Advertisement

4 موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين

أغلاط الجزء الرابع المطبعية
6،23 ذلك القول 13، 20كلام الله 26،7 الفلسفة 32،15 حماقة ، 20 المستقبل 34،19 بيلاردو 62،21 أدلة 67،14 و كتب 72،3 )) 51_25 125،20 تشابهها 149،6 البيان (1) )) 184،13 أنه كان 190،6 على مجىء 208 ،3 موكولة 219،9 ذلك الأمر 220 ،6 اضطراريا 224،17 هو الحركة 233،20 فها نحن أولاء 240،8 بقانون 250،18 فليعد 255،23 الكبير الشيخ زاهد 263,15 إنه 267،16 فى أنحائه باللوائم 276،2 حملاتى على ضعف إمام الطائفة فى ديانته بنبوة النبياء بل على ضعف علمه أيضا بوجود الله ، لكن الشيخ الخ ... 287،14 و قد ذكرهم 292،17 الاستاذ على عبد الرازق ، 18 على بضع عشر 295،20(1) 296،10 حياته (راجع 32 جزء أول) 298،10 من العمل 207 ،4 307،4 إخصائيين مسيحيين و مسلم 211،18 311، 18 عدد 516،20 اشتركوا وتواطأوا على 212،11 312،11 عن الأئمة ،بالشق الثانى،12 إخراج الفقه ، 23 إلغاء القرار 213،6 وبرا، 19 من كلية 214 ،6 214،6 أئمة الفقه 324، 10 أو يكون ، 20 منطويين 327،4 أو الأخ أخته ، 23 يلتحق 335،8 وقضاتها 341،3 أهميتها ،4 حق الفهم-إلى حد الاحتفاظ بها حتى للنصرانى على حساب الإسلام-إذا فكر 348،23 فى الآونة 353،4 هذا القول 375 ،14 من على 383،17 و بين علماء الأزهر 384،7 من الأئمة)) 389،1 لاسيما ،10 الكاملين 390،16 ما أجملناه ، تعميرما 414، 19 وما أشبهها 428،21 آسف 440،6 مالا يقول .
صفحة 463
بقية أغلاط الجزء الثانى
7،20 بالعقوبات 21،7 سيدنا ، وكونه 32،20 و لم يبق 34،8 و أنا أقول : إن رمى 38،12 نظرا 39،14 و أنا أفهم 43،20 الفلسفة 119،16 و قد لجأنا 121،4 الموجودات 126،7 ليبنتز ،13 ليبنتز 130،7 وجوده 138،23 لكانت 163 ،13 الإنسان 181،15 مجددز 187،14 واقفا 196،22 المنكرين 202،14 و الثانى 203،21 العلل ، 16 مونادولوزى 204، منها 214،4 الحسبانية 14 زعم 215،22 إن لم أومن 238،18 جاء 243،20 اعتداد 247،22 أيضا: 249،19 الماديين 254،2 فيما يأتى 268،2 إثبات 272،1 فى المجريات 275،15 منطقى 277،13 جهلاء 285، 23((مذهب الماديين و العلم)) 287 ،15 تجربة 329،15 و لا يُعَدُّ 344،5 حقيقة 348،21 اللاتينى 349،2 شربوا ، 23 المؤيد 350،21 قولاقلر 353،19 زرافات 356،26 الجوهر 395،15 جوستاف 360،11 استثناء 364،4 أحد ، المعترفين 368،11 هيوم 383،14 طاقتهم ن 19 فانظر 386،9 الذين 387،14 الفقه 390،2 الالكترونات 393،9 خلقت 401،4 شكسبير 412،16 بوجوده 413،1خ السلبى 417،7 الجزافية 424،19 تتصور 425،13 سرماية 427،10 السبب 429،17 لم يتمكن 436،6 المذكور 443،1 الوجود 457،3 يريد 416،13 يتوقف 462،3 الطبيعة 471،4 و انا أقول: إن رمى ،7 المغترفين ، 119،16 وقد لجأنا 124،4 عمن أوجد الله 15،13 فى قوة الاقتناع ، 22 و لا يُعَدّ 472،2 363 472،6 سرماية ،11،469،7 لكان تفُوقُ ،13 نالت ، 14،396،11 نقلا عن كتاب .
صفحة 464
بقية أغلاط الجزء الثالث المطبعية
29،19 اليمن 6 ،44 ،19 تحت 9،17 64،8 تخرق 69،6 و إن كان ،74،6 آنطون ،75،2 الاستبعاد 75،8 وبقى 93،22 الذى قوَّل 102،11 الذهنى 103،14 و لا وجود 114،16 الجزئى 120 ، 1 لأنه 122،12 عند الفلاسفة 125،20 و الإرادة 147،14 حائز 150،1 آمنو 125،22 من حيثإنه 165،15 الموجود 167،20 التعينات 181،3 و النافية 182،13 كله لله 187،8 هذا المذهب 204،8 فتأمل 227،10 بهذا القول 232،5 واجب 240،1 و أن كل شىء 267،5 و لم يشركوا 268،7 ثم يمكنك توجيه كون الله متمددا بعدد ، 9 كما يكون 279،24 لما اجترءوا 283،21 من حيث إن 284،8 شطحاتهم 287،3 نقشبند 320،11 على أن لا ينفك 325،15 بخيت 342،14 معروفة عند 355،12 و إرادته ، 21 أحدهما 366،22 يصدق عليها انها لا تدخل 369،8 ببراهين 386،5 السلسلة 392،20 الماتريديين 396،6 بخيت ، 11 شهيد ،أقول ،22 التوفيق .)) 397،12 يؤول 419،11 كالجبر ،12 الجبرين 320،3 مجبور 322 ،12 مؤتلفين 426،1 ولا الشيطان (1) 429،3 مجبورا 431،8 نتبعها 433،20 و إن لم تعترضوا ، 22 فى هذا الكتاب أعنى الكتاب الذى نقلنا عنه هذه الكلمة الطويلة وهو (تحت سلطان القدر) 442،8 الإنسان 446،14 حائز ،20 فؤول 451،8 عمرو بن العاص 455،4 يبقى 455،14 النكير 463،20 وجود النشأة الأخرى متوقف عليه 467،14 و برد 468،15 نقض 473،9 بأنه إنما يتصور ،15 و الاسحاقية 474،19 الفلسفى 474،21 و إذا كان دليلنا 477،17 لا يعلمونه ... مالاا يعلمونه 487،3 و أنصار 479،22 إبطال 491،3 و مسؤلية.
صفحة 465
أسماء الرجال المذكورين فى الجزء الرابع
من((موقف العقل و العلم و العالم من رب العالمين وعباده المرسلين))
ابان بن عثمان 47 إبراهيم النخعى 65 إبراهيم ولدى 366 أبرهة 103،104 ابن أبى حاتم الرازى 59 ابن إسحق 88 ابن أم مكتوم 15 ابن بشكوال 51 ابن تيمية 380،316 ابن جارود 59 ابن جريج 88 ابن جرير 173،199،346،7 ،354 ابن حجر 46،53،87 ابن حميد 199 ابن خلدون 52 ،316 ابن رشد 17،83،383 ابن سعد 59 ابن السكن 59 ابن السكيت 72 ابن سيناء 213 ابن شهاب الزهرى 47،65،88 ابن عباس 65،173،200،203،309،354،370 ابن عبد البر 64،65،173 ابن عقال الصقلى 51،64 ابن عمر 173،354 ابن ماجة 62،66،89،107 ابن ماكولا 59 ابن مردويه 173، 354 ابن مسعود 173،248،354 ابن معين 52 ، ابن المنذر 173،354 ابن وهب 64 ابن هشام 246،71،199.
أبو بكر بن العربى 49 أبو بكر الصديق 114-116،201،319،360،364،374،376 أبو جعفر المنصور 354 أبو حنيفة 52،53،62 ، 67، 91/151،316،318،340،341 أبو داوود 47،49،62،66،85،89،107 أبى رافع 89 أبو زيد الدبوس 210 أبو سعيد الخدرى 64 أبو شاه 65،66 أبو العباس الأصم 53 أبو الفداء 46 أبو النجم 214 أبو نضرة 64 أبو نعيم 173،354 أبو هريرة 65،66،309.
أبىّ بن كعب 248 الإتقانى 300 أحمد بن حنبل 52،62،66،72،91،107،124،151،170،173،309،254 أحمد أمين 143،146،167 (30-موقف العقل-رابع)
صفحة 466
أحمد زكى باشا 279 أحمد شفيق باشا 360 أحمد القاديانى 261 ،277،125 اد.انكلهارد 348 أدهم باشا 284 آريستيدى باشا 339،340 أرسطو 210 الأزرق 59 أسامة بن زيد 260 اسبنسر 167 ،219 استانلى جون 27، اتوارت ميل 26،32،33،155 إسحق بن راهويه 66 إسحق بن منصور 66 إسماعيل صدقى باشا 282،283،301 اشبره نكر 59،87 اميل سسه 30 أنس بن مالك 66،171،173،354 أوجست كونت 166 الأوزاعى 64.
باستور 157 بايل 31 البخارى 46-50 ، 52/62،66،68،85،88،91،107،124،170،173،249،309،354 بخيت 366 برناردشو 92 بزدوى 300 البغوى 59 بلوتن 152 بوخنر 9،37،39 البوصيرى 5،44،95-99،129،317،355 بول زانه 155 بووانكاريه 31 البيهقى 49،173،268،270،271،309، 354 التاج السبكى 173 الترمذى 62،89،107،173،309،354،التفتازانى 25.
جبير بن مطعم 173،354 جلال الدوانى 40،99 جمال الدين 152،3،65 جوستاف لوبون 38،58 جولدزهر 113 خاتم 99،133 حافظ رمضان باشا 303،7 الحاكم 49،173 حذيفة 173،354 حسن وحسين 72 حسين جاهد 39 الحليمى 210 حماد بن سلمة 88 حمدى الصغير 155،180.
خضر بك 25 الخضر حسين 72،366 الخطيب البغدادى 66 الخليل . الدارقطنى 61 دارون 9 دجوفارا 336،7 الدولابى 59 ديكارت 40،167 الذهبى 87 الذهلى 52 ديمقراط 222 ،342.
الراعى 30،3 الراغب 210 الرامهرمزى 87 ربيع بن صبيح 88 رشيد رضا 21،43،93،104،7،24-38،72،3،249،71،341،51 ،5.
صفحة 467
زفر 298 زكى مبارك 6،10،4،142-9، 57 الزمخشرى 119،20،177،9،229،46 الزيات 90 زوستينيانوس 298.
سالم بن الجعد 65 سالم بن عبد الله 73 سراقة 43،82 سعيد بن أبى عروية 88 سعيد بن المسيب 73،4 سعيد حليم باشا الأمير المصرى 290 سفيان الثورى 52،88 السلطان محمود الثانى 348 سليمان بن عبد الملك 72 سليمان بن يسار 73 سليمان الندوى الهندى متم سيرة الشبلى النعمانى 171، 92،3،سنمار 122.
شاتوبريان 28 شاه ولى الله 171 الشافعى 52،3،62،7،89،91،151،318 ،70 شبلى لانعمانى 55،60،6،79،89،105 شرحبيل بن سعد 47 الشعبى 65 شكيب أرسلان 296 شمس الأئمة السرخسى 300،15،70 شمس الدين بن طولون 53 شيلة رماخر 26.
صاوا باشا 296-300 صدر الدين الشيرازى صاحب الأسفار الأربعة 211،13 صليب سامى باشا 303-7.
الطحاوى 53 الطفرائى 103 طه حسين باشا 158.
عائشة 70،199 عبد الحميد السلطان العثمانى 284، 90 ،331 عبد الحمن المهدى 68 عبد العزيز البشرى 139،40 عبد القادر المغربى 165 عبد الكريم خان 174 عبد الله بن عمرو بن العاص 66 عبد الله جودت 39 عبد المجيد الأمير العثمانى 365 عبد المجيد اللبان 262،3،5 عبد الملك بن مروان 72 عبيد الله 328 عثمان بن عفان 70،82،5،374 عروة بن الزبير 47،73 عزيز خانكى 283 ، 301 علىّ بن أبى طالب 66، 70،99،133،73،354،74 علاء الدين المغلطائى 87 العقيلى 59 على الجارم 97 على رشاد 348 على الزينى 282،300،14،5،44 على شهباز 299 على عبد الرازق 292،312،18،21-3،58-76
صفحة 468
عمر بن أبى ربيعة 65 عمر بن الخطاب 61،2،4،70،319،74،6 عمر بن عبد العزيز 61،88 عمر بن حزم 66 عمر بن العاص 66
الغزالى 75،171،210،377،386
فؤاد عبد الباقى 88 فاطمة 60 الفخر الرازى 191،223-7 ،40،8 الفردوسى 57 فرعون 135 فيلد 113
قاسم أمين 354 قاسم بن قطلوباغ 53 القاضى عياض 46، 99 قتادة 65 قنبر 72 كانت 30،109 ،163،4،216،27،89 الكرابيسى 52 كلفين 335 كووبيه ر 34
لؤلؤة بن المغيرة 70 لطفى فكرى 329 ليبنتز 31،6
مالبرانش 34،5،6 مالك 52،62،4،7،88،91،107،151، 170،316،18 المأمون 71،2،88 المتنبى 200 ،3، 325 المتوكل 72 محب الدين الخطيب 330،59 محمد أنور شاه الكشميرى 21 محمد بن إسحق 199 محمد بن الحسن الشيبانى 298 محمد بن كعب القرظى 191 محمد بن موسى الحازمى 49 محمد بن يوسف الصالحى 53 محمد حسين هيكل باشا.
محمد رشاد السلطان العثمانى 290،331 محمد زاهد 21 ، 51-3،255،300 محمد زهران 173 محمد عابد السندى 53 محمد عاطف 344 محمد عبد الله عنان 338 ،49 محمد عبده 17،8،20،3،75،83،102،3،4،119،128،7،141،53،8،60،62،3،5-8،349-55،7/8 محمد الفاتح السلطان العثمانى 25،283 محمد فريد الزعيم الوطنى 338 محمد فريد وجدى 3-5 ،8،9،11،207،2،31،42،3 ،107 ، 34، 42،54،61،5،9،82،209،11،48،51،52،8،70،8،87،8،309،20، 44، 5،8،55،6-8،62 محمد مصطفى الراغى 5،11،44،75،92،
صفحة 469
3،6،8،100،4،28،34،98،240،1،65،8-70،1،83،5،6،308،20،5،55،9 محمد وحيد الدين السلطان العثمانى 29 محمود شلتوت 11،19،20،2،90،1،174-182،228-80،310،56،83، محمود العقاد 10،2-4 المدائنى 71 المرتضى الزبيدى 53 مراد بن نهيك 260 المزنى 87 مسلم 49،52،62،8،91،107،24،70،3،309،54 مصطفى كامل باشا 339 مصطفى كمال 168،283،4،93،301،30،4-6،55،60،1،3 معاوزية 199-201، 309 المعتصم 72 المعرى 28،39، 45،8،281،335 معمر 340 المناوى 173
نافع 52 نجم الدين صادق 346 النسائى 62،107 نوزاد 326 نولدكى 113 النووى 68،246 الواقدى 71 وليد بن عبد الملك 72 وليد بن مسلم 64 ويلسون 335 هشام بن إسماعيل 73، هو كلسه ى 31 هبجل 167 هيوم 30 ،6
يعقوب بن عتبة بن المغيرة 199
صفحة 470
فهرس الأبحاث المذكورة فى الجزء الرابع
جعل الاستاذ فريد وجدى الإيمان بالغيب مقابلا للإيمان بالواقع 3-4.
إفشاؤه عن استبطان الشرق الإسلامى للإلحاد بعد اتصاله بعلوم الغرب 4.
ابرز مميزات نوابغ الكتاب الذين أفشى الأستاذ عن اتبطانهم الإلحاد و إنكارهم المعجزات الكونية 5.
إنكاره المعجزات و البعث بعد الموت 5.
و من مميزاتهم إقامة عبقرية نبينا مقام نبوته 5.
الدكتور زكى مبارك يتوقع الثورة من المسلمين على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم 6.
إنكار المعجازات علامة إنكار النبوة ، وليس أدل على هذا من أن الدكتور شلبى شميل ناشر فكرة الإلحاد فى بلاد العرب يسمى الإيمان بالأديان إمانا بالمعجزات 8-9.
الأستاذ فريد وجدى ينكر المعجزات الحقيقية ثم يستخرج من غير المعجزات معجزات 9.
الكلام على كتاب ((عبقرية محمد))للأستاذ العقاد 10
ثم يتورط الأستاذ فى السخافات التى تورط فيها غيه من دعاة العبقرية 10-11
سؤالى للأستاذ عن موقف القرآن من محمد ((البليغ))13
تحبيذ قول هيكل باشا فى قوله تعالى((و إن كادو ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره)) (الآيات) 15
و من مميزات المؤلفين المصريين فى السيرة المحمدية أنهم لا يعلوّلون على كتب الحديث 16
النبوة كالمعجزة فى كونها مخالفة لعلمهم الحديث 17
صفحة 471
با إن هذا العلم يمنع المفتونين به عن الإيمان بوجود الله 17
النقاش الجارى بين الاستاذ فرح أنطون والشيخ محمد عبده واحتياج هذا النقاش إلى الاستئناف لعدم كون الشيخ ناجحا فى ذلك النقاش 17
ولو كان الشيخ محمد عبده أتى بجواب مقنع يشهد له بالغلبة على خصمه لما اجترأ الأستاذ فريد وجدى على أن يقول فيما كتبه ردَّا علىّ عند مناقشته مسأله المعجزات : (( إن الشرق الإسلامى لم ينبس بكلمة لما اتصل بالغرب و رأى دينه مائلا فى عالم الأساطير مع الأديان المقذوفة إليه بيد العلم الحديث، لأنه رأى الأمر أكبر من أن يحاوله 17-18 منشأ الجرأة للمتوسمين فى تكذيب الرواة إلى تكذيب الرسول ، كون النبوة عندهم عبقرية ، لا رسالة حقيقية من الله .. فيكون سهلا عندهم على الرواة أن يعزوا إليه مالم يقله ، ويكون سهلا على المصريين أن لا يصدقوه فيما قاله أيضا 19
هذا حال الحديث و طريق رفضه . ثم يجىء دور القرآن و يكون طريقهم إلى رفضه استعمال الجرأة أيضا إن لم يكون فى تكذيب رواته ففى تأويل معناه لاعبين بعقول القراء الغافلين. فلو نظروا إليه نظرهم إلى كلام الله لالتزموا بعض التحوط وخشوا بعض الخشية أن يكونوا مخطئين فى التأويل .. لكن مبدأ التحول العصرى من النبوة إلى العبقرية يحل جميع هذه المشكلات و يفتح أمام المؤولين أوسع باب 19-20
و آخر نماذج التأويل فى القرآن بعد ما سبق للأستاذ فريد وجدى من رد آيات المعجزات والبعث بعد الموت إنكار الشيخ شلتوت وجدو الشيطان 20
بدعة إنكار المعجزات فى صورة تأويلها مأثورة للكتاب المصريين من الشيخ عبده 20
تفسير الشيخ رشيد رضا قوله تعالى((انشق القمر)) بقوله : ظهر الحق ، وتفسير الشيخ شلتوت لآيات رفع عيسى عليه السلام ، برفع روحه و قوله فى نزوله المعدود من أشراط
صفحة 472
الساعة :((إنه لا محل له بعد سقوط رفعه حيا))21
سبعون حديثا مرويا من الرسول عليه الصلاة والسلام لا تكفى عند الشيخ فى إثبات نزول عيسى فى آخر الزمان 21
واجب علماء الدين اليوم 23
موقف العقل و العلم و العالم من رسل الله و معجزاتهم ومن البعث بعد الموت
مما يدل على كون الدليل العقلى أقوى و أفضل من الدليل التجربى ، أنه يثبت بالأول وجود الله و بالتالى وجود الانبياء 26
إثبات إنكار النبوة و المعجزة و النشأة الثانية 29
نطاق الإمكان أوسع بكثير مما يظن منكروا النبوة و المعجزة و النشأة الثانية 27
قو منطقى كبير انجليزى فى المعجزة 27
خلق معجزات الأنبياء أسهل من خلق معجزة العقل فى الإنسان 27-28
ميزة المعجزة التى يصغر بجانبها أعظم المكتشفات العلمية 26
نظام العالم العام دليل وجود الله وتغييره الذى هو المعجزة دليل وجود الأنبياء 30
القوانين الطبيعية ليست قوانين ضرورية مستحيلة التغيير 30
لكن منكرى المعجزات لم يميزوا ما هو غير واقع فى تجربتنا مما هو محال الوقوع 31
ههنا خمس مراتب : الإمكان و الوقوع و الضرورة و عدم الوقوع و الاستحالة 32
كما يكون إحراق النار ما تحرقه بإذن الله يكون كفها عن الإحراق بأمر الله ، بل التحقيق أن الإحراق ليس من النار 33
قول مالبرانش : القوة التى فى الطبيعة و فى كل شىء عبارة عن إرادة الله 35-36
قول علمائنا الأصوليين : لا نثبت العلية بالدوران 34
قول مالبرانش العلة الحقيقية واحدة وقول المتكلمين : إن الكائنات بأجمعها مستندة
صفحة 473
إلى الله من غير واسطة ، وقول ليبنتز فى مناسبة البدن مع النفس وقول داويدهيوم المهم 36
الملاحدة يتمسكون فى غنكار المعجزات بنظام العالم الذى كانوا ينفونه حين أنكرو وجود الله 39-40
إنكار المعجزات مع الإيمان بالله حماقة و مع الإيمان بالأنبياء حماقة متضاعفة – شذوذ الشيخ محمد عبده فى تعريف النبى و الرسول 40
خلو كتاب هيكل باشا من معجزات نبينا الممثلة لحياته المعنوية و التى خصص لها المؤلف الهندى مجلدين 43
اعتراض مفروض من جانب المنكرين لمعجزات نبينا الكونية 43
دفاع الشيخين الشيخ رشيد رضا و الشيخ الأكبر المراغى عن كتاب هيكل باشا 43-44
دفاع هيكل باشا نفسه 44
تعييبه الكتب القديمة بأنها كانت تكتب لغاية دينية 45
نقد رجال الحديث علم مدون فى الإسلام فعلا ليس كالنقد العلمى قولا مجردا 45
يتعلل المؤلف باختلاف كتب السيرة ويتهم الزيادة الواقع فى كتب المأخرين بالاختلاق 46
قوله إن أقدم تلك الكتب كتب بعد أن فشت فى الدولة الإسلامية دعايات 47
كم من الأحاديث وجده البخارى و أبو داود وكم منها صح لديهما؟47
العمل العظيم الذى قام به المحدثون يستخدمه هيكل باشا فى زعزعة مكان الثقة بكتب الحديث 48-49
إسناده إلى البخارى ما صرح البخارى بخلافه 50
السبب فى عدم جمع الصحابة السنن فى مصحف كما جمعوا القرآن 51
صفحة 474
روايات أبى حنيفة لم تكن (17) حديثا كما زعم ابن خلدون 52-53
الأحاديث الصحيحة ليست كما ظنه هيكل باشا أقل من القليل بل على العكس أكثر من الكثير ز فللسنة حفاظ كما لكتاب الله حفاظا. ولو ضاعت السنة كما ادّعى لضاع معه حكم قوله تعالى:(( فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله و الرسول )) 53-54
إن كان مؤلفوا الغرب فى السيرة المحمدية يتبعون الطريقة لزمهم منطقيا أن يسلموا 54
ماذا يقول الكاتب الهندى مؤلف كتاب السيرة قبل الكاتب المصرى؟ 55
امتياز نبينا على جميع مشاهير الدنيا بضبط حياته و حكمة هذا الامتياز 57-58
ليس فى المستشرقين المثيرين الشك فى السنة و مقلديهم من وجد من تلقاء نفسه حديثا موضوعا 58
لا نغالى إذا قلنا إن ضبط سنة بنى الإسلام أصح من ضبط كتب أهل الكتاب 59
قول عالم ألمانى إن الدنيا لم تر و لن ترى أمة مثل المسلمي 59
قول الدارقطنى : الحديث الصحيح فى الحديث الكذب كالشعرة البيضاء فى جلد الثور الأسود و قول عمر: إنى كنت أريد أن أكتب السنن و إنى و الله لا أشوب كتاب الله بشىء أبدا و حديث ((من كان عنده شىء فليمحه))61
الماشى على الطريقة العلمية يلزمه التفكير فيماذا قد يكون مراد النبى صلى الله عليه وسلم من النهى عن كتابة أحاديثه و الأمر بمحو ما كتب منها؟ 62
روايات النهى عن كتابة الحديث معلومة لأئمة الحديث 62
مؤلف(حياة محمد) كتبه معتنقا بفكرة يحسبها فكرة علمية 63
دأب مؤلفى الغرب فى نقل الروايات 63
حمل مذهب المانعين لكتابة الحديث على غير ما أرادوا به 63-64
صفحة 475
تحقيق مسألة الاختلاف فى جواز الكتابة عن النبى صلى الله عليه وسلم 64
دونت السنن فى ضمن تدوين علم الفقه قبل أن جمعها حامعو الحديث 67
قول هيكل باشا فى مقياس قبول الحديث و رفضه واستشهاده فى ذلك بحديث موضوع 68
ناحية الراية لا يكون لها المنزل الول فى علم الحديث الذى هو من العلوم النقلية.
ثم إن النظر فى تلك الناحية من اختصاص المجتهد 69
ثم إن كون مخالفة القرآن مقياسا لرفض الحديث لا يستقيم فى جميع الأوقات 70
قول هيكل باشا : جمع الحديث جامعوه فى زمن المأمون بعد انتشار عشرات الألوف من الأحاديث الموضوعة. و ما كان لهم و لا لغيرهم أن ينازعوا الخليفة فى آرائه 70-71
نظرا إلى ادعاء هيكل باشا يلزم أن تكون كتب الأحاديث مشحونة بأحاديث خلق القرآن 72
يدعى هيكل باشا أنه ما كان للعلماء أن ينازعوا الخليفة فى آرائه. والواقع يشهد بأنهم نازعوه 72.
يزيد الباشا فى قبول الحديث على اشتراط عدم مخالفته للقرآن موافقته له بل ورود ذكره فيه و يزيد على هذا موافقته لسنة الكون 72
قول الباشا: ظن مؤلفوا الإسلام أن فى ذكر خوارق و معجزات ما يزيد الناس إيمانا على إيمانهم 75
ضيع السنة فى القرون الأولى ضياع القرآن فى الجملة ، ووعد الله بحفظ القرآن يتضمن الوعد بحفظ السنة أيضا 77
صفحة 476
مناسبة زيادة المعجزات المكذوبة على نبينا ، بانحطاط شعوب المسلمين 78
من حق أى امرىء أن يقوم فيرد كل ما فى كتاب (حياة محمد) بحجة أنه لم يرد به القرآن كما هو شرط المؤلف 80
لماذا يؤمن اليهود و النصارى بمعجزات أنبيائهم و لا نؤمن نحن بمعجزات نبينا غير القرآن؟ 81
هل الباشا ينتقد حادثة الإسراء بأنها فشلت و لم تنفع فى هداية الناس؟81
لا يجب أن تكون المعجزة ضامنة الهداية للناس 82
قول الباشا باندساس يد العبث بالقواعد الصحيحة للحياة اإسلامية و مشابهة هذا القول بقول الشيخ محمد عبده 82-83
انتهاء النقل عن كتاب (حياة محمد) 83
سعى معاليه إلقاء الشبهة فى كل ما ورد فى كتب الحديث و السيرة و دافعة إلى إطلاق القول 83-84
معاليه يجعل كتابه معلقا على الهواء و ينقض نفسه بنفسه و هذا واحد 86
( الثانى) هل فكر معاليه فيما يترتب على ما فعله من إثارة الشبهة فى كتب السنة ؟ 86
عجيب ما لقى الإسلام و العلوم الإسلامية فى زماننا بمصر 87
هل يوجد كتاب تاريخ فى صحة كتاب البخارى مثلا؟ 88
و لم يتأخر جمع الأحاديث إلى عصر المأمون كما ادعى 88
حديث : ((ألا إنى أوتيت القرآن و مثله معه...)) 89
الناظرون من بعيد إلى ما يجرى فى علم لاحديث من النقد الحر و الرقابات الدقيقة ، ليس من الإنصاف أن يتخذوه و سيلة طعن مطلق فى قيمة الحديث 89
و إنى لا أثق بإخلاص المصريين للقرآن 90
صفحة 477
المسيحيون صعدوا بنبيهم إلى درجة الألوهية مستندا إلى معجزاته الكونية و المسلمون استكثروا لنبيهم معجزة واحدة منها 91
كتب المؤرخين الغربيين لم تمحص ولم تغربل بعشر معشار ما غربلت كتب أئمة الإسلام أنفسهم 91
ما فعله مؤلف ((حياة محمد)) فى مقدمة الطبعة الثانية جناية لا تغتفر و تأييد مشيخة الأزهر لهذه الجناية أدهى و أمر 92
لم تعل مصر ولا غير مصر أصوات دفاع عن الكتب المباركة عند المسلمين 92
التشكيك فى كتب الحديث و السيرة على الإطلاق يؤدى إلى التشكيك فى القرآن أيضا 92
(الثالث) درس موانع إثبات المعجزات لنبينا عن الباشا التى التبس عليه بعضها مع بعض 93
نفاة المعجزات من الغربيين إنما ينفونها لعدم اعترافهم بوجود الله 95
شيوخ المعاهد الذين استشارهم الباشا لم ينبهوه على أن المعجزات لا تنافى العقل 95
استشهاد الأستاذ الأكبر ببيت من البردة على عدم وجود معجزات كونية لنبينا 95
ذكُّرنى هذا ما سبق لفضيلته أنه أخطأ فى فهم أقوال الفقهاء عند ترويج فتنة ترجمة القرآن الحادثة فى تركيا 96
غير ممكن أن يكون للغزالى ما يمكن اتخاذه سندا فى إنكار معجزات نبينا غير القرآن 97
معجزات نبينا غير القرآن إن لم يتواتر كل منها فالقدر المشترك بينهما متواتر كسخاوة حاتم وشجاعة على 99
(الرابع) ماذا هو الباعث على إثبات معجزة عقلية لنبينا هى القرآن ونفى كل معجزة سواها عنه؟100
صفحة 478
لا فرق بين المعجزة العقلية و الكونية فى المخالفة لسنة الكون 101
قول لهيكل باشا فى غاية التخليط و التشويش 101-102
تفسير الشيخ محمد عبده لسورة الفيل 103
يقولون لم يرد فى القرآن ذكر مهجزة كونية لنبينا. و أنا أقول : ولو ورد فماذا ينجع فى المنكرين ما لم يعوزهم تأويل متأويلهم فى سورة الفيل 104
قول كاتب السيرة الهندى فى واقعة الفيل وسورته 104
فرق ما بين الأبطال الذائدين عن كرامة الإسلام و بين العاجزاين المتنازلين عن حقوقه 105
لو ضحيتم بالسنة فهل تظنون أنكم أنقذتم القلوب الزائغة أو أنقذتم الكتاب؟ 107
فعلى القائمين بواجب الحيلولة دون زيغ القلوب المستعدة له أن يتشجعوا فيصارحوا ذوى القلوب المذكورة بالحقيقة 108
نقل كلمة من (( موقف العلم من الله )) 108-110
مخالفة المعجزات لسنة الكون لازمة لكون المعجزة معجزة 110
القررآن معجزة عقلية و كونية معا لا عقلية فقط 112
معاليه شكر الله فعله رد فرية تحريف القرآن 113
واجب المؤلف تحقيق الحق لا تأليف بين المتساومين المتباعدين 114
(السادس) معنى قوله تعالى ((فلن تجد لسنة الله تبديلا)) الذى زعموا التنافى بينه وبين المعجزات الكونية 117
الكلام على وجوب أن لا يكون الإيمان مصدره خوفا من عذاب الله أو طمعا فى ثوابه 118-122
متى تتحد القوة مع الحق؟ 120
( السابع) أصحيح أن ى القرآن ما يمنع وجود معجزات لنبينا غير القرآن؟ 122
صفحة 479
اقتراح المشركين على النبى و جواب القرآن على هذا الاقتراح 123
اعتداء المستشرقين على الإسلام و مقابلة المستغربين الاعتداء بالاعتداء 123
دعوى صاحب((المنار)) أن المعجزات الكونية شبهة لا حجة 124
ليس لنا أن نشترط فى دلالة المعجزة على صدق النبى فى دعوى النبوة أن يؤمن به كل من شاهد الخطر 131
شرط التحدى فى المعجزة و معنى هذا الشرط 133
استلزم التشكيك فى كتب السنة التشكيك فى القرآن 134
قول الشيخ المراغى و الأستاذ فريد وجدى فى إعجاز القرآن 134-135
طعن الشيخ رشيد فى نبوة موسى و عيسى عليهما السلام بألسنة منكرى الوحى و طعن هيكل باشا فى السنة و عدم تحريكهما ما حركه الطعن فى الشعر الجاهلى فى الكون فى الرأى العام بمصر 138
نظرة فى العدد الخاص من مجلة (( الرسالة)) بأول العام الهجرى و الكلام على بعض مقالاته بالإعجاب و البعض الآخر بالنقد 139
منكرو معجزات نبينا الكونية ينكرونها عبثا إن لم ينكروا معها نبوتة 141
نقد مقالة الدكتور زكى مبارك 142
قوله فى حياة نبينا قبل وقول الاستاذ أحمد أمين بك فيها 142-143
حكم قول بعض الناس أنا عربى أو تركى أولا ثم أنا مسلم 143
كأنى بالعرب الأحداث يريدون أن يأخذوا من الترك الأحداث كما أخذ قدماء الترك من قدماء العرب 145
قول الأستاذ أحمد أمين بك فى العرب فبل الإسلام 146
صفحة 480
ما رأيت مثل الدكتور زكى مبارك من يفرق بين الرسول و بين رسالته و معجزاته 147
ما ظنُّ الدكتور بمصر آلعرب أتوها بالعربية و العروبة أم القرآن و الإسلام؟ مسافة الفرق فى اللغة العربية بين فصحاها و عاميتها أبعد من مسافته فى أى لغة وببه 148
قول الدكتور إن محمدا حرم نفسه الشهرة بإجادة البيان 149
قول الدكتور إن جمهور المسلمين يعتقدون أن النبوة لا تكتسب 150
إن الله أذن لاتصال الإنسان به بأن خلق فيه العقل حتى زعم بلوتن أن الإنسان يتحد مع الله عند إدراك أى شىء 152
هل يجوز أن تكون النبوة مكتسبة 152
الدين يأتى من الله و يبدأ بالنبى 155
لا نرى فرقا بيت إنكار الأنبياء بالمرة و بين الاعتراف بهم مع إنكار معجزاتهم التى تتعدى حدود نظام الطبيعة و التى هى اوسمة رسالتهم من الله 158
قول الدكتور طه حسين ما رأيت أعجب من أمر محمد الخ158
إثبات وجود الأنبياء 160
ما جعله الفيلسوف ((كانت)) دليلا لوجود الله نجعله دليلا لوجود الأنبياء 163
مسالتان أولاهما تتعلق بالخطبة التى ألقاها الشيخ جمال الدين الأفغانى فى حفلة بالآستانة و ثانيتهما جواب سؤال ربما يرد على بعض الأذهان من انحصار بعث الأنبياء إلى الناس فى الشرق 164-168
معجزة سق القمر المنصوص عليه فى القرآن . وتخطئة حامله على ما سيقع منه عند قيام الساعة أو على ترائيه لأهل مكة كذلك 170-174
ومتثله فى ضلال التأويل ما وقع للشيخ محمد عبده من حمل انفلاق البحر لسيدنا موسى على الجزر و المد 174
و ما وقع لصاحب (( المنار)) من عدم سماعه لنص القرآن على معجزة انشقاق القمر و الأحاديث الواردة فيها 172-173
-481-
مسألة رفع عيسى علية السلام و تحبطات الشيخ شلتوت فى تاويل ايات القران الدالة علية 174-177.
تحقيق معنى التوفى فى قولة تعالى :انى متوفيك 177.
الخطأ اللغوى فما اختارة الزمحشرى و البيضاوى و ابو السعود فى تفسير (متوفيك) بمستوفى اجلك 179.
تبلغ ادلة القران على رفع عيسى ثمانية 181.
حمل الرفع المثبت بعد القتل و الصلب المنفيين , على رفع الروح يجعل لنقيهما قيمة هزلية 181 -182 .
الكلام على دعوى ان سيدنا محمد كان لا يلى طلبات قومه فى اظهار المعجزات واشهاد القران عليها 183.
الحكمة فى انزال الايات الدالة على عدم تلبية الطلبات 185 – 193
اعتناء القران بتفهيم الفرق بين الرب و المربور 186 .
معجزة القران يجد القارئ فيها الواسطة و الغاية معا 187.
شواهد من القران على وجود معجزات لنبينا غير القران 193- 197.
الاسراء تأبى كل تاويل 198.
تقريب المعجزات الى الاذهان بامثلة من مكتشغات العلم نزعة من نزعات انكار المعجزات 198-199.
النظر فى قولة تعالى ((وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس))201 .
ما فى معجزة الاسراء من اسرار و احكام و بشائر 203-208 .
اوقات الصلاة المشار اليها فى قولة تعالى ((أقم الصلاة لدلوك الشمس الاية)) 207-208
(31- موقف العقل-رابع)
-482-
البعث بعد الموت و تحقيق مسألة اعادة المعدوم بعينة 209-217.
خاتمة الابواب الثلاثة اثبات وجود الله الذى يتوقف و على حدوث العالم وضع فلسفة عامة لـكيان العالم 217-227.
أعظم غلطة وقع فيها الشيخ محمد عبدة 223.
الرد على مقالات الشيخ شلتوت المنشورة فى ((الرسالة)) دفاعا عن مذهه فى انكار رفع عيسى علية اللام الى السماء و نزوله منها فى اخر الزمان 228 -280.
الباب الرابع فى عدم جواز فصل الدين عن السياسة فى الاسلام 281
محاربة الاسلام و محاربة هؤلاء المحاربين تجريان فى مصر بأسلوب عجيب ناشئ من خبث نوايا المحاربين و ضعف مركز المعارضين 282.
فى مصر غزاةمن اهلها فى القوانين الاوروبية و احلالها محل الشرعية الاسلامية وحملة مستنكرين هذا الغزو 283.
عزيز خانكى بك داعية مصطفى كمال فى مصر و اسماعيل صدقى باشا داعيه داعيته
283.
عدد ما الف فى اوروبا بشأن مصطفى كمال يزيد على 600 كتاب 284
مدار الفرق بين دار الاسلام و دار الحرب على القوانين الجارية فى البلاد 184.
السبب الذى حدانى الى حشر مسألة فصل الدين عن السياسة مع مسائل الاولوهية و النبوة التى هى موضوع هذا الكتاب المتصل بعلم أصول الدين 286.
هل الله موجود ثابت الوجود حلا و علميا ؟ و هل سيدنا محمد بنى ثابت النبوة و هل الشرعية الاسلامية الهية حقيقية؟كل ذلك موضوع اليوم تحت الشهة و قد رأيت استيقان هذة الامور الثلاثة جماع حاجة هذه الامور الثلاثة جماع حاجة هذا العصر ,فكتبت له هذا الكتاب
288-289.
-483-
لزوم وجود حكومة متدينة على رأس أمة متدينة تعمل فى مصلحتها و تقيها من طروء الفساد عليها و على رأس الحكومة دينها فيما ما يعمل هى فى الامة 289.
الطريقة الصالحة لاصلاح الحكومة اصلاح خاصة الامة المثقفين و اكتسابهم بالبحث و الناظرة ثم محاربة الحكومة اذا احتيج اليها بأيدى أوليك الصالحين و فتحها بوسائلهم السلمية 290.
فصل الدين عن السياسة ليس معناة استقلال كل من الدين و الحكومة عن الاخر و مساوائهما فى هذا الاستقلال 293.
و قد يكون فصل الدين عن الدولة أضر بالاسلام من غيرة من الاديان لانة لا ينحصر فى المبادات بل يعم نظرة المعاملات و العقوبات أيضا.فالاسلام المحيط بمقتنسة من كل جانب دين لهم و دولة وجنسيتة ,فقية الوحدة الاجتماعية التى تبحث عنها كل أمة لتوحيد الاقوام المختلفة و لا تجدها 295.
ما انتقل من الستة بعض الاعداء المخرفين الى السنة بعض المؤلفين منا ان القوانين الفقة الاسلامى مأخوذة من قانون الرمانيين .و ابطال هذا الادعاء بشهادة ثلاثة شهودة اخصائيين: مسيحين و مسلم 196-307.
التعقيب على مقالة منشورة فى ((رسالة)) بمناسبة مناقشة الرسائل التى قدمها لاول مرة المتخرجون من كلية الشريعة .بقلم واحد من أساتنسها و عنوانة:
((أسبوع فى تاريخ الازهر))307-320.
اتجاة جديد للاستاذ على عبد الرازق 321-323.
دليل جليل فى اثبات النبوة خاص لنبوة سيدنا محمد 324.
ثلاثة فروق مهمة بين ان يكون القانون من وضع الانسان او مأخودا من الوحى الالهى325-340.
-484-
النكاح المدنى الذى ابتدعتة تركيا الجديدة الكمالية و فرق من النكاح الشرعى 326-329.
الوصمة التى لا تصفوا منها القوانين الموضوعة من قبل البشر 329.
هل الانسان يخضع للقانون أم القانون يخضع للانسان 330؟
العدالة غير مضمونة بالقوانين الموضوعة من عند البشر 332.
الئيس و يلسون وضع الامم التابعة للقوانين السماوية فى نهاية الحرب العالمية الاولى تحت انتداب الدول العاملة بالقوانين الارضية فأخذة مصطفى كمال شر ذريعة لاجلاء الاسلام عن تركيا المجاهدة فى سبيلة ستة قرون بل عشرة ,و كفى هذا التنازل المزرى فى ارضاء اذداء الاسلام و أعداء تركيا االقديمة – و على رأسهم الانجليز- من تركيا الحديثة ,فأحبوها رغم أنها حاربتهم فى الحرب العالمة الاولى مع المحاربين و اكتسبت هى استقلالا جديدا بزوال استقلال الاسلام عن رأسها 335-336.
من الامثلة الدالة على سمو نظر الشرع الاسلامى فى تقدير الامور حق قدؤها مسألة فقهية ينص على مذهب الامام أبى حنيفة :اذا وقع النزاع بين مسلم و ذمى على طفل يدعى المسلم أنة عبدة و الذمى انة ولده340.
التنبيه الى عدم ما يظن من ان العمل بالقوانين الدينية يوجد امتيازا لرجال الدين على غيرهم فيجرى التحيز فى القانون الدينى أيضا 341.
الجواب على ادعاء الشيخ رشيد رضا فى كتابه ((الخلافة)) من وجود حق التشريع فى الاسلام لغير الله ورسولة بناء على كون الاجماع حجة شرعية341.
وقع تدفع الناس حريهم و استقلالهم فى وضع القوانين الى الخروج عن العقل و العدل فترى نظام المنقنين الاوربى يجيز سريان القانون الى ما قبلة اذا صرح الواضع بة 344.
و فى أوروبا فريق من العلماء المجددين يذهبون الى عتبار القانون كائنا حيا يتطور كما -485-
تتطور العلاقات الاجتماعية التى يحكمها القانون ,و لذلك يجب تفسيرة بشكل ينجو من الجمود و يجعلة متمشيا مع الحياة وملائما لها بصرف النظر عن غرض الشارع و قابلية الفظ الذى استمعلة فى نص القانون. ولاشك ان هذة التوسعة فى التفسير تجعلة تلاعبا بالقانون 345.
بل القانون البشرى نفسة ,فضلا عن تفسيره بالشكل الانف لا يخلو من ان يكون خديعة يخدع بها الناس بعضهم بعضا و يتخذها اداة العدالة فيما بينهم عدالة تقسمهم الى طبقتين حاكمة و ضعت القانون و محكومة أفتات عليها الواضع 345.
أما القانون الالهى فالحا كم فية هو الله و الناس حتى السلطان سواء أمامة غير محسين يثقل الحـكم عليهم لتكونة على السوية و لكونة من الله الذى خلقهم 345.
و أما تصيبب هذا القانون بالجمود فقد عرفت ان الجمود من الاوصاف اللازمة للقانون و قد عمل المسلمون بقوانين الشريعة الاسلامية على اختلاف أزمننهم و امكنهم طوال تاريخ الاسلام المنظورى على دول مختلفة فى المدينة و الشام و بنداد وبغداد و المغرب و مصر و الهند و تركيا اعترف العالم بعظم شانها , فما شكت دولة اسلامية او أمة مسلمة فى المشرق و المغرب من جمود الشريعة الاسلامية 345-347.
من الناس من يتفق معنا فلا يجيز فصل الدين عن السياسة لكنة يخول حكومات المسملين حرية تاة فى وضع القانون و يدعى أنة لا يوجد قانون يسنونة او عمل يعملونة الا و سعه الاسلام لانة دين عام خالد .و هو مذهب الاستاذ فريد وجدى بك.
و هذا الراى أسوأ من فصل الدين عن السياسة 347.
و يقرب من هذا مسلك الشيخ محمد عبده الذى أجاب الاتاذ فرح أنطون حين عاب عدم فصل الدين عن السياسة فى الاسلام و عزى تاخر المسلمين بألحة المهمة على جمود علماء الدينوفيفهم ان الشيخ كان يتوقع منهم اجتهادا واسعا يسع كل الرغبات
-486-
المجددين المصريين حتى لا بيقى الحاجة الى فصل الدين عن السياسة لتطمئن تلك الرغبات 349-350.
وكان الشيخ رشيد رضا كثير الشكوى مثثل أستاذة من وجمود العلماء و شديد الطلب لفتح باب الاجتهاد نع أن الذين أقفلو الباب لئلا يدخل فية من ليس أهلا لة. و قد علمت ان غط الشيخ رشيد و غيرة فى توسعة باب الاجتهاد يذهب الى حد ان يعطى البشر حق التشريع , وهو باطل من ناحية العقل و النقل 350
وفضيلة الاستاذ المراغى أكثر توسعا من الشخ رشيد لكونة أجاز ان يكون المجتهد فى الكتاب و السنة غير عارف بالغة العربية فيستنبط الاحكام من التراجم فهو يجيز كون المجتهد فى القران مقلدا المترجم فى فهم معانيه
و اليخ رشيد متعصب للعربية كاستاذة محمد عبدة المتعصب لها الى حد اعتبار العربية و الاسلام شيئا واحدا فى حين ان الاستاذ المراغى متساهل الى حد انة لا يوجب القراءة العربية فى الصلاة على المسلمين الاعاجم ولو كانو قادرين عليها .و الحق ان القرأن عربى و الاسلام دين عام للبشر.و لا نافاة بين عموم الاسلام و عرية القران كما زعمة الاستاذ فريد وجدى .وهذا الاخير يعد ترجمة القران قرانا 351-325.
الشكاية من جمود العلماء ما هو الا تسويل من الغربين يرجع الى تعبير المسلمين بالثبات على العمل بالقوانين المأخوذة من كتاب الله و سنة رسولهم.ة معنى هذا ان الجمود الذى يشكى منه ليس جمود علماء الاسلام بل جمود الاسرم نفسه.و لا يدرى الشيخ محمد عبده أصل هذة الشكاية و هو يؤيد بها دعوى أعداء الاسلام .وان كان
يدرى فالمصيبة أعظم 352.
و الحق انة لا مندوحة من ان تكون جمود المسلمين مقلدين فى فروع أحكام الدين.
-487-
أما العلماء فقد عرفت حال الذين يرون أنفسهم فى اخر الزمان أهلا للاجتهاد فهمنا أمور ثلاثة نحن نأباها و يحمل اجتنابها أساس الاجتهاد فى الاسلام و نرى المتوسعين لاتحذر رونها و هى الذهاب الى حد ان يكون المجتهد مشرعا او الى ان يكون مجتهدا من ليس أهلا للاجتهاد او الى تفسير النصوص بمالا تحتملة 356.

بداية الجزء الرابع - موقف العقـــل و العلم و العالــم
من رب العالميـــــن و عبــــاده المرسليــــن
تأليف
مصطفـى صبــري
شيخ الإســـلام للدولة العثمانيــة سابقـــا
الجــزء الرابــع
الطبعـــة الثـانية
1401- 1981 مـ
دار إحيــاء التراث العربـي
بيـروت – لبنـــان
بسم الله الرحمــن الرحيـم
البـاب الثالث
موقف العقـل و العلـم من رسل الله
وما اظهــره على أيديهم من المعجـزات و أنبأهم ه من البعث بعد المـوت
أآـم ذلك الكتاب لا ريب فيه، هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب و يقيـمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون ، و الذين يؤمنون بمـا أنزل إليـك و ما انزل من قبـلك و بالآخرة هم يوقنـون ، أولئك على هدى من ربهم و أولئـك هم المفلحون.
الحمـد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على من اصطفاهم برسالته إلى الناس، و جعل لهم من الآيات البينات الخارقة لسنته في الكون علامات يمنازون بها على الذين أرسلوا إليهم، أهص الذكر منهم رسولنا و سيدنا محمــدا ، و على آله و صحبه و التابعين لهم بإحسـان إلى يوم الدين.
وبعد. فما لا يخفى على ذوي الأعين الساهرة، بعد أن سادت المادة في الغرب، و أخذ الشرق يهدي الغرب ، ما طرأ على القلو الضعيفه من إنكا المعقولات و المغيبات التي في رأسها رب المشرقين و رب المغربين، حتى إن الأستاذ فريد وجدي بك سبق له في مقاله من مقالاته المنشورة في ((مجلة الازهر)) ( الجزء الخامس من المجلد الثامن) أن جعل الإيمان بالغيب الذي هو أول صفة وصف الله بها عاده المفلحين، مقابلا للإيمان بالواقع. فنزل الإيمان بالغيب بهذه المقابله منزلة الإيمان غير الواقع.
وحتى إن هذا الأستاذ قال في أثناء مناقشة جرت بيني و بينه، ونشرت في ضمن مقالات من الطرفين على صفحات جريد (( الأهرام )) قولا ذكر به مرات كثيرة في هذا الكتاب و أحطيته بين أسباب تأليفه، وكان ذلك قبيل تولى الأستاذ رئاسه تحرير مجلة الأزهر أعنى أيام كان حرا عن الوظيفه الرسمية الأزهرية.
وهذا قول الأستاذ أعيده هنا بعضه:
((... في تلك الأثناء ولد العلم الحديث، وما زال يجادل القوى التي كانت تساوره حتى تغلب عليها، قدالت الدولة إليه في الأرض، فنظر نظره في الاديان، و سرى عليه أسلوبه، فقذف بها جملة إلى عالم الميتولوجيا (الأساطير) ثم أخذ يبحث عن اشتقاق بعضها عن بعض، و اتصال أساطيرها بعضها ببعض.
((فجعل من ذلك مجموعة تقرأ لا لتقدس تديسا، و لكن ليعرف الباحثةن منها الصور الذهنية التي كان يستعبد لها الإنسان نفسه، و يقف على صيانتها جهوده، غير مدخر في سبيلها روحه وماله.
وقد اتصل الشرق الإسلامي بالغر مفذا كثر من مائة سنة فإخذ يرتشف من مناهله العلمية، و يقتبس من مدينته الماديه، فوقف فيما وقف عليه على هذه الميتولوجيا، و وجد دينه ماثلا فيها فلم ينبس بكلمه لأنه رأى الأمر أكبر من أن يحاوله و لكنه استبطن الإلحاد و تمسك به، متيقنا أنه مصير اخوانه كافه متى وصلوا إلى درجته العلمية.
((وقد نبغ في البلاد الإسلامية كتّاب و شعراء وقفوا على هذه البحوث العلمية فسحرتهم، فأخذوا يهيئون الأذهان لقبولها دسا في مقالاتهم و قصائدهم غير مصارحين بها غير أمثالهم، تفاديا من أن يقاطعوا او ينفوا من الأرض.))
ثم أدخل الاستاذ نفسه في الذين أسلالهم الاتصال بعلوم الغرب، عن دينهم ثم أخرجه من بينهم. ولا حاجه لتنبيه القارئ النبيه إلى ان الدس الذي ذكره الأستاذ لنوابغ الشرق الإسلامي المستنطين للإلحاد بعد ارتشافهم من مناهل العلون الغربيه، له أنواع و أساليب لا تعد ولا تحصى، حتى إن منها الإدخال و الإخارج اللذين خصهما لنفسه كما يظهر من الإطلاع على صورتهما المذكورة في مقدمة الكتاب. ومن ذلم الوقت الطويل الذي لفتني إفشاء الأستاذ فيه عن كتّاب المسلمين المستبطين للإلحاد، و استبطت أنا أمرهم، لقيت من دسائهم ما يجعل أسباب التأليف التي ذكرتها و أطلت الكلام في ذكرها في مقدمة الكتاب، محصول الاستقراء الناقص، حتى استدركت ما فاتني في المقدمة من تلك الأسباب، وذكرته في أمكنه مختلفة من صلب الكتاب.
و أرز مميزات هؤلاء الكتّاب و العلماء المتفقين معهم أنهم ينكرون المعجزات الكونية، و يعترونها من المستحيلات، وقد علم القارئ مما سبق كيف أنكرها الأستاذ فريد وجدي بك، و أنكر معها البعث بعد الموت، و رد جميع آيات القرآن الواردة في كل من الموضوعين الى المتشابهات التي تفهم معانيها.
و عضهم يخص إنكاره بمعجزات نبينا من ذلك القبيل، و يعتر مجرده منها ميزه له على سائر الأنبياء، حتى إن فضيلة الأستاذ الراغي قال فيما كتبه تفريزا على كتاب (( حياة محمـد )) الذي أخلاه مؤلفه عن المعجزات، و التقريظ منشور في صدر الكتاب:
وما أبدع قول البوصيري:
لم يمتحنــا بما تعيـا العقـــول به حرصــا علينا فلم نرتب ولم نهم
ومن مميزاتهم البارزة في الأيام الأخيرة أنك تراهم يسعون أن يقيموا مقام نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عبقرية يجعلونها موضع عنايتهم، و يكتون عنها بدلا من نبوته، تفضيلا لمناقبة التي يتفق على تعظيمها من يدين رسالته الدينيه ومن لا يدين له رساله، على التي ينفرد تعظيمها المسلمون.
وقد أفصح أحد دعاة العبقريه – أعني به الدكتور زكي مبارك – عما أضمره غيره فقال في مقالة منشورة في العدد الخاص من مجلة ((الرسالة)) بأول العام الهجري 1358: (( سيأتي يوم – قريب أو بعيد – يثور فيه الناس على الأمور الغيبيه، ولكنهم لا يستعملون أن يثوروا على عبقرية محمد)) و معناه أن نوبته غير مأمون أن يثار عليها حتى من الذين يدينون بها، لكونها من الأمور الغيبيه. فينجلي من هذا أن تخصيصهم العقرية بالحث و الدرس ناشيء من هدم كون نوبته صلى الله عليه وسلم متيقنه عندهم تيقن عقريته، و إلا فماذا هو دافعهم إلى هذا التخصيص الرامي إلى إنساء نوبته في ترويج عبقريته إن لم تكن العبقرية أفضل و اسمى من النوبه و أسلم من الشبهه؟ أليس غريبا أن يقوم كات من المسلمين فيكتب حياة سيدنا محمد كما يكتبها كاتب أجنبي عن الإسلام منصف مقدر لعظمة محمد نافذ النظر في أعماق عظمته، ولكنه على كل حال غير تام التقدير حيث لا يجعل نوبته التي هي معدن تلك العظمة الجامعه للعظات، في رأس ما يعني ه من حياته، او غير تام الحظ حيث لا تدركه الهداية الإلهية للإيمان به على أنه نبي من أنبياء الله.
فإن قيل –اعتراضا على – إن كاتبنا الساعي لإثبات عبقرية نبينا لا ينفي نوبته أقول: وهذا عقرية الكتاب. لكن واجب القارئ أن يبحث عن سبب هذا الانحراف في اختيارع الموضوع، و يقول في نفسه ماذا هو منشأ التهالك من كتابنا العبقريين على هذا النوع من مواضيع الكتابع عنه صلى الله عليه وسلم في زمان ضعف فيه الإيمان بالأمور الغيبية، حتى لم يستبعد وقوع الثورة عليها من الناس؟ أليس فيه تأييد لذلك الضعف، و اشتغال بملاقاة ما كاد ينسى و ينكر من نواحي عظمته بما لا يقبل النسيان و الانكار منها؟ مع أن في هذه الملافاة أيضا تاكيدا لإنساء ما اصبح على وشك النسيان.
وهذه النقاط الدقيقة اللائحة الي ان كان اناس من القراء ينكرون خطورها بأذهان كتا العبقرية كان ذلك انكارا منهم لعبقرية الكاتبيين أنفسهم، و إساءة الظن بهم أكثر مما يرون منها في ظني بيهم، فإن كان مسلمو زماننا لا خوف على دينهم من تشكيك المشككين النسبة إلى كل زمان معنى في الإسلام، وكان الكاتبون المصريون النوابغ أحدر الناس الاعتقاد على صجة عقائدهم و سلامة نواياهم حتى بعد إفشاء الاستاذ فريد وجدي بك عن سرائرهم ومراميهم في كتاباتهم، فأرضى أن اكون أنا الملوم بسوء الظن، و أختار لنفسي هذا الموقف على ما يختار هؤلاء الكتاب للمسلمين من موقف الحمقى!
ثم إن الكتابه و التأليف لا بد أن يتضمن دعوة القراء إلى الاقتناع بشئ، فإإن كان في دعوة الناس إلى الايمان بعبقرية سيدنا محمد كسب القراء من غير المسلمين فهذا الكس الحاصل من الاعتناء بعبقريته المؤدي الى صرف الاذهان من نوبته لا يعوض خسر المسلمين لا سيما من غير العر، فما هي الفائدة التي تعود إليهم من عبقرية محمد الذي لم يبق رواج نبوته؟ بل وما فائدة غير المسلمين من عبقريته غير أن يروا كتّاب المسلمين حولوا أقلامهم الى وجهتها مستثمرين عدم رغة الناس اليوم في حديث نوبته، بل حديث نبوة أي نبي كان، لكونها من الأمور الغيبيه التي قلما يؤمن بهل الجيل الحاضر من الناس؟ فالمسألة إذن جعل محمد صلى الله عليه وسلم نبيا عصريا إن زالت زعامته للمسلمين كافة فلا يزال زعيما للعر. و لغير العر أن يحتفظوا باتباع خطته مع هذا التحول في موقفه، اعتار أنها خطه معقوله. وكذا الحال في مواقف سائر الأنبياء صلوات الله عليهم. فللمنتمين إلى دينهم أن يعتبروهم عباقرة زمانهم في صورة الأنبياء، و ليس أدل على عقريتهم من إقناعهم الناس برهة من الزمان بنبواتهم. و لا يقال بصدد تبرئة الكتاب الذين اتبقهم و أتهمهم بإنكار النبوة و تحويلها إلى العبقرية لا سيما في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: إنهم لا ينكرون النبوة و إنما يجمعون إليها العبقرية التي لا شك في أنها صفة عالية لا يجيء منها أي ضرر و أي نقص لنبوة النبي، ل يكون اتصاف النبي بالعبقرية زيادة في شرفه ومنتقته – لأني أقول أولا، و استعيذ بالله أن أكون من المفترين عليهم ما هم ريئون منه: علامة إنكار النبوة فيهم القاطعة في دلالتها إنكارهم المعجزات، وهما –أي المعجزة و النبوة- سيان في كونهما من الامور الغيبية الخارقة لسنن الكون التي ينتهي إليها إنكار ما ينكرونه في هذه المسائل. نعم ربما تعترف تلك الطائفة بالنبوة لا بمعنى النبوة التي تعدد من الامور الغيبية، و التي يعتقدها المسلمون و المليون جميعا، ولا عرة بهذا الاعتراف طبعا، و رما يعترفون بالمعجزات أيضا لكن بمعنى المعجزات الخارقة لسنن الكون حقيقة، و إنما هي امور لا يصح عدها من المعجزات اعتبروها معجزات، كما فعل الإستاذ فريد وجدي بك، عندما كتب الامور الخارقة للنواميس في وقعة بدر، وذلك في سلسلة مقالات منشورة في مجلة الأزهر عنوان ((السيرة المحمدية تحت ضوء العلم و الفلسفة))
فهو لم يلتفت إلى ما بين الخوارق الحقيقية الواقعه في در، وبين العنوان القائل ((السيرة المحمدية تحت ضوء العلم و الفلسفه)) من التناقش حيث لا يتفق الاعتراف الامور الخارقة للنواميس الطبيعيه مع العلم و الفلسفه المعروفين بين الكتاب المصريين. لكن الأستاذ يروغ بين إنكار الحوارق وين الاعتراف ها في رئاسه مجلة الازهر، وهو ثات القدم في إنكار الخوارق الحقيقية التي لا بد ان تكون المعجزة منها، كما لا بد من كون علامة النوة الحقيقية هي المعجزة الحقيقية المعدودة من الأمور الغيبية.
وليس أدل على كون إنكار المعجزات الخارقة التي تلازم النبوة، ملازما لإنكار النبوة، من أن الدكتور شلي شميل ناشر فكرة الالحاد في اللاد المربية بحماسة و صراحة، يسمى الإيمان بالاديان إيمانا المعجزة.
و ثانيا إنهم لا يكتبون عن عبقرية سيدنا محمد كضميمة إلى منصب نبوته،ل مستقله عنه و مغنيه، لا سيما عن المعجزة التي تلازم النوة، و رما يقارنون بين النبوة و العقرية مدعين للعقريه الاعجاز اللازم للنبوة. وهذا أوضح دليل على كونهم مجتهدين في إهمال النبوة و ترويج العبقرية بدلا منها، أنظر إلى قول الاستاذ فريد وجدي بك، فيما كتبه في الجزء السابع من المجلد الحادي عشر من ((مجلة الأزهر)) بعنوان ((السيرة المحمدية تحت ضوء العلم و الفلسفه)):
((تمتاز العصور النبوية (بعني عصور الانبياء) بالخوارق للنواميس الطبيعية فأساطير الاديان ملأي بذكر حوادث من هذا القيل كان لها أقوى تأثير في حمل الشعو التي شهدتها على الإذعان للمرسلين الذين حدثت على أيديهم. و قد حدثت امور من هذا القبيل في العصر المحمدي صاحبت الدعوى في جميع أدوارها وكانت أعظم شأنا و اجل أثرا من كل ما سبق من نوعها. و لست أقصد بها ما تناقله الناس من شق الصدر و تظليل الغمامة و انشقاق القمر وما إليها مما لا يمكن إثباته بدليل محسوس، ومما يتأتي توجيهه إلى غير ما فهم منه. ولكني أقصد تلك الانقلابات الأدبيه و الاجتماعية التي تمت على يد محمد صلى الله عليه وسلم في أقل من رببع قرن، و قد أعوذ أمثالها في الامم القرون المديدة و الآماد الطويلة.
((وقد لاخظ قراؤنا أننا نحرص فيما نكتبه في هذه السيرة على أن لا نسرف في كل ناحية إلى ناحية الإعجاز ما دام يمكن تعليلها بالأسباب العاديه حتى ولو بشيء من التكلف، مسايرة لمذهب المبالغين في التثبيت و المحافظة على الدستور العلمي ثقة منا بان بحثا لا تحترمه النخبة المثقفه ولا تجد فيه صورة صحيحة لملثها الأعلى في عرض المسائل و تحليلها لا يمكن أن يؤدي إلى ما قصد من الخدمة العامة)).
و أنما تعليقات على هذا الكلام سبقت في الجزء الأول من الكتاب خشينا الاطالة في نقلها هنا مهما كانت هامة، و حسبنا فهم القارئ من قول الاستاذ انه يستخرج من غير المعجزات معجزات و يرد المعجزات الحقيقة المبينه على أسباب غيبيه غير طبيعيه و التي هي معجزات النبوة الحقيقة التي هي أيضا من الأمور الغيبية غير الطبيعية، إلى أساطير الأديان، كما حمل الآيات الواردة في القرآن عن معجزات الانبياء إلى المتشابهات غير المفهومة، لما جرى بيني و بينه النقاش قبل بضع سنوات، كل ذلك لإنكار المعجزات الخارقة للنواميس الذي يلزمة إنكاره النبوة أيضا لسببين. أولهما كون المعحزة علامة النبوة فمن ينكرها فلا د أن ينكر النبوة، و ثانيهما أن منشأ إنكار المعحزة كونها من الامور الغيية مع أن النوة نفسها التي هي اتصال خاص بالله من الأمور الغيبيه أيضا.
بقي أن واجب الإنصاف الذي يؤدي إلا إيتاء كل ذي حق حقه، يقضي بأن لا يكون درسي لمسأله العقرية خلوا عن تقدير كتاب ((عبقرية محمد)) للأستاذ العقاد. فقد أصدرت حكمي ضده قبل مطالعته بمجرد سماع اسمة و رؤية بعض إعلان عنه في الصحف و المجلات، ثم لما قراته أعجبت به، لا سيما ببعض مباحثه، و إن لم أرجع عن حكمي الصادر، نظرا الى كون مؤلفه أيضا من دعاة العقرية و مروجيها بدل النبوة و معجزاتها. و مع هذا فهو لم يتوقع الثورة على النبوة كما توقعها الدكتور زكي مبارك، و لم يصادم البداهة في سبيل إنكار معجزات الانبياء سلفيا جميع الايات الواردة بشانها في كتا الله و رادا لها إلى المتشابهات التي لا يحصل القارئ منها على معنى مفهوم، كما صادم الأستاذ فريد وجدي بك، ولم يعتد في سبيل إنكار معجزات نبينا الكونية على كت الحديث ساعيا لتشكيك الأذهان في صحة كل ما رواه أئمة المسلمين عنه صلى الله عليه وسلم من الأقوال و الأفعال إلى ان ألغي ركن السنة من بين حجج الإسلام ، كما فعل معالي هيكل باشا كل ذلك في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه ((حياة محمـد)) ، ولم يحرف الكلم عن مواضعه في تأويل آيات القران الناظقة الخوارق كرفع عيسى عليه السلام إلى السماء، ولم يهن مقام القرآن بادعائ مجاراته لعقيدة العرب الجاهلين في تصوير الشيطان، كما حرف و أهان فضيلة الشيخ شلتوت فرارا عن الإيمان بالغيب.
وفضلا عن عدم تورط الأستاذ العقاد في أمثال هذه السخافات التي تورط فيها غيره من دعاة العبقرية و منكري المعجزات، فإنه أحسن في الدفاع عن سيدنا محمد ردا على اتهام من يتهمه من الغربيين بالاستسلام للذات حسه، و أحسن في الدفاع عن الإسلام في مسأله تعدد الزوجات، مع أنه لم يسبق وعد منه في الدفاع عن الإسلام عند تعريف كتابه. و قد أصاب فضيلة الاستاذ الاكر المراغي في أمره باشتراء جميلة من كتاب العقاد لتوزيعها في مدارس الأزهر، أكثر من إصابته في تفريط كتاب هيكل باشا.
الحاصل أني وجدت الاستاذ العقاد أمثل دعاة العبقرية في إتزان الكلم. أما قلمة أقوى فإني أعرفه قل كتابه هذا. ثم إني بعد كل هذا الاعتراف بحق الاستاذ اراه مخظئـا كزملائه في إنكار المعجزات الذي يشهد به قوله في ص 28 وعلامات الضعف بادية فيه رغم حسنه و طلاوئه:
(( قد ظهر و المدينة مهيأة لظهورة لانها محتاجه إليه، و الجزيرة مهيأة لظهوره لأنها محتاجه إليه، و الدنيا مهيأة لأنها محتاجه إليه، وماذا من علامات الرساله أصدق من هذه العلامة؟ وماذا من تدبير المقادير أصدق من هذا التدبير؟ وماذا من أساطير المخترعين للأساطير أعجب من هذا الواقع ومن هذا التوفيق؟ علامات الرساله الصادقه، و هي عقيدة تحتاج إليها الأمة، وهي أسباب تتمهد لظهورها، و هي رجل يضطلع بامانتها في أدائها؟
((فإذا تجمعت هذه العلامات فماذا يلجئتا إلى علامة غيرها؟ واذا تعذر عليها أن تجتمع فأي علامة غيرها تنوب عنها أو تعوض ما نقص منها؟))
و قوله في ص 48: ((إنما نجحت دعوة الاسلام لأنها دعوة طلبتها الدنيا ومهدت لها الحوادث، و قام بها داع تهيأ لها بعناية رع و ومافقه أحواله و صفاته، فلا حاجه بنا إلى خارقه ينكرها العقل)) الخ
و الأستاذ يعرف كما اعرف أنا ان منكر المعجزات الخارقة المبينه على أسباب غيبيه لا بد ان ينكر النوة الحقيقة التي هي من الامور الغيبيه أيضا، و غن لم يعرف أن تلك المعجزات غير مستحيله عند العقل، و سيعرفه أيضا عد مطالعة كتابي. و إني لا أطيل الكلام مع الاستاذ كما أطلته مع غيره، و إنما أقول له/ إن القران الفاصل بين كل حق و باظل يفصل بيننا في هذه المسأله أيضا. و طريق فصله هكذا:
نحن نرى الأستاذ العقاد القائل بكون نبوة سيدنا محمـد وليدة تهيؤ الزمان و المكان الممتد من جزيرة العر إلى كل الدنيا، وليدة التهيؤ العام التولد من الحاجه العامة إليها، وكانت حاجه طبيعية صادفت شخث محمتد المستعد للإضطلاع الامانة بصفاته العاليه الظاهر من كونه عبقريا في الدعوة، عبقريا في العكسريه، عبقريا في السياسه، عبقريا في الاداره، عبقريا في اللاغة، عبقريا ي السياده، عبقريا في العيادة، عبقريا في الرجوله، عبقريا في كل ما يلزم لنجاحه في الدعوة، من غير أن يخالط ذلك التهيؤ و الحاجه العامة العالييتين شيء من الخوارق و اتصال بعالم الغيب –نراه ينسى القرآن أو يتناساه عندا بين أسباب نجاح الدعوة الإسلامية مع كونه أعظم الأسباب الذي لا يعدله بل لا يدانيه سبب آخر، ومع كون الاستاذ يستدل بما يستدل به من الاسباب و العلامات على نوة سيدنا محمـد، بعد تحقق الدعوة بانتشار الاسلام ومضى عهد الداعي مقرونا النصر و التوفيق. وهذه الحاله إنما تكون علامة على نبوة سيدنا محمـد بعد مضي عهد الدعوة متأخره عن أوائها بكثير، فماذا كان العامل الأول في الدلاله على صدق صاحب الدعوة عند أول القابلين بها السابقين في قبولها، و الذين هم رضى الله عنهم أسس صرح النجاح؟ لا شك في أنه القـرآن!
ثم إنا نرى الاستاذ الذي نسي هذه العلامة الأولى و الكبرى للنبوة و لم ينس أن يستمد في كتابة على حسب مناسبات الأبحاث بآيات من القرآن، وكان ذلك من أسباب نجاح كتابه في التأثير على القلوب، فهل يمكن أن لا يكون للقرآن الذي اثّر حتى في نجاح كتاب ((عبقرية محمـد)) للأستاذ العقاد تأثير في نجاح دعوة محمد صلى الله عليه وسلم؟ لا يمكن الأستاذ أن ينكر ذلك، ولا أن ينكر تفوق القرآن على جميع أسباب النجاح التي عددها من التهيؤ العام و الحاجه العامة في العالم، ومن اجتماع أنواع العبقرية في شخص الداعي.
فماذا هو موقف القرآن إذن من محمد العبقري الذي كان دعوته – على رأي الأستاذ – في غنى عن المخالطه بشيء من الخوارق الغيبيه ليتسنى لها النجاح؟ وكان متوقعا من الأستاذ أن يعين موقف القرآن من محمد العبقري في مبحث ((البليغ)) من كتابه ليكون مؤديا لحق البحث، فلم يفعل. فإن كان قراء كتابه المعجبون به كما أعجبت أنا لم يسألوه عن موقف القرآن من محمـد البليغ العبقري في بلاغته، فإني سائله عن ذلك، وسائله: هل هو كلام الله أم كلام محمـد نفسه؟
فإن كان كلام الله المنزل بنصه على محمـد بواسطة الملك فهو يتناقض مع المفروض آنفا في نبوة محمـد من العبقرية المستغنية عن الخوارق الغيبية، لكونه أكبر خارقة و أكبر اتصال منه بعالم الغيب.
و إن لم يكن القرآن كلام الله بل كلام محمد نفسه عزاه الى الله كما أشار إليه الدكتو زكي مبارك من دعاة العبقرية في قوله: ((إن محمدا حرم نفسه الشهرة بإجادة البيان و بفضل الكتاب الذي بلغه عاش البيات)) و سيجيء نقله مع أقواله الأخرى.. إن كان القرآن عند الأستاذ العقاد صاحب كتاب ((عبقرية محمـد)) الساعي لتجريد من الخوارق، كما هو عند الدكتور زكي مبارك، كان محمـد كاذبا في نسبة القرآن إلى الله على الرغم من قول القرآن: ((ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلىّ ولم يوح إليه شيء)) وكان هذا الكذب أطبر مناف للنبوة و العبقرية معاً.
فإن تساهل العبقريون وذهبوا فيما بينهم إلى عدم التنافي بين العبقرية و الكذب غير مصارحين به غير أمثالهم، فماذا يقولون في تحدى القرآن الإنس و الجن مجتمعين على أن يأتوا بمثله؟ مع أنه لا يتصور صدور التحدي عن عاقل من البشر على أن يأتوا بكلام مثل كلامه، فهل يمكن عند دعاة العبقرية أن يكون محمـد العبقري متهورا مجنونا في تهوره إن أمكن عندهم أن يكون كاذبا؟ وهل يجوز عندهم ائتلاف العبقرية بالجنون أيضا كما جاز ائتلافها بالكذب؟
ونحن نحاشى محمـداً صلى الله عليه وسلم من كل ذلك.
أقول للكتاب العصريين بعد هذا السؤال الواضح: إن كنتم تؤمنون برسالة محمـد من الله بمعناها المعروف عند المؤمنين بالأنبياء فاصدقوا في إيمانكم، ولا تكذب قلوبكم أقوالكم و لا تكذب أقوالكم بعضها بعضا، فليس لكم أن تقيسوا عبقرية محمـد على عبقريتكم التي تسهل الكذب في أعينكم، فأين هذا الذي تحدثون به أنفسكم من أن يكذب محمـد الأمين على ربه الذي يقول ((ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين)).
وقد ينظق الله كتابنا العصريين، بالحق فيقول مؤلف ((حياة محمـد)) – ونعم ما يقول – عند الكلام على الأقوال المختلفة في سبب نزول قوله تعالى ((و إن كادوا ليفتنوك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره و إذا لاتخذوك خليلا، ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، إذا لأذقناك ضعف الحياة و ضعف الممات ثم لا تجد لك نصيرا)) ص 180:
((ومهما تكن الحقيقة التي لا تختلف الروايات عليها للواقعة أو الوقائع التي نزلت الايات فيها، فإنها تصور ناحية من نواحي العظمة النفسيه لمحمد كما تصور صدق إخلاصه تصويرا قويا. وهذه الناحية تصورها كذلك هذه الآيات التي نقلنا من سورة ((عبس)) ويشهد بها تاريخ محمد كله. تلك أنه كان يصارح الناس بأنه بشر مثلهم يوحي ربه إليه لهدايتهم، و أنه –وهو بشر مثلهم- معرض للخطأ لولا عصمة الله إياه. فهو قد أخطأ حين عبس لابن أم مكتوم و تولى عنه، وهو قد كاد يخطئ فيما نزلت عليه آيه الإسراء في شأنه، وكاد يفتن عن الذي أوحي إليه ليفتري غيره.
فإذا نزل عليه الوحي ينهيه إلى ما صنع في أمر الأعمى، وفي أمر هذه الفتنة التي كادت قريش تدفعه إليها، صدق في تبليغ الوحي إلي الناس صدقه في تبيلغ رسالات ربه، ولم يقف حائب من أنفه أو كبرياء، ولا وقف اعتبار إنساني، حتى مما يسيغ الفضلاء، دون إعلان هذا الحق في أمر نفسه. فالحق إذا – و الحق وحده – كان رسالته. و إذا كان احتمال أذى الغير في سبيل ما نؤمن به بعض ما تطيق النفوس الكبيره، فإن إقرار العظيم بأنه كاد يفتن ليس مما ألف الناس صدوره حتى من العظماء. إنما يخفى هؤلاء أمثال ذلك من الأمور و يكتفون بحساب النفس عليه ولو حسابا يسيرا. فهو شيء إذا أكبر من العظيمة، و أعظم من كل عظيم ذلك الذي يتيح للنفس هذا السمو على العظمة، و يفوق كل عظيم هو النبوة التي تملى على الرسول صدق الاخلاص في إبلاغ رسالة الحق جل شأنه)).
و الشاهد فيما نقلناه عن كتاب هيكل باشا و حبذناه هو الفقرة الأخيرة الناطقة بعظمة النبوة التي تسمو على العظمة. ونحن نضيف إليه قولنا: نعم إن النبوة هي الشيء الذي يسمو على العظمة و تقصر عن مداه العبقرية.
و انظر عظمة النبوة المتجلية في قوله تعالى: ((لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آيه فظلت أعناقهم لها خاضعين)) وقوله: ((و إن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآيه ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين)).
فهما أبلغ من الأيتيين المذكورتين من قبل نقلا عن كتاب هيكل باشا في الدلالة على عظمة محمد النبي صلى الله عليه وسلم في صدقه و اخلاصه لكونهما تصارحنا يتضوره في عجزه عن الإتيان بآيه تخضع الناس لتصديق مدعاه عن نبوته التي لا مدعى لنفسه غيرها يمتاز به على الذين أرسل إليهم.
وللكلام عن موقفه صلى الله عليه وسلم من الايتين الاخيرتين اللتين ذكرناهما و أشباههما بقية نوردها في محلها إن شاء الله.
***
نعود إلى ما كنا فيه: ومن مميزان الطائفة العصرية المصرية أنهم لا يصولون على كتب الحديث وما فيها من الروايات المتعلقة بمعجزات نبينا. ولذا جاء كتاب ((حياة محمــد)) خلوا عن المعجزات الكونية و أقره عليه فضيله الاستاذ المراغي و الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة ((المنار)). و للوصول الى هذه الغاية يطمن من يطمن منهم مكان كتب الحديث مطلقا من الثقه، ويعني من يعني بعبقرية سيدنا محمـد بدل نبوته، لكنهم متفقون في هذه المرحلة من الدس على الاعتراف بأهميه القرآن و سمو مكانه، قائلين: إنه المعجزة الوحيدة.
وقولي لهؤلاء – وهم دعاة العبقرية-: إن القرآن إن كان معجزة، وكان أفضل و أعظم ما وصل إلينا من محمـد صلى الله عليه و سلم فهو معجزة نبوته لا معجزة عبقريته، لأن العبقريه لا معجزة لها، و أن الذ1ين لجأوا إليها أرادوا أن يتخلصوا من المعجزات التي تدور مع النبوات.
و أصل المسأله أن النبوة كالمعجزة في كونها مخالفة للعلم الحديث الذي سبق قول الاستاذ فريد أن دالت إليه الدولة في الارض، و في كون الذين ينكرون المعجزات من الكتاب ينكرون النبوات ايضا، و إن كانوا اليوم أجرأ على المصارحة بإنكار المعجزان بالنسبة إلى إنكار النبوات. بل العلم الحديث الذي يؤمنون به و الذي قذف بالاديات جملة إلى عالم الاساطير، يمنهم من أن يؤمنوا بالله الذي لم يثبت عندهم وجوده إلى الان ثبوتا علميا مبنيا على التجربة الحسيه، و لذا قال الاستاذ فرح أنطون منشئ مجلة ((الجامعه)) فيما مضى عند مناقشة الشيخ محمـد عبده:
((إن الدين هو الإيمان بخالق غير منظور، و اخرة غير منظورة، و معجزة و وحي و نبوءة و بعث و حشر و سؤال و حساب و ثواب و عذاب في الجنة و النار، و كلها غير محسوسة ولا معقوله. ولهذا كان العقلاء من الفلاسفة و رجال الدين في كل ملة ينادون بإبعاد العقل من الدين)). وكان هذا القول ايضا من الاسباب التي دفعتني الى تأليف هذا الكتاب.
أما الشيخ محمـد عبده فلم يصل إلى رده على مناظره بما يقنع قراء ذلك الوقت ومن بعدهم، ولو كان أتى بجواب مقنع يشهد له بالغلبة على خصمة لما اجترأ الاستاذ فريد وجدي على أن يقول فيما كتبه ردا على عند مناقشة مسأله المعجزات، و ذلك بعد المناقشة الجارية بين الشيخ المفتي و الاستاذ المنشئ بأكثر من عشرين سنة: ((إن الشرق الاسلامي لما رأي دينه مائلا في عالم الاساطير التي قذفت فيه الاديان جملة بيد العلم الحديث الغربي، لم ينبس بكلمة لأنه رأى الامر أكبر من أن يحاوله، و لكنه استبطن الالحاد و تمسك به متقينا أنه مصير أخوانه كافة متى وصلوا إلى درجته العلمة)).
و أما محاولات الاستاذ فريد نفسه اليوم أن يتكلم الفينة بعد الفينة ضد العلم الذي قذف بالاديان جملة - وفيها دين الشرق الاسلامي- إلى عالم الاساطير، و الذي جعل له الاستاذ الدولة في الارض، و ذلك بعد ان تولى الوظيفه الازهرية، و مضى عليه زمان ظن أن الناس نسوا ما كتبه أولا من أن الامر – أي أمر دفاع الشرق الاسلامي عن دينه – أكبر من أن يحاوله، وكان الاستاذ قد اقفل بهذا الكلام الطريق على نفسه وعلى غيره، فليس من الامر في كبير ولا صغير كما يظهر من مطالعة كتابنا و نحن إن تغاضينا هنا عن صعود الخطر من دولة العلم – الذي ركع الاستاذ لسلطانه أولا ثم لم يتسطع أن يرفع رأسه – الى مسألة وجود الله، اكتفاء بما كتبتا عنها في الباب الاول ولم نعترف فيما كتبناه من أو الامر بأي سلطان من أي دولة...
فنحن إن تغاضينا عن صعود الخطر إلى مسأله وجود الله كفتنا الفتنة الناجمة في مسألتي إنكار المعجزة و إقامة العبقرية مقام النبوة، شرا حيث تسبب هذه الفتنة انهيا عقيدة كون القرأن كلام الله و أحاديث سيدنا محمد أحاديث رسول الله، و يلائمة كل الملاءمة أن العصريين من علماء الدين مثل الشيخ شلتوت وكيل كلية الشريعه وعضو هيأة كبار العلماء فضلا عن الدكاترة و الاساتذة من الكتاب مثل الدكتور هيكل باشا مؤلف كتاب ((حيـاة محمــد))، نراهم يستهلون على أنفسهم المخالفة لمرويات كتب الحديث فيما لا يوافق أهواءهم طعنا في ثبوت تلك الروايات عن رسول الله بحجة أن أهل النقد من علماء الحديث وجدوا فيها أحاديث موضوعه، فيرتقي العصريون من علماء الحديث بهذه الرتبة من النقد الخاص لبعض الاحاديث، الى الطعن في جملتها باحتمال الكذب في الاسناد حتى أصبحت السنة من بين الأدلة الشرعية ملفاة عندهم ساقطه عن حيز الاعتداد و الاعتماد. ولم يبالوا باحتمال الصدق القائم الغالب في غير ماتكلم فيه علماء الحديث الاخصائيون بالتعليل، بل فيما صرحوا فيه بالتصحيح أيضا.
و أصل منشأ الجرأه على التوسع في تكذيب الرواة – إلى حد أن لا يبالي بما يتضمن هذا التوسع من تكذيب الاحاديث الصحيحة ايضا الثابته عند علماء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصعد الامر من تكذيب الرواة الى تكذيب الرسول – كون النبوة عندهم عبقرية لا رسالة حقيقة من الله، فيكون سهلا عندهم على الرواة القدماء ان يعزوا إليه ما لم يقله، ويكون سهلا على العصريين أن لا يصدقوه فيما قاله أيضا.
هذ حال الحديث وطريق رفضه، ثم يجيء دور القرآن و يكون طريقهم إلى رفضه استعمال الجرأة ايضا إن لم يكن في تكذيب رواته ففي تأويل معناه، لاعبين بعقول القراء الغافلين، و غير مباليين بما يتعدون في تأويلاتهم عن حدود مراد القرآن – فلو نظروا إليه نظرهم إلى كلام الله لالتزموا بعض التحوط وخشوا بعض الخشية أن يكونوا مخطئينى في التأويل، لكن مبدأ التحول العصري من النبوة الى العبقرية يحل جميع هذه المشكلات ويفتح أمام المؤول أوسع باب. مثلا: إن الآيات الداله على رفع عيسى عليه السلام كنا ولا نزال نفهم منها رفعه حيا كما فهمه جميع السلف من المفسرين، حتى جاء الشيخ شلتوت فادعى أن المراد رفع روحه، فهل هو الذي أصاب في تفسيره حين كان الجميع متفقين على الخطأ؟ كلا، بل إنه هو المخطئ كما يأتي بيانه في محله، لكن عقيدة إنكار المعجزة و مبدأ التحول العصري من النبوة الى العبقرية يصغران أمثال هذه الخطايا في عيون مقترفيها.
و أجرأ نماذج التأويل في القرآن بعد ما سبق للأستاذ فريد وجدي من رد آيات المعجزات و آيات البعث بعد الموت التي تملأ كتاب الله الى المتشابهات غير المفهومة، ما ادعاء الشيخ شلتوت منكرا لوجود الشيطان – كما صوره القرآن شخصا يرى و يسمع، ويقول و يجادل، و يتكبر فيؤمر بالسجدة لأدة و يعصى الله، و يعد و يمني، و ينسل و يعيش الى يوم الوقت المعلوم. ثم يعذب في نار جهنم مع الذين اتبعوه – من ان القران جاري عقيدة العرب الجاهلين في تصوير الشيطان. و هذا قلب دلالة القران و مرتبتع مع مرتبة العرب في المتبوعية و التابعية رأسا على عقب. و الواقع أن الشيخ نفسه حريص على مجاراة الكتاب العصريين في إنكار الامور الغيبية مثل المعجزات و غيرها بدلا من مجارات القران عقيدة العرب.
ويقرب منه في البعد عن مراد القرآن تأويل انفلاق البحر لموسى ومن معه حتى اجتازوه وغرق فرعون و جنوده، بالجزر و المد البحريين، وقد عزى هذا التأويل إلى الشيخ محمد عبده الذي يفهم أن بدعة إنكار المعجزات في صورة تأويلها مأثورة للكتاب العصريين من زمانه، بل رد النبوة الى العبقرية – وقد راجت (موضته) اخيرا بين الكتاب – الذي عبد طريقة بمصر حيث عرف النبي و الرسول في تعليقاته على شرح الجلال الدواني للمقائد العضدية، بغير ما هو معروف عند علماء الاسلام في تعريفهما و سيأتي الكلام منا على كل من المسألتين إن شاء الله.

