاهن أو الصلاة وراءهما لأن مشيرهم هو العقل الدرب (*) والقلب الطبيعى البسيط ، وقد قال المعرى إن خير المشيرين وكنيستهم وجامعهم هما هذه الطبيعة العظيمة الواسعة التى خلقها الله ، أكبر وأعظم من كل الجوامع والكنائس ، ومادام خاصة الأمة فى غنى عن أناس يدبرون أرواحهم لأنهم قادرون على تدبير أرواحهم بأنفسهم فقد بطل نصف حجة الأستاذ (يريد الشيخ محمد عبده) لم تبق إلا أرواح الشعب المحتاجة إلى إرشاد وتدبير ".
أقول:مراده من استغناء الخاصة عن رجال الدين وعن الكنائس والجوامع استغناؤهم عن الدين ذاته كما لا يصعب فهم هذا المعنى من خلال سطوره مع أن رجال الدين الذين خاصة الأمة فى غنى عنهم يدخل فيهم الأنبياء عليهم السلام أيضا نظر إلى كون المستغنيين قادرين على تدبير أرواحهم بأنفسهم . وهذا القول يذكرنا قول الأستاذ فريد وجدى إن علماء الغرب الكبار فى غنى عن الاهتداء بهدى الشرائع المنزلة لأنهم أنفسهم وضعة الشرائع والمذاهب .
وفكرة التفريق بين الخاصة والعامة فى الامتثال بأوامر الدين أخذها الأستاذ فرح أنطون فى غالب ظنى عن الفيلسوف ابن رشد الحفيد الذى يقترح فى كتابه "مناهج الأدلة " دينين ديناً للخاصة ودينا للعامة والذى ألف الأستاذ كتابه فى فلسفته . فإن كان هذا الفيلسوف كما قالوا معلم الغربيين الأول فى الفلسفة فهو أيضا معلمهم النفاق والثنائية فى الدين ، وظنى أيضا أن فلسفة الرجل لم تكن مشهورة ولا نافقة بين علماء الإسلام حتى أدخلها الأستاذ فرح أنطون فى مصر فكان لها أثر فى تشويش الرأى العام العلمى الدينى بها وإفساده فى الشرق بعد الغرب . ولما كانت شرائع الأديان قوانيين إلهية وضعت على أن تكون مطاعة للعباد فيلزم أن يتساوى أمامها الخاصة والعامة ، كما لا تفريق ولا استثناء فى قوانيين الحكومات . قال خضر بك من علماء عهد السلطان محمد الفاتح أستاذ المحقق الخيالى فى منظومته الكلامية النونية :
وليس للسيد مسقطة تكليفه كمجانين وصبيان
-------------
(*) ماهذه المتناقضات من الأستاذ ؟ والعقل فى مذهبه لا يشير إلىالعاقل بتصديق الدين ولا باعتقاد وجود الله، ذلك العقل الذى يهدم كل شئ لا يقع تحت حسه !..
انتهى الهامش
ـــــــــــــــــــــــ ص 39ـــــــــــــــ
وتستند إلى المعقولات ، والمستحيل عند العقل مستحيل فى الإسلام ولهذا الدين فلسفة مبسوطة فى علم الكلام علم أصول الدين وترى فى هذا الكتاب إن شاء الله مايحتاج المتعلمون إلى معرفته فى هذا العصر من تلك الفلسفة ، فالإسلام كأنه علم من العلوم من حيث اهتمامه بالعقل ، فهو كما قال الأستاذ :"لو كان الإسلام دينا عقليا لأصبح علما" وليس كما قال بعده "فإذا أصبح علما خرج من أن يكون دينا " لأن العلم لا ينافى الدين كما أن العقل لا ينافيه . وحسبك شاهداً لمبلغ الإسلام فى احترام العقل تصريح علمائنا الذى ربما لا يدريه الأستاذ فرح منشئ مجلة "الجامعة" ، بأنه إذا وقع تعارض بين الدليل العقلى والدليل النقلى يرجع الأول ويؤول الثانى .واهتمام المسلمين بالعقل وإهمالهم العاطفة بالغٌ إلى حد أنه أضر بمصلحة الإسلام ، فالنصرانية تعيش ما عاشته العواطف وإيقاد جذوتها فى قلوب النصارى ، فى حين أن المسلمين أهملوا بعد تدوين علم الكلام تربية العواطف الدينية فى قلوبهم مغترَين باستناد دينهم إلى أساس العقل والعلم فأمسوا فى دينهم كأناس لهم علم وليس لهم عمل .
أما أن العقل كيف يقبل الأمور المعتقدة فى الدين والتى عدَدها الأستاذ زاعماً عدم معقوليتها لعدم محسوسيتها ، فأنا أفهم معقولية كل ذلك إجمالا بمعنى أن العقل يعترف بإمكانها جمعاء عدا الله تعالى ، أما الله تعالى فالعقل لا يكتفى بالعتراف بإمكان وجوده بل يراه واجب الوجود ومستحيل العدم كما سيجئ إثباته (1) وإذا ثبت وجود الله
--------- هامش ص 39--------------
(1) والمعجزات أيضا لا يكتفى العقل بالأعتراف بإمكانها بل معترف معه بوقوعها فى أزمة الأنبياء تحت مشاهدة الناس المعاصرين ثم انتقال أخبارها إلينا انتقالا لا تقل قيمته من قيمة انتقال وقائع تاريخية مشهورة . فلماذا إذن نثق بتلك الوقائع ولا تثق بوقوع المعجزات بعد الاقتناع بإمكانها ؟ والذين يشكون فى صحة وقوع المعجزات حين لا يشكون فى صحة الوقائع التاريخية المشهورة البعيدة عنا فإنما يخلطون مسألة وقوع المعجزات بمسألة إمكانها التى يحتاجون فيها إلى دليل آخر غير دليل الوقوع لكونها من الخوارق ولا يحتاجون إلى م ثله فى إمكان الوقائع التاريخية العادية .=
انتهى الهامش
ـــــــــــــــــ ص 40 ــــــــــــــــ
يكون إثبات إمكان ماعداه من الأمور المذكورة من أسهل الأمور . والذين يستصعبونها يستصعبون من أجل أنهم لا يؤمنون بوجود الله وإلا كان إنكار إمكان تلك الأمور مع الإيمان بوجود الله الذى خلق السماوات والأرض ، حماقة محضة، فالله تعالى يبعث من فى القبور مثلا إذا جاء وقته ويخلقهم ثانياً كما خلقهم أول مرة وكذا الحال فى أمثاله (1) وقد وفينا حق الكلام فى إثبات إمكان معجزات الأنبياء عند العقل فى أول الباب الثالث من هذا الكتاب المنشور قبله باسم" القول الفصل".
ثم لا يخفى مافى سياق كلام الأستاذ فرح أنطون هنا من الأضطراب وهو حسب القارئ علماً بأن الأستاذ لا يتكلم عن علم وإحاطة بما يحاول أن يرمى به الأديان ، فلا يتعين تماما ولا يتبين أنه يرميها بمخالفة العقل أو بمخالفة الحس أو بمخالفتهما معا . ولا يمكننا أن نعدّ العقل والحس شيئاً واحداً تكون المخالفة لأحداهما مخالفة للآخر ، فبمخالفة أيهما يرمى الأديان؟ وكان أصل دعواه ومنشأ اختلافه مع خصمه الذى يناظره أعنى الشيخ محمد عبده ، أن الدين لا يكون عقليا أى لا يتفق مع العقل لأن أساساته كلها غير معقولة ، لكنه عند إثبات هذا المدعى خلطه بمخالفة الحس لئلا تبقى تهمة
---------------هامش ص 40-----------
= وبعد انضمام دليل الإمكان الذى ذكرناه إجمالا (وسوف نذكره فى محله مفصلا) إلى دليل الوقوع فلا محل للشك فى صحة أنباء المعجزات ... ولا فرق بينها وبين صحاح واقعات التاريخ العادية فى دليل الوقوع ، بل إن دليل الوقوع فى المعجزات أقوى منه فى العاديات لكون روايات الناس فى المعجزات مدعمة بنصوص الكتب المقدسة .
(1) وأما قول الأستاذ :"فمن يريد فهم هذه الأمور بعقله ليقول إن دينه عقلى ، ينتهى إلى رفع ذلك لا محالة" فجوابه أن المراد من فهم هذه الأمور بالعقل كون العقل يفهم إمكان وقوعها إجمالا بالنسبة إلى قدرة الله الذى يخبر بوقوع تلك الأمور ، وليس بلازم أن يفهم العقل كيفية وقوعها تفصيلا ، لكن الأستاذ يفهم كيفية وقوعه، فهل عقل الأستاذ يفهم كيفية خلق الله إياه أول مرة فى بطن أمه وأنه كيف قدر عليه؟ ومع هذا فالله تعالى خلقه وخلق عقله هذا الناقص التميز.
صفحة 41
عدم المعقولية خاصة بالنصرانية التى هى غير معقولة حقيقية بل يتهم معها جميع الأديان، مع أن عدم المعقولية شئ و عدم المحسوسية شئ آخر. فإن كان الأستاذ رجع عما ادعاه أولا من عدم معقولية أساسات الدين إلى دعوى عدم محسوسيتها فتغيير الدعوى ممنوع فى قانون المناظرة و معدود من إفحام المدعى، مع أن فى رمى أسس الدين بمخالفة الحس نزولا إلى مرتبة جهال بنى إسرائيل الذين قالوا لنبيهم "يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة" و إن كان الأستاذ ثابتاً فيما ادعاه من أن أسس الدين تخالف العقل فنحن لا نسلم به و سنجيب عنه بما يقنع القارئ إن شاء الله. و إن كان يريد إثبات عدم معقوليتها بعدم محسوسيتها فنحن لا نسلم به أيضاً إذ لا يلزم من كون الشئ غير محسوس أن يكون غير معقول، و لا قائل بين ذوى العقول بأن العقل و الحس شئ واحد و آلة واحدة. نعم فى أعداء الدين من يعتمد على الحس لعدم شهادته للدين و لا يعتمد على العقل لشهادته له. و هذه مسألة تفضيل الحس على العقل التى لا ينفع الأستاذ التمسك بها و هو فى صدد إثبات مخالفة العقل للدين، بل يضره كما قلنا من أنه تغيير الدعوى الذى يعتبره قانون المناظرة المدون فى علم آداب البحث و المناظرة، إفحاما للمدعى. ثم إنا نقول ردا على هؤلاء المفضلين الضعاف العقول إن الإنسان يمتاز على سائر الحيوان بالعقل لا بالحس، فإن كان الأستاذ ينحاز إليهم و يستهين بالعقل تحقيقاً لخصومة الدين بأى طريق أمكنه فيدعى دعوى جديدة بعد إفحامه فى دعواه الأولى، فعند ذلك يكون الأستاذ خصما للدين و للعقل معاً و قد كان ابتدأ مخاصمته للدين بادعاء أنه غير معقول أى بإيجاد الخصومة بين الدين و العقل فانتهى به سعيه إلى مخاصمة الأستاذ نفسه للعقل و هو الأحرى أن يكون غير معقول لا الدين. فإن اعتذار معتذر عن الأستاذ و عن هؤلاء المفضلين بأنهم لا يفضلون الحس و لا يستهينون بالعقل و إنما يشترطون فى التمويل على العقل استناده إلى الحس و تأيده به، فالجواب أن هذا استهانة بالعقل لجعلهم الثقة دائرة مع الحس، و ليس تفضيل الحس على العقل شيئاً غير هذا، بل تفضيل شهادته المنفية
صفحة 42
على شهادة العقل المثبتة. و كفى موقف الأستاذ سخافة و ركاكة أن يحتاج إلى الإستهانة بالعقل بينما هو يعيب الدين بعدم استناده إلى العقل ؛ فالأولى به و بأمثاله ما دام موقفهم ينتهى إلى هذا الأنحراف أن يبدأوا الكلام ضد الدين بدعوى عدم استناده إلى الحس و يقلعوا بالمرة عن التشدق بدعوى عدم معقوليته. و هذا هو تمام تحليل المقام لقطع جميع طرق الفرار على خصماء الدين و من الله التوفيق.
(3) يقول الأستاذ: "ربما كان الغرض من القول بأن النصرانية دين عجائب و غرائب و أن الإسلام دين العقل الإشارة إلى مذهب التثليث في الأقاليم و مسألة بنوة المسيح لله, فإذا كان هذا الظن في محله فهو جدير بأن لا يقابل إلا بالإبتسام الخ".
وأنا أقول: إن صنيع الأستاذ فرح أنطون في حل مشكلة التثليث المعروف الذي تمسكت به النصرانية و عجز العقلاء عن حله و فهمه, برده إلى تصور شعري و تمثيله بما في الإسلام و غيره من وصف الله تعالى بثلاث صفات أو أكثر كالعلم و الإرادة و القدرة, وكذا تشبيه قول النصارى ببنوة المسيح لله بما جاء في القرآن من تسمية الناس بعباد الله.. إن صنيع الأستاذ هذا هو الذي يجدر بأن يقابل بالإبتسام لا قول ناقدي النصرانية في أمتناع تأليفها بالعقل من جراء تينك المسألتين. فأقول أولاً إن الأستاذ يجتهد عبثاً في تأويل المسألتين المذكورتين و تقريبهما إلى العقول و الأفهام بعد أن أخبرنا عن رأيه في الأديان و عقائدها أنها لا تأتلف مع العقل و أن ذلك ليس بعيب عليها, فهل حالة عقيدة التثليث و بنوة المسيح لله أشد و أبعد من عدم الائتلاف بالعقل حتى يرى نفسه في حاجة إلى تأويلهما؛ أو أن الذي في الأديان -على قوله- من عدم المعقولية في مبادئها و أصولها المشتركة لا يقبل شىء منها التأويل و الاعتذار سوى ما في النصرانية من التثليث و بنوة المسيح لله؟
و أقول ثانياً: إن هاتين المسألتين أعظم من المنزلة التى أنزلهما الأستاذ إليها, فمسألة
صفحة 43
التثليث أعظم من أن يقاس باختلاف أهل السنة و المعتزلة من المسلمين في صفات الله إذ لا استحالة في اتصاف الواحد بالذات بعدة صفات, لكن التثليث المعتقد في النصرانية تثليث في ذات الله و تخليطها بذوات أخرى, ولذا عبروا عن أركان هذا الإله المثلث بالأقانيم التي هي بمعنى الأصول لا بمعنى الصفات و حددوها بالأب و الإبن و روح القدس, فهذه الذوات الثلاث تتكون منها الأسرة الإلهية فيكون المجموع إلهاً و احداً و كل واحد منها إله مستقل أيضاً لا جزء من الإله. فالله عندهم ثلاثة وواحد معاً, ففيه تعدد الله و تركبه من ذوات مختلفة, و فيه كون الواحد ثلاثة و الثلاثة واحداً.. ففيه الجمع بين الإشراك و التوحيد لا بمعنى التأليف و التوسط بينهما بل بمعنى الجمع بين النقيضين, و فيه كون المسيح إلهاً مستقلاً مع ما ينافيه من كونه داخلا في أركان الألوهية باسم الإبن على الرغم من كونه حادثاً, فتكون أقانيم الألوهية قبل حدوث المسيح كما قال العالم الكبير مترجم "المطالب و المذاهب" (1) ناقصة وبحدوثه اكتملت عناصرها. فهذه هي العقيدة النصرانية و ليست لها مناسبة بالتصور الشعري إلا من ناحية قولهم "أعذب الشعر أكذبه" مع كون مناسبتها بذلك القول في شطر الأكذب فقط لا في الأعذب و من الظلم الفاحش تشبيه قول النصارى بأن ذات الله مركبة من ثلاث ذوات الأب و الإبن و روح القدس, بقول المسلمين أن الله متصف بصفات الكمال مثل العلم و الإرادة و القدرة.
ونحن إذا لم نوافق الأستاذ فرح أنطون على تلقي عقيدة التثليث النصرانية كأنها شعر من الأشعار المبنية على التخييل لا عقيدة من العقائد الراسخة, فلسنا مفترين على النصرانية. ألا ترى كيف يتصورها علماء هذا الدين و كيف يحاولون تقريبها من
الهامش: (1) كتاب جليل في تاريخ الفلسفة جمع فيه إلى تاريخ الفلاسفة تحليل فلسفة كل واحد منهم ونقدها, ونقل قسم ما وراء الطبيعة منه إلى اللغة التركية أحد علماء الترك الأعلام و مشايخها العباقرة مع تعليقات قيمة من عنده.
صفحة 44
الأفهام و العقول. و هل ما قالوا عنها يشبه قول الأستاذ فرح و تأوليه؟ قال الفيلسوف الفرنسي "يول زانه" في "المطالب و المذاهب" ص 220 من الترجمة التركية نقلاً عن "سنت أوجوستن" من فلاسفة القرون الوسطى الميسحيين:
" ما من شيء في العالم إلا و له ثلاث جهات واعتبارات: وجوده و كونه شيئاً فلانياً أي صورته التي يتقوم بها و دوامه على ما هو عليه من الحالة. فالوجود من الأب و الصورة من الأبن و الدوام من روح القدس".
فهو يمشي التثليث في الخلائق أيضاً ويجعل كل واحد من الأمور الثلاثة المذكورة التي توجد في كل مخلوق, أثر واحد من الإله المثلث المؤلف من الأب و الأبن وروح القدس, فهم شركاء في خلق الأشياء يخلق كل واحد منهم ما يختص به من كل شيء. "فسنت أوجوستن" يتصور في كل شىء واحد جهات ثلاثا و يمثل به الإله الواحد مع أقانيمة الثلاثة. لكن المخلوق في تصويره واحد بالذات و ثلاثة بالإعتبار بخلاف الخالق فإنه ثلاثة بالذات أعنى الأب و الإبن و روح القدس, و الإشكال في كون هؤلاء الخالقين الثلاثة أعنى خالق الوجود و خالق الصورة و خالق دوام الوجود و احدا بالذات, لا في كون المخلوق الواحد بالذات ثلاثة بالاعتبار.
وقال أي "بول رانه" ص 208 عند بيان الفلسفة الإلهية للمدرسة الاسكندرانية التي أسسها "بلوتن" الملقب بأفلاطون الثاني: "إن هذه المدرسة تقبل إلهاً مثلثا, إلا أن بين هذا التثليث و تثليث النصارى فرقاً أساسياً لأن الأشخاص الثلاثة التي تطلق عليها الأقانيم "هبوستاس" متساوية في تثليث النصارى, و تلك الأقانيم تشكل في الأشخاص الثلاثة إلهاً و احداً بعينه. و الأقانيم الثلاثة في تثليث المدرسة الاسكندرانية منزلة من الواحد إلى العقل و منه إلى النفس".
و قال في ص 64 نقلا عن "سن طوماس" من فلاسفة القرون الوسطى المسيحيين:
صفحة 45
"إنه لا يقبل كون العقل الطبيعي مثبتاً للحقائق الإلهامية كالتثليث و الذنب الفطري و يقول إنها غير منافية للعقل وإنما هي فوق العقل و من أجل ذلك موضوع الإيمان" و الحال أن التصورات الشعرية التي يحاول الأستاذ فرح أنطون أن يرد تثليث النصارى إليها لا تكون فوق العقل و فهمه, و خصيصاً لا تكون حقائق.
وقال "الكساندر باين" المنطقي الغربي المشهور: "إن النصرانية تحبذ التناقضات التي يفر منها العلم. فكأنها ترى فيها صنعة الطباق الشعرية" مع أنه ليس في الصناعات الشعرية صنعة التناقض فكأنه شبه التناقض بصنعة الطباق. ثم إن الصناعات البديعية يلزم أن تتضمن فائدة معنوية أو لفظية, ولا يوجد في تناقض التثليث أعنى كون الآلهة الثلاثة إلها و احدا سوى المبالغة في تحقق معنى الألوهية الكاملة التي تقتضي الوحدانية, في كل منها, فكأن كل واحد منها وحيد في الألوهية و لا إله غيره, فليس معنى كون الآلهة الثلاثة إلها و احدا أن كلا منها جزء الإله و الإله الحقيقي هو مجوع الثلاثة, بل معنا أن كلا منها إله حقيقي تام الألوهية حتى إيه متصف بالوحدانية اللازمة للألوهية الحقيقية. وهذا التوجيه يرجع إلى دفع التناقض بجعل الوحدانية ادعائية مبالغا فيها و الثلاثية حقيقية, أي أن الإله ثلاثة في الحقيقة لا واحد و إنما المراد من كونه واحدا أن كلا من الآلهة الثلاثة إله بتمام معنى الكلمة و كأنه لا إله غيره مع أن معه إلهين اثنين, فلو كانت الوحدانية أيضاً حقيقة لبقى التناقض مع الثلاثة إلها. وهذا التأويل الدافع للتناقض يهدم تأويل الأستاذ فرح الذي أراد التوسل به إلى التخفيف عن شناعة مسألة التثليث, من أساسه لكونه متضمنا للاعتراف بالشرك البالغ المعتنى به في النصرانية. وإذا لم يلجأ إلى هذا التأويل الدافع للتناقض فالتناقض نفسه يكفى في هدم نفسه و هدم عقيدة التثليث معه, و إن كان "هيجل" الذي يعده الغاوون
صفحة 46
من كبار فلاسفة العصور الأخيرة أجاز التناقض على الرغم من فرار العلم -بل العقل أيضا- منه و أدخلت نظريته في فلسفة الغرب المنهية إلى الريبية بهذه الصورة و سيجئ بحثها. و كان أساس ضلاله أنه أعجب بالتناقض الحاصل من اتحاد الواحد و الكثير الذي في عقيدة التثليث و النصرانية كما في ((قصة الفلسفة الحديثة)) ص 386 فكيف يصح إذن تأويل الأستاذ فرح أنطون إياها بالتصور الشعري غير المحمول على حقيقته و قد اتخذت أساسا لفلسفة ((هيجل)) المنكر لاستحالة التناقض، فله حقيقة مقصودة بدرجة أن كبيرًا من فلاسفهم يسعى لتطبيق العلم عليه و لا يبالي بكونه سعيا لإفساد العلم بالتثليث بعد إفساد الدين به.
و قال العالم الكبير مترجم ((المطالب و المذاهب)): ((عقيدة التوحيد التي كانت تعتقد في فلسطين منشإ النصرانية لما رفضت في مجلس الرهبان بإزنيك (1) لعدم اقترانها بأكثرية الأصوات، قرروا على قبول عقيدة التثليث المركبة من الإشراك و التوحيد، و هي عقيدة النصرانية المؤيدة إلى خلاف دائم في الغرب بين العلم و الدين يجعل العلم مستخفا بالدين و الدين مستخفا بالعلم)).
و أنا أضيف إليه قولي: فماذا تقولون فيما فعله سفهاء متعلمي الشرق الإسلامي من نقل فكرة المناواة بين العلم و الدين الخاصة بالغرب النصراني إلى الأوساط العلمية الحديثة في بلاد الإسلام المسكينة التي نشأ فيها العلم و الدين متساندين ممتزجين لحما و دما حتى صعب تعلم الدين في الأزمنة الأخيرة على كسالي المسلمين تعلم العلم.
هذه مسألة التثليث و منها تعلم خطورة مسألة بنوة المسيح الذي هو أحد الأقانيم الثلاثة، لا كما قال الأستاذ فرح أنطون من أن الأمر عبارة عن كون الإنجيل يعبر عن البشر بأبناء الله كما أن القرآن يسميهم عباد الله، فالمسألة لا تجاوز أن تكون اختلافا
هامش الصفحة رقم 46
(1) إزنيك بكسر الهمزة اسم بلدة في غرب الأناضول.
صفحة 47
بين الكتابين فى الاصطلاح الذى لا مُشاحّة فيه !! وهل يظن الأستاذ أنه يقدر على نفى عقيدة النصارى فى المسيح عليه السلام غير المتفقة مع بشريته ومخلوقيته ؟ أليس هو ابن الله حقيقة ؟ وإلا فمن هو الابن الداخل فى أركان الألوهية الثلاثة ؟ و أى عبد من عباد الله - على قياس ابن الله هذا أُدخل فى أركان الألوهية فى عقيدة الإسلام ؟ كلا، بل لإبعاد كل إنسان عن المرتبة التى أصعد النصارى المسيحَ إليه ، سُمى عبد الله. ثم أليست سيدتنا مريم عند النصارى والدة الله ؟ وإلا فماذا الكتاب المسمى " أمجاد مريم البتول والدة الله " المطبوع فى روميه سنة 1829 والذى يباع اليوم بخمسة جنيهات ؟ ثم لماذا اتخذ الصليب الممثل للمسيح رمزاً للمعبود فى النصرانية إن لم يكن المسيح الله أو على الأقل ابن الله ؟ (1) ولماذا كان صلبه افتداء كافيا فى العفو عن ذنوب البشر ؟ مع أنه عليه السلام ليس بأول من قتل ظلما فى سبيل الله من الناس ولا من الأنبياء إن كان المسيح قتل كما قال النصارى .
والأستاذ يقول : " إن كل مسلم عاقل يعرف فى هذا الزمان أن اعتقاد عقلاء النصارى بالمسيح يوافق لشهادة القرآن " يعنى أنه لم يكن ابن الله ولا متجسدا فيه الله .
هامش صفحة 47
(1) فكيف يقاس ما صنعه النصارى من اتخاذ أشكال المسيح المصلوب رمزا للمعبود بما ورد فى القرآن من يد الله وعرشه من التعبيرات المكنية من قدرة الله وسلطانه ؟ وهل صنع المسلمون تمثالا ليد الله هذه وعبدوه كما عبد النصارى تمثال المسيح المصلوب ؟
أما تعريض الأستاذ لتعبير القرأن عن المسيح " برسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه " فالمراد من كون المسيح كلمة الله أنه محصول من كلمة "كن" من الله على خلاف سنته فى حصول الولد من نطفة أبيه . وليس فى كون المسيح روحا من الله ما يشبه تصديق النصارى فى القول بأنه ابن الله أو الله نفسه أحد الأقانيم الثلاثة الإلهية . ومن فى "منه" لابتداء الغاية لا للتبعيض. فلو استفيد من لفظ " روح منه " امتزاج المسيح بالله كان مثله واردا فى حق سيدنا آدم الذى قال القرآن عنه " فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين" بل واردا فى كل ما فى السماوات والأرض بالنظر إلى قوله تعالى " وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعا منه ".
صفحة 48
وفيه أنه إذا كان عقلاء النصارى لا يُصعدون المسيح فى اعتقادهم عنه إلى مرتبة الألوهية ولا البنوة لله فلماذا تركوا عامتهم على اعتقادهم الباطل ولم يُفهموهم الحقيقة ؟ وماذا يكون قول القائل فى دين يختلف فى أصول عقائده خاصة متدينة عن عامتهم ، إلى حد أن يكون الإله المعبود عند أحد الفريقين غير ما عند الفريق الآخر ؟ فهذا اعتراف صريح من الأستاذ بعدم قياس النصرانية بالإسلام الذى لا يقبل مث هذا الاختلاف الفاحش فى العقيدة الإسلامية بين خاصة المسلمين وعامتهم سوى ما شذ فيه ابن رشد فى نفى الجسمانية و الجهة عن الله فلم ينفهما رَوْماً للتسهيل على العامة . وليس فى التثليث تسهيل بل التصعيب كله .
و مما يؤيد كثيراً مما ذكرنا فى هذا المقام ، وخلاصته عدم جواز قياس النصرانية بالإسلام فى التمشى مع العقل والعلم وعدم إمكان الدفاع عن عقيدة النصارى فى ذات المسيح - أن الدكتور " ماكسوه ل " قال فى أوائل كتابه " الحادثات الروحية " :
" كثيراً مايذكر الخلاف و الجدال بين العلم والدين ، إلا أن ما ذُكر دون الحقيقة وهى أنى أرى شبوب حرب عوان بينهما مفضية إلى الموت ، و من السهل تعيين المغلوب منهما ، بل بدأت سكرات الموت تظهر فى عقيدة الدين المسيحى . ومن ذا يكرر اليوم قول " سنت أوجوستن " المشهور الذى كان يعلِّم الناس أن يؤمنوا من غير حاجة إلى أن يفهموا ، على ان يكون هذا هو الخاصة المميزة للإيمان : "أومن به لأنه عبث ! "
فإن كان الله موجودا أليس عدم استعمال العقل الذى هو أثمن مواهبه لنا فى تدقيق وظائفه نحونا ونحو غيرنا ، أعظم احتقار له ؟ ومع هذا فالذى يطلبه منا المذهب الكاثوليكى الاستسلام المطلق والإيمان الأعمى بكل ما تلقنه الكنيسة ، وإنى لا يُرانى قديرا بالقبول أن يكون إله الكاثوليكيين يستحسن التساهل لهذا الحد . والعقلاء حائرون فى تجسد الله وموته تضحية بنفسه فى إنقاذ البشر الذى لا يستحق هذه التضحية" .
صفحة 49
أفرأيتم أن عقلاء النصارى ليسوا مثل الأستاذ فرح مناظر الشيخ محمد عبده, منكرين وجود مسألة تجسد الله في المسيح في العقيدة النصرانية.. بل حائرين في تلك المسألة الموجودة فيها و في مسألة موته أي موت الله تضحية بنفسه. فالمقتول هو المسيح الله لا المسيح الرسول, ولذا كان ثمناً كافياً لإنقاذ البشر, ,إلا فقد قتل غير واحد من الأنبياء كشيعا وزكريا ويحيى عليهم السلام فلم يدع أحد أن الله قد ضحى بنفسه في موت هذا النبي أو ذاك النبي لإنقاذ البشر من عذاب جهنم فكان موته مغفرة لذنوبهم.
ثم إنه يمكن أن يقال على هذه العقيدة النصرانية: من يغفر المذنبين بعد تضحية الله بنفسه؟ بل من يعذبهم لو لم يغفر لهم؟ ومن يعيد الحياة إلى الله بعد موته؟ لأن الله الذي يقدر على أن يحيى الموتى مات في هذه المرة! فإذن يلزم أن يكون العفو عاما بالرغم من قصر رجال الكنيسة ذلك على الذين يعفون عنهم النصارى (1) يلزم أن يكون عاما حتى لقتله أو بالأصح قتله الله في المسيح (2).
وبمناسبة العقيدة النصرانية في العفو عن الذنوب مقابل تضحية الله بنفسه, يحسن بنا أن نلفت إلى أن العفو عن ذنوب البشر لمن يشاء الله منهم إنما يتوقف في عقيدة الإسلام على شرط واحد هو الإيمان بالله الواحد ورسله و بما جاء به رسله منه من غير حاجة إلى تضحية الله بنفسه و لا برسول من رسله حتى و لا إلى تضحية المذنب بنفسه كما قال الله تعالى في كتابه: ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك
هامش صفحة 49
[1] ويلزم أن يكون رجال الكنائس هم العافين عن الذنوب لا الله, كأنهم الله بالنيابة.
[2] بل يلزم أن يكون قتله المسيح قد فعلوا فعلاً لم يفعل مثله أحد في مصلحة البشر فيكونون أمن الناس على الناس و على الأقل على النصارى إن كان العفو عن الذنوب خاصا بهم و بالذين اعترفوا بذنوبهم أمام القسوس. وكان هذا على فرض وقوع القتل كما هو زعم النصارى.
(4- موقف العقل- ثان)
صفحة 50
لمن يشاء)) و من غير حاجة إلى الاعتراف بالذنب أمام أحد من الناس كما يعترف النصارى بذنوبهم أمام القسوس ليعفوا عنهم..نلفت إلى هذا ثم نذكر هذه العقيدة الإسلامية مثالا بليغا لسمو نظر هذا الدين في معاملة المذنبين حيث لا يضطرهم إلى أن يخجلوا أمام العافين من الناس، ثم نذكره مثالا أبلغ في اعتناء الإسلام بالعلم، إذ يكون الذي ينجي الإنسان من عذاب جهنم أو الخلود فيه على الأقل و يضمن له السلامة الأبدية، عبارة في عقيدة الإسلام عن الإيمان بالله و رسله و بما جاؤا به منه..عبارة عن التصديق الذي يمكننا أن نسميه العلم بقضية واحدة، لأن التصديق الشعري الذي هو الإيمان بالأمور المذكورة المحددة إما متحد مع التصديق المنطقي الذي هو العلم كما هو رأى العلامة التفتازاني، أو مركب منه و مما لا يمتاز عنه بسهولة كربط القلب بتلك القضية أو الإذعان و الانقياد لها كما هو رأي غيره. فالانسان ينجيه علم واحد نجاة الأبد و يهلكه جهل واحد هلاك الأبد.
و لا يشترط في العفو عن الذنوب بعد الايمان بالله و رسله و ما جاؤا به منه، أن يكون المذنب تائبًا عن ذنوبه -و إن اشترط اعترافه بحرمة الذنوب المحرمة لئلا يناقض إيمانه بما جاء به الرسول من الله- فإن كان تائبًا فالعفو مطلق غير مقيد بمن يشاء الله من عباده..و لا يشترط في التوبة الاعتراف بالذنب أمام رجل من رجال الدين، بل لا يجوز ذلك و يكون تحديث أحد لآخر بذنبه ذنبًا آخر. و إنما التوبة هي الاعتراف بالذنب فيما بين التائب و بين الله مع الندامة عليه ندامة ناشئة من خيفة الله لا لسبب آخر كإضرار الذنب بصحته أو بماله، و مع العزم على أن لا يعود إليه. فإذا صح منه هذا العزم عند التوبة فلا يمنع العفو المترتب عليها ما اقترفه من ذلك الذنب مرة ثانية أو ثالثة.
هذه طريقة الاستغفار من الذنوب في الإسلام ثل تشبه طريقته في العقيدة النصرانية؟
أما تسمية البشر في الانجيل بأبناء الله فإن صح ورودها في الانجيل المنزل على
صفحة رقم ( 51 )
سيدنا المسيح فنحن نسلم به محمولا على معنى مجازى معقول ، لكن مذهب المسيحية المبتدعية بعد المسيح لا يرضى بنوة المسيح بهذا المعنى المجازى الذى رضيناه نحن فى بنوة البشر عامة بل يحملها على حقيقتها ويجعلها ميزة للمسيح اى ميزة . وكتاب الفيلسوف ((رنان)) ((تاريخ المسيح)) الذى هو سند الأستاذ فرح أنطون فى تأويل بنوة المسيح بمعنى مجازى معقول ، يقول عنه الفيلسوف الإيطارى ((جيوفانى يايينى)) مؤلف ((حياة المسيح)) ص 64 من الترجمة العربية للاشمندريت انطونيوس البشير البستانى: ((الذى كتبه الاكلريكى الجاحد ((رنان)) الكتاب الذى يكرهه كل المسيحين الحقيقين للطريقة التى صاغه بها كاتبه الذى كان يطلى تهكمه وتحامله بطلاء الثناء لخدع السليمى النية البسطاء .. الكتاب الذى يحتقره كل مؤرخ صادق )).
وقال المترجم فى الحاشية التى كتبها لترجمة ((رنان)) : (( إن آراءه المودوعة فى كتابه ((حياة يسوع)) المطبوع سنة 1863 أثارت الرأى العام ضده فعزل عن منصبه وكان أستاذ اللغات العبرانية والكلدانية والسريانية فى كلية فرنسية .. وقد أحدث طبع هذا الكتاب ضجة عظيمة فى أوربا كلها )).
ومن الغريب أن يقول الأستاذ فرح أنطون منشيء مجلة ((الجامعة)) ومناظر الشيخ محمد عبده عن هذا الكتاب الذى أثار ضجة عظيمة فى أوربا كلها : ((لو لم تكن ((الجامعة)) نشرت فى هذا كتاب ((تاريخ المسيح)) بقلم الفيلسوف ((رنان)) للزمنا أن نسهب فى هذا الموضوع (موضوع بنوة المسيح لله) أما وقد نشرنا هذا التاريخ وعرفنا صداه بين المسلمين والمسيحين فى الشرق والغرب الخ )).
الحاصل أن العقيدة النصرانية سواء كانت فى ألوهية المسيح أو بنوته لله على الوجه الذى يخرج من حد المعقول ويخل بشأن الألوهية ، مشهورة لا تقبل التغطية بأى تأويل.
هامش صفحة (51)
(1) تاريخ المسيح وحياة يسوع كتاب واحد لرنان ، والاختلاف فى اللفظ من المترجمين.
نهاية هامش صفحة (51)
صفحة رقم (52)
وحسب الأستاذ فرح شاهداً ضد ما ادعاه على خلاف المشهور المشهود للعالم فى عقيدة النصارى قوله قبل كلامه عن هذه الدعوى الجريئة بصفحة وهو يطريء خطبة المسيح على الجبل : (( ويصيح ((شاتو بريان)) فى كتابه ((روح المسيحية)) ليقيم دليلا على أولهيتها : (( وهل يمكن أن يصدر من البشر الضعفاء كمال كهذا الكمال)).
(4) وأما قول الأستاذ فرح أنطون : (( وإذا وجد اعتراض على تسمية أبناء الله التى وردت فى الإنجيل ألف مرة فعباد الله التى وردت فى القرآن لا تسلم من الاعتراض أيضاً . ذلك أن الإنسان لا يريد أن يكون عبداً لأحد ، وإذا كان الله قد خلقه ليجعله عبداً له فقد ظلمه )).
فجهالة لا تجاريها جهالة واستكبار يفوق استكبار إبليس لأنه أبى أن يسجد لآدم لا أن يسجد لله ويعبده وبالأولى أن يكون عبداً له . وكل من يعبد الله لا يعز عليه أن يكون عبداً له لأن العبادة فوق العبودية فى الدلالة على الخضوع ، بل يمكن الإنسان أو الشيطان أن لا يعبد الله ولا يمكنه أن لا يكون عبداً له فيصبح خارجاً عن سلطانه وهو الذى يحييه ويميته ويهيمن عليه فى كل لحظة من لحظات عينه وفى كل نبضة من نبضات قلبه ويمده فى كل نفس يتنفسه .. فتكون دعوى حرية الإنسان أو أى خلق من المخلوقات بين يدى ربه دعوى مضحكة جداً ، دعوى من سفه نفسه ولم يقدر من بيده ملكوت السماوات والأرض قدره.
وأنا ما كنت أظن أن يكون الأستاذ فرح منشيء مجلة ((الجامعة)) ومناظر الشيخ محمد عبده جاهلا لهذا الحد .. ولا أدرى هل هذه الجهالة أتته من عدم اعتقاده الدين وكونه من المستبطنين للإلحاد ، فلا يقدر الله حق قدره كالأستاذ فريد وجدى الزاعم بعجز الله عن خلق المعجزات وبعث الأموات .. أم أتته من النصرانية القائلة لاإله المصلوب المغلوب ، فيقيس ألوهية الله بألوهية المسيح وسيادته بسيادته فيعز عليه أن يكون عبداً له.
صفحة رقم (53)
هذا ، والله تعالى يقول : (( لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً )).
ويقول أيضاً : (( إن كل من فى السماوات والأرض إلا آتى الرحمن عبداً )) وهو سبحانه وتعالى يدخل من يصطفيه من الناس فى عباده تشريفاً له فيقول : (( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى )) ويقول : (( ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب )) لكن الأستاذ فرح لا يدرى ما فى العبودية لله من العزة ولا يقدر قول الشاعر المفتخر بعبودييته لحبيبته:
لا تدعنى إلا بياعبدها فإنه أشرف أسمائى
فإذا كان هذا موقف الإنسان من حبيبته فماذا يكون قولك فى موقفه من خالقه وخالق حبيبته ؟ ولقد أحسن القاضى عياض حيث قال :
ومما زادنى شرفاً وتيها وكدت بأخمصى أطأ التريا
دخولى تحت قولك يا عبادى وجعلك خير خلقك لى نبيا
(5) وآخر قولى فى الأستاذ منشيء ((الجامعة)) المدافع عن النصرانية : إنه لا يدافع عنها مؤمناً بأنه يدافع عن الحق ، ولهذا يجتهد على الأكثر فى مساواتها بالإسلام الذى لا يعتقده فيحكم عليهما معا بمنافاة العقل والعلم ، فهو يحاول إسقاط الإسلام بل الدين مطلقاً فى نظر العقل والعلم ولا يتجنب فى سبيل إسقاطه إسقاط النصرانية أيضاً ، إذ لا مراء فى منافاتها العقل والعلم . فموقف الأستاذ الحقيقى موقف الحامل على الإسلام لا المدافع عن النصرانية التى لا تقبل الدفاع. ومع كون الأستاذ لا يسعه التنكب عن موقف الدفاع عنها بالمرة ، فالظاهر أن جل همه تعييب الإسلام وتنزيله منزلة النصرانية فى منافاتها العقل والعلم.
وأكبر دليل على ما قلته من مرام الأستاذ الملفق ، اقتراحه على مناظره الشيخ محمد
صفحة رقم (54)
عبده التصالح على أن يختارا بعض الآيات من الإنجيل والقرآن فيعضا عليها بالتواجد ثم ينبذا ما بقى بعد ذلك من الكتابين وراء ظهريهما. وإليك قول الأستاذ:
(( ومالنا ولهذه التأويلات فى الإنجيل؟ نحن لا نعرف منه غير خطبة المسيح على الجبل المنشورة فى الاصحاح الخامس والسادس والسابع من إنجيل متى . فالخطبة على الجبل هى عندنا الديانة المسيحية كلها )).
ثم كتب ترجمة تلك الخطبة فى صفحة ونصف صفحة من كتابه ، وفيها قول المسيح المشهور : (( من لطمك على خدك اليمن فحول له الآخر)) وقوله : ((ماجئتكم لأقول اعفوا عن أعدائكم بل لأقول أحبوهم !)) ثم قال الأستاذ:
(( وبعد أن يقول ((رنان)) مثل ذلك يصيح فى كتباه ((تاريخ المسيح)) بأعلى صوته : هذه هى الديانة الأبدية! وإذا كان فى الأجرام السماوية أجرام مأهولة فإن ديانتهم لا تكون أرقى منها مهما بلغوا من الارتقاء فى سلم الكمال. ويصيح ((شاتوبريان)) فى كتابه ((روح المسيحية)) ليقيم الدليل على ألوهيتها : ((هل يمكن أن يصدر من البشر الضعفاء كمال كهذا الكمال )).
((فإذا كان الأستاذ (يعنى الشيخ محمد عبده مناظره) يدعو هذه الدعوة إلى دين أبدى معقول ليس فيه معجزة ولا سيف ولا نار ، بل كله إخاء عام ومحبة مطلقة لجميع بنى آدم حتى الأعداء (كما أوصى به المسيح فى خطبته
هامش صفحة رقم (54)
(1) يعنى أنه لا يعرف من الإنجيل غير خطبة المسيح على الجبل كالأستاذ فرح . ومنه يعرف أن الذين رموه أى رنان بالجحود ما رموه بغير حق
(2) لا تسمعموا لأقوال الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ، عن الإخاء العام والمحبة المطلقة ، على أنهم جادون صادقون : فهم على الرغم من كونهم يعيبون الدين وأهله بسيف الدنيا ونار الآخرة لا تجد عندهم إلا ولا ذمة ولا شفقة على عباد الله. وهذه الألفاظ المعسولة التى تعلموها من الماسونية العالمية قولهم بأفواههم لا يجاوز حناجرهم. فإن كانت معانى هذه الألفاظ موجودة فإنما
نهاية هامش صفحة رقم (54)
صفحة رقم (55)
على الجبل ) فنحن نوافقه كل الموافقة ، ولكن ذلك يقتضى الاعتماد على صفحتين أو ثلاث صفحات من الكتاب وعدم الاعتماد على ما بقى ونحن نعلم أن أخواننا المسلمين ليسوا بأقل حرصاً على قرآنهم من أخواننا المسيحين على إنجيلهم ، كما أن
هامش صفحة رقم (55)
= توجد فى أهل الدين والإيمان ، فقد وقع أنى لما كنت قبل مجيئي إلى مصر فى المرة الأخيرة مقيماً فى تراكيا الغربية اليونانية التى فيها سكان مسلمون ، ذهبت إلى أثينا. وفى أثناء تفرجى على أنحاء المدينة مررت بحى المهاجرين من تركيا على طريق المبادلة بمسلمى اليونان وأكثرهم من أورام الأناضول. وبينما أنا أمشى فى شوارع الحى رأتنى امرأة واقفة على باب أحد المنازل وأنا فى زى إسلامى معمم، فصاحت فى دهشة وحسرة على ما مضى من عهدها بوطنها القديم فى الأناضول مع المسلمين الترك، قائلة : ((من أين بدوتم يا أناسا رحماء !)) وإنى لا أنسى مدة حياتى ما شعرت به من الفخر والابتهاج من خطاب هذه المرأة الرومية التى ماكانت تعرفنى ، وإنما تخاطب فى مسلماً أو رجلا دينيا إسلاميا. فإن كانت تخاطب فى الترك بالنظر إلى لغة خطابها وأعنى بهم الترك القدماء المحافظين الذين جاورتهم هذه المرأة فى وطنها السابق ، ففضل ذلك أيضاً يعود إلى إسلامهم.
(1) لو عاش الأستاذ لرأى الدنيا يتقلص عنها ظل الأديان وتعم الحروب بدل الأخاء والحب العام المنتظر. والإنكليز الذين هم أرقى الأمم وأوسعهم فى دعوى المدنية والإنسانية ، لا يوثق بحبهم لأصدقائهم فضلا عن أعدائهم. وربما يقال إن الإنكليز يعول على أخلاقهم باعتبارهم أمة وإن كانوا باعتبارهم حكومة شر الماكرين. لكن الحق أن الأمة لا يكون لها ممثل أصدق من حكومتهم ، فهى أنطق بسجيتهم .. اللهم إلا أن تكون حكومة قائمة على رغم إرادة الأمة ، وهذه الحالة لا نتصور فى حكومات الإنجليز.
(2) ماأشبه هذا بإلغاء الأستاذ فريد وجدى بك لآيات المعجزات والبعث والحساب والعذاب بنار جهنم الشديدة من القرآن باعتبارها متشابهات غير مفهومة ولا مطلوبة الفهم ، وحصر الأهمية فيما بقى بعد ذلك منه . ولم أقل عبثاً أن الرأى العام العلمى بمصر بعد المناظرة الجارية بين الشيخ محمد عبده والأستاذ فرح أنطون انحاز إلى جانب الأستاذ واقتنع بآرائه المضادة للأديان ، فها هو الأستاذ فريد يوقل بعين ما اقترح الأستاذ فرح على مناظره فى تنقيح آيات القرآن ، وإنما الفرق بين القولين أن الأستاذ فريد سكت عن آيات السيف لعدم كونها من نوع آيات المعجزات وأحوال الآخرة التى لا يعترف الأستاذ بمنطوقها لاستحالته فى نظر العلم الحديث. ومعنى هذا أن سكوت الأستاذ عن إلغاء آيات السيف نشأ من كونها خارجة عن موضوع الكلام الذى جرى عليه البحث والنقاش بينى وبينه فيما مضى على صفحات الأهرام.
صفحة رقم (56)
رجال الدين من المسيحين خصوصا المتعصبين منهم ينكرون على أصحاب هذه الدعوة دعوتهم إلى بضع صفحات فقط واعتبار ما بقى وجوده وعدمه سيان .. فكذلك ينكر رجال الدين الإسلامى هذا التخصيص أشد الإنكار ، ولذلك نقول إن الدين المعقول لم يوجد إلا عند القائلين بهذا التخصيص وهم من أنصار الفضيلة فى الأرض لا من أنصار الديانات )).
وقال فى ص 217 : (( وإذا كان يرجى فى المستقبل وصول البشر إلى محجة الكمال وتأليف وحدة لهم فإن هذا الوصول لا يكون إلا بالعلم وبوضع الدين جانبا ، ونعنى بوضع الدين جانبا العمل بفضائله وتغطية ما بقى بستار مقدس )).
وأنا أقول فهذه ديانة الأستاذ فرح منشيء مجلة ((الجامعة)) ومناظر الشيخ محمد عبده! وهذا مبلغ صداقته لكتاب النصرانية وكتاب الإسلام ! فهو يعترف من الإنجيل ببضع صفحات ويكتفى بها ويقترح على مناظره الاكتفاء بمثلها من القرآن ليتفقا فيما بينهما على آيات منتقاة من الإنجيل والقرآن ويعتبراها الإنجيل كله والقرآن كله ، ثم يتخذا لهما من تلك الآيات المختارة دينا أدبيا معقولا لا معجزة فيها ولا سيف ولا نار جهنم بل كله إخاء عام ومحبة مطلقة لجميع بنى آدم حتى الأعداء ، ثم يعتبرا ما بقى من الكتابين وهو أكثرهما وجوده وعدمه سيان .. وإن أنكر هذا التخصيص والاختيار كل من أهل الكتابين . لكن الأستاذ يقول إن الدين المعقول لا يوجد إلا عند القائلين بهذا التخصيص وهم من أهل الفضيلة المفضلين على أصحاب الديانات. ولكون الأستاذ عارفا بأن هذا الدين الصناعى المنحوت لا يكون دينا ، قال فى آخر كلامه : إن أنصار هذا التعديل فى الكتابين هم أنصار الفضيلة لا أنصار الديانات وسجل على نفسه بهذا القول أنه هو أيضا ليس من أنصار الديانات وأصحابها.
فالأستاذ أضاف فى هذا المكان من كتابه إلى ما يدعيه دائماً من تنافى الأديان مع
صفحة رقم (57)
العقل والعلم ، تنافيها مع الفضيلة أيضاً فى كثير من أحكامها ، فلا النصرانية ولا الإسلام ولا غيرهما فى رأيه دين الفضيلة كما أنها ليست دين العقل والعلم ، وكتابا الله الإنجيل والقرآن خليطان مما هو جدير بالأخذ ومما هو جدير بالنبذ وهو أكثرهما . لكن أهل الكتابين المعتقدين أنهما كتابا الله إلى عباده على تعبير القرآن وأبنائه على تعبير الإنجيل ، لا يرضون طبعا هذا التفريق وهذا التقسيم فى آيات كتابيهم . ولا يلزم من عدم رضاهم أن يكونوا متعصبين مغالين كما زعم الأستاذ ، بل يكفى أن يكونوا جادين فى اعتقاد أن الإنجيل والقرآن كتابا الله . وخصوصاً المسلمون لا يتنازلون عن القرآن بكلمة ولا يقبلون خلو آية من آياته عن حكمة وفضيلة ، لأن آياته كلها وكلماته كلها تنزيل من حكيم حميد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم وبقى محفوظاً كما نزل لم تعبث به يد البشر ، وهذه الانتقاء الذى يقترحه الأستاذ نوع من أنواع العبث تأباه محفوظية القرآن التى وعدها الله فى القرآن نفسه.
وإذا تكلمنا على الإنجيل فنسأل الأستاذ : هل المسيح عند إلقاء خطبيته على الجبل غير المسيح عند تبليغ سائر آيات الإنجيل ؟ فى ألوهية الروح التى احتلته على قول النصارى (وقد صرح به شاتوبريان كما سبق نقله من الأستاذ) أم إن الأستاذ معترف بعدم سلامة الإنجيل من التحريف وقائل بانحصار السالم المحفوظ فى خطبة الجبل ؟ وكيف يجعل الإنجيل إذن مقيساً عليه للقرآن المحفوظ ، فى تجويز الحذف والاختصار منه ؟ وتلخيص السؤال هل يجوز أن يشتمل كلام الله بشرط أن يكون كلام الله الذى لم يطرأ عليه أى تبديل ، على ما يستحق الأخذ وعلى ما يستحق النبذ؟ والأستاذ فرح يحتاج إلى إثبات ألوهية الروح التى احتلته نفسه كألوهية روح المسيح حتى يسلم مقياس الحكمة والفضيلة إلى يده فيمتحن به آيات القرآن والإنجيل ككلام من هو مثله أو دونه فى ألوهية الروح.
صفحة رقم (58)
وما أشبه تقسيم الأستاذ لآيات كتب الله إلى مأخوذ ومنبوذ بقول الملاحدة الماديين المنكرين للنظام والانسجام فى أجزاء الكون ودلالتهما على علم صانعها وقدرته وإرادته، لاسيما ما يوجد منهما فى المواد العضوية منهما فى المواد العضوية كما فصله علماء وظائف الأعضاء وسماه الفيلسوف جوستاف لوبون المنطق البيولوجيائى ، فيحاول أولئك الملاحدة إنكار هذا النظام والإحكام مستندين إلى بعض ما يوجد فى الكون ولا يتيسر تعليله بالحكمة والعلة الغائبة كما يأتى ذكره مع الرد عليهم فى مبحث ((دليل العلة الغائبة)) وإن كان التقسيم فى آيات كتب الله أظهر خطأ وخطراً من التقسيم فى أجزاء الكون.
وجملة القول فى الأستاذ إنه لا يؤمن بالقرآن لكونه مسيحياً ، وأما الإنجيل فهو لا يؤمن به أيضاً لكونه مسيحيا فى الظاهر ولا دينيا فى الحقيقة . ولهذا لا يعجبه كل ما ورد فى الكتابين ولا يعترف به على أنه كلام الله . فهو كما قال القرآن من الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ، أو يؤمن بالإنجيل ويعرف أن ما ورث النصارى من نصوصه التى أتى بها المسيح من الله غير موثوق به وغير منقول عنه تواترا كما نقل القرآن الكريم . فخسارة الحذف والاختصار والاختيار التى يقترحها الأستاذ فى الانجيل والقرآن إنما يتأثر بها القرآن ويكون تأثيرها فى الانجيل كتحصيل الحاصل.
ولهذا يسوغهما فى الكتابين على السواء كرجل عدل يعامل صاحبه بالأمانة والمساواى فيحب له ما يحب لنفسه ! هذا فى الظاهر ، وفى الباطن إضرار بصاحبه فى ضمن هذه المساواة.
ولا يحسبنى القاريء أقسو على الأستاذ تجاه تلطفه بالإسلام حيث يقول ص 182 : ((هذا سبيلنا فى الرد الوعر على الأستاذ (يريد الشيخ محمد عبده) فهو سامحه الله يدافع ويناضل عن مذهب بالحط من شأن مذهب آخر وأما ((الجامعة)) فإنها تكسر قلمها ولا تدخل فى هذه الطريق التى لا يصنع الداخل فيها شيئاً غير إيذاء عواطف
صفحة رقم (59)
فريق من إخوانه بنى الانسان بصدم معتقداتهم المجبولة لحمهم وعظامهم وإثارة التعصب فى صدور البسطاء الجهلاء . فكلامنا إذن فى هذا الموضوع على من يحكمعلى الإسلام والمسيحية حكما مجرداً عن كل شهوة وغرض غير غرض الفضيلة المقدسة ، ولم نقل الحقيقة لأن الحقيقة هى الله وحده والأديان كلها مستمدة منه )) .
إن الأستاذ يقصر الحقيقة على الله فهو يعلمها وحده لأنه الحقيقة نفسها . وأما الفضيلة فلعل الأستاذ يزعم أنه أعلم بها من الله حيث يتجرؤ على عملية الانتقاء فى كتابى الله الإنجيل والقرآن فما يراه من آياتهما موافقا لمبدأ الفضيلة ببقيه وما يراه على خلافه يلغيه. ورأينا أنه تعالى أعلم بكل شيء من كل من عداه . وليس بمناف للفضيلة أن تكون عند الإنسان حقيقة يعتقدها على قدر نصيبه من إدراك الحقائق وعلى قدر توفيق الله إياه لإدراكها . وليس عليه من حرج إذا دافع عن مذهب لاعتقاده حقا لا لكونه مذهبه ، فكونه حقا يدافع عنه وهو واجبه ولكونه حقا اختاره مذهباً له .. أليس للأستاذ مذهب يدافع عنه ؟ بلى ، له مذهب خارج عن الأديان وهو مذهب اللامذهبية . ألا ترى أنه لا يعتقد مذهبه حقا وإنما يعتقده فضيلة ويرى غيره ولو كان كلام الله ، خليطا من الفضيلة وخلافها ، ويرى معظم آيات الانجيل والقرآن خليقا للنبذ والاطراح ، فهو يؤذى عواطف المسلمين والمسيحيين جميعا ويحط من شأن مذهبى الفريقين حين يناضل عن مذهبه اللامذهبى وحين يلحى مناظره على أنه يناضل عن مذهب فريق ويحط من شأن مذهب فريق آخر ، فهل فرق مذهبه نفسه عن مذهبى الفريقين بانه مذهب أدبى ومذهب كل من الفريقين دينى ، يخول الأستاذ امتياز التمدح لمذهبه بأنه معقول والحط من شأن مذهب غيره بأنه غير معقول ؟ وهل تتفق هذه الدعوى اللادينية مع ما ذكره أنفا من أن الحقيقة هى الله وحده وأن الأديان كلها مستمدة منه ، وهل دين اللادينية أيضاً مستمدة من الله ؟
هامش صفحة رقم (59)
(1) لأن الحقيقة على ما ذكره هى الله وحده
نهاية هامش صفحة رقم (59)
صفحة رقم (60)
ويقول الأستاذ : ((وإذا كان يرجى فى المستقبل وصول البشر إلى محجة الكمال وتأليف وحدة لهم فإن هذا الوصول لا يكون إلا بالعلم وبوضع الدين جانباً )).
وأنا أقول : لينظر القاريء كيف يرمى الأستاذ بعد أقواله المختلفة الكاشفة بالتدريج عما أخفاه تحت لسانه ، كيف يرمى فى النهاية عن قوس الشاعر محمد إحسان المحامى القائل مدحا للعلم وقدحا فى الدين :
قام فى الناس نبى إنما شأنه ليس كشأن المرسلين
وحد الناس وقد فرقهم كافة الرسل على مر السنين
إلى أن قال :
آمنوا بالعلم ديناً وهدى ليس بعد العلم للأفهام دين
... او بالأصح كيف يرمى هذا الشاعر عن قوس الأستاذ فرح أنطون مناظر الشيخ محمد عبده قبل اكثر من ثلث قرن ؟ وقد أوردنا تمام الشعر فيما سبق مع الرد عليه .
ومن توافق المرامى هكذا فى رميات طائشة عصرية لا دينية ، ينجلى كيف استحالت الأنظار ضد الدين من أدعياء العلم ، بعد أن شهد الناس تلك المناظرة التى نادى فى أثنائها الأستاذ فرح بمتابعة العلم ووضع الدين جانبا.
ومن الخزى للنصرانية وللأستاذ فرح النصرانى منشيء ((الجامعة)) أن يقوم هذا بمناصرة دينه فى مناظرة شيخ من كبار مشايخ المسلمين ثم ينتهى الأمر إلى أن يقول الأستاذ : ((إن وصول البشر إلى محجة الكمال لا يكون إلا بوضع الدين جانبا!!
وفى هذا يذهب حتى ما أبقاه الأستاذ فى أقواله السابقة من مختارات الإنجيل والقرآن المتقلصة فى بضع صفحات ، أدراج الرياح !! ومما يرد على الأستاذ أنه إذا كانت الحقيقة هى الله وحده والأديان مستمدة منه كما قال هو نفسه فكيف يوضع الدين جانبا ؟
فهل لا يكون هذا فى المعنى وضع الله جانبا ؟ أو وضع الحقيقة جانبا ، وماذا يجدى بعد هذا التمسك بالعلم؟
صفحة 61
ويقول الأستاذ فى ص نفسها : (( ليس لنا أمل بعد الله إلا فيك أيها العلم المقدس )) وقوله (( بعد الله )) ينافى ما سبق آنفا من تعليق الوصول إلى محجة الكمال بالعلم ويوضع الدين جانبا . فالعلم الذي يحتاج إليه الإنسان فى الوصول إلى محجة الكمال ولا يحتاج إلى الدين بل إلى وضعه جانبا ، يلزم أن تكون له المنزلة الأولى قبل الله فى إسناد الأمل إليه ، لا بعده لأن الدين لله والعلم عند الأستاذ لغير الله ، كيف لا والعلم عنده لا يعترف بالله وبكل شىء غير منظور . لكن قوله (( بعد الله )) أتى به قضاءً لرسم العادة أى عادة الرياء الذى يتخلى أمثال الأستاذ عن كل شىء ولا يتخلون عنه . والقارىء اليقظ يتعرفهم من عدم التماسك بين أقوالهم ولا ينخدع بكلماتهم المعسولة وتكون دعواهم التى لا يفتأون يدَّعونها الولوع بالعلم وهم لا يعرفونه . ومن أين يعرف العلم أولئك الذين يعزون إلى الله الجهل من حيث أنهم يرون الاديان الإلهية مخالفة للعلم .
وإلى الله المشتكى من رياء لايزال من الكتاب المتفرنجين ينتقبونه ، ما أشفه وماأغلظه !! فلو لم يكن لأهل الدين فخار ولا على هؤلاء عار إلا اختلاف الطائفتين فى الإخلاص والرياء لكفاهما . وهل محجة الكمال التى يأملون أن يصل البشر إليه فى المستقبل وهم معاشرَ العقلاء العصريين قد وصلوا إليها من الآن ، هى مراعاة الناس ومصانعتهم ومخادعتهم ؟ وهؤلاء المراءون مزيَّفون أشد وأشنع من المجرمين أهل المهنة المعلومة ، لأنهم يزيفون النقود والمراءون يزيفون أنفسهم . ومما يؤسف له أن الأستاذ حين قال : (( ولذلك كان العقلاء من الفلاسفة ورجال الدين فى كل ملة ينادون بإبعاد العقل عن الدين ، أما عقلاء الفلاسفة فلأنهم يكرهون مقاومة معتقدات الناس )) سجل على عقلاء الفلاسفة هذا المسلك الذميم مسلك الرياء المتجافى عن الصراحة التى يمثلها يمتاز الأنبياء صلوات الله عليهم ، على الفلاسفة .
وقد انجلى للأستاذ فى كتابه وقد نقلنا بعضه أنه لا يصدّق من مدعى
صفحة 62
الديانة إلا الدين النازل فى أكواخ المساكين ومنازل الطبقات المتوسطة ، ويعنى به دين العامة فيعتبره الدين الذى ينحنى أمامه كل الرؤوس . أما الطبقة العليا فقد قال عنهم إن دينهم آلة لأغراض مخصوصة . ثم قال : (( وماذا قيمة الدين الذى اتُّخذ آلة لا مقصودا وخادما لا مخدوما ؟ )) وهكذا سجل عليهم دينهم . وأنا أزيد على ماذكره فأقول : حتى إن اتخاذ الدين آلة للفضيلة كما فعل الأستاذ فيما اختاره من الدين الأدبى المعقول المصنوع ، يحط من منزلته فيقال فى شأنه هو الآخرِ : وماذا قيمة الدين الذى اتُّخذ آلة لا مقصودا وخادما لا مخدوما ؟ والواجب أن تكون قيمة الدين فى نفسه وفى مجيئه من عند الله .
ونرى الأستاذ قد يتغلب عليه داء الرياء فينسى تارة أخرى شغفه بالعقل والعلم فينحاز إلى جانب الدين ويناصره ضد العقل والعلم فيعيبهما بالعجز وعدم المسايرة للفضيلة ، انظر قوله ص 122 :
(( إن العلم يجب أن يوضع فى دائرة العقل لأن قواعده مبنية على المشاهدة والتجربة والامتحان . وأما الدين فيجب أن يوضع فى دائرة القلب لأن قواعده مبنية على التسليم بما ورد فى الكتب المقدسة . وليس يجوز أن يقال إن هذه القسمة إلى عقل وقلب بدعة فى العلم وهادم لسلطته لأن العلم يريد البحث فى كل شىء وفى كل أصل ، فإن العلم نفسه لا ينكر عجزه فى بعض الأحيان .. وفيما عدا ذلك فإن هذه الأمور القلبية لها براهين قلبية ، مثال ذلك شعور كل نفس بوجوده الذاتى فهى تقول (( أنا )) وتعرف أنها مستقلة قائمة بذاتها ، وشعور القلب بلذة الخير والفضيلة والصلاح ونزوع الإنسان إلى عالم آخر . وهى الأمور التى يتهكم عليها العقل ويحسبها ناشئة عن التربية والعادة . فهذه البراهين القلبية بأي حجة ينكرها العقل وبماذا يؤيد إنكاره ؟ فالأولى أن يتركها ولا يعارضها ، وإذا شاء البحث فيها فليبحث فإننا لا نضع لها حدا ولكنه لايجب أن يقطع بإنكارها لكونه يجهلها )) .
صفحة 63
ونحن لا نسلِّم بتهكم العقل على الخير والفضيلة والصلاح ووجود عالم آخر حتى يقال بأي حجة ينكرها أو يقالَ لا يجب أن يقطع بإنكارها لأنه يجهلها ، ومن هذا يعرف مبلغ ما للخير والفضيلة والصلاح من قوة الأساس الذى تنبنى عليه هذه الأمور عند من لا دين لهم وإنما لهم عقل وعلم على زعمهم ، فكأن الاعتراف بها خروج على العقل والعلم.
ولعل هذه العقلية السقيمة التى حصلت فى عقلاء الغرب النصرانى ناشئة من عدم ائتلاف دينهم مع العقل والعلم وعدم استناده إليه فبحثوا له عن مستند آخر وقالوا إنه يستند إلى مبادىء الخير والفضيلة والصلاح . ثم احتاجوا إلى تفريق هذه المبادىء من مقتضيات العقل لتكون تلك الأمور من مزايا الدين إزاء مزايا العقل الذى يقف من الدين موقف المعارضة .. ولزم من ذلك ادعاء وجود التنافر بين العقل وبين تلك الأمور الحميدة كما إنه موجود بين العقل والدين . فهذه ضربتهم على العقل بعد ضربتهم على الدين بقبول منافاته للعقل . والأستاذ منشىء (( الجامعة )) مقلد للغرب فى كل هذه الأفكار وقد سهّل له هذا التقليدَ كونه مسيحيا مثل الغربيين (1) أما حصول هذه العقلية المفرقة بين الدين والعقل ثم بين العقل والفضائل فى أصحاب الثقافة العصرية من المسلمين مثل الأستاذ فريد وجدى ، بعد انحياز الرأى العام فى المناظرة الجارية بين الشيخ محمد عبده والأستاذ فرح أنطون ، إلى جانب الأستاذ فرح ــــ فذاك تقليد للمقلد المسيحى وسفهٌ مضاعف ناشىء من الجهل بالإسلام وسلامته من الاصطدام بالعقل وسلامة عقله من التهكم على الفضائل .
بداية هامش صفحة 63
(1) وإنما عزونا أصل تلك الأفكار إلى الغرب واعتبرنا الشرق المسيحى مقلدا بناء على أن فكرة إيجاد الخلاف بين العقل والدين حصلت أولا فى الغرب المتنبه لعدم اتفاق دينه مع العقل والساعى لإغنائه عن هذا الاتفاق ثم استتبعت تلك الفكرة إيجاد خلاف آخر بين العقل والفضائل .
نهاية هامش صفحة 63
صفحة 64
وأصل خطأ الأستاذ فرح هنا أنه ضيَّق على نفسه دائرة العقل فأخرج منها الخيرات والفضائل وأخرج منها شعور كل نفس بوجودها الذاتى وأخرج منها الاعتراف بعالم آخر كما أخرجه الأستاذ فرح على عقله وحاجّه مناصرا للفضائل (1) وغافلا عن كون محاجّته هذه واعتراضه على العقل من فعل العقل أيضا وهو يظنه من فعل القلب وبراهينه مع أن البرهنة من خصائص العقل .. فهو يعترض على عقله مستمدا من عقله .
وقد انتقد الأستاذ العقل والعلم واتهمهما بإنكار الفضيلة والتهكم عليها ، وكان قد تنقص الدين أيضاً بمخالفة الفضيلة حين قسم آيات الانجيل والقرآن إلى مايتفق مع الفضيلة وما لا يتفق معها ، كما تنقّصه من قبل بمخالفة العقل والعلم . وقد كان أيضاً فرّق بين العلم والحقيقة . ففى النتيجة هدم الأستاذ سلطة العقل والعلم أيضا بمخالفتهما للفضائل ، بعد أن هدم سلطة الدين بمعول العقل فأنى بنيانَ هذه الأمور جميعا من القواعد .. فالكل متهم عنده والكل معيب . لكن العيب والنقصان فى منطق الأستاذ لا فى الدين ولا فى العقل والعلم وهو لايعرف العقل والعلم والدين والفضيلة والحقيقة كما هو حقها .
فقد اتضح مما ذكرنا من أول البحث إلى هنا أن الأستاذ منشىءَ (( الجامعة )) ومناظرَ الشيخ محمد عبده ما كان من المؤمنين بالدين بل من المؤمنين بالعلم ، وإن شئت فقل ما كان من المؤمنين بالغيب بل من المؤمنين بالغرب ، فكان يبيع ما وصل إليه من بعض علومه وفلسفته أو بالأصح من أقوال بعض فلاسفته من غير تدقيق أو تمحيص .. وربما كانت تمنعه من التدقيق والتمحيص نصرانيته التى نشأ عليها غير متعوّد للتدقيق والتمحيص . وقد اعترف بعدم تعوّدهما فى هذا الدين عند اعترافه بذلك على حساب الأديان جميعا بغير حق له فى التعميم . فكان الرجل مقلداً فى العلم كما أنه مقلدٌ فى الدين
بداية هامش صفحة 64
(1) الأستاذ فريد اقتفى أثر الأستاذ فرح أنطون مناصرا للفضائل ومهاجما على العقل كما اطلع عليه القراء من مقالته المنشورة فى (( نور الإسلام )) والتى سبق نقدها منا فى هذا الكتاب .
انتهى هامش صفحة 64
صفحة 65
ولهذا رأيناه تضطرب أقواله وآراؤه بين مؤازرة الدين ومؤازرة العقل والعلم ومؤازرة الفضيلة . ولما لم يكن صميميا فى الدين مثل عقلاء الغربيين زيادة على كونه مقلداً فيه عند كونه صميميا ، وإنما اندفع إلى الدفاع عن النصرانية بسبب حملات مناظره عليها ، كان كلُّ من تنازله عن معظم آيات الإنجيل والقرآن من قبيل الجود بمال الغير .
وقد كفى الكلام إلى هنا على النصرانية الحاضرة ونصرانية الأستاذ مناظر الشيخ محمد عبده أو صداقته للأديان كلها . وأنا ما أردت التناوش بالنصرانية التى هى دين مئات من ملايين البشر وعددٌ لا يستهان به منهم عاشوا ولايزالون مع المسلمين فى الشرق ، وقد أثنى عليهم القرآن بقوله (( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى )) ... ما كنت أريد التناوش بهذا الدين لولا أن أصحاب الغيرة الدينية الزائفة من عقلاء الغرب المسيحيين حاولوا أخيراً أن يعبثوا بالعقل بعد أن عبث رجال الدين المسيحى بدينهم بعد سيدنا المسيح وحرّفوه إلى مالا يتفق مع العقل واتصل من العبث الثانى الرامى إلى الحط من منزلة العقل ضرر عظيم بالإسلام المتفق مع العقل وارتباكٌ فى عقول كثير من ضعاف العقل والدين من المسلمين المثقفين ثقافة غربية . والآن نشرع فى المقصود من الباب الأول بل من تأليف الكتاب بجملة أبوابه ، أعنى إثبات أن العقل والعلم لا يأبيان دين الإسلام ، بل أىَّ دين أنزله الله على عباده بواسطة أنبيائه الكرام صلوات الله وسلامه عليهم مادام محفوظا كما نزل من عند الله .
وأغرب ناحية المسألة التى نحن بصدد معالجتها أن القائلين بوجوب إبعاد العقل والعلم من الدين لاعتقادهم أنهما لا يعترفان بوجود الله الذى هو أساس الدين ، أنهم أنفسهم يعترفون بوجود الله أو على الأقل يدَّعون الاعتراف به ولكن من طريق غير طريق العقل والعلم . وعليه فأصحاب هذه العقلية إما أن لا يكونوا من أصحاب العقول أو يكونوا من المتسترين المستبطنين للإلحاد . وإلا فكيف يتصور العاقل المعترف
( ه ـــــ موقف العقل ـــــ ثان )
صفحة 66
بوجود الله وبالدين أ، يكون العقل الذى هو أشرف خلق الله والعلم ُ الذى هو أكرم الصفات عند الله أولَ كافر بالدين الذى أمر الله عباده أن يدينوا به . فليس القول بأن العقل والعلم لا يتفقان مع مبادىء الدين وأصوله ولايعترفان بوجود الله إلا بمثابة تكفيرهما ، تخفيفا من كفر القائلين أنفسهم بإشراك العقل والعلم فى جنايتهم وهما بريئان منها . وقد نص الأستاذ فرح القائل بوجوب إبعاد العقل والعلم عن الدين وعن مسألة وجود الله ، على أن الحقيقة هى الله وحده ، فأى عقل مجنون أو أى علم جاهل هذا الذى يرضى أ، يكون حظه من الحقيقة هو الابتعاد عنها ؟
اعلم أن الذين نناقشهم الحساب فى مسألة الدين والعقل والعلم يفكرون أولا أ، يوجد لأساس الدين سند من العقل .. ويفكرون ثانياً أن يوجد له سند من العلم ، ثم يرجعون فيعترفون باستناد أساس الدين إلى العقل بعد أ، استبانوا قيام الدليل العقلى على وجود الله . وهذا الاعتراف منهم على الرغم من عدم تصريحهم به ، يفهم جليا من بروز الاضطراب فى أقوالهم ومن احتياجهم إلى السعى فى توهين مكان الدليل العقلى الذى لم يدعم بالتجربة ، بادعاء عدم كفايته فى إثبات المسائل إثباتا علميا . فيكون آخر دعواهم أن الدين لا يستند إلى العلم لعدم ثبوت وجود الله ثبوتا علميا وإن استند إلى العقل . وتحدث من هذا دعوى أخرى وهى أن العلم لا يثق بالعقل المحض مالم يؤيد بالإحساس والتجربة . وهذا فى حين أن أساس الدين لا يمكن إثباته بالتجربة لأن الله تعالى لم يره من المجربين إبلى الآن راء .
فأمامنا وأمام كل من يُعنى بهذا الموضوع العظيم تدقيق عدة مواقف .. موقف العقل من الدين وموقف العلم من الدين وموقف العلم من العقل . ثم إن الموقف الثالث يستجلب النظر فى مسألة وهى هل أساس الدين يعوز الدليل التجربى ، وبعبارة أخرى هل لايمكن إثبات وجود الله بالدليل التجربى كما ادعوه المعارضون الحاصرون كل ثقتهم
صفحة 67
فى هذا الدليل ــــ وإن لم يكونوا على حق فى ذاك الحصر كما سنثبته ــــ فيحصل موقف رابع إضافى وهو موقف التجربة من الدين ، فنقسم الباب الأول إلى أربعة مطالب للنظر فى المواقف الأربعة وبيان أخطاء المعارضين أعداء الدين فيها .
المطلب الأول
النظر فى موقف العقل من الدين وفيه إثبات وجود الله بالدليل العقلى
من واجبنا قبل كل شىء أن ننبه على غلط عظيم للأستاذ فرح أنطون مناظر الشيخ محمد عبده ومن حذا حذوه من أدعياء العالم العصرى بمصر ، من تلقى أقوال علماء الغرب . ذلك أن الأستاذ وأضرابه يظنون أن من لا يعترفون بوجود االه من الغربيين يتكئون على العقل والعلم ، ومن هنا يصير الإلحاد مذهب العقل والعلم . مع أن كل ما يقوله الملاحدة من علماء الغرب المحدثين أن وجود الله لا يثبت بالتجربة التى تدور عليها ثقة العلم الحديث ، وهم عند دعوى حصر اليقين العلمى فى المحسوسات والمجربات يحاولون تنزيل قيمة العقل المحض ليتوسلوا به إلى تنزيل قيمة الاستدلال بوجود الكائنات على وجود الله ، بحجة أنه استدلال عقلى . فالعقل إذن أكبر نصير لمسألتنا أى مسألة إثبات الواجب الذى هو رأس الدين وأساسه ، بله أن يكون من خصومها . ويتبين منه أن الأستاذ فى قوله : (( إن العلم يجب أن يوضع فى دائرة العقل لأن قواعده مبنية على المشاهدة والتجربة والامتحان وأما الدين فيجب أن يوضع فى دائرة القلب لأن قواعده مبنية على التسليم بما ورد فى الكتب المقدسة من غير فحص فى أصولها )) وقولِه : (( إن العدو اللدود الذى يهدد الأديان كلها على السواء هو المبادىء المادية المبنية على البحث بالعقل دون سواه )) : كمن يحمل أثاث الزينة ولا يعترف بيت الفرح ، لأنه كلام يدور على ظن أن
صفحة 68
العلم الذى يناوىء الدين فى زعم من زعم من الغربيين وتبعهم الأستاذ ، إنما يناوئه لكونه أي العلم مبنيا على العقل الذى يناوىء الدين . فالمناوىء الأول للدين هو العقل ثم يناوئه العلم لكونه مبنيا على العقل .
هذا ما يفهم من كلام الأستاذ لكن الحق أن مناوأة العلم للدين إن صحت فإنما تنشأ من كونه مبنيا على التجربة والمشاهدة اللتين لايمكن تطبيقهما على الدين . وليس بصحيح أن العقل يناوىء الدين والعلم يتبعه فى ذلك كما هو المفهوم من القولين المذكورين آنفا للأستاذ ، بل العقل يناصر الدين ويؤازره . ولا صحة أيضا لما رمى به الدين من كون قواعده مبنية على التسليم بما ورد فى الكتب المقدسة من غير فحص فى أصولها ، لما أن لأصول الدين سنداً من العقل (1) حتى إن أعداء الدين فى الغرب يسعون فى توهين ذلك السند ويعادون العقل مع الدين قائلين لا قيمة للاستدلال العقلى المجرد عن التجربة والمشاهدة . وقد سبق فى مقدمة هذا الكتاب تمدُّح الأستاذ فريد وجدى الجاهلىُّ فى مقالات السيرة المحمدية له المنشورة فى (( مجلة الأزهر )) بأنه كتبها تحت ضوء العلم غير معتمدة على الأدلة العقلية المنطقية . ونحن ندافع فى كتابنا هذا عن العقل ليتسنى لنا الدفاع عن الدين ، ومن حسن حظنا فى موقف المعارضة للملاحدة أن يكون العقل معنا فندافع عنه ويدافع عنا . فلو لم يكن لنا فى كسب المطالب الأربعة التى ينقسم إليها الباب الأول من الكتاب لاسيما المطلب الأول منها ، إلا كوننا فى موقف الدفاع عن العقل وخصومنا فى موقف الحط من شأنه لكفانا . وأبلغ تأييد لقولنا هذا أن خصومنا وخصوم العقل بسبب خصومة الدين لايجترئون على وضع العقل موضع خصم لهم وإنما يسعون لإخفاء موقفهم إزاء العقل فيغالطوننا بادعاء أن العقل لايتفق مع أساسات الدين كأن العقل معهم فى الخلاف القائم بينهم وبين أهل الدين ، وأنا أقول
بداية هامش صفحة 68
(1) وسنقيم الدليل القطعى العقلى على وجود الله تعالى .
نهاية هامش صفحة 68
لهم فلماذا إذن تحاولون الحط من قيمة العقل المحض ؟ وحديث الأستاذ مناظر الشيخ محمد عبده يضطرب بين جهله بموقف العقل من الدين وبين نزعته المسيحية التى لاتلتئم مع العقل . وهنا نرى لزاماً إعادة ماكتبناه من قبل تعليقاً على قول الأستاذ الذى قاله ردًّا على قول مناظره فى المقارنة بين الإسلام والنصرانية بأن الإسلام دين عقل :
(( إن الدين متى صار عقليا لم يعد دينا إذ ماهو الدين ؟ هو الإيمان بخالق غير منظور وآخرة غير منظورة ووحى ونبوءة ومعجزة وبعث وحشر الخ وكلها غير محسوسة ولا معقولة .. ولا يمكن أن يوجد فى العالم دين عقلى إلا إذا كان ذلك يُثبت بأدلة عقلية مبنية على الامتحان والتجربة والمشاهدة ، نفسَ الإنسان الخالدةَ والآخرةَ وبعث الأجسام والعذابَ والثوابَ وعالمَ الغيب والوحىَ والحقَّ سبحانه وتعالى ولذلك كان العقلاء من الفلاسفة ورجال الدين من كل ملة (1) ينادون بإبعاد العقل من الدين . أما عقلاء الفلاسفة فلأنهم يكرهون مقاومة معتقدات الناس . وأما رجال الدين فللفرار من برهان العقل الذى يهدم كل شىء لا يقع تحت حسه )) .
فنعيد ما كتبناه سابقا عند هذا القول ونكتبه مرة ثانية : لا يخفى مافى سياق كلام الأستاذ من الاضطراب وهو حسب القارىء علما بأنه لا يتكلم عن علم وإحاطة بما يحاول أن يرمى به الدين ، فلا بتعين تماما ولا يتبين أنه برميه بمخالفة العقل أو بمخالفة الحس أو بمخالفتهما ، ولا يمكننا أن نعد العقل والحس شيئاً واحداً تكون المخالفة لأحدهما مخالفة للآخر ، فبمخالفة أيهما يرمى الأديان ؟ وكان أصل دعواه ومنشأ اختلافه مع خصمه الذى يناظره أن الدين لا يكون عقليا أى لا يتفق مع العقل لأن أسسه كلها غير معقولة ، لكنه عند إثبات هذا المدعَى خلطه بمخالفة الحس لئلا تبقى تهمة عدم المعقولية خاصة بالنصرانية التى هى دينه وهى غير معقولة حقيقة ، بل يُتهمَ به جميع الأديان ، مع أن عدم المعقولية شىء وعدم المحسوسية شىء آخر . فإن كان الأستاذ
صفحة 70
رجع عما ادعاه من عدم معقولية أسس الدين إلى عدم محسوسيتها فتغيير الدعوى ممنوع فى قانون المناظرة ومعدود من إفحام المدعِى ، مع أن فى رمى أساسات الدين بمخالفة الحس نزولا إلى مرتبة جهال بنى إسرائيل إذ قالوا لنبيهم : (( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة )) . وإن كان الأستاذ ثابتا فيما ادعاه من أن أساسات الدين تخالف العقل فنحن لا نسلم به ، وسنجيب عنه بما يقنع القارىء إن شاء الله . وإن كان يريد إثبات عدم معقوليتها بعدم محسوسيتها فنحن لا نسلم به أيضا ، إذ لا يلزم من كون الشىء غير محسوس كونه غير معقول ولا قائل بين ذوى العقول بأن العقل والحس شىء واحد أو أن دائرة أحدهما تساوى دائرة الآخر فى السعة والضيق . نعم فى أعداء الدين من يعتمد على الحس لعدم شهادته للدين ولا يعتمد على العقل لشهادته له ، وهذه مسألة تفضيل الحس على العقل التى لا ينفع الأستاذ التمسك بها وهو بصدد إثبات مخالفة العقل للدين ، بل يضره لما قلنا من أن تغيير الدعوى يعتبره قانون المناظرة المدون فى علم آداب البحث والمناظرة ، إفحاما للمدعِى . ثم إنا نردُّ على هؤلاء المفضِّلين الضعاف العقول بكون امتياز الإنسان على سائر الحيوان بعقله لا بحسه . فإن كان الأستاذ ينحاز إليهم تحقيقاً لخصومة الدين بأى طريق كان ، فعند ذلك يكون الأستاذ خصما للدين والعقل معاً ، وقد كان ابتدأ مخاصمته للدين بادعاء أن أساسات الدين غير معقولة أى بإيجاد الخصومة بين الدين والعقل ، فانتهى من سعيه إلى مخاصمة الأستاذ نفسِه العقل َ وهو الأحرى أن يكون غير معقول لا الدين . وإن اعتذر معتذر من جانب الأستاذ وهؤلاء المفضلين بأنهم لا يفضلون الحس ولا يستهينون بالعقل ، وإنما يشترطون فى التعويل على العقل أن يكون مؤيداً بشهادة الحس على العقل غير هذا . وكفى موقفَ الأستاذ سخافة وركاكة أن يحتاج إلى الاستهانة بالعقل ، بينما هو يعيب الدين بعدم معقولية أساسه . فأولى به وبأمثاله مادام
صفحة ( 71 )
موقفهم ينتهى بهم إلى هذا الانحراف أن يبدأوا الكلام ضد الدين بعدم استناده إلى الحس و المشاهدة و يقلموا بالمرة عن التشدق بدعوى عدم معقوليته و هذا هو تمام تحليل المقام لقطع جميع طرق الفرار على خصماء الدين و من الله التوفيق.
الحاصل أن الذين لا يقدرون الدين حق قدره على درجات متفاوته فى زعمهم الباطل : فمنهم من يزعم و يتوهم أن قواعد الدين أى دين كان مبنية على التسليم بما ورد فى الكتب المقدسة من غير فحص فى أصولها و أنها لا تأتلف مع العقل و العلم و هذا الفريق الذين منهم الأستاذ فرح أنطون و الأستاذ فريد وجدى بك ( و قد أوردنا من قبل شواهد من أقوالهما على ذلك ) فى خطأ مضاعف . و الفريق الثانى يعترف بأن العقل يوافق أساس الدين و إنما يخالفه العلم و مرادهم من العلم العلم الحديث المبنى على التجربة و المشاهدة .. وربما ينعتون هذا العلم الذى لا يتفق مع أساسات الدين بالعلم المثبت فهم لا يعتبرون علم الفلسفة الإلهية الذى يوازيه علم الكلام فى الإسلام من العلوم المثبتة مهما كانت قواعده مبنية على الأدلة العقلية القطعية لأن هواة العلم الحديث المفتونين لا يسلمون بكون الأدلة العقلية أدلة قطعية مفيدة لليقين . فهم ينظرون إلى التجربة كأداة العلم الوحيدة و لا يقيمون للاستدلال العقلى وزنا و يمكن أن يعد الأستاذان الأستاذ منشئ مجلة الجامعة و الأستاذ رئيس تحرير (( نور الإسلام )) أولا و (( مجلة الأزهر )) ثانيا بالنظر إلى القول الأخير من أقوالهما المضطربة – من هذا الفريق الثانى أيضا (1) و جل
بداية هامش ص (71)
[1] كقول الأستاذ رئيس تحرير (( مجلة الأزهر )) بصدد مدح العرب فى خدمة العلوم : و مما حير العقول أنهم اتبعوا فى بحوثهم الأسلوب العلمى الذى يؤدى إلى نتائج صحيحة لا الأسلوب العقلى الذى يكثر فيه الخطأ و قوله فى اعتراض فرض وروده عليه بألسنة المتعلمين الشاكين فى عقائدهم الدينية و لم يجب عن هذه النقطة من الاعتراض المفروض : (( فإن لفتمونا إلى الموازين العقلية فلا يخفى عليكم ما منيت به من النقد فى العصور المتأخرة و هى و إن كانت قد أقنعت أهل القرون الخالية فإنها اليوم لا تقنع أمثالنا ممن أدركو الفرق بينها و بين الدستور العلمى )) ==
نهاية هامش ص ( 71)
صفحة (72) نقاشنا فى هذا الكتاب سيتوجه إلى إبطال مزاعم الفريق الثانى لكونها أشبه بالحق مع بعدها عنه و كون خطرها على المتعلمين العصريين أشد أما مزاعم الفريق الأول فبطلانها لا يحتاج إلى مزيد تنبيه لظهور جهلهم بموقف الدين من العقل و العلم و موقف الفلاسفة الغربيين من كل هذه الأمور الثلاثة بأول فحص فى كلماتهم ألا يرى أن خصوم الدين عندما ادعوا التنافي بين الدين و بين العقل و العلم لا ينسون تقييد العلم بالعلم الحديث المثبت و إن كانوا قد يطلقون القول فى العلم بملاحظة أنه لا علم عندهم يعتد به غير العلم الحديث و الذين التزموا التقييد التزموه لما رأوا أن العقل لا يساعدهم فى مناوأة الدين و لا يساعدهم أيضا العلم القديم المبنى على العقل المحض .. فيظهر من هذا أن أهل الدين لا يعوزهم الدليل العقلى . و أنت ترى العلماء الإلهيين من المسلمين و غيرهم يسندون مسألة إثبات وجود الله إلى براهين عقلية فمعارضوهم أعداء الدين لما علموا ذلك أغفلوا العقل و تشبثوا بأذيال العلم الحديث المبنى على التجربة الحسية . فالجمع
بداية هامش ص (72)
== و لم يجب الأستاذ عما ذكره بألسنة المتعلمين الشاكين فى وجود الله من عدم كفاية الموازين العقلية التى اقتنع بها العلماء فى الأزمنة الماضية لأن عدم الاقتناع هذا رأى الأستاذ نفسه أيضا الذى اتفق عليه مع المتعلمين الشاكين . فانظروا كيف يعترف الأستاذ بالتشكيكات المأخوذة من الغرب بعينها و كيف يخضع لها و يكبرها فى أعين القارئين بتسمية ما أعوزته اليوم مسألة إثبات الواجب بالدستور العلمى كأن الاستدلال العقلى على وجود الله دستور غير علمى أى دستور علمى ، و جاهلى على الرغم من اعتماد العلماء من قديم الزمان و كأن واجب الأستاذ فى رأس (( مجلة الأزهر )) نقل تشكيكات الغربيين فى أساس الدين و إكبارها من غير رد عليها بما عدا تعليل الناس بانتظار الكشفيات الجديدة فى المستقبل المتعلقة بالبحوث النفسية و قد سبق منا أن معنى هذا الانتظار هو الإفلاس الدينى فى الحالة الحاضرة أنظروا هذه الرزية المظلمة المخيمة على الأزهر معقل الإسلام فى حراسة عقائده ، انظروها و اعذرونى على إطالتى الكلام و تكراره فى المقارنة بين العقل و العلم و الحس و الأدلة المبنية عليها و فى درس و تعقيب أقوال الأساتذة الذين مبلغهم من العلم و التعليم هو السمسرة بين الغرب و الشرق.. و لا غرابة فى إطالة البحث و النظر فى هذه المسائل المتصلة مباشرة بموضوع كتابى هذا المسمى (( موقف العقل و العلم و العالم من رب العالمين و عباده المرسلين ))
نهاية هامش ص ( 72)
صفحة (73) إذن بين العقل و العلم الحديث فى مناوأة الدين خبط و خلط ظاهر من الفريق الأول أما قول الأستاذ منشئ (( الجامعة )) : (( إن العدو الحقيقي للإسلام و المسيحية الخ فى هذا الزمان ... عدو جديد أخرجه التمدن الجديد و هذا العدو اللدود هو المبادئ المادية المبنية على البحث بالعقل دون سواء )) و هو يدخل العقل فى مسألة المناوأة للدين إدخالا تاما على الرغم من المساعى المبذولة لإخراجه و يوهم أن عدو الأديان الحقيقى اللدود هو العقل فنقول فى جوابه :
لا شئ فى الدنيا أعجب من الخلاف القائم الدائم بين الإلهيين و الملاحدة و لا مسألة فى الدنيا أيضا يؤيد العقل أحد الطرفين المتنازعين ضد الآخر أكثر من تأييده لمثبتى وجود الله ضد النافين لأن الكائنات من أصغرها إلى أكبرها و من أقربها إلى أبعدها مع ما فيها من النظام و الترتيب و التأليف و التشكيل البديع المحير للعقول آثار و أفعال فهل من اللازم الضرورى لها من فاعل مؤثر مدبر أم أنها أفعال من غير فاعل و آثار بدون مؤثر ؟ فذهب الإلهيون إلى الرأى الأول و قالوا لابد لهذه الآثار من مؤثر و هذه الموجودات من موجد فإن كنا لا نعرفه بحقيقته و كنهه فلا جرم أننا ندرك ضرورة وجوده و اتصافه بالصفات الكمالية و ذهب الملاحدة إلى الرأى الثانى و هو عدم وجود فاعل مؤثر لهذه الأفعال و الآثار و حجتهم أنهم بحثوا عن هذا الفاعل الموجد للعالم الذى يسميه المؤمنون (( الله )) فلم يجده و لم يروه بأى آلة راقية ترى ما لاتراه العيون من القريب و البعيد كما أن حجة المؤمنين أنه لا يكون فعل بدون فاعل و لا أثر من غير مؤثر و لاسبهة فى قوة حجة المؤمنين و سخافة حجة الملاحدة عند استفتاء المسألة من العقل بال العقل نفسه من دون استفتائه يقتضى وجود المؤثر ويقضى به بعد رؤية الآثار و السبب فى كون المنكرين لم يجده مهما بحثوا عنه أنهم لم يبحثوا
صفحة ( 74 ) عنه بعقولهم و إنما بحثوا بحواسهم و ما يساعد الحواس و يقويها دون ما يساعد العقل أو أنهم بحثوا بعقولهم و كانت ضعيفة فأخطأت فى التفكير أما كان يقول الأستاذ فريد وجدى : يكثر الخطأ فى العقل؟ فلهذا لا يوثق به فى العلم و إنما يوثق بالحواس و الله تعالى يقول (( فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التى فى الصدور)) لكن الأستاذ فاته أن العقل يخطئ و يصيب فإذا أخطأ كان خطأه عظيم الأثر و إذا أصاب كانت إصابته عظيمة الأثر و الآية تشير إلى عظم خطورة عمى العقول بالنسبة إلى عمى الأبصار فتفهم منه عظمة الفرق أيضا بين إصابتهما فهى أى الآية تدل على عظم أهمية العقل بالنسبة إلى الحواس. و كأنى بالملاحدة الضعفاء العقول فى بهت و حيرة من عدم رؤية المؤثر و من كون الأثر من العظمة و البداعة المستوجبة فى موجده ما يحير العقول ضعفاءها و أقوياءها من القدرة و الإحاطة العلمية بحيث يفتن الناظر و بقوله : من يقدر على إيجاد هذا الأثر العظيم الذى يضيق التصور فى تقدير مداه ؟ فالأولى أن لا يكون له موجد و أن يكون موجودا بنفسه !! هذا ما سول لهم الشيطان . و فاتهم أن الأثر العظيم الذى لا تدركه قدرة الموجد و علمه كيف يوجد من غير موجد ؟ فهل إذا لم تكفه قدرة الموجد الموجود و علمه تكفيه قدرة الموجد المعدوم و علمه ؟ أو إذا احتاج إيجاد الشئ إلى قدرة و علم فوق ما يتصور منهما استحق أن يوجد من غير حاجة إلى موجد و من غير حاجة إلى علم و قدرة يلزم وجودهما فى الموجد؟ كلا بل كلما عظم الأثر عظم احتياجه إلى المؤثرلا أن الأثر التافه يحتاج إلى مؤثر و لا يحتاج الأثر العظيم إلى مؤثر إن هذا إلا تفكير معكوس و لا يقال إن وجود الشئ بنفسه ليس معناه أن موجده موجد معدوم و إنما معناه أن لا يكون له موجد أصلا لا موجود و لا معدوم و خلاصته عدم احتياجه إلى موجد لأنا نقول وجود الموجود فى غير واجب الوجود أى فى الممكنات لا يكون إلا بإيجاد و إلا لزم الرجحان من غير مرجح و هو محال متضمن للتناقض لأن الممكن
صفحة (75) الذى لا يكون وجوده و لا عدمه ضروريا و تكون قابليته للوجود و العدم على السواء من غير رجحان أحد الجانبين على الآخر إلا بمرجح خارج منه لو كان موجودا بنفسه من غير موجد يرجح له جانب الوجود لزم رجحان هذا الجانب من غير مرجح يرجح له ذلك لا من نفسه لتساوى الجانبين بالنسبة إليه و لا من الخارج لعدم وجود موجد له ، و الرجحان من غير سبب مرجح محال مناقض لتساوى الطرفين المفروض و توضيح هذا المقام أن الموجود ينقسم إلى الواجب و الممكن و المعدوم ينقسم إلى الممتنع و الممكن فالواجب ما لا يمكن عدمه و هو الله و الممتنع ما لايمكن وجوده كشريك البارى و اجتماع النقيضين و الممكن ما لا ضرورة فى وجوده و لا فى عدمه فمنه ما يكون موجودا و منه ما يكون معدوما مثال الأول جميع الكائنات المسمى بالعالم و المفسر لما سوي الله و مثال الثانى العنقاء فهى معدومة لا يمتنع وجودها و العالم بجميع أجزائه موجود لا يمتنع عدمه لعدم كونه واجب الوجود و من أجل أنه ممكن لا واجب فهو يحتاج إلى موجود آخر يتقدمه فى الوجود ليستند وجوده إلى وجوده و لا يكون له الوجود المشهود رجحانا من غير مرجح أى محالا كما علمت ذلك مع أن المحال لا يكون واقعا مشهودا فوجود العالم يدل دلالة قطعية على وجود موجود آخر وراءه لعدم إمكان أن يتسنى له الوجود بدون هذا الموجود .
