Advertisement

أصول الفرق والأديان والمذاهب الفكرية

أصول الفرق والأديان والمذاهب الفكرية
تأليف
الشيخ الدكتور: سفر بن عبد الرحمن الحوالي

ص3
بين يدي الكتاب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد.
فقد رأينا إخراج هذا الكتاب "أصول الفرق والأديان والمذاهب الفكرية" للمكتبة الإسلامية بعد أخذ إذن المؤلف نظراً للحاجة له، والذي كُتب بقلم شيخٍ فاضل، وباحثٍ متخصص، ومربٍ ذي تجربة طويلة في التدريس ونشر العلم، فجمع بين قوة العبارة وسهولتها.
يتحدث المؤلف فيه عن أصول الفرق والأديان والمذاهب الفكرية، دون إطناب ولا تعقيد، تسهيلاً للمبتدئ من طلاب العلم، وتوضيحاً لغير المتخصص، وإفادة لمن يخالطون غيرهم ممن حرموا نور الهداية.
وقد كتب هذا المؤلَف بأٍسلوب عصري، يصلح أن يكون مقرراً دراسياً في المدارس والمعاهد الشرعية ونحوها،خاصةً في هذا الزمن الذي تقاربت فيه الأمصار وتسارعت فيه الأحداث، فوجب عليهم معرفة من سواهم، للحذر من أخطائهم ولإقامة الحجة عليهم ثم دعوتهم إلى الحق.
وقد تناول المؤلف –حفظه الله- أصول الفرق مع بيان أسباب الافتراق وأهم الأصول التي وقع فيها الافتراق، مبينا صفات الفرقة الناجية ومميزاتها، ثم استعرض تلك الفرق وأهم آرائها.
ثم استقرأ المؤلف تاريخ الأديان السماوة (اليهودية والنصرانية)

ص4
وما وقع فيها من تحريفات وتحولات، وصولا إلى الأديان الوضعية وأهم عقئدها وتطور مراحلها.
وانتهاء بالمذاهب الفكرة المعاصرة مستعرضا تاريخها ىونشأتها وخطرها على الأمة الإسلامية.
نسأل الله تعالى أن ينفع به القراء الكرام وأن يجزي مؤلفه عن المسلمين خير الجزاء.
الناشر

ص5
المقدمة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:
بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم والناس في صلالة عمياء، وجاهلية جهلاء، يعبدون الأحجار والأشجار، والجن والملائكة، والكواكب والكهان، والملوك والشياطين، والأحبار والرهبان، وقد كان فيهم الحكماء والشعراء، والفلاسفة والعباد والخطباء، فماأغنوا عنهم شيئاً، ولا أخرجوهم من الظلمات إلى النور.
فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالنور من عند الله، أشرقت شمس الهدى والحق على العالمين، واستضاءت الدنيا كلها، مسلمها وكافرها، فما بقي ممن بلغهم هذا الدين صاحب عقل راجح، وفطرة سليمة، إلا آمن به وأيقن أنه الحق.
وقد أوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بالحق الكامل، والهدى الكامل، وقد بلَّغ النبي صلى الله عليه وسلم ما أوحى أليه من ربه كاملاً غير منقوص، لم يكتم منه حرفاً واحداً، وتلقاه منه أصحابه رضوان الله عليهم وهم من أعظم النتاس حرصاً على الحق، واتباعاً للهدى، هذا مع ما فضلهم الله به في قوة الفهم وصفاء الذهن.
ولما بلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمانة، وأدى الرسالة، وأكمل الله دينه، توفاه الله إليه، ظل أصحابه من بعده على المحجة البيضاؤ، والصراط المستقيم، لم يختلفوا أبداً في أصل من أصول الدين، ولم يكن فيهم مبتدع في الدين، لا قدري، ولا خارجي، ولا مؤول، ولا معطل..

ص6
ولا غير ذلك، هذا مع أنه وقع بينهم بعض الاختلاف في الفروع والأحكام.
وهكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن معهم، جماعة واحدة، مجتمعة على الكتاب والسنة، ولهذا سموا (الجماعة).
وظلت الأمة على هذه الحال حتى حدثت الفتنة في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه وما بعده، ووقع القتال بين المسلمين، وكان الذين أحدثوا الفتنة واوجدوا الفرقة صنفين:
الصنف الأول: حاقد هدام، يبطن الكفر، ويظهر الإسلام.
الصنف الثاني: صاحب هوى، اتبع هواه، وخالف ما عليه الجماعة.
وتبع هذين الصنفين بعض الجهال، وحديثو العهد بالدين، والمخدوعون من العامة، ومن ذلك الحين ظهرت الفرق على اختلاف أنواعها.

ص7
أصول الفرق ومنهج أهل السنة والجماعة في معاملتهم
1- الخوارج هم أول الفرق خروجاً عن السنة والجماعة، وقد ناظرهم الصحابة رضي الله عنهم واقاموا عليهم الحجة، فتاب بعضهم، ومن لم يتب قاتلوه، وقتلوا منهم الآلاف.
2- لم تكد تخرج الخوارج حتى ظهرت الشيعة، مع أن مؤسس التشيع الغالي عبد الله بن سبأ اليهودي هو رأٍ الفتنة، وزعيم الحاقدين الهدامين من قبل.
وقد حكم عليهم الصحابة – رضوان الله عليهم- بحسب درجاتهم من الغلو ومنهم من حكموا عليه بالحرق والنفي (1).
3- في أواخر عهد الصحابة – رضي الله عنهم- ظهرت القدرية (المنكرون للقدر).
وقد أنكر عليهم الصحابة إنكاراً شديداً، وأعلنوا براءتهم منهم، وأمروا الأمة بالبراءة منهم، وعدم السلام عليهم، أو الصلاة على جنائزهم، أو عيادة مرضاهم.
وقد لقي غيلان الدمشقي – أحد مؤسسي بدعتهم- مصرعه. على يد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، بناءً على فتوى بعض التابعين.
4- وبعد انقراض عصر الصحابة رضي الله عنهم، ظهرت بدعة
هامش ص7
(1) سيأتي تفصيل ذلك (ص30).
انتهى الهامش

ص8
إنكار الصفات، على يد الجعد بن درهم، وتلميذه الجهم بن صفوان الذين ينسبون إليه فيقال لهم: الجهمية.
وهذه البدعة قاومتها المة أشد المقاومة، ولقي الجعد والجهم مصرعهما، جزاءً لإلحادهما.
5- في الوقت نفسه ظهرت المعتزلة على يد واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، اللذين كان تلميذين في حلقة الحسن البصري، زكانت بدعتهم أول الأمر في الإيمان، ثم زادوا عليها إنكار القدر والصفات (1).
وقد طرد الحسن البصري واصلاً وعَمْرَاً من حلقته، واتفق علماء الأمة على نبذ المعتزلة وهجرهم، اتباعاً لما فعله الصحابة –رضوان الله عليهم- بأسلافهم القدرية.
6- في مقابل الخوارج والمعتزلة، ظهرت المرجئة، وكان منهم الغلاة وهم الجهمية، وقد حكم عليهم أهل السنة والجماعة بالكفر والخروج من الملة، وغير الغلاة فقد حكموا عليهم بالضلالة والمروق، وعاملوهم بما عاملوا به القدرية.
النتيجة:
أ- وهكذا ظهرت أصول الفرق، وهي: (الخوارج، الشيعة، المرجئة، القدرية، الجهمية).
ولم نذكر المعتزلة؛ لأن مذهبهم مركب من هذه الأصول، ولأن اسم القدرية يطلق –أخص ما يطلق- عليهم.
هامش ص 8
(1) سيأتي الحديث عن المعتزلة (ص 43).
انتهى الهامش

ص 9
وقد تفرع عن هذه الأصول فرق كثيرة، وسوف ندرس أهم هذه الفرق، وبعض ما تفرع عنها بإذن الله.
ب- تبين لنا أن لأهل السنة والجماعة موقفاً واضحاً في معاملة أهل البدع، وهذا الموقف هو من أصول منهج أهل الستة والجماعة.
وقد ظلت الأمة ملتزمة بهذا الموقف، وظل أهل البدع بين مقتول ومرذول، إلى زمان المأمون بن هارون الرشيد، الذي تولى الخلافة بين سنتي (198 – 218) هـ.
ففي عهده ارتفع شأن البدعة وأهلها، وفتح الباب على مصراعيه للفلسفة وعلم الكلام على النحو الآتي بيانه عند الحديث عن علم الكلام.
هذا الافتراق في الدين أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وبين لنا –وهو الناصح الأمين- كيف ننجو منه، ومن وعيد أهله،
فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة؛ كلها في النار إلا واحدة، قالوا : يا رسول الله! من تلك الفرقة الناجية؟ قال : من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي". وفي رواية قال : "هي الجماعة" (1).
ومن هنا كان لزاماً علينا معرفة أسباب الافتراق ومظاهره من جهة، ومعرفة صفات الفرقة الناجية ومميزاتها من جهة أحرى.
هامش ص 9
(1) أخرجه الإمام أحمد (2/332)، وأبو داود (4596).
انظر السلسلة الصحيحة رقم (203 – 204) للمحدث ناصر الدين الألباني.
انتهى الهامش

ص 10
أسئلة تطبيقية
س1. كيف كان حال المسلمين قبل الافتراق والفتنة؟
س2. متى وقع الافتراق بين المسلمين؟ وما هي أصناف الذين أحدثوه؟
س3. ما هي أصول الفرق الإسلامية التي تفرعت عنها سائر الفرق؟ وكيف كان موقف أهل السنة والجماعة منها؟ مع التمثيل بمثالين لهذا الوصف.
س4. اكتب بإيجاز عما يأتي:
أ- أول فرقة فارقت الجماعة.
ب- مؤسس التشيع.
ج- غيلان الدمشقي.
د- واصل بن عطاء.
ه- المأمون.
س5. ما هو حديث الافتراق؟ وماذا نستفيد منه من العبر؟

ص11
أسباب الافتراق ومظاهره
أولا: الرجوع إلى غير الكتاب والسنة والتلقى من سواهما: مصدر الحق الوحيد فيما يتعلق بالعقيدة والدين هو الكتاب والسنة . كما فهمها الصحابة والسلف الصالح ، ولهذا كان الرجوع إليها والفهم الصحيح لهما هو السبيل الحق وطريق النجاة
يقول الله تعالى : (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام: 153) ويقول (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (النحل:64)
فالوحى كتاباً وسنة هو المصدر المحفوظ المعصوم الذى لا يضل من تمسك به، ولا يشقى فى الدنيا والآخرة. وقد ضلت الفرق وتفرقت الامة عندما اتخذت مصدراً سواه ، وتوهمت فيه العصمة والحق :
أ- فالمتكلمون كالمعتزلة والاشعرية رجعوا إلى الفلسفة وحكموا العقل بزعمهم وقالوا : نعرض نصوص الكتاب والسنة المتواترة على البراهين العقلية ، فإن وافقتها وإلا وجب تأويل النصوص ، وصرف معانيها إلى معان أخرى وإن كانت هذه المعانى التى صرفوا إليها بعيدة متكلفة لم يردها الله ورسوله.
والسنة غير المتواترة لا يحتجون بها فى العقيدة أصلاً ، مهما

ص12
كانت صحتها : ولهذا انصرف همهم إلى ترجمة كتب الفلسفة والمنطق ، ومطالعتها ، والاشتغال بها متابعة أو معارضة.
ب- والصوفية حكموا ما يسمونه الكشف أو الوجد أو الذوق وقسموا الدين إلى حقيقة وشريعة ، فالشريعة هى ما جاء فى الكتاب والسنة ، وكلام السلف والفقهاء ويسمنها: (علم الظاهر)! والحقيقة هى ما يأتى من طريق الإلهامات والرياضيات الروحية والمنامات ويسمون ذلك (العلم الباطن) أو (العلم اللدنّى).
ويرمزون للعلم الظاهر بعلم الورق والعلم الباطن بعلم بعلم الخِرَق! ولهذا ورد عن بعض أئمتهم قوله: (تأخذون يعنى علماء السنة علمكم ميتاً من ميت ، فتقولون: حدثنا فلان عن فلان .. ونحن نأخذ علمنا علمنا عن الحى الذى لا يموت فنقول: (حدثنى قلبى عن ربى) !!
وإيماناً بهذا المصدر ، لم يكن الصوفية يرحلون فى طلب العلم ، أو يهتمون بكتب السنة والفقة وإنما كانوا يرحلون إلى الخلوات والأديرة ويقابلون الرهبان من النصارى والبوذين وغيرهم فيسألونهم عن دقائق المعرفة والأحوال . كما أنهم اشتغلوا بالأشعار وسماع الأغانى لإثارة الوجدان وتحريك القلب ، وأعرضوا عن سماع القرآن وتلاوته.
ج- والشيعة الباطنية جعلوا المصدر المعصوم هو كلام أئمتهم، ولذلك كان من أصول دينهم : أن الأئمة معصومون عن الخطأ فى الفروع والأصول ، وليس علماؤهم ومجتهدوهم إلا نواباً عن الإمام،

ص13
وحجاباً له . فاعرضوا عن المصدر الثابت المعلوم الكتاب والسنة وتمسكوا بالمصدر الموهوم بل المعدوم وهو الإمام الغائب فى السرداب ، وما أشبهه.
ثانياً: الأخذ ببعض الدين وترك البعض الأخر:
يقول الله تعالى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (المائدة: 14) .
فالدين شامل كامل فيه الوعد والوعيد ، وفيه الاحكام والآداب ، وفيه تحريك العقل والوجدان وفيه القوة والرحمة . فإذا أخذت طائفة بالوعيد ونسيت الوعد وعكست الأخرى فأخذت بالوعيد ونسيت الوعد، فلا بد أن تقع العداوة والبغضاء والفرقة.
وكذلك : إذا أخذت طائفة بالآداب دون الأحكام ، أو بالزهد دون العمل والجهاد ، وواقع الفرق يشهد لهذا بوضوح: 1- فالخوارج تمسكوا بنصوص الوعيد فقط حتى نفوا الإيمان عن مرتكب الكبيرة ، وأنكروا الشفاعة ، وضيقوا رحمة الله الواسعة.
والمرجئة تمسكوا بنصوص الوعد فقط فقالوا : إن الإنسان مهما ارتكب من الكبائر دون الشرك فإن إيمانه كامل.
2- والشيعة أخذوا بفضائل على رضى الله عنه ، وجحدوا فضائل

ص14
أبى بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم ، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى تأليه على الله وتكفير الثلاثة ، والخوارج قالا : إن علياً كافر.
3- والمتكلمون يقولون: إن الإسلام دين العقل والفهم وهذا حق ، ولكنهم غلوا فى تقدير قيمة العقل حتى حكموه فى نصوص الوحى ، وأنكروا الكرامات والسحر وعذاب القبر ، والميزان والصراط ، وما أشبهها من الغيبييات لأنها تخالف العقل بزعمهم على خلاف بينهم فى بعض ذلك.
والصوفيه قابلوا المتكلمين بالعكس فأنكروا قيمة العقل والفكر وآمنوا بالخيالات والخرافات والأحلام وسموها مكاشفات وكرامات وحقائق.
4- والدرية أخذوا بالنصوص التى تثبت مشيئة العبد وإراداته ومسئوليته عما يفعل وهذا حق ولكنهم أنكروا القدر وما دل عليه من النصوص. وقابلتهم الجبرية بالعكس ، فأثبتوا القدر وغلوا فى ذلك حتى جعلوا الإنسان مجبوراً على كل ما يفعل وأنكروا النصوص التى أخذ بها القدرية.
5- والممثلة والمشبهة أخذوا من النصوص ما يدل على إثبات الصفات فقط وتركوا ما يدل على أنها ليست كصفات المخلوقين.
والمعطلة نفاه الصفات قبلوا النصوص الدالة على أن الله لا يماثله شئ من خلقه وتركوا النصوص الدالة على إثبات الصفات فأنكروا صفات الله تعالى بحجة التنزيه.

ص15
6- ومثل ذلك من واقع الحياة الإسلامية: أن طائفة من العلماء والقضاة توسعوا فى متاع الحياة فقابلتهم طائفة من الزهاد والعباد حاربوا الحلال والطيبات. وفى مجال العلم اتجهت طائفة إلى النقل وحده واشتغلوا بجمع المأثور ، حتى جمعوا الضعاف والموضوعات والحكايات الباطلة. وقابلتهم طائفة فاتجهت إلى الفهم والاستنباط وحده فجهلوا كثيراً من الصحاح أو ردوها.
وفى مجال الدعوة قامت طائفة تدعو إلى الجهاد والقوة ، وأخرى تدعو إلى الأخلاق والآداب وثالثة إلى العلم والبحث مع إهمال بقية الجوانب فوقع التنازع والخلاف .
هذا ولو أن المسلمين تمسكوا بالكتاب كله واقتدوا بما كان عليه الجيل الأول من فهم كامل ووازن شامل لما وقع هذا الخلاف أو كثير منه وهذا ما تدعو إليه الطائفة المنصورة الناجية أهل السنة والجماعة .
ثالثاً: كيد أعداء الإسلام :
يقول الله تعالى : (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (البقرة:120)
ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (آل عمران: 149).

ص16
فأعداء الإسلام يعلمون ليلاً ونهاراً من أجل إطفاء نور الله ، وتدمير الأمة المصطفاة كلهم متفقون على ذلك وإن اختلفت أديانهم وآراؤهم. وهذا ابتلاء من الله لهذه الأمة من جهة كما أنه عقوبة وتأديب لها من جهة أخرى.
والإسلام قد قضى على الأديان الباطلة وهدم الأنظمة الفاسدة ، والحكومات الظالمة ، وحارب الشهوات والرغبات الدنيئة فلا غرابة أن يحقد عليه أصحابها ويتآمروا على هدمه ، ويدسوا فيه العقائد الباطلة ، ومن ذلك إيجاد الفرقة بين أهله وبذر البدع والضلالات فيهم.
وهكذا نجد شياطين المكر من هؤلاء الحاقدين يؤسسون فرقاً ضالة أو يدخلون فى فرق قائمة ، فيزيدونها ضلالاَ وغبواً أو يقلون شبهة وضلالة إلى ضعاف العقول العقول فتكون أساساً لفرقة:
1- التشيع الغالى أسسه عبدالله بن سبأ اليهودى.
2- والاعتزال الغالى أسسه إبراهيم النظام وأبو الهذيل العلاف ، وكلاهما فى الأصل من المجوس الزنادقة .
3- والباطنية أسسها عبدالله بن ميمون القداح وهو يهودى فارسى.
4- وإنكار الصفات أخذه الجعد بن درهم والجهم بن صفوان عن فلاسفة اليهود والصابئة.
5- وإنكار القدر أخذه معند الجهى وغيلان الدمشقى عن بعض فلاسفة النصارى.

ص17
6- والتصوف أول من أسسه وسمى به فى الإسلام زنادقة من الهندوس والمجوس ، أمثال : عبدك وكليب ثم انتشر ودخله الغالى والمتوسط.

ص18
أسئلة تطبيقية
س1: اذكر أهم أسباب افتراق المسلمين بإيجاز.
س2: ما هو المصدر الصحيح الوحيد فى معرفة الله وتلقى العقيدة؟
س3: ما هو مصدر الصوفية فى العقيدة ؟ وما أثر ذلك على منهجهم فى البحث والاهتمام؟
س4: ما هو مصدر الصوفية فى التلقى ؟ وماذا يطلقون على الشريعة وعلومها ؟ وما أثر ذلك على منهجهم فى طلب الحق وتحصيله؟
س5: ما هو مصدر الشيعة والباطنية فى العقيدة؟
س6: بماذا تمسكت الخوارج فى النصوص والمتكلمين موقفاً مضاداً للأخر فى مصدر التلقى وضح ذلك واذكر أثره على الأمة.
س8: بماذا أخذت القدرية من النصوص ؟ وبماذا تمسكت الجبرية؟
س9: الممثلة والمعطلة صنفان متقابلان . وضح ذلك من خلال تمسك كل منهما بجزء من الخق؟
س10: لماذا كاد أعداء الإسلام الإسلام وأهله؟ مع ذكر ما تعرفه من أنواع الكيد؟

ص19
س11: تكلم عن أثر اليهود والمجوس فى نشأة الفرق الإسلامية مع التمثيل؟
س12 : اكتب عما يلى بايجاز:
1- الكشف .
2- الإمام المعصوم.
3- عبدالله بن ميمون القداح؟
4- عبدك الصوفى؟
5- توازن منهج أهل السنة والجمماعة فى التمسك بجمبع النصوص.

ص20
أهم الأصول التى وقع فيها الافتراق
أولاً: الإيمان: دلت النصوص من الكتاب والسنة على أن الايمان قول وعمل ، يزيد وينقص وعلى ذلك أجمع الصحابة والسلف الصالحون أجمعون وهو مذهب أهل السنة والجماعة. وفارق الجماعة فيه طائفتان:
أ- الخوارج والمعتزلة: مذهبهم أن الإيمان شئ واحدد لا يزيد ولا ينقص وهو فعل جميع الطاعات وترك جميع المحرمات ومن رك واجباً أو فعل محرماً فهو كافر عند الخوارج وفى منزلة بين الإيمان والكفر عند المغتزلة وهو مخلداً أبداً فى النار عند الطرفين.
ب- المرجئة: مذهبهم أن الإيمان شئ واحد لا يزيد ولا ينقص وهو التصديق أو المعرفة بالقلب وحده ، دون إقرار اللسان وعمل الجوارح كما يقول الغلاة منهم أو التصديق بالقلب والإقرار باللسان دون عمل الجوارح كما يقول بقيتهم.
وعندهم أن من ترك واجباً أو فعل محرماً فهو كامل الإيمان مادام عنده تصديق أو تصديق وإقرار .
هذا وأهل السنة والجماعة عقيدتهم: أن من ترك واجباً أو فعل محرماً من غير جحود للواجب أو استحلا للمحرم فهو ناقص

ص 21
الإيمان، وأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
ثانيًا : القدر:
دلت النصوص من الكتاب والسنة، على أن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، وأصل من أصول الدين، وعلى ذلك مذهب أهل السنة والجماعة.
و فارق الجماعة فيه فرقتان:
أ- القدرية : نفاة القدر، وعلى ذلك المعتزلة وعامة الشيعة.
ب- الجبرية : الذين نفوا مشيئة العبد وإرادته – كما سبق – وهم الجهمية، وقريب منهم في ذلك الأشعرية.
ثالثًا : الأسماء والصفات:
معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته هي أشرف أنواع العلوم والمعارف، ولا تطمئن القلوب وتأنس إلا بمعرفة معبودها سبحانه، وكذلك لا تصلح ولا تستقيم على الحق إلا إذا آمنت بأسمائه وصفاته، وحققت ما يقتضيه ذلك الإيمان من يقين وإخلاص، وخوف ورجاء منه وحده سبحانه.
و السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم آمنوا بكل ما ورد في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته، وحققوا مقتضياتها، ولوازم الإيمان بها، فكانوا أكثر الناس علمًا بالله ومعرفة، كما كانوا أكثر الناس خشية له، وانقيادًا لأمره، واتباعًا لشرعه.
و هم مع إثباتهم لكل أسمائه تعالى وصفاته، يؤمنون إيمانًا جازمًا

ص 22
بأنه تعالى لا مثل له ولا شبيه، ولا ند ولا شريك : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ]الشورى 11[.
فهم يثبتون الصفات، وينفون التشبيه، ويعتقدون أنه – كما أنه تعالى لا يماثله شيء من خلقه في ذاته – لا يماثله شيء في صفاته.
و كما أن وجوده تعالى لا يشبه وجود المخلوقات، فكذلك سائر الصفات.
و فارق الجماعة في ذلك فريقان:
أ- فريق يثبت لله تعالى صفات كصفات المخلوقين، فيقولون : علمه كعلمنا، ويده كيدنا، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وهم يسمون المشبهة وعلى هذا المذهب قدماء الشيعة والروافض.
ب- فريق ينفي صفات الله تعالى، زاعمًا أن إثباتها يلزم منه التشبيه، فيقولون : ليس له وجه ولا يد. ولا قدرة ولا علم، وهؤلاء يسمون (أصحاب التعطيل) أو (المعطلة) وهم درجات:
1- من ينكر الأسماء والصفات جميعًا وهم الجهمية.
2- من ينكر الصفات ويثبت الأسماء، فيقولون مثلًا : عليم بلا علم، وقدير بلا قدرة، وهم المعتزلة.
3- من ينكر بعض الصفات ويثبت بعضها، ويثبت الأسماء، وهم الأشعرية، وهم ينكرون العلو والاستواء واليد والغضب والرضا ونحوها.
رابعًا الإمامة:
من عقيدة السلف الصالح : أن أولى الناس بالخلافة بعد رسول

ص 23
الله صلى الله عليه وسلم : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم، وأن الأئمة من قريش، لا تخرج الإمامة عنهم كما صحت بذلك السنة، وأن الإمامة منصب شرعي، غرضه إقامة الدين، وسياسة الدنيا به، وطريقتها الشورى واختيار أهل الحل والعقد من العلماء وذوي الشأن.
و فارق الجماعة في ذلك فرقتان:
1- الشيعة : ومذهبهم أن أولى الناس بالخلافة هو علي، واختلفوا في خلافة الثلاثة، فقالت الزيدية : هي صحيحة، ولكن عليًا أولى منهم.
و قال بقية الشيعة : خلافتهم باطلة، ويسبونهم ويلعنوهم، والإمامة عند الشيعة، ليست مجرد منصب شرعي، بل هي ركن من أركان الدين، وأصل من أصوله.
و طريقتها الوراثة والتعيين في ذرية الحسين فقط، لا تخرج عنهم.
2- الخوارج : وهم يقرون بخلافة الشيخين : - أبي بكر وعمر – ويطعنون في عثمان وعلي، وقد يكفرونهما، ويقولون : الإمامة جائزة في كل الناس قريش وغيرها.

