Advertisement

الاسلام في مواجهة الفلسفات القديمة أنور الجندي

ص1
الإسلَام في مواَجهة الفلسفَات القَدِيمة

ص2
الموسوعة الإسلامية العربية
11
الإسلام في مواجهة الفلسفات القديمة
بقلم أنور الجندي
الشركة العالمية للكتاب
دار الكتاب اللبُنَاني-دار الكتاب العالمي

ص 3
الشركة العالمية للكتاب ش.م.ل.
طباعة-نشر-توزيع
دار الكتاب اللبناني-مكتبة المدرسة
دار الكتاب العالمي-المركز العربي
دار العالم الإسلامي-دار الكتب الإسلامية
دار الكتاب للجميع-الدار الأفريقية العربية
الإدارة العامة
الصنائع-مقابل الإئاعة اللبنانية
هاتف 349055-349370-ص ب 3176
تلكس 32865 L.E – برقيا: كِتالبَان
بيروت-لبنات
المستودعات
هاتف 351422
جميع الحقوق محفوظة
1987

ص 5
بسم الله الرحمن الرحيم
مدخل إلى البحث
منهجان لا ثالث لها يتحرك فيهما الفكر الإنساني في هذا العصر. أحدهما هو المنهج الفلسفي بشطريه: أما الشطر الأول فيعتمد على العقل وظواهر العلم، ومقايسات المنطق. وهذا يقف عند المحسوسات وحدها لا يتعداها، وينظر إلى ما وراء ذلك نظرة الإنكار والتجهيل، وطريقه النظرة المادية الخاصة. أما شطره الثاني فيتعمد على القوى الغيبية كالقلب والبصيرة والروح والوجدان، يعتبرها وسيلة المعرفة، ويتخذ النسك والزهادة منطلقها العلمي. أما المنهج الثاني: فهو المنهج القرآني الرباني القائم على التوحيد، والجامع لأسلوب المعرفة العقلي والروحي معاً، والمستمد كياته كله من منهج القرآن.
ولقد كان المنهج الفلسفي قائماً قبل ظهور الإسلام يحاول أن يفسر الحياة والكون والخالق والإنسان وفق المنطلق العلمي أو المنطلق الوجداني. ومن ثم نشأت الفلسفتان الوثنيتان: الهيلينية الغريبة، والغنوصية الشرقية. وقد جرت كلتاهما شوطاً طويلا بين إنكار الاله، أو ثنائيته، أو تعدده من ناحية، أو تصوره وفق مفهوم وحدة الوجود والحلول. ثم جاء المنهج القرآني حاسما، بعد أن استشرى الصراع بين شطري المذهب الفلسفي: العقلي والوجداني- وكان في هدية ملتسماً أصول الفطرة، وقائماً.

ص6
على الوحدانية، ومقرراً طوابع الطبيعية البشرية،وتركيب الإنسان ودوافعه الجسمية والنفسية والروحية، وقابلا لتحقيقها وممارستها بعيداً عن الزهادة والنسك أو الانحراف والتحلل. وفي حدود ظوابط أساسية للتسامي واتقاء الأخطار في نفس الوقت. ومنذ وضع الإسلام هذا المنهج الواضح الصريح المتكامل. فقد تحدد الموقف فاصلاً قاطعا بين الفكر البشري وبين الفكر القرآني الذي لم يكن في أصوله العامة جديداً على البشرية. إذ جاء عصارة رسالات الأنبياء والرسل المتجددة على مدى التاريخ، رسالة بعد رسالة، كل ما تضطرب فيه البشرية أو تحرفه من الفكر الرباني المصدر، الإنساني المفهوم، حين تسلم نفسها إلى أهوائها ومطامعها وقصورها من أجل إقامة منهج بشري متحرر من هدي النبوات والرسل.
ومنذ ذلك اليوم الذي أتم الله فيه رسالته الخاتمة، قام ذلك الفيصل الواضح الصريح الذي أنشأ خطاً عريضاً بين الفكر الرباني والفكر البشري، وكما أصبح له رأيه الحاسم في مقرراته وعناصره. ولقد سارت البشرية مع رسالة التوحيد خطوة أو الخطوات، ثم عادت فابتعثت فكرها القديم، وأخذت تصارع به فكر القرآن، وأقامت له في عديد من أقطار الشرق والغرب دعاة يحملون لواءه، ويدافعون عنه، ويجددونه في صور وقوالب براقة، وأغرت الكثير فاعتنقوه، دون أن يجدوا في طاقتهم القدرة على المراجعة والمقارنة، أو لأنهم خضعوا عن طريق الضعف البشلاي لما في الفكر البشري من عدوة إلى التحلل والتحرر من القيود والضوابط والحدود التي أقامها الله لعباده، ورغبوا في فك عرى القيم الإنسانية والأخلاقية والاندفاع وراء الأهواء بأفكار الغيب كله، ربّاً وأدياناً وكتباً وبعثاً وجزاء،

ص7
وهو في قرارة ما ذهب إليه الفكر البشري، وحاول التبشير به، وجمع الناس عليه. ثم جاء الوقت الذي استطاع الفكر البشري فيه أن يغلب بالاستعمار والصهيونية والشعوبية، وأن يطرح نفسه في أرض الأديان، وأن يصارع عقائد السماء في ظل غزو القوة المتغلبة. ومن هنا فقد تشتتت وجهات النظر ومذاهب الفكر بين قوم دعاة إلى اعتناق الفكر البشري، والسير مع الأمم القوية التي سارت به، وبين من رأي أن يقبل من الفكر الإسلامي تفسيره فلسفياً أو عقلياً أو نسكياً على أساس واحد من هذه المناهج السائرة، سواء منها مناهج التماس المحسوس، وإنكار الغيب، أو إقامة ما يسمى بسلطان العقل، أو التماس منهج البصيرة والوجدان والإشراق، وكلها محاولات تخرج خروجاً صريحاً وكاملاً على (التفسير الإسلامي) الذي يقوم على منهج متكامل: مصدره التوحيد، وقوامه الإيمان بعالم الغيب، جامعاً بين العقل والقلب في وحدة متكاملة.
ولا ريب أن التماس الفكر الإسلامي في أي من هذه المناهج هو: خروج عن طبيعته، ذلك أن للإسلام منطلقه الخالص وذاتيته المطبوعة بطابع الفطرة والتوحيد والأخلاق المستمدة من القرآن الكريم، أساساً ومنهجاً وأسلوباً للعرض والتفسير. فإذا ما أريد إخضاعه لمنهج آخر غير منهجه، تعرض لفقدان ذاتيته وطبيعته. وقد جرت المحاولات لإخضاعه طويلاً. ولكنه كان قادراً على مقاومة التبعية، والتماس أصالته، والعودة إلى المنابع كلما اضطربت الأجواء من حوله، أو قامت التحديات والأخطار بالغزو العسكري أو الفكري أو بهما جميعاً. ولقد كان التماس منهج القرآن الكريم هو منطلق التصحيح والتحرر

ص 8
واليقظة في كل مراحل تاريخ المسلمين وتاريخ الإسلام. ولا ريب أن منهج القرآن الكريم هو غاية الغايات التي تسعى إليها دعوات الإصلاح والتجدد والبعث و النهضة جميعا، وأنها المنطلق الوحيد كلما غاب أسلوب الفكر البشري، واستشرى في حالة غياب منهج القرآن الكريم. ولقد وجه الإسلام أنظار معتنقيه إلى ضرورة التماس هذا الأسلوب وحده، ووردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات تكشف عن أهمية هذا الاتجاه، وضرورة الإصرار عليه، وخطر التهاون فيه. بما يفتح الباب أمام استشراء الأسلوب البشري. وقد جاءت هذه البينات على نحو يفهم منه أن ما جاء في القرآن الكريم هو وحده أسلوب المسلمين في عقائدهم وحياتهم، وأنه يفضل كل أسلوب وتصور ومفهوم سابق له أو لاحق به.
حقائق أساسية
في سبيل إلقاء أضواء صريحة على الروابط والفواصل، التى تربط بين الفكر الإسلامي والفكر البشري، أو تفصل بينهما. نضع هذه الحقائق الأساسية بين يدي البحث. والمعروف أن البشرية كانت قد استجمعت قبل نزول القرآن الكريم عند الله بمنهج الإسلام (عقيدة ومنهج الحياة) حصيلة ضخمة من النظريات والمفاهيم والقيم التي حاولت استخلاصها خلال العصور، وقد تضارب خلال هذه الحصيلة بعض أصول الفكر الذي جاءت به الكتب المنزلة مختلطا بالفكر البشري الذي هو نتاج عقليات الفلاسفة. وقد تعددت وجهات هذه الحصيلة على نحو خطير من التدافع والتضاد، وحملت معها عصارات الأهواء والمطامع، والرغبات التي صدرت عن العقول والغرائز والعواطف على مدى العصور وعلى اختلاف البيئات، واختلطت معها

ص9
منطلقات الحس والغريزة والإشراق والزهد، على الجبهة الجغرافية من الهند إلى اليونان مروراً بفارس والعراق والشام ومصر. فقد كانت هذه المناطق تضطرم بعشرات المذاهب والمدارس والدعوات من ثنائية وتثليث وتعطيل وزندقة. فلما جاء الإسلام، والعالم يضطرب بهذا الركان، ووقف منه موقفاً صريحاً واضحاً، وكشف عن كل جوانب الزيف والشبهات والأهواء، وجلا الحق واضحا صريحاً. إذ قدم بالقرآن للمسلمين منهجاً واضحاً صريحاً كاملاً في مختلف جوانب العقيدة والشريعة والأخلاق. وصور العلاقة الصحيحة القائمة بين الإنسان من ناحية وبين الله سبحانه وتعالى والكون والحياة. ومن هنا ونحن على منطلق البحث عن هذا كله، فقد وجب أن نضع هذه الحقائق الأساسية بمثابة أضواء كاشفة تهدي إلى الطريق.
(اولا) ليس الإسلام مجرد دين قائم على العبادة، على أساس الصلة بين الله والإنسان. بل هو طريق الحياة، ومنهج كامل يربط الإنسان بالله ويربطه بالإنسان والمجتمع، ولذلك فقد أقام نظاماً كاملاً يستوعب حياة الفرد والجماعة من مختلف أقطارها الاجتماعية والسياسية والتربوية والقانونية والدينية. وهو في صميمه منهج أخلاقي يربط الحياة الدنيا بالآخرة، ويقرر إرادة الفرد والتزامه بالمسؤولية الأخلاقية والجزاء. كما يربط العلم بالعمل. وقد أكد الإسلام قيمة الإنسان بصرف النظر عن لونه وديانته. وقد قدم الإسلام للبشرية(عقيدة ومنهج حياة) تقوم على أساس التوحيد الخالص، وتحسم الرأي في مختلف القضايا والمعضلات التي تشغل العقل والنفس في مجال المعرفة والعقيدة ونظام الحياة، وهو في مجموعه إنما يمثل المنهج الرباني المنزل على الناس من رب العالمين بواسطة أنبيائه منذ خلق الإنسان. والذي تبلور في صورته النهائية والحاسمة في دين الإسلام.

ص 10
(ثانيا) إن منهج الفكر الإسلامي كان قد تشكل وتكامل قبل ترجمة الفلسفة اليونانية، وان الفلسفة التي ترجمت لم تكن هي الفلسفة اليونانية، بل هي مفاهيم السريان المسيحية التي أرادوا إدخالها، والتبشير بها. ولا ريب أن هناك تعارضاً بين مفهوم الإسلام ومفهوم الفلسفة اليونانية في التوحيد والأخلاق. فضلا عن تعارض الإسلام مع المذهب العبودي الذي هو حجر الأساس في الفلسفة اليونانية بعامة. كذلك فإن الفكر الشرقي الهندي الفارسي المجوسي يتعارض مع فكر الإسلام، ويختلف من حيث الأساس في المسؤولية الفردية، والالتزام الأخلاقي، والبعث والجزاء.
(ثالثا) جاء الإسلام بعد خمسة قرون ونصف قرن من ظهور المسيحية التي كانت رسالة سماوية أنزلت على السيد المسيح لتصحيح مسار رسالة موسى التي سبقتها بخمسة عشر قرناً. وكان الفكر البشري عند ظهور الإسلام قد مر بأطوار كثيرة. أبرز مقوماتها التوحيد الذي دعت إليه جميع الأديان السماوية، ثم جاءت الفلسفات فطرحت على الأمم والمجتمعات مفاهيم مختلفة، بل ومتعارضة بين التوحيد والوثنية. فكانت في مواجهة الإسلام عند ظهوره فلسفات ثلاث كبرى هي:
الفلسفة الغنوصية الشرقية، والفلسفة الإغريقية، والفلسفة اليهودية المسيحية الغربية التي تشكلت خلال القرون الخمسة السابقة للإسلام. ولما كان الاسلام ديناً ومنهج حياة، ونظاماً متكاملاً للفرد والمجتمع والعقل والقلب. فقد كان من الضروري، وقد انطلق في طريقه يزحف كالإعصار تجاه المدن القديمة، ويواجه الحضارات الفرعونية والفارسية والهندية والرومانية وفكرها. كان لا بد أن يقف موقفا واضحاً من الفلسفات الشرقية. والغربية على السواء، ليكشف عن جوهره الأصيل ومفهومه الحق في مختلف

ص 11
القضايا والمسائل التي يطرحها العقل الإنساني في كل العصور.
وهذه هي المحاولة التي نريد أن تحققها هذه الدراسة: أي بعبارة مختصرة أن نضع هذه الفلسفات القديمة جميعاً في ضوء الإسلام، ثم ننتقل بعد ذلك إلى المرحلة الثانية. تلك هي مرحلة الدور الذي قام به الإسلام في بناء الفكر الإنساني، ثم كيف صدر عنه الفكر العربي الحديث بمذاهبه وفلسفاته ونظرياته، وما هو موقف الإسلام اليوم من هذا الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر (1)
(رابعا) جاء الإسلام بعد أن تشكلت للوثنية المادية فلسفة ومنهج وأيدلوجيا كاملة، واستفاقت على يد طائفة لما تراث محرف منذ الموجة الأولى. وقد كان التحريف تحدياً حقيقياً لرسالة التوحيد التي نزلت على جميع الأنبياء والرسل. وقد جاء القرآن الكريم تصحيحاً لكل المفاهيم والقيم التي احتوتها النبوات، وقد ظلت رسالة الإسلام منذ نزةله إلى اليوم- وإلى قيام الساعة- هي تحرير البشرية من زيف الفكر البشكري القائم على الوثنية والهوى والضعف الإنساني. ولقد يبدو في بعض العصور أن المادية الوثنية تسيطر سيطرة عامة على مختلف وجوه الفكر والرأي، ومن خلال المدرسة والصحافة والثقافة. بينما يبدو فكر التوحيد في غير مكان الصدارة، كما يحدث في عصرنا هذا. ولكن أصالة هذا الفكر وصلابته، وربانية مصادره تعمل جميعاً على تثبيت قوائمه في الأرض. وما يزال دعاة الإسلام يعملون على تحرير الفكر البشري من أخطائه وأوهامه وزيفه، ويدحضون شبهاته، ويصححون المفاهيم، لا يتوقفون
هامش ص 11
(1)الحلقة التالية من هذه الدراسة عن الإسلام والفلسفات الحديثة
انتهى الهامش

ص 12
عن ذلك ولا يتراجعون مهما أدلهم الخطب، واستشرى الانحراف والزيف، مؤمنين بأن تحرير القيم وإنقاذها من ضباب الوثنية وزيف المادية وردها الى الحق هو أول الطريق الى ضياء الحقيقة، وأول الخطو الى الطريق الأصيل. وأول علامة على دخول حركة اليقظة الى مرحلة الرشد الفكري: وما الرشد الفكري إلا الإيمان بالله.
(خامسا) أبرز ما يمثل الفلسفة اليونانية: جمهورية أفلاطون القائمة على النظام العبودي، ورأي أرسطو في الرق، ومفهوم سقراط الأخلاقي القائم على الإباحية. وهذه الأصول الأساسية تكشف عن التعارض الكامل بين الفلسفة اليونانية والإسلام، من حيث دعوة الإسلام الى تحرير الفرد، وأخلاقية الحياة، والقضاء على الرق والعبودية. فضلا عن هذا فقد عرف الإسلام (التجريب) بينما احتقر اليونان التجربة والتجريب.
وقد كان منطق أرسطو أكبر معبر عن روح اليونان. أما القرآن الكريم فقد أعطى المسلمين منهجا مباينا ومنطقا مختلفا في كل خصائصه عن منطق أرسطو. فضلا عن أنه أعطاهم تصورا ميتافيزيقيا كاملا يكفيهم مؤونة البحث العقلي الذي لا يستطيع الوصول الي حقيقة ماوراء الكون الظاهر.
(سادسا) رفض المسلمون التسليم بمنطق اليونان، وأقاموا منهجا خاصا مستمدا من القرآن الكريم، وأعلنوا في صراحة ووضوح أن منطق أرسطو يقوض أساس الفكر الإسلامي، ويهدم ماتبناه المسلمون من أحكام، ولا سيما في نطاق الإلهيات.
ويعتبر ابن تيمية في رده على منطق اليونان، ومن تابعه أكبر ممثل لروح الإسلام تجاه الفلسفة اليونانية، وبذلك أيضا أصبح ابن تيمية رائدا لكل الاتجاهات الحديثة في نقد منطق أرسطو من منطق أرجانون فرنسيس باكون الى المنطقية الوضعية. وقد واجه الفكر الإسلامي منطق أرسطو بالدراسة،

ص 13
وسرعان ما مزقه تمزيقا. وأنشأ بدلا منه منهجا مختلفا يعبر عن خصائصها هو المنهج التجريبي. ودحض ابن تيمية اتهامات التبعية، وكشف عن الفكر الإسلامي لم يكن تابعا لأي فكر. وانما كانت له ذاتيته الخاصة. وقد رفض ابن تيمية القول بالكليات والمفاهيم العامة المجردة، وجعل من المحسوسات والجزئيات أساسا للمعرفة.
وبالجملة فقد رفض الفكر الإسلامي المنطق الأرسطي الذي يقوم على القياس والاستدلال النظري، وأقام منطقا جديدا أكثر تعبيرا عن خصائصه هو المنطق الحسي التجريبي. فالفكر الإسلامي فكر تجريبي أصلا.
واعتبر الكندي والفارابي وابن سينا مجرد امتداد للروح الهيلينية في العالم الإسلامي. وان علماء المسلمين هم علماء الأصول والفقهاء وعلماء الكيمياء والطبيعة والطب.
وهكذا استطاع الفكر الإسلامي أن يتخطى منطق أرسطو ويتجاوزه، وأن يستوعب آفاقا من التجربة البشرية يقصر دونها المنطق الشكلي(1) .
(سابعا) عارض التفسير الإسلامي قول الفلاسفة بقدم العالم وقدم المادة. وأن العالم أزلي، وكشف عن أن العالم حادث مخلوق خلقه الله تبارك وتعالى من العدم بإرادته واختياره في الزمن الذي أراده، وعلى الهيئة التي أرادها، وأن الله خلق الزمان والحركات أيضا. وليس العالم أزليا (قديما) ولكن الله يستطيع أن يبقي العالم الى الأبد إذا شاء، ويستطيع أن يفنيه إذا شاء. وعارض التفسير الإسلامي قول الفلاسفة بأن الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات، وأدق الجزئيات.
الهوامش:
1- عن أبحاث الدكتور علي سامي النشار.

ص 14
وعارض التفسير الإسلامي القول بإنكار حشر الأبدان، وأعلن أن الحشر والبعث والنشور حقيقة واقعة مرتبطة بالحياة الدنيا وبالمسؤلية والجزاء. وكشف التفسير الإسلامي عن وجود المعجزة بأسباب يعرفها هو، وليست مرتبطة بالأسباب الظاهرة التي نقيس عليها الأمور.
(ثامنا) كشف خطر الفلسفة والفلاسفة حين أرادوا أن يزنوا كل شئ بميزان العقل، بينما العقل شطر من منهج المعرفة في الإسلام، وهو نظرا للدائرة المحدودة التي يتحرك فيها لا يستشرف النظرة الكلية الى الكون أو الحياة. ثم كانت الفلسفة والفلاسفة خطرا على الدين والأخلاق، عندما اعتقد الفلاسفة في أنفسهم التميز على أترابهم ونظرائهم فرفضوا فرائض الإسلام والعبادات، واحتقروا شعائر الدين، واستهانوا بالشرع وحدوده.
أما خطر الفلاسفة على الأخلاق فيرجع الى انهم أهملوا أحكام الشريعة، فشربوا الخمر وأعرضوا الصلاة. وقالوا مع انهم أدركوا حقيقة النبوة، وعلموا أن حاصلها يرجع الى الحكمة والمصلحة، فإذا ما ترفع الإنسان عن طبقة العوام سقط عنه التكليف، وكشف عنه الغطاء. ومن هنا كانت حملة الغزالي وابن تيمية. وقد أعلن الغزالي أن الفلاسفة عجزوا في الإلهيات عن الوفاء بالبراهين التي اشترطوها في المنطق، وكان هدم آرائهم مؤكدا عجز العقل وحده عن حقيقة المعرفة في مسائل الرياضيات. أما في مسائل ما بعد الطبيعة، فالعقل المحض قاصر عن الوصول الي اليقين(1) .
ومن هنا يتقرر أن التصورات الفلسفية، سواء العقلية منها أو الصوفية ليست هي التفسير الإسلامي الرباني القرآني الأصيل.
الهوامش:
1- الفلسفة اليونانية – دكتور محمد عبد الرحمن مرحبا.

ص 15
(تاسعا) لم تصل فلسفة ما الى ما وصل اليه الإسلام من تحرير عقل الإنسان، وتحطيم الأغلال الموروثة، فهو يخاطب العقل والقلب معا. وقد أكد وحدانية الله وكرامة الإنسان. "والقرآن يدعو الى أسهل العقائد وأقلها غموضا، وأبعدها عن التعقيد بالمراسم والطقوس، وأكثرها تحررا من الوثنية الكهنوتية. فقد أبطل القرآن سلطان الأحبار والرهبان والوسطاء بين العبيد والرب، ولم يفرض على الإنسان قربانا يسعى به الي المحراب بشفاعة من ولى، فلا ترجمان بين الله وعباده، يملك التحليل والتحريم، والغفران، ويقضي بالحرمان أوبالنجاة".
"فالخطاب إنما يتجه في القرآن الى عقل إنسان حرا أو طليقا من سلطان الهياكل والمحاريب وسلطان كهنتها وسدنتها. وكل هذا من شأنه أن ينمي في الفرد الإحساس بالمسؤولية، ويفتح في ضميره منفذا واسعا الى الألوهية، ويربطه بها ربطا مباشرا محكما يرفع كل حجر على وجدانه".
ولقد علم القرآن أتباعه أن يواجهوا الحياة بواقعية ورباطة جأش لا مثيل لهما في الأديان الأخرى، وحثهم على الإقبال عليها، والزهد بها في آن واحد في توازن مدهش لا تفريط فيه ولا إفراط. "شعاره الدين والدنيا".
"ليس في الكتب التي توصف بالقداسة وتنسب الى السماء كتاب كالقرآن يدعو أتباعه على الدوام أن يكونوا أعزة أقوياء. ولم يفلح في هذه الدعوات كتاب آخر كما أفلح القرآن الكريم".

ص 17
الكتاب الأول
ماقبل الإسلام
الفكر اليهودي
الفلسفة اليونانية
الفلسفة الغنوصية
الفلسفة الغربية المسيحية
الوثنية العبرية

ص 19
الباب الأول
ماقيل الإسلام
الفصل الأول – ماقبل الإسلام
كي ندرس الفكر البشري في تطوره وامتداده على العصور قبل الإسلام لا بد أن نضع خريطة تحدد المراحل التي مر بها هذا الفكر من ثنايا الأديان المنزلة.
ذلك أن الحقيقة التي لم يعد هناك ريب في صدقها أن البشرية بدأت موحدة وأن الإنسان الأول فيها كان نبيا، وانها ظلت على مدي العصور تنتقل بين التوحيد والشرك، بين الإيمان والإلحاد، بين مفهوم السماء والمفهوم البشري. وليس صحيحا ما تذهب اليه دراسات الأديان المقارنة المعاصرة، وجلها يقوم على أساس تأكيد غاية واحدة معروفة لخدمة الفكر البشري وإعلائه على الفكر الأصيل المتصل برسالات السماء.
وأمامنا نقاط أربع مضيئة على طريق طويل: هي الحنيفية دين ابراهيم، واليهودية دين موسى، والنصرانية دين عيسى، الإسلام دين محمد. وفيما بينها تحرك الفكر البشري حركته التي نشأت عنها المذاهب والدعوات التي حملت مختلف الشبهات والتحديات التي عادت فطرحت نفسها مرة أخرى، وبقوة في وعاء الإسلام بعد أن جاء حاسما وقاطعا وفاصلا بين عهدين: عهد الفكر البشري باضطرابه وتضاربه وخلطه بين الحقائق والأباطيل، والهدى والزيف. وبين عهد الفكر القرآني الرباني الخالص الذي بسط مختلف الحقائق، ورسم منهجا كاملا للعقيدة والمجتمع، وأعطى الإنسانية دستورا كاملا واضحا

ص 20
مجيبا عن كل الأسئلة الحائرة، والشبهات المضببة حول القضايا الكبرى التي شغلت وماتزال تشغل الإنسان.
الحقيقة الإلهية: حقيقة الكون: حقيقة الحياة: حقيقة الإنسان. وما علاقة هذه الحقائق بعضها ببعض. لقد كشفت الأديان المنزلة عن هذه الحقائق، وقدمت للإنسان إجابات صريحة واضحة وساطعة في هذا المجال. بعد أن وضعت أمامه تفسيرا صحيحا لمدى قدرته في فهم عالم الغيب عن طريق عقله وحواسه ووجدانه. وبذلك أعفته من جهد لا طائل تحته في مجال الميتاقيزيقا كلها، ووجهته الى مجال الحياة والبناء والانشاء، وحشدت له كل جهده وعقله.
ولكن "الإنسان" لم يشأ أن يتقبل هذا المنهج الرباني تقبلا كاملا، وأباح لنفسه الحق في أن يصل عن طريق أدواته القاصرة الى فهم هذه الحقائق. فنشأ بذلك هذا (الفكر البشري) الذي تجاوز كثيرا حدود قدراته، وحدود معطياته التي قدمتها له الأديان المنزلة.
ولقد كان في استطاعة العقل البشري اهتداءً بالوحي ورسالات السماء أن يصل الى ما قررته هذه الأديان. وأن يجد ما استطاع استخلاصه مطابقا لما جاء به الرسل والأنبياء. ولكن الأسلوب الذي سلكه الإنسان: ببشريته وأهوائه ومطامعه وعجزه عن التحرر من عواطفه وغرائزه، لم يصل به الى الحقيقة. وانما وصل به الى محاولات للتحرر من حدود الله. والتخلص من الضوابط التي وضعها منشئ الإنسان لتكون قوة له، وحماية لوجوده، ودفعا له الى الطريق الأسمى، طريق التقدم ماديا وروحيا، لتحقيق الهدف الأسمى من وجوده على الأرض خليفة لله، وسيدا للكون، ومسيطرا على كل هذه المعطيات تحت حكم الله، في إطار شريعته.
ولكي ننطلق من مدخل واضح. فإن علينا أن نبدأ من نقطة متقدمة هي:

ص 21
بعثة نبي الله ابراهيم عليه السلام بحسبانها ملتقى الديانات الثلاث الكبرى التي ماتزال قائمة في العالم اليوم، وبوصفه أبا اليهود والمسيحيين والمسلميين. وأبا الأمم القائمة في هذه المنطقة كلها، ومن بينها العرب.
وفيما بين دعوة ابراهيم: " الحنيفية السمحة" وبين رسالة الإسلام الخاتمة على يد محمد "صلعم" نجد المرحلة الحافلة بالأديان السماوية من ناحية، وبالفكر البشري من ناحية أخرى. ونجد ذلك الخلط والإضافة والحذف والتمزيق والتشكيك.
فإبراهيم (أولا) هو نقطة الإرتكاز التي ارتبط بها الإسلام، واعتبر نفسه متصلا بها ومكملا لها. (قولوا آمنا بالله وماأنزل إلينا وما أنزل الى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منم ونحن له مسلمون).
فإبراهيم هو أبو التوحيد الخالص في أمة تشكلت بين العراق حيث ولد، وفلسطين ومصر حيث رحل، والجزيرة العربية حيث رفع القواعد من البيت واسماعيل، وأنشأ أمة العرب العدنانية القرشية الهاشمية التي أنبتت محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء.
ومن إبراهيم جاء إسماعيل جد العرب والمسلمين، وأسحق جد اليهود والنصارى. وفي هذه الأمم جميعا نزلت رسالات السماء، ولأمر ما أصبحت هذه المنطقة التي تحرك فيها إبراهيم بين العراق والشام ومصر والحجاز هي أرض الأديان. ففي الشمال نزلت اليهودية والنصرانية. وفي الجزيرة نزل الدين الخاتم: الإسلام.
وما تزال اليهودية والنصرانبة والاسلام هي الأديان الكبرى ذات الصلة بالسماء القائمة على الأرض. بينما كل ما سواها هو من أديان الأرض وفلسفاتها وعقائدها البشرية.

ص 22
وإذا كانت اليهودية والنصرانية قد أصابها من الغير ما انحرف بدعاتها عن الحقيقة الأصلية، أو اختفت كتبها السماوية أو اضطربت مفاهيمها، فإنما جاء ذلك نتيجة اتصالها بالجذور الوثنية والأثينية والمعددة من فلسفات الهند واليونان ومصر القديمة. أي الفكر الشرقي ذي الجذور الغنوصية والفكر الهليني ذي الجذور المادية والمعددة مما أخرجهما عن طابعهما الرباني الذي جاء به موسى وعيسى عليهما السلام.
وقد أشار القرآن الى ظاهرة التحريف، والخروج على الأصول التي جاءت بها الأديان عن علم، ووصف هذا التحريف بالبغي حين جاءهم العلم بغيا بينهم. ومن هنا نشأ الفكر البشري.
ولقد تجمعت هذه القوى الضاربة من الفكر البشري مرة أخرى بعد الإسلام واقتحمت حرمته، وحاولت أن تدمره، وأن تخرجه عن أصالته وربانيته وتوحيده، وشكلت في أعماقه بضعا وسبعين فرقة. غير أن رسالة الإسلام كانت قد صيغت صياغة خاصة تحميها من الزيف وترد عنها الدخيل، وتحميها من الاحتواء، وتجعل لها القدرة على أن تدافع عن نفسها، وتتجدد من داخلها، وتعيد تشكيل نفسها بالتماس جذورها وينابيعها الأولى، وظهر على المدي الطويل عشرات من مجددي الإسلام، ومصححي مفاهيمه. والأئمة الهداة الذي صادموا هذا الفكر الدخيل ودمروا دعائمه، وكشفوا عن زيفه، ومزقوه شر ممزق.
وكانت جولة ضخمة عاصفة. ثم لم يلبث الإسلام من خلال فترة ضعف شديدة، وأزمة عنيفة أن يواجه نفس الحملة الضارية في عصرنا هذا. ومنذ قرن أو يزيد. وما يزال الإسلام قادرا على أن يكشف جوهره ويزيل عن نفسه كل زيف، ويدافع عن حقيقته المضيئة المشرقة الغبار والسحب والشبهات.

ص 23
كان نبي الله إبراهيم علامة على المرحلة التي بدأت به وختمت برسول الله محمد. وكان علامة على المنطقة والأمة وأرض الأديان.
ولا ريب أن دين إبراهيم والأنبياء من أبنائه جميعا كانوا يحملون أصول الفكر الإنساني المنزل من السماء والموحي به من عند الله، والقائم على الحق والعدل. هذا الفكر الذي تبلور من بعد في صورة عالمية - بعد أن كانت قومية – وفي صورة كاملة، في الإسلام خاتم الرسالات السماوية، وحفظها القرآن خاتم الكتب السماوية. وجاء بها محمد "صلعم" خاتم الأنبياء والمرسلين.
ولا ريب أن هذه الأديان الأرضية، والفلسفات والعقائد والمذاهب المتعددة التي ظهرت بين اليهودية والمسيحية والإسلام، وقد استمدت خير ما فيها وأصدقه وأقربه الى الفطرة والتوحيد والعدل من رسالات السماء. غير انها – أي هذه الأديان الأرضية والفلسفات – قد شابها اضطراب كبير، ودخل عليها زيف كثير، شكل منها ما أطلق عليه اسم "الفكر البشري" وهو ماتعارض في بعض أصوله وفروعه مع الفكر القرآني الذي يعد بمثابة الصورة النهائية للوحي الرباني، والذي يحمل في تضاعيفه "المنهج الإنساني الأمثل" للحياة والكون والمجتمع: عقيدة وشريعة وأخلاقا.
لقد اصطرعت البشرية طويلا من خلال فكرها قبل الإسلام، فلما جاء بالحق وضع الحدود والفواصل، ورسم النقاط على الحروف، وأجاب عن كل الأسئلة، وشفى الصدور من كل زيغ وانحراف وخطأ. وقدم للنفس الإنسانية فطرتها الخالصة القائمة على التوحيد والأخلاق والإيمان بالغيب.
غير أن الفكر البشري لم يستسلم إزاء هذه الموقعة الفاصلة بين عهدين في تاريخ البشرية، عهد جاهليتها وعهد إسلامها لله. لم يستسلم الفكر البشري بوثنيته وأثنينيته وتعدده وإلحاده وإباحيته، وعاد يتجمع من جديد ليضرب الإسلام والفكر القرآني في أعماقه، فظهرت عشرات الفرق والدعوات

ص 24
والمذاهب من داخل الإسلام تحاول من خلال إطار زائف أن تحتضن هذه الفلسفات والوثنيات، وتزاحم بها منهج التوحيد الخالص، وتتخذ من أسلوبي المنطق العقلي، أو الإلهام الروحي سبيلاً إلي إعلاء مفاهيم التحلل والإباحة، والخروج عن حدود الله، واطراح الأخلاق والتوحيد والاندفاع إلي زيف ما أطلق عليه إسقاط التكليف، أو إلغاء البعث والجزاء، إلي غير ذلك مما حملته الفلسفتان اليونانية والغنوصية إلي الفكر الإسلامي من حطام الشكوك وركام الأوهام.
وإذا كان الفكر "القرآني الإسلامي" قد استطاع أن يدافع هاتين الفلسفتين، فإن لونا آخر من ركام الفكر البشري قد حاول أن يلتمس له مكاناً داخل الإسلام.
ذلك هو فكر الأديان البشرية، ويتمثل في جماع انحرافات الأديان السماوية، وتحللها من أصولها الأصلية وامتزاجها بالفلسفات الهيلينية والغنوصية علي السواء، والذي تشكل من بعد في بيئة الفكر الغربي.
وقد أشار القرآن إلي ظاهرة التحريف في الأديان السماوية والخروج عن الأصول التي جاءت بها من شرائع وعلم ووصف هذا التحريف بالبغي.
وقد كان الناس قبل هذا التحريف أمة واحدة، ثم اختلفوا حين جاءهم العلم بغياً بينهم. ومن هنا نشأ الفكر البشري. القائم علي الوثنية والتعدد والإباحة. بقول الله تعالي في سورة البقرة (213). "كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ? وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ? فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ? وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ".

ص 25
كان نبي الله إبراهيم علامة علي المرحلة التي بدأت به، وختمت برسول الله محمد. وكان علامة علي المنطقة والأمة وأرض الأديان، ومن خلاله تشكلت مرحلتان:
(1) – مرحلة اليهودية: وقد امتدت منذ رسالة موسي عليه السلام إلي رسالة عيسي عليه السلام في فترة لا تقل عن ألف وخمسمائة عام.
(2) – مرحلة المسيحية: وقد امتدت من رسالة عيسي عليه السلام إلي مجئ محمد (ص) في فترة لا تقل عن ستمائة عام.
1- جاء موسي عليه السلام إلي بني إسرائيل بالتوراة: فيها هدي ونور، وهي شريعة كاملة: وتعد التوراة أول كتاب نزل من السماء. أما ما أنزل علي إبراهيم وغيره من الأنبياء، فما كان يسمي كتباً بل صحفاً(1).
والديانة الموسوية المنزلة بالتوراة تقوم علي أساس التوحيد والإيمان بالله الواحد، رب العالمين، ولها شريعتها التي تضمنتها الألواح "وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ" الأعراف 145
غير أن هذا الدين لم يلبث أن تغير، ولم تعد التوراة المنزلة الصحيحة هي مصدره الوحيد. ولكن أصبح هناك توراة مكتوبة: أشار إليها القرىن الكريم فيما اشار إليه من تحريف الكتاب، وما نص عليه من أنهم يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله، وجعله "قراطيس، يبدونها ويخفون فيها الكثير.
ثم نشأ لهم مصدر آخر هو التلمود الذي كتبه أحبار اليهود حوالي عام 150 بعد الميلاد. ثم جاء كتابهم المشنا والجمارا. ثم جاءت بروتوكولات
هامش ص 25
(1) الشهرستاني في "الملل والنحل".
انتهي الهامش

ص 26
صهيون في العصر الحديث إضافة إلي هذه المصادر.
وأبرز الإنحرافات التي أصابت اليهودية: أنها أصبحت بالحذف والإضافة عن المصدر الأصيل.
(أولاً): ديانة عنصرية مقفلة علي أهلها، تقوم علي شعب خاص ترفض غير أهلها وتحتقرهم: فالديانة اليهودية ليست ديناً تبشيرياً ولا إنسانياً عاماً.
(ثانيا): اعتبار اليهود انفسهم "شعب الله المختار" ومن سوهم من البشر (جوييم) أي (أميون) يحل خداعهم وسرقتهم وقتلهم.
(ثالثا): إنكار الآخرة والبعث: والقول بأنه ليس فيما وراء هذا العالم عوالم، وأن الجزاء (ثواباً وعقاباً) يقع في الدنيا، والحياة الدنيا في كتابهم هي عالم الإنسان، وربما كان البعث عندهم هو عودة دولتهم.
(رابعا): الإله عندهم: "يهوه" إله الحرب والانتقام، وهو إله خاص بهم وحدهم، وليس إله النس جميعاً، وهو إله قاس مدمر متعصب لشعبه، لأنه ليس إله كل الشعوب. بل إله بني إسرائيل وحدهم، وهو بهذا عدو للآلهة الآخرين، كما أن شعبه عدو للشعوب الأخري(1).
وهو ليس بمعصوم، وكثيراً ما يقع في الخطأ. وقد وقف موسي عنده موقف الناصح. وإلي هذا المفهوم ترد كل صور الوحشية والقسوة في معاملة غير اليهود في السلم والحرب.
ولا يقر مفهومهم الإله الواحد: إله الخلق أجمعين، وإنما يعبدون ما يسمي بإله إسرائيل.
(خامسا): اتجه الفكر اليهودي إلي التجسيم والتعدد وعبادة الأصنام
هامش ص 26
(1) عن تعريف الدكتور أحمد شلبي: اليهودية.
انتهي الهامش

ص 27
والاعتقاد في السحر والأرواح والشياطين، وهم لم يتخلوا عن عبادة العجل الذهبي حتي بعد رسالة موسي.
(سادسا): لليهود مسيح ينتظرونه، وهو غير المسيح عيسي عليه السلام، وهو ملك ليس نبيا . . ملك فاتح من نسل داود يسمونه ابن الله. والمنقذ الذي يعيد مجد إسرائيل، ويجمع أشتات اليهود في فلسطين.
أما التوراة فقد ثبت أن النصوص الموجودة الآن ليست هي التوراة المنولة علي موسي عليه السلام، وهناك عشرات من النصوص تؤكد هذا المعني.
وأهمها:
دائرة معارف لاروس التي تقول بالنص: (موسي ولد 1571. وتوفي 1451. أسس مدنية وديناً. ولا نملك الكتاب الحقيقي لشريعته. فقد نسبت إليه التوراة أو الكتب الخمسة الأولي من الكتاب المقدس. وكن هذه التوراة حاملة لآثار لا نزاع فيه من الحواشي والتنقيحات. ومن علامات أخري تدل علي أنها ألفت بعد الزمان الذي مات فيه موسي بعهد طويل) اه.
وفيما بين اليهودية والمسيحية مسافة ألف وخمسمائة عام، ظهرت خلالها أديان بشرية ومذاهب ونحل وفلسفات متعددة.
كانت البرهمية موجودة في الهند قبل اليهودية، أو موازية لها. فقد ثبت أن كتابها (الفيدا) قد وضع قبل الميلاد بألف وخمسمائة سنة. ثم تجددت البرهمية في القرن الثامن قبل الميلاد.
وفي القرن السابع قبل الميلاد ظهر (زرادشت) في فارس مجدداً للمجوسية.
وفي القرن السادس قبل الميلاد ظهر في الهند (بوذا) (560 ق.م)

ص 28
معارضاً للبرهمية. وفي نفس القرن السادس قبل الميلاد ظهر (كنفوشيوس) في (552 ق.م).
وقد حمل هذا القرن السادس مطلع الفلسفة اليونانية في أثينا، ثم بلغت غايتها في القرن الرابع – ثم ظهرت الأفلاطونية الحديثة في القرن السابق لميلاد السيد المسيح.
والمسيحية أو النصرانية هي الدين الذي أنزله الحق تبارك وتعالي علي سيدنا عيسي بن مريم، وكتابه الإنجيل. وقد جاءت النصرانية مكملة لليهودية، ومصححة لبعض ما انحرفت إليه من أخطاء، ومخففة لبعض ما جاء بها من قيود، وكما جاءت اليهودية إلي بني إسرائيل، قد جاءت المسيحية أيضاً إليهم بعد ألف وخمسمائة عام. ومن خلال ركام ضخم من الانحراف والزيف والتغيير والتبديل.
وإذا كانت اليهودية في عقائدها الأصلية تقوم علي ما قامت عليه جميع الأديان المنزلة.
(1) – توحيد الله الواحد إله الناس جميعا.
(2) – والبعث والجزاء والحساب.
(3) – إقامة شريعة الله في الأرض.
فإن المسيحية وهي من عند الله لم تكن تختلف عن اليهودية، ولا عن الأديان المنزلة قبلها، فهي دين توحيد مطلق يعترف بالله الواحد الأحد، وإن عيسي نبي مرسل من عند الله.
كذلك أجمعت اليهودية والمسيحية، وأجمعت التوراة والإنجيل علي التبشير بمحمد (ص) خاتماً للأديان والرسل، داعية معتنقيها إلي الإيمان به.

ص29
وهناك حقيقة أساسية في الرسالة المسيحية، انها جاءت لتصحيح مسار الديانة اليهودية. ولذلك فهي ليست ذات شريعة خاصة، وإنما هي وصايا وأخلاق. وان هذه الوصايا إنما قصد بها تخفيف جشع اليهود وانصرافهم إلي المادية الخالصة، فهي دعوة إلي التحرر من المادة والزهد في الدنيا، والتطلع إلي الجوانب الروحية القائمة علي الرحمة والخير والسماحة والحب، وهي في مجموعها تنقض اليهودية في واقعها بعد أن خرجت عن أصلها الأصيل.
وقد جاءت حياة عيسي في مجموعها معجزة كبري: وحفلت بالآيات، فقد ولد من غير أب، واختلف الناس في أمر مولده وأمر موته.
وفي عديد من مواقف حياة عيسي وموته تنكشف الحقائق عن تزييف الفكر اليهودي الذي خرج عن رسالة السماء. فخلق عيسي من غير أب هو دحض للنظرية الفلسفية التي تقول بالعلة والمعلول التي لا تستطيع أن تحيط بمفهوم قدرة الله القادر علي أن يخلق بغير علة سابقة، وأنه هو الذي وضع النواميس التي تربط الأسباب بمسببتها، وهو القادر علي أن يمزقها ويتجاوزها فيوجد المسبب دون أن يوجد السبب.
وكان الفكر اليهودي البشري الذي انحرف عن أصوله قد أنكر الروح، واعتقد أن الإنسان مادة خلقت من مادة. فأراد الله أن يخلق إنساناً دون أن تكون المادة أساساً له(1).
ومن الحق أن يقال: إن النصرانية كانت تصحيحاً مباشراً لانحراف اليهودية. فقد حرف بنو إسرائيل شريعة موسي، وجعلوا همهم جمع المال، وامتد هذا التفكير المادي إلي العلماء والرهبان، فأخذوا يحرضون العامة علي تقديم القرابين والنذور للهيكل رجاء أن يحصلوا علي الغفران، وربطوا
هامش ص29
(1) أبو زهرة وأحمد شلبي: محاضرات في النصرانية للأول وكتاب المسيحية للثاني
انتهي الهامش

ص30
الغفران برضا الرهبان ودعائهم. وتعمقوا في المادية، وبعدوا عن الروحية، فأنكر فريق منهم القيامة والحشر، ومن ثم أنكروا الحساب والعقاب، فانغمس الكثيرون منهم في متاع الحياة الدنيا غير خائفين من عاقبة، ولا متوقعين حسابا(1). ولذلك قاومت المسيحية هذه المادية الغالبة ووساطة الأحبار.
غير أن النصرانية لم تلبث أن انحرفت بعد أن عبرت إلي أوروبا فاستقرت في الدولة الرومانية ذات الحضارة الوثنية والفكر الهليني والقانون الروماني. وفي هذا الجو بكل قيوده وتحدياته سيطرت المسيحية علي أوروبا وسيطر عليها الفكر البشري القديم، واحتوتها الفلسفتان اليونانية والغنوصية جميعا، فأخرجتاها عن الرسالة السماوية المنزلة. وكان أخطر ما أصابها من تحريف أفكار ثلاثة:
(أولا): فكرة التثليث وألوهية المسيح.
(ثانيا): فكرة الخطيئة والصلب باسم التفكير عن خطيئة البشر.
(ثاثثا): الرهبانية والإقامة في الصوامع.
هامش ص 30
(1) شلبي (نفس المصدر).
انتهي الهامش

ص31
الباب الثاني
الفكر اليهودي
(1) أصول الفكر اليهودي
(2) تزييف التوراة
(3) عناصر التحريف

ص33
الفصل الأول
أصول الفكر اليهودي
"يقوم الفكر اليهودي" علي أساس المفاهيم التي أقرها الحاخامات اليهود علي مدي القرون مغايرة للتوراة المنزلة، ومنصبة أساساً علي الاتجاه الذي حددته اليهودية لانطلاقها كحركة في المجتمع البشري. ومن خلال التحديات التي واجهتها وتصدت لها.
والمعرروف أن اليهودية قد تشكلت أساساً وفق مفهوم التوراة: الكتاب المنزل علي موسي بن عمران، وهي دين سماوي يقوم علي أساس الإيمان بالله الواحد، ويحقق شريعة الله في أمور الدنيا، والاعتراف بالجزاء واليوم الآخر والجنة والنار. وهي الرسالة الأولي التي نزل معها كتاب هو التوراة التي وصفها القرآن بأن فيها هدي ونور. أما ما قبلها فكانت صحفاً. وقد جاءت رسالة موسي إلي اليهود واحدة من سلسلة رسالات السماء إلي الأمم والأقوام، وتميزت بأنها إحدي الرسالات الكبري الثلاث التي ما تزال أديانها قائمة: اليهودية والمسيحية والإسلام.
غير أن هذا الدين السماوي بمقرراته الربانية القائمة علي التوحيد والأخلاق والايمان بالغيب والبعث (ورسالة أديان السماء واحدة بواحدة مصدرها) هذا الدين لم يلبث أن أصابه اضطراب كبير، وأصاب كتابه (التوراة) تحريف خطير، وجري زيف بالغ بالحذف والإضافة في النص الأصيل.