فالملاحدة الذين ينكرون وجود موجود آخر وراء العالم المشهود يستند إليه فى وجوده لا يمكنهم أن يوضحوا لنا طريق وجود العالم ما دام العالم موجودا ممكن الوجود لا واجبه و لا يمكنهم أن ينكروا إمكان العالم و يدعوا وجوبه أما كون الماديين تمسكوا بالمادة و ادعوا قدمها مع القوة الملازمة لها و استغناء العالم المتكون منهما عن أى موجود غيرهما فجوابه أنا لو سلمنا بقدم المادة – مع أنا نثبت حدوثها إن شاء الله فى مبحث حدوث العالم الآتى فى نهاية الباب الثانى من هذا الكتاب – فلا يلزم
صفحة (76) من قدمها وجوبها أى خروجها من عداد الموجودات الممكنة الوجود و صعودها إلى مرتبة الموجود الواجب الوجود غير المحتاج إلى موجد لأن المادة لا تفارقها حاجتها إلى الصورة التى لا تكون المادة موجودة بالفعل إلا بها فلا توجد فى الدنيا مادة (1) مجردة عن الصورة كما أن الصورة لا تفارقها حاجتها إلى المادة فكل منهما محتاج إلى الآخر ليكون موجودا و الحاجة التى هى رمز الإمكان تنافى وجوب الوجود .
فقد انجلى من هذا أن العالم الذى يحتاج فى وجوده إلى غيره لا يمكنه أن يقضى حاجته هذه من نفسه و من داخله لشمول الإمكان الذى هو رمز الحاجة جميع أجزائه فليزم وجود موجود آخر غير محتاج ليقضى حاجة العالم المحتاج و يكون موجده لا يقال إن المادة التى هى داخلة فى العالم تحتاج إلى الصورة التى هى داخلة فيه أيضا فمن أين تحصل الحاجة إلى موجود آخر خارج عن العالم ؟ لأنا نقول إذا دخل الاحتياج فى نفس أى شئ فهو يمنع ذلك الشئ من أن يكون واجب الوجود موجودا من نفسه بل يلزم أن يكون وجوده بإيجاد من الغير و يسمى ذلك الغير الموجد فى اصطلاح الفلاسفة (( علة )) و المحتاج الموجد (( معلولا )) و المادة المحتاجة إلى الصورة لا يمكن أن تكون الصورة علتها الموجدة إذ كما أن المادة محتاجة إلى الصورة فالصورة أيضا محتاجة إلى المادة لعدم إمكان وجودها مجردة عن المادة فليزم على فرض أن تكون علة وجود إحداهما
بداية هامش ص (76)
[ 1] المادة ما وجد فى الشئ و كان ممكنا أ، يكون الشئ به كل شئ غيره و تسمى أيضا هبولاء. و الصورة ما وجد فى الشئ و لم يكن ممكنا أن يكون الشئ به غير ذلك الشئ فالإنسان الذى صار إنسانا بمادته كان فى الإمكان أن يصير بها غير إنسان أيضا و لا يمكن أن يكون الإنسان بصورته الإنسانية إلا إنسانا ثم إن المادة فى الإنسان لا يجوز تمثيلها باللحم و العظم و الدم و غير ذلك و مثله الحديد بالنسبة إلى السيف لأن كل ذلك ليس بالمادة التى نحن فيها فهى أعم من المذكورات بأسماء معينة كاللحم و العظم و الدم و الحديد و ليس بالمادة أسم معين و لا مسمى معين من أسماء الأشياء و مسمياتها و ليست الصورة هنا بمعنى الشكل و المنظر بل عبارة عما يكون الإنسان به إنسانا.
صفحة ( 77) هى الأخرى مع احتياج كل منهما فى وجودها إلى الأخرى أن تكون الصورة أوجدت المادة و المادة أوجدت الصورة وهو دور باطل يرجع إلى أن تكون المادة أوجدت نفسها و الصورة أوجدت نفسها أى إلى تقدم كل منهما على نفسها فتكون موجودة قبل أن تكون موجودة – و حل هذا الإشكال أن احتياج المادة إلى الصورة من قبيل احتياج المشروط إلى شرط لا من قبيل احتياج المعلول إلى علته الموجدة و كذا الاحتياج المقابل من جانب الصورة إلى المادة . و لهذا جاز أن يكون كل منهما محتاجا إلى الآخر و لم يستلزم هذا النوع من احتياج كل من الطرفين إلى الآخر دورا محالا بل دورا جائزا يسمى بالدور المعى فهذه حاجة المادة و الصورة بعضها إلى بعض أما حاجة كل منهما الأخرى إلى علة توجدهما مرتبطتين بعضهما ببعض فهى حاجة المادة التى لا تقضيها الصورة و حاجة الصورة التى لا تقضيها المادة و إنما يقضيها موجود تحتاج إليه المادة و تحتاج إليه الصورة و يحتاج إليه كل شئ و هو لا يحتاج إلى شئ لكونه موجودا واجب الوجود لا موجودا ممكن الوجود .
الحاصل انا نحن المؤمنين بالله نرى العالم كما يراه الملاحدة الماديون و نعرف المادة و الصورة كما يعرفون ، و زيادة على ما يرونه و ما يعرفونه نرى الحاجة الملحة أى إلحاح فى تشكل هذا العالم إلى موجود أسمى من كل موجود ينطوي عليه العالم و نحكم بأن كل ما ينطوى عليه من الموجودات و ما بينها من الانسجام و ما يتبعه من الانتظام صنع ذلك الموجود الأسمى فإن كان الملاحدة قائلين باستغناء هذا الكون من صنع صانع فهذا ليس بقول ذى عقل فضلا عن أنه قول بالرجحان من غير مرجح و انه محال كما ذكرنا و المادة التى يتمسك بها الملاحدة و يسعون لملء هذا الفراغ بها نراها نحن أقل من أن يستند إليها ذلك الصنع العظيم بل لا يستند إليها أى صنع و أى فعل لأن موقفها فى العالم موقف القابل لا موقف الفاعل و قبل أن تكون المادة صاحبة
صفحة (78) ذلك الصنع فهى نفسها محتاجة إلى صنع صانع و إيجاد موجد لكونها من الممكنات التى يلازمها الاحتياج و يبعد عنها الاستغناء و الإغناء و مثلها الصورة فضلا عن أن المادة و الصورة تنقصهما الأوصاف التى لابد أن تكون موجودة فى صانع الكائنات العظيمة الأعظم كالعلم و الإرادة و القدرة و الحكمة و الحياة.
فنحن نتمسك بقضيتين إزاء تمسك الماديين بالمادة و الصورة غير رافعين أنظارهم إلى مافوقهما فنقول يجب أن يكون هذا العالم المشهود صنع صانع و لا تستأهل المادة و الصورة اللتان ينحل إليهما العالم لأن تكونا صاحبتى هذا الصنع فالخلاف القائم بيننا و بين الملاحدة يتخلص فى هاتين القضيتين و هو بسيط إلى هذا الحد و لسنا نحن المؤمنين بوجود الله الذى لم نره نشهد به من غير ما حاجة و ضرورة و ننطق عن الهوى أو أضغاث الأحلام إذا قلنا بوجود موجود وراء العالم استدلالا من وجوده على وجوده .
هذا مايلهمنا وجود العالم و هذا مقتضى العقل و منطقه فهل يمكن بعد درس المسألة كما درسنا أن يقال بأن العقل يؤيد الإلحاد و يناوئ الدين ؟ و أما أن الملاحدة الماديين لم يجدوا موجد الكائنات و لم يروه فعدم وجدان الشئ و عدم رؤيته لايدل على عدم وجوده فى نفس الأمر فيحتمل كل الاحتمال أنه موجود لكنهم ما وجدوه لتقصيرهم فى البحث حيث بحثوا عنه بحواسهم و لم يبحثوا بعقولهم . فلو بحثوا بها لما تجرأوا على إنكار وجوده و كيف ينكر العقل أو العلم وجود الله بحجة أنه لا يرى فى حين أن العقل و العلم لا يريان و إنما يعرفان بآثارهما فإذا نظرنا إلى الآثار نجد آثار الله تملأ العالم و بداهة العقل تقضى بوجود موجد هذه الآثار و فاعل هذه الأفعال و لا تقضى بعدم وجود الفاعل مهما لم يجده الباحثون مع وجود الفعل و إنما تقضى بجهلهم البسيط إن قالوا لم نجده . و بجهلهم المركب إن قالوا إنه غير موجود فهكذا
صفحة ( 79) يكون حكم العقل القطعى و لو كان الباحث غير الواجد علما من العلوم و يكون القول قول العقل لا قول العلم لأن الحاكم الأعلى الذى لا يغرب عن حكمه حتى العلوم هو العقل و إظهار الأستاذ منشئ (( الجامعة )) لذلك الجهل فى مظهر العلم يدل على قلة نصيبه من العقل و العلم لأنه اعتمد على عظمة اسم العلم فتوهم أن العقل يتبعه ويماشيه مهما أباه منطقه أى منطق العقل (1) اعتمد على ما سمعه من أن العلم الحديث يثق بحكم التجربة و لا يكترث بحكم العقل فقال ما قال من غير تدقيق المسألة و من غير مراجعة صادقة لعقله الذى فطره الله عليه . ألا يرى أنه يلزم الملاحده الماديين و الطبيعيين أن يحكموا بعدم وجود الفاعل لفعل القتل الذى لم يهتد الباحثون فيه إلى القاتل و يدعوا وقوع ذلك القتل بنفسه من غير فاعل و لئلا يتسع المجال لتشويش الأذهان باحتمال وقوع ذلك القتل انتحارا من المقتول لنفرض أنه قطع إربا إربا فليزم على مذهبهم أن يكون هذا القطع أيضا حاصلا بنفسه من دون وجود قاطع فإن قالوا إن القتل و القطع من أفعال الإنسان فلا يقاسان بالأفعال الطبيعية يقال لهم إن الكل من نوع واحد و هو حصول الفعل بنفسه من غير فاعل مع أن الإنسان و أفعاله ليست بخارجة عن الطبيعة فإذا جاز أن يحصل فى الطبيعة أفعال بنفسها من غير فاعل لزم جواز أن يحصل أيضا قتل بلا قاتل و قطع بلا قاطع.
فإن قيل لا نسلم بعدم وجود فاعل لهذه الأفعال و الآثار الكونية على تقدير عدم القول بوجود الله ولا نسلم بصحة قياسها على وقوع فعل القتل و القطع من غير وجود القاتل و القاطع لأن فاعل الكائنات الطبيعة فالجواب أن إسناد الفعل إلى الطبيعة لا يراد به إلا فعل بدون فاعل إذا لا موجود فى العالم يسمى الطبيعة و يعمل الأفعال الجارية فى الكون و لا يقال إن المراد بفعل الطبيعة فعل المادة فى نفسها لأن نفسها
بداية هامش ص ( 79)
[1] مع أن الأمربالعكس و هو أن العلم يماشى العقل لأن العقل هو الذى اخترع العلوم .
نهاية هامش ص (79)
صفحة (80) ليست ذات وضع بالنسبة إليها كما نص عليه فلاسفة الإسلام و لأن كون الشئ فاعلا لفعل و منفعلا بنفس ذلك الفعل فى آن واحد محال لأنه تناقض و قد صرح به أرسطو فى دليل المحرك الأول المنسوب إليه و هو أتى بذاك الدليل لإثبات وجود الله و توصل به إلى أن المحرك الأول لا يجوز أن يكون متحركا و نحن أقمنا من قبل أدلة مانعة لكون المادة علة موجدة للكائنات مغنية عن وجود الله تعالى .
بل نقول للملاحدة الماديين و للأستاذ فرح أنطون الذى نفى وجود الله عند وزنه بميزان العقل لكونه غير منظور – و قد سبق نصه غير مرة – مع أن عدم الرؤية لا يستلزم فى حكم العقل عدم الوجود .. نقول لهم جميعا إنكم لا ترتابون فى وجود المادة (1) فهل رأيتموها ؟ كلا إنكم ما رأيتموها و لن تروها و ما لمستموها و لن تمسوها فإن ظننتم أنكم ترونها أو تلمسونها فذلك ظن عامى لا يتفق مع العلم حتى إن قول العصريين فى عبارتهم (( حقائق ملموسة)) قول غير حقيقى مبنى على المبالغة فى الظهور لأن الحقائق لا تلمس و مثلها المادة إذا الإحساس سواء كان بالرؤية أو باللمس لا يتعلق بنفس المادة بل بأعراضها فالرؤية تتعلق باللون دون الملون الذى هو الجسم المتضمن المادة و اللمس يتعلق بالحرارة و البرودة و الخشونة و النعومة دون الجسم الموصوف فضلا عن المادة التى هى أبعد من الجسم بالنسبة إلى الإحساس .. فمن إحساس هذه الأوصاف و الأعراض ينتقل العقل إلى وجود موصوفها و معروضها و معناه أن المدرك لوجود المادة أيضا هو العقل لا الحواس فماذا الفرق إذن بين القول بوجود المادة بناء على معاينة الأعراض الدالة على وجود ما تحله و بين القول بوجود الله بناء على معاينة أفعاله فى العالم الدالة على وجود فاعلها ؟ فهل دلالة الفعل على الفاعل أقل من دلالة العرض على المحل ؟ بل إن السبب فى كل من الدلالتين واحد
بداية هامش ص(80) [ 1] أو بالأصح لا ترتابون فى وجود ما تسمونه المادة بناء على تغير الفكرة القديمة المادية القائمة بوجود المادة أزلا و أبدا.
نهاية هامش ص (80)
-81-
و هو احتياج ما لا يقوم بذاته إلى ما يقوم بذاته فالصفة تحتاج إلى الموصوف و العرض يحتاج إلى المحل و الفعل يحتاج إلى الفاعل،و المادة هي القابلة و ليست بفاعلة فإن العطالة من أوصافها، فأين فاعل العالم بالإيجاد و التنظيم و الإتقان؟ أما الطبيعة فقد عرفت أن إسناد الكائنات إليها لا معنى له سوى تكونها بنفسها من غير مكون و عرفت أنه محال مستلزم للرجحان من غير مرجح الذى يرجع إلى التناقض. و اما القوة الملازمة للمادة و تسمى الطاقة أيضا و تنقسم فيما وصل إليه لعلم الطبيعى إلى بضعة أنواع* ويندرج كلها على ما ذكر"بوخنز" فى الحركة، فهى لا تصلح أن تكون الفاعل المنشود الموجد الناظم بل هى آثار الفاعل فى المادة ، فضلا عن كونها عمياء لا علم لها و لا إرادة مثل المادة ، و إن شئت قلت إنها نفس الأفعال التى تضطرنا إلى نشدان فاعلها ونفس النظام الذى يحوجنا إلى نشدان الناظم . و قد تلتبس القوة بهذا المعنى على الملاحدة فيخيل لهم استغنائها عن مالك هذه القوة و مدبرها أعنى الفاعل المنشود** أو يخيل أن صاحب القوة هى المادة مع أن المادة إنما هى محل القوة لا رب القوة و إلا انقلب القابل فاعلا.
___________________________________________
*مثل الثقلة والجاذبية العامة، و القوة الميكانيكية و الحرارة والضياء و الكهرباء و المغناطيسية و العلاقة الكيميوية و القوة الماسكة أوتجاذب الذرات و القوة الذرية.
**فلا تعدم مصر من كبار كتابها من يظنون أن الله عبارة عن القوة التى تلازم المادة و التى تنحل إليها المادة بعد فنائها كما هو الرأي الجديد فى الغرب الناسخ عن الرأي القديم القائل بأزلية المادة و أبديتها . و يضاف إلى الرأي الجديد أنه لا وجود للمادة مذ كانت و إنما هى القوة المتكافئة . و عندى أن الذى تنحل إليه المادة عند فنائها و تتألف من أجزائها المتكافئة عند وجودها ليس بأولى أن يكون هو القوة من أن يكون هو الأثير أو ما تتحول إليه المادة فى مراحل فنائها المنتهية إلى الأثير. و لا جيوز انحلال المادة إلى القوة و لا تكونها منها لأن القوة لا تقوم بنفسها بل توجد مع وجود المادة و تزول مع زوالها كالعرض بالنسبة إلي الجوهر إلا أن يكون هناك شئ يكون محلا للقوة و يقوم مقام المادة مهما كان ألطف منها.
(6- موقف العقل - ثان)
-82-
و بأيدينا مثال آخر لما يعترف بوجوده من غير وصول الحواس إلي ذاته،أبلغ من مثال المادة و هو الأثير. لأن المادة إن لم ترأو تلمس فعلى الأقل ترى أعراضها و تلمس، أما الأثير الذى هو أرق من المادة بكثير- حتى إن للهواء مادة و ليس للأثير مادة - فلا يرى و لا يلمس لا ذاته و لا أعراضه.
و مع هذا يعترف بوجوده لحاجه إليه في نظام العالم، و هي أن أضواء النجوم التي تصل إلى كرتنا تحتاج إلى ما يحملها في طريقه إلينا. و لو قلنا أن حاملها الهواء فمعظم الطريق بعد الخروج من محيط الأرض خال عن الهواء. فلهذا نضطر إلى القول بوجود شئ مسمى بالأثير يملأ الفضاء و يبلغنا الضياء و هو الذي يحمل الأصوات الواصلة إلينا من وراء الجدار أيضاً، لأن الجدار يحول بيننا و بين الهواء الحامل لتلك الأصوات و لا يحول بيننا و بين الأثير لنفوذه في الأجسام، و إن كنا لا نعرف وجوده و لا نفوذه فيما لا ينفذ فيه الهواء لولا أننا نسمع الأصوات من وراء الحواجز. فهل من الإنصاف بعد هذا أن نعترف بوجود ذلك الوجود الخفي لما ذكرنا من الأمارات و لا نعترف بوجود الله تعالى لأمارات تملأ السماوات و الأرض؟ ثم أن هذا الوجود الخفي المستوعب للأبعاد و الذي وصلنا إليه بعقولنا على غفلة من حواسنا، ليس بالوجود المنشود ليكون رب هذا الكون لأنه داخل في الكون المربوب، و هو لا يجاوز أن يكون قابلاً كالمادة لا فاعلاً.
بل أن لنا أمثلة موجودات لا نراها و لكن لا نتردد في الحكم بوجودها و هي أقرب إلى أفهامنا مما نجهله كالمادة و الأثير و أعجب من حيث أنها نفس المحسوسات التي يطالبنا الأستاذ فرح أنطون مناظر الشيخ محمد عبده أن نريه الله كما يراها فيقتنع عقله بوجوده كما يقتنع بوجودها! فكيف يقتنع الأستاذ بوجود هذه المحسوسات التي يشاهدها أمامه و تملأ العالم، مع أن طريق إدراك المحسوسات و الحكم بوجودها عين طريق إدراك الله و الحكم بوجوده؟ أعني أن كلا من هذين الحكمين مستند إلى مبدأ السببية و حاصل بالاستدلال العقلي. و توضيحه أن كثيراً من علماء الغرب
-83-
وفيهم "كانت" قائلون بأن الأشياء التي يعيرها وهمنا بغير حق وجوداً في الخارج ليست سوى مخترعات و صور مرسومة مخترعها و رسامها مفكرتنا، و ما رسمتها في الخارج و إنما رسمتها في نفسها، فكما لم يكن الخارج محلاً لأعيانها لم يكن محلاً لصورها أيضاً.
قال "اويد هيوم":
( لنربط التفاتنا لحد الإمكان بالخارج عنا و لتمتد مخيلتنا إلى السماوات و أقاصي الكائنات، فلا نكون مخطو إلى الخارج منا خطوة حقيقية و نتصور موجوداً غير المشهودات الظاهرة في هذا المحل المحصور (يريد داخل الذهن) و الكائنات التي ندركها بحواسنا فهي كائنات مخيلتنا ).
و زاد " كانت" على ترك فرضية وجود العالم في الخارج فقال بامتناع هذه الفرضية، فالصورة في تشكل العالم على رأي "كانت" تعطيها الروح.
و لسنا نحن على هذا الرأي الذي يسمى بالحسبانية الأخيرة، و قد سبقتها في تاريخ الفلسفة حسبانيتان الأولى و الثانية و سيجيئ منا الكلام المستوفي بهذا الصدد. و أصل الشبهة أن الإحساس أعمى و أبكم لا يحصل منه وحده شئ من الإدراك، و العقل هو الذي يؤوله و يقلبه إلى الإدراك. و معنى إدراك الشئ تصويره و إنشاؤه في الذهن، فليس الذي نسميه العالم إلا صوراً ذهنية لنا. لأن العقل و الإدراك أمران معنويان لا تكون لهما مناسبة و اتصال بالمادة و الماديات لعدم تجانسهما، حتى إن الفلاسفة عاجزون عن إيضاح اتصال نفس الإنسان ببدئه - كما سنفصله في بعض مباحث هذا الكتاب - بله اتصالها بالعالم ... قلنا لسنا على مذهب الحسبانيين لأنا معترفون بوجود الكائنات في الخارج و لا نشك فيه، غير أن التي نراها بأعيننا من الكائنات و نلمسها بأيدينا هي الصور الذهنية للأشياء لا الأشياء نفسها.. أعني أن الإدراك الحاصل بواسطة الحواس إنما يتعلق و يتصل بتلك الصور مثل الإدراك بغير واسطة الحواس، لأن المدرك في الحالتين هو العقل
-84-
الذى لا صلة لها بالخارج.و أما المنكرون لوجود الكائنات فى خارج الأذهان فيلزمهم مع التسليم بكل ما ذكروه أن يجيبوا عن سبب حصول هذه الصور الذهنية عند الإحساس بالأشياء.
و أحق وجوه الإيضاح بالقبول ما اختاره "كوزين" مقتبسا من "ديكارت" و هو أن في الذهن مبادئ اعتقادات أصلية، فهو- حتى في الوقت الذي لا يملك شعورا صريحا في شأنها - يطبقها عند أول ما أخذ يتحرك و يعمل. فمن تلك المبادئ :
( أن لكل حادثة علة )* و كون الطفل يسأل بكثرة عن أسباب ما يشاهده، يعطينا فكرة في مبلغ سرعة ظهور هذه العقيدة في الانسان. فالذهن المجهز في فطرته بمبدأ
______________________________________
* اعلم أن ما ينطوي عليه علم الانسان على نوعين: نوع يحتاج الانسان في معرفته إلى واسطة و يسمي العلم الحاصل بهذه الصورة علما نظريا و اكتسابيا. و نوع لا يحتاج في معرفته إلى واسطة و يسمى علما ضرورياً. و هذا النوع على قلته يكون أساساً للنوع الأول بمعنى أنه يعرف ما يعرفه من النوع الأول برده و اسناده إلى ما يعرفه من النوع الثاني، فلولاه لم يكن الأول و لولا الأول لانتصرت معرفته على أمور في غاية القلة و المحدودية، و إنما يكون الاستدلال و الاكتساب هو الذي يزيد في معلومات الانسان إلا أنه لا يمكن أن يكون جميع معلوماته مستندة إلى الدليل و إلا يلزم التسلسل في استدلالاته من غير انتهاء إلى معرفة شئ.
و القضايا التي يعرفها الانسان من تلقاء نفسه و لا يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال و الاكتساب و التعلم، يسميها العلماء الغربيون "المبادئ الأولى" أو المبادئ المدبرة للذهن و هي ترجع إلى مبدأين رئيسين مبدأ العينية و مبدأ السببية ثم يتشعب منهما مبادئ فيتشعب من مبدأ العينية مبدأ التناقض أي مبدأ استحالة اجتماع النقيضين و ارتفاعهما في الصدق و مبدأ التناوب أي مبدأ استحالة اجتماع النقيضين و ارتفاعهما في الكذب. و يتشعب من مبدأ السببية مبدأ العلية و مبدأ الجوهر و مبدأ القوانين و مبدأ الغائية.
فمبدأ العلية المكنوز في عقولنا هو الذي يجعلنا نحكم بأن لكل حادثة علة. و لئلا يطول الكلام نضرب صفحاً عن القضايا المفسرة لباقي المبادئ المتشعبة من مبدأ السببية. و لنا كلام على المبادئ في أمكنة أخرى من الكتاب.
- 85 -
العلية يستبين قبل مضي كثير من الزمان أن علة الاحساسات التي يحسها ليست هي نفسه لأنها تؤثر فينا حين كنا لا ننتظرها و ترينا نفسها و إن لم نردها ، وتدوم بحيث لا نستطيع وقفها، و تغيب و إن كنا نريد ادامتها.و مع كل هذا فتلك الإحساسات حادثات لابد لها بهذه الحيثية من علل ، و ما دمنا لم نكن نحن علتها فيلزم أن تكون العلة فى الخارج عنا ، فبفضل الإنتقال والإستدلال الحاصلين فى أذهاننا على هذه الطريقة السهلة نذهب إلى اعتقاد وجود تلك الأشياء فى الخارج.و إلا فلا سبيل لنا إلى الحكم الجازم بوجود الأشياء المحسوسة فى الخارج أى فى خارج الذهن بعد أن كان الإحساس عبارة عن إدراك الصورة الحاصلة فى الذهن لأشخاص الأشياء ، و لولا الاستدلالات التى تعودناها من غير شعورفى الأكثر بوقوعها لسرعتها و اعتيادها لما كان من حقنا الحكم بوجود الأشياء فى خارج الذهن بمجرد حصول صورة فى الذهن. فانظر إلى غفلة المزدرين بالاستدلال العقلى الجاعلين كل الأهمية للإحساس ، و لولا الاستدلال لما كان الإحساس إحساسا.
هذا تحليل كيفية حكمنا بوجود الكائنات المحسوسة فى الخارج. و أما إضافتنا إليها صورا معينة و كون تلك الصور صادقة مطابقة للواقع على الرغم من تعذر الإتصال بين المدركة و بين العالم الخارجى المادى المتغايرى الجنس، فهناك كمال صنعة خالق الإنسان و الحيوان و خالق العالم المحسوس الموضوع أمامنا. فالإنسان المسكين مع كمال إدراكه بالنسبة إلى غيره يرى و يدرك و لا يدرى حتى علماؤه و حكماؤه كيف يرى و كيف يدرك ما يرى ؟ فالله تعالى لم يعلمهم أسرار أظهر ما يحصل لهم كل يوم و كل لحظة من الأحوال العادية ، و كلها معجزة تفقأ عيون منكرى المعجزات.
فقد ظهر أن إدراك المحسوسات و الإعتراف بوجودها فى الخارج يستند إلى مبدأ العلية و إلى استدلال عقلى يتعوده الإنسان و ربما لا يشعر به من سرعته و كثرة وقوعه . فالمحسوس إن كان موجودا فى الخارج كما هو مذهبنا و مذهب الخصم الذى لا يعترف
-86-
إلا بوجود ما يراه بعينيه ، فالحكم بوجوده مدين لمبدأ العلية الذى هو الواسطة أيضا فى إثبات وجود الله عند تقرير دليله المعروف كما سنورده.
ثم إنا نزيد فى نقاش الخصم الذى لا يعترف بوجود الله لعدم كونه منظورا و محسوسا و نتقدم مرحلة أخرى فى الإقدام عليه فنقول و نبنى قولنا على الأساسات الفلسية المسلمة عند علماء الغرب و التى ذكرنا قريبا: إنك لا تبصر أي شئ و لا تدرك وجود ما أبصرته إلا و تدرك معه وجود الله، إن كنت فى غفلة عن هذا الإدراك فالعقل يقضى بذلك! اعلم هذا و حذار بعده أن تقول غنى لا أعترف بوجود ما لا تراه عيناي أو تقول إن العقل لا يقتضى الإعتراف بوجود الله.
و توضيحه أننا ذكرنا قريبا أن الإحساس فى نفسه أعمى و أبكم و الذى يفسره و يقلبه إلى الإدراك هو العقل و أن إدراك الشئ عبارة عن تصويره و إنشائه فى الذهن. ثم قلنا إن حصول صور فى أذهاننا عند النظر إلى جهاتنا حادثات يجب أن تكون لها علة بناء على المبدأ العقلى المجمع عليه عند العقلاء بأن لكل حادثة علة . و قلنا أيضا إن الذهن المجهز فى فطرته بمبدأ العلية يستبين أن علة حصول صور فيه عند استعمال الحواس ليست هى نفسه أى نفس الذهن و إن كان كلام بعض الفلاسفة يوهم أن العقل مصور تلك الصور و منشئها أى علتها الفاعلية. لكن الحق أن الذهن منفعل بها و ليس بفاعل ، كما قال المحققون من علمائنا المتكلمين أن العلم و الإدراك من مقولة الإنفعال لا من مقولة الفعل. و لا يحسبن القارئ من كون الحكم بوجود المحسوسات فى الخارج مستندا إلى مبدأ العلية أن الأشياء المحسوسة أو مقابلتها لنواظرنا علة فاعلية للصور الحاصلة فى أذهاننا ، فكما أننا لم نكن موجدى تلك الصور فكذلك لا توجد الأشياء الخارجية التى هى ذوات الصور. إذ لا يمكن تأثير تلك الأشياء فى أذهاننا لكونها مواد عاطلة عن الفعل و التأثير و لما قلنا من تعذر الإتصال بين عالم الذهن و عالم الخارج بأنفسهما. فكما
-87-
لا يخرج الذهن من حصاره لا يدخل ذلك الحصار شئ من الخارج فعالم الخارج عالم المادة و عالم الذهن عالم المعنى. و من هذا لا يقاس الاحساس على التصوير الفطوغرافي لأن الصورة فيه من المحسوسات كذى الصورة، و علو الصنعة في الاحساس بتجلي في انقلاب المحسوس معقولاً في الذهن إذ الاحساس نوع من الادراك، فهو ادراك الجزئيات. و لا ادراك في التصوير الفوتوغرافي.
فإذن فاعل تلك الصورة الحاصلة في أذهاننا و منشئها هو الله الذي يخلقها فينا عند استعمال حواسنا متوجهة إلى الأشياء. و وجود الأشياء في وضع ملائم بالنسبة إلى حواسنا شرط عادي لخلق تلك الصور من الله في الأذهان لا علة، بمعنى أن سنة الله جرت على أن يخلق الصور الذهنية عند توجيه أنظارنا مثلاً إلى الأشياء و وجود تلك الأشياء أمام أعيننا. فالله تعالى هو الذي بقدرته المحيرة للعقول يصل عالم الذهن المعنوي بعالم الماديات بواسطة الحواس. و إلا فلا سبيل غير هذا للإحساس كما اعترف به العلماء.. فعند تحليل الاحساس تحليلاً علمياً و تصور ما في لحظة عين مثلاً من نعمة الله علينا التي لا يستطيع اكتناهها اللاحظ نفسه و لا فطاحل العلماء و الحكماء من البشر، ثم الاعتراف بوجود المحسوس في الخارج بفضل تلك النعمة التي تسمى نعمة البصر، - و مثلها نعمة السمع و الشم و الذوق و اللمس - لا مندوحة عن الاعتراف بوجود الله أيضاً الذي هو خالق الادراك فينا كلما أحسسنا شيئاً من احساساتنا المختلفة * نعم، كون خالق هذا الإدراك بواسطة الحواس هو الله إنما يتم بعد أن ينضم إلى دليلي هذا دليل إبطال التسلسل الذي يحتاج كل دليل لإثبات الواجب إلى انضمامه إليه. ثم ان وجود المحسوس في الخارج المفهوم من حصول صورته في الذهن، يحتاج
__________________________________________
* و لأجل كون الانسان يفعل ما يفعله من أفعاله العاديه من غير علم بتفاصيلها، ذهب المتكلمون من أهل السنة إلى أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. و الاحساس أيضاً من هذا القبيل.
- 88 -
هو الآخر إلى علة موجدة كما احتاج حصول صورته فى الذهن إليها . و بهذه الحركة الفكرية يثبت وجود الله مرة ثانية ، و هى الطريقة المعروفة عند علماء الإسلام و غيرهم لإثبات الواجب التى سنبينها نحن أيضا . و الطريقة التى ذكرناها سلفا خدمة للقارئ و نقمة من منكرى وجود الله لكونه غير محسوس و غير معقول أيضا لكونه غير محسوس ، يحق لى أن أباهى بابتكارها بتوفيق الله تعالى استنباطا من القواعد المسلمة عند علماء الغرب.
و حاصلها أنه لو لم يكن الله موجودا فلا وجه للإحساس و لا للمحسوسات . و فى هذا إرغام ليس فوقه إرغام لنفاة الله بناء على عدم كونه محسوسا بالبصر و للقائلين باحتياج إثبات وجود الله إلى الدليل المحسوس ، لأن وجود الله على هذا التحقيق يثبت قبل ثبوت وجود المحسوسات ، من حيث أن وقوع الإحساس و ثبوت وجود المحسوسات يتوقف على وجود الله و الموقوف عليه مقدم طبعا على الموقوف. بيان ذلك أن الإحساس الذى هو إدراك المحسوس لا سبيل إليه للعلم و الفلسفة كما عرفت ذلك ، و من جراء ذلك ترى أكبر فيلسوف مثل "كانت" ينكر العلم بوجود الكائنات المحسوسة و يعتبرها كائنات مفكرتنا التى أنشأناها فى أذهاننا و إنما طريق الإحساس و طريق العلم بوجود المحسوسات هو خلق الله الإحساس و العلم بوجود المحسوسات عقب استعمال الحواس ب طريقة لا نعلم نحن كيفيتها، فيجب على منكرى وجود الله جميعا أن ينكروا وجود المحسوسات أيضا أو على الأقل أن ينكروا العلم بوجودها كما ينكره "كانت" قائلا : "نحن نعرف الشئون ولا نعرف ذا الشئون" فهو يعترف بالإحساس و لا يعترف بالمحسوس حتى و لا المحس كما يتبين عندما ندرس فلسفة الرجل دراسة واسعة إن شاء الله . لكن وجود المحسوسات نعلمه بالبداهة و يعلمه معنا هواة الأدلة الحسية و نعلم بطلان مذهب "كانت" و غيره من غير المعترفين بوجود الكائنات فى خارج الأذهان.
-89-
فإن قلت إن "كانت" يؤمن بالله ، فلماذا لم يتنبه لإيقان وجود المحسوس بواسطة خلق الله تعالى الإحساس و العلم بوجود المحسوس ؟* قلت إن "كانت" يؤمن بوجود الله من طريق غير طريق العقل النظرى خاص له كما سيأتى ، و ينتقد جميع الأدلة النظرية المثبتة لوجود الله كما سيأتى بحث ذلك أيضا .. و دليلنا هذا مهما كان أغر ناصعا فهو دليل نظرى و دليل مبني على التسليم ببداهة العلم بوجود المحسوسات . و لعله لا يسلم بتلك البداهة و إن كان مخطئا فى ذلك . و عليه فدليلنا هذا لا يرغم غير المقتنعين بوجود المحسوسات مثل "كانت" و ليس ذلك عيبا فى دليلنا بل العيب فيهم.و إعراض "كانت" عن الأدلة النظرية عيب آخر فيه على جلالة قدره فى الفلسفة . فهذان العيبان يمنعانه عن التنبه للاتصال الوثيق بين وجود الله و بين استيقان وجود المحسوسات كما هو مناط دليلنا.
فللمحسوسات دلالة على وجود الله غير المحسوس مرتين الأولى دلالتها بصورها الذهنية الحاصلة عند الإحساس بها مع عدم السبيل إلى حصول تلك الصور لولا وجود الله الذى صورها . و هذه الدلالة تقع مع دلالة تلك الصور على وجود ذواتها الخارجية فى زمان واحد بالطريقة التى بيناها . و الثانية دلالة المحسوسات على وجود الله بأعيانها الموجودة فى الخارج و هذه الدلالة تقع بعد ثبوت وجودها فى الخارج ، بالطريقة الموعود بيانها و تتأخر عن الدلالة الأولى.
فقد بان من هذه التدقيقات أن العقل أول ناصر للدين مبادر لهذا النصر مع أول ما يقتنع بوجوده من العلم الخارجى المحسوس . و سوف تزداد هذه الحقيقة ظهورا كلما ازداد الخوض فى مباحث هذا الكتاب . لكن تنافى المسيحية الحاضرة مع العقل
_____________________________________________
* و من لطيف الغرائب أن يكون فيلسوف من أكبر فلاسفة الغرب مؤمنا بوجود الله غير المحسوس و غير مؤمن بوجود المحسوسات ، رغم الذين يرون الإيمان بوجود الله غير معقول لكونه غير محسوس.
-90-
و اتصال متعلمى الشرق الحديث بثقافة الغرب المسيحى أكبر من اتصالهم بثقافة الإسلام و منطق التفكير، قد شوش عليهم الأمر من عدة وجوه: حصول الظن بأن الدين لا يتألف مع العقل ثم التعزى إزاء هذا النقص للدين بأنه يدور مع الفضيلة و إن افترق من العقل ، ولزم من هذا مجافاة العقل للفضيلة بعد مجافاته للدين ، وهى نقيصة للعقل.
و كلا هذين النقصين للدين و العقل الحاصلين من افتراق الدين من العقل و العقل من الفضيلة ، على الرغم من أنه لا يستند إلى أساس من الصحة ، قد دخل فى أفكار المتعلمين المسلمين أيضا و أعدت منها عدوى للعناصر الدينية النازعة إلى التجديد من غير تحفظ فى اقتفاء آثار المتفرنجين. ومنشأ الكل هو التقليد الأعمى للغرب المسيحى و الغرب اللادينى فى حين أنه لا حاجة فى الإسلام إلى إيقاع التفرقة بين الدين و العقل ثم بين العقل و الفضيلة بل الثلالثة متحالفة لا يختلف بعضها مع بعض. فقد عرفت و ستعرف أيضا عدم اختلاف الدين مع العقل و أن مسألة وجود الله الذى هو أساس الدين مبنى على برهان العقل. ثم لا يتصور أن تكون فضيلة لا يحبذها العقل و لا يأمر بها إلا أن تكون فضيلة غير حقيقية أو متعارضة باخرى راجحة و العقل هو المرجح الحكم فى كل هذه الأمور.
هذا هو الحق.لكن العقلية الضالة المقلدة التى ذكرتها آنفا فى موقف الدين و العقل و العلم بعضها من بعض ، متأصلة فى مصر و ياللأسف ، فنرى من تدفعهم الغيرة الدينية إلى الكتابة فى مؤازرة الدين و تقوية عاطفته فى الأمة يحتاجون إلى المقارنة بين العقل و العاطفة الدينية و تأييد الثانى فى مقابل الأول بالفضيلة ، فكأنهم يرون خدمة الدين متوقفة على تنزيل قيمة العقل و إضعاف قوته باعتباره من خصماء الدين ، و يحتاجون فى تقوية مكان الدين بهذا الشكل الصنعى إلى وضع الفضيلة فى موضع قريب من الدين بعيد من العقل متحد مع العاطفة كما علمت. و كلها ظلمات أوهام بعضها فوق بعض ، و هى مسفرة عن التباس أنصار الدين عليهم بأعدائه و التباس أنصار
بداية صفحة 91
الفضيلة بأعدائها . و هذا الالتباس المضر بالدين أكثر من غيره , منشأه كما قلنا قياس الاسلام بمقياس المسيحية و تقليد الغرب فى كل ناحيته الذى أعتبره أنا مقدمة ضعف الشرق الحديث و ضلاله , فيرى من يحاول منا نصر دينه أن أنصار الديانة فى الغرب يسعون لاضعاف منزلة العقل ازاء العاطفة , فيسمى هوله مثلهم , ولا يفكر فى أن أهل الدين هناك يلجأون الى ذلك لأن دينهم أقام بينهم و بين العقل حاجزا من عقيدة التئليث , ولا يفكر ايضا فى أن قيمة العقل لا تنزل أبدا و أن الاسلام فى غنى عن طلب المحال لتقوية نفسه . و منشأ المنشأ أن المتعلم المصرى لا يعنى بالفهم و التفكير عنايته بحشر المعلومات فى ذاكرته . وربما كان هذا ذنب المدارس التى تدفع تلامذته اليه للنجاح فى الامتحنات وقد شهد العلماء الأجانب ممن سبقت لهم صلة بمدارس مصر , على هذه الحالة فى التلميذ المصرى لافتين اليها نظر وزارة المعارف (1) و المنشأ الأساسى الثانى أن المدارس تدرس فيها الكتب المترجمة من مؤلفات الغربيين ترجمة حرفية أو معنوية
هامش صفحة 91
(1) انظر ما قاله المركيز " دلافالت " الذى قال عنه رئيس تحرير جريدة الأهرام فى مقالة افتتاحية بتاريخ 22 نوفمبر 1932 ( انه أستاذ جليل الشأن تولى التدريس فى الجامعة المصرية مدة عشر سنين , ولشدة شغفه بهذه البلاد اتخذها وطنا له ) .
قال هذا المركيز فى تقرير ضاف قدمه الى وزارة المعارف المصرية , وقوله منشور فى نفس المقالة التى أشرنا اليها :
( وقد دلت المشاهدة على أن التلميذ المصرى وان كان قد امتاز بالذكاء الا أنه لا يميل فى الغالب الى بذل مجهود كبير لفهم دروسه , ولهذا فهو يعتمد على الذاكرة فى حفظ الدروس أكثر من اعتماده على اجهاد فكره لادراكها . وان المقام يضيق بنا هنا لو أردنا أن نحلل هذه العادة – لأنها فى الواقع عادة فقط – ولا أن نبحث عن أسبابها . ولكن مهما يكن الأمر فان علاجها يكون مضاعفة العناية التى يجب أن يبذلها المدرس لكل تلميذ أثناء الدروس لمساعدته على فهم موضوع الدرس وعدم الأكتفاء بحفظه بقوة الذاكرة ) هذا قول الخبير الأجنبى عن حاجة التلميذ المصرى الى تأسيس عادة الفهم فى نفسه وفوق ذلك بذل كل مجهود فى سبيل تمييز الحق من الباطل . وهو حاجة الأساتذة قبل الطلبة لم يذكرها الناقد الأجنبى وذكرتها أنا فى المنشأ الثانى .
انتهى الهامش
بداية صفحة 92
من غير فحص فيها بالنقد والنظر كما قال الأستاذ فرح أنطوان مناظر الشيخ محمد عبده , فى الأديان " من أنها مبنية على التسليم بما ورد فى الكتب المقدسة من غير فحص فى أصولها " وقد انتقدنا قوله . فالمصريون العصريون سلكوا فى العلم مسلكا عزاه الأستاذ الى أهل الدين القدماء , فكل ما يعلمه المثقف الجديد من دينه و دنياه مبنى على التسليم بما ورد فى كتب الغربيين من غير فحص فى أصوله .
وكما أن موقف العقل من الاسلام غير موفقه من دين الغربيين , كذلك موقف العلم يختلف فى نظر كل من الفريقين . وهذا بالرغم من أن عقلية المثقفين منا ثقافة عصرية , تتفق فى موقف العقل و العلم مع عقلية الغرب الدينية , لكون مكتسباتهم العلمية كلها مترجمة من تأليفات علمائه . فالدين منبوذ العقل عند ملاحدتهم , و العقل منبوذ الدين و مبغوضه عند متدينهم , فى حين أن الدين و العقل متساندان فى الاسلام , لكن جيل المتتلمذين على الغرب فى غفلة من هذا : يستخرج ملاحدتهم من العقل عدوا للدين غير مغلوب , و يتأسف المتمسكون منهم بدينه لضعف العقل و عدم كفايته دليلا يقوم عليه الدين . ومنشأ الغلط لكل من هذين الفريقين تقليد فريق من الغرب اللادينى أو الغرب المسيحى .
أما العلم فلا يقف عند حد اختلاف موقفه فى نظر علماء الاسلام وموقفه فى نظر الغربيين ومن تتلمذوا عليه من أبناء المسلمين , بل العلم نفسه يختلف معناه عند الفريقين المختلفين , لأن العلم فى معناه الحديث يختص بما يعتمد على التجربة الحسية ويعد أقوى مما يعتمد على دليل العقل , وبهذه العقلية يخرج الدين من ساحة العلم لكونه خارجا عن متناول التجربة . وهذه العقلية التى نحاربها فى هذا الكتاب محاولين قلع جذورها من أذهان المتعلمين الجدد , لكونها مثار الشك فى الدين و منار أعدائه المشككين . فاذا حن أحد من أولئك المتعلمين الى حضانه دينه يرى تلك العقلية عقبة كأداء أمامه .
بداية صفحة 93
فقد كتب الأستاذ محمد عبد القادر زكى الذى يكتب فى جريدة الأهرام مقالات موجزة نفيسة تحت عنوان " نحو النور " .. كتب هذا الكتاب على حادثة سقوط طائرة كبيرة تحمل 40 راكبا فى طريقها الى لندن , تهوى الى البحر محترقة على مقربة من بارى ميناء ايطالى , وبين الضحايا خمسة مصريون . وبعد أن قال الكاتب : هذه هى ضريبة الحضارة وكارثة عصر السرعة .. أجل معجزة العلم و الحضارة كم أكلت من ضحايا والتهمت , فلا هى تشبع ولا الانسان يكف عن فتح ميادين جديدة ... قال فى الختام : " وما أشد ما شعرت باللوعة لهذه الضحايا جميعا .. تصورتهم يتلقون الموت على هذه الصورة الفاجعة يسلمهم الجو الى أعماق البحار .. هذه التى غزاها الانسان وأصبح ملكها المسلط , ولكنها ما أقسى ما تسخر منه .. انها لتفعل ذلك حتى ترده الى الايمان و المعجزة , هذا الذى أضحى لا يؤمن الا بالعلم ولا يشعر الا بالعقل ولا يفكر الا بالأوزان و الأرقام , ما أحوجنا حتى , ونحن فى أوج السلطان الى الايمان بالله الى التزود بالمغيبات والمعنويات التى تصدر عن الكون وسره الأعظم".
هذا الكاتب – جزاه الله عنى خيرا – لا يكتم عذاب قلبه من كون الانسان الفاتح لتلك الميادين يؤمن بالعلم والعقل ولا يؤمن بالله . ومعنى هذا القول الشاكى من عدم ايمان الانسان بالله , معناه الخفى هو الشكاية عن عدم ايمان العلم و العقل لا الانسان , أو معناه على الأقل كون العلم و العقل هما اللذين يمنعان الانسان عن الايمان بالله والمعجزة والمغيبات والمعنويات, والا فالانسان اذا خلى وطبعه ولم يمنعه العلم والعقل فلا يأبى الايمان بالله وسائر المغيبات كما يثبته الواقع من وجود مؤمنين فى عامة الانسان وعلمائهم القدماء , لكن عقلية كون العلم والعقل على اطلاقهما يمانعان الايمان بالله هى الغلطة التى لا ينجو منها كاتبنا هذا المحبوب كسائر الكتاب . وهى الأحق بالشكاية لا العلم والعقل اللذان عند التحقيق يؤيدان الايمان ولا يمانعانه , فالعلم غير مختص بما يستند الي التجربة الحسية فهناك علم يعم ما هو أفضل و أقوى منه يستند
بداية صفحة 94
الى الغقل و المنطق وحصر لقب العلم فيما يثبت بالتجربة الحسية بدعة محتكرة ابتدعها الغرب المحتاج فى دينه الى مناواة العقل الذى لا يفارقه العلم .. ابتدعها الغرب وقلده كتاب الشرق الغافلون المضيعون استقلالهم الفكرى .. فهذا العلم بمعناه الأعم يؤيد الدين , والعلم التجربى ليس من حقه أن يتعدى حدوده فيمانع الدين , وانما حقه أن يعترف بضيق دائرته و قصر باعه عن التكلم فيما وراء الطبيعة التى هى عالم المحسوسات . وعلى الرغم من سكوت هذا العلم نفسه عن الموضوعات العالية فان مكتشفاته المهمة فى دائرة اختصاصه عن أسرار الكون , تهمس الى أذن العقل الواعية بأنباء عن عظمة مكون الكون ومبدع تلك الأسرار التى أختزنها فيه ولم يطلع العلم بعد الا على أقل من عشر معشا رها .
هذا حال العلم وموقفه الحقيقى من الدين . أما العقل الذى يستمع لهمس مكتشفات العلم الحديث الساكت فهو يسبق ذلك العلم سبقا فى الائتلاف بالدين , بل بكونه أول مخبر عن وجود الموجود الأعظم الذى كون الكون وشحنه بالأسرار , وأول رسول عنه يسابق الأنبياء والمرسلين ويزيد على العلم فى مكتشفاته من تلك الأسرار قائلا بلسان الحال : ان العلم نفسه والعقل الذى لولاه لم يكن العلم , ليسا بخارج عن تلك الأسرار المشحونة. ومن عجائب الأحوال الخاصة بمصر أن العقلية الغالطة التى وقع فيها كاتب "نحو النور" الفاضل وفهم ذلك من خلال سطور مقالته اللطيفة وهى وضع العلم والعقل فى جانب والدين فى جانب مع توهم المناوأة بين الجانبين , ذلك الوضع والتوهم اللذان ما برحت لافتا اليهما فى هذا الكتاب والى منشئهما من التباس الأمر على حملة الأقلام بمصر التباسا بعيد الفور وشديد الخطر بين عقلية الاسلام والعقليات الأجنبية عنه , وما ضفت بايراد أمثلة من مقالات الأستاذ فريد وجدى بك التى هى أصرح فى العقلية المذكورة الغالطة من مقالة كاتب "نحو النور" وقد أضيفت الفضيلة فى تلك المقالات الى جانب الدين وزيد فى اساءة الظن بالعلم والعقل بين أكبارهما.
بداية صفحة 95
.. من عجائب الأحوال أن تلك الغلطة الفظيعة الشائعة بمصر الاسلامية , لم يسلم منها رجال الدين أيضا .. أنظر الى قول فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر محمد مصطفى المراغى المنشور فى الجرائد قبل عشر سنين أو أكثر من كلمة ملقاة على البعثة الأزهرية الى أوربا مودعا لهم ومطلا من احدى نوافذ القطار الذى سيقل أعضاء البعثة مغادرين القاهرة :
" أريد منكم وأريد من الأزهر الشعور بالواجبات الانسانية العامة للجماعة البشرية , فقد أدى العلم واجبه نحو هذه الجماعة وفكر فى الكون وقدر , واهتدى الى السنن الالهية وانتفع بها فأفاد الناس منها خيرا عظيما . وقد صحب هذا الخير شرور طفت عليه وربت, ذلك أن تقدم العلم لم يسايره تقدم التأثير الدينى والروحى فجاءت آثار العلم والقلوب مقفرة من خشية الله ورهبته والعقول تنظر الى الأديان نظرها الى شىء تاريخى خال من الحياة والبهجة والأنس والسرور . ولو أن حملة الدين سايروا حملة العلم وتقدموا بقوة اليقين يحببونه للناس ويرغبونهم فى الفضيلة من حيث هى هى ويدعمون الحياة الروحية بالأساليب الجذابة ويؤاخون بين العلم والفضيلة لكان الناس اليوم فى سعادة وهناء ". فقد ذكر فضيلته العلم والعقل والفضيلة فى هذه الجمل مرات عديدة , وفى كل واحدة منها وقع الدين والفضيلة فى جانب والعقل والعلم وبالأخص العلم (1) فى جانب مقابل , وهو عقلية الغرب اللا دينى بعينها التى استند اليها الأستاذ فرح أنطوان حين عاب العقل بمخالفة الفضيلة . والشاهد هنا أن هاتين العقليتين الأجنبتين عن الاسلام يتقبلهما فضيلة شيخ الأزهر ويؤاخذ بهما حملة الدين وحملة العلم معا , لا سيما حملة الدين ,
هامش صفحة 95
(1) ولكون وضع الدين فى جانب مقابل للعلم عادة متقررة عند الملاحدة فقد تقررت العادة عندهم ايضا أن يسموا الطريقة المجردة من الدين بالطريقة العلمانية بدلا من اللادينية وهم يرمون فى هذه التسمية الى فائدتين اولاهما التستر وثانيتهما مدح اللادينية وذم الدين .
انتهى الهامش
بداية صفحة 96
مع أن هذه المؤاخذة لا تنطبق فى الاسلام لا على حملة الدين ولا على حملة العلم . فلا معنى لأن يكون أعضاء البعثة الأزهرية الجامعون للدين والعلم – كما هو نظر الاسلام الجامع بين الدين والعلم , الى علمائه – مخاطبين بهذا الكلام. فلو كانت البعثة بعثت الى أوربا لتعليم أهلها لا للتعلم منها كان لكلام فضيلته معنى معقول ينم على حاجة أوربا الى تصحيح عقليتها فى الدين والعلم.
أما قول فضيلته : "والعقول تنظر الى الأديان نظرها الى شىء تاريخى خال من الحياة" فهو يشبه قول الأستاذ فريد وجدى بك فى مقالة ذكر فيها أن الشرق الاسلامى يستبطن الالحاد (وقد أوردناه من قبل غير مرة ولم نأل جهدا فى القيام بواجب الرد عليه) . "ان العلم الحديث الذى دالت الدولة اليه فى الأرض قد قذف بالأديان جملة الى عالم الأساطير " شبه الحذوة بالحذوة . فنسأل فضيلته : أية عقول تنظر الى الأديان نظرها الى شىء ماض مائت؟ فهل هذا على اطلاقه الا قول بمنافاة الأديان للعقول وما هو الا قول الملاحدة العصريين وما تلك العقول الا عقولهم السخيفة .. وما كان ينبغى للأستاذ الأكبر أن يذكرها كأنها عقول العقلاء (1).
ثم ان فضيلة الأستاذ الأكبر كما جعل العقل مجانبا للدين جعل العلم أيضا مجانبا له ومزاحما , حيث قال " ولو أن حملة الدين سايروا حملة العلم وتقدموا بقوة اليقين يحببونه الى الناس " ونحن نقول اذا لم يكن العلم فى جانب الدين فبأى شىء يساير حملة الدين المساكين
هامش صفحة 96
(1) وقد جاء فى كلمة ألقاها صاحب المقال والفضيلة مصطفى عبد الرازق باشا وزير الأوقاف فى حفلة تكريم أقامها له طلبة الأزهر والجامعة بمناسبة توليه الوزارة : " اننا نطلب بدراستنا فى الأزهر وفى الجامعة غاية أسمى من الوزارة , وأسمى من كل منصب آخر , فأهل الأزهر ينشدون المثل الأعلى الذى رسمه الدين وأهل الجامعة ينشدون المثل الأعلى الذى رسمه العقل, وليس المثل الأعلى الذى يرسمه الدين أو العقل هو منصب من مناصب الدولة فيه مال أو جاه " . الأهرام 5 مايو 1938 فذكر معاليه أيضا العقل فى غير جانب الدين اتباعا للعقلية السائدة بمصر . وان لم تكن مفارقة العقل للدين التى فى كلام معاليه مؤذنة لتجافيها بقدر ما آذنته فى كلام الأستاذ الأكبر المراغى.
انتهى الهامش
بداية صفحة 97
حملة العلم وكيف يحببون الدين للناس؟ فهل يحب العاقل ما يتخلى عنه العقل والعلم؟ وما معنى قوة اليقين ازاء قوة العلم التى لاحظ منها ومن قوة العقل للدين وكل حظوظهما للادينية؟ ففضيلة الأستاذ الأكبر يتكلم عن الدين كالمستيئس من مؤازرة العقل والعلم كما هو العقلية السائدة بمصر المعدية لها من أوربا المسيحية فلم يبق ما يساعد الدين على قوله ويؤيده سوى الفضيلة التى لم تفت هى أيضا فضيلته , ولزم أن تكون الفضيلة الموالية للدين مجانبة للعقل والعلم اللذين يجانبان الدين , وبذلك تمت العقلية المعدية المذكورة .
وكأن فضيلته القائل : " ولو أن حملة الدين سايروا حملة العلم وتقدموا بقوة اليقين يحببونه الى الناس " بعث البعثة الأزهرية الى أوربا ليتعلم أعضاؤها ما للأوربيين من قوة اليقين أى قوة الايمان فتكون هذه القوة سلاحهم الذى به يسايرون حملة العلم ويقاومونهم اذا رجعوا الى بلادهم كما يساير حملة الدين فى أوربا حملة العلم هناك ويقاومنوهم بتلك القوة . ومعناه أن الشرق الاسلامى فقد حتى قوة الايمان فاحتاج الى اقتباسها من الغرب المسيحي بواسطة طائفة من علماء دينه يشدون الرحال اليه.
ولا يعترض على بأنى فسرت قوة اليقين التى أعوزها الشرق الاسلامى بالنظر الى ما فهم من كلام الأستاذ الأكبر بقوة الايمان ثم بنيت نقدى عليه , لأن هناك مانعا يمنعني من تفسير اليقين الذى يحتاج حملة الدين الى التقوى بقوته فى مسايرة حملة العلم ومقاومتهم باليقين العلمى , وذلك المانع وضع فضيلته العلم فى فى مقابلة الدين . فان كان المقصود من البعثة الأزهرية الى أوربا أن يستفيد رجال ديننا من علومها فلا فائدة من ذلك للدين , بناء على أن العلوم والعقول على قول فضيلته تناوىء الأديان وتنظر اليها نظرها الى شىء بال خال عن الحياة .. وان كان المقصود اقتباس قوة الايمان من ايمان أوربا
بداية صفحة 98
كما هو المعتاد فى الدين المسيحى من مقابلة قوة العلم بقوة الايمان فذلك ما بنيت نقدى عليه.
ثم ان هذه النقطة من البحث نراها تتطلب زيادة فى التعميق والتعقيب : ذلك أن الفلاسفة الغربين الذين لا يريدون مناوأة الدين ويميلون الى انقاذه من تغلب العقل عليه , اخترعوا يقينا ايمانيا بنوه على الارادة لا على العقل , حتى ان شراح فلسفة ديكارت استندوا الى هذا فى التأليف بين منهج الشك المنسوب اليه وبين كون الفيلسوف مؤمنا قويا فى ايمانه .. قال صديقى الدكتور عثمان أمين أستاذ الفلسفة بجامعة فؤاد فى كتابه "ديكارت" ص 105 طبعة ثانية :
" هل الشك فى وجود الله مباح؟
" فأجاب ديكارت بوجوب التمييز بين نوعين من الشك : شك يتعلق بالعقل وشك يتعلق بالارادة . وهما نوعان متمايزان بحيث كان من الناس من يشكون فى وجود الله شكا عقليا , ما دامت عقولهم عاجزة عن أن تقيم لهم الدليل على وجوده , ولا مانع فى الوقت نفسه عن أن يكونوا مؤمنين بوجود الله ايمانا راسخا . ذلك أن الأعتقاد شأن من شئون الارادة لا يناله الشك العقلى , فأنا اذا كنت مؤمنا بالله , فعلى الرغم من قوة ايمانى أستطيع بالعقل الذى وهبنى الله أن أثير مسألة وجود الله كما أستطيع أن أشك فيها , دون أن يحصل عندى شك فى عقيدتى : وانما يأثم اثما كبيرا من يضع نصب عينيه أن يشك فى وجود الله ليظل مقيما على شكه , ولكن لا حرج على من يستخدم الشك وسيلة نافعة لمعرفة الحقيقة معرفة أدق وأكبر يقينا .
" قد لا يبدو أن ديكارت رد ردا مقنعا بهذا التمييز بين نوعى الشك , لاسيما أن فيه مخالفة لنظريته فى الحكم العقلى الذى مآله عنده الى فعل الارادة التى تقبل أو ترفض ما يعرضه العقل عليها .
بداية صفحة 99
" ولكنا مع ذلك نلاحظ أن ديكارت كان حريصا دائما على أن لا يتطاول شكه الى شىء مما له اتصال بالدين أو ما له على العموم مساس بالأخلاق و شئون الحياة العملية وذلك لأنه لا بد لنا من عقائد عملية مهذبة سلوكنا فى الحياة ولما كانت الحقائق الايمانية بطبيعتها غير مفهومة , فقد وجب أن تكون بعيدة عن متناول العقول , ووجب أن تبقى بعيدة عن الشك ".
وقال أيضا ص 67 من ذلك الكتاب : " ان الفكرة فى ذاتها دائما صحيحة , والخطأ لا يكون فى العقل الذى يرى الذهن به بل فى العقل الذى يحكم . ذلك أن الحكم راجع عند ديكارت لا الى العقل وحده بل الى الارادة و الحكم حر . ومن أجل هذا كان الخطأ منسوبا الى الانسان يستطيع أن يستعمل حريته استعمالا سيئا كما هو ألف بين أفكار لا ارتباط بينها فى الحقيقة والواقع " .
وبعد أن كان هذا البيان معلوما للقراء فلقائل من جانب الشيخ الأكبر المراغى أن يحمل ما ذكره من اليقين على اليقين المبنى على الارادة كما وقع فى كلام الفيلسوف ديكارت , لا اليقين المبنى على العقل . فيجوز لفضيلة الشيخ أن يتصور يقينا لا يقبله العقل ليبنى العقيدة عليه كما بنى الفيلسوف وينتظر من حملة الدين أن يسعوا فى تقوية هذا اليقين فى قلوب الناس مهما كان مخالفا للعقول .
وأنا أقول ما ذكره الدكتور عثمان أمين فى ايضاح فلسفة ديكارت من جواز أن يكون الانسان معتقدا بارادته شيئا لا يعتقده بغقله , انما يتصور أو بالأصح انما يعد مثل هذا عقيدة صحيحة بالنسبة الى العامة المقلدين فى عقائدهم غير الباحثين بأذهانهم عن صحة ما أعتقدوه , اعترافا منهم بالعجز عن هذا البحث . أما الباحثون الواقعون بعقولهم فى الشك بل الانكار والمعتقدون مع ذلك خلاف ما يأمرهم به عقولهم من الشك والانكار فذاك تناقض من المعتقد يهدم بعض ما عنده بعضا , شأن من يقوده
بداية صفحة 100
عقله الى الايمان وهو مصر على الانكار .. وكما أن هذا الموقف يسمى كفرا عناديا فموقف ذلك المعتقد ضد عقله الذى يأمره بالشك أو الانكار جدير بأن يسمى الايمان العنادى (1) وأن لا يقبله الاسلام القائل : " انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا .. " وعلمائه المعتنون بالعقل الى أن جعلوه مدار التكليف الشرعى , وان كانت النصرانية تقبله لاحتياجها الى التغلب على العقل الذى لا يتفق معها , وكان اشيخ الأكبر المراغى يمشى فى خطته المارة الذكر على أسلوبها , لكون الثقافة المصرية فى العصر الحاضر تابعة لثقافة الغرب النصرانى وكون الشيخ من علماء الأزهر المصريين .. وكذا الفيلسوف ديكارت لكونه نصرانيا قبل أن يكون فيلسوفا. ولذا قال فى كلامه المنقول عنه " ان الحقائق الايمانية بطبيعتها غير مفهومة "
بل أقول ان فلسفة ديكارت الحقيقية تأبى ثنائية العقل والايمان على ما صرح به بول زانه فى كتابه "المطالب والمذاهب" فى تاريخ الفلسفة المختار للتدريس فى مدارس فرنسا الثانوية ( ص 65 من الترجمة التركية ) من أن فلاسفة القرون الوسطى النصرانيين لما وجدوا الفلسفة المنتقلة اليهم من اليونان تغلبت عليها الحسبانية التى هى فلسفة الشك المتنافى مع اليقين , اضطروا الى ضم الايمان المبنى على الارادة ركنا لنظرية اليقين الذى عجز العقل عن الحصول عليه فبقى فى مرحلة الشك .. لكنه لم يوفقوا فى هذه العملية المعترفة بثنائية العقل والايمان , لكونها اعترافا بمغلوبية العقل التى لا تتفق مع كرامته حتى جاء ديكارت فألغى هذه الثنائية وأعاد الى العقل حقوقه العالية وكتب لاسمه الخلود فى هذا التجديد الفلسفى .
هامش صفحة 100
(1) لاسيما اذا كان الحق مع العقل الشاك بل المنكر لا مع المعتقد كالمسيحى الذى يتمرد على عقله ليؤمن بالاله المثلث نعم ان الحكم فى الاسلام ايضا للارادة , حيث لا يكفى التصور والتصديق العقليان فى الايمان بل يجب انضمام الاذعان والقبول اليهما , ولو كفيا مجردين عن الارادة التى هى مرجع الاذعان أى القبول المسمى بالتصديق الشرعى لما نقضهما الكفر العنادى . لكن هذه الارادة التى يجب انضمامها فى الاسلام الى العقل هى الارادة المتفقة مع العقل لا المخالفة له كما تصوره ديكارت فيما نقا عنه الدكتور الصديق
صفحة 101
وللكلام منا في فلسفة ديكارت بقية تأتي في محلها من هذا الكتاب إن شاء الله يتبين منها ومن مختتم ما ذكرنا منها هنا أن فلسفة الشك المنسوبة إليه والمنقولة إلي الثقافة المصرية لابد أن تكون مغلوطا فيها … فلو كانت فلسفة ديكارت الحقيقة تدور بين الجزم إراديا والشك عقليا كما ذكر صديقنا الدكتور كان العاقل يقيم في شكه هذا علي خلاف ما ادعاه الصديق من أنه يستخدمه وسيلة لمعرفة الحقيقة معرفة أدق و أكبر يقينا ، لأن ما فعله المؤمن الشاك بعقله والمتيقن بإرادته ليس استخداما للعقل كواسطة الأنتقال من شكه إلي معرفة الحقيقة معرفة أدق وأكبر يقينا ، وإنما هو إعراض عن العقل وجنوح علي رغمه إلي قسر الإرادة وكذا الفلسفة . فإذا قيل لي فماذا تقول في قول الفيلسوف : ( ولما كانت الحقائق الإيمانية بطبيعتها غير مفهومة فقد وجب أن تكون بعيدة عن الشك ) قلت وهذا القول أيضا ليس من الفلسفة في شئ وإن قاله الفيلسوف ديكارت ، لأن كون الحقائق الإيمانية غير مفهومة وكونها أو وجوب كونها بعيدة عن العقول كلها مما يضر الأيمان ويبعده عن أن يكون مداره علي حقيقة الحقائق . اما القول بوجوب كون تلك الحقائق التي لا تستحق اسم حقائق ، بعيدة عن العقول لتكون بعيدة عن متناول الشك فكأن العقل منبع الشك وعدو اليقين ، ففيه إهانة للعقل ودعاية ضد تتم علي العقلية المسيحية المعتلة بهذة العلة . ومن هذا يجدر بأن يكون ذلك قول ديكارت المسيحي لا قول ديكارت الفيلسوف .. الذي كفاه إدراك وجود نفسه للاستدلال به علي وجود الله الذي هو موجده ولم يتأخر للاستدلال عليه ألي ادراك وجود العالم كما هو الدليل المعروف في هذا الصدد فهل هو في مسارعته هذة إلي الحكم بوجود الله غير متفق مع عقله ، أوكان في اتفاقه معه يساوره الشك الذي لازم العقل ؟
لا،لا، إن الكاتبين بمصر عن ديكارت وفلسفته لا يعرفونهما ، أولا يعرفهما مراجع
صفحة 102
هؤلاء الكاتبين من الغربيين ،وإنما يعرفون رجلا من فلاسفة القرون الوسطي المسيحين الوراثين لفلسفة اليونان المنتهية في تغلب السوفسطائية عليها كما سنفصله في فصل ( النظر في الحسبانية ) وإنما نريد أن نسجل هنا بمناسبة التدقيق لفلسفة ديكارت أن السبب في شيوع الاستهانة بالعقل في الإسلام والدليل العقلي المنطقي في نظر علمائه ، كون منابع الاتصال من هؤلاء المثقفين بعلوم الغرب مشوبة ومعلولة بالعقلية المسيحية أكثر من العقلية الخالصة المتوجهة إلي معرفة الحق .
بقي أنه كان من حق فضيلة الأستاذ الأكبر أن يشكو من وجود أناس في زماننا ينظرون إلي الدين ذلك النظر الشزر ، لكنه لم يشك منهم ولا من عقولهم وإنما شكا من حملة الدين أي علمائه، وليس من المعقول أن تكون العقول الناظرة إلي الدين ذلك النظر عقولهم . ثم إن التقصير الذي عزا إليهم لم يردية توانيهم في مجاهدة العقول المعتدية عليالدين أو في إصلاح أخطائها في اعتدائها ولا في عدم مسيارتهم حملة العلم بالعلم ، فمن كل هذا يعلم أن فضيلته لا يري حاجة العلم والعقل إلي تصحيح نظرهما في الدين أو يري ذلك غير مستطاع فيتوجه إلي طريق تقوية اليقين وقد عرفت ما فيه.
وفضيلته عندما تمني التأخي بين العلم والفضيلة – وهو يعني بالفضيلة الدين الذي تلازمه الفضيلة – وقد وضع كلا من الدين والعلم في موضع التهمة والوصمة ، فوصمة الدين اختلافه مع العلم ووضمة العلم اختلافه مع الفضيلة ولو في بعض الاحيان ، ثم تمني التأخي والتصالح بين هذين المتجافيين من الدين والعلم ومن العلم والفضيلة ،إلا أن هذا التجافي إن كان موجودا بينهما كما زعم فكيف تمكن إزالته وتبديله بالإخاء ؟ لأن العلم يتضمن الحقيقة ويستأثرها وكل ما يخالفه يخالف الحقيقة فيستحق السقوط ويكون من المحال إصلاح ذات بينهما مع كون مخالفة الحقيقة من حيث أنها حقيقة للفضيلة بمكان من الغرابة وكان
صفحة 103
الأولي بالاستاذ الأكبر والأنسب بمقامه أن لا يقبل التخالف بين العلم والدين ولا يسلم به لمدعيه ، أو لا يقبل العلم التخالف مع الدين الذي لا بد أن يعتقده وضعا إلهيا ، علما وأن يثبت هذة المسائل ببراهين تذعن لها العقول ولا يدخر القيام بأعباء هذا الواجب لرجل مثلي مهاجر عن وطنه ليس عنده كتب تكفي حاجته ولا قلم مضطلع بالبيان العربي ، وقد حال بينه وبين مدارسة هذة المسائل الدينية العلمية ما يربي علي ثلث قرن مضي في الجهاد السياسي مع أعداء الدياة والفضيلة والحرية وانطوي علي اعتقال وهجرتين .
ثم أن الظاهر أن يكون مراد الاستاذ الأكبر من حملة الدين الذين انحي عليهم باللوائم لعدم مسايرتهم حملة العلم وعدم حبيبهم الدين للناس ، علماء الدين ويلزم من تسميتهم حملة الدين وتسمية الذين جعلهم في مقابلهم حملة العلم ، أن يكون معتبرا لعلماء الدين جهلاء أخلاء الوفاضٍ من العلم ، أو يكون غير معتبر لما عندهم من العلوم علما. والاحتمال الثالث كونه يقلد الغربيين ومقلديهم من كتابنا في قصر العلم علي العلم المادي المبني علي التجربة الحسية ،وهو الذي نعير به مصر الحديثة والذي نرفضه ونعني بمكافحته في هذا الكتاب .
أما قوله : ( فقد أدي العلم واجبه نحو الجماعه البشرية وفكر في الكون وقدر واهتدي إلي السنن الإلهية ) فيرد عليه أنه لو كان العلم أدي واجبه نحو البشر لما أعرض ونأي بجانه عن الدين وتركه مزءوما مخذولا (1) أليس من واجب العلم الذي فكر وقدر واهتدي إلي السنن الإلهية أن يهتدي إلي الدين الإلهي ؟ أليس الدين حقيقة من الحقائق الجديرة بإهتمام العلم ؟ بل أكان من شأن العلم أن تفوته حقيقة من أكبر الحقائق كالدين الإلهي حتي يعده أصحاب الفلسفة الوضعية الإثباتية حالو ابتدائية للإنسان قبل تطوره إلي حالة كمالية ويري كبار كتاب مصر مثل هيكل باشا ورئيس تحرير ( مجلة الأزهر )
بداية هامش
(1) بل قال الأستاذ فرح انطون مناظر الشيخ محمد عبده كما نقلنا غير مرة : ( إن العدو الحقيقي للأديان في هذا الزمان عدو جديد أخرجه التمدن الجديد ، وهذا العدو اللدود هو مبادئ العلم المادي المبنية عليالبحث بالعقل .
نهاية هامش
صفحة 104
هذة الفلسفة جديرة بالأهتمام والاقتداء (جزء أول 146،147، 159) .
وفضيلته يحيط علما بأن العلم الذي ذكره مقابلا ومزاحما للدين لم يهتد إلي ما اهتدي إليه من السنن الإلهية علي أنها سنن إلهية وإنما علي أنها سنن طبيعية ، فإذن لا يصح ولا ينبغي له أن يشهد بأن العلم أدي واجبه نحو البشر . بل العلم لم يؤد من الواجب ما أداه الدين الذي عابه فضيلته بالتقصير في أداء واجبه ، بناء علي أن الدين اعترف بحق العلم وفضله ولم يعترف العلم بحق للدين ولا فضل .فهذا العلم خليط بالجهل ، كما أن العقول التي تنظر الي الدين نظرها الي شئ تاريخي خال من الحياة والتي ذكرها فضيلة الأستاذ كأنها عقول العقلاء ، عقول المجاننين الضالين .
هذا، وانظر الي قول جريدة (السياسة) فيما كتبته عن البعثةالأزهرية المارة الذكر وهي تسمي أعضاءها ( طلاب الأزهر ) في حين أنهم كانوا مدرسين :
( إنهم سيواجهون نهجا في البحث جديدا لعلهم لم يألفوه أثناء دراستهم بمصر . و‘نهم سيلاقون مشقة أول أمرهم في التوفيق بين مقتضيات هذا النهج وما يوجب عليهم دراساتهم الأزهرية وأي مشقة أكبر من أن يطالب الإنسان ليكون بحثه علميا صحيحا ، بأن ينكر كل ما يعرفه وأن لا يثبت شيئا علي أنه علمي الا اذا قام عليه دليل من التجربة والملاحظة والاستنباط؟)
فهومن طراز قول الأستاز فرح انطون مناظر الشيخ محمد عبده حين تكلم عن مناوأة العلم للأديان (1) إن العلم لا يقبل إلا ما ثبت بالتجربة والمشاهدة والامتحان
بداية هامش
(1) وكان هذا التكلم من الاستاذ فرح ردا علي الشخ في دعواه أن الإسلام دين عقل بإنه لو كان الأمر كما أدعي الشيخ كان الدين علما وكان مثل العلم مبنيا علي التجربة . وكون (السياسة ) تتكلم علي طراز قول الأستاذ فرح أنطون شاهد صدص جديد لما قلنا (133 جزء أول ) عن خصم الشيخ محمد عبده في المناظرة انه كسب تأييد الرأي العام بمصر أكثر من الشيخ بل نقول : حتي الاستاذ الأكبر المراغي تلميذ الشيخ محمد عبده يتابع رأي الأستاذ فرح في كلمته التي ألقاها علي بعثة الأزهر عند توديعها بمحطة القاهرة كما درسناها أنفا ولا يتابع رأي أستاذه
نهاية هامش
صفحة 105
اما إضافة الملاحظة والاستنباط في قول كاتب ( السياسة ) إلي تجربة فهي لا تغير مركزها الأول ولا يدل علي شئ غير إلقاء الكلام علي عواهنه ، لأن الأمرين اللذين ذكرهما بعد التجربة وهما الملاحظة والاستنباط ان كانا كافيين في بناء البحث العلمي عليهما فلا يختلف نهج الدراسات الأزهرية التي لا يتصور أن تخلوا من كل ذلك ، عن النهج الجديد الذي سيلاقيه أعضاء البعثة في الدراسات الغربية . وإن كان اللازم ليكون البحث علميا صحيحا ان يجمع الي الملاحظة والاستنباط دليل التجربة – وعلي أن تكون التجربة بيت القصيد المقدم علي الجميع – فحينئذ يلزم أن يكون أول التطورات التي تستقبل أعضاء البعثة الأزهرية ، أن يرجعوا علي الاعتراف بوجود الله لعدم كونه اعترافا علميا مبنيا علي التجربة . فإذا كان أساس العلم الصحيح في الغرب هو التجربة والمشاهدة اللتين لم تتأس عليهما الأديان . وإذا كان أعضاء البعثة شدوا الرحال إلي الغرب لينكروا كل ما تعلموه في الأزهر فويل لهم وويل لمصر منهم !! يبد أن الذي يعدل الحال كون ما كتبه كاتب ( السياسة ) محصول العقلية البسيطة التي لا يندر أن يصادفها الإنسان في هذة البلاد والتي لا تنبني علي معرفة صحيحة لا بالغرب ولا بالشرق .
ثم اسدي كاتب ( السياسة ) إلي قرائها من الحقائق المعلومة له أن الشك أول مراتب اليقين وأن اساس المنهج العلمي الصحيح الذي علي طلاب العلم أن يأخذوا به ويعتبروه نهجهم وطريقتهم ،الشك في كل شئ . لكن مسألة الشك التي ابتكرها الفيلسوف الكبير (ديكارت ) والتي كثيرا ما يذكرها كتاب مصر المصريون ليست كما يعلمه كاتب ( السياسة ) وغيره من أن النهج العلمي الشك في كل شئ حتي يكون واجبا علي طلاب العلم لاسيما طلاب العلم في أوروربا بعد أن كانوا مدرسين في الأزهر أن يأخذوه ويعتبروه نهجهم وطريقتهم . ونحن نبين حقيقة هذة المسألة أنشاء الله عند الكلام عن فلسفة (ديكارت) ونم ما بيناه قريبا .
صفحة 106
برهنة العقل علي وجود الله
لنعد إلي ما نحن بصدده من تحقيق موقف العقل إزاي الدين وقد جلينا للقارئ شهادة العقل بوجود الله الذي هو أساس الدين مع أول ما شهد بوجوده من المحسوسات وكشفنا بها الغطاء عن عيون الشغوفين بالمحسوس والمعرضين عن المعقول فأبصارهم اليوم حديده، وهي تحفتي الصغيره لقراء كتابي قبل الخوض في إثبات الواجب بدليله العقلي المشهور . والان نشرع فيه
ولكن لابد من تنبيه القارئ قبل الشروع في هذا البحث علي فروق في موقفنا نحن المسلمين وعلمائنا المتكلمين بالنسبة إلي موقف الغربين الديني وفلاسفتهم :
-1-
الأول أن الغربين منذ عهد (باكون ) تكون عنايتهم بالأدلة التجريبية أكثر من عنايتهم بالأدلة العقلية علي الرغم من أن اثبات وجود الله لا يستند إلي الأدلة التجريبية لكون الله متعاليا عن متناول التجربة ، لا كما يقال : وأين الثريا من يد المتناول ، بل وفوق ذلك أيضا .
وقد يظن بعض الغافلين منا كالأستاذ رئيس تحرير ( مجلة الأزهر ) أن عناية الغرب بالدليل التجربي ناشئة من كونه أقوي من الدليل العقلي .ويتلو تلك الغفلة أن يظن كون إثبات وجود الله بالدليل التجربي أولي وأفضل من إثباته بالدليل العقلي ، ويتلو التالي توقع الحصول علي هذا الأولي ، غافلا عن عدم إمكانه وعن عدم كونه أولي وافضل لو أمكن . وكل هذة الغفلات وقع فيها الأستاذ رئيس التحرير ، ولذا نراه يعلل قراءة الغافلين مثله الذين قال عنهم : ( لا يقنعهم الدليل العقلي ) الذي أقامه علماؤنا المتكلمون لإثبات وجود الله..... نراه يعللهم- ويعلل نفسه معهم- بالبحوث النفسية .
صفحة 107
الجارية في الغرب المطممه للأستاذ في أن تصل يوما إلي اثبات وجود الله إثباتا مبنيا عليالتجربة التي هي الطريقة الوحيدة عنده للأثبات المقنع ! وليت شعري من أين علم الاستاذ إذن وجود الله قبل أنتهاء تلك البحوث إلي اكتشاف وجود الله علي نتيجة بحوثهم .
وربما يغر الأستاذ ومن حذا حذوه من الكتاب والمؤلفين العصريين في ظن كون الدليل التجربي أقوي وأعلي من الدليل العقلي ، قصر التسمية بالعلم في عرف الغربيين علي العلوم المستندة إلي التجربة الحسية ونقل ذلك العرف بعينه إلينا وقبوله من طرف هؤلاء الكتاب كأنه عرف لنا أيضا .
وهو خطأ فاحش لم يلفت إليه بمصر قبل نشر كتابنا هذا مع كون اللفت واجبا دينيا وعلميا معا! لأن العلم عند علما ئنا وفي حقيقة معني الكلمة صفة توجب التميزا لا يحتمل النقيض . والعمدة في هذا التعريف هي القيد الأخير الناطق بكون المعرفة التي تكتسب من العلم لا يحتمل النقيض بأن يكون خلافها محالا عقليا ، وهذة المرتبة من المعرفة تحصل بالدليل العقلي لا لا بالدليل التجربي الذي يعتمد عليه في ثبوت شئ في نفس الأمر ونفي خلافه من دون أن يكون هذا النفي ضروريا غير ممكن التخلف إلي الأبد ، لعدم إمكان الحكم فيما تتضمنه التجارب المستقبلية التي لا نهاية لها ، وهذة الحقيقة المعترف بها عند علماء الغرب أيضا كما سيجئ منا بعض نصوصهم الدالة علي ذلك في أمكنة مناسبة من هذا الكتاب .
وفي هذا سر كونوجود الله يتطلب إثباته عندنا دليلا عقليا ليكون الثابت به لا موجودا فحسب بل واجب الوجود . وكل ما ثبت وجوده بدون هذا الوصف المضاعف فليس هو الله الذي ننشده وهو المميز الوحيد له عن غيره. وهذه النقطة المهمه في مسألة إثبات وجود الله لا يجدها هواة الغرب منا الغافلون عن فلسفتنا الإسلامية ، مؤدي حقها في فلسفته الإلهية فيقعون في حيص بيص.
صفحة 108
أما كون الغرب سادت فيه العناية بالتجربة حتي احتكر اسم العلم بغير الحق فيما ثبت بها كما علمت ، وحتي ظن من ظن منا انه اقوي مما ثبت بالدليل العقلي مع أن الأمر بالعكس كما علمت أيضا وستزداد علما إن شاء الله في مناسبات أخري ، ومع أن الدليل التجربي لا يكفي في إثبات وجود الله كما علمت أيضا وإن غفل عنه الغافلون .......
أما كون الغرب تسود فيه العناية بالتجربة فله أسباب منها أن التجربة رغم كونها لا تبلغ مبلغ الدليل العقلي في إثبات الضرورة والوجوب لمدلولها وفي قطع كل احتمال لنقيضه ، فهي كثيرة النفع والإنتاج في أمور الدنيا يعمل بها ويعتمد عليها عند استجماع شروطها وإن لم تكن نتيجتها في مرتبة الوجوب والضرورة، فهي تكفي للعمل إن لم تك للعلم الذي نعني به المعرفة القطعية الضرورية المستحيلة الخلاف (1) مع أن الغرب خص هذا الذي يكفي للعمل ولا يكفي للعلم بلقب( العلم) ومع أن الفيلسوف (كانت) سمي لمنح هذا العلم الذي لا يستحق هذا اللقب تمام الاستحقاق ،درجة الضرورة أيضا ،ومعناه أنه وهب له رتبة الثبوت بالعقل النظري في حين انه قطع صلة العقل النظري بمسألة إثبات وجود الله كما ستعلم كل ذلك . فإن أخطأ الغربيون في احتكار اسم العلم لما لا يستحقه تمام الاستحقاق ،فكبير فلاسفتهم تقدمهم في تعدي الحدود وقلب الأوضاع .
وسبب السبب لما ذكرنا عن الغربيين أنهم وعلماءهم دنيويون قبل كل شئ وعمليون . فإن كانوا يطلبون العلم فمقصودهم الأقصي أن يتوسلوا به إلي منافع دنيوية .وهم بعيدون من أن يطلبوا العلم للعلم ذاته وإن كانوا لا يتخلون من ادعاء ذلك أيضا ، حتي إن الدليل الذي اختاره (كانت) لإثبات وجود الله وسيجئ تفصيله في اخر الباب
بداية هامش
(1) وهذا كما يوجد في أدلة الأحكام الشرعية ما يوجب العلم فيكفرر منكر ذلك الحكم وما لايفيد العلم ولكن يكفي لإيجاب العمل . وبهذا يفرق فقهاؤنا الأحناف بين الفرض والواجب .
نهاية هامش
صفحة 109
الأول من أبواب هذا الكتاب الأربعة – يرمي غلي محافظة الأخلاق التي يحتاج إليها صلاح الدنيا بواسطة الاقتناع بوجود الله ، اكثر من أن يرمي إلي أن في رأس حوائج وواجبات الإنسان الممتاز بنعمة العقل أن لا يجهل اعظم حقيقة علمية لا تدانيه خطورة أي شئ وأي مصلحة في الدنيا والأخره ، وهو وجود الله الذي كرمه بتلك النعمة .