ص 24
صفات الفرقة الناجية ومميزاتها
للفرقة الناجية صفات، ترجع جميعًا إلى قوله صلى الله عليه وسلم : "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي". ونتيجة لذلك امتازت عن غيرها من الفرق في جميع العصور بمميزات كثيرة.
أولًا : صفات الفرقة الناجية:
1- اتباع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يقدمون عليهما شيئًا، لا العقل ولا الرأي، ولا الكشف ولا المذهب، ولا الطريقة ولا قول أحد من البشر، أو حكمه وشرعه، ولهذا يهتمون بكتاب الله حفظًا وتلاوةً وتفسيرًا، كما يهتمون بمعرفة الحديث الصحيح، وتمييزه عن الضعيف والموضوع، ويبذلون في ذلك جهودًا عظيمة.
2- ترك الابتداع في الدين، ومحاربة البدع، واتباع منهج الكتاب والسنة في الرد على الشبهات والضلالات، فلا يردون بدعة ببدعة، ولا يردون بعض الدين من أجل إثبات البعض الآخر.
3- الدخول في الدين كله، والإيمان بالكتاب كله : فيؤمنون بنصوص الوعد ونصوص الوعيد، كما يؤمنون بنصوص الإثبات ونصوص التنزيه، ويجمعون بين الإيمان بالقدر، وبين إثبات إرادة العبد ومشيئته، كما دلت على ذلك النصوص .. وهكذا.
كما يجمعون بين العلم والعبادة، وبين القوة والرحمة، وبين العمل والزهد، فمنهجهم هو المنهج الوحيد، الذي يتحقق فيه تكامل الإسلام، وشموله وتوازنه.

ص 25
4- الحرص على جمع كلمة المسلمين على الحق، وتوحيد صفوفهم على التوحيد والاتباع.
و لهذا لم يتميزوا عن الأمة باسم سوى السنة والجماعة، ولا يوالون ولا يعادون على رابطة سوى السنة والجماعة.
5- إحياء السنة والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والعمل لإقامة شرعه وحكمه في كل صغيرة وكبيرة، لا تأخذهم في الله لومة لائم.
ثانيًا : مميزات الفرقة الناجية:
إن المتتبع لتاريخ الفرق وأحوالها يجد أن الفرقة الناجية تتميز عن غيرها بمميزات واضحة، منها:
1- الاتفاق وعدم الافتراق: فهم متفقون في أصول العقيدة على الرغم من تباعد الأقطار، واختلاف الأعصار، وما ذلك إلا لأن مصدرهم الذي يتلقون عنه واحد، ومنهجهم في تلقيه واحد. أما غيرهم من الفرق، فإنه لا تكاد تخرج الفرقة حتى تنشق منها فرق مختلفة، يكفر بعضها بعضًا، ولا تزال تنشق باستمرار.
2- التوسط وعدم الغلو أو التفريط : فهم وسط في (الإيمان) بين الخوارج والمرجئة، ووسط في (الصفات) بين المشبهة والمعطلة، ووسط في (القدر) بين القدرية والجبرية، ووسط في (الصحابة) بين الشيعة والخوارج.
3- مراعاة حق الله تعالى في الأحكام : فلا ينظرون إلى حق النفس أو الفرقة، ويحكمون من خلاله، بل هم ملتزمون بالإنصاف

ص 26
و القسط للموالين والمعادين سواء، فلا يكفرون إلا من كفره الله ورسوله، ولا يخطئون إلا من خطأه الله ورسوله، ولا يغمطون أحدًا حقًا أو فضلًا. وهذا بخلاف غيرهم من الفرق، فهي تطلب حظ النفس، وتحكم بالهوى، وتتعصب للطائفة.
4- الربانية في الانتماء والانتساب : كما أنها فرقة ربانية في مصدرها ومنهجها هي كذلك ربانية في انتمائها وانتسابها، فهي لا تنتسب إلى رجل ولا طريقة ولا مذهب (اعتقادي)، وإنما ينتسب أصحابها إلى الإسلام والسنة، فيقال لهم : (أهل السنة) و(أهل الحديث أو أهل الأثر) أو أتباع السلف، ونحو ذلك.
و هذا بخلاف غيرها من الفرق التي تنتسب إما إلى رجل، وإما إلى رأي محدث، أو طريقة مبتدعة.

ص 27
أسئلة تطبيقية
س1. ما هي أهم الأصول التي وقع فيها الافتراق بين المسلمين بإيجاز؟.
س2. ما موجز حكم مرتكب الكبيرة عند الفرق الآتية:
أ- المعتزلة والخوارج.
ب- المرجئة.
ج- أهل السنة والجماعة.
س3. ما معنى القدرية؟ وما معنى الجبرية؟ وما مذهب أهل السنة في القدر؟.
س4. تحدث عن أهمية معرفة الله تعالى، بأسمائه وصفاته وما هي أهم الفرق المخالفة فيه في الجملة.
س5. ما هي درجات المنكرين للصفات؟.
س6. ما معنى الإمامة وما هي أهم المذاهب فيها؟.
س7. ما هي صفات الفرق الناجية وإلى أي شيء ترجع هذه الصفات كلها؟.
س8. ما هي المميزات المنهجية والسلوكية التي تميزت بها الفرقة الناجية عن سائر الفرق؟.
س9. وضّح هذه الأفكار:
أ- تنتمي الفرق المخالفة للسنة، إلى رجل أو بدعة أو طريقة، ولكن أهل السنة لا ينتسبون لشيء إلا إلى الإسلام والسنة مع التمثيل.

ص 28
ب- أهل السنة وسط في الإيمان والصفات وسائر أبواب العقيدة، مثلما أن أهل الإسلام وسط بين الأديان.
ج- المذهب الوحيد الذي يمكن أن يجتمع عليه المسلمون، ويكونون يدا واحدة، هو مذهب أهل السنة والجماعة.

ص 29
الفرق وأهم آرائها
الخوارج
الخوارج : عَلَمٌ على الفرقة التي تكفر المسلمين، وتستحل دماءهم بمجرد المعاصي، وهي فرق منها الغالي وغيره.
و كان يطلق عليهم قبل خروجهم عن الجماعة (القُرَّاء) لكثرة تلاوتهم وتعبدهم، ثم سموا خوارج وحرورية – نسبة إلى بلدة بالعراق، يقال لها حروراء – وهم يسمون أنفسهم الشُراة، أي الذين شروا أنفسهم بزعمهم.
و يتميز الخوارج عن سائر الفرق المخالفة للجماعة بالثورة والاندفاع والتهور، كما يتميزون بالشجاعة والصدق والتعبد، ولكن على ضلالة وجهل.
و قد ثبت خبرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه بعض صفاتهم، والترغيب البالغ في قتالهم، والتحذير الشديد من بدعتهم.
أهم فرق الخوارج:
الخوارج فرق كثيرة، ولكننا نذكر أهمها بحسب ترتيبهم في الغلو، فأشدها غلوًا الأزارقة، ثم النجدات، وأخفها الإباضية.
1- الأزارقة:
و هم أتباع نافع بن الأزرق، الذي ظهر أمره في خلافة عبد الله بن الزبير صلى الله عليه وسلم.

ص 30
و أهم عقائدهم:
أ- تكفير عثمان وعلي رضي الله عنهما.
ب- تكفير مرتكب الكبيرة، وتخليده في النار.
ج- تكفير من خالفهم من المسلمين، بل من لم يهاجر إليهم ولو كان على مذهبهم.
د- الحكم بأن دار مخالفيهم من المسلمين دار كفر.
ه- إسقاط حد الرجم والقذف.
2- النجدات:
و هم أتباع نجدة بن عامر الحنفي، الذي انشق عن نافع، وخفف بعض غلوه.
و أهم عقائدهم:
أ- تكفير من خالفهم من المسلمين – ومن ذلك الأزارقة – إلا الجاهل، فإنه معذور عندهم حتى تقام عليه الحجة.
ب- الحكم على دار مخالفيهم بأنها دار نفاق لا دار كفر.
ج- موالاة أصحاب الحدود والجنايات، إذا كانوا على مذهبهم، مع الحكم بتخليدهم في النار.
د- أن المؤمن – وهو من كان على مذهبهم – لا يكفر بمجرد فعل الكبيرة، كما تقول الأزارقة بل بالإصرار على المعصية كبيرة كانت أم صغيرة.
3- الإباضية:
و هم أتباع عبد الله بن أباض التميمي، الذي انشق عن نافع أيضًا،

ص 31
وهم يعظمون أبا الشعثاء جابر زيد أحد التابعين، وينسون مذهبهم إليه.
والإباضية هي الفرقة الوحيدة من الخوارج، التي استمرت إلى عصرنا الحاضر، ولهذا تأثرت بما حدث من فرق وبدع بعد القرن الأول، وخاصة بالمعتزلة.
أهم عقائدهم:
أ‌- إنكار صفات الله تعالي، موافقة لمذهب المعتزلة.
ب-أن القران مخلوق.
ج-أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، ولا يخرج منها أبداً، وهذا مع حكمهم بتكفيره كفراً أكبر.
د-أن من يثبت رؤية الله تعالي في الأخرة كافر.
هـ-التأويل، فهم يؤولون في الصفات، كما يؤولون الصراط والميزان.

ص 32
نص للمطالعة
مقتطفات من كتاب (إزالة الاعتراض عن مُحِقّي آل إباض) (1).
(أما بعد.. فهذا اعتقاد الإباضية الوَهْبية، أهل الحق في الأصول والفروع: أما اعتقادهم في الأصول، فشاهدة أن لا إله إلا الله، وأن محمد بن عبده ورسوله، وأن ما جاء به حق. وأن الله عز وجل موجود، لا يشبهه شيء، ولا يشبه شيئاً، عرضاً ولا جسماً، ولا جوهراً فرداً عند من يثبت الجوهر الفرد)
(وليس الله مركباً ولا بسيطاً ولا أول له ولا آخر وأنه منزه عن الحلول في الأماكن، ومنها الجو، ولا يتصف بالتجزؤ، ولا بالجهات، وأن القرآن مخلوق وعلمه تعالي به قديم غير حادث، وأن ولاية حملة السعداء وبراءة جملة الأشقياء واجبةٌ مع البلوغ. وأن الله-عز وجل- لا يري في الدنيا ولا في الأخرة، ولا بالبصر، ولا بالقلب؛ لأن رؤيته ولو بالقلب توجب له تحيزاً وجهات وحلولاً في مكانٍ وزمانٍ ولوناً وتركيباً، وعجراً عمّا بع، أو ضعفاً وحاجة، وغير 1لك من صفات الخلق.
وذكر أصحابنا من الديانات خلود الفاسق في النار كالمشرك لعموم قوله تعالي (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) سورة الجن (23).
هامش ص 32
(1) تأليف محمد يوسف أطفيش (ص 1-5)، ط 1920 م ، عمان.
انتهي الهامش.

ص 33
وأما أحاديث عدم الخلود فمنها موضوع ومنها ضعيف السند والمتن (1)، وأما الميزان فعبارة عن كمية العمل وما يقابله من ثواب وعقاب وهو من الديانات عندنا فإن الأعمال أعراض لا أجسام، والأعراض لا توازن، وأما الصراط الأخروي وحِدًتُهُ وكلاليبه، فعبارة عن كون الناقد بصيرا جل وعلا، بحيث لو أمكن القرار على حد السيف أو الشعرة لأمكن خفاء شيء يومئذ، والاستواء إنما معناه الملك وعدم تعاصي شيء عما أراد. ووجه الله: الله، كما تقول لوجه فلان وتريد لفلان. ويد الله: قدرته. وعينه: حفظه.
وإثبات الجوارح لله-جل وعلا- بلا كيف رجوع في الجهل مع وجود التخلص عنه بالتأويل) (2).
هامش ص 33
(1) هذه عقيدته. والحق أن الأحاديث في ذلك منها ما هو مجمعُ على صحته، وهي كثيرة.
(2) لفهم مصطلحاته وضلال مسلكه راجع موضوع المعتزلة وموضوع علم الكلام الآتيان.

ص34
لما توفي الرسول -صلي الله عليه وسلم- بايع الصحابة أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- بالخلافة إجماعاً، لم يخالف فيه على -رضي الله عنه- ولا غيره. وانعقد مثل ذلك الإجماع على خلافة عمر، ثم عثمان رضي الله عنهم.
فلما وقعت الفتنة، وقتل عثمان رضي الله عنه، أطلق على من كان يؤيد عليًا -رضي الله عنه- ويقاتل معه اسم الشيعة، ثم تحولت إلى فرقة لها عقائد خاصة.
ولما خرج زيد بن علي بن الحسين علي الخلافة الأموية، وطلب منهم الخروج معه، طلبوا منه البراءة من أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- فقال: (كيف أتبرأ منهم وهما وزيرا جدي – يعني: رسول الله-صلي الله عليه وسلم- فتركوه، فقال: رفضتوني). فسموا (الرافضة) منذ ذلك الحين، تمييزاً عن الزيدية.
وقد ظهرت تحت ستار التشيع فرق كثيرة، خرج بعضها عن الإسلام بالكلية.
الشيعة في عهد أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:
كانت الشيعة أول ظهورا في عهد على رضي الله علي ثلاثة أصناف:
1- المفضًلة: أي الذين يفضلون علياً علي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
2- السبًابة: وهم الذين يبالغون في ذلك حتى أنهم يسبون أبا بكر وعمر.

ص 35
3- الغلاة: وهم الذين يؤلهون، أي: يعتقدون أنه إله، أو حل فيه جزء من الإله، كما يعتقد النصارى في عيسي أنه إله، وهم زنادقة وسموا بذلك؛ لأنهم يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر.
حكم أمير المؤمنين علي في الشيعة:
1- المفضلة: كان على -رضي الله عنه- ينكر عليهم ويعلن أن أفضل الأمة بعد رسول الله – صلي الله عليه وسلم – أبو بكر ثم عمر، كما ثبت ذلك عنه في صحيح البخاري.
وصح عنه أنه قال: (لا أوتي برجل فضلني علي أبي بكر وعمر، إلا جلدته حد المفتري، ثمانين).
2- السبًابة: كان حكمه فيهم القتل، فقد بلغه ذلك عن بعض شيعته، فطلبهم ليقتلهم، ولكنهم هربوا.
3- الغلاة الزنادقة: كان حكمه فيهم الحرق بالنار، وقد فعل ذلك كما ثبت في صحيح البخاري.
ولهذا اعترض ابن عباس علي حرقهم، بنهي النبي -صلي الله عليه وسلم- عن التعذيب بالنار، وبيًن أنهم يقتلون بالسيف.
عبد الله بن سبأ.. وتأسيس التشيع الغالي:
عبد الله بن سبأ رجل يهودي ماكر، أظهر الإسلام ليفسده ويهدمه، وكان هو رأس الفتنة التي ثارت علي عثمان -رضي الله عنه- وأودت بحياته، كما كان هو وأتباعه مثيري الحرب يوم الجمل، بعد الاتفاق علي الصلح.

ص 36
أظهر عبد الله بن سبأ الغلو في علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- مثلما أعلن بولس اليهودي الغلو في عيسي عليه السلام (1)، ومن ذلك:
1- ادعي ابن سبأ أن القران جزء من تسعة أجزاء، وأنه لم يجمعه كله إلا علي، وأن النبي -صلي الله عليه وسلم- اختص علياً وآل بيته بالعلم الباطن.
وقد نفي علي -رضي الله عنه- أن النبي خصه بشيء من العلم، وأعلن ذلك علي المنبر، كما رواه الإمام أحمد، والبخاري في صحيحه.
وأستدعي عبد الله بن سبأ، وقال له: (والله ما أفضي-يعني رسول الله – صلي الله عليه وسلم- إلي بشيء كتمه أحد من الناس، ولقد سمعته يقول: إن بين يدي الساعة ثلاثين كذاباً، وإنك لأحدهم).
2- أظهر القول بألوهية علي -رضي الله عنه- :
افتري بن سبأ هذا الكفر، ونشره في أتباعه، فجاءت طائفة منهم إلي باب أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وقالوا له:
أنت هو؟ قال: من هو؟ قالوا: أنت الله. فأمهلهم ثلاثة أيام، ثم حرقهم بالنار.
3- أظهر بن سبأ سب الشيخين: أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- ، وزعم أن عليا يضمر لهما العداوة، فلما بلغ ذلك علياً، قال: (مالي ولهذا الخبيث الأسود؟ معاذ الله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل). ثم أرسل إلي عبد الله بن سبأ، فأمر بنفيه إلي المدائن، وقال: (لا يساكنني في بدلة أبداً). ثم نهض إلي المنبر حتي اجتمع الناس، فأثني
هامش ص 36
(1) انظر موضوع النصرانية (ص 93)
انتهي الهامش.

ص 37
على الشيخين ثناءً عظيماً. وختم خطبته بتهديد الرعية، قائلاً: (ألا ولا يبلغني عن أحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد المفتري).
هذا وقد كان علي -رضي الله عنه- يريد قتل ابن سبأ، ولكنه خشي الفتنة في جيشه؛ لأن أتباع ان سبأ مندسون في صفوفه، فاكتفي بنفيه وإبعاده إلي المدائن.
انتشار التشيع في بلاد فارس:
الفرس أمة عظيمة، فتح المسلمون بلادهم في عهد الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ودخل طوائف منهم في دين الله أفواجاً، ونبغ منهم قادة وعلماء، وكان لهم في الجهاد والعلم قد راسخ وفضل عظيم، ولكنهما مع ذلك، كان لهم في الجهاد والعلم قدم راسخ وفضل عظيم، ولكنهما مع ذلك كانت بيئة ومنطلقا لكثير من الفرق الضالة، ويهمنا منها الآن ما يتعلق بالتشيع الغالي.
وهو أنه لما نفي أمير المؤمنين عبد الله بن سبأ إلى المدائن، لم تؤثر هذه العقوبة في إزالة الخبث اليهودي من نفسه، بل وجدها فرصة عظمي لنشر ضلالاته وسمومه في تلك النواحي، ووجد فيها تقبلا وبيئة خصبة للأسباب الأتية:
1- أنها بلاد أعجمية حديثة العهد بالإسلام، لم تتخلص نفوس عامتها من رواسب العقائد السابقة، فهم قابلون لتلقف أية دعوة والتحمس لها.
2- أن بعض أبناء فارس-وخاصة أصحاب المناصب والمال قبل الإسلام- يحملون حقداً شديداً علي الإسلام وأهله؛ لأن الإسلام

ص38
أسقط دولتهم وهدم حضارتهم وطمس ديانتهم المجوسية.
ولما كان مستحيلاً مواجهته بالقوة، لجئوا إلى التآمر والتخطيط السري لهدمه.
ولا ننسي هنا أن نذكر أن اليهود هم طائفة مهم من الشعوب الفارسية.
4- أن طبيعة أهلها تقديس الأسر الحاكمة، والغلو في الخضوع لها إلى حد تأليهها، وهي أسر تتوارث الملك، حتى أنه إذا لم يوجد في الأسرة إلا امرأة اختاروها للملك، ولم يختاروا أحداً خارج الأسرة مهما كانت منزلته في الدولة، ومهارته في السياسة والقيادة، كما فعلوا حين ولو ابنة كسري مع وجود رستم وأمثاله.
واعتماداً على هذه الأركان الثلاثة: الجهل والحقد والغلو في التعظيم والتقديس، أسس عبد الله بن سبأ معظم عقائد الفرقة، إليك البيان:
أثر الأسباب في عقيدة التشيع:
1- نتيجة الجهل بالإسلام مع بقاء الرواسب المجوسية، وجد في عقيدة الشيعة: (الحلول) وهو أن الله يحل في أحد من خلقه، تعالي الله عن ذلك علواً كبيراً.
وقد افتري ذلك في حق علي وروحه عبد الله بن سبأ، حتى أنه لما بلغه قتل علي، قال: (لو جئتمونا بدماغه في صرة ما صدقنا بموته).
وقال: (إن المقتول ليس علياً بل شيطان تصور بصورته، أما على فإنه

ص 39
صعد إلى السماء وهو يمشي في السحاب وأن البرق سوطه والرعد صوته، وسوف يرجع إلى الأرض فيملؤها عدلاً كما ملئت جوراً). كما وجدت شعائر مجوسية، مثل الاحتفال بالنيروز.
2- نتيجة الحقد المجوسي استطاع ابن سينا أن يبذر فيمن استجاب له الفرس عداوة الصحابة رضوان الله تعالي عليهم والطعن فيهم، ولا سيما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، الذي فتحت جيوشه بلادهم، وحطمت سلطانهم. وقد اغتاله أحدهم أبو لؤلؤة المجوسي كما هو معلوم.
فأكمل ابن سينا ما بدأ به من الفتنة، ومقتل عثمان وطلحة والزبير، والكثير من الصحابة. حتي أصبح من أعظم أصول التشيع تكفير الصحابة والجهر بمعاداتهم ولعنهم.
ومن أعجب العجب أن يدعي أحد الإسلام، ويفخر بما صنع أبو لؤلؤة المجوسي ويعظمه ويمنحه لقب البطولة والرجولة.
3- ونتيجة الغلو في تقديس السادة والكبراء، استطاع ابن سبأ أن يروج بينهم بدعة ألوهية علي، وأحقيته وأهل بيته بالخلافة، فبالغت هذه الفرقة في تعظيم الأئمة، حتى رفعوهم عن مرتبة الملائكة والنبيين، بل وصفوهم بصفات الله تعالي، كقولهم: إن جميع ذرات الوجود تخضع لهم، وأنهم معصومون عن السهو والغفلة والخطأ.
وقياساً على الطريقة الكسروية، جعلوا الخلافة حقًّاً إلهيّاً محفوظاً لعلي وذريته، وجعلوه أحد أركان الدين وأصوله، وقد تعصبوا للحسين وذريته أكثر من بقية آل البيت؛ لأنه تزوج بنت ملكهم كسري، وجميع

ص 40
الأئمة عندهم من نسلها.
4- والبصمات اليهودية واضحة في التشيع جداً. فمما أدخله ابن سبأ فيها من عقائد اليهود، وأكمله من بعده:

