Advertisement

3 موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين

موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين – الجزء الثالث
أغلاط (1) الجزء الثالث المطبعية من
" موقف العقل و العلم و العالم من رب العالمين و عباده المرسلين "
3 ، 13 لجميل 6 ، 20 إلى المرجح 7 ، 1 أفلم ييأس 7 ، 13 أن يكون 8 ، 19 أيضا 9 ، 1 من داخل 13 ، 3 منهم بأنفسهم 14 ، 8 إلا كفورا 14، 9 كثيرا 17 ، 15 المجتنبين 19 ، 8 تلك 19 ، 11 النار 22 ، 12 نارية 30 ، 19 تحيط 37 ، 25 الأجيال 39 ، 25 فأضيف 40 ، 20 تخصيص 41 ، 9 إذ لا يقال 45 ، 5 الراجعين 46 ، 11 هذا العد 53 ، 3 و قد احتج به 53 ، 18 مصنوعة 54 ، 6 و ما تعلمون فيها 54 ، 22 و تصويرهم 56 ، 7 ذاهبة أدراج 57 ، 5 المسلمون 58 ، 10 لا نقول به 61 ، 4 فها نحن أولاء 62 ، 14 الدماغ 63 ، 5 و أن يعاين 63 ، 15 أتباعها 73 ، 4 بالأخلاق 81 ، 15 موجدا 83 ، 19 المفروضين 91 ، 3 من ناحيتهما 91 ، 22 عاشقدن 92 ، 11 و لا منكرا 95 ، 12 حضيض 95 ، 21 الصوفية 96 ، 1 إلا الله 96 ، 18 من البساطة 100 ، 8 إبطاله 106 ، 18 فماذا 116 ، 12 من نفسه 124 ، 18 الآثار 138 ، 1 ذاته 140 ، 20 يخطونها 141 ، 21 فلا نبالي بهما 144 ، 17 147 ، 14 حائر 152 ، 21 من حيث إنه 153 ، 8 إنما يكونان 155 ، 6 تعريبها " الكل هو " 158 ، 19 يخالف 164 ، 1 أبو بكر بن العربي 164 ، 2 و القواصم 165 ، 14 الآخرة 168 , 11 محيي الدين بن عربي 170 ، 12 الاقدس 178 , 8 تعلقية 180 ، 15 واحدة 182 ، 6 الأولى 182 ، 8 و الثانية 183 ، 17 أن يكون 187 ، 4 و العقل ، و إنما 187 , 10 فيخته 187 ، 12 السافلة 192 ، 18 الكثيرة 192 ، 20 واحدا 201 ، 14 و هي محال 201 ، 14 " أميل سسه " 202 ، 8 ، 9 فيؤل 203 ، 2 هذا 207 ، 2 الوجود 208 ، 4 من أني 211 ، 8 في هذا 213 ، 7 ترتكز 209 ، 16 و هأنذا 222 ، 13 ليجعله 223 ، 4 موجودا 223 ،
هامش صفحة 446
(1) الرجاي من القراء الكرام أن يصححوا قبل الشروع في قراءة كل جزء من أجزاء هذا الكتاب ، ما في نسختهم من الأغلاط المطبعية.
انتهى الهامش
بداية صفحة 447
6 في الخارج 223 ، 7 الموجودات 224 ، 7 لا جعل 236 ، 8 بموجودين : الله و ما سواه 239 ، 5 مما يجلو 242 ، 22 لا نلتزم 249 ، 7 – 8 في الخارج 262 ، 1 و ليس 262 ، 9 بهذا الحد 266 ، 12 فإنه 267 ، 8 في التثليث 268 ، 7 بعدد الموجودات 277 ، 4 إلى الصحو ، 281 ، 21 " الاثنان متغايران " 282 ، 3 " لا هو و لا غيره " 284 ، 1 الافتتان 285 ، 18 يروا 295 ، 16 يرجعون 296 ، 17 تقتضيه 301 ، 14 ( و قد سقطت ألف التثنية من " اختارا " بغلط مطبعى ) 304 ، 10 الوجودات 304 ، 12 معلوم 304 ، 17 لما تنبهوا 307 ، 11 و توهم 312 ، 1 تحتاج 320 ، 2 الاتصال 321 ، 6 إذ الملائم 323 ، 18 قديمين 324 ، 2 يجب 325 ، 19 إيجاد الشيء 327 ، 11 إلى الذات 328 ، 19 كلتاهما 333 ، 17 ، 19 و إرادة 335 ، 17 على قول الشيخ 327 ، 6 و قد ظنوه البحتري 338 ، 10 و ما سواها 339 ، 10 " و ما تشاءون 342 ، 1 من مسألة 342 ، 6 المتعلق بأفعال 7 المتعلق بأفعال 352 ، 15 مع أن 353 ، 1 تتخذوا 2 أن تستقيموا 364 ، 2 إما 367 ، 19 في كتاب ألفته 368 ، 23 حاجة 369 ، 5 عليها 374 ، 14 متناهيا 17 و الموجود الذهني 379 ، 21 ليبنتز 381 ، 4 جزء 382 ، 14 تناقض 382 ، 14 لما لا نهاية له 19 لأن " لم " 20 " فلم " 384 ، 16 المسبوقيات 388 ، 9 التناقض 399 ، 17 يؤول 403 ، 6 بمشيئته 409 ، 14 ترتبا 410 ، 16 علماء 413 ، 4 كالقلم 5 و الاضطرار 415 ، 15 الخلق 419 ، 9 الجبر 10 لأنا 11 جبر 421 ، 18 مجازاة 422 ، 16 اختلط فيها 426 ، 3 فيسبوا 4 و جعلنا 438 ، 19 اللتين لا تكتنهان 431 ، 2 من صلواتنا.
بداية صفحة 448
أسماء الرجال المذكورين في الجزء الثالث
من " موقف العقل و العلم و العالم من رب العالمين و عباده المرسلين "
الآلوسي صاحب التفسير 43 168 الآمدي متكلم معروف 197 إبراهيم الحلبي صاحب اللمعة 394 396 397 399 415 إبراهيم الكوراني 43 168 إبليس 13 52 426 ابن تيمية 18 361 393 394 ابن رشد 3 6 8 - 12 14 – 16 18 27 103 217 319 322 323 356 358 360 375 382 ابن سينا 218 233 234 256 275 351 ابن عباس 38 53 ابن عبد البر 349 423 ابن الفارض 152 ابن قتيبة 38 351 423 ابن القيم 3 18 24 57 393 394 ابن كثير 53 ابن مسعود 416 ابن المعلم القرشي 164 ابن الوزير 29 – 56 396 416 أبو الأسود الدؤلي 32 37 46 350 398 423 428 أبو بكر بن العربي 164 أبو بكر الصديق 89 90 أبو الحسن الأشعري 29 49 98 202 225 259 261 333 391 399 415 419 الإمام أبو حنيفة 52 55 56 393 أبو داود 346 أبو ذر 350 أبو سريحة العبادي 349 أبو السعود المفسر العثماني 27 39 43 59 أبو سعيد الخدري 349 أبو عبيد 53 أبو على الجبائي 29 49 أبو لهب 27 28 أبو موسى الأشعري 350 أبو هريرة 349 أبي بن كعب 349 أثير الدين الأبهري 157 أحمد أمين 84 أحمد بن حنبل 32 أحمد بن عبد الأحد السرهندي الملقب بالإمام الرباني و يحدد الالف الثاني صاحب المكتوبات 53 275 – 307 308 أحمد نعيم 390 445 أ ، رابو 435 أرسطو 375 382 له ريره ن 194 اسبنسر 134 362 اسرينوزا 187 330 439 اسماعيل فنى 89 95 238 256 257 258 362 إسماعيل
بداية صفحة 449
الكلنبوي 5 21 24 105 107 112 117 119 – 122 124 130 132 133 143 – 145 147 157 173 187 188 202 204 209 211 230 231 238 245 249 250 307 310 311 325 332 364 372 375 أفلاطون 319 إمام الحرمين 114 392 396 - 399 409 415 419 433 434 الأمير عبد القادر الجزائري 269 أميل سسه 201 223 253 316 318 أنس بن مالك 350 أوجوست كونت 188
البالي شارح الفصوص 89 187 258 266 بايزيد خليفة 91 البحتري 337 بخيت المطيعي 16 26 30 31 336 – 339 342 352 396 – 398 400 402 403 410 411 414 417 427 – 430 برغسون 302 303 بشار 45 بطليموس 332 بلقيس 176 262 263 بلوتن 187 بوسسوئه 48 بول رانه 67 168 238 بهاء الدين العاملي 151 153 157 159 – 162 164 168 216 219 296 بهمنيار تلميذ ابن سينا 218 البيضاوي صاحب التفسير المعروف 400 البيهيقي 39
الترمذي 346 العلامة التفتزاني 4 33 99 102 105 112 113 147 151 199 204 207 208 214 – 217 219 221 230 231 237 238 247 249 407 413 418 419.
جابرين عبد الله 350 جالينوس 319 الجامي 157 159 166 174 187 197 198 219 221 297 جلال الدين الدواني 5 21 94 112 120 124 132 133 143 147 173 202 208 211 213 214 230 231 238 244 245 307 311 312 325 361 364 372 375 377 419 جمال الدين القاسمي الدمشقي 185 156 جندب بن عبد الله 53 الجنيد
هامش صفحة 449
(29 – موقف العقل – ثالث )
انتهى الهامش
بداية صفحة 450
البغدادي الصوفي الكبير 88 198 جواد على 87 جول سيمون 417 418 . الحاكم 349 حذيفة بن اسيد 350 حذيفة بن اليمان 350 حسن جلبى 115 حيسن رمزي استاذ علم النفس بجامة فؤاد 37 حواء 158
خضر بك استاذ السلطان محمد الفاتح 429 الخطيب مؤلف تاريخ بغداد 393 خواجة زاده صاحب " تهافت الفلاسفة " 244 311 خواجه نقشبند الصوفي الكبير 287 301 الخيالي صاحب التعليقات المشهورة على شرح العقائد النسفية 372 الدكتور شهبندر 274 ديكارت 5 21 24 61 66 69 147 393 ذو اللحية الكلابي 350
الإمام الرازي 21 28 207 208 231 240 248 319 332 402 419 راغب باشا الوزير العثماني الشاعر 94 رونووي يه 374 ربوا رول 316.
زيد بن أبي انيسة 349 زيد بن ثابت 350
سراقة بن جعثم 350 سكرتان 73 سنت آنسله م 147 سن طوماس 147 150 174 السيلكوتي 107 112 115 117 136 137 140 145 147 166 167 177 178 187 202 204 211 217 218 230 231 250 305 313 371 373 السيد الشريف الجرجاني 4 112 115 137 166 170 177 186 230 651 313 324 419
شارل بوردان 48 شمس الدين الفناري 157 158 187 شوبهاور 72 192 شيللينغ 67 187 235 شهاب الدين السهروردي شيخ الفلسفة الإشراقية 225 227 321
صالح بن المهدي المقبلي صاحب " العلم الشامخ " 21 – 29 35 162 266 285 396 397 صدر الدين الشيرازي 3 6 18 87 88 152 156 151 171 172 174 – 185 187 189 194 199 200 202 211
B vص 451
219 224-229 231-236 261 294 320 325 328-331 333 334 374-377 380-382 387 388
صدر الدين القونوي 184
المحقق الطوسي 207 211 240 248
عائشة الصديقة 350 العاص بن هشام 28 عبد الحميد عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب 349 عبد الحي اللكنودي 366 عبد الرحمن بن عبادة 32 عبد الرحمن الجزيري 361 عبد الغني النابلسي شارح الفصوص 89 193 272 عبد الكريم الجيلي 194 236 عبد الله بن عمر 39 349 عبد الله بن عمرو بن العاص 349 عبد الله بن مسعود 349 عثمان أمين أستاذ الفلسفة بجامعة فؤاد 34 148 390 عضد الدين الإيجي صاحب " المواقف " 186 211 214 313 419 عكرمة 163 164 علي بن أبي طالب 59 88 198 349 علي القارئ شارح " الفقه الأكبر " 52 عمران بن حصين 37 46 350 351 398 عمر بن الخطاب 346 349 عمرو بن عبيد كبير المعتزلة 53 عين القضاة الهمذاني 172
غاساندي 147 الغزالي 94 96 103 150 172-176 187 214 217 244 289 292 298 323 356 399 419 غونيلون 147 الفارابي 356 الفخر بن المعلم القرشي فرح أنطون 74 149 فريد بك التركي 88 89 150 فيخته 3 7 187
القاشاني شارح الفصوص 191 236 265 266 269 272 275 قتادة 113 قضيب البان الموصلي 159
كانت 65-81 147 192 368 الكلنبوري 5 21 64 105 107 112 113 117 119-124 130-132 133 143-145 147 157 173 174 187 188 252 254 259 211 230 231
ص 452
238 245 249 250 307 310 311 325 332 364 372 375 ل . فونس غربو 436 لوجينو 87 ليبنتز 279
مالبرانش 61 238 الإمام مالك 56 349 مترجم " مطالب و مذاهب " العالم الكبير التركي الملقب " حمدي الصغير " 62 168 172 187 352-355 361-374 375 377 379 396 منزه أقكار 153 194 235 المتنبي 108 محمد أحمد الغمراوي 321 محمد أنور شاه الكشميري 301 327 364 386 388 محمد زاهد الكوثري 30 31 38 39 163 344 392-445 محمد سليمان 340 محمد صبيح 84 محمد عبده 32 34 35 74 83 84 149 365-372 384 390 396 397 محمد علي عيني 436 محمد غلاب 356 محمد الفاتح السلطان العثماني محمد فضل الله الهندي 89 محمد فريد وجدي 67 71 322 محمد مصطفى المراغي 327-351 393 396 411 محمد الهيهاوي 340 محمود العقاد 148 محيي الدين بن العربي الملقب بالشيخ الأكبر 8 43 44 89-92 94 155 158 162 168 170 176 180 185 188 190-196 235 236 238 258 259 262 263 265 266 268 269 271-2754 278 281 282 285 288 291 292 294 296 297 المرجاني 208 مسلم 32 37 346 349 250 398 423 مسلم بن يسار الجهني 349 مصطفى كمال 393 349 معاذ بن جبل 350 من دوبيران 57 ولي الله الدهاوي 301 هشام بن حكيم 350 هيجل 187 يوسف الدجوي 427 429
ص 453

فهرس
الإشارة إلى بعض المباحث المهمة التي ينطوي عليها هذا الجزء من الكتاب
تكملة الفصل الرابع :
مسألة تعليل أفعال الله تعالى و ما يتصل به من تحقيق معنى كون الله فاعلاً مختاراً ، مع الكلام في أفعال الإنسان الاختيارية 3-60.
مما لا بد من التنبيه عليه و نحن أطرينا في دليل العلة الغائية ، أن مذهب المتكلمين الأشاعرة عدم جواز تعليل أفعال الله بالغرض الذي يقال عنه العلة الغائية أيضاً. و قد وجد أناس ممن تعودوا غمط هؤلاء المتكلمين حقهم ، وسيلة في مذهبهم هذا لكيل الطعن فيهم ، فاتهموهم بإخلاء أفعال الله من الحكمة اللازم لإخلائها من الأغراض و العلل الغائية ، و بإلغاء أظهر الأدلة على وجود الله المستنبط من خلق هذا العالم مشحوناً ببدائع هذا النظام المتقن. فهل نحن حين عنينا في هذا الكتاب بما يسميه الغربيون " دليل العلة الغائية " مشاركون لأعداء المتكلمين الأشاعرة في غمطهم و طعنهم ؟ كلا ، إني أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين الناكرين لجميل و جليل خدمتهم الإسلام و إني أعرف سمو مرماهم في عدم تعليل أفعال الله بالعلة الغائية التي هي علة لفاعلية الفاعل صوناً لمقام الألوهية عن التأثر في أفعاله بأي شيء 3
العبث ما لا يفيد فائدة ، لا ما لا يبنى على غرض أو علة غائية 4
جواب على اعتراض العلامة التفتازاني على مذهب الأشاعرة بأنه لو لم تكن أفعال الله معللة لما صح كون القياس الفقهي حجة في نظر علماء الإسلام.
المصلحة في فعل الله لا تتصور أن تكون دافعته إليه ، بل تابعة له . و هذا كما نقول : إن الله لا تتخلف الحكمة عن أفعاله و لا نقول إن فعله لا يتخلف عن الحكمة ، تنزيهاً له عن شائبة الإيجاب و الاضطرار. و ما قاله الفاضل الكلنبوري " إن غاية تأثير العلة الغائية في فعل الله عبارة عن سببية علمه تعالى بالمصلحة لإرادته ، و استحالته
ص 454
في شأنه تعالى ممنوعة " . يرد عليه أن العلم تابع للمعلوم و هو المصلحة فتكون هي المؤثرة في الحقيقة كما أن المصلحة في فعل الإنسان تؤثر أيضاً بواسطة علمه و الله تعالى أجل من أن يتأثر بشيء من أنواع التأثير الناشئ من جهة الممكنات التي من جملتها الأغراض و المصالح. فتبين بعد نظر المتكلمين الذين يجتنبون تعليل أفعال الله بالأغراض و العلل الغائية ، و تبين أيضاً أن أفعاله لا تتبع الحكمة بل الحكمة تتبع أفعاله. و كل من يستبعد هذه الدقيقة فإنما يتكلم في شأنه تعالى بالقياس إلى نفسه. و قد ذهب الفيلسوف " ديكارت " إلى أبعد من هذا 5
و تقييد الله تعالى في أفعاله بأي قيد حتى بقيد الحكمة ، و اعتبار كل ما يصدر عنه من الأفعال ضرورياً لا يمكن خلافه لأنه مقتضى الحكمة و خلافه خلافها كما قيل: " ليس في الإمكان أبدع مما كان " . كما لا يلتئم مع مذهب المتكلمين القائلين بظان الله تعالى فاعل مختار لا فاعل موجب ، لا يلتئم أيضاً بكثير من آيات القرآن 6
و التأويل في تلك الآيات بالتفريق بين وجود المانع عن الشيء و بين وجود المانع عن مشيئته ، مبني عندي على قول الفلاسفة الذين لا يوافقهم المتكلمون، بأن الله مختار في أفعاله على معنى " إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل " و إلى قولهم هذا يرجع تفسير الآيات المذكورة و إن لم يشعر به من لم يكن على مذهب الفلاسفة من المؤولين. فالله تعالى في رأي الفريقين ( الفلاسفة و المؤولين لآيات المشيئة ) مختار في أفعاله مضطر في إرادته كما هو مذهبنا في الإنسان ، حين لم يكن الإنسان مضطراً في إرادته عند المؤولين، فيكون حرية الله و استقلاله في اختياره أنقص من حرية الإنسان في اختياره على رأي هؤلاء الغافلين. 7 -8
أما التمسك في الجواب عن آيات المشيئة بظاهر ما قاله النحاة من أن ( لو ) لامتناع الثاني لامتناع الأول ، فغلط فاحش وقع فيه صاحب الفصوص عند الدفاع عن مذهبه الباطل القائل بتبعية الخير و الشر لاستعداد الناس التابع لماهيتهم غير المجعولة 8
نقد قول ابن رشد في تفسير قوله تعالى " يضل من يشاء و يهدي من يشاء " و خلاصته
ص 455
أن الله تعالى يهدي فعلا و يضل إعداداً و تهيئة 8-16
فعلى هذا التقدير من التفسير يدخل نوع الإنسان جملة فيمن يشاء الله إضلالهم و ليس المراد إضلالهم بالفعل لأنه ينافي وجود بعض منهم مهتدٍ9
و هذا القسم المهتدي من الإنسان يبقى على مذهب ابن رشد غير معلوم السبب في اهتدائهم. فإن كانت هدايتهم من الله يأباه إدخالهم فيمن يشاء الله إضلالهم و لو كان ذلك بطريق التهيئة للضلال، و إن كانت هدايتهم من أنفسهم لزم أن يكونوا من أهل الهداية على الرغم من أن الله أضلهم أي جعلهم مهيئين للضلال فلم يكن الله يهدي من يشاء و يضل من يشاء كما نص عليه في كتابه بل يضل من يضل من نفسه و يهتدي من يهتدي من نفسه و كيف يقول " و من يضلل الله فما له من هاد " ؟ الحاصل أن هناك من يضلهم الله فعلاً و هم الذين قال الله عنهم : " من يضلل الله فلا هادي له " و هناك من يهديهم الله فعلاً و هم الذين قال عنهم : " و من يهدي الله فما له من مضل " و هذا أي الإضلال الفعلي و الهداية الفعلية و لا سيما الإضلال الفعلي ما أنكره ابن رشد 10-11
و الله تعالى على مذهب ابن رشد واجب أن يفعل ما فعله و ليس له أن يفعل خلاف ما فعلهحتى أنه يقيم قيامة التكبرعلى المتكلمين القائلين بأن الله فاعل مختار بمعنى أن الفعل و خلافه كلاهما يصح عنه و يجوز له و لا مرجح هناك من نفس الفعل أو خلافه غير إرادته، و أما على مذهب ابن رشد فالله تعالى فاعل مختار بمعنى " إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل " على أن يكون مقدم الشرطية الأولى واجب الصدق و مقدم الشرطية الثانية ممتنع الصدق كما هو مذهب الفلاسفة أيضاً ، لكن هذا تلاعب لفظي ليس من الاختيار في شيء كما يأتي بيانه في مبحث حدوث العالم ( ص 331 ). فإذا لم يكن الله مختاراً فيما فعله و ليست فيه مشيئته بمعناها الحقيقي فكيف يصح له أن يمتدح بأنه " يضل من يشاء و يهدي من يشاء " فيما لا يحصى من آيات القرآن ، حتى و لو كان إضلاله عبارة عن تهيئة الناس للضلال ، ما دام لا يمكنه ألا يهيئهم له ؟ و كيف يقول : " و لو شئنا لآتينا كل نفس هداها "
ص 456
مع أن كل ما فعله يفعله في مذهب ابن رشد لكونه ضرورياً غير جائز العدول عنه إلى خلافه و لا يمكنه أن يشاء العدول لكونه فاعلاً موجباً كما في مذهب الفلاسفة. و ليس ابن رشد إلا واحداً من أذنابهم 11-12
أما تعييب مذهب الأشاعرة باستلزام كون أفعال الله عبثاً و اتفاقاً إذا لم تعلل بالأغراض و العلل الغائية ، فوهم محض منشؤه كون العائبينيقيسون الله تعالى على أنفسهم أي على الإنسان الذي لا يعمل إلا بالمرجح و العلة الغائية ، و قد غاب عنهم في هذا القياس أن الله تعالى لا يحتاج إلى التأمل و التفكير حين أن أصحاب الروية من البشر يحتاجون إلى التفكير في عواقب أفعالهم. فنفي التعليل من أفعاله تعالى معناه أنه لا يبني أفعاله على المرجح و العلة الغائية شأن المفكرين في عواقب الأمور ، لأن التفكير عمل قلبي يجب تنزيه الله عنه ، و لا ينافيه أن ظافعاله لا تخلو من الحكم و المصالح من غير بنائها عليها لكنها لا يعبر عنها بالعلة الغائية لأن العلة الغائية ما يبني الفاعل فعله عليه في ذهنه و يفكر فيه قبل الإقدام على الفعل . و من هذا قلنا إن الحكمة تتبع أفعاله تعالى و لم نقل أفعاله تتبع الحكمة ، و ليس في هذا ما يوجب الاستغراب لأن كمال المخلوق ليس في نفسه بل في توافقه مع اختيار الله تعالى 16
فللمتكلمين المجتنبين تعليل أفعاله تعالى بالعلل الغائية مرمى سامي لم تصل إليه أنظار خصومهم. أما نحن الذين عنينا في هذا الكتاب بدليل العلة الغائية لإثبات وجود الله لأن جل ما يهمنا في تأليفه إثبات وجوده في أسلوب يسهل تناوله للعصريين. فلا نلام إذا تسامحنا ببعض التعبيرات في سبيل مهمتنا 17
قول المتكلمين أن كل شيء في العالم مستند إلى الله من غير واسطة ، معناه أنه لا علة في الكائنات و لا معلول و لا سبب و لا مسبب و لا تأثير شيء في شيء ، و إنما كل كائن معلول علة واحدة هي إرادة الله ، و إن كان الناظر في الكائنات يرى بين أجزائها تناسباً و انسجاماً يخيلان إليه علية بعضها لبعض و تولد بعضها من بعض. إذ لا رابطة بين
ص 457
الأشياء تقتضيها طبائع الأشياء غير جريان سنة الله على خلق بعضها عقب بعض... فإذا حرك أحدنا يده لتحريك المفتاح ، فلا تكون حركة المفتاح مترتبة من نفسها على حركة اليد ، و إنما يكون كل من الحركتين بتقدير الله و خلقه 18 - 21
و هؤلاء المتكلمون لا ينفون اللزوم العقلي بين بعض الأشياء من غير أن يكون اللزوم علة للازم كلزوم العلم بالنتيجة للعلم بمقدمتي القياس المنطقي المستجمع لشرائط الإنتاج عند الإمام الرازي، و هو من الأشاعرة و كلزوم لوجود المحل لوجود العرض و وجود الجزء لوجود الكل مع كون كل من اللازم و الملزوم في هذه الأمثلة معلولي علة واحدة هي إرادة الله أن يخلقهما متصلين 21
مناقشة صاحب " العلم الشامخ " الذي ينعي في كتابه بشدة لاذعة على جميع المذاهب الإسلامية المعروفة لا سيما الأشاعرة النافين لتعليل أفعال الله تعالى بالأغراض و القائلين بكون الحاكم بالحسن و القبح هو الشرع لا العقل و كون الله خالق أفعال الإنسان. و هو يعضد مذهب المعتزلة في هذه المسائل 22 - 29
أما تبجح هذا المؤلف معترضاً على الأشاعرة و قائلاً : " هل يكون حسناً من الله لو فرضنا أنه صدق النبي الكاذب و كذّب النبي الصادق " فالجواب : نعم ، إن صدق الله الكاذب كان ذلك حسناً منه . لكن المؤلف لا يعرف أن القضية الشرطية تصدق منطقياً من غير توقف على وقوع شرطها. و لعدم معرفته بذلك يتعاظم عليه هذه القضية الشرطية تعاظم وقوع الشرط و يتوهم أن مدعيها كمدعيه. و منشأ الغلط تثبيت الحسن و القبيح قبل تثبيت الله. و قول النبي صلى الله عليه و سلم " إن الله لو عذّب أهل سماواته و أرضه لعذبها و هو غير ظالم و لو رحمهم لكانت رحمته خيراً من أعمالهم " خير حاسم لمسألة التحسين و التقبيح هل هما عقليان أو شرعيان ، و خير منبه للغافلين على عظمة الله و عظمة فعله المستتبع للمحاسن و الحكم 24 - 25
و مما يهجم فيه المؤلف على الأشاعرة قولهم بأن الله خالق أفعال عباده فهو يختار
ص 458
قول المعتزلة بأن العباد أنفسهم الخالقين لأفعالهم و إلا فلا يكونون مسئولين عنها ، و ما يفعلونه من الكفر و الفسوق و العصيان فكلها يقع منهم على خلاف إرادة الله التي لا تختلف عن أمره كما اختلفت عنه أهل السنة. فيجري في ملك الله ما يشاؤه و ما لا يشاؤه على المذهب المختار عند هذا المؤلف و يهدر قوله تعالى " و لو شاء الله ما فعلوه " كما أن القول بعد كون خالق أفعال عباده خلاف ما نص عليه الله بقوله " و الله خلقكم و ما تعملون " و المسألة أي مسألة تحديد موقف البشر تحت سلطان القدر لن يخرج الرجل عن عهدة حلها و ألف ألف كتاب في حجم " العلم الشامخ " و لن يستطيع الجواب عما أكثر الله ذكره في القرآن من أنه يضل من يشاء و يهدي من يشاء ، فقد ينهار كثير من الأعلام الشامخة و لا تنهار تلك الآيات الماثلات كالجبال مانعات عن مذهب أساتذته المعتزلة بل مذهب الماتريدية أيضاً في هذه المسألة و كذا قوله تعالى : " و ما تشاؤون إلا أن يشاء الله " في سورتين من كتاب الله ، جبلان شامخان لن يقدروا اجتيازهما 25
رد على قولهم في تأويل قوله تعالى عن نفسه بأنه يضل من يشاء و يهدي من يشاء ، بأن الإنسان يضل باختياره و يهدى باختياره لكن اختياره في الحالين مستند إلى مشيئة الله الذي خلق الإنسان قادراً على أن يفعل بمشيئته و اختياره ، و لولا مشيئة الله المتعلقة بخلق الإنسان على هذه الحالة المخيرة لكا أمكنه أن يضل باختياره و لا أن يهتدي. و قد مشى المتكلفون المعاصرون أمثال الشيخ بخيت في تأويل قوله تعالى " و ما تشاؤون إلا أن يشاء الله " على هذا المنوال الذي اختاره المؤلف اليمني في تأويل قوله تعالى " يضل من يشاء و يهدي من يشاء " 26
أبعد المذاهب عن الحق في مسألة الجبر و القدر أبسطها و أسهلها 27
رأي العالمن اليمني في مشكلة إيمان أبي لهب المعروف في علم الكلام بكون الأمر به مع جميع المكلفين تكليفاً بما لا يطاق في حقه بعد نزول السورة القائلة " تبت يدا أبي لهب و تب " و المقروءة إلى قيام الساعة 27 - 28
ص 459
و في حكاية الأخوة الثلاثة 28 - 29
مؤلف كتاب " إيثار الحق على الخلق " المعروف بابن الوزير ، عالم يمني آخر من مجتهدي القرن الثامن على تعريف طابعي كتابه و هو من طراز " العلم الشامخ " و من مراجعه. و يفهم من الكتابين أن اليمن لا يعوزه العلماء الراكنون إلى مذهب المعتزلة 29 - 56
كنت رأيتني عند تحرير كتابي " تحت سلطان القدر " في غنى عن استقصاء النقاش مع المعتزلة بعد أن أفنى مشايخهم الدهر و قضى على مذهبهم علماء أهل السنة فإذا بمجتهدي اليمن يسعون لبعث ذلك المذهب من قبره و إذا بي أطلع بهذا على الناحية الإسلامية من منشأ العقلية لأناس من رجال علماء الدين يريدون أن يكونوا عصريين معتبرين عقيدة الإيمان بالقدر الكاملة التي في مذهب الجبر المتوسط ، سبباً لتثبيط همم العاملين و بث روح الكسل و التقاعد عن العمل بعد الناحية العصرية، كما حصلت هذه العقلية حتى في الشيخ بخيت رحمه الله و حتى في صديقنا الشيخ زاهد أبقاه الله 30
رحم الله السلف من علماء المذاهب الإسلامية كانوا أقوم تفكيراً فلم يعترض خصوم الأشاعرة عليهم عند النقاش في مسألة أفعال العباد بأن مذهبهم يؤدي إلى تعطيل الأفعال 31
نحن القائلون بالقدر لا نمنع لعمل و لا نقول بعدم الحاجة إليه و لا بأن الإنسان يقعد و يعمل القدر، حتى يكون مذهبنا الكسل و العطالة للإنسان و إنما كل من الفريقين اللذين ينقسم إليهما الناس و هم العاملون و الكسالى يأخذ حظه من القدر، فيعمل العاملون ، بالقدر و لا بد أن يكونوا عاملين ، و يكسل الكسالى بالقدر و لا بد أن يكونوا كسالى ، من غير أن يكون لهم معذرة من القدر في كسلهم و لا للعاملين معذرة منه في عملهم 32
و من أخطاء العلماء المعاصرين في مسألة أفعال العباد ما وقع للشيخ محمد عبده في
ص 460
رسالة التوحيد، من أنه لم يفهم أن المراد من أفعال العباد التي هي محل النزاع بين المذاهب أفعالهم المقدورة الصادرة عنهم فعلاً، لا ما هو أعم مما أرادوا أن يفعلوه فلم يتسن لهم 32
رواج أفكار المهتدين اليمانيين عند من راجت من علماء الأزهر و غيرهم ، ينبئ عن كون الراكنين إليه - و هو مذهب المعتزلة بعينه - يبغون السهولة في وضع المسألة أكثر من تحري الحقيقة ، حيث يكون مكلفية الإنسان بالأحكام الشرعية و مسئوليته عنها واضحة في مذهب المعتزلة بكل وضوح ، و لكنه إن لم يكن الإنسان حراً في اختياره و قامت أدلة العقل و الفعل على أن مشيئته منوطة بمشيئة الله فكيف يصح أن نعتبره حراً لنجعله مسئولاً عن أعماله ؟ و نحن لا ننكر أيضاً مسئوليته و نعتقده حقاً و عدلاً ، لكنا مع هذا لا ننكر كون اختياره تحت سلطة الله و مشيئته. فنحن لا نهمل كلتا ناحيتي الحقيقة التي أهمل معارضونا إحدى الناحيتين منها و ضحوا بها في سبيل الناحية الأخرى 33
نحن نقول مع القرآن إن الله يضل من يشاء و يهدي من يشاء و نقول مع الحديث المجمع عليه " ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن " و الذي يلزم منطقياً الصدق الجملة الثانية منه أن يكون عكس نقيضها أيضاً صادقاً و هو " كل ما يكون فهو ما شاء الله " لكن ابن الوزير يحرف معنى الجملة الثانية من الحديث و هو " ما لم يشأ لم يكن " إلى قوله " و ما شاء أن لا يكون لم يكن " . و هو أخص من نص الحديث في الجملة الثانية ، و على تأويله يخرج بعض الكائنات عن مشيئة الله ، مع أنه لا شك في عموم الحديث لكل ما كان و ما لم يكن... فإن كان الحديث لا عموم له ، و لا تعلق بأفعال العباد فلماذا إذن اضطر الرجل إلى تحريف الجملة الثانية منه ؟ 34 - 35
و كان هو و تلميذه مؤلف العلم الشامخ يعيبان على علماء أهل السنة أن الله تعالى عندهم لا يقدر على إقدار عباده لإيجاد أفعالهم، في حين أن المؤلف الأستاذ يدعي عدم قدرة الله على إيجاد أفعال عباده مع أن علماءنا لم يقولوا بأن الله غير قادر على إقدار غيره لإيجاد
-----------------------------------------------------------------------------------------------
أفعاله وغاية ما قالوه أنه لم يُقدر غيره بل استأثر لنفسه خلق كل شيء فقال " الله خالق كل شيء " وقال: " والله خلقكم وما تعملون " وقد تكلف كل من أستاذ وإمام مصر الشيخ محمد عبده وعلامة اليمن في تأويل الآية الثانية التي أفحم بها الإمام الأعظم أبو حنيفة كبيرَ مشايخ المعتزلة عمرو بن عبيد ... تكلف هذان المساعدان لمذهب المعتزلة جهد طاقتهما ولا سيما المساعد الأول أعني علامة اليمن لتغليبه على مذهب أهل السنة فلم تنجح مساعيهما 33-56
حكاية الإخوة الثلاثة وتكلف صاحب " إيثار الحق " فيها أيضا لتطبيقه على مذهب المعتزلة القائلين بوجود الأصلح للعباد على الله 48-51
قوله تعالى " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " وما يقولون في تفسيره ونقول نحن في هذا الكتاب وقلنا في " تحت سلطان القدر " 56-60
أدلة أخرى لإثبات الواجب 61
ومن أوضح أدلة وجود الله تعالى الإدراك الذي يجده كل إنسان في نفسه 61-63
ومنها صفة الإرادة الموجودة في الحيوان ، لا سيما الإنسان 63-65
دليل الفيلسوف " كانت " على وجود الله 65 - 80
كثير من فلاسفة الغرب يستدلون على وجود الله من وحدة الطبيعة العالمية فيعتبرونه نفس العالم التي تدبره – رغم الكثرة الهائلة والتنوع الزائد والاستقلال الظاهري لأجزائه الكبيرة – في انتظام كانتظام الشخص الواحد . فلولا الله كان العالم أشتاتا متنافرة وسادت فيه الفوضى . فموقف الله من العالم موقف الروح من بدن الإنسان التي تجعله في كثرة أعضائه وأجزاء أعضائه موجوداً واحداً لا يقبل الانقسام ولا يتغير على مر الأعوام . ونحن المسلمين مع عدم موافقة هؤلاء الفلاسفة على كون موقف الله من العالم موقف الروح من بدن الإنسان ، يعجبنا استنتاج وجود الله من وحدة الإدراك والإرادة المهيمنة على العالم ويمكننا أن نرجعه إلى دليل نظام العالم . لكن الفيلسوف كانت لا يعترف
بهذا الاستنتاج المعقول أيضا لا في العالم قياسا على الإنسان ولا في الإنسان المقيس عليه 65-66
الفيلسوف " كانت " لا يقبل صحة الانتقال من وجود الإدراك إلى وجود الروح صاحبة الأدراك ، قائلاً إن الإدراك الموجود في الذهن إنما يدل على وجود المدرِك في الذهن وهو خطأ فاحش من " كانت " 66-67
يقول " كانت " الذي انتقد جميع أدلة وجود الله العقليّة النظرية : إن الله تعالى كما لا يمكن إثبات وجوده إثباتاً علمياًّ تجريبياًّ لا يمكن إثبات عدم وجوده أيضاً فيلزم أن تبقى هذه المسألة في نظر العلم غير ثابت الوجود والعدم ، وعدم إمكان إثبات عدم وجوده إنما يكون دليلاً على إثبات إمكان وجوده لا على ثبوت وجوده . وكان من اللائق إذن بالعاقل بل الواجب أن يحتكم إلى عقله وان يذعن لحكمه ولكن أنَّى ذلك لهواة التجربة أسارى العلم الحديث 68
يقول : كثيراً ما يكون الإيمان أقوى من العلم وبهذا يُثبِت " كانت " تأثرَ فلسفته من النصرانية كما وقع في فلسفة القرون الوسطى ، وقد كان ديكارت صححها وأعاد إلى العقل حقوقه وكرامته 69
خلاصة دليل " كانت " أنه إن كانت الأخلاق فضيلة تجعل صاحبها أهلاً للسعادة فلا بد من وجود الله ، ليكون ضماناً لأصحاب الأخلاق إن ينالوا السعادة عاجلاً أو آجلاً ولذا سمّاه دليلاً عملياًّ لكونه ربط الأخلاق بعقيدة الإيمان بالله وربط الإيمان بالله بقانون الأخلاق . والمعروف عند أهل العلم أن الدليل يكون عبارة عما يفيد العلم ويوصل إلى الحقيقة ، لا ما يصور حاجة أو يؤيد فضيلة أو يتضمن مصلحة مهما كانت مصلحة عظيمة . كأنه يقول لولا الله ما قامت الأخلاق على أساس متين فبنى مسألة وجود الله على دليل الأخلاق أي على حاجة الأخلاق إلى وجوده فإصبحت الأخلاق دليلا على وجود الله ومحتاجة إليه معاً وهو دور مصادرة على المطلوب 70-71
وكأنه يقول لولا أن الله موجود لانهارت الأخلاق لعدم وجود من يكفل بالسعادة لأصحاب الأخلاق وهو محال . لكن الناس لا يهتمون بالأخلاق لهذا الحد ، وأنا أيضا لا أسلِّم بخطورتها لحد أن يعدِل وجودُها وجودَ الله في الأهمية وعدمها عدمه في استلزام المحال 74
الله موجود بالرغم من كل شيء سواء صلحت أخلاق المجتمع أو فسدت ، وسواء سعد أصحاب الفضيلة أو شقُوا . فيجب أن يعلم هذه الحقيقة العظمى التي ليس لأي شيء أدنى قيمة بجنبها ، والله واجب الوجود للنشأة الأولى ليوجد الموجودات ، قبل أن يكون لازماً لوجود النشأة الثانية ليحاسب الناس على أعمالهم ، أو يكون لازم الوجود ليحافظ الناس على أخلاقهم في الدنيا راغبين في سعادة الآخرة 73
لا يلزم محال عقلي من افتراق السعادة عن الفضيلة بدليل افتراقها فعلا في الدنيا بالنسبة إلى كثير من أصحاب الفضيلة 76
فدليل " كانت " لا يستوجب وجود الله حق الاستيجاب ولا يكون الله واجب الوجود بهذا الدليل ن أي لا يكون اللهَ لأن أخصَّ ما يمتاز به الله وجوب وجوده . ووجوب الوجود إنما يتحقق له إذا استحال عدم وجوده 76-77
الإنسان في كونه موجوداً أحوج إلى الله منه في كونه مسعوداً . فقد انجلى أن ط كانت " ترك العروة الوثقى واستند إلى ما ليس بمستند . ولعل في هذا الاختيار المعكوس تأثير كون الرجل مسيحياًّ 77-78
وأهم شيء فعله في دليله أنه إن لم يثبت وجود الله حق الإثبات فقد أوثق الرابطة بين الأخلاق وبين وجود الله . وحاصل الفرق بين مسلكنا ومسلك " كانت " أن وجود الله ثابت عنده بعد ثبوت وجود النشأة الأخرى متوقف على وجود الله كوجود كل شيء . فبفضل وجود اللخ يثبت عندنا إمكان تلك النشأة ، وبدليل الأخلاق يثبت وجودها فعلاً ويثبت
بوجودها وجود الانبياء كما سيأتي منا في الباب الثالث . والفيلسوف لم يتعرض لمسألة وجود الأنبياء كما اتخذ وجود الآخرة الذي نجعله دليل وجودهم ، دليل وجود الله . أما وجود الآخرة فيوصلنا إليه دليل الأخلاق باتفاق بيننا وبين " كانت " ، ثم ينتقل هو منه إلى وجود الله ، ونحن نستغني عن هذا الانتقال لثبوت وجود الله عندنا قبل ثبوت وجود الآخرة 77-79
لا محل لزعم أن " كانت " لما لم يجد دليلا علميا تجريبياًّ لوجود الله تمسّك بذلك الدليل العملي ، لأن دليل العلة الغائيّة السابقة الذكر يتضمن مائة ألف دليل تجربي . نعم ، هذه الدلائل التي لا حد لها ولا نهاية لا نقول إنها تحصل بها معاينة ذات الله . والذين بحثوا عنها ضلوا المطلب ثم قال بعضهم لم أجد فألحَد وبعضهم هو فلان أو علان فأبعد . ولله در الإسلام القائل " تفكروا في الخلق ولا تفركوا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره " 79-80
الإسلام إنما يتصور الله بوجه عام هو من وجب وجوده أو من خلق كل شيء ولم يُخلَق ، كائناً من كان ذلك الواجب الوجود أو الخالق غير المخلوق . والواجب الوجود يحدد نفسه بنفسه فيستحيل أن يكون أكثر من واحد وبذلك يتضمن دليل الوحدانية 82
لا نفسر وجوب وجود الله بكون وجوده عين ذاته ، ولا بكون ذاته على لوجوده 81
دليل وحدانية الله المسمّى ببرهان التمانع وتقرير هذا الدليل على وجه الصحة الذي لم يصبه الشيخ محمد عبده لما تحدى شيوخ الأزهر 83-84
الباب الثاني في موقف العالم من الله . وفيه فصلان الفصل الأول مسألة وحدة الوجود 85
هذه المسألة العوصاء لم تكن مسألة في الدنيا مثلها تكلم أكثر من تكلم فيها من غير فهم مغزاها ، وعلى الأقل من غير فهم منشئها ولا نبالغ إذا قلنا أن إبطال هذا المذهب أسهل من فهمه 87 - 88
صفحة فارغة في النسخة الأصلية
ومن الخطأ الفاحش أن يكون هذا المذهب حصل للقائلين به في نتيجة المكاشفة الصحيحة أو الغيبوبة العاذرة ، وإنما هو فلسفة ذات دعوى وأدلة فعلية ونقلية مبسوطة في كتبهم ... فلسفة مشتقة من فلسفة اخرى مدونة في علم الكلام مُعتَنَى بشأنِها ، وإن كانت كلتا الفلسفتين المشتقة والمشتق منها باطلة 93
خلاصة هاتين النظريتين أن أصحابهما زاعمون إطلاعهم بعد فكرة طويلة على أن حقيقة الله الوجود . فهذا الزعم قوَّلَ الصوفيةَ الوجودية في اللهِ ما لا يقوله المجانين 93
قول الإمام الغزالي في مشكاته : " ترقّى العارفون من حضيض المجاز إلى ذروة الحقيقة فرأوا بالمشاهدة العيانية أن لا موجود إلا الله " 94
وقوله : " لا إله إلا الله توحيد العوام ، وتوحيد الخواص لا موجود إلا الله " 95
لماذا سموا وحدة الموجود التي هي المعنى المقصود من مذهبهم ، بوحدة الوجود ؟ 96
المذهب الفلسفي القائل بأن وجود الله عين ذاته والذي اشتق منه مذهب الصوفية الوجودية ، مبنى على لزوم كون ذات الله تعالى بسيطاً منزهاً عن أي شائبة من شوائب التركُّب الذي هو رمز الحاجة المتنافية مع مقام الألوهية . فلا يجوز أن يكون له وجود زائد على ذاته ولو في الذهن ويلزم إما أن يكون ذاتا من غير وجود أو وجوداً من غير ذات 97
في وجود الموجود ثلاثة مذاهب 1 عين الذات في الواجب والممكن 2 وغير الذات فيهما 3 عين الذات في الواجب وغيرها في الممكن 98
تعجبي من علماء أصول الدين كيف تلقوا مذهب الفلاسفة في وجود الله المنتهى إلى القول بأن حقيقة الله الوجود ، برحابة الصدر حتى كادوا يفضلونه على مذهب جمهور المتكلمين ، في حين أنهم لم يبالوا بمذهب الصوفية الوجودية حتى أغفلوه أو تشددوا في الرد عليه ، في حين أن المذهب الصوفي القائل بوحدة الوجود مشتق من مذهب الفلاسفة في مسألة الوجود وأن هذا أصل ذاك ووالده الذي لا يقل عنه استحقاقاً للرد والإبطال 99
مذهب وحدة الوجود غير مبنى على ما يدعونه من الكشف 100
بل المسألة مسألة حقيقة الله هل هي معلومة أم غير معلومة ؟ 101
وللصوفية الوجودية ولوع بتشبث أذيال الفلاسفة في كثير من المسائل الاعتقادية كالقول بقدم العالم وعدم كون الله فاعلاً مُختاراً 101
مذهب الفلاسفة وهو كون حقيقة الله عبارة عن الوجود المجرد من الماهية ، في منتهى الغرابة 102
لو كانت حقيقة الله عبارة عن الوجود المطلق كما ذهب إليه أصحاب مذهب وحدة الوجود لكان له بعض إمكان التصور 103
منشأ الخلاف بين الفلاسفة القائلين بأن وججود الله عين ذاته والمتكلمين القائلين بأن وجوده زائد على ذاته ولو في التصور 104-106
ماذا هو اللازم أن يكون الله ليكون واجب الوجود ؟ فقال المتكلمون طريق وجوب وجود الله أن تكون ذاته مستلزمة لوجوده وقالت الفلاسفة طريق ذلك أن يكون الوجود حقيقة الله ، وليس هناك طريق لوجوب وجوده أضمن من هذا . فيلزم على مذهب المتكلمين أن تكون ذات الله موجودة قبل وجوده ، ويرد على مذهب الفلاسفة إشكالان عظيمان أولهما أن مذهبهم يتضمن تعيين الحقيقة لله الذي لا تُعلم حقيقته . وثانيهما أن الوجود معنى مصدري غير قائم بنفسه ، والمطلوب من جعل حقيقة الله الوجود جعله واجب الوجود أي موجوداً لا ينفك منه الوجود ، لا جعله وجوداً لا ينفك منه الوجود ن بل لا يصح كون الله نفس الوجود الذي ليس من الموجودات . فعند الجواب من هذا الإشكال العظيم يبدو الاضطراب والتعسّف في مذهب الفلاسفة ولا ينجيه من هذا ما وقع من المساعي المبذولة في مناصرته من أشهر مشاهير علمائنا المتكلمين 106-116
خرافة الوجود بمهنى مبدأ الآثار 116-148
فقد انجلى أن دعوة كون حقيقة الله الوجود عند الفلاسفة في غاية السقوط . وحقيقة
الأمر في ذلك المذهب أن ذات الله المجردة عن الوجود شبه الوجود في تأدية مؤداه وشبه العلم في تأدية مؤداه وشبه الإرادة والقدرة في تأدية مؤداهما ، لا الوجود بعينه ولا العلم بعينه ولا الإرادة ولا القدرة وليس كمثله شيء . فهل يكفي كون ذات الله شبه الوجود من بين أشباهها في الحكم عليها بأنها عين الوجود من غير موجود أي من غير ماهية كما هو مذهب الفلاسفة الوجودية ن أو عين الوجود في كل موجود كما هو مذهب الصوفية الوجودية 126 – 127
فقد ظهر أن فكرة وحدة الوجود تولدت من غلط فهم لمذهب الفلاسفة ، وليس المغالطون هم الصوفية الوجودية فحسب بل أنصار مذهب الفلاسفة من المتكلمين أيضا .
وكان الواجب أن يفهم قول الفلاسفة بأن وجود الله عين ذاته فهما موافقا لقولهم في صفات الله أيضاً بأنها عين ذاته ن أعني بنفي الصفات وإثبات الذات مع ترتب نتائج الصفات على الذات المحضة 127
لما كان اختلاق الوجود بمعنى مبدأ الآثار الخارجية من أعظم ما تمسّك به أصحاب الخرافة الوجودية من محققي المتكلمين الذين اختاروا ويا للأسف مذهب الفلاسفة القائلين بأن وجود الله عين ذاته ولم يستطثروا كل تكلف في الدفاع عنه – لم أستكثر أنا الآخر أيَّ وقفة التعمق في نقص ما اختلقوه من الوجود بمعنى مبدأ الآثار متوقعا من القراء المتثبتين أن لا يستكثروا هذه الوقفات ، فقلت مستمرا في نقاش المختلقين مهما كانوا من أعاظم العلماء المحققين الذين أُكبِرُهم ويكبر في عيني أن أناقشهم : 131
نقض البرهان الذي اخترعه المحقق الدواني لإثبات لزوم اتحاد حقيقة الله مع حقيقة الوجود ليكون وجوده غير محاتج إلى العلة ويكون واجب الوجود ، والمفهوم من كلام الفاضل الكلنبوي أن عماد مذهب الفلاسفة ومن تبعهم من محققي المتكلمين هو هذا البرهان 132-133
وقد رأى العجب من تعب الفاضل السيلكوتي الذي هو أحذق العلماء في حل
المعضلات العلمية ، من رآه يجتهد في استنباط الوجود بالمعنى المعروف المطلوب ثبوته للع من الوجود المبتدع الذي اضطروا إلى حمل الوجود عليه بعد أن جعلوه حقيقة الله 139-148
مذهب الصوفية أعني وحدة الوجود وإبطاله 149-199
إنهم لا ينكرون وجود العالم وإنما ينظرون إلى وجود هذه الموجودات كلها على أنه وجود الله . أما تنزيل وجود ما سوى الله بالنسبة إلى وجوده ن منزلة العدم فهو مذهبنا نحن المعارضين لمذهب الوجوديين . والوجوديون يعيبون مذهب التنزيل هذا مدعين أنه مذهب المجاز ، كما قال الغزالي وقد سبق نقله . وهناك مذهب يشبه مذهب وحدة الوجود وليس به جدير بأن يسمى وحدة الشهود ، والوجوديون يعدونه درجة أدنى من وحدة الوجود 150-151
يسمون مذهبهم مذهب التوحيد لكونهم يردون جميع الموجودات إلى موجود واحد . ولا يكون إكبارَ الله واعتبارَه فوق كل شيء اعتبارُ وجود كل شيء وجودَه ، فما هذا إلا تلبيس في معنى التوحيد وإقامة الاتحاد مقامه ن والمقصود من توحيده اعتقاد أنه وحيد في ألوهيته لا يشاركه فيها شيء من خلقه . فالقول باختلاط وجوده مع وجود كل شيء وإفناء أحد الوجودين في الآخر أياًّ كان الفاني منهما ، يُخالِفُ مغزى التوحيد ، كيف يمتاز الإله عن المألوه والخالق عن المخلوق ؟ ولذا قالوا العبد رب والرب عبد ياليت شعري من المكلف ؟ كان الوثني يشرك بالله غيره فجاءت الصوفية الوجودية فجعلت كل شيء مما جعله الوثنيون شريكه ولم يجعلوه ، عينه ، وهذا عندنا أشد من عقيدة الإشراك 153
قول العاملي في رسالته الخاصة " إذا كان الوجب تعالى واحداً شخصيًّا جزئيا كان مباينا لجميع الموجودات وكان كل من الموجودات موجوداً بوجود مستقل فيلزم إشتراكهم في الوجود الواجب ، وذلك ينافي كمال التوحيد ويلزم أن يكون الواجب تعالى في أضيق
المراتب إذ التعين المانع عن تصور الشركة أضيق المراتب ، مع أنه وصف نفسه بقوله ( واسع عليم ) – فن من فنون الجنون ، انظر عقولهم القصيرة حيث لا يجيزون وجود الموجودات بإيجاد الله احترازاً عن كونها شركاء لله في الوجود ن ومن أين يدرون أن الوجود لا يكون إلا واجباً لولا زعمهم أن الوجود هو الله ؟ 153-154
قد يزعم زاعم أن يكون كل موجود في العالم على مذهبهم متضمنا لجزء من الله الذي هو الوجود ويكون الله كل هذه الموجودات المجموعي ، وإليه يميل مذهب الاتحاديين الغربيين " بانتائيزم " لكن الظاهر من فحص أقوال الصوفية الوجودية المعدودين من المسلمين أنهم يعتبرون الله مطلقا وكليًّا لا كُلاًّ والموجودات أشبه بأن تكون أفراد الكُلِّي لا أجزاء الكل وهنا دقة المسألة وغموضها : فكل موجود هو الله ومع هذا فالله واحد لا يتعدد 155
واعتبارهم الله كليا معروف فيما بينهم حتى إنهم لجأوا من هذا إلى ادعاء وجود الكلى الطبيعي في الخارج . وفي الغرب اليوم نضال بين مذهبي الإله الشخصي والإله غير الشخصي ، ولم يدع أحد هناك التأليف بينهما ، في حبن أن دعوى التأليف قديمة في الصوفية . ونعم ما قال " من دوبيران " " إن للعلم قطبين أحدهما أنا الشخص الذي يُذهَب دائما منه والآخر " الله " الشخص الذي يوصَل دائماً إليه " 157-158
إن الواحد والكثير إن لم يكونا غيرين يجب أن يكون أحدهما غير موجود ليندرج في الآخر ، فالواحد لا يكون كثيرا من دون أن يكون الثاني غير الأول ن فتنتقض الوحدة أو يكونَ أحدهما غير موجود والموجودان لا بد أن يكونا غيرين . فنحن نقول للتأليف بين كثرة أراد الإنسان وبين وحدة الماهية الكلية الإنسانية : إن الكثير موجود في الخارج والواحد الكلي غير موجود في غير الأذهان وإنما وجوده بوجود أفراده ، وهم يقولون للتأليف بين وحدة الوجود المطلق الذي هو الله وكثرة الموجودات المحسوسة : إن الواحد موجود والكثير غير موجود وإنما ذلك الواحد ظهر في هيئات متعددة
الصفحه اربعمائه وواحد وسبعون
و صور مختلفة لكن بداهه الحس تشهد بما قلنا لا بما قالوا160 فكره وحده الوجود لم تحصل في معتقديها بالكشف والتجلي كما يزعمه الزاعمون 161 قول العالمي بجواز تجليه سبحانه وتعالي بكون الصور الأرضية والسمائية صور تجليات الله وشئون ظهوراته قياسا علي ما في القرآن من تجليه لسيدنا موسي بصورة نار في شجرة وفي الحديث (رأيت ريب علي صورة شاب أمرد الخ) والجواب عليه وعلي اقواله الأخري 162-166 قول العلامة الشريف في شرح المواقف عند قول المصنف في بيان أن الوجود مشترك دون الماهية: (لأن حقائق الموجودات متخالفة بالضرورة وما يقال من أن الكل ذات واحدة تتعدد بتعدد الأوصاف فالمتقيدون بطور العقل يعدونه مكابره لا يلتفت إليها )166 بيان السلكوتي الذي أجمل فيه مذهب وحدة الوجود ونقدة166-168 خرافة أخري للصوفية أخترعها زعيمهم صاحب الفصوص ورأي فيه حل مشكلة الجبر والقدر 168-170 ليس معني كون أي مذهب من المذاهب وراء طور العقل إلا مصادمته ببداهة العقل الذي هو مدار كوننا مكلفين بالعقائد لا أن العقل لا تصل إليه ويقف دونه مع الأعتراف به 170-172 ولهذا نعد قولي صاحب الأسفار المختلفين في إكبار العقل تلعثما وتناقضا وكذا ما نقله عن الغزالي (أنه لا يجوز في طور الولاية ما يقضي العقل باستحالته نعم يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقصر العقل عنه بمعني أنه لا يدرك بمجرد العقل ومن لم يفرق بين ما يحيله العقل وبين ما لا يناله العقل فهو أخس من أن يخاطب ) ثم نقل عن قاضي القضاة الهمذاني أن العقل ميزان صحيح وأحكامه صادقة يقينية لا كذب فيها وهو حاكم عادل لا يتصور منه جور ثم قال صاحب الأسفار :( فالحق أن من له قدم راسخ
الصفحه أربعمائه أثنان وسبعون
في التصور والعرفان لا ينفي وجود الكائنات )172 قول للعالم التركي مترجم (مطالب ومذاهب )ساقه في انتقاد النصرانية ونحن نطبقه مع تحبيذه علي مذهب الصوفية الوجودية أيضا علي الرغم من جنوح صاحب القول لهذا المذهب 172-173 وقال الكلنبوي معلقا علي قول الغزالي : ( ترقي العارفون من حضيض المجاز إلي ذروة الحقيقه فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا الله ) ما معناه أن السوفسطائي ينكر وجود العالم المحسوس بالمرة والصوفية الوجودية إنما ينكرون كون وجود تلك المحسوسات وجدودها نفسها ويدعون أنه وجود الله وخلاصة مذهبهم أن العالم موجود باعتبار أنه الله واعدوم باعتبار أنه العالم والسبب الأصلي في ذلك أن الوجود هو الله ولا أدري أي المذهبين السوفسطائي أو الصوفي الوجودي أشد بطلانا من الآخر ؟ وقد صرحوا بـنه لا طريق للوصول إلي هذا المذهب إلا بالكشف الذي نسبته إلي العقل كنسبة العقل إلي الوهم كما شبه الغزالي العلم الظاهر بمكان وضيع لا يري منه شئ بعيد عن أطوار العقل وأنا أقول هذا استهانة ظاهرة بالعلم الظاهر المأخوذ من الكتاب والسنة وبالعقل الذي كرم الله به الإنسان وجعله أهلا للخطاب ومناقض لقول صاحب الأسفار من أحمس أنصار الصوفية : ( ما أشد في السخافة قول من اعتذر من قبلهم أن أحكام العقل باطلة عند طور وراء طور العقل كما أن أحكام الوهم باطلة عند طور العقل ) أما ان نسبة الكشف إالي العقل كنسبة العقل إلي الوهم فقد صرح به كثير من محققيهم كالفاضل الجامي في (الدرة الفاخرة) بل الغزالي أيضا في قوله المنقول آنفا أليست هذه الدعوي ضد العقل تذكرنا قول سن طوماس (الحقائق الإلهية كالتثليث والذنب الفطري لا تنافي العقل وإنما هي فوق العقل ومن أجل ذلك موضوع الايمان بغير تعقل وعندي أن طريق الوصول إلي عقيدة وحدة الوجود مكشوف أمام العقل فهي مبنية علي الفلسفة القائلة بأن حقيقة الله الوجود)173-176
الصفحه اربعمائه وثلاثه وسبعون
صاحب الأسفار بين سكرة ضلالة المحاباة للمذهب الوجودي وبين صحو الرجوع إلي صوابة176-184 كنت أريد أن أبين المذهب الوجودي بكون الله عنصر الموجودية في الأشياء أو كونه هيولي الوجود ومادته والأشياء هي الصور لتلك المادة ولكني ما كنت أجترئ علي هذه التعبيرات فإذا بي أج تعبير الهيولي والمادة في كلام صدر الدين الشيرازي وصدر الدين القونوي والتشبيه بالهيولي جاء في الفصوص أيضا وفضلا عن هذا فالله تعالي عند تحليل الممكن في صاحب الأسفار يكون هو الممكن نفسه غير مقتصر علي مادة الممكن بل المادة والصورة معا أليس صاحب الفصوص رئيس الطائفة الاتحادية؟ وإن كانت الطائفة وأنصارها يتبرؤون عن القول بالاتحاد قائلين بأنه إن لم يتصور بين موجودين ومعترفين في هذا الجواب بما هو أشد و أشنع ولا يدري من انخدع بقول رئيس الطائفة (ما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد )أن معناه عدم كفاية القول بأن العالم متحد مع الله لكونه دون القول بما هو المطلوب الذي هو كون العالم عين الله 185 وقال القاضي عضد الدين في المواقف0 إن الله تعالي لا يتحد بغيره ولا يجوز أن يحل في غيره والمخالف في هذين الأصلين طوائف :الأولي النصاري والثانية النصيرية والاستحاقية من الشيعة والثالثة بعض الصوفية وكلامهم مخبط بين الحلول والاتحاد ورأيت من الصوفية الوجودية من ينكرة ويقول لا حلول ولا اتحاد إذ كل ذلك يشعر بالغيرية ونحن لا نقول بها وهذا العذر أشد قبحا وبطلانا ) وقال شارح المواقف السيد الشريف الجرجاني (إذ يلزم تلك المخالطة التي لا يجترئ علي القول بها عاقل ولا مميز أدني تمييز )وأنا أقول ليس بمستغرب أن يسكت شارح المواقف عن مناصرة مذهب الصوفية الوجودية مع كونه نفسه من الصوفية وإنما المستغرب كون كثيرين من أجلة العلماء المتقدمين كالغزالي والفناري والجامي والدواني والسيلكوتي والكلنبوي حتي صديقي العالم الكبير المعاصر مترجم كتاب بول زانه راكنين إليه 187
الصفحة اربعمائه اربعه وسبعون
قول صاحب الفصوص (شهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله وأعظم الوصلة النكاح فشهود الرجل للحق أتم وأكمل من حيث هو فاعل ومنفعل ) أقول وهذا أفظع مما في دين الأشراف الذي ابتدعه هو كوست كونت زعيم الفلسفة الوضعية (يوزيتيويزم)من اتخاذ المرأة معبودا أعظم وأقول أيضا مذهب وحدة الوجود هو الذي يجرئ كثير من الغافلين من أولياء الله العارفين ويسمس بالشيخ الأكبر من المجانين قإن صح المذهب صح كل ما يترتب عليه من السخافات وكان قائلها معذورا كما قيل : ( فتصرف كيف شئت ولو أختك وأمك )لأن كل قائل وكل فاعل هو الله الذي لا يسأل عما يفعل وليس منشأ الفساد والضلال هو مذهب وحدة الوجود بل المشأ الأول هو المذهب القائل بأن حقيقة الله الوجود 187-188 إذا كان الله عبارة عن الوجود المطلق المنبسط علي الموجودات المتشخص بإطلاقه وليس له مشخص غير هذا مستقل عن العالم إذا كان الأمر كذلك فقولهم العالم معدوم والله موجود لا يبعد أن يكون معناه لأن العالم موجود والله معدوم 188-189 قوله في فص نةح (إن للحق في كل خلق ظهورا خاصا وهو الظاهر في كل مفهوم وهو الباطن عن كل فهم الأفهم من قال إن العالم صورته وهويته وهو أي العالم الاسم الظاهر ومنشأ عدم الإحاطة بالله عدم إمكان الإحاطة علما بالعالم ) ومن العجب المهش أنهم كانوا يدعون عدم العالم ووجود الله وحده فإذا بهم يجعلونه عبارة عن العلم الذي قالوا بعدمة 191-192 ولهذا قلنا فيما سبق ان المذهب الفلسفس تاذي يعتبر الله روح العالم أقرب إلي العقل بالنسبة إلي مذهب وحدة الوجود الذي يعتبره عين العالم 192 ماذا كان دليلنا لإثبات وجود الله وجود العالم المحكاج إلي إيجاده فمعني المذهب الوجودي أن العالم مستغن عن اله لانطوائه علي الله 193
الصفحه اربعمائه خمسه وسبعون
وفي فص هود :( فهو الكون كله ولهذا لا يؤوده حفظ الكون بأرضه وسمائه) وقال الشارح عبد الغني (فهو كل الأرواح وهو كل الأجسام وهو كل الأحوال والمعاني وهو النمزه عن الجميع ذلك إذ لا وجود إلا وجوده )193 وفي فص هود أيضا (هو الإنسان الكبير الذي له أيضا صورة ظاهرة وروح مدبرة والله مجموع الصورة والروح ) وقال عبد الكريم الجيلي في (الإنسان الكامل) (لا تقل أين الله وأين العالم فما ثم إلا الله المسمي بالعالم )وقال الشيخ الأكبر:
نحن المظاهر والمعبود ظاهرنا ومظهر الكون عين الكون فاعتبروا
194 وإذا كان الله عبارة عن العالم الذي لا يتحقق ما يتحقق منه إلا ويبقي منه مالم يتحقق لزم أن يكون الله لم يتحقق بتمامه بعد وهذا كقول ثه ريزمن ومتره أفكار من فلاسفة الغرب الاتحاديين (لم يكن الله قبل المخلوقات194-195 وقال الشيخ في الفص الأخير : (لا يشاهد الحق مجردا عن المواد ابدا) وقوله هذا عندما ادعي (أن كمال شهود الحق شهوده في المرأة وأن أعظم الوصلة إلي الله النكاح والوقاع وأنه لهذا أحب النبي صلي الله عليه وسلم النساء وأنه لو علم الناكح روح المسألة لعلم بمن التذ؟ومن التذ؟)أي لعلم من الملتذ بها ومن الملتذ؟ يعني أن الناكح والمنكوحة حتي الزاني والزنية كليهما واحد وهو الله وانظر ما قاله في الفص نفسه قبل أسطر ) :إن الشهوة تعم أجزاء الرجل كلها عند جماع المرأة ولذلك أمر بالاغتسال فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة فإن الحق غيور علي عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره فطهره بالغسل ) فهو يخطئه في اعتقاد أنه يلتذ بغيره لا في التذاذ ه بغيره ومؤداه أنه لو علم حقيقة المرأة التي التذ بها لما وجب عليه الغسل أو علي الأقل لا يجب علي المعتقدين بوحدة الوجود فمن الملتذ بها ومن الملتذ ومن المغتسل ومن الآمر بالاغتسال؟ كما قال الشيخ في فص إدري : ( ومن أسمائه العلي علي من؟وما ثم إلا هو)فهل يعني الشيخ لأنه لا معني لإسمه (العلي)؟وقال في فص هود:
الصفحه اربعمائه وسته وسبعون
في كبير وصغير عينه وجهول بأمور وعليم
ولهذا وسعت رحمته كل شئ من حقير وعظيم195-196
وفي فص لقمان فسر الظلم بالجهل في قوله تعالي : ( إن الشرك لظلم عظيم ) وعلله بقوله: (فإن المشرك لا يشرك به غلا عينه وهذا غاية الجهل)أقول ولا يدري الشيخ أن هذا ليس تجهيلا للمشرك فقط بل تجهيل أيضا لله الذي عبر في كتابه عن فعل المشرك بأنه يشرك بالله غيره كقوله : ( أيشركون بالله ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ) و قوله : (قل أرئيتم ما تدعون من دون الله)الخ196 دعوي الفاضل الجامي أن الصوفيه يوافقون الفلاسفه في قولهم بقدم العالم ويخالفونهم في قولهم بأن الله تعالي فاعل موجب لا فاعل مختار دعوي غير ناجحة أما حديث (كان الله ولا شئ معه) فهم أفسدوا معناه بالزيادة التي عزاها بعضهم إلي علي كرم الله وجهه وبعضهم إلي جنيد صاحب الأسفار أميل إلي مذهب الفلاسفة منه إلي مذهب الصوفية 200 عود إلي بيان مذهب الفلاسفة مرة ثانية200_255 لا لزوم لإرجاع قول المتكلمين في تفسير وجوب وجود الله إلي كون ذاته علة لوجوده حتي يرد عليهم اعتراض المحقق الطوسي المذكور سابقا بأنه يستلوم تقدم ذاته علي وجوده بل الواجب أن يقال أن وجود الله ضروري لوجود العالم غير معلل ولا محتاج إلي العله كوجود الممكنات والضرورات لا تعلل فقد قلنا أن سبب وجود العالم وجود الله أما سبب وجود السبب فإدراكه فوق عقل البشر ولو بحثنا عن سبب وجود السبب لزم التسلسل فخلاصته ما ذكرنا تفسير وجوب وجود الله بمعني سلبي لعدم السبيل إلي تفسيره بالمعتي الإيجابي لأن ذلك متوقف علي معرفة حقيقته تعالي201-201 إني متعجب مثل الإمام الرازي وآسف زيادة عليه من كوني اري أجلة علمائنا المتكلمين المتأخرين قد سحر عقولهم مذهب الفلاسفة القائل بأن حقيقة اله الوجود المجرد من الماهية فداسوا في سبيل تأييد هذا المذهب كل قواعد العقل والمنطق وحسبوا
الصفحه اربعمائه وسبعه وسبعون
أن وجود الله المجرد عن الماهية يمكنه أن يخرج علي نظام الوجود فيجوز له ما لا يجوز لمطلقه 208-214 اعتراضي علي مذهب الفلاسفه الوجودية القائلين بأن الله هو الوجود المطلق المنبسط علي جميع الموجودات لأن الوجود إن كان واجب الوجود كان منشأ ذلك أنه وجود وأنه يستحيل انفكاك الشئ من نفسه كما عللت الفلاسفة أنفسهم فيكون الوجود أينما كان واجب الوجود وإن لم يكن الوجود واجب الوجود فلا يكون الوجود المجرد عن الماهية ولبا الوجود الخاص واجب الوجود إذ لا معني لكون منشأ وجوب الوجود تجرده عن ماهية يضاف إليها لأن التجرد لا يجعل غير الواجب واجبا ولا غير المستقل مستقلا ولا غير الموجود موجودا أما كون منشأ وجوب الوجود وجودا خاصا فإن كان المراد أي وجود خاص كان فهو يفضي إلي تعدد الواجب بعدد الوجودات الخاصة للأشياء كما كان في مذهب وحدة الوجود أو بالأصح كما لزم ذلك المذهب وإن كان المراد الوجود الخاص الكائن حقيقة الله فمرجعه إلي التحكم المحض أو إلي الدور والمصادرة في تصوير المسألة213-214 وقد اعترض عليه أيضا بأن الوجود معلوم بديهي المفهوم فكيف يجوز أن يكون حقيقة الله الذي لا نعلم حقيقتة؟ولا يجدي الجواب عليها بأن المعلوم هو الوجود المطلق لا الوجود الخاص لأنهم إن كانا يعلمون كنه الوجود فلا يجوز كونه حقيقة الله وإن كانوا لا يعلمونه فكيف يجترئون أن يجعلوا حقيقة الله ما لا يعلمونه فهذا ترديد لا يعزب الوجود المطلق ولا الوجود الخاص وزيادة علي هذا فالوجود الخاص الذي لا يعلمون حقيقته يلزم أن لا يكون معلوما لهم أنه حقيقة الله بل ولا أنه يصح إطلاق اسم الوجود عليه هذا مع أني أعلم كونهم يعلمون معني الوجود وقد راقهم ما يعلمون من معناه حتي جعلوه حقيقة الله وهو الكون في الأعيان وحتي فضلوه علي الموجود الكائن لكونه يقبل العدم ولا يقبله الوجود وحتي أنهم علموا كونه معني مصدريا
الصفحه اربعمائه وثمانيه وسبعون
غير قائم بذاته ولا موجودا في الخارج فاستعانوا من اختصاصه بالله ليجعلوه موجودا قائما مقترفين في هذه الاستعانة خطأ كبيرا آخر 214-216 وهنا دعوي باطلة شائعة بين الصوفية الوجودية وأنصار الفلاسفة:وهي لأن الوجود موجود بنفسه والموجود موجود بالوجود فعلي هذا يكون الوجود أحق باسم الوجود من الموجود ثم اختلقوا له مثالا فقالوا كما أن المضئ كالشمس مضئ بالضؤ والضوء مضئ بنفسه 216-240 نعم هنا نقطة في غاية الدقة وهو أن الوجود الذي ليس بموجود في الخارج منذ كان لا يكون عدما حتي ولو فرض انعدام الموجودات بأسرها إلا أن ذلك ليس لأن الوجود موجود يمتنع عدمه بل لأنه مفهوم ذهني وماهيه من الماهيات لا يمكن سلبها عن نفسها وامتناع سلب الشئ عن نفسه حقيقة معترف بها عندنا وعند الوجودين إلي حد لأنه كان أول دافع لهم إلي الأغاليط والأضاليل223 مدعو موجودية الوجود لا يرضون مع ادعائهم أن يكون للوجود وجود فيتسلسل الوجودات فهل سمعتم موجودا لا وجود له؟ ومن هذا يلزم أن يفهم أن الوجود موجود بنفسه وبالنظر إلي ادعاء صاحب الأسفار أن الوجود موجود وأن الذي يعبر عنه بالموجود أي المتصف بالوجود معدوم 225-226 فوجود زيد مثلا إذا كان موجودا لكونه وجودا ولم يكن زيد نفسه موجودا لكونه موجودا فلا يكون شئ أغرب من هذا نعم كون الأشياء معدومة والموجود هو الوجود صحيح علي مذهب القائلين بوحدة الوجود فلا موجود غندهم غير الوجود إلا أن هذا الوجود الذي هو الموجود الوحيد عين ذات الله وهم لا يعترفون بوجودات خاصة سوي وجود الله أما صاحب الأسفار الذي يتمذهب بمذهبي الفلاسفة والصوفية معا فيعترف بوجودات للاشياء موجودات فكان كأنه يشرك بالله الذي هو الوجود
الصفحه اربعمائه وتسعه وسبعون
وجودات غيره ولهذا ورد الاعتراض علي دعوي أن الوجود موجود بذاته بلزوم أن يكون كل وجود في كل موجود واجب الوجود إذ لا معني لواجب الوجود إلا الموجود بذاته فخلاصة النقظة التي فيها غش التفكير من نظرية الفلاسفة الوجودية أن الوجود الخاص الذي فرض كونه حقيقه الله في هذا المذهب يعطي دون سائر الوجودات الخاصة امتيازات الوجودية والقيام بنفسه والقيومية لغيره التي هي امتيازات الله الخاصة الثابتة له بأدلة إثبات الواجب227-230 والحق الذي لا يفوت العاقل بين تهويشات المفتونين أمور : منها أن الوجود غير الموجود باتفلق بيننا وبين طائفتي الوجوديين وغير الموجود غير موجود وعلي الأقل أنه أي الوجود لا يوجد في غير الموجود لانه معني مصدري غير قائم بنفسه وقول صاحب الأسفار والعلامةالتفتازاني والفاضل الكلنبوي إن المراد ليس مفهوم الوجود الذي هو المعني المصدري بل ما صدق عليه الوجود لا يجدي في دفع الاعتراض ومنها أن الوجود لو فرضنا أنه موجود فلا نسلم أنه موجود يتضمن الوجوب بطبعه حتي يستحق بهذه الخاصية أن يكون حقيقة الله وعين ذاته واستدلالهم عليه بأن الوجود لا ينفك من نفسه أي الوجود وهذا معني وجوب الوجود مغالطة لأن استحالة انفكاك الوجود من نفسه تكفل له ضروريا كونه وجودا لا كونه موجودا وواجب الوجود موجود 231-232 أول دافع لي إلي تدقيق مذهب الفلاسفة والتعمق في نقده 232 كنا قد سمعنا أمما جاهلية عبدوا الشمس أو النجوم أو الأوثان ولم يخطر بالبال أن أناسا من العلماء والحكماء والعرفاء يبلغ بهم السخف والسفه أن يكونوا عبدة الوجود الذي هو غير الموجود أو علي الأقل شئ غير مستقل بالمفهومية والموجودية 237 ليس أهم مهمتي في هذا البحث من الكتاب رغم كونه معقود الدرس مسأله وحدة الوجود أبطال مذهب الصوفية الوجودية لأنه غني عن الإبطال باعتراف أهل المذهب
الصفحه اربعمائه وثمانين
أنفسهم بأنه وراء طور العقل وبما يترتب عليه من الأقوال الجنونية التي نجدها مكتوبة في (الفصوص)وغيره وإنما أهم مهمتي التي يمتاز به هذا الكتاب إن شاء الله إبطال مذهب الفلاسفة الذي يقام له وزن كبير في علم الكلام240 ومن العجب أن مذهب الفلاسفة أتمة الصوفية وتوقفوا هم أنفسهم في منتصف الطريق كما غيروا معني الوجود الذي تمسكوا به أولا وأعظموه إلي حد التأليه فنقضوا أساس كشفهم الذي أعجب الصوفية بأيديهم والمذهب الصوفي الذي تقهقر الفلاسفة في طريقهم إليه كيلا يقعوا في هاويته يلاحقهم فيلحقهم في كل خطوة من خطوات فرارهم آخر تلخيص للمقام في نقد المذهبين 244-255 المطلوب من وجوب وجود الله وجوب كونه في الأعيان لكونه وجودا بمعني غير معروف وإذا اعترف بالوجودين أحدهما ذات الله وماهيته والآخر وجود الوجود الذي هو ذاته وماهيته زيادة علي الوجود الذي هو الذات فهذا اعتراف من الفلاسفة بزيادة الوجود علي الذات التي هي مذهب جمهور المتكلمين ؟ وإنما الفرق بين المذهبين أن الفلاسفة يعينون حقيقة الله أنها الوجود ولا تعيين لحقيقة الله في مذهب المتكلمين وهو ليس بمنقصة لذلك المذهب بل مزية 247 وصفوة القول ان وجود الشئ لا يكون إلا زائدا علي نفسه خارجا عن حقيقته ولكونه خارجا عنها وكونه وصفا اعتباربا غير موجود في الخارج لا يحصل به التركيب وأن المعروف من وجود الشئ أو عدمه كونه في الأعيان أو عدم كونه فيها وليس المطلوب من وجود الله إلا أن يكون وجوده بهذا المعني مضمونا غير منفك عنه ولا حاجة للحصول علي هذا الضمان إلي فرض كون الله نفس الوجود مادام الفارض مضطرا إلي تفسيره بمعني غير المعني المعروف وغير المعني المطلوب كونه مضمونا له وإلي أن يلحق بفرضيته دعاوي لا يمكن إثباتها وأن يقع في ارتباكات لا يستطيع التخلص منها ومن تبعاتها ولاشك أن كون الله موجودا أظهر وأصح من أن يكون وجودا حتي إن القائلين بكونه وجودا يعودون فيسعون لجعله موجودا مع أن الموجود
الخارجي ما يكون الخارج ظرفاً لوجوده لا ما يكون الخارج ظرفا لوجوده لا ما يكون الخارج ظرفا لنفسه 250 – 251
أما وجوب وجود الله فوضع ضمان له بفرض أن يكون ذات الله هي الوجود لا يتم إلا بفرض ثان هو أن الوجود أيضاً ذات الله ومعناه أن الله لا يتضمن وجوب الوجود للوجود إلا بأن يكون الوجود عبارة عن ذات الله ، وهذا دور ومصادرة يدلان دلالة واضحة على أن الوجود لا يستحق أن يفرض كونه الله الغني عما سواه 252
فإذا لم يتسن الإيضاح لكيفية وجوب وجود الله بفرض كون الله الوجود نفسه فالأسلم أن يكتفي ببنائه على أدلة وجود الله الإنية فيقال : معنى وجوب وجود الله أن وجوده ضروري لوجود العالم وإن كان وجود العالم غير ضروري في حد ذاته .
ونقطة الانتقال من العالم غير ضروري الوجود إلى موجده الضروري الوجود أولُ مرحلة يتجمد فيها عقل الملحد الغربي وعقول مقلديه في الشرق ، يتجمد فيقول بوجود العالم من غير موجِد ويتبعه عقول مقلديه من ملاحدة الشرق . وفي مقابل هذه العقول الجامدة يقوِّل الفيلسوف أميل سسه عقله الحي : يمكنني أن أتصور عدم وجود الله والعالم معا ولا يمكنني أن أتصور عدم وجود الله مع وجود العالم " 252 – 254
مما يخص مذهب الصوفية الوجودية من النقد أن حديث الخلق الذي ملأ كتاب الله يلزم أن يكون على هذا المذهب حديث خرافة 255
ادعاء مؤلف " اضمحلال مذهب الماديين " العجيب أن في عقيدة وحدة الوجود مزية حث الناس على التحاب فيما بينهم وإزالة الأحقاد والخصومات ، وأعجب منه وأضل قوله : " إن التجارب العلمية الكاشفة عن ظاهرات غريبة روحية في جميع نواحي الطبيعة حتى في الخلايا والمكروبات ، ألهمت علماء العلوم المثبتة لزوم البحث عن العلة الأولى
( 31 – موقف العقل – ثالث )
لا في بعد كخارج العالم بل في أقرب الأقارب بل في وجود الكائنات نفسها " 256 – 257
وللصوفية الوجودية مع عقيدة عدم وجود شيء غير الله عقائد أخرى تناقضها ، فمنها أن العالم بجميع أجزائه أعراض قائمة بالله . ومنها أنهم يدعون كون العالم ينعدم في كل آن ثم يوجد من جديد 258 – 262
قول صاحب الأسفار بهذا الخلق المتجدد مع كونه لم يترك تشنيعا إلا أمطره على المتكلمين القائلين بإعادة المعدوم بعينه في النشأة الثانية 261
قول صاحب الفصوص بالخلق الجديد في مسألة الإتيان بعرش بلقيس قبل أن يرتد طرف سليمان إليه وقوله بتكوين الشيء نفسه في قوله تعالى ( إِنَّماَ أَمْرُناَ لِشَيْءٍ إِذاَ أَرَدْناَهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونْ ) 262
التوسع في تفسير معاني القرآن إلى حد التلاعب به شنشنة متبعة لصاحب الفصوص وغيره من الصوفية الوجودية . من قولهم بأن " رسل الله الله " مبتدأ مع خبره في قوله تعالى ( وَإِذاَ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتىَ مِثْلَ ماَ أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِساَلَتَهْ ) 263
ومن ذلك التحريف قولهم " بأن الله كل شيء " تمسكاً بقراءة رفع الكل الشاذة في قوله تعالى ( إِناَّ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناَهُ بِقَدَرْ ) 264
ولهم آيات وأحاديث أخرى يتلاعبون في تفسيرها 264 – 266
نقل " صاحب العلم الشامخ " عن فتوحات الشيخ الأكبر بعد كلام في ذكر أهل النار يفضل المشركين على الموحدين بقدر إشراكهم 267
أما حديث " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ....) فمن أكبر حججهم 268
وقالوا إن الله يطلب من عباه أن يكونوا عباده المخلصين فلا يستعينوا بغيره أليس الله بكاف عبده ومع هذا لا يخلو كل عبد مخلوق أن يحتاج إلى مخلوق . فإذا رحم الله المفتقر إلى غيره علّمه بمعرفته وشهود وجهه في كل شيء فخلصه من الشرك . فإن قلت لهم هذا هو الشرك بعينه أجابوا بأن الشريك لا يكون عين الشريك ونحن نقول بإن الله عين كل شيء !! فما أعلمهم بالحيل وما أحذقهم قاتلهم 269 – 270
وقالوا في قوله تعالى ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ) إنما اختص الذكر لصاحب القلب لتقلبه في أنواع الصور والصفات فيعلم أن الحق هو المتجلي في كل صورة ويعبده ، لم يقل لمن كان له عقل فإن العقل قيد فيحصر الأمر في نعت واحد والحقيقة تأبى الحصر 269 – 270
قال في فص هود : فهو عين الوجود وهو على كل شيء حفيظ فهو الشاهد المشهود وهو روح العالم المدبر وهو الإنسان الكبير وقال الشارح عبد الغني النابلسي فهو كل الأرواح وهو كل النفوس وهو كل الأجسام وهو كل الأحوال والمعاني وهو المتنزه عن كل ذلك 272
وقال الشيخ الأكبر أيضا في فص هود " إياك أن تتقيد في الله بعقد مخصوص وتكفر ما سواه فيفوتك خير كثير فإن الله تبارك وتعالى عظيم من أن يحصره عقد دون عقد وهو يقول ( فَأَيْنَماَ تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) ووجه الشيء حقيقته . " ومثله قوله في فص نوح عند تفسير قوله تعالى ( وَلاَ تَذَرُنَّ وَداًّ وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراَ ) " فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء فإن للحق في كل معبود وجهاً يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله "
تذييل :
رأى الإمام الجليل الرباني مجدد الألف الثاني صاحب " المكتوبات " في مسألة وحدة الوجود والشيخ الأكبر 275 – 299
قوله إن الأنبياء عليهم السلام أحق بتبليغ ما هو مطابق لنفس الأمر ، فإن كان الوجود واحداً فلماذا أخفوه وأظهروا خلاف نفس الأمر خصوصاً في الأحكام التي تتعلق بذات الله وصفاته ؟ 281
إن الشيخ المجدد رحمه الله عند انتقاده لعقيدة وحدة الوجود يخفى عليه شيء هو مفتاح تلك العقيدة ، كما خفي على معتقديها تقليداً لزعمائها وقد امتاز أثرنا هذا بالكشف عن هذا المفتاح وهو الفلسفة القائلة بأن حقيقة الله الوجود المطلق 278
يتصور الشيخ المجدد التوحيد الوجودي غلطاً من التوحيد الشهودي . وعندي أن مؤسسي هذا المذهب ليسوا غافلين لحد أن يظنوا الموجود معدوما وما سوى الله عينه ، وإنما قاتل الله فلسفة الوجود التي أطلقت أنفاسي في توضيحها 289 .
رؤية الحق تعالى كل يوم ومكالمته بقية ثلث الليل أو ربعه إلى صلاة الصبح التي ادّعاها بعضهم وتعجب منه المجدد رحمه الله وشدَّدَ في الرَّدِّ عليه ن من الأمور البسيطة العادية عند القائلين بفلسفة الوجود المطلق التي مؤدّاها أن يكون كل موجود عين الحق تعالى 291
قوله ينبغي للسالك قبل بلوغه كنه الامر أن يعد تقليد علماء أهل الحق لازماً لنفسه مع مخالفة كشفه وإلهامه وأن يعتقد العلماء محقين ونفسه مخطئاً لأن مستند العلماء تقليد الأنبياء عليهم السلام المؤيَّدين بالوحي المعصومين عن الخطأ ، وكشفه وإلهامه على تقدير مخالفته للأحكام الثابتة خطأ وغلط 297
ما اختاره المجدد رحمه الله لا يختلف في صميم المعنى عن مذهب الفلاسفة الذي أبطلناه مع مذهب الصوفية 302
لا منجاة عند القول بكون وجود الله عين ذاته من إحدى العظيمتين الدور والمصادرة أو الوقوع في هاوية وحدة الوجود 306
النظرة الأخيرة في المسألة بمناسبة انحياز الشيخ المجدد رحمه الله إلى مذهب الفلاسفة 307 – 315
الفصل الثاني مسألة حدوث العالم 316
لما خصصنا الفصل الأول من الباب الثاني لدرس مسألة وحدة الوجود ومنشئها الذي هو عبارة عن تعيين حقيقة الله على أنها الوجود أردنا أن نبين في هذا الفصل الثاني موقف العالم الحقيقيَّ من الله ، وهو أنه ما سوى الله ومخلوقاته الحادث أي الكائن بعد إن لم يكن 318
ما وقع لابن رشد من غفلة الاستخفاف بمسألة قدم العالم أو حدوثه من ناحية الدين 319
إذا كان القائلون بقدم العالم يعترفون باستناد العالم إلى الله استناد المعلول إلى علته كانت حاجته إلى وجود الله لا إلى إرادته وحاجتُه إلى فاعليته لا تتحقق إلا بالاستناد إلى إرادته التي هو مختار فيها 320
قول صاحب الأسفار " المريد هو الذي يكون عالماً بصدور الفعل غير المنافي عنه وغير المريد الذي لا يكون عالماً " رد الإرادة إلى العلم 320 – 321
لا يمكن أن يكون القديم أثر الفاعل لا الفاعل المختار ولا الفاعل الموجب وإن كان المعروف في علم الكلام أن القديم لا يكون أثر الفاعل المختار 322
إني متعجب من الإمام الغزالي الذي لم يجوِّز الفاعل والمفعول القديمين كيف جوَّزَ أن تكون العلة ومعلولُها قديمَين 323
فعلى ما ذكرنا لا يكون القديم إلا واجباً والإمكان ينافي القديم ، ولا يصح قول الفلاسفة بإمكان العالم وقديمه معاً ، ويسقط الخلاف المشهولا بين الفلاسفة والمتكلمين في أن المحوج إلى العلة الإمكان أو الحدوث وتسقط الأقاويل حول أزلية الإمكان واستلزامه لإمكان الأزلية 324
لا يتصور إيجاد الموجود أزلاً الذي لم يسبق وجودَه العدم لأنه تحصيل الحاصل ن ولا سبيل لحل هذا الإشكال بما اشتهر عند المؤلفين من علمائنا وتمسك به صاحب الأسفار من أنه إيجاد الموجود بهذا الإيجاد لا إيجاد الموجود بإيجاد متقدم على هذا الإيجاد 325
عود إلى تعيين المحوج : هل هو إمكان المحتاج أو حدوثه ؟ والحق عندي الثاني ، على الرغم من أن بعض المحققين من المتكلمين متفقون في الأول مع الفلاسفة . ولعل سبب خطأ الفلاسفة قولهم بقدم العالم وخطأ البعض من محققي المتكلمين قولهم بإمكان صفات الله مع قدمها . وقد أصاب فلاسفة الغرب في تعيين المحوج إلى العلة حيث قالوا عند وضع مبدأ العلية " كل حادث له علة " 330
كون الله تعالى مختاراً في أفعاله على معنى " إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل " لا يضمن له الاختيار التام لكون عبارتهم الخاصة بالمعنى الأول تدع الباب مفتوحاً لاحتمال أن لا يكون الله قادراً على إرادة ترك الفعل فيكون مجبوراً على أن يفعل دائماً ويشاءَ الفعل ويصحُّ مع ذلك أن يقال عنه : " إن لم يشأ لم يفعل " إيهاماً لمختاريته في ترك الفعل كمختاريته في الفعل ، مع أنه غير قادر على الترك لتعذر مشيئته أي مشيئة الترك عليه ، فلو كان له أن يشاء ترك الفعل لترك وكانت العبارة عند ذلك تحولت إلى المعنى الثاني الذي يقول به علماؤنا المتكلمون .
فلنا نحن أن نقول بدل قول الفلاسفة في الجملة الثانية من عبارتهم " وإن لم يشأ لم يفعل " : ولو شاء لم يفعل " لعدم تغير المعنى في العبارتين فيظهر الفرق واضحاً وباختصار
بين مذهبهم ومذهب المتكلمين القائلين إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل وإن شاء لم يفعل ويظهر مع ذلك حيلة الفلاسفة في إراءة غير المختار كالمختار 331
قد ضربوا مثلا في الكناية عن عدم الشيء " بكسب الأشعري " واللائق بالضاربين أن يقدموا " اختيار الحكماء " فيقولوا " أخفى من اختيار الحكماء وكسب الأشعري " 332-333
ولو كان مضطراًّ في مشيئاته لما قال في كتابه ( وَلَوْ شِئْناَ لآتَيْناَ كُلَّ نَفْسٍ هُداَهاَ ) ( فَلَوْ شاَءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينْ ) 334
تلاعب صاحب الأسفار والمفسر الآلوسي في آيات المشيئة تبعاً للكوراني والشيخ ابن عربي 334
والشيخ كما تخبط في فهم معنى كلام الله تخبط أيضاً في فهم معنى قول النُّحاة " إن ( لو ) لامتناع الشيء لامتناع غيره 336
أخطأ الشيخ الأكبر القديم والشيخ الأكبر الحديث في فهم معنى قوله تعالى " فلو شاء لهداكم أجمعين " مختلفَين في الإخطاء 337
وللشيخ الأكبر الحديث أسلوب خاص في الرد على انتقاداتي ، بتكرار الأقوال المنتقدة عينا أو مآلاً 339
وهذا الشيخ الأكبر قضى في ظنه على مذهب الجبر في أفعال الإنسان بسهولة وبساطة ظاهرتين ن وهو جدير بأن يقال له : حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء 341 – 342
أما التأويل في قوله تعالى ( وَماَ تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاَءَ الله ) بحمل مشيئة الله التي علقت عليها مشيئة العباد ، على مشيئته المتعلقة بخلقهم متصفين بصفة المشيئة فقد نقضته في " تحت سلطان القدر " عند مناقشة الشيخ بخيت رحمه الله ، بما لا مزيد عليه ولا قيام لذلك التأويل بعده 343
لا يوجد في الإنسان شيء يسمى الإرادة غير إرادته المقترنة بأفعاله المتعينة وتسمى هذه الإرادات إرادات جزئية ، لتعينها وتشخصها بتعين متعلقاتها . والإرادة الكلية للإنسان لا وجود لها إلا في ضمن وجود هذه الإرادات الجرئية ، كما لا يوجد الإنسان الكلي مستقلا عن وجود أفراده الجزئية مثل زيد وعمرو والذين يعكسون الواقع يظنون الإرادة الجزئية غير موجودة والكلية موجودة كما أنهم يؤولون قوله تعالى " وما تشاءون إلا أن يشاء الله " للتخلص من الجبر ويريدون أن يستخرجوا من الآية عكس منطوقها 343 – 346
من حاول أن يجعل موقف الإنسان على دقته وغموضه بسيطاً وادعى كونه مستقلاًّ في إرادته ليكون مسئولاً عن أعماله ، فقد باعد بين الإنسان وموقفه الحقيقي وادعى مالم يكن لتبرير ما كان 347
حديث " إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة ، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار .... الخ " ففي هذا الحديث شفاء لدائين وقطع لشبهتين 349 – 350
رأى الصديق الفاضل مترجم كتاب بول ثرانه في تأويل قوله تعالى ( وَماَ تَشاَءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاَءَ الله ) 352 – 354
رجعنا إلى قول الفلاسفة بقدم العالم وما يستلزمه من أزلية أفعاله تعالى : فقد بان أنهم ضحّوا بصفتي قدرة الله وإرادته في سبيل الغلو في أفعاله فجعلوا الفعل ومفعوله أي مخلوقاته متصلا بوجود الله 354 – 355
قول لابن رشد يضيف إلى مذهب قدم العالم عدم كون المادة التي صنع الله العالم منها ، من صنع الله 356
فعلى مذهب ابن رشد لم تكون المادة مكونة بتكوين الله بل المكونات تكون منها وهي جزء الكائن غير المكون وهو في نفسه لا كائن ولا فاسد 359
الاستدلال على أن ما ثبت قِدَمُه امتنعَ عَدَمُه 360
ابن تيمية يقول بقدم العرش النوعي ، كما يقول بعض الناس بهذا القدم النوعي للعوالم مع حدوث كل فرد من أفرادها ولا بداية لسلسلة العوالم . ومن مجيزي هذا التسلسل في العالم العالِم الكبير التركي مترجم كتاب بول ثرانه وهو لا يسلم صحة إطلاق القديم على النوع لعدم وجود الكلى إلا في ضمن جزئياته وحدوثِ الجزئيات بأسرها . ثم يقول هذا العالِم عند المقارنة بين امتداد سلسلة العوالم اللامتناهية والامتداد التجريدي اللامتناهي لقدم الله ، بجواز التفاضل بين اللامتناهيين . وعندي أن جواز هذا التفاضل يزعزع أساس برهان التطبيق المعروف عند العلماء ، ولا ينفع التعزّي بالتفاضل بين معلومات الله ومقدوراته اللامتناهيين 361 – 363
برهان التطبيق يمنع اللامتناهي الواحد فضلاً عن اللامتناهيين ولا يجوز تخصيصه بلا متناه إذ التخصيص يفسد الأدلة العقلية 364
الكلام على البراهين القائمة على بطلان التسلسل 365 – 371
إن لم يكن تسلسل العلل باطلاً عند الشيخ محمد عبده فلا دليل له يثبت وجود الله 368
الكلام على معلومات الله ومقدوراته اللامتناهيين ومراتب الأعداد غير المتناهية 371 – 374
قول الفيلسوف رونووي يه مؤسس الفلسفة الانتقادية الجديدة " إن كان أي عدد موجوداً حقيقياً فهو متناه وإن كان غير متناه فلا يوجد ذلك إلا في الذهن " والحق أن اللامتناهي لا يوجد في الذهن أيضاً 374
هل يجوز القول بالجمع بين تجويز تسلسل الحادثات في جانب الماضي إلى غير نهاية وبين نفي قدم العالم ولو نوعاً لعدم وجود النوع الكلي في الخارج إلا في ضمن أفراده وكونِ جميع أفراده الموجودة في الخارج حادثة ؟ 374 – 383
ومن البراهين المبطلة لوجود حوادث غير متناهية في جانب الماضي برهان التضايف 383 – 386
ومما ينفي وجود حوادث غير متناهية في جانب الماضي أنه لو فرض وجود ذلك قبل وجودنا الحالي لزم أن يكون من المستحيل وجودنا سائر الموجودات الحالية ، لعدم إمكان أن يجيء دور وجودنا وسائر الموجودات الحالية بانتهاء سلسلة الموجودات المتعاقبة اللامتناهية التي تقدمتنا ، وفضلاً عن وجودنا فلا يمكن وجود أي موجود قبنا في أي مرحلة من مراحل الماضي مهما توغلنا في الرجوع إليه . أما جواب صاحب الأسفار على هذا الدليل فمنعكس عليه 386 – 387
هامش خاص باختلاف بيني وبين صديقي العالِم الكبير الشيخ محمد زاهد أبقاه الله ، في مسألة الجبر والقدر 390 – 445
يخطيء فضيلته خطأً ظاهراً في عدّ المسألة من أبسط المسائل وأسهلها حلاًّ .
وخطأ أكبر من الظاهر في تفسير قول العلماء " إن الإنسان مختار في أفعاله ومضطر في اختياره " وفي عدم الإصغاء إلى ما نبهت إليه من أن الإرادة الجزئية هي إرادة الإنسان الوحيدة المتحققة في الخارج بفضل تعينها وتشخصها كما هو الحال في الجزئي المنطقي الذي يكون موجوداً في الخارج دون الكلى . ويمتاز فضيلته عن زملائه المخطئين في هذه الأخطاء الثلاثة إن لم يكن في أولها مقلداً لمؤلف " العلم الشامخ " العالم اليمني .
وهو على اتفاق مع المخطئين المعاصرين من علماء مصر في تأويل قوله تعالى " وما تشاءون إلا أن يشاء الله " بحمل مشيئة الله المذكورة فيه على ما لا يتصور التقابل بينها وبين مشيئات العباد ولا يبقى معه التئام الآية مع سياقها وسباقها . وهم ناسجون في تأويلهم هذا على منوال قول صاحب العلم الشامخ في تأويل قوله تعالى " ( يُضِلُّ مَنْ يَشاَءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاَءُ ) الذي لا يقبل التأويل ، وقد سبق في ص 25 واختلف عنهم في خطأ
بداية الصفحة (491)
هذه النقطة صديقى المرحوم العالم الكبير حمدى الصغير فقط ، فلم يعجبه خطأ المؤولين الأولين فابتكر لنفسه خطأ جديدا
أما خطأ المخطئين فى إنكار الجمع بين مجبورية الإنسان ومسؤوليته فهو خطؤهم الوحيد الذى لهم معذرتهم فيه الناشئة من غموض المسألة ، والخطأ فى عدم التفريق بين معاملات العباد بعضهم مع بعض وبين معاملتهم مع الله الذى لابد أن تكون حقوقه فى سلطته على عباده واسعة إلى حد أنه يضل من يشاء ويهدى من يشاء . ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون .

موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين – الجزء الثالث
تأليف
مصطفى صبرى
شيخ الإسلام للدولة العثمانية سابقاً
الجزء الثالث
الطبعة الثانية
1401 هـ - 1981 م
دار إحياء التراث العربى
بيروت – لبنان
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
تكملة الفصل الرابع
مسألة تعليل أفعال الله تعالى وما يتصل به من تحقيق معنى كون الله فاعلاً مختارا مع الكلام فى أفعال الإنسان الاختيارية
مما لابد من التنبيه عليه ونحن أطربنا فى دليل العلة الغائية على تعبير الغربيين، أن المتكلمين الأشاعرة لا يجيزون تعليل أفعال الله بالغرض الذى يقال عنه العلة الغائية أيضا وقد وجد أناس ممن جعلوا غمط علماء الكلام حقهم ولاسيما الأشاعرة منهم، ديدناً لهم كابن رشد الأندلسى وابن تيمية الحرانى وابن قيم الجوزية وصدر الدين الشيرازى، وسيلة فى مذهبهم هذا لكيل الطعن فيهم فاتهموهم بإخلاء أفعال الله عن الحكمة اللازم لإخلائها عن الأغراض والعلل الغائية بل بإلغاء أظهر الأدلة على وجود الصانع العليم الحكيم للعالم. فهل نحن حين عنينا فى هذا الكتاب بما يسمى دليل العلة الغائية مشاركون لأعداء المتكلمين الأشاعرة فى غمطهم واتهامهم؟
كلا، إنى أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين بقدرهم الناكرين بجميل وجليل خدمتهم للإسلام وإنى أعرف سمو مرماهم فى عدم تعليل أفعال الله بالعلة الغائية التى هى علة لفاعلية الفاعل، صونا لمقام الألوهية من التأثر فى أفعاله بأى شئ. ومن هنا يقال إن الغرض هو المحرك الأول لأنه الباعث على الإرادة التى هى المحرك الثانى.
وما زعمه ابن رشد الحفيد من أنه إذا لم يكن لأفعاله تعالى غرض يحدوه إليه
صفحة 4
كانت أفعاله عبثا واتفاقا فليس بشئ بل أفعاله تعالى نستتبع فوائد من غير ابتنائها على الأغراض والعلل الغائية(1) والعبث مالا يفيد فائدة لا مالا يبنى على غرض أو علة غائية. قال الشريف المحقق الجرجانى فى حواشيه على "المختصر النتهى": "الغرض والعلة الغائية ما لأجله إقدام الفاعل على الفعل وقد يخالف الفائدة كما إذا أخطأ فى اعتقاده".
فهناك أربعة أمور الفائدة والغرض والغاية والعلة الغائبة فالأول متحد مع الثالث وهما يوجدان فى الخارج متأخرين عن الفعل كما أن الثانى متحد مع الرابع وهما لا يوجدان إلا فى الذهن متقدمين على الفعل: أما الفائدة والغاية فقد تجتمعان مع الغرض والعلة الغائية كما فى فعل الإنسان الذى بناه فى ذهنه على غرض وعلة غائية وهما ترتبا على ذلك الفعل طبق ما اعتقده فيصح فى هذه الحالة أن يطلق عليهما اسم الفائدة والغاية ايضا وقد تفترقان عنهما كما إذا أخطأ فى اعتقاده فلم يترتب على فعله ما لأجله كان أقدم على الفعل، فهناك وجد الغرض والعلة الغائية أى وجدا فى ذهن الفاعل ولم توجد الفائدة والغاية. وقد ينعكس الحال فتوجد الفائدة والغاية مترتبين على الفعل من غير أن تكونا غرضا وعلة غائية سبقتا إلى ذهن الفاعل وساقتاه إلى الفعل سواء لم يوجد الغرض والعلة الغائية مع الفائدة والغاية كما فى أفعال الله تعالى أو وجدا ولم يكونا هما
هامش صفحة 4
(1) وهذه الفوائد المترتبة على أفعاله تعالى من دون أن تكون أغراضا له فيها بالنظر إلى علم أصول الدين المبنى على التنزيه، يمكن فى علم الفقه الباحث فى فروع الأعمال أن تعتبر كالعلل الغائية مع معلولاتها اهتماما بتلك الفوائد وتأييدا لترتبها على افعاله فيكون الفرق بين نظر العلمين عبارة عن اعتبار الشئ فى أحد العلمين علة غائية وفى الآخر فائدة، فلا يرد اعتراض العلامة التفتازاتى فى شرح المقاصد على مذهب الأشاعرة بأنه لو لم تكن أفعال الله معللة لما صح كون القياس الفقهى حجة فى نظر علماء الإسلام إلا عند شرذمة لا يعتد بهم، إذ لا يلزم من نفى التعليل إلغاء القياس الفقهى بل يمكن تعميم الحكم للملحق بحجة الاشتراك فى الفائدة بدلا من الاشتراك فى العلة فيمكن التفادى من المحذور الفقهى مع اجتناب التعليل فى افعال الله ولا يمكن التفادى من المحذور الكلامى إذا قيل بالتعليل.
صفحة 5
الذين نرنبا على الفعل فائدة وغاية كما فى فعل الإنسان الذى أخطأ فى اعتقاده فلم يترتب على فعله ما تصوره غرضا وعلة غائية ولكن ترتبت عليه مصلحة غير ملحوظة عند قصد الفعل فصارت فائدة وغاية فقط.
الحاصل أن المصلحة فى فعل الله لا تتصور على أن تكون دافعته إليه بل تابعة له. وهذا كما نقول إن الله تعالى لا تتخلف الحكمة عن افعاله ولا نقول إن فعله لا يتخلف عن الحكمة، تنويها له عن شائبة الإيجاب والاضطرار. وما قاله الفاضل الكلنبوى فى حواشيه على شرح الجلال الدوانى للعقائد العضدية" "إن غاية تأثير العلة الغاشية فى فعل الله عبارة عن سببية علمه تعالى بالمصلحة لإرادته واستحالته فى شأنه تعالى ممنوعة" يرد عليه أن العلم تابع للمعلوم وهو المصلحة فتكون هى المؤثرة فى الحقيقة كما أن المصلحة فى فعل الإنسان تؤثر أيضا بواسطة علمه بها والله تعالى أجل من أن يكون متأثرا بشئ من انواع التأثير الناشئ من جهة الممكنات التى من جملتها الأغراض والمصالح أو مستكملا بشئ منها.. فتبين بعد نظر المتكلمين الذين يجتنبون تعليل أفعال الله تعالى بالأغراض والعلل الغائية وتبين أيضا أن افاله لا تتبع الحكمة بل الحكمة تتبع أفعالهن وكيف لا وهو خالق الحكمة والمصلحة فكل ما يفعله تكون الحكمة والمصلحة فيه، وحسبه حكمه أن يكون مفعوله، وكل من يستبعد هذه الدقيقة فغنما يتكلم فى شأنه تعالى بالقياس على نفسه. وقد ذهب الفيلسوف "ديكارت" إلى أبعد من هذا فقال: "إن الله تعالى لم يخلق الموجودات فحسب بل خلق الماهيات ايضاَ(1) وخلق فى ضمن خلقها الحقائق أعنى العلاقات المنبعثة من الماهيات.. مثلا إنه خلق المكان وخلق مع الفضاء المثلث ومع المثلث مساواة زواياه الثلاث القائمين وغيرها من الحقائق
هامش صفحة 5
(1) فكأنه ينكر قولهم لم يجعل الله المشمش مشمشاً ولكن جعله موجوداً فيقول بل جعله مشمشاً أيضاً.
صفحة 6
الهندسية والقوانين المنطقية. فإذا كان زوايا المثلث الثلاث مساوية لقائمتين فإنما ذلك لأجل أن الله تعالى شاء ان تكون كذلك" وكأنه يقول ولو لم يشأ الله أن يكون التناقض مستحيلاً لما استحال ولو لم يشأ أن يكون اثنان فى اثنين أربعة لما كان. وفى قول "ديكارت" - هذا المغالى فيه شيئا – عبرة لمن ادعى لنفسه أنه من فلاسفة الإسلام كابن رشد الحفيد ثم انتصب فى كتبه لتزييف مذاهب المتكلمين على بكرة أبيهم مع أنى أوجس فى معاداتهم المطلقة معاداة الغسلام. فإذا لم تكن الحكمة تابعة لأفعاله تعالى بل كانت أفعاله تابعة للحكمة دائرة معها لزم أن لا يكون الله مختاراً فى أفعاله كما لم يكن الإنسان العامل بالداعية مستقلا فى اختياره وقد حققنا هذه المسألة فى "تحت سلطان القدر. وتقييد الله تعالى فى أفعاله بأى قيد حتى يقيد الحكمة واعتبار كل ما يصدر عنه من الأفعال ضروريا لا يمكن خلافه لأنه مقتضى الحكمة وخلافه خلافها كما قيل "ليس فى الإمكان أبدع مما كان"، كما لا يلتئم مع مذهب المتكلمين القائلين بأن الله تعالى فاعل مختار لا فاعل موجب(1) لا يلتئم ايضا بكثير من ىيات القرأن الذى يزعم ابن رشد أنه قدوته فى فلسفاته. ففى القران جمل مصدرة (بلوشاء) مسندة إلى الله مثل "فلو شاء لهداكم أجمعين"، "ولو شاء ربك مافعلوه"، "ولو شئنا لأتينا كل نفس
هامش صفحة 6
(1) فالذين يصرون على تعليل أفعال الله ويطيلون ألسنة الطعن فى مذهب من يجتنبون التعليل، إن لم يكونوا من أذناب الفلاسفة مثل ابن رشد وصدر الدين الشيرازى صاحب "الأسفار" فهم غافلون عن كون مذهب التعليل ينتهى إلى الجنوح لما اختاره الفلاسفة من الإيجاب فى أفعاله تعالى ولا يتفق مع مذهب المتكلمين القائلين بأن الله تعالى فاعل مختار بالمعنى الحقيقى الذى هو صحة الفعل والترك. فلابد أن يكون الله تعالى على هذا المذهب القويم غير محتاج فى أفعاله إلى مرجع على خلاف الانسان المحتاج عندى فى أفعاله المرجح. أما التزام المرجح فى أفعاله تعالى ايضاً واعتباره فيما دون الموجب فغير مجد نفعا فى تفريقه عن مذهب الإيجاب كما حققته فى "تحت سلطان القدر" ص 137 – 140 وأنت تعرف أن مذهب الإيجاب فى أفعاله تعالى يؤدى إلى القول بقدم العالم كما هو مذهب الفلاسفة.
نهاية هامش صفحة 6
صفحة 7
هداها"، "أفلم ييأس الذين آمنوا لو شاء الله لهدى الناس جميعا"، "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة"، "ولو شاء الله لجعلكم أمو واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدى من يشاء" "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء فى رحمته"، "ولو شاء الله لسلطهم عليكم"، "ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم"، (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد" فهذه الآيات تنطق بأن الله تعالى لو شاء أن يفعل غير ما فعله لفعل وكان له ذلك، فلو لم يكن له ذلك لما صحت هذه الآيات.
ولا يقال إن معنى تلك الآيات لو شاء الله لفعل كذا لكنه لم يشأه لمانع عن مشيئته وهو تعين ما شاءه للفعل وعدم إمكان خلافه لكونه خلاف مقتضى الحكمة لأنا نقول مصرين على ما قلنا أولا: فإذا لم يكن لله تعالى أن يشاء غير ما شاء ووقع فلا يكون من حقه أن يقول لو شئت لفعلت كذا وهو يعنى خلاف ما فعله وينوط الأمر بمشيئته فإذا قال ذلك لزم بكون طرفا الأمر جائزين له من غير وجود مانع يمنعه من مشيئة أى منهما كما لا يخفى على من له معرفة بأساليب الكلام.
ولعل القول بمثل هذا التأويل فى الآيات المذكورة مبنى على روية الفارق بين وجود المانع عن الفعل وبين وجود المانع عن مشيئته واعتبار الثانى غير مناف لقدرة الله واختياره فاله تعالى قادر على أن يفعل خلاف ما فعله لو شاء ذلك ولكنه لا يشاء لمانع هو عالمه يمنعه عن مشيئته فعنئذ يكون المانع مانعا عن مشيئته لا عن فعله ويكون المانع عن الفعل عدم مشيئته كما هو مقتضى آيات المشيئة المذكورة: وهذا التفريق بين وجود المانع عن الشئ وبين وجود المانع عن مشيئته هو عندى مبنى على قول الفلاسفة الذين لا يوافقهم المتكلمون، بأن الله مختار فى أفعاله على معنى أنه "إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل" وإلى قولهم هذا يرجع تأويل الآيات المذكورة وأن لم يشعر به من لم يكن
صفحة 8
على مذهب الفلاسفة من المؤولين فالله تعالى فى رأى الفريقين (الفلاسفة والمؤولين لآيات المشيئة) مختار فى أفعاله مضطر فى إراداته كما هو مذهبنا فى الإنسان حين لم يكن الإنسان مضطرا فى إرادته عند المؤولين. فتكون حرية الله تعالى فى اختياره أنقص من حرية الإنسان فى اختياره على رأى هؤلاء الغافلين واختيار الإنسان المضطر فى إرادته على مذهبنا يرجع إلى ما هو مذهب الفلاسفة والمؤولين لآيات المشيئة فى اختيار الله المفسر بقولهم "إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل" لكن فى الآيات المذكورة آيتين مفسرتين لما هو مراد الله من تلك الآيات وقاضيتين على تأويل المؤولين وهما: "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدى من يشاء" و"ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء فى رحمته" حيث تبتدئان بالمشية وتنتهيان بالمشيئة. بل من هذا القبيل ايضا قوله تعالى "ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد" وخلاصة معنى هذه الآيات الثلاث أن الل لو شاء لفعل غير ما فعله ولكنه لم يشأ ذلك لكونه قد شاء ما فعله فمشيئة ما لم يفعله لا مانع عنها غير مشيئة ما فعله، كما أن مشيئة ما فعله لا موجب لها غير عدم مشيئة ما لم يفعله فإلى مشيئته تنتهى الموجبات والموانع.
أما التمسك فى الجواب عن آيات المشيئة بظاهر ما قاله النحاة من أن (لو) لامتناع الثانى لامتناع الأول فغلط فاحش وقع فيه صاحب "الفصوص" عند الدفاع عن مذهبه الباطل القائل بتبعية الخير والشر لاستعداد الناس التابع لماهياتهم الغير المجعولة، وقع فيه بجهالة سوغت له كونه تعود تحريف كلمات القرآن عن مواضعها ولا أود أن يقع فيه غيره، وقد وفيت الكلام عليه في "تحت سلطان القدر" وربما أتكلم عليه أيضا في بحث حدوث العالم من هذا الكتاب.
وأما ما قاله ابن رشد في "كشف مناهج الأدلة" ص 91: "أما قوله: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} فهي المشيئة السابقة التي اقتضت أن يكون في أجناس الموجودات خلق ضالون أعني مهيأين للضلال بطباعهم ومسوقين إليه بما تكفنهم من
ص: 9
الأسباب المضلة من داخل وخارج" فالظاهر أنه تفسير للنص بما معناه أن الله تعالى يخلق ما يشاء من أجناس الموجودات فمنها ما يكون عرضة للضلال بطبعه والتركيب الذي ركب عليه ومسوقا إليه بما يكتنفه من الأسباب المضلة وهو جنس الإنسان لأنه خلق وفيه دافع إلى الشر بإزاء ما فيه من دافع إلى الخير. ومنها ما يكون عرضة للهداية فقط وهو جنس الملائكة الذي لا يكون في طبعه وتركيبه ما يدفعه إلى الشر. وخلاصته أن الله يهدي فعلا ويضل إعدادا وتهيئته أي يخلق أجناسا مختلفة منها ما هو معد للهداية فقط ومنها ما هو معد للضلال أيضا.
فعلى هذا التقدير من التفسير يدخل نوع الإنسان جملة فيمن يشاء الله إضلالهم بمعنى تهيئتهم للضلال وليس المراد إضلالهم بالفعل لأنه ينافي وجود بعض منهم مهتد لكن يرد عليه أن قوله تعالى: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} أو بالأوضح أن إسناد الإضلال إلى الله يتكرر كثيرا في القرآن وتأويله بما ذكره ابن رشد مع كونه بعيدا كل البعد كما سنبينه، لا يتمشى أصلا في بعض ما ورد منه كقوله تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} فيلزم أن يكون الذين يضلهم والذين يهديهم من قوم الرسول أي الإنسان ويلزم أن تكون الهداية والضلال فعليين {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} وكقوله {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} فلو كان إضلال الله الذي فسره ابن رشد بخلق جنس البشر مهيأين للضلال بإلغاء في التهيئة للضلال بالغا في التهيئة إلى الحد المذكور في الآيتين الأخيرتين لا تسد باب الهداية على وجوه الإنسان مطلقا. ومثلهما قوله تعالى: {أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا}
ص: 10
وقوله: {من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون} فثبت أن الله تعالى يضل من يشاء فعلا ويهدي من يشاء فعلا.
وزيادة على هذا فإن في تفسير ابن رشد عدم الاعتداد بالمهتدين الموجودين في نوع الإنسان حيث يدخل أفراد النوع جميعا في جانب من يشاء الله إضلالهم وإن كان ذلك إضلالا بالقوة.
وفيه أيضا بقاء هذا القسم المهتدي من الإنسان غير معلوم السبب في اهتدائهم فإن كانت هدايتهم من الله يأباه إدخالهم فيمن يشاء الله إضلالهم ولو كان ذلك بطريق التهيئة للضلال لأن كون الله هيأ جنس الإنسان للضلال وكونه هدى بعضهم يتنافيان. وإن كانت هدايتهم من أنفسهم لزم أن يكونوا من أهل الهداية على الرغم من أن الله أضلهم أي جعلهم مهيأين للضلال فلم يكن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء كما نص عليه في آيات كتابه بل يضل من يضل من نفسه ويهدي من يهتدي من نفسه، فلماذا يقول إذن {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} ويقول {ومن يضلل الله فماله من هاد}، {ومن يضلل الله فماله من سبيل} فهل يمكن تأويل إضلال الله في هذه الآيات بمجرد تهيئتهم للضلال من غير أن يضلوا فعلا لأن المهيأين للضلال على تأويل ابن رشد عام لكل من كان في خلقة الإنسان مع أن فيهم مهتدين فعلا متغلبين على طباعهم فكيف يقول الله إذن {ومن يضلل الله فماله من سبيل}؟.
الحاصل أن هناك من يضلهم الله فعلا وهم الذين قال عنهم {من يضلل الله فلا هادي له}، {ومن يضلل فلن تجد له أولياء من دونه}، {ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا}وهناك من يهديهم الله فعلا وهم الذين قال عنهم {ومن يهدي الله فما له من مضل} وقال {يدخل من يشاء في رحمته} وقال {ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا}
ص 11
به من نشاء من عبادنا " و هذا أي الإضلال الفعلي و الهداية الفعلية و لا سيما الإضلال الفعلي ما أنكره ابن رشد.
و فيه أيضاً أن الله تعالى ليس له إزاء بني آدم على تفسيره لقوله تعالى : " يُضل من يشاء و يهدي من يشاء " إلا أنم يُهيئهم للضلال و قد سبق أن جعلهم مهيئين له في مبدأ خلقتهم و لم يبق بعد ذلك عنده ما يفعله بشأنهم فماذا إذن ما ندعوه كل يوم و ليلة في صلواتنا أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم و لا الضالين.
و فيه أيضاً أن الله على مذهب ابن رشد واجب أن يفعل ما فعله و ليس له أن يفعل خلاف ما فعله حتى أنه أي ابن رشد يقيم قيامة النكير على مذهب المتكلمين القائل بأن الله تعالى فاعل مختار بمعنى أن الفعل و خلافه كلاهما يصح عنه و يجوز له، إلا أن إرادته مخصصة و مرجحة لأحد الطرفين الجائزين و لا مرجح هناك من نفس الفعل و خلافه غير إرادته. هذا مذهب المتكلمين { هامش : و من ذهب إلى تعليل أفعال الله تخطى هذا المذهب الأساسي و جعل لأفعاله مرجحاً من نفسها و من هذا قلنا إن التعليل يرجع إلى الإيجاب و ينافي الاختيار } و أما على مذهب ابن رشد فالله تعالى فاعل مختار بمعنى " إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل " على أن يكون مقدم الشرطية الأولى دائم الصدق و واجبه و مقدم الشرطية الثانية ممتنع الصدق كما هو مذهب الفلاسفة أيضا. لكن هذا تلاعب لفظي ليس من الاختيار في شيء كما يأتي بيانه في مبحث حدوثالعالم. فإذا لم يكن الله مختاراً فيما فعله و ليست فيه مشيئته بمعناها الحقيقي الحر فكيف يصح له أن يُمتدح بأنه يضل من يشاء و يهدي من يشاء فيما لا يحصى من آيات القرآن حتى و لو كان إضلاله عبارة عن تهيئة الناس للضلال ما دام لا يمكنه أن لا يهيئهم له.
و بهذا يسقط ما قاله أيضاً ابن رشد : " و أما قوله ( و لو شئنا لآتينا كل نفس
ص 12
هداها ) فمعناه لو شاء أن يخلق خلقاً مهيئين أن يعرض لهم الضلال إما من قبل طباعهم و إما من قبل الأسباب المضلة من خارج أ داخل أو من قبل الأمرين كليهما لفعل " . إذ كيف يمكنه أنه لو شاء لآتى كل نفس هداها مع أنه فعل خلاف ذلك فلم يؤت كل نفس هداها و كل ما فعله يفعله في مذهب ابن رشد لكونه ضروريا غير جائز العدول عنه إلى خلافه و لا ممكن أن يشاء العدول لكونه فاعلا موجباً كما في مذهب الفلاسفة و ليس ابن رشد إلا رجلا من أذنابهم و من أعداء المتكلمين.
ثم إنه إذا كان الله قد خلق نوع الإنسان مهيأ للضلال و لم يضلهم فعلا و لا الذين يضلون منهم ، لزم أن يكون ااذين يضلون ضالين بطباعهم الشخصية و قد صرح ابن رشد نفسه في الصفحة نفسها بكون خلقة الطباع مختلفة. فإذا كان الله خلق بني آدم على طباع مختلفة و ضل الضالون منهم بميولهم الطبيعية، عاد الأمر إلى ما هرب منه ابن رشد من أن الله يضل من يشاء و يهدي من يشاء.
كل هذا إذا كان النوع الإنساني بجملته على تأويل ابن رشد لقوله تعالى : " يضل من يشاء و يهدي من يشاء " داخلاً في شطر الإضلال و هو الظاهر كل الظهور من كلامه على الرغم من أنه خلاف الظاهر من الآية كل المخالفة. أما إذا كان الإنسان داخلا في شطري الإضلال و الهداية معاً من حيث اشتماله على أفراد ضالين و على أفراد مهتدين و هو الظاهر الظهور كله من الآية ، فوقوع ابن رشد فيما هرب منه و عدم نجاح تأويله بحمل إضلال الضالين على تهيئتهم للضلالة و حمل هداية المهتدين على هدايتهم فعلاً أو تهيئتهم للاهتداء، يكون أظهر إذ لا فرق في المآل على هذا التقدير بين تهيئة من يشاء للضلال و من يشاء للاهتداء أو إضلال من يشاء تهيئةً و هداية من يشاء فعلاً و بين ما تنطق به الآية من إضلال من يشاء و هداية من يشاء من غير تأويل.
هذا و كان دافع ابن رشد إلى تكلفاته الباردة غير الناجعة في تفسير الآيات الدالة
ص 13
على كون الله يضل من يشاء و يهدي من يشاء أنه يرى إضلال من يشاء من عباده فعلاً، ظلماً لا يليق بشأنه تعالى، في حين أنه لا يراه في تهيئة من يشاء للضلال و كون النتيجة أن يضل من يضل منهم و ينجو منهم من ينجو. ثم عاد فأورد على تأويله سؤالاً و جواباً فقال :
" فإن قيل فما الحاجة إلى خلق صنف من المخلوقات ( و هو صنف إنسان مثلاً ) يكونون بطباعهم مهيئين للضلال و هذا هو غاية الجور، قيل إن الحكمة الإلهية اقتضت ذلك و ذلك أن الطبيعة التي منها خلق الإنسان و التركيب الذي ركب عليه اقتضى أن يكون بعض الناس و هم الأقل شراراً بطباعهم، و كذلك الأسباب المترتبة من خارج لهداية الناس لحقها أن تكون لبعض الناس مضلة و إن كانت للأكثر مرشدة.فلم يكن بد بحسب ما تقتضيه الحكمة من أحد أمرين : إما أن لا يخلق الأنواع التي وجد فيها الشر في الأقل و الخير في الأكثر فيعدم الخير الأكثر بسبب الشر الأقل و إما أن يخلق هذه الأنواع فيوجد فيها الخير الأكثر مع الشر الأقل و معلوم بنفسه أن وجود الخير الأكثر مع الشر الأقل أفضل من إعدام الخير الأكثر لمكان الشر الأقل. و هذا السر من الحكمة هو الذي خفى على الملائكة حتى قال الله تعالى حكاية عنهم حين أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون " .
و أنا أقول بعد التنبيه على أن ما ادعاه من أقلية الشر و أكثرية الخير معاكس لقوله تعالى : " و ما أكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين " و قوله : " و لقد ضل قبلهم أكثر الأولين " و قوله تعالى عن إبليس : "و لقد أضل منكم جبلاً كثيراً أفلم تكونوا تعقلون " و قوله حكايةً عنه : " لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم و من خلفهم و عن أيمانهم و عن شمائلهم و لا تجد أكثرهم شاكرين " و قوله : " و ليزيدن كثيراً منهم ما أنزل
ص 14
إليك من ربك طغياناً و كفراً " ، " ذلك الدين القيم و لكن أكثر الناس لا يعلمون " ، " و إن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون " ، " و إن ربك لذو فضل على الناس و لكن أكثر الناس لا يشكرون " ، " ءإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون " و قد تكرر في كتاب الله في سورة الشعراء بعد ذكر أنباء الأمم المختلفة الذين بعث الله إليهم ساداتنا محمداً و موسى و إبراهيم و نوحاً و هوداً و صالحاً و لوطاً و شعيباً عليهم الصلاة و السلام، قوله : " إن في ذلك لآية و ما كان أكثرهم مؤمنين " .و قال عن نوح : " و ما آمن معه إلا قليل ". و قال " و قليل من عبادي الشكور " . و قال : " و لقد صرفنا للناس في هذا القرءان من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفوراً " . و قال : " أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً " . و قال : " وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله " . و قال : " و أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعداً عليه حقاً و لكن أكثر الناس لا يعلمون " . و قال : " إن الساعة آتية لا ريب فيها و لكن أكثر الناس لا يؤمنون " . و قال : " فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك و لكن أكثر الناس لا يؤمنون " . و قال : " إن الإنسان لكفور " . و قال : " تلك القرى نقص عليك من أنبائها و لقد جاءتهم رسلهم بالبينات .... إلى قوله: و ما وجدنا لأكثرهم من عهد و إن وجدنا أكثرهم لفاسقين " . و قال : " و إن كثيراً من الناس لفاسقون " . و قال : " و إن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم " .
أقول بعد هذا الذي يكفي و يزيد في تنبيه القارئ على أن ابن رشد يقول ما يقوله بخلاف مذهب المتكلمين علماء أهل السنة غافلاً عن آيات كتاب الله ، و في إبطال ما ادعاه للتغطية على ما في الآيات الدالة على أن الله يضل من يشاء و يهدي من يشاء من الصراحة التي لا تقبل التأويل و التغطية - إن تأويله ينتهي إلى الاعتراف بأن بعض الشر يترتب
ص 15
على فعل الله و هو ضلال بعض الناس الذين خلقهم كلهم مهيئين للضلال و إن كان هذا الشر قليلاً في ادعائه لقلة الضالين ، و قد عرفت من الآيات التي قرأناها عليك أنهم ليسوا في قلة و لنفرض أنهم قليلون لكنهم هم الذين قال الله عنهم يضل من يشاء و يهدي من يشاء لا أكثر و لا أقل، أعني أن الضالين ليسوا بعض من شاء الله أن يضلهم إذ لا فرق في المعنى بين أن يكون الناس كلهم مهيئين من قبل الله للضلال فيضل بعض منهم بسبب تلك التهيئة و بين أن يكون الله أضل هذا البعض بعينه. و عندئذ نقول فإن لم يكن في تهيئة الكل للضلال المؤدية إلى ضلال البعض فعلاً ظلم فليس في إضلاله فعلاً أيضاً ، و إن كان في إضلاله كان في تهيئته للضلال أيضاً المؤدية إلى ضلال البعض.
نعم في تهيئة الكل للضلال و ضلال بعض و عدم ضلال بعض إظهار لكمال البعض الثاني ، فلو كنت مكان ابن رشد و لم أرضَ أن يكون الله يضل من يشاء و يهدي من يشاء على خلاف صراحة الآيات بل يهيء كل الناس للضلال من غير إضلال فعلي فيضل من يضل بنفسه و يهتدي من يهتدي بنفسه على الرغم من تهيئته للضلال في ضمن تهيئة الكل ، ما احتجتُ إلى ادعاء الأقلية للضالين و الأكثرية للناجين و تفاديت على الأقل معارضة الآيات الدالة على عكس ذلك و تصورت ما ادعاه من اختيار الخير الكلي مع الشر الجزئي في الاعتناء بشأن الناجين مع أقليتهم بالنسبة إلى الضالين ، فكأن الله تعالى لم يبال بهم على كثرتهم فخلق نوع البشر مهيأ للضلال إظهاراً لشرف الأقلين المهتدين المتغلبين على طباعهم و امتيازهم حتى على الملائكة المهتدين بفضل تهيئتهم في أصل خلقتهم للاهتداء. لكني لا أرضى أن أكون مكان ابن رشد فأقول باهتداء أحد من نفسه سواء كان إنساناً أو ملكاً لولا أن هداه الله بل أرى أفضل ميزة للبعض المهتدي من الإنسان كونه موضع هداية الله و اصطفائه لها من بين بني نوعه المعرضين للضلال.
و أصل الخلاف بيني و بين ابن رشد يعود إلى الخلاف في مسألة الجبر و القدر التي
ص 16
درستها بعون الله و توفيقه في كتابي " تحت سلطان القدر " و إلى الخلاف في أن الإنسان يحتاج إلى معونة الله و توفيقه و لا يهتدي بدونهما و في ظان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء و أنه لا يُسأل عما يفعل. و لابن رشد تأويل غريب في هذه الكلمة القرءانية أيضاً لا أطيل الكلام بنقله و نقده و هو أبعد من تأويل المرحوم الشيخ بخيت الذي انتقدته في كتابي المذكور و إن كان المظنون أن فكرة التأويل لهذه الكلمة المحكمة أي إحكام حصلت في الشيخ بعد اطلاعه على تأويل ابن رشد ، و لمشايخ مصر ولوع بالغرائب.
نعود إلى ما كنا فيه : أما تعييب مذهب الأشاعرة باستلزام كون أفعال الله عبثاً و اتفاقاً إذا لم تعلل بالأغراض و العلل الغائية، فوهم محض منشؤه كون العائبين يقيسون الله تعالى على أنفسهم أي على الإنسان الذي لا يعمل إلا بالمرجح و العلة الغائية فإذا لم يعمل بذلك يكون فعله عبثاً و اتفاقاً. و كان حسبهم في التنبه لخطئهم في هذا القياس أن الله تعالى لا يحتاج إلى التأمل و التفكير في حين أن أصحاب الروية من البشر العاملين بالمرجح و العلة الغائية يعملون بهما من حيث أنهم في حاجة إلى التفكير في عواقب أفعالهم، فنفي التعليل من أفعاله تعالى معناه أنه لا يبني أفعاله عليهما، لأن هذا شأن المفكرين في العواقب و عملهم القلبي الذي يجب تنزيهه تعالى عنه، و لا ينافيه أن أفعاله تعالى لا تخلو عن الحكم و المصالح من غير بنائها عليها لكنها لا يعبر عنها بالعلل الغائية لأن العلة الغائية ما يبني الفاعل فعله عليه في ذهنه و يفكر فيه قبل الإقدام على الفعل و من هذا قلنا الحكمة تتبع أفعاله و لم نقل أفعاله تتبع الحكمة.و لعل القارئ استغرب هذا الترتيب في التبعية قبل أن نوضحمغزى كلامنا بهذه الصورة. على أنه لا شيء في تبعية الحكمة لأفعاله تعالى مما يوجب الاستغراب ، لأن كمال المخلوق ليس في نفسه بل في توافقه مع اختيار الله تعالى كما قاله العالم الكبير مترجم : " مطالب و مذاهب " إلى اللغة التركية في تعليقاته عليه و نعم ما قاله.
و خلاصة ما قلنا هنا أن أفعال الله تعالى تصدر منه من غير تفكير في عواقبها كما
ص 17
نفكر نحن معاشر البشر، و عدم التفكير هذا مقتضى كماله تعالى في حين أن كمالنا في التفكير.. و ليس كمثله شيء. فإن اعترض معترض بأن الله تعالى يعلم عواقب أفعاله، قلنا ليس العلم بالعواقب و الغايات تعليلاً منه تعالى لأفعاله بها ، إنما التعليل بناء أفعاله عليها في علمه قبل فعلها. و هذا هو التفكير في العواقب بعينه الذي لا يستطيع القائل بالتعليل إنكار تعاليه تعالى عنه. و نحن ننفي التعليل بالغايات لا الغايات و لا العلم بها. فخذ هذا الفرق الدقيق منا كما أخذناه من توفيق الله . نعم ، إذا نُظر في الأمر بأعيننا نحن البشر يكون كأن الله تعالى فعل تلك الأفعال لتلك الغايات بمعنى أنه لو كنا فعلنا تلك الأفعال كانت غاياتها التي تتبعها عللاً غائية لها، و من هنا صح اتخاذها دليل العلة الغائية لوجود الله مع أنه ليس هنالك علية بالنسبة إلى فعل الله بل غايات فقط تتبع أفعاله و تدل على علم فاعلها بالمناسبة بين تلك الأفعال و تلك الغايات ، و علمه بها كاف في صحة اتخاذها أدلة العلل الغائية من غير أن تكون هناك علية في نفس الأمر، لأن ما قالوا عنه دليل العلة الغائية إنما يكون دليلاً على وجود الله من حيث دلالته على أن فاعل تلك الأفعال فعلها عالماً بغاياتها لا من حيث أن تلك الغايات علل دافعة للفاعل إلى تلك الأفعال.
فقد عرفت أن المتكلمين المجتتبين عن تعليل أفعال الله تعالى بالأغراض و العلل الغائية مرمى ساميا لم تصل إليه أنظار خصومهم. أما نحن الذين عنينا في هذا الكتاب بدليل العلة الغائية لإثبات وجود الله فإنما جرينا على تعبير فلاسفة الغرب الموحدين. لأن جل ما يهمنا في تأليف هذا الكتاب إثبات وجود الله في أسلوب يسهل تناوله للعصريين، فلا نلام إذا تسامحنا ببعض التعبيرات في سبيل مهمتنا. فهذه الأمور التي نشاهدها في الكائنات مما يدل على وجود مدبرها الأعظم هي التي نعبر عنها فيما بيننا بالأغراض و العلل الغائية و إن كان الله أجل و أعلى من أن يفعل لغرض أو علة غائية.
ص 18
هذا، و لا نجترئ في تأييد مذهب الأشاعرة النافين لتعليل أفعال الله بهذا القدر، فنقول : إن العمل بالمرجح الذي يراه أعداء الأشاعرة مثل ابن رشد الأندلسي و الصدر الشيرازي و ابن تيمية الحراني و ابن قيم الجوزية و الذين وقعوا تحت تأثير كلماتهم و ازداد عددهم في الأزمنة الأخيرة، لزاماً في أفعال الله كأفعال الإنسان و يرون إخلاءها عنه بمثابة جعلها عبثاً و اتفاقاً عبارة عن اختيار الأولى للعمل على الأقل، فعلى هذا إن كان خلافه جائزاً من الله مرجوحاً فالمحذور الذي يتصورونه على تقدير نفي التعليل باق أيضا لأن فعله بخلاف الأولى يكون عبثاً غير مستندج إلى الغرض و العلة الغائية بل دون العبث. و يكون معنى قوله تعالى : " فلو شاء لهداكم أجمعين " لو شاء الله لفعل خلاف الأولى و تجاوز حتى حد العبث. و إن كان الله مجبوراً على العمل بالأولى فالمسألة تؤول إلى الإيجاب و ينهار مبدأ كونه تعالى فاعلاً مختاراً بالمعنى الحقيقي للاختيار الذي هو صحة الفعل و الترك منه ، و الاختيار بمعنى " إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل " الذي ابتدعه الفلاسفة ليس من الاختيار في شيء كما يأتي تحقيقه في مبحث حدوث العالم. فهل يرضى العلماء المعترضون على الأشاعرة في نفيهم التعليل إن لم يكونوا من أذناب الفلاسفة كابن رشد و الصدر الشيرازي أن يؤول رأيهم إلى القول بأن الله تعالى ليس بفاعل مختار في أفعاله ؟
و هنا شيء آخر و هو أن قول الأشاعرة في نفي التعليل عن أفعاله تعالى ، له صلة قوية بقولهم إن كل شيء في العالم مستند إلى الله تعالى.من غير واسطة. و هذا القول منهم رضي الله عنهم أصل مهم، بل كنز عظيم من كنوز الحقائق العالية...لله درهم ما أبعد أنظارهم الواصلة إليه غير منخدعة بالظواهر و هو شاهد صدق على أنهم محدِّثون. فعلى هذا الأصل لا علة في الكائنات و لا معلول و لا سبب و لا مسبب و لا تأثير شيء في شيء و إنما كل كائن معلول علة واحدة هي إرادة الله و إن كان الناظر في الكائنات يرى بين أجزائها تناسياً و انسجاماً يخيلان إليه علية بعضها لبعض و تولد بعضها من
ص 19
بعض و سبيبة بعضها لبعض فليست النار تحرق و لا الثلج ببرد و لا السيف يقطع و لا الضرب يوجع و لا العين ترى ولا الأذن تسمع و لا الماء يروي و لا الغذاء يشبع و لا المطر ينبت ، و إنما كل هذه الأفعال و الآثار يخلقها الله تعالى كما خلق مصادرها التي تضاف إليها عادةً و لهذا فليس بمستحيل و لا عسير على الله أن يبرد الأشياء بالنار و يحرقها بالثلج حتى أنه لما أحرق بالنار لا يحرق بها في الحقيقة و إنما يحرق بإرادته. و نحن لا ننكر المناسبة المشهودة بين النار و الإحراق و لا بين الشمس و الإشراق و إنما نقول إنها مناسبات وضعية لا تدل على أكثر من عادة واضعها في خلق بعض الأشياء عقب خلق بعض. فبيده متى شاء أن يقطع تلك المناسبات أو يغيرها لأنها ليست مناسبات ناشئة من ذوات الأشياء غيرقابلة للانفكاك.
و في هذا الأصل أعني إسناد جميع الممكنات إلى الله من غير توسط بعضها في حصول بعض، إذعاناً لعموم سلطة الله على الكائنات فليس الله خالق النار مفوضاً إليها فعل الإحراق ، و ليس الله مرسل الريح و هي محركة الغصن و الورق بل الإحراق و تحريك الغصن و الورق أيضاً من الله من غير واسطة و إنما سنته أن يقترن إحراقه بحالة مماسة النار و تحريكه الغصن و الأوراف بحالة إهبابه الريح. و كما أن في هذا الأصل جمع التأثير في الكائنات كبيرها و صغيرها و حصره في الله ففيه أيضاً تعميم هيمنته عليها و الله تعالى يخلق الإنسان و يخلق مصنوعاته و يخلق صنعه فهو مثلاً يخلق الطائرة القاذفة للقنابل و قنابلها و طيران الإنسان عليها و قذفه القنابل منها و إصابتها الهدف ثم يخلق انفجار تلك القنابل و الخسارة الحاصلة منه. فلو كان الإحراق من النار و الانفجار من القنبلة أي من طبيعتهما غير القابلة للانفكاك و تحريك الورق من الريح لما قدر الله أن يمنعها من أفعالها متى شاء . و لو كانت هذه الأفعال مفوضة إليها من الله كان الإحراق الحاصل من مماسة النار و الخسارة الحاصلة من الانفجار جزافاً لا محددا بالقدر الذي أراده الله إذ لا تعلم النار مقدار
ص 20
ما يلزم إحراقه و لا القنبلة مقدار ما توقعه من الخسارات فتحرق أو تحطم أكثر مما كان المطلوب إحراقه أو تحطيمه أو أقل منه.
و على هذا الأصل أيضاً لا يكون حصول الأمر الذي يعتبره أصحاب أصحاب مذهب التعليل علة غائية للفعل بطريق الترتب عليه ، كأن يكون الله تعالى أراد أن يفعل فعلاً ففعل و تولد منه حصول أمر ثانٍ من غير أن يحتاج هذا الأمر إلى إرادة منه لكونه مرتبطاً بما فعله أولاً ارتباط المعلول بعلته، بل يكون حصول الأمر الثاني أيضاً محتاجاً إلى إرادة الله إذ لا رابطة بين الأشياء تقتضيها طبائع الأشياء و يكون بعضها مولداً لبعضها ، غير جريان سنة الله على خلق بعضها عقب بعض ، حتى إن الله تعالى هو خالق الأغراض التي لا تجتنب تعليل أفعال الإنسان بها كما أنه خالق أغهاله. فإذا حرك أحدنا يده لتحريك المفتاح فلا تكون حركة المفتاح مترتبة من نفسها على حركة اليد و إنما يكون كل من الحركتين بتقدير الله و خلقه، و هذا مثال مشهور في إيضاح الخلاف بين علماء أهل السنة النافين للتوليد و المعتزلة القائلين به. فهذا النفي من علمائنا مبني على استناد جميع الممكنات إلى الله تعالى بلا واسطة و عدم الاعتراف بوجود العلية و المعلولية بين الأشياء في ذاتها. و منه يعلم أنه لا يصح تعليل أفعاله تعالى بها و إنما يقع تعليل أفعالهم على حسب ما يخيل إليهم في أذهانهم من أن هذا الشيء علة لذلك الشيء و وسيلة إليه، حتى إنهم بما تعودوا من هذا التعليل في أفعالهم المبني على التخييل يتصورون أفعال الله أيضاً معللة ، لكنا نحن ننفي التعليل في أفعال الله تعالى حيث لا يُتصور له التخييل المتصور لنا.
و صفوة القول هنا أنه لا علة و لا معلولية بين الأشياء و لا توليد حتى نعلل أفعال الله بالعلل و الأغراض. فإن قيل إن لم تكن علية طبيعية بين الأشياء فلا مانع من القول بالعلية المجعولة بمعنى أن الله تعالى جعل هذا علة لذاك. قلنا ليس هذا الجعل غير خلق الثاني عقب خلق الأول خلقاً مطرداً و لا يكون المجعول الأول علةً للمجعول الثاني إلا بالنسبة إلى
صفحة ??
ما يظهر لنا لا بالنسبة إلي الجاعل الخالق لكل منهما غير ملزم بالترتيب الواقع. وما قاله الفاضل الكلنبوي في حواشيه علي شرح الجلال الدواني
للعقائد العضدية عن علماء الحنفية أنهم لا يأبون تعليل أفعال الله ولا يرون مانعا من أن يكون علمه تعالي بترتب المصالح علي
أفعال كذا عله لفعل تلك الأفعال، يرد عليه - زيادة علي ما أوردته سابقا من أن العلم تابع للمعلوم وهو المصلحة فتكون هي العلة
المؤثرة في الحقيقه كما أن المصلحة في فعل الإنسان تؤثر بواسطة علمه بها - هل الأحناف القائلون بترتب المصالح علي أفعال
كذا من غير ترتيب من الله قائلون بالتوليد كالمعتزله؟.
نعم، الأشاعرة إنما ينفون العلية بين الأشياء قائلين بأن العلة الوحيدة في الكائنات هي إرادة الله لا شيء من التأثير
لأي شيء غيرها في شيء ولا ينفون اللزوم العقلي بين بعض الأشياء من غير أن يكون الملزوم علة لاللازم كلزوم العلم
بالنتيجة للعلم بمقدمتي القياس المنطقي المستجمع لشرائط الإنتاج عند الإمام الرازي وهو من الأشاعرة، وكلزوم وجود المحل
لوجود العرض ووجود الجزء لوجود الكل مع كون اللازم والملزوم في هذه الأمثلة معلولي علة واحدة والله تعالي خالق
كليهما (?) ( أي الملتزمين لا اللزوم وعلي اللزوم وعلي رأي الفيلسوف "ديكارت" الذي هو غاية في تعظيم الله كما سبق ذكره
فالله خالق المتلازمين واللزوم جميعا" ولا يلزم من هذا أن يكون الله محتاجا في خلق العلم بها ابتداء بطريق الإلهام. أما توقف
العلم بها لغير الملهمين، علي العلم بهما فذلك يتضمن حاجة الإنسان المخلوق لا حاجه الإله الخالق.
****
وما هو جدير بالذكر أني كتبت هذا المبحث مبحث تعليل أفعال الله في هذا الكتاب وكتبت كتابي "تحت سلطان القدر" قبل أكثر من عشر
سنين كل ذلك من غير مراجعة "العلم الشامخ في إيثار الحق علي الآباء والمشايخ" للشيخ صالح
صفحة ??
ابن المهدي المقبلي اليمني المتوفي سنة ???? الذي ينعته مترجمه بيلمجثيد المطلق في الأصول والفروع والذي ينعي في كتابه بشدة ليزاعت علي جميع المذاهب
الإسلامية من الأشاعرة والماتريدية والشيعة والمعتزلة والحنفية والملكية والشافعية والحنابلة، لا سيما الأشاعرة النافين لتعليل أفعل الله بالأغراض والقائلين
بكون الحاكم بالحسن والقبح هو الشرع دون العقل وكون الله خلق أفعل الإنسان، وهو يعضد مذهب المعتزلة في كل هذه المسائل. لم يكن "العلم الشامخ" من الكتب المتداولة
من قديم في بلادنا وكنت رأيته أول مرة لما جئت مصر في هجرتي الأولى قبل خمس وثلاثين سنة وقد طبع فيها حديثا، ثم نسيته حتي كتبت ما كتبته في كتابي هذا وقبله
في "تحت سلطان القدر" وذاكرتي مشغولة عن كتاب العالم اليمني. بيدأنه خطر بالي وأن في فترة إنتهاء كتابي هذا و إرجاء طبعه إلي ما بعد اجتياز أزمة الغلاء التي
أتت به الحرب واشتد بعدها، خطر ببالي مراجعته فقرأته علي ضخامته حجمه في بضعة أيام فإذا هو يشن غارات نارية علي مذهب الأشاعرة في المباحث
المذكورة الذي التزمته أنا في الكتابين. ومع هذا فلم يؤثر
أرعاد و ابراقه فيما تقرر عندي بشأن تلك المسائل غير أن أقول وأوجز في القول بقدر المكان علاوة إلي ما قلته إلي هنا: إتهام المؤلف مذهب نفيالتعليل
باعتباره نفي الحكمه عن أفعاله تعالي وإنكار اسم "الحكيم" من أسمائه الحسني، مدفوع بأنا نحن نفاة التعليل لا نخلي أفعال الله تعالي عن الحكمة وإنما
ننفي تبعية أفعاله لها فهو الحكيم الذي تستتبع أفعاله الحكمة لأنه مالك أزمة كل حكمة وكل كمال وإن كان هذا الترتيب في التبعية يري بالنسبة إليأفعالنا
نحن المساكين معكوسا. بل إذا قال الله تعالي مثلا " ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها الآيه" وهي من الآيات الكثيرة الواردة في القرآن مصدرة بلو،
ثم آثر هداية البعد علي هداية الجميع كانت الحكمة التي توجد دائما متبوعة لإيثار الله تعالي بالنظر إلي مذهب
صفحة ??
التعليل، في هداية البعض وكان إذن معني قوله تعالي ذاك : لو شئنا لخرجنا عن الحكمة وفعلنا خلفها. فاتصلت ثمة لزوم أن لا يكون الله حكيما بمذهبهم لا بمذهبنا.
ولا ينجي المؤلف من هذه الورطة ما ادعاه من أن في حكمته تعالي ما يسمع مخالفة ما فعله إلي غيره أو إلي محض الترك، لأن هذه السعة خاصة بمذهبنا نحننفاة التعليل
الجاعلين الحكمة تتبع فعل الله تعالي مطلقا أو بالأصح تتبع إختياره ليعم الترك المحض أيضا. فإذا قال الله تعالي لو شئت لفعلت كذا فعلا غيره كان معناه علي بمذهبنا لو شئت
لفعلت غير ما فعلته وكانت الحكمه المتبوعة لاختيار الله عند أصحاب التعليل فلا يتصور وجودها إلا في جنب واحد بعينه ولا يكون لله تعالي أن يجاوز ذلك الجانب
إلي غيره قائلا لو شئت لفعلت كذا، وإلا فاتته الحكمة. فإن فرضوا حكمة متسعة موجودة في الجانبين فلا بد أن تكون الحكمة الموجودة في احدهما حكمه راجحة
والتي في الجانب الآخر حكمه مرجوحة، ويلزم أن يكون جانب الحكمة الراجحة هو الذي اختاره الله للفعل ، بل يلزم أن يكون الله فاعلا موجبا بالنسبة إلي هذا الجانب
لا فاعلا مختارا ، وليس له بعد هذا أن يقول لو شئت لفعلت غير ما فعلته، لأن كل ما لم يفعله فالحكمة الموجودة فيه حكمة مرجوحة لا يجوز لفعل الله
تعالي أن يتبعها وإلا كان ذلك منه ترجيحا للمرجوح وهو محال علي الله. وكذا الحال في الاستحالة أو أشد إذا ادعوا تساوي جميع الجوانب في الحكمة
المتسعة لأنه يكون ترجيح واحد منها حينئذ ليفعله، ترجيحا بلا مرجح كان أصحاب مذهب التعليل يعيبونه علي نفاته. ومعني هذا استحالة الفعل علي الله عندهم. أما عندنا
فلا حاجة لله إلي مرجح غير إرادته وإذا أتي بالفعل محالا علي مذهبهم لكونه ترجيحا من غير مرجح ثم قال لو شئت لفعلت غير ما فعلته كان كقوله لو شئت
لأتيت بترجيح آخر من غير مرجح واستبدلت محلا بمحال.
صفحة ??
وما يهجم فيه المءلف علي الأشاعرة الزين نقتدي بهم قولهم "لا يقبح شيء من الله" مع إتفاق الجميع علي أن الله تعالي لا يفعل القبيح.
وأصل الخلاف فيما نخاف المعتزلة وهذا المؤلف اليمان أنه ليس لفعل في ذاته صفة عندنا بعتباره يحسن الفعل أو يقبح، فكل ما
يفعل الله أو يأمر به حسن لكونه فعله أو قمر به لا أنه يفعل الشيء أو يأمر به حسن لكونه فعله أو أمر به لا أنه يفعل الشيء
أو يأمر به لكونه حسنا وينهي عنه لكونه قبيحا، والله تعالي هو جعل الحسن حسنا والقبيح قبيحا لا أن الحسن متصف بالحسن من نفسه
والقبيح بالقبح من نفسه، وقد سمعت ما قاله الفيلسوف الكبير "ديكارت".
أما تبجح المؤلف نصير المعتزلة معترضة علي الأشاعرة وقائلا " هل يكون حسنا من الله لو فرضنا أنه صدق النبي الكاذب وكذب النبي الصادق فالجواب نعم
إن صدق الله الكاذب أو كذب الصادق كان ذلك حسنا منه لكن المؤلف لا يعرف إن القضية الشرطية تصدق من غير توقف علي وقوع شرطها. ولعدم
معرفته لذلك يتعاظم عليه هذه القضية الشرطية تعزم وقوع الشرط ويتوهم إن مدعيها كمدعيه، وهو مع عدم معرفة ذلك لا يعرف مقدار عظمة الله وعظمة
فعله فيصعب عليه إن يفهم كيف يكون القبيح حسنا بمجرد فعل الله إياه؟ ومنشأ الغلط تثبيت الحسن والقبيح قبل تثبيت الله، ولهذا نري ابن القيم الجوزيه
ينكر الخلود في النار ويراه قبيحا لكونه من أولئك المثبتين كهذا المؤلف اليمان وهذا المؤلف اليمان يعترف بالخلود رغم أنفه ويقول إن قول الله بذلك أظهر
ما خفي علي عقولنا من حسنه، وليس هذا الاعتذار إلا تقهقرا من قولهم بكون الحاكم بالحسن والقبح هو العقل ويلزمهم هذا التقهقر في كل ما ورد الشرع
به وعجز العقل عن إدراك حكمته ولا يتقهقر القائلون بكون الحاكم هو الله أبدا ولا يلجأون في أي مسألة إلي القول بأن العقل أظهر ما خفي علي الشارع
أظهر ما خفي علي عقولنا، وقول النبي صلي الله عليه وسلم إن الله تعالي لو عذب أهل سماواته لعذبهم وهو غير ظالم ولو
صفحة ??
رحمهم لكانت رحمته خير من أعمالهم" خير حاسم لمسألة التحسين والتقبيح هل هما عقليان أو شرعيان وخير منبه للغافلين
علي عظمة الله وعظمة فعله المستتبع للمحاسن والحكم. والمؤلف ذكر الحديث الذي نقلناه بتمامه في " تحت سلطان القدر" ولم
يتنبه لمغزاه. ومما يهجم فيه المؤلف علي الأشاعرة قولهم بأن الله خالق أفعال عباده، فهو يختار قول معتزلة بأن العباد هم أنفسهم
الخالقون لأفعالهم وإلا فلا يكونون مسئولين عنها، وما يفعلونه من الكفر والفسوق والعصيان فكلها يقع منهم عنده علي خلاف إرادة
الله التي لا تختلف عن أمره كما اختلفت عنه عند أهل السنة فيجري في ملك الله ما يشاؤه وما لا يشاؤه علي المذهب المختار
عند هذا المؤلف اليمني ويهدر قوله تعلي : "ولو شاء الله ما فعلوه" كما أن القول بعدم كون الله خالق أفعال عباده خلاف ما نص عليه
الله بقوله "والله خلقكم وما تعملون". والمسألة أي مسألة تحديد موقف البشر تحت سلطان القدر أتي جعلتها موضوع كتاب برأسه، لن يخرج
الرجل عن عهده حلها ولو ألف ألف كتاب في حجم "العلم الشامخ" ولن يستطيع الجواب عما أكثر الله ذكره في القرآن من عنه يضل من يشاء
ويهدي من يشاء فقد ينهار كثير من الأعلام الشامخة ولا تنهار تلك الآيات المائلات كالجبال مانعات عن مذهب أساتذة المعتزلة بل مذهب
الماتريدية أيضا في هذه المسألة، وكذا قوله تعالي" وما يشاءون إلا أن يشاء الله" في سورتين من كتاب الله جبلان شامخان لن يقدروا اجتيازهما.
أما تأويل قوله تعالي عن نفسه بأنه "يضل من يشاء ويهدي من يشاء " بأن الإنسان يضل باختياره ويهتدي باختياره لكن إختياره في الحالين مستند
إلي مشيئة الله الذي خلق الإنسان قادرا علي أن يفعل بمشيئته واختياره ولولا مشيئة الله المتعلقة بخلق الإنسان علي هذه الحالة المخيره لما أمكنه أن يضل
باختياره ولا أن يهتدي باختياره.
صفحة ??
وقد مشي المتكلفون المعاصرون أمثال الشيخ بخيت في تأويل قوله تعالي "وما تشاءون إلا أن يشاء الله" علي هذا المنوال الذي اختاره العالم اليمن في تأويل قوله تعالي
"يضل من يشاء ويهدي من يشاء" - فالجواب عليه أن مشيئة الله المتعلقه بخلق الإنسان حرا في إختياره الضلالة أو الهدي عامة لجميع الناس علي السوية فلا يكون
حق الكلام علي تقدير إرادة ذلك المعني العام أن يقال إن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء الدال علي تخصيص من يشاء منهم بالضلال ومن يشاء منهم بالهدي.
ولم يكن الله تعالي بمجرد مشيئة لأن يكون الإنسان ذا مشيئة ، شائيا منه إن يشاء الضلالة بعينها ولا إن يشاء الهدي بعينه وخصيصا لم يكن شائيا منه الضلالة
حتي يصح له بمجرد تلك المشيئة قوله بأنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، وإلا كان هذا مخالفا لقاعدة المعتزلة أصحاب هذا التأويل القائلة بأن الله تعالي لا يريد
الشر . وقد بينا في "تحت سلطان القدر" عدم جريان مثل هذا التأويل في قوله تعالي أيضا : "وما تشاءون إلا إن يشاء الله " بما لا مزيد عليه.
وإما اعتراض المعترضين علي مبدأ كون الهدايه والضلال من الله تعالي وكون الناس ماشين في إرادتهم علي وفق ما أراد الله إن يريدوا ، بأن هذا المبدأ
المتضمن للجبر ينتهي إلي أبطال الشرائع ويجعل تكليف الإنسان بأحكامها تكليفا بما لا يطاق ، فقد أجبت عنه في "تحت سلطان القدر" في أواخر
الكلام علي مذهب إمام الحرمين ص ??? - ??? وخلاصة جوابي ترجع إلي أن كون الإنسان مقهورا تحت سلطان القدر ليس بمانع من احتفاظه
بالاختيار بالمعني الأعم المفسر بقولنا "إن شاء فعل وإن لم يشاء لم يفعل " (?) وهو غير الاختيار بالمعني الأخص المفسر بقولنا "إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل
معروف في علم الكلام
وسيجيء منا تحقيقه في مكان أخر من هذا الكتاب. والذي ذهب الحكماء والمقتفون بأثارهم إلي أن الله تعالي مختار في أفعاله
صفحة ??
بهذا المعني ، ونحن وإن كنا مستقلين هذا القدر من الاختيار في حق الله تعالي فلا نستقله في حق الإنسان، وكيف نستقل الاختيار الذي رضي به طائفة من
العقلاء إختيار الله تعالي وهو يكفي في صحة تكليف الإنسان بالأحكام الشرعية وإخراجه عن التكليف بما لا يطاق.
هذا وقد سهل علي العالم اليمن تقرير مسئولية الإنسان عن أفعاله باعتباره مستقلة فيها وما هو بمستقل ، واعتبار مسألة في غاية البساطه والسهولة،
مع أن التدقيقات العقلية والنقلية تشهد بغموضها إلي حد أنه يجعل العقل يحكم بأن أبعد المذاهب فيها عن الحق أبسطها وأسهلها. وإني إتخذت
قوله تعالي "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء
ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون" مذهبا في كتابي "تحت سلطان القدر" وآخر ما أفعل هنا للراغبين في تفصيل هذا الموضوع إحالتهم علي ذلك الكتاب.
ومما استسهله المؤلف من معضلات المسائل أنه يقول في أبي لهب المأمور بالإيمان مع جميع المكلفين والمعروف بكون هذا الأمر تكليف بما لا يطاق
في حقه بعد نزول السورة الخاصة بشأنه لعدم إمكان أن يكون الله كاذبة في الأخبار بأنه تبت يدا أبي لهب : "إن معناه تبت يدا أبي لهب أن لم يؤمن، فلا إشكال".
وأنا أقول : يشبه هذا التأويل ما في تفسير أبي السعود من أن عدم إيمانه في المدي لا يستلزم عدم إيمانه في المستقبل . وفيه أن تباب يديه أن لم يؤمن معلوم
من غير نزول سورة مستقلة بشأنه تقرأ إلي قيام الساعة ضد أبي لهب حتي ولو فرض أنه آمن بعد حين من نزولها كما ترك باب هذا الفرض مفتوحا في تفسير
أبي السعود وتفسير المؤلف اليمني لكن المتبادر كل التبادر من تخصيص حاله بالاعتناء إلي حد إنزال سورة فيه أبديت الحكم، كون عدم إيمانه وتباب يديه
المترتب عليه ودخوله نارا
صفحة ??
ذات لهب ، أمرا مقضيا .. وكون نزول الصورة إخبارا عن الغيب، تؤيد ذلك قراءة ابن مسعود "وقد تب" ويفهم منه أن الجملة الأولي في محل الدعاء.
وفي تفسير الفخر الرازي: " قال ابن عباس كان رسول الله يكتم أمره في أول المبعث ويصلي في شعب مكة ثلاث سنين إلي أن نزل قوله تعالي
"وأنذر عشيرتك الأقربين" فصعد الصفا ونادي يا آل غالب فخرجت إليه غالب من المسجد فقال أبو لهب هذه غالب قد أتتك فما عندك. ثم قال يا آل مرة
فرجع من لم يكن من مرة فقال أبو لهب هذه مرة قد أتتك فما عندك. ثم قال يا آل كلاب فقال أبو لهب هذه قلت قد أتتك فما عندك . ثم قال يا آل قصي
فقال أبو لهب هي قصي قد أتتك فما عندك فقال "أن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين وأنتم الأقربون اعلموا أني لا أملك لكم من الدنيا حظه ولا من الآخرة
إلا أن عندي في تقولوا لا إله إلا الله فأشهد بها لكم عند ربكم " فقال أبو لهب عند ذلك : " تبا لك ألهذا دعوتنا" فنزلت الصورة.
والأولي عندي في الجواب عند مشكلة التكليف بما لا يطاق أن تكليف من حقت إليه كلمت العذاب مثل أبي لهب، بالإيمان لا يكون علي
حقيقته وإنما يقصد به الإهانة والتعجيز ، فكونه تكليف بما لا يطاق في حقه أمر مطلوب غير محتاج إلي التأويل. مات أبو لهب متأثرا
من واقعة بدر لما وصل إليه نبأها وكان لم يحضرها وبعث مكانه العاص بن هشام فما عاش بعده إلا سبع ليال حتي رماه الله بالعدسة
فقتلته ولقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا ما يدفنانه حتي أنتن في بيته وكانت قريش تتقي العدسة وعدواها كما يتقي الناس الطاعون ثم دفنوه وتركوه.
ومما استسهل المؤلف جوابه عن اعتراض الأخ الكافر في حكاية الإخوة الثلاثه الذين آمن أحدهم فكسب آخرته وكفر الآخر فخسرها ومات الثالث صغيرا ، فإذا قال
صفحة ??
هذا الأخ لو عشت لأحرزت مرتبة أخي السعيد فلماذا أمتني يا رب صغيرا وقيل في الجواب علمت أنك لو عشت لسلكت مسلك أخيك الخاسر فصنتك بتعجيل
موتك، فأذن يقول الأخ الكافر هلا أمتني أيضا صغيرا ووقيتني أن أعيش فأشقى بالكفر . وهذه الحكاية أوردها الشيخ أبو الحسن الأشعري شيخ الأشاعرة
علي أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة القائلين بوجوب الأصلح للعباد علي الله، فأفحمه.
فيجيب هذا المؤلف بأن التكليف بالأحكام الشرعية تفضل من الله. فكأنه ليس عنده من حق الأخ الكافر المتفضل عليه بالتكليف أن يقول : - إذا جاز
النقاش مع الله علي أصول المعتزلة - أمسكت عن هذا التفضل في حق أخي الصغير صيانة له عن أن لا يقوم بشكره فيقع في العذاب فهلا أمسكت
عنه في حقي أيضا . فلا كان ذلك التفضل الذي أدي إلي هلاكي ، إما كنت تعلم ماذا يكون مصيري إذا عشت كما علمت مصير أخي الذي مات صغيرا
، لو عاش؟ ولننتهي هنا عن نقل نماذج من "العلم الشامخ" التي أغار بها مؤلفه علي الأشاعرة دفاعا عن المعتزلة.
****
وبعض أن قرأت "العلم الشامخ" في هذه المرة وكتبت ما كتبته هنا بشأنه ساقت إلي المصادفة كتاب "إيثار الحق علي الخلق" لأبي عبد الله محمد بن
المرتضي اليمني المعروف بابن الوزير من مجتهدي القرن الثامن الهجري علي تعريف طابعي كتابه. وهو من طراز "العلم الشامخ" ومن مراجعه
ويفهم من الكتابين ومن إشادة طابعيهما أن اليمن لا يعوزه العلماء الراكنون إلي مذهب المعتزلة بإسم المجتهدين ولا أدري أي من التشيع والاعتزال
سبق الآخر في دخول اليمن وإن كنت أدري الصلة بين المذهبين من قديم. وقد كتبت في "تحت سلطان القدر" فصلا بعنوان "علماء الشيعة يؤ ازرون
المعتزلة".
صفحة ??
ومع هذا فإني عند تحرير كتابي ذاك كنت رأيتني في غني عن استقصاء النقاش مع المعتزلة وإنما
بذلت جل جهدي في مقارنة مذهب الأشاعرة في مسألة أفعال العباد الذي ناصرته وارتأيته بأقل فرق بعض النواحي
، مع المذاهب المعتبرة عند أهل السنة المتوسطه بين الأشعرية والاعتزال كمذهب الماتريدية . وكنت أذن أن المعتزلة
لا تقوم لهم قائمة بعض أن أفني مشايخهم الدهر، وقضي علي مذهبهم علماء أهل السنة، فإذا بمجتهدي اليمن يسعون
لبعث ذلك المذهب من قبره وإذا بي أطلع بهذا علي الناحية الإسلامية من منشأ العقلية لأناس من رجال علم الدين يريدون
أن يكونوا عصريين معتبرين عقيدة القدر الكاملة التي في مذهب الجبر المتوسط ، سببا لتثبيط همم العاملين وبث روح الكسل والتقاعد
عن العمل الصالح - بعد الناحية العصرية ، كما حصلت هذه العقلية حتي في الشيخ بخيت رحمه الله وحتي في صديقنا الشيخ زاهد أبقاه
الله (?) (?) هنا هامش طويل رأيت وضعه في آخر هذا الجزء من الكتاب.
فكان سبب رواج أفكار المجتهدين اليمانيين عند من راجت من علماء الأزهر وغيرهم أولا كون تلك الأفكار متفقة مع الأفكار العصرية
المبنيه علي تقليد الغرب في تفنيد العقيدة الإسلامية و اتهامهما بالجبر، وثانيا كون مكلفيه الإنسان بالأحكام الشرعية ومسئوليته عن أعماله
عند الله مفهومة في مذهب المعتزلة بكل وضوح. وإني بحمد الله وتوفيقه قضيت حق الرد علي الأول من هذين السببين في مواضع عدة من " تحت سلطان القدر
وكان الذي قلته مختصرا في آخر مرة ص ???
(?)‎
قلت هذا في فصل "آراء فلسفة الغرب" الذين مذهب الماديين
منهم نفي الاختيار عن الإنسان بالمرة وجعلت مسيرا تحت تأثير الغريزة التي ورثها من آبائه والبيئة التي تحيط بها ، في حين أن علماء
النفس المتخذين علم النفس ذريعة لتربية النشء يسعون لإثبات الاختيار وإمكان تقويته بالتربية ويرون ذلك من واجبهم للاحتفاظ
بأهمية التربية وصيانتها عن الإهمال فكأنهم لو اعترفوا بعد الاختيار في الإنسان لزمهم أن ييأسوا من خدمة التربية في ترقية الروح
وتقويتها بتقوية الإرادة-
أن الفعل والعمل
بداية الصفحة 31
موضوع المسألة و محل النظر فى مذهبى الاختيار و الايجاب ، فهو محفوظ الأهمية سواء وقع حال كون الانسان فى نظر العلم فاعلا مختارا فيه أو موجبا ، لا أنه يقع العمل من الانسان ان كان مختارا و لا يقع ان كان فاعلا موجبا فيحل محله الكسل ، و لو نفينا الاختيار بالمرة أو الاختيار الحر و قلنا بالايجاب لقلنا ان العمل واقع أيضا و لكن بالايجاب بدل وقوعه بالاختيار ، و الفرق بين المذهبين فى كيفية وقوع العمل لا فى وقوعه أو لا وقوعه . و لا منافاة بين العمل و بين القول بالايجاب فى العمل بل ايجاب العمل يؤيد العمل أكثر من تأييد الاختيار فيه له .
هذا ما قلته فى كتابى الأول فمن الغريب جدا أن يظن كثير من العقلاء و العلماء أن مذهب الجبر يعطل الانسان عن العمل مع أن قليلا من التفكير فى محل الجبر و هو الفعل أو فى موصوفه المجبور و هو الفاعل ، يكفى لادراك الخطأ الفاحش فى ذلك الظن . فهل هناك فعل اذا كان فاعله مختارا فيه و لا فعل هناك اذا كان فاعله مجبورا فى فعله ؟
و رحم الله السلف من علماء المذاهب الاسلامية كانوا أقوم تفكيرا ، فلم يعترض خصوم الأشاعرة عليهم عند النقاش فى مسألة أفعال العباد ، بأن مذهبهم يؤدى الى تعطيل الأفعال ، كما اعترض الأستاذان الجليلان الشيخ بخيت و الشيخ زاهد ؛ و رضى الله عن الصحابة لما سمعوا حديث القدر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قالوا ففيم العمل ؟ و لم يقولوا
بداية الهامش
= و الاختيار . فمثلهم فى موقفهم هذا كمثل بعض علمائنا المعاصرين الذين يفضلون مذهب الاعتزال القائل بوجود استقلال الارادة و يرون فى اختيار هذا المذهب حث الانسان على السعى و العمل .
لكن مذهبنا الذى هو الايمان بالقدر لا يستهين بالعمل و لا يقول باستغناء للانسان عنه بل يرى العمل من بشائر القدر كما أشار اليه حديث " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " و الانسان لا يزداد سعيه و عمله لكونه على مذهب المعتزلة و انما المزداد سعيه من قدر له الوصول الى مقصوده و قدر معه السعى له . و ما ذكره الماديون من الأسباب المجبرة كالوراثة و البيئة و علماء النفس من التربية كلها داخل فى القدر مع النتيجة المترتبة عليها .
نهاية الهامش
بداية الصفحة 32
فكيف العمل ؟ أى أشكل عليهم فائدة العمل الواقع لا وقوع العمل نفسه ، و لئن كان الاشكال فى فائدة العمل يستلزم الاشكال فى نفس العمل بعض الاستلزام فهذه المشكلات قد سبق الجواب عليها من رسول الله صلى الله عليه و سلم فى تمام الحديث و اقتنع به الصحابة و انتهت المسألة بين الرسول و أصحابه ، فلماذا لا ينتهى العلماء المعاصرون عنها و لا يفهمون أن النزاع بين المذاهب فى كيفية وقوع العمل لا فى نفس وقوعه ؟ و خلاصته اذا فعل أحد فعلا فهو يفعله تنفيذا للقدر السابق أم يستأنفه استئنافا ؟ كما فى حديث مسلم عن أبى الأسود و حديث أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن عبادة المذكورين فى " تحت سلطان القدر " و سأذكر بعضهما هنا أيضا .
فنحن القائلين بالقدر لا نمنع العمل و لا نقول بعدم الحاجة اليه و لا أن الانسان يقعد و يعمل القدر ، حتى يكون مذهبنا الكسل و العطالة للانسان ، و انما كل من الفريقين الذين ينقسم اليهما الناس فيما يرى _ و هما العاملون و الكسالى _ يأخذ حظه من القدر ، فيعمل العاملون بالقدر و لا بد أن يكونوا عاملين ، و يكسل الكسالى بالقدر و لا بد أن يكونوا كسالى ، من غير أن يكون لهم معذرة من القدر فى كسلهم و لا للعاملين معذرة منه فى عملهم .
و من أخطاء العلماء المعاصرين العجيبة فى مسألة أفعال العباد ما وقع للشيخ محمد عبده فى رسالة التوحيد _ و قد نبهت اليه فى أوائل " تحت سلطان القدر " من أنه لم يفهم أن المراد من أفعال العباد التى هى محل النزاع بين المذاهب ، أفعالهم المقدورة الصادرة عنهم فعلا ، لا ما هو أعم مما أرادوا أن يفعلوه فلم يتسن لهم .
أما السبب الثانى _ لرواج أفكار المجتهدين اليمانين عند من راجت من علماء الأزهر و غيرهم _ فهو ينبئ عن كون الراكنين الى مذهب الاعتزال يبغون السهولة فى وضع المسألة أكثر من تحرى الحقيقة ، فان لم يكن الانسان حرا فى اختياره و قامت أدلة العقل و النقل على أن مشيئته منوطة بوشيئة الله فكيف يصح أن نعتبره حرا لنجعله مسئولا عن أعماله ؟ و نحن أيضا لا ننكر مسئوليته و نعتقدها حقا و عدلا ، لكنا مع هذا
بداية الصفحة 33
ننكر كون اختياره تحت سلطة الله و مشيئته فنحن لا نهمل كلا ناحيتى الحقيقة التى أهمل معارضونا احدى الناحيتين منها و ضحوا بها فى سبيل الناحية الأخرى .. فأمامنا حقيقتان اثنتان لا نشك فيهما و هما اننا لا نشاء أن نفعل فعلا الا ما شاء الله أن نفعله و أننا مسئولون عن أفعالنا فنحن نفعل كل ما نفعل تحت مشيئة الله و نحن مسئولون عن كل ما نفعل . أما أنه كيف يكون الجمع بين هاتين الحقيقتين المتنافيتين فيما يبدو لنا فنقول فى الجواب عنه انه سر القدر الذى لا يحيط به عقل البشر و لا يشق على أنفسنا أن نقول ذلك غير محتفلين بالتنافى المرئى بين الحقيقتين بعد أن اقتنعنا بكون كل منهما حقيقة لا تنكر و انكارها ضلالة لا تغتفر ، و بعد أن جمع الله بينهما فى قوله " و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة و لكن يضل من يشاء و يهدى من يشاء و ليسألن عما كنتم تعملون " .
ثم انا لا نحتفل أيضا بما يدعون على مذهبنا فى الجمع بين الحقيقتين من لزوم نسبة الظلم و النقص الى الله تعالى عنهما علوا كبيرا حيث تكون معاقبة عبده المذنب الفاعل ما فعله تحت سلطته ، ظلما عندهم . و حيث يكون ادخال الخير و الشر تحت ارادة الله كما هو مذهبنا القائل بعموم ارادته لكل كائن ، نقصا فى ذات الله يجعلها مريدة للكفر و الفسوق مع الكافر و الفاسق ؛ لا نحتفل بذلك و نحمل دعواهم فى هذا الصدد على سذاجتهم فى التفكير و قصر نظرهم فى المعارف الالهية و العلوم المتعلقة بذات الله تعالى و صفاته و رسوخ قياس الغائب على الشاهد فى طباعهم كما نبه العلامة التفتازانى فى شرح العقائد النفسية .
نعم ، نحن نقول مع القرآن ان الله يضل من يشاء و يهدى من يشاء و من يضلل الله فما له من هاد و من يهد الله فما له من مضل .. و نقول مع الحديث المجمع عليه " ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن " و الذى يلزم لصدق الجملة الثانية منه أن يكون عكس نقيضها
بداية الصفحة 34
أيضا صادقا و هو كل ما يكون فهو ما شاء الله . لما تقرر فى المنطق من أن صدق القضية يستلزم صدق عكسها و عكس نقيضها المنطقيين لكن المؤلف اليمان هذا المعروف بابن الوزير يحرف منعن الجملة الثانية من الحديث و هو " و ما لم يشأ لم يكن " الى قوله " و ما شاء أن لا يكون لم يكن " و هو أخص من نص الحديث فى الجملة الثانية أعنى أن ما شاء الله أن لا يكون بعض ما لم يشأ الله أن يكون لا كله لأن الجملة الثانية فى الحديث سالبة معدولة الموضوع و فى كلام المؤلف المحرف سالبة محصلة الموضوع (1) فكما أن السالبة أعم من الموجبة فالسالبة المعدولة الموضوع أعم من السالبة المحصلة الموضوع . فما لم يشأ الله أى موضوع الجملة الثانية فى نص الحديث أعم مما شاء أن لا يكون و مما لم يشأ أن يكون و كلاهما لا يكون أى يصدق عليه محمول الجملة الثانية فلا يخرج أى كائن عن مشيئة الله . و على تأويل المؤلف المحرف يخرج بعض الكائنات عنها و هو ما لم يشأ الله كونه و شاءه الانسان من المعاصى فهو " يكون " عنده و عند قادته المعتزلة على خلاف الحديث فى جملته الثانية .. بل لا ينطبق عنده حديث " ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن " بجملتيه على فعل من أفعال العباد سواء كان طاعة أو معصية لأنه يدعى أن مشيئة الله انما تتعلق بأفعاله نفسه و لا تعلق لها بفعل غيره و يدعى أنه لا معنى لأن يشاء الله أفعال عباده بالخلق و الايجاد (2) و انما مشيئته اياها تكون كناية عن محبته و رضاه ، مع أنه
بداية الهامش
(1) معدولة الموضوع أو محصلة الموضوع و معدولة المحمول أو محصلته و معدولة الطرفين أو محصلتهما كل ذلك من الاصطلاحات المنطقية .
(2) قول ابن الوزير هذا يشبه قول الشيخ محمد عبده فيما نقله عنه صديقنا الدكتور عثمان أمين مدرس الفلسفة بجامعة فؤاد قال الدكتور : " ان الذين ينكرون الحرية يحتجون بالآية القائلة : " و الله خلقكم و ما تعملون " و هم يفسرون هذه الآية على معنى أن الله هو خالق أعمال الانسان و لكن الشيخ المصرى (يعنى محمد عبده) يلاحظ أن هذه الآية نفسها تقول " و ما تعملون " فهى بذلك تفيد أخيرا نسبة العمل الى الانسان " .
و أنا أقول : ان ما قال عنه الشيخ " أخيرا " من نسبة العمل الى الانسان فى الآية أصبح أمرا
نهاية الهامش
بداية الصفحة 35
لا شك فى عموم الحديث لكل ما كان و ما لم يكن فان كان الحديث لا عموم له و لا تعلق بأفعال العباد فلماذا اذن اضطر المؤلف الى تحربديف الجملة الثانية منه ؟ و كان هو و تلميذه المعنوى مؤلف " العلم الشامخ " يعيبان على علماء أهل السنة أن الله عندهم يقدر على كل شئ و لا يقدر على اقدار عباده لايجاد أفعالهم ، فى حين أن المؤلف الأستاذ نفسه أعنى ابن الوزير يدعى عدم قدرة الله على ايجاد أفعال عباده ، مع أن علماء أهل السنة
بداية الهامش
ظاهربا يعد تسلط فعل الخلق من الله عليه و صار ما يعمله الانسان بالنظر الى ظاهر الأمر مخلوق الله فى الحقيقة لا معمول الانسان ، فما قال عنه الشيخ " أخيرا " أخير فى اللفظ لا فى المعنى ، و هو مقدم فى المعنى و معدل بالأخير الحقيقى الذى هو نسبة فعل الخلق من الله الى ما يعمله الانسان ، لأن نسبة فعل الخلق فى الآية الى مفعوله تلاحظ متأخرة عن لمفعول نفسه بناء على انها اضافة لا تتصور الا بعد تصور المضافين . فما يعمله الانسان خرج من أن يكون معموله و أصبح مخلوق الله بعد أن قال تعالى " و الله خلقكم و ما تعملون " جاعلا " ما تعملون " معطوفا على مفعول " خلقكم " و سقط بهذا جواب الشيخ عن الآية (*) و قول ابن الوزير اليمنى : "لا معنى لأن يشاء الله أفعال عباده بالخلق و الايجاد" لأن أفعالهم التى تصدر عنهم بحسب الظاهر ليسوا بخالقيها و موجديها و انما خالقها الله . و العجب من علامة اليمن و علامة مصر كأن مسألة أفعال العباد التى بلغ البحث و النزاع فيها بين المتكلمين عنان السماء و انعقد اجماع علماء أهل السنة على أن الله خالق تلك الأفعال عملا بقوله تعالى " و الله خلقكم و ما تعملون " و أن العباد أنفسهم محال تلك الأفعال لا فاعلوها المؤثرون فيها ، على الرغم من كون النعبير عنها أفعال العباد .. هذه المسألة لم يصل عنها و عن أبحاثها شئ الى آذان هذين العلامتين ؛ حتى ان امام الحرمين الذى يميل فى هذه المسألة الى مذهب المعتزلة و الشيخ محمد عبده نفسه الذى يميل الى مذهب امام الحرمين ، يمتنعان عن القول بان الانسان خالق أفعاله كما فصلناه فى " تحت سلطان القدر " فكيف يتمسك الشيخ بعد هذا بنسبة العمل فى الآية الى العباد ؟ مدعيا أن هذه النسبة تنسخ خلق الله و تجعله فعل العباد ، فهل القرآن يناقض نفسه فى قوله و الله خلقكم و ما تعملون بأن جعل أعمال عباده التى نسبها اليهم مخلوقة له نفسه أم ينص بهذا على حقيقة الأمر ؟ و سيجئ منا تمام الكلام فى درس هذه الآية عند نقاش علامة اليمن على تمحلاته فى تهريبها عن احتجاج أهل السنة بها لمذهبهم
(*) اذ الآية لا تجعل مخلوق الله معمولنا بل تجعل معمولنا مخلوق الله ، و ان شئت فقل لا تجعل خلق الله المتعلق بأعمالنا عبارة عن عملنا نفسه بل يجعل عملنا عبارة عن خلق الله اياه .
نهاية الهامش
بداية الصفحة 36
بداية الصفحة 37
الظلم لا يتصور فى حقه تعالى مهما فعل لأن كل شئ ملك يده كما فى حديث مسلم عن أبى لأسود الدؤلى قال : قال لى عمران بن حصين : أرأيت ما يعمل الناس و يكدحون
بداية الهامش
= عليهم أنه اذا أثبت التحقيق العلمى المبنى على دليل العقل و النقل أن مشيئة الانسان لا تتعلق بشئ الا تابعة لمشيئة الله فلا يذكر مانعا للاعتراف بهذه الحقيقة أن يترتب عليه شئ من حصول مفسدة دينية أو فوات مصلحة دنيوية كلزوم ان يكون الله ظالما فى معاقبة الكافر و الفاسق و كلزوم أن يكون الايمان بالقدر الذى لا يمكن تغييره بالمساعى سائقا للانسان الى الكسل و التعطل عن العمل _ مع أننا دفعنا مشكل هذين اللازمين بجواب آخر خاص بهما _ و لو كنا لم ندفع مشكلهما فلا نقبلهما أيضا مانعين عن الاعتراف بما فى موقف البشر تحت سلطان القدر من الجبر ان كان موقفه فى نفس الأمر و عند التحقيق العلمى كذلك ، لأن الحقائق العلمية تطلب لذاتها مجردة عن أى مصلحة أو مفسدة و قد اعترف بهذا و بالجبر نفسه فى موقف الانسان علماء النفس فى الغرب الذى تعود اتهام الاسلام بعقيدة الجبر كما صرح به الأستاذ حسين رمزى أستاذ علم النفس بجامعة فؤاد فى محاضرته التى نشرتها مجلة القضاء الشرعى قبل سنوات و قد نقلناه بنصه فى " تحت سلطان القدر " ص 18 و نحن نذكره هنا أيضا لخطورته :
" تقضى المصلحة علينا فى كثير من الأحايين بالوصول فى بعض المسائل النفسية الى جواب معين نعتقد أنه يوافق مصلحة لنا بدلا من الوصول الى الحقائق فنحن نريد أن نحكم فى مشكلة الارادة بأن الانسان مخير غير مسير مثلا و هذه الحالة عاقت سير العلم و لا تزال تعوقه لارتباطها بمذاهب المسئولية الشرعية و القانونية و الخلقية ، الا أن من واجب علم النفس أن لا يلتفت الى الفائدة ، فالحقيقة العلمية محبوبة لذاتها و هى الغاية التى تسعى الانسانية للوصول اليها و ليس للعلم أن يتحول عنها أصلا فان قال عالم الأخلاق و القانونى و الشرعى بوجود الارادة فعالم النفس لا يستسلم الى هذا القول بل يتحتم عليه أن يبحث الموضوع مجردا من كل غاية (و من كل حكم سابق) الا غاية واحدة هى البحث عن الحقيقة ، و ان قال الدين ان نفى وجود الارادة يؤدى الى نسبة الظلم لله عز و جل و ان اثبات وجود الارادة يؤدى الى نسبة العجز لله تعالى و ان الله سبحانه و تعالى منزه عن الظلم و العجز فالعالم النفسى لا يقرر الا نظريات نفسية علمية و لا يقرر حكما علميا الا متى تثبت من الحقيقة .. لقد أظهر دارسو الارادة فى بادئ الأمر و بتأثير النظرية الميكانيكية أن الانسان مجرد جرثومة حية تحمل أثناء تكوينها و نموها عن طريق الوراثة آثار الأجيال الماضية ما بين صفات طبيعية و مرضية و أن هذه الجرثومة تنشأ خاضعة لتأثير بيئة طبيعية مرتبطة بظروف اجتماعية منها الغنى و الفقر و الجهل و العلم و الحالة الأدبية و المدنية .. الخ فلانسان مسير لا مخير و هذه النظرية ذاعت فى شكل حكم علمى بتأثير أنصار النظرية الميكانيكية و أخذ بعض المشرعين فى سن قوانين على أساس غير أساس حرية الارادة " .
نهاية الهامش
بداية الصفحة 38
فيه شئ قضى عليهم و مضى عليهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون به مما آتاهم به نبيهم و ثبتت الحجة عليهم فقلت بل شئ قضى عليهم و مضى عليهم قال أفلا يكون ظلما قال ففزعت من ذلك فقلت كل شئ خلق الله و ملك يده فلا يسأل عما يفعل و هم يسألون قال : فقال يرحمك الله انى لم أرد مما سألتك ، الا لأحزر عقلك ان رجلين من مزينة أتيا رسول الله فقالا يا رسول الله : أرأيت ما ما يعمل الناس و يكدحون فيه أشئ قضى عليهم و مضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم و ثبتت الحجة عليهم فقال بل شئ قضى عليهم و مضى فيهم و تصديق ذلك فى كتاب الله عز و جل " و نفس و ما سواها فألهمها فجورها و تقواها " .
فالمعتزلة و أنصارهم لا يعرفون ماهية الظلم و لا يقدرون عظمة الله حق قدرها (1) و انما يحاولون حل مسألة القدر التى ليست فى الدنيا تعدلها غموضا و اعضالا ، بتنزيلها منزلة مسألة بسيطة سهلة الحل و قياس ذات الله تعالى و أفعاله بمقياسنا و مقياس أفعالنا نحن البشر و لكون عقولهم مقيدة بهذا المقياس يقولون أن الاعتراف بسلطان ارادة الله على ارادات العباد انما يكون بطريق الاكراه ، و حيث لا اكراه فلا سلطان ، لأن
بداية الهامش
(1) الظلم قد يطلق على التصرف فى ملك الغير بغير اذنه و قد يطلق على وضع الشئ فى غير موضعه و كل منهما لا يتصور فى حق الله الذى لا يوجد شئ خارج عن ملكه و لا يوضع حد لحكمته بأن يقال فى أى فعل من أفعاله انه موضوع فى غير موضعه . و قد نقلت فى " تحت سلطان القدر " ما قاله ابن قتيبة فى كتابه " اختلاف اللفظ " و نعم ما قال : " ان أهل القدر ( يريد بهم المعتزلة الذين من ألقابهم القدرية ) حين نظروا فى قدر الله الذى هو سره ، بآرائهم و حملوه على مقايسهم أرتهم أنفسهم قياسا على ما جعل فى تركيب المخلوق من معرفة العدل من الخلق على الخلق ، أن يجعلوا ذلك حكما بين الله و بين العبد " و من غريب المصادفة أن كتاب ابن قتيبة الذى نقلت عنه هذه الكلمة القيمة كان صديقى الشيخ زاهد هو الذى أهدى الى هذا الكتاب عند تحرير كتابى " تحت سلطان القدر " .
نهاية الهامش
بداية الصفحة 39
للانسان يفعل ما يفعله باختياره و رضاه و كلامنا فى أفعاله الاختيارية فأين الجبر اذن ؟ لكنى أقول أن هذا الجبر الذى يؤلفه الله باختيار الانسان و ارادته فيجعله يفعل بارادته و رغبته ما أراد الله منه أن يفعله ، جبر محبوب عند المجبور لا يعرفه و لا يقدر عليه جبابرة البشر و انما يقدر عليه من " الجبار " من أسمائه الحسنى (1) .
بداية الهامش
(1) و عند قراءة ما كتبته هنا على الشيخ زاهد قال : " ان الجبار الذى هو من أسماء الله الحسنى من الجبر بمعنى الاصلاح و قد نبهوا عليه فى شروح الأسماء الحسنى " و أنا أعرف أن هذا الاسم الشريف فسر على وجهين بل أوجه و أعرف أيضا أن المفسر أبا السعود على الرغم من كونه ماتريديا و كون الماتريدى معتزليا فى نظر فضيلة الصديق ، قدم المعنى الذى أخذته أنا على المعنى الذى أخذه فضيلته فقال : " الجبار الذى جبر خلقه على ما أراد أو جبر أحوالهم أى أصلحها " و مع قطع النظر عن تفسير المفسرين بهذا أو بذاك يكفينى أن الجبر الذى يفر عنه فضيلته مذكور معناه فى القرآن بكثرة لا تحصى مسندا الى الله تعالى و واقع فى نفس الأمر كما حققنا فيما سنورده من البرهان العقلى على مذهب الجبر ، و هذا لفظه منصوص عليه فى كتاب الله : " المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر " و لا أظن أن يكون المعنى الذى أخذه فضيلة الصديق فى الجبار الواقع بين العزيز و المتكبر أولى من المعنى الذى أخذته أنا ، لا سيما و أن تفسير الجبار بما فسرته يجد فى حديث " سبحان ذى الملكوت و الجبروت .. " المذكور بأسانيده و طرقه فى كتاب " الأسماء و الصفات " للحافظ البيهقى ، تأييدا صريحا بلفظه و معناه لا يجده تفسير الجبار بما فسر به فضيلة صديقى . و قد ذكر البيهقى قوله تعالى " العزيز الجبار المتكبر " مع الحديث المذكور ، فى باب " ما جاء فى الجلال و الجبروت و الكبرياء و العظمة و المجد " و روى فى باب ما جاء فى النفس من الكتاب المذكور بسنده عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قرأ مرة على منبره : و ما قدروا الله حق قدره و الأرض جميعا قبضته فجعل رسول الله يقول " كذا يمجد نفسه عز و جل : أنا الجبار أنا العزيز المتكبر فرجف به المنبر حتى قلنا ليخرن به الأرض .
و كان أهم مافعله الصديق فى اعتراضه على أنه شغله اعتراضه عن الالتفات الى ما أردت افهامه فى قولى " و هذا الجبر الذى يؤلفه الله لاختيار الانسان و ارادته فيجعله يفعل برغبة من عنده ما أراد الله منه أن يفعله ، جبر محبوب عند المجبور لا يعرفه و لا يقدر عليه جبابرة البشر و انما يقدر علبه من الجبار من أسمائه الحسنى " أضيف اليه الآن قولى : و الجبر الذى يعرفه البشر و يقدر عليه لا يكون الجبار المشتق منه من الأسماء الحسنى لمن سمى به لكونه جبرا مكروها غبر محبوب عند المجبور .
نهاية الهامش
بداية الصفحة 40
ثم أن فى القرآن كلمة من أكثر ما يتكرر ذكره فيه و يمدح الله به نفسه ، كلمة تقصم ظهور أنصار المعتزلة و قد تصدى لتأويلها ابن رشد فقصمت فيما سبق بحوله تعالى ظهر تأويله ، كلمة قائلة " بأن الله يضل من يشاء و يهدى من يشاء " فلو كان واحد منا أضل من شاء من الناس و هدى من شاء منهم و استطاع ذلك ثم أراد أن يعاقب الضالين لقلنا أنه ظلمهم ، و هل يمكننا أن نقوله فى الله الذى يضل من يشاء و يهدى من يشاء و يعذب من يشاء و يغفر لمن يشاء ؟ أم هل يمكننا انكار أنه يضل من يشاء و يهدى من يشاء كما أنكر الخصم مع نص القرآن عليه و مع أن الواقع كذلك حيث ان الانسان يفعل كل ما يفعله من خير أو شر لداعية تخطر بباله و عليها يقوم هداه و ضلاله و خالق الداعية فى قلبه هو الله .
و ليس للخصم جواب عن هذه الكلمة المنصوص عليها فى القرآن سوى ادعاء أن من أضله الله تكون منه سابقة ذنب و يكون هذا الاضلال جزاء من الله عليه . و هذا الجواب مع ما يأباه من نص القرآن العام لكل من يشاء الله ضلاله ، لا يتمشى فى الذنب الأول الذى لم يسبقه ذنب آخر لأن ذلك أيضا ضلال يلزم دخوله فى قوله تعالى يضل من يشاء و لا يكون له سبب غير مشيئة الله .
هذا ما يرد على الخصم المجيب فى الجملة الأولى أعنى " يضل من يشاء " و فى الجملة الثانية القائلة بأن الله يهدى من يشاء و فى آية أخرى " و الله يدعو الى دار السلام و يهدى من يشاء الى صراط مستقيم " محاباة ظاهرة من الله لفريق من الناس و هم الذين قيل عنهم فى حديث نبوى انهم خلقوا للجنة كما أن الفريق السابق أى الذين شاء الله ضلالهم خلقوا لجهنم . فلو نظرنا الى الجملتين بمنظار أنظار المعتزلة و قسنا معاملة الله بمعاملات الناس بعضهم بعضا لوجدنا تخصيص الهداية فى الجملة الثانية لمن يشاء من الناس كتخصيص الاضلال الذى فى الجملة الأولى لمن يشاء منهم ، جديرا بالاعتراض
ولكن الله لا يعترض عليه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وهو آخر كلمة ينتهي إليها البحث والنقاش في هذا الموضوع، ومن حاول حل المعضلة من دون التجاء وانتهاء إليها فقد أتعب نفسه عبثًا. ومن حاول تأويلها أيضًا لإخراجها عن كونها آخر كلمة فقد أدخل نفسه في الذين لا يكادون يفقهون حديثًا بل عرضه لمصداق جملة الضلالة.
وصاحب "إيثار الحق" يؤول قوله تعالى ي ضبه من يشاء الوارد في القرآن بكثير من المناسبات، بحمله على بعض أمثاله الواردة في شكل مقيد مثل قوله تعالى "وما يضل به إلا الفاسقين" وقوله "فلما زاعوا أزاغ ألله قلوبهم" فالله تعالى يضل الفاسقين ويُزيغ قلوب الذين زاغوا يعني يضل المستحقين لا أنه يضل من يشاء وهو خلاف صراحة الآية إذا لا يقال عن الذي يضل من يستحق الإضلال إنه يضل من يشاء ولا يقال عن هذا الجمع والتأليف إنه من قبيل حمل المطلق على المقيد لأن إضلال من يشاء أيضًا مقيد لا مطلق ولا يمكن حمل المقيد فيكون لكل منهما حكمه من غير تعارض. أما قوله تعالى "يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضل به إلا الفاسقين" الدال على التخصيص والقصر ففيه إشكال وتعارض مع الآيات الدالة على إضلال من يشاء. ويمكننا حله بأن نقول إن الضمير المجرور في قوله تعالى "وما يضل به إلا الفاسقين" راجع إلى ضرب المثل المذكور في الجملة المتقدمة أعني "إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً مما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مقلاً يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضل به إلا الفاسقين" وضرب الأمثال من الله تعالى وقع في القرآن كقوله "مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا" الآية فيئول به المعنى إلى أن الله يضل بالقرآن كثيرًا ويهدي به كثيرًا وما يضل به أحدًا ابتداء، وإنما يضل به الفاسقين ويكون هذا من فضل القرآن على الناس حيث كانت هدايته عامة وإضلاله خاصًا بالفاسقين .
وأما التأليف في غير هذه الآية من الآيات المقيدة بأسباب الإضلال فطريقه من غير ذهاب إلى إعمال تلك الآيات وإهمال آيات المشيئة كما فعل المؤلف اليمني بن الوزير، أن الله تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء مطلقًا لا تخصيص فيه ولا إجمال يحتاج إلى التفسير كما ادعاه المؤلف ابن الوزير والذين يضلهم الله لسابقة ذنب لهم واستحقاق وإن كان إضلالهم يبتني على أسباب خصوصية كما تعزى به المؤلف إلا أنه إذا نقلنا الكلام على تلك الأسباب التي هي عبارة عن ذنوبهم السابقة رأيناها أيضًا واقعة بإضلال من الله لكونه خالق الداعية إليها في قلوبهم ورأينا هذا الإضلال الأول لا سبب له سوى مشيئة الله فهي سبب هذا الإضلال مباشرة وسبب الثاني المبني على الذنب
السابق الواقع بالإضلال الأول، بالواسطة. فهي أعنى مشيئة الله سبب الكل إما مباشرة أو على أنها سبب السبب.
وصفوة القول أنا لو رفضنا كما ادعى الخصم أن ضلالة الضال لم تكن من الله بل من نفسه وأن الإضلال المسند إلى الله في كثير من آيات القرآن مبني على أسباب ناشئة من نفس الضال وأفعال فعلها سابقًا فاستحق أن يضله الله ثانيًا كمجازاة على ضلاله السابق الناشئ من نفسه، لو فرضنا ذلك فلابد أن يكون الأمر منتهيًا إلى استعداد للضلال في جبلته حيث تزل قدمه في موقف تثبت فيه قدم أخيه المهتدي ولابد أن يكون ذلك الاستعداد الذي جبل عليه مختلفًا عن استعداد أخيه، من الله. ومعنى هذا أن الجبر واقع على كل حال، لا يجدي في التخلص منه اللجوء إلى مذهب المعتزلة لأن الإنسان لا يعمل ولايريد العمل إلا بداعية تسنح لمفكرته وترجح له العمل واستعدادٍ من جبلته يُخضعه للداعية وكلاهما من الله .
وقد كتبت في "تحت سلطان القدر" ص 173 بعد نقل ما في الكتب المعتبرة الكلامية من أن التعويل في مسألة أفعال العباد على الأدلة العقلية لكون الأدلة النقلية


الناشئ من نقصان فهمه، من الله الذي قسم العقول والأفهام كما قسم الأرزاق، مفضلاً بعض الناس على بعض درجات، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، فكما أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر على من يشاء يضل من يشاء بنقص في فهمه ويهدي من يشاء بزيادة فيه بل إن كان ضلال أحدنا عن الحق في المسألة المنازع فيها بيننا ناشئًا عن عناده ومكابرته الراجعتين إلى ضعف في السجية التي جبل عليها والتي بسببها يشق عليه الاعتراف بالحق إذا ظهر على يد غيره مهما فهم الأمر، فذلك أيضًا من الله الذي قسم الأخلاق كما قسم العقول والأرزاق .
فالله تعالى إن لم يكن على مذهب الخصم متدخلاً في مشيئة الإنسان التي بنى عليها ما يفعله من الخير والشر وإنما كان تدخله بإعطائه صفة المشيئة القابلة للاستعمال في كلا الجانبين ثم لم يتدخل في استعمال هذه الصفة في الجانب المعين بل تركه إلى اختيار صاحبها، فهو بكونه قاسم العقول والأخلاق متدخل في توجيه اختياره البتة إلى الجانب الذي يشاؤه لأن إرادة الإنسان لابد أن تكون تابعة لعقله أو أخلاقه.وعلى كلا التقديرين من كون منشأ ضلال أحدنا نحن المتنازعين في مسألة الجبر والقدر وكذا كل مسألة نتنازع فيها إما نقصانًا في إدراكه أو نقيصة في خُلقه، ينطبق عليه قوله تعالى "يضل من يشاء" كما ينطبق على معارضه في الرأي قوله "ويهدي من يشاء".
فهذا هو البرهان العقلي الذي لا يقاوم ولا يجاب عنه والذي ينجاب به كل شك وكل شبهة عن مسألة كون الخير والشر كله من الله والآية التي فرغنا عن مناقشتها مع الخصم على الرغم من كونها لا تقبل النقاش وتنادي بالمذهب الحق أعني قوله تعالى المكرر في القرآن في كثير من المناسبات كأنها ضربات على رؤوس المعارضين "يضل

من يشاء ويهدي من يشاء" هي الدليل الشرعي لهذه المسألة مؤيدًا للبرهان العقلي. والحديث النبوي الذي رواه أو الأسود الدؤلي عن عمران بن حصين وسبق ذكره قريبًا، يتضمن ثلاث فتاوى في هذا الموضوع بل أربع جامعات لناحيتيه الشرعية والعقلية أولاها لأبي الأسود التابعي وثانيتها لعمران بن حصين الصحابي وثالثتها للنبي ورابعتها لله عز وجب القائل ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها. وفي الرابعة عبرة عظيمة لمن يخالفونني في المسألة تحت مضايقة غموضها الذي أنا معترف به، ساعين أن لا يجعلوا منشأ الهداية والضلال للإنسان إرادة الله سبحانه وتعالى بل نفس الإنسان المهتدي والضّال، فأنا أقرؤ عليهم فتوى كتاب الله التي قرأها رسول الله في آخر الحديث جامعةً للناحية العقلية والشرعية من المسألة، أقرؤها عليهم وأسألهم: من سوّى نفس الإنسان المهتدي والضال فألهما فجورها وتقواها؟ فلو عددنا الآية من المتشابهات – وهي تستحق هذا لعد استحقاقًا ناشئًا من غموض المسألة – لمنعتنا منه الآية نفسها حاكيةً للواقع وآبيةً للتأويل فلم نستطعه، ثم نقرؤ ما بعد الآية: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها. وفيها مسؤولية الإنسان كما أن فيما قبلها مجبوريته المحبوبة إليه وسبحان الله جامع الأمرين في كتابه المحكم وفي الواقع من حياة بني آدم.
وآخر ما أقوله هنا أن العاقل المؤمن بوجود الله لا يتردد في الحكم بأن كل كائن في العالم وفيه أفعال الإنسان وإراداته المقترنة بتلك الأفعال إنما يكون تحت إرادة الله، ولا يكون حكمه هذا مبنيًا فقط على نصوص الكتاب والسنة الباهرة بل الأمر كذلك أيضًا عند مراجعة الحالة الروحية التي تقوده إلى أن يفعل فعلاً أو يأبى فعله، مع الظروف المهيئة لتلك الحالة الروحية. ومن تردد في هذا الحكم فهم إما مكابر أو ضعيف الرأي.

نعم يلزم من هذا أن يكون الإنسان في أعاله مسيّرًا لا مخيّرًا وأن لا يكون مسؤولاً عن تبعات أعماله من أن الإنسان يشعر من نفسه شعورًا بديهيًا أنه مختار في أفعاله ويستلزم هذا لشعور كونه مسؤولاً عن أعماله عند الله وعند الناس بل عند نفسه أيضًا فهل هو مختار أو مضطر؟
والجواب أنه مختار ومضطر معًا مختار بالنظر إلى المبادئ القريبة من أفعاله لكونه يفعل ما يفعله بإرادة منه ورغبة دون إكراه يتعارض مع إرادته فيُعدمها أو يفسدها، ومضطر بالنظر إلى المبادئ البعيدة وهي ما ذكرنا من الحالة الروحية التي تقوده إلى إرادة ما يفعله أو ينصرف عنه مع الظروف المهيئة لتلك الحالة، لكن العبرة بالمبادئ البعيدة لكون المبادئ القريبة مبنية عليها دون العكس فالإنسان مضطر حقيقة لكنه في صورة مختار. فهذه هي الحقيقة الأولى التي لا ريب فيها والتي هي مستندة إلى إحاطة إرادة الله بكل كائن.
والحقيقة الثانية كون الإنسان مسؤولاً عن أعماله في الدنيا والآخرة وكونه مستحقًا لهذه المسؤولية لا في نظر الشرف فقط بل في نقس الأمر أيضًا وإلا لما عاقبنا الجناة في الدنيا ولرأينا معاقبتهم ظلمًا ورأينا هذا الظلم أيضًا معذورًا فيه ظالمه كما أن الجناة الذين هم الظالمون الأولون معذورون.
فهاتان الحقيقتان أعني وقوع كل واقع في العالم تحت إرادة الله وكون الإنسان مسؤولاً عن أفعاله، اللتان كل منهما في نقسها لا يجوز لعاقل أن يشك فيه، نعترف بهما معًا ونعتقدهما حقًا على الرغم مما يبدو بين الحقيقتين من التعارض. فلا يهمنا هذا التعارض بقدر ما تهمنا الحقيقتان نفسهما ما دمنا نعترف بهما حقيقتين فخلاصة مذهبنا التمسك بنفس الحقيقتين وترك ما نعجز عنه من تأليف البين ومعنى هذه الخلاصة استيقان ما يمكن استيقانه من هذه المسألة والكف عما بقى منها وتعذّر حلُّه. أما الخصم

فخلاصة مذهبه إنكار الحقيقة الأولى تمسكًا بتعارضها مع الحقيقة الثانية وإدعاءً لحل أصعب مسألة بطريقة بسيطة، ومعنى هذه الخلاصة بساطة عقل الخصم الذي ينظر الذي ينظر إلى المسألة كمسألة بسيطة ويظن أنه بهذا العقل يحل كل مسألة. ومن العجب أن بعض علماء الغرب مثل "بوسسوئه" و"شارل بوردان" فهموا دقة هذه المسألة بل بلغوا أبعد مبلغ في فهمها ولم يفهمه المعارضون من علماء الإسلام [راجع "تحت سلطان القدر" ص 254].
ونورد بعد الآن بعض نماذج من إكثار المؤلف اليمني ابن الوزير وإطالته الكلام من غير طائل من التخليط قال ص 232:
"ومن ذلك شبهة الثلاثة الأطفال الذين فُرضوا أن أحدهم مات صغيرًا فدخل الجنة وأحدهم كبر ووحّد الله وعبده ودخل الجنة وأحدهم كبر وكفر ودخل النار فرأى الصغير منزلة الكبير فوقه في الجنة فقال با رب هلا بلّغتني منزلة هذا فيقول الله تعالى إني علمت أنك لو كبرت كفرت ودخلت النار فيقول الذي في النار فهلا أمتني صغيرًا. وهذه هي مسألة خلق الأشقاء بعينها لكن غيروا العبارة.
والجواب أن هذا التقدير خطأ فاحش فإن العلة في إماتة الصغير ليس هي علم الله بأنه لو كبر كفر ولو كانت هذه عي العلة لأمات جميع الكفرة والأشقياء كلهم صغارًا بل لما خلقهم صغارًا حتى يميتهم فإن ترك خلقهم أولى من استدراك الفساد بموتهم بعد خلقهم. ولو كانت هذه هي العلة لصاحت الوحوش والطيور وجميع أنواع الدوار وقالت يا رب هلا جعلتنا من بني آدم ولصاح المؤمنون كلهم وقالوا ربنا هلا عصمتنا وبلغتنا مراتب الأنبياء بل جعلتنا كلنا أنبياء يوحى إلى كل واحد منا ويسرى بنا إلى السماء وقالوا جميعًا هلا جعلتنا ملائكة كرامًا ولقالت الأنبياء هلا ساويت بيننا فإنه نص على أنه فضل بعض الرسل على بعض ولقالت مثل ذلك الملائكة فإنه فضل بينهم.

ولو انفتح هذا الباب لاعترض تفضيل يوم الجمعة والعيد وليلة القدر ولم تكن هذه الأوقات المخصومات أولى بذلك من غيرها ولاعترض تخصيص السماوات بأماكنها والأرض بسكانها ولاعترض تخصيص إيجاؤ العالم وكل فرد ممن فيه بوقت دون وقت وتخصيص جميع ما فيه بقدر دون قدر في جميع أفعال الله تعالى ومقادير الأعمال والأجساد والأرزاق والنعم والقُوى والألوان والتقديم والتأخير والتقليل والتكثير ولما انتهى ذلك إلى حد ولا وقف على مقدار إلا والاعتراض فيه قائم والسؤال عليه وارد ولقالت القباح هلا جعلتنا حسانًا والنساء هلا جعلتنا رجالاً وأمثال ذلك مما لا يحصى: وذلك مما يؤدي إلى عدم وجود شيء من الموجودات بل إلى استحالة وجود الممكنات من جميع المخلوقات لعدم رجحان وقت على وقت ومكان على مكان وقدر على قدر فيلحث القادر حينئذ بالعاجز ويتعذر الاختيار على جميع المختارين وانتهينا إلى مسألة لا تنتهي لتعارض الدواعي المستدعية للوقف وترك جميع الأفعال وهذا خروج من المعقول فإن العاطش الجيعان لو حضر عنده كيزان كثيرة ورغفان كثيرة وهو لا يأكل معتذرًا بأن الدواعي إلى تخصيص كل كوز وكل رغيف تعارضت عليه حتى لم يتمكن من الأكل والشرب ودفع الضرر العظيم، لعُد من المجانين".