ص 34
وقد اتصل هذا التحريف بأصول الدين ومقاصده وقيمه، وجري الاتجاه إلي التغيير مع أهواء اليهود الأصيلة القائمة في النفوس والأهداف، واستهدف صياغة منهج له صفة القداسة الدينية يبرر المطامع والأهواء، ويصبغ الغايات المادية البالغة العنف بصبغة الرسالة السماوية.
ومن هذا كان ما كشفته الوثائق من أمر إعادة كتابة التوراة من جديد وفق هذه المقاصد، حتي ليمكن القول بأن (العهد القديم) الموجود الآن ليس هو التوراة رسالة السماء، وإنما هو من وضع الأحبار والحاخامات، وأنه قد كتب علي النحو الذي يرسم أهداف اليهودية كما أرادها قادتها، لا كما أنزلت.
وتبدو هذه الحقيقة واضحة من أدني مراجعة لمقررات العهد القديم الماثل في الأيدي الآن. حيث ينشكف هذا الانحراف والزيف والمخالفة الواضحة للمقررات التي رسمها الدين الموحي به من عند اللله إلي رسول الله موسي عليه السلام. وهنا تبرز نقطة التحول الخطير التي أقامتها قادتها من وحي مطامعهم، وأنشأوا من أجلها كتاباً آخر هو: (العهد القديم).

ص 35
الفصل الثاني
تزييف التوراة
تكاد المصادر المختلفه التي كتبها الغربيون أن تجمع على ان ( العهد القديم ) ليس هو التوراة المنزله ، ومن خلال عشرات الابحاث التي ترجمت الي اللغه العربيه كانت هذه الحقيقه واضحه ليس فيها لبس ولا ريب ، بل نستطيع ان نجزم بأنه لا يوجد هناك من يقول إن ( العهد القديم ) هو التوراة المنزله . وهاتان وجهتا نظر في هذا الأمر . إحداهما غربيه ، والأخري شرقيه .
1- في مقدمة من عرض لهذه القضيه الكاتب اليهودي المعروف ( ول ديورانت ) فهو يتساءل في الجزء الثاني من كتابه قصة الحضاره ( ص 366 وما بعدها ) فيقول :
" تري ماذا كان كتاب شريعة موسي : كيف كتبت هذه الأسفار ، ومتي كتبت وأين كتبت " . ويجيب بقوله : ذلك سؤال برئ لا ضير فيه ، ولكنه سؤال كتب فيه خمسون ألف مجلد ، ثم يصل الي القول بأن " العلماء مجمعون علي أن أقدم ما كتب من أسفار التوراة هما القصتان المتشابهتان المنفصله كلتاهما عن الأخري في سفر التكوين تتحدث إحداهما عن الخالق باسم ( يهوه ) علي حين تتحدث الأخري عنه باسم ( الوهيم ) وإن هذه القصص وتلك قد امتزجت في قصه واحده بعد سقوط السامره . وفي هذه الشرائع عنصر ثالث يعرف بالتثنيه ، أكبر الظن أن كاتبه أو كتابه غير كتاب الاسفار السابقه ، وثمة عنصر رابع يتألف من فصول أضافها الكهنه فيما بعد ، وكانت اساطير الجزيره العربيه هي المعين الغزير الذي أخذت منه قصص الخلق والغوايه والطوفان التي يرجع عهدها في تلك البلاد إلي ثلاثة آلاف سنه أو نحوها قبل الميلاد " .

ص 36
ولعل اليهود أخذوا بعضها من الأدب البابلي أثناء اسرهم ، ولكن أرجح من هذه أنهم أخذوها قبل ذلك العهد بزمن طويل من مصادر ساميه وسومريه قديمه كانت منتشره في جميع بلاد الشرق الأدني (1) .
2- يقول الدكتور أنيس فريحه : أسفار التوراة ( العهد القديم ) المعترف بها 39 سفراً لا تعرف أسماء مؤلفيها علي وجه الدقه ، وهي أشبه بملحمة كتبها العبرانيون من وجهة نظرهم الخاص ، فيها شعر وقصص وأساطير وروح دينيه عميقه ، وإيمان راسخ بإله واحد يسير الكون بمشيئته ، ويعتني بصورة خاصة بشعب خاص هم العبرانيون القدماء .
" كانت اسفار التوراة من شعر وقصص وأمثال وتاريخ وتعليم ديني في بادئ أمرها روايات شفهيه متداوله جيلا بعد جيل ، الي ان قيض لها ان تدون في حدود 440 ق. م. ولكن الذين دونوها لم يرتبوا المواد ترتيباً زمنياً " .
السؤال الثاني : من ألف هذه الاسفار ، ومن جمعها في شكلها النهائي ؟
وقلنا أننا لا نعلم أسماء المؤلفين ، وأصحاب الروايات معرفة يقينيه . ولهذا اصطلح علماء التوراة علي تسميتهم برموز ، فهناك الكاتب اليهودي . الألوهيمي الكهنوتي ، التشريعي . وأخيراً الكاتب الموفق بين الروايات اليهوديه , والروايات الألوهميه .
في ( 850 ق. م ) حاول كاتب أو راوٍ او محدث عبري أن يجمع من الفلو كلور الكنعاني ما كان شائعا بين الناس من قصص وأساطير وروايات عن الآلهه ( إيل ، ومردوك ، والبعل ) . وطبيعي ان يعزو هذه القصص والأخبار الي " يهوه " لأنه كان يعتبر ان إله العبرانيين منذ زمن أنوش حفيد آدم كان
هامش ص 36
(1) ج 2 – قصة الحضارة . ول ديورانت .
انتهي الهامش .

ص 37
يهوه . ثم انه حاول ان يجمع تاريخ قومه بادئا بقصة الخليقه كما كانت عند البابليين ( أي الإصحاح الثاني من سفر التكوين ) ثم بآدم وحواء والجنه وسقوط الانسان في الخطيئه ، وتغير الانسان والخليقه بعد سقوط الانسان ، ثم الطوفان ، ثم أخبار العبرانيين : موسي وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب .
" هذا الكاتب سبق الإغريق في محاولته كتابة التاريخ بشكل ملحمة رائعة " .
وقال الدكتور انيس فريحه : إن " يهوه " كما تصوره الكاتب اليهودي مجرد إنسان عظيم قدير ينزل الي الفردوس ليتحدث إلي آدم ويأمر قابيل وهابيل أن يقدما قرابين فيقبل قرابين الواحد منهما ، ويرفض قرابين الآخر .
ويقول الدكتور أنيس فريحه : إن تقدم العلوم ساعد علي نقد التوراة . وفي مقدم العلوم ثار التناقض الواضح بين ما أثبته العلم ، وما جاء في التوراة شكاً وملقاً روحياً .
وأشار أنيس فريحه إلي ما أصاب التوراة من تغيير وتحريف وقال : إن هناك أغلاطاً منشؤها السهو والكسل والملل ، أو ضعف النظر . وإذا كان الناسخ غير أمين في عمله عند ما تعرض كلمه لا يستطيع قراءتها يعمد الي تغيير الكلمه أو تحوير النص بكامله ليستقيم المعني . وقال إن ذلك يرجع الي صعوبة الحرف العبري وتشابكه وأشكاله ، فإن حروفاً كثيره تختلط أشكالها علي الناسخ اذا كان الكاتب الذي ينسخ عنه لم يحسن رسم الحرف . وقال : إن هوامش المعلقين والشراح كانت تحشر أحياناً في المتن ، ولم ينج نص التوراة من كل هذه الآفات . فجاء أيضا مشوهاً قلقاً غامضاً في كثير من الأسفار .
ولليهود كتابان مقدسان : ( التوراة والتلمود ) .

ص 38
والتلمود هو الروايات الشفويه التي تناقلها الحاخامات من جيل الي جيل . جمعت في كتاب عام 105 ميلاديه . وأضيفت اليها شروح وزيادات .
ويضم التلمود : المشنا والجيمارا .
وقد تعددت نسخ التلمود . وكتب التلمود الأخير في القرن السادس الميلادي . وإذا كان العهد القديم مخالفاً للتوراة تجاوزاً الي أهواء اليهود . فإن التلمود هو خطوة أخري أشد عنفاً وتجاوزاً ، ويعتقد اليهود ان العهد القديم ( أي الناموس المكتوب ) ناقص ومبهم في كثير من المواضيع ، ولا يكون اليهودي عندهم مؤمناً إيماناً كاملاً إلا إذا صدق بالتلمود .
والتلمود المكون من المشنا وحواشي المشنا ( الجمارا ) عبارة عن الوصايا التي كتبها الأحبار ، والتعاليم الشفويه . وهم يضعونه في منزلة التوراة ، وبعضهم يجعلها أسمي من التوراة . أو أن من يقرأ التوراة بدون المشنا والجمارا فليس له إله
وقد حاول ول ديورانت إحصاء مصادر الفكر اليهودي ، فلم يكد يغادر أسطورة او فكره وثنية مما سبق تاريخ دينهم ، او عاصره من اساطير بابل ، وأساطير الجزيرة العربية ، والمصادر السومرية ، والقصص الشعبي في مصر والهند وفارس واليونان ، والفكر الفرعوني والفكر الفارسي ، وشريعة حمورابي .
وقال إنها جميعا كانت منبعاً غزيراً لأسفار العهد القديم .
ويقرر ول ديورانت : أن أسفار العهد القديم جمعت لأول مرة في بابل ، وظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد . ويظهر اسم الكاهن عزرا مرتبطاً بتدوين التوراة .

ص 39
وقد أقر الدكتور هوبري لوي اليهودي في كتاب أديان العالم الكبري : " إن هناك عقائد دخيله انسابت الي اليهوديه عن فارس وبابل والإغريق لا سند لها في اليهوديه بالذات " .
ويرد كثير من (1) الباحثين انحراف اليهود عن التوراة الي ما بعد عهد سليمان ، وضياع التوراة . حيث ارتد اليهود الي عبادة الأوثان ، وعبادة آلهة الأقوام المجاورين . فقد ذهبوا إلي أبعد مدي حين بني مذبح للأصنام في فناء بيت المقدس . ويؤكد بعض المؤرخين أن الكاهن حلقيا كتب سبعة عشر عاماً ما أسماه أسفار التوراة حوالي 629 ق. م. ويربط بعض المؤرخين ضياع (2) التوراة التي انزلت علي موسي إلي العهد الذي حرق فيه بختنصر الهيكل حيث فقدت التوراة سندها الأصلي الذي كانت ترجع إليه بعد حرق أورشليم وسبي اليهود إلي بابل ، ثم عبدوا العجل من بعد ذلك . ولا ريب أن هذه النصوص وغيرها تؤكد ما قرره القرآن ، وما ذهب إليه علماء المسلمين من ان " اليهود عمدوا آثمين الي تحريف الكتاب " وأن النص الصحيح لما جاء في التوراة هو ما أورده القرآن . فليس هناك رأي واحد يجرؤ علي القول إن العهد القديم الذي في أيدي الناس الآن هو التوراة التي انزلت علي موسي بن عمران .
وجملة قول الباحثين في تزييف التوراة :
(أولاً) إن العهد القديم الموجود الآن مكتوب بأيدي أناس متعددين من المؤلفين . وان هناك شكاً فيما إذا كانت هي شخصيات تاريخية ، أم أسماء وهمية .
هامش ص 39
(1) الدكتور احمد شلبي : اليهوديه .
(2) الدكتور محمد وصفي : الارتباط الزمني .
انتهي الهامش .

ص 40
(ثانياً) إن العهد القديم ملئ بأخطاء ترجع الي اختلاط الحروف ودخول هوامش الشراح في المتن مما جعلها مشوهة قلقة .
(ثالثاً) التوراة الموجودة الآن ضمن الكتاب المقدس ليست المذكورة في القرآن بحال ، وفي الأرض ثوراتان أو ثلاث ذكرت التواريخ فيها مختلفة من آدم إلي المسيح .
لماذا أجري اليهود التحريف ؟
إن أبسط إجابة علي هذا السؤال هو : ان اليهود كانوا يستهدفون إقامة منهج فكري واجتماعي يحقق لهم طريقهم الذي سلكوه منذ آلاف السنين الي اتخاذ ( الربا ) للاقتصاد والتجارة والتعامل في العالم كله . فذلك هو عملهم الأول الذي حاربته الأديان ، والذي جاءت التوراة ناقضة له نقضاً تاماً .
وذلك فقد كان لا بد من تزييف التوراة علي النحو الذي يرسم منهجاً يحقق هذا الهدف من خلال تحريف النصوص . لقد ادخل اليهود منهجهم الخاص الي الدين ، والتوراة . وذلك بالحذف والإضافه والتحريف . ثم عملوا من بعد علي جعله منهجاً عالمياً حاولوا ان يدخلوا فيه المسيحيه وأهلها ، كما حاولوا ذلك بالنسبة للمسلمين أيضاً .
وقد جمع هذا المنهج كل ما ورثوه من أوضاع الفكر البشري المعارض للأديان من تراث فارس وبابل والصين والهند وأشور ، من وثنية وإلحاد وإباحية ، وتعدد واحتقار للأخلاق وإنكار للبعث والجزاء والحساب لكي يشيدوا منهج ( عبادة المال ) والسيطرة علي الذهب ، وإقرار الربا ، وجعل ذلك كله نظاماً عاماً للعالم كله ، وقد كان من الطبيعي لإقرار مثل هذا النهج أن تحارب اليهوديه التوحيد ، وأن تحارب الأخلاق وأن تحارب مختلف القيم والضوابط التي جاءت بها الأديان ، لأنها تقف عقبة في سبيل تحقيق هدفهم

ص 41
بالسيطرة الماليه والاقتصاديه علي العالم كله . ( إمبراطورية الربا ) . وهي سيطرة تتطلب ازاحة كل من يقف في سبيلها بالإغراء او القتل . ولقد كانت حقيقة ( البعث والحساب والجزاء ) في الاديان وفي اليهودية بالذات هي اخطر الحقائق التي تقف في وجه هدفهم . لذلك فقد حاربوها حرباً عنيفة دامية ، وابتكروا من أجلها فلسفات ومذاهب للإباحية والإغراء وإسقاط التكليف ودفع الناس دفعاً . إلي إهلاك أموالهم وأرضهم . وبذلك سيطر اليهود علي الفكر البشري كله ، وكان لدورهم في تحريف المسيحية من بعد ، وكل دعوة حق . أثر في استشراء دعوتهم . وبذلك سيطر علي العالم منهجان منفصلان :
- منهج القرآن الذي تبناه الاسلام .
- والمنهج البشري الذي احتضنه اليهود ، وعملت في سبيله المنظمات الماسونية والصهيونية وغيرها .
وهناك رأي قوي بين الباحثين : أن اليهود إنما غيروا التوراة من أجل إقرار مطامعهم ودعوتهم الي السيطرة العالمية عن طريق الربا والذهب ، وهو ما عرف في العصر الحديث بالصهيونية العالمية .
ذلك ان منهج التوراة الرباني الذي جاء به موسي ما كان يرضي هذه الأطماع التي تملأ القلوب طموحاً إلي إذلال الأميين والشعوب من غير اليهود . انتقاماً من حملات التنكيل والاضطهاد التي سقتهم كؤوس العلقم علي مدي القرون . فذلك هو تحديهم الخطير .
وفي هذا المعني يقول الدكتور أحمد شلبي : وحقيقة القول ان اليهود بعد أن انحرفت اعتقاداتهم وطباعهم تخلصوا من أسفار موسي الحقيقيه لأنها كانت تختلف عما أرادوا من طباع وخلق ، وكتبوا سواها مما يتناسب مع ما يريدون من تاريخ وعقيدة .

ص 42
الفصل الثالث
عناصر التحريف
أعاد اليهود كتابة التوراة علي النحو الذي رسموه في منهجهم وأخلاقهم ، وخرجوا بها عن أصولها السماوية ، وغذوا مضمونها بالوثنيات القديمة فجمعوها إليها ، وشكلوا منها فكراً يستهدف تحقيق الغايه ، وجعلوها منطلقاً لهذا الهدف معارضاً أساساً للتوراة الموحي بها . غاية السيطرة علي العالم واعتصار ثرواته .
وهذه المفاهيم في مجموعها تمثل وجهة نظر اليهود في الإنسانية كلها : ويمكن القول إن أبرز المفاهيم التي أعلاها العهد القديم هي :
(أولاً) : العنصريه في مواجهة الإنسانية . وهي تقوم علي كراهية الشعوب ، وكراهية الأمم ، وتأخذ موقف العداء لكل من اختلف معهم في التاريخ كله .
ومن خلال هذه " العنصريه " ينطلق مفهوم " شعب الله المختار " المستعلي علي كل الشعوب ، الذي يري الأمم كلها من الجوييم أي الأميين ، ويتصل بهذا المعني إقامتهم العهد القديم علي أساس عصري .
وترتبط عنصرية " اليهوديه " كما شكلها علية الحاخامات بالدعوة الي العنصريه ، ومقارنة الأديان التي انبعثت في العصر الحديث ، والتي أرادوا بها إحياء الاديان الوثنية القديمة التي اخذوا منها وشكلوا منها فكرهم ، وهي أديان الهنود والمجوس القائمة علي التعدد وإنكار البعث .

ص 43
وقد تعدت حدود النزعة العنصرية مداها حين حول اليهود الوصايا العشر ( لا تقتل – لا تسرق – لا تزن .. ) إلي وصايا تطبق بين اليهود انفسهم . أما الجوييم من الأميين فلا تنطبق عليهم . وتبدو رائحة الوثنية خالصة في العقيدة الجديدة ( الهيكل – التابوت – والطقوس ).
(ثانياً) : إنكار البعث كقاعدة أساسية للفكر اليهودي معارضة للأديان ، ورسالات السماء وقد جاءت دعوة موسي عليه السلام بالتأكيد والتركيز علي : عقيدة اليوم الآخر ، والبعث ، والجنة والنار ، والخلود فيهما .
وقد جاء ذلك في أول نقطة في دعوة موسي : " إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري . إن الساعة آتية أكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي . فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردي " .
ومن خلال الفكر اليهودي لا يوجد حديث عن خلود الروح بعد الموت أو القول بالحساب بعد البعث . وعندهم ان المكافأه هي في هذه الحياة الدنيا ، والعقاب في هذه الدنيا .
وفي هذا يقول سفر الجامعه : " ليس للإنسان مزية علي البهيم لأن كليهما باطل يذهب كلاهما الي مكان واحد . كان كلاهما من التراب وإلي التراب يعود كلاهما " .
وقضية الآخرة والبعث هي أكبر قضايا الفكر اليهودي ، فقد حاولت اليهودية ان تكون منهج حياة من غير عقيدة عبادة ، بينما استقرت المسيحية علي انها عقيدة من غير منهج حياة . ومن هنا فإن مجال اليهودية هو هذا العالم وحده ، العالم الحاضر . بينما تجعل المسيحيه من العالم الآخر ، وما وراء هذا العالم مجالاً لها .

ص 44
يقول الدكتور هربرت لوي اليهودي : اليهودية ليست بحاجه الي عقيدة إيمان بغض النظر عن العالم الآتي ، ومجال اليهودية ليس فيما وراء هذا العالم ، أي عالم الروح . مجالها الحياة الدنيا دون نظر إلي ما وراء ذلك ، وهذا هو الفارق بينها وبين المسيحية .
ومن هنا يقرر الفكر اليهودي أن الجنة علي الارض ، وأن كل ثواب وعقاب في الدنيا ، وأن الجنه الأرضيه خاصة بهم دون شعوب الارض .
وفي دائرة المعارف العبريه : يقرر كوهلر " إن اليهودية ليست عقيدة او نظاماً من العقائد يتوقف مع قبولها الفداء او الخلاص في المستقبل ، ولكنها نظام للسلوك البشري " . ومن هنا لا تتكلم اليهودية عن الآخرة . والبعث والحساب ، ولا تشير اليهودية إلي حياة اخري بعد الموت ، ولم يرد في دينهم شئ عن الخلود وهم يرون ( الجزاء حسب الاعمال لا حسب الاعتقاد ) . وبذلك تبدو عظمة الاسلام الجامع بين العقيدة ومنهج الحياة . من ناحية ، وبين الحياة الدنيا ، والحياة الأخري .
(ثالثاً) : " الإله " .
أما الإله الذي اختاره اليهود فهو " يهوه " إله يعلو البشر كله لحساب اسرائيل , وهو إله الحرب ، ورب الجنود ، وبنو اسرائيل شعبه المختار ، الذي من أجله سيفني جميع الأمم . وإن سائر مدن الارض تصبح يبابا وخرابا ، وتنضب مياهها . ولقد كانت سمة القتل واستباحة أعراض النساء من أبرز مفاهيم الفكر اليهودي المعارض للدين الحق الذي أنزل علي موسي .
وتحفل أسفار العهد القديم ( يوشع – صمويل – الملوك ) بمئات الألوف من الرجال والنساء والأطفال الذين ذبحوا ، والمدن التي خربت ، والحيوانات التي لم تسلم من غضب اليهود (1) .
هامش ص 44
(1) أحمد حسين : الاسلام ورسوله بلغة العصر .
انتهي الهامش .

ص 45
وفارق كبير بين اله اسرائيل والله الحكيم العليم الرحمن الرحيم الذي يغفر الذنوب جميعا والقريب الذي يجيب دعوة الداعي اذا دعاه
ويصور ول ديورانت مفهوم اليهود في الاله فيقول يبدو ان اليهود الفاتحين(لفسلطين) عمدوا الي احد الهه كنعان فصاغوه في الصورة التي كانوا هم عليها وجعلوا منه الها صارما ذا نزعة حربية صعب المارس وهذا الاله لا يطلب من الناس ان يعتقدوا انه عالم بكل شيء كذلك لا يعتبر نفسه معصوما من الخطا ويري ان اشنع ما وقع فيه من الاخطاء هو خلق الانسان ولذلك تراه يندم بعد فوات الوقت علي خلق ادم وعلي ارتضائه ان يكون شاول ملكا وتراه من حين لاخر شرها غضوبا متعطشا للدماء متقلب الاوار نزقا نكدا
ويشير بعض الباحثين الي ان ابرز ما اصبته اليهودية من تزييف هو عقيدة التشبيه وهي متشابهة الاله للانسان
(رابعا)فكرة السيطرة علي العالم يمكن القول ان هذه الفكرة مما حرفه اليهود في العهد القديم عن نبوءة لنسل ابراهيم الذي يجمع بين ابناء اسماعيل واسحاق عن الانتشار والاتساع في هذه المنطقة التي ساح فيها ابراهيم من العراق الي الشام الي مصر الي الجزيرة العربية غير انهم زيفوا هذا المعني وقصروه عليا ليهود وحدهم بينما ابراهيم في التاريخ الصحيح هو ابو اليهوج ولاعرب والنصاري والمسلمين جميعا
ومن جرائر هذا التحريف ما حاولوه في دوائر المعارف الحديثة وخاصة دائرة المعراف الاسلامية من انكار رحلة ابراهيم الي الجزيرة العربية ومن حديث عن اسماعيل بناء الكعبة
ومن خلال هذا المفهوم تشكلت الفكرة الصهيونية القائلة بالسيطرة علي

ص 46
العالم واخذاعه لليهود ودعوة البروتوكلات الي تدمير قيم المجتمعات توطئة لاحتوائها
ومن خلال هذا المفهوم تتكشف شهوة المال والجشع وتعاطي الربا وتنكشف طبيعة الاثرة والقسوة التي عرف بها لايهود علي مدي التاريخ وقد كانت بضاعتهم هي جمع رؤوس الاموال واقراض الناس وافساد عقائدهم وقد وصف حكيم جورجي اليهود بانهم سيف ذهبي مشهور لعي راس اوروبا مهد المسيحية
ولقد صور القران الكريم في وضح عدوان اليهود واجتراءهم علي الله وافتراءهم وتشويههم للعقيدة وجرائمم ضد البشرية وسجل عليهم الزيغ والانحراف وما يزالون سلطانا علي العالم وسيف نقمة علي الاديان والانسانسية جميعا

ص 47
الباب الثالث
الفلسفة اليوناية
1-اصول الفلسفة اليوناينة
2-محاذير الترجمة واخطارها
3-حقيقة دور اليونان
4-المدرسة الفلسفية الاسلامية
5-مواجهة الفلسفة اليونانية
6-وجوه التعارض بين الفلسفة اليونانية والفكر الاسلامي
7-منطق الفكر الاسلامي
8-للمسلمين ميتافيزيقاهم
9-منهج البحث التجريبي الاسلامي
10-ما قدمه الاسلام الحكمة وليس الفلسفة
11-كلمة الفصل في الفلسفة اليونانية

ص 48
ان نظرة واحدة الي اصول الفلسفة اليونانية تحكم حكما جازما بان هناك تعارضا عكيقا في الجذور الاساسية لكلا الفكرين الاسلامي والهليني
الفصل الاول
اصول الفلسفة اليونانية
ماذا كان مفهوم اليونان للكون والطبيعة الذي شكل فلسفتهم
لا ريب ان استعراض مفهوم اليونان الذي شكل فلسفتهم يكشف في وضوح عن الفوارق البعيدة بينه وبين مفاهيم الاسلام مما يصل الي درجة التباين والتغابر
اولا:كانوا يعتقدون يعتقدون بوجود الهة متعددة تسكل فوق السحاب وعلي قمم جبل الاولمب في اليونان وكان اله مختصا بنوع من الظواهر الكونية فالشمس وشروقها ومسيرها نحو المغيب من فعل الاله ابولو وهطول المطر من فعل الاله جوبيتر
وهناك الهة للحب والجمال والحكمة والحرب وهذه الاله لا تتورع عن الشروالحسد والغيرة والصراع علي ملذات الحياة وكان جوبيتر اله الاله يستخدم سلطته في سبيل اهوائه وكان ينتحل صور الاله الاخري لكي يخدع فريسته ويجرها للوقوع في الفخ وقد اقاموا لهذه الاله هياكل وتاماثيل
والاله عند ارسطو هو المحرك الذي لا يتحرك وهو عقل محض
ثانيا: كان الفكر اليوناني فكرا نظريا شكليا قائما علي التامل الذهبي الخالص وقد وقف عند حدود المنطق القياسي الشكلي

ص 50
ثالثا:يرتكز المثل الاعلي اليوناني علي ان الانسان هو مقياس كل شي في هذا العالم ومن هنا كانت عبادة الفرد وعبادة الاجساد ومن هنا توجهت عنايتهم الي الاعجاب بالجسم الانساني والاحتفال بالاجاسد العارية واعطوا الالهه هذا الجسم وقامت مفاهيمهم علي تمجيد وتاليه الجمال الجسدي
رابعا:ايمان الفلسفة اليونانية بالعقل وحده حتي لقد ذهبت الفلسفة الاغريقية في تقديس العقل الي حد تكذيب ما لا يتفق معه ولو ايده الحس فالمنطق اصدق من الواقع (1)
خامسا: دعا افلاطون الي مشاعية النساء فقال في جمهوريته :"يجب ان يكون النساء بلا استثناء ازواجا مشاعا لاولئكالحكام فلا يخص احد نفسه باحداهن وكذلك الاولاد يكونون مشاعا فلا يعرف والد ولده ولا ولد والده"
سادسا:اقرار المجتمع العبودي الذي يقوم علي طبقة السادة وطبقة العبيد مع التفرقة الواضحة بينهما ومع استحالة ارتقاء احد من العبيد لاي طبقة السادة وقد حبذ ارسطو في كتابه نظام الاثينيين الرق ودافع عنه ودعا اليه واكد انه لا سبيل الي ملاشاته
سابعا: اقرار الحرية الجنسية وخاصة ما يتصل بالشذوذ الجنسي واحتقار جسد المراة واعلاء جسد الرجل وقد كانت دعوة سقراط التي قتل من اجلها خي تحرير هذا المفهوم الذي ترك ظله العميق علي الحضارتين اليونانية والرومانية فقد استولي الشذوذ الجنسي علي الحضارة الاغريقية كلها مئات السنين ولم يكن يستنكره احد وكان سقراط يري ان المراة هي حس
هامش ص 50
(1)راجع عبد الرحمن مرحبا
انتهي الهامش

ص 51
فقط وجنس فقط وقد استبعدها من دنيا الحياة العلقية
ولا شك ان هذه المقاهيم جميعا تتعارض مع مفاهيم الاسلام الذي تشكل عليها منذ اليوم الاول لظهور جعوته واستكمل شريعته قبل التحاق الرسول بالرفيق الاعلي كما استكمل منهجه قبل الاتصال بالفلسفة اليوناينة
ومن هنا كان ذلك الجهاد العجيب الذي واجه الفكر الاسلامي به مقررات الفلسفة اليوناينة حتي اولئك الذين حاولوا صياغة الفكر اليوناني داخل اطار الاسلام فقد كانت محاولتهم واضحة الاضطراب والقسر والتاويل وانها لم تجد سبيلا صحيحا للالتقاء بين فكرين هما ضدان علي الارجح في المقررات الاساسية التي تتصل بالتوحيد والاله وبالمثل الاعلي وبالمجتمع والنظرة الي المراة وقضايا الحس والنظرة الي العقل
ولا شك ان(1) الفلسفة اليونانية تعبر تعبيرا دقيقا عن المجتمع اليوناني العبودي وانقاسمه الي سادة يتاملون وعبيد يعملون السادة هم الصورة والعبيد هم المادة وعلي راس هؤلاء اله يحرك ولكنه لا يتحرك فالفكر الاسلامي لم يقر النظرة اليونانية نظرة التامل والمنطق القياسي الشكلي ولكنه بحكم دعوة القران الكريم الي النظر في الكون جاوز المسلمين هذه المرحلة الي التجريب العلمي من خلال التطبيق والتشريح ومن هنا اتجه العلماء المسلمون الس اكتشاف الاحماض والممارسة العلمية
وكان ذلك خروجا وتجاوزا عن الفلسفة اليونانية ومفهوم ارسطو ومن هنا اهتدي المسلمون الي المنهج التجريبي الاسلامي وبالاضافة الي هذا فقد شكل الاسلام مجتمعا موحدا معارضا تمام المعارضة في مفاهيمه وتشكليه لنظرية المجتمع العبودي اليوناني وذاا كانت الفلسفة هي نتاج المجتمع فانه
هامش ص 51
(1)الدكتور سامي النشار
انتهي الهامش

ص 52
من الاستحالة ان يتقبل هذا المجتمع القائم علي الاخاء والمساواة مفهوم الفلسفة اليوناينة ومنطقها العبودي
ومن هنا رسمت مقررات الفكر الاسلامي فلسفة اخري تختلف في مقاييسها ومنطقها عن الفلسفة اليونانية العبودية
وفي مجال العقادئ كان الاختلاف اشد عمقا ووضوحا فالاسلام اقام مفهوم التوحيد الخالص الذي لا يعترف بتعدد الهه ولا بالثنائية او التثليث او اعلاء شان الابطال ورفهم الي مصاف الالهة او انصاف الاله وله في البطولة مفهوم واضح (1)
اما الانسان في الفكر الاسلامي فهو اعظم المخلوقات حقا ولكنه قائم تحت حكم الله فهو ليس السيد المطلق ولكنه سيد الكائنات فحسب ولذلك فهو عابد وليس معبودا واعماله هي مصدر تقديره والحكم عليه ليس لونه او شكله او جسمه وقد ارتفع الاسلام عن عبادة غير الله وعلا عن عبادة البطولة او الاجساد وحرر الانسان من الوثنية والاباحة جميعا فرفض مشاعية النساء وحطم الشذوذ الجنسي واعطي العقل مكانه الصحيح جناحا من اجنحة المعرفة وليس كل شيء واكمل وجوده بالوحي والبصيرة
وبعد فاذا كانت اصول الفلسفة اليونانية تكشف عن التابين الواضح بينها وبين مفاهيم الاسلام فان امرا اخر هو اشد خطرا ذلك هو زيف الترجمة نفسها وما اتصل بها من محاذير
هامش ص 52
(1)راجع كتابنا (الشبهات والاخطاء الشائعة)
انتهي الهامش

ص 53
الفصل الثاني
محاذير الترجمة واخطارها
اولا:حركة الترجمة:
كان هدف حركة الترجمة اسلاميا اصيلا، ولكنه انحرف في المرحلة الثانية.فقد كان الغرض اساسا هو :استقصاء التراث العلمي للامم القديمة.ولذلك فقد عمدوا الي الفلسفات الطبيعية والرياضية،واعرضوا عن نقل:
(1)-الاثار الدينية
(2)-الملاحم والاساطير والتاريخ والفنون
ولذلك فقد رفض العلماء المسلمون ثنائية ارسطو،واعرضوا عن مفهوم قدم العالم،وجري علمهم اساس في اطار التوحيد الذي هو المنطلق الاساسي للفكر الاسلامي ،وكانت فكرة التاهب والحرص واضحة منذ اللحظة الاولي في القدرة غعلي مواجهة كل ما يتعارض مع اصول الفكر الاسلامي
وكشفت اللغة العربية عن اقتدار بعيد المدي في استيعاب هذه العلوم،وتمخضت عن مصطلحات اصيلة. وكانت نظرتهم العلمية الواضحة هي الاعراض عن كل ما يتصل باعقائدد والادب والفن،والاقتصاد علي ترجمة العلوم وحدها. فالاداب اليونانية كانت تقوم علي الاساطير والخرافات،وهي مبنية علي الالحاد والاباحية مما كان يستخجنه الذوق العربي،ولا يقبله.ولذلك اعرض علماء المسلمون عن ترجمة هذه الفنون.
اما في الموجة الاخيرة فقد ترجمت هذه الوان المتصلة بالعقائد والاداب والفنون من الفلسفة اليونانية والفلسفة الغربية الحديثة علي السواء،دون تقدير

ص 54
لاثرها ومع احتجاب العلوم التي كانت الولي بالترجمة
ومن هنا فالمعروف ان الالهيات والاخلاق لم تترجم الا في ايام المامون،وان حركة الترجمة منذ خلافة اي جعف المنصور حتي وفاة هارون الرشيد (136-193) كانت مقصورة في الاغلب علي الكتب الطبيعية والمنطق والهندسة،اما في ايام المامون فقد بدات مرحلة الخطر التي تجاوزت المنهج الذي كان مرسوما لحركة الترجمة.ومن هنا ترجمت الهيات اليونان، وعقائد الفرس،وافكار الصوفية الهندية،وبدات تظهر هذه المحاولة الخطيرة التي تبناها المامون في اخر ايامه،وهي فتنة خلق القران.
ثانيا:اخطاء الترجمة
ولقد تأيد نتيجة المراجعات الكثيرة ان الفلسفة اليونانية التي نقلت الي العربية،قد قام بترجمتها النساطرة الذين استعانوا بها في تأييد المسييحة ،وانها ليست هي الفلسفة اليونانية الاصيلة ،وانما هي فلسفة لعبت بها النصرانية،وعبثت حتي شوهتها،وبعدت بها عن اصلها اليوناني.وقد اثبت ذلك اسمعايل مظهر فيك تابه(تاريخ الفكر العربي)حيث اقل:ان النساطرة من النصاري لما اضطهدهم قياصرة الروم انتشروا في قلب اسيا ،وبلاد العرب ينشرون المسيحية بين اهلها،وبخاصة مذهبهم في طبيعة المسيح الذي اضطهدوا من اجله .وقد وجدوا في فلسفة ارسطوا اكبر نصير لهم،وقد كشف الجاحظ عن هذا المنحني الخطير ،واشار الي ما احدثه النساطرة من تحويل الفلسفة اليونانية الي ملتهم،كما شهد بذلك الامام ابو الحسن علي المسعودي صاحب كتاب "مروج الذهب" حين قال"لم تزل العلوم قائمة السوق قوية المعالم،حتي ان تظاهرت ديانة النصرانية في الروم فعفوا معالم الحكمة،وازالوا رسمها،وطمسزوا ما كانت ابانته وغيروا ما كانت القدماء اوضحته.

ص 55
كما ذكر محمد بن اسحقا (ابن النديم) في كتابه (الفهرست) ان الفلسفة كانت ظاهرة في اليونان والروم قبل شريعة المسيح فلما انتصرت الروم منعوا بعضها واحرقوا بعضها وخربوا البعض ومنعوا الناس من الكلام في شيء من الفلسفة
ومعني هذا ان العرب والمسلمين لم يخدعوا بتزوير تراجمة النصاري للفلسفة اليوانية الا ما كان من اوليائها:كالفارابي وابن سينا.هؤلاء هم الذين بذلوا جهدهم في نشرها بين المسلين فلم ينخدع بهم احد من جمهور المسلين،وكانوا بين فئتين:فئة رفضتها جملة(الالهيات والطبيعيات-والرياضيات) وفئة قبلت الصحيح مكن علومها الطبيعية والرياضية،ورفضت اللهيات التي شوهها النساطرة.
وقد اشار (باول كراوس) الي ان حنين بن اسحاق ترجم افلاطون الي اللغة السريانية،وقام تلميذه عيسي بن يحي بالترجمة الي العربية من غير ان يستطيع الرجوع الي الاصل اليواني.اذ كان لا يعرف اليونانية وفي بعض المواضع لم يفهم النص السرياني الصحيح الذي كان امامه
1-اشار الكثير من الباحثين الي فساد النقل ،واشاروا الي ان "الانتحال" كان يبضاعة رائجة عند القدماء في القرون الوسطي علي السواء واثبتوا ان هناك كتبا نقلت الي العربية باسم افلاطون.وهي ليست له،واخري باسم ارسطو وهي ليست له.ومن الكتب المنسوبة لافلاطون كتاب الروابيع.
ومن المنسوب لارسطو كتب :التفاحة الربوبية-الايضاح=-سر الاسرار
اما كتاب (الربوبي)المرعةف باسم اثولوجيا اؤرسططاليس ،فليس الا مقتطفات من تاسوعات افلوطين ،جمعها مؤلف سرياني قديم.اما كتاب

ص 56
(الإيضاح ) فهو نصوص مقتبسة من كتاب الإلهيات لأفروقلوس (1) و كتاب الربوبية جمعه مؤلف سريانى مجهول , و ترجمه إلى العربية عبد الملك بن ناعم الحمصى المتوفى سنة 220 ه - و أصلح الترجمة فبلسوف العرب الكندى .
" و نجد فى هذا الكتاب مذهب الأفلاطونية الحديثة ممزوجاً بتعاليم الأسكندر الأفروديسى , و قد تلقاه المسلمون على أنه أرسطو . و من ثم فقد حدث لديهم خلط كبير بين مذاهب أرسطو و أفلاطون و أفلوطين بالإضافة الى مذاهب الشراح , و نشأت مشائية إسلامية مزعومة يظن أصحابها أنهم تابعون لأرسطو , و حقيقة الأمر أنهم أتباع الأفلاطونية المحدثة".
و من العجيب أن هذه الكتب المنسوبة لأفلاطون و أرسطو , و هى ليست لهما . كان لها تأثير كبير فى الفكر الإسلامى .
2- و قد وجهت الى بعض التقلة اتهامات خطيرة أبرزها التبشير بأديانهم او الكسب بترجماتهم جريا وراء المال لا حباً بالعلم .
و هناك إجماع بحث على أن " اكثر هؤلاء النقلة لم تكن غايتهم البحث عن الحقيقة ، فهم إذ كان جلهم من النصارى النساطرة أو اليعاقبة . فقد كان شغلهم الشاغل ، و أكبر همهم الدعوة إلى شيعتهم ، و تزيين أهوائهم الدينية . و لذلك يغيرون و يبدلون فى النصوص التى بين أيديهم خدمة لأغراضهم الدينية و عقائدهم المذهبية ، و يتصرفون فيها بالزيادة و الحذف تبعاً لأهوائهم ، و نصرة لمذاهبهم . و قد أكد هذا أكثر من باحث من أولياء الفلسفة اليونانية أنفسهم . و يشيلا الدكتور عبد الرحمن مرحبا ، على ما به إجلال للفلسفة اليونانية إلى
بداية هامش ص 56
(1) من الفلسفة اليونانية - الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا .
(2) راجع بول كراوس - افلوطين عبد الغرب
انتهى الهامش

ص 57
هذا المعنى فيقول بالنص : " إن الترجمة من لغة يونان الى العبرانية . و من العبرانية الى السريا نية . و من السيريانية الى العربية . و قد أخلت بخواص المعانى فى ابداء الحقائق إخلالا لا يخفى على أحد ، كانت الترجمات تكسبا للمال لا حبا بالعلم ، بالإضافة الى استغلال الترجمة فى الدعوة إلى نحلتهم و نصرة مذاهبهم ".
هذا فضلا عما عرف من محاذير الترجمة التى كانت تجرى على ثلاث مراحل من اليونانية الى العبرانية ، ثم من العبرانية الى السيريانية ، ثم من السيريانية الى العربية . و أن هذه الترجمة فى ذاتها لم تكن من الدقة بحيث تؤدى غايتها . بل لقد وصفت فى أغلب المصادر بأنها أخلت بخواص المعانى فى إبدا الحقائق . (1)
و المعروف أن القسم الأول من النقلة كانوا من السريان ، و أن الاقل القليل كانوا من اليهود . و قد نقلوا ما نقلوه ، إما عن التراجم السريانية القديمة أو تلك التلى أصلحها السريان ، و إما عن اللغة اليونانية مباشرة (2).
و هناك رأى آخر يؤكد أن المترجمين السريان لم يكونوا يعرفون اللغة اليونانية القديمة ، بل كانوا يعرفون لغة تجمع بين الفصحى و العامية . و من كان يعرفها لا يصل فى ثقافته إلى التمكن من فهم الفلسفة بلغة أرسطو أو أفلاطون بخاصة و هو أصلا عاجز عن إدراك الفلسفة نفسها .
و يؤكد هذا المعنى ما ذهب إليه الدكتور عمر فروخ الذى اشار الى ان اللغة اليونانية كانت لغة ثانوية فى ثقافة هؤلاء النقلة ، و أن الكتب اليونانية فى الفلسفة خاصة لم تصل إلى العرب على النحو الذى كانت عليه أيام مؤلفيها و إنما وصل إليهم شروح على تلك الكتب ، شروح زاد فيها أصحابها،
بداية هامش ص 57
(1و2) نفس المصدر - مرحبا- من الفلسفة اليونانية
نهاية الهامش

ص 58
و نقّصوا و بدلوا ايضا . فقد أضاف الناقلون أشياءهم جهلا و نقصا.
كما أشار الدكتور عمر فروخ الى أن عملية النقل من اليونانية الى العبرية الى السريانية الى العربية ، زادت التشويه فى تلك النقول اتساعا و خطراً(1).
و يرد الدكتور فروخ اضطراب الترجمة الى أن معظم الناقلين كتنوا نصارى (يعتقبة و نساطرة) و كمذهبهم ان تعصبهم الدينى فوق أمانتهم العلمية ، من أجل هذا كان هؤلاء يحرفون من الأصول التى بين أيديهم ما كان مخالفا فى رأيهم للنصرانية ، ثم كان أهل كل فرقة من النساطرة او اليعاقبة يتصرفون فيما بين أيديهم ، يزيدون و ينقصون فى النصوص ، او يبدلون فيها ميلا مع اهوائهم ، و نصرة لمذهبهم .كذلك كانت معرفة هؤلاء باللغة اليونانية قاصرة ، فوقعوا فى أخطاء لغوية بدلت المعانى قليلا اة كثيرا فوق ما كان تبدل منها عن عمد من قبل ، فترك ذلك غموضا فى عدد من المواضيع.
و لا ريب أن تعدد الوثائق حول هذا المعنى من شأنه يدحض كل شيهة فى وجه القول بأن الفلسفة اليونانية التى وصلت الى المسلمين كانت فلسفة زائفة و أن المترجمين لها كانوا غير أمناء علميا و لم يكونوا على أى قدر من خلق العلماء فهما أو ضميرا.
و يضيف خليل الجر فى كتابه ( منقولات فى العقول السريانية العربية ) بالفرنسية أسبابا أخرى . منها قصور اللغة السريانية عن أداء المعانى اليونانية . لأن خصتئص اللغة اليونانية تختلف ، ثم يقول أن الذين تولوا نقل كتب الفلسفة إلى العربية كانوا فى ذلك كله أشد قصورا ، و انهم كانوا لا
بداية هامش ص 58
(1) عمر فروخ - العرب و الفلسفة اليونانية
نهاية الهامش

ص 59
يملكون نصوصا خاصة لكتب أرسطو بل - على حد قول خليل الجر - نصوصا مشوهة . و من ثم فقد وجد المسلمون أمامهم نصوصا مشوهة من كل جانب و آراء منحولة فى كل باب. قوامها التناقض و التلفيق . و يزيد هذا خطراً أنهم وثقوا فى ترجمة السريان و مترجميهم ، و من هنا فقد وقعوا فى محاذير غاية فى الخطر حملتهم على التأويل لنصوص زائفة حتى فى نسبتها الى أصحابها.
و يشير الدكتور عمر فروخ الى " فلسفة الفارابى " و يصفها بأنها فلسفة المستغلفة الكثيرة التناقض ، و يرد ذلك إلى جهل النقلة السريان باللغة اليونانية أحيانا و قلة أمانتهم فى النقل .
و يقول : إن هؤلاء الناقلين اتخذوا من ثقة العرب فى أئتمانهم على التراث الفلسفى و سيلة للدعوة إلى نصرة مذاهيهم و تزيين أهوائهم الدينية .
و يؤكد الدكتور فروخ : أن أخطاء النقلة السريان ( المقصودة و العفوية ) كانت فى الفلسفة الماورائية خاصة أكثر منها فى العلوم الرياضية و الطبيعية.
3- ظهرت فى مرحلة الترجمة موجة ضخمة من المعارضة فى نقل كتب الفلسفة ، و كان قوام رأيها أن هذه الفلسفة قد ظهر بطلانها بالإسلام قائم على التوحيد و على النظرة العملية.
و قد أكد هؤلاء العلماء الشبهات التى لحقت برواد الترجمة بعد النساطرة أمثال : سرجيس ، و الرهاوى ، و حنين بن إسحاق ، و إسحاق بن حنين ، و متى ابن يونس و يحى بن عدى من أنهم أولوا المترجمات تحريفا لصالح المسيحية .
4- يمكن القول بأن أكبر محاذير الترجمة و أخطارها قد تمثلت فى امور ثلاثة :

ص 60
أولا : الكتب المنحولة
ثانيا : فساد الترجمة فنيا .
ثالثا : تحريف النصوص خدمة لهدف آخر .
و قد أحدث هذا آثار بعيدة المدى ، يمكن ان نتصورها من خلال تجربة الفيلسوف الفارابى الذى وقع فى اضطراب خطير نتيجة واحد من هذه المؤلفات المنحولة ، و هو كتاب أثوليجيا أرسططاليس المعروف بكتاب الربوبية و هو ليس له ، و لكنه منقول من أفلوطين .
ففى كتابه ( الجمع بين رأى الحكيمين : أفلاطون و أرسطو) أورد آراء لارسطو تعارض آراء أخرى له ، نتيجة هذا المصدر ، و كان عليه أن يحاول التوفيق بين الآراء المتعارضة رغما منه ، لأنه لا يعقل أن فيلسوفت كبيرا كأرسطو يناقض نفسه.
يقول الاستاذ محمد على أبو ريان : و الحقيقة ان الفارابى كان يعارض بين نصوص تلقاها من كتاب الحروف (الميتافيزيقا )لأرسطو و نصوص أخرى تلقاها من كتاب ( أثولوجيا أرسططاليس ) و الاولى نصوص حقيقية لأرسطو . أما الثانية فهى ليست له ، و لم يكن الفارابى على علم بذلك ، فأخذ يحتال فى تعسف للتوفيق بين الآراء المتناقضة .
ثم انه كذلك يقرأ لأرسطو نقدا شديدا لنظرية أفلاطون فى المثل ، ثم يجد موافقه منه لهذه النظرية فى كتاب الأثولوجيا المزعوم ، فيحتال للتوفيق بين الرايين على ما بينهما من خلاف شديد .