أ- التمثيل والتشبيه: وعلى هذا كان قدماؤهم، ثم اتحدوا مع المعتزلة -كما أشرنا- وأصبحوا نفاة معطلة.
ب- يعتقد اليهود أنه سيخرج في أخر الزمان مسيح يهودي، يحكم العالم بشيعة داود، ويبعث له وزراء من أصحاب موسي ويوشع بن نون، وفي عقيدة الشيعة أن مهديهم المنتظر سوف يحكم بحكم داود، ويبعث معه وزراء من أصحاب موسي ويوشع بن نون.
ج- يعتقد اليهود جواز البداء علي الله تعالي، وهو أن يأمر الله بأمر، ثم يبدو له خطؤه فيأمر بخلافه -تعالي الله عن ذلك علواً كبيراً- وهذا جزء من عقيدة الشيعة في الله تعالي.
أهم عقائد الشيعة:
افترقت الشيعة طوائف وفرقاً كثيرة، وأكبر هذه الفرق هي الشيعة الإمامية الاثنا عشر، وإليها ينصرف الاسم عند الإطلاق، إذا قيل: (الشيعة) أو (الرافضة).
وهذه أهم عقائدها:
1- أن الإمامة (الخلافة) ركن من أركان الدين، ويجب علي النبي أن يعين الخليفة من بعده.
2- أن النبي -صلي الله عليه وسلم- نص على تعيين على إماماً بعده، وقد نزلت عليه

ص41
بذلك آيات من القرآن، ولكن الصحابة اتفقوا علي كتم هذه الآيات والأحاديث، وخالفوها، واغتصب أبو بكر وعمر وعثمان الخلافة، وبذلك كفر الصحابة، وخرجوا من الإسلام، إلا عدداً قليلاً جداً.
3- أن الأئمة معصومون عن السهو والغفلة، والخطأ والنسيان،ويتلقون العلم من الله مباشرة، ويعلمون ما كان وما سيكون، وتخضع لهم جميع ذرات الوجود، ويعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا باختيارهم. ويجوز دعاؤهم، والاستغاثة بهم، والتسمية بالعبودية لهم(1).
4- أن الأئمة اثنا عشر إماماً، أولهم: علي، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، الذى أمه بنت كسرى، ثم تتابع في ذريته إالى الإمام الثاني عشر الموهوم محمد بن الحسن العسكري الذي يعتقدون أنه اختفى في السرداب بسامراء سنة(261هـ) وسوف يخرج آخر الزمان، ويحكم الناس بحكم داود، ويأمر بإحياء أعداء علي وأهله، وأولهم أبو بكر وعمر، ثم سائر الصحابة والخلفاء، وملوك المسلمين إالى زمن خروجه، فيقتلهم جميعاً.
5-أن القرآن فيه تحريف ونقص، أحدثهما الصحابة فيه، والمصحف الكامل هو مصحف علي، الذي ورثه الإمام الثاني عشر، ودخل به السرداب، وهو ثلاثة أضعاف هذا القرآن، وليس فيه من القرآن أهل السنة حرف واحد. ويسمونه ايضاً: مصحف فاطمة، ويحاول مجتهدوهم تجميعه
هامش ص41
(1) مثل: عبد الحسين، عبد الرضا، عبد الكاظم، عبد الأمير.
انتهي الهامش

ص42
من خلال الرويات الموضوعة على أئمة أهل البيت. ولكنهم يروون عن أئمتهم الوصية بقراءة هذا القرآنـ وجواز التعبد والعمل به، إالى أن يظهر الإمام بالقرآن الحقيقي.
6-اعتقاد أن القرآن مخلوق.
7-إنكار صفات الله تعالى، وإنكار القدر. وبالجملة هم معتزلة في العقيدة، وينفردون بالقول بالبداء.
8-السنة عندهم: لا يعترف الشيعة بكتب السنة المعروفة، مثل: صحيح البخاري وصحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد وكتب السنن الأخرى، وإنما السنة عندهم ما جاء من طريق آل البيت وحدهم، واهتمامهم بما يروى عن أئمتهم المعصومين- في نظرهم- أعظم مما عداه. وكما يخالفون أهل السنة في الأصول، يخالفونهم في معظم الأحكام الفقهية. ومن ذلك: أن الخهاد والجمعة غير واجبة عندهم، إلا إذا ظهر الإمام الذي في السرداب، وأنه حين يظهر ينشر العلم الخاص-بزعمهم- الذي يسمونه (علم الجفر) وفيه الفقه، والأحكام، والقرآن الكامل. وهذا مما يدل على أن الذين أسسوا هذا المذهب كانوا قاصدين تعطيل الشريعة، وتعليقها على شىء لن يوجد أبداً، وهذا من أخبث المكر.

ص43
المعتزلة
سبقت الإشارة إالى أن أول من أسس الاعتزال، هو واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، اللذان طردهما الحسن البصري من حلقنه بمسجد البصرة، وأن أول بدعة المعتزلة كانت في الإيمان، وذلك أنهم قالوا: إن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، ولكنه في منزلة بين المنزلتين. وأنهم أيضاً وافقوا معبد الجهني وغيلان في نفي القدر، ثم أضافوا إالى ذلك إنكار صفات الله تعالى، والطعن في الصحابة رضوان الله عليهم.
تطوَر مذهب المعتزلة: أصبح مذهب المعتزلة في-نهاية القرن الثاني الهجري- يمثل منهجاً فكرياً مستقلاً، وذلك لسببين:
1- ترجمة كتب الفلسفة اليونانية، فقد أقبل عليها المعتزلة، واهتموا بدراستها، وأسسوا علم الكلام مستوحى من قواعدها، كما سيأتي.
2- نبوغ طائفة من المعتزلة تتلمذوا على تلاميذ واصل، وعمرو ابن عبيد، وأشهرهم: أبو الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام.
وقد ابتدع كل منهما آراء كفرية خارجة عن إجماع المسلمين، وفي الوقت نفسه كان كل منهما يرد على الآخر ويكفره، وهذا هو حال أهل البدع دائماً، والحق أن من يتتبع حياة الرجلين، يجد فيهما من قبح السيرة، وسوء الاعتقاد، والجرأة على الله، ما يجعله يصدق ما نسبه

ص44
إليهما المؤرخون، من الإلحاد والزندقة.
المعتزلة وفتنة القول بخلق القرآن:
المعتزلة هم السبب الرئيسي في حدوث الفتنة، وامتحان الأمة بالمحنة الكبرى، لكي تعتقد بقوة الحديد والسجن، أن القرآن-الذي هو كلام الله-مخلوق.
فقد زينوا ذلك للمأمون، ثم للمعتصم الذي عذب الإمام أحمد وغيره، لكي يوافقهم على هذه الضلالة.
فرق المعتزلة:
تفرقت المعتزلة فرقاً كثيرة، يكفر بعضها بعضاً أو يضلله، ومنذ القرن الثالث اتحد المعتزلة والشيعة، ولا تزال الرافضة والزيدية غلى عقائد المعتزلة إالى يومنا هذا.
كما أن لعقائد الاعتزال أثراً كبيراً في مذهب الأشعرية، الذى هو أكثر المذاهب رواجاً في العصور المتأخرة.
وقد تبين من الدراسات الحديثة المقارنة، أن آراء المعتزلة ما هي إلا صدى للفلسفة اليونانية الوثنية القديمة، كما قال علماء السنة من قبل.
ولهذا وغيره، قوي الاتجاه إالى مذهب أهل السنة والجماعة، في كثير من البلاد، ولله الحمد.
أهم عقائد المعتزلة: الأصول الخمسة:
للمعتزلة عقائد كثيرة: وأهمها هي الأصول الخمسة، التي تتفق عليها فرقهم، وإن اختلفت في تفصيلاتها أحياناً، وهي:

ص45
1- التوحيد: والمراد به عندهم، نفي الصفات عن الله تعالى، فيقولون: عليم بذاته، سميع بذاته، بصير بذاته، او عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر.. وهكذا. وكذلك يريدون به القول: بأن القرآن مخلوق.
وشبهتهم أننا إذا أثبتنا لله صفات، فقد قلنا بوجود آلهة كثيرة ؛ لأن الصفات غير الذات.
وهذه الشبهة باطلة، فإن صفة الإنسان ليست إنساناً، فكيف تكون صفة الله إلهاً وله المثل الأعلى؟! وإنكار الصفات تكذيب لكتاب الله وسنة رسوله(صل الله عليه وسلم).
2-العدل: المراد به عندهم أن الله لا يخلق الشر ولا يريده، ولم يقدر المعاصي على العباد، ولكنهم هم يخلقون أفعالهم، ويفعلون ما لا يريد الله فعله ولم يقدره، وهذه هي فلسفتهم في القدر. وأصل شبهتهم عدم تفريقهم بين نوعي الإرادة:
أ‌- الإرادة الكونية: التي هي بمعنى المشيئة، فلا يكون في الكون إلا ما يشاؤه الله ويريد وقوعه، سواء أكان يحبه أم يكرهه.
ب‌- والإرادة الشرعية: وهي بمعنى المحبة، فكل ما أمر الله به وشرعه، فإنه يجب فعله، سواءً أطاعه العباد فيه أم عصوه. وطاعتهم أو معصيتهم لا تخرج عن إرادته الكونية الشاملة.
فإذا قال المعتزلي: هل الله(يريد الكفر)؟ فنحن نجيبه بأن نفصل قائلين:
أ‌- إن كنت تقصد بقولك يريد الكفر أنه يشاؤه ويقدره، فالجواب:

ص46
نعم، فالكفار كما نرى ونعلم كثيرون، ولا يكون في ملك الله إلا ما يشاء، ولا يكون بشيء إلا بقدر منه.
ب- وإن كنت تقصد أنه يحب الكفر ويشرعه ويأمر به،
فالجواب: لا. لأنه قال: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) [الزمر:7]، ولأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب تحذيراً منه.
3- الوعد والوعيد: المراد به عند المعتزلة أنه يجب على الله أن يعذب العصاة، ولا يعفو عنهم، ولا يقبل فيهم الشفاعة، ولا يخرجهم من النار أبداً.
4- المنزلة بين المنزلتين: وهى الاعتقاد بأن مرتكب الكبيرة كالزاني وشارب الخمر والسارق، لا يسمى مؤمناً ولا كافراً، بل هو في منزلة بين الإيمان والكفر.
5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: والمقصود به وجوب الدعوة إلي ما يعتقدونه من التوحيد والعدل وغيرهما، ووجوب الخروج على أئمة المسلمين، الذين ليسوا على مذهبهم بالسيف، أو من كان على مذهبهم لكنه جار أو فسق.
ومن أخطر أصول المعتزلة: تحكيم آرائهم وعقولهم، والإعراض عن الكتاب والسنة، وقد بنوا على ذلك عقائد باطلة، مثل: إنكار عذاب القبر، وإنكار الصراط والميزان، وكثير من هذه الأمور الغيبية الثابتة. وهم يردون الأحاديث الصحيحة لمجرد مخالفتها لهواهم، ويكذبون الصحابة والتابعين وسائر الرواة، إذا رووا ما لا يتفق ومذهبهم. أما ما يخالف آراءهم من الآيات فإنهم يفسرونه بما لا يتفق مع الشرع واللغة، ويؤولونه كما يشاءون.

ص47
نص للمطالعة
رأي المعتزلة في الأحاديث(الأخبار): يقول القاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي، صاحب الأصول الخمسة والمغني، وغيرهما:
" الأخبار لا تخلو: إما أن يعلم صدقها، أو يعلم كذبها، أو لا يعلم صدقها ولا يعلم كذبها.." .
قال:" وأما القسم الثاني فهو ما يعلم كذبه من الأخبار، وذلك ينقسم إلى ما يعلم كذبه اضطرارا، وإلي ما يعلم اكتسابا: أما ما يعلم كذبه اضطرارا فكخبره من أخبرنا أن السماء تحتنا والأرض فوقنا، وما جرى هذا المجرى. وأما ما يعلم كذبه استدلالا، فكأخبار المجبرة والمشبهة عن مذاهبهم الفاسدة، المتضمنة للجبر والتشبيه والتجسيم(1) إلي غير ذلك من الضلالات. وأما ما لا يعلم كونه صدقا أو كذبا فهو كاخبار الآحاد وما هذه سبيله يجوز العمل به إذا ورد بشرائطه، فأما قبوله فيما طريقه الاعتقادات فلا ..".
قال:" وهاهنا أصلٌ آخر، وهو أن ما هذا سبيله من الأخبار فإنه يجب أن ينظر فإن كان مما طريقه العمل عمل به، إذا ورد بشرائطه، وإن
هامش ص47
(1) المعتزلة يسمون أهل السنة جبرية ومشبهة ومجسمة.
انتهى الهامش

ص48
كان مما طريقه الاعتقادات ينظر، فإن كان موافقا لحجج العقول، قبل واعتقد موجبه لا لمكانه بل للحجة العقلية. وإن لم يكن موافقا لها فإن الواجب أن يرد ويحكم بأن النبي لم يقله، وإن قاله فإنما قاله على طريق الحكاية عن غيره. هذا إذا لم يحتمل التأويل إلا بتعسف فأما إذا احتمله فالواجب أن يتأول"(1).
هامش ص48
الأصول الخمسة(ص 768-770)، طبعة القاهرة، 1965م.
انتهى الهامش

ص49
بعث الله نبيه محمداً (صل الله عليه وسلم) بالهدى والنور، وأنزل عليه الكتاب والحكمة، فبين للناس طريق الحق والرشاد في الأحكام والاعتقاد، وما كتم (صل الله عليه وسلم) شيئاً مما أوحاه الله إليه، ولم يلتحق بالرفيق الأعلى حتى ترك الأمة على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك. فلا شيء من أصول الدين وفروعه، إلا وقد بينه الرسول(صل الله عليه وسلم) وعلمه أصحابه، ونقلوه، ولا ضلالة ولا شبهة إلا وفي كتاب الله وسنة رسوله(صل الله عليه وسلم) ما يدحضها ويبطلها، عَلِمها من عَلِمها وجهلها من جهلها. وأعظم مل علمه النبي (صل الله عليه وسلم)، وبلغه أمته، وأعظم ما كان يحرص أصحابه على تعلمه وتعليمه هو معرفة الله تعالى بأسماءه وصفاته، وما يجب له على العباد من التوحيد والطاعة، ثم سائر أمور الغيب التي لا يدركها الناس بعقولهم، ولا يبلغونها بعلومهم. ولا سبيل إلى الحق فيها إلا من طريق الوحي. ولكن بعض المنتسبين للإسلام ضلوا السبيل، والتمسوا الحق من غير طريقه، فمنهم من لم يقنعه ما جاء في الكتاب والسنة، ومنهم من أخذ يبحث في غيرهما عما يعتقده في ربه، ومنهم من ابتلي بأهل الفلسفات القديمة والأديان المنقرضة، وأراد أن يجادلهم، ويدافع عن الإسلام، ولكن بغير منهج الكتاب والسنة، قأخذ يجادل بالعقل، ويدافع بالهوى، ويرد بعض الدين، ليدافع عن البعض الآخر، وينكر شيئاً ليثبت شيئاً.

ص50
كما وجد أصحاب البدع والفرق في هذه الفلسفات وسيلة لدعم بدعهم وآرائهم.
أثر الفلسفة اليونانية في علم الكلام: كانت الفلسفة اليونانية الوثنية معروفة في الدولة الرومية والأقاليم الخاضعة لها، كبلاد الشام ومصر، وقد فتح المسلمون هذه البلاد، ودخل أهلها في الإسلام، وبقي لدى بعضهم شيء من رواسبها عن جهل أو قصد. والفلسفات اليونانية اتجاهات مختلفة، يجمعها جميعاً القول على الله بغير علم، والخوض فيما لا تبلغه العقول، وقد كان فلاسفة اليونان، أمثال(أفلاطون وأرسطو) وثنيين، بعيدين عن هدي الأنبياء. وقد لقيت رواسب الفلسفة اليونانية رواجاً عند الجهال المبتدعة، مثل: الجعد بن درهم، أول من أظهر إنكار الصفات، وتلميذه: الجهم ابن صفوان، مؤسس الجهمية، وواصل بن عطاء، مؤسس الاعتزال. ثم ظهرت المعتزلة، فتوسعوا في نقل الفلسفة اليونانية والمنطق اليوناني، وأعرضوا عن منهج الكتاب والسنة في عرض العقيدة والاستدلال عليها، والدفاع عنها، ووضعوا قواعد ما سمي(علم الكلام). ولما كان عصر المأمون أنشأ داراً للترجمة، واستورد كثيراً من كتب الفلسفة واعتنق هو بدعة القول بخلق القرآن، وقرب المعتزلة وغيرهم، فعظمت القتنة، وانتشر الجدال في الدين. ومنذ ذلك الزمن أخذت بدعة الكلام تروج، وتتسرب إلى العلوم

ص51
الأخرى، حتى أصبح في العصور الأخيرة يسمى علم التوحيد!
وقد وقف له أهل السنة والجماعة بالمرصاد، وأعظم من نقضه ونسف أصوله وقواعده، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وفي عصرنا الحاضر يتعرض علم الكلام للانهيار نتيجة عاملين مهمين:
الأول: انهيار الفلسفة التي قام عليها رأي الفلسفة اليونانية، حيث أثبت العلم الحديث بطلان أكثر ما قررته من أمور، وأصبح الغربيون أنفسهم لا يذكرون أفلاطون وأرسطو وأمثالهما، إلا على سبيل التاريخ.
الثاني: الصحوة الإسلامية المعاصرة التي اتجهت في غالبها وجهة سلفية.
ومع ذلك لا تزال بعض المؤسسات العلمية التقليدية في العالم الإسلامي مصرة على تدريسه، متمسكة بمنهجه.
غرض علم الكلام:
يعرّف أصحاب الكلام علم الكلام، بأنه: (علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير، بإيراد الحجج ، ودفع الشبهات). وفي هذا بيان لغرضهم المزعوم، وهو إثبات العقائد والدفاع عنها بالعقل والرأي.
ولهذا تعلّموا فلسفة اليونان ومنطقهم، واستخدموا أساليبهم في المناظرة والجدل زاعمين أن ذلك هو الأسلوب الصحيح في رد

ص52
شبهات الملاحدة، وإقناع الجاحدين.
والحق أن بعضهم كان غرضه كذلك بغض النظر عن صحة العمل والأسلوب، ولكن بعضهم كان هو نفسه ملحدًا جاحدًا، لكنه تستر بهذا العلم، لإثارة الشبهات، وزعزعة العقيدة.
حكم علم الكلام وأهله عند علماء السلف: علم الكلام عند السلف علم بدعي، لا يجوز الخوض فيه إلا بغرض إبطاله، وليس لمجرد أنه علم جديد واصطلاح حادث، ولكن لمخالفته الصريحة لمنهج الكتاب والسنة في عرض العقيدة والدفاع عنها، كما سنوضح ذلك.
ولهذا اتفق أئمة الإسلام، مثل: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وابن المبارك، والبخاري وغيرهم كثير؛ على هجر أهل الكلام ومقاطعتهم وتحذير الناس منهم. كما حكموا على أهل الكلام بحسب درجتهم منه، وهم قسمان:
1- الجهمية والمتفلسفون الذين ينكرون جميع الأسماء والصفات وكثيرًا من العقائد القطعية حكم عليهم السلف بالكفر والخروج من الملة.
2- سائر المتكلمين دون ذلك حكم عليهم السلف بالضلال والابتداع والخروج عن السنة والصراط المستقيم.
أسباب إنكار السلف على أهل الكلام ومنهجهم:
1- أن العقيدة إنما تثبت بالوحي (الكتاب والسنة) لا بعقول المخلوقين وآرائهم، ودين الإسلام إنما يقوم على الاتباع والاستسلام.

ص 53
فالمسلم يصدق ويوقن بخبره وأمره بمجرد أن يثبت لديه أن هذا من عند الله دون حاجة إلى جدل واقتناع عقلي.
والكافر –غالبًا- هو جاحد معاند مهما جودل ورأى من البراهين.
(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) (الحجر 14-15).
ولهذا لم يكن الجدل هو وسيلة الدعوة –كما يظن المتكلمون- وإنما هو وسيلة لإقامة الحجة على المعاند.
2- إن الوحي مصدر معلوم معصوم، أما العقول فهي مع جهلها وقصورها عن معرفة حقائق الغيب مختلفة متناقضة، ولهذا لا يكاد الفلاسفة والمتكلمون يتفقون على شيء إلا ما هو متفق عليه بين جميع بني آدم الذين لا يعرفون فلسفة ولا كلامًا.
وهذا العلاف وصاحبه النظّام وهما أول من ألف في علم الكلام وهما من فرقة واحدة كما سبق، يناقض كل منهما الآخر ويكفره.
ولهذا لما أراد الإمام أحمد أن يرد على جميع الفرق دفعة واحدة وأن يرد الأمة إلى المصدر الصحيح الوحيد ألف (المسند) وجمع فيه قرابة أربعين ألف حديث.
3- أن الكتاب والسنة يشتملان على الحجج والبراهين التي ليس بعدها حجة ولا برهان، وأكثر العقول قوة وكمالًا هي أكثرها فهمًا لتلك الحجج والبراهين، واستنباطًا منها، وليس دين الإسلام مجرد أخبار مروية لا برهان فيها يتناقلها الناس على سبيل التقليد كما يظن المتكلمون!.
وقد ناظر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكفار – من يهود ونصارى

ص54
ومشركين- بالقرآن والسنة، فقهروهم وأفحموهم، وسار على ذلك علماء أهل السنة في سائر العصور، فأقاموا الحجة وقطعوا الخصم دون استعانة بمصدر آخر غير الكتاب والسنة وأقوال السلف.
أثر علم الكلام على الأمة الإسلامية:
كان لعلم الكلام – وما يزال – آثاره الخطيرة على الأمة الإسلامية، ومن ذلك:
1- إخضاع عالَم الغيب لعالَم الشهادة: فالمتكلمون يتحدثون عن الله تعالى واليوم الآخر، وسائر الغيبيات مستخدمين المصطلحات والمعايير التي وضعوها للأمور المشاهدة مثل: (الجوهر، العرض، الكمية، الكيفية، الحدوث، التغيير).
2- إثارة الشكوك والريب في أمور قطعية يجب الإيمان والتسليم بهلا بلا اعتراض ولا مناقشة، مثل قضية إثبات وجود الله تعالى، وكون العالم مخلوقًا.
3- افتعال التعارض بين العقل الصريح والنقل الصحيح، مثل: تكذيب الأحاديث المتفق على صحتها بدعوى مخالفتها للعقل، وأحيانًا يذكرون أحاديث موضوعة ويقولون: هذا ما ورد به السمع وإن خالف العقل.
4- تحويل الفائدة الإيمانية إلى قضايا عقلية جافة وجدل فارغ طويل لا أثر له في الإيمان ولا الأخلاق.
5- فتح باب للملاحدة والحاقدين للطعن في الإسلام، وذلك

ص55
لأن المتكلمين يزعمون أن الإسلام هو ما قرروه وأثبتوه من القضايا.
فإذا رأى أحد الملاحدة ضعفها وخطأها واستطاعوا نقدها توجه هذا الخطأ والنقد إلى الإسلام نفسه –عياذًا بالله - .
6- تفريق الأمة وفتح باب الخصومة بين المسلمين في أمور ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تعبد الناس بمعرفتها. فكل طائفة من المتكلمين تكفر الأخرى، بل ربما كفر التلميذ شيخه وكفر الابن أباه.