ولا تظنوني في قولي عن الغربيين بأنهم دنيويون عمليون أني لا أهتم بالعمل ولا أقيم له وزنا كبيرا ،بل أعيب عليهم عدم أهتمامهم بالعلم المفهوم من عدم أهتمامهم ببناء العقيدة العلمية أو الدينية علي يقين تام لا يحوم حوله الشك فهو أي بناء العقيدة يقين تام ضروري أول واجب الإنسان عند علماء الإسلام ، في حين أن الغربيين لا يبالون بالشك في العقيدة التي ترجع إلي العلم كما بينا ، بل لا يمكن عندهم ولاسيما عند متأخريهم الحصول علي اليقين التام المطلق ، وهذا معناه عدم الاهتمام بالعلم اليقيني لا سيما في العقيدة الدينية .
وإني لا أغالي في تفسير عقليات الغربيين بما يتهمهم فقد قال (سنتياني ) الذي هو من الفلاسفة المعاصرين البارزين المنقول اراؤهم في ( قصة الفلسفة الحديثة ) تصنيف الأستاذين أحمد أمين بك وزكي نجيب محمود ص 608
(إن عقيدة الإنسان قد تكون خرافة ولكن هذة الخرافة نفسها خير ما دامت الحياة تصلح بها ، وصلاح الحياة خير من استقامة المنطق أي إن الخرافة أفضل لنا من القياس المنطقي الصحيح إذا كانت الحياة تصلح الخرافة أكثر من أن يقومها ذلك القياس الصحيح ).
وفي قانون الحالات الثلاث الذي وضعه أشهر فلاسفة القرن الثامن عشر (أوجست كونت) زعيم الفلسفة الوضعية المعتني بشأنها عند المؤلفين المصريين – وقد سبق منا الكلام عنها وعن تنويه معالي الوزير الدكتور هيكل باشا بها في مقدمة كتابه (حياة محمد) .
صفحة 110
والأستاذ رئيس تحرير ( مجلة الأزهر ) في مقالاته ، وعن كون هذا الفيلسوف ادعي للروح الأنسانية ثلاث حالات وأطوار الحالة الإلهية والحالة وراء الطبيعة والحالة الإثباتية أو العلمية وأن الحالتين الأوليين عرضيتان زائلتان والحالة الأخيرة هي الكمالية . فالإنسان في حالته هذة يترك مسائل المبدأ والمعاد ويتفرغ لمشاهدة الحادثات وما بينها من النسب الثابتة- في هذا القانون وفي إشتهار واضعه في الغرب إثبات ما ذكرناه عن عقليات الغربيين .
وليس الدين فقط والعقائد فقد تطلب في فلسفة الغرب لمصلحة الحياة الدنيوية بل الأخلاق أيضا كذلك . قال (سبنسر ) (1) : ( لابد أن تخضع مبادئ الأخلاق للإيجاب الطبيعي في تنازع البقاء فليبق من أخلاقنا ما يقف أمام التجربة القاسية وليقن منها ما تذروه هذه الريح العاصفة. الأخلاق – كأي شئ اخر - تعود علي الإنسان بالخير أو بالشر بمقدار ما تساير أغراض الحياة. فالخلق السامي هو ذلك الذي يسير مع الحياة ويشاطرها فيما ترمي إليه ، فلنقبل من الأخلاق ما يلائم الحياة ولنرفض منها ما يعترض سبيلها ومجراها ... أو بعبارة أخري يجب أن تكون الأخلاق بحيث تعاون الفرد في مضطرب الأهواء المختلفة التي تصدر من أعضاء المجتمع ، ولما كانت هذة الملاءمة بين الفرد والمجتمع تختلف بأختلاف الزمان والمكان كانت فكرة الخير تختلف عند الشعوب أوسع اختلاف )
ومعني هذا الكلام ليست هناك أخلاق بمعناها الحقيقي الثابت ، وإنما هي متابعة أهواء الزمان والمكان .
بداية هامش
(1) قصة الفلسفة الحديثة
نهاية هامش
الثانى أنهم بما يرون بين العقل والدين من المناوأة، يمضى تاريخ أفكارهم الفلسفية بين محاربه العقل محاباة للدين ومتابعة العقل رغبة فى الحصول على اليفقين (1) ويرى قراءة الفلسفة الغربية بمصر هذه السجال الحربية الصاعدة والنازلة بين العقل والدين من غير تنبيه من ناقليها من الغرب إلى الشرق ، على اختصاص هذه الحالة بدين تلك البلاد الصادرة عنها هذه الأفكار المختلفة الفلسفية وهو المسيحية التى علم قارءئ هذا الكتاب ويرى مبلغ جهدى فى الدفاع عن العقل للتوسل به الى الدفاع من الدين . وفى هذا أجلى دليل على الفرق بين موقف الإسلام والمسيحية من العقل . فعلماء الغرب المسيحيون يسعون لتنزيل مرتبه العقل فى الوصول الى الحقيقة مدافعة عن دينهم تجاه ملاحدتهم المتمسكين بالعقل ، فى حين أنى أدافع عن مرتبه العقل عند المدافعة عن الدين.
أما ملاحدتنا فمتراحون بين فؤيقين فريق يجهل الفرق بين دينى الغرب والشرق ويتمسك بالعقل غند الإزدراء بيننا كملاحدة الغرب المسيحى المتمسكين بالعقل .. وفريق يعرف أن الإسلام يتفق مع العقل ولا يقاس بالمسيحية التى تصادمه ولكنه يتمسك فى محاربته الظاهرة أو الخفيه ضد الأاديان مطلقا وفيها الاسلام أيضا، بالعلم المبنى على التجربه فلا يخضع إلا لحكمة ويستهين بالعقل والمنطق اللذان نستمدهما فى تأييد أصول ديناا. ومن العجائب أن هذا الفريق منملاحدتنا يستفيدون كثيرا من مساعى أنصار الدين المسيحى للحط من نفوذ العقل الذى لا يتفق مع دينهم فيستخدم هؤلاء السفهاء من المسلمين ليعتنقوا الإلحاد ما استخدم متحمسوا النصارى للدفاع عن دينهم.
وعلى كل حال فملاحدتنا المؤلفون لم يألوا جهدا فى تقليد الغرب سواء كان الغرب اللادينى أو الغرب المسيحى ، والقارئ الشرقى المسكين يقف مشتت البال أمام الأفكار التى ينقلها سمسرة الغرب منا الى الشرق كما وجدوها فى محلها ولا يوشك أن يطوف ببال أى واحد من هذه الفئة ولا جمهرة الآخذين منهم أن ينتقد الفلاسفة الغربين مهما ابتعدوا فى آرائهم ومذاهبهم عن العقل والمنطق ، اللهم إلا أن يكون ناقد من الغربين أنفسهم قد انتقد هؤلاء المبتعدين وذلك لسببين :
أحدهما أن الشرقيين الجدد المذعنين لأنفسهم بالتتلمذ على الغرب تنازلوا مع هذا الإذعان عن استقلالهم الفكرى (1) كما تنازلوا عن استقلالهم السياسى ، وتارهم ساعين لاسترداد الاستقلال السياسى ولا تراهم ساعين لاسترداد الاستقلاق الفكرى ، ولا يبعد أن يكون سبب عدم نجاحهم فى استرداد ما تعودوا السعلا له ، عدم سعيهم فيما لم يتعودوا له السعى.
والسبب اآخر أن فلاسفة الغرب الذين هم أساتذة متعلمى الشرق فى زماننا يكثر فيهم ولا سيما فى مشاهيرهم من قضوا أولا على العقل والمنطق كما ستطلع عليه ، فبأى عقل ومنطق يقوم بعده مقلدوا الغرب فى الشرق بانتقاد آراء ومذاهب أساتذتهم الذين يقلدونهم.
وقد ترجمت فيما مضى فلسفة اليونان وعرضت على اطلاع علماء الاسلام قبل فلسفة الغرب ولم يكن فى ذلك الوقت سماسرة من الناقلين يرجون الغث والسمين من بضائع اليونان وإنما المترجمون فقط ، ولم يكن لا سيما سماسرة منا نحن المسلمين ولا عقول مستعارة نقلت إلينا مع البضائع المنقولة . فأخذنا منها ما ينفعنا ورددنا ما يضرنا على أصحابهم وحاججناهم فحججناهم ، فلو قارنتم بالدقة والاطلاع ما فعله علماء الاسلام عند عرض الفسفات اليونانية عليهم وكان لها هاليونان ، بما فعل الخلف مع فلسفة الغرب لوجدتم الفرق هائلا بين قوة السلف وضعف الخلف فلم يكن فضل الأولينعلى الآخرين فى أخذ ما يستحق الأخذ ومكافحة خلافه فقط ، بل فى تمليك ما اخذوه لأنفسهم بأن مزجوه بما عندهم وكونوا منهما علما مستقلا أسموه علم الكلام وأقاموه مقام فلسفة الإسلامك ، فبهذا العلم الذى هو ملك خاص لنا مستعدا للذود عن الدين تجاه كل فلسفة مضادة له محصول اتصال السلف من علماء الاسلام بفلسفة اليونان.
فهل للخلف من المسلمين بعد اتصالهم بفلسفة الغرب كسب للإسلام يستحق أن يسمى علما مدونا يستطيع أن يصارع به حتى نفس تلك الفلسفة كما استطاع السلف مصارعة فلسفة اليونان فى علم الكلام ، حتى ولا شعبة من العلم المودون أو مسألأة واحدة من المسائل العلمية تكون سلاحا فى أيدينا دافع به عن ديننا عند الحاجة أو نصل الى حقيقة من الحقائق العالية ؟ دع السلاح المكسوب من فلسفة الغرب لمصلحتنا ، ففيها سهام تصيبنا فى مقاتلنا من العقائد الدينية وقد تركها ناقلوها تفعل فعلها الهدام فى قلوب الناس.
ـــــــــــ ص 114ـــــــــ
ولنذكر مثالا له مما فى " قصة الفلسفة الحديثة " تصنيف الأستاذين أحمد أمين بك وزكى نجيب محمود ص 476 تحت عنوان " الحقيقة المُقلقة " :
"يقدم " اسبنسر " بين يدى كتابه "المبادئ الأولى " قضية لا يرتاب فى صدقها وهى أن كل دراسة تَقصد إلى البحث فى حقيقة الكون واستقصاء علته لا بد أن تنتهى إلى مرحلة يقف العقل عاجزاً لا يستطيع أن يدرك عندها من الحق شيئا سواء سلك إلى سبيل الدين أو العلم أو ماشئت من سبل .
"ابدأ وُجد بذاته ، ولم يشأ عن علة ، وليس له بدء ولا ختام ، فلا يسمك أن تقابل قوله هذا إلا بالجحود والإنكار لأن العقل لا يُسيغ معلولا بغير علة وموجودا سار فى الحياة شوطا لا بداية له .... استمعْ إلى هذا الناسك المتدين ، هاهو ذا يقص عليك علة الكون وكيف نشأ . فخالق الكون عنده عنده هو الله ، ولكنه لم يفسر بهذا الرأى من المشكلة شيئا ، ولم يرد على صاحبه سوى أن رجعها خطوة إلى الوراء ، وكأنى بك تسائله فى سذاجة الطفل : ومن أوجده الله ؟ وإذن فالدين بصوريته - الإيمان والإلحاد – لم يستطيع أن يقدم تعليلا واضحا معقولا".
وأنا أقول الفيلسوف اسبنسر الذى حكم بأن العقل لا يستطيع أن يقدم تعليلا معقولا بشأن الكون ، يقدم لنا تشكيكا فى الدين مستندا إلى سؤال الطفل الساذج الذى أظهر الفيلسوف العجز عن جوابه ، كما أن مؤلفَىْ " قصة الفلسفة الحديثة " يقدمان هذا التشكيك من غير تعليق عليه ، إلى قرائهما المساكين .
وفيما فعله الفيلسوف الغربى وناقلاه الشرقيان سذاجة ذلك الطفل السائل ، على الرغم من أنهما سيصرحان بأنه أشهر فيلسوف فى القرن التاسع عشر .. فقد كان واجب الفيلسوف - لا سيما واجب الناقَليْن عنه مُكبِرَين ْ – الذين لا يجوز لهم أن يغمضوا العين عن وجود
ـــــــــــــ 115ــــــــــــــ
الكون مع عدم وجود علته المعقولة ؛ أن يدركوا الفرق بين الله وما سواه فى الحاجة إلى العلة الوجدة بحصر المحتاج إلى العلة فى الحادث وتنزيهِ المفروض قِدمُه ووجوبُ وجوده عن هذه الحاجة .
فإن قال قائل معترضا على ّ : مدعى هذا الفرق أنت الذى تعتقد وجود الله ، ولكن مالدليل على ذلك ؟ وهو أول مسألة .أقول فى جوابه : نحن الملتزمين بوضع فلسفة معقولة فى منشأ هذا الكون الذى لا يمكننا إنكار وجوده بأن نقول إنه ليس بموجود فى غير أذهاننا فهى التى تنشئه فى نفسها على صور وأشكال ، أو نقولَ لا ندرى يقينا هل هو موجود أو غير موجود ، كما وُجد فى الفلاسفة الغربيين من قال بكل واحد منهما !..
ولا يمكننا أيضا أن نتصور وجود هذا البناء العظيم من غير بان بناه وصاحب يهيمن عليه ويتصرف فيه – مدة دوام وجوده أو تغيرِه من حال إلى حال – مضطرون (1) إلى القول بنوعين من الموجود ، أحدهما هذاالكون المشهود المحتاج إلى العلة الموجدة ، والآخر ما يصلح أن تكون تلك العلةَ الموجدة .. فهذان اثنان : الكون المشهود وموجده وهما موجودان أحدهما ضرورة شهود وجوده والآخر ضرورةَ احتياج المشهود إلى علة الوجود .. ويسمى المشهود المحتاج إلى الموجد ممكنا أى مسلوب الضرورة عن وجوده وعدمه فيقبلهما على حسب إرادة الموجد ، والموجد غير المحتاج إلى الإيجاد يسمى واجبا لضرورة وجوده واستحالة عدمه .. فنحن المتدينين قائلون بهذا الموجد الواجب الوجود من غير حاجتنا إلى رؤية وتعين شخصه وماهيته . ولا قضية لنا مع الملاحدة محددة بوجود موجود اسمه الله .. وإنما قضيتنا وجود مُوِجدٍ لهذا العالم المشحون بالموجودات الممكنة الوجود أى المحتاجة إلى الإيجاد ، أعنى وجود موجود ليس من جنس موجودات العالم ، يقضى حاجتهَا ولا يحتاج ُ هو فى وجوده إلى شئ إذ لو احتاج هو أيضا إلى إيجاد
------- هامش ص 115--------
(1) خبر لمبتدأ سبق فى أول الكلام وهو قولنا نحن الملتزمين .
انتهى الهامش
ـــــــــــــــ ص 116ـــــــــــ
موجد لبقيت حاجةُ المحتاجين غير َ مقضية ولم يتسن لهذه الموجودات المشهورة أن تأخذ نصيبها م ن الوجود .
فإذن قضيتنا نحن المؤمنين بالله وجود موجود واجب الوجود ..إيضاحا وتصحيحا لموقف العالم المشهود غير واجب الوجود أى غير الموجود من تلقاء نفسها .. كائنا من كان ذلك الموجود الواجب الوجود ومسمَّى بأى اسم مناسب مع مقامه الذى لا يصح وجود الكائنات المشهودة إلا مستندا إلى وجوده .. نعم كائنا من كان ذلك الموجود الموجد بشخصه وماهيته اللتين لا نعرفهما وإنما نعينه تعيينا وصفيا فنخصه بوجوب الوجود ليمتاز الموجودات الممكنة الوجود التى نقول أنه موجدها .. ثم نصفه بصفاات الكمال ا للازم وجودها فى الموجد مثل العلم والقدرة والإرادة ، حتى إن تسميته باسم الله لا تعيين فيها لذات الله غير اتصافه بجميع صفات الكمال ، كما يقال فى تفسير لفظة الجلالة إنه اسم للذات الجامعة لصفات الكمال .
أما أنه لماذا لا يحتاج موجد الموجودات العالمية نفسُه إلى موجد ، حين احتاجت تلك الموجودات إلى هذا الموجد الذى ندعى له وجوبَ الوجود وعدمَ الاحتياج إلى الإيجاد .. ولماذا نخص هذا الامتياز أعنى امتياز عدم الحاجة إلى الإيجاد ، لما نتصور ه موجودا لتلك الموجودات .. من دون أن نعتبر الموجودات العالمية مستغنية عن الإيجاد والموجد ، فنحتاج إلى افتراض وجود موجد لها ثم ندعى لها ذلك الاستغناء جوايا لما استجلبناه علينا من سؤال سبنسر وناقليه الكاتبين المصريين بلسان طفلهم الساذج : من أوجد الله الذى أوجد الكون العظيم الممتلئ بالموجودات ؟. فجوابه :إنا لا نقول عبثا بوجود من أوجد العالم وبعدم وجود من أوجد هذا الموجد ... لا نقول عبثا بوجود هذا وعدم وجود ذاك من غير تفكير فى أن الوجود من غير من أوجد .. هذا الا متياز الذى نتصوره لموجد العالم ، حين لا نتصور للعالم نفسِه ولا لأى شئ ينطوبه العالم من
ــــــــــــــــــ ص 117ــــــــــــــــــــ
الموجودات ،أن يوجد من غير من أوجد ... يشق على العقول . لكنا نقول به لئلا يكون موجد هذه الكائنات المحتاجِ وجودها إلى الإيجاد ، من جنس هؤلاء المحتاجين . فهل يستكثر لخالق الكائنات وحده ذلك الامتياز العظيم الذى لا يمكن أن يوجد فى أى موجود غيره ، وهو امتياز الوجود المستغنى عن إيجاد موجد ؟ إذ لو احتاج هو أيضا مع كونه موجد كل شئ ،إلى من يكون موجدَه انتقل الكلام إلى السؤال عن موجد الموجود ولزم التسلسل فى علل الإيجاد ، ونحن نبطل التسلسل فى هذا الكتاب بما يُقنع كل مرتاب .
فالعاقل مضطر إلى الاعتراف بموجود واحد بدون علة ، كاضطراره إلى الأعتراف بعدم وجود ماعداه بدونها ، فتستند عقيدة المؤمن إلى هذين الاعترافين المختلفين إيجابا وسلبا واللذين لا تتم فلسفة الكون ولا تستقيم إلا بهما . أما التوقف دونهما بتجويز وجود العالم بذاته من غير حاجة إلى من أوجده ، رغم كونه عرضة للتغير والتطور بجميع أجزائه الدال على حدوثه وعدم ِ إمكان وجود الحادث من غير وجود علة توجده كما اعترف به اسبنسر نفسه عند تقرير فلسفته المشككة ... أو بتجويز وجود العالم مستنداً إلى موجدٍ حادث مثله يتقدمه فى الوجود ويتقدم ذلك الموجد َ موجدٌ حادث آخر ، وهلم جرا إلى أن يلزم التسلسل فى العلل الموجدة الحادثة المتقدمة بعضها على بعض - فمحال مخالفٌ كل واحد من هذيت الاحتمالين لأحد المبادئ المركوزة فى فطرة الذهن البشرى .
فهناك ثلاث ة احتمالات باطلة لولا الموجود الواحد الذى نعترف بوجوده غير َ محتاج إلى من أوجده ، لتبنى عليه وجود هذا الكون العظيم المحتاج إلى الإيجاد والتنظيم .. نعترف بوجود ذلك الموجود الوحيد فى الاستغناء عن الموجد ، اعترافا فرضته الضرورة على عقولنا .. فلذا نسميه واجب الوجود ونحصره فى الواحد لأن الضرورات تقدر
ـــــــــ118ـــــــــــــــ
بقدرها ولا تُجاوز هذا القدر لئلا تنقلب الضرورة إلى ماليس بضرورى . فكل ماعدا هذا الواحد الواجب الوجود يكون ممكن َ الوجود أى مسلوب الضرورة عن وجوده وعدمه ليس له فى نفسه ما يقتضى أن يكون موجودا أو معدوما .. فإذا وُجد وجد لسبب خارج عنه ، يرجِّح له الجودَ،وإذا عُدم لعدم وجود ذلك المرجح ، وإذا وجد وجد حادثا ومحتاجا إلى إيجاد الوجد وإبقائه.
فهذا حال جميع الموجودات فى العالم ماعدا الموجود الواحد الواجب الوجود. والدليل على كون ماعدا هذا الواحد ممكنا أى مستعدا للوجود والعدم ، أنه يمكننا أن نفرض عدم وجود هذا الكون من أوله أو طروءَ العدم عليه فى وقت من الأوقات ، حيث لا يترتب على كل من هذين الافتراضين محالٌ من المحالات المعروفة ، فلا تقوم حيث لا يترتب على كل من هذين الافتراضين محال ٌ من المحالات المعروفة ، فلا تقوم القيامة من العدم المفروض للعالم أولا وآخرا .. ولا تقل كيف لا تقوم القيامة عند انعدام العالم أو انهدامه وهو القيامة بعينها ؟ لأنى أقول هذه القيامة من الممكنات .. ومرادى من القيامة التى نفيتها على فرض عدم العالم أولا وآخر لزومُ أى واحد من المستحيلات العقلية المعلومة كاجتماع النقيضين ولادور والتسلسل .. ولا ترجع ْ قائلا : فهل يلزم شئ من هذه المحالات عند فرض عدم وجود الموجود الواحد الذى سميناه واجب الوجود ؟ لأنى أقول نعم يلزم عند فرض عدم وجود موجد لهذا الكون المشهود المحتاج إلى الموجد ، عدم وجود الكون أيضا مع موجده .. فى حين أن الكون موجود مشهود ، وعدم وجود الموجود تناقض محال .
ولاترجع ْ ثانيا تقول :إنك صرحت آنفا بأن الكون ممكن الوجود لا واجبه ،حيث يلزم محال من فرض عدمه ، والآن تقول باستحالة عدم وجود الكون المشهود . لأنى أقول فرق بين الحكم بلزوم كون العالم المشهود وجودُه معدوما لو لم يكن موجده الذى يحتاج إليه موجودا ، وهو المحال المتناقض مع حالته المشهودة .. وبين فرض العالم
ـــــــــــــــــــــــ ص 119ــــــــــــــــــــ
الذى نشاهده موجودا ، لم يُجد ولم يُخلق أو صار بعد وجوده إلى العدم بإرادة من موجده ، وهو ممكن طبعا .. وإنما المحال المتناقض عدمه حال وجوده .
هذا هو الاحتمال الوحيد أو بالأولى الشكل الوحيد لإيضاح فلسفة الكون إيضاحا معقولا لا يتخلله شئ من المحال الباطل ، وهو أن يكون جميع الموجودات محتاجة إلى موجود واحد يجب وجوده ويمكن لما عداه الوجودُ مستنداً إليه والعدم ُ غيرَ مستند.
أما الاحتمالات الثلاثة الأخرى الباطلة فهى كما يأتى :
الأول أن لا يكون هذا العالم محتاجا إلى من أوجده بل موجودا من نفسه ، فيكون واجبَ الوجود بجميع أجزائه كالواحد الواجب الوجود المذكور فى الشكل السابق على أنه موجدُ هذا الكون .. وحينئذ تسقط الضرورة الداعية إلى القول بوجود ذلك الواحد وراء الكون المشهود ليستند وجوده إلى وجوده .
لكن هذا الاحتمال باطل من وجوه .. الأول عدم صلاحية هذا الكون لوجوب الوجود الذى هو وصف مضاعف للوجود يكون به الموجود ممتنع من العدم .. وليس هذا الكون المتغير المتجزى المحتاج إلى أجزائه على الأقل والمعروض فى كثير منها للكون والفساد ، بهذه المثابتة العالية من الوجود .. ففيه أعراض الحاجة التى هى رمز الحدوث والإمكان لا القِدم والوجوب .. وقد قلنا إن وجود الشئ من تلقاء نفسه بغير موجدٍ المسمى بوجوب الوجود ، أمر لا يقبله العقل من غير ضرورة ملجئة غليه ، وقد لجأ إلى القول به فى موجود واحد لتُقضى حاجة جميع الموجودات الأخرى إلى موجد .. فما هى الضرورة الملجئة إلى القول بواجب الوجود عدد مافى العالم من الموجودات ؟ فلو قلت إن الملجئ هو وجودها المشهود ، فالجواب أن هذا الوجود الغيرَ المؤيد بامتناع فرض عدمها كما ذكرنا من قبل ، وإنما يدل على الإمكان المُحِوج إلى موجد لا إلى الوجوب المغنى عنه .. ولهذا كان القول بموجود واحد واجبِ الوجود من غير جنس الموجودات العالمية ،
ـــــــــــــــ ص 120ــــــــــــــــــــــــــ
أسهل على عقولنا ، وفيه مزايا وحدة القيادة والإرادة ، المحافِظة على الانتظام والمانعة عن فوضى والتشتت والانقسام .. هذا الشكل أسهل على عقولنا بكثير من إضافة الوجوب إلىوجود جميع الموجودات العالمية المختلفة ، لا سيما وليس هناك أى ضرورة تقضى بهذه الإضافة بدلا من موانع كثيرة تمنع عنها . فلو كفى الوجودُ المشهود لكون الموجود واجبَ الوجود لكنت أنا وأنت الداخلان فى موجودات العالم كذلك ولأمِنَا الموت َ والغناء .
الحاصل أن احتمال وجود العالم بذاته ظاهر البطلان والفيلسوف اسبنسر لم يشك فى ذلك حيث قال : "هذا ملحد يحاول أن يقنعك بأن العالم وُجد بذاته ولم ينشأ عن علة ، فلا يسعك أن تقابل قوله هذا إلا بالجحود والإنكار لأن العقل لا يسيغ معلولا بغير علة ".
الثانى من الاحتمالات الثلاثة أن يكون العالم أثر ّ الطبيعة ومعلولَها وتكونَ هى أى الطبيعة علتَه الموجدة . وهذا الاحتمال باطل أيضا ، بل لافرق بينه وبين وجود العلام بذاته من غير علة ، فيجرى فى إبطال هذا كل ماقلنا فى إبطاله ، لأن إسناد كل كائن فى العالم إلى الطبيعة التى سنحقق فى محله من هذا الكتاب أنها اسم بلا مسمى ، إما تسترٌ من الملاحدة القائلين بوجود الكائنات بذاتها ، أو تلعثمٌ مفضح فى مذهبهم هذا يناقضون به أنفَسهم ، حيث يُضطرون إلى ذكر صانع لهذا العالم الذى لا صانع له ، وهو صانع لا وجود له .. فيكون معنى هذا الذىلا معنى له وهو إسناد وجود العالم إلى فاعل لا وجود له على الرغم من أن كل موجودد فيه مفعولُه :أن الملاحدة القائلين بعدم احتياج الكائنات إلى فاعل موجد لكونها موجودة بذاتها ، يناقضون أنفسهم فيبحثون عن الفاعل الموجد ويستقر قرارهم فيما يسمونه الطبيعة التىلا وجود لها ،على أن يكون جميع الموجودات صنعَ هذا الصانع المعدوم ، بدلا من الصانع الواحد الوجود الذى هو الله فى مذهبنا نحن المؤمنين .
ففي بناء وجود الكائنات على الطبيعة تناقض ظاهر حاصل من بناء الموجود على المعدوم الصريح... كما أن في بناء كل موجود في العالم على موجود مثله ممكنٍ الوجود لا واجبه، يلوح احتياج هذا الموجود الثاني أيضًا إلى أن يُبنى وجوده على موجود آخر مثله في إمكان الوجود والاحتياج إلى موجود مثله. فينتقلَ الكلام بين الموجودات الممكنة المحتاجة في الوجود بعضها إلى بعض ويستمر الانتقال من محتاج إلى محتاج بدون الانتهاء إلى موجود غير محتاج لكونه واجب الوجود، بل الكل له سبب ولوجود السبب سبب..وهكذا إلى أن يتسلسل أسباب الوجود من غير انتهاء إلى السبب الأول المستغنى عن سبب الوجود... وهذا ثالث الاحتمالات الباطلة في هذا المقام... لأن فيه أيضًا تناقضًا خفيًا يستره عدم تناهي الأسباب الموجدة التي لا وجود لها ولا لواحد منها إلا في الوهم والخيال فضلاً عن الأسباب غير المتناهية... وسنبين هذه الحقيقة الدقيقة الثمينة في بحث إبطال التسلسل من هذا الكتاب إن شاء الله.
فالاعتراف بوجود واحد موجود بذاته من الأزل إلى الأبد غير محتاج إلى موجد، مع عدم الاعتراف بوجود ما عدا هذا الواحد إلا محتاجًا إلى الموجد، هو الحق الوسط الذي يقبله العقل بل يُضطر إلى قبوله، والإسلام يعترف بوجود هذا الموجود الواحد اعترافًا ضروريًا في أقصى درجات الضرورة وأعلى درجات الاعتراف فيسميه واجب الوجود، ولا يتعرف من شخص هذا الواحد وذاته غير وجود وجوده واتصافه بجميع صفات الكمال وتنزهه عن شوائب النقص، ويسمى ما عداه من الموجودات المحتاجة إلى الموجد، ممكنًا.
وقال اسبنسر أيضًا ص478 "قصة الفلسفة الحديثة":
"ليِقصر العلمُ دائرة بحثه على ظواهر الأشياء دون أن يتورط في البحث عن حقائقها المستورة. له أن يتناول المادة تحليلاً وتركيبًا دون أن يبحث في ماهية المادة،
وله أن يستنبط قوانين الحرارة والضوء والصوت وما إليها من مظاهر القوة دون أن يعلم ماهية القوة، لأن هذه وتلك فوق مقدوره وكل محاولة له في ذلك السبيل ضرب من العبث... أما الدين فخير له أن يترك هذا العقل العنيد الذي لا يطمئن إلى غير الحجة المنطقية، خير له أن يترك هذا العقل وأن يناشد العقيدة من الإنسان لأن من طبعها أن لا تُلزم بالحجة المنطقية. قل للعلم أن يكف عن إثبات الله أو إنكاره فليس اللاهوت ميدانه الذي يصول فيه يويجول، وقل للدين أن يكف عن مناشدة العقل لأنه لا يستقيم مع نهجه في التفكير، تَرَ الدين والعلم متصافحين لكل منهما حلبةُ مجال".
فهذا النص من اسبنسر الذي كُتب له على تعبير "قصة الفلسفة الحديثة" أن يكون أشهر فيلسوف انكليزي في القرن التاسع عشر، يتضمن الفروق الشاسعة بين عقليات علمائنا نحن المسلمين وعقليات علماء الغرب. فالعلم مقصور عند الغربيين على معرفة ظواهر الأشياء بواسطة التجارب وليس الإلهيات ميدانه الذي يجول فيه. والعجب أن رئيس تحرير "مجلة الأزهر" الذي لا يعرف العقلية الغربية كما لا يعرف العقلية الإسلامية، يتوقع إثبات وجود الله من هذا العلم الغربي التجربي، تاركًا للعلم في عرف الإسلام الذي لا يحدد بظواهر الأشياء ولا بالتجارب الحسية بل يبحث بالعقل ويتدخل في الإلهيات... وراء ظهره.
والدين عند الغربيين خير له أن يترك هذا العقل الذي لا يطمئن إلى غير الحجة المنطقية فيتطلب أساسًا متينًا ليبني قواعده عليه ولا يجد هذا الأساس في دينهم. لكن ديننا ليس كذلك أعني أنه يتطلب أساسًا متينًا وحجة منطقية، فلهذا ترى علماء الإسلام المتكلمين يبنون أصول الدين على الأدلة العقلية. وعلى خلاف ما تراهم (أي علماء الإسلام) وترى الفيلسوف اسبنسر متفقًا معهم في إكبار الأدلة العقلية والحجة المنطقية - ترى الأستاذ رئيس تحرير "مجلة الأزهر" يستضعف العقل والمنطق
ويحتقر علم الكلام مدعيًا غنى الإسلام عنه، وقد سبق كلامنا عليه في مقدمة الكتاب موفى حقه. فعلماء الغرب افترقوا من علماء الشرق في تحديد العلم وإخراج المعقولات منه وفي إبعاد الدين عن العقل. والمتخبطون بين الشرق والغرب مثل رئيس تحرير "مجلة الأزهر" لم يبتعدوا من كلا الفريقين بل ابتعدوا من العقل والمنطق أيضًا. وإنك ترى نظر فضيلة الأستاذ الأكبر المراغي شيخ الأزهر يختلف عن نظر رئيس تحرير المجلة ويتفق من نظر الفيلسوف الغربي في أمر الدين إن لم يتفق مع نظر علماء الإسلام. فهو ينظر إلى الإسلام كما ينظر اسبنسر إلى المسيحية في المباعدة بين الدين والعقل وبناء الدين على قوة اليقين كما بناه اسبنسر على قوة العقيدة ولكن كيف يكون اليقين وقوة اليقين من غير عقل ولا علم إلا في عقيدة العامة السذج التي لا يكتفي بها الإسلام لكل أحد فإن اكتفى بها في حق العامة فإنما يكتفي معتمدًا على تأسس مبادئها وجذورها في قلوب العلماء على العقل والعلم. وليس هذا تفريقًا بين الخاصة والعامة في العقيدة إذ لا يرضى الإسلام بهذا التفريق فيما تبنى عليه العقيدة لا في العقيدة نفسها.
أما نهى العلم عن التورط في البحث عن الحقائق المستورة كما فعله اسبنسر لكون ذلك فوق مقدوره، فالعلم الذي يستحق هذا النهي هو علم الغربيين ومقلديهم منا الذي هو مقصور على العلم التجربي والذي احتكروا اسم العلم له بغير حق. وهناك علم في الإسلام مسمى بعلم الكلام يتدخل في مسائل اللاهوت إلى حد معقول، ولا يعد هذا تورطًا في البحث عن الحقائق المستورة لأن وجود الله مثلاً واتصافه بصفات الكمال وتنزهه عن سمات النقص ليست من الحقائق المستورة على العقل والعلم المبني عليه، بل من الحقائق الباهرة مهما كانت مستورة على علمهم المحصور في التجارب الحسية،
وإنما المستور عن العلم مطلقًا هو الإطلاع على حقيقة ذات الله.
ولعل الفيلسوف اسبنسر الذي صعب عليه الاعتراف بموجود واحد يمتاز عن موجودات العالم بكونه موجودًا بذاته غير محتاج إلى الموجد، كما هو المفهوم من سؤاله عمن أوجده الله؟ بسذاجة الطفل الذي اخترعه مترجمًا عن نفسه... صعب عليه ذلك الاعتراف لعدم إمكان المعرفة بذات الله وحقيقته. ولعل هذا هو السبب أيضًا في إلحاد من ألحد من الفلاسفة الغريبين الذين يلتبس عليهم العلم بوجود الله من عدم العلم بحقيقته فيجر بهم التوقف في هذا إلى التوقف في ذاك، حين لم يلتبس الأمر على علماء الإسلام... قال خضر بك أستاذ السلطان محمد حسن الفاتح العثماني في منظومته النونية الكلامية:
حقيقة الحق لم تُعقل بعالمنا لكن ترددهم في دار الرضوان
نعود إلى ما كنا فيه: ليس كسبنا من فلسفة الغرب الواصلة إلينا بأيدي سماسرة من المغرضين أو حاطبي الليل من المترجمين طروءَ الشك في عقائدنا الدينية فقط، بل اختلال موازيننا العقلية أيضًا وتزلزل مبادئنا الفكرية عن أساسها، إلى أن لا يبقى عندنا أي معلوم متيقن لا يحتمل النقيض حتى ولا حكمٌ جازم بوجود أي موجود من المحسوسات والمعقولات، ففلسفة الغرب لا يُؤمَن عليها دائمًا من خطر السوفسطائية، فترى "كانت" مثلاً الذي اعُتبر أعظم فلاسفة الأعصر الحديثة بإجماع الغربيين ومقلديهم الشرقيين، تراه لا يتخلص مهما اجتهد من سوفسطائية "هيوم" الذي جاء قبله وأسس السوفسطائية الأخيرة في فلسفة الغرب التي تنتهي إلى الشك في وجود كل شيء حتى نفسِه كما سيأتي منا تفصيله في الصفحات المخصصة للنظر في الفلسفة الحسبانية.
وكان "هيوم" و"كانت" يعترفان بالقطعية الضرورية للقضايا الرياضية فجاء "هيجل" من كبار فلاسفة مدرسة "كانت" فأجاز الشك في كون اثنين في اثنين يساوي
أربعة وأنكر استحالة اجتماع النقيضين. قال في "قصة الفلسفة الحديثة" ص 367:
"فقانون التناقض الذي يقول به المنطق الشكلي القديم، ذلك القانون الذي يقرر أن الشيء يستحيل أن يكون وأن لا يكون في آن واحد، يجب عليه الآن أن يزول من أجل حقيقة "هيجل" العليا التي تنسجم فيها المتناقضات والتي ذهب إلى أن كل شيء يكون موجودًا وغير موجود".
وقال في ص 317: "يؤخذ على "كانت" ما ذهب إليه من أن الحقيقة مطلقة من حيث الثبوت واليقين، لا كما قال عنه "هيوم" إنها لا تزيد على احتمال وترجيح، فقد جاءت الأبحاث العلمية الحديثة مؤيدة "لهيوم" معارضةٍ "لكانت" إذ ساد الرأي القائل إن كافة العلوم حتى الرياضيات الدقيقة نسبية في حقيقتها وأصبح العلم يقنع برجحان كفة الاحتمال دون أن يطالب بحقيقة مطلقة لأنه أدرك أن هذه مستحيلة، وحتى لو كانت موجودة فليس للإنسان حاجة إليها".
أقول وما أخذوه على "كانت" مما ذهب إليه أحسنُ ما قاله وأصدقه، فقد نقل عنه في ص 273 من "قصة الفلسفة الحديثة":
"لا يمكن بأية حال أن تكون التجربة هي الميدان الوحيد الذي ينحصر عقولنا في حدوده، فالتجربة تدلنا على ما هو واقع ولكنها تدلنا على أن هذا الواقع لابد بالضرورة أن يكون هكذا ولا يكون على صورة أخرى. وهي كذلك لا تمدنا قط بالحقائق العامة مع أن هذا الضرب من المعرفة هو ما تنزع إليه عقولنا بصفة خاصة، فالتجربة توقظ العقل أكثر مما تقنعه فهو مصدر للعلم إلى جانب التجربة. ولعل أفصح مثال يدل على وصول العقل إلى المعرفة بغير طريق التجربة هو مثال الرياضة، لأنها يقينية ويستحيل على التجربة أن تنقضها يومًا، فقد يجوز أن تتصور الشمس مشرقة من المغرب في الغد وأن النار قد تتبدل عليها الظروف فلا تعود قادرة على إحراق عصاك الخشبية
ولكنك لا تستطيع بحال من الأحوال أن تتصور أن العالم سيحدث فيه ما يجعل اثنين في اثنين لا تساوي أربعة، فهذه الحقيقة الرياضية ثابتة إلى الأبد ومن الأزل، ولا يحتاج كسبها إلى التجربة لأنها حقيقة مطلقة ضرورية لازمة الحدوث".
هذا ما ذهب إليه "كانت" في الاعتراف بوجود حقائق مطلقة في علم البشر لا يحتمل التبدل والتخلف حتى لو تبدلت السماوات والأرض غيرهما.. ومن حسن حظ دعواي التي أريد إثباتها في هذا الكتاب من تفوق الدليل العقلي في قوة الإثبات على الدليل التجريبي، إنها حقائق عقلية وهي ما سماه "ديكارت" و"له يينج" حقائق أزلية، ومذهب "كانت" فيها مصدقًا لهما حق لا شك فيه جدير بالأخذ منه لا بالأخذ به عليه. ثم فسدت فلسفة الغرب وانتهت إلى ما نقلنا عن "هيجل" من زوال قانون التناقض الذي قال به المنطق القديم الشكلي فانهار كل ما يتمسك به عقل الإنسان للتوصل بما يعلمه إلى ما لا يعلمه. و لم يبق للإنسان معلوم علمًا ضروريَا لا يحتمل النقيض. وأما ما سبق نقله عن قصة الفلسفة الحديثة من تأييد العلوم الحديثة لما قاله "هيجل" ومِن قبله "هيوم" بدلاً مما قاله "ديكارت" و "له يينج" وقبولُ مؤلف القصة ومترجميها المصريين المسلمين ذلك التأييد من غير تعقيب، فما يؤسف له إذ ليس للعلوم الحديثة المبنية على التجارب الحسية حق الكلام بالنفي
أو الإثبات في الوجود والاستحالة اللذين هما فوق متناول التجربة والقول ُ فيهما للعقل.. وإنما حدود التجربة قاصرة على إدراك وقوع الشيء أو لا وقوعه العاديين دون بلوغ الوقوع حد الوجوب واللاوقوع حد الاستحالة. وقد لفتنا في هذا الكتاب غير مرة إلى هذه النقطة وفتحنا عيون المغرمين بالعلوم الحديثة بين كتاب مصر ومؤلفيها مثل الأستاذ فريد وجدي بك الجاعل لتلك العلوم دولة عالمية - على هذه الحقيقة.
وكنا نعلم وجود الله ونستدل عليه بلزوم المحال الراجع إلى التناقض في وجود الكائنات التي هي عالم الممكنات لو لم يكن الله موجودًا، وكان طريق إثبات وجود الله عبارة عن إدراك الحاجة إلى موجود يجب وجوده ليستند إله كل موجود لا يجب وجوده و لا عدمه ككل ما دخل في هذه الكائنات المسماة بالعالم، أي لا يكون وجوده ولا عدمه ضروريًا بل يستوي كلا الحالين بالنسبة إلى ذاته فيكون وجوده بعد عدمه أو عدمه بعد وجوده بتأثير موجود آخر يرحج له ذلك ولا مرجِّج له من نفسه إلى أي واحد من الجانبين، فلو وجد من دوون ذلك الموجود كان رجحانًا من غير مرجح أي تناقضًا. فوجود جميع ما في العالم الذي ليس له مرحج من نفسه يوجب وجوده، يدل دلالة قطعية على وجود آخر ليس من جنس العالم الذي هو عالم الممكنات المحتاج وجودها إلى موجود آخر يرجح لها ذلك. فلو احتاج وجود هذا الموجود أيضًا إلى مرجح لزم التسلسل المنتهى إلى التناقض كما يأتي بيانه. ولو وجد العالم من غير وجود هذا الموجود كان رجحانًا بدون مرجح وهو تناقض أيضًا. فإثبات وجود الله يعتمد من جهتين على قانون التناقض.
ولكن إذا زال هذا القانون الذي يقول به المنطق القديم الشكلي ونعم ما يقول... إذا زال هذا القانون وجاز التناقض ولم يبق في الدنيا محال كما توهم هيجل وكان غايةً
في التوهم فإذا جاز ذلك الذي لا يجوز وصح ما جاءت به الأبحاث العلمية الحديثة من أن كافة العلوم حتى الرياضيات الدقيقة نسبية وأصبح العلم يقنع برجحان كفة الاحتمال دون أن يطلب حقيقة مطلقة بل أصبحت الفلسفة العليا في القول بأن الحقيقة غلطة ناجحة والغلط حقيقة فاشلة، لأن العلم أدرك أن الحقيقة المطلقة مستحيلة وحتى لو كانت موجودة فليس للإنسان حاجة إليها.
فإذا جاز كل شيء في فلسفة هيجل حتى جاز الذي لا يجوز وزال قانون استحالة التناقض وارتفع المحال والواجب فكان كل شيء ممكنًا وجاءت الأبحاث العلمية الحديثة مؤيدة لمذهب هيجل، لم يثبت وجود الله. لأن معنى ثبوت وجود الله عندنا ثبوت وجوده بحيث يستحيل عدم وجوده، وبذلك يكون الله واجب الوجود لا يكون احتمال وجوده مرجحًا على احتمال عدم وجوده، وما لا يكون واجب الوجود لا يكون الله. فإن لم يكن للإنسان حاجة إلى الاقتناع بحقيقة مطلقة ضرورية في أي مسألة، فله حاجة إليه في مسألة وجود الله، لأن معنى وجوده وجود موجود غير محتاج إلى الإيجاد دعتنا إلى القول بوجوده ضرورة استناد كل موجود محتاج إلى الإيجاد، فقلنا به لئلا يلزم السلسل في استناد المحتاج إلى المحتاج.
فالقائلون بوجود الله مدفوعون إلى القول به لضرورة التفادي من المحالين أحدهما لزوم الرجحان من غير مرجح في وجود العالم الممكن وجوده وعدمه متساويين بالنسبة إلى ذاته، لو لم تكن له علة موجدة. والثاني لزوم التسلسل في العلل الموجدة إن كانت له علة موجدة غير واجبة بل ممكنة كمعلولها، وعلة العلة أيضَا غير واجبة بل ممكنة إلى غير نهاية. وهذا التسلسل باطل محال كما سيأتي إيضاحه. فكان القول بوجود موجود واحد لا يشبه سائر الموجودات في احتياجها إلى علة موجدة ضروريًا.. وما كان القول بوجوده ضروريًا كان وجوده حقيقة مطلقة لا يحوم حولها الشك. فلا يصح قولهم بأن العلم أدرك أن هذه الحقيقة أي الحقيقة المطلقة مستحيلة، كما لا يصح عدم حاجة الإنسان إليها لو كانت موجودة.
أم قول اسبنسر: "ومن أوجده الله." على معنى أنه كيف يلزم المحال الذي سميناه الرجحان من غير مرجح، إذا لم تكن للعالم علة موجدة هي الله، ولا يلزم مثله إذا لم
131
يكن من أوجد الله – فليس بشىء، للفارق العظيم بين العالم الموجود من غير ضرورة فى وجوده والله الذى وجوده ضرورى لايضاح وجود العالم ، فبهذه الضرورة لوجود الله ايضاحا لوجود العالم ، نعترف به ويسلم وجود الله بدون من أوجده من محذور الرجحان بدون مرجح الملحوظ فى وجود العالم من غير علة موجدة . وليس معنى هذا القول أن الحاجة الضرورية الى وجود الله كانت مرجحة له ، أو كفته عن الحاجة الى مرجح فوجد بدونه كما أن غيره وجد بالمرجح ، لأن هذا يوهم أن الله تعالى وجد كسائر الموجودات بعد أن لم يكن موجودا وانما الفرق فى أن غيره وجد بالمرجح والله تعالى بدونه ... بل الله تعالى فى غنى عن الايجاد بالمرة لا عن مرجح الوجود فقط ، لكونه موجودا من الأزل . فحق الجواب عن قول اسبنسر "من أوجد الله؟" أن يقال : ان الله تعالى لايوجد (بالبناء للمفعول من للايجاد) لكونه موجودا لم يسبقه العدم .. والسؤال عن الموجد انما يتصور فيما يكون موجودا بعد العدم ، ولا يتصور ايجاد الموجود لكونه تناقضا من قبيل تحصيل الحاصل.
فان قيل هل من الضرورى أن يكون الله واجب الوجود بحيث لا يكون الله من يكون وجوده دون الواجب وفى مرتبة الاحتمال الراجح؟ ولماذا لا يكفى فى ايمان الانسان بوجود الله أن يكون موجودا فى ظنه الغالب؟
قلت ان لم يكن الله واجب الوجود كان من الممكنات ، اذ لاواسطة بين الواجب والممكن واذا كان ممكنا كان محتاجا الى ايجاد موجد كسائر الممكنات، مع اننا اضطررنا الى القول بوجود الله الذى لم يكن مثله فى الموجودات، ولعدم وجود مثله فى الموجودات لاتنساق اليه العقول البسيطة وتسأل : من أوجده؟ .. اضطررنا الى القول به قطعا لتسلسل العلل الممكنة المحتاجة الى علة . قال خضر بك فى نونيته:
الهنا واجب لولاه مانقطعت آحاد سلسلة حفت بامكان
132
فمرادنا من الله الواجب الوجود الموجود بذاته المستغنى عن ايجاد موجد . فهذا الوصف الذى الذى يلخصه وجوب الوجود ضرورى لله المنشود لقطع سلسلة العلل الممكنة. وتسلسل العلل محال واجب القطع كما سيجىء بيانه.
فان قيل لماذا لايكفى أن يكون الله فوق الممكن بدرجة يكون بها وجوده راجحا على عدمه وان لم يكن واجبا ضروريا؟ ففيه كفاية لقطع تسلسل العلل الممكنة التى يستوى وجودها مع عدمها . فليكن الله فوق الممكن ودون الواجب وليقطع بوجوده الراجح على عدمه ذلك التسلسل المحال ولا تنتقض فلسفة الغرب الحديثة النافية للحقيقة المطلقة الضرورية ، بوجود الله الواجب الضرورى الذى لا حاجة اليه.
قلت ان كان رجحان وجود الله على عدمه بمعنى أن فى ذاته مرجحا لجانب الوجود يغنيه عن العلة الموجدة التى ترجح جانب الوجود للممكنات ، فهذا وجوب الوجود فى المعنى . وان كان بمعنى احتمال العدم ولو احتمالا مرجوحا يصح معه الشك فى وجوده ولو بقدر سلب الضرورة عنه ، فهذا الشك وهذا السلب فى وجود الله لامساغ له قطعا ولا احتمال لعدمه ، لان عدمه المحتمل ان لم يكن لسبب خارج عنه، بل ناشئا من نفسه لزم أن يكون الله الذى فرضناه راجح الوجود من نفسه وهو خلف أى تناقض . وان كان عدمه المحتمل لسبب خارج عنه كان هذا السبب المقتضى لعدمه مانعا عن وجوده ، فيتوقف كونه موجودا على عدم ذلك المانع .. وقد فرضنا أن له مرجحا من نفسه يكفيه لأن يكون موجودا ، من غير توقف على شىء. وهذا خلف أيضا . فلا مفر اذا من أن يكون اثبات وجود الله اثبات وجود هذا الموجود الواجب (1)
(1) ومانع آخر من أن لا يرتقى وجود الله تعالى الموجد للعالم عن الاحتمال الراجح ، الى درجة الضرورى الواجب .. أن هذه المرتبة الضعيفة فى موقف العلة الموجدة لاتتناسب مع موقف المعلول أى العالم المقطوع بوجوده واحتياجه الى الايجاد .. الا اذا كان الملاحدة القائلون بعدم القطع
133
ثم لابد أيضا من أن يكون اثبات وجود هذا الموجود الواجب ، بالطريقة العقلية لا بالطريقة التجريبية الحسية التى يسميها مقلدو الغربيين منا الطريقة العلمية ، ولا يطمئنون الى غير تلك الطريقة . ولذا يعلق الاستاذ فريد وجدى بك اثبات وجود الله الى نتيجة استكشافات الباحثين فى الغرب عن العالم الروحانى .. ولن تجدى تلك الاستكشافات عندنا فى اثبات وجود الله ، لأن كل مايثبت وجوده بالتجربة يكون موجودا فقط لاموجود واجب الوجود .. فبأى شىء يثبتون وجوب وجود ذلك الموجود الذى يثبتون وجوده بالتجربة ، ليقولوا عنه انه الله .. فى حين أن التجربة لاتزال قاصرة عن اثبات الوجوب لما تثبت وجوده؟ حتى ان قصارة الباع هذه التى فى التجربة ذهبت بغلاة المشتغلين بالعلوم التجربية الى القول باستحالة اليقين وانكار الحقيقة المطلقة ثم انكار الحاجة اليها ، والاقتناع فى العلوم المعارف برجحان كفة الاحتمال.
فالدليل الذى يشترطه هواة الغرب منا المتلقون كل بدعة علمية أو عملية حدثت فيه كأنها وحى من السماء .. الدليل الذى يشترطه هؤلاء الغافلون لاثبات وجود الله غير مطمئنين الى غيره ، غير كاف لهذا الاثبات أعنى اثبات وجود الموجود الأعلى الذى هو الوجود بوصف مضاعف يعبر عنه بوجوب الوجود والذى لاينفع فيه الا الدليل العقلى المنطقى .. وانما ينفع دليلهم فى اثبات وجود الموجودات العاديات . ومن هذا كان مبلغ علمهم بأى حقيقة عبارة عن الظن الغالب والاحتمال الراجح .. والله تعالى هو الناقض المخترق لقاعدتهم هذه بوجوده الضرورى الواجب، على أن يكون مثلا أعلى للحقيقة المطلقة التى ينكرون وجودها ويقتنعون بما دونها .. ومثل هذا التدقيق
== والضرورة فى أى شىء ، لايقتنعون بوجود العالم أيض ويرتابون فيه مع السوفسطائية الريبين الذين لاكلام لنا معهم وهم غير مستيقنين حتى وجودهم أنفسهم.
134
العلمى الاسلامى هو الذى يجدر بأن يقال عنه انه بلغ اسمى فكرة عن الله ، لا ماقاله هيجل عن تجسد الله فى المسيح.
فأصحاب الفلسفة الحديثة الغربية المجانين ، ان أمكنهم تنزيل قيمة أية حقيقة يقينية عن مرتبتها اللائقة من الضرورة ، حتى المبادىء الأولى التى هى دعائم المعلومات البشرية مثل مبدأ العينية ومبدأ العلية (ومنها مبدأ التناقض الذى نطحه هيجل كناطح الجبل) وقد قال استوارت ميل بهذا التنزيل لما حكم بكون تلك المبادىء مبنية على التجربة ، وفى قوله عبرة عظيمة لمن يعتبر من المغالين فى قيمة الدليل التجربى .. ان أمكن مجانين
الفلسفة الحديثة فى الغرب التنزيل عن قيمة كل حقيقة ثابتة، الى ما دون الضرورة المطلقة..
فلا يمكنهم تنزيل قيمة وجود الله عن درجته العليا ، اذ ليس لأى شىء ضرورة الثبوت ما كان منها لوجود الله ، كأن هذه الضرورة ماهيته ولا نعرف نحن ماهية له غيرها ، فماهيته متباينة مع الريب فيه .. ولهذا لايصح أن تكون عقيدة الايمان بالله من طراز قول القائل:
قال المنجم والطبيب كلاهما لاتحشر الأجساد قلت اليكما
ان صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولى فالخسارة عليكما
ان كان معناه ترجيح الايمان بالحشر الجسمانى على انكاره عملا بالأحوط ، لا لكونه الحقيقة المتيقنة.
الحاصل أن مسألة وجود الله التى لاتقبل الشك بطابعها المعروف بين علماء الاسلام أعنى "مسألة اثبات الواجب" والمقتضى أن يكون الله واجب الوجود وأن لايكون من لايبلغ وجوده مرتبة الوجوب أى الوجود الضرورى ... هذه المسالة تخرق أبحاث العلوم الحديثة المصدقة لفلسفة هيجل الجنونية والنافية للحقيقة المطلقة .. تخرقها وتكون مثلا أعلى لغيرها من القضايا الضرورية التى انفتح لها السبيل الى الضرورة بفضل قضيتنا
135
الالهية (1) وانفرجت المسافة بين المحال والممكن .. حين كانت الفلسفة التى تجعل الحقيقة المطلقة مستحيلة وتنكر استحالة التناقض ، تحط من قيمة العلوم وتدخل الشك فى كل قضية فتنقض نفسها بنفسها حتى ان دعواها القائلة باستحالة الحقيقة المطلقة تقضى على صاحبها أن يدعيها مرتابا فى صحتها لعدم صعودها عنده – على الأقل- فوق مرتبة الظن الذى لايغنى من الحق شيئا .. وكأن قوله تعالى "ومالهم به من علم ان يتبعون الا الظن وان الظن لايغنى من الحق شيئا فأعرض عن من تولى عن ذكرناولم يرد الا الحياة الدنيا"
(1) وثبت قول الفيلسوف العظيم ديكارت : "ان الله مبدأ العلم كما أنه مبدأ الوجود" وثبت أيضا أن الحكمة الدقيقة لم تكن فيما قاله شاعر الترك الكبير توفيق فكرت فى شعره المعنون بالتاريخ القديم خطابا لله تعالى : "ان الشك هو أكبر أعدائك" بل الحكمة الدقيقة فى عكس هذا القول أعنى أن الله تعالى هو أكبر أعداء الشمس ، بل عدوه الوحيد .. وانهارت دعوى احتكار اسم العلم بمعنى اليقين للقضايا المستندة الى التجربة دون القضايا المستندة الى الأدلة العقلية ، لأن ذلك احتكار الملاحدة القائلين بأن العلم لايثبت وجود الله ولاينفيه لكونه خارجا عن متناول التجربة ، ومعناه عدم استيقان العلم الى وجود الله ... انهارت تلك الدعوى على رؤوس المحتكرين وثبت أنه ان كان فى الدنيا علم يقينى بأى شىء فانما يكون ذلك بفضل العلم بوجود الله الذى هو فى رأس العلوم اليقينية (*) لعدم قبوله الشك بطابعه الخاص أعنى الواجب الوجود لقضاء حاجة العالم بطابعه الممكن الوجود ، الى الموجد . فمن كان واجب الوجود ، قاضيا لحاجة العالم المشهود ومستغنيا بطابعه الممتاز عن مثل تلك الحاجة ، فهو الله الذى يخرق مذهب الشك فى كل شىء ونفى اليقين عن كل شىء .. يخرقه بوجوب وجوده اللازم لوجود العالم وبكون سائر اليقينيات مدينا له ، بل كونه دون مبلغها .
(*)ولقد أحسن العلامة باستور فى قوله عن"ليتره" الذى خلفه فى الأكاديمية الفرنسية وهو يلقى خطبته المعتادة المتضمنة لمدح سلفه ، وكان ليتره أكبر تلامذة أوجوست كونت زعيم الفلسفة الاثباتية الالحادية ، فقال منبها على الخلاف بينه وبين ليتره فى الأفكار الفلسفية وعائبا على مذهب الفلسفة الاثباتية عدم مراعاته لمعلومة اللامتناهى التى هى أهم المعلومات المثبتة ، وأراد باستور بمعلومة اللامتناهى – كما نقلناه أيضا فى ص149 من الجزء الأول من هذا الكتاب – معلومة وجود الله . فكان ما قاله هذا الرجل العظيم ، عين ما قلنا هنا بعينه . والكلام عن الفلسفة الاثباتية التى يعبر عنها كتاب كتاب مصر بالفلسفة الوضعية ويكبرونها بين المذاهب الفلسفية سبق فى 147 -148 و
406.
136
ذلك مبلغهم من العلم" ناطق بحال أصحاب الفلسفة الحديثة الغربية المنهية فى نفى اليقين والمتدهورة الى الافلاس.
والفحول من فلاسفة الغرب المتأخرين الذين يتعدون حدود العقل – ولاسبب لفحولتهم عند مكبريهم غير هذا التعدى – مثل هيجل المنكر لقانون التناقض و"كانت" الذى ان لم ينكره كهيجل ولم ينكر الحقائق العقلية المطلقة كما يشهد به قوله المنقول قريبا عن القضايا الرياضية ، لكن مذهبه القائل بكون العالم دائرا حول ادراكاتنا وتابعا لها دون العكس – وسيجىء بحثه – والذى جعله عظيما فى نظر الغرب ومقلديه من الشرقيين وجعله عندى من السوفسطائية العندية ، هذا المذهب ينطوى على كثير من المفاسد بل ينطوى على مايتفق مع قول هيجل فى قانون التناقض . لأن الأشياء اذا كانت تابعة لادراكتنا كانت موجودة ومعدومة معا عند اختلاف القائلين بوجودها وعدمها .. هؤلاء الفحول مهما كانوا قائلين بوجود الله مستدلين عليه بأدلة تخصهم – وسيجىء دليل "كانت" – فلا يكون وجود الله الذى يعترفون به ضروريا ولا يضطرهم دليلهم الى الحكم بوجوده تفاديا من استحالة التناقضين المذكورين اللذين لامندوحة عنهما عند فرض وجود العالم بدون وجود الله ، كما يضطرنا دليلنا اليه ، بناء على زوال قانون التناقض فى مذهبهم وزوال كل ضرورة مبنية على التفادى من أى استحالة . فلا يكون الله ضرورى الوجود وواجبه وانما يكون احتمال وجوده راجحا على احتمال عدمه ، ومثله ليس بالله الذى ننشده بل ولا بالذى ينشده أصحاب العقول المتزنة من فلاسفة الغرب ، لأنهم يسمون الله تعالى "المطلق" و "الأكمل".
فلوجود الموجود عندنا درجتان درجة الوجوب ودرجة الامكان ولعدم المعدوم أيضا درجتان درجة الاستحالة ودرجة الامكان وليس عند أولئك الفحول واجب ولا مستحيل بل الكل ممكن بل لافرق واضحا بين الموجود والمعدوم لاستيلاء الشك فى كل شىء على عقولهم ، فان استيقنوا شيئا استيقنوه يقينا غير ضرورى كعدم اليقين
137
فيجب على قارىء هذا الكتاب أن يميز بين الموجود الواجب والموجود الممكن وكذا بين المعدوم المستحيل والمعدوم الممكن تمييزا تاما . فالعالم موجود ممكن لا ضرورة لوجوده فى حد ذاته وان كان وجوده ضروريا وواجبا بعد ارادة الله وجوده وهذا يسمى فى تعبير علمائنا وجوبا بالغير وضرورة بشرط المحمول . والله موجود ضرورى الوجود لذاته والتناقض معدوم ضرورى العدم وكذا شريك البارى . والعنقاء معدومة لاضرورة لعدمها (1) ومقام العقل محفوظ عندنا حفظا لمقام الدين بخلاف دين الغرب
(1) فالضرورة أى ضرورة الحكم فى أى قضية بحمول تلك القضية على موضوعها ، أعلى مراتبها الضرورة المطلقة وهى منطوق القضية الأولى من أنواع القضايا الموجهة التى أحصاها المنطقيون . ومثال هذه القضية الله موجود وشريك البارى والتناقض باطل والكل أعظم من الجزء وكل انسان حيوان (بالنظر الى أن الحيوان داخل فى تعريف الانسان) وهذه الأمثلة فى درجة عالية من الضرورة وان كان بعضها مستندا الى البرهان وبعضها الى البداهة.
ثم ان هناك ضرورة بالذات أى بذات الموضوع وضرورة بالغير وتدخل فى الثانى الضرورة بشرط المحمول وقد سبق منا تمثيله بوجود العالم . فالعالم موجود والوجود ضرورى له بالبداهة الحسية مادام موجودا وان كان عدمه ممكنا بالنظر الى ذاته فكان فى الامكان أن لا يوجده الله فيكون معدوما كما كان فى الامكان أيضا أن يعدمه الله بعد وجوده ، لكنه موجود بالضرورة حال وجوده ومثله كل قضية صادقة ضرورية أو غير ضرورية كائنة ما كانت قيمة ثبوت محمولها لموضوعها لأن كونها مسلمة الصدق على الأقل يقتضى هذه الضرورة أعنى الضرورة بشرط المحمول .
وهناك ضرورة مقيدة بوصف الموضوع بدلا من ذاته بأن تكون ضرورة الحكم بالمحمول على الموضوع راجعة الى اتصاف ذات الموضوع بعنوانه وهى فوق الضرورة بشرط المحمول وان كانت دون الضرورة الذاتية .. والقضية الدالة عليها يسميها المنطقيون المشروطة العامة التى هى ثانية الموجهات .
وانى حينما كنت طالب العلم فى القيصرية التى هى مدينة كبيرة من مدن الأناضول سمعت أن أستاذى الشيخ محمد أمين أفندى الدوركى المعروف بداماد الحاج طرون أفندى القيصرى رحمهما الله سأله أحد مشاهير العلماء وهو الشيخ الداماد خليل أفندى فى مجلس جمعهما وغيرهما من علماء المدينة وكان الثانى ينافس الأول .. سأله عن قوله تعالى "وان من شىء الا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم" كيف تدخل آلات اللهو فى عموم الآية المفهوم من النكرة الواقعة فى سياق النفى؟
138
وعقله المتضادين . وبعض الممكنات يستبعد وقوعه فيظن مستحيلا عند العقل كمعجزات الأنبياء الخارقة لسنة الكون وهو خطأ اذ لامانع لها عند العقل فهى خارقة للعادة التى هى سنة الكون لا خارقة للعقل كاجتماع النقيضين أو ارتفاعهما لأن سنة الكون من الممكنات بالنسبة الى واضعها جل شأنه فيمكنه خرقها كما أمكنه سنها . ولاحاجة لمن يؤمن بالمعجزات أن يلجأ الى القول بضرورة الاغماض عن منافاتها العقل كما لجأ الدكتور طه حسين بك فى صدر كتابه القيم "على هامش السيرة" وفيما كتبه الى فى تقدير كتابى "القول الفصل" تفضلا وتصديقا لأقوالى فى اثبات المعجزات حيث قال "وانى لاأفهم لانكار المعجزات معنى ولا أفهم أن يحكم العقل الانسانى الذى مهما يقوى فهو ضعيف فى أمور يستطيع أن يبلغ كنهها " اذ لامنافاة بين العقل والمعجزات قطعا كما علمت والمنافى للعقل محال لايقبل الموقوع . فلو قلنا بتنافى المعجزات مع العقل لوجب علينا أن لانعترف بوقوعها . لكن العقل الانسانى ليس بعاجز عن القيام بدوره حيال مسألة المعجزات وأمثالها من أحوال النشاة الآخرة المذكورة فى كتاب الله وهو الاعتراف بها من غير تردد ، لكونه مدركا لامكانها
فأجاب أستاذى – وكان له رسوخ فى علم المنطق – بأن القضية فى الآية المشروطة عامة وهى التى يكون مناط الحكم بحمولها على موضوعها وصف الموضوع . فكل شىء من حيث أنه شىء أى موجود يسبح بحمد الله لعدم امكان وجوده لولا وجود الله . وتدخل فى هذا الحكم آلات اللهو أيضا من حيث ان كلا منهما شىء أى موجود من الموجودات التى لم تكن موجودة لولا أن الله تعالى أوجدها . ولايلزم من هذا أن تكون آلات اللهو تسبح لله من حيث كونها أدوات بها عن ذكر الله وينهى عن الشرع . وقد ذكرت هذه الحكاية التى تتضمن استنباطا منطقيا عند جمع من كبار الأساتذة المصريين فلم تنل تمام ماتستحقه من الالتفات. ولعل ذلك من كون المنطق لايقدر بمصر حق قدره لكثرة ما رماه الغافلون بأنه منطق قديم صورى ولايدرون أن عظمة المنطق مدينة لكون صوريا كما أن الهندسة عظيمة لكونها علما صوريا فلو كانت علما تجربيا – كانت علما وقتيا.
139
بالقياس على مانشاهده من آثار قدرة الله فى خلق السموات والأرض وخلق الانسان فى نشأته الأولى . وهذا الاعتراف من العقل طبيعى بل ضرورى بعد الاعتراف بوجود الله وبكون القرآن القائل "أو لم يروا أن الله الذى خلق السموات والأرض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى" كتاب الله وخالق المعجزات وأمثالها من أحوال النشأة الآخرة ، ذلك الخالق القادر نفسه . واللازم فى ايمان العاقل بالمسائل المنصوص عليها فى الكتاب والسنة أن لا يأبى العقل عن ادراك امكانها . وليس من اللازم أن يبلغ كنهها حتى يحتاج الانسان فى الايمان بها الى اسكات عقله . فنحن المسلمين نؤمن بما نؤمن من عقائد الاسلام ومعنا عقولنا نحكمها لتفهم امكان ما نؤمن به لا لتبلغ كنهه.
والمقصود من هذا الكتاب ليس تثبيت عقيدة دينية اسلامية فقط ، بل تثبيت عقلية متزنة غير مضطربة يسدد بها المسلم المتعلم طريقه فى نظره الفلسفى الى الكون وفى تقدير قيمة العقل والحس والتجربة قدرها فى معرفة الأشياء . فكما أن السلف من علماء الاسلام نخلوا فلسفة الاسلام فأخذوا ما رأوه جديرا بلأخذ ونبذوا ما وراءه ثم ألفوا ما أخذوه بما عندهم من المعقول والمنقول ، فانى أخذت من فلسفة الغرب ما يعجبنى ويتفق مع عقلى و دينى ورفضت منها مايعجب الناس ولايتفق مع عقلى و دينى مع التنبيه الى أسباب الرفض العقلية . ولم أقف عند ما رأيت نقده من الفلسفة الغربية التى نقلت الى الشرق ونفقت سوقها فى الأوساط الحديثة من غير تمييز لغها من سمينها .. بل اذا وجدت فى فلسفتنا القديمة الاسلامية التى دخلت فى علم الكلام أو التصوف مالم يطمئن اليه عقلى ، لم أتردد فى نقده ورده أيضا ، فكل بحث عرجت عليه فى الكتاب أو مسألة أثبتها فيه فقد وقع ذلك بعد وزنه بميزانين من عقلى ودينى ليجىء الكتاب من نسجهما وحدة منسجمة متماسكة الأطراف لايغفل أوله عن آخره ولا يبعد باطنه عن ظاهره كرجل ذى خلق ومبدأ يحتفظ بهما مدى عمره . وهذا
140
فى حين أن عادة الناقلين الى العربية من فلسفة الغرب حشروهها مبعثرة مضطربة فى نفسها فضلا عن عدم التئامها مع عقلية الاسلام ، فلا يستفيد منهما القارىء سوى الشك والارتياب فيما كان يعرفه من قبل والاضطراب فيما عرفه من جديد . ولا يخطر بباله ولا ببال المؤلف الناقل نقد تلك الآراء والأفكار المضطربة ولو فيما لايتفق مع الآراء والأفكار المعترف بها فى الاسلام .. لايخطر ذلك ببالهما لمانعين الأول نقل تلك الآراء
والمذاهب مع كبار أصحابها بدرجة تحول دون تخطر النقد . والمانع الثانى عدم معرفة الناقل والقارىء عقلية الاسلام الفلسفية أو عدم رسوخ هذه العقلية فيهما كعقلية علمية رغم كونهما مسلمين وكونهما مثقفين .
3
ولنذكر نموذجا من فلسفة الغرب المنقولة الى العربية يتصارع فيها العقل والدين ويكون من يريد الانتصار لأحدهما من الفلسفة ، فى حاجة الى أن يفت من عضد الآخر ويكون القارىء المسلم مغلوب العقل مع عقل الغرب ومغلوب الدين مع دين الغرب لغير ما سبب فى ذلك سوى التقليد الغافل :
كتب الأستاذ أحمد امين بك و زكى نجيب محمود فى كتابهما "قصة الفلسفة الحديثة" تحت عنوان "كانت" ص :248
"لم يشهد تاريخ الفكر فلسفة بلغت من السيادة والسيطرة على الأفكار فى عصر من العصور ما بلغته فلسفة "عمانوئيل كانت" من النفوذ فى القرن التاسع عشر ، فلقد تمخض ذلك الفيلسوف بعد ستين عاما قضاها فى النمو المتدرج المعتزل عن كتابه المشهور "نقد العقل الخالص" الذى يزلزل قوائم التفكير السائد والذى لا يزال أثره قويا عميقا حتى اليوم ، فلم تكن المذاهب الفلسفية التى ظهرت فى القرن التاسع عشر
ص141
و التى نادى بها شوبنهور و سبنسر و نيتشه إلا موجات سطحية يتدفق تحتها تيار قوى مكين هو تيار الفلسفة الكانتية الذى ما يزال يزداد عمقا و اتساعا حتى يومنا هذا ؛ فلقد سلم نيتشه بكل ما جاء به (( كانت )) ثم أضاف عليه ، كما أعجب شوبنهور بذلك الكتاب إعجابا شديدا حتى قال عنه إنه أهم كتاب فى الأدب الألمانى ، و عنده أن الرجل يظل طفلا حتى يفهم (( كانت )) و ما أجدرنا هنا أن نقتبس العبارة التى قالها (( هيجل )) عن (( اسبيتوزا )) فنقولها عن (( كانت )) : (( لكى نكون فيلسوفا فلابد أن ندرس ما جاء به (( كانت )) أولا ... و إذن فما أحجانا أن نأخذ فى دراسة هذا الفيلسوف دراسة متقنة دقيقة. ولكن حذار أن تعمد من فورك إلى كتب (( كانت )) فتنكب عليها بالقراءة و الدرس ، فإن فعلت هذا اختصارا للطريق فما أنت ظافر بشئ لأن الخط المستقيم فى الفلسفة – كما هو فى السياسة – أطول الطرق بين نقطتين ؛ فإن أردت أن تقرأ (( كانت )) فآخر ما يجب أن تقرأه هو (( كانت )) نفسه ، لأنه لم يعمد فيما كتب إلى السهولة و الوضوح ، بل راح يتحدث فى غموض و التواء دون أن يسوق الأمثلة التى توضح ما يقول زاعما أنها تطيل كتابه بغير جدوى. إذ هو يقصد بكتبه إلى الفلاسفة المحترفين ؛ و ليس هؤلاء بحاجة إلى الشرح و الإيضاح ، و مع ذلك فقد كان بين هؤلاء من ضاق بها صدرا ؛ فقد حدث أن (( كانت )) قد بعث بالنسخة الخطية من كتابه فى (( نقد العقل الخالص )) إلى صديقه (( هرز )) ليطلع عليها و كان (( هرز )) متعمقا فى دراسة الفلسفة معروفا بسمة اطلاعه و عمق تأمله ، و لكنه مع ذلك لم يكد يقرأ الكتاب إلى نصفه حتى أعاده إلى صاحبه قائلا : إنه يخشى على نفسه الجنون لو واصل قراءة الكتاب ... فإن كان هذا شأن من اتخذ الفلسفة حرفة ، فماذا نحن انعون ؟ لابد أن ندنوا منه فى يقظة و حذر ، و أن نبدأ السير من نقطة مختلفة على هامشه ، و بعيدة عن قابه و لبابه ثم نلتمس ثغرة لننفذ منها إلى حيث ذلك الكنز المغلق و السر المهم العسير .
ص 142
(1) من فولتير إلى (( كانت ))
(( لقد كان من أثر الصيحة الداوية التى هتف بها (( فرانسيس بيكون )) أن اندفعت أوربا بأسرها ( ماعدا روسو ) تثق بالعلم و تؤمن بالمنطق فى حل كل ما يعترض الإنسان من مشكلات ، و لقد غالى الفرنسيون فى تمجيد العقل فى العصر الذى يسمى بعصر التنوير ، و الذى يمثله فولتير إلى حد أن اتخذ البارسيون فى ثورتهم امرأة حسناء عصرية من نساء باريس و أطلقوا عليها اسم (( إلهة العقل )) ليدلوا بتمجيدهم إياها على اطراحهم لأساليب التفكير البالية و اعتناقهم للعقل وحده يستهدون دون أن يكون لغيره عليهم سلطان ؛ و لقد استتبع هذا التمسك بالعقل و منطقه الكفر و الإلحاد و النزعة المادية فى انكلترا أو فى فرنسا على السواء . فقال (( هوبز )) فى انكلترا : (( ليس فى الوجود إلا ذرات فى فراغ )) و أخذت العقيدة الدينية فى فرنسا تنقرض و تنهار ، حتى زعموا أنهم أنزلوا الله من ملكوته فى نفس الوقت الذى أنزلوا فيه أسرة البوربون من عرشها و طغى الإلحاد فى قرنسا حتى أصبح بدعا ( مودا ) سائدا فى الأندية ، و حتى أخذ به رجال الكنيسة أنفسهم ؛ و هكذا غاض الإيمان فى فرنسا عندئذ و ساد الغقل و انتصر )) . أقول عصر التنوير و سيادة العقل أغاض إيمان الفرنسيين لكون الإيمان المسيحى لا يتفق مع العقل . فلو كان دينهم الإسلام كانت سيادة العقل انتصارا للإيمان . ألا يرى أن ملاحدة المسلمين فى زماننا يلحدون من طريق الاستهانة بالعقل و أدلته المثبتة لوجود الله من دون رؤيته . أما قول هوبز من الملاحدة المتمسكين بالعقل فلم يكن له عقل يعرف به طريق التمسك بالعقل . نعود إلى النقل عن (( قصة الفلسفة الحديثة )) : (( و لكن هذه الهجمة العنيفة التى سددت نحو الدين فى عصر التنوير على يدى (( فولتير و أقرانه لم يطل أمدها : فليس
ص 143
من اليسير أن تزحزح إيمانا يحمل التفاؤل و الأمل ، قد مد جذوره فى أفئدة الناس و قلوبهم . هيهات للعقل أن يقتلع بعاصفته هذه الوحة المتأصلة الراسخة ؛ و لهذا لم يلبث الإيمان – الذى ظن العقل أنه قد طاح به و محاه – أن عاد وشك فى أهلية القاضى الذى حكم عليه بالزوال ... لماذا لا يتناول هذا العقل نفسه الذى وضع نفسه موضع الحكم ، بالاختبار كما تناول هو الدين من قبل بالتجربة و الامتحان ؟ ما هذا العقل الذى يأبى عليه غروره إلا أن يهدم عقيدة عمرت آلاف السنين و تغلغلت فى ملايين النفوس ؟ أهو حكم فصل صادق لا ينطق إلا بالحق ؟ أم هو عضو من أعضاء الإنسان ، و هو كأى عضو آخر محصور بقيود وظيفته ، محدود بقواه ؟ لقد حان الوقت لنحاكم القاضى ، نعم لابد أن نمتحن هذه المحكمة القاسية التى قضت بكلمة على إيمان فيه الأمل المبتسم الزاهر ؛ ها قد جاء الحين (( لنقد العقل )) على يدى (( كانت )) .
(2) من (( لوك )) إلى (( كانت ))
(( لقد مهد لوك و بركلى و هيوم الطريق لهذه المحاكمة التى نريدها للعقل ، إنه ارتد العقل لأول مرة فى الفكر الحديث إلى نفسه يمتحنها (1) و يختبر فى كتاب (( لوك )) (( مقالة فى العقل البشرى )) و بدأت الفلسفة تبحث فى الوسائل التى ركنت إليها ، و وثقت بها هذا الزمن الطويل فلم تعد تأمن العقل و داخلها فيه الريب و الشك . (( فقد انتهى لوك إلى إنكار الآراء الفطرية التى يقول دعاتها إنها تولد مع الإنسان كمعرفة الخير و الشر مثلا و أكد أن العقل عند ولادة الطفل يون كالصفحة البيضاء ، خاليا من كل شىء ، قابلا للانفعال بالبواعث المختلفة ، فإذا ما مرت به تجارب الحياة
هامش ص 143
(1) هكذا وجدنا فى الأصل و الأولى تذكير الضمير الراجع إلى النفس لكونه بمعنى العين لا بمعنى الروح .
انتهى الهامش
ص 144
تركت فيه آثارها ؛ و طريق تلك التجارب إلى العقل هى الحواس وحدها ، و ليس فى حنايا العقل أثر واحد لم يسلك طريق الحواس أولا ، فالآثار الخارجية تنتقل إلى الذهن فى إحساسات مختلفة ، ثم تولد هذه الإحساسات شتى الآراء و الأفكار ؛ و ما دامت الأشياء المادية وحدها هى التى يمكن أن تنتقل عن طريق الحواس ، إذن فكل معلوماتنا مستمدة من الأجسام المادية ، دون غيرها ؛ و معنى ذلك أن المادة عند لوك هى كل شىء . (( ثم جاء بركلى و خطا بعد ذلك خطوة جريئة ، فقد سلم بمقدمات لوك و لكنه اختلف و إياه فى النتيجة . ألم يقل لوك أن معلوماتنا جميعا مشتقة مما يجئ عن طريق الحواس ؟ إذن فنحن لا ندرى عن الشىء الخارجى إلا الإحساسات التى تنبعث إلينا منه ، و الأفكار التى تتولد من هذه الإحساسات عند وصولها إلى الذهن ؛ حذ التفاحة مثلا ، فهذا لونها يصل إليك ضوءا عن طريق العين ، و هذه رائحتها تجيئك عن طريق الأنف ، و ذاك طعمها تعلمه عن طريق الذوق ، و ذلك ملمسها و شكلها يصلان إليك عن طريق عن طريق أعصاب اليد ، فإذا تناول هذه التفاحة كفيف البصر علم عنها كل شىء إلا لونها ، و إذا كان فاقدا لحاستى الشم و الذوق أيضا اقتصر علم التفاحة على شكلها و ملمسها ، فإذا فرضنا أن أعصاب يده أصيبت بالشلل فقدت عملها كذلك أنكر صاحبنا وجود التفاحة فى يده مهما قدمت إليه من وسائل الإقناع ؛ فلولا الحواس لما كان للأشياء الخارجية وجود ، فالحواس هى التى كونتها ، و لذلك لم يتردد بركلى فى إنكار المادة إنكارا تاما ، و لم يعترف بوجود شىء إلا حقيقة واحدة يحسها فى نفسه ألا و هى العقل. (( أجهز بركلى على المادة فمحاها من صفحة الوجود ، و أشفق على العقل فسلم بوجوده ، و لكن جاء بعده هيوم فأبى أن يقف عند هذا الحد التواضع من الإنكار ، و سارع إلى العقل بمعوله فألقاه فى هوة العدم . ما هذا العقل الذى يتشبث بركلى
ص145
بوجوده ؟ ابحث فى نفسك بحثا باطنيا ، و حاول أن تعثر على ذلك العقل باعتباره ذاتا مستقلة فلن تعود بطائل ، و لن تصادف فى نفسك إلا سلسة من الأفكار و المشاعر و الذكريات يتلو بعضها بعضا ، فليس ثمت عقل . و لكنها عمليات فكرية و صور ذهنية لا أكثر و لا أقل ؛ و إذن فقد انهار العقل كما انهارت المادة من قبل ، و هكذا قوضت الفلسفة بفؤوسها كل شىء ، ثم وقفت بين تلك الأنقاض الخربة لا تجد وقودا يذكيها فقد ضاع العقل و ضاعت المادة ، و لم يبق لها منهما شىء !! قرأ (( كانت )) ترجمة ألمانية لكتب (( دافيد هيوم )) فروعته هذه النتيجة التى قضت على الدين و العلم معا ، لأنه إن كان لا روح فلا دين و إن كان لا مادة فلا علم ، روعته هذه النتيجة الهادمة و أيقظته من نعاسه و استسلامه للآراء القديمة على تعبيره .. هاله أن يعلن العلم و الإيمان إفلاسهما و أن يسلما نفسيهما إلى الشك ؛ فأعمل الفكر فى وسيلة النجاة و الإنقاذ .
(3) من روسو إلى (( كانت ))
(( نادى رجال عصر التنوير بأن العقل ينتهى إلى تأييد المذهب المادى فأجاب بركلى بأن المادة ليس لها وجود ، و لم يكن يعلم بركلى – و هو القسيس المتبتل – أن هذا السهم الذى سدده إلى صدر الإلحاد سيرتد إلى نحره فيقضى عليه ، لم يكن يعلم أن هذه الحجة التى أبطل بها المادة ليهدم مادية الملحدين ستبطل كذلك العقل – أى الروح – فتهدم روحانية المتدينين !.. فقد كان أجدر ببركلى أن يحارب الملاحدة الماديين الذين يتشبثون بالعقل ، بسلاح آخر ، فيزعم لهم أن العقل ليس هو الحكم الذى ينتهى بقوله كل زعم و ادعاء . إذ ما أكثر النتائج المنطقية التى ينتهى إليها العقل ، و التى نميل بشعورنا و فطرتنا إلى رفضها ؛ و ليس هناك ما يبرر أن أنبذ ما يمليه على شعورى
(10 – موقف العقل – ثان )
ص146
و فطرتى لأستمع إلى إملاء العقل المنطقى وحده. مع أن هذا العقل أحدث من ذلك الميل الغريزى عهدا و أضعف بناء ... نعم إن العقل كثيرا ما يكون ما يكون خير مرشد و أفضل هاد ، لا سيما فى الحياة المدنية ، و لكن إذا اشتدت أزمات الحياة فلابد أن نلجأ إلى الشعور و الفطرة نستلهمها الإرشاد و نستهديهما الطريق . (( هذا ما نادى به جان جاك روسو ( 1712 – 1773 ) الذى وقف وحده فى معمعان الحياة و آثارا الحياة الهادئة فكان ذلك داعية لطول تفكيره و عمق تأمله ، كأنما فر من لذعات الحقيقة المرة إلى عالم ملأه بأحلامه و خياله . و فى سنة 1749 أجرت أكاديمية (( ديجون )) مسابقة بين الكتاب فى رسالة موضوعها : (( هل أدى تقدم العلوم و الفنون إلى إفساد الأخلاق أم إلى إصلاحها ؟ )) و أعدت للسباق الفائز منحة فظفرت مقالة روسو بالجائزة ؛ و قد جاء فى رسالته تلك أن الثقافة أقرب إلى الشر منها إلى الخير فحينما تنشأ الفلسفة تهبط الأخلاق (( و لقد شاع بين الفلاسفة أنفسهم أنه منذ ظهر رجال العلم اختفى أصحاب الشرف )) ، (( و إننى لأصرح فى يقين أن التفكير مناقض لطبيعة الإنسان ، و أن الرجل المفكر حيوان سافل)) ، إنه لخير ألف للناس ألف مرة أن يطرحوا هذا العقل ، و أن يعمدوا أولا إلى رياضة القلب و المحبة ؛ إن التعليم لا يخرج من الإنسان نبيلا فاضلا ، و لكنه ينمى ذكاءه فقط ، و الذكاء أداة للشر فى أغلب الأحيان ، فأجدر بنا أن نعتمد على الغريزة و الشعور لأنهما أولى بالثقة من العقل . و لقد شرح روسو فى قصته المشهورة (( هلواز الجديدة )) رأيه فى تفوق الشعور على الغقل شرحا مفصلا. (( و هكذا حمل روسو حملته على العقل ، و مجد الشعور و رفع من شأنه حتى تبدل ( البدع ) ((المودة )) فى (( صالونات )) باريس ، و أصبحت سيدات الطبقة الراقية مباهين برقة شعورهن و دقة إحساسهن ، بعد أن كان الفخر كل الفخر بالعقل و التفكير
ص 147
ونتج عن ذلك أن تحولت وجهة الأدب إلى العاطفة بعد أن كان مدارها الفكر كما استيقظ الشعور الدينى فى النفوس و اشتدت الحماسة له . (( و خلاصة الدعوة التى نادى بها روسو هى : أنه إذا أمكن للعقل أن ينقض العقيدة فى الله و أن ينكر الخلود ، فإن الشعور يؤيدهما ، فلماذا لا نصدق الشعور الفطرى هذا بدل أن نستسلم إلى الشك الجارف الذى يؤدى إليه العقل ؟ (( قرأ (( كانت )) ما كتبه روسو فانصرف إليه بكل قلبه ، حتى إنه حين بدأ فى مطالعة كتابه (( إميل )) أبى أن يغادر داره إلى نزهته اليومية المعتادة قبل أن يفرغ من قراءة الكتاب ، و لم يكن امتناعه عن الخروج أمرا يسيرا ، و هو الذى أفرغ حياته فى قانون من حديد ، فلا يغير من مجرى سلوكه إلا لأخطر الأسباب. (( وجد (( كانت )) فى (( روسو )) رجلا يريد أن يشق لنفسه طريقا يفلت به من الإلحاد الذى خيم بظلامه الحالك على النفوس فذهب إلى تفضيل الشعور على العقل ، فيما يتصل بما هو فوق الحس من الموضوعات – و لقد أراد (( كانت )) أن يتصدى هو أيضا لهذه المهمة الكبرى ، أراد أن ينقذ الدين من العقل و أن يخلص العلم من الشك – فمكانت تلك رسالته )) . أقول انتهى ما نقلته عن (( قصة الفلسفة الحديثة )) نموذجا للأضطراب السائد فى عقليات الفلاسفة الغربيين و نموذجا أيضا لاختلاف موقفى فى هذا الكتاب عن موقف عظيمين من أولئك الفلاسفة (( روسو )) و (( كانت )) رغم اتحاد الغاية التى أريد الوصول إليها و يريدانه أيضا و التى اتخذناها جميعا المهمة الكبرى و هى إنقاذ الدين من تسلط الإلحاد . فهما أى روسو و كانت يريدان فى سبيل هذه الغاية إنقاذ الدين من العقل فيستهينان بالعقل . و انا أريد إنقاذ العقل من استهانة المستهينين لأتمسك بأدلته المنطقية فى إثبات وجود الله . فلينظر القراء ما بين موقفى و موقفهما من الفرق !
ص 148
و هما غير ممكن أن لا يكونا عارفين عند إهمالهما العقل و تمسكهما بالعاطفة لمساعدة الدين ، أن العقل أقوى ناصر و أعدل حاكم مسموع القول حتى عند الملاحدة المتمسكين بالعقل ضد الدين و أن العاطفة أشبة شىء بالمحاباة دون الدليل القائد إلى الحقيقة المحايدة ؛ و كذا الفطرة فى عدم صحة الوثوق بها . و إذا كان فى فطرة الإنسان حب الدين و البحث عن معبود له فهو لا يستطيع اختيار ما يستحق العبادة إلا بإعمال عقله كما فعل سيدنا إبراهيم لما جن عيه الليل و رأى كوكبا قال هذا ربى فلما أفل قال لا أحب الآفلين ثم رأى القمر بازغا و قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين ثم رأى الشمس بازغة و قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت تبرأ منها أيضا و قال فى النهاية إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات و الأرض . و قد فعل عليه الصلاة و السلام كل هذا متمسكا بعقله و هداية ربه الذى يبحث عنه . فلو عولنا على فطرة الناس المجردة لرأينا كثيرا منهم يعبدون ما ينحتون من الحجر ، أو ما يرعون من البقر ... غير ممكن أن لا يعرف مثل روسو و كانت من ذوى العقول الكبيرة أن العقل أقوى فى التمييز و أعدل فى الحكم من العاطفة ، و لكن عاطفة المسيحية الموروثة من آبائهما و آباء قومهما و التى يأبى العقل قبولها بتثليثها الله و تجسيده فى المسيح و قتله فى قتله للعفو عن ذنوب البشر الذى لا يستحق العفو كما قال أحد علماء الغرب و سبق منى نقله ، و كما أقول أنا : لا يستحق خصيصا لهذه التضحية ... هذه العاطفة المركوزة فى قلبيهما تغلبت على العقل كما أرادا وجعلتهما خصمين للعقل الذى لا يقبل ما يقبلانه . أما نقض العقل للعقيدة فى الله المفهوم من قول روسو (( إذا أمكن للعقل أن ينقض العقيدة فى الله و الخلود فإن الشعور يؤيدهما )) فلا صحة له و هو افتراء على العقل الذى لا يتناول العقيدة فى الله الصحيحة المعقولة إلا بالتأييد كما أنه لا مانع عن الخلود من ناحية العقل أصلا.