فقد قرأت كلامه الذي هو جدير بأن يعد مثال الإكثار والإطالة. أما تخليطه فهو أنك لا تستطيع الحكم بسهولة فيمن يعترض عليهم الرجل هل هم الأشاعرة أم سادته المعتزلة؟ بل المتبادر منه الثاني مع أن مراده الاعتراض على إمام الأشاعرة الشيخ أبي الحسن الأشعري الذي وضع السئوال عن مواقف الإخوة الثلاثة المختلفين وأفحم به أستاذه أبا علي الجبائي شيخ المعتزلة القائل بوجول الأصلح للعباد على الله وكان الأشعري يحضر درسه ثم انقطع عنه. والشيخ اليمان يعد السؤال عن مواقف هؤلاء الإخوة

الثلاثة المختلفين، من الوسواس مع أنه سؤال في غاية الاتجاه على القائلين بوجوب الأصلح على الله.
فالرجل يقول: "إن هذا التقدير خطأ فاحش فإن العلة في إماتة الصغير ليست هم علم الله بأنه لو كبر كفر ولو كانت هذه هي العلة لأماتت جميع الكفرة والأشقياء وكلهم صغار إلخ" وأنت تعلم أن تعليل إماتة الصغير بهذه وقع من شيخ المعتزلة عند الجواب على شيخ الأشاعرة في إحدى مرحلة من مراحل سؤاله، فإن كان في تقدير العلة خطأ فهو يرجع إلى الشيخ المجيب ويعجِّل إفحامه.
ومع هذا يرد على الشيخ اليمان أنه إن كان محقًا في تخطئة تقدير العلة لزم أن يكون صاحب موسى عليهما السلام الذي علمه الله من لدنه علمًا والذي قل غلامًا ثم علله لمّا اعترض عليه موسى، بأن أبويه كانا مؤمنين فقتله خشية أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا وقد حكى في القرآن،. مخطئًا في تعليله القتل ولزم أن يكون موسى بل القرآن أيضًا قدج قبل هذا التعليل الجدير بالتخطئة، من غير نكير. إذ يرد على صاحب موسى الذي علل قتله الغلام بهذه العلة كلُّ ما أورده المؤلف اليمان وأطال فيه، على حكاية الإخوة الثلاثة.. فلو فرض أن سيدنا موسى اعترض على تعليل صاحبه بمثل ما اعترض الرجل على حكاية الأخوة فماذا كان يا ترى جواب صاحبه قاتلِ الغلام في تبرئة نفسه من تبعة القتل؟
فهذه مشكلة استحدثتها أقوال المؤلف اليمان ابن الوزير وقد قالها من غير شعور بالمشكلة المتولدة منها ولا سبيل إلى حلها للذين يحددون لله سبيل المعاملة مع عباده قياسًا على معاملات الناس فيما بينهم ويحاولون تفسير قوله تعالى "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" بتنزيله إلى حضيض ذلك المقياس ومنهم هذا المؤلف. أما أنا فرأيي في حل هذه المشكلة أن صاحب موسى عليهما السلام لو لم يقل عما فعله في صحبة موسى من الأفعال: "وما فعلته عن أمري" لكلن ما ذكره في تبرير قتل الغلام لا يبرره، ومعنى هذا أن مثل هذا الفعل لمثل تلك العلة لا يجوز من الإنسان أو بأمر الإنسان
صفحة 51
ويجوزو من الله أو بأمر من الله الذى لا يسأل عما يفعل ولا يقبح منه شىء وكل ما يعمل فالحكمة فيه
ويقول المؤلف بعد كلامه المطول عن خطأ التقدير فى حكاية الأخوة الثلاثة والجواب عن هذه الوساوس أن الله يختص برحمته من يشاء وأنه فى ذلك الحكيم الخبير البصير وفيه أن هذا قول الأشاعرة لا قول المعتزلة ثم يقول ومتى دعت الحكمة الى أحد الأمرين المستويين بادر جميع جميع العقلاء الى تخصيص احهما محمودين غير ملومين سواء كان ذلك التخصيص مسندا الى مرجع خفى أم الى الحكمة الأولى وفيه تخليط لأن القائلين بالحكمة الداعية الى الفعل المتبوعة له كالمعتزلة لا يجيزون تخصيص أحد الأمرين المستويين بالختيار لأن ذلك التخصيص إن كان بمرجح لزم خلاف المفروض أى لزم كون الأمرين المستويين غير مستويين وهو محال وإن كان من غير مرجحكان من غير حكمة داعية إليه والذين يجيزون ترجيح أحد المتساوين من غير مرجح هم الأشاعرة المجتنبون تعليل أفعاله تعالى بالدواعى وليس المؤلف منهم كما يفهم من قوله متى دعت الحكمة بل هو من أشد أنصار التعليل المعتبرين نفاته نفاة الحكمة والمعلل يجب عليه أن لا يجيز الترجيح من غير مرجح لكن إن الوزير وقع فى التخطيط فكان فى أول كلامه مع المعتزلة وفى آخره مع الأشاعرة
ومن نماذج تخليطه مع الإطالة كلامه فى مسألة أفعال العباد ردا على قول أهل السنة بأنها مخلوقة لله تعالى فهو يقول مثلا لو كانت أفعالنا خلق الله تعالى لم يحرم علينا التشبه بخلق الله كما ورد الوعيد للمصورين المتشبهين وجوابه أنه ينسى قول أهل بأن الله تعالى خالق كل ما هو كائن من الخير والشر فلا ينافى وعيده على فعل التصوير من العباد كونه خالق ذلك الفعل أيضا فالمسألة تعود الى النزاع فى أن أرادة الله تعالى تتعلق بفعل غيره أو لا تتعلق والمؤلف يخلط إحدى المسأليتين بالأخرى
ويقول وكذلك قال الله تعالى بعد ذكر مخلوقاته من الأجسام وتصويرها وسائر
صفحة 52
ما لا يقدر العباد عليه من الأعراض هذا خلق الله فأرونى ماذا خلق الذين من دونه وإنما يُعرف الخلق فى اللغة لإيجاد الأجسام وجوابه قوله تعالى والله خلقككم وما تعملون وبينما كان القرآن ينادى بأن الله تعالى خلق العباد وما يعلمونه فكيف يخص ابن الوزير خلق الله بالأجسام ومالا يقدر عليه العباد من الاعراض وهل هذا إلا تغافل عن هذه الاية التى سيتكلم فيها أيضالكن الاية تقضى على ما ادعاه هنا من اختصاص خلق الله بالأجسام وتصويرها وسائر ما لايقدر عليه العباد من غير انتظار لمعرفة ما سيتكلم فيها
ويقول ويدل على ما ذكرته ما حكاه الله تعالى و ذم الشيطان به من قوله ولآمرنهم فليغيرن خلق الله فدل ذلك على أن التغيير الذى هو فعلهم ليس هو خلق الله تعالى بل مغاير له وجوابه أنه بعد تقرر كون أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بأدلته العقلية والنقلية التى سبق تخليصها فلا مانع أن يحصل بفعلهم تغيير فى خلق الله الأول بخلق ثان من الله أيضا غير مرضى ويكون الخلق الثانى من قبيل خلق الشر والمسألة أيضا ترجع الى النزاع فى أن الله تعالى خالق ومريد كل كائن فى العالم من الخير والشر وهذه المراجعات من المؤلف اليمان فى قوة المصادرة على المطلوب
والآن نأتى كلامه فى قوله تعالى والله خلقكم وما تعملون المستغرق سبع صفحات من كتابه وفيع يبدو تخليطه وإطالته من غير طائل ولو أفاد ما أراد أن يقوله فى نقد الاستدلال بهذا النص فى سبعة أسطر لكفى إذ خلاصة نقده أن ما فى وما تعملون يحتمل أن تكون مصدرية وأن تكون موصولى وهو الراجح والاستدلال بالآية على أن الله خالق أفعال عباده لا يتم الى على الاحتمال الكرجوح فى ما. فهذا جوابه عن هذه الآية التى كان الإمام الأعظم أبو حنيفة احتج بها على عمرو بن عبيد كبير مشايخ المعتزلة كما ذكره على القارىء فى شرح الفقه الأكبر والآن ننقل بعض ما كتبه المجيب بنصه قال: ص 348
صفحة 53
إذا تقرر هذا فلنكمل الفائدة بما بقى لهم من الأدلة التى يمكن أن يغتر بها أحد فمن ذلك قول الخليل السلام فى مجادلة عُباد الأصنام وذلك قوله تعالى أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون وقد احتج بها أبو عبيد لهم وأنكر عليه ابن قتيبة كما ذكره فى مشكل القرآن وكلاهما من أهل السنة وقال ابن كثير الشافعى فى أول البداية والنهاية فى قصة إبراهيم عليه السلام وسواء كان ما مصدرية أو بمعنى الذى بمعنى الذى فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون والأصنام مخلوقة فكيف عبادة مخلوق المخلوق فأشار الى مثال الخلاف ولم يتعرض لترجيح
واعلم أن من لم يتأمل هذه توهم أن الآية من النصوص على خلق الأفعال ولذلك يستروح كثبر من القائلين بذلك إليها ويستأنسون بها ولو أنصفوا ما استحلوا ذلك فإن القول فى تفسير كتاب الله تعالى بغير علم حرام بالنص وفيه حديثان معروفان عن ابن عباس وجندب بن عبد الله ولا خلاف فى أن الآية إجمالا واشتراكا بالنظر إلى لفظة ما تعملون فأنها محتملة أن تكون بعنى الذى تعملون كقوله تعالى فى سورة يس لياكلوا من ثمره وما عملته أيديهم فجعل ما عملته أيديهم مأكولا زكل مأكول مخلوق لله وحده لا عمل للعبد فيه البتة وقد سماه معمولا لأايديهم لمباشرتهم له وأن تكون مصدرية بمعنى وعملكم ولما كان ذلك كذلك لم يحل أن يتقول على الله تعالى إلا بوجه صحيح وإلا وجب الوقف ورد ذلك الى الله لقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم لكن هنا وجوها ترجح أنها بمعتى الذى تعملون وهو الأصنام التى خلقها الله تعالى حجارة وعملوها أصناما فهى معمولة مصنوعة حقيقة وقد يسمى المعمول عملا مجازا وحقيقة عرفية ولا حاجة بنا الى ذلك فكونها معمولة كاف فى ذلك وأصل ذلك أن فعل العبد ينقسم الى ما يكون لازما فى محل القدرة مثل حكة
صفحة 54
يد الصانع والى ما يتعدى الى مخلوقات الله تعالى مثل تصوير الصانع الذى يبقى أثره فى الحجارة ةغيرها وهو الذى منع ثمامة المعتزلى والمطرفية أن يكون فعلا للعبد فالآية تحتمل بالنظر الى لفظها ثلاثة أشياء أحدها أنه تعالى خلق جميع أفعال جميع أفعال العباد على العموم كما قال المخالف الثانى أنه خلق الأصنام التى هى معمولات العباد ومصنوعاتهم لما فيها من أثر تصويرهم وتشكيلهم. الثالث أنه خلق الأصنام التى فيها عملهم وتصويرهم وعلى هذه الثالث يكون التقدير وما تعملون فيه والثانى من هذه الاحتمالات هو الراجح بوجوه
ثم عدد وجوه الرجحان فى صفحات طويلة ومناسبات بعيدة وحاصلها بالنظر الى ظاهرها أن الأية على الاحتمال الراجح فى تفسيرها إنما تقوم حجة فى كون معمولات العباد مخلوقة لله تعالى لكن النزاع بين المعتزلة وأهل السنة فى أفعال العباد وأعمالهم لا فى معمولاتهم ومفعولاتهم فلا مانع من جهة هذه الآية لكون أعمالهم غير مخلوقة الله تعالى
ونحن نقول الاحتمال الأول من الاحتمالات الثلاثة أى احتمال كون ما مصدرية لا يحتاج الى تقدير ضمير والاحتمال الثانى يحتاج الى تقدير ضمير منصوب يعود الى ما وهو جائز والاحتمال الثالث يحتاج الى تقدير ضمير مع حرف الجر وهو غير جائز إلا إذا كان الموصول الذى يعود اليه الضمير مجرورا بمثل تلك الحرف فلا محل إذن للاحتمال الثالث ولو جاز هذه الحتمال كان أنفع لمنكرى كون الله هو خالق أعمال العباد لدلالاته على أن الله خلقكم وما تعملون فيه الأصنام من الاحجار فتدل الآية على أن الله يخلق أحجار الأصنام لا الأصنام ولا عملها ومع هذا فلم يستطع ابن الوزير ترجيح هذا الاحتمال الذى ذكره رغما لعدم جوازه ولا تصويره على وجه يستفيد منه لمذهبه حيث قال الثالث انه خلق الأصنام التى التى فيها عملهم وتصويرهم ولم يقل خلق الحجارة التى فيها عملهم وتصويرهم والر فى ذلك أن صراحة الآية إن لم
صفحة 55
تضطره الى جعل المعطوف على مفعول فعل الخلق عبارة عن أعمال العباد كما هو مدلول كون ما مصدرية تضطره على الأقل الى أن يجعله عبارة عن معمولاتهم وهى الأصنام لا الحجارة فمنطوق الآية على الاحتمال الراجح عنده فى ما أن الله خلق معمولات العباد مثل الأصنام كما خلقهم أنفسهم ولا محل لأن يكون المراد من مخلوق الله فى الآية الحجارة التى يصنعون منها الأصنام لكن الرجل المسكين الذى تولى الجواب عن دليل الإمام أبى حنيفة ضد مذهب المعتزلة لا يريد أن يتخلى عن الصورة الوحيدة التى يتوقف نجاحه فى جوابه على التمسك بها وهى أن يستخرج من الآية أن الله خلق الأصنام لا الاصنام نفسها وهذا على الرغم من أن الآية تنطق بعكس ما يريد أن يستخرجه وعلى الرغم من أن الرجل نفسه صرح عند تفسير كلا الاحتمالين الأخيرين الملائمين لمنحاه بأن الله خلق الأصنام والدليل على أنه لا يريد أن يتخلى عن استخراج ذلك المعنى المنافى لصراحة الآية ولتصريح الرجل نفسه قوله قبل تعداد الاحتمالات وهو يسعى لمنع احتمال المصدرية فى ما لكن عنا وجوها ترجح أنها بمعنى الذى تعملون وهو الأصنام التى خلقها الله حجارة وعملوها أصناما وهذا آية فى التخليط والتشويش قصدا لعدم العاتراف بالحق فهو يخاف صراحة الآية حتى على الاحتمال المختار عنجه فى ما فيُضظر الى أن يقول مرتين أن الله خلق الأصنام ومع هذا لا يتخلى عن المعنى الذى يرهق الآية عليه فيقول فى تفسير ما تعملون الأصنام التى خلقها الله حجارة وعملوها أصناما فيجعل الحجارة مخلوقة والأصنام معمولة مع أن المخلوق بالنظر الى الآية هو المعمول فجل همه التفريق بين المعمول والمخلوق لأنه يعرف عدم إمكان الجواب عن الآية إذا كان معمول العباد بعينه مخلوق الله وهو كذلك رغم أنف الرجل لأن الآية نقول والله خلقكم وما تعملون ومعمولهم الأصنام لا الحجارة فهى أن الأصنام مخلوقات الله ومعمولاتهم
فبعد أن تبين كون منطوق الآية على الاحتمال المختار عند المؤلف اليمان بن الوزير
صفحة 56
فى ما أن الله خلق معمولات العباد التى منها الأصنام كما خلقهم أنفسهم يثبت أنه خلق أعمالهم أيضا لأن خلق الله لمعمولات العباد مع كونها معمولاتهم لا معمولاته معناه أنه يتدخل فى أعمالهم فيخلقها أيضا وإلا فلا سبيل لخق وإيجاد معمولات غيره من غير تدخل فى عمله وبهذا التحقيق تكون نتيجة احتمالى المصصدرية والموصولية فى ما واحدة وهى أن الله تعالى خالق أعمال العباد ومعمولاتهم جميعا وتكون مساعى المؤلف الطويلة والعريضة فى اثبات كون ما موصولة لا مصدرية ليتوسل به الى نقض استدلال الإمام أبى حنيفة بالآية ضد مذهب المعتزلة، ادراج الرياح ويكون معنى الآية النهائى أن الله هو المالك لأعمال العباد والفاعل لمعمولاتهم الحقيقى فهو الذى يجعلهم يفعلون ما فعلوا وبالتعبير الموافق للحديث النبوى أنه يستعملهم وإرادتهم فى خلق أعمالهم ومعمولاتهم كما قال تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وهذه الآية أصرح فى خلق الأعمال إن كانت الآية السابقة محتملة لخلق الأعمال وخلق المعمولات كما أن حديث إن الله خلق كل صانع وصنعته أصرح فيه

صفحة 57
قلت فى تحت سلطان صفحة 123 اما قول ابن قيم الجوزية فى شفاء العليل وقد ظن طائفة من الناس أن من هذا البال قوله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وجعلوا ذلك من ادلتهم ضد القدرية ولم يفهموا مراد الآية وليست من هذا الباب فإن هذا الخطاب لهم فى وقعة بدر حيث أنزل الله سبحانه وتعالى ملائكة فقتلوا أعداءه فلم ينفرد المسلمين بقتلهم بل قتلهم الملائكة وأما رميه صلى الله وعليه وسلم كان هو الحذف والإلقاء وأم الإيصال ما رمى به إلى وجوه العدو مع البعد وإيصال ذلك الى وجوه جميعهم فلم يكن من فعله ولكنه من فعل الله وحده فالرمى يراد به الحذف والإيصال فأثبت له الحذف بقوله إذ رميت ونفى عنه الإيصال بقوله وما رميت فإخراج الآية عن سياقها لأنه تعالى لم يقل ما انفردتم بقتلهم ولكن كان لكم فيه شركاء من املائكة بل قال فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ولا ينافيه إنزال الملائكة لقتالهم لأن الذين قتلهم الملائكة لم يقتلوهم أيضاولكن الله قتلهم وهو الذى يتوفى الأنفس حين موتها وتفريقه بين الرامى والموصل مع أن العادة أن يكون الموصل هو الذى كان منه الرمى تحكم فلان يكون الرمى والإصابة من الله أولى من أن يكون الرمى من النبى صلى الله عليه وسلم منحرفا غير مصيب ثم يكون الله موصل ما رماه ومحوله إلى مراميه والله تعالى يقول وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى لا أنت رميت والله أوصل
وهنا أضيف إليه قولى إن هناك ثلاث مراحل المرحلة الأولى الرمى والثانية الإيصال الى الأعداء والمرحلة الأخيرة القتل إذ يمكن أن يكون رمى بلا إيصال وإيصال بدون قتل فالله تعالى لما نص فى الجملة الأولى على أن القتل منه بقة احتمال كون الإيصال من النبى وأصحابه ثم زاد فى بيان الحقيقة التى ربما تخفى علينا فنص فى الجملة
صفحة 58
الثانية على كون الرمى الذى هو أولى المراحل من الله وفهم منه بالأولى كون مرحلة الإيصال أيضا منه ولو كان مراده من الجمل الثانية بيان حالة المرحلة الثانية لما تخطاها إلى الرمى الذى هو المرحلة الأولى قائلا وما رميت ولكن الله رمى وهو أبلغ من احصاء المراحل بتمامها
وفى قوله إذ رميت بعد ما رميت إشارة الى نفى احتمال إرادة المعنى المجازى أو المبالغة فى نفى الرمى عن الرسول وإسناده الى نفسه فلا محل لأن يتوهم متوهم من أنصار المعتزلة أن المراد من رمى الله عبارة عن إقدار نبيه على الرمى اى خلقه صاحب القدرة والإرادة لما يريده ويقدر عليه بل المراد رمى الله الحقيقى المستتر فى رمى النبى ففيه رد على المعتزلة فإن قيل ان الله رمى الحقيقى فى رمى نبيه يرجه الى وحدة الوجود اعنى مذهب الاتحاديين من الصوفية الذى لا تقوله به أقول ليس مرجع رمى الله فى رمى نبيه ذلك المذهب الاتحادى وإنما مرجهع غموض مسألة الجبر والقدر من حيث ان الإنسان على الرغم من كونه فاعلا مختارا فى فعله لا يفعل إلا ما اراد الله أن يفعلع هو أى الانسان ولا يختار إلا ما أراد الله أن يختاره هو اى الإنسان فللإنسان فعله كما يقتضيه قوله تعالى إذ رميت ويقتضى هذه أيضا كون الآية غير منطبقة على مذهب الاتحاديين فللانسان فعله واختياره ومع هذا فالحاكم فى فعله واختياره هو الله كأنه الفاعل لا الإنسان وانما هو محل الفعل أو انه الفاعل الحقيقى والإنسان هو الفاعل الظاهرى ولذا قال وما رميت ولكن الله رمى فهذه الآية أحسن ممثل لنفوذ خلق الله فى فعل الإنسان وعظمة القدرة البداعة فى أن حاكمية الله فى فعل الإنسان لا يجعل محكومها مكرها ولا تفسد اختياره كما لو كان الحاكم غير الله لكون هذه الحاكمية لا تتعارض مع إرادة الإنسان واختياره فهو يفعل ما يفعله باختياره وغبته الخاصة مع كون الله تعالى هو المتصرف فى فعله واختياره من حيث لا يشعر به هو.
صفحة 59
بقى احتمال أن يقول قائل معترضا على الاستدلال بهذه الآية على مذهب خلق الاعمال انها حاكية لمعجزة وقعت فى غزوة بدر كما روى عن أبطال بدر لما انصرفوا من المعركة غالبين أقبلوا يتفاخرون ويقولون قتلت واسرت وفعلت وتركت فنزلت وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طلعت قريش من العقنقل قالهذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إنى أسألك ما وعدتنى فأتاه جبريل فقال خذ قبضة من تراب فارمهم بها فلما التقى الجمعان قال لعلى رضى الله عنه أعطنى قبضة من حصباء الوادى فرمى بها فى وجوههم وقال شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا شُغل بعينيه وانهزموا وذلك قول الله تعالى بطريق تلوين الخطاب وما رميت إذ رميت ولكن اله رمى والمعنى كما فى تفسير العلامة أبى السعود ما فعلت أنت بهذه الرمية المستتبعة لهذه الآثار العظيمة حقيقة حين فعلتها صورة وإلا لكان من جنش آثار الأفاعيل البشرية ولكن الله فعلها حين باشرتها لا على نهج عادته تعالى فى خلق أفعال العباد بل على وجه غير معتاد ولذلك أثرت هذا التأثيرالخارج عن طوق البشر
والجواب نعم هذه الآية حاكية لمعجزة وقعت فى غزوة بدر وفاق فعل الرمى فى مفعوله سائر الأفعال البشرية العادية إلا انه لم يختلف عن نوع تلك الأفعال التى يفعلها البشر حيث كان الفعل عبارة عن رمى النبى صلى الله عليه وسلم نحو المشركين بقبضة من حصباء الوادى وقد صدقه الله تعالى إذ رميت وهكذا يكون كل فعل من أفعال العباد التى يخلقها الله فيهم فى الظاهر منهم وفى الحقيقة من الله أما الفرق الذى يختص بمفعول هذا الفعل النبوى والذى أصبح به الفعل معجزة وامتار بأن يقول الله تعالى عنه وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فهو لا يدل عل أن الله خالق هذه الفعل فقط دون سائر أفعاله صلى الله عليه وسلم ودون سائر سائر أفعال العباد وإنما يدل هذا النموذج الخاص من الفعل الذى فيه خلق الله جليا مع كونه من
صفحة 60
نوع تلك الأفعال الصادرة من العباد على أن سائر الأفعال أيضا واقعة بخلق الله تعالى فكما أنه تعالى قال فى هذا الفعل الخاص الممتاز بمفعوله على الأفعال وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى قال فى تلك الأفعال العادية والله خلقكم وما تعملون ويحسن أن أنقل هنا ما قلته فى تحت سلطان القدر فى آخر الكلام على قوله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى
ولا يجوز أن يُظن مثلا أن الله رمى ما رماه رسوله ولم يرم ما رماه أعداؤه تجاهه ولا محل لأان يفرض أن الله يتدخل فى بعض المحاربات أو فى بعض الشئون دون الأخرى بل الله رامى ما رماه حبيبه ليصيب به المرمى ورامى ما رماهأعداؤه لئلا يصيب فهو يرمى ما هو مطلوب الإصابة ليصيب ويرمى ما هو مطلوب عدمها ليحيد إذ لو رماه صاحبه لاحتمل أن يصيب كرمية من غير رام وجملة القول أنه يتدخل فى فعل أحد ليتمه كما يتدخل فى فعل آخر ليحبطه وكا ما حصل وما لم يحص وما حسن حصوله ومالم يحسن فهو منه ألم نؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى؟
ــــــــــــــ 61ص ــــــــــــــ
أدلة أخرى لإثبات الواجب
ومن أوضح أدلة وجود الله تعالى الإدراك الذى يجده كل إنسان فى نفسه . وقد كنا استدللنا فى مبحث دليل العلة الغائية بآثار الإدراك المشهودة فى نظام الكائنات ، على وجود مدبر يدبره بعلمه وحكمته . فها نحن وجدنا الإدراك نفسه بين أجزاء الكائنات أعنى إدراك الإنسان . وإن شئت فقل قد كنا نجد عند النظر فى الكائنات مطابقات معقولة والآن وجدنا العقل نفسه . فالعاقل الذى يفهم وجود نفسه من كونه يدرك - كما قال " ديكارت " - والذى يَفهم من عدم علمه بكيفية إدراكه كما لفتنا إليه فيما سبق أيضا ، وجودَ مَن جعله يدرك ، ويفهم ذلك أيضا من عدم وجود المناسبة بين حركات أدمغتنا وبين أى إدراك معين كما لفت إليه مالبرانش فى مشكلة صلة النفس بالبدن (1)... فالعاقل المفكر يجد الله فى أول مرحلة التفكير لأن هذا العقل وهذا الإدراك لا يأتى الإنسان من الطبيعة غير المدركة بل غير الموجودة أيضا كما سبق بيانه ، ولا من نفسه لأنه لا يدرك ، ولأنى لو كنت الذى أعطانى العقل والفهم لا ستطعت أن أزيد فيهما ماأشاء وجعلتُنى أعقل الناس مع أنى لست بقادر عليه . ولعل هذا إيضاح ماسبق من قول " ديكارت" :"إن مبدأ "أدرك فأنا إذن موجود" حقيقة بديهية وهذه الحقيقة لا تهبط فى أى زمان إلى ساحة الذاكرة ولا تزال غير فاقدة لبداهتها حتى تصل غلى الله".
--------- هامش 61----------
(1) قال :"مادمنا لا نرى بوضوح وجود مناسبة بين حركات أدمغتنا وبين أى إدراك فلانى فلا مندوحة لنا فى مراجعة قدرة غير مصادفة فى ذينك الموجودين وهى إرادة الله . فهو الذى أراد أن يكون لنا إدراكات معينة عند وقوع حركات وتهييجات معينة واهتزازات روحية معينة فى أدمغتنا ، كما أنه الذى يحرك أرواح الحيوان ويعلم إجراء تلك الحركات من الأدمغة إلى الأعصاب ومن الأعصاب إلى العضلات ويقدر عليه . مطالب ومذاهب ص 176.
انتهى الهامش
ــــــــــــــ ص 62ــــــــــــــــــــ
وقال "كوزين ":"كل معرفةِ حقيقية فهى معرفة الله وكل شهود حقيقة فهو يتضمن شهود الله مبهما وبالواسطة . فالعلم إلهى بالطبع والدين ذاتى للعقل " أى داخل فى ماهية العقل .
والماديون الذين يقولون بأن الأدرا والتعقل أثر تشكل الدماغ ولا عقل ولا مدرك غيره لم يفكروا فى أن التعقل لا يكون أثر الدماغ المادى غير العاقل وإنما الدماغ آلة الإدراك والتعقلِ والعاقل المدرك غيرهُ وهو الروح وقد مثلوها أى الدماغ والروح بالبيان والعازف الفنان . وأيضا لو كان الأمر كما قال الماديون لما أمكن تعيين الحق والباطل فى الأفكار فكيف يرى غير الماديين إذا كان الإدراك أثر تشكل الدماغ أن الإدراك ليس بأثر تشكل الدماغ ؟ فيكون مقتضى تشكلات أدمغتهم أن لا يكون الإدراك مقتضى تشكلات الأدمغة ولا يبق مدار الترجيح لأفكار الماديين على أفكار غيرهم إلا كون تشكل أدمغتهم مخالفا لتشكل أدمغة الآخرين .
وهناك شعور الإنسان بنفسه وشخصيته الواحدة مع كثرة العناصر التى يتشكل منها الدماغ ، فالتضاد الموجود بين وحدة كل إنسان يعبر عن نفسه (بأنا) وبين كثرة عناصر الدماغُ ينزل جعل الشعور الشخصى خاصة للدماغ بمنزلة اللاشى ء.
والذين لا يقبلون العقل والنفس غير الدماغ وحركته الميكانيكية يقال لهم أين رأيتهم آلة ميكانيكية كالساعة مثلا تشعر بنفسها وأنانيتها ؟ ثم أن هذه النفس الإنسانية غير متبدلة مادام الإنسان حيا ، فى حين أن الدماغ يتبدل يوما عن يوم ويتجدد بتجدد أجزاء البدن حتى يصير دماغا غير الدماغ الأول .
وقال أحد علماء الترك الأعلام (1) فى مقالة منشورة فى مجلة دينية كانت تصدر بالاستانة :" كثير من الناس يلتبس عليهم الشعور بالمشعور به ، فلو كان الشعور عبارة
-------- هامش ص 62--------
(1) وأظنه مترجم "مطالب ومذاهب" وإن كان لم يوقع على مقالته .
ــــــــــــــــــ ص 63ــــــــــــــــــــــ
عن الانطباعات والارتسامات الحركية فى الدماغ لكانت زجاجات " الفطوغراف" واسطوانات "الغراموفون" ذوات شعور تبصر وتسمع . ولو ارتقى العلم أكثر مما كان اليوم بدرجات كما قال الفيلسوف الفرنسى " رابيه": وشوهد بفضل أدوات جديدة دماغ إنسان نائم وتُفُرج عليه إلى أعمق نقاطه كما يُتفرج داخل إحدى المصانع فقد يمكن أن يدرس جميع حركاته بل وإن يعاين دؤوبه واشتغاله مثل الرحى ولكن لا يمكن أصلا أن يُرى مايشعر به وما يحلم به وأن يتوصل إلى شعوره ، لأن شعوره فى نفسه وشعور المتفرج المستعرض فى نفسه هو ، اللهم إلا أن يكتشف نقطة التلاقى بين الروحين ".
* * *
ومن أوضح أدلة وجود الله صفة الإرادة الموجودة فى الحيوان لا سيما الإنسان .
فكما أن العلم والإدراك والشعور فى الإنسان لا مناسبة للطبيعة أو المادة العمياء الصماء بهما البعيدة عن مثل تلك الصفات الشريفة المعنوية ، فكذلك لا مناسبة أصلا بين المادة الهامدة العاطلة وبين صفة الإرادة الحية ولا بين المادة المتحركة بالحركات الميكانيكي وبين الحركات الإرادية فالماديون والطبيعيون الذين يتصورون الدنيا ومافيها على شكل ماكينات تعينت حركاتها وتحددت ككل ماكينة تتحرك إلى جهة محددة له ، ماذا عساهم يقولون فى إرادة الإنسان بل الحيوان مطلقا التىلا محل لها بين ماكينات العالم ، لا ستقلالها بحركاتها وعدم وجوب اتباعهم لنواميس الماكينات ، فهل رأيتم أو سمعتم ماكينة تتحرك بإرادة من نفسها وتسكن بإرادة من نفسها ولا يكون حد لحركتها وسكناتها ؟ فهى تعمل خارجة عن حدود قوانين الجاذبة والدافعة . فالعالم الرياضى يحسب أدوار النجوم السيارة بصحة ولا يمكنه أن يحدد حركات أجنحة ذبابة حبست فى حجرة . ومن هذا الفارق العظيم ترى العلماء المخترعين والصُّناع البارعين يصنعون أكبر باخرة وأفخمها مثل "نورمندى"و"كوين مارى" ولا يقدرون على صنع سُميكة ، ويصنعون " جراف جبلين" ولا يصنعون عصفورة .
ــــــــــــــ ص 64ـــــــــــــــ
وكان الملاحدة الماديون والطبيعيون يقولون فى بعض تاراتهم المضطربة أن سفينة العالم تمشى على قوانين وأنظمة لا تتغير فما بنا ولا بهذا العالم المنظم من حاجة إلى وجود الله مادام لا يُظهر إرادته بتغيير تلك القوانين .. فيتخذون نظام العالم الذى أقمناه دليلا على وجود الله ، ذريعة إلى الاستغناء عن وجوده . وكان العلماء الإلهيون يردون عليهم قائلين بأنا لا ندعوكم إلى الاعتراف بوجود إله يعمل جزافا على غير نظام ، ولكنى أقول لهم هنا إنكم كنتم تطالبوننا بإراءة علامة من علامات إراد ة الله الدالة على وجوده تجاه سفينه العالم الجارية على نظامها فها كم الإرادة بعينها . وهى إرادة الإنسان وسط هذا النظام الهادئ التى تعمل كما تشاء وتكاد تخُرق السفينة لتغرق أهلها ، كما قالت الملائكة لما أراد الله خلق الإنسان : "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " وقد قال الله تعالى فى جوابهم :" إنى أعلم مالا تعلمون" فمن أهم أسباب خلق الله التى يعلمها هو أنه أى الإنسان الدليل الجلى على وجوده لأنه خلقه على صورته كما ورد فى الحديث النبوى أى على صفته وأعطاء صورة من إرادته وصفةُ الإرادة يمتاز بها الإنسان حتى على الملائكة ولهذا جعله الله خليفة فى أرضه ولهذا أيضا كان أول واجب صاحب العقل السليم أن يعترف بوجود الله عقب شعوره بنفسه إذ لا يوجد شئ فى العالم أدل على وجود الله من الإنسان .
ولا يعترض على بأنى ألفت كتابا قبل أكثر من عشر سنين انتهيت فيه إلى أن الإنسان مسير لا مخير فكيف أستدل ا ليوم على وجود الله بإرادة الإنسان بل أعتبرها من أوضح أدلته ، وهل لا يكون هذا مناقضا للفكرة التى اخترتها ودافعت عنها فى كتابى السابق ؟ وذلك لأنى لم أنف فيه إرادة الإنسان وإنما أثبت أن إرادته مسيرة بإرادة الله وفى هذا الكتاب أقول إن إرادة الإنسان من أجلى أدلة وجود الله فهل ينافيه كون الإنسان مسيرا فى إرادته بإرادة الله أم يلائمه كلالملائمة ؟ أجل لو كنت قائلا كما يقول الماديون بأن الإنسان مسير من قِبَل الطبيعة لكان هذا نفيا لإرادة الإنسان لأن تسليط الطبيعة
ــــــــــــــــ ص 65ـــــــــــــــ
التى لا إرادة لها على الإنسان يُعدم إرادته ويجعله آلة ميكانيكية بحتة ، ولا كذلك سلطان إرادة الله على إرادة الإنسان ، فالفرق مهم بين أن تكون فيما وراء إرادة الإنسان قوة تسيِّرها ليست من جنس الإرادة وبين أن تكون فيما وراءها ليست من جنس الإرادة ، إذ الإرادة لا تأتى الإنسان إلا من ذى إرادة . فالتسيير بالصورة الأولى يبطل إرادة الإنسان وينافى التجربة التى تشهد بوجود الإرادة فيه بداهة لكون الفرق ظاهرا بين حركة الارتعاش من اليد وحرك ة البطش ، والتيسيير بالصورة الثانية لا يبطل إرادة الإنسان ولا ينافى شهادة التجربة .. وهكذا ينبغى أن يفهم هذاالمقام .
دليل الفيلسوف " كانت " على وجود الله
قد سبق فى الفصل الأول من فصول الباب الأول الأربعة لهذاالكتاب ذكر الدليل المعروف بين علمائنا لإثبات وجود الله تحت عنوان "إثبات الواجب " وسبق هناك اعتراضات الفيلسوف " كانت " عليه وردودنا عليها ؛وسبق فى الفصل الرابع دليلٌ ثان لهذا المطلب مسمى بدليل العلة الغائية أو دليل نظام العالم واعترض ُ " كانت" عليه أيضا المزيج بشئ من التقدير .
وكان كثير من الفلاسفة الغربيين يستدلون على وجود الله من وحدة الطبيعة العالمية فيعتبرونه نفس العالم التى تدبره – رغم الكثرة الهائلة والتنوع الزائد والاستقلال الظاهرى لأجزائه الكبيرة - فى انتظام كانتظام الشخص الواحد ، فلولا الله كان أشتاتا متنافرة وسادت فيه الفوضى . فموقف الله من العالم موقف الروح من بدن
(5- موقف العقل – ثالث)
ــــــــــــــ ص 66ــــــــــــــــــ
الإنشان التى تجعله فى كثرة أعضائه وأجزاء أعضائه موجوداً واحداً لا يقبل الانقسام ولا يتغير على مر الأعوام .
والإنسان يعبر عن هذا الموجود "بأنا" ويعمل جميع أعماله تحت إرادته وهو صاحب الإدراك الذى امتاز به الإنسان وجعلالفيلسوف َ "ديكارت" يقول :" أدرك فأنا إذن موجود" والإدراك يتعدد فى الإنسان ويتعدد المدرَك (بالفتح) لكن الم\رِك ( بالكسر ) واحد دائما .
وكما أن هذا الواحد ا لموجود فى كل إنسان يردُّ مافيه من أنواع الكثرة إلى الوحدة فيجعله كائنا واحداً ويُفهم وجوده فيه من هذه الوحدة المكتسبة منه، كذلك مانرى فى هذه الكائنات التى لا حد لسعتها ولا عد لكثرتها من إدارة واحدة تجمعها ونظام واحد تتبعه ، كدولة واحدة معظمة ؛ يدل على أن للعالم نفسا تدبره كنفس الإنسان وهو الله (1).
ونحن المسلمين مع عدم موافق هؤلاء الفلاسفة على كون موقف الله من العالم موقف الروح من بدن الإنسان لإيهامه الحلول ولما أن نفس الإنسان لم تخُلق الإنسان كما خلق الله العالم ... مع هذا يعجبنا استنتاج وجود الله من وحدة الإدراك والإرادة المهيمنة على العالم كاستنتاج وجود الروح فى الإنسان من وحدة الإدراك والإرادة المهيمنتين على حركاته .. يعجبنا هذا الاستنتاج ويمكننا أن نرجعه إلى دليل نظام العالم .
لكن الفيلسوف "كانت" لا يعترف بهذا الاستنتاج المعقول أيضا لا فى العالم قياسا على الإنسان ولا فى الإنسان المقيس عليه ، مدعيا عدم صحة الانتقال من وجود الإدراك فى الإنسان إلى وجود الروح صاحبة الإدراك وقائلا إن الإدراك الموجود
----------- هامش ص 66-------------
(1)وهذا المذهب الفلسفى ليس بأعجب من مذهب وحدة الوجود التصوفى .
ــــــــــــــــ ص 67ـــــــــــــت
فى الذهن إنما يدل على وجود المدِرك فى الذهن ولا يدل على وجوده فى الخارج ونفس الأمر . وقد سبق الكلام منا على هذه المسألة فى ( ص 370-374جزء ثان )
وعندى أن هذا الانتقاد خطأ فاحش من " كانت" لم يتنبه له مكبروه كما نقله عنه " بول ثرانه" فى "مطالب ومذاهب " منوها ً له من غير تعليق عليه . وأصل الخطأ فى عدم فهمهم أن كون الإدراك موجودا ذهنيا لا يمنعه من أن يكون موجوداً فى نفس الأمر أيضا أى حقيقة واقعة ، بل أن كلامنا فى الإدراك الواقع فعلا وكون هذا الإدراك فى الذهن ناشئ من أن المحل اللائق بالإدراك الواقع فعلا هو الذهن لا من عدم كونه موجودا عينيا ، فهو موجود ذهنى وعينى معاً ولا جرم أن وجود هذا الإدراك يستلزم وجود المدرِك أيضا ً وجوداً عينيا وفى محله اللائق به وهو خارج الذهن ، إذ الإدراك الواقع لا يكون فعل المدرك الذى يوجد فى الذهن ولا وجود له فى الخارج .
والانتقاد المذكور من الفيلسوف " كانت " يؤدى إلى الشك فى وجود نفسه المستنتَج من وحدة الإدراك السائدة فيه كما يؤدى إلى الشك فى وجود الله المستنتج من وحدة الإدراك السائدة فى الإنسان وفى الكائنات . والعاقل معذور إن لم يقبل الانتقاد ممن يشك فى وجود نفسه لا سيما إذا كان مخطئا فى انتقاده كما عرفت .
وإنى لا أستند فى رد انتقاد "كانت" إلى ماشاع عند الناس من لبحوث النفسية الجارية فى الغرب التى كثيرا ما اتخذها الأستاذ فريد وجدى فى " مجلة الأزهر " سندا ضد الماديين ، وإنما أستند إلى فساد ذلك الانتقاد فى نفسه فسادا دقيقا ينم على غفلة الفيلسوف الكبير الكبيرة ومكبريه .
وعلى الرغم من نقد " كانت" لفلسفة نفس العالم ونفس الإنسان ، يقول الفيلسوف " شيللنغ" من تلامذة مدرسته :" وحدة الطبيعة وترقياتها إنما تُفهم بنفس العالم
ــــــــــــــــــ ص 68ـــــــــ
أعنى بمبدأ أصلى ناظم للكائنات ، ونحن ندرك نفس العالم هذه ، هذا المطلق الجامع للنفس والعين ببداهة عقلية أعمق من بداهة أنفسنا .
والآن نشرع فى تقرير دليل " كانت" الذى اختاره لإثبات وجود الله بعد نقد الأدلة التى اختارها غيره لإثبات هذاالمطلب – وفيها أدلة علمائنا العقلية النظرية – ثم نلفت إلى محل الضعف فى اختياره كما لفتنا إلى محل الخطأ فى انتقاده :
إن الفيلسوف " كانت " الذى ذكرنا عنه أشياء كثيرة واعترض على جميع الأدلة العقلية النظرية المنصوبة لإثبات وجود الله ، اختار لهذا المطلب دليلا وسماه دليل العقل العلمى أى الوجدان او دليل الأخلاق فنفى العلم بوجود الله وأثبت الإيمان به وبنى هذا الإيمان على أسباب أخلاقية وعلى تيقن أنه لا يمكن إثبات نقيضه (1) وقال إن هذا
---------- هامش 68---------
(1) يريد أن الله تعالى كما لا يمكن إثبات وجوده إثباتا علميا تجربيا لا يمكن إثبات عدم وجوده أيضا إثباتا علميا وعدم الإمكان هذا معلوم علم اليقين . فيفرق " كانت " بهذه عن الملاحدة النافيين لوجود الله علميا ويجعل لمسألة وجوده حظا من الإسناد إلى العلم بهذا القدر أعنى أن العلم لا ينفيه لقصر يد التجربة أن تمتد إليه نفياً وإثباتا وتمتاز هذه المسألة عما لم تثبت بالتجربة بعد مع إمكان تطبيقها عليه فكان بعض العذر لمن يتوقف فى الاعتراف به وينتظر التجربة لتقول قولها فيه ولو بعد حين . لكن مسأل
وجود الله التى لم تقل التجربة قولها فيها على رأى "كانت" ولا إمكان عندنا لأن تقوله أبدا فى هذه النشأة كما شاء الفيلسوف ، يلزم أن تبقى أبديا فى نظر العلم غير ثابت الوجود والعدم وعدمُ إمكان إثبات نقيضه إنما يكون دليلا على إمكان وجوده لا على ثبوت وجوده وليس هو بكاف طبعا .
فكان اللائق إذا بالعاقل بل الواجب أن يحتكم إلى عقله الذى هو أشرف ميزات اإنسان وأحذق هداته وأن يذعن لحكمه . ولكن أنى ذلك لهواة التجربة أسارى العلم الحديث ؟ وعقولهم أيضا محتاجة إلى ال اثبات لأن مسألة وجود العقل كمسألة وجود الله لا تصل إليها التجربة والمشاهدة وإنما يستدل على وجوده من طريق عقلى استدلالا بالأثر على المؤثر مثل الاستدلال على وجود الله بآثاره . وهذا الاستدلال لا يفيد اليقين العلمى فى وجود عقولهم كما لايفيد فى مسألة وجود الله وهذا موقف يُرثى له .
انتهى الهامش
ــــــــ69ص ـــــــــــ
اللإيمان كثيرا ما يكون أقوى من العلم (1) ومع هذا فليس فى هذا الايمان إيقان علمى مثل ماكان فى إيمان المؤمن المستدل بالأدلة العقلية التامة عند غير " كانت" من العلماء.
وبيان دليل " كانت" أن تصور الأخلاق لا ينفك من تصور السعادة لأن قانون الأخلاق يتلخص فى هذه الجملة :" إعمل ما يجعلك أهلا للسعادة " وباجتماع الأخلاق والسعادة يتحقق الخير الأعلى . إلا أن العمل بما يجعلنا أهلا للسعادة وإن كانت فى إيدينا فليس فى أيدينا حصول السعادة وترتبها على عملنا لكونها مربوطة بالطبيعة الخارجية وبإرادات أناس غيرنا ، لكن يلزم فى نظر الإنسان الذى لا يعتبر قانون الأخلاق وهماً من الأوهام أن يتحقق الخير الأعلى فتجتمع َ الفضيلة والسعادة وتترتبَ الثانية على الأولى ، فيلزم لهذا أن توجد إرادة فوق الطبيعة والبشر وهى إرادة فوق الطبيعة والبشر وهى إرادة الله فيستدل بتوقف تحقق الخير الأعلى على وجود الموجود الأعلى ، ولولا الله ما استند قانون الخلاق إلى أساس متين . فتكون خلاصة الدليل مبنية على حاجة الإنسان فى الاحتفاظ بأخلاقه إلى وجود الله حتى يكونَ هو الذى بيده مكافأتهُ عليها حيث لا مكافئ ، وهذا مالا يزال بقوله أنصار الدين من أنه لا أخلاق معوَّلا عليها من غير دين
ولكن لا يلزم أن يكون الله موجودا بمجرد أن الإنسان فى حاجة إلى وجوده ، لا سيما وأن المحتاجين إلى وجوده أصحاب الفضيلة والأخلاق لا كل إنسان وإن كانوا هم صفوة بنى نوعهم وإن كان فى علاقتهم الخاصة بالدين وبعقيدة وجود الله الفخرُ كل الفخر للدين وفى تثبيت هذه العلاقة الحُسن كل الحسن لدليل " كانت" . ومع كل هذا ففى الإمكان وفى وسع الإنسان أن ينتزع عن الفضائل ويقترف ما يشتهيه وما يتأتى له
---------- هامش ص 69-----
(1) وبهذا يثبت " كانت" تأثر فلسفته من النصرانية كما وقع فى فلسفة القرون الوسطى ، وقد كان " ديكارت " صححها وأعاد إلى العقل حقوقه وكرامته .
انتهى الهامش
ــــــــــــــــ ص 70ـــــــــــــ
فيستغنى عن وجود الله كما هو الحال لكثيرين من الناس وفيهم أكثر الذين بأيديبهم أزمة الحل والعقد والنقض والابرام فى الدنيا لاسيماا فى هذا الزمان الذى يقال عنه عصرالرقى و التمدن ويختلف عنهم موقف الذين يظهرون بمظاهر أنصار الأخلاق ودعاتها من غير اعتراف بوجود الله اعترافا علميا بمعنى أن كونه موجودا حقيقةٌ من الحقائق ثابتة بالبرهان ، وإنما يكون اعترافهم بوجوده من قبيل الخضوع لضرورة اجتماعية هى المحافظة على الأخلاق كما هو المطلوب من دليل " كانت" الذى خلاصته إن كانت الأخلاق فضيلة تجعل صاحبها أهلا للسعادة فلابد من وجود الله ليكون ضمانا لأصحاب الأخلاق أن ينالوا السعادة عاجلا أو آجلا ولذا سماه دليلا عمليا لكونه ربط الأخلاق بعقيدة الايمان بالله وربط الايمان بالله بقانون الأخلاق . والمعروف عند أهل العلم أن الدليل بكون عبارة عما يفيد العلم ويوصل إلى الحقيقة لا ما يصور حاجة أو يؤيد فضيلة أو يتضمن مصلحة ، مهما كانت مصلحة عظيمة ولا يُقنع المؤمن المخلص أن يعتقد وجود الله لا لكونه موجودا فى الواقع بل لكون مصلحته ومصلحة الدنيا كلها فى وجوده . نعم إن الفيلسوف صاحب هذا الدليل يستخرج من احتياج صلاح المجتمع إلى وجود الله دليلا على كونه موجودا فى الواقع ويؤمن بوجوده حقيقة بفضل هذا الدليل لكن مقلديه فى الايمان بالله وفى عدم الاعتماد على أدلة وجود الله العقلية وهم أكثر المؤمنين من المتعلمين العصريين لا سيما المؤمنين منهم فى الشرق الإسلامى المقلد لا يفهمون هذاالدليل كما فهم الفيلسوف نفسه ولا يؤمنون كما آمن هو .
وإنما يفهمون فى شكل الاقتناع بتوافق خير المجتمع ومصلحته مع الايمان بوجود الله من دون انتقال من الاقتناع بهذاالتوافق إلى الاقتناع بأنه موجود فىالواقع كما انتقل " كانت نفسه. ففى دليله كثير استعداد لسؤ الفهم كما أنه غير تام فى نفسه على ما سنبنيه وفيه معنى المصادرة على المطلوب ، من حيث ان فيه إسناد الأخلاق إلى عقيدة وجود الله وغسناده عقيدة وجود الله إلى قانون الأخلاق فهل الله موجود بفضل أهمية
ص71
الأخلاق أو الأخلاق لها أهميتها بفضل وجود الله؟ وفيه اتخاذ الأخلاق أساسا لوجود الله الذي هو أساس كل شيء، وفيه أنه أوجب على الناس الأيمان بوجود الله صيانة للأخلاق عن الانهيار وهي غاية مترتبة على إيمانهم بوجوده لا على كونه موجودا في الحقيقة. فلو فرضنا أنهم آمنوا بالله واحتفظوا بأخلاقهم من غير أن يكون الله موجودا في نفس الأمر لحصل الطوب واستُغني عن وجود الله في نفس الأمر، بوجوده في اعتقاد المعتقدين فدليل يَضل عن أساس الموضوع ويقوم على غيرما أقيم له ولذا أساء الناس فهم مغزاه.
كانت للأخلاق أهميتها عند الفيلسوف ولا ينكرها عليه أحد حتى الملاحدة وكان علاوة على هذا يقدر حاجة الأخلاق إلى الدين الذي أساسه الإيمان بوجود الله، حق قدرها وهم مسلَّم أيضا عند عقلاء الناس. لكن مسألة وجود الله لا سبيل إلى إثباتها عنده من طريق العقل النظري فأراد أن يستخرج دليل هذه المسألة من أهمية الأخلاق المسلَّمة، بأن يقول لولا الله ما قامت الأخلاق على اساس متين فبنى مسألة وجود الله على دليل الأخلاق أي على حاجة الأخلاق إلى وجوده فأصبحت الأخلاق دليلا على وجود الله ومحتاجة إليه معا وهو دور أو مصادرة.
ولا كلام لنا في حسن دليل "كانت" وجاذبيته فهو—أكثرَ من المذهب الإسلامي الذي يجعل العمل جزءا من الإيمان—يستخرج الإيقان بوجود الله من عاطفة الأخلاق المركوزة في فطرة الإنسان لأن الأخلاق تتلخص في تصور الخير الأعلى الحاصل من اجتماع الفضيلة والسعادة وتصور لزوم الثانية للأولى.. فالفضيلة بدون السعادة خير ناقص وكذا السعادة بدون الفضيلة والإنسان قلما يقدر على الجمع بينهما، فلابد من وجود موجود يعطي الفضيلة ما تستحقه ويقدر على إعطائها رغم كل موانع طبيعية.. والمشهود أن أكثر الفضائل لا ينال ما يستحقة في الدنيا من المكافأة فلابد أن ينيله ذلك الموجود القدير في النشأة الأخرى فيُثبت بهذا الدليل البعث بعد الموت أيضا بل يثبت عالم الآخرة.
ص72
أولا ليكون موعد تحقق الخير الأعلى الذي لم يتحقق في هذا العالم ثم يُثبت وجود الله ليكون مسيطرا على ذلك العالم ومالكَ يوم الدين الحكَمَ العدلَ فيثبت به صفات الله الكمالية أيضا فضلا عن قدرته وتكون مسألة الأخلاق أعتى ضرورة اجتماع الفضيلة مع السعادة، التي يجدها الإنسان في قلبه أساس الجميع.
ونحن نثبت قبل كل شيء وجود الله بليله العقلي النظري المستنبط من وجودنا ووجود أي موجود في العالم، غير متريثين إلى مسألة أخلاق الإنسان التي يجيء دورها ودور أهميتها بعد مسألة وجود الإنسان وأهمية وجوده، بمراحل ويكون سهلا علينا بعد إثبات وجود الله إثبات وجود يوم الدين ولزوم التأهب لذلك اليوم بتنظيم الأخلاق. ولا شك أن ترتيب الانتقال الفكري الذي اخترناه معقول أكثر مما اختاره "كانت" مع كون الأساس الأخلاقي الذي بني عليه أكبرَ مطلب علمي كوجود الله لا يستند هو نفسه على أساس يقيني سوى ما يجد الإنسان في قلبه من الاتصال بين الفضيلة والسعادة ورغبته في ترتيب الثانية على الأولى رغم شهادة اكثر التجارب الحضرة عىل خلافه، فليس هذا الاتصال بينهما ضروريا مستحيل الانفكاك كاتصال أحد المتضائفين بالآخر، فليس هو إذن مقتضى العقل الذي لا يتخلف عن مقتضيه ولا مقتَضى التجربة المطردة وإنما هو مقتضى الوجدان القلبي الذي لا يُستند إليه في المطالب اليقينية. نعم، من ارتبط به قلبه يكون له دليلا في الإيمان بالله يخرج بفضله عن عداد المقلدين ويصعد إلى مرتبة المؤمن المستدل. والذي نرى فيه من العيب أن يكون دليلا حاسما يحصل به إلزام الغير كما يحصل بأدلة وجود الله النظرية المعروفة التي يعيبها "كانت".
ص 73
إن الفيلسوف "كانت" بعد أن حاول ضعضعة مكان الأدلة العقلية القطعية المثبتة لوجود الله عاد فأراد ان يحسن إلى الله وإلى الأخلاق معًا فناط أحدهما بالآخر وجعل الإيمان بالله ضروريا للإيمان بالأخلاث فشدد على الملحد بإخراجه عن حدود الأخلاق واعتبر إيمانه بالأخلاق نفاقا وجعل الكافر بالله كافرا بالأخلاق أيضًا وأنذر العالم بانهيار الأخلاق والفضائل إن لم يُعترف بوجود الله كما قال "سكرتان" و"فيخته" تلميذ "كانت": "إن الإيمان بالله إيمان بالواجب" ومعنا أن الإنسان إذا لم يؤمن بالله لم يبقى أمامه واجب. وكل هضا حسن وجِدُّ حسن لخدمة المجتمع ولكنه غير كاف في خدمة الحقيقة بل في خدمة المجتمع أيضًا لأن وجود الأخلاق لوجود الله المراقب على الأعمال أمتن في المحافظة على الأخلاق من وجود الله لتوجَد الأخلاق.
لا لا، بل الله موجود بالرغم من كل شيء سواء صلحت أخلاق المجتمع أو فسدت وسواء سعد أصحاب الفضيلة أو شقا. فيجب على الإنسان أن يعلم هذه الحقيقة العظمى التي ليس لأي شيء أدنى قيمة بجنبها، فقول المؤمن "الله أكبر" معناه أكبر من كل شيء والله واجب الوجود للنشأة الأولى ليوجِد الموجودات قبل أن يكون لازم الوجود للنشأة الثانية ليحاسب الخلق على أعمالهم أو يكونَ لازم الوجود ليحافظ الناس على أخلاقهم في الدنيا راغبين في سعادة الآخرة؛ لا أن الله موجود بفضل احتياج
ص 74
المستحقين للسعادة من أهل الفضيلة إلى وجوده والفضيلة محترمة مرغوب فيها بفضل وجود الله الذي لا يضيع أجر المحسنين، لأنه هذا دور لا يجدي نفعا لكلا الطرفين. ويظهر أن الإيمان بالله واعتقادَ وجوده بالقلب دون العقل على معنى ميل القلب إليه من دون تصديق العقل والعلم إياه في إيمانه واعتقادِه، تلك العقلية السائدة لدى أكثر المثقفين العصريين في الغرب وفي مصر أيضا بل الشرق الإسلامي العصري كله على تقدير الأستاذ فريد وجدي، والشرق المسيحي أيضا على تقدير الأستاذ فرح أنطون منشئ مجلة "الجامعة" ومناظر محمد عبده—سنةٌ سيئة سنها "كانت" للمتعلمين من كل ملة. فالدين عنده حاجة وجدانية وضرورة اجتماعية وليست بحقيقة ملجئة للعقول إلى قبولها.
ومع هذا فالرجل مؤمن بالله صميمي في إيمانه وإن لم يكن أولئك المتسكون بفلسفته كذلك، لأنهم اتبعوه في نقطة الضعف الذي يشف عليه دليله، وربما ظنوه غير صميمي في إيمانه وهو خطأ ينبغي أن ينبَّه عليه. وغاية ما فيه أنه أخطأ في اختيار الدليل فسبَّب ضلالَ أناس تنتابهم نزعة إلحادية. ولعل الرجل يهتم بالأخلاق اهتماما عظيما حتى يجعله أساسا لإثبات وجود الله فكأنه يقول لولا أن الله موجود لانهارت الأخلاق لعدم وجود من يكفل بالسعادة لأصحاب الأخلاق وهو محال. لأكن الناس لا يهتمون بالأخلاق لهذا الحد وأنا أيضا لا أسلِّم بخطورتها لحد أن يعدل وجودُها وجودَ الله في الأهمية وعدمُها عدمَه في استلزام المحال.
نعم، وأنا أعترف بأنه لا حد لأهمية الأخلاق وأن عدم مجيء يوم الدين وعدم وجود مال يوم الدين وبقاء الفضائل والرذائل غيرَ نائلة لما يستحقه كل منهما كأنه لا فرق
ص75
بينهما أصلا كما كانت في الدنيا على الأكثر، يستنكره الطبع السليم والذوق الإنساني ويستبعده غاية الاستبعاد حتى يكاد يكون محالا عند العقل؛ إلا أن هذا الاحتمال لا يستحيل بالمرة استحالَة عدم وجود الله وإذا لم يستحل استحالة عدم وجود الله فلا يُبنى إثبات وجود عليه، أما إذا كان ذلك الاحتمال البعيد محالا حقيقة عند العقل فلا صحة إذن لما ادعاه "كانت" من أن وجود الله لا يثبَت بالعقل النظري إذ يكون حينئذ ما سماه دليلا عمليا أو دليل الأخلاق دليلا عقليا نظريا. وإن لم يكون الاحتمال المذكور محالا عقليا—وهو المحال الحقيقي—لم يكن عدم وجود الله أيضا محالا لكون دليل وجوده مبنيا على استحالة الاحتمال المذكور وبقي هذا الدليل على ضعفه وعدم كفايته في مطلب يقيني يجب أن يكون في رأس المطالب اليقينية، حيث لا يفيد ضرورة وجود الله، ونعني بضرورة وجود الضرورة العقلية بمعنى استحالة عدم وجوده عقلا لا الضرورة الاجتماعية.
ولهذا كان الرأي العام الثقافي المعتدل في الغرب المائل إلى الاعتراف بوجود الله وكذلك الرأي العام المثقف في الشرق المقلد، محامرا بالشك والوهن في هذه المسألة بعد اشتهار مذهب "كانت" لعدم استناده إلى يستند إليه العلوم وهو العقل النظري البحت أو العقل النظري مع التجربة وخرجت مسألة وجود الله عن أن تكون مسألة علمية وأصبحت مسألة وجدانية. فبالخلاصة أصاب من "كانت" المؤمن بالله ضرر عظيم بعقيدة البشر نحوَ وجود الله، كما أن انتقاداته الأدلة العقلية النظرية المعروفة التي هي الأدلة الحقيقة لإثبات هذا المطلب، اتخذها ملاحدة الفلسفة الوضعية التي ذكرنا فيما سبق أنها آخر فلسفة الإلحاد أساسا لفلسفتهم من ناحيتها السلبية.
وغرابة أخرى في منهج "كانت" وهي أنه يستدل من عدم استيفاء الأخلاق والفضائل في الدنيا ما تستحقه من المكافأة، يستدل من هذا النقص المشهود في العالم
ص 76
على وجود الله ليلافيه في النشأة الأخرى، في حين أنه ينتقد دليل العلة الغائية أي دليل نظام العالم الكمال المشهود في فيستدل بدليل النقص ويترك الاستدلال بدليل الكمال، مع أن النقص لا يثبت الحاجة إلى الله حالا وإنما يثبت الحاجة إليه في الاستقبال. وكفى هذا نموذجا لفقدان الاستقامة التامة في نظر الفلاسفة الغربيين، ولا تجد أنت في علماء الإسلام المتكلمين من أقران "كانت" من يستند إلى مثل هذا الدليل الضعيف في إثبات مطلب يقيني كمسألة وجود الله فيبنيه على حاجة أناس الخير والفضيلة إليه، مع أنه لا يلزم محال عقلي من افتراق السعادة عن الفضيلة، بدليل افتراقها فعلا في الدنيا بالنسبة إلى كثير من أصحاب الفضيلة. ولا يقال إن ذلك افتراق وقتي خاص بالدينا لأنه المحال لا يقع ولو وقتيا. وهل يقاس هذا بما هنالك من حاجة وجود العالم بجميع أجزائه وما يُرى ويُشهد في كله وأجزائه من النظام المتقَن، إلى وجود الله الواجب الوجود ليكون علة أولى لتلك المعلولات والموجودات وهذه حاجة يترتب على بقائها غيرَ مقضية في آن واحد أوضح محال كلزوم عدم وجود ما نشهده من العالم وما يحتويه الشامل لوجودنا نحن أيضا. فأين لزوم عدم وجود ما هو موجود حالا بل عدم إمكان وجوده، من لزوم بقاء ما هو غيرُ موجود حالا غيرَ موجود أبدا؟ من حيث الاستحالة. ولا يقال بقاء أصحاب الفضيلة محرومين أبدا مما يستحقونه من السعادة ينافي العدالة الإلهية فيكون هو أيضا محالا، لأني أقول العدالة الإلهية إنما تتصور بعد ثبوت وجود الله الذي كلامنا الآن فيه.. والاستعانة بالعدل الإلهي في دليل الإثبات لوجود الله تكون مصادرة على المطلوب.
فإذا لم يكن ضروريا عقلا حصول أصحاب الفضائل الخلقية على ما يستأهلونه من السعادة بفضل وجود الله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا ولم يستحل بقاؤهم محرومين أبدا، لعدم وجود الله إلا بعد ثبوت وجوده بدليله—فدليل "كانت" لا يستوجب وجود الله حق الاستيجاب. وقد كنت قلت فيما سبق إن الله بالنظر إلى
ص 77
ما اختاره "كانت" من الدليل لإثبات وجوده لا يكون واجب الوجود أي لا يكون الله، لأن أخص ما يمتاز الله به وجوب وجوده وجوب الوجود إنما يتحقق له إذا استحال عدم وجوده بإحدى طريق من طرق الاستحالة المعروفة عند العقلاء كلزوم التناقض والدور والتسلسل والترجيح من غير مرجح، وطرق الاستحالة هذه التي هي محجة الأدلة العقلية في إثبات المطالب الفلسفية لقطع كل شبهة فيه وكل احتمال مناف له، يكون الحكم فيها من اختصاص العقل النظري. فنحن نقول مستندين إلى أدلة إثبات وجود الله المعروفة العقلية: لو لم يكن الله موجودا لزم عدم وجود هذا العالم الموجود، لاحتياجه في وجوده إلى إيجاده، وعدم وجود الموجود محال متناقض. أما حاجة وجود العالم إلى وجود الله فنثبته أولا بإبطال الترجيح من غير مرجح أي بنفي احتمال وجود أي شيء من هذا العالم الممكن الوجود والعدم، من تلقاء نفسه ثم بإبطال التسلسل في العلل الموجدة الممكنة الوجود والعدم، وكلا هذين الأمرين اللذين نبطلهما راجع أيضا إلى التناقض المحال كما أن إبطالهما يرجع إلى إبطاله، وقد دفعنا اعتراضات "كانت" على هذه النقاط في محلها من هذا الكتاب.
فوجوج الله ضروري لوجود العالم أي لئلا يلزم التناقض في وجود العالم وعدم وجود الله محال كاستحالة التناقض، وهكذا يكون الله واجب الوجود أي مستحيل العدم. أما وجود الله لحفظ الأخلاق من الانهيار فليس ضروريا مستحيل الخلاف لعدم وجود الضرورة في حفظها إلى حد أن يدعي في احتمال عدم كونها محفوظة غير منهارة أنه مستحيل مستلزم للتناقض.
فقد انجلى أن الفيلسوف "كانت" ترك العروة الوثقى ولم يثق بها ثم استند إلى ما ليس بمستند ولعل في هذا الاختيار المعكوس تأثير كون الرجل مسيحيا كما قلنا
ص 78
لما أن المعتاد عند أصحاب هذا الدين أن تناط العقيدة بحبل غير متين من ناحية العقل، ومن هذا أيضا نشأ عدم الالتزام كون المعرفة بوجود الله من المطالب اليقينية الضرورية أعني الضرورة الحقيقية المنطقية لا الضرورة الاجتماعية، والاكتفاء بالإيمان بوجود الله كمضمون قضية مطلقة عامة غير مستندة إلى ضرورة البرهان بل إلى ضرورة الحاجة إليه للفضيلة والأخلاق أو إلى شهادة الوجدان
ص79
ولا حاجة بنا إلى أن نقول من جانب "كانت" إنه لما لم يجد دليلا علميا يقينيا لإثبات وجود الله تمسك بذلك الدليل العملي الذي لا شك في حسنه إن كان يُشك في إفادته اليقين الضروري، وهو معذور في انتهاج هذا المسلك لأن باب الحصول على اليقين العلمي الذي لا يتوصل إليه إلا عن طريق التجربة مسدود أمام من يريد تحقيق مسألة وجود الله لتعذر تطبيق التجربة عليها... لا حاجة بنا إلى هذا القول من جانب "كانت" ولامساغ، لأن فيه خطأ عظيما من وجهين الأول قصر الثبوت العلمي على ما ثبت بالتجربة وتنزيلُ ما ثبت بدليل عقلي إلى أن لا يعتبر ثبوته علميا وهو العقلية الشائعة التي عُنينا بالتنبيه على بطلانها في هذا الكتاب.. وقد علم القارئ من قبل أن الدليل العقلي المسجمع لشرائط الصحة يكون أقوى وأقطع من الدليل التجربي لاسيما وأن المسائل العالية التي ترتقي قطعيتها إلى حد الضرورة كمسألة وجود الله يلزم أن تثبت بالدليل العقلي الذي هو لا غيره يفيد الوجوبب والضرورة وإلا لم يكن الله واجب الوجود مهما ثبت كونه موجودا ولهذا لا يتعين ما ثبت وجوده بدليل "كانت" على أن يكون هو الله لعدم كونه واجب الوجود إلا أن يثبت بدليله وجودُ مالك يوم الدين ثم يثبت وجوب وجود هذا المالك بدليل آخر لكن "كانت" أقفل على وجهه باب إثبات الواجب باعتراضاته على أدلته العقلية. وأيضا إثبات وجود مالك يوم الدين من غير وجوب وجوده لإمكان بقاء الفضائل الأخلاقية غير مجزي عليها أبدا كما ذكرنا آنفا، يمنع إثبات وجوب وجوده بدليل آخر.
ص80
الخطأ الثاني في زعم أنه لا يوجد دليل تجربي على وجود الله لأنك قد عرفت مما أسلفنا في بحث دليل العلة الغائية أن وجود الله ثابت بالتجربة لا بتجربة واحدة أو مائة ألف تجربة بل بعدد ما في العالم من الأنظمة والقوانين التي تقدر بعدد ما في العالم من الموجودات فكل ما في العالم مما يعبرون عنه بالقوانين الطبيعية ويحاولون أن يستغنوا بها عن وجود الله فهو تجربة ناطقة بوجود الله وهي قوانين الله وأنظمته لا قواني الطبيعة الله إلا أن يراد بالطبيعة الخلقة، إذ لا يمكن أن توجد قوانين من غير وجود من وضعها ولا يمكن أن تكون الطبيعة التي قد عرفت أنها عبارة عن فعل بلا فاعل، فاعلَها وواضعها.
نعم، هذه التجارب التي لا حد لها ولا نهاية لا نقول إنها تحصل بها معاينة ذات الله كتجارب الأمور المحسوسة وإنما نقول إنها تحصل بها معاينة ذات الله كتجارب الأمور المحسوسة وإنما نقول إنها يحصل بها القطع بوجود الله غير معلوم الكنة والحقيقة، وكثير من الناس وممن ينتمون إلى العلم تلتبس عليهم التجربة المريئة لعين من الأعيان، بالتجربة الدالة قطعا على وجوده. فلما تعذرت التجربة الموصلة إلى ذات الله أنكروا التجربة الموصلة إلى الحكم بوجوده أيضا.
وهذا الالتباس الذي سبَّب في رأيي ضلال كثيرين من عقلاء الغرب بل الشرق أيضا، جدير بأن يكون موضع تنبيه خاص في كتابي هذا، فالذين وقعوا في هاوية الإلحاد ولم يتخلصوا منها حيال أدلة وجود الله الساطعة والذين قالوا إن العلم الحديث المبني على التجربة والمشاهدة لا يعترف بوجود الله، بل الذين خاضوا في موحل وحدة الوجود من الغربيين والشرقيين فكلهم بحثوا عن ذات الله وضلوا المطلب ثم قال بعضهم فم أجد فألحد وقال بعضهم هو فلان أو علان فأبعد، ولله در الإسلام القائل "تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله" والقائل "تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا" والقائل "تفكروا في الخلق ولاتفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره".
ومسلك الإسلام هذا ولا نخصه بالإسلام بل يلزم أن يكون جميع الأديان
بداية صفحة 81
السماوية الإلهية كذلك قبل أن تعبث فيها يد التحريف ، هو المسلك الأسلم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فالمسلمون بالمعنى العام لأتباع رسل الله جميعا يلزم أن تكون عقيدتهم بالله اعترافهم بوجود من يجب وجوده ليستند إليه وجود ما لا يجب وجوده وهو جميع الكائنات فلولا الضرورة في وجود ذلك الواجب الوجود على أن يكون خالق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما والنظام السائد في كل ذلك وأجزائه لما اعترفوا بوجوده. فالمسلم إنما يتصور الله بوجه عام هو من وجب وجوده أو من خلق كل شيء ولم يخلق ، كائنا من كان ذلك الواجب الوجود أو الخالق غير المخلوق. وهذا كما قال سيدنا إبراهيم عليه السلام بعد أن بحث عن الإله الذي يريد أن يعبده ، في شخص الكوكب والقمر والشمس فلم يجده في شيء منه : "إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين" يعني كائنا من كان فاطرهما الوحيد.
فالله هو الموجود الذي يجب وجوده أي يكون وجوده ضروريا لوجود العالم المحتاج إلى موجد ، غير محتاج هو نفسه إلى إيجاد موجد كما احتاج العالم إلى إيجاده. والواجب الوجود الذي عرفنا الله به ولم نحدده بشيء آخر يحدد نفسه بنفسه فيستحيل أن يكون أكثر من واحد لأن واجب الوجود اضطر إلى القول بوجوده ليكون موجد للمحتاجين إلى الإيجاد غير محتاج هو نفسه إلى إيجاد موجد فلو وجد واجب آخر يوجد غيره ولا يحتاج إلى الإيجاد ، لم يكن وجود الواجب الأول ضروريا . ومثله يقال في الواجب الآخر استغناء عنه بالواجب الأول وكلا الأمرين محال مستلزم لخلاف المفروض أي لعدم كون كل من الواجبين واجبا.
بداية صفحة 82
ومع صفة الوحدانية يكون تعريف المسلم لله : الموجود الوحيد الذي يجب وجوده ، ولما كان وجوب الوجود معدن كل كمال للواجب لكونه على ما نعرفه نحن منه بمعنى ضرورة وجوده لاحتياج العالم وما فيه إلى موجد ليس كمثله شيء في العالم المحتاج (هامش : نحن نستنبط وجوب وجود الله واستحالة عدم وجوده من ضرورة احتياج العالم إلى موجد لا يحتاج أي من أدلة إثبات الواجب المعروفة الآلية المبنية على بطلان تسلسل العلل الممكنة المحتاجة إلى علة. أما السبب اللمي لوجوب وجوده فنحن لا نعرفه لعدم معرفتنا بحقيقة الله. فلسنا ممن يفسر وجوب وجود الله بكون وجوده عين ذاته كما قال به الفلاسفة وطائفة من محققي المتكلمين ولا ممن فسره بكون ذاته علة لوجوده كما قال به جمهور المتكلمين لأن الأول عنينا بإبطاله في الباب الثاني من هذا الكتاب عند إبطال مذهب وحدة الوجود والثاني انتقده أنصار المذهب الأول وإن كان يمكن الجواب عن انتقادهم برد هذا الرأي الثاني إلى ما ارتأيناه وسيأتي كل ذلك إن شاء الله في محله في الباب الثاني القريب ، انتهى الهامش).
لزم أن يكون ذلك الموجود الوحيد الواجب الوجود متصفا بصفات الكمال السائرة أيضا مثل العلم والقدرة مبرأ من سمات النقص . فزد في التعريف هذين القيدين أيضا ، ومع ذلك فهو (أي تعريف الله) مفهوم عام بالرغم من ذينك القيدين ومن قيد الوحدانية حتى إن هذا الموجود الوحيد الواجب الوجود المتصف بصفات الكمال المنزه عن النقائص لو صح انطباقه على الطبيعة التي يعدل بها الملاحدة عن الله لكانت هي إله المسلم الذي يعبده. فانظر كيف سلك الإسلام وعلماؤه في عقيدة الإله أحسن المسلاك وأضمنها للصحة وأسلمها من الاعتراض لأنهم لم يحددوا ذات الله وإنما عرفوا بمفهوم كلي ينحصر في فرده الواحد وينطبق عليه ولا ينطبق على غيره ويتلخص في واجب الوجود لما قلنا من أن وجوب الوجود يحتوي جميع الصفات الكمالية حتى الوحدانية أيضا ، مثلا إن وجوب وجود الله بمعنى ضرورة احتياج هذا العالم المشهود المنظم إلى وجوده ليكون موجده غير محتاج هو إلى موجد ، يتضمن لزوم كونه عالما لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ليقوم بحاجة العالم في وجوده إليه حق قيام.
بداية صفحة 83
ثم انظر كيف يتحوط علماء الإسلام في تفصيل تلك الصفات الكمالية فيتوقفون مثلا في صفة العلم ولا يجاوزونها إلى العقل أو الفطانة أو الفقاهة أو الذكاوة فلا يطلقون على الله العاقل والفطن والفقيه والعارف لما في كل منها من إبهام نقص وقد سبق بيانه.
دليل وحدانيته تعالى
قد عرفت آنفا أن دليل وحدانيته تعالى يمكن استنباطه من وجوب وجوده وهذا الاستنباط مما فتح الله عليّ ولا أدري هل سبقني إليه أحد من العلماء. أما الدليل المعروف المسمى ببرهان التمانع المأخوذ من قوله تعالى : "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" فنحن نقرره هنا أيضا ولا نرضى خلو هذا الكتاب منه فنقول :
لو وجد إلهان لاستطاع كل منهما أن يريد غير ما يريده الآخر فأمكن أن يحصل بينهما الخلاف والنزاع لأن الألوهية لا تتفق وعدم استقلال الرأي. ولا نقول لو وجد إلهان لاختلفا حتى يعترض علينا بأن الاختلاف غير ضروري لهما كما كان أن الاتفاق غير ضروري ... لا نقول هكذا وإنما نبني الكلام على إمكان أن يختلفا. وهذه النقطة أعني بناء القول من أول الدليل إلى آخره على الإمكان أهم ما ينتبه له في هذا الدليل فإذا أمكن اختلافهما لزم إمكان واحتمال أن يكون أحدهما أو كلاهما عاجزا عن تنفيذ ما أراده فلا يكون أحدهما أو كلاهما إلها هو خلاف المفروض.
بداية صفحة 84
وخلاف المفروض محال متضمن للتناقض فلو وجد إلهان لزم إمكان محال هو عدم كون ما فرض إلها إلها وإمكان المحال محال.
وليكن توحيده تعالى آخر كلامنا في الباب الأول من الكتاب كما أننا نسأل الله تعالى أن يوقفنا لأن يكون آخر كلامنا من حياتنا الأولى أعني به الحياة الدنيوية ، كلمة توحيده. ( هامش : واحتمال أن يكون الإله عاجزا عن تنفيذ ما أراده محال مناف لألوهيته التي لا تأتلف بأي شائبة من شوائب النقص ، كاستحالة أن يكون عجزه محققا وواقعا. ولا يحتاج دليل وحدانية الله تعالى هذا إلى بنائه على لزوم أحد الإلهين المعروضين المحقق المبني على اختلافهما المحقق كما زعمه الشيخ محمد عبده والتزم ما لا يلزم فلم ينجح دليله كما ذكرنا فيما سبق عند حكاية تحديد مشايخ الأزهر المنقولة عن كتاب الأستاذ محمد صبيح ( الجزء الأول ص 134) إذ لا ضرورة لوقوع الاختلاف بين الإلهين ، أما إمكان اختلافهما فضروري لكونهما إلهين مستقلين مع كفاية إمكان العجز لأن يكون مناقضا للألوهية. والشيخ ظن أن الاختلاف بين الإلهين محقق أو أن إمكان الاختلاف غير كاف في استلزام المحال.
وهذا الفرق بين بناء الدليل على تحقق الخلاف وبين بنائه على إمكان الخلاف من دقائق علم الكلام الخافية على غير المستأنسين بمحاسن هذا العلم الجليل.
وما فعلناه من بناء هذا الدليل الوحدانية المسمى ببرهان التمانع المأخوذ من القرآن الحكيم ، على إمكان الخلاف بين الإلهين بدلا من بنائه على تحقق الخلاف – عبارة عن صوغ الدليل في أسلوب علم الكلام المساير مع المنطق كما قال الأستاذ أحمد أمين بك إن علماء التوحيد جعلوه منطقا وأراد به التنزيل من قيمة ذلك العلم الغالية. والشيخ محمد عبده الذي تحدى علماء الأزهر في تقرير دليل الوحدانية على الوجه الصحيح ، ابتعد هو نفسه عن الأسلوب الكلامي المنطقي فأدى إلى وقوعه فيما عابه على العلماء الذين تحداهم. وليكن هذا البحث مني هدية إلى هؤلاء العلماء تأخذ ثأرهم من متحديهم. انتهى الهامش)
بداية صفحة 85
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الثاني
في موقف العالم من الله
وفيه فصلان
الفصل الأول
مسألة وحدة الوجود
وضعت هذا الباب لدرس مسألة وحدة الوجود التي هي عقيدة كثير من الصوفية القائلين باتحاد العالم (بفتح اللام) مع الله ولذا عنونته "بموقف العالم من الله" ومن شدة غرابة هذه العقيدة وبعدها عن العقل ترى الكثيرين ممن اعتنقوها اقتداء بمبتدعيها يفسرونها على خلاف حقيقتها ، وترى الذين يستنكرونها يحق لهم أن يقولوا : كيف يمكن الإنسان اعتناق هذه العقيدة التي ترفضها بداهة العقل لا سيما عقل المسلم الموحد ومن أين حصلت هذه الفكرة الخاطئة في أول القائلين بها ؟
ثم فكرت في مذهب الفلاسفة المذكور في علم الكلام القائل بأن وجود الله عين ذاته مع قول المنحازين إلى هذا المذهب بأن حقيقة الله الوجود ، فأحسست بين هذا المذهب الفلسفي وبين تلك العقيدة الصوفية مناسبة عميقة سأبينها وأكتشف فيما منشأ تلك الفكرة العجيبة الصوفية ، حتى لاح لي أن أجعل عنوان هذا الباب الثاني "موقف وجود الله من الله " ليكون مشتملا على كلا المذهبين اللذين لم يكن اشتغالي في صلب الباب منهما بالمذهب المنشأ أقل من المذهب الناشئ بل أكثر.
بداية صفحة 86
بيد أن مطمح نظري في بادئ الأمر لما كان درس مسألة وحدة الوجود وكان درس المذهب الفلسفي في وجود الله متولدا في ذهني وناشئا من درس تلك المدرسة ، على الرغم من أن الناشئ والمنشأ في الترتيب الواقعي على العكس ، أعني أن المذهب الفلسفي هو المنشأ لا الناشئ اخترت أن يكون عنوان الباب والمرموز إليه في اسم الكتاب : موقف العالم من الله ، لا موقف وجود الله من الله.
فقد كان انجلاء خطورة البحث عندي في المذهب الفلسفي بشأن وجود الله مدينا لخطورة البحث في وحدة الوجود ، ومن أجل ذلك جعلت البحث الثاني مقصود الباب الثاني الأول والبحث الأول تبعا وإن كان هو أشد مناسبة للاتصال بالباب الأول وموضوعه الذي هو إثبات وجود الله إذ ليس أنسب بعد إثبات وجود الله من البحث في موقف وجود الله من الله.
أما الاهتمام بدرس مسألة وحدة الوجود في هذا الكتاب فسببه أنه ما كان ينبغي بعد السعي البليغ منى في مكافحة الضلالات الفكرية الحديثة الآتية من الغرب المتعلقة بالله تعالى ، أن أسكت على ضلال شرقي قديم دخل في عقيدة بعض المسلمين بواسطة رجال لا يزال كثير من الناس يرى لهم مكانة في الإسلام تفوق مكانة علماء أصول الدين ، فرأيت أن أضيف درس هذه المسألة إلى مباحث هذا الكتاب وكان قد سبق عد مني بتأليف كتاب يكشف النقاب عن وجه هذه الأحجية التي انجذب إليها من لم يعرف حقيقتها فأرجو أن تعتبر هذه الإضافة إنجاز ذلك الوعد ومن الله التوفيق.
من العجب افتراق أناس معدودين من عقلاء البشر وعلمائهم في مسألة وجود الله ووجود ما سواه المعبر عنه بالعالم على أربعة آراء متباينة : القائلون بوجودهما على أن الله واجب الوجود والعالم غير واجب الوجود.
بداية صفحة 87
والقائلون بنفيهما ، والقائلون بوجود العالم ونفي وجود الله ، والقائلون بوجود الله ونفي وجود العالم. والرأي الأخير مذهب وحدة الوجود ، وقد يسمى أصحاب هذا المذهب : الوجودية أو الاتحادية لقولهم بأن حقيقة الله الوجود وأن وجود العالم وجود الله ولا وجود له غير وجوده فهما موجود واحد.
وقبل أن نبطل هذا المذهب نعنى بتبيين حقيقته وتفهيمها لأن كثيرا من الناس ما فهموها لغموضها ولا نبالغ إذا قلنا إن إبطال هذا المذهب أسهل من فهمه (هامش : ولهذا يراني القارئ مشتغلا متعمقا في الاشتغال بإبطال المذهب الفلسفي القريب من مذهب وحدة الوجود أكثر مني مشتغلا بإبطال المذهب نفسه. وأنا واثق بأن قراء كتابي هذا لا سيما المققين منهم سيجدون هذا الباب أعجب ما اشتمل عليه الكتاب ، أنا واثق بهذا ثم مؤمل أن يكون أيضا أكثره لفتا لإعجابهم. انتهى الهامش)
فالمفهوم منه في بادئ الرأي أن أصحابه ينفون وجود ما سوى الله حتى إنهم يعتبرون قول "لا إله إلا الله" توحيد العوام ، وتوحيد الخواص عندهم "لا موجود إلى الله" ولننظر كيف ينفي المتمذهبون به وجود ما سوى الله :
إن الطريق التي توصلهم إلى نفي وجود العالم قولهم بأن الله تعالى هو الوجود. فهذا أساس مذهبهم ومنه سموا "الوجودية" فالوجود عندهم حقيقة الله الذي لا تعلم حقيقته. قال صدر الدين الشيرازي في كتابه "الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة العقلية ص 564.
بداية صفحة 88
" فصل في أن واجب الوجود تمام الأشياء وكل الموجودات وإليه يرجع الأمور كلها. هذا من الغوامض الإلهية التي يستصعب إدراكها إلى على من آتاه الله من لدنه علما وحكمة لكن البرهان قائم على أن بسيط الحقيقة واحد من جميع الوجوه فهو كل الوجود كما أن كله الوجود"
فالله هو الوجود الذي يوجد في كل موجود وكل موجود موجود بوجود الله لا بوجود نفسه إذ لا وجود له وإنما الوجود لله بل الله عين الوجود. فالموجود على هذا ليس بمعنى المتصف بالوجود كما هو المتعارف لأن الوجود الذي هو الله لم يكن صفته أي الموجود ولا وجوده ، وإنما معنى الموجود مظهر الوجود أي محل ظهور الله. فالأعيان الخارجية التي نعبر عنها بالموجودات باعتبار كونها مظاهر لله لا وجود لها في الخارج على أنه وجودها. ولهذا قالوا "الأعيان الثابتة في علم الله ما شمت ولا تزال رائحة الوجود" وقالوا في حديث "كان الله ولا شيء معه" : "لما سمعه علي كرم الله وجهه قال : "الآن كما كان" فيعني الحديث أن الله تعالى كان موجودا قبل خلق العالم ولا موجود معه ويعني تعليق علي عليه أن الحال كذلك بعد خلق العالم أيضا لأن الوجود الذي أصبح به العالم موجودا ليس وجوده إذ لا وجود له وإنما الله الذي هو الوجود ظهر فيه.
لكن الحديث يحدث عما كان في الماضي فهل قول علي يصحح الحديث وينتقده ؟ أليس فرق بين ما كان قبل خلق العالم وما يكون بعده ؟
بداية صفحة 89
فإذا كان العالم لا وجود له وإنما هو مظهر لوجود الله والله هو الظاهر فيه حتى إن تشبيههم العالم بالمرآة والله بالصورة المرئية فيها لا يفيد تمام مقصودهم لأن للمرآة وجودا ولا وجود للعالم حتى ولا رائحته ، إذا كان الأمر كذلك عندهم فالذي نراه موجودا ونسميه العالم يلزم أن يكون أحق بأن نسميه الله ، وإن معنى نفي وجود العالم كون جميع الموجودات عبارة عن الله فلا يبقى وجود غيره ليكون وجود العالم. ولذا سمى هذا المذهب بوحدة الوجود فليس فيه نفي وجود الموجودات بل توحيدها وجعلها موجودا واحدا هو الله فهذا المذهب ينجر إلى القول باتحاد الله مع العالم. وجوابهم عن ذلك بأن الاتحاد إنما يتصور بين وجودين لا بين وجود هو الله وعدم هو العالم كما ذكره الكاتب الكبير التركي فريد بك مؤلف "وحدة الوجود" وكما نقله مؤلف "اضمحلال مذهب الماديين" عن "التحفة المرسلة" لمحمد فضل الله الهندي التي شرحها عبد الغني النابلسي ، ليس بشيء بل الاتحاد ونعني به الاتحاد الخارجي بنافي الوجودين فلا يصح قولهم بأن الاتحاد إنما يتصور بين وجودين.
وقد يعكسون طرفي التشبيه بالمرآة فيقولون إن الله كالمرآة والعالم كالصورة المرئية فيها كما ذكر عبد الغني النابلسي في كتابه "الرد المتين على منتقص العارف بالله محيي الدين" كلا صورتي التشبيه بالمرآة. وقال شيخهم الأكبر في "الفصوص" في فص حكمة نفثية في كلمة شيئية : "فهو مرآتك في رؤيتك نفسك وأنت مرآته في رؤيته أسماءه وظهور أحكامها وليست [الصورة المرئية في الحق وهي أنت] سوى عينه فاختلط الأمر وأبهم فمنا من جهل في علمه فقال "العجز عن درك الإدراك إدراك" ومنا من علم فلم يقل بمثل هذا القول"
بداية صفحة 90
وصورة العكس أوفق بمذهبهم القائل بنفي وجود العالم وإثبات الوجود لله كما أن المرآة موجودة والصور المرئية فيها غير موجودة.
وعلى كل حال فلا يفرق بين الله والعالم على هذا المذهب إلا بادعاء أن أحدهما موجود والآخر معدوم فكأن العالم الذي نشاهده موجودا هو الله ولا وجود للعالم إلا في مخيلتنا حتى إننا نحن الذين نشعر بوجودنا ليس ذلك وجودنا وإنما هو وجود الله إذ لا وجود لنا لكوننا أيضا داخلين في العالم ، وحتى إن الحجر والشجر أيضا كذلك. فماذا الفرق إذن بين هذا المذهب المعزو إلى أولياء الله العارفين وبين المذهب الغربي "بانتائيزم" القائل بأن الله مجموع العالم والذي يقول عنه ناقدوه من الغربيين إنه نفي لوجود الله بلطف ولباقة ، ومذهب وحدة الوجود مثله في أنه يضع الله موضع العالم ثم ينفي العالم فكأنه لا شيء موجود فيما وراء هذا العالم المشهود فسمه إن شئت "العالم" وإن شئت "الله " وإن شت فقل الطبيعة بدلا من العالم حتى يتحد هذا المذهب مع مذهب الطبيعيين أيضا. نعم إنهم يقولون بصدد التفريق بين الله وخلقه إن كل شيء فله حيثيتان وجوده المطلق وخصوصيته فهو الله من حيث إنه موجود مطلق وغير الله من حيث إنه موجود معين مسمى باسم خاص ، لكن الاتحاد حقيقي والمغايرة اعتبارية كما صرحوا به هم أنفسهم أصحاب المذهب وأنصاره لعدم وجود غير الله في شيء
الصفحة الواحد وتسعون
من الأشياء وجودا خارجيا فكأن الله عنصر الوجود الوحيد في الموجود والذي فيه مما عداه في عدم فلا موجود غير الله في زيد وعمرو وخصوصيتهما الزيدية أو العمروية التي يغايران الله بها أمر اعتباري وهما يمتازان عن الله من ناحيتهما الاعتبارية ولا يمتازان عنه من ناحيتهما الحقيقية التي هي كونهما موجودين وكذا الحجر والشجر وما دونهما حتي إم الموجود في الشيطان الرجيم هو الله بناء علي قاعدتهم الأساسية من أن الله هو كل الوجود كما أن كله الوجود وليس بينه وبين الشيطان إلا التغاير الاعتباري الذي لا ينافي التحاد الحقيقي (1) فإذن لا مانع من إجراء الحمل بينهما مواطأة لوجود ما هو شرط المنطق لصحة الحمل من اتحاد الموضوع مع المحمول في الوجود الخارجي وتغايرهما الذهني نعوذ بالله من هذه اللوازم ونعتذر إلي القارئ من تعجيلنا بالنقد قبل تمام شرح المذهب ويجب البحث والتفتيش قبل كل شئ عن منشأ القول بوحده الوجود من أول القائلين بها فمن أي باب من أبواب التفكير وجدت هذه النظرية البعيدة كل البعد عن العقل بحيث تمجها بداهته لكونها تؤله كل شئ في الوجود عال أو سافل كبير أو حقير حسن أو قبيح من أي باب وجدت طريقا للدخول في بعض العقول ؟ حتي تجرأ أصحابه علي القول بها من غير شعور منهم في وقت من الأوقات بكونهم الله حقيقه كما لا نشعر نحن بمثله من أنفسنا والعياذ باله فمال هذا الخيال الباطل المتعاظم ؟ ولم يكن في الباحثين بمصر حديثا في هذه المسألة الذين كل ما يحملونه أو جله أفلامهم ولا حاجة لهم بعد هذا أن يكونوا حملة العلم أو بالأولي وليس من سواهم حملة العلم في هذا الزمان
(1)قال الشيخ ابن عربي :
نحن المظاهر والمعبود ظاهرنا ومظهر الكون عين الكون فاعتبروا
ولست أعبده إلا بصورته فهو الإله الذي في طيه البشر
وقال الشاعر التركي الشيخ بايزيد خليفه :
كندي حسن خوبلر شكلنده يدا يلدي جشم عاشقه ن آني دوندي تماشا ايلدي
وتعريبه أنه يعني الله أبدي حسنه في صور الحسان ثم عاد فتفرج عليه من عين العاشق
الصفحة الثانيه و التسعون
لم يكن في أولئك الباحثين من مستحسني النظرية أو مستجنيها من تحري المنشأ ليدخل في درس المسأله ردا أو إثباتا من هذا الباب ويكون ذلك دخولا مأنوسا وفي الصميم ويكون من البساطة بل من الهزل أن يقال :عدم تععين المكان من الله تعالي في أي ناحيه من نواحي العالم ليتحقق له الوجود واستقلال الوجود فيه أخطر ببعض العقول أن يبحث عنه في الموجودات المعلومة ثم وزعوه بين الجميع احترازا من ترجيح موجود علي موجود و ليس التوصل إلي هذه النظريه من طريق التصوف بأقل غرابة مما ذكر أما كتابنا هذا فيمتاز إن شاء الله بالاهتداء إلي مفتاح تلك الأحجية التي شغلت تصوف الإسلام باسم التوحيد الوجودي أو توحيد الخواص كما شغل النصرانية التثليث حتي قال الشيخ محي الدين بن عربي صاحب (الفصوص)و(الفتوحات المكيه) ما أخطا النصاري إلا لحصرهم الألوهيه في المسيح وأمه أعلم أيها القارئ العزيز أني لست عدوا للصوفيه ولا منكر لوجود أولياء الله وكراماتهم وأعترف بأن علم العلماء قد لا يكفي في أصلاح الناس وتهذيب نفوسهم بل وفي تهذيب العلماء انفسهم فتحصل الحاجه الي الطرق الصوفيه لإكمال هذا النقص بتدريب المسلمين وتمرينهم علي العمل بمقتضي علم العلماء من أحكام الشرع الأنور لا لمصادمه علم العلماء ومذاهب أهل السنة في أصول الدين وفروعه ولست أيضا من الوهابيين الذين لا يحترمون عباد الله المكرمين بعد موتهم ولا أدعي الفضل علي أحد ولا أحسد احدا علي فضله ومع هذا كله فإني عبد الله لا عبد أي أحد اشتهر بأنه ولي من أولياء الله فلا أضحي بمقام ربي جل وعلا لمنزلة ذاك الولي عند الناس ولا أعترف له بامتياز أن يضر كلام الله وكلام رسوله بما يشاء له هواه ويشبه التلاعب بهما أو يضاد ما سيقا له كأن يستخرج من قوله تعالي (ليس كمثله شئ )إثبات المثل له تعالي أو ما فوق المثل كما يأتي بيانه
الصفحة الثالثه والتسعون
وقد أخطأ الذين يظنون أن القول بوحدة الوجود حصل للقائلين بها في نتيجه المكاشفة الصحيحة أو الغيبوية العاذرة وإنما هي فلسفة ذات دعوي وأدله عقلية ونقلية مبسوطة في كتبهم وكتب أنصارهم وهي مشتقه من فلسفه أخري مدونه في علم الكلام معتني بشأنها وإن كانت كلتا الفلسفتين المشتقة والمشتقة منها باطلة ولازال بطلان الأصل خافيا علي الناظرين حتي تأليف هذا الكتاب بل خافيا أيضا أشتقاق فلسفة وحدة الوجود الظاهرة البطلان من ذلك الأصل(1) ولننظر كيف تحصل فكرة وحدة الوجود للسالك من الشهود وماذا ينكشف له فيه؟إن قلنا بغيب العالم عن نظره ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام أعني أنه أن كان يري الله ولا يري العالم فليس هذا وحدة الوجود وإنما هي رؤية الله دون العالم التي يعبر عنها بوحدة الشهود والتي لا يرضاها القائلون بوحدة الوجود ويعتبرونها مرتبه ناقصه في مراتب التصوف ولذا أدعوا أن العالم عين الله أو علي الأقل مظهره وهم لا ينفون وجود العالم ولا ينكرون المحسوسات كما صرحوا به في كتبهم وإنما ينكرون وجود العالم علي أنه وجوده فيدعون انه وجود الله فلزم علي هذا أن يبقي العالم مرئيا للسالك في حاله شهوده أيضا وإنما يتبين له أن هذا المرئي الذي نظنه نحن غير العارفين العالم هو الله لكن هذا التبين أولي بأن يكون نتيجة الفلسفة التي تمسكوا بها واستدلوا عليها كمسألة علمية من أن يكون نتيجة شهودهم لأن اتحاد العالم مع الله مما لا تتعلق به المشاهدة ولا يمكن مشاهدة شيئين أثنين شيئا واحدا والمسأله بسيطه عند النظر إلى مذهبهم المبنس علس تلك الفلسفه فكل موجود محل لظهور الله ومرآة لشهوده لأن أول ما يظهر في الموجود و يشاهد هو وجوده والوجود عندهم وفي نظريتهم الفلسفية هو الله وكل من قال بهذا القول أعني أن الله هو الوجود فهو
(1)وخلاصه هاتين النظريتين الفلسفتين أن أصاحبها زاعمون أنهم اطلعوا بعد فكرة طويلة علي أن حقيقة الله هي الوجود فهذا الزعم هو قول الصوفية الوجودية في الله مالا يقوله المجانين
الصفحه الرابعة والتسعون
يشاهد الله في كل موجود من غير حاجة إلي أن يكون القائل من أهل المكاشفة والسلوك وقد جذب كثيرا من العلماء إلي مذهب وحدة الوجود قول الإمام الغزالي في مشكاة الأنوار)ترقي العارفون من حضيض المجاز إلي ذروة الحقيقه فرأوا بالمشاهدة العيانية ان ليس في الوجود إلا الله ) وقد نقله المحقق الدواني في شرح العقائد العضديه جذبهم قوله عن ذلك بتنويه خاص يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار والبصائر فلذا لم يخطر ببال أحد أن ينظر إلية بعين الناقد البصير وأراد بالمجاز بالعلم الظاهر وشبهه بالحضيض ى أو أراد نفي وجود العالم نفيا مجازيا باعتبار وجودة كالعدم بالنسبه إلي وجود الله فالعارفون عنده هم الذين ترقوا من هذه المرتبة المجازية إلي ذروة الحقيقة التي هي نفي وجود العالم نفيا حقيقيا لعدم كون الوجود المرئى للعالم وجود العالم بل وجود الله وهذا هو القول بوحدة الوجود كما نبه عليه الفاضل الكلنبوى صاحب التعليقات القيمة علي شرح الجلال الدواني و الساذج يظن أن العارف بالله المترقي إلي ذروه الحقيقه يغيب في نظرة العالم و يظهر الله مع أن هذا هو المجاز الذي ترقوا منه وعده صاحب المشكاة حضيضا بل المقصود مما رآة المترقون من عدم كون شئ في الوجود غير الله اتحاد العالم مع الله عند الصوفية الوجودية وإنهم إن أنكروا القول بالاتحاد فإنما ينكرونة مبالغة في ادعاء كون العالم عين الله ومن ذلك قولهم الذي حكيناه قريبا : إنما يتصور الاتحاد بين الوجودين لا بين وجود هو الله وعدم هو العالم فيرون لفظ الاتحاد غير كاف في إفادة العينية وكم صرحوا بهذه العينية حتي إنه ليس في (الفصوص) غير تكرار هذه النغمة الفاحشة الموحشة(1) فهذه هي ترقي العارفين إلي ذروة الحقيقة ؟ وقد عرفت وستعرف أيضا أن سبب عدم كون شئ
(1)حتي أن الكلمه المشهورة (ليس في الإمكان أبدع مما كان)المنسوبه إلي الغزالي والذي نردها علي قائلها لاستلزامه أن لا يكون الله تعالي فاعلا مختارا قال في فص أيوب من الفصوص )إن السبب في ذلك كون العالم علي صورة الرحمن )
الصفحة الخامسه والتسعون
في الوجود عندهم إلا الله اعتبارهم الله والوجود شيئا واحدا فأينما كان الوجود فثم وجه الله وليس معني ما قالوا من نفي وجود غير الله تعظيم الله بل تعظيم الوجود وتأليهه وتعيينه علي أن يكون حقيقة الله فإذا كانت حقيقة الله في زعمهم عباره عن الوجود فلا جرم ينحصر الوجود في الله أو إن شئت فقل يعم الله كل ما يعمه الوجود ويكون وجود كل موجود إياه فلهذا لا يبقي في الوجود غيره وهذا هو المراد أيضا من قولهم (توحيد العوام لا إله إلا الله وتوحيد الخواص لا موجود إلا الله)يعنون أن الله كل الموجودات ولا موجود غيره فتوحيدهم الذي يطرونه بأنه توحيد الموجودات مع الله يجعل الكل موجودا واحدا (1) وهو ليس في شئ من التوحيد المأمور به في الشرع الذي هو تمييز الله عن سائر الموجودات وحصر الألوهيه من بينها في الله والذي اعتبروة توحيد العوام وتري الغزالي في مشكاته(2) يشترك معهم في هذا الحنث العظيم كما اشترك في محاوله بيع مذهبهم الباطل القائل بوحدة الوجود بثمن غال كأنه مذهب العارفين المترقين من خضيض المجاز إلي ذروه الحقيقة ومن هذه العقليه الفاسدة تولدت فكرة أختلاف مراتب الشريعه والطريقة والحقيقة علي أن تكون الشريعه أدونها والحقيقة أعلاها كما قالوا (لا إله إلا الله توحيد العوام )كبرت كلمه تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا وااله تعالي يقول لخير خلقه وأخص خاصتهم(فاعلم أنه لا إله إلا الله)ويقول( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط) ويقول رسوله صلي الله عليه وسلم :(أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد الله ) ويقول :(أفضل
(1)كما يتبين مما سننقله عن شرح المواقف
(2)علي ما نقل عنه مؤلف (أضحلال مذهب الماديين)أستشهادا بكلامه في تأييد مذهب الصوفيه الوجودية.
الصفحة السادسه والتسعون
ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا فهل الله والملائكة والنبيون وخاتمهم وأولو العلم كلهم من العوام حين كان عرفاء الغزالي من الخواص؟ ثم إن في كون مذهبهم القائل بأن لا موجود إلا الله مسمي بمذهب وحدة الوجود مع ان المعقول والظاهر من قول الغزالي السابق تسميتة بوحدة الموجود لعبرة وموضع دقه لأولي الأبصار ولا مراء في أن الغزالي يرمي بقوله ذاك إلي هذا المذهب المعروف بهذا الإسم كما فسره به الفاضل الكلنبوي فلماذا إذن سموه وحدة الوجود دون وحدة الموجود ؟والجواب أن القول بوحدة الموجود علي أن يكون قولا تحقيقيا لا مجازيا بل ذروة الحقيقه كما نص عليه الغزالي قول مخالف لبداهه العقل والحس نظرا إلي أختلاف الموجودات العالميه وتعددها تعددا وأختلافا ظاهرين وقد قلنا أنهم لا ينكرون المحسوسات أما الوجود فيمكن القول بأنه واحد في جميع الموجودات فقالوا به وتوسلوا بوحدته إلي توحيد الموجود فإذا قالوا لا موجود إلا الله فمرادهم أن الوجود الذي يوجد في كل موجود هو الله وهو واحد وهو الموجود الوحيد لأن الموجودات لاشئ فيها موجودا سوي وجودها الذي هو الله فكأن كل موجود مألف من موجود هو الوجود وهو واحد ومعدوم وهو مختلف بأختلاف الأشياء العالمية وبفضل كون الوجود الذي فيها موجودا وموجودا واحدا تصير تلك الأشياء موجودا وموجودا واحدا اما قولهم بأن الوجود هو الله وأنه الموجود الوحيد ففيما يأتي بيان ذلك ويكون من البساطة بل من الهزل ان يقال كما ذكرنا من قبل أيضا عدم تعيين المكان لله تعالي في أي ناحيه من نواحي العالم ليتحقق له الوجود واستقلال الوجود فيه أخطر ببعض العقول أن يبحث عنه في الموجودات المعلومه ثم وزعوه بين الجميع احترازا من ترجيح موجود علي موجود ورأس الأخطاء كما نبهنا عليه جعلهم الوجود حقيقة الله الذي لو لم يكن ما يترتب
الصفحة السابعه والتسعون
عليه من المفاسد العظيمة القاضيه علي ما بين الخالق والمخلوق من الفارق لكفي ما فيه من تعيين الحقيقه لله تعالي الذي لا تعرف حقيقته و التفكير في ذات الله الذي نهينا عنه وبعد تمهيد هذه المقدمه نقول قد عرفت أن منشأ عقيده وحدة الوجود في اعتقادنا فكرة فلسفية مشتقة من مذهب الفلاسفة في مشأله وجود الله التي هي مسألة خلافية بينهم وبين المتكلمين معروفة في علم الكلام وأصل مذهب الفلاسفة وأساسهم الأول كون ذات الله بسيطا حقيقيا منزها عن أي شائبة من شوائب التركب الذي هو رمز الحاجه التي يجب تنزيه الله عنها لكون المركب محتاجا إلي أجزائه مع كون الجزء غير الكل ومعلوم أن كل موجود سوي الله تعالي يتصور له ماهيه هو بها هو أي يمتاز بها عن غيره ووجود زائد علي ذاته وماهيته يفترق عنها في الذهن و إن كان مجموع الماهية والوجود شيئا واحدا في الخارج لكن الله تعالي البسيط كل البساطة المنزه عن كل نوع من أنواع التركب يلزم أن لا يكون له وجود زائد علي ذاته ولو في الذهن فيلزم إما أن يكون ذاتا من غير وجود أو وجودا من غير ذات وبعبارة أخري ماهية مجردة عن الوجود أو وجودا مجردا عن الماهية أما أنه كيف يمكن أن يكون الله ماهية مجردة عن الوجود أو وجودا مجردا عن الماهية فلسنا نحن الآن بصدد مناقشتهم عليه فالوجوديون من الفلاسفة والصوفية اختاروا الشق الثاني علي ما فهم أنصار الطائفتين وتولدت مسألة وحدة الوجود من هذا وعلي فهمي الخاص يلزم أن يكون مختار الفلاسفة هو الشق الأول كما تعرفة أثناء البحث وهو أن الله ذات مجردة عن الوجود فعند ذلك تنهار خرافه الفلسفة الوجودية من أساسها و تبقي فكرة وحدة الوجود معلقه علي الهواء ومع ذلك فإني أجاري علي طول البحث أفكار الوجوديين المتمسكين بالشق الثاني
(7_موقف العقل_ثالث)
الصفحة الثامنه والتسعون
القائل بأن الله تعالي وجود مجرد عن الماهية وأتعقبهم في كل خطوة يخطونها مع علمي واعتقادي بأنه ماشون في طريق مؤسس علي الوهم والخيال ومعني قولي هذا أني لا أجترئ بهدم أساسهم في أول حملة عليهم ولو اجترأت به لما طال كلامي معهم لكني ما رأيت أن مسأله كهذه أعني كون حقيقة الله الوجود وقد شغلت في مرحلتها الفلسفية فصلا هاما من كتب الحكمه والكلام وفي مرحلتها التصوفية استوعبت العالمين ورب العالمين ما رأيت أن تكون مسألة كهذه أطفئت بنفخة واحدة ولهذا فاني ارجئ التكلم علي الأساس إلي محل مناسب و أكتفي هنا بأن أقول إم الفلاسفة القائلين بان وجود الله عين ذاته وهذا القول منهم هو مفترق الفهم إلي الشقين المذكورين قائلون أيضا بأن صفات الله عين ذاته وهو بحث معروف في علم الكلام وعلي هذا فعلم الله عين ذاته وقدرته عين ذاته وإرادته عين ذاته فلو كان مقتضي قولهم الأول وهو أن وجود الله عين ذاته أن تكون حقيقة الله الوجود لزم لن يكون مقتضي قولهم الثاني أن حقيقة الله العلم والقدرة والإرادة وأن تخرج طائفة من الصوفية قائلة بأن كل علم في كل عالم وكل قدرة في كل قادر وكل إرادة في كل مريد هو الله فلزم أن يكون الله البسيط كل البساطة علما وقدرة وإرادة ووجودا معا ويتناقض مع قول أنصار الفلاسفة الوجودين :إن الله تعالي هو الوجود البحث المجرد من كل شئ ثم نقول من المعلوم للعلمين بعلم أصول الدين أن في وجود الموجود ثلالثة مذاهب :مذهب الشيخ أبي الحسن إمام الأشاعرة وبعض أتباعه أن وجود الموجود عين ذاته في الواجب والممكن ومذهب الفلاسفة أنه عين ذاتة في الواجب وصفة زائدة علي الذات في الممكن ومذهب جمهور المتكلمين أنه وصف زائد علي الذات في الواجب والممكن إلا أن هذا الوصف الزائد علي الذات غير قابل للانفكاك عن الذات في الواجب وقابل له في الممكن فتري علماء علم الكلام لا يتكلمون في هذا البحث عن مذهب
الصفحة التاسعة والتسعون
المتصوفة والقائلين بوحدة الوجود معطين لهذا المذهب حقه من الرد أو القبول إلا من ندر منهم كالعلامه التفتازاني في شرح المقاصد الذي رد عليه وتشدد في الرد ما شاء ومع هذا لم يذكر مناسبة هذا المذهب الغريب بمذهب الفلاسفة لا هو ولا غيرة ولعل الذين أغفلوا التعرض لمذهب المتصوفة الوجودية في علم الكلام عند درس المذاهب في مسألة الوجود أغفلوه لعدم أبههم بشأنه لكونه وراء طور العقل كما يفهم من الكلمة القصيرة المذكورة في المواقف وشرحه وهي في غير محل تدقيق المذاهب في مبحث الوجود وسيأتي منا نقل تلك الكلمه والذي ألفت إلية النظر هنا أستغرابي من علماء أصول الدين لاسيما المتشددين في الرد علي مذهب المتصوفة الوجودية كيف تلقوا مذهب الفلاسفة في وجود الله المنتهي إلي القول بأن حقيقة الله الوجود برحاية الصدر والمبالاة به حتي كادوا يفضلونة علي مذهب جمهور المتكلمين في حين أنهم لم يبالوا بمذهب الصوفية الوجودية حتي أغفلوه أو تشددوا في الرد عليه مع أن مذهب وحدة الوجود مشتق من مذهب الفلاسفة في مسالة الوجود وأن هذا أصل ذاك ووالده الذي لا يقل عنة استحقاقا للرد والإبطال ومهمتي التي يمتاز بمعالجتها هذا الكتاب إن شاء الله كسلئر معالجاته إثبات اشتقاق القول بوحدة الوجود ذلك المذهب الظاهر البطلان من مذهب الفلاسفة المعتني بشأنة في علم الكلام حتي ينجلي في الأنظار بطلان هذا المذهب الفلسفي أيضا ببطلان ما ينجر إليه ويتولد منه فيبطلا مما أي الأصل المشتق منه والفرع المشتق ثم إثبات أن الأصل فاسد في نفسه مبني علي أساس فاسد حتي ينجلي فساد المذهب الباطل المبني عليه بجلاء زائد فيتأكد بطلان كل منهما ببطلان الآخر(1) ولم أر من
(1)بل إن مذهب الفلاسفة في هذه المسألة الذي أنجذب إليه طائفة من محققي المتكلمين المتأخرين لو لم يهمني إبطاله لإبطال مهب وحدة الوجود بما أحسسته من شدة الاتصال بينهما لكان يهمني
الصفحة المائة
تصدي قبلي لبيان أشتقاق ذلك المذهب الصوفي من هذا المذهب الفلسفي ولا من قام بواجب إبطال الفرع مع الأصل الذي أعتني بشأنه المتكلمون مع عدم أعتنائهم بشأن المذهب الصوفي فمهمتي هنا تنطوي علي لبتكارين هامين في وضع المسألتين مع ابتكارات في درسهما تكسو البحث شكلا جديدا وتحدث انقلابا كبيرا في العلمين الكلام والتصوف ومن الله التوفيق والهداية وإني أرجو من القارئ عند القيام بمهمتي هذه المعقدة المستوعبة لإبطال المذهبين اللذين افتتن بأحدهما بعد الفلاسفة وأنصارهم كثير من مشاهير علماء الكلام فأصبح بطاله رغم بطلانه أصعب من إبطال الآخر وضلت بالآخر طائفة من الصوفية وأضلت محسني الظن بهم أرجو أن يعقبني بدقة ومن غير سآمة غي درس المذهبين معا ونقدهما ولا تقل مالنا ولدرس مذهب الفلاسفة غير القائلين بوحدة الوجود في درس مسألة وحدة الوجود ؟لما ستعرفه من شدة التعبق بينهما فيتوقف تمام إبطال هذه الفكرة عاي الاقتناع بأنها مشتقة من ذاك المذهب وأنه باطل أيضا ويتبين من هذا أن مذهب وحدة الوجود غير مبني علي ما يدعونه من الكشف الذي جعلوه وراء طور العقل واتخذوه آخر جنة لهم في مواجهة من يعترض عليهم ويتبين أسضا أنهم أصحاب القال أكثر منهم أصحاب الحال فتراهم يعيبون المتكلمين بالجدل وهم أنفسهم لا يضعون سلاح الجدل والتمسك بأدلة العقل والنقل من أيديهم ثم لا يتقنونها ويغالطون في استعمالها كما عرفت في أواخر الباب الأول (ص8جزء ثالث)كيف غالط صاحب الفصوص في تفسير قوله تعالي (فلو شاء لهداكم أجمعين) فجعل قول النحاة بأن( لو) لامتناع
=إبطاله رأسا من حيث أنه مسأله من رؤوس المسائل الكلاميه أخطئ فيها خطأ عظيما ولم ينتبه له ولو بقدر ما تنبه للخطأ والضلال الواقعين في مذهب وحدة الوجود بل اعتبر الجنوح لهذا المذهب الفلسقي بين العلماء رمزا للتقدم في العلم والفهم كما اعتبر مذهب وحدة الوجود عند أصحابة رمزا لقوة الذاهبين إليه في العلم الباطن وتقدم مراتبهم في التصوف
بدايةة صفح رقم 101
الثاني لامتناع الأول أداة لتحريف معنى الآية وانتهى الى القول باستحالة هداية الجميه من الله لاستحالة مشيئتها على الرغم من أنه ضد منطوق الآية
وهذه المسألة أعني مسألة وجود الله لازالت محل بحث واختلاف بين الفلاسفة والمتكلمين فجاءت طائفة الصوفية الوجودية أصحاب فكرة وحدة الوجود فمضغوا في أفواههم ماأسأرت الفلاسفة ودسوا فيه السم والدسم وقدموه كمائدة مقدسة للذين ليست لديهم خبرة بمادة المائدة ومأخذها حتى اذا ذاقوا منها تخلوا من عقولهم فأصبحوا لايميزون الخالق من المخلوق والتبست عليهم بدائه الأمور وغرهم بالله الغرور(1)
وبالاجمال فالمسألة مسألة حقيقة الله هل هي معلومة أغير معلومة؟وقد كان ينبغي لعلماء الكلام أن يذهبوا في تدقيق المسألة الى أقصى ما يستطاع لهم وينظروا اليها بالعين التي نظلرت بها وهي في تشخيصها كما قلت مسألة حقيقة الله فلو كانوا تصوروها بهذه الصورة لتنبهوا لوجوب وفائها حقها من التدقيق والتعقيب ولأخذوا حذرهم من مذهب الفلاسفة فيها فلم يكن بعض أجلتهم ليفتتنوا بسحر ذاك المذهب
فلا يستكثر على القارئ بعد هذا الايضاح ان أنفق شهرا من وقته في قراءة ما كتبته بشأن هذه المسألة وعني بها على الأقل بعض ما عنيت فاني كتبته في أكثر من نصف سنة(2)وليس الشهر بكثير ان مضى في بحث حقيقة الله وحاشاى أن أكون واضع حقيقة الله موضع البحث والتدقيق أو مدعي اكتشافها وانما أنا مدحض ان شاء الله مزاعم الواضعين والمدعين ولو من غير شعور منهم
بداية الهامش:
(1)وللصوفية الوجودية ولوع بتشبث أذيال الفلاسفة في كثير من المسائل الاعتقادية كالقول بقدم العالم وعدم كون الله فاعلا مختارا كما ستطلع عليه
(2)وطال ما كتبته حتى استحق أن أجعله كتابا مفردا وقد أشار به على بعض أصدقائي لكن فضلت أن أدرجه في هذا الكتاب لتتعاضد أركانه مع بعض فيزيد كل من أهميته الى أهمية المجموع
بداية صفحة رقم102
فكأن جمهور المتكلمين القائلين بزيادة الوجود على الماهية في الواجب أيضا قالوا انا لانعلم حقيقة الله ونعلم أنه موجود والذي يُعلم غير الذي لايُعلم ضرورة فيلزم أن يكون وجوده غير حقيقته ولو في التصور والفلاسفة قالوا حقيقة الله الوجود الخاص أي الوجود المجرد عن الماهية مع عدم ااخلاف بين الفلاسفة والمتكلمين في كون الوجود المطلق مشتركا معنويا بين الوجودات وقالت الصوفية حقيقة الله الوجود المطلق ومن العجب أن مذهب الفلاسفة هذا مختار المحقيقين من المتكلمين أيضا.. ونحن عند تدقيق هذه المذاهب نُغفل مذهب الشيخ الأشعري الذي يُرى في النظرة الأولى أنه أقرب الى مذهب الفلاسفة منه إلى مذهب المتكلمين وليس الأمر كذلك وإنما ذهب إلى ما ذهب إليه من أن وجود كل شئ عين ذاته بناء على أنه من المنكرين للوجود الذهني ولا تغاير عنده ولا تمايز في الخارج بين الشئ ووجوده فهو إنما يقول بكون الوجود عين الهوية الخارجية لا عين الماهية من حيث هي ذهنا وخارجا كما قالت الفلاسفة ..ولو قال بالوجود الذي لقال بزيادة الوجود مثل جمهور المتكلمين فنغفل النظر في مذهب الشيخ تفاديا من تشعب المسألة أكثر مما تشعبت و لا يعنينا في موضوعنا هذا المقارنة بين مذهبه وبين مذاهب غيره..فمن جراء هذا كله نخص الخلاف القائم بين المتكلمين والفلاسفة بالاهتمام فنقول أولا:
مذهب الفلاسفة وهو كون حقيقة الله عبارة عن الوجود المجرد من الماهية في منتهى الغرابة الى حد أنه لايتصور فإذا سألنا عن هذا الوجود المجرد وقلنا وجود أي شئ هو؟فالجواب ليس بوجود أي شئ وإنما هو وجود مجرد عما يضاف هو إليه ولا شك أن النزاع في الوجود بمعناه المعروف المقابل للعدم أي الكون في الأعيان كما صرح به أحد كبار أنصار هذا المذهب أعني العلامة التفتازاني في شرح المقاصد ص70 طبع الأستانة ويؤيده كون الوجود بهذا المعنى هو المراد في قولنا عن الله إنه واجب الوجود
بداية صفحة رقم103
الذي حصل نزاع الفريقين عند تفسيره فهو إذن كون من غير كائن ووجود من غير موجود أعني أنه غير مستقل بالمفهومية إلى هذا الحد وهذا عندي من أجلى المحالات لأن الوجود الذي هو من المعقولات الثانية-التي لا تكون من الموجودات-كما نص عليه الفلاسفة أنفسهم ولا سيما الوجود الخاص اعني الوجود المجرد عن الماهية لايتصور إلا بعد معقول أول يضاف هو إليه ويكون صاحب هذا الوجود فليس هذا الوجود وجد الله مع كونه وجودا خاصا وإلا كان مضافا إليه بل وجود هو الله وهو محال كالكون من غير كائن والوجود من غير موجود وكون الله كونا من غير كائن ليس معناه إلا نفي وجوده فإن وجد كون من غير كائن فهو الله عند الفلاسفة وقد اعترف ابن رشد وهو من
أذنابهم في"الكشف عن مناهج الأدلة"ص52 بأن مالا ماهية له لا ذات له وقال الإمام الغزالي في"تهافت الفلاسفة"ص48"وجود بلا ماهية غير معقول وكما لا نعقل عدما مرسلا إلا بالإضافة إلى موجود يقدر عدمه فلا نعقل وجودا مرسلا إلا بالإضافة إلى حقيقة معينة لاسيما إذا تعين ذات واحدة فكيف يتعين واحد متميز عن غيره بالمعنى ولا حقيقة له؟فإن نفي الماهية نفي الحقيقة وإذا نفى حقيقة الموجود لم يعقل الوجود فكأنهم قالوا وجود و لاموجود وهو متناقض"
نعم لو كانت حقيقة الله عبارة عن الوجود المطلق كما ذهب إليه الصوفية الوجودية أي القائلون بوحدة الوجود لكان لها بعض إمكان التصور
إذ لا يكون الله حينئذ كونا من غير كائن أو بالأصح كوما بشرط عدم الكائن ووجودا مشروطا بعدم الوجود لكن مذهب الوجود المطلق يستلزم وجود الله في كل موجود كما أن مذهب الوجود المجرد عن الماهية يستلزم عدم كون أي شئ لأن كل شئ ماهية من الماهيات فالله تعالى على مذهبي الطائفتين الوجوديتين الفلاسفة والصوفية دائر بين أن لايكون أي شئ وبين أن يكون كل شئ فعلى الأول لايكون الله أي موجود لأن الموجود كائن أي صاحب الكون لا الكون من غير صاحب وعلى الثاني يكون كل موجود ونحن الآن بصدد مناقشة
بداية صفحة رقم 104
المذهب الأول الذي خفى بطلانه حتى على أجلة علمائنا قبل المذهب الثاني الظاهر البطلان
منشأ الخلاف بين الفلاسفة والمتكلمين
أمامنشأ الخلاف بين الفلاسفة والمتكلمين ودافع الفلاسفة إاى هذا المذهب الغريب فأمران اثنان الأول اعتنائهم بأن يكون الله تعالى بسيط الحقيقة كل البساطة تحررا من الاحتياج اللازم للتركب لأن المركب يحتاج إلى أجزائه حتى انهم بهذا السبب نفوا عن الله الصفات وهو بحث معروف في علم الكلام يكون محل خلاف بين الفلاسفة والمتكلمين
فلعلهم يزعمون أنه لو لم يكن الله الوجود المجرد عن الماهية وكان له ماهية من الماهيات لكان مع الوجود الذي لابد منه أيضا مركبا من الماهية والوجود فاحتاجت ماهيته في تحققها إلى وجود واحتاج وجوده إلى ماهيته احتياج الصفة إلى موصوفها والاحتياج محال على الله تعالى فاختير أن يكون وجودا من غير ماهية مادام لايجوز أن يكون ماهية بلا وجود والجواب أن الماهية والوجود شئ واحد في الخارج لايتميزان فلا يتصور التركيب بينهما ولا حاجة أحدهما إلى الآخر ويلزم أن يكون الأمر كذلك في الذهن بناء على أنه لاحجر في التصورات فلا نحذور فيه لأن الله بالنظر إلى إمكان هذا التميز يكون عبارة عن ماهيته البسيطة ولا حاجة لها في تصورها من حيث أنها ماهية بسيطة إلى الوجود و لا لوجودها من حيث انه وجود إلها.......فلو كانت ماهيته محتاجة في الذهن إلى وجود أو ووجوده محتاجا إلى ماهيته لماامكن التمييز بينهما في الذهن وهو خلاف المفروض ولك أن تقول لو كان الشئ مع وجوده مركبا لزم أن لا يكون البسيط موجودا
بداية صفحة رقم 105
ثم من الضروري أن يكون لله ماهية يكون هو بها هو ويمتاز بها عن غيره ومن الضروري أيضا أن يكون له وجود أي كون في الأعيان كما تقتضيه أدلة إثبات الواجب فمحاولة الاستغناء بوجود الله عن ماهيته بجعله وجودا من غير ماهية تكون محاولة الاستغناء عن الله نفسه وتجعله كما قلنا كونا من غير كائن فكل موجود لا مندوحة من أن تكون له ماهية يمتاز بها عن غيره كما لابد أن يكون له وجود على أنك إذا جعلت الله وجودا من غير ماهية وقلت إنه يمتاز بوجوده الخاص أي بكونه وجودا مجردا عن الماهية يكون هذا الوجود الخاص ماهية له فلا يتسنى لك تجريده عن الماهية أي عما يكون هو به ثم يلزم لهذه الماهية التي هي عبارة عن الوجود الخاص المجرد وجود آخر بأن يقال هل يوجد وجود يقوم مقام الماهية ويستغنى عنها كما سنضع موضع البحث أنه هل يكون الوجود المجرد من الموجودات؟ففي النتيجة يرجع الأمر إلى ما يقول المتكلمون من ماهية مخصوصة ووجود زائد عليها وقد اعترف أنصار مذهب الفلاسفة بأن الوجود بمعنى الكون المطلق في الأعيان أو حصة منه لا نزاع في زيادته كما صرح به العلامة التفتازائي في المقاصد ص72 فإذن ماذا حصل من مخالفة مذهب المتكلمين؟ولا فرق بين مذهبي الفريفين إلا أن المتكلمين اجتنبوا تعيين الماهية لله تعالى والفلاسفة عينوا له الماهية وهي الوجود..فقد أصبح لله على مذهب الفلاسفة ماهية هي الوجود الخاص المجرد عن الماهية ووجود زائد عليها بمعنى الكون في الأعيان وانتهى الأمر إلى أن حقيقة الخلاف بين المذهبين إنما هي في تعيين الحقيقة لله تعالى وعدم تعيينه كما قلنا من قبل لا في أن الوجود زائد على الذات في الله أو غير زائد لما تبين من أن الفريقين متفقان على القول بزيادة الوجود بالمعنى المعروف الذي هو الكون في الأعيان
أما الوجود الذي هو عين ذات الله وما هيته عند الفلاسفة وغير الوجود بمعنى الكون في الأعيان فهو ليس بمعروف و لامعترف به عند المتكلمين حتى يصح أن يتخذ محل النزاع مع الفلاسفة في أنه زائد أو غير زائد وأما قول الفاضل الكلنبوي في حواشيه
بداية صفحة رقم 106
على شرح الغقائد العضدية وهو أيضا من أنصار مذهب الفلاسفة"لا حصة في الله من الوجود بمعنى الكون في الأعيان"فما يتعجب منه إذ لا معنى له إلا أن لا يكون لله وجود في الخارج تعالى الله عنه.نعم فرق بين زيادة الوجود في مذهب الفلاسفة وزيادته في مذهب المتكلمين كما ستعرفه لكنه فرق غير مجد للفلاسفة و أنصارهم
والدافع الثاني إلى مذهب الفلاسفة وهو المهم أن الله واجب الوجود وهذه لله تعالى كما كانت معروفة عند المسلمين قبل مطالعة كتابنا هذا فقد تأكد وتبين بعد مطالعة كتابنا غاية التبين والتأكد أن وجوب الوجود هو الوصف الوحيد الذي يمتاز به الله عن غيره من الموجودات حتى إن إثبات وجود الله عبارة عند علمائنا عن إثبات موجود واجب الوجود فمن وجب وجوده فهو الله كائنا من كان ذلك الواجب الوجود والذي لا يجب وجوده لا يكون الله ولهذا لم يقنعنا دليل الأخلاق الذي هو دليل الفيلسوف"كانت"لإثبات وجود الله ثم إن وجود الله ولإن كان ثابتا بالضرورة عند عقولنا ببرهان مأخوذ من وجود العالم وواجبا بهذا المعنى لكن هذا البرهان القائم على وجود الله ووجوب وجوده كما سبق تفصيله في الفصول المتقدمة لهذا الكتاب لم يكن طبعا علة وجوده ووجوب وجوده في نفس الأمر وإنما هو علة لعلمنا بهما المتأخر عن وجود العالم أيضا فحاجة العالم المشهود الممكن الوجود إلى الموجد تضطرنا إلى الاعتراف بموجود لا يحتاج وجوده إلى موجد بأن يكون واجب الوجود وهو الله ومع هذا فلم يكن الله موججودا ولم يجب وجوده لدفع احتياج العالم فماذا هو علة وجوده ووجوب وجوده في نفس الأمر؟أو بالأوضح ماذا يلزم أن يكون الله ليكون واجب الوجود؟فاختلفوا في تفسير هذه القيقة فقال المتكلمون طريق وجوب وجود الله أن تكون ذاته مستلزمة لوجوده ففهم أنصار الفلاسفة من هذا أن تكون ذاته علة لوجوده فاعترضوا عليه بأنه محال مستلزم لأن تكون ذاته موجودة قبل وجوده إذ المفيد للوجود يلزم أن يتقدم عليه بالوجود بناء على أن مرتبة الإيجاد
بداية صفحة رقم107
متأخرة عن مرتبة الوجود فمالايوجد في نفسه لايتصور منه الإيجاد سواء كان إيجاد غيره أو إيجاد نفسه
والحق انه لا علية هناك ولا إفادة الذات الوجود لنفسها وإن أصر عليه الفاضل الكلنبوي عند انتقاده لمذهب المتكلمين فكما لا تعلل ذاته تعالى لا يعلل وجوده وقد اعتُرف به لضرورة قطع تسلسل العلل الممكنة لوجود العالم فيكون البحث عن علة وجوده خُلفا ظاهرا ولا شك أن المراد من الاعتراف به الضروري هو الاعنراف بوجوده ووجوب وجوده وهو الذي ثبت بدليل إثبات الواجب فكيف يُبحث عن علة الوجوب للذي ثبت وجوبه بالدليل و إن كنا لا ندري كيفية وجوب وجوده على وجه لمى لعدم علمنا بحقيقة الله وسيجئ منا في مبحث حدوث العالم أنا لا نسلم باحتياج القديم الذي لا زال موجودا ولم يسبق وجوده العدم إالى العلة الموجدة فضلا عن احتياج الواجب
وإن شئت قلت ليست هناك علية الذات لوجودها بل اقتضاؤها الوجود والمقتضي لا يلزم أن يكون علة موجدة ألا ترى أن الماهيات مقتضية للوازمها وليست فاعلة لها مثل اقتضاء الأربعة للزوجية كما حققه الفاضل السيلكوتي في حواشيه على شرح المواقف وليس في الخارج هنا إلا موجود واحد وهو الذات المتصفة بالوجود وزيادة الوجود التي يقولون بها إنما هي في أذهاننا لا في الخارج كما أن الاتصاف بالوجود انتزاعي لا حقيقي
وقالت الفلاسفة طريق وجوب وجود الله أن يكون الوجود حقيقة الله وليس هناك طريق أضمن لوجوب الوجود من هذا فيجب الوجود له ويستحيل انفكاكه منه استحالة انفكاك الشئ من نفسه..و قد راق اكتشاف هذا الطريق كثيرا من محققي المتكلمين المتأخرين فقالوا امتناع الانفكاك كما يكون بطريق علية الذات لوجوده يكون
بداية صفحة رقم 108
أيضا بطريق عينية الذات له والثاني أبلغ لأن انفكاك الشئ عن نفسه أشد امتناعا من انفكاكالمعلول عن علته فتصور الانفكاك على مذهب المتكلمين ممكن والمتصور محال وعلى مذهب الفلاسفة التصور والمتصور كلاهما محال
ولم تنته المسألة عند هذا الحد بل تولدت من مذهب الفلاسفة إشكالات نريد تحليلها بعون الله وتوفيقه تحليلا لا يجده طالب الاطلاع على حقيقة هذه المسألة في غير هذا الكتاب وقد نبهنا إلى مرمى الفلاسفة في مذهبهم و الآن نذكر المحاذير المترتبة عليه ثم نذكر محاولات التخلص منها لأنصار هذا المذهب وما في تلك المحاولات من وجوه الضعف والسخف كل ذلك في إجمال وتفصيل بعد تفصيل ولا أسأم أنا وفي ظني بعدم سآمة القارئ أعتمد على قول النبي صلى الله عليه وسلم:"منهومان لا يشبعان طالب الدنيا وطالب العلم"
لا أسأم أن من التفكير في بحث علمي وديني معا لا سيما إذا كان محفوفا بالكزالق وكان واجبي التنبيه على المنزلقين..لا أسأم من التفكير فيه إلى حد انه يكون جليسي في حجرة الاشتغال وضجيعي في فراش النوم
أما الصعوبة في درس هذه المسألة ونحن ماوصلنا بعد إلى مذهب وحدة الوجود ونقاش أصحابه و أنصاره و إنما نحن الآن في درس المذهب الفلسفي القائل بأن وجود الله عين ذاته ذلك المذهب الذي اختاره طائفة من محققي المتكلمين والذي فتح عندي طريقا إلى مذهب وحدة الوجود
......أما الصعوبة في درس هذه المسألة فإن كان فيها ما يزعج بعض القراء وينفرهم عن تعقبها ففيها ما يرغب البعض الآخر الذين يدركون أن الحصول على لذة الحل في المسائل العلمية يكون بقدر ما تنطوي عليه من الصعاب ويعانيه دارسها من الألعاب قال المتنبي:
دعيني انل مالا يُنالمن العلى فصعب العلى في الصعب والسهل في السهل
بداية صفحة رقم 109
تريدين لقيان المعالي رخيصة و لابد دون الشهد من إبر النحل
قد علم القارئ أن المقصود الأصلي من القول يكون حقيقة الله الوجود هو التأمين على وجوب وجودهبأبلغ وجه ولا شك في أن المراد بالوجود الذي يُطلب التسجيل على وجوبه على الوجود المعروف البديهي المفهوم وهو الكون في الأعيان كما أن المراد من الوجود عند إقامة الأدلة لإثبات وجود الله هو هذا المعنى بعينه...غير أن أدلة الإثبات ترينا وجوب وجود الله بالطرق الإنية(بالنون المشددة المكسورة والياء المشددة المفتوحة نسبة إلى إن ومقابلها اللمية بتشديد اللام والميم المكسورتين والياء المشددة المفتوحة نسبة إلى لم)استلالا على وجود الله من وجود أثره الذي هو العالم من غير اطلاع على حقيقة الله...وكون حقيقة الله الوجود إن صح يفتح طريقا لمعرفة وجوب وجوده متضمنا للسبب الحقيقي في ذلك حين كانت أدلة الإثبات لا تجاوز أن تكون أمارات
فيرد على مذهب الفلاسفة إشكالان عظيمان أولهما أن مذهبهم يتضمن تعيين الحقيقة لله تعالى الذي لا نعلم حقيقته باتفاق العقلاء حتى إن الخلاف بينهم وبين المتكلمين أحق عندي أن يعتبر خلافا في تعيين الحقيقة لله تعالى على أنها الوجود وعدم تعيينها من أن يعتبر خلافا في زيادة وجود الله على ذاته او عدم زيادته كما تبين رجوع مذهبهم إلى مذهب المتكلمين في أمر الزيادة وسبق ذكره(في ص105)والجواب عن الإشكال بأن هذا وجود خاص غير معلوم الحقيقة مخالف لسائر الوجودات لا يجدي نفعا..فمن أين علموا مالايعلمون حقيقته انه وجود و أنه وجود وأنه حقيقة الل؟فلو قالوا عن هذا الوجود الخاص إنه وجود خاص بذات الله لا نعرف حقيقته لكان له وجه لكنهم قالوا عنه إنه الوجود الذي هو ذات الله وحقيقته(1)فمن أين علموا ذلك وهم لا يعرفون حقيقة الله ولا حقيقة
بداية الهامش:
(1)حتى إنه لا يجوز عندهم بعد هذا القول أن يقولوا عنه"وجود الله"بل الوجود الذي هو الله وحتى أنه لايجوز أن يقال عن الله واجب الوجود بل الواجب فقط إذ لا وجود له غير ذاته أو بالأصح لا ذات له غير الوجود
بداية صفحة رقم 110
هذا الوجود الذي جعلوه حقيقته؟...وكيف خكموا بالحمل المتواطئ بين هذين المجهولين على أنا لا نسلم بأن خصوصية هذا الوجود تمنعه من كونه معلوم الحقيقة كسائر الوجودات إذ لاخصوصية له غير كونه مجردا عن الماهية وقد يعبرون عنه بالوجود المحض وهو أيضا بمعنى المجرد عن الماهية...ولو كان لهذا الوجود الذي اعتبره الفلاسفة حقيقة الله خصوصية زائدة على كونه وجودا مقيدا بالتجرد عن الماهية وكانت تلك الخصوصية الزائدة هي التي جعلته غير معلوم الحقيقة لما أمكنهم استخراج وجوب الوجود الخاص الذي لا يعلمون حقيقته من كون حقيقته الوجود مع أنهم إنما حكموا بكون حقيقة الله الوجود لغرض استخراج وجوب الوجود منه فكان حتما أن يعلموا حقيقة ذاك الوجود المفروض حقيقة الله
و لايظنن أن الخصوصية أتت هذا الوجود من الله ومن كونه غير معلوم الحقيقة إذ لم تبق له تعالى حقيقة مجهولة بعد أن جعلوا حقيقته الوجود فيلزم أن لا يخرج الكلام هنا عن موضوع الوجود...فإن كان الوجود معلوم الحقيقة كان الله كذلك وإلا فلا
والوجود معلوم المعنى عندهم حتى إن الذي راقهم وساقهم إلى جعله حقيقة هو ذلك المعنى المعلوم عندهم فالله هو الوجود لا أزيد منه و لا أنقص فإن كانت في الوجود خصوصية من نفسه فله ذلك ولا ياتيه أي خصوصية من الله لأن الله هو ذلك الوجود المجعول حقيقته لا غير
أما جواب بعض أنصار الصوفية الوجودية الذين يرد عليهم ما يرد على الفلاسفة من الإشكال المذكور بأن الوجود على إطلاقه لا يعلم كنهه فمع كونه مخالفا لما تقرر عند العلماء من أن الوجود بديهي المفهوم متعذر الحد من بداهته برد عليه أن أصل الإشكال الموجه إلى مذهب الفلاسفة لزوم كون الله معلوم الحقيقة لأن من قال حقيقة الله الوجود فقد ادعى العلم بحقيقة الله و إن كان حقيقة الوجود غير معلومة كما لو فرض أن قائلا يقول إن الله هو الكهرباء تعالى الله عن فرض الفارضين فهو يكون قد ادعى
-111-
العلم بحقيقة الله وإن كنا لا نعلم حقيقة الكهرباء .
وسفوة القول أن البحث عن سر كون الله واجب الوجود فى نفسى الأمر- كما عرفت من أنه المقصود من وضع المسألة _ باكتشاف هذا السر طريقه اللمى لا من طريقه االإنى المعلوم لنا من أدلة إثبات الواجب ، لا شك فى أنه يتوقف على العلم بحقيقة الله .
ولذا قالوا أن حقيقة الله الوجود فلا يجوز لهم بعد قولهم هذا أن يعودوا ويقولوا نحن لا نعلم حقيقة الوجود ، فإن كان الوجود حقيقة الله المعلومة فذاك اعتراضنا عليهم بأن
حقيقة الله لا تعلم بإجماع العقلاء ، وإن كان الوجود حقيقة الله غير المعلومة فهو تناقض ظاهر . مع أنه يلزم لأن يُعلم سر وجوب وجود الله من كون حقيقته الوجود أن يكون معنى الوجود الذى جعلوه حقيقة الله معلوما لهم . بل يجب أن يكون هذا
الوجود متحد المعنى مع الوجود الذى فى وجوب الوجود وإلا فلا يستخرج وجوب
الوجود المعلوم من الوجود المجهول الحقيقة إذ لا يكون من حقهم أن يلاحظوا فى
انفكاك أحد الوجودين المحتلفين فى المعنى عن الآخر استحالة انفكاك الشئ من نفسه
ولن يكون الوجود المجهولُ الحقيقة نفس الوجود المعلوم الحقيقة .
وثانى الأشكالين وهو أعظم وطويل الذيل أن الوجود بالمعنى المعروف المطلوب
عدم انفكاكه من الله ليكون واجب الوجود ، وهو الكون فى الأعيان ، معنى مصدرى
غير قائم بنفسه فكيف يكون هو ذات الله القائمة بنفسها ؟ والمطلوب من جعل حقيقة
الله الوجود جعله واجب الوجود أى موجودا لا ينفك منه الوجود لا جعله وجودا
لا ينفك منه الوجود فلا ينفع الحصول على هذا المطلوب جعل حقيقة الله هى الوجود
نفسه .. بل لا يصح كون الله نفس الوجود الذى ليس من الموجودات وإنما هو معدوم أو حال متوسط بين الموجود والمعدوم والموجود ما يتصف بالموجود لا ما يكون نفس
الوجود ولا يلزم اجتماع النقيضين من اتصاف الموجود بالوجود المعدوم لا فى معروض الوجود فإنه موجود فقط ولا فى الوجود نفسه فإنه معدوم فقط . نعم يلزم اتصاف أحد
-112-
النقيضين بالآخر بطريق الاشتقاق إذا قلنا الوجود معدوم . وليس ذلك بمحال وإنما المحال اتصاف أحد النقيضين بالآخر مواطأة كأن يقال مثلا الوجود عدم (1).
فعند الجواب عن هذا الإشكال العظيم يبتدئ الاضطراب والتعسف فى مذهب الفلاسفة والتكلف بما يمجه العقل السليم . ولا ينجيه من هذا الإشكال والاضطراب ما وقع من المساعى المبذولة فى مناصرته من أشهر مشاهير علمائنا المحققين كالعلامة
التفتازانى والمحقق الدوانى والفاضل السيلكوتى والكلنبوى بل العلامة الشريف
الجرجانى أيضا . فلو رأيت كلمات الأول فى شرح المقاصد والثانى فى كتبه المختلفة مثل شرحه للعقائد العضدية وحاشيته على التجريد والثالث فى حاشيته على شرح المواقفوالرابع فى حاشيته على شرح الدوانى للعقائد المذكورة وشهدت تلك المساعى الجبارة المصروفة فى تأويل هذا المذهب وتفضيله على مذهب المتكلمين لقضيت عجبا .
فتارة يدعون كما يدعى الصوفية الوجودية أن الوجود موجود بل هو أحق بالموجودية من الموجود لأنه موجود بنفسه والموجود موجود بالوجود ، ويغيب عنهم اى عن أنصار مذهب الفلاسفة أن هذه الدعوى التى سنبطلها إن شاء الله إن صحت على إطلاقها فلماذا لجأوا فى تارتهم الأخرى إلى تخصيص الامتياز بالموجودية والاستقلال بالمفهومية بالوجود الخاص الذى جعلوه حقيقة الله تعالى ولم يثبتوا فى التمسك بإطلاق هذه الدعوى؟
فيفهم من تمسكهم تارة بامتياز الوجود الخاص على سائر الوجودات بالمزايا المذكورة وتارة بادعاء تلك المزايا للوجود المطلق ، أن كلا منهما غير معول عليه . ثم إن هذه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الحمل المتواطئ والحمل بالاشتقاق بين الموضوع والمحمول اللذين تتكون منها القضية الحملية ، وكذا الوصف المتواطىء أو بالا شتقاق ، والمعقولات الثانية زالمعقولات الأولى المذكوتان من قبل وانه لا حجر فى التصورات ، وما سيأتى من أن صحة الحمل بين المحمول والموضوع مشروط باتحدهما فى الخارج وتغايرها فى الدهن أى فى المفهوم ... كل ذلك من تعبيرات واصطلاحات وقواعد المنطق الذى يستهان به فى مصر الحديثة تحت تعبير الصورى أو الشكلى أو التجريدى ولا يرغب فيه ، وان شئت نقل يرى الإعراض عنه أسهل من الاشتغال به واستخدامه فى ساحة العلوم والأفكار كسلاح ساحق أو كميزان ناطق .
-113-
الدعوى لو صحت على إطلاقها كان مطلق الوجود واجب الوجود ونجح مذهب الصوفية ولم ينتفع بها الفلاسفة ، لكنهم من اضطراب موقفهم لايميزون النافع من الضار.
وتارة يدعون أن مرادهم من الوجود الذى جعلوه حقيقة الله هو الوجود الخاص
لا الوجود بمعنى الكون فى الأعيان ولا حصة منه وذلك الوجود الخاص مختلف
الحقيقىة عن سائر الوجودات إن كان مشاركا لها فى كونه معروضا لمفهوم الوجود المطلق الذى هو بمعنى الكون. فمن الجائز أن يكون أحد معروضات مفهوم الوجود بمعنى الكون ، كونا خاصا قائما بنفسه قيوما لغيره . وهذا الجواب هو الذى اعتمد عليه العلامة التفتازانى فى شرح المقاصد حتى كرره إزاء كل اعتراض ورد على مذهب الفلاسفة .
وفيه أولا أن جواز كون أحد معروضات الوجود بمعنى الكون ويعنون بذلك الأحد ما جعلوه حقيقة الله تعالى ، كونا خاصا قائما بنفسه قيوما لغيره ، لا يكفى فى أن يكون حقيقة الله إذ يجب أن يكون الله قائما بنفسه قيوما لغيره فعلا ولا يكفى جواز أن يكون
كذلك . مع أن هذا الجواز أيضا مستبعد لذلك الأحد من معروضات الوجود مادام هو
أيضا كونا كما قاله الجيب وإن كان كونا خاصا ، إذ القيام بنفسه ليس من شأن الكون بل من شأن الكائن .
وثانيا لو سلمنا بكون أحد معروضات الوجود بمعنى الكون فى الأعيان وجودا خاصا ممتازا على غيره من الوجودات المعروضة بالقيام بنفسه ، كان الوجود الخاص المعروض غير الوجود العارض الذى هو بمعنى الكون فى الأعيان والذى لا يقوم بنفسه فضلا عن أن يكون قيوما لغيره ، وقد كانت الفلاسفة اعتبروا حقيقة الله نفس الوجود ليكون انفكاك الوجود منه مستحيلا استحالة انفكاك الشئ من نفسه فيتحقق له وجوب الوجود بهذه الطريقة ، غير أنه بعد جوابهم المذكور حصل هناك وجودان أحدهما وجود خاص هو حقيقة الله وليس بمعنى الكون فى الأعيان بل معروضه والثانى
(8_موقف العقل _ ثالث)
-114-
عارض هذه المعروض أعنى الوجود بمعنى الكون فى الأعيان وهو المطلوب ثبوته لله ثبوت الشئ لنفسه ليتحقق له وجوب الوجود على أبلغ وجه ، فأصبحت حقيقة الله وجودا والمطلوب ثبوته وجودا بالمعنيين المختلفين وأصبح أحد الوجودين معروضا والآخر عارضا فاختلت وحدة الوجود الذى كان يراد تثبيت وجوبه لله يجعل حقيقته الوجود نفسه وصار الوجود الذى هو حقيقته معروض الوجود المطلوب ثبوته له لا عينه كما ادعى فى مبتدأ المسألة ، واقترب مذهب الفلاسفة من مذهب المتكلمين فى افتراق وجود الله عن حقيقته بأن يكون أحدهما عارضا واآخر معروضا : إلا أن الفلاسفة أن يتعزوا بعد هذا بكون العارض والمعروض فى مذهبهم كلاهما الوجود وإن كانا عىل معنيين ، وبفضل هذا يكون الاتصال بين العارض والمعروض أقوى مما كان بينهما فى مذهب المتكلمين وأوضح ، حيث ان المتكلمين لا يستطيعون تعيين ما يربط العلية ففيه ما سبق من المحذور وإن كان غيرها فماذا هو ؟ أما فى مذهب الفلاسفة فالوجود الخاص الذى هو حقيقة الله يستلزم الوجود الثانى المطلوب ثبوته له استلزام الجزئى للكلى الذى هو عرض عام له ، وإن لم يستلزمه استلزامه لنفسه . ولم يجعلوا الوجود الثانى المطلق ذاتيا للوجود الخاص بل التزموا أن لا يكون كذلك مع كون الاتصال بين الجزئى والكلى الذاتى الداخل فى حقيقته أشد مما بينه وبين العرض العام الخارج ، تحرزاَ عن الركب فى حقيقته تعالى واستدلوا عليه بأن الوجود المطلق كلى مشكك تندرج تحته وجودات مختلفة الحقائق ، والواقع على الأشياء بالتشكيك يكون عارضاَ لها خارجا عنها لا ماهيةَ لها أو جزء ماهية.
وإنى لا أسلم لهم بأن الوجود المطلق خارج عن الوجود الخاص مادان الوجود الخاص وجودا والوجود المطلق يشتمل عليه ويشترك بينه وبين سائر الوجودات اشتراكا معنويا ، وكذلك لا أسلم أن المطلق فيما أتوا به من الأمثال كالحرارة المطلقة بالنسبة إلى
-115-
الحرارات والنور بالنسبة إلى الأنوار المختلفة مثل نور الشمس ونور السراج , خارج عن أنواعه المقيدة بالإضافة إلى أشياء مختلفة.وإنما أسلم أن مطلق النورمثلا خارج عن الشمس والسراج والكهرباء عرض عام لها لا خارج عن أنوارها ما دام كل منها نورا وليس أقرب من النور إلى النور ولا إلى الوجود من الوجود حتى لا يكون مطلقهما داخل في مقيدهما.وإذا كان مطلق النور خارجا عن النور الخاص فأي شيئ يكون داخلا فيه ؟ وكذا الوجود المطلق بالنسبة للوجود الخاص اللهم إلا أن يكون الوجود والنور والحرارة مشتركات لفظية لا يوجد بين الأشياء التي يطلق عليها جامع معنوي.
أما قولهم أن التشكيك في الكلي يدل على أن ما يندرج تحته حقائق مختلفة (1) فلا يثبت كون الوجود المطلق خارجا عن الوجودات الخاصة إلا يرى أن الحيوان تندرج تحته حقائق مختلفة مثل الإنسان والفرس والدجاج ومع هذا فليس الحيوان عرضا هاما لها خارجا عنها ...ولأجل ما ذكرنا من الملاحظات قال العلامة شريف الجرجاني في شرح المواقف ص 208 جزء أول طباعة الاستانة : (( الماهية وأجزاؤها لا تكون مقولة بالتشكيك على أفرادها كما اشتهر فيما بينهم )) وقال المحشي حسن جلبي تعليقا على قول الشارح : (( كما أشتهر فيما بينهم )) : ((إشارة على ضعفه في ما حققه في شرح التجريد ((
ويرد عليهم أيضا أن الوجود الخاص الذي يدعون كونه حقيقة الله شيئ غير الوجود المطلق الذي هو معلوم الحقيقة لئلا تكون حقيقة الله الذي لا تعلم حقيقته ,معلومة.فإذن لايكون الوجود المطلق الذي هو معلوم الحقيقة وهي الكون في الأعيان حتى عرضا عاما لهذا الوجود الخاص غير معلوم الحقيقة , كما لا يكون ذاتيا له بل يكون أجنبيا عنه ولا يوجد بينهما مناسبة غير اسم الوجود.ومن هذا ترى التفاضل السيلكوني في حواشيه على شرح المواقف كما سيأتي نصه يتعب كل التعب في حمل الوجود المطلق على هذا الوجود الخاص حملا متواطئا. وخلاصة اعتراضنا أن قولهم في هذا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الكلي إن استوت أفراده فيه كالإنسان بالنسبة إلى أفراده فمتواطئ وإن كان بعض أفراده أولى به من البعض كالبياض في الثلج والعاج أو أقدم من البعض كالوجود في الواجب والممكن فمشكك .
-116-
الوجود الخاص أنه لا يعلم حقيقته يقتضي كون الوجود المطلق مشتركا لفظيا بينه وبين غيره من الوجودات لا معنويا, وذلك فضلا عن كونه خلاف ما صرحوا به يجعل الوجودين الخاص والمطلق أجنبيا بعضه عن بعض به استلزام الخاص للمطلق أو استحالة انفكاكه عن استحالة انفكاكه من نفسه.
ثالثا وهو أعظم وأهم إني لا أسلم ما سلمت لهم به عند الاعتراض الثاني من دعوى امتياز الوجود الخاص الذي لجأوا إليه وجعلوه حقيقة الله, بالقيام بنفسه والقيومية لغيره فأقول من أين هذا الامتياز له من بين سائر الوجودات ,فإن كان ذلك مقتضى كونه وجودا ففيه ما أوردته على جوابهم الأول من لزوم أن يكون كل وجود في كل موجود كذلك هو مذهب وحدة الوجود الذي لا يرضاه الفلاسفة وجل أنصار مذهبهم,وإن كان ذلك مقتضى هذ ا الوجود الخاص الممتاز بكونه حقيقة الله ففيه دور ومصادرة على المطلوب ,لأنهم جعلوا حقيقة الله الوجود ليكون انفكاك الوجود منه مستحيلا استحالة انفكاك الشيئ من نفسه فيحصل له وجوب الوجود ,ومعنى هذا أن الله واجب الوجود لكونه الوجود نفسه لا أن الوجود المجعول حقيقة الله موجود وواجب الوجود لكونه الله نفسه. فإذا كان مذهب العينية :أي كون وجود الله عين ذاته بعد ابتدائه بالدعوى الأولى القائلة بأن الله واجب الوجود لكونه الوجود نفسه , ينتهي إلى الدعوة الثانية القائلة بأن الوجود الخاص الذي جعلوه حقيقة الله موجود وواجب الوجود لكونه الله نفسه ,كان هذا مصادرة قائلة بأن الله واجب الوجود لكونه الله .وهذا الاعتراض الذي ألهمنيه الله تعالى حسبه قاصما لظهور الفلاسفة وأنصارهم القائلين بأن حقيقة الله الوجود وهو منشأ كون الله واجب الوجود .
ويدعون تارة ثالثة في الجواب عن الأشكال الثاني أن مرادهم من الوجود الذي جعلوه حقيقة الله ليس المعنى المصدري أن الكون في الأعيان بل الوجود بمعنى مبدأ
- 117-
الآثار الجانبية . و هذا هو الجواب الذي مشى عليه المحقق السيليكوتي و الفاضل الكلنبوي . و فيه ما في الجواب السابق من التكلف و التعسف بل أكثر , حيث أبعدوا الوجود عن معناه المعروف في اللغة و الاصطلاح و ابتدءوا معنى آخر له يعمم الوجود بالمعنى المعروف المصدري القائم بغيره لكونه مبدأ الآثار الخارجية في الممكنات و يعمم ذاتَ الله المحضة لكونها مبدأ الآثار الخارجية من غير حاجة إلى إنصافها بصفة الوجود. و الغرض من ابتداعه تصحيح إطلاق الوجود على الله بصرفه عن معناه المصدري, فللوجود بالمعنى المبتدع أي بمعنى مبدأ الآثار الخارجية في الممكنات , و قد صرحوا بهذين الفردين.
فيرد عليهم أن الوجود الذي هو الله تعالى و الذي هو بمعنى مبدأ الآثار كيف يجوز أن يعمم غيرَه و يصدق عليه أيضاً؟ فإذن ليس الوجود الذي هو بمعنى مبدأ الآثار هو الله و إنما هو الحقيقة النوعية الشاملة له و لغيره و هو خلاف ما فرضوه من أن حقيقة الله الوجود بمعنى مبدأ الآثار . و إذا كان الله فرداً من الوجود بهذا المعنى و هو حقيقة نوعية له ففيه ما يفرّون من اندراجه تعالى مع غيره تحت حقيقة نوعية لاستلزامه التركب. فإذا كان الوجود بمعنى مبدأ الآثار يصدق على الله و على غيره فبماذا يمتاز مبدأ الآثار الذي هو الله عن غيره؟ ثم إن ما به الامتياز يكون طبعاً غير ما فيه الاشتراك فيلزم التركب.
و يرد عليهم أيضاً أنه كان مرادهم من الوجود الذي جعلوه حقيقة الله مبدأ الآثار الخارجية فليقولوا إن حقيقة الله هي مبدأ الآثار بدلاً من أن يقولوا أولاً إن حقيقته الوجود ثم يفسروا الوجود بمبدأ الآثار , لكنهم ما فعلوا ذلك لأن كون الله مبدأ الآثار
-118-
الخارجية لا يضمن له وجوبَ الوجود ، ألا يرى أن وجود الممكنات يصدق عليه أنه مبدأ الآثار الخارجية ، و حسبك أن لمبدأ الآثار فردين على ما قالوا و أن أحدهما وجود الممكنات و هو ليس بوجودٍ واجب لعدم كونه حقيقتها . فهم يقولون أولاً إن حقيقة الله الوجود ليكون وجوده واجباً لا ينفك منه عدمَ انفكاك الشيء من نفسه ، ثم لما اعترض عليهم بأن الوجود غير موجود أو على الأقل غير قائم بنفسه فكيف يكون ذاتَ الله و حقيقته؟
عادوا فقالوا إن المراد من الوجود مبدأ الآثار الخارجية إخفاءَ لكون الوجود مما لا يستقل بالمفهومية و لا يقوم بنفسه فلا يستأهل لأن يكون ذاتَ الله و حقيقته . و عند ذلك يقال لهم إن تفسير الوجود المجمول ذات الله و حقيقته بمبدأ الآثار الخارجية لا يضمن له القيام بنفسه كما لا يضمن ذلك لوجود الممكنات كونه مبدأ الآثار فالله يكون واجب الوجود لكونه عين الوجود لا ينفك منه الوجود عدم انفكاك الشيء من نفسه و المكنات مهما وُجدت لا تكون واجبة الوجود لعدم كون وجودها عين ذواتها بل زائداً عليها ، هذا ما فهمه أما أن وجود الله يقوم بنفسه لكونه مبدأ الآثار و وجود المكنات لا يقوم بنفسه مع كونه أيضاً مبدأ الآثار فهذا ما لا نفهمه. فهل الوجود الذي عهدنا به أنه لا يقوم بنفسه مع كونه أيضاً مبدأ الآثار عن كونه وجوداً؟
و لا يقال إن وجود الله الذي هو عين ذاته لا يقاس بوجود الممكن الذي ليس عين ذاته , لأنه تراجعٌ عن الاستمداد من تفسير الوجود بمبدأ الآثار إلى الاستمداد من كون الوجود في الله عين ذاته و هو لازال محل النزاع بيننا .. فقد كنا اعترضنا على القائلين به لافتين إلى أن الوجود لا يكون عين ذات الله لكونه معنى مصدرياً غير قائم بنفسه ، و كان الخصوم التجئوا في دفع اعتراضنا عليهم إلى تفسير الوجود بمبدأ الآثار فرجوعهم لإتمام الدفع إلى أول المسألة المنازع فيها أعنى كون الوجود في الله عين الذات يكون مصادرة على المطلوب و هذه المصادرة ثانية لهم التجأوا إليها .
و مما يجب أن يلفت إليه أنه لم يخطر ببال أحد من متكلمي المتأخرين المناصرين
-119-
لمذهب الفلاسفة في مسألة وجود الله أن ينعم النظر ويستقصيَ في هذا الوجود بمعنى مبدأ الأثار الخارجية , غير تنبيه الفاضل الكلنبوي إلى أن الوجود بهذا المعنى أعم من الوجود بالمعنى المعروف قال: (( و لفظ الوجود حقيقة في معنى الكون في الاعيان و مجاز في معنى المبدا من باب ذكر الخاص و إرادة العام لأن كل وجود بمعنى الكون مبدأ الأثار الخارجية بدون العكس لجواز أن تترتب الأثار على الذات الصرف من غير أن يتصف بفرد من أفراد الكون في الواقع((.
أقول و يفهم من آخر كلامه أن حقيقة الله عبارة عن الذات البحتة من غير اتصاف بصفة الوجود(1) مع ان المعلوم من مذهب الفلاسفة إلى هنا بالنظر إلى أقوال مناصريه الوجوديين أن الله تعالى وجود مجرد عن الماهية أي عن الذات و أن ذاته عبارة عن الوجود لا أن ذاته مجردة عن كل شيء حتى عن الوجود. و يؤيد هذا المفهوم الجديد قول الفاضل المذكور بعد صفحة من قوله المنقول آنفاً: (( و ذلك المبدأ هو مبدأ انتزاع هذا المفهوم البديهي المفسر بالكون, و ذكرُ ما يدل على المعنى المصدري و إرادة مبدأ انتزاعه شائع فيما بينهم كما في قولهم صفات الله عين ذاته إذ المراد أن المراد أن الأثار التي تترتب في الواجب على الذات لا على صفة زائدة عليه هي العلم كما فينا ، فكذا مرادهم هنا أن الآثار التي تترتب على صفة الوجود فينا تترتب في الواجب على الذات لا على صفة الوجود الزائدة على الذات كما فينا((.
فالمسألة على هذا تؤول إلى مذهبهم المعروف في صفات الله و هو أنها عين ذاته أي ليست له صفة من صفات الكمال زائدة على ذاته كالعلم و القدرة والإرادة و الحياة و إنما تترتب آثار هذه الصفات على ذاته البحتة. فكما لا علم له و لا قدرة و إرادة و لا حياة ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] و لا يجوز أن يكون مرادهم من الذات البحتة الوجود البحت لأنهم رجعوا من الوجود لعدم قيامه بنفسه إلى تفسيره بمبدأ الآثار ، و هذه الذات البحتة تفسير مبدأ الآثار فلا يجوز رجوعهم ثانياً إلى الوجود.
-120-
ليسله وجود لأنها أيضا من الصفات التى ينفونها عنه ، والآثار التى تترتب على وجوده _ لو كان له ذلك _ تترتب على ذاته المحفة . فظهر أن مبدأ الآثار فى الله ذاته البحتة من
غير ملاحظة أى شىء معها حتى ولا وجود الذات . وهذا كلام معقول إلى حد ما ومطابق لمذهبهم فى صفات الله .. بيد أنهم وأنصارهم قد أحدثوا عند تفسير وجوب الوجود لله تعالى دعوى خطيرة منادية بأن حقيقة الله هى الوجود البحت بدل قول الفلاسفة فى مسألة الصفات إنه ذات بحتة، حتى أثارت دعواهم هذه مناقشة بعيدة المدى فى أنه هل يمكن أن يكون الله وجودا فهل هو وجود بحت مجرد عن الماهية والذاتِ غيرِ ذات الوجود ومحضِه أم ذات مجردة عن الوجود ؟ وإذا كان ذاتا مجردة عن الوجود فكيف يصح لهم تفسير وجوب وجوده بأن حقيقته الوجود ، بل كيف يصح له أن يكون واجب الوجود؟ وكيف تترتب الآثار التى تترتب على وجود الشىء، على ذاته من غير وجوده وكيف ينتزع الوجود من الذات البحتة المجردة حتى عن الوجود (1)
فأنت ترى كيف دوروا المسألة مسألة وجود الله ووجوب وجوده فقالوا أولا إن الله هو الوجود وهو حقيقته حتى حقيقته المجردة عن الماهية والذاتِ وإنما ذاته الوجود ولا ذات له غيره واستخرجوا وجوب وجود الله أى عدم انفكاك الوجود منه من كونه نفس الوجود ثم رأوا أو أُرُوا عدم َ صحة أن يكون الوجود الذى لا يقوم بنفسه ذاتَ الله فحاولوا أن يجعلوه قائما بنفسه فقالوا إن المراد من الوجود المجهول حقيقة الله مبدأ الآثار ، ولم يكف ذلك فى جعله قائما بنفسه بناء على أنوجود الممكنات يكون مبدأ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] وأما تقييد الذات التى ينتزع منها الوجود ، بالذات الموجودة كما يفهم من كلام هذا الفاضل أيضا تبعا للمحقق الدوانى ، ففيه منافاة صريحة لاعتبار الذات بحتة مجردة من كل شئ ومن صفة الوجود أيضا ، بل لا يمكن أن تفيد هذه الذات بالذات الموجودة ولا أن يقال عنها إنها موجودة .
فعلى التقديرين فى مذهب الفلاسفة الذى يجعل الله وجودا مجردا عن الذات أو ذاتا مجردة عن الوجود لا يكون الله موجودا
صفحة 121
للآثار من غير أن يكون قائماً بنفسه فاحتاجوا إلى جعل مبدأ الآثار الذي أصبح أخيراً حقيقة الله بعد أن فسروا به الوجود الذي جعلوه حقيقة الله, ذات الله البحته المجردة حتى عن الوجود فانقلبت حقيقة الله من الوجود غير القائم بنفسه إلى الذات القائمة بنفسها وقطعت صله هذه الحقيقة الثانية بالوجود الذي كان هو حقيقته فقيل إنه الذات البحتة من غير أن تتصف بصفة الوجود, حتى إن الفاضل الكلنبوي أجاب بفضل هذا الإنقلاب فيها جعل حقيقة الله عن الاتعراض المبنى على أن الوجود بديهي يسلتلزم كونه حقيقة الله أن تكون حقيقته أيضاً بديهية معلومة. و حاصل الجواب أن الوجود محمول على معنى مبدأ الآثار و هو في الله تعالى الذات البحته المبهمة مجردة عن كل شيء حتى اتصافها بالوجود, فابتدأ الأمر بالوجود, فابتدأ الأمر بالوجود المجرد عن الذات و الماهية وانتهى من مضايقة الاعتراصات, إلى الذات المجردة عن الوجود و أضحت مسألة استخراج وجوب وجود الله من كونه عين الوجود, نسياً منسياً, فلا وجود هناك حتى يكون وجوبه. وهذا غاية في التراجع و التقلب.
والعجيب أن من يسمع قول الوجوديين إن الوجود المجعول حقيقة الله بمعنى مبدأ الآثار وقولهم إن للوجود بمعنى مبدأ الآثار فردين ذات الله ووجود الممكنات ففي الأول يكون الوجود بمعنى مبدأ الآثار موجودا قائماً بنفسه وإن لم يكن كذلك في الثاني.. أن من يسمع القولين المذكورين يظن من اللازم الضروري أن يكون الله وجودا فلهذا يسمى لتصحيح الحمل بين الله و الوجود ويظن أيضاً أن هناك وجودا بمعنى مبدأ الآثار إن لم يكن ذلك معنى حقيقيا له فهو معناه المجازي و الصطلاحي وقد صرح بكل ذلك أنصار مذهب الفلاسفة من المتكلمين.
مع أنه يجب على طالب الحق الذي كشفنا عنه غطاءه بعون الله و توفيقه فبصره اليوم حديد, أن يعلم أنه ليس هناك وجود بمعنى مبدأ الآثار لا لغة و لا اصطلاحا و لا حقيقة و لا مجاز و لا للوجود بهذا المعنى فردان أحدهما ذات الله و الآخر وجود الممكنات!
صفحة 122
نعم، إن وجود الممكنات يكون مبدأ الآثار الصادرة عنها لكن لا على أن مبدأ الآثار المذكورة مدلول لفظ الوجود و نعم إن ذات الله تكون مبدأ الآثار الصادرة منه عند الفلاسفة لكن لا على أن ذات الله عبارة عن الوجود و أن هذا الوجود بمعنى مبدأ الآثار، خصيصا لا محل لادخال لفظ الوجود و لا معناه الحقيقى أو المجازى فى البين عند ملاحظة كون ذات الله على مذهب الفلاسفة مبدأ الآثار، لأنهم لما جعلوا ذات الله مبدأ الآثار جعلوها لتكون بمحضها مغنية عن الوجود غير محتاجة الى الاتصاف به و قد نقلنا عن الفاضل الكلنبوى أن الآثار المترتبة على وجودنا تترتب فى مذهب الفلاسفة على ذات الله و معناه أن ذاته المحضة كافية فى صدور الآثار منها و لا حاجة لها الى اتصافها بصفة الوجود كما نحتاج نحن، و ليس معناه أن الوجود المنفى عن الله لاستغنائه عنه هو ذات الله لأن هذا رجوع إلى ما نفى عنه و إلى أكثر مما نفى عنه حيث يجعل الوجود المنفى عنه صفةً،ذاتا له.
فأصدق القول في هذا المقام أن كون حقيقة الله تعالى الوجود عند الفلاسفة ثم ابتناء مذهب الصوفية القائلين بوحدة الوجود عليه لكون حقيقة الله عندهم الوجود المطلق ثم افتراق مذهب الفلاسفة عن مذهب الصوفية بأن تجعل حقيقة الله الوجود المجرد عن الماهية...كل ذلك الذي يجعل حقيقة الله ملتبسة بحقيقة الوجود حديث خرافة مبنية عليها خرافات تملأ السموات و الأرض. فأمامنا, بناء على على وجوب تنزيه الله عند الفلاسفة عن جميع شوائب التركيب وجعله بسيطاً من كل وجه, قولان متباينان كون الله وجودا من غير ذات أي ماهية أو ذاتا من غير وجود, فيجب أن يكون أحدهما مذهب الفلاسفة الحقيقي و تكون نسبة الآخر إليهم باطلا..وقولهم وجود الله عين ذاته يحتمل كلا من الشقين, وإن كان أنصار الفلاسفة اختاروا القول الأول وهو أن الله وجود مجرد عن الماهية وحملوا كون وجود الله عين ذاته عليه, لأنهم وجودا فيه
صفحة 123
سر كون الله واجب الوجود لكنا أبطلنا ذلك القول و انطواءَه على سر كون الله واجب الوجود، باعتراضات قاضية لا قبل لهم بدفعها حتى تحولوا فى إحدى مرحلة من مراحل الدفع إلى القول الثانى الذى كانوا تركوه و اختاروا ضده، و هم لا يشعرون. لأنهم كانوا اكتشفوا سر وجوب الله فى كون الوجود ذات الله و حقيقته فإذا قيل لهم كيف يكون الوجود الذى هو غير موجود فى الخارج أو على الأقل غير قائم بنفسه ذات الله أو كيف يكون الوجود المعلوم الحقيقة ذات الله التى لا تعلم حقيقته؟ أجابوا عن كلا الاعتراضين بحمل الوجوذ المجهول حقيقة الله على معنى مبدأ الآثار ثم أوضحوا هذا التفسير بمثل ما فسر به قول الفلاسفة المعروف فى صفات الله تعالى بأنها غير موجودة و أنها عين ذاته و معناه أن مبدأ انكشاف الأشياء لنا مثلا إن كان صفة العلم التى نحن متصفون بها، فمبدأ الانكشاف لله تعالى ذاته المحضة من غير اتصافها بصفة العلم. فهمم ينفون الصفات الكمالية مثل العلم و الإراذة و القدرة عن الله و يثبتون نتائجها لذاته المحضة فهو عالم بذاته مريد بذاته قادر بذاته لا بصفات زائذة على ذاته. و هكذا حال الوجود الذى هو فينا مبدأ الآثار يكون الله مستغنيا عنه بذاته أى ذات الله لا ذات الوجود، فيكون مبدأ الآثار فى الله ذاته المحضة المجردة عن كل شئ و عن الوجود أيضا، و لكون هذه الذات المحضة مجهولة الحقيقة يندفع عنهم الاعتراض بعدم جواز أن يكون الله معلوم الحقيقة مع كون الوجود معلوما، كما اندفع الاعتراض بأن الوجود غير قائم بنفسه لكونه هنا بمعنى مبدأ الآثار المنطبق على ذاته تعالى القائمة بنفسها.
فقد تخلوا عن الوجود المجهول حقيقة الله بتفسيره أى الوجود بمبدأ الآثار، لكونهم بهذا التفسير عادوا إلى ذات الله المحضة المجردة عن الموجود على منوال قولهم فى صفات الله بأنها عين ذاته و معناه أنه لا صفات له و إنما هو ذات محضة فينفون الصفات و يثبتون الذات المحضة لا أنهم ينفون الذات و يثبتون الصفات. و كذلك قولهم وجوذ الله عين
صفحة 124
صفحة 125
لا يكون إلا الوجود فى حين أن المقصود الاستغناء عن كل هذه الصفات المعينة بالذات البسيطة المبهمة فلا يقال بعد هذا عن تلك الذات المبهمة المستغنية عن العلم إنها علم و المستغنية عن الإرادة إنها إرادة والمستغنية عن الوجود إنها وجود ، لأن كل ذلك منفى عنه أى عن الله مضمحل فى ذاته البسيطة غير معلومة الحقيقة المغنية عن الكل ، لترتب آثاره عليها . وباضمحلال الوجود مع غيره فى ذاته التى هى بمحضها مبدأ الآثار ، يضمحل المذهب الوجودى بكلا نوعيه الفلسفى والصوفى وتضمحل معه تلك الخرافات التى وصل نوعها الفلسفى إلى حد ادعاء أن الله وجود وليس بموجود وأن الوجود موجود بذاته والموجود موجود بالوجود كما ستعرف كل ذلك وأنت عارف بما وصلت إليه خرافة الوجود الصوفية وستعرف بعضَ ما لم تكن تعرفه منها .
و من العجب أنه على الرغم من عدم الفرق بين الوجود و بين العلم والإرادة والقدرة وسائر الصفات فى نفيها عن ذات الله المحضة و فى عدم صحة القول عندنا بناء على هذا النفى ، بأنها علم أو قدرة أو إرادة أو وجود ، بل وفى عدم صحة القول عندهم بكل ذلك على السواء ... على الرغم من ذلك ، امتاز الوجود بكونه إله الوجوديين من الفلاسفة والصوفية وببناء العلالى والقصور من الخرافة عليه فلم يقل أحد من المنتمين إلى الفلاسفة بأن حقيقة الله مثلا العلم المجرد عن ذات العالم كما قالوا إنها الوجود المجرد عن الماهية ولم يقل أحد من الصوفية إنها العلم المطلق كما قالوا إنها الوجود المطلق .
فحقيقة مذهب الفلاسفة أن الله ذات مجردة عن الوجود لا وجود مجرد عن الذات والماهية كما أنه ذات مجردة عن العلم والقدرة والإرادة ، فهو ذات مجردة عن جميع هذه الأمور قائمة بمحضها بكل ماتقوم به هذه الأمور المنتفية عنها ، وكما أن النتائج المترتبة على العلم والقدرة والإرادة فى غير الله تترتب على ذات الله المجردة عنها فالنتيجة المترتبة على الوجود فى غيره تترتب على ذاته المحضة المجردة عن الوجود . نعم، إن ما يترتب على الممكنات
صفحة 126
صفحة 127
الوجود وكون انفكاك الوجود عنه مستحيلا استحالة انفكاك الشىء عن نفسه ,اللهم إلا ان لا يسلم امكان ادعاء الفلاسفة من كون ذاي الله المحضة مبدأ الانكشاف مثلا من غير علم ومبدأ الآثار الخارجية من غير وجود أو بعبارة اوضح عالما بلا علم وموجودا من غير وجود قائما بمهمة الوجود ,فيجعل الذات المحضة قيامها بمهمة الوجود
كأنها الوجود ويكون انفكاك الوجود منها كانفكاك الشىء من نفسه..فحقيقة الأمر إذن فى مذهب الفلاسفة ان ذات الله المجردة عن الوجود فى تأدية مؤداه وشبه العلم فى تأدية مؤداه وشبه الإرادة وشبه القدرة فى تأدية مؤداهما لا الوجود بعينه ولا العلم بعينه ولا الإرادة بعينها ولا القدرة وليس كمثله شىء .فهل يكفى كون ذات الله شبه الوجود من بين مشابهاتها فى أن يحكم عليها بإنها عين الوجود من غير موجود أى من غير ماهية كما هو مذهب الفلاسفة الوجودية أو عين الوجود فى كل موجود كما هو مذهب الصوفيه الوجوديه .
لعلنا كشفنا الى هنا بعون الله وتوفيقه الغطاء عن بطلان الفلسفة الوجودية التى هى اساس مسألة وحدة الوجود وقد وقع هذا الكشف عن بطلان الأساس قبل الشروع فى ابطال المؤسس .فقد ظهر بهذا القدر من البيان ان فكرة وحدة الوجود تولدت من غلط فهم لمذهب الفلاسفة , ولم يكن الغالطون فى الفهم هم الصوفيه الوجودية فحسب بل انصار مذهب الفلاسفة فى مسألة وجود الله من المتكلمين ايضا.فقد كان مذهب الفلاسفة فى نفى صفات الله واثبات الذات المحضة المبهمة , جعله مجردا من العلم والقدرة والإرادة وعن الوجود ايضا ولذا جعلوا الآثار الخارجية مترتبة على هذه الذات المحضه المبهمة لا على وجوده لكونه تجرد بتمحضه عن الوجود كما تجرد عن العلم وغيره .وكان الواجب أن يفهم قول الفلاسفة بإن وجود الله عين ذاته فهما موافقا لقولهم فى صفات الله أيضا بأنها عين ذاته اعنى بنفى الصفات وإثبات الذات مع ترتب نتائج الصفات على نفس الذات فيكون إذن معنى قولهم وجود الله عين ذاته إثبات الذات
صفحة 128
المحضه المبهمة وفى نفى الوجود وهى كونه مبدأ الآثار الخارجية , على الذات نفسها . ولا يجوز ان يكون ذلك
القول ان ذات الله عبارة عن الوجود ولا ذات له غيره فهو وجود مجرد عن الماهية , لأن ذلك ينافى بقاء الذات على ابهامها وينافى قولهم بأن مبدأالآثار الخارجية فى الممكنات وجودها وفى الله ذاته البحته لا وجوده . لكن المخطئين فى فهم قول الفلاسفة ((وجود الله عين ذاته )) الجاعلين ذات الله عبارة عن الوجود والذين زين لهم هذا الخطأ انه اذا كانت ذات الله الوجود استحال انفكاك الوجود منه استحالة انفكاك الشىء من نفسه فينكشف به سر كون الله واجب الوجود, والوجود المكرر ذكره فى أثناء هذه الكلمات بمعناه المعروف ... هؤلاء المخطئون ,بعد ان لفتت أنظارهم الى عدم صحة ان يكون الوجود ذات الله لكونه غير موجود فى الخارج أو على الأقل غير قائم بنفسه ولكونه يوجد فى كل موجود كما فى مذهب وحدة الوجود , صرفوا الوجود الذى جعلوه حقيقة الله عن معناه المعروف الموجود فى كل موجود فقيدوه بالتجرد عن الماهية كيلا يصدق على وجودات الممكنات ..ولم تنجح هذه الحيلة فى جعل الوجود قائما بنفسه فأخرجوه عن معنى الوجود بالمرة وجعلوه مساويا أو مرادفا لذات الله فى الإبهام والتمحض ولم يكن أى لزوم لإبقاء اسم الوجود بعد أن أخلوه عن معناه وجعلوه لا يدل على قط غير ما دلت عليه الذات المحضة المبهمة المجردة عن كل شىء وعن الوجود , إلا للتهيؤ من المخطئين إلى خطأ آخر كما ستعرفه , مع أن إبهام الذات ونجردها عن الوجود ولو بالمعنى المعروف يأبى ان تسمى بالوجود وإن كان اسم الوجود أيضا مبهما مصروفا عن معناه المعروف ؛لكنهم تخيلوا الذات المبهمة باسم الوجود المبهم , وبناء على هذا الخيال تقرر الوجود على انه حقيقة الله عند المخطئين فى فهم مذهب الفلاسفة . وليس لهذا الوجود معناه المعروف حتى يكون اتصاله بالله اتصال الشىء نفسه