ص 61
الفصل الثالث
حقيقة دور اليونان
إن محاولة اليونان الإدعاء بانهم ابدعوا فلسفتهم دون أن يتأثروا فيها بأحد قول تنقصه كل الادلة . فقد جاءت حركتهم بعد نزول الأديان و الكتب السماوية ، و كلها تحمل أسباب معرفة ما يهدى الأنسانية الى الحق. و هذه الأديان التى وضعت فى الأرض الحقائق الكبرى للتوحيد و الحق و العدل ، غير أن البشرية لم تلبث أن صارعتها دعوات الإلحاد و الإباحة و الشك ، فانقسمت الى فريقين . و علت دعوات الإلحاد و الإباحة فى مناطق كثيرة من العالم ، و نمت مفاهيمها ، و استخدمت أساليب عديدة فى الدعوة إليها ، و منها إعلاء العقل و إطلاق الحرية .
و القول بان الفلسفة اليونانية فريدة فى بابها قول مردود ، فقد كانت الفلسفات المصرية و البابلية و الآشورية ، قد سبقت إلى مثل ما دعت إليه الفلسفة اليونانية ، و التى ورثت فكر بابل و الفراعنة الذين سبقوها بأكثر من الف و خمسمائة عام . غير أنهم استطاعوا فى ذكاء و مهارة أن يصوغوا هذه المفاهيم فى أساليب جديدة براقة . و قد أنكر كثير من الباحثين دعوى أن اليونان سبقت العالم فى هذا المجال ، فقال جورج سارطون فى كتابه : تاريخ العلم : " من سذاجة الأطفال أن نفترض أن العلم قد بدأ فى بلاد الإغريق . فقد سبقت اليونان آلاف الجهود العلمية فى مصر و فى بلاد بين النهرين و غيرهما من الأقاليم ، و العلم اليونانى كان إحياء أكثر منه اختراعاً . و قد سبق اليونان المصريون و الكلدانيون و الفرس "
و يقول ول ديورانت فى كتابه : " قصة الحضارة . ج 2 ". إن ما ورثه

ص 62
اليونان من حضارات أكثر مما أبدعوه ، و كانوا الوارث المدلل المغترف لذخيرة من الفن و العلم مضى عليها ثلاثة آلاف من السنين ، و قد جاءت الى مدائنهم مع مغانم التجارة و الحرب.
و قد صاغ عبد الرحمن مرحبا بهذا المعنى فى عبارة هى فصل المقال حين قال : أقبل اليونان على أصول حضارة سبقتهم ينهلون منها ما وسعهم ان ينهلوا . إذ لم ينشئوها إنشاءً. و إنما هى وليدة أقطار سابقة مرت بمراحل متعددة من التلاقح و التفاعل و التطور حتى تمخضت عنها تلك الخلاصة .

ص 63
الفصل الرابع
المدرسة الفلسفية الاسلامية
كان هدف المدرسة الفلسفية الإسلامية وضع نظرية تامة للميتافيزيقيا من خلال الربط بين العقل و الدين ، و الفلسفة و الوحى . و قد حرصوا فعلا على جذر التوحيد كأساس لنظريتهم وهى محاولة خرج بها هؤلاء عن مفهوم الإسلام نفسه ، و لكنها عجزت عن أن تحقق شيئاً ، و علت عليها موجات الفكر الإسلامى الاصيل.
و لقد عاودت هذه المحاولة نفسها فى العصر الحديث ، عندما حاول بعض المفكرين دراسة الإسلام من خلال الفلسفة و قد واجهوا نفس المصير.
و ذلك أن هناك منهجاً قرآنيا . قوامه الفطرة ، و منطلقه أسلوب المعرفة الإسلامى الذى يمزج بين العقل و القلب ، و هو المنطلق الوحيد لتكوين مفهوم إسلامى صحيح مختلف الجوانب من عقيدة و شريعة.
و أن أى اسلوب غيره قد يخطو خطوة او خطوتين ، ثم لا يلبث أن يتعثر لأنه مخالفة لطبيعة تركيب الإسلام و منطلقه القرآنى الخالص.
ولقد رفض الفلاسفة المسلمون القدامى ثنائية أرسطو ، و مفهومه فى قدم العالم ، و حاولوا بعد ذلك صهر مفهوم الفلسفة اليونانية داخل إطار توحيد الله ، و تنزيهه عن ملابسة المادة ، و لم يقفوا عند أرسطو وحده . بل حاولوا الربط و التوفيق بينه و بين أفلاطون و أفلوطين و الرواقيين .
و حينما رسم الفارابى مدينته الفاضلة . كان طابع الإسلام واضحا عليها ، و مخالفا كل المخالفة لجمهورية أفلاطون فى أبرز مفاهيمها . مع التحفظ على

ص 64
تبعيته و باطنيته هو و ابن سينا.
و لكن الثمرة التى وصل إليها الفارابى و ابن سينا و الكندى ، كانت ثمرة معطوبة لم تزد على ان تكون شرحا مشوها للمذاهب الفلسفية اليونانية ، مع محاولة التأليف بينها و إدخالها فى إطار التوحيد الذى يضادّها مضادّة كاملة للخلاف الجذرى فى توحيد الله ، و فى الإقرار بالألوهية و النبوة و البعث.
و مهما يكن من إعجاب الفلاسفة الأسلاميين بالفكر الإغريقى ، فأنهم لم يقبلوا كل ما قدمته الفلسفة اليونانية . بل بدلوا فيه ، و عارضوه ، و عارض ابن سينا أفلاطون فى النفس ، و كشف جابر بن حيان و الجاحظ كثيرا من اخطاء أرسطوظ.
بدأت الفلسفة من نظرة المعتزلة ، بالكندى الذى قال بالعدل و التوحيد ، و الكندى يمثل الإنتقال من علم الكلام الى الفلسفة ، ثم جاء الفارابى فحاول الجمع بين أرسطو و أفلاطون من ناحية ، و بين منطلقات الفلسفة اليونانية و توحيد الإسلام من ناحية ، ثم جاؤ ابن سينا فأعلى من شأن الجوانب الأفلاطونية القائمة على الإشراق و غيره.
و لقد خالف الفلاسفة المسلمون الفلسفة اليونانية فى أمور كثيرة ، و فرق الفارابى بين النبى و الفيلسوف . و حين رسم مدينته الفاضلة حعل المنطلق الإسلامى اساسها و عوّل كثيرا على الخليفة ، و خالف جمهورية أفلاطون فى أغلب مفاهيمها. و حرص الفلاسفة المسلمون على توحيد الله و تنزيهه عن المادة ، و اعلائه سبحانه عن الثنائية التى وقع فيعا أرسطو فى المقابلة بين الله و المادة الأزلية.
و جرى الفلاسفة المسلمون شوطا مع بعض وقائع الفلسفة لايونانية . لكنهم

ص 65
حرصوا على التوحيد و التنزيه ، و أكدوا أن الإسلام فى جوهره إقرار لله بالتفرد و الوحدانية و الهيمنة على الكون ، و أقروا النبوة التى يهبها ألله لمن يشاء من عباده. و مع هذه المحاولات كلها ، فإن هذه التجربة بكاملها قد فشلت فشلاً ذريعاً فى أن تربط نفسها بالفكر الإسلامى ، لأنها لم تنطلق أساسا من قيمه و أسسه ، و إنما حاولت المواءمة بين الفلسفة اليونانية و الفكر الإسلامى فصدمتها لبجذور الأساسية الكبرى التى تكشف عن التباين الواضح بين التوحيد و الوثنية .
و فى هذا قول أحد الباحثين : كانت الحضارتان الاسلامية و اليونانية حضارتين مختلفتين تمام الإختلاف . فالأولى دينية موحدة . و الثانية وثنية تقول بتعدد الآلهة .
إ حداهمها صادرة عن عقل إنسانى يتناول قضايا الحياة و الكون و الطييعة . و الثانية صادرة عن كتاب سماوى عظيم وضع للحياة و العقيدة اسساً راسخة . إذن لم تكن وجهة إحداهما هى وجهة الأخرى ، لاختلافهما فى الأصل و النهج و الغايات و الوسائل . فلما التقتا وقع الصدام الذى كان من نتيجته شيوع الإلحاد و الزندقة .
و من هنا بدات المعارضة ، و كانت المعارضة نابعة من أختلاف القيم و المفاهيم . ومن جوهر المجتمع الإسلامى العربى نفسه فى تشكيله القائم على المساواة و رفع قيود العبودية التى فرضتها الامبراطورية الرومانية ، و اقرتها فلسفتها فى أصولها ، و دافع عنها أفلاطون و أرسطو . و من هنا بدأ يظهر للمسلمين قصور مذهب أرسطو الشكلى . و بان عواره فى أنه لم يهتم بالتجربة. أما المسلمون فكان منطلق فكرهم العمل و التجربة ، و فرق بين المنهج النظرى التأملى ، و منهج العمل و التجربة. و من شمول الإسلام و تكامله أنه قرر ألتأمل و التجربة معاً . و أنكر التفرقة

ص66
بينهما. كما ربط بين العقل والوحي معاً وأنكر فصلهما. ومن هنا انطلق تياران: تيار المواجهة للفلسفة اليونانية. وتيار بناء المنهج العلمي التجريبي.
أما تيار المواجهة للفلسفة اليونانية فقد حمل لواءه: ابن حنبل والشافعي والأشعري، ثم ابن حزم والغزالي وابن تيمية. ثم ابن خلدون من بعد. وكانت المعارضة تلتمس منهج القرآن كأساس ومصدر.
وترى أن منهج القرآن دعوة للعقل والقلب معاً. وأن الفلسفة اليونانية تأليه للعقل، مع قصوره عن الفهم إلا في دائرة محدودة.
أما منطلق المنهج العلمي فقد بدأه الشافعي بعلم الأصول. ورسم المسلمون بعد ذلك منهج المعرفة الإسلامي، وفي مقدمتهم ابن حزم. ثم اتجه المسلمون إلى المنهج التجريبي الذي برز في أعمال البيروني، وجابر بن حيان.
يقول الدكتور النشار: هذا الاتجاه إلى الكم والتجربة، كان خروجاً مباشراً على مفهوم أساسي من منطق أرسطو هو التعريف. فقد خرج المفكرون المسلمون عن المفهوم الأرسطي للحد والتعريف، وخاصة رجال الأصول والفقه، وانتهوا إلى نظرة جديدة للتعريف تقربه إلى حركة الواقع.
ونقد ابن خلدون قياس أرسطو وقال: إن الأقيسة المنطقية أحكام ذهنية – وكشف المسلمون الرابطة العلمية بين الأشياء كأساس للمعرفة العقلية. وعن طريق الرابطة العلمية بين الأشياء تقام التجارب وتتحقق النظرة الموضوعية إلى الظواهر الطبيعية، والاجتماعية على السواء.
وعلى أساس رابطة العلة فسّر ابن خلدون حركة التاريخ وتطور العلاقات البشرية، وعلى هذه الرابطة العملية أقام البيروني والرازي وجابر بن حيان وابن سينا تجاربهم.
هذا المنهج التجريبي القائم على التوحيد بين النظر والعمل هو فلسفة

ص67
الإسلام الحقيقية، وبهذه النظرة للكون والإنسان، اختلف الفكر الإسلامي اختلافاً كبيراً عن الفكر اليوناني المترجم وتناقض معه.
وبعد فإذا كانت الفلسفة الإسلامية المتابعة للهلينية اليونانية قد سقطت. فإن أعمال الفارابي وابن سينا في مجال العلوم الطبيعية والكيميائية والطب ما تزال حية تشهد لهم على المنطق الأصيل للفكر الإسلامي، وما يزال ابن رشد القاضي والفقيه قائماً على خلاف ابن رشد المتأثر بالفلسفة اليونانية.

ص68
الفصل الخامس
مواجهة الفلسفة اليونانية
إن الفكر الإسلامي بطبيعته الخاصة، وتشكيله المفرد، وذاتيته الخالصة القائمة على التوحيد، والرابطة بين العقل والوحي، كان متفتحاً أمام الفكر البشري كله، ولكنه كان قادراً في نفس الوقت على التماسك دون الانصهار في أي بوتقة، ومن هنا كان موقفه من الفلسفة اليونانية، واستحالته على التبعية أو الاحتواء فيها، وهي تتعارض مع مقرراته الأساسية، سواء في أصلها الوثني أو مجتمعها العبودي، أو إعلاء العقل، أو عبادة الجسد. هذا فضلاً عن أن الفلسفة التي ترجمت لم تكن هي الفلسفة اليونانية، فقد أصابها محاذير كثيرة نتيجة فساد الترجمة، وانتحال الكتب، وتحريف النصوص خدمة لهدف التراجمة السريان.
ومن هنا فقد قامت المعارضة لها منذ اليوم الأول، وامتدت من خلال مختلف دوائر الفكر الإسلامي، خاصة بعد ان عجزت مدرسة الفلسفة الإسلامية عن أن تحقق شيئاً، واتسع نطاقها حتى أصبحت تمثل ضمير الفكر الإسلامي كله، وانعزلت الفلسفة، ومعها دعاوى إطلاق العقل كالمعتزلة وغيرهم.
وكانت هذه المعارضة مقدمة للشجب الكامل للمفاهيم الفلسفية اليونانية التي تتعارض مع أصول الإسلام، وخاصة التوحيد والنبوة والأخلاق، وتتعارض مع بناء المجتمع الإسلامي نفسه القائم على الأخوة. بينما قام المجتمع اليوناني الروماني على العبودية.

ص69
بدأ النزاع بين الإسلام والفلسفة اليونانية منذ اللحظات الأولى لحركة الترجمة، ولم تخمد جذوته إلا بعد أن بلغ أوجه بمنهج ابن تيمية في الكشف عن منطق القرآن، ومروراً بموقف الغزالي في مواجهة الإلهيات اليونانية – وموقف الإمامين الشافعي وابن حنبل من قبل.
يقول الدكتور النشار: لما جاء منطق أرسطو أكبر معبر عن روح اليونان لفظه المسلمون، ووصل الأمر إلى تكفير من يشتغل به، ولم يكن هذا الإعلان ناشئاً عن ضيق أفق أو تزمت مذهبي. وإنما كان إعلاناً صادراً عن روح الحضارة الإسلامية، وروح القرآن الإلهي الذي دعا إلى وضع منهج ومنطق مختلف في كل خصائصه عن منطق ارسطو روح الحضارة اليونانية – كما عمد الأصوليون من مدرسة الإمام الشافعي إلى نقض أصول منطق أرسطو.
(1) موقف الإمام أحمد بن حنبل
وكان موقف الإمام أحمد بن حنبل هو الصدمة الأولى التي واجهت الفكر الإسلامي نتيجة غلبة منطق اليونان في مجال العقائد، عندما اندفع المعتزلة إلى إعلاء العقل على النحو الذي دعا إليه الإغريق غير حاسبين حساباً للخلاف الجذري الواضح بين منهج الإسلام الجامع بين العقل والوحي، ومنهج الهلينية القائم على العقل وحده حتى إنه لينكر الحس في سبيل إعلاء المنطق الشكلي.
فلقد صمد الإمام أحمد بن حنبل ستة عشر عاماً في وجه صيحة "خلق القرآن" خلال خلافة المأمون والمعتصم والواثق حتى انجابت عن الفكر الإسلامي هذه الدعوة وانحسر خطرها، وعاد المسلمون مرة أخرى إلى مفهوم السنة، وكانت صلابة الإمام أحمد بن حنبل في مواجهة هذا التحدي مثلاً عالياً للصمود، فقد رفض قبول هذا "المنطلق" الذي لا يستمد مصدره من الإسلام، ولا من القرآن، وكانت كلمته الحاسمة: "القرآن كلام الله" فإذا جادلوه قال: اعطوني شيئاً من كتاب الله وسنة رسوله. وقبل في سبيل ذلك

ص70
السجن والتعذيب والهوان، ووقف وحده بعد أن أقر العلماء والمشايخ والفقهاء بما فرضه المأمون، وكان معه ثلاثة تصدع اثنان منهم، ومات الثالث ... وتركز التحدي كله في الإمام أحمد بن حنبل الذي صمد صموداً عجيباً. ووقف سداً منيعاً في محاولة إخراج هذه الأمة عن مقررات فكرها وطبيعته وفطريته إلى التفكير الفلسفي، وبذلك حسم الإمام أحمد بن حنبل موقفاً خطيراً، واتجاهاً كان له ما بعده لو أنه هدم، وقد اعترف معاصرو ابن حنبل بأن صموده في الدفاع عن منهج القرآن الكريم إزاء مفاهيم الفلسفة اليونانية كان عظيماً، وأنه سد ثلمة كبرى كادت تحدث في الإسلام (1)
(2) موقف الإمام الشافعي
ويجيء موقف الإمام الشافعي تابعاً ومكملاً لموقف "ابن حنبل" ويمكن القول إن الإمام الشافعي وضع لبنة ضخمة حين حقق المعنى الكبير الذي ربط اللغة العربية بالإسلام في مواجهة فكر الفلسفة في اللغة اليونانية. وحين كشف عن أن منطق أرسطو هو منطق اليونان. بينما علم الأصول الذي أقامه هو منطق الفكر الإسلامي ومنطلقه. وكان بذلك راسم أول خطوة لمنهج الإسلام العلمي وللمنهج العلمي التجريبي.
(3) موقف الإمام الغزالي
عندما واجه الغزالي الفلسفة: أقر مفاهيم الفلسفات الرياضية والطبيعية، ولم يعترض إلا على الفلسفة الإلهية. وقد حارب الغزالي الفلسفة الإلهية، لأنها من وجهة نظر الإسلام أخطأت في ثلاث مسائل:
(أولاً): القول بقدم العالم.
هامش ص70
(1) أبو الحسن الندوي: رجال الدعوة والفكر.

ص71
(ثانياً): القول بأن الله لا يحيط علماً بالجزئيات، ولا يعلم إلا الكليات.
(ثالثا)ً: إنكارهم بعث الأجساد.
أما الفلسفة الرياضية فقد أشار الغزالي إلى أنها تتعلق بعلوم الحساب والهندسة. وعلم هيئة العالم "وليس يتعلق شيء منها بأمور الدين نفياً أو إثباتاً. بل هي أمور برهانية، ولا سبيل إلى مجاحدتها بعد فهمها ومعرفتها" (1) وهنا يبدو أن رأي الغزالي في معارضة الفلسفة ليس على إطلاقه، وإنما هو قد فرق تفريقاً واضحاً بين الإلهيات والطبيعيات.
وقد عارض الغزالي ما يصطدم بالشرع، وركز هجومه على الفلاسفة الذين "جحدوا الصانع وزعموا أن العالم لم يزل موجوداً، وقالوا بقدم الأنواع الحيوانية" وهم الدهرية والزنادقة. وأنكروا الآخرة والثواب والعقاب. وعارض الغزالي مغالاة من أنكروا علوم الرياضيات، وما بني عليها من الظواهر الفلكية. وقال إن الطبيعيات ليس من شرط الدين إنكارها إلا في مسائل ذكرها:
يجب أن يعلم الإنسان أن الطبيعة كلها مسخرة لله، لا شيء منها يفعل بذاته عن ذاته. وأن التلازم بين الأسباب والمسببات غير حتمي بحيث يمكنه خرق مجرى الطبيعة وقوانينها بإرادة الله التي أوجدها. ويمكن حصول المعجزات. أما الفلسفة الإلهية فقد عارضها معارضة واضحة. إذ إن فيها أكثر أغاليط الفلاسفة، ولم يقدروا منها على الوفاء بالشروط التي اشترطوها في المنطق. والغلط في عشرين مسألة. وقد أشار في كتابه: تهافت الفلاسفة إلى أنه لا يريد إلا هدم الفلسفة الإلهية وإظهار ما فيها من تناقض وعجز وتلبيس،
هامش ص71
(1) المنقذ من الضلال.


ص72
" ويريد (1) لإظهار فساد مذاهب الفلاسفة، وقصور أدلتهم أن يقرر قلة بضاعة العقل في معرفة مسائل الربوبية، وذلك ليمهد نفوس الناس إلى الإقبال على الدين" ويرى الغزالي أن للتجربة شأناً كبيراً، وان أدلة العقل وحدها لا تكفي لإثبات نبوة الأنبياء.
وقد أكد الامام الغزالي بين منهج القرآن ومنهج أهل الكلام حين أشار إلى القرآن كالماء، وعلم الكلام كالدواء (2). وقال إن على المسلمين أن يكتفوا بالحجج المأخوذة من القرآن. وقد جمع الغزالي في كتابه (جواهر القرآن) ما يناهز خمسمائة آية تختص بمعرفة الخالق، وبه يعرف العامة عظمة الله وعزته، وليس بحجج المتكلمين. وقال: إن مقدمات المتكلمين وتقسيماتهم وحججهم المعقدة إنما تحدث اضطراباً في القلوب الهادئة عوضاً عن أن تقنعها، أما البراهين المأخوذة رأساً من القرآن الكريم فتقنع عقولهم، وتسكن أرواحهم، وتربي فيهم إيماناً راسخاً. ومنطلق الإمام الغزالي في هذا هو حديث الرسول: "كل مولود يولد على الفطرة".
(4) موقف الإمام ابن تيمية
إن موقف ابن تيمية يمثل خطوة أوسع مدى، وإضافة أكبر من موقف الغزالي. فقد كشف ابن تيمية عن أن للفكر الإسلامي منطق خاص مستمد من القرآن والسنة يختلف عن منطق أرسطو والفلسفة اليونانية، ويسمى المنطق الإسلامي، "هذا المنطق الذي كان فيه غنى للمسلمين عن العقلية الغربية في الحكم على الأشياء وفي الاستبصار والتأمل الفلسفي. وقد استخلص هذا "المنطق الإسلامي" من القرآن الكريم بحيث أغنى المسلمين في قضايا الفكر
هامش ص72
(1) رجال الدعوة والفكر – أبو الحسن الندوي.
(2) راجع النص في مكان آخر.

ص73
والحكم الصحيح عن المنطق اليوناني وعن أقيسته وأساليبه ومسمياته، وتطبيقاته.
وعنده أن ما عند أهل الكلام والفلسفة من الدلائل العقلية الإلهية قد جاء القرآن بما فيها من الحق، وما هو أكمل وأبلغ منها على أحسن وجه منزه عن الأغاليط الموجودة عند هؤلاء.
يقول الدكتور النشار: "إن ابن تيمية يستند الى روح إسلامية خالصة، من حيث استطاع أن يلتمس في منطق أرسطو خصائص العقلية اليونانية التي تباين الفكر الإسلامي تماماً.
وقد أشار ابن تيمية إلى أن المسلمين لم يقبلوا المنطق الارسطي منذ اليوم الأول، وعلل ذلك تعليلاً دقيقاً حين قال: وما زال نظار المدارس يعيبون طريقة أهل المنطق، ويثبتون ما فيها من العي واللكنة، وقصور العقل، وعجز المنطق، ويثبتون أنها إلى فساد المنطق العقلي واللساني أقرب منها إلى تقويم ذلك، ووضعوا بجانب هذا منطقاً مخالفاً للمنطق الأرسطي.
(5) مواقف أخرى
وقد تتابعت مواقف علماء المسلمين، ففي القرن التاسع كتب محمد بن إبراهيم الوزير الحسني اليمني الصنعاني كتابه: (ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان) الذي دحض شبهات الباطنية والشعوبية في عصره. يقول في مقدمة كتابه: "نبغ في هذا الزمان من عادى علوم القرآن، وفارق فريق القرآن، وصنف في التحذير من الاعتماد على ما فيه من التبيان في معرفة الديان، وأصول قواعد الأديان، وحث على الرجوع في ذلك إلى معرفة قوانين المبتدعة واليونان، منتقصاً لمن اكتفى بما في معجز التنزيل من البرهان" ثم فصل القول في مختلف هذه الشبهات وخاصة "في بطلان ما ادعاه من قصور القرآن عن الوفاء بالدلالة على الربوبية والتوحيد والنبوات".

ص74
وقفت هذه المدرسة في مواجهة (الكندي – والفارابي – وابن سينا) في المشرق. فلما أعاد ابن رشد فلسفة أرسطو وأحياها في المغرب تصدى له ابن خلدون من المغرب أيضاً فهاجم الفلسفة اليونانية، وجرى مجرى الغزالي وابن تيمية معاً.
سقوط الإعتزال
ولقد كان الاعتزال أبرز منطلقات الفلسفة اليونانية. بدأ من أصالة الإسلام، ثم انحرف عنها، ثم جاء أحمد بن حنبل، ثم الأشعري من مصححي مسار الفكر الإسلامي.
ويمكن القول تاريخياً بأن الاعتزال سبق الفلسفة، وأنه الخطوة الأولى للفلاسفة المسلمين. فقد استعان المعتزلة بالفلسفة اليونانية في سبيل دعوتهم ودفاعهم عن الإسلام، وجرى علماء الكلام على نفس المنهج. ومن الحق أن يقال إن دعوة المدافعين عن التوحيد في مواجهة الأديان الأخرى (معتزلة ومتكلمين) قد بدأت قبل الاتصال بالفلسفة اليونانية واستهدفت الدفاع عن الإسلام بأسلوب العقل، وقياس المسلمين المعروف، في مواجهة القوى المسلحة بالفلسفة اليونانية، ومنطق أرسطو من المسيحيين واليهود.
وقد كشفت الدراسات من بعد، عن أن الاعتزال والكلام يمثلان منهجاً مؤقتاً، احتاج إليه المسلمون في فترة معينة من تاريخهم، ثم لم يعد له بعدها ما يبرره، غير أن دعاة الاعتزال بلغوا غاية الشوط، وخرجوا عن غايتهم حين وصلوا إلى فرض نفوذ معين على الفكر الإسلامي كله عن طريق الدولة على النحو الذي وقع بالدعوة إلى خلق القرآن وامتحان الناس بها
ذلك ان منهج الكلام هو في حقيقته منهج مؤقت مرحلي، ظهرت الدعوة إليه في مواجهة خطر ماثل، ثم انتهت مهمته. ومن هنا كان بقاؤه واتساعه

ص75
وبلوغه إلى المراحل التي وصل إليها من بعد، من المحاذير التي وقع فيها رجاله الى معارضة وشجب كاملين من المصلحين أمثال ابن حزم وابن تيمية والغزالي.
والمعتزلة فرقة من فرق الكلام. قامت في المرحلة الأولى بجهد واضح، ثم لم تلبث أن انحرفت عن مفاهيمها عندما أعلت من شأن العقل إعلاء اليونان له في غفلة عن فهم جوهر المنهج الإسلامي للمعرفة، الجامع بين العقل والوحي معاً. ومن هنا كان انحراف الاعتزال الذي صادر حرية الرأي، وبلغ ذروته في معركة الإمام أحمد بن حنبل حين رفض مصطلح "خلق القرآن".
ولقد لاحظ الدارسون للاعتزال والمعتزلة ذلك الانحراف، وشجبه أكثر كتاب العصر الحديث فقال أحمد أمين (1): إن نقطة الضعف فيهم – أي في المعتزلة أنهم أسرفوا في تمجيد العقل والإيمان بقوته واقتداره، (فقد) رأى المعتزلة أن العقل البشرى قد منح من السلطة والسعة ما يمكنه من إقامة البرهان حتى على ما يتعلق بالله، فلا حدود للعقل إلا براهينه، والرأي أن العقل أضعف من ذلك، وأن استطاعته محدودة بإدراك ما يتعلق بشأنه هو، وأنه منح القدرة على أن يدرك البرهان على وجود الله والنبوة العامة ونبوة محمد خاصة، ولم يمنح القدرة على كنه الله وصفاته.
"ولعل نقطة الضعف فيهم – أي في المعتزلة – أنهم أفرطوا في قياس الغائب على الشاهد، أعني في قياس الله على الإنسان، وإخضاع الله تعالى لقوانين هذا العالم، وقد ألزموا الله مثلا بالعدل كما يتصوره الإنسان – وكما هو تظلم دنيوي، وفاتهم أه معنى العدل – حتى في الدنيا – معنى نسبي يتغير بتغير الزمان، ونحن في أعمالنا ننظر إلى عالمنا. والله تعالى رب العالمين قد ينظر في
هامش ص75
(1)ضحى الإسلام ج3 ص39 وما بعدها.

ص 76
أعماله إلى جميع العالم، ما نعلم منها وما لا نعلم، فكيف نخضع الله لتصور العدل الذي نتصوره نحن في عالمنا".
وعند كثير من الباحثين (1) . أن في هذه المحاولة التي تزعمها المعتزلة والتي تقوم على تمجيد العقل وتأليهه، واخضاع النظام الديني بما فيه من عقائد وحقائق له، وعلى قياس الغائب على الشاهد، اتجاهاً خطراً على الإسلام، وفتح باب فساد عظيم في المجتمع الإسلامي.
لقد كان هذا تحويلاً للدين البسيط العملي الذي جاء به الرسول، يستسيغه العقل البشري بكل سهولة إلى فلسفة نظرية دقيقة تعجز من يفهمها.
وأن هذا الاتجاه من المعتزلة كان "تنمية للعقل على حساب العاطفة والوجدان. وإضعافاً للإيمان وإثارة للشكوك والشبهات، وعدم الثقة بما يقوله النبي، ويعجز العقل عن تعليله، وإقامة الدليل على وجوده".
والواقع أن هنا مفرقاً خطيراً: هو محاولة تحويل الإسلام إلى منهج فلسفي عقلي. بينما الإسلام منهج عقلي روحي متكامل قوامه الوحي والعلم معاً. وأن محاولة دراسة الإسلام بمنهج فلسفي من شأنه أن يعجز العامة والبسطاء، وأن يدخل الإسلام في نفس المتاهات التي دخلت فيها الأديان الأخرى، فحرفتها وأخرجتها عن طبيعتها وفطرتها.
وهذا ما وصل إليه أحمد أمين حين قال: "ربما أخذ عليهم _أي على المعتزلة_ أنهم في سيرهم هذا وراء السلطان العقلي قد نقلوا الدين (أي الإسلام) إلى مجموعة من القضايا العقلية والبراهين المنطقية. والدين خلاف الفلسفة، الدين يتطلب شعوراً حياً أكثر مما يتطلب قواعد منطقية. فالدين ليس بالمسائل الرياضية ولا كالنظريات الهندسية يتطلب من العقل حلها، وفي
هامش ص 76
(1) رجال الدعوة والفكر _ أبو الحسن الندوي.
انتهى الهامش

ص 77
ذلك كل العناء، بل الدين أكثر من ذلك يتطلب شعوراً يدعوا إلى العمل، وحرارة إيمان تبعث على التقوي.
ونظام المعتزلة وهو الذي جرى عليه المتكلمون بدورهم _نظام جيد التفكير_ ضعيف الروح، غالي في تقدير العقل وقصر في قيمة العاطفة. أ ه.
وفي المرحلة التالية من النظرة التاريخية، نرى المعتزلة يصلون إلى درجة بالغة الخطر حين يفرضون مذهبهم بسلطة الدولة، ويفرضون نظرية معينة، لم يقررها القرآن والإسلام، كقانون ملزم يمتحن فيه الناس ويجازون بالقتل والتعذيب إذا عارضوه، ويرفعون من أماكنهم، ويزاحون من مناصبهم إذا لم يقرروه.
وهم بذلك قد أشاعوا في العامة شكوكاً وأدخلوهم في متاهات فلسفية خطرة، وكان حمل المأمون الناس على هذه الدعوى من أكبر أخطائه وأخطاء خلفائه، لولا تلك المواجهة الصامدة الجبارة التي وقف دونها أحمد بن حنبل ستة عشر عاماً يتحمل التعذيب والإهانة، حتى انكشفت الغمة، وثبت فساد هذه الدعوى.
وحين بلغ "الاعتزال" هذه المرحلة الخطيرة كان ذلك علامة على انحطاطه وسقوطه، وكان آية ذلك ظهور (أبو الحسن الأشعري) الذي أعاد تصحيح مسار الفكر الإسلامي في هذه الناحية، ورفع من طريقه تأليه العقل، وأعاد التوازن بينه وبين الوحي، وهاجم أخطاء الاعتزال بعد أن أمضى أربعين عاماً من دعاته وأوليائه.
وكان ذلك خطوة ثالثة على نفس طريق الأصالة: أصالة الفكر الإسلامي في مواجهة تحديات تدميره من الداخل، وأبطال هذه الخطوات هم: ابن

ص 78
حنبل ، والشافعي، والأشعري. ثم جاء بعد ذلك ابن حزم، والغزالي، وابن تيمية، وكلهم جروا من منطلق واحد هو: منطلق الفطرة، المتمثلة في بساطة الإسلام وسماحته واستمداده من المنابع الأصيلة، القرآن والسنة، وكانت تلك ضربات صادعة للهينية، والفلسفة اليونانية، ومنطق أرسطو.
ومن ثم تحررت خطط الدفاع عن الإسلام من الاستسلام لمنطق أرسطو، أو لإعلاء العقل، أو فرض أسلوب مجاف للقرآن.

ص 79
الفصل السادس
وجوه التعارض بين الفكر الإسلامي والفلسفة اليونانية
هناك وجوه للتعارض بين الفلسفة اليونانية والفكر الإسلامي يمكن أن توصف بأنها جذرية، لأنها تتصل بصميم الأعمدة الأساسية التي تقوم على الإسلام، وهي التوحيد، والنبوة، وأخلاقية المجتمع الإسلامي ومقوماته.
1- تتركز أبرز وجوه الخلاف في فهم "الله" سبحانه وتعالى وكنهه وفي التواصل إلى هذا الفهم.
فالفلسفة اليونانية التي تعتمد على العقل وحده في الفهم تقف من فهم الله سبحانه وتعالى موقف مضطرباً غامضاً. فالله في تقدير أرسطو (عقلاً صرفاً) ليس له إرادة، وهو يحرك العالم باعتباره معشوقاً لا كقوة فاعلة، وهو عنده يجهل الجزئيات. وهو في محاولته يهدف للوصول إلى هذا الفهم عن طريق بحث الجوهر. ولذلك تخطئ الفلسفة اليونانية في هذا المجال، وتضطرب لأن وسائل العقل القاصرة لا تستطيع أن تصل إلى شئ مقنع.
أما الإسلام فقد أعطى الله سبحانه وتعالى مفهوماً كاملاً واضحاً سمحاً، وأعلى في نفس الوقت قصور العقل الإنساني عن التواصل إلى الماهية والكنه. فقد حدد القرآن موقف المسلمين من أمور (ما بعد الطبيعة) وطلب إليهم عدم الخوض فيما خلفها، ودعاهم إلى ترك بحث الجوهر الذي لا يستطيع العقل أن يصل إليه وحده، ووجههم إلى بحث (الخصائص). ويتمثل هذا في مفهوم الرسول صلى الله عليه وسلم "تفكرو في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله".
2- من أوجه الخلاف الكبرى أيضاً مفهوم المجتمع.
فأفلاطون وأرسطو يرسمان فلسفة لمجتمع عبودي قائم على طبقة السادة

ص 80
القائمة في القمة، ولا تفعل شيئاً غير التأمل والمتعة، وطائفة العبيد، وكل من أفلاطون وأرسطو قد دافعا عن هذا الوضع واستمدا منه مفاهيمهما فأفلاطون في فلسفته في النفس والدولة أقر هذه الحدود وأكدها، فهو حرر الفرد من قيمه الفردية، ليجعل منه أداة مسخرة لخدمة السادة، ويوجه أفلاطون مناهج التربية كلها إلى السادة. أما عامة الناس الذين يعملون في الزراعة فهو لا يعنى بهم، ولا يضع لهم أي منهج، ثم هو يقرر شيوعية الملك والنساء والأولاد. ويقول بالنص "لا يخص أحدهم نفسه بامرأة معينة، بل يجب أن يكون جميع النساء حقاً مشاعاً للحكام، لا يسأثرون بامرأة دون أخرى استئثاراً يجعل منهم أرباب أسر، لا رجال حكم". بل ويذهب إلى أبعد من ذلك، حين يقرر أنه "يجب ألا يعرف والد ولده، ولا مولود والده حتى لا يُبذل جهد في غير مصالح الدولة، ولا تتكون عوطف وميول خارج مصلحة الدولة".
وأرسطو يدافع عن الرقيق والنظام العبودي، وإن كان يؤكد حرية الفرد خلافاً لأفلاطون، فإنه إنما يعني به الفرد من السادة.
ويذهب في تقدير مذهب السادة مذهباً غالياً، فيقول: إن السادة لا يجوز استرقاقهم، لأنهم جمعوا بين الروح العالية والشجاعة. أما العبيد فلا يجوز لهم أن يكونوا سادة، وهم يقومون بالأعمال المنافية للمواطنين الإغريق الأحرار، ويذهب إلى أبعد من ذلك غلوا حين يقول: إن الحر حر رغم ما ينزل به من عسف والعبد عبد رغم ما يحققه من نصر. وعنده أن الناس مقامات ودرجات، وعلى الأعلى أن يسيطر على الأدنى. كما أن على الأدنى أن يخضع للأعلى ويطيعه.
ولا شك أن هذه المفاهيم تتعارض تمام التعارض مع مفهوم الإسلام للمجتمع، ومع دعوته إلى الإخاء والمساواة. ومن تحديده الموقف تحديداً

ص 81
واضحاً أنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى. فضلاً عن دعوته إلى تحرير الرقيق وعتقه بالتعليم والمكاتبة وغيرهما.
وفي هذين الأمرين الكبيرين يبدو التباين الواضح بين مفاهيم الفكر الإسلامي، ومفاهيم الفلسفة اليونانية، وهو تباين جذري لا يدع مجالاً لأي لقاء بعده، لأنه يتصل بالعقيدة والشريعة.
أما مذهب أرسطو الذي أخذ أولياء الفلسفة اليونانية في إعلائه، والمبالغة في مكانته العلمية، فإنه قد تعرض لنقدات كثيرة من الغربيين أنفسهم، حتى أكثر الناس إعجاباً بأرسطو لم ينكروا قصوره.
فالمستشرق هورتن (دائرة المعارف الإسلامية) يؤكد أن أرسطو لم ينجح في وضع نسق شامل للعالم كله منظوراً إليه من خلال صورة ذهنية واحدة، فهو لم يرد جملة العالم إلى مبدأ واحد، إنما هي (اثنينية) يتقابل فيها الهيولي القديم مع الله.
ويقول عبد الرحمن مُرحباً: إن أرسطو ترك في مذهبه نقاطاً كبيرة معلقة دون أن يتصدى لحلها، كما أن في مذهبه نقاطاً غامضة حيناً، ومتعارضة بعضها مع بعض حيناً، وأنه لم يكلف نفسه مؤونة توضيحها ، وإزالة ما فيها من تناقض، وأخيراً فإن مذهب أرسطو معارض للإسلام في كثير من جوانبه، كما أن في الإسلام قضايا كثيرة لا يقرها أرسطو. وفضلاً عن هذا فإن أرسطو لم يخرج في فلسفته إطلاقاً عن وثنية اليونان، وإيمانهم بآلهة كثيرة لكل إله منها منطقة خاصة.
ومن أخطر ما يواجه الفلسفة اليونانية تقديمها المعقول على المحسوس، وعندهم أن المعرفة التي يجئ بها الحس إنما هي ظنية فحسب، أما المعرفة

ص 82
الحقيقية فهي العقل، بينما يرى الإسلام أن العقل جناح من أجنحة المعرفة، وأن الوحي هو الجناح الآخر، وأن كلاهما يكمل الآخر، وأن المعرفة لا تكون صحيحة إلا بهما معاً.
وهناك فوارق أخرى بين الفكر الإسلامي والفلسفة اليونانية أهمها: الفرق العميق بين مفهوم القرآن لوحدة الله وفاعليته، وبين مفهوم الفلسفة اليونانية. فالله في الإسلام خالق كل شئ، وأنه خلق كل شئ من لا شئ. وأوجد العالم من العدم، وأعلن بدء الزمان، وأعلن نهايته.
أما الفلسفة اليونانية فتقول بقدم المادة وعدم فنائها. فضلاً عن أن القرآن لم يترك مفاهيمه مطلقة هائمة. بل وضع أصولها كاملة. ولا شك أن مفاهيم الإسلام في هذه الأمور جميعاً أكثر قبولاً في العقل وأقرب إلى الفطرة.

ص 83
الفصل السابع
منطلق الفكر الإسلامي
إن منطلق الفكر الإسلامي في مجال العلم والحكمة، إنما يمثله كثيرون، ولكنه يتبلور في تجربة الإمام الشافعي وإنشائه "علم أصول الفقه" واعتبار علم الأصول بالنسبة إلى الفقه كاعتبار المنطق بالنسبة إلى الفلسفة،فقد أقام الإمام الشافعي علم الأصول، وهي أول محاولة لوضع فهم أصولي عام يحدد للفقه الطرائق التي يسلكها في استنباط الأحكام.
ونشأت في ظل العمل الرائد مدرسة الأصوليين الإسلاميين الذين كشفوا عن الفوارق البعيدة بين القياس الإسلامي، والقياس اليوناني.
وقد عمل الأصوليون الذين لم يقبلوا المنطلق الارسططاليسي إلى اكتشاف منطق جديد يعارضه. وقد نقد الأصوليون المبادئ الأساسية لمنطق أرسطو (قانون الذاتية وقانون النقيضين) ثم جاء بعد ذلك بأكثر من خمسمائة عام المناطقة المعاصرون في القرن العشرين الذين نقضوا هذه الأصول لمنطق أرسطو بما لا يخرج عما ننقده به الأصوليون المسلمون.
ولا شك أن الإمام الشافعي وضع الحجر الأساس في بناء الفكر الإسلامي (فقد (1) قدم "مباحث الأصول" ) لأول مرة كعلم منسق الأجزاء، له منهج عام، يحدد للفقه الطرائق التي يسلكها لاستنباط الأحكام. وقد صدر الإمام
هامش ص 83
(1) راجع كتابات الدكتور النشار، وجريدة الأخبار شعبان 1391.
انتهى الهامش

ص 84
الشافعي في ذلك المنهج الذي خالف به بصراحة المنهج الارسططاليسي عن فكر الإسلام ذاته، وليس عن اتجاهه الخاص، هذا الفكر الذي لا يتطابق معه أشد التطابق، لا المتكلمون، ولا الفلاسفة ولا المتصوفة، ولكن علم أصول الفقه، والفقهاء وعلى رأس هؤلاء جميعاً الإمام الشافعي.
يقول مصطفى عبد الرازق: إن هذا الاتجاه من الإمام الشافعي هو اتجاه العقل العلمي الذي لا يعني بالجزئيات والفروع. بل يعني بضبط الاستدلالات التفصيلية بأصول تجمعها.
(ولقد دعا ذلك إلى اعتبار الإمام الشافعي في العالم الإسلامي، وفي الدراسات الإسلامية مقابلاً لأرسطو في العلم الهليني والدراسات اليونانية).
(وكان الإمام الشافعي يعرف اليونانية.وقد هاجم المنطق الأرسطي مهامجة شديدة، لا من الجانب السلبي فقط بل إيجابياً بوضع منهجه في الأصول الذي كان أساساً للمنهج الاستقرائي والتجريبي الذي تميزت به الثقافة الإسلامية وحضارتها، والذي لولاه لسقط العلم في العالم الإسلامي، ولتأخرت نهضة أوروبا العلمية الحديثة).
كان الإمام الشافعي يرى فكر الدين في اللغة العربية، وفكر الفلسفة في اللغة اليونانية، كما يرى أن المنطق الذي يستند إلى اللغة اليونانية مخالف للمنطق الذي كشف عنه علم الأصول، والذي يستند إلى اللغة العربية وخصائصها. ولقد تبين له أن تطبيق منطق اللغة اليونانية على منطق اللغة العربية يؤدي إلى كثير من التناقض. ولذلك هاجم المنطق الأرسطي الذي أخذ به بعض علماء المسلمين كالفارابي، وابن سينا، والغزالي، وابن رشد إلى حد التحريم، وتابعه في ذلك فريق كبير من فقهاء المسلمين وعلى رأسهم ابن تيمية.
ولا ريب أن علم الإمام الشافعي الذي وضع به الأصول هو أساس المنهج

ص 85
العلمي التجريبي في مواجهة المنطق الذي هو أساس المنطق الفلسفي التجريدي. هذا المنهج ملأ طباق الأرض، وأبعد من طباقها حيث تنزل أدوات العلم على القمر.
ولا ريب أن المنهج الاستقرائي العلمي والتجريبي هو المعبر عن طبيعة الإسلام (1). والإسلام في آخر تحليل هو تناسق بين النظر والعمل يقيم نظرية فلسفية في الوجود، ولكنه يرسم أيضاً طريقاً للحياة العملية. وهذا المنهج بما فيه من روح الإسلام ونظرته قد أدخله العرب إلى العالم الأوروبي، وبذلك فإن المسلمين هم مصدر هذه الحضارة القائمة على المنهج التجريبي.
ولا شك أن الومضات الأولى لهذا المنهج العلمي خرجت تلخيصاً لمنهج القرآن الكريم في رسالة الإمام الشافعي الذي هو المخطوط الثاني في القدم بعد مصحف عثمان.
هامش ص 85
(1) الدكتور علي سامي النشار: عن كتابه مناهج البحث عند مفكري الإسلام.
انتهى الهامش

ص86
الفصل الثامن
للمسلمون ميتافيزيقاهم
كان من أكبر ما قدم القرآن الكريم للمسلمين ذلك المنهج الواضح في فهم عالم الغيب "الميتافيزيقا" أو ما وراء المادة، فلم يشغل المسلمون بالجوهر أو الماهية أو الكنه.
كان مفهوم المسلمين المستمد من القرآن الكريم، هو تجاوز البحث عن "الشئ في ذاته" فقد التزم ذلك الصحابة فلم يتحدثوا في المسائل الاعتقادية. ثم جرى مجراهم أئمة الإسلام من بعد.
"فقد تجنبوا الخوض في المسائل الغيبية معلنين أنها مراء في الدين، وأنها أورثت من قبل الأمم السابقة العداوة والبغضاء، ومزقت وحدة أديانهم وتماسكها".
وقد رسم القرآن الكريم للمسلمين ميتافيزيقا كاملة لها ذاتيتها الخاصة، وهي مخالفة كل المخالفة للميتافيزيقا اليونانية، وأبرز مميزاتها أنها "لم تترك للعقل مجالا للاجتهاد في أكثر نواحيها، وحدد معالمها تحديدًا كاملاً، ونهى أشد النهي عن تجاوز تلك المعالم".
وهذا وجه الخلاف بين ميتافيزيقا الإسلام، والفلسفة اليونانية التي هي: بحث مطلق في الوجود من حيث هو وجود. من هنا يبدو اختلاف جذري للطبيعتين: اليونانية والإسلامية: مما يؤكد استحالة القول القائل بالتطابق بين الفكر الإسلامي والفكر الهليني، ومن هنا عد فلاسفة الإسلام الذين ساروا على طريقة اليونان بمثابة امتداد لفلسفة هؤلاء، وأنهم مراكز إسلامية للفلسفة اليونانية القديمة في عالم جديد، عالم لم يعقل فلسفتهم. بل اعتبرها خارجة عليه.