ص 149
ثم إن فى الكلمة الطويلة الى نقلتها عن (( قصة الفلسفة الحديثة )) نقاطا أخرى محتاجة إلى اللفت : الأولى إكبار أصحاب القصة ( المؤلفة من مؤلفها الغربى و مترجميها الشرقيين المسلمين ) لأبطال الحرب ضد الغقل مثل روسو و كانت ، لا سيما الإكبار الزائد الذى خلعوه على كانت فى قولهم : (( لقد حان الوقت لنحاكم القاضى ( أى العقل ) على يد كانت )) و قولهم : (( اراد كانت أن ينقذ الدين من العقل و أن يخلص العلم من الشك فكانت تلك رسالته )) . فالذين نقلوا ما جرى فى الغرب من الحرب بين العقل و الدين و ما قام به فلاسفتهم المتدينون من تضحيتهم بالعقل بل دوسه تحت أقدامهم تحيزا إلى جانب الدين ... قصوا علينا قصة الحرب المشنونة هنالك من غير تعليق عليها ، أو على تعبير أستاذ مجلة الأزهر : من غير محاولة منهم أن ينسبوا بكلمة .. كأن أصحاب القصة و لا المسلمين منهم لا يعينهم من تلك الحرب غير إحضار صورة هائلة من أوار نيرانها و إكبار فرسان ميدانها .. أو كأن ما فعله هؤلاء الفرسان الغربيون من تنكيل العقل و تخفيض صوته لإعلاء كلمة الدين ، يجدر بنا أن نطبقوه فى الشرق على ديننا و عقلنا المتفقين لنحدث بينهما حربا أهلية شعواء .. أو كأن اتصال دين الإسلام بالعقل الذى هزمه فلاسفة الغرب فى حرب الدين و العقل ، يزرى بالإسلام و يقضى بالحق لملاحدة الشرق الذين يعدون عيبا على علماء الكلام المسلمين أنهم يبنون إثبات وجود الله على الدليل العقلى – و معنى هذا التعليق الإجمالى منا على قول أصحاب (( قصة الفلسفة الحديثة )) أن فلسفة كانت الرامية إلى توهين مقام العقل مخالفة لفلسفة الإسلام . قالوا : (( لقد حان الوقت لنحكم القاضى ( أى العقل ) على يدى كانت ! )) . و أنا أقول إن من يحاول محاكمة العقل لفى حاجة إلى العقل و هو حسبه منبها على أنها
ص 150
محاولة فوق حد المحاول . و قالوا : (( لقد مهد لوك و بركلى و هيوم الطريق لهذه المحاكمة)) أقول ليس فى مذهب بركلى ما يصدق دعوى هذا التمهيد . أما هيوم فهو حسبانى ينكر وجود هذا العالم المحسوس و ينكر وجود نفسه فلا يستبعد منه إنكار العقل لا سيما و أن إنكار عقله مقرون بإنكارنفسه (1)و ينكر الله أيضا مع كل شىء ينكره ، و إنما المستبعد إقامة الوزن من أصحاب العقول لإنكار من ينكر عقله. و أما (( لوك )) فإن التمهيد الذى يفيد (( كانت )) فى نقده العقل وجدوه فى مذهبه المنكر للمبادئ الأولى التى فطر عليها الإنسان ، لكن مذهب لوك فيها المسمى (( بالمذهب الاختبارى الخام )) و الذى هو فى معنى إنكار تلك المبادئ التى اتفق العقلاء على كونها معلومة للإنسان قبل و فوق جميع معلوماته ... مذهب لوك هذا أضعف المذاهب فى المبادئ و أبعدها عن الحق كما أشرنا إليه فيما يأتى فى محله من هذا الكتاب و هو مذهب لا يقبله حتى (( كانت )) نفسه فكيف يجد فيه تمهيدا لنقده ؟ الثانية ان الذين تكلموا ضد العقل فى الكلمة المنقولة اتكأوا على أدلة خطابية لا تنهض فى المقامات اليقينية و ربما على أدلة دون الخطابيات أيضا . انظر قول روسو : (( إن التفكير مناقض لطبيعة الإنسان و إن الرجل المفكر حيوان سافل )) أما قوله بأن تقدم العلوم مؤد إلى فساد الاخلاق و أن الثقافة أقرب إلى الشر منها إلى الخير )) فجوابى عليه أنه إذا كان العلم يذهب بالإنسان إلى فساد الأخلاق و العقل إلى الإلحاد فهل لنا إذن أن نفضل عدم العقل و هو الحمق أو الجنون على العقل و الجهل على العلم فنكون حمقى لأن نؤمن بالله و رسله و نظل جهالا لأن نكون من خيار الناس ؟ و ما هذه النتيجة التى يقودنا إليها منطق تلك المقدمات المنكوسة كما يقاد العجم ؟ و هل هذا غاية كتاب
هامش ص 150
(1) أعنى أن الرجل أنكر نفسه أيضا بنفس القول أنكر به عقله و قد أوضحنا ذلك فى مكان آخر من الكتاب ( انظر إلى 416 – 421 من الجزء الأول) .
انتهى الهامش .
العنوان:
ص: 151
روسو الذي سحر (كانت) وشغله عن نزهته اليومية على الرغم من إفراغ حياته في قانون من حديد؟ فإن كانت هذه الدعايات ضد العقل والعلم لترويج الدين عند الناس فهي تسقط الدين من عيون العقلاء والمثقفين ويلزم أن يكون قائلها صديق الدين الأحمق الذي هو أضر بصديقه من العدو العاقل.
والحق الذي لا يحيد عنه أن العقل والعلم أفضل نعم الله على الإنسان وهما جماع الخير والسعادة له ولا مانع عن الشر أقوى وأنصح من العقل وأنجح من العلم. ولا أقل من أن يكون العقل والعلم قوة في يد صاحبهما كالمال والسلاح الذين قد يكونان أداة للشر ومع هذا فلا قائل بأن الفقر أنفع من الغنى. والعزل خير من التسلح. وزيادة على هذا التشبيه فإن المال والسلاح قوة عمياء تتبع صاحبه وتساعده في الخير والشر على السواء وإنما العاقل يستعملهما في الخير ويكف عن استعمالهما في الشر. وإذا كان العقل خير مستشار في استعمال غيره من القوى ففضله على صاحبه في استعماله أي العقل نفسه وتسديد الطريق له أولى وأظهر ومثله العلم، يكون له عند استعماله في الخير حاث (1) ومشجع من نفسه كالعقل وعند استعماله في الشر زاجر ولائم.
أما قول أصحاب (القصة) في خاتمة ما نقلنا عنها: "ولقد أراد (كانت) أن ينقذ الدين من العقل وأن يخلص العلم من الشك فكانت تلك رسالته" ففيه أن هذه الرسالة لابد أن تكون فاشلة لاسيما في إنقاذ الدين من العقل فإن نجحت فمن قبيل الغلطة الناجحة، لأنك تعلم أن مناوأة العقل للدين وفتح الباب بهذا الطريق إلى الإلحاد إنما يتصور في المسيحية التي لا تتفق مع العقل، وليس بصحيح ولا ممكن إذا كان العقل خصما لأي دين إنقاذ ذلك الدين من تلك الخصومة وإن كان المنقذ هو الفيلسوف (كانت) الذي أكبروه أي إكبار. وحديث خلاص العلم من الشك على يدي هذا الفيلسوف
هامش ص: 151
(1) حاث: اسم يكون
ص: 152
شبيه بحديث خلاص الدين من العقل كما ستطلع عليه في الفصل المعقود في مختم الباب الأول من هذا الكتاب للنظر في الفلسفة الحسبانية المنطوي على كلام طويل عن فلسفة (كانت) .
الثالثة أن مجرد هذا النموذج المنقول عن فلسفة الغرب كفاية لصاحب النظر الدقيق المحرر عن الاستعمار الغربي النافذ في ظاهر مثير من الشرقيين وباطنهم، لفهم ما في فلسفة الغربيين من الضعف المعدي عن دينهم؛ ألا تراهم يهزمون عقولهم ويهدمونها احتفاظا منهم بدينهم بدلا من أن يصلحوا دينهم بعقولهم؛ وترى زخرف الأدب في فلسفتهم أكثر من الحقيقة المجردة المطلوبة في العلوم (1)، وفلاسفتهم أدباء أكثر منهم علماء (2) . وقد كان لهذا تأثير في عقلية مصر الثقافية فترى كثيرين ممن حملة الأقلام بها يسعون لتحويل ميادين العلوم إلى مسارح الآداب؛ ولا يندر أن تلعب قلة الأدب دورها في تلك المسارح: فتجمر الدكتور زكي مبارك بقوله عند الرد على حملات الأستاذ الكبير محمد أحمد الغمراوي المتهمة في دينه "قد نزعنا راية الإسلام من أيدي الجهلة (يريد علماء الدين) وصار إلى أقلامنا المرجع في شرح أصول الدين (3) والمتأدبون لا يندر فيهم المنتقصون لخزائن الإسلام الفقهية التي ورثناها عن السلف بأصولها وفروعها، بعدم الأناقة في أسلوب كتابتها، فكأنهم يبحثون لفتح حصن العلوم عن أسلحة مطلية بالذهب بدل أسلحة من الفولاذ المحض. وكنت شبهت أمثالهم في مقدمة الكتاب بالمرضى الذين لا يهتمون بتنفيذ ما في تذاكر العيادة الطبية
هامش ص: 152
(1) ولم يكن عبثا قول أصحاب (القصة) عن روسو: "كأنما فر من لذعات الحقيقة المرة إلى عالم ملأه بأحلامه وخياله".
(2) ونحن لا نريد بالعلماء الذين {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} بل نريد الذين يقول الله عنهم في كتابه: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}.
(3) ومن العجب أن هذا الحامل الجديد لراية الإسلام يوجه أول حملته إلى الإسلام نفسه فيكذب نبيه عليه الصلاة والسلام في نسبة القرآن إلى الله.
ص: 153
بل يلقونها في سلة الإهمال بحجة أنها لم تكتب على أسلوب عال من الأدب الفني.
الرابعة محل عبرة عظيمة لأولي الإبصار منا نحن المسلمين أن نرى مبلغ العلماء الغرب في تمسكهم بدينهم المسيحي الذي لا يأتلف مع العقل، فيتنازلون عن عقولهم لئلا يتنازلوا عن دينهم، وهما أي العقل والدين أشرف ما يمتاز به الإنسان على غيره من الحيوان فكأنهم اختاروا أحد الأشرفين وهو الدين ولم يبالوا بالآخر. لكن الدين الذي ينافي العقل لابد أن لا يكون حقا ولا يصح أن يعد أحد الأشرفين، لأن كون الإنسان مكلفا بالديانة لله والخضوع لسلطانه عليه مبنى على خلقه مكرما بالعقل. فالعقل أساس الدين ومدار التكليف. وعلى هذا فيكون علماء الغرب الذين خسروا العقل حينما اختاروا الدين قد خسروا الأشرفين معا بعدم إصابتهم في اختيار الدين، وهذا مع كونهم المثل الأعلى في تقدير الدين قدره حتى ضحوا بعقولهم في سبيل التمسك بدينهم وإن لم يكن الدين الحق. أما سفهاء الشرق الإسلامي الذين يستهينون بالعقل وأدلته تقليدا للغربيين فهم المثل الأعلى في عدم تقدير الدين قدره لكونهم يتنازلون عن عقولهم لا للاحتفاظ بدينهم بل ليتنازلوا عن دينهم المتفق مع العقل، فلا يهم المتدينين الغربيين إلا الاحتفاظ بدينهم ولو كان ذلك على حساب عقولهم، ولا يهم سفهاء الشرق الإسلامي إلا تقليد الغربيين، فيأخذون الاستهانة بالدين من ملاحدتهم ويأخذون الاستهانة بالعقل من متدينيهم ولا يعطون دينهم ولا عقولهم المتفقين بعضهما مع بعض ما يستحقان من التقدير فيخسرون الأشرفين وخصيصا يضيعون فرصة اتفاقهما والاحتفاظ بهما معا.. يخسرون كل ذلك احتفاظا بالتقليد المطلق للغربيين وترجيحا له على دينهم وعقولهم، ولو تعلموا احترام العقل من ملاحدتهم واحترام الدين من متدينيهم كان أولى لهم وأجدى.
ص: 154
بقي أن نقول تذييلا لهذه النقاط الأربع أن المسيحية ولا كتابها المقدس لم يبقيا محفوظين كما نزلا على سيدنا المسيح عليه السلام ولم ينقلا عنه تواترا ولا بوجه يقرب منه في القوة، والمسيحية الحاضرة لا تطمئن العقل والعقلاء، فمن نظر في الأديان وكان له عقل وبصيرة وشيء من الخبرة بتاريخ الإسلام، أصبح لا دينيا إن لم يصبح مسلما. وإذا لم يؤمن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلن يؤمن بغيره من الأنبياء عليهم السلام. ومن أجل الدليل على ما قلته قول المسيحيين إن الدين يؤثر في قلب الإنسان لا في عقله ويكون الإنسان مرتبطا به من ناحية قلبه، لا من ناحية عقله لعدم موافقته له (1) فلا يدور الدين عندهم مع العقل ولا هو من المعقول في شيء.. في حين أن مدار التكليف عند علماء الإسلام هو العقل. وبناء على هذا فعقلاء الغرب في اعتقادي ورجال حكوماتهم كلهم لا دينيون (2) وعداوتهم للإسلام ناشئة من عداوتهم للدين، لا من مسيحيتهم.. ويدل عليه عدم خصومتهم لملاحدة المسلمين خصومتهم للمسلمين. فلو كانوا مسيحيين حقيقة لعدوا المسلمين أقرب إليهم من الملاحدة، حتى من ملاحدتهم أنفسهم، كما أننا نعد أهل الكتاب أقرب إلينا من المشركين ومن اللادينيين من كل أمة.. ويدل عليه أيضا أن الإلحاد أعدى متعلمينا من الغرب، فلماذا أعداهم الإلحاد ولم تعدهم المسيحية؟ مع أن ملاحدتنا الذين يتوغلون في مطالعة كتب الغربيين لو علموا الإسلام قدر ما علموا من المسيحية لأسلموا، ولكنهم لما جهلوا فضائل الإسلام
هامش ص: 154
(1) كما يقول بهذا الارتباط القلبي دون العقلي الأساتذة من أعداء علم الكلام وأنصار التصوف، إلا أنهم يفترقون عن أشباههم المسيحيين بأنهم يميلون إلى القلب لعدم موافقة دينهم العقل، وهؤلاء الأساتذة يميلون إلى القلب مع موافقة دينهم العقل حطا لمرتبة العقل.. فهل لنا أن نتبع قلوبنا بعقولنا أو نتبع عقولنا فيكون ذلك اتباعا للهوى.
(2) والأستاذ فرح أنطون صاحب مجلة "الجامعة" والذي ناظر الشيخ محمد عبده لا ديني أيضا وإن ادعى أنه مسيحي صميم وأنه يحترم الأديان ويرى لزومها قطعا للبشر لزوم الفضائل.
ص: 155
ودلائله ولم تقنع المسيحية عقولهم وظنوا أن الإسلام يعتنق كالمسيحية بالتقليد المحض ورأوا عقلاء الغرب لا دينيين، أصبحوا لا دينيين تقليدا، حتى إنهم يدعون على الذين لا يمكنهم إنكار مواهبهم العقلية من علماء الإسلام، استبطان اللادينية. وكانت قد جرت بيني وبين واحد من طلبة كلية الطب باستانبول حين كنت أنا أيضا طالب العلم ومساكنه في غرفة واحدة، مناقشة في ديانة العالم الجليل المغفور له عاطف بك شارع مجلة الأحكام العدلية الذي كان يسحر حاضري دروسه في المعاهد والمدارس وكان كامل الإيمان كما أنه كامل العقل والعلم، وكان يغلظ مناقشي المجنون كماله العقلي وذكاؤه الحاد.
وبقيت مسألة أخرى هامة أذكرها في ذيل المقدمة التي صدرت بها المطلب الأول من المطالب الأربعة للباب الأول ونظرت فيها النظرة الإجمالية في فلسفة الغرب المنتهية إلى الريبية المنافية لليقين والضرورة المنطقية والهندسية.. الريبية التي أحدثتها داويهيوم مؤسس الحسبانية الأخيرة.. أحدثها في العالم ولقيت تأييدا وتعميما من فلسفة هيجل ولم يسمع فيها إلى انتقاد (كانت) الذي جاء بينهما.
والنزاع في نفي اليقين وإثباته يهمني جدا بحيث يكون مدار هذا الكتاب إثباته، كما أن الإسلام يدور على ثبوت اليقين. فنحن المسلمين لا نتردد في الاعتراف بوجود اليقين في معرفة البشر ونؤمن به غير جاعلين هذا الإيمان معارضا للعقل كما جعله الغرب المسيحي، بل مؤيدا ومساعدا في الوصول إلى اليقين، ولا نسمح للشك أن يتولد بين اختلاف العقل والإيمان، كما لا نسمح لأي ريبة في وجود الكائنات تمنع أن يكون متيقنا من طريق البداهة الحسية ولا في وجود الله الذي يوصلنا إليه وجود الكائنات من طريق البرهان العقلي.
ص: 156
أما المسألة التي أذكرها في هذا الذيل وأضعها موضع الدرس والبحث فهي أنه قد وقع وكان من أعجب ما وقع أن عالما كبيرا إسلاميا قال قولا في تفسير مذهب الأشاعرة والماتريدية في مسألة كلامية الذين يتكون أهل السنة في الإسلام منهم، ما يشبه مذهب هيوم أو هيجل.
إذ لا يتم البحث الذي وضعناه في مدخل البرهنة على وجود الله وأطلنا الكلام فيه والمقصود الأخص منه الرد على الريبيين والاحتفاظ بوجود اليقين لا يحتمل خلافه، في علم الإنسان والذي تبدأ الحاجة إليه من مسألة إثبات وجود الله كما يشهد به كون المعروف في عنوان تلك المسألة بين علمائنا المتكلمين: مسألة إثبات الواجب.
لا يتم البحث الموضوع في مدخل هذه المسألة إلا بعد التعرض لدفع شبهة وقع فيها صديق المغفور له مترجم "الطالب والمذاهب" إلى اللغة التركية، على الرغم من كونه في طليعة العلماء المحققين الأيقاظ والأفذاذ القادرين على مفاضلة الملاحدة، وكان موته قبل سنتين خسارة في العلم والإسلام لا تعوض.. هذا العالم الكبير قال في المقدمة القيمة التي صدر بها كتابه.
"إني أفهم من نفي الأشاعرة والماتريدية في بحث المعرفة الإيجاب العقلي وتثبيتهم العلم العادي، أنه ليس في علم البشر ضرورة مطلقة منطقية، وقيمة الإيقان واقعية غير متضمنة للضرورة والوجوب العقلي، والتصديقات العلمية كلها قضايا واقعية أو بالتعبير المنطقي "مطلقة عامة" وعلى تعبير "كانت" "أسسه رتوريك" لأن المبدأ المطلق فاعل مختار والوجوبات كلها منبعثة عن السنة الإلهية المنفهمة من استمرار الوقوعات وإطرادها، والإيقان لا يجاوز قيمة التجربة. فلو كان المبدأ الأول فاعلا بالإيجاب كان العلم والإيقان ضرورة ذاتية مطلقة".
فهذا العالم الكبير اعتبر فلاسفة الإسلام مثل الفارابي وابن سينا إيفانيين فينا
ص: 157
وألحق بهم المعتزلة، واعتبر مسلك المتكلمين أهل السنة مثل الأشاعرة والماتريدية حسبانية قريبة من حسبانية "هيوم" وأقرب منها إلى الإيقان. ثم قال: "وكلا المسلكين في الإسلام له قيمته الفلسفية والدينية مع كون طريقة المتكلمين التي غلبت قيمتها الدينية موافقة للفلسفة الحاضرة لكونها ذات علاقة بمنهج التدريب والتجربة الذي يعتبر اليوم المنهج العلمي".
وأنا أقول: ومن هذا انتقد صدر الدين الشيرازي مؤلف كتاب "الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة العقلية" مذهب المتكلمين النافين للعلية والمعلولية بين الكائنات والحادثات والقائلين باستناد كل شيء إلى الله من غير واسطة، بحجة أن مذهبهم يستلزم انتفاء المعلومات اليقينية الضرورية بالمرة (1) وهذه النتيجة لمذاهب المتكلمين الأشاعرة
هامش ص: 157
(1) قلا في مختم الجزء الثالث من كتابه ببضع صفحات: المتكلمون القائلون بنفي العلة والمعلول في الموجودات وبالقدرة الجزافية (يريد به عدم تعليل أفعاله تعالى بالأغراض) ليس لأهل العلم كلام معهم لأن بناء المباحث العلمية على العلية والمعلولية وإيجاب المقدسات الحقة لنتائجها ولو لم يكن الإنتاج للشكل الأول مثلا ضروريا ولا النتيجة لازمة للمقدمتين على الهيئة المخصوصة فلا يحصل يقين في العالم وإذ لا يقين فلا علم وإذ لا علم فلا اعتماد ولا وثوق على تحقق شيء ولا اطمئنان ولا غرض ولا غاية ولا رجوع ولا عود بل يكون في الأديان والمذاهب والمساعي كلها هباء وهدرا" إلى أن قال: "وهذا الرأي قريب من آراء السفسطائية"
وجوابه سيفهم من الجواب على شبهة مترجم "المطالب والمذاهب" أما تطاول الرجل سفاهة على المتكلمين القائلين باستناد جميع الممكنات إلى الله ابتداء المستازم لنفي العلية والمعلولية بين الأشياء وحصر كل علية في إرادة الله، فشنشنة أعرفها منه. ولنا في هذا الكتاب مواقف التحكك بهذا المؤلف أعني صاحب "الأسفار" والرد عليه فيما اشتط من الآراء والأفكار. وسيجيء منا تحقيق في مسألة تعليل أفعال الله تعالى.
هذا، ويفهم منه الجواب أيضا على قول الدكتور محمد يوسف موسى كاتب المقالة المنشورة في العدد الممتاز من مجلة الرسالة عدد 861 بعنوان "كلمات مرسلة":
"إن ارتباط المسبب بالسبب أمر ضروري لاشك فيه، وقد أخطأ الغزالي خطأ بليغا لازلنا نعاني حتى اليوم من أثره السيئ على العقل والفلسفة والصالح العام للمسلمين وذلك حين حاول باسم الدبن هدم القول بارتباط المسببات بأسبابها ارتباطا ضروريا لا عاديا.
"نقول أخطأ الغزالي خطأ بليغا، إذ كان من صنيعه أن وقر في نفوس عامة المسلمين- بعد أن قرر ما قرر وهو حجة الإسلام- أن المرء قد ينجح في حياته وهو لم يتخذ للنجاح أسبابه الضرورية سواء كان زارعا أو صانعا أو تاجرا أو رجل سياسة ودولة.
"وكان من هذا أيضا أن أخذ كثير حتى من المثقفين يتساءلون عن العلة التي من أجلها لم يحقق الله للمسلمين هذه الأيام من مظاهر القوة والسيادة ما به يؤكد أننا حقا خير أمة أخرجت للناس وأن الإسلام خير الأديان.. عن هذا يتساءلون، وينسون أن أي مسبب لا بد أن يكون له سبب، وأن خرق ذلك لن يكون إلا معجزة، وقد مضى زمن المعجزات، يتساءلون ن هذا وينسون أننا لسنا مؤمنين ولا مسلمين حقا".
وإننا نرى للدكتور كاتب المقالة حق الإنحاء باللوائم على مسلمي زماننا لكن المسئول عن استحقاقهم الملام لم يكن قول الغزالي عن ارتباط المسببات بأسبابها إنه عادي لا ضروري. ولم يخطئ الغزالي في ذلك القول خطأ كبيرا ولا صغيرا كما زعم كاتب المقالة ولا هو بمنفرد فيه بل هو مذهب جميع علماء الإسلام من أهل السنة.. وإنما الخطأ العظيم في الكاتب حيث ظن أن القول بكون الارتباط بين المسبب والسبب عاديا لا ضروريا مساو لإهمال الأسباب وانتظار المعجزة، مع أن كون الصلة بين الأسباب ومسبباتها عادية معناه أن الله تعالى جرت سنته على خلق المسبب بجانب السبب مختارا في خلقه لا مضطرا غير قادر على عدم الخلق مهما كان ذلك أي الخلق سنة مطردة له، وهو الذي جعل السبب سببا والمسبب سببا.
يعني أن حصول المسبب معقبا للسبب يكون تابعا لإرادة الله بهذا التعقيب لا ناشئا من طبيعة الأشياء كما يعتقده الملاحدة ولا ناشئا من كونه تعالى فاعلا غير مختار في أفعاله كما يعتقده الفلاسفة، وعقيدتنا نحن المسلمين أن النار تحرق ما تحرقه بإذن الله والغذاء يشبع الجائع والماء يروي الظمآن بإذنه.. فهل لا يكفي كاتب المقالة أن التأمين على ارتباط المسبب بالسبب إرادة الله الذي ربطه به؟. وهل هو يريد الارتباط المطلق المستقل عن إرادة الله بحيث لو أراد الله أن يفك بينهما لاستعصيا عليه؟ أو أن ذلك الارتباط واقع لا محالة غير متوقف على إرادة الله ولا على وجود الله؟
وإني انتقدت في هذا الكتاب بعض آراء الإمام الغزالي وأقواله، لكن قوله الذي يعده الدكتور محمد يوسف موسى خطأ بليغا قول في غاية الصحة متفق مع أقوال المتكلمين.. وعندئذ يكون الخطأ البليغ في تخطئته، لاسيما إذا كان الكاتب المخطئ المخطئ- على ما أظن- من الأزهريين الذين يستبعد منهم أن لا يعرفوا مذاهب العلماء المعتبرة في أصول الدين.
وليس خطأ كاتب المقالة في فهم هذه المسألة الكلامية، من جنس خطأ صديقي العالم الكبير التركي تغمده الله برحمته، وإن كان بين الخطأين نوع تشابه في التفكير وتقارب في الموضوع.. ومن فروق ما بينهما أن صديقي لم يعد ما فهمه من مذهب الأشاعرة والماتريدية عيبا عليهما، حين عد الدكتور محمد يوسف موسى ما فهمه من مذهب الإمام الغزالي عيبا عليه.
ومنها أن خطأ الدكتور الأزهري: في فهم المذهب وعده عيبا على صاحبه وخطأ الصديق: في تقدير الخطر المترتب على ما فهمه كما سيعرفه القارئ. وبالنظر إلى هذه الفروق يكون قول الدكتور أقرب إلى قول صاحب الأسفار رديف الفلاسفة منه إلى قول الصديق المرحوم، وإن كان الدكتور يقول ما يقوله من غير شعور بأنه يختار مذهب الفلاسفة أو الملاحدة على مذهب علماء الإسلام.
ص: 158
والماتريدية الذين هم صفوة علماء أهل السنة نتيجة جد عجيبة؛ وعجيب أيضا أن العالم الكبير مترجم "المطالب والمذاهب" فهم مذهبهم كما فهم الصدر الشيرازي ثم لم ينتقده عليها كما انتقده هو، وهل شيء أعجب من أن تكون معلومات البشر لا تجاوز قضايا واقعية ومطلقة عامة ولا توجد بينها قضية واحدة تبلغ مبلغ القضايا الضرورية، فلا يقتنع أحدنا عندما اقتنع بأن الكل أعظم من الجزء على أنها قضية ضرورية يستحيل خلافها
ص: 159
وأن لا يعترف بما يعترف به من أن الله تعالى موجود على أنها قضية ضرورية منطقية مستحيلة الخلاف ومعناه أنه لا يؤمن به- والعياذ منه- على أنه واجب الوجود، وإن كان إيمانه مبنيا على استدلال عقلي يتلخص في أنه لو لم يكن موجودا لزم التسلسل في علل الموجودات. فإذا كان مذهب الأشاعرة والماتريدية في مبحث المعرفة القائل بأن العلم بنتيجة القياس المنطقي بعد العلم بصغراء وكبراء واستجماع شروط الإنتاج، إنما يحصل بجريان عاد الله على خلق العلم بها بعد العلم بهما، لا من لزوم العلم بالنتيجة للعلم بالمقدمتين لزوما عقليا ضروريا.. إذا كان مذهب الأشاعرة والماتريدية في ذلك خاصة ومذهب المتكلمين في كون الله تعالى فاعلا مختارا، لا فاعلا موجبا، يهدم دعوى إثبات الواجب من أساسها ويهدم كل قضية ضرورية مثل الكل أعظم من الجزء ومثل المبادئ الأولى الحاصلة في أذهان البشر بالفطرة والبداهة، وكانت قيمة العلم بأي نتيجة للقياس
ص: 160
المنطقي لا يجاوز قيمة العلم التجريبي الذي لا يبلغ درجة الوجوب والضرورة، لاستناده إلى تجربة جريان عادة الله على خلق العلم بالنتيجة في عقب العلم بمقدمتي القياس، من غير ضرورة في خلقه لكونه خالقا بالاختيار لا بالإيجاب.. فلو كان مذهب الأشاعرة والماتريدية الذي تمسكنا به مع أصحاب الفريقين لاسيما مذهبهم القائل بأن الله تعالى فاعل مختار لا فاعل موجب وتمسك به أيضا ذلك العالم الكبير المترجم نقسه، ولم يتمسك به صاحب "الأسفار" لكونه من أنصار مذهب الفلاسفة دوما- فلا كان ذلك المذهب.
نعم ينجو من هذه المعضلة مذهب الإمام الرازي فحسب القائل بأن العلم بنتيجة القياس المنطقي لازم للعلم بالمقدمتين لزوما عقليا ضروريا لا لزوما عاديا مبنيا على إطراد خلق الله العلم بها في عقب العلم بهما. لكن مذهب الإمام الناجي من هذه المعضلة يقع فيها عند اتفاقه مع جمهور المتكلمين على القول بأن الله تعالى فاعل مختار وإن لم يكن العلم بالنتيجة بعد العلم بالمقدمتين بخلق الله بل بلزوم العلم بها عقلا للعلم بهما، فالعلم بالمقدمتين لا بد أن يكون بخلق الله الذي هو مختار فيه. ففي مذهبه يدخل الاختيار في مرحلة واحدة من طريق حصول العلم الاستدلالي في الإنسان فيمنع كونه ضروريا وفي مذهب جمهور المتكلمين مدخل في مرحلتين فيمنع كون ذلك العلم ضروريا مرتين.
أكرر قولي لا كان مذهب الأشاعرة والماتريدية الذي يجعل مسألة اليقين عاليها سافلها على ما فهمه العلم الكبير المذكور مهما تعزى فاهم هذا المذهب كذلك بائتلافه مع مسلك العلم الحديث المبني على التجربة، لأن مزية الائتلاف بالمسلك العلمي الحديث لا تجبر ولا تعدل خسارة انخفاض قيمة العلوم البشرية كلها إلى ما دون الطبقة العليا من اليقين التي تتضمن الوجوب والضرورة والتي يجب أن يكون العلم بوجود الله في تلك الطبقة إذ لا يكون الله من لا يكون واجب الوجود كما حققنا من قبل ولا يكون واجب الوجود من لم يثبت وجوده بدليل ينتج نتيجة ضرورية مطلقة واجبة
21 Part tawmadra2
العلم بها(1) ولذا قلت فيما سبق إن الدليل التجربى لا يكفي في إثبات الواجب . و أدلة وجود الله مهما كانت أدلة عقلية تفيد الوجوب و الضرورة إلا أن مذهب الأشاعرة والماتريدية يبنى الانتقال من الدليل إلى النتيجة على جريان عادة الله الذى هو فى قيمة التجربة التى لاتفيد الوجوب والضرورة لكون الله فاعلاً مختاراً فى خلق الانتقال المذكور فى ذهن المستدل بمعنى أنه يمكنه أن لا يخلق كما أمكنه يخلق,. فيكون الأشاعرة والماتريدية قد مزجوا كل برهان عقلى بشئ من التجربة وحطوا بذلك المزج من قيمة اليقين المستفاد من البراهين. فإذن هل أقول لا كان مذهب الاشاعرة والماتريدية بل لا كان مذهب المتكلمين عامه القائلين بأن الله فاعل مختار لا فاعل موجب؟؟
لا أقول هذا القول ولكن أقول قاتل الله التزلف إلى العلم الحديث المثبت بالتجربة الذى أضل كثيراً من المصريين باحتكار اسم العلم وصفة المثبت لنفسه من ناحية وعجزه عن إثبات مسألة وجود الله مع حمل تبعة عجزه على المسألة نفسها من ناحية أخري, والذى كافحنا فى هذا الكتاب عقلية تفضيل التجربة لكونها اساس هذا العلم , علي البراهين العقلية.
ولا يشق علىَ تزلف الذين لا يعلمون فضل البراهين العقلية المنطقية إلى أدلة العلم الحديث التجربية , و إنما يشق علىَ تزلف عالم كبير مثل مترجم (المطالب والمذاهب).
رغم علمه بقيمة العلم المستفاد من الدليل التجربى النازلة و استئناسه بهذا النزول ذاهلا عما يسببه من النقص والخلل في أدلة إثبات الواجب وفى أدلة كل مسألة يطلب إنتاجها ضرورية. وكان المعقول أنه إن سلَم بلزوم ما ذكره لمذهب الاشاعرة والماتريدية كان الواجب أن يسلَم به معدوداً عليه أي على هذا المذهب من المعائب الشنيعه بله عدَة مزية له يتقرب بها من المذهب العلمي الحديث !! وممايشق علىَ وكان عجباَ منه رده لمسلك الأشاعرة والماتريدية الى الفلسفة الحسبانية القريبة من حسبانية (هيوم) رغم ما أبداه من الحذاقة –التى لا تفلرق قريحته- فى إيجاد سند من التجربة للاستدلالات العقلية التى لا يؤمن المتعلم العصرى إلا بها ويعيب الاستلال العقلى بأنه ينقصها.
على أنا نقدر قدر هذة التجربة التى اكتشفها ذلك العالم الحاذق من اطراد سنة الله فى خلق العلم بالنتيجة بعد خلق العلم بمقدمتى القياس المنطقى أعنى الصغري والكبرى والتى يتفق المستدلون بالادلة العقلية على الشعور بها بعد هذا التنبيه سواء قالوا بإسنادها إلى خلق الله أو إلى لزوم العلم بالنتيجة للعلم بالمتقدمين . نقدر قدرها من غير تزلف إلى العلم الحديث ومن غير تسليم بتنزل قيمة العلم بالنتيجة بسبب هذه التجربة من العلم الضرورى إلى العلم التجربى , بل نضم قيمة التجربة المكتشفة إلى قيمة الدليل العقلى فنقول كل دليل عقلى يتضمن دليلا تجربياً ايضاَ ويستتبعة, نقول هكذا ونشكر ذلك العالم.
اما الإشكال العظيم الذى تعلق به ذهنه والذى لم يشعر به إشكالا ولم يقدر الخطر المتولد من , فحله أن استخراج عدم وجود القضية الضرورية فى علم البشر من كون الله تعالى خالق العلم بنتيجة القياس المنطقى بعد العلم بصغراه وكبراه وكونه فاعلا مختارا لا فاعلا موجبا مضطرا فى خلق هذا العلم الثانى ولا فى خلق أى علم فى ذهن البشر_توهم لا محل له..... والحق الذى لا ريب فيه أن علم البشر ينطوى على قضاياضرورية كما ذكرنا أمثلتها و نضيف إليها هنا القضايا الرياضية والهندسية.فهل يتردد أحد ولو كان أشعرى المذهب أو ماتريدية فى القول بأن كل اثنين فى اثنين يساوى أربعةقضية مطلقة؟ وليس مذهب الأشاعرة والماتريدية ولا مذهب المتكلمين عامة القائلين بأن الله تعالى فاعل مختار لا فاعل موجب , مذهب هيجل وإن شئت فاذكر قضية (اجتماع النقيضين محال) فهل إذا حكم الإنسان بهذة القضية يحكم بها على أن منطوقها ليس بضرورى أن يكون صادقاَ وإنما هو من قبيل الاحتمال الراجح لأن الله تعالى الذى يخلق العلم بهذه القضية و أمثالها فى ذهن الإنسان فاعل مختار عندنا و عند أئمتنا في
(1)بأن يستحيل خلافها لاستلزامه تسلسل العلل الممكنة, لكن لا محال فى مذهب الأشاعرة والماتريدية أيضاَ إذا لم توجد ضرورة مطلقة على فهم هذا العالم ,فهل يرضى أن يكون إله المتكلمين عامه القائلين بأن الله فاعل مختار وفيهم هذا العالم نفسه , غير واجب الوجود؟ وهل يرضى بعدم الضرورة فى كون الكل أعظم من الجزء وفى كون اجتماع النقيضين محالا عنده وعند هولاء القائلين؟؟ علم أصول الدين, فاعل مختار يمكنه إذا شاء أن لا يخلقه فى أذهاننا فنصبح شاكين فى صدق تلك القضايا ونحن أناس من ذوى العقول كما كنا؟. لا,لا بل نكون عندئذ على خلاف ما نحن الآن عليه من العقول , من طراز عقل هيجل .
نعم ونحن نسلم فى حالتنا الحاضرة وبعقولنا التى نحكم بها الأمور أن حصول العلم بتلك القضايا الضرورية فى الأنسان لم يكن ضروريا لكون خالق ذاك العلم مختارا فى خلقه وفى خلق الأنسان الذى هو عالمه. فلو شاء الله لم يخلق الأنسان ولو شاء مع خلقه أن يخلقه غير عالم بتلك القضايا الضرورية التى يعلمها بفطرته وبداهة عقله من غير حاجة إلى التعلم و الاكتساب ....كان قادراَ عليه, وكان فى داخل قدرته أيضاَ بعد خلق الانسان وتعليمه القضايا البديهية الضرورية أن لا يعلمه النظريات أو ما شاء منها بعدم خلق العلم بالمقدمات الموصلة إليها فى ذهنه على مذهب الإمام ومحققى الأشاعرة أو مع خلق العلم بالمقدمات أيضا على مذهب جمهورهم, ومع كل هذه الإمكانات لا منافاه بين كون بعض العلوم البشرية ضروريا وبين كون حصول هذا العلم فيه غير ضرورى , إذ الضرورة المنفية صفة الحصول و الضرورة المعترف بها صفة العلم الحاصل . وإن شئت فقل إن خلق العلم فى الانسان ليس بضرورى للخالق مع كون العلم المخلوق فيه ضرورياَ .
وتوضيحه أن سنة الله الجارية على خلق العلم فى الانسان جارية على خلقه فى درجات مختلفة من اليقين البديهى و البرهانى والتجربى والاولان ضروريان والثالث غير ضرورى ,
فإذا شاء الله أن يخلق فيه اليقين الضرورى البديهى خلقه كما شاء من غير أن يحوجه إلى الاستدلال و الاكتساب وهذا النوع من العلم يظهر فى الانسان مع انكشاف عقله ويكون عدده قليلا جداَ . وإذا شاء أن يخلق فيه العلم التجربى خلقه مع خلق تجربته وهو كثير أيضا ومختلف فى الكثرة باختلاف الأشخاص , ولا يمنع الله عن خلق أى قسم شاء من أقسام اليقين المذكورة فيمن شاء من عباده, كونه فاعلامختارا لا ضرورة تدعوه إلى فعل الخلق, بل يؤيد خلق ما يشاء فيمن يشاء, كونه فاعلا مختارا فى أفعاله, فالله مختار فى خلق اليقين الضرورى فى عبده بشأن أى مسألة,و العبد الذى أراد الله أن يخلق فيه اليقين الضرورى فى مسألة من المسائل يكون مضطراَ فى علمها لا مختاراَ , إذ لا منافاه بين اختيار الخالق فى فعل الخلق واضطرار العبد فى قبول ما خلق فيه من العلم فيكون هذا العلم علماَ ضرورياَ لأن الله تعالى اختار له هذا النوع من العلم , غاية ما يلزم من كون الله مختارا فى خلق العلم بالنتيجة بعد العلم بمقدمتى القياس المنطقى أنه قادر أيضا على أن لا يخلقه لكن إذا أراد أن يخلقه كما هو سنته وأراد كونه علما ضروريا كما هو سنته بعد العلم بالمقدمتين الضروريتين فلابد أن يكون كذلك , ,إلا فليس الأشاعرة والماتريدية القائلون بأن الله تعالى مختار كسائرأفعاله فى خلق العلم بالنتيجة فيمن علم المقدمتين لا يقدر على ذلك مع أنه قادر على خلقه من غير سبق العلم بهما كما فى علم الانسان بالبديهيات الاوليات , ولا قائلين بجواز تخلف مراد الله عن إرادته بأن أراد خلق العلم الضرورى بالنتيجة فى عبده فحصل فيه العلم الغير ضرورى لكون الخالق مختاراَ فعل الخلق غير ضرورى له. فهل يقدر الخالق المختار على خلق العلم الضرورى فى أحد ويقدر عليه الخالق المضطر؟ ولو فرض كون العلم المخلوق فى الناس ضرورياَ أو غير ضرورى , تابعا لكون الخالق مضطرا فى خلقه أومختارا, بدلا من أن يكون تابعا لإرادته لزم أن يكون كل علوم الإنسان ضروريا أى فى أعلى درجات اليقين على مذهب الخصوم القائلين بأن الله تعالى فاعل موجب ولا توجد عندهم قضايا مما ذكر فى موجبات المنطق دون الضرورة المطلقه كما لم توجد قضايا ضرورية للانسان غندنا نحن القائلين بأن الله تعالى فاعل مختار كما ظنه العالم الكبير المذكور , مع أن أولئك القائلين بالايجاب فى فعل الله لا يقولون بأن كل قضية فى علم الانسان ضروريه مطلقة منطقية كما لا نقول بأن كل قضية فى علمه فيما دون الضرورة المطلقة.
****
انتهى البحث الذى رأينا التنبيه عليه من اللازم قبل الشروع فى إثبات وجود الله بدليله العقلى المعروف عند علمائنا المتكلمين والآن نشرع فيه: كنا قلنا فى صدر هذا الباب الاول إن التعبير المشهور فى علم الكلام لهذة المسأله: مسألة إثبات الواجب لكون معنى وجود الله عند علماء هذا العلم وجود من يجب وجوده. فوجود الله تعالى يثبت من طريق وجوبه, وليس فى الموجودات مايثبت وجوده من طريق وجوبه الا الله , فكأن مسأله وجود الله لم يكن طريق وضعها موضع البحث أن يقال هل الله موجود؟ وإنما طريق وضعها أن يقال هل يوجد موجود يجب وجوده أم يكون كل موجود ممكن الوجود لا واجبه كالعالم المشهود الذى كان فى الإمكان أن لا يكون موجودا. وإنما قلت في صدر هذا القول (كأن) بناء على أن قولنا هل الله موجود؟ يؤدى أيضا إلى ذلك المعنى المقصود.لأن (الله) أسم للذات الواجبة الوجود . فإذا ثبتت الحاجة إلى وجود من يجب وجوده ولم يكف وجود الكائنات الممكنة الوجود المسماة (بالعالم) فى إنشاء نفسها , أو بالأوضح ولم يمكن وجود هذه الكائنات الممكنة الوجود من غير وجود موجود يجب وجوده, فذلك الموجود هو الله وهذا طريق إثبات وجوده(1)
و توضيحه أن هذا العالم مجموعة مركبة من الموجودات إلا أن كل جزء من هذا المجموع وكذا الكل المركب منها ليس بضروري الوجود فكان ممكنا أن لا يوجد هذا العالم من أول أمرهوالآن يمكن أيضا أن يطرأ عليه العدم بعد وجوده فيصبح كأن لم يكن بعد أن كان. ولا تقل كيف نحكم على العالم وهوموجود أمام أعيننا بإمكان أن لا يكون موجودا من أول أمره أو نحكم بإمكان عدمه بعد وجوده , مع أن الماديين يدعون أن العالم لا أول له ولا آخر. لأنا مع كوننا مخالفين لهم فيما يدُعونه , ولا نمنعهم فيما نريد أن نقوله هنا عن دعواهم تلك, وكلامنا فى أن نفرض العدم للعالم أولاَو آخراَ(2), فهل هذا الفرض ممكن أو غير ممكن؟ ثم نقول لاشك فى إمكان ذلك بمعنى أنه لا يترتب شئ من المحالات العقليه-و المحال لا يكون إلا عقلياَ- على تقدير أن يكون العالم غير موجود ولا على تقدير عدم وجودنا نحن أيضا مع العالم. ولا يستطيع القائلون بأزلية العالم و أبديته أن يذكروا اى مانع عقلى وأى محال عقلى يلزم لم لم يكن العالم - مع ما فيه من أولئك القائلين و منا المخالفين- موجودا, حتى إنا لو فرضنا قولهم بأزليته وأبديته حقاَ, لما كفى ذلك وجوب وجوده الذى هو فرق دوام الوجود, من حيث أن واجب الوجود لا يمكن فرض عدمه ,بخلاف دائم الوجود ومثل هذا الموجود الذى يمكن أن لا يكون موجودا , لا يكون الوجود ضروريا له
(1) ومن هذا لا يكون القائل بوجوده محتاجا إلى رؤيته إذ يثبت وجوده كثبوت قاعدة ضرورية الثبوت وهى أن ممكن الوجود لا يمكن أن يوجد بدون وجود واجب الوجود. فقد رأينا هذا العالم وقلنا ولو أننا لم نره فما كان هناك شئ يضطرنا إلى القول بوجوده ولا بوجودنا فى ضمن وجوده و الواجب الوجود الذى نبحث عنه هو الذى يضطر العاقل عقله من دون أن يراه إلى القول بوجوده. فقد انجلت من هذا سخافة عقل الطالبين برؤية الله ليعترفوا بوجوده علميا وهم يجهلن كيف يثبت وجود واجب الوجود فنحن فى حاجة لا إلى موجود عادى يثبت وجوده برؤيته,بل إلى موجود واجب الوجود و لايثبت وجود الوجود بالرؤية لأن الوجود لا يرى , إنما يثبت بالدليل العقلى الذى يضطرنا الى القول به. فهذا العالم مع كونه موجودا محسوسا لا نقيم الدليل على شئ غير عدم وجد العالم المفروض عدمه, لكن لو لم يوجد واجب الوجود الذى لا يمكن وجود العالم بدون وجوده لزم عدم وجود هذا العالم الموجود , عدم وجود الموجود حال وجوده محال متضمن للتناقض وهذا إجمال ما نذكره فى التوضيح.
(2) استيقان الإمكان لعالم الكائنات المحسوسة و الاقتناع بعدم وجوب وجوده على الرغم من وجود المشهود, أمر جدير بأن نقف فيه وقفه العناية لكون إثبات وجود الله الذى هو أثبات وجود موجود واحد واجب الوجود,متوقفا هذا الاستيقان والاقناع, ولكون الذين يكتبون إذفى هذا الموضوع من أساتذة مصر لا يزالون يثيرون الشبه حول هذه النقطة اتباعا لتيارات الفلسفة الغربية . فقد قال الدكتور محمد غلاب أستاذ الفلسفة فى الجامعة الازهرية( الجزء الخامس من المجلد السادس عشر من مجلة الأزهر) عند الكلام على برهان ديكارت لوجود الله و بعد اعتراضات "كانت" عليه التى لم ينبس بكلمة فى دفعها والتى سننقلها نحن أيضا ونرد عليها:
"هذا ويضيف المسيو ليرو تلميذ برجسون إلى المآخذ الأربعة المتقدمة مأخذ خامسا وهو أن أساس هذا الدليل الطبيعى هو أن العالم ممكن, وهذا شئ غير مسلم ,لأنه لا يبدو لنا شئ من الكائنات ممكنا إلا ما نجهل صلاته ببقية الأجزاء الأخرى للكون,ولو تكشف لنا هذه الصلات لرأينا أنه واجب يستحيل تخلفه ولأيقننا بأن ذلك الإمكان المزعوم ضرب من السذاجه نجم عن الجهل بالناموس الكونى العام الذى يربط المعلولات بالعلل ضرورة".
من المعلولات أو العلل استتباعا ضروريا, بل ننظر إلى مجموعة العالم المؤلف من المعلولات و العلل فنقول بإمكانها ولا نرى أى استحالة فى فرض عدم هذة المجموعة بجملة أجزائها المرتبطة بعضها مع بعض, ولو كان هذا الارتباط واجبا ضروريا بين الأجزاء يوجب وجود بعض منها وجود البعض الآخر .وهذا هو معنى الامكان الذى ندعيه للعالم ,كما يقال فى أساس علم الهندسة إنه مبنى على أن كل ما ليس بمتناقض فهو ممكن.
على ان الوجوب الحاصل لوجود المعلول من وجود علته هو الذى يسمى الوجوب بالغير الذى لا ينافى الإمكان الذاتى ,لا الوجود بالذات الذى هو مدار قطع الحاجة إلى الاستناد إلى العلة والذى لا يوجد فى غير وجود الله, وهذا الوجوب بالغير الحاصل لوجود المعلول من وجود علته الذى خيل له الوجوب أيضا من وجود علته يتسلسل بتسلسل العلل و معلولاتها التى تتألف أجزاء الكون منها فيجعل كلا منها واجب الوجود ويخيل لمن لا يقتنع باستحالة تسلسل العلل إلى ما لا نهاية له استغناء الكون بهذا الوجوب الموجود فى كل جزء من أجزائه عن الله الواجب الوجود.
لكنا قد قضينا بعون الله وتوفيقه فى عدة أمكنة من هذا الكتاب على هذا التخيل مثبتين استحالة ذاك التسلسل إثباتا تقر به عين طالب الحق ويطمئن إليه قلب من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وبهذا يتبين أن مأخذ استحالة التسلسل الذى أثاره"كانت" على البرهان ويرجع تمام القضاء منا على مأخذ "ليرو" إلى القضاء على مأخذ "كانت" ويظهر سمو قول "إميل سسه"على أقوال أصحاب المآخذ المذكوره التى شغل أذهان الكثيرين كما شغل ذهن الكتور غلاب. وذلك القول الذى لم نأل حهدا فى تحبيذه فى هذا الكتاب بكل مناسبة كما هو رأينا فى إيتاء كل ذى حق حقه:"يمكن تصور عدم وجود الله مع تصور عدم وجود العالم ولا يمكن تصور وجود الله مع وجود العالم".
بل قابل الانفكاك منه , إذ لو كان ضرورياَ لما أمكن أن ينفك منه الوجود, وقد قلنا إنه ممكن الانفكاك وإن لم ينفك فعلا. وإذا كان الوجود غير ضرورى له يحتاج فى كونه موجودا إلى موجود آخر يكون عله لوجوده,إذ لا يحصل له الوجود من نفسه والا يلزم الرجحان من غير مرجح وقد فسنا ذلك بالتناقض المستحيل.
فالعقل لا يقنعه ولا يرويه وجود هذا العالم فيضطر إلى الاعتراف بوجود موجود آخر ليس من جنس العالم الذى لا ضرورة فى وجوده ولا فى عدمه فتستوى قابلية
انا اقول زياده على ما قاله الاستاذ :لاشك فى ان الملوك ورجال حكوماتهم يتلائم اهوائهم الدين الذى يخلى لهم الجو ويقول كما فى ص 187 من كتاب الاستاذ : " لا تقاوموا البشر بل من لطمك على خدك الايمن فحول له الاخر " و كما فى ص 193 : " ان الرجل المسيحى يعلم ان السعاده محال فى هذه الدنيا ولذلك يقبل ان اى حاكم كان و لو كان ورمانيا وثنيا " لا الديت الذى يقبل ان يحكم عليه الملوك بل يريد ان يكون هو حاكما عليهم و الذى يقول كتابه : "فمن اعتدى عليكم اعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم و اتقوا الله " . و يقول : " وقاتلة فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعدوا ان الله لا يحب المعتدين " و يقول نبيه : "لا طاعه للمخلوق فى معصية الخالق" . ويقول : " افضل الجهاد كلمة حق عن سلطان جائر" .
ولما ان الاسلام يأبى الذل و العبوديه للبشر فلا تأمن الدول على مستعمراتها التى يسكنها المسلمون و تضيق عليهم الخناق اكثر من غيرهم وتخاف القرأن وتضمر للإسلام عداوه تجعلها تسعى لإزاله أثاره من وجهة البسيطه . و قول الوزير الانجليزى "غلادستون " فى القرأن معروف .
ثم ان الحكومات الغربيه مسيحيه بالاسم ولا دينيه فى الباطن ورجالها لادينييون لأن عقلاء الدين يكون رجال الحكومات منهم لا يقبلون الدين الذى لا يقبله العقل , و لذا اختاروا فصل الدين عن الدوله . ومقلدوا عقلاء الغرب فى الديانه الاسميه من المسلمين الذين يجهلون الاسلام فبقيسونه على دين الغربيين فى عدم المعقوليه , ويجعلون الحكومات فى بلاد المسلمين مفصوله عن الدين كما فى الغرب لو استطاعوا , و لو ان الاسلام يتفق مع النفاق.
و من اهم الاسباب التى تستميل بحكومات اوروبا الى النصرانيه و تنفرها عن الاسلام
- وتنفر حكومات البلاد الاسلاميه الجديده المقلده ايضا , و موقف المرأه فى المجتمع الاوربى لان الاسلام يقيم حاجزا بين الجنسين و يمنعهما من الاختلاط المكشوف الذى تنجذب نفس الانسان اليه طمعا و تصعب عليها مقاومة ذلك الانجذاب لاسيما بعد ان تعود الانسان على الاختلاط الحر و نشا فى احضان تلك العاده , فى حين ان اوروبا المسيحيه تخلى السبيل على الرجل و المرأه للاستمتاع من هذا الاختلاط حتى فى الكنائس و تراه المسيحيه و لاتمنعه .
و قد قلت فى كتابى المسمى " قولى فى المراه" ص25 "ان احتجاب المراع كما يكون تقييدا للفوضى فى المناسبات الجنسيه الطبيعيه و يضاد الطبيعه فى هذى الناحيه , فهو يتناسب مع الغيره التى جبل عليها الانسان ويوافق الطبيعه من النتاحيه الاخرى , إلا ان الغيره غريزه تستمد قوتها من الروح و التحرر من القيود فى المناسبه الجنسيه غريزه تستمد قوتها من الشهوه الجسمانيه فهذه تغرى بالسفور و الاختلاط و تلك تبعث على الابتعاد , و بين تجاف و تحارب بحريان من داخل الانسان .فالمدنيه الغربيه انحازت الى الطبيعه الاولى وقررت ان لا تحرم المنتسبين اليها التمتع الجاذب الحلو فى سفور النساء واختلاط الجنسين فى الانديه ومحافل الانس و السهر , و ضحت بالطبيعه الثانيه فى سبيل ذلك التمتع ,فالرجل الغربى يخالط نساء الناس و يقبل ايديهن –نيابه عن خدودهن –ويجالسهن بل يحاضرهن سافرات و نصف عاريات ,مقابل التنازل عن غيرته على زوجته واخته و بنته فيخالطهن غيره ويجالسهن و يحاضرهن , و يرى ان عدد ضحاياه قليل بالنسبه الى مكسوباته وربما لا يوجد من يضحى فيخلص له الربح , و الحفلات الراقصه و التى هى من لوازم المدنيه الاجتماعيه فى الغرب ليست إلا تأييدا علنيا للمعاشره المختلطه وتقريبا لاحد الجنسين من الاخر تقريبا جسمانيا , و قضاء على الغيره بين ظهرانى من يتوقع منهم التحمس لها ,فكأن تلك الحفلات افراح القران العام."و القضاء على الغيره بلغ عند مدنية الغرب مبلغ اعتبارها من النقائص الخلقيه.
ص 171
----------------------------------------------------------------------------------------------------
في العالم حادثات و تقلبات حتى إن وجودنا نحن من جملة تلك الحادثات { هامش : كنا جنحنا في الخلاصة السابقة إلى مسلك الإمكان و نجنح في التفصيل إلى مسلك الحدوث لكونه أوضح } فهذه مقدمة مبنية على الإحساس و المشاهدة و مسلم بها عند أهل العلم القديم و العلم الحديث الذي يسمونه العلم المثبت. ثم ننتقل منها إلى مقدمة أخرى فنقول و لا بد لكل حادث من علة . و هذه المقدمة و إن كانت لا تستند بكليتها إلى الإحساس و التجربة و المشاهدة بناء على أن العلية أمر معنوي لا يُشاهَد و لا أنّا لم نشاهد كل حادث، إلا أنها ليست دون المقدمة الأولى المبنية على الحس في القوة بل أقوى منها، لأن حصول العلم بالمحسوس بواسطة الإحساس يتوقف عند التحليل العلمي على تصديق هذه المقدمة الثانية كما سبق بيانه. و لهذا يحق القول بأن الشبهة في مبدأ العلية تستلزم الشبهة في وجود المحسوسات.
و أصله أن هذا المبدأ القائل بلزوم علة لكل حادثة من مبادئ الذهن الأولى المدبِّرة له، أعني القضايا التي يتفق عليها عقل كل إنسان و يحكم بها قبل الحكم بسائر القضايا و يجعل لها قيمة و أهمية و تجعلانها فوق كل مناقشة. و تلك القضايا للتفكر كالعضلات للمشي على تشبيه الفيلسوف " له بينج " . فكل إنسان يستخدمها و ربما لا يعرفها في حالته الابتدائية أي يستخدمها من حيث لا يشعر، و هي آخر تأمين على ما يعرف الإنسان و ما يريد أن يعرفه من الحقائق، و لولاها لما تقررت أي حقيقة في الأذهان. قال أرسطو : " للمبادئ الأولى خصلتان : الأولى عدم احتياجها إلى الإثبات بالدليل، و الثانية كونها معلومة بيقين أعلى من جميع النتائج التي يمكن أن تستنتج منها لأن الاستنتاج مجرى اليقين و المبادئ معادنه ". و قال أيضاً : "لو احتاجت كل معرفة إلى البرهنة لاستحال العلم " أي للزم التسلسل في البراهين. انظر كيف تنبه أرسطو لبطلان التسلسل قبل أربعة و عشرين قرناً، و إن لم يكن هذا البطلان مفهوماً لبعض الناس حتى بعد إجماع العالم على قبوله.
---------------------------------------------------------------------------------------------------
ص 172
----------------------------------------------------------------------------------------------------
و جميع العلوم مدين لمبدأ العلية، لأن العلم معرفة الشيء بسببه، و بعبارة أخرى بدليله.فلولا مبدأ العلية في الإنسان لما انبعثت نفسه إلى تحري الأسباب و العلل و ارتفعت العلوم، و قد نبهنا فيما سبق غير بعيد على أن المعرفة الحاصلة فينا بوجود الأشياء التي نراها بأعيننا و نلمسها بأيدينا في الخارج تنبني على مبدأ العلية، و لذا قلنا إن العلم بالمقدمة العقلية القائلة بأن لكل حادثة علة أقوى من العلم بوجود المحسوسات لأن العلم بما يُبنى عليه الشيء يتقدم العلمَ بالشيء. و قد تأيد ذلك بقول أرسطو المنقول قريباً : " إن المبادئ الأولى معلومة بيقين أعلى من جميع النتائج التي يمكن أن تستنتج منها لأن الاستنتاج مجرى اليقين و المبادئ معادنه ".
و هذا الذي ذكرنا في أهمية المبادئ الأولى كمبدأ العلية و مبدأ التناقض مما لا خلاف فيه بين المذاهب الفلسفية و إنما الخلاف في أن تلك المبادئ فطرية مطلقاً أو فطرية للفرد مكتسبة للنوع أو مكتسبة للفرد أيضاً. و أصح المذاهب أولها ما أن الأخير أضعفها. و لما أن الفلاسفة الإلهيين قد يستدلون على وجود الله بفطرية المبادئ في الإنسان، كان مذهب الملاحدة الماديين على خلاف فطريتها أي خلاف المذهب الأصح. و تفصيل البحث في المبادئ الأولى أكثر من هذا نرجئه إلى محل آخر من الكتاب لئلا يشغلنا عن إتمام ما كنا بصدده من إثبات الواجب ببرهانه العقلي المشهور، و قد كنا أوردنا أولى مقدماته المبنية على الحس و ثانيتها الناطقة بمبدأ العلية، ثم اشتغلنا ببيان أهمية المبادئ و مبلغ قوتها اليقينية عند علماء الغرب.
و يمكننا بيان أن لكل حادثة علة على الطريقة المتبعة في علم الكلام : و هي أن كل حادث يلزم أن يكون ممكناً لا مستحيلا و إلا لما حدث، و لا واجباً و إلا لما سبقه العدم، و الممكن ما لا يقتضي لذاته أن يكون موجوداً و لا أن يون معدوماً، فالوجود و العدم سيان بالنسبة إليه فإذا وُجد وُجد لعلة ترجحه له لئلا يلزم الرجحان من غير
----------------------------------------------------------------------------------------------------
ص 173
----------------------------------------------------------------------------------------------------
مرجح و هو محال مستلزم لعدم تساوي الوجود و العدم فيما فُرض تساويهما فيه، و عدم التساوي فيما فُرض فيه التساوي يستلزم خلاف المفروض المؤدي إلى التناقض. فعلى هذه الطريقة تكون المقدمة الثانية من مقدمات البرهان على وجود الله القائلة بأن لكل حادثة علة، ثابتة بالبرهان و على الطريقة الأولى تكون بديهية.
و لك أن تعتبر الاستناد إلى لزوم الرجحان من غير مرجح في طريقة المتكلمين لإثبات الواجب، استناداً في المعنى إلى مبدأ العلية ثم ترد ذلك المبدأ إلى مبدأ التناقض بأن تقول : لولا أن لكل حادث علة بأن حدث الحادث بنفسه من غير وجود علة لحدوثه لزم الرجحان من غير مرجح و هو تناقض محال كما علمت آنفاً. و مع كون مبدأ العلية نفسه من المبادئ الأولى المدبرة للذهن مستقلاً عن مبدأ التناقض و مستغنياً عن الإثبات برده إليه و تصوير خلافه في صورة الرجحان من غير مرجح، ففي رده إليه - كما فعله علماء الكلام - فائدة من حيث أن مبدأ التناقض أشد المبادئ وضوحاً . و لذا قال " كانت " : " أول أمارة حقية أي معرفة كونها سالمة من التناقض ".و كان علم الهندسة مبنياً على إمكان كل شيء لا تناقض فيه.
و من هذا نرى علماءنا المتكلمين لم يدونوا المبادئ الأولى كما دونه الغربيون بل اكتفوا بإسناد كل مسألة في المرحلة الأخيرة من مراحل إثباتها إلى أحد أمور معلومة عندهم متداولة فيما بينهم كلزوم خلاف المفروض و تحصيل الحاصل و المصادرة على المطلوب و الرجحان من غير مرجح و الدور و التسلسل و توارد علتين مستقلتين على معاول واحد شخصي، و كل هذه الأمور محال متضمن للتناقض، حتى إن ارتفاع النقيضين الذي اعتبره الغربيون مبدأ التناوب و هو ثاني الفرعين عندهم لمبدأ العينية و أولهما التناقض، يمكننا أن نرده أيضاً إلى التناقض الذي هو أوضح المبادئ و أقربها إلى أفهام الناس، لأن رفع أحد النقيضين يستلزم إثبات الآخر و رفع الآخر يستلزم إثبات الأول فيحصل من رفعهما التناقض أي اجتماع النقيضين.
---------------------------------------------------------------------------------------------------
ص 174
---------------------------------------------------------------------------------------------------
فإذا كان لا بد لكل حادث من علة و إلا لزم منه الرجحان من غير مرجح و لزم منه التناقض فإما أن تكون العلة أيضاً حادثة كالمعلول أو قديمة واجبة. فعلى الشق الثاني يثبت المطلوب أعني وجود الواجب الذي يُكنى به عن الله كما يًكنى عنه في اصطلاح فلاسفة الغرب ب " المطلق "، و على الشق الأول يلزم أن تكون هذه العلة القريبة المتصلة بالمعلول مستندة إلى علة أخرى بعيدة و هي علة العلة. فإن كانت هذه البعيدة قديمة واجبة ثبت المطلوب في المرحلة الثانية، و إن كانت ممكنة، احتاجت إلى علة أخرى أبعد من الثانية التي هي علة العلة. و هكذا دواليك إلى أن تتسلسل العلل أي علل الحادثات الحادثة إلى غير نهاية فيلزم التسلسل المحال أو ينقطع التسلسل في علة تكون قديمة واجبة و يثبت المطلوب.
هذا هو الدليل العقلي المنطقي القائم على الدليل الفلسفي الأعلى أعني إثبات الواجب ليكون وجوده أساساً و مبدا لوجود العالم. و كل واحدة من مقدمات الدليل يقينية، و إن كان بعضها حسية و بعضها عقلية بديهية أو مبرهنة. و ستعرف أن اليقين البرهاني لا يقل قوة عن اليقين الحسي التجربي بل هو أقوى منه و أقرب إلى اليقين البديهي لاقترانه بالضرورة التي لا يحوزها اليقين الحسي مهما قويَ : فمقدمات هذا الدليل أدناها درجةً في اليقينية هي المقدمة الأولى المبنية على الحس أعني المقدمة القائلة بوجود أي حادث في الدنيا.
فإذا كانت مقدمات الدليل يقينية، كانت النتيجة المترتبة عليها أيضاً يقينية إلا أن مرتبتها في اليقين تكون على قدر أدنى المقدمات مرتبةً فيه لأن نتيجة القياس المنطقي تتبع أخس المقدمتين اللتين يتألف منهما القياس. حتى إن هذه الكائنات المحسوسة التي نسميها العالم ، إن لم تكن موجودة و كانت حواسنا تغالطنا فعند ذلك ينهار الدليل الذي أقمناه لإثبات وجود الله بانهيار مقدمة من مقدماته. لكنا نحمد الله على أننا لسنا
--------------------------------------------------------------------------------------------------
ص 175
----------------------------------------------------------------------------------------------------نحن و لا قراؤنا من الحسبانية الذين لا يستيقنون وجود العالم و ينفون اليقين في كل شيء و الذين لم يتسلط مذهبهم على فلاسفة الإسلام تسلطه على الفلاسفة اليونانيين و الغربيين. و نحمد الله أيضاً على أننا لسنا من الفكريين القائلين بأن العالم عبارة عن صور نفسية أنشأتها أذهاننا في نفسها و مخيلاتنا في الخارج و هم أشباه الحسبانيين الذين يتزعمهم الفيلسوف " كانت " . كما نحمد الله على أننا لسنا من القائلين بوحدة الوجود بالمعنى المتصور عند غلاة الصوفية المتوهمين التوحيد العالي في قولهم " لا موجود إلا الله " و المعتبرين كلمة التوحيد المعروفة في الإسلام أعني " لا إله إلا الله " توحيد العامة. و هذا على الرغم من جنوح بعض العلماء لقولهم هذا و تورطهم فيه مثل الإمام الغزالي، جرأة عظيمة و غفلة شنيعة تجاه نص كتاب الله القائل " فاعلم أنه لا إله إلا الله " و القائل : " شهد الله أنه لا إله إلا هو و الملائكة و أولو العلم قائماً بالقسط " فهل الله و الملائكة و أولو العلم أيضاً من العامة ؟ مع ما في نفي وجود ما في العالم مختلفاً عن وجود الله من إعدام الدليل الذي يثبت به وجود الله عند أهل العلم، و قطع الطريق على التفكير في خلق السماوات و الأرض الذي يحثنا عليه القرآن الحكيم. و نفي وجود موجود غير الله معناه إما إنكار المحسوسات و إما اتحاد كل شيء مع الله. و المعنى الأول و إن كان هو الظاهر من كلامهم في بادئ الرأي لكن التحقيق الذي سنوفيه إن شاء الله في الفصل الأول الخاص بمسألة " وحدة الوجود " من الباب الثاني لهذا الكتاب، يريك أن مقصودهم من نفي موجود آخر غير الله هو المعنى الثاني، يعنون أن كل موجود نراه في العالم هو الله من غير إنكار منهم لوجود العالم المحسوس، و إنما ينكرون وجوده على أنه غير الله. و على هذا لا تصل إليهم مؤاخذتنا بأنهم أعدموا الدليل على وجود الله بإعدام العالم، لأنهم لم يعدموا الدليل و إنما ألحقوه بالمدلول. بل كيف تصل إليهم مؤاخذتنا و هم ترقوا إلى مرتبة الألوهية
--------------------------------------------------------------------------------------------------
ص 176
------------------------------------------------------------------------------------------------
مع كل جزء من أجزاء العالم المشهود !! و إن لم نكن نحن أيضاً أدنى مرتبة منهم في مذهبهم الجنوني.
نعود إلى ما نحن فيه : و بمناسبة إثبات الواجب بالدليل العقلي الآنف الذكر، يجدر بنا التنبيه إلى خطأ الذين يضعون المعقولات المبرهن عليها فيما دون المحسوسات و سوف نوفي حق هذا التنبيه في مناسبات مختلفة. فالعاقل يدرك وجود الله كما يدرك وجود المحسوسات، أعني أن إدراك وجودها ليس أعلى من إدراك وجوده بدليله العقلي المنطقي. قال " له بينج " و هو من أكبر الفلاسفة الغربيين الألمان : " إن اليقين البرهاني هو عبارة عن اليقين البديهي الذي ينطيق على رابطة بين الحقائق المتعددة بدلا من انطباقه على حقيقة منفردة ". كما في " المطالب و المذاهب ".
و قال " ديكارت " : " نحن ندرك وجود الإدراك و وجود الله المستنبط منه بلا واسطة، أما وجود العالم فليس له مؤيد غير غير صدوقية الله الذي لا يُحتمَلُ أن يخدعنا فيما جعلنا ندرك وجود العالم و نعاينه " { هامش : على أن الفيلسوف الأيرلندي "برفلهي " يبني مسألة وجود الله على اليقين الحسي لأنه ينكر المادة ويقول بقيام المحسوسات بالله تعالى بعد ردها إلى المعقولات. و سيجيء منا درس مذهبه عند الكلام عن فلسفة " كانت "}.
و قول " ديكارت " هذا طور آخر في إدراك وجود الله و هو طور يليق بخواص العقلاء غير ما ذكرناه و ابتكرناه في صدر هذا المطلب. و سنذكر قول ديكارت هذا في عداد طرق إثبات الواجب. أما طريق الإثبات المعروف الذي انتهينا منه قريباً فهو طريق عام يدركه متوسطو العقول كما يدركه الخواص. و إني أتحدى كل من يأبون الاعتراف بقوة هذا الدليل و قطعبته، أن يأتوا باعتراضهم عليه من أي ناحية استطاعوا.
----------------------------------------------------------------------------------------------------
ص 177
-------------------------------------------------------------------------------------------------
نعم ههنا بحث يمكن أن يخالج أذهان القارئين الأيقاظ المعقبين لما كتبناه في هذه المسألة إلى هنا بالدقة و الاهتمام، و هو أنه إذا لم تكن المقدمة الأولى من مقدمات البرهان لإثبات وجود الله في أعلى درجات اليقين و كانت نتيجة القياس المنطقي تابعة لأخس مقدماته لم يثبت بها البرهان لوجود الله على الوجه المطلوب الذي هو أن يكون وجوده ضرورياً و الذي به يتحقق كونه واجب الوجود. مع أنا قد قلنا فيما كتبنا من قبل بصدد هذا البحث و لم نأل في إيتاء البحث حقه : إنه لو لم يكن لأي قضية في الدنيا ضرورة الثبوت فقضية وجود الله ثابتة ثبوتاً ضرورياً.
و الجواب أن هذه الشبهة الأخيرة التي تُلاحَظ مماستها بالضرورة اللازمة لوجود الله أنما تأتيها من فقدان الضرورة في وجود العالم الذي يُبنى إثبات وجود الله على وجوده، و إن شئت فقل إن الشبهة في ثبوت وجود الله على الوجه المطلوب تأتي من الشبهة في ثبوت وجود العالم. و هذه الشبهة التي تساور وجود العالم إما أن تعتريه من خلاف الفلاسفة المرتابين في وجود العالم المشهود أو من كون العالم موجوداً غير ضروري الوجود لكونه ممكناً لا واجباً. لكنا لا نعتد بمخالفة أولئك الفلاسفة المخالفين لبداهة الحس و لا نشك في وجود العالم ثم نعتبر الوجود ضرورياً له ما دام موجوداً. و كنا سمينا هذا النوع من الضرورة الضرورة بشرط المحمول و هي كافية لاستلزام الضرورة المطلقة لوجود الله بناء على صدق قولنا إن كان العالم موجوداً ضروري الوجود ما دام موجوداً فوجود الله ضروري ضرورة مطلقة ليكون موجد هذا العالم المحتاج إلى الإيجاد فيندفع تأثير الشبهة الثانية أيضاً المتصلة بوجود العالم، في قضية وجود الله الضروري الوجود، و لو أعرنا للشبهة الأولى الآتية من خلاف الفلاسفة الريبيين شيئاً من الاعتداد و قلنا في تصوير قضيتنا : " إن كان العالم موجوداً فالله موجود بالضرورة ".
----------------------------------------------------------------------------------------------------
ص 178
--------------------------------------------------------------------------------------------------
كفانا في إثبات المطلوب. و لا يرد علينا انتفاء هذه الضرورة لوجود الله على تقدير عدم وجود العالم، لأننا لا نكتم أن دليلنا على معرفة وجود الله هو وجود العالم. فإذا انتفى الدليل يكون انتفاء المدلول الذي هو معرفة وجود الله طبيعياً. و بهذا الكلام ينقطع دابر كل شبهة تحوم حول المقدمة الأولى لدليل إثبات الواجب.
ثم يأتي دور الاعتراض المشهور على الدليل بمنع بطلان تسلسل العلل الممكنة من غيرانتهاء إلى علة واجبة ، الذي يتوقف تمام هذا الدليل عليه، و جوابه المشهور أيضاً بإقامة برهان التطبيق أو برهان التضايف على استحالة التسلسل المذكورين في كتب المتكلمين.
استحالة تسلسل العلل إلى ما لا نهاية له أمر مسلم من عهد أرسطو إلى زماننا. و قد صرح به كثير من فلاسفة الغرب قديماً و حديثاً على الرغم من أن الفيلسوف " كانت " ناقد أدلة وجود الله المعروفة على ما سنذكره مع الرد عليه ، ذكر بين وجوه انتقاده عدم التسليم باستحالة التسلسل أيضاً. و قد قال " رونوويه " مؤسس الفلسفة الانتقادية الحديثة في كتابه الذي ألفه انتقاداً لفلسفة " كانت " :
" نحن نقول مع أرسطو واضع دليل المحرك الأول في إثبات الواجب و الذين جاءوا بعده ممن لا يُحصى عددهم من الفلاسفة، و حتى مع " كانت " نفسه أيضاًبالنظر إلى أقواله في غير هذا الموضع و هو موضع نقضه لأدلة إثبات الواجب " إن احتياج الفكر إلى الوقوف في مرحلة ما عند رجوعه من علة إلى علة قانون من قوانين العقل ". قال هكذا و عدَّ اعتراض " كانت " سفسطة.
و لوقوع التردد من بعض العلماء قديماً و حديثاً في التسليم ببطلان تسلسل العلل إلى غير نهاية، مع كون تمام الدليل المذكور القائم على أداء الواجب متوقفاً على إبطاله، اعتُبِر من الأفضل و الأسلم أن لا يحتاج دليل إثبات الواجب إلى إبطال التسلسل، و زاد شيخ الفلاسفة ابن سينا ، على قول المغفور له مترجم " المطالب و المذاهب "
----------------------------------------------------------------------------------------------------
ص 179
----------------------------------------------------------------------------------------------------
و صاحب المطارحات على قول صدر الدين الشيرازي مؤلف " الأسفار الأربعة " في دليل الإمكان : أن مجموع سلسلة العلل الممكنة غير المتناهية أيضاً ممكن فيحتاج إلى علة غير داخلة في السلسلة و هو الواجب. قالوا و بهذه العلاوة يستغني الدليل عن إبطال التسلسل { هامش : فكأنهم لم يمكنهم إبطال تسلسل العلل الممكنة في ذاته فاحتاجوا إلى البحث عن علة مجموع تلك العلل المتسلسلة ليتوسلوا بها إلى وجدان ما ينشدونه من البطلان المترتب على تقدير عدم الواجب } .
و فيه أنه لا يمكن أن يتصور المجموع لسلسلة العلل غير المتناهية. فلو كان لها مجموع كانت متناهية، و إن سلم تصور المجموع لها فلا يسلم احتياج المجموع إلى علة لعدم وجوده في الخارج مستقلاً عن وجود آحاد العلل. ثم إن هذه العلاوة التي ادعى مخترعها و مستحسنوها أنها تغني الدليل عن إبطال التسلسل، ليست موجزة كما قُررت هنا، بل فيها طول ملأكثيراً من الكتب الكلامية الكبيرة و أملَّ بحيث يجوز أن يقول الإنسان : إن كان إثبات الواجب معلقاً بها فسلام على إثبات المدعي و غلبة الخصم، وإبطال التسلسل أسهل منها بكثير، مع ما يرد عليها قطعاً أن علة مجموع آحاد السلسلة مجموع علل تلك الآحاد.
و يرد عليها أيضاً النقض الإجمالي { هامش : النقض الإجمالي اسم في عرف علماء قانون البحث و المناظرة لشكل مخصوص من أشكال النقد } بسبب جريانها في المجموع المركب من المجموع الأول و علته الواجبة بعد إثبات الواجب بهذه الطريق بأن يقال علاوة على العلاوة : إن المجموع المركب من الواجب و معلوله الذي هو مجموع هذه الكائنات الممكنة ممكن أيضاً لتركبه من الواجب و الممكن و كون المركب من الواجب و الممكن مكناً لا واجباً على قاعدة كون المركب من الداخل و الخارج خارجاً { هامش : هذه القاعدة من المبادئ العقلية التي يستند إليها علماؤنا عند اللزوم فالداخل كناية عن أمر معين مثل الموضوع، و المطلوب و الخارج كناية عما هو أجنبي فيكون الأول دائماً أخص و الثاني أعم و التركب منهما ينافي الخصوصية طبعاً } فيحتاج هذا المجموع
----------------------------------------------------------------------------------------------------
ص 180
-------------------------------------------------------------------------------------------------
الثاني أيضاً الأكبر من المجموع الأول، إلى علة .....فعلته إما نفس هذا المجموع أو جزؤه أو خارج عنه إلى آخر ما ذكروه في العلاوة الأولى ثم انتهوا إلى أن العلة خارجة و واجبة. فحينئذ يحصل مجموع ثالث مركب من المجموع الثاني الممكن و علته الواجبة، و هو ممكن أيضاً محتاج إلى العلة. و هكذا يُنتقل و يرتقى من مجموع إلى مجموع أكبر منه و يلزم التسلسل الأول مضطراً إلى إبطال هذا التسلسل الثاني لينهي توالي المجموعات الممكنة المحتاجة إلى علة و لئلا يلزم تعدد الواجب بعدد المجموعات المتسلسلة.
هذا، و أنت ترى اختلافاً بين العلامة التفتازاني شارح العقائد النسفية و بين الفاضل الخيالي صاحب التعليقات الهامة على شرح العلامة ، و الفاضل السيلكوتي صاحب التعليقات على تعليقات الخيالي، في : هل إثبات الواجب يتوقف على إبطال التسلسل أم إبطال التسلسل يتوقف على إثبات الواجب ، و في أن هذا الدليل المقرون بالعلاوة الذي انتقدناه دليل لإثبات الواجب مستغن عن إبطال التسلسل أم دليل على بطلان التسلسل؟
و عندي أن الاختلاف فيما قام عليه الدليلإنما يتجه بعد ثبوت سلامة الدليل من الاعتراض، و حيث لم يتم الدليل المرتبلاىلإثبات الواجب من غير حاجة إلى إبطال التسلسل، ثبتت الحاجة في إثبات الواجب إلى إبطال التسلسل و سقطت دعوى الفاضلين المذكورين في توقف إبطال التسلسل على إثبات الواجب، لأنه إذا توقف إبطال التسلسل على إثبات الواجب في حين أن إثبات الواجب متوقف على إبطال التسلسل لزم الدور.
وسواء كان إثبات الواجب متوقفاً علي إبطال التسلسل أو كان إبطال التسلسل متوقفاً علي إثبات الواجب ، فيلزم أن لا يكون خلاف في بطلان التسلسل عند المؤمنين بوجود الواجب . أما لزوم بطلانه إن كان إثبات الواجب متوقفاً عليه فظاهر . وإما إذا كان بطلانه متوقفاً علي إثبات الواجب فلأن وجود الواجب ثابت لا محالة عند المؤمنين ولو بديل غير متوقف علي إبطال التسلسل والمتوقف علي الثبات ثابت ، فيلزم من ذا أن يكون بطلان التسلسل لا شك فيه عند المؤمنين بالله . ومنه يظهر بطلان ما ادعاه الشيخ محمد عبده وشذ فيما ادعاه شذوذاً بعيدا / من أن كل ما قيل في إبطال التسلسل فعبارة عن أوهام وخيالات كاذبة . وسيجئ الكلام عليه مستوفي حقه.
والحق عندي أن تسلسل العلل إلي غير نهاية ظاهر البطلان بحيث لا ينبغي للعقل السليم أن يستصعبه فينحرف إلي سبيل أخرى في إتمام الدليل علي إثبات الواجب .
وإني جد متعجب من أن يكون مسألة أبطال التسلسل لاسيما تسلسل العلل قد بقيت طول تاريخ الفلسفة في الشرق والغرب محل ثلمه وموضع شبهه في أقوي أدلة إثبات الواجب يختلف فيها العلماء والعقلاء ولا تكفي البراهين المقامة عليها في إقناع الذين لا يزالون يشكون فيها / مهما كانوا قلة ضئيلة . وقد كنت أنا قبل بضعة وعشرين عاما بينت هذه المسألة في كتابي (( ديني مجد ولر )) الذي ألفته باللغة التركية . والآن ألخص ذلك البيان ، وربما أضيف ما يزيده إيضاحاً فأقول :
قد علمت فيما سبق قريباً أن الممكن لا يوجد من غير وجود علة مرجحة لجانب وجوده المتساوي في ذاته مع جانب عدمه . فوجوده محتاج إلي وجود عله موجدة . وتلك العلة يجب أن لا تكون من الموجودات الممكنة الوجود مثل معلومها كيلا تحتاج هي أيضاً إلي علة أخرى ، بل موجوداً واجب الوجود . فإذن لا يوجد ممكن في الدنيا وإلا ويكون وجوده بفضل موجود آخر يتقدمه في الوجود ويكون علة لوجوده المحتاج إلي العلة ، فإذا نظرت في أي موجود في العالم أمكنك أن تنتقل من وجوده الممكن إلي وجود موجود واجب الوجود . فمسألة إثبات الواجب بسيطة إلي هذا الحد حيث تري كل ما في العالم موجوداً يحتاج إلي موجود غير محتاج . أما إذا كان كل ما ستند بعضه إلي بعض في الوجود محتاجاً إلي علة موجدة بأن يكون جميع العلل والمعلولات من الممكنات المحتاجة إلي علة موجدة فالحاجة إلي العلة لا تزال باقية غير مقضية وتكون سلاسل المعلومات وعللها الممتدة إلي جانب الماضي مستندة آحادها المتأخرة علي آحادها المتقدمة ومستفيداً كل واحد منها وجوده من هذا الاستناد ، ضربا من الخيال الذي لا وجود له .. فلا توجد المعلومات الأخيرة التي كل واحد منها مبدأ لسلسلة من جانب الحال ممتدة إلي جانب الماضي ولا ما قبل هذا المبدأ من العلل المتسلسلة . وقد كنا فرضنا وجود المعلومات الأخيرة وعلل عللها وعلل علل عللها إلي مالا نهاية له . وهذا خلف أي تناقض .
فإذا قلت للخصم الملحد الذي يدعي كون جميع الموجودات محتاجة إلي علة موجدة ولا يعترف بموجود واحد واجب الوجود أي غير محتاج إلي موجد ، إذا قلت له ماذا علة وجود هذا الموجود الذي يحتاج إلي علة موجدة فأجاب بأنها وجود موجود آخر يتقدمه ويحتاج مثل الموجود الذي سألتم عن علة وجوده إلي علة موجدة ، ثم قلت له وماذا علة وجود ذلك الموجود المتقدم فأجاب بأنها موجود ثالث أقدم في الوجود ومثل الثاني في الحاجة إلي العلة الموجدة ، ولم يقطع سلسلة الجواب علي هذا المنوال مهما أطلت وتوغلت في السؤال – فاعلم أن هذا الخصم يخدعك ويغالطك ويعللك في أجوبته بما ليس من الجواب في شئ كما يخدع نفسه قبلك ويغالطه ويعلله ، أعني أنه يعجز عن إراءة علة لوجود ذلك الموجود الذي سألته أولاً عن علة وجوده فيفر من الجواب علي سؤالك غير شاعر أنه يفر ، ثم يحاول أن يستر فراره من الجوانب بإحالة الأمر علي ظلمات ماض لا بداية له ، والذي يربكه علة قبل علة ويستمر في الإراءة حتى تحصل سلسلة من العلل لا بداية لها فليس شئ من ذلك بعلة ، إذ لا أصل لها ولا وجود .
ويمكنني تقريب ما ذكرته إلي فهم القارئ بأن أفرض التسلسل المذكور بين العلل المعدودة المتناهية ، وإن كان التسلسل في عرف العلماء خاصاً بمأمور غير متناهية . فلنفرض عددها عشرا وكل واحدة منها علةً بالنسبة إلي ما بعدها ومعلومة بالنسبة إلي ما قبلها يستند وجود المعلول الذي هو موضع البحث عن علة وجودة ، إلي العلة العاشرة ووجود العاشرة يستند إلي التاسعة والتاسعة إلي الثامنة وهكذا إلي أن تصل سلسلة الاستناد إلي العلة الأولي وتنتهي فيها ، ثم نري أن وجودها لا يستند إلي علة أي أنها غير موجودة لا أنها غير محتاجة إلي الاستناد لعدم كونها واجبة الوجود . وإذا لم توجد الأولي لم توجد الثانية المستندة إليها وإذا لم توجد الثانية لم توجد الثالثة المستندة إليها أيضاً ، وهكذا نستمر في الرجوع من الماضي إلي الحال حتى تنتهي إلي العاشرة فتجدها غير مستندة إلي علة موجدة موجودة مع الاحتياج إليها ، ومعني هذا أن العاشرة غير موجودة كالآتي تقدمها وكذا المعلول الأخير الذي فرضنا استناده إلي العاشرة غير الموجودة والذي كنا بصدد البحث عن علة وجوده ، تجده لما يقض حاجته بعد إلي العلة الموجدة ، ومن أجل ذلك لم يوجد هو ولا سلسلة العلل التي تقدمته وتألفت من عشر علل وإنما وجود كل ذلك في الوهم والخيال بفضل وسوسة الخصم المحتال الذي ربما أخطأ فغالط نفسه أيضاً .
وكنا قد فرضنا المعلول وسلسلة العلل موجودة في نفس الأمر فهذا خلف .
ثم لا يجدي في وجود المعلول وسلسلة العلل أن يُمد فيها فيزداد عدد العلل من عشر إلي مائة أو ألف أو مائة ألف أو إلي مالا نهاية له من العدد . لأن الزيادة في عدد العلل المحتاج نفس كل واحدة إلي علة موجدة مهما يكن مبلغها ، لا تكون إلا زيادة في عدد المحتاجات إلي العلة غير مقتضيات الحاجة بالاستناد في النهاية إلي علة موجدة غير محتاجة إلي موجد وهي الواجب . فتسلس العلل الممكنة المحتاجة إلي علة الوجود من غير انتهاء إلي العلة غير المحتاجة التي هي الواجب ، أمور مخيلة لا تحصي غير متحققة الوجود بل معلق وجود كل منها علي أن يوجد قبله شئ مثلُه غير متحقق الوجود لكون وجوده أيضاً معلقاً علي وجود شيء آخر مثله غير متحقق الوجود . فهو ليس عبارة سلسلة موجودات بالفعل مستند وجود المتأخر منها إلي المتقدم الموجود بجانبه ، بل سلسلة محتاجات إلي علة الوجود ولا يحصل من هذا المحتاجات المعلقة علي المحتاجات موجود واحد فضلاً عن موجودات متناهية . فالزيادة في عدد الملل المحتاجة المترتبة الآحاد بعضها علي بعض ، لا تجدي أي نفع في قضاء حاجة المحتاج الذي ابتدأ منه بحث الموقف ، أن لم تضره . ولا فرق في ذلك بين الزيادة المتناهية والزيادة اللامتناهية حتى تتصور الفائدة من تعليق الأمر بذمة اللانهائية ، وإنما فائدته التغطية علي بقاء حاجة المحتاج غير مقضية بإحالة إسعافه من محتاج وتعليل الذهن بالرجوع إلي الماضي متغلغلاً في أعماقه .
ولنورد لذلك مثالاً : فنكتب علي ورقة صفراً ، فلا شك في احتياج هذا الصفر لتكون له قيمة عددية إلي أن نكتب بجانبه من اليسار رقماً أقله واحد وأكثره تسمة .
ولكن لا نكتبه بل نكتب بدله صفراً ثانيا . وهذا أيضاً محتاج في تقومه إلي أن يوجد بجانبه من اليسار رقم يدل علي عدد صحيح . فإن كتبنا في إحدى مرحلة من مراحل العشرات أو المئات أو الألوف أو أكثر من ذلك ، الرقم المنتظر اكتسبت منه الأصفار المكتوبة قبله قيمتها العددية ، فكأن هذا الرقم يفيض الحياة علي تلك الأصفار الميتة . أما إذا لم نكتب الرقم المقوم للأصفار أبدا بل استمررنا في وضع صفر بعد صفر إلي مالا نهاية له وفرضنا هذا الاستمرار في مقدورنا ، فلا تحصل لتلك الأصفار من زيادة إكثارها أي قيمة ويذهب كلها هباء ، ولا ينفعها في تقويمها أن تكون أعدادها غير متناهية .