صفحة رقم 21
ومثله تفسيرالشيخ رشيد رضا صاحب"مجلة النار"قوله تعالى "انشق القمر"بقوله:"ظهر الحق"وتفسير الشيخ شلتوت لآيات رفع المسيح عليه السلام برفع روحه وقوله في نزول المعدود من أشراط الساعة والمشار اليه في آيتين من القرآن:"انه لامحل له بعد سقوط رفعه حيا"
والشيخان لا يعتدان بعد الآيات بالأحاديث الواردة فيما أنكراه مهما كثرت حتى ان أحاديث نزول عيسى تبلغ سبعين حديثا على ما نقله صديقنا العلامة الشيخ زاهد في رده على الشيخ شلتوت من كتاب"التصريح بما تواترت في نزول المسيح"للمحدث الكشميري لكن المفكر لايلتفت اليها بحجة أنها أخبار آحاد
سبعون حديثا مرويا عن الرسول صلى الله عليه وسلم بألسنة رواة مختلفين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم لابد أن تكون لها قيمتها التي لايكفي لأسقاطها التعلل بأنها أخبار آحاد فلو أتى بمثلها سندا لصحة خبر من الأخبار الواردة في كتب التاريخ لكفى في افادة اليقين وزاد على الكفاية فان كفى هناك لكونها رواية تاريخية ولم يكف هنا لكونه رواية المسلمين عن نبيهم فما أسوأ هذه السمعة سمعة المؤلفين المسلمين عند المؤلفين المسلمين؟!وبئست التهمة شبهة الكذب(1)
بداية الهامش:
(1)ومنشأ الخطأ من الذين يشكون في صحة وقوع المعجزات الظاهرة على أيدي النبياء حين لايشكون في صحة الوقائع التاريخية المشهورة أنهم يخلطون مسألة وقوع المعجزات في أذهانهم بمسألة امكانهم الذي يحتاجون فيه دليل آخر غير دليل الوقوع وما داموا لايعرفون ذلك الدليل القائم على امكان المعجزات الذي يخلطونه بمسألة وقوعها فلا بد أن تكون أدلة الوقوع التاريخية التي تتفق مع سنة الكون وتعد عادية بالنسبة الى المعجزات فيصدقونها من غير حاجة لهم فيها الى معرفة دليل الامكان
والآن وبعد أن تولى كتابنا هذا اثبات امكان المعجزات وتعريفه المحتاجين الى معرفة دليله فلا محل للشك في صحة المعجزات ولافرق في دليل الوقوع بينها وبين صحاح واقعات التاريخ=
نهاية الهامش
صفحة رقم 22
نعم ان المؤلفين المسلمين مهما عظم شأنهم فلا ثقة بأمانة السلف منهم عند الخلف العصريين حتى ان الأحاديث المروية عن رسول الله لم يصح منها على تقدير مؤلف"حياة محمد"الا واحد في كل مائة وخمسين حديثا كما سيجئ ذلك أيضا فعلى هذا لايوزن للأحاديث السبعين الواردة في نزول عيسى الا أقل من نصف قيمة حديث واحد صحيح
ثم ان رواة تلك الأحاديث لامصلحة لهم في اختلاقها لأن رفع عيسى عليه السلام ونزوله مما لايعني الرواة المسلمين الذين اتهمهم مؤلف"حياة محمد"في الأحاديث الدالة على معجزات نبيهم الكونية بالمحاباة الدينية فلو كانوا اختلفوا هذه الأحاديث السبعين لزم أن يكون ذلك منهم تاييدا لآيات القرآن التي فهموا منها رفع عيسى ونزوله مع عدم المصلحة في هذا الفهم أيضا أما احتمال كون علماء الاسلام الماضيين غالطين جميعا في فهم آيات القرآن بشان عيسى وكاذبين في رواية الحاديذ تأييدا لهذا الغلط فهو غاية في سوء الظن بهم من ناحيتي الدراية والرواية ناشئة من ضعف صاحب الظن في هذه النواحي واذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وسيجئ منا مزيد شرح لكون الغلط في فهم الشيخ شلتوت لآيات الرفع والنزول
الحاصل أن العصريين من علماء الدين والدنيا المتعمدين لانكار الأمور الغيبية مثل المعجزات وغيرها ذهبوا في تفسير آيات القرآن وتقويم احاديث نبينا مذهبا يكاد يكون ملعبا فلا ينفعهم في تصحيح باطلهم قول الله ولاقوة رسول الله على أن الله ورسوله أيضا من المور الغيبية فاذا لم تقم آيات البعث بعد الموت في كتاب الله حجة على وقوعه عند الأستاذ فريد وجدي وآيات الشيطان على وجوده عند الشيخ شلتوت كشخص حي عاقل ولا السبعون حديثا على نزول عيسى عليه
بداية الهامش
=العادية غير المحتاجة الى دليل الامكان بل دليل الوقوع في المعجزات أقوى منه في العاديات لكون روايات الناس في المعجزات مدعمة بشهادة الكتب المقدسة
نهاية الهامش
بداية صفحة رقم23
السلام في آخر الزمان فأي قول الله والرسول ينفع في اثبات أي مطلب أو قطع أي نزاع؟(1)
وأصل المسألة أن للمتعلمين العصريين من الكتاب عقيدة راسخة أرسخها في أذهانهم العلم الحديث المادي الذي يؤمنون به فوق ايمانهم بكتاب الله وسنة رسوله وهي انكار الأمور الغيبية مثل المعجزات والنبوة بمعناهما المعروف عند المليين(2)فلو لم يكن فيهم هذه العقيدة ونظروا الى قول الله ورسوله نظر المحايد غير المقيد بعقيدة مانعة عن قبول ما يخالفها لأمكننا وقفهم في حدود قول الله ورسوله(3)
فواجب علماء الدين اليوم غير المتفقين مع الكتاب المذكورين مكافحة عقيدتهم المانعة عن الايمان بالأمور مكافحة علمية تبين ما في العلم الذي بنوا عقيدتهم عليه من الجهل وفي زماننا طائفة من علماء الدين لم ير الدين خيرا منهم تهيبوا مكافحة تلك العقيدة المانعة عن تصديق الأمور الغيبية مثل المعجزة والنبوة وغيرهما ولم يتهيبوا مكافحة نصوص الكتاب والسنة بتكذيب الثانية وتأويل الأولى بما يحرف الكلم عن مواضعه فأرادت أن أقوم في هذا الكتاب بهذا الواجب مستعينا بتوفيق الله تعالى فوضعت الباب الأول لاثبات النبوة والمعجزة والنشأة الآخرة
بداية الهامش:
(1)ومن طريف التلقي أن المعتدين على الآيات والأحاديث رفضا أو تأويلا مرهقا لايتحملون حملات النقد من المدافعين عن حقوق كتاب الله وسنة رسوله ويعدونها اعتداء عليهم اذا وجدوا فيها شيئا من الشدة التي ليست الا وطأة الحق وظني أن كف أصحاب"الثقافة"عن نشر مقالتي في الرد على مقالة الشيخ شلتوت المنتشرة في"الرسالة"كان سببه هذا التلقي
(2)وهم متفقون في هذه العقلية العليلة مع الأستاذ فرح أنطون الذي ناظره الشيخ محمد عبده ولم يتغلب عليه
(3)لكنهم لما اقتنعوا بعدم وجود الأمور الغيبية واستحالة حدوث المعجزات فما رأوه منها في كتب الحديث طعنوا في صحته وما رأوه في القرآن أولوه
نهاية الهامش
بداية صفحة رقم 24
موقف العقل والآيات الظاهرة على أيديهم وموقفهما من البعث بعد الموت
ان الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا-ما يجادل في آيات الله الا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد
هذه الموضوعات أعني النبوة والمعجزة وكذا النشأة الأخرى تذكر في كتب أصول الدين بعنوان:"السمعيات"بناء على أنها نستندة الى السماع من الأنبياء المبعوثين من الله المؤيدين بالمعجزات زمعجزاتهم منقولة بأخبار متواترة أو مشهورة
بداية الهامش:
(1)دفعني الة كتابة هذا الباب ان الدكتور هيكل باشا الذي ألف كتابا في حياة محمد صلى الله عليه وسسلم وأخلاه عن المعجزات المذكورة في كتب السيرة والحديث رأيته يسعى في مقدمة الطبعة الثانية لتبرير ما فعله بانكار ثبوت تلك المعجزات التي سماها المعجزات الكونية من حيث الرواية وانكار وقوع ما يخالف العقل وسنة الكون من حيث الدراية
وقد علم القارئ من مقدمة كتابي هذا كيف ادعى الأستاذ فريد وجدي بك استحالة المعجزات والبعث بعد الموت حين جرى بيني وبينه النقاش بهذا الصدد على صفحات الأهرام
وعلم أيضا قول الأستاذ فرح أنطون منشئ مجلة"الجامعة"ومناظر الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية:"بأن جميع الديان لاتتفق مع العقل لأن الدين هو الايمان بخالق غير منظور وآخرة غير منظورة ووحي ونبوءة ومعجزة وبعث وحشر وثواب وعقاب في الجنة والنار وكلها غير محسوسة ولامعقولة"
فتبين أن مرض العقلية للأساتذة الثلاثة كلهم من نوع واحد مستول على المثقفين العصريين بمصر وقد عالجنا منه في البابين السابقين بحمد الله ما يتعلق بوجود الله ونعالج في هذا الباب العقليات المريضة بالمعجزات والنبوة والنشأة الآخرة ان شاء الله ومنه العون والهداية
نهاية الهامش
بداية صفحة25
فمسألة وجود الأنبياء ومعجزاتهم ووقوع البعث بعد الموت تتبنى الأدلة السمعية لا على الأدلة العقلية التي يدركها الانسان ولو لم يسمعها من الأنبياء كوجود الله وليس وجود ما ثبت بالسمع كوجود ما ثبت بالعقل بمعنى أنه لايترتب على عدم وجود السمعيات مثل الأنبياء محال عقلي كما يترتب على عدم وجود الله الا أن يكون ذلك محالا بالواسطة أو بالأوفق لاصطلاح المتكلمين محالا بالغير كازوم الكذب في اخبارات الله تعالى وبهذه الطريقة فقط يكون ما ثبت بالنقل ضروريا يعنيان وجود الله يثبت أولا بدليل عقلي ضروري ثم يثبت امكان السمعيات مثل انبوة والمعجزة والآخرة بدليل عقلي أيضا مبني على وجود الله ثم يثبت وقوعها باخبارات الأنبياء المؤيدين بالمعجزات عن الله الذي لايتصور منه الكذب كما قال خضر بك من علماء الدولة العثمانية في زمن السلطان محمد الفاتح وهو أستاذ الحيالي صاحب التعليقات الدقيقة القيمة على شرح العلامة التفتازائي للعقائد النسفية- في منظومته النونية المعدودة من المتون الكلامية:
وواقع كا ما نص الصدوق به من ممكن كصراط أو ميزان
ولهذا الفرق بين الموضعين سيراني القارئ لا أقيم على وجود الأنبياء ومعجزاتهم والنشأة الآخرة دليلا عقليا يساوي في القوة دليل وجود الله ولا أطيل الكلام في هذا الباب كما أطات في الباب الأول الا نقاش منكري المعجزات الكونية مطلقا أو لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وحسبك فارقا بين المسألتين ان النبي ليس بواجب الوجود ولهذا أيضا ليس لمنكري هذه المسائل أن يطالبونا باقامة الدليل العقلي عليها سوى امكانها على أن لنا أن نقيم فيما سيأتي دليلا عقليا يكاد يفيد اليقين العقلي بلزوم وجود النبياء زيادة على دلالة معجزاتهم عليهم وكذا النشأة الآخرة في وجوبها نقلا وفي امكانها عقلا
ومع أن النبوة لايقوم عليها دليل يفيد الوجوب والضرورة المنطقية فهي واقعة
بداية صفحة 26
نستند الى التجربة التي يعتبرها العصريون الدليل العلمي غير أن النبوة لا يجربها الا النبي نفسه وغير النبي يجربها بمعجزته وتقوم تجربة معجزته مقام تجربة نبوته ومن هما يعلم أن المعجزة لاتنفك عن النبوة ويعلم أيضا تفوق الدليل العقلي على الدليل التجربي حيث يثبت بالأول وجود الل الواجب الوجود وبالثاني وجود النبي غير الواجب الوجود وهكذا يكون اثبات كل مالا يجب وجوده بالأدلة التجربية التي تفيد ما دون الوجوب أعني الوجود المادي الوقوعي ويعلم أيضا أن تعبير العصريين عن الفلسفة المادية"بالفلسفة الواقعية"تفضيلا لها على الفلسفة الميتافيزيقية غير كافل للفضل المطلوب لأن هناك مرتبة اعلى من مرتبة الوقوع وهو الوجوب اي ضرورة الوقوع
أما اثبات امكان النبوة والمعجزة والنشاة الثانية فمن أسهل الأمور بعد ثبوت وجود الله القادر على كل شئ ومن هنا قال"شيله ر ماخر"و"ريتجه ل":"ان الايمان بالمعجزات لاينفك عن الايمان بالله"ومعناه ان من يؤمن بالله فلا بد أن يؤمن بالمعجزات أيضا وقال"استوارت ميل"عند انتقاده لانكار"هيوم"المعجزات:"ان من لايؤمن بموجود فوق الطبيعة ولا بتدخله في شؤون العالم لايقبل فعل انسان خارق للما
ة على أنه معجزة ويؤوله مطلقا بما يخرجه عن كونه معجزة لكن اذا أومن بالله فلا يكون تأثيره في العالم وسلطته عليه فرضية محضة بل احتمالا جديا والحكم بعدم تدخل الله في شؤون العالم انما يمكن بمعرفة السنة الالهية في الماضي أو بمعرفة ما يلزم منطقيا ان تكون السنة الالهية كذلك"
نعم معنى عموم قدرته تعالى على كل شئ أنه قادر على كل شئ ممكن امكانا عقليا لكن نطاق هذا الامكان أوسع بكثير مما يظنه منكر والمعجزات فيدخل في الممكن كل ما ليس بمحال عقلي ولا مستلزم للمحال كجمع النقيضين ورفعهما والدور والتسلسل ومن العجب ان منكري المعجزات فقط أو منكري المعجزات والنبوة
بداية صفحة رقم 27
مما ينكرونها على ظن انها غير ممكنة وهم من غفلتهم يقيسون الامكان والاستحالة بمقياس قدرة الانسان وينسون قدرة الله التي ليس ببعيد عنها أن تهدم السماوات والأرض وتنشئها من جديد ونحن نتكلم في هذا الكتاب الا مع المعترفين بوجود الله فارضين اننا قد فرغنا عن اثباته نهائيا في الباب الول الذي أوشك من طوله أن يكون كل الكتاب وقطعنا دابر المنكرين
ولاشك أن الله الذي فطر السماوات والأرض لا يصعب عليه ان يرسل الى بني آدم الذين هو خالقهم أيضا رسولا منهم فيوحي اليه ما يشاء وأن يظهر على يديه خارقة من خوارق العادات كخلق ثعبان من العصا وهو خالق العصا والثعبان وجميع العالم من عدم من غير أن يعد خلقه او خلقها معجزة ولا يصادف منكرا وما أبدع ماقال"ويليام استانلي جون"من كبار المنطقيين الانكليز:"القدرة التي خلقت العالم لاتعجز عن حذف شئ منه أو اضافة شئ اليه ومن السهل أن يقال عنه انه غير مقصور عند العقل لكن الذي يقال عنه انه غير مقصور ليس غير مقصور الى درجة وجود العالم"يعني لو لم يكن هذا العالم موجودا وقيل لمن ينكر المعجزات ولايتصور وجودها:سيوجد عالم كذا كان جوابه ان هذا غير متصور وكان نفي تصوره أشد من نفي تصور المعجزات
بل اذا نظرنا في خلق العقل الذي هو أكبر معجزة وأول رسول من الله الى عباده ثم اذا نظرنا في أن يبعث رسولا اليهم ويجعل على يديه علامة لرسالته ليعلموا بالرسول الأول العام خالقهم ويتعلموا من الرسول الخاص تفاصيل ما يأمرهم به الخالق وما ينهاهم عنه كما يبعث الملك عامله الى رعيته بمرسوم من عنده........اذا نظرنا فان ارسال الرسل الى الناس وجعلهم ممتازين ببعض المعجزات التي هي أوسمة رسالتهم
بداية صفحة رقم28
أسهل من خلق معجزة العقل في الانسان وجعل نوعه ممتازا بها(1)لأن الأول من هذين الأمرين في متناول القدرة البشرية أيضا فيستطيع الملك أن يرسل رسولا الى شعبه ويخصه بمرسوم منه لايوجد في يد غيره ولايستطيع أن يمنح رسوله العقل وكوننا نرى الأمر بالعكس فنظن ماهو أكثر وقوعا أسهل لكثرته وما هو أقل وقوعا أصعب (كلمة مش واضحة)لايغير الحقيقة المعقولة عند قطع النظر عن القلة والكثرة
وقولنا هذا أسهل وهذا أصعب مبني على تقدير عقولنا في المقارنة بين الأمور من حيث السهولة والصعوبة والا فجميع الممكنات سهلة متساوية الاقدام في السهولة بالنسبة الى قدرة الله والممكنات لاتحد ولاتنتهي الا في المحال الذي يقدره العقل
بداية الهامش:
(1)ولهذا قال"شاتووبريان":"الانسان حيوان ميتافيزيقي"لامتيازه بالعقل فالانسان نفسه يكفينا مثالا للمعجزة
ولايجوز ان يقال انتهاز الفرصة من قولنا بأن العقل أكبر معجزة:ان رسول العقل يغني عن ارسال الرسل كما قال المعري:
أيها الغر ان خصصت بعقل فاسألنه فكل عقل نبي
لأنا أجبنا في ضمن أقوالنا عن هذا الاعتراض فخصصنا العقل الذي هو أكبر معجزة لأكبر واجب وهو اثبات وجود الله ولا نهمله بعد هذا أيضا فنحتكم اليه في جميع الأمور المهمة وقد جعلناه في هذا الكتاب صاحب الحكم الوحيد في تمييز الممكن من المستحيل حتى بنينا عليه أيضا امكان بعث الأنبياء وامكان اظهار الخوارق على أيديهم من الله القادر على جميع الممكنات ومع كل هذا فقد أشرنا آنفا الى أن الناس لايستغنون بعقولهم عن عباد الله الذين اصطفاهم لدعوة الخلق الى صراطه المستقيم كما أن كون الرعية من ذوي العقول لايغنيهم من أن يرسل اليهم الملك عاملا من عنده ينزلون الى قوله ويعتبرونه قول الملك
ثم ان معجزة العقل على عظم قدره بل عظم اعجازه لاتعد معجزة لكونه نعمة عامة في سنة الله لجميع بني آدم فهو عادة من هذه الناحية لاخارق العادة مع كون المعجزة في عرف العلماء من الخوارق ونحن انما ذكرنا العقل ولفتنا الى انه أهم من المعجزات الخارقة وان لم يكن معدودا منها تقريبا للخوارق الى الأذهان
بداية صفحة رقم 29
المحض ويفصل بينه وبين الممكن بميزانه وليس لغير هذا الميزان حق البت في حدود الامكان والاستحالة فلا يقال هذا ممكن وهذا محال بالنظر الى تجربة الوقوعات وهذا على الرغم من ان الغافلين الذين ينكرون النبوات والمعجزات يعتمدون في انكارهم على تجربة الوقوعات
وهذا على الرغم من أن الغافلين الذين ينكرون النبوات والمعجزات يعتمدون في انكارهم على تجربة الوقوعات الحاضرة لكونهم لايقدرون الله وعظمة قدرته كما قال تعالى"وما قدروا الله حق قدره"اذ قالوا ماأنزل الله على بشر من شئ"وقال:"قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون فانهم لايكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"ولكونهم في عصر رواج التجربة وكساد العقل المحض يرون السماوات والأرض مخلوقة فيعترفون بامكانها غير مستبعدين ولايرون في عصرهم نبيا ولا معجزته التي ليست بأعظم من السماوات والأرض فيقولون انها غير ممكنة ويقولون انها غير مؤتلفة مع نظام العالم
وبعض الجهال يقولون اكبارا لمكتشفات العلماء الغربيين في العصر الأخير:
"معجزات العلم قد أوفت على معجزات الدين في ماضي القرون"
فيستصغرون معجزات الأنبياء عليهم السلام التي أنكرها منكروها استعظاما لحصولها باذن الله مباشرة من غير توسل اليها بالوسائل العلمية غير الخارجة عن الوسائل الطبيعية وفي هذا يقول المفكرون باستحالتها ويرون فيها خرق نظام العالم حتى ان بعض الجهال من هذه الطائفة المنكرة يحتاج الى تأويلها وتنزيلها الى ما دون الخوارق مع أن المعجزة لابد ان تكون خارقة لنظام العالم والا لاتكون معجزة بمعناها الحقيقي
فنقول للمفكرين وهم يدعون أنهم يؤمنون بالله:أليس واضع ذلك النظام هو الله؟فكيف تقيدون الله بالنظام الذي هو واضعه بقدرته وارادته واختياره؟فهل يكون القادر المختار عاجزا عن تغيير ماوضع؟أما أنه لم يغيره فيما رأيناه وهو سنته التي لن تجد عنها تحويلا فذلك بالنسبة الينا ومعناه أنا لانقدر على تبديل سنة الكون فلا
صفحة رقم 30
تكون النارالا حارة محرقة لكل ما من شأنه الاحتراق بموجب نظام العالم ومصلحتنا في استمرار نظامه أن نعتمد عليه مطلقا في أمورنا وحاجاتنا وتحصل لنا منه قواعد مضبوطة ولكن نظام النار هذا مثلا الذي نحن مقيدون به-لاخالق النار وواضع نظامها-ليس بمانع ان يجعلها الله بردا وسلاما على نبيه وخليله ابراهيم صلوات الله وسلامه عليه تأييدا لرسالته من عنده
فنظام العالم العام الذي اتخذناه في الباب الأول من هذا الكتاب دليلا على وجود الله تعالى الذي هو واضع النظام يكون تغييره الذي نعبر عنه بالمعجزة- والذي هو أيضا نظام من الله لكنه نظام خاص استثنائي-دليلا على وجود أنبيائه ومن هذا يمكننا أن نعد تأييد الأنبياء بالمعجزات من سنن الله ايضا
والنظام الأول العام هو الذي يسمونه القوانين الطبيعية والذي يزعم منكرو المعجزات أنه لايمكن تغييرها لكن الحق أنها قوانين موضوعةغير ناشئة من طبيعة الأشياء حتى لايمكن تغييرها ومعنى كونها قوانين أنها قضايا كلية مطردة الصدق اطرادا عاديا غير بالغ مبلغ الضرورة والوجوب فلا يكون خلافه محالا عقليا لأن القضايا مبنية على التجربة والتجربة مهما اطردت نتائجها وتبجح العلم الحديث وهواته بالاستناد اليها فلا تكفي في استناد القضية الضرورية اليها لأنها انما تدل على العادة لاعلى الضرورة المنطقية وقد وفينا حق الكلام في مبلغ التجربة من قوة الدلالة وفي مقارنتها مع الدليل العقلي فيأمكنة عدة من الباب الأول من هذا الكتاب
فان كانت الضرورة شرطا في القانون ولم يكف اطراد الصدق عاديا فليس هماك شئ يصح أن يقال"قوانين طبيعية"ولذاأنكر الفيلسوف"هيوم"العلم واجتهد"كانت"في أن يجعل قوانين العلم أي العلم الحديث المبني على التجربة ضرورية فلم ينجح وقد سبق حل هذه المسائل أيضا في هذا الكتاب.قال"أميل سسه":
"ان العلم مع كونه ترقى كثيرا في مطالعة الطبيعة لم يثبت في وقت من الأوقات أن
بداية صفحة رقم 31
القوانين الطبيعية قوانين ضرورية هندسية"يعني أنها ليست مستحيلة التغيير
وقال"ليبنز":"ليست القوانين الطبيعية عندية محضة كما ادعى"بايل"ولا ضرورية بالضرورة الهندسية"وكان يقول"ما يدار بالماكينة حسن لكنه غير ضروري"وقال الرياضي الشهير"هانري بووانكاريه"في كتابه"الفرضيو والعلم":
"القانون التجريبي عرضة دائما للتصحيح فهو لايزال يتوقع تبديله بقانون أقوى منه"وقال أيضا"لو كانت الهندسة علما تجريبيا كانت علما تخمينيا ووقتيا"
ومما يجدربالذكر هنا أن مبنى علم الهندسة على أن كل ما ليس بمتناقض فهوممكن وقال"هو كسلهي)من مشاهير علماء الانجليز:"أنالااعلم محالا غير التناقض ولهذا يوجد محال منطقي ولايوجد محال طبيعي"وفي معنى هذا كنت قلت فيما سبق:يوجد محال عقلي ولايوجد محال تجريبي
فلا شبهة في امكان المعجزات والذين ادعوا أنها محالات عقلية كالأستاذ فريد وجدي عند جريان المناظرة بيننا في مقالات كتبناها متقابلات ونشرتها جريدة الأهرام قبل بضع عشرة سنين لم يميزوا ما هو غير واقع بالنظر الى تجربتنا(1)عما هو محال في حين أن بينهما فرقا عظيما لأن المحال أخص مما ليس بواقع فهو يزيد على غير الواقع بعدم امكان الوقوع وفي حين أن التجربة الدالة على مجرد الوقوع أو اللاوقوع لاتصمد الى مرتبة الحكم بضرورة الواقع باستحالة غير الواقع اذا الحكم بالضرورة أو الاستحالة او الامكان من اختصاص عقل وليس من شأن التجربة فالامكان أوسع نطاقا من الوقوع بكثير والوقوع ضيق وضرورة الوقوع أضيق كما أن الاستحالة
بداية الهامش:
(1)على ان التجارب الماضية من مختلف الأمم في أزمنة الأنبياء تشهد بوقوع المعجزات فوجود الأنبياء المعروفين صلوات الله وسلامه عليهم وشهود الناس بمجزاتهم ثابتان على ان لايكون ثبوتهما دون ثبوت أي رجل من رجال التاريخ ووقائعه المشاهير
نهاية الهامش
بداية صفحة رقم32
الت يهي بمعنى عدم الامكان أضيق من عدم الوقوع فههنا خمس مراتب:الامكان والوقوع وضرورة الوقوع وعدم الوقوع واستحالة الوقوع فتحكم التجلابة في الوقوع واللاوقوع فقط حتى ان حكمها في اللاوقوع لايكون كليا بتمام معنى الكلمة(1)أما الثلاثة الباقية فالحاكم فيها العقل وقد يكون الممكن أمرا عظيما تقتصر التجربة عن الوصول اليه فيظنه قصيرمستحيلا او يكون الواقع كثير الأمثال جدا فيظنه ضروريا مثلا يرى النار تحرق دائما ما من شأنه الاحتراق فيحكم بأن احراقها ضروري لايمكن انفكاكه عنها مع أن الضرورة أو الاستحالة تندر جدا ولاتختلف مع عظمة الشئ أو تفاهته مثلا ان جعل العصا حية أو ابراء الأكمه والأبرص أو شق القمر من الممكنات بالنسبة قدرة الله بل يمكنها ايجاد بعوضة واعدامها معا في آن واحد أوجعلها تحرك أجنحتها ولاتحركها فيآن واحد لأن فيه جمعا بين النقيضين وهو محال لاتتعلق به حتى قدرة الله
فاذن يكون منشأ انكار المعجزات واستبعاد وقوعها ان لم تكن عقيدة المنكر المستبعد في نظام العالم أنه من طبيعة الأشياء لايقبل الانفكاك عنها وليس بجعل اختياري من الله حماقة محضة اذ لابد اذا كان الله جاعل نظام العالم وكان مختارا في جعله أن يقدر على تغييره متى شاء ذلك فالله تعالى في عقيدة المؤمنين اذا شاء يسلب
بداية الهامش
(1)ومن هنا لايرى"استوارت ميل"الوجوب والضرورة في أي مسألة تثبت بالتجربة مهما كثر عدد التحارب الواقعة في جميع أزمنة الماضي فهي ليست بشئ لزاء عدد الحالات غير المتناهية التي يحتفظ بها المستقبل احتياطا والقول بأنه لاسبب داعيا على أن لاتكون حالات المستقبل طبق الماضي مؤيدة بالتجارب السابقة خروج عن مبدأ التجربة واقامة مبدأ آخر مكانها
نهاية الهامش
بداية صفحة رقم33
الأشياء ما جرت سنته فيها ويكون هذا السلب خرقا منه للعادة لاخرقا للعقل حتى يكون محالا فكما تكون اماتة الأحياء من القتلة باذن الله يكون احياء الموتى من أنبياء الله أيضا باذنه ولافرق بين الحالتين الا بكثرة وقوع الأول وقلة وقوع الثاني مع تساويهما في الامكانوكذا الكلام في احراق النار ماتحرقه أنه كما يكون باذن الله يكون كف النار عن الاحراق بأمر الله ولافرق بين الحالين بالنسبة الى قدرة الله(1)
بل التحقيق أنه اذا وقع الاحراق فليس ذلك من النار اذ الفاعل الحقيقي في كل شئ هو الله وليس في الكون مؤثر غيره فمن عزا فعل الاحراق الى النار والاطفاء الى الماء وقال ان كلا منهما فاعل له فعل خاص به ثم ادعى بملء فيه أنه ثابت بتجربة ومعاينة كل أحد في كل زمان ومكان فقد وهم لن الثابت بالتجارب والمشاهدات انما هو حصول الاحراق والاحتراق عند ممارسة النار ومقارنتها لا ان فاعل فعل الاحراق ومؤثر هذا الأثر أعني الاحراق هو النار ولايلزم من اطراد الأثر ودورانه مع النار أن تكون هي علته الفاعلية لأن العلة أمر لايرى ولاتتعلق به المعاينة والمشاهدة حتى يصح تعيين العلة على أنها النار وحتى يدعي أن ذلك مجرب مشهودا ومن هنا يتبين أن كثيرا من الأمور التي يظنها الظانون أنها ثابتة بالتجربة والمعاينة ليس كما يظنون فيجب على صاحب النظر الدقيق في المجريات أن يحدد مدلول التجربة تحديدا دقيقا ولايتعدى حدودها
بداية الهامش:
(1)ولذا قال استوارت ميل:"ان الله الذي اوجد سلسلة الأسباب والعلل قادر على تعطيل عمل هذه السلسلة فلا تكون المعجزة خارقة للعادة بهذا الاعتبار ولايختل قانون السببية فسبب المعجزة ارادة الله"ومراده من عدم كون المعجزة خارقة أنها غير مخلة بقانون السببية ووهو الناحية المهمة للمسألة لوجود سببها الذي هوارادة الله والا فالمعجزة تخرق العادة بتعطيل عمل سلسلة الأسباب
(3موقف العقل-رابع)
نهاية الهامش
بداية صفحة رقم34
وما أحسن ماقال الفيلسوف"مالبرانش"كما في"مطالب ومذاهب"في مبحث"الدين في الأزمنة الأخيرة":"انما نرى نحن توالي الحادثات ولانرى الرابطة التي تربط أحد الطرفين بالآخر فلماذا تبقى هذه الرابطة مستخقية عنا؟لكونها شيئا الهيا لايوجد مثله في المخلوقات"
وهذاعين ماقاله علماؤنا الأصليون:"لاتثبت العلية بالدوران"ففي حادثة الاحراق والاحتراق نرى الاحتراق والجسم المحترق ونرى معهما النار ولانرى كون المحرق هو النار أي لانعين النار على أنها هي فاعل الاحراق وعلته كما نعين القابل أي المحترق على أنه الجسم الفلاني وان كنا نرى الاحراق والاحتراق فيما رأيناه دائما يقترنان ويدوران معها وذلك لأن العلية لاترى ولاتثبت بالدوران وليست رؤية المقارنة رؤية العلية فهذه الدقيقة قد فهمها"مالبرانش"(1)وفهم قبله علماء الاسلام المجتهدون ونعم مافهموا وزاد مالبرانش في الفهم عند تطبيقها على المسائل المادية فقال:ان سبب كون العلية غير مرئية انها شئ الهي لايوجد مثله في المخلوقات ونحن انما نرى المخلوقات في الحادثات
ولا تقل أيها القارئ ان التردد في كون علة الاحتراق الفاعلية هي النار بعد مشاهدة النار مع كل حادثات الاحتراق مكابرة ظاهرة لأني أقول:على أي دليل قطعي الدلالة تبني حكمك هذا؟فان بنيته على التجربة المشاهدة فالتجربة لاتشاهد العلية لأن
بداية الهامش:
(1)حتى ان الفيلسوف"هيوم"الذي هو أشهر مشاهير المنكرين للمعجزات فهمها أيضا بدليل قوله:"اذا أمعنا في النظر نحن لانرى القوانين والأسباب وانما نرى الحادثات والنتائج فتقول بالعلية والضرورة من غير أن نراهما فاذا ضربنا احدى كرتي"بيلاردو"تأخذ الكرة الثانية تتحرك أيضا فالذي نرى بحواسنا هو هذا القدر ليس فيه غير الحادثات وليس فيه غير تقدم حادثة وتأخر أخرى فالحادثات ترينا أنفسها دون عللها وأسبابها"انتهى مع قليل من التوضيح وقال"كووييه ر"ترائى نقل الحركة من جسم الى آخر موضحا لنا منشأه اعتياديا الحاصل من مصادفته في كل مكان وقال"كانت""مسألة أنه كيف تكون المقابلة والمناسبة بين الجواهر مشكلة ولاشبهة في أن حلها خارج عن نطاق علم البشر"
بداية صفحة36
الذكر كما في مبحث المعرفة من"مطالب ومذاهب":
"ليست العلة الحقيقية الا واحدة لأن الاله الحق واحد والقوة التي في الطبيعة وفي كل شئ عبارة عن ارادة الله فالاعتراف مثلا بأن الشمس تعطي الحركة والحياة للأشياء يكون شركا وباستطاعة الملائكة والمقربين لو اجتمعوا لتحريك ورقة من أوراق شجرة يكون تناقضا"
ويحسن أن نتذكر هنا ما سبق ذكره عند النظر في صلة النفس بالبدن من القانون الذي وضعه"ليبنز"وسماه"الوفاق السابق التقدير""آرموني بره أتابلي"وهو قانون كبير شامل لجميع أجزاء العالم الفردة في مناسبة بعضها ببعض فلا تأثير ولا تأثر بينها أصلا عنده لكون كل منهما بسيطا لانوافذ لها حتى تدخل فيها أشياء وتخرج وانما حصول أثر الواحد "موناد"في الواحد الآخر بتدخل الله بمعنى أنه تعالى أراد عند تنظيم الأشياء أن يراعي الواحد في تنظيم غيره وأن يراعي غيره في تنظيمه فيتوازن الجميع
وقال"هيوم":"اذا نظرنا الى أي شئ أول مرة فلا ندري ما الذي يستعد ذلك لأن يفيده؟وليس في الكون ذرة نستطيع تخمين ما تحوزه من قوة ولاأي شئ نستطيع القول بأنه معلول تلك القوة فتعقب واقعة واقعة ظاخرى لكن حواسنا لاترى القوة التي تمشي بهذه الماكينة لانراها في أي صفة محسوسة من صفات الأجسام المادية فكل مانعمله أن حارة لكن التلازم بين النر والحرارة يظل دائما فوق علمنا"
يريد أن يقول:ان كل صفة أو خاصة من صفات الأشياء وخواصها ليس بينها
بداية صفحة رقم 37
وبين تلك الأشياء توازن عقلي يجعلها ضرورية لها ويجعل انفكاكها عنها مستحيلا فلا نعلم لماذا كان السكر حلوا والملح مرا والسم قاتلا والنار محرقة فكما لانعرف أسباب ذلك لايعرف قبل التجربة اتصافها بصفاتها الخاصة فلا ترون في مرائيها الخارجية ما يفيد معنى من تلك المعاني حتى ان من لم ير السم اذا رآه لايخطر بباله أنه يقتل الانسان وربما لايأبى تناوله فكل هذه الأحوال يرينا أنه ليس بين الأشياء وخواصها تلازم عقلي غير قابل للانحلال كالتلازم بين الأربعة وزوجيتها والثلاثة وفرديتها ولذلك تعلمه أنت قبل تجربتهما كما تعلم أن الثلاثة في ثلاثة تكون تسعة ولاتحتاج في تعلمه الى التجربة فهذه مسائل رياضية تفيد القطعية والضرورة لكونها مبنية على الأساس العقلي وتلك مسائل طبيعية مبنية على التجربة التي لاتدل على القطعية الضرورية وان دلت على القطعية الواقعية انكر"هيوم"وجود القوانين الطبيعية وقال:انها عادات مشهودة على انها نتائج الحادثات وليس بأمور أزلية ضرورية تتبعها الحادثات وهذا الكلام من هذا الرجل الملحد لدرجة"بوخنر"الألماني ولكنه أذكى منه بكثير وأدق فهما يؤيد ما نبهنا اليه على طول كتابنا من بطلان الدعوى التي تجعل الثقة العلمية مقصورة على التجربة وتفضلها على البراهين المقلية المنطقية والتي هي أساس الالحاد العصري
هذا ولايعاب علي أن استظهرت بكلام فيلسوف ملحد مثل"هيوم"لايدين بالله ولابالنبي ومعجزاته في الرد على الذين يعدون معجزات الأنبياء من المستحيلات ولايثقون بالأدلة العقلية ثقتهم بالتجارب الحسية التي تبنى عليها قوتعد العلم الحديث لأني أنظر في القول ولنظر في القائل فأتتبع من أقوال كل قائل ناحيتها الأقوى ولا يعنيني أن يكون القائل من أنصار عقيدتي أو من خصومها بل يعجبني أن أجد شاهدا لها في كلمات الخصوم أليس أولى بموقفي تجاه منكري المعجزات بحجة منافاتها
بداية صفحة رقم38
لقوانين الطبيعة أن يكون أحد من الفلاسفة المعروفين تكلم في قيمة تلك القوانين ولم يكن ذلك منه لاثبات امكان المعجزات كما أني أتكلم فيها لاثباته فاعتراض"هيوم"على القوانين الطبيعية حق في نفسه غير مجاب عنه والفيلسوف نفسه بعيد عن الاتهام بمحاباة المؤمنين بالنبياء ومعجزاتهم
وقال"هيوم"أيضا:"ان الناس عامة لايرون أي اشكال في الحادثات الطبيعية مثل سقوط الأجسام الثقيلة الى الأرض ونمو النباتات وتكثرالأنواع بالتوالد والتناسل وتربى الأبدان بالأغذية وهم مقتنعون بفهم القوة التي تلد هذه النتائج فلايبقى عندهم احتمال الخطأ في النتائج وفي الحقيقة أنهم لما يرون العلة بحسب التجربة والعادة يحكمون بظهور معلول يوافق تلك العلة فمن الصعب اقناعهم بكون أي علة يعقبها غير معلولها ولكنهم اذا وقعت زلزلة ارضية أو مصيبة غير معتادة يؤمنون لذلك بقوة غير مرئية ومع هذا ذات عقل وارادة ويقولون بكون تلك الحادثات غير القابلة للايضاح أيضا مثل القوة الموجدة للحادثات الهامة غير المعتادة ولذلك يحملون الحادثات كلها على فعل القوة التي يحملون الواقعات غير المعتادة على فعلها فليست العلة الحقيقية عند هؤلاء الفلاسفة لكل معلول قوته الفطرية بل ارادة الوجود الأعلى"
وهذا القول أيضا الذي يتضمن تحبيذ أولئك القائلين بتوحيد القوى ورد كلها الى ارادة الموجود العلى مما يعجبني صدوره من"هيوم"رغم كونه من ملاحدة الفلاسفة ومن غلاة منكري المعجزات وهو والفيلسوف الفرنسي الملحد أيضا"جوستاف لوبون"ماسرتني أقوال الفلاسفة الذين نقلت عنهم واستشهدت بهم في هذا الكتاب سرور قولهما اذ وجدت في قول"لوبون"أبلغ شهادة
بداية صفحة رقم 39
بوجود الله وأصرحها كماسبق في آخر الفصل الرابع من الباب الأول ووجدت في قول"هيوم"أقوى رد على منكري المعجزات بادعاء استحالتها وهذا على الرغم من كون"هيوم"نفسه منكرا للمعجزات مشتهرا بانكارها لعدم اعترافه بوجود الله الذي لامعنى لانكار المعجزات بعد الاعتراف بوجوده
الحاصل أن المعجزات لاينكرها الا المنكرون لوجود الله ومن الغرابة أن جمهورهم يتمسكون هنا بنظام العالم الذي أنكروه حين أنكروا وجود الله فيقولون:انه نظام للعالم ناشئ من طبيعة الأشياء لايمكن خرقه بالمعجزات وقد علم القارئ مما سبق في هذا الكتاب أن"بوخنر"امام الملاحدة أو بالأصح لسانهم المحامي عن مذهب الالحاد يجعل نظام العالم عبارة عن المصادفة والفوضى فكيف يمكنه ان يدعي في مسألة المعجزة أنها تغيير لنظام العالم؟فأي مانع في المصادفة والفوضى يمنع تغيير شئ في مجاريهما احتفاظا بنظامهما الذي هو عدم النظام؟
أما اذا كان الله موجودا عند أناس ثم رأيتهم لايعترفون بسعة قدرة الله التي وسعت خلق السماوات و الأرض لخلق معجزة بتغيير أقل جزء من أجزائهما فذلك منهم حماقة تختلف عن حماقة الالحاد ان لم تكن أكبر منها كانت أظهر وما أحسن قول أبي العلاء:
اذا آمن الانسان بالله فليكن لبيبا ولايخلط بايمانه كفرا(1)
بداية الهامش:
(1)حكى ألي أحد أصدقائي الثقات من علماء الدين-وقد مضى على الحكاية أكثر من أربعين عاما أيام كانت تركيا معقل الانسان وعدد الملاحدة فيها من المتعلمين لايبلغ عدد الأصابع لاسيما من اشتهر بالالحاد كان منحصرا في شخص الدكتور عبد الله جودت طبيب العيون-حكى الي عن مجلس طال الكلام فيه بين أصحاب العقليات الحديثة المتقاربة الذين يصعب عليهم الاقتناع بعقائد الدين..
فقال احدهم وهو الأستاذ حسين جاهد بالجين-ان لم تخني الذاكرة-الذي صار بعد اعلان الدستور من الشخصيات البارزة في حزب الاتحاد والترقي ثم في حزب الكماليين وليد الحرب العالمية الأولى=
نهاية الهامش
بداية صفحة رقم 40
ثم ان انكار المعجزة يتضمن انكار النبوة فتشتد الحماقة وتتضاعف فيمن يؤمن بالأنبياء وينكر معجزاتهم لعدم اقترانه بالتحدي فهو معجزة من حيث انه خارق للعادة وأن منكر المعجزة ينكرها لخرقها العادة
وبناء على شدة الاتصال بين انكار المعجزات وانكار النبوة نرى الذين يكتبون عن الأنبياء عليهم السلام من غير تعرض لمعجزاتهم يصورونهم ويترجمون عن حياتهم كأنهم لايمتازون عن الناس الا بما يمتاز به العظماء والحكماء الأماثل من دون أن يكون لهم صلة خصوصية بالله تعالى غير فطرتهم التي فطرهم على أن يكونوا عظماء وفي مقدمتهم
وقد يكون تصوير الأنبياء كما صور أولئك الكتاب موافقا لرأي الشيخ محمد عبده حيث قال في تعليقاته على شرح الجلال الدواني للعقائد العضدية بعد ذكر القوال في تعريف النبي صلى الله عليه وسلم ص3:
"أقول قد يعرف النبي بانسان فطر على الحق علما وعملا أي بحيث لايعلم الا حقا ولايعمل الا حقا على مقتضى الحكمة وذلك يكون بالفطرة أي لايحتاج فيه الى
بداية الهامش:
=والقاضي علي الدين مع كل شئ في تركيا القديمة-قال:"ان رأس المصاعب عندي الايمان بوجود الله!!وبعد الايمان به لا أستصعب وقوع أي شئ في الدنيا والاخرة ولا أتردد في الاعتراف بامكان وقوعه فكل شئ سهل بعد الاقتناع بوجود الله"
واني مع تقدير استقامة المنطق في فكرة الالحاد هذه- على معنى أنه يعجبني من هذا القول ادراك قائله بسهولة وقوع كل شئ بعد وجود الله-فيكون التوقف في قبول ما يخالف سنة الكون مثل المعجزات من الله واضع تلك السنة متى شاء ذلك عيبا كبيرا على المتوقف...-مع تقدير استقامة المنطق في قول الرجل كل التقدير لاأكتم من ناحية أخرى شدة رثائي على ما فيه من الغفلة عن أن وجود الله لادليل في الدنيا على وجود شئ يعدل في القوة دليل وجوده وقد انجلت هذه الحقيقة بكل وضوح على قارئ هذل الكتاب ان شاء الله ولم يقل الفيلسوف ديكارت عبثا "ان الله مبدأ العلم كما انه مبدأ الوجود"
صفحه واحد واربعين
الفكر والنظر ولكن التعليم الإلهي فإن فطر أيضا علي دعوة بني نوعه الي ما جبل عليه فهو رسول الله أيضا وإلا فهو نبي فقط وليس برسول فتفكر فيه فأنة دقيق وأنا اقول ليس في تعريف الشيخ شىء من خصائص النبوة والرساله لا وحي ولا ملك مرسل ولا كتاب منزل ولا معجزة وعليه فمن أين يعرف كونة لايعلم إلا حقا ولا يعمل إلا حقا من أين يعرف هو نفسة ؟ومن أين يعرف بنو نوعة إذا دعاهم ؟ نعم في تعريف الشيخ ولكن التعليم الإلهي لكنة يمكن حمل هذا التعليم ايضا علي الفطرة ثم يرد عليه السؤال المذكور :من اين يعرف أنة تعليم إلهى؟ (1)و لهذا تري علماؤنا الذين دونوا العلوم الإسلامية يدخلون البعث والوحي ولاسيما الوحي في تعريف النبي والرسول ويقولون هو إنسان بعثه الله إلي الخلق لتبليغ ما أوحي الية ثم يقسمون الوحي إلي ثلالثه أقسام :الأول ما ثبت بلسان الملك فوقع في سمعه بعد علمه بالمبلغ آيه قاطعه والقرآن من هذا القبيل والثاني ما وضح باشاره الملك من غير بيان بالكلام والثالث ما ألهمه الله تعالي بأن اراه بنور من عنده و الذين يرون الإجتهاد للانبياء من علماء الأصول جعلوة قسما رابعا وسموة وحيا خفيا وما ينقسم الي الثلالثه الاولي التي بها يصير النبى نبيا وحيا ظاهرا هذا وقد لقيت بعد انتشار الطبعه الأولي للباب الثالث من هذا الكتاب علي شكل كتاب مستقل مسمي بالقول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون واحدا من القضاه الشرعيين يدافع مع إعجابه بكتابي في انتقاداته علي غير الشيخ محمد عبده عن تعريف الشيخ للنبي متمسكا باشتماله علي التعليم الإلهي الذي لم أغفل أنا عنه في الطبعه الأولي وما رأيته صالحا للتمسك لأنه ليس بصريح في التعليم الإلهي الخاص بالأنبياء المبلغين عن الله وإنما هو مطلق يعم ما يقع لمن دونهم من ذوى الآراء الصائبه الراجعه أيضا إلي أمتياز لهم في جبلتهم عن الناس العاديين ولا شك أن تلك الآراء الصائبة ايضا من تعليم الله وفضله علي من يشاء من عبادة الذين ليس بضروري أن يكونوا أنبياء بالمعني المعروف للكلمه بل ما يسمونهم عباقره ويؤيد ما قلتا كل التأييد أن قيد التعليم الإلهي لم يرد إلا في الجمله التي أتي بهل الشيخ تفسيرا للفطره فيجب ان لايكون هذا التعليم الإلهي شيئا خارجا عن جبله النبي وقد كنت قلت في الطبعه الأولي لكنه يمكن حمل هذا التعليم أيضا علي الفطره والآن أقول إن الحمل عليها واجب متعين فلا يكون تعريف الشيخ بالنبي بمجرد هذا القيد أى التعليم الإلهي تعريفا صحيحا مانعا عن أغباره ولو كان كل تعليم إلهي منحه الإنسان بمقتضي قوله تعالي الرحمن =
الصفحة اثنان واربعين
و يؤيد ما قلنا ان الشيخ بني حتي دعوة بني نوعه علي الفطرة لا علي أمر خاص من ربه كما يؤمر به الأنبياء حيث قال معرفا للرسول بعد تعريف النبي :فإن فطر علي دعوة بني نوعه إلي ما جبل عليه فنص في موضعين من هذة الجملة علي الفطرة والجبله ثم ختم كلامه بقوله فتفكر فيه فأنه دقيق وتفكر أنت ايها القارئ في أن النبي والرسول علي تعريف الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصريه سابق ليس بالنبى ولا بالرسول اللذين يعرفهما الإسلام والمسلمون بل المليون كلهم وإنما هو رجل من أمثال الذين يثقون بأنفسهم في صحه آرائهم ومبادئهم ويأمل الناس فيهم الصلاح والإصلاح ولا يكون مراد الشيخ إلحاق هذه الطائفة الممتازة من الناس بالأنبياء والرسل بل مرادة تنزيل الانبياء والمرسلين المعروفين صلوات الله عليهم إلي منزلتهم تفاديا عن مؤونه الخوارق التي تلازمهم في معجزاتهم وكيفيه الإيحاء إليهم تفكر فيه وفي كون صحافه مصر المنحرفه عن الثقافه الإسلامية إلي الثقافه الإسلامية إلي الثقافه الغربيه
=علم الإنسان وقوله (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لا يعلم ) يجعلة نبيا لزم أن يكون جميع الناس أنبياء فالحق الخالص البعيد عن محاباه صاحب التعريف ومعاداته أن مجرد قوله ولكن التعليم الإلهي المحفوف ما قبله وما بعده بالنص علي أن حاله النبي المعرف بهذا التعريف الممتازة ناشئة من جبلته الخاصه من غير أن يصعد حصول تلك الحاله المتتازة فيه إلي الأسباب الخارقه التي لا يقيلها عقل العصريين الذين لا يؤمنون بالغيب والتي لا داعي لوضع هذا التعريف الشاذ المعتي تجريدة عن الخوارق الغيبيه إلا مماشاتهم في عقليتهم ان مجرد ذكر قيد التعليم الإلهي في التعريف غير الملتئم في النظره الأولي مع تلك العقليه لا يكون المقصود منه بعد هذا التحليل والتحقيق إلا ذر شىء من الرماد في بعض الأعين أو دس في الكلام لا من نوع الدس الذي أفشاه الأستاذ فريد وجدي عما يفعله توابع الشرق الإسلامي المستنبطون للالحاد في كتاباتهم لأنه يلزم أن يكون ذلك من دس السم في الدسم لكن قول الشيخ محمد عبده ولكن التعليم الإلهي في تعريفه الذي يتغلب فيه الفساد علي الصلاح تغلبا ساحقا وينجلي من مجموعه انجلاء ظاهرا من قبيل دس الدسم في السم ولذا قال في مختم كلامه فنفكر فيه فإنه دقيق وماذا حاجه الشيخ في لفت الأنظار إلي دقه التعريف لو كان ذلك تعريفا للنبي المعروف عند الناس؟
صفحة ثلالثة واربعين
لا تزال تشيد باسم الشيخ قائل هذا القول والآمر في خاتمته بالتفكر الدقيق ثم نفكر في أنكار الأستاذ فريد وجدي معجزات الأنبياء جهارا نهارا علي صفحات الأهرام اثناء مناقشته إياي في إمكانها بله وقوعها تلك المناقشة التي أستمرت أياما وعين الأستاذ قبل انتهائها مدير مجله الأزهر المسماه يومئذ نور الإسلام ورئيس تحريرها ثم تفكر في كتاب حياه محمد لمعالي الدكتور حسين هيكل باشا وهو مثل فؤاد أم موسي في معجزات نبينا الممثله لحياته المعنويه والتي خصص لها الأستاذ الهندي كاتب حياته صلي الله عليه وسلم قبيل الكاتب المصري في مجلدات مجلدين فإن قيل (1)ليس هناك من ينكر معجزة القرآن ولا يشهد بها وإنما يخلون حياه نبينا صلي الله عليه وسلم عما يسمونه المعجزات الكونيه لعدم ثبوتها تواترا كما ثبت القرآن ولإمكان التأويل في بعضها بالحادثات العاديه كما أول معاي هيكل باشا حادثة جواد سراقه في طريقه إلي المدينه الذي كبا مرة ورمي راكبه علي الأرض وخسف حافره الأرض مره ثانيه وكان خرج لتعقيب الرسول أثناء الهجره فأولهما بالكبوة العاديه (2) وكما أول سورة الفيل اتباعا لتأويل الشيخ محمد عبده في تفسيره ولصعوبه تمييزها من حادثات السحر والشعوذه وأفعال أهل الصناعات الغريبه ولذا قال الشيخ رشيد رضا صاحب مجله المنار في عددة الذي صدر بعد كتاب حياه محمد ردا علي الذين اعترضوا علي المتاب وقد أثبته معالي مؤلفه في مقدمه الطبعه الثانيه وأنا أنقل منها:
(1)هذا السؤال يطول ذيله إلي آخر ما سأنقله من مقدمه كتاب حياه محمد وجوابه أطول ذيلا وأعني يه تمام ما كتبته بعد أنتهاء النقل من ذلك الكتاب إلي آخر كتابى هذا تقريبا فضلا عما كتبته في أثناء النقل من التعليقات.
(2)مع أن سراقه صاحب الجواد لم يؤولهما بها بل تشاءم واضطر إلي الاصطلاح مع النبي صلي الله عليه وسلم والعجب من منكري المعجزات أنهم إذا راوا ما يقبل التأويل قالوا هذا ليس بمعجزة لأنه لا يخرق العاده وإذا رأوا ما يخرقها قالوا هذا محال مخالف لسنن الكون
صفحة اربعه واربعين
أهم ما ينكره الأزهريون والطريقون علي هيكل أو أثره مسأله المعجزات أو خوارق العادات وقد حررتها في كتاب الوحي المحمدي من جميع مناحيها ومطاويها في الفصل الثاني وفي المقصد الثاني من الفصل الخامس بما أثبت به أن القرآن وحدة هو حجه الله القطيعه علي نبوه محمد صلي الله عليه وسلم بالذات ونبوة غيره من الأنبياء بشهادته لا يمكن في عصرنا إثبات آيه إلا بها وأن الخوارق الكونيه شبهة عند علمائه أي علماء عصرنا لاحجة لأنها موجودة في زماننا ككل زمان مضي وأن المفتونين بهم الخرافيون من جميع الملل وبنيت سبب هذا الأفتتان والفروق بين ما يدخل منها في عموم السنن الكونيه والروحيه وغيرهما وقال فضيله الأستاذ الأكبر محمد مصطفي المراغي شيخ الجامع الأزهر فيما كتبه تعريفا بكتاب هيكل باشا وردا علي المعترضين لم تكن معجزه محمد صلي الله عليه وسلم القاهرة إلا في القرآن (1) وما أبدع قول البوصيري :
لم يمتحنا بما تعيا العقول به حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم
وكأن فضيلته يريد أن يتشهد بقول البوصيرى رحمه الله هذا علي عدم ظهور المعجزات الكونيه علي يد نبينا محمد صلي الله عليه وسلم وانحصار معجزته في القرآن وسيجئ جوابنا إن شاء الله مفصلا على قول هذين الشيخين : شيخ المنار وشيخ الأزهر وقلب معالي هيكل باشا في مقدمه الطبعه الثانيه لكتابه اعتذارا عن عدم ذكر شىء من معجزات نبينا الكونية في الكتاب المسمي حياه محمد وجوابا علي مؤاخذيه من الذين سماهم المشتغلين بالعلوم الدينية:
(1)فقد ظهر اتفاق فضيله الشيخ المراغي والشيخ رشيد رضا بل الشيخ محمد عبده أيضا مع الدكتور هيكل باشا والأستاذ فريد وجدي في إنكار المعجزات
صفحة خمسه واربعين
إنني لم أخذ بما سجله كتب السيره وكتب الحديث ولم أنهج في التعبير عن مختلف الحوادث نهجا ولقد كان يكفيني ردا علي هذا أنني أجري في هذا البحث علي الطريقه العلميه الحديثه(1)وأكتبه بأسلوب العصر وإنني أفعل ذلك لأنه الوسيله الصالحه في نظر المعاصرين لكتابه التاريخ وغير التاريخ من العلوم والفنون وما كان لي وذلك شأني أن أتقيد بنهج الكتب القديمه وأساليبها وبين هذين وبين النهج والأساليب في عصرنا الحاضر بون عظيم إن النقد في الكتب القديمه لم يكن مباحا بالقدر الذي يباح به اليوم وإن كثره الكتب القديمه كانت تكتب لغايه دينية تعبدية علي حين يتقيد كتاب العصر الحاضر بالمنهج العلمي والنقد العلمي (2)لكني رأيت من الخير أن أتبسط بعض الشىء في بيان الأسباب التي دعت المفكرين من أئمة المسلمين كما تدعو كل باحث مدقق إلي عدم الأخذ جزافا بكل ما ورد في كتب السيره وفي كتب الحديث (3) والي التقيد بقواعد النقد العلمي ص46_47
(1)الطريقه العلمية التي يتبجح بها معالي المؤلف ويباهي باتباعها في تحرير كتابه والتي يدعي أنه بني عليها إنكار المعجزات هي الطريقه نفسها التي يدعي ملاحدة الغرب أنهم بنوا عليها إنكارهم لوجود الله
(2)
إذا كان قانون الدين لاسيما حديث (من كذب عليا متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) يجزى الكاذبين بنار جهنم وقانون التحرر من القيود الدينية لا يعترف بالجزاء علي أي جرم جري في الخفاء وبقي علي ذلك فمن أظلم السخافه واسخف الظلم أن يوضع أقوال الكاتب المؤمنين بالدين تحت شبهة الكذب لكونهم مؤمنين متقيدين في أقوالهم ويؤتمن بأقوال الكتاب غير المقيدين بالدين لعدم كونهم متقيدين به ولله در المعري حيث يقول :
وما الناس إلا خائفو الله وحدة إذا وقع النمي في كف ناقد
(3)لم يبق في كتب الحديث والسيره محل للآخذ بما فيها أن يأخذ به جزافاف بعد أن غربلها ونخلها علماء الإسلام أنفسهم بدقه لا مثيل لها في الدنيا فنقد الرجال أي نقد رجال الحديث علم مدون في الإسلام فعلا ليس كالنقد العلمي قولا مجردا يكرر لجاذبيته في أفواه الكتاب العصريين وليس بعد غربله الأحاديث النبويه ورواتها بإيدي علماء الإسلام الإخصائيين مجال لمدقق إلا مدققا معاديا يركل الغربال والمنخل و يرفض الكل جزافا ولنا كلام في هذا الصدد لا تسعه هذه التعليقه الموجزة فنرجئه إلي ختام النقل عن كتاب المؤلف
صفحة ستة واربعين
وأول هذه الأسباب ما بين تلك الكتب من خلاف في روايه الكثير من الأمور المنسوبه الي النبي العربي فقد لاحظ الذين درسوا هذه الكتب أن ما روته من أنباء الخوارق والمعجزات ومن كثير غيرها من الأنباء كان يزيد وينقص دون مسوغ إلا أختلاف الأزمان التي وضعت هذة الكتب فيها فقديمها أقل روايه للخوارق من متأخرها وما ورد من الخوارق في الكتب القديمه أقل بعدا عن مقتضى العقل مما ورد في كتب المتأخرين وهذة سيره ابن هشام أقدم السير المعروفه اليوم تغفل كثيرا مما كتبه أبو الفداء في تاريخه ومما ذكره القاضي عياض في الشفاء ومما ذكر في كتب المتأخرين جميعا وكذلك الشأن في كتب الحديث وأختلافها (1)فبعضها
(1)الزياده في كتب متأخري المؤلفينفي السير علي ما كتبه متقدموهم كان الأقرب غلي العقل والإنصاف أن تحمل علي اطلاع الأواخر علي ما يطلع عليه الأوائل كما هو الباعث المعروف علي تلاحق التأيفات بعضها مع بعض فلو كتب الحديث عين ما كتبه القديم ولم يزد عليه شيئا لاستغني عن كتابه وهناك سبب آخر وهو أن موضوع كتب السيره كان يختص بغزوات النبي صلي الله عليه وسلم يؤيده أن تلك الكتب تسمي أيضا بالمغازي حتي قال الحافظ ابن حجر : إن السير والمغازي مترادفتان وفي الفقه كتاب السير والجهاد كما أن فيه كتاب الصلاه وكتاب البيوع مثلا ثم توسع المتأخرون في الموضوع فزادوا فيه من سيرته صلي الله عليه وسلم مطلقا فلما لم يعرف مؤلف حياه محمد هذا التطور في موضوع كتب السيرة أو بالأولي لما لم يعرف خصوصيه ما قبل التطور أساء ظنه بزيادات المتأخرين نعم إن كتب السيره مطلقا لا تعدل كتب الحديث في صحه الروايه ومعالي المؤلف كما أخطأ هنا في التسويه بينهما في عدم الاعتماد أخطأ أيضا في اختيار ما في كتب السيرة علي ما في كتب الحديث إذا وقع الخلاف بينهما مثل غزوة ذي قرد كتب أصحاب المغازى كونها قبل صلح الحديبيه وتبعهم المؤلف لكن مسلما يذكرها بعده وهو الأصح كما حققه ابن حجر في فتح الباري ومثل غزوة ذات الرقاع يقدمها أصحاب المغازى علي غزوه خبير و تبعهم المؤلف لكن الأصح كونها بعدها كما في صحيح البخاري ومن هنا يظهر أن تأليف كتاب عن حياه محمد صلي الله عليه وسلم عبي وجه الصحه يتوقف علي درس كتب الحديث أكثر من كتب السيره الذي هو أسهل بكثير من الدرس الأول والذي لا تجاوزة استطاعه أمثال المؤلف=
صفحة سبعه واربعين
يروي قصة من القصص وبعضهم يغفلها وبعضهم يضعفها (1)فلابد للباحث في هذه الكتب جميعا بحثا علميا أن يضع مقياسا يعرض عليه ما أختلفت فيه وما أتفقت عليه فما صدقه هذا المقياس أقره الباحث وما لم يصدقة وضعه موضع التمحيص إذا مان مما يقبل التمحيص ص47_48 وسبب أخر يوجب تمحيص ما ورد في كتب السلف ونقده نقدا دقيقا علي الطريقه العلميه ان أقدمها كتب بعد وفاه النبي بمائه سنه أو أكثر وبعد أن فشت في الدوله الإسلاميه دعايات سياسيه وغير سياسيه كان أختلاق الروايات والأحاديث بعض وسائلها إلي الذيوع والغلب فما بالك بالمتأخر مما كتب في أشد أزمان التقلقل والاضطراب وقد كانت المنازعات السياسيه سببا فيما لقيه الذين جمعوا الحديث ونفوا زيفه ودونوا ما اعتقدوة صحيحا منه من جهد وعنت أدي إليهما حرص الجامعين علي الدقه والتمحيص حرصا لا يتطرق إليه ريب ويكفي أن يذكر الإنسان ما كابده البخاري من مشاق وأشفار في مختلف أقطار الدوله الإسلاميه لجمع الحديث وتمحيصه وما رواه بعد ذلك من أنه الفي الأحاديث المتداوله تربي علي ستمائه ألف حديث لم يصح لديه منها أكثر من أربعه آلاف وهذا معناه أنه لم يصح لديه من كل مائه وخمسين حديثا إلا حديث واحد أما أبوداود فلم يصح لديه من خمسمائه ألف حديث غير أربعه آلاف وثمانمائة وكذلك شأن سائر الذين جمعوا الحديث وكثير من هذة الأحاديث التي
=ثم إن المؤلفين في المغازي كثيرون وليس أبن هشام المتوفي سنه 218 أقدمهم يبتدئ من إبان بن عثمان رضي الله عنه المولود سنه 70 ثم عروه بن الزبير المولود بعد شرحبيل بن سعد ثم الزهري المولود سنه 50وهو أستاذ البخاري وإمام كبير في الحديث لقي عبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز ويحتمل أن يكون تأليفه في المغازي بإشاره الأخير
(1)والمؤلف يتبع المغفل والمضعف إما محافظة علي مبدأ سوء الظن بالمؤلفين المؤمنين أو فرارا من مؤنة التدقيق الذي يمكن أن يسفر عن بعد نظر القصة
صفحة ثمانيه واربعين
صحت عندهم كان موضع نقد وتمحيص عند غيرهم من العلماء انتهي بهم إلي نفي الكثير منها فإذا كان ذلك شأن الحديث وقد جهد فيه جامعوه الأولون ما جهدوا فما بالك بما ورد في المتأخر من كتب السيرة وكيف يستطاع الأخذ به دون التدقيق العلمي في تمحيصه وأنا أقول مسأله تمحيص الأحاديث النبويه وتمييز ما يوثق به منها عن غيره واختيار أفضل طرق التمييز وأسماها مهما شق ذلك لا يمكن أن يعالجها ويقوم بواجب تحقيق الحق فيها لوجه الحق الذي قد سبق في مقدمه الكتاب أن الدكتور هيكل باشا يبحث عنه في كتب الغربيين أحد أو طائفه أو امه لاسيما في الأعصار الأخيرة التي ليس فيها وجه ينظر إليه غير وجه المادة مثل ما عالجها علماء الإسلام المتقدمون وقاموا بواجب تحقيق الحق فيها لوجه الحق الذي لا يكون له معني أصدق من وجه الله ولنكتب هنا مره ثانيه قول المعري:
وما الناس إلا خائفو الله وحده إذا وقع النمي في كف ناقد
فلو أخذت أشرح أهميه المسأله وما بذله أولئك العلماء الأعلام في أنتقاد الأحاديث وانتفائها لزم أن أكتب كتابا في ضخامه مجموع كتب الحديث مع شروحها والمعلقات عليها تلك الكتب التي تغص بها دور الكتب الإسلامية والاستشراقيه لأن كتب الحديث كلها انتقاد وكلها أنتقاء حسبك شاهدا في هذا ما قاله هيكل باشا نفسه إن البخاري وحده انتقي ما كتبه في صحيحه وهو أربعه آلاف حديث من ستمائة ألف حديث وأبا داود وحده انتقي ما كتبة في سنته وهو خمسه آلاف إلا مائتين من خمسائة ألف حديث فأي همة جبارة هذه وأعني بها تدقيق ستمائه ألف حديث لكتابة أربعة آلاف حديث أو تدقيق خمسامئة ألف حديث لكتابة خمسة آلاف :فهذا العمل العظيم المحير للعقول في سبيل تمحيص الأحاديث النبوية والذي يحق أن يكون فخر العلم الحديث الإسلامي وعلمائه
الصفحة التاسعه والاربعين
يستخدمة هيكل باشا في زعزعة مكان الثقة بكتب الحديث في قلوب الناس وقد كان الإمامان البخاري و أبو داود توخيا بعملهما هذا المثل الأعلي في التمحيص والتوثيق فليخش الله وليتقه أو ليسدد فهمه من قلب الأمر فاتخذه تهمة وسلاحا ضد كتب الحديث مطلقا علي أن يكون فيها كتابا البخاري وأبي دواد أيضا اللذان ليس كل منهما إلا روح التمحيص بالنظر إلي تعريف المتهم نفسه ولقد أساء معاليه جدا في تفسير إختيار هذين الإمامين ما أختاراه في جامعيهما من الأحاديث فقال في أختيار البخاري مثلا وهذا معناه أنه لم يصح لديه من كل مائه وخمسين حديثا إلا حديث واحد فقط فهو يزعم أن البخاري مثلا ينفي صحه جميع ما بقي بعد استثناء أربعة آلاف من الستمائة ألف حديث التي كانت لديه مع أن البخاري لم يقصد استيعاب ما لديه من الأحاديث الصحيحه بل استيعاب الأحاديث الصحيحة مطلقا و إنما أراد وضع مختصر يحتوي من الأحاديث النبوية طائفة في أعلي درجات الصحة نظرا إلي الشروط الضيقة الماتزمة عنده حتي أخذ ه مسلم عليه في أول صحيحه وعده من الإفراط في الاشتراط وذهب الحاكم وتبعه البيهقي والحافظ أبو بكر بن العربي وإن لم يسلم لهم بذلك إلي أن شرط البخار ي ومسلم أن لا يخرجا إلا حديثا سمعاه من شيخين عدلين وكل واحد منهما رواه أيضا من عدلين كذلك إلي أن يتصل الحديث علي هذا القانون برسول الله صلي الله عليه وسلم وقال الحافظ أبو بكر محمد بن موسي الحازمي في كتابه شروط الأئمة الخمسة لم يلتزم البخاري أن يخرج كل ما صح من الحديث كما أنه لم يخرج عن كل من صح حديثه ولم ينسب إليه شئ من جهات الجرح وهم خلق كثير يبلغ عددهم نيفا وثلاثين ألف لأن تاريخه (أي البخاري) يشتمل علي نحو أربعين ألفا وزيادة وكتابه في الضعفاء دون سبعمائة نفس ومن أخرج عنهم في جامعه دون ألفين وكذا لم يخرج كل ما صح من الحديث (4_موقف العقل _رابع)
الصفحة الخمسون
ويشهد لصحه ذلك ما أخبرنا ابو الفضل ابن أحمد بن محمد أنبأنا ابن طلحة في كتابه عن أبي سعيد الماليني أنبأنا عبد الله بن عدي حدثنا محمد بن أحمد قال سمعت محمد بن حمدويه يقول سمعت محمد بن إسماعيل (يعني البخاري) يقول أحفظ مائة ألف حديث صحيح و أحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح وأنبأنا أبو مسعود عبد الجليل بن محمد في كتابه أنبأنا أبو علي أحمد بن محمد بن شهريار أنبأنا أبو الفرج محمد بن عبدالله بن أحمد أنبأنا أبو بكر الإسماعيلي قال سمعت من يحكي عن البخاري أنه قال لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا وما تركت من الصحيح أكثر فانظر ما قاله البخاري من أنه يحفظ مائة ألف حديث صحيح وأن ما تركه من الصحيح أكثر مما كتبه في كتابه ثم انظر ما قاله هيكل باشا عن البخاري أنه لم يصح لديه من الأحاديث المتداولة وهي ستمائه ألف إلا أربعه آلاف يقول هذا في مقدمة كتابه التي ادعي أنه كتبه علي الطريقة العلمية فيستند إلي البخاري ما صرح هو بخلافه أفهذا طريقته العلميه ؟ وقد كنت لما كنت في بلادي قرأت في كتاب أحد من كتاب الترك العصريين أيضا حديث انتقاء اربعة آلاف حديث للبخاري من ستمائة ألف مع استغلال هذا الانتقاء لإثارة الشبهة ضد كتب الحديث فهذا التفاق بين كاتبين شرقيين يدل علي اتحاد مأخذهما وكون ذلك المأخذ كتب أعداء الإسلام المستشرقين فيكون معني الطريقة العلمية التي ادعي مؤلف حياه محمد اتباعها تبريرا لعدم اعتمادة علي كتب الحديث هي الطريقئة العدائية لتلك الكتب ومكانتها في الإسلام كأن أصحاب هذه الطريقة أعلم من الأحاديث بما صح لدي البخاري من البخاري نفسه مقصود معاليه من إثارة الشكوك جهد ما يستطيعه وما لا يستطيعه في صحه كتب الحديث والسيرة تأييد ما أدعاه من عدم وجود معجزة لنبينا محمد صلي الله عليه وسلم غير القرآن بإسقاط ما روي منها في كتب الحديث عن حيز الاعتداد متوسلا إلي هذا الإسقاط بإسقاط تلك الكتب نفسها أو علي الأقل
الصفحو واحد وخمسون
بتنزيل ما فيها من الأحاديث الصحيحه منزله النادر الذي هو في حكم المعدوم وعلي كل حال كان الواجب علي معالي وزير المعارف بمصر لاسيما وهو مؤلف كتاب حياه محمد أن يعلم أن أحاديث نبينا الصحيحة الصادرة عنه مدة حياته بعد مبعثه لا يمكن ان تنحصر عند البخاري فيما ذكره في جامعه بله في بعض ما ذكر فيه كما ادعاه ولا أن يكون مسلمو خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم مقصرين نحو نبيهم الي حد أنهم لم يضبطوا من أحاديثه إلا مقدار بعض ما في جامع البخاري أو أبي داود ثم إذا فرضنا فرض المحال أن أحاديثه المضبوطه تنحصر في ذاك المقدار كان الواجب علي مؤلف حياه محمد أن يعلم أنه لا يخلو حتي ذلك القدر المضبوط من أحاديثة عما يكفي لأثبات أن له معجزات غير القرآن مع أن الأحاديث الصحيحة كثيره جدا قال صديقنا العالم الكبير الشيخ زاهد في تعليقاته القيمه علي شروط الأئمة الخمسة الماره الذكر قال الشيخ أبو بكر بن عقال الصقلي في فرائده علي ما رواه ابن بشكوال إنما لم يجمع الصحابة سنن رسول الله صلي الله عليه وسلم في مصحف كما جمعوا القرآن لأن السنن انتشرت وخفي محفوظها من مدخولها فوكل أهلها في نقلها إلي حفظهم ولم يوكلوا من القرآن إلي مثل ذلك وألفاظ السنن غير محروسه من الزيادة والنقصان كما حرص الله كتابه ببديع النظم الذي أعجز الخلق عن الإتيان بمثله فكانوا في الذي جمعوه من القرآن مجتمعين وفي حروف السنن ونقل نظم الكلام نصا مختلفين فلم يصح تدوين ما أختلفوا فيه ولو طمعوا في ضبط السنن كما اقتدروا علي ضبط القرآن لما قصروا في جمعها ولكنهم خافوا إن دونوا مالا يتنازعون فيه أن تجعل العمدة في القول علي المدون فيكذبوا ما خرج عن الديوان فتبطل سنن كثيرة فوسعوا طريق الطلب للأمة فاعتنوا بجمعها علي قدر عناية كل واحد في نفسه فصارت السنن عندهم مضبوطة فمنها ما أصيب في النقل حقيقة الألفاظ المحفوظة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم
الصفحة الثانية والخمسون
وهي السنن السالمه من العلل ومنها ما حفظ معناها ونسي لفظها ومنها ما أختلفت الروايات في نقل ألفاظها وأختلف أيضا رواتها في الثقة والعدالة وهي تلك السنن التي تدخلها العلل فأعتبر صحيحها من سقيمها أهل المعرفة بها علي أصول صحيحة وأركان وثيقة لا يخلص إليها طعن طاعن ولا يوهنها كيد كائد انتهي ما قاله أبو بكر بن عقال الصقلي ثم قال الشيخ زاهد: ومما يلفت إليه النظر أن الشيخشن يعني البخاري ومسلما لم يخرجا في الصحيحين شيئا من حديث الإمام أبي حنيفة مع أنهما أدركا صغار أصحاب أصحابه وأخذا عنهم ولم يخرجا أيضا من حديث الإمام الشافعي مع أنهما لقيا بعض أصحابه ولا أخرج البخاري من حديث أحمد إلا حديثين أحدهما تعليقا والآخر نازلا بواسطة مع أنه أدركه ولازمه ولا أخرج مسلم في صحيحه عن البخاري شيئا مع أنه أدركه ولازمه ونسج علي منواله ولا عن أحمد إلا قدر ثلاثين حديثا ولا أخرج أحمد في مسنده عن مالك عن نافع بطرسق الشافعي وهو أصح الطرق أو من أصحها إلا أربعه أحاديث وما رواه عن الشافعي بغير هذا الطريق لا يبلغ عشرين حديثا مع أنه جالس الشافعي وسمع موطأ مالك منه وعده من رواه القديم والظاهر من دينهم وأمانتهم لأن ذلك من جهه أنهم كانوا يرون أن أحاديث هؤلاء في مأمن من الضياع لكثرة أصحابهم القائمين بروايتها شرقا وغربا وجل عنايه أصحاب الدواوين بأناس من الرواه ربما كانت تضيع أحاديثم لولا عنايتهم بها لأنه لا يستغني من بعدهم عن دواوينهم في أحاديث هؤلاء دون هؤلاء ومن ظن أن ذلك لتحاميهم عن أحاديثهم أو لبعض ما في كتب الجرح والتعديل من الكلام في هؤلاء الأئمه كقول الثوري في أبي حنيفه وقول ابن معين في الشافعي وقول الكرابيسي في أحمد وقول الذهلي في البخاري ونحوها فقد حملهم شططا وأما ما قاله العلامه أبن خلدون في مقدمه تاريخه من أن أبا حنيفه لتشدده في شروط الصحة لم يصح عنده إلا سبعة عشر حديثا
الصفحة الثالثة والخمسون
فهفوة مكشوفه لا يجوز أن يغتر بها لأن رواياته علي تشدده في الصحة لم تكن سبعة عشر حديثا فحسب بل أحاديثه في سبعة عشر سفرا يسمي كل منها بمسند أبي حنيفه خرجها جماعة من الحفاظ وأهل العلم بالحديث بأسانيدهم إليه ما بين مقل منهم ومكثر حسبما بلغهم من أحاديثه وقلما يوجد بين تلك الأسفار سفر أصغر من سنن الشافعي روايه الطحاوي ولا من مسند الشافعي روايه أبي العباس الأصم اللذين عليهما مدار أحاديث الشافعي وقد خدم أهل العلم تلك المسانيد جمعا وتلخيصا وتخريجا وقراءة وسمعا ورواية فهذا الشيخ محدث الديار المصرية الحافظ محمد بن يوسف الصالحي الشافعي صاحب الكتب الممتعه في السير وغيرها يروي تلك المسانيد السبعة عشر عن شيوخ له ما بين قراءة وسماع ومشافهة وكتابة بأسانيدهم إلي مخرجيها في كتابه عقد الجمان وكذا يرويها بطرق محدث البلاد الشامية الحافظ شمس الدين بن طولون في الفهرست الأوسط وهما كانا زيني القطرين في القرن العاشر وكتاب عقود الجوهر المنيفة للحافظ المرتضي الزبيدي شذرة من أحاديث الإمام وللحافظ محمد عابد السندي كتاب المواهب اللطيفه علي مسند أبى حنيفه في أربع مجلدات أكثر فيه جدا من ذكر المتابعات والشواهد ورفع المرسل ووصل المنقطع وبيان مخرجي الأحاديث والكلام في مسائل الخلاف ومن ظن أن ثقات الرواة هم رواة الستة فقط ظن باطلا وقد جرد الحافظ العلامه قاسم بن قطلوبغا الثقات من غير رجال الستة في مؤلف حافل يبلغ أربع مجلدات وهو ممن أقر له الحافظ بن حجر وغيره بالحفظ والإتقان فقد تبين مما تقدم لاسيما من النقلين القيمين الأخيرين أن الأحاديث الصحيحه ليست كما أوهمه معالي المؤلف أقل من القليل بل علي العكس أكثر من الكثير وكما أن لكتاب الله حفاظا فللستة أيضا حفاظ حفظ الله بهم حكم قوله في كتابه (يا ايها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شىء فردوه
الصفحة الرابعه والخمسون
إلي الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) ولو لم تكن السنه محفوظه بل ضائعه بعد وفاه الرسول صلي الله عليه وسلم لضاع معها حكم هذه الآية في غير شطرها الأول مع أن هذا الشطر أيضا محتاج في الأكثر إلي بيان السنة وضاع أيضا حكم قوله تعالي (من يطع الرسول فقد أطاع الله) ولا يجوز أن يكون وجوب طاعة الرسول مقصورا علي المؤمنين الموجودين في عصره ولا ضرورة في حمل الآية عليه بعد أن كانت سنه خاتم النبين محفوظة بهمم رجال أرادوا بدافع حبهم لدين الإسلام أن تكون محفوظة وبذلوا في حفظها جهودا تبهر العيون إلا عين من أراد إعدامها وقلب الأمور حتي عد دافع الحب الديني منقصة للحافظ وما أعجب عقليه الكتاب المصريين لا يرون في أنفسهم وهم صفوة الشرق ولا في كتاب الغرب وهم قادتهم معجزة فينكرون معجزات الأنبياء ولا يرون في أنفسهم قدره وحماسة في حفظ أحاديث نبيهم ولا لتدقيق ما حفظ الحفاظ حتى ولا دافعا دينيا إليه فينكرون صحه الأحاديث المحفوظة ويحطون من قيمة الدافع الديني ويعللون أنفسهم بدعوي الطريقه العلميه في تأليف الكتب من غير دليل لهم علي هذة الدعوى غير تقلييد الغربيين فإن كان الغربيون المؤلفون في السيره المحمديه يلتزمون الطريقه العلميه وينتهجونها في تدقيق حياه محمد صلي الله عليه وسلم حين لا ينتهجها أئمة الإسلام المحدثون وكانت الطريقة العلمية توصل منتهيجها إلي الحق وكان معالي مؤلف حياه محمد يعتقد بكون نبوه محمد حقا لزم أن يصدق الغربيون أصحاب التأليف في السيره المحمديه نبوه محمد صلي الله عليه وسلم فيسلموا أو ان لا تكون الطريقة العلميه تذهب بسالكها إلي الحق والحقيقه فلا مندوحه من أن تكون النتيجة المنطقيه للمقدمات الثلاث المذكورة أحد هذه الأمور الثلاثة ولا يمكن نقض هذا الإنتاج المنطقي ولو حدث مائة ألف (موضه ) من الطريقه العلميه يتمسك بها العصريون مستخفين بالمنطق القديم نعم
الصفحة الخامسة والخمسون
لا مندوحه من أحد الأمور الثلاثه الأولي التي ألزمناها أحد الثلالثه الأخري وأحدر ما في تلك الثلاثه بالرجوع عنه هو كون طريقه الغربيين المؤلفين في حياه سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم طريقه علميه أقوم من طريقه علماء الإسلام فقد علم القارئ سوء ظن معالي مؤلف حياه محمد بكتب الحديث ورواته ورميهم بالأغراض الدينيه والسياسية وفي مقابل ذلك حسن ظنه بالمؤلفين الغربيين لاتباعهم الطريقة العلمية وليسمع الآن بأختصار ماذا يقول العالم الهندي مولانا شبلي النعماني مؤلف كتاب فخم في الحياه النبوية قبيل كتاب معالي هيكل باشا بهذا الصدد وكيف يبتدئ كتابه (1) (إن اسمي الوظائف والواجبات وأعظم الأفعال في هذه الدنيا السعي لإصلاح وإكمال الأخلاق الإنسانيه وآدابها فواجب الإنسان في هذه المهمه أولا أن يقتنع بفكرة صحيحة في القواعد الأساسيه لفضائل الأخلاق والزهد والتقوي والشرف والكرامة والأريحية والمسامحة والعفو والصفح والعزم والصبر والتضحيه والجد والهمة ثم لنشر هذه الفكرة في وجة الأرض وإرساخها في الأذهان وطرق القيام بهذه الخدمه كثيرة كالوعظ للجماعات وإلقاى الخطب وتأليف الكتب القيمة ونشرها أو تحميل تلك الفضائل للناس بالقوة ومنعهم عن خلافها لكن أفضل الطرق إلي هذه الغاية وأنفعها إراءة موجود تاريخي يثبت كون تلك الأسس الأخلاقية والتلقينات الأدبية فعليه حقيقية ويكون مثالا مجسما للفضائل لأن هذا الموجود التاريخي دليل قطعي لمتانه تلك الأسس وسموها وماهيتها الفعلية فكل قول من أقوال هذه الشخصية التاريخية يكون أوقع في النفوس من ألف كتاب في الأخلاق وكل إشاره منها يكون مطاعا كالأمر المبرم وفي الأصل أن الأمثله أحسن من الدسادتير وأقرب إلي الفهم
(1)ترجم هذا الكتاب إلي اللغه التركيه وأنا هربت الكلمه الاتيه من تلك الترجمة
الصفحة السادسه والخمسون
وكل الدنيا اليوم باعتبار ما فيها من الفضائل الأخلاقيه مدين لأمثال هؤلاء القاده الروحانيين والشخصيات القدسيين أعني أنبياء الله المبعوثين إلي الناس في أزمنة مختلفة وليس مساعي الدنيا غير تلك الفضائل إلا طلاء لبنيان المدينة بيد أنا نفهم مما علمنا من تاريخ العالم أن كل واحد من الشخصيات العاليه التي هي مثل القتداء يمثل نوعا من الفضائل ويجسم صفحة من الكمال الخلقي فالمسيح عليه السلام يعلم الحلم والعفو والصبر و الاحتمال والصلح والسلام والقناعه والتواضع لكن تعليمه هذا لا ينطوي علي قواعد الأخلاق اللازمه للحكومه والإداره وما علمه سيدنا موسي ونوح من نوع الفضائل والكمالات لا ينطوي علي ما علمه سيدنا عيسي منها فيظهر أن كل دور من أدوار التاريخ الإنساني المختلفة كان محتاجا إلي واحد من إلي واحد من تلك الشخصيات المقدسه وكانت حاجه ذلك الدور الخاصه به تقضي بذلك الواحد و مع هذا كانت الإنسانية منتظره للإنسان الكامل الذي ليس بملك فقط أو قائد فقط بل زاهد متق أيضا في الوقت نفسه وزعيم عام وموجود متواضع مطيع لخالقه مشفق علي الخلق كريم قنوع فقير فهذا الإنسان الكامل الجامع لكل موجودية إنسانية ذروه البشريه العليا وأكبر موفقياتها وكما أن كل شئ في الدنيا فان فهذا الإنسان الكامل أيضا ليس بخالد من حيث المادية فلهذا يجب أن يسجل ما قاله وأن ينقل من سلف إلي خلف وأن يثبت كل ناحية من سجاياه و بضبط كل عمل من أعماله و يروي بكل صدق و إخلاص وأن تصور علي كل حاله من حالاته ومواقفه لأن كل واحد من ذلك منبع نور لإرشاد البشر في كل زمان و ذخر هداية لإدارة الناس في كل واد من أوديه الحياة ومن المصادفات الجديره بالدقه والتأمل أن المعلومات التاريخيه المتعلقة بمؤسسي الأديان السائرة صلوات الله وسلامه عليهم كلها ناقص وفي هذه مشابهة لكون كل
الصفحة السابعه والخمسون
منهم ممثلا لبعض أقسام الفضائل الخلقية المختلفة فخسب فنحن لا نعلم مثلا من وقائع حياة المسيح الممتدة 33 سنة إلا ما يختص منها بثلالث سنين حتي إن هذا النقص الزائد في حياتة المضبوطة حدا كثيرا من النصاري إلي إنكار وجود سيدنا المسيح بالمرة ونحن لا نطلع علي مجددي إيران الدينين إلا بشهنامة الشاعر الفردوسي أما المرشدون الدينيون الذين ظهروا في الهند فتاريخهم منتقب بنقاب الأساطير ومنبع المعلومات عن حياه سيدنا موسي الكليم هو التوراة التي جمعت بعد وفاته بثلالثمائة عام وربما كان هذا النقص في المعلومات التاريخية عنهم حكم الطبيعة لأن تلقينات هؤلاء الأنبياء وأولئك المجديين والمرشدين لم تكن مما لابد منه بالنسبة إلي كل زمان فربما من أجل ذلك لم يخلد تاريخهم بجميع تفاصيله وإنما حفظت أقسامه التي مان لازما أن تعلم وتحفظ وأكبر حاكم في تعيين حاجات كل دور من أدوار الزمان هو الطبيعة فمتي أحست هي حاجة أي دور إلي شئ فالله تعالي يعطيه من فضله ثم ان كل مله وكل طائفه من معتنقي الأديان تقدس دينها وتفضله علي دين غيرها فلو وجهنا سؤالا عاما إلي جميع أهل الأرض عمن له الموجودية الفائقة من بين مؤسسي الأديان فلا شك أن الأجوبة علي هذا السؤال ترد مختلفة بعدد اختلاف مرسليها في الدين ولكن إذا زدنا تفصيلا و إيضاحا في لفظ السؤال فقلنا مثلا من ذا الذي ضبط جميع نصوص كتابه المنزل عليه ضبطا وثبت حرفيا بموفقية و صداقة لم تكونا من حظ الكتب المقدسة ؟ ومن ناحية أخري قيد ونقل جميع وقائع حياته وجميع أفعاله وأقواله وأسفاره وأخلاقه وعاداته حتي شكل لباسه وصوره تلبسه وخطوط وجهه و كيفية تكلمه ومشيه وطرز معاشرته وحتي أكله وشربه ونومه وتبسمه ومساعيه بجميع فروعه وتفاصيله؟فالجواب لابد أن يكون :محمد صلي الله عليه وسلم لقد أحسن هذا المؤلف الفاضل في التنبيه إلي امتيازه صلي الله عليه وسلم علي سائر
الصفحة الثامنة والخمسون
الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بل امتيازه علي جميع مشاهير الدنيا وعظمائها الدينين والدنيويين بضبط حياته وسيرته وحفظ أقواله وأفعاله(1) وأحسن خصيصا في التنبيه علي حكمة هذا الامتياز بكونه مجمع كل نوع من أنواع الفضيلة وخصال العظمة لا مختصا ببعضها وأنا أضيف إليه أن كونه خاتم النبيين يقتضي أن يكون جامع الفضائل ومتمم مكارم الأخلاق وأن تكون تلك الفضائل الجامعة والمكارم الشاملة مأثورة عنه محفوظة إذ لا يأتي بعده نبي آخر يتمها ويصلح ما فسد منها فيلزم أن يكون نبينا صلي الله عليه وسلم ممتازا علي أسلافه الكرام بجمع أسباب العظمة في نفسه وانتقال أنبائه وأحاديثه محفوظة بحفظ الله تعالي إلي أمته التي بعث إليها وهي كافة الناس الموجودين فيما بين مبعثه وقيام الساعة وليس في القرآان ذكر سيرته وسنته ولو بقدر ما في الكتب المقدسة القديمة من أنباء الأنبياء الذين نزلت عليهم تلك الكتب فلزم أن تكون سنته محفوظة بحفظ مستقل كما حفظ كتابه وقد كانت كذلك بفضل الله وبحمده فالآن وفي كل زمان من حق الإسلام أن يباهي جميع الأديان بحفظ كتابه وسنته ولئن دخلت في الأحاديث موضوعات فما لبث علماء الحديث ونقاده أن تعقبوها وتعرفوها وميزوها عن الصحيح الثابت وليس في الذين أثاروا الشك في السنة من المستشرقين ومقلديهم من المسلمين العصريين بحجة وجود الأحاديث الموضوعة أحد وجد حديثا موضوعا بتعقيب وتدقيق من عند نفسه غير ما وجد علماء الإسلام المتقدمون ولا مغالاه أصلا في نفي من يساوي محمدا صلي الله عليه وسلم أو يدانيه في كون حياته بعد مبعثه إلي وفاته ولاسيما أحاديثه مع المناسبات الداعية إلي ورودها مضبوطة
(1)بينما حياة بعض مؤسسش اليانات مثل محمد واضحة معروفة ظلت حياة مؤسسش المسيحسة علي وجه التقريب مجهولة ويجب أن لا نبحث عنها في الأناجيل كما فعلوا ذلك من قبل فإن العلم لم يعد يعتقد إمكان ذلك اليوم حياة الحقائق لجستاف ليون ص68gustave le bon la vie
des verites p68
الصفحة التاسعه والخمسون
مدونة ولا محل لأن يقول قائل : كون حياته صلي الله عليه وسلم بكل تفاصيلها موضع أعتناء وتدوين لم يقع مثلها لأي أحد في الدنيا مسلم به وإنما الشبهة في صحة المعلومات المدونة والأحاديث المروية لا محل لهذا القول بناء علي أن الاعتناء المنقطع النظير إنما يؤيد صحة المدون المضبوط لا شبهة المشتبهين في صحته ضعفا ولا تغالي أيضا إذا قلنا إن ضبط سنة نبي الإسلام أصح وأثبت من ضبط كتب أهل الكتاب فقد أدي كمال الأعتناء الإسلامي بحياة نبينا ونتبع أقواله وأفعاله إلي الاعتناء بحياة المتتبعين أنفسهم أعني الرواة عنة وليس في الدنيا أحد عني في سبيل العناية به بكل من لقيه وبكل من روي عنه شيئا وبمن روي عمن روي عمن روي الخ والف فيهم الكتب فكتب في طبقات ابن سعد وطبقات ابن ماكولا وكتاب الصحابة لابن السكن وكتاب ابن جارود وكتاب العقيلي وكتاب ابن أبي حاتم الرازي وكتاب الأزرق وكتاب الدولابي وكتاب البغوي و(أسد الغابة)و(الاستيعاب)و(الإصابة )ثلاثة عشر ألف صحابي مع تراجمهم ودرس في كتاب أسماء الرجال من التابعين وتبع التابعين حياة مائة ألف رجل علي الأقل وعلي تخمين العالم الألماني (أشبره نكر)خمسمائة ألف فلا أغالي إذا قلت أيضا إن كيفية الأعتناء بحياة محمد صلي الله عليه وسلم معجزة من معجزات الإسلام لكن معالي هيكل باشا مؤلف (حياة محمد) يحاول الحط من قيمة هذا الأعتناء لكونة من منكري المعجزات قال العالم الألماني المار الذكر في مقدمة كتاب تولي تصحيحه وطبع في (كالكوتا) اسمه(صانه)?إن الدنيا لم تري ولن تري أمة مثل المسلمين فقد درس بفضل علم الرجال الذي أوجدوه حياة نصف مليون جل)كما في سيرة المؤلف الهندي المار الذكر وكتابه أصح واثري مراجع إسلامية أو غربية بما لا يقاس عليه كتاب معالي هيكل باشا
الصفحة الستون
كان كل هذا التوسع في تدقيق أحوال الرجال للاطلاع علي منزلة رواة الأحاديث في الصدق والضبط والأمانة قال المؤلف الفاضل الهندي وسائر الأمم كانوا إذا أرادوا تدوين تاريخ قوم قيدوا كل ما سمعه عنهم حتي ما سمعوا في الشوارع وكل روايه لا أساس لها من الصحة وليس لرواة تلك المسموعات وجود حقيقي جدير بالاعتماد فينتخب من تلك الرايات ما هو أنسب للتخمين وأوفق للقرائن المتعلقه بذلك العهد وتعتبر هذه المفتعلات بعد مدة تاريخا فقد أنشأ كتاب أوروبا تاريخ الأوربيين بهذا الشكل والمطلوب الأول عند علماء الحديث أن يكون الراوي ممن له صلة بالحادثة التي رواها أو استطاع إراءة سلسة الإسناد مبتدئة ممن روي الحادثه متصاعده إلي الراوي الأصلي وينظر خلال ذلك في سجية كل من ذكر اسمه في سلسلة الإسناد وخلقه ومسلكه وعقله ودقته وقوة ذاكرته وأمناته وعلمه ولم يكن من السل الإحاطة بهذه الأحوال لكن المئات بل الألوف من المحدثسن كرسوا جهودهم وأنفقوا أعمارهم في هذا السبيل فكانوا يسيحون في البلاد ويلاقون الرواة ويفحصون أحوالهم ويتعلمون أحوال من مات منهم من معارفه الأحياء فحصل من ذلك علم أسماء الرجال بجانب علم الحديث أما تأثير سياسة الحكومات في رواية الأحاديث أو وضعها فيتداركه التزام تزكية الرواة علي أن الأموية والعباسية كانتا من أكبر دول العالم في عهدهما وكان الأمويون يسبون عليا وأولاد فاطمة رضي الله عنهم في خطب الجمعة ويختلقون أحاديث في مدح معاوية رضي الله عنه وكذلك وضعت أحاديث في زمن العباسيين تزلفا إليهم ومع هذا فلم يلبث ان أعلن أئمة الحديث كونها زبوفا ولم يبق شئ منها حتي بقدر ما بقي من الأحاديث التي وضعها الشيعة والتي لم تنج هي أيضا من تعقب المحدثين نعود إلي مواصلة ما أردنا نقله عن كتاب هيكل باشا : ( والواقع أن المنازعات السياسية التي حدثت بعد الصدر الأول من الإسلام أدت إلي اختلاق كثير من الروايات والأحاديث تأييدا لها فلم يكن الحديث قد دون إلي
عهد متأخر من عصر الأمويين ، وقد أمر عمر بن عبد العزيز بجمعه ن ثم لم يجمع إلا في أيام المأمون بعد أن أصبح الحديث الصحيح في الحديث الكذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود على قول الدارقطني (1) ولعل الحديث لم يجمع في الصدر الأول من الإسلام لما كان يروى عن النبي أنه قال : " لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن ومن كتب شيئا غير القرآن فليمحه " على ان احاديث النبي كانت متداولة على الألسن من يومئذ وكانت الروايات تختلف فيها . ولقد أراد عمر بن الخطاب أثناء خلافته أن يتدارك الحال في ذلك بأن يكتب السنن فاستفتى أصحاب النبي في ذلك فأشاروا عليه بأن يكتبها فطفق عمر يستخير الله شيئا ثم أصبح يوماً وقد عزم الله ( أي خلق له من أسباب العزم من القوة والصبر ) فقال : إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا " وعدل عن كتابتها ، وكتب في الأمصار عنها : " من كان عنده شيء فلْيَمْحُهْ " وظلت الأحاديث بعد ذلك تتوالد وتتداول حتى جمع ما صح لدى جامعيه منها في عهد المأمون " ص 49 – 50
أقول : لو كان مؤلف " حياة محمد " مشى على الطريقة العلمية كما يدعيه لما كتب هذه الكلمات ولم ينقل هذه الروايات مستدلا بها على عدم جواز الاعتماد على صحة الأحاديث المروية في كتب الحديث ، إذ لو كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قول الدارقطني هذا الذي هو تمثيل الموجود بالمعدوم شطط منه حيث يعدم الأحاديث بقوله هذا ، وهو أي هذا القول أحق بالإعدام لتناقضه مع فعله لكونه نفسه أيضا من جامعي الحديث . والغريب أن الدارقطني من المجسمة المستدلين على مذهبهم السخيف ببعض الأحاديث وهو القائل في الله تعالى :
فلا تعجبوا أنه قاعدٌ ولا تعجبوا أنه مُقعِد
أي يُقعِد من شاء إلى يمينه ومن شاء إلى شماله . فيفهم أن الشعر الأبيض في جلد الثور الأسود هو تلك الأحاديث الحقيقة لأن تكون في رأس الشعرات السوداء لتضمنها مالا يقبله العقل بشأن الله تعالى .
كتابة أحاديثه وأمر بمحو ما كتب أمراً ونهياً باتَّين لما حاول عمر من أول الأمر أن يكتبها ولا استفتى الأصحاب في ذلك ولا أفتوا هم بذلك . ثم لو كان عمر عاد أخيراً إلى العمل بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من كان عنده شيء فليمحه ) وكانوا هم محوا ما كتبوه لما كتب المحدثون بعدهم كتبهم التي نراها مثل موطَّأ مالك ومسانيد ابي حنيفة والشافعي ومسند أحمد بن حنبل وصحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه ، فهل يقبل العقل أن الأمة كلهم حتى عمر والأصحاب خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينتهوا بنهيه ، وزاد المحدثون فخالفوا إجماع الصحابة أيضاً وأثبتوا ما مَحَوا ، بل لم يثبتوا إلا زيوف ما محوا بعد أن ضاع الأصل بمحوهم . فهذا غاية في سوء الظن بكتب الحديث وعلمائه من مؤلف " حياة محمد " .
ثم إن الماشي على الطريقة العلمية في الكتابة يلزمه أن يفكر فيما ذا قد يكون مراد النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن كتابة أحاديثه والأمر بمحو ما كُتِبَ منها ؟ فهل النبي رجع عن الأحاديث التي قالها ؟ أو كان لا يريد أن تبقى أحاديثه بعده بل تُنسى لكونه نفسه أيضاً شاكّاً في صحتها كمؤلف " حياة محمد " ؟ أم يريد شيئا آخر يأتلف مع العقل وإن لم يأتلف مع مقصد المؤلف ؟ وكان يلزمه أن يفكر أيضاً كيف وصل إليه حديث الأمر بمحو الأحاديث المكتوبة ولم يُمْحَ مع الأحاديث ؟ أليس هو أيضاً حديثاً ؟ أم يصل إليه ما يحلو له ولا يصل إلى الناس ما لا يحلو له ؟ .
كل هذه الأسئلة ترد على ناقل تلك الروايات الناهية عن كتابة الحديث نقلاً يقصد به التشكيك في صحة الأحاديث الموجودة في كتب الحديث بجملتها . نعم هذه الروايات معلومة أيضا لأئمة الحديث ومعترَفٌ بها على أنها أساس مذهب بعض الأجلة ، فقد انقسمت آراء الأقدمين في المسألة على طرفين من الكتابة وعدمها ، ولكل من الطرفين أدلة نقلية تمسكوا بها . ولم يذكر مؤلف " حياة محمد " مذهب القائلين بكتابة الحديث وأدلتهم وكاتبيه منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، صيانةً لدعواه
التي التزمها في تأليفه من الانتقاض كما هو دأب المؤلفين الغربيين ، فتكون لهم عقلية مخصوصة في مسألة تاريخية قبل ان يكتبوا كتباً يتعلق بها ، فيلتزمون تفسير ما صادفوه عند البحث في المسألة على وجه يلائم عقليتهم المقررة ، ويكون هذا الالتزام وهذا التفسير منهم طريقة علمية ، وقد يجرهم التزامهم إلى خطايا أخرى عظيمة فلا يجتنبون ارتكابها في سبيل الإصرار على عقليتهم ، وقد يصطدمون بما ينبههم على خطاياهم فلا ينتبهون . ومؤلف " حياة محمد " كتبها مقتنعاً بفكرة يحسبها فكرةً علميةً وهي عدم إمكان المعجزات ! ومن أجل ذلك قال إن محمداً صلى الله عليه وسلم لا معجزة له غير القرآن . فإذا ذكر ما في كتب الحديث من معجزاته أنكر صحة ما في تلك الكتب . فارتقى الأمر من إنكار المعجزات وإنكار الأحاديث الواردة فيها إلى إنكار الأحاديث مطلقاً ، وارتقى من الإنكار الثاني إلى إنكار كتابة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم . فالطريقة العلمية أو بالأصح الطريقة المزعومة علمية أضلته السبيل وجرَّت عليه جرائر . وتراه يكتب في كتابه عن النبي في خطبته التي ألقاها في حجة الوداع قوله (1) : " وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا أمراً بيّناً كتاب الله وسنة رسوله " وكيف يقول إنه ترك في امته سنته ليعتصموا بها مع كتاب الله وقد كان نهى عن كتابة السنة وأمر بمحو ما كتب منها ، فأين السنة وأين خطبة حجة الوداع ن لأنها أيضاً مقضيٌّ عليها بالمحو بناءًا على حديث " من كتب مني غير القرآن فليمحه " .
هذا دأب مؤلفي الغرب ينقلون من الروايات ما يوافق عقليتهم ويتركون ما يخالفها ، لكن مؤلفي الإسلام ولا سيما أئمة الحديث الناقلين عن رسول الله لا يستنكفون عن رواية الآثار التي لا تؤيد ما اختاروه من المذهب ، مراعاةً لشرط الأمانة . وأشد مما فعله مؤلف " حياة محمد " من التنويه بذكر الحديث الناهي عن كتابة الحديث فقط تاركاً ذكر ما يقابله من أحاديث أخرى ، وأعظم منه جرماً ، أنه حرف مذهب المانعين عن
ــــــــــــــــــــــــ
(1) ص 474 " حياة محمد " الطبعة الثانية .
كتابة الحديث الذي تمسك به كل التمسك ، عما أرادوه بمذهبهم هذا ، فقد اختُلِفَ في كتابة الحديث وعدم كتابته ولكن لم يستخرج أحد من مذهب منع الكتابة عدمَ الاعتماد على الأحاديث الموجودة في كتب الحديث .
وقد عقد الحافظ ابن عبد البر في كتابه " مختصر جامع بيان العلم وفضله " بابين بصدد هذه المسألة عنوان أولهما " باب ذكر كراهية كتاب العلم وتخليده في الكتب " والثاني " باب الرخصة في كتاب العلم " فذكر في الباب الأول حديثاً رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه ) ثم قال : وعن أبي نضرة قلت لأبي سعيد الخدري ألا نكتب ما نسمع منك قال تريدون أن تجعلوها مصاحف؟ إنَّ نبيكم صلى الله عليه وسلم كان يحدثنا فنحفظ فاحفظوا كما كنا نحفظ . وعن ابن وهب قال سمعت مالكاً يحدِّث أن عمر ابن الخطاب أراد أن يكتب هذه الأحاديث أو كتبها ثم قال ك " لا كتاب مع كتاب الله " وقال وعن الوليد بن مسلم قال سمعت الأوزاعي يقول : " كان هذا العلم شيئاً شريفاً إذا كان من أفواه الرجال يتلاقونه ويتذاكرونه فلما صار في الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله " ثم قال المؤلف أعني الحافظ ابن عبد البر : " من كره كتاب العلم كره لوجهين : أحدهما أن لا يتخذ مع القرآن كتاب يضاهى به ن ولئلا يتكل الكاتب على ما يكتب فلا يحفظ فيقل الحفظ كما قال الخليل :
ليس بعلمٍ ما حوى القِمَطْرُ ما العلمُ إلاَّ ما حَوَاهُ الصَّدرُ
أقول ويحسن هنا تذكير ما نقلناه سابقاً عن " فرائد " ابن عقال الصقلي : " إنما لم يجمع الصحابة سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصحف كما جمعوا القرآن لأن السنن انتشرت وخفي محفوظها من مدخولها فوكل أهلها في نقلها إلى حفظهم ولم يوكلوا من القرآن إلى مثل ذلك ، وألفاظ السنن غير محروسة كما حرس الله كتابه ببديع النظم الذي أعجز الخلق عن الإتيان يمثله ، فكانوا في الذي جمعوا من القرآن مجتمعين وفي
حروف السنن ونقل نظم الكلام نصاً مختلفين ن فلم يصح تدوين ما اختلفوا فيه ن ولو طمعوا في ضبط السنن كما اقتدروا على ضبط القرآن لما قصَّروا في جمعها ولكن خافوا إن دوَّنوا مالا يتنازعون أن تجعل العمدة في القول على المدون فيكذِّبوا ما خرج عن الديوان فتبطل سنن كثيرة فوسعوا طريق الطلب للأمة فاعتنوا بجمعها على قدر عناية كل أحد في نفسه " وهو كلام حسن جدا .
وقال الحافظ ابن عبد البر أيضا : " من ذكرنا من قوله في هذا الباب فإنما ذهب في ذلك مذهب العرب لأنهم كانوا مطبوعين على الحفظ مخصوصين بذلك ، والذين كرهوا الكتاب كابن عباس والشعبي وابن شهاب والنخعيّ وقتادة ومن ذهب مذهبهم وجبل جبلتهم كانوا قد طبعوا على الحفظ فكان يجتزيء بالسَّمعَة ن الا ترى إلى ما جاء عن ابن شهاب أنه كان يقول أني لأمرُّ بالبقيع فأسُدُّ آذاني مخافة أن يدخله فيها شيء من الخنا ن فوالله ما دخل أذني شيء قط فنسيته . وجاء عن الشعبي نحوه . وهؤلاء كلهم عرب وقد جاء عن ابن عباس حفظ قصيدة عمر ابن أبي ربيعة : ( أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ) في سَمْعَةٍ واحِدَةٍ فيما ذَكََروا ن وليس أحدٌ اليوم على هذا ولولا الكتاب لضاع كثير من العلم ، وقد أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب العلم ورخّصَ فيه جماعة من العلماء وحمدوا ذلك ونحن ذاكروه بعد هذا غن شاء الله . وقد دخل على ابراهيم النخعي شيء في حفظه لتركه الكتاب . وعن منصور قال : كان ابراهيم يحذف الحديث ، فقلن له إن سالم بن الجعد يتم الحديث قال إن سالماً كتب وأنا لم أكتب ( قال ابن عبد البر ) فهذا النخعيُّ مع كراهته لكتاب الحديث قد أقرَّ بفضل الكتاب " .
وقال في الباب الثاني : " عن أبي هريرة : لما فُتِحَت مكة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب قال فقام رجل من اليمن يقال له أبو شاءٍ فقال يا رسول الله اكتبوا
( 5- موقف العق – رابع )
لي ، فقال صلى الله عليه وسلم ( اكتبوا لأبي شاءٍ ) يعني الخطبة . وعن عبد الله بن عمرو قال كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم في الرضا والغضب فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال : ( أُكتُب فوالذي نقسي بيده ما يخرج مني إلا حق ) وعنه أيضا ما يرغَّبُني في الحياة إلا خصلتان : الصدقة والوهط أما الصدقة فصحيفة كتبتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الوهط فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها . وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقات والدِّيات والفرائض والسنن لعمرو بن حزم وغيره . وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قيِّدوا العلمَ بالكتاب ) .
" وفي باب العلم من صحيح البخاري قول أبي هريرة ك ليس في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ أعلمَ مني بأحاديثه إلا عبد الله بن عمرو بن العاص المارّ ذكره أسلم قبل أبيه وكان هو وعليّ وأنس ممكن يكتبون الحديث ) ففي " تقييد العلم " للخطيب البغدادي ان الصحابة كانوا يجتمعون حول أنس ليستمعوا منه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يخرج من جيبه صحيفةً ويقول " هذه أحاديث سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيّدتُها " .
" وعن إسحاق بن منصور قال : قلت لأحمد بن حنبل من كره كتابة العلم ؟ قال كره قوم ورخص فيه آخرون قلت له لو لم يُكتَب العلمُ لذهب ، قال : نعم لولا كتابة العلم أي شيءٍ كنا نحنُ ؟ - قال إسحاق ك وسألتُ إسحق بن راهويه فقال كما قال أحمد " .
وفي سيرة الفاضل الهندي المارة الذكر نقلاً عن سنن أبي داوود وابن ماجه : " أنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت هذه الوثائق حاضرة : الأحاديث التي كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص وعلي وأنس ، العهود المكتوبة مثل صلح الحديبية ،
الأوامر المُرْسلة إلى القبائل المختلفة والرؤساء ، أسماء ألف وخمسمائة صحابي . "
فقد انجلى من كل هذا أنه كتب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء كثير من أحاديثه وما لم يُكتَب منها بقيت محفوظة في الصدور إلى أن جمعها أئمة الحديث في كتبهم . وعدم كتابتها أولاً كان ناشئاً من اهتمام العرب بالحفظ أكثر من الكتابة فكأنهم كانوا يعدون المكتوب عُرضَةً للإهمال وعدم الاهتمام بالنسبة إلى المحفوظ في صدورهم ، على عكس ما يُتَوَهَّمْ . فمن استخرج من عدم كتابتهم الأحاديث اعتماداً على حفظهم ، عدمَ صحة الاعتماد على ما كتبه جامعو الصحاح بعد زمان مما وصل إليهم من محفوظات الرواة واعتبارَه مكتوباً من غير أساس صحيح كما فعله مؤلف " حياة محمد " ، كان كمن استخرج من اعتماد الحُفّّاظ على حفظِهِم معنى عدم الاعتماد وقلب نفس الأمر إلى عكسه .
بل نقول : وقبل أن جمع الأحاديث جامعوها مثل البخاري ومسلم وغيرهما قام أئمتنا المجتهدون مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم بتدوين علم الفقه الذي هو أيضا من معجزات الإسلام الخاصة به فدونت السنة أيضا في ضمن هذا العمل العظيم قبل تدوين المحدثين فازدوجت المعجزتان وكُتِب الخلود للسنن زكان هذا مساعدة كبيرة متقدمة لعلم الحديث ونقلِ رواته ، ألا يرى أن عمل إمام معروف من أئمة الفقه بحديث من الأحاديث يعتبر مؤيداً لدرجته من الصحة . بقى أنه لا يرد علينا وعلى الحافظ ابن عبد البر الذي نقلنا شيئا من كتابته عندما ادعينا اهتمام العرب بالمحفوظ أكثر من المكتوب ن الاعتراض بالقرآن ، لأنه مكتوب ومحفوظ معاً ، لكن الحديث لما لم يكن في مرتبة القرآن لزم إما أن يكون مكتوباً فقط أو محفوظا فقط ، فمن فضّل الكتابة نظر إلى أنها أبقى ومن فضّل الحفظ نظر إلى انه أدعى إلى الاهتمام وان زيادة الاهتمام كفيلة بالبقاء أيضا . وهذا تمام تحقيق المقام .
نعود إلى النقل عن كتاب هيكل باشا : قال معاليه :
" ومع ما أبداه جامعو الحديث من حرص على الدقة لا ريب فيه فقد جرح
بعض العلماء كثيرا من الأحاديث أثبتها جامعوها على انها صحيحة . قال النووي في شرح مسلم : ( قد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلاَّ بشرطهما فيها ونزلت عن درجة ما التزمناه(1) ) ذلك أن الجامعين قد جعلوا مقياس السند والثقة بالرواية أساسَهم في قبول الحديث ورفضه ، وهو مقياس له قيمته لكنه وحده غير كافٍ ، وعندنا أن خير مقياس يقاس به الحديث ويقاس به سائر الأنباء التي ذكرت عن النبي ما روي عنه عليه السلام أنه قال : ( إنكم ستختلفون من بعدي فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله وما خالفه فليس عني(2) ) وهذا مقياس دقيق أخذ به أئمة المسلمين منذ العصور الأولى ومازال المفكرون منهم يأخذون به إلى يومنا الحاضر " .
وأنا أقول : معالي هيكل باشا يظن أن أهل الحديث لم يراعوا ما ذكره مقياساً لقبول الحديث أو رفضه من موافقة القرآن أو مخالفته ، فقد راعوه في حدود معقولة وغير محتاجة إلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قد عرفت مما سبق أن النزول عن درجة ما التزمناه ليس نزولا عن درجة الصحة إلى درجة عدم الصحة كما أوهمه أسلوب كلام معاليه وإنما معناه النزول عن أعلى درجات الصحة ن بل النازل عن درجة الصحة مطلقاً في اصطلاح الحديث يكون حديثا حسنا والنازل عن درجة الحسن يكون حديثا ضعيفا ، والحديث الموضوع أو الحديث المنكر غير ذلك .
ثم إن ما انتقد على البخاري ومسلم اللذين جمعا في صحيحهما ما يقرب من عشرة آلاف حديث مئتان وعشرة أحاديث فقد اشتركا في اثنين وثلاثين منها واختص البخاري بثمان وسبعين ومسلم بمائة ، وليس مئتان وعشرة من عشرة آلاف بكثير مع أن الانتقاد على البخاري ومسلم في تلك الأحاديث قد كان على أنها غير مستجمعة لشروطهما لا لأنها أحاديث غير صحيحة .
(2) هذا الحديث موضوع قال عبد الرحمن المهدي : الزنادقة والخوارج وضعوا حديث ( ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله إلخ ) وكذلك قال يحيى بن معين : " إن هذا الحديث موضوع وضعته الزنادقة " والعجب من معالي الباشا يرمي الأحاديث الصحيحة بشبهة الوضع ثم ينتقي حديثاً موضوعاً لإثبات مدعاه في رمي الأحاديث ، ومعناه أن ظنه بالزنادقة أحسن من ظنه بأئمة الحديث . ومما زاد في الغرابة أنه لو عرض هذا الحديث الذي تمسك به ن على القرآن لخالف ما ورد فيه من أمر الله باتباع رسوله فيما آتاه مطلقا غير مقيد بعرضه على القرآن : قال تعالى : " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " .
بنائه على حديث وضعته الزنادقة وأعجب معاليَه لتوافقه مع غرضه ، وراعوا معه شروطا تتعلق برواية الحديث وشروطا تتعلق بدرايته والمقياس الذي ذكره داخل في شروط الدراية وليس مقياس القبول والرفض منحصراً فيه بل معه شروط أخرى درائية وشروط أخرى روائية . ومعاليه لا يعير اهتماماً بشروط الرواية التي هي أول ما يجب على جامعي الأحاديث مراعاتها كما لا يهتم بها مؤرخو الغرب عشر معشار اهتمام المحدثين ، مع أن علم الحديث كالتاريخ من العلوم النقلية التي يلزم أن تكون صحة النقل هي أول ما يطلب كونه مضمونا فيها . أما ناحية الدراية فلا يكون لها المنزل الأول مهما كانت أهميتها ، وإلا انقلبت العلوم النقلية علوماً عقلية . ثم إن النظر في الناحية العقلية من اختصاص المجتهد أكثر من المحدث الذي موقفه موقف الصيدلاني من الطبيب وإن العقول متفاوتة ، فلعل الحديث الذي لا يتفق مع عقل امريءٍ فيرفضه رغم أمانة الراوي ، يتفق مع عقول آخرين أبعد منه نظراً وأقومَ فهماً ، والحديث المشهور : " نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها فرُبَّ مُبَلَّغٍ اوعى من سامع " يشير إلى هذه الدقيقة المهمة . فهذا الحديث الجليل يدل المحدث على أهدى سبيل .
وفي إمكاني أن أوضح هذه الدقيقة بمثال لا أحتاج إلى استحضاره من بعيد : فلو فرضنا كون معالي هيكل باشا من المحدثين واعتبرنا مخالفة القرآن مقياساً لرفض الحديث كما اعتبره هو ، كان كل حديث ورد في معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم غير القرآن مرفوضاً عنده بناءاً على أن القرآن يمنع في زعمه وجود معجزة لنبينا غير معجزة القرآن حتى إن هذا الزعم هو الذي حداه إلى تفضيل هذا المقياس على غيره مع أن كون القرآن يمنع وجود معجزة لنبينا غير معجزة القرآن فكرة خاطئة استولت على عقل الباشا تقليداً منه لدعوى المستشرقين التي سنبطلها إن شاء الله . فهذا المقياس الذي له قيمته إلى حد ما ، لا يذهب بهذا المحدث إلى نتيجة سالمة عن الخطأ لكونه مقياسا عقليا يختلف باختلاف عقل القائس قوة وضعفا .
ثم إن كون مخالفة القرآن مقياساً لرفض الحديث لا يستقيم في جميع الأ,قات إذ يمكن أن يكون الحديث المخالف قطعيّ الثبوت ومتأخر الورود عن القرآن الذي يخالفه فيكون ناسخاً للقرآن كحديث " إن الله أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه فلا وصية لوارث " هذا مثال للسنة القولية الناسخة للقرآن ، ورجم الزاني المحصن والزانية المحصنة المعدود من الحدود الشرعية المعنيُّ بإقامتها في الإسلام على طول تاريخه ن ثابت بالسنة المشهورة الفعلية فإن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً وغيره ، وبها نُسِخَت آية الزنا في القرآن القائلة ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) في حق المُحصَن والمُحصَنَة . وهذه المسائل التي لا يعرفها معالي هيكل باشا ، وربما يتعجب منها لكونه لا يقيم للسنَّةِ وزناُ تستحق به أن تصحَّ في نفسها بلْهَ أن تكون ناسخةً للقرآن ، هذه المسائل أيضاً مما ينبيء عن الأهمية الراجحة لناحية الرواية في الحديث كما ذكرنا من قبل . ثم إن لمعالي الباشا مسلكاً عجيباً في فهم معنى موافقة الحديث ومخالفته للقرآن سيطَّلِعُ عليه القرّاء.
وقال أيضاً : " وحق أن المسلمين قد بلغ اختلافهم بعد وفاة النبي حداًّ دعا الدعاة إلى اختلاق الآلاف المؤلفة من الأحاديث والروايات ، ومنذ قتل لؤلؤة بن المغيرة عمر ابن الخطاب ، ومنذ تولى عثمان بن عفان الخلافة ، بدأت الخصومة التي كانت بين بني هاشم وبين بني امية قبل رسالة النبي العربي فظهرت من جديد . فلما قُتِل عثمان وقامت الحرب الأهلية بين المسلمين وخاصمت عائشة علياًّ وأيد علياًّ من أيَّدَهُ بدأت الأحاديث الموضوعة تكثُر إلى حدٍّ أنكره علي بن أبي طالب حتى رويَ عنه أنه قال : ( ما عندنا كتابٌ نقرؤه عليكم إلا ما في القرآن ) وما في هذه الصحيفة أخذتُها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فرائض الصدقة (1) ( على أن ذلك لم يقف رواة الحديث عن
ــــــــــــــــــــــــتت
(1) لماذا لم يمحُ عليٌّ رضي الله عنه الصحيفة التي كَتَبَ فيها ما أخذه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فرائض الصدقة بناءاً على الحديث الموضوع الذي تمسك به معاليه وعدّهُ من أسباب =
روايته ، ولم يقف قوماً عن وضع الحديث لهوىً يدعون إليه أو لفضائل يزعمون أن الناس أحرص على اتباعها حين ينسب إلى رسول الله حديثها ... " 50 – 51
" وقد كثرت هذه الأحاديث الموضوعة كثرةً راعت المسلمين لمنافاة الكثير منها لما في كتاب الله ، ولم تنجح المحاولات التي بُذِلت لوقفها في زمن الأمويين فلما كانت الدولة العباسية وجاء المأمون بعد قرابة قرنين من وفاة النبي كان قد أُذيع من هذه الأحاديث الموضوعة عشرات الألوف ومئاتها ، وكان بينها من التضارب وفيها من التفاوت ما لا يخطر بالبال . إذ ذاك قام الجامعون بجمع الحديث وتولَّى كُتَّاب السيرة كتابتها فقد عاش الواقدي وابن هشام والمدائني وكتبوا كتبهم أيام المأمون وما كان لهم ولا لغيرهم أن ينازعوا الخليفة في آرائه مخافة ما يحل بهم . لذلك لم يطبقوا بما يجب من الدقة ، هذا المقياس الذي روي عن النبي عليه السلام من وجوب عرض ما يروى عنه على القرآن ، فما وافق القرآن فعن الرسول ، وما خالفه فليس عنه (1) ..
وقد ورث المتأخرون عن السلف هذه الطريقة في كتابة السيرة لاعتبارات غير اعتباراتهم . ولو أنهم أنصفوا التاريخ لطبقوا الحديث على سيرة النبي العربي في جملتها وفي تفصيلها دون استثناء لأي نبأ روي عنها لا يتفق وما ورد في القرآن الكريم (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
= عدم اعتماده على الأحاديث المجموعة في كتب الحديث وهو : ( لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن ومن كتب شيئا غير القرآن فليمحه ) ؟
(1) يعقل إلى حد ما اشتراط عدم المخالفة للقرآن في قبول الحديث ولكن اشتراط موافقته للقرآن لا يترك للسنة مكاناً مستقلاًّ بين الأدلّة الشرعيّة بل يجعلها مُستَغنى عنها لا سيما إذا أريد بموافقة الحديث للقرآن ورود ذكر ما ورد في الحديث ، في القرآن كما فسرها بعد أسطر من كلامه .
(2) طال المؤلف الكلام في وجوب اتخاذ الموافقة للقرآن أو مخالفته مقياسا لقبول الحديث أو رفضه على الرغم من كون هذا الواجب المزعوم مبنيا على حديث موضوع مخالف للقرآن ، وقد نبهنا من قبل على ان عدم الاتفاق مع القرآن لا يوجب رفض الحديث مطلقا إذ قد يكون الحديث المخالف ناسخاً للقرآن وقد تكون مخالفة الحديث للقرآن في زعم الزاعم لا في نفس الأمر . والعجب أن أحاديث المعجزات التي أراد معالي المؤلف رفضها وأثار في سبيل رفضها الشبهة في صحة ما كُتِبَ في كتب الحديث مطلقاً ن من هذا القبيل كما ستعلمه .
فما لم يكن مما تجري به سنة الكون ولم يرد ذكره في كتاب الله لم يثبتوه ، وما كان مما تجري به سنة الكون محَّصوه ثم أثبتوا منه ما ثبت لديهم بالدليل اليقيني ن وتركوا منه ما لم يقم الدليل عليه(1) 51 – 75 .
أقول : من المعروف عن المأمون وأخيه المعتصم أنهما كانا يقولان بخلق القرآن ويرهقان العلماء على القول به حتى إنهما كانا يعاقبان من خالفهما منهم في ذلك ومحنة الإمام أحمد في عهديهما من أجل هذه المسألة أشهر من أن تُذكَر . فيلزم بالنظر إلى ادعاء معالى الباشا أن تكون كل كتب الحديث – لا سيما وقد كتبت في أيام المأمون- مشحونة بأحاديث موضوعة تعضِّدُ مذهبه ، مع أنه لا يوجد حديث واحد ينطق بخلق القرآن وإن وجد ما ينطق بأنه غير مخلوق . فمعاليه يدعي أنه ما كان للعلماء أن ينازعوا الخليفة في آرائه مخافة ما يحلُّ بهم ، والواقع يشهد بأنهم نازعوه وأنهم لم يخافوا ما يحلُّ بهم . ومعاليه يدعي أن في كتب الحديث آلافاً مؤلفة بل عشرات الألوف ومئاتها من الأحاديث الموضوعة على وفق أهواء الخلفاء الأمويين والعباسيين الشديدي البطش ن وليس فيها أحاديث من ذاك القبيل ، وإن كان هناك أحاديث موضوعة في مواضيع أخرى ما خفيت عن أنظار المحدثين النقاد ، وفي حادثة المتوكل مع ابن السكيت لما طلب المتوكل منه المفاضلة بين ابنيه وبين الحسن والحسين رضي الله عنهما فأجاب بأن قنبراً خادم علي أفضل من ابني المتوكل فقتله في الحال – دليل على عكس ما ادعاه معاليه .
ومن أمثلة شجاعة العلماء الجبارة الجديرة بالذكر هنا ما كتبه صديقنا الأستاذ الكبير الشيخ محمد الخضر حسين في مجلة " الهداية الإسلامية " الغراء من أن عبد الملك بن مروان رأى أن يدعو الناس إلى مبايعة ابنيه الوليد وسليمان بولاية العهد ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اشترط في صحة الحديث هنا موافقته لسنة الكون زيادة على شرط موافقته للقرآن وهذا الشرط الزائد هو أساس الشرط الآخر عنده بل أساس الداء الذي جر عليه ما أحصيناه من جرائر الأخطاء .
وكتب فيما كتب إلى والي المدينة هشام بن اسماعيل أن يدعو أهل المدينة إلى هذه المبايعة ففعل وأطبق أهل المدينة على البيعة إلا سعيد بن المسيب فإنه امتنع بعلّة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين . فكتب هشام إلى عبد الملك يخبره بأن أهل المدينة بايعوا قاطبة ولم يأب منهم إلا سعيد بن المسيب ، فكتب عبد الملك إلى هشام بأن يأمر سعيداً بالمبايعة فإن أبى عرَضَهُ على السيف فإن أصر على عدم المبايعة جلَدَهُ خمسين سَوطاً زطِيفَ بهِ في أسواق المدينة .