ص87
الفصل التاسع
منهج البحث التجريبي الإسلامي
كان من أكبر وجوه التعارض بين الفلسفة اليونانية والفكر الإسلامي، ذلك الطابع التجريبي الذي دفع القرآن الكريم إليه المسلمين في مواجهة الطبيعة والحياة، بينما كان اليونان يحتقرون التجربة والتجريب.
ولقد كان تحررهم من الدوران في فلك النظريات الخاصة بالكون أكبر معين لهم على الانطلاق نحو إنشاء المنهج العلمي التجريبي. ذلك أن "طبيعة عمل المسلمين الذي رسمه القرآن لهم هو تحقيق الأفعال الإنسانية. وتجنب المسائل الاعتقادية الجدلية.
ولذلك لم يشغل المسلمون بالبحث عن الجوهر أو الماهية أو الكنه، وإنما اتجهوا مباشرة إلى دراسة "الخواص" وعملوا على إدراجها في نسق منهجي متكامل.
ولقد كان منطلق المسلمين العلمي مستمداً أساساً من دعوة القرآن الكريم إلى النظر في الكون، ولذلك فإن المسلمين لم يجدوا (المنطق القياسي اليوناني) القائم على ميتافيزيقاهم معبرا عن مفهوم الإسلام. ومن أجل هذا أزاحوه من طريقهم، واتجهوا إلى بناء مفهوم منبثق من فكرهم القائم على التوحيد، ومن مجتمعهم القائم على الإخاء والعدل، وهو ما أطلق عليه المنهج الاستقرائي أو المنطق التجريبي الإسلامي الذي استند إلى القرآن الكريم والسنة.
ومن هنا تبين زيف ما يردده التغريبيون والمستشرقون من أن المسلمين تابعوا المنهج القياسي في اتجاههم. وقد ثبت ثبوتاً قاطعاً بما حققه الباحثون

ص88
المنصفون، وخاصة مدرسة الأصالة (التي اشتقها مصطفى عبدالرازق، وسار فيها النشار وغيره، أثبتوا إثباتاً قاطعاً عدم قبول مفكري الإسلام للمنطق الأرسططاليسي، ومحاربتهم له ونقدهم لجميع عناصره(1)، فقد تأكد – وهذا هو ما يذهب إليه علماء الغرب أمثال: دراير، وبريفولت وغيرهما من أن المسلمين وضعوا المنهج الاستقرائي كاملاً. وقد نبه العالم التجريبي الأول "روجر بيكون" إلى هذا.
فقد أدرك مفكرو الإسلام تمام الإدراك أنه لابد من وضع منهج في البحث يخالف المنهج اليوناني، حيث إن هذا المنهج الأخير، إنما هو تعبير عن حضارة مخالفة، وتصور حضاري مخالف.
وأهم خصائص المنهج التجريبي الإسلامي:
أولا: إنه منهج إدراكي أو تأملي، وليس نظرة مجردة.
ثانياً: اختلف المنهج الإسلامي عن المنهج اليوناني في كبريات المسائل: وفي مقدمتها الحد، والقضية الكلية، والمنطق الشكلي.
ثالثاً: استخدموا كلمة "القياس" وهي الكلمة التي استعملها أرسطو. ولكن القياس الإسلامي يختلف عن قياس أرسطو تمام الاختلاف "فبينما القياس الأرسططاليسي هو حركة فكرية ينتقل فيها العقل من حكم كلي إلى أحكام جزئية. أو من حكم عام إلى حكم خاص ينتقل قياس المسلمين من حالة جزئية إلى حالة جزئية أخرى لوجود جامع بينهما بواسطة تحقيق علمي دقيق".
"فعلماء المسلمين اعتبروا "القياس": قياس الغائب على الشاهد موصلا إلى اليقين. بينما أرسطو توصل فقط إلى الظن".
هامش ص88
(1) راجع كتاب "مناهج البحث عند مفكري الإسلام" للدكتور سامي النشار.
انتهى الهامش

ص89
وقد استكمل المسلمون منهجهم في المراحل المختلفة التالية للقياس كالدوران وتحقيق المناظر(1). على النحو الذي أعطاهم منهجاً إسلامياً خالصاً، ابتدأ من القرآن الكريم والسنة، وانتقل من الفقه إلى العلم، ومن القانون إلى التطبيق، وعرف المسلمون فيه كل ما عرفه المحدثون عن فكرة القانون الطبيعي، وقد استخدم المسلمون طرق البحث التجريبي في كافة أبحاثهم. وقد عبر هذا المنهج إلى أوروبا عن طريق أسبانيا وجزيرة صقلية، ثم نقله الى انكلترا روجر بيكون الذي أعلن أن معرفة العرب وعلمهم هي الطريق الوحيد للمعرفة الحقة لمعاصريه.
وقد أثر المنهج الاسلامي تأثيرًا واضحاً على كثيرين من علماء الغرب، وما من شك أن روجر بيكون وفرنسيس بيكون وهما أول التجريبيين في العصور الحديثة قد اعتمدا على المنهج التجريبي الإسلامي.
ولكن هل كان المنهج التجريبي الإسلامي قد قام في الأساس على علوم اليونان، وهل كان لجهد اليونان أثر فيه على حد قول بعض أصحاب الولاء للفلسفة اليونانية؟.
إن كل النصوص التاريخية الصحيحة تؤكد غير ذلك. أما بالنسبة للفلك فقد كانت معرفة اليونان بالنجوم خرافات في الأكثر، وإن ما كان بعض منها صحيحاً ثابتاً فلم يكن يعدو مثله مما كان عند المصريين والبابليين، فلما جاء المسلمون جعلوا من النجوم علماً صحيحاً، وأنكروا خرافاته، وأصلحوا مقدماته.
أما بالنسبة للجبر فقد أخذه العرب من اليونان في درجته الأولى،
هامش صفحة 89
(1) راجع البحث مفصلا كما نسقه الدكتور النشار.
انتهى الهامش

ص90
فارتفعو به إلى الدرجة الثانية. كما أخذ العرب الكيمياء من اليونان "محاولات" لتحويل العناصر الخسيسة إلى عناصر شريفة. أما العرب والمسلمون، فهم الذين وضعوا أسس المختبرات العلمية للكيمياء.
والعرب هم الذين استعملوا الأرقام الحسابية بما فيها "الصفر"(1). كما صحح كثير من العلماء المسلمين أخطاء علماء اليونان في المجالات المختلفة، صحح الجاحظ عدداً من أخطاء أرسطو (وفي كتابيه: البيان والتبيين وكتاب الحيوان أمثلة لذلك).
كما كشف العلماء المسلمون أخطاء أفلاطون في الفلسفة أيضًا. ومن ذلك ما عارضه ابن سينا لرأي أفلاطون في النفس. بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك فكشفوا عن أخطاء بطليموس وأقليدس في الرياضيات، وأبقراط في الطب.
وكانت أعمال العلماء المسلمين والعرب بارزة في مجال الحساب والهندسة والمثلثات وعلم الهيئة (الفلك). والعلوم التجريبية في الطبيعيات والكيمياء والطب. وهم الذين أوجدوا المصطلحات العلمية في لغة عربية صحيحة. وقد وضع أبو النصر الفارابي أصول علم الموسيقى، وسمي المعلم الثاني لأنه وضع التعاليم الصوتية كما وضع أرسطو المنطق.
ويؤكد الباحثون أن المسلمين قد قلبوا العلم اليوناني والفلسفة اليونانية في بعض وجوههما رأسا على عقب(2). وليس أصدق تقرير لدور المسلمين من عبارة بريفولت في كتابه بناء الإنسانية: Making of Humanity "إن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس فيما قدموه إلينا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة فحسب، بل يدين هذا العلم إلى الثقافة العربية بأكثر من هذا: انه مدين لها بوجوده نفسه".
هامش صفحة 90
(1) دكتور عمر فروخ – العرب والفلسفة اليونانية.
(2) عن نص لعمر فروخ
انتهى الهامش

ص91
الفصل العاشر
ما قدمه الإسلام: الحكمة وليس الفلسفة
إذا كان منطلق الفلسفة هو البحث عن الحقيقة. فإن الإسلام قد قدم للإنسانية أصولا أساسية ومنهجًا كاملًا يفتح الطريق إلى هذا البحث، على النحو الذي يحقق السلامة والأمن، ويحول دون الوقوع في المحاذير الكثيرة التي يعجز العقل الإنساني عن النظر فيها. أو الآفاق التي لا يستطيع تجاوزها. ومفهوم الإسلام في هذا المجال هو الحكمة.
وقد أورد العلامة فريد وجدي أصول الحكمة القرآنية على هذا النحو:
(الأصل الأول): الإنسان لم يحصل من العلم إلا قليلًا.
(الأصل الثاني): يجب على الإنسان أن يتعلم لمصلحته المادية ومصلحته الروحية.
(الأصل الثالث): العلم لا يحصل إلا بالنظر في الوجود والموجودات لا بالظنون والأوهام.
(قل انظروا ما في السموات والأرض).
(وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم).
(وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون).
(الأصل الرابع): إقامة سلطان العقل، والالتجاء إلى حكمه في كل خلاف، والبعد عن الأهواء والجنوح إلى الأباطيل. (أفلا تعقلون – لعلكم

ص92
تعقلون – ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله – بل نقذف بالحق على الباطل).
(الأصل الخامس): الاعتماد على تحقيق المسائل التي تقرر العلم الممحص، لا الأوهام ولا المقررات الموروثة. (إن يتبعون إلا الظن).
(الأصل السادس): عدم متابعة الخيالات فيما ليس وراءه علم (ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم).
(الأصل السابع): وجوب التثبت في العلم، وعدم الأخذ بدون دليل (قل هاتوا برهانكم – يثبت الله الذين آمنوا).
(الأصل الثامن): تحريم التقليد للآباء في العلم والتعصب لآرائهم.
(الأصل التاسع): عدم الجمود على المعلومات المخترعة، وضرورة سماع كل رأي، والأخذ به إن كان حقًا. (فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه).
(الأصل العاشر): وجوب الحذر من الظنون والأوهام، فإنهما كانا السبب في تضليل الناس، وإفساد عقولهم في جميع الأجيال (فما بعد الحق إلا الضلال) – (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا).
هذه هي أصول الحكمة الإسلامية، ومنطلق المفهوم الإسلامي. وهي تقوم على أساس: عدم الخوض في الظنيات حتى فيما يتعلق بفهم القرآن. وقد أشار القرآن إلى نوعين من الآيات: محكم ومتشابه.
(1) – المحكم: وهو الذي يشمل الحلال والحرام، وأصول الشريعة والأخلاق.
(2) – المتشابه: وهي أمور تعلو متناول العقل البشري، ولو عولجت به اختلفت عليها الآراء.

ص93
وقد فرض على الآخذ به. النظر في الأولى، والعمل به، وحرم عليهم الجدل في الثانية، ومحاولة تأويلها.
ويرى العلامة فريد وجدي أن خلاصة القول: إن الحكم القرآنية تأبى قبول أي فلسفة تستند على مجرد الظنون فهي تشترط للأخذ بها أن تكون قائمة على علم (نبئوني بعلم إن كِنْتُم صادقين). (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم).

ص94
الفصل الحادي عشر
بين الإسلام والهيلينية (بين التوحيد والوثنية)
كان اليونان شأنهم شأن الأمم الأخرى التي سيطر عليها الفكر البشري، وقامت فيها حضارات ضخمة ثم سقطت، يعتقدون بوجود آلهة متعددة. وكانوا يفسرون الظواهر الطبيعية بأنها من فعل الآلهة، وكانوا يصلون بالفرد إلى مقام البطولة، ثم إلى مقام العبادة.
وقد تعددت العبادات في الوثنية بين الحجار والحيوانات والناس والكواكب. ومن أخطر ما تمثله الهلينية عبادة الفرد وتأليه الإنسان، وإقامة ذلك المجتمع العبودي الذي يقسم الناس إلى سادة يعبدون وعبيد أذلاء. ومن هنا فإن الإسلام حين أعلن التوحيد. إنما أعلن كرامة الإنسان، وارتفاعه عن الخضوع للإنسان فالتوحيد تأكيد لمعبود واحد هو الحق تبارك وتعالى الذي لا يعبد أحد سواه. وبذلك أبطل الإسلام سلطان الوسطاء، وأسقط نظرية تحول الإنسان إلى إله. وفصل بين البشرية والألوهية من ناحية، وبين الألوهية والكون من ناحية أخرى، وأعطى العقل مكانه الصحيح، ووظيفته المحدودة بعد أن دفعته الهلينية إلى حد التقديس والاستعلاء على كل مناهج المعرفة. فقد أقر الإسلام منهجًا متكاملاً فيه القلب والعقل، وعبرة التاريخ، ونقل البشرية من مفهوم الهلينية القائم على المنطق والاستنباط إلى منهج جديد يقوم على الاستقراء والتجريب، ويختلف اختلافًا بينًا عن منهج أرسطو.
ولقد ترجم المسلمون منهج أرسطو، ولكنهم سرعان ما تخلو عنه، لأنه إنما كان يستمد مقوماته من حضارة اليونان القائمة على المفهوم العبودي، وعلى إقامة مجتمع السادة في القمة، ومجتمع العبيد في الحضيض.

ص95
وهو ما حطمه الإسلام ودمره، وأقام بديلا عنه مفهوم الإخاء البشري. ومن هنا فقد كانت فلسفة اليونان ومنطق أرسطو مختلفة تمام الاختلاف، بل متعارضة تمام التعارض مع منهج الإسلام من كل النواحي.
وأبرز هذه النواحي التي تكشف عن التباين الواضح بين الإسلام والهلينية هو التوحيد الذي حرر العقل البشري من الوثنية، ومن عبادة عدد من آلهة متعددة، ومن عبادة الفرد، ومن تقديس الأبطال، ومن الطواف حول بيوت النيران.
وهكذا كشف الإسلام عن هويته الحقيقية: وهي: أنه يرمي إلى تحرير العقل من كل سلطان إلا سلطان الله. ولذلك فقد واجه أخطر ما دعت إليه الفلسفة اليونانية، وقامت عليه، وهو تأليه العقل وتقديسه، فأعلن أن العقل واسطة لا غاية وهو آلة تنكسر على ما يتعدى ميدانها، ولا تستطيع أن تتحدى ما يقوله الله، وأن العقل ليس أداة كاملة، ولكنه نور مصباح يكشف في الظلمات، ولكنه ينكشف أمام نور الله. فالعقل لا يستطيع أن يكشف سر الخلق والكون، وأن يضع مبادئ المعرفة. بل الله يفعل ذلك.
ومن هنا أخذ الفكر الإسلامي بمبدأ (التوحيد) واعتبره نقطة الالتقاء والاقتران إزاء كل معطيات الفكر البشري. ولذلك رفض رأي أرسطو في الله، وهو رأي ناقص وقاصر، ورفض مبدأ الجمع والاتحاد، ورفض مبدأ الحلول والتناسخ، وحرر الفكر البشري من كل نظرية تصور الحق تبارك وتعالى بغير صورته الحقيقية. وأعلن التحرر من عبودية غير الله. وأقر وجود حقيقة واحدة هي من خلق واحد أحد.
وهكذا ولد التصور الإسلامي الرباني – المعارض والمخالف للغنوصية الشرقية والهلينية اليونانية – في مفهوم متكامل، مخالف في أصل تكوينه، وفي خصائصه كل التصورات البشرية. ومن هنا فقد قام على الحركة والثبات معًا.

ص 96
والحركة قانون من قوانين الكون، ولكنها ليست حركة مطلقة، ولكنها حركة في إطار ثابت وحول محور تدور فيه. وبذلك كشف الإسلام عن خطأ أرسطو وأفلاطون في تصور علاقة الخالق بالمخلوقات. وقد جاء قياسهما قاصرًا لأنه اعتمد على العقل في مجال ليس من وظيفة العقل النظر فيه. وطبيعة تكوين العقل إنما ترتبط بوظيفة الإنسان في الأرض – ومن هنا يعجز هذا العقل إذا استخدم في البحث عن مجال آخر أكبر منه، ومجاله إدراك قوانين المادة وتسخيرها. أما ادراك سر الحياة والموت وحقيقة الألوهية، وحقيقة الكون، فقد جاء به الوحي، وفصلته رسالات السماء بما يكفي حاجة الإنسان الروحية بما يتجه إلى عمل العقل الحقيقي في عمارة الأرض وكشف ذخائرها وأسرار علومها (1). وأبرز ما كشفعنه الإسلام في مواجهة مناهج الفكر البشري هو: التحرز من الأهواء في الحكم على الأشياء، وأن الإنسان لم يحصل من العلم إلا قليلا، وأن العلم لا يحصل إلا بالنظر في الوجود والموجودات لا بالظنون والاهواء. وبإقامة البرهان، وعدم متابعة الخيالات فيما ليس وراءه علم يسنده، وتحريم تقليد الآباء في العلم، ووجوب الحذر من الأوهام.
هامش ص 96
(1) التصور الإسلامي
انتهى الهامش

ص 97
الفصل الثاني عشر
كلمة الفصل في الفلسفة اليونانية
1- إن الفلسفة التي ترجمت لم تكن هي الفلسفة اليونانية
2- لم تكن الفلسفة اليونانية المترجمة. بل فلسفة الإسلام الحقة، إنما هي أصول الفقه.
3- إن منهج الفكر الإسلامي كان قد تشكل قبل ترجمة الفلسفة اليونانية.
لقد ثبت زيف الرأي القائل بأن الفكر اليوناني، هو الذي شكل الفكر الإسلامي. وان هناك حقائق عدة تدحض هذه النظرية التي طرحها التغريب والنفوذ الاستعماري ليجعل منها مدخلاً إلى خلق جو من تبعية الفكر الإسلامي للفكر اليوناني الذي يوصف بأنه أساس الفكر الأوروبي الحديث، فإذا وجدت هذه الشبهة قبولاً أمكن أن يبني عليها القول اليوناني الذي يوصف بأنه اساس الفكر الأوربي الحديث، فاذا وجدت هذه الشبهة قبولاً امكن أن يُبنى عليها القول بأنه إذن لا مانع من أن يتابع الفكر الإسلامي في حاضره للفكر الأوروبي، والفلسفة الحديثة. والحقائق العلمية التاريخية تؤكد أن مقومات الفكر الإسلامي قد صيغت وتشكلت قبل الاتصال بالفكر اليوناني أو الفكر الوافد على إطلاقه. وأن مناهج المعتزلة والصوفية، ورجال الفقه وغيرهم قد تشكلت قبل ترجمة الإلهيات، والفلسفة. فقد بدأت الترجمة بالطب والرياضيات والطبيعيات. ثم توقفت عندها ثمة، فقد كانت هذه هي الغاية التي قصدت إليها إرادة الفكر الإسلامي في ترجمة الفكر اليوناني.

ص 98
غير أن قوى مختلفة منها فوى الشعوبية والنفوذ الوثني والفارسي القديم، ودعاة الباطنية وغيرهم من أولياء المجوسية قد ضغطت ضغطًا شديدًا في أيام المأمون (وهي أخطر مراحل انتفاضة النفوذ الباطني القديم) (1). واستطاعت توسيع نطاق الفلسفة إلى مجال الإلهيات والأخلاق. وفي هذه المرحلة بدأ الانحراف الذي لم يكتشف إلا بعد وقت طويل، حتى تبين أن النصوص الفلسفية التي ترجمت إلى اللغة العربية في هذه المرحلة لم تكن هي النصوص الفلسفية اليونانية الأصيلة " وإنما كانت مزيجًا من المفاهيم السريانية المسيحية، فقد عمد رجال الترجمة من اليونانية والنساطرة إلى ستغلال هذه المترجمات لنشر معتقداتهم النصرانية. وقد أكد هذا المعنى غير واحد من الباحثين المعاصرين، وفي مقدمتهم إسماعيل مظهر والدكتور النشار وعبد الرحمن مرحبا. فقد أكد إسماعيل مظهر أن الثقافة التي نقلت إلى العرب لم تكن ثقافة إغريقية صحيحة،بل كانت صورة من " النصرانية" تلونت بلون إغريقي عن طريق اليعاقبة والنساطرة الذين بشروا بمعتقداتهم النصرانية في الشرق متخذين من الفلسفة اليونانية سبيلا إلى التبشير بآرائهم. وقد ترتبت على ذلك أخطار كثيرة، وأخطاء صعبة، حملت من تصدوا لتفسير هذه النصوصإلى كثير من التلفيق، فقد تبين أن كتبًا ترجمت عزيت إلى أفلاطون وهي لغيره، وقد أفسدت هذه الترجمات ما حاوله "الفارابي" من التوفيق بين آراء أفلاطون في هذه الكتب وفي غيرها، وتبدو المشقة التي بذلها الفارابي في هذا الصدد، بينما لم تكن هذه النصوص لأفلاطون. ومن هنا يتبين مدى الأخطار التي تعرض لها الفكر الإسلامي في هذه المرحلة، هذهالأخطار التي كانت تكون أشد وأقسى لو لم تكتمل للفكر الإسلامي مناهجه الأصيلة قبل الاتصال بالفلسفة اليونانية.
هامش ص 98
(1) راجع فصل انتفاضة النفوذ الباطني القديم.
انتهى الهامش

ص 99
وقد أعلن تشكيل المنهج الإسلامي – بذاتيته واستقلاليته وطابعه الخاص القائم على التوحيد- على صدق المواجهة لما طرحته الفلسفة اليونانية، فأعطت قوة كبرى للمقاومة، وحالت دون انصهار الفكر الإسلامي في الفلسفة اليونانية على النحو الذي وقع بالنسبة للفكر اليهودي والفكر المسيحي من قبل. كان الفكر الإسلامي قد شكل منهجه المستمد من القرآن الكريم، وأقامه في مختلف جوانب الفقه والأصول، وتحقيق الحديث، منهجًا قرآنيًا. توحيديًا له ذاتيته الواضحة، وأصالته الخاصة، ومن ثم فقد كان له موقفه الاستقلالي من حركة الترجمة، وما قام بعدها مما أطلق عليه حركة الفلسفة الإسلامية التي قادها الفارابي وابن سينا والكندي.
وقد عدت هذه المدرسة حلقة من حلقات الفلسفة اليونانية، واعتبرها الكثيرون من الباحثين امتدادًا إغريقيًا لا صلة له بالفكر الإسلامي، وعدها آخرون محاولة سمحة للتوفيق بين الفكر الإسلامي والفلسفة اليونانية، وإدخال الفكر الإغريقي في إطار من التوحيد الإسلامي. والواقع أن الإسلام الذي تم بناؤه قبل اختيار الرسول محمد صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى، كان قد وضع للمسلمين مختلف الإجابات الصريحة والواضحة إزاء كل المسائل التي تخصصت الفلسفة في النظر إليها أو محاولة بحثها، وخاصة فيما يتعلق بعالم الغيب، أو ما وراء المادة الذي أطلق عليه " الميتافيزيقا".
فقد رسم الإسلام صورة كاملة لهذا العالم ( ولم يترك للعقل مجالا للاجتهاد فيها، وحدد معالمها تحديدًا كاملاً، ونهى أشد النهي عن تجاوز تلك المعالم). كما نسق منهجهًا متكاملاً عن حقائق الله والوجود والموت والبعث والجزاء،

ص 100
لم يكن المسلمون مع وضوحه وصدقه في حاجة إلى تفسيرات أخرى تأتيهم من خارج عقيدتهم.
ويرجع الدكتور سامي النشار موقف الإسلام في تقديم منهج كامل للغيبياتإلى عدة أسباب منها: (قصور العقل الإنساني عن التوصل إلى شسء ذاته وإلى الكنه (الماهية)، فقد حدد القرآن مسائل مت بعد الطبيعة تحديدًا خاصًا، وطلب عدم الجري فيما خلفها، وتوجيه البحث في الكون وآفاقه دون البحث في الجوهر الذي لا نصل إلى حقيقته بمعنى البحث عن الخصائص دون البحث عن الماهية. ومنها أن الميتافيزيقاهي من نتاج الذات،والإسلام ينكر العقل الخاص إنكارًا باتًا. ذلك أنه دين اجتماعي لا يوافق على تصويرالكون صورًا خاصة ذاتية مخالفة لما وصفه في صورة عميقة. ومن هنا فقد ألهم ( القرآن) المسلمين ميتافيزيقاهم، ولم يرد شيئًا وراءها، وحدد لهم دائرة البحث الكلامي فوصلوا فيضوئه إلى أدق المعاني الفلسفية، ثم إن الإسلام أيضًا وضع من أوضاع الحياة العملية أسسها. فدعا المسلمين إلى العلم والتجريب. وقد حررت هذه المفاهيم الواضحة المسلمين من عوامل الزيغ والشك والاضطراب النفسي وأسلمتهم إلى إنشاء عدد من المناهج العلمية منها علم أصول الفقه، ومنهج المعرفة الإسلامي، وانتهت بهم إلى إنشاء المنهج العلمي التجريبي. وقد كشف هذا المعني بوضوح – في مواجهة الشبهات المثارة حول تبعية الفكر الإسلامي للفلسفة اليونانية – الشيخ مصطفى عبد الرازق على رأس مدرسة ماتزال تتابع عملها في صدق وقوة حين قال: إن للفلسفة الإسلامية كيانًا ممتازًا عن الفلسفة اليونانية، والفلسفة الإسلامية

ص 101
لا يمكن أن يقال إنها مجهود العلماء الإسلاميين في دائرة الفكر اليوناني ( يقصد الكندي والفارابي وابن سينا) بل هي هيكل خاص له مميزاته وخصائصه، ومها يكن من أثر الفلسفة اليونانية وغير الفلسفة اليونانية. فإن له حظًا عظيمًا من الشخصية والابتكار (1). ويصل الباحث من هذاإلى القول بأن الفلسفة الإسلامية تتمثل في علم أصول الفقه الذي أنشأه الإمام الشافعي، ويصور الدكتور سامي النشار علم أصول الفقه بأنه إدراك القوانين التي توصل إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية، أو هو نفس القواعد الموصلة بذاتها إلى استنباط الأحكام، وبمعنى أدق هو منهج الفقه أو منطقة مقابلا في ذلك لمنهج الفيلسوف ومنطقه. وإن هذا المنهج قد وضع قواعده الصحابة حين تكلموا في نقد الأخبار وعن القياس، وأضاف إليه التابعون بعد ذلك عناصر متعددة، ثم وضعه الإمام الشافعي وتلاميذه في صورة كاملة، ثم تناوله المعتزلة والأشاعرة بعد ذلك بالتعديل حتى اقاموه " علمًا كاملاً" في صورة بارعة.
هامش ص 101
(1) مصطفى عبد الرازق (ك) تمهيد للفلسفة الإسلامية.
انتهى الهامش

ص 103
الباب الرابع
الفلسَفَة الغنوصيّة
1- أصول الفلسفة الغنوصية
2- أثر الغنوصية في العقيدة والشريعة
(1) الباطنيّة
(2) إخوان الصفا
(3) القرامطة
3- أثر الغنوصية في التصوف
(1) وحدة الوجود
(2) الاتحاد
(3) الحلول
(4) الإشراق
4- مواجهة الفلسفية الغنوصية
5- حركة الانتفاض والمؤامرة على الإسلام


ص 105
الفصل الأول
أصول الفلسفة الغنوصية
سبقت الإسلام حصيلة متضاربة من الفكر البشري يمكن حصرها في ثلاث روافد.
أولاَ: الهلينية اليونانية الوثنية.
ثانياً: الغنوصية الشرقية الثنائية.
ثالثاَ: الدين البشري.
والغنوصية مصطلح للفلسفة الشرقية التي تقوم على أساسالكشف والتذوق، ولا تستند على الاستدلال أو البرهنة العقلية. وذلك في مقابل الفلسفة اليونانية القائمة على البرهان والمنطق. وقد تنازع هذان المفهومان العالم قبل الإسلام بالإضافة إلى الدين البشري المنحرف عن أديان السماء. وتقوم الهلينية على فهم بشري يشكل فطرية كل المعارضة لمفاهيم الإسلام والأديان المنزلة القائمة على أساس التوحيد الخالص المستمد من الفطرة. وقد تلاحمت في الغنوصية عشرات من المذاهب والعقائد، وصيغت منها دعوات كثيرة وأديان بشرية ( المجوسية، والمانوية، والزرادشتية، والديصانية، والمزدكية، والمندائية، والمرقونية). وتقوم الغنوصية في مجموعها على ركائز خمسة:

ص 106
(أولاً): عبادة اثنين أحدهما: النور. والآخر الظلمة، وإقامة الوجود على أصلين: أو إلهين: إله خير، وإله شر.
(ثانيًا): عبادة النار وتقديسها.
(ثالثًا): استباحة المحرمات، والدعوة إلى شيوعية النساء والأموال‘ وإباحة نكاح الأخوات والبنات، والإغتسال بالبول.
(رابعًا): رفض الذبائح، ورفض إراقة الدماء والزهد في أكل اللحوم وعدم مس الماء الطهور.
(خامسًا): خلط الخالق بالمخلوقات في مفهوم وحدة الوجود أو الحلول.
وقد نشأت بعد الاسلام من خلال مفاهيم "الغنوصية" فلسفات أبرزها " الدعوة الباطنية" التي تشكلت في دعوات القرامطة والحشاشين، وبعض الفرق الغالية من الشيعة، وبعض دعاة التصوف الفلسفي، وكلها حاولت أن تخضع الإسلام لمفاهيم الفكر البشري، أو تخرج الإسلام من مفاهيم التوحيد ومنهجه الرباني الفطري الاصيل.
وإذا كانت الغنوصية قد أثرت على الديانتين السماويتين: اليهودية، والمسيحية. فإن محاولتها للتأثير على الإسلام قد ووجهت منذ اليوم الأول مواجهة صحيحة حالت دون سيطرة مفهوم الغنوصية الذي يتعارض تعارضًا كاملاً مع الإسلام من حيث مخالفته للإسلام عقيدة وعملاً. ولقد استطاع مفهوم أهل السنة والجماعة أن يعارض الغنوصية ويطاردها مطاردة صحيحة على مختلف المستويات العلمية و الإجتماعية، كما طارد الهلينية من حيث إنهما يتعارضان تعارضًا كليًا مع مفهوم الإسلام القائم على التوحيد. ولا ريب انه كان وراء محاولات طرح الغنوصية ذات جذور يونانية في فلسفة أفلاطون. ثم نمت بعد ذلك في مفهوم الأفلاطونية الحديثة.

ص 107
ويمكن القول إن فلسفة فارس القديمة كلها ممثلة في زارادشت وماني قد حملت مع ثنائية الآلهة عبادة النار مع استباحة المحرمات والدعوة إلى شيوعية النساء، كما حملت فلسفة الهند مفهوم وحدة الوجود والحلول والإتحاد. هذه المفاهيم كلها التي كانت قبل الإسلام مختلفة متعددة على تفاوت واضطراب، قد تجمعت من جديد بعد الإسلام لتشكل قوى معارضة تنقض على الإسلام ودولته ومجتمعه، وتعمل من وراء هدف واضح صريح للقضاء على الإسلام بضربة من الداخل، فقد دخل في الإسلام هؤلاء الدعاة إلى هذه المذاهب، وحاولوا أن يصوغوا فكرهم من داخل قشرة إسلامية حتى يتمكنوا من إغراء ذوي الفهم المحدود به، وخاصة في تلك الجولة الضخمة التي عرفت باسم "الباطنية" والتي ادعت أن للشريعة ظاهرًا وباطنًا، وعمدت إلى إنكار المفاهيم القرآنية الأصيلة التي تقوم على عقيدة الإسلام ومناهجه، وتفسر هذه المصطلحات حسب الأغراض. وكان الهدف الأغلب من هذا هو ما صرحوا به حين قالوا [ إن الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات. ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة ].
والدعوة الباطنية مؤسسة على مفاهيم الغنوصية التي لها تقارب واضح، وأصل متصل باللاهوت اليوناني والطبيعيات الإغريقية. وقد استخدموا مصطلحات الفلسفة اليونانية وأفكارها وعقائدها في أدبهم. وقد ارتبطت هذه الفروع بالترجمة التي طرحت في المجتمع الإسلامي الفلسفة اليونانية، والتي بدأت أساسًا بترجمة الطب والعلوم الطبيعية والكيمائية، ثم جنحت إلى ترجمة علم الأصنام عند اليونان، وهو ما يطلق عليه فلسفة الإلهيات والميتافيزيقا. ومن هنا يمكن القول إن الحصيلة السابقة للإسلام كلها من هلينية وغنوصية ودين بشري. إنما تلتقي جميعًا في مفاهيم متقاربة خروجًا عن

ص 108
التوحيد بين الثنائية و الثليث ، و خروجاً عن الشريعة الإسلامية في الإباحية ، و الخروج عن إصول الإسلام بالزهد في اللحوم ، و مس الماء الطهور بخلط الخالق بالمخلوق أو استلهام الوجدان كاسلوب واحد للمعرفة تحت اسم الاشراق ، و كل ذلك يعارض الإسلام في مفاهيمه معارضة شاملة .
و قد كانت هذه الدعوات قائمة قبل الإسلام ، ثم جددت نفسها بعد الإسلام بدافع من الحملة التي قادها الشعوبيون و أهل المجوسية القدامى و المتآمرون على تقويض الإسلام من الداخل ، و العاجزون عن مهاجمة الإسلام مهاجمة صريحة مكشوفة . و قد بدا ذلك في صور متعددة ، و دعوات كثيرة منها .
(أولاً ) : ما ذهب إليه ابن عربي و الحلاج و غيرهما من رجال التصوف الفلسفس في القول بوحدة الوجود و الحلول و الاتحاد و هو فكر وافد من الفلسفات الهندية القديمة .
(ثانياً ) : ما ظهر من دعوات القرامطة ، و الزنج ، و الحشاشين ، و المزدكية المتجددة ، و المانوية ، و المندائية ، و الديصانية ، و المرقوبية .
(ثالثاً ): ما ظهر من مفكرين و شعراء من أمثال : عبد الله بن المقفع ، و صالح بن عبد القدوس ، و عبد الكريم بن أبي العوجاء ، و بشار بن برد ، و حماد عجرد ، و أبي العتاهية .
(رابعاً ) : ما ظهر فى العصور الأخيرة في إيران و الهند من دعوات إلى البابية ، و البهائية و القاديانية .
و يمكن القول بأن هذا الخطر بدا واضحاً صريحاً في المفاهيم التي طرحها اليهودي عبد الله بن سبأ . و كانت مصدراً للفتنة الكبرى بين المسلمين ، و الخلاف الذى أدى إلى مقتل الخليفتين : عثمان بن عفان ، و علي بن ابي طالب ، و ظهور الفرق من دعاة التأليه ، و عبادة الملوك ، و الحق

ص 109
الإلهي الموروث ، و غير ذلك من دعوات ظهرت باهرة في منتصف القرن الهجري الأول ، ثم ظلت تسري كالنار في الهشيم حتى إختلطت من بعد بالمفاهيم الإسلامية الصحيحة ، و حاولت أن تشكل فرقاً سياسية متعددة .
ثم كان عبد الله بن المقفع المجوسي الأصل من أخطر من دعا إلى هذه المفاهيم ، و أدخلها في اللغة العربية و الإسلامية بالترجمة من الفارسية ، و هي خطة أخرى مساوية لخطة الإلهيات من اليونانية .
و قد مضى ابن المقفع بعد أن أسلم ظاهراً لا يكف عن مفاهيمه المجوسية ، و عبادة المجوسية أيضاً . و قد خلط الزرادشتية بالمانوية و المزدكية ، و قام على ترجمة كتاب مزدك الذي يعد أساساً لدعوته و المعروف باسم ( ديستا ) كما كتب " الدرة اليتيمة " في معارضة القرآن ، و كتب فصلا أضافه إلى ترجمته لكتاب " كليلة و دمنة " هو باب برزويه . و هو أخطر ما كتب عن نقد الأديان و القول بتعارضها ، و عدم التوصل إلى اليقين فيها . ثم الدعوة إلى " العقل " و العقل وحده كأعظم وسيلة للمعرفة و أفضلها ، و هو في هذا يجمع بين الغنوصية و الهلينية معاً .
و قد تنبه ( البيروني ) منذ وقت باكر في كتابه : " تحقيق ما للهند من مقولة " إلى هدف ابن المقفع في نشر الإلحاد و التحلل من الإسلام ، و أنه قصد بذلك تشكيك ضعيفي العقائد في الدين (1) . و من خلال دعوة ابن المقفع تشكلت تلك المجموعة التي أولاها اهتماماً كبيراً الدكتور طه حسين ، و أرخ لها ، و عدها علامة على المجتمع الإسلامي ، و أن فكرها إنما يعني أن عصرها كان عصر فسق و مجون و شك . و هم حماد عجرد ، و بشار بن برد ، و صالح بن عبد القدوس ، و عبد الكريم بن أبي العوجاء ، و أبو العتاهية .
هامش ص 109
(1) دكتور النشار : نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام .
انتهى الهامش

ص110
وهناك وقائع ثانية أن هذه المجموعة كانت تحاول تزييف الاسلام و تلقي إليه بمفاهيم منحرفة ، و ليس أدل على ذلك مما رواه البيروني في كتابه ( الآثار الباقية ) عن عبد الكريم بن أبي العوجاء الذى أعلن عندما قتله محمد بن سليمان والي الكوفة عما أحدثه من زيف و اضطراب حين قال :
أما و الله لئن قتلتموني لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال ، و أحل فيها الحرام ، و قد فطرتكم في يوم صومكم ، و صومتكم في يوم فطركم ، و ما ذكره أبو نواس عن حماد عجرد حين قال : كنت أتوهم ان حماد عجرد إنما رمي بالزندقة لمجونه في شعره حتى حبست في حبس الزنادقة معه ، فإذا ( عجرد ) إمام من أئمتهم ، و ان له شعراً مزواجاً بيتين بيتين يقرأون به في صلواتهم .
و قد أشار إلى عقيدة هذه الجماعة الخليفة المهدي في رسالته لابن موسى الهادى كما أوردها الطبرى في أحداث عام 179 هجرية حين قال : انهم يدعون الناس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش و الزهد في الدنيا و العمل للآخرة ، ثم يخرجونهم بعد ذلك إلى تحريم اللحوم و مس الماء الطهور . ثم يخرجونهم بعد ذلك إلى عبادة اثنين أحدهما : النور ، و الآخر الظلمة ، ثم يبيحون لهم بعد ذلك نكاح الأخوات البنات ، و الإغتسال بالبول ، و سرقة الأطفال من الطرق لينقذوهم من ضلال الظلمة إلى هداية النور .أأ

و قد ظهرت هذه المفاهيم المجوسية في شعر بشار بن برد ، و أبي العتاهية ، و يحيي بن زياد ، و مطيع بن إياس . و ذلك بعد أن انتشرت كتب ماني و مرقبون مما نقله ابن المقفع ، و ترجمت من الفارسية و الفهلوية إلى العربية . و ما أضيف إليه من آراء المزدكية و المندائية و الخرمية و غيرها من فرق يجمعها كلها جامع واحد هو الغنوصية . و قد قامت الصلة بين المزدكية و القرامطة ، فأخذ القرامطة شيوعية الأموال التي دعا إليها مزدك .

ص 111
و لقد واجه المسلمون هذه الدعوة و أولوها اهتماماً كبيراً و صححوا مفاهيمها ، و كشفوا عن دخائلها التي تسربت إلى التفسير و الحديث .
و قاوم العلماء الغنوصيات و الأفلوطينيات في مختلف فروع العلوم ، و قاوم المتكلمون الأوائل الطوائف الغنوصية مقاومة عنيفة .
و أقام الفقهاء باباً في الفقه يحدد العلاقة بين المسلمين و هذه الفرق ، و يحرمون نكاح نسائهم و أكل ذبائحهم .

ص 112
الفصل الثانى
أثر الغنوصية في العقيدة و الشريعة
أولاً – الباطنية
تقوم مفاهيم الباطنية على الرفض و التعطيل ، و إبطال النبوة و العبادات و إنكار البعث ، و القول بأن للقرآن و الأحاديث بواطن تجري مع الظواهر مجرى اللب من القشر .
و قالوا : إن اللغة و الأدب علوم لا تراد لنفسها بل لغيرها .
و قد قامت دعوتهم على أساس تأويل آيات القرآن الكريم . و قالوا إن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة ، و دعوا الخاصة إلى رفع الفرائض ، و أباحوا لهم المحظورات ، و بلغ من أمرهم أنهم أولوا الصلوات الخمس و صيام رمضان و الحج . و قد أخذت الباطنية بآراء مزدك في شيوعية الأموال و النساء . و قالت الباطنية بعظمة الإمام و إنكار الميعاد ، و الإباحة المطلقة ، و استباحة المحظورات .
قامت آراء الباطنية على أساس الفلسفة اليونانية ، و تعاليم مزدك و زرادشت و ماني ، و اتخذت من حب آل البيت ستاراً لها ، و من الصوفية و الشعوذة و التقشف وسيلة لها ، و استهدفت من وراء ذلك كله استعادة دولة الأكاسرة (1) . و عمدت إلى الهدم عن طريق تحطيم عقيدة الإسلام و إثارة الشكوك فيها .
هامش ص 112
(1) أشار الدكتور زاهد علي في كتابه : ديانتنا الإسلامية و نظامها مما نقله عنه أبو الحسن =
انتهى الهامش

ص113
و قد ساعدهم على نشر هذه الآراء جماعات من العلماء كإخوان الصفا و عدد من الشعراء الماجنين . و بعض الشخصيات المنحرفة التي حملت لواء ذلك بالتأليف و الكتابة . و منها ابن المقفع و الحلاج و حيدر بن كاوس .
حاولت الفلسفة الباطنية تحريف معاني الكلمات الإسلامية العقائدية و الشرعية ، ككلمات النبوة و الرسالة ، و الملائكة ، و المعاد ، و الجنة ، و النار ، و الشريعة ، و الفرض ، و الواجب ، و الحلال و الحرام ، و الصلاة ، و الصوم ، و الزكاة ، و الحج .
هذه الكلمات عمدت الفلسفة الباطنية إلى تغيير مفاهيمها الإسلامية الأصيلة . كانت هذه المحاولة تجعل لكل كلمة ظاهراً و باطناً . أما الظاهر فهو ما قررته الشريعة الإسلامية ، و أما الباطن فهو ما أقامته الفلسفة الباطنية (1) : و قالوا : إن لظواهر القرآن و الأحاديث بواطن تجري من الظواهر مجرى اللب من القشر ، و إنها بصورتها توهم الجهال صوراً جلية ، و هي عند العقلاء رموز و إشارات إلى حقائق خفية . و ان من تقاعد عقله عن الغوص في الخفايا و الأسرار و البواطن و الأغوار ، و قنع بظواهرها كان تحت الأغلال التي هي تكليفات الشرع ، و من ارتقى إلى علم الباطن سقط عنه التكليف ، و استراح من أعبائه .
يقول الدكتور زاهد علي : لقد كان الأئمة و الدعاة يفهمون تلاميذهم من الطبقة العليا أن الظاهر متناقض و معوج : إنه علم كثيف ، و إنه تقليد محض لا دليل ، و أهل الظاهر هم أهل الكفر و أهل الشرك ، و يقول إن لب تعليماتنت الإسماعيلية و لبابها : ان الغاية من الشريعة التأويل الذي هو من الجسد
هامش ص 113
= الندوي : و قوله : لقد اعتقدتنت أن جميع النظريات التي جاءت في علم الهيئة القديمة ، و في علم الطبيعيات و علم الإلهيات صحيحة لا يتطرق إليها الشك ، فاستعنا بها في إثبات دعوتنا .
(1) تلبيس ابليس لابن الجوزي .
انتهى الهامش

ص 114
كالروح ، و أن التنزيل ليس جسماً .
و لقد كشفت كثير من الأبحاث عن اتجاه هذه الفلسفة التي حاولت إخراج المسلمين من مفاهيم الإسلام عن طريق إنشاء مفهوم آخر للكلمات الواضحة التي قام عليها الإسلام أساساً استمداداً من القرآن و السنة الصحيحة .
يقول السيد أبو الحسن الندوي (1) : أدركت الباطنية ان الصلة القائمة بين الكلمات و المصطلحات الدينية و معانيها أساس تقوم عليه الحياة الإسلامية ، و الهيكل الفكري و العلمي في حياة المسلمين ، هذه الصلة التي يمتاز بها المسلمون تربطهم بما فيهم و منابعهم الصافية . فإذا انقطعت هذه الصلة بين الكلمات و المعاني ، و أصبحت الكلمات لا تدل على معنى خاص . و مفهوم معين أو تسرَّب الشك إليها أصبحت هذه الأمة فريسة كل دعوة و فلسفة ، و ساغ لكل أحد أن يقول ما يشاء .
فمثلاً كلمة الصلاة : إذا أطلق لفظها انتقل الذهن إلى هيئة عبادة خاصة فيها قيام وركوع و سجودو قراءة و تسليم ، فإذا هم يضيفون للعبادة معنى آخر هو قولهم : الصلاة : هي الدعاء للإمام .
أما الزكاة فهي عندهم بث العلوم لمن يسمعها يتزكى بها . أما الصوم فهو كتمان العلم عن أهل الظاهر .
أما الحج فهو طلب العلم الذي تشد رحائل العقل إليه . و هكذا تنهدم في مفاهيمهم أصول الإسلام الحقيقة . و هكذا يذهبون إلى تزييف معاني الكلمات المختلفة . و قد أسرفوا في ذلك حتى قالوا إن معنى ( لا إله إلا الله ) هو ( لا إمام إلا إمام الزمان ).
هامش ص 114
(1) أبو الحسن الندوي من كتابه : رجال الدعوة و الفكر .
انتهى الهامش

ص115
و لم يقف أمرهم عند هذا الحد ، بل أخذوا يعلنون استخفافهم بالظاهر ، ووصفوه بالتناقض و العوج ، و أنه قائم على التقليد ، و لا دليل عليه ، بل بلغ بهم الأمر أن قالوا : إن أهل الظاهر هم أهل الكفر و الشرك .
و قد وصف الباحثون الفلسفة الباطنية بأنها ثورة على النبوة المحمدية (1) . و أن هدفها الحقيقي هو تدمير دولة الإسلام و إقامة دولة المجوس .
لقد قامت الفلسفة الباطنية أساساً على الإلحاد في العقيدة ، و الإباحية الأخلاقية . و من خلال الفلسفة الباطنية قامت دعوات عديدة ، و لم تزل ، كلها تعتمد الفلسفة اليونانية و الفلسفة الغنوصية معاً أساساً لها ، و خاصة الأفلوطونية المحدثة ، و جرت كلها على التأويل الفلسفي و الاستناد على مفاهيم أفلاطون من ناحية ، و الحق الإلهي في المجوسية الفارسية من ناحية أخرى ، و تخالف في ذلك مفهوم الإسلام مخالفة تامة ، و تعارضه في أدق مفاهيمه .
فليس في الإسلام وسيط بين الله و العباد ، و لا إنسان له صفة العصمة إلا الرسول محمد صلى الله عليه و سلم المؤيد بالوحي ، و الذي وصفه ربه بأنه بشر و رسول .
فليس لعلم الله وريث خاص ، و لم يوص الرسول إلى أحد بالإمامة من بعده . و ليس هناك قانون ملزم للمسلمين غير الشريعة الإسلامية الني جاء بها القرآن الكريم ، و التي اكتملت قبل أن يختار الرسول الرفيق الأعلى .
و لقد فصل الإسلام تماماً بين الألوهية و البشرية و النبوة فلا يمكن أن يرقى الإنسان إلى مرتبة الألوهية (2) . كما تقول بعض العقائد و الفلسفات . و كذلك نظريات ( القطب ) . فليس من حق زعيم أي طائفة أن يدعو قومه إلى عبادته ، بينما هو في الأغلب عبد لدولة أجنبية .
هامش ص 115
(1) نفس المرجع .
(2) محمد علي أبو ريان . الثقافة سنة 1952 .
انتهى الهامش