صفحة 129
ضامنًا لله وجوب الوجود ولا أى مناسبة للفظه أن يطلق على ذات الله فهو أجنبى عن الله بلفظه ومعناه .. أما قول أنصار مذهب الفلاسفة المحرفين عن حقيقته والغارقين فى التأويلات البعيدة لجعل الوجود حقيقة الله:(( إن هذا الوجود بمعنى مبدأ الآثار الخارجية)) فهو تشويش على تشويش للأمر للأن الوجود ليس له معنى يعبر عنه بمبدأ الآثار وإنما معناه الكون فى الأعيان. نعم يكون الوجود مبدأ الآثار فى الممكنات لاعلى أنه معنى الوجود أما مبدأ الآثار فى الله تعالى فهو ذاته المحضة عند الفلاسفة لا وجوده
فلا وجه إذن لإطلاق الوجود على الله لا بمعنى الكون فى الأعيان لأن الله مجرد عنه عندهم ولا بمعنى مبدأ الآثارلأن كون الوجود مبدأ الآثار إنما هو فى الممكنات لا فى الله ،مع أن مبدأ الآثار ليس معنى الوجد حتى فى الممكنات . وأما إطلاق الوجود على ذات الله بمناسبة اشتراكهما فى البدأية للآثار حيث يكون ذات الله المحضة مبدأ لآثاره وافعاله كما أن الوجود مبدأ الآثار فى الممكنات،فذات الله المجردة عن كل شئ وعن الوجود تشبه وجود الممكنات فيطلق عليها الوجود، فلا محل له. أما اولا فلأن الوجود الذى يكون مبدأ الآثار فى الممكنات فهو بمعناه المعروف أى الكون فى الأعيان لا بمعنى مبدأ الآثر وليس للوجود معتى كهذا، فيلزم أن يكون الوجود المطلق على ذات الله بهذه المناسبة، فى معناه المعروف أيضا وهو خلاف المفروض حيث قالوا إن هذا الوجود بمعنى مبدأ الآثار. وأما ثانيا فلأن إطلاق الوجود على الله فى صدد الكشف عن حقيقته والحكم بأن الوجود عين ذاته ليكون انفكاك الوجود عن الله مستحيلا كاستحالة انفكاك الشئ عن نفسه، يتنافى كل التنافى مع القول بأن هذا الإطلاق مبنى على التشبيه.
فيجب إذا كان الوجود عين ذات الله كما ادعوا، على معنى أن ذاته الوجود

(9 - موقف العقل- ثالث)

صفحة 130
و لا ذات له غيره، أن يكون إطلاق الوجود على ذات الله إطلاقا حقيقيا لا مبنيا على التشبيه. فهذا الوجود إن كان بمعناه المعروف المصدرى غير القائم بنفسه فا يصح حمله مواطأة على ذات الله القائمة بنفسها ولو صح كان وجود الممكنات ملتبسة بذات الله كما في مذهب وحدة الوجود. و إن كان بمعنى مبدأ الآثار ليصح حمله مواطأة على الله الذي هو مبدأ الآثار عندهم بذاته لا بوجوده صح حمله أيضا على وجود الممكنات الذي هو مبدأ الآثار أيضا و الذي هو بمعناه المعروف كما صرح به الفاضل الكلنبوى من أن الوجود بمعنى مبدأ الآثار أعم من الوجود بمعنى الكون وأن لهذا الوجود بمعنى المبدأ فردين ذات الله ووجود الممكنات. فلزم إذن التباس وجود الممكنات بذات الله لصدق الوجود بمعنى المبدأ على كل منهما وهو من جملة المحاذير التى كان اصحاب الفلسفة الوجودية غير المعترفين بمذهب وحدة الوجود هربوا لأجلها من الوجود بمعنى الكون إلى الوجود بمعنى مبدأ الآثار. فمست الحاجة أيضا إلى تقييد الوجود بمعنى مبدأ الآثار الذى جعلوه حقيقة الله، بالتجرد عن الماهية ليمتاز عن وجود الممكنات، فصارت حقيقة الله وجوداً مجرداً عن الماهية لكون الوجود نفسة ماهيةً له وذاتا، فى حين أن حقيقة الله بالنظر إلى حقيقة مذهب الفلاسفة النافين لصفات الله المعترفين بالذات المحضة المجردة عن كل شئ وعن الوجود، يلزم أن تكون ماهية مجردة عن الوجود. فانظر كيف انقلبت الماهية المجردة عن الوجود فى نظرة فلسفية،إلى وجود مجرد عن الماهية فى نظرة ثانية فلسفية. ويمكننا جمع النظرتين على مذاق الوجوديين فى قولنا وجود مجرد عن الوجود على أن يكون الوجود الثانى بمعناه المعروف أى يكون فى الأعيان والوجود الأول بمعنى مبدأ الآثار. وأما على مذاقى أنا فهذا الوجود بالمعنى المبتدع دخيل محض فى مذهب الفلاسفة أدخلوه إرهاقا وتشويشا للحقيقة واستبقاء لصلة الذات المحضة بالوجود المعروف على الرغم من نفيه عنها وقطع صلتها به وإن كان الوجود بهذا المعنى
المختلق والذي لا يراد به أكثر مما يراد بالذات المحضة المجردة من كل شيء وعن الوجود ، لا صلة له بالوجود المعروف غير اللفظ .
أعتذر إلى القاريء من أني كلما أردت الانتهاء من عدِّ تخبطات المعتنقين لمذهب الفلاسفة من المتكلمين في مسألة وجود الله أعود فأغوص فيها – وقلما يخلو تكرار غوصي من الكسف عن تخبط جديد لهم – حرصاً على تفهيم هذه المسألة المرتبكة أشد الارتباك وأعجبه ولم أر المتكلمين المخطئين فيها الغير المنتبهين لخطئهم وقد ذكرت أسماء بعضهم من قبل ، أخطأوا في أي مسألة غيرها قدر ما أخطأوا فيها .
ولما كان اختلاق الوجود بمعنى مبدأ الآثار الخارجية من أعظم ما تمسك به أصحاب الخرافة الوجودية من محققي المتكلمين الذين اختاروا ويا للأسف مذهب الفلاسفة في مسألة وجود الله القائل بأن وجود الله عين ذاته ، ولم يستكثروا كل تكلف في الدفاع عنه – لم أستكثر أنا الآخر أيَّ وقفة للتعمق في تزييف ما اختلقوه من الوجود بمعنى مبدأ الآثار ، متوقعا من القراء المتثبتين الطامحين بأبصارهم إلى شواهق الحقيقة ، أن لا يستكثروا هذه الوقفات ، فقلت مستمرا في نقاش المختلقين مهما كانوا من أعاظم العلماء المحققين الذين أكبرهم ويكبر في عيني أن أناقشهم :
كانت النتيجة الطبيعية للخرافة القائلة بأن حقيقة الله الوجود ، أن يكون الله موجودا في كل موجود وهو مذهب وحدة الوجود ، وكان الكاشفون الأولون في زعمهم عن حقيقة الله على أنها الوجود استخرجوا هذه الخرافة من قول الفلاسفة بأن وجود الله عين ذاته ، استخرجوها وحبذوها لما وجدوها مسفرة عن سر كون الله واجب الوجود . والوجود طبعا بمعناه المعروف . لكنهم صادفوه فيما سلكوه من هذا الطريق الوعر عراقل أوقعتهم في حيص بيص حتى انتهى بهم الدوران بين ملاجيء التأويل إلى القول – تحت ستار لفظ الوجود المحرف عن موضعه – بالذات المحضة المجردة
عن الوجود على الرغم من أن مذهبهم المختار كان عكس ذلك أي الوجود المجرد عن الماهية . فقد ضاع المطلوب الأعلى من اختلاق خرافة الوجود وهو الحصول على مفتاح سر كون الله واجب الوجود بتوحيد حقيقة الله مع حقيقة الوجود ، لأن ترتب تلك الغاية على هذا التوحيد متوقف على بقاء الوجود المجعول حقيقة الله في معناه المعروف أي الكون في الأعيان فكان الوجود بهذا المعنى يستحيل انفكاكه عن الله بفضل كونه عين ذاته ، استحالة انفكاك الشيء عن نفسه . أما الوجود المختلق بمعنى مبدأ الآثار المجرد عن الماهية ثم المنتقَل منه إلى ذات الله المحضة المجردة عن كل شيء وعن الوجود بالمعنى المعروف المطلوب ثبوته لله ثبوت الشيء لنفسه ، فهو بعيد كل البعد عن استلزام هذا المطلوب . فإن كانت ذات الله المحضة المجردة من كل شيء ومن الوجود تستلزم ثبوت الوجود لها ثبوت الشيء لنفسه يستلزمه كون الله وجودا بمعنى مبدأ الآثار – وهيهات ذلك – وإنما يستلزمه كون الله وجودا بمعنى الكون في الأعيان الذي هو المراد من الوجود في تعبير واجب الوجود ، فقد ضاع ذلك المطلوب الأعلى من تفسير وجوب وجوده تعالى بكون حقيقة الله هي الوجود ... ضاع هذا المطلوب بسبب كون الوجود الذي جعلوه حقيقة الله غير الوجود المطلوب ثبوته له ثبوت الشيء لنفسه وذهب قول المحقق الدواني الذي هو من أحمس أنصار الفلسفة الوجودية محاولاً لإثبات لزوم اتحاد حقيقة الله مع حقيقة الوجود ليكون وجوده غير محتاج إلى العلة ويكونَ واجب الوجود ، أدراج الرياح . وهذا نص قول الدواني نقله عنه الفاضل الكلنبوي :
" إن كل ما يغاير الشيء بالماهية فثبوته له يحتاج إلى علة تجعله ثابتا له فكل موجود بوجود زائد عليه كالممكنات فلا بد له من علة تجعل الوجود الزائد ثابتا له . وتلك العلة في الممكنات غيرها ، ولا تكون في الواجب غيرَه ولا ذاتَه لأن مفيد الوجود موجود في مرتبة الإفادة بداهة فلو كانت ذاته مفيدة لوجوده الزائد عليه يلزم تقدمه على ذاته بالوجود " .
هذا هو البرهان الذي ذكره الفاضل الكلنبوي في حواشيه على شرح العقائد العضدية عازيا إلى شارحها المحقق الدواني وناقلا عن بعض كتبه ومعتمدا عليه . ويفهم من كلام الفاضل أن عماد مذهب الفلاسفة ومن تبعهم من محققي المتكلمين القائل بكون حقيقة الله تعالى الوجود هو هذا البرهان الدال على أن الله تعالى لا سبيل للقول بوجوب وجوده إلا من طريق الاعتراف بكونه نفس الوجود . فإذا كانت حقيقة الله عبارة عن الوجود استحال إنفكاك الوجود عنه استحالة انفكاك الشيء عن نفسه واستحال مع هذا أن يكون وجوده غير ذاته، إذ لو كان غيرها كان زائدا عليها كما ذهب إليه جمهور المتكلمين فاحتاج إلى علة تجعل الوجود الزائد ثابتا له ، فإن كانت العلة غير ذاته كان الله محتاجا في وجوده إلى غيره وكان ممكن الوجود لا واجبَه ، وإن كانت العلة ذاته لزم تقدم ذاته بالوجود على وجوده أي لزم أن تكون ذاته موجودة قبل أن تكون موجودة كما اعترض بذلك أنصار مذهب الفلاسفة من المتكلمين المحققين على جمهورهم القائلين بأن السبب في وجوب وجود الله أن ذاته علة لوجوده فكان انفكاك الوجود عنه محالا كانفكاك المعلول عن علته . وقد سبق مني تقرير هذا الاعتراض مع الاعتراف بقوته وصعوبة الجواب عليه .
وإني مع اختيار مذهب الجمهور على مذهب القائلين بأن وجود الله عين ذاته والمنتقلين منه إلى كون حقيقة الله الوجود ، كفًّا مني عن تعيين الحقيقة لله الذي ليس كمثله شيء ...
أكف أيضا عن اتباع الجمهور في تعليل وجوب وجود الله بأن ذاته علة لوجوده ، ثم أقول جوابا عن البرهان الذي أقام المحقق الدواني عليه مذهب الوجوديين القائلين بأن الله تعالى يجب ليكون واجب الوجود أن تكون ذاته عبارة عن الوجود : إنا نعرف وجوب وجود الله من حاجة العالم غير واجب الوجود إلى موجود واجب الوجود يكون علة لوجود العالم وينقطع به تسلسل العلل الممكنة .. نعرف هذا من غير معرفة لذات ذلك الموجود الواجب ومن غير تعيينها على أنها الوجود نفسه . أما قولكم بأنه إذا لم يكن
وجود هذا الموجود الواجب عين ذاته بل غيرها زائداً عليها احتاج إلى علةٍ تجعَل الوجودَ الزائد ثابتاً لها ثم لا يمكن أن تكون العلة غير الذات ولا عينها.. إلى آخر البرهان المذكور ! فليس بشيء كسؤال الطفل الساذج في كلام اسبنسر الذي سبق منا نقله في هذا الكتاب : " فمن أوجد الله ؟ " لأن علَة الاحتياج إلى الذات الموجدة إما حدوث المحتاج وإما إمكانه على اختلاف المذهبين ، لكن الموجود الذي قلنا باحتياج العالم إلى وجوده لزم أن يكون قديما واجب الوجود ليقطع تسلسل العلل الممكنة فأصبح من العبث أن يبحث صاحبُ البرهان عن علة وجود هذا الموجود الأزلي مهما كان زائداً عليه بأن يكون غير ذاته ولا محل لأن يتصور الحدوث أو الإمكان لموجود واجب الوجود حتى يحتاج وجوده إلى علة .
قد سبق منا أن الله على حقيقة مذهب الفلاسفة ذات محضة غير معلومة الحقيقة مجردة عن كل صفة وعن صفة الوجود التي يحتاج إلى الإتصاف بها كل موجود غير الله ليترتب عليه الآثار الخارجية . أما الله تعالى فذاته مغنيته عن الاتصاف بأي صفة وعن صفة الوجود لكون الآثار المترتبة على وجود غيره تترتب على ذاته المحضة ، والوجود المنفي عن الله والمثبت لغيره ، كلُّه بمعناه المعروف ، ولا معنى له عندنا غير هذا المعنى . وأما الوجود بمعنى مبدأ الآثار فهو مختلق الوجوديين الذين جعلوا حقيقة الله الوجود ، اختلقوه وتوهموا له فردين ذات الله ووجود غيره لكون كل منهما مبدأ الآثار مع أنه لا وجود في أي شيء منهما بهذا المعنى أما الله فالوجود منفى عنه في مذهب الفلاسفة ، ومبدأ الآثار ذاته المحضة لا وجوده وأما ما سوى الله فالوجود الذي يتصف هو به ويكون مبدأ الآثار فيه ، بمعناه المعروف لا بمعنى مبدأ الآثار وإن صح أن يقال عنه إنه مبدأ الآثار لا على أنه معنى لفظ الوجود بل على أنه صفة له . فمبدأ الآثار في ما سوى الله وجوده بالمعنى المعروف أي الكون في الأعيان ومبدأ الآثار في الله تعالى ذاته المحضة ، ولا داعي لاختراع وجود بمعنى مبدأ الآثار لا في ذات الله ولا في
ما سواه ، حتى إنا لوقلنا بإطلاق الوجود على الله الذي هو مبدأ الآثار بذاته المحضة لا بوجوده ، تشبيها لذاته بالوجود الذي يكون مبدأ الآثار في ما سواه ، كان هذا الوجود بمعناه المعروف كما كان في الوجود المشبه به .
الحاصل أن الذي قالوا عنه إن له فردين ليس هو الوجود بمعنى مبدأ الآثار كما زعموا بل مبدأ الآثار نفسه أحدهما ذات الله المحضة والآخر وجود ما سواه .. وهذا الوجود بمعناه المعروف ، ولا وجود بمعنى مبدأ الآثار في شيء من الفردين . لكن الوجوديين في حاجة ملحَة إلى إيجاد صلة بين ذات الله المحضة والوجود على الرغم من كون الوجود منفيا في مذهب الفلاسفة عن هذه الذات المحضة وقد سبق أن ادعوا كون الصلة بينهما بدرجة اتحاد ذات الله مع الوجود وكان حق الدعوى بالنظر إلى دافعهم إليها أن يريدوا بالوجود معناه المعروف .. فلما وجدوا موانع من حمله على معناه رجعوا عنه إلى الوجود بمعنى مبدأ الآثار وقد علمت منا أن الرجوع إليه رجوع إلى ذات الله المحضة المبهمة المجردة من كل شيء ومن الوجود . وبهذا سقطت دعوى اتحاد الله مع الوجود ، فهم الآن في حاجة إلى إيجاد صلة جديدة بين الوجود وبين هذه الذات المحضة المجردة عن الوجود ولو كانت دون الاتحاد ، للزوم كون الله موجوداً قبل أن يكون واجب الوجود ..فاختلقوا تسمية الذات المحضة وجوداً بمعنى مبدأ الآثار .
فانظر كيف تنازلوا عن دعواهم الكبيرة دعوى اتحاد حقيقة الله بحقيقة الوجود ليتضمن هذا الاتحاد سرَّ كون الله واجب الوجود مستحيلا انفكاك الوجود عنه استحالة انفكاك الشيء عن نفسه ، والوجود طبعاً بمعناه الحقيقي المعروف .. تنازلوا عنها إلى تسمية ذات الله وجوداً غير الوجود الحقيقي ليتوسّلوا باسم الوجود هذا إلى إيجاد صلة بين ذات الله وبين الوجود الحقيقي . ومع أنا لا نسلِّم لهم بهذه التسمية التي ما أنزل الله بها من سلطان ، فلو سلَّمنا بقي بعد ذلك ما عانوا من الصعوبة في الحصول على هذه الصلة المفتعلة .
ولقد رأى العجبَ ِمن تعب الفاضل السيلكوتي وهو أحذق الفضلاء في حل المعضلات العلمية ، من رآه يجتهد في استنباط الوجود بالمعنى المعروف ثبوته لله من الوجود بالمعنى المبتدع الذي اضطروا إلى حمل الوجود عليه بعد أن جعلوه حقيقة الله .. فقد كان هذا التغيير في معنى الوجود حال دون غرض الوجوديين من جعل حقيقة الله الوجود كما بينّاه ، وهذا الفاضل يجتهد في إزالة تأثير التغيير دون مرامهم ، بجعل الوجود بالمعنى المبتدع مقتضياً للوجود بالمعنى المطلوب لا اقتضاء العلة لمعلولها لئلا يرد عليهم ما أوردوا على المتكلمين بل اقتضاء الجزئي لكليه ويعنى بالكلي العرض العام ، فيكون الوجود المطلوب لازمَ ماهيته تعالى إن لم يكن عينَ ماهيته . وأنت تعلم أن هذا رجوع إلى قول المتكلمين الذي رددنا العلِّية المذكورة فيه إلى الاقتضاء أو بالأصح ردها هذا الفاضل نفسه ونحن نقلنا عنه فيما سبق (1) مع أنا لا نسلِّم بالاقتضاء على قول الوجوديين حين سلَّمنا به على قول المتكلمين الساكتين عن تعيين الماهية لله تعالى . ولننقل هنا كلام السيلكوتي بنصه :
قال في شرح المواقف مجيباً عن اعتراض المتكلمين على الفلاسفة القائلين بأن وجود الله عين ذاته ، بأن الوجوب إضافة تقتضي الطرفين أحدهما الماهية والآخر الوجود لأنه عبارة عن اقتضاء الماهية الوجود فيكون وجوده زائداً على ماهيته ، فقال شارح المواقف مجيباً عن هذا الاعتراض : " إن فسر الوجوب الذاتي بالاستغناء عن الغير كان أمراً سلبياًّ غير محتاج إلى تحقق شيئين في الواجب وإن فسَّر باقتضاء الذات للوجود فنقول وجوده الخاص الذي هو ماهيته يقتضي بذاته عارضَه الذي هو الوجود المطلق "
وقال السيلكوتي تعليقاً على قول الشارح " يقتضي بذاته إلخ " وتوضيحاً له :
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) والفاضل السيلكوتي أكثر أنصار المذهب الفلسفي اعتدالاً لأنه يدافع عن مذهب المتكلمين أيضاً .
" ليس المراد اقتضاء الموصوف للصفة بل اقتضاء الفرد لصدق الكلى عليه مواطأة يعني أنه إذا لاحظ العقل ذلك الوجود الخاص وتنبه لمشاركته بوجود الممكن في ترتب الآثار عليهما انتزع عنه الوجود المطلق وحَكَمَ باقتضائه إياه فالوجوب من المعقولات الثانية ، ثم إذا كان ذلك الوجود مستقلا في اقتضاء صدق المطلق عليه كان قائما بنفسه فكان موجوداً بنفسه فاقتضاؤه بالاستقلال لكونه وجودا يقتضي كونه بذاته موجوداً أي يقتضي اتصافه بالوجود اتصافاً انتزاعياًّ لا حقيقيا وإلا لا يكون موجوداً بنفسه فاقتضاؤه بالاستقلال للوجود مواطأة يستلزم اقتضاءه بذاته للوجود اشتقاقاً " .
وأنا أقول قبل الكام على تعليق الفاضل السيلكوتي تأييداً لشارح المواقف أعني السيد الشريف الجرجاني الذي هو من محققي المتكلمين الذين اختاروا مذهب الفلاسفة في مسألة وجود الله : قد علمت أن الله تعالى في مذهب الفلاسفة وطائفة من محققي المتكلمين ذات بسيطة غير معلومة الحقيقة يترتب عليها كل ما يترتب على الصفات الكمالية من غير اتصاف بها لبساطتها فالله تعالى غني بذاته عن الصفات الكمالية وهي منتفية عن هذه الذات الغنية , ومن تلك الصفات الكمالية المنتفية عنها صفة الوجود فيلزم على هذا أن لا يصح ولا يمكن تعريف وتحديد هذه الذات البسيطة المهمة بأي حقيقة معينة ، ولذا ورد عليهم الاعتراض المذكور في المواقف القائلُ كيف يتصور من هذه الذات البسيطة المجهولة الحقيقة المجردة من كل صفة أن يكون واجب الوجود إذا فسرنا الوجوب باقتضاء الذات الوجود مع أنه ليس في الله غير الذات المحضة لا وجود ولا اقتضاء ذاته له . فإن كان الله موجوداً عندهم فهو موجود بذاته من غير وجود كما أنه عالم بدون علم ، فنحن لا نجد في الله على مذهب الفلاسفة وجوداً واحداً حين يذكر شارح المواقف العلامة الشريف الجرجاني ومحشيه الفاضل السيلكوتي وجودين أحدهما مقتض والآخر مقتضى .
هذا ما يقتضيه مذهب الفلاسفة الحقيقيُّ وعليه يجب تطبيق قولهم وجود الله عين
ذاته أي يستغني بذاته عن وجوده وليس معناه إن ذاته وماهيته الوجود كما زعم الوجوديون وإلا يناقض تصريحهم بأنها ذات مجهولة الحقيقة ... وهذا كما أن معنى قولهم علمه عين ذاته أن ذاته مغنيته عن العلم لا أن ذاته وماهيته العلم وإلا يناقض تصريحهم بأنها ذات مجهولة الحقيقة , ويناقضه أيضا كون ذاته الوجود كما أن كون ذاته الوجود يناقضه كون ذاته العلم وكونها إياهما معا يناقض بساطتها . نعم تكون مغنية عن الكل لقيامها بما يقوم به الكل . إلا أنه يبقى بعد كل ذلك سؤال كيف تكون هذه الذات البسيطة المجردة عن كل شيء وعن الوجود واجبة الوجود ؟ هذا سؤال المتكلمين على الفلاسفة وأنصارهم ، ونحن نزيد تقدما في السؤال فنقول كيف تكون موجودة من غير وجود قبل أن تكون واجبة الوجود ؟ وكيف يجد الوجوديون الجاعلون حقيقة الله الوجود والناسبون هذا الجعل إلى الفلاسفة ، صلة هذه الذات البسيطة المجهولة الحقيقة المستغنية في كونها موجودة عن الوجود ، بالوجود . ثم نقول لعلهم فكروا فيما يكون موجودا بذاته من غير وجود أي من غير اتصاف بالوجود ، فوجدوه الوجود نفسه لأنه موجود عندهم بذاته من غير أن يكون له الوجود مرة ثانية وكل موجود غير الوجود موجود بالوجود لا بذاته ومثلوه بالشمس المضيئة والضوء المضيء فقالوا الضوء مضيء بذاته والشمس مضيئة بالضوء وسيجيء بحث هذا منا .
فمن هنا علموا في زعمهم حقيقة الله الذي لا تعلم حقيقته على أنها الموجود ثم فرقوا بين هذا الوجود الذي هو حقيقة الله وبين وجود سائر الموجودات بتجرد الأول عن الماهية لكونه مفسه ماهية لله تقوم بذاتها والوجودات الأخرى قائمة بماهيات أخرى .. وهذه النقطة هي مفترق مذهب الوجوديين من الفلاسفة والمتكلمين عن مذهب الوجودية الصوفية أعني وحدة الوجود . فالطائفة الاولى تحجم عن القول باتحاد حقيقة الله مع وجود كل موجود بعد القول باتحادها مع حقيقة الوجود ، لظهور بطلانه
والطائفة الثانية لا تحجم عنه . والحق عندي كما قلت من قبل أيضا أن المصير الطبيعي للفلسفة الوجودية هو وحدة الوجود إذ لا وجه بعد تأليه الوجود لأن يفرق بين وجود ووجود بمجرد المقارنة للماهية وعدم المقارنة فيُعتَبَر الوجود المجرد إلهاً دون الوجود المقارن .. غاية هذا الفرق أن يكون الوجود المجرد إلهاً مجرداً والوجود المقارن إلهاً مقارناً .
ولا يقال إن الوجود المجرد الذي هو الله قائم بنفسه دون الوجود المقارن للماهية لأنه قائم بالماهية لأنا نقول إن كان من شأن الوجود أن يقوم بنفسه بالنظر إلى ذاته فلا مانع من أن يكون سائر الوجودات أيضاً قائمة بنفسها مادامت هي وجودات أيضاً وتكونَ الماهيات التي تقارن هذه الوجودات قائمة بها دون أن تكون الوجودات قائمة بالماهيات .. وقد قالت الصوفية الوجودية بهذا القول . ولا يُتمسك في الفرق أيضا بعدم جواز قياس الوجود الذي هو الله بالوجودات الأخرى لأن الوجودد الذي هو الله إن قام بنفسه يجب أن يكون ذلك لكونه وجوداً وكون الوجود قائما بنفسه وموجودا بذاته حتى يصح استحقاق الوجود لأن يعتبر حقيقة الله ، ولا يجوز أن يكون قيامه بنفسه مستمدا من كونه حقيقة الله لأن هذا مصادرة في دعوى كون الوجود حقيقة الله ، التي يدعيها الوجوديون ولا نسلم به نحن (1) .
هذا تحقيق ما يقتضي العقل أن يتصوره في مذهب الفلاسفة وهو متردد بين الذات المبهمة المجردة عن الوجود وبين الوجود المجرد عن الذات والماهية فإن أمكن التأليف بين الذات المجردة عن الوجود وبين الوجود المجرد عن الذات بالطريق
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ليس مقصودنا إبطال مذهب الفلاسفة الوجودية وترجيح مذهب الصوفية لأن هذا ينافي مقصودنا الأول من وضع هذا الباب الثاني وإنما مرادنا من القول بأن السير الطبيعي لمذهب الفلاسفة في هذه المسألة أن ينتهي إلى وحدة الوجود رغم اجتنابهم عنها لظهور بطلانها ، إبطال مذهبهم الذي خفي بطلانه على كثير من العلماء المحققين بلزوم انسياقه إلى المذهب الوجودي الصوفي الظاهر البطلان .
الذي ذكرنا فلا يمكن التأليف بين الذات المبهمة والوجود المعين ، وكأن مرماهم فيما اختلقوه من الوجود بمعنى مبدأ الآثار الذي له فردان ذات الله المحضة المبهمة ووجود الممكنات والذي لا نراه نحن إلا اختلاقا لا سيما في الفرد الذي هو ذات الله المبهمة ، تأليفُ هذين غير المؤتلفين .. قلنا ونقول : لا نراه إلا اختلاقاً لأن الذي قالوا عنه إن له فدرين ليس هو الوجود بمعنى مبدأ الآثار بل مبدأ الآثار نفسه أحدهما ذات الله المحضة المبهمة والآخر وجود ما سواه وهذا الوجود بمعناه المعروف ولا وجود بمعنى مبدأ الآثار في شيء من الفردين لا سيما في الفرد الذي هو ذات الله المبهمة إذ لا سبيل فيها إلى تسميتها بالوجود بأي معنى كان لا سيما بعد التنصيص عنه بأنها ذات مبهمة ومجردة عن الوجود .
نعم ، الفرد الآخر وجوود لكن لا يلزم من كون أحد الفردين لمبدأ الآثار وجوداً كون الفرد الآخر كذلك وألا ينقلب الفردان فرداً واحداً . مع أن الفرد الذي هو الوججود ليس بمعنى الآثار بل بمعناه المعروف . فإن جازت تسمية الفرد الذي لم يكن وجوداً بأنه الوجود تشبيهاً له بالفرد الآخر لزم أن يكون هذا الوجود بمعناه المعروف كما كان في الفرد المشبه به ، لا بمعنى مبدأ الآثار.
أريد أن أثبَّت في ذهن القاريء أنه لا يجوز تعيين الحقيقة لذات الله التي لا تعلم حقيقتها في أي مذهب من مذاهب العقلاء وأن تسميتها باسم من أسماء الحقائق المعلومة كالوجود على أي معنى كان شر بدعة فلسفية أضيفت إلى أسماء الله الحسنى وانتهت بطبيعتها إلى شر بدعة اعتقادية تنطوي على أوسع أنواع الشرك باسم وحدة الوجود .. بعد تثبيت هذه الحقيقة في ذهن القاريء نعود إلى قول الفاضل السيلكوتي وهو يترجم عن خرافة الوجود ويتكلف في الدفاع عنها أيَّ تكلف وقد قلنا من قبل أننا نجاري الوجوديين في كل خطوة تخطونها في تفسير المذهب الوجودي ولا نجتزيء بإبطال أساسه . أما طول البحث وملل الباحث فلا نبالي بعد علمنا بأنا نكافح أكبر غلطة في