وصل كتاب عبد الملك إلى هشام واتصل بهشام ثلاثة من أصدقاء سعيد وهم سلمان بن يسار وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله ن فأخبرهم هشام بما أمر به في شأن سعيد . والظاهر أن هشاماً لم يطلعهم إلا على ما أمر به عبد الملك من عرض سعيد على السيف إن امتنع من البيعة ، ولم يذكر لهم ما جاء في الخطاب من ترك قتله إذا أصر على رأيه واستبدال الجَلد بالقتل . فارتاع الفقهاء الثلاثة لهذا الخبر وخشوا أن يصمم السعيد على عدم المبايعة ، فيناله عقاب القتل ن فأخذوا يدبرون وجهاً لتخليص سعيد من هذه الورطة متى صمم على عدم البيعة حتى وصلوا إلى تدبيرٍ عرضوه على الوالي فقبله ، وكانوا يظنون أن ما دبروه من الوجوه لإنقاذ سعيد سيجد من سعيد ليناً وقبولاً حسناً .
لذلك ذهب الفقهاء الثلاثة إلى سعيد وقالوا جئناك في أمرٍ عظيم : إن عبد الملك كتب إلى الوالي يأمره بأن يعرض عليك المبايعة فإن لم تفعل ضرب عنقك ن ونحن نعرض عليك خصالاً ثلاثاً فأعطنا إحادهن وهي :
أن يقرأ عليك الكتاب فتسكت ولا تقول لا ولا نعم ، فيكتفي الوالي منك بهذا السكوت فتمضي على ما صممت من عدم المبايعة وتدرأ عن نفسك عقوبة القتل .
سعيد : ما أنا بفاعل .
الفقهاء الثلاثة : تجلس في بيتك ولا تخرج إلى الصلاة أياماً فيعتمد الوالي في عدم
إنفاذ أمر عبد الملك على أنه قد طلبك من مجلسك فلم يجدك .
سعيد : أفعل هذا وأنا أسمع الأذان فوق أذني : حيّ على الصلاة ؟! ما أنا بفاعل .
الفقهاء الثلاثة : انتقِل من مجلسك بالمسجد إلى مكان غيره ، فإن الوالي يطلبك في مجلسك فإن لم يَجِدك أمْسَكَ عنك .
سعيد : أَفَرَقاً من مخلوق ؟ ما أنا بمتقدِّمٍ شبراً ولا متأخر . ولما رأى الفقهاء صلابة سعيد وأيسوا من قبوله إحدى الخصال التي عرضوها عليه خرجوا والأسف على سفك دم سعيد يملأ صدورهم .
وما كان من سعيد إلا أنه خرج إلى صلاة الظهر وجلس في مجلسه الذي اعتاد الجلوس فيه من قبل ولم يكن من الوالي إلا أنه بعث إليه فأتى به ، فقال له : إن أمير المؤمنين كتب يأمر إن لم تبايع ضربنا عنقك .
سعيد : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين .
هشام : أخرجوا سعيداً إلى الشدة ومدوا عنقه وسلّوا عليه السيوف ففعلوا وسعيد مصرٌّ على عدم البيعة .
فلما رأى هشام إصراره أمر به فجُرِّدَ من بعض الثياب ليذوق ألم الجلد وضربه خمسين سَوطاً ثم طافوا به في أسواق المدينة ومنعوا الناس أن يجالسوه .
انتهى النقل عن مجلة " الهداية الإسلامية ".
أقول : فكان ما فعله سعيد بن المسيب كما قال فضيلة الأستاذ كاتب المقالة في عنوان مقالته : " مثلاً أعلى لشجاعة العلماء " وكان ما فعله عبد الملك وواليه مثلاً أعلى لسخافة الملوك وعمَّالهم . ومعالي الدكتور هيكل الذي لا يرجو من علماء عهد الأمويين والعباسيين – عهد تدوين الأحاديث النبويَّة – غير المماشاة لأهواء الزمان وحكامه ، إنما يقيس أولئك العلماء بمشايخ الأزهر الذين شجعوه على تأليف كتابه في السيرة مسيئا ظنه بروايات السيرة والحديث ، والذين أثنوا على هذا الكتاب أو دافعوا عنه .
نعود إلى النقل عن كتاب هيكل باشا :
" وأكبر ظني أن الذين كتبوا السيرة كانوا يؤثرون هذا الرأي لولا أحوال العصر أيام المتقدمين ولولا أن ظن المتأخرون أن في ذكر مالم يرد به القرآن من خوارق ومعجزات ما يزيد الناس إيماناً على إيمانهم ، لذلك حسبوا أن ذكر هذه المعجزات ينفع ولا يضرّ ، ولو أنهم عاشوا إلى زماننا ورأوا كيف اتخذ خصوم الإسلام ما ذكروه منها حُجَّةً على الإسلام وعلى أهله لالتزموا ما جاء به القرآن (1) ، ولقالوا بما قال به الغزالي ومحمد عبده والمراغي وسائر المدققين من الأئمة (2) ، ولو أنهم عاشوا في زماننا هذا ورأوا كيف تزيغ هذه الروايات قلوباً وعقائد بدل أن تزيدها إيماناًوتثبيتاً لكفاهم ذكر ما في كتاب الله من آيات بينات وحجج دامغة (3) 53 .
" أما و مضرة الروايات التي لا يقرها العقل والعلم قد أصبحت واضحة ملموسة فمن الحق على كل من يعرض لهذه الأمور أن يراعى جانب الدقة العلمية في تمحيصها خدمة للحق وخدمة للإسلام ولتاريخ النبي العربي ...
" ولو أننا عرضنا كثيراً من الأمور التي ترويها كتب السيرة وكتب الحديث على ما في القرآن لما وسعنا إلا أن نأخذ برأي الأئمة المجققين ، فقد كان أهل مكة يطلبون إلى النبي أن يُجري ربُّهُ على يديه المجزات إذا أرادهم أن يصدقوه ، فنزل القرآن يذكر ما طلبوا ويدفعه بحجج مختلفة . قال تعالى : ( وقالوا لن نؤمن حتى تَفْجُرَ لنا من
ــــــــــــــــــــــ
(1) لا يجوز رفض ما ورد في السنة من سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم بمجرد أنه لم يرد به القرآن ولا بمجرد أن خصوم الإسلام اتخذوه حجة على الإسلام وعلى أهله وإنما إلى كونه حجة عليهما في نفس الأمر ، وستتضح لك حقيقة هذه المسألة إن شاء الله .
(2) ذكر المؤلف من ذكرهم من الأئمة الثلاثة المدققين على ترتيب أزمنتهم لا على أن محمد عبده يقل عن الغزالي والمراغي يقل عنهما في الإمامة والتدقيق . وأنا لا أدري كيف يكون للغزالي رأي في مقياس قبول الحديث أو رفضه يتفق مع رأي معالي هيكل باشا أو مع رأي من يتفق مع رأي معالى هيكل باشا أو مع رأي من يتفق معه من الإمامين ، في نفي معجزات نبينا غير القرآن وفي عدم الاعتماد على كتب السيرة وكتب الحديث التي كتبت فيها أحاديث المعجزات وفي مخالفة تلك الأحاديث للقرآن .
(3) لنا كلام فيما سيأتي إن شاء الله على هذه النقاط .
الصفحة فارغة في النسخة الأصلية
المادية لازم لكمال الرسالة فصدقوا ما روي منها (1) وإن لم يرد في القرآن (2) وظنوا أنه كلما ازداد عددها كانت أدل على هذا الكمال وأجعى أن يزداد الناس بالرسالة إيماناً . ومقارنة النبي العربي بمن سبقه من الرسل مقارنة مع الفارق فهو خاتم الأنبياء والمرسلين ، وهو مع ذلك أول رسول بعثه الله للناس كافة ولم يُبعَث إلى قومه وحدهم ليبين لهم ، لذلك أراد أن تكون معجزة محمد إنسانية(3) عقلية لا يستطيع الإنس والجن الإتيان بمثلها ولو مان بعضهم لبعض ظهيرا ، هذه المعجزة هي القرآن وهي أكبر المعجزات التي إذن الله بها (4) وقد أراد جل شأنه منها أن تثبت رسالة نبيه بالحجة البينة والدليل الدامغ سلطانه 54-55 .
ـــــــــــــــــــــــ
(1) فيه تصديق المعجزات الكونية للأنبياء الماضين ، وتكذيب معجزات نبينا الكونية وتكذيب رواتها المسلمين وهو يتضمن عاراً إن لم يكن على نبينا فعلى أمته . ومعاليه متوهم في كل ذلك .
(2) عدم وروده في القرآن لا يوجب عدم وروده في الحديث ، وهو يصر على توهم التلازم بين الأمرين وعلى عدم التمييز بين المخالفة للقرآن وبين عدم الورود فيه . ومن البين أنه لو لم يقبل مما ورد في كتب الحديث والسيرة إلا ما ورد في كتب الحديث والسيرة إلا ما ورد مثله في القرآن لكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو أشهر رجل في تاريخ الدنيا وأكثره من ناحية العلم والضبط بحياته ، من أقل الرجال في ذلك لأن القرآن لا يتضمن من أنباء حياته غير القليل إلا أن القرآن ملأ هذا الفراغ باعتنائه بسنة الرسول قائلا : " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " وقائلا : " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " وقائلاً : " وأنزلنا عليك الكتاب لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون " وقوله تعالى : " فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه " على أن بيانه صلى الله عليه وسلم من بيان الله فلولا السنة أو لولا الثقة بالسنة التي هي مبينة لمجملات القرآن ومتممته من هذه الحيثية على الأقل كانت رسالة القرآن – بالتعبير الحديث – مُختلة غير مؤداة حق الأداء . فضياع السنة في قرون الإسلام الأولى ضياع القرآن في الجملة ، ووعد الله تعالى بحفظ القرآن في قوله : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " يتضمن وعده بحفظ السنة أيضاً . فأين تذهبون أيها المدَّعون ضياع السنة الصحيحة التي وعد الله حفظها في ضمن حفظ القرآن ؟
(3) ما معنى كون بعض المعجزات إنسانيا وبعضها غير إنساني ؟ سنتكلم عليه .
(4) لا شك أن القرآن أفضل المعجزات ولكن إذا كان لنبينا معجزات أخرى مع القرآن =
" ولو أراد الله أن تكون المعجزة المادية وسيلة إلى اقتناع من نزل الإسلام على رسوله بينهم لكانت ولذَكَرَهَا في كتابه لكن من الناس من لا يصدقون إلا ما يقرّه العقل " (1) 55.
وقال في مقدمة الطبعة الأولى ص 14 : " على أن لهؤلاء الذين يحمّلون الإسلام وزر انحطاط الشعوب الإسلامية من العذر أن أضيف إلى دين الله شيء كثير لا يرضاه الله ورسوله واعتبر من صلب الدين ورمى من ينكره بالزندقة (2) وندع الدين جانبا ونقف عند سيرة صاحبه عليه السلام فقد أضافت أكثر كتب السيرة إلى حياة النبي
ــــــــــــــــــــــــــ
= ولم يكن جميع كتب الحديث والسيرة كاذبة وإنما الكذب في دعوى كون أصحاب تلك الكتب تلوا ما جاء في القرآن من معجزات من سبق محمداً صلى الله عليه وسلم فاختلقوا معجزات له تقليداً لمعجزاتهم وافتراء على الله ورسوله ، ولم يكن التقليد منهم بل من معالي مؤلف " حياة محمد " لأعداء الإسلام المفترين الكذب على كتب السيرة والحديث ... إذا كان الواقع في نفس الأمر كذلك فهل يكون حقا علينا أن ننفي تلك المعجزات مراعاة لخاطر معاليه أو لخاطر أعداءالإسلام ؟
(1) فيه انتقاص لمعجزات سائر الأنبياء عليهم السلام بأنها لا يقرها العقل وهو أشد من انتقاصها بما سبق من مخالفتها لسنة الكون ، لأن مالا يقره العقل يكون مستحيل الوقوع وينجلي منه رجحان معجزة نبينا أعني القرآن على معجزاتهم عند معاليه . أما لزوم كون القرآن حين ينطق بتلك المعجزات ناطقاً بالمحال وكونه مقراً لما لا يقره العقل فذلك لا يهم معاليه !!
(2) ليس سبب انحطاط شعوب المسلمين دخول ماليس من دينهم في دينهم إذ لا يمكن أن يدعي أحد أن الإسلام طرأ عليه التحريف بأكثر مما طرأ على المسيحية مع أن الشعوب المسيحيين لا يعتبرون مع الشعوب الإسلامية في دركة واحدة من الانحطاط لا سيما عند معاليه وأمثاله من المسلمين المصريين .
ثم ما هي التي أضيفت إلى الإسلام واعتبرت من صلبه وكان منها للذين حملوا الإسلام وزر انحطاط الأمم الإسلامية العذر في هذا التحميل ؟ فإن كانت هي المعجزات الكونية المضافة إلى معجزة القرآن ولم يكن لها أساس من الصحة ن فكيف تسبب زيادة المعجزات الكونية المكذوبة على معجزة نبينا انحطاط شعوب المسلمين حين لم تكن تلك المعجزات الكونية لسيدنا موسى وعيسى وهي غير مكذوبة عليهما ، سببا لانحطاط اليهود والنصارى ؟ فهل من اللازم مطلقا أن لا يكون لنبينا معجزة كونية حتى تحمل كتب السيرة والحديث في سبيل نفيها الكذب ويحمل إثباتها أوزار انحطاط الشعوب الإسلامية ؟
مالا يصدقه العقل (1) ولا حاجة إليه في ثبوت الرسالة . وما أضيف من ذلك قد اعتمد عليه المستشرقون ، واعتمد عليه الطاعنون على الإسلام ونبيه وعلى الأمم الإسلامية ، واتخذوه تكأتهم في مطاعنهم إلى يومنا الحاضر" (2) .
وقال ص 17 " وهذا الاستعمار يؤيد كذلك دعاة الجمود من المسلمين وكذلك تضافر عمل الاستعمار على تأييد ما دس على الإسلام من خرافات لا يسيغها العقل ولا يقبلها الذوق " (3) .
وقال في مقدمة الطبعة الثانية ص 55 : " ولو أن أمة مسلمة آمنت اليوم بهذا الدين ولم تحتج إلى التصديق بمعجزة غير القرآن لما طعن ذلك في دينها ولا نقص من إسلامها(4) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم يذكر هنا كتب الحديث بجانب كتب السيرة لا لأنه يصدق ما فيها من أحاديث المعجزات بل لأنه ماراجع كتب الحديث عند تحرير كتابه " حياة محمد " وهذا نقص لكتابه مهم ، وهو في ذلك أيضا مقتفٍ لآثار المستشرقين الذين لا يراجعون كتب الحديث عند كتابتهم عن حياة سيدنا محمد ، لأن مراجعتها تكلفهم عناء كبيرا لا يحتملونه مهما كانوا ناشطين كما نبه ععليه الفاضل الهندي كاتب السيرة .
(2) طعنات المستشرقين في الإسلام وفي نبيه تثير سخط معاليه نحو كتب السيرة والحديث ورواة الحديث ولا تثير سخطه نحو الطاعنين أنفسهم .
(3) ما يطابق الواقع أن الاستعمار يؤيد التجديد الهدام للإسلام ويعادي الجمود على الإسلام ويعده جموداً في وجهه . يشهد بهذا معاداة الاستعمار لتركيا القديمة ومحاباته لتركيا الجديدة محاباة أوهمت الغافلين من قوة الاستعمار العميقة قوة الترك الكماليين وضعف غالبي الحرب الماضية أمامهم في غدها .
(4) الإيمان بدين الإسلام مع عدم الإيمان بمعجزة نبي الإسلام غير القرآن يضر بالدين ويكون نقصاًفيه إذا كان سببه عدم الاعتماد على غير القرآن والاعتقاد بأن ما ثبت في الإسلام إنما يثبت بالكتاب ولا اعتداد بألسنة أو كان سببه عد المعجزات الكونية من المستحيلات العقلية. ومن أبعد ما يتصور إلى درجة مثيرة للضحك أن يكون معالي هيكل باشا التزم تأليف الكتاب عن حياة سيدنا محمد مستمدًّ في ذلك من القرآن فحسب كما قال في آخر صفحة من مقدمة الطبعة الثانية لكتابه :
(5) " وفي مقدمة ما يجب علينا خدمة للحقيقة وللعلم وللإنسانية أن نتعمق في دراسة سيرة النبي العربي =
فمادام الوحي لم ينزل بها (1) فلا جناح على من يؤمن بالله ورسوله أن يجعل ما يتصل به من أمرها محل تمحيص ، فما ثبت بالحجة اليقينية أخذ به وما لم يثبت فله فيه رأيه ولا تثريب عليه ، فالإيمان بالله وحده لا شريك له لا يحتاج إلى معجزة (2) ولا يحتاج إلى أكثر من النظر في هذا الكون الذي خلقه الله . والشهادة برسالة محمد الذي دعا الناس بأمر ربه إلى هذا الإيمان وجنبهم ما يزيغ قلوبهم عنه لا تحتاج إلى معجزة غير القرآن ولا تحتاج إلى أكثر من تلاوة الكتاب الذي أوحاه الله إليه (3).
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
= تعمقاً يهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة التي تنشدها والقرآن أصدق مرجع لهذه الدراسة وهذا الكتاب لا يأتيه الباطل ولا تعلق به الريبة ... فكل ما تعلق بسيرة محمد يجب أن يعرض على القرآن فما وافقه كان حقا وما لم يوافقه لم يكن بحق " والمراد مما وافق القرآن ما ورد به القرآن وقد عبر به في كثير من كلماته التي سبق نقلها . ويؤيده أن مرمى هذه المقدمة التي كتبها لطبعة كتابه الثانية خلاصتها أنه لا يرى كتب الحديث زكتب السيرة مرجعاً صادقاً لا تتعلق به الريبة . فحينئذ يكون من حق امريء أن يوقم فيرد كل ما ورد به كتاب " حياة محمد " تقريبا بحجة أنه لم يرد به القرآن .
(1) يظن معاليه أن الوحي ينحصر في الكتاب المنزل ولم يوح إلى نبينا غير القرآن مع أن الله تعالى قال في كتابه " ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) وقال : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) فهو لا يعرف كون الوحي على قسمين : وحي متلو وهو الكتاب ووحي غير متلو وهو السنة.
(2) إذا كان المانع من الاعتراف بالمعجزات الكونية عدم اعتراف العلم بما يخالف سنن الكون فهذا العلم الذي يخضع لحكمه العصريون من المسلمين لا يعترف أيضا بالله وحده لا شريك له ولذا قال معاليه في أواخر مقدمة الطبعة الأولى لكتابه عن علاقة الإنشان بالكون وخالق الكون : ( قد يقف العلم بوسائله حائراً أمامها لا يستطيع أن يثبتها ولا أن ينفيها وهو لذلك لا يعتبرها حقائق علمية ) س 22
(3) إن كان لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم معجزات غير القرآن وهذا ما نعتقده بأدلة من السنة بل من الكتاب أيضا كما سيتبين للقاريء ، فلا يجوز للمسلم أن يجازف ويقول : ليس لنبينا معجزات كونية ولا يحتاج الإيمان بالله ولا الشهادة برسالة محمد إلى تلك المعجزات ، كأن الله تعالى أظهر تلك المعجزات على يده عبثاً مستغنى عنها . ثم لما كان نبينا مبعوثاً إلى الناس كافة وفيهم أمم =
ـــــــــــــــــــــ ص 81ـــــــــــــــ
وقال أيضا ص 56:"لم يذمر التاريخ أن معجزة حملت أحدا من الذين آمنوا بالله ورسوله فى حياة النبى العربى على أن يؤمن به (1) بل كانت حجة الله البالغة عن طريق الوحى على لسان نبيه ، وكانت حياة النبى فى سموها هى التى دعت إلى الإيمان من آمن منهم وإن كتب السيرة لتذكر أن طائفة من الذين آمنوا برسالة محمد قبل الإسراء قد ارتدت عن إيمانها حين ذكر النبى أن الله أسرى به ليلا من المسجد الحرام
-----هامش ص 81--------
= غير العرب لا تدرك إعجاز القرآن إلا من أكب منهم على تعلم اللغة العربية وأنفق شطراً كبيراً من عمره فيه وجبل على طبع أدبى سليم ، فلا تصح دعوى استغناء هذه الكثرة العظمى فى تصديق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم عن معجزاته الكونية التى روتها كتب الحديث أو على الأقل روت بعضها بصحة تفوق روايات تاريخ الأمم المقبولة .
إن لسيدنا موسى معجزات يؤمن بها اليهود والنصارى ولسيدنا المسيح معجزات يؤمن بها المسيحيون وهذا قبل أن نزل القرآن وآمنا بهما وبمعجزاتها نحن المسلمين أيضا ً، وليس طريق إيمان اليهود والنصارى بتلك المعجزات الواصلة إليهم بروايات من سلفهم إلى خلفهم ، أقوى وأثبت من أحاديث معجزات سيدنا محمد الروية فى كتب الحديث ، فلماذا إذن يؤمن كل من اليهود والنصارى بمعجزات نبيهم ولا نؤمن نحن المسلمين بمعجزات نبينا ؟ فهل كون القرآن أكبر معجزة وأفضلها يمنع من وجود معجزات أخرى لنبينا صلى الله عليه وسلم ؟ وهل الغرض من هذا التفريق بين معجزات الأنبياء وبين معجزات نبينا تكذيب روايات المسلمين وتخصيصها بعدم الوثوق أم الغرض تبرئة نبينا من معجزات الأنبياء الماضين التى لا يقرها العقل ؟
(1) يرد عليه أن ما سماه التاريخ إن كان مأخوذا من كتاب السيرة والحديث فهى تشهد بمعجزات نبينا وإن لم يكن مأخوذا منها وكان يذكر معجزات نبينا من غير ذكر من حملته المعجزات على الإيمان فكيف يصح له القول بأن التاريخ لم يذكر أن معجزة حملت أحداً من الذين آمنوا بالله ورسوله فى حياة النبى على أن يؤمن ، لأنه لم يذكر معجزات نبينا لم يذكر أيضا أنها حملت أحداً على الإيمان ، وليس للمؤلف الحق منطقيا أن يستخرج من هذا حكمه بأن المعجزات لا تحمل أحداً على الإيمان .
(6- موقف العقل – رابع)
ـــــــــــــــــ ص 82ـــــــــــــــــ
إلى المسجد الأقصى الذى بارك حوله (1) ولم يؤمن سراقة بن جعشم لما اتبع محمدا حين هجرته إلى المدينة ليأتى أهل مكة به حيا أو ميتا ، طمعا فى مالهم على رغم ما روت كتب السيرة من معجزات الله فى سراقة وفى جواده(2) ولم يذكر التاريخ أن مشركا آمن برسالة محمد لمعجزة من المعجزات (3) كما آمن سحرة فرعون لما لقفت عصا موسى ما صنعوا".
وقال أيضا ص 62 "إن الفترة التى انتهت بقتل عثمان هى التى تقررت فيها القواعد الصحيحة للحياة الإسلامية العامة وهى لذلك وحدها التى يمكن الاعتماد الثابت اليقينى على ماوقع لمعرفة هذه القواعد الصحيحة (4) أما فيما بعد هذه الفترة فإنه على الرغم من ازدهار العلم والمعرفة أيام الأمويين وبخاصة أيام العباسسن ، قد اندست يد العبث بهذه القواعد الأساسية الصحيحة لتقيم مقامها قواعد تنافى فى
--------- هامش ص 82-----------
(1) ماذا يريد أن يقول هيكل باشا ؟ فهل هو ينتقد حادثة الإسراء بأنها فشلت ولم تنفع فى هداية الناس إلى الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يتوسل بنفى فائدة المعجزات إلى نفسى المعجزات؟ لكن المعجزات كما قيل انها تنقسم إلى معجزة هداية ومعجزة إنذار ، منقسمة أيضاً إلى معجزة تكريم للنبى كما فى الإسراء به إلى المسجد الأقصى ثم إلى السموات ولا يلزم أن تكون المعجزة حتى معجزة الهداية ضامنة للهداية بالنسبة إلى كل زمان وكل إنسان ، وهذا القرآن مع كونه فى رأس معجزات الهداية ما آمن به إلا من شرح الله صدره لللإسلام . فمسألة الهداية بيد الله فهو يهدى من يشاء ويضل من يشاء ، ويهدى من يهديه إذا شاء من غير معجزة ومن غير نبى ، إلا أنه لا يعذب الناس حتى يبعث رسولا ، وبالمعجزات تتم حجته عليهم . وبهذا البيان يسقط ماذكره معاليه هنا جملة .
(2) هو آمن بعد حين وأعطى أسورة كسرى فى فتح إيران .
(3) لا معجزة عند معاليه غير القرآن ومراده من المعجزات التى اختلقها التاريخ نفسه فلماذا إذان لم يختلق هذا التاريخ إيمان نشرك على الأقل مع كل معجزة اختلقها ؟ فهل عجز عن اختلاف الثانى الذى هو أسهل من الأول ؟
(4) استثنى هذه الفترة الأولى التى جمع فيها القرآن لئلا يسرى العبث والتزييف اللذان ادعى استيلائهما على الفترات اللاحقة وإفسادها لحجية الأحاديث المجموعة فى تلك الفترات ، إلى القرآن.
ــــــــــــــــــــ ص 83ــــــــــــــــــــ
كثير من الأحيان وروح الإسلام تحقيقاً لأغراض شعوبية فى أكثر أمرها ، وقد كان الأعاجم وكان الذين تظاهروا بالإسلام من اليهود والنصارى هم الذين روّجوا لهذه القواعد الجديدة ، غير متورعين فى تأييدهم عن اختراع الأحاديث ونسبتها إلى النبى عليه السلام (1) ولا عن ادعاء أشياء على الخلفاء الأولين لا تتفق وسيرتهم ولا تلتئم ومزاجهم".
انتهى مارأينا نقله من كلمات هيكل باشا فى مقدمة كتابه . وقد أطلنا فى النقل عنه - كما أطال هو فى التدليل على أنه أحسن صنعا فى تجريد "حياة محمد " عن المعجزات الكونية – حرصا منا على ألا نكون قد عزونا عند النقد عليه مالم يقله أو لم يكن هو مراده مما قاله ، وإنما أسأنا نحن الفهم والتفسير وبنينا اعتراضتنا عليه فقد انجلى من هذه النقول الطويلة أن م عاليه يتوسل إلى اسقاط معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم الكونية عن مرتبة الثبوت بإسقاط جميع الأقوال المروية عنه غير القرآن مع أن الأفعال المسوبة إليه وجميع ماجرى عليه فى حياته مما ذكر فى كتب الحديث والسيرة ولم يُذكر فى القرآن ، عن رتبة الجدارة بالتعويل عليه على أن يكون
--------- هامش ص 83----------
(1) ه1ا القول وهذه الدعوى تشبه قول الشيخ محمد عبده أثناء مناظرته الأستاذ فرح أنطون منشئ مجلة "الجامعة"-ومقالت المناظرة منشورة فى آخر كتاب الأستاذ المذكور المسمى "فلسفة ابن رشد" تحت عنوان "باب الردود" – مامعناه وخلاصته أن الإسلام استعجم فى عهد المعتصم بدخول العناصر الأجنبية عن العرب فيه كالفرس والترك . ولعل معالى هيكل باشا اقتبس هذه الفكرة من الشيخ محمد عبده ثم مزجها بأقوال المستشرقين . وكنت أنا قبل رؤية هذه السطر من مقدمة الطبعة الثانية لكتاب "حياة محمد "أحمل كلام ا لشيخ ذاك على مغزى سياسى قومى وأقول فى نفسى أنه يغضبه أفلات الحكم من يد العرب حتى لا يسره ازدياد قوة الإسلام بدخول عناصر جديدة فيه وانضمامهم إلى المسلمين . والآن ، وبعد أن زادت علماً بأفكار الشيخ ومبادئه ،أذهب فى فهم معنى قوله المذكور مذاهب بعيدة وأحمله على مراعى عميقة لو سردتها لخرجت عن الموضوع إلى موضوع آخر لا يمكن توفيه حقه إلا بتأليف مستقل .
انتهى الهامش
ــــــــــــــ ص 84ــــــــــــــ
سواء فى ذلك مايتعلق بالمعجزات ومايتعلق بغيرها ، وأن يحق لكل شاك فى صحة ماورد فى تلك الكتب من أولها إلى آخرها ، شكه!!(1)
فإن صحت لمعاليه هذه الدعوى لزم أن يكون أول واجبه الإحجام عن تأليف هذا الكتاب الذى أسماه "حياة محمد " فمن أى مصدر كتب ما كتبه فيه إن كانت كتب السيرة والحديث غير جديرة بالثقة والتعويل (2) وأصحابها متهمين الغراض السياسية والدينية ؟ وليس فى القرآن مايكفى من المعلومات اللازمة لتأليف كتاب عن حياة محمد صلى الله عليه وسلم مثل كتاب هيكل باشا ، لأن كتاب الله ليس كتاب السيرة والترجمة عن حياة نبيه . فإن كان التشكيك المطلق فى صحة ماعزى إلى النبى صلى الله عليه وسلم من الفعال أو روى عنه من الأحاديث فى كتاب الصفوة من أئمة المسلمين ، غريباً من أى مسلم فهو ممن وضع كتابا عن "حياة محمد " أغرب ، فمن أى أصل اقتباس إذن ما ضمنه فى كتابه ؟ حتى أنه لا يمكنه أو بالأصح لا يجوز له – با لنظر إلى عقليته المفهومة واضحة من كلماته التى نقلناها وأطلنا فى النقل – أن يأخذ من كتب المستشرقين الذين يقدرون لمحمد صلى الله عليه وسلم وحياته قدرهما ولا يتعدون الحق والإنصاف – على فرض وجود فريق منهم بهذه الصفة – لأن مصادرهم فى كتبهم أيضا
---------- هامش ص 84--------------
(1) لم تقتصر مطاعن هيكل باشا فى كتب الحديث والسيرة على م افيها من الروايات المتعلقة بالمعجزات كما نبهنا عليه من قبل أيضا وما كنا مغاليين فى هذا التنبيه بل سعى معاليه لإلقاء الشبهة فى كل ماورد فى تلك الكتب وإن كان مقصوده الطعن فى روايتها المتعلقة بالمعجزات فحسب ، وكان دافعه إلى إطلاق القول إنه لم يجد سبيلا خاصل للوصول إلى مقصوده هذا نعم كل ما فيها بالطعن ولم يفكر فيما يترتب عليه أو لم يبال به . وعليه فارتقى واجبنا فى نقد كلامه من الدفاع عن معجزات نبينا غير القرآن وعن الروايات الواردة بصددها فى كتب الحديث والسيرة ، إلى الدفاع عن ركن السنة مطلقا فى الإسلام .
(2) لو انتقد تلك الكتب بأنها تحتوى روايات وأحاديث لا يوثق بها ثم عينت تلك الأحاديث والروايات وبينت أسباب النقد كما يفعله النقاد من علماء الحديث لهان الأمر ولم يقع جميع ما فى تلك الكتب تحت الشبهة بحيث لا يميز صحيحه- إن كان فيهها صحيح – عن سقيمه .
انتهى الهامش
_______ ص 85_______
لابد أن تنتهى إلى كتب الإسلام التى زعزع هيكل باشا ثقة الناس بها وهدم معها كتب الآخذين منها .
ولا يمنع هذه الزعزعة وذاك الهدم كون معاليه استدرك الأمر فاستثنى الفترة الأولى من تاريخ الإسلام المعتبرة من بدئه إلى مقتل عثمان وأولاها الثقة حيث قال ص 61 " ففى الفترة الأولى بقى اتفاق المسلمين تاما لم تغير منه روايات الاختلاف على الخلافة ولا غيرت منه حروب الردة ولا فتح المسلمين البلاد التى فتحوا . أما بعد مقتل عثمان فقد دب الخلاف بين المسلمين وقامت الحروب الأهلية بين علىّ ومعاوية واستمرت الثورات ظاهرة تارة ، خفية أخرى ولعبت الأهواء السياسية دوراً خطيراً فى الحياة الدينية نفسها " إذا لم يجمع أحاديثَ النبى صلى الله عليه وسلم جامعوها ولم يكتب السيرة كتَّابها إلا بعد الفترة الأولى ، فلا يكفى فى الوثوق بواقعات التاريخ الإسلامى كون زمان وقوعها قبل مقتل عثمان ، بعد أن كان كتاّبها وجامعوها من رجال الفترة الثانية المفروض فيهم الغش والغرض ، ألا يرى أن الأحاديث والرويات الخاصة بالمعجزات لا ريب فى أنها باعتبار مصادرها تتقدم الفترة المشبوهة ومع ذلك لم ينجها تقدُّمها الزمنى عن تشكيك معاليه فى صحتها .
ولا يفتح أمام الباشا طريقا لإمكان تأليف كتابه بعد أن أقفل الطريق على نفسه ،أن يوجد هناك أحاديث صحيحة على نسبة حديث واحد فى مائة وخمسين حديثا ورواية ٍ واحد فى مائة وخمسن رواية يمكن الاعتماد عليها فى وضع كتاب عن حياة نبى الإسلام صلى الله عليه وسلم كما ذكر الباشا نفسه فى هذه النسبة واعترف بها عند ذكر اهتمام الإمام البخارى وأبى داود بتمحيص الأحاديث ونقدها ، لأن معاليه ذاهب إلى اختلاط القلة الضئيلة بتلك الكثرة القاهرة المؤدى إلى فساد الجميع ، غيرَ واثق بتمحيص البخارى وانتقائه أربعة آلاف من ستمائة ألف حديث . ولعل معاليه يبنى عدم وثوقه هذا على ما ذكره – وقد نقلنا عنه سابقا – من تجريح بعض العلماء لكثير من الأحاديث
ــــــــــــــ ص 86ــــــــــــــــ
التى أثبتها جامعوها فى كتبهم على أنها صحيحة (1) فمعالى المؤلف مدع الفساد الكل حتى الباقى بعد إسقاط مئات الألوف وحتى الباقى بعد تجريح بعض معين من الباقى الأول . فلو لم يدَّع ذلك لوجد أحاديث المعجزات فى البقية الباقية من انتقاء بعد انتقاء ونقد ٍ بعد نقد ، وماوسعه أن يجعل كتابه عطلا عن المعجزات .
هذا هو النقد العلمى الذى يكرر الباشا ذكره عند ذكر الأسباب الناهية على أحاديث المعجزات وروايتها والذى يدعى أن أسّس كتابه عليه والذى أيضا ينقض هو نفسه أساس كتابه نفسه مع أساس المعجزات وأحاديثها . ويجعله معلقا على الهواء . وخلاصة نقدنا أن كتاب الباشا ينقض نفسه بنفسه . هذا واحد.
ـ 2ـ
الثانى هل فكر معاليه فيما يترتبب على مافعله حين أثار الشبهة فى صحة الأحاديث النبوية بجملتها وفى أمانة رواتها بجملتهم وفى جدارة كتبها بجملتها بأن يعول عليها ؟ يترتب عليه ويلزمه لزوما عقليا بيِّنا هدمُ الركن الثانى من الأركان الأربعة التى يعتمد عليها الإسلام أعنى الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وهدم ما ينبنى على الثانى من الثالث والرابع . ولنقل جدلا : لينهدم مايلزم انهدامه إن لم يكن مبنيا على أساس صحيح وكانت الحقيقة على خلافه ولا نبال بانهدام صلاتنا وصيامنا وزكاتنا وحجنا بانهدام ركن السنة لا بتناء أحكامها التفصيلية عليها وكون الأحاديث مبنيِّة لإجمال القرآن ومتممة له بهذه الحيثية ، فما كنا ندرى – لو لم تكن السنة - كيف نصلى ؟ وكم نركع ونسجد وكيف نزكى وكم يخرج المزكى من ماله ؟ وكيف يحج الحاج ومن ذا يعلم مثلا أن المرأة لا تصلى ولا تصوم أيام حيضها ثم تقضى ا لصوم ، وأن الصلاة تجب على المريض ولا
--------- هامش ص 86--------------
( 1)قد بينا فيما سبق معنى هذا التجريح وعدد الأحاديث المنتقدة فى صحيح البخارى ومسلم .
انتهى الهامش
ــــــــــــــ ص (87)ــــــــــــــــ
تجب على الحائض ؟ والتفاصيل المذكورة فى كتب الفقة عن مسائل هذه العبادات لا تجدها فى الكتاب . فيلزم عند اقتصار مدار العمل على الكتاب أن يكون لقائل أن يقول :" هذه الأعمال التى يعملها المسلمون إلى يومنا هذا لا تستند إلى أساس صحيح ثابت فى الدين وهذا انهدام صلاتنا وصيامنا وزكاتنا وحجنا (1) ولنقل لينهدم ما ينهدم ولا نبال به ، لكن سنة نبى الإسلام ليست كما زعمه وزير معارف مصر واهية الأساس لا تقاوم النقد والتمحيص على الطريقة العلمية أو لا يبقى منها بعد النقد والتمحيص شئ تبنى عليه الأحكام ، بل الطريقة المتبعة فى الإسلام لتوثيق الأحاديث النبوية أفضل طريق وأعلاها ، لا تدانيها فى دقتها وسموها أى طريقة علمية غريبة أُتبعت فى توثيق الرواايات . حسبك أن نقد الرجال أى رجال الحديث أصبح علما مدونا فى الإسلام له كتب خاصة لا تستوعبها المجلدات ، نذكر منها "تهذيب الكمال " للمزى وعليه شرح علاء الدين المغلطانى فى ثلاثة عشر مجلدا و"تهذيب التهذيب " للحافظ ابن حجر فى عشر مجلدات يذكر فى أوله أنه ألفه فى ثمانية عشر عاما و" الفاصل بين الراوى والواعى " للرامهرمزى و"ميزان الاعتدال " للذهبى و"لسان الميزان " لابن حجر . وقد ذكرنا من قبل أسماء الكتب الجامعة لتراجم ثلاثة عشر ألفا من الصحابة وشهادة الدكتور " اشبره نكر " الألمانى بامتياز الأمة الإسلامية بين أمم الدنيا فى الاهتمام بتمحيص الروايات وإحاطة الموضوع من أوسع نطاقه . ففى صحيح البخارى مثلا ألفان وستمائة واثنان من الأحاديث المسيندة سوى
-------- هامش ص 87--------------
(1) عجيب مالقى الإسلام والعلوم الإسلامية بمصر فى زماننا فإنى أسمع كثيراً من العلماء والعقلاء فيما يتبرمون بمناقشات المتكلمين وخوضهم فى مباحث الفلسفة مدعين الغنى عنها فى الاشتغال بمطالعة السنة ، مع أنك ترى ماطرأ على مكان السنة بمصر من اعتداء المؤلفين العصريين بكتبهم عليها ومن توانى علماء الدين فى كبح جماح المعتدين وتنبيه الغافلين ، بل ومن إشادة البعض من العلماء بتلك الكتب .
انتهى الهامش
ــــــــــــــ ص 88ـــــــــــــــــ
المكررة (1) انتقاها من مائة ألف حديث صحيح يحفظها . وقريب من ألفى راو اختارهام من نيف وثلاثين ألفا من الرواة الثقاة الذين يعرفهم . وكتاب البخارى البالغ أربع مجلدات كبيرة يبقى بعد حذف أسانيده على حجم مجلد واحد متوسط الحجم ، فهل سمعتم وسمعت الدنيا أن كتاب تاريخ فى هذا الحجم يَروى ما فيه سماعا من ألفى رجل ثقة يعرفهم المؤلف وغيره من أهل هذا العلم بأسمائهم وأوصافهم ، على أن يكون كل جملة معينة من الكتاب مؤلفة من سطر أو أكثر أو أقل تقريبا سمعها فلان وهو من فلان إلى أن اتصل بالنبى صلى الله عليه وسلم فيقام لكل سطر من الكتاب تقريباً شهود من الرواة يتحملون مسؤلية روايته؟.
ولم يتأخر جميع جمع الأحاديث إلى عصر المأمون كما ادعاه الباشا فيما سبق تمديدا للزمان الحائل بين مصادرها وجمعها ، بل
جُمع فى عهد عمر بن عبد العزيز المتوفى فى 101 وكان قد أمر فى هذا الشأن بتشكيل دواوين يبلغ عددها ألوفا فجُمع أربعة آلاف حديث تتعلق بتفاصيل الأحكام الشرعية وخمسمائة حديث تتعلق بأصولها وكان الخليفة نفسه من كبار المجتهدين والمحدثين . ولم يتأخر التأليف فى الحديث أيضا إلى عصر المأمون فقد كان ابن شهاب الزهرى المتوفى فى 122 مؤلف أول كتاب فى زمن عمر بن عبد العزيز وكان ابن جريج فى مكة المتوفى فى 150 وابن إسحق فى 151 ومالك فى 179 فى المدينة وسفيان الثورى فى 160 فى الكوفة وحماد بن سلمة فى 167 أو ربيع بن صبيح فى 160 وسعيد بن أبى عروبة فى 156 فى البصرة والأوزاعى فى الشام متقدمين فى جمع الأحاديث .
نعم قد يوجد الأحاديث أحاديث موضوعة وأحاديث منكرة وأحاديث ضعيفة - ويوجد شئ منها فى أحاديث المعجزات أيضا – لكن هناك مع كل ذلك أحاديث
----- هامش ص 88-----------
(1) وعلى قول صديقى الأستاذ فؤاد عبد الباقى الذى عده فى كتابه "جامع مادة صحيح البخارى وأطراف البخارى " ألفان وستمائة وخمسة.
انتهى الهامش
ــــــــــــــــ ص 89ـــــــــــــ
متواترة وأحاديث مشهورة وهناك أخبار آحاد متواترة المعنى وأخبار آحاد فى رتبة الصحة وأخبار آحاد فى رتبة الحُسن وهناك أحاديث مرسلة(1) فأئمة الحديث أنفسهم ورجالهم الثقات رتبوا الأحاديث الواصلة إليهم بأسانيد مختلفة على هذه المراتب وميزوا زيوفها من صحاحها وكان الرواة المتهمون بالكذب أو عدم الدقة معلومين عندهم فإذا دخل واحد من المتهمين أو المجهول الحال فى سلسلة الإسناد لأى حديث أخل برتبته من القبول . واليوم أصبحت مرتبة ثبوت كل واحد من الأحاديث المضبوطة فى جوامع الكتب المحصاة بمئات الألوف متعينة عندنا تعينا لا محل للريبة فيه . فالذين ينظرون من بعيد إلى مايجرى فى علم الحديث الإسلامى من النقد الحر والرقابة الدقيقة ويطلعون منه على أن علماء الحديث لا يقيمون فيما بينهم لبعض الأحاديث وزنا . ويقيمون لبعضها وزنا ناقصا ، ليس من الأنصاف أن يتخذوه وسيلة طعن مطلق فى قيمة الحديث وموقعه بين أدلة الشرع الإسلامى . ولولا أن علماء الحديث أنفسهم لم ينقدوا ما يستحق النقد من الأحاديث لما أمكن المستشرقين أن يعيبوا صحاحها بمعتلاتها فنقد علماء الحديث من تلقاء أنفسهم ما يستحق النقد من الأحاديث لا يكون نقيصة لصحاحها تزيل الثقة عنها بل مزية تجعلها جديرة بالثقة وهذه الصحاح ينبغى عليها أكثر أحكام الشريعة الإسلامية من عباداتها ومعاملاتها . ومن المؤسف المؤلم للمسلم أن يرى بلادا
-------هامش ص 89--------------
(1) وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمرى بما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدرى ما وجدنا فى كتاب الله انتقاه " رواه الشافعى فى الأم ، وكذا رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه عن أبى رافع مولى رسول الله وفى رواية ا لترمذى "ألا أنى أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه " وفى رواية مقدام "ألا وإن ماحرم رسول الله كما حرم الله " وهذا الحديث معدود من معجزاته صلى الله عليه وسلم المتعلقة باخباره عن الغيب . قالى الفاضل الهندى كاتب السيرة المارة الذكر من قبل :"إن هذا الإخبار كما ينطبق على المعتزلة القدماء ينطبق أيضا على طائفة حديثة من الهنديين والمصريين لا يعولون على الأحاديث ويسمون أنفسهم أهل القرآن"
انتهى الهامش
ـــــــــــــ ص 90ــــــــــــــــــ
إسلامية اجتُرئ فيها على استبدال ق وانين الأمم غير المسلمة بقوانين شريعتها ، ولم يكفها إلغاء العمل بشرعة الإسلام حتى زيد فى الاجتراء وطُعن فى تلك الشريعة بدعوى عدم استنادها من ناحية السنة على أساس متين وقُصر الأساس الصحيح على الكتاب ، مع أن العمل ببعض الكتاب مهجور أيضا فى تلك البلاد . فلم يبق إلا دور أهمال البعض الباقى ثم الطعن فى أساس الكتاب (1)
--------------- هامش (90)----------
(1) وإنى لا أثق بإخلاص العصريين من الكتاب والعلماء الذين يقصرون اهتمامهم بالقرآن زيادة على عدم وثوقى بكفايتهم العلمية التى توجب عليهم تقدير الأسس الأخرى فقد قرأت مقالة فى مجلة "الرسالة " بعنوان "القرآن والمسلمون" للشيخ العصرى محمود شلتوت وكيل كلية الشريعة وقرأت معها مقالة لصاحب المجلة الأستاذ الزيات يشيد بمقالة الوكيل وبعدها انبعاث الأزهر ورأيت مقالة الشيخ المثنى عليها تغفل ذكر ماعدا القرآن وتنحى باللوائم على كتب التفسير المعروفة المتداولة فى أيدى العلماء مدعياً أن أهل التفاسير الماضية مافهموا القرآن . وهذاالقول منه يتضمن القدح فى الأئمة المجتهدين الذين استنبطوا الأحكام من القرآن . بل إن التفاسير القديمة ينتهى طرفها الأول إلى تفسير الصحابة والرسول صلى الله عليه وسلم .
ولعل الشيخ القادح لا يعجبه إلا مثل تفسيره فى مقالة سابقة له قائلة بأن القرآن جارى عقيدة العرب فى تصوير الشيطان كشخص ذى حياة مع كونه فى الحقيقة عبارة عن نزعات الشر المثبتة فى العلام . فليس ببعيد أن يُلغى فى التفسير الجديد الذى يعجبه ، كثير من الأحكام المنصوص عليها فى القرآن بإدعاء كونها مجارة لأهواء العرب فى عهد الرسول القريب من عهد الجاهلية ، ويمكننى أن أذكر إباحة تعدد الزوجات مثال لهذه الدعوى المنتظرة من الشيخ .
والحق أن القرآن الذى هو كلام الله لا يمكن أن تتصور فيه مجاراة الأهواء ، وإنما للعصريين أنفسهم أهواء يشذون بها عن المسلمين ويريدون إرهااق بعض آيات القرآن عليها ، وهم فيما عدا ذلك من الآيات التىلا صلة لها بأهوائهم الشاذة عاجزون عن كتابة سطر يستحق أن يسمى تفسير القرآن من غير مراجعة كتبالتفسير القديمة التى ادعى الشيخ أن أصحابها مافهموا القرآن ، أو مراجعة مابقى منها فى ذاكرتهم من تلك الآثار التى ورثوها معنا من العلماء الماضين فشكرناهم وكفروا .
وآخر ما أقول فى الذين يتظاهرون بحصر اهتمامتهم فىالقرآن نائين بجانبهم عن الحديث والفقه مثيرين الشك فى صحة الأحاديث ومدعين كون الفقه عبارة عن آراء الفقهاء ثم مستهينبن من القرآن بتفاسيره القديمة فلم يبق إلا متن القرآن ، آخر ما أقول فيهم : قد كذّب القرآن فى هذا البلد
انتهى الهامش
ــــــــــــــــــ ص 91ـــــــــــــــ
وكيف يخطر ببال مسلم أن لا يكون ما فى صحيح البخارى الذى كان المسلمون إلى هذا الزمان يعتبرونه أصح الكتب بعد كتاب الله ، أو صحيح مسلم أو موطأ الإمام مالك أو مسند الإمام ابن حنبل أو مسانيد الإمام أبو حنيفة أو الإمام الشافعى ؛
صحيحا حقيقة يعوَّل عليه على الأقل كما يعول على كتب التاريخ المعتبرة عند علماء الغرب (1) أو أن تكون أمانة أئمة الإسلام المذكورين دون أمانة المؤرخين الغربيين وإخلاصهم للحق وتضحيتهم فى سبيله دون إخلاصهم وتضحيتهم ، أو أن لا يكون بين عشرات الألوف من الأحاديث مايقرب من أربعين ألفا – حديث واحد صحيح تثبت به واحدة من معجزات محمد صلى الله عليه وسلم الكونية ؟
عجيب جدا أن يكون المسيحيون صعدوا بينهم إلى درجة الألوهية إستنادا إلى معجزاته الكونية ويكون المسلمون استكثروا لنبيهم معجزة كونية واحدة تدل على نبوته ولو بالنظر إلى الذين لا يقدرون معجزة القرآن حق قدرها كالمستشرقين والعامة من الناس . فهل يظن منكرو المعجزات الكونية منا لمحمد صلى الله عليه وسلم أنهم يستجلبون بإنكارهم هذا إعجاب المستشرقين نحو نبينا ؟ كلا ، وإنما يعجب ذلك الذين ينكرون النبؤات من الغربين . الذين لا ينكرون النبوات منهم يبقى نبى الإسلام
--------- هامش 91-------
- قبل بضع عشرة سنة تصديقاً لبعض أعداء الإسلام من المستشرقين – كما كذبت السنة أخيراً لإنكار المعجزات فى حياة محمد صلى الله عليه وسلم تصديقاً للبعض الآخر من الأعداء – وعند ذلك انبرى من انبرى من كتاب المسلمين وعلمائهم للدفاع عن القرآن وصال على المعتدى . ولا أدرى لعدم كونى يومئذ بمصر ، هل بين المدافعين الصائلين الشيخ شلتوت أو الأستاذ الزيات أو الدكتور هيكل مؤلف " حياة محمد " ومخليها عن المعجزات غير القرآن؟
(1) نعم أنا لا أدعى لأولئك الأئمة الذين لا شك فى أنهم أكثر خوفا من الله من م ؤلفى الغرب وأنه لا ضمان أقوى لتجنب الكذب من مخافة الله ، لا أدعى لهم العصمة من الخطأ ، والأمانة والعدالة غير العصمة ، مع أن كتب المؤرخين الغربيين لم تمحص ولم تغربل عليهم بعشر معشار ماغربلت كتب أئمة الإسلام بأيدى أئمة الإسلام الآخرين .
انتهى الهامش
ــــــــــــــــــ ص 92ــــــــــــــــ
عندهم بفضل معالى هيكل باشا من غير معجزة ، لأنهم لا يقدرون إعجاز القرآن الذىلا يفهمونه . وفضلا عن هذا فمعاليه يلطخ سمعة كبار المسلمين الذين كانوا وسائط بلاغ له عن نبيهم ، بوصمة شبهة الكذب . فإذا كان الحق يقال مهما كان مراً فما فعل هيكل باشا فى مقدمة الطبعة الثانية لكتابه من إثارة الشبهة فى صحة أحاديث الرسول بجملتها (1) للتوصل إلى إثارة الشبة فى صحة أحاديث المعجزات ، ومن التنازل عن ثانى المعقلين الرئيسيين من معاقل الإسلام الأربعة ألا وهو السنة فى سبيل التنازل عن معجزات نبى الإسلام الكونية – جناية لا تغتفر ، وتأييد مشيخة الأزهر لهذه الجناية أدهى وأمر . فكيف يتفق هذاالتأييد وتدريس الحديث فى الأزهر بل تدريس أصول الفقه والفقه أيضا بمذاهبه الأربعة حال كون أكثر حكامها مستندة إلى السنة ؟ فهل الأستاذ الأكبر المراغى يحاول بتقريظ كتاب الدكتور هيكل باشا وتقديمه للمسلمين تهيئة جو ملائم لإلغاء كلية الشريعة ؟.
ومن دواعى الأسف أن كتاب معاليه الذى تخاطَف نسخه الراغبون فى قراءته واقتنائه من المسلمين بمصر حتى طبع ثلاث مرات فى أربع سنين ، كان يكيل فى مرأى ومسمع من أولئك القارئين المسلمين طعنات تزييف على كتب كانت تعتبر من يوم تأليفها إلى هذا الزمان أصح الكتب فى الإسلام بعد كتاب الله مثل صحيح البخارى وصحيح مسلم وموطأ مالك (2) وغيرها من السنن والمسانيد ، فلم تعل فى مصر ولا فى غير مصر أصوات دفاع عن كرامة هذه الكتب المباركة عند المسلمين ولو بقدر الأصوات المرتفعة من النواب المسلمين فى برلمان مصر دفاعا عن كتاب
------------- هامش 92-----------
(1) بل التشكيك فى كتب الحديث والسيرة على الأطلاق يؤدى إلى التشكيك فى القرآن أيضا لأن تلك الكتب هى المرجع أيضا فى م سألة جمع القرآن وما التزم فيه من الدقة فى ضبط الأصل .
(2) أصح الكتب بعد كتاب الله على قول الإمام الشافعى موطأ مالك ، وهذا لا ينافى قول الآخرين بأن أصحها بعد القرآن صحيح البخارى لكون البخارى وصحيحه متأخرين عن الإمام الشافعى .
انتهى الهامش
ــــــــــــــ ص 93ـــــــــــ
الإنجليزى الذى كان يدرس فى الجامعة المصرية والذى فيه شتم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أقبح شتم ، ولا بقدر صوت الأستاذ الأكبر ا لمراغى شيخ الجامع الأزهر والشيخ رشيد رضا صاحب المنار دفاعا عن كتاب هيكل باشا الطاعن فى كتب الحديث (1).
ـ3ـ
الثالث أن المانع من إثبات المعجزات الكونية فى " حياة محمد " على م ا يظهر من اعتذار مؤلفه فى مقدمة الطبعة الثانية هو مخالفة تلك المعجزات للقرآن . وربما تراه يعبر عن هذاالمانع بعدم ورود تلك المعجزات فى القرآن ، لكن مخالفة القرآن شئ وعدم ورود الذكر فيه شئ آخر .فإن صح الأول صح كونه مانعا إلى حد ما . وليس الثانى بمانع ، صح أو لم يصح ! إذ القرآن لم يكن كتاب سيرة أو تاريخ لحياة محمد صلى الله عليه وسلم كما أنه لامعنى لتعليق صحة ما فى كتب الحديث والسيرة من معجزات نبينا الكونية ، بشرط كونها واردة الذكر فى القرآن فتكون تلك الكتب تكرارا لما فى القرآن مستغنى عنها .
فالمقياس الذى يرى معاليه حتما على المسلمين تطبيقّه على الأحاديث المنسوبة إلى
-------- هامش ص 93--------
(1) لا يقال إن الطعن فى كتب الأحاديث المؤدى إلى انهيار أساس مهم من أسس الشريعة الإسلامية وقع من مؤلف "حياة محمد " فى م قدمة الطبعة الثانية لكتابه ، تبريرا ً لإهماله المعجزات المذكورة فى كتب الحديث والسيرة ، وجوابا عن الاعتراضات الموردة على المؤلف بسبب هذا الإهمال لأنا نقول إن تقريظ فضيلته قبل الطبعة الثانية والطعون الملحقة بها لم يكن مقدما على الإهمال الظاهر فى الطبعة الأولى الذى ورط صاحبه فى الطعون المنتشرة مع الطبعة الثانية . على أنه كان فى استطاعة فضيلته أن يسحب تقريظه لكتاب الدكتور هيكل باشا بعد أن رأى طعونه الهدامة المصوبة نحو السنة فى الطبعة الثانية والثالثة ، فلم يفعل بل أذن فى نشر تقريظه مع كل طبعة .
انتهى الهامش
ــــــــ ص 94ــــــــــ
نبيهم ليعملوا صحاحها من زيوفها ثم يعنفهم بإهماله ، مضطربٌ بين أمرين يحسبهما مما ليه أمرا واحدا فيذكر أحدهما تارة والآخرة تارة أخرى وتارة يذكرهما معا وتارة يزيد عليهما مقياسا ثالثا . وقد جمع الثلاثة فى قوله :
:ولو أنهم أنصفوا التاريخ لطبقواالحديث على سيرة النبى العربى فى جملتها وفى تفصيلها دون استثناء لأى نبأ روى عنها لا يتفق وما ورد فى القرآن الكريم ما فمالم يكن مما تجرى به سنة الكون ولم يرد ذكره فى كتاب الله لم يثبتوه ..."
فالأمران اللذان يذكرهما ويحسبهما أمرا واحدا هما عدم انفاق نبأ الحديث مع القرآن وعدم ورود ذكره فيه . وقد عرفت أن ثانيهما حشو مفسد والمانع الثالث المزيد عدم كونه مما يجرى به سنة الكون ، وربما يعبر معاليه عن هذا المانع بكونه مما لا يقره العقل ويحسبهما أيضا واحدا ، مع أم المخالف لسنة الكون أو لسنة الله شئ ، وما لا يقره العقل أو مالا يصدقه العقل أو مالا يسيغه العقل أو مالا يدخل فى معروف العقل أو ما يبعد عن مقتضى العقل أو مالا يقبله العقل ، شئ آخر . وقد استعمل كل هذه التعبيرات فى تارات : فاستعمل كلا من الخمسة فى أمكنة مختلفة من مقدمة الطبعة الثانية والأولى لكتابة واستعمل التعبير السادس فى صلب الكتاب ص 142 فهناك أمور أربعة يذكرها معاليه كأنها أمران ويعتبرها موانع لصحة الحديث : مخالفته للقرآن ؛ عدم ورود ذكر مافيه ، فيه ؛ مخالفته لسنة الكون ؛ مخالفته للعقل . وليس الأول متحدا مع الثانى ولا ال ثالث مع الرابع . وليس الثانى بمانع كما عرفت ولا الثالث وهو المخالف لسنة الله أو سنة الكون ، إذ يمكن أن يكون هذا المخالف معجزة ، وهو المطلوب . ولا يلزم أن يكون المخالف لسنة الكون أو سنة الله مخالفا للعقل أى محالا ، ومن هذا تعد المعجزة من خوارق العادة لا من خوارق العقل وإلا لما أمكنت ولما وقعت . لكن الذين لا يميزون خارق العادة من خارق العقل ويزعمون المعجزة التى هى من خوارق العادة وإن شئت فقل من خوارق سنة الكون ، خارقة للعقل
ـــــــــ ص 95ــــــــــــــــــ
أيضا ، ينفونها قائلين باستحالتها ، وهذا الزعم منهم ناشئ من زعم آخر هو عدم إمكان خرق القوانين الطبيعية المقررة فى العلم الحديث المثبت المبنى على التجارب الحسية ، وهذا قول الملاحدة المادية ، وهذا أيضا هو الداء المزمن الذى استولى على عقول كثير من مثقفى العصريين والذى وقفنا مجهود كتابنا هذا ، على معالجته.
وأعجب شئ من المسلم عدم إقلاعه عن دعوى مبنية على نفى وجود الله وقدرته المسيطرة علىالكون . فمهما كان العلم المادى علما مثبتا ومهما كان ظنهم فى العلم المثبت المبنى على التجربة أنه لا يقبل التغيير والتعديل ولا يقر المعجزة ، فالعقل يفارق هذا العلم المنقلب جهلا ويقر المعجزة أى يقول بإمكانها . وقد أطلعنا القارىء فى أمكنة مختلفة من هذا الكتاب على قيمة القوانين المثبتة بالتجارب .
ومعالى مؤلف كتاب "حياة محمد " النافى لمعجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الكونية لو علم أن نفاة المعجزات من الغربين بناء على استحالتها عقلا، إنما ينفونها ويدعون استحالتها لعدم اعترافهم بوجود الله وبوجود أنبيائه ، لما نفى المعجزات عن حياة محمد صلى الله عليه وسلم على الأقل لما بنى نفيها على أنها لا يقرها العقل . والأسف أن الذين استشارهم من شيوخ المعاهد مكاشفا لهم ما ينتهجه فى كتابه، شجعوه عليه بدلا من أن ينبهوه إلى أن المعجزات لا تنافى العقل ويتصاعد الأسف تجاه فضيلة الأستاذ الأكبر فى تقريظ كتاب هيكل باشا ، بعد أن قال :" لم تكن معجزة محمد صلى الله عليه وسلم القاهرة إلا فى القرآن وهى معجزة عقلية ":"وما أبدع ماقال البوصيرى :
لم يمتحنا بما تعيا العقول به حرصا علينا فلم ترقب ولم نهم
ومعنى قول البوصيرى هذا بالنظر إلى إعجاب فضيلته به ان محمدا صلى الله عليه وسلم لم يأت أمته بنعجزات لا تستسيغها العقول كما أتى غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم ويعنى بها المعجزات الكونية ، مع أنا إذا افرضنا هذا المعنى لذاك القول كان
ـــــــــــــــ 96ــــــــــــــــ
ما أتى به البوصيرى القائل لهذا القول والقائل فى نفس القصيدة مثلا :
جاءت لدعوته الأشجار ُ ساجدةً تمشى إليه على ساق بِلا قََدَم والقائل :
أقسمتُ ب القمر المنشق ًّ إن له من قلبه نسبة ّ مبرورة َ القسم
بل القائل :
وكل آى ٍ أتى الرسل الكرامُ بها فإنما اتصلت من نوره بهم
من الأقوال المتناقضة - هو ما تعيا العقول به ، لا ما أتى به الأنبياء من المعجزات الكونية ولقد أغرب فضيلته فى استشهاده ببيت شعر أخطأ فى فهم معناه (1) وتغاضى لتمشية خطائه عن سائر أبيات القصيدة وهو بصدد الإفتاء المؤبد لإهمال معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم غير القرآن فى كتاب عن حياته ، لعدم اعتماد مؤلفه على كتب السيرة والحديث التى تُلصق بها تلك المعجزات . فكيف يستشهد ببيت شعر للبوصيرى المغلوط فى فهم معناه حين لا يُستشهد بالأحاديث المذكورة فى كتب الحديث ؟ مع أن بيت البوصيرى برىء مما توهم له الأستاذ الأكبر من المعنى ، وقرينة البراءة أبياته الكثيرة الخرى التى أوردنا آنفا بعض نماذج منها ، وإنما معناه أن الإسلام لا يوجد فيه مالا يقبله العقل كما وجد فى بعض الأديان المحرفة عن أصلها . أو معناه أن نبينا بعث بالحنيفية السهلة السمحة كما ورد فى الحديث وكما جاء فى القرآن ناعتا له ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم ).
فإن اعتراض معترض بكون المقارنة فى التوجيه الأول لا تقع بين الإسلام وغيره من الأديان المنزلة لعدم صحة اعتبار ما حرف منها دينا ، ويكون ما فى الديان السابقة
---------- هامش ص 96----------
(1) وقد ذكرنى هذا ما سبق لفضيلته أنه أخطاء فى فهم أقوال الفقهاء عند ترويج فتنة ترجمة القرآن الحادثة فى تركيا ، حيث كتب مقالة فى " السياسة الأسبوعية " و"الأهرام" واستدل على رأيه فى الجواز بأقوال العلماء المانعين كما يظهر ذلك من مراجعة كتاتبى " مسألة ترجمة القرآن " ص 23-24 الذى نشرته قبل بضعة عشر عاما ، وانتقدت فيه مقالة فضلته وغيره.
انتهى الهامش
ــــــــــــــ ص 97ـــــــــ
من الشاق على التوجيه الثانى مما تعيا به الأبدان لا مما تعيا به العقول (1) إن اعترض علينا فى التوجيهين ولم يجد غيرنا توجيها للبيت أحسن منهما ، فاللازم حينئذ حمل التبعة تبعة امتناع البيت عن التوجيه المعقول ، على عاتق قائله أعنى البوصيرى إن لم يكن هو أحسن إنشادَه . ولا يجوز إنكار معجزات نبينا الكونية طلبا لتقويم بيت شعر ، ثم لا يجوز مرتين أن يقال عن بيت مثله مضطرب المعنى : ما أبدعه ! كما قال فضيلة الأستاذ .
وكما أغرب فضيلة الأستاذ الأكبر أغرب معالى مؤلف الكتاب فى الاتفاق مع فضيلته على الخطأ فى فهم البيت وفى نسيان ماعداه من أبيات البردة ، ولم يكتف بتقبل هذه الفتوى المبنية على خطأ ظاهر فى الفهم بل جعل ثمن الشكر لفضيلته أن جعله فى عداد الأئمة المدققين مثل الغزالى ومحمد عبده .
ومهما وُجد فى أقوال الإمام الغزالى ما ينتقد عليه، فليس فى الإمكان أن يكون له قول يتخذه الدكتور هيكل باشا سندا فى إنكار معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم غير القرآن . أما الشيخ محمد عبده الذى أزداد اطلاعا عنه بعد مجيئ مصر ما ازدادت أيامى بها ، على ضلع منه فى حدث مدبر ضد الإسلام كمساعدته الخفية لقاسم أمين فى إثارة فتنة السفور بمصر (2) أو على شذوذ مريب كقوله المنقول سابقا فى تعريف
--------- هامش 97--------------
(1) ويمكن أن يعد ما فى الإنجيل من الآية المشهورة الآمرة بتحويل الخد الأيسر لمن ضرب الحد الأيمن ظلماً ليضربه أيضاً ، مما تعيا به عقول الرجال الأحرار .
(2) وبالنظر إلى قول الشاعر المشهور على جارم بك فى قصيدته المذاعة بالراديو من محطة الحكومة ليلة الاحتفال بذكرى قاسم أمين الثلاثين :
كنت فى الحق للامام نصيرا والوفى الصفى من أصحابه
لم يكن قاسم هو مثير الفتنة والإمام مساعده ، بل الأمر بالعكس .
(7- موقف العقل – رابع )
انتهى الهامش
ـــــــــــــــ ص 98ـــــــــــــــــــــ
النبى أو على مجازفة تشف عن ضعف بصيرته فى العلم كإنكار لبطلان التسلسل ونسبة كل ما قيل أو يقال فى إبطاله إلى الأوهام الكاذبة ، وقد سبق تفصيله فى الباب الأول والثانى من الكتاب ، والشيخ المراغى الذى كتب كلمة التحبيذ فى صدر كتاب لا يعترف لنبينا بمعجزة غير القرآن ويكِّذب ما جاء عنها فى كتب السيرة والحديث ويسعى لرفع الثقة بتلك الكتب فى مسألة المعجزات وغيرها ويحسن ظنه بكتب المؤرخين الغربيين كما سبق منا فى ص 151 من الجزء الأول نقل كلمات عن كتاب معاليه تشهد بذلك ، فى حين أنه يسئ ظنه بكتب أئمة المسلمين ... كتب فضيلته كلمة التحبيذ والتقريظ على هذا الكتاب ورأى رأى مؤلفة فى نفى المعجزات الكونية ، وذهب من قول البوصيرى :
لم يمتحنا بما تعيا العقولُ به حرصا علينا فلم نَرتب ولم نُهِم
إلى أنه أيضا على رأيهما غافلا عن أقوال البوصيرى من قصيدته فى غير هذا البيت ، وباعد بين الدين والعلم وبين الفقه والدين (1) فهذا الشيخ وذاك الشيخ لا بعدهما من أئمة الإسلام المدققين إلا من لا يعرف الإسلام وأئمته المدققين .
ومما يمنع كون معنى بيت البوصيرى كما فهمه الأستاذ المراغى فضلا عن القرائن المانعة له من أبيات فى نفس القصيدة ، أنه لو كان معناه أن نبينا لم يأت أمته بمعجزات تعيا العقول فى الاعتراف بها كما أتى غيره من الأنبياء ، لكان البوصيرى قائلا باستحالة معجزاتهم عند العقل ومنكرا لوقوعها فى أزمنتهم ، إذ المستحيل عند العقل وهو الذى يعيا العقل دون الاعتراف به ، لا يقع ولا يمكن وقوعه ، ولذا أنكر الأستاذ فريد وجدى القائل باستحالة المعجزات عقلا ، وقوعَها فى الماضى واعتبر جميع آيات القرآن المنبئة عن معجزات الأنبياء ، من المتشابهات . لكن البوصيرى رحمه الله لا يتصور أن
---------- هامش ص 98----------
(1) تكلمنا على الأول فى الجزء الثانى من هذا الكتاب (ص 95-104) وسنتكلم على الثانى فى الباب الرابع منه .
انتهى الهامش
ـــــــــــــ ص 99ـــــــــــــــــ
يكون فى هذه العقلية الظاهرة البطلان . فهل الأستاذ الأكبر الذى فسر قول البوصيرى بغير ما أراده قائله ، فى عقلية رئيس تحرير "مجلة الأزهر " فى عدم التمييز بين خارق العادة وخارق العقل ؟
بقى أنه لا يقال عن فضيلة الأستاذ الأكبر ، بعد غض النظر عن خطائه الفاحش فى فهمه لبيت البوصيرى الذى استشهد به : إن فضيلته ما أنكر فى تعريفه بكتاب هيكل باشا ومجازفته فى كيل التقريظ له ، معجزات نبينا غير القرآن ، وإنما ادعى انحصار معجزاته القاهرة فى القرآن وعنى بها معجزاته غير القرآن الثابتة با لسنن المتواترة تواترا معنويا (1) بل الثابتة بالقرآن : فهل كل ماكتبه مؤلف كتاب "حياة محمد " فى كتابه ، مما يكفر منكره حتى يرى معجزاته غير القرآن لم تبلغ فى الثبوت هذا المبلغ فيخلى عنها كتابه ويقر له فضيلة الستاذ الأكبر بهذا الإخلاء على تلك المعذرة ؟ فإن كان فى المعجزات غير القرآن ماثبت ثبوتا يحكم على منكره بالضلال إن لم يحكم بالكفر – ولا شك فى وجود مثله فيها – فهل لا يكفى عيبا على كتاب هيكل باشا أن يخلو عنه وعلى الأستاذ الأكبر أن يحبذ هذا الضلال ؟ وما فعله الباشا فى مقدمة الطبعة الثانية لكتابه من سعيه لزعزعة ركن السنة فى افسلام وسكوت فضيلة الأستاذ مادح الكتاب على هذا السعى لا شك فى أنه فوق الضلال .
----------- هامش ص 99--------
(1) قال المحقق الدوائى فى شرح العقائد العضدية "إن معجزات نبينا المغايرة للقرآن وإن لم يتواتر كل منها فالقدر المشترك بينها متواتر كشجاعة علىّ وسخاوة حاتم " وقد صرح القاضى عياض أيضاً فى "الشفاء" بهذا التوتر.
انتهى الهامش
ــــــــــــــــ ص 100ــــــــــــــــ
الرابع ماذا هو الباعث على إثبات معجزة عقلية وهى القرآن ، لمحمد صلى الله عليه وسلم ونفى كل معجزة كونية عنه (1) وماذا هو الباعث على محاولة رفع الثقة بعامة الأحاديث النبوية فى سبيل نفى الثقة بأحاديث المعجزات ؟ فهل الباعث على ذلك ضعف مكان السنة حقيقة ، رغم كونها من أهم الأركان الأربعة التى تستند عليها الشريعة الإسلامية ، أم الباعث كون المعجزات الكونية لا يقبلها العقل مطلقا أو لا يقبلها العقل العصرى المبنى على التجربة ؟ وقد بينا فى مواضع عدة من الباب الأول وفى أول هذا الباب (الثالث) من الكتاب ، حدود التجربة وحدود العقل وأثبتنا أن العقل الذى ينظر إلى المعجزة الكونية نظره إلى المستحيل والذى تحكم عليه التجربة ولا يحكم هو على التجربة ، إنما هو عقل الذين لا يعرفون العقل وينكرونه وينكرون الحياة والروح وينكرون خالق العقل والحياة لعدم انقياد كل من هذه الأمور للتجربة ولا يمكن أن يكون مؤلف كتاب " حياة محمد " المؤمن بالله وكتابه المنزل على نبيه ، منهم .
لكن من الواجب أن يعرف معالى المؤلف أن منكرى المعجزات البانين إنكارها على دعوى استحالتها ، لا يفرقون بين المعجزات الكونية ولاعقلية ، ويرون الكل مخالفا لسنة الكون ، كما يرون المخالف لسنة الكون محالا . فمتى بلغ أى شئ مبلغ المعجزة والخارقة خالف سنه الكون وخرقها ، وإلا لم يكن معجزة إلا فى تعبيرات الأدباء
---------- هامش ص 100--------------
(1) كان فضيلة الستاذ المراغى قال فيما كتبه تأييدا ً لإغفال المعجزات الكونية فى كتاب "هيكل باشا " : " لم تكن معجزة محمد صلى الله عليه وسلم القاهرة إلا فى القرآن وهى معجزة عقلية " وقد يضيفون إلى صفة " العقلية"" الإنسانية " كما قال هيكل باشا ص 55 "مقارنة النبى العربى بمن سبقه من الرسل مقارنة مع الفارق فهو خاتم الأنبياء والمرسلين وهو مع ذلك أول رسول بعثه الله إلى الناس كافة ، لذلك أراد أن تكون معجزة محمد إنسانية عقلية ".
ـــــــــــــــ ص 101ـــــــــــ
المتجوزين ، حتى ان النبوة والرسالة بمامعناهما المعروف عند الملاين معجزة مخالفة لسنة الكون ، فمن يقول باستحالة المخالفة لسنة الكون يقول باستحالة النبوة والرسالة أيضا ، إلا أن تكون من قبيل ماشاع فى ألسنة الكتاب العصرين من رسالة المرأة ورسالة الرجل ورسالة " الجامعة " ورسالة" الأزهر " ورسالة الصحف ورسالة المجلة أو مجلة " الرسالة ". ومن غرائب العصر الذى يسود فيه عدم الاعتراف بالمعجزة والنبوة والرسالة ، كثرة استعمال هذه الكلمات وإن كانت فى غير مواضعها ، ولعل مرمى المستعملين تنزيل هذه الأسماء من مسمياتها القديمة المستحيلة إلى مسميات جديدة معقولة !!
فلا فرق إذن بين المعجزة العقلية والمعجزة الكونية ، فكلاهما محال عند الملاحدة القائلين باستحالة المخالفة لسنة الكون وكلاهما ممكن الوقوع عقلا عند المسلمين بحول الله وقوته . فلو اعترفت الطائفة الأولى بوجود الله ووجود أنبيائه لقالت هى أيضا بإمكانها من غير فرق .. ولا وجه للتفريق بينهما بإثبات المعجزة العقلية ونفى المعجزة الكونية ، إلا أن يرد من المعجزة العقلية ما يكون منشؤه التفوق العقلى المنقطع النظير لمن أتى بالمعجزة فلا يخرج على سنة الكون وإنما يكون مبلغه أسمى ما يستطيع إنسان أن يبلغه . وربما يجد القارىء المفكر تلاؤما مع هذا التوجيه فى قوله معالى المؤلف : ص 44
" فحياة محمد حياة إنسانية بلغت أسمى ما يستطيع الإنسان أن يبلغ ، ولقد كان صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يقدر المسلمون أنه بشر مثلهم يوحى أليه حتى كان لا يرضى أن تنسب إليه معجزة غير القرآن ويصارح أصحابه بذلك (1) وقلنا عند الكلام عن قصة شق الصدر إنما يدعو المستشرقين ويدعو المفكرين المسلمين إلى هذا
------------- هامش ص 101----------
(1) لا يخفى أن كاتب حياة نبينا مجردة عن المعجزات غير القرآن لووجد حديثا ً يصارح رسول الله أصحابه فيه بأنه لا يرضى أن تنسب إليه معجزة غير القرآن لبادر إلى ذكرهذا الحديث قبل كل شئ حتى قبل ذكر الموضوع الذى تمسك به وهو يجعل القرآن مقياساً لقبول الحديث أو رفضه
انتهى الهامش
ـــــــــــــــ ص 102ـــــــــــــــ
الموقف من ذلك الحادث أن حياة محمد كلها حياة إنسانية سامية وأنه لم يلجأ فى إثبات رسالته إلى ما لجأ إليه من سبقه من أصحاب الخوارق وهم فى هذا يجدون من المؤرخين لعرب والمسلمين سندا حين ينكرون من حياة النبى العربى كلها مالا يدخل فى معروف العقل ويرون ماورد من ذلك غير متفق مع ما دعا القرآن إليه من النظر فى خلق الله وأن سنة الله لن تجد لها تبديلا، غير متفق مع تعبير القرآن للمشركين أنهم لا يفقهون ، أن ليست لهم قلوب يعقلون بها ".
فهذا القول من المؤلف غاية فى التخليط والتشويش لا يصعب فهم ذلك لمن أحاط بتفاصيل ما قلنا فى تحليل أقواله ، ففيه اعتبارر المعجزة مما لا يدخل فى معروف العقل أى مما يخالف العقل ، وفيه التسوية بين ما يخالف العقل ومايخالف سنة الكون ، وفيه إيهام أن نسبة معجزة إلى الرسول غير القرآن تنافى بشريته ، وفيه توهم كون الاعتراف بالمعجزات مانعا عما دعا إليه القرآن من النظر فى خلق الله ، وفيه الاستدلال على نفى المعجزات بقول الله تعالى :"ولن تجد لسنة الله تبديلا"،وكل ذلك خطأ ،وفيه زيادةً على الخطأ عدم اعتبار حياة الأنبياء السابقين الذين ظهرت على أيديهم الخوارق حياة سامية أنسانية ، وفيه إيهام أن الأولى بحياة النبى أن تكون حياة سامية إنسانية ليست فيها خارقة لسنة الكون وإن شئت فقل : ولا إرسال ملك ولا إنزال كتاب بنصه ، لأنهما أيضا من الحادثات الخارقة لسنة الكون وقانون الطبيعة ، فلا تتوقف النبوة على شئ من هذا القبيل المستحيل وإنما معجزة النبى هى التفوق العقلى والخلق السامى الذى به يبلغ أسمى ما يستطيع إنسان أن يبلغ!!
فمعنى كون القرآن إذن معجزة عقلية إنسانية مفترقة عن المعجزات الكونية فى الإثبات والنفى ، أن يكون الإتيان بها من الإنسان ملتئما مع العقل ، كمن أتى بكتاب يعجز غيره أن يأتى بمثله فى البلاغة أو أى مزية من المزايا !!
ففى هذه الأسطر المنقولة آنفا من كتاب " حياة محمد" أشياء كثيرة يؤخذ مؤلفة بها ، والمأخذ الأخير يتفق اتفاقا مع كلام الشيخ محمد عبده فى تعريف النبى
ــــــــــــــ ص 103ـــــــــــــ
والرسول الذى ن قلناه قبل الشروع فى نقل أقوال عن مقدمة الطبعة الثانية لكتاب هيكل باشا ونقدها ، نعم فى هذا المأخذ الأخير بعض مغالاة منا فى سؤ الظن بعقلية العصريين فى مسألة المعجزة والنبوة كما أنا أخذناهم وقادتهم من علماء الدين . وما أجدر أيامنا معهم بقول الطغرائى :
وحسن ظنك بالأيام مَعجزة فظن شراً وكن منها على وجل
ومها غالينا فى سؤ الظن بهم فلا تعدل مغالاتنا مغالاتهم فى سؤ الظن بكتب الحديث ورواية المحدثين جملة بل الأئمة المجتهدين أيضا ، لحد ما يؤدى إلى إسقاط الأحكام الشرعية المبنية على ركن السنة من حيز الاعتداد والاعتماد والله يهدينا ويهديهم سواء السبيل .
الخامس مما يقضى به الإنصاف ، ومع ذلك من الغريب ، أن الذين أرادوا تجريد حياة محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات الكونية حتى أثاروا فى سبيل هذا التجريد الشك فى قيمة السنة عند الإسلام ،إنما جنحوا إلى هذا الشذوذ الخطير المحَدث وركبوا متن هذا الشطاط والإسراف فى التضحية ، لدافع حسن فى نفسه وهو ترغيب عقلاء الغرب فى الإسلام وتحبيبه إلى قلوبهم وتقريبه من عقولهم ، فكأن المعجزات الكونية والروايات عنها فى كتب الحديث والسيرة أصبحت عيبا على الإسلام وحياة نبيه عليه السلام . وبهذه العقلية لا بغيرها فسر الشيخ محمد عبده سورة الفيل من القرآن بما فسر ، واقتدى به معالى هيكل باشا حيث قال فى كتابه عند ذكر وقعة الفيل :
"كان وباء الجدرى قد تفشئ فى جيش أبرهة وبدأ يفتك به ، وكان فتكا ذريعا لم يعهد من قبل ، ولعل جراثيم الوباء جاءت مع الريح من ناحية البحر ، وأصابت العدوى نفس أبرهة فأخذه الروع وأمر قومه بالعودة إلى اليمن ، وفر الذين كانوا يدلون على
ــــــــــــــ ص 104ـــــــــــ
الطريق ومات منهم من مات . وكان الوباء يزداد كل يوم شدة ، ورجال الجيش يموت منهم من يموت كل يوم بغير حساب . وبلغ أبرهة صنعاء وقد تناثر جسمه من المرض فلم يقم إلا قليلا حتى لحق بمن مات من جيشه . وبذلك أرّخ أهل مكة بعام الفيل هذا ، وقدسه القرآن ".
قال هكذا ثم كتب سورة الفيل بغصها كأنها جاءت طبق ما حكاه من أبرهة وجيشه ،أهلكهم وباء الجدرى من غير أن يكون هناك شئ من الطير الأبابيل ولا مما رمتهم به من حجارة من سجيل كما لم تذكر سورة ُ الفيل شيئا من وباء الجدرى الذى أبادهم فى حكاية هيكل باشا . فكانت صورة الحكاية مع ما كتب فى نهايتها من آيات السورة ، آية فىالجمع بين المتخالفين (1) فماذا تقولون فى مؤلف كتاب " حياة محمد "الذى كان يشترط فى قبول الأحاديث النبوية موافقتها للقرآن ثم نراه لا يراعى شرط الموافقة للقرآن فى تفسير القرآن ؟ فكيف لا يطمئن على صحة ماورد فى كتب الحديث من أحاديث المعجزات وغيرها ثم يطمئن على صحة تفسير سورة من القرآن بهذه الصورة المأخوذة من تفسير الشيخ محمد عبده أحد أئمة المؤلف المدققين ؟ يقول معالى المؤلف ومن يؤيدونه مثل فضيلة الشيخ المراغى والشيخ الرشيد رضا صاحب مجلة " المنار" : لم يرد فى القرآن ذكر معجزة كونية لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنا أقول : ولو كان ورد فماذا ينجح فى المنكرين مالم يعوزهم تأويل كتأويلهم فى سورة الفيل (2)؟
------- هامش ص 104-------
(1) كان الشيخ محمد عبده قد أغضبه دخول أقوام غير العرب فى الإسلام وفى حكومة الخليفة العباسى المعتصم فقال : استعجم الإسلام فى عهده مع أنه لا غرابة فى استعجام الإسلام كما لا غرابة فى استعجام الإسلام كما لا غرابة فى استعرابه لكونه ديناً غير خاص بقوم دون قوم وإنما الغرابة كل الغرابة فى استعجام القرآن العربى بتفسير الشيخ لسورة الفيل بما لا تتحمله لغة القرآن .
(2) وكان الذى ينبغى للدكتور هيكل كاتب " حياة محمد" أن يقول عن حادثة الطير الأبابيل عام الفيل الذى ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلا من أن يحرف السورة النازلة فى القرآن بشأنها عن معناها اتباعاً للشيخ محمد عبده وإلغاء للخارقة التى نصت عليها السورة وكانت معجزة لنبينا =
انتهى الهامش
ــــــــ ص105ــــــــ
وكل هذه التأويلات البعيدة التى لا يقبلها العقل على أنها مفهومة من النص القرآنى ولا يعدها تفسيرا بل تغييرا فاحشا ، إنما ترتكب لإحساس الحاجة إلى تطبيق الإسلام على رغبا المستشرقين من الغربيين وإمالته نحو هواهم ، إن لم تكن إمالتهم نحوه هى التى هى فعل الأبطال الذائدين عن كرامة الإسلام بما لا يعوزهم من الحجج، فى حين أن الموقف الأول موقف العاجزين الذين لا يستنكفون عن إجراء التعديلات فى الإسلام المعروف عند أهله بل عند الأجانب عنه الناقدين له ، ويقصدون يتضيتهم من دينهم هذه إرضاء أولئك الناقدين والتخلص من نقدهم كما يشهد بذلك قول مؤلف " حياة محمد" بعد إثارة الشبهة فى روايات المتقدمين والمتأخرين ممن كتبوا السيرة : " حسبوا أن ذكر هذه المعجزات ينفع ولا يضر . ولو أنهم عاشوا إلى زماننا هذا ورأوا كيف اتخذ خصوم الإسلام ما ذكروه منها حجة على الإسلام وعلى أهله لالتزموا ما جاء فى القرآن . ولو أنهم عاشوا فى زماننا ورأوا كيف تزيغ هذه الروايات قلوبا وعقائد بدل أن تزيدها إيمانا وتثبيتا لكفاهم ذكر ما فى كتاب الله من آيات بينات وحجج دامغة ".
وأنا أول مضرة هذه الروايات عن المعجزات تتصور عند معالى المؤلف وغيره من المتيعين لعقليات الغرب ومرضاتهم ، بكونها مخالفة لسنة الكون ومقتضى العقل وقد أسند معاليه عدم إثبات المعجزات فى كتابة إلى هذين المانعين مع الموانع الأخرى .
---------- هامش ص 105-----------
= صلى الله عليه وسلم تقدمته وتسمى هذه المعجزة المتقدمة على بعث الأنبياء إرهاصا ... كان الذى ينبغى للدكتور هيكل باشا أن يقول كما قال الفاضل الهندى كاتب السيرة المارة الذكر :
"إنمحى جيش أبرهة بالحجارة التى رمتها الطير الأبابيل عليه وكانت آية من كبريات الآيات يجب على المسلمين والمسيحين أن يتنبهوا لكونها لم تقع لإنقاذ مشركى مكة من شر أبرهة الذى كان مسيحيا والذى كان دينه أعلى من دين مشركى مكة ، وإنما كان وقوعها إيذاناً لظهوره صلى الله عليه وسلم صاحبا حقيقيا لمكة وكان معجزة من معجزاته ، ولذا قال الله تعالى فى أول السورة مخاطباً له صلى الله عليه وسلم ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) الخ .
انتهى الهامش
ـــــــــــ ص 106ــــــــــــ
وواجب المسلم عندنا ، واجبه المتعين تجاه هذه الحالة مجابهة هذه العقلية الباطلة بردها على أصحابها وإثبات أن المعجزات الكونية لا تخالف مقتضى العقل وإن خالفت سنة الكون وأن مخالفتها غير مستحيلة ممن سنها ، إثباتا علميا كما فعلنا فى أول هذا الباب ( الثالث ) من الكتاب . فإن لم يقم بهذاالواجب بل تقهقر أمام الناقدين الغربيين بالتنازل عن المعجزات الكونية والتبرؤ باسم الإسلام من رواياتها فى كتب الحديث والسيرة ، بل من جميع الروايات التى اعتمد عليها أصحاب تلك الكتب ورفعوها إلى النبى صلى الله عليه وسلم سواء كانت متعلقة بالمعجزات أو بغيرها ، بحجة أن فى الأحاديث المنسوبة إليه موضوعات اختلطت بصحاحها والتبس الأمر فهذا الذى هو فرار من الواجب إلى ماهو أسهل وأرخص (1) وإلى ماوراء الأسهل والأرخص من الأخس والأرذل ، لا يكون فيه أدنى فائدة فى استمالة الناقدين أعداء الإسلام إلى الإسلام وفى التخفيف من غلواء تعصبهم عليه ، لأنهم يعرفون كتب الحديث والسير وما فيها وما بذل فى تمحيص روايتها من المساعى الجبارة . فلا يقبلون تبروء المتبرئين من المسلمين منها على أنه تبرؤ الإسلام نفسه بل يعدونه مصانعة وتكتما وضعفا ناشئا من الضعف فى نفس الإسلام. وهل يظن أن علماء الغرب وعقلاء يقبلون مثلا تفسير سورة الفيل بما فسر به المتبرئون على أنه تفسير صادق مطابق للسورة؟
ومثل الناقدين الأجانب الناقدون من أبناء المسلمين الذين لا تعجبهم معجزات نبينا الكونية المنسوبة إليه فى كتب الحديث والسيرة ، لا يقنعهم التبرؤ منها وتكون مصانعتهم واسترضاؤهم بالتنازل عما فى كتب الحديث والسيرة من روايات المعجزات
----- هامش ص 106----
(1) أسهل وأرخص من تميز صحاح الروايات عن زيوفها ث الدفاع عن صحاحها ، ولا يظن أن فيه صعوبتين صعوبة التمييز وصعوبة الفاع عن الصحاح ، لأن صعوبة التمييز أزالها القاد من علماء الحديث فيما مضى . وإنما رأس البلية ظن الفارين من الواجب عدم إمكان الدفاع عن اروايات الصحيحة أيضا .
انتهى الهامش
ـــــــــــــ ص 107ــــــــــــــ
أشد مساسا بكرامة الإسلام وأشأم ، وهل هم المرادون وياللأسف من أصحاب القلوب والعقائد الزائفة فى قول معالى المؤلف :"ولو أنهم عاشوا فى زماننا هذا ورأوا كيف تزيغ هذه الروايات قلوبا وعقائد ، بدل أن تزيدها إيمانا وتثبيتا"؟ وعلى أعناقكم أيها المتبرئون المتنازلون الفارون عن واجب الكفاح أمام أعداء الإسلام ، وزر ُ تلك القلوب والعقائد الزائفة ، لا على أعناق مؤلفى السير وجامعى الأحاديث مثل البخارى ومسلم ومالك وأحمد وأبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجه وغيرهم رحمهم الله ورضى عنهم.
أليس سبب هذه الإزاغة ظنهم بالمعجزات الكونية أنها لا تتفق مع العلم ؟ فإذن لو نحيتم تلك المعجزات عن الإسلام وفاديتم الأمر بالتبرؤ من كتب الحديث وكتب السير – على ارغم من كون معنى هذا التبروء ، التضحي بثانى الركنين الرئيسين من أركان الإسلام وهما الكتاب والسنة- واكتفيتم بالكتاب أعنى القرآن ، فهل تظنون أنكم أنقتم القلوب الزائغة وأنقذتم القرآن ؟ فماذا تفعلون بالمعجزات الكونية التى يعترف بها القرآن ولو بالإضافة إلى أنبياء الله السابقين (1) ويعتبرها آيات بينات وبراهين من ربهم ، رغم الشيخ صاحب المنار الذى زاغ قلمه مع القلوب الزائفة فاعتبر المعجزات الكونية شبهة وقال : " لأنها موجودة فى زماننا ككل زمان مضى وأن المفتونين بها الخرافيون " والذى استظهر بقوله مؤلف " حياة محمد "؟ بل كيف تجردون القرآن عن المعجزة الكونية المضافة إلى نبينا ونبيكم مع سائر الأنبياء ، ألا وهى على الأقل الوحى والنبوْة وإنزال الملك والكتاب ، وكل ذلك يخالف سنة الكون ويأباه العلم الحديث المبنى على التجربة الحسية الحاضرة علم الزائغى القلوب ؟ فهل تتبرأون إذن من القرآن أيضاً ، وتضحون كما ضحيتم بالأحاديث ؟ بل إن هذا المدعو علماً لا يعترف
-------- هامش ص 107--------------
(1) أم تطمعون فى إقناع أصحاب القلوب وهم متعلمون ، بأن الآيات الواردة عنها فى القرآن ، بل وآيات البعث بعد الموت أيضاً التى تملأ القرآن والتى لا يقبلها العلم المذكور أيضا ، آيات متشابهات غير مفهومة المعنى ولا مطلوبة الفهم كما هو رأى الاستاذ فريد وجدى؟
انتهى الهامش
ــــــــــــــــــ ص 108ـــــــــــــــــ
بوجود الله الذى أرسل الرسل وأيدهم بالمعجزات ، وهو أى عدم اعترافه به أصل زيغ الزائغين وأساسه . فهل تتبرأون من الله أيضا ً، وتكونون علماء ذلك العلم الكاملين بدل أن تكونوا أنصاف العلماء ؟؟
فعلى القائمين بواجب الحيلولة دون زيغ القلوب المستعدة له أن يتشجعوا ، فيصارحوا ذوى القلوب المذكورة بالحقيقة ، إن كان القائمون أنفسهم أدركوها حق الإدراك ، ولا يداوروهم وتلك الحقيقة أن يقال لكل من زاغ قلبه بسب المعجزات أو الخوارق المنسوبة إلى أى نبى من أنبياء الله بناء على أنها تخالف العلم : كن عاقلا قبل أن تكون عالما . وقولى هذا يضاهى ما قال " مونته نيه":"إن الرأس الجيد الإنشاء أولى من الرأس الجيد الملء " فقد يكون العلم مشوبا بالجهل يشوبه علماؤه المتعدون به حدوده . وعند ذلك يفترق العقل عن العلم ويكون قوله الفصل والمعجزات لا ينكرها العقل كما بيناه فى أوائل هذا الباب ، فليس بصحيح ما يقال إنها تخالف مقتضى العقل وإنما هو قول الذين التبس عليهم العقل الحر والعلم المقيد بسنة الكون ، فظنوا الكل سواء . ويجدر بنا أن نورد هنا ماقلناه فى الفصل الثانى من الباب الأول من هذا الكتاب ( الجزء الثانى ص 275)
ردا على المنكرين لوجود الله بناء على أن العلم لا يعترف بوجوده وكان عنوان ذلك الفصل " موقف العلم من الله" وهذا العلم الذى لا يعترف بوجود اله يريدون به العلم الطبيعى ، ومن دأب الغرب المادى والشرق المقلد أنهما يذكران العلم مطلقا ويريدان ذلك العلم ، كأنه لا علم غيره . وهذا ما قلنا فى الفصل المذكور :
" القائلون بوجود الله لا يقولون به على أنه موجود طبيعى بل يقولون به على أنه موجود ضرورى يضطرنا الدليل العقلى المنطقى إلى الحكم بوجوه واستحالة عدم وجوده . فهو موجود بوجود فوق وجود الموجود الطبيعى الذىلا ضرورة فى وجوده وكان من الممكن أن لا يكون موجودا ، ولهذا تحتاج عند القول بوجود الموجود الطبيعى إلى التجربة الحسية فتراه بعينك أو تلمسه بيدك أو تحسه بحاسة أخرى ثم تستيقن
ــــــــــ ص109ـــــــــــ
وجوده ، ولا يضرك عقلك قبل التجربة إلى الاعتراف بوجوده . ولا كذلك الموجود الضرورى الوجود . فمن الطبيعى أن لا يعلمه العلم الطبيعى الذى يختص علمه بالطبيعيات الممكنة الوجود والعدم . ونحن القائلين بوجود الله لا حاجة لنا بأن يعلمه العلم الطبيعى ولا أن نعلمه بواسطة ذاك العلم . فلو أن العلم الطبيعى أثبت وجود الله كوجود واحد من الطبيعيات لما أقنعنا ذلك ، لعدم لزوم كون ما أثبت وجوده ، واجب الوجود بل من الطبيعيات التى هى موجودة بالوجود الواقعى فقط لا بالوجود الواجبى الضرورى الذى هى الوجود بوصف مضاعف والذى هو وجود الله .
" فمن الطبيعى إذن أن يجهل العلم الطبيعى بالله ولا يجده فى الطبيعة . ولكن ليس بطبيعى أن يجهل علماء الطبيعة وهواتها أن العلم الطبيعى إذا لم يجد الله فى الطبيعة لعدم كونه من الطبيعيات وعدم تعلق العلم الطبيعى بما وراء الطبيعة ، لا يلزم منه عدم وجود الله مطلقا ، فيكون واجبا عليهم أن يعلموا وجوده بواسطة غير العلم الطيبعى . فإن جهلوا به بناء على أن علم الطبيعة المبنى على التجربة الحسية لا يعلمه لم يكونوا معذورين لأن الإنسان لا يعيش بنوع واحد من العلم ولا يكون به إنسانا .
" ومن لاطبيعى أيضا بناء مسائل لاعلم الطبيعى على التجارب الحسية وعدم التعويل على مالم يثبت بها من تلك المسائل ، ولكن من الجهل أن تثجعل التجربة التى هى المقياس الأسلم والقسطاس الأقوم فى الطبيعيات لكونها أى التجربة الحسية نفسها من الأفعال الطبيعية ، مقياسا فيما وراء الطبيعة أيضا فيُحكم بناء على عدم دلالة التجارب الحسية على وجود الله ، بعدم وجوده .
" فعلى هذا التفصيل يمكن أن يكون لقولهم :إن العلم لا يدلنا على وجود الله وجه معقول ، وذلك يحمل مرادهم من العلم على العلم الطيعى . ولا وجه أصلا لقول "كانت" إن العقل النظرى لا يدلنا على وجود الله ، لأن نطاق العقل النظرى لا يقاس ولا يحد بنطاق العلم الطبيعى ، فهو إنما يعرف الوجود العادى أى يعرف الوجود ولا
ـــــــــــص 110ــــــــــ
يعرف وجوب الوجود الذى يمتاز به الله ويمتاز بمعرفته العقل النظرى . ولا وجه أيضا لأن يطلق العلم فى القول الأول ويراد به العلم الطبيعى ، كأن غيره من العلوم ليس بعلم أو ليس بعلم مثبت أو أن إثباته دون إثبات العلم الطبيعى ؛ بل عرفت مما نبهناك عليه فى كثير من مباحث هذا الكتاب أن اليقين العقلى فوق اليقين الحسى . فليس لاحتكار اسم العلم على العلم الطبيعى ، كما هو دأب الغربى الحاضر ومقلده الشرقى ، وجه معقول . اللهم إلا أن يقال : إن أنفع علم فى الحياة الدنيوية يُستخدم فى حوائج البشر هو ذلك العلم الكثير الإنتاج الذى حصل به الرقى الأخير الصناعى فى الغرب . واستعمال مطلق العلم فى العلم الطبيعى من المحدثات الأخيرة أيضا ً وبقدر ما يصح هذا التوجيه يظهر سر قوله تعالى : يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون" انتهى ماقلناه فيما سبق واردنا إعادته هنا .
كما قلنا هنالك فى مسألة وجود الله نقول هنا فى مسألة المعجزات : إن الحكم فيها بالإمكان والاستحالة لا يدخل فى اختصاص العلم الطبيعى . نعم من اختصاصه الحكم بأن المعجزات تخالق سنة الكون بشرط أن لا يجاوز حكمه هذا إلى الحكم باستحالة المخالف لسنة الكون ، لأن هذا العلم لا يعرف المحال ولا الممكن ولا الواجب بميزانه الذى هو التجربة الحسية وإنما يعرف الواقع وغير الواقع فى زمن التجربة ، وقد فصلنا ذلك فيما سبق غير مرة . أما مخالفة المعجزات لسنة الكون فنحن نعترف بها ولا ندعى أن المعجزات من الأفعال الطبيعية وأنها تنطبق مع سنة الكون التى هى سنة الله العمومية ، وإنما هى منطبقة على سنة الله الاستثنائية . ونحن لا نقبل كون مخالفة المعجزات لسنة الكون مانعة عن وقوعها ، بل إن هذا المخالفة لازمة مطلوبة لتكون المعجزة معجزة ، ولا نقبل أن سنة الله بمعنى سنته فى الكون الطبيعى لن تجد لها تحويلا ولو كان المحول هو الله نفسه واضع تلك السنة .
ثم ليعلم الذين يتنازلون عن معجزات نبينا الكونية ويقصرون معجزته على القرآن
ــــــــــــــ ص 111ــــــــــــــ
إرضاء لمنكرى المعجزات والخوارق من المستشرقين وتفضيلا لموافقتهم فى عقلية الإنكار على تجشم معارضتهم : أن القرآن مهما حُبب إليهم وأُعجبوا به، فلا يبلغ تقديرهم وإعجابهم مبلغ اعتباره معجزة تثبت بها نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . وقد يُطمع منهم أن يعدوه أفضل كتاب فىالدنيا وضعه البشر .أما أنه كلام الله أنزل على خاتم أنبيائه ليكون له معجزة النبوة فأمر خارق لسنة الكون لن يقبله منكروا المعجزات والخوارق . ومادام أناس من المسلمين وفيهم معالى مؤلف "حياة محمد " ينكرون معجزاته الكونية لا لعدم استنادها إلى الروايات الصحيحة بل لكونها أيضا مخالفة لسنة الكون ، مخالفة للعلم، مخالفة لمقتضى العقل ؛ فكيف يُنتظر من المستشرقين الذين لا يدينون بالإسلام أن يقبلوا القرآن على أنه من المعجزات الخارقة أعنى أنه كلام الله لا كلام سيدنا محمد ؟ فالواجب إذن أن يداوى أساس الداء وتقاوم حملات المنكرين من جباهها.وما أجدر معالى المؤلف الذى لجأ إلى عصيان العلم فى مسألة الوحى والنبوة واعترض على سلطته (1) ما أجدره بأن يعصيه فى مسألة المعجزات أيضا التى لا تنفك عن النبوة ولا يعترفَ بسلطته فيما وراء الطبيعة مطلقا . لكنه ضحى هناك بالعلم وهنا ضحى بالمعجزات وكتب الحديث وشئ كثير معها من الإسلام ، فى سبيل مماشاة العلم فلم ينتظم له المسلك .
أما المستشرقون الذين انتهج مؤلف كتاب " حياة محمد " هذه الطريقة المللتوية لقطع ألسنتهم المتطاولة ضد الإسلام من جراء روايات المعجزات الكونية – وما هو بقاطع كما عرفت – فإما ملاحدة ماديون أو نصارى متعصبون لدينهم . فإن كانوا ملاحدة فلا يرضيهم التنازل عن معجزات نبينا غير القرآن بحجة أنها معجزات كونية ولم يرد ذكرها فى القرآن ، رجاء أن يعترفوا بمعجزة القرآن . وإن كانوا
---------- هامش ص 111ـ---------
(1) يظهر ذلك بمراجعة الطبعة الثانية لكتابه ص 41-42 وهذا دليل على أن العلم لا يقبل الوحى والنبوة أيضاً وأنهما مما يخالف سنة الكون كالمعجزات .
انتهى الهامش
ـــــــــــــــ ص 112ـــــــــــــــ
نصارى فكيف يعترضون على م عجزات محمد صلى الله عليه وسلم الكونية ويعدون الأحاديث المروية عنها عاراً على الإسلام لأجل كونها مخالفة لسنة الكون ومقتضى العقل والعلم ، فى حين أن معجزات سيدنا المسيح كلها كونية مخالفة لسنة الكون . وكان القرآن أفضل معجزة وأوفقها لأن يكون معجزة مؤيدة لنبوة خاتم الأنبياء ياطب العقول الناضجة بإرشادات من سبقوه صلوات الله عليهم كلهم وكان بهذا المعنى حجة عقلية ، لا بمعنى أنه ليس بمعجزة كونية خارقة لسنة الكون لأنه معجزة عقلية وكونية معا ، وكان خصيصا أحرى بأن يؤمن به الغرب الراقى الناضج العقل ، قبل الشرق ولكن أين ذلك من الغرب الذى يعمه فى طغيانه ويريد أن يخرج الشرق المسلم من دينه ويعاديه لدينه وقرآنه . وهذا فى حين أن المسلم الغافل يتنازل عن شطر دينه ومعجزات نبيه تزلفا إليه ، وهيهات لا يرضيه إلا التنازل عن الشطر الباقى أيضا ، وهيهات من أصحاب القلوب الزائفة من الشرقيين أن يرجعوا بهذا القدر من التنازل إلى رشدهم مادام الغرب الذى هم مقلدوه ولا يعده كافيا ويستمر فى مناوأة الإسلام ومكافحته .
مَضى بها ما مَضى من عقْلِ شاربها وفى الزُّجاجَةِ باقٍ يطلُبُ الباقى
فبالنظر إلى أن معجزة القرآن العقلية ما أثرت فى قلوب الغربيين الممدودين أعقل الأمم ، وإلى أن مرض الإنكار والاستبعاد للمعجزات الكونية قد أعدى الشرق من الغربيين ، ومع ذلك نراهم أى الغربيين لا يزالون مرتبطين بالأنبياء الذين لهم معجزات كونية ، فالسعى فى تجريد نبينا عن المعجزات الكونية لا ستمالة الغربيين ليس إلا غفلة ظاهرة وسذاجة باهرة .
وقد كتب معالى المؤلف فى مقدمة الطبعة الثانية لكتابة نوعين ممن انتقدوه : فكاتب مصرى مسلم بعث بمقالة إلى مجلة المستشرقين الألمانية نقداً لكتاب " حياة محمد " وبعث ترجمة عربية لمقالته إلى المؤلف يؤاخذه فيها على اعتماده على المصادر العربية
ــــــــــــــــــــ ص 113ـــــــــ
واعتباره القرآن وثيقة تاريخية لا محل لريبة فيها مع أن مباحث المستشرقين من أمثال "فيلد" "وجولد زهر"و"نولدكى" وغيرهم تدل على أنه حُرِّف وبدل بعد وفاة النبى والصدر الأول للاسلام ، واسم النبى بعض مابدل فيه فقد كان اسمه "قثم"أو"قثامة" ثم بدل وصار "محمد" ليتسنى وضع الآية " ومبشراً برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد " وأضاف الكاتب إلى أقواله هذه أن بحوث المستشرقين دلت كذلك على أن النبى كان يصاب بالصرع وأن ما كان يسميه الوحى إنما كان أثراً لنوبات الصرع التى تعتريه .
ومعالي شكر الله سعيه رد على فرية تحريف القرآن فى صدر الإسلام بشواهد مفحمة من كلمات المستشرقين وعلى فرية الصرع بأدلة علمية حاسمة (2).
والنوع الثانى من نقاد كتاب "حياة محمد" سماهم مؤلفة ببعض المشتغلين بالعلوم الدينية الإسلامية الذين آخذوه بأنه يرجع إلى أقوال المستشرقين ولا يأخذ بكل ما سجلته كتب السيرة وماروته كتب الحديث متصلا بسيرة النبى العربى .
وربما يتوهم هنا متوهم فيلتمس عذرا للمؤلف فيما سلك فى كتابه من التوسط بين عقلية ذلك الكاتب المصرى المسلم الذى هو أبعد بكثير عن الإسلام من المستشرقين ، وبين عقليات ذلك البعض من المشتغلين بالعلوم الدينية الإسلامية كما قال المؤلف نفسه : "بينما يؤاخذنا غلاة المصدقين لما أسرف فيه المستشرقون بأنا نعتمد علىالمصادر العربية ونستند إلى ما ورد فيها ، إذا بعض المشتغلين بالعلوم الدينية الإسلامية يؤاخذوننا بأننا نرجع إلى أقوال المستشرقين ولا نأخذ بكل ماسجلته كتب السيرة وما روته كتب الحديث متصلا بسيرة النبى العربى وأننا لا ننتهج نهج تلك الكتب ".
------- هامش 113---------
(1) وكاتب المقالة أشنع مثال لمبلغ كتاب يعدون من المسلمين وهم كفار بدينهم وكتابهم ، فى تقليد الغربيين فى معاداة الإسلام العمياء .