ص116
ثانيا – إخوان الصفا
لم تلبث حصيلة الفكر البشري المعارض للشريعة الإسلامية و التوحيد أن تبلورت في مذهب و منهج هو رسائل إخوان الصفا .
و تعد جماعة إخوان الصفا من أخطر الجمعيات السرية التي ظهرت في منتصف القرن الرابع الهجري في البصرة كمنطلق للفكر الشرقي القديم الذي حاول أن يتحرك من جديد من خلال الفكر الإسلامي و المجتمع الإسلامي لبثَ هذه الآراء و تحويلها إلى حركة تمثلت في حركة القرامطة من بعد .
و إن أكبر الريب و الشكوك التي تتصل بهذه الجماعة السرية إنما يتمثل في إخفاء أصحابها أسماءهم في أشد عصور حرية الرأي و إنطلاق دعوات الإلحاد و الإباحة على ألسنة بشار و أبي نواس و غيرهم .
فقد عرف أن خمسة (1) من أتباع المجوسية القديمة و من أتباع ماني و مزدك ممن أعلنوا الإسلام تقية هم الذين كتبوا هذه الرسائل . و فرضوا فيها منهجاً زائفاً يحمل الدعوة لقلب المجتمع الإسلامي ، و ضرب الإسلام من الداخل ، و جعلوا قوامه خلط الشريعة الإسلامية بالفلسفة اليونانية و الغنوصية ، و قوامه الفلسفة الباطنية .
يصفهم أبو حيان التوحيدي في كتابه الإمتاع و المؤانسة فيقول : كانت هذه العصابة قج تألفت بالعشرة . و تصافت بالصداقة فوضعوا مذهباً زعموا فيه أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله . وذلك أنهم قالوا : إن الشريعة قد دنست بالجهالات ، و اختلطت بالضلالات ، و لا سبيل إلى غسلها و تطهيرها إلا بالفلسفة . لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية و المصلحة
هامش ص 116
(1) هؤلاء الخمسة هم أبو سلمان محمد بن معشر البستي ، المعروف بالقدسي ، و أبو الحسن علما بن هارون الزنجاني ، و أبو أحمد المرجاني ، و أبو حسن العوفي ، و زيد بن رفاعة .
انتهى الهامش

ص117
الاجتهادية ، و زعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية ، و الشريعة الإسلامية فقد حصل الكمال . ووضعوا خمسين رسالة ( 51 رسالة ) في جميع أجزاء الفلسفة ، و علميها و عمليها ، و أفردوا لها فهرساً و سموها رسائل إخوان الصفا . و كتبوا فيها أسماءهم و بثوها في الوراقين ووهبوها للناس ، و حشوا هذه الرسائل بالكلمات الدينية ، و الأمثال الشرعية ، و الحروف المحتملة و الطرق الموهمة .
و قال أبو حيانالتوحيدي : إن هذه الرسائل مبثوثة من كل فن بلا إشباع و لا كفاية ينكرون فيها البعث بالأجساد ( جـ ص و جـ ص ) و يفسرون الجنة و النار خلافاً لما تواتر عن المسلمين ، و فهمهم من النصوص الدينية القطيعة ، و ينكرون الشياطين على الصورة التي يفهمها معظم المسلمين ، و يقولون : هي النفوس الشريرة الهائمة فيما دون فلك القمر مع إخوانها من النفوس التي جهلت ذواتها في الحياة الدنيا ، و يفسرون الكفر و العذاب تفسيراً باطنياً فلسفياً. و تشمل على كثير من الآراء الخيالية بعضها متلقف من اليونان ، و بعضها وليد الأذهان ، و بعضها تراث الكهان كالأسرار و الأعداد و التنجيم و الفأل و الزجر و السحر و العزائم و الايمان بطوالع النجوم و تأثيرها ، و موسيقى الأفلاك و نغماتها و ألحانها . و تشتمل كذلك على عقيدة الوحي ، و الإمام المستور ، و التقية . و فيها إعداد النفوس و العقول لدولة جديدة ، تقوم على إمامة أهل البيت ، و إخطار بانتهاء الدولة العباسية و زوالها (1).
و بالاختصار فهي مجموعة غريبة من الحكمة و الديانة و الشعوذة و الكهانة و السياسة ، تقوم على أساس الفلسفة اليونانية ال
بيعية و الإلهية و نظرياتها و أوهامها ، و تنهار بانهيارها . و ليست لها أهمية كبيرة ، لولا الاضطراب الفكري الذي كان يسود العالم في القرن الرابع و الخامس ، و معنى هذا أن هذه
هامش ص 117
(1) كتاب الإمتاع و المؤانسة.
انتهى الهامش

ص 118
الرسائل قد حاولت أن تشكل من الفكر البشرى المتعارض ، المتداخل بين الفلسفة اليونانية بماديتها ووثنيتها ، والفكر الغنوصى بإسرافه فى الخيال ، وأهواء الإشراق والاثنينية وغيرها منهجآ يخرج بالاسلام عن طريقه القويم فقد جمعت هذه الدعوة مزيجآ من الأفلاطونية المحدثة والفيثاغورية الجديدة وإلهيات اليونان ، وباطنيات المجوس .
وقد جاءت هذه الحصيلة القديمة السابقة للإسلام لتتشكل من جديد فى إطار الظاهر من الإسلام لترسم منهجآ يخرج الإسلام عن أبرز مقوماته ، وهى التوحيد والنبوة والأخلاق والايمان بالبعث والجزاء .
وقد جاءت لتمثل ذروة ما وصلت إليه محاولة انبعاث الفكر البشرى مرة أخرى بعد الإسلام فى صورة جامعة بين الهلينية والغنوصية تغذى كل الدعوات الهدامة ، والفرق الضالة .
وقد أشار المستشرق دى بور إلى ذلك حين قال : إن آراء إخوان الصفا ظهرت فى جملتها من جديد عند فوق كثيرة فى العالم الإسلامى كالباطنية والإسماعيلية والحشاشين والدروز والقرامطة بالبحرين ، والدواعى بطبرستان ، والديلم ، والأطروسن .
ولا ريب أن هذه الحركة الفكرية لانبعاث الفكر البشرى القديم من جديد ، وإنفجاره على هذا النحو ، إنما ترجع أساسآ إلى الخطر الذى بدأ بترجمة الإلهيات اليونانية ، وما جرى من محاولات أتباع الفلسفة اليونانية ( ابن سينا والفارابى ) محاولة التوفيق بينها وبين الشريعة الإسلامية ، وهو أمر من الاستحالة بمكان .
ومن هنا يمكن القول إن الهلينية على الصورة التى تشكلت بها فى منهج إخوان الصفا بالفكر وبالحركات الهدامة بالتطبيق هى المرحلة التالية الطبيعية لخروج الترجمة عن أصولها الحقيقية التى كانت تهدف أساسآ إلى ترجمة

ص 119
الطبيعات والرياضيات والطب والفلك.
وإذا كان الفلاسفة في العهد الأول قد حاولوا أن يوفقوا بين الإسلام والفلسفة. فإن إخوان الصفا قد حاولوا أن يصهروا الشريعة الإسلامية داخل الأديان والعقائد والفلسفات (زاعمين أن مذهبهم يستغرق المذاهب كلها، فكأنهم أرادوا بذلك أن يضعوا دينًا عقليًا).
وقد تزيد دعاة إخوان الصفا تزيدًا شديدًا حين ظنوا أنهم قادرون على صهر الشريعة الإسلامية في بوتقة الفكر البشري، أو آحتوائها مما هو من المستحيلات لأختلاف النهج والآتجاه والقيم الأساسية التي يفرق بينها فارق واحد هو: التوحيد (طابع الإسلام) العميق الجذور.
ومن خلال مراجعة آرائهم يتبين فسادها وضعفها وعجزها عن إرضاء العقل الإنساني أو النفس الإنسانية، لبعدها عن الفطرة، ومعارضتها للمزاج الإسلامي، والروح الأصيل والذات البشرية.
وقد صور بطرس البستاني تضارب آراء إخوان الصفا فقال: إنها آراء متراجفة مفككة، فيها عود وتكرار ومزج غريب أختلطت فيه الفلسفة التقليدية والعلوم الرياضية والطبيعية بخرافات السحر والتنجيم، وأسماء ألف ليلة وليلة وحكايات كليلة ودمنة.
ووصفها أبو حيان التوحيدي بأنها خرافات وكتابات، وتلفيقات وتلزيقات. وقال إنه حملها إلى شيخه أبي سلمان المنطقي السجستاني، وعرضها عليه، فنظر فيها أيامًا وتبحرها طويلاً، ثم ردها إليه وقال: تعبوا وما أغنوا، ونصبوا وما أجروا ، وحاموا وما وردوا، وغنوا وما أطربوا، ونسجوا فهلهلوا، ومشطوا فغلغلوا.

ص 120
ومن الحق أن يقال إن كل الظنون التي ساورت من جددوا هذا الفكر في العصر الحديث، وأعادوا طبعه من أن هذا عمل إسلامي أو فكري أصيل قد تبددت عندما نشرت عشرات الوثائق التي أكدّ فيها أصحابها نسبة إخوان الصفا إلى الفرق الغالية، والباطنية. حتى لينعقد الإجماع الآن تمامًا على أن إخوان الصفا، جماعة مشبوهة ليست من العلماء، ولكنها من دعاة الباطنية والمجوسية والزنادقة الحاقدين على الإسلام واللغة العربية والدولة الإسلامية. كما تأيدت صلاتهم الواضحة الأكيدة بالحركات المتآمرة على النظام الإسلامي، والتي كانت تعمل على تقويض مجتمعهم.
ظهر هذا وأنكشف بالرغم من زيف القناع الذي وضعه هؤلاء الدعاة من الجماعة السرية على هدفهم السياسي ليظهروا أمام الناس على أنهم من أهل الفكر الخالص، فقد كشفت الدراسات المختلفة عن حقيقتهم، وأبانت عن مقاصدهم، وعن حقيقة أنتساب أفكارهم، ودعوتهم لمضامين الفكر البشري الوثني الغنوصي، كما أبرزت معارضة ما ذهبوا إليه لمضامين الإسلام وقيمه وشريعته. وفي مقدمتها ( التوحيد ) لب لباب الإسلام وفكره وقرآنه ودعوته.
وأبرز ما تكشف عنه شعوبيتهم ومحاولتهم لهدم المقومات الأساسية للإسلام.
هذا الخلط العجيب المقصود بين أنبياء الله المرسلين، وبين أمثال اليزدان وغازيمون وأرسطو وأفلاطون. ومحاولة خلق نسب واحد لمحمد وموسى وعيسى، مع هؤلاء يخرج بهم عن حقيقة أساسية هي: أنهم رسل الله المؤيدون بالوحي والمنزل عليهم الكتاب، والذين يحملون الفكر الإنساني الرباني المصدر، المعارض تمام المعارضة للفكر البشري الوثني المضطرب، وهو نفس الفكر الذي تجدد من بعد في العصر الحديث من خلال دعوة من أخطر الدعوات هي الماسونية، ووليدتها البهائية. ولنا أن نتساءل لماذا حرص الدكتور طه حسين على تجديد رسائل إخوان الصفا؟.
وقد أشار الدكتور جبور عبد النور في دراسته عنهم: أنهم من الفرق

ص 121
الضالة التى عمدت إلى الاحتماء كذبآ بأهل البيت ، وان أكبر مصدر لإدانتهم أسلوبهم الرمزى ، وإخفاء أسمائهم ، والتحرز من ذكر الأعلام الذين يصدرون عن آرائهم وفكرهم تحفظآ من أن يكشف مذهبهم أو هواهم السياسى . وان فى كتاباتهم إشارات غامضة يستشف منها ميل خفى إلى المجوسية المعدلة بالوثنية الإغريقية ، وهم يرون أن عليا هو إلى طبقة الأنبياء أقرب ، ويفرقون بينه وبين الصحابة ، ويحاولون وصفه بالتفوق على الخلفاء الراشدين .
وأشار الدكتور جبور عبد النور إلى اتسام رسائلهم بالنقمة على الدولة الإسلامية ، والسعى إلى تحطيمها ، وكشف عن أن كتاباتهم تبرز مفاهيم الباطنية والإسماعيلية والفيثاغورية والأفلاطونية والمجوسية جميعآ فى خلط على غير وفاق ، وأن فى نصوصهم فقرات كثيرة ، ولكنها مموهة تشير الى أن فى قرارة نفوسهم ميلآ إلى الوثنية . والوثنية ( إغريقية وبابلية وأشورية ). وأنهم حين يوازنون بين الأديان السماوية وبين الأديان الأرضية ، يسرفون فى تمجيد مفاهيم الأديان الأرضية اسرافآ واضحآ .
ومن الحق أن يقال إن وقائع التاريخ أثبتت فشل هذه الدعوة وإخفاقها وعجزها عن تحقيق نظام أو عقيدة أو منهج ، أو أن تنشئ مجتمعآ يقوم على أساسها لأنها خالفت جوهر الفطرة ، ونهج التوحيد الذى قام عليه الإسلام ، كما بعدت عن المزاج الإسلامى والملامح الذاتية التى تشكلت عليها هذه الأمة .
وقد أكدت هذه التجربة عجز أية محاولة من محاولات الفكر البشرى بعد نزول الإسلام عن تحقيق تصور فكرى أو منهج عملى ترتضيه الجماعة الإسلامية أو الإنسانية بعامة ، كما أكدت عجز المحاولات المتصلة عن دمج الفكر الإسلامى القائم على التوحيد ، أو تذويبه أو احتوائه داخل أى فلسفة وثنية . وقد تحقق عجزهم الكامل عن مثل هذه المزاوجة أو التذويب بين فكر

ص 122
قائم على التوحيد الخالص فيه الفطرة ، ورسالة السماء معآ ، وبين مثل هذه الأفكار البشرية المتضاربة القائمة على الوثنية ، والتعدد والثنائية والتثليث والإباحية والإلحاد .
لقد فشلت هذه المحاولة ، كما فشلت كل المحاولات التى سبقتها فى خلط الإسلام بغيره أو إضافة أجزاء منه إلى مذاهب وفلسفات أخرى.
واستطاع الإسلام أن يكشف عن ذاتية أصيلة تقبل الانصهار داخلها دون أن تنصهر هى فى أى فكر ، أو تذوب فى أى دعوة أخرى. وقد أعطتها أصالة تشكيلها وتركيبها قدرة على الاحتفاظ بجوهرها حتى فى أشد الفترات ضعفآ وتخلفآ .
ولقد كان من أخطر أعمال التبشير والاستشراق فى تشويه الحقائق ، وإعادة طرح مثل هذه الزيوف أن عمد بعض دعاته إلى إحياء هذه الرسائل وطبعها وتقديمها على أنها مثل أعلى من الفكر الحر .
وقد أولى الدكتور طه حسين اهتمامه بمثل هذه الرسائل وإصدارها فى صيغة تعمد فيها نفس الهدف الذى كتبت له من قبل ، غير أن هذا العمل لم يجد تقبلآ واضحآ . بل وجد على العكس من ذلك تفنيدآ ونقدآ انتهى إلى الرفض ، وكشف الزيف ، وكما أخفقت هذه المحاولة إخفاقآ تامآ فى إقامة منهج فكر ، أو إنشاء مجتمع داخل الإسلام . فإنها قد أخفقت مرة أخرى فى محاولة إعادتها . بعد أن أصبحت أثرآ تاريخيآ عتيقآ لا يؤثر فى حياة المسلمين ولا فى فكرهم ، وبعد أن كشفت الوثائق صلة هؤلاء الدعاة بحركات الهدم والانتفاض على الإسلام والمسلمين .
ومن خير ما كتب فى ذلك ما أورده المستشرق الفرنسى كازنوفا حين (1)
هامش ص 122
(1) الرسالة : ص 574 سنة 1934
انتهى الهامش

ص 123
أشار إلى نزعة الاعتقاد الواضحة فى هذه الرسائل ، وهى وحدة الوجود ( البانتيزم ) وصلتها بفكر القرامطة والحشاشين والإسماعيلية والغلاة ، وأنها عمدت إلى تفسير القرآن تفسيرآ غير ما يدل عليه ظاهر اللفظ وهو الأسلوب الباطن الذى جرت عليه بعض الفرق .
وذلك فى قولهم ( اعلم أن للكتب الإلهية تنزيلات ظاهرة ، وهى الألفاظ المقروءة المسموعة ، ولكن لها تأويلات خفية باطنية ، وهى المعانى المفهومة المعقولة ).
وغاية ما يقال ان خطة إخوان الصفا هى امتداد لعبد الله بن سبأ ، ومن بعده عبد الله بن المفقع ، وفى رسائلهم دلائل واضحة واشارات لا تخفى عن هذا الارتباط .

ص124
ثالثا - القرامطة
إذا كانت عصارة الفكر البشرى الوثنى المؤيد بالغنوصية قد عادت لتتشكل من جديد فى ظل الإسلام ، وبعد نزول الشريعة الإسلامية فى فكر موحد هو : رسائل إخوان الصفا ( وغيرها كثير من الدعوات ، ولكنها تمثل أرقى صياغة لهذا الفكر ) . فإن محاولة هذا الفكر لم تلبث أن دخلت فى عديد من محاولات العمل بالتآمر على هدم الجماعة الإسلامية ، وإقامة جماعة الفكر البشرى الوثنى الغنوصى .
وقد تعددت هذه المحاولات فى تاريخ الإسلام ، وكانت أبرزها حركة القرامطة التى تعد ثمرة حقيقية لانتقاض الفكر البشرى فى قلب الإسلام . وقد كشفت التجربة بعد الوقت الطويل عن عجزها عن تحقيق أى ثورة أو نهضة أو إصلاح ، ودمغت القائمين بها بالفشل ، ورسمت نموذجآ حيآ واقعآ عن فساد أى تجربة تخرج عن أصول الإسلام وجوهر قيمه .
ولقد تصاعدت أصوات مريبة فى العصر الحديث تحاول أن تجعل من القرامطة فكرة إسلامية أو ثورة إسلامية ، وصفت بالاشتراكية الإسلامية ، أو العدل الاجتماعى ، كما حاولت هذه الاتجاهات الزائفة وصف ثورة الزنج أيضآ على هذا النحو .
ومن عجب أن ينسب إلى الإسلام عمل من أعملوا السيوف فى رقاب أهل البصرة ، واستباحوا المدينة ثلاثة أيام ، وفعلوا مثل ذلك فى عبادان والأهواز .
ولا ريب أن العلاقة معقودة وثابتة بين هذه الحركات ، وبين الباطنية ودعوتهم المجوسية المجددة ، ومطامعهم فى الإدالة من دور الإسلام على النحو الذى رسمته وثائقهم الثابتة والأكيدة ، وأبرزها ( رسائل إخوان الصفا )

ص125
وقد أشار المستشرقون إلى هذه الرابطة ، وأكدها كثير منهم من أمثال بلاشير الذى أكد أن حركة القرامطة حركة سياسية وليست ثوبآ روحيآ .
كما اعترف الكثيرون بأن القرامطة إحدى حركات الباطنية ، وامتداد للخطة الواسعة للانتفاض على الاسلام ، التى حملت لواءها اليهودية والمجوسية ، وأن الباطنية ( ومنها القرامطة ) كانت ثمرة الدعوة التى حمل لواءها عبد الله بن سبأ والتى تقول بالعصمة ، وكان ميمون القداح الثنوى الديصانى أول من ركز مناهج الدعوة فكريآ . وقد استمد مفاهيمه من تعاليم الفلسفة اليونانية ، وتعاليم مزدك وزرادشت ومانى . وأقام ذلك الخليط له تحت اسم حب آل البيت ، والدعوة لهم وكانت دعوته فى الباطن تعمل على اعادة دولة الأكاسرة ، ولما كان قد أدرك ان دعوته لن تلقى إلا المحاربة لو ظهرت على حقيقتها فقد استتر ومن معه بالتصوف والشعوذة والتقشف والزهد .
ولم يلبث عبد الله بن ميمون القداح ، أن وضع يده فى يد حمدان قرمط تحت اسم الباطنية ، وفى ظل مفاهيم مزدك فى شيوعية الأموال وإباحة النساء . ومن الحق أن يقال إن حركة القرامطة ( كانت حركة انفصالية ) وكانت استمرارآ لثورة الزنج التى قامت قبل منتصف القرن الثالث الهجرى ، كما ثبت أن الحلاج كان من أكبر الدعاة لتحطيم الدولة العباسية أو كان على صلة بالقرامطة .
ومن ثم كانت حركة القرامطة حركة طائفية ، وليست ذات طابع عالمى . فضلا عن عدائها الصريح للإسلام وقيمه ومقدساته . وآية ذلك اعتداؤهم على الكعبة ، وانتزاعهم الحجر الأسود ، ومهاجمة موسم الحج بقتل أكثر من ثلاثين ألفآ .

ص 126
الفصل الثالث
أثر الغنوصية فى التصوف
كان للفكر الغنوصى أثره البعيد المدى فى مفاهيم النسك والايمان ، ومفاهيم الزهد والتصوف ذلك أن المعانى والأصول التى قام عليها دعاة النسك والزهد الإسلامى ، إنما استمدت أصولها الأولى من القرآن الكريم ومن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن مناهج التربية الإسلامية الاصيلة ، غير أنه لم يمض غير قليل بعد أن ترجمت الفلسفات اليونانية والفارسية والهندية حتى دخلت إلى هذه المفاهيم القرآنية الأصيلة تفاسير زائفة ، وقيم وافدة ، من حواشى الفكر البشرى الوثنية الهلينية أو الإشراقية الغنوصية ، وكان أبرز هذه المفاهيم الوافدة : وحدة الوجود ، والاتحاد والحلول ، والإشراق .
والإسلام لا ينافى التصوف القائم على مكارم الأخلاق ، وإنما فسد هذا المفهوم بدخول الفلسفتين اليونانية والهندية عليه ، إذ تحول من تطهير النفوس وإعدادها لعبادة الخالق ، وأصبح مذهبا يرمى إلى فناء الفرد واتحاده مع معبوده أو ادعاء حلول الخالق فى الكائنات .
وقد أكد المتصوفون الأولون موقفهم من الإسلام ، فقال الجنيد : مذهبنا هذا مقيد بالأصول ( الكتاب والسنة ) وهو يجرى فى حدود الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ومن يدعى مع الله حالة تخرجه عن حد علم الشرع فلا نقر به . وقد تأثر التصور الصوفى بمفاهيم الغنوصية والفلسفات اليونانية والهندية والمسيحية عليه ، وكلها خارجة عن مفهوم التوحيد الخالص ، وبعيدة عن التصور الإسلامى ، وقيم الإسلام الأصيلة . ففى الفلسفة اليونانية مذاهب تقول بالشمول وبأن جميع أوجه الطبيعة مظاهر للألوهية ، وأن الوجود كله فى

ص 127
الحقيقة هو الله ( المذهب الأيونى ) (1)
ويقوم الدين الهندى والفلسفة الهندوكية على وحدة الوجود وعلى التناسخ ( مجىء النفس الواحدة إلى الحياة مرات متعددة ) وقد ذهبت الهندوكية والبوذية إلى ما يسمى بالزفانا ، وهو ما يوصف بفقدان الشعور بتخلص النفس من الآلام واتصالها بالأجسام ، وقد أسماه بعض الصوفية ( الفناء ) وقالوا إنه تجرد النفس من رغباتها وميولها وبواعثها حتى تتعطل إرادتها وتموت .
ومن العناصر النصرانية والهندوكية استمدت هذه المذاهب : ( تعذيب النفس بالحلول هو قول مأخوذ من النصرانية ) . والواقع أن أفكار الإشراق ووحدة الوجود والاتحاد والحلول مستمدة كلها من فلسفات الهند ومصر واليونان .
فوحدة الوجود مذهب هندى برهمى ، والأدلة على وجوده ماثلة فى كتب الهنود الدينية وفى أفكارهم (2) الفلسفية ، ومذهب الإشراق مذهب يونانى مستفاد من الأفلاطونية المحدثة .
ولا ريب أن وحدة الوجود والتناسخ مستمدة أساسآ من الفكر البرهمى ، وليست معروفة فى الفكر الإسلامى الأصيل . ولا يقر الإسلام الفناء الذى تتجرد فيه النفس من رغباتها حتى تتعطل إرادتها وتموت ، ولا يقر الإسلام تعذيب النفس ، ولا الرهبانية بالاعتزال عن الحياة وهجرانها ، وقد دعا الإسلام إلى عبادة الله ، ولكنه أنكر الانصراف عن الحياة وهجرانها ، وقد دعا الإسلام إلى عبادة الله ، ولكنه أنكر الانصراف عن الحياة كلية ، أو تعذيب الجسم بالعزوف عن الدنيا . وقال الرسول فى هذا كلمته الحاسمة :
هامش ص 127
(1) عمر فروخ : تاريخ الفكر العربى .
(2) محمد لطفى جمعة : البلاغ 20/11/1934
انتهى الهامش

ص128
((ألا و أنني أعبدكم لله و أنا أنلم و أقوم , و أصوم و أفطر ’ و آتي النساء )) , و دعا الاسلام في أكثر من موضع في القرآن إلى أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها . و قال الرسول : إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق . و أن الله لا يمل حتى تملوا . و كانت هذه التوجيهات تستهدف الحيلولة دون المسلمين و السقوط في الفناء و تعذيب النفس : هذا الفكر البشري القديم الذي محاه الاسلام و دمغه بالفساد قد حمله إلى المسلمين مرة أخرى عدد من أتباع الفلسفات من أمثال : محي الدين بن عربي و الحلاج و السهروردي .
و كل هؤلاء قد خرجوا تماما عن مفهوم الاسلام الصريح الواضح البسيط إلى مفهوم فلسفي معقد مدخول .
و قد جرى هؤلاء و غيرهم على هذا النحو من تزييف بضاعة التوحيد الخالص . بادعائهم أن لآيات القرآن وجهان : ظاهر و باطن , و أنهم هم وحدهم الذين ادركوا المعنى الباطن . بينما وقف غيرهم عند المعنى الظاهر .
و تقوم كتابات الكثيرين على الالغاز و التعمية خوفا من مصير مثل مصير الحلاج و السهروردي , و يذهب بعضهم إلى القول بأن القرآن لا يفسره إلا أهل الله العالمون به , و في هذا محاولة لخلق طبقة لم يخلقها الاسلام قريبة إلى نظرية العصمة أو تخصص رجال الأكليروس و اللاهوت . و ليس في الاسلام مفهوم غير ما يعلمه المسلمون جميعا . و لم يحتفظ الرسول عند أحد بسر خاص أو امتياز خاص في نفسير القرآن .
و من هنا كان خطر ما ادعاة بعض الصوفية من سر لا يفشى لأهل الظاهر – و هذا قريب مما قال به الباطنية في جماعتهم السرية – كذلك ليس من مفهوم الاسلام الاصيل تلك التعبيرات الغامضة التي استحدثتها هذه الفلسفات كالقول بالحقيقة الوجودية , و الحقيقة المحمدية , و هي نظريات وافدة من البرهمية و الأفلاطونية , و هو تقسيم لم يعرفه المسلمون الأولون ,

ص129
و هو مستمد من الفكر البشري و الوثني و الغنوصي .
أولا وحدة الوجود
تقوم وحدة الوجود على مفهوم معارض تمام المعارضة لمفهوم الاسلام الذي ينزه الله سبحانه عن الاتحاد و يقول بوحدانية الله الخالق , كما يقول بأسم الله واجب الوجود , منزه عن وجود الكائنات التي خلقها . ذلك أن وجود الله أزلي لا بداية له , ولا نهاية . أما وجود العوالم فهو ((وجود حادث )) له بداية و نهاية . فضلا عن أن وجود العوالم مسبب عن الله تعالى .
ولقدرفض الاسلام بمفهوم العقل و الشرع فكرة وحدة الوجود التي تعني تأليه المخلوقات , و اعتبار الكون هو الله أما مفهوم الاسلام فهو صريح وواضح بأن الوجود اثنان : واجب الوجود , و ممكن الوجود . واجب الوجود هو صأنعها الواحد الفرد الصمد , و ممكن الوجود هو هذه الكائنات كلها التي ندركها بحواسنا الخمس مباشرة .
و الاسلام لايقبل وحدة الوجود . لان فيها انتقالا من عقيدته الاصيلة ((لا إله إلا الله )) إلى ما يقوله بعض الصوفية . ((لا موجود في الحقيقة إلا الله )) و سياق كل منهما ينتهي إلى نتائج مختلفة أشد الاختلاف .
ولا ريب أن مفهوم وحدة الوجود من دخائل الغنوصية , وهو غير أصيل في الاسلام . ولا في فكره , ولا في عقيدته القائمة على التوحيد الخالص . إن أصحاب مذهب وحدة الوجود يقولون : إن الله و الكون كلاهما واحد . و معنى هذا أن الكون هو الله . و قد أنكر الاسلام ذلك إنكارا شديدا .أنكر حلول الخالق في المخلوق , أو استغراق المخلوق في الخالق , و هو يميز طبيعة كل منهما . و لذلك أنكر الاسلام هذا المفهوم .

ص130
(1)
و قد استشرت هذه النظرية (1) في الفكر العربي الحديث عن طريق الفلسفة اليهودية و الفلسفة المسيحية , و أصبح لها دعاة و مذاهب .
ثم نشأت في الغرب مذاهب ترى في وحدة الوجود ما يراه الاسلام من أنها تتضمن إنكارا لله . و قد ذهب (سبنهور ) إلى القول بأن مذهب وحدة الوجود (( ليس إلا صورة مهذبة لمذهب الإلحاد . لان حقيقة مذهب الوجود ينحصر في أنه يهدم التعارض الثنائي الموجود بين الله و الكون , و أنه يقرر أن الكون موجود بفضل قواه الباطنية الموجودة فيه . و أن المبدأ الذي يقول به أصحاب وحدة الوجود من أن الله و الكون شئ واحد , إنما هو وسيلة مهذبة للاستغناء عن الله , أو تعطيل عمله )) (2)
(2)
واجه المفكرون و الكتاب المسلمون هذه الدعوة و دحضوا شبهة اتصالها بالإسلام . وقد أشار عبد المنعم خلاف في صدر مناقشة هذه الاراء , إلى أن مذهب وحدة الوجود . قد غزا عقول بعض الفلاسفة و الصوفية الذين لأهمهم أن يدركوا الله و ما وراء الطبعة بالحواس التي يدركون بها الطبيعة . و بالعقل البشري المخلوق لإدراك النسب بين كائنات الطبيعة وحدها اولا . فلما عجزوا عن رؤية الله تعالى و إدراكه , ذهبوا إلى أنه لابد ان يكون الله هو هذا الوجود الظاهر , و أنه يحل فيه , و ليس له وجود منفصل عنه , و هكذا تجد الوثنية التي حاربتها لاديان و الفلسفات سندا عظيما من هذه الفلسفة ,و هكذا تتحول كل الطبيعة إلى أصنام آلهة . و إن النظرة الاولى تهدي إلى أن الله غير
هامش ص130
(1) حبور دانوبرونو الايطالي .و سبينوزا اليهودي .
(2) دريني خشبة : الرسالة .
انتهى الهامش

ص131
الطبيعة , و أن هناك انفصالا بين الخالق و المخلوق . و أن انفصال الله عن الكون هو النظرة البديهية التي تحل أكبر مشكلات الوجود . و بما نضبط تقدمن البشري , و تحدد المسؤوليات التبعيات , ولا تختلط الحدود , ولا تسقط التكليفات , ولا تهدر قيم الأشياء . أما اعتناقنا مذهب الوجود , فمعناه الاختلاط و التشويش و الفوضى , و التباس المقاصد , و ذهاب الاختيار بين الخير و الشر , و أن الانسان بهذا المذهب سيكون إله نفسه , لانه جزء من الخالق , و ستكون الآلهة بعدد المخلوقات و بعدد الناس , (( كما أشار الدكتور محمد يوسف موسى )) إلى قول محي الدين بن العربي : (( أن ليس هناك إلا وجود واحد هو الله . و أن الالم كله مظاهر له )) معنى هذا أن الحقيقة التي هي الوجود االحق هو ذاته تعالى . هي في عالم الحيوان حيوان , و في عالم النبات نبات . ثم قال : إن هذه النظرية الغامضة الصعبة التطور العسيرة الفهم , بعيدة عن العقل و الدين . و قال : إن الله و العالم متباينان في كل شئ . و منفصلان تمام الانفصال . أحدهما وجوده رهن بإرادة الاخر , ولا يتفق كذلك معه بحال ما دام الدين ينزه الله عن أن يكون أشرف مخلوقاته مجلى و مظهرا له .
و ان هذا لا يتفق مع العقل الذي يرفض أن يؤمن بشئ يعجز عن إدراكه على أي نحو كان . و لعل رفض العقل و الشرغ لفكرة وحدة الوجود , هو الذي جعل بعض المفتونين بأبن عربي يبرئونه من القول بها أو الذهاب إليها .
و يقول نقولا حداد : إن الاديان السماوية اثلاث ترفض هذه النظرية الفلسفية رفضا تاما , و هي مجمعة على أن الله و الوجود المادي شيئان مختلفان , و أن لكل منهما ذاتيى قائمة بذاتها منفصلة عن الاخرى , و أن الله الواجب الوجود الذاتي هو خالق الوجود المادي و مسيره , و هذه النظرية مقررة في تعاليم الأديان لا تقبل النقض ولا التنقيح ولا التعديل .
و يقول الاستاذ البشبيشي في معارضة هذا المذهب : إن القول بوحدة

ص132
الوجود مذهب احدثه في الاسلام متأخرو الصوفية المتكلمون فيما وراء الحس , و خلاصته أن الله تعالى هو الوجود المطلق , و أن غيره لا يتصف بالوجود اصلا , فلو قيل إن الاسلام موجود , فمعنى ذلك عندهم أن له تعلقا بالوجود , وهو الله تعالى . و أن جميع العوالم سواء اختلفت أنواعها و تباينت أجناسها و شخوصها أم لا موجودة من العدم . و أن وجودها هذا محتفظ عليها بوجود الله تعالى , و ليس بنفسها , لأنها معدومة , من جهة نفسها لعدمها الأصلي . و من ثم فوجودها الذي هي به موجودة في كلمة هي وجود الله تعالى , و هو واحد لا ينقسم ولا يتبعض ولا يتجزأ ولا ينتقل ولا يتغير ولا يتعدد أصلا , ثم هو مطلق عن الكيفيات , و الاماكن و الازمان ,((إننا لا ننكر كون العالم موجود بقدرة الله و إرادته . و لكن يجب أن نفرق بين وجود الله , وهو وجود أزلي لا بداية له , ولا نهاية , ووجود العوالم وهو وجودحادث له بداية و نهاية . ثم إننا أيضا نسلم بأن وجود العوالم مسبب عن الله تعالى . ولكن لنا أن نقرر أن هناك فرقا كبيرا بين السبب و المسبب , و العلة و المعلول )) .
ثانيا –الاتحاد
وهو القول بأن العبد صار هو الرب , و هو قول فاسد كل الفساد , و قد واجهه مفكرو الاسلام و أوضحوا زيفه بالبرهان . وقد أورد الامام الغزالي ثلاثة احتمالات للاتحاد و هي إما أن تظل كل ذات من الذاتين موجودة . و إما أن تفنى إحداهما , و تبقى الاخرى , و إما أن تفنيا معا . و في الحالة الاولى لا يكون اتحاد , و في الثانية كيف يمكن الزعم بأن هناك اتحاد بين موجود و معدوم و الثالثة لا يكون هناك محل للحديث عن الاتحاد بل الأولى أن يتكلم عن الانعدام (1) . فالتناقض واضح في جميع الاحتمالات و العقل لا
هامش ص 132
(1) الرسالة : ص – 640 م 1944
انتهى الهامش

ص133
يستسيغ قبول هذا التناقض بعد أن جاء الشرع يبين فساد فكرة الاتحاد عند النصارى . يقول الاستاذ البشبيشي في هذا المجال : أنه كما تنزه واجب الوجود عن الحلول , فهو يتنزه عن الاتحاد لأنه لو حدث أن اتحد الواجب بغيره , نتج عن ذلك حالتان . إما أن يبقيا موجودين , و إما يدركها العدم معا , و يخرج منها ثالث , أو يدرك العدم أحدهما و يبقى الاخر . ففي بقائهما موجودين , فهما إذا في هذا الحال اثنان متمايزان متباينان . و هذا التمايز ينافي الاتحاد , لان الاتحاد يستلزم أن يصبحا واحدا . و في عدمهما معا يبطل الاتحاد , لان المعدوم لا يتحد بمعدوم , و في حالة عدم احدهما فقط فإن الاتحاد لم يتحقق اصلا .
ثالثا – الحلول
يقولون إن لله قدرة على الحلول في الاشياء و التشكيل بها . و هب فكرة مستقاة من الفلسفة اليونانية , و تكادتكون عنصرا رئيسيا في الفلسفة الهندية , و هي على كل حال مهدمة لوحدة الله حسب رأي القرآن .
و الفرق بين الحلول و وحدة الوجود , أن الحلل هو وجود حقيقتين مختلفتين (الإلهية و البشرية ) و قيام الاولى بالثانية تحت ظروف خاصة , بينما يرى أصحاب الوجود وحدة الوجود ذاتية لجميع الاشياء مع تعدد مظاهرها .
إن القول بالحلول ينافي وحدة الوجود كل المنافاة لأنه يقتضي حالا و محلولا فيه , و يكون الوجود وجودين لا وجودا واحدا , فكيف يكون الله (سبحانه ) حالا في العالم , و يكون ليس شيئا غيره . و القائلون بوحدة الوجود ينكرون الحلول . و الحلول باطل بالشريعة و بالنظر العقلي جميعا .
يقول الامام الغزالي : إن الحلول لا يمكن تصوره بين عبدين , فكيف يمكن تصوره بين العبد و الرب , و مهم بلغت روح التصوف من الصفاء , فكيف

ص134
يمكن أن يدعي أن تكون هي هو . و لئن سلم أحد بإمكان ذلك بالنسبة إلى نفس واحدة فكيف ليسلم به لجميع النفوس , و عندئذ يصبح العالم كله آلهة . فمن المحال أن يحل محل الله في النفس , و أن ينطبع فيها انطباع الخمر في اللبن . فإن ذلك من صفات الاجسام (1) .
يقول الاستاذ البشبيشي في دفع هذه الشبهة : إن لله واجب الوجود , و متنزه عن صفات الحلول , و إن الحلول محال على الله لاسباب كثيرة . ذلك لان القديم يختلف عن الحادث لاختلاف الماهية في كل منهما , و هذا الاختلاف يوجب استحالة حلول القديم في الحادث . ثم إن الله واجب الوجود , و هذا الوصف ينفي الحلول : لانه في حالة حدوثه يصبح الحال تابعا لما حل فيه , كما يصبح محلولا لهذا المحل و متأثرا به . بل إنه ليصبح في غير الإمكان تصور الحال إلا بتصور المحل , إذن ينتفي الحلول في هذه المرة . كما استحال في الاولى .
ثم إن الله واجب الوجود , و الواجب ليس عرضا أو ليس جوهرا , فإذا كان الحلول حلول عرض في جوهر , فلا يمكن بالنسبة لله تعالى , لانه ليس بعرض , و إذا كان الحلول جوهر في جوهر , فلا يمكن ايضا . لان الله تعالى ليس بجوهر .
رابعا – الاشراق
و يمثل الاشراق مفهوما خارجا عن اصول الاسلام و معتقده الواضح القائم على التوحيد الخالص , وفق منهج الاسلام في المعرفة الذي اورده القرآن , فهو يدعو إلى التحرر من كل أساليب المعرفة . ولا يرى إلا وجها واحدا .
و المعرفة الانسانية في هذا المذهب تقوم على إلهام من العالم الاعلى يصل
هامش ص 134
(1) عن بحث للدكتور محمود قاسم
انتهى الهامش

ص135
بواسطة عقول الافلاك ؛ و هو يعبر عن الله و عالم العقل بالنور و قد قال بذلم من اليونان هرمس و فيثاغورث و أفلاطون .
و قد نسب هذا المذهب إلى السهروردي , و هو في الاصل مستمد من الفلسفات اليونانية و الفارسية , و خاصة مذهب الافلاطونية الحديثة , و هو فرع من نظريات الفلسفة و الكلام و التصوف , و رتجع المذاهب الاشراقية أساسا إلى أصول فارسية قديمة .
و قد و صف الدكتور علي سامي النشار هذا المذهب بأنه في جملته مذهب أفلاطوني يحمل في جوانبه ما اشتملت عليه التيارات الفلسفية الاسلامية السابقة عليه , فتأثر بنظرية الفيض المشائية , و يدور حول فكرة الاشراق . فالاول (أو نور الانوار ) تفيض عليه أنوار طويلة , و أنوار عرضية , و هي أنوار تدبر شؤون الأنواع الموجودة في العالم الحسي , فضلا عن أن السهروردي ابتدع عالما (اوسط) بين العالم الحسي , و العالم العقلي أسماه (البرزخ ) و هو نفس وضع الرياضة المتوسطة عند افلاطون .
و قال الدكتور النشار : إنه مهما قيل عن التأثير الفارسي في مذهب الاشراق , إلا أننا نركد بطريقة حاسمة أن هذا المذهب هو استمرار الفلسفة اليوناينية بالصورة الافلاطونية المتأثرة بتيارات الفكر الفلسفي التلفيقي الذي راجت تعاليمه عند السريان , و انتقلت هذه الصورة إلى المسلمين في عصر الترجمة .
أما الالفاظ الفارسية القليلة التي تشيع في مؤلفات السهروردي , فهي ليست سوى أدوات استخدمها المؤلف لإيهام القارئ بالاصل الفارسي للمذهب . و ذلك انقيادا مع نزعة الفرس الشعوبية . و كان السهروردي منهم .

ص136
الفصل الرابع
مواجهة الفلسفة الغنوصية
لقيت الفلسفة الغنوصية مواجهة صحيحة حاسمة من رجال الدعوة و الفكر الاسلامي , كما لقيت الفلسفة الهلينية . ذلك أن كلا منهما تمثل مجموعة من بقايا الفكر البشري القديم السابق على الاسلام المعارض للمفهوم القرآني و الرباني و الانساني بصفة عامة .
أما الفلسفة الغنوصية فهي في مجملها تخالف الاسلام و الدين المنزل بصفة عامة في أنها تفرض منهجا للمعرفة قائما على الكشف أو المشاهدة و الذوق . بينما تفرض الهلنية منهجا قائما على المنطق و العقل . و كلاهما منهجان ناقصان في مفهوم الاسلام الذي يجمع بين العقل و القلب في اطار الوحي و على قاعدة التوحيد .
أما منهج الكشف و المشاهدة و الذوق الذي عرفته الغنوصية , و قام على اساسه الاشراق و دخل في نطاق كل الدعوات الباطنية , فإنما يتصل أساسا بمفهوم المجوسية القديم – و يرتبط بالنتائج و الاتحاد و الحلول , و وحدة الوجود و كلاهما يعارض مفهوم الاسلام .
أما منهج العقل و المنطق الذي عرفته الهلنية , و قام على أساسه فكر ارسطو و أفلاطون و غيره في نطاق الفلسفة الإغريقية فهو ينكر أساسا الوحي و الغيب , و يفهم الله سبحانه فهما ناقصا او قاصرا .
و من هنا كان لابد أن تشرع اقلام كتاب المسلمين لمواجهة انتقاض الغنوصية وما طرحته من مفاهيم و مذاهب و نظريات للرد عليها . و نقض

ص 137
شبهاتها في إطار التحدي الخطير الذي عرف عنها , و الخلفية القائمة وراءها , و التي تحمل لواء حركة خطيرة لهدم الاسلام من الداخل كمقدمة للقضاء على الدولة الاسلامية خاصة بعد أن أثبت جميع الذين شاركوا في هذه الحركة كانوا من أبناء المجوسية .
و قد نهض بذلك واصل بن عطاء , و أبو الهذيل العلاف , و بشر بن المعتمد , و إبراهيم النظام , كما تصدى بها الاشعري و الباقلاني , ورد عليهم الغزالي في كتابه : فضائح الباطنية و القسطاس . و ابن الجوزي .
و استطاعت العقيدة الاسلامية بأصالتها و صلابتها أن تدحض زيف الغنوصية و تعاليمها , و كشف أهدافها الرامية إلى تمدير الاسلام .
و لقد عرض العلماء المسلمون لشبهات الباطنية و الغنوصية في أسلوب عملي و منهج قرآني خالص , و تخصص كثير منهم في الانكباب على منهج واحد للقضاء عليها نهائيا .
فأنصرف واصل بن عطاء إلى مناقضة إلحاد بشار بن برد , و ألف كتابا فيه ألف مسألة للرد على المانوية , و جادل أبو الهذيل العلاف الشاعر صالح بن عبد القدوس .
و ألف الحسن بن عثمان الخياط ((كتاب الانتصار في الرد على ابن الراوندي الملحد فيما قصد به الكذب على المسلمين و الطعن عليهم )).
و كان القاضي أبو بكر بن العربي من أبرز من تنبه لأخطار الزنادقة و الرد عليهم , وقد دعا إلى اليقظة , و أنحى بالملائمة على المؤرخين , و حذر الناس مما يكتبون , و وصفهم بأنهم يشوهون الحقائق و يطمسونها في أغلب الاحيان , و أكثرهم لم يتوفر على الامانة العلمية , و قد اعلن عداء صريحا لمن خلطوا بين الدين و الفلسفة . و تعرض في كتابه ((العواصم من القواصم )) إلى الفلاسفة

ص 138
السفسطائيين والطبائعيين والإلهيين وناظر الباطنيين والحلوليين وأرباب الإشارات من غلاة الصوفية وظاهرية الأحكام والفرق التي أظهرت بغضها للأشخاص باسم الإسلام.
وكتب أبو الفرج الجوزي في كتابه (تلبيس إبليس) فكشف كثيرا من شبهات الغنوصية والباطنية . وكشف ابن الجوزي عن أن المزدكية والخرمية والبابكية والإسماعيلية حركة واحدة. وقال إن فكرة التأويل مانوية وأن فكرة الحلول والرجعية والتناسخ من آراء الغلاة وأن الثنوية من تعليم مزدك الداعي إلى استباحة الأموال والأعراض.
وقال إن حركة إخوان الصفا على نفس الخط وهي محاولة للتآمر على القيادة السياسية عن طريق نشر مفاهيم تجمع بين المزدكية والبابكية وقال إن الباطنية قد قصدوا إلى سلخ الناس عن الأديان وترك مراسيم العبادة الإسلامية (أي رفض الظاهر).
ويمكن إجمال مخالفات الغنوصية: (في صورها المختلفة التي تفرعت من الباطنية) للإسلام في عدة قضايا هامة.
أولا: مجاراة المجوسية والمانوية في القول بقوى الطبيعة (السماء والضوء والهواء) وبالقول بالنور والظلام والخير والشر.
ثانيا: التأويل والقول بأن للقرآن ظواهر وبواطن وأن الظواهر تجري مجرى القشر من اللب.
ثالثا: رفع التكليف وحط أعباء الشرع عن المتعبدين وإباحة الملذات والمحرمات وطلب الشهوات وإسقاط فرائض الإسلام.
رابعا: إباحة النساء والأموال.
خامسا: القول بالتناسخ بين الأرواح.