أكبر موضوع. وإذا كانت حقيقة الفلاسفة أن الله الذى هو بذاته مبدأ الآثار الخارجية عبارة عن ذات بحتة مبهمة الحقيقة مجردة عن كل شىء وعن الوجود كما سبق تفصيله، فلا غرو إن لاقوا صعوبة فى اثبات الوجود لهذه الذات المحضة المبهمة بله إثبات كزنها عين الوجود.
وحاصل انك قد عرفت أن لله وجودا هو عين ذاته وهو بمعنى مبدأ الآثار وللممكنات وجودا ليس عين ذواتها وهو بمعنى الكون فى الاعيان ومع هذا يصدق على الوجود بهذا المعنى أيضا أنه مبدأ الآثار. فالوجود الذى هو عين ذات الله يشارك وجود الممكن فى ترتيب الآثار عليه والوجود بمعنى المبدأ أعم من الوجود بمعنى الكون فى الأعيان. وقد عرفت أيضا أنهم جعلوا ذات الله عبارة عن الوجود بمعنى مبدأ الآثار ولم يجعلوها عبارة عن الوجود بمعنى الكون فى الأعيان لصحة حمل الأول على الله مواطأة فيقال ان الله وجود بمعنى مبدأ الآثار وعدم صحة حمل الثانى عليه مواطأة فلا يقال إن الله وجود بمعنى الكون لعدم قيامه بنفسه ولا يقال أيضا إنه موجود بهذا المعنى لكون الوجود بهذا المعنى خارجا عن حقيقته البسيطة. إلا أن من اللازم أن يكون الله موجودا أى كائنا فى الأعيان وهو المطلوب من دليل إثبات وجود الله، ومن اللازم أيضا أن يكون واجب الوجود بالمعنى نفسه وهو المطلوب من جعل حقيقته الوجود، أى أن المطلوب استخراج وجوب وجوده من كونه عين الوجود وان لم يمكن جعله وجودا بالمعنى المطلوب أى الكون فى الأعيان لكنهم توسلوا إليه بالوجود بمعنى آخر.
قريب من الاول وأرادوا أن يكون الوجود بالمعنى المطلوب لازم الوجود الذى هو حقيقته تعالى ومقتضاه، لا لزوم المعلول لعلته والصفة لموصوفها كما فى مذهب المتكلمين بل لزوم الكلى لجزئيه فقال السيلكوتى فى تصوير هذا اللزوم وهذا الاقتضاء إن الوجود الذى هو حقيقته تعالى والذى و مبدأ الآثار يشارك وجود الممكن الذى هو بمعنى الكون فى الأعيان فى ترتيب الآثار عليهما. فمن هذه المشاركة يفهم أن الوجود بمعنى المبدأ يستلزم الوجود بمعنى الكون ويستتبعه لا كاستلزام العلة لمعلولها بل استلزام الفرد لكليه فيكون الوجود بمعنى الكون مطلقا عرضا عاما للوجود بمعنى المبدأ ونوعا للأكوان الخاصة بالممكنات فيكون الله الذى هو الوجود بمعنى المبدأ مقتضيا للوجود بمعنى الكون وبهذا الاقتضاء يكون الله الذى هو الوجود بمعنى المبدأ وجودا بمعنى الكون أيضا. ثم إن الوجود بمعنى المبدأ مستقل فى اقتضاء الوجود بمعنى الكون وباستقلاله فى اقتضائه لذلك يتحقق وجوب الوجود لله تعالى بعد تحقق الوجود له، ولم يتحقق وجوب الوجود للممكن وإن كان له أيضا وجود بمعنى مبدأ الآثار متحدا هذا الوجود فيه مع الوجود بمنى الكون الخاص فى الأعيان حتى إنه بهذا الاتحاد كان اقتضاؤه للوجود بمعنى الكون المطلق فى الأعيان أشد، إلا أن وجود الممكن لما لم يستقل فى نفسه لاحتياجه إلى موصوف وفاعل موجد لم يستقل أيضا فى اقتضائه فلم يتحقق له وجوب الوجود وخصيصا وجوب الوجود بالذات. ثم لما كان الوجود بمعنى المبدأ فى الواجب مستقلا قى اقتضاء الوجود المطلوب الذى هو بمعنى الكون فى الأعيان كان قائما بنفسه على الرغم من ان الوجود لا يقوم بنفسه لأن هذا الوجود بمعنى المبدأ الذى هو حقيقة الله تعالى يقتضى ذلك الوجود بمعنى الكون غير معلل بعلة ولا محتاجا إلى موصو ف وغذا كان قائما بنفسه كان موجودا فاقتضاؤه بالاستقلال لكونه وجودا بالمعنى المطلوب اقتضى كونه بذاته موجودا أى اقتضى اتصافه بالوجود المطلق اتصافا انتزاعيا لا حقيقيا والا لا يكون موجودا بنفسه بل موجودا بالوجود كسائر الموجودات. فصار الوجود بمعنى مبدأ الآثار الذى هو حقيقة الله تعالى وجودا بمعنى الكون فى الأعيان ووجودا واجبا يهذا المعنى وموجودا واجبا.
هذا غاية ما يمكن أن يقال فى توجيه كلام السيلكوتى. وأنا أقول انظر ما يكابدون من المشقة فى بيان وجود الله ووجوب وجوده بعد أن جعلوا ماهية الله تعالى الوجود بملاحظة أن أقصر طريق لاثبات الوجود لله وأمنعها عن انفكاكه منه أن يجعل الله عبارة عن الوجود نفسه كما قال الجلال الدوانى بطل المناصرة والمظاهرة لهذا المذهب الفلسفى العجيب وقدوة الكلتبوى فيها وقد نقلناه عنه فيما سبق: " أن كل ما يناير الشىء بالماهية فثبوته له يحتاج على علة" فلماذا إذن لقوا العناء العياء فى إثبات الوجود للوجود وتشيسه الماء بالماء؟ ولماذا غيروا معنى الوجود حتى تغيرت ماهيته فتعسر عليهم إثبات اللزوم بين الماهيتين ونقضوا ما بنوا فى توحيد ماهية الله بماهية الوجود؟ فقد كان أساس هذه الأسطورة أن يجعل انفكاك الوجود من واجب الوجود انفكاك الشىء من نفسه ثم رأينا انقلاب هذه الدعوى ى النتيجة إلى انفكاك الشىء من عرضه العام.
ومن الغلط الواضح أن يكون الله المستغنى عن الوجود فى مذهب الفلاسفة لكون الآثار المترتبة على وجود غيره مترتبة على ذاته المحضة، وجودا بمعنى مبدأ الآثار فالله هو مبدأ الآثار عندهم بذاته ولا معنى لتسميته وجودا بمعنى مبدأ الآثار. ثم من العجب احتياج هذه الذات المحضة المسغنية عن الوجود إلى اثبات كونها وجودا بواسطة مشاركتها لوجود الممكنات فى ترتيب الآثار على كل منهما. فهل الله الذى هو الذات المحضة المستغنية عن الوجود يكتسب الوجود من مشاركته لوجود الممكن المحتاج إلى الوجود؟ فهو إذن أحوج إلى المحتاج.
ثم انظر ما لقوا من العناء الثانى فى تحويل الوجود إلى الوجود فيدعون ان الوجود الذى هو الله موجود فى حين أن وجود الممكنات ليس كذلك، مع أنهم احتاجوا فى الانتقال من الوجود الواجب الذى هو بمعنى مبدأ الآثار إلى الوجود بمعنى الكون المطلق فى الأعيان، إلى ملاحظة مشاركته لوجود الممكن الذى هو بمعنى المون فى الأعيان فى ترتيب الآثار عليه أيضا. ومع أنى لا أسلم للفاضل السيلكوتى بعد كل العناء الذى كابده أن هذه المشاركة بين الوجود الواجب الذى هو بمعنى مبدأ الآثار فقط وبين وجود الممكن الذى هو بمعنى المبدأ ومعنى الكون فى الأعيان معا، تضمن للوجود الواجب استلزامه للوجود بمعنى الكزن المطلق فى الأعيان، لأنك قد عرفت من تصريح الكانبوى ان الواجب لا يستلزم وجود الأخص فيه ولا وجود ما هو كلى لهذا الأخص. وإنما الاستلزم يكون من جانب الأخص للأعم فلا يصح حديث كون الوجود بمعنى الكون المطلق فى الأعيان عرضا عاما لازما للوجود بمعنى المبدأ الذى هو حقيقة الله.. أما استلزام وجود الممكن لذلك فإنما نشأ من اجتماع الوجود بالمعنيين فيه. وقد صرح الكلنبوى أيضا بأن لا حصة للواجب من الوجود بمعنى الكون فى الأعيان وهو ما تقتضيه استعانة الفاضل السيلكوتى فى اثبات الوجود المطلق بهذا المعنى للواجب من مشاركة الوجود بمعنى مبدأ الآثار الذى هو حقيقته تعالى لوجود الممكن فى ترتيب الآثار عليه أيضا، وليس فى هذه الاستعانة عون له كما قلنا لأن الكلى للأخص لا يلزم أن يكون عرضا عاما لجميع أفراد الأعم.. وتوضيحه أن الوجود بمعنى مبدأ الآثار الذى هو أعم من الوجود بمعنى الكون فى الأعيان، له فردان كما قالوا أحدهما الله تعالى وليس هو بمعنى الكون فى الأعيان، والفرد الآخر وجود الممكن الخاص الذى اجتمع فيه المعنيان معنى مبدأ الآثار ومعنى الكون فى الأعيان’ وهذا الفرد الثانى يندرج مع سائر الوجودات الخاصة للممكنات تحت كلى ثان هو الوجود بمعنى الكون المطلق فى الاعيان ولكن لا يلزم من اندراج الفرد الثانى تحت كلى ثان أن يندرج الفرد الأول أيضا تحت هذا الكلى ولو بأن يكون عرضا عاما له. فإذا كان أحد الاثنين من زيد وعمرو اللذين هما فردان للانسان الكلى مندرجا تحت كلى آخر مثل الزنجى ولنفرضه عمرا، فهل يلزم من مشاركة زيد له فى الانسانية أن يكون هو أيضا زنجيا وهذا ظاهر لا مرية فيه.
وإنى كما لا أسلم للفاضل السيلكوتى بكون الوجود بمعنى المبدأ فى الواجب مقتضيا للوجود بمعنى الكون المطلق فى الأعيان، لا أسلم له خصيصا باستقلال الوجود الواجب بمعنى المبدأ فى ذلك الاقتضاء الذى توسل به إلى إثبات كون الوجود الذى هو الله قائما بنفسه وموجودا واجب الوجوب، وإنما يسلم باستقلاله فى اقتضاء الوجود بمعنى الكون بعد ثبوت كون الوجود بمعنى المبدأ الذى هو الله، قائما بنفسه وموجودا واجب الوجود فيكون استناده فى صدد إثبات هذه الأمور للوجود الذى هو الله، إلى استقلال اقتضائه إياها مصادرة على المطلوب. وجد غريب أن يكون الوجود بمعنى المبدأ فى الله قائما بنفسه وموجودا واجب الوجود ولا يكون بالمعنى نفسه فى الممكن قائما بنفسه وموجودا واجب الوجود . فإن كان منشأ هذا الفرق أن هذا الوجود فى الله غير محتاج إلى علة فاعلة ولا موصوف، بخلاف وجود الممكن المحتاج إليهما، قهم القائلون بهذا القول الفارضون فرضا ويجىء واحد فيفرض ان وجود الممكن أو بالأصح ما يسمونه ممكنا قائم بنفسه وموجود واجب الوجود، وليس بمحتاج إلأى موصوف ولا إلى فاعل موجد، لأن كون الوجود قائما بنسه وموجودا واجب واجب الوجود بلزم ان يكون مقتضى ماهية الوجود يلزم أن يكون موجودا قائما بنفسه واجب الوجود، ولهذ ذهبت الصوفية الوجودية إلى أن كل وجود فى كل موجود واجب الوجود ولا وجود ولا موجود غيره، وكان معهم الحق بعد أن كانت حقيقة الله الوجود ... أعنى أن منطق المذهب القائل بتعيين حقيقة الله على أنها الوجود يقتضى القول بهذا أيضا وإن القول الأول والثانى باطلين معا، إلا أن الصوفية الوجودية الوجودية مشوا على منطق الباطل الأول والفلاسفة الذين هم مخترعو ذلك الباطل لم يمشوا على منطقه إلى آخره فأفسدوا المنطق بما أنهم جعلوا لباطلهم حدا وقفوه عنده، وكذلك الذين اتبعوهم- وياللأسف- من محققى المتكلمين. وكان أيضا من حق مذهب الفلاسفة فى هذه المسألة أن يستغنوا به عن الاستدلال على وجود الله بأدلته العقلية المعروفة إن كانوا موقنين بصحة مذهبهم هذا المعين لله الحقيقة الضامنة له الوجود ووجوب الوجود كما استغنت الصوفية الوجودية القافية على آثارهم فى أساس المذهب. وزيادة على ذلك فإن دليلهم هذا لو اعتصموا به كان دليلا لميا أفضل من الأدلة السابقة الذكر كلها لكونها أدلة إنية. لكنهم مع ذلك لو اعتصموا به كانوا يتنبهون على المصادرة التى يتضمنها، إما من تلقاء أنفسهم عند نظرهم فيه نظرة المستدل فى دلياه زإما بتنبيه ممن يناقشهم عليه.
وأيا ما كان الحال أعنى سواء نُظر إليه كدليل لى لاثبات الواجب أو تحليل لكيفية وجوب الوجود، فهو لا يجاوز أن يكون مناورة كلامية يُستغرب الاقتناع به من أفاضل العلماء المحققين كالدوانى والسيلكوتى والكلنبوى فهم يسمون الله وجودا بالمعنى الذى ابتدعوه وهو مبدأ الآثار ثم يشتقون منه الوجود بالمعنى المعروف أى الكون فى الأعيان ويدَِعون عدك انفكاك الثانى من الأول ويستنبطون منه وجوب وجوده وقد فعل العلامة التفتازانى قبلهم مثل فعلهم فى أسلوب آخر أبسط من أسلوبهم. وكل هذا يشبه ما اخترعه بعض قلاسفة القرون الوسطى الإلهيين من الاستدلال على وجود الله من مفهوم "الل" وهذا الدليل المسمى بالدليل اللمى والدليل الوجودى تقبله الفيلسوف "ديكارت" وقرره هكذا: " إن الله تعالى حائر لجميع الكمالات فيلزم أن يكون موجودا لأن الوجود كمال" وانتقده " كانت" وكان "سنت آنسله م" مخترع هذا الدليل قرره قبل "ديكارت" هكذا " إن الله تعالى موجود فى الذهن على أنه لا يتصور من هو أكبر منه، فهذا الموجود الذهنى يلزم أن يكون موجودا فى الخارج أيضا وإلا لزم إمكان تصور من هو أكبر منه، وهو الذى لا يتصور أكبر منه ويكون موجودا فى الخارج، وقد كنا فرضنا أنه لا يتصور أكبر منه فهذا خلف" وكان الراهب " غونيلون" ألف فى نقد هذا الاستدلال رسالة لم يردها عليه مخترع الدليل بجواب شاف. وانتقده أيضا " سن طوماس" و"غاساندى" والحق أن ذلك الاستدلال لم يكن سوى مغالطة كما قال ناقده الأول: " لو تخيلت فى ذهنى جزيرة بديعة لا يتصور أبدع منها وأحسن فهل يلزم وجود هذه الجزيرة فى الخارج بمجرد ّأن كمالها المفروض يقتضى ذلك".
والعجب أن صديقى الدكتور عثمان أمين أستاذ الفلسفة بجامعة فؤاد فى كتابه ديكارت، والأستاذ الكبير محمود العقاد فى كتابه " الله" ، وقعا مع الواقين فى غلط الفهم قاصرا فأصرا فى ادعاء كون الدليل على وجود الله أقوى وأدق أدلة ديكارت فى هذا الموضوع ولم يكفهما عن اقتفاء آثار المنخدعين به تنبيهات المتنبهين لعدم صحته. وقد سبق منا تحليل منشأ الغلط فى الانجذاب بهذا الدليل التاريخى الفاسد (ص 224-228 الجزء الثانى) تحليلا منطقيا أرجو أن لا ينخدع به أحد بعده. وكأن الذين يستنبطون الدليل على وجود الله من اتصافه بجيع الكمالات التى من جملتها وفى طليعتها أن يكون موجودا، فيقولون ويقتدى بهم الأستاذان: الله موجود بالضرورة. وفى هذا القول أربع جمل أولاها دعوى وأخخراها النتيجة والثانية والثالثة صغرى وكبرى يتألف منهما القياس المنطقى الذى متى كان صادقا بكلا جزئيه لزمه صدق النتيجة أيضا. لكن صغرى هذا القياس وهى أن الله تعالى متصف بجميع صفات الكمال قضية موجبة يتوقف صدقها على وجود موضوعها الذى هو الله مع أن كون الله موجودا أول المسألة وعين الدعوى التى نحن بصدد إثباتها بهذا الدليل المؤلف من الصغرى والكبرى وتوقف صدق الدليل فى أى جزء من جزئيه على صدق الدعوى يكون مصادرة ودورا باطلا.
مذهب الصوفية الوجودية
وهنا فرغنا من الكلام على مذهب الفلاسفة الذى أرجو قد تبين القارىء أنه أساس مذهب الصوفية الوجودية أعنى مذهب وحدة الوجود والآن نعود إلى فس المذهب الصوفى. وكان آخر مقالنا عن مذهب الفلاسفة القائلين بأن حقيقة الله الموجود أنه إن صح هذا الحكم بتعيين الوجود ماهية لله تعالى يلزم أن يكون كل وجود فى كل موجود عبارة عن الله كما تقول الصوفية إن كل موجود موجود بوجود الله أو بالأصح الوجود الذى هو الله. وليس معنا هذا نفى وجود العالم المحسوس وتكذيب واسنا الشاهدة بوجوده وإنما معناه أن المحسوس والمشهود هو الله فى صورة العالم أى أن خطأ لناس الغافلين ليس فى ظن غير الموجود موجودا بل فى معرفة حقيقة هذه الموجودات، فيلزم على قول الصوفية الوجودية الاتحادية أن يكون كل موجود نراه ونزعمه غيره هو الله نفسه. فأين الاستاذ فرح أنطون منشىء مجلة " الجامعة" الذى ناظر الشيخ محمد عبده وادعى أن العقل لا يقبل وجود الله لكونه غير منظور؟ والحال أن كل موجود ومشهود فى العالم هو الله فى مذهب وحدة الوجود، وهذا إشراك أوسع نطاقا منه، ولا توجد عقيدة فى الدنيا أشد مخالفة لشرعة الإسلام وعثيدة التوحيد من هذه الفكرة. ؟ الا ان شدة بُعدها عن الاسلام بل عن الدين مطلقا جعل الناظرين فيه بعيدين أيضا عن التفكير فى مخالفتها للدين. وأصل المسألة أن الذين أسسوا هذا المذهب ملهمين من مذهب الفلاسفة المار الذكر آمنوا بقدر إيمانهم بالله أن حقيقة الله الوجود المطلق ولم يبالوا بما يترتب عليه من المفاسد المتناهية مع العقل والنقل بعد ان أصبح كون جقيقة الله الوجود المطلق عقيدة راسخة فى قلوبهم غير قابلة للتزلزل. فتلك العقيدة حقيقة أولية عندهم يُنظر إلى كل شىء بمنظارها وتذاب نصوص الكتاب والسنة فى بوتقتها. وزيادة على هذا فإن ادعاء هواة تلك العقيدة أن كمال التوحيد فيها مع كون التوحيد وإياها على طرفى نقيض، خيل لمحسنى الظن بأصحاب هذا المذهب أنهم يعظمون الله حق التعظيم بتنزيل وجود ما سواه منزلة العدم، ففى مذهبهم كمال التوجه إلى الله وكمال الإعراض عما سواه ففيه الفناء فى الله وفيه كمال التدين.. كلا الحواس بوجوده ولا يعتبرون الله موجودا وحيدا مفترقا عن العالم وغيره من الموجودات مفترقا عن الله، معدوما .. وإنما ينظرون إلى وجود هذه الموجودات كلها على أنه وجود الله فهذا هو محل الدقة فى مذهبهم ومحل اختلافه عن مذهب المسلمين: أما تنزيل وجود ما سوى الله بالنسبة إلى وجوده منزلة العدم فهو مذهبنا نحن المسلمين وجميع من يقدرون وجود الله حق قدره من أهل الأديان والعقول، والوجوديون يعيبون مذهب التنزيل هذا مدعين أنه مذهب المجاز كما قال الغزالى وقد سبق نقله " ترقى العارفون من حضيض المجاز إلى ذروة الحقيقة الخ" ويعجبنى فى تنزيل وجود العالم منزلة العدم بالنسبة إلى وجود الله قول " سن طوماس" من فلاسفة القرون الوسطى المسيحيين: "ان الله مع كونه متمايزا عن مخلوقاته فهو مع العالم لا يكون مجموعهما أكبر من الله وحده".
بداية صفحة 151
و مما يدخل في مذهبنا أن من رآى الكائنات فكأنما رأى الله من حيث دلالة وجودها على وجوده دلالة ظاهرة ، فنحن لا ننكر هذا و إنما ننكر أن تكون صلة العالم بالله فوق صلة الدليل بمدلوله و المخلوق بخالقه فيكون وجوده عين وجوده.
و هناك مذهب يشبه مذهب وحدة الوجود وليس به و هو مقبول عندنا ، و ربما خلط أحد المذهبين بالآخر من يظن بالصوفية الوجودية خيرا مع أن هذا الأخير جدير بأن يسمى وحدة الشهود لا وحدة الوجود و قد اختاره العلامة التفتازانى في " المقاصد " و هو أن الوجود كثير كالموجود إلا أن السالك إذا انتهى إلى بعض المراتب يضمحل عنده وجود الممكنات و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام , لكن الوجودية الغلاة الذين أسسوا مذهبهم على أساس مذهب الفلاسفة القائلين بأن حقيفة الله الوجود كما عرفت تفصيله ، لا يرضون بهذا المذهب المعقول. قال الفاضل بهاء الدين العاملي في رسالته التي خصصها لتحقيق مذهب الوجودية و تأييده.
"فإن قلت فما بال طائفة من الصوفية أنكروا هذا التوحيد ( يعني توحيد الوجود و الموجود ) و قالوا بغلبة المشهود على الشاهد و استتار وجود الشاهد بنور المشهود مثل استتار الكواكب بضياء الشمس و اختفاء صورة الحديدة المحماة و كونها في صورتها النارية الغالبة عليها ، أقول : الطائفة الأولى يردون هذا القيد بما يردون به قول أهل الظاهر و يقولون هذا ذوق من لم يصل إلى درجة الفناء التام و لم يتموا سلوكهم فبقوا قاصرين و لم يطلعوا على الحقيقة إذ لم يجدوا ناصرين و لم يتساءلوا عن النبأ العظيم و لم يعلموا أن فوق كل ذي علم عليم و لم يشعروا أن فيما ذهبوا إليه رائحة الحلول كما يدل عليه بالحديدة المحماة فإن التجلي قبل أن يفني التعين فناء تاما و يمحي الرسم محوا كاملا يري الشاهد وجوده و أنانيته باقيا و المشهود قد استولى على وجوده بعض الاستيلاء مع بقاء الاثنينية بين الشاهد و المشهود. فهذا لا يخلو عن الحلول " ثم قال : " و أما إذا
بداية صفحة 152
كمل التجلي فنيت الأنانية فناء تاما ثم بقيت ببقاء المشهود إذ يرى نفسه في طور آخر و يجد ذاته وجدانا صريحا ساريا في الكل و محيط بالكل بل يجدها عين الكل. فهناك لا يغيب عن حسه و نفسه حتى يكون الاختفاء اختفاء الكواكب. و ما ذاقته الطائفة الثانية فقد ذاقته الفرقة الأولى في مبادئ أحوالهم ثم بلغوا التوحيد بعد مجاهدات شاقة و مشاهدات غريبة. فالاعتماد على مشاهداتهم و وجدانهم لا على زعم هؤلاء و حسبانهم "
ثم قال : " و في التوحيد قال ابن الفارض :
و في الصحو بعد المحو لم أك غيرها و ذاتي بذاتي إذ تحلت تجلت
و ما ذات إياها و إياي لم تزل و لا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت
متى حلت عن قولي أنا هي أو أقل و حاشا هواها أنها في حلت
و ليس معي في الملك شيء سواي و المعية لم تخطر على الألمعية "
و ربما تقرأ في كتب من لا يعترفون من أنصار المذهب الوجودي بمخالفته للإسلام أن الممكنات قائمة بوجود الله غير قائمة بوجود أنفسها (1) و ليس مرادهم من هذا استناد وجود الممكنات إلى وجود الله بمعنى أنه لولا وجود الله و إرادته لوجود الممكنات ما كانت موجودة في لحظة عين ، لأن هذا أيضا مذهبنا لا مذهبهم و إنما معناه أن وجودها وجوده و لا وجود لها غير وجوده فالموجود في كل شيء وجود الله لا وجود ذلك الشيء نفسه (2) و هذا مقتضى كون حقيقة الله تعالى الوجود عند الفلاسفة و الصوفية
هامش صفحة 152
(1) يفهم من هذا أن الوجود لا يقوم بالماهية بل الماهية تقوم به عند الصوفية و من يجمع في نفسه مذهبي الصوفية و الفلاسفة معا كصدر الدين الشيرازي صحب " الأسفار الأربعة " على عكس ما هو معروف عند المتكلمين و الفلاسفة و سنزيد في توضيح الأمر.
(2) و ليس معنى وجود الله في كل موجود بدلا من وجود ذلك الموجود إلا أنه الله في الحقيفة ، و لا أقل من أنهما متحدان في الوجود فكل شيء من حيث أنه موجود هو الله و إن لم يكن الله من حيث أنه ذلك الشيء بناءا على أن ذلك الشيء لا وجود له على أنه وجوده.
انتهى الهامش
بداية صفحة 153
الوجودية و إن كانت الفلاسفة أحجموا عن القول بهذا المقتضى وثبتت الصوفية في القول به.. فوجود الله عندهم يستوعب كل الوجودات و لا يترك لغيره وجودا و لا رائحته. و مقتضى هذا المذهب أيضا أن الموجود في كل شىء هو الله كما قال " متره أفكار " من فلاسفة القرون الوسطى الباطنيين الاتحاديين : " إن الظمآن لا يشرب إن لم يجد فيما يشربه علامة من الله ".
و هم يسمون مذهبهم الوجودي مذهب التوحيد لكونهم يردون جميع الموجودات إلى موجود واحد. و لكنا إذا نظرنا من ناحية أخرى ففيه تعديد لذلك الموجود الواحد و توسيعه إلى جميع ما سواه ، و توحيد الله التوحيد الشرعي و الفلسفي و تعظيمه إنما يكون بتمييزه أولا في ذاته و وجوده عما سواه لا في جعله متحدا مع كل شيء و مندمجا فيه أو جعل كل شيء متحدا معه و مندمجا فيه ، و لا يكون إكبار الله و اعتباره فوق كل شيء اعتبار وجود كل شيء وجوده ، فما هذا إلا تلبيس في معنى التوحيد و إقامة الاتحاد مقامه. و المقصود من توحيده اعتقاد أنه وحيد في ألوهيته و وجوب وجوده لا يشاركه فيهما شيء من خلقه. فالقول باختلاط وجوده مع وجود كل شيء و إفناء أحد الوجودين في الأخر أيا كان الفاني منهما يخالف مغزى التوحيد طبعا و كيف يمتاز الإله من المألوه و الخالق من المخلوق في مذهبهم ؟ و لذا قالوا " العبد رب و الرب عبد ياليت شعري من المكلف؟ " و كان الوثني يشرك بالله غيره فجاءت الصوفية الوجودية فجعلت كل شيء مما جعله الوثنيون شريكه و ما لم يجعلوه ، عينه. و لا شك أن عقيدة العينية هذه أشد من عقيدة الاشراك بطلانا و طغيانا ، فأولا أنهم يجعلون ما جعلوه شريكا عينه و ثانيا أن المشركين يشركون بالله أشياء معدودة و هؤلاء الوجوديين يجعلون كل شيء عينه الذي هو فوق الشريك ، فقول بهاء الدين العاملي في رسالته الخاصة بوحدة الوجود:
" إذا كان الواجب تعالى واحدا شخصيا جزئيا لكان مباينا لجميع الموجودات
بداية صفحة 154
و يكون كل من الموجودات موجودا بوجود أصيل مستقل فيلزم اشتراكهم في الوجود الواجب و ذلك ينافي كمال التوحيد و يلزم أن يكون الواجب تعالى في اضيق المراتب إذ التعين المانع عن تصور الشركة أضيق المراتب و ذلك ينافي كونه واسعا كما وصف نفسه بالوسعة بقوله " واسع عليم ".
فن من فنون الجنون كحال من يفر من المطر إلى منزل الصاعقة. انظر عقولهم القصيرة حيث لا يجيزون وجود الموجودات بإيجاد الله تعالى احترازا عن كونها شركاء لله في الوجود فيعتبرونها عين الله. و من قال لهم إن وجود الحادث الموجود بإيجاد الله يكون واجبا و من أين يدرون أن الوجود لا يكون إلا واجبا لولا زعمهم أن الوجود هو الله تقليدا للفلاسفة ؟ ثم انظر هؤلاء الذين يعدون القول بوجود غير الله إشراكا كيف يناقضون أنفسهم فلا يعجبهم تعين الله و تفرده المانع عن تصور الشركة لكونه أضيق المراتب ، على الرغم من أن أضيق المراتب هذا هو الوحدانية المطلوبة. فلا يعجبهم التوحيد إذن بحجة أنه يجعل الله في أضيق المراتب و يرضيهم تصور الشركة و توسيع ذات الله إلى أن يجعلوه كل شيء !. و الله تعالى واسع بعلمه و قدرته كا قال " واسع عليم " .. فإذا لم يكن الله موجودا متعينا غير وجوده المنبسط على الأشياء العالمية المحسوسة فلأن تكون هذه الاشياء موجودة و لا يكون لله وجود غير وجود تلك الأشياء ، أقرب إلى العقول من أن يكون الله موجودا في صورة بلك الأشياء و لا يكون لتلك الأشياء وجود غير وجود الله.
فيجب على من يريد العلم بحقيقة مذهب الصوفية الوجودية أن يعلم أنهم لا يرضون بكون مذهبهم عبارة عن أن يغيب ما سوى الله في نظرهم من ساحة الوجود و يبقى وجه ربك مشهودا و هذا هو الذي نسميه وحدة الشهود و الذي يعدونه مرتبة ناقصة. و ليس مذهبهن أيضا نفي وجود العالم بتاتا على معنى إنكار هذه المحسوسات و قد صرحوا
بداية صفحة 155
بنفي هذا الإنكار عن أنفسهم. قم إن العالم دليل على وجود الله فإعدانه يتناقض مع وجود الله ، و إنه أي العالم واجب بالغير .. فهو كما أنه يجب عدمه لو لم يوجد الله ، يجب وجوده إذا كان الله موجودا و دل وجوده على وجوده. فتعين أن يكون مذهبهم اتحاد العالم مع الله فالذي نراه من الموجودات فوجودها وجود الله في صورة الأشياء إذ لا وجود لغير الله و هذا معنى عدم وجود العلام عندهم .. و كثيرا ما يعبرون عنه بهذه الكلمة الفارسية : " همه اوست " و لكون مرادهم من دعوى وحدة الوجود توحيد جميع الموجودات مع الله لا نفي وجود المودودات و الاعتراف يوجود الله وحده ، صرح صاحب الفصوص بأن النصارى إنما أخطأوا لحصرهم الألوهية في المسيح ابن مريم كما يسجيء نقله.
قد علم مما سبق ما يترتب على القول بأن ماهية الله الوجود من لزوم أن يكو كا وجود في كل موجود هو الله و إن أبي الفلاسفة و أنضارهم من القائلين بذلك القول أن يعترفول بلازمة المرتب عليه متقهقرين إلى تأويلات و تفسيرات بعيدة في محمل لفظ الوجود ، و اجترأت الصوفية على القول بلازمه أيضا. فعندئذ قد يزعم زاعم أن يكون كل موجود في العالم على مذهبهم متضمنا لجزء من الله الذي هو الوجود و يكون الله كل هذه الموجودات المجموعي. و ربما يجد تأييدا لهذا الزعم في ظاهر القول المنقول ن " الأسفار " من قلل : " إن الله كل الوجود كما ان كله الوجود " و إليه يميل مذهب الاتحاديين الغربيين " يانتائيزم " لكن الظاهر عند فحص أقوال الصوفية الوجودية المعدودين من المسلمين و درسها أنهم يعتبرون ألله مطلقا و كليا لا كلا و الموجودات أشبه بأن بكون أفراد الكلى منها بأن تكون أجزاء الكل ، و معناه أن كل موجود مستقل في أن يكون الله الوحيد لا في الألوهية فقط بل في الموجودية أيضا ، و هنا دقة المسألع و غموضها فكا موجود هو الله و مع هذا فالله واحد لا يتعدد ، و ليس هذا مثل أقانيم المسيحية الثلاثة حيث إن الله ثلاثة و واحد معا و إن كان بين المسألتين تشابه زائد لأن
بداية صفحة 156
إله الصوفية الوودية ليس واحدا و متعددا معا و ليس للوجود الكلي الذي هو الله أفراد مختلفة الحقائق متعدة بعدد الموجودات بل ليس هناك موجودات و إنما كلها ذات واحدة و موجود واحد ظهر في صور مختلفة و ظن موجودات متعددة. فيرد عليهم الإشكال في وجود الكلي زيادة على الإشكال في وجود الوجود و الوجود ليس بموجود مستقل فردا بله أن يكون موجودا كليا إذ الكبى لا وجود له في الخارج و إنما الموجود أفراده الجزئية. فالفلاسفة القائلون بأن حقيقة الله الوجود المتفقون في هذا القول مع الصوفية الوجودية يفترقون عنهم في القول بكلية هذا الوجود افتراقا تاما لسببين أولهما أن الله تعالى إذا كان كليا لا يمتنع تصور اشتراكه لين كثيرين و هو مناف للتوحيد الذي ادعوا بلوغ الغاية فيه (1) و ثانيهما انه لا وجود للكلى في الخارج غير وجود أفراده مغ أنه ليس لله أفراد فيلزم أن لا يكون الله الذي هو الوجود الكلي موجودا كما أن الانسان الكلي الذي يمكن فرض صدقه على كثيرين لا يوجد في الخارج و إنما يوجد أفراده الجزئية المتعينة مثل زيد و عمرو و غيرهما. لكن القائلين بوحدة الوجود يعكسون الأمر و يدعون وجود الكلي في الخارج دون وجود افراده ف:ان الموجود في الخارج مثلا هو الحقيقة الانسانسة الواحدة بالوحدة النوعية و الكثرة العارضة لها من أقرادها المنكثرة بالتعينات المختلفة لا اعتداد بها بناء على ان تلك التعينات التي هى مدار تكون الاضخاص الجزءية غير موجودة في الخارج على ما حقق في خحله ، فيلزم عدم وجود الأشخاص الجزئية أيضا. فالموجود هو الكلي و الجزئيات أمور اعتبارية غير موجودة.
هامش صفحة 156
(1) و لا يقاس هذا بما يقوله المنطقيون من أن واجب الوجود كلي لإمكان فرض اشتراكه بين كثيرين بالنظر غلى مفهومه المجرد عن ملاحظة دليل الوحدانية ، لأن القول لكلية واحب الوحود ليس قولا بكلية الل الذي هو الفرد الوحيد لواجب الوجود الكلي و إنما هو قول ناشيء من عدم إمكان تصور الله الذي لا تعلم حقيقته إلا بوجه كلي.
انتهى الهامش
بداية صفحة 157
نبنية على أمور اعتبارية غير موجودة عكس ما يعرفه أهل المعقول من الفلاسفة و المتكلمين.
و اعتبارهم الله كليا معروف فيما بينهم حتى إنهم لجأوا من هذا إلى ادعاء وجود الكلي الطبيعي في الخارج و مع هذا فالله الذي هو الوجود المطلق الكلي واحد بالوحدة الكلية و الشخصية معا عندهم كما يقتضيه أيضا وجوده في الخارج. أما الاعتراض عليه بأن الشيء العيني لا يقع على أشياء متعددة فإنه إن كان في كل واحد من تلك الأشياء لم يكن شيئا بعينه بل أشياء ، و إن كان في الكل من حيث هو كل و الكل من هذه الحيثية شيء واحد لم يقع على أشياء متعددة بل على مجموعها مع أن المفروض كونه كليا لا كلا ، فقد أجيب عنه بأن معنى تحقق الحقيقة الكلية في أفرادها تحققها تارة متصفة بهذا التعين و أخرى بذلك التعين ، و هذا لا يقتضى عدم كونها شيئا بعينه بل أشياء كما لا يقتضي تحول الشخص الواحد في أحوال مختلفة بل متباينة كونه أشخاصا. و قد نقل الفاضل الجامي هذا الحواب في " الدرة الفاخرة " عن العلامة شمس الدين الفناري كبية علماء الدولة العثمانية في شرحه "لمفتاح الغيب " و قال الكلنبوي بعد أن نقل عن أثير الدين الأبهري أنتهاء المسألة إلى إمكان تصور الوحدة الكلية الشخصية أو عدم إمكانه : " إنه لا ينفذ عقله في إمكان التأليف بين الكلية و الوحدة الشخصية و لو نفذ لقال بوحدة الوجود " و عدم إمكان هذا التأليف هو الذي أنسى البهاء العاملي كون الله واحدا شخصيا أو بالأولى وحوب كونه كذلك في أي مذهب من المذاهب الإسلامية فقال كما نقلنا عنه من قبل قولا تخبط فيه تخبطا ظاهرا. و في الغرب اليوم نضال بين مذهبى الإله المشخص و الإله غير المشخص و الثاني راج في فلسفة الألمان في العصر التاسع عشر الميلادي و لم يدع أحد في الغرب التأليف بينهما إلى الآن ، في حين أن دعوى التأليف قديمة في الصوفية. و نعم ما فال " من دوبيران " :
بداية صفحة 158
" إن للعلم قطبين أحدهما " أنا " الشخصى الذي يذهب دائما منه و الآخر " الله " الشخصي يوصل دائما إليه ".
هذا ، و يمكن عندي تجريد دعوى وحدة الوجود عن القول بكلية الله و به يخلص مذهبهم عن الجمع بين الضدين إن سلمت دعوى كون جميع الموجودات موجودا و احدا ظهر في صور مختلفة كما قيل :
و ما الوجه إلا واحد غير أنه إذا أنت عددت المرايا تعددا
و كما مثله الفناري في جوابه السابق يتحول الشخص الواحد في أحوال مختلفة بل متباينة. إلا أن الشخص الواحد يتحول في أحوال مختلفة في أزمنة و هنا يتحول الموجود الواحد في أحوال مختلفة من غير اختلاف الزمان. فبعد أن سلم لهم بعدم تعدد أفراد الموجود الواحد بتعدد صوره و مظاهره ، لا أدري لماذا يحتاجون إلى القول بكلية هذا الموجود من غير وجود أفراد له. فبعد أن سلم كونى أنا وكونك أنت شخصا واحدا و كذا هذا الشيخ مع ذلك الصبي بل هذا الرجل مع هذه المرأة والزوج مغ زوجته والوالد مع ولده (1) و الكافر مع المؤمن والمتحرك مع المقتول والفاعل مغ المفعول والسعيد مع الشقي والمنعم في الجنة مع المعذب في جهنم و صاحب عقلية مع منكرها و هذه النملة مع ذاك الفيل و هذه الخردلة مع ذاك الجبل و البحر مع البر و الحلو مع المر و الطاهر مع النجس والأرض مع الشمس كلها موجودا واحدا ظهر في صور مختلفة بل متباينة و هو الله , تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ؛ فبعد أن سلم كل ذلك مما يخالف بداهة العقل و جوز ظهور شخص واحد في زمان واحد في أمكنة مختلفة مشتغلا
هامش صفحة 158
(1) ادعى صاحب " الفصوص " في فص إدريس أن سيدنا آدم لما نكح حواء ما نكح إلا نفسه و أن سيدنا إبراهيم ما ذبح إلا نفسه تظهر يصورة كبش من ظهر في عالم الرؤيا بصورة إنسان.
انتهى الهامش
بداية صفحة 159
في كل منها بغير ما اشتغل به في الآخر على ما ادعى الجامى وقوعو فيما يروي عن قضيب البان الموصلى ، لم تبق الحاجة إلى القول بالكلية و تأليفها مع الشخصية ، و إنما يبقى الإشكال في تأليف دعوى كون الأشخاص المتعددة في مشاهدة الحواس شخصا واحدا من حيث العين و الحقيقة ، ببداهة العقل لأنها ترجع إلى رفع امتياز الجزئي الحقيقي بامتناع تصور اشتراكه بين كثيرين ، وإنما يحصل امتناع تصور الشركة هنا بالصورة التي ذكرها الجامي حيث قال :
" لا يخفى على من نتبع معارفهم المثبتة في كتبهم أن ما يحكى من مكاشفاتهم و مشاهداتهم لا يدل إلا على إثبات ذات مطلقة محيطة بالمراتب العقلية و العينية منبسطة على الموجودات الذهنية و الخارجية ليس لها تعين يجامع التعينات كلها و لا ينافى شيئا منها و يكون عين ذاته غير زائد عليه لا ذهنا و لا خارجا إذا تصوره العقل بهذا التعين امتنع عن فرضه مشتركا بين كثيرين اشتراك الكلي بين جزئياته لا عن تحوله و ظهوره في الصور الكثيرة و المظاهر الغير المتناهية علما و عينا و غيبا و شهادة بحسب النسب المختلفة و الاعتبارات المتغايرة ".
أقول : لكن معنى هذا أن تلك الذات تتعين بأن لا تتعين تعينا يمتنع معه فرض اشتراكها بين كثيرين كما قيل :
قوم يكون أصح ميثاق لهم أن لا يكون لديهم ميثاق
و قال العاملي في رسالة " الوحدة الوجودية " إنهم لا ينكرون التعدد فكيف ينكرون المحسوس الظاهر الذي لا يتمكن من إنكاره الأطفال و المجانين بل ينكرون تعدد الوجود و الموجود و يقولون لا موجود إلا الوجود الواحد و مع ذلك يتعدد بتعدد التعينات و الظهورات تعددا حقيقيا واقعا في نفس الأمر لكن ذلك التعدد لا يوجب
بداية صفحة 160
تعددا في ذات الوجود كما أن تعدد أفراد الإنسان لا يوجب تعددا في حقيقة الإنسان ".
و قال أيضا : " يقولون لا ننكر التعدد بل نقول هو أمر واحد موجود ظهر في صور مختلفة متكثرة بانضمام اعتبارات غير موجودة كما أنكم تقولون بتكثر ماهية الانسان في صور أفراد مختلفة متعددة بانضمام تعينات اعتبارية غير موجودة ".
أقول : قياس قولهم بتكثر الموجود الواحد بتعينات متعددة و ظهورات في صور مختلفة على قولنا بتكثر ماهية الإنسان و هي واحدة ، في صور أفراد متعددة بانضمام تعينات اعتبارية غير موجودة إليها ؛ قياس مع الفارق لأنا لا نقول بوجود ماهية الإنسن الكلية في الخارج مستقلة عن وجود أفرادها فليس هناك تكثر الموجود الواحد و هم يقولون بأن الوجود المطلق موجود واحد يتكثر في تعينات و ظهورات مختلقة / ففى قولهم الكلي موجود وهو الوجود المطلق و الجزئيات غير موجودة و في قولنا الأمر بالعكس و في الحقيقة أن الواحد و الكثير إن لم يكونا غيرين يجب أن يكون أحدهما غير موجود ليتدرج في الآخر قالوا حد لا يكون كثيرا من دون أن يكون الثاني غير الأول فتنتقض الوحدة أو يكون أحدهما غير موجود و الموجودان لا بد أن يكونا غيرين. فنحن نقول للتأليف بين كثرة أفراد الإنسان و بين وحدة الماهية الكلية الإنسانية : إن الكثير موجود في الخارج و الواحد الكلي غير موجود في غير الأذهان و إنما وجوده بوجود أفراده. و هم يقولون للتأليف بين وحدة الوجود المطلق الذي هو الله و كثرة الموجودات المحسوسة : إن الواحد موجود و الكثير غير موجود و إنما ذلك الواحد ظهر في تعينات متعددة و صور مختلفة. لكن بداهة الحس التي لا يستطيعون إنكارها تشهد بما قلنا و لا نشهد بما قالوا. فأفراد الإنسان كثيرة و موجودة بشهادة الحس وليست هذه الأفراد الكثيرة كما قالوا موجودا واحدا ظهر في صور موجودات ، أعني أن الحس لا يشهد بهذا. و اعترافهم " بتعدد حقيقى واحد في نفس الأمر " أيضا يناقض قولهم بكون الكثرة
اعتبارية غير موجودة , فهل يصح أن يجرى الحمل المتواطئ بين الواحد الموجود والكثير غير الموجود في قولهم من الواحد والكثير فيقال الله زيد وعمرو وشمس وقمر وسمك وطير وجبل ونهر , كما يجرى بين الكثير الموجود والواحد غير الموجود في قولنا عن الماهية الكلية وجزئياتها بأن يقال زيد إنسان وعمرو إنسان وهذا الحيوان فرش والنيل نهر والقاهرة مدينة .. فان لم تكن الكثرة موجودة في الخارج ولم تكن غير الموجود الواحد إلا بالاعتبار لزم أن يجوز القول بأن الله زيد وعمرو وغيرهما كما جاز القول بأن زيدا إنسانا وعمراً إنسان الخ .
ويجدر بنا التنبيه هنا على أن فكرة الوجود لم تحصل في معتنقيها بالكشف والتجلي كما يزعمه الزاعمون , ألا يرى أصحابها وأنصارهم يسعون لإدخالها في دائرة المعقولات والنظريات فيقنعون بها مع أنفسهم من يقنعون , حتى إذا عجزوا في آخر مرحلة النقاش يتحولون عن موقعهم العلمي ويقولون هذا أمر وراء طور العقل فقل لهم : والنقل أيضا .
بقى أنه يحتمل أن يستخرج من قولهم في القياس المار الذكر بين مذهبهم في مناسبة المحسوسات بالله ومذهبنا في مناسبة الأفراد الجزئية بالماهية الكلية , استبعاد حصول المعقولات الخارجية التي نحن قائلين بها من المعدومين وهما الماهية الكلية والتعينات الجزئية لأن كلا منهما غير موجود في الخارج عندنا أما عندهم فالتعينات غير موجودة فقط ولم تحصل الكثرة من انضمامها إلى الوحدة الكلية الموجودة .
وأنا أقول هل من اللازم أن يخلق الله الموجودات من الموجود ؟ فحسبنا أن يكون الموجد موجودا.
وهكذا يخلق الله كل شيء من العدم بل هكذا يكون الخلق والإيجاد الذي هو من الأفعال الخاصة بالله تعالى وإن كانت عقول الوجوديين الذين ليس في مذهبهم الخلق كما يأتي بيانه , تستبعد ذلك .
(11 ـ موقف العقل ـ ثالث )
نعود إلى النقل عن رسالة (( الوحدة الوجودية )) للعاملي : (( فإن قيل يلزم إنصاف الوجود الحق بالإمكان والحدوث وسائر صفات النقص إذ الإمكان والحدوث وسائر الصفات المحدثة المنقصة الموصوف بها الأفراد الموجودة للإنسان والحيوان والنبات والجماد كلها صفات الوجود الحق على ما قلتموه . يقولون لا نشك أن الوجود الواحد بالذات الكامل بالصفات لا يمكن أن يتصف بالحدوث والإمكان وصفات النقص مع كونه واجبا بالذات وكاملا بالصفات وإنما تلك الصفات للتعينات والظهورات لا للمتعين والظاهر)) .
وأنا أقول : من أغرب الغرائب أن لا يتعلق من صفات النقص التي في التعين والظهور شيء بالمتعين والظاهر مع كون التعين والظهور نفسيهما صفتين للمتعين والظاهر(1) .
ثم قال العاملي : (( ويؤيدون قولهم هذا بتجلي الله تعالى لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام بصورة نار محدودة حالًّة في شجر أخضر وبما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحوله سبحانه من صورة إلى صورة وتجليه لعباده في صور مختلفة كما ورد عنه عليه الصلاة والسلام من حديث التحول فإنه يدل على تجليه سبحانه وتعالى بصورة وهيأة محسوسة تنزيه الله تعالى بالشرع والعقل عنها (2) وكذا قوله عليه
[1] ونقل صاحب (( العلم الشامخ )) ص 457 عن فتوحات ابن عربي أنه ينسب إلى الباري تعالى جميع ما ينسب إلى المخلوقات مما يعده العرف نقصا وأن أ هل الاستدلال ينكرونه لأنهم محجوبون وقال أيضا نقلا عنه 456 أنه لا تعدد إلا نسبيا ولهذا يصح نسبة الجهل إلى الله تعالى بأحد الاعتبارين .
[2] في هذه الجملة اعتراف صريح بأن مذهب الصوفية الوجودية وما يماثله من مذهب المشبهة والمجسمة مخالف للشرع والعقل ولا أدري ماذا يبقى لهم بعد الشرع والعقل ؟ ويشبه هذا الاعتراف من مؤلف الرسالة وهو العالم المشهور بهاء الدين العاملي , اعترافه بقوله في أوائل رسالته بعد أن أطرى الصوفية الوجودية : (( إلا أني لا أجترئ أن أحكم بما حكموا ولا أبرم أمرا ما بما أبرموا حذرا على ديني الذي هو عصمة أمري وأعز علي من سمعي وبصري )) والعجب أن المؤلف يمدح مذهب قوم بعد القول بأقوالهم خطرا على دينه وأظنه وقع فيما يحذره وهو لا يشعر
الصلاة والسلام (( رأيت ربي على صورة شاب أمرد فوضع كفه بين كتفيًّ فوجدت برده بين ثديي )) فإذا جاز تجليه سبحانه وتعالى في صورة شخصية فما المانع من أن يكون سائر الصور الأرضية والسمائية صور تجلياته وشئون ظهوراته )).
أقول : كما أن المتجلي لسيدنا موسى في صورة نار على شجرة هو الله عند الصوفية الوجودية فالمتجلًّى له ( بالفتح ) أعني موسى هو الله أيضا عندهم في صورة موسى ! حتى إن الشجرة التي ظهرت عليها النار التي هي الله , هي الله أيضا قبل ظهور النار عليها وبعده . وكذا كل نار وكل شجرة (1) وكما أن المرئي لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو الله في صورة شاب أمرد فالرائي نفسه أيضاً هو الله في صورة محمد . فماذا إذن حاجة الله الذي هو على صورة موسى في أن يتجلى لنفسه على صورة نار في شجرة ؟ وماذا حاجة الله الذي هو على صورة محمد في أن يتجلي لنفسه على صورة شاب أمرد ؟ ثم ماذا حاجة ًسيدنا محمد في أن يحدث عن رؤية ربه في صورة شاب أمرد كأمر خارق للعادة مع أن كل من يراهم في كل يوم من الشبان والكهول والشيوخ وغيرهم هو الله في صور مختلفة حتى نفس الرائي أيضاً.
ولم تكن النار التي رآها موسى هي الله تعالى ولا ممثلة له ألا يرى أن القرآن يقول : (( فلما رآها [ أي موسى النار ] نودي يا موسى إني انا ربك ... )) ولا يقول(( فلما رآها نادت ياموسى إني أنا ربك )) .
ولصديقنا العلامة الشيخ زاهد في تعليقاته القيمة على (( السيف الصقيل )) ص 98 ـ 98 كلام طويل في حماد بن سلمة راوي حديث (( أن مجمدا رأى ربه في صورة شاب أمرد..)) عن قتادة عن عكرمة . وفي لفظ (( جعد أمرد عليه حلة خضراء ))

[1] وأصل الكل خرافة الوجود الراسخة في أذهانهم المتماثلة بأن الله هو الوجود فكل ما في الوجود إذن فهو الله وقد عرفت مما أسلفنا الأصل الفلسفي لهذه الخرافة
وخلاصته أنه لا يوثق به . وفي ص 135 (( قال أبو بكر بن العربي في العواصم والقواسم )) فيمن يحمل حديث (1) (( .. فيأتيهم في صورة ثم يأتيهم في صورة أخرى )) على التبديل والانتقال والتحول : (( إنه ليس من أهل القبلة بل حكم بخروجه أصلا وفرعا من الملة وحمل الصورة على ظاهرها فضيحة ليس فوقعا فضيحة )) وفيه ص 98 (( وقد توسع الفخرين المعلم القرشي في رد ما يروى عن عكرمة في هذا الصدد ثم قال (( فمعاذ الله أن يرى ربه على صورة أصلا فكيف على صورة قد ذكر مثلها عن المسيح الدجال )) .
ثم قال العاملي : (( فإن قلت أن إن الصور التي تجلى الله تعالى فيها صور حسنة فكيف يقاس عليها الصور ا لتي بخلافها في الحسن والنورانية مثل الأشياء النجسة والمتقذرة ؟ يقولون في الجواب إن نجاسة الأشياء وتقذرها ليست وصفا ثابتا لها في أنفسها فإن كل طبيعة متعينة لها ملائمة بالنسبة إلى البعض ومنافرة بالنسبة إلى البعض الآخر وذلك من آثار ما به الاشتراك وما به الاختلاف الواقع من التعين فأيهما غلب ظهر حكمه من الملائمة والمنافرة والنجاسة الواقعة في بعض الأشياء إنما هي بالنسبة إلى ما يقابلها لا بالنسبة إلى الإطلاق والمطلق , فهي وما يقابلها مما سمي نظافة على السوية بالنسبة إلى المطلق )) .
فهو لا يسلم بقبح القبائح إلا نسبيا وكأنه يقول النجاسة التي يكرهها الانسان يحبها الجعلان أما الحق تعالى الذي هو الوجود المطلق العام للإنسان والجعلان وغيرهما فالنجاسة والنظافة سيان عنده وبالنسبة إليه , تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا .
ثم قال (( فالأحكام الكونية كلها من الألم والتلذذ والسعادة والشقاء والحسن والقبح وأحكام التعينات لا يلزم منها نقص ولا شين للحقيقة الكلية إذ ليس الشين
[1] يريد به حديث المحشر المذكور في صحيح مسلم
والنقص إلا كون ذلك الشيء في معرض الإمكان والحدوث والوجود الحق الواجب في ذاته الكامل في صفاته السابق موجوديته على جميع حالاته ممتنع أن يحوم النقص حول عظمة ذته , فكل ما ظهر في الكون من الكمال فهو من لوازم الجلال والجمال وما طرأ من النقص والزوال فهو من أحكام التعين والتنزل والإنزال كما قال تعالى : ((ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك )).
أقول لكن من ذا أنا الذي من نفسي ما أصابني من مصيبة ؟ فهل من موجود غير الوجود الحق الواجب عند الصوفية الوجودية ؟ وماذا هي التعينات التي ترجع إليها القبائح والنقائص والتي تكون في معرض الإمكان والحدوث ؟ فإن كانت تلك التعينات من حالات الوجود الحق تعالى وتنزلاته كما يفهم من قول المؤلف: (( والوجود الحق الواجب في ذاته الكامل في صفاته السابق موجوديته على جميع حالاته )) ومن قوله (( وما طرأ من النقص والزوال فهو من أحكام التعين والتنزل )) لزم أن يعود القبح والنقص والزوال التي في تلك التعينات , إليه سبحانه وتعالى عما يصفون وإن كانت من حالات غيره لزم حلاف المفروض من عدم وجود شيء غير الوجود الحق .
ثم قال (( فإن قيل فمن المثاب والمعاقب والمنعم والمعذب في الدار الآخرة إذا كان الوجود واحدا ؟ أجيب بأن في الدنيا غنيا وفقيرا وعزيزا وذليلا ومالكا ومملوكا فكذلك في الدار الآخرة )).
أقول : وهذا الجواب ليس بجواب لأن المفهوم منه كما أن في الدنيا أغنياء وفقراء وسعداء وأشقياء وأعزة وأذلة مع أنه لا موجود غير الوجود الحق تعالى فيكون هو الغني والفقير والشقي والعزيز والذليل تعالى الله عما يقول الظالمون جهلة الوجوديين الذين يحسبون أنفسهم عرفاء , فكما أنه في الدنيا كذلك فليكن في الآخرة مثاب ومعاقب ومنعم ومعذب وكلهم موجود واحد هو الوجود الحق . وهكذا يكون الضلال
وقال العلامة الشريف الجرجاني في شرح المواقف عند قول المصنف في بيان أن الوجود مشترك دون الماهية : (( لأن حقائق الموجودات متخالفة بالضرورة وما يقال من أن الكل ذات واحدة تتعدد بتعدد الأوصاف لا غير فالمتقيدون بطور العقل يعبدونه مكابرة لا يلتفت إليها )).
وقال الفاضل السيلكوتي في تعليقاته عليه : (( قائله أهل المكاشفة من الصوفية والحكماء وهو أن كل الموجودات ذات واحدة وهي الوجود البحت المتشخص بالاطلاق عما سواء حتى عن الإطلاق أيضاً ومقابله العدم الصرف لا تميز فيه ولا وصف له فالتميز مختص بالوجود وهو متعدد بحسب الأوصاف الاعتبارية النفس الأمرية الوجوبية والامكانية وله بكل اعتبار حكم عقلي وشرعي وحسي لا يمكن اجراؤه عليه باعتبار آخر والذات البحت منزه عن كلها والأحكام كما تختلف بجسب الاختلاف بالحقيقة تختلف بحسب اختلاف الاعتبار إذا كان مطابقاً لنفس الأمر . هذا هو الكلام المجمل وتفصيله يقتضي بسطا لا يليق بهذا الموضع )).
أقول : العلاوة في قوله (( المتشخص بالاطلاق عما سواء حتى عن الإطلاق أيضاً )) مبالغة في الاطلاق قد تفسده بدلا من أن تؤكده فكأنهم رأوا في الاطلاق أيضا نوعا من التقييد وهو التقييد بالاطلاق فزادوا هذه العلاوة لإزالته . فعندئذ يحتاج الكلام إلى علاوة أخرى بأن يقال حتى عن الاطلاق عن الاطلاق ايضاً وهلم جرا , اللهم إلا أن يراد بالإطلاق الأول معناه المفسر بشرط لا شيء أي بشرط عدم التعين , ويراد بالعلاوة نفي هذا المعنى الذي هو نوع من التقييد إذ لو أريد ذلك من الوجود المطلق لخرج عنه وجود الموجودات المتعينة فلا يكون الوجود واحداً .
وفي قول السيلكوتي هذا ما في قول الجامي من أن الاطلاق بمعناه الأعم لا يكون مشخصا حتى يقال إنه المتشخص بالإطلاق , وكأنه يجيب عن هذا بقوله (( ومقابله
العدم الصرف )) فتشخصه بإطلاقه يميزه عن المعدومات لا عن الموجودات فتأمل .
فالله تعالى على بيان السيلكوتي المجمل لمذهب وحدة الوجود كل موجود في كل صورة وفي كل مظهر وهو موجود واحد في الحقيقة إلا أنه يعتبر متعددا بتعدد الصور والمظاهر وبأخذ اسما على حسب كل صورة فيقال زيد وعمرو وحجر وشجر وغير ذلك ويعامل معاملة خاصة باسمه وإن كان الكل موجودا واحدا وكانت الصور مختلفة أمورا اعتبارية لا وجود لها لأن الوجود كله لله . فلزيد وعمرو وهذا الشجر وذاك الحجر وغير ذلك من الأشياء ناحيتها الحقيقية الموجودة وناخيتها الاعتبارية المعدمة الآنية من صورها المتعينة , فهي زيد وعمرو وحجر وشجر بهذه الناحية الثانية والله من ناحيتها الأولى والحقيقية , إلا أن الأحكام تجري عليها نظرا إلى ناحيتها الاعتبارية .
فيرد عليه أنه ليس من المعقول تغلب الناحية الاعتبارية على الناحية الحقيقية في ترتب الأحكام عليها إلا بحسب الظاهر المخالف للحقيقة فمن هو الحاكم في هذه الاعتبارات وتغلبها على الحقيقة ؟ فإن كنا نحن المعتبرين قفد تبين في مذهب وحدة الوجود أننا غالطون حيث زعمنا موجودين ونزعم الله موجودا آخر ولا عبرة بزعم الغالط واعتباره . وإن كان المعتبر هو الله فغير معقول جدا , وهو القائل : (( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين )) أن يصور نفسه في صورة زيد الصالح وعمرو الطالح فيجعل نفسه الذي في صورة عمرو يقتل نفسه الذي في صورة زيد ثم ينصف لنفسه في صورة المظلوم من نفسه الذي في صورة الظالم فيعذبه في الدنيا والآخرة ويثيب الأول على الرغم من أن المثيب والمثاب والمعذب والمعذَب كله هو نفسه . وان يتملص أصحاب هذا المذهب من تبعاته بأن يقولوا (( لا حلول ولا اتحاد لأنهما يُتصوران بين اثنين ولا وجود غير الله في أي موجود أما التعينات أيالصور والمظاهر فهي أمور معدومة اعتبارية )) فيقال لهم وكيف غلبت إذن تلك الأمور المختلفة المعدومة فجُعل لها حظ الاعتبار
وحقه دون الحقيقة الموجودة في ترتب الأحكام المتغايرة على الأشياء , حتى قيل هذا حسن وذاك قبيح وهذا حلال وذاك حرام ؟ .
فكون الأحكام الجارية على الموجودات تابعة لتعيناتها الخاصة أكبر دليل على أن كل موجود ممكن يصير موجودا بتعينه مختلفا وجوده الحادث عن وجود الله وعن وجود غيره من الممكنات , وليس الوجود الذي فيه وجود الله بناء على أن الوجود هو الله ولا وجود ولا موجود غيره كما يقضي به مذهب وحدة الوجود . ولا خلق ولا إيجاد في هذا المذهب والله الذي هو خالق كل شيء ليس بخالق شيئا لأن الخلق قلب المعدوم موجوداً وتكوينه بعد أن لم يكن , مع أ،ه لا موجود عندهم غير الله ولا إمكان لغيره أن يكون موجودا , لأن معنى كونه موجودا كونه الله وليس الذي نظنه مخلوقات الله إلا الله في صور مختلفة وبعبارة أخرى ظهور الوجود المطلق في تعيناته المختلفة .
وهناك خرافة أخرى للصوفية الوجودية اخترعها رئيسهم الشيخ محيي الدين ابن عربي ورأي فيه حل مشكلة الجبر والقدر وأعجب هذا الحل بعض العلماء مثل ابراهيم الكوراني والصدر الشيرازي والبهاء العاملي والمفسر الألوسي ومن المعاصرين العالم الكبير مترجم (( مطالب ومذاهب )) للفيلسوف الفرنسي (( بول زانه )) إلى اللغة التركية . وتفصيلها إن الميل إلى الخير والشر مقتضى الاستعدادات المختلفة لأفراد الإنسان والماهيات غير مجعولة أي غير مخلوقة . فالله تعالى لم يخلق ولم يعين ماهية زيد وعمرو وإنما ماهية كل أحد تتعين وتمتاز بنفسها والله تعالى يفيض عليها الوجود , ولذا اشتهر في كتب الحكمة قولهم (( ما جعل الله المشمش مشمشا ولكن جعله موجوداً )) وبالقياس عليه فليس الله جاعل زيد زيدا ولا جاعل عمرو عمرا أي خالق ماهيتهما وإنما جاعلهما موجودين وهو معنى كونه خالقهما . وإذا كان تعلق خلق الله بوجود الماهيات لا بخصوصياتها فلا تأثير لله تعالى في كون الماهيات مصدراً للخير والشر
بحسب استعداداتها الذاتية . نعم , إن أفعال الانسان خيرها وشرها حاصل بخلق الله وإرادته إلا أن خلقه وإراداته تابعان بمقتضى سنة الله لإرادات العباد الجزئية وإراداتهم الجزئية تابعة للاستعدادات التي في ماهياتهم . وقد كنت قلت انا في (( تحت سلطان القدر )) إن إراداتهم الجزئية تتبع الدواعي والمرجحات التي يخلقها الله تعالى في قلوبهم . فعلى نظرية الشيخ محيي الدين لا تكون الدواعي ملهمة لهم من الله بل تأتي من الاستعدادات الذاتية لماهياتهم غير المجعولة أو يأتي منها اختلافهم في اتباع الدواعي وتخلص أفعال البشر بهذه الصورة من أن تقع تحت جبر الله وتأثيره ويكون الأساس في معاملاتهم بالإثابة أو المعاقبة على حسب أعمالهم , استحقاقاتهم الذاتية فلا يحتمل أن يظلمهم الله تعالى !
وقد أبطلت هذه الخرافة في كتابي المذكور آنفا بوجوه لا يحتمل المقام نقلها وأسلفت شيئا منها في هذا الكتاب أيضا وإنما ذكرت تلم المسألة هنا لتعلقها بحديث اختلاف الأحكام بحسب الاعتبارات المختلفة في حين أن الوجود والموجود واحد بالذات والحقيقة عندهم . وعندنا أن اختلاف الأحكام مبني على اختلاف الموجودات .
وأورد عليهم هنا أن قولهم (( الماهيات غير مجعولة وإنما المحعول وجودها )) ينافي دعواهم الكبرى القائلة بوحدة الوجود فالوجود عندهم واحد وهو الله وليس الموجود أفراد مجعولة . وينافي قولهم أيضا بأن الأعيان الثابتة ـ التي هي عبارة عن الماهيات ـ ما شمت رائحة الوجود ولن تزال كذلك , فليس للماهيات نصيب من وجودها لكونها موجودة بالوجود الذي هو الله الظاهر فيها وهي نفسها معدومة أزلا وأبدا .. فمالهم يثبتون للمعدوم استعدادا يترتب عليه خير الدنيا والآخرة وشرهما ؟ حتى إن صاحب (( الأسفار )) يرى في إسناد الشر إلى الماهيات غير المجعولة واستعداداتهم الذاتية وقاية للحق تعالى عن النقائص . فهل الماهيات معدومة واستعداداتها موجودة ؟ نعم إن صاحب (( الأسفار ))

يتعزى بكون الماهيات ثابتة في علم الله وإن لم تكن موجودة ولا قابلة للجعل والإيجاد لكن لا يغقل أن تثبت في علم الله ماهيات لا يكون لها ثبوت في الخارج أبداً لأن معنى هذا تخلف العلم عن المعلوم أو بالأوضح مخالفة علم الله للواقع التي يجب تنزيهه تعالى عنها .
وفضلا عن هذا فإن ثبوت الماهيات التي لا علاقة لها بجعل الله , في علم الله بنفسها يناقض أصلهم الذي ذكره صاحب (( الفصوص )) في الفص الأول من إثبات تجليين لله تعالى التجلي الأقدس الموجب لحصول الأعيان أي الماهيات واستعداداتها في الحضرة العلمية , والتجلي المقدس الموجب لظهور ما تقتضيه تلك الأعيان من الاستعداد , في الخارج . وربما يعبرون عنهما بالفيض الأقدس والفيض المقدس فبالأول تحصل الأعيان أي الماهيات ونثبت وبالثاني تظهر في الخارج مع لوازمها وتوابعها وما يحصل بالأول فغير مجعول وما يحصل بالثاني فمجعول.
فعلى هذا يكون ذات الله تعالى مصدر الماهيات أيضا المعبر عنها بالأعيان الثابتة لحصولها في علم الله بالتجلي الأقدس فهي إذن في حكم المجعول أو أشد اتصالا بالله من المجعول . والتفريق بين ما يحصل بالتجلي الأول وبين ما يحصل بالتجلي الثاني باعتبار كون الله مؤثرا في الثاني دون الأول تحكُّم إذ الحاصل بأي تجل كان يكون أثره إن لم يكن مجعوله . وبهذا ينهار استقلال الانسان في فعل الخير والشر الآتيين من استعداده خارجين من سلطة الله , وتعود معضلة الجبر التي ادعوا حلها بهذه الطريق , غير محلولة .
نعود إلى ما كنا فيه , فقد ظهر من تصريح الشريف العلامة في شرح المواقف أن مذهب وحدة الوجود مذهب وراء طور العقل معدود عند المقيدين بطوره من المكابرة التي لا يلتفت إليها لكونه مخالفا لما ثبت عندهم بالضرورة من أن الموجودات حقائق مختلفة لا موجود واحد . وليس معنى كون أي مذهب من المذاخب وراء طور العقل إلا مصادمته ببداهة العقل الذي هو مدار كوننا مخاطبين وكلفين بالعقائد , لا أن العقل
لا يصل إليه ويقف دونه مع الاعتراف بإمكانه ، لأن اعتراف العقل بإمكان الشيء يكون اعترافا منه بدخوله في طوره فيناقض القول بكونه وراء طور العقل . ومن هذا نعد ما قاله صدر الدين الشيرازي الذي يعظم الصوفية الوجودية والفلاسفة اليونانية ويقدسهما ، في آخر المرحلة السادسة من ( الأسفار ) 191 :
" ولما كانت العبارة قاصرة عن أداء هذا المقصد لغموضه ودقة مسلكه وبعد غوره يشتبه على الأذهان ويختلط عند القول ، ولذا طعنوا في كلام هؤباء الأكابر بأنه يصادم العقل الصريح والبرهان الصحيح ويبطل به علم الحكمة خصوصا فن المفارقات الذي يثبت فيه تعدد العقول والنفوس والصور والأجرام وأنحاء وجوداتها المتخالفة ِ الماهيات ، وما أشد في السخافة قولَ من اعتذر من قِبلهم إن أحكام العقل باطلة عند طورٍ وراء طور العقل كما أن أحكام الوهم باطلة عند طور العقل ولم يعلموا أن مقتضى البرهان الصحيح مما ليس إنكاره في جبلة العقل السليم من الأمراض والأسقام الباطنة . نعم ربما يكون بعض المراتب الكمالية مما يقصر عن غورها العقول السليمة لغاية شرفها وعلوها عن إدراك العقول لاستيطانها في هذه الدار وعدم مهاجرتها إلى عالم الأسرار ، لا ان شيئا من المطالب الحقة مما يقدح فيها ويحكم بفسادها العقل السليم والذهن المستقيم ، وقد صرح بعض المحققين منهم بأن العقل حاكم كيف والأمور الجبلية واللوازم الطبيعية من غير تعمل وتصرف خارجي مع عدم عائق ومانع عرضي لا تكون باطلة قطعا ولا معطل في الموجودات الطبيعية الصادرة من محض فيض الحق دون الصناعيات والتعليميات الحاصلة من تصرف المخيلة وشيطنة الواهمة وجبلةُ العقل الذي هو كلمة من كلمات الله تعالى لا تبديل لها مما يحكم بتعدد الموجودات بحسب فطرتها الأصلية " .
نعده مع قوله بعده بعدة صفحات :
" ولما كان طور التوحيد الخاص الذي هو لخواص أهل الله ، أمراً وراء طور
العقول الفكرية قبل أن يكتحل بنور الهداية الربانية يصعب عليهم التعبير بما يوافق مقروعات أسماع أرباب التظر والفكر الرسمي .. " .
تلعثما وتراجعا وتناقضا . ومثله قول الإمام الغزالي المنقول في " الأسفار " بين القولين السابقين :
" اعلم أنه لا يجوز في طور الولاية ما يقضى العقل باستحالته ، نعم يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقصر العقل عنه بمعنى أنه لا يدرك بمجرد العقل . ومن لم يفرق بين ما يحيله العقل وما لا يناله العقل فهو أخس من أن يخاطب " .
ثم نقل صاحب " الأسفار " عن عين القضاة الهمذاني ما قاله في " الزبدة " :
" اعلم أن العقل ميزان صحيح وأحكامه صادقة يقينية لا كذب فيها وهو حاكم عادل لا يتصور منه جور "
ثم قال صاحب " الأسفار " : " فالحق أن من له قدم راسخ في التصور والعرفان لا ينفي وجود الممكنات رأساً " .
وقال العالم الكبير المعاصر مترجم " مطالب ومذاهب " لبول ثرانه إلى اللغة التركية في مقدمته القيمة التي صدر بها ترجمته ، وقد ساق كلامه في انتقاد النصرانية ، ونحن نطبقه بعد تحبيذه بتمام معنى الكلمة ، على مذهب الصوفية الوجودية على الرغم من جنوح صاحب الكلام لهذا المذهب :
" موقف العقل إزاء الكشفيات الدينية موقفه بعينه إزاء الكشفيات التجريبية . فكما أن أي تجربة في العالم لم تثبت المحالَ العقلي فالكشفيات الدينية أيضا لا تدخل في حدود المحال العقلي وقصورُ العقل إنما يكون في ساحة الممكنات لا الممتنعات ، فهو المعيار الوحيد لعدم الوقوع في الالتباس بين الساحتين . وهو أي العقل مع اعترافه بعدم الوصول إلى أقصى مراتب الكمال لجميع العلوم – ورجاؤه في بلوغ حقائق من الكشفيات
المستقبلة لا تطوف بنا على بال – غيرُ قائل في ومان من الأزمنة بالرجوع عن حكمه القطعي المتعلق بقانون التوافق والتغاير " فالعالَم غير الله في حكم العقل كما نعبر عنه بما سوى الله .. وليست الموجودات موجودا واحدا ، والاثنان وما فوقهما لا تكون واحداً .
وقال الفاضل الكانبوي في حواشيه على شرح الجلال الدواني للعقائد العضدية عندما نقل الشارح قول الغزالي : " ترقى العارفون من حضيض المجاز إلى ذروة الحقيقة فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إله إلا الله " : " الفرق بينه وبين مذهب السوفسطائية أن المتصوفة إنما ينكرون وجود الممكنات باعتبار قياسه إلى ذواتها ، لا باعتبار قياسه إلى الواجب تعالى ضرورة أنهم لا يقولون ليس هناك شيء موجود وإنما يقولون إن وجود ذلك الممكن الموجود ليس في نفسه بل هو وجود موجود آخر ظهر فيه والسوفسطائي ينكره بكل اعتبار " .
ونحن نقول معناه إن السوفسطائي ينكر وجود العالم المحسوس بالمرة والصوفية الوجودية لا ينكرون وجود هذه المحسوسات وإنما ينكرون كون وجود هذه المحسوسات وجودَها نفسها ويدعون أنه وجود الله . وخلاصة مذهبهم أن العالم موجود باعتبار أنه الله ومعدوم باعتبار أنه العالم . والسبب الأصلي في ذلك كما قلنا من أول البحث أن الوجود . هو الله . فالفريقان السوفسطائية والصوفية الوجودية متفقان في نفي وجود العالم لأنه إذا كان وجوده وجودَ موجود آخر ظهر فيه ولم يكن وجودَه نفسه ، فليس معناه إلا أن اعلالم غير موجود . ولا أدري أي المذهبين أشد بطلانا نفي وجود العالم أم نفي كون وجوده وجوده وادعاء أنه وجود الله ففيه تأليه العالم ، وأصل الفساد في تأليه الوجود . فليس تأليه العالم لكونه عالماً بل لكونه موجوداً والموجود عندهم هو الله لأن حقيقة الله الوجود فكون أيِّ شيء موجوداً عبارة عن تألهه .

ثم قال الفاضل الكلنبوي : " فاعلم أن هذا المذهب مذهب وراء طور العقل . وقد صرحوا بذلك وبأنه لا طريق للوصول إليه إلا الكشف الذي نسبته إلى العقل كنسبة العقل إلى الوهم وقد أشار الإمام ( يعني الغزالي ) إلى ذلك حيث جعل العلم الظاهر كمكان وضيع لا يُرَى منه شيء بعيد عن أطوار العقل (1) "
أقول هذه استهانة ظاهرة بالعلم الظاهر المأخوذ من الكتاب والسنة وبالعقل الذي كرم الله به الإنسان وجعله أهلا للخطاب ، وهو مناقض لما قاله صاحب " الأسفار " من أحمس أنصار الصوفية وقد نقلناه عنه قريباً : " وما أشد في السخافة قولَ من اعتذر من قِبلهم إن أحكام العقل باطلة عند طورٍ وراء طور العقل كما أن أحكام الوهم باطلة عند طور العقل ألم يعلموا أن مقتضى البرهان الصحيح مما ليس إنكاره في جبلة العقل السليم " لأنه إذا كانت نسبة الكشف إلى العقل كنسبة العقل إلى الوهم وكانت أحكام الوهم باطلة عند العقل لزم أن تكون أحكام العقل باطلة عند الكشف الذي هو فوق العقل بقدر ما يكون العقل فوق الوهم . أما أن نسبة الكشف إلى العقل كنسبة العقل إلى الوهم فقد صرح به كثير ممن يوثق بهم ويعد من محققيهم ومنهم الفاضل الحامي في " الدرة الفاخر " بل الشيخ الغزالي أيضا الذي جعل العلم الظاهر كمكان وضيع لا يرى منه شيء بعيج عن أطوار العقل والذي اعتبر الفاضل الكلنبوي هذا الجعل منه أي من الشيخ إشارة إلى أن نسبة الكشف إلى العقل كمسبة العقل إلى الوهم . أليست هذه الدعوى ضد العقل تذكِّرنا قول " سن طوماس " من فلاسفة القرون الوسطى المسيحيين المذكور في " مطالب ومذاهب " ص من الترجمة 64 " إن الحقائق الإلهامية كالتثليث والذنب الفطري لا تنافي العقل وإنما هي فوق العقل ومن أجل ذلك موضوع
ــــــــــــــــــــــــ
(1) نلفت إلى أنه جعل التصوف الوجودي بعيدا عن أطوار العقل كلها والإشارة التي ذكرها مفهومة من تعبير " حضيض المجاز " و " ذروة الحقيقة " .
الإيمان " أي موضوع الإيمان من غير تعقل (1) .
فقد تبين أن ما عده صاحب " الأسفار " من أشد السخافة هو قول مشاهير الطائفة لا سيما الغزالي الذي كان معظمً استنادات صاحب " الأسفار " في هذا المبحث من كتابه ، إلى أقواله . أما قوله نقلاً عن الغزالي وقد حكيناه من قبل: " اعلم أنه لا يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقضى العقل باستحالته . نعم يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقصر العقل عنه ... ومن لم يفرق بين ما يحيله العقل وما لايناله فهو أخس من أن يُخاطَب " فتناقض ظاهر من الشيخ الغزالي ، لأن تنزيل العقل بالنسبة إلى الكشف منزلة الوهم وجعل العلم الظاهر كمكان وضيع لا يرى منه شيء بعيد عن أطوار العقل ، كما يقضى على كرامة العقل والعلم الظاهر ، يقضى أيضا على هذا الفرق بين ما يحيله العقل وبين ما لا يناله لكونه بعيدا عن أطواره ، فلا مانع عند الشيخ إذن من أن يعتبر أهل الكشف ما يحكم العقل باستحالته من قبيل أحكام الوهم . وقد قلنا من قبلُ إن اعتراف العقل بإمكان الشيئ يكون اعترافا منه بدخوله في طوره فالخارج عن أطواره وما يحيله سواء . وإذا كان الشيخ لا يعد مذهب وحدة الوجود الذي يجعل جميع الموجودات المختلفة في بداهة الحس والعقل موجوداً واحداً هو الله ، مما يحيله العقل (2) أو لا يدرك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وكنت قلت للذين صرحوا بأن وحدة الوجود لا طريق للوصول إليها إلا بالكشف الذي نسبته إلى العقل كنسبة العقل إلى الوهم : بل لا سبيل للوصول إلى كون جميع الموجودات موجودا واحدا بالكشف ولا لتصور هذا الكشف ، لولا علمي بأن يقولوا في الجواب مالنا وللتصور والتعقل وقد خرجنا عن طور العقل ، لكن الحق أن طريق الوصول إلى عقيدة وحدة الوجود مكشوف أمام العقل فهي مبنية على الفكرة الفلسفية القائلة بأن حقيقة الله الوجود وأن هذه الفكرة تولدت غلطاً من قول الفلاسفة وجود الله عين ذاته كما سبق تفصيله .
(2) الحكم بكون جميع الموجودات موجوداً واحداً في الحقيقة وموجودات متعددة مختلفة بالأجناس والأنواع والأشخاص في الظاهر، ليس حكما ً مبنياً على الكشف الذي هو فوق العقل ولا على العقل الذي هو فوق الوهم وإنما هو حكم من أحكام الوهم الذي هو دون الكشف والعقل حيث طرق سمعهم قول الفلاسفة إن حقيقة الله الوجود فأعجبهم ذلك القول الباطل وجروا على مجراه الطبيعي المؤدي إلى أباطيل بعدد الموجودات ، وقد أحجم عنه الفلاسفة واكتفوا بالباطل الأول .
كون ما لا يدخل في أطوار العقل محالا عقليا فلا يكون أجدر بالخطاب ممن احتقره فاعتبره أخس من أن يخاطب . وليعلم الشيخ الذي لم يقدر العقل حق قدره ن أو بالأصح لا ينس لأنه لا بد أن يعلم ، أن الخارج عن طور العقل يعتبر خارجا عما تتعلق به قدرة الله فيقال في متون علم أصول الدين " إن الله قادر على جميع الممكنات " في حين أنه لا ميزان يفرق بيم الممكن والمستحيل سوى العقل . وقد ادعى زعيم الطائفة الوجودية في " فصوص الحكم " أن عرش بلقيس لم يأت سليمان قبل أن يرتد إليه طرفه لان ذلك محال لا تتعلق به قدرة الله وإنما الله تعالى خلق مثل عرشها في الحال عند سليمان وأعدم الأصل الذي هو عندها ، وسيجيء الكلام منا عليه . وليعلم الشيخ الغزالي أيضا أن طور النبوة ومعجزات الأنبياء تدخل في نطاق العقل ولا يخرقه فما بال طور الولاية وكشف الأولياء يتعديان حدود العقل ويخرقان نطاقه ؟ وليعلم الشيخ أيضا أن الذي أولاه لقب حجة الإسلام هو علمه الظاهر فإذا أهانه الشيخ وعَقَلَه في أواخر حياته كان لنا الحق في أن نعد فعاله هذا من أفعال من يُردُّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا .
فالحق أن كلمات الصوفية الوجودية كمذهبهم الوجودي لا تتم من غير خروج عن طور العقل ، فههنا يجلون العقل وهناك ينزلونه منزلة الوهم وهنالك يقول صاحب " الأسفار " القائل فيما نقلنا عنه بحاكمية العقل ص 186 :
" الحاكم بوحدته وقيوميته التي هي عين ذاته ليس هو العقل بل ضرب من البرهان الوارد من عنده والنور القاذف في العقل من تأييده وإنما العقل له الطاعة والتسليم والإيقان والانقياد " وقاريء كتاب هذا الرجل وهو من أكبر أنصار الصوفية والفلاسفة وأحمسهم في الدفاع عن مذاهب الطائفتين معاً ، يراه يهيم في سكر محاماته ومحاباته ثم لا يلبث أن يفيق من سكرته فيكاد يرجع إلى صوابه ثم لا يلبث أن يعود إلى سكرته وضلالته. ومما قاله في حالة الصحو : ص 190 :
" إن أكثر الناظرين في كلام العرفاء الإلهيين حيث لم يصلوا إلى مقامهم ولم يحيطوا بكنه مرامهم ظنوا أنه يلزم من كلامهم في إثبات التوحيد الخاصى في حقيقة الوجود والموجود بما هو موجود ، وحدة شخصية ، أن هويات الممكنات أمور اعتبارية محضة وحقائقها أوهام وخيالات لا تحصُّل لها إلا بحسب الاعتبار ، حتى إن هؤلاء الناظرين في كلامهم من غير تحصيل مرامهم صرحوا بعدمية الذوات الكريمة القدسية والأشخاص الشريفة العظيمة المتعددة المختلفة بحركاتها المتعددة المختلفة جهة وقدرا وآثارها المتفننة وبالجملة النظام المشاهد في هذا العالم المحسوس والعوالم التي فوق هذا العالم مع تخالف أشخاص كل منها نوعاً وتشخصاً وهوية وعددا والتضاد الواقع بين كثير من الحقائق أيضا ، ثم إن لكل منها آثاراً مخصوصة وأحكاماً خاصة ولا نعني بالحقيقة إلا ما يكون مبدأ أثر خارجي ولا نعني بالكثرة إلا ما يوجب تعدد الأحكام والآثار فكيف يكون الممكن لا شيئا في الخارج ولا موجوداً فيه . وما يتراءى من ظواهر كلمات الصوفية أن الممكنات أمور اعتبارية أو انتزاعية عقلية ليس معناه ما يفهم منه الجمهور ممن ليس فيهم قدم راسخ في فقه المعارف وأراد أن يتفطن بأغراضهم ومقاصدهم بمجرد مطالعة كتبهم كمن أراد أن يصير من جملة الشعراء بمجرد تتبع قوانين العروض من غير سليقة تحكم باستقامة الأوزان واختلالها عن نهج الوحدة الاعتدالية " .
لكن ما حاول الرجل أن يبريء الصوفية الوجودية من تبعاته ويحمِّلها الناظرين في كلامهم هو نفس مذهبهم الذي نص عليه العلامة الشريف الجرجاني في شرح المواقف وهو أعلم الناس بمذهبهم وقد ذكرناه من قبل بنصه القائل : " وما يقال من أن الكل أي كل الموجودات ذات واحدة تتعدد بتعدد الأوصاف لا غير فالمتقيدون بطور العقل يعدونه مكابرة لا يلتفت إليها " وتعليق الفاضل السيلكوتي عليه بعد
( 12 – موقف العقل – ثالث )
التنبيه على ان قائله أهل المكاشفة من الصوفية والحكماء ، وتعليقنا على تعليقه ، بل إن هذا الذي يحاول صاحب الأسفار أن يبريء الصوفية الوجودية من تبعاته ويحملها الناظرين في كلامهم هو نفس مذهبهم الذي صرح به الرجل نفسه في غير موضع من كتابه ، فهل غير الله الذي هو وجودُ كل الموجودات موجودٌ عندهم ؟ وهل شمت الأعيان الثابتة التي هي ماهيات الممكنات رائحة الوجود ؟ وكيف نسى ما كتبه قبل ثلاث صفحات من قوله المنقول آنفاً :
" تنبيه ! إياك أن تزل قدم عقلك في هذا المقام وتقول إن كانت وجودات الموجودات كلها تعليقية غير مستقلة في ذاتها فيلزم إنصاف الباري جل ذكره بسمات الحدوث وقبوله للتغيرات وبالجملة كونه محلاًّ للممكنات بل الحادثات فتثبت وتذكر ما لوحناه من قبل وهو أن وجود الأعراض والصور الحالة في الموضوعات والمواد هو من أقسام وجود الشيء في نفسه على جهة الارتباط بغيره الذي هو الموصوف فلا بد أن يكون لها إذا أخذت على هذا الوجه وجود في أنفسها مغاير لوجود ما يحل هي فيها . وههنا نقول ليس لما سوى الحق وجود لا استقلالي ولا تعلقي بل وجوداتها ليست إلا تطورات الحق بأطواره وتشؤناته بشؤونه الذاتية " .
وما كتبه قبل أربع صفحات : " إن لجميع الموجودات أصلاً واحداً وسنخاً فارداً هو الحقيقة والباقي شئونه وهو الذات وغيره أسماؤه ونعوته وهو الأصل وما سواه أطواره وشئونه وهو الموجود وما وراءه جهاته وحيثياته . ولا يتوهمن أحد من هذه العبارات أن نسبة الممكنات إلى ذات القيوم تعالى يكون نسبة الحلول ، هيهات الحاليِّة والمحلية مما يقتضيان الاثنينية في الوجود بين الحالّ والمحل ، وههنا عند طلوع شمس التحقيق من أفق العقل الإنساني المتنور بنور الهداية والتوفيق ظهر أن لا ثاني للوجود الواحد الأحد الحق واضمحلت الكثرة الوهمية وارتفعت أغاليط الأوهام والآن حصحص الحق وسطع نوره النافذ في هياكل الممكنات يقذف به على الباطل فيدمغه
صفحة فارغة في النسخة الاصلية
بشرط شيء ثم يفصل العدد مراتب الواحد مثل الاثنين والثلاثة والأربعة وغير ذلك إلى لا نهاية ، وليست هذه المراتب أوصافاً زائدة على حقيقة العدد كما في الفصول بالقياس إلى الجنس الذي ينقسم معناه إليها ويتقدم وجوده بها فإن كل مرتبة من مراتب العدد وإن خالفت الاخرى في النوعية لكن كلا منها نوع بسيط على ما هو التحقيق ولهذا قيل في العدد إن صورته عين مادته وفصله عين جنسه ... فحقيقة الواحد من غير لحوق معنى فصلي أو عرضي صنفي أو شخصي لها في ذاتها شئونات متنوعة وأطوار متفاوتة ثم ينبعث من كل مرتبة من مراتبه الكمالية معان ذاتية وأوصاف عقلية ينتزعها العقل كما ينتزع من كل مرتبة من مراتب الهويات الوجودية المتفاوتة معان ذاتية وأوصاف عقلية هي المسمات بالماهيات عند قوم وبالأعيان الثابتة عند قوم وهي التي قد مر مراراً أنها ليست في الواقع ولا زائدة على الوجودات إلا بنوع من الاعتبار الذهني ، فإيجاد الواحد بتكراره العددَ مثالٌ لإيجاد الحق الخلق بظهوره في آيات الكون " (1) .
فالله تعالى بالنظر إلى ما قاله يكوّن كل موجود من ذاته وينشئه منها كما يكوِّن الواحد كل مرتبة من مراتب العدد وينشئها من نفسه فالأربعة مثلا تحصل من انضمام الواحد إلا الثلاثة والثلاثة أيضا كانت حاصلة من انضمام الواحد إلى الاثنين وهما من انضمام الواحد إلى الواحد فلو قلت عن كل واحد من مراتب العدد نظراً إلى ما به كيانها إنها الواحد صدقت ولو سميت باسم مرتبته صدقت أيضا ، ومثله الموجودات مع الله يصدق على كل واحد منها أن يقال عنه إنه الله لكونه مظهراً من مظاهر الوجود المطلق الذي هو الله وإن قلت عنه إنه الموجود الفلاني صدقت أيضا , وأنا أقول لا يشك العاقل في أن كون الوجود هو الله وكون الموجوادت متكونة من الله لتكونها من الوجود وأن تشبيه هذا التكون بتكون مراتب العدد من الواحد كلها أوهام باطلة
ـــــــــــــــــــــــ
(1) تشبيه وجود الله في كل موجود بوجود الواحد في جميع مراتب العدد أخذه صاحب الأسفار من قول صاحب النصوص في نص إدريس .

181
إذ لا تعرف حقيقة الله وليس كمثله شىء وأن الموجودات لا يكونها الله من نفسه بل يكونها من العدم لكن مقصودى من نقل هذه الهذيانات إقناع القارئين بأن عقيدة وحدة الوجود المعترفة بوجود الله وحده والنافين لوجود ما سواه ليس مرجعها كما يفهمه محسنو الظن بالصوفية تحت ألقاب الأولياء والعرفاء ، إلى تعظيم الله وتصغير ما سواه من الموجودات حق التعظيم والتصغير ، بل إلى لبس وجود الله بوجود ما سواه وقد أعتمد أنصار المذهب فى ترويج هذه الوسوسة الشيطانية وتقريبها إلى العقول على كل ما لديهم من قوة المغالطة والمهارة فى التضليل غير مكتفين بإحالتها على الكشف الخارج عن طور العقل .
وأنظر إلى ما كتبه هذا الناصر أعنى صاحب الأسفار قبل ست صفحات من قوله المنقول فى ص 177: " فكل ما ندركه هو وجود الحق فى أعيان الممكنات فمن حيث هوية الحق هو وجوده ومن حيث اختلاف المعانى والأحوال المفهومة منها المنتزعة عنها بحسب العقل الفكرى والقوة الحسية فهو أعيان الممكنات الباطلة الذوات فكما لا يزول عنه باختلاف الصور والمعانى اسم الظل كذلك لا يزول عنه اسم العالم وما سوى الحق . وإذا كان الأمر على ما ذكرته لك فالعالم متوهم ما له وجود حقيقى . فهذا حكاية ما ذهب إليه العرفاء الإلهيون والاولياء المحققون وسيأتيك البرهان الموعود لك فى هذا المطلب العالى الشريف إن شاء الله تعالى " .
وقال بعد نصف صفحه من قوله الذى أنكر فيه كون هويات الممكنات أمورا اعتبارية محضة وكون الممكن لا شيئا فى الخارج ولا موجودا فيه .
" فإنك إن كنت ممن له أهلية التفطن بالحقائق المرفانية لأجل مناسبة ذاتية واستحقاق فطرى يمكنك أن تتنبه مما أسلفناه من أن كل ممكن من الممكنات يكون ذا جهتين جهة يكون بها موجودا واجبا لغيره من حيث أنه موجود واجب لغيره وهو بهذا الأعتبار يشارك جميع الموجودات فى الوجود المطلق من غير تفاوت ، وجهة أخرى بها يتعين هويته الوجودية وهو اعتبار كونه فى أى درجة من درجات الوجود قوة
182
وضعفا كمالا و نقصا فإن ممكنية الممكن إنما ينبعث من نزوله عن مرتبة الكمال الواجبى والقوة الغير المتناهية والقهر الأثم والجلال الأرفه الذى لا يشوبه قصور ولا جهة عدمية ولا حيثية إمكانية يحصل للوجود خصائص عقلية و تعينات ذهنية هى المسماة بالماهيات و الأعيان الثابتة .
فكل ممكن زوج تركيبى عند التحليل من جهة مطلق الوجود و من جهة كونه فى مرتبة معينة من القصور فإذن ههنا ملاحظات عقلية لها أحكام مختلفة الأول ملاحظة ذلك الممكن على الوجه المجمل من غير تحليل إلى تلك الجهتين فهو بهذا الأعتبار موجود واقع فى حد خاص من الموجودات و الثانى ملاحظة كونها موجودا مطلقا من غير تعين وتخصص بمرتبة من الراتب وحد من الحدود وهذه حقيقة الواجب عند الصوفية يوجد مع الهوية الواجبية ومع الهويات الإمكانية " .
وأنا أقول ما معنى كون الممكن زوجا تركيبيا عند التحليل و كونه قبل التحليل موجودا واقعا فى حد من حدود الواجبات ؟ مع أن هذا المؤلف أعنى صاحب " الأسفار " سعى جهد طاقته لإقناعنا أن الوجود كله الله بل الوجود هو الله بعينه ولا وجود لغيره وهو أساس المذهب ، فماذا هو الذى يجعل الممكن زوجا تركيبيا و موجودا خاصا ؟ نعم فيه شيئان أحدهما وجود مطلق هو الله وهو جهة الممكن الموجودة والاّخر الوجود بقيد التعيين وهو جهة الممكن المعدومة فكأن كل شىء فى العالم مركب من الموجود والمعدوم ، مركب من الله الموجود و من ذلك الشىء المعدوم . ودافعهم إلى اعتبار جهة شيئيته المعينة معدومة التبرؤ من القول بحلول الله الذى هو الوجود فى ذلك الشىء معللين أنفسهم بأن الموجود لا يحل فى المعدوم ، وعلى هذا يلزمهم الاتحاد إن لم يلزم الحلول فإن قالوا لا يتحد الموجود مع المعدوم كما هو الشائع فيما بينهم من أن الاتحاد إنما يتصور بين الاثنين نقول فإذن يكون كل شىء معين فى العالم هو الله وحده من غير حلول ولا اتحاد مع شيئيته المعدومة ، فهذا الجبل الذى نشاهده أمامنا هو
183
الله عند التحليل و الجبل معدوم لا يصلح لأن يكون الله حل فيه أو اتحد معه وكذلك أنا وأنت وهذا الذباب الطائر وهذه القطة النائمة ! والصوفية الوجودية ناجون من كل اعتراض يورد عليهم إذلا محذور فى أن يكون الجبل الذى نشاهده موجودا والذى لم يحل فيه الله ولم يتحد معه وإنما كان الله نفسه لكونه موجودا ، الله وإن كانت الجبلية التى هى التعين معدومة وغير الله من هذه الناحية المعدومة ، بل ان التعين فى الأشياء على ما قاله هذا الفيلسوف الصوفى أعنى صاحب " الأسفار " باعتبار كونه طورا من أطوار الوجود المطلق الحق وشأنا من تشؤناته ، عائد الى الله على أن يكون وصفا من أوصافه الأعتبارية وليس لذوات الممكنات حظ من الوجود المطلق ولا من تعيناته . فلو كانت ذوات الممكنات وماهيتها التى هى الأعيان الثابتة فى اصطلاح القوم موجودة واقعة فى حد خاص من حدود الموجودات لما صح قولهم " الأعيان الثابتة لما شمت رائحة الوجود ولا تشمها اّبد الأباد " فزيد الموجود فى الخارج لا يكون عبارة على هذا عن الماهية الإنسانية التى هى الحيوان الناطق مع التشخص كما كنا نظنه ، بل عن الوجود المطلق الذى هو الله مع التعين أى تعين ذلك الوجود وإن شئت قلت إنه الله المتعين أو الله المتنزل الى مرتبة الإمكان . إما قول المؤلف " فإن ممكنية الممكن إنما ينبعث من نزوله عن مرتبة الكمال الواجبى والقوة الغير المتناهية والجلال الأرفع " ففيه تشويه وتلبيس فمن هو النازل عن مرتبة الكمال الواجبى ؟ فإن قلنا إنه الممكن الذى هو زيد مثلا لم يكن له مرتبة الكمال الواجبى حتى ينزل عنها فإذن يلزم أن يكون النازل هو الله ويلزم أن يكون زيد عبارة عن الله النازل من مرتبة الوجوب إلى دركة الإمكان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .
فإن قيل أن المؤلف أثبت لذات الممكن وجودا خاصا عند ملاحظتها على الوجه المجمل من غير تحليلها إلى الجهتين اللتين هى بهما زوج تركيبى وأنت تلاحظها على وجه التحليل . أقول ظهور الفساد الفاحش عند تحليل الممكن على مذهب وحدة الوجود ،
184
يكفى فى ابطال المذهب . فزيد الموجود فى الخارج يكون فى الظاهر فردا معينا من أفراد الإنسان وفى الباطن الله فى طور من أطواره . وقد كنت قبل أن رأيت قول صاحب الأسفار هذا أريد أن أبين مذهب وحدة الوجود بكون الله عنصر الموجودية فى الأشياء أو كونه هيولى الوجود أو مادته و الأشياء هى الصور لتلك المادة ولكنى ما كنت اجترىء على هذه التعبيرات فإذا بى أجد تعبير الهيولى والمادة بعينهما فى كلامه حيث قال ص 192 :
" والعبارات عن بيان انبساطه على الماهيات واشتماله على الموجودات قاصرة والإشارات إلا على سبيل التشبيه والتمثيل ولهذا قيل نسبة هذا الوجود أى الوجود المطلق إلى الموجودات العالمية نسبة الهيولى إلى الأجسام الشخصية من وجه ونسبة الكلى الطبيعى كجنس الأجناس إلى الأشخاص الأنواع المندرجة تحته وهذه التمثيلات مقربة من وجه مبعدة عن وجه . وقال الشيخ المحقق صدر الدين القونوى الوجود مادة الممكن والهيئة الماهية له بحكمة الموجد العليم الحكيم " .
والتشبيه فى الهيولى جاء فى "الفصوص " أيضا ، قال فى فص حكمة قلبية فى كلمة شعيبية : " وصاحب التحقيق يرى الكثرة فى الوحدة كما يعلم أن مدلول الأسماء الإلهية وإن اختلفت حقائقها وكثرت فإنها عين واحدة فهذه كثرة معقولة فى عين الواحد فتكون فى التجلى كثرة مشهودة فى عين واحدة كما أن الهيولى تؤخذ فى حد كل صورة وهى مع كثرة الصور واختلافها ترجع فى الحقيقة إلى جوهر واحد وهو هيولاها فمن عرف نفسه بهذه المعرفة عرف ربه فإنه على صورته خلقه بل هو عين هويته وحقيقته " .
وفضلا عن هذا فالله تعالى عند تحليل الممكن كما سبق قريبا فيما يلزم من كلام صاحب الأسفار يكون هو الممكن نفسه غير مقتصر على مادة الممكن بل المادة والصورة معا . والشيخ الأكبر صاحب الفصوص رئيس الصفحة الأتحادية وإن كانت الطائفة وأنصارها يتبرؤون عن القول بالاتحاد قائلين إن الاتحاد إنما يتصور بين موجودين ولا
185
موجود فى كل شىء غير الله . ومعنى جوابهم هذا أنهم يتبرؤون مما نسب اليهم من التهمة معترفين مما هو أشنع منها ومتلاعبين بعقول الناس .
ومن عجيب الغفلة ما وقع للشيخ محمد جمال الدين القاسمى الدمشقى مؤلف كتاب " دلائل التوحيد " من انخداعه بقول الشيخ الأكبر (1) " ما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد " ومراده من القائلين بالإلحاد القائلون بإن العالم متحد مع الله وليس عين الله فعلى رأى الشيخ لا يجوز القول بالاتحاد لأنه يلزم وجود شيئين مع أن الموجود واحد هو الله بناء على أن الموجود هو الله فإن كان العالم موجودا على ما يشهد به الحس لزم أن يكون هو الله بعينه أما القول باتحاد العالم مع الله من دون أن يكون هو عينه فهو إنكار لألوهية العالم الذى هو الله لكونه موجودا أو إنكار لألوهية الوجود الذى هو الله يتضمنه إنكار ألوهية العالم الموجود ولا شك أن الإنكارين يكون إلحادا وكل هذا فى زعم الشيخ الأكبر .
أما قول الشيخ جمال الدين المذكور :" إن الاتحاد يطلق على ثلاثة انحاء الأول أن يصير الشىء بعينه شيئا اّخر من دون أن يزول عنه شىء أو ينضم اليه شىء وهذا محال قطعا فى الواجب تعالى أو فى غيره لأن المتحدين إن بقيا فهما اثنان وإن فنيا فهما معدومان وإن فنى أحدهما وبقى الاّخر فلا اتحاد أيضا بل بقاء واحد وفناء اّخر الخ " فلا طائل تحته لأن قول الصوفية الوجودية يكون جميع الموجودات موجودا واحدا هو الله يرجع إلى توحيد العالم مع الله وهم لما لم يسلموا بوجود ما سوى الله انكروا الاتحاد الحاصل بين صيرورة موجودين موجودا واحدا ، لكن القائلين بوجود العالم وبكون وجوده غير وجود الله يرمون الصوفية المعتبرين وجود العالم وجودا لله بمذهب الاتحاد حيث جعلوا الاثنين واحدا فإن لم يكن إطلاق الاتحاد على مذهبهم صحيحا يرجع الأمر

بداية هامش
(1) والشيخ القاسمى ينخدع أيضا بكلمات صاحب الأسفار فى تبرئة فلاسفة اليونان من القول يقدم العالم ، كيف وصاحب الأسفار نفسه قائل بالقدم كما سيجىء تفصيله فى الفصل الثانى
نهاية هامش

186
إلى النزاع فى تسميتهم بالاتحاديين مع بقاء أصل الفساد فى مذهبهم المخالف لبداهة العقل والحس وهو كون جميع الموجودات موجودا واحدا فهل يرضى الشيخ القاسمى بهذا ؟ فليقله ولا يتعلل بتعداد الاحتمالات فى معنى الاحتمال .
وقال القاضى غضد الدين الإيجى فى كتابه الجليل " المواقف " فى علم الكلام - وقد سبق التنويه به فى ص 203 جزء أول - :" المقصد الخامس فى أنه تعالى لا يتحد بغيره ولا يجوز أن يحل فى غيره " ثم قال بعد الاستدلال على المسألتين .
" وأعلم أن المخالف فى هذين الأصلين طوائف الأولى النصارى ، وضبط مذهبهم أنهم إما أن يقولوا باتحاد ذات الله بالمسيح أو حلول ذاته فيه أو حلول صفته فيه ، كل ذلك إما ببدن المسيح أو بنفسه وإما أن لا يقولوا بشىء من ذلك وحينئذ إما أن يقولوا أعطاه الله قدرة على الخلق و الإيجاد أولا ولكن خصه الله بالمعجزات وسماه ابنا تشريفا كما سمى ابراهيم خليلا . فهذه ثمانية احتمالات كلها باطلة إلا الأخير فالستة الأولى باطلة لما بينا من امتناع الاتحاد والحلول والسابع باطل أيضا لما سنبينه أن لا مؤثر فى الوجود إلا الله وأما تفصيل مذهبهم فسنذكره فى خاتمة الكتاب . الثانية النصيرية والاسحاقية من الشيعة . قالوا ظهور الروحانى بالجسمانى لا ينكر ، ففى طرف الشر كالشياطين وفى طرف الخير كالملائكة فلا يمتنع أن يظهر الله تعالى فى صورة بعض الكاملين وأولى الخلق بذلم أشرفهم وأكملهم وهو العترة الطاهرة.... ولم يتحاشوا على إطلاق الاّلهة على أئمتهم ، الثالثة بعض المتصوفة وكلامهم مخبط بين الحلول والاتحاد . والضبط ما ذكرنا فى قول النصارى . ورأيت من الصوفية الوجودية من ينكره ويقول لا حلول ولا اتحاد إذ كل ذلك يشعر بالغيرية ونحن لا نقول بها وهذا العذر أشد قبحا وبطلانا " . وقال شارح " المواقف " العلامة الشريف الجرجانى :" إذ يلتزم تلك المخالطة التى لا يجترىء على القول بها عاقل ولا مميز أدنى تمييز "
وليس بمستغرب أن يسكت شارح المواقف عن مناصرة مذهب الصوفية الوجودية
187
تجاه حملة المصنف الشديدة عليه مع كونه أى الشارح نفسه من الصوفية ولا أن يقول ما نقلناه عنه سابقا مع أن المتقيدين بطور العقل يعتبرون قول الصوفية الوجودية بأن جميع الموجودات موجودا واحدا ، مكابرة لا يلتفت اليها لكونها مخالفة لبداهة الحس والعقل : وإنما المستغرب كون كثيرين من أجلة العلماء المتقدمين والمتأخرين كالغزالى (1) والفنارى والجامى والدوانى والسيلكوتى والكلنبوى حتى العالم الكبير المعاصر مترجم " مطالب و مذاهب " راكنين اليه معظمين لأصحابه وعلى الأقل كافين عن إبطاله تاركين تاركين لهذه الفتنة الاعتقادية المتعلقة بذاته تعالى تفعل فعلها فى هدم قواعد الإسلام وأحكام شريعته . وماذا فرق هذا المذاهب عن فلسفة وحدة الوجود الإسكندرانية النسوبة إلى الأفلاطون الثانى " بلوتن " ثم فلسفة " اسبينوزا " و "فيخة " و " شيللينغ " و " هيجل " لاسيما فلسفة " بلوتن " القائل بأن الله باطننا ونحن لا نختلف عنه والقائل بانسلاخ الأشياء من وجودها واندماجها فى الله و بتنزل " المطلق " من المبادىء العالية إلى المبادىء السافلة وفلسفة " شبللينغ " القائل بسقوط اللامتناهى يعنى الله إلى المتناهى يعنى العالم والقائل " وهو المسئول عن السيئات التى هى نتيجة سقوطه وإرسال نفسه فلماذا أراد أن يصير هذا العالم مع كونه نزولا له ، ولم يبق فى الله " وهذه المذاهب غير الإسلامية أشبه شىء بما فى كلام صاحب " الأسفار" من تنزلات الوجود المطلق يعنى الله إلى التعينات المختلفة .
وانظر قول صاحب الفصوص فى فص " حكمة فردية فى كلمة محمدية " شهود الحق فى النساء أعظم الشهود وأكمله وأعظم الوصلة النكاح " وقوله " فشهوده ]أى الرجل[
للحق أتم وأكمل من حيث هو ] أى من حيث أن الله[ (2) هو فاعل
بداية هامش
(1) ومن الغرابة فى الغرابة أن الغزالى يختار فى كتابه " تهافت الفلاسفة " مذهب المتكلمين القائلين بكون الوجود زائدا على الذات ويناضل الفلاسفة المدعين كونه عين الذات فى الواجب ، الذى هو أساس مذهب وحدة الوجود .
(2) التفسير الأول منى والتفسير الثانى من شارح الفصوص الشيخ البالى .
نهاية هامش
188
ومنفعل" فإذا كان الأمر كما قال يكون كل من جامع امرأه حتى الزانى من أكبر الواصلين إلى الله وهذا أفظع مما فى دين الأشراف الذى ابتدعه " عوكست كونت " زعيم الفلسفة الوضعية " يوزيتيوبزم " من اتخاذ المرأه معبودا أعظم (1) .
وقد كان يخطر ببالى أن الطائفة الوجودية لا يعترفون بوجود الله غير وجود الأشياء بناء على أن الوجود المطلق الذى هو الله عندهم إنما يتحقق فى وجودات الشياء تحقق الكلى فى جزئياته من غير تحقق له فى الخارج مستقلا عنها . هذا حقيقة مذهبهم وإن كانوا يتسترون بإدعاء وجود الوجود المطلق من غير تقيد ويعبرون عنه بالذات الأحدية وهى محيطة بالوجودات ومتشخصه باطلاقها وهل يمكن أن يتصور الوحدة الشخصية فى المطلق الكلى أم لا يمكن ؟ فالحكم بهذا الإمكان أو عدمه هو مرجع القول أو الرد فى وحدة الوجود عند بعض العلماء الأفاضل كما سبق نقله عن الفاضل الكلنبوى فى رساله ألفها فى الصدد نفسه أنه لم ينفذ عقله فى إمكان التأليف بين الكلية والوحدة الشخصية ولو نفذ لقبل مذهب وحدة الوجود ، ولكن
بداية هامش
(1) ينجلى لصاحب العقل والإنصاف من هذا القول لصاحب الفصوص ، وكذا قوله الاّتى نقله بعد بضع صفحات ، المتناهى فى إساءة الأدب مع الله ; بطلان مذهب وحدة الوجود انجلاء ظاهرا ، لأن ذلك المذهب هو الذى يجر صاحب الفصوص إلى التفوه بمثل هذه التفاهات ... وإلا فليس هذا الرجل الذى يعد عند كثير من الغافلين من أولياء الله العارفين ويسمى بالشيخ الأكبر ، من المجانين ...فإن صح مذهب وحدة الوجود صح القول بمثل تلك السخافات وكان قائلها معذورا ، بل صح لمن شاء أن يقول ما شاء قوله ويفعل ما شاء فعله ، كما قيل : فتصرف من شئت ولو أختك وأمك .... لأن كل قائل وكل فاعل هو الله الذى لا يسأل عما يفعل ... وليس منشأ الفساد والضلال هو مذهب وحدة الوجود فقط الذى ابتلى به التصوف ، بل المنشأ الأول هو المذهب القائل بأن حقيقة الله الوجود وهو المذهب الفلسفى الذى ابتلى به بعض المحققين من المتكلمين مثل ابتلاء بعض الصوفيه بمذهب وحدة الوجود لأن الوجود يوجد فى كل موجود فيوجد فيه الله مع الوجود ! ولا يكمن التعزى والتفادى بالتفريق بين وجود و وجود لمنع انتهاء الأمر إلى وحدة الوجود كما سمعت بحث كل ذلك .
نهاية هامش

189
ما أريد أن أقوله هنا غير هذه النقطة ، وهو أن الله تعالى إذا كان عبارة عن الوجود المطلق المتبسط على الموجودات المتشخص باطلاقه فهل له وجود شخصى غير هذا الوجود المتبسط على الأشياء العالمية أم ليس له ذلك ؟ والظاهر من توصيفه بالإطلاق ومن سعيهم لجعل هذا المطلق واحدا شخصيا ، بل ومن تشخصه باطلاقه المستلزم لعدمه شخصيا عند عدم تشخصه ، هو الشق الثانى أعنى أن لا وجود شخصيا لله غير ذلك الوجود المطلق المتبسط على الأشياء . فإن قالوا كان الله ولا شىء معه كما فى الحديث النبوى فالجواب لندع هنا ما قبل وجود العالم ولننظر أولا هل الله موجود مع العالم بوجود مستقل عنه أم وجوده وجود العالم ؟ ولا سبيل إلى الشق الأول لما قلنا ولأنه ينافى وحدة الوجود ، فتبين الثانى وتبين أيضا أن قولهم العالم معدوم والله موجود لا يبعد أن يكون معناه أن العالم موجود والعالم ومعدوم .
كان يخطر ببالى هذه الفكرة ثم رأيت قول صاحب الأسفار ص 186 : " إن بعض الجهلة من المتصوفين الذين لم يحصلوا طريق العلماء العرفاء ولم يبلغوا مقام العرفان توهموا لضعف عقولهم ووهن عقيدتهم وغلبة سلطان الوهم على نفوسهم أن لا تحقق للذات الأحدية المنعوتة بألسنة العرفاء بمقام الأحدية وغيب الهوية وغيب الغيوب مجردة عن المظاهر والمجالى ، بل المتحقق هو عالم الصورة وقواها الروحانية والحسية والله هو الظاهر المجموع لا بدونه ، وهو حقيقة الإنسان الكبير والكتاب المبين الذى هذا الإنسان الصغير نموذج ونسخة مصغرة عنه . وذلك القول كفر فضيح وزندقة صرفة لا يتفوه به من له أدنى مرتبة من العلم ونسبة هذا الأمر إلى أكابر الصوفية ورؤسائهم افتراء ، محض وإفك عظيم يتحاشى عنه أسرارهم و ضمائرهم" .
لكن الذى عزاه إلى بعض جهلة المتصوفين هو ما أدى اليه مذهب وحدة الوجود بعينه كما ذكرنا من قبل من أن الله تعالى ليس له وجود مع العالم يستقل عنه ، فهناك