وكنت أوردت مثالاً آخر في كتابي الذي ذكرته ، وهو أنك لو استقرضت جنيهاً ذهبا من أحد معارفك وقد كان هو الآخر استقرضه بعينه من رجل ثالث والثالث من رابع وهلم جرّا إلي أن ينهي أفراد الناس من دون أن تنتهي سلسلة المقرضين إلي أحد يملك هذا الجنية وراثة من أبيه أو اكتسابا له بصورة الاستقراض . فذلك الجنية لا أصل له بكل معني التعبير ولا له وجود في الخارج لعدم استناده في مرحلة من مراحل استقراضه إلي أحد يملكه بالأصالة . فحكاية الاستقراض المسلسل وانتهائها إلي مالك أصلي غير مستقرض إنما نشأ من كون أفراد الإنسان الموجودة في الدنيا متناهية ، إذ لا فائدة في زيادة عدد المستقرضين لذلك الجنية بعينه بعضهم من بعض زيادة لا نهاية لها لإنقاذ وجوده من حاجة الاستناد إلي مالك يملكه أصالة لا قرضاً . وإنما تكون هذه الزيادة في التصور غير المتناهية محاولة تغليط الأفكار وتعليلها بوسائط تغليظ زائدة إلي أن تنخدع بعدم تناعي الذين استُقرض منهم ذلك الجنية فلا ينكشف عيب عدم وجوده ويخيل كأنه موجود . مع أن قد رأينا جليا في صورة كون المستقرضين علي عدد متناه أن وجوده كذب وخيال كوجود مداوليه فيما بينهم مستقرضاً بعضهم من بعض ، فتكون إضافة عدد غير متناه من الأكاذيب إلي الكذبات الأولي المتناهية ، ومهما طالت سلسلة الاستقراض الذي هو عبارة عن الإدالة المجردة فلا يمكن أن تلد ذهباً من العدم كأنها منجم من مناجم الذهب فلا يجدي إكثار عدد المداولين في الخيال غير إكثار الأكاذيب ومد سلسلتها إلي ما لا نهاية له . ولا ينقلب الكذب بكثرة عده صدقاً ولو بلغت الكثرة حداً غير متناه وإنما يشتد الكذب ويتضاعف بعدد انضمام أمثاله إليه ، حتى إذا بلغ عدد الانضمام حد اللانهاية أو بالأصح إذا لم تكن غاية ونهاية لعدد الكذب المنضم بعضه إلي بعض كان هذا غاية في الكذب أو بالأنسب وراء الغاية ووراء النهاية ويكون معني التردد في الحكم ببطلان التسلسل الذي تتوقف صحة أشهر دليل لإثبات الواجب ، تردداً في تكذيب ما هو غاية في الكذب أو وراء الغاية أو قولا باحتمال حصول عدد صحيح من كثرة انضمام الأصفار المحضة بعضها إلي بعض إذا كانت كثرته تبلغ حداً غير متناه .

ولنذكر هنا مثالاً آخر وهو أنا لو فرضنا وقوف إنسان مُستندا ظهره إلي إنسان آخر واقف أيضاً بحيث لو لم يكن هذا الواقف الثاني لوقع الأول علي الأرض وفرضنا أن هذا الثاني أيضاً مستند إلي واقف ثالث والثالث إلي رابع وهلم جرا ، فبناء علي أن أفراد الإنسان متناهية فلو كان الفرد الخير الواقف علي هيأة المستند لا سند له يعتمد عليه من الأجسام الثابتة كالحائط أو الصخرة فلا شك في أنه يقع علي ظهره . وبوقوعه أيضاً يقع من يستند إليه ويقع من يستند إلي من يقع ومن يستند إلي من يستند وهكذا إلي أن يقع المستند الأول المصادف لمبدأ سلسلة الاستناد من جانبنا فيقع كلهم علي ظهورهم وتزول السلسلة عن آخرها لكون جمع الاستنادات التي فيها إلي غير مسند أي غير موجود إلا في الخيال ولا يوجد هناك إنسان واحد واقف فضلاً عن سلسلة الواقفين المرتبة من جميع سكان الأرض .
ثم لو فرضنا كون أفراد الإنسان غير متناهية فألفنا منهم سلسلة الواقفين المستندين بعضهم إلي بعض وفرضنا فلاة لا نهاية لطولها تسع هذه السلسلة غير المتناهية ، فهل ينفع عدم التناهي في تثبيت سلسلة الاستناد وإقامتها ما لم تكن منتهية إلي مستند ثابت غير محتاج إلي الاستناد إلي آخر ؟ وهل يقوم عدم تناهي عدد الواقفين المستندين إلي غير مسند مقام الاستناد إلي مسند إلا في أوهام المتوهمين الذين يخيل إليهم أن وجود واقف آخر وراء كل واقف ليسندهم من غير مسند أي من غير انتهائهم إلي واقف ثابت غير محتاج إلي الاستناد إلي آخر ، يمكنهم من الوقوف ويقيهم السقوط والوقوع ؟ مع أن إمكان استناد أي واحد منهم إلي من خلفه استنادا صحيحا يمكَّنه من الوقوف ويقيه الوقوع علي الأرض متوقف علي وجود مسند صحيح في أي مرحلة من مراحل الاستناد غير محتاج إلي مسند آخر . فإذا لم يوجد هذا المسند أبداً بل استند كل محتاج إلي الاستناد غلي محتاج مثله وامتدت سلسلة الاستنادات غير الصحيحة إلي ما لا نهاية له ، كانت سلسلة هذا الاستناد نفسها أيضاً وامتدادها إلي غير نهاية ، كلها غير صحيحة ، وكان كل استناد في كل مرحلة خيالاً كاذباً عبارة عن إقامة عدم تناهي المستندين إلي غير مسند ، مقام الاستناد إلي مسند . ألا يري أن استنادهم فيما بينهم بهذا الشكل وهم متناهون ما صح لهم ولم يمنعهم من السقوط ، فكيف يمنعهم منه إذا كانوا غير متناهين مع أن كثرة الاستنادات غير الصحيحة إلي حد عدم التناهي لا يمكن أن تجعلها صحيحة وإنما تخفي عدم صحتها من عيون الغافلين .
لا يقال استناد المحتاج إلي الاستناد إلي محتاج مثله إذا استمر إلي ما لا نهاية له ولم ينته إلي عدم الاستناد إلي شيء ، قامت هذه الاستنادات المحتاجة إلي الاستناد بفضل عدم الانتهاء إلي الخلاء ، مقام الاستناد الصحيح لعدم خلو كل استناد إلي غيره ما دام ذلك الغير موجوداً في كل مرحلة .
لأني أقول ربما يتوهم هكذا من ينظر في سلسلة الاستناد مستمراً بنظرته من مستند إلي مستند واجداً كل واحد منهم خلفه من يستند إليه فيتصور هذا المتوهم رجلاً واقفا أمامه مستندا لا يستند إليه أحد قسمه زيدا وهو مبدأ السلسلة من جانبها الذي يلي المتوهم .
ثم يتصور وراء زيد من يستند إليه زيد ونسميه عمرا ويتصور عمرو بكرا ووراء بكر بشرا ووراء خالدا . وهكذا بتخيل امتداد السلسلة صاعدا من مستند إلي مستند إلي مستند فما دامت السلسلة لا تنتهي في أي مستند يسند الظهر إلي الخلاء بل يوجد خلف كل مستند مستند آخر يقيه السقوط فالمتوهم يزعم أن هذه السلسلة تقوم علي استنادات صحيحة ، إلا أن هذه الاستنادات ليست بموجودة في الحقيقة وإنما المتوهم يعد في خياله لكل مستند سندا من المستند الذي يضعه وراءه مستندا بعد مستند . وهذه الأوضاع مهما استمرت فلا تبلغ مبلغ اللاتناهي بالفعل ويكون عددها وعدد موضوعاتها متناهيا دائماً كما هو الحال في عدم تناهي الزمان من الجانب المستقبل الذي لا يكون عدم التناهي فيه إلا بالقوة – بمعني أن سلسلة الاستمرار لا تقف عند حد وتقبل الزيادة دائماً – لا بالفعل .
فلو أمكنه أن يستمر في وضع مستند بعد مستند وأمكنه أن يبلغ نهاية اللا متناهي أي الجمع بين النقيضين لكان يمكنه تصحيح هذه الاستنادات المتسلسلة . لكنه لا يتمكن من ذلك بل يعيا ويتوقف أو ينتهي عمره في أي مرحلة من مراحل وضع المستند خلف المستند ، فعندئذ تنهار سلسلة الواقفين علي بكرة أبيهم ولا تقوم لهم قائمة . وكذا الحال لو أضفنا إلي هذا المتوهم أخلاقاً من المتوهمين يعملون عمله ويحاولون أن يتموا ذلك الذي لا يقبل التمام .
أما اعتبار كون الواقفين المستندين بعضهم إلي بعض موضوعين في أمكنتهم من السلسلة موجودين من دون وضع خيالي من متوهم السلسلة ، فتخيل ذلك يتوقف علي فرض وجود مسند أصلي من الجانب الآخر من السلسلة تنتهي فيه الاستنادات المتوسطة غير الأصلية . وإلا فلا يوجد استناد واحد فضلا عن سلسلة الاستنادات اللامتناهية لعدم وجود مسند أصلي تبتدئ منه السلسلة وتستمر نازلة ومتوجهة إلي الجانب الذي يلينا ويلي متوهم السلسلة والذي هو آخر السلسلة . وهذا الاستمرار النازل عكس الاستمرار الصاعد الذي سبق تصوره قريباً والذي يمكن فيه تصور وجود السلسلة مقدرة بقدر وضع الواقفين المستندين بعضهم وراء بعض ، وساقطة علي الأرض مع انقطاع مواصلة الوضع . وفي الاستمرار النازل لا يمكن تصور وجود السلسلة بالمرة .
فإن قيل ما المانع من ان يكون كل واحد من الأفراد اللامتناهية للواقفين مستندا إل من يوجد خلفه ويقيه السقوط من غير حاجة إلي أن يوجد في النهاية ما يكون أساساً لسلسلة الاستناد بأن يكون سنداً لم ستند إليه ولا يستند هو نفسه إلي غيره ؟ لأن كل واحد من الواقفين المستندين لما وجد من يكون له سندا من ورائه بفضل عدم تناهي سلسلة الوقوف والاستناد أستغنت السلسلة عن الإنهاء إلي من يكون سندا ولا يكون مستندا إلي غيره . والقول بلزوم نهاية للسلسلة ينتهي فيها الانتقال من محتاج إلي الاستناد كما لا يمكن تشكل السلسلة المتناهية منهم ، مبني علي عقيدة استحالة التسلسل ومصادرة علي المطلوب .
أقول أولاً المثالان أوردناهما من قبل إيضاحا لمسألة إثبات الواجب وإبطالا لما توسل به المنكرون لوجود الله الواجب من تسلسل العلل الممكنة المحتاجة إلي العلة كانا أقرب إلي فهم القارئ من هذا المثال الثالث الذي دخلنا فيه ووصلنا منه إلي نقطة دقيقة ، لاسيما المثال الأول أعني مثال سلسلة الأصفار المحضة وهو أفضل الأمثلة في هذا الباب . أما هذا المثال الثالث فهو من شدة مشابهته لمسألتنا التي أردنا إيضاحها بالمثال حتى كأنه ليس بمثال بل تعبير آخر للمسألة ، أصبح عرضة للشبهات المحتملة الحصول في بعض الأذهان عند درس أصل المسألة .
وثانياً : هل توجد سلسلة غير متناهية مؤلفة من الموجودات المحتاجة إلي الإيجاد أو مؤلفة من الواقفين المحتاجين إلي الاستناد ؟ فإن وجدت فلا حاجة للعالم المشهود إلي وجود الواجب كما يقول المفكرون ، وإن لم توجد كان كلاهم في تصوير سلسلة مؤلفة من المحتاجين إلي الاستناد قاضية حاجتها من نفسها بفضل عدم تناهيها ، لغوا بل مصادرة علي المطلوب ذلك السلاح الذي يريدون أن يرمونا به وهو متوجه عليهم لا علينا لأنهم هم الذين استعانوا بعدم تناهي سلسلة المحتاجين في قضاء حاجتها من نفسها مستغنية عن أمر خارج عنها فعدوا هذه السلسلة اللامتناهية كأنها موجودة في حين أن وجودها محل النزاع بيننا . أما نحن فقد رأينا عدم صحة استناد المحتاجين إلي المحتاجين إلي الاستناد في سلسلة متناهية مؤلفة منهم لبقاء حاجتهم إلي السند الصحيح غير مقضيه . أريناه بكل جلاء ، ثم توسلنا في إثبات عدم الإمكان لسلسلة الواقفين المحتاجين لا يمكن أن تعد قضاء لحاجتهم وأن بلغوا في الكثرة حد اللانهاية ، وإنما تكون زيادة المحتاجين زياد في الحاجة التي هي المانعة لإمكان تشكيل السلسلة . أو نقول السلسلة اللامتناهية التي تخيلوها موجودة مؤلفة من الواقفين المحتاجين إلي الاستناد غير المتناهين لا يمكن أن يكون لها وجود في الخارج لكونها مؤلفة من السلاسل المتناهية المؤلفة من ألئك المحتاجين والتي أرينا جليا عم إمكان وجودها لخلوها عما يقضي حاجة المحتاجين . والسلسلة الكبيرة المؤلفة من سلاسل صغيرة لا وجود لها ، يلزم أن تكون هي أيضاً غير ممكنة الوجود .
فقد تمسكنا في هذين القولين بأدلة عقلية حاسمة تقطع الطريق علي الذين يحاولون تشكيل سلسلة الواقفين من محض المحتاجين إلي الاستناد تقطع عليهم طريق الاستعانة في محاولتهم من فرض عدم التناهي لتلك السلسلة . وليس في أدلة القولين المذكورين شائبة من المصادرة علي المطلوب ، أي مراجعة محل النزاع للاستناد إليه .
بل نقول زيادة علي قدر ما نحتاج إليه في هذا المقام – وربما تنفعنا في مكان آخر من الكتاب – كيف توجد سلسلة لا نهاية لها مطلقاً أي ولو كانت مؤلفة من غير المحتاجين ؟ بناء علي عدم وجود (( اللانهاية )) فكل مرحلة من مراحل السلسلة نهاية ولا يمكن الوصول – ولو خياليا – إلي مرحلة اللانهاية ، لعدم وجودها فلا وجود لسلسلة غير متناهية ، إذ لو كانت موجودة فإما أن تتكون من سلاسل متناهية فيلزم أن تكون هي أيضاً متناهية . لأن المؤلف من المتناهيات متناه ولا يتولد غير المتناهي إلي الأبد من انضمام المتناهي إلي المتناهي ، وإما أن تتكون من سلاسل غير متناهية فيتوقف وجود الكل اللامتناهي علي وجود الجزاء اللامتناهية ويلزم من

صفحة 191
تقدم وجود الموقوف عليه على وجود الموقوف، تقدم وجود اللامتناهي على نفسه ولزوم تقدم الشيء على نفسه منشأ بطلان الدور عند العقلاء الذين لا شبهة لهم في بطلان التسلسل أيضا.
فقد انجلى من هذه التحقيقات أن ديث السلسلة اللامتناهية لا سيما المؤلفة من المحتاجين حديث خرافة، وديث إقامة عدم تناهي السلسلة مقام قضاء حاجتها خرافة على خرافة، وما ذكرنا هنا من الأدلة على إبطال السلسلة اللامتناهية يمكن إضافتها إلى البراهين المعروفة التي اكتشفها العلماء لهذا الغرض كبرهان التطبيق والتضايف.
نعود من المثال إلى الممثل:الحاصل أن التمسك في تعليل وجود أي موجود بسلسلة العلل الممكنة التي لا نهاية لها والتي كل واحدة منها علة بالنسبة إلى ما بعدها ومعلولة بالنسبة إلى ما قبلها، وإن كان يكفل في الظاهر لكل معلول مندرج في السلسلة بعلة وجوده لكن هذا في الحقيقة ترك كل معلول في السلسلة – وفيها المعلول الأخير المبحوث عن علة وجوده – من غير علة. وحيث لا يوجد معلول من غير وجود علته فلا معلول ولا علة ولا سلسلة مؤلفة من المعلولات وعللها، وإنما كل ذلك في خيال المتخيلين. لأن وجود المعلول الأخير معلق بوجود علته ووجود علته معلق بوجود علتها، وهكذا إلى ما لا نهاية له، فليس لأي جزء من أجزاء السلسلة وجود متقرر بل وجود معلق بوجود ما قبله ووجود ما قبله معلق كذلك بوجود ما قبله بمعنى أنه موجود إن كان ما قبله موجودا وما قبله موجود إن كان ما قبله موجودا اخ من غير أن يكون وجود هذه الأشياء المتسلسلة إلا بعد انتهاء سلسلة التعليقات، وحيث لا تنتهي السلسلة في الجانب القبلي الذي هو جانب المبدأ إلى ما له وجود متقرر غير متاج إلى تعليقه بوجود غيره، بل تستمر منتقلة من تعليق إلى تعليق، كانت السلسلة عبارة عن تعليقات مجردة يتأخر الحكم بوجود معلقاتها
صفحة 192
إلى وصول الذهن إلى نهاية السلسلة التي لا نهاية لها، إذ لم يقض أي فرد من أفراد تلك المعلقات حاجتها إلى علة وجوده ودامت هذه الحاجة مستمرة منتقلة من معلق وجوده بمعلق. إلا أن الذهن لما عجز عن تعقيب هذه الأشياء المعلق وجود كل منها بوجود ما قبله تخلى عنها وخيل إليه كأن السلسلة تمتد إلى ما لا نهاية له. وفي الحقيقة لا وجود للسلسلة ولا لأي جزء من أجزائها، ووجود كل منها كوعد لا إنجاز له إلا بوعد مثله وكالمضي في وضع صفر بعد صفر من اليسار على ورق لا نهاية لسعته ولا لعدد الأصفار الموضوعة عليه، بدون الانتهاء إلى عدد صحيح. ومادامت لا تنتهي هذه التعليقات فلم يتقرر ولم يتحقق وجود أي جزء من السلسلة، فهذه الأجزاء اللامتناهية لا يقال عنها إنها موجودات بل مرشحات للوجود كالأصفار المحضة اللامتناهية في المثال السابق الذي هو أحسن الأمثلة لإيضاح المقام، فكما لا قيمة لأي صفر من الأصفار المنضم بعضها إلى بعض من جانب اليسار إلى أن يتبين كون هذا الانضمام المستمر منتهيا إلى عدد صحيح أو غير منته. فإن لم ينته إليه وانقطع استمرار الأصفار انقطعت السلسلة معها معدومة القيمة ومنقطعة الأمل من تقومها وإن دامت الأصفار مستمرة لم ينقطع الأمل من نقومها وتقومها إنما يكون بانتهاء السلسلة في عدد صحيح لكن الخصوم المنكرين لوجود الواجب في موقف لا يودون تحقق القيمة المتوقعة لسلسلة الأصفار بناء على أن ذلك يؤدي إلى انقطاع السلسلة وهم يودون أن يستمر الأمل في تقومها باستمرار السلسلة دون تحقق الأمل بتحقق القيمة ويقيمون استمرار الأمل من دون تحققه مقام التحقق. ولا يريدون أن يفهموا ما في ذلك من إعدام القيمة بل إعدام السلسلة نفسها أيضا بالتزام عدم تناهيها، بناء على ما عرفت من عدم وجود سلسلة لا نهاية لها، فضلا عن أنهم يريدون دوام الأمل بدوام السلسلة مع اشتراط عدم تحقق هذا الأمل لأن دوام السلسلة وكون هذا الدوام مطلوبا يتضمن ذلك العدم فكيف يدوم الأمل مع هذا الشرط الذي يناقضه؟
صفحة 193
فالحق أنهم يريدون بناء هذه السلسلة على الهواء ليست لها قيمة عددية ولا رجاؤها ولا لها ولأجزائها وجود إلا في الخيال.
كذلك سلسلة الكائنات المعلق وجود كل منها بوجود علته لكونه من الممكنات المحتاجة إلى العلة وكون علته مثله في الحاجة إلى علة الوجود.. هذه السلسلة لا يحكم بشأنها إلى أن يتبين أمر التعليقات المتصورة بين أجزائها التي كل جزء منها معلول بالنسبة إلى ما قبله وعلة بالنسبة إلى ما بعده. فإن لم يستمر التعليق وانتهى في أي مرحلة من مراحله إلى علة لا يحتاج وجودها إلى التعليق بوجود علة أخرى، بطل التسلسل وثبت الواجب بثبوت العلة الأولى التي لا تحتاج إلى علة. وإن استمر التعليق ولم تنته السلسلة لعدم انتهاء التعليق بين أجزائها بعضها ببعض، كانت السلسلة وأجزاؤها غير متقررة الوجود كالأصفار المحضة اللامتناهية غير المتقومة بالانتهاء إلى عدد صحيح، فكأن ذلك العدد الصحيح يفيض الحياة على تلك الأصفار إذا انتهت إليه، وإذا لم تنته إليه فلا حياة لها. وكذلك سلسلة الكائنات المؤلفة من العلل ومعلولاتها إذا انتهت إلى علة أولى واجبة الوجود مستغنية عن تعليق وجودها بوجود علة أخرى، فاض منها الوجود على جميع أجزاء السلسلة فكانت السلسلة وأجزاؤها المتناهية موجودة وبطل التسلسل ببطلان عدم التناهي لكونه (في الهامش: وليس موقفنا من الخصم أننا ندعي استحالة التسلسل وهو ينكرها، وإنما الموقف الحقيقي أنه يدعي إمكان وجود العالم الممكن الوجود من غير حاجة إلى وجود الواجب، ونحن ننفي هذا الإمكان فموقفنا موقف النافي وموقف الخصم موقف المدعي. فإذا استند في إثبات مدعاه إلى تسلسل العلل الممكنة إلى غير نهاية مع احتياج كل منها إلى العلة، ليستخرج من عدم تناهي العلل المحتاجة علة غير محتاجة إلى العلة كان هذا مصادرة وتناقضا.. أما نحن فلا تتصور المصادرة في موقفنا لأنا نعترض على دليل الخصم باشتماله على المصادرة، فهل يكون الاعتراض على مصادرة الخصم مصادرة؟) يطلق في عرف العلماء على تسلسل أمور غير
صفحة 194
متناهية. وإن لم تنته السلسلة إلى العلة الأولى الواجبة فلا وجود للسلسلة ولا لأجزائها المعلق كل منها بمعلق! لا شيء منها بموجود ولا معلق بموجود بل معلق بمعلق. وعلى هذا التقدير بطل التسلسل ببطلان وجود السلسلة وأجزائها. فالتسلسل الذي هو عبارة في مسألتنا عن وجود علل غير متناهية معلق كل متأخر منها بمتقدم، باطل على كلا التقديرين لأن سلسلة العلل الموجودة متناهية وسلسلة العلل اللامتناهية غير موجودة، والغافل يظنها موجودة مقضية حاجة كل واحد من أجزائها في الوجود بفضل عدم تناهيها الذي هو محل النزاع، في حين أنه لم يتقرر ولم يتبين وجود أي جزء منها فضلا عن وجودها غير متناهية. ولو كان عند الغافل ما يكفيه من العقل لعلم أن ما لا يوجد متناهيا – وتبين ذلك من تطبيقنا الأمر على سلسلة ذات عشرة أجزاء – فعدم وجوده غير متناه أولى، وليس ما خيل إليه من عدم تناهيه إلا تغطية لعدم وجوده. والعارفون بالحقيقة لما يم يمكنهم الغوص في أعماق اللانهاية ليظهروا ماهية هذه السلسلة الموهومة في أعين الذين تخيلوا لها الوجود وإمكان الوجود، راجعوا طرقا أخرى لإبطال التسلسل ووضعوا براهين عديدة كبرهان التطبيق وبرهان التضايف تقريبا لبطلانه (في الهامش: ثم إن لنا أن نقف المدعي المحاول لإثبات الواجب مستندا إلى احتياج وجود العالم الممكن إلى علة موجودة غير محتاجة إلى علة وهي الواجب، والخصم يمنع الاحتياج إلى الواجب مستندا إلى تسلسل العلل الممكنة المحتاجة إلى علة. فنحن نبطل هذا السند باستلزامه المصادرة والتناقض وإقامة ما لم يثبت وجوده بعد وهو سلسلة العلل غير المتناهية، مقام العلة الموجودة.
الحاصل ان استناد الخصم إلى عدم تناهي سلسلة العلل الممكنة المحتاجة إلى علة ليستغنى به عن علة غير محتاجة إلى علة أعني الواجب، ليس إلا شعوذة من الخصم يغالط بها نفسه وغيره، لأن فيه ثلاثة أوجه من البطلان مصادرة وتناقضين، أما المصادرة فقد بيناها. وأما التناقضان فأحدهما في استخراج علة حقيقة غير محتاجة إلى علة، من ضم علة محتاجة إلى علة محتاجة مستمرا في عملية الضم إلى ما لا نهاية له، وجميع هذه المضمومات محتاجات ليست فيها واحدة غير محتاجة. وثانيهما أن الاستناد إلى عدم تناهي سلسلة العلل المحتاجة إنما يكون بالاستناد إلى تمام السلسلة اللامتناهية، في حين أن تمام السلسلة اللامتناهية انتهاؤها.)
صفحة 195
إلى الأذهان. ومع هذا فبعض الغافلين لم تنفعهم البراهين، كما ادعى الشيخ محمد عبده أن كل ما ذكره العلماء في إبطال التسلسل فعبارة عن أوهام كاذبة، والحال أن التسلسل لا سيما التسلسل في العلل، هو نفسه أكبر الأوهام الكاذبة (في الهامش: يحتمل أن يكون بين قراء هذا الكتاب من يجد التعبير “ببعض الغافلين” كثيرا بالنسبة إلى مركز الشيخ محمد عبده. لكن المسألة التي نعالجها متعلقة بوجود الله تعالى أهم من مركز الشيخ وأجدر بأن نتكلم فيها بكل صراحة ونقابل شديد الخطأ فيها وشديد التخطئة المضاف إليه، بشيء من الشدة.. فالشيخ الذي ينكر بطلان التسلسل ولا يرى مانعا في صحته، غافل عن أنه يسد برأيه هذا على نفسه باب إثبات وجود الله، لأنه يظن كفاية إبطال الرجحان من غير مرجح في إثبات هذا المطلب الأعلى، والحال أن إثباته يتوقف على إبطال التسلسل أيضا بعد إبطال الرجحان من غير مرجح. لأن معنى إبطال الرجحان من غير مرجح أن العالم لا يكون موجودا بنفسه بل يحتاج إلى علة موحدة، ومعنى إبطال التسلسل أن هذه العلة لا يجوز أن تكون محتاجة إلى العلة الموحدة مثل معلولها الذي هو العالم، وإلا تتسلسل العلل المحتاجة إلى العلة، إلى ما لا نهاية له من دون قضاء العالم حاجته من العلل التي يستند وجوده إلى وجودها ولا حاجة تلك العلل نفسها من العلة، فلا يكون شيء من العالم ولا سلسلة العلل التي يستند إليها العالم في مخيلتنا، موجودا. ثم إن التسلسل في العلل الذي أخطأ الشيخ في تجويزه وتخطئة مبطليه والذي يظن المخطئ فيه المعدوم موجودا بل موجودات غير متناهية.. هذا التسلسل أظهر أنواع التسلسل بطلانا. ومن هذا لم يعجبني أيضا قول من أفضله على الشيخ محمد عبده، أعني مترجم “المطالب والمذاهب” ص 229 عند الكلام على أن فلاسفة القرون الوسطى كانوا يبنون إثبات الواجب على امتناع تسلسل العلل من غير إقامة الدليل على هذا الامتناع. قال: “وكأنهم قائلون بكونه بديهيا بذاته” ثم قال: “وفيه نظر لأن تسلسل العلل وإن كان باطلا عندنا أيضا لكنه باطل بالاستدلال، فنحن نستدل عليه ببرهانين رئيسيين برهان التطبيق وبرهان التضايف” وقال في ص التي تليها مبينا لسبب امتناع تسلسل العلل: “إن العلة الأخيرة كما تأخذ وجودها من العلة التي تقدمتها تأخذ عليتها أيضا منها، فاقترب من الحقيقة حتى وصل إلى حافتها ثم ابتعد عنها قائلا: “فلزم تحقق وسائط غير متناهية بين حدوث المعلول وعلته وهو متوقف على مضى أزمنة غير متناهية”.
وإنما قلنا إنه ابتعد عن الحقيقة في قوله الأخير لأنه يوهم أن منشأ البطلان في تسلسل العلل الممكنة من غير انتهاء إلى العلة الأولى الواجبة، عدم استيعاب الزمان الماضي لسلسلة العلل غير المتناهية حتى ) وفي فصل حدوث العالم من الباب الثاني من هذا الكتاب بقية لهذا البحث.
ــــــــــــــــ ص 196ـــــــــــــــ
فهذا التسلسل الذى يتصورون فيه وجود أمور غير متناهية مترتبة بعضها على بعض بأن يأخذ المتأخر وجوده من المتقدم وتستمرُّ سلسلة هذه الموجودات المؤلفة من متأخر نشهده أمامنا إلى متقدم لا نشهده أمامنا إلى متقدم لا لمضيهِّ ومن متقدم إلى أقدم ثم إلى أقدم من الأقدام ومنه إلى مالا نهاية له فى القدم ..عبارة عن لعبة الشيطان فى عقول الغافلين ولا وجود للسلسلة ومراحلها الممتدة إلى جانب الماضى بالاستمرار والانتقال من متأخر إلى متقدم إلى مالا نهاية له ... ولا وجود لها لأنها سلسلة أمور لم تنته فى أى مرحلة من مراحلها إلى موجود قضى حاجته من الوجود فعلا لا تعليقا على وجود مايتقدمه مع أن وجود مايتقدمه أيضا معلق على وجود ما قبله وليس بناجز ، فلا موجود فى السلسلة التى يخيل إلينا سلسلة موجودات غير متناهية يستند بعضها إلى بعض فى الوجود ولا يصح أن يعبر عنها موجودات إذ كل موجود فيها موعود له الوجود وليس بموجود فعلا ، وفاقد الوجود الموءود له به لا يعطيه غيره وإنما يعطيه مما عنده وهو الوعد.
لا وجود لهذه السلسلة إلا فى الخيال الكاذب، لا كما قال الشيخ محمد عبده إن كل ماقيل أو يقال فى إبطال التسلسل فمن الأوهام والخيالات الكاذبة .. بل الكذب والخيال المحال فى التسلسل نفسه لا فى إبطاله ، ولو لم يكن باطلا لما أمكن إثبات وجود الله الذى ينتهى فيه سلسلة الموجودات كما قال خضر بك أستاذ السلطان محمد الفاتح العثمانى فى قصيدته النونية الكلامية :
------------- هامش ص 196----------------
د إن الزمان لو وسعها بأن كان هو أيضا غير متناه لزال البطلان عن تسلسل العلل إلى غير نهاية ، مع أن ذلك باطل فى ذاته إذ لا وجود لسلسلة تاعلل الممكنة المحتاجة إلى العلة غير مقتضية الحاجة متناهية أو غير متناهية إلا فى الوهم والخيال كما أوضحناه ولا تصح إقامة عدم تناهيها المفروض مقام قضاء حاجتها إلى علة الوجود ، فبطلانه فى تخيل ماليس بعلة لكونه غير موجود ، فى سورة العلة بل فى صورة العلل غير المتناهية وماليس بموجودة فى صورة الموجودات غير المتناهية . أما عدم تناهى الزمان فلا مانع عن القول به عند الملاحدة المنكريين لبطلان التسلسل الذى يتوسلون به إلى الاستغناء عن الواجب .
انتهى الهامش
ـــــــــــــــــ ص 197ـــــــــــــــــــــ
إلهنا واجب لولاه ماانقطعت آحاد سلسلة حفت بإمكان
ولو صح التسلسل لقضى الكائنات حاجتها إلى علة الوجود من داخلها وذلك بأن يجد كل كائن فى العالم علة وجوده فى جزء من العالم فإن احتاج هذا الجزء أيضا إلى علة الوجود لكونه من الممكنات التى تحتاج إلى علة ، كان علته شئ من أجزاء العالم الأخرى ولا مانع من عدم انتهاء بناء المحتاج على المحتاج عند من ينكر بطلان التسلسل فى العلل الموجدة فيتصور هذا المنكر عللا غير متناهية من أجزاء العالم تُقابل احتياجات غير متناهية من أجزائه إلى العلة ، ويتصور بهذا الطريق استغناء العالم وجود الله .فأين يذهب الشيخ محمد عبده المدافع عن التسلسل الباطل الذى يتخيله المتخيلون لإنكار وجود الله الواجب لقطع تسلسل العلل الممكنة المحتاجة إلى العلة ، وأين الأستاذ محمد صبيح مؤلف كتاب محمد عبده الذى زعم فيه تحدى الشيخ جميع شيوخ الأزهر ليثبتوا وحدانية الله فسكتوا ولم يحيروا جوابا ، مع أن فضيلة الشيخ نفسه يلزمه العجز عن إثبات وجود الله قبل إثبات كونه وحيداً فىالوجود ، وإن لم يشعر بذلك العجز وهو خطأ آخر .. ولو شعر به لما اجترأ على إنكار بطلان التسلسل إبقاء للطريق إلى إنكار وجود الله مع المنكرين ، فالاهتمام البالغ بإبطال التسلسل لا يكون منا لسائق دينى فقط نحتفظ به عقيدة وجود الله. بل التسلسل باطل بذاته علميا وضروريا ، كما أن الله تعالى موجود بذاته علميا وضروريا ، وسلسلة العلل الممكنة المحتاجة إلى علة إن كانت منقطعة فى أى مرحلة من مراحلها الماضية بالانتهاء والاستناد إلى العلة الواجبة غير المحتاجة التى هى ا لله ، فهى موجودة . وإن كانت سلسلة العلل فى جانب الماضى لكل واحد من الكائنات تستمر ممكنة ً أى محتاجة إلى العلة ولا تأتى لها نهاية – والتسلسل الباطل إنما يكون فى مثل هذه السلسلة غير المتناهية – فالسلسلة إذن غير موجودة بجميع أجزائها إلا فى خيال المغرمين بالضلالات .
ـــــــــــــــــــــــــــ ص 199ـــــــــــــــــــ
التعليقات مربوطة بذمة المستقبل لهان الأمر وكان لها معنى معقول (1) ولكنها تعليقات وانتقالات من الماضى القريب الفارغ إلى الماضى البعيد الفارغ فيكون معناها عدم وجود هذه السلسلة إلا فى الخيال الخادع ، كأن يقال : لو كان لزيد أم ولدته كان زيد موجودا، فوجوده يتوقف على وجود أمه ووجود أمه يتوقف على وجود أم أمه ، وهكذا تُتصور سلسلة أمهات لا تنتهى فى أى مرحلة من مراحل القدم إلا مولودة من أم .. ومثلها سلسلة آباء غيرُ منهية فى أبينا آدم المستند وجوده إلى خلق الله من غير أب وأم .
والمقصود من المثال تصور سلسلة أمور لا يوجد المتأخر منها إلا موقوفا على وجود المتقدم . فما هى موجودات بل موقوفات الحكم بوجودها على وجود موقوفات مثلها .
فهذا موجود إن وجد قبله ذاك وذاك موجود إن وجد قبله ذلك وهكذا جميع مراحل السلسلة لا وجود لها مقطوعا بل مشروطا بوجود آخر قبله لا يقطع بوجوده أيضا إلا مشروطا ومادامت السلسلة مشروطة من ناحية أخرى بأن لا تنتهى إلى مرحلةِ موجود مضبوط بالضبط لا مشروط ٍ بالشرط الذى لا تحقق له أبدا وتحققه يتوقف على انتهاء السلسلة المشروطة بعدم الانتهاء . وقد اكثرنا الأمثلة لإيضاح المسألة ، فإن لم تنته السلسلة فى مثال الآباء والأمهات فى آدم وحواء كما هو مذهب العصريين من أذناب داروين القائلين بإضافة الحيوانات من القرود وغيرها إلى نسب الإنسان فلابد أن تنتهى سلسلة التولد فى مرحلة من المراحل إن لم يكن المنتهَى مرحلة الإنسان فمرحلة الحيوان أو الأبعد منه أيضا .. لا بد أن تنتهى سلسلة المحتاجين فىالوجود إلىالتولد من شئ والتطور من حالة ، أو بالأعم المحتاجين إلى علة موجدة . ولا وجود للسلسلة التىلا نهاية لها إلا فى الخيال الغافل الذى يظنها موجودة وقاضية حاجتها إلى علة الوجود من عدم
---------- هامش ص 199--------------
(1) وسيعلم القارىء فى مكان آخر من الكتاب أن التسلسل فى جانب المستقبل يختلف عن التسلسل فى جانب الماضى الذى نحن بصدد إبطاله ويعلم هناك سبب هذا الاختلاف .
ــــــــــــــــــــــــــ ص 200ـــــــــــــــــــــــ
تناهيها الذى لا فا ئدة فيه غير إطالة مراحل الوعد بالوجود وعلاوة الوعد إلى الوعد، لا مراحل الوجود .
والحقيقة المجردة من الخيال أنه لا وجود لأجزاء السلسلة لا أصليا ولا مستعارا لعدم انتهاء الاستعارة فى أى جزء من الأجزاء إلى موجود غير محتاج فى موجوديته إلى استعارة الوجود من غيره . ولو انتهت انقطعت السلسلة فيه وما احتاجت إلى إحالتها على ذمة اللانهاية إخفاء للوجود المفقود بين أجزائها . ولهذا قلنا فى أول الكلام إن التسلسل عبارة عن لعبة لعبها الشيطان فى عقول الغافلين ليستخرجوا الموجود من المعدومات التى فرضوها غيرمتناهية ... يتصورون كأنهم إن لم يحصلوا على علة الوجود المنشودة من معدومات تصل إليها أذهانهم فربما يحصلون عليها فى معدومات لا تصل إليها أذهانهم لبعدها وكثرتها .
وإذ لا وجود لسلسة أسباب يتخيلونها ممتدة فى أعماق الماضى يكون وجود المتقدم فيها سبباً لوجود المتأخر إلى أن يأتى دور السبب الأخير المتصل بالكائن المشهود الذى كنا وقفنا أمامه فى أول الكلام نبحث عن سبب وجوده .. فلا صحة لوجود ذلك السبب ، ويلزم منه أن لا يصح وجود السبب الذى هو هذا الكائن المشهود والموجود رغم عدم وجود سببه .
والعقل التابع للتجربة التى تحاولالبحث عن علة وجود الكون المحتاج إليها لإمكانه، فى ممكناتٍ مثله محتاجة ً إلى علة الوجود ولا تجدها فتزيد فى خياله عدد الممكنات التى بحثت عن علة وجود الكون فيها ، إلى مالا نهاية له، ثم تحاول التفتيش عن العلة المنشودة فى هذا العد الغير المتناهى من الممكنات فلا تستطيعه .. ولكن هذا العقل المقيد بالتجربة يقول لصاحبه لو استطعت التفتيش فى غير المتناهى لوجدت ماتنشده فلا تيأس من الحصول عليه مادام عدد الممكنات التى تأخذ علة وجودها فى خيالك بعضها من
بعض ، لا نهاية .. فيغلط هذا العقل المقيد بالتجربة التي عجزت عن القيام بتمام واجبها و يُغلِّط صاحبه.
أما العقل السليم الحر فلا يصعب عليه الحكم بعدم وجود العلة اللازمة لوجود الكون بين سلسلة الآحاد الغير متناهية من الممكنات الموجودة في خيالك و الآخذة علل وجودها بعضها من بعض ، قياسا على عدم وجود هذه العلة في السلسلة المتناهية ، لاشتراكهما في بقاء آحاد كل من السلسلتين المتناهية و غير المتناهية غير مقضية الحاجة إلى علة الوجود مهما زاد عددها أو بالأصح مهما زيد عددها في الخيال – و معنى هذا أن آحاد السلسلتين المتناهية و غير المتناهية غير موجودة في نفسها فضلاً عن صلاحية واحد من تلك الآحاد لأن يكون علة وجود الكون المنشودة ، و الباحث عنها في سلسلة الممكنات التي رتبها في خياله لا يجدها إلا محتاجة إلى علة فيطيل السلسلة عبثاً و ينقل نظرها من علة إلى علة تتقدمها ، و كلها محتاجة إلى علة الوجود أي مخيلة غير موجودة.
و العقل السليم الحر يفهم مالم يفهمه العقل المقيد بالتجربة فيحكم – من غير حاجة إلى التفتيش – بعدم إمكان وجود العلة المنشودة لوجود الكون ، في الممكنات المتسلسلة الموجودة في الخيال المحتاجة هي الأخرى إلى علة الوجود. و جماع خطأ الباحث عن علة الوجود في سلسلة العلل المحتاجة إلى علة ، مؤملا قضاء هذه الحاجة في سلسلة لا نهاية لها إن لم يقض في سلسلة متناهية .. أن هذا الباحث يؤمل استخراج الموجود من معدومات لا نهاية لكثرتها . فيلزم أن يكون هذا الكون المشهود موجوداً إن لم يكن له علة الوجود غير ما يتوهم الغافلون وجوده في ضمن التسلسل الباطن الفارغ عن وجود أي شيء ، و هم يظنونه مملوءاً بموجودات غير متناهية يعتمد بعضها على بعض فيفهم العقل السليم المؤيد بهداية الله ما في ظنهم من الخطأ الفاحش و يصدر حكمه من غير حاجة إلى الوقوع في دولاب التسلسل لتجربة و معاينة ما فيه من الترهات البسابس.
و هذه معجزة العقل الحر إزاء عجر العقل التابع للتجربة العاجزة عن تعقيب سلسلة لا نهاية لها .. إزاؤ العقل العاجز التابع للعاجز ثم المجترىء رغم عجزه عن التجربة ، على الحكم بوجود هذه السلسلة غير الموجودة ثم الحكم يتضمن تلك السلسلةالمعدومة لوجود علة الكون ... هذه معجزة العقل غير المقيد بالتجربة ، معجزته الناطقة بكون العقل أقوى و أفضل من التجربة ، الذي جعلنا إثباته من أعظم مقاصدنا في هذا الكتاب .. يتجلى حصول هذا المقصود العظيم في ضمن السعي لكسب قضية من أعظم القضايا التي يمتاز بها الكتاب بحلها و أعني بها إبطال التسلسل فيتجلى هذان المقصودان العظيمان للأعين في وقت واحد متصلين بعضهما ببعض.
هذا إيضاح ما في تسلسل العلل إلى غير نهاية من البطلان و حسبي إبطال هذا النوع الخاص فيما أنا بصدده من إثبات الواجب كما أشرت إليه من قبل أيضا. و زيادة على هذا فإن الأستاذ الكبير التركي مؤلف الكتاب (اضمحلال مذهب الماديين) عزا إلى (رونووى يه) مؤسس الفلسفة الإنتقادية الجديدة أنه أبطل في كتابه ( فلسفة التاريخ التحليلية) – عند انتقاده لمذهب التكامل و بيانه الفرق بينه و بين مذهب الخلق من حيث ان الأول لا يضع مبدأ للكائنات في جانب الماضي ة الثاني يضعه – دعوى تسلسل الحادثات من غير أن يكون لها مبدأ ، و قال أنه بمثابة فرض عدد غير متناه موجود فعلاً و حقيقة ، و إنه متناقض. لأن العدد إن كان موجوداً حقيقة فلا يكون غير متناه و إن كان غير متناه فلا يوجد إلا في الذهن ، فيُضم واحد دائما إلى العدد في الذهن و لكن لا يوجد هذا العدد حقيقة) و لعل وجه التناقض في وجود عدد فعلا و حقيقة غير متناه ، أنه ضم واحد في الذهن إلى ذلك العدد اللامتناهي الوجود في الخارج ، فيلزم من قبوله الضم أن لا يكون غير متناه لأنه غير مضموم أقلُّ منه مضموماً ، و قد كنا فرضناه غير متناه ، و هذا هو التناقض.
الحاصل أن غير المتناهي لزمه أن لا يكون لزيادة شيء فيه أو نقص شيء عنه ، أي تأثير في كميته فلا يزداد بالزيادة ، و لا ينتقص بالنقص و يتساوى الحالان عليه ، و هو تناقض لعدوم كون الزيادة زيادة و النقص نقصاً. فإن كان للزيادة و النقص تأثير فيه – و لا سيما للزيادة – فهو متناه يستكمل نقصه بالزيادة و يزيده النقص نقصاناً و قد فرضناه غير متناه فهذا خلف و تناقض .. و إلى هذا الحاصل يرجع البراهين المرتبة لإبطال التسلسل كبرهان للتطبيق و غيره و كله إبطال لغير المتناهي. و يمكن إلحاق قولي هذا المستنبط من كلام (رونووى يه) و لا سيما قولي من قبل في إثبات عدم إمكان أن يكون غير المتناهي مؤلفاً من أجزاء متناهية و لا من أجزاء غير متناهية .. يمكن إلحاق هذه الأقوال بتلك البراهين المبطلة للتسلسل مطلقا(1) كما أن قولي الذي
(1) و من العجب المدهش أن كانت المقالة من باريس إلى لجنة المباراة الصحفية بالقاهرة و الفائز منها بالجائزة الأولى ، كان يرى هذا الباطل المتوسل به إلى إغناء العالم عن وجود الله ، أعني تسلسل العلل إلى غير نهاية ، أدل على قدرة الله تعالة اللامتناهية. كما سبق ذكره (الجزء الأول 191)
أطلقت أنفاسي فيه و في تمثيله بسلسلة الأصفار و سلسلة الإستقراض و سلسلة الإستناد و غيرها ، برهان تحليلي لإبطال تسلسل العلل الذي بطلانه متفق عليه بين الفلاسفة القدماء و المتلمين.
و الذي ذهب إليه الفيلسوف الغربي الحديث رجوع إلى مذهب علماء الإسلام المتكلمين المختلفين عن الفلاسفة القدماء في اشتراط استحالة الأمور اللا متناهية الموجودة فعلا من غير اشتراط ترتبها و اجتماعها في الوجود.
و نقل المؤلف التركي المار الذكر عن (رونووى يه) أيضا أنه أثبت في كتابه المسمى (مونادولوزى) استحالة وجود الأمور اللامتناهية فعلا. و لا أدري أنه ذكر في كتابه هذا الإبطال وجودها ما زاد على ذكره في كتابه السابق. أما المتكلمون فطريقهم في إبطال اللامتناهي إجراء برخان التطبيق عليه الذي نقبوا في تدقيقه و أسهبوا في الكلام إسهاباً يمل قارىء هذا الزمان. لكني أذكر له طريقاً موجزه سهلة التناول فأقول لو وجد أمور غير متناهية فعلا لأخذنا شيئاً منه قارنا الباقي بالمجموع المأخوذ منه فإن تساويا في المقدار كان الجزء مساويا للكل أو الناقص للزائد و كلاهما محال متضمن للتناقض و إن نقص الباقي عن المجموع لزم تناهي الناقص و هو ظاهر و تناهي الزائد أيضا لكونه زائدا على الناقص بمقدار مأخوذ متناه ، و الزائد على المتناهي بمقدار متناه متناه.
لا يقال لا نسلم بلزوم تناهي الناقص حتى يترتب عليه تناهي الزائد أيضاً لإمكان أن يكون الزائد و الناقص غير متناهيين مع كون أحدهما أكبر من الآخر. لأني أقول اللامتناهي يأبي أن يكون صغيراً أو ناقصاً ، فالقول بكون الزائد و الناقص غير متناهيين رجوع إلى القول بتساويهما فيلزم إما أن لا يكون الزائد زائداً و الناقص ناقصاً و هو تناقض ، أو يلزم تناهي التناقض أولا ثم تناهي الزائد كما ذكرنا و هو تناقض أيضا لكونه خلاف المفروض الذي هو وجود أمور غير متناهية.
فتبين من هذا التسلسل العلل الذي واجبنا إبطاله لإثبات الواجب مستحيل بوجهين الأول استحالة وجود أمور غير متناهية مطلقا حيث يبطله برهان التطبيق الذي اختصرناه آنفا ، و الثاني استحالة وجود شيء معلقا بوجود سلسلة أمور كلُّ جزء منها معلق وجوده على وجود ما قبله سواء كانت سلسلة المعلقات متناهية أو غير متناهية ، لعدم استناد وجود أي منها إلى علة موجوده ناجزة الوجود بل موجودة بشرط وجود على لها أيضا قبلها. و سلسلة كهذا لا توجد إلا في الخيال لعدم تحقق علة وجودها.
و عدم التحقق يظهر جليا في السلسلة المتناهية ، فيفهم عنه عدم التحقق في السلسلة غير المتناهية أيضا إذ لا فرق بينهما سوى كون علل الوجود المخيلة المتناهية في السلسلة المتناهية و غير المتناهية في غير المتناهية. و معلوم أن عدم التناهي في عدد المخيلات لا يجعلها موجودة حقيقة.
هذا و يمكن أن يذكر في تسلسل العلل الممكنه إلى ما لا نهاية له الذي عنينا بإبطاله هنا أكثر من تسلسل أمور غير متناهية مطلقاً ، محذور آخر غير بطلانه في ذاته و عدم إمكانه لتضمنه عدم وجود تلك العلل المفروض وجودها ، و لايتلزامه محالات أخرى كما بينا كل ذلك فيقال:
لو كان حادث في العالم يستند إلى على و تلك العلة إلى علة أخرى و هلم جرا إلى أن تتسلسل العلل الممكنة و لن تنته العلة الأولى الواجبة التي لا تحتاج إلى أخرى و التي تنتهي فيها السلسلة ، فمع عدم إمكان هذا التسلسل لو صرفنا النظر عنه و فرضناه ممكنا لكانت العلل المتسلسلة كلها عللا حقيقية مختلفة يمكن أن يهدم بعضها ما بناه بعض و لا تبقى رابطة منتظمة بين الماضي العالم و حاضره و غابره. أما على تقدير انتهاء العلل و استنادها جميعا إلى علة واحدة حقيقية فيكون ما عداها من العلل المتأخرة المترتبة عللاً عادية متوسطة جارية على الخطة التي رسمتها العلة الأولى الحقيقية و هي تبقى لكونها واجبة حين تزول العلل السائرة بعضها إثر بعض ، و تبقى هيمنها على الكائنات فترتكز الوحدة في الحكم و التدبير و التقدير و يدوم الإنتظار و الإنسجام.
اعتراضات (كانت)
ثم إن الفيلسوف (كانت) كما انتقد دليل إثبات الواجب الذي عنينا بتقريره و إيضاحه و الدفاع عنه ، بتوقفه على إثبات بطرن التسلسل في العلل الممكنة إلى ما لا نهاية له و ادعاء امتناع إثباته – و قد أثبتنا نحن بطلانه و لله الحمد بما لا تبقى بعده شبهة لعاقل و ذكرنا أيضا رد الفيلسوف (رونووى يه) في هذه المسألة على (كانت) – هذا الفيلسوف أعني (كانت) كما انتقد هذه النقطة من الدليل المذكور قريباً و مفصلاً ، انتقد منه المقدمة القائلة بأن لكل حادث علة ، مدعياً أن تلك المقدمة لا قيمة لها في غير المحسوسات.
و هذا يعد طعنا من الفيلسوف (كانت) من غير مبرر ، في كلية مبدأ العلية الذي أجمع عليه العقلاء ، كما عاب ذلك عليه جمهور فلاسفة الغرب لا سيما (رونووى يه) مؤسس الفلسفة الإنتقادية الحديثة.
و أنا أقول : هذا الإعتراض الموجه إلى صلب أشهر دليل لإثبات وجود الله و الذي لو صح لقضى عليه ، يجا أن نقف في تدقيقه وقفة الإهتمام. و الذين نقلوا اعتراض (كانت) ليجيبوا عليه و يدافعوا عن الدليل اجتزأوا بعدم تسليم اختصاص مبدأ العلية بالعالم المحسوس. و نحن نؤكد أولا أن دليل إثبات الله يقوم على أساس مبدأ العلية.
فإذا نحينا القضية القائلة بأن لكل حادث علة عن دليل وجود الله و قطعنا صلتها به ينهار الدليل من أساسه. لكن هذه النتيجة أعنى قطع صلة العلية بمسألة وجود الله لا إمكان لها لكونها تؤدي في وجود الكائنات إلى الرجحان من غير مرجح الذي يتضمن التناقض ، فهل وجود العالم الذي لا ضرورة فيه لكونه من الممكنات القابلة للوجود و العدم على السواء ، مستغن في وجوده عن علة ترجح له الوجود؟ و إذن فما هو دور مبدأ العلية الذي اعترف به العقلاء ، في المطالب الفلسفية؟
ثم إنا نلفت إلى ما في هذا الإهتراض من الغموض و الإبهام. فماذا مراد (كانت) من ادعاء أن مبدأ العلية ليست له قيمة في غير هذا العالم المحسوس؟ و اللازم الضروري أن يجرى مبدأ العلية القائل بأن لكل حادث علة، في كل حادث فلا يحدث حادث من دون علة لحدوثه. فماذا يكون إذن تعلق اعتراض (كانت) المفرق بين المحسوس و غيره بهذه القضية المأخوذة في دليل إثبات الله؟أليس في العالم المحسوس الحادث؟ فإن كان و احتاج إلى العلة باعتراف (كانت) في المحسوسات ننقل الكلام إلى علتها و إن كانت حادثة أيضا و محسوسة احتاجت هي أيضا إلى علة. و هكذا حتى إلى علة قديمة لا تحتاج إلى علة و هو المطلوب أو تتسلسل العلل الحادثة إلى غير نهاية. و قد علمت أن هذا التسلسل محال.
و إن كان مراد (كانت) من اعتراضه أن العلة القديمة التي تنتهي إليها العلل الحادثة لقطع التسلسل ، خارجه عن العالم المحسوس و كان معنى هذا إحداث شرط من عنده في مبدأ العلية هو كون المعلول و العلة كلاهما من المحسوسات ، فمع أن هذا الإشتراط لا مبرر له غير محاولة الإعتراض على أدلة إثبات الله، يرد عليه أن سلسلة العلل الحادثة المحسوسة المحتاجة إلى عله ، تكون متضمنة لإحتياجات غير مقضية ما لم إلى تنته إلى علة قديمة غير محتاجة و إن لم تكن هذه العلة القديمة نفسها من العالم المحسوس. و معنى كون الإحتياجات غير مقضية عدم وجود سلسلة العلل الحادثة في نفس الأمر حتى و لا علة واحدة منها (و قد أوضحنا ذلك بأمثلة عدة تزيل كل شبهة في بطلان هذا التسلسل ، فضلا عما أريناه من نموذج الباطل في السلسلة المتناهية) فإذا لم يُنتقل من هذه الحادثات المتسلسلة المحتاجة إلى قديم غير محتاج ، كما إدعى (كانت) لعدك كونه من المحسوسات الت هي محل تطبيق مبدأ العلية على زعمه ، لزم أن يبقى الحادث المحسوس الذي بحثنا عن علته من غير علة ، فلا يجرى مبدأ العلية بالمظر إلى الشرط الذي بنى عليه (كانت) اعتراضه ، في العالم المحسوس أيضا ، في حين أنه معترف بجريانه فيه و مدع لإختصاصه به و هذا خلف.
و لا يستطيع (كانت) أن ينهض من تحت هذا النقد القاسي المردد بين ضرورة الإعتراف بوجود علة قديمة محسوسة أو غير محسوسة و بين لزوم بقاء الحادثات المحسوسة التي يسلم كانت بحاجتها إلى العلة ، من غير علة. و خلاصة انتقادنا أن حصر مبدأ العلية في المحسوسات لا ينفع كانت في نقص الدليل الذي أقمناه لإثبات وجود الله .. لا يستطيع النهوض من تحت هذا النقد إلا إذا اعتبر تسلسل العلل الحادثة إلى غير نهاية المحتاجة إلى العلة ، علة و ادعى كون التسلسل في العلل لم يثبت بطلانه كما بنى عليه اعتراضه الأول ، و ذلك خطأ آخر منه فضلا عن خطئه في جعل هذا الإعتراض الثاني المتعلق بمبدأ العلية اعتراضا مستقلا عن اعتراضه الأول المتعلق بالتسلسل.
و من اعتراضات (كانت) الغريبه أن قضية ( الله موجود) إن كانت من القضايا التحليلية (1) فلا يزيد محمولها شيئا على موضوعها و إنما يكون بمثابة التكرار و لا تفيد إقامة الدليل على قضية كهذه فائدة. و إن كانت من القضايا التركيبية التي يلزم أن تكون منها القضاي المطلوب إثباتها فلا استحالة في نفي محمولها عن موضوعها لعدم استلزامه التناقض و إنما لزوم التناقض عند نفي المحمول عن الموضوع خاص بالقضايا التحليلية.
و الإعتراض موجه غلى قولنا (الله موجود) أكثر من أن يكون موجها لإلى دليله فيعد اعتراضه عليه (معارضة) على التعبير المعروف في على آداب البحث و المناظرة و هي إقامة الدليل على ضد الدعوى المثبتة بالدليل من غير تعرض لدليل المثبا. فيكون تعلقها بالدعوى مباشرة و بالدليل مصادمة.
ثم إن هذا الإعتراض أورده (كانت) على الدليل الوجودي من أدلة وجود الله المستنبط من مفهود (الله) المتضمن لجميع الكمالات فيلزم أن يكون موجودا لأن الجود كمال. و قد تمسك به غير واحد من فلاسفة الغرب و فيهم الفيلسوف ديكارت و لم يخل من غرابة التفكير ، كما سيجىء بيانه ، و من أجل ذلك لا نشتغل هنا بذكره و لا بذكر الإعتراضات المورودة عليه. إلا أنه لما كان اعتراض (كانت) عليه من قبيل معارضة الدليل بالدليل و مع هذا فهي تمس دعوى ديكارت التي هي دعوانا أيضا ، أكثر من مساسها الدليل كما أشرنا إليه ، كان من واجبنا أن لا نغفل اعتراض كانت هذا أيضا من غير جواب فنقول:
قد ذكرنا أن دليل ديكارت هذا الذي اعترض عليه (كانت) لم يكون خاليا من الغرابة و سليما من المآخذ .. و لكن اعتراض (كانت) عليه أغرب منه لأنه إن صح فلا يقف عند سد الطريق في وجه إثبات هذا المطلب أعنى قولنا : (الله موجود) فحسب ، بل يسد الطريق في وجه كل قضية يُطلب إثباتها ضروريا ، بتطبيق ما قاله هو نفسه اعتراضا على قولنا (الله موجود) عليها. لأنها إن كانت من القضايا التحليلية فلا يزيد محمولها على موضوعها و إنما تكون بمثابة التكرار ، و لا تفيد إقامة الدليل على قضية كهذه فائدة. و لإن كانت من القضايا التركيبية فلا استحالة في نفي محمولها عن موضوعها لعدم استلزامه التناقض(2) و إنما حصول التناقض عن نفى المحمول عن موضوع خاص بالقضايا التحليلية. و خلاصته أن القضية التحليلية لا يفيد إثباتها فائدة و القضية التركيبية لا يمكن إثباتها ضروريا لإمكان نفي محمولها عن موضوعها دائما ، في حين أن إثبات القضية إثباتا ضروريا يتوقف على استحالة هذا النفي كما في القضية التحليلية. و الجواب أن نفي المحمول عن الموضوع في قضية (الله موجود) إن لم يستلزم التناقض مباشرة أي بالنظر إلى عدم اعتبارها قضية تحليلية ، لكن الدليل الذي أقمنا عليها قد أسفر عما في نفي هذه القضية من التناقض في تصور وجود العالم ، مرة في لزوم الرجحان من غير مرجح ، إن كان وجوده من غير علة و مرة في تسلسل العلل ، إن كان وجوده لعلة محتاجة إلى العلة. و قد سبق ردنا على نقد (كانت) الموجه إلى النقطتين المذكورتين.
و أنا الذي يرى القارىء تحكى في هذا الكتاب بالفيلسوف (كانت) أحس من اعتراضه هذا أنه يفكر المنطق الصوري الإستنتاجي و لا يعترف بالمنطق الإستقرائي (3) فكأنه يدعي انحصار القضايا الضرورية التي يستحيل خلافها في البديهيات. أما القضايا الثابته بالدليل فلا تبلغ مبلغ الضرورة كالمسائل الثابته بالتجربة. من هذا أنكر ثبوت وجود الله بالدليل العقلي النظري و كان يميل إلى إثباته بالتجربة لو لم يتعذر ، و لو أمكن إثباته
(1) و هو ما يسمى القضايا التي يدخل تصور محمولها في تصور موضوعها أو تصور موضوعها في تصور محمولها أو تصور كل منهما في تصور الآخر ، قضايا تحليلية و بعد أكثر البديهيات منها و يسمى القضايا التى لا يدخل شيء من تصور موضوعها أو محمولها في تصور الآخر ، قضايا تركيبية. و بسبب دخول أحد طرفي القضايا التحليلية في الآخر لا تجوز المناقشة فيها إذ يكون إنكارها مستلزما للتناقض ، و المعروف عند المنطقيين أن القضايا التي يسميها (كانت) قضايا تحليلية قضايا لفظية خالية من الحكم كالقضايا المؤلفة من التعريف و المعرف و لا شك أن قولنا ( الله موجود) ليس من هذا القبيل.
(2) فيه أن نفي المحمول عن الموضوع في قضية (الله موجود) إن لم يستلزم التناقض مباشرة أي بالنظر إلى عدم اعتبارها قضية تحليلية ، لكن الدليل الذي أقمنا عليه أسفر عما في نفي هذه القضية من التناقض في تصوير وجود العالم ، مرة في لزوم الرجحان من غير مرجح إن كان وجوده من غير علة ، و مره في تسلسل العلل إن كان وجوده لعلة محتاجة إلى علة. و قد سبق ردنا على نقد (كانت) الموجه إلى هاتين النقطتين
(14- موقف العقل – ثان)
(3) و إنك ترى في هذا الكتاب النقل عن (كانت) في الثناء على المنطق الصوري الذي هو المنطق الحقيقي الكبير ، و الحق أن فلسفته اضطرابات.
كان إثباتا لا يفيد اليقين الضروري الذي ينشده مثبتو وجود الله. فاليقين الضروري لا يكتسب عنده بالدليل و انما يستفاد من نفس بعض القضايا و هي القضايا التحليلية.
و نحن المعترفين باليقين البرهاني علاوة على اليقين البديهي نقول مع الفيلسوف الكبير (ليبنتز): (إن اليقين البرهاني عبارة عن اليقين البديهي الذي ينطق على حقائق متعددة بدلا من انطباقه على حقيقة منفردة) كما في (المطالب و المذاهب).
و من اعتراضات (كانت) الفريبة التي لا تتناسب مع مركزه في الفلسفة أن واجب الوجود الذي يثبته الدليل الكياني – و هو ما ذكرناه و عولنا عليه – لا يدل على وجوب وجود الله الذي هو الأكمل لإحتمال أن يكون الواجب وجوده اللزم للدليل مجموع الكائنات أو المادة.
و فيه أن مجموع الكائنات إن لم يكون حادثا فعلى الأقل يشتمل على الحادثات ، و المجموع المركب من الحادث و غيره لا يمكن أن يكون قديما بل أن يكون واجبا. أما المادة فقد كان الماديون قبل النظرية الجديدة القائلة بفناء المادة يدعون أزليتها و أبديتها

211
وكنا نحن لا نسلم لهم بذلك ، مع أن الأزلية والأبدية لا تستلزمان وجوب الوجود ، بل فيها ما ينافى الوجوب وهو احتاجها إلى الصورة و عدم وجودها مستقلة عنها فكيف يكون الأكمل هو هذه المحتاجة ؟ ثم إن المادة قابلة لا فاعلة والمقصود من دليل إثبات الواجب هو البحث عما يكون أولى لوجود الكائنات ومبدأ له .وما هو الفائدة فى إثبات وجوب وجود المادة التى ليس من شأنها الخلق والإيجاد لكون العطالة من أخص أوصافها عند جميع أهل العلم ، فلو أن المادة فرض كونها واجبة الوجود –وهى بهذه الحالة – لكنا فى حاجة إلى اثبات واجب اّخر له مؤهلات الخلق والإيجاد وهو الذى يدل الدليل على وجوب وجوده بدافع العلية ، ولا يدل على وجوب وجود شىء لايسمن ولا يغنى فى قضاء حاجة الكائنات إلى علة وجودها ، فالمادة تكون مادة الوجود للكائنات ولا تكون علة الوجود لها بمعنى موجدها.
"ديكارت " و "كانت"
أعلم أن الرأى العام بمصر المثقفة ثقافة جديدة أخطأ ولا يزال مخطئا فى نشر هذا الكتاب فى تلقى فلسفة رجلين من أقطاب الفلسفة الغربية . وهما "ديكارت" الفرنسى و"كانت" الألمانى. ومعنى هذا أن فلسفتهما أو بالأصح أن فهم المثقف المصرى لفلسفتهما كانت من أهم أسباب ضلاله فى فهم موقف الدين من العقل ، ذلك انه تعلم من "ديكارت " أن يشك فى كل شىء حتى فى دينه حتى فى وجود الله ، وتعلم من فلسفة "كانت" إبعاد العلم والعقل النظرى من المسائل الدينية . وليس له أى معذرة فى تعلمه الأول أعنى خطأه الأول وإن كان له بعض العذر فى تعلمه الثانى وأعنى خطأه الثانى لأن فلسفة "ديكارت " ليست مما ينبغى أن يعبر عنها بفلسفة الشك ولا أن ديكارت زعيم الشاكين و المشككين للناس فى الله ، بل هو بالعكس فى طليعة المؤمنين بالله
212
الموقنين إيقانا يجعله أساس العلم ، بله أن يجعل الإيمان بالله منافيا للعلم مع الجاعلين الجاهلين ..وإنى جد معجب بإيمان هذا الرجل العظيم الذى يكفيك شاهدا لعظمته فى إيمانه وعلمه قوله :
" إن الله مبدأ العلم كما أنه مبدأ الوجود وهو مبنى اليقين النظرى : فنحن نعرف وجود الإدراك ووجود الله الذى يستنتج منه بلا واسطة معرفة بديهية : وأما وجود العالم فإنما نعرفه بالصدوقيه الإلهيه "ورأسيته " (1) المطالب والمذاهب ل"بول زانه" ص 68 من الترجمة التركية .
وهذا الرجل من كمال إيمانه بالله لا ينتقل إلى إدراك وجود الله من وجود العالم كما هو الترتيب فى الاستدلال المعروف ، بل يعكسه ويقول : " من جراء كون الله موجودا فالذى أعرفه جليا وواضحا (كوجود العالم) حق " .
ويقول : " إن الله ليس خالق الوجود فحسب ، بل خالق الماهيات ايضا (2) وهو الذى خلق فى ضمن خلق الماهيات الحقائق ايضا أعنى العلاقات المنبعثة من الماهيات ، مثلا إنه خلق المكان والفضاء وخلق مع المثلث الحقائق الهندسية المنبعثة من هذه الأمور (3) كمساواة زوايا المثلث لقائمتين " المطالب والمذاهب ص 262.
بداية هامش
(1) يقول : إن لنا ميلا لا قبل لنا برده يدفعنا إلى التصديق بوجود الأجسام فهذا الميل فينا من الله . فلو لم تكن الأجسام موجودة فى نفس الأمر لكان الله قد خدعنا
ويقول ايضا : "كما أننا لا نراجع الاستدلال فى كل وقت ، نضطر للوثوق بذاكرتنا فى الاطمئنان بكوننا أدركنا الشىء الفلانى إدراكا بينا ، مع أنه لا ضمان لإخلاص ذاكرتنا لنا سوى الصدوقية الإلهية . فالحاصل أن الله تعالى مبدأ اليقين " المطالب والمذاهب ص 264
(2) رد على مذهب الفلاسفة القائلين بأن الماهيات غير مجمولة وأن الله تعالى ما جعل المشمش مشمشا و لكن جعله موجودا .
(3) وإن كان "ليبتنز" يستغرب هذا القول من "ديكارت " قائلا : مما يلحق بغرائب الاّراء والمذاعب إسناد يدكارت خلق الحقائق الأزلية إلى الله . أجل إن الله هو أصل الحقيقة =
نهاية هامش
213
وفيه أيضا ص نفسها : " إن ديكارت كان يعظم قدرة الله تعالى غاية الإعظام فلا يكتفى بجعل الله خالق العالم بل يجعله أيضا خالق الحقائق الأزلية وخالق القوانين المنطقية (1) ويقول لو كان فيما وراء الله وفوق الله نظام حقيقة غير مخلوق للزم انقياده تعالى لبعض الأشياء كما انقاد "زوبيتر " "لسكيتس" فإذا كانت زويا المثلث الثلاث مساوية لزاويتين قائمتين ، وإذا لم يكن جبل بدون واد ، فإنما كل ذلك لأجل أن شاء الله أن يكون كذلك " .
هذا هو ديكارت وهذا هو مذهبه العظيم فى الله العظيم (2) ، أما مسألة الشك الشائعة
بداية هامش
= ولولاه لما تحقق كل شىء ولما أمكن ، ولا ريب فى أنه لولا الله لما تأسست الهندسة إلا أن الذى جعل الحقائق الأزلية حقائق هو علم الله وليس لإدراته مدخل فيه . " المطالب والمذاهب " ص 181
أقول لا يخفى ما فى قول "ليبتز" الذى هو أيضا من أكبر فلاسفة الغرب من عرفان وأدب عظيمين إزاء مقام الألوهية حيث يسند جعل الحقائق الأزلية حقائق إلى علم الله بعد فك رابطتها من إرادته مع إن " الجعل " الذى هو شأن الإرادة لا يكون من شأن العلم فيلزم ان لا يكون جاعل الحقائق علمه أيضا إن لم يكن إرادته . فكأنه يقول لولا أن الله تعالى علم الحقائق الأزلية حقائق لما علمناها حقائق .
(1) فى هذا القول عبرة كبيرة وعظة كبيرة مرة للمستهينين بالمنطق من الكتاب المصريين الذين سبق ذكرهم فى أمكنة من الكتاب . لأن الفيلسوف يذكر ما يذكره أمثلة لعظيمات الحقائق الثابتة أزلا وأبدا . وأنى أبنه أولئك الغافلين على أن المنطق الذى يكبره ديكارت هو المنطق التجريدى الذى يستهينون به لأنه المنطق الأصلى الكبير الذى لا يقبل التغيير .
(2) وأما فلسفة ديكارت القائلة بقدرة الله تعالى حتى على المستحيلات كما قرأته فى كتاب صديقى الدكتور عثمان أمين : "ديكارت " فهى وإن كانت دالة على عظمة عقيدة الرجل فى الله العظيم ومثالا اّخر من أمثلتها لكنا نحن لا نشابهه فى هذه الفلسفة ، بل نكتفى بأن نقول مع علماء الإسلام المتكلمين الذين يزنون كل ما يقولون :" إن الله قادر على جميع الممكنات " إذ لولا المحال لانهارت القضايا الدينية المبرهنة لأن براهينها تتم بالإنتهاء إلى المحال الباطل على فرض عدم تسليمها " ، ومنها البرهان المثبت لوجود الله فيقال : لو لم يكن الأمر كذا لزم التناقض فهو محال فينتهى الكلام عنده ... فلولا المحال لما تسنى لنا إثبات وجود الله بدليله . =
214
وموقف ديكارت منها فهى أن ديكارت لم يضعها لإثارة الشك فى كل شىء ، وكيف تتصور إثارة الشك فى كل شىء ممن رأيت مبلغ يقينه من نصوصه التى أوردناها ، وإنما وضعها لهدم صرح الشك الذى كان الحسبانيون أسسوه فى القلوب ، وقد عرفت مما سبق وستعرف مما يأتى تسلط الحسبانية المتوارثة من الفلسفة اليونانية على أفكار الفلاسفة الغربيين ، لاسيما المسيحين منهم وعرفت أو ستعرف تخلص فلاسفة الإسلام المتكلمين منها قبلهم بكثير ، فكان ديكارت أول من دك دعائم الشك فى الغرب وأبعده عن الفلسفة . وكان من حذاقته أنه جعل الشك نفسه الذى لا شىء يسلم به سواه عند الريبيين ، يهدم الشك ، فقال لهم : " إنى أشك فأدرك " لأن الشك نوع من الإدراك أى إدراك متردد بين الإيجاب والسلب " ثم أدرك من هذا أنى موجود " ولو لم أكن موجودا لانتقى شكى وإدرامى المندمج فيه بانتفائى ، مع أنى قلت لكم إنى أشك وأنتم معاشر الربيين صدقتمونى فى قولى هذا . فوضع ديكارت أساس العلم تجاه داء الشك المزمن مستخلصا دواء الشك من نفس الداء وحصل على أول يقين من إدراك الإنسان وجود نفسه فقال : إن قضية " أدرك فأنا إذن موجود " حقيقة بديهية . فليس هو الرجل الذى يشك فى كل شىء كما زعم الزاعمون عنه بل الذى استخرج حتى من الشك حقيقة متحققة .
وأفاد " ليبنتز" أفضل الفلاسفة المنسوبين إلى مدرسة ديكارت الجواب الذى وضعه ديكارت لحل مشكلة الشك المزمنة ، فى هذا الأسلوب : " شكى نفسه لا يسع أن أشك
بداية هامش
= ولا يقال ردا علينا : لما لا يجوز أن يكون المحال بالنسبة الينا نحن المبرهنين ، ممكنا بالنسبه إلى الله القادر على كل شىء لا يكون التناقض باطلا لعدم كون الجمع بين النقيضين محالا على الله . لأنا نقول جوابا عليه : نص القراّن القائل بعموم قدرة الله على كل شىء ، مقيد عند علماء الإسلام بكل شىء ممكن فيستثنون المحال من "كل شىء " استثناء عقلى . والذى نسميه المحال يلزم أن يكون محالا عند الله وعند الناس ، لأنه المحال فى الواقع ، وليس بمحال ما يعجز عنه ذوو القدرة الضعيفة . فلولا ذلك المحال الحقيقى ولولا التناقض من أمثلته المشهورة القليلة جدا ، بأن يكون ممكنا عند الله على مقتضى فلسفة ديكارت لانسد طريق إثبات الواجب ، وانجر إعظام قدرة الله لهذا الحد غير المعقول ، إلى إعدام الله .
215
فى وجود نفسى حتى فى الوقت الذى اّخذ الشك فى وجود كل شىء .
أجل إن ديكارت هو ذلك الفيلسوف الوحيد الذى ألغى ثنائية العقل والإيمان المنتقلة من فلسفة القرون الوسطى التى تأثرت من النصرانية فأدخلت الإيمان فى نظرية اليقين ركنا جديدا ، بحجة أن العقل لا يتخلص من الحسبانية فى اكتساب اليقين (1) فيحتاج إلى دعمه بالإيمان المبنى على الإرادة (2) وكان هذا فى الحقيقة توهينا للعقل أكثر من دعمه ، لاتهامه بالعجز وتفضيل قوة الإيمان على قوته (3) وكان أصل دافع فلاسفة القرون الوسطى إلى هذا المذهب تأثرهم بالنصرانية المتنافية مع العقل فزين لهم الحط من مرتبة العقل لتسلم النصرانية من نقده. قال "بول زانه" : " يفهم أن القرون الوسطى لم توفق فى عملها ولم تستطع تأليف العقل بالإيمان فسعى لتغليب الثانى على الأول " .
فجاء ديكارت وألغى ثنائية العقل والإيمان باطراح الإيمان وإعادة حقوق العقل إليه وخلصه من الحسبانية قاضيا على الشك بسلاح مأخوذ من الشك فابتدأ به دور جديد ،
بداية هامش
(1) كانت فلسفة اليونان ابتدأت بالحسبانيه اللاأدرية ، فقد كان "هراقليط" و "بار منيد" و "امبادوفل " و "ذيمقراط" و"أنا كساغور" متفقين على إنكار صدوقية الحواس ، ثم نسختها فلسفة "سقراط " و "أفلاطون" و "أرسطو" وبعد حين استؤنفت الحسبانية من جديد وكان أشهر رجالها " بيرون" و "كارنه اّد " . وكلتا هاتين الحسبانيتين تسمى الحسبانية القديمة . ثم ظهرت نظرية "شبه اليقين " باّنتوكوس و "جيجرون" ثم عقبها الحسابنية الجديدة وأصحابها " بطليموس" و " دوجيرن " و " أنه زيده م " و " اّغريبا " و " سكتوس اّميريكوس " . إلى أن جاءت النصرانية فأدخلت الإيمان ركنا فى نظرية اليقين ثم ألغاه " ديكارت" كما بينا. وعادت الحسبانية بعد عهد ديكارت أيضا المنجى الأخير للعلم من الشك .وتسمى الحسبانية الأخيرة أو حسبانية "هيوم " وليست الفلسفة المعنوية ببعيد عنها وإن اشتهرت "كانت " من زعماء المعنويين ، بتخليص العلم منها . وسيجىء درس هذه المباحث درسا مشبعا إن شاء الله.
(2) كان " سنت انسله م " يردد ويؤكد قوله : " أؤمن لأفهم لأنى لا أفهم إن لم أؤمن "
(3) أما ضم الإذعان فى الإيمان الدينى المعتبر عند أكثر علماء الإسلام ، إلى التصديق المنطقى الذى هو فعل العقل ، فذلك لم يكن منهم استصغارا لقوة العقل وذهابا إلى حاجته للتأييد بل قصدا إلى جعل الإيمان من الأفعال الأختيارية الصالحة لأن يكلف بها الإنسان .
نهاية هامش
216
وانتهت القرون الوسطى التى جعلت الإيمان اصلا فى اليقين والعقل تابعان له فكان ذلك ضربة على النصرانية طبعا ، فظن مقلدوا الغرب منا الذين تعلموا الدين ايضا رغم كونهم مسلمين ، أن منهج " ديكارت " أضر بدينهم كما أضر بالنصرانية ، وهم مخطئون فى فهم موقف دينهم وفى فهم حقيقة هذه الفلسفة . ففى خطأهم الأول أساءوا الظن بالإسلام وفى خطأهم الثانى أساءوا الظن بالعقل واتبعوا فلسفة القرون الوسطى المتأثرة من المسيحية (1) مع أنا نحن دافعنا لحساب الإسلام فى هذا الكتاب عن حقوق العقل طبق ما فعله ديكارت وسندافع ايضا إن كان دفاعنا عنها إزاء منكريها من طراز خاص .
فلينظر القارىء مما فعلنا ونفعل فى الدفاع عن العقل ، بعد موقفى الإسلام والنصرانية بعضهما من بعض ، وليقض العجب من غفلة الشرقيين الذين التبست عليهم النصرانية والإسلام حتى ترى بعض الممعنين فى الغفلة يعيبون الإسلام بكونه محصول القرون الوسطى ، وهذا ايضا محض تقليد منهم لحركة التجديد الثائرة على النصرانية وتطبيقها على اإسلام بغير أى حق ، فإذا انتقد النصرانية ناقدوها بابتنائها على فلسفة القرون الوسطى الواضعة للعقل تحت تابعية الإيمان كان لهذا النقد معنى معقول ، لكن الإسلام لا علاقة له بالقورن الوسطى غير الاقتران الزمانى . أما فلسفته فيعاكس فلسفتها حتى يصح القول بأن الإسلام تقدم بتجديده المعطى للعقل حقه على التجديد الذى ابيتدأ بعهد ديكارت .
ومن العجب أن المثقفين بمصر وفيهم بعض أقطاب الأزهر ومجلة الأزهر _ كما أطلع القارىء عليهم من نماذج المستشهدات المنقولة عنهم فيما سبق- بعثوا من جديد ثنائية
بداية هامش
(1) وفيما سبق ذكره من محاولة الأستاذ فريد وجدى تنزيل قيمة الدليل العقلى بحجة أنه يكثر فيه الخطأ ، نزعة إلى تلك الفلسفة.
217
العقل و الإيمان التى عاشت فى القرون الوسطى النصرانية ثم أماتها ديكارت وقبله الإسلام . ومما زاد فى العجب أن الثنائية القديمة كانت ضد مصلحة العقل لتأييد الإيمان ، والثنائية الجديدة تحدث ضد مصلحة الإيمان أو بالأصح ضد مصلحة الإيمان والعقل معا. وقد ذكرنا كل ذلك من قبل . وكان منهج الشك المنسوب إلى فلسفى ديكارت لتأييد العقل ضد الإيمان الأعمى فبات الأساتذة الغافلون منا يستخدمون ذلك المنهج لتشكيك الأذهان فى مقررات العقل .
بقى أن يقال لنا كيف يأتلف ما قلتم عن فلسفة ديكارت إنه ألغى ثنائية العقل و الإيمان بإطراح الإيمان ، مع ما قلتم عنه ايضا أنه فى طليعة المؤمنين بالله ؟ والجواب أنه لم يطرح الإيمان مطلقا وإنما طرحه ركنا فى قضية اليقين و سندا للعقل فى إدراك الحقائق ، فليس العقل عنده الإيمان بل الإيمان تابع للعقل . ألا يرى قوله " إن قضية أدرك فأنا إذا موجود حقيقة بديهيه ، وهذه الحقيقة لا تسقط فى أى زمان بساحة الذاكرة ولا تزال غير فاقدة لبداهتها حتى تصل إلى الله فإذا وصلت إليه تيقن أن العقل أنشىء لفهم الحقيقة ، ويتضمن هذا اليقين المقدسات المستخدمة فى وجود الله ايضا ( المطالب والمذاهب ) ص 68
قال " بول زانه " ص 243 " فى الفلسفة الأخيرة تلزم دائما مراجعة "ديكارت" فى مبتدأ جميع المطالب والمباحث . وفلسفة ديكارت إن كانت مركبة من عناصر كثيرة مقتبسة من القرون الوسطى والمتقدمين إلا أن له طريقا يخص شخصه تماما بديعا جدا وهو طريق " الاشتباه ومعيار التبين " يعنى أن يشط فى كل ما ليس بمبرهن عليه (1) ولا يقبل ماعدا الظاهر بذاته أو بغيره " ثه ويدان " على أنه مبرهن عليه .
بداية هامش
(1) تلفت القارىء إلى هذا القيد فى منهج الشك المنسوب إلى ديكارت ! فهو لا يوصى الشك فى كل شىء بل فى كل ما ليس مبرهن عليه وهو المراد ايضا من المعطوف " بلو " فى قوله =
218
" وفى الحق أن فلسفة القرون الوسطى ايضا تطبق هذه الطريق فيبتدىء " سن طوماس " فى " سوم أولو زيك " بإيراد سؤال " هل الله موجود " ؟ ثم يقول من غير تردد : "وليكن جوابنا بالنفى " فيظهر أنه وضع جميع الحقائق حتى وجود الله فى موضع الشك ولم يقبله إلا بعد الجواب على الاعتراضات الموردة وبنى حقيته على أدلة بينة ، إلا أن هذه الطريق التى لا تخلو عنها أى فلسفة قد طبقها سن طوماس وسائر الفلاسفة تطبيقا لا شعوريا . أما ديكارت فشعر بها وفذلكها ووضعها فى شكل الدستور ، ومن جراء ذلك استحق أن يعد واضع الفلسفة الثانى .
والنقطة الجديدة الثانية فى فلسفة ديكارت كونه قد أخذ موجودية الإدراك على أنها الحقيقة الأولى فمشى من وجود الذهن المدرك " النفس الناطقة " قائلا :

بداية هامش
" ومن لا يقبل الا الظاهر بذاته أو بغيره " فهل يشبه هذا ما فهمه كاتب جريدة السياسة (انظر 104 ) من منهج ديكارت فيما كتبه عن البعثة الأزهرية إلى أوروبا قائلا : " انهم سيواجهون مشقة أول أمرهم فى التوفيق بين مقتضيات هذا المنهج وما توجب عليهم دراساتهم الأزهرية و أى مشقة أكبر من أن يطالب الإنسان ليكون بحثه علميا صحيحا بأن ينكر كل ما يعرف وأن لا يثبت شىء على أنه علمى إلا اذا قام عليه دليل من التجربة والملاحظة والاستنباط " فكان أضاء البعثة لم يلق عليهم فى دراستهم الأزهرية أى شىء مما قام عليه الدليل او لم يكن شىء مما علموه دليلا على أى مسألة ، بدليل علمى صحيح . ولهذا يطالبهم الكاتب قبل أن يطالبهم الأوروبيون بإنكار كل ما عرفوه ، ولهذا ايضا سيلاقون - فى زعم الكاتب - أكبر مشقة فى التوفيق بين المنهج الأوروبى والمنهج الأزهرى .
والكاتب يخلط منهج ديكارت بشىء من منهج الماديين والتدريبيين كما خلط الاستنباط بالتجربة و الملاحظة حيث قال : " وأن لا يثبت شىء على أنه علمى إلا اذا قام عليه دليل من التجربة والملاحظة والاستنباط " فإن كان يطالبهم بمنهج ديكارت فليس منهجه إنكار كل ما عرفوه وتعلموه فى الأزهر مبرهنا عليه أو غير مبرهن ، مع أن الأزهر نفسه لا يقبل ما ليس بمبرهن عليه . وإن كان مراده تخصيص القبول بما لم يقم عليه دليل من التجربة والمشاهدة كما هو منهج العلم الحديث فذاك غير منهج الشك المنسوب إلى الفيلسوف ديكارت فى كل ما لم يقم عليه دليل سواء كان عقليا أو تجريبيا وهو الحق الحقيق بالقبول إما تخصيصه بالدليل التجربى فزيادة على الحق أو مجاوزة ما وراوءه . ثم إن منهج الشك فى كل شىء غير مبرهن عليه يعم المجربات قبل إجراء التجربة كما يعم المعقولات قبل الاستدلال عليها
نهاية هامش
219
" مهما كان ترتيب المعانى الذى يراد تقديره فى الفلسفة فالشىء الذى يبقى حقيقة دائما هو الشعور ، فقد أشك فى وجود الأجسام وقد أشك فى وجود الله وفى الحقائق الرياضية (1) لكن لا أشك أصلا فى وجود شعورى لأن شكى فى وجود شعورى شعور ايضا والحال أن شعورى أى شكى معناه أنى موجود فإن من لا يوجد لا يشك ايضا . وبناء عليه فأنا مدرك شاعر موجود من حيث أنى مدرك إن لم أكن موجودا بأى حيثية .
بداية هامش
(1) لعل هذا القول من ديكارت المنبىء عن الشك العام كان منشأ غلط الذين جعلوا الشك أساس فلسفته ، وهذا يخالف ما غزى إليه اّنفا بلسان " بول زانه " أيضا من كون الشك المأخوذ فى فلسفة الرجل هو الشك فيما ليس بمبرهن عليه لا فى كل شىء ، فأى القولين يكون تعبيرا صحيحا عن فلسقته ؟
والجواب الذى يقطع كل شبهه فى هذا الباب ولا يجده القارىء غير فى هذا الكتاب كاشفا عن حقيقة مسلك هذا الفيلسوف الكبير أن تمسكه بالشك العام حتى فى وجود الله حتى فى وجود الحقائق الرياضية _ على تعبير الفيلسوف نفسه – وتمسكه بالشك فى ما ليس بمبرهن عليه ، كلاهما واقع منه ، إلا أن الثانى أى شكه فيما ليس بمبرهن عليه واقع منه على أنه لازم مذهبه فى أحياء حقوق العقل المضاعة قبله . و الأول أى شكه فى كل شىء ، وقع منه قصد المحاربة مذهب الشاكين فى كل شىء حيث لم يجد سبيلا اليها من غير مماشتهم فى مذهبهم . وتوضيح هذين الأمرين أن ديكارت مجدد الفلسفة وواضعها الثانى لما قضى على فلسفة القرون الوسطى المتأثرة من النصراينة والمستمدة قوة من إيمانها تقاوم تيار الحسبانية ، وحرر العقل من تبعية الإيمان ، لزمه أن يشك فى كل ما ليس بمبرهن عليه كما هو مقتضى العقل ، وكان فلاسفة القرون الوسطى الذين التزموا تبعية العقل للإيمان التزموه بدافعين اثنين تأييد النصرانية ومقاومة الحسبانية القائلة بتعذر الحصول بالعقل على اليقين والتى كانت فلسفة اليونان انتهت بغلبتها على الفلسفات الأخرى كما سيأتى بيانه . وعند ذلك أى عند العودة إلى التمسك بالعقل وجد ديكارت نفسه – كما قال بول زانه – أمام خصم جديد * أى الحسبانية التى هو عدوة اليقين القديمة الداعية إلى الشك فى كل شىء . و رأى أن الحسبانين المتمسكين بالشك فى كل شىء لا يمكن التكلم معهم لعد كون أى شىء مسلما به عندهم غير الشك ، فاستدرجهم الرجل من طريق الشك المطاق لا لكونه مذهبه بل لكونه مذهب خصومه الذين يريدون القضاء عليهم وعلى مذهبهم و الطريق الوحيد للتكلم . فلو شك فى كل شىء مطلقا مبرهن عليه أو غير مبرهن لزمه أن يشك فى المبادىء الأولى ايضا التى ترجع اليها =
بداية هامش
[*] مطالب ومذاهب ص 66 أقرأ ما كتبنا هنا مع ما سبق منا فى أرقام....
نهاية هامش
220
" فديكارت يمشى من هذه الطريق فى إثبات وجود الله ولا يستعمل الأدلة الطبيعية لا الدليل الكيانى ولا دليل العلة الغائية لأنه كما لم يثبت بعد وجود الكائنات المادية فهو يحتاج فى إثبات وجودها إلى وجود الله (1) والذى لا يحتاج فى إثبات وجوده إلى وجود الله إنما هو وجود نفسه فلا دور . فوجود نفسه المستفاد من إدراكه هو الحقيقة الأولى الثابتة ثم يترتب عليه وجود الله (2) ثم يترتب عليه ثبوت وجود العالم .
وكيفية الترتب الأخير أن ديكارت عندما استقين الحقيقة الأولى الاّنفة الذكر بنى حقيتها على كونها متبينة غاية التبين ، ثم قرر على قانون مأخوذ من هذا وهو أن كل ما يعرفه جليا متبينا فهو حق ، وهذا هو معيار التبين الذى تمسك به ، ثم لاح له بعد لإثبات وجود الله بواسطة إدراك وجود نفسه أن منشأ ما تبين للإنسان حقا هو
بداية هامش
= البراهين فى النهاية مثل مبدأ التناقض ومبدأ العلية وهى البديهات العقلية ثم لا يمكنه التخلص من الشك كما وقع للريبيين ، حتى إنه لا يمكنه أن يقول بعد قوله أشك فأنا مدرك وأدرك فأنا موجود ، إذ لا يكون من حق الشك فى كل شىء أن ينتقل من وجود الإدراك إلى وجود المدرك ، بناء على أن وجود الأول يستلزم وجود الثانى ، لأن ذلك الأنتقال إنما يتسنى عند التسليم بقضية هى أن الإدراك لا يوجد بدون المدرك كالفعل من غير فاعل ، وهذه القضية ترجع إلى مبدأ الجوهر والعرض و إلى أن العرض لا يقوم بنفسه ويحتاج إلى جوهر يقوم به ولا يوجد بدونه ... والفيلسوف " كانت " الذى اعترض على القضية الثانية من قضيتى ديكارت المذكورتين وهى قضية " أدرك فأنا إذن موجود " لم يبن اعتراضه على عدم التسليم بأن وجود الإدراك يستلزم وجود المدرك ، والإ كان اعتراضا على مبدأ من المبادىء الأولى التى لا يعترض عليها ، وإنما تكلم فى محل وجود الإدراك والمدرك ...
وسيجىء فى هذا الكتاب بسط ذلك الأعتراض وجوابنا عليه .