ص 139
سادسا: تحريم صيد الحيوان وتحريم ما أباحه الله من لحم الطير والتضرر من الصيد والدعوة إلى رحمة العصفور.
سابعا: إنكار البعث والجزاء والجنة والنار.
وقد استتبع طرح هذه المخالفات استشراء خطر كبير هو غاية الغايات من وراء هذه الدعوات وهو التحلل من الالتزام الأخلاقي والجزاء الأخروي والعبث بفلسفة الأخلاق الإسلامية ودعوة الناس إلى الحرية المطلقة من غير قدي وإلغاء التكليف.
وقد اتخذ أسلوب التأويل أو علم الباطن أداة لتخريج النصوص من أصولها الأصيلة إلى تفسيرات رمزية فاسدة وخاطئة. وتعد مسألة التأويل الباطني من أخطر الأساليب التي قدمتها هذه الدعوات وأكبرها أثرا في جماعات الناس.
وقد وجدت هذه الدعوة قبولا كبيرا لأنها فتحت باب إرضاء الشهوات فهم "يقولون" أن لكل ظاهر باطنا ولكل تنزيل تويلا. وإن الظاهر بمنزلة القشور والباطن بمنزلة اللب وقد تأولوا آيات القرآن وسنن النبي وقالوا إن من ارتقى إلى علم الباطن انحط عنه التكليف ، وإن جميع ما استعبد الله به العباد في الظاهر من الكتاب والسنة أمثال مضروبة. وقد قصد (التأويل) إلى تفسير النصوص تفسيرا يخرجها من مدلولاتها الأصيلة إلى مدلولات ومفاهيم محرفة من هذه العقائد. وقد كان من وراء هذه النظريات هدف واحد هو إحياء الزندقة والإباحية وتفشي دعوة اللهو والمجون وتحسين الخمر والميسر للناس والاستهزاء بالأديان كلها وإنكار الوحي المنزل على الرسول ومحاولة هدم مكانة الأنبياء.
ولم يكن هذا كله من طبيعة الإسلام نفسه ولا مما يتقبله في مفهومه الصريح الواضح البسيط القائم على التوحيد والأخلاق والإيمان بالغيب.
وقد انطلقت أصوات الدعاة تنبح بالتحريض على الخمر والإباحة

ص 140
والخلاعة في الشعر والأدب والفلسفة جميعا. وكان من أخطر هذه الدعوات محاولة إلغاء ما بين الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية من تمايز. والقول بأن الله يحل في الأشخاص الحسنة أو أنه يتحد مع الكون أو القول بتتابع الأرواح واتصالها من جسد الميت إلى جسد الحي.
وقد واجهت العقيدة الإسلامية الصلبة هذه الشبهات جميعا بالنقض نقضا يقوم على أساس العقل وعلى أساس الفطرة في نفس الوقت ، فاندحرت هذه المذاهب وفشلت في أن تحقق شيئا وانتصر الإسلام على المجوسية وانطوت المجوسية واعتنق معظم أهلها الإسلام.
وقدم الإسلام في مواجهة الباطنية نماذج من الأعلام والفقهاء والتقاة والأبرار من أمثال عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينه وسفيان بن الثوري والفضيل بن عياض وغيرهم هربوا من الأمراء ورفضوا المناصب وعاشوا نماذج للتقوى والورع فأعطوا نماذج للتطبيق الإسلامي الصحيح.
كما واجه ابن حزم والشهرستاني وابن تيميه وابن القيم والغزالي هذه النظريات وكشفوا زيفها. ومن خلال الرد على هذه الشبهات تشكل مفهوم أهل السنة والجماعة وتوضحت عقيدة الإسلام الناصعة الخالصة من شوائب الوثنية والإلحاد والأثنينية.
ويمكن تلخيص هذا المفهوم في مواجهة زيف الباطنية وشبهات الغنوصية على النحو الآتي (1)
هامش ص 140
1- هذا النص مستقى من ملحق أورده عبد القادر البغدادي في كتابه (الفرق بين الفِرَق) ونقله عنه عمر فروج في كتابه الفكر العربي إلى أيام ابن خلدون.
انتهى الهامش

ص141
(1)صانع العالم: الحق تبارك وتعالى له صفات ثابتة استحقها لذاته وأن الحوادث كلها لابد لها من محدث صانع وهو قديم لم يزل وليس له صورة ولا أعضاء ولا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان ولا تحلقه الآلام واللذات وهو غني عن خلقه وأنه واحد أحد.
والله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء بالاختراع من العدم وعلمه واحد يعلم به الموجودات بتفاصيلها من غير حس ولا بديهة ولا استدلال وسمعه وبصره محيطان بجميع المسموعات والمرئيات وهو لم يزل رائيا لنفسه سامعا لكلام نفسه . والله سبحانه وتعالى يراه المؤمنون في الآخرة ولا يحدث شيء في العالم إلا بإرادته ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والله سبحانه وتعالى حي بلا روح ولا اغتذاء. وكلام الله صفة أزلية وهو كلام الله غير مخلوق ولا محدث ولا حادث. وأسماء الله وصفاته معروفة من القرآن والحديث الصحيح وإجماع الأمة. ولا يجوز إطلاق اسم عليه عن طريق القياس (1). وأسماء الله تسعة وتسعون، وهي صفات أزلية نحو (واحد – أول – صمد) وصفات أزلية قائمة بذاته نحو (حي – قادر – عالم – مريد – سميع) وصفات مشتقة من أفعاله (خالق – رازق – عادل).
(2)والعبد مكتسب لعمله والله خالق لكسبه والإنسان يصح منه اكتساب الحركة والسكون والإرادة والقول والعلم والفكر ولكنه لا يصح منه اكتساب الألوان والطعوم والروائح والإدراكات.
والهداية من الله على وجهين: إبانة الحق والدعوة إليه ونصب الأدلة
هامش ص 141
1- مثل ما تقوله الماسونية عن الله (مهندس الكون الأعظم) مثلا.
انتهى الهامش

ص142
عليه ، والله يخلق الهداية في قلوب عباده ،ومن مات أو قتل ، فإنما مات بأجله الذي جعله الله له ، والله قادر على إبقائه ، والزيادة في عمره.
وإذا أكل أحد شيئا أو شربه فإنه تناول رزقه حلالا أو حراما. ولو أن الله كلف خلقه فوق ما كلفهم من العبادة والأعمال والمشقات ، أو خلقهم كلهم في الجنة أو لم يخلقهم البتة ، أو خلق الحيوان فقط ، أو خلق الجماد أو النبات دون البشر لكان ذلك كله عدلا منه ولا يعد خروجا على الحكمة. ذلك لأن له وحده الأمر والنهي والقضاء يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
(3)إثبات الرسل من الله إلى عباده ، فمن نزل عليه الوحي من الله على لسان ملك وكان مؤيدا بنوع من الكرامات الناقضة للعادة ، فهو نبي ، فإذا حض بشرع ، أو بنقض شريعة كانت قبله فهو رسول ، والأنبياء كثيرون ، والرسل منهم ثلاثمائة وعشرة أولهم آدم وآخرهم محمد. وعيسى نبي مرسل أراد خصومه قتله فرفعه الله إليه. وكل مدع للنبوة أو الألوهية لنفسه أو لغيره كافر. والأنبياء أفضل من الملائكة ، وكل نبي أفضل من أولياء أمته ، والأنبياء معصومين عن الذنوب بعد نبوتهم. وقد يبدو منهم قبل النبوة زلات يسيرة.
(4)المعجزة أمر يظهر بخلاف العادة على أيدي الأنبياء ، إذا تحداهم قومهم ، فإذا أظهر النبي معجزة واحدة ثم عجز قومه عن معارضته فقد لزمتهم حجة التصديق بما جاء به ، وللأولياء كرامات ، والقرآن معجز بنظمه (أسلوبه) ولرسول الله معجزات. منها : انشقاق القمر له وتسبيح الحصا بين يديه وغير ذلك.

ص143
(5)والإسلام بني على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. وصلاة الجمعة واجبة ، فمن أنكر واجبا من هذه كان كافرا ، والجهاد واجب والبيع جائز والربا حرام ، ومن تأول المحرمات (حللها لنفسه على وجه من الوجوه ، أو حجة من الحجج) كان كافرا.
وأصول أحكام الشريعة الكتاب والسنة وإجماع السلف.
فمن أنكر هذه وقال: إن العلم يؤخذ من الإمام وحده فهو كافر ، وأفعال المكلفين والبشر البالغين العاملين خمسة أٌقسام:
1- واجب : أمر الله به يثاب الإنسان على فعله ويعاقب على تركه
2- محظور: نهى الله عنه ومن فعله عوقب عليه.
3- مسنون : يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه
4- مكروه: يثاب تاركه ولا يعاقب عليه
5- مباح: لا ثواب ولا عقاب عليه
(6)إن الله يعيد في الآخرة الناس والحيوانات التي كانت في الدنيا وسيخلق لهم الجنة والنار ثم إن عذاب القبر والحوض والصراط والميزان حق وشفاعة رسول الله والصالحين من أمته للمسلمين والمذنبين حق.
(7)الخلافة أو الإمامة فرض على الأمة لنصب إمام (خليفة) يقيم القضاء ،

ص144
ويضبط الثغور (الحدود – التخوم) ويحارب العدو يكون نصب الخليفة بالاختيار (الانتخاب) من قريش ويشترط أن يكون عالما بالأمور الدينية والأحكام الشرعية عادلا حسن التصرف في إدارة الدولة غير مرتكب للكبيرة ولا مصر على صغيرة وتنعقد الخلافة باجتهاد أهل الحل والعقد.
ولا تصح في وقت واحد إلا لشخص واحد إلا أن يكون هناك قطران مسلمان متباعدان وبينهما بحر حاجز أو عدو لا يطاق فيجوز حينئذ نصب خليفتين. أما الصحابة الذين قتلوا في معركتي الجمل وصفين فقد اجتهدوا وأخطأوا ولكن لم يكفروا بخطئهم في الاقتتال.
(8)أصل الإيمان المعرفة ، والتصديق بالقلب والإيمان لا يزول بذنب دون الكفر ، ولا يحل قتل امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: ردة أو زنى بعد إحصان أو قصاص بمقتول هو كفؤه.
والملائكة معصومون ومن المسلمين الأولين عشرة مبشرون بالجنة : بو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد سعيد بن نصر ابن عمرو بن نفيل وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة عامر بن الجراح.
ثم الذين شهدوا بدرا وأحدا مع الرسول والذين شهدوا بيعة الرضوان بالحديبية إلا رجلا اسمه قزمان شهد أحدا وكان من المنافقين.
أما الكفار فهم الذين أنكروا وجود الله وأشركوا به إلها أخر وعبدوا آلهة من دونه ومن عادى المسلمين جهرا وسرا وأهل الأهواء والبدع من خالفوا الأصول التي مر ذكرها.

ص145
(9)المعرفة وإثبات الحقائق تكون بالحس والبداهة والاستدلال والوحي والخبر والإجماع.
(10)العالم حادث وهو متناه وفناء العالم وبقاء الجنة والنار وأهلهما أبدا.
وقد جاء هذا المنهج مفسرا وموسعا ومفصلا في عشرات من الدراسات والكتابات التي قدمها علماء المسلمين للرد على ما تعرض له الفلاسفة الهلينيون والإغريقيون أو أصحاب دعوة بشرية الأديان وفي مختلف القضايا التي أثارها أصحاب الشبهات من نقد النبوة أو التشكيك في المعجزة أو إنكار الوحي أو اعلاء العقل أو اعلان الإشراق.

ص146
الفصل الخامس
حركة الانتقاض والمؤامرة على الإسلام
قادت الفرق التي اعتنقت الفكر البشري من مانوية ومزدكية وباطنية ومجوسية والحركات التي تشكلت في ظلها (الزنج القرامطة وبابك والأفشين) خطة المؤامرة على الإسلام والانتقاض عليه. قادها خصوم الإسلام من مجوس ويهود وأصحاب النفوذ القديم من الفرس ولم يكن هدفها العودة إلى الوثنية والمجوسية والثنوية والمانوية. ولكن هدفها الحقيقي هو إخراج المسلمين من توحيد الإسلام وعقائده ، وإخراج المسلمين من الفكر القرآني الرباني الذي يمثله الإسلام كعصارة له إلى الفكر البشري الوثني المادي.
ولا ريب كان بعض رجال اليهودية والنصرانية والمجوسية يضمر الكيد للإسلام منذ اللحظة الأولى التي واجه عوالم فارس والروم ، فكانت الحركة الأولى الباكرة التي قادها عبد الله بن سبأ والتي مهدت الطريق لحركة الانتقاض ووضعت بذور الغنوصية والوثنية والتجسيم والحق الإلهي وكل معالم الفكر البشري السابق للإسلام والمعارض للتوحيد.
وكان عمل عبد الله بن سبأ: هو الجانب الفكري للمؤامرة التي برزت في أقوى صورها في عمل أبي لؤلؤة المجوسي ومقتل عمر بن الخطاب وما تبع ذلك من فتن كقطع الليل المظلم وتشكلت تلك البذرة التي أثمرت حركات الملاحدة والقرامطة والباطنية وكل مؤامرات إخراج المسلمين من فكرهم القرآني الموحد إلى الفكر البشري الوثني والهليني والغنوصي وفتح باب التأويل والوضع والقول بأن للقرآن ظواهر وبواطن وإضافة البدع

ص147
والمحدثات إلى العقائد والعبادات ، وإشباع الأذهان بالخرافات والأساطير والإسرائيليات ، وإفساد الشريعة والتصوف والأخلاق بوحدة الوجود والاتحاد والحلول والإشراق.
(1)أدخل عبد الله بن سبأ اليهودي الأصل إلى الإسلام في نطاق دعوته التي دعا إليها أشياء كثيرة. فقال في المآل وفي الرجعة وفي الوصية وفي الغلو في حب علي بن أبي طالب بما يخالف أصول الإسلام مخالفة صريحة. وكان أخطر ما دعا إليه عبد الله بن سبأ هو (تأليه علي) وكان هذا هو مقدمة اقتحام الفكر البشري القديم لمعاقل الإسلام.
وقد مضى ابن سبأ ينفث سمومه في الكوفة ومصر والبصرة . قال إنه وجد في التوراة أن لكل نبي وصيا ، وأن عليا وصي محمد. وأن عثمان أخذ الخلافة بغير حق. وقوله: عجيب من يقول برجعة المسيح ، ولا يقول برجعة محمد. وقوله: إن محمدا خاتم الأنبياء وعليا خاتم الأوصياء.
وكل هذه أفكار زائفة لا يقرها الإسلام.
وقد وجد في مصر جوا صالحا وتربة حسنة. فإذا سأله أتباعه ماذا يعملون قال: ابدأوا بالطعن في أمرائكم وحكامكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس إليكم.
وكانت دعوته إلى خلافة علي وصي الرسول ، والطعن في عثمان وولاته. وحرض على الشكوى من كل ناحية تصل إلى المدينة والتمرد على الولاة.
ومضى عبد الله بن سبأ يوقد نار الفتن عن طريق الفكر ، وإدخال المفاهيم الزائفة من وثنية ومجوسية إلى الإسلام ، وكان يضع الكلام في تعظيم الرسول

ص148
وأهل بيته، ويضع أقوالاً في سيدنا علي تسموبه إلى درجة فوق النبوة. بل لقد وضعه موضع الألوهية، وسماه صاحب الحق في الخلافة. وأذاع الإشاعات الكاذبة، والأراجيف الباطلة، وأخذ يطعن في أمراءعثمان، ويكاتب أعوانه في الأمصار، ويحدث كل جماعة بلغة.
وعندما ذهب الثوار إلى المدينة كان ابن سبأ معهم يدير لهم الخطط، ويرسم لهم سبيل الفتنة.
يقول محمد أحمد جاد المولى :استطاع ابن سبأ الذي ليس له في الإسلام سابقة ولا فضل أن يزعزع الدولة من أطرافها وهو حر طليق.
ولم يكن عبدالله بن سبأ وحده، ولكن كان هناك كعب الأحبار، ووهب بن منبه. وقد جعلوا أول همهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم فيدسوا ما يريدون من أساطيروخرافات وأوهاوم، وكانو يزعمون أن هذه المفتريات من كتابهم.
(2)
كان (روزبة بن داذويه ) الذي تسمى من بعد باسم عبدالله بن المقفع هو الذي فتح باب ترجمة الكتب الفارسية واليونانية في العقائد الوثنية، فترجم كتاب مزدك والتاج في سيرة أنو شرون، وله كتاب معارضة القرآن. وكان يكتب باسم النور الرحمن الرحيم. وقد قال الخليفة المهدي بحق: (ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع) وترجم روزبة عن الفارسية والفهلويه كتب ماني وابن ديصان ومرقيون. وسار تحت راية ابن المقفع كثيرون: منهم ابن الراوندي والحلاج وأبو العتاهية وبشار بن برد وعبد الكريم بن أبي العوجاء، وأبو نواس.
وقد نشط كتاب الفرس من أمثال: آل نوبخت والحسن بن سهل

ص149
والبلاذري، وزاردويه بن هاشويه. فترجموا من الفارسية الفلسفة وكتب المجوسية والخرافات.
ومن خلال هذه الحركة ظهرت كتب الأباطيل والخرافات في ثوب براق يستهوي الناس. وهي في مجموعها حافلة بالشبهات والمغالطات. ولم يقف الأمر عند الترجمة وحدها. بل جعلوا الشعر من وسائلهم، ووجدوا في مهاجمة العروبة مدخلاً إلى مهاجمة الإسلام، فعملوا على انتقاص قدرها، وألفت كتب تمجد العجم، وتحاول الانتقاص من العرب، واستتبع ذلك تزييف التاريخ العربي بالزعم والافتراء. وكان غيلان الشعوبي الفارسي، وأبوعبيدة في مقدمة هؤلاء. كما عملوا على تزييف الرواية. وقاد حماد الرواية، وخلف الأحمر حملة ضارية في هذا المجال حتى قال المؤرخون (وفي مقدمتهم السيد المرتضى في الأمالي)، إن حماداً أفسد الشعر لأنه كان رجلاً يقدر على صنعته فيدس في شعر كل رجل منهم ما يدسه. وقد أضافوا إلى ذلك مهاجمة اللغة العربية من حيث إنها وعاء الثقافة العربية مع إعلاء شأن اللغة الفارسية.
وفي مجال التعبير والحديث والفقه جرت محاولات للتزييف والوضع.
وأمامنا اعتراف(عبد الكريم بن أبي العوجاء) بوضع أربعة آلاف حديث.
(3)
كانت أخطر المراحل في عصر المأمون فقد ((عج بلاطه بالوافدين عليه من كل حدب وصوب من مختلف المذاهب والنحل لتشجيعه العلوم الدخيلة،والعمل على انتشارها، وإباحة الجهر بمختلف الآراء حتى أصبحت هذه الحرية مضرب المثل، وأصبح عمله هذا مشجعاً وشادَاً لأزر أناس ما كانوا ليظهروا لولا استهتاره وتهاونه، فشاع في زمنه الشك وراج الباطل،وهبت الرياح الصفراء من وراء هذه الإباحية تحمل في طياتها جراثيم المذاهب المختلفة

ص150
والنحل المتعارضة، وظهرت الفرق التي كانت تؤلف بآرائها وعقائدها أدياناً جديدة)).
فلم تلبث الدولة إلا قليلاً حتى انحطت عليها جحافل المغيرين من التتر والمغول فقوضت دعائمها. وكان الكثيرون من أتباع هذه الفرق أعواناً للمغير على تحقيق هذه الغاية. وكانت هذه الخاتمة أقصى ما يشتهيه أولئك الدخلاء الذين بثوا جرثومة الفلسفة باسم العلم والمعرفة ليقضوا على يقين الأمة ويمزقوا وحدتها.
تلك هي أخطر المراحل التي اندس فيها كثير من مقررات الفكر البشري الوثني، المستمد من النظرية المحرفة والمجوسية إلى الفكر الإسلامي، واندمجت فيه، وتلونت بلونه مع الزمن.
وظهر في المجتمع دعاة الإباحية والانحلال الاجتماعي، وفي مقدمتهم الحمادون الثلاثة (حماد الرواية- وحماد عجرد-وحماد الزبرقان) كما ظهرت عصبة المجان: يحي بن زياد- ومطيع بن إياس- وبشار بن برد-وأبو نواس، وقد أظهروا (زندقة تحمل في أعماقها طابع الشعوبية).
ودعا بشار إلى المجون والإباحة، ودعا في شعره صراحة إلى عبادة النار الفارسية، ودعا أبو نواس إلى شرب الخمر جهاراً، وحرض على الإباحة والخلاعة.
وتسربت الإسرائيليات إلى كتب التفسير وكتب الملاحم والمغازى، فالتبس الحق بالباطل، والواقع بالخرافة. حتي قال الإمام أحمد بن حنبل إن (التفسير والملاحم والمغازى) لا أصل لها، وليست لها أسانيد صحيحة متصلة.
وكانت أخطر الدعوات: تلك التي دعت إلى تقسيم الإسلام: إلى شريعة وحقيقية، وإلى تقسيم أتباعه إلى أهل ظاهر وأهل باطن. وإلى علماء رسوم،

ص151
وعلماء إلهام. وبالغ بعضهم في ذلك مبالغة شديدة، حيث دعا إلى إسقاط التكاليف والعبادات، فضلاً عن التهام الثعابين، والمشي على السيوف، والرقص على نقرات الدفوف، وغير ذلك من أساليب الشعوذة والتدجيل.
وظهرت أحاديث زائفة نسبت إلى الرسول من وضع دعاة الأفلاطونية الحديثة مثل قولهم: أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل فأقبل- ثم قال له: أدبر فأدبر- وقد هاجم الأمام أبن تيمية هذا النمط من الاحاديث هجوماً شديداً واثبت وضعه وصلته بالفلسفة اليونانية، وكذلك أحاديث( كنت كنزاً مخفياً ) و( كنت نبياً وآدم بين الطين والماء ) وأكد أنها أحاديث غنوصية. وقد أخذت فرق الباطنية في القديم، والبابية، والبهائية مثل هذه الأحاديث الباطلة، فأشادوا عليها بناءً زائفاً.
وكان أخطر ما حملت هذه الدعوات – ولا تزال تحمل مثيلاتها مجدداً- إلغاء التكليف والالتزام الخلقي. فقد صيغت هذه النظريات الغنوصيه من وحدة وجود واتحاد وحلول واشراق على نحو يجعلها تستهدف اسقاط المسؤولية والجزاء الأخروي وإنكار البعث، وفتح الباب للشهوات والمطامع، فهى تلغي ما أقره الإسلام من حدود أكيدة ثابتة بين الخير والشر، والتقوى والإباحة، والزهد واللذة، والفضيلة والرذيلة.
وقد رد ابن حزم والشهرستاني وابن تيمية وابن القيم على هذه النظريات الزائفة.
وكانت موجة التشبيه والتجسيم من أخطر ما حمل لواءه السبئية ( أتباع عبدالله بن سبأ ) امتد بها الزمن ونفذت إلى كل نظريات الرافضة والغلاة والباطنية.

ص 152
(4)
لا ريب أن جميع الدعوات الضالة، والحركات الهدامة التي قامت في ظلال تاريخ الإسلام كانت جميعها تستمد تعاليمها ووقودها من هذه الحصيلة الضخمة التي قامت قبل الإسلام، وتجددت من داخله مرة أخرى لتجد من ذلك سلاحاً للانتقاض عليه، وهي في مجموعها من تراث الوثنية والهلينية والغنوصية والتثنية والتثليث والإباحة والتعدد. وقد رمت في مجموعها إلى تمزيق واجهة الإسلام الناصعة القائمة على التوحيد والأخلاق والإيمان.
وقد قامت مجمعات القرامطة والحركات الباطنية كلها من خلال هذه المفاهيم، ومن أجل تحريف مفاهيم الإسلام ذات المنهج الإنساني الخالص لله.
ويرى بعض الباحثين في تاريخ الحركات الهدامة^(1) أن حركة التفكير الحر في الإسلام (ترجع في الأصل غلى نشاط الدعوة اليهودية التي قصد بها الدعاة اليهود أن يثأروا لدينهم ولأنفسهم بهدم النصرانية والإسلام).
إن حركة الهدم والإلحاد التي وثبت بادىء بدء في فارس. وكان قوامها: ابن ديصيان وولده عبدالله دبرها دعاة (الكابالا اليهودية): أى التعاليم العبرية السرية، ثم تعهدوها بالنصح والمال.
ويقولون تأييداً لذلك إن عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية الشيعية. إنما هو يهودي تظاهر بالإسلام، وانتحل النسبة إلى آل البيت.
((إن دعاة (الكابالا) دبروا مثل هذه المؤمرة في أوربا لمحاربة النصرانية. وأنشأوا لذلك عدة جميعيات سرية تعمل في الخفاء لبث الإلحاد والتعاليم الحرة )).
هامش صفحة 152
(1) محمد عبدالله عنان:الحركات الهدامة
انتهى الهامش

ص153
(لحق)
(أولاً) : أتباع الغنوص في العقيدة والشريعة.
(ثانياً) : أتباع الغنوص في التصوف.
(ثالثاً) : مصادر الغنوصية.

ص155
أتباع الغنوص في العقيدة والشريعة
انضمت جماعات كثيرة من ذوي الأهواء إلى فلسفة الغنوص: وقد تمثلت هذه المجموعات في خصوم الإسلام ممن أضمروا المجوسية،وأعلنوا الإسلام تقية. ومن أصحاب النفوذ القديم. ومن الطامعين في مجال الأهواء واللذات، ومن ثم فقد برزت ((جماعات كثيرة ذخرت بهم أسواق الأدب، ومجالس الأمراء، وقصور الخلفاء، وانبثوا في الحانات والأديرة والأندية يتغنون بشعرهم، ويثيرون آراءهم دون تحفظ أو خجل)) .
((وتابعت جماعات المجان والزنادقة الذين يستهزئون بالقرآن والصلاة والحج وينكرون البعث والحساب والملائكة والجنة،ويعتقدون بتناسخ الأرواح، وإرجاع الأشياء إلى أصلين:هما النور والظلمة، ومنهم من يميل الى اكل النبات، ويمتنع عن أكل اللحوم)) .
(1)
وكان ابن المقفع (روزبة بن دازويه) في مقدمة حملة هذه الدعوات، وقد بقي أميناً لعقيدته المجوسية إلى زمن الدولة العباسية. حيث أسلم على يد عيسى ابن عليّ عمّ المنصور،وترجم كتب مزدك. وابن ديصيبان ومرقيون، وألف في الطعن في القرآن وفي طريقه سار بشار بن برد الذي عرف بإفحاشه في الهجاء والغزل القبيح. وقد واجهه الخليفة المهدي وقال له: أتحض الناس على الفجور، وتقذف المحصنات والمخبآت. وكان يدين بالرجعية،ويكفر جميع الأمة،ويصوب رأى إبليس في تقديم النار على الطين، وينكر البعث

ص156
والحساب، ويفضل شعره على القرآن. وكان متعصباً لقومه على العرب، وكذلك ظهر (أبو العتاهية) الذي يكشف شعره على الأثنينية المجوسية في الخير والشر. والنور والظلمة. وقد أخذها من المانوية. وعندما مال إلى الزهد قوى ذلك اتهامه بالزندقة لما انتشر في شعره من معاني الوثنية والتعدد. بل إن هذا الزهد الذي عرف به. إنما هو مبدأ أصيل من مبادىء المانوية.
وكان أبو نواس من أبرع هؤلاء الدعاة. وقد أولى الخمر والغلمان اهتماماً كبيراً، يستخف بالعقيدة، وينشر الضلال والزندقة. وهو من كبار الثنوية. وقد ثبت تأثره بالمانوية والمزدكية. وقد حمل الدعوة إلى التحرر من القيود والتمتع بالملذات ، وأعلن إنكار البعث، ولم يؤمن إلا بما يقع عليه الحس.
أما الغزل بالمذكر فقد كان جزءاً أساسياً من المانوية، كما ذكر ذلك البيروني. وقد أكد الباحثون (ومنهم حمزة الأصبهاني جامع ديوان أبي نواس) أن أبا نواس هو الذي ابتدع الغزل بالمذكر، وهو الذي أدخل إلى الأدب العربي افتتاح القصائد بالخمر بعد أن كانت تفتح بالتغني بالأطلال.
وشهد الباحثون أن في شعره مظاهر واضحة من المانوية والمزدكية من حيث إثارة الشك في العقيدة، ومهاجمة الدين والإباحية المطلقة والغزل بالمذكر. ومن هؤلاء الدعاة صالح بن القدوس وابن الراوندي.
(2)
وابن الرواندي يهودي الأصل. وقد كان ابوه يدين باليهودية، ثم أسلم وقد كشفت الوقائع خطره وعمله، فقد روي أن بعض اليهود قال لبعض المسلمين ليفسدن عليكم هذا كتابكم، كما أفسده أبوه التوراة علينا.
وكان أبوه قد انشق لأمر ما عن أهل طائفته، ثم أخذ يثير عليهم عجاج الجدل والمشاغبة (كما فعل ابنه من بعده ). فلما لم يتم له ما أراد انقلب مسيحياً

ص157
نكاية في بني دينه اليهود.
وقد حذق ابن الراوندي أساليب المعتزلة في الكلام، ثم استغلها للهجوم على الإسلام. قال البلخي: ((إنه كان في أول أمره حسن السيرة، حميد المذهب، ولم يلبث أن انسلخ عن الدين، واظهر الإلحاد والزندقة، وطردته المعتزلة فوضع الكتب الكثيرة في مخالفة الإسلام.
ومن ثم ظهرت معارضاته للقرآن الكريم، ومهاجماته للكتب المنزلة، ثم وضع التأليف للرافضة ضد أهل السنة والاعتزال. قال أبو العباس الطبري: إن ابن الراوندي كان لا يستقر على مذهب، ولا يثبت علي حال، حتي إنه صنف لليهود كتاب (البصيرة) ردّاً على الإسلام لأربعمائة درهم، أخذها فيما بلغني من يهود سامرا. فلما قبض المال نقضه حتى أعطوه مائة درهم أخرى فأمسك عن النقض^1 .
وقال آخرون: إن طريقة ابن الراوندي في حياته المذهبية هي التلاعب بالفرق، وبالملل وبأهل كل منها، يمدح مذهباُ ويحقر آخر.
ومن كتبه الملعونة: كتاب ((التاج)) يحتج فيه على قدم العالم. وكتاب ((الزمردة)) وكتاب ((القرنة)) في الطعن على النبي. وكتاب ((اللؤلؤة)) في تناهي الحركات. وفي مختلف كتبه أثبت الإلحاد. وأبطل التوحيد، وجحد الرسالة.
يقول سليم خياطة في ختام بحثه عن ابن الراوندي^2 .((نسجل إعجابنا بهذه المدينة الإسلامية السمحة التي كانت تأذن لأمثال ابن الراوندي بهذا الاجتراء على عقائدها. وبهذا التهجم والتنقص من تفكيرها. وهي ساكنة هادئة تؤلف الكتب ردّاً عليه، ودحضاً لما انهال به عليها من (زيف ).
هامش صفحه 157
(1) كتاب معاهد التنصيص: عبد الرحمن العباسي.
( (2 المقتطف: ابريل 1931 .
انتهى الهامش

ص158
وإن تاريخ المدنيات القديمة لا تروي لنا سيرة أي جريء متهور بلغ به تهوره إلى الحد الذي بلغ بصاحبنا.
ونستطيع أن نضيف إلى هؤلاء: هذا الحشد من وضّاع الكتب في الانتحال والترجمة من أمثال: أبي عبيدة، وعلان الشعوبي، وحماد الراوية، وخلف الأحمر، وأبان بن عبد الحميد اللاحقي، والفضل بن إسماعيل. وكل هؤلاء كانوا من الزنادقة الثنوية ينتمون إلى المانوية والمجوسية.
أتباع الغنوص في التصوف
(1)
هوجم ابن عربي من أجل القول بوحدة الوجود.
وقد رد عليه ابن الخياط، والحافظ الذهبي، وابن تيمية، وابن إياس، والتفتازاني. وقد تأثر ابن عربي بالفكر اليوناني والفكر الغنوصي. وكانت نظريته في مظهرها وجوهرها غريبة عن طبيعية الإسلام القائمة على الفطرة والتوحيد، والبعيدة عن تعقيدات الهيولي والصدور وغيرهما من مصطلحات لم يعرفها صدر الإسلام، ولم تجر على لسان الرسول صلي الله عليه وسلم. وهي نظرية لا تتفق مع ظاهر الشرع ولا مع العقل الذي يأبى أن يجعل الله حالاً في العلم كله. (تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ). هذا فضلاً عن أن القول بوحدة الوجود لا يتفق مع إقامة الأخلاق على أساس وثيق.
فإن وحدة الوجود تنكر المسؤولية الفردية التي هي أساس الجزاء الأخروي.
ومن آراء ابن عربي الخاطئة المعارضة للإسلام. قوله: إن من وصل إلى درجة معينه في العبادة يباح له أن يتجاوز حدود ما أنزل الله.
وقد تابع ابن عربي في هذا الرأي كثير منهم: الشعراني الذي نقل مثل

ص 159
هذه الآراء في كتابه (اليواقيت والجواهر). ويعلق السيد محمد رشيد رضا على هذا الاتجاه فيقول" (1) إن لشذاذ الصوفية القائلين بوحدة الوجود أقوالا كثيرة مخالفة لعقائد الإسلام القطعية المعلومة من الدين بالضرورة كقول بعضهم (ما الكلب والخنزير إلا إلهنا) وقول عبد الكريم الجيلي: إن النصارى إنما كفروا بحصر الألوهية في المسيح وحده لا في إثباتها له.
وقال: إن ابن عربي يتكلم عن حظ المؤمن من النبوة، ووحدة الإلهام في الرؤيا واليقظة دون وحدة التشريع للأنبياء الذي هو من كلام الله. وقد اختلف الرأي في ابن عربي لعبارته الرمزية التي حاول بها إخفاء مقصده وإبهامه من ورائها. فاعتقد قوم بضلاله، وَعُدَّ مبتدعا – اتحاديا. وشك قوم في أمره، وفوضت جماعة أمره إلى الله.
وقد أشار الدكتور عبد الله عفيفي إلى المصادر التي استقى منها ابن عربي فلسفته الصوفية، فردها إلى الهلينية والغنوصية. وكشف عن الفرق بين ابن عربي والحلاج. فقد أخذ ابن عربي بمذهب وحدة الوجود. وأخذ الحلاج بمذهب الحلول – وكلاهما خارج عن الإسلام- هذا بفرضه وحدة الكون، والله تبارك وتعالى. والثاني بأثنينيته (القائلة بأن هناك حقيقة إلهية، وحقيقة بشرية).
وأشار الدكتور عفيفي إلى أن كتبه حافلة بما استعار من ألفاظ أفلاطون وأرسطو وأفلوطين.
ويقول لويس ماسنيون إن عقيدة الحلاج كانت شديدة الصلة بالمسيحية والفلسفة الهندية واليونانية.
وقد ذهب الحلاج مذهبا غريبا، فحاول أن يؤيد نظريته الوافدة بتأويل
هامش ص 159
(1) ج 3- تفسير المنار ص 316.
انتهى الهامش

ص 160
القرآن والحديث. ولا ريب أن التعمل واضح فيما ذهب إليه، لأنه حاول أمرا لا تقبله الفطرة، ولا يقره العقل، وهو أن يجعل الله تبارك وتعالى هو العالم كله (1). وقد أثارت فكرة وحدة الوجود، وخاصة في كتابات ابن عربي رد فعل عنيف لتعارضها مع أصول الإسلام، واعتبرها المحدثون والمفسرون والفقهاء وعلماء الكلام والصوفية السنيون عقيدة متناقضة مع العقيدة الإسلامية تناقضا مطلقا، بحيث لا يمكن التوفيق بينهما بأي وجه من الوجوه.
ولقد سمى (اسين بلاسيوس) كتابه عن ابن عربي "الإسلام المنتصر" Eslam Cristiani Zada وأخطر آراء ابن عربي قوله بما تقول به الباطنية من أن للقرآن وجهان: ظاهر وباطن، وأن الفقهاء وقفوا عند الظاهر دون أن يدركوا المعنى الباطن الذي أدركه هو وأداه إلى هذا القول الزائف. كذلك تتسم كتاباته بالألغاز والتعميات.
وقد أدعى أن علم الصوفية سر لا يفشى لأهل الظاهر، وذهب مذهب رجال الكنيسة، وكانت أفكاره في مجموعها قريبة من أفكار اللاهوت المسيحي. ولا ريب أن ابن عربي ثمرة من ثمار جماعة إخوان الصفا، ومفاهيم القرامطة والباطنية والفلاسفة الذين انتحلوا مذهب أرسطو ممزوجا بالأفلاطونية الجديدة.
يقول الدكتور أبو العلا عفيفي: مذهب ابن عربي ينظر إليه من ناحيتين: الفلسفة البحتة، وناحية الصوفية. فهو من الناحية الفلسفية لا شك من أتباع المذهب الأفلاطوني الجديد الذي عرفه لا في أصله، بل عن طريق إخوان الصفا. أما في الناحية الصوفية فهو يشارك الحلاج في أسلوبه ومنهجه، ويختلف عنه في عاطفته.
هامش ص 160
(1) دكتور محمد يوسف موسى: فلسفة الأخلاق.
انتهى الهامش

ص 161
ويقول إن عربي استمد الكثير من مادة مذهبه من رسائل إخوان الصفا، ولا سيما الأجزاء التي لها أصل من الأفلاطونية الجديدة، والتي أدخل عليها إخوان الصفا عناصر غريبة من مذاهب أخرى: إغريقية أو مسيحية أو فارسية الأصل.
هذه العناصر منها مذاهب الإغريق على اختلاف طبقاتهم تتخللها عناصر مستمدة من المذهب المانوي أو الزرادشتي ممزوجة بشيء من التصوف الإسلامي وآراء المتكلمين مضافا إليها قليل أو كثير من القرآن والحديث (1).
(ويشير الدكتور أبو العلا إلى أثر إخوان الصفا في شهاب الدين السهروردي المقتول) وعبد الحق بن سبعين الأندلسي. كما تأثر ابن عربي في نظريته بفلسفة فيلون اليهودي الاسكندري، وفلسفة الرواقين.
ويختم رأيه في الحلاج فيقول: لم يكن الحلاج فيلسوفا بأي معنى من معاني الكلمة، ولكنها شطحات تعبر عن وجدان عميق عتيق. وإن العبارات وقعت في نفس ابن عربي موقعا خاصا فأولها. ومعنى هذا أن التأويل هو أبرز مفاهيمه. وبالجملة فإن الحلاج من نتاج الفكر البشري الوثني الهليني الغنوصي. ولقد واجهه الكثيرون ودحضوا زيف آرائه، وفي مقدمتهم السراج البلقيني والسيوطي.
(2) أما الحلاج فقد كان سابقا على ابن عربي: وهو رجل مجوسي الأصل، اشتغل بالمخارق والحيل، وادعى العلم بالأسرار، ثم تناهي إلى ادعاء النبوة ثم الربوبية، واستغوى غلمان قصر المقتدر بالله العباسي لينفذ بهم إلى تحقيق غايته في قلب الدولة وتسليمها للقرامطة، فأدى ذلك إلى قتله.
هامش ص 161
(1) م ا/ ج 1 مايو 1933 مجلة كلية آداب القاهرة.
انتهى الهامش

ص 162
وذكر إمام الحرمين في كتابه (الشامل) أنه كان بين الحلاج وبين الجنابي رئيس القرامطة اتفاق سري على قلب الدولة. وأن هذا هو السبب الحقيقي في قتل الحلاج.
وقد أجمع المؤرخون على أن سبب قتله هو اتهامه بالقرمطية. وقد ثبت أنه كان وكيلا لهم، والقرامطة سفكوا الدماء وخربوا البلاد، وأنشأوا لهم عاصمة في هجر، وحملوا إليها الحجر الأسود، فظل بها نحو ثلاثين عاما.
(3)
حمل السهروردي لواء فكرة الإشراق، واستمدها من الفلسفة الهلينية والغنوصية وأخذ مادتها من المجوسية والمانوية وغيرهما. وقد عرف السهروردي بـأنه فارسي من أذربيجان من دعاة الباطنية المعروفين بالتأويل. وقد وصفه صاحب النجوم الزاهرة بأن زيه كان زيا منكرا رزي الخلقة، دنس الثياب، وسخ البدن لا يغسل له ثوبا ولا جسما ولا يدا. ولا يقص ظفرا ولا شعرا. وزادوا على ذلك فقالوا: إن القمل كان يتناثر على وجهه، ويسعى على ثيابه، وأن كل من يراه يهرب منه. وقد وصفه تلميذه السهروردي: في كتابه: نزهة الأرواح: أنه كان مستوي القامة يضرب بشعره ولحيته إلى الشقرة. وكان يميل إلى السماع، ويبدي احتقارا شديدا لكل مظاهر السلطان والأبهة، ثيابه مهلهلة، وصف بأنه الحرنبدا (كلمة فارسية: معناها مكاري) (أي حمَّار). وقد أشارت كتب كثيرة إلى قذارته منها (آثار البلاد وأخبار العباد للقزويني) (وأعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء ج 4).
ولا ريب أن هذه الصورة لا يقرها الإسلام الذي دعا إلى النظافة، وكان نبيه أنظف الناس، وكان يعرف بريح المسك.

ص 163
مصادر الغنوصية
استقت "الغنوصية" مفاهيمها من عقائد وفلسفات ومذاهب متعددة عرفها الفكر البشري قبل الإسلام، وكلها فرق تحركت في إطار الوثنية، وعارضت مفهوم التوحيد.
1- البوذية والبوهمية والمانوية والمزدكية والدهرية والأفلاطونية الحديثة.
فقالت "الدهرية": بقدم العالم، وأن العالم بلا إله ولا صانع، وهم ينكرون وجود الخالق حل وعلا. وأن الدهر قديم، ويقولون بأن الأشياء ليس له أولا البتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل. فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل تكونت الأشياء من ذاتها، لا من شيء آخر.
وقال "الطبيعيون": بأن التراب والماء والنار والهواء هي أصول كل شيء.
وقالت "الثنوية": إن صانع العالم اثنان: الخير والشر، والنور والظلام وهما قديمان لم يزالا.
وقالت "البرهمية": (ومنها دهرية وثنوية) بتعظيم النار والنهي عن القتل والذبائح. وإباحة الفاحشة، وعبادة البقرة. وقامت (أي البرهمية) على التناسخ (انتقال النفس من جسد إلى جسد) والتثليث (براهما، فتشوا، سيفا) والتجسد وإنكار وجود الله، والآخرة لأنهما غير محسوسين.
وقالت "الصابئة": بعبادة الملائكة، واعتبروها آلهة، وقالوا: إن العالم لا يفنى.
وقالت "المجوسية": بعبادة النار، والصلاة إلى الشمس، ومنعوا الاغتسال تعظيما للماء، واستعملوا بدلا منها بول البقر، ولا يرون ذبح

ص 164
الحيوانات، كما أحلوا أكل الميتة. وقالوا إن الأرض لا نهاية لها.
وقالت "المزدكية": بشيوعية الماء والنساء. وقد أدت دعوتهم إلى انتشار الإباحة والفوضى الأخلاقية. وقد اعتنقها آلاف الناس إرضاء لشهواتهم.
وقالت "المانوية": بأن خالق الكون هو إله الشر.
ودعت "البوذية": إلى تجريد النفس، وقمع الشهوات، ورفض متاع الحياة. وقالت بالتجسد والتقمص والتناسخ.
وقد اتسم طابع الفلسفات الشرقية (الغونصية) بصبغة شعرية، لا صبغة عقلية، ورضيت في كثير من مواقفها بالتعبير الشعري المملوء بالمجازات والاستعارات والخيالات.
وأن من يقرأ عصارة الفكر البشري، وحصيلة التراث القديم يرى كيف تراكمت آراء ونزعات متضاربة فاسدة غاية في التضارب والفساد، تقوم على الإباحة والشك والضلال والاضطراب. وأين هي من ذلك الدين القيم "الإسلام" القائم على التوحيد.
وقد أخذ القرامطة شيوعية الأموال التي دعا إليها مزدك، وأدخلت في التصوف وحدة الوجود والحلول والاتحاد والإشراق.