190
موجودا واحدا هو الله فى صورة العالم ، بل العالم هو الله والله هو العالم وهذه العينية منصوص عليها فى مواضع لا تحصى من كتاب الفصوص لشيخهم الأكبر مع التعبير عنه بالإنسان الكبير الذى عزاه أيضا صاحب الأسفار إلى بعض جهلة المتصوفين ، قال فى فص هود :
" إن الله تعالى وصف نفسه بالغيرة ومن جملة غيرته أنه حرم الفواحش (كما فى الحديث النبوى ) وليس الفحش الإ ما ظهر و أما فحش ما بطن فهو لمن ظهر له أى بالنسبة اليه وأما بالنسبة إلى من لم يظهر له فليس بفحش فلما حرم الفواحش أى منع أن تعرف حقيقة ما ذكرناه وهى أن الحق عين الأشياء فسترها أى ستر تلك الحقيقة عن الغير لئلا يطلع عليه أحد إلا بالمجاهدات والرياضات بالسلوك فالغير أى الذى لم يعلم أن الحق عين الأشياء يقول السمع سمع زيد والعارف يقول السمع عين الحق وهكذا ما بقى من القوى والأعضاء " انتهى مع بعض تفسير من شرح البالى .
وقال أيضا فى ذلك الفص : " وما رأينا قط من عند الله فى حقه تعالى فى اّيه أنزلها أو أخبار عنه أوصله الينا فيما يرجع اليه إلا بالتحديد تنزيها كان أو غير تنزيه أوله العماء الذى ما فوقه هواء وما تحته هواء فكان الحق فيه قبل أن يخلق الخلق ثم ذكر أنه أستوى على العرش فهذا تحديد أيضا ثم قال إنه ينزل إلى سماء الدنيا فهذا تحديد ثم ذكر أنه اله فى السماء واله فى الأرض وذكر أنه معنا اينما كنا إلى أن أخبرنا أنه عيننا ونحن محدودون به وهو حدنا " .
وقال بعد أطر : " فالحق محدود بحد كل محدود فيما يحد شىء إلا وهو حد للحق فهو السارى فى مسمى المخلوقات والمبدعات " .
وقال فى فص أدريس بعد تشبيه وجود الله فى كل موجود بوجود الواحد فى جميع مراتب الأعداد المركبة من الاّحاد : " ومن عرف ما قررناه فى الأعداد علم أن الحق
بداية صفحة 191
المنزه هو الخلق المشبه" (هامش : وقال الفاشاني في شرح الفصوص ص 248 "لا تدركه الأبصار للطفه وسريانه في أعيان الأشياء" وقال في ص 231 "أدعوني أستجب لكم وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان وإن كان عين الداعي عين المجيب" انتهى الهامش)
والشيخ يبني دعوى العينية على ما زعمه من دلالة بعض الآيات والأحاديث عليها كما سيجيء تفصيله ، ومن أغرب ما يدهش العقول أن قوله تعالى "ليس كمثله شيء" من تلك الآيات.
وقال في فص نوح : "إن للحق في كل خلق ظهورا خاصا وهو الظاهر في كل مفهوم وهو الباطن عن كل فهم إلا عن فهم من قال إن العالم صورته وهويته وهو أي العالم الاسم الظاهر كما أنه بالمعنى روح ما ظهر فهو الباطن فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبرة للصورة فيؤخذ في حد الإنسان مثلا ظاهره وباطنه وكذلك كل محدود فالحق محدود بكل حد وصور العالم لا تنضبط ولا يحاط بها ولا يعلم حدود كل صورة منها إلا على قدر ما حصل لكل عالم من صوره أي صور العالم فلذلك أي فلأجل عدم انضباط صور العالم لأنها جزيئات غير متناهية يجهل حد الحق وهذا أي العلم بكل صورة محال حصوله فحد الحق الموقوف على المحال محال".
فصاحب الفصوص يقول إن الله لا يعرف ولا يمكن تعريفه لتوقفه على معرفة جميع أجزاء العالم الذي هو صورته وهويته والشاملة لماضيه وحاضره ومستقبله ، ومعرفة جميع أجزاء العالم بماضيه وحاضره ومستقبله لا تمكن الإحاطة بها لكونها غير متناهية فلا تمكن الإحاطة علما بالله ، ومنشأ عدم إمكان الإحاطة به علما عدم إمكان الإحاطة علما بالعالم. نفي هذا القول أبلغ تصريح بأن الله ليس شيئا غير العالم. فإذا كان الله العالم بعينه فمن هو الذات الأحدية المنعوتة بغيب الهوية وغيب الغيوب والتي ادعى صاحب الأسفار وجودها مستقلة عن العالم مجردة عن المظاهر ورمى منكريها من المتصوفة بالجهل والكفر والزندقة؟
بداية صفحة 192
فهل هناك إلهان اثنان أحدهما عين العالم والآخر غيره؟ ومن العجيب المدهش أن الصوفية الوجودية بينما كانوا يدعون العالم ووجود الله وحده فإذا بهم يجعلون الله عبارة العالم الذي قالوا بعدمه.
فتبين أن معنى كون العالم عندهم كونه هو الله وعدم كونه عالما حتى إنه إذا قيل لهم أتقولون بحلول الله في العالم أو اتحاده معه أجابوا بأن كلا من الحلول والاتحاد يقتضي وجود اثنين ونحن لا نعترف بوجود العالم حتى يكون الله حالا فيه ، والاتحاد يقتضي وجود اثنين ونحن لا نعترف بوجود العالم حتى يكون الله حالا فيه أو متحدا معه ، وليس معنى قولهم هذا إنكار وجود هذه المحسوسات لأن إنكاره يكون إنكار للبديهي وقد صرحوا به أيضا ، وإنما معناه أن هذه الأشياء التي نشاهدها ونزعمها العالم هي الله الذي نبحث عنه فيما وراء العالم. ومع هذا فعدم كون هذا العالم المحسوس هو الله بديهي أيضا. فإذا لم يكن لله وجود غير وجود العالم فإدعاء أنه الله دون العالم إدعاء مصادما للبداهة أولى أن يكون معناه نفي الله وإثبات العالم لا نفي العالم وإثبات الله. ومن هذا قال "شوبنهاور" عن مذهب وحدة الوجود في الغرب "بانتائيزم" : "إنه نفي لوجود الله بلطف ولباقة".
بداية صفحة 193
وإذا كان الله الذي ننشده مضطرين إلى القول بوجوده غير المحتاج إلى الإيجاد ، بسبب وجود الكائنات التي تحتاج إلى إيجاد موجد ، ثم انتهى بنا البحث والنظر إلى كون الله الذي قلنا بوجوده ليكون موجد العالم ، عبارة عن الوجود المطلق الموجود في كل موجود في العالم. كان معنى هذا أن العالم مستغن عن الله لانطوائه عليه ، وهو ظاهر لا يقبل المراء.
وفي فص هود من "الفصوص" : "فهو عين الوجود فهو على كل شيء حفيظ بذاته فلا يؤوده حفظ شيء فحفظه تعالى للأشياء كلها حفظه لصورته أن يكون الشيء على غير صورته فهو الشاهد المشهود والمشهود من المشهود وهو روح العالم المدبر له فهو الإنسان الكبير.
فهو الكون كله وهو الواحد الذي
قام كوني بكونه فلذا قلت يغتذي
فوجودي غذاؤه وبه نحن نحتذي"
وقال الشارح عبد الغني النابلسي : "فهو كل الأرواح وهو كل النفوس وهو كل الأجسام وهو كل الأحوال والمعاني وهو المتنزه عن جميع ذلك أيضا إذ لا وجود إلا وجوده".
فانظر كيف يفسر تنزهه عن جميع ما عدده من الأرواح والنفوس والأجسام والأحوال والمعاني بنفي وجود ما عداه وجعل كل شيء عينه. وقال الشارح البالي في شرح قوله :"فلا يؤوده حفظ شيء" : "إذ عين الشيء لا يثقل حفظه على ذلك الشيء" وقال الشارح عبد الغني في شرح قوله "فحفظه للأشياء كلها حفظه لصورته أن يكون الشيء على غير صورته" : فكل الصور له ولا صورة له لأنه إذا كان عين صورة لم يكن عين صورة أخرى فيتنزه عن الصورة الأخرى وإذا كان عين الصورة الأخرى لم يكن عين الصورة الأولى فهو عين الصور كلها فهو متنزه عن الصور كلها" يعني أن كل الصور له ولا صورة متعينة.
بداية صفحة 194
وقد كان يظن أن العالم في مذهب وحدة الوجود صورة والله حقيقة هذه الصورة بمعنى أن بين الله والعالم تغايرا صوريا. لكن المفهوم من قول الشيخ وشراحه هنا أن الصورة أيضا لله على أن يكون المراد صورة جميع الأشياء لا صورة أي واحد منها متعين ، ولذا قال فيما نقلناه عن فص نوح إن العالم هو الاسم الظاهر لله والحق الذي هو الروح المدبر له باطنه كالإنسان له ظاهر وباطن وهو مجموعهما ، فالعالم كما قال في فص هود الإنسان الكبير الذي له أيضا صورة ظاهرة وروح مدبرة والله مجموع الصورة والروح.
وإذا كان الله عبارة عن العالم وكان منشأ عدم تحديد الله عدم انضباط صور العالم لكونها جزئيات غير متناهية لا تقف عند حد ولا يتحقق منها أبد الآباد إلا ويبقى بعده منها ما لم يتحقق ، إذا كان الأمر كذلك لزم أن يكون الله لم يتحقق بتمامه بعد ولن يتحقق. ومنه يفهم سر ما ذكره صاحب الأسفار وعزاه إلى بعض جهلة المتصوفة من أنه لا تحقق للذات الأحدية المنعوتة في ألسنة العرفاء بغيب الهوية وغيب الغيوب مجردة عن المجالي والمظاهر ، وهذا كقول "ثه ريثرمن" و "منزو أقكار" من الفلاسفة الاتحاديين الغربيين : "لم يكن الله قبل المخلوقات" كما في مطالب ومذاهب ص 241
بداية صفحة 195
ومما يؤيد كون الله عند الصوفية الوجودية لا وجود له غير وجود العالم بحيث لا يمكن فك وجوده عن وجوده قول صاحب الفصوص في أواخر "فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية" : "أما أخطاء الحسبانية فبكونهم ما عثروا في التبدل في العالم بأسره على أحدية الجوهر المعقول الذي قبل هذه الصورة ولا يوجد إلا بها كما لا تعقل إلا به. فلو قالوا بذلك فازوا بدرجة تحقيق الأمر".
فقوله "الجوهر المعقول الذي قبل هذه الصورة ولا يوجد إلا بها" تصريح بأن ذلك الجوهر الذي أراد به الله تعالى لا يوجد بدون الصورة وأوضحه شارح الفصوص بقوله : "لا يوجد ذلك الجوهر المعقول في الخارج إلا بها أي بتلك الصورة ومثله قول الشيخ في الفص الأخير : " لا يشاهد الحق مجردا عن المواد أبدا" وقوله هذا عند ما ادعى "أن كمال شهود الحق شهوده في المرأة وأن أعظم الوصلة إلى الله النكاح والوقاع وأنه لهذا أحب النبي صلى الله عليه وسلم النساء وأنه لو علم الناكح روح المسألة لعلم بمن التذ ومن التذ ؟؟ أي لعلم من الملتذ بها ومن الملتذ ؟ يعني أن الناكح والمنكوحة حتى الزاني والمزنية كليهما واحد وهو الله !!
(هامش : وما قاله الشيخ هنا يشبه قوله في فص إدريس إن سيدنا إبراهيم الذي ذبح ابنه في المنام ما ذبح سوى نفسه وإن سيدنا آدم المخلوق منه زوجه ما نكح سوى نفسه. انتهى الهامش)
قال الشيخ كل هذا وهو تناه منه في سوء الأدب مع الله. وانظر ما قاله في الفص نفسه قبل أسطر : "إن الشهوة تعم أجزاء الرجل كلها عند جماع المرأة ولذلك أمر بالاغتسال منه فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة فإن الحق غيور على عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره فطهره بالغسل ليرجع بالنظر إليه فيمن فنى فيه"
بداية صفحة 196
ولا تظنن أنه اعتبر هنا المرأة التي فنى فيها الرجل عند حصول الشهوة غير الله وبنى الأمر بالاعتسال عليه كما ظن الشارح البالي فقال : "فكانت الطهارة لأجل مشاهدة الرجل الحق في المرأة" وهو خلاف الحقيقة وخلاف مراد الشيخ المصنف القائل :" غيور على عبده أن يعتقد أن يلتذ بغيره" فهو يخطئه في اعتقاد أنه يلتذ بغيره لا في التذاذه بغيره ومؤداه أنه لو أصاب في اعتقاده وعلم حقيقة المرأة التي التذ بها لما وجب عليه الغسل أو على الأقل لا يجب على المعتقدين بوحدة الوجود فمن المرأة الملتذ بها ومن الملتذ ومن المغتسل ومن الآمر بالاغتسال ؟؟ كما قال الشيخ في فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية " : " ومن أسمائه العلى على من ؟ وما ثم إلا هو" فهل يعني الشيخ أنه لا معنى لاسمه "العلي" ؟.
وقال لا تجاوز الله عنه في فص "حكمة أحدية في كلمة هودية" :
في كبير وصغير عينه وجهول بأمور وعليم
ولهذا وسعت رحمته كل شيء من حقير وعظيم
يعني أن سبب كون رحمته وسعت كل شيء أنه كل شيء فهو لكونه يرحم نفسه طبعا ، يرحم كل شيء.
ومن أضاليل كون كل شيء كبير وصغير وعليم وجهول وحقير عين الله ، أعني من أضاليل عقيدة وحدة الوجود الفاحشة ما وقع للشيخ في "فص حكمة إحسانية في كلمة لقمانية " من تفسير الظلم بالجهل في قوله تعالى :" إن الشرك لظلم عظيم" وتعليله بقوله :"فإنه أي المشرك لا يشرك معه إلا عينه وهذا غاية الجهل" ولا يدري الشيخ صاحب الفصوص أن هذا منه لا يكون تجهيلا للمشرك فحسب بل تجهيلا أيضا لله الذي عبر في كتابه المنزل عن فعل المشرك بأنه يشرك بالله غيره كما قال مثلا :"أيشركون بالله ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون" وقال : "قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات".
بداية صفحة 197
نعود إلى النظر في وجود الله أو عدم وجوده مستقلا عن وجود العالم وقد درسنا المسألة بالنسبة إلى زمان وجود العالم. أما ما قبل وجود العالم فيقال إنه لم يسبق العالم زمان لم يوجد فيه بناء على أن الصوفية الوجودية قائلون بقدم العالم كالفلاسفة. قال الفاضل الجامي الذي هو من كبار علماء الصوفية المحققين في "الدرة الفاخرة" في تحقيق مذاهب الصوفية والمتكلمين والحكماء في وجود الله وصفاته:
اعلم أن المتكلمين بل الحكماء أيضا اتفقوا على أن القديم لا يستند إلى الفاعل المختار لأن فعل المختار مسبوق بالقصد ، والقصد إلى الإيجاد مقارن لعدم ما قصد إيجاده ضرورة فالمتكلمون أثبتوا اختيار الفاعل وذهبوا إلى نفي الأثر القديم والحكماء أثبتوا وجود الأثر القديم وذهبوا إلى نفي الاختيار وأما الصوفية قدس الله أسرارهم فجوزوا استناد القديم إلى الفاعل المختار وجمعوا بين إثبات الاختيار والقول بوجود الأثر القديم".
يعني أنهم يوافقون الحكماء على القول بقدم العالم ويخالفونهم في قولهم بأن الله تعالى فاعل موجب لا فاعل مختار. ثم ذكر الجامي قول الآمدي من المتكلمين بجواز استناد القديم إلى الفاعل المختار وبني مذهب الصوفية على هذا القول الذي استضعفه جمهور المتكلمين وردوه. فكأن الصوفية لم يروا في القول يقدم العالم من الشناعة ما رأوه في القول بنفي الاختيار من الله ، فحاولوا رفع التلازم بين القولين متأسين برأي الآمدي. لكنهم مع هذا لم يتخلصوا من التشبث بأذيال الفلاسفة في مسألة قدرة الله واختياره أيضا حيث فسروا الاختيار بما فسرته الفلاسفة من قولهم المشهور : "إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل" على أن تكون الشرطية الثانية من هاتين القضيتين صادقة مع كذف طرفيها ، وستعرف مما يأتي في فصل حدوث العالم أن تفسير الاختيار بهذه الصورة تلاعب بالألفاظ لا يجدي في تحقيق معنى القدرة شيئا ؛ لأن الله تعالى عن هذا ، غير قادر على أن لا يفعل وأن لا يشاء الفعل ومضطر على أن يفعل دائما وأن يشاء الفعل
بداية صفحة 198
فمن المؤسف سقوط الصوفية في أوحال الفلاسفة إلى هذا الحد. وما ادعاه الفاضل الجامي إذن من امتياز الصوفية عن الفلاسفة في مسألة قدرة الله واختياره مع ما ذكره هو نفسه من اشتراكهم معهم في تفسير الاختيار بالشرطيتين المذكورتين ، دعوى بلا دليل بل دعوى مع المناقض. فإن تم للصوفية التخلص من القول بنفي قدرة الله واختياره ، بتفسير الاختيار بمعنى "إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل" أي بالمعنى المجامع للإيجاب فالفلاسفة أحق بالخلاص من تهمة المذكور بفضل ذلك التفسير الذي هم مخترعوه ، لكنهم ما تم لهم الخلاص فلا يتم لمقلديهم أيضا أعني المتصوفين. والتجاؤهم هذا إلى التفسير المذكور وتقليدهم الفلاسفة فيه أيضا دليل على أن الاستناد إلى رأي الآمدي لا يكفيهم في التخلص من هذا المأزق.
أما الحديث النبوي القائل :"كان الله ولا شيء معه" فالصوفية الوجودية وإن اعترفوا به وذكروه في كتبهم على الرغم من قولهم بقدم العالم لكنهم أفسدوا معناه بالزيادة التي عزاها بعضهم إلى علي كرم الله وجهه ، وبعضهم إلى جنيد وهي "الآن كما كان" بل أفسدوا معنى تلك الزيادة أيضا لأن قائلها على تقدير ثبوتها أراد بها نكتة مجازية وهي الإشار إلى أن وجود العالم في حالة وجوده أيضا منزلته كمنزلة العدم بالنسبة إلى وجود الله ولم يرد قائلها طبعا سواء كان عليا أو جنيدا الاعتراض على حديث النبي صلى الله عليه وسلم لتخصيص عدم العالم فيه بالماضي. فإذا كان معنى الحديث والعلاوة كما زعمه الصوفية الوجودية من نفي وجود العالم في الحقيقة وعلى السوية بين الماضي والحال بناء على قاعدة وحدة الوجود فالحديث لا يدل إذن على قدم الله وحدوث العالم على الرغم من أنه مقول للتفريق بينهما في القدم والحدوث وليس هذا إلا فساد معنى الحديث والعلاوة بإخلاء الحديث عما سيق له أو بجعل العلاوة انتقادا له.
بداية صفحة 199
ولا نطيل الكلام في إبطال مذهب الصوفية الوجودية أكثر من هذا ، فبطلانه بين في بداهة عقول المتقيدين بطور العقل. أما الكشف الذي ربما يستندون إليه فنرى بكل عجب أن كشفهم يقفو دائما آثار الفلاسفة ، وهم أئمة الصوفية الوجودية في مسألة وحدة الوجود أيضا ، وإن كانت الطائفة المأمومة أدخلوا شيئا من التعديل في مذهب أئمتهم لكن لا يختفي من نظر العقل اليقظ أن مذهب الفلاسفة القائل بأن وجود الله عين ذاته المذكور في علم الكلام أصل مذهب الصوفية الوجودية الذي لم يعر المتكلمون اهتماما بذكره ولا بإبطاله في عداد المذاهب المذكورة في مبحث الوجود ، إلا قليل منهم ، كالعلامة التفتازاني ، الذي استوفى إبطاله في "شرح المقاصد" على الرغم من دفاعه عن مذهب الفلاسفة الذي هو عندي رأس كل خطيئة المذهب الصوفي الوجودي.
فالعلامة التفتازاني ينعي بكل شدة على مذهب الصوفية الوجودية وفي الوقت نفسه يدافع بكل قوته عن مذهب الفلاسفة في وجود الله. أما الصدر الشيرازي فيطرئ كلا المذهبين في "الأسفار" مع ما بينهما من التضاد والتنافي ، رغم تولد أحدهما من الآخر وهذا أعجب ما فعله التفتازاني.
نعم قد تراه يضطرب في رأيه فيحمل على مذهب الصوفية الوجودية ويعبر عن أصحابه ببعض جهلة المتصوفين كما سبق نقله مع ما علقنا عليه ، وقلنا إن مذهب الطائفة الذين يكبرهم وزعيمهم ابن عربي في "الأسفار" أيما إكبار. والفرق بين مذهبهم ومذهب الفلاسفة بعد اتفاق الفريقين على القول بكون حقيقة الله الوجود ، أن هذا الوجود محمول في مذهب الفلاسفة على الوجود المجرد عن الماهية ، فلا يشمل وجود الممكنات المقارن لماهياتها ، وفي مذهب الصوفية الوجودية على الوجود المطلق فيعم وجود الممكنات أيضا ويكون كل وجود في كل موجود واجب الوجب ، لأن واجب الوجود ليس إلا الوجود نفسه أينما كان كما اعترف به الفلاسفة أيضا عند أول وضعهم هذه المسألة.
بداية صفحة 200
وتراه يقول في ص 63 من "الأسفار" : "ثم إن الدائر على ألسنة طائفة من المتصوفة أن حقيقة الواجب هي الوجود تمسكا بأنه لا يجوز أن يكون عدما أو معدوما وهو ظاهر ولا ماهية موجودة أو مع الوجود تعليلا أو تقييدا لما في ذلك من الاحتياج والتركب فتعين أن يكون وجودا وليس هو الوجود الخاص لأنه إن أخذ مع المطلق فمركب أو مجرد المعروض فمحتاج ضرورة احتياج المقيد إلى المطلق ، وضرورة أنه يلزم من ارتفاعه ارتفاع كل وجود. وهذا القول منهم [بكون حقيقة الواجب وجودا وليس هو الوجود الخاص] يؤدي في الحقيقة إلى أن وجود الواجب غير موجود وأن كل موجود حتى القاذورات واجب ، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ، لأن الوجود المطلق مفهوم كلي من المعقولات الثانية لا وجود لها في الخارج".
ثم أخد يجيب عن دليلهم المردود. وقد علمت أن الوجود المجرد أيضا لا يكون من الموجودات كالموجود المطلق ، وقد علمت وستعلم أن مذهب الفلاسفة ينجر إلى مذهب الصوفية فإن بطل هذا لزم بطلان ذلك أيضا. والمقصود هنا من النقل الأخير عن "الأسفار" تسجيل اعتراف الصدر الشيرازي ببطلان مذهب الصوفية الوجودية الذين يطربهم ومذهبهم في مواضع أخرى من كتابه وقد أوردنا نبذة كافية منهم.
فصاحب الأسفار إن لم نقل إنه متردد أو متناقض مع نفسه في مذهب الصوفية فهو على الأقل أميل إلى مذهب الفلاسفة منه إلى مذهب الصوفية.
والذي هو لباب الحق والحقيقة أن المذهبين كلاهما باطل وأن كلا منهما مبطل للآخر فلا يجوز الجمع بينهما ، ولا يجوز للمعترف ببطلان مذهب الصوفية أن يقول بمذهب الفلاسفة لأن هذا أصل ذاك وملزومه المنجر إليه بطبعه ولذا عنينا بإبطاله أولا . ونعيد الكرة فنلخص المسألة :
مما يجب أن لا يبعد عن الذاكرة أن الخلاف بين الفلاسفة والمتكلمين في أن وجود
ص(201)
الله عين ذاته أو زائد عليها نشأ من تفسير معنى كون الله واجب الوجود فقال المتكلمون معنى وجوب وجوده أن ذاته تقتضي اتصافها بالوجود وتستلزمه ففهم من فهم منه أن ذاته علة لوجوده ثم اعتُرض عليه بأنه لا يمكن أن تكون ذاته قبل وجودها علة لوجودها. وبعد وجودها يكون القول بالعلية تحصيلا للحاصل . وإن شئت فقل إن العلة يجب تقدمها بالوجود على معلولها فإذا كان المعلول وجودَ العلة نفسِها لزم تقدم وجودها على وجودها وهو محال .
والحق عندي أنه لا معنى لإرجاع قول المتكلمين في تفسير وجوب وجود الله إلى كون ذاته علة لوجوده بل الواجب أن يقال إن وجوده ضروري لوجود العالم ، غير معلّل ولا محتاج إلى العلة كوجود الممكنات والضرورات لا تعلل فقد قلنا إن سبب وجود العالم وجود الله أما سبب وجود السبب فإدراكه فوق عقل البشر ولو بحثنا عن سبب وجود هذا السبب الذي انتهينا إليه لضرورة قطع الأسباب المستحيل تسلسُلها إلى غير نهاية ، لكنا عدنا إلى طريق التسلسل المحال . فخلاصة ما ذكرنا تفسير وجوب وجود الله بمعنى سلبيٍّ لعدم السبيل إلى تفسيره بالمعنى الإيجابي بأن يبين السبب لوجود الله لأن ذلك متوقف على معرفة حقيقته تعالى وهو محال كما قال (( إميل سه سه في ص 302 مطالب ومذاهب )) .
فنحن إنما نعرف وجود الله من طريق إنِّيٍّ هو وجود العالم واحتياجُ وجوده إلى علة ولا نعرف وجود الله عن طريق لِمِّيٍ أي من طريق معرفة العلة لوجود الله نفسه (1) ولذا قلنا فيما سبق إن الخلاف بين الفلاسفة والمتكلمين يرجع إلى الخلاف في تعيين ماهية الله وعدم تعيينها فيعينها الفلاسفة على أنها الوجود ويبينون عليه علة وجوده بل وجوبِ وجوده لأن الوجود لا ينفك عن نفسه ومن هذا يُعلم أن لجوء الفلاسفة أثناء مناقشتهم إلى القول
هامش صفحة 201
1. الدليل اللمي ما يكون طريق الاستدلال فيه من المؤثر إلى الأثر كالاستدلال من وجود النار على وجود الدخان والدليل الإني ما يكون طريق الاستدلال فيه من الأثر إلى المؤثر كالاستدلال من وجود الدخان على وجود النار.
ص (202)
بأنهم لا يعرفون حقيقة الوجود الخاص الذي هو حقيقة الله عندهم, لا يسُمع منهم إذ لو لم يعرفوه لما عينوه على أنه حقيقة الله ولما بنوا عليه علة وجوده , وإنما المتكلمون هم الذين اجتنبوا تعيين حقيقة الله وكفُّوا من جرائه عن بيان علة وجوده . هذا هو التوجيه الصحيح لقول المتكلمين في تفسير وجوب وجود الله .
وقالت الفلاسفة معنى وجوب وجوده أن وجوده عين ذاته , وكنت أود أن أرد مذهب الفلاسفة في وجود الله تعالى إلى قاعدتهم في صفات الله حيث يدعون عينيتها أيضا لذات الله فينكرون الصفات زائدة على الذات ويقولون يترتب كل مايترتب على صفاته لو كانت له صفات, على ذاته فيأول الأمر إلى نفي صفات الله مع إثبات نتائجها ويزول بأس الإنكار على مذهبهم , وكذا يكون الحال في وجود الله مع ذاته فيأول إنكار زيادته على ذاته إلى انكاره أي الوجود مع إثبات الذات وحدها وترتيب ما يترتب على وجودهاعلى الذات نفسها, لإنكار الذات وإثبات الوجود قائما مقام الذات ، وهو الموافق لنسبة الزيادة المنفية إلى الوجود دون الذات , بل جواب الفلاسفة الوجوديين عن الاعتراض الوارد عليهم , يحمل على عنى مبدأ الآثار , معناه الرجوع من مذهب الوجود المجرد عن الماهية إلى الذات المجردة عن الوجود وقد أثبتناه فيما سبق ... كنت أود أن أرد مذهبهم في وجود الله إلى مذهبهم في صفاته وقد وجدت هذا القياس بين مذهبهم في الموضعين في حواشي شرح المواقف بل في كلام الكلنبوي أيضا في حواشيه على شرح الجلال الدواني على العقائد العضدية في غضون إطنابه لمناصرة ذهب الفلاسفة في مسألة وجود الله .. كنت أود ذلك لكن الكلنبوي نفسه والسيلكوتي وغيرهما نقلوا عن الفلاسفة قولهم وتصريحهم بأن الله هو الوجود . فعلى هذا يكون المنفي في دعوى العينية هو الذات أي الماهية ولاباقي هو الوجود. ويؤيده أيضا تصريحهم بأن الله هو الوجود المجرد عن الماهية , وهذا عكس ما كان في ذات الله مع صفاته فلم يقل أحد من جانب الفلاسفة إن الله تعالى علم مجرد او قدرة أو إرادة
ص(203)
مجردتان كما قالوا إنه الوجود المجرد, فحينئذ تكون ذات الله عندهم هي الوجود ولا ذات لع غيره, فكانهم ليجعلوا الله واجب الوجود جعلوه عين الوجود وصرحوا بأنه حقيقته حتى يكون انفكاكه عن الوجود مستحيلا استحالة انفكاك الشئ من نفسه, فلكل شئ ماهية ووجود زائد عليها إلا الله فإنه الوجود المجرد عن الماهية(1).
فورد على مذهبهم أن الوجود ليس من الموجودات التي تقوم بذاتها لأن معناه الذي أعجبهم تضمنُه لوجوب الوجود حتى جعلوه حقيقة الله, الكونُ في الأعيان وهو معنى مصدري غير قائم بذاته والله تعالى يجب ان يكون واجب الوجود كما ان المطلوب من وجوب وجوده كونه موجودا بالضرورة وقد سبق النقل عن ((المواقف)) أن الوجود ليس بموجود عند الفلاسفة فن السخف الظاهر ان يجعلوا الله غير موجود بينما يجعلونه واجب الوجود .
وأجيب بأن الوجود الذي جعلوه حقيقة الله ليس بمعنى الكون في الأعيان بل بمعنى مبدأ انتزاع هذا الكون أو بعنى مبدأ الآثار الخارجية. وفيه أن هذا الجواب رجوع عن مذهب الوجود المجرد عن الماهية أي الذات, إلى الذات المحضة المجردة عن الوجود كما هو مذهبهم في صفات الله المنتفية في ذاته. على أنه إذا غُيِّر الوجود الذي جعلوه حقيقة الله عن معناه الحقيقي المعروف الذي هو الكون في الأعيان والذي هو المراد بعينه في قولنا إن الله واجب الوجود, لا تستقيم دعواهم القائلة بأن اعتبار الوجود حقيقة الله يجعل انفكاك الوجود منه مستحيلا استحالة انفكاك الشئ من نفسه فيتحقق له الوجود بأبلغ وجه , لأن الوجود المجمول حقيقة الله بعد تفسيره بالمعنى الغير المعروف منه لم يعد نفس الوجود المطلوب عدم انفكاكه من الله, وعلى
هامش صفحة(203)
1.والصوفيه الوجودية يوافقون الفلاسفة في ان حقيقة الله الوجود إلا انه يطلقون هذا الوجود ولا يقيدونه بالتجرد عن الماهية.
ص(204)
ان الوجود مهما تكلفوا في تفسير معناه ليجعلوه حقيقة الله ويستخرجوا منه وجوب وجوده فكل تلك المعاني يجري في وجود أي موجود كان, ويترتب عليه أن يكون وجود جميع الموجودات إلها واجب الوجود فيخرج مذهب الفلاسفة عن نصابه وينقلب إلى مذهب وحدة الوجود, وكل امتياز يُدّعى للوجود المجعول حقيقة الله على الوجودات السائرة زيادة على الامتياز الذي يتضمنه نفس معنى الوجود والذي يوجد في سائر الوجودات, يكون دورا ومصادرة على المطلوب الذي هو كون الله واجب الوجود بفضل ان تكون حقيقته الوجود, والمصادرة في عكس ذلك أي كون الوجود المجعول حقيقة الله واجب الوجود بفضل انه جُعل حقيقة الله, فنأمل هذه النقطة مليا.
نعم للوجود معنى فسر به الوجود المجعول حقيقة الله أعني الوجود الخاص المجرد عن الماهية فهذا الوجود مع بقائه على معناه المعروف المطلوب لا يوجد في الموجودات السائرة لاقتران الوجود فيها بماهية من الماهيات . لكن تفسير الوجود بهذا المعنى لا يكون دواءاً لأول اعتراض وارد على جعل حقيقة الله الوجود وهو ان الوجود ليس من الموجودات أو على الأقل ليس من الموجودات التي تقوم بذاتها فلا يصلح لأن تكون ذاتُ الله عبارة عنه وخصوصية هذا الوجود التي ليست إلا في تجرده عن الماهية لا تلافي هذا النقص فلا يكتسب الوجود الغير القائم بذاته حق القيام بذاته بفضل تجرده عن الماهية بل يزيده هذا التجرد نقصا لأن الوجود صفة تحتاج إلى مايتصف بها وهو الماهية واحتياجه هذا هو منشأ عدم قيامه بذاته فإذا قُيد بالتجرد عن الماهية يتأكد له عدم القيام بذاته بله أن يحصل له حق القيام. وخلاصة هذا الكلام أن الوجود المجرد عن الماهية كما لا يوجد في الموجودات الممكنة لا يمكن أن يوجد في الله أيضا.
وقد أجاب الفاضل الكلنبوي عن الاعتراض المار الذكر على الفلاسفة بان المراد من الوجود المجعول حقيقة الله ما صدق عليه الوجود لا مفهوم الوجود. والظاهر أنه
ص(205)
يُبقي الوجود على معناه المعروف وبأخذ منه مصداقه. وجوابه ليس بشئ وإن اعتمد عليه قبل غيرُه من انصار مذهب الفلاسفة كصاحب (( الأسفار)) لأن ماصدق عليه الوجود الذي هو على صيغة المصدر لا يكون إل مايوافق مفهومَه المصدري في عدم الاستقلال والقيام بذاته ولا شك أن كل من يبحث فيما إذا كان الوجود موجودا أو قائما بذاته أوغير قائم, فإنما يريد ماصدق عليه الوجود لا المفهوم الذي لا يكون إلا موضوعا للقضايا الطبيعية الخارجية عن مباحث العلوم .
وربما أجابوا عن الاعتراض المذكور بان الوجود الجعول حقيقة الله تعالى وإن كان عبارة عما صدق عليه مفهوم لفظ الوجود الذي هو مفهوم مصدري أعني الكون إلا أن هذا كون خاص قائم بذاته لا يقاس على أكوان الممكنات غير القائمة بذاتها كما قال العلامة التفتازاني في شرح المقاصد (( لم لا يجوز ان يكون احد معروضات مفهوم الوجود المشكك وجودا قيوما اي قائما بنفسه مقيما لغيره لكونه حقيقة مخالفة لسائر المعروضا)) وليس مراده من اعتبار الوجود الذي هو حقيقة الله تعالى أحد معروضات مفهوم الوجود اعتبار حقيقته تعالى ذاتا هي معروض الوجود لا الوجود نفسه تأويلا للوجود بما قام به الوجود, لأن هذا يرجع إلى جعل حقيقه الله موجودا لا وجودا نفسه موجودا في حق الله بحجة انه وجود خاص مخالف لسائر الوجودات وكون خاص مخالف لسائر الأكوان وهذا الوجود الخاص معروض لمفهوم الوجود المطلق مقول على الوجودات الخاصة بالتشكيك لأنه في العلة أقدم منه في المعلول وفي الجواهر أولى منه في العرض وفي العرض القارِّ كالسواد أشد منه في غير القار كالحركة بل هو في الواجب أقدم واولى وأشد منه في الممكن فالوجودات الخاصة حقائق مختلفة يشتمل عليها الوجود أشمال العرض العام على الحقائق المختلفة كالماشي بالنسبة إلى أفراد الماشي لا اشتمال النوع على
ص(206)
ماتحته من الحقائق المختلفة . فلا يكون الوجود المطلق ذاتيا لما تحته من الوجودات الخاصة ولا يلزم تركب الواجب التي هو واحد من تلك الوجودات كذا في شرح المقاصد.
وأنا أقول كون الوجود المطلق خارجا عن حقائق الوجودات مما يُقضى منه العجب إذ التشكيك في الوجود إن سُلمت دلالته على اشتماله على حقائق مختلفة من الوجودات فلا تسلم دلالته على كون الوجود المطلق خارجا عنها غير ذاتي لها فإن لم يكن نوعا لما تحته من الوجودات فليكن جنسا كالحيوان فانه كلي مشكك يدخل فيه الفيل مع النمل والإنسان مع الحمار ومع هذا فهو ذاتي لكل منها غير خارج عن أضعفها وأقواها أو أشرفها وأخسها. وتمثيلهم بالماشي الخارج عن أفراده غير مستقيم فان أفراده إن لوحظت يزيد وعمرو وهذا الفرس وذاك الديك وتلك الحية فكون الماشي خارجا عنها مسلَّم أما إذا لوحظت بهذا الماشي وذاك الماشي وذلك الماشي وتلك الماشية أعني المشاة الخاصة التي يمشي بعضها على بطنه وبعضها على رجلين وبعضها على أربع فلابد أن يكون الماشي الملق ذاتيا لكل منها غير خارج عن حقيقته بل الأوفق للممثل تمثيله بالمشي المطلق بالنسبة إلى المشيات الخاصة المختلفة الذي لا شك في أنه ذاتي لها لا عرض عام خارج , ومثله الوجود المطلق بالنسبة إلى الوجودات الخاصة والحركة المطلقة بالنسبة إلى الحركات الخاصة المختلفة في السرعة والبطء والقوة والضعف والاستقامة والاستدارة كحركة الطائرة والسيارة والفرس والجاموس والذباب والقطار والرحى والأرض ومع هذا فكل من تلك الحركات يلزم أن تكون داخلة تحت الحركة المطلقة التي هي كلية مشككة والحركة المطلقة رغم ما فيها من التشكيك أحق ما يكون ذاتيا للحركات الخاصة إن لم تكن الحركة المطلقة؟ إذ لا شئ أقرب إلى الحركة من الحركة وكذا الوجود بالنسبة إلى الوجود. فادعاء كون الوجود المطلق عرضا عاما للوجودات الخاصة خارجا عن حقائقها
ص(207)
مما يستبعده العقول وإن ارتضاه فريق من العلماء الفحولمثل العلامة التفتازاني وغيره اتباعا للمحقق الطوسي. فاذن يكون للوجود الخاص الذي يزعمونه حقيقة الله داخلا تحت جنس الوجود ويلزم التركيب الذي لا يجيزونه في حقيقة الله إذ لا وجه لشذوذ واحد من الوجودات فيخرج عن جنس الوجود المطلق, اللهم إلا أن يكون الوجود مشتركا لفظيا أطلق على أمور متباينة لا تجمعها جامعة معنوية .. وعند ذلك لا يكون الوجود المطلق عرضا عاما أيضا للوجودات كما لا يكون جنسا لانتفاء العموم المعنوي عنه بالمرة. ولهذا اتفق الفلاسفة مع المتكلمين في التنصيص على ان الوجود مشترك معنوي لا لفظي.
وأما ادعاء كون الوجود الخاص الذي جعلوه حقيقة الله قيوما أي قائما بنفسه مقيما لغيره موجودا واجب الوجود مخالفاً في كل ذلك للوجودات الخاصة الأخرى, فلا وجه له أصلا وما ذكره العلامة التفتازاني في توجيه من ان هذا وجود خاص وكون خاص مخالف لسائر الوجودات والأكوان الخاصة, لا يكفل له هذه الامتيازات مادام مندرجا البته تحت الوجود المطلق الذي يأبى بمعناه المصدري وبما صدق عليه هذا المعنى تلك المزايا. ومهما كان هذا الوجود وهذا الكون مخالفاً لغيره من الوجودات والأكوان فلا تبلغ مخالفته مخالفة الوجود المطلق لأن ما يأباه المطلق العام يأباه الخاص أيضا ولا يجوز فيه ما لا يجوز في العام وإن كان قد يوجد فيه ما لا يوجد في العام بشر أن لايكون العام مانعاً بطبعه عن وجود ذلك الزائد الموجود في الخاص. فإذا لم يكن الوجود مطلقا موجودا قلئما بنفسه ولم يتصور له ذلك بمقتضى صيغته المصدرية وما صدقت عليه هذه الصيغة فلا يكون أيّ وجود موجودا قائما بنفسه وإن كان فلا يكون وجودا بل موجودا, ولا كونا بل كائنا ولهذا تعجب الإمام الرازي بحقٍ من أن العرض الذي بلغ من الصعف إلى حيث لا يستقل بالمفهومية لكونه أمراً
ص(208)
إضافيا وهو الكون في الأعيان, كيف صار في حق الواجب ذاتا مستقلة بنفسها غنية عن السبب مبدأ لاستقلال كل مستقل؟
أما قول العلامة عن الإمام هذا " انه أولي بالتعجب كيف صدرت مثل هذا الكلام عن مثل ذلك الإمام" فأني أرده عليه
علي الرغم من أني معترف ملء فمي بالعجز عن مباراة العلامة التفتا زاني ومكانته في المنزلة العلمية, وليس بشيء ما
أدعاه من أن الإمام لم يفرق بين مفهوم الوجود وبين معروض هذا المفهوم إذ لا شك أن مراد العلاقة من معروض مفهوم
الوجود ليس معروض الوجود الذي قال عنه الإمام إنه عرض غير مستقل بالمفهومة وإنما الكلام في الوجود لا في
الموجود. فمراد العلامة إذن من معروض مفهوم الوجود ما صدق عليه مفهوم الوجود لا يخرج من أن يكون وجودا أي
عرضا غير مستقل بالمفهوميه, بل المرض الذي هو صفة الوجود عبارة عما صدق عليه الوجود والمفهوم أدون من
العرض وأبعد من أن يكون مستقلا بالمفهوميه. وأحلي دليل علي أن تفسير الوجود بما صدق عليه الوجود لا يكفي في
جعله موجودا قائما بنفسه مقيما لغيره وجود هذا الأصدق في وجودات الممكنات أيضا مع كون شيء من تلك الوجودات
وما صدقت عليه قائما ولا قيوما. ولعل العلامة الذي عاب الإمام بأنه التبس عليه مفهوم الوجود الذي هو ما صدق عليه
الوجود بمعروض هذا الأصدق الذي هو الذات المتصفة بالوجود. واني متعجب مثل الإمام وآسف زيادة عليه من كوني أرى اجلة علمائنا المتكلين المتأخرين قد سحر عقولهم مذهب الفلاسفة القائل بأن حقيقة الله الوجود المجرد عن الماهية (1) فداسوا في سبيل
هامش صفحة(208)
1.أما ما رأيناه في حواشي المرجائى على شرح الجلال الدوائي من إطالة الكلام للحط من سمعة الإمام بمناسبة هذه المسألة وقد انحاز المؤلف إلى الفلاسفة تقليداً للمحققين مثل التفازاني والدواني وغيرهما , فمجاوزة من المقلد للحد الذي وقف عنده المحققون من الأدب.
ص(209)
تأييد هذا المذهب كلِّ قواعد العقل والمنطق (1) وحسبوا أن وجود الله المجرد عن الماهية يمكنه أن يخرج على نظام الوجود فيجوز له ما لا يجوز لمطلقه.
ونحن لا نسلم أولاً بوجود الوجود المجرد عن الماهية في الخارج فضلا عن أن يكون ذلك الوجود المجرد عن الماهية حقيقة الله فكأن وجود الله المجرد عن الله هو الله !! والله يلزم أن يكون موجودا لا وجودا إذ الوجود ليس بموجود وإذا وجد فلا يوجد إلا مضافا إلى شئ وقائما به وذلك الشئ هو المماهية فتكون الماهية المتصفة به موجودة ويكون الوجود قائما بها. فهذا طريق وجود الوجود والوجود الجرد عن الماهية لا يوجد أصلا لا قائما بنفسه ولا بغيره. فإذا قال أنصار مذهب الفلاسفة إن الوجود الذي هو حقيقة الله وجود خاص مختلف الحقيقة عن حقائق الوجودات الخاصة الأخرى قائم بذاته قيوم لغيره ينخدع السامع الساذج بهذا القول ويخضع لعظمة خصوصية هذا الوجود فيتصور له ما لا يتصور لغيره مع أن هذا الوجود أيضا فرد من أفراد الوجود المطلق كسائر الوجودات الخاصة لا امتياز له عليها من خصوصية كونه حقيقة الله لأن كونه حقيقة الله لم يثبت بعد وهو أول المسألة المنازع فيها بيننا وبين خصومنا فهم يريدون أن يجعلوا فردا من أفراد الوجودات الخاصة حقيقة الله ونحن نمنعهم من ذلك, فليس لهم في أثناء هذا النزاع أن يدعوا للوجود الذي لم يثبت بعد كونه حقيقة الله
هامش صفحة(209)
1.حتى قال الكنبلوي كبير علماء الترك المحققين في القرون الأخيرة في حواشيه على شرح العقائد من 199 : (( لاحصة للواجب [ على الرغم من كون حقيقته الوجود] من الوجود بمعنى السكون في الأعيان )) وكفى هذا القول دليلا على مبلغ أنصار مذهب الفلاسفة من سخف التفكير وعسفه في هذا المقام وقد كان الوجود في مبدأ هذه المسألة المستفحلة وهو تفسير وجوب وجود الله, على معناه المعروف أعني الكون في الأعيان فتولدت منه دعوى أن حقيقة الله الوجود ثم أسرف في اللف والدوران لتمشيه تللك الدعوى حتى انتهى الأمر إلى أن لم يبق للوجود المجعول حقيقة الله حصة من الوجود بمعنى الكون في الأعيان فياله من ابتعاد آخر المسألة عن أولها.
ص(210)
امتياز الكائن حقيقة الله وإلا كان صنيعه هذا مصادرة على المطلوب التي هي أكبر مغالطة يلجأ إليها أحد الخصمين عند المناظرة. وأصل المسألة أن موقفهم ليس موقف من عل حقيقة الله فاختار لها اسما هو الوجود الخاص فلو كان الأمرركذلك لامتاز هذا الاسم بفضل مسماه على غيره من الوجودات الخاصة, وإنما هم عالمون معنى الوجود معجَبين به فمتوهمين أنه جدير بأن يكون حقيقة الله ونحن لا نسلم بهذه الجدارة وننبههم على نقص ظاهر فيه وهو عدم كون الوجود الذي هو بمعنى الكون في الأعيان موجودا مستقلا قائما بذاته فضلا عن أن يكون حقيقة الله الحي القيوم. فإن كان للوجود الخاص الذي يريدون أن يجعلوه حقيقة الله ميزة وخصوصية من نفسه تجعلانه موجودا قائما بذاته قيوما لعيره فليحدثونا عن ذلك فواجب المثبتين لجدارة الوجود بأن يكون حقيقة الله الكاشف عن سر كونه واجب الوجود, إثباتُ كون الله موجودا واجب الوجود قائما بذاته قيوما لغيره, بفضل كون حقيقته الوجود لا إثبات كون الوجود موجودا واجب الوجود قائما بذاته قيوما لغيره بفضل كونه حقيقة الله الخي القيوم.
وليس لهم أن يستفيدوا أيضا في تمشية فرضيتهم من ادعاء كون هذا الوجود الخاص وجودا واجبا يمتاز بالطبع على الوجودات الممكنة لأن هذا أيضا لم يثبت بعد ولا يثبت إلا بعد تقرر كون حقيقة الله الوجود. فلم يبق لهم من خصوصية هذا الوجود التي يمكنهم أن يحدِّثوا عنها إلا كونه مجردا عن الماهية أو بالأصح إلا كونه مفروضا كذلك إذ لا يمكن عندنا أن يوجد في الخارج وجود مجرد عن الماهية ولو وجد على طريق فرض المحال فالوجود الذي هو غير مستقل بالمفهومية وغير موجود في الخارج من حيث انه وجود لكونه من المعقولات الثاتية , لا يزيده قيد التجرد عن الماهية شيئا يجعله موجودا مستقلا بالمفهومية على خلاف سائر الوجودات الخاصة, بل الوجود المجرد الذي هو كون بلا كائن أولى بعدم الموجودية وعدم الاستقلال من الوجود القترن بالماهية التي ربما يستفيد الوجود من مقارنتها فيصير موجودا بعد أن
كان وجودا غير موجود. أما عدم استقلال الوجود بالمفهومية وعدم وجوده في الخارج فمعترف به عند أنصار مذهب الفلاسفة ، فقد صرح صاحب المواقف في بحث الأحوال العامة بأن الوجود يتصف عند الحكماء بالعدم وأنه من المعقولات الثانية التي لا وجود لها في الخارج . ونقل الفاضل السيلكوتي في حواشيه على شرح المواقف في المقصد السادس من بحث الماهية نقلاً عن صاحب التجريد أن الوجود من المعقولات الثانية ، وقال الفاضل الكلنبوي في حواشيه على شرح العقائد العضدية ص 196 فيما علقه على قول الجلال الدواني عند تفسير وجود الله على رأي الفلاسفة القائل بكون وجوده عين ذاته : " في هذا التحرير إشارة إلى دفع ما يتوهم من أن الوجود معنى قائم بالغير فكيف يكون عين الذات القائم بنفسه وحاصل الدفع أنه ليس كل فرد من أفراد الوجود قائما بالغير بل له فرد خاص قائم بذاته وإن كان سائر أفراده قائمة بالغير " (1) وهذا التفريق بين ذاك الفرد الخاص وبين سائر أفراد الوجودات الخاصة تحكم محض كما عرفت تفصيله .
ومثله قول ذلك الفاضل ص 199 : " إن في بيان استناد وجود الممكنات إلى ذلك الوجود الخاص المتخصص بالتجرد عن الإضافة تصريحا بأنه مبدأ الممكنات فيكون ذلك الفرد وجوداً وموجوداً خارجياً ضرورة فلا يتوهم أن مجرد كونه وجوداً لا يقتضى
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وبهذا التصريح من الفاضل الكلنبوي يسقط جواب صاحب " الأسفار " على الاعتراض بأن الوجود معنى مصدري غير موجود في الخارج ، بأن ما لا يوجد في الخارج مفهوم الوجود لا أفراده وسننقل جوابه مع الرد عليه ، بل يسقط أيضا جواب الفاضل الكلنبوي نفسه عن الاعتراض المذكور بأن المراد ما صدق عليه الوجود لا مفهومه ، لأن أفراد الوجود وما صدق عليه الوجود بمعنى واحد . ثم لا شك في أنه إذا قيل بكون الوجود معنى قائما بالغير وأقره الفاضل المجيب ولو في وجود الممكنات ، فهل يكون المراد من هذا المعنى القائم بالممكنات مفهوم الوجود أو نفس الوجود المعبر عنه بما صدق عليه ؟ وقد سبق منا نقل جواب الفاضل الكلنبوي .
كونه موجوداً في الخارج فإن وجود الممكنات أمور اعتبارية لا وجود لها في الخارج في التحقيق مع كون كل منها وجوداً خاصاً " فإنه إذا كان ما نعرفه نحن عن الوجودات أنها غير قائمة بذاتها بل غير موجودة في الخارج في التحقيق على خلاف ما نعرفه نحن عن الله تعالى أنه موجود قائم بذاته مبدأ للممكنات ، فلا يدلنا ذلك على أن حقيقة الله الذي لا تعلم حقيقته وجود خاص موجود في الخارج قائم بذاته مخالفا لسائر الوجودات الخاصة ، بل يدل على أن حقيقته تعالى غير المعلومة يلزم أن تكون غير الوجود ، وقد سبق منا أنه لا تجوز الاستعانة بأدلة إثبات الواجب عند تفسير وجوب وجود الله بتعيين الوجود ماهية له ، وهنا نقول تأكيدا وتفصيلا لما أشرنا إليه قبيل هذا الكلام لخطورة هذه النقطة من هذه المسألة التي ضل فيها كثير من العقول الكبيرة :
لا بد أن يكون المدعون للوجود الخاص الذي جعلوه حقيقة الله امتياز الموجودية في الخارج والقيام بذاته من بين سائر الوجودات الخاصة – بعد سقوط احتمالات الامتياز من نواح أخرى ... لا بد أن يكونوا معوِّلين في دعوى الخصوصية الممتازة على اختصاص ذلك الوجود بالله تعالى ونحن نراهم جد مخطئين في هذا التعويل لأن الذي راق الفلاسفة وأنصارهم من الوجود حتى جعلوه حقيقة الله ما رأوا فيه من أنه أقوى كفيل له بوجوب الوجود من حيث أنه إذا كانت حقيقة الله الوجود يمتنع انفكاك الوجود منه امتناع انفكاك الشيء من نفسه وحقيقته . لكن هؤلاء الفارضين الله عبارة عن الوجود قد فاتهم أن فرضيتهم هذه توجب أن يكون الله وجوداً ولا توجب أن يكون موجوداً والحال أن وجوب الوجود المطلوب ثبوته لله وجوب كونه موجودا لا وجوب كونه وجودا والوجود ليس من الموجودات بله أن يكون موجوداً واجب الوجوب .
فإذا قالوا إن هذا الوجود لكونه حقيقة الله تعالى لا يقاس على سائر الوجودات فهو وجود موجود واجب الوجود كان هذا القول منهم مصادرة على المطلوب لأنهم كانوا
توسلوا إلى إيضاح أن الله تعالى موجود واجب الوجود بفرض أن حقيقته الوجود فاللازم على هذا أن يكون ما يكفل له الموجوديةَ ووجوبَها محضُ كون الوجود حقيقته من غير حاجة إلى شيء آخر ومعناه ان الله تعالى يأخذ هذا الامتياز الأكبر أعنى كونه موجوداً واجب الوجود من كون الوجود حقيقة الله فيما فرضوه لا أن الوجود الذي فرضوه أنه حقيقة الله يأخذ امتياز أنه موجود وأنه واجب الوجود من كونه حقيقة الله . والفرق بين هذين الأمرين مهم جدا إلى حد أن روح الخطأ في مذهب الفلاسفة القائل بأن ذات الله الوجود ولا ذات له غيره يرتكز في عدم الدقة إلى هذا الفرق المهم فهل أن الله تعالى موجود واجب الوجود لكونه وجودا أم أن الوجود الخاص المجعول حقيقة الله موجود واجب الوجود لكونه حقيقة الله ؟ فالأول قول الفلاسفة في أول المسألة وهي تفسير وجوب وجود الله والثاني قولهم أخيرا في ادعاء أن الوجود الذي فرض كونه حقيقة الله ممتاز بين الوجودات بكونه موجودا واجب الوجود ، وجمعُ القول الثاني إلى الأول هو المصادرة والدور كما أن الاكتفاء بالأول هو القول بكون الوجود مطلقا واجب الوجود وهو مذهب وحدة الوجود . فإن كانت الفلاسفة الوجودية وأنصارهم اللذين عبر عنهم الجلال الدواني " بطائفة من محققي المتكلمين " لا يسرهم نقص مذهبهم بالدور والمصادرة فلا بد أن يكونوا مضطرين إلى القول بوجوب الوجود مطلقا ويطرحوا حديث الوجود الخاص من البين ، ولهذا قلنا من قبلُ إن مذهب الفلاسفة الوجودية إذا خلى وطبعه ينجر إلى مذهب الصوفية الوجودية القائلين بأن الله هو الوجود المطلق المنبسط على جميع الموجودات لأن الوجود إن كان واجب الوجود كان منشأ ذلك أنه وجود وأنه يستحيل انفكاك الشيء من نفسه كما عللت الفلاسفة أنفسهم فيكون الوجود أينما كان واجب الوجود ، وإن لم يكن الوجود واجب الوجود فلا يكون الوجود المجرد عن الماهية ولا الوجود الخاص واجب الوجود ، إذ لا معنى
لكون منشأ وجوب الوجود تجردَه عن ماهية يضاف إليها لأن التجرد لا يحعل غير الواجب واجبا ولا غير المتقل مستقلا ولا غير الموجود موجودا . أما كون منشأ وجوب الوجود وجودا خاصا فإن كان المراد أيَّ وجود خاص كان فهو يفضى إلى تعدد الواجب بعدد الوجودات الخاصة للأشياء كما كان في مذهب وحدة الوجود أو بالأصح كما لزم ذلك المذهبَ ، وإن كان المراد الوجود الخاص الكائن حقيقة الله فمرجعه إلى التحكم المحض أو إلى الدور والمصادرة في تصوير المسألة .
هذا تلخيص اعتراضي الذي يتضمن اعتراضات على مذهب الفلاسفة . وقد اعتُرض عليه أيضا بأن الوجود معلوم بديهي المفهوم فكيف يجوز أن يكون حقيقة الله الذي لا تعلم حقيقته بالاتفاق . قال المحقق الدواني في شرحه للعقائد العضدية عند قول المصنف " أجمع السلف وأئمة المسلمين وأهل السنة والجماعة على ان النظر في معرفة الله واجب " : " المراد بمعرفته التصديق بوجوده ووجوبه وصفاته الكمالية الثبوتية والسلبية بقدر الطاقة البشرية . وأما معرفة الله تعالى بالكنه فغير واقع عند المحققين .
ومنهم من قال بامتناعها كحجة الاسلام وإمام الحرمين والصوفية والفلاسفة " فكيف يحكم الفلاسفة من بين هؤلاء القائلين باستحالة اكتناهه تعالى ، بأن الله هو الوجود المجرد عن الماهية ؟ وكيف يحكم الصوفية بأنه الوجود المطلق ؟ وما أصدق قول من قال :
تبارك الله وارت غيبَهُ حجُبٌ فليس يعرِفُ غيرُ اللهِ ما الله ؟
وقد أجاب العلامة التفتازاني عن هذا الاعتراض من جانب الفلاسفة بأن المعلوم هو الوجود المطلق لا الوجود الخاص . وأنا أقول إن كانوا يعلمون كنه الوجود فلا يجوز كونه حقيقة الله الذي لا تعلم حقيقته وإن كانوا لا يعلمونه فكيف يجترئون على أن يجعلوا حقيقة الله ما لا يعلمونه فهذا ترديد لا يعزب عنه الوجود المطلق ولا الوجود
الخاص ، وزيادة على هذا فالوجود الخاص الذي لا يعلمون حقيقته يلزم أن لا يكون معلوما لهم أنه حقيقة الله بل ولا أنه يصح إطلاق اسم الوجود عليه . هذا ، مع اني أعلم أنهم يعلمون معنى الوجود وقد راقهم ما يعلمون من معناه حتى جعلوه حقيقة الله وهو الكون في الأعيان وحتى فضلوه على الموجود الكائن لكونه يقبل العدم ولا يقبله الوجود وحتى انهم علموا كونه معنى مصدريا غير قائم بذاته ولا موجوداً في الخارج فاستعانوا باختصاصه بالله ليجعلوه موجوداً قائماً بذاته مقترفين في هذه الاستعانة أيضاً خطأ كبيراً آخر . ومن هذا يُعلم أيضاً أن ما يدعون في غضون كلماتهم المضطربة من أن الوجود الذي جعلوه حقيقة الله غير الوجود بمعنى الكون في الأعيان الذي هو المعلوم الوحيد والرائق الوحيد والمعنى الحقيقي الوحيد للوجود ، غير مسموع .
وهذا الاعتراض عام الورود على مذهبي الفلاسفة والصوفية معا في حين أن الاعتراض الأول الكبير الذي خصني به ربي بإلهامه وأنا أجله عن أن تكون حقيقته الوجود وإنما الوجود خزينة جوده كما أن العدم منبع تلك الخزينة ، مصوّب على الفلاسفة وأنصارهم من المتكلمين . وليس للصوفية إزاء الاعتراض الثاني أن يتعللوا بحديث الوجود الخاص الذي تعلل به أنصار مذهب الفلاسفة والذي جعله العلامة التفتازاني في شرح المقاصد جوابا عن كل اعتراض ورد على هذا المذهب ، وقد عرفت مبلغ قيمته . وكون المراد من الوجود المجعول حقيقة الله تعالى هو الوجود المعروف المعنى أظهر في مذهب الصوفية منه في مذهب الفلاسفة وإلا فمن أين كانت الصوفية يعلمون أن الوجود الذي يوجد في كل موجود هو الله مع أن الوجود الذي يعلمون وجوده في كل موجود هو الوجود الذي يعرفه كل أحد وهو الوجود بمعنى الكون في الأعيان . ومع هذا فالمعروف أن الوجود المجعول حقيقة الله في مذهبي الفلاسفة والصوفية الوجودية لا اختلاف فيه بين الفريقين إلا أن يكون وجودا مطلقا عند الصوفية أو وجودا خاصا مقيدا بالتجرد عن
الماهية عند الفلاسفة ، لا بأن يكون وجودا مطلقا معلوم الحقيقة أو وجودا خاصا غير معلوم الحقيقة .
****
وهناك دعوى باطلة شائعة بين الصوفية الوجودية وأنصار الفلاسفة وهي أن الوجود موجود بنفسه والموجود موجود بالوجود وبطلانها بالنسبة إلى مذهب الفلاسفة أوضح منه بالنسبة إلى مذهب الصوفية لأن اشتراك الفلاسفة في تلك الدعوى ينافي تخصيصهم الموجودية في الخارج والقيام بالذات للوجود الخاص الذي جعلوه حقيقة الله وينقض أساس كل ميزة بنيت على خصوصية هذا الوجود عند دفع الاعتراضات الورادة عليهم كما ترى ذلك جليا في كلام العلامة التفتازاني . واشتراكهم في هذه الدعوى يدل على ان مزية الوجود في الخارج والقيام بالذات ما أتت ذلك الوجود الخاص من خصوصيته بل من كونه وجودا . وقد قال أنصار الصوفية الوجودية الذي هم أحق بأن يكونوا أصحاب تلك الدعوى إن الموجود ليس معناه المتصف بالوجود على أن يكون الوجود صفة للموجود بل الأمر بالعكس أعني أن الموجود صفة للوجود الذي هو الذات القائمة بنفسها كما في رسالة " الوحدة الوجودية " لبهاء الدين العاملي . وأنت ترى كيف أنهم شوشوا الحقائق المعروفة على العقول ؟ فهل ترى أن الفلاسفة ولا سيما أنصار مذهبهم يشتركون مع الصوفية في تشويش هذه الحقائق أيضا ؟ مع أن القول بكون الوجود موجودا بنفسه والموجود موجودا بالوجود يستتبع القول بأن الوجود أصل والموجود تابع له في الموجودية كالصفة التابعة لموصوفها ، بل القول بأن الوجود موجود بذاته والموجود موجود بالوجود هو تأليه الوجود مطلقا بجعله واجب الوجود طبقا لقول الصوفية الوجوديين فكيف إذن يقول به الفلاسفة الذين حصروا الألوهية في الوجود الخاص ؟ وكيف يقول به العلامة التفتازاني الذي أقام في شرح المقاصد حربا شعواء على مذهب وحدة الوجود الصوفي ؟ ولا يمكنهم أن يعتذروا بأن الوجود الذي
هو موجود بذاته والموجود موجود به هو ذلك الوجود الخاص لأن كون الموجود – أي موجود كان – موجودا بالوجود الخاص الذي هو الله على معنى أن الوجود الذي في الموجود وجوده لا وجود الموجود نفسه ، هو أيضاً مذهب وحدة الوجود بعينه الذي يفر منه الفلاسفة وأنصارهم لا سيما العلامة التفتازاني بكل ما لديهم ولديه من قوة وحيلة . ويؤيد ما قلنا تمثيلهم الآتي بالضوء والمضيء لأن القول بكون الضوء يضيء بذاته والمضيء يضيء بالضوء معناه أن الإضاءة التي في المضيء هي للضوء لا للمضيء .
وكل ما بعثهم على دعوى أن الوجود موجود بذاته والموجود موجود بالوجود هو السعي لإقناع الناس بأن الوجود أحق باسم الموجود من الموجود فاختلقوا له حجة هي أن الوجود موجود بنفسه والموجود موجود بالوجود ثم اختلقوا له مثالا فقالوا كما أن المضيء كالشمس مضيء بالضوء والضوء مضيء بنفسه . وأنا أذكر لهم أمثلة على غرار مثالهم إن أعجبتهم وهي أن الضاحك ضاحك بالضحك والضحك ضاحك بنفسه والماشي ماش بالمشي والمشي ماش بنفسه والمقتول مقتول بالقتل والقتل مقتول بنفسه !!
والصواب أن الوجود وجود لا موجود والضوء ضوء لا مضيء وإن غلط فيه كثير من أفاضل العلماء المحققين كالتفاتازاني والسيلكوتي وغيرهما كما أن الضحك ضحك لا ضاحك والمشي مشي لا ماش والقتل قتل لا مقتول ولا قاتل (1) وقد قال علماء الطبيعة " إن المضيء على نوعين مضيء بالذات ومضيء بالواسطة فالمضيء بالذات هو
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) ومن هذا يظهر فساد ما قاله ابن رشد فيما كتبه رداًّ على " تهافت الفلاسفة " للإمام الغزالي ص 79 عند تأييده لقول الفلاسفة بأن صفات الله عين ذاته وتصحيح ما فرعوا عليه من حمل العلم مثلا على الله حمل مواطأة : " إن العالم إن كان عالما بعلمه فالذي يكون به العالم عالما أحرى أن يكون عالما وذلك لأن كل ما استفاد صفة من غيره فتلك الصفة أولى بذلك المعنى المستفاد " لأنه يوجب أن يكون الضحك أحرى أن يكون ضاحكا من الضاحك والمشي أولى من الماشي أن يكون ماشيا .
الذي يتولد فيه الضوء كالشمس والمصابيح والمضيء بالواسطة هو الذي يأتيه من غيره ثم ينعكس عنه كالأرض والقمر وكل جسم مرئي بالانعكاس " وقالوا " إن الضوء نفسه لا يُرى وإنما الذي يرى هو الأشياء التي تعكسه فلو لم يكن على سطح الأرض وفي الجو ما يعكس ضوء الشمس لما كان هناك نهار ولو تصور الإنسان أنه صعد بالنهار حتى خرج عن جو الأرض وفارق غلافه الهوائي لوجد نفسه في ظلام حالك امامه جسم منير هو الأرض والظلمةُ الحالكة خارجَ هذا الجو رغم الضوء الذي يخترق الفضاء لازمةٌ لخفاء الضوء في ذاته وإذا تذكرنا أن الضوء هو اهتزازات أثيرية وأن الأثير نفسَه لا يرى زال عنا العجب الذي يعترينا عن سماعنا بخفاء الضوء " .
ومن هذا البيان يعلم أن الذين يزعمون كون الضوء مضيئا لا يعلمون خفاءه في ذاته إلى حد أنه لا يرى وليس المضيء إلا حامل الضوء أو عاكسه وهما مرئيان بل المرئيان الوحيدان . فلو كان الضوء مضيئا بنفسه والوجود موجودا بنفسه لما احتاج الضوء إلى محل يحمله أو يعكسه ولكان الوجود واجب الوجود على أن لا يختص هذا الشرف بالوجود الخاص الذي هو الله عند الفلاسفة بل يعم كل وجود كما هو مذهب الصوفية الوجودية الذي لا يتفق مع مذهب العقل .
وكما لا صحة لكون الوجود موجودا بنفسه لا صحة أيضا لكون الموجود موجودا بالوجود ، الذي هو الشطر الثاني من شطري الدعوى الفارغة المذكورة التي يُعنى بها مُدَّعوها من الصوفية والفلاسفة وأنصارهم (1) وربما يقولون في التعبير عن تلك الدعوى إن الموجود يحتاج في تحققه إلى الوجود ولا يحتاج الوجود في تحققه إلى شيء كما ذكره
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ولذا قال بهمنيار تلميذ ابن سينا في " التحصيل " إذا قلنا وجود كذا فإنما نعني به موجوديته ولو كان الوجود ما به يصير الشيء في الأعيان لكان يحتاج إلى وجود آخر فيتسلسل " وإن كان صاحب " الأسفار " تكلف لتأويل هذا الكلام .
العلامة التفتازاني في شرح المقاصد وارتضاه مع أن الوجود هو التحقق نفسه (1) فيكون معنى قولهم إن الموجود موجود بالوجود أنه متحقق بالتحقق أو أن تحققه يحتاج إلى تحققه .
اعلم أني لم أر فيما رأيت من كلمات الصوفية الوجودية بيانا كاشفا عن حقيقة مذهبهم مثل ما رأيت في " الدرة الفاخرة " للعالم الكبير والأديب المشهور عبد الرحمن الجامي ورسالة " الوحدة الوجودية " لبهاء الدين العاملي وأظنه العالم الأديب المعروف صاحب " الكشكول " و " المخلاة " وما رأيت مثلهما – وهما يمزجان أدلة مذهب الصوفية الوجودية بأدلة مذهب الفلاسفة – محاميا حاذقا يحامي عن المذهب الوجودي الجاهلي في أسلوب علمي ، حتى الصدر الشيرازي صاحب " الأسفار " في إطنابه وتبجحه وإعجابه بنفسه لا يعدلهما في المحاماة . وإنما عبرت عن مذهبهم بالمذهب الجاهلي لأن هذا المذهب الذي لا أشك في بطلانه – ولا يشك معي الذي أُسِّسَ هذا المذهب على مذهبهم أعني الفلاسفة وإن كان مذهبهم أيضاً باطلاً – والذي أربأ بالمسلمين وأحذرهم أن يعتقدوه حقا ويظنوه مذهب أولياء الله العارفين ، فهو إن لم يكن فتنة مدبَّرة من أعداء الإسلام أوشعوذة مختلقة من أدعياء الولاية فجهالة في غاية الجهالة والذين يتكلمون عن ذات الله في هذا الصدد ويحسبونه هينا فأقل ما يقال فيهم أنهم ما قدروا الله حق قدره . وها أنا أنقل أقوى حجج كل من أقويي المحامين عن المذهب المذكورَيْن :
قال العاملي : " فصل في تفصيل مذهبهم في مسألة الوجود ، قالوا من المعلوم أن لا شيء أقرب إلى الوجود بل إلى كل شيء من نفسه فإن الحالة الحاصلة من مصاحبة الشيء ومجاورته أولى حصولا لذلك الشيء نفسه فإن المفيد لا يفيد إلا ما فيه فلا شيء
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حتى إنهم أنفسهم كثيرا ما يقولون في إقناع غيرهم بكون الوجود موجودا إنه نفس التحقق مع أن التحقق غير المتحقق كما أن الوجود غير الموجود .
أقرب وأولى للموجودية من الموجود كما لا شيء أقرب وأولى للمعدومية من العدم . فحقيقة الوجود المطلق مع إطلاقه وإحاطته بكل الموجودات موجود بالذات واجب وجوده ممتنع عدمه ولا يمكن أن لا يكون موجودا كما لا يمكن أن لا يكون وجوداً " .
أقول ولذا ادعى الصوفية الاستغناء عن إثبات وجود الله بالدليل لعدم إمكان أن يكون الوجود عندهم غير موجود ، وكانت هذه العقلية من أسباب انجذابهم مع الفلاسفة الوجودية إلى " الوجود " لحد أن جعلوه حقيقة الله وإن افترق الفريقان بعد هذا الاتفاق فتراجعت الفلاسفة إلى الوجود المجرد عن الماهية وأطلق الصوفية العنان .
وادعت الصوفية أيضا الاستغناء عن توحيد الله إذ لا موجود غير الوجود .
ثم أقول استدلالهم على ان الوجود موجود ولا يمكنه أن لا يكون موجودا ، بأن الوجود أقرب شيء وأولاه بالموجودية بناء على أن الوجود هو الموجودية نفسها ولا شيء أقرب وأولى بالشيء من نفسه ، مغالطة لا تفر من دقيق النظر إذ لا ينفعهم القرب ولا الاتحاد بين الوجود والموجودية في إثبات المطلوب الذي هو كون الوجود موجودا وعدم إمكان أن لا يكون موجودا ، وليس المطلوب إثبات كون الوجود موجودية بل إثبات كونه موجودا ولو كان في استطاعتهم أن يثبتوا كون الوجود نفس الموجود لنفعهم ، فالمطلوب غير ثابت والثابت غير مطلوب . فقد تبين أن ما أتى به المحامي الفاضل في إثبات كون الوجود موجودا خارجيا بل موجودا واجب الوجود أي موجودا لا يمكن أن لا يكون موجودا ن مما يجذب السذج ولا يروج عند الناقد البصير وإن كان المستدل ساقه كدليل ناصع لا يجاب عنه . وفضلا عن هذا فدليلهم يرينا جليا أن الوجود الذي يطلقونه على الله ويجعلونه عين ذاته وحقيقته هو الوجود الذي يوجد في كل موجود ويعرف الناس معناه بالبداهة أعني به ضد العدم وأعني به المعنى الانتزاعي القائم بالموجود ، غير القائم بذاته ، وقد سجَّلوا على معناه المصدري حيث جعلوه نفس الموجودية .
بداية صفحة رقم221
وقال الفاضل الجامي:"لا شك أن مبدأ الوجودات موجود بعينه فلا يخلو إما أن يكون حقيقته الوجود أو غيره ولا جائز أن يكون غيره ضرورة احتياج غير الوجود في وجوده إلى غير هو الوجود أو غيره ولا جائز أن يكون غيره ضرورة احتياج غير الوجود في وجوده إلى غير هو الوجود والا حتياج ينافي الوجوب فتعين أن يكون حقيقته الوجود(1)فإن كان مطلقا ثبت المطلوب وإن كان متعينا يمتنع أن يكون التعين داخلا فيه وإلا لنركب الواجب فتعين أن يكون خارجا فالواجب محض هو الوجود والتعين صفة عارضة"
ونحن نقول أولا هذا يشبه كل الشبه ما ذكره العلامة التفتازائي في شرح المقاصد دفاعا عن مذهب الفلاسفة :"وحين اعترض بأنه لم لايجوز أن تكون تلك الحقيقة المخالفة لسائر الحقائق المتحققة بنفسها الغنية عما سواها(وهو يعني حقيقة الله) أمرا غير الوجود أجابوا بأن المتحقق بنفسه الغني عما سواه لا يجوز أن يكون غير الوجود لأن احتياج غير الوجود في التحقق إلى الوجود ضروري" فأنت ترى كيف يتحد مذهبا الصوفية والفلاسفة في طريق الدفاع وكيف يقلد الصوفية الفلاسفة في أقوالهم واستدلالاتهم النظرية والناس يحسبون أنهم عندما يتكلموت في مسألة وحدة الوجود التي هي مسألة وراء طور العقل يتكلمون عن كشف وقداسة
ثم نقول ردا لقوله"ضرورة احتياج غير الوجود في وجوده إلى غير هو الوجود": لا يحتاج أي شئ في وجوده إلى الوجود حتى يصح أن يقال لو كان الله غير الوجود لاحتاج في وجوده إلى غير هو الوجود و حتى يكون هذا الاحتياج ضروريا بل الموجودات غير الله تحتاج في وجودها إلى الموجد أما الوجود فلا يحتاج إليه أي موجود ليكون موجودا وإلا لزم تقدمه بالوجود على وجوده لأن الوجود المفروض كونه محتاجا إليه هو وجوده لا وجود
بداية الهامش:
(1)الحقيقة في كلا الموضوعين وقعت في النسخة التي رأيناها غير مضافة إلى الضمير والظاهر أنه غلط مطبعي وصوابه ما ذكرنا
بداية صفحة رقم 222
موجود آخر و المحتاج إليه يلزم أن يتقدم على المحتاج فلو كان الموجود محتاجا إلى وجوده ليكون موجودا لزم تقدم وجوده عليه وكان وجوده بعد وجوده تحصيلا للحاصل(1)
ثم إن الوجود لا استقلال له بالوجود حتى يكون الموجود محتاجا إليه ولا يكون هو محتاجا إلى أي شئ بل الوجود يحتاج إلى إلى ذات الموجود ليقوم بها وهم يعكسون الأمر فيقولون بقيام الموجود بالوجود ويقولون بأن الموجود هو الوجود والموجود غير موجود وإني أبين لهم منشأ الغلط في ظنهم الوجود موجودا إلى حد أنه يستحيل أن يكون معدوما(2) وإلى حد أنه الله سبحانه وتعالى من جراء استحالة كونه معدوما:فأقول مما علمتم وجود الوجود؟لاشك أنكن علمتموه من وجود الموجودات ولستم علمتم وجود الموجودات من وجود الوجود فلو فرضنا عدم وجود هذه الموجودات بأجمعها وفرضنا أيضا عدم وجود الله أو بالأصح عدم العلم بوجوده لعدم الدليل على وجوده وهو وجود الموجودات فعند ذلك لا شك أنه يذهب الوجود ويزول مع زوال
بداية الهامش:
(1)فالموجود الممكن يحتاج إلى الموجد ليجعله متصفا بالوجود ولا يحتاج إلى الوجود ليجعله متصفا به إذ الجاعل أي العلة الفاعلية هو الموجد لا الوجود نعم يصح أن يقال إن الموجود يحتاج إلى الوجود احتياج الموصوف إلى صفته من غير أن يكون هذا احتياجا له في ذاته وما هيته بل في تسميته موصوفا بتلك الصفة ويفوقه احتياج الصفة إلى موصوفها لتقوم به وكل من الموصوف وهو الماهية والصفة أي الوجود غير موجود قبل اقتران أحدهما بالآخر يجعل من الموجد وبعد الاقتران فالموصوف بالوجود موجود ووجوده غير موجود كما كان قبل الاقتران لئلا يلزم في وجود الوجود لايقال كيف يكون المركب من المعدومين في ذاتهما وهما الماهية والوجود موجودا بعد اقتران أحدهما بالآخر؟لأني أقول نحن لاندرك كيف خلق الله الأشياء إلا قوله لها كوني فتكون ومذهبنا فيه الخلق من عدم لا تأليف موجود بموجود أو موجود بمعدوم مثل ضاليي البشر
(2)وقد سبق أن الوجود من المعقولات الثانية التي لا يحاذيها أمر في الخارج أي من الأمور الاعتبارية
بداية صفحة 223
الموجودات(1)فلا يمكن الوجودي أن يقول بالنظر إلى تلك الحالة إن الوجود موجود ولا يمكن أن لايكون موجودا فالذي يغر الوجودي ويحمله على القول بوجود الوجود وامتناع عدمه حتى يتخذه إلها واجب الوجود هو وجود الموجودات لا وجود الوجود نفسه أما هو فمعدوم لا يمكن أن يكون موجود إلا تبعا لوجود الموجودات وانتزاعه عنها بله أن يكون موجودا يمتنع أن يكون معدوما
نعم ههنا نقطة في غاية الدقة وهي أن الوجود الذي ليس بموجود في الخادج منذ كان لايكون عدما حتى ولو فرض انعدام الموجودابأسرها إلا؟أن ذلك ليس لأن الوجود موجود يمتنع أن يكون معدوما بل لأنه مفهوم ذهني وماهية من الماهيات لايمكن سلبها عن نفسها وامتناع سلب الشئ عن نفس أو بتعبير آخر امتناع انفكاك الشئ من نفسه حقيقة معترف بها عندنا وعند الوجوديين إلى حد إنه كان أول دافع له إلى الاغاليط و الأضاليل التي اطلع عليها قارئ هذا الكتاب وهذا المبدأ أعني مبدأ امتناع سلب الشئ عن نفسه مبدأ في غاية الصحة ومن مبادئ العقل الأولية إلا أن الوجوديين غلطوا في تصوير المسألة فحكموا بامتناع كون الوجود معدوما مع أن سلب الوجود عدم لا معدوم وامتناع كونه معدوما غلط من امتناع كونه عدما كما أن ضرورة كون الوجود موجودا غلط من ضرورة كونه وجودا فالوجود ضروري أن يكون وجودا كما أن الإنسان ضروري أن يكون إنسانا والفرس فرسا والحجر حجرا والأرض أرضا والسماء سماء والعلم والعلم علما والجهل جهلا والظلام ظلاما والضوء ضوءا فكل شئ ضروري أن يكون ذلك الشئ ومستحيل أن لايكون وإنما يلزم الدقة في ضرورة ثبوت الشئ لنفسه
وامتناع سلب الشئ عن نفسه إلى تثبيت نفس الشئ
بداية الهامش:
(1)ولذا قال:أميل سه سه"كما في مطالب ومذاهب ص302 :"إن عقولنا و إن أبت إنكار وجود الله بالنظر إلى وجود العالم لكنها لا تأبى إنكارهما معا"
بداية صفحة رقم224
من دون أدنىتغيير فيه كأن يقال مثلا عن الوجود أنه موجود وعن الضوء أنه مضئ مع أن الموجود ليس نفس الوجود والمضئ ليس نفس الضوء وليس معنى كون كل ماهية تلك الماهية بالضرورة أن الماهيات غير مجعولة والمجعول وجودها بل معناه أن كون الشئ ذلك الشئ مستند إلى مبدأ العينية الذي هو من المبادئ الأولى البديهية والذي استحالة التناقض راجعة أيضا إلى ذلك المبدأ لتضمن كون الشئ ذلك الشئ عدم كونه غيره فكون الشئ ذلك الشئ ضروري ومستغن عن الجعل كتحصيل الحاصل و لاينافيه كون الماهيات نفسها مجعولة لأن هذا جعل الماهية لأجعل الماهية ماهية

وترى الصدر الشيرازي في"الأسفار"ملأ عشرات أو أكثر من الصفحات الكبرى في بحث الوجود والماهية أتى فيها بما لايسمن ولا يغتي غير زبد يذهب جفاء و لاينفع الناس وغير ما يكرر في أثنائها من تمدح وتبجح وقدح في علماء أصول الدين ومذاهبهم في شكل بذئ ينم على معاداة غير الشيعة والفلاسفة من أهل السنة والمعتزلة
والرجل مصر على دعوى أن الوجود موجود بل هو الموجود الوحيد حتى إنه يزيد على مذهب أئمته الفلاسفة-في حين أنهم لايدعون بصراحة كون وجود الممكن موجودا و إن كان اشتراكهم مع الصوفية في القول بأن الموجود موجود بالوجود والوجود موجود بنفسه يقتضي ذلك أيضا-فيدعي أن الموجودية منحصرة في الوجود سواء كان وجود الواجب أو وجود الممكن والماهيات ما شمت رائحة الوجود ولا تشمها أبدا
اللهم إلا أن تكون موجوديتها بموجودية الوجود لا بموجوديتها أنفسها وهي أي الماهيات غير مجعولة وليس من شأنها أن يتعلق بها الجعل و إنما المجعول الوجود بمعنى أنه أثر الفاعل بالذات وهو عنده يتقدم في الخارج على الماهية وهي تتبعه عكس ما يزعمه الجمهور و إن كانت هي متقدمة عليه في الذهن
ثم إن الوجود الذي يلح الرجل في دعوى كونه موجودا غير الوجود بالمعنى
بداية الصفحة 225
المصدري الذي يعترف بعدم موجوديته ويعبر عن الوجود الأول بالوجود الحقيقي وعن الثاني بالوجود الانتزاعي ولا يعترف باندراج الحقيقي تحت الانتزاعي لا على أنه ذاتي للحقيقي ولا على أنه عرضي مخالفا في ذلك لأنصار الفلاسفة الذين يقولون بكون الوجود بمعنى الكون المطلق في الأعيان عرضا عاما للوجود الخاص الذي هو عين ذات الله
ومما يفترق به صاحب"الأسفار"عن الفلاسفة مع كونه لا يتخذ مذهبا لنفسه غير مذهبهم أن وجود الممكنات أيضا عين ذواتها وليس معناه أنه يختار مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري حاشا الصدر الشيرازي أن يُدخل نفسه في عداد الأشاعرة علماء أهل السنة الذين لا يخاصم طائفة مخاصمته إياهم وإنما معناه أن الموجود في الخارج والمجعول بالذات هو وجود الممكن ولا وجود للماهية غير اتحادها مع هذا الوجود الموجود المجعول..فهي لا تزال معدومة حتى بعد أن جُعل وجودها فصار موجودا ولا مانع من أن يتحد الوجود الموجود مع الماهية المعدومة بل يلزم كون أحد طرفي المتحد معدوما و لايجوز اتحاد موجود بموجود كما بينه في كتابه
وأنا أقوا مسألة الوجود موجل إن كان ارتطم فيها الفلاسفة والصوفية الوجوديتان وأنصار كل من الطائفتين فصاحب الأسفار الذي هو نصيرهما معا و احلهم فوحلهم حتى وقع فيها إلى محل الغرق من جسمه وعقله وقد وقعتُ في لجب من العجب لما تعقبتهم في دعوى ان الوجود موجود بل لا أحق منه بالوجودية تلك الدعوى الطويلة العريضة ولم يشذ أحد من الفلاسفة والصوفية الوجودية إلا الشهاب السهروردي شيخ الفلسفة الإشراقية وصاحب"التلويحات"و"المطارحات"و"المشارعات"شذ عنهم فلم يقبل رحمه الله كون الوجود موجودا
ومدعو موجودية الوجود لا يرضون مع ادعائهم هذا أن يكون للوجود وجود
(15-موقف العقل- الثالث)
بداية صحة 226
فيتسلسل الوجودات فيقولون لا وجود للوجود لأنه موجود بنفسه لا بالوجود والذي له وجود هو الموجود لأنه موجود بالوجود فأقول رادا عليهم وخطابا للقارئين هل سمعتم رحمكم الله موجودا لا وجود له(1)؟ومن هذا يلزم أن يُفهم أن الوجود ليس بموجود بدلا من أن يفهم أن الوجود موجود بنفسه فإن كان الموجود موجودا بالوجود والوجود موجودا بنفسه لزم أن يكون الوجود غير الموجود أو لزم أن يكون الوجود الذي هو موجود بنفسه موجودا بالوجود وهذا خلف
ثم إنهم من شدة غفلتهم يقولون عند مايسعون لإعظام الوجود واحتقار الموجود إن الوجود موجود بل هو أولى من الموجود بأن يكون موجودا..وكان الواجب عليهم أن يذكروا في مدح الوجود لفظا غير الموجود الذي احتقروه وفضلوا الوجود عليه وإلا كان معنى قولهم هذا أن الوجود أولى من الموجود بأن يكون محتقرا وهذا خلف آخر
وبالنظر إلى ادعاء صاحب الأسفار أن الوجود موجود وأن الذي يعبر عنه"بالموجود"بمعن الموجود بالوجود أو المتصف بالوجود(2)معدوم إذ الماهية معدومة عنده و لاتزال معدومة بعد اتحادها بالوجود الموجود..فبالنظر إلى ادعاء هذا الرجل يشتد الخلف في استعمال لفظ"الموجود"لمدح الوجود فيكون معنى الجملة المادحة للوجود بالموجودية أنه المعدوم الوحيد !!فإذا لم يكن الموجودات موجودات فليبحث
بداية الهامش:
(1)لايقال سبب كون الوجود موجودا لا وجود له أنه عين الوجود كذات الباري تعالى الغنية عن صفة الوجود لكونها عين الوجود لأني أقول وهذا أي كون ذات الله عين الوجود زعم الوجوديين أيضا ثم إن اعترافهم بعدم وجود الوجود لكونه عين الوجود أجلى دليل على أن الوجود ليس بموجود و إنما هو وجود فقط
(2)على أن صاحب الأسفار لا يقبل اتصاف الماهية بالوجود لاعتباره أصلا واعتبارها تبعا
بداية صفحة رقم 227
هواة الوجود وغواته عن كلمة غير"الموجود"يُفهمون بها أهمية الوجود في الموجودية بالنسبة إلى الموجود وقولهم لاعبرة بالتعبير اللغوي لا يجديهم نفعا في عجزهم عن التعبير
وصاحب الأسفار حين يدعي عدم الماهيات حتى بعد وجودها بوجود أفرادها يريد أن يفتح لنفسه طريقا إلى مذهب وحدة الوجود الذي هو مختاره أيضا على الرغم من تضاد المذهبين بعضهما مع بعض كما عرفت مما سبق وإن كان مذهب وحدة الوجود مشتقا من مذهب الفلاسفة..فزيد وعمرو وهذا الفرس وذاك الجمل وذاك الشجر وهذه الشمس وذاك القمر كل من ذلك ليس بموجود عنده وإنما الموجود وجودها لكن وجود زيد مثلا إن كان موجودا لكونه وجودا ولم يكن زيد نفسه موجودا لكونه موجودا ولكونه ماهية فلا يكون شئ أغرب من هذا..فإذا سألنا القائل بهذا القول لمن هذا الوجود الذي هو موجود؟يكون جوابه طبعا:لزيد ولكن زيدا لما لم يكن هو نفسه وجودا بل موجودا وماهية و بالأوضح فردا من أفراد الحيوان الناطق الذي هو الماهية النوعية للإنسان يلزم على رأي هذا القائل أن لايكون موجودا لكونه موجودا ولكونه ماهية وكون الأشياء معدومة والموجود هو الوجود صحيح على مذهب القائلين بوحدة الوجود فلا موجود عندهم غير الوجود..إلا أن هذا الوجود الذي هو الموجود الوحيد عين ذات الله وهم لايعترفون بوجودات خاصة سوى وجود الله أو بالأصح سوى وجود هو الله أما صاحب الأسفار الذي يتمذهب بمذهبي الفلاسفة والصوفية معا ويعترف بوجودات للأشياء موجودات مثل الوجود الذي هو الله فكان كأنه مشرك بالله الذي هو الوجود وجودات غيره ولهذا كان الاعتراض على دعوى أن الوجود موجود بنفسه وذاته بلزوم أن يكون كل وجود في كل موجود واجب الوجود إذ لامعنى لواجب الوجود إلا الموجود بذاته..وقد أورد شيخ الإشراقيين هذا
بداية صفحة رقم 228
الاعتراض على أصحاب تلك الدعوى كما أوردته أنا عليهم فيما سبق لا محيص عنه ولا مخلص أليسوا هم أنفسهم القائلين بأن الوجود متضمن لوجوب لاستحالة انفكاك الشئ من نفسه؟ولذا جعلوه حقيقة الله ومن هذا كان اعتبار المجعول في الممكنات هو الوجود لا الماهيات تناقضا آخر من صاحب الأسفار إذ لا يمكن أن يكون الوجود الواجب مجعولا(1)ولايمكنه التفريق بين وجود الله ووجود الممكنات في تضمن الوجوب لاسيما بعد تصريحه بأن الله هو الوجود كله كما أن كله الوجود مهما سعى في هذا التفريق بقوله ص8:
"معنى وجود الواجب بنفسه أنه مقتضى ذاته من غير احتياج إلى فاعل وقابل
ومعنى تحقق الوجود بنفسه أنه إذا حصل إما بذاته كما في الواجب أو بفاعل كما في الممكن لم يفتقر وجوده إلى وجود آخر يقوم به بخلاف غير الوجود فإنه إنما يتحقق بعد تأثير الفاعل في وجوده واتصافه بالوجود"
لأن لنا أن نقول ماذا هو الباعث على هذا التفسير الفارق بين وجود الواجب ووجود الممكنات؟ومن أين عرف أن معنى وجود الواجب بنفسه أنه مقتضى ذاته من غير احتياج إلى الفاعل؟بل من أين عرف وجود واجب الوجود؟فلا شك أنه
بداية الهامش:
(1)ومما يوجب كون وجودات الممكنات التي اعترف بها صاحب الأسفار موجودات مع القول بأن الوجود موجود بنفسه واجبات من غير فرق بينها وبين وجود الله أن وجود الممكن في رأي صاحب الأسفار عين ذاته مثل وجود الله فهل يكون وجوب وجود للشئ أكمل من كون ذاته الوجود نفسه لا ينفك منه إلا إذا أمكن انفكاك الشئ من نفسه؟فبعد القول بأن الوجود موجود بنفسه فكل ما يكون الوجود عين ذاته يكون موجودا واجب الوجود سواء فيه الواجب والممكن حتى إنه لا محل على هذا للتعبير عن الممكن بالممكن لكون الوجود الذي هو الواجب عين ذاته
فمذهب صاحب الأسفار يفترق عن مذهب الفلاسفة وعن مذهب وحدة الوجود الصوفي فهو مذهب تعدد الآلهة بعدد الموجودات ومذهب اجتماع النقيضين من الموجود الواجب الممكن ومن الوجود الواجب المجعول
بداية صفحة رقم 229
استنبط من الوجود نفسه بدعوى أن الوجود يستحيل انفكاكه من نفسه فلا يقبل العدم ويكون واجب الوجود بالضرورة وليست هذه دعوى صاحب الأسفار فقط بل دعوى جميع الوجوديين من الصوفية والفلاسفة و أتباعها المفتونين بفتنة الوجود والمجنونين بجنته وصاحب الأسفار أشدهم جنونا وغرورا فإذا كان الوجود يستلزم بطبعه ومن حيث هو الوجوب فيلزم أن لا يكون في هذا فرق بين وجود الله ووجود الممكنات اللهم إلا إذا كان من منشأ الوجوب في وجود الله اختصاصه بالله الواجب لكن هذا هو الدور والمصادرة والرجعة القهقهرية التي طالما صدمنا بلزومه الوجوديين والتي أكبر ناحية ضلالهم في هذه المسألة غفلتهم عنها فبينما هم يتوهمون سر وجوب وجود الله في نفس الوجود وفي كونه هو حقيقة الله بناء على توهم آخر منهم وهو أن الوجود موجود ولايمكن أن لايكون موجودا لاستحالة انفكاك الوجود من الوجود استحالة انفكاك الشئ من نفسه..وبالاختصار بينما هم يبنون وجوب وجود الله على كون حقيقته الوجود تراهم يعودون فيبنون كون الوجوب في وجود الله على كون هذا الوجود حقيقة الله وهل هذا إلا دور خفى عليهم مع ظهوره لكونهم مصابين بدوار من داء الوجود
ولا يقال كون الله واجب الوجود ثابت بادلة إثبات الواجب وبه تنحل مشكلة الدور لأنا نقول معلوم عندنا أن كون الله تعالى واجب الوجود ثابت بادلته التي سبق في هذا الكتاب تفصيل بعض منها إلا أن ذلك لا ينفع الوجود بين المدعين كون حقيقة الله الوجود وان هذا أي كون الوجود حقيقة الله هو منشأ وجوب وجوده فإن لم تتم دعواهم هذه من غير استعانة بادلة إثبات الواجب كان معناه أن الله واجب الوجود بادلته المعلومة الإنية من غير علم بحقيقة الله تعالى وتبقى دعوى كون حقيقة الله الوجود التي هي المسألة المنازع فيها محتاجة إلى الإثبات بل منقوضة من أساسها لأن أدلة وجود الله وإن دلت على وجوب وجوده فلا تدل على كون الوجود
بداية صفحة رقم 230
حقيقته و أنه منشأ وجوب وجوده وتكون الاستعانة بتلك الأدلة الإنية في تمشية فرضيتهم القائلة بأن حقيقة الله الوجود غشا في درس أكبر مسألة علمية دينية
وفي الحقيقة لا يُنتظر من أدلة إثبات وجود الله الذي لانعلم حقيقته وإنما يقصد به العلم بضرورة وجوده على طريق الاستدلال بالأثر على المؤثر أي معونة لتعيين حقيقة الله المتعالية عن إدراك البشر ولا لإنشاء إلاه من الوجود المطلق مؤداه تعميم الألوهية في الموجودات أو من الوجود المجرد عن الماهية مؤداه جعل الله وجودا مجردا عن الله كالعجلة الدائرة في الفضاء وإلا أي وإن كانت أدلة إثبات وجود الله يستعان بها لتعيين حقيقة الله انقلبت تلك الأدلة الإنية ادلة لمية وهو خلاف المفروض وخلاف ما يستطيع البشر إدراكه
فخلاصة النقطة التي فيها أكبر غش التفكير من نظرية الفلاسفة الوجودية أن الوجود الخاص الذي فرض كونه حقيقة الله في هذا المذهب يعطي دون سائر الوجودات الخاصة امتيازات الموجودية والقيام بنفسه والقيومية لغيره التي هي امتيازات الله الخاصة الثابتة له بادلة إثبات الواجب ويخيل إلى الأذهان كأنه قد ثبت بتلك الأدلة أيضا أن الوجود الخاص الذي جعله أصحاب المذهب حقيقة الله حقيقته في نفس الأمر فاستحق ما يستحق الله من الامتيازات مع أن الأمر ليس كذلك
والغش في التفكير أخذ مأخذه أولا في أذهان أهل المذهب و أنصاره من غير شعور منهم فأوقع أنفسهم في أضاليل هذه المسألة ثم أضل من تبعهم فلو كان أساتذتنا الأجلاء المعنويون مثل التفتازائي والشريف الجرجائي والجلال الدوائي والسيلكوتي والكلنبوي أحياء للفت أنظارهم إلى هذه النقطة وأحسبهم ما كانوا يرفضون لفت تلميذهم من وراء الأعصار المتأخرة ولكني ألفت إليها أنظار العلماء المعاصرين وهم مختارون في قبول مالاح لي في هذه المسألة من الأفكار بشرط أن يقرأوا ما كتبته عنها بدقة لاتمل ولا تعيا والله ولي الهداية
نعود الى الكلام عن ما نقلناه من أقوال صاحب الأسفار: و الحق الذي لا يفوت العاقل بين تهويشات المفتونين أمور :
منها أن الوجود غير الموجود باتفاق يننا وبين طائفة الوجوديين , وغير الموجود غير موجود وعلى الأقل أنه أي الوجود لا يوجد من غير موجود لأنه معنى مصدري غير قائم بنفسه . وقول صاحب الأسفارو العلامه التفتازاني قبله فى شرح المقاصد والفاضل الكلنبوى بعده فى حاشية شرح العقائد العضديه للجلال الديواني : ان المراد ليس مفهوم الوجود الذى هو المعنى المصدرى بل ما صدق عليه الوجود وقد عاب العلامه التفتازاني الامام الرازي بعدم التمييز بين المفهوم وما صدق عليه المفهوم – ليس بشىء لأن ما صدق عليه الشىء يكون على حسب مفهومه فلا يكون ماصدق عليه المصدر الدال على معنى غير مستقل , مستقلا على خلاف مفهومه ...مثلا ان ما صدق عليه الضحك لايجاوز مفهوم الضحك الى ما يقوم بذاته مثل الضاحك وما صدق عليه الضرب الى ضارب أو مضروب وكذا ما صدق عليه الوجود لايجاوز معناه المصدرى الى موجود لاسيما عند استعماله مقابلا للموجود .
وقد صرح الفاضل السيلكوتى فى تعليقاته على شرح المواقف ص203 طبع الأستانه : " بأن ما صدق عليه الماهيه أمر خارجي وما صدق عليه الوجود أمر ذهني" وقال فى ص202 : " ان ما صدق عليه السواد من الأمور الذهنيه مغاير لما صدق عليه الوجود فان الأول هويه خارجيه و الثاني أمر اعتباري " وليس بشىء أيضا قول صاحب الأسفار " ان الوجود الحقيقى هو نفس التحقق فكيف لايكون موجودا " لأننا ننقل الكلام الى التحقق ونقول التحقق غير المتحقق كما أن الموجود غير الموجود .
ومنها أن الوجود لو فرضنا أنه غير موجود فلا نسلم أنه موجود متضمن للوجوب بطبعه بأن يكون موجودا فوق الموجود أى موجودا واجب الوجود حتى يستحق
بهذه الخاصيه أن يكون حقيقة الله وعين ذاته كما هو أساس دعوى الطائفتين الوجوديتين , واستدلالهم عليه بأن الوجود لا ينفك من الوجود لاستحالة انفكاك الشىء من نفسه وليس وجوب الوجود غير هذا , مغالطة منهم مع أنفسهم لاتقاوم أمام نظره صادقه لآن استحالة انفكاك الوجود من نفسه الذى هو الوجود انما تكفل له ضروريا كونه وجودا لاكونه موجودا فلا يكون واجب الوجود, ألايرى أنهم يقولون لاوجود للوجود دفعا للتسلسل فكيف يكون واجب الوجود فى حين أنه لاوجود له.
وهذا يدل أيضا على أن الوجود غير موجود لأن الموجود ماله الوجود والوجود لاوجود له. ثم انه لو كان الوجود واجب الوجود لكان كل وجود كذلك ولم يختص بالوجود المجعول حقيقة الله اذ لافرق بين وجود ووجود فى استحالة انفكاكه من نفسه أى من كونه وجود . والاستعانه باختصاص فرد واحد من أفراد الوجود بالله تراجع عن أساس الدعوى التى هى استنباط الوجود من الموجود.
ومنها أن الوجود المحض المجرد عن كل شىء حتى عن الماهيه التى يكون بها كل شىء ذلك الشىء, كما هو مذهب الفلاسفه فى حقيقة الله لايمكن أن يكون هو الله الذى خلق السماوات و الأرض و الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره وخلق الأرواح والعقول وذويها, لخلو الوجود المجرد عن كل شىء من الحياه والعلم والقدره والاراده فهو وجود مجرد عن كل شىء كالعجله الدائره فى الخلاء, وهذا بديهى عند العقل السليم الذى لم تفسده أسطورة الوجود , وهذه البداهه مع بداهة كون الوجود مصدرا لايكون له معنى الموجود وكونا لايكون له معنى الكائن.
لاسيما عند التزام كونه غير الموجود الكائن وتفضيله عليه, هما اللتان كانتا أول دافع لى الى تدقيق مذهب الفلاسفه الوجوديه و التعمق فى نقده.
بقى أن صاحب الأسفار يطنب فى ادعاءأن المجعول فى الموجودات الممكنه وجودها
لاماهيتها ويقول فى ص9 " ان الوجود نفس ثبوت الماهيه لاثبوت شىء للماهيه " ولك أن تقول بدلا من نفس ثبوت الماهيه ثبوت نفس الماهيه , واثبات نفس الشىء جعله جعلا بسيطا كما أن اثبات شىء لشىء جعله جعلا مركبا, فاذا كان الوجود نفس ثبوت الماهيه أو ثبوت نفس الماهيه يكون الايجاد اثبات نفس الماهيه وجعلها لاجعل وجودها وهو مذهب المتكلمين و الفلاسفه الاشراقيين. ويؤيده أن الحلق الذى يرادف الجعل البسيط يتعلق فى كلام الله دائما بالماهيات لابوجودها فيقال " الله الذى خلق السماوات والأرض ولا يقال خلق وجود السماوات والأرض" ويقال " الله خالق كل شىء" لا خالق وجوده و المخلوق هو المجعول بعينه , وقد جاء فى كتاب الله التعبير بالجعل أيضا مثل " انى جاعل فى الأرض خليفه " و " جعل الظلمات والنور " و "جعلنا سراجا وهاجا " فاعتبار المجعول وجود المخلوقات لاأنفسها التى هى ماهيتها تعسف فى التفلسف على خلاف العقل و النقل . وليس جعل نفس الماهيه كجعل المشمش مشمشا الذى هو جعل مركب و تحصيل للحاصل.
وماذكره فى ص104 تأييدا لكون المجعول هو الوجود لا الماهيه من أن المعلول يجب أن يكون مناسبا للعله وقد تحقق كون الواجب عين الوجود الموجود بنفس ذاته , فالفائض عنه يجب أن يكون وجود الأشياء لاماهياتها لفقد المناسبه بينها و بينه تعالى
فكائن الله الذى هو الوجود عند الوجوديين يجب أن يكون مايخلقه وجودا ولايمكنه أن يخلق موجودا , فالخالق و المخلوق كلاهما الوجود وان كان الوجود الأول على زعمهم الوجود الواجب و الثانى الوجود الممكن .
ثم أورد بصدد تأييد هذه الفكره كلام الشيخ الرئيس ابن سينا فى بعض رسائله الذى قال فى آخره :" كل منفعل عن فاعل فانما ينفعل بتوسط مثال يقع منه فيه وذلك بين الاستقراء فان الحراره الناريه تفعل فى جرم من الأجرام بأن يضع فيه مثالها وهو السخونه وكذلك سائر القوى من الكيفيات .
والنفس الناطقه انما تفعل فى نفس ناطقه مثالها وهى الصوره والعقليه المجرده.
والسيف انما يضع فى الجسم مثاله وهو شكله و المسن انما يحدد السكين بأن يضع فى جوانب حده مثال ماماسه وهو استواء الأجزاء وملامستها".
ففيه قياس فاعليته تعالى الذى ماأشهده ولاقدوته الفلاسفه خلق السماوات والأرض ولاخلق أنفسهم , بفاعلية العلل الماديه...والله تعالى متعال عن هذا القياس علوا كبيرا انما أمره اذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . وفيه أيضا اعتبار صدور الكائنات من الله تعالى بطريق الفيضان والنبعان والانبعاث لا بطريق الخلق من عدم الذى هو مذهب المليين , ويؤيدنا ما قلنا أنه قال نقلا عن بعض العرفاء ( على تعبيره ) بعد نقل كلام الشيخ الرئيس :" لاينبعث من الشىء ما ليس عنده فثبت صحة قول من قال الماهيه غير مجعوله ولافائضه من العله فان الماهيه ليست الا مابه الشىء شىء ممتاز عن غيره من الفاعل ومن كل شىء ".
أقول فمن أين اذا نشأت هذه الماهيات التي يلزم أن تكون هى ذوات الأشياء لكونها ما به الأشياء أشياء يمتاز بعضها عن بعض , وهى منقطعة الصله بالفاعل الجاعل ,من أين نشأت واتصلت بالوجودات المجعوله؟
ولايكفى فى جواب هذا الاستفهام ما يقولون من أنها أمور اعتباريه وأن ذوات الأشياء وجوداتها على الرغم من أن ذوات الأشياء يلزم أن تكون مابه الأشياء تلك الأشياء أعنى الماهيات . ويرد بعد هذا السؤال من ذا الذى اعتبر تلك الماهيات التى هى أمور اعتباريه غير موجوده ؟