(8-موقف العقل – رابع)
انتهى الهامش
ـــــــــــــــ ص 114ــــــــــــــــ
لكن تحقيق الحقائق ووضع النصاب لها الذى هو واجب المؤلف فى أى موضوع من موضوعات المؤلفين الثقات الأثبات ، لم يكن تأليفا بين المتساومين ا لمتباعدين واختيار وسط تتعادل نسبته إلىالطرفين . وليس بمستقيم ظهور المؤلف عند الشكاية من تشدد المشتغلين بالعلوم الدينية عليه فى مظهر من أوخذ لعدم أخذه بكل ما سجلته كتب السيرة وكل ماروته كتب الحديث متصلا بسيرة النبى صلى الله عليه وسلم فلا علم لنا بنص ما كتبوا فى مؤاخذته على أثر الطبعة الأولى لكتابه، لكنا نحن لم نؤاخذه لعدم أخذه بكل ما فى كتب السيرة والحديث متصلا بحياة نبينا ، بل لكونه عند الجواب على مؤاخذة الأولين فى مقدمة الطبعة الثانية ، رمى كلَّ ما فى تلك الكتب بشبهة الكذب .
ـــــــ6ــــــــ
السادس إذا كانت المعجزات خارقة لسنة الكون وكان خرق السنة جائزا لا مانع منه بل لازما ضروريا للمعجزة لتكون معجزة ، فلماذا يشهد القرآن بآن سنة الله لن تجد لها تبديلا ؟ فهذا السؤال يمكن أن يخالج بعض الأذهان بعد مطالعة ما كتبنا إلى هنا ، كما خالج ذهن هيكل باشا قبل مطالعة ما كتبنا حيث قال ص 55 من الطبعة الثانية لكتابه :
" ولو أن أمة مسلمة آمنت اليوم بهذا الدين من غي حاة إلى التصديق بمعجزة غير القرآن لكان الذين آمنوا من أبنائها أحد رجلين : رجل لم يتلجلج قلبه ولم يتعثر فؤاده بل هداه الله إلى الإيمان أول مادعى إليه كما هدى أبا بكر فآمن وصدق من غير تردد. وأخر لم يلتمس إيمانَه فيما وراء سنة الكون من خوارق بل التمسه فى خلق الله هذا الكون الفسيح الأرجاء الذى يقصر تصورنا دون إدراك حدوده فى الزمان
ـــــــــــــــ ص 115ـــــــــــــــ
والمكان وتجرى أموره مع ذلك على سنن لا تحويل لها ولا تبديل (1) فاهتدى من سنن الله فىالكون إلى بارئه ومصوره . سواء عند هذين أكانت الخوارق أم لم تكن (2)بل هما لا يفكران فى هذه الخوارق على أنها من آيات فضل الله .ومثل هذا الإيمان يراه الكثيرون من أئمة المسلمين مثلا أسمى فى الإيمان . ويذهب بعضهم كذلك إلى أن الإيمان الصحيح يجب أنلا يكون مصدره خوفا من عقاب الله أو طمعا فى ثوابه بل يجب أن يكون إيمانا خالصا بالله وفناء تاما فيه".
أقول من الغفلة أو التغافل أن يُبحث عن إيمان كإيمان أبى بكر فى العصرين الذين يساومننا ويشترطون فى إيمانهم بالله وبالقرآن أن لا يعترفوا بمعجزات تخرق سنة الكون(3) كأن الله غير قادر على خرقها ، أو كأنه لم يكن هو الذى سنها ،وإنما هى طبيعة
--------- هامش ص 115--------
(1) ما قاله من النظر فى خلق الله هذا الكون الجارى على سنته إنما ينفع إيمان الرجل بالله خالق الكون لا فى إيمانه بهذا الدين أى الإسلام ، وقد قلنا فى أوائل هذاالكتاب : إن سنة الكون ونظامه العام دليل على وجود ، وخرق تلك السنة يكون دليلا على وجود أنبيائه ، والدين المتضمن للتكليف من الله إنما يكون مبدؤه الإيمان بالنبى لا الإيمان بالله فقط . فمعالى الباشا الذى أراد تحليل إيمان الرجل الثانى بدين الإسلام من غير حاجة منه إلى التصديق بشئ من الخوارق ، لم يوفق لذلك . فماذا سبب إيمان هذا الرجل ببنى الإسلام بعد إيمانه بالله ؟ فإن قال سبب إيمانه به القرآن وفرضنا أنه يفهم إعجاز القرآن قلنا إن القرآن أيضا من الخوارق فلو لم يكن خارقاً لسنة الكون لما كان معجزة ولم يعجز الناس عن الإتيان بمثله .
(2) يكاد الباشا يقول : " وسواء كان النبى أو لم يكن " ولا يعتذر عنه بأنه لا يقول ذلك لأنه إذا لم يكن النبى فمن يدعو الرجل الأول إلى الإيمان ؟ لأنا نقول فى جوابه ومن أين يعلم أن الداعى نبى من أنبياء الله إذا لم تكن معه علامة لنبوته ورسالته من الله؟ وهى المعجزة الخارقة . فالذين لا تعجبهم المعجزات يظنون أن أنصارها يلتزمون وجودها مع النبى من غير حاجى إليها لا من النبى ولا من الذين أرسل إليهم.
(3) وقد قال معاليه عن أبى بكر فى كتابه فى مبحث الإسراء :"مالبث محمد حين حدثهم بأمر إسرائه أن ساور أتباعه والذين صدقوه أنفسهم بعض الريب فيما يقوله . وقال كثيرون والله إن العير لتطرد شهراً من مكة إلىالشام مدبرة وشهراً مقبلة أيذهب محمد ذلك فى ليلة واحدة ويرجع=
انتهى الهامش
ـــــــــ ص 116ــــــــــــ
الكون، كما قال بذلك كاتب المقالة من باريس التى نالت الجائزة الأولى من لجنة المباراة الصحفية بالقاهرة والتى مرّ الكلام عليها فى الجزء الأول تحت رقم 6 وهم لا يزالون فى إيمانهم بالله وبالقرآن طبيعين ، وكأن القرآن لا يعترف مثلَهم بتلك المعجزات الخارقة الظاهرة ولو على أيدى الأنبياء السابقين ، وكأنها رغم شهادة القرآن بها ليست معجزات معقولة مقبولة عند أصحاب العقول الراجحة ، أو كأن الإيمان بالقرآن جملة مع عدم الاعتراف ببعض ما فيه ، يعتبر إيمانا ويكفى فى دين الإسلام ، وكأنى بمعاليه يفتى فى كل ذلك بالجواز وتدور فتاواه وهو" بل هما لا يفكران فى هذه الخوارق إلا على أنها من آيات فضل الله " فغاية ما يفهم منه أن معاليه متردد فى هذه المسائل لم يستقر رأيه على شئ كما يقال عن المفتى المتردد فى الفتوى :"إنه يقدم رلا ويؤخر أخرى " ومع هذا الاضطراب فى الرأى فهو أميل إلى نفى الخوارق منه إلى إثباتها تمسكا بسنة الكون المؤيد بالعلم وبصراحة القرآن القائلة :" فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ". لأنه إذا كانت هذه الصراحة القرآنية مانعة من الخوارق لزم أن تقع أنباء القرآن عن معجزات الأنبياء السابقين مثل إبراهيم وموسى وعيسى وصالح وسليمان وغيرهم صلوات الله عليهم ، تحت شبهة الكذب والوضع كالأنباء المروية فى كتب السيرة والحديث عن معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم على رأى معاليه ، أو تكونَ الآيات الواردة فى القرآن الناطقة بأنباء معجزات الأنبياء آيات متشابهات غير مفهومة
------- هامش ص 116---------------
= إلى مكة وارتد كثير ممن أسلم وذهب من أخذتهم الريبة فى الأمر إلى أبى بكر وحدثوه حديث محمد فقال أبو بكر إنكم تكذبون عليه قالوا بلى هاهو ذاك فىالمسجد يحدث الناس قال أبو بكر لئن كان قد قاله لقد صدق إنه ليخبرنى أن الخير ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض فى ساعة من ليل أو نهار فأصدقه فهذا أبعد مما تعجبون منه".
فهل أبو بكر الذى شبه به معاليه أحد رجلين مستغنيين فى إيمانهما عن الخوارق المخالفة لسنة الكون لما سمع حديث الإسراء آمن به ؟ أم لم يؤمن وقال لا حاجة لى فى إيمانى إلى هذه الخارقة المخالفة لسنة الكون
انتهى الهامش
ــــــــــ ص 117ـــــــــــ
كما قال الأستاذ فريد وجدى بك وإن كان القرآن ينادى بقوله " لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذى بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى رحمة لقوم يؤمنون".
معالى مؤلف "حياة محمد" لم يكن مبتكرا فى الاستدلال بقول الله تعالى " فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا " على نفى المعجزات الكونية وإثبات مذهب الطبيعيين، بل اكتشفه قبله من اكتشفه من المستشرقين ومن علماء الدين بمصر الذين ديتهم تهيئة الأدلة المتمشية مع أهواء المتعلمين العصريين . لكن المراد من الآية ليس كما يظنون ، وإنما هى مبنية لسنة الله فى أمم بعث فيهم أنبياء وأيدهم بالمعجزات فعصوهم وكذبوهم . وسنة الله إنزال العذاب عليهم كما قال الله تعالى " ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم لهم المنصورون وإن جندنا وإن جندنا لهم الغالبون فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين " وهذاالمعنى فى الآية التى تمسك بها هيكل باشا ومن تقدمه ، يدل عليه ماقبل الآية فى سورة الملائكة :
"وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير مازادهم إلا نفورا استكباراً فى الأرض ومكر السئ ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ".
وما قبلها فى سورة الأحزاب :"لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاوروونك فيها إلا قليلا ، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ، سنة الله فى الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا
وما قبلها فى سورة الفتح :" ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون
ــــــــــــــــ ص 118ــــــــــــــــــ
ولياً ولا نصير ا سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ".
وفى سورة الإسراء :" وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا".
وكيف يمكن أن يكون معنى الآيات كما ظنوه فيكْذب فيما قاله فى آخر سورة يوسف " لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ماكان حديثا يفترى ".
أما القول بوجوب أن لا يكون مصدر الإيمان الصحيح خوفا من عقاب الله أو طمعا فى ثوابه وكذا القول بكون مرتبة هذا الإيمان دون مرتبة الإيمان الخالص ، فقد أراد به معالى الباشا أن يُدخل فى مبحث الإيمان بسبب المعجزات مسألة ً عصرية أخرى ، وهى انتقاد العقلية القديمة الإسلامية الداعية إلى مخالفة الله ، وإن كانت لا تبدو المناسبة بين مسألة المعجزات الخارقة لسنة الكون وبين مسألة الإيمان بالله بدافع الخوف من عذاب الله أو الطمع فى ثوابه ، بل وإن كان فى تطبيق هذين الدافعين على مسألة الايمان بالله شئ من عدم الانطباق ، إذ الإيمان غنما ينبغى على عقيدة كون الشئ حقا ، والعقيدة نفسها تقوم على أسباب حقيقية تختلف باختلاف متعلقها أو على تقيد محض ، وليس بين أسباب كون الشئ حقا خوف المعتقد من الشئ الذى يعتقد ه ، فبناء على هذا لا يتصور أن يؤمن أحد بالله خوفا من عذابه وإنما يتصور الخوف من عذاب الله بعد الإيمان بالله ، فلم يكن المؤلف محسنا فى وضع المسألة التى أراد انتقادها ، وإنما يعقل أن تكون الطاعة لله خوفا من عذابه أو طمعا فى ثوابه موضع البحث لا الإيمانُ به .
وعلى كل حال فإن انتقاد الإيمان بالله أو الطاعة له خوفا من عذابه وانتقاص َ هذا الإيمان أو الطاعة ينافى مسلك القرآن فى مدح الخائفين من الله ، مسلكه البارز فى آيات كثيرة لا تحصى لكثرتها كقوله " ولمن خاف مقام ربه جنتان " وقوله" ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون " وقوله "إنما المؤمنون الذين إذا
ــــــــ ص 119ــــــــــــــ
ذكر الله وجلت قلوبهم " وما حث الله عبده المؤمن فى كتابه على كل شئ كحثه على تقوى من الله وما أكثر من الأمر بشئ إكثارهَ فى الأمر بالتقوى التى هى مخافته كقوله "واتقوا الله لعلكم تفلحون" وقوله " وتزوَّدوا فإن خير الزاد التقوى واتقونِ يا أولى الألباب "(1) كما أنه لم يكرِّم مرتبة عنده لعباده تكريمه لمرتبة التقى فقال :" إن اكرمكم عند الله أتقاكم" وقال النبى صلى الله عليه وسلم " أنا أخشاكم لله وأتقاكم له " وماذا قد يكون الإيمان الخالص عند غير المعترفين بالكمال للإيمان الصادر من القلب التقى المشحون بمخافة الله؟ فهل هو إيمان عبده به من غير مخافته ؟ ولا يعقل إيمان مجرد من كل دافع ، حتى انهم إن قالوا نؤمن حبا فهو أيضا ليس بإيمان خالص مجرد من كل دافع . على أن التعليل لا ينتهى فى الحب لأنه أيضا يحتاج إلى علة دافعة إليه . فإن كان أساس العلل عظمة الله فعلاقتها بالمهابة والمخافة والإجلال أولى وأقوم من علاقتها بالمحبة ، ولأن المخافة والإجلال أحرى بموقف العبد.
فقد وجدنا المصدر الحقيقى للايمان بالله وهو إدراك عظمته واستحقاقه للمعبودية .
وأول ما يحصل بتأثير هذا الإدراك فى نفس الإنسان هو تصاغره بين يدى ذلك العظيم وتذلله (2) وتخشعه له ومخافته منه تصاغرا وتذللا وتخشعا يوشك معها أن يرى محبته فوق حد العبد وأدبه مع مولاه . وفى " أساس البلاغة " للعلامة الزمخشرى "الإيمان
-------- هامش ص 119--------------
(1) انظر كيف يخص الله تعالى أولى الألباب بالدعوة غلى مخافته فى حين أن العصريين الذين يعتبرون أنفسهم عقلاء من لاطراز الأول يعدونها منقصة .
(2) لو كان الأستاذ فرح أنطون منشئ مجلة " الجامعة" الذى ناظر الشيخ محمد عبده وانتقد على القرآن تعبيره عن بنى آدم بعباد الله كما سبق ذكره فى مقدمة الباب الأول ( الجزء ا لثانى رقم 52) حيا واطلع على كلمتى هذا لقال :"ماهذا التصاغر والتذلل المنافى لكرامة لإنسان ؟" ولا يعرف لذه التذلل لله والشرف الذى فيه إلا الأحرار الحقيقيون لاذين يأبون التذلل لملوك الدنيا والتصاغر بين أيديهم والذين يعرفون الله كما قال تعالى ( إنما يخشى الله من عباده العلماء).
انتهى الهامش
ـــــــــــ ص 120ـــــــــــ
هيوب" (1) وليس يلازم أن تكون مخافته من عذابه كما صوروا المسألة قصدا لا نتقاد مخافة الله وانتقاص أهميتها بل المخافة من الله نفسِه كما قال عز من قائل " ويحذركم الله نفسَه " وهى تنطوى على المخافة من عذابه أيضا كما تنطوى هذه المخافة الناشئة من إدراك عظمته ، على محبته ، إلا أن المحبة لله العظيم لا بد أن تغمرها الرهبة والمهابة ، ومن هذا قال سبحانه وتعالى " فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ".
فمقتضى العقل أن تُاب القوة التى تسيطر على جميع القوى ثم تُحَبَّ لكونها فوق الجميع . ومن هذا لا يتصور الظلم من الله فيكون كل ما يفعله حقا وعدلا وحكمة . والقوة تزداد اقترابا من الحق كلما ازدادت كبرا واتساع َ نطاق ، فتعتبر الغلبة بين الدولتين المتحاربتين استحقاقا للجانب الغالب على المغلوب ، ولا توجد محكمة تفصل بين الظالم والمظلوم فى مثل هذه المسائل ، بل يُعترف بالحق للغالب بمجرد غلبته ، فتعتبر قوة السيف حقا مسلما به ، وتكون معاهدات الصلح بعد الحرب وثائق حقوق للقاتل على المقتول ، على عكس ما إذا كانت حادثة القتال بين الأفراد . لكن هذا الحق المبنى على الغلبة فى الحرب بين الدولتين اعتبارى وقتى لا حقيقى ودائمى ، لا حتمال أن تنهض الدولة المغلوبة فى المستقبل فتتغلب على الغالب الأول فينتقل الاستحقاق إلى جانبها فى استرداد ما أخذ منها والاستيلاء على مازاد عليه ، أو لاحتمال أن تقوم قوة ثالثة فتقهر الجانبين وينتقل حق الاستيلاء إليها ، وهكذا يدور هذا الحق الاعتبارى الوقتى مع الأقوى الوقتى فالأقوى من الأقوى حتى إذا انتهت إلى قوة لا قوة فوقها وهى قوة الله أصبحت القوة عند ذلك عين الحق .
ففى الإمكان أن لا يحب الصغير المقهور الكبير القاهر ، وليس فى الإمكان أن لا يخافه حتى إنه لا يكون فى الإمكان أن لا يحبه أيضا إذا كانت محبته مبنية على مخافت
----------- هامش ص 120--------
(1) ثم وجدت هذاالقول فى الفائق " للزمخشرى أيضاً ، منسوبا إلى ابن عباس رضى الله عنهما .
انتهى الهامش
صفحة 121
التى لا تفارقه. ولا تحسبوا أن هذه المحبة لا تكون صميمية لأن المقهور من جميع الوجوه لا يسعه إلا أن يحب قاهره ولا يسعه إلا أن يكون صميما في محبته وإلا يلزم أن لا يكون القهر تاما وهو خلاف المفروض. فكل أحد وكل شىء إذا خفته هربت منه إلا الله تعالى لأنك إذا خفته هربت إليه فالخائف من ربه هارب إلى ربه. وإليه يشير قوله تعالى "ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين" وقوله صلى الله عليه وسلم (لا ملجأ ولا منجا إلا إليك).
وقد أطلت هذه المسألة التي دخلت فيها عرضا وتبعا لدخول مؤلف كتاب "حياة محمد", ومع هذا فهي كانت حرية بالتدقيق لأهميتها, ولما كنت أدري من زمان أنها من مزالق المقليات الجديدة المتصورة في مخافة الله منقصة, وفي محبته غني عنها ورجحانا عليها أو المتصورة تنافيا بينهما. وكنت كتبت هذه المسألة في كتاب ألفته باللغة التركية لما كنت في بلادي قبل ثلاثين سنة وأوردت فيه قول الشاعر:
وأبكى لنفسي رحمة من عتابها ويبكي من الهجران بعضي على بعضي
واني لأخشاها مسيئا ومحسنا وأقضي على نفس لها بالتي تقضي
وإذا كان هذا شعور إنسان رقيق الحس ومهذب نحو إنسان يحبه ويتفاني في حبه فكيف ينبغي أن يكون شعوره نحو ربه العظيم. ولعل الفكرة الغربية المتجهة إلى عدم التقدير لمرتبة مخافة الله السامية في الإسلام وفي نفس الأمر قدرها, تسربت في عقول بعض المسلمين تقليداً للمسيحيين بواسطة تقليد الغرب المسيحي وتقليداً لمتصلفة الصوفية. ومن المعلوم أن إله المسيحيين رحيم فقط وليس بعزيز ذي انتقام, حتى أنه افتدى منفسه عندهم في العفو عن ذنب البشر وكان الذنب عظيما جدا فناسب أن يضحى المجني عليه بنفسه ليعفو عن الجاني صاحب الذنب. ولا يمكن أن تكون فكرة في الدنيا معكوسة إلى هذا الحد, فالله يرحم البشر ويعفو عنهم ولا يرحمه البشر ويعفون عنه وكيف يعفون عنه ولا ذنب له وإنما الذنب ذنبهم والمذنب يعفى عنه ولا يعفى عن
صفحة 122
الذي لا ذنب له وإنما أذنب عليه, فيجعلونه فداء يفتديهم ويجزى نفسه بذنوبهم جزاء دونه جزاء سنمار "إن الإنسان لظلوم كفار".
هذا تحليل مسألة الخوف من الله فكأن الذين لا يرونه متناسبا مع مقام الألوهية والعبودية من النصارى يرون خوف الله من الإنسان أنسب من عكسه. والمتصوفة الوجودية لا يفرقون بين الله وما سواه فلا محل للخوف!!.
وجوابي للذين لا يعجبهم إيمان المؤمن -أو بالأصح طاعة المؤمن- طمعا في ثواب الله: أن الأعتراض على من أطاع الله طمعا في ثوابه يتضمن الأعتراض على قوله تعالى: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" وقوله مشيراً إلى نعيم الجنان المشاد بذكره في الآيات المتقدمة: "لمثل هذا فليعمل العاملون" وقوله "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" وقوله في وصف المؤمنين "تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً" وقوله: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمة الله قريب من المحسنين" فالله تعالى في الآية الأخيرة يأمر بدعائه خوفا وطمعا ويسمى الداعين له خوفا وطمعا محسنين والذين أناقشهم لا يعجبهم الخوف ولا الطمع فينهون الناس عنهما فأي القولين أحق أن يتبع؟.
-7-
السابع أصحيح أن في القرآن ما يمنع وجود المعجزات لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما ادعاة مؤلف كتاب "حياة محمد" واتخذ منه مقياسا يرفض به كل ما في كتب الحديث والسيرة من أنباء معجزاته الكونية؟.
هذه الدعوى يبينها منكرو المعجزات الكونية لنبينا على نوعين من آيات القرآن, فأولا يبنونها على ما يتكرر ذكره في سور مختلفة من أنه لا تبديل لسنة الله ولا تحويل, فيحملون سنة الله هذه على سنته في الكون التي يسمونها القوانين الطبيعية
صفحة 123
الستنبطة من نظام العالم، و يقولون أو بالأصح يريدون أن يقولوا : "كما أن المعجزات الكونية لا يقبلها العلم لكونها مخالفة لسنين الكون أى القوانين الطبيعية، لا يقبلها كتاب الله أيضا فيصرح فى آيات عدة أن لا تبديل لسنة الله، و قد سبق الجواب عنه، و أنه إن كانت تلك الآيات مانعة عن المعجزات الكونية فلا يخص منها بمعجزات نبينا بل يعم معجزات الأنبياء كلهم المقصوص أنباؤها مفصلة فى القرآن.
و ثانيا يبنون دعوى كون القرآن يمنع وجود معجزات كونية لنبينا على ما يحكى فى آيات كثيرة من أن المشركين كانوا يقترحون على النبى صلى الله عليه و سلم أن ينزل الله عليه آية أى معجزة ليؤمنوا بنبوته فيكون الجواب أن الآيات عند الله و إنما النبى بشر مثلهم أرسل إليهم لينذرهم.
فرأى المستشرقون هذه الآيات(1) و انتهزوا من وجودها فى القرآن فرصة القول بأن محمدا لم تكن له معجزة مثل معجزة موسى و عيسى، و مرادهم من هذا القول أن محمدا لم يكن نيبا، و رآها كثير من المتعلمين بمصر تعلما عصريا يدفعهم إلى التمويل على أقوال علماء الغرب المستشرقين أكثر منه على أقوال علماء الشرق أئمة الإسلام، و رآهم ثم تابعهم من علماء الدين فى الأزمنة الأخيرة التى طرأ فيها الضعف على الإسلام و علمائه، من حدثهم أنفسهم أن يكونوا أئمة كما كان السلف رضوان الله عليهم فابتدعوا إمامة يتبع فيها الإمام المأموم!!
رأى هؤلاء و هؤلاء النقص الذى رأى المستشرقون فى الإسلام، نقص المعجزات و نقص التضاد بين الكتاب و السنة فى مسألة المعجزات الكونية نفيا و إثباتا، لكن الرائين المسلمين كمالم يفكروا فى أن السلف الصالح من رواة الأحاديث و جامعينا المتثبتين
هامش الصفحة رقم 123
[1] التى منها ما أورده مؤلف "حياة محمد" و نقلنا عنه سابقا من قوله تعالى "و قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل و عنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتى بالله و المائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى فى السماء و لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا".
صفحة 124
كالإمام البخارى ومسلم ومالك وأحمد وغيرهم ورواتهم من الثقات البالغ عددهم عشرات الألوف، كانوا أكثر قراءة للقرآن واطلاعا على آياته من مستشرقى الغرب ومن أنفسهم أتباع أولئك الغربيين فى الشرق من الكتاب والعلماء، فكيف فاتتهم كلهم رؤية هذا التضاد بين القرآن وأحاديث المعجزات التى رووها وأثبتوها فى كتبهم....
كما لم يفكر راءو التضاد من المسلمين فى هذا، لم يفهموا مغزى رؤية الرائين الأجانب فحاولوا أن ينتصروا لدينهم ويتداركوا نقص التضاد بين الكتاب والسنة فى أمر المعجزات بالطعن فى صحة نسبة السنة، ونقص المعجزات الكونية فى نبىً الإسلام،بالطعن فى تلك المعجزات نفسها وإسقاط أهميتها فى تأييد النبوة على الرغم من ظهورها على أيدى الأنبياء المتقدمين، حتى قال الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة((المنار))عند دفاعه عن معالى هيكل باشا وتصويبه فيما فعله فى كتابه من إخلاء حياة نبينا عن المعجزات الكونية:(( إن الخوارق الكونية شبهة عند علماء العصر لا حجة لأنها موجودة فى زماننا ككل زمان مضى وإن المفتونين بها هم الخرافيون)) .
القول بأن المعجزات الكونية شبهة لا حجة الذى عزاه الشيخ رشيد إلى علماء العصر الغربيين هو مذهب الشيخ نفسه أيضا لأنه اعتمد فى دفاعه عن كتاب هيكل باشا عليهم واعتبر قولهم حجة حين لا يعتبر معجزات الأنبياء الكونية حجة ولا تعبير القرآن عن تلك المعجزات تارة بالحق وتارة بالبينات وتارة بالآية الكبرى وتارة بالسلطان وتارة بالبرهان وتارة بالفرقان،حجة فى أنها حجة: قال تعالى:(( فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا)) وقال:((ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات)) وقال:(( ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات)) وقال:(( وآتينا عيسى بن مريم البينات)):((وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون)) وقال:((وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ياموسى أقبل ولا تخف إنك من
صفحة 125
الآمنين اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملإيه)) وقال:( فأراه الآية الكبرى))وقال:(( وفى موسى إذا أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين)) .
وقال هذا الشيخ فى كتابه (( الوحى المحمدى)) ص 46 (( وأما تلك العجائب الكونية فهى مثار شبهات وتأويلات كثيرة فى روايتها وفى صحتها وفى دلالتها(1) وأمثال هذه الأمور تقع من أناس كثيرة فى كل زمان، والمنقول منها عن صوفية الهنود والمسلمين أكثر من المنقول عن العهد العتيق والجديد(2) .
فكأن الشيخ ذكر فى كتابه أمثلة مما يأتى به الصوفية الهندوس وفيها إحياء الموتى، يسعى فى مقابل ما يدعيه المستشرقون أعداء الإسلام من أن محمدا لم يأت بمعجزة كما أتى موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء، يسعى لأن يدعى فى مقابل ذلك أن معجزات أولئك الأنبياء لم تكن بمعجزات. ويقرب منه ما قاله هيكل باشا:(( إن القرآن ذكر المعجزات التى جرت بإذن الله على أيدى من سبق محمدا من الرسل كما
هامش الصفحة 125
[1] يظهر من هذا أن كل ما ادعى هيكل باشا فى مقدمة الطبعة الثانية لكتابه متجرئا على كتب الحديث والسيرة فإمامه فيه الشيخ رشيد. ومن غريب المصادفة أنه ورد فى أثناء كتابة هذه السطور عدد مجلة(الفتح) الإسلامية 655 فقرأت فيه مقالة للأستاذ الكبير صاحب المجلة يعد فيها كفريات غلام أحمد القاديانى وبينها قوله :( قد أعطانى الله اختبارٍاً كاملا لأن أقبل الأحاديث الموافقة لإهامى وأردها إذا خالفت آرائى) وقوله عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (( ما صدر عنه معجزة واحدة فضلا عن معجزات) .
(2) كما لا يقدح فى الأحجار الكريمة والجواهر الفاخرة ولا ينقص من قيمتها الغالية، وجود زيوف تشابهها وتلتبس مع أصولها الحقيقية فى أعين الغافلينوأنظارهم الحمقى، كذلك لا يقدح فى آيات الله التى أظهرها على أيدى من اصطفاهم للرسالة إلى الناس، وجود مشعوذين من أهل السحر والدجل .ولماذا لم يعتبر الشيخ من سحرة فرعون الذين لما رأوا عصا سيدنا موسى تلقف ما يأفكون خروا سجدا وقالوا آمنا برب موسى وهارون حين لم يؤمن فرعون قائلا إنه لكبيركم الذى علمكم السحر؟ فكان ينبغى للشيخ أن يعتبر ويتعلم من سحرة فرعون تمييز المعجزة من الشعوذة بدل أن يتعلم فرعون التسوية بينهما.
صفحة 126
أنه جرى باكثير مما أفاء الله على محمد وما وجه الخطاب فيه. وما ورد فى الكتاب عن النبى العربى لا يخاف سنة الكون فى شئ)) فكأن ما ذكر القرآن من معجزات الأنبياء السابقين معيبة بمخالفة سنة الكون حين لا يوجد هذا العيب فى معجزة نبينا التى هى القرآن، وعيب ما يخالف سنة الكون عندهم أنه لا يكون ولا يقبل العلم أنه يكون. ولا يغرنك قول الباشا( إن القرآن ذكر المعجزات التى جرت بإذن الله على أيد من سبق محمدا من الرسل) لأنه لو وقعت تلك المعجزات رغم مخالفتها لسنة الكون لم يذكر مخالفتها لها كعيب تنزهت عنه معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم، بل لزم أن يكون وقوعها خارقة لسنة الكون ميزة لها على المعجزة التى لا تخرق سنة الكون، لأن المعجزة التى تقع وتخرق بوقوعها سنة الكون لابد أن تكون أقوى من التى لا تخرق، فظهر أن مخالفة المعجزة لسنة الكون فضل لها لا عيب ونقص، وإذا كان فى الخارقة من حيث أنها خارقة عيب فلابد أن يكون عيبها فى عدم وقوعها.
فلماذا إذن ذكرها القرآن وأكبرها؟ .. وترى الباشا يقابل ما ذكره القرآن للأنبياء المتقدمين من الخوارق، بما ذكره القرآن لمحمد صلى الله عليه وسلم من الانتصار فى الحروب . فماذا تفهمون من هذه المقابلة؟ اليس الفرق فيما بينه وبينهم صلوات اللهوسلامه عليهم كلهم أن القرآن نوه به بما يكون ونوه بهم بما لا يكون ؟ ..
عجيب هذا الجدال المحدث بين المستشرقين غير المسلمين والمستغربين المسلمين المبنى على تعصب كل من الطرفين لدينه على دين الطرف الآخر: فالمستشرقون يعيبون الإسلام بأن نبيه لم يأت بمعجزة وعجز عن الإتيان بها حين قيل عنه:(فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ) وهم لا يعدون القرآن معجزة وإن لم يقولوا عنه كما قال مشركو مكة المقترحون على النبى صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية كما أرسل الأولون:( أضغاث احلام بل افتراه بل هو شاعر) ، والمستغربون الغافلون يقابلون اعتداء المستشرقين، بالاعتداء قائلين: إن معجزات المرسلين الأولين لم تكن جديرة بأن تعد معجزات
صفحة 127
للأنبياء لأنها موجودة فى زماننا ككل زمان مضى وأن المفتونين بها الخرافيون وامنقول منها عن صوفية الهنود والمسلمين أكثر من المنقول عن العهد العتيق الجديد.
وأنا اقول عنهم :( المستغربون) لكونهم صدًقوا دعوى الغربيين أن لا معجزة لمحمدغير القرآن غير القرآن نفسه وما ورد فى كتب الحديث والسيرة عن معجزاته مكذوب عليه، وأقول عنهم :(الغافلون) لكون اعتدائهم المقابل عن المستشرقين يتضمن الاعتداء على القرآن أيضا .
وقال الشيخ رشيد أيضا :( إن آيات المرسلين لم يؤمن بها ممن شاهدها إلا المستعدون للإيمان بها وأن فرعون وقومه لم يؤمنوا بآيات موسى وأن اكثر بنى إسرائيل لم لم يعقلوها وقد اتخذوا العجل وعبدوها بعد رؤيتها ورؤية غيرها فى برية سينا .
وقال اليهود فى المسيح لولا أنة رئيس الشياطين لما أخرج الشيطان من الإنسان وقالوا إن إبليس يفعل أكبر من فعله، وقد كان أكثر من آمن بتلك الآيات إنما خضعت أعناقهم واستخذت أنفسهم لما لا يعقلون له سببا، وكان أضعاف أضعافهم يخضع مثل هذا الخضوع نفسه للسحرة والمشعوزين والدجالين ولا يزالون كذلك. ونقلوا عن المسيح أنة قال:( الحق أقول لكم ليس كل نبى مقبول فى وطنه)(1) وجعل يعنى المسيحالقاعدة لمعرفة النبى الصادق تأثير هدايته فى الناس لا الآيات والعجائب فقال ( من ثمارهم يعرفونهم ) ومن استقر تواريخ الأمم علم أن أهل الملل الوثنية أكثر اعتمادا على العجائب من أهل الأديان السماوية ورأى الجميع ينقلون منها عن معتقديهم من
هامش الصفحة رقم 127
(1)الظاهر من هذه الجملة رفع الإيجاب الكلى بمعنى أن بعض الأنبياء مقبول فى وطنه لا كلهم،مع أن الذين ينقلون هذا القول عن المسيح عليه السلام يريدون السلب الكلى. فلو قال( ليس نبى مقبول فى وطنه) بدون(كل) لكان أوفق بالمعنى المقصود الذى هو عموم النفى مدلولا عليه بنكرة فى سياق النفى. لكن الشيخ أو من نقل عنه أتى بالكل على ظن أنه أدل على العموم .فأفسد المعنى وقلبه من عموم النفى إلى نفى العموم.
صفحة 128
الأولياء والقديسين أكثر مما نقلوا عن الأنبياء والمرسلين وأن أكثر المصدقين من الخرافين).
وأنا أقول:فى هذا البيان إيهام أن المعجزات الكونية أظهرها الله على أيدى رسله عبثا لأنها لن تنجح فى تأييد رسالتهم ولم تكن خير وسائل إلى اقتناع الناس بصدقهم ولو بقدر اقتناعهم بصدق السحرة والمشعوزين والدجالين فى دعاويهم، فكأن الله تعالى ما أصاب -والعياذ بالله -فى اختيار المعجزات لأنبيائه إلا فى معجزة القرآن التى تخاطب العقول والإفهام، مع أن قول الشيخ:( إن آيات المرسلين لم يؤمن بها ممن شاهدوها إلا المستعدون للإيمان بها) يجرى فى كل معجزة ولا يغرب عنه معجزة القرآن .
فالمعجزة مطلقا لا يؤمن بها إلا المستعدون للإيمان، وهم الذين شاء الله هدايتهم لا الذين قالوا مثلا:( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) ولا الذين جعل الله على قلوبهم أكنة أن يفقهوه الذين قال الله فيهم(كذلك نسلكه فى قلوب المجرمين لا يؤمنون به(أى بالذكر الحكيم) وقد خلت سنة الأولين) فشيه الذين لا يؤمنون بالقرآن بالذين لم يؤمنوا بمعجزات الأنبياء الماضين. ولقد أخطأ الشيخ فى احتقار المؤمنين بالأنبياء المتقدمين بسبب معجزاتهم الكونية التى سماها (عجائب) فاستهان بها أيضا، بأن أكثرهم من الخرافين، فكأنه قال آمن بهم السذج ولم يؤمن أصحاب العقول الراجحة مع أن رجحان العقل وخفته يجب أن يوزن بميزان الإيمان بالنبى الحق وآياته التى هى آيات الله والإعراض عنه، فمن آمن فهو أعقل الناس ومن كفر فهو أغباهم وأجهلهم(1)
هامش الصفحة رقم 128
(1) والشيخ رشيد رضا فيما شذ وخالف فيه علماء الإسلام، محمدا عبده، وكذاالأستاذ الأكبر المراغى شيخ الأزهر السابق الذى كان هوأيضا تلميذ محمد عبده مثل الشيخ رشيد،ولذا قال هيكل باشا بعد نقل كلمات الشيخين فى تأييد كتابه وهو يقدم طبعته الثانية ص 53 :
( وقال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فى أول كتاب ( الإسلام والنصرانية):( فالإسلام فى هذه الدعوة والمطالبة بالإيمان ووحدانيته لا يعتمد على شئ سوى الدليل العقلى والفكر الإنسانى الذى يجرى على نظامه الفطرى، فلا يدهشك بخارق العادة، ولا يغشى بصرك بأطوار غير معتادة=
صفحة رقم 129
الحاصل أن فى معجزات الانبياء عليهم السلام دلالة كافية على صدقهم فى دعوى النبوة للذين شرح الله صدورهم للإيمان، ولا يقدح فى قيمة المعجزات ظهور أشباهها الزائفة فى أيدى السحرة والمشعوزين، ولذا لم يمنع هذا التشابه سحرة فرعون عن الإيمان بمعجزة موسى . ولا يقال إن السحرة كانوا عارفين بالفرق بين المعجزة والسحر بفضل معرفتهم بالسحر، ولم يؤمن فرعون لعدم معرفته بهذا الفرق المتوقفة على معرفة السحر،
هامش الصفحة رقم 129
=و لا يخرس لسانك بقارعة سماوية، و لا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية...إلى آخر ما قال: ((لا يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل ولا من الكتب المنزلة، فإنه لا يعقل أن تؤمن بكتاب أنزله الله إلا إذا صدقت قبل ذلك بوجود الله وبأنه يجوز أن ينزل كتابًا أو يرسل رسولا)).
فهؤلاء الشخصيات الثلاث ينتهي إليهم كل شذوذ و زيغ في الدين بمصر في عصر التجديد، و قد اجتمعت أسماؤهم حول الدفاع عن كتاب هيكل باشا و أصبحت مستنده في إخلاء حياة نبينا من المعجزات.
و قول الأستاذ الإمام عن الإسلام في هذا النقل: ((إنه لا يدهشك بخارق العادة)) يذكرنا قول الأستاذ المراغي: (( و ما أبدع قول البوصيري: لم يمتحنا بما تعيا العقول به الخ )).
و القارئ الذي يرى في مختم النقل نص الأستاذ الإمام على وجوب الإيمان بإنزال الكتاب و إرسال الرسول بجانب الإيمان بالله...يراه عالما بأن إنزال الكتاب و إرسال الرسول من خوارق العادة التى لا يدهشك الإسلام بها على قول الأستاذ الإمام فى النقل نفسه، فيندهش من هذا التناقض ويعده غفلة عظيمة من الناقل وامنقول عنه، حتى إت القرآن خارق للعادة مرتين: بإنزاله وإعجازه،وإن كان أقطاب المعجزات يغفلون عن كونه أى القرآن خارقا، فلا ينكرونه. وما نسينا كون أحد الأقطاب الثلاثة أتى ببيت من قصيدة البوصيرى شاهداً على نفى الخوارق من حياة نبينا وغافلا عن أبيان أخرى من نفس القصيدة مفعمة بخوارقه صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان مبلغ الغفلة لأقطاب الشذوذ من علماء مصر، بهذا الحد الذى لفتنا اليه تراءى لنا أن كون مؤلف (حياة محمد) وأشباهه من الكتاب تابعين فى إنكار المعجزات لشذوذ العلماء المتكتلين حول الشيخ محمد عبده، ليس بأولى من عكسه الذى يجعل الإمام مأموما وينقل الإمامة فى مبدأ إنكار معجزات الأنبياء لاسيما معجزات نبينا صلوات الله عليه، إلى المستشرقين أعداء الدين الذين هم المراجع الأولى لأمثال الدكتور هيكل، ثم يلتحق بيهم العصريون من علماء الدين بمصر، وقد أشرنا من قبل أيضاً إلى رجحان هذا الاحتمال فى ترتيب التابع والمتبوع.
(9-موقف العقل-رابع)
صفحة 130
إذ لا عذر له فى عدم المعرفة بعد معرفة العارفين، ولأن المؤمنين بموسى لم يكن كلهم سحرة،حتى يعذر فرعون بعدم معرفته المعجزة من السحر. والذين ينتقدون الخوارق الكونية من معجزات الأنبياء ثارة بحجة التباسها بأعمال السحرة وتارة بعدم كونها ضامنةلإيمان الأمم إليها،فقد تعدوا بالمعجزات حدودها، وطالبوا الأنبياء بمعجزات ملجئة لا تتفق مع اختيار الكلفين،وتجعل الإيمان بالغيب معاينة لا يبقى معها امتياز المؤمن على الكافر بل يضطر الجميع عندها إلى الإيمان. وليس لنا أن نشترطفى نصاب دلاله البراهين العقلية على وجود الله، ومع هذا لا تؤثر تلك البراهين فى قلوب الملاحدة الضالين.
فهل يحد ذلك من قيمتها عند ذوى العقول السليمة؟
وإنىأرى الشيخ رشيد الذى يقيس قيمة المعجزات بمقياس عدد الذين آمنوا بها ثم ينتهى منه إلى فشل معجزات الرسل الأولين، فى غفلة عن الكثرة الهائة التى نواجهها من أتباع الدين المسيحى الذين تغلبوا فى وجه البسيطة،حتى أستطاعوا أن يحولوا بين طائفة من علماء المسلمين وكتابهم وبين دينهم وعقولهم، فجعلوهم ينكرون معجزات نبيهم الكونية ويرتابون فى أحاديثه المروية عنه فى كتب الحديث ويطعنون فى قرآنهم على ظن أنهم يطعنون فى معجزات الأنبياء المتقدمين،مع أن تلك المعجزات فى ضمان القرآن. فبماذا ترتبط بدينهم فى رأى الشيخ تلك الكثرة الهائلة المتغلبة، حتى بعد انقضاء أوان هذا الارتباط بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم،إن لم يكن لمعجزات سيدنا عيسى وموسى تأثير ممتد به فى قلوب الناس؟ .
ثم أقول : نحن المعترفين بالمعجزات الكونية نقدر قدر القرآن أكثر مما يقدره منكرو المعجزات غير القرآن. لكن فضل القرآن وتفوقه بين المعجزات لا يوجب إنكار كل معجزة غيره بتنزيلها منزلة السحر والشعوذة والدجل أو منزلة أدنى من
صفحة 131
منزلتها كما فعل الشيخ رشيد . ولم أقل عبثا إنا نقدر قدر القرآن أكثر من الذين يظهرون بمظهر أنصار معجزة القرآن ومكبريها للتذرع منه إلى الاستهانة بغيرها من المعجزات، لأن القرآن مشحون بالاعتناء بمعجزات الأنبياء الكونية، فإذا كانت تلك المعجزات لا فرق بينها وبين أفعال الدجاجلة والمشعوزين أو كانت حتى دونها فى التأثير على قلوب الناس، ولم يصدقها غير الخرافيين، لزم أن يكون القرآن نازلا على وفق أهواء الخرافيين مكبرًا لما يكبرونه، و ذلك ينقص من قدر القرآن أي نقص. و ماذا هو الفرق بين ما فعل الشيخ رشيد من تنزيل معجزات الأنبياء الكونية منزلة السحر و الدجل و بين ما قاله كفار قوم موسى مثلا المحكي في قوله تعالى: ((فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى))؟ و ماذا هو الفرق بين قولهم هذا في الزمان الماضي و بين قول نقلاء الغرب اليوم: إن القرآن كلام محمد لا كلام الله؟ و ما كانت معجزات يسدنا موسى سحرا لكن من لم يؤمنوا بموسى ادعوا ذلك، كما أن القرآن لم يكن كلام سيدنا محمد لكن الغربيين يدعون أنه كلامه، فهل يحط قولهم هذا من مكان القرآن؟ كلا. فإذن لا يحط ما قاله قوم موسى سابقا و ما قاله الشيخ رشيد لاحقا، من مكان معجزات موسى صلوات الله على نبينا و عليه.
و جملة القول أن وضع نبينا مع الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين و وضع معجزته مع معجزاتهم في صف الجدال لأهل الكتاب، مسلك شديد الخطر و تفريق بين رسل الله مخالف لمسلك القرآن القائل ((لا نفرق بين أحد من رسله)) فكما أن القرآن الذي هو معجزة نبينا قول الله تعالى، فالمعجزات الكونية الظاهرة على أيدي الأنبياء -و فيهم نبينا أيضًا- أفعاله تعالى المؤيدة لهم، و لا وجه لتفضيل قول الله على فعله، فالمفاضلة بين المعجزات بإطراء بعض و الحط من شأن ما عداه ليست من شأن العاقل، و كل منها أوفق لزمانه من غيره..فمعجزة موسى بالعصا وقعت في عهد رواج السحر فجاءت تفوقه و تبطله، و معجزة عيسى بإبراء الأكمه و الأبرص و إحياء الوتى وقعت
صفحة 132
في عهد رواج الطب، و هي ليست من جنس الطب المستند إلى التوسل بالأسباب، و معجزة نبينا في عصر البلاغة و التباري بها. و كل ذلك يمثل تفوق فعل الله أو قوله على أفعال البشر و أقوالهم. فإذا كان في معجزة القرآن فضل على ما عداها من المعجزات فليس ذلك الفرق في أصل الإعجاز و إنما هو في اتحاد المعجزة مع الوحي في القرآن حين كان سائر المعجزات منفصلة عن الوحي الذي هو المقصود الأصلي من النبوة و كانت المعجزات نفسها أمورًا مقصودة لغيرها، و هو تأييد الوحي بإثبات كونه من قبل الله.
و كذا الحال في موقف الإسلام من النصرانية و اليهودية لا تفاضل بينها، و كلها دين الله الذي أمر عباده أن يدينوا به في برهة من الزمان، و كل دين في زمانه أفضل من غيره و لولا ذلك لما اختاره الله لذلك الحين. و ملاك فضل الإسلام عليهما أن مضى دورهما و جاء دور الإسلام في مختم الجميع فنسخ الأديان الأولى و بقى إلى يوم القيامة لا ناسخ له، فليس لأخد بعد مبعث محمد صلى الله عليه و سلم إلى الناس كافة أن يبقى متمسكا بالدين الماضي نائيًا بجانبه عن الإسلام الذي هو الدين الحاضر. حتى لو فرضنا فرض المحال أن معجزات موسى و عيسى تفوق معجزات نبينا عليه و عليهما السلام عكس ما أثبته الشيخ رشيد رضا في كتابه، لما كان لليهود و النصارى اليوم إلا أن يتبعوا دين محمد و يتركوا دين آبائهم الأولين الذين تقدم عهدهم عهد الإسلام، فيكونوا مسلمين بدلا من كونهم هودا أو نصارى، إذ لا معنى لكون الإنسان يهوديا بعد انقضاء عهد اليهودية أو نصرانيا بعد انقضاء عهد النصرانية، إلا إذا لم يكن لمحمد صلى الله عليه و سلم معجزة كونية كما هو زعم الشيخ رشيد و الدكتور هيكل، و لا غير كونية كما هو زعم اليهود و النصارى.
هذا هو القول الأسلم في المقارن بين الإسلام و النصرانية و اليهودية الحقيقيتين من حيث إنهما دينان سماويان كالإسلام أما مقارنة الإسلام مع النصرانية الحاضرة
صفحة 133
فلا وجه لها أصلا لكونها مقارنة بين الدين السماوى المحفوظ و الدين الصناعى المحرف عن أصله، و بعبارة أخرى الدين الذى لا يقاوم أمام العقل و النقل، و لم تجئ معجزات سيدنا عيسى لتأييد هذا الدين المحرف المسعى لإدامته بعد نسخه و مسخه، فلا وجه للمقارنة بينها و بين معجزات نبينا بمناسبة المقارنة بين النصرانية الحاضرة و الإسلام، فضلا عن الاعتداء على تلك المعجزات بهذه المناسبة.
و لقد سلك منكرو معجزات نبينا غير القرآن مسلكا وعرا جر هم إلى القدح فى كتب الأحاديث و السير ثم إلى القدح فى معجزات الأنبياء المتقدمين بل فى نبوتهم أيضا. و كان هذا التورط الثانى وقع منهم ملاقاة للنقص فى معجزات نبينا، فيجعلون القرآن معجزة وحيدة مطلقا بعد أن جعلوه مجزة وحيدة لنبينا لكن هذا المسلك الذى يتضمن إعلاء شأن القرآن فى الظاهر يخالف مسلك القرآن نفسه و يتضمن قدحا فى القرآن أيضا كما بينا من قبل. و نبين هنا وجها آخر و هو أن القرآن تحدى بلغاء العرب أن يأتوا بسورة من مثله فلم يستطيعوا، و هذا التحدى تمسك به الشيخ رشيد رضا و غيره فى إنكار كل معجزة لنبينا غير القرآن(1) و ادعوا تفرد القرآن به،
هامش صفحة 133
[1] نعم ذكر المتكلمون في المعجزة شروطا منها التحدي لكن المحقق الدواني نبه على أنه لا يشترط فيها صريح التحدي بل تكفي قرائن الأحوال. و المعقول عندي أن يكون مرادهم من شرط التحدي مقارنة المعجزة بدعوى النبوة أعني يلزم لأن يعتبر خارق العادة معجزة ظهوره على يد مدعى النبوة تمييزًا لها عن الكرامة و الإرقاص، فلو اشترطنا في كون المعجزة معجزة أن يكون من ظهرت على يده تحدى بها الناس و طالبهم بالإتيان بمثلها كما وقع في معجزة القرآن و استدل به الشيخ رشيد على انحصار معجزة نبينا فيه و جاء هذا الاشتراط موافقًا لأقوال علماء الكلام، لزم أن لا يكون لنبينا في جميع ما ظهر على يديه معجزة واحدة عند المتكلمين إلا القرآن كما هو كذلك عند الشيخ رشيد! و كيف يكون علماء الكلام متفقين مع هذا الشيخ في إنكار ماعادا القرآن من معجزاته لفقدان شرط التحدي، في حين أنهم صرحوا بأن لو صلى الله عليه و سلم معجزات كثيرة غير القرآن إن لم تثبت كل واحدة منها عنه تواترا فالقدر المشترك متواتر كجود حاتم و شجاعة على، كما نقلناه سابقًا من شرح المحقق الدواني للعقائد العضدية. و التمسك بشرط التحدي ليس إلا مناورات الشيخ إظهارًا=
صفحة 134
مع انه ان ارتفعت الثقة بكتب الحديث والسيرة ,وكان اصحاب هذه الكتب لم يكتبوها لوجه الحق بل محاباة للاسلام ,كما ادعى ذلك الدعون من المسلمين عند انكار المعجزات الثابتة بالاحاديث ,تأتى لمن شاء من اعداء الاسلام المنكرين لمعجزة القرآن أيضا أن يقول : من الجائز أن يكون فى عصر النبى أنى آت من البلغاء بمثل ما تحدى به , ثم لم تروه كتب الحديث والسيرة التى لا يؤمن على انبائها من الزيادة والنقصان , وليس فى الشرق ولا فى الغرب مراجع تاريخية لصدر الاسلام غير تلك الكتب ,فمن أين نثبت اليوم أن القرآن معجزة تحدث فأعجزت وسلمت من المعارضة ؟ وقد كان فضيلة الاستاذ المراغى قال فى مقالته التى نشرتها ((السياسة )) الاسبوعية و ((الاهرام )) أيام حدثت فتنة ترجمة القرآن بتركيا وإقامة الترجمة مقام الاصل العربى فى الصلاة وغيرها , وانجاز فضيلته الى انصار تلك الفتنة ومروجيها : ((إن قرأءة الاعاجم للنظم العربى نفسه لابد لهم على الاعجاز وليس فى استطاعتهم فهمه , والامم العربية الآن ومن أزمنة طويلة خلت لا يفهمون الاعجاز من النظم العربى , وقد انقضى عصر الذين أدركوا الإعجاز من طريق الذوق وآمنوا بالقرآن بسب هذا الإدراك ونحن الآن نقيم على الإعجاز أدلة عقلية ونقول إن القرآن تحدى العرب وإنهم عجزوا وهذا يدل على انه من عند الله )) .
للعقل , حتى إنه ينكر البعث بعد الموت أيضا للسبب نفسه . كان هذا الاستاذ انكر إعجاز القران بالفاظه ومبانيه فى مقالاته التى كتبها دفاعا عن فتنه ترجمه القران وقال ((انه لم يتحد احدا ببلاغته ،وانما تحدى الانس والجن ان ياتوا بمثله فى حكمته
هامش الصفحة رقم 134
للمتكلمين فى مظهر الاتفاق معه ،فهل هو ،اعنى الشيخ، حين انكر المعجزات الكونيه الظاهره على يد نبينا او ايد قول من انكر فكتب دفاعا عن كتاب هيكل باشا، انكرها لكونها خارقه لسنه الكون ام انكرها لفقدان شرط التحدى؟
صفحه 135
و شريعته ))(1) وهذا مع كونه مخالفا لما قاله فضيله الاستاذ المراغى ففيه ان الاستاذ فريد يعرف ان امما اسلاميه لم تعجبهم شريعه القران فاستبدلوا بها شرائع الغرب قبل اسبدالهم الفاظا اعجمية بالفاظه و مبانيه , و الاستاذ الذى ناصرهم فى تبديل الفاظه لم يؤاخذهم يومئذ على تبديل شريعته . فمنكرو المعجزات كما يفرقون بين الكتاب و السنه فيدافعون عن الكتاب و يخذلون السنه , يفرقون بين لفظ الكتاب و معناه , فيتمسكون بمعناه و يخذلون لفظه , و يتمسكون بلفظه فيخذلون معناه , على حسب ما يقضى هوى التجديد العصرى .
ثم ان المتظاهرين بتكريس كل اهميه و كل تعويل على القران لئلا يكترثوا بغيره , تراهم يقاومون صراحه القران اذا شاء هواهم ذلك , كما فعله الشيخ رشيد حين انكر معجزه شق القمر الذى سياتى بيانها .
و انظر لما قاله الشيخ فى ((الوحى المحمدى)) بعد التنبيه على كون نبينا لم يتعلم القراءة و الكتابة و كون قومه الذين نشأ فيهم أميين جاهلين بعقائد الملل و تاريخ الامم و علوم التشريع و الفلسفه ص 41 – 43 :
(( و ترى تجاه هذا ان موسى عليه الصلاه و السلام قد نشأ فى اعظم بيوت الملك لاعظم شعب فى الارض و ارقاه تشريعا و علما و حكما و فنا و صناعه , و هوبيت فرعون مصر (2) ثم انه مكث بضع سنين عند حميه فى مدين وكان نبيا – اوكاهنا كما يقولون – فمن ثم يرى منكرو الوحى ان ما جاء به موسى من الشريعه الخاصه لشعبه ليس بكثير على رجل كبير العقل عظيم الهمة ناشئ فى بيت الملك و الحكمة .
هامش صفحه رقم 135
(1) و قد نقلت كلا القولين عن الاستاذين فى كتابى ((مسأله ترجمة القران))
(2) و قال معالى هيكل باشا فى كتابه ((حياة محمد)) ص 66 من الطبعه الثانيه : ((فى مصر نشأ موسى و فى حجر فرعون تربى و تهذب و على يد كهنته و رجال الدين من اهل دولته عرف الوحدة الالهيه و عرف اسرار الكون )) !!
صفحه رقم 136
)) ثم ظهر فى اوائل هذا القرن الميلادى ان شريعه التوراة موافقة فى اكثر احكامها لشريعة ((حمورابى)) العربى ملك كلدان الذى كان قبل موسى معاصر لابراهيم صلى الله عليه و سلم. و قد قال الذين عثروا على هذه الشريعه من علماء الالمان فى حفائر العراق انه قد تبين ان شريعه موسى مستمدة منها , فلا تعد احق منها بان تكون وحيا من الله , و لم ينقل ان حمورابى ادعى ان شريعته وحى من الله .(1)
ثم يرى الناظر ان سائر انبياء العهد القديم كانوا تابعين للتوراة متعبدين بها , و انهم كانوا يتدارسونها فى مدارس خاصه بهم , و بابنائهم مع علوم اخرى , فلا يصح ان يذكر احد منهم مع محمد ذكر موازنه و مفاضله (2) و يرى ايضا ان يوحنا المعمدان الذى شهد المسيح بتفضيله عليهم كلهم لم يأت بشرع و لا بنبأ غيبى , بل يرى ان عيسى عليه السلام و هم اعظمهم قدرا و اعلاهم ذكرا و اجلهم اثرا , لم يأت بشريعة جديده بل كان تابعا لشريعة التوراة مع نسخ قليل من احكامها و اصلاح روح ادبى لجمود اليهود
هامش الصفحة رقم 136
[1] و أنا أقول في جواب ما ذكره الشيخ من وجوه الطعن في نبوة سيدنا موسى: إن فرعون الذي نشأ موسى في بيته ادعى لنفسه الألوهية و سيدنا موسى دعا الناس إلى عبادة الله، فكيف يصح أن يقال انه نشأ في بيت الحكمة و التشريع مع هذا البون الشاسع بين المنشأ و الناشئ من حيث الهدى و الضلال، و هل فرعون حكم فادعي الألوهية أوادعاها فحكم أي صار حكيماً؟ و حكاية حمورابي العربي ملك الكلدان - و فيها و في وصفه بالعربي تفضيل ذلك الملك العربي على سيدنا موسى الأعجمي -إن صحت فلا مانع من أن تكون شريعة موسى متوافقة في بعض أحكامها مع نظم ذلك الملك، و موسى لم يدع لنفسه الأمية مثل نبينا حتى ينقضها اطلاعه على أحوال الملك و تواريخ الأمم . أما أن موسى كان نبياً و لم يكن حمورابي فإن العصا التي هي على رغم أنف الشيخ تقطع قول كل خطيب ، ظهرت على يمين موسى . والله أعلم حيث يجعل رسالته.
[?] كما أنه ليس في الحق والعدل ما فعله أهل الكتاب الذين لا يؤمنون بنبي بعد نبيهم من إثارة الشبهة حول نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فكذلك لا يجوز لنا أن نذكر أنبياء الملك
الذين لا يؤمنون بنبينا ، بما يثير الشبهة في نبوتهم كما فعل الشيخ رشيد ، فلسنا نحن المسلمين كأهل الكتاب، لا نفرق بين أحد من رسل الله، بل نؤمن بهم عن آخرهم إيماناً لا يحوم حوله شك الشاكين ولا شبهة المفرقين.
صفحة 137
الفطرة ذكى العقل ناشئ فى حجر الشريعة اليهوديةو المدنية الرومانية و الحكمة اليونانية غلب عليه الزهد و الروحانية، أن يأتى بتلك الوصايا الأدبية. على أن منهم من يعزو جُلها إلى كونفشيوس المشترع الصينى و إلى غيره من الحكماء الذين كانوا قبل المسيح عليه السلام. و نحن المسلمين لا نقول هذا و لا ذاك و إنما يقوله الماذيون و الملحدون و المقليون و ألوف منهم يُنسبون إلى المذاهب النصرانية.
فقد قدح الشيخ فى نبوة سيدنا موسى و سيدنا عيسى و كتابيهما التوراة و الإنجيل تفصيلا ثم تبرأ منه بما لا يعدله من الإجمال حيث ذكر وجوه القدح و لم يجب عنها، و إنما اجتزأ بأن يقول (و نحن المسلمين لا نقول هذا و لا ذاك إنما يقوله الماديون و الملاحدة و العقليون) و معناه أنا لا نقول و لكن ننقل أقوال القائلين و لا نجيب عنها، إذ لا جواب لها. و هذا هو القدح بعينه! فالشيخ يقول الملاحدة ما لا يستطيع أن يقوله، و يدل استنكافه عن الجواب على انتقاداتهم مع عدم استنكافه عن نقل تلك الانتقادات، أنه يراها واردة. على أنه يرى الناظر فيما كتب الشيخ تحت عنوان (و يرى الناظر) و عنوان (فأمكن لجاحدى الوحى) شيئا كثيرا ينم على أن رأيه لا يبعد عن آرائهم. و حسبك أنه يعينه انتقاداتهم و لا يعنيه أن يجيب عنها، فلو عناه لأجاب، و كيف يجيب و الجواب الحاسم الذى هو معجزات الأنبياء قد قدح فيها الشيخ قبل القادحين، حيث قال إنها شبهة لا حجة على الرغم من تعبير القرآن عنها تارة بالآيات البينات و تارة بالبرهان و تارة بالفرقان و تارة بالسلطان و تارة بالحق، و قد سبق كل ذلك.نعم إن الشيخ قال أيضا ما قال عن تلك المعجزات إنها شبهة لا حجة، عازيا له إلى علماء العصر، لكن قد عرفت أن هذا الأسلوب من ألاعيب الشيخ و إلا فكيف يؤيد بقول علماء العصر هذا، إن لم يكن قولهم مقبولا عنده، ما التزمه هيكل باشا فى كتابه (حياة محمد) من إهمال معجزات
صلى الله عليه و سلم الكونية؟.
صفحة 138
فههنا أي عند الكلام مع جاحدي نبوة سيدنا موسى و عيسى الذين أحضرهم الشيخ رشيد أمامنا و أحضر معهم ما لديهم من شبهات و احتمالات عن أصل التوراة و الإنجيل و مأخذهما ، و عند توقف إزالة الشبهات و الاحتمالات على معجزات (ذينك) النبيين الجليلين ... عند هذا الموقف الدقيق الذي يعنينا نحن المسلمين بقدر ما يعني اليهود و النصارى ، يتبين عظم جناية المستهينين بالمعجزات الكونية المنكرين لأهميتها في نبوة الأنبياء . فالأنبياء كلهم غير نبينا صلوات الله و سلامه عليه ، على ما أدى إليه قول الشيخ رشيد ، مفحمون من جانب جاحدى الوحى ، فإن كان الشيخ ما يدغع الإفحام عنهم و لم يذكره عمدا فهو من الجاحدين أعداء الأنبياء ، و إن لم يكن عنده ذلك فهو مغحم مع الأنبياء بصفة أنه مسلم يؤمن بالله و كيبه و رسله ، بل مفحم معه نبي الإسلام أيضا بصفة كونه مصدقا لما بين يديه من التوراة و الإنجيل.
فيا ايها المتكلمون بلسان الإسلام ! لا تحدثوا الناس من غير ميزان و لا مقياس ، فمن اسمى ميزات الإسلام على سائر الأديان السماوية أنه ضامن لتلك الأديان أيضا ، فإذا دخلت شبهة في اصل واحد منهما ، يتاثر الإسلام بها أيضا و لا يسلم من عدواها . فإياكم أن تستهينوا بمعجزات الأنبياء عند إكبار معجزة القرآن ، وتستهينوا بالسنة عند إعظام شأن الكتاب ، فالكتاب لا يتنصل من السنة ، و القرآن لا يتنصل من التوراة و الإنجيل . فأنتم تعلمون دءوى اختلاق الشعر الجاهلي بعد الإسلام ، و لعلكم تعلمون ايضا ما ترمي إليه تلك الدعوى من إثارة الشبهة في القرآن من ناحية الرواية ، بواسطة إثارة الشك في أمانة الرواة المسلمين مطلقا. و كانت تلك الدعوى قد قوبلت بضجة في الراي العام الإسلامي بمصر ، ثم ظهر كتاب ((الوحي المحمدى)) فطعن صاحبه في الوحي الموسمى و العيسوي ، و ظهر كتاب ((حياة محمد)) فطعن صاحبه في سنة محمد و ظهر الطعن في الطبعة الثانية كل الظهور ، فلم يحرك كل من ذلك ساكنا في الرأي العام و ما أخل برغبة المسلمين لا سيما في الكتاب الثاني ، مع أن صلة السنة بالكتاب و صلة
صفحة 139
التوراة والإنجيل بالقرآن أشد وأقرب من صلة الشعر الجاهلي بالقرآن. والقرق المشهود بين الحالين لا يسفر إلا عما طرأ على الإسلام بمرور الزمان من ضعف في الحماسة أو ضعف في التفكير.
***
وعند كتابة هذه السطور -وأنا ما انتهيت عن الكلام في الوجه السابع من وجوه النقد على كتاب هيكل باشا أو بالأصح على مقدمة الطبعة الثانية له- اطلعت على العدد الخاص من مجلة "الرسالة" بأول العام الهجري 1358 ورقم السنة هذا مني, لأن المجلة كعادتها مؤرخة برقم السنة الميلادية، وقد أعجبني مما قرأت منها -وما قرأت جُلها- قصيدة "قومي بين الشرق والغرب" ومقالة "عندنا غدهم" و"روح العبادة في الإسلام" و"أعظم يوم في تاريخ العالم" إلا آخر المقالة الأخيرة التي يقول فيها كاتبها الأديب الأستاذ عبد العزيز البشري:
"وبعد فإن بمعجزات عيسى عليه السلام قد ختم هذا الضرب من الخوارق التي تجري على أيدي الرسل" ثم يقول: "إن معجزة محمد صلى الله عليه وسلم تمتاز بأمرين: الأول أنها لا خلاف فيها لسنن الكون ولا مغايرة فيها لطبائع المخلوقات".
يا للعجب! حتى الأستاذ ابن الأستاذ الأكبر المرحوم سليم البشري من شيوخ الأزهر السابقين يشارك الزاعمين مبصر من الكتاب والعلماء أن لا معجزة لنبينا صلى الله علينه وسلم غير القرآن، ولا أظن أن والد الأستاذ رحمه الله يقبل هذا الرأي لو كان حيا ولا أن الأستاذ نفسه يقبل ما يتضمنه وما يترتب على ما يتضمنه من المفاسد ولا ما يقصده الزاعمون أو زعماء الزاعمين منه. أما ما يتضمنه وما يترتب على ما يتضمنه فقد أسهبت في إيضاحه لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأما ما يقصد منه فأقوله هنا:
أرى طائفة عصرية من الكتاب والعلماء بمصر اتفقوا فيما بينهم على حصر معجزات
صفحة 140
نبينا صلى الله عليه وسلم في القرآن. وقد راقتهم هذه الفكرة كأنهم اكتشفوا بها حقيقة خفيت على من سبقهم من علماء الإسلام وعقلائه طوال تاريخه. وربما انتحلوها من علماء الغرب وعقلائهم أو على الأقل من علمهم وعقليتهم الحديثين، وإني أقول ما سأقوله بصدد الإفشاء عن مقصدهم الأقصى, على أنه هو الآخر اكتشاف لي، كما أن نظرية حصر معجزات نبينا في القرآن اكتشافهم، غير أني لم أنتحل ما اكتشفته من الغرب، وغيري لا يستطيع الكشف عن مقاصدهم، فإن استطاعه فقد لا يستطيع مجاهرتهم بها.
أيها القارئ العزيز ويا أيها الأستاذ عبد العزيز! إن عقول الطائفة التي أشرت إليها والتي لا أود أن تكون منها، مخطوفة بيد علم الغرب المادي، وعهدي بالعقل الذي هو أشرف خلق الله أنه يأبى أن يخطفه خاطف العلم ويأسره آسره(1) إنهم لا يؤمنون بالمعجزة أي معجزة كانت، لأن علمهم المثبت يمنعهم أن يؤمنوا بكل ما يخالف سنة الكون، مع أن المجزة لابد أن تخالف سنة الكون وإلا فلا تكون معجزة. أما معجزة القرآن فإنهم يؤمنون بها لكونها معجزة لا تشبه المعجزة وإنما هي كلام أبلغ ما يكون في الكلام, وهم لا يرون في أن يكون كلام أبلغ من كل كلام ما يخالف سنة الكون كقلب العصا حية وإعادة الميت حيا، كما أنهم يريدون أن يتصوروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم على غير ما نتصوره نحن المسلمين القدماء، ليس فيها ما يخرق سنة الكون وإنما عبقرية في الفضيلة والنزاهة والحكمة والهداية إلى ما فيه سعادة الأمم، وإن شئت فلا تقل عبقرية، لما أن فيها أيضاً شيئاً من الخروج على سنة الكون، بل زعامة فضلى وكمال في زعامة الزعماء، إنهم يريدون أن يجعلوا محمداً
هامش الصفحة رقم 140
[1] وقد قلنا في المطلب الثالث من الباب الأول من هذا الكتاب: إن العقل اكتشف العلوم وأدركها ولم يدرك العلم بعد ماهية العقل.
بداية صفحة 141
صلى الله عليه وسلم زعيما عربيا بز كل زعيم من كل أمة في الصلاح والإصلاح. وقد سمعوا قول أحد المستشرقين عنه "بطل في صورة نبي" ولا لزوم عندهم لأن يكون محمد الزعيم نبيا ينزل عليه الفينة بعد الفينة ملك يسمى جبريل ويأتي ببلاغ من الله بلفظه ومعناه ، وهو القرآن المعجز بمراسم إيحائه وإنزاله ، قبل أن يكون معجزا ببلاغته ، لا لزوم لذلك لأن القرآن يكون حينئذ معجزة من المعجزات الكونية التي تنكرها هذه الطائفة الشرقية اقتداء بعلماء الغرب المنكرين لكل ما يخالف سنة الكون ، ولا أشد مخالفة من إنزال ملك على بشر حاملا بلاغا متلوا من الله ومتمثلا على الأكثر في صورة البشر.
فمنكروا المعجزات الكونية من العرب للزعيم العربي الأعظم صلى الله عليه وسلم ينكرونها عبثا إن لم ينكروا معها نبوته ورسالته المعروفة المعنى عند المسلمين منذ قرون الإسلام الأول ، إلا أن تكون نبوة كما عرفها إمام الطائفة الشيخ محمد عبده وسبق نقله منا ، ورسالة من نوع رسالة مجلة "الرسالة" وبعض كتابها ولكن من أعلى وأفضل فرد من ذلك النوع.
وليس لقائل أن يقول اعتراضا علينا : ولكن ما الضرر من أن لا يكون محمد رسولا مخالفا لسنن الكون إذا فرضنا كونه رسولا طبيعيا موافقا لسنن الكون ، وفرضنا معه ، وهو فرض مطابق للواقع ، أنه قام بكل ما لزم أن يقوم به لو كان رسولا غير طبيعي كما يتصور المسلمون الأول ، وأتى بمعجزات لا تختلف عن المعجزات إلا في مطابقتها لسنة الكون ، وإن شئت فقل رسولا إنسانيا وغير إنساني بدل الرسول الطبيعي وغير الطبيعي.
(هامش : وكان الأستاذ فريد وجدي بك الذي هو من غلاة منكري المعجزات يحاول في الأزمنة الأخيرة أن يصور الإعجاز في رسالة نبينا بما يشبه هذا النوع الطبيعي الذي يكون إعجازه في مبلغه من الكمال المنقطع النظير لا في مخالفته الطبيعة. راجع ما كتبه في مجلة "الأزهر" من المقالات بعنوان "السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة" . وسبق ذكره مع الكلام عليه في كتابنا هذا (الجزء الاول ص 117) انتهى الهامش)
بداية صفحة 142
وقبل أن نجيب عن هذا الاعتراض الذي أوردنا علينا ، نورد كلمات من مقالة الدكتور زكي مبارك المنشورة أيضا في العدد الممتاز من مجلة "الرسالة" تأييدا لصحة اكتشافنا المار الذكر عن عقلية طائفة من المسلمين بمصر في المعجزة والنبوة المحمدية : قال : "كان محمد إنسانا بشهادة القرآن. وبنو آدم يؤذيهم أن يتلقوا الحكمة من رجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق" "وفي غمره هذه الضلالة نُسيت النواحي الإنسانية في حياة الرسول وإلا فمن الذي يصدق أن رجلا مثل محمد يضيع من عمره أربعون سنة بلا تاريخ ، ولأي سبب ينسى الناس أو يتناسون تلك المدة من حياة الرسول؟"
(هامش : في هذا القول تعريض للمسلمين القدماء الذي يتصورون لنبيهم أحوالا فوق الأحوال الطبيعية كالمعجزات ونزول الملك عليه بالوحي من السماء ، فكأنهم في زعم الدكتور يصعدون محمدا صلى الله عليه وسلم إلى ما فوق البشرية. وهذا ما يعنيه بقوله :"وبنو آدم يؤذيهم تلقى الحكمة من رجل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق" وأنا أقول لا يؤذي المسلمين أن يكون نبيهم بشرا وإنما يظن الدكتور ومن في عقليته من المتعلمين العصريين أن تصور النبي كما يتصور المسملون القدماء بأن ينزل عليه الملك بالوحي من الله وتكون له معجزات تخرق سنن الكون ، يخرجه من البشرية وينافي إنسانيته. ومن عجيب المغالطة استشهاد الدكتور على بشرية نبينا بقول القرآن ، كأن هناك من المسلمين من يشك في أنه إنسان ، حتى إن الذين عابوه من جهلاء المشركين فقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، وأراد الدكتور تطبيق عقليتهم بغير حق على المسلمين ، لم يشكوا في كونه بشرا ، وإنما أشكل عليهم نبوة البشر كما أشكلت على الدكتور نفسه. انتهى الهامش)
بداية صفحة 143
ماذا يريد الدكتور زكي مبارك أن يقول ؟ فهل هو معترض على تأخر إعلان رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى مبدأ العقد الخامس من عمره ؟ وإلا فما معنى نسيان الناس أو تناسيهم المدة التي تقدمت ذلك الحين من حياة الرسول؟ فكأنه يقول إن حياة محمد الرسول أضرت بحياة محمد الإنسان حيث طغت عليها وأنست الناس ما كان له من حياته قبل مبعثه. مع أن الذين كتبوا تاريخه ما نسوا ولا تناسوا ما عرفوا من حياته قبل رسالته. لكن مؤرخي الإسلام ليسوا بكتاب الرواية حتى يملأوا فراغ ما يعرفون بما لا يعرفون. والله تعالى يتولى الجواب عن اعتراض الدكتور فيقول لرسوله :"قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبتث فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون"
ويقول "وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون" وهذا الفراغ في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل رسالته معدود من جملة ما جعل القرآن معجزة.
ولعل الدكتور كان يتوقع على الأقل من مؤرخي الإسلام القدماء أن يقولوا عن حياة سيدنا محمد قبل مبعثه : إنه قضاها في التفكير فيما سيضعه موضع الفعل والتنفيذ من المبادئ ، كما قال الأستاذ أحمد أمين بك في مقالته المنشورة في العدد 18 من مجلة "الثقافة" بعنوان "محمد الرسول المصلح" :
"كم أجهد نفسه في التفكير وأجهد روحه في البحث وكانت عزلته في غار حراء وسيلة من وسائل تفكيره ، وفيم كان يفكر ويطيل تفكيره ؟ في سوء ما عليه العالم وفي سوء ما يعتقد العرب وغير العرب وفي سوء الحالة الاجتماعية في العالم الذي رآه في جزيرة العرب وفي العالم الذي رآه في الشام. قد يكون هذا الفساد واضحا ، ولكن ما هو الحق ؟ وأين الحق ؟ كان هذا هو زمن التفكير ونوع التفكير ثم اهتدى وكان الوحي إيذانا بالهداية. ثم كان له بعد ذلك من الله قوة في التنفيذ لا تباري" فتأمل.
وقال الدكتور زكي مبارك أيضا : " كان محمد إنسانا قبل أن يكون نبيا" أقول إن كان هذا كقول بعض المسلمين القوميين أنا عربي أو تركي أولا ثم مسلم ، كان استهانة بالنبوة
بداية صفحة 144
فلو فرض أن رسولا تكلم هذه الكلمة على معنى أن إنسانيته أهم في نظره من رسالته لسقط من مرتبة النبوة والرسالة ، كما يسقط عندي من يقول أنا من القوم الفلاني أولا ثم مسلم ، عن إسلامة الذي يعلو ولا يعلى عليه. ثم قال الدكتور : وذلك من أعظم الخطوط الذي غنهما في التاريخ. فسيأتي يوم قريب أو بعيد يثور فيه الناس على الأمور الغيبية ولكنهم لا يستطيعون أن يثوروا على عبقرية محمد".
معناه سيأتي يوم قريب أو بعيد يثور فيه أتباع محمد عامة والعرب خاصة على نبوته وعلى الدين الذي أتى به ويستغنون عنهما ، لكونهما من الأمور الغيبية التي لا يصدقها أهل العصور العلمية ، ولكنهم لا يستطيعون أن يستغوا عن عبقريته كزعيم غير ديني ، فكأن عبقريته وبطولته أظهر وأقوى من نبوته كما يدعيه بعض المستشرقين. ولا يخفى أن قول الدكتور هذا ثورة من الآن على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ودينه. فإن قال قائل : إن الرجل نفسه لا يريد أن يكون ثائرا على نبوته صلى الله عليه وسلم التي هي من الأمور الغيبية وإنما يقول عن ثورة محتملة يحدثها آخرون في الآتي القريب أو البعيد ، فجوابي عليه أن المفهوم من كلام الدكتور أنه لا يأمن على نبوته من الثورة كائنا من كان الثائر ، يقدر ما يأمن على عبقريته. ولا ريب في أنه ينم على شك منه أو تشكيك في نبوته ، فكأنه يتعزى بسلامة عبقريته ، عند وقوع الثورة على نبوته ، وكأن المطلوب عنده اعتراف الناس بعبقريته. ألسنا صادقين إذن في القول بأن طائفة من الكتاب المسلمين وبعض علماء الدين بمصر لا يؤمنون بالمعجزة والنبوة على معناهما المعروف عند المليين؟ لا سيما وهم يجدون في محمد صلى الله عليه وسلم أوصافا عبقرية تؤهله لأعظم زعامة وتغنيه عن النبوة. ودعوى النبوة منه كانت عندهم حيلة توسل بها إلى إقناع الناس بالإذعان لمبادئه ، وفيها مصلحتهم وسعادتهم إن لم يكن في الآخرة التي هي أيضا من الغيبيات غير المأمونة من أن يثار عليها ، قفي الدنيا. والاحتيال الذي لا يتفق مع النبوة يتفق مع العبقرية. وهكذا تكون عبقرية محمد مفترقة عن نبوته.
بداية صفحة 145
فلو قلنا اعتراضا عليهم إن العبقرية لا يمكنها أن تعدل رتبة النبوة ، وحسبنا في ذلك إمكان اتفاق العبقرية مع الاحتيال الذي هو نوع من النفاق ، لكان جوابهم : نعم إن النبوة أفضل وأسمى من العبقرية لولا أنها من الغيبيات التي تثار عليها بأنها أمر لا حقيقة لها ولا وجود إلا في مخيلة أهل الدين ، فخلاصة كلام الدكتور زكي مبارك أن نبوة محمد لا يمكن الدفاع عنها تجاه الثائرين عليها ما أمكن الدفاع عن عبقريته ، ويكون جوابي على هذا الجواب أن محمدا العبقري من غير نبوة ، لا يصير زعيما للمسلمين ، وإنما يصير زعيم العرب ، ولا جميع العرب بل الذين لا يؤمنون بنبوته. فهو زعيمهم ونبينا نحن المسلمين ، لا نرتاب يوما في نبوته ، ولا نني ندافع عنها ، وأنا أحقر أمته دافعت عنها في هذا الكتاب لا لأن نبوته محتاجة إلى مدافعتي ، بل لأني محتاج إلى شفاعته يوم يعلم أيهما أحب إليه ممن هو نبيه أو زعيمه ؟ على أن النبوة تتضمن الزعامة أيضا من غير عكس.
وقال الدكتور أيضا : "إنهم يصنعون بتاريخ الرسول ما صنعوا بتاريخ الأمة العربية. لأنهم أرادوا أن يخضعوا خضوعا تاما للمعجزات ، فالنبي لم يكن رجلا عبقريا وإنما خصه الله بالرسالة فكتب له الخلود ، والعرب لم يكونوا أمة قوية وإنما ارتفعوا بفضل الرسول"
كنت أعيب على الترك المنتمين إلى الانقلاب الذي أحدثوه منذ ربع قرن في تركيا ، أنهم لا يعترفون بأي حق وفضل للإسلام على الترك ، فإذا بي أرى طائفة من العرب الذين انتشر منهم هذا الدين ، لا يريدون الاعتراف بفضل النبي العربي على العرب. وكأ،ي بالعرب الأحداث يريدون أن يأخذوا اللادينية من الترك الأحداث ، كما أخذ الترك المسلمون دينهم من العرب القدماء. إن النبي عند الدكتور زكي مبارك لم يكن محتاجا في عبقريته وخلود اسمه إلى أن يكون بفضل الله عليه نبيا ، كما لم يكن العرب محتاجين في نهضتهم ورقيهم إلى أن يدينوا بالإسلام بفضل الرسول. فلو كانت للنبي عبقريته من غير نبوة لكفته في خلود اسمه
بداية صفحة 146
ولو كانت للعرب قوتهم من غير دين لكفتهم في رقيهم ونهضتهم تحت زعامة هذا العبقري العربي ، بل تحت زعامة أي عبقري كان.
وهذا من الدكتور غاية في النكران بفضل الله على النبي العربي وبفضل الإسلام ورسوله على العرب. فهو أجرأ فضولي تعصب لرسول الله بما يسخط الله وتعصب للعرب بما يسخط الرسول. لكن القرآن يقول لنبيه ردا على الدكتور : "ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرومك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما" ويقول : "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور" . وقال عن العرب : "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين"
فإن كان الدكتور لا يؤمن بكون القرآن كلام الله ويعتقد أنه كلام محمد ، فمحمد نفسه صاحب هذه الأقولا يكذب الدكتور القائل باستغنائه عن فضل الله عليه وباستغناء العرب عن فضل الإسلام ورسول الإسلام عليهم.
وحتى الأستاذ أحمد أمين بك يكذب دعوى الدكتور في العرب حيث يقول في مقالته المارة الذكر المعنونة : "محمد الرسول المصلح"
"لقد نشأ في جو خانق وبيئة مضطربة فاسدة وحالة اجتماعية تبعث اليأس ؛ فجعل من الشر خيرا ومن الاضطراب أمنا ومن الفساد صلاحا. فالعرب قد وهبت نفسها للأصنام ، وجعلت البيت الحرام – الذي بني ليعبد فيه الله – مباءة لثلاثمائة حجز ، أو تزيد ، تعبدها من دون الله. ومن تنصر منهم أو تهود فقد تنصر أو تهود بنصرانية أو يهودية فقدت روحها ، وتقسمتها المذاهب والشيع ودخل على تعاليمها الأولى كثير من البدع فلم تنجح فيهم يهودية ولا نصرانية
بداية صفحة 147
والحنفاء الذين ظهروا قبل الإسلام كان صوتهم ضعيفا خافتا ، عجزوا – كما عجزت اليهودية والنصرانية – أن يغيروا شيئا من حياة العرب وعقلية العرب. ثم كانت حياتهم سلسلة سلب ونهب ، كل قبيلة وحدة بل كل فرع قبيلة وحدة ، وكل قبيلة في عداء مع من جاورها ، لا أمن على الحياة ولا أمن على المال ، لا يفقهون معنى أمة ولا يفهمون معنى لحياة سياسية أو مدنية ، ولا يعرفون معنى لعلم أو فن ؛ فلو أنت قلت إن أحدا من الأنبياء والمصلحين لم يجد من اختلال أمته وفسادها ما وجد محمد من العرب وغير العرب ، ما عدوت الصواب".
وإني كنت قرأت قبل أن رأيت مقالة الدكتور زكي مبارك أشياء كثيرة عن خصوم المعجزات ، فرأيت منهم من يفرق بسبب المعجزات بين الرسل الذين لا نفرق بين أحد منهم ، ومن يفرق بين معجزة ومعجزة ، وما رأيت مثل الدكتور من يفرق بين الرسول وبين رسالته ومعجزاته. فمن ذا الذي قال له إن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإنسانيته شيئان مختلفان بحيث يبحث أيهما بفضله كتب الخلود لمحمد ؟ فالدكتور يكاد يحنق على نبوة محمد وإسلام العرب بسبب نبوته ، لأن الناس أفنوا تاريخ إنسانية محمد وعبقريته في نبوته كما أفنوا تاريخ العرب في الإسلام. فكأنه صلى الله عليه وسلم لو لم تكن له معجزاته من عند الله ولم يسلم العرب على يده ، لكتب التاريخ على أمة العرب وعن محمد العربي أكثر وأبهر مما كتبه ، أو على الأقل ما يعدله.
فلعل الدكتور تشبع أولا بالدعوى القومية التي تعلمها الشرق من الغرب بعد أن نبذها النبي العربي وسماها دعوى الجاهلية ، ثم رأى بعض الأبطال القوميين المعاصرين – وإني على يقين من أنه لا يعرف زيفهم من خلصهم – فتمنى لو كان محمد صلى الله عليه وسلم كأحدهم
بداية صفحة 148
ولم يصبغ عبقريته بالصبغة الدينية الغيبية ، فلعل مجد العرب كان إذ ذاك باقيا لهم ولم يذهب بذهاب قوة إسلامهم. وهنا يطول الكلام إذا وفي بعض حقه.
لكني أوجز القول فأسأل الدكتور : أكان يكون بيد محمد صلى الله عليه وسلم هذا القرآن لو لم يكن نبيا ، فإن أجاب بالإيجاب يلزمه أن يكون مؤمنا بأن القرآن كلام الله أو على الأقل يلزم أن يكون نسبة القرآن عنده إلى محمد أصح من نسبته إلى الله ، ويلزمه أيضا أن يكون القرآن ومنشئه أعني محمدا كاذبين في دعوى أنه لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ، إذ لا يجروء إنسان عاقل على أن يقوم بمثل هذه الدعوى لأي كتاب ألفه ، لأن في إمكان البشر أن يأتي بمثل كلام أحد منهم مهما كان مبلغه في القدرة على إنشاء الكلام. وإن أجاب بالنفي ولم يكن نقصان القرآن من عبقرية الزعيم العربي خسارة لا تقبل التلافي ، لزم أن لا يكون الدكتور مؤمنا بعبقرية القرآن إيمانه بعبقرية محمد. ثم لو لم يكن القرآن لما اعتنى بلغة العرب وخدمها من خدمها من علماء العرب والعجم تلك الخدمة التي لم تخدم بمثلها أي لغة أمة في الدنيا والتي لا يقدرها الجيل الحديث من العرب حق قدرها ، بل لو لم يكن القرآن لما كان بقاء اللغة العربية والعرب إلى يومنا هذا مضمونا ، وما ظن الدكتور زكي مبارك بمصر : آلعرب أتوها بالعربية والعروبة أم القرآن والإسلام ؟
(هامش : لا تجد في العالم لغة من اللغات الراقية إلا وقد طرأت عليها تغيرات كبيرة وتطورات بحيث لا يفهم الجيل الحديث لغة الجيل القديم من نفس القوم أو يستثقلها ، إلا اللغة العربية الفصحى ، فتجد ما قيل أو كتب قبل أكثر من ألف سنة من النظم أو النثر العربي كأنه قيل اليوم أو كتب ، أو أفضل مما قيل اليوم أو كتب. وهذا بفضل القرآن الذي ثبت على ما كان عليه من لفظه المعجز لم تتبدل منه ولا كلمة واحدة ، وبقيت لغة الفصحاء والبلغاء في كل عصر غير متباعدة عن جاذبية محور القرآن ، وكان من أثر تبعية الفصحى للقرآن غير منقادة للتطورات التي تقتضيها الطبيعة البشرية ، أن اتسعت مسافة الفرق في اللغة العربية الفصحى الثابتة بثبات القرآن والعامية المتغيرة بتغير الزمان وأصبحت أكثر مما بينهما في أي لغة أخرى. انتهى الهامش)
بداية صفحة 149
فلا يستطيع عربي عاقل أن ينكر كون عبقرية محمد العربي كلها أو جلها بفضل القرآن الذي حصل عليه بفضل رسالته من الله ؛ حتى إن المنكرين لمعجزات نبينا ما وسعهم إنكار معجزة القرآن ؛ ولا يكون القرآن معجزة إلا إذا كان من عند الله ، ولا يكون من عند الله إلا إذا كان محمد رسول الله بالمعنى المعروف الغيبي للرسالة.
وانظر فيما قاله الدكتور وتأمل جدا : "إن محمدا حرم نفسه الشهرة بإجادة البيان وبفضل الكتاب الذي بلغه عرش البيان"
وقال الدكتور أيضا : "وما يجوز عند جمهور المسلمين أن يقال : إن الله خص محمد بالرسالة لأنه كان وصل إلى أسمى الغايات من الوجهة الإنسانية ولا أن يقال : إن الله اختار الرسول من العرب لأنهم كانوا وصلوا إلى غاية غالية من قوة الروح"
جمهور المسملين الذين عاتبهم الدكتور لا يجهلون أن الله أعلم حيث يجعل رسالته ، ولكن أدب الإسلام وفلسفته لا يسوغان الاستحقاق بين يدي الله لأي عبد من عباده ، وإنما يقال إن أثاب فبفضله وإن عاقب فبعدله. فإن كان صلى الله عليه وسلم وصل إلى أسمى الغايات من الوجهة الإنسانية – ولا ريب في أنه وصل – فقد كان وصوله إليه أيضا بفضل خاص من الله به ، وإن كانت العرب اختار الله الرسول منهم لأنهم كانوا وصلوا إلى غاية عالية من قوة الروح – ولكن هل هو قبل إسلامهم أو مع إسلامهم أو بعده بقليل أو كثير ؟ - وعلى كل حال إن كانوا وصلوا إلى غاية عالية فذلك بفضل الله أيضا. وقال أيضا وأنا أنقل عنه غير متبع لترتيبه:
بداية صفحة 150
" أعتقد أن شخصية النبي محمد لم تدرس حق الدرس إلى اليوم في البيئات الإسلامية ، لأن المسلمين يجعلونه رسولا في جميع الأحوال فهو لا يتقدم ولا يتأخر إلا بإشارة من جبريل ؛ ومعنى ذلك أن شخصية محمد في جميع نواحيها شخصية نبوية لا إنسانية"
قلت : وكان معنى قول الدكتور هذا أن نبوة محمد تنافي إنسانيته . ثم قال :"يضاف إلى هذا أن جمهور المسلمين يعتقدون أن النبوة لا تكتسب ، وهم يعنون بذلك أنها لا تنال بالجهاد في سبيل المعاني الإنسانية ، وإنما هي فضل يخص الله به من يشاء".
قلت : وهو كذلك رغم أنف الدكتور ، لأن ما يشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
ثم قال :"وإنما غلبت هذه العقيدة لأن الإسلام نشأ في بيئات وثنية خاضعة للعقليات الوثنية ، والرسول لم يشق بين قومه إلا لأنه حدثهم بأنه بشر مثلهم ، ولو أنه كان استباح الكذب فحدثهم بأن فيه عنصرا من الألوهية لوصل إلى قلوبهم بلا عناء".
وأنا أقول هل قوم الرسول الذي شقي هو بينهم ولم يصل إلى قلوبهم بلا عناء ، لأنه لم يحدثهم بأن فيه عنصرا من الألوهية ، هم العرب الذين كان يقول عنهم الدكتور : "إن الله اختار الرسول منهم لأنهم كانوا وصلوا إلى غاية عالية من قوة الروح"؟
إن المسلمين أيها الدكتور من العرب وغيرهم ، لو استباح النبي الكذب فحدثهم بأن فيه عنصرا من الألوهية ، لما آمنوا به نبيا ، بله إيمانهم به على أن فيه شيئا من الألوهية. ولا مناسبة أصلا بين عقيدة المسلمين أن النبوة فضل من الله يختص به من يشاء من عباده ، التي هي عقيدة التوحيد الخالص ، وبين عقليات وثنية تتصور في النبي عنصرا من الألوهية.
بداية صفحة 151
الحق أن المسلمين وأعني بهم ما يعني الدكتور بجمهورهم ممن كانوا على مذاهب الأئمة الأربعة ، أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والذي أخذ أولئك الأئمة منهم ، ومن كانوا على مذهب أهل السنة والجماعة مثل الأشاعرة والماتريدية ومعهم كثير من غيرهم ، ما أنكروا في أي وقت من الأوقات كون النبي إنسانا ، وإنما الطائفة العصرية المارة الذكر ينكرون أن يكون الإنسان نبيا ، يأتيه وحي من الله على طريقة خاصة معلومة عند أنبياء الله الذين نعرفهم بأسمائهم المذكورة في القرآن ، وربما يأتيه ملك أو ينزل في تعبيره ، وإنما الرجل نفسه ومن في عقليته يعتبرون النبوة الحقيقية عنصرا من الألوهية ويزعمون أنها لا تأتلف مع البشرية . وهي عقلية جاهلية كافحها القرآن في كثير من آياته كقوله "وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء" وقوله :"وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق" وقد سبق أن الدكتور طبق هذه الآية بغير حق على الذين يخالفهم من المسلمين في العقيدة ، مع أن الآية عليه نفسه ومن على شاكلته كما نبهنا إليه في محل تطبيقه أيضا. فالرسول لم يشق بين المسلمين حين حدثهم بأنه بشر مثلهم ، كما أنه ما استباح الكذب عندما حدثهم بأنه نبي يأتيه وحي من الله ، والذين يتصورون المنافاة بين الحالتين من الجاهليين القديمين والحديثين لم يكن خطؤهم في أنهم ما قدروا النبي حق قدره فحسب ، بل أصل أخطائهم أنهم ما قدروا الله حق قدره كما نبه عليه القرآن الحكيم لأنهم بإنكارهم النبوة المعروفة عند المسلمين أنكروا قدرة الله على إرسال الرسل وإنزال الكتاب.
بداية صفحة 152
وانظر قول القرآن الحكيم أيضا : "قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون" والله تعالى أذن لاتصال الإنسان به بأن خلق فيه العقل والإدراك حتى زعم "بلوتن" الإسكندراني أن الإنسان يتحد مع الله عند إدراك أي شيء من الأشياء. وقد تقدم بحثه في الجزء الثاني رقم 245 ، 247 ، عند النظر في فلسفة الحسبانية في آخر المطلب الأول من الباب الأول. فالله الذي خلق العقل وجعله صلة بينه وبين الإنسان ، من غير أن يخرجه من البشرية ، على خلاف زعم "بلوتن" قادر أيضا على أن يجعل بينه وبين من اصطفاه من عباده صلة أخص من صلة العقل ، وينزل عليه وحيا أوضح من وحي العقل ، من غير أن يخرجه أيضا من البشرية على خلاف زعم الدكتور زكي وأمثاله.
هل يجوز أن تكون النبوة مكتسبة
فالنبي إنسان له اتصال خاص بالله تعالى فوق الاتصال الذي يحصل لكل عاقل عند تعقل ربه بالنظر في أدلة الكون ، فيأتيه وحي منه ويكون إيحاؤه إليه فوق إلهام العلوم العالية للعلماء والمشروعات العظيمة للعظماء. فهذه المرتبة الإنسانية هي التي لا تكتسب وتمتاز بكونها فضلا من الله خاصا لم يصطفيه من عباده ، والتي يغيظ الدكتور زكي مبارك أن تكون كذلك. وليس هو أول من دارت هذه الفكرة في خلده ونحن بفضل الله نبين المحاذير المترتبة على كون النبوة مكتسبة:
بداية صفحة 153
فأولا يلزم على هذا التقدير أن لا يكون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ، رغم كونه منصوصا عليه في القرآن ، لأن باب الاكتساب يلزم أن يكون مفتوحا لكل طالب من أمة محمد وغيرها ، حتى إنه يلزم أن يكون في إمكان الدكتور زكي مبارك مثلا أن يعد نفسه من المرشحين للنبوة وأن يحصل عليها كما حصل على الدكتوراهات.
وثانيا : لو كانت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مكتسبة كما يريدون ، أي عبقرية وبطولة مجردة عن الغيبيات ، كان صلى الله عليه وسلم ، وحاشاه أن يكون ، كاذبا في إسناد القرآن إلى الله ، والكذب مهما تصور العقل العصري ائتلافه بالعبقرية والبطولة فالحق عندي كونه مخلا بهما ، أو على الأقل مخلا بكمالهما ، كما أنه مخل بالنبوة.
وثالثا : لم يكن منشأ اعتقاد المسلمين أن النبوة لا تكتسب هو العقلية الوثنية التي ورثوها من آبائهم كما ادعى الدكتور ، إذ لم يتخذ المسلمون نبيهم إلها ولم يبعدوه في وقت من الأوقات ، وليس في عقيدة كون النبوة مرتبة تفوق مراتب الحكماء والعظماء العباقرة من الناس ولا تنال إلا بفضل من الله واصطفاء خاص ، وتكون علامة هذا الاصطفاء من الله ما يظهر على يد النبي من خوارق نسميها معجزات . ليس في هذه العقيدة وفي تلك المرتبة شيء من الوثنية أو الألوهية للنبي ، وإنما النبي يكون بهذه المرتبة عبد الله الخاص
بداية صفحة 154
حتى إذا أتاه ملك من الله لإنزال الوحي فليس هو أيضا إلا من عباده المكرمين. ومنشأ السعي لجعل النبوة مكتسبة من الساعين ، عدم الإيمان بالنبوة الحقيقية التي عرفناها ، واستنكار تلك المرتبة للبشر ، حتى رموا عقيدة النبوة الحقيقية بالعقيدة الوثنية ، ما استكثر إخوانهم المتقدمون من جهلة أقوام الأنبياء فقالوا :"إن أنتم إلا بشر مثلنا".
فيريد دعاة النبوة المكتسبة أن يجعلوا النبوة ملكا مشاعا بين المجتهدين في استجماع الأوصاف اللازمة لإرشاد الناس واقتيادهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم. ولا يظن أن المقصود من رغبتهم في أن تكون النبوة مكتسبة محاولة فتح الطريق أمام المستعدين لإحراز مرتبة النبوة من الناس العاديين ، بل المقصود تنزيل الأنبياء إلى درجة الناس العاديين بتجريدهم عن المعجزات وغيرها مما يخالف سنة الكون.
ورابعا ، بماذا يعلم أن الساعي لاكتساب منصب النبوة قد بلغ مسعاه وأصبح نبيا من أنبياء الله ؟ بماذا يعلم الناس ويعلم هو نفسه قبلهم ؟ وليس لنبوته علامة يقتنع بها في نفسه كنزول الوحي ولا علامة تقنع الناس مثل ظهور معجزة على يده ، لأن أنصار النبوة المكتسبة لا يعجبهم الأمور الخارجة عن سنن الكون ، وقد قلنا إن النبوة نفسها بالمعنى الذي نريده ، معجزة خارجة عن سنن الكون ، فلهذا لا تعجب الذين لا يعجبهم المعجزات. وقد يكون أساس الخلاف في مسألة النبوة والمعجزات أعمق من هذا : وهو أن الدين يستند إلى الأسرار والغيبيات ، ولهذا جعل الله تعالى في رأس أوصاف المهتدين بهدي كتابه ، الإيمان بالغيب ، فقال :"ألم ، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون" . ومن شنيع الخطأ أن يحمل الغيب على ما يقابل الواقع ، كما فعل الأستاذ فريد وجدي بك في إحدى مقالاته في "مجلة الأزهر" وقد سبق نقله ، بل المراد به ما غاب عن الحاسة كالملائكة والجن والوحي وأحوال الآخرة من البعث والنشور والحساب والثواب والعقاب قبل وقوعها ، وكالمعجزات في كيفية وقوعها غير مستندة إلى الأسباب الطبيعية. وأعظم الغيبيات الله سبحانه وتعالى.
بداية صفحة 155
فالنبوة اتصال الإنسان بهذه الغيبيات التي لا يحيط بها نطاق الطبيعة. ومن هذا قال "استيوارت ميل" من لا يؤمن بموجود فوق الطبيعة ولا بتدخله في شئون العالم لا يقبل فعل إنسان خارق للعادة على أنه معجزة ويؤوله مطلقا بما يخرجه عن كونه معجزة"
وخامسا ، من أهم الفروق بين النبي الكاسب والنبي الموهوب له ، أن الأول يخطئ ويصيب والثاني لا يخطئ أبدا فيما بلغه عن الله ، وإن أخطأ في اجتهاده فلا يستقر على الخطأ من دون أن ينبه عليه. والدكتور زكي مبارك أطلق القول ورماه على عواهنه من غير تمييز بين الأحوال المختلفة فقال :"كان محمد في سريرة نفسه إنسانا يخطئ ويصيب بدليل ما وجه إليه من اللوم والعتاب في القرآن".
سادسا : النبي الحقيقي المعصوم عن الخطأ المؤيد بالوحي والمعجزات التي هي علامات رسالته من الله ، وامتيازه على الناس ، للناس حاجة إليه ليهتدوا بواسطته إلى الطريق التي يحب الله ربهم أن يسلكوها وإلى نوع العبادة التي بها يعبدونه. وليس لأحد غير هذا النبي أن يعين بالضبط تلك الطريق وذلك النوع مهما كان مبلغه من العلم والحكمة ، فالعلماء والحكماء يمكنهم أن يضعوا للناس مناهج الأخلاق ومبادئ الأفكار ، ويعينوا لهم وظائف نحو الخالق والخلق ، ولكن لا يكون أي واحد من هذه المناهج والمبادئ دينا. وإنما الدين يأتي من الله ويبدأ بالنبي كما قال العالم الكبير مترجم كتاب بول زانه فلا دين قبل مبعث النبي ولا يوجد دين فلسفي وإن وجدت فلسفة دينية
بداية صفحة 156
فإذا جاء نبي وأعلن الدين فليس لأحد أن يستغني عن الاعتراف به ، فهو كقانون الدولة يطيعه العامة والخاصة. وما ادعاه الأستاذ فريد وجدي بك في كتابه "الإسلام دين عام خالد" أن علماء الغرب غير محتاجين إلى الاهتداء بهدي الشرائع المنزلة بحجة أنهم أنفسهم واضعوا الشرائع والمذاهب ، مبني على مذهب النبوة المكتسبة اللادينية ، وإنكار النبي الحقيقي المبعوث من قبل الله الذي يكون وضع الدين من اختصاصه فقط. فعلماء الغرب حتى الإلهيون منهم الذين لا يعترفون بالأنبياء والذين يهملون في فلسفتهم مبحث النبوة ، لا دينيون على الرغم من أن لبعضهم أفكارا عالية في الإلهيات. وقد ذكرت في أوائل الباب الأول من هذا الكتاب (الجزء الثاني ص 19) أن لكون دينهم الرسمي النصرانية أثرا في إهمالهم مبحث النبوة ، لأن النبوة في هذا الدين أخرجت عن ماهيتها الأصلية ولبست بالألوهية فأضيعت معقوليتها. ومع هذا كان واجبهم البحث والتفكير في مسألة النبوة على إطلاقها ، ولا يعذرون في السكوت عنها لمانع خاص لنبوة سيدنا عيسى عند المسيحيين ، لاسيما والدين السماوي في الدنيا لا يبتدئ بالدين المسيحي ، فله تاريخ قبل المسيحية وأنبياء قبل المسيح. فماذا قول فلاسفة الغرب في نبوة هؤلاء الأنبياء التي لا تشبه نبوة عيسى عليه وعليهم السلام ، والتي يلزمه أن يصدقوها إن لم يصدقوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، بالغيرة المسيحية ، فماذا قولهم في تلك النبوات وماذا موقفها من فلسفتهم إن لم يكن محل في الفلسفة لنبوة المسيح على الشكل الذي يتصوره المسيحيون ؟ فلو نظروا في نبوات الأنبياء ودرسوها لإعطاء حقها في الفلسفة بعد الفلسفة الإلهية لكانوا أدوا واجبا من واجباتهم ، وربما أصلحوا بفضل درسها ما طرأ على نبوة المسيح في عقيدة النصرانية من الغلو المفسد للنبوة والألوهية معا. فيظهر أنهم رأوا أنفسهم في حالة الاضطرار بين رفض المسيحية الحاضرة وإنقاذ النبوة أو رفض الجميع أو إهماله الذي هو الرفض أيضا لكنه في رفق وهوادة ، فاختاروا الأخير.
بداية صفحة 157
فلو كان دين فلاسفة الغرب الإلهيين الإسلام ما وقعوا في هذا المأزق ، أو لو كانوا مستغنين عن اتباع شرائع الأنبياء كأنهم أنفسهم ليسوا دون الأنبياء كما ادعى الأستاذ فريد وجدي ، لما أحجموا عن المصارحة في إحقاق الحق وإبطال الباطل كما هي دأب الأنبياء.
هذا حال الفلاسفة الإلهيين في الغرب الذين لا معنى لعدم اعترافهم بوجود رسل الله بعد الاعتراف بوجود الله غير المعنى الذي ذكرته. أما الأساتذة العصريون منا ففيهم من يقلد ملاحدة الغرب الماديين ولا يعترف بوجود الله ، والمعترفون به لا يعترفون علميا ، فيفترقون عن الإلهيين الذين يعتبرون مسألة وجود الله في رأس المعلومات المثبتة كما سبق قول العلامة "باستور" في ذلك وقول الفيلسوف الكبير "ديكارت" : "إن الله مبدأ العلم كما أنه مبدأ الوجود" ويقلدون الإلهيين في مسألة النبوة فلا يعترفون بالأنبياء مع وجود الفارق بين موقفهم وموقف الذين اقتدوا بهم ، فكل تعللهم وتلعثمهم في مبحث النبوة كإنكار المعجزات مطلقا تحت ستار إنكار المعجزات الكونية وميلهم إلى النبوة المكتسبة أو النبوة الإنسانية التي لا تخرج على الطبيعة ، كل ذلك منشأه عدم الاعتراف بالأنبياء مع الظهور في مظهر الاعتراف. إذ لا معنى للقول بوجود الأنبياء مع تجريدهم عن المعجزات ، وقد عرفت معنى اعترافهم بمعجزة القرآن ، فلو كانوا ضميميين في القول بوجود الأنبياء لما فرقوا بين معجزة كونية وغير كونية إلى حد الطعن في معجزات الأنبياء المتقدمين من أجل أنها معجزات كونية ، والطعن في سنة محمد صلى الله عليه وسلم المضبوطة في كتب الحديث ، للاحتفاظ بسنة الكون ، وهذا خلط منهم للمذهب الإلهي بالمذهب المادي ، ورجعة إلى النزعة الإلحادية بعد الاعتراف بوجود الله وأنبيائه ، فلو أن القائلين بوجود الله من فلاسفة الغرب اعترفوا بوجود الأنبياء لما ترددوا في الاعتراف بمعجزاتهم كونية وغير كونية ، إذ لا مانع بعد القول بوجود الله من تدخله في الكون وإحداث تغيير وقتي في سنته لتأييد أنبيائه.