[1] على عكس الترتيب فى إثبات وجود الله بدليله المعروف المبنى على وجود العالم.
[2] وترتب ثبوت وجود الله على وجود نفسه عين ترتب وجود الله على وجود العالم فى الاستدلال المعروف بوجوده على وجود موجده. فثبوت وجوب نفسه يعقبه ثبوت وجود الله تفتيشا من عن موجده ومعطيه الإدراك وهذا التعقيب هو مراد ديكارت من قوله المنقول عنه من قبل : " وهذه الحقيقة يعنى وجود نفسه لا تسقط فى ساحة الذاكرة حتى تصل إلى الله يعنى لا ينشغل عنها وعن التفكير فيما لها من الكمال والنقصان ، شاغل حتى تصل إلى الله الذى هو الكمالى المطلق .
نهاية هامش
صدوقية الله تعالى و أن الله تعالى إنما أعطى الإنسان العقل ليدرك به الحقيقة(1) و العالم مما يتبين لنا وجوده، و هذا التبيًن من الله، فيلزم أن يكون وجود العالم حقا، و إلا لزم أن يكون الله قد خدعنا)).
فلسفة ديكارت تمتاز بكونه أثبت وجود الله قبل إثبات وجد العالم المادي و استدل عليه من وجود نفسه الناطقة ووجود شعوره وتمتاز أيضا بكونه بنى حقيه وجود العالم على صدوقية الله(2).
فإن قيل لم لا يبنى ديكارت حقيه وجود العالم على معيار التبين الذي هو أيضا مما تمتاز به فلسفته، وقد بنى عليه وجود نفسه؟ فالجواب أنه لم يكن مثبتا وجود الله عند الاقتناع بوجود نفسه فبناء على معيار التبين؛ وليس الحال كذلك عند إثبات وجود العالم. على أن معيار التبين إنما يفيد الحقيه و اليقين في نفسه لا في نفس لأمر، بخلاف دليل صدوقيه الله؛ فلما كان ثبوت وجود العالم قد سبقه ثبوت وجود الله فالأولى أن لا يكتفي في إثبات وجود العالم بمعيار التبين بل يضم إليه وجود الله و مصدوقيته كسبب السبب.
على انه لا مانع من كون ثبوت الله مؤيدا أيضا لما تقدمه من ثبوت وجود نفسه بمعيار التبين، بانكشاف سبب التبين وهو وجود الله وفيضان هذا التبين إلى ذهنه. وهذا قول الفيلسوف. (( إن الله مبدأ العلم كما أنه مبدأ الوجود)) و تأليفه بكونه قد أخذ موجودية الإدراك مع ما يلزمه من وجود نفسه المدركة، على أنها
[1] أنظر قول ديكارت هذا كيف يقضى على كلنا دعويي الأستاذ فرح أنطوان مناظر الشيخ محمد عبده السابقتى الذكر في مقدمة الكتاب من أ، الدين القائل بوجود إله غير منظور لا تلتئم مع العقل وأن الحقيقة لا تدرك إلا بالمشاهدة.
[2] انظر هذا الفيلسوف الكبير الذي فتح دورا جديدا في الفلسفة و أعاد إلى العقل كرامته و استقلاله، كيف يكون مبلغه في الإيمان بفضل هذا العقل الحر السامي.
الحقيقة الأولى الثابتة. فهذه الحقيقة الأولى قد نزلت منزلة الحقيقة الثانية بعد انكشاف سببا بثبوت وجود الله و ظهر كون وجود الله مبدأ كل علم و مبدأ كل وجود، ولو لم يكن وجوده لما كان أي وجود وأي علم. هكذا ينبغي مراد الفيلسوف ديكارت من الكلمات المذكورة في بحث المعرفة من كتاب (( المطالب و المذاهب)) لبول ثرانه، المقتبسة من فلسفته ومن الله التوفيق.
ومن لطيف ما يتصل بموضوع كتابي هذا من أقوال هذا الفيلسوف العظيم قوله:ليس علم الملحد علما حقا، لأن المعرفة المشوبة بالشبهة لا يحق لها إن تسمى علما.))
وتوضيح هذا القول أن التبين الذي استند إليه كل علم، لا يجد في ذهن الملحد تأييدا من دليل صدوقية الله فيضل التبين فيه ضعيفا.
ومن أساليب ديكارت في إثبات وجود الله أنه يقول: (( إذا قولت (( الله)) فإني أفهم منه جوهر أزليا غير متناه ولا قابل للتغير عليما قديرا أوجدني وسائر الأشياء على تقدير ثبوتها. فمن أين يأتيني هذا المفهوم؟ومن حيث أنه معنى من المعاني يلزم أن يوضح منشأه. وهب أنى لكوني جوهرا أتصور في نفسي جوهرا غيري (1) ولكني جوهر متناه فكيف أتصور جوهرا غير متناه)).
وهذا الأستدلال في إثبات وجود الله يشبه قول الفيلسوف ((بوسسوئه)) في الموضوع نفسه: (( من الحقائق ما هو ضروري أزلي، و تلك الحقائق لا تخرج من أن تكون حقا و لو لم يوجد شيء من الأشياء التي تعمل فيها، مثلا أن زوايا المثلث مساوية لقائمتين فلا تحتاج هذه الحقيقة في أن تكون حقا إلى تحقق أي مثلث في الواقع
[1] الجوهر بمعنى الموجود المستغنى عن المحل يصح إطلاقه على الله تعالى بحسب المعنى إلا أنا نحن المسلمين نكف عنه لكون أسماء الله عندنا توفيقية أي موقوفة عند ما ورد به الشرع ولكثرة استعماله في الممكن المنحيز.
و لا تحتاج أيضا إلى وجود الذهن الإنساني ليعلمها، فهي حق و لو لم يوجد إنسان في الدنيا. و إذا لم يكن لها أي توقف أي توقف على العالم و لا على الروح الإنسانية لزم أن تكون مربوطة بوجود آخر)).
وهذا الاستدلال من ((بوسسوئه)) يكاد يكون إيضاح ما يعزى إلى ديكارت أنه قال إن وجود الله يقينى أكثر من يقينية الدعاوى الهندسية و القوانين الرياضية لأن تلك الدعاوى و تلك القوانين التي لا تحتاج في كونها حقا ثابتة إلى وجود ما تنطبق عليه من الكائنات في العالم و لا إلى أذهان من يتصورونها من علماء البشر الرياضيين، يلزم على تحقيق ((بوسسوئه)) أن تكون مربوطة بوجود الله. فثبوتها الذي لا يتوقف على وجود أي موجود من الكائنات موقوف إذن على وجود الله ولاشك أن الموقوف عليه أثبت و أقوى في الوجود من الموقوف.
وآخر ما يعجبني من أدلة ديكارت على وجود الله قوله – وقد تمسك به قبله (( أوككان)) من فلاسفة القرون الوسطي -: (( إن حفظ الجوهر و إبقاءه عين خلقه فإذا أردت أن أعرف نمن خلقني فأقول من خلقني سابقا هو الذي يبقيني حال، مع أني لا يمكنني إن لم أسنده إلى من يملك جميع الكمالات و وأجد مفهومه في ذهني، أن أسنده لا إليً و لا إلى والدي و لا إلى أي علة أخرى. و بفضل مافى هذا الدليل من الاستناد إلى أعلة الحقيقة. يسقط اعتراض التسلسل إلى غير نهاية الذي يوردونه على الدليل المستند إلى العلة الخالقة، لأنه مهما أمكن الرجوع من علة إلى علة في سلسة الأزمان، فليس الأمر كذلك في علة البقاء إذ يجب لإيضاح وجودي في الحال أن تكون علته أيضا موجودة حالا)).
وهذا الدليل يحتمل أن يناقش فيه المناقشون بأن الحادث لا يحتاج في بقائه بعد حدوثه إلى علة احتياجه إليها في حدوثه. لآن قاعدة (( لكل حادث علة)) لا تنطبق
عليه؟ فإن احتاج بعد حدوثه إلى علة فإنما يحتاج إليها في عدمه الطارئ على وجوده، لا في بقائه موجودا وتنطبق القاعدة المذكورة على العدم الحادث.
لكنى أجيب على اعتراضهم نيابة عن ديكارت: بأن العلة الموجدة للشيء يلزم أن تبقى ما دام ام معلولها باقيا، حتى لو زالت علته انعدام معها المعلول فيكون زوال العلة علة لعدمه الحادث. ومن هذا يقال: (( علة العدم عدم العلة)).
ويجدر بي أن لا أنتهي عن الكلام في فلسفة ديكارت قبل أن أبدي رأيي في دليل هذا الفيلسوف على إثبات وجود الله المسمى بالدليل الوجودي و الذي ذكره صديقي الدكتور عثمان أمين في كتابه (( ديكارت)) بأسم الدليل الانطلوجي و اطراه، كما أيده الأستاذ الكبير العقاد في كتابه (( الله)).. على الرغم من أن هذالافتتان بذلكه سنت آنسله م من فلاسفة القرون الوسطي المسيحيين قبل ديكارت ثم انتقد عليه في ذلك العهد، وكان لناقده الحق. ومع هذا فقد تمسك به في المرة الثانية كبير فلاسفة الغربيين وزعيم عهد التجديد في الفلسفة أعني به ديكارت. ثم تجدد الإعجاب و الافتتان بذلك الدليل في زماننا على لسان الدكتور عثمان أمين و الأستاذ العقاد.
وقد سبق منى أن وعدت في أوائل هذا الكتاب (ص 68-69) لأقول قولي في ذلك الدليل بلسان علم المنطق القديم وأبديت هناك ظني القوى بسحب الأستاذين الفاضلين اعتمادهما على متانة الدليل المذكور بعد الإطلاع على قولي، فيكون لي الشرف في تصحيح رأيهما بشأنه في حين أنه لم يؤثر نقد الناقدين من قبلي في إصرار هما على الإعجاب بذلك الدليل.. وأكثر من هذا ما يعود إلي بهذه الوسيلة من شرف الدفاع من المنطق القديم رغم المستهينين به من الكتاب المعاصرين معبرين عنه بالمنطق الصوري أو التجريدي وهم لا يدرون أ، قوة هذا العلم الأبدية تأتيه من فضل صور يته كما أن قوة علم الهندسة الأبدية في صور يته، فلو لم يكن سوريا كان علما وقتيا كما نبه إليه الرياضي الشهير هنري بوانكاريه وقد سبق منى نقله.
لا يعجبني الدليل الوجودي من أدلة ديكارت علي إثبات وجود الله فأراه مبنيا علي مغالطة خفية استولت على عقول المتمسكين به مع محبذيه، و إن كان صديقنا الدكتور عثمان أمين اعتنى في كتابه (( ديكارت)) ص 143 بهذا الدليل الذي سماه دليلا انطولوجيا وعده أدق الأدلة الديكارتية على وجود الله. ولا يجديه ما نقل الدكتور في تكميله عن الفيلسوف ليبنتز ولا ما قاله الأستاذ الكبير العقاد في كتابه النفيس ((الله)) عن هذا الدليل الوجودي – بعد حكاية استهدافه لنقد الناقدين إلى حد أنهم سخروا منه -:
(( والبرهان في الواقع أقوى وأمتن من إن ينال بمثل هذا الانتقاد لأنا نستطيع أن نتصور عشرة دنانير دون أن يستلزم وجوده في الحقيقة، ولكن لا نتصور كمالا لا مزيد عليه ثم نتصوره في الوقت نفسه نقصا لا مزيد عليه لأنه معدوم. وإذا قلنا أن الديشليون لا يمكن أن يكون أكبر عدد فالديشليون والواحد موجود بغير كلام وإن لم نستخدمه في عد شأ من الأشياء)).
والأستاذ العقاد الذي نعترف بدقة فهمه وقوة بيانه، يخطي في الاعتماد على هذا الدليل مع الفلاسفة المخطئين. والذي يغره وغيره ويفرق بين مسألة وجود الله ووجود عشرة دنانير الذي اتخذه الناقدون مثالا في نقض الدليل المذكور، أنه يكفى لإثبات وجود الله مجرد تصوره مفهومه الدال علي غاية الكمال ولا يكفى لإثبات وجود عشرة دنانير مجرد تصور مفهومها الخالي عن تلك الغاية. وقد غرهم أن تصور غاية الكمال لشيء مع الشك في وجوده يكون تناقضا ظاهرا في حاله.
ونحن نسلم بأن غاية الكمال لا تتصور مع عدم وجود الأكمل، و إنما يتصور الأكمل في الذهن مقترنا بوجوده حتى وجوده الخارجي أي مقترنا بتصور وجوده في
(15 – موقف العقل –ثان)
الخارج لكون محل هذا الاقتران هو التصور الذي فيه متسع الموجود والمعدوم والموجودين ؤالمتلازمين والمعدومين المتلازمين، ولكن لا يلزم من حضور الأكمل ووجوده الخارجي في تصور الذهن مجتمعين غير منفكين، تحققهما في الخارج. وقد قال علماؤنا المنطقيون لا حجر في التصورات ! فقد يكون الذهن بسبب تصوره الله بمعنى الأكمل، مضطرا إلى إضافة تصور إلي تصوره قائل بوجود هذا الأكمل في الخارج من غير أن يكون لهذين التصورين المتولد بعضهما من بعض تأثير في الحقيقة.
وخلاصة ما أقوله أن استخراج البرهان على وجود الله من تصور القائلين به على أنه جامع لكل كمال – ومنه الوجود طبعا- توهم محض من نوع المصادرة على المطلوب، لأن إثبات وجود الله يتوقف على كونه جامع كل كمال في حين أن الحكم بكونه جامع كل كمال يتوقف علي كونه موجوداَ، بناء علي القاعدة المنطقية القائلة بأن صدق القضية الموجبة مشروط بوجود موضوعها، فيتوقف إثبات وجود الله على كونه موجودا وهو الدور والمصادرة على المطلوب.
وإن أدرت تحقيق هذه المسألة على وجه لا محل لها بعده أن تلتبس على الأستاذ العقاد والدكتور عثمان أمين اللذين لم يكفهما نقاش الفلاسفة قدما في تحقيقها، فأقول توضيحا لما قلته إلى هنا:
لو كان قول القائل إن الله جامع كل كمال الذي يكون مقدمة من مقدمات الدليل الانطولوجى المقام على إثبات وجود الله، مسلم الصدق لكان من حق الأستاذين أن يعتبراه كافيا في إثبات المطلوب، ضرورة أن وجوده يدخل في الكمالات التي هو جامعها في نفسه دخولا أوليا، لكن صدق ذلك القول ليس بمسلم. ولا تقل كيف لا يسلم القول بأن الله جامع كل كمال، فأي مجنون يشك فيه؟ لأني أقول مع الأستاذين المصرين على صحة دليل ديكارت هذا ومتانته: إن ذلك القول لاشك في صدقه وصحته.. إلا أن كل من يعجبه هذا الدليل قبل ديكارت وبعده يغفلون عن كونهم بصدد إثبات
وجود الله (1) فذلك القول أغنى الحكم بأن الله جامع كل كمال يجب أن يكون مسلم الصدق إلا بالنسبة إلى محله في دليل إثبات وجود الله، ولهذا يصح أن نقول إن الله تعالى يلزم أن يكون جامع الكمالات عند كل من يؤمن بوجوده، و لا يلزم أن يكون الأمر كذلك عند من لا يؤمن بالله فلا وجود له عنده ولا كونه جامع الكمالات، ومن كان في صدد إثبات وجود اله يلزم أن يكون كذلك خالي الذهن عن وجوده و اتصافه بكل كمال إلى أن يتسنى له الإثبات. ونحن الذين لا نتردد في إضافة جميع الكمالات إليه تعالى لكوننا آمنا بوجوده أولا بدليل غير دليل الكمال فصحت بالنسبة إلينا القضية الموجبة القائلة بأنه جامع كل كمال لتحقيق شرط صحتها الذي اشترطه المنطق القديم وهو وجود الموضوع. أما الذي لا يعرف وجود الله ويريد أن يعرفه من كونه جامع الكمالات أو الذي يعرف وجوده ويريد إثباته لمن لا يعرفه بدليل الكمال الجامع، فيقال له أن سندك هذا في إثبات وجود الله قضية موجبة تتوقف صحتها منطقيا على وجود موضوعها الذي أنت بصدد إثبات هذا المدعى فتحتاج في تصحيح دليلك إلى مراجعة دعواك، وهى المصادرة على المطلوب المعروف بطلانها عند العلماء.
وما أدق نظر المنطق في اشتراط وجود الموضوع لصحة القضايا الموجبة دون اشتراطه في السالبة. فقولك مثلا العنقاء تطير كاذب وقولك العنقاء لا تطير صادق مع أن العنقاء أسم طائر، لكن لما كان هذا الطائر لا وجود له فأنت تكون كاذبا
[1] إذ لاشك أن إقامة الدليل على إثبات أي مطلب، ليست عبارة عن السعي في تحصيل الحاصل الذي هو معدود من المحالات، فلابد أن يكون صاحب الدليل يعرضه في معرض الحاجة إليه.. ويلزم على هذا أن يفرض عدم ثبوت وجود الله قبل إقامة الدليل الأنطالوجي لإثبات وجوده في حين الإقامة. نعم، لا مانع من أن يكون الناظرون في دليل ديكارت الأنطالوجي مقتنعين بوجود الله من أدلته الأخرى.. لكن استقلال هذا الدليل واستغناءه عن أدلته الأخرى اللذين يهما يكون دليلا تاما، يقضى على من يدرسه ويختبر سلامته من النقد أن يتسع لقطع النظر عن غيره حين إقامته، فيصح الفرض الذي ذكرنا أي فرض عدم ثبوت وجود الله قبل هذا الدليل
في إثبات أي شيء له وصادقاَ في سلب كل شيء عنه. وهذا من دقائق علم المنطق أعنى المنطق القديم الصوري على رغم المستخفين به من أهل الثقافة العصرية بمصر.
نعم يصدق قول أهل المعاجم (( العنقاء طائر عظيم معروف الاسم ومجهول الجسم))
ولا ينافى صدقه ما ذكرنا من القاعدة المنطقية القائلة بأن القضية الموجبة لا تصدق بدون وجود موضوعها، لأن قول المعاجم ذاك قضية لفظية من قبيل تفسير اللفظ وشرح الأسماء التي لا مشاحة فيها، و المنطقيون لا يعدون القول الشارح من القضايا. (1) وإن أبيت إلا أن تعده قضية تتضمن حكما إيجابيا وتحتمل الصدق و الكذب كما هو شأن القضية، ثم قلت إنها صادقة رغم اشتراط المنطق في صدقها وجود الموضوع.. فجوابه أن المراد من قول المعاجم العنقاء في الألسنة وإن كان اسماً من غير مسمى، فالحكم صادق وشرط الصدق موجود.
****
وهنا ننتهي من فلسفة ((ديكارت)) وأساليبها الغراء في إثبات وجود الله التي كشفنا بها الغطاء عن أعين الذين يظنون بفلسفته الظنون، ففيما ذكرناه كفاية وعبرة لأولي الأبصار. أما الفيلسوف ((كانت)) فهو ليس كديكارت وعلى عاتقه قسط من تبعات ضلال الملاحدة العصريين ومن قبلهم و إن كان الرجل ايضا ممن يؤمن بالله واليوم الآخر.
فقد انتقد الأدلة القائمة على وجود الله وأدعى أنه لا يمكن إثباته بالعقل النظري ولا جعل
[1] وقد رأينا من فضل المنطق ودقه نظره في هذا البحث ثلاث نقط اشتراط وجود الموضوع في صدق القضايا الموجبة وعدم اشتراطه في صدق القضايا السالبة، والثانية رفع الحجر عن التصورات دون التصديقات، والثالثة عد التعريفات التي يسمونها الأقوال الشارحة من التصورات التي لا حجر فيها دون التصديقات وإن كانت في شكل القضايا. والثانية من هذه النقاط الثلاث هي التي خدعت المخطئين في اعتمادهم علي الدليل الأنطلوجي، كما أن الأولي منها تفتح أعينهم
هذه المسألة موضوع العلم لعدم أمكان أن تكون موضوع الحس و التجربة. ثم أسندها أي مسألة وجود الله إلى دليل لعقل العملي الآمر بالوظيفة. ويعبر عنه بالدليل الأخلاق أيضا كما سنفصله في أواخر هذا الباب أعني الباب الأول.
إلا أن الناس تمسكوا بالشطر الأول من مذهبه أي الشطر الذي حمل فيه على الأدلة العقلية المعروفة المثبتة لوجود الله فأبكروا وجوده وتركوا العمل بالشطر الثاني لمذهبه بل استخرجوا منه ما ذكرنا في المسالة الأولي من المسألتين اللتين صدرنا يهما هذا الباب الأول وهو أن لا يكون الدين في اعتقاد الخاصة حقيقة تستند إلى الواقع، بل ذريعة إلى حفظ الأخلاق من الانهيار و ضرورة لصلاح المجتمع. وقد قضينا هناك على هذه الفكرة الضالة المظلة. وكفى الناس معذرة – إن كان تنفعهم معذرة الاستناد إلى فلسفة كانت عند اله – أن العقل المنطقي و العلم لا يأمران بالاعتراف بوجود الله في مذهبه.
ولا يتبين تماما أن كانت يقول بعدم إثبات العقل النظري الاستدلالي لوجود الله، أو يقول بعدم ثبوت ما أثبته العقل النظري المجرد عن التجربة، أو يقول يهما معا؟ ويؤيد الاحتمال الأول اعتراضاته على أدلة وجود الله، و الثاني أنه مؤسس انتقاد العقل المحض ومؤلف الكتاب المسمى به، و الثالث أنه ذكر في اعتراضاته عدم أمكان أن يكون الله موضوع التجربة، و كل ما في هذه الاحتمالات الثلاث مردود عليه.
أما الأول وهو عدم إثبات العقل النظري وجود الله فقد علمت بطلانه عندما قررنا أشهر أدله إثبات الواجب المعروف بالدليل الكيان و دليل الإمكان وبينا كون ((كانت)) مخطئاً في اعتراضاته عليه، و خصيصا علمت عند النظر في فلسفة ديكارت أن العقل و نعني به العقل النظري لا يُثبت أي مسألة إثباته لوجود الله، حتى إن هذا العقل الذي أنشئ لفهم الحقائق و أعطية الإنسان، يعرف وجود الله قبل معرفة وجود العالم.
وأما الثاني وهو القول بعدم ثبوت ما أثبته العقل من غير انضمام التجربة إليه فلا شك في بطلانه لأن القوانين الرياضية و المنطقية عقليه بحته و أن (( كانت)) نفسه معترف بتلك القوانين و بكونها ضرورية أي ثابتة فوق المسائل الثابتة بالتجربة، حتى إن ((كانت)) يقول: (( إن الفرق بيت اليقين العقلي و اليقين لتجربي وجدان الضرورة في الأول دون الثاني)) كما في ((المطالب والمذاهب)) ص 83 من الترجمة التركية. وقوله هذا صريح في تفضيل ما ثبت بالعقل علي ما ثبت بالتجربة. فهو عند انتقاد ما ثبت بالعقل المحض كما يخالف غيره من الفلاسفة يناقض نفسه أيضا وهو الفيلسوف الذي تصدى لهدم الفلسفة و إنكار علم ما وراء الطبيعة، في حين أن (( ديكارت)) و (( ليبنتز )) و أشياعهما يقولون: (( إن وجود الروح قطعي أكثر من وجود الأجسام (( المطالب و المذاهب)) ص 75.
و قال الرياضي الشهير (( هانرى بوانكاريه)) في كتابه (( العلم و الفرضية)) إن للتجربة دوراً هاما في تكون الهندسة لكنه من الضلال أن يفهم من هذا القول كون الهندسة عاما تجريبا إذ لو كانت الهندسة علما تجريبا لكانت علما تخمينيا ووقتيا)) وهذا النص من هذا العالم الكبير الغربي قاض علي مزاعم المستخفين بالأدلة العقلية و العلوم المبنية على العقل المحض. إذ يظهر من هذا أن قطعية علم الهندسة ناشئة من كونه عقليا محضا. و لهذا الرجل نص آخر في نفس الكتاب جدير بأن يفتح عيون العصريين منا المستخفين بالمنطق الصوري الغافلين عن كونه هذا المنطق هو المنطق الذي امتاز بين العلوم كالرياضيات بكون قوانينه ضرورية غير قابلة للتغير. وهذا قول (( بوانكارية)):
(( أن الرياضيين لا يدرسون الأشياء و أنما يدرسون المناسبات بين الأشياء وهم محتارون من أجل ذلك في إقامة أشياء أخرى مقام الأشياء التي وضعوها موضع الدرس بشرط أن تتبدل المناسبات الكائنة بين الأشياء الأولى. فالمادة لا تعني الرياضيين و إنما
ــــــــــــــــــــــــ ص 231ــــــــــــــــــــــــــ
تعنيهم الصورة والمفهوم جليا من هذا الكلام أن منشأ الضرورة " والقطعية فى العلوم الرياضية هو كونها علوما صورية .
وان اشتهر بسميه لإنقاذ العلم من الحسبانية " كانت " ثم إن الريبية وتخصيصها بالفلسفة لكن الحق أنه ريى مطلق حيث يقول بامتناع معرفة الحقائق لكون كل مطابقة المعرفة للواقع بناء على عدم (1) عبارة عن مطابقة المعرفة للمعرفة لا للواقع اتصال الانسان بالأشياء الخارجية ، حتى أن ما يحصل فيه بالإحساس لا يعدو أن يكون حالة نفسية .
فإذا كان هذا أساس عقلية "كانت " فما فائدته فى توثيق المعرفة بالتجربة التى تكون نتيجتها كما قال بول ثرانه الحسبانية دائما (2) وقد صرح "كانت" نفسه بعدم وجدان الضرورة – التى هى أعلى درجات اليقين - فى اليقين التجريبى كما نقلنا عنه قبل قليل . مع أن سلب الضرورة عن اليقين التجريبى مساوى لنفى اليقين التجربى ، فقد نقل بول ثرانه عنه أى عن كانت قوله:" الاعتقاد إما قطعى أو غير قطعى والقطعى أعنى اليقينى هو الاعتقاد المترافق مع وجدان الضرورة وغير القطعى أى غير اليقين مترافق لا مع وجدان الضرورة بل مع الجواز أعنى إمكان نقيض المعتقَد" المطالب والمذاهب ص 82.
وخلاصة مذهب "كانت" الذى يقال إن إهمال الفلسفة والاعتصام بالعلم مأثور عنه: أننا نعرف الشئوون ولا نعرف ذا الشؤون " نومن" فلا نعرف الروح ولا نعرف العالم فى الخارج عن أذهاننا ولا نعرف المطلق يعنى الله . ويفوته أن العقل الذى يعرف الشؤون يلزمه على الأقل أن يعرف وجود ذى الشؤون وإن لم يعرف حقيقته . فم هذا اعترف " اسبنسر" الذى جاء بعد "كانت" واقتفى آثاره وآثار " هوكوست كونت"
-------- هامش ص 232----------------
(1) المطالب والمذاهب ص 81
(2) ص 90
انتهى الهامش
ـــــــــــــــ ص 232ـــــــــــــــــــــ
الملحد المشهور واضع الفلسفة الإثباتية ويقال لها الفلسفة الوضعية أيضا - بوجود المطلق وعبر عنه بما لا يُعلم . وقد أخذ العلامة ناقل "المطالب والمذاهب " إلى اللغة التركية "كانت" بما أخذ هو به الحسبانيين حيث قال أى كانت :"إنهم يعتبرون كل شئ ظاهريا لا حقيقيا فيفرقون بين الحقيقى والظاهرى . فيلزمهم – على أن يكون علامة لهذا التفريق – أن يعرفوا الحقيقة ولو بقدر مغايرتها لهذا الظاهرى ، وبذلك ينقضون مذهبهم بنفس مذهبهم ".
فقال المترجم العلامة فى تعليقاته القيمة على "المطالب والمذاهب " :" وما أورده كانت عليهم يرد على نفسه حين فرق بين الشؤؤن وذى الشؤون ونفى العلم بالثانى مع أن هذا التفريق يتضمن العلم به ولو فى الجملة . فيكون قوله بأنه يعرف الشؤون ولا يعرف ذا الشؤون تناقضا " يعنى عدم معرفة ذى الشؤون مع معرفة الشؤون يكون معرفته بأنه غير مايعرفه أو معرفتَه بأنه لا يعرفه . وهذه المعرفة توجد فى كل مجهول جهلا بسيطا ولا تنافى مجهوليتَه حتى يكونُ القول بعدم معرفته تناقضا .
والأولى فى تقرير الاعتراض على كانت أن يقال إن قوله إنه يعرف الشؤن ولا يعرف ذا الشؤون يتضمن الاعتراف بوجود ذى الشؤون مع ان مقصوده من هذا القول أنه لا يعرف حتى كونَه موجودا . فإن كان لا يعرف وجوده فكيف يقول إنه ذو الشؤون التى يعرفها ويعرف أنه غيرها ؟ وهل يمكن أن يكون ذو الشؤون من المعدومات وسيجئ إيضاح الشؤون وذى الشؤون بالمثال .
على أن " كانت" الذى نفى العلم بالمطلق لا ينفى الإيمان به ويدعى أن هذا الإيمان كثيرا مايكون أقوى من العلم كما صرح به فى المطالب والمذاهب ص 87.
وقال فى ص 288 " ليست فلسفة كانت الإلهية غير فلسفة " ليبنز" وإنما الفرق فى كون فلسفة " ليبننز" نظرية وفلسفة " كانت " عملية أخلاقية وهما متفقان.
ــــــــــــــــــــــــ ص 233ـــــــــــــــــــــ
على عمدة الأصلحية والعناية الأزلية والشخصية الإلهية والأبدية الشخصية . وأستاذ "كانت" فى هذه الفلسفة "ليبنثر " و"روسو" ليس فيها شئ من تأثير "اسبينوزا" غير انا نعلم أن العقل النظرى لا يستطيع عنده النفوذ فى مبدأ الأشياء ومعادها ، فهو بعيد عن هذا النفوذ مطلقا وعالم الحركات والأشياء مسدودة على وجوهنا وكذلك وجود الله وحقيقته . لكن هناك عقلا عمليا قد يلهمنا مالا يعلمه العقل النظرى فتوجد الفلسفة الإلهية أيضاً على أن تكون لازمةَ الأخلاق وشرطَها ".
فيجب على الذين آمنوا بسمعة كانت من الشرقيين وبفلسفته المضطربة من غير تمحيص ، والذين لا يشكّون فى وجود الأجسام والمواد الخارجية ، أن يعلموا أن "كانت" الذى نفى العلم بوجود الله لم ينفه بنزعة إلحادية أو لشبهة فى وجوده ، وإنما ذلك نتيجة نفيه العلم بكل شئ فى الخارج عن الذهن لعدم إمكان الوصول إليه بالتجربة ، حتى كان نفيه العلم بالعالم الخارجى أشد من نفيه العلم بوجود الله لكونه يرجع فيوجب الإيمان بوجود الله بدليل غير دليل العقل النظرى (1) ولا يوجب الإيمان بوجود العالم فى خارج الذهن وكلٌّ مافى العالم من الموجودات فهو من قبيل ذى الشؤون الذى ينفى "كانت" العلم به حتى ولا بوجوده . وأنتم معاشر مقلدى هذا الفيلسوف خلطم مذهبه المعنوى بمذهب الماديين فآمنتم بما سوى الله من ذوى الشؤون وكفرتم بالله .
النظر فى الفلسفة الحسبانية
كنت أردت أن لا أطيل الكلام هنا عن كانت وفلسفته أكثر من هذا اكتفاء بما تكلمت وبما سوف أتكلم فى محل آخر من الكتاب . لكنى عدت فرأيت الواجب أن أوفى البحث شطراً كافياً من حقه الكلام عن هذا الفيلسوف المشهور الذى أثر
--------- هامش 233-----
(1) وسيجئ منا فى آخر الباب الأول إيراد دلله ذاك مع الكلام عليه .
انتهى الهامش
ـــــــــــــــــــــــ ص 234ـــــــــــــــ
تأثيراً كبيراً فى عقليات المتعلمين العصرين فى الغرب والشرق وقبل النظر فى فلسفة كانت نذكر تمهيداً هاما يتضمن تاريخ الفلسفة الحسبانية وتطواراتها ، وهو مع كونه بحثا جم ِّ الفائده فى ذاته ، شديد ُ التعلق بفلسفة كانت التى التزمنا بعض التعمق فى درسها ، وبغرضنا فى تأليف هذا الكتاب من تدقيق موقف العقل والعلم والتجربة من الوصول إلى الحقيقة ، ولعل القارىء لا يجد هذا البحث فى غير هذا الكتاب ممحصا وملخصا . فنقول وبالله التوفيق :
قال بول ثرانه فى أول االقسم الخاص بفلسفة ماوراء الطبيعة من كتابه فى تاريخ الفلسفة " المطالب والمذاهب " : "يوضع هذا السؤال على أن يكون أشد المسائل الفلسفية إعضالا : هل فى استطاعة البشر علم اليقين ؟ أو بعبارة أوضح : هل من حقنا أن ندعى اليقين وفى مقدورنا أن نكسبه ؟ فكل فلسفة ٍ جواب هذا السؤال مباشرة أو بواسطة".
ثم قال :" فمن هنا تنقسم الفلسفة إلى : (1) إيقانية معترفة بحدين(أنا) و(لا أنا) أو الروح والعالم أو الذهن والخارج وقائلة بالارتباط الطبيعى بين هذين الحدين .. (2) وحسبانية منكرة لإمكان العلم قائلة بمقابلة الروح ومباينٌها للعين المتعلَّق وبمحاولتها لمعرفته من غير أن تنالها ، أو ساعيةٍ فى أن تشغل الروح َ بنفسها ونفت من عضد شجاعتها مريئةٍ لها تناقضاتها ..(3) ومعنويةٍ لا تعترف بشئ حقيقى غير المقولات فتريد أن تستخرج متعلَّق المعرفة من نفسها مدعية للزوم أن يؤئس من حقية العلم إن قٌبل فى مقابل الروح متعلَّقٌ يغايرها أو على الأقل لا يمكن النفوذ فى كنهه".
والثالثة من هذه الأنواع الثلاثة للفلسفة قريبة من الثانية أعنى الحسبانية . وكذا الرابعة التى لم يذكرها بول ثرانه وهى الشأنية . والخامسة ، وهى التدريبية ، حقها أيضا أن تَؤٌول إلى الحسبانية كما مثلهما أى الشأنية َ والتدريبية َ حق التمثيل "داوبدهيوم" مؤسس الحسبانية الأخيرة فى فلسفة الغربين.
ـــــــــــــــــــــ ص 235ـــــــــــــــــ
والمتكلمون علماء أصول الدين فى الإسلام يَدخلون فى الإيقانية وإن رأى فيهم العالم الكبير مترجم " المطالب والمذاهب" فى المقدمة القيمة التى صدرَّ بها ترجمته ، الانقسامَ إلى الإيقانيين والتدريبيين.أما الفلاسفة الغربيون فإنى أرى فى أساس فلسفتهم على اختلاف مذاهبهم اضطرابا عجيبا وميلا إلى الحسبانية اللاأدرية بل إلى إنكار البديهيات كإنكار الماديين الذين هم إيقانيون تدريبيون وجود القوة الحيوية والعقلية والإرادية فى الإنسان على أنها أقوى خصوصية غير ميكانيكة ، وكإنكار المعنويين والشأنيين – القائلين بأنا نعرف الشؤون ولا نعرف ذا الشؤون ولا وجودَه ، ومن كلتا الطائفتين "كانت" – العلمَ اليقينى بوجود العالم فى خارج الأذهان مستقلا عنها ، بل العلَم بوجود الروح أيضا ، كما يأتى فى محله من هذا الكتاب .
وقد كانت الحسبانية مرضاً مستوليا ً على الفلسفة اليونانية فأصبح الحال فى الفلاسفة الغربيين كذلك . حتى إنك تراهم يشتغلون بالفلسفة ويشّرون فيها ومع ذلك لا يعتبرون علم ماوراء الطبيعة الذى هو الفلسفة العالية وفيها مسألة وجود الله ومبحث المعرفة والمادة والنفس ومناسبة إحدى هاتين الأخرتين بالأخرى ، علما. أعنى أنهم يهدمون أنفسهم بأنفسهم . قال كانت :" إن جعل ماوراء الطبيعة علما كان ولا يزال خيالا طبيعيا ولد فى روح الإنسان".
وليس لهذا الكلام عندى وجه معقول غير أن يكون مراده من العلم هو العلم الخاضع للتجربة كالعلم الطبيعى . فباعتبار هذا المعنى فقط لا يكون علم ما وراء الطبيعة علما . وربما يبرر قولَ "كانت" ما اشهَر لدى الغربيين ومقلديهم فى الشرق الحديث من بدعة حصر العلم فيما ثبت بالتجربة . وعلى هذا يكون المراد من جعل ماوراء الطبيعة علما لمتخيليه جعلَه علما مبنيا على التجربة كتخيلات الأستاذ فريد وجدى رئيس تحرير " مجلة الأزهر " فى الكشف عن وجود الله بتجارب " الاسبرتيزم" ويكون الفيلسوف كانت لا يراه ممكنا كما أنا لا نراه .
ــــــــــــــــــ ص 236ــــــــــــــــــــــ
وفى غير هذا التفسير لا نسلم بصحة قول "كانت" ذاك . وكيف يصح أن لا يعد علم ماوراء الطبيعة علما وفيه مسألة وجود الله التى لا مسألة فى العلوم أقوى ثبوتا منها (1) وقد سمعت قول ديكارت : إن وجود الله يقينى أكثر من يقينية الدعاوى النظرية الهندسية ، وقول ليبنثر :"لولا الله لما تأسست الهندسة " نعم فى الغرب أيضاً بدعةُ خلطِ البحث فى حقيقة الله بالفلسفة الإلهية ، وبهذا الخلط تتنزل قيمة الفلسفة الإلهية العلمية تنزلا ظاهرا ، إذ الكلام عن حقيقته لا يبتنى على اليقين ولا شبه اليقين. ثم إن هناك بدعة أخرى أو بالأصح غلطَ َ رؤيةٍ آخر هو عدم التميز التام بين عدم العلم بحقيقة الشئ وبين عدم العلم بوجوده، فمجهول الحقيقة لا يتميز فى نظرهم تميزا كافيا عن مجهول الوجود . والدليل عليه اعترااف اسبنسر مما لا يُعلم كان اعترافا بوجود الله ، ومع هذا فغير واحد من علماء الغرب لا يخلو نظرهم إلى هذا الاعتراف من الاستغراب ، وهو نفسه آثر هذا التعبير على التصريح تصديقا للغربة الواقعة فى اعترافه . ومعنى قولى هذا أن كلا من صاحب الاعتراف وغيره لم يُخفوا استعجابهم من موجود مجهول الحقيقة . ولعل هذا من الأسباب التى منعتهم عن عد ماوراء الطبيعة من العلم.
نعود إلى ماكنا فيه : كانت فلسفة اليونان فى مبدأ أمرها إيقانية لا شعورية : فالئونيون والفيثاغوريون والاله آنيون وإمبادوقل وذيمقراط وأنا كساغور كلهم اشتغلوا بإيضاح الطبيعة، ولم تعترِهم أية شبهة فى أسباب علمنا بهذا الصدد . إلا أنهم أخذوا بعد برهة من الزمان يجعلون المعرفة العقلية قسيمة للمعرفة الحسية ، فكانت المساعى الذهنية تصل إلى نتائج تناقض مع شهادات الحواس وتستوجب التكلم فيما بين مآخذ الإدراك الأصلية وبين محصولاته المجردة ، وكان هراقليط وبارمنيد
------- هامش ص 236-----
(1) وفيه مسألة المعرفة التى لا علم بأى شئ بدونها ولا علما تجريبيا . فإذا أنكر علم ماوراء الطبيعة ينهار العلم الطبيعى أيضا الذى هو علم المنكرين الوحيد فينتهى موقفهم فى الحسبانية اللاأدرية كما انتهى موقف كانت ، وستعرفه زيادة على ماعرفت .
انتهى الهامش
ــــــــــــــــــــــ ص 237ـــــــــــــــــــــــــــ
ويمقراط وأمبادوقل وأنا كساغور مجمعين على إنكار صدوقية الحواس . ومن العجب أن إيقانية أولئك الفلاسفة كانت إيقانية طبيعية " فيزيقية " مستلزمة لأن تكون المعرفة الحسية مبدأ حركة هذه الفلسفة وشرط َ موجوديتها ، ولم يكن مرادهم من المعرفة العقلية أوليات عقليةًً ، بل السعى الروحى على مأخوذات الحواس ، فكان إنكار صدوقية الحواس مع اتخاذ المعرفة الحسية مبدأ حركة الفلسفة ، تناقضا طبعا . فهذا التناقض الذى تحتويه فلسفة فيلسوف واحد مع نفسها والتناقض الحاصل من تخالف آراء الفلاسفة بعضهم مع بعضهم ثم تناقضِ آراء البشر وتصادمها الذى هو أقدم أدلة الحسبانين ، استجلب ظهور الحسبانية ومجادَلتها الإيقانية ، فكان يقول بروتاغورس من زعمائها الأقدمين :" إن الأشياء عبارة لكل إنسان عما تتجلى له ، ولكونها مأخوذة على انها حالته الخاصة به ، تتجلى له بما هى مجبورة على أن تتجلى له . فالإنسان مقياس كل شئ موجودٍ أو غير موجود.
قال بول ثرانه " ولكون الحسبانيين الأولين أخذوا أسلحتهم التى يهاجمون بها الإيقانيين بها من اختلاف آرائهم والتناقضات المنطوية على تلك الآراء أُستخرج من ذلك مبدأ التنا قض وإن كان تصوره وإفراغه فى شكل الدستور تأخر إلى عهد أرسطو .. وإلى هذا الحد الذى يتضمن خدمة الحسبانية فى اكتشاف مبدأ التناقض وفى دفع الفلاسفة الآتين إلى الدقة والتثبت فى مسالكهم ليحملها مفيدة مثمرة ، كانت
فى موجودية الحسبانية حكمة ٌ وإصابة ، وإنما خطأها وفسادها كان فى استنتاجها لعدم إمكان الوصول إلى اليقين .
يعنى أن الحسبانيين كانوا محقين فى الاعتراض على الاختلاف والتناقض الواقعين فى آراء الفلاسفة بأن بعضها ينقض بعضها ويهدمه ، ولكن لا حق لهم فى أن يُستخرجوا من ذلك أن لا إصابة للحق فى أى واحد من تلك الآراء والمسالك المتخالفة ، وإلا لزم أن لايكونوا محقين فى الاعتراض عليها بالاختلاف الذى به ينقض بعضه
ــــــــــــــــــــــ ص 238ــــــــــــــــــــ
بعضا بل يستوى الكل فى عدم الإصابة الذى لا قوة معه لأى واحد منها كافية ً لنقض غيره.
استنتجوا من الحسبانية عدم إمكان الوصول إلى اليقين فشكّوا فى كل شئ حتى فى استحالة التناقض ، فكان ذلك الذى فعل أولا فعل الآلة فى أيدى الحسبانيين وهو التناقض ، سلاحا فى أيدى خصوم الحسبانية يهدم نفسها بنفسها (1).
وكان القضاء على هذه الحسبانية الأولى بفضل الأقطاب الثلاثة الذى أحرزوا قصب والمكانة الممتازة فى فلسفة اليونان : سقراط وأفلاطون وأرسطو، لا سيما سقراط الذى هزم الحسبانيين بمبدأ التناقض توجيها لسلاحهم هذا على أنفسهم . وكان دافع هؤلاء الأقطاب إلى مسلك الإيقان قوة أرواحهم التى لم يكن الحسبانيون يملكونها ، فكانوا يعتمدون على عقولهم ويؤمنون بصدوقية القُوى . وفى الحق أن وجدان اليقين يتبع الإيمان به وهو الحسد الذى لا ينتهى إليه كل من يريد مقاومة الحسبانية .
كان أرسطو يقول :" إذا كانت روح الحسبانى لا تقرر على شئ ويؤمن بما قاله ولا يؤمن به أيضا فكيف يمتاز مثل هذا الإنسان على النبات؟" وهو أبلغ من قول اسنوزا بعد أرسطو بعشرين قرنا :" واجب الحسبانى السكوت".
------- هامش ص 138---------
(1) ومن العجب أن هذه الحسبانية القديمة اليونانية بعد أن مضت عليها أدوار مختلفة من الإعادة والإبادة ، عادت فنفت سوقها فى الفلسفة الغربية على يد "هيوم" مؤسس الحسبانية الأخيرة و"كانت" الذى جاء بعده ولم يبتعد عنه فيما انتقده كما ستطلع عليه ، وإنما زاد بكثرة شهرته شهرة لحسبانية هيوم. ثم جاء " هيجل" وصرح بواز اجتماع النقيضن(راجع قصة الفلسفة الحديثة لأحمد أمين بك ومعناه هدم مايهدم الحسبانية وإحياؤها من جديد حياة لا ينالها الموت بفضل إماتة الهادم الذى هو قانون التناقض . فلسفة الغرب انتهت بفضل أقطابها الثلاثة هيوم وكانت وهيجل فى هوة الحسبانية ، حين كانت فلسفة اليونان مصونة عن الوقوع فى تلك الهوة بفضل أقطابها الثلاثة سقراط وأفلاطون وأرسطو.
انتهى الهامش
ــــــــــــــــــــ ص 239ـــــــــــــــــــــ
والرواقيون الذين جاءوا بعد الأقطاب الثلاثة كانوا إيقانيين مثلهم قائلين :" ليس الشهود الحسى بقابل محض فهو يلى الانطباع الذى يفعله العين الخارجى فى النفس ويتميز عنه بالإذعان والرضا اللذين تعطيهما النفس عند ربط المثل بالعين . وإذا سئل عما يميز التمثل الذى يحق معه الإذعان من الذى لا يحق ، فجوابه أن المميز هو التمثل نفسه : فالتمثلات الصادقة تعرض علينا نفسها بقوة تجبرنا على الإذعان لها ولا نستطيع إباءه فهى مطابقة للواقع ومفيدة لكيفيات خاصة تجعل العين قابلا للتميز من غيره".
وفى الواقع إن الرواقيين كما سوف يفعله "ليبنثر " يدعون عدم وجود شيئين متماثلين فى الطبيعة ويستخرجون منه هذه النتيجة . وهى أن لكل شئ تمثلا واحدا يقال عنه أنه تمثل صادق فيكون موضوع إذعان الحكيم هو هذا التمثل الوحيد لا غيره ويتعرف هذا التمثل من صدمة الانطباع التى بها يحصل التبين والتى مقياسها استطاعة القوة الباطنية وانبساط النفس الفاعلة للشهود . وبهذا الوجه تنتقل من قابلية النفس إلى فاعليتها التى بها تدرك العين الذى تشهده .
فبالنظر إلى هذا البيان لنظرية المعرفة فى مذهب الرواقيين يكون معدن الحقية فى قوة القناعة وهذه كما تتعلق اصالةً بالشهود الخارجى تتعلق اصالة أيضا بالتصورات الكلية المستخرجة من الشهودات بواسطة فاعلية الذهن المرسلة من غير سعى تأملى منه.

فيكون معيار الحق عندهم الخيال المغمى " فانطاسيا قانالبيتيك" والحس المشترك "بروله بسيس" أما التصورات الكلية المتشكلة على الأصول فهم يثبتون صحتها بالبرهان العلمى ، وبعد إثباتها يعتبرون إيقانها فوق إيقان الشهودات . ويروى مؤلف " المطالب والمذاهب" فى هذا تناقضا من الرواقيين الذين يهتمون بالمحسوسات والجسمانيات أكثر من المعقولات كما ستعلمه ، فيعقبه المترجم العلامة ويدفع اعتراض التناقض على الرواقيين . وإنى أورافق على ذلك الدفع الذى لا لزوم لنقله هنا ، وأزيد فأقول :إن ترجيح اليقين العقلى من الرواقيين الثابت بالبرهان ، على اليقين الحسى رغم كونهم
ــــــــــــــــــــ ص 240ــــــــــــــــــــــــ
ماديين جدير بأن يتخذ أصلا لما نجده أيضا فى فلسفة ديكارت وتلاميذه مدرسته مثل ليبنتز ، بل وفى فلسفة كانت أيضا من أن اليقين العقلى أعلى رتبة من اليقين الحسى ، ودليلا على دقة نظر الرواقيين.
هذا، وكان الأولى لمؤلف "المطالب والمذاهب " وهو العالم الفرنسى بول ثرانه، أن يبنى اعتراضه على أن التصورات الكلية العقلية مستخرجة من المشهودات الحسة ومبنية عليها ،ولا يعل أن يكون المبنى على الشئ أقوى مما بنى عليه وإن كان يُعقل عكسه، لأن كل ضعف فى الأساس لابد أن يسرى إلى ما قام عليه . ويمكن الجواب عنه يحمل مرادهم على كون التصورات الكلية أقوى فى نفسها مع قطع النظر مما يسرى إليها من حالة الشهودات الحسية التى تبنى عليها التصورات ، وفى القوة والضعف . فالتصور الكلى هو حركة ثانية للذهن تلى الشهود الخارجى ، ولا مانع من كون هذه الحركة قوية مكفولة للذهن أكثر من الشهود بمعنى أنه إن كان هذا المشهود حقا فلا شبهة فى حقيقة ذاك التصور الكلى . والسر فى ذلك كون الحركة الثانية فعلَ الذهن المحض الذى له نظام مأمون الصحة وفى هذا السر يتجلى ما ننادى به فى هذا الكتاب من أن الدليل العقلى أقوى من الدليل التجربى ، والعقل السليم يمكنه أن يبنى حكمه القوىَّ الذى لا مرية فيه ولا مراء على ماليس فى هذه الدرجة من القوة ، مثلا يتكون القياس المنطقى من مادة وصورة ، فالمادة هى المقدمتان الصغرى والكبرى والصورة كونهما مرتبتين على النظام المنطقى وقد تكون المادة أى إحدى المقدمتين أو كلتاهما غير مأمونة الصحة لكن هذا الضعف لا ينافى قوة الصورة وقطعيتها التى تكون فى ضمان العقل والمنطق مع كون الصورة مبنية على المادة فيقال إن كانت هاتان المقدمتان مسلماً بهما فلا شك فى صحة هذه النتيجة لكون صورة القياس تامة موافقة لنظام المنطق . ولذا عرفوا القياس المنطقى بأنه قول مؤلف من أقوال متى سلِِّمت لزم عنها لذاتها قول آخر فالذهن المتردد فى صحة المقدمتين لكونهما مادة ال قياس التى لا يكفل
بها المنطق المؤسس على النظام العقلى لا يتردد فى الانتقال منهما على تقدير صحتهما ، فى صحة النتيجة حتى ان صحة المقدمتين كثيراً ما تكون عادية غير ضرورية وصحة الصورة ضرورية ! وهو الذى يكفل للمنطق أن يكون من العلوم الضرورية كالهندسة . فاعلم هذا وحذار أن تكون من الجاهلين المستخفين بالمنطق الصورى لأن ذلك هو مدار سمو المنطق . وكما أن صورة القياس التى هى تحت ضمان المنطق مأمونة الصحة فالمنطق هو الآخر مأمون الصحة لكونه تحت ضمان العقل.
فاعلم هذا أيضا ً ولا تقصر فى تقدير منزلة العقل الذى به الإنسان إنسان والعلم علم .
نعود إلى ما كنا فيه : نعم فى فلسفة الرواقيين ناحية ضعف هامة هى كونهم ماديين مفرطين وقد خلطوه بما احتوته فلسفتهم من الأفكار الدقيقة التى بيناها ، فبهذا الخلط حصل انحطاط فى روح ما وراء الطبيعة التى كان أفلاطون و أرسطو أصعداها إلى مقامها اللائق حيث كان الله عندهما فوق العالم وأعلى من الطبيعة وفلسفتُهما المتعلقة بما وراء الطبيعة مستقلة عن الفلسفة المادية ، فى حين أن ما وراء الطبيعة فى فلسفة الرواقيين راجع إلى الطبيعة فإلههم ليس محركا غير متحرك كإله أرسطو .
وليس عندهم شىء حقيقى لا يكون جسما ، وعليه فلا يوجد شىء يُعلم بغير الحواس ، حتى إن الله أيضا ً جسم عندهم نارى (1) ممزوج بالطبيعة بل هو نفس الطبيعة والروح منبسطة فى العالم سائرة فى كل جزء من أجزائه . فمذهبهم مذهب الاتحادية المادية ، حتى إن التعينات التى تميز الأشياء بعضها من بعض جسم أيضا ً ، وكذا الكيفيات الأخلاقية والفضائل والرذائل كلها جسمانية فكل حقيقى جسمانى .
وقد أخذ فلاسفة الغرب قديمهُم وحديثهُم مؤمنوهم بالله وملاحدتهم أكثر أرائهم من الفلاسفة اليونانيين فحسبانيتهم من حسبانيتهم وإيقانيتهم من إيقانيتهم الرواقية
(1) لكنها نار لطيفة أثيرية لا نار كثيفة محرقة .
و الأبيكورية وأخذ عنهم علماؤنا المتكلمون أيضا من غير وقوع فى أوحال الحسبانية وجسمانية الرواقيين (1) إذ لو كان الله جسما ً ذا أبعاد كان قابلا ً للتجزؤ فكان محتاجا إلى أجزائه .
نعود إلى فلسفة اليونان : ثم نُكِسوا بداء الحسبانية مرة ثانية بعد الرواقيين فكانت تُنتقد إيقانيتهم و إيقانية الأبيكوريين . وكان " بيرون " ومن بعده بقرن "آرته ئيلاس" وبقرنين "كارنه آد" أشهر زعماء الحسبانية فى ذلك العهد الذى يقول عنه بول رانه :كان جميع المذاهب الفلسفية تنتهى إلى الحسبانية ، حتى إن معارضيها أيضا ً كانوا يؤيدونها بمذهبهم التدريبى (2) وفيه دليل على أن الانهماك فى التجربة يؤدى إلى الحسبانية كما نبهنا إليه من قبل .
وكان يجيب " آرته ئيلاس " عن اعتراض الرواقيين على الحسبانية بأنها تسلب إمكان الحياة فيقول "إن الحياة العملية تعتمد على شبه الحق " كما يقول الغربيون اليوم بمثله بعد إفلاس فلسفتهم تحت زعامة هيجل المجنون ..فقد استعاروا جديدهم من قديم فلسفة اليونان ، وقد سبق الرد عليهم فى مقدمة هذا الفصل أعنى فصل البرهنة على وجود الله . وجوابى هنا على جواب آرته ئيلاس أن شبه الحق إن كان يكفى الحياة العملية للدنيا فلا يكفى الحياة الآخرة الأبدية المبنية على عقيدة الحق الخالص من كل شائبة ، كمالا يكفى الوصول إلى شبه الحق لطلاب الوصول إلى لبه ، وقد خلق الله العقل فى الإنسان كما قال ديكارت ليفهم الحقيقة .
ومذهب شبه الحق هذا أعدل مذاهب السوفسطائية وأوفقها باسم الحسبانية المنسوبة إلى الحسبان أى الظن المقابل لليقين والشك . ويسمى مذهب الإحتمالية أيضا ً و "كارنه آد"
(1) ولا اعتداء بشرذمة المجسمة القدماء ولا باتباع ابن تيمية وابن القيم المحدثين الجهلاء .
(2) المطالب والمذاهب 53 .
الذى يُعتبر الأستاذ الأعظم للحسبانية القديمة كان يؤيد هذا المذهب ويذكر درجاته وشروطه . وكان يقول : " إن الانتقال من الحق إلى الباطل يحصل بدرجات غير محسوسه فلهذا لا ندرك الفرق بينهما ، والحكيم يتوقف ويكف حتى عن الحكم بعدم إمكان العلم أيضا ً الذى هو أساس مذهب الحسبانيين (1) ولما كانت سلسلة التجارب غير متناهية . فالوصول إلى اليقين لا يمكن مهما أمكن التقرب إليه بالاستمرار فى التفكير والتجربة . وعلى نسبة التقدم فى التحرى يحصل الرقى فى درجات شبه الحق ، وينتقل من شبه إلى أشبه فأشبه .
كان مذهب شبه الحق خطوة فى الرجوع إلى الإيقانية فتولدت منه الإيقانية التلفيقية التى لا ترى الحق فى مسلك واحد على انفراده وتؤمل إمكان استنباط الحق من مجموع المسالك بفضل انتقاد معنِى به ، وتقول : للإنسان أن يتمسك بما ينجلى له فى وجدانه من غير واسطة ويتراءى له يقينا قبل جميع التتبعات العلمية . وقد أسسها " آنتيوكوس" فرد الحسبانية بأنها تنقض نفسها لأنها تشتغل بالاستدلال ثم تنكر الفرق بين الخطأ والصواب.
ثم ظهرت الحسبانية مرة أخرى فى العصرين الأوليين من ميلاد سيدنا المسيح بمساعى رجال يسمون الحسبانيين الجدد وهم بطليموس ودوجيرن وانه زيدم و اغريبا و سكتوس امبريكوس . جمعوا أدلة الأولين لاسيما آرته ئيلاس وكارنه آد ونسقوها وفصلوها ، مثلا إنه زيدم جمع أسباب الشبهة تحت اسم الألقاب العشرة ، أربعة منها تعود إلى النفس وستة إلى العين ، ويجرى أكثرها فى المعرفة الحسية .
(1) لعلهم كانوا يستعملون العلم فى معنى اليقين الضرورى الذى لا يحتمل النقيض كما كان علماؤنا يستعملون ، وليس العلم فى عرف الغربين ومقلديهم منا اليوم فى هذه الدرجة من القوة مهما بنوه على التجربة قصدا إلى تقويته . وبهذا التنزيل فى مرتبة العلم تقربوا من الحسبانية قبل أن يعتنقوها تحت زعامة هيجل .
واغريبا رد العشرة إلى خمسة خامسها أن التصورات العقلية تثبت بإعانة الشهودات والشهودات تثبت بإعانة التصورات ، وهو دور .
وفى النهاية لخص "سكتوس آمبريكوس " آخرُ الحسبانية الجدد جميع مساعى أخلافه . كان يقول : "لا يُدعى حتى القضية القائلة بأن قرار الحقية من اختصاص الإنسان ! فهل هو من اختصاص إنسان واحد أو من اختصاص الجميع ؟ ثم بأى قوة يقرر الإنسان الحق ؟ فإن كان بقوة الحواس فهى تختلف من إنسان إلى إنسان بل من وقت إلى وقت فى إنسان واحد . وفضلا عن هذا فالحواس ترينا الحالات النفسية فقط ولا تجيز لنا الحكم فى طبيعة الأشياء . وإن كان بقوة العقل فكيف يصل العقل الباطن إلى الخارج عن الإنسان ؟ قال بول رانة وهذا الدليل كالإحساس المتقدم من سكتوس آمبريكوس بالمسألة الانتقادية التى وضعها "كانت" وهى : " أى دليل يثبت عينية مقولات الروح الإنسانية ؟" ويقول "سكتوس" أيضا ً : " الدال من حيث إنه دال لا يفهم من غير المدلول لكونهما متضائفين يحتاج كل منهما إلى الآخر ، فيلزم أن نكون عرفنا الأمر الذى نتوخى معرفته من الدال أعنى المدلول ، حين عرفنا الدال فيكون الدال مستغنى عنه . وإذا كان الدال لا يسبق مدلوله فكيف يُنتقل من الشؤون إلى الجوهر ؟ وعليه لا تفيدنا الشؤونات ولا تعلمنا أى شىء لم نعلم فى زمان ٍ عُلمت هى فيه أو لم يعلم فى طراز معلوميتها . والعلة والمعلول متضائفان أيضا فيكونان مع بعضهما فى الذهن وفى الوجود لا قبله ولا بعده ، فكيف إذن يُعرف أن هذه علة وذاك معلولها مع احتمال العكس ؟ وإذا كان المبدأ القابل يوجد مع المبدأ الفاعل ولا يتأخر عنه فلا يمكن تعريف العلة بأنها شىء يحضر المعلول بحضوره وينتفى بانتفائه ، ويكون المعلول علتهَا بقدر ما كانت .
وفى بعض هذا النقاش نظر ظاهر عندى لا أطيل الكلام بذكره لأنى لست بصدد نقد الحسبانية ، وإنما المقصود لفت النظر الإجمالى إلى سيرها فى تاريخها القديم للتوصل به إلى موقفها الحديث فى الغرب ولاسيما تأثيرها فى فلسفة "كانت" .
*********
كان يلزم أن تكون الحسبانية آخر كلمة الفلسفة القديمة : فليس الحق لا فى تعلق الذهن بالخارج ولا فى تأمله لنفسه فيلزم التخلى عن الحق اللهم إلا أن يقبل كوننا قد بُلغناه من منبعه الأزلى أعنى الله .
فهذا هو وجه الحل الأخير الذى قِبله الأفلاطونيون الجدد المنتمون إلى مدرسة "بلوتن" الاسكندرانى والذى أعدته الحسبانية بأن جعلته ضروريا لأنه كان يلزم للبحث عن الحقيقة بإلهام فوق الذهن ، أن يُقنط من قطعية الذهن .
غير أن المسألة الأولية كيف يُبنى اليقين على معرفة الله التى تحتاج إلى الإثبات ؟ فنظرية "بلوتن" جواب هذا السؤال وهى أن الله فى باطننا ولسنا نحن غيره فى الحقيقة ،وكل مهمة الفلسفة إعطاء ضميرنا لذة التصادق مع اللاهوت راجعة ً بنا إلى وجودنا الحقيقى وتمكيننا من الفناء الذى يُغرقنا فى الوحدة العليا .
فمذهب أفلاطون الثانى أن يراجع اليقين ُ الأولى أعنى اليقين بلا واسطة مثل الإيقانية التلفيقية .إلا أنهم كانوا لا يجيبون عن سؤال : كيف يتفرع العلم اليقينى بالخارج على تأمل القلب نفسه ؟ فعلى مذهب بلوتن يحل هذا الإشكال بأن معنى تأمل القلب نفسه فى حده الأخير اتحاده مع المبدأ الأعلى الذى هو مصدر كل وجود وكل حق .
قال: "كان أرسطو قد فهم جيدا ً أن قيمة البرهان بفضل مبادئه غيرِ المبرهن عليها فوجداننا الحق بالنظر ناشىء من كوننا نملك ذلك الحق ، فمبدأ اليقين الانسلاخ منا والاتحاد مع الله ولولا ذلك لبقيت ثنائية القلب والعين والذهن والخارج والإدراك والوجود ، التى لا تفتأ تهدد المعرفة وتمنع اليقين . وهذا الانسلاخ يحصل بتهذيب النفس بالعلم والفضيلة .فالإيقان على هذا لطف سماوى خاص ببعض النفوس المنتخبة ".
أقول لا شك فى حسن خاتمة هذا الكلام ، إلا إنه لا شك أيضا ً فى كون حال الفلاسفة جد عجيب فى مبحث المعرفة حيث لم يجدوا سبيلا إلى اليقين لا بواسطة الحواس ولا بواسطة الاستدلال العقلى ، إلا وقد قطع عليهم الحسبانيون تلك السبيل وحالوا دونها باعتراضاتهم المشككة ، حتى لجأ أفلاطون الثانى إلى القول باتحاد النفس مع الله لتُمكنها المعرفة والإيقان . أليس عجيبا ً أن الفلاسفة يستحيل عليهم أن يكون الإنسان يعرف أى شىء معرفة جازمة ولا يستحيل أن يتحد مع الله لتحصل له هذه المعرفة ؟ وعندى أن هذه طفرة متطرفة من الإنسان العاجز كل العجز الذى يعلم كل شىء ، أليس بين الحالتين حالة متوسطة ؟
وما فلاسفة اليونان أو بالأصح الأعم وما الفلاسفة القدماء الشرقيون بمنفردين فى الحيرة بشأن مسألة المعرفة ، بل الغربيون أيضا ً حائرون فى أمرها . ألا تراهم يقولون إن الإنسان يعرف الشؤون ولا يعرف ذا الشؤون حتى ولا وجوده ، فهو لا يعرف وجود العالم فى الخارج عن ذهنه حتى ولا وجود نفسه فى الخارج عنه روحا وبدنا !
لأن كلا منهما أيضا ً من ذوى الشؤون لا من الشؤون ، فلو عرف لعرف بذهنه من غير واسطة أو بواسطة الحواس ، فى حين أن الذهن لا يخطو إلى الخارج من حصاره الخاص به خطوة ولا تدخل فيه الأعيان الخارجية ، فالأجسام كما قال "مالبرانش" ص 70 المطالب والمذاهب :"لا تكون عاملة فى نفوسنا ولا متحولة إليها " فتبقى الروح والجسم الخارجى أجنبيين أبداً فكيف تعرف منه الروح ما تعرفه ؟ ولذا قال "كانت" وغيره من الفلاسفة الفكريين الذين يسود مذهبهم اليوم فى الغرب ومعهم علماء النفس : "إن العالم الخارجى المحسوس ليس غير ما بناه ذهن كل واحد منا فى نفسه ولولا الإدراك لانتفى العالم ، حتى قال "تن" : " الإدراك بِرسام ولكنه برسام صادق " كما فى دروس الروحيات تأليف (أ.رابو) .
وعندى أن هذه النظريات نفسها برسام ولكنها برسام كاذب ! وأصل الخطأ أن أصحابها التزموا إيضاح كيفية المعرفة فى الإنسان على نهج طبيعى فقال ملاحدة المادية : المخ عضو آلى يُصدر الأفكار يُصدر الأفكار كما يصدر الكبد الصفراء والكلية البول وحركاته ميكانيكية لا تنطوى على قوة فوق القوى الميكانيكية .فهم يُنزلون قيمة الذهن إلى الحضيض الأسفل ، فى حين أن مدرسة "بلوتن" الاسكندرانى تعد مرتبة الإدراك مرتبة الألوهية لا يرتقى الإنسان إليها من دون أن يتحد مع الله . ومع ما فيه من الغلو يفهم منه جليا كمال اتصال العقل بالدين ! فليعتبر منه أشباه الأستاذ فرح أنطون القائل فى أثناء مناظرة الشيخ محمد عبده بلزوم إبعاد العقل من الدين .
والحق الوسط أن مرتبة الإدراك مرتبة عالية وراء المراتب الطبيعية ، ومع هذا فالله قادر على أن يخلق الإنسان من طين أو من ماء مَهين ويجعلَه يدرك ويوقن من غير أن يصعده مرتبة الألوهية ويوحده مع نفسه . فمقام الإنسان المكرم من الله بالعقل مقام الخلافة عن الله لا مقام الله نفسه الذى لا يقبل الشركة مع أى واحد من خلقه الذين هم عبيده مهما امتازوا فيما بينهم بعضهم على بعض .
وقبل "بلوتن" الإسكندرانى الملقب بالأفلاطون الثانى قال سقراط كبير حكماء اليونان:"فى الإنسان من حيث أوتى العقل نصيب من اللاهوت !".
ومع أن فى مذهب "بلوتن" كثيرا من المغالاة وفى قول سقراط شيئا ً منها ، فلا غر وإذا كان كبير العقل مثهما يُكبر العقل وصغير العقل مثل ملاحدة الماديين ومقلديهم من المسلمين المستخفين بالأدلة العقلية ،يُصغره . ولا ريب فى أن دافعهم إلى ما ذهبوا إليه من إنكار أهمية العقل غير المتناسبة مع الطبيعة غير العاقلة ، إنكارهم وجود الله فوق الطبيعة . وويل لطائفة يضطرهم مذهبهم إلى أن يسعوا لإسقاط أهمية العقل العظيمة عند العقلاء وذلك حسبهم فى إسقاط أهميتهم أنفسهم . وانظر إلى قول سقراط أيضا ً .
التى يراها الرائى بعينيه ولا يشتبه عليه ما رآه ، هى تمثلاتِه النفسية بمعنى أن رؤيته لتلك الأشياء عبارة عن رؤية روحه لنفسها بدلا من تلك الأشياء ؟ فهذا هو المحتاج إلى الإثبات ، وهذا ما لا يستطيع "كانت" إثباته بقدر ما أثبت "ديكارت" خلافه قائلا ً : "لو لم تكن الأجسام التى نشاهدها موجودة فى الخارج لزم أن يكون الله قد خدعنا ، لأن لنا ميلا ً إلى تصديق وجودها لا نقاومه ومعطينا هذا الميل هو الله " ومثله يقال لو لم نكن نرى الأشياء بعينها عندما شاهدناها بأعيننا .
أما ما قد يقولون من أن الرائى الحقيقى هو النفس المدركة لكون الإحساس إدراكا ، والنفس لا تخرج من مكمنها فلا ترى العالم الخارجى ، فهو لا يدل على عدم إمكان هذه الرؤية لها فى حين إنها دائمة الوقوع منها ، و إنما تدل على عدم تمكننا من إيضاح كيفية هذه الرؤية على النهج الطبيعى . على أننا نقول فى مقابل هذا القول : هل فى إمكان النفس أن ترى نفسها مصورة بصور مختلفة بعدد اختلاف الأشياء إن لم يكن فى إمكانها أن ترى الأشياء ؟ وكيف تدخلها صور الأشياء ما دامت طريق المواصلة بين عالمى النفس والخارج مقفولة ؟ وكل شهوداتنا تدفعنا إلى القول بأنا نرى الأشياء و أنها موجودة فى الخارج عن أذهاننا ، وليس لنا شهود واحد يدفعنا إلى القول "بأننا رأينا أنفسنا ، لاسيما عند رؤية الأشياء ولهذا فلا علم لنا بوجود تلك الأشياء أو عدم وجودها " .
فالحق أن قول الفلاسفة الغربيين على ما هو سائد اليوم عند غير مادييهم بأن الإنسان لا يرى أعيان الأشياء المحسوسة حين يراها وإتما يرى تمثلاته النفسية ، ليس بأقل غرابة من قول الماديين النافين للعلل الغائية كما سيجىء بحثه فى هذا الكتاب : إن العين – بمعنى البصر – ليست آلة معدة للرؤية ورؤيتها الأشياء تقع اتفاقا .
كنت قد قلت أن إدراك الأشياء المحسوسة من النفس بواسطة الحواس وإيقان وجودها فى الخارج بديهى لا يحتاج إلى الإثبات والإيضاح . وهذا الإيقان لا يختل بوقوع الغلط من الحواس فى بعض الأحوال ولا باختلاف الناس فى قوة الإحساس وكيفيته . والإدراكات المستندة إلى البراهين العقلية كالإدراكات المستندة إلى المشاهدات الحسية فى انتهاء أمرها إلى البداهة . أما كيفيات هذه الإدراكات بكلا نوعيها فالعلماء المتولون إيضاحها مقضى عليهم بالفشل ، وليس فى ذلك امتياز العلماء على جهلة العوام إلا إدراك العجز عن دَرك الإدراك حتى إذا لم يدركوا عجزهم ينجر بهم البحث إلى أن ينحطوا من مرتبة الجهل البسيط إلى حضيض الجهل المركب فينكروا البديهيات ويدعوا الحسبانية وما يماثلها من دعوى أن العالم المحسوس موجود بفضل إدراكنا إياه موجوداً (1) ولولا إدراكنا لما كان له وجود !!
هكذا يدعى علماء الغرب المؤلفون فى الفلسفة وعلم النفس كأنهم جربوا انعدام العالم مع إنعدام الإدراك بإنعدام الناس عن آخرهم . لا ، بل إنهم يدعون ذلك ثقة بتعذر التجربة على المعترضين المدعين خلافه . لكنى أقول لهم لو كان وجود الأشياء تابعا لإدراكنا كان الإدراك إيجادا فاحتاج إلى إدراك آخر يتقدمه ولزم التسلسل . ثم أقول لو صح ما قلتم لزم أن يكون الإنسان خُلق قبل كل شىء ثم هو خَلق السماوات والأرض بإدراكاته وخلق كل أحد من يعرفه من الناس فيلزم وجود الإنسان قبل وجود الإنسان .
(1) أبإدراكهم الذى هم حائرون فى إدراك كيفيته ؟
نعود إلى ما كنا فيه من موقف الفلسفة بعد لجوء مدرسة "بلوتن" إلى القول بوحدة الوجود
فكأنهم رأوا أن العقل لا يكفى فى الحصول على اليقين و الخلاص من الحسبانية. ومع هذا فقد كانوا يحاولون ربط الإيمان الدينى بالإيمان العقلى. قال سنت أوغستن: "لا تتألف الحسبانية مع حاجة النفس الإنسانية إلى اليقين لا تتركها و تستريح حتى تتملك الحق. ثم إن الشاك يدرك فيكون موجودا"(1) وقال أيضا ."إن الإيمان أول خطوة إلى العلم فيمكن أن يوجد الإيمان من غير علم ولا يمكن أن يوجد العلم من غير إيمان" ويقول سنت آنسله م:"أومن لأفهم لأنى لا أفهم إن لم أومن" ويقول سن طوماس : "الإيمان يتوقف على جريان لطف كالدعوة الإلهية ويرتبط بالإرادة أكثر من العقل" ولعل هذا مأخذ قول آخر لديكارت
ثم اتسعت الشقة بين الإيمان والعقل فكان سببا لمعاودة الحسبانية فاتخذها بعض الفلاسفة النصرانيين مثل "مونته نيو" تلميذ "شاردون" ذريعة لنشر الدين بين أناس كافرين بملاحظة أنهم ينقادون للإيمان بعد مغلوبية العقل المتولدة من عجزه فيصبح دعاة الحسبانية هداة صالحين بدل أن يكونوا قادة مضللين.
إلى أن جاء ديكارت فأعاد إلى العقل كرامته وفتح عهدا جديدا فى الفلسفة و قضى على الحسبانية كما ذكرنا من قبل.
وكان يظن أنه لا يكون لها بعث بعده فى الغرب لكن خاب الظن فبعثها الفيلسوف "داويد هيوم" بما هو أدهى مما كان قبله وأقوى فرفع اليقين عن الدين والدنيا و العلم الذى غلب اليوم فى عرف الغربيين و مقلديهم من الشرقيين، فى العلم المادى الحديث المبنى على التجربة الحسية. وتسمى الحسبانية المنسوبة إليه ، الحسبانية الأخيرة.
وقد كان أكثر ما يعتمد عليه الفلاسفة فى دفع الحسبانية إيقان الإنسان على الأقل بوجود نفسه المدركة وبقائها طول عمره محتفظة بوحدتها الشخصية التى لا تتجزأ فى حين أن البدن يتغير و يتجدد. لكن هذا الفيلسوف أنكر هذا اليقين أيضا ـ الذى اتخذ جنة إزاء الحسبانية و أساسا لليقينيات الأخرى ـ فقال ليس هناك روح تلاحظ خلف عملية الإدراك . وقد بينا كيفية إنكاره هذا فى محل آخر من هذا الكتاب .
الحاصل أن الفلسفة سواء كان قديمها اليونانى أو حديثها الغربى لم تتخلص من وباء الحسبانية مهما سعت طوال تاريخها للخلاص منها. وكثير من فلاسفة الغرب عنوا خاصة بانقاذ العلم الحديث فلم يوفقوا على الرغم من الرقى المشهود فيه وعلى الرغم من أن بعضهم زعم حصوله على ما رامه من خلاص العلم ، والفيلسوف "كانت" على رأس هؤلاء الزاعمين .
ثم إن الفلاسفة الغربيين الذين ينتهى أمرهم من الإفراط فى التمسك بالتجارب الحسية أو من التمذهب بمذهب الفكريين القائلين باستناد وجود الكائنات إلى الإدراك .. فى الحسبانية اتفقوا على القول بوصول علمهم إلى الشؤون و الحوادث ، حتى إن زعيم الحسبانية الأخيرة أعنى "هيوم" يعترف بذلك ويوافقهم على هذا اليقين ، فهم يقولون نحن ندرى الشؤون ولا ندرى ذا الشؤون ، وهذا هو اليقين الوحيد الذى نصل إليه فندرى أننا ندرك ، لأن الإدراك شأن من الشؤون وحادثة من الحوادث التى اتصلتا به ، لكنا مع علمنا بوقوع الإدراك ووجوده قطعا لا ندرى المدرك بالفتح و لا المدرك بالكسر ، ومعناه أنهم لا يدرون حتى وجودهما لعدم
(1) ولعل ديكارت أخذ قوله المشهور من هذا
كونهما من الشؤون التى عاينوها ووصلت إليهم تجربتهم : فلو اصطدم رأس أحدهم بالحائط الذى يشاهده أمامه لزمه أن يقول بوجود الاصطدام ووجود الألم الذى أدركه فى عقبه وبوجود الصلابة التى أدركها أيضا لأن كل ذلك من الشؤون الحادثة المجربة ، ةلا يلزمه أن يقول بوجود الحائط ولا بوجود رأسه لأنهما ليس من الشؤون و الحادثات التى تتعلق بها التجربة.
الكائن فى الذهن يستلزم وجود المدرك والمدرك فى الذهن ولا يستلزم وجودهما فى الخارج" ولنا كلام عليه فيما يأتى إن شاء الله. فليس المحسوس عندهم غير المعقول إلا أنه معقول بواسطة الحواس. وليس معنى هذا إلا أنهم لا يعرفون الشئون أيضا على أنها واقعة فى الخارج كما لا يعرفون ذا الشئون . وستعرف ما يؤيد ذلك.
فمذهب أكثر الفلاسفة الغربيين اليوم وهم اتباع "كانت" لا يسعهم أن يقولوا بوجود المحسوس فى الخارج ويسندوا قولهم إلى الحس والمشاهدة لأن الحس لا يفهم شئ إلا بعد أن تأوله الذهن وانقلب إلى الإدراك أى بعد أن أصبح المحسوس معقولا وأصبح محله الذهن لا الخارج. ولذا قالوا عند تحليل إدراك الخارج : لسنا نحن فى وقت من الأوقات تجاه شئ غير تكيفاتنا النفسية ، إلا أننا ننسب تكيفاتنا هذه إلى الأشياء و معتبرها كأنها تكيفاتها وليست الأشياء سوى حالاتنا النفسية التى انبعثت منا بمساعدة الوهم وأصبحت معدودة بغير حق كأنها حقائق خارجية مستقلة عنا ، فالدنيا عبارة عن صرح أنشأته مفكرتنا بعملياتها التى تجريها على الاحساسات وهى تدرك ذهنا بشرط أن تكون معقولة وتفقد طبيعتها الخاصة و تنقلب ماهية ذهنية . والذهن موجود يشعر بوجوده ويعرف نفسه.
قال "أ. رابو" فى كتابه "الدروس النفسية" : "إن التجربة غير قادرة على أن تقول لنا ماذا هو العالم فى حد ذاته؟ لأن الإدراك الخارجى لا يصل إليه بل إذا تعمقت المسألة فلا إدراك خارحيا أصلا ، والأشياء فى نهاية الأمر عبارة عن تكيفاتنا التى رسمتها أوهامنا فى الخارج. فبدلا من أن تكون قوانين التفكير صورا عادية لقوانين العالم مستنسخة منها فقوانين العالم تبيان لقوانين النفس الناطقة وارتساماتها ، و الدنيا ، كما قال "كانت" تدور حول النفس الناطقة ، لا أن النفس الناطقة تدور حول الكائنات . ولهذا كان "كانت" يشبه ما أحدثه منالانقلاب فى الفلسفة بما أحدثه "كوبر نيك" فى الفلكيات ، وقد ذكرنا من قبل .
هذا ما قال اتباع "كانت" عن مذهبه بل ما قاله "كانت" نفسه عنه . فماذا الفرق إذن بينه وبين قول "بروتا غورس" اليونانى من زعماء الفلسفة الحسبانية وذكرناه من قبل "إن الأشياء عبارة لكل إنسان عما يتجلى له ، ولكونها مأخوذة على أنها حالتها الخاصة به تتجلى له بما هى مجبورة على أن تتجلى له".
فالصفوة الحاصلة من هذه الأقوال التى لخصتها من كتب الفلسفة وعلم النفس أن أكثر فلاسفة الغرب اليوم غير مستيقنين بوجود العالم الخارجى وربما صرحوا نفيه بتاتا. فكما أنهم تابعون فى هذه المسألة لـ "كانت" فـ"كانت" نفسه تابع لـ "هيوم" فهو حسبانى مثله (1) بل إنهما تابعان لحسبانى اليونان ،
(1) وقد صرح الفيلسوف الاسكتلندى "هاملتون" بكون نتيجة انتقاد "كانت" عقيدة لا أدرية كما المطالب والمذاهب ص 295 لكن الحق عندى أن اللاادرية هى مذهب هيوم الحسبانى أى السوفسطائى أما كانت فقد افترق عن سلفه هيوم افتراقا جعله من السوفسطائيين العندية ويتطلع عليه.
لأنك تجد فى أقوالهم ما ذكرته من قبل عنهم : "أن الحواس ترينا الحالات النفسية فقط ولا تجيز لنا الحكم فى طبيعة الأشياء" فكان "سكتوس أمبريكوس" قال هذا وكنا نبهنا نقلا عن "بول رانه" على أنه كالإحساس المتقدم بالمسألة الانتقادية التى وضعها "كانت" وهى : "أى دليل يثبت عينية مقولات الروح الإنسانية ؟" كما قد سبق منا انتقاد هذه المسألة الانتقادية.
وقد عرفت أن "كانت" ينكر أيضا ثبوت الروح فى الخارج حين قال بوجود الإدراك الذى هو من الشئون دون المدرك و المدرك اللذين من ذوى الشئون فلا فرق إذن بينه وبين "هيوم" فى الإنكارين إنكار (أنا) وإنكار (لا أنا) وإن شئت فقل الذهن والخارج أو الروح والعالم. والمنكر بالفتح فى هذين الإنكارين جميع الموجودات حتى إن الله تعالى يدخل فيه ويدخل "كانت" نفسه . (1)
إلا أن هناك نقطة لفتت نظرى عند نقل كلمات من اتباع "كانت" أشباه الحسبانيين وهى أنهم بينما ينكرون وجود العالم فى الخارج أو على الأقل لا يدرون وجوده ، يتحدثون عن العالم فيقولون مثلا العالم يدور حول النفس الناطقة وهو تبيان قوانينها وارتساماتها . ويقولون الدنيا تدرك ذهنا بشرط أن تكون معقولة وتفقد طبيعتها الخاصة وتنقلب ماهية ذهنية . وهذا اعتراف منهم بوجود العالم من حيث يشعرون أو لا يشعرون. ويستخرج من غصون كلامهم فى إنكار (أنا) حتى من كلام هيوم أيضا اعتراف بوجود (أنا) أكثر من اعترافهم بوجود العالم . فما هذا الاضطراب والتناقض منهم فى القول؟ ومن هذا يزداد الانسان فهما لمعنى قول "أسبينوزا": "واجب الحسبانى السكوت" إذ لا يمكنه الكلام عن مذهبه الإنكارى من غير اعتراف بوجود ما أنكره.
ثم رأيت أن "كانت" لا ينكر وجود المادة ، فيكون مذهبه أن العالم مادته من نفسه وصورته منا ، وكان من الضرورى أن يوجد شئ من العالم يمثله فى الخارج ويكون سببا لتمثلاتنا الذهنية عنه. قال فى : المطالب و المذاهب.
"كان "هيوم " لعدم قبوله أى شئ فى خارج الروح *(1) يبحث عن منشأ الاعتقاد لحقيقة المادة فى الروح *(2) أى فى التداعى المصنوع بين اعتياد المخيلة وبين التمثلات النفسية. وكذلك "كانت" كان يبحث عن مبدأ تشكل عالم الشئونات العينية فى الروح ، ولا يكتفى كـ"هيوم" بترك فرضية عالم فى خارج الروح بل يقول بامتناعها أيضا .
(1) ولا يقال كيف يعزى انكار وجود الله إلى "كانت" المؤمن بالله لأن مرادنا انكاره علميا أو بالأصح انكار ثبوته علميا . و "كانت" لا يستند فى اعترافه بالله إلى العلم الذى يريدون به العلم الحديث المبنى على التجربة والمشاهدة ولا يسمون غيره علما كما أنهم ينفون اليقين إلا فى هذا العلم وفى الرياضيات كما صرح "بول رانه" بنص "كانت" عليه . وإذن ففى أى حد من القيمة يعتبر اعتراف "كانت" يوجود الله واستدلاله عليه بدليل خاص له؟ وإنى مع مزيد رغبتى فى التصديق بإيمان هذا الرجل المشهور بفلسفته وإيمانه بالله عند العلماء الغربيين ، مجبور على تدقيق موقفه فى هذه المسألة من أجل أمرين أحدهما أنه صاحب انتقاد ما كان اعتماد العلماء فى الشرق و الغرب منعقدا عليه من الأدلة النظرية القائمة على وجود الله . وثانيهما وهو المهم أن الفلسفة الوضعية التى تنتمى اليها حركة الإلحاد العالمية فى العصر الأخير و التى معروفة فى مصر و رائجة بين حملة الأقلام من قادة الثقافة الغربية بها ... هذه الفلسفة تبنى ناحيتها السلبية على انتقادات "كانت" لتلك الأدلة.
*(1) كأنه يقبل وجود الروح نفسها ! !
*(2) كل هذه الملاحظات قبل حدوث النظرية الجديدة القائلة بعدم وجود المادة ورجوعها إلى القوة وفيها عندى ما فى النظرية القديمة القائلة بأزلية المادة وأبديتها.
فالصورة التى فى تشكل العالم الخارجى إنما تعطيها الروح و مع هذا فالعنصر المادى يأتى فى نفس الأمر من الأشياء و الروح تجمع إلى هذا العنصر المادى صور نفسها وتنشئ عالميا عينيا عالم الشئون و الحادثات ." وبوجود مادة العالم الخارجى فى الخارج عند كانت ، يبتعد مذهبه شيئا عن الحسبانية ويفترق من مذهب "هيوم" . وأنا أقول إذا كانت صورة العالم الخارجى معطاة له من أرواحنا ولم تكن موجودة فى نفس الأمر عند "كانت" لزمه أنكار مادته أيضا فى نفس الأمر لعدم وجود المادة من غير صورة *(3) اللهم إلا أن تكون لمادة العالم صورة غير صورتها التى تعطيها الروح والتى هى المحسوسة من العالم دونها وعندئذ يلزم أن لا يكون العالم الحارجى محسوسا أصلا لا بمادته و لا بصورته وأن تكون الحواس تخوننا فترينا العالم على صورة غير صورتها الحقيقية .
*(3) ولذا أنكر "فيخته" و "شيللنغ" و "هكل" اخلاف "كانت" وجود المادة بتاتا وحذفوا ما تركه "كانت" قائما فيما وراء الروح من الحقيقة المجهولة . فتنحل ثنائية "كانت" فى مذهبهم إلى الاتحادية المعنوية . فعلى هذا لا تكتفى الروح فى إنشاء العالم الخارجى بإلزام صورة له من عندها كما ذهب إليه "كانت" بل تخلقه تماما وتستخرجه من فعلها.
هذا ما قاله "بول رانه" فى "الكطالب والمذاهب" وفيه إيهام ظاهر لوجود الروح نفسها مع أن فيه أيضا نظرا ظاهرا كما عرفته وستعرفه.
وقد كان الفيلسوف الأرلندى "بركلى" المتقدم على "كانت" المعترف بمادة العالم وعلى "هيوم" المنكر ، أنكر المادة لأن المعترفين بها يردون الكيفيات الأولى و الثانية لها إلى تحولات نفوسنا الحساسة التى لا وجود لها فى الخارج كما سيجيئ بيانه ، فإذا انتزعت تلك الكيفيات عن المادة فماذا يبقى من المادة؟ وما هى الفائدة فى الاعتراف بها ؟ فأن قلنا انها علة تكيفاتنا النفسية يمنعه أن القائلين بالنفس يفرضون كونها قابلة لا فاعلة ، و إن قلنا إنها التى تنبسط تحت الصفات فيلزم أن تعرف بالامتداد فى الطول و العرض والعمق وفيه التزام تسلسل لا نهاية له لأن الامتداد أيضا صفة فينتقل الكلام إلى ذات الممتد ثم يعرف أيضا بالامتداد وهكذا دواليك. ولا يظن أنه لم يلزم التسلسل لو أتى فى تعريف المادة بالممتد بدلا من الامتداد فإما أن لا يمكن تعريفها وهو علامة عدم وجودها أو يؤتى فى تعريفها بالممتد الثانى فينقل الكلام إليه بالسؤال عن ذاته ويلزم التسلسل.
ومذهب "بركلى" أقرب إلى مبدأ صدوقية الحواس من مذهب "كانت" وأتباعه لأن الشهودات الحاصلة فى الروح على مذهبهم عند استخدام الحواس ليس لها أصل فى الخارج تنطبق هى عليه وإنما تهتلقها الروح اختلاقا إذ لا وجود للأشياء عندهم غير مادتها وهى لا تشهد. أما الحواس والصور المسماة بالكيفيات الأولى والثانية للأجسام و التى يتعلق بها الشهود بليست بموجودة فى الأجسان وإنما هى مصورة من الروح فى الروح نفسها وسيجيئ بيانه. وأما ما يعترف العلم بوجوده فى الأجسام عدا مادتها من الكيفية وهى الحركة بالتمثلات المشهودة فى الروح لا تنطبق عليه ولذا اعترف علماء الطبيعة الرادون كل ما فى الجسم من الخواص إلى الحركة ، بجهلهم بكيفية حصول التمثلات المختلفة فى الروح عند تقابلها بالأجسام بواسطة الحواس . أما "بركلى" بللصورة الحاصلة فى الروح على مذهبه عند التقابل بالمحسوسات أصول فى الخارج مطابقة لما فى الروح إلا أن هذه الصور الخارجية غير جسمانية أى غير قائمة بالجوهر الجسمانى إذ لا وجود عنده للمادة ، وإنما هى قائمة بالله تعالى. فهو يعترف بوجود المحسوسات فى الخارج وينفى مادتها عكس ما ذهب اليه "كانت" واتباعه . وهذا معنى قول "بركلى" أنه عمد بمذهبه ه1ا إلى تجنب الحسبانية لأنه جعل للمحسوسات الموجودة فى الذهن فقط عند غيره ، صورا موجودة فى الخارج تنطبق الصور الذهنية عليها وهى من جنس المعقولات مثلها لا من الماديات. هذه تحقيق ما ذهب اليه "بركلى" الذى عنيت بإيضاحه وربما لا يجد القارئ مثل هذه الإيضاح فى كلام ناقليه. وهو يبنى مسألة وجود الله على اليقين الحسى ويساوى بين هذها اليقين و اليقين العقلى ، فى حين أن مدرسة "ديكارت" كانت تعتبر اليقين الحسى دون اليقين العقلى. إلا أن لى فى بناء وجود الله فى هذا المذهب على اليقين الحسى بحثا ، لأنه لا يدعى الاحساس بالله ولا بالعالم الموجود فى الخارج القائم بالله وإنما يرى كغيره تعلق الحس والمشاهدة بالعالم الموجود فى الذهن.