ص 165
الباب الخامس
الفلسفة المسيحية الغربية
(1) أصول الفلسفة المسيحية الغربية
(2) مسيحية بولس
(3) المسيحية والدولة الرومانية
(4) تداخل المفاهيم وانحراف التفسيرات
(5) الأناجيل
(6) الكنيسة
(7) الرهبانية

ص 167
الفصل الأول
أصول الفلسفة الغربية المسيحية
1- لم تكن رسالة المسيح عيسى بن مريم التي جاء بها من عند الله إلا إحدى ديانات بني إسرائيل التي توالت بعد رسالة موسى عليه السلام، وهي رسالات خاصة باليهود، ومكملة للرسالة الأم، أو محررة لمفاهيمها، أو منقية لعنصر من عناصرها من فساد أصابه. وقد توالى أنبياء بني إسرائيل بالرسالات خلال هذه الفترة التي سبقت رسالة المسيح عيسى ابن مريم (ومنهم طالوت، وداود، وسليمان، وإلياس، وإليسع، ويونس، وزكريا، ويحيي) ثم جاء المسيح عيسى بن مريم رسولا إلى بني إسرائيل في ختام هذه الرسالات المكملة، وكانت رسالته تركز بالأهمية على الزهد في مواجهة العسف، والتكالب المادي الذي وصل عند اليهود إلى أقصى مدى، وتركز على التسامح في مواجهة التحدي والانتقام الذي عرفوا به. ومعنى هذا أن رسالة المسيح عيسى بن مريم هي ديانة قومية تعد حلقة في سلسلة ديانات ورسالات أرسلها الحق تبارك وتعالى إلى بني إسرائيل، وتحمل طابع الأخلاقيات والروحانيات، وهي في جملتها مجموعة من الوصايا التي تصحح الجوانب التي أصابها الاضطراب من الديانة اليهودية.
وقد سجل المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ذلك حين قال: ما جئت لأنقض الناموس، ولكن جئت لأكمل. فلم تكن رسالة المسيح عيسى بن مريم رسالة مستقلة، ولا دينا عالميا، ولكنها كانت عملا مكملا خاصا لليهود في

ص 168
ظل تحديات خطيرة انحرفت عنها الرسالة الأصلية حين غلب تكالب اليهود على المال، وبلغ الربا أقصى مداه، وبلغ اليهود غاية الظلم والعسف والانتقام، فكانت رسالة المسيح عيسى بن مريم هي عملا مكملا ومصححا لا تنقض الديانة الأصلية (الناموس)، ولا تخرج عنها، ولا تستن شريعة خاصة.
ومن هنا فإن المسيح وأتباعه الذين أطلقوا على أنفسهم النصارى أو المسيحيين، قد وجدوا معارضة شديدة من اليهود، ومقاومة لا حد لها عرضت السيد المسيح نفسه للخطر على النحو الذي عرف من تألب رؤساء الدين عليه حتى صدر أمر الحكومة الرومانية بطلبه فطلبوه ليوقعوا عليه حكم الصلب فنجاه الله منهم برفعه إليه كما ورد في القرآن.
2- كما تعرضت حياة أتباعه الحواريين للخطر والاضطهاد سنوات طويلة. ومن هنا فالمسيحية السماوية المنزلة التي دعا إليها السيد المسيح كانت ديانة موحدة تدعو إلى الزهد في الدنيا، والتطلع إلى الآخرة، وتجنح إلى التخفيف من قسوة المادية التي وصل إليها اليهود في هذه المرحلة من حياتهم.
فالمسيح عيسى بن مريم في الحقيقة التي تكشف عنها وقائع التاريخ، والدراسات الصحيحة، والمصادر الأصيلة، وفي مقدمتها القرآن الكريم هو آخر أنبياء بني إسرائيل، أرسل إليهم خاصة ليذكرهم بالتوراة التي أنزلت إليهم، والتعاليم التي جاء بها من سبقه من الرسل والأنبياء، وليبين لهم العقائد الصحيحة التي تركوها، واعتنقوا غيرها من العقائد الباطلة الفاسدة.
وقد شملت رسالة عيسى كما جاءت في القرآن الكريم جميع العقائد الأساسية في الدين: الإيمان بالله الواحد الأحد، والإيمان برسالة الأنبياء والمرسلين، والتصديق برسالة موسى، والبشارة برسالة محمد.
(إني رسول الله إليكم جميعا مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد). وهي إلى ذلك تقوم على الإيمان بالبعث

ص 169
والقيامة والجزاء والجنة والنار.
3- وتعاليم السيد المسيح تركز بالأخص على الحب والتسامح والصبر، وعدم الإيذاء أو التفكير في الانتقام. وقد صور السيد المسيح مفهومه هذا في قوله المشهور: "قد سمعتم أنه قيل أحبب قريبك وأبغض عدوك. أما أنا فأقول أحبوا أعداءكم، وباركوا لاعنيكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم، لا تقاوموا الشرير، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فخل له رداءك أيضا. ومن سخرك ميلا فامش معه ميلين"
4- يمكن القول إن رسالة السيد المسيح المكملة للناموس إنما جاءت محررة للمجتمع اليهودي والروماني من الانحراف الذي أصابه، ومن إيغاله في الوحشية والمادية، والقسوة والترف.
ومن المقطوع به أن عيسى لم يجيء بأمر جديد من أصول الدين، ولا بأمر من أمور العبادات التي لم تكن معروفة من قبل. وإنما ركز على عناصر معينة هي من أصل الدين اليهودي، ثم انحرف اليهود بها عن أصولها، فجاء ليعيد لها مكانها الصحيح. وهي أمور التسامح والزهد والأخلاق والحب ودفع الشر، كما أنه جاء ليحلّ لليهود بعض الذي حُرِّم عليهم.

صفحة 170
الفصل الثاني
مسيحية بولس
في العام الثامن للميلاد ظهر أحد دعاة المسيحية الذين كان لهم في تاريخها أبعد الأثر، ذلك هو (شاؤول) اليهودي الروماني الذي كان في أول عهده من أعظم أعداء المسيحية، ومن أنشط المضطهدين لفئة الحواريين القليلة العدد، فأنزل بهم ألوانا من الاضطهاد والقتل والتعذيب، ثم تحول فجأة إلى المسيحية وغير اسمه فجعله (بولس)، وهو الذي يعد في الحقيقة مؤسس المسيحية الغربية المعروفة. وذلك بعد أن وضع النهاية لرسالة المسيح عيسى بن مريم التي جاءت من السماء، والتي كانت إحدى ديانات بني إسرائيل، والمكملة لرسالة موسى. فقد أخرجها بولس من أصولها جميعا، وأنشأها خلقا آخر.
ذلك أن بولس كان على إلمام كامل بالفلسفة اليونانية في عصره، وكان عالما باليهودية، والميثرائية، وديانة ذلك الزمان الذي تعتنقها الإسكندرية. ومن ثم فقد نقل إلى المسيحية خيوطا مختلفة من هذه الفلسفات والأديان، وصاغها على النحو الذي شكل به هذه العقيدة الجديدة التي لم يقل بها المسيح، والتي ابتعدت عن دعوته الربانية السماوية المتصلة برسالة التوحيد الأساسية، وشكلت تلك الصورة المعقدة التي تكمن في "التثليث" و"الفداء" و"الصلب". وفي عديد من النصوص التي أثبتها الباحثون نجد هذه الحقيقة واضحة.

صفحة 171
يقول بيري: (1) "وكان عيسى يهوديا. وفقد ظل كذلك أبدا، ولكن شاؤول كون المسيحية على حساب عيسى. فشاؤول الذي سمى فيها بعد (بولس) هو في الحقيقة مؤسس المسيحية، وهو يمتاز بأنه صاحب دراية في السياسة والابتكار.
"أدخل بولس على ديانته بعض تعاليم اليهود ليجذب إليه العامة من اليهود، وأدخل صورا من فلسفة الإغريق ليجذب إليه أتباعا من اليونان".
فبدأ يذيع أن عيسى منقذ ومخلص وسيد (Lord) استطاع الجنس البشري بواسطته أن ينال النجاة، وهذه الاصطلاحات التي قال بها بولس كانت شهيرة عند كثير من الفرق اليهودية فانحازوا إلى ديانة بولس، وعمد كذلك ليرضى المثقفين اليونان فاستعار من فلاسفة اليونان فكرة اتصال الإله بالأرض عن طريق الكلمة، (فيلون) أو ابن الإله أو الروح القدس. بدأ بولس ديانته في أنطاكية حيث نشأ لأول مرة في التعبير الشهير (المسيحية Crristian) وبدأت تنتشر هذه الديانة في المدن حيث تكثر الحاجة والفقر. فبولس هو المؤسس الحقيقي للديانة المسيحية، وقد طور فكرة (المسيح) من الناحية اللاهوتية، والناحية الإنسانية، وجعلها تتناسب مع فكرة الإنقاذ القديمة. فقدم آدابا مستحدثة في طابع قديم مألوف. وبهذا فصل دعوة عيسى من اليهودية.
ولم ينفر بولس من الطقوس الوثنية. بل على العكس اقتبس كثيرا من هذه الطقوس ليضمن نشر ديانته بين الوثنيين، وليبعد ديانته عن أن تذوب في اليهودية. ومنها أن جعل عطلة الأسبوع يوم الأحد، وأهمل يوم السبت، وهو اليوم المقدس عند اليهود، كما غير أعياد الأعياد "وعيسى أصبح ابن الله، حملت به أمه العذراء بشكل غير طبيعي، واحتلت صورة العذراء والمسيح
بداية هامش 171
(1) الأديان العالمية: بيري Berry
انتهى الهامش

صفحة 172
مكانا مقدسا" كانت تحتله قديما صورتا: حورس، واوزيريس، ووضعتا في كل الكنائس.
"وعلى الرغم مما أخذت المسيحية من الوثنية لم تصر المسيحية وثنية في روحها. بل ظلت متمسكة بتحفظها الديني الذي ورثته عن اليهودية، كما حافظت على ابتعادها عن الناحية الجسمانية والشهوانية".
2- ويقول: هـ.ج.ولز: كان القديس بولس من أعظم من أنشأوا المسيحية الحديثة، وهو لم ير عيسى قط، ولا سمعه يبشر الناس، وقد أوتى ذلك الرجل قوة عقلية عظيمة كما كان شديد الاهتمام بحركات زمانه الدينية، فتراه على علم عظيم باليهودية والميثرائية. وديانة ذلك الزمان الذي تعتنقها الإسكندرية، فنقل إلى المسيحية كثيرا من فكراتهم ومصطلح تعبيرهم، ولو لم يهتم بتوسيع فكرة عيسى الأصلية وتنميتها وهي فكرة ملكوت السماء، ولكنه علم الناس أن عيسى لم يكن المسيح الموعود فحسب، ولا زعيم اليهود الموعود فقط، بل إنه ابن الله. نزل إلى الأرض ليقدم نفسه قربانا، ويصلب تكفيرا عن خطيئة البشر، فموته كان تضحية مثل ممات الضحايا القديمة من الآلهة في أيام الحضارات البدائية من أجل خلاص البشر. وقد استعارت المسيحية أشياء كثيرة من هذه الديانات كالقسيس الحليق، وتقديم النذور والهياكل والشموع والترتيل والتماثيل، وتبت عبارتها وافكارها اللاهوتية.
وراح القديس بولس يتقرب إلى عقول تلاميذه بالفكرة القائلة: إن شأن عيسى كشأن أوزيريس: كان ربا مات ليبعث حيا وليمنح الناس الخلود (1).
بداية الهامش
(1) مختصر تاريخ العالم: هـ.جـ.ولز.
انتهى الهامش

صفحة 173
ومن هذين النصين ونصوص أخرى كثيرة مماثلة يتكشف تحول الدين الذي جاء به المسيح عيسى بن مريم إلى دين جديد أقامه بولس، وأخرجه عن جميع الملامح والصلات والقيم التي كان قائما عليها.
(أولا): حول المسيحية من دين مكمل للرسالة التي جاء بها موسى إلى دين عالمي. فقد كان بولس أول من فصل المسيحية عن اليهودية، وقال بعالميتها والانتقال بالمسيحية من بساطتها الأولى إلى الفكرة الفلسفية المعقدة (1).
(ثانيا): دعا بولس غلى دعوة مخالفة للأصول الحقيقية لدعوة السيد المسيح، ومعارضة لها فقال بأن المسيح هو ابن الله الحي الذي بعثه الله ليكون فداء للبشرية، وكفارة عن ذنوبها وخطاياها منذ ما أسماه خطيئة آدم، وبأن المسيح ابن الله قد ظهر وتجسد على الأرض، وصلب ومات ليكون موته كفارة عن ذنوب البشر.
(ثالثا) قال بولس بالتثليث.
(رابعا): وضع رسائل تعد الآن مصدر التشريع في المسيحية، فقد شرع قوانين للمسيحية يتبعونها في حياتهم العامة، فهو الذي أوصى بما نراه اليوم في الكنائس من التسابيح والأغاني الروحية، والمزامير والتراتيل، وهو الذي قال بعد وجوب الختان.
يرد الكثير من الباحثين عمل بولس إلى مخطط اليهود القائم على تحريف الأديان، وتبني الفلسفات المادية والوثنية على مدى العصور من أجل تأكيد خطتهم الأساسية في السيطرة على العالم واخضاعه للربا والإباحية، وهي رسالة قديمة عاشوا لها، وظلوا يتعاورونها على مدى العصور. وقد جاءت نبوة موسى
بداية الهامش
(1) أحمد شلبي – فريد وجدي- وأحمد حسين – وعمر عناية.

صفحة 174
عليه السلام لتحريرهم منها. غير أنهم لم يلبثوا قليلا حتى حرفوا الرسالة، وزيفوا الكتاب، (التوراة) وأدخلوا فكرهم في التواره نفسها بعد تحريفها، ورفع ما يتعارض مع أهوائهم: (تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا).
ثم كانت المشنا والتلمود تفسيرا وتأكيدا لهذا الاتجاه. وفي العصر الحديث ظهرت البروتوكولات، وكما زيف اليهود التوراة والدين الذي أرسل به موسى، وافسدوا كل ما جاء به الأنبياء الذين أرسلوا من بعد موسى إليهم، كذلك فعلوا برسالة المسيح عيسى بن مريم، وكان بولس (الحبر اليهودي شاؤول) هو الذي حمل لواء هذا التغيير على النحو الذي نقل دعوة عيسى من حيث هي رسالة تكميلية إلى بنى إسرائيل إلى ديانة عالمية، ثم نقلها من حيث هي دعوة إلى التوحيد إلى التثليث. ومن حيث أن المسيح رسول الله إلى القول بألوهيته، ومن حيث أن صلب المسيح إنما هو محاولة انقذ الله منها نبيه عيسى إلى عمل وقع من أجل الفداء والتكفير عن خطيئة البشر.
ولم يقف بولس عند هذا. بل إنه أضاف وحذف كثيرا من أصول الدين الذي جاء به المسيح عيسى بن مريم على النحو الذي انحرف به انحرافا كاملا عن مصادره وقيمه بما أصبح دينا جديدا باسم المسيحية الغربية.
وقد كسب اليهود القائمون على فلسفة الربا والإباحة من هذا العمل كسبا كبيرا. فقد عزلوا ذلك الرباط القائم فعلا بين دعوة موسى بالتوراة، وبين دعوة عيسى بالإنجيل كآخر أنبياء بني إسرائيل. كما نقلوا المسيحية من دين توحيدي سماوي له سماته البسيطة الفطرية إلى فكرة فلسفية معقدة. فضلا عن أن كل ما دعا إليه بولس لم يقل به المسيح، ولا أحد من أصحابه وحوارييه.
وقد اتجه بولس بالمسيحية على النحو الذي صاغها عليه إلى شعوب الامبراطورية الرومانية بعد أن لم يقبل بها أهل الشام. وفي نطاق الامبراطورية

صفحة 175
الرومانية تحرك بولس على النحو الذي حقق به انتشار دعوته، فقد عمل على إرضاء مختلف الطوائف الوثنية، والقادة والحكام. بإضافات مختلفة اختارها من الفلسفة القديمة والأديان الوثنية.
"وطلب من العبيد الذين اعتنقوا المسيحية أن يطيعوا سادتهم، وأن يخدموهم في أمانة وإخلاص مهما عذبوهم أو قسوا عليهم، وأنه يخضع الكل للسلاطين والحكام من غير تذمر أو احتجاج" (1).
وقد كان هذا عاملا من العوامل التي جعلت السلطات تترك له حرية العمل. كما أعفى المسيحين الجدد من فريضة الختان التي كان اليهود يفرضونها على أنفسهم، كما أعفاهم من كل الطقوس والعبادات.
وقد أهمل بعض الباحثين، "إضافات بولس" إلى المسيحية وتحريفاته لها. وفق الخط الذي أراده لتغيير جوهرها على هذا النحو (2).
(1) - جعلها دعوة مفتوحة لغير اليهود من جميع الأمم، ولو أدى ذلك إلى التساهل في بعض التشريعات والطقوس التي تضايق الوثنيين كالختان والسبت وتحريم الخنزير.
(2) – إخراج المسيحية من البساطة اليهودية إلى تعقيدات الفكر اليوناني، وهو أول من أتاح للمسيحية امتصاص الكثير من المعتقدات والطقوس الوثنية، وخصوصا اليونانية.
(3) – جعل اللاهوت المسيحي قائما على أن كل إنسان مذنب منذ ولادته، ووارث لخطيئة آدم، ومستحق للعذاب الأبدي. وإن الله أرسل ابنه
بداية الهامش
(1) دكتور أحمد شلبي
(2) عبده فراج: معالم الفكر الفلسفي.
انتهى الهامش

صفحة 176
المسيح إلى العالم ليكفر عن خطيئة الناس بموته على الصليب فداء لهم.
(4) – أدخل بولس في المسيحية عقيدة الكلمة (اللوجوس) التي كان يقول بها فيلون اليهودي في الاسكندرية. كما أدخل عقيدة التجسيد. والواقع أن عقيدة الخلق بالكلمة من أقدم العقائد، ويمكن الرجوع بها إلى كهنة ممفيس.
(5) – انتهى إلى عقيدة جديدة تمزج المسيحية بالأفلاطونية الجديدة، وكذلك بالمعتقدات المصرية والفارسية والهندية. وقولهم بإلهين. أحدهما إله الخير. وهو إله المسيحية في (العهد الجديد) لأنه يدعو إلى الحب والسلام والصفح عن الأعداء. والآخر إله الشر. وهو يهوه إله اليهودية في (العهد القديم) لقسوته وحبه للانتقام، وحكمه بأن العين بالعين.
ويربط بعض الباحثين بين بولس في المسيحية وعبد الله بن سبأ في الإسلام – وكلاهما يهودي دخل دينا جديدا لإفساده وضربه من الداخل وتحريفه (1).
ويردون دخول بولس في المسيحية إلى عداوته التي عرفت من قبل، والتي اتخذت نفس الطريق الذي يتخذه اليهود عامة من الانتقال إلى الدين الذين يريدون تخريبه، والعمل من داخله. وقد اتخذ بولس هذا الأسلوب ووجد فرصة متاحة في فترة وصلت فيها المسيحية إلى حالة بعيدة من الضعف، فاستعمل سلاح التزييف، فأتى على خصائصها الأساسية، وحرف معالمها ومظاهرها.
يقول الدكتور أحمد شلبي الذي أجرى مقارنة بين بولس وعبد الله بن سبأ: إن أفكار عبد الله بن سبأ لم تستطع أن تعيش وتنمو كما عاشت ونمت
بداية الهامش
(1) الدكتور أحمد شلبي: المسيحية
انتهى الهامش

صفحة رقم 177
افكار بولس، وذلك لأن القرآن الكريم كان محفوظا ومكتوبا. وهو خير حارس للإسلام، أما إنجيل عيسى فكان قد ضاع بين طيات الأحداث. فلم يكن للمسيحية عماد يحميها من الصدمات العنيفة.
وقد سارت آراء بولس في العالم الغربي خلال النصف الثاني من القرن الأول الميلادي بعد أن مزجها بالفلسفة اليونانية. وقد عكس هذه الصورة "إنجيل يوحنا".

صفحة 178
الفصل الثالث
المسيحية والدولة الرومانية
ولدت المسيحية في أورشليم من فلسطين في آسيا، ثم لم تلبث أن عبرت إلى أوروبا فاستقرت في الدولة الرومانية ذات الحضارة العريقة، وذات النظام الاجتماعي الذي شكلته الفلسفة اليونانية الوثنية والقانون الروماني. وفي هذا الجو بكل قيوده وتحدياته عبرت المسيحية إلى أوروبا، وتشكلت في داخل هذا الفكر على النحو الذي قام به بولس منحرفا بها عن نهجها الرباني المنزل من السماء. حتى ليمكن القول بأن المسيحية الغربية هي مسيحية بولس، وليست مسيحية المسيح. وفي ظل هذا التشكل نشأ الفكر الغربي والفلسفة الغربية.
ومر في ثلاث مراحل:
(المرحلة الأولى): منذ عبرت المسيحية إلى الدولة الرومانية إلى أن أعلن قسطنطين اعتناقه للمسيحية.
(المرحلة الثانية): منذ أعلن قسطنطين اعتناقه السيحية سنة 316 م حتى ظهور دعوة لوثر، وانقسام الكنيسة.
(المرحلة الثالثة): منذ ظهور الدعوة إلى التحرر من الأديان ونقدها، وهي المرحلة التي بدأها نيتشه. وما تلاها من غلبة الطوابع الفلسفية الجديدة.
حين امتدت المسيحية إلى أوروبا وصلت إليها نظاما روحيا، وإرشادا خلقيا، ولكنها لم تضع لها أسسا للتشريع والاقتصاد والسياسة. فقد كان هذا المنهج الاجتماعي قد تشكل وتكامل قبل وصول المسيحية، ولذلك فقد ارتضت المسيحية أن تكون عنصرا من العناصر الثلاثة المشكلة للفكر الغربي.

صفحة 179
وقد ظلت المسيحية منذ وصولها إلى اوروبا حتى أعلن قسطنطين تنصره عام 316 م وهي تواجه اضطهادا شديدا وصراعا قويا من الوثنيين أصحاب القوة والنفوذ في الدولة الرومانية.
وظلت إلى ذلك الوقت وما بعده بقليل تحمل في أعماقها وجه الخلاف بين القائلين بان المسيح نبي مرسل، والقائلين بانه ابن الله. ولقد احتارت المسيحية الغربية أن تقف مع التثليث وألوهية المسيح.
ولقد كان للفكر الغربي بوثنيته وفلسفاته اليونانية والبابلية والهندية والفارسية أكبر الأثر في تحريف الأثر في تحريف المسيحية عن أصلها الأصيل حتى ليقول (برنارد لويس): إنه لم يعتنق المسيحية منذ نشأتها سوى فرد واحد هو المسيح. وإن كنا نرى أن أجيالا قد اعتنقت المسيحية الحقيقية حتى جاء الإسلام.
وقد أشار إلى ذلك العلامة أرنست دي بنسين حين قال: إن العقيدة والنظام الديني الذي جاء في الإنجيل ليس الذي دعا اليه السيد المسيح بقوله وعمله، وإن مرد النزاع القائم بين المسيحية اليوم وبين اليهود والمسلمين ليس إلى المسيح. بل إلى دهاء بولس. ذلك اليهودي والمسيحي وشرحه للصحف المقدسة على طريقة التجسيم والتمثيل، وملئه هذه الصحف بالنبوءات والأمثلة. إن بولس في تقليده لاسطفانوس راعي المذهب الإنساني قد ألصق بالمسيح التقاليد البوذية. انه واضع ذلك المزيج من الأحاديث والأقاصيص المتعارضة التي يحتوي عليها الإنجيل اليوم، والتي تعرض المسيح في صورة لا تتفق مع التاريخ أصلا. ليس المسيح، بل بولس والذين جاءوا بعده من الأحبار والرهبان الذين وضعوا تلك العقيدة، والنظام الديني الذي تلقاه العالم المسيحي كأساس للعقيدة المسيحية الأرثوذكسية خلال ثمانية عشر قرنا. في خلال الفترة من دخول بولس بالمسيحية إلى الدولة الرومانية حتى دخول قسطنطين

ص 180
فيها سنة 316 م. واجهت المسيحية صراعاً جباراً مع الوثنية في الإمبراطورية الرومانية. فقد ظلت الفلسفة اليونانية، والفكر الروماني يعارضان المسيحية معارضة شديدة رغم ما أصابها من تحريف.
ذلك أن أوروبا اعتنقت الديانة المسيحية التي وفدت إليها من الشرق بعد أن حولتها من عقيدة تراقب ضمير الإنسان وسلوكه إلى مجرد طقوس تعبدية يلجأ إليها الإنسان ليكفر عن خطاياه أو يستدر عطف الإله.
ولم يجعلوا للدين قط تلك الفعالية اليقظة التي تسير أعمال الإنسان كما هو الإنسان في الإسلام.
حاولت الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى بواسطة البابوات أن تمكن الدين في قلوب الناس وتصرفاتهم عندما قيدت ذلك بقيود بغيضة، لم يلبث العقل الأوروبي حين تفتح في عصر النهضة أن رفض الدين المسيحي كله (1).
ذلك أن المسيحية حين وصلت إلى أوروبا لم تكن هي فعلاً المسيحية الشرقية الربانية المنزلة على المسيح عيسى بن مريم، ولكنها كانت جماعاً من الوثنية والفكر اليوناني والغنوصية مجمعاً في إطار باسم المسيحية. فهي حين واجهت الاضطهاد في أول الأمر كانت تجد من بعض مفاهيمها الباقية من الرحمة والمحبة وغيرها عاملاً مؤثراً في الأمم التي اضطهدتها الدولة الرومانية وكانت سلاحاً في مواجهة النفوذ الروماني بمطالبه القاسية. ولا ريب أن الاضطهاد أفقد المسيحية مراجعها الأصلية، ومكن بولس من الاقتباس من الفلسفة الإغريقية دون أن يخشى مراجعاً.
فلما دخلت الدولة في المسيحية، واعتنقتها، واتخذتها ديناً لها لم تلبث أن
هامش ص 180
(1) إسماعيل أدهم أحمد: (ك) لماذا هو ملحد.
انتهى الهامش

ص 181
تحولت على أيدي الكهنة والكنيسة تحولا خطيراً، وأصابها تعقيد بالغ رفضه العقل البشرى، وعارضته طبيعة النفسية الأوروبية التي عاشت في أعماق الوثنية اليونانية، وكرهت كل قيد. ذلك أن المسيحية ذهبت إلى أبعد مدى في الدعوة إلى الزهادة، واعتزال الحياة ،وتحريم طيبات الدنيا.
(3)
استمر اضطهاد المسيحية أكثر من ثلاث قرون حتى سنة 313.
وفى مؤتمر نيقة تغلب مفهوم التعدد على مفهوم التوحيد.
وكان مفهوم التعدد مفهوم قساوسة الرومان. أما قساوسة المشرق فقد قالوا بأن المسيح نبي وليس إلهاً.
وكان أريوس المصري هو حامل لواء الدعوة إلى التوحيد، والقائل: (ان الأب وحده الله، والابن مخلوق. وقد كان الأب إذ لم يكن الابن).
وقتل أريوس مع بعض من أيدوا رأيه، ونجح رأى كاهن روما.
((ثم فرض القرار فرضاً على الناس، وحرق كل ما سواه (1). وصودر وأفنى كل ما كتب متجهاً غير ذلك الاتجاه)).
ومن المعروف أن تحول المسيحية من دين توحيدي إلى دين مثلث، ومن دين يهودي إلى دين عالمي كان نتيجة لدخول الأفكار اليونانية والفلسفة الإغريقية، وبذلك انتقلت المسيحية من دين شرقي إلى دين غربي. ولكن هذا التحول لم يمض دون صراع طويل. فقد قام الخلاف بين بولس وأنصاره من جهة، وبين المسيحيين الحقيقيين من جهة ثانية. وامتد قروناً بعد وفاة بولس.
هامش ص 181
(1) أحمد شلبي: المسيحية.
انتهى الهامش

ص 182
ولما انتصرت فكرة الرومان المعددة على فكرة المسيحيين الموحدين، قضى على كل كتابات الموحدين، وقبرت وأعدمت نهائياً. ولقد كان بولس يتخذ مع مخالفيه في الرأي أسلوباً غاية في العنف والحدة، بل والتحقير والازدراء. وكان ذلك مقدمة لسلوك تابعيه وقومه معهم، حتى قضوا نهائياً على كل مجال للمعارضة أو إبداء الرأي.
وبالجملة فقد كان بولس يهودياً ورومانياً. وكان الهيكل الذي صنعه للمسيحية متصلاً بمزاجه النفسي، وثقافته الغربية ولم يكن يتصل بروح الشرق أو طوابع الدين الموحى به أقل اتصال. وقد سار على نهجه كثيرون منهم واحد من كتبة الأناجيل الأربعة (لوقا). فلوقا هو تلميذ بولس، وإنجيله هو فكر بولس.
ومختلف آراء بولس التي ضمنها المسيحية هي آراء الفكر الوثني اليوناني الذي تطور في مدرسة الإسكندرية على يدي أفلوطين، ثم فيلون اليهودي.
وقد استمرت مدرسة الإسكندرية التي قامت على الفكر الهلينى، وأنشأت من بعد الفكر الهلسنتى، استمرت بعد المسيح فأنجبت أفلوطين 270 م الذي جدد مذهب أفلاطون، ونمّى نظرية الفلسفة في الفيض والعقل والنفس.
ومن خلال هذا التطور الذي يحمل طابع اليهودية في بولس، والهلينية في الفكر الدخيل، وطابع أوروبا والرومان في تشكيل الصورة وبنائها وامتدادها بعد بولس الذي مات سنة 65 ظهرت جبهة تحمل الدعوة إلى تأليه السيد المسيح، وتصفه بأنه الابن. وقد ظل الصراع قائماً بين الشرقيين حملة المسيحية الحقيقية، وعلى رأسهم أريوس، وبين الغربيين حملة المسيحية الغربية حتى انعقد مؤتمر نيقة (325 م) حيث تغلبت الأقلية القائلة بإلوهية المسيح على رأى الأغلبية القائلة بالتوحيد فانعقد المؤتمر وبهذه الأقلية فقط واتخذ قراراً بذلك فرض من بعد على المسيحيين في كل مكان.

ص183
ثم أصبح لهؤلاء القائلين بإلوهية المسيح كل النفوذ والسيطرة، وأصبح للأناجيل التي اختاروها الطابع الرسمي المقرر. بينما قضوا على كل ما عداها مما يعارض رأيهم بالفناء. وفى مقدمتها إنجيل برنابا. وكان برنابا قد أنشأ إنجيله للرد على ما أسماه ضلالات بولس (1).
وكان ذلك كله مقدمة لنفوذ الكنيسة الذي سيطر على أوروبا سيطرة كاملة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية سنه 476 م.
هامش ص 183
(1) احمد شلبي: المسيحية.
انتهى الهامش

ص184
الفصل الرابع
تداخل المفاهيم وانحراف التفسيرات
إن أكثر ما أصاب المسيحية من اضطراب وتداخل في المفاهيم. إنما جاءها من الفلسفتين اليونانية والغنوصية. وقد صور هذا المعنى المؤرخ: ليون جونيه. حين قال: (( إن المسيحية تشربت كثيراً من الآراء والأفكار من الفلسفة اليونانية، فاللاهوت المسيحي مقتبس من نفس المعين الذي كانت تقتبس منه الأفلاطونية الحديثة. ولذلك نجد بينهما مشابهات كثيرة )).
وتكاد تجمع مراجعات الباحثين على أن (( المسيحية مجموعة من الاقتباسات من الوثنية واليهودية، والحياة الشرقية، والرمانية، وفيها عناصر أجنبية كثيرة بارزه بها وكاملة أو محرفة )).
ومن اليهودية اقتبست المسيحية فكره الأبوة بين الله والناس، أي أبوة الإله للخلق، ومن الحياة الشرقية اقتبست المسيحية الفنون والرسوم التي ازدانت بها الكنائس، كما اقتبست استعمال الفسيفساء والصور والبخور والأنغام.
ومن الفلسفة الإغريقية اقتبست المسيحية (الكلمة) وهى ترادف (الإله) عند الإغريق، لأن الكلمات لا تفنى بالاستعمال. وعندنا أن أخطر ما واجه المسيحية هي ديانة الإله مترا، أو الديانة المترائية، وهى إحدى الديانات البشرية المنتشرة في ذلك الوقت في حوض البحر الأبيض المتوسط، وخاصة في أوروبا. ذلك أن معظم الأقطار التي انطوت فيها كانت من هذه الديانة. وأبرز معالم (عادة الإله مترا) هي أن الإله مترا بين الله والبشر، وأنه مات ليخلص البشر من خطاياهم، ودفن، ثم عاد إلى الحياة، وقام من قبره مخلصاً ومنقذاً، ويعمد ابناءه، وله عشاء مقدس.

ص 185
ويكاد يكون الإله مترا هو الصورة التي نقلها بولس إلى المسيحية، ووضع في إطارها السيد المسيح.
أما فكرة ابن الإله، ((فقد كانت تسود العالم المصري القديم)) وتقوم عليها الديانة الفرعونية البشرية: (ايزيس، وأوزيريس، وحورس) وفى الهند كانت البرهمية تقوم على التثليث أيضاً (براهما- فنشو- سيفا) وصورة العذراء الأم وهى تحمل المسيح هي صورة إيزيس الأم، وهى تحمل الإله الابن حورس.
وإذا كانت أبرز انحرافات المسيحية وهى كثيرة هي:
(أولاً) : التثليث: وإلوهية المسيح.
(ثانياً) : تجسيد الابن وظهوره بمظهر البشر ليصلب تكفيراً للخطيئة التي ارتكبها آدم أبو البشر.
(ثالثاً) : عالمية المسيحية.
فإنما هي مجموعها قد جاءت مقتبسة من الفكر البشرى الذي عاش موجات تتضارب من خلال الأديان السماوية التي انحرفت عن أصولها. فأخذت وأعطت، وربما كانت الفلسفة اليونانية، والفارسية، والمجوسية. والفلسفة الهندية، وهى بين عقلية وغنوصية هي المصادر التي استمدت منها اليهودية أولاً انحرافها عن الدين المنزل على موسى، ومنها استمدت المسيحية أيضاً انحرافها.
أما اليهودية فقد انحرفت على النحو الذي استوعبت فكر اليهود ومفاهيمهم في الربا، والاستيلاء على العالم. وأما المسيحية فقد تدخلت اليهودية في تحريفها لإخراجها من أصلها السماوي الذي أنزلت به لإصلاح دين بني إسرائيل إلى ديانة بشرية خالصة.

ص 186
(1)
التعدد = التثليث
أخذت المسيحية (مسيحية بولس) التثليث من الثقافات المحيطة بها. (تعدد الآلهة موضوع يكاد يكون عاماً في جميع الثقافات القديمة، وقال به المصريون القدماء، وقال به الأشوريون، والبابليون، والفرس، والهنود، والصين، واليونان، على اختلاف في عدد الآلهة، ومكانهم واختلاف في تصور الآلهة بعضهم من بعض أو صلتهم البشر) (1).
ولقد ظهرت فكرة التعدد في الأديان البشرية والوثنية. ففي الهند كانت البرهمية مثلثة، وكانت المجوسية ثنائية. ويذهب كثير من الباحثين إلى أن القول (2) بتحديد الآلهة بثلاثة عمل له صلة بعبادة الأبطال. تلك العبادة التي بدأت منذ فجر التاريخ، والتي لا تزال لها بقايا في عالمنا الحاضر، وارتباط التثليث بعبادة الأبطال مرجعه أن الجماهير كانت تعبد البطل لعمل رائع، قام به. ثم يتخذ البطل له زوجة فتحتل معه مكان الإلوهية، وتسجد لها الجماهير، ثم يصل إلى البطولة أكبر أبنائه فيتم الثالوث.
ويرجع الكثيرون أن البابليون أول من قام بالثالوث في الألف الرابع قبل الميلاد، وكان البابليون يدينون بالتعدد، وقد جعلوها أثلاثاً. كل مجموعة ثلاثة (السماء والأرض والبحر) ثم (القمر والشمس والعدالة) الخ.
ثم تطورت فكرة التعدد وتفلسفت وظهرت بدعة التعدد في وحدة. والوحدة في تعدد. وقال بها الهنود قبل المسيح بألف عام. وفى الإسكندرية أقام بطليموس الأول معبداً عظيماً. هو معبد السرابيوم، كان يعبد فيه نوع من
هامش ص 186
(1) عن نص لإبراهيم بيومي مدكور ( تاريخ الفلسفة).
(2) أحمد شلبي : المسيحية.
انتهى الهامش

ص 187
ثالوث الأرباب مكون من سرابيس وإيزيس وحورس. وقد سجلت دائرة معارف القرن التاسع عشر الفرنسية هذا الموقف. فقالت: عقيدة التثليث، وإن لم تكن موجودة في كتب العهد الجديد (الإنجيل) ولا في أعمال الآباء الرسوليين، ولا عند تلاميذهم الأقربين. إلا أن الكنيسة الكاثوليكية، والمذهب البروتستانتي مدعيان أن عقيدة التثليث كانت مقبولة عند المسيحية في كل زمان، رغما عن أدلة التاريخ التي ترينا كيف ظهرت هذه العقيدة، وكيف نمت، وكيف علقت بها الكنيسة بعد ذلك.
إن (بولس) خالف عقيدة التلاميذ الأقربين لعيسى. وقال إن المسيح أرقى من إنسان، وهو نموذج إنسان جديد ذي عقل سام متولد من الله، وكان موجوداً من قبل أن يوجد هذا العالم. وقد تجسد هنا لتخليص الناس، ولكنه مع ذلك تابع للإله الأب.
وكان الشأن في تلك العصور أن عقيدة (إنسانية عيسى) كانت غالية مدة تكون الكنيسة الأولى من اليهود المنتصرين، فإن سكان مدينة الناصرة، وجميع الفرق النصرانية التي تكونت من اليهودية اعتقدت أن عيسى إنسان بحت مؤيد بالروح القدس، وما كان أحد يتهمهم إذ ذاك بأنهم مبتدعون.
وقال جوستين مارشير: وهو مؤرخ لاتيني في القرن الثاني انه كان في زمنه في الكنيسة مؤمنون يعتقدون أن عيسى هو المسيح ويعتبرونه إنساناً بحتاً وإن كان أرقى من غيره من الناس، وحدث بعد ذلك أنه كلما نما عدد من تنصر من الوثنيين ظهرت عقائد جديدة لم تكن من قبل.
ولا شك أن ((التثليث)) طارئ على الأديان والعقائد التي كانت كلها موحدة، فالتوحيد في الأصل دين كل الرسل ((غير أن الأمم (1) بعد وفاة
هامش ص 187
(1) محمد فريد وجدي: دائرة المعارف.
انتهى الهامش

ص 188
الرسل تدخل إلى تعاليم الأديان جميع أهوائها الموروثة لها من الوثنية الأولى، فترد الأمر لأصله من التشبيه والتجسيد والتعديد في ذات الخالق الأقدس. أما الأديان في مبادئها فكانت بريئة من ذلك كله. وكان أتباعها الأولون على غير ما عليه أتباعها الآخرون.
(2)
الخطيئة والفداء
قال بها بولس، ولم تلبث المجامع أن اعتبرتها جوهر الإيمان المسيحي: وقد صورها بولس على هذا النحو: أن الله لم يغفر لآدم خطيئته. بل أن غضبته لم تقف عن حد آدم، بل تناولت كل ذريته من بعده، فقضى عليهم أن يعيشوا في الخطيئة أبداً، وأن يلاحقهم الموت بالتالي.
ويرى:ه.ج. ولز: إن فكرة أن المسيح ابن الله نزل إلى الأرض ليقدم نفسه قرباناً، وبصلب تكفيراً عن خطيئة البشر. هذا المفهوم كان معروفاً في الحضارات البدائية، وأنه شبيه بممات الضحايا القديمة من الآلهة من أجل خلاص البشرية. وليس في الإسلام أن الخطيئة موروثة في الإنسان قبل ولادته، ولا أنه يحتاج في التوبة عنها إلى كفارة من غيره. أما خطيئة آدم فقد تاب عنها وغفر الله أمرها. وهى لا تنسحب مطلقاً على غيره، ولن يكون البشر كلهم خطأة بخطيئة واحد منهم، وكل خطيئة تمحوها التوبة، وخطيئة آدم كسائر خطايا الناس تغسلها المغفرة ممن يملك المغفرة وهو الله تبارك وتعالى. وقد سجل القرآن الكريم دحض هذه الفرية في عبارات واضحة صريحة: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} وبذلك انمحت معصية آدم بتوبته دون أن تستتبع عقوبة لأحد، وأن الله سبحانه وتعالى قد كتب (في صحف إبراهيم وموسى. أن لا تزر وازرة وزر

ص189
أخرى). فلا يرث مولود خطيئة والد، وأنه ليس للإنسان إلا ما سعى (1).
ومن فكرة ((الخطيئة)) جاءت فكرة ((الخلاص)) وهى زائفة زيف الخطيئة.
(3)
أسرار الكنيسة السبعة
وهنا ما يسمى بالأسرار السبعة التي لا يعرفها إلا رجال الكنيسة، وفيها تتمثل سلطتها: وهى: المعمودية، والميرون والتناول والتوبة أو الاعتراف. والمسحة والزواج والكهنوت، والمعمودية هي الولادة الجديدة التي يتطهر فيها الفرد من خطيئة آدم، وهذه النعمة تمنحها الكنيسة في صورة رش الماء والتغطيس فيه، والميرون هو حلول روح القدس في الإنسان الذي نال المعمودية، والتناول هو العشاء الرباني، حيث يتناول المؤمن جسد الرب ودمه الأقدمين. والاعتراف هو مبدأ الحصول على المغفرة، والمسحة سر ينال به المؤمن الشفاء الجسدي بعد تلاوة الصلاة، ثم يدهن بالزيت المقدس، أما الزواج فهو ربط الزوجين برباط لا ينفصم، والكهنوت هو السر الذي ينال به الإنسان النعمة التي تؤهله، لأن يؤدى رسالة المسيح بين البشر.
(4)
عالمية المسيح
حول بولس المسيحية من ديانة يهودية مكملة لرسالة موسى، وقاصرة على بني إسرائيل إلى ديانة عالمية، مفتوحة لكل الأمم، ويقول المؤرخون: إن عالمية
هامش ص 189
(1) محمود محمد شاكر- من بحث له مجلة الرسالة سنة 1964.
انتهى الهامش

ص (190)
المسيحية كانت نقطة تحول فى تاريخها، فدخلها الوثنيون والأوروبيون واليونانيون، وأتباع ديانة ميتراس. وبذلك تحولت من دين شرقى إلى دين غربى. كما جعل طاعة السادة، والطبقة الحاكمة من طاعة المسيح.
السيد المسيح بين مفهوم المسيحية ومفهوم اليهودية
انحرف التصور الوافد إلى المسيحية بمفهوم السيد المسيح أكثر من انحراف: فقال رأى بأن السيد المسيح نبي الله المرسل إلى بنى إسرائيل ليس إنساناً عادياً. بل هو إنسان سماوى، وكائن معجز خلقه الله قبل الدهور، وهو يحمل لقب ابن الإنسان. أى أنه يظهر فى صورة إنسان وإن كانت طبيعته تجمع بين الله وبين الإنسان. وهذا الوصف اقتبسه المسيحيون من اليهود وأسندوه إلى عيسى بن مريم. وقال رأى بأن السيد المسيح شخصية أسطورية وهمية لم تتحقق أبداً، ولم تدخل مجال التاريخ الصحيح. وكان اليهود يقولون بانتظار المسيح المنتظر قبل أن يرسل الله سيدنا عيسى، وكانوا يذكرونه كلما حاقت بهم الأزمات ، فلما ظهر المسيح عيسى بن مريم، وأعلن أنه هو المسيح الذى ينتظره اليهود أنكروه ورفضوا دعوته، وألقوا القبض عليه، وحكموا عليه بالموت صلباً لولا أن نجاه الله، وقالوا إنهم إنما ينتظرون مسيحاً آخر ليس نبياً ، بل ملكاً. وقد قدم التلمود سيدنا عيسى فى صورة فاسدة تخالف ما جاء فى القرآن الكريم مخالفة كاملة عندما قال: إن يسوع الناصري موجود فى لجأت الجحيم بين القار والنار. وقد أتت به أمه عن طريق الخطيئة.
وما تزال صورة السيد المسيح عيسى بن مريم فى الإنجيل قريبة مما جاء فى القرآن: :فهو إنسان نبي جاء لهداية البشر". وتكشف نصوص إنجيل متّى عن إنسانيته ونبوته ورسالته، وهى توحيد الله، والدعوة إلى سبيله، وهى

ص (191)
بذلك مختلفة كل الاختلاف عن الصورة التى رسمها بولس، والتى اعتمدتها مجامع نيقة وغيرها من بعد، وخرجت بها عن إطار إنسانية المسيح عيسى بن مريم.
وبالإضافة إلى هذا صورة السيد المسيح فى نظر اليهودية، وهى صورة قاسية بشعة ، فيها إنكار، وفيها تصوير خاطئ، وجراءة على الحقائق التاريخية.
وهناك آراء أخرى تنكر وجود السيد المسيح أصلاً، وتعتبره أسطورة. وكل هذه الآراء تختلف مع المفهوم الحقيقى للمسيح كما جاء به القرآن الكريم.

(192)
الفصل الخامس
الأناجيل
(1)
يمكن أن توصف الأناجيل بأنها خلاصة لسيرة المسيح عيسى بن مريم رسول الله ودعوته، وهى بهذا تختلف اختلافاً أساسياً عن الإنجيل بوصفه الكتاب الذى أُنزل من السماء.
وقد كتبت الأناجيل الموجودة جميعها بعد وفاة المسيح وإنجيل متّى أقدم الأناجيل كتب عام 60 بعد الميلاد باللهجة الآرامية الفلسطينية (أى بعد عيسى بثلاثين عاماً).
والإنجيل كلمة يونانية معربة بمعنى البشارة، وهو اسم أُطلق على الكتب التى وضعت بعد زمن المسيح، والتى تروى أحواله وأعماله وأقواله ومواعظه ومعجزاته. ويعرف "الإنجيل" بالعهد الجديد تمييزاً له عن التوراة التى تسمى العهد القديم. وقد قام بكتابة هذه الأناجيل تلاميذ المسيح، ومن جاء بعدهم من تلاميذهم. وقد بلغت نيفاً ومائة من الأناجيل، غير أن الكنيسة لم تعترف إلا بأربعة منها. واعتبرت الأخرى منحولة، وهذه هى: متّى، مرقس، لوقا، يوحنا. وهذه الأناجيل هى التى أقرتها الكنيسة، واعتبرتها وحياً مقدساً.
أما الإنجيل بمفهوم الإسلام فهو الكتاب الذى أنزله الله على رسوله عيسى بن مريم عليه السلام. والقرآن الكريم يقرر أنه كتاب سماوى منزل.

ص (193)
أما هذه الأناجيل فهى أسفار كتبها أناس من البشر.
وقد كتب متّى إنجيله باللسان العبراني فى بلاد العبرانيين، وتركه للمؤمنين من اليهود، ويرجح الكثيرون(1) أن متى ألفه باللغة الآرامية، ثم ترجم إلى اللغة اليونانية.
وتكاد الأناجيل الثلاثة (متّى ، ومرقص، ولوقا) أن تجمع على أن الله واحد هو خالق الكل، والمهيمن على الكل. وأن المسيح بشر سوي ومبعوث إلهى جاء يبشر بالرحمة والمحبة وطهارة النفس والجسد، ولا توجد فيها أية إشارة من قرب، أو بعد لهذا التثليث الذى هو رمز مسيحية اليوم، وشعارها وجوهر عقيدتها(2).
أما إنجيل يوحنا فهو مكتوب تحت تأثير (بولس) ولذلك فقد استقى مصادره من فلسفة اليونان، وبدأ مختلفاً أشد الاختلاف مع الأناجيل الثلاثة الأخرى. ذلك أنه هو الإنجيل الوحيد الذى يتحدث عن إلوهية المسيح، وأنه ابن الله كما ينطوى على عقيدة التثليث، ويشير إلى ما يصفه بقصة صلب المسيح ، وأنه صلب ليفدى العالم ، ويطهره من خطيئة آدم. "بذلك يخالف كل المخالفة الإنجيل الذى يذكر القرآن الكريم أنه كتاب مقدس أنزله الله على عيسى. وقد أشار القرآن الكريم فى أكثر من موضع إلى أن هذا الإنجيل قد حُرف وبُدل وزيد عليه".
وإذا كانت الأناجيل الثلاثة متقاربة فى تاريخ تأليفها. فإن إنجيل يوحنا يختلف عنها إذ تأخر تأليفه أكثر من ربع قرن بهذا الاتجاه الذى حمل لواءه بولس. ويحددون لوضع إنجيل يوحنا أواخر القرن الأول المسيحى.
هامش ص (193)
(1) الدكتور على عبد الواحد وافى فى كتابه عن اليهود.
(2) أحمد حسين.
انتهى الهامش

ص (194)
ويرى فيه الباحثون "انعكاساً"(1) لآراء الفلسفة التى كانت سائدة فى العالم الهلينى فى هذه الفترة كما يعبر عنها الفيلسوف اليهودى فيلون ونظرية الكلمة وهى آراء حاول بها فيلون التوفيق بين الفلسفة الأفلاطونية والعقيدة اليهودية، ثم انقلب إلى المسيحية بعد ذلك.
وقد ألفت جميع أسفار العهد الجديد باللغة اليونانية – ما عدا إنجيل متّى الذى ترجم إليها ومن اللغة اليونانية ترجمت أسفار العهد الجديد إلى اللغة اللاتينية، وعن اليونانية واللاتينية ترجمت هذه الأسفار إلى معظم لغات العالم قديمها وحديثها.
(2)
هناك إجماع بين الباحثين الأوروبيين على أن الكتاب المقدس كتبه الإنسان، وأن أغلب كلماته كتبها أشخاص مجهولون لا تُعرف أسماؤهم، وأن تدوين اليهود للكتاب المقدس بدأ قبل ألف سنة من ميلاد المسيح. ومن ثم أخذوا يسجلون القصص والقصائد القديمة، وأضافوا قصصاً وقصائد جديدة، وقد استلزم الأمر أن تعاد كتابة لفائفهم عدة مرات، وأن تنقل وتنسخ، مما أوجد فرصاً عديدة لا تحصى لتغييرات كثيرة لا حدّ لها، بعضها مقصود، والبعض الآخر غير مقصود.
وأن ذلك انتهى إلى أنه لا يوجد نص أصلى لأى جزء من الكتاب، وأن العهد الجديد ربما حوى تغييرات أكثر وأبلغ من العهد القديم(2).
هامش ص (194)
(1) على عبد الواحد وافى فى كتابه عن اليهود.
(2) مجلة لايف عدد 7 إبريل 1965 ترجمة الدكتور أمير رضا – الوعي الإسلامي مايو 1966.
انتهى الهامش

ص (195)
وقد وجه الباحثون الغربيون إلى الكتاب المقدس ملاحظات مختلفة، وكلها تقريباً تجمع على أنها كتبت بأيدى أناس مختلفى الأزمنة والبيئات.
ومما جاء عن الإنجيل أن سبعين إنجيلاً كانت رائجة فى القرون الأولى من المسيحية (آدم كلرك) وأن النصارى لا يعتقدون كون هذه الأناجيل عن المسيح ، وكونها من تصنيف الحواريين (لاردثر) وأن المسيحيين بدلوا أناجيلهم ثلاث أو أربع مرات بل أزيد تبديلاً غيّر مضامينها (أكهوف) وأشار كثير من المؤرخين: أن نسخ الأناجيل الأصلية وقتها كانت مفقودة لا أثر لها، لأنها كانت قد أحرقت مع كتب النصارى فى عهد القيصر دقلديانوس. وأن الأناجيل الحاضرة مجموعة روايات مختلفة ببعض آيات مأخوذة من كتب يختلف بعضها عن بعض كما يقول (أيرونيموس) الذى اعترف بأنه أضاف وغيّر ونقح ما شاء وبدل منها ما عنّ له، وما ظن أنه يوافق مذهب البابا وينصره على مخالفيه.
وتكاد تجمع مراجع كثيرة على أن (أيرونيموس) هو المنشئ الحقيقى لهذه الأناجيل.
(3)
من الأناجيل التى أبطلها البابا فى القرن الخامس للمسيح: إنجيل برنابا – وبرنابا هذا يهودى دان بالنصرانية. وكان من أتراب بولس، وطاف آسيا الصغرى، وسوريا، وبلاد اليونان، وقتل فى قبرص نحو عام 63 للمسيح. وقد وجدت نسخة من إنجيل ينسب إليه فى مكتبة فينا كُتِب كما رجَح العارفون فى القرن السادس باللغة الإيطالية القديمة.