بداية صفحة 158
فنحن لا نرى فرقا بين إنكار الأنبياء بتاتا وبين الاعتراف بهم مع إنكار معجزاتهم التي تتعدى حدود نظام الطبيعة ، والتي هي طوابع رسالتهم من الله المسيطر على الطبيعة ونظامها. والذين ينشدون أنبياء طبيعيين فكأنما يريدون أن تكون رسالتهم من الطبيعة لا من الله ، انظر قول الدكتور طه حسين بك في مقالته النفيسة المنشورة في مجلة "الثقافة" بعنوان "القلب الرحيم" :
" وما رأيت أعجب من أمر محمد صلى الله عليه وسلم فيما رأيت ، وما علمت من أمور الأنبياء رجل كان يطالبه خصومه وأعداؤه بالمعجزات فيتبرأ منها ويعلن إليهم أنه بشر مثلهم ، وأنه لم يرسل ليبهر العقول بالأحداث العظام ، وإنما أرسل ليتلو على الناس قرآنا يتحدث إلى عقولهم فيملأها هدى ، ويتحدث إلى قلوبهم فيشعرها رحمة وبرا ، قم لا يخلو أمره من هذه المعجزات التي تبهر العقول وتسحر الألباب ، دون أن تحدث في طبيعة الأشياء حدثا أو تتجاوز بعادات الناس الجارية طريقة المألوف ، إنما هي معجزات ممتازات يراها الناس مألوفة ويراها المفكرون نادرة باهرة ومقنعة مفحمة للمكابرين"
فكأنه يتعجب من أمر محمد صلى الله عليه وسلم في كونه نبيا لا يشبه الأنبياء وفي كون معجزاته لا تشبه المعجزات ولا تخرج عن مألوف العادات ، وهذا أوضح تعريف للنبي الطبيعي يذكره كتابنا العصريون ميزة لنبينا على غيره من الأنبياء ويسوقوه في صدد المدح ، فكأن النبوة كانت على خلاف الطبيعة في الأنبياء حتى أصبحت في نبينا طبيعية. لكن عيب المخالف للطبيعة عندهم أنه مستحيل الوقوع ، وهو يتضمن الطعن في نبوة غيره من الأنبياء طعنا لا يرضاه الإسلام لكون نبوتهم مكفولة من القرآن. وفضلا عن ذلك فإن هذا الطعن وذاك المدح إنما يكونان طعنا ومدحا على مزاج الملاحدة الماديين القائلين باستحالة ما يخالف سنة الطبيعة
بداية صفحة 159
حتى إذا سمعه المستشرقون المسيحيون انقلب القدح في نظرهم مدحا واعترافا من كتاب المسلمين بعدم كون محمد صلى الله عليه وسلم نبيا ، لأن النبي الحقيقي لا بد أن يكون له حالة يضيق عنها نطاق الطبيعة وتتعداها إلى ما فوقها ، لتكون علامة رسالته من الله ، ويكون الذين يتبعونه على بينة من أمره. وما دامت هذه الحالة ممكنة للنبي بإذن الله في نظر المعترفين بوجود الله ، فماذا السبب الدافع للعصريين إلى التزام تجريد النبي عن الحالة المميزة ؟ ولا يقال إن أفعاله المصلحة ونتائجها الصالحة تكفياته ميزة وعلامة. وهذا هو السؤال الذي كنت أوردته على نفسي قبيل الشروع في انتقاد أقوال الدكتور زكي مبارك ، ثم لم أذكر جوابه ، والآن أذكره : وهو أن الصلاح والفساد كثيرا ما يختلفان باختلاف الأنظار ، فالحكم القطعي بصلاح الأفعال ونتائجها يتوقف على معرفة أن فاعلها مصلح حقيقي ونبي من أنبياء الله ، فلو توقفت معرفة كونه نبيا أي مصلحا حقيقيا على تبين الصلاح في أفعاله ونتائج أفعاله كان دورا. وفضلا عن هذا فإن بعد ما بين المشروعات ونتائجها يقتضي في الأكثر مرور أزمنة طويلة قد يظهر في آخرها أن القائم بدعوى الإصلاح كاذب في دعواه. فيجب على الناس أن يكونوا من أول أمرهم مع مدعي النبوة الذي يتولى هدايتهم إلى الدين الحق ، على بينة من صدقه فيما ادعاه.
فالقاعدة المتخذة للناس مع النبي الحقيق المرسل إليهم من قبل الله أن يبحثوا فيه عن علامة من الله تدل على رسالته إليهم ، وهذا مما لا يجوز أن يشك فيه العاقل إن كان لله رسل وأنبياء حقيقيون وكانت للناس حاجة إلى وجودهم . فهل هم موجودون ، وهل للناس حاجة إليهم ؟ فلننظر الآن في هذه المسألة ، وبالنظر فيها نكون قد أدينا الواجب الثاني من الواجبين الرئيسيين الذين تولينا القيام بهما في هذا الكتاب مستعينين بتوفيق الله سبحانه وتعالى ، وذاك الواجب الثاني هو إثبات وجود أنبياء الله.
بداية صفحة 160
إثبات وجود الأنبياء
وجود الأنبياء إن لم يكون ضروريا – كما قلنا في أول هذا الباب – كضرورة وجود الله في إيضاح فلسفة العالم بجميع أجزائه ، إلا أن للنبوة أيضا أهمية كبيرة في إيضاح فلسفة الإنسان الذي هو جزء من أجزاء العالم ، أهمية تجعلها جديرة بأن تعد من المطالب الفلسفية ، ولا شك أن النبوة إنما تتصور بعد مطلب الألوهية وتنبني تماما على الاعتراف بوجود الله.
فإذا كان الله موجودا وهو خالقنا وخالق كل شيء ، كان أول واجب الإنسان التفكير في أن خالقه لا يتركه سدى ، لاسيما وقد خلقه ممتازا على سائر خلقه بالعقل والإرادة ، فيلائم عقله الذي به وجد ربه واستدل على وجوده كل الملاءمة ، أن تكون عليه واجبات تجاه من خلقه. لكن العقل لا يستطيع تعيين هذه الواجبات بالضبط والتفصيل ، لا عقل أحد يفكر في نفسه ، ولا عقول العلماء والحكماء الذي يختلف آراؤهم ومذاهبهم في تعيين الحق والباطل والخير والشر ، فلا يدرى أيها يوافق مرضاة الله من تلك الآراء والمذاهب المختلفة . ولا يصدق العقل أن يكون الحق والصواب في رأي الكثرة لأن هذه طريقة برلمانية لا تغني من الحق شيئا ، ألا يرى أن التحقيق والترجيح في المسائل العلمية لا يبنى على عدد الأصوات والآراء. ولو استقر القرار على أن يعمل كل إنسان بما يؤدي إليه فكره واجتهاده كان فوضى. ففي وسط هذه الحيرة والتردد يحس الإنسان من صميم قلبه بالحاجة إلى رسول من عند ربه يسدد خطاه ويبلغه أوامره ونواهيه ، فهو وحده يكون كمندوب رسمي من جانب الملك يحمل مرسومه من بين المندوبين من تلقاء أنفسهم.
(هامش : ومن هنا يرد اعتراض قوي على تعريف النبي بما عرفه محمد عبده وقد نقلنا سابقا من أنه إنسان فطر على الحق علما وعملا أي بحيث لا يعلم إلا حقا ولا يعمل إلا حقا ؛ فيقال من أين يعلم وبأي شيء يثبت كونه لا يعلم إلا حقا ولا يعمل إلا حقا ، فثبوت هذا إنما يكون بتجربة حياته من أولها إلى آخرها ، ثم اتفاق الآراء على تصديقه في كل ما يعلم وما يعمل أو بثبوت كونه نبيا. والأول غير ممكن والثاني مستلزم للدور. انتهى الهامش)
ص 161
و مهما كان يوجد في غير حامل المرسوم من هو أهل ، أو بالأصح من يرى نفسه أهلاً لأن يقوم بما عهد الملك إلى حامل مرسومه أن يقوم ، فلا يعتبر مندوبَ الملك و لا يجب على الناس أن يعترفوا به مندوبه ، فكذلك النبي الذي يراه منكرو المعجزات في غنى عن تأييدنبوته بالمعجزة الخارقة لسنن الكون و الذي لا يجاوز به معرفوه العصريون إلى ما فوق العبقري في الصلاح و الإصلاح و الكمال و التكميل ، لئلا يبلغوا بميزته إلى ما وراء السنن الكونية ، فهذا النبي لا يكون نبي الله و رسوله رسمياً كرسول الملك الحامل لرمزه ، لأن رمز الله و وسامه على رسوله هو معجزته الخارقة لسنن الكون الطبيعية و التي لا توجد عند النبي الطبيعي و لا عند صاحب النبوة المكتسبة. و كل ما عدا المعجزة ليس برمز للنبي الحقيقي مهما أعظمه الكتّاب العصريون ، فهم على الرغم من أنهم يكتبون في النبي و حياة النبي ، لا يعرفون موضوع ما يكتبون ، أو يحيدون عنه عمداً (هامش : فهل أولئك الكتاب يكتبون حياة محمد صلى الله عليه و سلم ليؤمن الناس بأنه عظيم من عظماء البشر أو بأنه نبي من أنبياء الله ؟ انتهى الهامش) لأن الكلام فيمن بعثه الله إلى الناس كما بعث الملك مندوبه و عامله (هامش : و كل ما يأتي به النبي من أفعال طبيعية عظيمة غير معجزة و يعجب العصريين أكثر من المعجزة فهو لا يصلح لأن يعتبر رمزاً قطعي الدلالة على أنه نبي الله ، لكونه من جنس ما يفعله البشر ، مهما كان مبلغه من الخطورة. و قد قرأنا بكل استغراب في " مجلة الأزهر " من الأستاذ فريد وجدي بك ، أنه كان يحاول أن يستخرج من انتصار أهل بدر على قلتهم البعيدة عن كثرة المشركين ، معجزة ، و يترك المعجزة الحقيقية التي نطق بها القرآن من إمداد المسلمين بآلاف من الملائكة و تقليلهم في أعين المشركين أولاً ثم إراءتهم مثليهم رأي العين ، و إليه يشير قوله تعالى : " و إذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً و يقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً " . و قوله : " لقد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله و أخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين و الله يؤيد بنصره من يشاء " انتهى الهامش ) مع أن الذي يقدمه أولئك الكتاب لنا على أنه نبي الله ليس بنبيه الحامل لرمزه الرسمي ، و إنما هو من يرونه أهلاً لأن يكون نبي الله كالذي يراه بعض الناس أهلاً لأن يكون
ص 162
مندوب الملك و ليس بمندوبه فعلاً . و كذلك من يرشحونه للنبوة من غير معجزة و من غير أمر من الله أتاه بطريقة مخصوصة تختلف عن طريق ما يأتي العاقل العبقري من عقله ، لأن هذا الرسول رسول عقله لا رسول الله و إن كان العقل أيضاً رسولاً من الله في الإنسان ، فذلك العبقري إذن رسول رسول الله لا رسول الله مباشرة و بطريقة خاصة ، حتى إن مدعي النبوة من مثله بالإضافة إلى الله يكون كاذباً في دعواه ، و حتى إن الأنبياء المعلومين بأسمائهم صلوات الله و سلامه عليهم و فيهم نبينا صلى الله عليه و سلم ، لو كانوا أنبياء كما يتصور الكتاب العصريون و يعجبون به لزم أن يكونوا كاذبين في دعوى النبوة و أن يكون كذبهم معلوماً عند هؤلاء الكتاب، لأن ما ادعاه الأنبياء لأنفسهم ليس من جنس ما يتصوره هؤلاء لهم و يعجبون به منهم. فكاذا يقولون فيما بلغه نبينا صلى الله عليه و سلم عن الله تعالى قوله مثلاً : " كتاب أنزلناه إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به و ذكرى للمؤمنين " . و قوله " لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه و قرءانه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه " . هل عندهم نزل على النبي كتاب من الله كان يقرؤه الله على النبي و النبي يتبعه في قراءته ؟ كتاب يتوعد الله من قال عنه " إن هذا إلا قول البشر " فيقول : " سأصليه سقر و ما أدراك ما سقر " بل و يتوعد نبيه فيه قائلاً : " و لو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين " " كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير " كتاب إذا قال الذين لا يرجون لقاء ربهم ائت بقرآن غير هذا أو بدله يقول النبي : " ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم . قل لو شاء ما تلوته عليكم و لا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون " .
هل نزل عليه حقيقةً كتاب من عند الله ؟ فإن كان نزل و لم يكن النبي كاذباً في إسناد هذا الكتاب إلى الله ، و حاشاه أن يكون كاذباً ، كان معجزة خارقة لسنة الكون و خارجاً عن الحدود الطبيعية التي رسمها أولئك الكتاب للنبي ، و لهذا ترى معالي
ص 163
الدكتور هيكل باشا في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه (ص42) يقع على الرغم من إنكاره المعجزات الكونية في حيرة بشأن الوحي فيقول : " إن العالم النزيه القصد إلى الحق لا يستطيع أكثر من أن يقول إن ما وصل إليه العلم حتى هذا الزمان يقصر دون تفسير الوحي على الطريقة العلمية المادية " .
الحاصل أنه بعد ثبوت كون الله موجوداً لا بد من وجود الأنبياء المبلغين عن الله و لا بد أن تكون إضافتهم إلى الله مضمونة بوجود معجزات لهم خارجة عن نطاق القدرة البشرية.
ثم أنه يُرى أناس الخير و أناس الشر في الدنيا ربما لا يلاقون ما يستحقونه ، حتى لو فرضنا أن الإنسان يعلم واجباته بعقله و يستطيع تعيين حدود الخير و الشر ، فهو لا يقدر على وقف كل أحد عند حده ، حتى الحكومات لا يستطعن ذلك حق الاستطاعة ، و قد يلتبس عليهن الأخيار و الأشرار فتعجز المحاكم العدلية عن إحقاق الحقوق و قد تكون هي مضيعتها عمداً و تعين الظالم على المظلوم. فلا بد بعد هذه الحياة الدنيا من حياة ثانية تُستدرك فيها نقائص الحياة الأولى و تطمئن قلوب أهل الفضيلة بتوقع ملاقاتها ، حتى أن الفيلسوف " كانت " استنبط دليل وجود الله من لزوم الحياة الثانية و لزوم مجيء يوم الدين ليكون مالك ذلك اليوم و حاكمه ، و عدّه أقوى أدلة وجود الله كما سبق في آخر الباب الأول من هذا الكتاب ، و قد كنا نحن انتقدنا عليه ذلك ، فهذا الذي لا نراه كافياً في إثبات ذلك المطلب الأكبر أحسن دليل عندنا و أولاه على إثبات رسل الله ، حيث تشتد الحاجة إلى وجودهم ، ليعلموا الناس سبل الفلاح و النجاح في يوم الدين و لا تتفرق بهم السبل على أيدي الرسل الفضوليين ، رسل المنكرين للمعجزات و الرسالات الخارجة عن نطاق الطبيعة . فلئن كان الناس مسئولين في النشأة الثانية عن أعمالهم في الدنيا كما هو المجزوم عندنا و عند الفيلسوف " كانت " فوجود رسل الله الذين يوثق برسالاتهم و وجود المعجزات المعرفة لأشخاصهم ، يكون مقتضى العدل الإلهي : قال
ص 164
تعالى : " رسلاً مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ". فإذا كان الله موجوداً و جعل للإنسان حيا أخرى يحاسبه فيها على أعماله في الحياة الأولى كان إرسال الرسل إليهم كالضروري إن لم يكن ضرورياً ضرورة وجود الله لوجود العالم.
فأول ما يكون ثبوته ضرورياً على طريقة الفيلسوف " كانت " لحفظ الأخلاق عن الانهيار و صيانة حقوق الفضيلة من الضياع الأبدي ، هو وجود البعث بعد الموت ، و يأتي عنده ثبوت وجود الله بعده مبنياً عليه ، و يأتي عندنا بعد ثبوت وجود الله و وجود البعث - أياً كان الأول ثبوتاً - وجود الأنبياء . فلا ينفك وجودهم على كل حال عن ثبوت وجود النشأة الأخرى. و العجيب أن فلاسفة الغرب المؤمنين بالله يؤمنون بالحياة الآخرة أيضاً و يعتبرونها من المطالب الفلسفية ثم لا ينتبهون إلى الاتصال الظاهر بين وقوع الحياة الآخرة و وجود الأنبياء. أفلا يمون جزاء الإنسان في الآخرة من غير إرسال رسول يبلغه ما يجب عليه أن يفعله في الدنيا أو يتجنبه ، كمؤاخذة حكومة من الحكومات شعبها بعمل لم يسبق منها النهي عنه أو بترك عمل لم يسبق منها الأمر به ؟ و قول القائل : ليجد الشعب بعقله ما تريد الحكومة أن يفعله الشعب و ما لا تريد ، من غير قانون ينص على الواجبات و المحظورات : و لا أصدق قيلاً من الله القائل : " و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً " .
لما بلغ طبع هذا الكتاب إلى بابه الثالث الذي نشر من قثبل على شكل كتاب مستقل باسم : " القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب و الذين لا يؤمنون " كما ذكرته و سببه في أول الباب، و لزم اليوم تجديد طبعه لوضعه إلى محله من الكتاب - أرسلت إلى المطبعة نسخة من النسخ المطبوعة مع بضعة أوراق تضاف إليها في الطبعة الثانية ، و تبين أخيراً أن ورقتين من تلك الأوراق ضاعتا بين المطبعة و حامل النسخة إليها ،
ص 165
و كان محلهما تقريباً بحث النبوة المكتسبة الذي أوشك أن ينتهي هنا ، فرأيت أن أكتبهما و أستخرجهما من ذاكرتي الضعيفة التي لا تزال تحفظ موضوعهما على الأقل.
فقد كانت أولى الورقتين تتضمن نقلاً عن فضيلة الأستاذ عبد القادر المغربي فيما قرأته و نسيت الآن مرجعه ، أنه ذكر الشيخ جمال الدين الأفغاني و اتهامه لما كان في استانبول من علمائها بأنه قال في خطبة ألقاها في حفلة من الحفلات : " إن النبوة كانت في الأزمنة القديمة ( أزمنة الأنبياء ) اتخذت صنعة من الصنائع " . و كان والد الأستاذ الحاكي يومئذ في استانبول حاضراً في الحفلة و مشاركاً للسامعين في اتهام الخطيب ، حتى كتب رسالة في الرد عليه . و فضيلة الأستاذ الحاكي يدافع في النهاية عن الخطيب بعدم معرفة أبيه اللغة التركية التي كانت لغة الخطبة ، فكان صنيعه اتهام أبيه لإنقاذ الشيخ جمال الدين ، و هو دافع لا يخلو من الغرابة. أما اتهام علماء الآستانة باختلاق هذه المسألة من عندهم افتراء على الخطيب كما يعتقده كثير من الكاتبين بمصر عن الشيخ جمال الدين ، فهو أبعد. و قد قرأت في " أخبار اليوم " بمناسبة مرور ملك الأفغان أخيراً بالقاهرة ، في طريقه إلى بلاده عائداً من أوروبا : " إن علماء استانبول حكموا بكفر الشيخ جمال لشربه الدخان " و هو دليل على أن في مصر كتّاباً يستبيحون في قضية الشيخ جمال الدين ما لا يستباح من سخف القول.
أما ثانية الورقتين، فكان موضوعها سؤالاً ربما يرد على بعض الأذهان : لماذا ظهر الأنبياء كلهم بين أمم الشرق ، و لم يظهر نبي واحد من الغربيين ؟ أليس في هذا تصديق ما قاله الأستاذ فريد وجدي بك رئيس تحرير مجلة الأزهر من أن علماء الغرب مستغنون عن الاهتداء بقوانين الأديان المنزلة من السماء ، من حيث إن أولئك العلماء أنفسهم قادرون على وضع القوانين و واضعوها فعلاً ؟
و جواب هذا السؤال أن عدد الأنبياء لا ينحصر فيمن نعرفهم بأسمائهم المذكورة في القرآن و غيره من الكتب المقدسة ، كما قال الله تعالى في سورة النساء بعد ذكر أسماء
ص 166
من الأنبياء: " و رسلاً قد قصصناهم عليك من قبل و رسلاً لم نقصصهم عليك و كلم الله موسى تكليماً " فيمكن فيما لم يذكر في تلك الكتب و لم يطلع عليه التاريخ أن يقع بعث نبي أو أنبياء في الماضي القديم بين الأقوام الغربية أيضاً. ثم إن أمم الغرب كانوا فيما نعلم و يعلم التاريخ من ماضيهم البعيد ، بعيدين عن المدنية اللازمة لأن تكون أي أمة صالحة لاستقبال نبي يبعث إليها قابلة لخطابه ، حتى إن العلم و الفلسفة و ما ينطويان عليه من المدنية انتقلت إلى الغرب من الشرق.
و في الماضي القريب جاء نبي الإسلام مبعوثاً إلى الناس كافة شرقيهم و غربيهم ثم قطع الغرب مراحل كثيرة في الرقي حتى أصبح مغبوط الشرق في التقدم و التمدن. لكن مدنيتهم كانت مادية و دنيوية خالصة غير مقترنة بالرقي الروحي المعنوي، بل مدنية فاجرة و مستهترة إلى حد أنهم يحتضنون نساءً أشباه عاريات فيراقصونهن في الملأ من غير أن ينبض في قلوبهم و وجوههم و وجوه الراقصات في أحضانهم عرق من الحياء ، و من غير أن يحصل في قلوب الحاضرين المشتملين في الأكثر على أقارب المحتضنات ، شيء من الأذى و الاشمئزاز. فلهذا لم ينفعهم أي الغربيين رقيهم في التنبه و التقرب إلى الدين الجديد النزيه الذي دعا إليه نبي الإسلام ، بل أبعدهم عن الدين مطلقاً ذلك القانون الذي وضعوه دستوراً لعلمهم الراقي ، القائل بأن كل معقول لا يؤيده محسوس فلا يعتد به، لأن الدين يكون في الأكثر مبنياً على الغيب.
كانت مدنيتهم و علومهم و اكتشافاتهم في العلم دنيوية محضة تهدف إلى اكتساب الدنيا و التنعم بمنافعها و ملذاتها تاركين وراءهم الدين و الآخرة ، فلذا نرى أعظم حكومات الدول المدنية فيهم اقتصرت ديانتها على المظاهر و المراسم ، و نرى " أوجست كونت " زعيم الفلسفة الوضعية التي تعد أرقى فلسفة في الغرب و تعجب العصريين من مثقفي الشرق ، يتصور للإنسان ثلاث حالات و أطوار أولاها و أدناها المحكوم عليها بالزوال الحالة الدينية ، و أخراها التي هي الحالة الكمالية الباقية الاشتغال بتدقيق الطبيعة و قوانينها.
ص 167
و نرى " سبنسر " الذي كتب له على تعبير " قصة الفلسفة الحديثة " أن يكون أشهر فيلسوف انكليزي في القرن التاسع عشر ، يقيس الأخلاق بمقياس الفوز و انجاح في الحياة فيوصي باختيار الأوفق منها لمزاج الحياة و العادات النختلفة باختلاف الأمم و الزمان و المكان.
فمن هذه الأسباب بقيت أمم الغرب المتقدمون في كسب الدنيا ، متأخرين جداً في الدين ، فعقلاؤهم تخلوا عنه بالمرة لعدم اتفاق دينهم مع العقل و كون عقلهم المقيد بالعلم المحسوس قاصراً عن إدراك وجوب البحث عن الدين المعقول . و لا يندر في عقلاؤهم اللادينيين من تخلى عن العقل أيضاً ، ألا يُرى إلى " هيجل " الفيلسوف الريبي الذي أنكر مبدأ التناقض و فضله أحمد أمين بك ( راجع ص 125 من الجزء الثاني
) على "كانت" و سمى فلسفته " حقيقة هيجل العليا التي تنسجم بالمتناقضات " .. تراه يتخلى بفلسفته هذه العليا عن العقل ! كما تخلى عن الدين الذي لا يجتمع مع الريبية المنافية للإيمان ، و مع ذلك فهذا الرجل اللاديني الذي لا يخاف التناقض يمدح النصرانية لما في تثليثها المفسر بكون الله واحداً و ثلاثة معاً ، من التناقض. فحال عقلاء الغرب اللادينيين يُفهم من هذه الأمثلة. و متدينوهم أخلدوا إلى دين محرف عن أصله ورثوه من آبائهم القدماء لا صلة له بالعقل كما لا صلة له بأصله الذي بلغه سيدنا المسيح و كما لا صلة لهم أنفسهم بالتفكير في هذه النقاط المهمة، و هم العامة . أما عقلاذهم أي المتدينون المدركون لعدم اتفاق النصرانية مع العقل فيعتذرون عن هذا بادعاء كون الدين فوق العقل ( ص 20 الجزء الثاني ). حتى إن " ديكارت " أعظم فلاسفة الغرب و أعقلهم صدّق هذه الدعوى في قوله " و لما كانت الحقائق الدينية بطبيعتها غير مفهومة وجب أن تكون بعيدة عن متناول العقل " ( ص 101 الجزء الثاني ). و لم يدرك عقله الكبير أن ذلك الادعاء يضر العقل و الدين معاً و لا ينفع الدين ، و يكون ديكارت ملتحقاً في تصديقه هذا بالمتخلين عن عقولهم ، و الذي هو فوق العقل و فوق كل شيء صاحب الدين و واضعه أعني الله الذي فرض الدين على خلقه المكرمين بالعقل. فعقلاء المتدينين في الغرب يحاربون العقل و يستهينون به دفاعاً عن دينهم كما استهان ملاحدتهم بالدين.
ص168
ففي هذه الأسباب التي أحصيتها و أوضحتها تأخر الغرب الراقي جد تأخر في الدين و ابتعد بعد المشرقين عن التنبه و الخضوع للدين المعقول ، وبقي عدواً للإسلام بدلاً من أن يعتنقه و يتقرب إليه. فأثبت عدم كونه أهلاً - برغم رقيه - لأن يكون أمة نبي اتفق زمانه مع زمانه و اتفق دينه مع عقله ، فضلاً عن أن يكون أهلاً لبعث نبي من أهله يدعو الناس إلى الحق ، فلو كانت النبوة صنعة و تجارة كان أعظم الأنبياء يتخرج من بلاد الغرب.
و مما يدل دلالة واضحة على انهماك الغرب الراقي في معاداة الدين و معاندته ، - لا سيما الدين المعقول - أن " ويلسون " رئيس جمهور الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق قرر في نهاية الحرب العالمية الأولى التي اشتركت فيها تركيا و غُلبت مع زملائها ، قرر وضع تركيا تحت الانتداب ( ماندا ) بحجة أنها كانت تدار يومئذ بالقوانين المأخوذة من الدين، ثم لعبت سياسة الانكليز التي هي أدق و أمكر دورها - حتى في مجازاة أعدائها - على محافظة استقلال تركيا إلى حد استخراج دولة غالبة منها و هي مغلوبة مع زملائها ، إعلاءً لاسم مصطفى كمال لتأخذ بيده ثأرها التاريخي من تركيا المسلمة المجاهدة في سبيل دينها و تقضي بهذه اليد على جميع معالم المقومات و المشخصات منها إلى أن أصبحت الترك المقطوعة الصلة بتاريخها، أمة غير أمتها و انقلب فتح تركيا لأعدائها الغالبين في الحرب إلى فتح الترك نفسها بدلاً من بلادها.
أما ادعاء رئيس تحرير مجلة الأزهر و ذكرناه في نهاية السؤال الذي طال جوابه ، من استغناء علماء الغرب عن الاهتداء بهدى الشرائع المنزلة على أنبياء الله ، فقد قضينا عليه فيما سبق قريباً من هذا الكتاب.
نعود على مبدأ البحث و قد طال الكلام في الوجه السابع من وجوه النقد التي أوردناها على كلمات الدكتور هيكل باشا في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه " حياة محمد " و لم ينته كلامنا بعد ، و كنا قلنا في أول البحث تقريباً : أصحيح أن القرآن لم يذكر فيه معجزة لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم ، و إنما القرآن نفسه معجزته الوحيدة كما ادعى
ص 169
الدكتور المؤلف و الذين شجعوه على هذا الادعاء من علماء الدين ؟
المقصود من هذه الدعوى نفي المعجزات الكونية المذكورة في كتب الحديث بإثارة الشبهة في صحة مرويات تلك الكتب. لكن أصول التوثيق في إسناد الحديث التي التزم جامعو الصحاح مراعاتها في كتبهم، بمكان من الدقة و العناية لو لم يكن السبب الأصلي عند الدكتور هيكل و غيره في إنكار المعجزات غير القرآن كونها مخالفة للعلم المبني على سنة الكون ، لما تجرؤوا على رمي كتب الحديث و السيرة جملة باختلاق الروايات. و كأنهم حاولوا في قصر معجزات نبينا على القرآن الذي قالوا عنه إنه معجزة عقلية، إنقاذ حياته صلى الله عليه و سلم من شائبة المعجزات الكونية المخالفة للعلم و سنة الكون. فمخالفة هذا النوع من المعجزات عندهم للعلم و سنة الكون جرأتهم على سوء الظن بكتب الحديث و أمانة رواته، حملة أقوال الرسول صلى الله عليه و سلم و أفعاله إلى أمته، على الرغم من اتخاذ علماء الإسلام ضبط الروايات عن نبيهم و توثيقها طريقة لم تر مثلها دنيا الشرق و الغرب، و قد تصور أصحاب تلك الظنون السيئة في إنقاذ حياة نبينا صلى الله عليه و سلم عن تلك المعجزات، فضله على سائر الأنبياء.
لكن تلك المعجزات إن كانت مخالفة للعلم و سنة الكون و كان معنى مخالفتها لهما أنها غير واقعة بل غير ممكنة الوقوع ، كما ادعاه الأستاذ فريد وجدي لما جرى بيني و بينه نقاش منشور على صفحات جريدة الأهرام قبل توليه رئاسة تحرير مجلة الأزهر، لزم ألا تقع من الأنبياء السابقين أيضاً و أن تكون أنباء وقوعها المقصوصة في القرآن كاذبة مختلقة كأنباء وقوعهلا من نبينا المروية في كتب الحديث و السيرة. فما دام الدكتور هيكل و مشجعوه لا يجترئون على التشكيك في صحة أنباء القرآن فلا مندوحة لهم أن يعترفوا بالمعجزات الكونية و لو منسوبة إلى الأنبياء الأولين ( هامش : و لا أخال أن عقل هيكل باشا و ذوقه الأدبي يسوغان قبول ما ذهب إليه الأستاذ فريد وجدي بك من كون آيات القرآن الواردة في معجزات الأنبياء آيات متشابهة غير مفهومة . انتهى الهامش ) اعترافاً لا يبقي بعد ذلك مانع يمنعهم من الاعتراف بها منسوبة إلى نبينا و يضطرهم إلى القيام بدعوى منكرة
ص 170
تزول معها الثقة عن أفضل كتب الإسلام و أصحها بعد القرآن مثل كتاب البخاري و مسلم و سائر كتب السنة و موطأ مالك و سنن أحمد.
بل نقول لا تصح دعوى أن القرآن لم يرد فيه ذكر معجزة كزنية منسوبة إلى نبينا، ففي القرآن نبأ الإسراء به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، و في القرآن إمداد المؤمنين في غزوة بدر بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين و خمسة آلاف من الملائكة مسومين ، و في القرآن انشقاق القمر ، قال تعالى : " اقتربت الساعة و انشق القمر. و إن يروا آية يعرضوا و يقولوا سحر مستمر" و تأويله بأن ذلك سيقع عند حلول الساعة أعني القيامة مخالفة لصراحة صيغة الماضي ، و كذا يأباه ما بعده الدال على أنه آية أي معجزة، و القرآن يعبر عن المعجزات بالآيات و يعبر عنها بالبينات و يعبر عنها بهما معاً.
فالقرآن صرح بانشقاق القمر على صيغة الماضي و سماه آية من الآيات التي أعرضوا عنها و قالوا سحر مستمر ( هامش : و في نعت هذا السحر بالاستمرار إشارة إلى أن معجزاته صلى الله عليه و سلم الكونية كثيرة لا تنحصر في شق القمر و هو رد بليغ على منكريها بالمرة.انتهى الهامش ) فبماذا يطالبنا بعد هذا منكرو المعجزات الكونية لمحمد صلى الله عليه و سلم قائلين : " لم يرد في القرآن ذكر شيء منها و لو ورد لآمنا به " ؟ فإن قالوا جواباً على هذا الدليل الذي أتينا به من القرآن : " لكن انشقاق القمر أمر محسوس لا يخفى على أحد من سكان الأرض في ذلك العصر ، فلو وقع لحكاه تاريخ الأمم " فإني راد لجوابهم عليهم بأن هذا يكون منهم عدم اعتماد على إخبار القرآن حيث يبحثون عن إخبار آخر يؤيده، و قد كانوا يقولون لو ورد ذكر معجزة لنبينا في القرآن لآمنا بها ، هذا خلف.
ثم أقول عاكساً لجوابهم عليهم : " لو لم ينشق القمر في عصر نبينا و لم يشاهده أعداؤه المشركون في مكة لكذبوا محمداً صلى الله عليه و سلم في هذه الأية و صار تكذيبهم
ص 171
المؤدي إلى تبين كذبه حادثة هامة أدعى إلى تناقل الألسنة و الأقلام بها من تناقل حادثة الانشقاق نفسه التي ربما لا يطلع عليها غير أهل مكة لإهمال ترصدها في وقتها أو لغيم يسترها أو لحسبانها حادثة من الحوادث الجوية العجيبة التي لا ندرك أسبابها و لا تضبط في ذلك الحين.
قال الفاضل الهندى متم كتاب السيرة المار الذكر من قبل: " من العلماء من فسر معجزة انشقاق القمر بأنه تراءى لأهل مكة كذلك و إن لم ينشق فى نفسه, قال : " و من هؤلاء العلماء شاه الله الدهاوى صاحب "حجة الله البالغة" و إليه يمسل الغزالى" و عندى أن هذا التفسير ليس بخطأ بل أكبر من الخطأ إذ لا فرق بينه و بين ما حكاه القرآن عن موقف المشركين إزاء هذه المعجزة بقوله : "و إن يروا آية يعرضوا و يقولوا سحر مستمر" فالقرآن يقول انشق القمر و يقول أولئك الذين لا يقال عنهم العلماء بعد قولهم هذا: لم ينشق و إنما خيل للناظرين من أهل مكة الطالبين من النبى صلى الله عليه و سلم أن يظهر لهم معجزة , منشقا و قد كان المشركون حملوه على السحر و هؤلاء العلماء يحملونه على التخييل !!.
ثم قال الفاضل المذكور : " إن أهل مكة رأوا القمر منشقا فهل هو انشق حقيقة أو تراءى كذلك فهذا لا يهمنا و الله القادر على إراءة القمر منشقا قادر أيضا على شقة حقيقة" و إنى أرى فى هذا القول أيضا عدوى من جهل هؤلاء العلماء , نعم إن الله يشق القمر و يُريه منشقا من غير شق و لكنه لا يكذب فيقول عن القمر الذى لم ينشق , انشق. أما ما رواه الفاضل المذكور من حديث أنش " ان أهل مكة سألوا النبى صلى الله عليه و سلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقين" ( هامش التعبير فى جميع الأحاديث: "انشق القمر" إلا فى إحدى روايتين عن أنس) . فلا يلزم أنه لم ينشق و لا يلزم رؤيته منشقا إلا أن يكون غير منشق , و هل غير المشق يُرى منشقا و المنشق لا يُرى منشقاً؟
ص 172
قلا يصح إذن أن يكون حديث أنس هو الذى سِّبب القول بتغيير معنى الآية و إنما السبب سوء فهم المغيّرين
و يشبه هذا الضلال فى التفسير أو يغالبه ما سمعته معزوًا إلى الشيخ محمد عبده أنه كان يحمل انفلاق البحر لسيدنا موسى و من معه ثم غرْقَ فرعون و جنودِه ، على الجزر و المد للذين كثيرا ما يقومان فى البحر . و حق القول فى سخافة هذا التوجيه من غير أن يناقش فى وقوع جزر و مد كهذا و فى علم موسى بمصادفتهما لزمان اجتياز البحر ، أنه تكذيب للقرآن فى ترتيبه انفلاق البحر على ضربه بالعصا حيث قال تعالى : " فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم " كأن الله تعالى قابل ابتعاد الشيخ فى تأويله عن القرآن بابتعاده عن العقل ، ألا ترى إلى أنه لم يفكر فى أن الجزر و المد البحريين يكونان متعاقبين فى العادة مع أن اجتياز موسى و من معه البحر أثناء الجزر الذى فتح لهم طريقا فى البحر يبساً، يلتزم أن يتوقف الجزر فتطول مدته ساعات أو أياماً قبل تحويله للمد ، ليتسع الزمان الذى يحتاج إليه المجتازون ليقطع المسافة بين الجانبين من البحر الأحمر التى لا تقل فى ظنى عن مائة كيلو متر تقريبا ، فلو كان موسى و من معه راكبين أسرع سيارات زماننا لما تمكنوا من اجتياز هذا البحر بين جزره و مده.
و رأيت للشيخ رشيد رضا تلميذ الشيخ محمد عبده تأويلا فى قوله تعالى " اقتربت الساعة و انشق القمر" و المعنى عنده اقتربت الساعة و ظهر الحق. ثم أتى لتأويله بديل من " لسان العرب" و هو قوله : " انشق الصبح و شق الصبح إذا طلع و فى الحديث فلما شق الفجر أن أمرنا بإقامة الصلاة" و ليس فى " اللسان " انشق القمر أو انشقت الشمس بمعنى طلعتا لأن انشقاق القمر و الشمس عند طلوعهما غير معقول كمعقولية انشقاق الفجر و الصبح عند طلوعهما . و قد يقال أيضا تنفس الصبح و لا يقال تنفس القمر أو الشمس . و لكن الشيخ - شيخ منكرى المعجزات الكونية - قاس انشقاق
ص 173
القمر على انشقاق الصبح و الفجر ثم جعل الانشقاق كناية عن ظهور الحق ، من غير مبرر فى كل ذلك سوى الإصرار على إنكار المعجزات . و لم يكن لينتظر من الشيخ القول بالتخييل مع القائلين انطبق عليهم ما بعد الآية أعنى : " و إن يروا آية يعرضوا و يقولوا سحر مستمر" لأن مذهب الشيخ تخصيص هذه التهمة بمعجزات الأنبياء المتقدمين كما سبق، فلا يكون له أن يعيب معجزة نبينا بمثلها ! و لأن القائلين بالتخييل لم يريدوا إنكار معجزة شق القمر ، و هم ليسوا من منكري المعجزات العصريين ، و إنما أرادوا أن يكون إعجازها فى إراءتها ، و ليس لهم دافع غير ضلال فى الفهم مهما كان ذلك الضلال عظيماً . أما تأويل الشيخ رشيد فهو لغو فى القرآن من أنواع اللغو الذى توسل به الأولون إلى عدم السماع للقرآن حين قالوا : " و لا تسمعوا لهذا القرآن و الغوا فيه لعلكم تغلبون " و كان لغو الشيخ فى القرآن كى لا يسمع له ، بعد أن أتى بألوان من اللغو كى لا يسمع أحاديث معجزة شق القمر التى عددها الأستاذ الفاضل الشيخ محمد ياسين ( هامش : "كتب فى مجلة الهداية الإسلامية " الغرّاء هو و الأستاذ الفاضل الشيخ محمد زهران رداً على الشيخ رشيد جزاهما الله خيرا و رضي عنهما.انتهى الهامش ) و التى أخرجها أحمد و البخاري و مسلم و الترمذي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن مردويه و أبو نعيم و الحاكم و البيهقى عن علي و ابن مسعود و حذيفة و جبيىر بن مطعم و ابن عمر و ابن عباس و أنس، و لذا قال ابن عبد البر : " روى حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة و روى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين ثم نقله عنهم الجمع الغفير إلى أن انتهى إلينا و تأيد بالآية الكريمة . و قال المناوي فى شرحه لألفية السير للعراقي : " تواترت بإنشقاق القمر الأحاديثُ الحسان كما حققه التاج السبكى و غيره" .
و الأحاديث المنبئة بمعجزة انشقاق القمر غير مقبولة عند شيخ "المنار" و قول القرآن " انشق القمر " لا يفهم منه انشقاق القمر و إنما يفهم منه معنى آخر غير انشقاق القمر ، قولوا بربكم هل الشيخ لاغ فى القرآن و الحديث و لاعب بهما أم هو
ص 174 غير موجودة
ص 175
ستعرف نزعته القاديانية فى المسألة المحولة إليه ( هامش : و كنت قد سمعت عند ما فاوضت هيئة كبار العلماء فيما بينهم للبت فى أمر الطالبين المذكورين أن في الهيئة من يشذ و يتردد فى الإفتاء بفكر المنكر لكون نبينا صلى الله عليه و سلم آخر الأنبياء، طعناً منه فى حجية الحديث الوارد فيه و الإجماع المنعقد عليه ، و فى دلالة قوله تعالى " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين" عليه القطعية . و قد رددت على هذا العضو شذوذه فى مقدمة الكتاب ( ص 456 – 462 جزء أول ) و الآن أقول إن كان الشيخ شلتوت لم يتأخر التحاقه بهيئة كبار العلماء عن زمان درس مسألة الطالبين فهو أول من يخطر بالبال أن يكون ذلك الشاذ . انتهى الهامش) فكان جوابه أنه عليه السلام مات فى الأرض و رفعت روحه و لم يرفع حياً كما ذهب إليه المفسرون قبل الشيخ. و إذا لم يصح رفعه سقط القول بنزوله فى آخر الزمان، كما ورد فى الأحاديث التى يعتمد عليها الشيخ المجيب رغم كثرتها بحجة أنها أخبار آحاد لا تبنى عليها المسائل الاعتقادية .
فهو كما خطَّأ المفسرون فى مسألة رفع المسيح ، خطَّأ علماء أصول الدين القائلين بنزوله على أنه من أشراط الساعة. و الخلاف بين الشيخ شلتوت و بين المفسرين و المتكلمين و المحدثين راجع إلى الخلاف في إنكار المعجزات و الاعتراف بها بين المنكرين اللين منهم الشيخ و المعترفين الذين منهم أهل التفسير و الحديث و الكلام، فمن لم يؤمن بالمعجزات فدأبه رفض الأحاديث و الآيات الوارد فيها بالتشكيك في ثبوت الأحاديث مهما كثرت رواتها و العبث فى معنى الآيات ، لا لكون الأحاديث غير ثابتة فى الحقيقة من طريق نقد الحديث المعروف عند علمائه أو لكون الآيات غير ظاهرة الدلالة ، بل لعقيدة راسخة فى قلب الرافض تدفعه إلى إنكار المعجزات و سائر المغيبات أينما ورد ذكرها.
و قد أسلفنا فى أوائل هذا الباب (الثالث) الكلام عن أصل هذا المرض الذى يجعل التشكيك فى صحة الأحاديث و العبث فى تأويل الآيات سهلا على المنكرين . و عقل الشيخ شلتوت الذى لا يقبل معجزة الرفع و النزول لعيسى يقبل أن المحدثين كذبوا فى سبعين حديثا رووها فى نزوله كما أخطأ المتكلمون فى قبول تلك الأحاديث سندا لعده
ص 176
من أشراط الساعة ، و كما أن المفسرين أخطأوا فى فهم معنى الآيتين الدالتين على الرفع و الآيتين الدالتين على النزول ، و إنما أصاب الشيخ شلتوت فى مقابل المخطئين و صدَقَ فى مقابل الكاذبين.
و كنا كتبنا فى صدر هذا الباب شيئا كثيراً يتعلق بهذه المسألة و أرجأنا النظر فى آيات الرفع و النزول إلى محل مناسب فنقول :
و لعدم كون الشيخ فى مذهب اليهود و النصارى بشأن المسيح بل فى مذهب الماديين، لم يعترض على عقيدة المسلمين المأخوذة من قوله تعالى " و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم" و إنما اعترض على عقيدتهم المستندة إلى قوله تعالى "بل رفعه الله إليه " و كان هذا الشيخ أنكر من قبل وجود الشيطان كشخص حى من شأنه أن يفعل الأفعال المذكورة له القرآن و يتصف بأوصاف ممتناسبة مع تلك الأفعال ، و ان المانع عنده عن وجود الشيطان هو عين المانع عن رفع عيسى عليه السلام و نزوله أعنى العلم الحديث المادى الذى لا يقبل إلا ما يمكن إثباته بالتجارب الحسية . و هذا أعنى العلم الحديث المادى الذى لا يقبل إلا ما يمكن إثباته بالتجارب الحسية . و هذا المانع عن وقوع معجزات الأنبياء الكونية و وجود الشيطان عند المؤمنين بالعلم المادى أكثر من إيمانهم بكتاب الله و سنة رسوله يمنعهم أيضا عن القول بنبوة محمد صلى الله عليه و سلم مستبدلين بها العبقرية . فلا يكون كتابه كتاب الله الذى لا يُجترأ على مسه بكل تأويل و لا أحاديثُه أحاديث رسول الله الذى لا يُجترأ على تكذيبها بكل سهولة. فلو لم يكن لإنكار رفع عيسى و نزوله أسباب خفية عند الشيخ المنكر ، و نظر إلى آيتى الرفع و أحاديث النزول نظر المحايد غير المرتبط بتلك الأسباب الخفية لذهب به نظره إلى التسليم بعقيدة المسلمين فى رفع المسيح عليه السلام و نزوله فى آخر الزمان ، و لا رأى مانعا عنهما فى آيات التوفى التى تمسك بها بدلا من الآيات و الأحاديث القائمة على الرفع ثم النزول.
فكما أن قوله تعالى "بل رفعه الله إليه " و قوله " و رافعك إلىَّ" ظاهران فى الرفع الخاص الذى يمتاز به عليه السلام, لا رفع الروح العام لجميع الأنبياء و السعداء كما
ص 176
ادعاء الشيخ ، فتعقيب قوله تعالى " و ما قتلوه و ما صلبوه " بقوله " بل رفعه الله إليه" قطعى فى الرفع الذى نقول به، لا الرفع الذى يقول به، إذ لا معنى يليق بالنظم المعجز فى القول بأنهم ما قتلوه بل رفعه الله روحه إليه كما فسر به الشيخ، لعدم معقولية التقابل على هذا التفسير بين القتل المنفى و الرفع المثبت، بناء على أن رفع الروح يمشي مع القتل و الصلب كما يمشى مع عدم القتل و الصلب، فلا يكون ما بعد "بل " ضدا لما قبله على خلاف ما صرح به النحاة من أن بل بعد النفى أو النهى يجعل ما بعده ضدا لما قبله. و ليس للشيخ المنكر لرفعه حيا مجال للجواب عن هذا الإعتراض.أما آيات التوفى التى تمسك بها الشيخ فليس فيها تأييد لمذهبه يعادل فى القوة أو يدانى ما فى تكميل نفى القتل و الصلب بإثبات الرفع من تأييد مذهبنا، لأن المعنى الأصلى للتوفى المفهوم منه مبادرة ليس هو الإماتة كما يظن الشيخ ، بل معناه أخذ الشئ و قبضه تماما (هامش: كما ان التوفية جعل آخذا للشئ تماما ، قال تعالى : " حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه " و قال " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " انتهى الهامش) فهو أى التوفى و الاستيفاء فى اللغة على معنى واحد. قال فى مختار الصحاح : " و استوفى حقه و توفاه بمعنى" و إنما الإماتة التى هى أخذ الروح نوع من أنواع التوفى الذى يعمها و غيرها، لكونه بمعنى الأخذ التام المطلق. و هذا منشأ غلط الشيخ شلتوت أو مغالطته فى تفسير آيات القرآن التى يلزم أن يفهم منها رفع عيسى عليه السلام حياً لأنه ظن أن القرآن معترف بموته فى الآيات الدالة على توفيه، كما ظن أن التوفي معناه الإماتة نظراً إلى أن الناس لا يستعملون التوفي إلا فى هذا المعنى، و غفولاً عن معناه الأصلى العام. فكأنه قال بناء على ظنه هذا : لا محل لرفعه حيا بعد إماتته. لكنه لو راجع كتب اللغة لرأى أن الإماتة تكون معنى للتوفى فى الدرجة الثانية حتى ذكر الزمخشرى هذا المعنى له فى " أساس البلاغة " بعد قوله و "من المجاز"
ص 178
و المعنى الأصلى المتقدم إلى أذهان العارفين باللغة العربية للتوفى هو كما قلنا أخذ الشئ تماما و لا إختصاص له بأخذ روح.
و لقد فسر القرآن نفسه معنى التوفي الذى يعم الإماتة و غيرها فقال : " الله يتوفى الأنفس حين موتها و التى لم تمت في منامها " فهذه الآيات تشمل نوعين من أنواع توفي الأنفس الذى هو الأخذ الوافي ، نوع في حالة الموت و نوع فى حالة النوم ، فلو كان التوفى ينحصر في الإماتة كان المعنى فى الآية : الله يميت الأنفس حين موتها و يميت التى لم تمت فى منامها. و الأول تحصيل للحاصل و الثانى خلاف الواقع، و لزم الأول أيضا أن تكون حالة الموت حالة إماتة الروح لا فصلها عن البدن . و من هذا يفهم أيضا معنى التوفي في قوله تعالى : " و هو الذى يتوفاكم بالليل و يعلم ما جرحتم بالنهار" .
و معنى قوله تعالى على هذا التحقيق : " يا عيسى إنى متوفيك و رافعك إلى و مطهرك من الذين كفروا " إنى آخذك من هذا العالم الأرضي و رافعك إلي . و فى قوله " و مطهرك من الذين كفروا" بعد قوله " متوفيك" دلالة زائدة على عدم كون معنى توفيه إماتته لأن تطهيره من الذين كفروا بإماتة عيسى و إبقاء الكافرين لا يكون تطهيراً يشرفه كما كان في تطهيره منهم برفعه إليه حياً. فإذن كلٌ من قوله تعالى متوفيك و رافعك إليّ و مطهرك من الذين كفروا بيان لحالة واحدة يفسر بعضها بعضاً من غير تقدم أو تأخر زماني بين هذه الأخبار الثلاثة " لإنَّ" و من المعلوم عدم دلالة الواو العاطفة على الترتيب. فلو كان المراد من قوله تعالى " متوفيك " مميتك و من قوله " رافعك " رافع روحك كما ادعى الشيخ شلتوت كان القول الثاني مُستغنَى عنه، لأن رفع روح عيسى عليه السلام بعد موته إلى ربه و هو نبي جليل من أنبياء الله ، معلوم لا حاجة إلى ذكره. بل لو حملنا القول الأول أعني " متوفيك " على معنى مميتك كان هو أيضاً مستغنى عنه إذ معلوم أن كل نفس ذائقة الموت ، و كل نفس يميتها الله و مَنْ مِنَ الناس أو الأنبياء قال الله له إني مميتك ؟ فهل لا يفكر فيه الشيخ الذي يفهم من قوله تعالى إني متوفيك ،
ص 179
أنه مميته ؟ إلا أن يكون المعنى أن الله مميته لا أعداؤه فالمراد نفي كونهم يقتلونه. و فيه أن كون الله مميته لا ينافي أن يقتلوه لأن الله هو مميت كل من جاء أجله حتى المقتولين، و لذا حمل كثير من المفسرين قوله " متوفيك " على معنى أن الله مستوفي أجله عليه السلام و مؤخره إلى أجله المسمى فلا يظفر أعداؤه بقتله.
و عندي في هذا التفسير أيضاً أنه يرجع إلى حمل التوفي على معنى الاستيفاء كما حملنا نحن لا على معنى الأمانة، لكن التوفي و الاستيفاء معناه استكمال أخذ الشيء لا استكمال إعطائه فليس الله تعالى مستوفي أجل عيسى عليه السلام بل المستوفى هو عيسى نفسه و الله المُوَفِّي أي معطيه تمام أجله. فقد التبس التوفي على أصحاب هذا التفسير - و العجب أن فيهم الزمخشري - بالتوفية التي تتعدى لمفعولين و هو خطأ لغوي ظاهر. و فيه أيضاً تقدير مضاف بين المتوفي و ضمير الخطاب حيث قال الله إني متوفيك أي مستوفيك لا مستوفي أجلك ، فزيادة الأجل تكون زيادة على النص ، كما أن زيادة الروح في آيتي رفع عيسى عليه السلام نفسه زيادة على النص من جانب الشيخ شلتوت لإرهاق قول الله على خلاف ظاهر المعنى المنصوص. و هذه الزيادة إن كانت خلاف الظاهر بين الررافع و ضمير الخطاب في قوله " و رافعك " بأن يكون المعنى و رافع روحك ، فهي في قوله " بل رفعه الله إليه " أشد من خلاف الظاهر، أي غير جائزة أصلاً لكونها مفسدة لما يقتضيه " بل " من كون ما بعده و هو " رفعه الله إليه " ضد ما قبله و هو قوله " ما قتلوه " ، بناء على أن رفع الروح يلتئم كما قلنا من قبل مع حالة القتل أيضاً الذي اعتنيَ بنفيه، فضلاً عن أن هذا الر فع أي رفع الروح ليس بـأمر يستحق الذكر في شأنه عليه السلام. بل إن قوله " متوفيك " أيضاً مما لا وجه لذكره إذا كان المعنى مميتك ، ففي أي زمان تقع هذه الإماتة ؟ فإن وقعت حالاً أي في زمان مكر أعدائه به المذكور قبيل هذه الآية ، كان هذا الكلام المتوقع منه طمأنته عليه السلام على حياته ، أجنبياً عن الصدد بل مبايناً له، لأن فيه اعترافاً ضمنياً لنفاذ مكرهم بأن يكونوا قاتليه
ص 180
و الله قابض روحه، فهل فضيلة الشيخ شلتوت ينكر أنهم ما قتلوه كما ينكر أن الله رفعه إلى السماء حياً ؟ و إن وقعت إماتته في المستقبل البعيد فليس في الآية تصريح به مع أن مقام الطمأنة يقتضي هذا التصريح، كما أنه يقتضي كون الرفع رفعه حياً ، فحيث لا تصريح بكون إماتته في المستقبل البعيد فقوله " إني متوفيك " على معنى أني مميتك أجنبي عن المقام. حتى إن توجيه العالم الكبير حمدي الصغير صاحب التفسير الكبير الجديد التركي ، بكون ذكر إماتته رداً على عقيدة النصارى في تأليه المسيح لا يجدي في دفع هذا الاعتراض لكون ذلك الرد أيضاً أجنبياً عن المقام الذي هو مقام الطمأنة و الذي ينافيه كل ما ينافيها. فالواجب الذي لم يحس بوجوبه أحد ممن تكلم قبلي و اطلعت عليه في تفسير قوله تعالى " إني متوفيك " إحساسي به ، حملُ " متوفيك" على معنى آخذك تماماً السالم عن جميع الاعتراضات و التكلفات.
و قس عليه التوفي في آية المائدة و هي قوله تعالى : " و إذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس لتخذوني و أمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي و لا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي و ربكم و كنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم " و معنى قوله " فلما توفيتني " فلما أخذتني من بينهم و جعلت صلتي بهم و بعالمهم الأرضي منتهية . فالمراد توفيه أي أخذه بالرفع لا بالإماتة، و قد علمت أن التوفي في اللغة و في عرف القرآن لا يختص بالأخذ من النوع الثاني ، أي أخذ الروح.
هذا تفصيل ما ورد في القرآن متعلقاً برفع عيسى عليه السلام . و فيه فضلاً عن الآيات المذكورة آيتان يفهم منهما نزوله في آخر الزمان ، فيكون فيهما أيضاً دليلان على رفع سابق ، كما كانت في أحاديث النزول أدلة. و ليس الأمر كما توهم الشيخ من أن حادثة الرفع لم يقم عليها دليل في القرآن و لا محل لنزوله بعد سقوط رفعه.. ليس الأمر
ص 181
كما توهم ، بل كل من آيتي الرفع ، و قد سبق ذكرهما ، و آيتي النزول و هما قوله تعالى في سورة النساء " و إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " و قوله في سورة الزخرف " وإنه لعلم للساعة " يعضد بعضهما بعضا . و لا يستطيع الشيخ المفكر لنزوله عليه السلام في آخر الزمان أن يجد تأويلا لآيتي النزول المذكورين ، من دون أن يذهب إلى تكلفات بعيدة ، كما لا يستطيع أن يجد جوابا لما ذكرنا في آيتي الرفع من القرائن التي لا تتمشى مع مذهبه الذي هو رفع روحه فقط.
فظهر مما سبق جميعا أن رفع عيسى عليه السلام بالمعنى الذي يعتقده المسلمون مذكور في القرآن خمس مرات : صراحة في آيتي الرفع و اقتضاءً في آيتي النزول و تميحاً في آية تطهيره من الذين كفروا.
و لك أن تضم إليها قوله تعالى عنه عليه السلام : " و من المقربين " ففيه إشارة إلى رفعه إلى محل الملائكة المقربين بل في قوله أيضا " وجيها في الدنيا و الآخرة " لأن الوجيه بمعنى ذي الجاه ، و لا أدل على كونه ذا جاه في الدنيا من رفعه إلى السماء ، و قوله عن أعدائه " و مكروا و مكر الله و الله خير الماكرين " فيبلغ أدلة القرآن على رفعه ثمانية.
و من العجائب أن فضيلة الشيخ شلتوت عاكس الواقع مرة أخرى فحاول أن يستخرج من آية المكر دليلا ضد الرفع ، منكراً لأن يكون في رفعه إلى السماء حيا مكرٌ من الله بأعدائه الماكرين ! و عنده أن مكر الله بهم المتغلب على مكرهما بنبيه حاصل في إماتته و رفع روحه إليه لا في رفعه حيا ، فكأن الله نفّذ ما أراد أعداؤه أن يفعلوه به فقتله قبل أن يقتلوه أو نفّذ قتلهم بإماتته ! فكان الله إذن مساعدهم لا ماكراً بهم !
و انظر بُعد هذا التوجيه بالنسبة إلى مكره بهم في رفع نبيه إليه حيا و جعل مسعاتهم لقتله في خياب بن هياب .. هذا ، مع أن تمام مكر الله بهم مذكور في قوله " و لكن شبه لهم " بعد قوله " و ما قتلوه و ما صلبوه " الذي تغاضى عنه الشيخ بالمرة . و قول
ص182
القرآن عن سيدنا المسيح " و ما قتلوه و ما صلبوه " " بل رفعه الله إليه " لو لم يفهم منه رفع المسيح حيا و إنما فهم رفع روحه ، كما زعمه الشيخ و أصر على زعمه ، فإن يمكن أن يقول قائل إن القرآن لا ينفي قتل المسيح و صلبه بأيدي أعدائه ، و إنما يكون هذا القول بأنهم ما قتلوه و ما صلبوه من قبيل الهزل . كما لو قتل أحد إنسانا ثم قال في المحكمة لم أقتله و لم أقبض روحه و إنما الله قبض روحه ! فلو أن الشيخ صاحب هذا التأويل الذي يأمره به هواه لإنكار معجزة الرفع لم يغب عنه أن القرآن كلام الله ، لصانه على أن يكون لنفيه القتل و الصلب عن المسيح إلا قيمة هزلية !!
أما الكلام على المانع الحقيقي عند كتاب العصر الحديث و أتباعهم من علماء الأزهر ، عن الاعتراف بمعجزات الأنبياء عليهم السلام الكونية و غيرها مما يخالف سنة الكون كرفع عيسى و نزوله و وجود الشيطان ، فيضطرهم بسبب هذه المخالفة إلى تكذيب الأحاديث الواردة بشأنه و تأويل الآيات ، مهما كانوا ظالمين أحيانا في تأويل الآيات أيضا كقول الشيخ شلتوت في مسألة وجود الشيطان إن القرآن جاري فيه عقيدة العرب الجاهليين و قول الأستاذ فريد وجدي بك في آيات المعجزات و البعث بعد اموت إنها آيات متشابهة غير مفهومة المعاني ... أما الكلام على هذا المانع فقد وفيت حقه في أوائل هذا الباب ، كما لم آل فيما سبقه من الكتاب جهدا لحل شبهة العصريين من الكتاب و العلماء الذين لا يؤمنون بالغيب.
***
نعود إلى ما كنا فيه قبل الانتقال إلى مناقشة الشيخ شلتوت في دعواه الشاذة عن رفع عيسى عليه السلام .. فكنا قلنا إن المنكرين لمعجزات الأنبياء الكونية
ص 183
ينكرونها بسبب مخالفتها لسنن الكون و العلم الحديث المبني عليها ، كما قلنا ذلك أيضا في نهاية المناقشة مع الشيخ.
و هناك مانع آخر عندهم خاص بوجود معجزة كونية لنبينا صلى الله عليه و سلم أخذوه أيضا من المستشرقين من غير فهم مرماهم في البحثث عن موانع المعجزات الكونية لمحمد صلى الله عليه و سلم ، وهو أن القرآن نفسه حكى أن محمدا كان لا يلبي طلبات قومه في إظهار المعجزات ، كما ورد في الآيات التي ذكرها مؤلف كتاب " حياة محمد " مستشهدا به على ما استشهد عليه المستشرقون من أن حياة محمد خلت من المعجزات الكونية ، و محطّما عليها كلّ ثقة بكل ما ورد في كتب الحديث و السيرة من معجزاته . و الفرق بين موقف المستشرقين و بين مؤلف الكتاب أعني الدكتور هيكل باشا الذي تعلم طريق هذا التحطيم منهم ، انه يتعزى بادخار كل الاهتمام و كل الثقة للقرآن ، في حين أنهم لا يأتمنونه أيضا للأسباب التي ذكروها في الأحاديث و سلّم بها الدكتور ، من عدم التعويل على صحة رواياتها و أمانة رواتها المعلولين بالأغراض الدينية و السياسية و لا على تمحيص الجامعين للصحاح و تمحيص هذا التمحيص من علماء االدين الذين جاءوا بعدهم. و فرق آخر بينه و بينهم أنهم يعلمون جيداً أن التشكيك في أمانة المنابع الإسلامية عن آخرها بالنسبة إلى القرآن أيضا ، و هذا الاستلزام يغيب عن دقة نظر الدكتور المؤلف ، فهو يسعى عبثا لترغيب المشككين الغربيين و الذين وقعوا تحت تأثير دعايتهم من الغربيين و الشرقيين و منهم الدكتور نفسه ، في القرآن ، مفرقا بينه و بين غيره من المعجزات و مادحا له بأنه معجزة عقلية . و ليس له أن يتعزى بأن القرآن جُمع قبل طروء الفساد على الروايات لأن نبأ هذا الجمع أيضا يصل إلينا من طريق رواة الحديث و السيرة المطعون في أماناتهم .
ثم إن المشككين الغربيين الذين يستخدمون عقولهم المشحوذة للعمل ضد الإسلام بمهارة لا توجد في مقلديهم ، ما اجترأوا بضعضعة مكان الحديث أولا و القرآن ثانيا ،
ص 184
متوسلين إليها بضعضعة أصول الرواية ، و تعليلها بعدم ابتنائها على طريقة النقد العلمي و التمحيص العلمي الذي جرى عليها الدكتور في تأليف كتابه ، و خَيل إلى الأذهان أنه أول كتاب في الإسلام يتضمن بيانا عن حياة سيدنا محمد مبنيا على الطريقة العلمية ...
ما اجتزأوا بذلك ، بل جعلوا الكتاب و السنة يهدم بعضهما بعضا : ففي دعواهم المارة الذكر قريبا ينفي القرآن بنصوصه الواردة في عدة سورٍ ، أيّ آية أيْ معجزة لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم و يمنعُ صدق ما ذكر في كتب الحديث و السيرة عن معجزاته ؛ فهل تنظرون أن المستشرقين أعداء محمد لا يكتفون في تكذيب الأحاديث النبوية بتكذيب كتبها بل جعلوا القرآان أيضا يكذّبها ؛ و صاحب كتاب " حياة محمد " يقتدي بهم في كلتا الخطوتين ؟ غير أن الفرق بينه و بينهم أن الغرض من تكذيبهم كتب الحديث تكذيب معجزات نبينا و من جعلهم القرآن أيضا يكذّبها ، تكذيب كل معجزة منسوبة إليه حتى القرآن نفسه ، لينتهوا بهذه التكذيبات المتسلسلة إلى تكذيبه في نبوته ؛ ولا نرضى أن يكون مؤلف كتاب " حياة محمد " يرضى بهذا ، إلا أنه ماذا يكون موقف محمد صلى الله عليه و سلم عنده ؟ إذا صح بالنظر إلى قول القرآن أنه كان لا يلبي الطلبات الواقعة في الإتيان بآية ، بل يقول دائما إنما الآيات عند الله و إنما أنا بشر مثلكم أو إنما أنا نذير مبين أو ليس عندي خزائن الله أو إنما الغيب لله أو ما يماثله ، و لا يقول جوابا لكل تلك الطلبات : آيتي القرآن . و إنما قال مرة واحدة طلب الآية : " أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم " و هو ليس بصريح في كون القرآن معجزة.
لا يتهمْني القارئ ، و العياذ بالله ، بأني أنكر كون القرآن الذي هو أعظم معجزات نبي الإسلام و أفضل معجزات الأنبياء على الإطلاق ، معجزة. و إنما أنا أتصور و أصوّر عقليات المستشرقين و استنتاجاتهم من آيات القرآن التي استشهد بها مؤلف كتاب " حياة محمد " على نفي المعجزات الكونية لمحمد. فالآيات نفسها عند المستشرقين
ص 185
أساتذةِِ المؤلف في الاستشهاد ، شواهدُ على نفي معجزاته مطلقا و إن لم يشعر به المؤلف ، إذ لا ريب في أنهم لا يعترفون بكون القرآن معجزة . فالتمسك بتلك الآيات و لو في نفي ما عدا القرآن من معجزات نبينا لا ينبغي لمسلم يقظ يأبى أن يخدم أغراض أعداء الإسلام ، فضلا عن أن هذا التمسك لا يستقيم في حد ذاته . و الآن نورد تلك الآيات ثم نبين ما هو المراد منها :
و يقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر و لكل قوم هاد " سورة الرعد " .
و قالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله و إنما أنا نذير مبين " سورة العنكبوت " .
و قالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية و لكن أكثرهم لا يعلمون " سورة الأنعام " .
و يقول الذين كفروا لولا أُنزل عيه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء و يهدي إليه من أناب " سورة الرعد ".
بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون " الأنبياء " .
الحكمة في إنزال هذه الآيات تُتصور على وجهين :
الأول ، أن كتاب الإسلام يرمي إلى تهذيب العقول و هدايتها إلى رشدها ؛ و قد كان الذين كتبوا التوراة و الأنجيل للنصارى زعموهم المسيح إلها يقدر على التصرف في الكائنات .
فالقرآن الذي هو كتاب دين التوحيد يعتني بتصحيح تلك العقيدة و يكرر أمر الله لنبيه بإعلان أن كل شئ بيد الله ، ليس للنبي من الأمر شئ ، و إنما هو عبده و رسوله ، و إنما الآيات ككل شئ عند الله لا يقدر محمد ، على الإتيان بها من
تلقاء نفسه ، فيقول الله له :
ص 186
" ليس لك من الأمر شئ " و يقول " قل لا أملك لنفسي نفعاً و لا ضراً إلا ما شاء الله و لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير و ما مسني السوء إن أنا إلا نذير و بشير لقوم يؤمنون " و يقول " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله و لا أعلم الغيب و لا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إليّ " و حتى يقول " إنك لا تهدي من أحببت و لكن الله يهدي من يشاء " .
و كان النبي صلى الله عليه و سلم من شدة حرصه على هداية الناس الذي قال الله عنه : " فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا " ، يتمنى نزول ما يسألونه من الآيات ؛ لكن الله الذي يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و لا يشرك في حكمه أحدا ، يقول لنبيه : " لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " و يقول " و إن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية و لو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ".
فهذا الخطاب من الله لنبيه في القرآن يعطي فكرة جدية عن عقيدة الإسلام كيف تقدر فيها عظمة سلطان الله فوق عباده كائنين من كانوا ، كما أنه يعطي فكرة جدية عن القرآن هل يمكن أن يكون كلام سيدنا محمد و فيه هذه الآية الأخيرة ؟.
فهذه الآية و اللاتي ذكرنا قبلها و أمثالها التي لم تذكر ، مثل " و ربك يخلق ما يشاء و يختار ما كان لهم الخيرة " نزلت لتفهيم الفرق بين الرب و المربوب و تثبيته في قلوب المسلمين ، ليعلموا أنه ليس في استطاعة محمد أن يأتي بآية و لا بأي شئ إلا بإذن من ربه و رب كل شئ . و ليس هذا خاصا بمحمد صلى الله عليه و سلم بل يستوي هو و سائر رسل الله فيه ، كما قال القرآن أيضا " و ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله " . و لا يلزم من كون إنزال الآيات و إظهار المعجزات من اختصاص مشيئة الله عدمُ وجود
ص 187
معجزة لنبيه محمد عليه الصلاة و السلام غير القرآن ، و لا عدمُ نفع المعجزات الكونية في إقناع الناس بصدق الرسل لابتذالها و وقوعها في كل زمان من غير الأنبياء ، كما ادعاه الشيخ رشيد رضا . فكأن هذا الشيخ المستخف بالمعجزات الكونية الناظر إليها نظره إلى أعمال السحر و الشعوذة ، لا يسمح لقوله تعالى : " و أوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق و بطل ما كانوا يعملون " و قوله : " إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " .
الثاتي ، لا شك في أن القرآن النازل على النبي العربي الذي يجدونه مكتوبا في التوراة و الإنجيل ، أعظم معجزات هذا النبي بل أفضل معجزات الأنبياء على الإطلاق كما قلنا من قبل أيضا ، لأن غيره من المعجزات الكونية إنما هي وسائط لتصديق النبي و علامات صدقة في دعوى النبوة عن الله و البعث إلى الناس ، و الغاية التي تأتي بعدها هدايتهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا و الآخرة . فالقرآن المعجز يجد العاقل فيه الغاية و الواسطة معا . فإذا كانت معجزات الأنبياء تلفت الأنظار و تستجلب القلوب إلى الكتب المنزلة عليهم و إلى قبول ما فيها من الأوامر و النواهي على أنها بلاغ من الله ، فالقرآن يلفت بنفسه إلى نفسه و إلى قبول ما فيه حقا و صدقا بل إلى قبول ما في الكتب المنزلة قبله أيضا . و لذا قال تعالى : " و قالوا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إنما الآيات عند الله و إنما أنا نذير مبين . أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم " و قال " و قالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم ببينة ما في الصحف الأولى " يعني أو لم يأتهم القرآن الذي هو بينة و شاهد صدق لنفسه و لغيره من الكتب المنزلة الأولى حيث نزل بالحق مصدقا لما بين يديه من التوراة و الإنجيل و غيرهما . و يحتمل أن يكون المراد من بينة ما في الصحف الأولى ما في الكتب المنزلة قبل القرآن من التبشير بمجئ محمد صلى الله عليه و سلم .
و ليس في توبيخ مقترحي الآيات بأن يقال : أولم يكفهم القرآن آية أو ، أولم يأتهم
ص 188
القرآن ، ما يستلزم عدم وجود معجزة لنبينا غير القرآن ؛ كما أن إجابتهم بأن الله قادر على أن ينزل آية أو أنه يضل من يشاء و يهدي إليه من أناب أو إنما الآيات عند الله أو إنما أنت منذر ، لا تستلزم عدم وجود معجزة له مطلقا (1) و حسبك أنها لم تمنع وجود معجزة القرآن ، بل الواو في " أولم يكفهم " أو " أولم تأتهم .. " تدل على أن له معجزة غير القرآن ، و المعنى : ألم يكفهم الآيات و لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ، ألم تأتهم آية و لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى.
الثالث ، أن مقترحي الآيات أي المعجزات على الأنبياء يكونون في الأكثر من المعاندين التمردين عليهم ، لا يريدون إلا تعجيزهم ، فإذا جاءتهم لا يقتنعون بها و يطلبون غيرها ، فالله تعالى لا يستجيب لمقترحاتهم و لا ينزل آية يستميلهم بها إلى الإيمان بنبيه ، و لو شاركهم النبي في استنزالها ، لأن الله يعلم أنهم لا يؤمنون كما قال " و ما تغني الآيات و النذر عن قوم لا يؤمنون " فيمسك آياته عنهم و يصونها عن أن تتخذ هزؤا أو تذهب أدراج الرياح . و قد يكونون ممن حقت عليهم الضلالة " لا يؤمنون و لو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم " فيقول الله فيهم لنيه : " أفأنت تنقذ من النار " و يقول " و أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله و ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون و نقلب أفئدتهم و أبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة و نذرهم في طغيانهم يعمهون و لو نزلنا إليهم الملائكة و كلمهم الموتى و حشرنا عليهم كل شئ قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله و لكن أكثرهم يجهلون " .
و قد يكون مرماهم في طلب المعجزات اختباراً لقدرة من يدعي النبوة على إيصالهم
هامش ص 188
(1) كما أن جواب القرآن لما قال القائلون لرسلهم من الأمم الماضية : " إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين " قائلا : " قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم و لكن الله يمن على من يشاء من عباده و ما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله " لم يستلزم عدم وجود معجزات لأولئك الرسل .
انتهى الهامش
ص 189
إلى حظوظ الدنيا الفانية و شهواتها ، لا هدايتهم إلى مناهج السعادة الأبدية و مدراج الإنسانية الحقيقية ؛ و قد يكون مع ذلك استخفافهم بشأن النبي صلى الله عليه و سلم و استعظام شأنهم أنفسهم كما قال الله تعالى : " و قالوا ما هذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقي إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها " – الفرقان – و قال " و قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل و عنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله و الملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء و لن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا " - الإسراء – و قال : " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق و إن يروا كل آية لا يؤمنوا بها و إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا و إن يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا و كانوا عنها غافلين " - الأعراف - .
فالدكتور هيكل باشا أورد من هذه الآيات آيات الأنعام و الإسراء مستدلا بهما على أن القرآن ينفي كل معجزة لنبينا صلى الله عليه و سلم إلا نفسه أي القرآن ؛ و ليس فيهما دلالة على مدعاه ، فآيات الإسراء تحكي أنهم طلبوا آيات معينة غريبة ، في بعضها غلو و شطط كقولهم " أو تأتي بالله و الملائكة قبيلا " أي كفيلا ، و يفهم من أكثرها أنهم طلاب الدنيا لا طلاب الحق فعيبت عليهم مطالبهم و لم يُستجب لهم ، مع التنبيه على أن محمد ليس بإلاه و إنما هو بشر رسول يعمل تحت إرادة الله ؛ و ليس في كل هذا دلالةعلى أن محمدا لم يأت بأي آية و لا يأتي و إن أذن الله بها . و مدلول آيات الأنعام أنهم أقسموا بالله لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها و قد علم الله أنهم لن يؤمنوا إذا جاءتهم ، حتى انهم لو أرادوا أن يؤمنوا لصرف الله قلوبهم و أبصارهم عن الإيمان ، فلا يوفقون له و لا يؤمنون إن لم يشأ الله ، و لو جاءهم كل موجبات الإيمان و حضتهم عليه . فالمفهوم من هذه الآيات بكل وضوح أن الذين يُحكى فيها إقسامهم بالله على أنهم إن جاءتهم آية
ص 190
ليؤمنن بها ، ممن حقت عليهم الضلالة فلذلك لا يأذن الله أن تأتيهم آية ، و هذا موضوع ختلف كل الاختلاف عما ادعاه الدكتور المؤلف في هذه الآيات من أنها تدل على أن محمداً ما جاءته أيّة معجزة غير القرآن ، و ان مقترحيها عليه لم يُستجب لهم مطلقا ، سواء كانوا ممن يؤمنون و لو جاءهم ما سألوه من الآية ، أو ممن يؤمل منهم الإيمان . فلا دلالة في هذه الآيات على ما ادعاه من أن سيدنا محمدا ما جاءته أيُّ آية غير القرآن ، بل نقول إن فيها ما يدل على مجئ آية إليهم أول مرة فلم يؤمنوا بها ، ثم اقترحوا مرة أخرى فرُد عليهم و شُدد في الرد و هو قوله تعالى " كما لم يؤمنوا به أول مرة " و في آية الأعراف تأييد واضح لما قلنا حيث يقول " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق و إن يروا كل آية لا يؤمنوا بها " . و في النهاية يقول : " ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا و كانوا عنها غافلين " .
الرابع ، أن السنة الإلاهية إنزال العذاب على قوم أرسل إليهم رسول فعصوه و آذوه أو سخروا منه و من آيات نبوته ، و أصروا و استكبروا استكبارا . و كتاب الله ينص على هذه السنة الإلاهية في قوله " حتى إذا استيأس الرسل و ظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء و لا يرد بأسنا عن القوم المجرمين " و قوله " فهل ينظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين " و قد ذكرنا فيما سبق أن المراد من سنة الله التي قال الله عنها في كتابه : لن تجد لها تبديلا و لن تجد لها تحويلا و التي حملها المخطئون على سنن الكون الطبيعية و بنوا عليها إنكارهم المعجزات الكونية ، سنتُه في نصر أنبيائه و تدمير أعدائه ، و يكون هذا النصر و هذا التدمير آخر معجزات الأنبياء بالنسبة إلى المتمردين عليهم ، و تتقدم هذه المعجزة معجزات الهداية فيهتدي من يهتدي و يؤمن من يؤمن ، و يكون في الباقين من يطلب معجزة أخرى تفوق اللأُوَلَ ظهورا و بهورا ، و تكون هذه المعجزة المطلوبة هي التي تأتي بعدها معجزة العذاب ؛ و لهذا يماطل الأنبياء عليهم السلام لاسيما الذين تغلب فيهم الرحمة ،
ص 191
في الإتيان بهذه المعجزة (1) و القرآن يشير إلى سنة نزول العذاب بعد هذه المعجزة في كثير من آياته كقوله : " و ما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون و آتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها و ما نرسل بالآيات إلا تخويفا " - الإسراء – و قوله " بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر . فليأتنل بآية كما أرسل الأولون ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون " - الأنبياء – و قوله : " لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ما ننزل الملائكة إلا بالحق و ما كانوا إذاً منظرين " - الحجر - و قوله : " و قالوا لولا أنزل عليه ملك و لو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون " - الأنعام - و قوله : " قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا و آخرنا و آية منك و ارزقنا و أنت خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين " - المائدة – و قوله : " و إذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله. الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله و عذاب شديد بما كانوا يمكرون " - الأنعام - .
و صدر الآية يدل على أنه كانت تأتيهم آية و لكنهم كانوا يغالون في الآية التي يؤمنون بها إلى أن يقترحوا نزول الوحي عليهم و يؤتوا منصبَ الرسالة من الله . و طبيعي أن تقابل هذه الطلبات الطائشة منهم بالرفض و التوبيخ و الإنذار و هذا كما قال بنو إسرائيل لسيدنا موسى " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة " - البقرة - .
هامش ص 191
(1) و في تفسير الفخر الرازي : قال محمد بن كعب القرظي إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم تخبرنا أن موسى ضرب الحجر بالعصا فانفجر الماء و أن عيسى أحيا الميت و أن صالحا أخرج الناقة من الجبل فأتنا أنت أيضا بآية لنصدقك فقال عليه السلام ما الذي تحبون فقالوا أن تجعل الصفا ذهبا و حلفوا لئن فعل ليتبعونه أجمعون فقام عليه الصلاة و السلام يدعو ، فجاءه جبريل فقال إن شئت كان ذلك و لئن كان فلم يصدقوا عنده ليعذبهم الله و إن تركوا تاب على بعضهم فقال صلى الله عليه و سللم بل يتوب على بعضهم فأنزل الله تعالى هذه الآية " أي آية الأنعام.
انتهى الهامش
ص 192
فالآيات التي طلبوا من نبينا صلى الله عليه و سلم و لم يُستجب لهم فيها ، لم يكن سبب عدم الاستجابة أن نبينا دأبه أن لا يستجيب لطلب الآية لعدم كونه نبيا كما زعم المستشرقون ، و لا لعدم كونه لا يستجيب لطلب المعجزة الكونية كما زعم مقلدو المستشرقين منا تقليداً أعمى ، و كيف يكون السبب أحد هذين الأمرين المزعومين مع أن بعض الآيات القرآنية الحاكية للطلبات المرفوضة نفسها ، يفهم منها أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يأتيهم بآية ، و إنما الرفض مبني على أسباب مختلفة فصلناها قريبا . و كان آخر ما ذكرنا أن طالبي الآيات لما لم يقتنعوا بما أتى منها و طلبوا آية أعظم و أبهر ، أُنذروا بما هو سنة الله في الأمم الماضية من إنزال العذاب بعدها إن لم يؤمنوا بها أيضا ، و لم يشأ الله استئصال أمة بعث إليهم آخر أنبيائه بإنزال العذاب عليهم ، لاسيما و أن هذا النبي لا يفتأ يدعو لهم قائلا : " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " .
و على قول الفاضل الهندي متم كتاب السيرة أن معجزة شق القمر كانت هي آية نبينا الباهرة التي يأتي بعدها العذاب في سنة الله إن لم يؤمنوا بها أيضا (1) و هي كانت على تحقيقه آخر آيات الهداية ، و لهذا وقعت قبل الهجرة بقليل التي هي أيضا من سنة الله لما أراد إنزال العذاب على قوم نبي ، فيأمر النبي و من معه أن يخرجوا من بينهم ، و كان يومُ بدر يومَ إنزال العذاب على مشركي مكة .
فقد تبين مما سبق منا إلى هنا أن القرآن ، فضلا عن عدم شهادته بنفي وجود معجزة غيره لنبينا صلى الله عليه و سلم التي ادعاها منكرو معجزاته الكونية ، فيه دلالة بل دلالات على وجود معجزات له غير القرآن . و ألطف نواحي المسألة دلالة بعض الآيات التي يستشهدون بها على عدم وجود معجزة له غير القرآن ، على وجودها.
هامش ص 192
(1) انظر هذا القول من ذاك الفاضل ثم انظر كيف تكون هذه المعجزة الباهرة التي يأتي بعدها العذاب عبارة عن تخييل الانشقاق من غير وقوع الشق ، ذلك الرأي الذي حكاه عن ولي الله الدهلوي و الغزالي ولم يرد عليهما بل أجازة . و قد نقلناه من قبل مع الرد عليهم .
انتهى الهامش
ص 193
فيظهر أن معالي مؤلف " حياة محمد " لم يتتبع القرآن عند دعوى النفي و إنما اتبع المستشرقين و اقتنع بما أوردوه من الشواهد . و زيادة على عدم تتبعهه بنفسه لم يستعمل دقته فيما وجد حاضرا عنده من أدلتهم المأخوذة من القرآن ، فقد ساق آية الأنعام الطويلة دليلا على رفض القرآن الطلبات و الاقتراحات بصدد المعجزات و هي قوله تعالى : " و أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها .. " الآيات ، مع أن فيها قوله : " و نقلب أفئدتهم و أبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة " دليلا واضحا على أنهم أتتهم آية من قبلُ فلم يؤمنوا بها . لكن المؤلف لم ير هذه الجملة الناقضة لدعواه حين أورد الآية لإثبات تلك الدعوى ، فكان دليله يضره بينما هو ينفعه .
***
و الآن نورد شواهد من القرآن نفسه تدل على وجود معجزات لنبينا صلى الله عليه و سلم غير القرآن ، و إن كان بعض تلك الشواهد مجملا لا يدل على حادثة معينة . و لسنا بصدد التفصيل لواقعات المعجزات ، فمحلها كتب الحديث و السيرة و كتب دلائل النبوة (1) و حسبنا في صددنا ما أشير إليه في الآيات الآتية :
1- و ما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين - الأنعام -
2- و ما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين - يس -
3- و إن يروا آية يعرضوا و يقولوا سحر مستمر - القمر -
4- و إذا رأوا آية يستسخرون و قالوا إن هذا إلا سحر مبين - الصافات -
5- و إذا جاءتهم آية قالوا لن يؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله الله أعلم
هامش ص 193
(1) و قد أحصى الفاضل الهندي متم السيرة التي بدأ كتابتها المرحوم مولانا شلبي النعماني ، معجزاته صلى الله عليه و سلم الثابتة بالروايات الصحيحة في كتب الحديث و السيرة و غير الثابتة بها .
انتهى الهامش
( 13 – موقف العقل – رابع )
ص 194
حيث يجعل رسالته - الأنعام -
6- زيادة الواو الدالة على آية أو آيات مقدرة يعطف عليها ما بعدها في قوله تعالى :
" و قالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله و إنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم " - العنكبوت - و المعنى ألم تكفهم الآيات و لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم .
7- زيادة الواو في قوله تعالى : " و قالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى " - طه - و المعنى ألم تأتهم آية و لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى .
8- و نقلب أفئدتهم و أبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة - الأنعام - و تمام الآية " و أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنُن بها قل إنما الآيات عند الله و ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون و نقلب أفئدتهم و أبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة " و الشواهد الثلاثة الأخيرة من شواهد نُفاة المعجزات غير القرآن ، معكوسة عليهم
9- قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله و أخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العيين - آل عمران -
10- و إذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا و يقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولا - الأنفال -
11- إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سأُلقي في قلوب الذين كفروا الرعب - الأنفال -
12- و إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم و تودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم و يريد الله أن يحق الحق بكلماته و يقطع دابر الكافرين - الأنفال -
13- فلم تقتلوهم و لكن الله قتلهم و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى - الأنفال -
14- و لقد نصركم الله ببدر و أنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول
ص 195
للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى أن تصبروا و تتقوا و يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين – آل عمران -
15- إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين - الأنفال -
16- و لما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله و رسوله و صدق الله و رسوله و ما زادهم إلا إيمانا و تسليما - الأحزاب -
17- يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً و جنوداً لم تروها -الأحزاب-
18- لقد نصركم الله في مواطن كثيرة و يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا و ضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله و على المؤمنين و أنزل جنوداً لم تروها و عذب الذين كفروا - التوبة -
19- يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون - التوبة -
20- يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ همّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم - المائدة - نزلت في بني النضير من اليهود لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه و سلم حين أتاهم مع بعض خواص أصحابه يستقرضهم في دية رجلين ، و قد كانوا عاهدوا النبي على ترك القتال و على أن يعينوه في الديات فقالوا اجلس حتى نطعمك و نعطيك ما تريد ، ثم تآمروا على أن يطرح أحدهم رحى من فوق الجدار الذي جلس مستندا إليه فنزل جبريل و أخبر بذلك .
21- و الذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة و لأجر الآخرة أكبر - النحل - نزلت في مهاجري المسلمين إلى الحبشة لما خاف عليهم إخوانهم
ص 196
في مكة بما كان يعمل المشركون على إحراج مواقفهم بالمهجر ، متوسلين إليه بالتأثير عند ملك الحبشة بإرسال الهدايا إلى موظفي قصره . فالله خيب مسعاهم و طمأن المؤمنين على حالة إخوانهم المهاجرين .
22- و إن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها و إذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا و لا تجد لسنتنا تحويلا - الإسراء - نزلت في هجرة الرسول صلى الله عليه و سلم منبئة بدنوّ هلاك الذين أخرجوه من بلده . و كان المؤمنون وقت الهجرة و نزول الآية في غاية الضعف ، فما مضت سنة حتى قتل صناديد قريش في بدر و فاز المسلمون بالنصر الموعود
23- أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع و يولون الدبر - القمر -
24- وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمن - النور – كان المؤمنون وقت نزول الآية في قلة و عجز لا ينامون الليالي آمنين على حياتهم من مهاجمة الأعداء المحيطة بهم . فمن ذا الذي كان يطوف بباله أن تكون من المسلمين دول عظمى تعلو كلمتهم في وجه البسيطة كما تبشر به الآية ؟ حتى انه كان من المستبعد أن يتغلب المسلمون على قبائل العرب المجتمعة على معاداتهم . و الآية المتقدمة تنبئ بتمزق القبائل أمامهم .
25- إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد - القصص -
26- لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين - الفتح - الآيتان تبشران بفتح مكة ، و كانت الأولى منهما نزلت أثناء الهجرة منها و الثانية عند العودة من الحديبية .
27- قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون - الفتح - إشارة إلى الحروب الواقعة في عهد الخلفاء الراشدين .
ص 197
28- الم غُلبت الروم في أدنى الأرض و هم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل و من بعد و يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء و هو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده - الروم - و الآيات الإحدى عشرة الأخيرة تتضمن الإخبار عن الغيب الذي هو من المعجزات الكونية ، لكونه مخالفا لسنة الكون .
29- و إذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين - الأحقاف -
30- سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا - الأسراء -
31- اقتربت الساعة و انشق القمر و إن يروا آية يعرضوا و يقولوا سحر مستمر - القمر -
قد بينا ما في آيتي القمر من مؤيدات وقوع معجزة انشقاق القمر ، بل وقوع غيرها أيضا ، و أبطلنا تأويلات المنكرين المتعمدين و الغافلين . و الآن نقف على معجزة الإسراء و ننظر في نصها و نرد أوهام المتأولين .
و الدكتور هيكل باشا مؤلف كتاب " حياة محمد " الذي أغفل معجزة شق القمر في كتابه بالمرة كما أغفل غيرها ، تعرّض لنبأ الإسراء لا على أنه معجزة ، بل ذهب في سبيل نفي إعجازه مذهبا أبعد من المعجزة ، لأن المعجزات من الممكنات في مذهب العقل السليم و قد فصلناه في أول هذا الباب ، و ما ذهب إليه هيكل باشا في تأويل معجزة الإسراء و هو وحدة الوجود محال كما علمت تحقيقه في الفصل الأول من الباب الثاني من هذا الكتاب (1) . و لايدري معاليه أن وحدة
هامش ص 197
(1) و اني جد متعجب من أن كاتبا كبيرا في طليعة الأدباء و العقلاء بمصر مثل الدكتور هيكل باشا ، يأبى عقله أن يؤمن معجزات أنبياء الله الكونية فينكرها ، فى حين أنه يقبل خرافة وحدة الوجود المستحيلة ، حتى يفسر بها معجزة الإسراء . و معناه أنه لا يؤمن بالمعجزة حال كونها ممكنة ، و يؤمن بها عند تصويرها في صورة المحال .
انتهى الهامش
ص 198
الوجود فكرة لا تخص على تقدير صحتها و إمكانها بنبي دون نبي و لا بإنسان دون إنسان و لا بموجود دون موجود و لا بوقت لذلك النبي أو ذلك الإنسان أو ذلك الموجود ، دون وقت ، لأن كل الموجودات في مذهب وحدة الوجود موجود واحد و هو الله . فنضرب عن هذا التأويل الحديث لمعجزة الإسراء ، المستغنى لبطلانه عن الابطال صفحا ، و ننظر في التأويل القديم :
آية اإسراء في القرآن صريحة غير قابلة للتردد و التلكؤ في أن الله تعالى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى .فكما لو قلت سريت من محل فلاني إلى محل فلاني لا يكون وجه للتردد و السؤال هل كان ذلك بجسمك أم بروحك و في اليقظة أم في المنام؟ فكذلك لا يجوز الاختلاف في معنى هذا السُّرَى و لا في أن العبد اسم للروح أو الجسد أو لهما معا ،كما وقع بين القائلين بالإسراء الجسماني و الإسراء الروحاني.
نعم يخطر بالبال كيف يمكن السُّرى ليلا أي في جزء من الليل من مسجد إلى مسجد بينهما مسافة شهرين ذهابا و إيابا ؟ ثم لما نُظر إلى تعبيرات القرآن و رؤى انه لا يقول سَرى محمد بل يقول إن الله أسرى به مع التسبيح لهذا الذي أسرى به و تنزيهه عن الكذب و العجز ، زال كل شبهة و كل تردد عن أساسه . فإذن يلزم أن يكون فعل الإسراءَ الذي يقول الله تعالى إنه فاعله و الذي يسبح قائلُه لنفسه من حيث إنه فاعله و يعبر عن المُسرَى به ، بعبده المشرَّف بتمحضه في عبوديته ، ثم يذكر الغاية لهذا الفعل بقوله : " لنريه من آياتنا " -فعلا في منتهى الخطورة و الأهمية ، و يلزم أن يبقى مصونا عن كل تأويل ينقص من خطورته و أهميته (1) .
هامش ص 198
(1) حتى إن محاولة تقريب الإسراء من الأذهان و إثبات إمكانه بأمثلة من مكتشفات العلم في العصر الأخير ، كما توسل إليه أيضا مؤلف " حياة محمد " - و حكاه فضيلة الأستاذ المراغي في تعريفه بهذا الكتاب من غير نكير بل بشئ من الإعجاب – بعد أن توسل بوسائل كثيرة أخرى في =
انتهى الهامش
ص 199
ففي جنب هذا التصريح المعظم يذوب كل ما قيل أو يقال في تأويله . فمنه ما ذكر ابن هشام في سيرته و ابن جرير في تفسيره من روايتين عن معاوية و عائشة رضي الله عنهما ، و هما أن محمد بن إسحق قال حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة أن معاوية كان يقول لما سئل عن المعراج إنه كان رؤيا صادقة ، و أن ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد يعني ابن إسحق قال حدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول : " ما فقد جسد رسول الله " ، مع أن في الرواية عن معاوية انقطاعا ، لأن ناقل الخبر إلى ابن إسحق لم يسمعه عن معاوية لعدم كونهما في عصر واحد ؛ و في الرواية عن عائشة لم يذكر اسم من روى عنها من أقاربها و إنما عبر عنه ببعض آل أبي بكر ، و فيها شئ آخر : و هو أن عائشة لم تكن في زمن الإسراء بموقف أن تقول القول المروي عنها لأن الإسراء وقع قبل الهجرة بسنة أو أكثر و تزوج النبي بها في المدينة ، و هي على المشهور في التاسعة من عمرها ، فتكون في زمن الإسراء طفلة في السابعة ، و لم يبت رسول الله صلى الله عليه و سلم ليلته تحت مراقبة عائشة التي لم تكن زوجته وقتئذ و لا مراقبة غيرها من آل أبي بكر حتى يكون من حقها أو حقه أن يقول : ما فقد جسد رسول الله .
و الدليل الثاني للمؤولين قوله تعالى : " و ما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتة للناس " فيعبر عن الإسراء بالرؤيا . و الجواب ما في صحيح البخاري و مسلم من قول ابن عباس
هامش ص 199
= إنكار المعجزات الكونية ، مما ينقص من خطورة هذه الحادثة لدرجة تنزيلها من السماء إلى الأرض ، و تعتبر عندي نزعة من نزعات إنكار المعجزة ، ورد مالا يمكن إنكاره من حادثاتها إلى أحضان العلم الطبيعي شكل من أشكال الإنكار . لأن العلم الطبيعي يبني كل شئ إلى سبب طبيعي ، في حين انا نعني بالمعجزة ما يكون فوق الطبيعة سببا و علما ، فلا يوجد لها يبب من الطبيعة و لا طريقة من العلم . و إنما مبناها على إرادة الله التي هي السبب الأعلى ، و التي تستند إليها الطبيعة و غيرها على السواء .
فعلى قارئ هذا المبحث أن يعتني قبل كل شئ إلى هذه الدقيقة . و لو كان للعلم سبيل إلى المعجزة التي هي من خواص النبوة لكان التقدم في العلم يصعد بالعالم إلى أن يجعله نبيا من الأنبيا ، و ليس هذا مذهبنا بل مذهب القائلين بالنبوة المكتسبة الراجع إلى نفي النبوة الحقيقية و الذي سبق منا إبطاله
انتهى الهامش
ص 200
رضي الله عنهما " إن هذه الرؤيا رؤيا عين أُرِيَها رسول الله لما أُسرى به إلى بيت المقدس "
كقول الراعي :
فكبر للرؤيا و هش فؤاده و بشر نفسا كان قبلُ يلومها
و قول المتنبي :
مضى الليل و الفضل الذي لك لا يمضي و رؤياك أحلى في العيون من الغمض
فيفهم أنه قد يقال للرؤية في اليقظة رؤيا إذا وقعت في الليل . فإن اعتُرض على الاستشهاد بقول المتبني و الراعي في اللغة فلا كلام على الاستشهاد بقول المتنبي و الراعي في اللغة فلا كلام على الاستشهاد بقول ابن عباس .
و لي في المسألة رأي آخر و هو أن النزاع على فرض وقوعه بين الصحابة في الرؤيا المذكورة في الآية ، يلزم أن يكون راجعا إلى ما بعد الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى المنصوص عليه في صدر السورة ، فتكون الحادثة مفترقة إلى قسمين ، و يمكننا أن نسمي القسم الأول الإسراء كما سماه الله و القسم الثاني المعراج كما وقع في الرواية عن معاوية . و الأول ثابت بالكتاب و الثاني بالحديث المشهور . و الرؤيا المذكورة في الآية الثانية على أي معنى كانت ، راجعة إلى هذا القسم الذي وقع في ذيل الإسراء المذكور في الآية الأولى لا إلى الإسراء نفسه . و إلا فكيف يمكن بعد أن قيل بأجلى صراحة توقظ النائم عن نومه و الغافل عن غفلته : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا " أن يقال في آية أخرى إن حديث الإسراء كان رؤيا منامية ؟!
و لا يصعب فهم ما ذهبنا إليه من تفريق المسألة إلى قسمين و جعل الرؤيا راجعة إلى القسم الثاني ، من لفظ ابن عباس : " إن هذه رؤيا عين أُرِيَها رسول الله لما أُسري به إلى بيت المقدس " حيث جعل الإسراء ظرفا للرؤيا و لم يجعل الرؤيا ظرفا للإسراء ، فيكون الخلاف في الرؤيا الواقعة في الإسراء الذي لا خلاف فيه ، فابن عباس لا يرضى أن يكون عروج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى السماوات و رؤية ما رآه فيها ليلة
أسرى به إلى المسجد الأقصى – وهو الذى عبرنا عنه بالقسم الثانى من واقعات تلك الليلة – حالة ً منامية كما لم يكن الإسراء إلى المسجد الأقصى الذى هو القسم الأول حالة منامية ، وعلى قول معاوية فى الرواية الضعيفة عنه يكون الإسراء عيانا وما بعده رؤيا صادقة ، إلافليس لمعاوية ولا لأى مسلم يفهم الكلام العربى ويفقه الفرق بين أساليب الإلقاء أن يتردد فى تصديق كون الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى المصرح به فى أول السورة المسماة به ، واقعة عيانية . فإذن لابد أن تكون رواية الرؤيا عن معاوية إما محمولة على ما بعد الإسراء أو مكذوبة عليه . وهكذا نعتبر كل رواية فى تفسير الحادثة تخالف نص القرآن ، مرفوضة .
وحمل الرؤيا فى الرؤيا فى الآية الأخرى على الحالة المنامية كما ينافى الصراحة الرائعة للآية الأولى ، يتنافى أيضا مع ما ذكر فى آية الرؤيا نفسها من جعل تلك الرؤيا فتنة للناس إذ الرؤيا المنامية مهما أمعنت فى الغرابة لا تكون فتنة للناس . فلو كان نبأ الإسراء من أوله إلى آخره رؤيا فى المنام ، لم يلتئم أول الآية التى ذكر فيها الرؤيا مع آخرها ، وقد روى أن حكاية النبى صلى الله عليه وسلم ما جرى فى ليلة الإسراء أثارت الدهشة فى سامعيها من المسلمين والمشركين ، حتى كان بينهم من ارتد عن الإسلام استبعادا للأمر ، وذهب بعض من أخذتهم الريبة إلى أبى بكر وحدثوه حديث النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال إنكم تكذبون عليه يعنى أنه استبعد أيضا ، قالوا ها هو ذاك فى المسجد يحدث الناس ، فقال بعد أن اقتنع بأنه حديثه : " لئن كان قد قاله لقد صدق ، إنه ليخبرنى أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض فى ساعة من ليل أو نهار فأصدقه" والعجب أن الكاتب الكبير الهندى الذى مر ذكره غير مرة والذى ألف فى عصرنا كتابا فى السيرة قيما جدا ، إذا قسناه بكتاب معالى هيكل باشا وجدنا مسافة الفرق بينهما أكثر من مسافة الفرق بين كتاب معاليه وبين كتاب واحد من المستشرقين فى هذا الموضوع ، وخص مجلدا كبيرا من مجلداته – وقد قسم هذا المجلد فى الترجمة التركية إلى مجلدين – بحياة نبينا الروحانية أعنى معجزاته ، العجب أن هذا الكاتب (1) مع عدم تردده فى وجود معجزات له صلى الله عليه وسلم غير القرآن ، وقد أحصاها فى المجلدين المذكورين من كتابه ، ومع عدم تردده فى كون الإسراء واحدا من أعظم تلك المعجزات ، اختار مذهب الرؤيا فيه مطلقا ، أو على الأقل لم يكن واضحا فى التفريق بين قسميه اللذين ذكرناهما واللذين أحدهما ثابت بالكتاب يكفر منكره والثانى ثابت بالسنة المشهورة . ثم أجاب عن الاعتراض على هذا المذهب بعدم معقولية كون الرؤيا فتنة للناس لدرجة أن مسألة الإسراء سببت ارتداد طائفة من المسلمين الذين كانوا أسلموا قبلها..أجاب عن هذا الاعتراض بعدم قبول رواية الارتداد مع ما فيها من امتياز أبى بكر رضى الله عنه بالمسارعة إلى تصديق النبى صلى الله عليه وسلم حتى لُقب بالصديق.
(1) أو بالأصح متم كتابه بعد وفاته وهو الفاضل سليمان الندوى .
وأنا أقول فلنسلم أن هذه الروايات مختلفة عن آخرها ، ولكن ماذا نقول فى تصريح آية الرؤيا بكونها فتنة للناس ؟! فلابد أن تكون هناك بالنظر إلى نص القرآن فتنة إن لم تكن للمسلمين فللمشركين ، بإثارة استبعادهم وانتهازهم فرصة امتحان الرسول بأسئلة عن القدس والمسجد الأقصى وعن الطريق بين البلدين . ولا يعقل أن تكون الرؤيا المنامية داعية إلى إعظام الأمر لحد أن تجعل فتنة للناس بأى وجه كان ، فإن أجاب أخونا الفاضل المذكور باحتمال أن يكون المشركون لم يظنوها رؤيا ، فمن المستبعد جدا أن يظنوا ما حدثهم رسول الله على أنه رؤيا ، عيانا وليس بمُجدٍ لذلك أن تُعد هذه الاعتراضات عقلية ، فهى عقلية مبنية على أساس نقلى هو كون القرآن صرح بأن الله جعل الرؤيا التى رآها رسوله فتنة للناس ، فنحن لا محالة مضطرون إلى الأخذ بقول ابن عباس فى الرؤيا كيلا يكون لآية الرؤيا نفسها معنى مختل غير معقول ، فيكون لفظ الرؤيا حقيقية فى معنى الرؤية مطلقا ويكون قول ابن عباس أو استعمال القرآن بالذات شاهدا لغويا يجب إكمال ما فى المعاجم من النقص توفيقا له ، أو يكون استعمال الرؤيا فى معنى الرؤية استعمالا مجازيا خاصا بالرؤية ليلا كما ذهب إليه بعض المفسرين ، وكما وقع فى شعر المتنبى والراعى المار الذكر .
********
ثم إن هذا المؤلف الفاضل عقد للمعجزات 31 فصلا وذكر فى الفصل الرابع عشر الذى خصصه مع الفصل الثالث عشر لمعجزة الإسراء ، أسرارَها وأحكامها وبشائرها ونعمها ومناداتها ،مُجيدا فى الذكر ومفيدا غاية الإجادة والإفادة ، فكاد يطبق سورة الإسراء التى فى القرآن الكريم من أولها إلى آخرها على واقعة الإسراء وما تضمنته من الأسرار والأحكام . ونحن نذكر ما يمكن ذكره فى بعض صفحات ، مما خصص له المؤلف 25 صفحة . ففى سورة الإسراء .
1- إعلان كونه صلى الله عليه وسلم نبى القبلتين .
2- إشارة إلى انتهاء ولاية اليهود وحراستهم القدس وتفويض ذلك إلى آل اسماعيل .
3- إشارة إلى انتهاء دور الوعظ والنصح لكفار قريش واقتراب دور العذاب منهم ، بإخراج الرسول من بينهم مهاجرا .
4- الأحكام والوصايا فى المعراج .
5- الأمر بالصلاة والإشارة إلى أوقاتها الخمسة .
(1) ففى معجزة الإسراء والتنويه به فى مطلع السورة المسماة باسمه ، مناداة النبى صلى الله عليه وسلم وإعلانه نبى القبلتين : فقد كان سيدنا ابراهيم أُعطى ولاية الأرض المقدسة فقسمها بين ابنيه : شِبه جزيرة العرب وفيها مكة ، لإسماعيل ، وسوريا وفيها القدس ، لإسحق ، فتعهد القدس بنو إسرائيل الذى هو لقب يعقوب بن اسحق ، وفيهم أنبياء بنى اسرائيل من يوسف إلى عيسى عليهم السلام . وتعهد مكة بنو إسماعيل ، وكانت قبلة بنى إسرائيل بيت المقدس وقبلة بنى إسماعيل الكعبة ، فجُمع فى نبينا ميراث ابراهيم المنقسم بين نجليه . فلذلك صلى إلى القبلتين بعد أن فرضت الصلاة ، ولذلك أُ ُسِرىَ به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وصلى فيه بالأنبياء ،فأعلن كونه نبى القبلتين ،وفى هذه الليلة فرضت الصلاة ،كما أنه أشير إلى أوقاتها الخمسة فى صورة الإسراء نفسها .
(2) كانت سورة الإسراء نزلت بمكة . ولِما أنه ليس لرسول الله اتصال باليهود فى مكة ، لم يكن القرآن يخاطبهم ، فخاطبهم أول مرة فى هذه السورة إشارة إلى افتتاح دور جديد فى الإسلام باقتراب الهجرة إلى المدينة وتأسس المناسبة فيها بين المسلمين واليهود ، فذكر أن اليهود الذين أوتوا التوراة هدى لهم قُضى إليهم أنهم ليفسدن فى الأرض مرتين بغياً و عتواً وليُجزون بسوء أعمالهم . ففى المرة الأولى سُلط عليهم بختنصر فدمرهم وخرب ملكهم ثم تابوا فتاب الله عليهم وأعاد إليهم دولتهم ، وفى المرة الثانية سلط عليهم الرومانيون فقتلوهم وخربوا ديارهم . ثم بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم أعطاهم الله فرصة التوبة للمرة الأخيرة : فإن تابوا وأطاعوا الرسول فالله يرحمهم ، وإن عادوا إلى المعاصى عاد الله إلى العقوبة . فإن لم ينتهزوا الفرصة فسيحرمون نهائيا حراسة بيت المقدس ويجمع ميراث اسرائيل إلى ميراث إسماعيل فيتولاهما النبى صلى الله عليه وسلم معا ، وهذا نص القرآن :
" وىتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبنى إسرائيل ألا تتخذوا من دونى وكيلا . ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكورا . وقضينا إلى بنى إسرائيل فى الكتاب لتفسدُن فى الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيرا . فإذا جاء وعد أُولهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا . ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا . إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا . عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا " .
(3) وفى هذه السورة أيضاً إنذار نهائى لكفار قريش فقد كانوا يستعجلون النبى صلى الله عليه وسلم بالعذاب تمرداً عليه ، فأنبئوا أن الله لا يعذب قوما حتى يبعث إليهم من يهديهم إلى صراط الله وحتى ييأس الهادى من إجابتهم الدعوة . وفى هذه الحالة يُرى اتفاق المترفين والمستكبرين على إسكات الحق وخنق صوته ، ويكون الذين ينحازون إليهم الواثقين بقوتهم وثروتهم ،والمنحازون إلى الهادى هم الضعفاءَ و الفقراءَ ، كما وقع للنبى صلى الله عليه وسلم مع قومه . فكانت الحالة مؤذنة بقرب مجىء الأمر للنبى ومن معه بالهجرة وإنزال العذاب على الباقين . وفى هذه السورة إشارة إلى كل هذا ، حتى ان فيها تبشير المؤمنين بفتح مكة بعد الهجرة وزوال نعمتى الإشراف عليها وحراسة الكعبة من أيدى كفار قريش وانتقالهما إلى المؤمنين ، انظر إلى قوله تعالى :
" إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيرا . وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما . ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا " وقوله " وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشوراً . اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا . من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا . وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا . وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيراً بصيرا " وقوله " وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلا . سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا " وقوله " وقل رب أدخلنى مُدخل صدق وأخرجنى مُخرج صدق واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا . وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " .
فكما أن فى نبأ استفزازهم النبى صلى الله عليه وسلم ليخرجوه من أرضه وتلقينه الدعاء الخير فى مُدخله ومُخرجه ، إشارةً واضحة إلى اقتراب هجرته من مكة ، ففى ذكر عدم لبثهم فيها بعد خروجه منها إلا قليلا وتعليمه أن يسألَ السلطان النصير له من عند الله فى مدخله ومخرجه ، ثم يقولَ جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ، إشارة ٌ إلى اقتراب موعد الهلاك من كفار قريش والنصر للمؤمنين عليهم وفتح مكة ، حتى ان النبى صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة فاتحا وطهر الكعبة من الأوثان قرأ هذه الآية من سورة الإسراء النازلة فى مكة قبل الهجرة أعنى : " وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا " .
(4) إن الله تعالى دعا عبده الخاص إلى لقائه الأقدس لتولية الكعبة وبيت المقدس وأوصاه الوصايا الآتية كشروط التولية :
" لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا . وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربى ارحمهما كما ربيانى صغيرا . ربكم أعلم بما فى نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا . وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا . إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا . وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا . ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا . إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيراً بصيرا . ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خِطئا ً كبيرا . ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا . ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف فى القتل إنه كان منصوراً . ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا . وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا . ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا . ولا تمش فى الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا . كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها " .
ثم قال " ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة " كما قال فى سورة النجم بعد قوله : " ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى " : " فأوحى إلى عبده ما أوحى "
والوصايا المذكورة فى الآيات التى كتبناها اثنتا عشر وصيةً جامعةٌ لأسس الخير والشر فى الدنيا . يقول المؤلف : " وهذه الأوامر الإلهية تكملة الأوامر العشرة التى تلقاها سيدنا موسى من ربه فى الطور " ثم ذكر الأوامر العشرة هكذا :
لا إله لكم غيرى .
لا تحلفوا كاذبين .
اذكروا يوم السبت .
احترموا الوالدين .
لا تسفكوا الدماء .
لا تزنوا .
لا تسرقوا .
اجتنبوا شهادة الزور ضد جيرانكم .
لا تطمعوا فى امرأة جاركم .
لا يضلكم مال جاركم .
وفى السورة إشارة أيضا إلى الصلوات الخمس التى فرضت فى ليلة الإسراء وهى قوله تعالى " أقم الصلاة لدلولك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر " أى أدمها من وقت زوال الشمس إلى اجتماع ظلمة الليل ، وليس المراد إقامتها فيما بين الوقتين بالاستمرار بل إقامة كل صلاة فى وقتها الذى حُدد لها ببيان جبريل ، كما أن أعداد ركعات كل صلاة موكولة الى بيانه . فيدخل فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء . ولعل الاكتفاء ببيان المبدأ والمنتهى فى أوقات الصلاة من غير فصل بينها لما أن الإنسان يكون فيما بين هذه الأوقات على اليقظة فبعضها متصل ببعض ، بخلاف أول وقت العشاء والفجر فإن الاشتغال فيما بينهما بالنوم يقطع أحدهما عن الآخر ، ولذلك فصل وقت الفجر عن سائر الأوقات . والمراد بقرآن الفجر صلاة الفجر سميت به لكونه ركَنها كما تسمى الصلاة بالركوع والسجود تسميةَ الكل باسم الجزء ، ومن السنة إطالة القرآن فى صلاة الفجر .
بقى أن نقول من العجب اختيار أخينا الفاضل الهندى متمم السيرة الذى كشف اللثام بمهارة عن أسرار ليلة الإسراء وأحكامها ، كونَ الإسراء نفسه حالة منامية وهو لا يفرق بين الإسراء والمعراج وإنما يعتبرهما حادثة واحدة مذكورة باسمين ، أليس عجيبا أن تكون تلك الأحكام الجامعة لأسس الخيروالشر الآمرة ببعضهما والناهية عن الآخر ، أوحيت فى الرؤيا ، حتى الصلوات الخمس أيضا فرضت فى المنام !!وإن كانت رؤيا النبى صلى الله عليه وسلم لا تقاس برؤيا غيره ونومه بنوم غيره . فهل سورة الإسراء أيضا التى طبق الكاتب معظم آياتها على حادثة الإسراء نزلت فى المنام على خلاف سور القرآن الأخرى ؟! فالحق أن المعراج أيضا ونعنى به ما بعد الإسراء لم يكن حالة منامية وقد فسرنا به قول ابن عباس فى تفسير قوله تعالى " وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس " كما لا احتمال أصلا لأن يكون الإسراء حالة منامية .
وهنا انتهينا بحمد الله من الكلام فى مسألة المعجزات . ونريد الآن أن نتكلم فى مسألة البعث بعد الموت ، فنقول ومن الله التوفيق والهداية إلى القول الحق .
مسألة البعث
لمنكرى البعث بعد الموت ، وربما يقال عنهم منكرو الحشر ، صورتان للإنكار وطريقتان توصلانهم إليه . فالصورة الأولى إنكار الحشر بالمرة جسمانيا وروحانيا ، وهو مذهب ملاحدة الماديين . والصورة الثانية إنكار الحشر الجسمانى فقط وهو مذهب الفلاسفة الإلهين أى المعترفين بوجود الله . وقد أنكرهما الأستاذ فريد وجدى لما أنكر البعث بعد الموت قبل تولى الوظيفة الأزهرية وفى الأيام الأخيرة التى أخذ يعترف بالآخرة فى مجلة الأزهر اعترافا يختلسه أثناء كلماته ، من غير إلمام إلى إنكاره القديم بشىء من الندامة والرجعة ، لابد أن يكون اعترافه مصروفا إلى الحشر الروحانى ، لكون هذا الاعتراف المختَلس حدث منه بعد نزوعه إلى مذهب الروحيين من علماء الغرب القائلين بوجود الروح ، وليبقى على الأقل أدنى رابطة بين قوله الحديث وقديمه الذى لم يعترف إلى الآن بخطأه فيه ، فلا يكونَ الأستاذ فريد وجدى المقر كأنه غير الأستاذ المنكر تماما
ومذهب الإسلام الجزم بوقوع الحشر وتحقق عالم الآخرة عند مجىء وقته جسمانيا وروحانيا معا ً ، لأن كتاب الله صريح بهذا الصدد لا يكون وراءه صراحة ، ويكون إنكار الحشر الجسمانى بعد تلك الصراحة بل الصراحات إنكاراً للقرآن ، ولذا أفتى علماؤنا بكفر الفلاسفة القائلين بالحشر الروحانى فقط : أما رد الأستاذ فريد وجدى جميع آيات القرآن الواردة فى البعث والحشر وما يلاقيه الإنسان فى نشأته الآخرة ، إلى المتشابهات التى لا تفهم معانيها فليس إنكاراً للقرآن فقط ، بل إنكارا أيضا لما فى بدائه العقول وهو كون تلك الآيات مفهومة واضحة المعانى (1) .
(1) نعم نحن عارفون بكون مراد الأستاذ أن تلك الآيات متشابهة غير مفهومة المعانى ، لاستحالة وقوع تلك المعانى المفهومة المخالفة لسنن الكون وللعلم الحديث المثبت الذى سبق أن جعل له الأستاذ الدولة فى الأرض . وإذا كان ذلك مراده لا أن تلك الآيات لا يفهم منها معنى من المعانى ، كان معنى الرد إلى المتشابهات تكذيب القرآن فى تلك الآيات لا سيما فى قوله تعالى مثلا " أو لم يروا أن الله الذى خلق السموات والأرض ولم يعى بخلقهن بقادر على أن يحيى الموتى " وقوله "فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر " وقوله " وهو الذى الذى يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه " بناء على أن قدرته تعالى لا تتعلق بالمستحيلات ، وهذه الآيات تصر على دعوى كون الله قادرا على بعث الموتى الذى هو مستحيل عند الأستاذ .
وأما ما يرى فى بعض كتب أصول الدين عند تعداد المذاهب فى المعَاد ، من أن مذهب جمهور المتكلمين المعاد الجسمانى فقط ، فليس معناه حشر الأجساد خالية عن الحياة إذ لا معنى له ، وإنما سبب هذا المذهب كون أولئك المتكلمين غيرَ قائلين بوجود الروح مجردة عن البدن ، فهى عندهم عرض قائم بالبدن فلا حاجة فى مذهبهم عند البعث بعد الموت إلى إعادة الروح لكون إعادة البدن تتضمن إعادتها . لكن المحققين من المتكلمين كالحليمى والغزالى والراغب وأبى زيد الدبوسى قائلون بوجود الأرواح وحدوثها مع الأبدان – وهو مذهب أرسطو وابن سينا – ثم بقائها بعد مفارقة الأبدان إلى أن تعاد لها أبدان تتلاءم مع النشأة الثانية ، وهذه الأرواح هى المرادة من الأجزاء الأصلية المحفوظة للإنسان كما فى " تهافت الفلاسفة " لخواجه زاده . وبهذا تنقذ مسألة المعاد عن لزوم إعادة المعدوم بعينه التى يدعى منكروها استحالتها بل بداهة استحالتها .
وقوله تعالى " كل شىء هالك إلا وجهه " ليس بقطعى الدلالة على هلاك الأرواح مع كل شىء هالك ، لاحتمال أن يكون معناه هلاك كل شىء سوى الله ، حتى فى حال وجوده ، لكونه ممكنا يحتاج فى وجوده إلى من يوجده وهوالله ، فلا وجود لما سوى الله لذاته ، وكفى بذلك هلاكا . والهلاك بهذا المعنى يشمل الأرواح أيضا الباقية بعد الموت .
وجمهور المتكلمين القائلون بجواز إعادة المعدوم بعينه يستدلون بهذه الآية على فناء الأرواح مع الأبدان ويجعلون الحشر بالإعادة ، لا بجمع الأجزاء المتفرقة التى لا مدخل لها فى تعيين هوية الإنسان ، وضمها على الأجزاء الأصلية المحفوظة . وهو أى جمع الأجزاء مذهب المحققين المتفقين مع الفلاسفة فى عدم تجويز إعادة المعدوم بعينه .
ومع كون مذهبهم أسلم من النقاش ، ولا مانع عندى من اختياره ، فلى بحث فى دعوى استحالة إعادة المعدوم التى انتصبت مشكلة ً قديمة ً أمام مطلب الحشر الجسمانى (1) وليس معناها أن قدرة الله لا تسع إيجاد نشأة ثانية للإنسان فى عالم ثان كما خلقهم فى حياة الدنيا ، وإنما الكلام فى امكان أن يكون أشخاص الناس المعادون فى النشأة الثانية عين الأشخاص الذين عاشوا فى الدنيا وعملوا أعمالا يحاسبون عليها ويجزون بها فى نشأتهم الثانية إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، وأن لا يكون المجزى غير العامل .
فهل يمكن عقليا ً الاحتفاظ بهذه العينية الأولى فى الخلق الثانى أو يستحيل ذلك عقلا ؟ وإن كان لا محل للكلام بين العقلاء المعترفين بوجود الله وقدرته على الممكنات ، فى قدرة الله على خلق الخلائق سواء فى النشأة الأولى أو فى النشأة الثانية . فعلى المسلم المتعلم غير المقلد فى دينه وعقيدته أن يطمئن إلى كون ذلك ممكنا ككل ما يدخل فى عقيدته من متعلقات قدرة الله المشروطة بإمكانها فى حد ذاتها ، مع تثبيت معنى الإمكان فى ذهنه على الوجه الصحيح العلمى ، وإنى لا أقصد بالعلم علم الملاحدة الحديث َ الذى يرى ما لا يدخل تحت التجربة الحسية مستحيلا كإحياء الموتى ، لأن ذلك العلم لا يميز المحال من الممكن بمقياسه الصغير الذى هو التجربة الحسية والذى بهذا المقياس أيضا لا يعترف بوجود الله ، وكان الأستاذ فريد وجدى حين أنكر معجزات الأنبياء والبعث بعد الموت أنكرها بناء على مقياس العلم المذكور .
فمشكلة الحشر الجسمانى فى العلم الحديث غيرُها فى العلم القديم (2) ، بل هى فى العلم الحديث ليست بمشكلة أصلا ، وإنما عبارة عن كون أصحاب ذلك العلم أو بالأصح بعض أصحابه الذين هم الملاحدة الضالون فى حدود علومهم عن سبيل العقل ، التبس عليهم عدم وقوع الحشر والبعث بعد الموت فعلا حتى الآن ، بعدم إمكان ذلك أبديا فظنوا أنهم – ولا دليل عندهم غير التجربة – بتجربتهم للماضى جربوا المستقبل أيضا .
أما مشكلة إعادة المعدوم بعينه بعد الاعتراف بوجود الله وقدرته على خلق الخلائق للدنيا والآخرة ، أى المشكلة القديمة المتولدة من دعوى عدم إمكان أن يكون المخلوق ثانياً عين المخلوق أولا الذى هو صاحب العمل الصالح أو العمل السيىء ، فأقوى أدلة المدعين على عدم هذا الإمكان أن المُعاد لو كان عين المبتدأ لزم تقدم الشىء أعنى المبتدأ على نفسه أعنى المعاد ، ذلك التقدم المحال الذى هو مرجع بطلان الدور . فإذا قيل لهم اعتراضا على دليلهم هذا : إن الإنسان فى العشرين من عمره مقدم على نفسه فى الأربعين ، بل إن مثل هذا التقدم يحصل له بين أمسه ويومه ، أجابوا بأن هذا لا يضر
(1) حتى إنك ترى الصدر الشيرازى صاحب " الأسفار الأربعة " يتشدد فى تنديد المتكلمين لقولهم بجواز إعادة المعدوم بعينه وينحى عليهم باللوائم البذيئة .
(2) ولذا قلنا فى صدر هذا المبحث إن لإنكار الحشر من منكريه طريقتين توصلانهم إليه.
لعدم تخلل العدم بين المقدم والمؤخر كما تخلل بين المبتدأ والمُعاد :
والحق عندى أن المانع من الإعادة إن كان لزومَ تقدم الشىء على نفسه فهو واقع فى رجل واحد بالنسبة إلى زمانيه فى حياته الدنيا ، ولا نسلم بكون تخلل العدم بين المقدم والمؤخر وعدم تخلله فارقاً مؤثرا فى الجواز وعدم الجواز ، لأنه إذا كان معنى عدم جواز دخول العدم بين الشىء ونفسه أنه لا يجوز أن يكون الشىء موجوداً ثم معدوما ثم موجودا فى أزمنة مختلفة ، فما المانع من ذلك ؟ وهل الله غير قادر أن يخلق مرة ثانية أحدا من الذين خلقهم ثم آرداهم ، ومن أين يجب أن يكون كل ما يخلقه فى المرة الثانية ، خلقا آخر غير الأولين ؟ ومن أين يلزم فما خُلق ثم عُدم ثم خلق ثانياً ، أن يبقى فى حال عدمه شىء منه ليكون حلقة اتصال بين وجوديه وأن لا يمكن خلقه بعينه من دون ذلك ؟ حتى انهم تصوروا إمكان إعادة المعدوم فى مذهب المعتزلة فقط القائلين بأن هويات المعدومات الممكنة متمايزة ثابتة فى العدم ثبوتا منفكا عن الوجود الخارجى ، لولا أن ذلك المذهب باطل . ولكن لماذا يحتاج خالقه ثانيا إلى بقاء مثل هذه الوسائط ؟ ألئلا يخطىء عند الإعادة فيخلق خلقا آخر على ظن أنه عين المخلوق الأول ؟ فهل لا يكفيه لئلا يخطىء فى الخلق ، بقاء المخلوق الأول بعد عدمه ، فى علمه ؟ ومنشأ المشكلة وهم ٌ أتعجب غاية التعجب من تعلقه بأذهان الناس وفيهم أعاظم العقلاء مثل الشيخ الرئيس ابن سينا وكثير من محققى المتكلمين المتأخرين وكلهم لا يستنكفون عن الاعتراف بوجود الله وسعة قدرته . أما شتم صاحب الأسفار لجمهور المتكلمين بسبب هذا الوهم الحاصل فيه وفى قادته فشىء لا يكفيه التعجب .
وتوضيح الأمر أن تقدم الشىء على نفسه باطل لا شك فيه كما فى الدور الباطل ، وكذا دخول العدم بين الشىء ونفسه ، لكن لا شىء فى إعادة المعدوم بعينه من التقدم والدخول المذكورين الباطلين ، كما أنه لا تقدم ولا تأخر بين الإنسان ونفسه بالنسبة إلى زمانيه فى الدنيا ، لأن العين والنفس فى الصورتين ليستا عينا ونفسا من كل وجه ، بل المقدم غير المؤخر فيهما بقيد معتبر فى كل واحد من الطرفين يجعله غير الطرف الآخر ويجعل تقدم المتقدم على المتأخر ممكنا . فزيد الذى فى عالم الآخرة المثاب فى الجنة أو المعذب فى جهنم وزيد الذى كان فى الدنيا غيرانِ طبعا ، مهما كان ذاتا واحدة كما يقال الإثنان غيران ِ ، فلا يكون تقدم زيد الدنيوى على الأخروى تقدم الشىء على نفسه . ولو لم يكن الزيدان المذكوران غيرين لوجد هذا فى دنياه نعيم الجنان أو عذاب جهنم ووجد ذاك فى الجنة أو النار حالات ِ كونه فى الدنيا ، وهذا مستحيل كاستحالة وجود رجل واحد فى آن واحد فى دارين مختلفتين . وكذا الإنسان فى شيخوخته غيره طبعا فى شبابه ، وإلا كان شيخا وشابا فى زمان واحد وهو محال .
فظهر من هذا أن الزمان بل المكان أيضا داخل فى مشخصات الأشخاص وأن دخوله لا يمنع الحشر الجسمانى على طريقة إعادة المعدوم بعينه التى فى مذهب جمهور المتكلمين ، كما زعمه خصوم هذا المذهب ، لأن المطلوب فى كون المُعاد عين المبتدأ ليست العينية من كل وجه المستحيلة والمستلزمة دخول العدم بين الشىء ونفسه أو تقدمَ الشىء على نفسه بل يكفى وجود الاتحاد الذاتى بين المبتدأ والمعاد على وجه يصح بينهما الحمل بهو هو ، وإن تغايرا من حيث أن المبتدأ متقدم الوجود على المعاد ، لكن لا يمنع هذا التقدم وهذا التغاير كونَ المتأخر عين المتقدم ومتحدا معه من حيث الذات ، كمالا يمنع التقدم والتغاير بين زيد الشاب وزيد الشيخ كونهما ذاتا واحدة (1) .والفرق بين كون زيد رجلا واحدا فى شبابه وشيخوخته وبين كون زيد المعاد فى الآخرة متحد الذات مع زيد السابق فى الدنيا ، لدخول العدم بين زيدين فى الصورة الثانية وعدم دخوله فى الصورة الأولى ، ليس بفارق معتد به ، لأنه إذا أمكن دخول التقدم والتأخر بين الشىء ونفسه يمكن دخول العدم أيضا ، والتفريق بين الدخولين فى الإمكان وعدم الإمكان تحكم ٌ لا يمكن إثباته من مدعيه . والسبب فى إمكان دخول التقدم والتأخر بين الشىء ونفسه فيما أمكن ، أن المتأخر ليس عين المتقدم من كل وجه ، فهما غيران مع الاتحاد الذاتى كما أوضحنا من قبل ، وإذا كانا غيرين جاز أن يدخل بينهما العدم أيضا كما دخل التقدمُ والتأخر .
ولقد أخطأ العلماء المحققون الذين لم يجيزوا إعادة المعدوم حاكمين باستحالة تقدم المبتدأ على المعاد مع كونهما ذاتا واحدة ، قياسا على استحالة تقدم الشىء على نفسه الذى فى الدور المحال ، أخطأوا فى حكمهم هذا وقياسِهم ، لأن هذا التقدم الذى فى الدور يتضمن التناقض بأن يكون الشىء موجودا قبل وجوده . ولا تناقض فى تقدم زيد الذى فى الدنيا على نفسه فى الآخرة ، وسبب الفرق بينهما أن الشىء مع نفسه فى الدور نفسُه من كل وجه ولا مغايرة بينهما أصلا ، بخلاف تقدم المبتدأ على المعاد . فلا تناقض فيه ، فمدار الاستحالة والإمكان على وجود التناقض وعدم وجوده ، فدخول التقدم بين الشىء ونفسه محال فى الدور لاستلزامه التناقض وكذا دخول العدم محال فيه ، وممكن دخول كل منهما فى إعادة الموجود فى الدنيا إلى الوجود الثانى فى الآخرة بعد العدم ، إذ لا تناقض فى هذا التقدم والتأخر ، كما لا تناقض فى تقدم زيد الشاب على زيد الشيخ ، ولا تناقض أيضا فى دخول العدم بين زيد فى الدنيا وزيد فى الآخرة كما كان دخوله فى الدور موجبا للتناقض : فإذا قلنا إن حركة المفتاح متوقفة على حركة اليد لا يجوز أن نقول وحركة اليد متوقفة على حركة المفتاح لكونه دورا ، وذلك لأن القول الأول يتضمن تقدم حركة اليد على حركة المفتاح تقدمَ العلة على معلولها ، والقول الثانى يتضمن العكس
(1) بل ان هذا التغاير القليل بين شيئين ، لازم ونافع ليصح الحكم بينهما بهو هو ، فضلا عن كونه مانعا ومضرا ، بناء على أن المنطقيين يشترطون صحة الحمل بين موضوع القضية ومحمولها ، بأن يكونا متحدين فى الخارج ومتغايرين فى الذهن ، وبعبارة أخرى متحدين بالذات ومتغايرين بالاعتبار . ومعنى هذا الاشتراط أن العينية من كل وجه تضر صحة الحمل . ولذا احتاج قول الشاعر : "أنا أبو النجم وشعرى شعرى " إلى التأويل .
أعنى تقدم حركة المفتاح على حركة اليد بأن تكون حركة المفتاح علة لحركة اليد كما كانت حركة اليد علة لحركة المفتاح ، فتكون حركة اليد متقدمة على المتقدم عليها وهو حركة المفتاح ، والمتقدم على المتقدم على الشىء متقدم على الشىء ، فيلزم تقدم الشىء على نفسه أى يلزم وجوده قبل أن يكون موجودا وهو تناقض مستلزم لوجوده وعدم وجوده معا فى آن واحد ، ولا تناقض فى وجود زيد فى الدنيا قبل وجوده فى الآخرة ولا فى وجوده فى الدنيا شابا قبل وجوده شيخا لعدم كون كل من الوجودين المتقدمين علة للوجودين المتأخرين ولا الوجودين المتأخرين علة للوجودين المتقدمين ، بل الله موجدهما متقدمَينِ ومتأخرَينِ ولأن زمان المتقدم ومكانه مختلفان عن زمان المتأخر ومكانه أو على الأقل زماناهما مختلفان ، ولهذا أمكن هذا التقدم والتأخر بين الوجودين ولم يضرا بمسألتنا بل نفعاها ، حتى لو كان زيد فى زمان وجوده فى الدنيا ومكانه فيها موجودا أيضا فى جنة الآخرة أو جحيمها كان محالا ،وسبب الاستحالة على هذا التقدير ليس التقدم والتأخر بل كون الواحد اثنين ، وكذا لو كان زيد شابا وشيخا فى زمان واحد .
ولنذكر مثالا ثانيا لتقدم الشىء على نفسه فى الدور المحال ليزداد ما يقابله من التقدم الممكن وضوحا : مثلا يصح القول بأن الدجاجة تخرج من البيضة ويصح القول أيضا بأن البيضة تخرج من الدجاجة . ولكن لا صحة لقول القائل مشيرا إلى بيضة معينة ودجاجة معينة : إن كلا منهما خرجت من الأخرى ، إذ لا يمكن أن تخرج الدجاجة من البيضة التى باضتها هى نفسها بعينها . فلابد إذا كانت هذه الدجاجة خرجت من
نشرت فى جريدة "الأهرام" لواحد من الماديين من أنهم ينتظرون من رقى العلم فى المستقبل أن يكتشف دواء لكل داء ويرفعَ الموت فيحصل َ للبشر الخلود ونعيم الجنان فى الدنيا ، فلا ينفع الذين ماتوا من أعاظم العقلاء وأكابر المحسنين عملا الماضين والآتين قبل حلول ذلك الزمان المخيل ، ولا يكون عزاء للمتخيلين أنفسِهم البعيدين عن زمان الاكتشاف ، فلا ينقذهم من الاحتقار ولا ينقذ غيرَهم من الضياع الأبدى .
وأما استخراج خلود الروح من ثبوت وجودها بالكشفيات الجديدة ثم استخراج وجود عالم الآخرة من خلود الروح ، كما وقع للأستاذ فريد وجدى رئيس تحرير مجلة الأزهر فى بعض تطوراته الجديدة ، من غير إسناد ذلك العالم إلى نصوص القرآن لكونها عنده متشابهة لا تصلح دليلا لإثبات أى مطلب – فاستخراج لا يخرج منه ما يصلح للدلالة على المطلوب ،لأن وجود الروح لا يستلزم خلودها ولا خلودُها يستلزم وجود عالم الآخرة مطلقا ، فضلا عن وجوده فى صورة جسمانية كما هو المعتقَد فى دين الإسلام ، مبنيا على منطوق آيات كثيرة جداً من كتاب الله محكمات .
خاتمة الأبواب الثلاثة المتقدمة
نرى من اللازم المفيد أن نسجل هنا ونحن فى مختتم الباب الثالث من هذا الكتاب على نتيجة مساعينا فى الأبواب الثلاثة التى أثبتنا فى الباب الأول منها وجود الله وفى الثالث وجود الأنبياء وفى الثانى حدوث العالم ، فلولا ما ثبت فى البابين الأولين من وجود الله وحدوث العالم لا سيما وجود الله لما أمكن إيضاح كيفية وجود العالم ووضع فلسفة عامة لكيانه اولا ونظامه ثانيا . وملاحدة الماديين والطبيعيين فى عجز تام عن وضع هذه الفلسفة العالمية ، على الرغم من أنهم علماء الطبيعة الذين احتكروا اسم العلم لما يعلمون ، واختلافنا معهم أنهم يعترفون بوجود هذا العالم المحسوس الذى يعبر عنه بالطبيعة ولا يعترفون بموجود فيما وراءه . نعم ، العالم المحسوس الذى هو عالم الطبيعة لا يقف عند حد بل يزداد يوما عن يوم بكشف جديد من علماء الطبيعة ، فيظهر غدا ً وجود كثير مما لم يكن لنا بالأمس علم بوجوده ، وملاحدة الماديين لا ينكرون ذلك ، لكنهم لا يعترفون بوجود ما زاد على العالم المحسوس إلا بعد أن ثبت وجوده بالتجربة الحسية التى يقوم بها العالِم الكاشف ، ولا يؤمنون بالغيب الذى نؤمن به ، ما دام غيباً خارجاً عن متناول الحس ، وإن شئت فقل : لا يؤمنون بشىء فيما وراء الطبيعة إلا بعد أن اطلع عليه علم الطبيعة بتجاربه الحسية وألحقه بالطبيعة ، فلا شىء عندهم فيما وراء الطبيعة مابقى فيما ورائها . وهذا العالم المحسوس موجود عندهم من نفسه من غير موجد أنشأه ومالك يتصرف فيه ويمشيه على النظام الذى سن له . وقد قلنا فى مقدمة الباب الأول من هذا الكتاب إن هذه البيوت والمنازل التى يسكنها الناس فى المدن والقرى من قصور الملوك إلى أكواخ الفقراء ، إذا كان لابد لكل منها من بان ، فَمن الذى بنى السماوات والأرض ومَن هو مالكها المتصرف فيها والمهيمن عليها وفاعل هذه الأفعال البديعة التى يتضمنها الكون ؟
فالذين لا يؤمنون بوجود خالق الكون وواضع نُظمه ، مثلهم كمثل المنكرين لوجود من بنى تلك البيوت والقصور مدعين كونها مبنية من نفسها ، ما داموا لم يروا بانَيها وهو يبنيها . ونحن المؤمنين بالغيب تحت إشراف العقل وإرشاده نعترف عند رؤية البناء ، بوجود البانى وإن لم نره . فالفرق بيننا وبينهم بسيط إلى هذا الحد ، فهل يسع الملاحدة أن يدعوا إمكان وجود بيت أو قصر من تلك البيوت والقصور التى هى صنع البشر ، بنفسها من غير وجود بان وصانع ؟ فإن لم يسعهم ذلك فكيف يسعهم القول بوجود صرح العالم بسماواته وأرضه ، بنفسه ، من غير وجود بانيه ؟ أليس للسموات والأرض أهمية كأهمية واحد من البيوت المبنية بأيدى البشر حتى تستغنيا عما لا يَستغنى عنه من البانى . أم كان استغناؤهما عن البانى ، لكونهما فى غاية العظمة والبداعة ؟ اما الاحتمال الأول وهو كونهما فى الأهمية دون البيوت المبنية بأيدى البشر فباطل بالبداهة ، وأما الاحتمال الثانى وهو أن يكون البناء الأعظم والأبدع مستغنيا عن البانى حين كان أقل البنيان وأحقره غير مستغن عنه ، ففى غاية البعد من العقل .
لالا ، إن القائلين باستغناء العالم عن الصانع لم يقولوا به لتفاهته ولا لكونه فى غاية العظمة بل لأنهم وجدوا صرح العالم حاضراً أمام أعينهم مصنوعا ، من غير حاجة إلى نشدان صانع له ..ولولم يجدوه حاضراً لما وسعهم القول بوجود أصغر جزء منه من غير صانع . فسبب استغناء العالم عندهم عن الموجد هو وجوده من غير حاجة إليه فى نظرهم ، وهم ليسوا بأذكياء لحد أن ينتبهوا لما فى هذا التعليل من المصادرة على المطلوب .
ومن السهل على القارىء أن يفهم مبلغ ذكائهم من عدم أبههم بالعقل كما يأبهون بالحس ، ذلك الذى أحوجنا على طول الكتاب إلى الدفاع عن كرامة العقل حيال الحس .
فإن قيل : ملاحدة المادية والطبيعية قائلون بأن العالم لا أول لوجوده فهو موجود من الأزل ولهذا استغنى عن الموجد لأن إيجاد الموجود تحصيل للحاصل ، وليس للمؤمنين بالله أن ينكروا وجود مالا أول لوجوده واستغنى عن الموجد لأن الله تعالى عندهم لا أول لوجوده وهو مستغن عن الموجد لهذا السبب ، فكما أن الله تعالى لا أول لوجوده ولم يسبقه العدم فاستغنى عن الموجد ، فليكن العالم كذلك عند الملاحدة .
قلت عقلاء البشر مضطرون – لقطع التسلسل فى تعليل وجود الموجودات المحتاجة إلى علة موجدة –إلى الاعتراف بوجود موجود بنفسه لا أول له ولا موجد يوجده ، ليكون علة أولى لسائر الموجودات وينتهى فيه تسلسل العلل . ومعنى هذا أن وجود الله بنفسه من غير موجد يوجده نعترف به اضطراراً وعلى خلاف القياس . وإلا فعقل البشر لا يدرك موجودا لا أول له ولا موجد (1) وإن كان يدرك ضرورة وجود هذا الموجود بعد
(1) ولذا قال اسبنسر بلسان طفله الساذج : من أوجد الله ؟ (ص 114 جزء ثان )
النظر فى وجود العالم ، ولولا الضرورة القاضية لما اعترفنا به . وبعد الاعتراف بموجود واحد لا أول لوجوده لا نحتاج إلى وجود موجودات كذلك ، بل لا نجيز وجود موجود آخر من هذا القبيل لأن الضرورات تقدر بقدرها . فالفرق إذن بيننا نحن القائلين بوجود إله واحد خالق للكائنات وبين منكرى الإله الخالق القائلين بوجود الكائنات بأنفسها وطبائعها من غيلا موجد ، أننا نعتقد موجودا واحدا يجب وجوده لإسناد وجود سائر الموجودات إليه ، وهو يعتقدون وجود موجود واجب الوجود بعدد الموجودات فى العالم ، لأن الموجود بنفسه من غير موجد يكون واجب الوجود ، مع أن القول منا بوجود موجود واحد واجب الوجود لم يحصل إلا اضطراريا ، فلا يجوز أن يُتعدى فى القول به إلى حد الاضطرار ، ومع أن موجودات العالم غير جديرة بأن تكون واجبات الوجود .
ولا يقال :
ولا يقال : إن ملاحدة المادية والطبيعية لا يدعون كون العالم موجودا بنفسه من غير موجد كالبناء من غير بان ، بل يقولون إنه فعل الطبيعة وأثرها ، لأنا نقول : إن كان ما عبروا عنه بالطبيعة موجودا ذا علم وقدرة وإرادة تكفى لإيجاد العالم وتمشيته بعد إيجاده على وجه النظام المشهود ، وكان هذا الموجود لا يحتاج فى وجوده إلى أى شىء ، حين كان وجود كل شىء محتاجا إليه ، فهذا هو الله الذى نقول به نحن المؤمنين بالغيب ولا يبقى خلاف بيننا وبينهم إلا فى التسمية والتعبير . لكنا نعلم أن الطبيعة التى يقولون بها بدلا من الله لا يريدون به موجودا مستقلا عن العالم ، وإنما هى عندهم كناية عن عدم وجود موجد للعالم ، لكونه موجودا بنفسه وطبيعته . وهذا عندنا هو القول بالمحال لأن الموجود بنفسه لا يكون إلا واجب الوجود كما قلنا ويكون مستحيلا تغيرُه من حال إلى حال ووجوده أو وجود شىء منه بعد العدم ، وعدمه أو عدم شىء منه بعد الوجود ، بل يستحيل تجزؤه وتركبه المستلزم لاحتياجه إلى أجزائه . والعالم المتغير المتجزىء المحتاج على الأقل أجزائه لا يكون واجب الوجود ، بل ممكنا يقبل الوجود والعدم متساويين بالنسبة إلى ذاته ، فيحتاج فى وجوده ، إلى مرجح يرجح له جانب الوجود ويوجده بعد أن كان معدوما ، وفى عدمه إلى مرجح يرجح له جانب العدم فيعدمه بعد أن كان موجودا ، وفى وجوده يحتاج أيضا إلى مرجح يرجح له أن
الصفحة مائتين وواحد وعشرون
يكون علي نوع معين من أنواع الوجود وعلي شكل معين من أشكاله فلو أنكرنا له هذه الحاجات كان قولا برجحان أحد المتساويين بنفسه علي الآخر من غير مرجح وهو محال متضمن للتناقض وهذا المرجح عندنا في وجوده أو عدمة وفي كونه علي نوع معين من أنواع الموجود وعلي شكل معين من أشكاله هو إرادة الله كما قال الله تعالي في كتابه الكريم : ( وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقي بماء واحد ونفضل بعضها علي بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون)فلو كان العالم أو أي جزء من أجزائه موجودا بنفسه من غير موجد وموجودا علي نوع معين وشكل معين من غير معين لزم الرجحان من غير مرجح أي لزم ما فرض كون وجوده وعدمه ثم وجوده علي نوع دون نوع وشكل دون شكل متساويين بالنسبة إلي ذاته خلاف ذلك أي غير متساويين وخلاف المفروض محال متضمن للتناقض فالملاحدة الزاعمون أن مذهبهم في عدم الاعتراف بوجود الله مذهب العلم غير المعترف بما لم يثبت وجوده بالتجربة الحسية غافلون وجاهلون لحد أن يزعموا التناقض المحال علما فإذا كان العلم الطبيعي يبحث عن الأثر ويغفل المؤثر أو يبحث عن المؤثر القريب ويغفل العلة الأولي فالعقل الذي يميز المحال من الممكن والذي هو أبعد نظرا من العلم الطبيعي وأوسع يقضي [ان الكون أثر إرادة علية عليمة مسيطرة علي ما يدعونة الطبيعة ولعل سبب عدولهم في إدارة الكون من هذه الإرادة العليمة الحكيمة إلي طبيعة لا علم لها ولا إرادة بل لا وجود لها أيضا كما حققنا في محله من هذا الكتاب من أنها كناية عن عدم وجود فاعل لهذا الكون ونظامه سبب عدولهم إليها علي الرغم من استحالة صدور مثل هذا الأثر العظيم عما لا علم له ولا قدرة ولا إرادة بل لا وجود أنه إذا لم يكن لهذا الكون مالك سوي تلك الطبيعة المعدمة التي ليس من شأنها أن تحاسب أحدا علي ما فعله في السر والعلن فلا توجد فوق الإنسان قوة يخشي
مائتان اثنان وعشرون
بأسها ولا يؤمن مكرها فتحصل له الحرية التامة كما يعبرون ويعتزون به ومن هذا بني الفيلسوف (كانت) مسألة وجود الله علي دليل الأخلاق فقال لولا الله لانهارت دعائم الأخلاق ونحن مع استحسان دليله هذا مصرون علي القول بأنا لا نجده في القوة والأهمية بحيث تبني عليه مسألة وجود الله التي هي أعظم المطالب الفلسقية وأهم من كل شئ ومن مسألة الأخلاق أيضا وقد سبق الكلام عليه في آخر الباب الأول (ص78-79 الجزء الثالث) علي أن العلم الحديث المثبت الذي يعزي إليه عدم الاعتراف بوجود الله آخر مذهب هذا العلم أن كل شئ في الكون راجع إلي الحركة ولا موجود غيرها حتي إن المادة التي كانت لها الأزلية والأبدية عند الماديين البوختريين لا وجود لها وإنما البقية من تلك المادية القديمة هي القوة وهي الحركة ولا نناقشهم هنا كيف تكون الحركة من غير أن يكون هناك شئ متحرك هو المادة أو ما يقوم مقامها بعد زوال دولتها الأزلية والأبدية وإنما نسألهم عن سبب هذه الحركة أعني المحرك ولا نرتاب في أنهم يقولون في الجواب إن سببها الحركة التي اتصلت بها من جانب الماضي طبق ما ذهب إلية (ذيمقراط) الحكيم اليوناني القديم كما أن يبب تلك الحركة المتقدمة بدرجة واحدة هو الحركة المتقدمة بدرجتين وهكذا الحال في كل سلسلة الحركات الميكانيكية بأن يكون ما تقدم منها يببا لما تأخر وما تقدم المتقدم سببا للمتقدم وهكذا دواليك من غير أن تكون لسلسلة الحركات الممتدة إلي جانب الماضي نهاية تبدأ منها السلسة ولا تكون قبلها حركة وبفضل هذه اللانهائية تجد كل حركة سببها فيما قبلها ولا تحتاج الحركات المتسلسلة إلي محرك خارج عن أجزاء السلسلة المحرك بعضها بعضا هكذا يقولون اليوم وبهذا يتضح أن المرجع الحقيقي لاستناد الملاحدة في قولهم باستغناء العالم الذي هو اسم لمجموعة الكائنات عن وجود الله ليس عقيدة عدم
الصفحة مائتين وثلالثة وعشرون
احتياج أي موجود في وجوده وأي حادثة في حدوثها إلي السبب وإن كان ظاهر قولهم بأن كل ما كان وما يكون في العالم ناشئ من طبيعة الكائن يقتضي نفس السبب لكن الحقيقة أنهم لا ينكرون مبدأ العلية ولا يقولون بتكون كل كائن بنفسه من غير تأثير فية من الخارج وهو الذي يعبر عنة علماء الكلام بالرجحان من غير مرجح يبطلونه فالملاحدة أيضا لا يقولون بهذا الذي يتنافي مع مبدأ العلية وإنما يقولون بنفي السببية والعلية من خارج العالم فلكل كائن سبب يوجب كونه والسبب كائن آخر له سبب أيضا لسبب السبب أيضا سبب وهلم جرا إلي ما لا نهاية له من الأسباب المتقدمة المهيئة لمسبباتها التي كل منها أيضا سبب لما بعده ولعدم انتهاء الأسباب المتقدمة إلي سبب أول لا سبب قبله ولكون العالم قديما عندهم لا بداية له علي خلاف ما قلنا نحن في الباب الثاني من أن العالم حادث له بداية فلا حاجة عندهم لوجود العالم إلي وجود الله لأن وجود العالم عبارة عن وجود سلاسل أسباب غير متناهية لمسببات مثلها غير متناهية ولكون الأسباب غير متناهية في جانب الماضي وكون جميعها داخلة في أجزاء العالم فلا يجئ في الجانب المتقدم دور الحاجة إلي وجود الله في خارج العالم ليكون سببا أول لتلك الأسباب وعلة أولي لتلك العلل إذ لو جاء دورها لجاء بعد انتهاء الأسباب المتقدمة الداخلة في العالم إلي سبب لا يتقدمه سبب من جنسه داخل العالم لكنهم يقولون إن الأسباب العالية المتقدم بعضها علي بعض غير متناهية فالأساس الأخير لمذهب الإلحاد وسنده الذي يستند إليه نهائيا قدم العالم وتسلسل العلل وما يتوقف علية هدم هذا المذهب إثبات حوث العالم وإبطال تسلسل العلل والأسباب إلي غير نهاية وقد كان أعظم غلطة وقع فيها الشيخ محمد عبده ولن يقع في مثلها رجل من رجال العلم والدين إنكاره لبطلان التسلسل الذي يدور عليه إثبات وجود الله تعالي (1) ونحن بتوفيق الله عز وجل قمنا بواجب هذا الإبطال في أمكنة عدة
(1)سبق ما في الباب الأول والباب الثاني من الكتاب أن نقلنا نص قول الشيخ بأنكار بطلان التسلسل ورددناة علية
الصفحة مائتين واربعه وعشرون
من هذا الكتاب أوضح قيام يتمكن من إدراكه الخاص والعام ولا نضن هنا أيضا بصورة مختصرة من إبطال ذلك الباطل تطبيقا له علي آخر نظرية علمية في الكائنات أعني كونها عبارة عن سلاسل الحركات فنقول : تسلسل الحركات إلي غير نهاية في جانب الماضي علي أن لا يكون لأي حركة منها سبب محرك غير الحركة التي قبلها فتكون كل حركة تقدمتها حركة أخري تسببها فلا نهاية للحركات الماضية ولا نهاية لأسبابعا التي هي عبارة عن الحركات أيضا تسلسل الحركات هكذا باطل ولا نبني دعوي بطلانه علي برهان التطبيق أو غيرة من البراهين المبطلة للتسلسل المعروفة عند علمائنا المتكلمين بل عند الفلاسفة القدماء أيضا والتي أعترض عليها بعض العلماء قديما أو حديثا بحق أو بغير حق (1) ةإنما نبني دعوانا علي إبطال فعلي يقتنع به القارئ معنا فنقول :إن دوام الحركات في جانب الماضي التي لا محرك لها رأسا غير تحريك بعضها بعضا ضرب من الوهم والخيال فالأوهام الكاذبة التي رمي بها الشيخ محمد عبده البراهين المنصوبة لإبطال التسلسل موجودة في التسلسل نفسه لاسيما تسلسل العلل لكن الشيخ التبس عليه محل الوهم الكاذب فظن المبطل باطلا والباطل حقا تتضح هذه الحقيقة عند تصور المسألة في عدد منتاه من الحركات: فلو فرضنا انتهاء سلسلة الحركات الممتدة من الحال إلي الماضي بعد خمسين حركة متراجعة وفرضنا أن سبب الحركة الأخيرة المتصلة بزمان الحال هو الحركة التاسعة والأربعون وسبب الحركة التاسعة والأربعون هو الحركة الثامنة والأربعون وسببها السابعة والأربعون وهكذا الحال إلي أن تأتي الحركة الأولي فرأيناها لا تستند إلي محرك من خارج السلسة أي لا سبب للحركة الأولي وليست حركتها قوانية (ديناميك) تندفع بنفسها بل حركة ميكانيكية منتظمة وكذا الحركات التي بعدها
(1) تقدم الكلام علي هذه النقاط في البابين الأولين من الكتاب لاسيما في فصل حدوث العالم من الباب الثاني
الصفحة مائتين وخمسة وعشرون
فإذا انتفي سبب الحركة الأولي انتفت الحركة الأولي نفسها وإذا انتفت الحركة الأولي التي كانت سبب الحركة الثانية انتفت الحركة الثانية أيضا وبانتفاء الثانية انتفت الثالثة وبانتفائها انتفت الرابعة وهكذا يقال في كل حركة بعد حركة منفية إلي أن نبلغ الخمسين فرأيناها لا سبب لها ولا حركة فسلسلة الحركات المؤلفة من خمسين حركة تصير ضربا من الخيال الكاذب إذا لم يكن هناك محرك أصلي سوي تحريك الحركات بعضها بعضا بأن يحرك الماقدم منها المتأخر الذي يليه لأنا رأينا عيانا أن لا حركة متقدمة ولا تحريكها للمتأخر نعم رأينا انعدام الحركات لانعدام أسبابها في سلسلة فرضناها مؤلفة من خمسين حركة وهي متناهية فهل يكون الحال غير ما رأينا من الخيال ولو فرضنا سلسلة الحركات لا تنتهي في جانب الماضي إلي حركة لا تتقدمها حركة أي لو فرضناها غير متناهية ؟ وماذا ينفع سلسلة الحركات التي رأيناها لا وجود لها إلا في الوهم والخيال عند فرضها مؤلفة من خمسين حركة ماذا ينفعها أن نضم إليها من أمثالها عددا لا نهاية له من جانب الماضي فهل تنقلب الحركات الموهمة المتناهية بانضمام الحركات الموهومة غير المتناهية إليها حركات واقعية ؟ والواقع أن الزيادة في الموهوم الكاذب لا تكون إلا زيادة في الكذب والوهم وإن كان في الزيادة اللامتناهية التي لا يمكننا معاينة جميع أجزائها كمعاينة كل جزء من أجزاء السلسلة المؤلفة من خمسين حركة بعض تغطية وإخفاء لما تضمنته من كاذب الخيال فإذا لم يكن لتلك الحركات المفروضة محرك غير أن يكون المتقدم منها سببا للمتأخر لزم أن يكون كل ما فرض وجوده من تلك الحركات غير موجودة وهو تناقض محال سواء كان عدد الحركات متناهيا أو غير متناه فمهما اعترض المعترضون علي بطلان التسلسل وانتقدوا البراهين المقامة لإبطاله فهذا النوع من التسلسل وهو تسلسل العلل والأسباب الذي تأخذ كل علة فيه وجودها وعليتها من علة أخري قبلها من غير أن تكون هناك علة أصلية تنتهي فيها سلسلة العلل ولا يكون وجودها وعليتها مأخوذة من غيرها والذي ينبني إثبات وجود الله علي
(15-موقف العقل-رابع)
الصفحة مائتين وسته وعشرون
إبطاله ليس في بطلانه أدني ريبة لعدم وجود سلسلة كهذه إلا في الوهم والخيال والذين يعتبرون الكون مجموعة مؤلفة من سلاسل حركات لا بداية لها وكل حركة في كل سلسة متولدة من حركة مثلها متقدمة عليها يخيل إليهم وجود حركلت لا نهاية لها في جانب الماضي كل حركة سبب لما بعدها مسببة عما قبلها ولا سبب لهذه الحركات من خارج السلسة غير تولد بعضها من بعض لكن هذه السلسة المتوقف وجود كل جزء منها علي وجود جزء قبله لم تكن عبارة عن سلسة موجودات مسسبات عن أسباب موجودة بل سلسة موقوفات فى وجودها علي موقوفات ومحتاجات إلي محتاجات فإن كان أول جزء من هذه السلسة موجودا فكل ماعداه موجود بل يفر هذا الأول كلما أردت النظر في حاله لتعلم أنه موجود أو غير موجود إلي أول منه فتجده موقوفا وجوده علي وجود ما قبله وتجد ما تريد أن تعتبره أول ليكون منبع فيضان الوجود منه إلي مابعده من أجزاء السلسة ليس بأول ومهما أمعنت في الطلب فلن تصل بذهنك إلي أول جزء لهذه السلسة يكون موجودا بالإصالة وما بعده موجودا بالتبعية له ولو وصلت إليه انقطع التسلسل ونجحت دعوانا وهي وجود الواجب لا دعوي المتمسكين بالتسلسل طلبا للاستغناء به عن الواجب فإذن لا وجود لسلسة الأسباب التي يتمسك بها مجانين التسلسل لأن وجودها يتوقف علي وجود أولها الذي يكون مبدأ وجود الآخرين في حين أن وجود أول لسلسة التسلسل انقطاع التسلسل وانهدامه فالتسلسل الذي هو أعظم لعبة للشيطان بأذهان المنكرين لوجود الله بل وأذهان بعض الغافلين من المؤمنين ينقض نفسه بنفسه في نظر العاقل اليقظان لأنه إذا لم يكون للسلسة التي يتخيلها المتخيلون في التسلسل وجود فلا وجود لما بعد أولها المبني وجوده علي وجودة وإذن لاوجود لسلسة حركات غير متناهية يظنونها موجودة علي الرغم من ظهور عدم وجودها عند درسها متناهية فما هي إلا سلسة حركات معلقة الوجود علي أسباب غير موجودة علي ظن أنها موجودة ومنشأ الغلط في الظن إقامة
الصفحة مائتين وسبعة وعشرون
عدم تناهي الأسباب التي لا وجود لها مقام وجود الأسباب وقد أوردت في الفصل الأول من الباب الأول من هذا الكتاب أمثلة تزيد في إيضاح ما في هذا التسلسل من البطلان والنتيجة أن العالم إن كان عبارة عن مجموعة مؤلفة من سلاسل حركات فلابد أن يكون لها محرك من خارج السلسلة تنتهي هي فيه وإلا فلا يمكن وجود حركة واحدة فضلا عن وجود سلاسل حركات وهذا المحرك هو الله ثم إنه لو أمكن استغناء عالم الحركات الذي هو عالمنا علي آخر رأي العلم عن محرك مستقل غير تحريك الحركات بعضها بعضا ولم يترتب عليه ما بيناه من التناقض لاحتاج ذلك العالم إلي وجود الله فى نظام الحركات وفي تعيين مايترتب علي الحركات من الغايات إن لم يحتج إليه في نفس الحركات من طريق فرض المحال هذا تلخيص إثبات وجود الله وفي ضمنه إثبات حدوث العالم بإثبات البداية له عند إبطال التسلسل اللازم لإثبات وجود الله أما إثبات وجود الأنبياء فقد أقمنا عليه فيما سبق غير بعيد (1) دليلا أقامه الفيلسوف (كانت)لإثبات وجود الله الذي هو أعلي مطلب فلسفي في حين إنا لم نره متناسيا مع جلالة ذلك المطلب لعدم إفادته اليقين الضروري الذي هو وجوب الوجود كما أفادته الأدلة التي ذكرنا صورة مختصرة منها آنفا وحسبنا في القيام بواجبنا إزاء مطلب إثبات النبوة أن بنيناه علي دليل يعدل في الأهمية دليل (كانت) لإثبات وجود الله وسنقيم دليلا آخر خاصا بنبوة نبينا صلي الله علية وسلم في الباب الرابع من الكتاب عند الكلام علي مسألة فصل الدين عن السياسة وأما مسألة معجزات الأنبياء فنخالنا في غني عن التنبيه إلي مبلغ عنايتها بها وقد استغرقت مكافحة منكري المعجزات طول الباب الثالث من الكتاب وذلك الباب الثالث قد قرأه القارئ إلي هنا في شكل كتاب صغير مستقل والآن ننتهي مما أردنا أن نكتبه نتيجة للأبواب الثلاثة المتقدمة وعند ذلك تنتهي أيضا من الكتاب الصغير سائلين الله تعالي الهداية والمغفرة لنا وللقارئين
(1)ص83-86
الصفحه مائتين وثمانية وعشرون
بعد (القول في الفصل)
عسي قراء فصل القول مني وهذا الفضل بعد الفصل باد
يكون جواب من لاقيت منهم مبينا عنهما في كل ناد
لئن أسمعت عيسي في علاه فلست بمسمع أذن العناد
وعيسي لا يزال هناك حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
نشرت (الرسالة )مقالات فضيلة الشيخ شلتوت التي كتبها ردا علي كتابي (القول الفصل) والتي أشادت بها (الرسالة)معلنة عنها قبل نشرها أما أنا فما كنت كتبت الجواب علي هذا الرد استغناء بما يتضمنه الكتاب نفسه عن الجواب علي ردود مثلها تقع علي خارج الصدد طائشة عن ساحته المحصنة بالحجج واكتفاء بما كتبه العلماء الأعلام في نقض تلك المقالات ولكني رأيت في رد الشيخ الموجه جله إلي تعليقة صغيرة كنت أوردتها في الكتاب عرضا ما يوهم أني افتريت عليه أو علي عضو مجهول من جماعة كبار العلماء شكا في كون نبينا محمد صلي الله عليه وسلم آخر الأنبياء أو شكا في كفر الشاك وقد اختلقت هذا العضو في خيالي فهذا الإيهام يسكت كتابي وكتب العلماء الأعلام عن الجواب عليه ويوجب علي نفسي القيام به مستقلا وبعد أن التزمت الجواب علي مقالات الشيخ لهذا السبب الخاص بنقطة معينة منها تتعلق بذمتي وأمناتي في البحث لم أكف عن التكلم عليها في صورة عامة سواء كان ما وقع منها في داخل الصدد أو خارجه وأن أقدم الكلام في الصدد وأرجيء غيره وإن كان فيه الأمر الذي اعتبرته الدافع الأول إلي نشر هذا الجواب فأقول:بجانبنا نحن القائلين برفع عيسي عليه السلام إلي السماء ونزوله منها عند اقتراب الساعة ومعنا علماء الإسلام أجمعون غير شذاذ آخر الزمان ستون حديثا برواية واحد وثلاثين صحابيا مذكورين بأسمائهم في (إقامة البرهان علي نزل عيسي في آخر
الصفحة مائتين وتسعة وعشرون
الزمان) لمؤلفها الفاضل جزاه الله خيرا وليس بجانب الخصم حديث واحد يؤيد شذوذه غير عدم المبالاة بجيش الأحاديث المؤيدة لجانبنا أما الآيات فلنا منها آيتان ناطقتان بالرفع إحداهما قطعية الدلالة لا تحتمل التأويل وهي آية النساء والأخر ظاهرة الدلالة وهى آية آل عمران وآيتان ظاهرتان في النزول وليس للخصم من الآيات إلا ما توهمه من المنافاة بين الرفع والتوفي في آية آل عمران أعني قوله تعاي (يا عيسي إني متوفيك ورافعك إلي)فنحن لا نحتاج إلي تأويل أي آية واردة في هذه المسألة بل نحمل الكل علي ظاهره حتي آية التوفي التي هي مستند الخصم الوحيد نتركها عل ظاهرها من غير تأويل كما يتبن مما يأتي والخصم المنكر لرفع عيسي ونزوله يتمسك بقوله تعالي (إني متوفيك)ظنا منه أن التوفي ظاهر في معني الإماتة ثم يرهق آيتي الرفع علي تأويلهما بما ينطبق علي هذا التوفي فيؤول القطعي لتطبيقه علي الظاهر وهو ليس بظاهر وتأويله ليس تأويلا بمعقول من المعني وإنما هو إفساد وإلغاء للنص فما فعله الشيخ كاتب المقالات في آيات كتاب الله ليس إلا تكلفات لا داعي لها غير تبرير شذوذه وفضلا عن هذا فهي تتضمن أخطاء ومفاسد كثيرة نعرضها علي أنظار أهل الدقة الراغبين في تحقيق الحقائق : الاول ظنه ان التوفي نص أو ظاهر في معني الإماتة
الثاني عد استماعه لما كتبت في( القول الفصل) أن التوفي بمعني أخذ الشئ بتمامه يساوي التوفي بمعني الإماتة من حيث الاستناد غلي الغة بل يفوقه حتي إن الزمخشري ذكر معني الإماتة أو أظهر منها في أن يكون هو المراد في قوله تعالي (إني متوفيك) أي إني آخذك من العالم الأرضي الذي أنت فيه فلا ضرورة في تأويل قوله بعده (ورافعك إلي) برفع روحه (1)
(1) اما قوله تعالي في سورة المائدة حكاية عن عيسي علية السلام (فلما توفيتني كنت أنت =
الصفحة مائتين وثلاثين
الثالث لا ضرورة تدعو إلي هذا التأويل حتي ولو كان التوفي بمعني الإماتة كما زعمه الخصم والذين حملوا (متوفيك)من المفسرين علي معني مميتك لم ينكروا رفع عيسي إلي السماء بل قالوا (أماته ثم أحياه ورفعه أو أماته حين رفعه) كما يظهر من مراجعة تفسير الفخر الرازي أما رفع روحه فقط فلم يقل به أحد سوي الشيخ محمد عبده فيما نقله عنه كاتب مقالات الرد ظنا منه أي من الشيخ أنه مقتضي حمل التوفي علي معني الإماتة وتبعه كاتب المقالة وهو متبوعه ايضا في ظن أن التوفي ظاهر في معني الإماتة لكن التابع أشد استحقاقا للوم من المتبوع لأنه تجلد في البقاء علي ظن شيخه ولم يصده (القول الفصل)عن تبعية المخطئ وإذا كان المرء قد خذلته هداية الله للحق فلا يزال يفضل متابعة المخطئ علي متابعة المصيب ويتجلد للحق والإنصاف زاعما أنه يتجلد لخصمه ونحن نستمر في ضربه بأخطائه التي كلمناه عنها فأصممناه وبما أضاف إليها في مقالاته من الأخطاء الجديدة حتي نرجعه إلي الحق أو نقضي عليه علي باطله عند قتل المسألة بحثا الرابع من عجائب ولوع الشيخ كاتب المقالات بمتابعة المخطئ ولو كان علي غير مذهبه ولو كانت المتابعة بعد التنبيه علي خطأ المتبوع أني كنت في (القول الفصل) نبهت علي خطأ لغوي وقع فيه المفسرون لقوله تعالي (إني متوفيك) بقولهم(مستوفي أجلك ومؤخرك إلي أجلك المسمي عاصما لك من قتلهم من توفيت مالي )فقلت إن
=الرقيب عليهم) بعد قوله ( وكنت عليهم شهيدا مادمت فيهم) فلحمل التوفي فيه علي معني الأخذ لا الإماتة سبب آخر غير أصالته وتقدمه علي معني الإماتة فاتني ذكره في (القول الفصل) فاذكره هنا وهو الإشارة التي يستفيدها صاحب النظر الدقيق من قوله قبله (مادمت فيهم) ولا ينكشف مثلها لمثل الخصم حيث يقول عليه السلام (مادمت فيهم) أي مادمت مقيما فيما بينهم غير متنقل من أرضهم إلي عالم آخر ولا يقول ما عشت أو مادمت حيا كما قال لما تكلم في المهد صبيا حتي يكون فراقه إيهام بالموت فيسقط بهذا التحرير قول الخصم في ما قالة الفتوي التي انتقدها في (القول الفصل): (ولا سبيل إلي القول بأن الوفاة هنا مراد بها وفاة عيسي بعد نزوله من السماء بناء علي زعم من يري أنه حي في السماء وأنه سينزل منها آخر الزمان وهم قوم محمد باتفاق لا قوم عيسي)
الصفحة مائتين وواحد وثلاثين
المتوفي بمعني المستوفي أي الآخذ حقه من تمام أجله هوعيسي والله هو الموفي أي معطي ذلك التمام لكن هؤلاء المفسرين التبس عليهم التوفي بمعني اأخذ المتعدي إلي مفعول واحد بالتوفية المتعدية إلي مفعولين كما في قوله تعالي (فوفاه حسابه) ومر ما هم في هذا التفسير دفع المنافاة التي ربما يتوهمها متوهم كالشيخ كاتب المقالات بين قوله (متوفيك) وبين قوله (ورافعك إلي) فهم لا يشتركون مع الشيخ الكاتب في حمل المتوفي علي معني الإماتة ولاسيما في إنكار رفع عيسي حيا وهو لا يتابعهم في مذهبهم الحق وإنما يتابعهم في خطئهم اللغوي لا لكون هذا الخطأ ينفعه في مذهبه الشاذ بل يضره وإنما لكونه خطأ يتفق مع عاداته في الركون غلي الأخطاء والأغلاط انظر إلي قوله في مقالة الرد الأولي (الرسالة)عدد514ص363 (إن كل ما تفيده الآيات الواردة في هذا الِأن هو وعد الله عيسي بأنه متوفيه أجله ورافعه إليه)فقوله(وعد الله عيسي بأنه متوفية أجله) عين قول المفسرين (مستوفي أجلك ومؤخرك إلي أجلك المسمي)بكل ما فيه من خطأ في اللفظ وإصابة في المعني والمرمي وهو كون الله لم يرد بقوله لعيسي (إني متوفيك) أنه مميته فأخذ كاتب لمقالة من قولهم ما أخطأوا وترك منه ما أصابوا أي أخذ اللفظ وترك المعني وهو خطأ آخر من الشيخ الكاتب حيث لا تمكن متابعة أحد في لفظه دون معناه ولو تبعهم في المعني أيضا لكان علي مذهبهم في رفع عيسي دون إماتته لكن الشيخ صرح في مقالته السابقة (للقول الفصل) المنتقدة فيه (الرسالة ص462ص515) بأن التوفي بمعني الغماتة وبني مذهبه في إنكار رفع عيسي علس هذا المعني فهل هو حين قال في خلاصة البحث من تلك المقالة و عند ما كرر تلك الخلاصة في مقالة الرد علي (القول الفصل) : (إن كل ما تفيده الآيات الواردة في هذا الشأن هو وعد الله عيسي بأنه متوفيه أجله) يرجع عن مذهبه إلي مذهب المفسرين فيحمل التوفي في (متوفيك) علي غير معني الإماتة؟إذ لا معني لوعد الله عيسي بإماتة أجله فالحق ان الشيخ لم يكن واعيا لما قاله فيما نقلناه عنه آنفا وهو نقله عن مقالته المنشورة
مائتين وإثنان وثلاثون
في السنة الماضية قبل نشر (القول الفصل) ولم نكن نحن يومئذ واقفين عليه وقفة الناقد فلما كرره بعد سنة في مقالة الرد علينا ولم يوقظه تنبيه (القول الفصل) علي ما في تفسير المفسرين لقوله تعالي (متوفيك) بمستوفس أجلك من الخطأ في الملفوظ مع الإصابة في المقصود المخالف لمذهب الشيخ كاتب المقالة بل لما رأيناه كأن هذا التنبيه منا علي خطأ المفسرين حثه علي تقليد ذلك التفسير ممن لا يتفقون معه في المذهب ازددنا يقظة علي غفلة الرجل وإعجابه بأخطاء المخطئين ولو كلنوا من خصوم مذهبه الخامس أن الشيخ كاتب مقالات الرد علي (القول الفصل) لا يزال يردد دعواه في عدم وجود مستند في الكتاب والسنة لتكوين عقيدة يطمئن إليها القلب بأن عيسي رفع بجسمه إلي السماء وأنه سينزل منها في آخر الزمان لأنه لا يأبه للسنة مبدئيا مهما كثرت نصوصها وتعاضدت أسانيدها فليس عنده حديث يفيد اليقين غير حديث (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار )والكذب علي النبي عليه السلام ينحصر عنده في إسناد ما لم يقله إليه ولا يعم نفي ما قاله أو فعله عنه فلا خوف علي نفاه الحديث والخوف كل الخوف علي المثبتين وكل من روي عن النبي حديثا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم غير حديث (من كذب علي..إلخ)يمكن دخوله تحت إنذار هذا الحديث مهما صح سند ذلك ما لم يفد اليقين مثله فكأنه صلي الله عليه وسلم كم أفواه أمته بهذا الحديث من غير كم فيه نفسه أو مع كمه أيضا فالويل لرواة الحديث وجامعيه مثل البخاري ومسلم وأبي داود وغيرهم من حفاظ السنة الملقين أنفسهم في خطر الكذب غلي النبي والتبوء بمقاعدهم من النار في مقابل توهم الخدمة للإسلام بضبط آلاف مؤلفة من الأحاديث لا يطمئن إليها القلب ولا تكفي لتكوين عقيدة ولابد لمن يقتر في تقدير السنة قدرها إلي هذا الحد ويكون تكذيب الأحاديث أسهل عليه من تصديقها غير مبال باحتمال الصدق القائم الغالب لاسيما فيما استصحه علماء الحديث وهوكثير في أحاديث النزول لابد لهذا المقتر لا أن لا يخاف تكذيب الصادقين من الرواة
الصفحة مائتين ثلالثه وثلاثين
والجامعين فقط بل أن لا يخاف تكذيب النبي عليه الصلاة والسلام أيضا أما الآيات فطريق رفضها لمكذبي الأحاديث إرهاق معانيها باسم التأويل إلي أن تنطبق علي أهوائهم وإن كانفيه تحريف الكلم عن مواضعه فهذا قوله تعالي في سورة النساء (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين أختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من لم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه)وهوقطعي الدلالة في رفع المسيح لا يحتمل التأويل برفع روحه كما زعمه الخصم تقليدا لشيخه محمد عبه لأن كلمة (بل) عبد النفي أو النهي يجب أن يكون ما بعدها إثباتا لضد المنفي المتقدم أو أمرا بضد المنهي عنه كما هو مصرح به في كتب النحو مع أن رفع الروح لا يضاد القتل والصلب المنفيين قبل (بل) لإمكان إجتماعه معهما فحمل الرفع في (بل رفعه الله إليه الوارد لتأكيد نفي القتل والصلب بإثبات ما يضادهما علي معني رفع روحه يلغي النفي السابق وينزله منزله الهزل وقد لفت الخصم في (القول الفصل) إلي هذا المانع القطعي عن تأويله الرفع برفع الروح فإذا به يكتب مقالة الرد محافظا علي تأويله وساكتا عن المانع الذي ضربته به ضربه الأصم حيث لا يسمع الأنين فيبلاغفي الضرب ليسمعه وإذا بالمضروب في مسألتنا كان هو الأصم معنويا لا يدخل في أذنه البرهان فيشتغل في مقالات الرد تارة بتجنيات علي بعيدة عن الصدد وتارة بنقل أقوال وآراء مختلفة في قيمة الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع من غير تمييز بين حق تلك الأقوال وباطلها وقويها وضعيفها وإنما لمجرد التشكيك في عقيدة رفع عيسي ونزوله الموروثه في الإسلام بالتشكك في دلالة الآيات والأحاديث عليها والشيخ نعرفه أنه لا يتحرج من عدم الاعتداد بالأحاديث فها نحن نجابهه ونتحداه بآية الرفع المحكمه ماذا جوابه عليها وعلي مانعها عن تأويله منعا لا يتخطي ولا يغالب إلا بالتصام ومن العجب أن الشيخ كاتب مقالات الرد لا يجيب عن دليلنا في آيه النساء الممتنعة بنفسها وأسلوبها المعجز عن تأويل الرفع الوارد
الصفحة مائتين اربعه وثلاثون
فيها برفع الروح لا يجيب عن دليلنا هذا الناصع والذي يزداد نصوعه في الظهور بعد أن أحلنا علي تأويله بجرح حاسم ...لا يجيب عن دليلنا ثم لا يمنعه التهيب أمام الكتاب والسنة من ترداد القول بأنه ليس في المتاب ولا في السنه المطهرة مستند يصلح لتكوين عقيدة يطمئن إليها القلب بأن عيسي رفع بجسمه إلي السماء إن الكتاب والسنة إن لم يدلا علي رفع عيسي بجسمه إلي السماء فهل هما يدلان علي رفع روحه كما ادعاه أو لا يدلان علي أي واحد من الرفعين. لكن الكتاب فضلا عن السنة أعني أحاديث النزول الكثيرة الصريحة الدالة علي رفعه بجسمه بالاقتضاء صريح في رفع عيسي غير مقيد بالجسم ولا بالروح بحيث يكون إنكار هذه الصراحة مكابرة وكفرا ويبقي النزاع في تحديد المسمي بعيسي هل هو الرح أو الجسم أو الروح مع الجسم ولا شبهة في تعين الأخير إذ لا شبهة في إثبات اقرآن الرفع للذي نفي عنه القتل والصلب بعينه وليس ذلك هو الرح المجردة فإن كان لأي عاقل وجه معقول في أن يفهم من قولك مثلا : ( يرفعني مصعد العمارة كل يوم إلي الدور الرابع منها الذي أسكنه) أن المرفوع إلي الدور المذكور والساكن فيه روحك فقط كان لمنكر رفع عيسي وجه في ادعاء أن المرفوع منه روحه لا نفسه وهذا في غاية الظهور إلا عند من لا يكادون يفقهون حديثا مع أنا قد قضينا علي ذلك الادعاء بمانع آخر استنبطناه منأسلوب النظم المعجز وذكرناه آنفا ومن قبل في (القول الفصل) وهو كون رفع روحه لا يضاد ما قبل (بل) من قتله وصلبه فكأن الشيخ بتأويله في رفع عيسي يلغي رفعه ويعاكس القرآن في ما أثبت لعيسي وفيما نفي عنه فيقول الله (وما قتلوه وما صلبوه ...بل رفعه الله إليه) ويقول الشيخ : قتلوه والله رفع روحه إليه ولا أظنني مفشيا سرا إذا لقت عن سائق الشيخ كاتب مقالات الرد علي (القول الفصل) إلي هذه المغامرات إنه لا يؤمن بالقرآن إيمانه باستحالة الخوارق فيدك القرآن دكا إذا رأي آياته تنطق بالمستحيل عنده وعند فئته ثم إنه لا يخاف القرآن خوفه من قراء مقالاته المؤمنين بالقرآن فيحاول تمشية مخالفاتة لما لا يعجبه من آياته
الصفحة مائتين وخمسه وثلاثون
عن طريق التأويل لا عن طريق الإنكار ويحمل القرآن كل ما لا يحتمله من سخافات هذا التأويل المترجم عن الإنكار السادس كان الخصم المنكر لرفع عيسي عليه السلام في مقالتيه السابقة لنشر (القول الفصل) واللاحقة به الرادة عليه لا يزال في تمشية شذوذه متمسكا بتأويل رفعه النصوص عليه في كتاب اله برفع روحه بعد وفاته غير سامع لما قلنا في إبطال هذا التأويل كأن في أذنيه وقرا وقد ذكرنته وقضينا منه العجب في الرقم السابق غير أننا سمعنا منه في مقالة الرد الثانية (الرسالة)عدد 516 نغمة أخري تبشر بكنز جديد من التأويل وجده ولجأ إليه بعد أن اقتنع فيما بينه وبين نفسه بإفلاس كنزه الذي ورثه من الشيخ محمد عبده وهذا الكنز الجديد هو : قول للإمام الرازي في تفسير قوله تعالي مخاطبا أيضا لعيسي عليه السلام ( وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلي يوم القيامة ) قول وجده في شدة من فقر الدليل وحرقة من حمي الهزيمة فعض عليه في مقالة الرد الثانية بالنواجذ وهذا نص الرازي بعد قوله (المراد من هذه الفوقية الفوقية بالحجج والبرهان ) : ( و أعلم أن هذه الآية تدل علي أن رفعه في قوله (ورافعك إلي) هو رفع الدرجة والمنقبة لا بالمكان والجهة كما أن الفوقية في هذه الآية ليست بالمكان بل بالدرجة ) وقبل مناقشة قول الإمام الرازي هذا الذي هو متمسك الخصم الجديد وكنزه العتيد نقول : من رآي هذا النقل في مقالة الرد الثانية يظن أن الإمام الرازي منكر لرفع عيسي بجسمه إلي السماء كالشيخ كاتب المقالة نعم لا شك في حصول هذا الظن عند القارئ ولأجل ذلك اتي به صاحب مقالة الرد لكنا نرجوا القارئ أن لا يتعجل حتي يقرأ قول هذا الإمام بنصه أيضا في تفسير قوله تعالي الذي قلنا عنه إنه دليل قطعي في رفع عيسي لا يحرم حوله اي تأويل (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين أتوا الكتاب لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه ) : ( المساله الثانية رفع عيسي عليه السلام إلي السماء
الصفحه مائتين وسته وثلاثون
ثابت بهذه الآية ونظير هذه الأية قوله تعالي في آل عمران (إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا)..ثم قال تعالي (وكان الله عزيزا حكيما) والمراد من العزة كمال القدرة ومن الحكمة كمال العلم فنبه بهذا علي أن رفع عيسي من الدنيا إلي السماوات وإن كان كالمعتذر علي البشر لكنه لا تعذر فيه بالنسبة إلي قدرتي وإلي حكمتي وهذا نظير قوله تعالي (سبحان الذي أسري بعبده ليلا من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصى )فإن الإسراء وإن كان متعذرا بالنسبة إلي قدرة محمد إلا أنه سهل بالنسبة إلي قدرة الق سبحانه) فهل في شرعة الإسلام الأمانة والعدالة والإخلاص في البحث أن يكتم قول الإمام هذا المفصل المدلل المسجل في محله الخاص ويعلن قوله الذي لا يعادله في القوة والوضوح وهو في غير محله؟فكأن الغمام الرازي أخفي هذا القول السخيف من الأنظار فلم يذكره في محله الذي هو تفسير آيتي الرفع او آيتي النزول وفسر تلك الآيات لاسيما آيه الرفع المحكنة كما فسره غيره من المفسرين معترفا بدلالتها علي الرفع والنزول المعروفين عند المسلمين ومعتقدا لهما كما اعتقدوه فليس ذلك القول هفوة منه مخالفة لأقوال جميع العلماء بل لأقواله نفسه أيضا في محال القول كما ذكرنا لكن الخصم الشاذ المنكر لرفع عيسي ونزوله يتبع القول الشاذ طبعا ومن قال له إن الإمام الرازي لا يخطئ أبدا لاسيما في قوله المناقض لأقواله؟ وعجيب جدا أن يكون جيش الأحاديث النبوية الواردة في نزول عيسي عليه السلام في آخر الزمان مع جيش رواتها من الصحابة ومن بعدهم وجايع العلماء المقتفين آثارهم المقيمين للسنة وزنها ومع آات الرفع والنزول في القرآن وجيش مفسريها وفيهم الرازي أيضا في جانب وقول آخر للرازي وجده الخصم في زاوية من تفسيره الكبير في جانب مقابل ثم تترجح كفة هذا القول عنده علي جانب الجيش المرمي فضلا عن أن قول الرازي في تفسير قوله تعالي (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلي يوم القيامة)يكون المراد من رفع عيسي المذكور قبله في قوله (ورافعك
الصفحو مائتين وسبعه وثلاثون
إلي)الرفع بالدرجة والمنقبة قياسا لهذا الرفع علي فوقية متبعيه بالحجه والبرهان يلزمه أن يكون الذين يفوقهم عيسي بالدرجة والمنقبة هم الذين يفوقهم متبعوه بالحجة والبرهان أعني الذين كفروا إتماما لهذا القياس لكن هذه الفوقية ضئيلة جدا بالنسبة إلي مرتبة عيسي العظيمة وهذا مع أن كون فوقية متبعية بالحجة والبرهان لا يستلزم كون المراد من رفع عيسي المذكور قبله بالدرجة والمنقبه و مع أن ألأولي أن يحمل فوقية متبعيه
أيضا علي الفوقية الحسية الشبيهة بالفوقية المكانية فتكون الآية متضمنة لمعجزة الاخبار عن المستقبل الذي يستمر فيه غلبة المؤمنين بعيسي وهم المسلمون والمسيحيون علي اليهود الكافرين به إلي يوم القيامة كما أن عيسي في السماء طول هذه المدة وتكون فوقية عيسي علي هذا التقدير هي المقيس عليها دون فوقية متبعيه علي عكس ما في التقدير الأول الذي لا نراة جديرا بالأخذ لما ذكرنا ولكون التعبير في (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلي يوم القيامة )لا تلتئم معه حق الالتئام بناء علي أن فوقيتهم بالحجة والبرهان حاصلة مفروغ عنها غير محتاجة إلي جعل جديد مستمر ثم غن الرازي لو أمعن النظر في قوله تعالي (ورافعك إلي ) مقيدا بالجار والمجرور الخاص دون أن يقول (ورافعك) فقط لرجع عن قوله في قياس رفعه علي فوقية متبعيه بالحجة والبرهان لأن متبعيه لم يرفعوا إلي الله وإنما جعلوا فوق الذين كفروا بل لو قام الرازي بتمشية قوله ذاك الشاذ مع الرفع المذكور في آية النساء المحكمة أعني قوله تعالي(وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ؟؟ وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه)كما سعي في تمشيته مع الرفع المذكور في آيه آل عمران أعني قوله (ورافعك إلي) وكان هذا من واجبه بل واجب تمشيته مع آيتي النزول وأحاديث النزول جميعا لأن الرازي لا يمكنه إنكار آية النساء ولا إنكار ما قاله هو نفسه في تفسيرها كما لا يمكنه إنكار أحاديث النزول لتنبه لخطائه الفاحش فضلا عن أن يصر علي الخطأ بعد التنبيه كما فعله من تمسك بقوله حيث يكون المعني حينئذ وما قتلوه وما صلبوه بل رفع الله درجته ومنقبته ولا شك في أن تذييل نفي القتل والصلب بالجملة المصدرة بل وقع
مائتين وثمانية وثلاثين
لتأكيد نفيهما بإثبات ما ينافيهما ثم لا شك في أن رفع الدرجة والمنقبة لا ينافي وقوع القتل فقد يكون أعداؤه قتلوه وصلبوه ويكون الله قد رفع درجته ومنقبته بل رفع الدرجة والمنقبة بالشهادة يتألف مع القتل والصلب أكثر منه مع عدم القتل والصلب حتي إن النصاري بنوا العلالي والقصور علي هذا القتل والصلب اللذين قالوا بوقوعهما فلا يكون تذييل نفيهما في القرآن بإثبات رفعه مؤديا لما سبق له علي تقدير تفسيره برفع الدرجة والمنقبة أي لا يكون الله تسني له في هذه الآية ما أراد تفهيمه من المعني وحاشاه ثم حاشاه وقد علم القارئ مما ذكرنا في (القول الفصل) وفي هذا الذيل أن تأويل الرفع برفع الروح تكلف زائد علي صراحة النص وكذا تفسيرة برفع الدرجة ومثل هذه التكلفات إنما ترتكب لضرورة تدعو إليها وتنفع في إصلاح المعني لا لحاجة في نفس المتكلف يقضيها بها وهي تفسد المعني بدلا من إصلاحه ونحن نري فضيلة الشيخ الملع بالقول الشاذ المضطرب يحاول عبثا في مقالة الرد الثانية إيجاد المنافاة بين قتل عيسي ورفع درجته بعد أنم تعلم منا لزوم المنافاة بين طرفي (بل) الواقعة بعد الجملة المنفية –قائلا: ( إن المنافاة متحققة لأن الغرض من الرفع رفع المكانة والدرجة بالحيلولة بينه وبين الإيقاع به كما كانوا يريدون والمعني ان الله عصمه منهم فلم يمكنهم من قتله بل أحبط مكرهم وأنقذه وتوفاه لأجله فرفع بذلك مكانته)فنحن نري هذا القول الطويل في تفسير (بل رفعه الله إليه)مليئا بالزيادات علي رفع الدرجة الذي هو نفسه أيضا زيادة علي النص والمقصود من الزيادة علي الزيادة بيان وقوع الحيلولة بينه وبين قتله ليتحقق به المنافاة بين ما قبل (بل) وما بعدها) ونحن نقول من أين لصاحب الزيادة أن يفهم وقوع الحيلولة بينه وبين قتله من رفع درجته وقد قلنا أن رفع الدرجة يلائم القتل والصلب بدلا من أن ينافيهما فهو يسعي من عند نفسه لأن يضمن رفع الدرجة معني لا يفهم منه وقد كانت الحيلولة وصورة الحيلولة مفهومتين من النص وهو (بل رفعه الله إليه)قبل تفسيره برفع الدرجة وقبل إضافة الجمل الطويلة غلي هذا التفسير من بطن
الصفحة مائتين وتسعه وثلاثون
المفسر القائلة (بكون الله عصمه منهم فلم يمكنهم من قتله وانقذه من مكرهم وتوفاه لأجله فرفع بذلك مكانته) ثم ماذا تقولون أيها القراء إن لم يف هذا التقسير وتلك الجمل الطويلة المضافة إليه من غير حق بحاجة (بل) فيما بعدها إلي الشئ الذي ينافي القتل والصلب ويكون أساسا لنفيهما فيما قبلها لعدم احتوائها رغم طولها لذلك الشئ فلم يتم الكلام بتلك الجمل الطويلة ولم يصح السكوت عليها لخلوها عن ذكر كيفيه عصمته من شر أعدائه وهي التي يتجلي بذكرها ما تحتاج إليه (بل) من المنافاة بين ما قبلها وما بعدها مع في تلك الجمل من قوله (وتوفاه لأجله) الذي يرجع به المفسر الشاذ من حيث لا يشعر إلي مذهب المفسرين القائلين برفع عيسي حيا إلي السماء كما أوضحناه في الرقم (4) فيا له من سعي زائد لم يأت الساعي بفائدة مطلوبة بل أبعده عنها ودل علي أن تفسيره الآية بما فسرها أحق باسم التغيير والسبب في ذلك أن ما يتطلبه (بل) فيما بعدها من الرفع الذي نافي القتل والصلب ويحول بين المرفوع زبين الإيقاع به من أعدائه الماكرين والذي به يتماسك به ما بعد (بل )مع ما قلبلها وهو رفع مكانه من الأرض إلي السماء لا رفع مكانته ودرجته كما أنه هو المفهوم من قوله تعالي (بل رفعه الله إليه من غير حاجة إلي تفسيره برفع درجته ثم تفسير هذا التفسير بما لا ينفع في استكمال المعني وربما يضره فالآية بمجردها عن زيادات هذا المفسر المتخبط صريحة فيما سيقت له من تأكيد نفي القتل والصلب بإثبات ما ينافيهما ومحكمة لا تقبل التأويل ولو كتب الشيخ في تأويلهما ألف مقالة ووقفت (الرسالة)صفحاتها علي مقالاته وكلما زاد في مقالات التأويل وقع في خطأ جديد فقد كان في مقالة الرد الأولي مصرا علي تأويل رفعه برفع روحه معترفا بالرفع المكاني لا لعيسي بل لروحه وكان هذا زيادة علي النص من جانب المؤول وفضلا عن الزيادة مفسدة لمعني الآية لإمكان اجتماع رفع الروح مع القتل والصلب المطلوب نفيهما وتأكيد نفيهما بإثبات ما ينافيهما ولم يكن لينفع الشيخ تنبيهنا في (القول الفصل) علي فساد هذا التأويل وإفساده لمعني
الصفحه مائتين واربعون
الآية حتي كتب مقالة رده الاولي مصرا علية ولكن لا أدري ماذا حصل له بين مقالته هذه وبين المقالة الثانية التي أتبعها؟أأنصف في نفسه وأخذ يري بطلان تأويله الذي تمسك به مصرا عليه أم غره قول الإمام الرازي الذي وجده مختف في حفائر تفسيره الكبير فأضله ضلالا جديدا وعلي كل حال فهو مفضله في مقالته الثانية علي ضلاله القديم معرضا عن التأويل برفع الروح وملتجئا في هذه المره إلي التأويل برفع الدرجة والمرتبة المعنوية مع أنه مثل أخيه في إفساد معني الآية كما علمت تفصيله وإنما بقي له تكلف التأويل في المرتين والتكلف في المرة الثانية أكثر مع ما لزمه فيها من تغيير لدعواه الأولي في التأويل وتغيير الدعوي يعد إفحاما عند العارفين لقانون المناظرة أو علي الأقل من تغيير الدليل الذي هو قريب من تغيير الدعوي في الإفحام وإني أوصي الشيخ كاتب مقالات الرد بالانتهاء عن الاستمرار في معاندة الحق فلن ينجيه أي تأويل أو تحريف عن مخلب هذه الآية الناطقة بما تنطق به في النفي والإثبات الواقعين علي جانبي (بل) فهي دليل قطعي الثبوت والدلالة علي عقيدة المسلمين في رفع عيسي عليه السلام إلي السماء كما اعترف به حتي من تمسك الشيخ بقوله للمحافظة علي عناده اعني الإمام الرازي القائل أن رفع عيسي إلي السماء ثابت بهذه الآية ولئلا يبقي المجال للشيخفي تمسكه بالتأويل المأخوذ من قول الإمام في غير محله إلي أن يظفر بقول آخر من علماء التفسير يفتح له بابا لتأويل جديد ويعوقه عن الاعتراف بالحق فكرت في طريق بيني وبين الشيخ الذي لم يكفه (القول الفصل) حين كفي غيره وحسدني الشيخ عليه فرأيت أن أستفتي علماء الدين واللغة والأدب بمصر وجميع من يحتكم إليهم لقطع النزاع في تمييز الكلام البليغ من غيره بل وفي تمييز الكلام الدال علي معني مفهوم ومعقول من الكلام الشبيه باللغو والهذيلن أستفتي جميع هؤلاء العلماء والفضلاء ولا أعتقد أن قول الشيخ كاتب مقالات الرد في مقالته الأخيرة( الرسالة) عدد519 بعد أن نقل رأي فضيلة الشيخ المراغي في مسألة رفع عيسي عليه السلام (بأن قول الله سبحانه(إذا قال الله يا عيسي إني متوفيك ورافعك
بداية صفحة رقم221
يكون على نوع معين من أنواع الوجود وعلى شكل معين من أشكاله فلو أنكرنا له هذه الحاجات كان قولا برجحان أحد المتساويين بنفسه على الآخر من غير مرجح وهو محال متضمن للتناقض وهذا المرجح عندنا في وجوده أو عدمه وفي كونه على نوع معين من أنواع الموجود وعلى شكل معين من أشكاله هو إرادة الله كما قال الله تعالى في كتابه الكريم:"و في الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب و زرع نخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد و نفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون"فلو كان العالم أو أي جزء من أجزائه موجودا بنفسه من غير موجد وموجودا على نوع معين وشكل معين من غير معين لزم الرجحان من غير مرجح أي لزم كون ما فرض وجوده وعدمه ثم وجوده على نوع دون نوع وشكل دون شكل متساويين بالنسبة إلى ذاته خلاف ذلك أي غير متساويين وخلاف المفروض محال متضمن للتناقض
فالملاحدة الزاعمون أن مذهبهم في عدم الاعتراف بوجود الله مذهب العلم غير المعترف بما لم يثبت وجوده بالتجربة الحسية غافلون وجاهلون لحد أن يزعموا التناقض المحال علما فإذا كان العلم الطبيعي يبحث عن الأثر ويغفل المؤثر أو يبحث عن المؤثر القريب ويغفل العلة الأولى فالعقل الذي يميز المحال من الممكن والذي هو أبعد نظرا من العلم الطبيعي و أوسع يقضي بأن الكون أثر إرادة علية عليمة مسيطرة على ما يدعونه الطبيعة ولعل سبب عدولهم فيإرادة الكون من هذه الإرادة العليمة الحكيمة إلى طبيعة لا علم لها ولا إرادة بل لاوجود لها أيضا كما حققنا في محله من هذا الكتاب من أنها كناية عن عدم وجود فاعل لهذا الكون ونظامه سبب عدولهم إليها على الرغم من استحالة صدور مثل هذا الأثر العظيم عما لا علم له ولا قدرة ولا إرادة بل لا وجود أنه إذا لم يكن لهذا الكون مالك سوى تلك الطبيعة المعدمة التي ليس من شأنها أن تحاسب أحدا على ما فعله في السر والعلن فلا توجد فوق الإنسان قوة يُخشى
بداية صفحة رقم 222
بأسها ولا يؤمن مكرها فتحصل له الحرية التامة كما يعبرون ويعتزون به ومن هذا بنى الفيلسوف"كانت"مسألة وجود الله على دليل الأخلاق فقال لولا الله لانهارت دعائم الأخلاق ونحن مع استحسان دليله هذا مصرون على القول بأنا لانجده في القوة والأهمية بحيث تبنى عليه مسألة وجود الله التي هي أعظم المطالب الفلسفية وأهم من كل شئ ومن مسألة الأخلاق أيضا وقد سبق الكلام عليه في آخر الباب الأول (ص78-79الجزء الثالث)
على ظان العلم الحديث المثبت الذي يعزى إليه عدم الاعتراف بوجود الله آخر مذهب هذا العلم أن كل شئ في الكون راجع إلى الحركة ولا موجود غيرها حتى إن المادة التي كانت لها الأزلية والأبدية عند الماديين البوخنريين لا وجود لها وإنما البقية من تلك المادية القديمة هي القوة وهي الحركة ولا نناقشهم هنا كيف تكون حركة من غير أن يكون هناك شئ متحرك هو المادة أو ما يقوم مقامها بعد زوال دولتها الأزلية والأبدية وإنما نسألهم عن سبب هذه الحركة أعني المحرك ولا نرتاب في أنهم يقولون في الجواب إن سببها الحركة التي اتصلت بها من جانب الماضي طبق ما ذهب إليه"ذيمقراط"الحكيم اليوناني القديم كما أن سبب تلك الحركة المتقدمة بدرجة واحدة هو الحركة المتقدمة بدرجتين وهكذا الحال في كل سلسلة الحركات الميكانيكية بأن يكون ما تقدم منها سببا لما تأخر وما تقدم سببا للمتقدم وهكذا دواليك من غير أن تكون لسلسلة الحركات الممتدة إلى جانب الماضي نهاية تبدأ منها السلسلة ولا تكون قبلها حركة وبفضل هذه اللانهائية تجد كل حركة سببها فيما قولها ولا تحتاج الحركات المتسلسلة إلى محرك خارج عن أجزاء السلسلة المحرك بعضها بعضا
هكذا يقولون اليوم وبهذا يتضح أن المرجع الحقيقي لاستناد الملاحدة في قولهم باستغناء العالم الذي هو اسم لمجموعة الكائنات عن وجود الله ليس عقيدة عدم
بداية صفحة رقم223
احتياج أي موجود في وجوده و أي حادثة في حدوثها إلى السبب وإن كان ظاهر قولهم بأن كل ما كان وما يكون في العالم ناشئ من طبيعة الكائن يقتضي نفي السبب لكن الحقيقة أنهم لا ينكرون مبدأ العلية ولا يقولون بتكون كل كائن بنفسه من غير تأثير فيه من الخارج وهو الذي يعبر عنه علماء الكلام بالرجحان من غير مرجح ويبطلونه
فالملاحدة أيضا لا يقولون بهذا الذي يتنافى مع مبدأ العلية وإنما يقولون بنفي السببية والعلية من خارج العالم فلكل كائن سبب يوجب كونه والسبب كائن آخر له سبب أيضا ولسبب السبب أيضا سبب وهلم جرا إلى مالانهاية له من الأسباب المتقدمة المهيئة لمسبباتها التي كل منها أيضا سبب لما بعده ولعدم انتهاء الأسباب المتقدمة إلى سبب أول لاسبب قبله ولكون العالم قديما عندهم لا بداية له على خلاف ما قلنا نحن في الباب الثاني من أن العالم حادث له بداية فلا حاجة عندهم لوجود العالم إلى وجود الله لأن وجود العالم عبارة عن وجود سلاسل أسباب لمسببات مثلها غير متناهية ولكون الأسباب غير متناهية في جانب الماضي وكون جميعها داخلة في أجزاء العالم فلا يجئ في الجانب المتقدم دور الحاجة إلى وجود الله في خارج العالم ليكون سببا أول لتلك الأسباب وعلة أولى لتلك العلل إذ لو جاء دورها بعد انتهاء الأسباب المتقدمة الداخلة في العالم إلى سبب لايتقدمه سبب من جنسه داخل في العالم لكنهم يقولون إن الأسباب العالمية المتقدم بعضها على بعض غير متناهية
فالأساس الأخير لمذهب الإلحاد وسنده الذي يستند إليه نهائيا قدم العالموتسلسل العلل وما يتوقف عليه هدم هذا المذهب إثبات حدوث العالم وإبطال تسلسل العلل والأسباب إلى غير نهاية وقد كان أعظم غلطة وقع فيها الشيخ محمد عبده ولن يقع في مثلها رجل من رجال العلم والدين إنكاره لبطلان التسلسل الذي يدور عليه إثبات وجود الله تعالى(1)ونحن بتوفيق الله عز وجل قمنا بواجب هذا الإبطال في أمكنة عدة
بداية الهامش:
(1)سبق منا في الباب الأول والباب الثاني من الكتاب أن نقلنا نص قول الشيخ بإنكار بطلان التسلسل ورددناه عليه
بداية صفحة رقم 224
كم هذا الكتاب أو صح قيام يتمكن من إدراكه الخاص والعام ولا نضن هنا أيضا بصورة مختصرة من إبطال ذلك الباطل تطبيقا له عاى آخر نظرية علمية في الكائنات أعني كونها عبارة عن سلاسل الحركات فنقول:
تلسل الحركات إلى غير نهاية في جانب الماضي على أن لايكون لأي حركة منها سبب محرك غير الحركة التي قبلها فتكون كل حركة تقدمتها حركة أخرى تسببها فلا نهاية للحركات الماضية ولا نهاية لأسبابها التي هي عبارة عن الحركات أيضا..
تسلسل الحركات هكذا باطل ولا نبني دعوى بطلانه على برهان التطبيق أو غيره من البراهين المبطلة للتسلسل المعروفة عند علمائنا المتكلمين بل عند الفلاسفة القدماء أيضا والتي اعترض عليها بعض العلماء قديما أو حديثا بحق أو بغير حق(1)وإنما نبني دعوانا على إبطال فعلي يقتنع به القارئ معنا فنقول:إن دوام الحركات في جانب الماضي التي لامحرك لها رأسا غير تحريك بعضها بعضا ضرب من الوهم والخيال فالأوهام الكاذبة التي رمى بها الشيخ محمد عبده البراهين المنصوبة لإبطال التسلسل موجودة في التسلسل نفسه لا سيما تسلسل العلل لكن الشيخ التبس عليه محل الوهم الكاذب فظن المبطل باطلا والباطل حقا..تتضح هذه الحقيقة عند تصور المسألة في عدد متناه من الحركات:فلو فرضنا انتهاء سلسلة الحركات الممتدة من الحال إلى الماضي بعد خمسين حركة متراجعة وفرضنا أن سبب الحركة الأخيرة المتصلة بزمان الحال هو الحركة التاسعة والأربعون وسبب الحركة التاسعة والأربعين هو الحركة الثامنة و الأربعون وسببها السابعة و الأربعون وهكذا الحال إلى أن نأتي الحركة الأولى فرأيناها لا تستند إلى محرك من خارج السلسلة أي لا سبب للحركة الأولى وليست حركتها قوانية"ديناميك"تندفع بنفسها بل حركة ميكانيكية منتظمة وكذا الحركات التي بعدها
بداية الهامش:
(1)تقدم الكلام على هذه النقطة في البابين الأولين من الكتاب لا سيما في فصل حدوث العالم من الباب الثاني
بداية صفحة رقم 225
فإذا انتفى سبب الحركة الأولى انتفت الحركة الأولى نفسها وإذا انتفت الحركة الأولى التي كانت سبب الحركة الثانية انتفت الحركة الثانية أيضا وبانتفاء الثانية انتفت الثالثة وبانتفائها انتفت الرابعة وهكذا يقال في كل حركة بعد حركة منفية الى أن نبلغ الخمسين فرأيناها لا سبب لها ولا حركة فسلسلة الحركات المؤلفة من خمسين حركة تصير ضربا من الخيال الكاذب إذا لم يكن هناك محرك أصلي سوى تحريك الحركات بعضها بعضا بأن يحرك المتقدم منها المتأخر الذي يليه لأنا رأينا عيانا أن لا حركة متقدمة و لاتحريكها للمتأخر نعم رأينا انعدام الحركات لانعدام أسبابها في سلسلة فرضناها مؤلفة من خمسين حركة وهي متناهية فهل يكون الحال غير ما رأينا من الخيال لو فرضنا سلسلة الحركات لاتنتهي في جانب الماضي إلى حركة لا تتقدمها حركة أي لو فرضناها غير متناهية؟وماذا ينفع سلسلة الحركات التي رأيناها لا وجود لها إلا في الوهم والخيال عند فرضها مؤلفة من خمسين حركة ماذا ينفعها أن نضم إليها من أمثالها عددا لانهاية له من جانب الماضي فهل تنقلب الحركات الموهومة المتناهية بانضمام الحركات الموهومة غير المتناهية إليها حركات واقعي؟والواقع أن الزيادة في الموهوم الكاذب لا تكون إلا زيادة في الكذب والوهم وإن كان في الزيادة اللامتناهية التي لايمكننا معاينة جميع أجزائها كمعاينة كل جزء من أجزاء السلسلة المؤلفة من خمسين حركة بعض تغطية وإخفاء لما تضمنته من كاذب الخيال فإذا لم يك لتلك الحركات المفروضة محرك غير أن يكون المتقدم منها سببا للمتأخر لزم أن يكون كل ما فرض وجوده من تلك الحركات غير موجودة وهو تناقض محال سواء كان عدد الحركات متناهيا أو غير متناه
فمهما اعترض المعترضون على بطلان التسلسل وانتقدوا البراهين المقامة لإبطاله فهذا النوع من التسلسل وهو تسلسل العلل والأسباب الذي تأخذ كل علة فيه وجودها وعليتها من على أخرى قبلها من غير أن تكون هناك علة أصلية تنتهي فيها سلسلة العلل ولا يكون وجودها وعليتها مأخوذة من غيرها والذي ينبني إثبات وجود الله على
(15-موقف العقل-رابع)
بداية صفحة رقم226
إبطاله ليس بطلانه أدنى ريبة لعدم وجود سلسلة كهذه إلا في الوهم والخيال والذين يعتبرون الكون مجموعة مؤلفة من سلاسل حركات لا بداية لها وكل حركة في كل سلسلة متولدة من حركة مثلها متقدمة عليها يخيل إليهم وجود حركات لا نهاية لها في جانب الماضي كل حركة سبب لما بعدها مسببة عما قبلها ولا سبب لهذه الحركات من خارج السلسلة غير تولد بعضها من بعض لكن هذه السلسلة المتوقف وجود كل منها على وجود جزء قبله لم تكن عبارة عن سلسلة موجودات مسببات عن أسباب موجودة بل سلسلة موقوفات في وجودها على موقوفات ومحتاجات إلى محتاجات فإن كان أول جزء من هذه السلسلة موجودا فكل ما عداه المبني وجوده على وجوده موجود أيضا لكن الأول لهذه السلسلة حتي يقال إن كان موجودا فكل ماعداه موجود بل يفر هذا الأول كلما أردت النظر في حاله لتعلم أنه موجود أو غير موجود إلى أول منه فتجده موقوفا وجوده على وجود ماقبله وتجد ما تريد أ نعتبره أول ليكون منبع فيضان الوجود منه إلى ما بعده من أجزاء السلسلة ليس بأول ومهما أمعنت في الطلب فلن تصل بذهنك إلى أول جزء لهذه السلسلة يكون موجودا بلإصالة وما بعده موجودا بالتبعية له ولو وصلت إليه انقطع التسلسل ونجحت دعوانا وهي وجود الواجب لا دعوى المتمسكين بالتسلسل طلبا للاستغناء به عن الواجب فإذن لا وجود أولها الذي يكون مبدأ وجود الآخرين في حين أن وجود أول لسلسلة التسلسل انقطاع التسلسل وانهدامه
فالتسلسل الذي هو أعظم لعبة للشيطان بأذهان المنكرين لوجود الله بل و أذهان بعض الغافلين من المؤمنين ينقض نفسه بنفسه في نظر العاقل اليقظان لأنه إذا لم يكن للسلسلة التي يتخيلها المتخيلون في التسلسل وجود فلا وجود لما بعد أولها المبني وجوده على وجوده و إذن لا وجود لسلسلة حركات غير متناهية يظنونها موجودة على الرغم من ظهور عدم وجودها عند درسها متناهية فما هي إلا سلسلة حركات معلقة الوجود على أسباب غير موجودة على ظن أنها موجودة ومنشأ الغلط في الظن إقامة
بداية صفحة رقم 227
عدم تناهي الأسباب التي لاوجود لها مقام وجود الأسباب وقد أوردت في الفصل الأول من الباب الأول من هذا الكتاب أمثلة تزيد في إيضاح ما في هذا التسلسل من البطلان والنتيجة أن العالم إن كان عبارة عن مجموعة مؤلفة من سلاسل حركات فلا بد أن يكون لها محرك من خارج السلسلة تنتهي هي فيه وإلا فلا يمكن وجود حركة واحدة فضلا عن وجود سلاسل حركات وهذا المحرك هو الله ثم إنه لو أمكن استفناء عالم الحركات الذي هو عالمنا على آخر رأي العلم عن محرك مستقل غير تحريك الحركات بعضها بعضا ولم يترتب عليه ما بيناه من التناقض لاحتاج ذلك العالم إلى وجود الله في نظام الحركات وفي تعيين ما يترتب على الحركات من الغايات إن لم يحتج إليه في نفس الحركات من طريق فرض المحال
هذا تلخيص إثبات وجود الله وفي ضمنه إثبات حدوث العالم بإثبات البداية له عند إبطال التسلسل اللازم لإثبات وجود الله أما إثبات وجود الأنبياء فقد أقمنا عليه فيما سبق غير بعيد(1)دليلا أقامه الفيلسوف"كانت"لإثبات وجود الله الذي هو أعلى مطلب فلسفي في حين إنا لم نره متناسبا مع جلالة ذلك المطلب لعدم إفادته اليقين الضروري الذي هو وجوب الوجود كما أفادته الأدلة التي ذكرنا صورة مختصرة منها آنفا وحسبنا في القيام بواجبنا إزاء مطلب إثبات النبوة أن بنيناه على دليل يعدل في الأهمية دليل"كانت"لإثبات وجود الله وسنقيم دليلا آخر خاصا بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم في الباب الرابع من الكتاب عند الكلام على مسألة فصل الدين عن السياسة
وأما مسألة معجزات الأنبياء فنخالنا في غنى عن التنبيه إلى مبلغ عنايتنا بها وقد استغرقت مكافحة منكري المعجزات طول الباب الثالث من الكتاب وذلك الباب الثالث قد قرأه القارئ إلى هنا في شكل كتاب صغير مستقل والآن ننتهي مما أردنا أن نكتبه نتيجة للأبواب الثلاثة المتقدمة وعند ذلك تنتهي أيضا من الكتاب الصغير سائلين الله تعالى الهداية والمغفرة لنا وللقارئين
بداية الهامش:
(1)ص83-86
بداية صفحة رقم 228
بعد "القول الفصل"
عسى قراء فصل القول مني -وهذا الفضل بعد الفصل باد-
يكون جواب من لاقيت منهم مبينا عنهما في كل ناد
لئن أسمعت عيسى في علاه فلسن بمُسمع أُذن العناد
وعيسى لا يزال هناك حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
نشرت"الرسالة"مقالات فضيلة الشيخ شلتوت التي كتبها ردا على كتابي"القول الفصل"والتي أشادت بها"الرسالة"معلنة عنها قبل نشرها أما أنا فما كنت كتبت الجواب على هذا الرد استغناء بما يتضمنه الكتاب نفسه عن الجواب على ردود مثلها تقع على خارج الصدد طائشة عن ساحته المحصنة بالحجج واكتفاء بما كتبه العلماء الأعلام في نقض تلك المقالات ولكني رأيت في رد الشيخ الموجه جُله إلى تعليقة صغيرة كنت أوردتها في الكتاب عرضا ما يوهم أني افتريت عليه أو على عضو مجهول من جماعة كبار العلماء شكا في كون نبينا محمد صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء أو شكا في كفر الشاك وقد اختلقتُ هذا العضو في خيالي فهذا الإيهام يسكت كتابي وكتب العلماء الأعلام عن الجواب عليه ويوجب على نفسي القيام به مستقلا
وبعد أن التزمتُ الجواب على مقالات الشيخ لهذا السبب الخاص بنقطة معينة منها تتعلق بذمتي وأمانتي في البحث لم أكف عن التكلم عليها في صورة عامة سواء كان ما وقع منها في داخل الصدد أو خارجه وأنا أقدم الكلام في الصدد وأرجئ غيره وإن كان فيه الأمر الذي اعتبرته الدافع الأول إلى نشر هذا الجواب فأقول:
بجانبنا نحن القائلين برفع عيسى عليه السلام إلى السماء ونزوله منها عند اقتراب الساعة-ومعنا علماء الإسلام أجمعون غير شذاذ آخر الزمان-ستون حديثا برواية واحد وثلاثين صحابيا مذكورين بأسمائهم في "إقامة البرهان على نزول عيسى في آخر
بداية صفحة رقم229
الزمان"لمؤلفها الفاضل جزاه الله خيرا وليس بجانب الخصم حديث واحد يؤيد شذوذه غير عدم المبالاة بجيش الأحاديث المؤيدة لجانبنا
أما الآيات فلنا منها آيتان ناطقتان بالرفع إحداهما قطعية الدلالة لا تحتمل التأويل وهي آية النساء والأخرى ظاهرة الدلالة وهي آية آل عمران وآيتان ظاهرتان في النزول وليس للخصم من الآيات إلا ما توهمه من المنافاة بين الرفع والتوفي ي آية آل عمران أعني قوله تعالى"يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي"فنحن لا نحتاج إلى تأويل أي واردة في هذه المسألة بل نحمل الكل على ظاهره حتى آية التوفي التي هي مستند الخصم الوحيد نتركها على ظاهرها من غير تأويل كما يتبين مما يأتي والخصم المفكر لرفع عيسى ونزوله يتمسك بقوله تعالى"إني متوفيك"ظنا منه أن التوفي ظاهر في معنى الإماتة ثم يرهق آيتي الرفع على تأويلهما بما ينطبق على هذا التوفي فيؤول القطعي لتطبيقه على الظاهر وهو ليس بظاهر وتأويله ليس تأويلا بمعقول من المعنى و إنما هو إفساد وإلغاء للنص فما فعله الشيخ كاتب المقالات في آيات كتاب الله ليس إلا تكلفات لا داعي لها غير تبرير شذوذه وفضلا عن هذا فهي تتضمن أخطاء ومفاسد كثيرة نعرضها على أنظار أهل الدقة الراغبين في تحقيق الحقائق:
الأول ظنه أن التوفي نص أو ظاهر في معنى الإماتة
الثاني عدم استماعه لما كتبت في "القول الفصل"أن التوفي بمعنى أخذ الشئ بتمامه يساوي التوفي بمعنى الإماتة من حيث الاستناد إلى اللغة بل يفوقه حتى إن الزمخشري ذكر معنى الإماتة في "أساس البلاغة"بعد قوله"ومن المجاز"فإذا كان معنى الأخذ التام مساويا لمعنى الإماتة أو أظهر منها في أن يكون هو المراد في قوله تعال:"إني متوفيك "أي آخذك من العالم الأرضي الذي أنت فيه فلا ضرورة في تأويل قوله بعد"ورافعك إلي "برفع روحه(1)
بداية الهامش:
(1)أما قوله تعالى في سورة المائدة حكاية عيسى عليه السلام" فلما توفيتني كنت أنت=
بداية صفحة رقم 230
الثالث لا ضرورة تدعو إاى هذا التأويل حتى ولو كان التوفي بمعنى الإماتة كما زعمه الخصم والذين حملوا"متوفيك"من المفسرين على معنى مميتك لم ينكروا رفع عيسى إلى السماء بل قالوا"أماته ثم أحياه ورفعه أو أماته حين رفعه"كما يظهر من مراجعة تفسير الفخر الرازي أما رفع روحه فقط فلم يقل به أحد سوى الشيخ محمد عبده-فيما نقله عنه كاتب مقالات-ظنا منه أي من الشيخ أنه مقتضى حمل التوفي على معنى الإماتة وتبعه كاتب المقالة وهو متبوعه أيضا في ظن أن التوفي ظاهر في معنى الإماتة لكن التابع أشد استحقاقا للوم من المتبوع لأنه تجلد في البقاء على ظن شيخه ولم يصده "القول الفصل"عن تبعية المخطئ وإذا كان المرء قد خذلته هداية الله للحق فلا يزال يفضل متابعة المخطئ على متابعة المصيب ويتجلد للحق و الإنصاف زاعما أنه يتجلد لخصمه ونحن نستمر في ضربه بأخطائه التي كلمناه عنها فأصمنناه وبما أضاف إليها في مقالاته من الأخطاء الجديدة حتى نرجعه إلى الحق أو نقضي عليه على باطله عند قتل المسألة بحثا
الرابع من عجائب ولوع الشيخ كاتب المقالات بمتابعة المخطئ ولو كان على غير مذهبه ولو كانت المتابعة بعد التنبيه على خطأ المتبوع أني كنت في "القول الفصل"نبهت على خطأ لغوي وقع فيه المفسرون لقوله تعالى" إني متوفيك "بقولهم "مستوفي أجلك ومؤخرك إلى أجلك المسمى عاصما لك من قتلهم من توفيت مالي"فقلت إن
بداية الهامش:
=الرقيب عليهم "بعد قوله" و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم "فلحمل التوفي فيه على معنى الأخذ لا الإماتة سبب آخر غير أصالته وتقدمه على معنى الإماتة فاتني ذكره في "القول الفصل"فاذكره هنا وهو الإشارة التي يستفيدها صاحب النظر الدقيق من قوله قبله"ما دمت فيهم "و لاينكشف مثلها لمثل الخصم حيث يقول عليه السلام"ما دمت فيهم "أي ما دمت مقيما فيما بينهم غير منتقل من أرضهم إلى عالم آخر ولايقول ما عشت أو ما دامت حيا كما قال لما تكلم في المهد صبيا حتى يكون فراقه إياهم بالموت فيسقط بهذا التحرير قول الخصم في مقاله التوى التي اتقدتها في"القول الفصل":"ولا سبيل إلى القول بأن الوفاة هنا مراد بها وفاة عيسىبعد نزوله من السماء بناء على زعم من يرى أنه حي في السماء و أنه سينزل منها آخر الزمان لأن الآية ظاهرة في تحديد علاقته بقومه هو لا بالقوم الذين يكونون آخر الزمان وهم قوم محمد باتفاق لا قوم عيسى"
بداية صفحة رقم231
المتوفي بمعنى المستوفي أي الآخذ حقه من تمام أجله هو عيسى والله هو الموفى أي معطى ذلك التمام لكن هؤلاء المفسرين التبس عليهم التوفي بمعنى الأخذ المتعدي إلى مفعول واحد بالتوفية المتعدية إلى مفعولين كما في قوله تعالى" فوفاه حسابه "ومر ماهم في هذا التفسير دفع المنافاة التيربما يتوهمها متوهم كالشيخ كاتب المقالات بين قوله " متوفيك " وبين قوله " و رافعك إلي "فهم لا يشتركون مع الشيخ الكاتب في حمل التوفي على معنى الإماتة و لاسيما في إنكار رفع عيسى حيا وهو لا يتابعهم في مذهبهم الحق و إنما يتابعهم في خطئهم اللغوي لا لكون هذا الخطأ ينفعه في مذهبه الشاذ بل يضره وإنما لكونه خطأ يتفق مع عادته في الركون إلى الأخطاء و الأغلاط انظر قوله في مقالة الرد الأولى"الرسالة"عدد 514 ص 363 "إن كل ما تفيده الآيات الواردة في هذا الشأن هو وعد الله عيسى بأنه متوفيه أجله ورافعه إليه"فقوله"وعد الله عيسى بأنه متوفيه أجله"عين قول المفسرين"مستوفي أجلك و مؤخرك إلى أجلك المسمى"بكل مافيه من خطأ في اللفظ وإصابة في المعنى والمرمى وهو كون الله لم يرد بقوله تعالى لعيسى " إني متوفيك "أنه مميته فأخذ كاتب المقالة من قولهم ما أخطأوا وترك منه ما أصابوا أي أخذ اللفظ وترك المعنى وهو خطأ آخر من الشيخ الكاتب حيث لا تمكن متابعة أحد في لفظه دون معناه ول تبعهم في المعنى أيضا لكان على مذهبهم في رفع عيسى دون إمانته لكن الشيخ صرح في مقالته السابقة"للقول الفصل"المنتقدة فيه"الرسالة 462 ص515"بأن التوفي بمعنى الإمانة وبنى مذهبه في إنكار رفع عيسى على هذا المعنى فهل هو حين قال في خلاصة البحث من تلك المقالة وعندما كرر تلك الخلاصة في مقالة الرد على"القول الفصل":"إن كل ما تفيده الآيات الواردة في هذا الشأن هو وعد الله عيسى بأنه متوفيه أجله"يرجع عن مذهبه إلى مذهب المفسرين فيحمل التوفي في "متوفيك"على غير معنى الإمانة؟إذ لامعنى لوعد الله عيسى بإماتة أجله
فالحق ان الشيخ لم يكن واعيا لما قاله فيما نقله عنه آنفا وهو نقله عن مقالته المنشورة
بداية صفحةرقم232
في السنة الماضية قبل نشر"القول الفصل"ولم نكن يومئذ واقفين عليه وقفة الناقد فلما كرره بعد سنة في مقالة الرد علينا ولم يوقظه تنبيه"القول الفصل"على ما في تفسير المفسرين لقوله تعالى" متوفيك "بمستوفي أجلك من الخطأ في الملفوظ مع الإصابة في المقصود المخالف لمذهب الشيخ كاتب المقالة بل لما رأيناه كأن هذا التنبيه منا على خطأ المفسرين حثه على تقليد ذلك التفسير ممن لا يتفقون معه في المذهب ازددنا يقظة عل غفلة الرجل وإعجابه بأخطاء المخطئين ولو كانوا من خصوم مذهبه
الخامس أن الشيخ كاتب مقالات الرد على"القول الفصل"لايزال يردد دعواه في عدم وجود مستند في الكتاب والسنة لتكوين عقيدة يطمئن إليها القلب بأن عيسى رُفع بجسمه إلى السماء و أنه سينزل منها في آخر الزمان لأنه لا يأبهللسنة مبدئيا مهما كثرت نصوصها وتعاضدت أسانيدها فليس عنده حديث يفيد اليقين غير حديث"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"والكذب على النبي عليه السلام ينحصر عنده في إسناد ما لم يقله إليه ولايعم نفي ماقاله أو فعله عنه فلا خوف على نفاة الحديث والخوف كل الخوف عاى المثبتين وكل من روى عن النبي حديثا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم غير حديث"من كذب علي..الخ"يمكن دخوله تحت إنذار هذا الحديث مهما صح سند ذلك مالم يفد اليقين مثله فكأنه صلى الله عليه وسلم كم أفواه أمته بهذا الحديث من غيركم فيه نفسه أو مع كمه أيضا فالويل لرواة الحديث وجامعيه مثل البخلري ومسلم وأبي داووج وغيرهم من حفاظ السنة الملقين أنفسهم في خطر الكذب على النبي والتبوء بمقاعدهم من النار في مقابل توهم الخدمة للإسلام بضبط آلاف مؤلفة من الأحاديث لا يطمئن إليها القلب ولا تكفي لتكوين عقيدة ولابد لمن يقتر في تقدير السنة قدرها إلى هذا الحد ويكون تكذيب الأحاديث أسهل عليه من تصديقها غير مبال باحتمال الصدق القائم الغالب لا سيما فيما استصحه علماء الحديث-وهو كثير في أحاديث النزول-لابد لهذا المقتر لا أن لايخاف تكذيب الصادقين من الرواة
بداية صفحة رقم233
والجامعين فقط بل أن لايخاف تكذيب النبي عليه الصلاة والسلام أيضا
أما الآيات فطريق رفضها لمكذبي الأحاديث إرهاق معانيها باسم التأويل إلى أن تنطبق على أهوائهم وإن كان فيه تحريف الكلم عن مواضعه..فهذا قوله تعالى في سورة النساء"و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم و إن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن و ما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه"وهو قطعي الدلالة فير فع المسيح لايحتمل التأويل برفع روحه كما زعمه الخصم تقليدا لشيخه محمد عبده لأن كلمة"بل"بعد النفي أو النهي يجب أن يكون ما بعدها إثباتا لضد المنفي المتقدم أو أمرا بضد المنهي عنه كما هو مصرح به في كتب النحو مع أن رفع الروح لا يضاد القتل والصلب المنفيين قبل"بل"لإمكان اجتماعه معهما فحمل الرفع في"بل رفعه الله إليه الوارد لتأكيد نفي القتل والصلب بإثبات ما يضادهما على معنى رفع روحه يلغي النفي السابق وينزله منزلة الهزل
وقد لفت الخصم في "القول الفصل"إلى هذا المانع القطعي عن تأويله الرفه برفع الروح فإذا به يكتب مقالة الرد محافظا على تأويله وساكتا عن المانع الذي ضربته به ضربة الأصم-حيث لا يسمع الأنين فيبالغ في الضرب ليسمعه-وإذا بالمضروب في مسألتنا كان هو الأصم معنويا لا يدخل فيأذنه البرهان فيشتغل في مقالات الرد تارة بنجنيات علي بعيدة عن الصدد وتارة بنقل أقوال وآراء مختلفة في قيمة الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع من غير تمييز بين حق تلك الأقوال وباطلها وقويها وضعيفها وإنما لمجرد التشكيك في عقيدة رفع عيسى ونزوله الموروثة في الإسلام بالتشكيك في دلالة الآيات والأحاديث عليها والشيخ نعرفه أنه لا يتحرج من عدم الاعتداد بالأحاديث فها نحن نجابهه ونتحداه بآية الرفع المحكمة ماذا جوابه عليها وعلى مانعها عن تأويله منعا لايتخطى ولايغالب إلا بالتصام ومن العجب أن الشيخ كاتب مقالات الرد لايجيب عن دليلنا في آية النساء الممتنعة بنفسها وأسلوبها المعجز عن تأويل الرفع الوارد
بداية صفحة رقم234
فيها برفع الروح..لا يجيب عن دليلنا هذا الناصع والذي يزداد نصوعه في الظهور بعد أن أحلنا على تأويله بجرح حاسم...لايجيب عن دليلنا ثم لايمنعه التهيب أمام الكتاب والسنة من تراد القول بأنه ليس في الكتاب ولا في السنة المطهرة مستند يصلح لتكوين عقيدة يطمئن إليها القلب بأن عيسى رُفع بجسمه إلى السماء!!