ويمكن أن يجاب هذا الاعتراض بأن المشهود فى الذهن لما كان فى هذا المهب تابعا للموجود فى الخارج وكان طريق مشاهدة ما فى الخارج مشاهدة صورته الذهنية اعتبرت مشاهدتها مشاهدته . ولما كان هذا العالم الخارجى المشهود بواسطة صورته الذهنية قائما بالله تعالى اعتبرت مشاهدته مشاهدة الله ، فكما أن من رأى الاشياء بواسطة أغراضها المحسوسة يتيقن يقينا حسيا بوجود الجوهر الجسمانى =
فلينظر القارئ حال المحسوسات التى لا يؤمن الغرب ومقلدوه فى الشرق إيمانا علميا إلا بها و لا يؤمنون بالمعقولات ما لم يؤيدها محسوس]1[ ولينظر فلسفة "كانت" الذى لا يعول على أدلة إثبات وجود الله بالعقل النظرى فينتقد كل واحد منها ... لينظر فلسفته فى المحسوسات فهى أيضا منهية إلى حسبانية "هيوم" فى العالم الخارجى أعنى (لا أنا) بل وفى (أنا) أيضا ، فلا يستبعد من مثله أن يكون حسبانيا فى مسألة وجود الله فلا يوقنها إيقانا علميا.
نعم إن "هيوم" يفترق عن "كانت" كما قال عنه "دوبل دوران" الأمريكى
= المسمى بالمادة على مذهب القائلين بوجودها لاحتياج تلك الأعراض إلى ما تقوم به فكذلك من رأى الكائنات بواسطة حضور صورها فى ذهنه يتيقن يقينا حسيا بوجود الله على مذهب "بركلى" النافى للمادة ليقوم العالم المشهود به .. فكأنما هذا الفيلسوف يقيم الله تعالى مقام مادة الماديين الملاحدة و يعاكسهم فيعترف بوجوده ولا يعترف بوجودها كما أنهم ينفون وجوده معترفين بوجودها. وهو يعكس أيضا ما ذهب إليه "ديكارت" من أن ما يبنى عليه اليقين الحسى هو الصدوقية الإلهية كما سبق ، فيقول "بركلى" إن فهم وجود الله مبنى على صدوقية الحواس. وهذا يشبه استدلال علماء الإسلام وغيرهم بوجود الكائنات المحسوسة على وجود الله ، غير أن استدلالهم من قبيل الاستدلال بالأثر على المؤثر واستدلال هذا الفيلسوف من قبيل الاستدلال بالصفة على موصوفها لما عرفت من أن وجود العالم فى خارج الأذهان عنده عبارة عن وجوده فى علم الله وهو من جنس المعقولات مثل صورته الذهنية ، فهو داخل فى صفة العلم لله كما أن العالم الذى نشاهده فى حالة الصورة الذهنية لنا داخل فى علمنا ممثلا للعالم الذى فى علم الله و الذى هو العالم المحسوس الخارجى بالنسبة إلينا. و لما كانت الصفة أقرب إلى الموصوف من الأثر إلى المؤثر اعتبر استيقان وجود الله بواسطة استيقان وجود العالم المحسوس فى مذهب "بركلى" استيقان حسيا ، فكأنا نشاهد الله عند مشاهدة العالم الخارجى لأن ذلك العالم الخارج هو العالم الداخل فى علم الله . فتأمل هذا المذهب فإنه دقيق وبالتأمل حقيق . وليس هذا مذهب وحدة الوجود أى مذهب اتحاد العالم مع الله الذى سنحمل عليه فى الباب الثانى حملة شعواء وليس فيه تعيين الماهية لله تعالى على أنها الوجود كما فى مذهب وحدة الوجود.
]1[ يقول علماء النفس لا يظن أن الحواس جسور طبيعية للمفكرة تتصل بواسطتها إلى عالم الأجسام و تفهمه بكيفياته الحقيقية بمعونة هذه الوسائط ، لأن هذا خطأ وهمى فقد كانت خواص الأجسام التى يدعى إدراكها مباشرة مفترقة إلى قسمين رئيسيين وكان القسم الذى يسمى كيفيات ثانوية للأجسام كاللون والصوت والسخونة والبرودة لا يعد كيفيات لها نفسها بل تكيفات نفسية لا حقيقة لها فى الخارج لأنها تختلف باختلاف الأشخاص أما القسم الثانى المسمى بالكيفيات الأولية مثل الثقلة والمقاومة و المكان فقد كان من قبل ادعى كثيرا وجوده فى الأجسان مستقلا عنا غير مضاف إلينا ، لكن الصواب أن القسمين كليهما موجودان بالنسبة إلينا فالجسم الذى يثقل على الطفل و الرجل الضعيف يستخفه الرجل الكبير و القوى.
وفضلا عن التجربة العامية فالعلوم المثبتة أيضا تشهد بأم كل ما نعبر عنه بخواص الأجسام كاللون والصوت و الحرارة وغيرها فإنما هو موجود فينا وبالإضافة إلينا ولا شئ للعالم المحيط بنا فى نظر العلم المثبت غير الحركة فإذا هاجت هذه الحركة أحد أعصابنا يحصل فينا
ما نقول عنه اللون أو الصوت أو غيرهما من غير أن نعرف كيفية حصوله فليس بممكن أن يرى فى هذه الكيفيات شئ غير تكيفاتنا الشعورية. كذا فى "الدروس النفسية" لـ "أ. رابو"
وعندى أن هذه النظريات غير تامة الجدارة بالتسليم فقول العلم المثبت المنقول آنفا المشكك فى معطيات الحواس بمثابة النقص لنفسه بنفسه لكون مستند ذلك العلم هو التجربة الحسية فإذا قال إن خواص الأجسام كاللون والحرارة والثقلة ليست موجودة فى الأجسام بل موجودة فينا وإنما الوجود فيها الحركة فإما أن لا يكون قوله هذا مؤيدا بالتجربة فلا يعتد به وإما أن يكون مؤيدا بها فيقال إذا خدعنا الحس بأن يرى اللون والحرارة والثقلة التى ليست فى الأجسام كأنها فيها فمن يضمن لنا أن الحركة التى يعترف العلم بوجودها فى الأجسام بشهادة التجربة الحسية موجودة فيها لا فينا؟
واختلاف ثقلة الجسم الواحد على اختلاف الأشخاص إنما يدل على اختلاف الأشخاص إنما يدل على اختلاف حالات الأشخاص لا على اختلاف حالة الجسم ، وليقم بالتجربة شخص واحد قوى أو ضعيف على جسمين مختلفين فإذا كان أحد الجسمين أثقل عليه من الآخر فهل يمكن أن يقال إن الفرق المحسوس فى الثقلة بينهما لم يكن ناشئا من حالتين مختلفتين فى نفس الجسمين بل فى نفس القائم بالتجربة ؟ وهل يمكنك إذا أكلت برتوقالين فوجدت أحدهما حلوا والآخر حامضا ، أن تقول إن الحلاوة و الحموضة فى نفسى ولا فرق بين البرتقالين؟
فينكر العلم زيادة على إنكار العالَم وينكر قوانين العلم لكونها مبنية على التجربة التى مهما كثرت وتوالت وتواترت لا تفيد الكلية والضرورة اللازمة للقانون ، ويقول نحن لا نرى العلية التى هى منشأ الضرورة وإنما نرى الحادثات والنتائج فندعى العلية والضرورة بغير حق . والتى يقال عنها القوانين الطبيعية ليست بأمور أزلية ضرورية تتبعها الحادثات وإنما هى الخلاصة الفكرية لتجاربنا المتحولة دائما ً ، ولا إمكان للتأمين على أن النتائج التى رأيناها إلى الآن سوف نراها بعينها دائما ً من غير تبدل فغايتها أنها عادات مشهودة على أنها نتائج الحادثات ولكن لا يقال إن هذه العادات لا تتبدل ".
وهذا فى حين أن "كانت" يهتم بالعلم ويسعى لجعله الحقيقة الوحيدة المنقذًة من الحسبانية بعد الرياضيات . وليحفز القارىء بهمته ودقته ليعقبنى فى تدقيق ما قاله "كانت " بهذا الصدد على ما ذكر عنه "بول زانه " فى " المطالب والمذاهب " :
" الإيقان إما تدريبى وإما عقلى واليقين العقلى إما رياضى وإما فلسفى والاول بديهى والثانى نظرى والفرق بين اليقين والعقلى واليقين التدريبى أن اليقين العقلى يكون ضرورى الوقوع واليقين التدريبى يكون وقوعيا فقط إلا أن القضية التدريبية إذا عرفناها بالمبادىء العقلية فمع كون المعرفة متعلقة بالموضوعات التجريبية يمكن أن يكون إيقانها تدريبيا وعقليا معا أى ضروريا .
" وتوضيح هذا الكلام أن مقارنة المعرفة بالواقع الخارج عن الذهن وتطبيقها عليه لاستيقانها والاطمئنان إلى حقيتها متعذرة إذ لا سبيل للذهن إلى إفراز الواقع أى العين الذى حصلت صورته فى الذهن عند المعرفة ، عن العارف . فوجب توثيق الذهن نفسه وليس هناك معيار كلى مادى وإنما معان ٍ صورية كمبدأ التناقض الذى يكفينا توثقا فى كل حكم تحليلى مثل الأحكام الرياضية وهو على الرغم من كونه معيارا ً سلبيا معيار كلى لأن شرط كل أحكامنا أن لا تنتفض بنفسها ، غير أن الحكم السالم عن التناقض قد يكون باطلا ً .
" وهنا إشكال يكاد يكون غير قابل للحل وهو أن معيارا ً صوريا ً كمبدأ التناقض وإن كان يكفل لنا مطابقة الذهن لنفسه إلا أن هذا المعيار الذهنى كيف يمكنه أن يكتسب قيمة عينية أعنى قيمة الواقع فى الخارج والحال ان المهم لنا كونه معرفا للعالم المحسوس فإن قلنا إن نظام علمنا يكون بحسب نظام الأعيان الخارجية فلا يمكننا وجدان المبادىء المقننة لهذا من دون أن يُخرَج من الذهن " .
ثم يجيب "كانت" عن هذا الإشكال قائلا ً : " يجوز أن يفرض كون النظام الأعيان تابعا لمعرفتنا إن لم يكن نظام معرفتنا تابعا للأعيان (1) فعند ذلك تكون قوانين الذهن قوانين ضرورية للشئون الخارجية والتجربة تؤيد دائما ً هذه القوانين العينية بإصاباتها ، والمقصود فى نهاية التحليل أن نجد معرفة موافقة لقوانينَ حائزةٍ للكلية والضرورة وحاكمة ٍ لا على أرواحنا فقط بل على الأرواح كلها وبالأقل على جميع الأعيان من حيث كونها مدرَكة أو متصورَة " .
وأنا أقول دافع "كانت" إلى اعتنائه بالعلم والسعى لإنقاذه من الحسبانية بتصديق حظه من اليقين ، شيئان اثنان أولهما الرقى المشهود للعلم فى الأعصر الأخيرة المخول له استحقاق استناده إلى اليقين.
(1) هذا عكس ما هو المعروف عندنا من أن العلم تابع للمعلوم وليس المعلوم تابعا للعلم .
وثانيهما أن العلم الذى يريدون به العلم المادى يؤتى ثمراتِه عاجلا ً فى الدنيا ، وفلاسفة الغرب مهما كان فيهم مؤمنون بالله واليوم الآخر مثل "كانت" فهم دنيويون أكثر منهم دينيين . فلو كانت للدين ثمرات عاجلة مثل العلم لسعى "كانت" لإنقاذ مسالة وجود الله أيضاً ً من الحسبانية وإيتاء حقه من اليقين العلمى وما اكتفى بإسناده إلى دليل الأخلاق الذى لا يفيد الضرورة العقلية مهما كانت قوته وقيمته الأدبية ، كما لم يكتف بإسناد العلم إلى مبدأ شبه الحق مع كون هذا المبدأ كافيا فى الرقى المطلوب للعلم كما قال الفيلسوف اليونانى الحسبانى "آرته ئيلاس" جوابا على اعتراض الرواقيين : " إن الحياة العملية تعتمد على مبدأ شبه الحق " فإن استقله "كانت" لمقام العلم فليعتمد على الحق الوقوعى واليقين العادى ألا يكفيه أن تكون قوانينه قضايا واقعية أى صادقة مطابقة للواقع ؟ وإن لم تكن ضرورية بناء على ما قال "كانت" نفسه : "إن اليقين الحسى الثابت بالتجربة لا يكون ضروريا" ص 83 المطالب والمذاهب .
مع ان "كانت" القائل بهذا القول مهما عاد فتكلف جهد طاقته لأن يجعل قوانين العلم أو بالأصح قوانين ما يطلقون عليه اسم العلم محتكرين له ذلك ، ضرورية ، لم يقدر عليه ولم يقدر على نقض دليل "هيوم" المانع للضرورة . وفى الحقيقة لو اجتمعت تجارب الدنيا على مسألةٍ ما أفادت معنى فوق أن تكون تلك المسألة ثابتة متحققة الوقوع ، أما كونها ضرورية مستحيلة الخلاف فخارج عن حدود التجربة متعال عن أن يكون مدلولهَا ، فلا يُجَرب الوجوب والضرورة أو بالأصح لا يُعلمان بالتجربة وكل ما أظهرت التجارب المديدة من وقوع حادثة عقب حادثة من غير تخلف فالحكم المتيقن منه كون ذلك التعقيب عادة كما قال "هيوم" لا ضرورة إلا إذا علم كون المقدم منهما علة للمؤخر فحينئذ يكون التعقيب ضروريا ً لكن العلية أمر خفى لا سبيل للعلم إليه بالتجربة . وليت شعرى كيف يقبل عقل "كانت" وإنصافه أن تكون القضية القائلة بأن الجسم يتمدد إذا سخن فيكبر حجمه ويتقلص إذا برد فيصغر حجمه ، ضرورية علمية بحجة استنادها إلى التجارب الكافية المفيدة للقطع وأن لا تكون القضية القائلة بأن العالم المشهود الذى هو عالم الممكنات يحتاج وجوده إلى موجود آخر ليس من جنس هذا العالم بأن يكون واجب الوجود ، ضرورية ً علمية لعدم ثبوتها بالتجربة ؟ نعم ، القضية الأولى المؤيدة بالتجارب قطعية الثبوت لا يشك أحد فى صدقها واطراد صدقها وأنها مقتضى سنة الكون ، ولكن على الرغم من ذلك هل كانت تقوم القيامة وكانت الكائنات عاليها سافلها لو لم تكن سنة الكون كذلك يكون نظام العالم تابعا لمعرفتنا فلا طائل تحته على الرغم من طوله . ولا يفهم ماذا هو المطلوب من هذا الجواب فهل هو منحُ العينية لمبدأ التناقض الذى هو معيار ذهنى لا عينى وسلبى لا إيجابى أم منح الضرورة لمدلول التجربة ؟ أو أخذُ ُ الضرورة من مبدأ التناقض والعينية من التجربة ليستخرج من مزجهما ضرورة عينية ؟ وكان أصل الإشكال الذى أورده "هيوم " على قوانين العلم المبنى على التجربة أنه لا ضرورة فيها فلا يصح تسميتها قوانين . وقد بينا بيانا لا مزيد عليه أن التجربة لا تفيد الضرورة الزائدة على مطابقة الواقع ، فإذا حاول محاول أن يستخرج منها قانوناً ً أى دستورا ً علميا ً وحكما ضروريا ً ثم رأى أن التجربة مهما تأيدت بتجربة فلن يبلغ مدلولها مبلغ الضرورة المجاوزة لحد الواقع وقوعا عاديا ، فكيف يستفيده هذا المحاول من مبدأ التناقض ؟ وهل يكفيه أن لا يكون تناقض فيما دلت عليه تجربته ليحكم بكون المجرب السالم من التناقض قانونا ضروريا أى واقعا وواجبا معا ً لا واقعا ً فقط ؟ مع أن عدم التناقض إنما ينفع فى إثبات الإمكان لا فى إثبات الوقوع بله ضرورة الوقوع ولهذا قال "كانت" نفسه " إن الحكم السالم من التناقض قد يكون باطلا " فتأييد الحكم الثابت بالتجربة بالسلامة من التناقض الدالة على إمكان المجرب لا يكون تأييدا بل تقهقرا من مرتبة الوقوع إلى مرتبة الإمكان التى هى أدنى وأضعف فكيف يصحح الذهن نفسه بهذا المعيار ليتوصل به إلى تأمين الضرورة لقوانين العلم التى لم تكتسب بعدُ قيمة عينية أعنى قيمة الواقع فى الخارج أى الخارج عن الذهن والتى بتوقف صدقها وصحتها على هذا الاكتساب والنظرُ فى كونها ضرورية بعد النظر فى صدقها وثبوتها فى الخارج ثبوتا عاديا . فالتجربة قبل أن تكون قانونا ضروريا وقبل أن تكون واقعة عينية شهود وتمثل ذهنى ففى أولى المرحلة التى تطلب فيها ترقيتها من الذهنية إلى العينية ، تُخفِق فلسفة "كانت" المستمدة من مبدأ التناقض ، لتقهقرها بهذا الاستمداد من مطلب الوقوع والتحقق إلى مطلب الإمكان ثم تستمد من فرض كون نظام الأشياء فى الخارج تابعا لمعرفتنا ، والفرض لا يغنى شيئا ً من الحق الواقعى ولا الحق الضرورى . وكان فرض كون معرفتنا الذهنية المبنية على التجربة الحسية تابعة لنظام العالم الخارجى ، أقرب إلى المعقولية من فرض عكسه وأوفق للمطلوب الذى هو منح ما حصل فى الذهن قيمة عينية لا منح ما فى الأعيان قيمة ذهنية ،لكن "كانت" أظنه أراد بهذا الفرض الموافق لمذهبه الفكرى أن يقفز بالتجربة المشهودة فى الذهن إلى المرتبتين المطلوبتين معا أعنى الوقوع فى الخارج وضرورة الوقوع فيه أما الأول فظِاهر من تبعية الواقع فى الخارج للواقع فى الذهن ، وأما الثانى فلأنه إذا كان الواقع فى الخارج تابعا لمعرفتنا الذهنية يكون ما فى الذهن علة لما فى الخارج ويكون عدم تخلف المعلول عن علته ضروريا ويكون البرسام الذى فرضه الذهن على العالم الخارجى برساما صادقا كما قال "تن" وزيادة على ذلك : برساما ضرورى الصدق !!
فهذا مفتاح كل سر فى مذهب "كانت" الغامض المضطرب غاية الاضطراب إلى حد التناقض مع نفسه ، لكونه من ناحية ضامنا لكون العلم الحديث المبنى على التجارب الحسية الكافية يفيد اليقين وضرورة اليقين ومن ناحية أخرى قائلا بأن كل ما نشاهده من الحادثات ونجربه من الواقعات عبارة عما يحصل فى أنفسنا من التمثلات والتكيفات ، فنحن بهذه التمثلات التى نسميها إدراكات متعلقة بعالم الكائنات الخارجية ننشىء ذلك العالم من عندنا ولا ننشئه فى الخارج عن أذهاننا بل فى أذهاننا نفسها ، ولولا الإدراك لانتفى العالم . وهذا كله يدل على عدم وجود العالم الخارجى فى نفس الأمر ولا الحادثات المشهودة فيه ، أو على الأقل على عدم علمنا به وبما فيه غير الصور الحاصلة منه فى أذهاننا ، فلا علم لنا بنفس الأمر فضلا عن دعوى العلم اليقينى والضرورى ودعوى انقاذ العالم من الحسبانية فى فلسفة "كانت" ! ..
لكن الفلسفة المبنية على أساس الفرض لا تكفى لكسب مرتبة الوقوع للتجربة والمشاهدة بله مرتبة الضرورة أيضا . فلو كفى فى إثبات الضرورة فرض كون نظام العالم تابعا لنظام معرفتنا بأن تكون معرفتنا علة لذاك النظام لما كان وجه لقولهم نحن ندرى الشؤون ولا ندرى ذا الشؤون حتى ولا وجوده مع أن الشهودات الذهنية الحاصلة عند استخدام الحواس ترينا الأشياء الخارجية بشؤونها . والآن بعد فرض تبعية نظام العالم لمعرفتنا تبعية َ المعلول لعلته لتكتسب قوانين العلم ضرورة من هذا الفرض ، لا يبقى معنى للتفريق بين الشؤون وذى الشؤون والاعتراف بأحدهما دون الآخر ولا فى التفريق بين التجارب العلمية وغيرها بأن يُعترف لها بالعينية والضرورة دون غيرها .
بل أقول لا معنى للتفريق بين الشؤون وذى الشؤون مطلقا أى سواء بُنى الأمر على الفرض المذكور أو لم يبن بعد أن صح ما قالوا من أن الذهن لا يخرج من حصاره وأن الإنسان لا يدرى الخارج عن ذهنه ، فمن أين هذا الامتياز إذن للشؤون بأنهم يعرفونها ولا يعرفون ذا الشؤون ؟ وكيف نعتبر شؤون الذهن شؤونا عينية واقعة فى الخارج فى حين أن كل تجربة ومشاهدة حسية عندهم تجربة ومشاهدة من الذهن لنفسه لا مشاهدة للشأن الخارجى . ومن هذا تظهر سخافة ما ادعاه "كانت" لمنح الضرورة لقوانين العلم من تأييد التجربة بتجارب أخرى بعد أن كانت الشهودات
= اليقين والضرورة فى الحسبانية التى لا يقين فيها ولا ضرورة . وكان علماؤنا المتكلمون يقسمون السوفسطائية إلى عندية و عنادية ولا أدرية فكون نظام العالم تابعا لنظام الذهن هو السوفسطائية العندية بعينها والضرورة الملحوظة فيه هى الضرورة فى السوفسطائية العندية . ومل نقلنا سابقا عن " بروتاغورس" اليونانى أحد زعماء الحسبانيين الأقدمين : " إن الأشياء عبارة لكل إنسان عما ينجلى له . ولكونها مأخوذة على أنها حالتها الخاصة به تتجلى له بما هى مجبورة على أن تتجلى له فالإنسان مقياس كل شىء موجود أو غير موجود " يمثل هذه السوفسطائية العندية . فانظر هل تجد فرقا بين هذا القول وبين كون نظام العالم تابعا لنظام الذهن ؟
فى تلك التجارب لا تجاوز أن تكون شهودات الذهن لنفسه غير متخط من حصاره إلى الخارج خطوة حتى عبروا عن تمثيل تلك الشهودات للحادثات الخارجية ، بالبرسام وماذا يحصل من تأييد البرسام بالبراسيم ؟ أما وصف هذا البرسام بكونه برساما صادقا فوصف الشىء بما يناقضه فإن كان صادقا فلماذا يسمونه برساما ؟ وإن فرض للذهن إمكان الخروج من حصاره ليرى الشؤون وينقذ العلم من الحسبانية فهو يرى العلم المحسوس أعنى ذا الشؤون أيضا ً ويعترف بوجوده وتكون التجربة المؤيدة لوجوده واشتراك الناس فى تجربته أكثر من تجربة الشؤون المتعلقة بالعلم .
أجل يمكن المفرقين بين الشؤون وذويها أن يقولوا بأن الثانية ليس من شأنها أن تُرى وتتعلق بها الرؤية حتى ولو فرض للذهن أن يخرج من حصاره فيدركَ العالم الخارجى .
وهذا كما يقال المادة لا تشاهَد ولكن تشاهَد أعراضها . لكنى أجيب عنه بأن القائلين بمعرفة الشؤون من غير معرفة ذويها يلزمهم أن يعرفوا وجود ذوى الشؤون أيضا فى الخارج فيعتبروها محسوسات مع الشؤون إذ لا يمكن أن يوجد شأن فى الخارج من غير وجود ذى شأن فإما أن يعرفوا الشؤون وذويها معا ً وعلى الأقل مع المعرفة بوجود ذويها (1) أو لا يعرفوهما معا . فإن قالوا نحن لا نعترف إلا بما تصل إليه التجربة والمشاهدة فالشؤون الخارجية أيضا لا تصل إليها المشاهدة فى مذهبهم وإنما تصل إلى الشؤون الذهنية .
فالحق أن الفلسفة السائدة فى الغرب منذ عهد "كانت" ملآى بالفرابة والاضطراب : تراها معنية بالتجربة الحسية والعلم المبنى عليها أيما عناية حتى إنها لا تعترف بمعقول لا يؤيده محسوس ، مع أن "كانت" لما استمد فى كسب الضرورة لقوانين العلم من فرض كون نظام العالم تابعا لمعرفتنا جعل المحسوس محتاجا إلى تأييده بالمعقول ، أليس هذا دورا ؟ ومع أنهم لا يعلمون شيئا من المحسوسات وكل ما يعلمونه منحصر فى المعقول لأن ما يزعمون معرفته من الشؤون فليست محسوسات بمعنى الكلمة أعنى المحسوسات الخارجية وإنما هى الشؤونات ينشئها الذهن فى نفسه ثم يتوهمها شؤونات متحققة فى الخارج . وأنا أقول ما أقوله أخذا ً من مذهبهم ومن تحريرهم لمذهبهم .
وكان حق فلسفة "كانت" المتمسك بالتدريب كالعروة الوثقى إنكار العلم أيضا إضافة إلى إنكار (أنا) و(لا أنا ) المعبر عنهما بذى الشؤون ، كما أنكره "هيوم" لعدم إمكان إثبات الضرورة لقوانينه وقد سبق بيانه . فمذهبه أوفق بمسلك التدريب من مذهب "كانت" الذى يقف منه موقف المدرب المضطرب ، وإن اضطرب هو أيضا أعنى "هيوم" فى دعوى معرفة الشؤون دون ذوى الشؤون لكنه أقل اضطرابا من "كانت" .
(1) وعدم وجود الشؤون من غير وجود ذويها من قوانين الذهن المرتكزة فيه فهو أى الذهن لا يتصور إدراكا من غير وجود مدرك بفتح الراء وكسرها ولا علما من غير وجود عالم ومعلوم حتى إن هذا القانون أقوى وأشد ملائمة لطبيعة الذهن وأعرف عنده من الشؤون نفسها بمعنى أنه يجوز أن يشك فى كونه يعرف الشؤون ولا يجوز له أن يشك بعد معرفة الشؤون فى أنه يعرف وجود ذى الشؤون و "كانت" نفسه لا ينكر هذه القاعدة الضرورية حيث يقول عند إنكار وجود "أنا" فى الخارج مع اعترافه بوجود الإدراك مدعيا أن وجود الإدراك فى الذهن إنما يستلزم وجود المدرك فى الذهن لا فى الخارج وسيجىء بحثه . فهذا القانون الذى يعترف به كيف ينكره ولا يشعر بإنكاره عندما يقول: نحن نعرف الشؤون ولا نعرف ذا الشؤون ؟
والعلم الوحيد الذى لا ينكره "هيوم" هو العلم الرياضى الذى يعترف به "كانت" أيضا قبل العلم الطبيعى لكون مسائله قضايا تحليلية تشتمل موضوعاتها على محمولاتها فيكون الاعتراف بها ضروريا وعدم الاعتراف تناقضا مع أنفسها ، مثلا أن الثلاثة فى الثلاثة لافرق بينها وبين التسعة فى الحقيقة ، فلو شككنا فى الحكم بأن الثلاثة فى الثلاثة تساوى التسعة كان تناقضا .
والحق المحض فى هذا المقام أى الواجب على العاقل أن يعترف به ، قاطعَ الظر عن مذهب زيدا و عمرو من الفلاسفة أمران :
الأول أن وجود العالم فى خارج الأذهان بديهى حسى ، كما أن الرياضيات بديهية
271
برهانية والإدراك يخرج من حصار الذهن إن لم يخرج الذهن نفسه- ويبلغ العالم الخارجى فيعرف منه ما يعرف بواسطة الحواس ولا ندرى كيفية هذا الاتصال بين العالمين المتخالفين عالم الذهن وعالم الخارج وإن شئت فقل بين عالم (أنا ) و(لا إأنا ) فهو من صنع الله المتعالى كما لا ندرى الإدراك نفسه كيف يحصل فى الإنسان ،سواء كان عالقاً بالخارج أو بالمدرك نفسه وهو أيضاًمن صنع الله الذى هو أدق من مسألة تعلقه بالخارج ،وكلتا الحالتين فى الإنسان مع عجزه من معرفة كيفيتهما من أدلة وجود الله الباهرة . أما حصول الإدراك فى الإنسان فمعترف به فى كل مذهب فلسفى إن لم يُعترف بأى شئ سواء. وقد علمت حتى إن الشك إدراك.
والحاصل أنا نرى الأعيان الخارجية نفسها ونلمسها لا الصور المتمثلة فى أذهاننا ولا الصور الخارجية من غير معرفة فى الوجهين بوجود ذوات الصور،فكيف يُتصور صورة لما لا وجود لأصله وكبف يُتصور تمثل المعدوم ؟ فإدراك الخارج معلوم . أما كيفية إدراك الخارج فمسدود علينا إدراكها والفلاسفة المتولون لإيضاح كيفية إدراك الخارج ماداموا لا يقدرون على تمام الإيضاح فيبقى فيه شئ لا يوضح حتى يقول قائلهم لا إدراك للخارج بالمرة متأثراً من عدم إدراك كيفيته ،وما دام العلماء الطبيعيون يعترفون بعجزهم عن أن يدركو كيف يحصل التمثلات الذهنية المختلفة لقاء الأجسام التى ليس لها خواص وكيفيات سوى الحركة ،فالتمسك بما هو معلوم لنا من بداهة الحس من غير توغل فى إيضاح كيفيه أولى وترك الإيضاح خير من الإيضاح المختل المنتهى إلى الفشل .
الثانى أن "هيوم"المنكر للعلم و"كانت" المعترف به ساعياً لجعل قوانينه ضرورية ،كلاهما مخطئ والحق فى التوسط بينهما وهو أن قوانين العلم المؤيد بالتجربة الكافيه قوانين حقه بمعنى أنها قضايا يقينية لكنها ليست قوانين ضرورية . واليقين له مرتبة الصدق واطراد الصدق. عادة ومرتبة الصدق ضرورة . وهذه المرتبة التى هى أعلى
الأولى خاصة بالبرهنيات ولا توجد فى المجريات .وقد يمكن إرجاع مذهب "هيوم" إلى هذا الذى اخترناه ،بحمل إنكاره العلم أى العلم المستند إلى التجربة على إنكار ضروريته لا أنكار يقينيته العادية وجعل عدم اعتبار قوانينه قوانين مبنياً على أن اسم القوانين مخصوص عنده بالضروريات ولا مشاحة فى الاصطلاح.

***
272
إلى هنا كتبت شيئاً غير قليل عن موقف العقل من أساس الدين الذى هو وجود الله وأرجو أن أكون قد أعطيت فكرة صحيحة ممحصة فيه .ولنختم البحث بقوله تعالى فى الذكر الحكيم عن أصحاب الجحيم :"وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ماكنا فى أصحاب السعير "فهذه الآيه كافيه فى الدلالة على موقف العقل والاستماع فى الإسلام من الدين إذ أن المفهوم منها أن التعقل أو الاستماع للكلام المعقول الذى أشير إليه فى قوله تعالى (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) لا يجتمع فى شخص مع الضلالة الموصلة به إلى نار جهنم .فالعقل السليم المميز فى الإنسان ضمان الهداية الإلهية والسعادة الأبدية .
ويلزم من هذا أن يكون العقل أول نصير للدين وأن يكون الدين الحق فى طليعته المعقولات . وهذه الملاحظات لا تتمشى مع النصرانية المحدثه بعد سيدنا المسيح المتعارضة مع العقل كما فصلناه قبل الشروع فى الباب الأول من هذا الكتاب . ومما ينادى بالاتصال الوثيق بين الدين والعقل أن العقل مدار التكاليف بالأحكام الشرعية عند علمائنا المسلمين .
ثم ننتقل بقية من كلمات فلاسفة الغرب ليزداد القارئ تبيناً هل العقل يناوى الدين أم يمايله ؟ قال "هكل":" إن اعتلاء الروح إلى ماوراء المحسوس واجتيازه من حدود المتناهى إلى أقطار اللامتناهى إنما هو عبارة عن التعقل فلا تعقل إذن مالم
273
يحصل التخطى من المتناهى إلى اللامتناهى وهذا التعقل مفقود فى غير الإنسان من الحيوان .وعليه فأدلة إثبات الواجب المنسوبة إلى ماوراء الطبيعة ليست إلا تصويراً ناقصاً لاعتلاء الروح إلى الله لأن وجود العالم الظاهرى عبارة عن رابطة وواسطة تصل المتناهى باللامتناهى " المطالب والمذاهب ص 260
ومراده من قوله عن نقصان الادله التى يستدل بها على وجود الله ان وجود الله ثابت بالبداهة والبديهى لا يقام عليه الدليل فإن اقيم يعتبر ناقصاً .فمقام العقل عنده - حتى أياً كان متعلقه - مقام شهود الله لا البرهنه عليه.
ومثله قول "كوزين":"كل معرفة حقيقية فهى معرفة الله وكل شهود حقيقية فهو متضمن لشهود الله مبهماً وبالوساطة فالعلم إلهى بالطبع والعقل ذاتى الدين " أى داخل فى ماهية الدين . المطالب والمذاهب ص261
ويمكن أن يكون هذا القول وكذا ما قبله معدل قول "لوتن " وقد سبق ذكره :"إن مرتبة الإدراك اليقينى فى الأنسان مرتبة اتحاده مع الله فلا يدرك شبئاً يقينياً من دون هذا الاتحاد " وقول "سقراط " اللذى اعتبره "بول ؟؟؟" بمنزلة نبى الله فى الغرب :"بما أن فى الإنسان عقلاً أكثر من غيره ففيه حصة من اللاهوت".
وزاد "شيللينغ" فقال :" وحدة الطبيعة وترقياتها إنما تفهم بنفس العالم أعنى بمبدأ أصلى ناظم للكائنات ونحن ندرك نفس العالم هذه ،هذا المطلق الجامع للنفس والعين ببداهة عقلية اعمق من بداهة أنفسنا"ص152
274
ولى كلام على هذا القول يأتى عند النظر فى دليل "كانت" لإثبات وجود الله.
وقال "من دوبيران":" للعلم الإنسانى قطبان أحدهما (أنا) الشخص الذى منه يُذهب دائماً والآخر (الله) الشخص الذى إليه يوصل دائماً"
فقد انجلى مما قدمناه فى هذا الفصل من الباب الأول للكتاب ان العاقل بوقن وجود الله يقيناً برهانياً على رأى جمهور العلماء والحكماء الإلهين ويقيناً بديهياً على رأى بعضهم ويقيناً حسياً على رأى "بركلى"
هذا هو موقف العقل من الدين أعنى أنه يؤيده ولا يمانعه كما زعم الأستاذ فرح أنطوان منشئ مجلة "الجامعة" ومناطر الشيخ محمد عبده ومن يحمل فى راسه عقلية الاستاذ من المسيحيين والمسلمين بمصر.
الفصل الثانى
موقف العلم من الدين
واما موقف العلم من الدين - مع ما فهم منه فى أثناء بيان موقف العقل - ففى غجمال وتفصيل. اما الغجمال فهو أن العلم لا يناوئ العقل ولا يسعه ان يناوئه ولا أن يناوئ ما يؤيده. وقد ثبت كما اسلفنا فى موقف العقل انه يؤيد الدين باعترافه بوجود الله ووجوب وجوده .فيثبت أن العلم لا يناوئ الدين ولا يسعه أن يناوئه ولهذا كان فى إمكان القارئ العاقل ان يرخى جفينه ويحكم جزماً من غير انتظار ماسنورده من التفصيل،بأن العلم لا يناوئ الدين بل يمايله بعد اقتناعه بان العقل مع الدين ،لأن العلم لا يفترق من العقل فإذا افترق منه وعارضه فلا شك أن الغلبة والإصابه تكونان فى جانب العقل والخلل والفشل فى جانب العلم .ومن هنا كان خطأ ملاحدة الماديين عظيماً لما رأوا أن الإلهين يثبتون وجود الله بدليل عقلى فاعترضوا عليهم بأن العلم الحديث لا يعول على الاستدلال العقلى ويتطلب دليلاً من التجربة والمشاهدة وحاولوا التفريق بين العقل والعلم بتنزيل قيمة الأول على الثانى. والعلم مالم يكن مشوباً بالجهل لايرضى محاولتهم هذه فلا يدل استخفافهم بالعقل تجاه العلم إلا على خفة عقولهم وقلة علومهم، ولا يرتاب أحد فى صدق ماقلنا إلا وفى عقله شئ من تلك الخفة وفى علمه شئ من تلك القلة.
فليس للذين يجدون اختلافاً بين العلم والدين المستند إلى دليل عقلى منطقى أن يرفضوا الدين ويرفضوا معه العقل استناداً منهم إلى العلم وتفضيلاً له على العقل ،وإن فعلوا ذلك فلا يعتد بهم ويرفضهم عند أولى الألباب وإنما واجبهم نقد الدليل العقلى
276
الذى يقوم عليه الدين بإثبات أن فيه خللاً وضعفاً من الناحية العقلية لم ينتبه لهما المستدلون به، وإلا فما بقى من العقل والعلم متعارضين يجب أن يفتش عن النقص والخلل فى جانب العلم اى لا يستطيع العلم الذى يتجدد على مر الزمان ولا يستقر على حال أن يغالب العقل القائم على قواعده الثابته.
واما التفصيل فهو أن العلم ونعنى به العلم التصديقى أى معرفة مضمون قضية من القضايا ،يستعمل على معنيين الأول معرفته بسببه وإن شئت فقل المعرفة الجازمة سواء كانت مبنية على البداهة او المشاهدة أو على معرفة سببها،فيدخل فيه ماعلم بالبداهة مثل "الكل أعظم من الجزء" وما علم بواسطة الحواس وماعلم بالدليل العقلى .والمعنى الثانى للعلم أنه اسم لكل علم من العلوم المدونة مثل الهندسة والفلسفة والمنطق والطبيعة والفقه وأصول الدين وغيرها.فالعلم بالمعنى الأول نجده مؤيداُ للدين ،لأنا أثبتنا وجود الله فى الفصل السابق بدليل عقلى قطعى وسوف نثبته أيضاً بأدله أخرى.
فنحن نعرف وجود الواجب تعالى بدليله ومعرفة المسألة بدليلها علم،فالعلم معنا نحن الإلهين فى مسألة أساس الدين الذى هو وجود الله.
وأما العلم بالمعنى الثانى فكل علم من العلوم المدونة يشتغل بخويصة نفسه،وبعبارة أخرى يحكم فى المسائل التى تتعلق بموضوعه ويقف فيما وراء ذلك على الحياد لا يثبت ولا ينفى ولا يدعى لنفسه حق الحكم فيه،فقوله الحق بشأنه أنه لا يدريه، وهكذا موقف بعض العلوم من الدين .والبعض منها مثل المنطق يزيد على موقف الحياد ويؤيده لكون دليل إثبات الواجب تعالى موافقاً لقواعده ،أما علم ما وراء الطبيعة فعلاقته بمسألته أشد وأقوى لكونها من مسائله.فالحاصل أن العلوم منها ما يؤيد الدين بتأييد مسألة وجود الله ،ومنها ما يحايده لعدم دخوله فى موضوعه ،ولاشئ من العلوم يمانع أساس الدين وينكر وجود الله. ولهذا قال "و.س.ره وون"
من أكبرعلماء الإنكليز المنطقيين :"إن الإلحاد ليس نتيجة للأصول العلمية"وقال
277
"طوماس هانرى هو كسله ى" من أشهر العلماء الإنكليز أيضاً:" إن الإلحاد على الأسس العلمية غير قابل للتحمل".
نعم من العلماء الطبيعيين والماديين اللذين تعود المصريين احتكار اسم العلم المثبت وربما مطلق العلم لعلومهم لكونهامبنية على التجربة ،ملاحدة ينفون وجود الله ويقولون أن العالم لم يتكون بخلق الله بل تكون بنفسه وطبيعة الأشياء .ولكن التبعة فى رأيهم هذا راجعة إلى أنفسهم لا إلى العلم الطبيعى أو غيره.وليس ذلك مما يقتضيه العلم نفسه ،إذ ليس العلم الطبيعى مثلاً اسما لنزع صلة الكون بالإله الخالق واسناد التكون إلى الاشياء نفسها،وإنما هو اسم للعلم الباحث فى الكائنات وطبيعتها التى طبعت عليها وجبلت،وليس بضرورى أن يكون علماء الطبيعة ملاحدة بل إنهم أجدرون بأن يعترفوا بوجود الله من علماء العلوم الأخرى كما سيتضح ذلك فى بحث دليل العلة الغائبة من أدلة وجود الله ،فلو كان الإلحاد مقتضى العلم الطبيعى أو مقتضى أى علم من العلوم لزم أن لا يوجد بين علمائه من يؤمن بالله وكان كلهم ملاحدة وليس الأمر كذلك.
والذين ألحدوا بصفة أنهم علماء بل بسبب أنهم جهلاء،مخطئون متخطون حدود علم الطبيعة إلى ما وراءها الذى ينكرون عدة من العلوم لعدم كونه مبنياً على التجربة والمشاهدة .فهم حينما عادوا فتكلموا عما وراء الطبيعة
278
خارجون على مبادئهم التجريبية وحاكمون حكماً منفياً فى مسألة تتعلق بعلمه أى علم ماوراء الطبيعة الذى لم يكونوا من علمائه ،وهم لايشعرون .وكان الواجب الذى يحملهم عليه اختصاصهم بالعلم الطبيعى أن لا يتكلموا فيما وراء حدوده لا بالنفى ولا بالإثبات، والغرابة فى أنهم بعد أن جهلوا بالموقف حاولوا فتح مملكة ما وراء الطبيعة بسلاح خاص بالعلم الطبيعى وهو التجربة ولم يعلمو أيضاً أن المنفى لا يجرب حتى لو كان المجرب مادياً ،ومعناه أن الحكم المنفى لا يبنى على التجربة فما لها إلا أن تثبت واما ان تسكت وحكمها بالنفى معناه الصحيح نفى علمها بالمنفى ،قال العالم الفرنسى مؤلف"المطالب والمذاهب"فى تاريخ الفلسفة :ص149 ،
" إن المذهب المادى ماهو بمذهب تريب حقيقى ،لأن لو "لوك" و"هيوم"وسائر التدريبيين يعترفون جميعاً بعدم إمكان الوصول إلى الجوهر،وليس للعلم أى إجبار أو إلزام فى شئ يتعلق بماروراء الطبيعة لأن حوزة حكمه أى حكم العلم لا تجاوز الشئونات،وكون الماديين فى زعم أنهم يتكلمون باسم العلم توهم"
فقد انجلى مما ذكر أن العلم الطبيعى ولا أى علم ولا أى تجربة تمانع وجود الله وتنفيه،وإنما المنافقون هم الخارجون من حدود العلم والتجربة زاعمين أن العلم والتجربة اللذين يدلان على أن العالم يدار بقوانين ،يدلان أيضاً على أن تلك القوانين ناشئة من طبيعة الأشياء غيرمفروضة عليها من خارجها،وليس العالم بمحتاج إلى وجود موجد له،مع أن التجربة والعلم المبنى عليها بمعزلة عن الدلالة على الأحكام الأخيرة الآنفة وإنما
تلك الأحكام علاوة من الملاحدة على حكم التجربة لأن حكمها يقتصر على أن هناك قوانين ولا يجاوز إلى تعيين منشأ لها بأنه طبيعة الأشياء بنفسها وليس بخارج عنها،فمن جاوز بحكم التجربة إلى هذه الأحكام الإضافية فقد فرض فرضاً من عنده وافترى على التجربة ومدلولها.ثم لو كانت تلك الاحكام استنتاجا ًصحيحاً عقلياً مضافاً إلى مدلول التجربة لقبلناها ولكنها ليست كذلك بل استنتاج فاسد مضاف إلى حكم التجربة
279
على أظن أنها من تمام مدلولها .فكما لم تكن تلك الأحكام إفادة التجربة المباشرة لم تكن أيضاً من لوازمها العقلية، مع أنهم لا يزالون بدعون أنها أحكام تجربية تفوق الاحكام العقلية ،فماذا يؤمل من تجارب من لا يميزون بين التجربة والاستنتاج العقلى المضاف إليها؟وماذا يكون مبلغ قيمة استنتاجهم العقلية من حيث لا يشعرون انها استنتاج ويزعمون انها تجربة ؟وكثيراً مايقع الماديون فى هذا الالتباس فيستنتجون ويخطئون فى الاستنتاج لأنه ليس من صناعتهم ويبنون حكمهم على هذا الاستنتاج المخطئ ظانين أنهم بنوه على التجربة التى لا تخطئ ،فما هم إلا كخاطب ليل لا يؤمن عليه أن يلتقط مع الحطب العطب.
ومع ذلك حكم المتمذهبين بمذهب النشوة والارتقاء مثل "دارون" وأتباعة وفيهم جمهور المتعلمين المصريين ،حكما مبنياً على ما يكتشف فى طبقات الأرض من المستحاثات :فقد استُخرجت فى جاوا سنة 1891 مستحاثة جمجمتها أصغر من جمجمة أناس متأخرين وأعظم من جمجمة ماله أعظم جمجمة من القرود، وكان عظم فخذها الذى وجد بمسافة خمسة عشر مترا من الجمجمة يدل على كونة أصل المستحاثة مستقيم القامة، فاستُقبل اكتشافها بسرور معيد وحُكم بكونها مستحاثة الوسط الذى يصل نسب الإنسان بالقرد،فى حين أن الجمجمة وعظم الفخذ المذكورتين المفصول بينهما بمسافة زائدة، لايلزم أن تكونا من أعضاء جسد واحد،وفى حين أنه ليس فى أية مستحاثة توجد فى محافر الأرض متوسطة بين مستحاثتى الإنسان والقرد، دلالة قطعية على الانتقال والاستحالة من أحد النوعين إلى الآخر ،لقيام احتمال أن تكون مستحاثة حيوان آخر مستقل عن القرد والإنسان انقرض نوعه واحتاجت استحالته من القرد واستحالة الإنسان منه إلى الإثبات كاستحالته من القرد وسقوط الاستدلال مع قيام الاحتمال .
ومن سخف المنطق أن يحكم بمجرد التشابه فى الشكل بين أعضاء الإنسان وبين
280
أى حيوان أن نوع الإنسان والقرد منحدران من أصل واحد،مع أن الفرق بين الإنسان وغيره من الحيوانات فرق ناشئ من الاختلاف فى الماهية لا من الاختلاف فى الدرجة. ولا أدرى لماذا يبحثون عن مستحاثات تكون أشبه بالإنسان من القرود الموجودة ولا يمكن ولا يحكمون بالانتقال منها إلى الإنسان من غير حاجة إلى وجدان ما يتوسط بينهما؟ مع أن الاختلاف بين الانسان والوسط كالاختلاف بين الأنسان والقرود الموجودة ما دام التشابه لا يجاوز الشكل وصغر الجمجمة أو كبرها عائد الى الشكل أى غير معتد به مادامت هذه المشابهات لا تعرض على المشاهدين ميزة الانسانية العالية المعبر عنها بالنفس الناطقة، فيلزم لإثبات مذهبهم التجربى إثباتاً منطقياً إن كانوا صادقين فى مذهبهم أن يأتو بقرد يقول لنا بصراحة إنه أستحال إنساناً فينطق كما ينطق الإنسان ويضحك كما يضحك ويفكر كما يفكر ، أو يأتوا بمستحاثة تقوم بهذه الأعمال ونحن نتنازل لهم عن أن يمشى المستحيل كما يمشى الانسان مستقيم القامة . وإلا فإن الاستدلال العقلى المنطقى فى المذهب الدارونى وأين التجربة والمشاهدة ولا يزال الرأى العام الثقافى بمصر يشايعهم فى زعمهم هذا ويوجد فى علماء الدين من يسعون لتأويل آيات القرأن الواردة فى خلق سيدنا آدم على وفق ذلك المذهب
اعلم ان مذهب دارون الحقيقى ليس عبارة عن كون اصل الإنسان هو القرد بعينه وإنما كان ذلك الرأى مذهب " لامارك " الفرنسى ثم جاء " دارون " فأصلحه واشتهر مذهبه وهو نفى تعدد الأنواع مطلقاً فى الحيوان تعدداً أصلياً , فلم يحصل الحيوان عنده فى مبدأ حصوله أنواعاً مختلفة مستقلة بل حصل نوع واحد ثم تولدت منه انواع ومن الأنواع انواع اخرى , وكان الاستمرار فى التوالد مقترناً بارتقاء الجديد بالنسبة الى القديم مع انقراض مالايستحق البقاء من هذه الأنواع السابقة واللاحقة , وكم يوجد بين الأنواع الموجودة اليوم أنواع منقرضة كما يمكن ان يوجد بين الانسان الذى هو ارقى الأنواع وأحدثها وبين القرد الذى يشبه الإنسان أنواع متوسطة منقرضة . وكما يمكن أن يكون الانسان والقرد متفرعين من اصل واحد منقرض .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= من فيها من الاطفال . ثم اذا بها لاتفترسها , بل تحنو عليها وترضعها وتربيها كما تربى اولادها .
" وقد كتب أرنولد جيسيل وهو من علماء التربية , كتاباً عن " طفل ذئب " عثر عليه فى الهند , إذ سمع من اهل بعض القرى أنهم رأوا بنتاً تعيش مع احدى الذئاب , فتعقب هذه الذئبة إلى جحرها حيث قتلها , ثم عثر فيه على صبيتين بشريتين تعيشان معها فعاد بهما الى داره فتولى هو وزوجته أمرهما .
" وقد ماتت احداهما , اما الثانية فعاشت حتى بلغت السابعة عشرة , وكان عمرها حين عثر عليها ثمانية اعوام تقريباً .
" وكانت هذه الصبية تجرى على اربع وتأكل الطعام بفمها وتلعق الماء بلسانها , وتعدو سريعاً كما تعدو الذئاب ... "
وأنا أقول معلوم ان من العقائد التى اخذها مثقفو مصر او بالأعم مثقفو الشرق الإسلامى الأحداث عن الغرب وتقبلوها كقضية من القضايا العلمية الثابتة التى يجب ان تبنى على التجربة ... أن الانسان القديم كان يمشى على اربع كسائر البهائم ذات القوائم الأربع , ثم تطور ناهضاً فاستقام على رجليه . وهذه العقيدة التى تمشت " أخبار اليوم " فى الحكاية المنقولة عن العالم الغربى , على منوالها من فروع العقيدة القائلة بأن الانسان انحدر من الحيوان كما هو مذهب النشوء والارتقاء الذى آمن به هؤلاء المثقفون , وكأن الحكاية المذكورة من مؤيدات ذلك المذهب . =
فالحيوان انحدر من اسفل وابسط انواعه وتطور فى درجات الارتقاء , فهو يزداد بعداً فى القدم النوعى كلما ازداد بساطة وسفالة ويزداد قرباً فى الحدوث على حسب تقدمه فى الرقى . وهذا التطور والتوالد فى الأنواع يحتمل ان يكون طبيعياً محضاً غير مستند الى ارادة الله لا فى سيره ولا فى مبدأه , وهو قول الملاحدة من شراح مذهب " دارون " " كبخنر " , ويحتمل ان يكون مستنداً الى ارادة الله , بناء على ما قالوا من ان " دارون " ليس من النافين لوجود الله والى الثانى ينحاز " أمانوئل دو نووا " من اصحاب مذهب التطور فى كتابه . " هل نحن من نسل القرد ؟ " فهو يقول إن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= ثم اقول ليس فى الحكاية سند تجربى كاف للمذهب لأن الذى قيل عنه الطفل الذئب لم يكن جرو ذئب انقلب طفلاً آدمياً بالتربية والترويض , بل كان طفلاً آدمياً من أوله وقد سماهع صاحب الحكاية بنتاً . وإنما دلّت الحكاية إن صحت على كون الطفل الآدمى مستعداً لأن ينشأ نشأة السباع ويعيش بينها .
على أنى لاأصدق قدرة البنت على أن تجد من يديها ورجليها قوائم تعدو بها كما تعدو السباع , كما لاأصدق أن الإنسان القديم كان يمشى هكذا بأربع ثم نهض واستقام على رجليه لأن ذوات الأربع من الحيوان تفوق الإنسان فى القدرة على المشى والعدو , فيكون عدول الإنسان القديم من المشى على هذا الشكل من أول وجود النوع أولى من فرضه فى أول الأمر ماشياً على أربع غير مستقيم القامة ثم تاركاً لذلك الشكل من المشى رغم كونه أقوى وأسرع , ليكون إنساناً ذا إدراك . والمسألة كلها افتراضات بعيدة عن التجربة الحقيقية .
فالواجب على أصحاب مذهب التطور المدعين كون الإنسان مشى برهة من الزمان على يديه ورجليه كالبهائم ذات القوائم الأربع ثم استقام على رجليه ... أن يثبتوا دعواهم بتنشئة طائفة من أولاد آدم كأولاد البهائم ماشين على أيديهم وأرجلهم مستطيعين الجرى عليها فوق استطاعة الجرى على رجلين . ولامانع اليوم يمنع المدعين من هذه التجربة إن كانوا مطمئنين على صدق دعواهم , فليفعلوها أو ينصرفوا عن الدعاوى الفارغة التى يعرضونها على الناس كالقضايا العلمية الثابتة المبنية على التجربة .
هذا المذهب ينظر فى كيفية حصول هذه الموجودات لا فيمن كان حصوله من قِبَله .
وسواء كان مذهب " دارون " هذا أو ذاك فلا يصح كونه مذهباً علمياً مبنياً على التجربة الحسية , وإنما هو مبنى على الفرض والتخمين لأن تولد الأنواع بعضها من بعض لا يكون فى متناول الحس والمعاينة وليست معاينة المستحاثات المستخرجة من تحت الأرض المتوسطة بين نوعين موجودين من الحيوان , معاينة التوالد ولامعاينة كونها واسطة فى التوالد لاحتمال كون كل من الواسطة وطرفيها نوعاً مستقلاً مخلوقاً برأسه , وليس من حق المجرب أن ينتقل من التشابه المحسوس إلى التوالد غير المحسوس مهما وجدت الوسائط المقربة بين المتشابهين , فإن انتقل كان خارجاً عن حدود التجربة التى يدعون الوقوف عندها , وأنت تعرف كيف يحدد أهل المذهب التجربى الغربيون محل الشهود المستفاد من التجربة , حتى إنهم يقولون إذا اصطدم رأس أحد بحائط فالمشهود المجرب فى هذه الحالة إنما هو وجود الألم الحاصل من الاصطدام لا وجود الحائط ولا وجود الرأس , فإن حكم بوجودهما فإنما يحكم بالعقل لا بالتجربة , فإذا كان نصيب التجربة من الدلالة عند اصطدام الرأس بالحائط هو وجود الألم الحاصل من الاصطدام لا وجود المصطدمين – ووجودهما على مذهب " كانت " محصول إيجاد الإدراك – فما ظنك بنصيب التجربة من المستحاثات التى يجدونها تحت الأرض متقاربة فى الشكل فقط مع بعض انواع الحيوان الموجودة فوقها ؟
فكما أنهم لم يشاهدوا ولم يجربوا ولا يزالون غير مشاهدين ولا مجربين أبداً كون هذه الأنواع المنقرضة المتقاربة فى الشكل فقط متولداً بعضها من بعض , فنسبة هذا التولد إلى الطبيعة بمعنى أنه يحصل بنفسه من غير فاعل , خلاف العقل ومبادئه الأولى , وكون هذا التولد الطبيعى موجهاً بنفسه إلى الرقى والكمال أشد مخالفة , لاحتياجه إلى فاعل ذى إدراك بعد احتياجه إلى فاعل , حتى ان استدلالهم بالتوليد الصناعى على التولد الطبيعى فى غير الصناعى يقوم حجة عليهم , لوجود الفاعل المدرك فى الصناعى
أعنى الصانع بل البانى فعله على العلّة الغائبة التى ينفى أصحاب مذهب " دارون " وجودها فى تطور الحيوان وتوالد أنواعه بعضها من بعض توالداً طبيعياً , وبهذا يبتعد هذا المذهب عن مذهب الخلق المستند إلى وجود الله .
أما كون الترقى نتيجة التأثرات الخارجية المضادة لبقاء الحيوان محفوظ الحياة وكون معنى هذا الترقى أن يبقى ما يستحق البقاء من أفراد النوع وهو الأقوى ويهلك غيرها فينتقل التوالد تدريجاً بين هذه الأفراد المصطفاة اصطفاء طبيعياً ويكون النسل بين الزوجين المصطفين أرقى مما إذا كان بين الزوجين غير المصطفين , فمع بقاء أصل الحياة خارجاً عن هذا التوجيه من غير سبب , لايلزم أن يكون الباقى فى جهاد التأثيرات الخارجية حيا غير هالك , باقيا على قوته الممتازة بالنسبة إلى سائر الأفراد الهالكة فى الجهاد , بل المعقول بقاؤه حيا ضعيفا أضعفه الجهاد الذى أهلك غيره .
وليس فى هذا التوجيه أيضاً إيضاح سبب الإدراك الذى هو الرقى المعنوى والذى لايكفى فى حصوله جهاد التأثيرات الخارجية المضادة إن سُلّم حصول الرقى المادى به , إذلا يتولد الإدراك من عديم الإدراك كما لاتتولد الحياة من الجماد ولايرتقى الإدراك بالجهاد المادى . أما الارتقاء فى الإنسان الحديث بالنسبة إلى قديمه فليس منشأه التطور الطبيعى بل ازدياد العلوم بتلاحق الأفكار . وقد يكون الاصطدام بالتأثيرات الخارجية سبباً لازدياد العلوم بمعنى كونه دافعاً إلى تحرى وسائل المقاومة , فمثل هذه الزيادات زيادةٌ مقصودة لا طبيعية حتى تدل على ما يسمونه الانتخاب الطبيعى .
الحاصل أن حصول الحياة والإدراك فى الجماد ثم انسياقهما بالتطور الطبيعى إلى الكمال من غير فاعل مدبر يوجدهما فيه ويسوقهما إليه قصداً , لايكون من المعقول فى شئ .
انظر هذا الرأى الخاطئ البعيد عن موقف الكون المتقَن المشحون ببدائع الأسرار , ثم انظر رأى الفيلسوف الكبير " ليبنتز " القائل بالتناسق الأزلى
" آرمونى بره أتابلى " على معنى أن الله تعالى أراد فى تنظيم جميع أجزاء العالم الفردة أن يراعى كل واحد منها عند تنظيم غيره وأن يراعى غيره فى تنظيمه فيتوازن الجميع , ولهذا قال هذا الفيلسوف : " لو أن أحداً اكتشف جميع مطويات واحد من أجزاء العالم الفردة لقرأ فيه تاريخ العالم بتمامه , وإلا فكيف يتشكل كلٌ منظم أعنى هيأة الكائنات من هذه الوحدات البسيطة المستقلة التى لانظام يؤلف بينها غير نظام الفوضى وكيف توضح النظم الجزئية فى داخل ذلك النظام الكلى ؟ .
وما ذكرنا عن مذهب " دارون " مثال من تحليل مدعيات الطبيعيين التى يزعمونها مثبتة إثباتاً علمياً مبنياً على التجربة والمشاهدة , وماذا تقولون فى أناس لايصدقون وجود الله بأدلته العقلية المنطقية ثم ترونهم يصدقون كون الإنسان من نسل القرد أو من نسل نسله المنقرض بإدعاء أن دليل الثانى , ويعنون به التجربة والمشاهدة أقوى من دليل الأول وهو العقل ؟ والحال أن نظرية القرد لم تستند قط إلى مايصح أن يطلق عليه اسم التجربة والمشاهدة ولا أن التجربة أو أشباه التجربة أفضل من العقل . نعم ان عقول أناس مستحيلين من القرود أو غيرها من الحيوانات يفضل عليها كل شئ ولايجدر بها أن تدرك وجود الله وإنما تجدر بها معرفة آبائهم أو أجدادهم أو أبناء أعمامهم من القرود .
قلت هذا مثال من تحليل مدعيات الطبيعيين التى يزعمونها مثبتة بالتجربة والمشاهدة , وقد وصلت إليه بعقلى الذى أعطانيه الله ولم يحرمنى توفيقه , ثم اطلعت على كلمات من علماء الغرب المعاصرين أو الأقربين إليهم تؤيد أفكارى فى نقد مذاهب الماديين ومذهب " دارون " وها أنا أذكر بعض نماذج من تلك الكلمات لا لإثبات صحة ما ارتأيته لأنى أثبتها بأدلتى نفسى وإنما لإثبات أن طريقة العقل القويمة واحدة لاتختلف فى الشرق والغرب:
قال " كارو " من مشاهير أعضاء الأكاديمية الفرنسية ولجنة العلوم فى كتابه " مذهب الماديين "
والعلم " ص 167 : " واقعة مشهودة وعلة قريبة للنتيجة المطلوبة , فهذه هى صورة الأصول التجريبية , فإذن كيف تطبق هذه الأصول على العلل الأولى وعلى المسائل الراجعة إلى الشرائط البعيدة عن كل نوع من أنواع المراقبة ؟ ولايكون القول بعدم وجود المنشأ والتاريخ الابتدائى فى مذهب المادية جواباً عن هذا السؤال , بل الجواب إلغاء العلل الأولى وإلغاء ابتداء الأشياء , لكن البرهان التجربى كما أنه مفقود فى تصديق العلل الأولى فهو مفقود فى إنكارها أيضاً .
وقال أيضاً ص 254 " غن خطأ المادى ذا الجهتين ظنه انه جرح وأبطل علم ما وراء الطبيعة فى حين أن هذا الجرح والإبطال عبارة عن علم بما وراء الطبيعة منفىٍ " .
وقال " ريشه " مدرس علم وظائف الأعضاء فى كلية الطب الفرنسية فى مقدمته التى صدر بها كتاب " ماكسول " : " من يستطيع من الذين يحق لهم اسم العلماء أن يدعى عدم وجود قوى تجرى فى العالم ولم يُعرف بعد ؟ إن العلوم بقدر ما هى غير قابلة للاعتراض واقعة فى خطأ مخجل عندما ادعى إثبات نفى أو انكار " .
وقال " جوستاف لوبون " فى كتاب " الأفكار والعقائد " : " العلم الذى أفلت من العقيدة من يوم إلى يوم خليط بها بعدُ , وهو تابع لها فى جميع الأمور التى لن تُعرف حق المعرفة كأسرار الحياة ومنشأ الأنواع , والنظريات المتبعة فيها عقائد لاقيمة لها سوى سمعة الأساتذة الذين أفادوها فى شكل الدساتير " .
وقال " كارو " فى كتابه المار الذكر ص 154 : " هل يصح أن يقال إن الفكر الأساسى لمذهب المادية نتيجة ضرورية مباشرية للأصول التجربية كقانون من قوانين العلم الطبيعى أو علم وظائف الأعضاء ؟ فعلى أية حادثة حقيقية مثبتة يُدّعى تأسيس الدعوى القائلة بإنكار وجود الله وبسر مدية المادة وكونها حائزة لقوة تحصيل الأشياء وتبديل أشكالها ؟ " .

وقال أيضاً ص 171 " إن ما تستطيع أن تثبته الفلسفة المثبتة (1) بل المادية أيضاً عبارة عن كون العلة الموجبة لكل حادثة داخلة فى حدود الحال الحاضر للعالم أو بالأصح لقسم معلوم لنا منه , طبيعيةً . لكن هذا ليس غير قابل للتأليف مع الاعتقاد بأن العالم مخلوق وحتى إنه يدار بعقل عال , وإنما اللازم فيه أن يعترف بأن القوانين الثابتة موافقة للإدارة الحكيمة " .
وقال ص 173 " لاشبهة فى أنه يمكن أن يفرض عدم وجود مبدأ لهذا الانتظام (2) وهذا ما يمثله مذهب المادية الإيقانية , ولكن ما هو مستند هذا المذهب الإيقانى وأى تجربة أثبتت هذه الفرضية وسجّلتها بفضل مراقبتها مراقبة حقيقية غير قابلة للاعتراض ؟ فإنى أجيب على تلك الفرضية بفرض مخالف بنقضها ويقول بوجود مبدأ العالم ومعناه أن هذا النظام لم يكن موجوداً من الأزل , فكيف يثبت الماديون خلاف هذا : أبتدقيق قوانين الطبيعة ؟ لكن تلك القوانين توضح الشئ الموجود فى الحال ولاتوضح الشئ الذى تقدمه فرضاً وتوضح الشكل الحاضر للعالم ولاتوضح على فرض وقوع تشكيل للعالم طرز ذلك التشكيل , فإذا كان الموضوع مسألة المنشأ فلايكفى أن يقال إن كل إيضاح تجربى يعجز عن حلها , بل يلزم أن يضاف إليه أنه لاتثبت أى تجربة عدم وجود مسألة المنشأ وكون نظام الحادثات ثابتاً سرمدياً " .
وقال ص 239 " أنا اقبل ارجاع سلسلة الحركات الكثيرة الأنواع التى نسميها القوى الطبيعية إلى أصل واحد هو الحركة , فهذه الفكرة الحديثة بشأن الطبيعة ليست بحيث تضعف الإحساس الحاصل فى النفوس من مشاهدة العالم , فلا أعرف شيئاً أعظم من تصور وحدة العلة المنكشفة فى تنوع الآثار إلى غير نهاية , إلا أنه تبقى معرفة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ويقال عنها الفلسفة الوضعية أيضاً التى اعتمد عليها الدكتور هيكل باشا والأستاذ فريد وجدى كما سبق فى مقدمة هذا الكتاب , على الرغم من كونها فلسفة الملحد المشهور " أوجست كونت "
[2] هذا الإمكان أيضاً غير مسلم به عندنا لبطلان التسلسل .
أصل الحركة , فكل شئ فى هذه , وليست التجربة هى التى تحل هذه المسألة وإنما الذى تطلبه التجربة أن لا يكون الاستدلال الذى يحل المسألة ويرجع إلى ما وراء الطبيعة مغايراً للواقعات المعلومة لها , إنى أفهم كل ذلك ولا أفهم من أى جهة تكون الفكرة الحاصلة فى وحدة القوى الطبيعية غير مؤتلفة مع الفكرة التى حصلنا عليها بشأن خالق أصلى هو محرك المادة وناظمها ؟ بل أليس بالعكس من حق علم ما وراء الطبيعة أن يقول باسم أحدث ترقيات العلوم المثبتة إنه وجد فى وحدة القوى هذه الأساسين اللذين أسند إليهما أعرف دليله وأعنى بهما المادة العاطلة والحركة المنقولة ؟ "
أرأيتم فى قول " كارو " هذا العالم الفرنسى كيف يسئ ملاحدة الماديين استخدام التجربة ويحرفون دلالتها عن طبيعتها إلى ما يوافق أهواءهم ؟ فقد أدت التدقيقات الجديدة إلى أن القوى الطبيعية المختلفة كلها يرجع إلى أصل واحد وهو الحركة , فحاولوا أن يستخرجوا من هذه المعلومة الجديدة كون الحركة أزلية أبدية واستغناء العالم المتحرك أزلاً وأبداً عن الإله الخالق . فيردّ عليهم " كارو " بأن وحدة القوى الطبيعية الحاصلة من رجوع كل حالة فى العالم إلى الحركة أدل على مدعانا نحن القائلين بوجود الله منها على مدعاكم , إذ على مدعاكم يبقى سؤال " من أين هذه الحركة للمادة العاطلة ؟ " موجّهاً نحوكم غير مجاب عنه , وكون الحركة لا أول لها فضلاً عن أنه غير مسلم به لايغنيها عن الاحتياج إلى المنشأ . ولكن قاتل الله التسلسل الذى يجعل لكل حركة علةً ومنشأ من الحركة التى تقدمتها من غير نهاية فى سلسلة الحركات المتقدمة والذى لايقضى حاجة المحتاج وإنما يتظاهر بقضائها كما أوضحناه فيما سبق فيعلله بمواعيد كاذبة تذهب به أى المحتاج إلى سراب ماضٍ لابداية له ولا إمكان لانجاز مواعيده فيه , فى حين أن المواعيد الكاذبة المعتادة المتعلقة بالمستقبل مهما كانت عرقوبية فإن انجازها فى حيز الإمكان على الأقل . ولله در " أرسطو " حيث تفطن قبل 23 قرناً لبطلان تسلسل الحركات الماضية فقال بلزوم المحرك الأول وأوجب كونه غير متحرك .
والفيلسوف " كارو " يظهر من قوله " تبقى معرفة أصل الحركة فكل شئ فى هذه " أنه لايلتفت إلى احتمال التسلسل ويراه مستغنياً عن الإبطال .
وقال " كارو " أيضاً ص 240 لاتثبت أية تجربة أن المادة ابتدأت الحركة من نفسها فتبقى مسألة منشأ القوة محفوظة [ لايؤثر فيها توحيد القوى كما يفسره قوله بعده ] وسوف يبقى بعد تعقيب جميع التبدلات الممكنة لحادثات الحرارة والعمل والضياء والكهرباء والمغناطيسية . وبعد إرجاع هذه الأمور بحسب القوانين الميكانيكية إلى التكيفات المتعددة القابلة للنقل والتبديل بعضها إلى بعض , سؤال " من أين تأتى الحركة نفسها ؟ " كذلك لاتثبت أى واقعة سرمدية الحركة تحت شكلها الحاضر وكون الجريان الدورى للحياة ضرورياً " .
وقال ص 230 " إذا التُزم القول فى دائرة المعلومات التجريبية فالقوة التى يعتبرونها اللازم غير المفارق للمادة إنما تُرِى فى صورة واضحة دوام حركات حاصلة من سلسلة حركات متقدمة متحولة إلى سلسلة حركات متأخرة , ولاشئ فى الخارج عن ذلك سوى خيالات ورواية عما وراء الطبيعة (1) نحن نقول للماديين ليس من حقكم أن تبحثوا فى القوى إلا من حيث النتائج الحاصلة منها فخمّنوا القوة الفلانية مقارنيها بأى وزن فإنى أسلم لكم به وخمّنوها كيلوجرامات بإعطاء عدد مقابل وقيسوا عمل القوة بارتفاع وزن ٍ , ومثلوا بكيلوجرامات فإنى أسلم لكم به أيضاً , لكنكم اذا تكلمتم زيادة على هذه المعلومات المثبتة فى وجود القوة ومنشئها وسرمديتها وعدم انفكاكها بالذات عن المادة فكل ذلك عقلى محض والعلم التجربى إنما يشاهد آثاراً ونتائج ويستعمل هذا التعبير روما للاختصار والسهولة فهذا هو الذى يجب أن يفهم " .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] يعنى خيالات الماديين وروايتهم عما وراء الطبيعة وإن كانوا يقدمونها إلى الناس كأنها أحكام الطبيعة .
( 19 – موقف العقل – ثان )
أقول لايجوز أن يفهم من قول " كارو " هذا أن الثابت عقلياً دون الثابت تجربياً ,وإنما المقصود أنهم بصفة كونهم أدعياء المذهب التجربى ليس من حقهم أن يتعدوا حدود التجربة من حيث لايشعرون .
وقال ص 235 " إذا رجعنا وتوغلنا فى الرجوع إلى الماضى معاينين ومدققين للحلقات التى تتشكل منها سلسلة الحادثات الميكانيكية نرى دائماً فرار أصل هذه الحادثات من أمامنا وانسحابه إلى الوراء . فنحن نجد فى كل موضع آثار القوة ولانجد القوة نفسها ".
وقال " كيليوم دفونتيه " فى مقالته التى عنوانها " حدود علم الحياة " ص 136 " إن المادة ليس معناها اليوم معناها فى الماضى فقد كانت تعرف بالثقلة , وبعد اكتشاف الأثير لزمنا أن ندخله فى المادة مع أنه غير قابل للوزن ولايمكننا أن نعتبره غير مادى لأن غير المادة كان يطلق قبل كشفيات العلم على بعض مبادئ وعلل فعالة لانعرف حقيقتها . لكن علماء الطبيعة عرّفوا الأثير بأنه شئ يقبل الحركة وينقلها ولايحدثها وخلاصته انه عاطل , فإذن يلزم العدول عن ان نجعل الثقلة خاصة للمادة ونختار بدلاً منها العطالة فهى أصح ما يكون خاصة لها , والآن أعرف ما سيفرّع القائلون بمذهب الحياة " ويتاليست " على هذا الكلام بأن المادة عاطلة فى نفسها فيجب الاعتراف بوجود ما يخرجها عن العطالة ولهم حق جلى فى هذا التفريع وأنهم ممثلوا المنطق والعلم الحقيقى أعنى العلم الذى يصمد من النتائج إلى العلل " .
أقول آخر هذا الكلام يؤيد ما علقنا آنفاً على قول " كارو " وليعتبر منه مقلدو الغرب منا الغافلون مثل الأستاذ رئيس تحرير " مجلة الأزهر " الذين يحتكرون اسم العلم لما يثبت بالتجربة ويستهينون بالعلوم المبنية على العقل والمنطق بل يستهينون بالمنطق نفسه . فعلى رغمهم يمدح هذا العالم الفرنسى طائفة من أصحاب المذاهب بأنهم ممثلو المنطق ويعبّر عن علمهم " بالعلم الحقيقى " .
بداية صفحة 291
صفحة خالية
بداية صفحة 292
كوننا غارقين فيها. وإني أنتقد بشدة على الذين ليس لهم استعداد الفلسفة أن يتعودوا نسيان هذه المطالعات البديهية"
ومعنى قول "أوليورلوج" أنه يمكن أن تكون الكائنات تسير على قوانين ميكانيكية كما يقول الماديون فيتفق معهم على ذلك الموحدون من أعاظم علماء الطبيعة مثل نيوتون وغيره ، وليس القول بإرجاع حادثات الكون بأسرها إلى حركات ميكانيكية ينافي وجود الله كما يزعمه الملاحدة فيتمسكون بمبدأ الميكانيكية كأنه عروة الإلحاد الوثقى . والفرق بين الفئة الموحدة والملحدة من القائلين بالقوانين الميكانيكية أن الملاحدة يقصرون الأمر على هذا القدر وينكرون ما وراءه كأن يكون لتلك القوانين واضعها ومدبرها. والتجربة الدالة على وجود القوانين لا تدل على عدم وجود من يدبرها ، بل هي أحرى بأن تدل على وجوده لأن الحركات الميكانيكية لا بد لها من مهندس ميكانيكي ينشئ الماكينة ويرتبها ويحركها ، فقصر الملاحدة الوجود على الماكينة وحركتها يهم على أنهم قاصرون ومقصرون في فهم مدلول التجربة نفيا وإثباتا.
فالتجربة تدل على وجود القوانين ولا تدل فيما وراءها لا على وجود شيء ولا على عدمه كما زعمت الملاحدة أصحاب مذهب المادية ، لكن العقل – الذي يجب أن لا يفارق التجربة وإلا لما دلت حتى على ما دلت عليه – لا يقف عند الحد الذي تقف عنده التجربة ، فتوجب وجود شيء لا تمانعه التجربة وهو المحرك.
ونحن إذا بحثنا في تمسك ملاحدة الماديين بإرجاع كل حادثة إلى الحركة الميكانيكية رأينا أن الغرض منه التوصل إلى استغناء العالم عن إرادة الإله الفاعل بعلمه وإرادته. فالعالم في زعمهم يمشي بنفسه من غير إرادة منه ولا شعور بمشيته ومن غير أن يكن له تغيير أسلوبه في مشيته ، فهو كالماكينة المتحركة يتحرك من غير إرادة ولا شعور ولا انحراف عن نظام الحركة الذي يخصها.
بداية صفحة 293
ولو كانت حركته إرادية لكانت الإرادة من خارج المادة التي لا إرادة لها ، وكذلك لو كانت حركته عن علم وشعور. ثم لو كانت حركته إرادية لجاز انحرافها عن طريقتها حسبما شاء المريد. فكأنه يتم بهذه الملاحظات استغناء العالم عن المؤتمر المسيطر عليه؟
ويرد عليهم أن المادة لا تتحرك بدافع من نفسها لكون العطالة من أخص أوصافها ، ولا ينفع فيها كون حركتها غير إرادية ، لهذا قال "كارو" فيما نقلنا عنه سابقا : " وسوف يبقى بعد كل إيضاح سؤال (من أين تأتي الحركة نفسها؟) من غير جواب!"
والعقل لا يقبل حركة بلا محرك. لكن الملاحدة الماديين والطبيعيين لما لم يروا محركا ولم يصلوا إليه بتجاربهم ولم تكن عقولهم أطول من تجاربهم ألحدوا وقالوا إن العالم يتحرك من نفسه وغاب عنهم أن القول بوجود محرك غير منظور أقرب إلى الحق والصواب من القول بالحركة من غير محرك ، حتى إن ما مثلوا به هذه الحركة أعني الحركة من غير محرك فقالوا "حركة ميكانيكية" قد اهتدوا إلى التمثيل بها إلى الماكينات التي هي صنع الإنسان وإثر إرادته . فالحركة الميكانيكية إن لم تستند إلى محرك وإرادته مباشرة فتمشي بنفسها لكنها مستندة إلى إرادة صانع الماكينة ثم إلى إرادة مديرها إن كان المدير المحرك غير الصانع ، والإرادة الثانية أقرب إليها فلها مبدأ ومنشأ. وهل القائلون عن حركة العالم بأنها ميكانيكية رامين بقولهم هذا إلى أنها حركات لا محرك لها من خارج العالم ، إذا رأوا ماكينة من الماكينات التي نعرفها وهي تسير سيرها يقولون متحركة بنفسها من غير ما حاجة منها إلى وجود محرك لا حاليا ولا مبدئيا ؟ أجل يلزمهم أن يقولوا كذلك وهم يعلمون أنها غير مصنوعة بطبيعتها ولا مبتدئة للحركة بنفسها ، فتمثيلهم حركة العالم من غير محرك ولا إرادة منه ، بحركة الماكينات التي يصنعها الإنسان ويحركها ، عجز ظاهر في التمثيل والتعبير ناشئ من عدم وجود شيء متحرك بنفسه في العالم بينما ادعي أن كل شيء فيه متحرك بنفسه. ولا يجدي الملاحدة اعتبارهم الإنسان نفسه أيضا موجودا ميكانيكيا بإنكار إرادته بل وشعوره
بداية صفحة 294
فتكون ماكينة الإنسان أثر ماكينة الطبيعة وتكون الماكينة التي يصنعها الإنسان ماكينة في الدرجة الثالثة ، ولا اعتبار حركتها المستندة إلى حركة الإنسان المستندة إلى حركة المادة بنفسها ، حركة من غير محرك ، لأن هذا يكون مصادرة في التمثيل والتبيين على الممثل المبين . مع أن إنكار الإرادة والشعور في الإنسان واعتبار حركاته عند ا يصنع ماكينة ثم يملؤها ويديرها ، حركات ميكانيكية من نوع حركات الماكينة التي يصنعها ويركبها من الجمادات ، مما يخالف بداهة العقل كما قال علماء الإسلام مثل ذلك في الفرق بين حركة البطش وحركة الارتعاش من اليد ، في مسألة أفعال العباد الاختيارية. ومن الغرابة بمكان أن يكون العقل الذي اكتشف الميكانيكية العالمية يم ترك لنفسه نصيبا في الكون يتناسب مع العملية ، حيث اعتبر حركات نفسه عند التفكير في إنشاء الماكينة حركات ميكانيكية أيضا من غير شعور.
وصفوة القول أن تمسك الملاحدة بأهداب الحركات الميكانيكية في تفسير حادثات العالم لا ينفعهم في إغنائه عن الاستناد إلى الله بل يضرهم. ومن العجب أنهم لم يتفطنوا له فهيأوا لأنفسهم الإقحام في المناظرة ، لأن الحركة الميكانيكية أحوج ما يكون إلى وجود سبب الحركة من الخارج ، على الرغم مما راقهم من عدم ظهوره للأعين عند حركة الماكينة ، فإن احتاجت حركة الجسم غير الماكينة إلى محرك فحركة الماكينة تحتاج إلى محرك ومرتب : مثلا إن الساعة التي تتحرك بنفسها في الظاهر تحتاج إلى محركين محرك قريب يملأها في كل أربعة وعشرين ساعة من الزمان ، ومحرك بعيد يصنعها في أول أمرها مستعدة للحركة المطلوبة ، بل يحتاج أيضا إلى ثالث أبعد وهو مخترع الساعة في ماضي القرون. لكن الغافل الذي لم يعرف الساعة ولم يسمعها وإنما رآها أول مرة ، يظن أنها تتحرك من نفسها ! قال "ديمقراط" اليوناني جد الماديين الأعلى الذي وضع المذهب المادي في صراحة وجعل النظام في حادثات العالم يجري على قوانين ميكانيكية والذي أولاه "باكون" الإنجليزي المرتبة الأولى بين القدماء وفضله على أفلاطون وأرسطو في النفوذ في الطبيعة:
بداية صفحة 295
"إن علة كل حركة هي الحركة التي تقدمتها وهكذا إلى غير نهاية" فهذا الفيلسوف المثنى عليه من فيلسوف كبير آخر لم يغب عنه احتياج حركات العالم الميكانيكية إلى محرك فعالجه بوجدان المحرك في نفس الحركات المتصاعدة من المعلول إلى العلل لا نهاية لها في جانب الماضي قائلا بقدم العالم فتجد كل حركة علتها في الحركة التي تقدمتها ولا ينتهي المقدم في أي مرتبة من مراتب التوغل في الماضي حتى يبقى التأخر منه بلا علة محركة. وبهذه الصورة تستغني حركات ماكينة العالم عن محرك من الخارج وهو الإله الخالق ويثبت استحقاق هذا الفيلسوف اليوناني لثناء الفيلسوف الإنجليزي ، ويظهر الفرق بين حركات العالم وبين حركات العالم وبين حركات الساعة المحتاجة إلى محرك من الخارج لكونها حركات متناهية لها بداية ونهاية ، فلا يقاس عليها حركات العالم غير المتناهية حيث يقف المتناهي بانتهاء علة الحركة في عدد معين منها فيحتاج إلى محرك من خارج الحركات ، ولا يقف غير المتناهي فلا يحتاج إلى محرك من الخارج.
ولا شك أن ملاحدة الماديين المتأخرين يقولون كما قال الفيلسوف القديم اليوناني ويتخلصون عن الإلزام بمثال الساعة والحيلة التي لجأ إليها الفيلسوف تمسكه بتسلسل العلل الذي خفي بطلانه على بعض الناس مهما كانوا في عداد العقلاء ومشاهيرهم وفيهم الفيلسوف "كانت" والشيخ محمد عبده. ولكن ذلك عيب كبير على الفيلسوف اليوناني على مثيله الإنجليزي وعلى جميع اللاجئين إليه وان كانوا كثيرين وكبيرين. عيب كبير يقضى كبره على كبرهم بل على كونهم عقلاء بالمرة حيث لم يفهموا أن تسلسل العلل إلى غير نهاية في جانب الماضي يفسد العلة ويحول دون وجود علة واحدة فتبقى الحركات في مسألتنا بلا محرك واحد ويكون وجود الحركات ومحركاتها التي هي حركات أيضا متقدمة ووجود سلسلة غير متناهية مؤلفة من الحركات المتأخرة المعلولة وعللها المتقدمة ، ضربا من الخيال الكاذب ( هامش : وإني أوصي القارئ أن يراجع الأمثلة التي أوردتها فيما سبق تفهما لبطلان تسلسل العلل لاسيما مثال سلسلة الأصفار الممتدة إلى جانب اليسار من غير أن تنتهي إلى عدد صحيح. وكفى فخرا بكتابي هذا في خدمة الدين والعلم أن القارئ يجد فيه ما يقنعه ببطلان التسلسل إن لم يجد شيئا غيره لاسيما تسلسل العلل الذي يتوقف إثبات وجود الله على إبطاله كما رأيته آنفا في مسألة تسلسل الحركات الميكانيكية للعالم. وهذا التوقف لم يزل خافيا على الشيخ محمد عبده كما خفي أصل البطلان ولم يظهر رد عليه من سائر العلماء بمصر.)
بداية صفحة 296
فالفيلسوف "ديمقراط" ذهب عنه أن الحركات المتقدمة إنما هي وسائط في انتقال الحركة إلى ما بعدها ولا بد هناك من محرك أول تنشأ منه الحركة بالأصالة ثم تنتقل إلى الوسائط المتتابعة تتابعا يمكن أن يدوم في المستقبل ولا يمكن أن يدوم تسابق الوسائط في الماضي لأنه تسلسل في العلل أبطلناه سابقا بما لا يبقى موضع قدم للشاك فيه. فسلسلة الحركات الميكانيكية الممتدة نحو الماضي والتي مقدمتها علة لمؤخرتها إما أن تكون معدومة بالمرة عن آخرها المتصل بالحاضر المتراجع إلى القدم ولا توجد إلا في كاذب الخيال ، وإما أن تنتهي إلى محرك من خارج السلسلة أي من خارج العالم المتحرك ينشئ فيه الحركة الأولى. إلا أن تعلل أذهان الماديين الميكانيكيين مع ذهن جسدهم الأعلى "ديمقراط" ، بالانتقال من حركة إلى حركة تقدمتها إلى أن تتعب من الانتقال الفعلي فتكل الأمر إلى الخيال ويخيل إليها من دوام هذا الانتقال إلى غير بداية الاستغناء عن ذلك المحرك الأصلي الخارجي . فسلسلة الحركات الميكانيكية لا يكون مشأ الحركة منها ولا يضمن الاستغناء عن المنشأ تخيل امتدادها إلى غير بداية.
ولعل "كانت" القائل بامتناع إثبات وجود الله بالعقل النظري كان من أسباب قوله هذا أنه عدل عن فكر الحركة الميكانيكية للعالم إلى فكرة الحركة القوانية "ديناميك" فلو اختار الحركة الميكانيكية لرأى فيها الدلالة على وجود الله ظاهرة.
بداية صفحة 297
وقد فاته في فكرة الحركة القوانية الخاوية عن نظام الحركة الميكانيكية أنه لا يتشكل بها العالم المنظم. أجل إن مدرسة المادية الرواقية قالت قبل "كانت" بالحركة القوانية إلا أنها اعترفت مع هذا بوجود الله وذهبت إلى أن القوة غير المنفكة عند الماديين عن المادة هي الله فمزجت حركة الكون القوانية بالعقل الناظم.
ومن المادية الميكانيكية المدرسة اليونانية الإبيكورية الوارثة لفلسفة "ديمقراط" الإلحادية. والفرق بينهما أن قوانين ديمقراط الطبيعية أزلية وقوانين "أبيكور" الطبيعية حادثة. فكأن المدرسة الإبيكورية تنبهت لما لو كانت للأجزاء الفردة وعلاقاتها الكلية قوانين أزلية لما تشكل العالم أصلا أو لما حدث فيه شيء جديد ، فرأت عدم كفاية المادية الديمقراطية فذهبت في إيضاح تلاقي الأجزاء الفردة وتصادفها مع بعض إلى أن لها قدرة الانحراف بلا سبب عن طريقها المستقيم في نقطة معينة من الزمان والمكان ، فبعد أن تشكل العالم بتلاقي الأجزاء التصادفي يدار بقوانين ثابتة ضرورية ، ويوضح كل شيء إيضاحا ميكانيكيا بتلاقي الأجزاء الفردة من غير حاجة إلى تدخل إدراك أو علة غائية. فمدرسة "أبيكور" تضع قاعدة المصادفة وتقبل قدرة الانحراف في الأجزاء الفردة فتتوصل بها إلى إمكان تشكيل العالم وتؤجل القوانين الثابتة إلى ما بعد التلاقي التصادفي ، ولا تدري أن تلك القدرة على الانحراف هي القدرة الإرادية لخالق العالم جل وعلا.
فمدرسة أبيكور الإلحادية قد وضعت من حيث لا تشعر كون مبدأ العالم القدرة الإرادية للإله القادر المختار كما هو مذهب العلماء المليين لا القدرة الطبيعية المنحرفة بلا سبب المسببة لتلاقي الأجزاء الفردة التصادفي ، وليس من المعقول في شيء أن يكون أساس تشكل العالم مبنيا على المصادفة العمياء بدلا من كونه مبنيا على إرادة عليمة.
فهذا هو خلاصة المذهب المادي غير الخالي من الخلل والسخف من أي النواحي أنيته ، وما مادية "بوخنر" وأضرابه من المتأخرين الغربيين استطاعت أن تضيف إلى المادية الأولى اليونانية شيئا يقربها من العقل.
بداية صفحة 298
ثم إن من فروق المادية الأبيكورية والتي تلتها ، من المادية الرواقية أن العالم في نظر الأولى مركب من أجزاء مستقلة لا توجد لها أفعال مشتركة ، وفي نظر الثانية من أجزاء مرتبطة بعضها مع بعض تدور في جميعها قوة واحدة وسبب واحد وعقل واحد فتجعل الجميع كلا دائميا ممتزجا. وهذا الفرق بين الماديتين طبيعي مبني على فرق إنكار الناظم العام الأعلى من الاعتراف به ، والمادية الملحدة في أدوار الأولين والآخرين تنحاز من هاتين الفكرتين إلى اللامركزية والفوضوية العامة وهو حسبها سخافة لولا سخافات أخرى تلازمها.
نعود إلى ما كنا فيه من إيراد شواهد من كلمات علماء الغرب ضد المادية الملحدة.
ثم قال "أوليورلوج" : "فليكن على حذر من عنده رغبة زائدة في مذهب المادية وهو جاهل بالنسبة أي جاهل بما يعلم غيره فلا يعامل بالاستخفاف في حق مكتشفات وإدراكات الرجال الكبار في أقاليم التجربة والأفكار المجهولة له فإن استطاع فليوضح ما يقصده من عينية نفسه بل عينية كل موجود ذي حياة متفكر متشكل في تواريخ مختلفة من مجموع أجزاء مادية مختلفة ، فمن البديهي وجود معط للعينية الشخصية ومشكل للتشخص ، وهذه العينية هي خاصة مميزة لجميع أشكال الحياة حتى الأحاقر منها ، مع أنها لم تفهم بعد ولم توضح ، وقول القائلين من غير دليل بوجود جوهر أساسي تتبعه هذه العينية ليس بجواب ، وإن كان جوابا فليس بجواب أحسن من القول بأن العينية تابعة للروح".
وهذا القول من مدير جامعة "برمنجهام" تعريض بإنكار الماديين للروح فيما ينكرونه من غير الماديات ، ومما يجدر باللفت أنه اختار الدليل العقلي في إثبات وجود الروح وهو شعور كل ذي حياة بنفسه متميزا عن غيره فيعبر عنه بضمير المتكلم ويعبر عن غيره بضمير الغائب أو الخطاب. ولم يختر دليل الأستاذ فريد وجدي أعني تحضير الأرواح.