ص56
نص للمطالعة
اختلاف المتكلمين في حقيقة الإنسان؟
يقول الشيخ أبو الحسن الأشعري الذي كان رئيس المتكلين في زمانه ثم عاد للسنة والجماعة: "اختلاف الناس في الإنسان ما هو؟.
فقال أبو الهذيل: الإنسان هو الشخص الظاهر المرئي الذي له يدان ورجلان، وحكى أن أبا الهذيل لا يجعل شعر الإنسان وظفره من الجملة التي وقع عليها اسم الإنسان.
وحكى أن قومًا قالوا أن البدن هو الإنسان وأعراضه ليست منه وليس يجوز إلا أن يكون فيه عرض من الأعراض.
وقال بشر بن المعتمر: الإنسان جسد وروح وأنهما جميعا إنسان وأن الفعال هو الإنسان الذي هو جسد وروح.
وكان أبو الهذيل لا يقول أن كل بعض من أبعض الجسد فاعل على الإنفراد، ولا أنه فاعل مع غيره، زلكنه يقول الفاعل هو هذه الأبعاض.
وقال ضرار بن عمر: الإنسان من أشياء كثيرة لوم وطعم ورائحة وقوة وما أشبه ذلك وأنها الإنسان إذا اجتمعت، وليس ها هنا جوهر غيرها.
وأنكر حسين النجار أن تكون القوة بعض الإنسان وأنكر ذلك أكثر أهل النظر.
وقال عبادة بن سليمان: الإنسان معناه أنه بشر فمعنى إنسان معنى

ص57
بشر، ومعنى بشر معنى إنسان في حقيقة القياس وزعم أن الإنسان جواهر وأعراض.
وقال برغوث: إن الإنسان هو الأخلاط من اللون والطعم والرائحة وما أشبه ذلك.
وحكى زرقان أن هشام بن الحكم قال: الإنسان اسم المعنيين البدن والروح، فالبدن موات والروح هي الفاعلة الحساسة الدراكة دون الجسد وهو نور من الأنوار.
وقال أبر بكر الأصم: الإنسان هو الذي يرى وهو شيء واحد لا روح له وهو جوهر واحد ونفي إلا ما كان محسوسا مدركا.
وقال النظّام: الإنسان هو الروح ولكنه مداخلة للبدن مشابكة له وأن كل هذا في كل هذا وأن البدن آفة عليه وحبس وضاغط له.
وقال معمر: الإنسان جزء لا يتجزأ وهو المدبر في العالم، والبدن الظاهر آلة له وليس هو في مكان في الحقيقة ولا يمس شيئا ولا يماسّه.
وقال قائلون: الإنسان جزء لا يتجزأ وقد يجوز عليه المماسّة والمباينة والحركة والسكون وهو جزء في بعض هذا البدن حال فيه ومسكنه القلب وأجازوا عليه جميع الأعراض، وهذا قول الصالحي.
وكان ابن الراوندي يقول: هو في القلب وهو غير الروح والروح ساكنة في هذا البدن" (1).
هامش ص57
(1) مقالات الإسلاميين (329-332)، تحقيق هلمون ريتر، الطبعة الثالثة، 1400 هـ.
انتهى الهامش.

ص58
الصوفية
كلمة الصوفية مأخوذة من كلمة (سوفيا) ومعناها في اللغتين اليونانية والهندية القديمة: (الحكمة)، ومنها اشتقت كلمة (فيلاسوفيا) (فيلسوف)، ومعناها: (محب الحكمة)، كما أن كلمة (ثيرصوفية) معناها: الحكمة المتعلقة بالإله، وهي مذهبٌ معروفٌ قديمًا وحديثًا.
والهندوس يطلقون كلمة الصوفية على رهبان البراهمة، وحكمائهم الروحانيين الذين يهيمون في الغابات عراة، باحثين عن الحكمة والمعرفة –بزعمهم- والغاية عندهم الاتحاد بالله والفناء في ذاته، تعالى الله عما يصفون (1).
وفي الإسلام لم يسمع هذا المصطلح – أي: مصطلح الصوفية – إلا في نهاية القرن الثاني للهجرة، وكان يطلق حينئذٍ على أفراد شاذين اعتزلوا الناس منقطعين في رهبانية مخالفة لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في التعبد.
وكان علماء الجرح والتعديل والمؤلفون الأوائل في الفرق يطلقون عليهم وصف (الزنادقة) وكان بعضهم لا صلة له بالإسلام أصلًا، وإنما هم رهبان غامضون يسيحون في الأرض ويعيشون في المغارات والأودية المقفرة.
وانتشرت الصوفية في القرنين الثالث والرابع، ولكن زعماءها ظلوا
هامش ص58
(1) انظر موضوع الهندوسية (ص101).
انتهى الهامش.

ص59
متهمين بالزندقة، وجرت محاكمتهم على ذلك مرارًا، وكان ممن حوكم: الجنيد، والنوري، وذو النون المصري، ومنهم من قتل كالحلّاج.
وفي القرن الخامس ظهر أبو حامد الغزالي (المتوفي سنة 505 هـ)، فكان له أكبر الأثر في نشر الصوفية في العالم الإسلامي وإلباسها بلباس الإسلام.
والغزالي فقيه ومتكلم ذو سمعة وشهرة، وقد خلط في مؤلفاته بين هذه العلوم وبين ما نقل عن الصوفية قبله كالمحاسبي، وأبي طالب المكي، وأضاف إليها من آرائه وفلسفته، فانتشر التصوف وقبله الناس.
من أسباب انتشار التصوف:
مما مهد لذلك أن الأمة الإسلامية كانت مرهقة بثورات الباطنية وسيطرة الحكومات الرافضية، وكان علماء السنة يتعرضون للأذى من دول الرفض، ويحاربون الاعتزال والكلام والباطنية على المستوى الثقافي، في حين كانت الصوفية تنهش في الطبقات الدنيا من الناس.
وواكب ذلك تدفق الحملات الصليبية على الشرق الإسلامي، فتكاثر أهل الباطل ونشطت سائر أحزابه على كل صعيد.
ومما أسهم في انتشار التصوف من غير قصد انتشار علم الكلام بما فيه من جفاف وتعقيد وتحكيم العقل والرأي والبحث المجرد، فوجد الناس في التصوف بما فيه من ابتعاد عن التعقيد الفلسفي واعتماد على الكشف والأحلام والإلهامات .. إلخ، ملجًا ومهربًا من علم الكلام وأهله.

ص60
هل التصوف خاص بالمسلمين؟.
يتفق الباحثون في الأديان والمذاهب على أن التصوف فلسفة عالمية، واتجاه إنساني عام يوجد في جميع الأديان والأوطان، وأنه أشبه شيء بالديانة الهندوسية في غاياته ووسائله وكثرة طرقه وتناقض معتقداته.
والاتجاهات الصوفية على اختلاف أسمائها وطرقها ظهرت وما تزال تظهر في أوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها.
أما التصوف المنتسب للإسلام فهو طرق كثيرة وشُعب متباينة، وللتيسير على القارئ نقسمه كالتالي:
أقسام التصوف:
أولًا التصوف الغالي:
وهو الذي غلا أصحابه حتى خرجوا من الإسلام بالكلية (أو لميدخلوه أصلًا، وإنما تلبسوا به ليهدموه أو ليسلموا من عقوبة أهله) وهو اتجاهان رئيسيان:
1- التصوف الفلسفي:
وهو المبني على فلسفة اليونان والهند وأصحابه أقرب شيء إلى الباطنية، وهم يهتمون بالخوض في المباحث الإلهية والكونية على الطرق الفلسفية، ولهذا نجد كتاباتهم تفيض بالمصطلحات الفلسفية، مثل: (العقل الكلي، النفس الكلية، الأعراض، الجواهر، الصورة والهيولى)(1).
هامش ص60
(1) الصورة هي المظهر، والهيولى: المادة الخام، مثل الكرسي هو صورة، وهيولاه الخشب.
انتهى الهامش.

ص 61
وهو يؤمنون بالاتحاد (اتحاد الخالق بالمخلوق) ووحدة الوجود .
ومن أشهر المنتسبين للإسلام منهم : ابن عربي ، وابن الفارض .
2 - التصوف الرهباني:
نسبة إلى الرهبانية ويطلق عليه التصوف البوذي وهو المبني على الرياضات والخلوات والمجاهدات والخيالات . وأصحابه أقرب شئ إلى البوذية ، وهم يهتمون بالخوض في الوساوس والخطرات وقمع النفس مستخدمين السياحة في الأرض والانقطاع في الفلوات ، ويكثرون من الأشعار والقصص والذكر بطريق الرقص والتمايل ، كما يهتمون بالخوارق والكرامات ، ويستخدمون السحر والجن لذلك .
وعقائد هذا القسم كثيرة ، منها : الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ومنها التفويض وهي : (أن الله يفوض تدبير العالم إلى الأقطاب والأولياء) .
ومعظم الطرق الصوفية في العالم الإسلامي تنتمي لهذا الاتجاه على تفاوت فيما بينهما مع خلطه ببعض ما عند القسم الأول ، فالتصوف - كما سبقت الإشارة - ليس فكرة محددة ، ولكنه اتجاه واسع وطرق متناقضة ، والصوفي يؤمن بمتناقضات كثيرة في آن واحد .
ثانيًا : التصوف البدعي:
ينتمي بعض المسلمين قديمًا وحديثًا إلى التصوف عن حسن نية ، ظنًا منهم أنه مجرد اصطلاح يطلق على ما كان عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه من المراقبة والمحاسبة ، والرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا ، ولكن يندر وجود من ينتسب إلى التصوف مع الخلو من البدع صغيرة أو كبيرة ، وأكثرهم تفسد عقائده في الصفات والقدر ، ونظرته للدنيا وغيرها ،مما كان له أثر واضح في انحطاط الأمة اعتقادًا وعلمًا وحضارة .

ص 62
ومن كان صحيح العقيدة والعبادة من المسلمين ، فلا يجوز أن ينتسب أو ينسب إلى التصوف ولا غيره ، وإنما يكون الانتساب إلى الإسلام والسنة كما أسلفنا .
علاقة التصوف بالفرق:
أكثر الفرق علاقة بالصوفية هي الشيعة ، فالصلة بين التصوف والتشيع عميقة جدًّا ، وقَّل من شيوخ الصوفية من لا ينتسب إلى أهل البيت ، والصوفية تَدَّعِي فيهم ما تدعيه الشيعة كالعلم الباطن والتصرف في الكون ، ويعبدون أئمتهم كما تفعل الشيعة أيضًا .
والحقيقة التي أعلنها الباحثون من شرقيين وغربيين قديمًا وحديثًا هي : أن التشيع الغالي والتصوف الغالي والباطنية ثلاثة أوجه- أو ثلاثة مظاهر - لشئ واحد له غاية واحدة مشتركة هي تقويض الإسلام من الداخل .
الطريق عند الصوفية وأركانه:
الطريق عند الصوفية رمز للمنهج الذي يسير عليه العابد ليصل إلى معبوده .
وللصوفي ثلاثة أوصاف بحسب سيره في الطريق:
1- المريد : وهو المبتدئ الذي يتلقى عن الشيخ .
2- السالك : وهو الذي يقوم بالرياضات والمجاهدات ليصل إلى الغاية .

ص 63
3- الواصل : وهو الذي وصل الغاية ، والغاية هي الفناء في الإله المعبود ، أو الاتحاد به ، ولهذا يؤمن غلاة الصوفية بسقوط الأوامر والنواهي والتكاليف عن الواصلين ؛ لأن الغرض من الصلاة والزكاة والصوم .. الخ بزعمهم هو الوصول إلى الله ، فمن وصل فلا حاجة له بها .
أركان الطريق:
الأول: الشيخ:
فلا يستطيع أحد الوصول إلى الله بمفرده أبدًا ، والشيخ عند الصوفية ليس مجرد واسطة أو وسيلة للتربية كالأب أو المعلم ، بل هو واسطة للإيمان والقبول .
ولهذا فطاعته مطلقة ، ويجب أن يكون المريد بين يديه كالميت بين يدي الغاسل ، ولا يجوز للمريد أن يعترض على شيخه ، مهما فعل من قبيح أو حرام ولو كان هذا الاعتراض في سر المريد ، بل يجب أن يسلم له ظاهرًا وباطنًا .
وعلى المريد أن يلتزم بما يجلبه الشيخ من أوامر وأذكار وصلوات ، وأن يتأسى به ويذيع كراماته ويدافع عنه .
الثاني: الخلوة:
المتصوف الحقيقي لا بد له من الخلوة سواءً أكانت في زاوية أو في صحراء أو غابة ، وأقل ما تحصل به الخلوة أن يلف على رأسه ووجهه كساءً غليظًا يختفي به عن الناس ، ويطيل ترديد الأوداد ويفرغ قلبه من كل شئ .

ص 64
وفي الخلوة ينقطع الصوفي عن الناس حتى عن الجمعة والجماعة ، ويلتزم بصيام معين وأوراد معينة حتى يكاشف ويفتح عليه .
الثالث: الفتح والمكاشفة:
مع دوام الخلوة والذكر يأتي الفتح أو المكاشفة وهو يطلق على أشياء كثيرة ، فقد يكون نداء وخطابًا يسمعه ، أو صورة يراها أمامه ، أو خارقة تجري على يديه ونحو ذلك مما هو بلا شك من إيماءات الشياطين أو أصواتهم وأفعالهم .
الرابع: الكرامة:
لكي يكون الصوفي وليًا لا بد له من كرامة كما أنه لا بد لكل نبي من آية (معجزة) ، وتدعي الصوفية لأوليائها كرامات كثيرة بعضها كذب واختلاق ، وبعضها من آثار الرياضه الطويلة ، أو من آثار السحر والاستعانة بالشياطين ، أو الاحتيال بحيل خفية .
فقد يطير الواحد منهم في الهواء أو يمشي على الماء ، أو يطعن نفسه ولا يضره شئ ، أو يدع الطعام والشراب زمنًا طويلًا .. إلخ ، ويدعي أن هذا كرامة بسبب ولاية له .
وهذا من أوضح الأدلة على فساد التصوف وانحرافه عن الإسلام ، فإن أعلى الأولياء هم أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) ولم تحصل لهم مثل هذه الأمور .
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بالكرامة الحقيقية ، ومع ذلك يؤمنون بأن أعظم كرامة للمؤمن هي تمسكه بالكتاب والسنة ، وتجنبه للبدع والفواحش ، وجهاده ودعوته إلى الله تعالى ، والصبر على الأذى في ذلك .

ص 65
أما هذه الخوارق فإن سحرة الفراعنة والهنود واليهود ، يفعلون مثلها وأعظم منها ، فما لم يكن التمسك بالسنة والاجتهاد في التقوى هو مقياس الولاية فلا فرق بين الولي والساحر والمشعوذ .
أهم العقائد الصوفية:
1- الحلول والاتحاد والفناء كما هي عند الهندوس والبوذيين .
2- أن الحقيقة أو المعرفة لا تؤخذ من نصوص الكتاب والسنة ، وإنما تنال بالكشف أو العلم اللدني (الباطن) والإلهام والذوق (أي : أن للوحي عندهم مفهومًا أعم ، ولهذا لا ينحصر في الأنبياء ، بل هو عام لكل الأولياء).
3- سقوط التعبدات والتكاليف عمن وصل غاية الطريق وحصل على اليقين بزعمهم .
4- ادعاء ولاية الله وتفضيل الولي على النبي عند كثير منهم ، وتفضيل خاتم الأولياء المزعوم عندهم على خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وسلم) ، ومن العجيب ظهور كثير ممن يدعي أنه خاتم الأولياء في كل العصور ، ومع ذلك نجد الصوفية يوالون الجميع ويقدسونهم .
5- ادعاء الكرامة والتحدي بها .
6- الإيمان برجال الغيب وهم الأقطاب والأوتاد والنقباء والنجباء .. إلخ .

ص 66
ويعتقدون أن الله تعالى أسند إليهم التصرف في الكون وتدبير العالم ، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا .
ولهذا يدعونهم ويستغيثون بهم ويقيمون لهم الأضرحة والمقامات ليقصدها الناس للتبرك والدعاء .
7- التعبد بالبدع والضلالات: فهم يتخذون الخلوات ويعينون من عند أنفسهم أحزابًا وأورادًا تردد آلاف المرات في أوقات مخصوصة ، ويتخذون الرقص والغناء وسيلة للترقيق والتزكية والتقرب .
8- الغلو في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) -كما تغلو الشيعة في علي ، وكما يغلو البوذيون في بوذا ، والنصارى في عيسى .
ومن ذلك: زعمهم أنه أول المخلوقات ، وأن الله تعالى خلقه من نوره - تعالى الله عما يصفون - وأنه يعلم الغيب كله ، وأن بيده مقاليد السماوات والأرض ، وابتداع صلوات معينة يصلون بها عليه وفيها إطراء وغلو .
ومن ذلك: دعاؤهم إياه واستغاثتهم به من دون الله . وقد نقلوا ذلك للأقطاب وسائر رجال الغيب .
أثر التصوف في الأمة الإسلامية:
للتصوف آثاره العظيمة في عقيدة الأمة الإسلامية وحياتها عامة ومن أهم هذه الآثار :
1- إفساد توحيد العبادة بما أدخل الصوفية من الشرك وعبادة الموتى ، وقد نقل الشيعة والصوفية ذلك من البوذية إلى الإسلام ، وانتشرت في أيام حكم العبيديين (في مصر والمغرب) ودول الرفض في المشرق .

ص 67
2- إفساد توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات بعقائد الحلول والاتحاد وتمثيل الله بخلقه ، ومن ذلك : ما اشتهر عن كبارهم من شطحات مثل: (أنا الحق) و(سبحاني سبحاني ما أعظم شأني) ، و(ما في الجبة إلا الله).
وما اشتهر عنهم من عشق الصور الجميلة زاعمين أن الله حل فيها ، أو أنها مظاهر لجمال الله ، تعالى الله عما يصفون .
3- تمزيق الأمة الإسلامية وبعثرة انتمائها ، فالصوفية طرق كثيرة متناقضة ينتسب إليها كثير من المسلمين ، مثل: القادرية ، الرفاعية ، التيجانية ، الشاذلية ، النقشبندية ، الميرغنية ، الأحمدية - نسبة لأحمد البدوي - ولكل طريقة أحزاب وأوراد وتعبدات وصلوات نبوية خاصة ، وكل منها يدعي أنه وحده على الحق والصواب . بل كل طريقة تنقسم إلى فرق وطرق كثيرة .
4- ترك الجهاد: بل ترك الأعمال عامة : فللصوفية أثر عظيم في هذا ، ومن الثابت تاريخيًا تعاون بعض مشايخ الصوفية مع التتار حين دخول بغداد ، ومع المستعمرين الأوروبيين في العصر الحديث .
5- انحطاط الحياة العلمية: ينحصر اهتمام الصوفية في الرياضات والخلوات ، وقد كان لهذا أثره في الانصراف عن العلم ، فضلًا عن احتقار الصوفية للعلم ، حيث يسمونه العلم الظاهر أو علم الورق أو علم الرسوم .

ص 68
كما أن الصوفية باهتمامها بالكشف والإلهام ونحوه أسهمت في إضعاف التفكير والاجتهاد وعمل العقل عامة .
6- انحطاط الحضارة الإسلامية: إضافة لما في الفقرة السابقة ، كان للصوفية أثر بالغ في تقهقر الحضارة بحرصها على الفقر والتسول ، وميلها إلى اتخاذ وسائل وهمية ، مثل ما يسمى: بالحجُب والتعاويذ والحصون التي يعتقدون فيها جلب النفع أو دفع الضرر .
7- تغيير المفهوم الحقيقي لبعض العقائد والمصطلحات الشرعية ، مثل: التوكل والزهد والقدر حين حولوها إلى تواكل وتسول وجبر .

ص 69
نص المطالعة
وحدة الوجود عند الصوفية:
يقول ابن عربي (1): (ومن أسمائه الحسنى : العليّ ،على من؟ وما ثَمَّ إلا هو . فهو العلي لذاته ، أو عن ماذا؟ وما هو إلا هو . فعلوّه لنفسه وهو من حيث الوجود عين الموجودات ، فالمسمى محدثات(2) هي العليّة لذاتها وليس إلا هو . فهو العلي لا علو إضافة لأن الأعيان التي لها العدم الثابتة فيه ما شمّت رائحة من الوجود ، فهي على حالها من تعداد الصور في الموجودات والعين واحدة من المجموع في المجموع ، فوجود الكثرة في الأسماء وهي النسب وهي أمور عدمية وليس إلا العين الذي هو الذات ، فهو العلي لنفسه لا بالإضافة .
لذلك تقول فيه: هو : لا هو ، أنت لا أنت .
قال الخزار (3): وهو وجه من وجوه الحق ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه : بأن الله لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها ، فهو الأول والآخر ، والظاهر والباطن ، فهو عين ما ظهر وعين ما بطن في حال ظهوره ، وما ثَمَّ من يراه غيره ، وما ثَمَّ من يبطن عنه فهو ظاهر لنفسه باطن عنه . وهو المسمى أبا سيعد الخزار وغير ذلك من أسماء المحدثات)(4) .
هامش ص 69
(1) هو محمد بن علي الحاتمي الطائي ، الملقب بـ(محيي الدين) ، المتوفى سنة (638هـ) ، وتقدسه الصوفية ويسمونه (الشيخ الأكبر) .
(2) أي : مخلوقات .
(3) أبوسعيد الخزار من أئمة الصوفية القدامى .
(4) فصوص الحكم (ص 76- 77) ، الطبعة المصرية .

ص 70
الباطنية
الباطنية : هي أخطر الفرق في تاريخ الإسلام واخبثها ، وليست الباطنية من الفرق الإسلامية ، بل هي خارجة عن الملة باتفاق المسلمين ، وهي فرق كثيرة سنورد تفصيلًا لأهمها .
لِمَ سُموا بالباطنية؟.
سموا (الباطنية) لأن أصل مذهبهم أن نصوص الكتاب والسنة لها ظاهر وباطن : فالظاهر هو ما يعرفه الناس ويعلمه العلماء ، والباطن هو -بزعمهم - العلم الحقيقي الذي لا يعرفه إلا الأئمة المستورون من آل البيت ، ويعلمونه للناس مباشرة أو بواسطة النواب والحجاب .
أصل الباطنية وغايتها:
أرسل الله رسوله محمدًا (صلى الله عليه وسلم) بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وانتشر الإسلام في بلاد كثيرة ، قاضيّا بذلك على عقائدها وممالكها وسلطانها ، ولذلك رأى بقايا تلك الديانات المنسوخة والممالك المسحوقة - ولا سيما المجوس واليهود -أنه لا بد من التعاون والتخطيط لهدم الإسلام والانتقام منه .
فابتدأوا بتدبير مؤامرة اغتيال الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، ثم أحدثوا الفتنة التي تزعمها عبد الله بن سبأ في عهد عثمان وعلي رضي الله عنهما كما سبق .
ولكنهم وجدوا أن الإسلام أقوى من كل المؤامرات ، فقرروا


ص71
تأسيس مذهب أعظم وأشد هدما من التشيع- وإن كان منطلقا من أصول التشيع ومتسترا به – فأسسوا مذهب الباطنية ويغلب عليهم تسميتهم با?سماعيلية، نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق الذي يزعم أئمتهم الانتساب إليه عقيدة ونسبا.
وقد اشترك في وضع أصول ها المذهب جماعة من المجوس واليهود والزنادقة معتمدين أساسا على الفلسفة اليونانية مع خليط من الأفكار المجوسية والصابئة.
وقد وضعوا في أوائل القرن الرابع أول كتاب في أصول مذهبهم وهو (رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا).
وقد نجح الباطنيون في إقامة دول باطنية كان لها الأثر الكبير في تمزيق الأمة الإسلامية وتهيئتها للاحتلال الصليبي والمغولي، فضلا عن فساد عقائد الملايين من عامة المسلمين.
أهم الدول الفاطمية:
1- الدولة العبيدية (الفاطمية):
وهي دولة باطنية ملحدة أسسها رجل يهودي يدعى عبد الله بن ميمون القداح، زاعما أنه من نسل فاطمة رضي الله عنها، وقد حكموا مصر وغيرها قرابة قرنين من الزمان ، ومن آثارهم :
إدخال الشرك وعبادة الموتى إلى الأمة الإسلامية، كما أن الصليبيين دخلوا بلاد الإسلام، واحتلوا القدس بخذلانهم وتواطئهم
،وقد قضى عليهم صلاح الدين الأيوبي رحمه الله أولا، ثم ثنى بالصليبيين.

ص72
2- دولة القرامطة :
كانت دولتهم في شرق دولة العبيديين ، أي : في بلاد الشام وجنوب العراق وشرق الجزيرة العربية ،وفي سنة (317ه) دخلوا مكة يوم التروية (8 ذي الحجة) فقتلوا الحجاج والمصليين ، وقلعوا الحجر الأسود وحملوه معهم إلى الأحساء، حيث بقى عندهم اثنتين وعشرين سنة ونهبوا الكعبة المشرفة ومكة كلها.
3- الحشاشون:
وهم طائفة من الإسماعيلية من بقايا الدولة العبيدية أسسوا دولة في إيران أقضت مضجع الأمة الإسلامية بالحروب والسلب والاغتيال ، فقد فتكوا بعدد من زعماء الإسلام السياسيين والعلميين ،وممن حاولوا اغتياله(صلاح الدين الأيوبي) .
وقد ظهرت دولتهم في أوائل القرن السادس واستمرت إلى أن قضى عليها التتار .
أما دعوتهم فلا تزال قائمة، وهم المعروفون باسم (الآغاخانية) نسبة إلى لقب زعيمهم (آغاخان).
عقائد الباطنية وفرقها :
للباطنية أصول مشتركة تلتقي فيها جميع فرقها ،وكما أن لفرقها أصولا مشتركة لكنها اختلف في تفسيرها أو بعض تفاصيلها.
وهناك فرق باطنية تنفرد بعقائد مميزة، ولهذا رأينا أن نذكر عقائد (الإسماعيلية) ، التي تمثل القرامطة والعبيديين والاسماعيلية (الآغاخانية) والاسماعيلية البهرة ،ونفصل الدروز والنصيرية عنها.