فان قلنا نحن المشتغلين بالبحث والمناظره فى هذه المسائل المعتبرون , فاننا أيضا من جملة الماهيات التى هى أمور اعتباريه غير موجوده مع أن الوجودات وجودات تلك الماهيات , فيالها من ماهيات تملأ العالم بوجوداتها وهى معدومه ! وكان الأولى بمذهب اعتبار الماهيات حتى بعد وجودها أمور اعتباريه غير مجوده كما هو رأى صاحب الأسفار , أن لايكون وجودات الماهيات مضافه اليها ويعتبر الكل وجود الله
كما فى مذهب وحدة الوجود لكن صاحب الأسفار لا يرتئى بالضبط أحد المذهبين وانما هو ممثل لمذهب الاضطراب بينهما .
والذى يتضح من هذه الأفكار المنطويه على الضلالات البعيده هو شدة اتصال التصوف الوجودى وامتزاجه بالفلسفه الأجنبيه عن الاسلام فحديث مناسبة المعلول بعلته ثم عدم انبعاث ماليس عند الله من الله واتخاذ الخالق و المخلوق من الوجود المفترق عن الموجود , كل ذلك مما لايبقى بعده محل حتى لتعبير الخلق والخالق والمخلوق , نغمات تعبد الطريق من الفلسفه الى وحدة الوجود التى سماها الغربيون المؤلفون فى تاريخ الفلسفه , الفلسفه البدعيه , فكما قال الفلاسفه الوجوديون :" المعلول لايكون الا من جنس العله " وان كان لاجنس لها
, تقول الصوفيه ويقول صاحب الأسفار :" ان العالم شئون الوجود الحق وتطوراته وتنزلاته " ويقول الفيلسوف الألمانى " شيللينغ " بسقوط اللامتناهى يعنى الله الى المتناهى وبأنه المسئول عن السيئات التى هى نتيجة سقوطه وارسال نفسه فلماذا أراد أن يكون هذا العالم مع كونه نزولا له "
ويقول " متره افكار " من فلاسفة القرون الوسطى الباطنيين الاتحاديين " ان الظمآن لايشرب حتى يجد فى الماء علامه من الله " ويقول شيخ الصوفيه الوجوديه الأكبر صاحب الفصوص فى فص نوح :" ان للحق فى كل خلق ظهورا خاصا وهو الظاهر فى كل مفهوم وهو الباطن عن كل فهم الا عن فهم من قال ان العالم صورته وهويته وهو أى العالم الاسم الظاهر " ويقول فى فص هود " فقل فى الكون ما شئت ان شئت قلت هو الخلق وان شئت قلت هو الحق وان شئت قلت هو الحق الخلق وانشئت قلت لاحق من كل وجه ولا خلق من كل وجه وان شئت قلت بالحيره فى ذلك "
ويقول الشيخ عبد الكريم الجيلى مؤلف "الانسان الكامل " فلا تقل أين الله وأين العالم فما ثم الا الله المسمى بالعالم "ويقول ملاحدة الماديين ما ثم الا العالم
المسمى باسمه , وقال القاشانى فى شرح الفصوص ص182 :" النفس الالهيه عين الطبيعه ".
فكل هذه الأقوال تشف عن مبدأواحد وهو قصر النظر على العالم المحسوس وعدم قبول موجود وراءه فان كان الله انتفى العالم وان كان العالم انتفى الله وهكذا يكون التوحيد الوجودى على الرغم من حسن ظن المسلمين الغافلين به وبأهله المبتدعين هذه البدعه البعيده عن الحق بعد السماء عن الأرض . فالملاحده الماديه موحدون عند الصوفيه الوجوديه لعدم اعترافهم بموجود فيما وراء العالم المحسوس وليسوا بثنويين مثل المتكلمين الذين يعترفون بموجودين الله وما سواه !! وعرفاء الوجوديه معنى توحيدهم عندنا أنهم قاصروا النظر على العالم المحسوس غير مجاوزيه الى ما وراءه بل النافين لغيره على خلاف ما اشتهر من أنهم نفة العالم المحسوس والذى سماه صاحب الأسفار ببعض العرفاء القائل :" لاينبعث من الشىء ما ليس عنده "
يمكن أن يكون بعض الفلاسفه و الفلاسفه كلهم عرفاء عنده حين لايوجد فى المتكلمين عارف واحد كما قال عنهم فيما نقلناه سابقا :" وللثنويين الويل مما تصفون "ولايدرى كيف يستسيغ الرجل لنفسه فكرة وحدة الوجود مع أخذ هؤلاء القوم أعني المتكلمين حظهم من الوجود ولو باسم الثنويين ؟ وكيف يتحد الرجل فى الوجود مع أولئك الخصماء فى المذهب فلله درهم
(1)حتى انه لو كان العالم المحسوس غير موجود كما يدعيه أصحاب مذهب وحدة الوجود فى ظن الظانين بهم خيرا حيث يظنون أن أصحاب هذا المذهب من شدة استهانتهم بوجود هذا العالم ينفونه ويخصون كل الأهميه بوجود الله تعالى ...لو كان العالم المحسوس معدوما لانعدم الله معه عندهم اذ لاموجود فى مذهبهم غير هذه المحسوسات التي نسميها العالم ويسمونها الله فهذا هو معنى نفيهم العالم , وليس معناه أنهم لايقيمون لوجود العالم وزنا ولايعيرونه أهميه فوق أهمية العدم , بل أهميه وجود ما نسميه العالم عندهم أعظم بكثير مما عندنا لكون وجوده وجود الله . أنظر قول صاحب الانسان الكامل " المنقول آنفا " لاتقل أين الله وأين العالم فما ثم الا الله المسمى بالعالم " وقد سمعت أيضا قول صاحب الفصوص : " ان العالم اسم الله الظاهر".
وللرجل الوبل منهم حيث ينقضون بوجودهم مذهبه لو لم يجد أدله ناقضه له من بدائه العقل والنقل.
فقد تبين بطلان ادعاء أن الوجود يحتاج إليه كل شئ وهو الغني عن كل شئ، تلك الدعوى التي بنى عليها الفلاسفة والصوفية الوجوديتان وأنصارهما العلاليَ والقصور بل جعلوها عرش الألوهية وأجلسوا عليه الوجود فبعضهم الوجود المجرد وبعضهم الوجود المطلق. وكنا قد سمعنا أمما جاهلية عبدوا الشمس أو النجوم أو الأوثان ولم يكن يخطر بالبال أن أناساً من العلماء والحكماء والعرفاء يبلغ بهم السخف والسفه أن يكونوا عبدة الوجود الذي هو غير الموجود أو حال بين الموجود والمعدوم أو على الأكثر شئ غير مستقل بالمفهومية والوجودية يتوهمونه موجوداً واجب الوجود قائماً بذاته قيوماً لغيره. فأحرِ بهم أن يقال: ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان.
والمهم هنا اشتراك الفلاسفه وأنصارهم من أجلة العلماء المتكلمين المتأخرين مع الصوفيه فى الدعوى الأساسيه لهذه الأسطوره وهى احتياج كل شىء فى تحققه الى الوجود حتى ان العلامه التفتازاني لم يعلق عليها شيئا من النفد عندما نقلها عن الفلاسفه فى شرح المقاصد جوابا للاعتراض المورد عليهم بأنه لم لايجوز أن تكون تلك الحقيقه المخالفه لسائر الحقائق المتحققه بنفسها الغنيه عما سواها , غير الوجود ؟ فكأنه تقبل كون الوجود اله العالم مستندا الى هذه الخرافه التى هى احتياج كل شىء فى تحققه الى الوجود.
ولاشك أن الوجود فى هذا الكلام على معناه الحقيقى المعروف المفهوم لكل احد أعني الكون فى الأعيان وهوالموافق لتفسيرهم أنفسهم بالتحقق لاالوجود الذى جعله الفلاسفه حقيقة الله والذى لاتعرف حقيقته المخالفه لسائر الوجودات اذ لو
كان ذلك فمن أين علموا حاجة كل شىء فى تحققه اليه وهم لايعلمون حقيقته ؟ فاذن ان صح هذا الكلام الموجب لتأليه الوجود أوجب تأليه الوجود المطلق المعلوم المعنى وهو مذهب وحدة الوجود الذى يأبه الفلاسفه ويشدد العلامه التفتازانى فى ابطاله فمذهب الفلاسفه بالنظر الى أقوى أسسه الذى اشتركوا فيه مع الصوفيه يجرهم الى مذهب الصوفيه الوجوديه المسلم بطلانه وما يجر الى الباطل باطل.
(1)ولهذا العلامه رساله فى الرد على الصوفيه الوجوديه يحاول بعض أهل العلم من متصوفه زماننا كمؤلف " اضمحلال مذهب الماديين " أن ينسبوها الى مؤلف غير التفتازانى المشهور ويحدوا بهذه الطريقه من أهمية الرساله مع أن تشدد التفتازانى فى شرح المقاصد ضد هذا المذهب ليس بأقل مما فى تلك الرساله . ولو كنت أنا مكان أولئك البعض لأخذت التفتازانى – بدلا من نفى الرساله عنه – بأنه كيف ينبذ مذهب الصوفيه الوجوديه بكل شده مع ميله الى مذهب الفلاسفه فى مسألة وجود الله ذلك المذهب الذى هو منشأ المذهب الوجودى الصوفى والذى لايقل بطلانه عن بطلانه .
ولهذا نرى ألسنة غير التفتازانى ممن يؤيدون مذهب الفلاسفه كالجلال الدوانى والسيلكوتى والكلنيوى لم تطل ضد مذهب الصوفيه الوجوديه كأنهم أحسنوا بالارتباط الوثيق بين المذهبين فلاينوهما معا , وموقفهم فى هذه المسأله اذا قيس بموقف العلامه التفتازانى كان كل منهما أعجب من الآخر .
وانى لاأتردد فى القول بأن هؤلاء العلماء المتكلمين لم يخطئوا فى أى مسأله علميه ما أخطأوا فى هذه المسأله . ولم يوجد فى علماء الغرب من ضل فقال ان الله وجودا – عدا " مالبرانش " القائل ان الله وجود كلي أو وجود الوجودات وربما قال وجود بلا قيد وبالآخره وجود غير معين – وان وجد من قال " أكمل " أو موجود أكمل , حتى ان الاتحاديين فى الغرب " بانتائيست " لم يكن جنونهم من افتتانهم بكلمة الوجود ولا استهتارهم فى التكلم عن الله بدرجة استهتار صاحب الفصوص وحتى ان مذهب وحدة الوجود يعتبر فى تاريخ الفلسفه عند علماء الغرب فلسفه بدعيه . وقد اعترض "بول زانه " مؤلف "مطالب ومذاهب " على هذا المذهب بأنه لو صح اتحاد كل موجود مع الله فى الوجود بمعنى أنه لاوجود له غير وجود اللهه لكان كل منا نحن البشر يشعر بأنه الله . وأنا أقول لو اتحد كل موجود مع الله فمن أين جاءت فكرة انكار وجود الله فى الملاحده ؟ لأن أصحاب هذه الفكره لايمكن أن يكونوا عين الله ولا ظلاله ولو قيل انهم مظاهر اسم " المضل " فالالحاد ضلال لا اضلال وليس فى أسماء الله " ضال ".
ومما يجاو بطلان كل من ادعاء أن الوجود وجود بنفسه فى حين أن الموجود موجود بالوجود وادعاء أن كل شىء يحتاج فى تحققه الى الوجو وهو غنى بنفسه عن كل شىء , ذينك الادعاءين المستلزمين لكون الوجود هو الله الواجب الوجود المستحيل العدم و اللذين تأسس عليهما كل من مذهبى الفلاسفه و الصوفيتين الوجوديتين ...مما يجعلوا بطلانهما بل بطلان دعوى كون حقيقة الله الوجود أنه ان صح ذلك فلا حاجه الى اثبات الواجب بأدلته المعروفه وأمام أعيننا الوجود بوجوده ووجوبه مغنيا عن تلك الأدله التى عنى بشأنها علماء الشرق والغرب الالهيون وفيهم الفلاسفه الذين نحن بصدد مناقشتهم الحساب . فلماذا عنوا باثبات الواجب ساهرين الليالى تفكيرا فى اتقانه وتمحيص أدلته عن الشبهات والاعتراضات متوسلين فى الوصول الى غايتهم العليا بأقصى الوسائل وأصعبها على كثير من الأذهان كابطال التسلسل بالبراهين المعروفه عندهم ومعتبرين كل هذه الاجتهادات قضاء لديون عقولهم الى بارئها , فما بالهم وهو تاركون أقصر الطرق وأسهلها وسالكون الصعاب الأباعد ؟ وكيف ينكر الله منكروه فهل يمكن انكار الوجود ؟ فان كان المنكرون و المثبتون جهلوا أن الله هو الوجود فأنكره المنكرون واجتهد فى اثباته المثبتون أفليس يكفيهم علمهم بأن الوجود واجب الوجود مستحيل العدم بناء على الدعويين المذكورتين القائلتين بأن الوجود موجود بنفسه
وقد يجد بعض الناس علاقة مذهب الفلاسفه الفكريين فى الغرب بمذهب وحدة الوجود بسبب قولهم بأنه لاوجود للعالم الا فى ادراكنا وبين المذهبين عندى بون بعيد فأولا ان الفكريين "ايده آليست" ذهبوا الى ما ذهبوا لعدم السبيل الى ادراك الخارج للذهن الذى لايخرج من الانسان . فدافعهم الى مذهبهم فلسفة الادراك ودافع الصوفيه الى مذهب وحدة الوجود فلسفة الوجود . وثانيا أن الفكريين ينفون وجود العالم على معنى أنهم لايدرون وجوده لعدم وصول الادراك اليه والصوفيه الوجوديه لاشك لهم فى وجود المحسوسات التى نسميها العالم وهى فى الحقيقه الله فى صورة العالم اذ لا موجود عندهم غير الله فيلزم على قولهم أن يكون الموجودات التى نراها فى صورة العالم ولانرى موجودا غيرها , هى الله .
وان كل شىء يحتاج فى تحققه اليه وهو غنى بنفسه عن كل شىء ؟ ولهذا ترى الصوفيه وفوا دعواهم حقها فاستغنوا عن اثبات الواجب . فهل أصدقائهم أو أساتذتهم الفلاسفه الوجوديون وأنصارهم من المتكلمين شاكون فى صحة دعواهم بأن الوجود واجب الوجود أو فى صحة مذهبهم القائل بأن الله هو الوجود الخاص أو فى أن الوجود الخاص يتمشى فيه مايتمشى فى الوجود المطلق من وجوب الوجود ؟؟ حتى انهم لايستغنون عن اثبات الواجب بأدلته كما استغنى أصحاب مذهب الوجود المطلق , والشك فى هذا الأخير أيضا مفسد لمذهبهم.
وليس أهم مهمتى فى هذا المبحث من الكتاب رغم كونه معقودا لدرس مسألة وحدة الوجود ابطال مذهب الصوفيه الوجوديه لأنه غنى عن الابطال باعتراف أصحاب أهل المذهب أنفسهم بأنه وراء طور العقل وبما يترتب عليه من الأقوال الجنونيه التى تجدها مكتوبه فى "الفصوص " وغيره . وانما أهم مهمتى التى يمتاز بها هذا الكتاب ان شاء الله ابطال مذهب هو أساس مذهب وحدة الوجود أعنى به مذهب الفلاسفه الذى يقام له وزن كبير فى على الكلام كلام مذهب المتأخرين عن الامام الرازى الذى لم يفتنه رضى الله عنه سحر كلمة " الوجود " وليت الجائين بعده اقتفوا أثره بدلا من اقتفائهم أثر المحقق الطوسى نصير الفلاسفه وناقد كتب الامام.
وصفوة القول أن الفلاسفه اطلعوا فى زعمهم على كيفية كون الله واجب الوجود بأن قالوا : لكل شىء ماهيه ووجود يفترق عنها فى التصور لكن الله تعالى وجود من غير ماهيه فماهيته الوجود المحض وبهذا يكون الوجود ضروريا له مستحيل الانفكاك منه فان جاز انفكاك الشىء من نفسه فالوجود ينفك من الله , فضمنوا له ضرورة الوجود بأن جعلوه نفس الوجود ولايكون لله وجوب وجود أبلغ من هذا . فهذا هو منشأ مذهب الفلاسفه وخلاصته اكتشاف شرطا لما خفى على عقلاء البشر
بداية الصفحة ( 241)
وهو أن الله الواجب الوجود الذى كانوا بحثوا عنه ولم يجدوه أو بالأصح لم يستطيعوا تعيين حقيقته ، هو الوجو نفسه . وقد أعجب الصوفية الذين مهمهم التفتيش عن الله ليكونوا عارفين به واصلين إليه ، هذا الكشف المزعوم
النظرى االذى ظنه الكثيرون الكشف الخاص بالمتصوفة . إلا أنه لما لزم لأن يكون الوجود واجب الوجود أن يكون كل وجود فى كل موجود كذلك ولم يتجرأ أصحاب هذا الكشف أعنى الفلاسفة على القول به لكونهم مقيدين بطور العقل ، وورد عليهم أيضا أن الوجود ليس بموجود يله أن يكون إلها واجب الوجود فكشفهم هذا يجعل الله غير موجود بينما يجعله واجب الوجود .. لهذا ولذاك ابتداءوا أى الفلاسفة وجودا خاصا موجود قائما بذاته مخالفا لسائر الوجودات غير معلوم الحقيقة فجعلوا لهذا الوجود الخاص امتياز الموجودية والقيام بذاته وليس هذا الوجود الخاص بمعنى الكون فى الأعيان وإن كان بمعنى الكون فهو مخالف لسائر الأكوان . مع أن ألفاظ الوجود الذى تكرر ذكره فى رواية الكشف المزعوم كان كلها بالمعنى المعروف أى الكون فى الأعيان ومقابلة العدم أى عدم الكون فى الأعيان وكانت جاذبيته المستلزمة لوجوب الوجود حاصلة له من معناه المفهوم المعلوم الحقيقة ، فالمطلوب من جعل ذات الله عبارة عن نفس الوجود لاشك أنه وضع ضمان لوجوب وجوده بمعنى وجوب كونه فى الاعيان وكذا عدم أنفكاك الوجود من نفسه الوصل إلى هذا المطلوب يلزم أن يكون بمعنى ضرورة الكون فى الأعيان فاللجوء إلى تغيير هذا المعنى عند الجواب عن الاعتراضات الواردة على مذهبهم تقهقر يفسد كشفهم المزعوم حتى إنه يفسد صحة إطلاق لفظ الوجود على هذا المعنى الغير المعروف الذى لا تعلم حيقيقته ولا تعرف إلا بأنها مخالفة لحقائق سائر الوجودات ، فمن أين علموا إذن أنه وجود ومن أين علموا أن كان وجودا أنه وجود موجود قائم بذاته على خلاف سائر الوجودات وكيف اقتنعو من أين علموا إن كان وجودا أنه وجود موجود قائم بذاته على خلاف سائر الوجودات وكيف اقتنعوا بأن الوجود بالمعنى المعروف المطلوب عدم انفكا كه من الله عدم انفكاك الشئ من
بداية الصفحة (242)
نفسه ليتسنى له وجوب الوجود ، لا ينفك من هذا الوجود بالمعنى الغير المعروف عدم انفكاك الشئ من نفسه ؟ مع أن الوجودين ليس أحدهما عين الآخر ونفسه . فإن كان سبب كل هذه الامتيازات لهذا الوجود الخاص بالمعنى الغير المعروف ، أختصاصه بالله فذاك هو الصادرة على المطلوب التى أوضحناها مراراَ فيما سبق .
ومما يفسد كشفهم ثم تقهقر هم عما يلزم من كون كل وجود فى كل موجود إلها واجب الوجود إفساداً بليغا ، أنه إن صح كون استحالة انفكاك الوجود من الوجود استحالة انفكاك الشئ من نفسه ، يصعد الوجود إلى مرتبة واجب الوجود التى هى مرتبة الألوهية ، فهذه الأسطورة تنطبق بعينها على الوجود بمعنى الكون فى الأعيان الذى أهمله الفلاسفة بغير حق فلم يجعلوه حقيقة الله حين جعلوا الوجود حقيقة الله بل أبعدوه عن الله قالوا إنه عرض عام خارج عن حقيقته ... تنطبق عليه فيقال إن الوجود بمعنى الكون فى الأعيان لا ينفك من الوجود بمعنى الكون فى الأعيان لاستحالة انفكاك الشئ من نفسه وهذا كاف فى كون الوجود بمعنى الكون فى الأعيان إلهاً واجب الوجود على رغم الفلاسفة وأنصارهم الذين احتكروا وجوب الوجود للوجود الخاص الذى لا يستطعيون تعيين معناء حق التعيين (1) بل عدم انفكاك الوجود بمعنى الكون فى الأعيان ــ الذى به يتحقق وجوب الوجود ــ من الوجود بمعنى الكون فى الأعيان أبلغ وأظهر بكثير من عدم انفكاك الوجود بمعنى الكون فى الأعيان من الوجود الخاص غير معلوم المعنى . ومعنى هذا الكلام أن مذهب وحدة الوجود التى هى اعتبار الوجود بمعنى الكون المطلق فى الأعيان الموجود فى كل موجود ، إلهاً واجب الوجود
بداية الصفحة (243)
والتى تقهقرت الفلاسفة فى مذهبهم كيلا يقعوا فى هاويتها ، هذا المذهب يلاحقهم فيلحقهم فى كل خطوة من خطوات فرارهم منه .
فلما رأى الصوفية أن أسانذتهم الفلاسفة أعتراهم التلمم والإحجام فى الطريق التى اكتشفوا ولم يتموا روايتهم التى أعجبت الصوفية كل الإعجاب ، أخذوا مهمة إتمامها على ءوانقهم رادعوا وجود الوجود بالمعنى المعروف المطلق ، فى الخارج بل ادعوا أنه الوجود الوحيد وتقبلوا ما لزم مذهب الفلاسفة ولم يجترئوا هم أنفسهم أن يتقبلوا ويتحملوا تبعته من كون الوجود واجب الوجود أينما كان والموجودات التى نعتبرها متصفة بالوجود ، معدومات وأوصافا اعتبارية وإنما الموجود وجودها الذى يتصف هو بها ولا تتصف هى به ، وزين لهم دعواهم هذه المتصادمة ببداهة العقل والنقل كون الموجودات غير الله كالمعدوم بالنسبة وجود الله لاسما فيما ينبغى أن يكون فى نظر الصوفى المتوجه بكليته إلى الله ، وتغاضوا عن الفرق المهم بين كون الشئ فى الحقيقة كالعدم وبين كونه عدما حقيقيا وعن الفساد العظيم المترتب على ضم هذه الوجودات التى هى بمنزلة العدم إلى وجود الله ، فلا يستصغر الصوفى الوجودى وجودات الممكنات أو ينكرها كما يظنه كثير من الناس بل يعتبرها أيضا وجودات الله حيث يجعل الله الوجود المطلق . فهذا أصل مذهبى الفلاسفة والصوفية الوجودية .
ويفهم منه أن التغيير فى معنى الوجود المعروف سواء كان بحمله على مبدأ الأثار الخارجية أو على الوجود الخاص المختلف فى حقيقته عن وجودات الممكنات ، خاص بمذهب الفلاسفة لا يجرى فى المذهب الصوفى ولا حاجة فيه إليه ، كما أن دعوى كون الوجود على إطلاقه موجودا بل أحق بالموجودية من الموجود لكونه.موجودا
بنفسه وكون الموجود موجودا بالوجود ، يلزم أن تكون خاصة بالمذهب الصوفى غير جارية فى مذهب الفلاسفة وإن وقع الخلط فى كلام أنصار كل من المذهبين بما يخص الآخر .
بداية الصفحة (244)
وآخر تلخيص للمقام أن المذهب الوجودى الناشى من القول بأن وجود الله عين ذاته والمفسر بأن الله هو الوجود المطلق كما هو مذهب الصوفية أو الوجود المجرد عن الماهية كما هو مذهب الفلاسفة ، معناه على الأول أن يكون الله كل شئ ومعناه على الثانى أن لايكون الله على أى شئ أى أن يكون موجودا . فالذهبان على طرفى نقيض بالرغم من أن بعضهما وليد بعض . أما كون الله كل شئ فى مذهب الوجود المطلق فظاهر ، لأن الله هو الوجود فلا يتكون أى موجود إلا به ، وأما أن كون الله وجودا مجردا عن الماهية يؤدى إلى كون الله غير موجود فلأن الوجود الذى هو مقابل العدم لا يوجد مجردا عن الماهية ولا يمكنه أن يوجد لكونه من مقولة الإضافة ومن المعقولات الثانية فلا يوجد إلا مضافا إلى غيره ولا يستقل بالفهم ، فإذا قلت وجود يقال وجود ماذا ؟ فإما إن تعين المضاف إليه فتقول وجود كذا أو كذا ، ومنه وجود الله مضافا إلى الله ، فوجوده المضاف إليه معقول ووجوده المجرد عن الإضافة غير معقول (1) وإما أن تطلق فتقول وجود أى شئ كان ، أما إذا قلت وجود بشرط عدم الإضافة (3) فمعناه
بداية صفحة( 245)
يكون وجودا بشرط عدم الوجود لأن الوجود مضاف فيكون إعدام إضافته إعدامه نفسه ويكون هذا الوجود وجود ماليس بموجود فكل موجود له ما هية هو بها هو ووجود يضاف إلى ما هيته وهو معقول ثان كما أن الماهية معقول أول لأن وجود أى شئ فى الخارج وعدم وجوده إنما يعقل بعد أن علقت ماهيته وعين هو بها ، فالوجود المشروط بعدم اقترانه بالماهية وجود بشرط عدم الموجود الذى له الوجود بأن يكون وجود ولا يكون هناك موجود ، موجود ، فهذا الوجود هو الله فى مذهب الفلاسفة وهو الوجود المحال فى مذهب العقل (1).
ودافعهم إلى التزام كون الله الوجود ثم التزام إبعاد هذا الوجود عن الماهية ، محاولة الفرار من التركيب فإذا كان لله ووجود كسائر الموجودات كان الله مركبا تركبياً ذهنيا على الأقل والمركب يحتاج إلى جزئه فى يكون واجبا . فاضطروا إلى التخلى عن ماهية الله أو وجوده ولم يمكنهم التخلى عن وجوده فتعين التخلى عن الماهية (1) مع أن الماهية من غير وجود أهون من الوجود من غير ماهية وأقل منه بعدا عن العقل لكونها ممكنة فى حد ذاتها كالعنقاء لها ماهية وليس لها وجود ولا يتصور وجود من غير ماهية وبعبارة أخرى من غير موجود فهو أبعد عند العقل من المادة بلا صورة أو الصورة بلا مادة . ولايغرنك تمحلات أنصار مذهب الفلاسفة وتنقلاتهم فى تفسير الوجود الذى
بدايه صفحة (246)
جعلوه عين ذات الله لأن الوجود المجرد عن الماهية على أى معنى كان مضاف لا يستقل بالمفهومية من دون ما يضاف إليه وانما المستقل هو الموجود أى الذات المتصفة بالوجود أو بعبارة أخرى الماهية المتصفة بالوجود لكنهم لا يرضون بالموجود ربا ويتوهمون فيه التركيب . ونحن نقول مع قطع النظر عن عدم وجود الوجود من غير ماهية إن الوجود لو وجد مجردا عن الماهية كان هو نفسه الماهية وكان وجوده وجودها فلا يتم لهم ما يريدون ويقعون فيما يفرون منه . فانظر إلى سؤال وجواب سبق منا نقلهما عن شرح المواقف مع تعليق الفاضل السيلكوتى عليه تتميما للجواب وتبيينا له والسؤال موجه على تفسير وجوب الوجود بكون الوجود عين الذات أى على مذهب الفلاسفة . وحاصل السؤال أن الوجوب الذى هو ضرورة الوجود إضافة تقتضى وجود الطرفين أى الوجود وما يكون الوجود ضروريا له مع أنه إذا كان الوجود عين ذات الله فهناك أمر واحد أعنى الوجود الذى هو الذات وليس هناك أمران يكون أحدهما ضروريا اللآخر . وحاصل الجواب أن الوجود الذى هو ذات الله والذى ليس بمعنى الكون فى الأعيان بل بمعنى بل بمعنى مبدأ الآثار الخارجية ، يقتضى الوجود الذى هو بمعنى
الكون فى الأعيان فيكون الوجود بالمعنى المعروف أى الكون فى الأعيان ضروريا للوجود بمعنى مبدأ الآثار الذى هو الله ، وليس اقتضاء أحد الوجودين اللآخر اقتضاء العلة لمعلولها بل اقتضاء الجزئى لكليه الذى هو عرض عام له خارج عن حقيقته فلا يلزم التركيب ولا يلزم المحذور اللازم لتقدير كون الاقتضاء اقتضاء العلة لمعلولها . ونحن نقول بعد التسليم بما لا نسلم به من اقتضاء أحد الوجودين اللآخر ومن كون الوجود المقتضى ( بالفتح ) عرضا عاما للوجود المقتضى ( بالكسر ) (1) وبعد لفت الدقة والانتباه إلى أن محط الوجوب هو الوجود المقتضى (بالفتح ) وكونه مضمونا .
بداية صفحة (247)
لذات الله فيجب أن يكون محل النزاع فى هذه المسألة هو هذا الوجود الذى لا زال بمعناه المعروف أى الكون فى الأعيان ، فلو لم يكن هذا الوجود وثبوته لذات الله التى جعلوها عبارة عن الوجود بمعنى آخر غير معروف ، لما حصل وجوب الوجود منه وحده . والحاصل أن المطلوب من وجوب وجود الله ضرورة كونه فى الأعيان لا كونه وجودا بمعنى غير معروف ... نقول بعد هذا وذاك إذا اعترف بالوجودين أحدهما ذات الله وما هيته والآخر وجود الوجود الذى هو ذاته وماهيته زيادة على الوجود الذى هو الذات ، فهذا اعتراف من الفلاسفة بزيادة الوجود على الذات التى هى مذهب المتكلمين وإنما الفرق بين المذهبين أن الفلاسفة يعينون حقيقة الله وماهيته على أنها الوجود رغم ادعائهم أن الله مجرد عن الماهية ، ولا تعيين لحقيقة الله فى مذهب المتكلمين وهو ليس بمنقصة لذلك المهب بل مزية أما ما اورد عليه الفلاسفة ونقله العلامة التفتازانى فى شرح المقاصد من غير جواب عنه كأنه لا جواب يدفعه ، من أنه لو كان لله ما هية ووجود فإن كان الله هو المجموع لزم تركبه ولو بحسب العقل و إن كان أحدهما لزم احتياجه ضرورة احتياج الماهية فى تحققها إلى الوجود واحتياج الوجود لعروضه إلى الماهية ، فى تحققها إلى الوجود لأن الوجود هو التحقق نفسه فلو احتاجت الماهية فى تحققها إلى الوجود لزم احتياجها فى تحققها إلى تحققها ولا معنى له إلا توقف الشئ على نفسه ، مع أنه لو سلم هذا الاحتياج لجرى فى الماهية التى هى عين الوجود كما فى مذهب الفلاسفة لأنها لاتستغنى بالوجود الذى هو عينها بل تحتاج إلى الوجود بالمعنى الآخر أعنى الكون فى الأعيان الذى هو التحقيق ، ولذا تكفلوا لإثبات اقتضاء أحد الوجودين للآخر . والحق أن الماهية لاتحتاج فى تحققها إلى الوجود وإنما الماهيات الممكنة تحتاج فى تحققها إلى الموحد .
بدايه الصفحة (248)
ثم إن المراد من زيادة الوجود على ذات الله كونه خارجا عنها فى يلزم منها التركيب فى الماهية والذات كما لايلزم على تقدير كون الوجود عين الذات بل احتمال التركيب على هذا التقدير أزيد ، لأن الذين جعلوا الوجود عين ذات الله زادوا عليه وجودا آخر بمعنى الكون فى الأعيان و إن جعلوا الوجود الثانى عرضا عاما للوجود الأول خارجا عنه لكن خروج الوجود عن ماهية الوجود لا يقبل بالسهولة التى فى خروج الوجود عن ماهية غير الوجود كما فى مذهب المتكلمين.وفى الأصل أن وجود الشئ الذى هو معقول ثان للشئ لا محل لدخوله فى ماهية الشئ التى هى معقولة أولى له فلا محل لتركب الشئ مع وجوده فوجوده خارج عنه البتة إلا إذا كانت ماهيته أيضا من قبيل الوجود كما فى مذهب الفلاسفة
(2) والدافع الثانى إلى هذا المذهب البعيد عن العقل أعنى كون وجود الله عين ذاته بمعنى أن لا يكون له ذات وماهية غير الوجود ، عدم وجدانهم السبيل إلى أن يكون الوجود ضروريا لذات الله ليتحقق له وجوب الوجود ، لو كان وجوده زائدا على ذاته . فإن قالوا إن ذاته علة لوجوده والعلة تقتضى معلولها بالضرورة لزم فرض ذاته متقدمة بالوجود على وجوده لأن مفيد الوجود موجود فى مرتبة الإفادة . واعترض الإمام الرازى على هذا الحكم بأنه بديهى فى إفادة الوجود للغير وغير مسلم فى إفادة الوجود لنفسه ، قائلا : (( لم لا يجوز أن تكون الماهية من حيث هىهى علة لوجودها متقدمة عليه بالذات لا بالوجود كالماهية بالنسبة إلى لوازمها .. فأجاب عنه المحقق الطوسى وارتضاه المحققون على ما ذكره الكلنبوى ، بأن الكلام فيما يكون علة لوجود أمر موجود فى الخارج وبديهة العقل حاكمة بوجوب تقدمها عليه بالوجود مطلقا أى سواء كان علة لوجود غيره أو لوجود نفسه ، وقياس الفاعل على القابل فاسد مع الفارق لأن القا يل لابد أن يلاحظ خاليا عن الوجود لئلا يلزم تحصيل الحاصل والفاعل لابد أن
بداية الصفحة (249)
يلاحظ موجودا حتى يمكنه الإفادة ، وانصاف الماهية بلوازمها إنما هو بحسب العقل . وقد اعترض الملامة التفتازانى فى شرح المقاصد على جواب الطوسى قائلا : (( لا نسلم أن المفيد لوجود نفسه يلزم تقدمه عليه الوجود إذ لا معنى اللإفادة هنا سوى أن تلك الماهية تقتضى لذاتها الوجود ويمتنع تقدمها عليه بالوجود ضرورة امتناع حصول الحاصل كل فى القابل بعينه بخلاف المفيد لوجود الغير فإن بداهة العقل حاكمة بأن مالم يكن موجودا لايكون مبدأ لوجود الغير ومن هنا يستدل بالعالم على وجود الصانع وكذا اعترض عليه الفاضل الكلنبوى قائلا : (( كون الذات فاعلا للوجود فى فى الخارج إنما يصح إذا كان الوجود موجود خارجيا كما ذهب إليه أكثر المتكلمين وأما إذا كان وصفا اعتباريا (1) فلا ، إذا الوجود على هذا يكون معقولا ثانيا عارضا فى العقل فقط ))
ثم قال الكلنبوى (( والجواب أن معنى إفادة الوجود الخارجى جعل المتصف به موجودا خارجيا فلو جعلت الماهية نفسها موجودا خارجيا كانت فاعلة فى الخارج ولزم تقدمها على نفسها بالوجود الخارجى للبداهة المذكورة . وتلخيص الكلام أن ذلك الوصف الاعتبارى إن لم يكن موجودا فى نفس الأمر كان الوجود عين الذات وإلا فلابد له من علة موجودة فى نفس الأمر فإن كان وجود تلك العلة عين الوجود وإلا فلابد له من علة موجودة فى نفس الأمر فإن كان وجود تلك العلة عين الوجود والمعلول لزم الدور و إلا لزم التسلسل وتعدد وجود شئ واحد )). وأنا أقول كون الوجود وصفاً اعتباريا غير موجود فى نفس الأمر إن استلزم
بداية صفحة (250)
كون الوجود عين الذات الذى فسروه بكون ذات الله هى الوجود ، كان الله تعالى وصفاً اعتباريا غير موجود فى نفس الأمر ، والفاضل الكلنبوى إنما نظر إلى أن ما هو وصف اعتبارى غير موجود فى نفس الأمر لا يصلح لأن يكون أمراً زائداً على الذات ولم ينظر إلى أنه أولى بأن لا يصلح أن يكون ذات الله . وصفوة القول أن وجود الشئ لا يكون إلا زائد على نفسه خارجا عن حقيقته ولكونه خارجاعنها وكونه وصفا اعتباريا غير موجود فى الخارج لا يحصل به التركيب وأن المعروف من وجود الشئ أو عدمه كونه فى الأعيان أو عدم كونه فيها . وليس المطلوب من وجوب وجود الله إلا أن يكون وجوده بهذا المعنى مضمونا له غير منفك عنه ، ولا حاجة للحصول على هذا الضمان إلى فرض كون الله نفس الوجود ما دام الفارض مضطرا إلى تفسيره بمعنى غير المعنى المعروف وغير المعنى المطلوب كونه مضمونا له ، و إلى أن يلحق بفرضيته دعاوى لا يمكن إثباتها وان يقع فى ارتبا كان لايستطيع التخلص منها ومن تبعاتها (1) ولا شك أن كون الله موجودا أظهر وأصح من أن
يكون وجودا حتي إن القائلين بكونه وجودا يعودون فيسعون في جعله موجودا مع أن الموجود الخارجي ما يكون الخارج ظرفا لوجودا لا ما يكون الخارج ظرفا لنفسه ولا ما يكون نفس الوجود.. ونحن وإن كما لا نعرف من االله غير وجوده وجوب وجوده وإذاعرّفناه فلا نعرّفه إلا بوجوده ووجوب وجوده،لكنا لا نجعله نفس الوجود ولا نعتبر تعريفه بهما حدا له معربا عن حقيقته بل نعتبره رسما وتعريفا بالخارج عن حقيقته فنقول مثلا هو الموجود الواجب الوجود الذي يحتاج وجود كل شئ إلي وجوده وهو الغني عما سواه، فالفلاسفة يعبرون عنه بالوجود علي أنه حقيقته ونحن نعبر عنه بالوجود لا علي أنه حقيقته. وليس في تعبير الموجود الذي هو الذات والصفة تركيب يخاف منه بناء علي أن الوجود صفة اعتبارية لا وجودلها في الخارج وعل أنه أي الوجود لا يكون جزءا من حقيقة االله و إنما هو لازم له غير مفارق. =
أما وجوب وجود االله فإيضاح كيفية ذك ووضع ضمان له بفرض أن يكون ذات االله هي الوجود لا يتم إلا بفرض ثان هو أن يكون الوجود أيضا هو ذات االله. ومعناه أن الله لا يُضمن له وجوب الوجود إلا بأن يمون عبارة عن الوجود ولايضمن وجوب الوجود للوجود إلا بأن يكون الوجود عبارة عن ذات االله وهذا دور ومصادرة يدلان دلالة واضحة علي أن الوجود لايستحق أن يفرض كونه االله الغني عما سواه ولو استحق الوجود ذلك لضمن بنفسه وجوب الوجود لنفسه ولم يحتج إلي فرض رجعي مقابل وقد أوضحنا ذلك الدور والمصادرة غير مرة وهنا نوضحهما بشكل آخر: فقد كنا نعلم وجوب وجود االله ولا نعلم كيفية ذلك لعدم علمنا بحقيقة االله فأرادوا تفسير هذه الكيفية التي لا نعلمها، بتفسير ذات االله بالوجود الذي نعلمه وقالوا الوجود لا ينفك من الوجود لاستحالة انفكاك الشيء من نفسه، وهذا هو وجوب الوجود. فإذا قيل لهم وجود كل موجود لا ينفك من نفسه أي نفس الوجود وإن جاز انفكاكه من نفس الوجود فيلزم أن يكون كل وجود في كل موجود إلها راجب الوجود وهذا ما لا يرضاه الفلاسفة الوجودية وأنصارهم وإن كان يرضاه الصوفية الوجودية، فإذا قيل لهم ذلك وقالوا في جوابه احتياج وجود سائر الموجودات إلي الموجد الذي هو االله يمنعه من أن يكون واجب الوجود بخلاف الوجود الذي هو االله .. وإذا قيل لهم أيضا الوجود غير موجود أو علي الأقل غير قائم بذاته قيوم لغيره.. فإذا قالوا هذا وذاك في الجواب عن الاعتراضين المذكورين كان هذا منهم استعانة في إثبات أن حقيقة االله الوجود من كون حقيقة االله الوجود فكأن كون حقيقة االله الوجود ثابت قبل أن يثبت وهذا مصادرة.
فإذا لم يتسن الإيضاح لكيفية وجوب وجود االله بفرض كون الله الوجود نفسه مهما أعجب ذلك االفلاسفة وأنصارهم وغرهم حتي أوقعهم في هاوية المصادرة وهم لا يشعرون وغر الصوفية فأوقعهم في هاوية وحدة الوجود، فإما أن نقول في تفسير وجوب وجوده إن ذاته التي لا نعرف حقيقتها تقتضي وجود من غير تعيين نوع الاقتضاء بأنه اقتضاء العلة لمعلولها لئلا يرد ما أوردوا وقد يمكن إرجاع مذهب المتكلمين إليه، أو نكتفي ببنائه علي أدلة وجود االله المعروفة الإنية فنقول معني وجوب وجود االله أن وجوده ضروري لوجود العالم.
لا يقال فيلزم أن لا يكون وجوده ضروريا لولا وجود العالم، لا يقال هكذا بعد أن كان العالم موجودا بالفعل، وإلا لما أثبتت أدلة وجود االله المستنبطة من وجود العالم وجوب وجوده في نفس الأمر ولا قائل به بين المعترفين بتلك الأدلة. فإن قيل أن وجود العالم غير ضروري فيلزم أن يكون وجود االله المبني علي وجود العالم غير ضروري أيضا، قلت إن العالم بعد وجوده فعلا ضروري الوجود لاستحالة عدم كون الموجود موجودا وتسمي هذه الضرورة ضرورة بشرط المحمول. ثم إن المستدلين بوجود العالم علي وجود االله دفعهم إلي هذا الاستدلال استحالة كون العالم الذي لم يكن وجوده ضروريا ولا دليل علي ضرورة وجوده غير وجوده، موجودا من تلقاء نفسه فبحثوا عن موجود آخر ليكون موجد هذا العالم الذي لا مرجح له في نفسه بالنسبة إلي أحد الطرفين من الوجود والعدم، لو لم يكن موجده مرجحا له جانب الوجود، وحكموا بضرورة وجود ذلك الوجود الموجد. ونقطة الانتقال هذه من العالم غير ضروري الوجود إلي موجده الضروري الوجود أول مرحلة يتجمد فيها عقل الملحد الغربي مهما كان سائلا وجائلا لكونه مختوما عليه بالضلالة، يتجمد فيقول بوجود العالم بغير موجد. ويتبع هذا العقل الجامد عقول مقلديه في الشرق من غير أن يفهم كل من العقل المتبوع والتابع ما في هذا القول من التناقض الذي يتضمنه الرجحان بلا مرجح، وفي مقابل هذه العقول الجامدة يقول الفيلسوف إميل سسه عقله الحي: “يمكنني أن أتصور عدم وجود االله والعالم معا ولا يمكنني أن أتصور عدم وجود االله مع وجود العالم".
ثم حكم المستدلون بوجود العالم علي وجود موجده بأن لا يحتاج وجود هذا الموجد إلي موجد آخر كما احتاج العالم، وذلك بأن يكون واجب الوجود لذاته لا ليوجد العالم فقط. إذ لو كان هو أيضا محتاجا إلي وجود موجد قبله وتوالت الحاجة إلي وجود علة موجدة قبلها علة موجدة أخري من غير أن تنتهي في علة أولي غير محتاجة إلي الإيجاد، لزم تسلسل العلل الموجدة وهو باطل. وهذه النقطة أعني بطلان التسلسل هي المرحلة الثانية في الاستدلال بوجود العالم علي وجود االله التي تقف دونها عقول الملاحدة الجامدة
وبعض العقول الشاذة من فلاسفة الموحدين وعلماء الدين مثل ((كانت)) والشيخ محمد عبده كما بيناه في امكنة اخري من هذا الكتاب.ففي وجود االله المستنبط من وجود العالم ضرورتان قاضيتان باستحالة ما يخالفهما: الأولي ضرورة وجود موجد للعالم الممكن الذي لا مرجح له من نفسه بالنسبة الي أحد الجانبين من الوجود والعدم لينقذ هذا الموجد وجود العالم من بطلان الرجحان بلا مرجح. والثانية ضرورة كون هذا الموجد واجبا لذاته مخالفا للعالم في احتياجه إلي الموجد الناشئ من قابليته للوجود والعدم علي السواء وهذه الضرورة مستفادة من بطلان التسلل.
فقد استندنا في تفسير وجوب وجود االله بهذا الشكل إلي الأدلة المعروفة المثبتة لوجود االله بطريق إني، استنادا صريحا، وهذا أولي وأصح وأقوم مما فعله الفلاسفة وأنصارهم الذين لم يرقهم الاستناد في تفسير وجوب وجود االله إلي الأدلة الإنية الموصلة إلي معرفة المؤثر بقدر ما يدل عليه آثاره فحاولوا أن يكشفوا عن حقيقة االله ليتوصلوا به إلي إدراك سر وجوب وجوده بطريق لمي وأدعوا أن حقيقته الوجود، ثم احتاجوا في تمشية دعواهم إلي الاستعانة المختلسة بالطريق الإني الذي ما كانوا يرونه جديرا بأن يبني عليه وجوب وجود االله ، وما أبدع قول من قال:
تاه الأنام بسكرهم فلذاك صاحي القوم عربد
تالله لاموسي الكليم ولا المسيح ولامحمد
كلا ولا جبريل وهو إلي محل القدس يصعد
علموا ولا النفس البسيطة لا ولا العقل المجرد
من كنه ذاتك غير أنك أوحدي الذات سرمد
وإلي هنا ذكرت بعون االله وتوفيقه في نقد المذهبين الوجوديين تعميما وتخصيصا لا سيما في نقد مذهب الفلاسفة الذي ظهر في علم الكلام بمظهر مذهب المحققين بما فيه كفاية. ثم إن مما يخص مذهب الصوفية من النقد أن حديث الخلق الذي ملأ كتاب االله يلزم ان يكون بالنظر إلي هذا المذهب حديث خرافة ، لأن الخلق هو الإيجاد من العدم وهو من أجل أوصاف االله التي تختص به ولا يقدر غيره عليها ، مع أن الخلق و الإيجاد ممتنع في مذهب الصوفية، حتي إن االله الذي خلق السماوات و الأرض والذي هو خالق كل شئ ، لم يخلق أي شئ وما شمت الأعيان الثابتة رائحة الوجود ول ايمكنها أن تشم، بل الخلق والإيجاد مستحيل كخلق إله غير االله لأن الوجود هو االله ولا وجود ولا موجود غيره ، وليس هناك وجودان وجود الواجب الخالق ووجود الممكنات المخلوقات بل الوجود واحد وواجب ، ولذا عبر عن مذهبهم بمذهب وحدة الوجود وهي تستلزم وحدة الموجود ايضا علي انه لاموجود عندهم غير الوجود .
ويجب علينا أن ننبه هنا – وربما نبهنا عليه فيما سبق أيضا – أنهم لا ينكرون وجود العالم المحسوس كما يظنه كثير من الناس وإنممما ينكرون وجود العالم علي أنه وجوده فيدعون أنه وجود االله ولذا أتٌَهموا بالقول بإتحاد االله مع العالم ، ولاحاجة إلي إتهامهم بذلك فإنهم صرحوا في كتبهم بأن العالم عين االله وأستدلوا عليه بالكتاب والسنة كما سيأتي . ومن هذا التنبيه يظهر أن ما أدعاه الكاتب التركي المتصوف إسماعيل فني بك في كتابه (( إضمحلال مذهب الماديين)) من أن الكشفيات العلمية الأخيرة مثل فناء المادة ورجوعها إلي القوة وآراء علماء الغرب الفكريين القائلين بأن وجود الأشياء ليس إلا محصول إدراكنا ولا وجود لها في الحقيقة ، كل ذلك يؤيد مذهب الصوفية ، خطأ منشأه عدم فهم مذهبهم كما هو حقه وإن كان المؤلف نفسه يعيب العلماء الطاعنين في هذا المذهب وأصحابه بعدم فهم مرامهم، لأن اختلاف الصوفي عنا ليس في الاعتراف بوجود الأشياء المحسوسة حتي يحتاج إلي تأييد مذهبه بمذاهب غربية غريبة تنكر حقائق الأشياء وتحملها علي صنع أذهاننا وإنما اختلاف الصوفي عنا في تسمية هذه المحسوسات فنسميها العالم ويسميها االله حتي لا يرضي القول باتحاد العالم مع االله بناء علي أن العالم معدوم عنده واالله موجود وكل موجود محسوس الوجود ومشهوده فهو الله وذلك مقتضي ما تقرر عندهم علميا أن الوجود هو االله وليس منشأ القول بألوهية العالم إلا كونه موجودا. فليس لمذهب وحدة الوجود أي مناسبة بمذهب الفكريين الذين هم من أعقاب السوفسطائية المنكرين لوجود المحسوسات. والذين يحتاجون إلي تفريق مذهب الصوفية الوجودية عن المذهب السوفسطائي لعدم فهم مذهب وحدة الوجود حق الفهم وهم جمهور المؤلفين في الدفاع عن أصحاب هذا المذهب، إنما يتأسون بأن السوفسطائي ينكر وجود االله والعالم معا والصوفي الوجودي لاينكر وجود االله، بل يحصر فيه الوجود كله شاملا لوجود العالم، ومن هذا الحصر يحصل انتفاء العالم. وفيه نظر أيضا إذ بعد أن آنكرت الثنائية بين وجود االله ووجود العالم فالناس أكيس من أن يحكموا في هذه الموجودات بأنها االله بدلا من أن يحكموا فيها بأنها العالم، وليس ببعيد أن يكون مذهب وحدة الوجود نفي وجود االله في صورة نفي وجود العالم أي نفي وجود االله بلطف ولباقة.
ومن العجيب المضحك إدعاء مؤلف "اضمحلال مذهب الماديين" أن في عقيدة وحدة الوجود مزية حث النالس علي التحاب فيما بينهم وإزالة الأحقاد والخصومات فكأنه يقول "كلنا وجود واحد (يعني االله) فما بالنا نتخاصم؟" ولكنه هل لا يرينا التخاصم الواقع علي الأقل أننا لسنا وجودا واحدا ولا موجودا واحدا؟
وأعجب من تصور المزية بهذه الصورة في عقيدة وحدة الوجود وأضل، قول هذا المؤلف ??? بأن التجارب العلمية الأخيرة الكاشفة عن ظاهرات غريبة روحية في جميع نواحي الطبيعة حتي في الخلايا والميكروبات، ألهمت علماء العلوم المثبتة لزوم البحث عن العلة الأولي لهذه الظاهرات لا في بعد كخارج العالم بل في أقرب الأقارب بل في وجود الكائنات نفسها.
فهل هو يحاول الاستدلال من نفوذ علم االله وقدرته وإرادته في ظاهر كل جزء من أجزاء العالم وباطنه، علي حلول ذاته فيه أو اتحاه معه الذين يعاب بهما مذهب وحدة الوجود؟ فكأن االله تعالي لا يقدر علي إنفاذ حكمه في العالم من سماواته وأراضيه إلي ذرات ما فيهما وما بينهما إلا بهذه الصورة الحلولية أو الاتحادية، فكما أنه يلزم لأن يكون الله واجب الوجود علي زعمهم الذي قلدوا فيه الفلاسفة أن يكون الوجود نفسه فكذلك يلزم في زعمهم لإدارة العالم بهذه الهيمنة المحيرة للعقول أن يكون نفس العالم واالله متعال عن كل ذلك.
هذا وإني معترف بأن كتاب "اضمحلال مذهب الماديين" كتاب جليل يكافح مؤلفه شكر االله سعيه، اللادينية العصرية بشواهد قيمة من كلام الغربيين وقلب ملآن بالإيمان والغيرة علي الإسلام .. ولا عيب فيه وفي كتابه غير نزعته الصوفية الوجودية ومع ذلك فالمؤلف نفسه يعارف بأن كثيرا من أدعياء التصوف روجوا الزندقة بواسطة فكرة الوحدة الوجودية واتخذوها جنة لرفع التكاليف الشرعية عن أنفسهم. لكن الحق أن هذه الحالة السيئة ليست نتيجة لفساد نوايا أولئك الأدعياء أو لسوء تلقيهم المذهب فحسب بل نتيجة طبيعية أيضا لهذا المذهب، وقد صرح في "الفصوص" كثير من نتائجه الفاسدة المضلة فهل الشيخ الأكبر من الزنادقة الذين أساءوا تلقي المذهب؟ ومافي كتابه من الأقوال الطائشة يكفي لإخراج قائلها من حظيرة الإسلام بل إخراجه من زمرة أولياء االله الذين يتعزي مؤلف "اضمحلال مذهب الماديين" بنسبة هذا المذهب إليهم. فإن كان المؤلف يدعي أن أقوال الشيخ الأكبر الطائشة مؤولة فليؤول أقوال هؤلاء الزنادقة الأدعياء أيضا وأفعالهم ولا يشكهم كما لايشكوا أقوال الشيخ، ومن يدري أنهم ليسوا بأولياء عارفين مثله لا يضرهم أن يستبيحوا الحرمات ويخرجوا علي تكاليف الشرع الإسلامي كما لا يضر منزلة الشيخ عند االله وعند الناس قوله:
العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف؟
نعود إلي ما كنا فيه: وللصوفية الوجودية مع عقيدة عدم وجود شيء غير االله الناشئة من كون وجود كل شيء وجود االله بل االله نفسه والمبنية عل فلسفة الوجود التي أتينا في هذا الكتاب بنيانها من القواعد، عدا ما يترتب علي هذه العقيدة من المفاسد التي منها لزوم كون االله لم يخلق شيئا ولا في الإمكان أن يخلقه، عقائد أخري تناقضها في حين أنهم يذكرونها بصدد تأييد عقيدتهم الأولي، فكأنهم لا يدرون أنها تناقضها زيادة علي كونهم لا يدرون أن العقائد الثانية في نفسها لا تتفق مع شأن الألوهية كالعقيدة الأولي.
فمنها أنهم يدعون أن العالم بجميع أجزاء أعراض قائمة بالله، يدعون هذا بصدد نفي وجود العالم ولا يدرون أن العرض قسم من الموجودات ولايدرون أن االله تعالي لا يجوز أن يكون حالا في محل ولا محلا لحال ولا يقوم بذاته حادث.
ومنها أنهم يدعون كون العالم ينعدم في كل آن ثم يوجد،، فبقاء الجواهر عندهم كالأعراض بتجدد الأمثال، ولهذا يقولون إن الشيخ الأشعري أصاب في قوله بأن العرض زمانين وأخطأ في تخصيص هذا الحكم بالعرض. قال في الفصوص في أواخر فص شعيب:
“وما أحسن ما قال االله في حق العالم وتبدله مع الأنفاس في خلق جديد في عين واحدة فقال في حق طائفة بل في حق أكثر العالم "بل هم في لبس من خلق جديد" لا يعرفون تجديد الأمر مع الأنفاس لكن قد عثرت عليه الأشاعرة في بعض الموجودات وهي الأعراض وعثرت عليه الحسبانية في العالم كله وجهلهم أهل النظر بأجمعهم ولكم أخطأ الفريقان. أما إخطاء الحسبانية فبكونهم ما عثروا مع قولهم بالتبدلفي العالم بأسره علي أحدية الجوهر المعقول الذي قبل هذه الصورة ولا يوجد إلا بها كما لا تعقل إلا به فلو قالوا بذلك فازوا بدرجة تحقيق الأمر. وأما الأشاعرة فما علموا أن العالم كله مجموع أعراض فهو يتبدل في في كل زمان إذ العرض لا يبقي زمانين"
وأنا أقول قول صاحب الفصوص و جميع الطائفة الصوفية الوجودية بالتبدل في العالم بأسره في كل آن بأن ينعدم ثم يُخلق من جديد ثم ينعدم ثم يخلق ، ليس لأن الآية القرآنية المذكورة تقتضيه إذ الآية وما قبلها من الآيات المتسلسلة منذ أول سورة (ق) كلها في حق البعث بعد الموت تكافح منكريه ، بل فكرة الخلق الجديد علي ما فهم منه صاحب الفصوص وأتباعه الوجوديون ابتدءوها لتأييد ما يتفرع علي مذهب وحدة الوجود و الموجود من نفي وجود العالم محاولين فهمه و استخراجه من الأية ، لكن غاب عنهم أن في فكرة الخلق الجديد للعالم الذي يعقبه عدمه ثم إيجاده ثم عدمه

ثم إيجاده وهلم جرا، اعترافا بوجود العالم ولو بين فترات إعدامه واعترافا أيضا بالخلق المتحدد في كل آن مع أن كلا منهما ينافي عقيدة وحدة الوجود النافية لوجود العالم والسالبة لإمكان خلق موجود إذ لا موجود إلا االله واالله لا يُخلَق.. حتي إن تلك العقيدة تنافي الخلق الأول قبل جديده.
فنقول للصوفية الوجودية القائلينبوحدة الوجود والقائليم في الوقت نفسه بتجدد الخلق في كل آن إما زعما منهم أن المتكلمين غير القائلين بتجدد الخلق لا يرون احتياج المخلوق حال بقائه إلي الخالق فهم يدعون تجدد الخلق تثبيتا لدوام احتياج المخلوق إلي خالقه .. نقول لهم:
إنكم تدعون عدم وجود الكائنات معتبرين وجودها وجود االله لا وجودها نفسها ثم تنسون دعواكم هذه فتناقشوننا في بقاء الموجودات في زمانين مع أن وجود الموجودات لما كان عبارة عن وجود االله فلا حرج في بقاء الوجود بهذا الوجود أبد الآبدين بل لا إمكان لعدمه المتخلل بين الوجودين كما لا إمكان لعدم االله، فالعالم الذي يمثل وجوده وجود االله عندكم لا يمكن خلقه من جديد ولا إعدامه المعقب لخلقه. ولا حاجة عندنا إلي إيجادات جديدة ولا مانع من بقاء ما أوجده االله في مدة قدر له البقاء فيها عند إيجاده. فوجوده مستند إلي إيجاد االله وبقاؤه مستند إلي إبقائه وهو محتاج إلي االله في الابتداء والبقاء.. وليس مذهبنا ومذهب المتكلمين أنه محتاج إلي االله في الابتداء مستغن عنه في البقاء حتي يكون قولكم بتجدد الخلق إصلاح النقص الواقع في مذهب المتكلمين .
ـــــــــــــــــ ص 261ــــــــــــــــــــــ
ونحن نسائل الصوفية القائلين بتجدد الخلق فى كل آن على كل مخلوق : مالدافع إلى القول بتوالى الإيجاد والإعدام على موجود واحد فى حالة بقائه ؟ وبماذا يحصل عدمه عقب وجود أبتأثيره من الله أم ينعدم هو بنفسه فيخلقه الله مرة ثانية فينعدم مرة ثانية فيخلقه ثالثة فينعدم وهكذا دواليك؟ ولا وجه للاحتمال الأول لأن الله يريد وجوده لمدة معينة بدليل أنه يخلقه مرة ثانية وثالثة فيكون عدمه فى خلال تلك المدة خلاف مراد الله. ولا محل لأن يكون إعدامه تحقيقا لمذهب وحدة الوجود المتضمن لدعوى عدم وجود موجود غير الله ، لما ذكرنا . فتعين أن تكون أعدامه المتخللة بين وجوداته من نفسه فيلزم استغناء الممكن عن الله فى بعض حالاته التى يتحول إليها وهو حالة عدمه بعد وجوده، فما كانوا يرمون به المتكلمين يترتب عليهم . وفضلا عن هذا فكأن الله تعالى لا يقدر على أن يجعل لمخلوقه وجوداً يستمر إلى أجل مسمى إلا بتجديد خلقه وأوجده على أن يستمر وجوده ماشاء له ذلكك كما قال تعالى "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا " فيكون وجوده واستمرار وجوده كلاهما مستنداً إلى الله من غير حاجة إلى استئناف خلقه ثم إعدامه ثم خلقه.
ومن السخافة بمكان قول الصدر الشيرازى فى " الأسفار " بهذا الخلق المتجدد مع كونه لم يترك تشنيعا بذيئا إلا أمطره على المتكلمين لقولهم بإمكان إعادة المعدوم بعينه فى مسألة البعث بعد الموت (1) وقد غاب عنه أن فى الخلق الجديد الذى قال به الصوفية فى الدنيا إعادةً لمعدوم بعينه بل إعادات (2).
------------ هامش ص 261-------------
(1) انظر ص 88
(2) وليس لصاحب الأسفار أن يقول عن تجديد الخلق فى الدنيا إنه ليس إعادة المعدوم بعينة وإنما تجديد الأمثال كما قال الأشعرى فى بقاء العرض إنه يتجدد الأمثال، إذ يلزم على هذا أن لا يكون أى شخص معين من أفراد الإنسان فى كل زمان عين الشخص الذى كان موجودا قبله بآنين ثم أعدم فى الآن الثانى وخلق مثله فى الآن الثالث .
انتهى الهامش
ـــــــــــــــ 262ــــــــــــــــــــ
وليس بمسلم كون العالم بجميع اجزائه اعراضا ولا استنتاجه من تجدد خلقه لإمكان تجدده من غير أن يكون عرضا كما أنه لا يسلَّم استخراج هذا التجديد من الآية . بل لا يسلم أيضا صحة قول الأشاعرة بعدم بقاء العرض زمانين بيله أن يصح قول الحسباني بعدم البقاء الكل ، وللأشاعرة مرمى خاص فى قولهم ذاك لا يقاس على مرمى قول الحسبانين المنكرين لوجود الخالق والمخلوق والوجود بين المنكرين لوجود المخلوق وقدرة الخالق على إيجاده أو إبقائه زمانين .
ثم إن قول صاحب القصوص فى آية الخلق الجديد يشبه قوله فى مسألة عرش بلقيس الذى أتى به سيدَنا سليمانَ من عنده علم من الكتاب قبل أن يرتد إليه طرفه ، فادعى الشيخ عدم إمكان الإتيان به بهذا الحد من السرعة بناء على أن الحركة التى هى كون الشئ فى آنين فى مكانين تحتاج على الأقل إلى آنين . ثم ذهب إلى أن الله تعالى أعدم العرش فى محله وخلقه عند سليمان من جديد على قاعدة الخلق الجديد ولم يتذكر الشيخ أو لم يبال أن إعدام العرش الأول وخلق الثانى لا يتفقان مع نص القرآن على الإتيان به كما أنه لم يدر أن مدة ارتداد طرف الناظر إليه تسع أكثر من آن واحد . وقد كان العفريت وعد الإتيان به قبل أن يقوم سليمان من مقامه أى مجلسه للحكومة وكان يجلس إلى نصف النهار ولا شك أن الميعاد المحدود بمدة ارتداد طرفه أسرع لكن لا لحد ماقال الشيخ واستحال .
وانظر ماقاله فى قص صالح :"إن التكوين للشئ نفسِه لا للحق والذى للحق فيه أمره خاصة ولذا أخبر عن نفسه فى قوله " إنما أمر لشئ إذا أرادناه أن نقول له كن فيكون " فنسب التكوين لنفس الشئ وهو الصادق فى قوله ، وهذا هو المعقول فى نفس الأمر كما يقول الأمير الذى يُخاف فلا يُعصى ، لعبده : قم فيقوم العبد امتثالا لأمر سيده فليس للسيد فى قيام هذا العبد سوى أمره له بالقيام والقيام من فعل العبد لا من فعل السيد" فمكوّن الكائنات عند صاحب القصوص نفُسها فهو نظر إلى ظاهر
ــــــــــــــــــ ص 263ــــــــــــــــــــ
النص وغفل أسلوب البلاغة الممثلة لسرعة تأتِّى المقدورات وسهولته حسب تعلق مشيئته تعالى بها فكأنها إذا أراد الله تكوين شئ منها يأمره فيكون من تلقاء نفسه من غير تكوين . وعلى كل حال فالمكوِّن هو الله ، وأما تكوين الشئ نفسَه فهو محال مستلزم لكون ذلك الشئ موجودا ً قبل وجوده ليوجِد نفسَه فإذن ليس هناك أمر ولا مأمور ولا تكوين المأمور نفسَه كما زعم الشيخ وإنما كل ذلك مجاز وتمثيل لسرعة نفوذ إرادة الله وسهولته ، حتى إن الأمر أسرع مما وقع التمثيل به وأسهل على الله وإنما فى المثال تفهيم تلك السرعة والسهولة للمخاطبين وتقريبهما من عقولهم . وقرينة المجاز هى الاستحالة التى ذكرنا. لكن الشيخ لكونه مولعا بتحريف معانى كلام الله ورسوله يرى المحال ممكنا والممكن محالا . ومثال الثانى ما سبق من قوله باستحالة إتيان عرش بلقيس قبل أن يرتد إلى سليمان عليه السلام طرفُه.
والتوسع فى تفسير معانى القرآن إلى حد التلاعب به شنشنة متبعة لصاحب القصوص وغيره من أصحاب المذاهب الوجودى ، وما ذهبوا إليه فى آية الخلق الجديد وأية الإتيان بعرش بلقيس أقل ما حولوا فيه التفسير إلى التغير ، وهناك ماهو أشد منهما وأفسد ، حتى أن هذا الحال أعنى ما رأيته من أن الصوفية الوجودية وأنصارهم يحرّفون معانى كلام ورسوله فى سبيل تأييد مذهبهم تحريفا جليا ، كان أولَ منبه إلى ّ على بطلان مذهبهم كما رأيتت أن مثل هذه التحريفات لا يصدر إلا من المضل المتعمد او الجاهل السئ الفهم ، فإن كانوا ينسبون تلك المعانى المحرفة إلى باطن الكتاب أو السنة فهى أحق عندى باسم الباطل .
فمن ذلك التحريف الفاحش أنهم يجعلون "رسلُ الله" فى قوله تعالى "وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته"مبتدأ و"الله " الثانىَ خبرهَ بناء على أساس وحدة الوجود الموجب لكون كل موجودٍ الله فيكون رسل الله أيضا الله !!
ــــــــــــــــــ ص 264ــــــــــــــ
وغير ممكن أن لا يعلموا أن جعل " رسلُ الله اللهُ" جملةً مؤلفة من المبتدأ والخبر يجحف بانتظام معنى الآية ويترك ماقبل تلك الجملة أعنى فعل وما بعدها أعنى لفظ " أعلم " مقطوعين عن رابطتهما الإعرابية وكذا رابطة هذه الجملة المفتعّلة نفسها فليعتبر من أصرَّ على حسن الظن بالصوفية الوجودية ولينظر مبلغ استهتارهم فى تأويل كلام الله ليحصلوا على شهادة القرآن بتأليه رسل الله لا لأنهم رسل الله بل لأن ذلك مقتضى عقيدة وحدة الوجود المتولدة من فرض أن حقيقة الله الوجود .. تلك العقيدة القائلة بتأليه كل موجود لا تأليه رسل الله فحسب .
ومن ذلك التحريف أيضا أنهم يتمسكون بقراءة رفع " الكل " الشاذة فى قوله تعالى " إنا كل شئ خلقناه بقدر " فيجعلونه خبرَ "إنا " فيكون الله المعبر عنه بضمير الجمع المتكلم ، كل شئ ، تعالى الله عما يزعمون مع أن المعنى فى قراءة الرفع كالمعنى فى قراءة النصب بناء على أن "كل شئ" مبتدأ وما بعده خبر والجملة خبر "إنا ".
وقراءة نصب "كل " مع كونه أصبح من قراءة الرفع تفسّر قراءة الرفع فتمنعها عن الاحتمال البعيد الذى يحملون الآية عليه فى حين أن قراءة الرفع لا يمكنها أن تفسر قراءةَ النصب التى هى نص فى معناها من غير احتمال لمعنى آخر ظاهر أو غير ظاهر . لكن من أراد أن يتلاعب بلفظ القرآن ومعناه لا يزعه وازع لفظى أو معنوى .
ومن ذلك التحريف أنهم يستدلون بقوله تعالى "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " وبقوله "إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " على أن النبى صلى الله عليه وسلم ليس غير الله .
ومن ذلك أنهم يستدلون بحديث " ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله على أن الناس لسوا غير الله.
وبالكلمة المشهورة التى يسقونها مساق الحديث النبوى وهى " من عرف نفسه فقد عرف ربه " على أن نفس كل أحد الله .
ــــــــــــــــــــــــ ص 265ــــــــــــــــــــــ
وبقوله تعالى " وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى (1) وأهل المغفرة" على أن المتقين والعافين عن الناس هم الله .
وبقوله تعالى " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " على أن كل ما بُعبد ويُظن غيرَ الله فهو الله لأن الله تعالى قضى أن لا تعبدوا إلا إياه وقضاء الله لا مرد له فلا يعبُد عابد إلا إياه ولو عبد غيره فى زعم زاعم . فهم يحملون "لا" فى "أن لا تعبدوا" على لا النافية أو يحملون النهى على مقابل الأمر التكوينى بقرينة " قضى ربك" أى حكم ربك(2).
ويقولون فى حديث "أتعجبون من غيرة سعد لأَنا أغير من سعد والله أغير منى ومن أجل غيرة الله حرَّم الفواحش ماظهر منها ومابطن ": " فلما حرم الفواحش أى منع أن تُعرف حقيقة ما ذكرنا وهى أنه ]أى الله [ عين الأشياء ، سترها بالغيرة وهو أنت لأنها من الغير فالغير يقول السمع سمع زيد والعارف يقول السمع عين الحق وهكذا مابقى من القوى والأعضاء (3) فما كل أحد عرف الحق فتفاضل الناس وتميزت المراتب " كذا فى قص هود من القصوص . ويقول الشارح القاشانى فى قوله "وهو أنت" يعنى أنانيتك إذا اعتبرتها إذ لو لم تعتبرها ونظرت إليها بعين الفناء كنت من أهل الحِمى فلا غيرة ولا تحريم ".
وفى قص عيسى من القصوص "قال تعالى " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو
ــــــــــــــ هامش 265ــــــــــــــ
(1) أى أهل لأن يتقى ويخاف فالتقوى على مع نى المصدر المبنى للمفعول .
(2) وكنت قلت فى أحد كتبى المؤلفة باللغة التركية قبل ثلاثين عاما تقريبا إن حمل القضاء فى الآية على معنى الحكم كما ذهب إليه الصوفية الوجودية يأباه على الأقل عطف قوله " وبالوالدين إحسانا" على المقضى فيكون الإحسان بهما أيضا مقضيا ويلزم أن لا يوجد فى الدنيا ولد عاق لوالديه وهو خلاف الواقع ، ولهذا قال المفسرون "وقضى ربك" أى أمر أمرا مبرما .
(3) إشارة إلى حديث "... كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به الخ".
انتهى الهامش
ــــــــــــــــــ ص 266ــــــــــــــــ
المسيح بن م ريم " فجمعوا بين الكفر ولاخطأ فى تمام الكلام لا بقولهم وهو الله ولا بقولهم ابن مريم " وقال الشارح القاشانى :"لأنهم لم يكفروا بحمل هو على الله لأن اله هو ولا يحمل الله عليه فيقولوا هو الله ولا بقولهم ابن مريم لأنه ابن مريم ، بل بحصر الحق فى هوية المسيح ابن مريم وتوهموا حلوله فيه والله ليس بمحصور فى شئ بل هو المسيح وهو العالم كله".
وقال فى قص هود:"إن للحق نِسباً كثيرة ووجوها مختلفة ] بعضها ظاهر فى العموم وبعضها خفى لا يظهر إلا لمن نوّر الله قلبه[(1) ألا ترى عاداً قوم َهود عليه السلام كيف قالوا " هذا عارض ممطرنا " فظنوا خيرا ً بالله وهو عند ظن عبده به فأضرب لهم الحق عن هذا القول فأخبرهم بما هو أتم وأعلى مما تخيلوه فى القرب فإنه إذا أمطرهم فذلك حظ الأرض وسقى الحبة فما يصلون إلى نتيجة ذلك المطر إلا عن بعد فقال " بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم " فجعل الربح إشارة إلى ما فيها من الراحة لهم فإن بهذه يريح أرواحهم من هذه الهياكل المظلمة وفى هذه الريح عذاب أى أمر يستعذبونه إذا ذاقوه إلا أنه يوجعهم لفرقة المألوفات الخ".
وقال فى قوله تعالى حكاية عن قوم نوح عليه السلام " ولا تذرُونَّ ودا ولا سواعا ولا يغوث ولا يعوق ونسر ":" فإنهم جهلوا من الحق بقدر ماتركوا من هؤلاء فإن للحق فى كل معبود وجها يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله".
ونقل صاحب " العلم الشامخ " ص 438 وقول الشيخ الأكبر فى الباب الثالث والأربعين من الفتوحات بعد كلام فى ذكر أهل النار: " وقد حقت الكلمة أنهم عُمّار تلك الدار فيجعل الحكم للرحمة التى وسعت كل شئ فأعطاهم فى جهنم نعيم المقرور والمحرور لأن نعيم المقرور بوجود النار ونعيم المحرور بوجود الزمهرير وتبقى جهنم
--------- هامش ص 266--------------
(1) مابين القوسين زيادة من شرح البالى على القصوص .
انتهى الهامش
ـــــــــــــــــ ص 267ــــــــــــــ
على صورتها ذات حر وزمهرير ويبقى أهلها متنعمين بحرورها وزمهريرها ولهذا أهل جهنم لا يتزاورون غلا كل طبقة فى طبقتهم فيتزاور المحرورون بعضهم فى بعض والمقرورون بعضهم فى بعض لا يزور محرور مقرورا ولا مقرور محرورا وأهل الجنة يتاورون كلهم لأنهم على صفة واحدة فى قبول النعيم لأنهم كانوا هنا أعنى فى دار التكليف أهل توحيد لم يشركو وأهل النار ما لم يكن لهم صفة التوحيد وكانوا أهل شرك فلهذا لم يكن صفة أحدية تعمهم فى النعيم مطلقا من غير تقيد فهم فى جهنم فريقان وأهل الجنة فريق واحد فينفرد كل شريك بطائفة وهم أهل الثنوية ماثم غيرها وهم أهل النار والذين هم أهلها وأما أهل التثليث فيرجى لهم التخلص لما فى التثليث من الفردية لأن الفرد من نعوت الواحد فهم موحدون توحيد تركيب فيرجى أن تعمهم الرحمة المركبة ول ولهذا سُموا كفارا لأنهم ستروا بالثانى بالثالث فصار الثانى بين الواحد والثالث كالبرزخ فربما لحق أهلالتثليث بالموحدين فى حضرة الفردانية لا فى حضرة الوحدانىة وهذا رأينا فى الكشف المعنوى لم نقدر أن نميز بين الموحدين وأهل التثليث إلا بحضرة الفردانية فإنى رأيت لهم ظلالا فى الوحدانية ورأيت أعيانهم فى الفردانية ورأيت أعيان الموحدين فى الفردانية والوحدانية فعلمت الفرق بين الطائفتين . وأما مازاد على التثليث فكلهم ناجون بحمد الله من جهننم ونعيمهم فى الجنة يتبوأون فيها حيث يشاؤن كما كانوا فى الدنيا ينزلون من حضرات الأسماء الإلهية حيث يشاؤن " قال الناقل " ويعنى بما زاد على التثليث من هم القائلون بمقالته بالهية كل موجود فهذا نص مقدمَِّ القافلة إن كان إيمانك وعقلك صحيحا ".
وأنا أقول إذا كان الزائدون على ال ت ثليث المؤلهون لكل شئ أفضل َ الفرق و أعرفها بحقيقة الأمر على رأى مقدم القافلة الصوفية الوجودية فيلزم أن يكون الأفضل بعدهم أهل التثليث وبعدهم أصحاب الثنوية حتى يكون أهل التوحيد أدون الفرق كلها لا بتعادهم
ــــــــــــــــــــ ص 268ــــــــــــــــــــــ
أكثر من غيرهم عن الحقيقة التى هى تأليه الكل وهذا اللازم يناقض ماذكره الشيخ فى الترتيب المنقول عنه آنفا من تفضيل الموحدين على أهل الثنوية والتثليث .
هكذا يمكن الاعتراض على الترتيب المذكور لِلفِرَق كما يمكن الجواب عنه بأن الموحد ومؤلِّه الكل لا يتباعدان بعضهما عن بعض فى إصابة الحق على مذهب وحدة الوجود ولذا قالوا :
ومالوجه إلا واحد غير أنه إذا أنت عدَّدت المرايا تعددا
ثم يمكنك تمثيل كون الله متعددا بعدُ الموجودات وواحدا من حيث ان الظاهر فى كل من تلك الموجودات موجود واحد وهو الله أى الوجود فهو واحد ومتعدد معا ،كما يكون الله ثلاثة وواحدا معا فى النصرانية المحدثة بعد سيدنا المسيح إلا أن أكثر الموحدين لما كانوا من غير القائلين بالوحدانية والتعدد معا بعدد الوجودات أى غير العارفين بحقيقة الأمر فضَّل الشيخ مؤِّلة الكل على الواحد.
أما حديث (لايزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى التى يسعى بها ) القدسى الوارد على أسلوب المبالغة البلاغية ،فمن أكبر حجج الصوفية الوجوديين التى يعتمدون عليها فى مذهبهم لكن غاب عنهم أن وحدة الوجود تقتضى أن يكون الله عين كل شئ (1) من غير أن يمتاز فى ذلك العابد المتنفل على المقصر المتكاسل ولا الذى يحبه الله تعالى على الذى يبغضه فتخصيص المتنقل وأعضائه بالتأليه يكون كفراً كما قال الشيخ الأكبر فى كفر المسيحين القائلين بحصر الألوهية فىا لمسيح ابن مريم.
وقولهم فى قوله تعالى " ليس كمثله شئ" غاية فىالتحريف المضاد للمعنى المراد،
--------- هامش ص 268ـ--------
(1) كما يظهر من النقلين الآنفين عن القصوص
انتهى الهامش
ـــــــــــــ ص 269ــــــــــــــــــ
لأنهم قالوا إن لم تكن الكاف زائدة فنفى مثل المثل إثبات للمثل (1) وإن كانت زائدة والمعنى ليس مثله شئ لأن كل شئ عينه ولا مثل له ففيه إثبات العينية بنفى المثل (2) مع أن إثبات عينية الله لكل شئ أشنع من أن يكون كل شئ مثله بل إثبات المثل الواحدد له الذى يناقضه السلب الكلى المنصوص عليه فى الآية . فالمعنى الذى يرهقون نظم القرآن عليه لا يقف فى حد أن يكون نقيض ماسيق له بل يتخطى إلى ماوراء ه بدرجتين .
وكذا قولهم فى قوله تعالى " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله":"أثبت تعالى . الافتقار إليه لا إلى غيره " كذا فى " الموقف "(3) ص 227 الجزء ة الأول .
وأنى أعترض عليهم بأنهم نسوا كون المفتِقر أيضا فى مذهبهم المبنى على وحدة الوجود عينَ الله ولو لم يكن هذا المذهب لما اجترأ أى عاقل على استخراج المعنى الذى استخرجوه من الآية . وعند الاعتراف بالمذهب لا وجه لتخصيص المفتقَر إليهم بأن يكونوا الله ولا معنى إذا لقوله أنتم الفقراء إلى الله فمن هم الفقراء ومن هو المفتقَر إليه؟
ويضاهيه قولهم فى "إياك نعبد وإياك نستعين ": خبر بمعنى الأمر فهو تعليم
--------- اهامش ص 269----------
(1) فى قص نوح :"قال تعالى ليس كمثله شئ فشبه وثنى " وقال شارحه القاشانى على أن الكاف غير زائدة :" فنفى مثل واثبت المثل "
(2) وفى قص هود :"وإن أخذنا ليس كمثله شئ على نفى المثل تحققنا بالمفهوم وبالأخبار الصحيح أن الحق عين الأشياء
(3) كتاب فى التصوف الوجودى للأمير عبد القادر الجزائرى غير الكتاب الجليل المعروف فى علم الكلام المسمى بهذا الاسم للقاضى عضد الدين الإيجى .
انتهى الهامش
ــــــــــــــ ص 270ـــــــــــــ
بهذا الدعاء " ثم قالوا :"التذليل والخضوع والانقياد لشئ ليس هو الحق فى شهود الخاضع المتذلل شركٌ فالعارف لا يكون خضوعه وتذلله وانقياده إلا لذلك الوجه الظاهر المتعين كما قال " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين" بمعنى توحيد الطاعة وتخليص الانقياد لا يكون إلا بهذا الشهود فإنه لابد لكل مخلوق من الخضوع والانقياد لمخلوف فعلَّمنا الله تعالى الخلاص من الشرك وبمثل ماتقدم أمرنا بالاستعانة فنشهد الحق فى كل شئ فنستعين به فى الأسباب والوسائط فإذا رحم الله المفتقِر إلى غيره والخاضع لغيره والمستعين بغيره علّمه بمعرفته وشهود وجهه فى كل شئ فخلصه من الشرك فكان لا يعبد إلا الله ولا يستعين إلا به" ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " ص 358 من الجزء الأول من الكتاب المذكور .
فانظررحمك الله أيها القارىء كيف يقلبون معانى كلام الله والامتثال لتعالميه إلى ما يضادهما فالله تعالى يطلب من عباده أن يكونوا أصحاب النفوس الأبية فلا يقبلوا الافتقار إلى الله ويعلموا أن الحاجة إلى غيره من قبيل حاجة الفقير إلى الفقير لا يغنى عنه شيئا ويطلب منهم أن يمونوا عباده المخلصين فلا يتذللوا لغيره ولا يستعينوا بغيره أليس الله بكاف عبده . إلا أن التعالى إلى هذه المرتبة أعنى مرتبة العبودية الخالصة لله لا يتيسر لكل أحد، فلما رآه السادة أصحاب مذهب الوحدة الوجودية تلك الصعوبة انكشف لهم طريق التسهيل على الناس فأباحوا لهم الافتقار إلى كل أحد والتذلل لكل أحد والاستعانة بكل أحد غير الله بشرط أن يتعلموا أن ذلك الغير الذى يظنه غير العارفين كذلك هو الله فى صورة زيد وعمرو فينجوا بفضل هذا العلم من الشرك ، فإن قلت لهم هذا هو الشرك بعينه أجابوا بأن الشريك لا يكون عين الشريك ونحن نقول بالعينية فما أعلمهم بالحيل وما أحذقهم قاتلهم الله .
وقالوا فى قوله تعالى "إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب ":"إنما اختص الذكر
الصفحه مئتان وواحد وسبعون
لمن كان له قلب لتقلبة في أنواع الصور والصفات فيعلم أن الحق هو المتجلي في كل صورة و يعبدة فيها فيدرك الأمر علي ما هو عليه ولا يحصره في وصف دون وصف ولم يقل الحق لمن كان له عقل فإن العقل قيد فيحصر الأمر في نعت واحد والحقيقة تأبي الحصر في نفس الأمر فلا يعلم ذوو العقول الأمر علي ما هو في نفس الأمر فليس القرآن ذكري لمن كان له عقل فإن القرآن أنزل لبيان ما هو الأمر علية في نفسه والعقل لا يوصل إليه بنظره الفكري وهم أي من كان لهم عقل أصحاب الاعتقادات الخاصة الذين يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا لحصرهم الحق في صوره اعتقادهم الخاص ونفيهم عن غيره من الاعتقادات فلا منازعة عند أصحاب القلوب وإنما النزاع والمخالفه بين اصحاب الاعتقادات كذا في فص شعيب من الفصوص و شرحه البالي وخلاصته مدح القلب وأصحابه وذم العقل وذويه فكأن الله تعالي لم يقل في كتابه (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون )ولا (إن في ذلك لآيات لأولي الألباب)ولا واتقون يا أولي الألباب )ولا(إن قي ذلك لآيات لأولي النهي )ولا(وما يعقلها إلا العالمون)ولا(وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا قي أصحاب السعير )وذنب العقل المسكين عند هؤلاء المجانين الموجب لذمه أنه يقف في عقيده أي إعتقاد إله واحد ولا يتقلب في آلهه غير محصوره وبعد كل هذا فالقلب في الآيه بمعني العقل ففي مختار الصحاح القلب الفؤاد وقد يعبر به عن العقل قال الفراء في قوله تعالي (إن في ذلك لذكري لمن كان له قلب )أي عقل وهذا لأن عرف القرآن والإسلام لا يفرق بين العقل والقلب قال الله تعالي (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يفقهون بها الآيه)ولا شك أن الفقه والفهم فعل العقل وإنما التفريق بين العقل والقلب وتفضيل القلب علي العقل هو الأسلوب المسيحي كما سبق
الصفحه مئتان واثنان وسبعون
تفصيله في مقدمه الكتاب ومقدمه الباب الأول منه فصاحب الفصوص القائل : (ولم يقل لمن كان له عقل ) يميل بالإسلام إلي هذا الأسلوب وهنا ونحن بصدد إيراد أمثله لتحريفهم لمعاني آيات الذكر الحكيم يحسن بنا أن نعيد ما نقلناه سابقا من فص هود من الفصوص مع ما علقنا عليه أعني قوله ( فهو عين الوجود فهو علي كل شئ حفيظ بذاته فلا يؤوده حفظ شئ فحفظه تعالي للأشياء كلها حفظه لصورته أن يكون الشئ علي غير صورته فهو الشاهد المشهود والمشهود من المشهود وهو روح العالم المدبر وةو الإنسان الكبير :
فهو الكون كله وهو الواحد الذي
قام كوني بكونه فلذا قلت يغتذي
فوجودي غذاؤه وبه نحن نحتذي
وقال الشارح عبد الغني النابلسي : ( فهو كل الأرواح وهو كل النفوس وهو كل الأجسام وهو كل الأحوال والمعاني وهو المتنزه عن جميع ذلك إذ لا وجود إلا وجوده ) فانظر كيف يفسر تنزهه عن جميع ما عداه بنفي وجود ما عداه وجعل كل شئ عينه وقال الشارح البالي في شرح قوله (فلا يؤوده حفظ شئ) إذ عين الشئ لا يثقل حفظه علي ذلك الشئ) وقال الشارح الفاشاني في شرح قوله فحفظه للأشياء كلها حفظه لصورته أن يكون الشئ علي غير صورته ) لأنه لو لم يحفظ صورته من أن يكون شئ غيره لكان له مثل في الشيئيه والوجود ولزم الشرك ) وقال الشارح عبد الغني النابلسي :( فكل الصور له ولا صوره له لإنه إذا كان عين صوره لم يكن عين صوره أخري فينزه عن الصورة الأخري و إذا كان عين الصورة الأخري أيضا لم يكن عين الصورة الأولي فهو عين الصور كلها وهو متنزه عن الصور كلها ) يعني أن كل الصور له ولا صورة له متعينة
الصفحه مئتان وثلاثه وسبعون
وقال الشيخ في فص هود : (فقل في الكون ما شئت إن شئت قلت هو الخلق وإن شئت قلت هو الحق وإن شئت قلت هو الحق الخلق و إن شئت قلت لا حق من كل وجه ولا خلق من كل وجه وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك) وإني أنصح لأخواني المسلمين المتصوفين تجاه هذه التلاعبات بالحق (1) وعقول الخلق أن لا يشغلوا بالهم بالأفكار التي تسوق الإنسان إلي الشك في البديهيات وفي كل شئ حتي في وجوده ووجود الكون مغايرا لوجود الله وتخلط الخالق بالمخلوق والتي لا محل لها في الإسلام وعند النظر الصحيح أنصح لهم ان يبغوا التصوف في امتثال ما أمرهم الله ورسوله واجتناب ما نهياهم عنه فلا ينفعهم بين يدي الله قول الشيخ الأكبر أو الشيخ الأصغر ولا ينجيهم التعويل بالألقاب والأقطاب في موقف يقول غنه رسول الله صلي الله عليه وسلم : (يا فاطمة لا أغني عنك من الله شيئا) وهو القائل (تفكروا في كل شئ ولا تفكروا في ذات الله ) والقائل ( تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا)فأين هذا من قول الشيخ في فص هود: (فإياك أن تتقيد في الله بعقد مخصوص وتكفر ما سواه فيفوتك خير كثير فكن في نفسك هيولي لصور المعتقدات فإن الله تبارك وتعالي أعظم من أن يحصره عقد دون عقد فإنه يقول (فأينما تولوا فثم وجه الله )ووجه الشئ حقيقته)(2) وقال الشارح
(1)ومثله قوله في فص نوح عند تفسير قوله تعالي (وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق و نسرا) : ( فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق علي قدر ما تركوا من هؤلاء فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله) وقد سبق نقله منا عند إيراد أمثله لتحريفهم لمعاني القرآن
(2) وانظر قوله في فص إبراهيم :
فيحمدني وأحمده ويعبدني وأعبده
فيعرفني وأنكره وأعرفه فأشهده
(18_موقف العقل_ثالث)
الصفحه مئتان وأربعه وسبعون
في تفسير صور المعتقدات : (أي التي يعتقدها في الله جميع الناس في سأئر الملل (1) هذا ما يوصيك به شيخك الأكبر أيها المتصوف والله تعالي يقول: (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين ) فاختر ما شئت منهما
= فأني بالغني وأنا أساعده وأسعده
لذاك الحق أوجدني فاعلمه فأوجده
يذا جاء الحديث لنا فحقق في مقصده
ومراده من الحديث الكلمه المشهوره المعزوة إلي الله تعالي : (كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت خلقا فعرفتهم بي فعرفوني ) ولا سند له صحيح أو ضعيف ولو قلنا بصحه معناه لقوله تعالي وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون فهو لا يدل علي الترهات التي نظمها الشيخ في دعوي المساواة مع الله وأقل ما فيها أنه يمن علي الله بمعرفته به حين عنف الله تعالي بالأعراب الذين يمنون علي النبي صلي الله عليه وسلم أن أسلموا فقال (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم يل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ) وهكذا دأبهم يسوقون مساق الحديث النبوي ما ليس منه ويستخرجون منه ما لا يدل عليه ولا يقبله العقل إلا عقل من آمن بفلسفة وحده الوجود فوق إيمانه بالكتاب والسنة ولذلك يرهقهما عليها
(1)وقال الشيخ في قصيدة له أطراها الدكتور شهبندر واستشهد بها علي سمو الشعر الديني عند العرب في كتايه (القضايا الأجتماعيه الكبري في العالم العربي لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلي دينه دان
فقد صار قلبي قابلا كل صورة فمرعي لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أني توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني
الصفحه مائتان وخمسه وسبعون

تذييل
-1-
بقي أنه من حسن حظ التصوف بل من حسن حظي أنا أيضا لعدم كوني من أعداء الصوفية أن الصوفية ليس كلهم علي مذهب وحدة الوجود ففيهم من خالف الوجوديين وأعتصم بحبل الشرع المتين ولم يدأب في الطعن علي علماء أهل السنة من الأشاعرة وغيرهم من علماء العلم الظاهر كما دأب صاحب (الفصوص) يل حث المسلمين علي الاقتداء بهم في عقائدهم وعد طريقتهم طريقة الأنبياء لكونها مستندة إلي الكتاب والسنة في حين أن أنصار المذهب الوجودي يعدونه طريقة الأولياء وفي حين أن القاشاني شارح الفصوص قال ص168 إن الله تعالي تسمي بالولي ولم يتسم بنبي ولا مرسل وفي راس هذه الطائفة الصوفية المباركة الإمام الجليل الرباني مجدد الألف الثاني أحمد بن عبد الأحد السرهندي صاحب (المكتوبات) وإني أورد هنا نبذا من كلماته القيمة متخذا لها شواهد عاي أني كتبت ما كتبته
في هذا المبحث ضد فكرة وحدة الوجود لا عن تعصب علي الصوفيه القائلين بها بل خدمة للحق المتعلق بالحق تعالي وتقدس عما يقولون فإن اتهموني بأني علي فرض كوني عالما فمن علماء العلم الظاهر لا أعرف اعلم الباطن فإليهم إمام كبير من علماء الباطن فلينظروا ماذا يقول :
المكتوب68 إلي خان خانان 281جزء1:
(الحمد لله وسلام علي عباده الذين أصطفي وبعد فاعلم أن أحوال فقراء هذه الحدود وأوضاعهم مستوجبه للحمد و المسؤل من الله سبحانه وتعالي سلامتكم و عافيتكم واستقامتكم ولما كان مبحث علم الوراثة في البين أردت أن أكتب كلمات من تلك
الصفحه مئتان وسته وسبعون
المقوله علي حسب مقتضي الوقت وقد ورد في الأخبار (العلماء ورثة الأنبياء ) والعلم الذي بقي من الأنبياء عليهم السلام نوعان علم الأحكام وعلم الأسرار فالعالم الوارث من يكون له سهم من نوعي العلم لا من يكون له نصيب من نوع واحد فقط فإن ذلك مناف للوراثة فإن الوارث من يكون له سهم من جميع أنواع تركه المروث لا من بعض دون بعض والذي له نصيب من البعض المعين فهو داخل في الغرماء حيث يتملق نصيبه بجنس حقه فمن لا يكون وارثا لا يكون عالما إلا أن تقيد علمه بنوع واحد ونقول إنه عالم بعلم الأحكام مثلا والعالم المطلق هو الذي يكون وارثا ويكون له حظ وافر ونصيب تام من كلا نوعي العلم وقد زعم الأكثرون أن علم الأسرار عباره عن علوم التوحيد الوجودي و شهود الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة وأنه كناية عن معارف اللإحاطة وسريان وجوده تعالي وقربه ومعيته سبحانه علي النهج الذي صارت منكشفه ومشهودة لأرباب الأحوال حاشا وكلا ثم حاشا وكلا من أن تكون هذه العلوم والمعارف من علم الأسرار ولاثقة بمرتبة النبوة فإن مبني تلك المعارف السكر وغلبة الحال التي هي منافية للصحو الذي ما امتزجت به ذره من السكر يل هذه المعارف مناسية لمقلم الولاية التي لها قدم راسخ في السكر فتكون هذه العلوم من أسرار الولاية لا من أسرار النبوة والولاية وإن كانت هي أيضا ثابتة ولكن أحكامها مغلوبة وفي جنب أحكام النبوه متلاشية ومضمحلة :
ومتي بدت أنوار بدر الدجي ما للسهي حيلة سوي الاختفا
وقد كتبت في كتبي ورسائلي وحققت أن كمالات النبوة لها حكم البحر المحيط وكمالات الولاية في جنبها قطرة محتقرة ولكن ماذا نفعل وثد ثال جماعة من عدم
الصفحه مائتين وسبعه وسبعون
إدراكهم لكمالات النبوه إن الولاية أفضل من النبوة وقالت طائفه أخري في توجيه هذا إن ولايه نبي لأفضل من نبوته وكل من هذين الفريقين قد حكموا علي الغائب من غير علم بحقيقة النبوة وقريب من هذا الحكم الحكم الحكم بترجيح السكر علي الصحو فإن عرفوا حقيقة الصحو لعرفوا أن السكر لا نسبة له ألي الصحو : ما نسبة العرشي بالفرشي وكأتهم شبهوا صحو الخواص بصحو العوام وزعموا وجود المماثلة بينهما وليتهم إذ زعموا وجود المماثلة بين صحو الخواص وصحو العوام لم يجترئوا علي هذا الحكم فإن من المقرر عند العقلاء أن الصحو أفضل من السكر سواء كان السكر والصحو مجازيين أو حقيقيين و تفضيل الولاية علي النبوة والسكر علي الصحو شبيه بترجيح الكفر علي الإسلام والجهل علي العلم فإن كلا من الفكر والجهل مناسب لمقام الولاية وكلا من الغسلام والعلم مناسب لمرتبة النبوة قال الحسين بن منصور الحلاج:
كفرت بدين الله والكفر واجب لدي وعند المسلمين قبيح
ومحمد رسول الله صلي الله عليه وسلم استعاذ من الكفر قل كل يعمل علي شاكلته فكما أن الإسلام في عالم المجاز أفضل من الكفر ينبغي أن يعتقد أنه في الحقيقة أفضل من الكفر فإن المجاز قنطرة الحقيقة فإن قلت كما أن الكفر والسكر والجهل ثايتة في مرتبة الجمع من مقامات الولاية كذلك الإسلام والصحو و المعرفة متحقق في مرتبة الفرق بعد الجمع منها فكيف يصح القول بمناسبة الكفر والسكر والجهل فقط لمقام الولاية؟ أقول إن إثبات الصحو وأمثاله في مرتبة الفرق إنما هو بالنسبة إلي مرتبة الجمع التي ليس فيها غير السكر والمحو وإلا فصحو مرتبة الفرق أيضا ممتزج بالسكر و إسلامها مختلط بالكفر ومعرفتها مشوبة بالجهل فلو وجدت مجالا للكتابة لذكرت أحوال مقام الفرق ومعارفه بالتفصيل وبينت امتزاج السكر وأمثاله فيها بالصحو وأمثاله ولعل أصحاب الفطانة يجدون هذا المعني بالتفرس أيضا والعجب كل العجب أنهم لم يفهموا
الصفحة مئتان وثمانيه وسبعون
أن الأنبياء عليهم السلام إنما نالوا ما نالوا من هذه العظمة والجلال كلها نت طريق النبوة لا من طريق الولاية وغاية شأن الولاية إنما هي الخادمية للنبوة فلو كانت للولاية مزية علي النبوة لكان الملائكة الذين ولايتهم أكمل من سائر الولايات أفضل من الأنبياء عليهم الصلاه والسلام ولما قالت طائفة من هؤلاء القوم بأفضلية الولاية من النبوة ورأوا ولاية الملأ الأعلي أفضل من ولاية الأنبياء قالوا بالضرورة أن الملائكة أفضل من الأنبياء وفارقوا في ذلك جمهور أهل السنة والجماعة وكل ذلك لعدم الاطلاع علي حقيقة النبوة ولما كانت كمالات النبوة حقيرة في نظر الناس بسبب بعد عهد النبوة بسطنا الكلام في هذا الباب بالضرورة وكشفنا شمة من حقيقة المعاملة ربنا أغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا علي القوم الكافرين ) وقال في المكتوب 72ص285:
قال بعض الجامعين بين التشبيه والتنزيه إن الإيمان بالتنزيه حاصل لجميع المؤمنين والعارف هو الذي يجمع بينه وبين الإيمان بالتشبيه ويري الخلق ظهور الخالق والكثرة كسوة الوحدة ويطالع الصلنع في صنعه وبالجمله إن التةجه إلي التنزيه الصرف نقص عندهم وشهود الوحدة بلا مطالعة الكثرة عيب وهذه الجماعة يعدون المتوجهين إلي الأحديه الصرفة ناقصين ويظنون ملاحظة الحدة بلا مطالعة الكثرو تحديدا وتقييدا سبحانه الله وبحمده أما رأوا أن دعوه الأنبياء عليهم السلام كلها إلي تنزيه صرف والكتب السماوسة ناطقة بالإيمان التنزيهي والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ينفون الآلهة الباطلة الآفاقية والأنفسية ويدعون الخلق إلي إبطالها ويدلون علي وحدة واجب الوجود المنزة عن التشبيه والتكييف هل سمعت قط نبيا دعي إلي الإيمان التشبيهي وقال إن الخلق ظهور الخالق (1) وجميع الأنبياء متفقون علي توحيد واجب الوجود تعالي وتقدس
(1)انظر قول هذا الصوفي الجليل المتشرع وقارنه مع قول شيخ الاتحاديين في أول فص نوح:=
الصفحة مئتان وتسعه وسبعون

ونفي أرباب غيره قال الله تعالي (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمة سواء بينناوبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) وهؤلاء الجماعة يثبتون أربابا غير متناهية و يتخيلون كلهم ظهورات رب الأرباب(1)وما يستشهدون به في إثبات مطالبهم من الكتاب والسنة ليس فيه استشهاد أصلا أما الكتاب فقوله تعالي (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي )وقوله (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)وأما السنة
=أعلم أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الآلهي عين التحديد والتقييد فالمنزه إما جاهل (أي غير قائل بالشرائع وإما صاحب سوء أدب فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزه ووقف عند التنزيه ولم ير غير ذلك نقد أساء الأدب وأكذب الحق والرسل وهو لا يشعر وهو كمن آمن ببعض وكفر ببعض
(1)قد رآني القارئ ذهبت في تفسير مذهب القائلين بوحدة الوجود إلي أنه تأليه للعالم لا نفي العالم وإثبات الله وحده ويعلم من كلام هذا الصوفي الكبير أني لست بمخطئ في تفسيرس ذاك ولا مغال وإنما الفرق بيني وبينه أني لا أحسب كون المتذهبين بمذهب وحدة الوجود الذين قال عنهم الشيخ المجدد : ( بعض الجامعين بين التشبيه والتنزيه) ذهبوا إلي ما ذهبوا إليه من أن الخلق ظهور الخالق بسسب خطأهم في فهم الآيات والآحاديث التي أستشهدوا بها ولا أحسب كونهم لا يعرفون أن تفسيرنا لتلك الآيات والأحاديث أحسن من تفسيرهم وأوفق لقواعد البلاغة وإنما دافعهم الحقيقي كونهم من الوجوديين الذين اقتنعوا بأن حقيقة الله الوجود ثم رأوا أن في تلك الآيات والأحاديث بعض مناسبة ضعيفة لمذهبهم فاستفادوا منها و خلاصة ما أريد أن أقوله أن أساس مذهبهم يرتكز علي فلسفه الوجود الإلهية التي لم آل جهدا في إبطالها بكلا نوعيها لا علي مقتضي الآيات والأحاديث والدليل عليه أن كثيرا من نصوص الكتاب والسنة التي لا مناسبة لها أصلا بما توهموا في تأويلها قاموا يستشهدون بها أيضا علي مذهبهم استشهادا مبينا علي محض الإرهاق والتعسف كما سبق منا إيراد بعض نماذج منها وكانت نماذج مدهشة إن لم ينسها القارئ فيفهم من هذا أن لهم قناعة مقررة بألوهية جميع الموجودات لكونها موجودات وكون الوجود هو الله قناعة غير محتاجة إلي بنائها علي تلك الآيات والأحاديث التي لو كانت بمفردها لما اجتروا علي اتخاذها سندا لمذهب يرفع الفرق بين المخلوق والخالق
الصفحه مئتان وثمانون
فقوله عليه الصلاه والسلام (اللهم أنت الأول فليس قبلك شئ وأنت الآخر فليس بعدك شئ وأنت الظاهر فليس فوقك شئ وأنت الباطن فليس دونك شئ )ف‘ن جميع الحصر في هذه العبارات لنفي كمال الوجود عما شواه تعالي بأيلغ الوجوه لا نفي أصل الوجود كما قال عليه الصلاه والسلام (لا صلاه إلا بفاتحة الكتاب) وقال أيضا (لا إيمان لمن لا أمانةله) وأمثال ذلك في الكتاب والسنه كثيرة وهذا التوجيه ليس من قبيل تأويل النصوص كما زعموا بل هو حمل النصوص علي كمال البلاغة كما أن في العرف إذا أريد الاهتمام برسالة شخص ونيابته يقال إن يده يدي والمقصود هنا ليس الحقيقة بل المجاز الذي هو أبلغ من الحقيقة فإذا كان وقوع الفعل أكثر وأزيد بالنظر إلي مقدار قدره الفاعل الذي هو عبد مملوك لصاحب القدرة الكاملة وكان التفات ذلك القادر المالك وتوجهه إلي ذلك الفعل مرعيا يصح للمالك أن يقول أنا فعلت هذا الفعل لا أنت ولا دلالة لهذا الكلام أصلا علي اتحاد الفعل ولا علي اتحاد الذات معاذ الله أن يكون فعل العبد المملوك عين فعل المالك المقتدر أو أن يكون ذاته عين ذاته ألم تفهم هذه الجماعه مذاق الأنبياء عليهم الصلاه والسلام فإن مدار دعوتهم علي إثبات الاثينية ووجود المغايرة بين الخلق والخالق وتنزيل عباراتهم علي التوحيد والاتخاد من التكلفات الباردة فإن كان الموجود واحدا في الحقيقة وكان ما سواه ظهوراته وكان عباده ماسواه عبادته كما زعم هؤلاء الجماعة(1) فلم منع الأنبياء عليهم السلام عنها بالمبالغه والتأكيد ولم خوفوا بالعقوبات الأبدية علي عبادة ما سواه ولم قالوا لعابديه أعداء الله ولم لم يطلعوهم علي غلطهم (2) ولم يزيلوا رؤية المغايرة الناشئة عن الجهل فيهم ولم يفهموهم أن عبادة ما سواه عين عبادته جل وعلا
(1) احفظ قول هذا الصوفي الجليل ولا تغلط في فهم أباطيل الصوفية الوجودية بما هو حقها من الفهم
(2) في ظن ما يعبدونه غير الله هو عينه
صفحة 281
قال بعض هؤلاء إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما أخفوا أسرار التوحيد الوجودى عن العوام وبنوا أمر الدعوة على إثبات المغايرة وأخفوا الوحدة ودلوا على الكثرة بسبب قصور فهم العوام وهذا القول غير مسموع منه كما لا يسمع القول بالتقاة من الشيعة فإن الأنبياء عليهم السلام أحق بتبليغ ما هو مطابق لنفس الأمر خصوصا فى الأحكام التى تتعلق بذات واجب الوجود وصفاته وأفعاله تعالى وتقدس فأنهم أحقاء بإعلانها وإظهارها وإن كان قاصر النظر قاصرا عن إدراكها وعاجزا عن فهمها فضلا عن العوام ألا ترى أن المتشابهات القرآنية وما و فى الأحاديث من المتشابهات يعجز الخواص عن فهمها فضلا عن العوام ومع ذلك لم يمتنعوا ولم ييعقهم توهم غلط العوام من إبدائها وهؤلاء يسمون من يقول بتعدد الوجود والموجود ويتنزه عن عبادة ما سوى المعبود تعالى وتقدس مشركا ويقولون لمن يقول بوحدة الوجود موحدا ولو كان يعبد ألف صنم بتخيل أنها ظهورات الحق سبحانه وأن عبادتها عبادته سبحانه ينبغى أن يتأمل باإنصاف أى صنف من هذين الصنفين مشرك وأى صنف منهما موحد والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما دعوا الخلق إلى وحدة الوجود ولم يقولوا لمن قال بتعدد الةجود مشركا بل كانت دعوتهم إلى وحدة المعبود جل سلطانه وأطلقوا الشرك على عبادة ما سواه تعالى فإن لم يعرف الصوفية الوجودية ما سواه تعالى بعنوان الغيرية لا يتخلصون من الشرك وما سواه تعالى ما سواه تعالى عرفوا ذلك أولا وبعض المتأخرين منهم قال فإن العالم ليس عين الحق جل سلطانه ويتحاشى من القول بالعينية ويطعن فى القائلين ويشنعهم وينكر على الشيخ محى الدين وأتباعه من هذا الوجه ومع ذلك لا يوقل بمغايرة العالم للحق سبحانه بل يقول إنه ليس عين الحق ولا غيره سبحانه وهذا الكلام بعيد عن الصواب فإن الاثنان متغايران قضية مقررة ومنكر المغايرة بين الاثنين مصادم لبديهة العقل غاية ما فى الباب أن المتكلمين

صفحة 282
قالوا فى صفات الواجب انها لا هو ولا غيره وأرادوا بالغير الغير المصطلح وراعوا جواز النفكاك فى المتغايرين فإن صفات الواجب ليست منفكة عن الذات وجواز الانفكاك بين الذات والصفات القديمة غير متصور فقول لاه و ولا غيره صادق فى الصفات القديمة بخلاف العالم فإن النسبة فيه كان الله ولم يكن معه شىء فنفى العينية والغيرية مما من العلم بعيد عن الصدق بغة واصطلاحا وهؤلاء الجماعة زعموا العالم وتصوروه كالصفات القديمة وأثبتوا له الحكم المخصوص بها من قصورهم وعدم وصولهم وحيث قالت هؤلاء الجماعة بنفى عينية العالم كام اللازم أن يقولوا يغيريته أيضا حتى يخرجوا من زمرة أرباب التوحيد الوجودى ويحكموا بتعدد الموجود وفة التوحيد الوجودى لابد من القول بالعينية كما قال به الشيح محى الدين بن عربى وأتباعه والقول بالعينية لا بمعنى أن العالم متحد بالصانع معاذ الله من ذلك بل معنى أن العالم معدوم والموجود هو واجب الوجود تعالى وتقدس كما حقق هذا الفقير هذا المعنى فى بعض رسائله

صفحة 283
فأن قيل إن الصوفية الوجودية إنما يقولون لمن يقول بتعدد الوجود مشركا باعتبار أنه يرى ويشاهد الاثنين هو مشرك الطريقة أجيب أن رؤية الاثنين التى هى شرك الطريقة تندفع بالتوحيد الشهودى ولا حاجة إلى التوحيد الوجودى فى ذلك الوطن بل ينبغى أن لا يكون مشهود السالك وملحوظه غير الذات الأحد المقدسة المقدسة حتى يتحقق الفناء ويندفع الفناء ويندفع شرك الطريقة كما إذا رأى شخص الشمس فى النهار وحدها ولم ير النجوم يندفع رؤية الاثنين وإن كانت النجوم كلها موجودة فى النهار والمقصود كون المشهود وحدها سواء كانت النجوم موجودة أو معدومة بل أقوال إن كمال الفناء إنما هو فى صورة تكون الأشياء موجودة ومع هذا لا يلتفت السالك من كمال تعلقه وشغفه بالمطلوب الحقيقى إلى شىء أصلا بل لا يشاهد شيئا ولا يقع نظر بصيرته إلى شىء قطعا فإن لم تكن الأشياء موجودة فمن أى شىء يتحقق الفناء وعمن يكون فانيا وذاهلا وناسيا؟
وقال فى المكتوب 72 أيضا صفحة 288
وشهود الحق فى مرايا الممكنات الذى يعده جماعة من الصوفية كمالا ويزعمونه جمعا بين التشبيه والتنزيه ليس هو عند الفقير شهود الحق جلا وعلا وليس المشهود فيها غير متخيلهم ومنحوتهم ولا ما يونه فى الممكن واجبا ولا ما يجدونه فى الحادث قديما

صفحة 284
ولا ما يظهر فى التشبيه تنزيها وإياك الافتتان بترهات الصوفية واعتقاد غير الحق حقا وهذه الجماعة وإن كانوا معذورين فى خصوصهم بغلبة الحال ومحفوظين من المؤاخذة بذلك كالمجتهد المخطىء ولكن لا ندرى ماذا تكون المعاملة بمقلديهم ليتهم يكونوا كمقلدى المجتهد المخطىء وإلا فالأمر مشكل والقياس الجتهادى أصل من الأصول الشرعية ونحن مأمورين بتقليده والإلهام ليس بحجة للغير والحكم الاجتهادى حجة للغير فيجب إذن تقليد العلماء المجتهدين وما يقوله الصوفية أو يفعلونه مخالفا لاآراء العلماء المجتهدين فلا ينبغى تقليده بل ينبغى السكوت عن طعنهم بحسن الظن بهم وأن يعده من شطحاتهم وأن يصرفه عن ظاهره هو الحق المتوسط بين الإفراط والتفريط
وأنا أقول هل يمكن دائما صرف كلماتهم الجنونية عن ظواهرها وكيف يمكننا هذه الصرف فى صرفهم الآيات والأحاديث عما يظهر وبتبادر من معانيها الحقيقية أو المجازية كاقتضابهم جملة رسل الله الله المفتعلة من قوله الى لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله، الله أعلم حيث يجعل رسالته وكحملهم الآية النافية للمثل عن الله بصراحة بالغة أعنى ليس كثله شىء على إثبات المثل له إن لم تكن الكاف مقحمة وعلى إثبات العينية بينه وبين كل شىء الذى هو أشنع من إثبات المثل، إن كانت الكاف مقحمة فهل يقبل العقل والذوق السليم أن الله تعالى على التقدير الأول لما نفى مثل عن نفسه مبالغة فى نفى المثل أعترف بوجود المثل له؟ فلماذا إذا كان له مثل لا يكون لمثله مثل؟ وكيف يفهم من نفى المثل له على التقدير الثانى إثبات العينية بينه وبين الأشياء؟ فها نعد أمثال هذه الهذيانات والألاعيب المتناهية فى تحريف كلمات الله عن مواضعها إلهاما أو أخطاء الإلهام؟ ثم ماذا نقول فى مقلديهم المحسنين ظنا بهم وبأقوالهم إن فتحنا نحن باب حسن الظن بأيدينا؟ فالحق أن فى آخر الكلام الشيخ ضعفا لا يتلائم مع أمثاله

صفحة 285
وقال فى المكتوب نفسه صفحة 277
وأول من صرح بالتوحيد الوجودى الشيخ محى ادلين بن عربى وعبارات المشايخ المتقدمين وإن كانت مشعرة بالتوحيد الوجودى ومنبئة عن الاتحاد لكنها قابلة للحمل على التوحيد الشهودى فإنه لما غير الحق سبحانه قال بعضهم ليس فى جبتى سوى الله وقال بعضهم سبحانى وبعضهم ليس فى الدار غيرى وهذه كلها أزهار تفتقت من غصن رؤية الواحد لا دلالة فى واحد منها على التوحيد الوجودى والذى بوب مسألة وحده الوجود وفصلها ودونها تدوين النحو والصرف هو الشيخ محى الدين ابن عربى وخصص بعض المعارف الغامضة بين هذا البحث بنفسه حتى قال ان خاتم النبوة يأخذ بعض العلوم والمعارف من خاتم الولاية وأراد بخاتم الولاية نفسه وقال الشراح فى توجيهه إن السلطان إذا أخذ من خازنه شيئا فاى نقصان فيه وبالجملة لا حاجة فى تحصيل الفناء والبقاء وحصول الولاية الصغرى والكبرى الى توحيد الوجودى بل لابد فى تحقق الفناء والبقاء وحصول نسيان السوى من التوحيد الشهودى

صفحة 286
بل يمكن أن يسير السالك من الدباية الى النهاية ولا يظهر له شىء من علوم التوحيد الوجودى ومعارفها أصلا بل يكاد ينكر هذه العلوم وعند هذا الفقير أن الطريق الذى يتيسر سلوكه بدون هذه المعارف أقرب من الطريق الذى يتضمن ظهور هذه المعارف.
تنبيه: قد علم من التحقيق السابق أن الموجودات وإن كانت متعددة وما سواه تعالى كان موجودا جاز أن يتحقق جاز أن يتحقق الفناء والبقاء وتحصيل الولاية الصغرى والكبرى فإن الفناء هو النسيان السوى لا إعدامه واستئصالة وماهو و اللازم فيه أن تكون رؤية السوى مفقودة لا أن يكون السوى معدوما ولا شيئا محضا وهذا الكلام مع ظهوره قد خفى على أكثر الخواص وماذا نقول عن العوام وجعلوا معرفة وحدة الوجود من شرائط الطريق بتخيل أن التوحيد الشهودى هو عين التوحيد الوجودى وزعموا القائل بتعدد الوجود ضلا ومضلا حتى تخيل الكثيرون منهم أن معرفة الحق سبحانه منحصرة فى معارف التوحيد الوجودى وتصوروا أن شهود الوحدة فى مرايا الكثرة من تمام الأمر حتى صرح بعضهم أن نبينا صلى الله وعليه وسلم كان بعد حصول كمالات النبوة فى مقام شهود الوحدة فى الكثرة وأن قوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر إشارة إلى ذلك المقام ويؤول العبارة هكذا إنا أعطيناك شهود الوحدة فى الكثرة وكأنه فهم هذه الإشارة من توسط الواو بين الحروف الكثر حاشا مقام النبوة من ان يليق بمثل هذه المعارف ولا فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما دعوا إلى الله المنزه عن المماثلة والمشابهة والذى يكون له متسع فى مرايا المثال ليس له نصيب من اللامثالى بل هو متسم بسمة الكيف والمثال رزقهم الله الإنصاف وكأنهم يرون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بميزان كمالاتهم ويزعمون كمالاتهم مماثلة لكمالاتهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم: وليس بشىء كامن جوف صخرة سواها سماوات لديها ولا أرض


صفحة 287
وأحقر أمته صلى الله عليه وسلم فى استغفار وندامة من أمثال هذه المعرفة التى حصلت له فى أوائل حاله وينفى ذلك الشهود من جناب قدسه كحلول النصارى، قال الخواجة نقشيند قدس سره كل ما يكون مرئيا او مسموعا أو متخيلا أو موهوما فهو غيره تعالى ينبغى نفيه بكلمة لا فكان شهود الوحدة فى الكثرة أيضا مستحقا للتفى فكلام الخواجة هذا هو الذى أخرجنى من هذا الشهود وأنجانى من التعلقات بالمشاهدة والمعاينة وحول الرحل من العلم إلى الجهل ومن المعرفة إلى الحيرة جزاه الله سبحانه أحسن الجزاء
وأنا أقول إن الشيخ المجدد رحمه الله عند انتقاده التوحيد الوجودى أى عقيدة وحدة الوجود يخفى عليه شىء هو مفتاح تلك العقيدة كما خفى على معتنقيها تقليدا لزعمائها وقد امتاز هذا بالكشف عن هذا المفتاح بعون الله وتوفيقه وهو كون تلك العقدية مؤسسة على النظرية الفلسفسة القائلة بأن حقيقة الله الوجود المطلق وقد عرفت مما قدمنا منشأ هذه النظرية وكيفية حصولها فى أذهان أصحابها مشتقة من نظرية فلسفية أخرى قائلة بان حقيقة الله الوجود المجرد من الماهية والتققيد بالوجود المجرد احتراز عن نظرية الوجود المطلق احتراز عن نظرية الوجود المجرد وعما يترتب عليه من المحاذير فكل من تينك النظريتين الفلسفتين شاهدة ببطلان الأخرى فى تحرز بعضهما عن بعض ومع هذا فالفريقان أصحاب النظريتين المختلفتين متفقان على النظرية المشتركة بينهما القائلة بأن حقيقة الله الوجود قد فكروا فيما يلزم أن يكون الله ليجب وجوده ويستحيل انفكاك الوجود منه ومنه المعلوم أن ميزة الله العليا على جميع الموجودات وجوب وجوده فقرروا على |نه الوجود نفسه لاستحالة انفكاك الوجود من الوجود استحالة انفكاك الشىء من نفسهوإن افترقا بعد ذلك على نظريتين فالذين اختاروا

صفحة 288
نظرية الوجود المطلق على أنها حقيقة واقعية وتقرر عندهم فى صورة قطعية أن الله عبارة عن الوجود المطلق أى غير المقيد بالتجرد عن الماهية لم يترددوا فى القول بأن الوجود واحد وهو الله وقالوا الموجود هو الوجود ولا موجود غيره أما ما نراه ونشاهده من الموجودات فمعنى وجودها ظهور الوجود الذى هو الله فيها فليست تلك الموجودات إذن موجودة وإنما الموجود هو الله الظاهر فيها ولذا قالوا الوجود موجود بنفسه والموجود موجود بالموجود أى بكونه مظهرا للوجود فوجود كل موجود واحد أى عبارة عن وجود موجود واحد وهو الله الذى هو الوجود المطلق
فهذا تحليل مسألة وحدة الوجود تحليلا فلسفيا فمن رسخ هذا التحليل الفلسفى فى ذهنه كصاحب الفصوص لا يُحجم من القول بأن كل موجود هو الله لأن الوجود الظاهر فيه لا يمكن أن يكون غير الله أو لغير الله لكون الله هو الوجود المطلق لا وجود فى الخارج عنه فهو لا يُحجم عن أن يقول مثلا:
إنما الكون خيال وهو حق فى الحقيقة
كل من قال بهذا حاز أسرار الطريقة
ولا يحجم بعد اعتبار وجود كل موجود وجود الله عن نفى وجوب العالم وأن يقول فى حيرة:
ورفض السوى فرض علينا لأننا بملة محو الشرك والشك قد دنا
ولكنه رفض كيف السبيل لرفضه ورافضه الرفوض نحن وما كنا
بل لا يحجم عن تلاعباته بالله قائلا مثلا:
فيحمدنى وأحمده يعبدنى فأعبده
ويعرفنى فانكره أعرفه فأشهده
فأنى بالغنى وأنا ساعده وأعده
لذلك الحق أوجدنى فأعلمه فأوجده

صفحة 289
ولا سبيل لعقيدة وحدة الوجود غير هذا التحليل الفلسفى كأن يكون مبنيا على الكشف وذلك عند وصول السالك إلى مقام التوحيد الشهودى فيشهد وجود الله وحده ويضمحل العالم فى نظره ويستتر استتار النجوم بعد طلوع الشمس ولا يقف عند هذا الحد فيلتبس الأمر عليه فيظن الاستتار انتفاءا حقيقيا وعلى هذا يكون التوحيد الوجودى القائل لا موجود الا الله غلطا من السالك فى التوحيد الشهودى الذى لا كلام فى إمكانه وهكذا يتصور الشيخ المجدد رحمه الله التوحيد الوجودى أى غلطا من التوحيد الشهودى بظن الواحد فى الشهود واحدا فى الوجود وعندى أن مؤسسى هذا المذهب ليسوا غافلين لحد أن يظنوا الموجود معدوما وما سوى الله عينه ولا يمكن أن يكون أى كشف أو أى شهود يوصل العاقل إلى هذا المذهب وإنما قائل الله فلسفة الوجود التى أطلقت أنفاسى فى إيضاحها والتى ينتهى أحد نوعيها إالى أن كل موجود هو الله والآخر الى أن الله ليس بأى موجود فهذه المنشأة هو منشأ الضلال المسمى بوحدة الوجود وإلا فلو فرضنا أنهم غلطوا فى حالة شهود الله وحده فظنوا ما سواه غير موجود عن الآخر بُعد الوجود عن العدم لا أن يكون أحدهما عين الآخر لأنه إذا لم يكن العالم على تقدير وجوده عين الله الموجود فأن لا يكون عينه على تقدير عدمه أولى فماذا إذن حدث حديث العينية بين الله والعالم للقائلين بوجود الله وعدم وجود العالم؟ فهل تراءى الله فى شهودهم متجسما فى صورة العالم؟ ومن هذا قلنا وأصررنا على القول بأن دعوى وحدة الموجود لا يمكن أن تستند إلى كشف أو شهود