بداية صفحة 299
فهذا العالم الغربي يرى طريق الاستدلال العقلي على الأقل مغنيا عن ذلك الطريق الحسي.
وقال "أوليورلوج" أيضا :"إن الله يرى فلاسفة بلغت بهم جراءتهم أن يدعوا مستندين إلى تجارب متراكمة منذ عدة سنين أجريت على وجه الأرض التي هي سيارة من سيارات العالم بواسطة الحواس التي يعرفون عجزها عن إدراك حقائق الأشياء ، أن الكائنات وجدت من غير أن تكون فعل العقل ومن غير تدبير وإدارة وأنها لا تزال غير مدارة بأي وجه مستحسن أو مستهجن وأن الذي يحيط بكل شيء علما وحكمة وتدبيرا غير موجود ، فمن العجب العجاب أن يعلم الإنسان لا ما هو موجود بل ما ليس بموجود أيضا ، ولكني أنا لا أصدق أن تكون للإنسان في وقت من الأوقات قدرة العالم لهذا الحد".
ويشبه هذا القول من " أوليورلوج" قول فيلسوف آخر وأظنه "برغسون" الفرنسي لما شن حربه الشعواء على النزعة الآلية المادية :"لقد أسرف علماء المعامل في تقدير علمهم إسرافا بلغ حد الشطط حتى ذهب بهم الوهم إلى أنهم قادرون على وضع الكون كله في أنبوبة من أنابيب اختبارهم".
فظهر من هذه النقول أن العلم الطبيعي أي العلم المبني على أساس تجربة الحادثات الطبيعية برئ مما يدخله فيه ملاحدة المنتمين إليه وليس من اختصاصه لعدم امتداد يدي التجربة إلى ساحته ، كمسألة "المطالب والمذاهب" أو بأي أداة وواسطة مادية كما بحث فرعون حين قال (يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا)
هذا وقد كنت ذكرت في مذهب النشوء والارتقاء مثالا آخر لسوء استعمال العلم التجربي فأورد بعض النقول لتأييد ما ذكرت : قالوا يلزم أن يوجد التناسب بين الأعضاء بموجب قانون "كووي يه"
بداية صفحة 300
وبهذا التناسب تكون الأعضاء مرتبطة بعضها ببعض ويكون الذي يعين شكل عضو هو أشكال الأعضاء الأخرى. فإذا حصل تبدل موضعي يصير ذلك مهما كان ذا فائدة ، مضرا من ناحية عدم توافقه مع الأعضاء الباقية. وبالنظر إلى كون التناسب بين الأعضاء شرطا للحياة ، فامتداد مدة الانتقال من شكل إلى شكل ضروري إلى أن يحصل التناسب وذلك يجعل الحيوان الذي هو في حالة التبدل في خطر ونزول درجة يمنعه فيه من التكمل. ولهذا قال "كورنو" : "إن مذهب الاستحالة والارتقاء عبارة عن مطالبة العلة الميكانيكية بما لا تستطيع إعطاءه ، لكنه يخفف ويستر عدم معقولية الإيضاح الميكانيكي بإقامة التدريج من البطئ مقام التبدل الفوري".
يعترض صاحب هذا القول على أصحاب مذهب التطور في الكائنات من تلقاء أنفسها بأنهم مع هذا قائلون كغيرهم بالميكانيكية في حركات العالم مريدين بها الحركات من غير محرك عن خارج الماكينة ، وبين هذين القولين تناف من حيث أن الماكينة المتحركة بنفسها لا يرى أي تبدل في نظام حركاتها ما دامت متحركة بنفسها وذلك فارقها الوحيد عن الحركات الإرادية ، والتطور تبدل متوجه إلى جهة الكمال فهل رأيتم ماكينة تمشي ويكون لها على مر الزمان رقي واكتمال في مشيتها ؟ وهو بمثابة ضم حركات جديدة إلى حركاتها ، هل يتصور لها ذلك مهما يكن في بطء وتدرج زائدين يستران هذا التطور المنافي لطبيعة الحركات الميكانيكية ؟ وهو نقد لمذهب التطور لاشك في قوته.
وقال "رونووي يه" مؤسس الفلسفة الانتقادية الجديدة في الجزء الرابع ص 296 من كتابه "فلسفة التاريخ التحليلية" : " إن قانون الانتخاب الطبيعي المنسوب إلى دارون يبقى فرضيا ما لم ير مثالا صحيحا للانتقال من نوع إلى نوع" هذا مع ما ذكرنا آنفا من موانع ذلك الفرض.
وقال كثيرون من علماء الطبيعة :"إن الأشكال المرتبة في بعض المستحاثات تدل على وجود صنوف وأجناس وأنواع في الماضي والأجناس والأنواع
301
الموجودةالحاضرة ولا مستحاثة تثبت الانتقال من نوع الى نوع " يعني لا مستحاثة في الحال ولا يمكن ان يكتشف منها في المستقبل ما يثبت الانتقال النوعي كما ذكرنا نحن من قبل . فإن كانت مستحاثة من الانواع الموجودة فهي من افرادها وان كانت مستحاثة بين النوعين الموجودين فاكتشافها يدل على وجود نوع بنهما ولا يدل على الانتقال م نوع الى نوع.
هذا ورايت بدار الكتب المصرية كتابا ضما في اثبات المذهب الداروني للاستاذ اسماعيل مظهر يتعجب الانسان كيف ملاء ذلك الكتاب بكلمات فارغة لا تقاوم امام بضعة اسطر من النقد وهي ان اثبات المذهب اما ان يكون بالتجربة والمعاينة المجراة على المستحاثات كما هو المدعي والحال ان الانتقال من نوع الى نوع في الماضي لا يدخل تحت تجربة الزمان الحاضر ومعاينته بل الانتقال مطلقا لا يدخل تحت التجربة لعدم كونه من المحسوسات ، واما ان يكون بالاستدلال العقلي المبني على التشابه والتقارب في اشكال الاعضاء ، فيحتمل ان تكون اعضاء نوع بين نوعين ويدوم هذا الاحتمال الى ان توجد مستحاثةلا فرق بينها وبين لانسان اصلا وهي اولى ان تكون مستحاثة انسان من ان تكون مستحاثة الانتقال م نوع الى نوع ، وكلما بقي الاحتمال سقط ااستدلال . وهذه القاعدة وحدها اعنى سقوط الاستدلال مع بقاء اي احتمال مناف يرى دقة اهل الاستدلال العقلي في تجنبهم الوقوع في الخطأ على خلاف اصحاب المذهب التجربي الماذقين المازجين تجابهم بكثير من الاستدلال العقلي من حيث لا يشعرون ومن غير ان تنبهوا لمواضع الخلل في تجاربهم واستدلالهم اللتين لا يميزون بعضهما عن بعض.
فالمستحاثات المكتشفة الى الان والتي يمكن اكتشافها ي الازمنة المستقبلة لا يكون فيهاما يقوم مقام التجربة المثبتة للانتقال وتبقى الحلقة المفقودة بين الانسان وغيره من الحيوان مثل القرد مفقود الى الابد ، والعاقل الذي يعرف كيف يكون
302
الاثبات الحاسم لمسألة علمية ولا تغره الطنطنة المقامة حول المذاهب التجريبية ، لا يذهب عليه ان الاعراض عن تجربة الانتقال من اي حيوان الى الانسان في افراد النوعين الحاضرة والتعلل باكتشاف المستحاثات القديمة ليس معناه الا السعي في نقل التجربة من الحاضر واجراؤها في ظلام الماضي . واني ارى التهكم على مذهب دارون والادلة المنصوبة لاثباته من المستحاثات ، باديا في اسم كتاب "التكامل تحت الارض" لمؤلفه "مارتل" صاحب مجلة " الطبيعة" لان تكامل الحيوانات يكون فوق الارض لا تحتها.
فالاستاذ اسماعيل مظهر يتوهم ان الدعوى التي يحامي عنها في كتابه مثبتة بالتجربة والتجربة بعيدة عنها بعد عهد المستحاثات من عهد دارون واتباعه . فهو اي الاستاذ يتمسك بالاستدلال ويظن انه متمسك بالتجربة . وليته تمسك بالاستدلال الصحيح النافي لكل احتمال مناف، لكنه لم يات به ايضا .. فكل اعتماد المذهب على الظن والتخمين وان الظن لا يغني من الحق شيئا لاسيما عند الدارونيين انفسهم المدعين التمسك بالتجربة.
وفي كتاب الاستاذ طعن شديد على كتاب الشيخ جمال الدين الافغني المسمى " إبطل مذهب الماديين" وتجهيل لمؤلفه يدلان على صدق قولي في مقدمة كتابي هذا عن الشيخ محمد عبده تلميذ الشيخ الافغاني في التجديد " هؤلاء المجددون من علماء الدين زعزعوا الازهر عن جموده على الدين فقربوا الازهرين الى اللادينين خطوات ولم يقربوا اللادينين الى الدين خطوة.
303
الفصل الثالث
موف العلم من العقل
قد تبين مما افضنا في الفصل الاول ان العقل حليف الدين واول نصير له وفيه يجد اساس الدين الذي هو وجود الله حجة وبرهانا يؤايسان الملاحدة ويندمانهم على قولهم بأن الدين لا يتفق مع العقل ثم يجعلانهم ينقلبون ضد العقل ويحاولون الحط من مكانه عند اولي النهى مدعين ان العقل لا يكون اثباته للشئ اثباتا علميا وانما الاثبات العلمي يستند الى التجربة والمشاهدة ،فيكونون قد احدثوا بهذه الدعوى الثانية خصاما وعلى الاقل مفاضلة بين العقل والعلم . لكن كل عاقل يعرف انن العقل الذي اكتشف العلوم وادركها ولم يدرك العلم بعد ماهية العقل ، يعرف ايضا ما يكون الغالب في هذه المفاضلة.
وبينا في الفصل الثاني ان العلم ايضا لا يناوئ الدين وانما امناوئون بعض المنتسبين الى بعض العلوم الشائبون العلم بالجهل المقولوه مالم يقل.
ثم ان العلم الطبيعي يستخرج منه الفئة المذكورة بغير حق عدم وجود الله بحجة عدم وصول التجارب المستخدمة في ذلك العلم اليه مع ان هذه المسالة ليست من موضوع العلم الطبيعي لان القائلين بوجود الله لا يدخلونه في الطبيعة فلا يلزم اذا كان الله موجودا ان يعلمه العلم الطبيعي وليس هذا العلم ميزان العلوم حتى يكون ما يعلمه وما يعترف به حقا وما لا يعلمه ويعترف به خلاف الحق وانما ميزان العلوم المنطق والحاكم فيه العقل لا التجربة.
وليس العلم الطبيعي ايضا علم الموجود والمعدوم على اطلاقها حتى يكون
304
الوجود من حق ما يعلمه ولا يكون من حق ما يجهله وانما هو علم الموجودات الطبيعية بقدر ما يمكنه ، فيكون له حق الحكم في وجود كل شيء طبيعي بتجاربه المادية او عدم وجوده بمعنى انه لا يعترف بوجوده لعدم اطلاعه عليه في حالته الحاضرة لا انه ينفيه وانما النافون هم المتعدون لحدود العلم المذكور عازين اليه نفي ما لا يعرفه عن الوجود مع امكان ان يكون ما لا يعرفه بجاربه المادية يعرفه اخر بوسائل اخري .لكن راس البلية وراس المغالاة والشطط في هذا الزمان تسمية العلوم المبنية على التجارب المادية باسم العلم المثبت الموهم لتنزيل غيرها من العلوم منزلة غير المثبت فان لم يكن في هذه التسمية غرض مخصوص خادع فلعل وجهها ان العلم الطبيعي الذي اعتنى منذ عهد "باكون " ان لا يبني احكامه الا على تجارب قطعية لقب بالعلم المثبت بعد ان لم يكن هو نفسه في ازمنته المتقدمة جديرا بهذا الوصف فعلى هذا التقدير فقط تصح له هذه التسمية لكونها لم يقصد بها التعريض والاستهانة بسائر العلوم التي لم تكن منزلتها في القوة والمتانة دون العلم الطبيعي بل يوجد فيها ما يفوقه كما ياتي بيانه.
ومما يلفت اليه ان مسالة وجود الروح في نظر العلم الطبيعي كمسالة وجود اله في عدم الاطلاع عليه بتجاربه المادية ولهذا ينكر ملاحدة هذا العلم وجود الروح كما ينكرونوجود الله ، ولهذا ايضا اخذ انصار المذهب الروحي في الغرب " وبتاليست" يسعون ف الازمنة الاخيرة لاثبات الروح بالتجارب الحسية وامل من هذا بعض الشرقين الغافلين ان يحصل المجربون في نتيجة مساعيهم على اثبات وجود الله ايضا بالطريقة التجريبية او يكون اثبات الروح نفسها متضمنا لاثبات وجود الله ايضا بالطريقة التجريبية او يكون اثبات الروح نفسها متضمنا وجود الله من حيث دلالته على وجود عالم غير عالمنا الذي نشهده الان يحتمل ان يجد الله في ذلك العالم من لا يجدونه في هذا العالم المشهود ، وقد رددنا هذه الفكرة على اصحابها (401 – 414 الجزء الاول) ردا وافيا . ومن جملة ما قلنا فيه ان وجود الله لا يثبت بالاحتمال ، ثم ان بين وجود الله ووجود الروح فرقا من وجهين : الاول ان الروح ان لم تكن مادية
305
فلها نوع اقتراب من المادية من حيث انها تقبل الاتصال بالبدن فيمكن امكانا عقليا ان تنجح التجارب المستخدمةفي اثبات وجودها ، والثاني ان الدليل العقلي القائم على وجود الروح مهما كان قويا مغنيا عن اثباتها بالتجارب الحسية فلا يبلغ مبلغ قوة لدليل العقلي القائم على وجود الله ، وحسبك فارقا ان الروح ليست بواجبة الوجود عقلا .
فقد يكون القائلون بوجودها في حاجة الى اثباتها بطريق غير الطريق العقلي وهو طريق التجربة ما دامت ممكنة ، لاسيما وفيها ارغام المنكرين وليس في اثبات وجود الله بالتجربة هذا الامكان ولا تلك الحاجة ...والله المتعالي عن ان تصعد اليه التجارب الصناعية اثبت وجوده العقل لحد ان يكون واجب الوجود مستحيل العدم . وما من موجود سواه يقتضي العقل او التجارب وجوب وجوده واستحالة عدمه ، اللهم الا ان يكون وجوبا او استحالة بالغير ، لان كل ما سواه ممكن الوجود لا واجبه والعالم بتمام اجزائه من هذا القبيل ، بمعنى انه لا يلزم من عدم وجوده محال عقلي كما لزم من عدم وجود الله مثل الرجحان من غير مرجح والتسلسل في تعليل الممكنات بعضها ببعض ، وان لزم المحال العادي من عدم وجود بعض الموجودات .... حتى ان القتل على الشكل الذي لا يكون فاعله في العادة الا فرد من افراد الانسان غير المقتول نفسه والذي كنا قد فرضنا وقوعه من غير فاعل ادمي واوردناه فيما سبق مثالا لوجود العالم وما فيه من الاثار الكونية من غير وجود اله خالق لها... هذا المثال لا يؤدي حق التمثيل ولا يبلغ في الاستحالة مبلغ الممثل لكونه من المحالات العادية لا العقلية الحقيقية اذ يمكن عقلا ان يقع ذلك من قبل الله من دون ان يكون فيه صنع انسان . فالقاتل الادمي امجهول في المثال المذكور مهما يقطع بوجوده فليس بواجب الوجود عقلا.
فيكون اعلى مراتب الوجود هو وجود الموجود الذي يحكم العقل بوجب وجوده واستحالة عدمه ، ولا يحكم بمثل هذا الحكم الذي لا يقبل النقض ابد الأبدين الا.....
-306-
العقل لاالتجربة ولا اى علم مبنى عليها كما ستظهر لك هذه الحقيقة بشهادة علماء الغرب ايضا من التجربيين وغيرهم وفيهم ((كانت)) لى الرغم مما قاله و اخطا فيه اعظم خطائه من ان مسالة وجود الله لا تثبت العقل النظرى, فلو كان الله لا يثبت وجوده بالعقل النظرى لما كان الثابت بغيره واجب الوجود اذ الحاكم فى وجوب الوجود الذى هو اعلى مراتب الوجود هو العقل النظرى، فهل يرضى ((كانت)) وهو مؤمن بالله ان لا يكون الله عنده واجب الوجود ؟ وهل يستحق من ليس بواجب الوجود ان يكون الله ؟
وعظم أيضا خطا الذين زعموا ان حكم العقل بوجود شئ او عدمه يعتبر دون حكم التجربة ....فههنا خطآن اثنان بعضهما اعظم من بعض والقضاء عليهما محور هذا الكتاب ، احدهما كون العقل النظرى لا يوجب وجود الله فى حين ان العقل النظرى لا يوجب وجود اي شى ايجابة لوجود الله حتى يختصه بوجوب الوجود. وثانى الخطائين كون حكم العقل النظرى دون حكم التجربة، فى حين ان أعالى الاحكام التى لا تقبل النقض و الاستئناف و التمييز و التحديد بزمان او مكان مثل الحكم بالوجوب و الاستحالة و الامكان وربما يعبر عن الاول بضرورة الوجود وعن الثانى بضرورة العدم وعن الثالث بسلب الضرورة عن الطرفين – انما يصدرها العقل لا التجارب التى تقتصر احكامها على الوقوع او اللا وقوع من غير ان يبلغ الوقوف مبلغ الوجوب و اللاوقوع مبلغ الاستحالة، لكونهما من الاحكام العالية التى لا تدخل فى متناول التجربة . ثم إن العقل هو الذى يحدد وظائف التجربة ويرسم لها خطط اختصاصها بين اسوار الوجوب و الاستحالة و الامكان ، حتى لو فرض ان التجربة شهدت بوقوع شئ مما لم ياذن العقل بامكانه فلا يعول على شهادتها . ومع هذا فمما يجب ان يعلم ان دائرة الامكان اوسع بكثير مما يتخيله القاصرون كال\ين يزعمون عدم امكان المعجزات وستندون فى زعمهم الى العلم الحديث المبني على التجربة،وهم يجهلون ان الحكم بالامكان وعدم الامكان ليس من حق العلم الحديث التجربى و انما ذلك من اختصاص
-307-
العقل النظرى و العلوم المنية علية ، وعلى نسبةاتساع دائرة الامكان يشتد نطاق الاستحالة ضيقا ، واضيق منه نطاق الوجوب الخاص بوجود الله تعالى .
فلتعلم هذه الخلاصة التى تتعلق بهذا الفصل والذى قبله معا. وانى معتذر عن أن يكون الكلام فى كل فصل من فصول الباب الاول الاربعة ، لايتمحض له فيوجد فيه ما قد يكون محله الاولى متقدماعليه او متاخرا او يكون ما قلته اولا اردده لاقتضاء سوق الكلام اياه ، وقلما يخلو ترديدى من فائدة جديدة . كل ذلك من شدة اتصال مباحث الكتاب بعضها ببعض . و الان نلخص شبهات المنكرين لوجود الله ثم نجيب عن كل منها وان كان فى استطاعة القارئ الفطن ان يستخرج اجوبتها او اجوبة بعضها مما قدمناه :
ان شبهات اولئك المفكرين من الالغربيين ومقلديهم من متعلمى الشرق الذين يقراون كثيرا و يفهمون قليلا ويكتبون اكثر مما يقراون ويفهمون ، وفيما كتبوا لايقتلون المسائل بحثا حتى ولا القليل منها وانما يقتلون اوقاتهم وقراءهم السذج ، تتلخص فى امرين :
الاول عدم امكان إثبات وجود الله بالتجربة الحسية التى يستند اليها العلم الحديث المثبت. وقد يتعزى المؤمنون بالله امام عدم الامكان هذا بان العلم المثبت المبني على التجربة و المشاهدة ان لم يثبت الله فلا ينفيه ايضا على الفهم الصحيح من ذلك العلم وليس من حقه ان ينفيه لان ينفيه لان نفيه لا يدخل فى متناول التجربة كما نبه عليه كثير من علماء الغرب الالهيين . وقد سبق ما نقلنا عنهم حتى قال احدهم : (( من العجب العجاب ان يعلم الانسان لا ما هو موجود فحسب بل ما ليس بموجود ايضا ولكنى انا لا يصدق قدرة العلم لهذا الحد )) فالنافون متعدون حدود العلم وخارجون على اصول التجربة . لكن هذا التعزى لا يكفى و لا ينفع المثبتين لان ما لا يثبته العلم المثبت يكون فى حكم المنفى وعلى الاقل يكون منفى الثبوت فى نظر ذلك العلم وفى نظرالذين يعتبرونه العلم الوحيد
-308-
المسمى باسمه فيكون من حقا احد منهم ان يقول بملء فيه إن وجود الله لم يثبت علميا الى الان ! اما ان هذا العلم لا ينفى وجود الله بتاتا ويبقى له احتمال الوجود فذاك لا يروى غليل المؤمنين ولا يكفى فى صحة الايمان بالله فى نظر الاسلام أن تكون عقيدته فيه انه جائز الوجود غير محكوم عليه بالنفى وان كان هذا قد يكفى فى ايمان الغربيين.
فالواجب إذن جائز الوجود غير محكوم عليه بالنفى وان كان هذا قد يكفى فى ايمان الغربيين . فالواجب إذن أن ترفض نحن المسلمين احتكار الاثبات العلمى للتجربة والعلم الحديث المبنى عليها و نعلم المحتكرين ان الاستدلال العقلى المنطقى يقوم باثبات علمى أفضل مما يقوم به العلم الحديث المثبت . وقد ادينا هذا الواجب من قبل فى هذا الكتاب بعون الله وسنزيد عليه بفضل منه .
والثانى من الامرين اللذين تتلخص فيهما شبهات المفكرين لوجود الله ان نظام العالم يجرى على قوانين طبيعية لاتتغير وان التجربة المستمرة منذ اكثر من عشرة قرون اقنعت مشاهديها بان كل ما وقع او يقع انما يحصل على صورة طبيعية بمعنى انه ليس فى ظهور الحادثات شرط غير تصادف العناصر الماديه الموجودة من الازل والقوى الطبيعية السارية فيها وان المشاهدة العلمية مهما ابعدت فى النفوذ فلا تصادف شيئا غير المادة التابعة لقوانين ثابتة، لان تاريخ العالم هو العلم الطبيعى فاينما استطاع الفكر إجراء التفتيش بصورة حرة اقتنع باطراد تلك القوانين فى عدم تغيرها من دون استثناء ولا مخالفة وقتية ولم ير فعلا حركة استبدادية كالذى يقولونه((معجزة)) او عناية ربانية .فما دامت تصبح إدارة العالم بهذه القوانين على ان لاتقبل اى فعل شخصى واى نوع من انواع التدخل ، فهل من حق احد ان يفرض وجود قدرة متعالية او عقل مستقل عن الطبيعة؟ واى فائدة فى وضع فرضية من نوع الاسرار او اى فائدة فى فرض وجود إله عاطل تتحد إرادته بقوانين الطبيعة وتمتزج بضروراتها؟؟.
يقتنع بمثابة هذا الدليل لانه يكرر الى ان يسلم به. لكن الحقيقة انه لا شئ غير طبيعى أكثر من ان يستغنى عن وجود الله من ان يستغنى عن وجود الله بما يعبرون عنه بالقوانين الطبيعية ، اللهم
-309-
هل بلغ عقل البشر من السخافة هذا المبلغ ؟ كلا، لا يكون هذا العقل الا العقل الذى اوتى من الطبيعة لا من الله العزيز العليم لان القوانين التى يقولون انها مغنية عن وجود الله اولى بان تكون المقتضية لوجود الله ..حتى انه لولم تكن القوانين فى العالم وكان السائد فيه الفوضى والهرج والمرج لكان لهم بعض المعذرة فى القول بعدم الحاجة الى وجود الله لدوام تلك الفوضى فى العالم ،لكن اذا راى المشاهدون المجربون منذ اكثر من عشرة قرون أن فى تركيب العالم قوانين ونظما يسير عليها افليس من واجبهم ان يسائلوا انفسهم من سن هذه القوانين ؟ اجل، انا عارف بان التفتيش عن واضع تلك القوانين خارج عن موضوع العلم الطبيعى ففيه يسأل عن الافعال و الاثار ولا يسأل عن الفاعل المؤثر كما قال المثل التركى ((كل العنب ولا تسأل عن كرمه)) الا ان بعض علماء ذلك العلم تعدوا وظائفهم وبحثوا عن واضع تلك القوانين من حيث لا يشعرون ثم حكموا بنفى وجود الواضع قائلين لا حاجة الى القول بوجوده ما دمنا لم نره على طول المشاهدات – كما ذكرنا من قبل – ومع عدم رؤية واضع القوانين راوا ان العالم وصل الىفى ما وصل اليه من الاستحالات التكملية من معدن الى نبات الى حيوان الى انسان ، فى ملايين من السنيين، فقالوا لو كان هذا فعل الاله الخالق القادر على كل ما يشاء لفعله فى مدة قصيرة ولم يحتج الى العمل التدريجى فى المدد الطوال له\ا الحد والى اجراء التجارب والتدقيقات الابتدائية ، لانه يتنافى مع قدرة الله التى تتغلب على كل مانع ولا تتوقف على حصول اي شرط.
فعلمنا ان الطبيعة نفسها هى التى تغلبت على المشكلات بفضل تلك العصور الطويلات ، فليس ايضاح لحادثات تتعلق بمنشأالارض غير الايضاح الناشئ من المناسبات الطبيعية بين الاشياء ،و لا حاجة الى وجود خالق.
وانا اقول خلاصة أقوالهم بعد الاعتراف بوجود نظم وقوانين وترتيب وتدريج الى الكمال ، فك رابطة هذه الاحوال بافعال إله خالق ثم ربطها بطبيعة الاشياء ، فهم
-310-
يقولون بدلا مما يقوله المؤمنون (( كل ذلك فعل ربنا)) (( كل ذلك فعل الطبيعة)) وكان تمام القول منهم (( فعل ربنا الطبيعة)) إذا يلزمهم ان تكون الطبيعة ربهم حيث انهم أنفسهم أيضا داخلون فى فعل الطبيعة الفاعلة معناها هنا فعل من غير فاعل ،لا ان هناك موجود ا مسمى بالطبيعة تفعل هذه الافعال ، فلهذا لا يقولون فعل ربنا الطبيعة ، وانما مرادهم من فعل الطبيعة ان كل هذه الافعال حاصلة بنفسها من غير فاعل . فهناك نظم من غير ناظم وهناك قوانين من غير سان وهناك ترتيب من غير مرتب وهناك خطط موجهة نحو الكمال من غير واضع وموجه كما يتصور أصحاب مذهب التطور فى انواع الحيوان وهناك سمى وراء غاية وتغلب على المشكلات كما عبروا به هم أنفسهم، من غير قصد ولا شعور من الساعى المتغلب . فهذه الاحوال التى ذكرناها واحصيناها لا تكون ، ومحال ان تكون لتضمنها المتناقضات ، ولا يقاس هذا على القول بوجود ما لا حاجة اليه كما ادعوا ذلك وقالوا لاحاجة الى وجود الله مع تلك القوانين ، لان وجود مالا حاجة اليه كما ادعوا ذلك وقالوا لا حاجة الى وجود الله مع وجود نظم وقوانين فى وقوع الحادثات الكونية واتفاق ارادة الله مع تلك القوانين، لان وجود مالا حاجة اليه من الممكنات لا من المستحيلات ، فالذين ينكرون وجود الله استغناء عنه بالطبيعىة يفرون من الممكن الذى هو وجود مالا حاجة اليه الى المستحيل الباطل وهو وجود هذه الافعال والاثار من غير وجود فاعلها ، على ان عدم احتياج تلك الافعال والآثار من غير وجود فاعلها ، على ان عدم احتياج تلك الافعال و الآثار الى الفاعل غير مسلم به الا يرى أنهم يلجاون الى ذكر الفاعل فيقولون فعلها الطبيعة وان كانت الطبيعة مما لا يصلح أن يكون فاعلا فذاك خطأ آخر منهم وكم لهم من أخطاء.. فأولا تحطوا حدود العلم الطبيعى فتكلموا عن واضع القوانين مع ان ذلك ليسمن اختصاص هذا العلم ، وثانيا ان تكلمهم عن واضع القوانين كان من طريق نفى واضعها فجعلوها أفعالا من غير فاعل وآثار ا من غير مؤثر وهو قول يناقض نفسه ويناقض مبدا العلية، وثالثا انهم عادوا فذكروا لها فاعلا لا يصلح للفاعلية وهو الطبيعة لعدم وجودها لا سيما وان الفعل مما يتوقف عل العلم و الحكمة و التدبير فكيف يكون
ذلك فعل الطبيعة التي لا عقل لها ولا وجود (1) .
أما قولهم ما الفائدة في فرض وجود إله تتفق إراداته مع القوانين الطبيعية وتمتزج بضروراتها ولا تخالفها أصلا فالجواب أن فائدته قضاء حاجة تلك الأفعال التي يسمونها القوانين الطبيعية إلى وجود من سنها وهي قوانين ذلك الإله لا قوانين الطبيعة وليس هذا الإله عاطلا كما زعموه استغناء عن أي فعل له مع وجود قوانين لأن القوانين نفسها فعل الإله تأسيسا وتنفيذا ، ولا يكون اتفاق إرادته مع تلك القوانين محلا للاعتراض لأن من سن القوانين لا يريد أن ينقضها ويخالفها حتى إن ضرورة الاتفاق التي يرونها بين القوانين و إرادات الإله (2) عبارة عن ضرورة اتفاق القوانين مع إرادات واضعها لا عن ضرورة اتفاق إراداته مع القوانين ، لأنها تابعة لإرادة واضعها لا أن إرادة واضع القوانين تابعة للقوانين لأن ذلك محال مستلزم لتقدم الشيء على نفسه ، إلا أنهم يعكسون الأمر ويقولون بالباطل ليحدثوا وسيلة الاعتراض على المؤمنين بوجود الله . وما ذكره بعض العلماء الغربيين – وأظنه " أوليورلوج " مدير جامعة برمنغهام المار الذكر – جوابا عن هذا الاعتراض بأن الإنسان مع كونه حرا في أفعاله يؤلف بين إرادته وبين القوانين الطبيعية فلا غرابة بالقياس على هذا أن تكون إرادات الله أيضا ملتئمة مع القوانين الطبيعية ن فقياس مع الفارق وليس بجواب حسن لإيهامه أن الله تعالى أيضا يحتاج كالإنسان إلى ان يماشي القوانين الطبيعية ويؤلف بين ضروراتها وبين أفعاله الحرة مع أن تلك القوانين من فعله الخاص .
وأما ما يجدونه من الممسك لنفي وجود الإله القادر على كل شيء ، في طول الزمان
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) والقاؤيء يجد فيما سبق وفيما يأتي من هذا الكتاب ما يقنعه بعدم وجود ما يسمونه الطبيعة وعدم قدرتها على الأفعال المعزوة إليها .
(2) والتي نمسك عن مناقشتهم هنا على وجود هذه الضرورة في نفس الأمر ، ومعناه أننا غير معترفين بكون القوانين الطبيعية قوانين ضرورية مستحيلة التبديل والتغيير ن ويأتي بحثه في أمكنة أخرى من الكتاب إن شاء الله .
بملايين من السنين لحصول العالم على ما فيه الآن من الكمال المشهود ، بادعاء التنافي بين وجود الدقرة العالية وبين حصول هذه التغيرات التكملية في غاية البطء ن فجوابه أن طول الزمان يمكن إسناده إلى حكمة إرادية من القدرة الفاطرة ولكن لا يمكن حصول تلك التغيرات التكملية بنفسها من غير مؤثر مكمل ولا تكفيه ملايين السنين ولا بلايينها ولا يصير المحال ممكنا بمرور الأزمنة مهما طالت وسيجيء في الفصل الرابع زيادة توضيح لهذه النقطة(1) أما تمثيلهم لمفعول طول الزمان بحصول حفرة في الحجر من سقوط قطرات الماء عليه بمدة طويلة فمردود بانه قياس مع الفارق ، لأن هذا الأثر الحاصل مهما ازداد عمقا واتساعا على مر القرون والأعصار ومهما تكثرت أنواعه بوقوع القطرات على أحجار كثيرة فهي آثار بسيطة لا صنعة فيها أصلا ولا شيء مما يدل على الكمال والبداعة ، فهل يشبه هذا بتكون إنسان من الطين ذي حياة وعقل وإرادة ، بمجرد مرور الدهور على الطبيعة العاطلة العمياء ، مع أن تلك الحفرة الحاصلة في الحجر ليست بمفعول الطبيعة العاطلة أي ليست حاصلة بنفسها من دون فاعل ومؤثر وإنما هي مفعول الضربات التي هي فعل قطرات الماء المتساقطة .
وأما عدم شهادة التجربة التي يستند إليها العلم الحديث بوجود الله وعدم اعتبار هذه المسألة بهذا السبب من المسائل المثبتة إثباتا علميا فجوابنا عليه أولا أن من الخطأ الفاحش قصر امتياز الإثبات العلمي على المسائل الثابتة بالتجربة لأن طريق الإثبات العلمي لا ينحصر في التجربة والمشاهدة . وحسب الإنسان عقله ليحكم عند أول ما سكع هذا الحديث القائل بأن المثبت علميا ينحصر فيما يكون ثابتا بالتجربة الحسية ، بأن هذا حديث الجهل لا حديث العلم لأن فيه حطا من كرامة العقل بإسقاط الاستدلال العقلي من حيز الأهمية وقصر الأهمية على التجربة الحسية فلا يقول به إلا أناس عقولهم
ــــــــــــــــــــــــ
(1) عند نقد أقوال الملحد المشهور " بوخنر " وتلميذه اسماعيل أدهم .

في أعينهم وليس لهم وسائط الإدراك غير الحواس ... والذين يقولون منا بذلك القول إنما يقولون لأنهم سمعوا أنه مذهب الغربيين اليوم ومذهب العلم الحديث المثبت فيتكلمون عن ذلك العلم المثبت مالئين أشداقهم باسمه ولا يفكرون في أن لهم عقولا لم يشاهدوها وإنما حكموا بوجودها من آثارها وليس هذا إلا استدلالا عقليا منهم ، ولعلهم من ضآلة عقولهم وضآلة ما لعقولهم من الآثار لا يشعرون بوجودها ولا استدلالهم العقلي على وجودها إلا بعد تذكيرهم به ! وإلا فلماذا لا يحكمون بوجود الله من آثاره التي تملأ العالم .. حتى إن عقولهم أنفسها داخلة في آثاره ؟ ولم لا يفهمون من استدلالهم العقلي على وجود عقولهم أن العقل من أسباب العلم بل هو أول أسبابه وأول طرق الإثبات ، ولولاه لما أجدت التجربة ولا الإحساس نفعا ؟
وإني أخشى أن يكون هؤلاء المقلدون منا قد سمعوا أيضا أن ملاحدة الغرب الماديين لا يعترفون بوجود العقل أيضا على أن يكون قوة مخصوصة روحانية بل يردونه إلى حركات المخ المادية كما يتحرك سائر الأعضاء فتفعل فعلاتها ، أخشى أن يكونوا سمعوه فينكروا العقل أيضا اقتداءاً بأساتذة الإلحاد في كلتا المسألتين فيعترضوا على تمثيلي أولاهما بأخراهما .
ومع ذلك فقد كان الذي ينبغي للمسلمين المتعلمين قبل أن يستسلموا لزعزعة دهمت في قلوبهم مكان العقيدة التي ورثوها من آبائهم ومكانَ عقولهم التي كانوا يعلمون إلى الآن وجودها ، بمجرد سماعهم أن العلم لا يقرّ مسألة وجود الله ولا مسألة وجود العقل في الإنسان ن ولا اخالهم ذهبت عقولهم عن رؤوسهم بذلك السماع ... كان الذي ينبغي لهم أن يراجعوا قبل كل شيء عقولهم التي هم محاسبون بها أمام الله والناس ولا يتلقوا الأمور بعقول غيرهم . وفي الحقيقة نحن نسأل أولي الألباب : ماذا قد يكون العلم الذي يطالبنا أهل الثقافة العصرية بإسناد مسألة إثبات وجود الله أو مسألة وجود العقل إليه ؟ فهل هو العلم الحديث القريب العهد من عصرنا المبني على التجربة والذي تُنسب زعامته
إلى " باكون " (1) ؟ فإذن يتأخر حكم البشر في مسألتين من أهم المسائل بعد أن خُلق وعُمِّر في الأرض عمراًً طويلاً مع من أنجبهم من العلماء والحكماء الذين أسسوا علوماً قبل العلم الحديث ونالوا مكانة سامية في قلوب الناس ... يتأخر حكمهم تأخراً كثيراً مزرياً ، وهذا ليس من المعقول في شيء وإن لم يكن للمعقولية وعدم المعقولية قيمة ذات بال في نظر العلم الحديث . فإن كان الله الذي خلق كل شيء موجوداً ، وكان أول واجب الأنسان أن يعترف بخالقه لزم أن لا يلبث في أداء واجبه هذا إلى أواخر العقد الثاني من العصور المتأخرة عن ميلاد سيدنا المسيح . وكم يكون عيباً على الإنسانية أن يعلق رئيس تحرير مجلة الأزهر أمله في إثبات وجود الله إثباتاً مقنعاً ، بعمليات تحضير الأرواح التي يشتغل بها بعض الغربيين منذ آونة !! وإن لم يكن الله موجوداً ولم يوجد في عاتق البشر حق الخالق بل وُجِد هو بنفسه أو أوجدته الطبيعة غير الموجودة ، كان يلزم أن يصدر حكمه فيه أيضا قبل أن يتأخر إلى هذا الزمان . وكذلك مسألة وجود العقل أو عدم وجوده وليس من الإنصاف أن يقال إن البشر لم يقدر على معرفة أي شيء يهمه بصفة كونه نوعاً ممتازاً بين أنواع الحيوان حتى معرفة وجود عقله الذي هو ميزته الوحيدة ، إن صحت له صفة الامتياز .. لم يقدر لا على معرفة هذا ولا ذاك قبل أن أدرك عصر العلم الحديث ولم يكن له علم من العلوم يوثق به قبل اكتشاف العلم الحديث المثبت !!
كلا ، إن البشر كان في العصور الحالية ومعه عقله الذي فطره الله عليه وأنه قرر به أقوى معلوماته وأبعدها عن الخطأ ، فقوانين الهندسة والمنطق التي هي من مقررات العقل لا شك في انها أقوى من قوانين العلم الطبيعي المسمى بالعلم الحديث المثبت .
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الذي هو القائل أيضا : " علم الطبيعة إذا رشف بأطراف الشفاه أبعد عن الله وإذا شرب عباًّ أوصل إليه " .
قال " أميل سسه " : " على الرغم من رقي العلم في مطالعة الطبيعة فإنه لم يثبت كون القوانين الطبيعية قوانين ضرورية هندسية " وهذا لأن قوانين العلم الطبيعي مبنية على التجارب والمشاهدات والأحكام المستفادة من التجربة والمشاهدة واقعات جزئية إن ارتقت بفضل اطرادها إلى درجة الكلية والقانونية فلا ترتقي إلى درجة الضرورة القاضية باستحالة نقائضها ، بخلاف قوانين الهندسة والمنطق المبنية على حكم العقل المؤيد ببرهانه فيكون كليا وضروريا من أول صدوره . وهذا الفرق هو الذي يجعل الدليل العقلي المنطقي أفضل وأقوى من الدليل التجربي بالرغم من اعتقاد الجهلاء المقلدين عكس ذلك . قال العالم الكبير الفرنسي " هانري بووانكاريه " في كتابه " العلم والفرضية " : " إن للتجربة دورا هاما في تكون الهندسة لكنه من الضلال أن يفهم من هذا القول كون الهندسة علما تجريبيا إذ لو كانت الهندسة علما تجريبيا كانت علما تخمينيا ووقتيا ." وقد نقلت كلام " بووانكاريه " هذا في الفصل الأول وقلت بعده إن هذا النص من رجل مثله في العلم قاض على مزاعم المستخفين بالأدلة العقلية والعلوم المبنية على العقل ، إذ يظهر من هذا أن قطعية الهندسة قطعية غير وقتية ناشئة من كونها علما عقلياً ولهذا العالم الكبير نص آخر في نفس الكتاب جدير بأن يفتح عيون العصريين منا المستخفين بالمنطق الصوري (1) الغافلين عن كون هذا المنطق هو المنطق الأصلي الذي يمتاز بين العلوم بكون قوانينه ضرورية لا تقبل التغيير مثل القوانين الرياضية . وهذا نصه : " ان الرياضيين لا يدرسون الأشياء وإنما يدرسون المناسبات بين الأشياء وهم مختارون من أجل ذلك في إقامة أشياء أخرى مقام التي وضعوها موضع الدرس بشرط أن لا تتبدل المناسبات الكائنة بين الأشياء الأولى ، فالمادة لا تهتم
ــــــــــــــــــــــ
(1) منهم الدكتور هيكل باشا الذي نقلت قوله بصدد هذا الاستخفاف ( 105 – 152 الجزء الأول ) والأستاذ فريد وجدي المنقول قوله ( 121 جزء أول ) .
الرياضيين وإنما تهمهم الصورة " والمفهوم جليا من هذا القول أن منشأ الضرورة والقطعية من الطراز الأول في العلوم الرياضية كونها علوما صورية .
فإن قلت إذا لم تكن مسائل العلوم المبنية على التجربة في المرتبة الأولى من القطعية فلم هذا الاعتناء بالتجارب في العلم الطبيعي ؟ وهل هذا الاعتناء يقع عبثا بعد تحقق فوائد المسلك التجربي في كثرة الإنتاج والإثمار المؤدية إلى رقي هذا العلم في الأزمنة الأخيرة ؟
قلت لا نزاع في نفع التجربة واحتياج العقل إلى مساعدتها في اكتساب وتوثيق المعلومات التي لا يصل إليها بنفسه في ساحة الماديات والجزئيات ، بواسطة الحواس ، ولما كان العلم الطبيعي علم المادة وما يلازمها من متعلقات الحواس كان احتياج العقل في ضبط الحادثات والواقعات الجزئية إلى التجربة أمراً طبيعيا وكان اشتغال هذا العلم وإنتاجه بالتجربة أكثر . ومع ذلك لا يجوز للعاقل المتوغل في الطبيعيات والماديات أن يغرق فيها وينسى وظائف العقل المحض وامتيازاته في إدراك الكليات ووضع القوانين لا سيما في إدراك ما لا يتنزل إلى ساحة المادية .
ومسألة وجود الله لا تنقاد للتجربة وتأبى النزول بساحتها من ناحيتين الأولى أن الله تعالى ليس من الماديات ، والثانية أنا نحن المسلمين مع كوننا لا نتردد بين الإيمان بالإله وبين القول بالحلول والاتحاد مثل فلاسفة الغرب الحاضرين بل نجزم بالإله الفرد ونعتبر لفظة الجلالة من الأعلام الشخصية ... مع هذا لا نحدد الله تعالى بالمشخصات كما نحدد سائر الأعلام الشخصية كزيد وعمرو وإنما نعرفه ونعرّفه بوجه كلي أعني به واجب الوجود وإن كان تعريفا رسميا لا حديا إذ لا يمكن تعريفه حديًّا لتوقفه على العلم بحقيقته ولكونه تعالى لا يقبل الاندراج تحت كلى يكون ذاتيا له لاستلزامه التركب فيه ولو من الأجزاء الذهنية . فواجب الوجود الذي نعترف بوجوده ونريد إثباته ضد منكريه كلي يمكن فرض صدقه على كثيرين بمجرد النظر إلى مفهومه كما هو تعريف
الكلى في المنطق ، لكنه كلي يجب انحصاره في فرد واحد بالنظر إلى دليل التوحيد بعد دليل إثبات الواجب الذي هو كلي يمكن فرض صدقه على كثيرين عند قطع النظر عن دليل التوحيد . فإذا أردنا إثبات وجود الله نثبت وجود هذا الكلي أي نثبت وجود واجب الوجود كائنا من كان ذلك الواجب الوجود ونقيم الدليل على أنه لا يمكن وجود العالم الذي هو عبارة عن مجموعة مركبة من الموجودات الممكنة الوجود المحتاجة إلى الإيجاد ، إلا بوجود من يجب وجوده ولا يحتاج إلى موجد يوجده ، كائنا من كان هذا الواجب الوجود ، وإثباتُ وجود كلي من الكليات من اختصاص العقل المحض الذي لا يحتاج فيه إلى توسط التجربة والحواس ، بل لا يمكن توسطهما في هذه الحالة لعدم إمكان تجربة الكلي بكليته ولا رؤيته لعدم وجود الكلي في الخارج مستقلاً عن وجود أفراده ، فماذا نجرب إذن في مسألتنا وماذا نرى ؟ فإذا أردنا رؤية واجب الوجود الذي نثبته بصدد إثبات وجود الله فالكلّيّ لا يُرَى وإن أردنا رؤية الفرد الذي ينحصر فيه هذا الكلي أو إراءَتُه لمن ينكره فنحن المثبتين لم نحدد شخص هذا الفرد حتى نطالب أنفسنا برؤيته أو يطالبنا غيرنا بإراءته ، بل اكتفينا بإثبات وجوده في ضمن إثبات وجود الواجب الكلي إذ الكلي لا بدّ له من أفراد يتحقق وجوده في الخارج بوجودها ، فإن لم يوجد له أراد فلا أقل من وجود فرد كما في مسألتنا . فليُفهم هذا المقام حق الفهم ولتفهم معه جهالة الذي قالوا – مع الأستاذ فرح أنطون مناظر الشيخ محمد عبده – إن وجود الله غير معقول لكونه غير منظور لأن المعقول لا يلزم أن يكون منظورا بل يجب أن يكون غير منظور لكون المعقولات كليات لا تتعلق بها الحواس الظاهرة.
فعلماء الإسلام المتكلمون المستفيدون من فلسفة اليونان المختارون من قواعدها ما هو جدير بالاختيار أحسنوا جد الإحسان في وضع مسألة وجود الله حيث جعلوها مسألة وجود موجود يكون وجوده واجبا ضروريا مستلزما للتناقض
المحال في كل مرحلة من مرحلتي الإثبات ، كائنا من كان ذلك الموجود الواجب الوجود المستحيل العدم . وهذا الوضع في أول مرماه يقضي على أساس الشك في وجود الله المسلط على أذهان العصريين المتشبعين بعلوم الغرب الحديثة لأن مسألة وجود الله مسألة حاجة هذا العالم الموجود المتغير المفهوم من تغيره أي كونه محلا للحوادث مستحيلَ الخلو عنها أنه أيضا حادث مسبوق بالعدم ، والمفهوم منه أنه غير ضروري الوجود . فمسألة وجود الله مسألة حاجة هذه الموجودات غيرِ ضرورية الوجود ، إلى موجود آخر يوجدها ويكون هو نفسه ضروريَّ الوجود غير محتاج إلى الموجد لكون الوجود أزليا له غير مسبوق بالعدم .
فهذا الموجود الذي يجب له الوجود أزلا وأبدا ويستحيل عليه العدم ، نحن مضطرون إلى الاعتراف به ليكون أساس الوجود لكل ما عداه من هذه الموجودات العالمية التي لا ضرورة لوجودها رغم كونها موجودة مشهودة وإنما الضرورة في وجود ذلك الموجود الآخر غير المشهود وفي دلالة هذه الموجودات المشهودات على وجوده . فلله در العلماء المتقدمين الذين استيقنوا أولا وجود العالم حين لم يستيقنه " كانت " كبير فلاسفة الغرب وأتباعه الفكريون القائلون بأن العالم محصول إدراكنا (1) . ثم نظروا أي العلماء المتقدمون المعترفون بوجود العالم مستقلا عن إدراكنا ، في عدم كون الوجود ضروريا له ضرورة ذاتية بمعنى أنه لا يلزم محال عقلي كالتناقض لو كان هذا العالم الموجود غير موجود كما لزم التناقض المحال لو لم يكن موجد العالم موجودا ، فاستيقنوا منه عدم وجود هذا العالم من نفسه واستيقنوا منه حاجته إلى موجد ومنها كونَ هذا الموجد غير محتاج إلى موجد آخر بأن يكون موجوداً أزليا واجب الوجود مستحيل العدم على خلاف وجود العالم الذي هو أثر إيجاده ، لئلا يلزم التسلسل
ـــــــــــــــــــــــــت
(1) وقد ذكرنا أن " كانت " لم ينجح في إثبات الوجود المتيقن لهذا المحصول.
في الموجدات المحتاجة إلى الإيجاد . فهذا الموجود الأزلي الواجب الوجود هو الله الذي لا نعرف منه إلا وجوب وجوده مع اتصافه بجميع صفات الكمال وتنزّهه عن جميع سمات النقص اللازمين لأن يكون أهلا لإيجاد هذا العالم العظيم المنتظم .
للّه درّهم رغم معالي هيكل باشا الذي قال عنهم ( راجع 104 جزء أول ) " لأفتوا قرونا منذ القرن العباسي " للّه درّهُم حكموا بحاجة وجود العالم إلى وجود الله قبل تبين عظمة هذا العالم وسعة حدوده فوق ما كان يتصور علماء الهيأة اليونانيون بكثير ، تلك العظمة وتلك السعة اللتين لا بد أن يزداد بازديادهما تبين الحاجة إلى وجود صانعه الأعظم ولا يقال إن الإدراكات الأخيرة التي تكاد تبلغ من عظمة الكون وسعة حدوده وكثرة ما احتواه من الموجودات والمنظومات التي منظومتنا الشمسية أقل من أن تكون واحدة من ملايينها أو بلايينها ، مبلغ القول بعدم تناهيه ، تسوق بعض العقول إلى فكرة إستغناء العالم عن الصانع كأنه لا يكفي لإيجاد هذه الكائنات اللامتناهية حتى قدرة الله فيحصل الاضطرار إلى الحكم بأنها موجودة من غير إيجاد ... لأني أقول : سرعان ما نسيتم مسألة الرجحان من غير مرجح الذي عُنينا بإبطاله ولزومه لوجود أي موجود ممكن من غير إيجاد . نعم غير المتناهي يلزم أن يكون غير مقدور وكل ما خلقه الله متناهٍ بالفعل أي متناه ما وجد منه فعلا وإن كان غير متناه مع ما سيوجد وسوف يوجد منه لكنه يلازمه التناهي في كل مرحلة من مراحل الخلق والإيجاد في المستقبل أيضا . أما كون الموجودات العالمية الحاضرة المستعصية من كثرتها على الإحصاء غيرَ متناهية بالفعل فباطل قطعاً يبطله برهان التطبيق القائم على إبطال التسلسل وأشد منه بطلاناً كون عالم الممكنات التي لا ضرورة في وجودها وعدمها ، في غنىً عن المُوجِد على تقدير عدم التناهي لمحتوياته ، ويؤيد بطلان وجود غير المتناهي فعلا ما قاله " رونووي به " مؤسس الفلسفة الانتقادية الجديدة : ( إن كل عدد من
الموجودات في الخارج يمكن ضم عدد آخر إليه في الذهن ) فيلزم من هذا أن يكون كل ما فرض أو بالأصح كل ما يظن غير متناه في الخارج متناهياً ، لقبوله الزيادة عليه .
لله دَرُّ عقولٍ اخترقت بنورها غياهب الغيب فآمنت به فوق إيمانها بالشهادة حيث جعلت لوجوده من الوجوب والضرورة ما لم يجعله لوجودها فانطبق على أصحاب هذه العقول مدح القرآن بقوله : ( هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ) حين توقفت عقولٌ كُتِبَ لذويها الحرمان من هداية الله ، في إحدى مراحل التفكير التي كانت لعقول المهديين وسائطَ الوصول إلى ربهم . فيعض العقول المحرومة توقفت في مرحلة الاعتراف بوجود العالم في خارج الأذهان كما عرفت من مذهب " هيوم " مؤسس الحسبانية الأخيرة و " كانت " القائل في وجود العالم إنه محصول إدراكنا الذي هو محصور في أذهاننا والذي ليس من حقه الحكم بوجود أشياء في الخارج عن الأذهان حكماً علمياًّ مدعماً بالتجربة ولذا قال " إننا نعرف الشؤون ولا نعرف ذا الشؤون فإدراك الخارج عن الذهن شأن من الشؤون الذهنية نعرفه لكونه عبارة عن التمثل الحاصل في الذهن ولا نعرف الخارج المدرك لكونه خارجا عن الذهن " . وأنت تعرف أن إنكار معرفة ذي الشأن أي الخارج المُدرَك لحد عدم معرفة أنه موجود إنكارٌ لمعرفة الشأن أيضا أي الإدراك نفسِه إذ لا إدراك من غير وجود المدرَك .
أما التعزي بوجود المدرَك في الذهن مع الإدراك وكونه متعلَّقَه ومصححه من غير وجوده في الخارج ، فغير مجدٍ لأن الإنسان يرى الأعيان الخارجية ويدركها لا على أنها تمثلات ذهنية بل أعيان خارجية ، وإلا فليس ما يعتبره الإدراك إدراكا ولا ما يعتبره الرؤية رؤية . ومنشأ إشكال الأمر على الفيلسوف عجز البشر عن معرفة سر خلق الله الرؤية في أصحاب البصر وكيفية انقلاب هذه الحادثة الجسمانية حادثةً روحانية هي الإدراك كما سيجيئ في الفصل الآتي ن فالإنسان يرى الأشياء بعينها ولا يدري كيف يراها كما أنه يدركها بعقله ولا يدري كيف يدرك . وقد سبق 1كره في فصل النظر في الفلسفة الحسبانية .
ص 321
وبعض العقول المحرومة توقفت فى مرحلة إدراك حاجة الكائنات العالمية إلى مكوِّن ، مجيزةً له التكوّن بنفسها وطبيعتها . وأصحاب هذا النوع من العقل هم ملاحدة الماديين الذين تختلف عقولنا نحن المؤمنين بالله عن عقولهم إختلافاً تاماً على طرفى نقيض . فحسبنا وحسب ذى العقل والبصرعندنا معرفة النفس ورؤية الشمس والقمر والنجوم والجبال والسحاب والبحر والنهر والليل والنهار والفواكة والأزهار والأسماك والأطيار والصيف والشتاء والحياة والموت والرعد والبرق والشرق والغرب والضياء والظلام والصحة والسقام والسكون والرياح والحِسان والقباح ... حسبنا كلّ ُمن ذلك لمعرفة وجود الله معرفة لا تقل من أن تكون بديهية . ومعنى هذه البداهة وضوح لزوم التناقض لو لم يكن الله موجوداً مع وجود هذه الأشياء المحتاجة إلى الإيجـاد . أما حاجتها إلى الإيجاد المفهومة من عدم كون الوجود ضرورياً لها ضرورةً ناشئة من نفسها ، فنتصورها بأن أى جزء من أجزاء هذا العالم صغيرَها وكبيرها بل كلَّها المجموع لا مانع من فرض عدم وجوده يجعل هذا الفرض محالاً عقلياً . ولا تقل كيف يفرض عدم وجود العالم الموجود ، لأنّا لا نقول عنه إنه غير موجود ، وإنما نقول لا مانع من فرض عدم وجوده بدل وجوده الواقع . ومثله يسمى فى اصطلاح علم الكلام (( ممكناً )) بالإمكان الخاص أى مسلوب الضرورة عن وجوده وعن عدمه فيستوى الوجود والعدم بالنسبة إليه ولا شك أن ما سوى الله الذى نسميه العالم ويقبل التغير والتطور ، قابل أيضاً لفرض عدم الوجود بالمرة . ولهذا لا نتصور لله الحركة التى هى التحول من حال إلى حال ونراها متنافية مع وجوب وجوده . وليس العالم كذلك واجب الوجود أى موجوداً من غير موِجـد فلو وجد بنفسه كان ذلك رجحاناً من غير مرجح أى تناقضاً .
وقد عنينا فى عدة أمكنة من هذا الكتاب بمسألة الرجحان من غير مرجح
ص 322
وباللفت إلى شدة إتصالها بمسألة وجود الله لحدّ أن الشك والتردد فى الإعتراف بوجوده إنما يكون منشأهما جهالة َالشاكّين وقصور أفهامهم عن الإحاطة بما فى الرجحان بلا مرجح من التناقض ، ومن هذا يصير الشك فى وجود الله على معنى استغناء هذه الكائنات عن إيجاده ، بمنزلة الشك فى بطلان التناقض .
والبعض الثالث من العقول المحرومة من توفيق الله توقف فى لزوم كون موجد العالم موجوداً واجب الوجود أى موجوداً أعلى ليس من طراز سائر الموجودات المحتاج وجودها إلى الإيجاد وإن لم يتوقف فى مرحلة الإعتراف بأن وجود كل كائن فى العالم ناشئ من كائن آخر يتقدمه فى الوجود ، ومعناه أن أصحاب هذا النوع من العقول –¬¬¬ وفيهم الفيلسوف (( كانت )) المتوقف فى المرحلة الأولى أيضاً – يسلمون بأن لكل كائن فى العالم سبباً مع القول بجواز أن يكون للسبب أيضاً سبب ولسبب السبب سبب من غير أن يكون حتماً لسلسلة الأسباب أن تنتهى إلى سبب أول لا سبب له لكونه غير محتاج فى وجوده إلى موجود آخر يتقدمه ، بل موجوداً بنفسه واجب الوجود .
تابع ص 322
وهذه الطائفة المحرومة هم الذين يشكّون فى بطلان التسلسل المعروف ببطلانه عند العقلاء لا سيما تسلسل العلل أى الذين خفى على عقولهم عدم وجود السبب بالمرة حتى ولا وجود سبب واحد فى سلسلة الأسباب التى لا نهاية لإستناد بعضها على بعض . ومن الأسف أن الشيخ محمد عبده من هؤلاء الشذاذ الذين ينكرون بطلان التسلسل فيخيل إليهم أن كل كائن فى العالم يجد علة كيانه فى صورة تسلسل العلل ، مع أن هذا التسلسل عبارة عن منظومة سراب لا يجد فيه وارده شيئاً غير الضلال عن طريق وجدان العلة الأولى .
وقد نبهنا فى غير هذا المكان من الكتاب إلى أن من ينكر بطلان تسلسل العلل يعجز عن إثبات وجود الله (1) كمنكر بطلان الرجحان من غير مرجح ، وإثباته يتوقف
بداية هامش ص 322
(1) وكل من الفيلسوف ((كانت)) والشيخ محمد عبده يعد من العاجزين عن إثبات وجود الله ولا يبلغ فى الإيمان بالله مبلغ العالم المستدل مهما صح إيمانهما به كإيمان المقلد . وهذا لغفلتهما عن أن فى تسلسل العلل الذى لم يعترفا ببطلانه غنى عن القول بوجود الله .
نهاية الهامش
ص 323
على رؤية البطلان المستتر فى كل من الأمرين ذلك البطلان الذى شرحناه غير مرة وأوضحناه بأمثلة . وكتابنا هذا يدور فى معظم الباب الأول منه على محور التفكير والتنقيب والتعقيب فى مسائل معدودة هن أسس الزيغ والإنحراف والانصراف للمتعلم العصرى :
(1) ضلال متأصل فى الأذهان بانتشار المذهب التجربى وبناء العلم عليه بعد ((باكون)) الإنكليزى و((كانت)) الألمانى ورواج هذا المذهب فى الغرب وطروء الشك على العقائد الدينية بتطبيق المذهب التجربى من طريق الفلسفة الوضعية ((بوزيتيويزم)) على تلك العقائد ورواج التقليد فى الشرق لكل ما أتى من الغرب .. ضلال المستخفين بدولة العقل والمنطق وشمول ِ سلطانهما حتى على التجربة أيضاً .
(2) ضلال عدم رؤية التناقض فى مذهب الإلحاد المبنى على تجويز استغناء العالم عن الموجد المعبَّر عن هذا الاستغناء فى لسان علمائنا بالرجحان من غير مرجح المعنِىّ ببطلانه لتضمنه التناقض .
(3) ضلال الشك فى بطلان تسلسل العلل . فقد استأصلتُ بحمد الله جذور المذهب الفلسفى الذى يحتكم فى إثبات كل مطلب إلى التجربة ولا يعتد بالأدلة العقلية المنطقية . فالقارئ البصير يقتنع بعد مطالعة كتابى هذا إن شاء الله بتفوق الأدلة
تابع ص 323
العقلية المستجمعة لشرائطها وبسلامتها الأبدية عن الإنتقاض ؛ وأوضحت بطلان الرجحان من غير مرجح ؛ وأثبتّ ُ بطلان التسلسل وجلّيتُه بأمثله تقرب بطلانه إلى الأذهان ودافعتُ عن برهانى التطبيق و التضايف اللذين اعتمد عليهما علماء الكلام فى إبطال التسلسل ، كل ذلك لإثبات وجود الله الذى هو عبارة عن إثبات موجود واجب الوجود لبناء فلسفة وجود العالم أى الموجودات غير واجبة الوجود على وجود ذلك الموجود عز وجل .
فنحن نثبت وجود الله بإثبات وجود من يجب وجوده مطلقاً أى كائناً من كان
ص 324
ذلك الذى يجب وجوده لتستند إليه الموجودات التى لا يجب وجودها وهى جميع الكائنات المسمى بالعالم . ثم نثبت بدليل التوحيد أن واجد الوجود لا يكون إلا واحداً كائناً من كان هذا الواحد أيضاً . ولا نطالـَب فى أى واحد من الإثباتين بإراءة ذات الواجب الواحد التى لا نعرفها ولا ندعى أننا نعرفها وإنما نعرف أنها موجودة وأنها واحدة لا يمكن أن يكون لها ثانية ، لأن هذين الأمرين هما اللذان يضطرنا إلى الإعتراف بهما دليل كل من المطلبين أعنى وجود الواجب الوجود الكلى وعدم وجود ثان لفرده الواحد ، والضرورات تقدر بقدرها . وقد أثبتنا كلاً من المطلبين فى هذا الكتاب بدليليهما العقليين . أما إثباتهما بالتجربة والمشاهدة الحسية فلا إمكان لتجربة وجود الكلى ولا الفرد الواحد منه غير المعين ، من حيث انه كلى أو فرد واحد منه غير معين ، بالمشاهدة الحسية كما ذكرنا ، ولا لتجربة عدم وجود فرد آخر لهذا الكلى غير فرده الوحيد ، إذ المنفى لا يجرب ولا يـُرى . نذكر لما قلت مثالاً بسيطاً وهو أنك لو رأيت كتاباً مخطوطاً بخط لم يتغير نسقه من أوله إلى آخره فقد صح لك أن تحكم أن له كاتباً وأنه لم يشاركه غيره فى كتابته ، تحكم بهذا وإن كنت لا تعرف ذلك الكاتب بعينه ولم تره حين يكتب ، ولا يصح لأحد ان يقول لك كيف تحكم بأن له كاتباً وأنه كتبه وحده ، ما دمت لم تره ولم تر أنه لم يشاركه غيره فى كتابته وما دمت لا تستطيع إراءة ذلك الكاتب الواحد لمن يسألك عنه (1) .
بداية هامش ص 324
(1) لا يجوز أن يفهم مما كتبنا فى هذا المقام أننا ننكر إمكان رؤية الله مع أن ذلك مذهب المعتزلة لا مذهب أهل السنة الذين قالوا كون الشئ موجوداً يكفى فى إمكان رؤيته . لكن الذى نريد أن نقوله هنا أننا لا نطالـَب فى مقام إثبات وجود الله من طريق إثبات وجود من يجب وجوده مطلقاً بإراءة هذا المطلق لأن المطلق لا يرى ولا الفرد غبر المعين . نعم يمكن رؤية الواحد المعين الذى ينصرف إليه ذلك المطلق وهو الله ، لكن إمكان رؤيته لا يستلزم وقوعها ، فلا نطالب بإراءته أيضاً . وأول شرط لوقوع الرؤية أن يأذن الله به ، فإن كان الله لا يريد أن نراه ==
نهاية الهامش
ص 325
وإنى لا أظن ولا أرجوا من القارئ الفطن أن لا يعد إثبات وجود الله هكذا مقنعاً كل الإقناع ولا مزيلاً لكل شك يحوم حول هذا المطلب ، أو بالأصح كافياً لتجلية هذه الحقيقة المعظمة فى أعين الناظرين ، وذلك بسبب توسط المراحل التى أشرنا إليها وذكرنا توقف بعض العقول فى بعض منها ، دون الوصول غلى الحقيقة المطلوبة وإن وصفناها بأنها عقول محرومة من توفيق الله ، فهل يضر بإنجلاء الحقيقة للعقول السليمة مجردة ً من كل شك أ ن يتوسط بين الوصول إليها وبين العقول مراحل الإنتقال ؟
أقول : لا! . ليست العمدة فى ضمان حصول العقل إلى استيقان أى حقيقة أن يتناولها ويتقبلها مباشرة ، بان لاتكون بينه وبينها وسائط ومراحل ، وإنما العمدة فى ضمان الحصول على استيقان أمر إذا كانت هناك وسائط ومراحل أن لايفارق اليقين ُ العقل َ فى كل مرحلة وفى كل انتقال منها إلى مرحلة أخرى ، بأن يكون بينها تلازم عقلى يربط بعضها ببعض ويجعلها مستحيلة الإنفكاك . فالعبرة إذن بصحة المراحل فى نفسها وقوة الرابطة بينها لا بعدم وجود المراحل والوسائط فى البين بالمرة . ولا تخلو الحقائق البرهانية من هذه المراحل ولا يخل وجودها بقيمة استيقانها . وإنما يزيد فى شرف العقول التى استيقنتها . قال الفيلسوف الكبير (( ليبنتز)) : { اليقين البرهانى عبارة عن اليقين البديهى الذى ينطبق على الرابطة بين قضايا متعددة بدلاً من إنطباقه على حقيقة منفردة } ص 74 (( المطالب والمذاهب )) .
بداية هامش ص 325
== فى الدنيا فلا يكون فى استطاعتنا أن نراه ؛ ولا يلزم من هذا البتة أن لايكون موجوداً . ولو رأينا شيئاً على أنه الله ــ كما ينتظره رئيس تحرير ((مجلة الأزهر)) من البحوث النفسية التى يقوم بها بعض الغربيين فيعلق الأستاذ رئيس التحرير أمله الوحيد فى إثبات وجود الله فى صورة قطعية ، بتلك البحوث المبنية على تجارب حسية ــ فمن يضمن لنا أنه الله الذى ننشده ؟ إذ لا تكفل أى تجربة وأى رؤية أن يكون ما أثبتت وجوده واجب الوجود أى الله لأن التجربة الحسية وإن دلت على وجود ما ثبت بها فلا تدل على وجوب وجوده كما اعترف به أصحاب مذهب التجربة أيضاً ، وسيجئ نص (( استيوارت ميل )) عليه .
نهاية الهامش
ص 326
بقى سؤال وهو أن العالم الممكن الوجود هو الذى يضطرنا إلى القول بوجود الله على ما يفهم من البيان السابق فلولاه ما بقيت الحاجة إلى القول بوجود موجود واجب الوجود وهو الله ، ومعناه أنه لايمكن فرض عدم وجود الواجب تعالى مع وجود العالم ويمكن فرض عدمهما معاً وهذا ينافى وجوب وجود الله ، وبعبارة أخرى يكون وجوبه لغيره أى للعالم لا لذاته ، وبعبارة أخرى ثانية يتوقف وجوب وجوده على وجود العالم
تابع ص 326
وقد كان وجود العالم متوقفاً على وجود من يجب وجوده فهذا دور .
والجواب أن وجود الله واجب لذاته لا لوجود العالم لكنا عرفنا وجوبه لذاته من وجود العالم فلو لم يكن العالم لم نكن نعرف وجود الله ولا وجوب وجوده لذاته ، فالمتوقف على وجود العالم هو هذه المعرفة أى معرفة وجوب وجود الله لا وجوب وجوده نفسه ، فلا دور .
نعود إلى ما كنا فيه . ومما قرر عليه البشر بعقله فى العصور القديمة :
المبادئ الأولى الذهنية
مثل مبدأ التناقض ومبدأ العلية الذى استندنا إليه فى دليل إثبات وجود الله (1) فهذه المبادئ التى هى دعائم المعارف البشرية والتى لا شئ عند الإنسان من المعلومات يفوقها قوة ويقينا ، من مقررات العقل المحض . والتعبيرعنها بالمبادئ الأولى ليس لكونها مثبتة ومتبينة قبل سائر الحقائق قبلية زمانية ، بل لكونها قواعد عالية
بداية هامش ص 326
(1) فكل أحد يعرف ويشترك فى معرفته العالم والجاهل أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ، فلا تكون قضيتا زيد فى الدار الفلانية فى الساعة الفلانية ، وليس زيد فى تلك الدار فى تلك الساعة صادقتين معاً ولا كاذبتين معا لأن فى صدقهما إجتماع النقيضين وفى كذبهما ارتفاع النقيضين وكلاهما محال . هذا مثال مبدأ التناقض وله شروط مذكورة فى المنطق . والنقيضان غير الضدين اللذين لا يجتمعان ولكنهما يرتفعان . ومبدأ العلية أن كل حادث فله علة . وقد سبق فى الفصل الأول . وللمبادئ انواع وأقسام لا تعنينا فى هذا الكتاب .
نهاية الهامش
ص 327
وتامينات نهائية لجميع الحقائق وهى أعمدة المعلومات العقلية الضرورية التى يستحيل خلافها . ولما أن موقع هذه المبادئ فى الذهن فوق كل مناقشة ، فالإعتراض عليها يعدّ هذيانا وغرابة تختص بالمجانين .
نعم إنه بعد إجماع علماء الغرب على أهمية هذه المبادئ وعلوّ مرتبتها اليقينية ، ادّعى بعض منهم ــ وهو الفيلسوف ((لوك)) ــ عند التفتيش عن منشأها أنها مبنية على التجربة والإختبار . ورد عليه بأنا نعتقد هذه المبادئ مع وصف مضاعف كالكلية والوجوب ، فكيف نجعلها مشتقة من التجربة التى لا يكون الثابت بها إلا جزئيا وممكنا . فالإحساس والمعاينة يرينا الشئ كذا فى زمان معين ومكان معين ولا ينبئنا أنه كذا فى جميع الأزمنة والأمكنة ، ويبين لنا أنه كذا لا غير لكن لا يبين لنا أنه يجب أن يكون كذا ولا يمكن خلافه . وهو الفارق بين الحقلئق النظرية العقلية كما قلنا غير مرة وبين الحقائق الثابتة بالتجربة . وهذا المذهب المردود فى المبادئ الأولى الذى هو فى معنى
تابع ص 327
إنكارها يسمى المذهب الإختبارى الخام .
وكر بعض القائلين بابتناء هذه المبادئ على التجربة وهو (( استيوارت ميل )) المنطقى الشهير فادعى ابتناءها على تداعى التجارب . فالتجارب الجزئية تكتسب بتداعيها وتواليها كلية . أما الوجوب فلم يجترئ الفيلسوف نفسه أيضا على ادعاء حصوله بالتداعى كما يقول فى منطقه المعروف : [ إنه وإن كانت لدينا تداعيات غير محلولة بعد ُ فلا يوجد تداع ٍ غير ُ قابل للإنحلال . وقد كان اقتُـنع بناء على تجارب مكررة فى أزمنة طويلة بأن لون الطائر Le Clge لا يكون إلا أبيض ، فبعد اكتشاف أوستراليا تبين بطلان ذلك الاقتناع . فمن هذا لا يرى (( استيوارت ميل )) الوجوب والضرورة فى أى مسألة تثبت بالتجربة ، لأنه مهما كبر عدد التجارب الواقعة فى جميع أزمنة الماضى فليس بشئ إزاء عدد الحالات غير المتناهية التى يحتفظ بها المستقبل احتياطا . والقول بأنه لا سبب داعياً على أن لا تكون حالات المستقبل طبق الماضى مؤيِّدة ً للتجارب السابقة
ص328
خروج عن دائرة التجربة وإقامة مبدأ آخر مقامها ] أى مبدأ الإستقلال العقلى .
اقول ولو أجيز هذا الخروج لما كفى أيضا فى إثبات الوجوب فى المستقبل لما وقع فى الماضى على الإطراد ، لأن عدم المانع إنما يدل على إمكان الوقوع لا على الوقوع فعلا بله وجوب الوقوع . ثم إن هذا الفيلسوف المصرّ على ابتناء المبادئ الأولى على تداعى التجارب ، لا يستثنيها عما يمكن أن يطرأ على المجربات فى المستقبل من الإنحلال ، وُيغرب فيقول : [ إن من الممكن أن يوجد فى هذا الكون الذى لا يحد حد لوسعته ، محل لا تمشى فيه هذه المبادئ أو يأتى علينا زمان كذلك ] فلا يستحيل إجتماع النقيضين مثلا فى ذلك المكان أو ذلك الزمان !.
ورُد على مذهب التداعى بأنه لو كانت المبادئ الأولى متكونة على التدريج من تداعى التجارب المحسوسة وتراكمها لزم أن توجد فى البهائم أيضا لأنها تشاركنا فى الإحساس بل هو أقوى فيها منه فينا ، ولزم أيضا أن تتناسب قوتها وسلطتها فى الإنسان مع كثرة السن وقلتها مع أن درجة الإعتقاد بشأن المبادئ واحدة فى الشباب والشيب فلا تزيد التجارب المتراكمة فى قيمتها ولا تنقص .
وقال (( اسبنسر)) رداً عليه { إنه لو كان جميع ما يملكه الإنسان عبارة عن القابلية الإنفعالية لأخذ الإنطباعات فلماذا لا يقبل الفرس مثلا نفس التربية التى يأخذها الإنسان ؟ فالنفس الناطقة ما هى بلوح أملس ولا محصول التجربة الشخصية والفردية العادى بل تعلُّمُها شيئاً من التجربة إنما هو بفضل قوة تنسيق التجارب الموجودة فيها سلفاً . فالمبادئ عند ((اسبنسر)) فطرية فى الفرد ولكنها متوارثة من العرق ومكتسبة فيه . فهى عل مذهبه أيضا اختبارية .
ورد على (( اسبنسر)) بأن كلامه فى نقض أقوال سلفه الاختباريين كاف فى نقض مذهبه أيضا ، لأن مذهبه ليس إلا طرد الإشكال إلى أعماق الماضى . ومادامت النفس
ص 329
الناطقة لا تظهر فيها قوة تنسيق التجارب لى تقدير كونها لوحاً أملس فالذى يمتنع للفرد يلزم أن يكون ممتنعا للنوع أيضا .
فالحاصل أن المذهب الاختبارى لا يمكن تصحيحه فى أى مرتبة من مراتبه المعدَّلة ، فأصحابه يؤمنون بأن العقل يتولد من التجارب والحال أن التجارب لو انضمت إلى التجارب والعصور إلى العصور فلا يتحصل منه شئ ، إذ الزمان لا يلد شيئاً من نفسه وإنما يأتى بتجارب محتاجة غلى التنسيق والتنظيم ولا يُحدث قابلية َ تنظيمها أبدا . فالعالـَم على المذهب التجربى مجموعة حادثات وسلسلة إحساسات لا تناسب بينها ولا تلازم .
ومن غليظ الأوهام أن يظن كون التجربة تجعلنا فى ارتباط مباشر مع الأشياء ونِسَـبها الصحيحة ، فإنما ندرك بها الظواهر والشؤون غير المنظمة وغير المرتبطة بعضها ببعض .
ومع هذا فغن كنا نفرض أن هذا العالم معقول وأن فيه قوانين وانسجاما كليا ثابتا ونعتقد ذلك فإن هذا الفرض وهذا الإعتقاد لا يأتينا من التجربة بل يصدر من أعمق مكان فى نفوسنا ، لأن التجربة فى حد ذاتها ليست بشئ معتد به ولا موجودة بمعناها الأصلى لكونها عبارة عن تراكم حادثات مبهمة لا معنى لها ولا قيمة ، فإن كانت للتجربة دلالة على معنى فإنما تدل على ذلك التراكم وتكون الحادثات المتراكمة قابلة للتعقل بفضل المفكرة التى تنظـّمها وتؤوّلها ، ولا يُعِـدّ ُ العقل محصول هذا التنظيم بل هو عماده وروحه ، فالذهن لا يحصل من التجربة بل وجوده أقدم من وجودها ، وإحساسات البهائم أدق من إحساساتنا وأكثر عدداً ومع هذا لا يُرى فيها إنشاء وتدوين علم من العلوم ، وذلك لأن قيمة الإحساس عبارة عما يعطيه الذهن وكونه ذا قيمة وأهمية إنما هو بفضل تحويله وجعلِه فكراً واجتيازه إلى ما بعده . فالتكلف فى تأويل العقل بالإحساس وتأويل المعقولات مثل المبادئ الأولى للمحسوسات أردأ أنواع المصادرة على المطلوب كما فى دروس الروحيات تأليف ( أ . رابو ) .
فالحق فى منشأ المبادئ الأولى أنها وهبية مركوزة فى فطرة الذهن كما هو مذهب
ص 330
((ديكارت)) و ((ليبنتز)) و (( كانت)) على اختلاف بينهم فى بعض النقاط لا يتحمل المقام تفصيله .
وهذا القدر أيضا إفاضة فى بحث المبادئ الأولى لكنها غير خارجة عن موضوعنا لأن الدليل الأول من أدلة إثبات الواجب المذكور فى الفصل الأول من الباب الأول من هذا الكتاب ، وكذا بعض أدلته الأخرى ينبنى على مبدأ العلّية ثم على مبدأ التناقض كما تقدم . ومهما أطلنا الكلام فى أهمية المبادئ الأولى وتعاليها فى نظر علماء الغرب عن أن يناقش فيها فهو ينفع فى المقصود من الكتاب ، لاسيما وقد انجلى فى خلال هذا البحث أن قيمة المسائل الثابتة بالتجربة ليست كما يُطيره مقلدو الغرب فى الشرق فوق السحب ولا يقيمون بجنبها وزناً للمسائل الثابتة بالأدلة العقلية . فالحكم المبنى على التجربة
تابع ص 330
والعلم الحاصل منها الذى يحتكرون بغير حق لقب العلم المثبت وربما مطلق العلم ، له غايته أنه حكم متحقق مطابق للواقع غير مرتاب فيه ، لا أنه ضرورى واجب مستحيل الخلاف ، لأن ذلك من خصائص الأحكام الثابتة ببداهة العقل أو برهنته عليها .
فقصارى القضايا المستندة إلى التجارب الصحيحة أنها قضايا واقعية وعلى تعبير المنطقيين فى فصل الموجهات قضايا مطلقة عامة ، وعلى أعظم تقدير قضايا دائمة (1) لا يجاوز مضمونها الوقوع َ ودوام الوقوع َ ، والقضية المستندة إلى بداهة العقل أو برهانه قضية ضرورية مطلقة تتضمن الوجوب الذى هو فوق الدوام أيضا . وقد اعترف بالتحديد فى قيمة القضايا المجربة ((استيوارت ميل)) كبير مناطقة الغرب على الرغم من نزعته التجريبية التى دفعته إلى إدخال المبادئ الأولى فى صنف المجربات الممتاز بقوة التداعى ، ومع ذلك استوجب صنيعه هذا أعنى إدخال المبادئ الأولى فى المجربات ولو فى صنف
بداية هامش ص 330
(1) والمفهوم من كلام (( استيوارت ميل)) المنقول آنفا أنه لا يمنح القضايا الثابتة بالتجربة رتبة القضايا الدائمة أيضا .
نهاية الهامش
ممتاز منها ، حطا من قيمة المبادئ في نظره حتى تصور لها احتمال الانحلال في عالم غير عالمنا الأرضي
وفي تصريح هذا الفيلسوف الكبير إلى المذهب التجربي بانحطاط قيمة المبادئ الأولى المعدودة بإجماع العقلاء في رأس جميع القضايا في القوة والقيمة اليقينية، على تقدير إدخالها في المجربات عبرة عظيمة جديرة بأن يعتبر بها أذناب العلماء الذين جهلوا رتبة الأدلة العقلية العالية في إفادة اليقين فاعتبروا الثابت بها غير مثبت عند المقارنة بالأدلة التجريبية فجرهم جهلهم هذا إلى الشك في الله لعدم قيام الدليل التجربي على وجوده وعدم اعتراف العلم به بسبب ذلك ، فليسمعوا قول الفيلسوف مني إن لم يسمعوه من قبل وليفهموا ما فيه من العبرة إن كانوا سمعوه من غير فهم ما فيه.
لا، ا، إنهم لا يسمعون ولا يقرأون كتابي لعدم احتمالهم مؤونة التدقيق والتعمق في المباحث. إذن فليسمعهم القارئ الناصر للحق وليقل لهم أيها الغافلون حتى عن تدقيقات علماء الغرب بعد أن أعرضوا بالمرة عن العلوم الإسلامية : إن الثابت بالدليل العقلي المنطقي أعلى درجة وأغلى قيمة من الثابت بالدليل التجربي .
وكان (( ليبنتز )) يقسم المعرفة إلى البديهية والبرهانية والحسية ويقول: (( نحن نعرف وجودنا بالبداهة ووجود الله بالبرهان ووجود الأشياء السائرة بالإحساس )) وكان أي (( ليبنتز )) ككل أشياع (( ديكارت )) يأبى أن يعطي اليقين الحسي قيمة أولية كما في (( المطالب والمذاهب )) (( لبول زانه )) ومن أقواله المنقولة في ذلك الكتاب (( إن اليقين الحسي يرجع في التحليل الأخير إلى اليقين العقلي )) فيكتسب ما فيه من قيمة اليقين بفضل هذا الرجوع.وفي هذا أيضا عبرة لمن اعتبر . وقد سمع القارئ منا عند تحليل فلسفة (( كانت )) في آخر الفصل الأول من الباب الأول أن المحسوس يرجع عنده إلى العقول ولا محسوس غير ذلك.
وقال (( هيوم )) إن من يذعن بقضية ثابتة بالبداهة أو البرهان لا يقف عند تصورها بحالتها الحاضرة بل يضطر أيضا إلى هذا التصور فليس في إمكان المخيلة أن يتصور نقيضا لبرهان )) وقال : (( كانت )) (( الفرق بين اليقين العقلي واليقين التدربي أن الأول يكون ضروريا والثاني وقوعيا )) .
فقد انجلى من هذا البيان أن تعذر إثبات وجود الله بالتجربة ناشئ أولا من كون مسألة إثبات وجود الله مسألة إثبات الموجود الواجب الوجود التي يلزم أن تكون من المسائل الضرورية الثبوت المستحيل خلافها وثانيا من كون التجربة لا تثبت بها الضرورة والوجوب ، ولهذا كانت مسائل العلم الطبيعي وقوانينه المبنية على التجارب غير ضرورية . فلو كان الله ثابتا بالتجربة كما يتمناه الغافلون بدلا من ثبوته بالبرهان العقلي لما كان موجودا واجب الوجود ومستحيل العدم بل موجودا عاديا كواحد من الموجودات غير ضرورية الوجود ، ومعناه أنه لا يكون (( الله )) . وانجلى أيضا أن انتظار الأستاذ رئيس تحرير (( مجلة الأزهر )) اثبات وجود الله من وراء البحوث النفسية الجارية في الغرب بمساعي بعض علمائه ، رغبة منه في الحصول لهذا المطلب على الدليل العلمي الذي هو الدليل التجربي عند العصريين وإعراضا عن الأدلة العقلية المنطقية القائمة عليه إلى هذا الآن ، عدول عن محجة البرهان إلى بسابس الحرمان.
وقال (( اسبنسر )) في كتابه (( تأليف البين )) ص 15 (( إن الدين الذي هو موجود كالسدى في لحمة التاريخ البشري إفادة واقعة سرمدية ، أما العلم (1) فهو هيأة حقائق
---------------------------------------------------------------
(1) أرجو ألا يخفى على القارئ الفطن أن هذا الفيلسوف المعترف بما في العلم المبني على التجارب من النقائص لا يتخلص كغيره من علماء الغرب المتأخرين عن خطأ تسميته العلم على إطلاقه كأنه لا علم سوى العلم التجربي وعن خطأ جعل العلم مقابلا ومزاحما للدين. وسبب ذلك كون النصرانية التي هي دين الغرب في واد والعلم في واد. لكن العالم الملم مبرؤ من تصور المزاحمة بين العلم والدين ومن تصور الحاجة إلى التأليف بينهما. وماذا كان يفعل (( اسبنسر )) المتعزي بكون العلم قابلا للتغيير إزاء ثبات الدين ، في العلوم العقلية التي لا تقبل التغيير.
----------------------------------------------------------------
منتظمة تزداد دائما وتتصفى من أخطائها )) ومراده من العلم العلم المستند إلى التجارب فهذا يخطئ ويصيب - كما لا يكتم الفيلسوف اعترافه به - ويتصفى من أخطائه فهو عرضة لاحتمال التغير حتى إن رقيه واتساع نطاقه من يوم إلى يوم ناشئ أيضا من استعداده للتغير . فعلومنا المستفادة من التجربة مهما جزمنا بها وبصحتها وانتفعنا بها مدادا طويلة فلأ نأمن من أن تأتي التجارب في المستقبل ناقضة لها أو معدلة.ولا يجري مثل هذه الاحتمالات في العلم الثابت بالبرهان العقلي فصاحب هذا العلم يكون في مأمن من أن يأتي يوم يظهرفيه خلاف ما علم في الماضي بشأنه لكون هذا الاحتمال محالا ، حتى إنه لو لم يعلمه بهذا الشكل الضروري لا يصح علمه به ولا يعد علما مبنيا على البرهان.
فمسألة إثبات وجود الله إذن المستندة إلى برهانها العقلي الذي سبق تقريره في الفصل الأول والذي هو أقوى وأفضل ، في غنى عن الاستناد إلى التجربة. ولا يسع المنكرين أن يقولوا لا نسلم باستنادها إلى الدليل العقلي فلو أمكنهم أن يقولوا ذلك لما احتاجوا إلى إكبار الدليل التجربي في أعين الناس واستصغار منزلة الاستدلال العقلي الذي مرجعه إلى استصغار العقل بالنسبة إلى الحس ففضحوا أنفسهم عند العقلاء.
وعلى الرغم مما ذكرنا من الأسباب المعقولة والشهادات المنقولة عن كبار علماء الغرب في تفضيل الأدلة العقلية على الأدلة التجريبية ، فالشبهة التي تلازم في هذا المقام أنصاف العلماء الذين أشرنا إليهم راسخة في قلوبهم هي (( كثرة وقوع الخطأ في الاستدلال العقلي وأن وزن المسائل بالموازين العقلية وإن كان قد أقنع أهل القرون الخالية فلا يخفى ما مني به من النقد في العصور المتأخرة فهو اليوم لا يقنع الذين أدركوا الفرق بين الموازين العقلية وبين الدستور العلمي العملي )) وهذه الشبهة التي أوردها الأستاذ فريد وجدي بألسنة المتعلمين العصريين الشاكين في أمر الدين ورددها في مقالاته ولم يردها عليهم لكونها موافقة لآرائه فهو نفسه أحد العصريين الشاكين في أمر الدين يجذبه ما يجذبهم من لقب (( الدستور العلمي )) الذي لم ينس الأستاذ الإشادة على الرغم من أنه وضع غربي في غير موضعه لا يروق إلا المقلدين.
وقد بينا ذلك فيما سبق ولا شيء في قول الأستاذ مما يغر السذج ويستحق الجواب بعد ما قمنا به إلى هنا من المقارنة الصحيحة بين الميزان التجربي والميزان العقلي المسفرة عن كون المفضول اعتبر في مقارنة الأستاذ فاضلا والفاضل مفضولا ، إلا حديث كثرة وقوع الخطأ في الاستدلالات العقلية .
والجواب هنا - مع ما ذكرنا منه عند نقل كلام الأستاذ ( 392- 400 جزء أول ) أن وقوع الخطأ في كثير من الاستدلالات العقلية لا يضر ولا يخل بقيمة الاستدلال العقلي الصحيح الذي كلامنا فيه فإن رأوا في الدليل العقلي الذي برهنا به على وجود الله مثلا خللا أو خلطا من الناحية العقلية فليذكروه وليأخذوا جوابه ، ولا إخالهم يأتون بشيء أفضل مما أتى به الفيلسوف ((كانت)) وأخذ جوابه منابعون الله تعالى وإلا فماذا يعود على الدليل العقلي الصحيح من التبعة إن وقعخطأ في أي دليل عقلي آخر أو أدلة عقلية أخرى ؟؟ ثم ماذا يعود على الدليل العقلي الصحيح المادة والصورة من نقد الناقدين بعد أن كان كل نقد صوب إليه قابلا للدفع ولم يكن تصويبه من نقص في الدليل بل في نفس الناقد ؟؟
فكما أنه لا ضرر على الدليل الصحيح من الخطأ الواقع في الدليل الفاسد لا ضررعليه من الانتقادات المدفوعة التي تبعتها على الناقد دون المنقود. وإن قالوا إن كل أحد لا يميز صحيح الدليل العقلي الذي هو الدليل العقلي الحقيقي من سقيمه كما لا يميز النقد الوارد من النقد الشارد ، فجوابه أن كلامنا في مسائل العلوم لا سيما في مسائلها العالية مع أهل التمييز والتدقيق. غاية الأمر أن مزاولة الاستدلال العقلي تكون من اختصاص الخاصة وهو ليس بنقص للأدلة العقلية.
وآخر ما يقال لأدعياء العلم : لو كانت كثرة وقوع الخطأ في الاستدلال العقلي يحط من قيمة البراهين العقلية لما فضلها أقطاب الفلاسفة الغربيين الذين استشهدنا قريبا بنصوص بعضهم في هذا الشأن ، على الأدلة التجريبية.
ومن الأسباب الحكيمة في كون مسألة وجود الله مبنية على الاستدلال والتفكير العقلي لا على الإحساس والمشاهدة - فضلا عما نبهنا على عدم نفعهما في إثبات هذه المسألة - أن الثابت بالحس والمشاهدة يشترك في الاعتراف به الجميع ولا يكون فيه امتياز العاقل من الغافل والذين أدركتهم هداية الله ممن حقت عليهم الضلالة ، ومعنى هذا أن الثابت بالحس أوضح بحيث لا يكون في ثبوته لمن يثبت عنده أدنى ميزة وشرف وهذا لا ينافي كون الثابت بالعقل أقوى وأفضل . فلو كان الحس هو الجدير بأن يدرك به وجود الله لكانت البهائم التي حواسهم أقوى من حواس الإنسان أولى منه بأن تكون مكلفة بمعرفة الله.
وتلخيص المقام