ص73
الإسماعيلية
الإسماعيلية هم بقية الدولة العبيدية الباطنية، وينتسبون إلى (إسماعيل بن جعفر الصادق) الذي مات صغيرا لم ينجب ، ولكن رجلا يهوديا زنديقا يدعي (ميمون القداح) ادعى أن إسماعيل لم يمت ولكنه اختفى وهو إمام الزمان.
ثم ادعى أنه ولد لإسماعيل ولد هو (محمد بن إسماعيل) وظهر (ميمون القداح) للشيعة على أنه هو محمد بن إسماعيل بن جعفر.
وأظهر ابنه (عبد الله بن ميمون القداح) على أنه ابن لمحمد بن إسماعيل، وعبد الله هذا هو الأب الحقيقي للعبيديين، فهم من ذرية اليهود، لا من ذرية فاطمة رضي الله عنها .
وظل الاسماعليون متفقين على إمامة العبيديين ،حتى توفى خليفتهم (المستنصر بالله) سنة(487)ه حيث انقسموا فرقتين:
1- فرقة تقول : إن الإمامة انتقلت إلى ابنه(المستعلي) وهي التي يطلق عليها اسم (البهرة) وهم يعيشون في جنوب الهند وكينيا واليمن ،وزعيمهم يسمى سلطان البهرة ، كما يطلقون عليهم (السيفيون).
2- فرقة تقول : إن الإمام هو (نزار بن المستنصر) ، وهم المعروفون اليوم (بالآغاخانية) ويعيشون في الباكستان والهند وبلاد الشام، وهم أكثر عددا.
والشيء الملفت للنظر هو صلة الإسماعيليين الواضحة بالإنجليز، فهم مشهورون بولائهم لهم.

ص74
والآغاخان الحالي أمه انجليزية ،وزوجته انجليزية، ويعيش في باريس.
أهم عقائد الإسماعيلية :
1- أن لكل ظاهر من النصوص باطنا، لا يعلمه إلا الأئمة.
2- إنكار صفات الله تعالى، حتي أن من عقيدتهم أنه لا يقال: الله موجودا أو غير موجود ، فلا يوصف بشيء مطلقا.
3- أن محمد بن إسماعيل بن جعفر ماسخ لشريعة الإسلام.
4- أن القرآن والوحي عامة فيض يفيض من العقل الكلي على كل شخص لديه استعداد لتقبله.
5- تأويل العقيدة والشريعة تأويلا غريبا ، يعتمد على أن الحروف رموزا لأعداد معينة ،ثم يفسرون الأعداد كما يشاءون. .
6- إنكار القيامة والمعاد، والإيمان بالتناسخ.
7- الاعتقاد بأن الكواكب السبعة لها تأثير في تدبير الكون، وجريان الأحداث .
8- الإباحية، والشيوعية الجنسية والمالية ، والإمام هو الذي يحكم في ذلك.
هذا ، ومما يجدر التنبيه إليه أن للإسماعيلية مراتب ودرجات، وطقوسا ورموزا ، تشبه ما للماسونية من ذلك مشابهة عجيبة.

ص75
نص للمطالعة
من قصيدة لشاعر قرمطي باطني في على بن الفضل ، زعيم القرامطة في اليمن المتوفى سنة (303 ه).
خلف الدف يا هذه والعبي-وغني هزاريك ثم اطربي
تولي نبي بني هاشم- وهذا نبي بني يعرب(1)
لكل نبي مضى شرعة- وهذي شرائع هذا النبي
وقد حط عنا فروض الصلاة – وحط الصيام ولم يتعب
إذا الناس صلوا فلا تنهضي – وإن صوموا فكلي واشربي
ولا تطلبي السعي عند الصفا – ولا زورة القبر(2)في يثرب
ولا تمنعي نفسك المعرسين – من الأقربين أو الأجنبي
فلم ذا حللت لهذا الغريب- وصرت محرمة للأب
أليس الغراس لكن لمن ربه(3) – وسقاه في الزمن المجدب
وما الخمر إلا كماء السماء – حلالا فقدست من مذهب(4)
(1) يعني: علي بن الفضل
(2) معلوم أنه إنما يزار المسجد لا القبر ، ولكن القرامطة جهلة بالدين ،والكلام هنا عند شد الرجال.
(3) أي : رباه واعتني به. يعني : أن الأب أولي بنكاح ابنته، وهذا هو دين المجوس لعنهم الله.
(4) نقلا عن كتاب (كشف الأسرار الباطنة)، وكتاب (العسجد المسبوك) حققهما الدكتور سهيل زكار ، ضمن مجموعة أخبار القرامطة،(ص30،421).

ص 76
النصرية
النصرية طائفة من الشيعة الغلاة ،تتفق مع الباطنية الإسماعيلية في الأصول، وتتميز باعتقادها أن الإله رب العالمين، خالق السماوات والأرض هو (علي بن ابي طالب) نعوذ بالله من الكفر ، وهي من أكثر الفرق غلوا ، وأشدها كفرا.
أصل انشقاق النصرية عن الشيعة :
تعتقد الشيعة الاثنا عشرية أن (الحسن العسكري) هو الإمام الحادي عشر من أئمتهم، وكانوا ينتظرون ابنه ليكون الإمام الثاني عشر ، طبقا للنظام الوراثي المنقول عن الأسرة -كما سبق- ولكن الحسن مان ولم يخلف عقبا، فوقع اقطاب التشيع في حيرة من أمرهم؛، وأخيرا قرروا اختلاق فكرة الإمام الغائب ، زاعمين أن الإمام الثاني عشر هو (محمد بن الحسن العسكري) ، ولكنه دخل السرداب في سامراء ، وسيخرج آخر الزمن، وهو المهدي المنتظر ، وزعموا أنهم نوابه وحجاجه في فترة غيابه ، ولكن رجلا مجوسيا إباحيا يدعي (محمد بن نصير) خالفهم في ذلك ، وادعى أنه وحده الباب للحسن العسكري، وللمهدي المزعوم ، ورفض الآخرون دعواه ، فانشق عنهم ، وأسس دينا مستقلا هو (النصرية) ، وعاصر ذلك نشأة المؤامرة الباطنية السابق ذكرها ،فأصبح النصيريون جزءا منها.
وكان النصيريون يسمون في عهد الدولة العثمانية : العلي إلهية، أي : (المؤلهون لعلي) ولكن الفرنسيين سموهم (العلوية)، وهم

ص77
معروفون بولائهم للفرنسيين ، كما أن الدروز معروفون بولائهم للإنجليز ، أما ولاء الطائفتين فكانت لليهود فلا يخفى على أحد
اهم عقائد النصرية :
تتكون العقيدة النصرية من خليط عجيب لعقائد مختلفة ، أهمها : الشيعة ، المجوسية ، النصرانية ، مع اشتراكها في مجمل الأصول الباطنية ،وهذه أهم عقائدها :
1- ألوهية علي بن ابي طالب، والأمان بثلاثة أقانيم (علي ،محمد، سلمان الفارسي) .
2- تأويل شرائع الإسلام تأويلا خاصا،فالصلوات الخمس هي : (علي،فاطم(1)، الحسن ، الحسين، محسن) والصوم ذكر أسماء ثلاثين رجلا من أئمتهم، ويؤولون إبليس بأنه (عمر بن الخطاب رضي الله عنه).
3- إنكار القيامة والمعلد والإيمان بالتناسخ.
4- استحلال المحرمات كالخمر والزنا واللواط.
5- الاحتفال بالأعياد المجوسية والنصرانية ، مثل عيد النيروز، وعيد الميلاد.
6- السرية المطلقة ، والتكتم الشديد على عقائدهم ، وترقية أنباعهم، وفق نظام غريب ج، وطقوس خاصة ، تشبه طقوس الماسونية.
(1)فاطم :هي فاطمة ، ولكن العقيدة النصرية تقول : إن النساء ليس لهن أزواج، ولهذا يجعلون فاطمة ذكرت.

ص78
نص للمطالعة
السورة الخامسة من كتاب المجموع، وهو كتاب النصرية المقدس.
سورة الفتح (واذا جاء نصر الله والفتح(1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجاج(2) فسبح بحمد رلك واستغره إنه كان توابا(3)(سورة النصر 1-3).
أشهد بأن مولاي امير النحل(1) علي، اخترع السيد محمدا من نور ذاته، وسماه ونفسه وعرشه ومرسيه وصفاته، متصل به غير منفصل عنه ، ولا متصل بحقيقة الاتصال، ولا منفصل عنه في مباعدة الانفصاب،متصل به النور،منفصل عنه بمشاهدة الظهور فهو منه كحس (النفس من النفس ، أو كشعاع الشمس من القرص، أو كدوي الماء من الماء ، أو كالفتق من الرتق، أو كلمع البؤق من البرق، أو كالنظرة من الناظر ، أو كالحركة من السكون، فإن شاء علي بن ابي طالب بالظهور أظهره، وإن شاء بالمغيب غيبه تحت تلألؤ نوره.
وأشهد بأن السيد محمدا خلق السيد سلمان من نوره ، وجعله بابه وحامل كتابه ، فهو سلسل وسلسبيل، وهو جابر وجبرائيل ، وهو الهدى واليقين، وهو بالحقيقة رب العالمين.
وأشهد بأن السيد سلمان خلق الخمسة الأيتام الكرام، فأولهم
(1) هكذا تسمي النصرية أمير المؤمنين علي وفي هذا مشابهة لعقيدة النصارى.

ص79
اليتيم الأكبر والكوكب الأزهر والمسك الاذفر والياقوت الأحمر والزمرد الأخضر المقداد بن أسود الكندي، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن رواحه الأنصاري، وعثمان بن مظعون النجاشي ، وقنبر بن كادان الدوسي(1) هم عبيد مولانا أمير المؤمنين ، لذكره الجلال والتعظيم.
وهم خلقوا هذا العالم من مشرق الشمس إلى مغربها وقبلتها وشمالها وبرها وبحرها وسهلها وجبلها ، ما حطت الخضراء وحوت الغبراء من جابلقا إلى جابرصا،إلى مراصد الأحقاف إلى جبل قاف، إلى ما حاطت به قبة الفلك الدوار، إلى مدينة السيد محمد (السامرة) (2) التي اجتمع فيها المؤمنون واتفقوا على رأي السيد أبي عبد الله ولا يشكون ولا يشركون ولا في سر علي بن ابي طالب يبيحون،وا يخرقون له حجابا،و لا يدخلون إليه إلا من باب،اجعل المؤمنين مؤمنين ومطمئنين ومؤيدين مجبورين على اعدائهم منصورين، واجعلنا بجملتهم مؤمنيين مطمئنين مستورين مجبورين، على اعدائنا واعدائهم منصورين ، بسر الفتح ومن فتح الفتح، ومن كان الفتح على يده اليمين ، بسر سيدنا محمد وفاطم والحسن والحسين ومحسن، سر الخفي، وأشخاص الصلاة وعدة العارفين ، علينا من ذكرهم السلام، صلاة الله عليهم أجمعين (3).
(1) الأربعة الصحابة معروفون ، وقنبر مولى علي.
(2) هي سامراء التي فيها سرداب الإمام بزعمهم.
(3)الحركات الباطنية في العالم الإسلامي ،د.محمد أحمد الخطيب(ص404).

ص80
الدروز
الدروز إحدي الفرق الباطنية ، وتتميز عن سائر الفرق باعتقاد ألوهية الحاكم العبيدي(أي :الخليفة الحاكم بأمر الله ، إحدى خلفاء ما يسمى :الدولة الفاطمية).
واعتقاد أنه هو الله، نزل في صورة البشر ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.وهي بذلك ترديد لما قاله مؤسس التشيع (عبد الله بن سبأ) في حق علي بن ابي طالب رضي الله عنه.
أهم عقائد الدروز:
1- الكفر بجميع الأديان والملل ، وتكفير أهلها، سواء في ذلك الإسلام واليهودية والنصرانية ، ويسمون الإسلام (الشريعة الإبليسية) ويعتقدون أن الحاكم سيظهر مع آخر الزمان ، فيهدم الكعبة ، ويقتل المسلمين، ويفرض الجزية عليهم، ويفعل مثل ذلك بجميع الأديان.
2- إنكار اليوم الآخر، والإيمان بما يسمونه (التقمص) وهو صورة من صور التناسخ الهندوسي.
3- إنكار النبوة ، وتكذيب الانبياء جميعا، وخاصة رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، فكتبهم المقدسة تصفه-حاشاه من كل سوء- بالأوصاف القبيحة ، وتسبه سبا قبيحا.
4- التأويل الباطني، فالصلاة والصوم ، والزكاة والحج، وسائر العبادات ، لها عندهم تأويلها الخاص، الذي لا صلة له بالحقيقة ، بأي شيء منها.

ص 81
5- يؤمن الدروز بأن دينهم مغلق كاليهوية – أي: لا يدخله فيه أحد من خارجهم – كما يؤمنون بالتقية الشيعية، وبالإباحية الباطنية. هذا، ويعيش الدروز في بلاد الشام، وخاصة لبنان، ومن أبرز زعمائهم في التاريخ (فخر الدين المغني الثاني) و(بشير الشهابي) و(سلطان الأطرش) و(كمال جنبلاط).

ص 82
الأديان
مقدمة عن الأديان ودين الفطرة:
خلق الله تعالى الإنسان مفطورا على التوحيد والإسلام، فكل إنسان في قديم الزمان أوحديثه، في أي بلد وجد وفي أي مكان، هو مولود على ملة الإسلام، وإنما يقع له الانحراف بعامل خارجي، حيث يربيه والداه أو مجتمعه، على ما يعتقدون من الأديان الباطلة.
يقول الله تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[الروم: 30]
ويقول: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 172-173].
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (ما من مولود إلا يولد على هذه الملة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)(1) أي: يجعلانه يهوديا، أو نصرانيا، أو مجوسيا.
والتوحيد والإسلام هو دين البشرية الأصلى، فقد كان أول البشر،
هامش ص 82
1- صحيح مسلم رقم (2658)، وهي إحدى الروايات.
انتهى الهامش

ص 83
آدم عليه السلام مسلما موحدا، لأنه كان نبيا، وظلت ذريته على التوحيد أجيالا عديدة، حتى ظهر فيهم الشرك بسبب تعظيم الموتى الصالحين، فعبدوا (ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا).
وهذه المعبودات في الأصل هي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عظمهم قومهم وقدسوهم، وكان من تعظيمهم لهم أنهم صوروا صورهم ليتذكروا بها عبادة الله، وأخيرا عبدوا تلك الصور نفسها، وأخذوا يدعونهم من دون الله تعالى.
وبعث الله تعالى أول الرسل نوحا ليدعوهم إلى الإسلام، فأسلم معه بعضهم وأغرق الله المشركين كما هو معلوم من سورة نوح وغيرها. قال تعالى على لسان نوح: { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72]. وهكذا كل نبي جاء بعده، وإنما جاء يدعو قومه إلى التوحي والإسلام، قال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
وذكر الله تعالى أن كل نبي قال لقومه: { اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59].
ومن أعظم هؤلاء الأنبياء إبراهيم خليل الرحمن الذي قال عنه الله تعالى: { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67]، وهو أبو بقية الأنبياء الذين جاءوا من بعده. وكذلك نبي الله موسى كان مسلما ودعا قومه إلى الإسلام، ولهذا قال فرعون لما أدركه الغرق: { قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو

ص 84
إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90]، وكذلك عيسى كما قال تعالى: { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111]، والحواريون هم أصحاب عيسى.
فكل نبي دعا قومه إلى الإسلام، والإسلام هو دين الله الذي لا يقبل سواه، قال تعالى: { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]. وقال: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار"(1).
وقد أكرم الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن سماها باسم الإسلام: { هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج: 78]، لأن رسالته هي الرسالة العامة للبشرية كلها، ولأن أمته أعظم الأمم تحقيقا لمعنى الإسلام وكمال الاستسلام.
ومما تقدم نستنتج:
1- أن الإسلام هو دين الفطرة الذي يولد عليه كل مولود على ظهر الأرض، ولكن التربية الضالة تجعله يدين بأي دين آخر.
2- أن الإسلام هو دين البشرية الأصلى وأن كل الأنبياء كانوا مسلمين
هامش ص 84
1- رواه مسلم (240).
انتهى الهامش

ص 85
داعين إلى الإسلام والتوحيد.
3- أن اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، والهندوسية وكل الأديان سوى الإسلام ليست هي دين الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه، ولا يقبل الله منها شيئا، ومصير كل من دان بها هو الخلود في النار وبئي القرار.
4- أن الأديان الأخرى سوى الإسلام – إنما هي من صنع وابتداع الأحبار والرهبان والكهان ورجال الدين والفلاسفة.. الذين أسسوا أديان من عند أنفسهم، أو حرفوا دين الله وزادوا فيه ونقصوا حتى ضاعت الحقيقة في ركام الأباطيل.

86
اليهودية
اليهودية هي دين بني إسرائيل الذي بعث الله تعالى بها نبيه موسى وأنزل عليه التوراة.
وقد دعاهم موسى ورباهم على التوحيد والإسلام، ولكنهم انحرفوا عن ذلك وحرفوا كتاب ربهم فأصبح دينهم يسمى اليهودية.
فتعريف اليهودية إذن هو: "الدين المحرف الذي دان به بنو إسرائيل بعد خروجهم عن الإسلام الذي جاء به نبيهم موسى عليه السلام".
اليهودية في عهد موسى عليه السلام:
كان من قوم موسى عليه السلام أمة مؤمنة، ولكن كثيرامن بني إسرائيل ظهرت انحرافاتهم والتواءاتهم النفسية في عهده عليه السلام، ومن ذلك:
1- أنجاهم الله تعالى من العبودية لفرعون وقومه، وجعل لهم في البحر طريقا، ثم أطبقه على عدوهم، ومع ذلك لم يقدروا نعمة الله عليهم بالتوحيد والحرية، بل سرعان ما طلبوا العودة إلى الشرك حين رأوا قوما مشركين، قال تعالى: { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف:138].
2- قالوا لنبيهم موسى عليه السلام: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ

ص 87
جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}[البقرة: 55]. فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون.
3- أمرهم الله على لسان نبيهم موسى عليه السلام أن يجاهدوا في سبيل الله، ويدخلوا الأرض المقدسة، فرفضوا أمر الله وقالوا: { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24].
4- أنزل الله عليهم المن والسلوى وهما من ألذ الطعام وأطيبه، ولكنهم طلبوا من موسى أن يدعو ربه يخرج لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها.
5- ذهب موسى ليتلقى التوراة من ربه، وغاب عنهم أربعين ليلة فقط، وعاد فوجدهم يعبدون العجل الذهبي، ويقولون: هذا إلهنا وإله موسى، وعصوا هارون واتبعوا السامري صاحب العجل.
وبعد وفاة موسي عليه السلام تعاقبت عليهم الأنبياء لتردهم إلى الطريق القويم وتقيم فيهم حكم التوراة ولكنهم كفروا بهم، بل وصل بهم العناد إلى بعض أنبيائهم، قال تعالى: { أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87].
وامتدت أيديهم إلى كتاب الله، فحرفوه حتى أدخلوا فيه الشرك والكفر.
التوراة:
التوراة اسم الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيه موسى، وهو كسائر الكتب المنزلة، يحتوي على التوحي والأحكام والأخلاق التي

ص 88
تقوم عليها حياة الناس، وتترتب سعادتهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة على اتباعها والالتزام بها.
ولكن اليهود غيروا التوراة ومعانيها، وحرفوا في التوحيد والإيمان كما حرفوا في الشرائع والأحكام، وأدخلوا فيها تاريخهم وأخبارهم في عصور طويلة حتى أصبحت التوراة الموجودة اليوم عبارة عن سرد تاريخي لأحوال بني إسرائيل وحروبهم وملوكهم، فيه كثير من التعطيل والسآمة والتحريف والتهويل.
ومن نماذج ما غيروا وحرفوا في التوراة:
1- تحريف اللفظ، وهو تغيير ما أنزل الله أو الزيادة فيه أو النقص منه. يقول الله تعالى عن أحبارهم: { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79]
2- تحريف المعنى، وهو صرف الكلام عن المعنى المراد إلى معنى آخر غير مراد، يقول تعالى: { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46]. ويقول: { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 41]. ومن ذلك: أنهم جعلوا ما في التوراة من تحريم السرقة والربا والزنا والغش خاصا باليهود فيما بينهم، أما غيرهم فكل ذلك حلال لليهود أن يفعلوه بهم.
3- إظهار بعض وإخفاء بعض، يقول الله تعالى: { قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا

ص 89
وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ} [الأنعام: 91]. ومما كتموه وأخفوه علامات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، والآيات الآمرة بتصديقه والإيمان به.
بعض التحريفات في التوحيد والعقيدة:
أولا التمثيل والتشبيه:
يقول الله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
وقد اتفقت الكتب المنزلة، والعقول السليمة، والفظر القومية على أن الله تعالى لا يماثله ولا يشبهه شئ من مخلوقاته.
ولكن اليهود ملؤوا توراتهم المحرفة بنماذج كثيرة من هذا الكفر، نذكر موجزا لبعضها:
1- كتبوا أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع.
2- كتبوا فيها أن الله تعالى لما خلق الإنسان ورأى شره قد كثر في الأرض، حزن على أنه خلقه وتأسف في قلبه.
وهذا هو البداء، وفيه تشبيه وتجهيل لله تعالى.
3- ذكروا أن الرب تعالى نزل إلى الأرض وصارع يعقوب من المساء إلى الفجر، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
ثانيا: تدنيس الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم:
لم تتورع النفسية اليهودية الدنسة عن نسبة الدنس والفحش إلى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهم يهدفون من ذلك إلى تبرير ما

ص 90
يرتكبونه من الفوحش والموبقات، وفي التوراة المحرفة من ذلك الشئ الكثير، ومنه:
1- أن نوحا شرب الخمر، وسكر وتعرى من ثيابه.
2- أن بتني لوط سقتا أباهما خمرا واضطجعتا معه وحبلتا منه.
3- أن داود نظر من سطح بيته فرأي امرأة جميلة، فأخذها وزنى بها وحبلت منه، وبعث بزوجها إلى الحرب ليموت، ولما مات تزوجها داود، ثم تاب وندم ولكنه احتفظ بالمرأة وحملت منه بسليمان.
4- أن سليمان مال إلى نسائه المشركات، وصنع هياكل لأصنامهن لكي يعبدن ويتقرب إليها بالذبح فيها.
ثالثا مسح اليهود كل حديث عن الآخرة والبعث والحساب من التوراة:
نص من التوراة المحرفة:
موضوع النص: وفاة موسى وما قاله لبني إسرائيل في ذلك اليوم. تقول التوراة المحرفة: "وكلم الرب موسى في نفس ذلك اليوم قائلا: اصعد إلى جبل عباريم، هذا جبل نبو الذي في أرض موآب الذي قبالة أريحا، وانظر أرض كنعان التي أن أعطيها لنبي إسرائيل ملكا، ومت في الجبل الذي تصعد إليه، وانضم إلى قومك كما مات هارون أخوك في جبل هور وضم إلى قومه".
ثم يقول النص: "فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب

ص 91
حسب قول الرب، ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم، وكان موسى ابن مائة وعشرين سنة حين مات، ولم تكل عينه، ولا ذهبت نضارته، فبكى بنو إسرائيل موسى ثلاثين يومًا، ولم يقم بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى (1).
فكل عاقل يعلم أن هذا الكلام لا يمكن أن يكون مما أنزله الله تعالى على موسى، وإنما هو كلام مؤرخ كتبه بعد موت موسى بزمن طويل.
التلمود:
التلمود هو كتاب اليهود الخطير الذي يستمدون منه تعاليمهم وأخلاقهم، وهو المصدر الأساس للفكرة الصهيونية الحديثة، وقد كتبه أحبارهم وحكماؤهم (حاخاماتهم) في عصور متعاقبة، وبعض تعاليمه أسرار ورموز لا يطلع عليها ولا يستطيع تفسيرها إلا هم.
والتلمود مملوء بالافتراء على الله، وتغيير دينه وتحريف شريعته، ونحن نقتصر على ذكر فكرة أساسية فيه، هي العلاقة بين اليهود وغيرهم من الناس، وإليك هذه المقارنة:
هامش ص 91
(1) الكتاب المقدس، آخر سفر التثنية.
انتهى الهامش

ص 92
*اليهود
1- مخلوقون من عنصر الله
2- هم شعب الله المختار
3- زواجهم هو الزواج الشرعي الوحيد
4- الزنا باليهودية حرام على اليهودي
5- لا يجوز اغتصاب اليهودي لليهودية
6- يحرم أخذ أموالهم بالباطل
7- الربا بينهم حرام إلا إذا كان غير فاحش
8- يحرم على اليهودي قتل اليهودي
9- يجب الوفاء لهم بالعهود والمواثيق
10- ذبيحتهم حلال
*الأميون (غير اليهود)
1- مخلوقون من نطفة حيوانية وأرواحهم من الشيطان
2- هم الحمير الذي خلقهم الله لخدمة الشعب المختار
3- لا شرعية لزواجهم ولهذا لا يمتون بأية صلة إنسانية إلى آبائهم وأمهاتهم
4- النساء غير اليهوديات كلهن مومسات وزنى اليهودي بهن لا تستدعي أي شعور بالذنب
5- يجوز لليهودي اغتصاب غير اليهودية بشرط أن يزيد عمرها عن ثلاث سنوات ولو بيوم واحد
6- الاستيلاء على ما يمكن الاستيلاء عليه من أموالهم حق لليهودي، بل هو مطلوب دينًا
7- ربا اليهودي حلال معهم مهما كان فاحشًا
8- اليهودي الذي يقتل أميًا إنما يقدم قربانًا للرب
9- اليهودي في حل من كل عهد أو يمين أو ميثاق مع غير اليهودي
10- ذبيحتهم ميتة وناقلة للأوبئة مهما كانت ذكاتها

ص 93
النصرانية
سبق القول أن الرسل قد جاءوا جميعًا بالتوحيد، ومنهم المسيح عيسى بن مريم الذي بعثه الله إلى بني إسرائيل وأراد أن تكون رسالته حلقة وصل بين الرسالتين العظيمتين:
1- رسالة موسى عليه السلام حيث بعث المسيح في بني إسرائيل خاصة، وجعله مصدقًا للتوراة ومجددًا لشريعتها.
2- رسالة محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين، حيث بشر به المسيح باسمه وصفته، قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ? فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَ?ذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) ]الصف:6[.
وقد أرسل الله تعالى نبيه عيسى إلى بني إسرائيل بآيات بينات وبراهين باهرات، وأنزل إليه الإنجيل ليحكم بينهم بما أنزل الله فيه، وهكذا كان أتباع المسيح جزءًا من الأمة اليهودية التي كانت إحدى الأمم الخاضعة للحكم الرومي.
اضطهاد أتباع المسيح:
كفر اليهود برسالة عيسى أشد الكفر، واتهموه بأشنع التهم، وسعوا في القضاء عليه وعلى من اتبعه منهم، ودبروا مكيدة لدى الحاكم الروماني أقنعته بالقبض على المسيح بغرض قتله وصلبه، ولكن الله تعالى نجاه منهم ورفعه إليه، وألقى شبهه على الجاسوس

ص 94
المنافق فصلبه الحاكم، قال تعالى عن المسيح: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا). الآية ]النساء: 157[.
واستمرت الحكومة الرومانية بتحريض اليهود ومعاونتهم في تعذيب أتباع المسيح وتقتيلهم ثلاثة قرون تقريبًا، ونتج عن ذلك نتائج وأحداث كبرى في تاريخ النصرانية، أهمها:
1- ضياع الإنجيل الذي أنزله الله وتفرق المؤمنين به، وهذا ما جعل كثيرًا منهم يكتب ما بلغه وسمعه عن المسيح سرًا ودون تحقيق أو تدقيق، وهذه الكتابات سميت أناجيل.
2- ظهور دعوات وأفكار غريبة انتسبت إلى عيسى كذبًا وزورًا، ولم يكن في إمكان أتباعه وهم في هذه الحالة القاسية أن يقاوموها ويبينوا زيفها.
وأهم هذه الدعوات في تلك المرحلة دعوة: (شاءول) الملقب (بولس).
بولس:
يكاد الباحثون والمؤرخون المعاصرون من النصارى وغيرهم يجمعون على أن بولس هو المؤسس الحقيقي للدين النصراني المعروف اليوم.
ولا خلاف في أنه كان أول أمره من أشد اليهود عداوة للمؤمنين بالمسيح وتنكيلًا بهم، كما هو مسطر عنه في الرسائل المقدسة نفسها،

ص 95
وأنه تحول إلى المسيحية فجأة واعتنقها، وأصبح أعظم الرسل كما يسمونه.
وكان تحوله في الحقيقة مكيدة يهودية بعيدة النظر، فقد أخذ يهدم المسيحية من داخلها وينسخ منها ما شاء، ويضيف إليها ما شاء، مع أنه لم يلق المسيح ولم يره، وإنما ادعى أن المسيح يوحي إليه، فصدقه أكثر النصارى وسموه (بولس الرسول) وأصبحت رسائله فيما بعد من كتبهم المقدسة، والواقع أن بولس كان يؤمن بالمذهب الذي أسسه الفيلسوف اليهودي (أفلوطين) وهو المذهب المعروف (بالأفلاطونية الحديثة) وقد اقتبسه أفلوطين من الفلسفتين: الهندوسية واليونانية.
خلاصة عقائد النصارى:
1- الخطيئة والخلاص:
تزعم النصرانية المحرفة أن آدم لما وقع في خطيئة الأكل من الشجرة احتاج الجنس البشري إلى التكفير وإلى مخلّص ينقذهم منها، وأن الله رحم بني آدم فنزل ابنه الوحيد – تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا – لكي يصلب ويقتل تكفيرًا عن تلك الخطيئة، ومن هنا وجب على كل البشر الإيمان بالمسيح ابنًا لله ومخلصًا للبشر. ومكفرًا عن خطيئتهم، ولهذا يقدس النصارى الصليب، ويجعلونه شعارهم الدائم.
2- التثليث:
يتفق النصارى جميعًا على أن الله ثلاثة، ويسمونها (ثلاثة أقانيم) وهي: الأب، والابن، وروح القدس، ثم يقولون: إن الثلاثة واحد.

ص 96
ولكنهم يختلفون في معنى الأقنوم، وفي طبيعة كل أقنوم وخصائصه اختلافًا كبيرًا، وما يزالون على مدار ألفي سنة يكفر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا بسبب ذلك.
ويشهد التاريخ الأوروبي أن ضحايا هذه الاختلافات فيما بينهم تفوق من قتل منهم على أيدي المسلمين واليهود والمجوس أضعافًا كثيرة.
والعجيب أن من أسباب هذا الاختاف عدم تصور حقيقة التثليث، حتى اعتقد بعض علمائهم أنه لا يمكن معرفته إلا يوم القيامة عندما تتجلى الحقائق.
3- التوسط والتحليل والتحريم:
تؤمن المسيحية المحرفة بالتوسط بين الله والخلق في العبادة، وهذا التوسط هو مهمة رجال الدين، فعن طريقهم يتم دخول الإنسان في الدين واعترافه بالذنب، وتقديم صلاته وقرابينه، وقد أدى هذا إلى أن يتحول رجال الدين إلى طواغيت يستعبدون الناس ويحللون لهم ويحرمون من دون الله، كما قال الله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) ]التوبة:31[.
وقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم عبادتهم بأنها طاعتهم في التحليل والتحريم كما في حديث عدي بن حاتم، وما يزال النصارى إلى اليوم إذا رأوا أن المصلحة تقتضي تحريم شيء أو تحليله، يطلبون ذلك من (البابا) ورجال الدين، فتصدر القرارات التي قد تخالف نصوص الإنجيل.

ص 97
وقد أدى هذا المبدأ إلى نتائج سيئة؛ منها: إصدار صكوك الغفران، واحتكار رجال الدين للعلم والقراءة والكتابة قرونًا طويلة.
4- الإيمان بالكتب المقدسة عندهم (العهد القديم والعهد الجديد) وهي التوراة والرسائل والأناجيل التي نتحدث عنها.
كتب النصارى المقدسة:
يشمل الكتاب المقدس عند النصارى قسمين:
1- العهد القديم: وهو التوراة والأسفار الزائدة عليها، وقد سبق الحديث عنها.
2- العهد الجديد: ويشمل الأناجيل الأربعة والرسائل التي كتب أكثرها بولس وتلاميذه.
الأناجيل الأربعة:
يوجد لدى النصارى أكثر من سبعين إنجيلًا، ولكن الأناجيل المعترف بها عند معظمهم أربعة:
1- إنجيل لوقا: وهو تلميذ بولس ورفيقه، كتبه باليونانية.
2- إنجيل متى: كتب باللغة العبرية ولم يعرف إلا باليونانية والمترجم مجهول.
3- إنجيل مرقص: كتبه باليونانية واختلفوا في الكاتب الحقيقي.
4- إنجيل يوحنا: وقد اختلفوا في كاتبه، واتفقوا على أنه كتبه ليثبت ألوهية المسيح، وهو آخر الأناجيل.
وقد كتبت هذه الأناجيل بعد عيسى بزمن طويل، وتنوقلت

ص 98
بالترجمة من لغة إلى لغة، ولم يسمع عنها شيء إلا في أوائل القرن الثاني الميلادي.
وفي سنة (325م) تم اختيارها من بين أناجيل كثيرة وحكم على ما عداها بالحرق والإعدام.
ويدعي النصارى أنها موحاة من عند الله، ولكن من يطلع عليها لا يشك في أنها ليست كذلك، فهي متناقضة ومتغايرة في أمور كثيرة، وكل منها يعبر عما يعتقده مؤلفه، أو ما بلغه من السيرة والأخبار، التي لا يعلم أهي منقولة عن الثقات أم عن الوضاعين؟.
ويوجد كتاب سيرة للمسيح يسمى (أنجيل برنابا) يختلف عن الأناجيل جميعها، وهو أقرب شيء إلى ما جاء في القرآن والسنة عن المسيح، وفيه تصريح ببشارة عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم.
ولكن التعصب الأعمى يجعل رجال الدين النصراني يكفرون بهذا الإنجيل، وينكرون صحته بدون أي دليل علمي.

ص 99
نص للمطالعة
(قانون الإيمان عند الكاثوليك والأرثوذكس) من كتاب "أقانيم النصارى" (1).
وفي نيقية سنة (325) ميلادية عقد النصارى المجمع الكنسي العالمي الأول.
وأصدر قانون الإيمان العام، ونصه في رواية الكاثوليك هكذا:
"نؤمن بإله واحد. أب ضابط الكل، خالق كل الأشياء، ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح بن الله المولود من الأب، المولود الوحيد أي من جوهر الأب، إله من إله، نور من نور إله الحق، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر الذي به كان كل شيء في السماء وعلى الأرض، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل وتجسد وتأنس وتألم ومات، وقام أيضًا في اليوم الثالث وصعد إلى السماء، وسيأتي من هناك ليدين الأحياء والأموات، وبالروح القدس، وأما الذين يقولون أنه كان زمان لم يوجد فيه، وأنه لم يكن له وجود قبل أن يولد، وأنه خلق من العدم أو أنه من مادة أو جوهر آخر، أو أن ابن الله مخلوق أو أنه قابل للتغيير أو متغير؛ فهم ملعونون من الكنيسة الجامعة الرسولية" (2).
هامش ص 99
(1) تأليف الدكتور الشيخ أحمد حجازي السقا، مصر.
(2) منقول عن كتاب (إيماني) تأليف القس إلياس مقار.
انتهى الهامش

ص 100
ونصه في رواية الأرثوذكس هكذا:
"نؤمن بإله واحد، وأب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يرى وما لا يرى، ونؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله، الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر، الذي به كان كل شيء، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد في الروح القدس، ومن مريم العذراء، وتأنس، وصلب عنا على عهد بيلاطيس النبطي وتألم وقبر وقام من الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب، وصعد إلى السموات وجلس على يمين أبيه وأيضًا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات الذي ليس لملكه انقضاء" (1).
هامش ص100
(1) منقول عن كتاب (خلاصة الأصول الإيمانية في معتقدات الكنيسة الأرثوذكسية) تأليف حبيب جرجس.
انتهى الهامش

ص 101
الهندوسية
اشتهرت الهند منذ القدم بكثرة الأديان فيها، وهذه الأديان يطلق عليها في جملتها (الهندوسية) وقد يطلق على بعضها.
والهندوسية مجموعة من العقائد والأفكار والتقاليد مرت بمراحل تاريخية كثيرة، وتفرعت منها ديانات مستقلة انتشرت في بلاد أخرى.
الإله عند الهندوس:
يتركب الإله عند الهندوس من ثلاثة أقانيم (عناصر):
1- براهما: ومعناها الخالق.
2- فشنر: ومعناها الحافظ.
3- سيفا: ومعناها المهلك.
ومع أنهم يقولون: إن هذه الثلاثة واحدة، فهم يعتقدون أن براهما هو الإله، ومنه اشتق اسم الدين (البرهمية).
العبادة عند الهندوس:
العبادة عند الهندوس على قسمين:
1- (عبادة البراهمة) ويسمون الحكماء والصوفية: وهم يتعبدون بتعذيب النفس والتجرد من الدنيا الذي يهدف في النهاية إلى الاتحاد بالإله (براهما) أي: تصبح نفوسهم جزءاً من ذاته.
وهم يقطعون أعمارهم في الصوم وقراءة الكتب المقدسة، وقد يعيشون في الغابات عراة ويمارسون أنواعاً من الرياضات البدنية الشاقة (ومنها اليوغا) ولا يتزوجون ولا يملكون شيئاً من الدنيا.

ص 102
وهم يتعلمون السحر والشعوذة ليتوصلوا بها إلى إثبات الخوارق والكرامات التي يزعمون أن (براهما) أعطاهم إياها.
وهؤلاء يتلقون طرائق العبادة من طريق التوارث، فكل كاهن يربي مجموعة من المريدين على طريقته، ولا يحق للمريد مخالفة المربي أو الاعتراض عليه في شيء.
2- (عبادة العامة): وهم يعبدون كل شيء من شجر وحجر ودواب، حتى أن منهم من يسجد للسائح الأجنبي أو سيارته، ومنهم من يسجد للعنكبوت والذرة، وكل ما نال إعجابه سجد له وعبده، وتزعم كتب الهندوس المقدسة أن الإله الخالق هو الذي أمر بنحت الأصنام وعبادتها، وقال: إنها تذكرهم بعبادته.
العبادة المشتركة:
المعبود المشترك الذي يتفق الخاصة والعامة على عبادته هو (البقرة).
فالهندوس يقدسون البقرة تقديساً عظيماً، حتى فضلاتها، وقد صرح الرئيس الهندي السابق (غاندي) الذي كان يعتبر زعيماً للعالم الثالث ودول عندم الانحياز قائلاً: (إني أعبد البقرة وسأدافع عن عبادتها أمام العالم ..).
كتاب الهندوس المقدس:
كتاب الهندوس المقدس يسمى (الويدا) أو (الفيدا)، وهو عبارة عن أناشيد وابتهالات وتضرعات منها ما يرتله رجال الدين، ومنها ما

ص 103
يرتله الشعب، كما أنه يشتمل على السحر والتعاويذ التي يتعلمها الكهان لاستخراج الكرامات، وجلب النفع ودفع الضرر.
أهم عقائد الهندوس:
1- (تناسخ الأرواح): ومعناه انتقال الأرواح في دورات متعاقبة من جسم إلى جسم، حيث يعتقد الهندوس أن الإنسان إذا مات فإن روحه تنتقل إلى جسد آخر، قد يكون جسد حيوان – مثلاً – وهناك تسعد أو تشقى حسب عمله السابق، ولكنه في الدورة الثانية لا يشعر بشيء مما حدث له في الدورة السابقة، وتستمر الدورات حتى تتصفى الروح وتصبح أهلاً للاتحاد بالبراهما.
2- (الاتحاد بالبراهما): يعتقد الهندوس أن أعظم غاية هي تصفية الروح وتطهيرها من أدرات الجسد حتى تتحد بالبراهما وتصبح جزءاً منه.
ولهذا فالحكماء (الصوفية) يجتهدون في تعذيب أنفسهم وتزكيتها للوصول إلى هذه الغاية خلال دورة واحدة فقط.
3- (إنكار الوحي): لا يؤمن الهندوس بالوحي المعروف، وإنما يؤمنون بالإلهام والكشف، ويعتقدون أن أي إنسان ينعزل في الغابات ويجوع نفسه ويعذبها، سوف يُلقى إليه العلم الباطن وتكشف له الحقائق الأبدية.
4- (تحريم أكل الحيوان): وهو جزء من الرهبانية وتعذيب النفس، ويزعمون أن الإنسان لكي يصبح روحانياً لا يأكل شيئاً ذا روح.

ص 104
كما تحرم شريعتهم على البرهمي إذا كبر أن يعيش مع الناس، وتفرض عليه أن يعيش في الغابة ولا يأكل إلا مما يسقط من الثمار فقط، ولا يقص شعره وظفره حتى يموت.
ومن أهم الشعائر الهندوسية: إحراق جثث الموتى.
طبقات المجتمع الهندوسي:
تنص الشريعة الهندوسية على تقسيم الناس إلى أربع طبقات متمايزة لكل طبقة خصائصها وواجباتها.
سبب هذا التقسيم:
يعتقد الهندوس أن الإله (براهما) خلق الناس من نفسه، فمنهم من خلقهم من ذراعه، ومنهم من خلقهم من فخذه، ومنهم من خلقه من رجله، وعلى هذا كانت الطبقات الأربع الأبدية، وهي على الترتيب:
1- البراهمة: خلقهم من فمه، وهم رجال الدين والكهنة، وهي أعلى الطبقات.
2- الكاشتريا: وهم الملوك والقضاة والجنود، خلقهم من ذراعه.
3- ويشيا: وهم التجار والفلاحون وأصحاب المهن، خلقهم من فخذه.
4- شودرا: وهم الطبقة المنبوذة التي خلقت لخدمة سائر الطبقات، ويعتقدون أن براهما خلقهم من قدمه.

ص 105
نص للمطالعة
يقول الزعيم الهندي (غاندي) بعنوان (أمي البقرة):
«إن حمياة البقرة التي فرضتها الهندوسية هي هدية الهند إلى العالم، وهي إحساس برباط الأخوة بين الإنسان وبين الحيوان، والفكر الهندي يعتقد أن البقرة أم للإنسان وهي كذلك في الحقيقة.
إن البقرة خير رفيق للمواطن النهدي وهي خير حماية للهند، عندما أرى بقرة بعيني لا أعدني أرى حيوانا، لأني أعبد البقرة وسأدافع عن عبادتها أمام العالم أجمع.
وأمي البقرة تَفْضُل في الحقيقة من عدة وجوه، فالأم الحقيقية ترضعنا مدة عام أو عامين، وتتطلب منا خدمات طوال العمر نظير هذا. ولكن أمنا البقرة تمنحنا اللبن دائماً، ولا تطلب منا شيئاً مقابل ذلك سوى الطعام العادي، وعندما تمرض الأم الحقيقية تكلفنا نفقات باهظة، ولكن أمنا البقرة تمرض فلا نخسر لها شيئا ذا بال.
وعندما تموت الأم الحقيقية تتكلف جنازتها مبالغ طائلة وعندما تموت أمنا البقرة تعود علينا بالنفع كما كانت تفعل وهي حية. لأننا ننتفع بكل جزء من جسمها حتى العظم والجلد و..
أنا لا أقول هذا لأقلل من قيمة الأم ولكن لأبين السبب الذي دعاني لعبادة البقرة.
إن ملايين الهنود يتجهون للبقرة بالعبادة والإجلال، وأنا أعد نفسي واحدا من هؤلاء الملايين»(1).
هامش ص 105
(1) أديان الهند الكبرى، الدكتور أحمد شلبي، (ص 60) نقلاً عن مجلة (جورنال =
انتهى الهامش

ص 106
أسئلة تطبيقية
س1. ما هي الهندوسية ومم يتركب الإله عند الهندوس؟ وهل هنالك تشابه بين الهندوسية والنصرانية في ذلك.
س2. اذكر بالتفصيل أقسام العبادة عند الهندوس؟
س3. اذكر ما هو كتاب الهندوس المقدس وماذا تعرف عنه؟
س4. اذكر أهم عقائد الهندوس مع شرح اثنين منها؟
س5. ما هي طبقات المجتمع الهندوسي وما سبب هذا التوزيع، وما خصائص كل طبقة؟
س6. عرف الكلمات التالية: الفيدا، براهما، التناسخ، الكاشتريا، الشودرا.
س7. ماذا يفعل النهدوس بجثة الميت؟ وهل تذكر مثالا بارزاً على ذلك؟
س8. هل جربت أن تدعو أحد الهندوسية إلى الإسلام؟
س9. وضح هذه الأفكار:
أ‌. حكم المسلمون الهند قرونا طويلة ولكنهم قصروا في دعوة الهندوس إلى الإسلام، ولهذا ما يزال المسلمون أقلية فيها.
ب‌. استطاع الإنجليز أن يسيطروا على الهند ويمتصوا خيراتها بسبب نظامها الطبقي وتنفير الهندوسية الشديد من الدنيا
هامش ص 106
= بهافان) الإنجليزية الصادرة في بومباي، عدد نوفمبر (1963م).
انتهى الهامش

ص 107
ج. طبقة الشودرا أكثر الطبقات الهندوسية دخولا في الإسلام، ولكن الهندوس يقتلونهم ويقتلون المسلمين بسبب ذلك وغيره.
د. أول ما ظهر التصوف في الإسلام ظهر في البصرة، لأنها أقرب الحواضر الإسلامية إلى الهند وترتبط بها بحريا.
هـ. يتشابه المتصوفون والهندوس في بعض العقائد مثل (الاتحاد بالإله – الكشف – التنفير من الدنيا).
و. الإنسان غير المسلم يعتقد من الدين ما لا يتفق مع العقل والفطرة مهما كان زعيماً أو مثقفاً.

ص 108
البوذية
البوذية فرع من العقائد الهندوسية، وبوذا في الأصل لقب ديني هندوسي، معناه: العارف أو القطب، ثم أطلق على مؤسس البوذية وأصبح علماً عليه.
بوذا
ولد بوذا في أسرة مترفة، ولكنه هجر حياتها والتحق بالرهبان البراهمة، وعاش معهم، فلم يجد عندهم الحقيقة التي يبحث عنها، وهي (سر وجود الإنسان والكون) فقرر ترك طريقتهم والسير في طريق الحقيقة بنفسه، فتجرد من ثيابه وهام في الغابات، وأخذ يتفنن في تعذيب جسده، واستمر على ذلك سنوات لكنه لم يصل إلى شيء.
وأخيراً قرر أن يعود إلى الحياة العادية، وفي طريق العودة جلس تحت شجرة، وهناك – كما يقول – هبطت عليه الحقيقة، واقتنع أنه قد أصبح (بوذا) أي: عارفاً أو قطباً وأصابته حالة استغراق وتأمل طويلة، لم يأكل خلالها ولم يشرب، ثم انطلق يدعو الناس إلى ما وقع في نفسه من أفكار وتأملات.
أهم العقائد البوذية:
تتفق البوذية والهندوسية في كثير من الأصول والفلسفات مثل عقيدة التناسخ والاتحاد بالإله، وتختلف البوذية عن الهندوسية في أمور .. أهمها:

ص 109
1- إنكار وجود براهما – الإله عند الهندوس – وإنكار تقديم القرابين له.
2- إنكار نظام الطبقات الهندوسي.
3- اتخاذ طريقة جديدة للزهد والتخلي عن الدنيا.
تطور البوذية
قدّس البوذيون بوذا تقديساً عظيماً، وكتبوا كثيراَ عن سيرته وأعماله وأفكاره، ودخل في البوذية شعوب وأجناس شتى، ونتج عن ذلك انقسام البوذية إلى قسمين:
1- البوذية القديمة:
وتسمى الجنوبية، لانتشارها في بورما وتايلاند وسيلان، وهي في الحقيقة تؤله بوذا وتعبده، وزعيمها هو (اللاما) ومقره بلاد التبت، ويعتقد أتباعه أن الإله يحل فيه، وتتميز بالرهبانية الشديدة.
2- البوذية الجديدة:
وتسمى الشمالية، لانتشارها في اليابان وكوريا والصين.
وتتميز بالفلسفة والتعمق وتعدد الآلهة، ففي الصين يعتقدون أن الآلهة ثلاثة وثلاثون، واليابانيون يعتقدون أن إمبراطورهم من نسل الآلهة.