إن الكتاب والسنة إن لم يدلا على رفع عيسى بجسمه إلى السماء فهل هما يدلان على رفع روحه كما ادعاه أو لا يدلان أي واحد من الرفعين؟لكن الكتاب فضلا عن السنة-أعني أحاديث النزول الكثيرة الصريحة الدالة على رفعه بجسمه بالاقتضاء- صريح في رفع عيسى غير مقيد بالجسم ولا بالروح بحيث يكون إنكار هذه الصراحة مكابرة وكفرا ويبقى النزاع في تحديد المسمى بعيسى هل هو الروح أو الجسم أو الروح مع الجسم ولا شبهة في تعين الأخير إذ لا شبهة في إثبات القرآن الرفع للذي نفى عنه القتل والصلب بعينه وليس ذلك هو الروح المجردة فإن كان لأي عاقل وجه معقول في أن يفهم من قولك مثلا:"يرفعني مصعد العمارة كل يوم إلى الدور الرابع منها الذي أسكنه"أن المرفوع إلى الدور المذكور والساكن فيه روحك فقط كان لمنكر رفع عيسى وجه في ادعاء أن المرفوع منه روحه لا نفسه وهذا في غاية الظهور إلا عند من لايكادون يفقهون حديثا مع أنا قد قضينا على ذلك الادعاء بمانع آخر استنبطناه من أسلوب النظم المعجز وذكرناه آنفا ومن قبل في "القول الفصل"وهو كون رفع روحه لايضاد ماقبل"بل"ومن قتله وصلبه فكأن الشيخ بتأويله في رفع عيسى يلغي رفعه ويعاكس القرآن فيما أثبت لعيسى وفيما نفى عنه فيقول الله"و ما قتلوه و ما صلبوه ...بل رفعه الله إليه "ويقول الشيخ:قتلوه والله رفع روحه إليه!!!ولا أظنني مفشيا سرا إذا قلت عن سائق الشيخ كاتب مقالات الرد على"القول الفصل"إلى هذه المغامرات:إنه لا يؤمن بالقرآن إيمانه باستحالة الخوارق فيدك القرآن دكا إذا رأى آياته تنطق بالمستحيل عنده وعند فئته..ثم إنه لايخاف القرآن خوفه من قراء مقالاته المؤمنين بالقرآن فيحاول تمشية مخالفاته لما لايعجبه من آياته
بداية صفحة رقم235
عن طريق التأويل لا عن طريق الإنكار ويحمل القرآن كل مالا يحتمله من سخافات هذا التأويل المترجم عن الإنكار
السادس كان الخصم المنكر لرفع عيسى عليه السلام في مقالتيه السابقة لنشر"القول الفصل"واللاحقة به الرادة عليه لايزال في تمشية شذوذه متمسكا بتأويل رفعه المنصوص عليه في كتاب الله برفع روحه بعد وفاته غير سامع لما قلنا في إبطال هذا التأويل كأن في أذنيه وقرا وقد ذكرناه وقضينا منه العجب في الرقم السابق
غير أننا سمعنا منه في مقالة الرد الثانية"الرسالة"عدد 516 نقمة أخرى تبشر بكنز جديد من التأويل وجده ولجأ إليه بعد أن اقتنع فيما بينه وبين نفسه بإفلاس كنزه الذي ورثه من الشيخ محمد عبده وهذا الكنز الجديد هو:قول للإمام الرازي في تفسير قوله تعالى مخاطبا أيضا لعيسى عليه السلام" و جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة "قول وجده في شدة من فقر الدليل وحرقة من حمى الهزيمة فعض عليه في مقال الرد الثانية بالنواجذ وهذا نص الرازي بعد قوله"المراد من هذه الفوقية الفوقيةُ بالحجج والبرهان":"و اعلم أن هذه الآية تدل على أن رفعه في قوله"و رافعك إلي "هو رفع الدرجة والمقبة لابالمكان والجهة كما أن الفوقية في هذه الآية ليست بالمكان بل بالدرجة"
وقبل مناقشة قول الإمام الرازي هذا الذي هو متمسك الخصم الجديد وكنزه العتيد نقول:من رآى هذا النقل قي مقالة الرد الثانية يظا أن الإمام الرازي منكر لرفع عيسى بجسمه إلى السماء كالشيخ كاتب المقالة نعم لاشك في حصول هذا الظن عند القارئ ولأجل ذلك أتى به صاحب مقالة الرد لكنا نرجوا القارئ أن لايتعجل حتى يقرأ هذا الإمام بنصه أيضا في تفسير قوله تعالى الذي قلنا عنه إنه دليل قطعي في رفع عيسى لا يحوم حوله أي تأويل"و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم و إن الذين أوتوا الكتاب لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن و ما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه ":"المسألة الثانية رفع عيسى عليه السلام إلى السماء
بداية صفحة رقم236
ثابت بهذه الآية ونظير هذه الآية قوله تعالى في آل عمران(إني متوفيك و رافعك إلي و مطهرك من الذين كفروا )..ثم قال تعالى ( و كان الله عزيزا حكيما )والمراد من العزة كمال القدرة ومن الحكمة كمال العلم فنبه بهذا على أن رفع عيسى من الدنيا إلى السماوات وإن كان كالمعتذر على البشر لكنه لاتعذر فيه بالنسبة إلى قدرتي وإلى حكمتي وهذا نظير قوله تعالى(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى )فإن الإسراء وإن كان متعذرا بالنسبة إلى قدرة محمد إلا أنه سهل بالنسبة إلى قدرة الحق سبحانه"
فهل في شرعة الإسلام أو في شرعة الأمانة والعدالة والإخلاص في البحث أن يُكتم قول الإمام هذا المفصل المدلل المسجل في محله الخاص ويعلن قوله الذي لايعادله في القوة والوضوح وهو في غير محله؟فكأن الإمام الرازي أ خفى هذا القول السخيف من الأنظار فلم يذكره في محله الذي هو تفسير آيتي الرفع أو آيتي النزول وفسر تلك الآيات لاسيما آية الرفع المحكمة كما فسره غيره من المفسرين معترفا بدلالتها على الرفع والنزول المعروفين عند المسلمين ومعتقدا لهما كما اعتقدوه فليس ذلك القول هفوة منه مخالفة لأقوال جميع العلماء بل لأقواله نفسه أيضا في محال القول كما ذكرنا لكن الخصم الشاذ المنكر لرفع عيسى ونزوله يتبع القول الشاذ طبعا ومن قال له إن الإمام الرازي لايخطئ أبدا لاسيما في قوله المناقض لأقزاله؟وعجيب جدا أن يكون جيش الأحاديث النبوية الواردة في نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان مع جيش رواتها من الصحابة ومن بعدهم وجميع العلماء المقتفين آثارهم المقيمين للسنة وزنها ومع آيات الرفع والنزول في القرآن وجيش مفسريها وفيهم الرازي أيضا-في جانب وقول آخر للرازي وجه الخصم في زاوية من تفسيره الكبير في جانب مقابل ثم تترجح كفة هذا القول عنده على جانب الجيش العرمرم!!
فضلا عن أن قول الرازي في تفسير قوله تعالى"و جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة "يكون المراد من رفع عيسى المذكور قبله في قوله "و رافعك
بداية صفحة رقم237
إلي "الرفع بالدرجة والمنقبة قياسا لهذا الرفع على فوقية متبعيه بالحجة والبرهان يلزمه أن يكون الذين يفوقهم عيسى بالدرجة والمنقبة هم الذين يفوقهم متبعوه بالحجة والبرهان أعني الذين كفروا إتماما لهذا القياس لكن هذه الفوقية ضئيلة جدا بالنسبة إلى مرتبة عيسى العظيمة وهذا مع أن كون فوقية متبعيه بالحجة والبرهان لا يستلزم كون المراد من رفع عيسى المذكور قبله بالدرجة والمنقبة ومع أن الأولى أن يحمل فوقية متبعيه أيضا على الفوقية الحسية الشبيهة بالفوقية المكانية فتكون الآية متضمنة لمعجزة الاخبار عن المستقبل الذي يستمر فيه غلبة المؤمنين بعيسى وهم المسلمون والمسيحيون على اليهود الكافرين به إلى يوم القيامة كما أن عيسى في السماء طول هذه المدة وتكون فوقية عيسى على هذا التقدير هي المقيس عليها دون فوقية متبعيه على عكس ما في التقدير الأول الذي لانراه جديرا بالأخذ لما ذكرنا ولكون التعبير في"و جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"لا تلتئم معه الالتئام بناء على أن فوقيتهم بالحجة والبرهان حاصلة مفروغ عنها غير محتاجة إلى جعل جديد مستمر
ثم إن الرازي لو أمعن النظر في قوله تعالى "و رافعك إلي "مقيدا بالجار والمجرور الخاص دون أن يقول"و رافعك "فقط لرجع عن قوله في قياس رفعه على فوقية متبعيه بالحجة والبرهان لأن متبعيه لم يُرفعوا إلى الله وإنما جُعلوا فوق الذين كفروا بل لو قام الرازي بتمشية قوله ذاك الشاذ مع الرفع المذكور في آية النساء المحكمة أعني قوله تعالى "و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم ..و ما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه "كما سعى في تمشية مع الرفع المذكور في آية آل عمران أعني قوله "و رافعك إلي "- و كان هذا من واجبه بل واجب تمشيته مع آيتي النزول و أحاديث النزول جميعا لأن الرازي لا يمكنه إنكار آية النساء و لا إنكار ما قاله هو نفسه في تفسيرها كما لا يمكنه إنكار أحاديث النزول-لتنبه لخطائه الفاحش فضلا عن أن يصر على الخطأ بعد التنبيه كما فعله من تمسك بقوله حيث يكون المعنى حينئذ و ما قتلوه و ما صلبوه بل رفع الله درجته ومنقبته ولا شك في أن تذبيل نفي القتل والصلب بالجملة المصدرة (كلمة مش واضحة) وقع
بداية صفحة رقم 238
لتأكيد نفيهما بإثبات ما ينافيهما ثم لا شك في أن رفع الدرجة والمنقبة لا ينافي وقوع القتل فقد يكون أعداؤه قتلوه وصلبوه ويكون الله قد رفع درجته و منقبته بل رفُعُ الدرجة والمنقبة بالشهادة يأتلف مع القتل والصلب أكثر منه مع عدم القتل والصلب حتى إن النصارى بنوا العلالي والقصور على هذا القتل والصلب اللذين قالوا بوقوعهما فلا يكون تذبيل نفيهما في القرآن بإثبات رفعه مؤديا لما سبق له على تقدير تفسيره برفع الدرجة والمنقبة أي لا يكون الله تسنى له في هذه الآية ما أراد تفهميه من المعنى وحاشاه ثم حاشاه وقد علم القارئ مما ذكرنا في "القول الفصل "وفي هذا الذيل أن تأويل الرفع برفع الروح تكلف زائد على صراحة النص و كذا تفسيره برفع الدرجة و مثل هذه التكلفات إنما ترتكب لضرورة تدعو إليها وتنفع في إصلاح المعنى لا لحاجة في نفس المتكلف يقضيها بها وهي تفسد المعنى بدلا من إصلاحه
ونحن نرى فضيلة الشيخ المولع بالقول الشاذ المضطرب يحاول عبثا في مقالة الرد الثانية إيجاد المنافاة بين قتل عيسى ورفع درجته – بعد أن تعلم منا لزوم المنافاة بين طرفي"بل"الواقعة بعد الجملة المنفية-قائلا : "إن المنافاة متحققة لأن الغرض من الرفع رفع المكانة والدرجة بالحيلولة بينه وبين الإيقاع به كما كانوا يريدون والمعنى أن الله عصمه منهم فلم يمكنهم من قتله بل أحبط مكرهم و أنقذه وتوفاه لأجله فرفع بذلك مكانته"فنحن نرى هذا القول الطويل في تفسير "بل رفعه الله إليه "مليئا بالزيادات على النص الذي هو الرفع إليه فقط بل بالزيادات على رفع الدرجة الذي هو نفسه أيضا زيادة على النص والمقصود من الزيادة على الزيادة بيان وقوع الحيلولة بينه وبين قتله ليتحقق به المنافاة بين ما قبل "بل" وما بعدها ونحن نقول : من أين لصاحب الزيادة أن يفهم وقوع الحيلولة بينه وبين قتله من رفع درجته وقد قلنا إن رفع الدرجة يلائم القتل و الصلب بدلا من أن ينافيهما فهو يسعى من عند نفسه لأن يضمن رفع الدرجة معنى لا يُفهم منه وقد كانت الحيلولة وصورة الحيلولة مفهومتين من النص وهو " بل رفعه الله إليه " قبل تفسيره برفع الدرجة وقبل إضافة الجمل الطويلة إلى هذا التفسير من بطن
بداية صفحة رقم 239
المفسر القائلة"بكون الله عصمه منهم فلم يمكنهم من قتله وانقذه من مكرهم وتوفاه لأجله فرفع بذلك مكانته"
ثم ماذا تقولون أيها القراء إن لم يف هذا التفسير وتلك الجمل الطويلة المضافة إليه من غير حق بحاجة"بل"فيما بعدها إلى الشئ الذي ينافي القتل والصلب ويكون أساسا لنفيهما فيما قبلها لعدم احتوائها رغم طولها لذلك الشئ فلم يتم الكلام بتلك الجمل الطويلة ولم يصح السكوت عليها لخلوها عن ذكر كيفية عصمته من شر أعدائه وهي التي يتجلى بذكرها ما تحتاج إليه –"بل"من المنافاة بين ما قبلها وما بعدها مع مافي تلك الجمل من قوله"و توفاه لأجله"الذي يرجع به المفسر الشاذ من حيث لا يشعر إلى مذهب المفسرين القائلين برفع عيسى حيا إلى السماء كما أوضحناه في الرقم"4"فيما له من سعي زائد لم يأت الساعي بفائدة مطلوبة بل أبعده عنها ودل على أن تفسيره الآية بما فسرها أحق باسم التغيير والسبب في ذلك أن ما يتطلبه "بل"فيما بعدها من الرفع الذي ينافي القتل والصلب ويحول بين المرفوع وبين الإيقاع به من أعدائه الماكرين والذي به يتماسك به ما بعد "بل"مع ما قبلها هو رفع مكانه من الأرض إلى السماء لارفع مكانته ودرجته كما أنه هو المفهوم من قوله تعالى"بل رفعه الله إليه "من غير حاجة إلى تفسيره برفع درجته ثم تفسير هذا التفسير بما لاينفع في استكمال المعنى وربما يضره فالآية بمجردها عن زيادات هذا المفسر المتخبط صريحة فيما سيقت له من تأكيد نفي القتل والصلب بإثبات ماينافيهما ومحكمة لاتقبل التأويل ولو كتب الشيخ في تأويلها ألف مقالة ووقفت"الرسالة"صفحاتها على مقالاته وكلما زاد في مقالات التأويل وقع في خطأ جديد فقد كان في مقالة الرد الأولى مصرا على تأويل رفعه برفع روحه معترفا بالرفع المكاني لا لعيسى بل لروحه وكان هذا زيادة على النص من جانب المؤول وفضلا عن الزيادة مفسدة لمعنى الآية لإمكان اجتماع رفع الروح مع القتل والصلب المطلوب نفيهما وتأكيد نفيهما بإثبات ما ينافيهما ولم يكن لينفع الشيخ تنبيهنا في "القول الفصل"على فساد هذا التأويل و إفساده لمعنى
بداية صفحة رقم 240
الآية حتى كتب مقالة رده الأولى مصرا عليه ولكن لا أدري ماذا حصل له بين مقالته وبين المقالة الثانية التي أتبعها؟أأنصف في نفسه و أخذ يرى بطلان تأويله الذي تمسك به مصرا عليه أم غره قول الإمام الرازي الذي وجده ككنز مختف في حقائر تفسيره الكبير فأضله ضلالا جديدا وعلى كل حال فهو مفضله في مقالته الثانية على ضلالته القديم معرضا عن التأويل برفع الروح وملتجئا في هذه المرة إلى التأويل برفع الدرجة والمرتبة المعنوية مع أنه مثل أخيه في إفساد معنى الآية-كما علمت تفصيله-وإنما بقى له تكلف التأويل في المرتين والتكلف في المرة الثانية أكثر مع مالزمه فيها من تغييره لدعواه الأولى في التأويل-وتغيير الدعوى يعد إفحاما عند العارفين بقانون المناظرة-أو على الأقل من تغيير الدليل الذي هو قريب من تغيير الدعوى في الإفحام
وإني أوصي الشيخ كاتب مقالات الرد بالانتهاء عن الاستمرار في معاندة الحق فلن ينجيه أي تأويل أو تحريف عن مخلب هذه الآية الناطقة بما تنطق به في النفي والإثبات الواقعيين على جانبي"بل"فهي دليل قطعي الثبوت والدلالة على عقيدة المسلمين في رفع عيسى عليه السلام إلى السماء كما اعترف به حتى من تمسك الشيخ بقوله للمحافظة على عناده أعني الإمام الرازي القائل أن رفع عيسى إلى السماء ثابت بهذه الآية ولئلا يبقى المجال للشيخ في تمسكه بالتأويل المأخوذ من قول الإمام في غير محله إلى أن يظفر بقول آخر من علماء التفسير يفتح له بابا لتأويل جديد ويعوقه عن الاعتراف بالحق فكرتُ في طريق الفصل بيني وبين الشيخ الذي لم يكفه"القول الفصل"حين كفى غيره وحسدني الشيخ عليه فرأيت أن أستفتي علماء الدين واللغة والأدب بمصر وجميع من يُحتكم إليهم لقطع النزاع في تمييز الكلام البليغ من غيره بل وفي تمييز الكلام الدال على معنى مفهوم ومعقول من الكلام الشبيه باللغو والهذيان ..أستفتى جميع هؤلاء العلماء والفضلاء ولا أعتقد أن قول الشيخ كاتب مقالات الرد في مقالته الأخيرة "الرسالة"عدد 519 بعد أن نقل رأي فضيلة الشيخ المراغي في مسألة رفع عيسى عليه السلام"بأن قول الله سبحانه(إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك و رافعك

صفحة 241
إلى مطهرك من الذين كفروا ) الظاهر أنه توفاه و أماته ثم رفعه ,و الظاهر من الرفع بعد الوفاة أنه رفع درجات عند الله )) , (( و لعلنا بعد إظهار فتوى فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ المراغي نستريح من لفظ بعض العلماء الرسميين الذين عرف عنهم أن تمسكهم بالرأي و ما يزعمون أنه دين ليس إلا بمقدار جهلهم برأي فضيلته و هو شيخ الجامع الأزهر , فإذا ما عرفوا رأيه و هو شيخ الجامع الأزهر (1) خلعوا أنفسهم من ربقة رأيهم الأول و سارعوا إلى اعتناق رأيه بل تسابقوا في توجيهه و تأييده )) ... لا أعتقد أن قول الشيخ كاتب المقالات هذا أو قول فضيلة الشيخ المراغي ذاك بكم أفواه علماء الأزهر أو يرفع المان عن آرائهم و ينزلهم منزلة ظلال لا استقلال لوجودها , و إنما أعتبر هذا الإقرار من الشيخ كاتب المقالات حجة قاصرة على نفسه تنزع كل قيمة عن رأيه في مسألة رفع عيسى و تجعله رأي مقلد لصاحب المقام الذي ليس هو أيضا إلا مقلدا لشيخه محمد عبده . فلا يخرج الأمر في المسألة التي يدعون أنها خلافية , إلى ما وراء شيوخ الشذوذ بمصر المعروفين الآخذين بعضهم من بعض و الذين انتقدتهم أجمعين في (( القول الفصل )) .. و قد عرفت أن الشيخ محمد عبده الذي هو قدوتهم بنى رأيه في المسألة على ظن أن التوفي في (( متوفيك )) ظاهر في معنى الأمانة كما بنى فضيلة الشيخ المراغي رأيه في فتواه على ظن شيخيه هذا (2) و عرفت أنه لا عذر لأحد في البقاء
هامش صفحة 241
لعل الشيخ كاتب مقالات الرد يريد تهديد العلماء الرسميين يعني الأزهريين بتكرار هذا العنوان لفضيلة الشيخ المراغي .
و هنا شيء آخر في غاية الدقة و الأهمية لم يفهمه الأستاذ الأكبر القائل بان الظاهر من الرفع بعد الوفاة رفع الدرجات ولا الأستاذ الذي اتبعه : لأن دعوى الرفع بعد الوفاة ليست إلا قول الأستاذين نفسهما التابع بعضهما بعضا و ليس لها مبرر إلا ذكر قوله تعالى (( و رافعك إلي)) بعد قوله : ((إنا متوفيك)) لكن (متوفيك) ليست بمعنى (مماتك) بل ((آخذك)) تأليفا له مع قوله في سورة النساء (( و ما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه )) القطعي في الرفع الجسماني . فلو كان المراد من توفى المسيح المذكور في آل عمران إماتته و من رفعه المذكور بعده رفع درجته لما كان وجه لأن ==
(16 – موقف العقل – رابع )
نهاية الهامش
صفحة 242
على الظن بعد انتشار (( القول الفصل )) كائنا من كان الظان ...
أعود إلى ما كنت أريد أن أقول , فأستفتي جميع علماء الدين و اللغة و الأدب بمصر و أناشدهم ان يعلنوا الحق و يؤدوا الشهادة و العلم و الأدب و الذوق السليم : هل يجوز أن يكون حاصل معنى النفي و الإثبات في قوله تعالى : (( و ما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه )) ما قتلوه بل رفع الله درجته إليه ؟ و ما معنى هذا ؟ فهل رفعت درجته إلى معنى الألوهية ؟ و كنا نفهم من رفعه إليه قبل تفسيره برفع الدرجة , رفعه إلى محل ملائكته المقربين و هو في السماء , فكأنه قيل : (( بل رفعه الله إلى سمائه )) بتقدير مضاف , مع أن هذا التقدير أيضا لا يمشي مع تفسير الرفع برفع الدرجة , فلا يقال رفع الله درجته إلى سمائه اللهم إلا إذا كان مخالفونا بهذا التفسير رجعوا إلى مذهبنا . و فضلا عن هذا الذي أسفر عن عدم التئام تفسيرهم الرفع بما في جملة الرفع من ذكر المرفوع إليه , هل يمكن أن يكون في رفع درجته و منقبته تأكيد لعدم وقوع القتل و الصلب و توضيحه بوقوع مالا يجتمع معهما؟ و بعبارة أخرى : هل يمكن أن يكون الله سبحانه و تعالى أفاد وقوع الحيلولة بين عيسى و بين ما حاول أعداؤه من قتله وصلبه لو أتى في صراحة من القول بما أتى به مخالفونا في تفسير الآية فقال (( و ما قتلوه و ما صلبوه بل رفع الله درجته )) و هل في رفع درجته ضمان كاف لعدم وقوع القتل و الصلب ؟ فإذا لم يكن عندكم ذلك الضمان في هذا البيان
هامش صفحة 242
== يتأخر هذا الرفع أعني رفع الدرجة إلى ما بعد موته و لا يحصل في حين إنقاذه من أيدي أعدائه الذي تصور فيه الأستاذ التابع رفع درجته و سبق الكلام عليه . فهذه دقيقة مهمة جدا رغم كونها لم يأذن الله بأن يتنبه لها الأستاذان جزاء منها على تلاعبهما بآيات كتابه . أما رفع الدرجة لأحد بعد موته فإنما يتصوره إذا مات موتا غير عادي كأن يقتله أعداء الدين فأصبح شهيدا , لكن الأستاذ التابع اختار كون موت المسيح حتف أنفه بعد إنقاذه من القتل و الصلب و ليس في هذا الموت ما يكون سببا لرفع الدرجة . و قد عرفت مما ذكرنا في (( القول الفصل )) أن الجمل الثلاث المذكورة في قوله تعالى (( إني متوفيك و رافعك إلي و مطهرك من الذين كفروا )) بيان لحالة واحدة هي كيفية إنقاذه من أعدائه , بأخذه و رفعه إلى السماء و إبعاده بهذه الصورة من محيط الكفار , و معلوم أن الواو لا يدل على الترتيب الزماني .
نهاية الهامش
صفحة 243
كما لم يكن عندي، فخذوا هذا القول من الشيخ المعاند وخذوا الشيخ بهذا القول وسجلوه عليه لئلا يتحرك!
كانت في تأويل رفع عيسى بروحه توجد على الأقل أو بالأصح على الأكثر،قيمة هزلية لمعنى الآية_إن جاز أن يكون في كتاب الله هزل_ لدلالتها على الاعتراف بالقتل والصلب في صورة إنكارهما ،وإن كان ذلك خلاف ما سيقت له الآيه_وبه يحصل الهزل،لكن التأويل الذي اختاره الشيخ كاتب مقالات الرد أخيرا ولجأ إليه وهو رفعه بالدرجة والمنقبة يقضي على معنى الآية بالمرة ويجعلها من سقط الكلام الذي لا يتماسك أوله مع آخره كقولك مثلا ما جاءني زيد في هذا اليوم بل استيقظ من نومه مبكراً..قولو بربكم هل يوجد فرق بين هذا الكلام وبين أن يقال ما قتلو عيسى بل رفع الله درجته ومنقبته؟ وهل لو قتلوه لم يرفه الله درجته أو لو قتلوة لم يرفع روحه إليه ؟ أفي هذه الأقوال معنى محصل يصعد بقائلة إلى مرتبة الواعين لما يقولون ،فضلا عن أن يكون القائل متكلما بكلام بليغ متوسط المرتبة في البلاغة،فضلا عن الكلام المعجز؟
فليعلم الشيخ الساعي لهدم عقيدة المسلمين في رفع عيسى وزوله اتباعا لهوى شيخيه وشذوذهما ،أن لا مندوحة ولا مناص يفسح له ويسمح بالخلاص عن التسليم بأن آيه النساء هذه قطيعة في رفعه عليه السلام رفعا ينافي قتله ولا يجتمع معه ،وما هو برفع أو رفع درجته،ليكون نظم القرآن محتفظاً ببلاغته وإعجازه ولا يتنزل إلى دركة القول الهذر كما أن أحاديث نزوله في آخر الزمان المتواترة بجملتها قطعية في النزول والرفع معاً،والآيات الأخرى بعضها ظاهرة في الرفع وبعضها ظاهرة في النزول ،وفي مجموع هذه الأدلة كفاية بالغة لتكوين عقيدة دينية يظمئن إليها القلب في رفعه إلى السماء أولا ثم نزوله لما جاء أوانه،إلا قلب من يشك في قدرة الله على هذا الرفع والإنزال . فإن لم يحكم بنقص في دين المنكر المستهتر استخفافا بالأحاديث المتواترة في جملتها وتلاعبا بالآيه القطعية الدلالة إلى أن يخليها من معقول المعنى ،فلابد أن يحكم بنقص في
صفحة رقم 244:
تفكيره لا يصح معه أن يتولى منصب الإفتاء في عقائد الناس.وكيف يكون تام التفكير من لا يفتأ يدعى المنافاة بين قتل عيسى وبين رفع روحه إلى الله أو رفع درجته عنده ولا يفهم أبداً أن كلا من هذين الرفعين قابل للأجتماع مع قتله ،فلا مانع إذن أن يكون القرآن على زعم هذا الشيخ في تأويل رفعه برفع الروح أو برفع الدرجة ،مقرا بقتل عيسى وصلبه معوضا له عليها برفع درجته عند الله كما ورد في آيه أخر(( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أحياء امواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون)) هذا وإن كنت قلت في ((القول الفصل)) إن الشيخ ليس على مذهب النصارى القائلين بقتل عيسى وصلبه.
السابع ،إني أسأل الذين لم يتركوا بابا من أبواب التأويل المسدودة على وجوههم إلا طرقوه لئلا يعترفوا بالحق الظاهر من آيات رفع عيسى الذي هو رفعه نفسه إلى السماء لا رفع روحه فقط أو رفع درجته ومقبته ، لا سيما آية الرفع الوارد في جملة مصدرة بل يعد نفي قتله وصلبه مؤيدة لذلك النفي ..أسألهم بعد قصم ظهورهم بهذه الآية:ماذا فهموا من قوله تعالى (( ومطهرك من الذين كفروا )) الذي بلى قوله ((إني متوفيك ورافعك إلي)) وهو آيه الرفع الثانية التي لا تتراءى في بادئ النظر مستعصية على التأويل بفضل قوله ((متوفيك)) أو بالأصح بفضل خطئهم في تفسيره استعصاء الآية الأولى ؟أسألهم وأسأل الذين احتكمت إليهم في الرقم السابق :هل يفهمون معنى معقولا من تطهير عيسى من الذين كفروا إن لم يكن رفعه بجسمه إلى السماء بل رفع روحه بعد توفيه أو رفع درجته ؟ وكان المؤولون بأحدهما –إصرارا على إنكار رفعه المنصوص عليه في الآيتين _قالوا إن الرفع المذكور في هذه الآية بعد التوفي يقتضي ذلك ، وماذا يقولون إذن في تطهيره من الذين كفروا المذكور بعد الرفع المذكور بعد التوفى ، هل يبقى معنى حي معتهد به لهذا التطهير إن لك يكن الرفع جسمانيا كما هو الظاهر ؟ فهم ،لا يهتمون من الجمل الثلاث الواردة في هذه الآية أعنى (( إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا )) إلا بالجملة الأولى فيعلمونها ويهملون الثانية .
صفحة رقم 245:
والثالثة, فكانهم يميتونها كما أماتوا عيسى, ونحن لا نهمل أيا من الجمل الثلاث ونبقى كل منا على ظاهره، والتطهير من الذين كفروا على ظاهره والتفى أيضا على ظاهره لكن لا بمعنى الإماتة كما زعموا وحطمّوا عليه ما عداه من النصوص، بل بمعنى آخر ثابت في اللغة كما ثبت معنى الإماتة أو أكثر ثبوتاً منها وهو الأخذ والقبض، والقرينة على تعين هذا المعنى في الآية الرفع المذكور بعده والتطهير المذكور بعد الرفع وآية الرفع في سورة النساء التي تستعصي على المتلاعبين بتأويل رفعه قصداّ لإنكاره، فمعنى الآية إني آخذك ورافعك إلي وطهرك من الذين كفروا بإبعادك عن العالم السفلس المتوسخ بالكفرة الفجرة، فالرفع المذكور في هذه الآية أيضاّ يلزم أن يحمل على ظاهره لأن في قوله ومطهرك من الذين كفرا اقتضاءّ لهذا الحمل وتأييداّ للظاهر من غير أن يكون هنالك مانع عنه في ((متوفيك)) كما عرفته. أما الشيخ كاتب مقالات الرد فقد غشي بصره غيم هواه في إنكار رفع عيسى عن طريق التأويل والتلاعب بالتأويل، فلم يبصر قوله تعالى ((ومطهرك من الذين كفروا))بعين الدقة، بل لم بيصر قول الإمام الرازي كان سنده في أحد تلاعباته بتأويل آية النساء المحكمة.
الثامن، أن عقيدة المسلمسن في رفع عيسى عليه السلام ونزوله إن لم يكن لها مستند من الكتاب والسنة المطهرة كما ادعاه الشيخ كاتب مقالة الفتوى ومقالات الرد على ((القول الفصل)) لزم أن يكون أساس هذه العقيدة أسطورة من الأساطير، فمن هو إذن مختلق هذه الأسطورة في الإسلام؟ فإن قلنا اختلقها بعض علماء الدين الكاذبين أو الغافلين، فالعلماء كلهم من عهد الصحابة بل المسلمون كلهم إلى حدوث الديانية في الهند وظهور الشيخ محمد عبده بمصر يعتقدون رفع عيسى ونزوله، فليس في استطاعة الشيخ كاتب المقالات في ((الرسالة)) أن يرى أحدا من المتكلمين والمحدثين والفقهاء والمفسرين
صفحة رقم 246:
يفكر رفع عيسى ونزوله، حتى الإمام الرازي الذي تمسك الشيخ الكاتب في مقالة الرد الثانية بقول نقله عن تفسيره في غير محله كما يتمسك الفريق بكل حشيش، وقد عرقت قول هذا الإمام في محله مما نقله عنه بنصه..فقد يكون المفسرون مختلفين في تفسير آيات الرفع وآيات النزول ويكون لبعضهم قول مرجوح في تفسير بعض تلك الآيات مخالف لأقوال الآخرين، ولكن لاجرم أن كلهم متفقون في أساس عقيدة رفع عيسى ونزوله. ولعل هذا الإجماع منهم مبني على تواتر الأحاديث في نزوله المقتضي أيضا للرفع السابق عليه، إن لم يكن إجماعهم على الرفع مبنيا على قوله تعالى ((وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه)) المحكم في دلالته.
وهذه النقطة من موضوع رفع عيسى ونزوله وأعني بها مسألة تلقي الخلاف الواقع بين العلماء في تفسير الآيات الواردة بشأنه عليه السلام، يحتاج غلى وقفة اهتمام منا بأمرها تجلية للحقيقة وتبديداً لغيم المغالطة المحشود حولها لقصد التشويش على الأذهان، فقد ساق الشيخ في مقالة الرد الثالثة ما حلا له من أقوال المفسرين في آيتي النزول اللذين يصرفونهما إلى معان لا تتعلق بحادثة النزول ويفضلونها على المعاني المتعلقة بها إزاء ما لا يحلو له من أقوال الآخرين، وأراد من هذه السياقة إحداث ظن بل يقين في أذهان القارئين غير الأيقاظ بأن هؤلاء المفسرين لا يقتنعون بنزول عيسى في آخر الزمان كما لا يقتنع الشيخ، استغلالا لأقوالهم في تأييد الشاذ وانحرافاً عن محجة النصيحة والإخلاص في نقل الأقوال، فقد يظن من قرأ المقالة واطلع على أن الإمامين النووي والزمخشري اللذين يخالفان الإمام ابن جرير القائل برجوع كلا الضميرين المجرورين في قوله ((وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن به قبل موته)) إلى عيسى والمرجّح لاحتمال كون الآية مشيرة غلى حادثة نزوله قبل موته، يختاران غير هذا المعنى رائيين في قراءة أب بن كعب ((ليؤمن به قبل موته)) مانعا عنه.. يظن من قرأ ذلك أن النووي والزمخشري لا يعترفان بوقوع حادثة النزول في آخر الزمان التي هي محل
صفحة 247
النزاع بينى و بين الشيخ كحادثة الرفع او على الاقل يشكان فيها كما يشك الشيخ و يشكك.. و ليس الامر كذلك قطعا ,لان حادثة نزوله مضمونة الثبوت عند جميع العلماء بالاحاديث المتواترة فى جملتها البالغة ستين حديثا برواية واحد و ثلاثين صحابيا و انما يخالف من يخالف فى حمل بعض الايات على الاشارة الى تلك الحادثة التى لا شبهةلاحد فى وقوعها ,كما ان حادثة رفعه مضمونة الثبوت باية النساء و احاديث النزول معا.و باقى الايات بعضها ظاهرة فى نزوله و بعضها فى رفعه,حتى ان الاية المذكورةانفا الواردة عقب اية النساء القطعية الدلالة على الرفع و هى قوله تعالى "و ان من اهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته" قريبة الظهور من القطعية فى الدلالة على النزول,و حتى ان قول ابن جرير فى ترجيح هذا الاحتمال المقابل الذى ذهب الى ترجيحه النووى و الزمخشرى بارجاع الضمير الثانى الى اهل الكتاب , غير معقول فى ذاته لكون ايمان اهل الكتاب جميعا بعيسى قبل موتهم خلاف الواقع و القائلون به يدعون وقوع هذا الايمان عند موتهم ,لكن نص القران قبل "موته" لا حين موته ,و ليس لهذا الاحتمال مرجح غير قراءة ابى لكنها قراءة شاذة لا تعد قرانا و لا يكون الاستناد اليها تاما,و لكون هذه الاية قريبة الظهور من القطعية فى الدلالة على نزول عيسى ترى فى نهاية بعض الروايات لاحاديث نزوله ,قول الراوى :اقراوا ان شئتم قوله تعالى"و ان من اهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته" و قد اعاده ابو هريرة ثلاث مرات.
فلا كلام لاحد ممن يسمع كلامه فى ثبوت نزوله عليه السلام باحاديثه الجرارة,بحيث يكون كلام الشيخ كاتب المقالات بشانها فى "الرسالة"ادنى من صوت جناح بعوضة و انكر,ومثله كلامه فى انكاره حتى غلبة الظن برفعه او نزوله من ايات الرفع و النزول الواردة فى كتاب الله ,و قد اوضحنا مبلغ بعض منها فى الدلالة القطعية.
فاذنا فرضنا ان عقيدة المسلمين فى رفع عيسى و نزوله لا تجد مستندا يكفيها من
صفحة 248
قول الله وقول رسوله و اقوال رواة قول الرسول من الصحابة و التابعين و ائمة الحديثو الاجتهاد و التفسير و لو بقدر ما وجده كاتب المقالات و كفاه من المستند على خلافه فى قول للامام الرازى مخالف لاقوال غيرهبل مناقض لاقواله نفسه ايضا (1)فعود و نقول :من اين تولدت هذه الاسطورة التى اعتقدها المسلمون ,و لا مصلحة لهم فى اختلاق منقبة لعيسى عليه السلام ترفعه الى السما ثم تنزله منها اذا جا اوانه منقبة ثانية ,و لا فى اختلاق ستين حديثا من لسان نبيهم مصدقا لها بواسطة ثلاثين رواة من الصحابة مسمين باسمائهم؟فان تلك العقيدة الشاملة اسطورة على الرغم من جموع الاحاديث و الايات المحتشدة حوها ,فالمعقول ان تكون الاسطورة فى نفس تلك الاحاديث و الايات لا فى اختلاق الاحاديث الدالة عليها و لا فى فهمها و استنباطها من الايات, و معنى هذا القول عدم كون الاحاديث المذكورة عند من لم يعتد بها,احاديث الرسول الناطق بالوحى ,سواء صحت نسبتها اليه او لم تصح ,و لا الايات التى استنبطوا منها تلك العقيدة كلام الله.
نعم ان الوضع الصحيح المعقول لهذه المسالة التي ينازعنا فيها الشيخ كاتب مقالات الرد ان تحلل على هذا الشكل الذى ذكرنا انفا مهما كان ثقيلا ,فالمعقول ان يكون المسلمون اخذوا هذه الأسطورة من الكتاب و السنة ,و ان يكون الكتاب و السنة اخذاها من المسيحية على منوال قول الاستاذ فريد وجدى عن العلم الحديث الغربى الذى دالت اليه الدولة فى الارض و امن به نوابغ الشرق الاسلامى :"انه نظر نظرة فى الاديان فراى اشتقاق بعضها على بعض و اتصال اساطيرها بعضها ببعض"و قد اوردت قول الاستاذ فريد هذا فى
هامش صفحة 284
(1) قد علمت قول الامام فى تفسير اية النساء :"ان رفعه الى السماء ثابت بهذه الاية " و لننقل هنا قوله فى تفسير اية الزخرف :"و انه لعلم للساعة ": " اى شرط من اشراطها فسمى الشرط الدال على الشىء علما لحصول العلم به و قرا ابن مسعود "لعلم و هو العلامة و قرا ابى "لذكر "و فى الحديث ان عيسى ينزل على ثنية فى الارض المقدسة يقال لها افيق و بيده حربة و بها يقتل الدجال فياتى بيت المقدس و الناس فى صلاة الصبح و الامام يؤم بهم فيتاخر الامام فيقدمه عيسى و يصلى خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه و سلم ثم يقتل الخنازير و يكسر الصليب و يخرب البيع و الكنائس "
نهاية الهامش
صفحة 249
اول "القول الفصل "و فى امكنة كثيرة من هذا الكتاب المشتمل على القول الفصل و ليس هذا القول منى فى مغزى شذاذ العلماء المصريين من اثارة الخلاف فى مسالة رفع عيسى و نزوله,مجرد سوء الظنفى فئة سيء الظن بالسنة ,او قياسا قاسيا من قول الاستاذ فريد وجدى عن العلم الحديث فقد نقل الشيخ بقلمهفى اخرى مقالات الرد علينا "الرسالة "519 عن الشيخ رشيد رضا (1)فى جوابه على سؤال ورد اليه من تونس فى مسالة عيسى :"ليس فى القران نص صريح فى ان عيسى رفع بجسده و روحه الى السماء (2) و ليس فيه نص صريح بانه ينزل من السماء انما هذه عقيدة النصارى , و قد حاولوا فى كل زمان منذ ظهور الاسلام بثها فى المسلمين "ثم تكلم عن الاحاديث و قال "ان هذه المسالة ( يعنى مسالة نزوله ) من المسائل الخلافية حتى بين المنقول عنهم رفع المسيح بروحه و جسده الى السماء"
فيفهم من هذا ان الاحاديث هى واسطة بث هذه العقيدة النصرانية فى المسلمين .و معنى الجملة الاخيرة من الشيخ رشيد ان احاديث النزول لا قيمة لها فى اثبات نزول عيسى ولو بقدر اثبات رفعه بالكتاب ,فثبت ما قلنا ان تلك الاحاديث ليست غير اساطير عند فئة الشذوذبثها النصارى فى كتب السنة للمسلمين و فيها صحيحا بخارى و مسلم و غيرهما و بالاصح بثها النصارى فى منابع تلك الكتب الاولية ,ثم يقال و من اين دخلت انباء رفعه و نزوله لا سيما انباء رفعه فى الكتاب التى لها قيمة دلالتها اكثر من قيمة احاديث نزوله ,مهما لم تكن هذه الدلالة قطعية عند الفئة ؟فلزم ان تكون ايات الكتاب ايضا اساطير من اثار بث النصارى ,على الرغم من ان فى اية النساء
هامش صفحة 249
(1)و بهذا الشيخ يتم عدد المشايخ الثلاثة الذين هم سلف الشيخ كاتب مقالات الرد و سنده فى اختيار مسلك التشكيك فى مسالة رفع عيسى و نزوله و الذين اليهم ينتهى كل شذوذ محدث فى الازمنة الاخيرة بمصر
(2) قد علمت مما ذكرنا فى الرقم (0)ان الشك فى هذا يرجع الى الشك فى كون عيسى مؤلفا من الروح و الجسد
نهاية الهامش
صفحة 250
تصحيحا لما يعتقده النصارى من قتل النسيح و صلبه و من هذا يعرف ان مرض الشذوذ فى هذه المسالة مداه اعمق مما يظهرونه من عدم الاعتماد على قوة دلالة الكتاب عليها او قوة ثبوت الاحاديث الواردة فيها ,و الشيخ كاتب مقالات الرد فى "الرسالة "اقل بكثير من ان يساور جبال الايات و الاحاديث و اعتمادات العلماء عليها ثبوتا و دلالة فيجعل عالى تلك الجبال سافلها الى ان لا يبقى فيها ما يكفى لغلبة الظن فضلا عن اليقين فقد رايتم كيف عجز عن زعزعة اية النساء وحدها اعنى قوله تعالى " و ما قتلوه يقينا بل رفعه الله اليه "قيد شعرة عن مكانها فى الدلالة
التاسع "و مع ما اشرنا اليه من عمق الشبهة المؤدية بالشيخ و من اخذ عنهم الى شذوذ الراىفى امر عيسى عليه السلام,فنحن لا نزال حائرين فى السبب الذى جراهم على نفى مستند فى الكتاب و السنة يصلح لتكوين عقيدة يطمئن اليها القلب بانه رفع بجسمه الى السماء و الشيخ ليس بغافل و لا جاهل لحد ان لا يرى مستندات الكتاب التى احصيناها الى هنا فضلا عن مستندات السنة لانه ان كان عيسى لا سيما عيسى الذى ما قتلوه و ما صلبوه مؤلفا من الجسم و الروح فلا بد ان يكون المرفوع بنص القران الناطق برفع عيسى هذا" المؤلف"و لا بد ان يتكون فى كل معتقد لصدق القران و كون عيسى مؤلفا من الروح و الجسد عقيدة كذلك يطمئن قلبه اليها ان عقائد المسلمين عامتهم و خاصتهم فى هذا الرفع فى نزول القران الى زمان الشيخ او زمان شيوخه الذين اخذ عنهم مبنية على الهواء لا مستند هذه العقيدة الاسلامية فهو ظاهر لكل من يقرا القران و يفهم لغته فانكار هذا المستند الصريح يؤول الى انكار كون القران كتابا صالحا للاستناد كمسانيد كتب الحديث. فان كانت احاديث نزول عيسى اختلقها رواتها المسلمون تقليدا للاسطورة النصرانية ,فمن اختلق ايات رفعه و دسها فى القران للتقليد نفسه ؟و مهما كنت غير محسن الظن بالشيخ فلا
صفحة 251
اظنه مستهترا لحد ان يقول بكون الاديان اساطير مشتقا بعضها من بعض كما قال الاستاذ فريد وجدى بك بان ذلك عقيدة نوابغ الشرق الاسلامى بعد اتصاله بالغرب كما كان رفع عيسى و نزوله عقيدة الملبين من النصارى و المسلمين.
لكن الحق الذى يلوح لى فى تقدير عقلية الشيخ تجاه هذه المسالة انه يدرك – بقدر ما ادركه انا – عدم كفاية ما اتى به من تزييف الاحاديث او تاويل الايات لهدم ما تاسس عند المسلمين من عقيدة رفع المسيح عليه السلام و نزوله ثم قلبها الى اسطورة نصرانية لولا ان يكون عنده ما يعتمد عليه فى عملية الهدم اعتمادا جديا غير التلاعب بتاويل النصوص البالغ حد التحريف و الاعتساف او التزييف الخارج عن الانصاف .لكن الشيخ يشتغل بهذه المظاهر الضعيفة الغير كافية لدك الجبال و يكتمالسبب الحقيقى فى عدم اعترافه بحادثتى الرفع و النزول فيسعى لنشدان مهرب فى لفظ القران يخلصه من تلك العقيدة الاسلامية متكلفا فى هذا السعى غاية التكلف و ساترا للمانع الحقيقى ناهيك من تكلفه بتبديل رفع عيسى المذكور فى القران و تحويله الى رفع روحه او درجته غير المذكورين فيه .فهذا الامر الظاهر يكفيه فى فهم تكلفه ان لم يفهم الموانع الموجودة فى اسلوب القران التى ارينا بعضها فى "القول الفصل "و بعضها فى هذا الذيل و كلها يمنعه عن استبدال ماهو غير مذكور فى القران مكان المذكور فيه ولو كان عند الشيخ من الصراحة و الشجاعة نصف ما عنده من الاقدام على معاندة الحق لابان عما يضمره تحت لسانه من السبب الحقيقى فى عدم اعترافه بعقيدة الرفع و النزول فاراح الناس من استغراب ما اختاره لنفسه فى النقاش من الموقف الحرج و استراح و ذلك السبب الحقيقى هو – كما اشرنا اليه فى " القول الفصل " – كون حادثة رفع عيسى الى السماء و نزوله منها من المستحيلات عند اهل الثقافة العصرية الذين لا يؤمنون بالمغيبات و الذين يسعى الشيخ كاتب مقالات الرد منذ انكاره الشيطان ليكون منهم (1) سواء
هامش صفحة 251
(1) فكانه لا يرى ما يدل عليه القران اذا خلى و طبعه و هو رفع عيسى الى السماء ثم نزوله=
نهاية الهامش
صفحة 252
اعترف به او لم يعترف جريا على نظام الدس و الاستبطان اللذين افشى عنهما الاستاذ فريد ايضا و اللذين لم ينته دورهما بعد فى الشرق الاسلامى لاسيما بالنسبة الى الشيوخ المعممين المستفيدين من الوظائف الدينية . فحقيقة الامر التى لا يبوح بها الشيخ ان مستنده فى انكار عقيدتنا الايات و الاحاديث القديمة التى لا يقيم لها العلم الحديث و علماؤه و زنا غير وزن الاساطير .كان هذا العلم قد قذف بالاديان جملة الى عالم الاساطير و كان الشرق الاسلامى على قول الاستاذ فريد وجدى بك لما راى دينه بعدتصاله بالغرب ماثلا فيها لم ينبس بكلمة لاه يرى الامر اكبر من ان يحاوله . و الشيخ كاتب المقالات يعرف كل هذا فان كان لا يعرفه فقد تعلمه من قول الاستاذ فريد المنشور فى "الاهرام " قبل سنوات .تعلمه و كون منه عقيدة لنفسه تسهل فى عينيه هدم عقائد المسلمين واحدة بعد واحدة مع ما تستند اليه هذه العقائد من الايات و الاحاديث .اما هدم العلم الحديث القاذف بالاديان جملة الى عالم الاساطير فالشيخ يراه اكبر من ان يحاوله كما قال الاستاذ فريد بالنسبة الى الشرق الاسلامى عامة .وويل للاسلام فى ايام محنته من علمائه الذين لا يخذلونه فحسب مع اهله و ذويه الخاذلين بل و يجهلون عليه ايضا مع اعدائه الجاهلين .
هامش صفحة 252
=منها من الممكنات عقلا فياوله بما يمكن بناء على ما تقرر عند علماء الاسلام من انه اذا تعارض العقل و النقل يؤول النقل . لكن رفع عيسى و نزوله و غيرهما من الخوارق قد حققنا فى "القول الفصل " انه من خوارق العادة لا من خوارق العقل فلا كلام فى امكانها العقلى بعد ثبوت وجود الله خالق الكائنات .و لعل الشيخ لا يعرف الامكان و الاستحالة بالضبط و لا عدم كون تحديدهما من اختصاص العلم الحديث المبنى على التجربة التى تضيق دائرتها عن دائرة العقل ,و لم يقرا ما كتبناه فى " القول الفصل " بهذا الصدد. فهذا المانع العلمى المزعوم مع حمى الضغينة الحاصلة من الانهزام امام "القول الفصل " و لدا الشيخ غير المطمئن عنادا اطمان اليه فهو رائده فيما كتبه و فينا سيكتبه فينزل عيسى المرفوع و لا ينزل الشيخ عن دعواه المبنية على العناد و من يضلل الله فماله من هاد
نهاية الهامش
صحة 253
العاشر ان لمسالة رفع عيسى و نزوله شكلين فى وضعها موضع البحث و النظر ,
الاول : وضعها لمعرفة اى القولين من اثباتهما له او نفيهما عنه صادق مطابق للواقع او على الاقل معرفة اى القولين احق بالترجيح و الاختيار على تقدير وقوع الاختلاف فى المسالة ؟
و الشكل الثانى : ان الرفع و النزول واقعان لا شك فيهما و ان انكارهما ضلال عن الحق و الصواب ,لكن التردد فى كون هذا الضلال كفرا او ما دون الكفر ؟فمسالة التكفير او عدم التكفير انما يتصور هكذا اى بعد تعين الامر الواقع بحصول غلبة الظن فيه على الاقل وو عند ذلك لا يجوز التردد فى اصل الحكم بوقوع الرفع و النزول او عدم وقوعهما كما فى الشكل الاول .
وكما ان الذى يهم طالب الاطلاع على الحقيقة الواقعة فى هذه المسالة هو الشكل الاول اعنى البت فى امر عيسى عليه السلام هل رفع الى السماء ام لم يرفع و هل ينزل منها فى اخر الزمان او لا يكون له نزول كما لم يسبق له رفع ؟.. كما ان المهم فى ذاته هو هذا الشكل فبالنظر الى نشر الفتوى فى مجلة " الرسالة " كان المهم المنتظر وضع المسالة موضع البحث على شكلها الاول ايا ما كانت صورة الاستفتاء ؟ اذ لا يهم القراء معرفة تكفير المنكر او عدم تكفيره بقدر ما يهمهم معرفة الواقع من امر عيسي . و كان هذا الشكل هو المقصود ايضا فى نظر الشيخ المفتى كاتب مقالات الرد على " القول الفصل " لكونه متضمنا لمذهبه الخاص فى المسالة و هو نفى حادثتى الرفع و النزول بالمرة , لا نفيهما الراجع الى نفى الكفر فقط للمنكر مع ترجيح صحة وقوع الحادثتين ترجيحا عاديا مبنيا على غلبة الظن بوقوعهما . و قد يكون المستفتى لم يحسن عرض المسالة على المفتى و مع هذا فمن المستبعد جدا ان يقصد المستفتى معرفة ما يترتب على انكار الرفع و النزول من الكفر او عدم الكفر لينكرهما ان لم يوجب الكفر و ليقربهما ان اوجب كائنا ما كان الواقع و ما كان الراى الراجح فى المسالة عند المفتى
صفحة 254
و قد خيل الى بعض الازهان ان الشيخ كاتب المقالات لا ينازعنا فى اصل المسالة فهو مقتنع برفع عيسى و نزوله كما اننا مقتنعون و انما ينكر كفرمن ينكرهما قائلا بعدم كفاية الادلة القائمة عليهما من الكتاب و السنة فى الحكم بكفره لعدم كون تلك الادلة قطعية مفيدة لليقين . و فى هذا التخييل – الذى صادفت بين قراء مقالات الشيخ ,من يدعيه تخفيف على الشيخ و تفسير لمذهبه فى مسالة رفع عيسى و نزوله بما لا يبعد كل البعد عن المذهب المتوارث فى الاسلام , بناء على ان اثبات الكفر للمنكر ليس فى السهولة بدرجة اثبات اصل المسالة الذى هو الرفع و النزول نفسهما ,لكن شيئا من هذا التفسير و ذاك التخييل لا يقوم على اساس من الصحة و انما غفلة من اولئك المحسنين الظن بالشيخ و امثاله تعود ناشرو الافكار الزائفة بين المسلمين ان يستفيدوا من مثلها فى ترويج اباطيلهم , بل الشيخ ينازعنا فى اصل المسالة قبل وصفها فينكر رفع عيسى و نزوله و ينكر بعد ذلك طبعا كفر من ينكر رفع عيسى و نزوله . وفى الحقيقة ان تكفير المنكر انما يتصور بعد الاعتراف بثبوت الحادثتين بادلتهما من الكتاب و السنة فاذا لم يقبل ثبوتهما كما ادعاه الخصم كان تكفير المنكر ساقطا بطبيعة الحال.
و انما قلنا ان الشيخ ينازعنا فى اصل المسالة وهو مقصوده من هذا النقاش فينكر رفع عيسى و نزوله بالمرة فهذا مذهبه الذى يسعى لترويجه فى فتواه و فى مقالاته التى يدعم بها الفتوى لا انه ينكر كفر المنكر فقط و يتفق معنا فى تصديق الرفع و النزول كما يتخيله الملتمسون له عذرا و اقترابا من المذهب المتوارث فى الاسلام . و الدليل على ما قلنا فى اصل مذهب الشيخ و مقصده من النقاش انه يعترض على ادلتنا من الكتاب و السنة فى اثبات الرفع و النزول ساعيا لنقضهما بالتاويل فى ادلة الكتاب و التزييف فى ادلة السنة و ادلتنا من الكتاب و السنة ليست ادلة اثبات الكفر لمن ينكر حادثتى الرفع و النزول بل ادلة اثبات الحادثتين نفسهما .ثم ان الاستفتاء – نظرا الى ما نقله الشيخ عنه فى صدر مقالته الاولى المنشورة قبل انتشار " القول الفصل "
صفحة 255
صريح فى السؤالين , الاول : "هل عيسى حى او ميت فى نظر القران الكريم و السنة المطهرة ؟ " و الثانى : " ما حكم المسلم الذى ينكر انه حى ؟" فالسؤال الاول المستفسر عن حياة عيسى سؤال عن صحة رفعه و نزوله التى سميناها اصل المسالة , و سمينا السؤال عنها الشكل الاول فى وضع المسالة موضع البحث .و كان جواب الشيخ فى فتواه على هذا السؤال كما هو مصرح به فى مقالته الاولى " الرسالة " عدد 412 و مكرر فى مقالته الثانية المنشورة بعد سنة ط الرسالة "عدد 514 – و هى مقالة الرد الاولى على " القول الفصل " :" ليس فى القران الكريم و لا فى السنة المطهرة مستند يصلح لتكوين عقيدة يطمئن اليها القلب بان عيسى رفع بجسمه الى السماء و انه سينزل منها اخر الزمان الى الارض "و الجواب ايضا صريح فى انه ليس فى الكتاب و لا فى السنة دليل يستند اليه و يعتمد عليه لاعتقاد ان عيسى عليه السلام رفع بجسمه الى السماء و انه سينزل منها, فان راى المعتقدون دليلا لما فى الكتاب و السنة فقلب الشيخ لا يطمئن اليه و لا يعتمد عليه (19 و اى شيىء يطلب فى تعيين مذهب الشيخ كاتب المقالات بعد هذا القول الصريح فى انكار رفع عيسى و نزوله ؟ فليقراه الغافلون المحققون عن مذهبه
هامش صفحة 255
(1) و ان شئت فضم الى هذا المصرح به فى مقالته الاولى من المقالات الخمس التى كتبها ردا " القول الفصل " قوله فى اخر مقالة الرد الثالثة "الرسالة عدد 517 ":"ليس فى القران الكريم ما يفيد بظاهرة غلبة الظن بنزول عيسى او رفعه فضلا عما يفيد القطع الذى يكفر منكره كما يزعمون "
و انا اقول : لا خوف من الكفر على مذهب الشيخ الفصيح الذى قطع به و اشاده بعنوان" التحقيق " من ان ما يجب الايمان به به يرجع الى الاصول التى اشتركت فيها الاديان السماوية باجمعها...لا خوف على احد من الكفر و لو انكر نصوص القران تفرد بها لعدم كون مسالة رفع عيسى و نزوله و لا تلك النصوص التى تفرد القران بها من الاصول التى اشتركت فيها الاديان السماوية باجمعها. و قد لفت مذهب الشيخ هذا الذى نستنكره , نظر صديقى العلامة الكبير مؤلف " نظرة عابرة"ايضا ,فسجله عليه تسجيلة غير عابرة
نهاية الهامش
256
الزاعمون انه لا ينكر عقيدة الرفع و النزول المتوازنة فى الاسلام و انما ينكر كفر المنكر .نعم ان هنا شيئا اوقع هؤلاء الخفقين عن مذهب الشيخ فى الغلط ,و هو انه ينفى الكفر عن المنكر فى جواب السؤال الثانى من الاستفتاء, و ذلك بعد نفى الرفع و النزول نفسيهما فى جواب السؤال الاول ... و كان بين المرحلتين للنفى المذكورتين فى الجوابين و اللتين احداهما انكار الرفع و النزول و عدم التصديق بوقوعهما و ثانيتهماانكار كفرالمنكر,مرحلة التصديق بوقوعهما مع الكف عن تكفير من ينكرهما اكتفاء بتضليله لم يذكرها الشيخ فى فتواه مع كونها الاجدر بالذكر ممن لا يقدم على تكفير المنكر ان كان يصدق بوقوع الحادثتين , بل تخطى من مرحلة انكارهما الى مرحلة عدم تكفير المنكر باذلا لهذه المرحلة عظم اهتمامه فى مقالاته فظن بسبب هذا الاهتمام من لم يستكملوا يقظتهم فى مطالعة المقالات المنشورة ان قلب الشيخ يطمئ الى المرحلة المتوسطة بين الطرفين رغم عدم تعرضه فى كلامه لهذه المرحلة بناء على عدم كونه موافقا لمذهبه الذى هو انكار الرفع و النزول بالمرة .و لم يحترز عن حصول هذا الظن فى الاذهان البسيطة بل رغب فيه مع كونه مخالفا لمذهبه فى شان عيسى ,تشويشا للامر على القارئين و تلبيسا للواقع بخلافه لانه خاف الانهزام فى ترويج مذهبه مباشرة المنكر للرفع و النزول فاراد ترويجه فى ضمن انكاره لتكفير من ينكرهما و اراد تصعيب الموقف على خصومه لانه يرى اثبات الحكم يكفر من ينكر الرفع و النزول اصعب من اثبات الرفع و النزول فاراد ترويجه فى ضمن انكار لتكفير من ينكرهما و اراد تصعيب الموقف على خصومه لانه يرى اثبات الحكم بكفر من ينكر الرفع و النزول اصعب من اثبات الرفع و النزول لا سيما فى نظر قوم عصريين يباح عندهم للكافر كفره و لا يجوز لاحد تكفيره فكانهم فهموا من قول الاوائل " لا ذنب اعظم من الكفر " اعظام التكفير و منعه ليمتنع معه الكفر . فالشيخ يستخدم الحيلة فى ترويج شذوذه الذى هو عدم الاعتراف بالرفع و النزول لعيسى عليه السلام فيضع تامينا عليه بتصويره فى صورة عدم الاعتراف بكفر من ينكرهما و يجعل محل النزاع فى بادىء النظر تكفير منكر الرفع و النزول لا صحة القول بهما نفسهما مع انه ينازعنا فيها كما اثبتناه بادلة صريحة من كلامه
صفحة 257
و انا الذي أعلم أن نزاع الشيخ معي في أصل وقوع الرفع و النزول قبل وصفه,ومع العلم بذلك أراه يجرني إلى موقف البحث في كفر منكر الرفع و النزول أو عدم كفره,بدلا من البحث في كونه محقا في الإنكار أو ضالا عن الحق و الصواب ,ويقصد بذلك تحريج الموقف علىَّ -ما كنت لأستصعب أن أجاريه في الموقف الذي يريد أن أقف فيه فأكفِّر منكر رفع عيسى و نزوله و أكفر أيضا من لا يكتفي بالكف عن تكفير المنكر بل يضيف إليه الكف عن تضليله و تخطئته تنزيلا للآيات و الأحاديث الواردة بشأنهما منزلة العدم.. لكن كتابي "القول الفصل" لم أحكم فيه على أحد بالكفر وإنما اتهمت أناسا بعدم الإيمان بالمعجزات بالمغيبات , ولم يكن ذلك تجنباً مني و ابتعادا عن الصراحة , بل لعدم الفائدة في إكفار أحد في هذا الزمان الذي لا أسهل على كثير من الناس فيه من أن يكفُر ثم يقول ما كفرت, على مثال ما وقع في حكايات الزمن القديم المستظرفة من قول رجل بليد:" كانوا يقولون لا يصلّي بغير وضوء فقد صليت أنا و ما ضر صلاتي شيئا". وماذا موقف الشيخ الذي لم يكفر في إنكار رفع عيسى و نزوله,لما انكر وجود الشيطان كائنا حيا عاقلا كما وصفه الله في عشرات من أيات كتابه فقال مثلا " يا أبليس ما منعك أن
لا تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال انا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم " إلى أن قال "لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين" وقال " إنه يراكم هو و قبيله من حيث لا ترونهم "و قال "كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه و ذريته أولياء من دوني و هم لكم عدو" و قال "كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين" ثم اعتذر الشيخ بما هو أقبح من ذنبه فقال " إن الله يجاري في آيات الشيطان عقيدة العرب الجاهليين" فإذا ضاقت عليه الحيلة في تأويل الآيات و الأستخفاف بالأحاديث الواردة في رفع عيسى و نزوله,
صفحة 258
من ردودنا القاضية عليهما فسيقول إن الله و رسوله يجاريات في تلك الآيات و الأحاديث الأساطير النصرانية ,فإن كفر الشيخ في شئ من هذا و لم يعترف بأنه كفر فماذا يحصل من تكفيره؟.
ولا نريد من الحكم بالكفر على أحد إلا مقابلة ما كان سببا لذلك من قول أو فعل ,بمنتهى التقبيح و تحذير المسلمين من مثل تلك المخاطرة بأنفسهم لئلا يستحقوا نار جهنم الخالدة . هذا إذا كان المخاطر من عامة الناس المحتاجين إلى التنبيه و الإرشاد ,وأما إن كان من خاصتهم المشتغلين بالنشر و التأليف فالمقصود من تكفيره تحذير المسلمين من أن يأتمنوه في دينهم و يعوَّلوا على آرائه فيه,وإن شئت فقل إن المقصود تعريفهم به على أنه من مستبطني الإلحاد في الشرق الإسلامي الذين أشار الأستاذ فريد وجدي بك في إحدى مقالاته القديمة إليهم و إلى أنهم مشتغلون بتهيئة الأذهان لقبول ما استبطنوه ودسا في مقالاتهم و قصائدهم.
و الذين يتسامحون في مسائل الكفر و يلومون من يحذَّر الناس من الوقوع في الكفر من دون لوم الواقع ,فهذا التسامح في غير محله يكون تشجيعا للكافر على كفره و استخفافا بعذاب الله المترتب عليه .ولايغرن المسلمين ظهور المتسامح في مظهر الرحيم للخلق و إظهاره المحذرَ في مظهر القاسي المشدد,لأنه إذا كان قول المشدد أكثر موافقة لما هو المفهوم من قول الله و رسوله فلابد أن يكون المتسامح الذي لم يتخذ عند الله عهدا, فضوليا في رحمته للذين قال الله عنهم "فما أصبرهم على النار" ولاسيما فضوليا في رحمته المترجمه عن رحمة الله التي هي غير تابعة لرحمة من لا يعنيه الكفر و الإيمان,بمعنى أنه لا يغضبه الأول و لا يسره الثاني ,لأن منشأ هذا التسامح عدم أهمية أن يكون دين البلاد -و فيه دين المتسامح - عرضه للخطر عنده من كفر الكافر و اقتفاء غيره بأثره. أما عدم اعتراف المتسامح بهذا الخطر فمن قلة اهتمامه و عنايته بأمر الدين , فلو كان مثل هذا الخطر متوجها إلى ما هو عزيز عنده كماله و منصبه لأقلقه أدنى شبهة تُوقعه
صفحة 259
فيه وأرَّقه أضعف احتمال وقوعه, والله تعالى يقول " قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم و إخوانكم و أزواجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب إليكم من الله و رسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره”.
وما رأيته في بعض المجلات نقلا عن قول من كان يقول أنا مسلم على مذهب الشيخ محمد عبده, وقد أراد به الناقل مدح الشيخ بسعة الصدر حيث يعدُ مسلما أكثر من يعدهم غيره خارجين عن الإسلام, فشئ يضر القائل و الناقل و الشيخ صاحب المذهب الذي يجوز عنده ما يكون كفرا عند غيره.و ماذا ينفع المتمسكَ بمذهب الشيخ محمد عبده الشاذ تمسكه؟ بعد أن قال النبي صلى الله عليه وسلم "يافاطمة لا أغني عنك من الله شيئا".
ولا يرد علينا في هذا المقام قوله صلى الله عليه وسلم "يسروا ولا تعسروا و بشروا و لا تنفروا" لأنا لا نريد بالتشديد في مسائل الكفر و الإيمان إخراج مرتكبي الكبيرة مثلا عن الإيمان كما هو مذهب المعتزله أو إدخاله مع ذلك في الكفر كما هو مذهب الخوارج, و إنما نريد التحذير من نقص في الإيمان بقدرة الله أو زيغ في العقيدة أتى إلى الشرق من علم الغرب المادي مثل إنكار المعجزات و المغيبات أو تقليد لغير المسلمين و تشبُّهٍ بهم لا لمصلحة سوى التقليد و التشبه,حتى أن بعض المتشبهين لا يحس بأي أذى في قلبه من أن يظنه من رآه,أجنبيا عن الإسلام في دياره بل يعتز بهذا التشبه ولايبالي بذاك الظن.فهو كافر عندي تنقصه عزة النفس الإسلامية و تقوم مقامها الاستهانة بالإسلام, وليس في الاحتفاظ بهذه العزة في قلب المسلم باجتناب ما ينافيها أيُّ حرج. و ليعلم من يهمه أن يلقى الله مسلما من أهل هذا الزمان الذي كثرت فيه ألفاظ الباحثين في مسائل الدين ,أن الإسلام الذي من يبتغ غيره دينا فلن يقبل منه, دين في غاية العلو و الحساسية ,دين يجدر بالمسلمين أن يتعلموا الكرامة من كرامته ,فمن يكرم دينه يكرم نفسه و من لا يكرم نفسه لا يكرم.فهذا الدين لا يعذر المسلم
على أي تقصير في تعظيمه
صفحة 260
فيفارقه بأدنى استهانة منه بجانبه (1) وإن تغاضى عما فرط في أداء واجباته بشرط أن يكون ذلك في ملامة نفس و ندامة قلب ,فمن الممكن لمقترف كثير من المحرمات مع مراعاة هذه الشروط أن يسلم دينه بسلامة إيمانه,ولا سلامة لإيمان من يستحل ما حرمه الله أو يستخف بكرامه دينه , فشارب الخمر مع الاعتراف بذنبه مسلم , و القائلُ و لو من غير شرب :"ماذا يلزم من هذا؟" كافر, كما أن شارب الماء متشبها بشارب الخمر مذنب.
ومن المفيد أن أنقل هنا ما قلت في آخر مقاله كنت كتبتها قبل سنين في مجلة "الفتح" الإسلامية بعنوان "فتنة القبعة الجديدة ُ و مغراها الجديد":
"أما حديث (هل شققت عن قلبه )(2) و حسنُ الظن بالمسلمين و ترجيحُ الاحتمال الواحد على تسعة و تسعين احتمالا إذا كان الواحد ينجيهم من الكفر و تعليقُ الحكم به على اتفاق الفقهاء و أمثال ذلك من الوصايا الفقهية الموجبة للأخذ بالتساهل و الكفِّ عن التشديد في مسائل الكفر و الإيمان, فتلك أحكام الإسلام المدنية السمحة التي ينبغى أن يعمل بها في الأزمنة و الحالات الطبيعية و في أزمنة قوة الإسلام و عدم الخوف عليه من أعدائه.ففي تلك الأزمنة كان يُخاف على حياة الذين تحس منهم أمارات الإعراض عن الإسلام,بدلا من أن يخاف على حياة الإسلام نفسه,فكان يخفف عنهم في الحكم رحمة بهم.والآن ,و قد تجرأ أعداء الإسلام في داخل بلاده و عقر دياره على إعلان الحرب ضده وانقلب حديث حسن الظن بالمسلم إلى حسن الظن بعدو المسلم,يحق لي أن أقول للعلماء الغافلين المتجاهلين لهول الموقف و خطورته الذي يُغضب الحليم و يوقظ النائم و يستفز الغيور,كما نرى الدول المراعية لقواعد الحرية و المتأدبة بلطف المدنية
بداية الهامش
(1) و إني أمثل هذه الاستهانة المكفرة التي يستهين بها بعض الناس في زماننا,بأن يقال انا تركي أو عربي أولا ثم مسلم
(2) خطاب لأسامة بن زيد لما قتل في واقعة فدك مرداس بن نهيك مع تلفظه بكلمة التوحيد ثم اعتذر بأنه قالها بلسانه.
انتهى الهامش
صفحة 261
تأخذ حِذرها في زمن الحرب و الخطر على كيانها و تعمل بكل حزم و شدة ... والآن يحق لي أن أقول لهؤلاء العلماء:
ألا فارحموا الإسلام و لا ترحموا أعداءه و لا تستخرجوا من أحكامه و قوانينه نصيرا و ظهيرا لأعدائه,و لا تجعلوا الإسلام دين غفلة و غباء و حمق يرحم أعداءه الذين لا يرحمونه و يخلي لهم الجو حتى يرموه من خلفه و يُجهزوا عليه.."
الحادي عشر ,أن سيدنا عيسى قتله اليهود و صلبوه في عقيدة النصارى ,و بعد قتله بأيام أحياه الله و رفعه إلى السماء ,وفي عقيدتنا نحن المسلمين رفعه الله من غير أن يسبقه القتل.فالمسلمون و النصارى متفقون على رفعه .وعند الشيخ شلتوت أنه لم يقتل و لم يصلب و لم يرفع بل عاش ما عاش في الأرض بعد حادثة محاولة قتله ثم مات فيها ميتة عادية و انتهى أمره.فعيسى اليهود مقتول بأيديهم و عيسى النصارى و المسلمين مرفوع إلى السماء و هو فيها الآن ,و عيسى الشيخ شلتوت عاش في الأرض و مات فيها كما يعيش و يموت غيره من الناس . فأسأله إذن : أين عاش بعد حادثة محاولة قتله؟ ثم أين مات و أين قبره الآن ؟ وسيكون جواب الشيخ على هذا السؤال إن كان له جواب: عيسى الآن حيث كان عيسى اليهود!!.
والآن انتهينا من الجواب على مقالات الشيخ في مسألة رفع عيسى عليه السلام و نزوله و من درس تلك المسأله علميا,وأتينا أقواله فيها خارج الصدد متجنين علينا و معنفين.فمن ذلك :مسألة وجود عضو في جماعة كبار العلماء أو في اللجنة المفرزة من الجماعة عند درس أمر الطالبين القاديانيين ,شذ هذا العضو عن زملائه في اللجنة أو الجماعة,فاعترض على فصلهما من الأزهر شكا منه في كفر من أنكر كون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء ,كما هو مبادئ الطائفة القاديانية المدعين نبوة غلام أحمد القادياني الهندي بعد سيدنا محمد. فاتهمني الشيخ كاتب مقالات الرد على "القول الفصل" بأني
صفحة 262
اختلقت هذا العضو الشاذ في خيالي و عزوت إليه الطعن في حجية الحديث "لا نبي بعدي"وفي الإجماع المنعقد على ختم النبوة بنبينا و في قطعية دلالة قوله تعالى "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين" عليه,ثم رأيت الشيخ الكاتب أول من يخطر بالبال أن يكون ذلك العضو إن لم يتأخر التحاقه بجماعة كبار العلماء عن زمان درس أمر الطالبين القاديانيين.
وتوضيح هذه المسأله أن الشيخ عبدالمجيد اللبان تغمده الله برحمته كان هو الذي تحدّث إلىَّ عن وجود ذلك العضو المعترض في فصل الطالبين زمن مفاوضة الجماعة أو اللجنة المفرزة منها في أمرهما و فيهم الشيخ المغفور له نفسه... تحدث إلى عنه من غير تصريح باسمه و كونه واحدا أو أكثر , ثم استعانني في حل شبهته أي شبهة المعترض كما استعان غيري ممن كان يحسن الظن بهم, فذكرته حديث"لا نبي بعدي"و ذكرته الإجماع المنعقد عليه ,فطلب غيرهما فقرأت آية الأحزاب أعني قوله تعالى "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول الله و خاتم النبيين" فحكى تمسك المعترض باحتمال كون المراد خاتم الزينة وإن كان احتمالا ضعيفا حيث يكفي في درء تهمة الكفر من الطالبين و ينجيهما من الفصل ,فيكون معنى "خاتم النبيين" على هذا الاحتمال :زين الأنبياء ,وإذا ثبت الاحتمال سقط الاستدلال.
جرى هذا بيني و بين المغفور له حتى كتبت ما كتبته في مقدمة هذا الكتاب (457 جزء أول ) عن تفسير هذه الآية, و ما ألفت كتابا مستقلا في الرد على تأويل خاتم بالزينة كما فهمه الشيخ كاتب مقالات الرد على "القول الفصل" و لم أكتب ما كتبته عبثا من غير حاجة إليه في هذا العصر الغريب الذي يحتاج فيه الإنسان إلى الكتابة فيما لم تسبق الحاجة إليه في عصور الإسلام الماضية .
ولا شك أن الشيخ اللبان ما كذب في القول عن وجود رجل في اللجنة أو الجماعة قائل باحتمال آية الخاتم ما لا تحتمله . أما احتمال كوني كذبت و اختلقت القصة فمن
صفحة - 263-
المستحيل الذي لا يستطيع أن يقدره الشيخ كاتب مقالات الرد ، وإنما ( يتصور ) الكذب ممن ( يميبنى ) في مقالته بأن تركيا كفرتُ بي " على تعبيره " أي تبرأت مني ، والتي كانت تبرأت مني هي حكومة تركيا الجديدة اللادينية ، وهذا التبرؤ الذي أتشرف أنا به - وقد تبرأت أنا منها قبل تبرؤها مني - بكون منقصه في نظر الشيخ ( يرميني ) بها
ويذكرها دليلا لاحتمال اختلاق الكذب مني . وها ( أتذا ) أذكر ماذكره ، منقصة مسجلة عليه تؤذن بكونه ممن يتصور منه الكذب ويسهل عليه القول بكذب غيره قياسا له على نفسه ، فمن منا لا يتحرج من أن يكذب ؟ أنا الذي تبرأت مني حكومةٌ تبرأت من دينها ، أم الشيخ الذي ( ) تبرؤ ( هذه ) الحكومة مني عارا عليّ ؟ ومما يؤيد كون الكذب الذي يحاول أن ( يرميني ) به الشيخ ، في جانب الشيخ ، أنه يستبعد جدا عدمُ اطلاعه على هذا الخلاف الحادث في جماعة كبار العلماء وهو أقرب إليهم مني ولو قبل التحاقه بهم واشد اتصالا بمشيخة الازهر ، لكنه يتجاهل وينفي وجود شخص كهذا في الجماعة تكذيبا لما كتبته في " القول الفصل " واعتمادا منه على أن المطلعين على المسألة من العلماء الأحياء في داخل الجماعة أو خارجها لا يجترثون على تصديق ( مسلمين ) الحق ومسمِّين ذلك الرجل الشاذ ، ومكذب الصادق عمدا هو الكاذب .
أما قولي عن الشيخ إنه أول من يخطر بالبال أن يكون ذلك الشاذَّ الشاك في كفر من أنكر ختم النبوة بنبينا كما هو مذهب القاديانية ، إن لم يتأخر ( تميينه ) عضوا لجماعة كبار العلماء ، فكان ذلك استهجانا مني لمسلك الشيخ في التجرؤ على معتقدات الإسلام والعبث بآيات كتابه , فإذا وجد بين كبار العلماء من يشك في دلالة " خاتم النبيين "
المنصوص عليه في القرآن وصفا لنبينا ، على كونه آخر الانبياء دلالة قطعية - ولابد أن يكون موجودا بالنظر إلى أني سمعته من الشيخ اللبان الذي لا أرتاب في صدقه -
فالشيخ كاتب مقالات الرد الذي أنكر أخيرا دلالة الكتاب والسنة على رفع عيسى عليه السلام ونزوله ، وأنكر من قبلُ وجود الشيطان كشخص حي عاقل ينسب إليه كتاب الله فيما لا يحصى من آياته أفعالا وأوصافا لا تحصى أيضا ولا يتصور لغير الأحياء
صفحة - 264-
والعقلآء فلما اعترض عليه بهذا أجآب اولآ بأن القرآن لم يحدد كنه الشيطان ومآهيته ., فتغاضى عما حدده القرآن وعدده من افعاله واحواله التي تكفينا ولا تلتئم قطمآ مع مايدعى الشيخ ويحدده للشيطان من الماهيه على انه عباره عن نزعات الشر المنبثه في العالم , ثم أجآب بأن القرآن جاري عقيدة العرب الجآهليين في تصوير الشيطان , فجعل القرآن يتبع عقيدة المبطلين في حين انه نزل لأحقاق الحق وابطال الباطل ..
فهذا الشيخ ان قلت عنه : انه اولى بأن بيكون ذلك العضو ان كان يومئذ داخلآ في الجماعه , ماظلمته ماظلم هو نفسه القرآن وأهآنه !!
هذا توضيح حكاية العضو الشاذ من جماعة كبار العلماء الذي تحدثت عنه عرضا في تعليقة قصيرة من تعليقات ( القول الفصل ) طال اشتغال الشيخ بها في رده حتى اتخذها رأس مال لنقد مافي الكتاب بجملته وتبرئة الذين انتقدت اقوالهم في الكتاب , بجملتهم انظر ماذا يقول عن لحكايه المذكوره :
(( يبيح هذا الشيخ [ يعنيني ] لنفسه ان يرمى وجوه اهل العلم بدون ادنى تثبت , بتهم خطيره في مثل هذه العبارة الركيكه الملتويه , فيزعم ان نزعة كاتب هذا البحث قاديانية ويزعم ان هناك عضوا في جماعة كبار العلماء شذ فعارض فصل الطالبين القاديانيين وأن هذا العضو يتردد في الأفتاء بكفر من أنكر ختم النبوة بمحمد صلي الله عليه وسلم وانه يطعن في حجية الحديث الوارد فيه ويطعن في الأجماع المنعقد عليه ويطعن في دلآلة الآيه القطعيه عليه (1) يتصور عضوا في جماعة كبار العلماء هذا شأنه وتلك عقيدته ويؤلف كتابا في الرد عليه لم ينشره بعد , وهو لايعرف شخصه ولا يكلف نفسه السؤال عنه حتى تسعفه به المصادفه فيجمع في خياله بين بحث شلتوت ومعارضة العضو المجهول في فصل الطالبين , بل يجمع بين بحث شلتوت وكفر هذا العضو المجهول (2) بأنكاره مسألة من امهات مسائل الدين واصوله فيقول : (( ان كان الشيخ شلتوت لم
هامش الصفحة: 264
[1] ((.القطعية)) في كلامي متأخر عن ((عليه)) وصفة للدلالة لا للآية.
[2] ليس في كلامي اتهام العضو المجهول بالكفر ولا بإنكار مسألة من امهات مسائل الدين وإنما اتهمته بالتردد في الإفتاء بكفر المنكر.
نهاية الهامش
صفحة 265
يتاخر التحاقه بهيئة كبار العلماء فهو اول من يخطر بالبال أن يكون ذلك الشاذ.
((ولست في حاجة الى أن أقول: انه لا يوجد بين كبار العلماء قاطبة, ولم يكن فيها من قبل شخص كهذا الذي تصوره الشيخ وألبسه تلك المقيدة ظلما وعدوانا.
(( ولست في حاجة الى أن أقول إن زمن التحاقي بالجماعة متأخر عن درس مسألة هذين الطالبين وتنفيذ القرار فيهما.
(( ولكنني بعد هذا أسأله, وقد علم أن هذا المضو لم يكن شلتوت من هو اذن حتى نعرف ثاني من يخطر بالبال في مثل هذا المجال:
((أسأله وأنا واثق أنه لا يستطيع أن يجيب لأن هذا الشيخ(يمنيني) وأمثاله لا يقولون عن علم أو بحث ولكن عن خرص وتظنن وتمويه وتشويه(( إن يتبعون الا الظن وما تهوى الأنفس وان الظن لا يغني من الحق شيئا)).
وأنا اقول ان الشيخ كاتب المقالة يتخذ عدم وجود الشيخ اللبان اليوم حيا وعدم استقلال الأعضاء المعمرين في اداء الشهادة بالواقع تحت قيد لوظيفة الأزهرية, فرصة لاجترائه على المجازفة بالقول نفيا لوجود عضو معترض على الحكم ضد الطالبين عند مداولة الأفكار فيما بينهم, كيف لا يستفيد من هذه الفرصة وقد ساء ظن الرجل بعلماء الازهر الى حد ان يقول في اخر مقالته الاخيرة, وقد نقلناه عنه من قبل ايضا: (( ولعلنا بعد اظهار فتوى فضيلة الاستاذ الاكبر الشيخ المراغى نستريح من لغط بعض العلماء الرسميين الذين عرف عنهم ان تمسكهم بالرأي وما يزعمون أنه دين(تأمل) ليس الا بمقدار جهلهم برأي فضيلته وهو شيخ الجامع الازهر, فاذا ما عرفوا رايه وهو شيخ الجامع الازهر خلعوا انفسهم من ربقة رايهم الاول وسارعوا الى اعتناق رأيه بل تسابقوا في توجيهه وتأييده)).
ثم أقول ولم يراع الشيخ حق الصدق في تصوير حكاية المضو المجهول الشاذ محاولا تشويه ما قلت عنه في التعليقة كما أشرت اليه أيضا في أثناء نقل كلامه, فكأني على تصويره اتهمت ذلك العضو بالكفر وبانكار مسألة من امهات مسائل الدين وهي ختم
صفحة 266
انبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم ، مع أن ما أستند ته إليه تردده في الإفاء بكفر المنكر لا إنكار هو من العجب أنه اعترف بقولى عنه انه يتردد في الأفتاء بكفره وقد أخطأ أيضا تعيين الطاعن في حجيبه الحديث والإجماع وفي قطيعه دلالهه الأيه ،ولعله ظن قولى (( طففا منه الذي كان مربوطا بما في قربه من ((المنكر))،مربوطاب فعل التردد البعيد .
ولنا أن نذهب في تحقيق الحق إلى ما وراء المفهوم منه إلى هنا فقول ،بعد هذا التنيه على أن اتهامنا العضو الذكور بالشك ينحصر فى شكه في كفر النكر وعلى انا لو نعين الشيخ كاتب المقالات على أنه هو ذلك العضو الشاك مهما قلئا بكونه اولى أن يكون .. أنا أن نقول : ماهذا الأستبعاد من الشيخ في احتمال وجود عضو كهذا فى الجماعه وفى احتمال كونه هو نفسه ؟ مع أن الأسس التي وضعها في مقالاته ليتوسل بها الى التشكيك في تبوت رفع عيسى ونزوله نبوتا أصفر يا مبنيا على غلبه الظن ،فضلا عن نبوتها الحد الى أنه يكربفكرها ،تفتح الباب على الأقل إت لم يكن للشك في تبوت ختم النبوه بسيدنا محمد بواسطه أدلته من السكتاب والعضه ولعضه والإجماع ،ففي كفر الشك في تبوته بتلك الأدله التى كلها تقيله لا عقليه . والشيخ صرح فى مقاله الرد الثانيه((الرساله))عدد 516((بأن الأدله النقليه قد ذهب كثير من العلماء إلى أنها لا تفيد اليقين ولا تحصل الإيمان المطلوب ،ولا يثبت بها واحده عقبدة))فإذا وجد الأخلاف فى قوه الأدله النقليه لحد أن كثيرا من العلماء قد ذهبوا إلى انها لا تفيد اليقين وكان لهذا الخلاف قيمه تذكر عند الشيخ للتمسك بهذا الخلاف في مساله رفع عيسى ونزوله وفى ثبوت أصل المسأله فضلا عن ثبوتها مع وصف أنه يكفر منكرها ، ان يستبعد وجود عضو فى جماعه كبار العلماء بشك في كفر من أنكر ختم النبوة بسيدنا محمد ،ولا سيما استبعاده لأن يكون هو نفسه ذلك العضو
صفحة 267
لو لم يتأخر دخوله في الجماعة؟ - وكل ذلك مبنى حديث المخبر الصادق الذي هو الشيخ اللبان – اذ الخلاف الذي ذكره لكثير من العلماء في افادة الادلة النقلية اليقين يجعل مسألة ختم النبوة ايضا في ثبوتها اليقيني خلافية ويمنع على الاقل اكفار او على الاقل يجعله ايضا خلافيا!!(1) فليعلم الشيخ أن القضية العلمية لا تكتسب بحشد ما يجده في الكتب من حق او باطل ونقله الى مقالات يكتبها لتأييد باطله, فربما يجره ذلك الى اباطيل اخرى اكبر من باطله, وانما الشرط الاول في اكتساب القضايا, الموازنة العقلية المنطقية التى نراها تخذل الشيخ في كتابه جزاء من الله على عدم احترامه العقائد الاسلامية وتلاعبة بايات كتاب الله واحاديث رسوله في سبيل الاصرار على هواه.
ثم ليعلم الشيخ الذي يردد قوله تبجحا: (( ولست في حاجة الى ان اقول كذا ولا الى ان اقول كذا...)) : اني لست في حاجة الى ان اختلق حكاية في خيالي او اتكلم لا عن علم او بحث ولكن عن خرص وتظنن وتشويه وتمويه, لاتوسل بكل هذه الوسائل الخسيسة الى نقد اراء الشيخ شلتوت او غيره ممن انتقدتهم في(( القول الفصل) يشهد به الكتاب نفسه الذي كله بحث وكله درس وتحليل علمي, حتى ان الشيخ شلتوت تعلق في رده عليه بما وجد فيه من تعليقة صغيرة لئلا يدركه الفرق من غرازة ابحاثه العلمية, وفي مقابل هذا جاء رد الشيخ يفحص في انحائه باللوائم على وعلى موقفي بمصر مهاجرا من تركيا ويشبه النقاش السياسي المفعم بالمغامز اكثر من النقاش العلمي المدعم بالادلة. فهو يعدني فضوليا في تأليف((القول الفصل)) بل
بداية هامش صفحة 267
وللشيخ في تلك المقالات لص يرفع وجوب الايمان بكون النبوة ختمت بنبينا صلى الله عليه وسلم ويجيز الشك لمن اراد ان يشك فيه, لا سيما الشك في كفر من انكره لعدم كون مسألة الحتم اي ختم النبوة بيننا من الاصول التي اشتركت فيها الاديان السماوية جميعها, وهو القائل في مقالة الرد الثانية(( ان ما يجب على الناس ان يؤمنوا به يرجع عند التحقق الى الاصول التي اشتركت فيها الاديان السماوية جميعها)).
نهاية هامش صفحة 267
صفحة 268
متعديا على الناس الأبرياء, ويرى الذين انتقدت افكارهم واقوالهم من الكتاب والعلماء فوق النقد يتلاعب عنده بالايات والاحاديث ولا يتلاغب بهم وكما اني مذنب في تأليف الكتاب ونشره , فقراء كتابي الذين يقول عني وعنهم((اتصلوا بقوم عزيز علينا ان نتركهم صيدا في شبكتهم)) مذنبون على رايه في تقدير الكتاب ورؤيته جديرا بالقراءة والرغبة كانهم لا عقل لهم ولا تمييز بقدر ما عند الشبخ منهما(1)
وهذا جزع صريح وعويل قبيح ينادي بان قلب الشيخ يحترق من الحسد ثم يكون هذا العويل جوابا وردا على كتابي!!.
اما منطقة في دفاعه عن نفسه وعن الشيخين اللذين خصهما بالدفاع فغريب جدا وملان بالتدليس والتدبيس, فهو يذكر في الدفاع عن الاستاذ الاكبر المراغي قوله في تفريظ كتاب (( حياة محمد)) : ((لم تكن معجزة محمد صلى الله عليه وسلم القاهرة الا في القران وهي معجزة عقلية)) ويسكت عن قول فضيلته بعده مارا به مر الكرام: (( وما ابدع قول البوصيري)).
لم يمتحنا بما تعيا العقول به حرصا علينا فلم نلاتب ولم نهم))
مستشهدا بهذا البيت على ان لا معجزة له صلى الله عليه وسلم غير القران, فان كانت
بداية هامش صفحة 268
وفي مكان اخر من مقالته يصف هؤلاء القوم الراغبين في قراءة كتابي بانهم جماهير رأيت مسايرتهم في اهوائهم وعقائدهم اجدى لي واسبغ للخير والنعمة على يعنى انهم عامة لاعتداد برغبتهم وتقديرهم. وكان الشيخ قال عمافي كتابي من الانتقادات انها اتهامات مضحكة فأقول ولكنه ضحك كالبكاء. والمضحك الحقيقي كون الشيخ يظهر موقف المحافظين الصابرين في زماننا الذين عم كالقابضين على الجمر بشهادة الحال واخبار الحديث النبوي كانه موقف المسايرين على الاهواء العصرية الذين يجدون من فئة الاستبطان الاتي ذكرها المتمركزة في عقر البلاد الاسلامية, ما يغريهم بنقض عرى الاسلام ويدر عليهم خبرات الدنيا ومنافعها, ومن وراء هذه الفئة قوة اعظم منها تؤازرها وتشرف عليها بعين ساهرة, والشيخ يعرف كل هذا الفرق بين الموقفين وعنده من الخيرات الخاصة بالعصريين ما لا يحسده عليه المحافظون وانما يرثون له مما يعوزه من مخافة الله واستحياء الناس لحد انه يستبيح لنفسه ان يعكس الأمر فيصور القابضين على الجمر في بحبوحة من الدنيا التي هي جنة فئته وهو يتبوأ منها حيث يشاء.
نهاية هامش صفحة 268
صفحة 269
فليست بقاهرة مثله(1) بل معيبة للمعقول. ونحن قد انتقدنا هذا الاستشهاد في ((القول الفصل)) وقلنا انه نتيجة عدم الفهم لمعنى البيت والغفلة عن ابيات اخرى للبوصيرى في نفس القصيدة. ونقول هنا بمناسبة كون الشيخ شلتوت ظهر في مظهر المدافع عن فضيلة الشيخ المراغي ولم بدافع, وانما جر نقدا ثانيا عليه, وهكذا يفعل المحامون غير الموفقين, والمحامي الموفق لا يتولى الدفاع عن قضية لا تقبل الدفاع. فلنأت نحن بنقد جديد على فضيلته ان لم يأت محاميه بدفاع. وقد فعلنا ذلك كيلا يخرج القارئ من البحث الذي تعرض له الشيخ المحامي ثم لم يأت بشيء, صفر اليد! فنقول ولا نختلق حكاية خيالية او نتكلم عن خرص وتظنن, فإن زاد الشيخ المتشبه بالمدافع, من غير دفاع , زدنا:
ان في قول فضيلته ماخذ من وجود فأولا لا معنى لما يفهم منه وهو كون معجزات نبينا غير القران لان المعجزة ان لم تكن قاهرة فليست بمعجزة وان كانت معجزة كانت قاهرة وفي اعجازها القهر. ولعله يريد الاشارة الى عدم ثبوت ما عدا القران من معجزاته لا قاهرة ولا معجزة كما هو مدعى مؤلف((حياة محمد)) بحجة انه لم يرد ذكرها في القران وما ورد منها في كتب الحديث والسيرة غير مؤبد بالقران فلا اعتداد به عنده, وهو يضع جميع ما ورد في تلك الكتب تحت شبهة الكذب بغية فتح السبيل الى رفض الروايات المتعلقة بمعجزاته صلى الله عليه وسلم غير القران,
بداية هامش صفحة 169
على ان في اعجاز القران القاهر نظرا عند الشيخ المراغي الذي قال فيما كتبه تأييدا لفتنة ترجمة القران المثارة في تركيا: (( ان الامم العربية الان ومن أزمنة طويلة خلت لا يفهمون الاعجاز من القلم العربي وقد انقضى عصر الذين ادركوا الاعجاز من طريق الذوق وامنوا بالقران بسبب هذا الادراك ونحن الان نقيم على الاعجاز ادلة عقلية فنقول ان القران تحدى العرب وانهم عجزوا وهذا يدل على انه من عند الله, فالمفهوم من هذا القول ان ايمان العرب اليوم باعجاز القران وفيهم الفصحاء والبلغاء لا يجاوز الايمان التقليدي على راي الشيخ, فلا فرق بين القران وغيره من معجزات محمد صلى الله عليه وسلم في كونها مسألة تاريخية غاب شهودها واحتملت الصدق والكذب!!
نهاية هامش صفحة 169
صفحة 270
وفضيلة الشيخ المراغي يقول قوله المار الذكر عند تقديم كتاب ((حياة محمد)) الى القراء المسلمين فاذن عقلية فضيلته متفقة مع عقلية مؤلف الكتاب في سوء الظن بالروايات التى وثق بها ائمة عقلية فضيلته متفقة مع عقلية مؤلف الكتاب في سوء الظن بالروايات التي وثق بها ائمة الحديث والفقه وبنوا عليها الشطر الكبير من احكام الاسلام لان الاسلام لا يبنى على كتاب فقط بل على السنة ايضا بشهادة الكتاب نفسه .