صفحة 290
لا صحيح ولا مغلوط فيه وإنما منشاها الغلط الفلسفى كما أوضحنا على طول هذا البحث والشيخ المجدد تغمده الله برحمته يقول لا حاجة ولا ضرورة لسالك الطريقة الصوفية أن يقول بوحدة الوجود لكن أصحاب مذهب وحدة الوجود مضطرون إلى القول بها اضطرارا ناشئا فى زعمهم من الإطلاع على حقيقة الله بأنه الوجود الموجود فى كل موجود ومعلمهم الأول فى هذا الاطلاع المزعوم هو الفلاسفة الوجودية أخذ منهم هذه المعرفة الفلسفية من أخذها من الصوفية وعدلها ثم نشرها بين الجمهور كأعظم سر من أسرار الطريقة
وقال رحمه الله فى المكتوب نفسه صفحة 290
ومن أعجب العجب أن جماعة من مدعى هذا الطريق لا يقنعون بهذا الشهود والمشاهدة بل يزعمون هذا الشهود تنزلا ويقولون أن هذه الدولة التى كانت ميسرة للنبى عليه الصلاة والسلام مرة واحدة واحدة فى ليلة المعراج تتيسر لنا فى كل يوم ويشبهون النور المرئى لهم بإسفار الصبح ويزعمون ذلك النور المرتبة اللكيفية ويتخيلون ظهور ذلك النور نهاية مراتب العروج تعالى الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا وأيضا انهم يثبتون المكالمة معه تعالى ويقولون أمرنا الله سبحانه وتعالى بكذا وكذا وينقلون عنه سبحانه أحيانا وعيدا فى حق أعدائهم ويبشرون أحيانا أحبابهم ويقول بعضهم كلمت الحق سبحانه بقية ثلث الليل أو ربعه إلى صلاة الصبح وسألته عن كل باب ووجدت منه الجواب لقد استكبروا فى أنفسهم وعتو عتوا كبيرا ويفهم من كلمات هؤلاء الجماعة أنهم يعتقدون ذلك النور المرئى عين الحق سبحانه وعين ذاته تعالى لا أنهم يقولون أنه ظهور من ظهوراته وظل من ظلاله ولا شك أن اعتقاد ذلك النور ذات الحق سبحانه افتراء محض وإلحاد صرف وزندقة خالصة ومن نهاية حلمه سبحانه وتعالى عدم استعجاله فى عقوبة أولئك المفترين وتعذيبهم بانواع العذاب وعدم استئصالهم
صفحة 291
سبحانك علي حلمك بعد علمك سبحانك علي عفوك بعد قدرتك. وقد هلك قوم موسى علي نبينا وعليه الصلاة والسلام بمجرد طلب الرؤية وسمع موسى عليه السلام جواب لن ترانى بعد طلب الرؤية وخر صعقا وتاب من ذلك الطلب ومحمد رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي هو محبوب رب العالمين وأفضل الموجودات وسيد الأولين والآخرين مع كونه مشرفا بدولة المعراج البدني وتجاوزه العرش والكرسي وعلوه علي الزمان والمكان يعني خلوه وخرجه منهما، للعلماء اختلاف في رؤيته عليه الصلاة والسلام مع وجود الإشارة القرآنية إليها وأكثرهم قائلون بعدمها قال الإمام الغزالي الأصح أنه عليه الصلاة والسلام ما رأي ربه ليلة المعراج وهؤلاء القاصرون يرون الله سبحانه كل يوم بزعمهم الباطل مع وجود القيل والقال في رؤية محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم مرة واحدة فقبحهم الله سبحانه ما أجهلهم".
وأنا أقول رؤية الحق تعالي كل يوم ومكالمته بقية ثلث الليل أو ربعه إلي صلاة الصبح التي ادعاها بعض أصحاب التوحيد الوجودي وتعجب منه الشيخ المجدد رحمه الله وشدد في الرد عليهم، من الأمور البسيطة العادية عندي بناء علي فلسفة الوجود المطلق التي هم مقتنعون بها والتي مؤداها أن يكون كل موجود عين الحق تعالي الذي هو الوجود المطلق والذي هو الظاهر في كل موجود إذ لا موجود غيره. فصاحب هذا المذهب يعتقد كل ما يراه ويعاينه موجودا الحق تعالي وإذا رآك أو تكلم معك يعتبر أنه رأي الحق وتكلم معه حتى إنه إذا رأي زوجه وكلمها رأي فيها الله وكلمه وأنت تظن كلم زوجه .. فيحتمل كل الاحتمال أن واحدا من أصحاب هذا المذهب عارفا بأسرار الطريقة(1) استيقظ عند ما بقي من الليل ثلثه أو ربعه وكلم زوجه التي يجمعها وإياه
--------------------------------------------------------
بداية هامش صفحة 291
تعريض بقول زعيمهم:
إنما الكون خيال هو حق في الحقيقة
كل من قال بهذا حاز أسرار الطريقة
انتهي الهامش
صفحة 292
فراش واحد إلي صلاة الصبح وما نسينا قول صاحب الفصوص: "إن كمال شهود الحق شهوده في المرأة وإن أعظم الوصلة إلي الله النكاح والوقاع وإنه لو علم الناكح روح المسألة لعلم بمن التذ ومن التذ؟" فكما قال صاحب الفصوص لو علم الشيخ المجدد رحمه الله روح الفلسفة الوجودية لما تعجب من دعاوى رؤية الحق تعالى كل يوم ومكالمته ولما بحث عن أخطاء المدعين في كشفهم وغلطهم في تعيين حقيقة النور المرئي لهم ولما قال إن ذلك النور يلزم أن يكون ظهوراً من ظهروراته تعالي أو ظلا من ظلاله لا عين ذاته كما ادعوا وكيف يري النور الذي هو ظهور من ظهوراته أو ظل من ظلاله طائفة يحكم عليهم الشيخ المجدد رحمه الله بالإلحاد والزندقة؟ فالظاهر إذن أن دعوى رؤية النور لا أصل لها أيضاً كرؤية ذاته تعالى في النور وليس خطأهم في تعيين حقيقة المرئي وإنما خطأ الطائفة وغلطهم في فلسفة الوجود.
وقال رحمه الله في المكتوب 86 ص 311 إلي مولانا أمان الله الفقيه:
"اعلم أرشدك الله وألهمك سواء الظريق أن من جملة ضروريات الطريق الاقتفاء الصحيح بالذي استنبطه علماء أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وآثار السلف وحملُ الكتاب والسنة علي المعاني التي فهمها جمهور أهل الحق أعني علماء أهل السنة والجماعة منهما أيضا ضروري فإن ظهر فرضا بطريق الكشلف ما يخالف تلك المعاني المفهومة ينبغي أن لا يعتبره وأن يستعيذ منه مثل الآيات والأحاديث التي يفهم من ظاهرها التوحيد الوجودي وكذلك الإحاطة والسريان والقرب والمعية الذاتية ولم يفهم علماء أهل الحق من تلك الآيات والأحاديث هذه المعاني فإذا انكشف للسالك في أثناء الطريق هذه المعاني بأن لا يري غير موجود واحد وبأن يدرك أن الله تعالي محيط بالذات أو وجده قريباً بالذات فهو وإن كان معذوراً بسبب غلبه الحال وسكر الوقت فيما هناك ولكن ينبغي له أن يكون ملتجئاً إلي الله تعالي ومتضرعا إليه دائما لأن يخلصه
صفحة 293
من هذه الورطة وأن يكشف أموراً مطابقة لآراء علماء أهل الحق وأن لا يُظهر ما يخالف معتقداتهم الحقة ولو مقدار شعرة".
أقول لله در هذا الصوفي الجليل أعني الشيخ الإمام المجدد رحمه الله لقد عُني بعلم أصول الدين وعلمائه المتكلمين الذين من دأب أكثر الصوفية الحط من شأنهم تحت تعبير أهل العلم الظاهر ومحاولة صرف الناس عن الاعتداد بأقوالهم وآرائهم لقد عني رضي الله عنه من كمال إخلاصه لدينا وكمال تجرده عن شوائب التعصب للصوفيه مع المتعصبين أكثر من عناية أولئك العلماء أنفسهم حيث بهتوا خاضعين لقول الغزالي في مشكاة الأنوار عن مذهب التوحيد الوجودي وقد نقلناه أيضا فيما سبق وتكلمنا عليه: "ترقي العارفون من حضيض المجاز إلي ذروة الحقيقة فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا الله" فشغلهم بهتهم أمام هذا القول المخالف للعقل والشرع عن واجبهم في الذود عن حقوقهما بانتقاد هذا القول المعبر عن ذاك المذهب ولم يقابلوا القائل في جعله العلم الظاهر كمكان وضيع لا يري منه شئ بعيد عن أطوار العقل، بما يستحقه من الرد. فقد وفي الشيخ المجدد رحمه الله حق الوفاء للواجب الذي أهمله أهله ووضع العلم الظاهر والباطن موضعهما اللائق وصرح بما يستحق التقديم منهما إذا وقع التعارض بينهما فجزاه الله أحسن الجزاء.
ثم قال رحمه الله: "وبالجملة ينبغي أن يجعل المعاني التي كانت مفهومة لعلماء أهل الحق مصداق الكشف وأن لا يجعل محك الإلهام غيرها فإن المعاني المخالفة للمعاني المفهومة لهم ساقطة عن حيز الاعتبار لأن كل مبتدع ضال يزعم أن مقتدي معتقداته ومأخذها الكتاب والسنة فإنه يفهم منهما بحسب أفهامه الركيكة معاني غير مطابقة يُضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وإنما قلت إن المعتبر هو المعاني المفهومة لعلماء أهل الحق وأن ما سواها مما يخالف غير معتبرة بناء علي أنهم أخذوا تلك المعاني من تتبع
صفحة 294
آثار الصحابة والسلف الصالحين واقتبسوها من أنوار هدايتهم ولذا صارت النجاة مخصوصة بهم والفلاح السرمدي نصيباً لهم أولئك حزب الله ألا أن حزب الله هم المفلحون".
ثم قال: "ينبغي أن يعلم أن معتقدات الصوفية بالأخري أعني بعد تمام منازل السلوك والوصول إلي أقصي درجات الولاية هي عين معتقدات أهل الحق فهي للعلماء بالنقل والاستدلال وللصوفية بالكشف والالهام وإن ظهر لبعض الصوفية في أثناء الطريق بواسطة السكر وغلبة الحال ما يخالف تلك المعتقدات ولكن إذا جاوز تلك المقامات وبلغ نهاية الأمر تكون تلك المخالفة هباءً منثوراً وإلا فيبقي علي تلك المخالفة ولكن المرجو أن لا يؤخذ فإن حكمه حكم المجتهد المخطئ والمجتهد مخطئ في الاستنباط وهو في الكشف(1) ومن جملة مخالفة هذه الطائفة الحكم بوحدة الوجود والإحاطة والقرب والمعية الذاتيات كما مر وكذلك إنكارهم الصفات السبعة أو الثمانية في الخارج بوجود زائد علي وجود ومنشأ إنكارهم هو أن مشهودهم في ذلك الوقت هو الذات في مرآة الصفات ومعلوم أن المرآن تكون مختفية من نظر الرائي فحكموا بعدم وجودها في الخارج بواسطة ذلك الاختفاء وظنوا أنها لو كانت موجودة لكانت مشهودة وحيث لا شهود فلا وجود وطعنوا في العلماء بسبب حكمهم بوجودها بل حكموا بالكفر والثنوية(2) أعاذنا الله سبحانه من الجراءة علي الطعن ولو تيسر لهم الترقي من
--------------------------------------------
بداية هامش صفحة 294
[1] فيه أنه هل يمكن أن يعد صاحب الفصوص مجتهداً مخطئاً معذوراً في خطائه؟ وهو القائل مثلا بأن النصاري إنما كفروا بحصرهم الألوهية في المسيح وأهه عليهما السلام والقائل بأن قوله تعالي "ليس كمثله شئ" لا ينفي المثل عن الله أو أنه يدل علي كون الله عين الأشياء وقد سبق كل ذلك.
[2] كما قال صاحب "الأسفار" خذله الله عن الذين لم يقولوا بوحدة الوجود وحكموا بالمغايرة بين الله وما سواه في الوجود: "وللتنوية الويل مما تصفون" وقد نقلنا تمام كلامه فيما سبق.
انتهي الهامش
صفحة 295
هذا المقام وخرج شهودهم من هذا الحجاب وزال حكم المراتب لرأوا الصفات مغايرة للذات ولما انجز أمرهم إلي الطعن في أكابر العلماء.
"ومن جملة مخالفتهم حكمهم ببعض أمور يستلزم كونه تعالي فاعلا بالإيجاب وأثبتوا الإرادة لكنهم ينفون الإرادة في الحقيقة وهم يخالفون جميع أهل الملل في هذا الحكم فمن جملة هذه الأمور حكمهم بأن الله تعالي قادر بقدرة بمعني ان شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ويقولون بأن الشرطية الأولي واجبة الصدق والثانية ممتنعة الصدق(1) وهذا قول بالإيجاب بل إنكار القدرة بالمعني المقرر عند أهل الملل فإن القدرة عندهم بمعني صحة الفعل والترك اللازم لقولهم وجوب الفعل وامتناع الترك فإن القدرة عندهم بمعني صحة الفعل والترك واللازم لقولهم وجوب الفعل وامتناع الترك فأين أحدهما من الآخر ومذهبهم في هذه المسألة هو بعينه مذهب الفلاسفة وإثبات الإرادة مع القول بوجوب صدق الأولي وامتناع صدق الثانية وامتيازهم عن الفلاسفة بهذا الإثبات(2) غير نافع فإن الإرادة هي تخصيص أحد المتساويين فحيث لا تساوي لا إرادة وههنا التساوي معدوم، للوجوب والامتناع فافهم".
أقول عدد الشيخ المجدد رحمه الله في هذا المقام كثيرا مما يخالف فيه الصوفية الوجودية علماء أهل السنة ويوافقون الفلاسفة وحمل قولهم بوحدة وإنكار الصفات علي نقص في شهودهم ناشئ من عدم بلوغهم الكمال في منازل السلوك فنقصان شهودهم بقولهم عنده تلك الأقوال المخالفة التي يرجعون عنها بعد تمام المراتب والمنازل. وعندي أن قولهم بوحدة الوجود وإنكار الصفات أيضاً من سيئات تشبثهم بأذيال الفلاسفة ترجيحاً لهم علي علماء أهل السنة في كثير من المسائل الاعتقادية لا من نقصان مراتب السلوك والشهود وإلا فيكون من الغريب أن يجئ كل شهودهم

--------------------------------------------------
بداية هامش صفحة 295
[1] يعني صدق طرفي الشرطية لأنه الممتنع لا صدق الشرطية الثانية نفسها وسيجئ منا تدقيق الشرطيتين في بحث حدوث العالم إن شاء الله.
[2] بل الفلاسفة أيضاً مثلهم في هذا الإثبات الظاهري فلا امتياز أصلا.
انتهي الهامش
صفحة 296
وكشفهم علي وفق مذاهب الفلاسفة وأن نرده نحن إلأي حكم مراتب السلوك المتفاوتة مؤملين زواله عنهم عند الارتقاء إلي مرتبة أسمي وأتم مما كانوا عليه.. وهل الشيخ الأكبر صاحب الفصوص والفتوحات وخاتم الولاية نعده لقوله بوحدة الوجود بل كونه زعيم القائلين بها بقي في مرتبة ناقصة من مراتب السلوك والشهود؟ مع أن الطائفة الوجودية يدعون أن مرتبة القول بوحدة الوجود هي منتهي المراتب والنقصان في مراتب الصوفية غير القائلين بها علي عكس ما اعتبره الشيخ كما سبق منا نقل مدعاهم هذا عن رسالة "الوحدة الوجودية" لبهاء الدين العاملي. ثم قال الشيخ المجدد رحمه الله:
"ومن جملة تلك الأمرو بيانهم في مسألة القضاء والقدر علي نهج ظاهره إثبات الإيجاب فمن جملة عباراتهم في هذا المبحث هذه العبارة: "الحاكم محكوم والمحكوم حاكم".
أقول أِشار رحمه الله إلي قول صاحب الفصوص في فص عزير "اعلم أن القضاء حكم الله في الأشياء وحكم الله في الأشياء علي حد علمه بها وفيها وعلم الله في الأشياء علي ما أعطته المعلومات مما هي عليه في نفسها والقدر توقيت ما هي عليه الأشياء في عينها من غير مزيد ونقص عن اقتضاء استعدادها فما حكم القضاء علي الأشياء إلا بها وهذا هو عين سر القدر لمن كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد فلله الحجة البالغة فالحاكم في التحقيق تابع لعيين المسألة التي يحكم فيها بما تقتضيه ذاتها فالمحكوم عليه بما هو فيه حاكم علي الحاكم أن يحكم عليه بذلك وكل حاكم محكوم عليه بما حكم به وفيه، كان الحاكم من كان" وحاصله أن الله تعالي يحكم علي الأشياء ويعطيها ما تستحقه بحسب استعدادتها المعلومة له فالحاكم يتبع في القضاء لما يقتضيه استعداد المحكوم عليه فيكون استعداد المحكوم عليه حاكما علي الحاكم. وكأنهم بهذا التأويل الذي بينا فساده فيما سبق أنقذوا أفعال الإنسان من جبر الله.
صفحة 297
قال رحمه الله: "وجعل الحق سبحانه محكوم أحد وإثبات حاكم عليه(1) مع قطع النظر عن إثبات الإيجاب مستقبح جدا إنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وأمثال ذلك من المخالفات كثيرة كقولهم بعدم إمكان رؤية الحق سبحانه والرؤية التي جوزوها بالتجلي الصوري ليست هي في الحقيقة رؤية الحق سبحانه(2) بل هي ضرب من الشبه والمثال.
يراه المؤمنون بغير كيف وإدراك وضرب من مثال
وبقولهم بقدم أرواح الكمال وأزليتها وهذا القول مخالف لما عليه أهل الإسلام فإن عندهم العالم بجميع أجزائه محدث والأرواح من جملة العالم اسم لجميع ما سوي الله تعالي فافهم(3).
"فينبغي للسالك قبل بلوغه كنه الأمر وحقيقته أن يعيد تقليد علماء أهل الحق لازما لنفسه مع مخالفة كشفه وإلهامه وأن يعتقد العلماء محقين ونفسه مخطئاً لأن مستند تقليد الأنبياء عليهم السلام المؤيدين بالوحي المعصومين عن الخطأ والغلط وكشفه وإلهامه علي تقدير مخالفته للأحكام الثابتة خطأ وغلط فتقديم الكشف علي
------------------------------------------------------
بداية هامش صفحة 297
[1] لكن المحكوم عليه الذي جعله صاحب الفصوص حاكما علي الحاكم يعني الله وعابه عليه الشيخ المجدد رحمه الله ليس دون الله عند صاحب الفصوص لأنه عينه بمقتضي وحدة الوجود وكذا جاعل الله محكوما عليه للمحكوم عليه أعني صاحب الفصوص نفسه بل المعترض أيضاً علي الجاعل، وهو الشيخ المجدد، كلهم عين الله بالنظر إلي قاعدة وحدة الوجود فلا حرج علي أي منهم مما قاله أو فعله فكلهم لا يسأل عما يفعل!!.
[2] أراه رحمه الله يغفل عن قاعدة وحدة الوجود المقتضية أن يكون كل شيئ محسوس وجوده عين ذات الله الذي هو الوجود.
[3] وقولهم بالقدم غير مقصور علي أرواح الكمل كما سبق منا نقلا عن "الدرة الفاخرة" للفاضل الجامي أنهم قائلون بقدم العالم مع القائلين.
انتهي الهامش
صفحة 298
أقوال العلماء تقديم له في الحقيقة علي الأحكام القطعية المنزلة وهو عين الضلالة ومحض الخسارة"(1).
وقال رحمه الله في المكتوب 86 ص 313:
"وإحاطته تعالي وسريانه وقربه ومعيته عند المحققين من أهل السلوك الواصلين إلي نهاية الأمر كلها علمية وهم موافقون لعلماء أهل الحق شكر الله سعيهم والحلم بالقرب الذاتي وأمثاله عندهم من علامات البعد والمقربون لا يحلمون بالقرب قال واحد من الكبراء "من قال أنا قريب فهو بعيد ومن قال أنا بعيد فهو قريب" وهذا هو التصوف والعلم المتعلق بالتوحيد الوجودي منشأه المحبة والانجذاب القلبي(2) وأرباب القلوب الذين لا جذبة لهم بل يقطعون المنازل بطريق السلوك لا مناسبة لهذا العلم بهم وكذلك المجذوبون المتوجهون بالسلوك من القلب إلي مقلب القلوب بالكلية يتبرؤون من هذه العلوم ويستغفرون منها وبعض المجذوبين وإن سلكوا طريق السلوك وطووا المنازل ولكن لا ينقطع نظرهم عن المقام المألوف ولا يقدرون علي التوجه إلي الفوق فلا يترك أمثال هذه العلوم أذيالهم ولا يقدرون علي الخروج من هذه الورطة والتخلص منها ولهذا يكون فيهم ضعف وعوج في العروج إلي مدارج القرب والصعود إلي معارج القدس ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا وعلامة الوصول إلي نهاية المطلب التبري من هذه العلوم فإنه كلما تحصل الزيادة المناسبة بالتنزيه يوجد عدم مناسبة العالم بالصانع أزيد ولا معني
------------------------------------------------------------------
بداية هامش صفحة 298
[1] انظر قول هذا الصوفي الجليل القاطع لمراتب العلم الباطن كيف يقدم العلم الظاهر عليه عند تعارضهما انظره مع قول الإمام الغزالي الذي تطرف لما تصوف في أواخر عمره فاستهان بالعلم الظاهر وعبر عنه بحضيض المجاز وكأني به لم يبلغ الكمال في العلم الباطن الذي تأخر في الانتساب إليه وتكلم لما تكلم ضد العلم الظاهر عن مرتبة ناقصة في علم الباطن كما قال الشيخ المجدد رحمه الله.
[2] قد عرفت المنشأ الحقيقي للتوحيد الوجودي.
انتهي الهامش
صفحة 299
حينئذ في اعتقاد أن العالم عين الصانع أوفي ظن أن الصانع محيط بالعالم بالذات، ما للتراب ورب الأرباب؟".
-2-
بقي ثانيا استدراك ما بقي أولا بأن هذا الإمام الكبير العامر الظاهر والباطن الذي نعي علي مذهب وحدة الوجود قال في الجزء الأول من مكتوباته ص 209:
"إلي المخدوم الأعظم محمد صادق قدس سره أما بعد حمدا لله المنزه عن المثال وصلاة نبيه الهادي فليعلم الولد الأرشد أن حقيقة الحق سبحانه وجود صرف لم ينضم إليه شئ غيره أصلا وذلك الوجود الذي هو حقيقة الحق سبحانه منشأ لجميع الخير والكمال ومبدأ لكل حسن وجمال وجزئي بسيط لم يتطرق إليه تركيب أصلا لاذهنا ولا خارجا وممتنع التصور بحسب الحقيقة ومحمول علي الذات تعالت موطأة لا اشتقاقا وإن لم يكن لنسبة الحمل في ذلك الموطن مجال لأن جميع النسب ساقطة هناك والوجود العام المشترك من ظلال ذلك الوجود الخاص وهذا الوجود الظلي محمول علي ذاته تعالي وتقدس علي سائر الأشياء علي سبيل التشكيك اشتقاقا لا موطأة والمراد بكون هذا الوجود ظلا لذاك ظهور حضرة الوجود يعني الخاص في مراتب التنزلات والفرد الأولي والأقدم والأشرف من أفراد ذلك الظل محمول علي ذاته تعالي اشتقاقا ففي مرتبة الأصالة يمكن أن نقول الله وجود وفي مرتبة الظل يصدق الله موجود لا الله وجود ولما قال الحكماء وطائفة من الصوفية بعينية الوجود ولم يطلعوا علي حقيقة هذا الفرق ولم يميزوا الأصل من الظل أثبتوا كلا من الحمل المواطئ والحمل الاشتقاقي في مرتبة واحدة فاحتاجوا في تصحيح الحمل الاشتقاقي إلي تمحل وتكلف والحق ما حققت بإلهام الله سبحانه وهذه الأصالة والظلية كأصالة سائر الصفات الحقيقية وظليتها فإن حمل تلك
صفحة 300
الصفات في مرتبة الأصالة التي هي مرتبة الإجمال وغيب الغيب بطريق المواطأة لا بطريق الاشتقاق فيمكن أن يقال الله علم ولا يمكن أن يقال الله عالم لأن الحمل الاشتقاقي لا بد فيه من حصول المغايرة ولو بالاعتبار وهي مفقودة في ذلك الموطن رأسا إذ التغاير لا يكون إلا في مرتبة الظلية ولا ظلية ثمة لأنه فوق التعين الأول بمراحل لأن النسب ملحوظة بطريق الإجمال في ذلك التعين ولا ملاحظة لشئ من الأشياء بوجه من الوجوه في ذلك الموطن والحمل الاشتقاقي صادق في مرتبة الظل التي هي تفصيل ذلك الإجمال دون الحمل بالمواطأة ولكن عينية تلك الصفات في تلك المرتبة فرع عينية وجوده تعالي الذي هو مبدأ جميع الخير والكمال ومنشأ كل حسن وجمال وكل محل من كتب هذا الفقير فيه نفي عينية الوجود ينبغي أن يراد به الوجود الظلي الذي الذي هو مصحح الحمل الاشتقاقي وهذا الوجود الظلي أيضا مبدأ للآثار الخارجية فالماهيات التي تتصف بذلك الوجود ينبغي أن تكون في كل مرتبة من المراتب موجودات خارجية فافهم فإنه ينفعك في كثير من المواضع فتكون الصفات الحقيقة أيضا موجودات خارجية وتكون الممكنات أيضا موجودات خارجية".
يقول الفقير إن ما فعله الشيخ المجدد رحمه الله وقدس سره جنوح منه إلي ما ذهب إليه الفلاسفة في مسألة وجود الله من أنه عين ذاته، ذلك المذهب الذي انجذب إلي سحره غير قليل من علمائنا المحققين(1) والذي التزمنا في هذا الكتاب إبطاله مع مذهب وحدة الوجود المتولدة منه واعتبرناه أصل البلية في هذا المبحث وإن كان حضرة الشيخ رحمه الله يري فرقا بين مذهبه الذي أبان عنه في هذا المكتوب وبين مذهبي الفلاسفة والصوفية معا لأن ذلك الفرق يقتصر علي بعض التعبيرات وعلي بعض النواحي الفرعية فما يعبر عنه الشيخ بالوجود الظلي يعبر عنه الفلاسفة بالوجود المطلق المعروف المفسر بالكون في الأعيان ويجتهدون في إثباته لله تعالي مع الوجود الخاص الذي يعبر عنه
--------------------------------------------------------
بداية هامش صفحة 300
[1] ولا شبة في أن الشيخ نفسه من هؤلاء العلماء المحققين.
نهاية الهامش
الشيخ رحمه الله بالوجود الأصلي ويعتبر كل من حضرة الشيخ والفلاسفة هذا الوجود ذاته تعالى والآخر خارجا عنها أما قوله " لما لم يطلعوا على حقيقة هذا الفرق ولم يميزوا الأصل من الظل أثبتوا كلا من الحمل المتواطيء والحمل الاشتقاقي في مرتبة واحدة " ففيه أن الفلاسفة أيضا لم يطلقوا على الله تعالى في المرتبة الأولى غير الوجود بل جعلوا إطلاق الموجود عليه مجازاً والتمحل الذي رأى الفلاسفة محتاجين في الحمل الاشتقاقي جار فيما اختاره أيضا إذ لا وجه لأن يكون الأصل وجودا والظل موجودا بينما كان المعقول أن يكون ظل الوجود وجودا أيضا أو يكون أصل الظل الموجود موجودا ويلزمه أيضا أن لا يكون الله موجودا في المرتبة الأولى التي هي مرتبة الأصالة . نعم يفهم من هذا أنه يرى الوجود أصلا والموجود ظله كالذين قالوا إن الوجود موجود بنفسه والموجود موجود بالوجود لكنك قد عرفت فيما سبق ما فيه وعرفت أيضا ما قلنا من أن هذا أولى أن يكون مدعَى القائلين بوحدة الوجود .
فالحق أن ما اختاره رحمه الله لا يختلف عن مذهب الفلاسفة في صميم المعنى ولذا قال العالم الكبير محمد أنور شاه الكشميري في " مرقاة الطارم " ص 48 عن الشيخ المجدد والشيخ ولي الله الدهلوي انهما اختارا مذهب الفلاسفة وقد سقطت ألف التثنية من " اختارا " في " المرقاة " بغلط مطبعي (1) فيرد على مذهبه رحمه الله كل ما أوردته على مذهب الفلاسفة وزيادة عليه فإنه ينافي وصاياه السابقة الموجبة لاتباع آراء المتكلمين علماء أهل السنة حيث يختار هو نفسه مذهب الفلاسفة على مذهبهم وإن كان الذين فتحوا هذا الباب أعني باب الميل إلى مذهب الفلاسفة في هذه المسألة طائفة من محققي المتكلمين أنفسهم ، وينافي أيضا ما نقله باستحسان عظيم عن الخواجة نقشبند قدس سره وكتبناه سابقا من قوله : " كل ما يكون مرئيا أو مسموعا أو متخيلا أو موهوما فهو
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نعم إنه لا ينفي صفات الله كما نفوها لكنه يرد عليه أنهم ينفونها تحقيقا لقولهم بأن الله تعالى بسيط لم يتطرق إليه تركيب أصلا لا ذهنا ولا خارجا وهو رحمه الله يشاركهم في هذا القول .
غيره تعالى ينبغي نفيه بحقيقة كلمة لا " أقول وفي معناه الكلمة المشهورة " كل ما خطر ببالك فالله غير ذلك " وكون الله وجودا من هذا القبيل .
فأولا ان فيه تناقضا من حيث ان فيه ادعاء العلم بحقيقة الله تعالى على أنها الوجود ثم الاعتراف بعدم العلم بحقيقة هذا الوجود فكأن الله معلوم ووجوده غير معلوم والحقيقة عكس ذلك .
وثانيا لو لم يعلم ماذا هو الوجود وأعني به الوجود الخاص المجعول حقيقة الله فبأي وجه أعجبوا به حتى رأوه جديرا بأن يكون حقيقة الله ؟ (1) .
وثالثا ان في المسألة لبسا وارتباكا وتراجعا في التفكير لا يخفى على الباحث ولا شك أن هناك وجودا يعلمونه ويفهمونه وراقهم مفهومه وما صدق عليه وهو مقابل العدم ومفسر بالكون في الأعيان فأرادوا أن يجعلوا ارتباط هذا الوجود بالله أوثق ما يكون
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وكما أن الوجود قد أعجب المعجبين به فظنوا أنه الله ففي الناس من أعجبته الحياة وما قدر الله حق قدره فقال إنها الله والله الذي ليس كمثله شيء متعال عن كل تحديد ؟ أما الوجود والحياة فكل منهما ملك يده يفيضه على من يشاء وينزعه ممن يشاء . أما القول بأن الله هو الحياة فقد وقع من الفيلسوف " برغسون " كما في " قصة الفلسفة الحديثة " ص 571 : " كانت الحياة في مبدأ ظهورها أشبه ما تكون بالمادة في جمودها واستقرارها لأنها كانت تتمثل في النبات وحده والنبات كالجماد في سكونه واستحالة سعيه وحركته ولكنها ما لبثت أن نشدت الحرية من القيود المادية ، وراحت تسعى وراء ذلك المثل الأعلى ، فاخترعت أنواع الحيوان وزودتها بشتى الأعضاء التي تستطيع أن تحقق بها شيئا من الحرية المنشودة ، ثم ما لبثت أن عقدت آمالها في واحد من تلك الحيوانات جميعا : وهو الإنسان ، ولا شك أن الحياة تحاول ما استطاعت أن تسخر من قيود المادة ، ونحن نضحك ونسخر إذا ما رأينا كائنا حيا يتصرف كما تتصرف الكتلة المادية الجامدة ، كأن تزل قدمه فيسقط بقوة من الجاذبية كما تسقط قطعة الحجر .
" يتضح من ذلك أن الحياة قد سارت أثناء تطورها في مراحل ثلاث : الأولى مرحلة النبات إذ كانت أقرب ما تكون إلى سكون المادة وجمودها . الثانية مرحلة الحيوان الغريزي كالنحل والنمل الذي يتحرك ويسعى ، ولكن في حدود مرسومة وخطة معلومة . الثالثة مرحلة الحيوان الفقري الذي يسير في طريق الفكر ، ولن يزال هذا الفكر ينمو ويشتد ويستقيم ، فهو ذخر الحياة وأملها الذي سيحقق لها ما تنشد من حرية .=
حتى يحصل له وجوب الوجود فاستبق المتكلون والفلاسفة في توثيق ارتباط هذا الوجود الذي يفهمه كل أحد ، بذات الله وحازت الفلاسفة قصب السبق حيث جعلوا ذاته نفس الوجود وقالوا حقيقة الله الوجود ولا حقيقة له غيره في حين أن المتكلمين اكتفوا بأن يقولوا بأن يقولوا أن ذاته تستلزم وجوده لا أن وجوده نفس ذاته ولا شك أن اتصال الشيء بنفسه أشد وأبلغ من اتصال الملزوم بلازمه .
فإلى هنا كان مذهب الفلاسفة ظاهر بالرجحان لولا ورود اعتراضين قويين عليه أولهما أن الوجود بالمعنى المعروف الذي أعجبهم وهو الكون في الأعيان لا يحمل على الله مواطأة بل لا يحمل على أي موجود لكونه غير موجود وعلى الأقل غير مستقل بالوجود فكيف يكون هو ذات الله وكيف يكفل له وجوب الوجود لأن المطلوب وجوب كونه موجودا لا وجوب كونه وجوداً .
وثانيهما أن الوجود بمعناه المعروف الموجود في كل موجود إذا كان ذات الله لزم
ـــــــــــــــــــــــــ
= " هذه الحياة التي لا تفتأ تخلق وتغير وتبتدع ، والتي تلتمس الحرية من قيود المادة هي الله . فالله والحياة اسمان على مسمى واحد . وأغلب الظن أن هذه الحياة الدائبة في التخلص من أغلالها وأصفادها ستظفر آخر الأمر بما تريد فتتغلب على الموت وتتحقق لها الحرية والخلود " .
فالله على رأي الفيلسوف برغسون يسعى ليتخلص من قيود المادة فينال الخلود بعد استكمال حريته وهو إلى الآن لا يزال يحل في مادة بعد مادة ثم يموت مع موتها . فإله برغسون يعوزه الخلود والحرية وينقصه في حالته الحاضرة وصفان من أوصاف الألوهية . فهو دون الإله بمرتبتين أو هو ليس بإله في الحال وإنما المأمول أنه سوف يكون إلها .
ثم إن ما في رأي هذا الفيلسوف من الأسباب المخففة لخطائه نسبيا ، كونه متوسطا بين مذهبي الوجوديين اللذين يكون الله في أحدهما كل موجود وفي الآخر لا يكون أي موجود ، حيث يبحث عن الله في الموجودات الحية . وأين كل هذه الترهات والتخرصات من قول القائل " كل ما خطر ببالك فالله غير ذلك " ... وإن شئت تعيين الحقيقة لله فلا تجاوز القول بأنه الموجود الواجب الوجود كائنا من كان ، أي لا تجاوز تعيينه في ضمن هذا المفهوم الكلي الذي لا يصدق إلا على فرد واحد .
ولك أن تقول بالاختصار كما قال سيدنا الخليل عليه الصلاة والسلام : " إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض .
أن يكون وجود كل موجود هو الله وهو مذهب وحدة الوجود الذي لا يرتضيه الفلاسفة بصفة أنهم عقلاء وأن مذاهبهم مذاهب العقل ولا يرتضيه الشيخ المجدد رحمه الله أيضا .
فظهر مما قلنا أن المصير الطبيعي لمذهب الفلاسفة الذين هم وضعة النظرية القائلة بأن حقيقة الله الوجود ينتهي إلى مذهب وحدة الوجود بناء على أن المفهوم من الوجود في قولهم " وجود الله عين ذاته " يلزم أن يكون عين المفهوم من الوجود في قولهم " ووجود الموجودات غير زائد على ذواتها " أعني الوجود المعروف الذي هو هو بمعنى الكون في الأعيان والذي هو موجود في كل موجود . فلما بلغ الأمر هذا الحد وتبين للفلاسفة وأنصارهم ما تنجر إليه نظريتهم نكصوا على أعقابهم فقالوا إن الوجود الذي هو ذات الله ليس هو الوجود المعروف العام وإنما هو الوجود الخاص المجهول الحقيقة المخالف لسائر الوجودات وادعوا أنه لا مانع من كون هذا الوجود موجودا ومحمولا على ذات الله مواطأة فبهذا التأويل والتخصيص أرادوا أن يدفعوا الاعتراضين المذكورين آنفا وكذا الاعتراض بأن الوجود معلول الحقيقة فكيف يكون هو الله الذي لا تعلم حقيقته .
نكصت الفلاسفة وأنصار مذهبهم على الرغم من أنهم وضعة النظرية القائلة بأن حقيقة الله الوجود واندفعت الصوفية الوجودية في تيار تلك النظرية التي أعجبتهم كل الإعجاب فلم يسلموا ببطلان ما يلزمها وادعوا أن الوجود أينما كان موجود واجب الوجود .
فلما نكصت الفلاسفة عن طريقتهم وكان الواجب عليهم لما تنبهوا لما تجرهم إليه نظريتهم من الباطل الفاحش البطلان أن يرجعوا عنها بالمرة لكنهم ما فعلوا ذلك وزعموا أن التشبث بالوجود الخاص يكفيهم وينجي نظريتهم من الفشل وفاتهم أن هذا الانحراف من الوجود العام المعلوم المعنى والمطلوب ثبوته لله من حيث معلوميته ، إلى الوجود الخاص المجهول الحقيقة أبعدهم عن المقصود فأصبح الوجود الذي هو حقيقة الله غير الوجود المطلوب حتى احتاج استلزام الوجود الأول للوجود الثاني إلى بيان
وإثبات (1) وليس بينهما مناسبة سوى المشاركة في اسم الوجود من غير أن يعلم حقيقة مسمى الوجود . فهل يكفي تسمية حقيقة الله باسم الوجود الذي لايفهم معناه ، في جعل الوجود المعلوم المعنى مضمونا له ؟ وقد كانت الفلاسفة جعلوا حقيقة الله عين الوجود ليكون ثبوت الوجود مضمونا له بدرجة ثبوت الشيء لنفسه فضاعت دعوى العينية هذه بعد صيرورة الوجود وجودين متغايرين أحدهما عام معلوم الحقيقة والآخر خاص غير معلومها . ولا أدري كيف سموا مالا يعلمون حقيقته وجودا ، فكأنه معلوم الاسم وهو الوجود غير معلوم المسمى وكأن الله الذي هو غير معلوم الحقيقة معلوم الحقيقة وهي الوجود والوجود الذي هو معلوم الحقيقة غير معلوم الحقيقة ، فإذن يلزم هذا الوجودَ الذي لا يعلم حقيقته أنيكون غير معلوم أيضا كونه حقيقة الله وغير معلوم أن يكون له ظلٌّ .. وفي جعل وجود الممكنات ظلا للوجود الأصلي الذي هو الله نزعةُ التوحيد الوجودي الذي ما كان يُعجب الشيخَ المجدد رحمه الله ، لأن ظل الشيء يكون مثالَه إن لم يكن عينه .. وفيه أيضا إيهام كون الله فاعلا موجبا في خلقه لا فاعلا مختارا ، لأن ماله ظل غير مختار في أن يكون له ذلك .
ثم من أين علموا الوجود الخاص الذي لا يعلمون حقيقته أنه وجود وأنه موجود بل واجب الوجود قائم بذاته قيوم لغيره من الوجودات حين لا سائر الوجودات كذلك ؟ فمن أين للوجود المجهول الحقيقة هذه المزايا العظمى ؟ ومن أين له أن يكون وجودا أصليا في حين أن ما عداه وجود ظلِّي كما في تعبير الشيخ المجدد رحمه الله ؟ فإن
____________________________--
(1) وقد أرينا القاريء كيف تكلف الفاضل السيلكوتي في تعليقاته على شرح المواقف بهذا الصدد . و الشيخ المجدد بين هذا الاستلزام بكون الوجود الثاني ظلا للأول واعترف بالتمحل والتكلف في حمل الوجود على الله في مذهب الفلاسفة والصوفية حمل اشتقاق ... وقد أشرنا نحن إلى وجود التكلف فيما اختاره أيضا وقلنا لماذا يكون الأصل وجودا وظله موجودا وقلنا غير ذلك أيضاً .
(20 – موقف العقل – ثالث )
كان كل هذه المزايا للوجود الخاص ، أتته من كونه حقيقة الله ، فهذا هو المصادرة على المطلوب التي تنبهنا لها ولم يتنبه – وياللعجب – مَن قبلنا من فحول العلماء والمشايخ ، لأن أول المسألة هو البحث في سبب كون الله واجب الوجود . ففكر الفلاسفة فيما يلزم أن تكون حقيقة الله ليكون واجب الوجود ، ثم حكموا بأنه الوجود نفسه لاستحالة انفكاك الوجود من الوجود نفسه ، فيجب إذن أن يكون الله ، أتاه وجوب الوجود من كونه الوجود نفسه . فإذا كان الله موجودا واجب الوجود عندهم لكونه الوجود وسألناهم كيف يكون الوجود موجوداً واجب الوجود وعهدُنا بالوجود أنه ليس بموجود بله أن يكون موجودا واجبَ الوجود ، فإذا سألناهم هذا السؤال وقالوا في جوابه إن هذا الوجود لا يقاس بسائر الوجودات لأنه الله ، كان دورا ومصادرة .
فإن ادُّعي أن الوجود موجود واجب الوجود لا من حيث اختصاصه بالله بل من حيث أنه وجود وهو الموجود في الموجود ، بمعنى أنه موجود بذاته في حين أن الموجود موجود بالوجود لا موجود بذاته كما أن المضيء مضيء بالضوء والضوء مضيء بذاته ، إن ادعي هكذا وتغاضينا عن ردنا السابق على هذه الدعوى كان الله موجودا في كل موجود لتضمنه الوجود الذي هو موجود وواجب الوجود لاستحالة انفكاك الوجود من نفسه وهو مذهب وحدة الوجود الذي كانت الفلاسفة وحضرة الشيخ يجتنبونه ، وهذا خلف .
والحاصل أنه لا منجاة عند القول بكون القول بكون وجود الله عين ذاته من إحدى العظيمتين الدور والمصادرة أو الوقوع في هاوية وحدة الوجود .
وهناك شيء آخر وهو أن المراد بالوجود الخاص الذي يعتصمون به فراراً من العظيمة الثانية ، الوجود البحت المجرد عن الماهية لا الوجود الخاص بالله وإلا كان مضافا إليه فلم يكن بحتاً (1) وخصوصيته في أن الوجود البحت أخص من الوجود المطلق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فليس في هذا الوجود الخاص خصوص غير تجرده عن الإضافة إلى ماهية من الماهيات =
لتقيده بالتجرد عن الإضافة إلى أي ماهية من الماهيات وهذا هو فرق الوجود الخاص الذي رأوه جديرا بأن يؤلِّهوه ، عن غيره . وليس فيه ما يوجب امتيازه بالاستقلال ووجوبِ الوجود ناشئا من نفسه أو مكتسبا من كونه وجود الله ولا ما يوجب أن يكون مجهول الحقيقة غير التوسل إلى ادعاء أنه حقيقة الله الذي لا تعلم حقيقته .
فيسقط بهذا التحقيق كل ما ذكره الشيخ المجدد رحمه الله من مزايا الوجود الخاص ، لأنه مبنى على ملاحظة أنه وجود الله أوبالأصح الوجود الذي هو الله . ومحل الدقة هنا أن القائلين بكون حقيقة الله الوجود حتى المتصوفين منهم لم يقولوا به لكونهم رأوا الله وعلموا حقيقته ، وإنما قالوا به لأنهم علموا الوجود ووجدوا فيه مزايا تجعله إلها على زعمهم فيلزم أن تكون المزايا المزعومة فيه أي في الوجود ، لذاته لا مكتسبا من فرضه اللهَ .
وخلاصة القول أنهم لم يجتاوزا إلى الحكم بأن الله هو الوجود ، من معرفتهم بحقيقة الله بل اجتازوا إليه من معرفتهم الوجود وتوهِم جدارته بالألوهية ، ولذا قلنا إن دعوى كون الوجود الخاص الذي جعلوه حقيقة الله غير معلوم الحقيقة ، يناقض دعواهم . فإذا كان المراد من الوجود الخاص الوجود البحت المجرد عن كل شيء وعن الإضافة إلى أي شيء وعن الإضافة إلى أي شيء تكون ملاحظة أنه يأخذ القوة والجدارة بكونه حقيقة الله من خصوصيته هذه ، تناقضا آخر ودوراً ظاهراً .
ثم إنه لا يعاب علينا ونحن على وشك الانتهاء من هذا البحث الذي أطلنا فيه
ــــــــــــــــــــــ
= كما صرح به الجلال الجواني من كبار أنصار مذهب الفلاسفة حيث قال وقد نقلناه فيما سبق :
" إن العقل ينتزع من الماهيات الموجودة في باديء النظر أمراً يشترك فيه الجميع وبه يمتاز عن المعدومات وهو الوجود المطلق وإنما يتخصص في الممكنات بالإضافة إلى الماهيات ينتزع منها كوجود زيد ووجود عمرو ، والبرهان يدل على أن كون الممكنات بهذه الحيثية يستند إلى وجود يكون تخصصه بسلب الإضافة إلى غيره وهو الوجود الحق الواجب الوجود " وقال الكلنبوي في تفسير قول الدواني " يكون تخصصه بسلب الإضافة إلى غيره " : " أي بالتجرد عن الإضافة " .
الكلام راجيا من فضل الله أن لا تكون إطالتنا من غير طائل ... لا يعاب علينا أن ننظر النظرة الأخيرة في المسألة بمناسبة انحياز الشيخ المجدد رحمه الله أيضا إلى مذهب الفلاسفة أعني مذهب كون حقيقة الله الوجود فنقول :
لا شك أنا إذا قلنا إن الله واجب الوجود فلا نعني بالوجود غير معناه المعروف أي الكون في الأعيان كما أن هذا المعنى نفسَه يراد إذا قلنا عما سوى الله إنه ممكن الوجود . فيجب إذن أن يكون اختلاف المختلِفِين في تفسير وجوب وجود الله بأن يكون وجوده عين ذاته أو يكونَ مقتضى الذات زائداً عليها ، دائراً حول الوجود بالمعنى المذكور نفسِه . فإذا قالت الفلاسفة أو شيخنا المجدد رحمه الله إن الوجود عين الذات في الواجب وزائد على الذات في الممكنات لزم أن يكون الوجود فيما قالوا إنه عين الذات وفيما قالوا إنه زائد على الذات ، بمعنى واحد وإلا كان نزاعهم مع جمهور المتكلمين القائلين بأن الوجود زائد على الذات في الكل ، نزاعا من دون تعيين محل النزاع ، فعدول القائلين إذن بأن وجود الله عين ذاته عن هذا المعنى للوجود ، إلى معنى آخر كمبدأ الآثار الخارجية أو مبدأ انتزاع الوجود أو الوجود الخاص الذي لا تعلم حقيقته ، قاصدين الفرار عن الاعتراضات الواردة على كون الوجود عين ذات الله ، يُخرج المسألةَ عن وضعها الأصلي حيث يكون الوجود المضمون عدمُ انفكاكه من الله لكونه عين ذاته ، غيرَ الوجود المطلوب وجوبُه له وعدمُ انفكاكه منه ، فضلاً عن أن ذلك العدول في معنى الوجود لا يجدي في دفع الاعتراضات الواردة ، فهم توغلوا في إثبات كون الله وجودا واجب الوجود بينما كان واجب الإلهيين إثباتَ كونه موجوداً واجب الوجود . وقد تبين ذلك للقاريء في إيضاح بعد إيضاح . ومثل تأويلهم في الابتعاد عن المطلوب وفي عدم النفع لدفع الاعتراضات تأويلُ شيخنا المجدد رحمه الله للوجود الذي جعله عين ذات الله كما جعلوه ، بالوجود الأصلي لأن الوجود لا يجعله أيُّ قيد سامٍ حتى قيدُ الوجوب أيضاً ، مستحقاًّ للألوهية ، لأنه عهدنا بالوجود أنه ليس من الموجودات أو على الأقل أنه غير
مستقل بالموجودية والاستناد إلى أن هذا الوجود لا يقاس على سائر الوجودات لكونه عبارة عن ذات الله فلا يستبعد منه أن يكون موجودا قائما بنفسه مقيما لغيره ، استنادٌ إلى ما لم يثبت بعدُ وإنما أريد إثباته ، وهذا هو الذي يقال عنه المصادرة على المطلوب أي الرجوع إلى أول المسألة المنازع فيها وعرضها قبل ثبوتها في معرض الثابت ، إذ لم يثبت بعدُ كون ذات الله عبارة عن الوجود المحض غير أن الوجوديين يدَّعونه ونحن لا نوافقهم عليه مع جمهور المتكلمين ، والمصادرة على المطلوب تتضمن تناقضاً جامعا بين ثبوت الشيء وعدم ثبوته في وقت واحد .
فحق القول أن دعوى كون الله الوجود دعوى خاسرة من وجوه . وغير ضروري حمل قول الفلاسفة بأن وجود الله عين ذاته ، عليه بل أقرب منه إلى العقل أن يكون مذهبهم في صفاته كما نبهنا إليه من قبل أيضا . ولنقف هنا على هذه النقطة وقفة ثانية إجمالية : فعلى هذا التقدير لا يكون لله وجود زائد على ذاته كما لم يكن له أي صفة زائدة على ذاته بل يترتب كل ما يترتب على صفاته وعلى وجوده ، على ذاته البحتة فيكون ذاته مبدأ الآثار الخارجية حين كان مبدأ الآثار في الممكنات وجوداتها لا ذواتها ، فكأن ذات الله الوجود في قيامها بمهمته أيضا لا أن ذاته الوجود حقيقة . فتسقط بهذا التحرير أسطورة الوجود وتسقط معها الاعتراضات الواردة عليها وينسد الطريق من مذهب الفلاسفة إلى مذهب وحدة الوجود وأباطيلهِ ولا يبقى محل لدعوى كون ماهية الله الوجود المجرد عن الماهية أو الوجود المطلق . والذين اختلقوا دعوى كون الله الوجود المجرد اختلقوا معها وجوداً بمعنى مبدأ الآثار وقالوا إن للوجود بمعنى مبدأ الآثار فردين أحدهما ذات الله البحتة المستغنية عن كل صفة حتى عن صفة الوجود أيضاً والآخر وجود الممكنات ، والآثار المترتبة في الممكنات على وجودها تترتب في الله على ذاته . فمن أين إذن حصل إطلاق الوجود على ذات الله المستغنية عن الوجود ؟ ومن أين للوجود أن يكون بمعنى مبدأ الآثار فضلاً عن أن يكون له أي للوجود بمعنى مبدأ
الآثار فردان أحدهما ذات الله والآخر وجود الممكنات؟ نعم يصح أن يحمل على وجود الممكنات حملا مواطئاً أنه مبدأ الآثار ويصح أن يحمل ذلك أيضا على ذات الله بأن يقال ذات الله مبدأ الآثار ن لكن المحمول في الجملتين مبدأ الآثار لا الوجود وإنما الوجود أحد الموضوعين اللذين حمل عليهما مبدأ الآثار والآخر ذات الله ولا يلزم إذا صح حمل شيء على موضوعين مختلفين أن يصح حمل أحد الموضوعين على الآخر حتى يصحَّ حمل الوجود مواطأة على ذات الله فيقالَ ذات الله وجود ، وإلا كان يلزم أن يصح أيضا حمل الذات على وجود الممكنات الذي هو الموضوع الآخر فيقالَ وجود الممكنات ذوات قائمة بأنفسها ... مثلا يصح أن يقال عن الثلج إنه أبيض ويصح حمل أبيض على القطن أيضاً ، فهل يصح بناءًا على هذا أن يقال إن الثلج قطن أو القطن ثلج ؟
فقد اتضح أن أسطورة الوجود أعني أسطورة كون ذات الله الوجود حصلت بين قول الفلاسفة بنفي الصفات عن الله والاعتراف بذاته المحضة المبهمة المجردة من كل شيء وبين قولهم بأن وجود الله عين ذاته ، مع أن القول الثاني كان من فروع القول الأول وكان معناه أنه لا وجود لله زائدا على ذاته لكون ذاته مغنية عنه مترتبا عليها ما يترتب على وجوده لو كان لهذه الذات اتصاف بالوجود ، ولم يكن معناه أن ذات الله وجود فضلا عن أن يكون وجوداً مجرداً عن الماهية أي عن الذات أو يكون وجوداً مطلقاً .
وفي قول الفاضل الكلنبوي وهو من أحمس أنصار مذهب الفلاسفة ص 201 : " وذكر ما يدل على المعنى الصدري وإرادة مبدأ انتزاعه شائع فيما بينهم كما في قولهم صفات الله تعالى عين الذات إذا المراد الآثار التي تترتب على صفة العلم فينا مثلا تترتب في الواجب تعالى على الذات لا على صفة زائدة عليه كما فينا ، فكذا مرادهم ههنا الآثار التي تترتب على صفة الوجود فينا تترتب في الواجب على الذات لا على صفة زائدة عليه " اعتراف صريح بما قلنا من أن قولهم وجود الله عين ذاته من فروع قولهم بنفي
صفحة 311
الصفات عن الله و ترتيب ما يترتب عليها، على الذات البحتة (1) فكيف يستخرج إذن من كون وجود الله عين ذاته الذى أرادوا به نفى صفة الوجود عن الله كسائر الصفات و رتبوا ما يترتب عليه على الذات أى استغنوا بذاته البحتة عن وجوده ، فكيف يستخرج من هذا أن الله هو الوجود؟ و لهذا لم يصح تعقيب الفاضل الكلنبوى قوله المذكور آنفا بقوله: " فمعنى قولهم هذا أن الوجود بمعنى مبدأ الآثار الخارجية عين ذات الواجب ولا شك أن مبدأ الآثار الخارجية يحمل على الواجب تعالى مواطأة و إن لم يحمل عليه الوجود بمعنى الكون فيصح أن يقال إن الواجب فرد خاص من الوجود المطلق بمعنى مبدأ الآثار الخارجية" كما لم يصح ما ادعاه المحقق الدوائى من صحة إطلاق العلم أو الإرادة على الله تعالى فى مذهب الفلاسفة تفريعا له على قولهم فى صفات الله إنهم عين ذاته، لأن مذهبهم نفى الصفات زائذة على الذات البحتة و ليس مرادهم أن الذات صفات أو تتضمن الصفات ، إذ لا تكون الذات حينئذ بحتة، و لذا قال الفاضل خواجه زاده من علماء عهد السلطان محمد الفاتح فى " تهافت الفلاسفة" : " صفات الله عين ذاته لا على معنى أن هناك ذاتا و لها صفة و هما متحدتان كما يتخيل فى بادىء النظر بل معناه أن ذاته يترتب عليها ما يترتب على ذات وصفة معا، مثلا ذاتك غير كافية فى انكشاف الأشياء لك بل
هامش صفحة 311
(1) و يؤيده قول الفاضل المذكور عند تلخيص كلام المحقق الداوئى الذى تقلناه قريبا فى الهامش: " و حاصل كلامه أن العقل فى بادىء النظر ينتزع من جميع الماهيات الموجودة معنى الكون فى الأعيان و يزعم أن للكل حصة منه ثم يعد مراجعة البرهان يعلم انه ليس للواجب حصة منه فى الواقع فإن ذات تقوم مقام الحصة فى كونه مبدأ الآثار الخارجية" و من العجب بعد هذا النص القائل بعدم وجود حصة لله من الكون أى الوجود و بكون ذاته قائما مقامه أن يرجع فيقول " فيكون ذاته وجودا خاصا بمعنى مبدأ الآثار و إن لم يكن وجوداً بمعنى الكون فى الأعيان" لأن ما قبل كلامه ينطق بأن الله تعالى ذات لا وجود لها لا أن ذاته عبارة عن الوجود و لا الذات له غيره، و إن كان الوجود المنفى عنه أولا بمعنى الكون فى الأعيان و الوجود المثبت المفرع على ذلك النفى بمعنى مبدأ الآثار ، إذ لا يلزم من نفى الوجود عن الله بمعنى الكون فى الأعيان كون ذات الله وجودا بمعنى مبدأ الآثار حتى و لو سلم أنه يلزم من نفى ذلك كون ذاته مبدأ الآثار بدلا من وجوده. و مراد المحقق الداوئى من البرهان الذى أوصى بمراجعته، ذلك البرهان الذى اخترعه هذا المحقق و قد سبق منا نقله مع الرد عليه ص:132 -134
صفحة 312
تحتاج فيه إلى صفة تقوم بك، بخلاف ذاته تعالى فإنها لا تحتاج فى انكشاف الأشياء لها ولظهورها إلى صفة تقوم بها وكذا الحال فى سائر صفاته، ومرجعه إذا حقق إلى نفى الصفات مع حصول نتائجها وثمراتها)) وإن فرع ذلك الفاضل أيضا على قوله هذا أن حالله بهذا الاعتبار حقيقة العلو مثلا، ولم يصح منه أيضا هذا التفريع لأنهم نفوا الصفات عن ذاته تعالى صونا للذات البحتة البسيطة عن الكثرة مع أن الكثرة فى الصفات ليست كثرة فى الذات. فلو جعلت الذات بعد نفى الصفات عنها علما بعينه وإرادة وقدرة بعينهما ووجودا بعينه لدخلت الكثرة فى الذات وانقلبت الذات صفة بل صفات عدة .
فليس فى الله علم صفة و لا ذاتاً و لا يكون العلم الذى نعرفه ذاتا و إنما فينا العلم صفة و الله ذات بحتة لا تدرك حقيقتها و لا يقال عنها إنها علم أو إرادة أو قدرة أو وجود أو غير ذلك مما يعرب عن حقيقة معينة معلومة، لا يقال عنها بشئ من تلك الأمور لأنها صفات لا تقوم بنفسها و هى ذات قائمة بنفسها و لأ تلك الأمور معلومة و هى مجهولة، و إنما يقال عنها إنها ذات مستغنية بنفسها عن كل صفة لقيامها بما تقوم به تلك الصفات فلو قلنا عنها إنها علم مثلا لكونها مبدأ لانكشاف الأشياء لها كما نقول عن الصفة التى تكون فينا مبدأ لانكشاف الآشياء لنا، لكنا نعطى ذات الله اسم صفتنا، بجامع أن كلا من ذاته و من صفتنا مبدأ لانكشاف الأشياء ، و ليس ذلك من حقنا كما لا يكون من حقنا أن نقول عن صفة العلم
فينا إنها ذات الله أو ذات بحته، بالجامع نفسه. نعم يصح أن يقال عن صفة العلم فينا انها مبدأ الانكشاف و يصح أن يقال عن ذات الله البحتة أيضا إنها مبدأ الانكشاف ، و لكن لا يصح أن يقال عن ذات الله إنها علم ولا عن صفة العلم فينا إنها ذات الله ، لأن صحة حمل الشىء على موضوعين مختلفين لا تستلزم صحة حمل أحد الموضوعين على الآخر و قد ذكرنا مثال الثلج الأبيض و القطن الأبيض.
صفحة 313
هذا تحقيق ما يلزم أن يكون مذهب الفلاسفة في مسألة صفات الله و في مسألة وجوده و ما يلزم أن يكون مرادهم من قولهم صفات الله عين ذاته و قولهم وجود الله عين ذاته، الذي ليس إلا فرعا من فروع القول الأول و مقتضاه عدم صحة القول بأن الله وجود أو علم أو إرادة، و غير معقول جدا أن ينفوا عن الله العلم أو الوجود أو غير ذلك صفة و يثبتوه له ذاتا، مع قولهم إنه ذات بحتة غير معلوم الحقيقة فينقلوا الكثرة التي نفوا كل صفة عن الله لنفي الكثرة عن ذاته، إلى ذاته و ينقضوا بأيديهم ما بنوه و ينقلوا المعلومية أيضا إلى الذات المطلوب بقاؤها مجهولة الحقيقة.
و بعد انهيار دعوى كون حقيقة الله الوجود التي ابتدعها الفلاسفة، لأسباب مأخوذة من مذهبهم أنفسهم توجب انهيارها، و لعدم صحة تلك الدعوى في نفسها و عدم إمكان تصحيحها بتمحلات أنى بها أنصار الفلاسفة و أتينا نحن بنيانها من القواعد.
...فبعد انهيار تلك الدعوى لا يبقى عندهم محل لأن يكون الله واجب الوجود إذ لا وجود له عندهم و هو مستغن بذاته البحتة عن الوجود، و من هذا تراهم يكتفون في التعبير عن الله في غضون كلماتهم بالواجب و لا يقولون واجب الوجود و لا أدري هل يمكن وجوب ذات محضة من غير أن يكون وجوب شئ لشئ بمعنى استحالة انفكاكه منه، بناء على أن الوجوب إضافة تقتضى وجود الطرفين. و هذا سؤال أورده صاحب المواقف ثم أجاب عنه و اختار شارح المواقف جوابا غير جوابه و قد ذكرنا فيما سبق أن كلا الجوابين لا يتم حتى و لا مساعدة الفاضل السيلكوتى لجواب الشارح.
و أيضا لسائل أن يسأل هل هذه الذات البحتة المجردة من كل شئ موجودة بالمعنى المعروف الموجود أي الكون في الأعيان أم غير موجودة؟ و لا يمنع السائل من سؤاله هذا استغناء تلك الذات البحتة عن الوجود لترتب كل ما يترتب على وجودها عليها -و قد جعلنا هذا الاستغناء تفسير قولهم بأن وجود الله عين ذاته بعد رفض أن يكون معنى ذلك القول أن ذات الله هي الوجود- فإن قام أحد إلى الجواب عن
صفحة 314
السؤال المذكور بهذا الاستغناء فللسائل أن يعود قائلا هل يوجد بين ذوات الموجودات ذات بحتة مستغنية عن أن تكون موجودة أي كائنة في الأعيان أو لا يوجد ذات كهذه؟ فإن كان الأول أي إن كانت ذات كهذه موجودة في الخارج فمن الضروري أن يكون لها وجود بمعنى الكون في الأعيان كسائر الذوات الموجودة زائدا وجودها على نفسها، و هو مع ما فيه من التناقض الناشئ من كونها موجودة، و مستغنية عن أن تكون موجودة، مذهب المتكلمين غير أنه لا تناقض في مذهبهم. و ربما تجد في كلام أنصار مذهب الفلاسفة أنه لا خلاف لهم مع المتكلمين في زيادة الوجود بمعنى الكون.
فإذن ما معنى التكلفات التي تملأ كتب أنصارهم ليخالفوا مذهب المتكلمين قائلين بأن وجود الله عين ذاته بعد أن سيكونون مضطرين في نهاية الأمر إلى الاعتراف بالوجود الزائد على الذات؟ فهل الخلاف فى الوجود بمعنى غيرالمعنى المعروف و هو مبدأ الآثار الخارجية ، على ان يكون الزائد فى مذهبهم الوجود بالمعنى المعروف و يكون المزيد عليه الذى هو عين الذات ، الوجود أيضا لكن بمعنى مبدأ الاثار؟ و خلاصته انتقال الخلاف من الوجود الزئد على الذات إلى الذات نفسها فهى عند الفلاسفة وجود أيضا لكن بمعنى مبدأ الآثار و عندنا و عند المتكلمين لا تعيين فى ذات الله على أنها و جود أو غيره (1) و إنما الوجود يكون زائدا على الذات و لا يكون ذاتا و لا يكون له معنى هو مبدأ الآثار و إن كان الوجود فى الممكنات مبدأ الآثار ، لكن كون الوجود مبدأ الآثار شىء و كون مبدأ الآثار معنى الوجود شىء أخر و لا تكون ذات الله وجودا بمعنى مبدأ الآثار و إن كانت مبدأ الآثار مباشرة ، فى مذهبهم . فكأن القائلين بأن الله وجود بمعنى الآثار رتبوا قياسا منطقيا من الشكل الثانى(2) فقالوا ذات الله مبدأ
هامش صفحة 314
(1) و لذا قلت فى أول هذا المبحث ان الخلاف بين الفلاسفة و المتكلمين فى مسألة و جود الله هو هو عين ذاته أو زائد عليها ، أجدر بأن يكون خلافا فى تعيين الحقيقة لله تعالى منه بأن يكون خلافا فى زيادة الوجود على الذات و عدم زيادته.
(2)الشكل الثانى من الأشكال الأربعة للقياس المنطقى ما يكون فيه الحد الأوسط المتكرر
صفحة 315
الآثار, و الوجود في الممكنات مبدأ الآثار, فذات الله وجود. لكن شرط الإنتاح في الشكل الثاني وهو اختلاف الصغرى عن الكبرى إيجابا وسلبا, مفقود في هذا القياس. فلو صح القياس بشكله المذكور لصح أيضاً أن يقال: وجود الممكنات مبدأ الآثار, وذات الله مبدأ الآثار, فوجود الممكنات ذات الله!!(1).
وهنا ننتهي من الكلام في نقد المذهب الوجودي بكلا نوعيه الفلسفي و الصوفي راجين لنا ولإخاواننا المؤمنين الهداية و التوفيق من الله تعالى لعقيدة في ذاته موافقة لمرضاته.
هامش الصفحة رقم 315
= في الصغرى و الكبرى محمولا فيهما وإذا كان موضعا فيها فهو الشكل الثالث وإذا كان محمولاً في الصغرى و موضوعاً في الكبرى فهو الشكل الأول و عكسه الشكل الرابع.
[1] وإن كانت هذه النتيجة صحيحة عند الصوفية الوجودية أصحاب مذهب وحدة الوجود.
لكن كلامنا هنا مع الفلاسفة وأنصارهم الذين لا يرضون بوحدة الوجود مذهباً لهم.
صفحة 316
الفصل الثاني
مسألة حدوث العالم
كما أن النظر في العالم له خطورته العامة من ناحية كونه موضوع العلوم الطبيعية, فله خطورته وأهميته الخاصة بالذين لا يقصرون همتهم على استغلال شئونه ونتائجها المادية بل يبحثون عن منشأة و عما يدل عليه بوجوده أولا و انطوائه ثانيا على قوانين وأنظمة يسمونها طبيعية, من وجود موجود أعلى منه, هو مالك هذا العمل العظيم المسمى بالعالم والذي لا يجاوز كل ما فيه من صغير و كبير ورئيس ومرءوس وحي وجماد أن يكون عاملا من عمالة, حتى العاطلين من العمل ليسوا بخارجين عن الوظيفة, إن جاز أن يوجد فيه عاطل..وليس في داخل هذه المملكة العظمى التى كرتنا المشتملة على دول كبيرة و صغيرة أقل من أن تعد أصغر قرية فيها, من يستحق أن يكون مالك الملك ومديره العام وإنما جميع ما في المملكة عمال مستخدمون كما قلنا, فمن مالكها المهيمن عليها؟ وهل هي مستغنية عن المالك المهيمن كما هو رأي الملاحدة؟ كلا, بل الحاجة إلى وجود من يملكها ويسيرها, في درجة من البداهة بحيث لا يكون العقل الذي ينكر وجوده أو يغفل عن لعدم وصول التجارب إليه, عقلاً وإنما هو عصا بيد صاحبها الأعمى البصيرة تسترشد في دلالتها الاختبار و تمتد على قدر طولها المقدر بأشبار. وما أحسن ما قاله الفيلسوف "ريوارول": "أن الله يوضح العالم و العالم يثبت الله" لأن وجود العالم من غير وجود الله لغز يتعصى على الفهم".
وأنا أقول كما قال "اميل سسه": "إن العقل يتصور عدم وجود الله وعدم وجود العالم معا ولا يتصور عدم وجود الله مع وجود العالم" أما الشطر الأول من هذا القول.
صفحة 317
فمعناه أن العالم على الرغم من وجوده المشهود ليس وجوده ضروريا له وكان فى الإمكان أن لا يكون موجودا إذلا يترتب محال من المحالات المعروفة على فرض عدم وجوده.وعلى تقدير عدم وجود العالم لم يكن وجود الله ضروريا عند عقولنا لفقدان الدليل على وجوده بل فقدان العقل المستدل أيضا.
وأما الشطر الثانى فلان كل موجود فى العالم إما أن يكون موجودا من نفسه من غير حاجة إلى موجد يوجده ويضعه موضعه الخاص به وإما أن يكون له موجد ولوجده موجد ولوجد موجده موجد وهكذا دو اليك إلى ما لا نهاية له وإما أن يكون له موجد غير محتاج إلى موجد. والأول من هذه الاحتمالات الثلاثة باطل لأن الموجود من غير حاجة إلى الموجد يكون واجب الوجود غير قابل للعدم بالنظر إلى ذاته وماهيته لئلا يلزم من وجوده بغير موجدٍ تناقضٌ مسمى بالرجحان من غير مرجح، لكن العالم بجميع أجزائه المتركبة من المادة والصورة ليس فيه مانع من نفسه يمنع فرضَ عدمه، كأن لا يكون موجودا من الأول أو ينعدمَ بعد وجوده.ومثل هذا الذى لا يكون له وجوب الوجود وضرورته،يحتاج فى وجوده إلى من يوجده احتياجا قطعيا.
والاحتمال الثانى المؤدى إلى التسلسل باطل أيضا وسيأتى منا فى هذا الفصل إن شاء الله إبطال التسلسل كما سبق الكلام أيضا بصدده مفصلا فى الباب الأول من هذا الكتاب.فتعين الاحتمال الثالثوهو كون العالم موجودا بإيجاد موجود آخر غير محتاج إلى الموجد،وهذا الموجد هو الله.
أما كون العالم محتاجا إلى الموجد وعدم احتياج موجده إلى الموجد فالفرق بينهماانا نعرف العالم فى الجملة ونعرف حاجته إلى الموجد من قابليته فى ذاته للوجود والعدم على السواء بأن لا يلزم محال من فرض عدمه ومثله لايكون موجودا إلا بإيجاد موجود آخر يرجح له جانبَ الوجود حيث لا مقتضِىَ من نفسه يقتضى وجودَه، والله تعالى الذى
صفحه 318
هو موجد العالم لا نعرف ماهيته كالقائلين بأنها الوجود وإنما نعرف لزوم أن يكون الوجود مقتضى ذانه والعدم مستحيلا عليه..فنحن مضطرون إلى الحكم بوجود موجودكهذا لقطع سلسلة الحاجة إلى الموجدكائنا من كان هذا الموجود، ونحن لا نعين ذات الله ولا نعترف بالألوهية إلا لمن له هذه الصفة أعنى وجوب الوجود وجوبا ناشئا من ذاته.فإن قال قائل لا يوجد من له هذه الصفة، نجيب عنه بأنه لو لم يوجد لما كان هذا العالم موجودا كما انجلى ذلك من الاحتمالات الثلاثة التى ذكرناها آنفا، فوجود العالم وعدم وجوب الوجوبله هما اللذان يضراننا إلى القطع بوجود موجود يجب له الوجود ويستحيل عليه العدم، وهذا توضيح قول الفيلسوف أميل سسه السلبق نقله قريبا.
ثم إن العالم ليقوم بواجبه الذى هو إثبات وجود الله بوضوح، يلزم أن يكون حادثا،حيث إن حاجة القديم الذى لا أول له ولم يسبقه العدم، إلى الموجد غير واضحة.وبهذا تزداد مسألة حدوث العالم أهمية وخطورة فى علم الكلام على الرغم ممن خفى عليه خطورة المسألة كابن رشد، فلم ير بأسا فى قول الفلاسفة القائلين بقدم العالم وعاب على المتكلمين تشددهم على هؤلاء.
ولما خصصنا الفصل الأول من الباب الثانى لدرس مذهب وحدة الوجود ومنشاه الذى هو عبارة عن تعيين حقيقة الله تعالى على أنها الوجود وعن القول بأن الوجود فى كل موجود هو الموجود ولا موجود غيره وكان مقتضى هذا أن يكون الله كل الموجودات فيتحَد العالم مع الله، أردنا أن نبين فى هذا الفصل الثانى موقف العالم الحقيقى من الله وهو انه ما سوى الله ومخلوقه الحادث أى الكائن بعد أن لم يكن كما هو مذهب علماء الإسلام المتكلمين بأجمعهم بل مذهب الملين مطلقا. والمخالف فى هذه المسألة أيضا الفلاسفة والصوفية الوجودية وإن كان دأب العلماء المؤلفين فى علم أصول الدين أنيناقشوا الفلاسفة فقط عند درس مسألة حدوث العالم ويضربوا عن أذنابهم صفحا وأعنى بهم الصوفية القائلين بوحدة الوجود.
صفحة 319
مذهب فلاسفة اليونان أن العالم قديم إلا في رواية عن أفلاطون يقول فيها بحدوثه و عن جالينوس بتردد فيها بين القول بحدوثه وقدمه(1) وأكثر القائلين بقدم العالم من أولئك الفلاسفة معترفون بوجود الله وبتأثيره في وجود العالم..والملم بعلم الكلام يشهد معركة عظيمة بين متكلمي الإسلام وهؤلاء الفلاسفة هي هذه المسألة لو تذكرها وحدها على الأقل الأستاذ الفاضل الغمراوي المار الذكر في الجزء الأول من الكتاب الخاص بأسباب تأليفه, أو هيأة "مجلة الأزهر" -ولا أقول لو عرفها- لكفت في منع الأول عن رمي المتكلمين بتقليد الفلاسفة اليونايين في المسائل الكلامية و في منع الآخرين عن إشادة كتاب الأستاذ بنشر ما يتضمن ذلك الرمي منه في مجلتهم من غير تعليق عليه.
أعلم أن المتكلمين علماء أصول الدين قد عنوا بمسألة حدوث العالم عناية عظيمة حتى شنوا على الفلاسفة القائلين بقدمه حربا شعواء لا أغالي إذا قلت لا مثيل لها في أي مسألة خلافية بين الفريقين, ومن الغفلة استكثار هذا التشدد من المتكلمين في الإنكار على مذهب القدم, زعما من المستكثر أن المسألة لا علاقة لها مباشرة بموضوع الإلهيات, فكأنه يقول "إن وجود الله مضمون عند الفلاسفة كما انه مضمون عند المتكلمين وليكن العالم بعد هذا الضمان ما كان" ومثال تلك الغفلة ما وقع للقاضي إبى الوليد بن رشد الأندلسي من الاستخفاف بمسألة قدم العالم أو حدوثه من ناحية الدين وإنحائه باللوائم على المتكلمين الذين اعتبرهم مبتدعي هذه البدعة باسم مسألة حدوث العالم أو قدمه.
فأولا أن كون الله تعالى فاعلا مختارا لا يتفق مع قدم العالم, ومن هذا اعتبر الخلاف في حدوث العالم وقدمه ناشئا من الخلاف في كونه تعالى فاعلا بالاختبار أو فاعلا بالأيجاب
هامش الصفحة رقم 319
[1] على ما حكى عنه أنه قال في مرضه الذي توفى فيه لبعض تلامذته: "اكتب عني ما علمت أن العالم قديم أو حادث" قال الإمام الرازي "وهذا دليل على أن جالينوس كان منصفاً طالباً للحق فإن الكلام في هذه المسألة قد يقع من العسر و الصعوبة إلى حيث يضمحل أكثر العقول فيه".

صفحه 320
و قيل بالعكس أي إن الخلاف في هذا ناشئ من الخلاف في حدوث العالم و قدمه. و الحق أن كلا من المسألتين له خطورته الخاصة زيادةً على ما بينهما من شدة الاتصال. فلو صرفنا النظر عن علاقة القول بقدم العالم مع القول بكون الله فاعلا غير مختار ، كفانا مانُحس في القول بقدم شئ مما سوى الله من استغنائه عن فاعليته بالمرة لا مختارا و لا موجبا ، إذ لا تعقل حاجة القديم الذي لم يزل موجودا و لم يسبقه العدم ، إلى إيجاد الموجود تحصيلا للحاصل أي تناقضا ؟ إذا كان القائلون بقدم العالم يعترفون باستناده إلى الله استناد المعلول إلى علته كانت حاجته إلى وجود الله لا إلى فاعليته و حاجتهإلى فاعليته لا تتحقق إلا بالاستناد إلى إرادته التى هو مختار فيها ، إذا الإرادة بالمعنى الذي ابتدعته الفلاسفه ليست من الإراده في شئ .. على أن الله تعالى غير متصف عندهم بأي صفه زائده على ذاته . فليس هناك إرادة و لا علم و لا غيرهما و إنما هناك ذاتا . فإذا كان الله تعالى فاعلا للعالم على أن ينفك فعله للعالم من ذاته و لا يتأخر عنها ، كمالا يمكن وجود العالم مستقلا عن وجود الله ، و فعله الغير الإرادي يجعله أشبه بالماكينة المسخرة منه بالفاعل ، بل الاشتغال غير لازم للماكينه لزوم الفعل لله . فهل يقال عن الماكينه أنها فاعلة ؟ و إذا قيل فهل يكون ذلك قولا حقيقيا ؟ و لذا اعتبر فاعل القطع بالسكين هو الإنسان و السكين آلة القطع لا فاعلَه إن صح لغةً إسناد القطع إلى السكين أيضا ، بل و إن كان السكين أحق بإسناد القطع إليه من الإنسان الذي استخدمه و اقرب ، و كل هذا الفرق ناشئ من ترجيح صاحب الإرادة لأن يكون فاعلا ، و ليس فى الله إرادة على مذهب الفلاسفة القائلين بأن الله تعالى لا يمكنه ان لا يفعل كالشمس لا يمكنها ان لا تشرق ، و غير المريد لا يوصف بالقدرة حتى فيما فعله ، لعدم قدرته على ان لا يفعل . أمل قول صاحب (( الأسفار )) : (( المريد هو الذي يكون عالما بصدور الفعل الغير
_321_
المنافي عنه وغير المريد هو الذي لا يكون عالما بما يصدر عنه كالقوي الطبيعية , وان كان الشعور حاصلا لكن الفعل لايكون ملائما بل منافرا مثل الملجأ علي الفعل فإن الفعل لا يكون مرادا له ) ففيه أنه رد للإرادة إلي العلم والعلم لا يجعل صاحبه مريدا كالإنسان يعلم مرضه وليس ذلك بقصده وارادته فان قلنا إنه غير ملائم فصحته التي يعلمها وهي ملائمة تحصل ايضا من غير قصد وإرادة منه . علي ان حديث الملائم أو غير الملائم فيمن سلبت عنه الإرادة وردت الي العلم يكون حديث خرافة إذا الملائم يمتاز عن غير الملائم بموافقته للإرادة ولا ارادة هناك ( 1 ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) وإني اقول هنا قولا لعله لم يلح ببال أحد وهو أن وجوب افعاله تعالي عنه من غير اختيار منه عند الفلاسفة ووجوب مفعولاته المبني علي وجوب افعاله والمستلزم لقدم العالم وكون صدوره منه كصدور الإشراق من الشمس وقد نص بعض انصارهم مثل صاحب الأسفار علي هذا التشبيه مع ادعاء الفرق بينهما بعدم وجود الإرادة في الشمس ووجودها في الله , ومع كوننا لا نعترف بهذه الإرادة المردودة الي العلم المردود الي ذات الله ... كل ذلك مما يقرب العالم من ذات الله ويزيد في تقريبه حتي يجعله _ لا أقول كصفة من صفاته إذ لا صفة له عندهم إلا وهي منتفية في الذات بل أقول كما قال صاحب الأسفار _ شأنا من شؤونه وطورا من اطواره , فيلغي كلمة ( ما سوي الله ) ويفتح طريقا الي مذهب وحدة الوجود أي مذهب اتحاد العالم مع الله ويؤيده ما قلت في الفصل السابق المعقود لتحليل ذلك المذهب ولا أزال أقوله من أن الصوفية الوجودية بنوا آراءهم في الله علي آراء الفلاسفة ومن أجل ذلك ابتعدوا عن عقائد علماء أهل السنة والجماعة وكانوا أي الصوفية هم الحقيقين بتفنيد الأستاذ الغمراوي وتعييبه بتقليد الفلاسفة اليونانيين لا علماء أهل السنة والجماعة .
وقد تري هناك مذهبا ذا وجهين من الفلسفة والتصوف يعكس ما فعله الصوفية الوجودية فيبني الفلسفة علي التصوف الوجودي ومثال هذا ما قاله صاحب الأسفار عند تفضيل مذهب الفلاسفة القائلين في علم الله بارتسام صور الاشياء في ذاته تعالي وحصولها فيه حصولا ذهنيا علي الوجه الكلي ص 97 : ( وأما تحاشيه أي تحاشي شيخ الاشراقيين وتحاشي من تبعه من القول بالصور الإلهية لعلمهم أنه يلزم حلو الاشياء في ذاته وفي علمه الذي هو عين ذاته , فقد علمت أن ذلك غير لازم الا عند المحجوبين عن الحق الزاعمين أنها أي الاشياء كانت غيره وكانت أعراضا حالة فيه وأما =
( 21 _ موقف العقل _ ثالث )
*******************************
-322-
فالمتكلمون يخالفون الفلاسفة ويقولون بحدوث العالم بناء علي عقيدة الخلق الإسلامية بل عقيدة المليين أجمعين لأن الله تعالي خالق كل شيء وخلق الشيء يقتضي كونه معدوما قبل أن يخلق وهو المعني بالحدوث , فالحادث ماله اول يسبقه العدم , والقديم مالا اول له فكيف يتصور الفلاسفة القدماء ومن تبعهم من المسلمين كابن رشد كون العالم القديم اثر الله وكيف يجمعون دعوي قدمه إلي الاعتراف بوجود الله وبتأثيره فيه ؟ فهذا أمر يتعجب منه جدا ولهذا كان مراد الماديين من اليونان القدماء ومن الغربيين المتأخرين لما ادعوا أزلية المادة والقوة , الاستعانة بذلك علي انكار وجود الله ( 1 ) وفي الحق أنه لا يمكن ان يكون القديم اثر الفاعل لا الفاعل المختار ولا الفاعل الموجب وإن كان المشهور في علم الكلام أن القديم لا يكون اثر الفاعل المختار , لأن ايجاده إن كان من عدم استلزم كونه حادثا وهو خلاف المفروض وايجاده من موجود يكون تحصيلا للحاصل وهو محال كخلاف المفروض متضمن للتناقض . لا وجه لزعم بعض الناس أن الخلق والايجاد من عدم غير ممكن , بل الخلق والايجاد لا يكون إلا كذلك وإنما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= إذا كانت عينه من حيث الحقيقة والوجود وغيره من حيث التعين والتقيد فبالحقيقة ليس هناك حال ولا محل بل شيء واحد متفاوت الوجود في الكمال والنقص والبطون والظهور ونفس الامر عبارة عند التحقيق عن هذا العلم الإلهي الحاوي لصور الاشياء كليها وجزئيها وقديمها وحديثها فإنه يصدق عليه أنه وجود الاشياء علي ما هي عليها فإن الاشياء موجودة بهذا الوجود الإلهي الحاوي لكل شيء ) وأنا أقول فإذا لم تكن الاشياء غير الله بل كان كل شيء عينه فحدث كما شئت عن أي مسألة شئت ولا حرج فالمخطيء والمصيب ليسا غير الله ولو قلنا تعالي الله عما يقول الظالمون لقال هذا الفيلسوف الصوفي ولا الظالمون ايضا .
( 1 ) ولذا قال استاذ مجلة الأزهر _ مستهينا بالعقل وأهل الدين المعتمدين عليه _ في مقالته التي نشرتها مجلة الرسالة بعنوان ( الدين في معترك الشكوك ) وسبق الكلام منا عليها في اوائل الجزء الأول من هذا الكتاب : ( ان العقل الذي يعتمد عليه الاعتقاديون يقوم علي مسلمات لا تزال في نظر العلم مسائل تعوزها الحلول كنشوء الكون والمادة )
*******************************
_323_
المحال هو الايجاد من عدم , بمعني الايجاد من غير موجد وإنما الزاعمون عدم إمكان الايجاد من عدم يلتبس عليهم خلق الله بمصنوعات البشر فيتكلمون عن قياس الغائب علي الشاهد . ولا وجه ايضا لما زعمه ان رشد نصير الفلاسفة في مذهب قدم العالم وغيره من أن الله تعالي لم يزل فاعلا مؤثرا علي ان يكون آثار افعاله موجودات أزلية كفاعلها وفعله , إذ لا إمكان للتأثير في الموجود الأزلي بالإيجاد كما ذكرنا .
لا يقال كونها موجودات أزلية يصح بفضل انها آثار الايجاد الأزلي لأنا نقول إن كانت تلك الموجودات معدومة قبل الايجاد الأزلي فهي حادثة مسبوقة بالعدم وان كانت موجودة كان إيجادها تحصيل للحاصل أي لم يكن إيجادها إيجادا . فإن قيل نختار أنها موجودة بالايجاد الأزلي لا قبله وبعبارة أخري لا يتصور ما قبل الايجاد الأزلي حتي يصح الترديد بين كون الآثار الأزلية موجودة أو معدومة قبل الايجاد الأزلي . قلنا كما لا يتصور قبل الايجاد الأزلي لا يتصور الايجاد الأزلي ايضا الذي يكون اثره قديما لأن الايجاد إفاضة الوجود , والقديم الذي لم يزل موجودا لا يقبل هذه الافاضة.
وهذا الذي قلنا من استحالة التأثير بالايجاد في القديم لا يختلف مؤداه سواء كان الله تعالي فاعل العالم كما هو مذهب المتكلمين أو علته كما هو مذهب الفلاسفة وإن شئت فقل بدل العلة في مذهب الفلاسفة فاعله الموجب وفي مذهب المتكلمين فاعله المختار , لأن التأثير معتبر في العلية كما أنه معتبر في الفاعلية . ولهذا فإني متعجب من الامام الغزالي الذي لم يجوز في كتابه ( تهافت الفلاسفة ) الفاعل والمفعول القديمين , كيف جوز عقبه أن تكون العلة ومعلولها قديمتين . ولعله نظر الي ما ذهب اليه المتكلمون القائلون بزيادة صفات الله علي ذاته من انها صادرة عن الله صدور المعلول عن علته وليست الذات بالنسبة اليها فاعلا مختارا بل موجبا لان اثر الفاعل المختار لا يكون إلا حادثا , مع أن صفات الله قديمة مثل ذاته فتكون صفاته عند هؤلاء المتكلمين ممكنة وقديمة كما أن العالم ممكنة وقديمة عند الفلاسفة , لكن القول عندي عدم صحة القول
***********************
_324_
بإمكان صفات الله ولا صدورها عن الذات لا اختيارا ولا إيجابا لأنها غير متأخرة عن وجود الذات والفاعل يجيب تقدمه بالوجود فصفاته مقتضي ذاته كما أن وجوده مقتضي ذاته , ألا تري أن الضرورة الملجئة الي الاعتراف بوجود الله إسناد وجود العالم إليه ملجئة ايضا الي الاعتراف بصفاته الكمالية ( 1 ) .
فعلي ما ذكرنا لايكون القديم الا واجبا والإمكان ينافي القدم ولا يصح قول الفلاسفة بإمكان العالم وقدمه معا ويسقط الخلاف المشهور بين الفلاسفة والمتكلمين في أن المحوج الي العلة الامكان او الحدوث لحصول التصادق بين هذين الأمرين كالتصادق بين القدم والوجوب وتسقط الاقاويل حول أزلية الامكان واستلزامه لإمكان الأزلية ( 2 ) لأن نفس الحاجة الي العلة سواء كان منشأها الحدوث أو الامكان تنبيء عن تأثير مؤثر في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) وربما ينطبقي ما قلنا علي ما ذهب اليه المتكلمون الأشاعرة من أن صفات الله ليست عين ذاتها ولا غيرها .
( 2 ) من أدلة الفلاسفة علي قدم العالم أن إمكان الوجود للعالم ثابت في الأزل ولو لم يثبت لزم كون الممكن ممتنعا في الأزل ثم انقلب ممكنا وهو محال . فإذا ثبت أن الممكن ممكن من الأزل لزم إمكان وجوده في الأزل وهو القدم . وجواب المتكلمين عليه أن أزلية الإمكان لاتستلزم إمكان الأزلية لأنا اذا قلنا إمكانه أزلي أي ثابت أزلا كان الأزل ظرفا للامكان واذا قلنا أزليته أي وجوده في الأزل ممكنة كان الأزل ظرفا لوجوده , ولا شك أن الاول الذي هو انصاف الممكن بالإمكان انصافا مستمرا غير مسبوق بعدم الانصاف , غير الثاني الذي هو امكان انصاف الممكن بالوجود انصافا مستمرا غير مسبوق بعدم الانصاف لجواز أن يكون وجود الشيء في الجملة ممكنا امكانا مستمرا ولا يكون وجوده علي وجه الاستمرار ممكنا .
غير أن العلامة الشريف الجرجاني شارح المواقف انتقد هذا الجواب وادعي التلازم بين أزلية الامكان وإمكان الأزلية مستدلا بما لا نري الحاجة هنا الي نقله وانما نقول : الامكان ونعي به الامكان الخاص المقيد بجانبي الوجود والعدم عبارة عن قابلية الوجود والعدم كليهما وهذه القابلية دائمة في الممكن مستمرة من الأزل الي الابد لكن الذي يلزم هذه القابلية الدائمة هو الوجود المطلق لا الوجود الدائم الذي هو أخص منه فلو استلزمت قابلية الوجود الدائمة للممكن الوجود الدائم انسلبت من الممكن القابل للوجود والعدم قابلية العدم وهو خلف .
***************************
_ 325_
وجود ذلك المحتاج فهو ان كان معدوما قبل التأثير فذاك الحدوث بعينه وإن كان موجودا فالتأثير فيه بالايجاد تحصيل الحاصل . وما قاله الفاضل الكلنبوي في حواشيه علي شرح الجلال الدواني للمقائد المضادية ( من أن التأثير له معنيان أحدهما التأثير المستأنف وهو الاحداث الموجب لسبق العدم علي وجود التأثر ولا يوجد هذا المعني الا في آن الحدوث . وثانيهما ترجيح جانب الوجود علي العدم وهذا المعني كما يوجد حين الحدوث يوجد في حال البقاء ايضا وإلا كان الحادث في حال البقاء موجودا برجحان الممكن من نفسه الي جانب الوجود وهو ضروري البطلان بل لابد من ترجيح مرجح في حال البقاء ليدوم له الوجود الي الحاصل بالتأثير بالمعني الاول فقالوا يجوز ان يكون التأثير في القديم من قبيل التأثير حال البقاء ) ففيه ان حاصل معني هذا التأثير هو الإبقاء علي الوجود الحاصل من قبل فإاذا حمل عليه تأثير الله في القديم فانما يكون الله مبقيه علي الوجود الحاصل من قبل فيرد عليه السؤال بماذا يحصل له الوجود أو لا حتي يكون إبقاؤه عليه من الله ؟ فإن كان حصوله من نفسه يلزم أن يكون المتأثر بالمعني الثاني واجبا فيستغني عن الابقاء كما استغني عن الايجاد , وبعبارة أخري لايقبل التأثير بالمعني الثاني كما لايقبل التأثير بالمعني الاول , فضلا عن لزوم تعدد الواجب وان كان حصوله من الله فهو تحصيل الحاصل . الحاصل أنه لا يتصور ايجاد الموجود أزلا الذي لم يسبق وجوده العدم لانه تحصيل الحاصل وتحصيل الحاصل محال متضمن للتناقض . ولا سبيل لحل هذا الاشكال بما اشتهر عند المؤلفين من علمائنا وتمسك به صاحب ( الأسفار ) ايضا , من أنه إيجاد الموجود الذي حصل له الوجود بايجاد متقدم علي هذا الايجاد , والمحال الذي فيه تحصيل الحاصل هو الثاني لا الأول , وبينوا تمسكهم هذا بأن اتخاذ الشيء لا يكون في حال عدمه لامتناع تحول العدم الي الوجود وانما يكون في حال وجوده إذ المعدوم لايكون متعلق الايجاد بل يكون متعلقه الموجود أي الموجود بهذا الإيجاد .
*************************
_326 _
وعندي أن حل الإشكال بهذه الطريقة وهم محض إذ كما يستحيل ايجاد الموجود بإيجاد سابق لكونه تحصيلا للحاصل , يستحيل ايضا ايجاد الموجود بهذا الايجاد لكونه مستلزما لتقدم الشيء علي نفسه وهو تناقض من نوع آخر , وإني متعجب من اشتهار هذا التوجيه السخيف بين العلماء , فكيف يخفي عليهم ما فيه من الاستحالة ؟ لا سيما علي صاحب الأسفار المعجب بعقله وذكائه اعجابا يفيض من ثنايا سطور كتابه الضخم , فكأن الايجاد يتقدم علي نفسه فيوجد موجودا ثم يتعلق بهذا الموجود ويكون تعلقه به إيجاده في المرة الاولي لا الثانية لئلا يلزم تحصيل الحاصل !!
أما قولهم ايجاد الشيء لا يكون حال العدم لامتناع تحول العدم الي الوجود , فجوابه انا نعلم قطعا أن الشيء لايكون موجودا قبل ايجاده فيلزم أن يكون معدوما , وبعد الايجاد يصير ذلك الشيء موجودا , فهو موجود بعد الايجاد ومعدوم قبله , أما في آن الايجاد فلا ندري هل هو موجود أم معدوم ومعرفته من اختصاص الخالق وليس لنا قدرة الخلق ولا معرفة كيفيته , فإن لم يتأخر كونه موجودا عن ايجاده فلا يتقدم عليه قطعا , وإن كان زمانهما واحدا وأردنا تعيين المقدم بالطبع فالايجاد لابد أن يتقدم علي الوجود دون عكسه كما تخيله المؤولون , لأن الوجود الحاصل بالمصدر لا يتقدم المصدر الذي هو الايجاد .
ثم إن كانت الشبهة تخالجك في مسألة المحوج هل هو إمكان المحتاج أو حدوثه ؟ فلننظر لماذا يحتاج المحتاج الي العلة ؟ فالممكن يشمل الموجود والمعدوم وهو مادام معدوما لا يحتاج الي العلة ( 1 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) وقولهم ان عدم الممكن كوجوده يحتاج الي علة فإن كان المراد منه عدمه الحادث أي الطاريء علي وجوده فمسلم ذلك وهو يؤيد كون منشأ الحاجة إلي العلة الحدوث وان كان المراد عدمه الاصلي فلا نسلم قطعا احتياج الأعدام الأصلية الي العلة . أما قولهم بأن علة العدم عدم العلة فتشبيه أو تفلسف وتعسف , إذ من البعيد جدا أن يكون المعدوم علة للمعدوم فيكون أحدهما مؤثرا والآخر متأثرا من غير أن يكون لهما صلة بالوجود ولو في الجملة كما اذا كانت العلة زوال العلة الموجودة =
*****************************
_327_
وإنما حاجته اليها ليكون موجودا وليدوم له الوجود مدة دوامه , فمنشأ الحاجة اذن انصاف الممكن بالوجود ابتداء وبقاء الا أن الموجود القديم لما لم يحتج الي علة كما حققناه تعين الوجود الحادث للحاجة فاذ اختصرته قلت الحدوث أي الحدوث المقابل للقدم لا المقابل للبقاء لأن وجود الحادث حال بقائه وجود حادث كابتدائه فلا يصح تمثيل الحادث المحتاج الي العلة بالبناء المستغني بعد انشائه عن الباني , فالمحوج هو حدوث الممكن لا امكانه بالرغم من أن مذهب الفلاسفة هو الثاني وبالرغم من أن بعض المتكلمين المحققين متفقون معهم في ذلك ( 1 ) ولعل سبب خطأ الفلاسفة قولهم بقدم العالم مع امكانه واستناده الي الله , وسبب خطأ اولئك البعض من المتكلمين قولهم بإمكان صفات الله مع قدمها وصدورها عن الله ايجابا . والكل بعيد عن الحقيقة كما عرفت , ولو كان الله تعالي فاعل صفاته لكان ذلك علي علم منه وقدرة فيلزم وجود صفاته قبل وجود صفاته , أما تعليل إمكان الصفات باحتياجها إلا الذات التي تقوم بها فيرد عليها أن وجوده من صفاته عند القائلين بزيادته علي الذات فلو اقتضي احتياجه الي الذات إمكانه كان وجود الله الواجب الوجود ممكنا
( 2 ) وأصل المسألة أن الصفة إن لم تكن عين الذات فليست غيرها ايضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= والمعلول زوال المعلول الموجود أعني عدمهما الحادث , وإلا فأولي بعلية عدم أصلي لعدم أصلي آخر أن تتصور معدومة كطرفيها فلا علة ولا معلول ولا صلة بينهما بالعلية والتأثير .
( 1 ) بعد أن كتبت هذا رأيت ( مرقاة الطارم ) لعالم الهند الكبير محمد أنور شاه الكشميري رحمه الله يقول فيه ص 37 ( والمحوج الي العلة ليس هو الامكان كالذي يكون في ممكن بقي في العدم ولا حدوث في أول آن بل وجود يكون من الغير فالعلة هي الموجودية الحادثة وكأن المراد بالحدوث الوجود في
مقابلة العدم ) فسرني أن اتفقنا في الرأي .
( 2 ) نعم , إن الذين قالوا بعدم زيادة الوجود علي الذات صفة له تعالي ذكروا من اسباب قولهم هذا وكذا قولهم في سائر الصفات لو كانت له تعالي صفات زائدة علي ذاته لكانت محتاجة الي الذات في قيامها وكانت الذات محتاجة اليها في كمالها . ونحن لا نري محذورا في احتياج الصفات في قيامها الي الذات ولا في احتياج الذات في كمالها الي تلك الصفات لأن كلا منهما لم يكن احتياجا =
********************************
_328_
لعدم جواز الانفكاك بينهما فيلزم أن تكون الصفة تابعة للذات في وجوبها وقد قال المحققون من المتكلمين إن صفات الله ليست من الموجودات الخارجية المحتاجة الي العلة الموجدة وانما هي أمور اعتبارية زائدة علي ذاته مثلا إن العلم عبارة عن التعلق المخصوص بين الذات والمعلوم وكذا غيره فالحاصل ان حاجة الصفة الي الموصوف لا تعد حاجة الي الفاعل الموجد حتي يلزم امكانها المحوج الي العلة الموجدة , فليس كل محتاج ممكنا أي محتاجا في وجوده الي موجد وان كان كل ممكن محتاجا في وجوده الي الموجد , إذ الممكن الموجود لا يكون عندنا الا حادثا فنحن نسلم ان الممكن يحتاج الي العلة كالحادث لكن حاجته اليها لوجوده الحادث لا لإمكانه , ولهذا لايحتاج الممكن المعدوم الي العلة ولا الممكن القديم لو امكن وجود الممكن القديم , لتنافي حاجة الشيء الي العلة مع قدمه المانع عن تأثير العلة .
وقد شاع التعبير عن المحوج الي العلة بعلة الحاجة إلي العلة فظن المولعون بمذاهب الفلاسفة مطلقا كصاحب ( الأسفار ) وبعض المنشقين عن جمهور المتكلمين في هذه المسألة ان العلة بمعناها المعروف فاعترضوا علي مذهب الحدوث بأنه أي الحدوث كيفية نسبة الوجود المتأخرة عنها المتأخرة عن الوجود المتأخر عن الايجاد المتأخر عن الحاجة المتأخرة عن الإمكان , فإذا كان الحدوث هو علة الحاجة الواجبة التقدم علي معلولها كان سابقا علي نفسه بدرجات . ويقول صاحب الأسفار في ترتيب العلل علي مذهب الإمكان الذي يختاره علي مذهب الحدوث : ( إن الشيء أي الماهية أمكنت فاحتاجت فأوجبت فوجبت فأوجدت فوجدت ) . ( 1 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= الي الغير بعد أن كانت الذات والصفات كلاهما قديمة ليس أيهما معلول الآخر ومفعوله . أما حاجة الصفات الي الذات فهي من طبيعة الصفة وإلا لا تكون الصفة صفة ولا تعد حاجة الذات الي صفاته الكمالية نقصا للذات ولا حاجة وإلا كان كقول القائل الكامل من لا يحتاج الي الكمال .
( 1 ) ننقل هنا بعض ما ذكره الرجل بهذا الصدد ليكون نموذجا لغروره وسوء أدبه =
*******************************
_329_
ونحن نقول لاشك أن الممكن الذى لا يحدث أبدا كالعنقاء أو الذى يحدث فى المستقبل كالساعة لا يحتاج أبدا إلى العلة أو لا يحتاج إليها عاجلا مع أزلية إمكانها فلا يقال عنهما بالفاء التعقيبية : ( امكنت فاحتاجت فأوجبت فوجبت فأوجدت فوجدت ) حتى إن الفاء التعقيبية فى هذه الجمل الفعلية لم تُستعمل للدلالة على الترتيب الزمنى بناء على أن المعلول لا يتأخر عن علته ولو بآن واحد بل يكون معها ، فلو كانت العلة المحوجة إلى العلة هى الإمكان الذى تتصف به الماهية فى الأزل وكانت العلة بمعناها المعروف أى التى لا يتأخر عنها معلولها للزم ان يوجد كل ممكن فى الأزل ولا يلبث زمان الحدوث بناء على قول صاحب الأسفار نفسه : (( امكنت فاحتاجت فأوجبت فوجبت فوجدت )) على ان لا يكون بين تحقق الجملة الأولى من هذه الجمل الست وبين تحقق الجملة الأخيرة فاصلة زمنية أصلا لا كثيرة ولا قليلة لكون كل من سابقها علة للاحقها الذى يستحيل تأخره عنها ولو فى شكل التعاقب استحالة تأخر المعلول عن علته .
وإيجاز القول هنا ان المحتاج إلى العلة هو المعلول وهو الموجود الذى للعلة تأثير فى موجوديته أعنى الموجود بعد ان لم يكن لأن الكلام فى العلة الموجدة ، ألا يرى إلى قول صاحب الأسفار (( فاحتاجت فأوجبت فوجبت فأوجدت فوجدت )) فالمطلوب بالعلة فيما نحن بصدده هو المذكور فى آخر هذه الجمل أى وجود الماهية الحادث واختصاره الحدوث كما ذكرنا فلم تكن الحاجة إلى العلة إلا ليحصل الوجود للماهية ومن هذه كان وجودها المعلول من ناحيتة الحقيقية مشابها من ناحية أخرى بالعلة الفائية لتأثير الفاعل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= مع المتكلمين أئمة أصول الدين ، قال ص49 (( إن قوما من الجدليين المتسمين بأهل النظر وأولياء التمييز عن كسوة العلم والتحصيل كان أمرهم فرطا وتجشموا فى أفكارهم سبيل الحق شططا وتفرقوا فى سلوك الباطل فرقا فمنهم من زعم أن الحدوث وحده علة الحاجة إلى العلة ومنهم من جعله شعارا داخلا فيما هو العلة ومنهم من جعله شرطا للعلة ، والعلة هى الإمكان )) .
************************
_330_
فيه وكان سبب تأخره علي الرغم من عليته بناء علي ان العله الفائية التي هي علة لفاعلية الفاعل تكون في العادة متأخرة عن معلولها في الوجود ومتقدمة عليه في التصور .
فنحن اذا تصورنا أن هذا الموجود الممكن يحتاج الي الفاعل الموجد من ناحية وجوده الحادث لا من ناحية امكانه الأزلي كان تصورا معقولا حتى ان وجوده لو كان قديما كامكانه لما احتاج مثله الي العلة عندنا نحن القائلين بأن القديم لا تأثير للعله في وجوده والنافين لوجود الممكن القديم ، وغير القديم من الممكنات في مذهب الفلاسفة لا يحتاج الي العلة الا في حال وجوده والذي لا يوجد منها أبدا كالعنقاء لايحتاج اليها اصلا .
فقد ظهر أن أن الحاجة الي العلة تدور مع الوجود الحادث لا مع الامكان الأزلي .
وصاحب الأسفار وغيره لما لم يفهموا المقصود من العلة في ( علة الوجود ) كما ينبغي اعترضوا علي القائلين بأنها الحدوث بمانع التقدم والتأخر فاشبه اعتراضهم بأعتراض الفيلسوف الغربي السخيف )اسبينوزا (علي مذهب العلة الفائية في نظام الكائنات كما سبق ذكره في محله ص 440 جزء ثان من هذا الكتاب .
هذا وقد أصاب فلاسفة الغرب في تعيين المحوج الي العلة فوافقوا جمهور المتكلمين حيث قالوا عند وضع مبدأ العلية : ( كل حادث له علة ) ولم يقولوا كل ممكن له علة .
فالحاصل ان تعريف القديم بما لا أول له يناقض القول بتأثير فاعل أو علة في وجوده لكون هذا التأثير بمنزلة تحصيل الحاصل فلا يكون العالم قديما وممكنا معا . فان قلت كون العالم قديما عندهم ناشئ من قدم علة وجوده التي هي ذات الله تعالي وعدم تخلف وجود المعلول وتأخره عن علته التامة . قلت ان كان مجرد وجود الله علة لوجود العالم مستلزمة له غير منفك وجوده عن وجوده ولو شاء الله الأنفكاك أو بالأصح حتي لايمكنه ان يشاء ذلك ، لما بقي اذن فرق بين تأثير الله في وجود العالم وبين تأثير الشمس في الأشراق والنار في الاحراق مع أنهم فرقوا بينه وبين الطبائع فاعترفوا له
**********
331
بالقدره و الاختيار غير معترفين بهما للطبائع لكنه فسروا قدرته و اختياره اللازم لها بهاتين الجملتين الشرطيتين : "إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل" علي أن يكون مقدم الشرطيه الأولي دائم الصدق و واجبه بناء علي أن مشيئة الفعل الذي هو الفيض و الجود لازمة لذات الله تعالي كلزوم العلم و سائر الصفات الكماليه فيستحيل إنفكاكها عنها ، و مقدم الشرطيه الثانيه ممتنع الصدق مع صدق كلتا الشرطيتين لأن القضيه الشرطيه يمكن أن تصدق مع مع كذب أحد طرفيها أو كليهما. فالله تعالي عندهم يشاء الفعل دائما بل يجب أن يشاءه و لا يمكنه أن لا يشاءهو مع ذلك يصح القول بأنه إن لم يشأ لم يفعل لكنه يشاء الفعل دائما و يفعل دائما و لا ينفك عنه الفعل كما لا ينفك الإشراق من الشمس ، ألا يري أنهم فسروا قدرته تعالي بقولهم: "إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل" و لم يقولوا : "إن شاء فعل و إن شاء لم يفعل"إذ ليس لهم عندهم أن يشاء عدم الفعل و مع هذا فهو قادر علي الفعل مباشرة و علي عدم الفعل من طريق عدم مشيئة الفعل فصح القول أنه إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل و إن لم يصح القول بأنه إن شاء فعل و إن شاء لم يفعل.
فهذا ما تعسفوه في تخييل القدره لغير القادر. و قد قالوا أن المختار من يكون فعله بإرادته لا من تكون إرادته بإرادته و القادر ما يكون بحيث إن أراد الفعل صدر منه الفعل و إلا فلا، لا ما يكون بحيث إن أراد الإراده للفعل فعل.، كما في "الأسفار" و حاولوا التأليف بين إستحالة الإنفكاك من الفعل و بين قدرة الفاعل و أختياره بأن جعلوه أي الفاعل يصح منهبالنظر إلي ذاته الفعل و عدم الفعل و إن كان الفعل واجبا لأمر خارج عن الذات ضروري لها ، و هو المشيئه التي هي الفيض و الجود أو العلم بالنظام الأكمل ، و عدم الفعل ممتنعا لأمر كذلك ، فغاية ما لزم من القول بإيجاب الواجب تعالي في أفعاله هو الإيجاب بالغير لا الإيجاب بالذات حتي ينافي الأختيار.
332
و مثلوا هذه الحاله بأن العاقل ما دام عاقلا يغمض عينيه كلما قربت منه إبره بقصد الغمز فيها ، من غير تخلف مع أنه يغمضها بأختياره و إمتناع ترك الإغماض بسبب كونه عالما بضرر الترك و كون هذا العلم ضروريا للعاقل غير مختار هو فيه أي في العلم ، لا ينافيان كونه فاعلا مختارا في الاغماض فما ظنك بمن يكون علمه عين ذاته عندهم ؟ و مثلوها أيضا بجواد رأي من أشرف علي الموت من الجوع و العطش فإنه لابد من أن يحسن إليه و هو لا ينافي كونه فاعلا مختارا.
و الجواب عن تفسيرهم و تمثيلهم أن الاغماض لا يمتنع انفكاكه عن العالم بضرر الترك بالنظر إلي ذاته و إنما يمتنع بالنظر إلي ذاته و إنما يمتنع بالنظر إلي علمه بالضرر و كذا الإحسان لا يمتنع إنفكاكه عن الجواد بالنظر إلي ذاته و إنما يمتنع بالنظر إلي صفة الجود و كلتا الصفتين أي الجود و العلم بضرر الترك ممكنة الانفكاك عن الرجلين لعدم كون صفاتهما عين ذاتيهما ، لكن صفات الله تعالي عين ذاته عند الفلاسفه كما أشير إليه فيرجع إيجاب الله في أفعاله إلي الايجاب الذاتي و ينعدم اختياره بالمره و بانعدام الاختيار تنعدم القدره و يثبت العجز و ذلك فضلا عن شناعته خلاف مرضاتهم حيث أجتهدوا في تمييز أفعاله تعالي عن أفعال الطبائع و تكلفوا في إسناد القدره و الاختيار إليه بمعني "إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل" المسمي بالاختيار بالمعني الاعم الذي يجامع الايجاب ، بدلا عن الاختيار بمعني صحة الفعل و الترك المعتبر عند المتكلمين و الذي هو أخص من المعني الاول . و تكلفهم هذا دليل علي احترازهم من شناعة لزوم العجز مع عدم تخلصهم منها . لأن مشيئة الفعل لمذكوره في مقدم الشرطيه الاولي لما كانت لازمه لذاته تعالي و الفعل لازما للمشيئه كان الفعل لازما لذاته و ثبت العجز عن ترك الفعل مشيئته أي مشيئة الترك . و قد نقل الإمام الرازي في "المباحث الشرقيه" عن "بطليموس" : "أن المختار إذا طلب الافضل و لزمه ذلك لم يكن بينه و بين الطبيعه فرق" و قال الفاضل الكلنبوي : قد ضربوا مثلا في الكنايه عن عدم الشئ "بكسب الأشعري" و ا