ص 110
أسئلة تطبيقية
1- ما معنى كلمة بوذا؟ وعلى من تطلق الآلهة؟
2- اكتب ما تعرف عن نشأة بوذا ورحلته في طلب الحقيقة المزعومة.
3- ما هي أوجه الشبه بين الهندوسية والبوذية؟ وما هي أوجه الاختلاف بينهما؟
4- اكتب ما تعرفه عما يأتي: تطور البوذية وانقسامها – اللاما – عدد الآلهة عند الصينيين؟
5- هل تستطيع أن تعقد مقارنة بين النصرانية والبوذية؟
6- اعتنق عدد من الكوريين الإسلام؟ فهل تعرف أحدا منهم؟ وهل سألته عن سبب ذلك؟ وهل بإمكانك أن تعرف السبب بنفسك؟

ص 111
السيخ
السيخ دين هندوسي ظهر في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) على يد رجل يدعى (نانك) أصله من طبقة الكاشتريا ، قضى صدرًا من حياته في التأمل واتفكير ، ورفضت فطرته عبادة الأصنام والتامثيل التى تكثر عند الهندوس ، كما رفضت نظام الطبقات المقيت ، فأخد يسيح في الأرض باحثًا عن الحقيقة ، وأراد أن يتعلم الإسم ،ولكن المسلمين في بلاده (البنجاب) كانوا يعبدون الأولياء ويقدسون الاضرحة كما يفعل الهندوس بالأصنام ، فلم يجد (نانك) فرقًا كبيرًا بين الطائفتين ، ولم يوفق لمقابلة من يعمله الإسلام الصحيح .
ثم إنه لقي صوفيًا من أصحاب وحدة الوجود يدعي (سيد حسين درويش) فتعلم منه أن الأديان كلها حق ؛ لأن الأصنام ماهي إلا مظاهر وتجليات للحق ، ومن عبدها فإنما يعبد الله في الحقيقة ، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا .
فأعجب ذلك الضال الحائر بهذه العقيدة وآمن بها وأخذ يدعو إلى دين جديد ، لا هو الهندوسية ولا الإسلام ، وزار معابد الهندوس ولا الإسلام ، وزار معابد الهندوس وأضرحة الأولياء ، وناظر الكهنة والشيوخ داعيًا إلى عقيدته ، ويقال : إنه حج إلى مكة وزار العراق أيضًا .
وكان (نانك) وخلفاؤه من بعده صوفيين ، ومن هنا أطلق عليهم اسم (السيخ) ومعنى كلمة السيخ (السيد) أو (الفارق) وظل السيخ على طريقة صوفية إلى أن جاء أحد أحفاد (نانك) في القرن الحادي عشر

ص 112
الهجري ، فحولهم غلى جماعة حربية منظمة ، وغير الاسم من سيخ إلى (سنغ) (وكلمة سنغ معاناها : أسد) ولكن اسمهم القديم بقي هو الأشهر ، ومنذ ذلك الحين أصبح السيخ أمة شديدة اليأس حربية الطبع ، وعاشوا في حروب مستمرة مع جيرنهم من الهندوس والمسلمين .
ولما احتل الإنجليز الهند دخل السيخ في طاعتهم ، وظلوا مخلصين في الولاء لهم ، وسخرهم الإنجليز لحرب الهندوس والمسلمين .
ولما قسمت الهند إلى دولتي : الهند وباكستان كان السيخ من ضمن المناطق الهندية لا سيما عاصمتهم المقدية ذات المعبد الذهبي ، وبذلك كانوا وما يزالون من اكبر أسباب الاضطراب والشغب في الهند ، كما أنهم يشابهون اليهود في شدة عداوتهم للإسلام .
عقائد السيخ :
إضافة إلى ما شرعه (نانك) أحدث خلفاؤه عقائد وعبادات ، منها ما هو شبيه بالهندوسية ومنها ما هو قريب الشبه بالإسلام ، وجعلوا السيخ أمة متميزة حتى في الشعار واللباس ، وهذه هي أهم عقائد السيخ :
1-الإيمان بعبادة رب واحد خالق وانكار عبادة الأصنام.
2- الإيمان بأن إمامهم (ويسمونه الكورو) يتوسط بين الرب والخلق.
3- الإيمان بالكتاب المقدس عندهم المسمى (كرانته).

ص 113
4- الإيمان بالتناسخ كما هو عند الهندوس.
5- الحج إلى المعبد الذهبي (أمرتسار) والاستحمام في حوضه الذي يعتقدون فيه مثلما يعتقد الهندوس في نهى (الكانج)

ص 114
أسئله تطبيقية
س1 – متى ظهر مذهب السيخ ومن هو مؤسسه ؟ .
س2 – اذكر قصة نانك بإيجاز مع بيان العبرة منها ومسئوولية المسلمين تجاه الأديان الباطلة ؟ .
س 3- تحدث عن أثر الفرق الضالة في تدمير الأمة الإسلامية من خلال لقاء نانك والصوفي المؤمن بوحدة الوجود .
س4 – ما الفرق بين كلمتي سيخ وسنغ ؟ ومنى تحول السيخ من المعنى الأول إلى الثاني ؟ وماهي مظاهر التحول ؟
س5 – قصة نانك تذكرك بقصة مؤسس أحد الأديان الأخرى فمن هو ؟ .
س6 – اذكر ما تعرفه عما يلي :
سيد حسين درويش – الكورو – كرانته – أمرتسار .
س7 – اذكر أربعة من أهم عقائد السيخ .

ص 115
القومية والوطنية
القومية في اللغة مصدر صناعي من القوم ، والوطنية مصدر صناعي من الوطن ، وهما في الاصلاح مذهب فكري يؤمن بأن رابطة الولاء والتجمع هي القوم أو الوطن .
تاريخ الوطنية ونشأتها :
التفاخر بالأنساب والأعراف من شأن الجاهليات قديمه وحديثها ، وقد أبطل الإسلام ذلك في جملة ما أبطل من دعاوى الجاهلية وشعاراتها ، ولكن الحاقدين من المجوس أثاروا في العصر العباسي دعوة قومية فارسية تحتقر الجنس لعربي وتغالي في تعظيم الجنس الفارسي ، وقد أطلق على هذه الحركه اسم (الشعوبية) .
والواقع أنه لم يكن لهذه الحركة نظرية فكرية مستقلة ، وإنما كانت جزءًا من المؤامرة الحاقدة على الإسلام .
أما المفهوم الحديث للقومية فقد ولد في أوروبا في القرن الماضي ، وذلك بعد أن ضعفت رابطه الدين النصراني ، وتفككت الإمبراطوريات الأوروبية الكبرى التى كانت تضم أقوامًا وأوطانًا كثيرة ، وقد ساعد على تنمية الفكرة الومية أمور سيأتي ذكرها .
أسباب ظهور الفكرة القومية:
1-الثورة الفرنسية وما أسفرت عنه من ولادة أول دولة لا دينية في التاريخ الحديث وتأسيس قاعدة الولاء للوطن لا الدين.

ص 116
2- بعث الآداب القديمة ، ودراسة تاريخ الحضارات المنقرضة وإحياء آثارها ، مما جعل كل أمة أو وطن تفتخر بماضيها وتفتعل الأجاد له.
3- صراع الدول الأوربية داخل القارة وصراعها على احتلال القارات الأخرى.
هذا وقد بلغت القومية ذروة ثوتها في فترة ما بين الحربين العالميتين ، حيث ظهر الزعماء القوميون الكبار أمثال : (هتلر) و(موسوليني) في أوروبا و(غاندي) و(كمال أتاتورك) في الشرق .
ولكنها خمدت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية حيث رأت الدول الأوروبية ضرورة الترابط المشترك ، وأسست الأخلاف العسكرية والاقتصادية الكبرى ، مثل : حلف شمال الأطلسي (الناتو) و(السوق الأوربية المشتركة) . أما في البلاد العربية فلها تاريخ آخر .
القومية والوطنية في العالم الأسلامي:
الوطنية : أول ما ظهرت الوطنية بمفهومها المعاصر في مصر بعد الحملة الفرنسية ، وكان هدفها فصل مصر عن العالم الإسلامي والخلافة العثمانية ، نظرًا لما لمصر من مكانة وزعامة حضارية وعلمية في العالم الإسلامي.
وقد بذل المستشرقون وأشباههم جهودًا كبرى لإحياء (الفرعونية) في مصر من خلال التنقيب عن الآثار وبعث الأمجاد الفرعونية ، وقد فعلوا مثل ذلك في جميع بلدان العالم الإسلامي.

ص 117
وقد نجحت الفكرو الوطنية في مصر نجاحًا ظاهرًا ، وآمن بها الزعماء السياسيون ، مثل (سعد زغلول) صاحب شعار (الين لله والوطن للجميع) و(مصطفى كامل) صاحب شعار (لو لم أكن مصريًا لتمنيت أن أكون مصريًا) .
وظهر ذلك لدى المفكرين والصحفيين والشعراء ، حتى أن أحمد شوقي وو المعروف بتأييده للخلافة والرابطة الإسلامية كان وطنيًا أيضًا ، ومن شعره :
أنا مصري بَنَاني مَنْ بَنَى – هَرَمَ الدهر الذي أعيا الفنا
وانكشفت الأهداف المتسترة وراء هذه الفكرة ، حين أعلن دعاتها أمثال الدكتور (طه حسين) أن مصر قطعة من الغرب لا صلة لها بالشرق من قريب ولا من بعيد ، وأن الفتح الإسلامي لمصر ماهو إلا غزو عربي عسكري.
وطال بعضهم بإلغاء الحروف العربية وإحلال الحروف اللاتينية محلها ، واستخدام اللهجة العامية المصرية لغة بديلة عن الفصحى.
وقد ضعفت فكرة الوطنية المصرية لأسباب أهمها : تحول مصر بعد الانقلاب العسكري إلي فكرة القومية العربية – التي هي أعم من الوطنية والدعوى الاشتراكية العالمية – التي تتعارض بطبيعتها مع الوطنية.
إلا أن الوطنية لا تزال فكرة رائجة في بلدان العالم الإسلامي ، وهي أحد العوائق دون وحدة الأمة الإسلامية.

ص 118
القومية:
أنشئت القومية في العالم الإسلامي لغرض تواطأت عليه الصهيونية العالمية والدول الصليبية جميعًا ، وهو تمزيق دولة الخلافة العثمانية ، وتفكيك رابطة العقيدة الإسلامية تمهيدًا لإقامة دولة يهودية وحكومات نصرانية ، أو موالية للغرب في الدول العربية.
والثابت تاريخيًا أن أول من دعا إلى القومية هم اليهود في تركيا ، والنصاري في العالم العربي ، ثم انضم إليها أبناء الطوائف الحاقدة ، كالنصيرية ، والدروز ، والرافضة وبعض المتفرنجين أو المخدوعين من أهل السنة .
وقد ابتدأت الدعوة إلى الومية بتأسيس جمعيات سرية لم تكن فى حقيقتها إلا فروعًا للجمعيات الماسونية ، وقد امت هذه الجمعيات تنادي بالقومية التركية فى تركيا ، وبالقومية العربية في الدول العربية في وقت واحد ، مع أن كثيرًا من دعاتها ليسوا من أصل تركي ولا عربي.
واستطاع الوميون الأتراك بقيادة (كمال أتاتورك) الذي لم يكن هو في الأصل تركيًا أن يلغوا الخلافة العثمانية ، ويبطلوا ما تبقى من أحكام الشريعة الإسلامية ، كما ألغوا الحروف العربية حتى أنهم أبطلوا الأذان باللغة العربية وجعلوه بالتركية ، واسعاضوا عن نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وأبطاله العظام بزعماء الوثنية أمثال (جنكيز خان) وحفيده (هولاكو) الذي دمر بغداد.
وهذا ما حفز دعاة الومية العربية إلى مزيد من التعصب وإثارة الرأي العام للقومية العربية ، وقد أثبتت الوثائق التاريخية المنشورة أن

ص 119
كل دعاة الومية من زعماء ومفكرين كانوا على صلة بالدول الاستعمارية لا سيما انجلترا التي خططت لإنشاء جامعة الدول العربية.
ولما لم يكن للقومية عقيدة أو فكرة محددة فقد اندمجت مع تيار الاشتراكية الذي طغى على العالم الإسلامي ، منذ قيام الدولة اليهودية بواسطة الانقلابات العسكرية والأحزاب اليسارية.
وأكبر الأحزاب القومية في العالم العربي هو حزب البعث العربي الاشتراكي الذي أسسه (ميشيل عفلق) النصراني.
وبهزيمة صفر (1387ه) حيزران (1967م) انكشف زيف القومية العربية وأخذت في الانحطاط حتى يصح أن يقال : إنها الآن في حالة احتضار.
فقد تخلت مصر عن فكرة القومية العربية بعد تزعمها لها وعادت إلى الوطنية ، كما أخفقت مشروعات الوحدة التي قامت بين بعض الدول العربية ، وضعف دور الجامعة العربية حتى كاد يتلاشى ، وانتقلت الدول العربية من فكرة التعاون أو التكامل الإقليمي.
خطر القومية العربية على الإسلام:
يقول العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن ياز رحمه الله :
(اعلم أن هذه الدعوة – أعني الدعوة إلى القومية العربية – أحدثها الغربيون من النصارى لمحاربة الإسلام والقضاء عليه في داره بزخرف من القول ، وأنواع من الخيال ، وأساليب من الخداع ، فاعتنقتها كثير من العرب من أعداء الإسلام ، واغتر بها كثير من الأغمار ومن قلدهم من الجهال ، وفرح بذلك أرباب الإلحاد وخصوم الإسام في كل مكان.

ص 120
ومن المعلوم من دين الإسلام بالضرورة أن الدعوة إلى القومية العربية أو غيرها من القوميات دعوة باطلة ، وخطأ عظيم ، ومنكر ظاهر ، وجاهلية نكراء ، وكيد سافر للإسلام وأهله ، وذلك لوجوه:
الأول : أن الدعوة إلى القومية العربية تفرق بين المسلمين ، وتفصل بين المسلم العجمى وأخيه العربي ، وتفرق بين العرب أنفسهم لأنهم ليسوا كلهم يرتضونها .
الوجه الثاني : أن الإسلام نهى عن دعوى الجاهلية وحذر منها ، وأبدى في ذلك وأعاد في نصوص كثيرة ، بل قد جاءت النصوص تنهى عن جميع أخلاق الجاهلية وأعملهم إلا م أقره الإسلام من ذلك ، ولا ريب أن الدعوة إلى القومية العربية من أمر الجاهلية ؛ لإنها دعوة إلى غير الإسلام ومناصرة لغير الحق.
الوجه الثالث : أن الدعوة إلى القومية العربية سُلِّم إلى موالاة كفارالعرب وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين ، واتخاذهم بطانة ، والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم ، ومعلوم ما في هذا من الفساد الكبير والمخالفة لنصوص القرآن والسنة الدالة على وجود بغض الكافرين من العرب وغيرهم ، ومعاداتهم وتحريم موالاتهم واتخاذهم بطانة.
والنصوص في هذا المعنى كثيرة ، منها قوله تعالى : (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضً وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأِنَّهُ، مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فىِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِيِهم يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِى بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِى

ص 121
أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ" ]المائدة: 51-52[.
سبحان الله! ما أصدق قوله وما أوضح بيانه، هؤلاء القوميون يدعون إلى التكتل حول القومية العربية مسلمها وكافرها " يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ" ]المائدة: 52[، نخشى أن يعود الاستعمار إلى بلادنا، نخشى أن تُسلب ثرواتنا بأيدي أعدائنا، فيوالون القومية العربية، ويقولون: إن نظامها لا يفرق بين عربي وعربي، وإن تفرقت أديانهم، فهل هذا إلا مصادمة لكتاب الله؟ ومخالفة لشرع الله؟ وتعدّ لحدود الله؟ وموالاة ومعاداة وحب وبغض على غير دين الله؟.
الوجه الرابع: أن الدعوة إليها والتكتل حول رايتها يفضي بالمجتمع ولابد إلى رفض حكم القرآن؛ لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا تحكيم القرآن، فيوجب ذلك لزعماء القومية أن يتخذوا أحكاماً وضعية تخالف حكم القرآن؛ حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام، وقد صرح الكثير منهم لذلك، وهذا هو الفساد العظيم، والكفر المستبين، والردة السافرة، كما قال تعالى: " فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" ]النساء: 65[.
وقال تعالى: " أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ" ]المائدة: 50[.
وقال تعالى: " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" ]المائدة: 44[.

ص 122
وقال تعالى: " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" ]المائدة: 45[.
وقال تعالى: " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" ]المائدة: 47[.
وكل دولة لا تحكم بشرع الله ولا تنصاع لحكم الله فهي دولة جاهلية كافرة ظالمة فاسقة بنص هذه الآيات المحكمات. يجب على أهل الإسلام بغضها ومعاداتها في الله، حتى تؤمن بالله وحده، وتحكم بشريعته، كما قال عز وجل: "قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ" ]الممتحنة: 4[)(1).
هامش ص 122
(1) نقد القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع، للشيخ رحمه الله، مقتطفات.

ص 123
نص للمطالعة
بداية فكرة القومية العربية:
كان في لبنان جماعة صغيرة من الشبان الذين ينتمون إلى (النخبة المفكرة) – وجلهم من النصارى الذين درسوا في الكلية السورية الإنجيلية – تطالب أولاً بتحرير لبنان من حكم الترك.
فأنشأوا لهم حوالي 1876 (جميعة ثورية سرية)، وراحوا يجتمعون مساء عند الشاطيء الصخري في مكان اسمه الروشة في رأس بيروت للتداول والتشاور في أنجع الوسائل لتحقيق أهدافهم، وكان أخطر ما أقلق نفوس أولئك الشبان هو احتقار الأتراك لهم، واعتبارهم أدنى شأناً منهم، مما جعلهم يشعرون بالإهانة، غير أن العربي المسلم عندما يتكلم عن الإمبراطورية العثمانية كان يستطيع أن يقول: إنها إمبراطورية؛ لأنها كانت إمبراطورية إسلامية.
والواقع أن المسلم لم يكن يشعر بأنه غريب في وطن غريب عنه، بل كان الأمر على نقيض ذلك. أما المسيحي فكان يشعر دوماً بأنه واحد من (رعايا السلطان وأن الحكومة التركية لا يمكن أن تكون حكومته).
لكن لم ينقض زمن طويل حتى شعر أولئك الشبان النصارى أنهم إذا أرادوا بلوغ هدفهم ينبغي لهم أن يتعاونوا مع المسلمين لكي يكونوا لهم سنداً وعوناً.
فقد كان من المحتم عليهم أن يظهروا أما الأتراك كجبهة واحدة متراصة. ولم يكن هناك من قاسم مشترك بين المسلمين العرب

ص 124
والمسيحين العرب سوى العربية، فالعروبة كشعار كان في وسعها أن تثير في نفوس العرب شعوراً بالقومية، وأن توحّد أيضاً بين المسلمين العرب والمسيحين العرب الناقمين على الأتراك.
وعلى هذا الأساس اقتنع الأعضاء المسيحيون في جمعية الثورة السرية أن السبيل الوحيد للتحرر من الحكم التركي والسبيل الوحيد للمساواة بينهم وبين المسلمين؛ هو تأليف جبهة عربية موحدة تقوم على فكرة العروبة وتستطيع أن تقف في وجه الأتراك.
ولجأ أولئك الأعضاء المسيحيون إلى خطة أخرى، هي إدخال بعض الوجهاء المسلمين في المحافل الماسونية في بيروت. وكان بعض الأعضاء البارزين في هذه الجمعية السرية قد انضم إلى عضوية هذه المحافل الماسونية(1).
هامش ص 124
(1) عن كتاب (نشوء القومية العربية) لزين الدين زين، ط 3، -ص 60 – 61)، نقلاً عن فارس نمر النصراني، أحد مؤسسي الجمعيات القومية السرية.

ص 125
الإلحاد – بمعنى إنكار الخالق – مرض في القلب وعمى في البصيرة، وانتكاسة في العقل وشذوذ في الفطرة، ولهذا لا يصاب به إنسان سوى فضلاً عن أمة سوية.
ولك يكن الإلحاد ظاهرة عامة في أي عصر من العصور، ولم تعتقده أمة من الأمم السابقة قط وإنما كان الملحدون أفراداً شاذين.
فالأمم في العصور الغابرة كان كفرها محصوراً في أمرين:
1- الشرك بالله تعالى وعبادة غيره معه، كالأحجار والكهان والملوك وغيرها.
2- الجهل بالله تعالى وبما يليق به وما لا يليق به من الصفات، كالاعتقاد بأنه له ابن أو صاحبة، أو لا يرى ولا يسمع كل شيىء، أو أنه مثل المخلوقات، أو يحل في شيىء منها.
كل هذا مع الإقرار بوجود رب خالق رازق يدبر الأمر: " قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ" ]يونس: 31[.
اما الاعتقاد بأنه لا إله لهذا الكون مطلقاً فهو من الضلالات الشاذة التي لم تعلنها أمة من البشر إلا المجتمعات الأوروبية في العصر الحديث، وليس كل أفرادها كذلك.

ص 126
أسباب ظهور الإلحاد:
للإلحاد في العالم الغربي أسباب محلية خاصة، وإنما انتقلت إلى المجتمعات الأخرى عن طريق الغزو الفكري والتقليد لما يحسبونه علماً وحضارة.
وهذه الأسباب مترابطة متضافرة وأهمها:
1- أن أوروبا لم تعتقد الإيمان الصحيح والدين الحق، بل تقلبت من جاهلية إلى جاهلية.
أ- فمن عبادة الأوثان والآلهة المتعددة عن اليونان والرومان في عصرهم القديم.
ب- إلى النصرانية المحرفة في عصورها الوسطى.
ج- إلى الضياع والإلحاد والجاهلية المعاصرة.
وعليه فالدين الذي ألحدت عنه أوروبا ليس هو دين الله، وإنما هو النصرانية التي وضعها بولس ومن بعده (1)، وهي دين مملوء بالخرافات التي لا يقبلها العقل السليم والفطرة القويمة، وأعظم هذه الخرافات ما يتصل بالله تعالى كالتثليث وألوهية المسيح مع اعتقاد ولادته وصلبه، وكذلك خرافة الخطيئة والخلاص والأسرار المقدسة، هذا عدا ما حوته الأناجيل من تناقض وأخطاء علمية وتاريخية واضحة.
هامش ص 126
(1) انظر: موضوع النصرانية المتقدم (ص 94).

ص 127
الخرافات بلا اعتراض ولا تفكير، حيث إن شعار النصرانية الدائم (آمن أولاً ثم فكر ثانياً) هذا في العقيدة.
وفي العبادة نجد أن النصرانية فرضت على أوروبا وغيرها (الرهبانية) وهي سلوك منافٍ للفطرة البشرية، فالخروج من هذا الدين – في حد ذاته – أمر يوجبه التفكير السليم بلا ريب، ولكن القضية هي أن البديل ليس الإلحاد، وإنما هو الإيمان بالدين الصحيح (الإسلام).
2- طغيان رجال الكنيسة(1):
فقد جعلوا أنفسهم أربابا للنصارى يشرعون لهم ما يشاءون ويفرضون عليهم الضرائب، ويتحكمون في عقولهم وإيمانهم بتوسطهم بينهم وبين الله، وفرض الاعتراف أمامهم بالخطايا وطلب المغفرة بوسطتهم، وغير ذلك مما يزخر به التاريخ الأوروبي.
3- الكشوف العلمية:
ما كان العلم يوماً من الأيام عدواً للدين، ولكن الحق عدو للخرافة.
ومنذ أن اتجهت أوروبا للكشف والبحث العلمي، كانت معركة كبرى بين علماء الفللك والطبيعة، وبين رجال الكنيسة الذين تصدوا لهم بالحرب الشعواء، لأمرين:
أ- أن المنهج العلمي منقول عن المسلمين.
ب- أنه يصادم ما أدخلوه في الكتب المقدسة، من معلومات
هامش ص 127
(1) المنيسة تعني: مجمع رجال الدين أو برلمانهم.