الثاني, ان فضيلته يفهم من بيت البوصيري الذي اعجب به ان معجزات نبينا غير القران وهي التي يسميها معاليه بالمعجزات الكونية- تعي العقول اي تنافي العقل وتخرقه كما صرح معاليه في عدة امكنة من مقدمة الطبعة الثانية لكتابه ان تلك المعجزات مما لا يقرء العقل ولا يصدقه وبالنظر الى اعجاب فضيلته بما فهمه من بيت البوصيرى فهو متحد مع مؤلف ((حياة محمد)) في هذه العقلية ايضا. لكن العقلية المذكورة ان كانت تعاب على معالي مؤلف الكتاب المذكور فهي اشد معابة على فضيلة الشيخ المراغي. وكيف لا يعرف رجل علم ديني يشغل مشيخة الازهر مرتين ان معجزات الانبياء خارقة للعادة اي لسنة الكون لا خارقة للعقل وهي عند العقل من الممكنات بالنسبة الى قدرة الله لا من المستحيلات التي لا تتعلق بها قدرته كجمع النقيعين ورفعهما, والمسألة معروفة لا تخفى على من له المام بعلم اصول الدين.
الرابع, من المستبعد جدا ان يكون فضيلة الشيخ المراغي جاهلا بموقف المعجزات من الامكان والاستحالة مع كونه معروفا في علم اصول الدين, الا ان يكون منكرا لهذا الامكان المعترف به عند علماء الاسلام مع المنكرين تقليدا لملاحدة الغرب الطبيعيين كالاستاذ فريد وجدي بك.
الحاصل انا لو فرضنا كون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بفضل استنادها الى القران مستغنية عن معجزات اخرى كونية تعيا بها العقول اي مستحيلة عند العقل , فماذا قول
صفحة 271
فضيلته في معجزات سائر الانبياء التي كلها كونية؟ فيلزم اذا كانت المعجزات الكونية تنافي العقل وتعيبه, ان تكون معجزات اولئك الانبياء المذكورة في القران والتي لا ينكرها معالي مؤلف(( حياة محمد)) ولا فضيلته وانما يعيبانها بكونها تعيا بها العقول ولا تقرها ويفضلان معجزة نبينا السالمة من هذا العيب – اساطير غير واقعة ويكون القران المشحون بها معنيا باساطير غير واقعة, بناء على ان ما يعيا به العقل ولا يقره لا يقع ولا يتعلق به حتى قدرة الله, ولهذا ترى علماء الاسلام المتكلمين يختارون عند النص في كتبهم على قدرة الله قولهم : (( قادر على جميع الممكنات)).
ولك ان تقول: ان فضيلة الشيخ المراغي يرى بحصر المعجزة القاهرة في القران الى اعتباره حجة واعتبار غيره من معجزات الانبياء شبهة كما فعله الشيخ رشيد رضا بحجة ان امثالها تقع من اناس كثيرة في كل زمان والمنقول منها عن صوفية الهنود والمسلمين اكثر من المنقول عن العهد العتيق والجديد... وقد رددت على هذا الشيخ ايضا في(( القول الفصل)). وسواء كان فضيلته متفق العقلية مع مؤلف
(( حياة محمد)) او مع الشيخ رشيد رضا فليس له منجاة من المؤاخذة , ولهذا اختار محاميه الشيخ شلتوت طريقا في الدفاع عنه متنحيا عن وضع قوله بنصه الذي انتقدته , موضوع البحث والتحليل فأين بيت البوصيرى الذي استشهد به فضيلته لدعواه فاهما منه ما لا يفهمه صاحب البيت ولا علمان الاسلام المتكلمون المؤمنون بمعجزات الانبياء من غير تفريق بين معجزة كونية ومعجزة عقلية؟(1) اين بيت البوصيرى في قول المدافع الفار من الدفاع؟
وكنت قلت في (( القول الفصل)) عند نقل اقوال معالي هيكل باشا في مقدمة الطبعة الثانية لكتابه, المثيرة لشبهة الكذب في جميع ما في كتب الحديث, على الرغم من ان اكثر الاحكام الشرعية الاسلامية وفيها صلاتنا وصيامنا وزكاتنا وحجنا , تتبنى تفاصيلها على اقوال الرسول وافعاله المروية في تلك الكتب: (( هل الاستاذ
بداية هامش صفحة271
(1) ولنا مؤاخذة اخرى للمفرقين بين المعجزة العقلية والكونية بسطناها في ((القول الفصل))
نهاية هامش صفحة 271
صفحة 272
الأكبر المراغي يحاول بتقديم كتاب هيكل باشا للمسلمين تهيئة جو ملائم لالغاء كلية الشريعة الازهرية؟)) فغير شلتوت قولي في((القول الفصل)) بهذا الصدد تغييرا فاحشا مع وضعه بين القوسين في حين ان القول المنقول بين القوسين لا يجوز تغييره ولو بكلمة واحدة. وهذا أمانة الشيخ شلتوت في نقل الاقوال واسنادها الى اصحابها! والتغيير المشار اليه مما يمكن الاطلاع عليه لمن اراده عند مقارنة النقل بالاصل((القول الفصل)) ص 84 – 90 ((الرسالة)) ص 365
وفي الدفاع عن الشيخ محمد عبده الذي نقلت اقوالا واراء منه في امكنة مختلفة من ((القول الفصل)) وانتقدتها عليه, يذكر قوله فقط في تعريف النبي والرسول, ثم يقتصر دفاعه عنه عليه قائلا: ان الاستاذ الامام صاحب((رسالة التوحيد)) الذي تكلم فيها عن الرسالة والمعجزة ودلالتها على صدق الرسول وعن الوحي وكونه ممكن الوقوع وواقعا فعلا. لكني اعترضت على ما قاله الاستاذ الامام في تأليفه الاخر معرفا للنبي والرسول وذكرت عنوان ذلك التأليف في ((القول الفصل)).
فكان واجب الشيخ المدافع ان يدافع عن قول امامه في التأليف نفسه نفيا للقول الذي عزوته اليه او تحريرا لما اراده منه فلا ينفعه قوله في كتاب اخر, الا ان يكون هذا القول في صيغة الاعتراف بخطئه في القول الاول والاعلان عنه, فالشيخ شلتوت لم يأت اذن في الدفاع عن قول الشيخ محمد عبده الذي تكلمت انا عليه, ولو بقدر ما اتى به واحد من القضاة الشرعيين صادفته في مجلس من المجالس, وبعد سماع دفاعه اضفت الى محل ذلك القول من ((القول الفصل)) ما يكون جوابا عن ذلك الدفاع على ان ينشر في طبعة الكتاب الثانية, وقد تيسرت هذه الطبعة بحمد الله وتوفيقه.
ثم اني لم اذكر في((القول الفصل)) تعريف النبي والرسول الذي شذ فيه الشيخ محمد عبده عن ائمة الاسلام والذي خصه الشيخ شلتوت بالدفاع مثالا عن طريقه مصورا اياه في صورة مثال لاتهاماتي المضحكة (على تعبيره)... لم اذكره تصيدا للتهم على محمد عبده
صفحة 273
متمسكا بقوله في كتاب وتاركا وراءه ظهرى قوله الاخر في كتاب اخر – مع اني لا اعرف ما فعله بالضبط في الكتاب الاخر ولا اعدني مكلفا بمعرفته عند مؤاخذته بقوله الذي عرفته بنصه – وانما ذكرته بناء على اني وجدته صالحا لان يكون مستند طائفة الكتاب المصريين الذين انكروا معجزات الانبياء انكارت للخوارق وانكروا النبوة الحقيقية مستبدلين بها العبقرية, فأردت ان اهدم مستندهم واحول دون تصيدهم القلوب الضعيفة بشهرة محمد عبده وقوة مركزه عند مكبريه فان كان في استطاعة الشيخ المدافع عنه انكار وجود تلك الطائفة او ادعاء عدم صلاحية القول الذي انكرته على قائلة, لأن يكون مستندا لهم في ضلالهم واضلال غيرهم, فليأت باحد الامرين ولا يتعلل بما فعله محمد عبده في تأليف فلاني له, لان الطائفة المستعدين ان يستغلوا اقوال الشيخ محمد عبده لضلالهم, يرون انفسهم احرارا في اختيار ما يشاؤون منها.
بل اقول للشيخ الذي كان تأثير(( القول الفصل بين الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون)) فيه ان قابل النصح بالرفض والانكار لا بالادكار والاعتبار, وهو يدعى في مقالة الرد انه لا ينكر المعجزات والمغيبات او يتراءى كذلك نظرا الى سعيه لتزكية الشيخ محمد عبده وتبرئته عن انكارها... اقول له :
لا اقل من ان في مصر التي ليس في وسع احد ان يمنعني من ان اعتبرها وطني يهمني خيرها وشرها باعتبار انها بلدة اسلامية وعريقة في الاسلام, لا اقل من ان فيها كتابا ينكرون معجزات الانبياء باسم الخوارق, او على الاقل ينفونها عن نبينا صلى الله عليه وسلم وعتبرون تجرد نبوته منها ميزة له ومنقبة , اي تجردا مما تعيا به العقول. وانكارهم هذا مطلقا او انكارا خاصا لنبينا يرجع الى انكارهم المغيبات التي لا يعترف بها العلم الحديث المستند الى التجربة الحسية, وهو ينكرون النبوات ايضا بين صراحة من اقبالهم على العبقرية واهمالهم النبوة دلالة من انكارهم المعجزات التي يؤدي انكارها الى انكار النبوة ايضا لاشتراكهما في علة الانكار وهي كونهما من المغيبات, ويلائم
(18 – موقف العقل – الرابع)
صفحة 274
هذا الانكار تعريف القى للشيخ محمد عبده المذكور في ((القول الفصل)).
لا اقل من ان هناك منكى المعجزات والنبوات وقد ذكرتهم في كتابي باسمائهم واوردت من اقوالهم شواهد مفصلة ومطولة, وهناك على قول الاستاذ فريد وجدي المنشور في الاهرام قبل بضعة عشرة سنة نوابغ البلاد الاسلامية من الكتاب والشعراء, لما اتصلوا بعلوم الغرب الحديثة ووجدوها – وقد دالت اليها الدولة في الارض – قذفت بالاديان جملة الى عالم الاساطير وراوا دينهم مائلا فيها, لم ينبسوا بكلمة لانهم يرون الامر اكبر من ان يحاوله محاول, ولكنهم استبطنوا الالحاذ وتمسكوا بها متيقنين انه مصير اخوانهم كافة متى وصلوا الى درجتهم العلمية,وشغل هؤلاء النوابغ اليوم, على ما كتبه الاستاذ فريد ايضا – تهيئة الاذهان لقبول ما استنبطوه دسا في مقالاتهم غير مصارحين بها غير امثالهم تفاديا من ان يقاطعوا او ينفوا من الارض.
فاين هؤلاء النوابغ الناشرون لمبادئ الالحاد المتسترون في نشرها وعرضها على الاذهان؟ لا بد انهم موجودون وراكضون باقلامهم في عالم الصحافو والتاليف دائبين في القيام بواجبهم منتدبين اليه من جانب الشيطان الذي لا يصدق الشيخ وجوده. وهؤلاء الكتاب لم اختلقهم انا في خيالي كما اختلقت عضوا شاذا في جماعة كبار العلماء, بل افشى وجودهم الاستاذ فريد وجدي رئيس تحرير((مجلة الازهر)) الحالي وافشى ايضا عجز الشرق الاسلامي عن الدفاع عن دينه الذي هو دين(بالفتح) لم يزل في ذمة علمائه على ما قاله الاستاذ غير مقضى!ٍ فاين كنتم انتم ايها الشيخ المدافع عن الذين ناضلتهم في كتابي لما وجدتهم ينكرون المعجزات وسائر المغيبات او يدافعون عن المنكرين كما تدافعون انتم المدافعين؟ اين انتم الذين قررتم جبنا عن محاربة الملاحدة المستبطنين المحاربين ضد الايمان بالغيب وعقائد المؤمنين به ((دسا في مقالاتهم وقصائدهم)) , ما قلتم يوما: هذه عقائد قوم عزيز علينا ان نتركها تندك واحدة بعد واحدة بكيد هؤلاء الملاحدة الدساسين, حتى اذا تعين الواجب اي محاربة المحارب والجهاد في سبيل الدين
صفحة 275
الغريب في عهدة الغرباء من المهاجرين والانصار اخذتم انتم وامثالكم الفارون عن الجهاد في سبيل الدين, مكانكم في صفوف اعدائه كما انكم رايتم الاتحاد والقوة والدنيا في جانبهم واخذتنا ترموننا بدسائسهم ودسائسكم ؟
هل في استطاعة الشيخ ان ينكر كون معالي مؤلف ((حياة محمد)) حاول في كتابه لا سيما في مقدمة طبعته الثانية تجريد حياة نبينا عن المعجزات الكونية الخارقة لسنة الكون بحجة انها مما لا يقره العقل ولا يصدقه ولزمه بهذه الحجة نفي تلك المعجزات عن سائر الانبياء ايضا الذين اعترف لهم كتاب الله بتلك المعجزات؟ وهل في استطاعته ان ينكر كون فضيلة الاستاذ الاكبر كتب كلمة تحبيذ لما فعله معالي المؤلف معترفا بان تلك المعجزات مما تعيا العقول به اي مما لا يقرء العقل فلم يصادف ما فعله معاليه وما فعله فضيلته انكارا من جانب الشيخ المفكر على انكاري عليهما, بل اتى في فتواه على مسألة رفع عيسى ونزوله بمثال اخر من عنده للانكار لم يكن دافعه فيه غير دافع الاولين في انكارهما وهو كون هذا الرفع وهذا النزول يعني عقل الشيخ وان تعلل في فتواه وفي ردوده على بدوافع اخرى كلها مناورات لاخفاء الوجهة الحقيقية الى ان ينقضى دور الدس والاستبطان لطائفة منكرى الخوارق والمغيبات؟
فإن لم يكن الشيخ منهم بل كان معترفا بامكان المعجزات ووقوعها كما تظاهر به في دفاعه عن الشيخ محمد عبده واستشهاده بكلامه في رسالة التوحيد, فلماذا لم ينكر على مؤلف((حياة محمد)) ومقرظه طول الزمن وانما انكر على لما انكرت عليهما؟ بل لماذا لم ينكر تعريف النبي على الشيخ محمد عبده, ذلك التعريف الذي ينفى النبوة الحقيقية المعروفة عند اهل الاديان واعنى بها النبوة الملابسة بالمغيبات الى ان توليت القيام بواجب الكشف عن الطائفة المحاربة من وراء الكمين لعقائدنا نحن المؤمنين بالغيب مع الكشف ايضا عن امام الطائفة وقائدهم ثم الكشف عن مؤخرة الجيش المحارب التي هي الشيخ الماثل امامنا مدافعا عن الطائفة وامام الطائفة الاول والثاني؟ وبهذا يتجلى لعين الاسف
صفحة 276
ان اول معول واخره ينزلان على اساس صرح العقائد الاسلامية يكونان بأيدي رجلين من رجال الدين وقد عرف قراء((القول الفصل)) اني لم اقتصر حملاتي على ضعف امام الطائفة في ديانته بنبوة الانبياء على علمه ايضا بوجود الله, ولكن الشيخ المدافع عنه لم يتعرض له لانه راى الامر اكبر من ان يحاوله.
ثم ان الشيخ المؤخرة يعرف جيدا ان الاستفتاء في مسألة رفع عيسى ونزوله اتاه من احد الهنود الذي لا يعنيه امر عيسى في رفعه ونزوله الا من حيث ان رجلا اسمه غلام احمد القادياني ظهر في الهند وادعى انه المسيح المنتظر وانه لا اصل لكونه اي المسيح المنتظر المسيح عيسى ابن مريم صلوات الله عليه المرفوع الى السماء حين هم اليهود بقتله, اذ لا اصل لرفعه المتقدم حتى يكون لنزوله فيما يأتي, وهذا الرجل الذي غر طائفة من الناس في الهند وتزعمهم , ادعى غير هذا واكثر من هذا اي كونه نبيا وكون النبوة لم تختم بمحمد صلى الله عليه وسلم, حتى احتاجت اللجنة القائمة في الازهر من قبل بدرس موضوع الطالبين الالبانيين القاديانيين الى درس مسألة ختم النبوة ايضا هل يكفر مفكره, وشذ من شذ فيها ولينكر الشيخ المؤخرة وقوع هذا الدرس وذا الشذوذ, فهما ثلبتان عندي وعند غيري سماعا من الشيخ اللبان الصادق القول.
هكذا كان منشأ الاستفتاء المذكور فجاءت فتوى الشيخ المتأخرة مؤيدة للمذهب القادياني في ناحيته المستفتى عنها وكان مرادي من نسبة النزعة القاديانية في كتابي((القول الفاصل)) الى صاحب الفتوى هذا التأييد. فكيف ينكر الشيخ المفتى الذي جاءت مقالته المنشورة على((الرسالة)) موافقة للمذهب القادياني, كيف ينكر علي ما قلت في ((القول الفصل)) من ان الشيخ شلتوت جدير بان يكون هو المعترض في اللجنة الازهرية على فصل الطالبين الالبانيين القاديانيين, وكيف يعد قولي ذلك افتراء على نفسه, مع انه في مقالته الاولى القديمة وفي مقالته الجديدة الرادة علي, لا يزال يؤيد المذهب القادياني ويفضله على مذهب علماء الاسلام, منكرا لرفع عيسى عليه السلام
صفحة 277
إلى السماء و نزوله منها فى اخر الزمان، ولم أقل بالضبظ إنه هو ،و إنما قلت جدير بأن يكونه .اليوم أزيد على ما في الكتاب فأقول : وليس بمستبعد من الشيخ المفتى المدافع عن الشيخ محمد عبده صاحب التعرف الشاذ للنبي الذي ينطبق على عباقرة المصلحين من الناس أكثر من انطابقه على الأنباءوالمرسلين ، ليس بمستبعد منه تأييد الذهب فيما بقى عما ذكرفب الأستفناء ،لولا نظام الدرس والأستبطان بمنعه وقتيا وهذا من التأييد. ومما يجب التنبيه إليه أن لنزعه القاديانيه التى عزوتهافي الكتاب إلى الشيخ والتي زدت عليها ههنا ،ليس مصنعها انع معتنق لمذهب تلك الطائفه الهنديه أتباع غلام أحمد،وإنما هو لكونه في مذهب الطائفه المصريه غير الؤمنين بالغيب ،يشارك الطائفه الأولى في نواحيها السلبيه المافيه للقائد التي توارثها المسلمون منذ صدر الإسلام إلى زمن التيار الريغ الغربي المادي.
وما كتبيته عن داء الشيخ الضمير الذي يدفعه إلى دائه الظاهره فى مسأله رفع عيسى ونزوله،غير حافعلى فراسه المؤمن الناظر بنور لله ، فعليه دلائل من إنكاره الشيطان فسكوته على الأنكار المنكرين للمعجزات،بل دفاعه عن المدافعين.عن المنكرين ودفاعه عن الشيخ محمد عبده صاحب التعريف الفاسد للنبي _وإنلم يدافع عن التعريف نفسه ، وعدم قبوله لأي دليل على رفع عيسى ونزوله حتى أته نفى حصول غلبه الظن به من الأيات والأحاديث فى ذلك العدد لا تكفى لتكوين عقيده فى إثبات رفع عيسى ونزوله على زعمه ،كفت في تكوين عقيده الشيخ في نفي الفع والنزول تجعله قائلا فى مقاله الدر الثانيه ص 408 ((الرساله)) عدد516:
((وقد تناول هذه الأيات فى الفتوى ودرسناها دراسه علميه واضحه وعرضنا الى اراء المفسرين فيها وبينا أنه ليس فيها دليل قاطع على أن عيسى رفع جسمه إلى السماء بل هى _ على الرغم مما يراه بعض المفسرين _ظاهرة بمجموعها في أن عيسى قد توفى لأجله وأن الله رفع مكانته حين عصمه منهم وصانه وطهره من مكرهم (1).
بداية هامش صفحة 277
(1)مامعنى تطهير عيسى من مكرهم؟ وقد لجأ إليه الشيخ في سبيل إرهاق القران على قبول مذهيه
بداية هامش صفحة 277
صفحة 278
فعدم رفع عيسى وعدم نزوله ثابتان عنده على رغم الايات والاحاديث الواردة فيهما, فكأنه وهو غير واثق بدلالة الايات والاحاديث على رفعه ونزوله, ولا شك ان عكس الامر في المسألة وادلتها الى هذا الحد انما يكون مبينا على وجود مانع عند الشيخ عن الرفع والنزول غير عدم الادلة الايات والاحاديث الدالة عليهما رغم انكار الشيخ – مانع يستحيل التغلب عليه وهو مخالفتهما لسنة الكون وللعلم الحديث الطبيعي الذي لا يعترف الا بما ثبت بالتجربة الحسية.
ومما يدل على داء الشيخ المضمر قوله في مقالة الرد الاولى((الرسالة))عدد514 وهو يخاطبني وزملائي المدافعين عن عقيدة رفع عيسى ونزوله : (( لا. لا. انكم ايها المموهون لا تريدون بذلك الا ان تجاروا سلفا لكم ضعفوا من الحجة والبرهان ولم يتعودوا الاخلاص للحق فراحوا يرددون الاراء بتشويهها والتنفير منها , كانوا يقولون: هذا راي المعتزلة وهذا يتفق مع قول الفلاسفة وذاك راي ابن تيمية... الخ وهاانتم اولاء تتبعون سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع فتحاولون تشويه الاراء بمثل قولكم : هذه روح قاديانية, هذه مسايرة لاراء المشترقين , هذا نجديد في الدين...الخ , ولكن اعلموا ان الفكر الاسلامي قد اخذ يستعيد صفاءه ويسترد اخلاصه للحجة والبرهان كما كان شأن السلف الصالح المؤمنين))
ففيه اشارة الى كل ما ذكرته هنا في تعيين المرمى الحقيقي للشيخ في كتاباته الذي لم يحن بعد حين البوح به منه فاذا حان حينه لا يكتفي الشيخ بانكار وجود الشيطان وعروج عيسى ونزوله بل يقترح تصفية عقيدتنا من كل ما لا يدخل في متناول التجربة الحسية ولا يقبله العلم الحديث المثبت كوجود الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر, وتجريد القران من ايات المعجزات وسائر الخوارق, كما اقترح الاستاذ فرح انطون على الشيخ محمد عبده. ومثل هذا القول ورد في احدى مقالات الاستاذ فريد وجدي التي كتبها قبل سنوات عند ما جرى النقاش بيني وبينه على صفحات ((الاهرام)) في معجزات الانبياء,
صفحة 279
وذلك بمناسبة ما كتبه المرحوم احمد زكي باشا في تأويل ما جاء في القران عن (وادي النما ) فعقب عليه الاستاذ كل ما في كتاب الله من الانباء التي يراها منافيه للعقل والعلم وفيها معجزات الانبياء وسائر المغيبات حتى ان فيها((خروج الناس من القبور للبعث)) الى المتشابهات غير المفهومة . وقوله الذي اردنا نقله هنا للمقارنة مع قول الشيخ في جملته الاخيرة:
(( وبعد فان الامر جلل لا يحتمل التلاعب بالكلام فاما مذهب يجمع بين الثقافة المصرية والدين فنسير الى الامام كما سار اباؤنا مثقفين متاخين واما وقفة تعقبها قهقرى, وعند ذاك لا يجد بنا التضييق الذي يظنونه تفديسا للكلام الالهى وما هو منه في شيء)).
فيجب على القارئين ان يتأملوا ويعطوا التأمل حقه من هاتين الكلمتين كلمة الشيخ وكلمة الاستاذ اكثر مصارحة ويعطوا التأمل حقه من هاتين الكلمتين كلمة الشيخ وكلمة الاستاذ اكثر مصارحة من الشيخ , ومع هذا فالذي يرى فيه الشيخ استعادة الفكر الاسلامي لصفائه ما هو الا مذهب الجمع بين الثقافة العصرية والدين , على ان يكون هذا الجمع عبارة عن جعل الدين يسير على هوى تلك الثقافة فيطرح كل ما لا يقبله مبدأها كل معقول لا يؤيده محسوس فلا يعتد به والذي يؤمن به الاستاذ ولا يزال يردده في مقالاته على الرغم من كونه مبدأ العلم المادي وكون الاستاذ انقلب منذ زمان طويل ضد ذلك العلم, وعلى كل تقدير يطرح كل ما لا تقبله الثقافة العصرية واعتبر الى الان داخلا في الدين, من الدين وان كان دخوله فيه بواسطة الكتاب والسنة مثل رفع عيسى ونزوله. ثم لو كانت الثقافة العصرية التي يلتزم ان يسير الدين على هواها سارت مع الحقيقة لهان الخطب او بالأولى لرضينا تلك المسايرة ولكن الامر ليس كذلك , اذ لا حقيقة بمعنى الكلمة في نظر هذه الثقافة حتى تسير معها بل الغلطة الناجحة تعتبر حقيقة عندها كما تعتبر الحقيقة الفاشلة غلطا, وقد عرف القارئ مما كتبنا في مواضع بين كتابنا في مواضع بين كتابنا الى هنا انتهاء الثقافة العصرية في المذهب الرببي.
صفحة 280
وفي قول الاستاذ((كما سار اباؤنا مثقفين متاخين)) مغالطة القارئ الذي لا معرفة له بسير ابائنا : فاباؤنا لم يسايروا الثقافة المصرية القديمة المترجمة من فلسفة اليونان مسايرة عمياء بل انتقدوها ولم يطبقوا الاسلام عليها بل طبقوها على الاسلام فأخذوا ما يوافقه وردوا ما ينافيه بادلة منبية على مبادئ تلك الفلسفة, فما فعله اباؤنا هؤلاء الفحول هو الذي يعيبه اليوم عليهم الشيخ شلتوت زميل الاستاذ في محاول اعادة الاسلام الى صفائه بإذابته في بوتقة الثقافة المصرية, قائلا: (( كانوا يقولون هذا راي المعتزلة وهذا يتفق مع قول الفلاسفة وذاك راي ابن تيمية))فيعنفهم لماذا كانوا اهل السنة والجماعة ولم يكونوا معتزلة او مجسمة او اذناب الفلاسفة قائلين بقدم العالم الذي توسل به القدماء الى نفي كون الله تعالى فاعلا مختارا وتوسل به ملاحدة الغرب الى اغناء العالم عن وجود الله, ثم يعنفنا نحن المتبعين سنن من قبلنا الثلبتين على عقائد ابائنا المسلمين: لماذا لا نغدوا عبدية عبقرية ولماذا لا نروح قاديانيين او أذناب المستشرقين؟؟ وصفوة القول ان المسألة المقصودة بالذات من قلق الشيخ كاتب مقالات الرد ليست ظهور عدم نجاحه في انكار رفع عيسى ونزوله, لأنه لا بد من ظهوره بما كتبه اهل الحق من العلماء ويكتبونه بعد هذا, وانما المصيبة الكبرى عنده انى قبضت على ناصية المؤامرة ضد الايمان بالمغيبات مثل المعجزات والنبوات المدبرة بأيدي نوابغ الكتاب الموجودين في البلاد الاسلامية المتفقين مع شداد العلماء الذين عبدوا طرق المؤامرة لاولئك الكتاب فكتب لاسمائهم الخلود بايديهم والذين يحاولون الحصول على رتبة النبوغ لأنفسهم ايضا بفضل شذوذهم واشتراكهم في المؤامرة مع الكتاب النابغين والعلماء الخالدين.
واهم النواحي المقلقة للشيخ كونه هو السبب المباشر لنشر((القول الفصل)) الكاشف عن الطائفة المؤامرة وكون مساعيه المبذولة لاخفائها بشغل العقول والافهام بالايات التي حملها ما لا تحتمله من التأويل والاحاديث التي تجرأ على الاستهانة بها, منهية الى الفشل.
صفحة 281
بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الرابع
في عدم جواز فصل الدين عن السياسة
قد نبهنا في مقدمة الكتاب (ص162 – 165 جزء أول) بعض التنبيه إلى أهمية هذه المسألة في نظر الأسلام الذي له عين ساهرة على حقوقه، بالرغم من استخفاف محدثيها بما فيها من خطر عليه، وتصويرها في أعين الناس كان الفصل بين الدين والسياسة عبارة عن مراعاتهما مستقلاً احدهما عن الآخر من غير أن يكون أي إخلال أو إضرار بأي منهما. لكن حقيقة الأمر أن هذا الفصل مؤامرة بالدين للقضاء عليه وقد كان في كل بدعة أحدثها المصريون المتفرنجون في البلاد الإسلامية كيد للدين ومحاولة الخروج عليه لكن كيدهم في فصله عن السياسة أدهى وأشد من كل كيد في غيره، فهو ثورة حكومية على دين الشعب – في حين أن العادة أن تكون الثورات من الشعب على الحكومة – وشق عصا الطاعة منها أي الحكومة لأحكام الإسلام، بل ارتداد عنه من الحكومة أولا ومن الأمة ثانياً إن لم يكن بارتداد الداخلين في حوزة تلك الحكومة باعتبارهم أفرادا، فباعتبارهم جماعة، وهو أقصر طريق إلى الكفر(1)
هامش صفحة 281
(1) ومن البلية أن الحركات التي تثار في الأزمنة الأخيرة وترمي إلى محاربة الإسلام في بلاده بأيدي أهله والتي لا شك أنه الكفر وأخبث أفانين الكفر، يباح فعلها لفاعليها ولا يباح تسميتها باسمها لمن عارض تلك الحركات وحارب المحاربين. ولله در المعري حيث يقول:
وتعارف القوم الذين عرفتهم بالمنكرات فعطل الإنكار
ولو قال " فأنكر الإنكار" لكان أوفق بزماننا. =
نهاية الهامش
صفحة 282
من ارتداد الأفراد، بل إنه يتضمن ارتداد الأفراد أيضاً لقبولهم الطاعة لتلك الحكومة المرتدة التي ادعت الاستقلال لنفسها بعد أن كانت خاضعة لحكم الإسلام عليها. وماذا
هامش صفحة 282
= ثم إن محاربة الإسلام ومحاربة المحارب تجريان في مصر التي يقال عنها زعيمة العالم الإسلامي، في أسلوب عجيب مبهم ناشئ من حيث نوايا المحاربين ومن ضعف مركز المعارضين، كأن الطرفين المتحاربين لا يفهم كل منهما عند النقاش ما يرمي إليه الطرف الآخر، فيقوم مثلا حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا رئيس الوزراء سابقاً ويقترح في مجلس النواب توحيد القضاء في مصر بإدماج المحاكم الشرعية في المحاكم الأهلية، وهذا الاقتراح فصل مهم من مبدأ فصل الدين عن السياسة الذي سار في طريقه بمصر وقطع غير قليل من مراحل تطوره، ويقول المعارضون لاقتراح دولته: إن الإسلام ليس دين عبادة فقط بل دين حكم أيضاً، وإدماج المحاكم الشرعية في المحاكم الأهلية المتضمن لإلغاء المحاكم الشرعية ينافي كون الإسلام دين حكم. لكن دولة إسماعيل صدقي باشا الذي لا يجهل كون الإسلام دين حكم، يريد إلغاء هذا الحكم، لكونه ممن لا يقبلون حكومة الدين على الناس وإن شئت فقل حكومة الله على الناس وإنما يقبلون حكومة الناس على الناس، هذا هو مراد إسماعيل صدقي باشا مما اقترحه على مجلس النواب، ولكن ليس للإسلام قوة في مصر بقدر أن يقال للذين يضمرون له شرا – وربما يظهرونه أيضاً – مرادكم القضاء على دين الأمة بواسطة القضاء على دين الدولة. ومن العجب أن دولة الباشا من رجال دولة دينها الإسلام ومن نواب أمة في برلمانها دينها الإسلام.
ولا بد أن نذكر هنا بكل تقدير قول الدكتور على الزيني بك المدرس بالجامعة المصرية ثم العميد لكيلة التجارة في كتابة: " أصول القانون التجاري" جزء أول ص 42
" وإذا كانت الشريعة قد أثرت في نهضة القانون التجاري في أوائل القرون الوسطى فأفادت في دفع العادات والقوانين التجارية في اتجاهها الجديد، فإنها قد تأثرت بدورها في أواخر تلك القرون وقي العصور الحديثة بالقوانين الأوروبية التي بدأت تزاحمها في تطبيقها داخل بلادها. وكان أسبق القوانين التي دخلت مصر وبدأت تطبق فيها بجانب الشريعة الإسلامية القوانين التجارية ذاتها التي ساعدت هي في تكوينها. ثم عدَل فجأة النظام القانوني المصري فيما يتعلق بالمعاملات المدنية والتجارية عامة وحلت فيه القوانين الأوروبية المدنية والتجارية محل الشريعة الإسلامية التي اقتصرت أحكامها على الأحوال الشخصية من ذلك الوقت. ومما أسلفنا نرى أولا أن غزو القوانين الأوروبية لمصر لم يؤثر أصلا في موضوع أحكام الشريعة الإسلامية فقد بقيت هذه الأحكام على ما هي عليه ولم تمس بتغيير أو تعديل نظراً لتقديسها من البدء إلى النهاية. وقد رأيت أنها على قدمها لم يتفوق عليها أي قانون من القوانين الحديثة في سبيل تسهيل المعاملات التجارية وسهولة إثباتها. ونرمي ثانياً أن التأثير=
نهاية الهامش
صفحة 283
الفرق بين أن تتولى الأمر في البلاد الإسلامية حكومة مرتدة عن الإسلام وبين أن
هامش صفحة 283
= الذي وقع عليها وقع في تطبيقها".
لا بد أن أذكر هذا القول إزاء اقتراح صدقي باشا، ليتبين أن في مصر غزاة من أهلها في سبيل القوانين الأوربية وإحلالها محل الشريعة الإسلامية وهم الذين نفذ الاستعمار في قلوبهم فاستهواها، وحماة مستنكرين هذا الغزو ومقدرين لما بأيديهم من تراث الإسلام حق قدره. وواجبي في هذا الكتاب إعطاء كل من الفريقين ما يستحقه من الشكر أو النكر. والشيخ الأكبر المراغي أيضاً من المحاولين لغزو الشريعة الإسلامية رغم مركزه الأزهري وإن كانت الخطة التي رسمها للغزو غير خطة صدقي باشا، ولك أن تقول عنها خطة خفية وهي عين خطة التغيير والتعديل التي يراها الدكتور الزيني أسوأ الخطط، لعدم ائتلافها مع قداسة الشريعة الإسلامية والشيخ الأكبر ينكر هذه القداسة وسيجئ نقل مقالة بصدد الإنكار مع ردنا عليه. والمفهوم منه أنه من دعاة فصل الدين عن السياسة بطريقة خاصة له سرية.
هذا ودولة إسماعيل صدقي باشا المار الكلام على اقتراحه في برلمان مصر من أحمس المحبذين للانقلاب الكمالي في تركيا حتى إنه كان قد هنأ الأستاذ عزيز خانكي داعية مصطفى كمال بمصر وعدو الدولة العثمانية المسلمة إلى حد أنه أنكر في نقاش جرى بين وبين على جريدة الأهرام كون الفضل في فتح القسطنطينية للسلطان محمد الفاتح.. هنأه بكلمة منشورة في الجرائد لأجل كتابة المسمى " ترك وأتاتورك" ورآه جديراً بأن يطبع عشرة آلاف عدد منه على نفقة الحكومة المصرية ثم يوزع على طلبة المدارس. وهذا الاقتراح من دولته ما أعار قيمته لذلك الكتاب الذي لا يمكن تقويمه وإنما أنزل دولته منزلة داعية داعية مصطفى كامل بمصر فضلاً عن داعية داعيته، إلا أنه يدعو لرجل كان أكبر ميزته – وفيه سر ما ناله عند الدول الغربية من الإعظام والاهتمام – عداوة الإسلام وكراهية العرب لكون الإسلام نشأ فيهم ثم أعدى غيرهم، حتى إنه بسبب هذه العداوة والكراهية قد تنازل في حياته عن اسم "مصطفى" والله غالب على أمره حيث نزع هذا الإسم العظيم المبارك عنه بيده. فسبحانه وقد أقسم بنفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها، فلو لم يكن لدعاة الرجل إلا أنهم يدعون لعدو الإسلام والعرب لكفي في كف مسلم عربي أبى عن هذه الدعاية فضلاً عن استذناب الدعاة.
فإن كان دولة الباشا بعد ذلك الممسوخ من مصطفى كمال بطلاً ويتغاضى إزاء بطولته عن معاداته الإسلام وكراهيته العرب فهو جد مخطئ في ذلك، فهل كان من لوازم البطولة إلغاء الخلافة وإحداث ثورة ضد دين أمة الترك التي أسلمت منذ أكثر من ألف سنة وسجل لها التاريخ جهاداً طويلاً في سبيل الإسلام؟ ألم يفكر صدقي باشا في هذه الدقيقة عند منح الرجل رتبة البطولة، أم كان أهم
نهاية الهامش
صفحة 248
تحتلها حكومة أجنبية عن الإسلام (1) بل المرتد أبعد عن الإسلام من غيره وأشد، وتأثيره الضار في دين الأمة أكثر، من حيث أن الحكومة الأجنبية لا تتدخل في شؤون الشعب الدينية وتترك لهم جماعة فيما بينهم تتولى الفصل في تلك الشؤون، ومن حيث أن الأمة لا تزال تعتبر الحكومة المرتدة عن دينها من نفسها فترتد هي أيضاً معها تدريجياً إن لم تقل بارتدادها معها دفة باعتبارها مضطرة في طاعة الحكومة، ومن حيث أن
هامش صفحة 248
= النواحي في بطولته عند الباشا قضاؤه على الخلافة ودين الدولة؟ ومما يوجب الدقة أن أول مانحيه رتبة البطل كان الأوروبيين وكان المسلمون تبعا لهم في ذلك كما كانوا في كل شئ، فقد قرأت في الجرائد أ، عدد ما ألف في أوربا بشأن مصطفى كمال زاد على ستمائة كتاب. فيستنتج العقل من هذا أنه رجل حاول الأوربيون أن يجعلوا منه بطلاً أكثر من أنه بطل في الحقيقة. وماذا فعل حتى أستحق لقب البطولة عندهم؟ فإن كان هذا اللقب مكافأة له على إخراجه اليونان من أزمير في غد الحرب الماضية كانت الإنكليز والفرنسين الذين كانوا أصحاب الكلم يومئذ حلفاء اليونان فيكف يكافئ الحليف عدو الحليف الغالب ويهتف له؟ ولماذا لم يهتف لقاهر اليونان في الحرب الثانية مع كون الهاتفين حلفاء اليونان المقهورة في كلتا الحربين؟ فلماذا هتفوا للقاهر الأول ولم يهتفوا للقاهر الثاني بل خفوا إلى محاربته إنجادا للحليفة؟ فهل كان ذلك الهتاف امتيازا خاصاً بالقاهر التركي؟ وهو ليس بأول قاهر تركي: فقد وصل جيش أدهم باشا من قواد عهد السلطان عبد الحميد في مدة شهر إلى أبواب أثينة فلم يدع ذلك القائد استحقاقه لعرش تركيا ولا منحه الإنكليز والفرنسيين لقب البطل ولم يؤلفوا فيه كتابا واحداً ولم يعيدوا إلى الترك جزيرة كريت التي كانت سبب تلك الحرب بينهم وبين اليونان. فكان إذن سر استحقاق مصطفى كمال لجائزة البطولة في وعده للإنكليز والفرنسيس أثناء المفاوضة معهم في لوزان بل أثناء محاربة اليونان لإخراجها من الأناضول، بإلغاء الخلافة والدولة العثمانية الإسلامية وإقامة جمهورية لا دينية مقامها وكانت ثورة الغالب على اليونان في تركيا ضد الإسلام وآدابه وتقاليده، إنجاز ذلك الوعد أي ثمن رتبة البطولة الممنوحة سلفا وإلا فلم يكن الرجل مجنوناً توهم القضاء على دين من لوازم البطولة، كما لم يكن الإنكليز مجاني إلى حد أن يهتفوا لقاهر حليفتهم، من غير فائدة تعادل التضحية بالحليفة. وإنما كان الرجل حريصاً رأى استجلاب مودة الدول المعادية للإسلام ومساعدتها لتحقيق مطامعه مشروطاً بهذا العمل الممقوت الذي كان منذ قرون طويلة أمنية لأعداء الإسلام غير مقضية.
(1) وقد قلنا في مقدمة الكتاب أن مدار الفرق بين دار الإسلام ودار الحرب على القانون الجاري أحكامه في تلك الديار، كما أن فصل الدين عن السياسة معناه أن لا تكون الحكومة مقيدة في قوانينها بقواعد الدين.
نهاية الهامش
صفحة 285
موقفها الاضطراري تجاه حكومة تأخذ سلطتها وقوتها من نفس الأمة ليس كموقفها الاضطراري تجاه حكومة أجنبية لها قوة أجنبية مثلها.
ومن هذه النقاط الدقيقة المهمة كان ضرر الحكومة الكمالية بأمة الترك المسلمة أشد من أي حكومة أجنبية مفروضة الاسيتلاء على بلادها. وربما يعيب هذا القول على من لا خلاق له في الإسلام الصميم، والغائب يرى الوطن فقط فوق كل شئ، مع أن المسلم يرى الوطن مع الإسلام فهو يتوطن مع الإسلام ويهاجر معه فأن كان يقع جزء من بلاد تركيا تحت احتلال اليونان المؤقت لأزمير فتركيا كلها ببلادها وسكانها خرجب بعد حكومة الكماليين من يد الاسلام.
وبينما أنا أستشهد بحال تركيا الحديثة الكمالية على مضار فصل الدين عن الدولة نرى فضيلة الأستاذ الأكبر المراغي شيخ الجامع الأزهر يقول في كلمة منشورة عنه في الجرائد ما معناه: "ان في إمكان أي حكومة إسلامية أن تخرج عن دينها فتصبح حكومة لا دينية، وليس في هذا مانع من أن يبقى الشعب على إسلامه كما هو الحال في تركيا الجديدة". فيستشهد بحالة تركيا الحاضرة على نقيض ما استشهدت أنا بها عليه. والأستاذ الأكبر ليس في حاجة إلى الفحص عن النشء الجديد التركي المتخرج على مبادئ الحكومية الكمالية التي أعترف الأستاذ الآن أول مرة بأنها حكومة لا دينية، ولا في حاجة إلى التفكير في كون الشعب التركي القديم المسلم يفني يوما عن يوم ويخلفه هذا النشء الجديد اللاديني.
ليس فضيلته في حاجه إلى الفحص عن هذه الحقيقة المرة إذ لا يعنيه حال الترك ومآلهم مسلمين أو غير مسلمين ولا حال الإسلام المتقلص ظله عن بلادهم بسرعة فوق التدريج، حتى أن الأستاذ لا يعنيه تبعة الفتوى التي تضمنها تعزية ببقاء الشعب على إسلامه مع ارتداد الحكومة في تركيا والتي تفتح الباب لأن يقول قائل: إن الحكومة ما دامت ينحصر كفرها في نفسها ولا يُعدي الشعب فلا مانع من أن تفعل حكومة
صفحة 286
مصر مثلا ما فعلته حكومة تركيا من فصل الدين عن السياسة بمعنى أنه لا يخاف منه على دين الشعب، كأن الدين لازم للشعب فقط لا للحكومة مع أن الحكومة ليست إلا ممثلة الشعب أو وكيلته التي لا تفعل غير ما يرضاه، فإذا أخرجها أفعالها عن الدين فلا مندوحة من أن يخرج موكلها أيضاً لأن الرضى بالكفر كفر. وهذا ما يعود إلى الشعب من فعل الحكومة فحسب، فضلاُ عما يفعل الشعب نفسه بعد فعل الحكومة الفاصل بين الدين والسياسة ويخرج به عن الدين ولو في صورة التدريج، اقتداء بحكومته التي يعدها من نفسه لاسيما إذا كانت حكومة نيابية برلمانية.
وقد حصل لنا من فصل الأستاذ المراغي بين أمه الترك وحكومتها في الخروج عن الدين، مساعدة تستطيع بفضلها إيضاح ما طرقاه من موضوع فصل الدين عن السياسة بسهولة: ذلك أن المسلمين – إلا من شذ منهم من القاسية قلوبهم – فهموا فظاظة الفتنة اللادينية في تركيا، وكان من المسلمين من لم يفهم قبل الانقلاب التركي الكمالي مبلغ خطر فصل الدين عن السياسة على الإسلام وضرره به، مع أن ما فعل في تركيا ليس غير فصل الدين عن السياسة.
إن السبب الذي حداني إلى حشر مسألة فصل الدين عن السياسة مع مسائل الألوهية والنبوة التي هي موضوع هذا الكتاب المتصل بعلم أصول الدين – على الرغم من عدم كون مسألة الفصل والتحذير منه من مسائل هذا العلم الباحث في عقائد الإسلام وإنما مسألة الفصل والتحذير منه ترجع إلى ناحية العمل (1) – كون الدافع الأصلي إلى تأليف هذا الكتاب ما رأيته ورأى معي كل غيور على أهل ملته بعيون دامعة من تشتت شمل
هامش صفحة 286
(1) ولك أن ترجع مسألة عدم جواز فصل الدين عن السياسة إلى مسألة وجوب نصب الإمام المعدودة من المسائل الكلامية لأن المقصود من نصب الإمام من جانب المسلمين تقييد الحكومة بأن تكون أعمالها في حدود الشريعة الإسلامية. فيكون هذا الإمام خليفة عن رسول الله بذلك التقييد.
نهاية الهامش
صفحة 287
المسلمين وهبوطهم إلى حضيض الذل والمسكنة منذ طروء الضعف على اعتصامهم بدينهم القوي القويم.
فالمسلمون إن لم يكن الله قد قدر أن يقطع دابرهم بالاستمرار في سبيلهم إلى الدمار فهم في حاجة إلى تدارك أمرهم بالرجوع إلى حضانة الإسلام فيتربوا فيها ويبعثوا من جديد إلى حياة الدنيا والآخرة. ولا ينفعهم البحث عن أسباب البعث في حضانات أجنبية فينشأوا أمة ممسوخة لا شرقية ولا غربية ولا مسلمة ولا كتابية.
ولا يكون منشأ هذه الفوضى الدينية والاجتماعية والسياسية اللاتي لا يقيدها نظام غير نظام التطفل للأمم، إلا الوهن في العقيدة، فالأخلاق من غير دين عبث كما قال الفيلسوف فيخته والأمة من غير أخلاق أضل من الأنعام وأبعد من أن يشد بعضها بعضاً. والدين لا بد أن يجيء من قبل الله ليتحلى المتدين قبل كل شيء بمخافة الله التي هي رأس الحكمة ومعدن الشفقة على خلق الله.
لكن البلاد الإسلامية عامة ومصر خاصة مباعة اليوم لفئة تملكوا أزمة النشر والتأليف ينفثون من أقلامهم سموم الإلحاد غير مجاهرين بها، وربما يتظاهرون بالدين. وقد ذكرهم الأستاذ فريد وجدي عن تهديدي بالعلم الحديث وسماهم نوابغ البلاد الإسلامية كما سبق ذكره في مقدمة الكتاب. ومهما كان هؤلاء اكتسبوا بأساليبهم الجذابة قلوب القراء، فضلاُ عما ربحت تجارتهم، لكنهم لا بد أن يشعروا في قرارة نفوسهم أنهم ليسوا في موقف شريف غني من ناحية الصراحة والشجاعة واستراحة الضمير.
فأردت في هذا الكتاب كشف النقاب عن أبحاث لا يريد هؤلاء الكتاب الدخول فيها، وقد سماه معالى هيكل باشا الدخول في حرب مع الجمود لاثقة لهم بالانتصار فيها كما سبق أيضاً في مقدمة الكتاب. وإني أرى من الواجب تصحيح عقائد هذه الفئة الممتازة من حملة الأقلام أو تحطم المكامن التي يحاربون الدين من ورائها، فلا بد من أحد الأمرين فأما أن يكونوا مسلمين في السر والعلن أو يسلم قراؤهم من شرورهم.
صفحة 288
وتشكيكهم فيما كتبوا أو خطبوا يبدأ من مسألة وجود الله، فالعلم الحديث الذي يعتصمون به لا يثبته والعلم القديم لا يُعتد عندهم بإثباته لعدم ابتنائه على التجربة الحسية. وكم نادى الأستاذ فريد وجدي بك بالدستور العلمي القائل " كل معقول لا يؤيده محسوس فلا يعتد به" وهو دستور الفلسفة الوضعية الملحدة التي أكبرها هيكل باشا مقدمة (حياة محمد) وقد تكلمنا عليه في مقدمة هذا الكتاب، واحتقر المنطق التجريدي والفلسفة الميتافيزيقية اللذين بنى عليهما علماؤنا مع الفلاسفة الموحدين إثبات وجود الله. فتلك الفئة يريدون إثبات وجود الله الذي ليس من الماديات، بواسطة مادية فلا يستطيعون طبعاً، ولا يعتمدون على عقولهم اعتمادهم على حواسهم. ونحن حين تولينا إثبات وجود الله تولينا معه الدفاع عن كرامة العقل ورأينا منذ رأينا الضعف في دين المتعلمين المصريين، ضعفاً في عقولهم أيضاً، وحسبنا في الدلالة على ضعف عقولهم ضعف اعتمادهم أنفسهم على عقولهم.
فلم تكن هذه الفئة النافذة الكلم في عالم الصحافة تحت أسر هذا المرض المزمن يساور قلوبهم الشك في دينهم على الرغم من كونهم أسروا قلوب الناس المعجبين بأقلامهم وألسنتهم، كما أخر الأستاذ فريد وجدي إثبات وجود الله في مجلة الأزهر إلى أجل غير مسمى من أدوار البحوث النفسية الجارية في الغرب، ولما تسابق مشاهير الكتاب بمصر متخذين آخر الموضوع لتأليفاتهم عبقرية سيدنا محمد بدلا من نبوته، ولما اقترح دولة إسماعيل صدقي باشا في البرلمان إلغاء المحاكم الشرعية وإدماجها في المحاكم الأهلية، وأخيراً كما قال فضيلة الأستاذ الأكبر المراغي ما قاله في شأن علم الفقة بمناسبة مناقشة الرسائل التي قدمها لأول مرة الطلاب المتخرجون من كلية الشريعة لنيل شهادة الأستاذية، وسيجيء الكلام منا على ذلك المقال. فهل الله موجود ثابت الوجود حالا وعلميا؟ وهل سيدنا محمد نبي ثابت النبوة أو عبقري أكثر منها ثبوتاً؟ (1) وهل الشريعة الإسلامية شريعة
هامش صفحة 288
(1) فكأن الكاتب عن عبقريته يكتب في موضوع متفق عليه لا في موضوع مختلف فيه =
نهاية الهامش
صفحة 289
إلهية حقيقة؟ كل ذلك موضوع اليوم تحت الشبهة. وقد رأيت استيقان هذه الأمور الثلاثة جماع حاجة هذا العصر فكتبت له هذا الكتاب، وهذا الباب الرابع منه المعقود لدرس مسألة فصل الدين عن السياسة والذي وصلنا إليه الآن، يتضمن النظر في ثالث الثلاثة المذكورة المؤدي إلى لزوم وجود حكومة متدينة على رأس أمة متدينة تعمل في مصلحتها وتقيها من طروء الفساد عليها وعلى رأس الحكومة دينها يعمل فيها ما تعمل هي في الأمة.
فقد عنيت في كتابي هذا بإثبات وجود الله إثباتاً عملياً بحقيقة معنى الكلمة وأرجو أن لا يخالج قلب أحد شك في وجوده بعد مطالعة الباب الأول والثاني من الكتاب بدقة، ما لم يكن ممن ختم الله على قلوبهم.
ثم عنيت بإثبات وجود رسل الله ومعجزاتهم ليكون مجيء الدين من قبل الله اللازم لكونه مسنداً للأخلاق، معلوماً للناس بطريقة رسمية، فضلاً عن أن وجود الرسل المبلغين عن الله لازم لوجود نشأة أخرى يحاسب الناس فيها على أعمالهم في نشأتهم الأولى محاسبة منطبقة على تبليغات الرسل.
أما وجود النشأة الآخرة فهو من الأهمية بحيث أن الفيلسوف الكبير "كانت" سلك في إثبات وجود الله مسلك بنائه على وجود تلك النشأة كما سبق في آخر الباب الأول، فوجود النشأة الأخرى ثابت عنده قبل ثبوت وجود الله.
هذه فلسفة الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلسفة عقيدتنا نحن المتدينين التي تتوقف سعادة الدارين للأمم على أن تركزها في قلوبها أفراداً وجماعات وتنشئ أبناءها على مبادئها وآدابها. إلا أنها في حالتها الحاضرة لا تتعدى أن تكون أقوالاً
هامش صفحة 289
= ويكتب ما لا يشك فيه لا ما قيه شك. ولكون الكاتب العصري يكتب فيما يتعلق بالإسلام للتشكيك ولا يكتب لإزالة الشك، يختار موضوعاً لكتابة عبقرية محمد الذي لا خلاف فيه ولا تعنيه نبوته المختلف فيها، فموقفه منها الحياد التام. ولا يقال لماذا يكتب في هذا الذي يكون فيه الكتابة كتحصيل الحاصل، لإمكان الجواب بأن يكتب ليتسلى القارئ ويتملى الكاتب.
(19- موقف العقل – رابع)
نهاية الهامش
صفحة 290
مكتوبة في هذا الكتاب أو بالأوضح حبراً على ورق، فمن ينفذها ويعمل بها وينشرها ويجعلها خطة مرسومة مطاعة إن كانت أقوالاً مقنعة مطابقة للحق؟ فهل يكون نشرها وتنفيذها بواسطة قراء الكتاب فيقرأها من يقرأها ويوصي بها إلى من لم يقرأها فتعم بين الأمة وتعمل بها الخاصة والعامة؟ وهذه مسألة: هل يكون صلاح الأمة والعمل بما يؤدي إلى نجاحها بحركات فردية من نفسها أم بواسطة هيأة تتولى أمرها وتكون لا سلطة عليها؟ وبعبارة أخرى، ممن يبدأ الصلاح: من الأمة فتصلح هي الحكومة أم من الحكومة فتصلح هي الأمة؟ والمعروف هو الترتيب الثاني وإن كان لا ينكر تأثير كل من الطرفين في الآخر، هو أسهل بالنسبة إلى الأول واحصر، إذ لو أمكن صلاح الأمة وانتظام شئونها من تلقاء نفسها لاستغنت كل أمة عن اتخاذ حكومة ذات سلطة عليها(1). ومقتضى هذا الأساس أن مبدأ الديانة إن كان حقاً مسلماً به وكان التمسك بالدين
هامش صفحة 290
(1) ولكن الحكومة ... من يصلحها أن لم تكن صالحة من نفسها ولم تقبل الصلاح والتدين بطرق سلمية؟ فهل يتعين عندئذ قلب الحكومة وتقويمها بالسيف؟ وجواب هذا السؤال منا، لا .... لأن شن الحرب الأهلية في زماننا ضد الحكومات التي يكون حق السلطة في جانبا متفقة مع جميع قوى السلطة المدخرة لحفظ البلاد، لا يجترئ عليه العاقل، ولا يكسب جماعة المتهورين خيراً من وراء مؤامرتهم، لا لأنفسهم ولا للبلاد لعدك إمكانية الغلبة ضد الحكومة التي حسبها أن يكون الجيش وقائده الأعلى الغير المسؤول معها. والسائرون على السلطان عبد الحميد في تركيا ثم السلطان وحيد الدين، حصلوا على مؤازرة من الجيش، ثم صار القول في تلك البلاد قول الجيش الذي استحال من جيش الدولة إلى جيش الحزب، فقد وقع دخول تركيا في الحرب العالمية الأولى بغير استئذان من السلطان محمد رشاد ومن الصدر الأعظم محمد سعيد حليم باشا الأمير المصري.

ولو أن جماعة الإخوان المسلمين المتشكلة في الأزمنة الأخيرة بمصر والحاصلة على قوة واسعة دينية وشعبية لا يستهان بها ثم المحاربة للحكومة، حاربتها وسعت لفتحها وإصلاحها المنشود، من طريق النجاح في الانتخاب والحصول على الكثرة البرلمانية، لما أهدرت نفسها وأمكنتها خدمة البلاد في دينها ودنياها.
خلاصة الطريقة الصالحة لإصلاح الحكومة إصلاح خاصة الأمة المثقفين واكتسابهم بالبحث والمناظرة ثم محاربة الحكومة إذا احتيج إليها، بأيدي هؤلاء الصالحين وفتحها بوسائلهم السلمية.
نهاية الهامش
صفحة 291
لازما للأمة لاسيما الأمم الإسلامية وشرطاً حيوياً لكيانها، فاللازم أن تكون حكومتها متدينة أي خاضعة للدين حتى يتسنى تدين الأمة ويسلم لها البقاء على دينها.
ولا نتوقع من القارئ أن يقول عنا في نفسه: ما بال المؤلف يشتغل بهذه الأمور المعلومة فهل من قائل بخلافها حتى يحتاج إلى تثبيتها؟ وما صلتها بموضوع هذا الباب من كتابة وهو فصل الدين عن السياسة؟ ولو قال ذلك كان جوابنا عليه: فها نحن أولاء اتينا هذه المسألة، لأن القول بفصل الدين عن السياسة معناه ادعاء عدم لزوم الدين للحكومة بزعم أن في دين الأمة كفاية واستثناء عن ديانة الحكومة، ومعنى عدم لزومه للحكومة أن لا يكون له أي للدين سلطة عليها ورقابة على أعمالها كما كانت للحكومة سلطة على الأمة ورقابة أعمالها. لكنا نحن القائلين بعدم جواز الفصل بين الدين والسياسة نرى هذا الفصل مساوياً لفصل الدين عن الأمة بل أشد ضرراً وأكثر مفعولاً، لأن الحكومة تستطيع التأثير في الأمة ولا تستطيع الأمة التأثير في الحكومة مادامت خاضعة لحكمها، فليس في مقدور الأمة التأثير في حكومتها غير تغييرها. فإذا لم يغيرها أو عجزت عن تغييرها فلا شك في تأثير الحكومة فيها وتمشيتها على هواها وتنشئة أبنائها على مبادئها دون تأثير من الأمة في الحكومة. (1)
فليس معنى تجويز فصل الدين عن السياسة إلا تحويز تجرد الحكومة عن الدين وهل يجوز في حق الحكومة هذا التجرد الذي لا يجوز في حق الأمة؟ إلا أن الراغبين في تجريد الحكومة من الدين يسمونه فصل الدين عن السياسة تخفيفاً لخطره وسوء
هامش صفحة 291
(1) فإذا لم تتقيد الحكومة في البلاد الإسلامية بقوانين الإسلام وألقت حبل الأمة على غاربها في صراعات الأحكام الشرعية على الأقل إن لم ترهقها أو تحثها على إهمالها، ينتهزه المستعدون من الناس لهتك الآداب والحرمات للجري في طرق الشهوات، لاسيما المترفين المتصلين بالحكومة المنفصلة عن الدين، فيعدي الفساد من هذه الطبقة السافلة المسماة بالطبقة العالية إلى الذين اتخذوها قدوة الحرية المستهترة، فيعم الفجور في الرجال والسفور في النساء حتى يتعذر على أنصار المحافظة على الآداب الإسلامية تنفيذ مبادئهم في عقر أسرتهم لا سيما النشء منها.
نهاية الهامش
صفحة 292
تأثيره في سمع الأمة المتدينة ، فهم يتوسلون إلى القضاء على دين الحكومة بأن يعبروا عن هذا القضاء بالفصل بين الدين والسياسة ، ثم يتوسلون بالقضاء على دين الحكومة إلى القضاء على دين الأمة.
وإذا لم يكن معنى فصل الدين عن السياسة تجريد الحكومة من الدين لتعمل بعقلها القصير محررة من قيود الدين وأحكامه فماذا يكون معنى هذا الفصل ؟ وقد كانت الحكومات الإسلامية منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم إلى عهد قريب مما نحن فيه اليوم من السنوات النحسات ، يحكمن على الأمة ويحكم عليهن الإسلام من فوقهن ، فإن فعلن في خلال هذه الخطة المرسومة ما يخالف حكما من أحكام الدين فإنما كان ذلك يعد ذنبا على الحكومة الفاعلة كما يقترف أحد المسلمين إثما متبعا هوى نفسه خافق القلب من مخافة الله ومخافة الناس . أما مجاهرة الخروج عن رقابة الإسلام ومحاولة فصل الدين وعزله عن السياسة أي عزله عن حكمه على الحكومة ووضع هذه المسألة موضع البحث في شكل مشروع جديد ومذهب اجتماعي جديد ومحاولة تقليد الحكومات الأجنبية عن الإسلام في ذلك – وقد سبق في مقدمة الكتاب نقل كلمة عن هيكل باشا تتضمن من الإشادة بالفصل – فلم تكن تطوف ببال أي حكومة من حكومات المسلمين مهما كانت فاسقة مستهترة في أفعالها ، لأن إعلان حرب من الحكومة على الإسلام كما هو المعتاد في الحروب تعلنها الحكومة ثم يعتبر ذلك إعلانا من الأمة أيضا .
صفحة 293
فإن شئت التخفيف عن شدة التعبير بإعلان الحرب فقل إعلان استقلال من الحكومة التي كانت تابعة في أحكامها لأحكام الإسلام ، ضد متبوعها وهو لا يقل في المعنى عن إعلان الحرب لتمردها على متبوعها وخروجها عن طاعته.
وقد ذكرنا فيما ذكرنا في مقدمة الكتاب من المتعلقة بمسألة فصل الدين عن السياسة أنه ليس معناه استقلال كل من الدين والحكومة عن الآخر ومساواتهما في هذا الاستقلال ، بأن لا يتدخل كل منهما في أمر الآخر وإن كانت هذه المساواة أيضا مما لا يرضاه الإسلام الذي لا يرضى الكفر .. لكن مسألة الفصل يرمي إلى أكثر من هذا وأمر ، لأن السياسة التي يتولاها جانب الحكومة ويتخلى عنها جانب الدين عند الفصل والتي معناها السيادة والإشراف على كل من يدخل تحت سقف البلاد ، لابد أن تضع الدين تحت أمر الحكومة ونهيها مع كل ما يدخل تحت ذلك السقف ، ومجرد هذا الوضع ينافي عزة الإسلام الذي يعلو ولا يعلى عليه كل المنافاة ويوجب الكفر ، حتى ولو فرض أن الحكومة تحترم دين الأمة دائما وتخدمه من غير أن يكون هذا الاحترام وهذه الخدمة فرضا عليها ، ولا تمسه بشيء من الاضطهاد مع كونها قادرة عليه ، من حيث أن سياسة البلاد بيدها لا بيد الدين . وغاية هذا الاحترام كون الدين في حماية الحكومة كما كانت مصر في حماية الإنكليز . ولا شك أن هذا الموقف بمجرده يمس كرامة الدين كما يمس كرامة مصر ، فضلا عن أن السائس كثيرا ما يبغي على المسوس والسيد على المسود . وقد كانت صلة الدين في الدولة العثمانية المرحومة بحكوماتها وسلاطينها موضحة في هذا المثل التركي : (( باش باشه باغي ، باش شريعته باغي )) يعني أن الرأس المربوط بالرئيس والرئيس مربوط بالشريعة.
فإذا فصل الدين عن السياسة في عهد أي دولة ، تطوى المادة المصرحة بدينها عن دستورها كما وقع في تركيا الحديثة الكمالية ، فقد حذفت في عهد مصطفى كامل الكلمة القائلة في الدستور التركي القديم بأن دين الدولة الإسلام واستبدل معها القانون المدني
صفحة 294
السويسري بالقانون المأخوذ من فقه الإسلام المدون في ( ( مجلة الأحكام العدلية )) وأمر بلبس القبعة وأبيح زواج المسلمات مع غير المسلمين فلم يؤل أي جهد في تغيير ظاهر الدولة العثمانية الإسلامية وباطنها.
وقد وجد في داخل تركيا وخارجها من المسلمين بأسماء المسلمين ولا يزال يوجد ، من يدعي أن فصل الدين وتبديل القوانين وحذف دين الدولة من الدستور ولبس القبعة وإباحة الزواج العالم وإلغاء النكاح الشرعي ومنع السفر لأداء فريضة الحج وغير ذلك حتى ترك الحلف باسم الله في الأيمان الرسمية .. لا يضر الإسلام. والحق أن ترويج فصل الدين عن الدولة سواء كان هذا الترويج من رجال الحكومة أو الكتاب المفكرين في مصلحة الدولة والأمة ، لا يتفق مع الإيمان بأن الدين منزل من عند الله وأن أحكامه المذكورة في الكتاب والسنة أحكام الله المبلغة بواسطة رسوله ، وكل من أشار بمبدأ الفصل إلى المجتمع فهو إما مستبعان للإلحاد – وقد أفشى الأستاذ فريد وجدي قبل توليه رئاسة تحرير (( مجلة الأزهر )) أن نوابغ الكتاب والشعراء في البلاد الإسلامية يستنبطون الإلحاد ويهيئون الأذهان لقبوله دسا في مقالاتهم وقصائدهم – وإما بليد جاهل بمعنى فصل الدين عن الدولة ومغزاه ، مع ظهور كونه عبارة عن عزل الإسلام عن حكومته على حكومة الدولة ومنعه من التدخل في شئونها ، ولأجل ذلك يمنع علماء الدين في العادة من قبول مبدأ الفصل ، عن الاشتغال بالسياسة فإذا خرج عن الإسلام من لا يقبل سلطة الدين عليه بالأمر والنهي وتدخله في أعماله حال كونه عن الإسلام من لا يقبل سلطة الدين عليه بالأمر والنهي وتدخله في أعماله حال كونه فردا من أفراد المسلمين ، فكيف لا يخرج من لا يقبل هذه السلطة وهذه التدخل ، بصفة أنه داخل في هيأة الحكومة؟ ولماذا يكون من حق الله أن يتدخل في أمور عبادة منفردين ولا يكون من حقه التدخل في أمورهم في شكل الدولة مع كونها أهم ؟ فهل الله يعلم صالح الفرد وخيره وشره ولا
صفحة 295
يعلم صالح الجماعة وخيرها من شرها؟ أو يبالي بأمره ولا يبالي بأمرها ؟ مع أن الظاهر كون الجماعة أكثر استعدادا واستطاعة للخير والشر من الأفراد ، وفي رأس الخير العمل لإعلاء كلمة الله الذي هو أشرف واجبات المسلمين.
وقد يكون فصل الدين عن الدولة أضر بالإسلام من غيره من الأديان لكون الإسلام لا ينحصر في العبادات بل يعم نظرة المعاملات والعقوبات وكل ما يدخل في اختصاص المحاكم والوزارات ومجالس النواب والشيوخ ، فهو عبادة وشريعة وتنفيذ ودفاع ، ويكون عموم نظر الإسلام هذا لكل شأن من شئون الدولة ........ عليه في زعم المروجين لفصل الدين عن الدولة ، ......... نؤكد لزوم الفصل ، في حين أن ذلك في نظرنا وفي نفس الأمر مزية للإسلام تصعده إلى سماء الرجحان بالنسبة إلى سائر الأديان وتكون أمنع مانع لمبدأ الفصل . فالإسلام المحيط بمعتنقيه من كل جانب دين لهم ودولة وجنسية . فهو يزيل جميع الفوارق فيما بينهم ويذيب كل جنسية وقومية في جنسيته ، ففيه الوحدة الاجتماعية التي تبحث عنها كل أمة لتوحيد الأقوام المختلفة ولا تجدها ، وفيه المساواة الحقيقية لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ، والتقي لا يدعي الفضل على أحد حتى في التقوى فلا يتفضل أحد على أحد في الإسلام.
لا يقال كما أم الإسلام جنسية فالنصرانية لا مانع من اعتبارها أيضا جنسية ، وكذا اليهودية وغيرها . لأني أقول : الإسلام ينطوي على كل ما تحتاج إليه الدولة والأمة من القوانين فهو مستغن بنفسه عن غيره لا يدانيه في هذه الخصلة أي ملة ، فجميع قوانينه مستنبطة من الكتاب والسنة ، مستنبطة فعلا ومدونة في الآلاف مؤلفة من كتب الفقه وكتب أصول الفقه. فهل رأى تاريخ الإنسان وتاريخ الأديان دينا
صفحة 296
كذلك ؟ وكنا قد أشدنا في الباب الثالث من هذا الكتاب عند نقد أقوال معالي هيكل باشا في مقدمة كتابه (( حياة محمد )) ، بما أنفق علماء الإسلام في ضبط وجمع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم من الهمم الجبارة والمساعي المشكورة ، والحال أن مساعي أئمة الففه المجتهدين أكثر من المحدثين وتمحيصهم الأحاديث التي تستند إليها الأحكام العملية في العبادات والمعاملات وجميع أنواع المواضيع الفقهية ، أبلغ واجتهاداتهم في تتبع معاني الكتاب والسنة مما يحير العقول ، فقد دونوا علما كبيرا من أدق العلوم مسمى بعلم أصول الفقه مستقلا عن علم الفقه يبحث في طرق استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها والآثار المؤلفة في ذينك العلمين مع علم الحديث كنوز الإسلام لا تنفى جدتها ولا تبلى جدتها ، فهي معجزة نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم اللاحقة بمعجزاته في حياته ، حتى إن مساعي أئمة النحو في سبيل الخدمة للغة القرآن ، التي لا يوجد لها مثيل في خدمة أية لغة للاحتفاظ بالفصحى مصونة عن التغيير ، من معجزات الإسلام أيضا ، وهذه المعجزات العلمية لا تقل عن معجزة فتوحات الإسلام بل تفوقها ، وكثيرا ما يذكرها الكتاب المصريون حين لا يذكرون هذه المعجزات الدينية المدنية .
ثم من أفرى الفرى ما انتقل من السنة بعض الأعداء المخرفين إلى السنة بعض المؤلفين منا ، أن قوانين الفقه الإسلامي مأخوذة من قانون الرومانيين . والقائل به أو بإمكانه جاهل لم يدرس علم الفقه ولا علم أصول الفقه . ولو درس لوقف على مأخذ كل مسألة ومرجعها في الكتاب والسنة.
وقد ألف في هذه المسألة صاوا باشا الرومي من علماء الحقوق ومن رجال الدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني كتابا بالفرنسية سماه (( نظرية الحقوق في الإسلام )) كما في تعليقات الأمير شكيب أرسلان على (( حاضر العالم الإسلامي)) في فصل ((إسلام الفرس ومبدأ التشيع)).
قال المؤلف اعني صاوا باشا في أول كتابه : أنه هو أيضا كان يعتقد هذا الاعتقاد
رقم الصفحة 297
نظير غيره ويبنى ذلك على ما يعرف من كون بني أمية لبثوا في الشام مدة طويلة يعملون بالأحكام التي كانت باقية مكن أيام الرومانيين ، فلا عجب في أن يكون هو أو غيره قد توهموا أخذ قسم المعاملات في الشريعة الإسلامية من القانون الروماني الذي كان العمل به في سورية ، إلا أنه أحب أن يدرس هذا الموضوع درسا دقيقا ويتعرف كيفية نشوء التشريع في الإسلام فاستنجد بعض علماء أسول الفقه من الأتراك وقرأ الفقه الحنفي جيدا وذكر الكتب التي طالعها أو راجعها وتجرد لمعرفة هذا الأمر مدة طويلة ، فوجد هذا الذي معناه أن التشريع الإسلامي مأخوذ من القانون الروماني رأيا ضعيفا أشبه بأن يكون خيالا من أن يكون حقيقة.
وقال في ص ذ16 من كتابه :" إن الصناعة والتجارة لم تكونا مهملتين في الحجاز وكان الأشراف يعتنون بهما وطالما كانوا يعملون الرحلة إلى الشام ويجلبون منها ما يلزم لبلادهم إذ كانت المدينة السورية و........ أكمل من مدينة الجزيرة العربية وكان أشراف قريش الذين من عادتهم التردد إلى دمشق وسائر مدن السورية يطلعون على الأوضاع الرومانية التي بها معاملاتهم ، ولهذا كان مما يرد على خواطر الناس حتى الذين منهم يعظمون شأن الشريعة المحمدية ، أن الأحكام التي يتألف منها الفقه الإسلامي إنما هي مستعارة من التشريع الذي كان العمل بها جاريا قبل الهجرة ، فالخطأ في هذه المسألة لا يخفى ، فالذي لم يطلع حق الإطلاع على منابع الفقه الإسلامي وتاريخ هذه الشريعة هو معذور إذن ، إذا ذهب به الظن إلى هذا المذهب فإن الأسباب التي تحتمل عليه كثيرة أشرت إلى بعضها وسأشير إلى البعض الأخر"
ثم قال:" إن الخصومات التي كانت تتولد في الإسلام في السنين الأولى من ....... في الشام والعراق كانت تنفصل بحسب القانون الروماني تفاديا من وقوف سير العدل ومن الخلل في الأحكام ، فالفاتح المسلم رأى أن يوجع القانون الذي جاء من الحجاز بما استعاره من القانون الذي وجده في البلدان التي فتحها ، ولهذا ذهب أكثر علماء
رقم الصفحة 298
أوربة إلى كون الخلافة الإسلامية أدخلت في فقهها أحكاما كانت احتاجت إلى استمدادها من قانون رومة ، لفصل القضايا بين رعاياها ومما لا ..... فيه أن كثيرا من المعاملات التي كانت مفروقة في الشام والعراق لا سيما مما يتعلق بالإيجار والرهن لم يكن معروفا في الحجاز ، فأمراه الإسلام كانوا معذورين في الأخذ من القانون الروحاني الذي كان ..... في سورية وكان يدرس في أشهر مدرسة الحقوق في ذلك العصر ألا وهي مدرسة بيروت التي أسسها الإمبراطور "روسفينيانوس" وكان يدرس فيها "دروني" مساعد".........." الفقيه الشهور،
"هذه هي المقدمات التي بنا عليها العلماء الأوربيون اعتقادهم بأن تشريع فقهاء الإسلام الذين بدلوا التشريع في أيام الخلفاء العباسيين الأوائل إنما هو مجموعة أحكام تضاهي ما كان جاريا من العمل في سورية قبل الفتح الإسلامي ، فأنت ترى الأسباب التي حملت على هذا الظن وهي معقولة ، إلا أن الحقيقة هي غير ما فكروا به في أوربة ويكفي أن ينظر الإنسان إلى هذه المسألة نظر المدقق ويتابع سير الشريعة الإسلامية في تقدمها وفي أطوارها حتى يعلم استقلال الشرع الإسلامي و أصالة منبعه وأن هذا ليس من ذاك.
" ولا شك أن لكل تشريع منبعا مختلفا عن الآخر، ففقه روسفينانوس هو عمل مبنى على العقل السليم البشرى وقد أصطبغ بالصيغة المسيحية ، وأما فقه الإمام الأعظم فهو مبني على كتاب الله ( القرآن ) وسنة الرسول ولن ترى في الفقه الإسلامي حكما واحدا غير مدعم على هذا أو هذه ، فاختلاف المنبعين لا ريب فيه يظهر لكل من درس فقه روسفينانوس وفقه أبي حنيفة ".
ولم يكتف هذا المؤلف ..... ...... ...... باشا ...... بهذا بل دخل الموضوع كما قال الأمير شكيب :"و أورد خلاصة اجتهاد الإمام أبي حنيفة وأصحابه أبى يوسف ومحمد ابن الحسن الشيباني و .... ثم من بعدهم من الأئمة ولخص تاريخ التشريع الإسلامي وبين
صفحة 299
مآخذة كلها وأثبت فلسفة الفقه الإسلامي المعبر عنه بعلم الأصول وقال إنه لا يقدر إنسان أن يعلم مأخذ الشرع الإسلامي إن لم يقرأ أصول الفقه وقال إني أدعو من يهمه هذا الموضوع أن لا يحكم فيه قبل أن يطالع هذا التاريخ المتسلسل للفقه الإسلامي مطالعة كافية. ثم قال: أنا مسيحي معتقد بديني ولكن المسيحي الحقيقي هو الذي يعامل الناس بالحق ولهذا أنا أفحص الشريعة الإسلامية فحص رجل مسيحي وأقدر قدرها بدون ضلع ولا ميل فأجدها لذلك جديرة بأعظم الاحترام" (1).
قال المرحوم الأمير شكيب: " وكتاب صاوا باشا هو أحسن كتاب قرأته بلغة أوربية في هذا الموضوع والفرق بينه وبين غيره من المؤلفين أنه يبني حكمه على أدلة وبراهين ووثائق ونصوص وحقائق تاريخية وأن أولئك يبنون على ظنون وتخرصات وعلى نظر من جهة واحدة وعلى قولهم لا بد أن يكون كذا. وهناك أسباب تدعو إلى الظن بأنه كذا وكذا. ومن يدري فقد يكون كذا وكذا وهذه أشياء لا تصلح أن تكون مدارا للأحكام، ولا يقال لهذا تمحيص وإنما يقال لها تخمين. وما أصدق الآية الكريمة: إن الظن لا يغني من الحق شيئا ".
وأنا أقول في كتاب صاوا باشا وما نقله عنه الأمير شكيب ونقلت أنا الآخر عنه على طوله، شهادة قيمة وعبرة عظيمة لأولى الأبصار (2) وضربة قاضية على المرجفين
هامش صفحة 299
(1) وكان العالم الحقوقي على شهباز أفندي المدرس في مدرسة الحقوق بالآستانة في زمن السلطان عبد الحميد مسيحيا أرمنيا أسلم في نتيجة تدقيقاته في الفقه الإسلامي. ولعل احتفاظ صاوا باشا الرومي بدينه وقع احتفاظا من الله بقيمة شهادته الغالية للتشريع الإسلامي وهو مع هذا أقرب إلى الإسلام بكثير من المسلمين الذين قلدوا الأوربين في إثارة الشبهة ضد هذا التشريع باحتمال كونه مأخوذا من القانون الروماني والله لا يضيع أجر المحسنين.
(2) من أول المحتاجين إلى الاعتبار والاتعاظ من هذا معالي هيكل باشا مؤلف كتاب " حياة محمد " الذي أسفر فيما كتبه مقدمة للطبعة الأولى من كتابه ومقدمة ثانية للطبعة الثانية، عن كونه يحسن الظن في كتب المؤلفين الغربيين من ناحية صدق القصد وخالص التوجه إلى المعرفة ابتغاء الحق،=
انتهى الهامش
صفحة 300
في هذه المسألة ممن لا خبرة لهم بعلمي الفقه وأصول الفقه الإسلاميين. ومن العجب أن الذين كتبوا فيها من المسلمين تقليدا للأوربيين ما قرأوا الفقه ولا أصول الفقه بقدرما قرأ صاوا باشا المسيحي العثماني. فمن قرأ منهم مثلا مبسوط شمس الأئمة السرخسي في الفقه الحنفي الذي طبع في مصر قبيل الحرب الماضية على ثلاثين مجلدا؟ وهو واحد من الآف المؤلفات الفقهية الإسلامية، ومن قرأ شرح الإتقاني على أصول حجة الإسلام البزدوي الذي سمعت من صديقي العالم الكبير فضيلة الشيخ زاهد أنه موجود في دار الكتب المصرية على عشر مجلدات؟.
وقبل الانتهاء من هذا البحث فلنعزز قولي الأمير شكيب وصاوا باشا الرومي ردا على فرية انتحال الفقه الإسلامي من قوانين الرومانيين، بثالث هو قول الدكتور على الزيني المدرس بالجامعة المصرية ثم العميد لكلية التجارة في كتابه "أصول القانون التجاري" وهذا الدكتور الفاضل يقول في مسألة الانتحال بالعكس وهذا نصه: في ص 32 جزء أول:
" الحروب الصليبية وفضل العرب في تكوين القانون التجاري – ومما تجب ملاحظته في هذا الدور وكان له أثر بالغ في تكوين العادات التجارية الجديدة أن الحروب الصليبية في ذلك الوقت حصلت قبل أن يتم تدوين تلك العادات أو في إبانه وساعدت الجمهوريات الإيطالية على نشر تجارتها في شواطئ البحر الأبيض المتوسط الشرقية، إذ كانت مراكبهم تنقل المحاربين من الصليبين الذين لم يكونوا محاربين بل كانوا تجارا أيضا وتنقل المؤن وتعود بالعروض والسلع. وبذلك اتصل التجار الإيطاليون بالمسلمين واطلعوا على نظامهم الفقهي والقضائي الرائع بحكمته وبساطته وخلوه من التعقيدات الشكلية فساعدهم ذلك وشجعهم عن التخلص من تعقيدات القانون الروماني والقانون الكنسي.
هامش صفحة 300
= كل الإحسان ويسيء ظنه كل الإساءة بما في كتب الحديث والسيرة من الروايات عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم متعلقة بأفعالع وأقواله. فقد عرفت من شهادة صاوا باشا المدقق فعلا في مسألة مهمة لا يجوز لأحد أن يحكم فيها إلا بعد تدقيق الأمر من كثب كما فعله صاوا باشا، كيف تكلم علماء أوربا عنها وحكموا فيها وكيف بنوا حكمهم على الظن الكاذب والتخمين الخالب.
انتهى الهامش
صفحة 301
ولسنا نقول ذلك تحيزا أو تعصبا لشريعتنا المجيدة بل يقوله معنا أحد من فطاحل كتاب الغرب وهو ليريبور بيجونيير في مقدمته على شرح القانون التجاري الإنجليزي ص15 وهذا نص قوله : (إن العادات التي أدخلها التجار الإيطاليون في كل مكان يتكون معظمها من عناصر مستمدة من القانون الروماني ولو أن منها أيضا عناصر مأخوذة من عادات العرب أو الأتراك) ونغتفر له قوله أن معظمها من القانون الروماني ، لأن الكل يسلمون بأن هذه العادات ما وجدت إلا للتخلص من أحكام القانون الروماني الكثيرة التعقيدات الشكلية ، ومن الطبيعي أن يعز على كاتب غربي في إبان النهضة الغربية الحاضرة أن يصدر منه اعتراف كامل بأن هذه النهضة تلقت أسسها أو بعض أسسها عن مدينة شرقية أصبحت الآن متداعية ، ولو أن هذا التلقي حصل في وقت كان الوضع فيه ممسوكا بالنسبة لهاتين المدينتين )).
وقال هذا الدكتور الفاضل في صفحة 41 ( تأثير الشريعة الإسلامية في تكوين العادات التجارية في القرون الوسطى):
((ذكرنا في بند سابق على لسان بعض مشاهير كتاب الغرب أن تجار الجمهوريات الإيطالية في القرون الوسطى استفادوا من عادات العرب و الأتراك – ولفظ الأتراك يستعمل أجيالا طويلة على لسان الغربيين كمرادف المسلمين – واستمدوا منها
صفحة 302
عناصر جديدة أدخلوها في تكوين عاداتهم التجارية . وهنا محل لبيان كيف حصل ذلك . فالشريعة الإسلامية أوحيت أمهات أحكامها إلى الرسول الكريم وفصلت أحكامها في أحاديثه وأحاديث الصحابة والتابعين والشروح العديدة التي وضعت لها في أوائل القرون الوسطى وجاءت آية في التدقيق الفقهي وتفريغ المسائل واستخلاص أحكام الجزئيات بيان ومنطق لا يوزن بالمقارنة إليه منطق الفقه الغربي الحديث. وامتازت أحكام الشريعة الإسلامية عن القانون الروماني الذي كان قانونا عاما لأوروبا في ذلك الوقت بخلوها من الإجراءات والتعقيدات الشكلية التي تدعو إلى بطء المعاملات وعرقلة التجارة . فالعقد في الشريعة الإسلامية يتم بمجرد توافق الإيجاب والقبول بدون حاجة إلى تسليم أو تسلم أي يكفي فيه رضا العاقدين. والكتابة ليست شرطا لا لصحة العقود والتصرفات ولا لإثباتها بل تثبت جميعا بشهادة الشهود أو بالقرائن مهما كانت قيمة الدعوى أو بالإقرار أو باليمين . وهذا هو ما لم يصل إليه أحدث القوانين الأوروبية إلا في القرن الماضي وهو أيضا آخر ما وصل إليه إلى يومنا هذا من درجات الرقي والتقدم وعلى الخصوص في التشريع التجاري وإثبات الديون التجارية.
((وقد اتصل التجار الإيطاليون وغيرهم من الغربيين بالمسلمين في إبان الحروب الصليبية وبعدها وأحكام الشريعة الإسلامية على ما وصفنا من البساطة والخلو من التعقيد والرسميات مما جعل أحكامها ملائمة بنوع خاص للسرعة والثقة التي تقتضيها المعاملات التجارية . فكان من الطبيعية أن يتأثروا بنظامها ويستفيدوا منها في وضع نظام جديد
صفحة 303
لتجارتهم يتخلصون بواسطته من القيود والتعقيدات التي ألفوها في القانون الروماني . إننا لا نستطيع أن نجزم أنهم أخذوا هذا الحكم بالذات أو ذاك عن كتب الفقه الإسلامي ما لم يكن تحت يدنا وثائق تبرر هذا الجزم وهي ليست في يدنا ، وكلنا نستطيع أن نجزم بأنهم تأثروا بالفقه الإسلامي وأحكام الشريعة الإسلامية وارتسمت في أذهانهم صور منها استعانوا بها في تحويل الأحكام الرومانية إلى الاتجاه الجديد الذي اتخذته العادات التجارية ، إذا من المستحيل أن ينتقل الإنسان فجأة من نظام نشأ عليه وتربى فيه إلى غيره دون مؤثر خارجي ، خصوصا إذا نزل هذا النظام من نفس الإنسان في منزلة النظم الدينية كما كان القانون الروماني في ذلك الوقت )) .
وأنا أقول : هذا ما يقال ويعقل قوله في تأثير الشريعة الإسلامية وفقه الإسلام في قوانين أوروبا الحاضرة التي أساسها مأخوذ من القانون الروماني . أما تأثير القانون الروماني في فقه الإسلام قلنا في نفيه قول جازم، ومن وجود سند من الكتاب والسنة صراحة واستنباطا لكل حكم يحكم به فقهاء الإسلام ، دليل على هذا النفي حاسم.
ومن المستندات القيمة المثبتة لهذه القضية ، ما نعد عدم ذكره عند تثبيت القضية بناء على كونها اتضحت بما ذكرنا إلى هنا واستغنت عن الزيادة ، استغناء يتضمن البخس فيما يستحقه من الإشادة إن لم تكن إيذانا لكثرة الدليل فلتكن عرفانا للجميل.
... من هذه المستندات القيمة جدا ما قرأت أخيرا من كلمة لسعادة سليب سامي باشا منشورة في ((الأهرام)) (عدد 21661) بعنوان (( الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الخاص)) أكتبها هنا بنصه ولا أدري كيف أشكر سعادته عليها ، أفي إعجابي بما رأيت فيها من فضيلة السعي لتأييد الحق الذي يكاد يضيعه المغرضون من الغربيين ومقلديهم من الشرقيين الغافلين ، أم من إجادة ذلك السعي الموفق القائم على قوة القريحة ودقة الفهم.
قال سعادته: (( قرأت في ((الأهرام)) تحت عنوان : الشريعة الإسلامية ومحكمة العدل ، ان صديقي معالي حافظ رمضان باشا وزير العدل في الحكومة المصرية بوصفه
صفحة 304
رئيسا لوفد مصر لدى لجنة المشترعين في واشنطن التي انعقدت لوضع مشروع قانون محكمة العدل الدولية ، طالب اللجنة بتمثيل الشريعة الإسلامية في محكمة العدل الدولية ، كنظام قانوني مستقل مستندا في طلبه هذا إلى ما قرره مؤتمر القانون المقارن الذي عقد في مدينة لاهاي سنة 1938 من الشريعة الإسلامية هي نظام قانوني مستقل غير مأخوذ من التشريع الرومان. ولا شك عندي في صحة قرار المؤتمر المشار إليه ، ولست أحاول هنا تأييد قراره الذي أعده من البديهيات ، لأن القانون الروماني قائم على أساس سلطة رب الأسرة الذي أنزله القانون منزلة الآلهة فجعل له على أعضاء أسرته – من زوجة وأولاد ومن انتسب إلى أسرته من نساء بالزواج ومن رزق بهم من حفدة – السلطان الكامل بما في ذلك حق الموت . كما جعل له على أموال هؤلاء جميعا الحق المطلق بحيث يصبح المالك وحده لأموالهم يتصرف فيها كيفما شاء.
(( أما الشريعة الإسلامية فأساسها حرية الفرد . فالابن إذا ما بلغ سن الرشد ، أصبح مستقلا بشخصه وماله عن سلطة الأب ، وإذا كان الابن لا يزال قاصرا فما له وديعة لدى وليه . و المرأة إذا ما تزوجت لا تفقد حقها في مالها الخاص ، ولا يمنع زواجها حق الإرث من أهلها ، وليس لزوجها سلطان على مالها ، بل يظل ملزما بالإنفاق عليها ، ولو كان لها مال ، وليس لزوجها سلطان عليها سوى ماله عليها من الحقوق المترتبة على الزواج.
وبديهي لو أن الشريعة الإسلامية قد أخذت أحكامها من التشريع الروماني ، لكان نظام سلطة رب الأسرة أول ما تأخذه منه ، ألا ترى أن القانون الفرنسي الذي نقل أحكامه عن التشريع الروماني لا يزال متأثرا بهذا التشريع ؟ فالزوجة في حكم القانون الفرنسي لا تزال ناقصة الأهلية لزوجها على أموالها ما للولي أو الوصي على أموال القاصر من الحقوق ، وليس لها حق التقاضي ، مدعية أو مدعى عليها إلا بإذن زوجها.
صفحة 305
((فدعوى البعض إذن أن القانون الروماني مصدر الشريعة الإسلامية دعوى غير مقبولة أصلا .
(( وتحضرني في هذا المقام مناقشة دارت بيني وبين أحد العلماء الفرنسيين في هذا الموضوع ، وقد تطرق بنا الكلام إلى دعواي بأن بعض العبارات القانونية اللاتينية قد أخذت من العرب أنفسهم ومن هذه العبارات قول الرومان بداية والفرنسيين في أثرهم عن الخطأ في التفسير Lapsus Calami فقلت له إن اللفظ الأول مأخوذ لفظا ومعنا من كلمة ((لبس)) العربية ، واللفظ الثاني مأخوذ لفظا ومعنى أيضا من كلمة (( قلم)) العربية أيضا . ولكن محدثي لم يقتنع بصحة دعواي ، بحجة أن اللغة اللاتينية أقدم من اللغة العربية.
(( والذي أريد أن أحدث القراء عنه اليوم ، أن الشريعة الإسلامية كان مصرا لأهم قاعدة من القواعد الأساسية للقانون الدولي الخاص ، التي تعد في القوانين الغربية ، من أحدث ما وضعه التشريع الأجنبي الحديث . فأقول :
(( لما فتح العرب الأمصار في صدر الإسلام ، كان في وسعهم أن يخضعوا أهلها جميعا لأحكام الشريعة الإسلامية ن سواء في ذلك من اعتنق منهم دين الإسلام ومن بقي على دينه ، لأن من حق الغالب أن يخضع المغلوب لحكمه ، ومن حق كل دولة أن تجعل قوانينها سارية على جميع رعاياها.
(( ولكن دين الإسلام يأبى التحكم في عقائد الناس ، ويأمر بتركهم وما يدينون يحتكمون في أقضيتهم لقاضي دينهم ، ليحكم بينهم دينهم . فقد جاء في القرآن الكريم ، في شأن الذميين ما يأتي (( فإذا جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت بينهم فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين(42)
صفحة 306
وكيف يحكموك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (43) إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء(44)
وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين(46)
وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (47)
((هذه هي السياسة التي جرى عليها الإسلام ، في حكم البلاد التي خضعت لسلطانه. وقد كانت هذه السياسة الحكيمة ، التي صار عليها العرب في فتوحاتهم ، المصدر الفقهي لإحدى القواعد الأساسية للقانون الدولي الخاص ، وهي قاعدة ( شخصية قوانين الأحوال الشخصية))
Personalite des lois du statut personnel التي تقررت في بلاد الغرب لأول مرة في مجمع أكسفورد سنة 1883 ، وفي مؤتمر لاهي سنة 1904 وأخيرا في اتفاقية (( مونترو)) سنة 1931
(( وعلى ذلك فحكم الإسلام يقضي :
(( أولا – بأن القاضي الشرعي يختص بنظر قضايا غير المسلمين ، إذا تراضوا على حكمه . وبذلك يصبح اختصاصه في هذه الحالة بالاصطلاح الحديث ( اختصاصا اختياريا)
((أما إذا لم يتراضوا ، فيكون الفصل في قضاياهم لقاضي دينهم ، ويصبح اختصاصه بها ( إجباريا).
((ثانيا – إن حكم هذه القاعدة مقصور على المسائل التي لها علاقة بالدين ، وهي المسائل التي نص عليها في التوراة والإنجيل.
((ثالثا – إن على هذا الاختصاص وجوب الحكم في هذه المسائل بحكم دين الخصوم
صفحة 307
لأن القاضي الشرعي لا يحكم إلا بدين الإسلام)).
وإلى هنا من مبدأ الكلام على أرجوفة احتمال أن يكون فقه الإسلام مأخوذ من القانون الروماني وإبطال تلك الأرجوفة بوجود مانع قطعي لذاك الاحتمال – وهو كون الفقه الإسلامي مستندا إلى الكتاب والسنة بشهادة ثلاثة شهود إخصائيين مسيحيين – ومسلم ، اتضح في عين القارئ الفارق العظيم بين قوانين مستندة إلى العقل البشري والقانون المستند إلى كتاب الله وسنة رسوله ، حتى إن أحد الشاهدين المسيحيين سجل بنص لفظه على هذا الفارق ، وحتى إنه لو لم يكن هذا الفارق لما أمكن دفع شبهة الأرجوفة المذكورة بلسان حاسم.
ولكن ماذا يقول القارئ العزيز إذا أطلعته على أن عالما مسلما شاغلا لأكبر منصب علمي ديني بمصر ينكر اتصال علم الفقه الإسلامي بالدين أي بكتاب الله وسنة رسوله فيخفى عليه هذه الحقيقة الناصعة التي لم تخف على عالم مسيحي ، فلا يكون هذا العالم الأجنبي عن الإسلام أجنبيا بدقته عن فقه الإسلام بقد ما يكون عالمنا أجنبيا عنه.
فإن كنت لا تصدق بعقلك وقوع هذه العجيبة التي تحتم علينا أن نقف عندها وقفة نبدد ظلام عقدتها وأن نجعل تبديده ذيلا وعديلا لمهزلة احتمال كون الشريعة الإسلامية مأخوذة من القانون الروماني ، فإليك مقالة انتشرت في مجلة (( الرسالة )) عدد 396 بقلم واحد من أساتذة كلية الشريعة عنوانها ((أسبوع في تاريخ الأزهر)) بمناسبة مناقشة الرسائل التي قدمها لأول مرة المتخرجون من تلك الكلية لنيل شهادة الأستاذية في الشريعة الإسلامية . وقد قرأنا في المقالة الكلمة الآتية بنصها:
(( وكنت ترى في هذا المحيط الأزهر الصاخب زوارا من غير الأزهر ، جاءوا
صفحة 308
ليشهدوا هذه المناقشة العلمية التاريخية التي تدور في الأزهر لأول مرة والتي يرأسها رجل من أفذاذ المفكرين وكبار المصلحين [ يعني فضيلة الشيخ المراغي ] وهبه الله عقلا ممتازا وفكرا رشيدا وقلبا جزيئا.
((ودارت المناقشة وتجلت فيها حرية الرأي سافرة ليس من ورائها حجاب ، سليمة لم تفسدها مداراة ولا مصانعة ولا تخوف ، وانطلق العلم فيها على سجية لا يتعثر في تركيب من تراكيب المؤلفين ، أو لفظ من ألفاظ المصنفين ، وسمعنا مبادئ ، لا نعدو الحقيقة إذا عددناها جديدة في جو الازهر ، أو حسبناها توجيها صالحا للتفكير العلمي بين العلماء والطلاب ، ومبدأ لتحول دراسي خطير في حياة المعهد العظيم .
((وكان من المبادئ الجليلة التي سمعناها ما قرره فضيلة الأستاذ الإمام المراغي من أن الدين في كتاب الله غير الفقه ، وأن من الإسراف في التعبير أن يقال عن الأحكام التي استنبطها الفقهاء وفرعوا عليها واختلفوا فيها ، وتمسكوا بها حينا ورجعوا عنها حينا : إنها أحكما الدين ، وإن من أنكرها فقد أنكر شيئا من الدين ، فإنما الدين هو الشريعة التي أوصى الله بها إلى الأنبياء جميعا ، أما القوانين المنظمة للتعامل والمحققة للعدل والدافعة للحرج فهي آراء الفقهاء مستمدة من أصولها الشرعية تختلف العصور والاستعدادات ، وتبعا لاختلاف الأمم ومقتضيات الحياة فيها وتبعا لاختلاف البيئات والظروف . ولو جاز أن يكون الدين هو الفقه مع ما ترى من اختلاف الفقهاء بعضها مع بعض ، وتفنيد كل آراء مخالفيه وعدها باطلة علينا كلمة الله : (( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء)).
وأنا أقول : إن كان الأمر كما قال صاحب المقالة في مجلة الرسالة ولم يكن الفقه بمعنى العلم المدون المعروف هو الدين بعينه ، فلا ريب في أن التفقه في الدين الذي هو الفهم المتقن للدين والذي اعتنى بشأنه في كتاب الله حيث قال تعالى: (( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ))
صفحة 309
وفي سنة رسول الله حيث قال صلى الله عليه وسلم : (( من يرد الله به خيرا يفقه في الدين )) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما والإمام أحمد في مسنده عن معاوية ورواه أحمد أيضا والترمزي عن ابن عباس والبيهقي عن أبي هريرة – متصل بالدين وأن الفقه أحق العلوم اتصالا بالدين ، والفقهاء ولا سيما الأئمة المعروفون رحمهم الله أحق الناس بالتفقه في الدين المذكور في كلام الله ورسوله ، فمحاولة قطع صلة الدين الإسلامي بعلم الفقه المتضمنة لدعوى الاستغناء عنه في الإسلام ، من الأستاذ المراغي شيخ أكبر معهد
ديني في العالم الإسلامي الحاضر ، جديرة بأن تعدمن أشراط الساعة.
وليس مراد الأستاذ الإمام من نفي الدين عن الفقه الذي كان المسلمون يتعلمون منه حتى الآن أحكام دينهم والذي لا يزال يدرس في الأزهر ، إثباته في علوم أخرى تدرس فيه وتكون أحق من الفقه عنده بأن يتلقى علم الدين ويعتبر علم الشريعة بين المسلمين ، و إلا فالأستاذ لا يعجبه علم الكلام البتة مع من لا يعجبهم من قديم ، وقد علم القارئ في الباب الأول من هذا الكتاب (ص200جزء أول) كيف يسعى الأستاذ فريد وجدي للحط من قيمة علم الكلام في مجلة الأزهر التي يرأس تحريرها تحت إشراف الأستاذ الأكبر المراغي .. ثم إنه أي الأستاذ الأكبر لا يقيم لتفاسير القدماء وزنا ، وقد علم مبلغ تقديره لعلم الحديث من تقريظه لكتاب الدكتور هيكل باشا الذي طعن في عامة كتب الحديث ، أما علم أصول الفقه فهو يدور مع الفقه وتنقطع صلته بالدين مع انقطاع صلته به.
فإذن لا دين في الأزهر باعتراف فضيلة شيخ الأزهر وإمامه ، بمعنى أنه لا علم يدرس فيه وفي كلياته يصح أن يسمى علم الدين ، ولا صحة لما اشتهر عند الناس من كون الأزهر معهدا دينيا / بل كونه أكبر معاهد العالم الإسلامي الدينية ، ولا لما تواطأ عليه المسلمون من اعتبار ما في كتب الفقه من الأحكام والقوانين أحكام الشريعة الإسلامية وقوانينها ، فتكون ما يسمونه الشريعة الإسلامية شريعة عندية لأناس يسمون الفقهاء
صفحة 310
وإذن لا صحة أيضا لقوله الأستاذ الأزهري الكاتب عن أسبوع في تاريخ الأزهر : (( ودارت المناقشة وتجلت فيها حرية الرأي سافرة ليس من دونها حجاب ، سليمة لم تفسدها مداراة ولا مصانعة ولا خوف)) لأن وجود الأزهر نفسه مهدا دينيا على تقدير فضيلة الشيخ القائم برئاسته مبني على أساس المصانعة و المكاذبة. وليس في الإمكان – إن كان هناك جد – أن يقول القول المنسوب إليه عند مناقشة الرسائل المقدمة لنيل شهادة الأستاذية للشريعة الإسلامية ، قبل إلغاء منصبه في رئاسة الأزهر ، وهو ملغي فعلا بقوله هذا ، وشهادة الأستاذية للشريعة الإسلامية شهادة كاذبة يتكاذب بها النائل والمنيل ، إذ لا شريعة إسلامية يدرس عليها في كلية الشريعة.
وليس الفقه عبارة عن اختلاف الأئمة المجتهدين الذي بنى عليه الشيخ استهانته بعلم الفقه وبعاده من الدين ، بل فيه مع قياس الفقهاء . كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة ، فالإعراض عن الفقه بالمرة بسبب المسائل التي اختلف فيها أئمة المذاهب الإسلامية يشبه كون السوفسطائيين المنكرين لثبوت أية حقيقة وآية معرفة ، أخذوا أول أسلحتهم من وقوع الاختلاف بين آراء العقلاء بل بين آراء عاقل واحد في أزمنة مختلفة ، فأنكروا وجود الحقيقة فيما اتفقوا عليه وفيما ثبتوا فيه أيضا كما سبق ذكره في الباب الأول من هذا الكاتب (ص 237 جزء ثان).
ولو قيل لفضيلة الأستاذ الإمام ما رأيك في الدين الذي لا يوجد عندك في الفقه؟ وفي قولك عنه (إنه الشريعة التي أوصاها الله إلى أنبيائه)) إجمال يحتاج إلى البيان ،
بداية الصفحة 311
فبين رأيه فيه وفسر قوله المجمل وقال عند ذلك مالم يقله فقهاؤنا المجتهدون ، كان هذا منه اختلافا معهم في تعيين الدين وتفسيره يدخله نفسه في الآية التي قرأها عليهم بسبب اختلافهم ، أعني : (( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شميا لست منهم في شيء)).
ثم إن هذه الآية الكريمة تقرأ أيضا بالنظر إلى معنى الذي فهم منه الأستاذ ،على اختلاف الاجتهاد الواقع بين الصحابة رضوان الله عليهم في مسائل الدين ، فيكونون هم أيضا من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيما والذين بر الله رسوله منهم . على أن هذا الاختلاف الذي ضرب به الأستاذ الإمام عرض الحائط ، له قيمته عند علماء الإسلام : ففي ( مختصر جامع بيان العلم وفضله ) للحافظ ابن عبدالبر : (( قال محمد بن عيسى (الترمذي ) سمعت هشام بن عبدالله الرازي يقول من لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه . وعن عطاء لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس فإن لم يكن كذلك رد من العلم ماهو أوثق من الذي في يديه )).
أما قراءة الأستاذ الإمام قوله تعالى هذا اعنى (( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيما لست منهم في شي )) على أئممة الإسلام المجتهدين المختلفين في بعض المسائل ، وجعله السبيل إلى انقاذهم من أن ينطبق عليهم ، إخراج آرائهم ومذاهبهم من الدين ؛ فكلتا هاتين الفكرتين اعتداء عظيم من الأستاذ الأكبر المراغي على رؤساء أئمة الإسلام اصحاب المذاهب المشهورة في الفقه مثل الإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنيل رضي الله عنهم (1)...اعتداء يدور بين أمرين إما إكفارهم وإكفار أتباعهم بتهمة الاختللاف بداية هامش
على ((القول الفصل )) الرسالة عدد 516 (أن مايجب على الناس أن يؤمنوا به يرجح عند التحقيق إلى الأصول التي اشتركت فيها الأديان السماوية جميعها ) والمفهوم من ذلك أن أساتذة الشذوذ في الأزهر كبيرهم وصغيرهم اشتركوا وتواضعوا على أن يجعلوا الناس في حل من الإيمان بما جاء به من الله نبي واحد ، مهما كان معدودا من الضرورات في دين ذلك النبي .. فلا يكون مثلا الإيمان بالصلوات الخمس ولا صوم رمضان ضروريا لأحد من المسلمين لكونه فريضة خاصة بدين نبي واحد ، وإن كان هذا النبي الواحد نبي ذلك المسلم!!!
(1)حديث الأسبوع التاريخي للأزهر وماعزى فيه إلى الأستاذ الأكبر المراغي من الأقوال نشر في (( الرسالة )) بقلم واحد من أساتذة كلية الشريعة بكل إكباروإطراء ولم ينفه الأستاذ الأكبر
نهاية الهامش
نهاية الصفحة 311
بداية الصفحة312
في الدين ، تطبيقا عليهم قول الله تعالى : (( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيما لست منهم في شيء)) المتوعد بقطع صلة رسوله بهم ، وإما أن يعد أقوالهم وآراؤهم في مذاهبهم خارجة عن ساحة الدين كأقوال وآراء علماء القوانين الزمنية اللادينية (1) وهذا التوجيه على هؤلاء الأئمة في غاية الخطورة . والعجب أن الأستاذ الأكبر هذا الذي يهدد المسلمين وأئمهم المختلفين على مذاهب ، بالإكفار تراه فيما سيأتي منه أنه من أحرص الناس على فتح باب الاجتهاد في الفقه.. فكيف يمكنه تصور الاجتهاد من غير اختلاف بين المجتهدين ، والأستاذ الأكبر لابد من أن يدرك التناقض بين خطر الاختلاف في المسائل الدينية وفتح الباب على حرية المجتهدين فيها .
ولهذا فإني أقول فيما يهدف إليه الأستاذ عند تهديد أئمة المذاهب الفقهية بالآية التي قرأها عليهم بغير حق : إن مقصوده إلزام المدافعين عن الأئمة ، بالشق الثاني من الأمرين الآنفين اللذين يخيرهم بينهما، وهو إخراج الفقه من الدين ن بدلا من الشق الأول الذي يتضمن إكفار الفقهاء .. ثم أقول : لكن يتوجه على اختيار الشق الثاني الذي اقترحه الأستاذ الأكبر تخفيفا على أئمتنا نحن المسلمين ، أنه لا يمكن منطقيا ترجيح هذا الشق على الشق الأول مهما كان فيه القضاء على أئمتنا ، بناء على عدم إمكان إخراج فقه الإسلام المستد إلى الكتاب والسنة ، من الدين ولو كان هذا الاستناد محصول الأنظار الدقيقة ، وهو غير خاف على الأستاذ الأكبر بل غير خارج عن حديثه .
ولا سبيل بعد هذا لتخليص الأستاذ من المأزق الذي أوقعه فيه ((الأسبوع
بداية هامش
(1) وهذا التوجيه من الأستاذ الأكبر في موقف أئمة المسلمين الفقهاء يشبه قول الأستاذ على عبد الرازق بك (باشا) في حكومة سيدنا أبي بكر : إنها كانت حكومة زمنية لا دينية ، وسيأتي منائصه ، ويؤيد هذا الشبه اقتراح فضيلته في أثناء مشيخته الثانية على هيأة كبار العلماء الذين كانوا قرروا فصل الأستاذ قاضي المنصورة الشرعي من الأزهر ، إلغاء القرار السابق بحجة مرور عشر سنين عليه .
نهاية هامش
نهاية الصفحة 312
بداية الصفحة 313
التاريخي للأزهر )) .. لا سبيل بعد هذا غير سبيل إخراج الكتاب والسنة أيضا من الدين كما أخر