ص 128
باطلة عن الكون والتاريخ.
وهكذا تعرض رواد الكشوف العلمية للاضطهاد الذي وصل إلى إحراق بعضهم بالنار.
وكلما تقدم الزمن ثبت صحة الحقائق العلمية، وبطلان الخرافات الكنسية، ولكن بعض أنصار العلم اشتطوا فهاجموا الدين كله من حيث هو دين، ولم يعتنقوا – أو يحترموا – دين الله الخالد الكامل (الإسلام).
وهكذا أوهموا الناس أن كل حقيقة تكتشف إنما هي نصر جديد للإلحاد على الدين.
4- اليهود:
العداوة بين اليهود والنصارى مزمنة، وكانت الكنيسة أيام سيطرتها تضطهد اليهود، بسبب فسادهم وإفسادهم، فلما كانت المعركة على الكنيسة، وجدها اليهود فرصة للانتقام منها، فوقفوا مع خصومها الملحدين. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يخطط اليهود لإقامة ما يسمونه (مملكة داود) على أنقاض الأديان والحكومات العالمية، ولهذا كان ضرورياً في خطتهم إفساد الأميين (غير اليهود) وإبعادهم عن الدين والأخلاق، ونشر الانحلال والإلحاد بينهم.
ولهذا كان أغلب زعماء المذاهب الإلحادية الهدامة يهوداً، كما أن اليهود يستخدمون المال والدعاية لنشر الإلحاد والفساد في العالم أجمع.
وللإلحاد مذاهب ونظريات كثيرة، أهمها: الشيوعية في الشرق،

ص 129
والوجودية في الغرب، هذا عدا هناك ملايين من الناس في أمريكا وأوروبا، لا يتبعون مذهباً معيناً، لكنهم لا يفكرون بمسألة الدين في قليل ولا كثير، فهم كما قال الله تعالى: " بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ" ]النمل: 66[.

ص 130
اسئلة تطبيقية
س1. هل عرفت الأمم السابقة الإلحاد بشكل جماعي؟ وفيم كان كفرها؟
س2. اذكر أهم أسباب ظهور الإلحاد في أوروبا، واشرح اثنين منها بالتفصيل.
س3. هل بين العلم الصحيح والدين الصحيح تعارض؟ وفسر على ضوء ذلك أسباب انتصار العلم على النصرانية المحرفة.
س4. ما هي أهم القوى الهدامة التي تعمل لنشر الإلحاد في العالم؟ وما هدفهم من ذلك؟
س5. اذكر مذهبين من المذاهب الإلحادية؟ وبين الدين الأصلي لمؤسسيها؟
س6. من خلال معرفتك لأسباب ظهور الإلحاد في أوربا، هل للإلحاد في العالم الإسلامي مبرر؟ وبماذا إذا تفسر وجوده؟
س7. لماذا عارضت الكنيسة النصرانية الكشوف العلمية؟

ص 131
الشيوعية
الشيوعية هي المذهب الإلحادي الذي أسسه (كارل ماركس) ومساعده (فريدريك انجلز) ، ويقوم على إنكار وجود الله ، وتكذيب الأنبياء كافة ، والكفر بالأديان جميعاً .
أسباب نشأة الشيوعية وانتشارها :
1- انتشار الإلحاد بعد انتصار العلم الحديث في معركته مع خرافات الكنيسة .
2- الظلم الفظيع الذي نزل بالطبقة العاملة ، عقب التحول الاجتماعي الكبير المسمى (الثورة الصناعية)
3- التخطيط اليهودي ، فمؤسس الشيوعية (ماركس) يهودي ، وكثير من زعماء الدول الشيوعية ورؤساء الأحزاب الشيوعية في العالم يهود .
وهكذا فكل مجتمع يشيع فيه الانحلال ، ويبرز فيه التفاوت الطبقي فهو أرض خصبة للأخطار الشيوعية الهدامة .
الأصول التي استمدت منها الشيوعية :
1- الفلسفة الجدلية (الديالكتيك) :
وهي فلسفة ألمانية مثالية (خيالية) تقول : إن كل شيء يحمل نقيضه معه ، ويتولد من جمع النقيضين قوة ثالثة ، وهذه القوة الثالثة تحمل أيضاً نقيضها وهكذا ، ولكن كارل ماركس طبقها على الحياة

ص 132
الواقعية ، فقرر مثلاً :
الرأسمالية (قوة) وهي تحمل نقيضها : الطبقة العاملة ، ومن الصراع بينهما تتولد القوة الثالثة : الشيوعية .
2- النظريات الاشتراكية :
ظهرت في أوروبا نظريات إصلاحية سميت (اشتراكية) وكانت رد فعل للظلم الذي يعاني منه الفلاحون والعمال .
وقد ركب ماركس الموجة ، وأفاد من هذه النظريات ، ولكنه جعل نظريته تخالفها في أمرين أساسين :
أ- أن اشتراكيته ملحدة ، لا تؤمن بالدين والأخلاق المعروفة .
ب- أن اشتراكيته هي - حسب زعمه - الاشتراكية الوحيدة التي تقوم على القوانين العلمية لحركة التاريخ ، بخلاف النظريات الأخرى التي هي مجرد دعوات إصلاحية خيالية ، ولهذا سمى ماركس الشيوعية (الاشتراكية العالمية) .
3- نظرية (داروين) :
وهي في الحقيقة (فرضية) لم تصل بعد إلى أن تكون (نظرية) فضلاً عن أن تكون حقيقة ، هذه الفرضية تفترض أن الحياة تطورت من الكائن ذي الخلية الواحدة ، إلى الإنسان ، مروراً بحلقات موجودة أو مفقودة في سلسلة التطور الموهومة ، وأن هذا التطور حدث دون افتراض قوة خارجية أوجدته - أي : إنكار الخالق - . وقد استخدم ماركس وانجلز أهم ركنين قامت عليها النظرية الشيوعية ، وهما :
أ- حيوانية الإنسان وماديته .

ص 133
ب- الحتمية (الجبرية) .
فكما تقرر الفرضية أن تطور الحياة حتم لا إرادة للأحياء فيه ، قررت الشيوعية كذلك أن حركة التاريخ (الانتقال من مرحلة إلى مرحلة كما سيأتي) حتمية لا إرادة للبشر فيها .
أهم مبادئ الشيوعية :
1- لا إله والحياة مادة :
ومضمونه إنكار وجود الله وتكذيب الأنبياء جميعاً ، والكفر بكل العقائد الدينية والأخلاق المستمدة منها ، وإخضاع الحياة الإنسانية لقوانين الاجتماع الحيواني ، وقوانين المادة الصماء .
2- التفسير المادي للتاريخ :
تعتقد الشيوعية - بناء على حيوانية الإنسان - أن البحث عن الطعام هو دافع الإنسان الوحيد لكل عمل وفكرة ، وأن أديان الناس وأخلاقهم ما هي إلا انعكاس لوضعهم الاقتصادي . وقسمت تاريخ الإنسانية إلى خمس مراحل حتمية :
1- مرحلة الشيوعية الأولى .
2- مرحلة الرق .
3- مرحلة الإقطاع .
3- مرحلة الرأسمالية .
5- مرحلة الشيوعية الماركسية ، التي سوف تسود العالم كله حتماً كما يزعمون .

ص 134
3- أن الواقع هو الذي ينشئ الفكرة وليس العكس :
وتطبيق ذلك : أن كل مرحلة من المراحل الخمس تنشئ عند الناس عقائد وأفكاراً هي انعكاس وتنيجة لذلك الوضع الاقتصادي وتلك المرحلة ، وهذا - كما تزعم - أمر حتمي لا مفر منه ولا نقاش فيه .
فمثلاً : مرحلة الإقطاع لها دينها الحتمي وأخلاقها الحتمية ، كالإيمان بالدين ، والمحافظة على العرض وترابط الأسرة . فإذا انتقلت البشرية إلى الرأسمالية وهو أمر حتمي ، فمن المحتم أن تكون ملحدة ، وأن تكون المرأة عاملة ، والأسرة مفككة ، كما أن الاستهانة بالعرض هي الخلق الصحيح في هذه المرحلة .
وتطبيقاً لذلك تقرر الشيوعية : أنه من المستحيل أن يوجد مجتمع زراعي بلا دين ، ومن المستحيل أن يوجد مجتمع صناعي متدين .
فإذا انتقلت البشرية مستقبلاً إلى الشيوعية - وهذا عند الشيوعيين حتم لا شك فيه - فإنه سيختفي حتماً وجود الدولة ، وتختفي تماماً الملكية الفردية ، والأسرة ، والدين .
هكذا قرر ماركس ، ولكن الواقع أثبت بطلان هذه الحتمية ، فإن الثورة الشيوعية قامت في روسيا والصين وهما دولتان زراعيتان لم تمرا بالمرحلة الرأسمالية أبداً . وبريطانيا التي تنبأ ماركس أنها أول دولة ستقوم فيها الشيوعية نظراً لأنها أول دولة اكتملت فيها الرأسمالية ، ما تزال حتى اليوم دولة رأسمالية .
هذا فضلاً عن أن العالم - غير أوروبا - لا تنطبق عليه هذه المرحلة والحتميات ، فاليابان - مثلاً - تفوقت صناعياً على كثير من الدول

ص 135
الأوروبية ، الرأسمالية منها والشيوعية ، ومع ذلك فهي أكثر محافظة على دينها وتقاليدها وعاداتها من كثير من الدول الشرقية الزراعية ، فضلاً عن الدول الصناعية .
وألبانيا هي أكثر الدول الأوروبية تخلفاً في كل مجال ، ومع ذلك فهي أكثرها تمسكاً بالحرفية الماركسية قبل الحكم الحالي .
وفي العالم الإسلامي بواكير صحوة إسلامية ، تثبت أن بالإمكان بلوغ أعلى مستوى من التقدم الصناعي مع التمسك التام بالإسلام ، وهذا من الواجب الذي لا بد للأمة الإسلامية أن تقوم به ؛ لأن دينها نفسه يأمرها به .

ص 136
الوجودية
الوجودية هي إحدى مظاهر القلق والضياع الذي يعانيه المجتمع الأوروبي المتمرد على الله تعالى ، وهي ما تزال أكثر الفلسفات الإلحادية شهرة في العالم الغربي ، على الرغم من التقدم النسبي الذي حققته الفلسفة الهدامة الجديدة ، المسماة (البنائية) أو (البنيوية) .
لماذا سميت الوجودية ؟
الوجودية مشتقة من الوجود ؛ لأن ملخص فلسفتها (أن الوجود يسبق الماهية) ومقتضى ذلك ومضمونه : أن الإنسان لا يوجد لكي يتبع مشرّعاً أو منهجاً موضوعاً له من قبل ، بل وجوده نفسه هو الذي يحدد المنهج الذي يسير عليه ، والسلوك الذي يتخلق به ، وكل فرد حر في الاختيار والتحديد.
ولهذا ، فالوجودية تمثل ثورة على كل الأديان والقيم والأنظمة ، فهي :
1- ثورة على النصرانية :
لأن النصرانية ترسم للإنسان طريقه في الحياة مقدماً ، من خلال انتمائه للعقيدة النصرانية ، وتبعيته لرجال الدين ، وإيمانه بما لا يتفق مع إرادته وعقله .
2- وثورة على المذاهب الجماعية :
لأنها تهتم بالجماعة ، وتلغي قيمة الفرد ، وتصهر الناس كلهم - على اختلاف ميزاتهم - في قالب واحد مصنوع مقدماً ، والشيوعية أبرز

ص 137
نموذج لذلك .
3- وثورة على المذاهب العقلية عامة :
لأنها تغفل عن حقيقة الإنسان في نظر الوجودية وهي (الأنا الباطن) ولأن العقل هو الذي يحدد القيم الثابتة والأحكام المطلقة التي ترفضها الوجودية جميعها ، ولهذا كانت كتابات الوجوديين في الغالب أدبية عاطفية ، وليست فلسفية عقلية .
أقسام الوجودية :
الوجودية قسمان :
1- الوجودية الصوفية : ويسمونها (الوجودية المؤمنة) وأشهر زعمائها (كارل ياسبرز)(1) المتوفي سنة (1969م) .
2- الوجودية الإباحية : ويسمونها (الوجودية الملحدة) وهي المقصودة إذا قيل : الوجودية بإطلاق .
فأما الوجودية الصوفية فهي مثال المعاناة القاسية ، الناتجة عن عدم الثقة في العقيدة النصرانية ، مع إلحاح الفطرة على ضرورة الإيمان ، دون أن تهتدي للإيمان الصحيح ، فأصحابها لا ينكرون وجود الله ، ولكنهم غير مقتنعين بإله الكنيسة ، فراحوا يتخبطون في متاهات التصوف الهندوسي وغيره .
وأما الوجودية الإباحية ، فأصلها الفيلسوف اليهودي الألماني (نيتشه) المتوفى سنة (1900م) وقد كان بحكم يهوديته عدواً
هامش ص 137
(1) وقد يكتب : شارل جبرز
انتهى الهامش

ص 138
للنصرانية ، فأعلن بجرأة أن (الرب قد مات) وحل محله الإنسان الأعلى (سوبر مان) الذي يمثله مجموعة مختارة من الأفذاذ ، يجب أن يخضع لهم سائر الناس .
وأعلن أن النصرانية هي أغلال وقيود ، تقضي على إنسانية الإنسان وحريته ، وتجعله عبداً ذليلاً لمجموعة رجال الكنيسة .
ورأس الوجودية الإباحية في القرن العشرين هو (سارتر) المتوفى سنة (1980م) ، وهو يهودي فرنسي ، نشأ أول أمره اشتراكياً ، ثم أحيا مذهب سلفه (نيتشه) فدعا للوجودية ، ولكنه لم يستخدم العقل والفلسفة ، وإنما استخدم الأدب ، حيث العاطفة والحلم والأسطورة ، وبذلك أتاح لفكرته رواجاً أكبر ، وتجنب بها ميدان العقل ، ليقيها من النقد الفلسفي الذي لا تستطيع أن تصمد أمامه .
خطر الوجودية على العالم الإسلامي :
انتشرت الوجودية في العالم الإسلامي ، وآمن بها بعض الشباب المثقف بالثقافة الغربية ، وقد مهد لها انتشار وسائل الغزو الفكري ، وضعف التربية الإسلامية والوعي الإسلامي ، وكذلك التمرد وحب الظهور والمخالفة لدى الشباب .
والوجوديون في العالم الإسلامي ينفذون من ثغرة لا يفطن لها الناس كثيراً ، وهي الأدب : (الرواية ، الشعر ، المسرح ، النقد) وهذا يفسر لنا تحول كثير من أصحاب الفكر الشيوعي وما أِشبهه إلى الكتابات الأدبية .
فالواقع أن الشيوعيين لم يتخلوا عن مذهبهم ، ولكنهم اتجهوا إلى

ص 139
ما اتجه إليه (سارتر) نفسه ، من المصالحة بينه وبين الشيوعية في آخر حياته ، ووجدوا أن شعاراتهم الثورية قد كسدت ، وأن المجتمعات الإسلامية لا ترضى بأية فكرة إلحادية صريحة ، فلجئوا إلى التستر بالأعمال الأدبية .
كما أنه قد تمخض عن تلاقح الماركسية والوجودية وبعض المذاهب الأخرى ظهور فلسفة إلحادية جديدة ، تسمى (البنائية) أو (البنيوية) يتزعمها (كلود ليفي شتراوس) وهي لا تختلف عن الوجودية في جوهرها وحقيقتها ، ولكنا تدعي أنها أكثر منها شمولا ً، وأعمق تحليلاً ، ويزعم أنصارها أنها (فلسفة المستقبل) وأنها سوف تقضي على كل المبادئ والقيم والأحكام ، وتؤسس محلها مبادئ وقيماً وأحكاماً جديدة - أي : نظرة جديدة للكون والإنسان والدين - ولهذا تسمى في الغرب (العصرية) وقد ترجمت إلى (الحداثة) وهو مصطلح خادع ، وقع في شباكه كثيرون ، دون علم بما يحويه من مضمون .
فإن التحديث الذي يدعون إليه ، ليس مقصوراً على اللغة والأدب - على ما في هذا من خطورة وهدم - ولكنه فلسفة ونظرة إلى الحياة والأخلاق والدين وكل شيء ، وتغيير شامل للمفاهيم والأوضاع والأعراف ، وثورة على كل سلطة حسية أو معنوية .
وإن نظرة عجلى على أسماء رواد هذا الاتجاه وعقائدهم ، لتكشف عن أن وراءه خطة ذكية وأصابع خفية ، وأن لهم غاية لا تخفى على أحد . وهؤلاء هم أشهر الرواد :
أدونيس : نُصيري .

ص 140
بدر شاكر السياب : كان شيوعياً ، ثم عاد قانطاً لا يؤمن بشيء .
سميح القاسم : درزي شيوعي .
نزار قباني : وجودي إباحي .
عبد الوهاب البياتي : شيوعي .
وأن الذي يستدعي الانتباه حقاً ، هو الترابط المتين بين أصحاب هذا الاتجاه في كل مكان ، وكل مطلع على الحركة الأدبية المعاصرة في العالم الإسلامي يرى ذلك بوضوح .

ص 141
نص للمطالعة
يقول أدونيس (1):
إن القصيدة أو المسرحية أو القصة، التي يحتاج إليها الجمهور العربي ليست هي تلك التي تسليه أو تقدم له مادة استهلاكية، ليست تلك التي تسايره في حياته الجارية، وإنما هي التي تعارض هذه الحياة أي تصدمه تخرجه من سباته، تفزعه من موروثه وتقذفه خارج نفسه، إنها التي تجابه السياسة ومؤسساتها الدين ومؤسساته العائلة ومؤسساتها التراث ومؤسساته وبنية المجتمع القائم كلها بجميع مظاهرها ومؤسساتها وذلك من أجل تهديمها كلها. أي من أجل خلق الإنسان العربي الجديد.
هكذا يلزمنا ثوريًّا: مسرح ضد المسرح، شعر ضد الشعر، قصة ضد القصة، يلزمنا تحطيم الموروث، فهنا يكمن العدو الأول للثورة.

ص 142
فهرس الموضوعات
بين يدي الكتاب .. 3
المقدمة .. 5
أصول الفرق ومنهج أهل السنة والجماعة .. 7
في معاملتهم .. 7
أسئلة تطبيقية .. 10
أسباب الافتراق ومظاهره .. 11
أولاً: الرجوع إلى غير الكتاب والسنة، والتلقي من سواهما: .. 11
ثانياً: الأخذ ببعض الدين وترك البعض الآخر: .. 13
ثالثاً: كيد أعداء الإسلام: .. 15
أسئلة تطبيقية .. 18
أهم الأصول التي وقع فيها الافتراق .. 20
أولاً: الإيمان: .. 20
ثانياً: القدر: .. 21
ثالثًا: الأسماء والصفات: .. 21
رابعًا: الإمامة: .. 22
صفات الفرقة الناجية ومميزاتها .. 24

ص 143
أولًا: صفات الفرقة الناجية: .. 24
ثانيًا: مميزات الفرقة الناجية: .. 25
أسئلة تطبيقية .. 27
الفرق وأهم آرائها .. 29
الخوارج .. 29
أهم فرق الخوارج: .. 29
1- الأزارقة: .. 29
2- النجدات: .. 30
3- الإباضية: .. 30
نص للمطالعة .. 32
الشيعة .. 34
الشيعة في عهد أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب رضي الله عنه .. 34
حكم أمير المؤمنين علي في الشيعة: .. 35
عبد الله بن سبأ .. وتأسيس التشيع الغالي: .. 35
انتشار التشيع في بلاد فارس: .. 37
أثر الأسباب في عقيدة التشيع: .. 38
أهم عقائد الشيعة: .. 40
المعتزلة .. 43

ص 144
تطوّر مذهب المعتزلة: .. 43
المعتزلة وفتنة القول بخلق القرآن: .. 44
فرق المعتزلة: .. 44
أهم عقائد المعتزلة: الأصول الخمسة: .. 44
نص للمطالعة .. 47
علم الكلام .. 49
أثر الفلسفة اليونانية في علم الكلام: .. 50
غرض علم الكلام: .. 51
حكم علم الكلام وأهله عند علماء السلف: .. 52
أسباب إنكار السلف على أهل الكلام ومنهجهم: .. 52
أثر علم الكلام على الأمة الإسلامية: .. 54
نص للمطالعة .. 56
الصوفية .. 58
من أسباب انتشار التصوف: .. 59
هل التصوف خاص بالمسلمين؟ .. 60
أقسام التصوف: .. 60
أولًا التصوف الغالي: .. 60
ثانيًا: التصوف البدعي: .. 61
علاقة التصوف بالفرق: .. 62

ص 145
الطريق عند الصوفية وأركانه: .. 62
أركان الطريق: .. 63
أهم العقائد الصوفية: .. 65
أثر التصوف في الأمة الإسلامية: .. 66
نص للمطالعة .. 69
الباطنية .. 70
لِمَ سُموا بالباطنية؟ .. 70
أصل الباطنية وغايتها: .. 70
أهم الدول الباطنية: .. 71
عقائد الباطنية وفرقها: .. 72
الإسماعيلية .. 73
أهم عقائد الإسماعيلية: .. 74
نص للمطالعة .. 75
النُّصَيرية .. 76
أصل انشقاق النصيرية عن الشيعة: .. 76
أهم عقائد النصيرية: .. 77
نص للمطالعة .. 78
الدروز .. 80

ص 146
أهم عقائد الدروز: .. 80
الأديان .. 82
مقدمة عن الأديان ودين الفطرة: .. 82
اليهودية .. 86
اليهودية في عهد موسى عليه السلام: .. 86
التوراة: .. 87
ومن نماذج ما غيروا وحرفوا في التوراة: .. 88
بعض التحريفات في التوحيد والعقيدة: .. 89
نص من التوراة المحرفة: .. 90
التلمود: .. 91
النصرانية .. 93
اضطهاد أتباع المسيح: .. 93
بولس: .. 94
خلاصة عقائد النصارى: .. 95
كتب النصارى المقدسة: .. 97
نص للمطالعة .. 99
الهندوسية .. 101
الإله عند الهندوس: .. 101

ص 147
العبادة عند الهندوس: .. 101
العبادة المشتركة: .. 102
كتاب الهندوس المقدس: .. 102
أهم عقائد الهندوس: .. 103
طبقات المجتمع الهندوسي: .. 104
نص للمطالعة .. 105
البوذية .. 108
بوذا: .. 108
أهم العقائد البوذية: .. 108
تطور البوذية: .. 109
أسئلة تطبيقية .. 110
السيخ .. 111
عقائد السيخ: .. 112
أسئلة تطبيقية .. 114
القومية والوطنية .. 115
تاريخ الوطنية ونشأتها: .. 115
أسباب ظهور الفكرة القومية: .. 115
القومية والوطنية في العالم الإسلامي: .. 116

ص 148
القومية: .. 118
خطر القومية العربية على الإسلام: .. 119
نص للمطالعة .. 123
الإلحاد .. 125
أسباب ظهور الإلحاد: .. 126
أسئلة تطبيقية .. 130
الشيوعية .. 131
أسباب نشأة الشيوعية وانتشارها: .. 131
الأصول التي استمدت منها الشيوعية: .. 131
أهم مبادئ الشيوعية: .. 133
الوجودية .. 136
لماذا سميت الوجودية؟ .. 136
أقسام الوجودية: .. 137
خطر الوجودية على العالم الإسلامي: .. 138
نص للمطالعة .. 141
فهرس الموضوعات .. 142