ص (196)
ويشير بعض مؤرخى برنابا إلى أنه حواري من أنصار المسيح الذين عاصروا بولس. بل كان هو الذى عرف التلاميذ ببولس بعد أن اهتدى ورجع إلى أورشليم.
ولما كانت الكنيسة قد اعتمدت نظرية بولس التى جاءت مخالفة لما تلقاه الحواريون عن المسيح. فقد اعتبر إنجيل برنابا غير قانونى أو غير صحيح.
وفى هذا الإنجيل أمر يستنكره الباحثون أشد الاستنكار، وهو تصريحه باسم النبى محمد قائلين إنه لا يُعقل أن يكون ذلك كتب قبل ظهور الإسلام.
وقد نقل محمد بيرم عن رحالة انجليزي أنه رأى فى دار الكتب الباباوية فى الفاتيكان نسخاً من الإنجيل مكتوبة بالقلم الحميرى قبل بعثة النبى ، وفيها يقول المسيح (ومبشراً برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد"
وأبرز ما تضمنه إنجيل برنابا: التوحيد؛ وأن المسيح رسول الله، وأن المسيح لم يصلب، ونبوة محمد(1).
هامش ص (196)
(1) المنار م 11 ص 114 و 115.
انتهى الهامش

ص (197)
الفصل السادس
الكنيسة
تركزت المسيحية منذ تشكلها الذى عرفت به ديانة مستقلة عن اليهودية فى مؤسسة خاصة حملت لواء الدعوة ونشرها وتفسير النصوص وإصدار القرارات الخاصة بالعقيدة. ومن ثم أصبحت للكنيسة نظام خاص يخضع له كل من يدين بالمسيحية، كما أصبح لها أسرارها الخاصة.
يقول الأستاذ أحمد حسين: إن الكنيسة فى المسيحية لا تقابل المسجد وهو شىء يكاد يعز على التصور والتصديق، فهى ليست كما يتصور الكثيرون مجرد هذا المبنى المعين الذى تقوم فيه الطقوس على سبيل التخصص والتحديد، ولكنها فى معناها العام تشمل مجموع المسيحيين. بل إنها المسيح نفسه، إنها جسده ولحمه ودمه، وهم يستندون فى هذا على ما جاء فى إنجيل يوحنا(2).
ويتصل بالكنيسة المسيحية ما يسمى بالمجامع المسيحية: هذه المجامع التى وضعت العقيدة والتعاليم التى تطبقها الكنيسة. وفى هذه المجامع تقرر تأليه المسيح، وإقرار التثليث والخطيئة والفداء، وصلب المسيح. وقد اختصت الكنيسة نفسها باسرار سبع هى: المعمودية، المسيح بالميرون المقدس، العشاء الربانى، التوبة والاعتراف، الكهنوت. المسح على المريض، الزواج(1).
وقد أقامت الكنيسة نظاماً كاملاً على رأسه البابا. والبابا هو الرئيس
هامش ص (197)
(1) أحمد حسين : الإسلام ورسوله بلغة العصر. ص 126.
(2) راجع تفصيل ذلك فى (ك) المسيحية للدكتور شلبى ولأحمد حسين فى المصدر السابق.
انتهى الهامش

ص (198)
الأعلى للكنيسة ، وممثل المسيح فى العالم. وتعتقد الكنيسة الكاثوليكية منذ القرون الأولى أن البابا معصوم من الخطأ فى أمور الإيمان وآداب الدين.
والكنيسة الكاثوليكية هى كبرى الكنائس فى العالم ، وهى ذات التاريخ الطويل فى الدين والسياسة، وهى حملت لواء الحروب الصليبية التى استمرت مائتى عام على العالم الإسلامى. وهى حاملة لواء محاكم التفتيش.
ويعتقد أتباع الكنيسة الكاثوليكية أنهم وحدهم ممثلو الدين الذى بشر به المسيح، وأخذه عنه الحواريون. ويقول الأب لويس شيخو اليسوعى: إن أصل الكثلكة: تلك الجماعة الأولى التى أنشأها السيد المسيح بذاته، فكانت كنيسة ألفها من الاثنى عشر رسولاً، ثم من الاثنين والسبعين تلميذاً. ثم شاع إسمهم فعرفوا بالمسيحيين(1).
ويشير الباحثون إلى أن نظام الكنيسة وسلطة رجل الدين قد بدأ واضحاً فى القرن الرابع. حيث عدّ بابا روما رئيساً للكنائس كلها. وقد أصبح للباباوات نفوذ ضخم مع تدهور الإمبراطورية الرومانية فى الغرب، وبرز منهم رجال مشهورون منهم جوليان الأول، وغوريغوريس.
وقد احتضنت الكنيسة الفلسفة الإغريقية والطقوس الوثنية القديمة. فأصبحت تزدان بالنقوش والفسيفساء والصور والزجاج الملون، وكثرت بها الأبنية المرصعة بالأحجار الكريمة.
كما أذاعت الكنيسة معجزات نسبتها إلى القديسين لتثبت بذلك حقها اللاهوتى. وقد استعارت الكنيسة من الرومان أوضاع رجال الدين، وتوزيع السلطات. وأصبح للكنيسة رجال منقطعون لها، ولا عمل لهم سواها أطلق
هامش ص (198)
(1) م 25 المشرق سنة 1927.
انتهى الهامش

ص (199)
على هؤلاء رجال الدين للتمييز بينهم وبين غيرهم من المتعقبين.
ومن أبرز الباباوات الذين تصدوا للنفوذ السياسى جريجورى رئيس أساقفة روما الذى استولى على السلطة السياسية فى روما. وقد عمل من 440 – 461 – وظل السلطان فى يد الباباوات اثني عشر قرنا.
وقد برز استيلاء البابا جريجورى على السلطان السياسى عندما بدأت الإمبراطورية الرومانية تنشطر. هنالك استولت الكنيسة على الأمور السياسية والروحية، وكونت دولة، وادعت الحق فى أن تمد حكمها فتشمل جميع المسلمين فى كل البقاع. وفرضت للبابا السيادة العليا فى القضاء والإدارة، واعتبر المشرع والمفسر النهائي للكتاب المقدس. وعد رجال الكنيسة أنفسهم ممثلين لله.
ولقد كان لهذا التطور الخطير فى مفاهيم الكنيسة ونفوذها أبعد الأثر فى الدعوات التى ترددت بالإصلاح خلال مرحلة طويلة ظهرت خلالها البروتستانتية ، ثم لم يلبث فى مرحلة بعدها أن واجهت خصومة عنيفة حين وقفت فى وجه العلم وقاومت حركته إلى الاكتشاف وبناء الحضارة.
وقد احتضنت الكنيسة فى هذه المراحل طغيان الأمراء ، ثم زادت بتعذيب العلماء، وفرضت مفهوماً مقدساً غير قابل للنقد أو البحث أو المعارضة. وقد وصل ذلك إلى غايته فى الطغيان معارضاً للنهضة ، ومؤازراً للنفوذ الاستبدادي للملوك والأمراء، فكانت ثورة أوروبا على الكنيسة والتحرر منها تحرراً كاملاً، وعزلها عن ميدان السياسة والاجتماع ، ولإيقافها فى حدود أسوارها، والفصل بينها وبين الدولة.

ص 200
البروتستانتية
[1]
تعد حركة الإصلاح الديني التي قام بها مارتن لوثر التي بدأها عام 1517 – وامتدت إلى وفاته 1546 ثورة ضد فساد الكنيسة في روما ، ومحاولة لتصحيح ما أصاب العقيدة المسيحية من ضعف واضطراب.
فقد هاجم الكنيسة الكاثوليكية وهاجم قوانينها ، ووصفها بأنها تخرج عن تعاليم الكتاب المقدس ، وركز كثيرا على فساد البلاط البابوي ، وانغماسه في الترف والبذخ ، واستئثار رجال الكنيسة من الرومان دون غيرهم بالمناصب الكبرى ، هذا إلى فساد النظام القضائي ، وتفشي الرشوة فيها ، كما هاجم الامتيازات التى منحها رجال الكنيسة لأنفسهم.
وأنكر لوثر حق البابا في بيع صكوك الغفران ، بل وأنكر عليه حق منح الغفران بأي وجه من الوجوه ، وهاجم احتكار الكنيسة لقراءة الإنجيل وتفسيره، وعمل على ترجمته إلى اللغة الألمانية ، وأعلن حق كل مسيحي في تفسير الإنجيل ومطالعته. ومن هنا أطلقت الكنائس البروتستانية على نفسها اسم الكنيسة الإنجيلية.
كما رفضت دعوة لوثر التي كانت نواة الحركة البروتستانتية على نفسها اسم الكنيسة الإنجيلية.
كما رفضت دعوة لوثر التي كانت نواة الحركة البروتستانتية فكرة العشاء الرباني ، ورفضت عبادة الصور والتماثيل وأنكرت حق الكنيسة في غفران الذنوب.
وكان من أهم أعمال لوثر ترجمة الإنجيل، ووضعه بين يدي المؤمنين به. وكانت حركة [ كالفن] خطوة أخرى في هذا الاتجاه إلى الإصلاح ، وإن اختلف مع لوثر في بعض التفاصيل. فقد أعلن عداءه للصور والأيقونات في الكنائس ، لأنها تشغل عن العبادة ، واستهجن استعمال الآلات الموسيقية في الكنائس.

ص201
ولم تكن دعوة كالفن ولوثر هي الأولى من نوعها في تاريخ الكنيسة ، فقد سبقتها محاولات متعددة منها محاولات وكليف في إنجلترا، وهوس في بوهيميا ، وإن لم تحقق ما حققته هذه الحركة التي وصفت بأنها حررت العقول من الرق وخلصت النفوس من شوائب الأوهام. وإن أخذ على لوثر عنفه وشراسته في معاملة البابا والكنيسة الكاثوليكية ، وإن كان الفريقان قد تبادلا أساليب الهجاء في أشد صورة قسوة. وقد مضى لوثر إلى أبعد الغايات فأحرق خطاب البابا بحرمانه من الكنيسة علانية.
[2]
ومن خلال دعوة لوثر وكالفن انقسمت الكنيسة في أوروبا، وانشطر المسيحيون إلى كاثوليك وبروتستانت. وكان ذلك عاملا هاما في قيام المذابح والفتن والمعارك التي استمرت من أوائل القرن السادس عشر إلى منتصف القرن السابع عشر. وقد حاولت الكنيسة الكاثوليكية على أثر ذلك إجراء حركة إصلاح واسعة ، لمواجهة سيطرة البروتستانتية على بعض أقطار أوروبا [ ألمانيا وانجلترا] غير أنها لم تستطع أن تخطو مثل خطواته ، فقد أنقص لوثر أسرار الكنيسة السبعة إلى اثنين وهما : التعميد والقربان المقدس ، كما رفض استحالة المادة إلى لحم المسيح ودمه ، ورفض حق الكنيسة في تفسير الإنجيل ، كما أعلن حرية رجال الدين في الزواج ، ودعا إلى إزالة الرهبنة ، وأنكر الاعتراف وما يتبعه من غفران والتخلي عن عبادة القديسين ، وعبادة مريم العذراء.
ومن هنا فقد اكتسحت البروتستانتية أوروبا ، ووجدت في خصومة بعض الملوك للكنيسة الكاثوليكية فرصة لاحتضانها ودفعها إلى الأمام.

ص 202
ويمكن رد هذه الحركة الإصلاحية أساسا إلى تعاليم الإسلام ، التى كانت قد وصلت إلى قلب أوروبا ، وكان لها أثرها في الداعيتين لوثر وكالفن. ويبدو ذلك واضحا في الدعوة إلى فهم الإنجيل دون وساطة الكنيسة ، وهو مفهوم إسلامي . وكذلك يبدو أثر الإسلام في محاربة الصور والموسيقى ، وفي الدعوة إلى التحرر من نظم الزواج والرهبنة وغيرها.
غير أن هذه المحاولة التي قامت بها البروتستانتية لم تستطع أن تخرج المسيحية عن انحرافها الأصيل الذي بدأت به حين فرض عليها بولس مفاهيم الفلسفات اليونانية و الغنوصية ، ومهما بدت هذه الفوارق بين الكاثوليكية والبروتستانية واضحة ، فإنها ليست فوارق جوهرية. إذ إن المذهبين كليهما يعتقدان بالتثليث وألوهية عيسى وكونه جاء ليفدي البشر من خطيئة آدم. والخلاف بينهما ينحصر في تقرير حرية البحث ، والنظر في الأمور التي فرضتها الكاثوليكية كعبادة الأولياء والصور والرسوم والرهبنة . ومن هنا فإن الخلاف بين الكاثوليكية كعبادة الأولياء والصور والرسوم والرهبنة . ومن هنا فإن الخلاف بين الكاثوليكية البروتستانتية ليس في الأمور الجوهرية كالتثليث وألوهية عيسى التي خضعت لها البروتستانتية ، ولم تستطع التحرر منها [1].
هامش ص 202
1) راجع فريد وجدي مادة [ نصرانية] دائرة المعارف.
نهاية الهامش.

ص 203
الفصل السابع
ظهرت الرهبانية في القرن الثالث الميلادي من خلال نظام الكنيسة ، وعدها المؤرخون تطورا في الحياة الروحية. وقد وضع نظامها في الشرق القديس باسليوس ، وفي الغرب القديس مارتان. وقد كانت تطورا لمفهوم العبادة في المسيحية في إطار نهج بولس ، ومن خلال مفاهيمه ، وليس شأن الرهبانية في المسيحية إلا شبيها بشأن ألوهية المسيح ، والتثليث ، والخطيئة والصلب وغيرها من الأديان الأرضية قبل المسيحية . وكان الرومان يرغمون العذارى على عدم الزواج لكي يكرسن حياتهن لخدمة النار المقدسة . وقد بدأت الرهبانية المسيحية في المشرق حين أقامها القديس باخوميوس في مصر.
وقد تطور نظام الرهبانية المسيحية في الغرب فأنشأت الأديرة حول الكنائس ، وأصبحت نظاما عاما حتى هاجمته البروتستانتية في البلاد التي سيطرت عليها. وترتبط الرهبانية بمفاهيم العزلة والانفصال عن المجتمعات ، والإقامة في أديرة خاصة ، وهي في هذا تتعارض تماما مع مفهوم الدين كما أنزله الله.
ولما كانت المسيحية قد انحرفت عن مفهوم الرسالة المنزلة. فقد أخذت تنقل من الأديان والمذاهب والفكر البشري القديم ، وقد عرفت الرهبانية منذ أجيال قبل أن تنقلها المسيحية إليها ، وعرفتها الديانات الهندية القديمة ، كما عرفها اليهود قبل المسيحية ، وعرفتها أقاليم آسيوية أخرى ، ثم ظهرت ثانية في المسيحية عندما امتنع الرجال والنساء عن الزواج ، وأكل اللحوم ، ووقفوا أعمارهم على العبادات ، ثم عاشوا ناسكين منعزلين . وانتشرت دعوتهم في الغرب

ص 204
أوروبا في عهد القديس أثناسيوس، ثم القديس بيركيوس الذي وطد دعائم هذا النظام في الغرب. وقد تأثرت الكنيسة القبطية بعقائد قدماء المصريين ، وربطوا ببن زوال الجسد بعد الموت ، وبين احتقار متاع الحياة. ومن هنا نشأ مفهوم الزهد والرهبنة والرحيل إلى الصحراء ، وقد تركزت الأديرة في وادي النطرون ، [مائة دير] وجزيرة سيناء.
وقد اتخذ اللفظ اللاتيني Monasticism من مفهوم المكان المنقطع أو المنفرد ، وهي تعني النظام الخاص الذي اتبعته جماعات دينية مراعية فيه شرائط الفقر والعزوبة والطاعة العمياء ، والعزلة عن الناس ، ومجافاة متع الحياة كالزواج والزينة وغيرهما.
وقد وصفها القرآن الكريم بعبارة واضحة تكشف عن أنها لم تكن من أصول المسيحية [[وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ]]
ويتعارض مفهوم الرهبانية مع مفهوم الإسلام ، أو مفهوم الدين السماوي الحق ، ذلك أن الله تبارك وتعالى لم يشأ للإنسان أن يعتزل الحياة من أجل العبادة ، ولكنه رضي له أن يمارس الحياة ويتصل بأهلها ، ويقارف متاعبها ، ويتمتع بما أحله له من زينة ومتاع . وأن يقف عند حدود ما حرم عليه.
وان عبادة المؤمن إنما تكون بالعمل ، والاتصال بالناس ، ومجاهدة الحياة ، ومواجهة الصعاب أقوى منها بالهرب منها بالعزلة والاعتكاف والزهادة.
ويرجع بعض المؤرخين قيام نظام الرهبنة في الغرب واستشراءه فيه إلى الاضطهاد الذي لقيه السيحيون خلال حكم الامبراطور الروماني [ دنسيوس] مما اضطر المسيحيين إلى الهرب إلى الجبال ، والإقامة في الصوامع.
وقد تكاثر هؤلاء في القرن الثالث الميلادي حتى ملأوا البراري الجبلية

ص 205
بآسيا الصغرى، وسوريا ، ومصر ، وظهرت رهبنة للإناث . وقد ضم وادي النطرون خمسة آلاف راهب ، وضم أحد الأديرة عشرة آلاف راهب ، وخمسة عشر الف راهبة . غير أن الباحثين يرون [1] أن الإفراط في الاعتزال والتقشف والزهد جلب على كثيرين الدعارة والمجون واليأس والانتحار ، وجعل بعض الرهبان أداة خطرة في يد ذوي مطامع.
وقد أشارت دائرة لاروس إلى الرهبانية ، فقالت : إن الرهبان لم يرعوا الرهبنة حق الرعاية.
كما هاجم هذا النظام كثير من القسس : فقد كتب القس شيروتليان في القرن الثالث المسيحي على ما ترويه دائرة معارف لاروس.
لسنا من البراهمة ولا من معتزلة الهنود ، فلا نعتزل الناس في الغابات ، بل نعمل لإصلاح المجتمع الإنساني...
وأشارت دائرة لاروس إلى أن الفساد لم يلبث أن تطرق إلى نظام الأديرة ، وأصابها الخلل ، وأصبحت بعيدة عن المباديء التي أنشئت لأجلها.
وقالت إن الرهبان الذين أخذوا على أنفسهم أن يعيشوا بلا زواج لم يقوموا بما تعهدوا به من العفاف بين الرجال الدين من الجنسين.
فقد قال [ دويرتو] بعد أن زار الأديرة في النمسا ، وفي الممالك الأخرى التابعة للملك فرديناند الأول أنه رأى مائة وعشرين ديرا تحتوي على 430 راهبا و 160 راهبة و 199 سرية و 55 امرأة متزوجة و 443 طفلا. وقال إنه يخشى أن يتكلم عن راهبات زمانه تفاديا من أن يظن أنه يتكلم بإسهاب ومجون. وندد بالأديرة ، وسرد بعض جمل شديدة الطعن على أديرة زمانه.
هامش ص 205
1) السياسة الأسبوعية في 24/11/1928
نهاية الهامش.

ص206
وأشارت دائرة المعارف إلى أن هذا الفساد ليس مرتبطا بزمن دون زمن. ففي الأزمنة القديمة لام القديس [ سيريابين] والقديس [بازياها] عذارى زمانهما اللائي وقفن حياتهن على الله ما يظهر من عدم عفافهن ، ورأى جان كريزوستوم أنه لا يكفي قتل الراهبة التي تخون عفافها . بل رأى أن تقطع إلى نصفين أو تدفن حية مع شريكها في الإثم.
وقد هاجمت البروتستانتينية نظام الرهبنة وأبطلته ، وسمحت لرجال الدين بالزواج ، وبقيت المذاهب المسيحية الأخرى على موقفها من إقرار الرهبنة و تطبيقها معارضة بها الطبيعة الإنسانية ، ومفاهيم الدين الحق . وقد كانت الرهبانية إحدى التحديات الكبرى التي واجهها الفكر الغربي الحديث حين انتقل من النقيض إلى النقيض. بل إن فرويد يذهب إلى أن مذهبه إنما كان رد فعل لمفاهيم الحرمان والكبت ، ومعارضة الطبيعة البشرية والوقوف في وجه حاجات الجسد وطاقاته.
وليس أدل على فساد نظام الرهبنة من أنه كشف عن معارضته لفطرة الإنسان من حيث حاجاته وقدراته . ومن حيث عجز الكثيرين عن التقيد بالرهبانية و تنفيذها لمنافاتها للطبيعة البشرية التي أعطيت قوى ذاخرة في أعماقها لايجوز القضاء عليها أو تجاهلها أو قتلها. ولذلك فقد كان موقف الإسلام من الرهبانية ومن إذلال الجسد ، ومن تحريم الطيبات واضحا وصريحا. فقد رفض هذه المغالاة ودعا إلى إطلاق حاجات الجسد وفق نظام كريم هو نظام الزواج.
ولذلك فقد أنكر الإسلام مثل هذا الزهد ، أو هذا التصوف ، ونهى عن الرهبانية. وقال إن رهبانية المسلمين هي الجهاد. وقد حاول بعض المسلمين

ص207
نقل مثل هذه المفاهيم إلى الإسلام ، فأنشأت بعض الفرق التكايا التى تعلم فيها الزهاد بعيدا عن متاع الحياة الدنيا. غير أن هذه الفرق لم تلبث ان انحرفت وضلت ، لأنها لم تستطع الحفاظ على روح الإسلام في مفاهيمه للنفس البشرية وحاجاتها وقواها.
وكانت أغلب هذه الدعوات تقوم على أيدي أٌقوام يضمرون المفاهيم المجوسية والهندية القديمة ، ويحاولون بدعوتهم تدمير الإسلام من الداخل.

ص208
الباب السادس
الوثنية العربية
تختلف الوثنية العربية عن الوثنية الإغريقية في أمرين هامين:
[ الأول] : أن العرب كانوا موحدين منذ دين إبراهيم وإسماعيل ، ثم انحرفوا عن التوحيد. فقد عرف العرب حنيفية إبراهيم ، وبقيت منها بقايا امتدت إلى زمن البعثة المحمدية. وقد عرف العرب في الجزيرة أنبياء مثل شعيب وهود [ وهم من الأنبياء العرب] دعوهم إلى التوحيد. غير أنهم لم يلبثوا مع مرور الزمن أن التمسوا أصناما وأوثانا يتخذونها وسيلة إلى الله [[مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى]].
[الثاني] : أن الوثنية العربية كانت قريبة الأمد. فلم تبلغ أكثر من قرن ونصف قرن في تقدير أغلب المؤرخين. وهي لذلك لم تكن لها فلسفة كالفلسفة اليونانية.
فالوثنية في الحجاظ وجزيرة العرب – على حد تعبير السيد محي الدين الخطيب : [1] كانت مرضا أجنبيا طارئا عليها من شرق الأردن وبلاد كنعان، حمله منها عمرو بن لحي في بعض الوقت الذي تولت فيه خزاعة الحكم في الحجاز قبل الهجرة بنحو أربعمائة سنة ، فهي أقصر وثنيات العالم عمرا. ولأنها كانت قصيرة العمر في بلاد العرب، فلم تقم لها عندهم هياكل ، ولا تهاويل ولا أنظمة ولا أساطير كالتي كانت للوثنية العريقة في الهند والصين ، ومصر الفرعونية ، وأثينا ، وروما.
هامش ص 208
1) الرعيل الأول – محي الدين الخطيب عن كتاب الأصنام للكلبي.
نهاية الهامش.

ص209
يقول الكلبي [1] : كان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن عن ملكه ظاعن إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم ، وصبابة بمكة ، فحيثما حلوا طافوا به كطوافهم بالكعبة. وكان بعض هذه الأحجار مربعة مثل اللات أو لوحا من الحجر الأبيض كذي الخلصة أو صخرة طويلة ، أو نتوءا في الجبل كأنه تمثال إنسان.
وذكر ابن الكلبي أن الأصنام التي كانت العرب تعبدها تماثيل على صورة إنسان مثل هبل [وكان من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى أدركته قريش فجعلوا له يدا من ذهب] ومنها أساف وقد زعموا أنهما كانا رجلا وامرأة من جرهم دخلا الكعبة فوجدا غفلة من الناس ، فأتيا المنكر فمسخا حجرين.
وقد فرق ابن الكلبي بين أنواع الأوثان : فما كان من حجارة تعبد فهي الأنصاب ، وماكانت تماثيل فهي الأصنام والأوثان. والمصنوع من خشب أو ذهب أو فضة على صورة إنسان فهو الصنم. فإن كان من الحجارة فهو الوثن. وقد وجد في الكعبة يوم فتح مكة ثلثمائة وستون صنما.
ولما دخل النبي الكعبة بعد الفتح والأصنام منصوبة حول الكعبة جعل يطعنها بشباة قوسه في وجوهها وعيونها. ويقول : [ جاء الحق وزهق الباطل]. ثم أمر بها فكفئت على وجوهها ، ثم أخرجت من المسجد فحرقت.
وقد فرق صاحب كتاب الأساطير العربية قبل الإسلام بين الأصنام فقال : إن أعظمها اتخذت شكل الإنسان وصورته وقد كانت الآلهة من أبناء آدم، ولكن مرور الزمن رفع شأنهم إلى درجة الآلهة ، والأول مظهر للدين
هامش ص 209
1) كتاب الأصنام للكلبي.
نهاية الهامش.

ص 223
(رابعا): تقوم العقيدة المسيحية على الاعتقاد بتجسيد الله في البشر والإيمان بأنه (جل وعلا عما يقولون علواً كبيراً). يلبس جسد الإنسان، وأنه أرسل ابنه افتداء للبشر من خطاياهم، فمات من أجلهم على الصليب. وقد أثار هذه المفهوم شكوك أمم كثيرة، وخاصة الصين واليابان. وقد اتفق تركيب المسيحية الغربية مع الفكر الأوروني لأنه استمد أصوله من الوثنية والهلينية، واكتفى بالمسيحية إطاراً له.
(خامسا) غلبة طابع الإغريق المشبع بالفجور والحب الجسدي العنيف والوثنية.
(سادسا): المسيحية عقيدة مكملة لدين موسى وشريعتها في التوراة، فلما انتقلت إلى أوروبا كانت الشريعة في الإمبراطورية الرومانية هي القانون الروماني، ومن هنا احتجز الكهنة لأنفسهم ملكوت السماء، ففرضت الكنيسة ضرائب مالية وعقلية وروحية فادحة، وصكوكاً للغفران، كما فرضت التعذيب والحرمان لكل دعاة العلم النظري والتجريبي ( جوادنو برونو- كوبر نيكوس- جاليلو).
(سابعا) فصلت المسيحية الإنسان عن الحياة: اعتماداً على قول: (لا تهتموا لحياتكم ولا لأجسادكم، أو قول منسوب للمسيح: إن مملكتي ليست في هذا العالم).
(ثامناً): لم تقدم المسيحية الأوروبية للنهضة طريقاُ، ولكن النهضة بدأت بعيداً عن المسيحية والكنيسة. وقامت على أساس غير ديني، وارتكزت على محور يباعد بينها وبين الدين. وقد عادت إلى منابعها قبل المسيحية فاستمدت من التراث اليوناني والروماني القديم، وتنكرت للمسلمين أصحاب المنهج العلمي التجريبي الذي قدمه المسلمون بعد أن أخذته واعتمدت عليه.

ص 224
وعاشت قروناً كاملة بشخصية مزدوجة: مسيحية الظاهر، ووثنية المضمون.
(تاسعاً): اهتزت المسيحية في نفوس الغربيين نتيجة أمرين. أولهما عدم اتفاقها مع العقل الذي يجرب ويحلل ويستنبط. وذلك لتعقيد فكرة التثليث، ولإنكار فكرة الانصراف عن الدنيا، ونتيجة تحكم الكنيسة في عقول وقلوب المسيحييين فضلا عن تأييد الكنيسة للحكم الإقطاعي.
(عاشراً): كانت المسيحية الغربية هي التي نادت بمحاربة المسلمين، واحتلال بيت المقدس، وشن الحروب الصليبية على الشام وفلسطين ومصر وعلى المغرب كله.
(3)
نتج عن انحراف المسيحية عن أصولها الطبيعية أمور خطيرة كان أشدها خطراً أن (ادعى رجال الدين أن الله اختصهم بين عباده ليكونوا وسطاء بينه وبين الكتاب المقدس) وطلبوا من الناس الخضوع ولطاعة العمياء، وحالوا بينهم وبين الكتاب المقدس، وحرموا عليهم النظر في الكائنات، وفهم أحداث العالم، ولم يسمحوا لأحد بحرية الفكر، وتعصبوا للنصوص الدينية، وفسروا كل شئ على مقتضاها، وتعددت تقاليد الكنيسة رغبة في التعمية على العامة، واقتحم الدين في كل شئ حتة لم يبق للفكر منزع، ومن ثم ساد الجهل، وعم الاعتقاد في الخرافات، وشغل الناس بأمر الآخرة، ونشوا نصيبهم من الدنيا. وأصبح التعليم مقصوراً على تلقين العقائد المسيحية، فالبابا في روما خليفة المسيح يكره والتفكير في خلق السموات والأرض. وفصلت الكنيسة في جميع المسائل الجوهرية كخلق الإنسان وطبعه، والغاية من حياته، ووضعت أصول العلم وفروعه على نحو ما تأسس فكرها بأن المسيح

ص225
أرسل ليضحي بنفسه، ويخلص الناس من الخطيئة الأولى، وتحمل الأفراد أينما كانوا لخطيئة آدم وخلاصهم بموت المسيح. وقالت الكنيسة ان الإنسان مؤلف من عنصرين: النفس والجسم، وان هناك نزاعاً مستمرا بينهما. وان الكمال الروحي الذي ينشده الإنسان لا يتم إلا إذا فارقت الروح الجسد. وقولهم إن العقائد المسيحية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. ومن ثم فلا بد من الإيمان بهذه العقائد إيماناً أعمى، ولو لم يفهمها الناس. وقولهم ان الكتاب المقدس جمع كل شئ، ولم يبق للنظر والبحث مجالا بعد النصوص الدينية. ومن هنا جاء اضطهاد الكنيسة للعلم. فقد قدمت الكنيسة معلومات جغرافية-وتاريخية- وطبيعية. وعدّتها من أصول الدين. فلما عارض رجال العلم هذه المعلومات قامت قيامة الكنيسة فأنشأت محاكم التفتيش لمعاقبة الملحدين والزنادقة، وعاقبت ثلاثمائة ألف أحرق منهم اثنان وثلاثون ألفاً وهو أحياء منهم برونو وجاليلو.
وكان هذه مقدمة لدفعة عنيفة من الفكر الأدبي لمعارضة المسيحية، ثم مغايظتها. وانتقل الفكر الغربي انتقالاً خطيرا من مفاهيم الزهادة إلى الوثنية. ومن جحود الكنيسة إلى الانحلال. ومن تسلط رجال الدين إلى الإباحة. ولم تكن تلك المعلومات الكنيسة في الواقع حقائق إلهية، ولكنها كانت اجتهادات أخذت طابع القداسة (مثل عمر الأرض وعمر الإنسان) فكانت سبباً في قيام الصراع بين الدين والعلم. وقد (انهزم فيها الدين وسقط رجال الدين).

ص 226
(4)
وكانت محاكم التفتيش من أسوأ صفحات الفكر البشري الذي أدخلته المسيحية أوروبا. فقد اتجهت الكنيسة إلى الانتقام العنيف من معارضيها. ويعد البابا كوبلوري التاسع ( 1227- 1241) المسؤول عن إيجاد محاكم التفتيش التي ملأت قلوب الناس رعباً في العصر الوسيط.. وقد اعتمدت البابوية في ذلك على (الدومينكان) الذين شبهوا أنفسهم بكلاب الله في اصطياد (الهراطقة) للمحافظة على الكنيسة. وقد ظلت محاكم التفتيش تعمل ثلاثة قرون، وكانت مصدراً لانفراط عقد الوحدة في المسيحية، وتذرعت بالتعذيب لإجبار المتهمين على الاعتراف. وحملت الكنيسة باسم المسيحية الغربية فظائع (سانت بارتملي) وهي المذبحة التي قامت بين البوتستانت والكاثوليك. وأمر بها شارل التاسع في ليلة 24 أغسطس 1572. وقد استمرت ثلاثة أيام أنحى فيها الفرنسيون على رفات البروتستانت بجميع نواحي فرنسا. وتعد مذبحة (الأليجواه) من أشد هذه المعارك سواءاً. وقد قامت للقضاء على طائفة دينية انتشرت في القرن الحادي عشر بجنوب فرنسا. وقد أمر البابا أنيوسات الثالث بإبادتها عن آخرها. فأبيدت وقتل في حرب الكاثوليك على البروتستانت 160 ألفاً. كما قتل نور كمادا الدومنيكي الأسباني (1420- 1498) ستة آلاف إنسان بالنار.

ص 227
(5)
وكانت بدعة الوهبانية من أخطر ما أدخلت الكنيسة المسيحية إلى الدين الخالص. وقد وصفت هذه الرهبانية على لسان بعض المؤرخين بأنها أخطر من إباحة روما الوثنية. وقد رسم ليكي في كتابة تاريخ أخلاق أوروبا صورة بشعة لهذه الرهبانية التي استفحل أمرها. وزاد عدد أتباعها على عدد أهل مصر في نهاية القرن الرابع. وأبرز أخطاء الرهبانية: تعذيب الجسد فمنهم من يقف على قدم واحدة ثلاث سنوات، أو يحمل قنطاراً من الحديد، أو ينام في المستنقعات. ومنهم من يتستر بشعره الطويل، أو يمشي على يديه ورجليه كالأنعام. ومنهم من يسكنون مغارات السباع والآبار النازحة والمقابر يأكلون الكلأ والحشائش. ويعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح، ويتأثمون من غسل الأعضاء، ويبقون على ما هم فيه من النجاسات والدنس(1). منهم من لم يمس الماء وجهه طوال عمره. ومنهم من لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين سنة، وهم يخطفون الأطفال ويهربونهم إلى الصحراء والأديرة التي كان لها تاريخ طويل. وكانت أخطر الأديرة: الأديرة النسائية، والنسوة المكرهات على دخول الدين، ومن نتيجة حياة العزوبة التي كان الرهبان يزينوها للناس لم يتضاعف سكان القارة الأوروبية في ألف سنة. وكان للرهبانية أثرها السلبي في أخلاق الأوروبيين. فقد اختفت الفتوة والمروءة والشجاعة والسماحة. وكان الرهبان يتركون الأمهات والأزواج عالة يتكففون الناس، ويتوجهون قاصدين الصحراء. إلى غير ذلك من الإسراف
هامش 227
(1)أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم.
انتهى الهامش

ص 228
في الرهبانية والزهد على ما فيه من مخالفة الفطرة، وعلى ما كان من أثره إباحية الفجور والشهوات حتى قال الراهب جيروم ان عيش القسوس ونعيمهم كان يزري بترف الأمراء الأغنياء المترفين. فقد انحطت أخلاق البابوات انحطاطاً شديدا، وفشت فيهم الرشوة والربا.
(6)
في ظل هذه الصورة القائمة، ومن تضاعيف هذا الاضطراب العنيف الذي بلغت به المسيحية الغربية حدها في الانحراف، بزغ ضوء الإسلام صافيا نقياً مجدداً للفكر الرباني، ماحياً كل تخرصات الوثنية والإباحية والتثنية والتثليث، كاشفاً بالحق كل الشبهات والضلالات التي حاول دعاة الفكر البشري السطو بها، والسيطرة عن طريقها على مقررات الأديان، وحقائق الألوخية، وانطلق الإسلام، ونشر لواءه وقدم للفكر البشري حقائق جديدة من ضياء التوحيد، ووضع أصول المنهج العلمي التجريبي. ومن ضوء الإسلام انطلقت صيحة الحرية التي غيرت وجه أوروبا والفكر الغربي كله إلى الآن. فإن انطلاقة الحرية والمعرفة والعدل والأخلاق والإيمان بالغيب. كان ذلك كله ثمرة من ثمار الإسلام.

ص(229)
الفصل الثاني
اليهودية في إطار الفلسفات
(1)
عندما فتح الأحبار باب التحريف لدين موسى سقطت اليهودية، سقطت في براثن الفلسفات القديمة، وخاصة الفلسفة اليونانية الوثنية، كما احتوتها الفلسفة الغنوصية. (فقد قام حاخامة اليهود بتفسير الفلسفة اليونانية، وأدعوا أنها قطعة متكاملة من الشريعة اليهودية) يقول أحد الباحثين اتضح أخيراً أن المعارف اليونانية تختفي في طياتها شخصية يهودية على أمل إقرار السيادة على الشعوب بواسطة تلك المعارف. ولكن اتقلبت آية سياستهم المذكورة. إذ إن قسيساً يدعي أوزيب نشر في أحد كتبه بعض الفصول من كتاب (نومي نوسي) القائلة بفكرة أخذ فيلسوف اليونان أفلاطون كثيراً من أفكاره عن موسى عليه السلام، وزعم أن أفلاطون هو نفس موسى عليه السلام. وكان عدد من الحاخامين يدعون بأن الفلسفة اليونانية مقتبسة من عقائد يهودية. وأن فيلسوفاً يهودياً يسمى (توراة أرستوبول) قد أدعى مطابقة أفكار بعض فلاسفة اليونان أمثال أفلاطون وسقراط مطابقة تماماً لقواعد اليهودية وأوامرها. وأن حاخام اليهود وفيلسوفها المشهور (فيلون) يقول: إن النظريات هي نفس ما جاء في دين اليهود تماماً. ويرد هذا الباحث التحول الذي حدث في الفكر الغربي إلى هذه المفاهيم. ويقول: فإن حقيقة الفلسفة العلمانية التي سادت مديينة الغرب، وغذت الحركات المعادية للقومية والدين

ص 230
والتاريخ هي من (اليهوا) أي من اليهود وشريعة التوراة. وأن الحاخامين كانوا يضعون خيوطهم لجر المدنية الغربية النصرانية نحو اليهودية، وعندنا أن هذا هو سر تعلق الفكر الصهويني اليهودي الذي سيطر على أوروبا بالهلينية ودعوته الحارة إلى العودة إليها والتحرر من معطيات الإسلام التي انتقلت إلى أوروبا. وكذلك من بقايا المسيحية.
(2)
وفي هذا يقول الدكتور علي سامي النشار" (أثرت الغنوصية في اليهودية وسيطرت على فيلسوفها الكبير (فيلون) وقد مهد قيلون لظهور المسيح فقد كان له أكبر الأثر في القديس يوحنا الإنجيلي. وكل ما ذكره يوحنا الإنجيلي إنما هو كأخوذ من فيلون). وقد أثار فلاسفة المسيحية الغنوصية في القرن الثاني الميلادي وجه الخلاف بين إلههم (إله العهد الجديد) وبين إله يهود (إله العهد القديم) وفكرتهم العامة أن هناك إلهين. إله العهد القديم، وهو إله قاس جبار منتقم، وإله العهد الجديد، وهو إله طيب خير. الأول رئيس الملائكة الأشرار. والثاني رئيس الملائكة الأخيار. الأول صانع العالم المجوسي. والثاني صانع العالم المعقول. وقرروا أن هذا هو الحل الوحيد لتفسير التعارض الكبير بين التوراة والإنجيل. (1).
(3)
وأشار الدكتور علي العناني إلى هذه الصلة بين اليهودية والفلسفة الهلينية، فقال: اكتشف الدين الإسرائيلي في الوقت الذي امتزج فيه مع الفلسفة الدينية
هامش ص 230
(1)ذكره دكتور علي سامي في كتابه، الفكر الفلسفي في الإسلام. وقد أنشأت الماسونية في العصر الحديث تفسيراً معاكساً لذلك فادعت أن الشيطان هو إله الرحمة. وأن الله (جل وعلا) هو غير ذلك.
انتهى الهامش

ص 231
اليونانية هذه العوامل. تمزيق الوحدة الإسرائيلية، سقوط إسرائيل، السبي المتكرر، الهجرة، المظالم التي حلت بالشعب المختار. وكانت الإسكندرية نقطة الاتصال بين النظر الفلسفي الهليني الجديد، والعقائد الإسرائيلية التي أحست بالصلة والقرابة بينهما وبين الأفكار الدينية والإغريقية الحديثة. ونتيجة لهذا شاع هذا الاتجاه بمدرسة الإسكندرية. وأخذ شكله النهائي عند (فيلون) الفيلسوف اليهودي بهذه المدينة. وقد أراد فيلون أن يوجد تلاقياً بين النظريتين اليهودية واليونانية باسم حكمة الإسكندرية. ويخلص الدكتور علي العناني إلى إقران (الفلسفة اليونانية الدينية، والديانة الإسرائيلية الفلسفية).
(4)
من هذه النصوص وغيرها يتبين (أن اليهودية مسخت التعاليم السماوية المقدسة ومزجتها ببعض المفاهيم الوثنية. فقد تأثر اليهود بالديانات البابلية القديمة. وقبل سبي بابل لم يكن المعبد اليهودي قد أخذ شكله القائم على التعصب والغدر والخيانة. إلا أن اليهود مسخوا الكثير من العقائد البابلية، وحولوها إلى قوى شريرة، وحولوا الكثير من القيم الخيرة إلى أفكار تحث على التعصب، وتؤكد على أن المعبد بحاجة إلى إراقة الكثير من دماء القرابين لكي تنتشي الآلهة العطشى لم تكن في حقيقتها إلا ردود الفعل لدى بعض المتعصبين، وإعادة كتابتها بشكل يجعل من بني إسرائيل قوماً مفضلين على غيرهم تسري في عرقهم دماء التعصب في الوقت الذي ينظرون فيه إلى غيرهم من أهل الأرض نظرة وضيعة. وانقلبت التعاليم الدينية الخيرة لدى اليهود إلى مخططات سياسية واقتصادية واستخدمت القيم الدينية الخيرة كغطاء لإضفاء نوع من القدسية والشرعية على

ص232
ما ترتب من جرائم القتل والاستباحة والابتزاز والاغتصاب. وبذلك انقلب الدين اليهودي إلى ما نسميه باليهودية، وهي نزعة ميكافيلية قبل أن يوجد ميكافيلي. فقد ضربت اليهودية بكل القيم الدينية عرض الحائط، واستغلت المصاعب التي من الممكن أن يتعرض لها كل شعب خلال مروره في أدوار التاريخ المختلفة، فصاغت من بعض تلك الصعوبات سياسة بنيت على الحقد والكراهية. ففرضت عليهم أن يتكتلوا، وأن يكونوا عصبة لا بدافع الحفاظ على جماعتهم وروحهم الجماعية، ولكن لكي يعملوا على تدمير العالم المحيط بهم نوهما منهم بأن قوى العالم تسعى إلى تدميرهم(1).
هامش ص 232
(1)عن باحث مسلم كبير.
انتهى الهامش

ص233
الفصل الثالث
عصر النهضة
(1)
ثمرة من ثمرات الإسلام في جناحيه: الإصلاح الديني - والمنهج العلمي.
كان الإسلام بنظرته الحاثة على البرهان والنظر في الكون منطلق عصر النهضة بعد أن ترجمت آثار الإسلام، فكان لها أثرها في مجالات عدة.
1-الإسلام ومفاهيمه هو مصدر الإصلاح الديني الذي قام به لوثر وكالفن. فالإصلاح الديني علم الناس أن من حقهم الحكم الشخصي على الأشياء، ومن ثم تحررت أفكارهم من القيود التي قيدها بها رجال الدين (1).
2-الإسلام ومفاهيمه هو مصدر المنهج العلمي التجريبي الذي نقل البشرية كلها، وليس أوروبا وحدها من الفلسفة اليونانية النظرية إلى المنهج العلمي التجريبي الذي أنشأه المسلمون تطبيقا لدعوة القرآن إلى النظر في الكون.
3-الإسلام ومفاهيمه صاحب أكبر الأثر في بناء منهج المعرفة القائم على العقل والقلب معاً، والقائم على البرهان المتحرر من التقليد ومن وراثيات الآباء، والناظر إلى الأمور نظرة محررة خالصة من أوهام الأساطير والوثنية.
كان هذا أثر الإسلام إلى الحد الذي يمكن أن يقال معه أن النظرة
هامش ص233
(1) رابوبرت: مبادئ الفلسفة.
انتهى الهامش

ص234
القرآنية الإسلامية التي طرحها على البشرية كلها هي مصدر ذلك التحول الخطير الذي واجه الجمود والقيود والقسر العجيب الذي فرض من وراء الأسرار المقدسة، التي لا يجوز أن تدرس عقلياً، وإنما يؤمن بها دون بحث ولا تحقيق.
ويصور رابوبرت نتيجة هذه الأطروحة الإسلامية القرآنية التي وصلت إلى أوروبا والفكر الغربي فيقول: أصبح الحق في نظر الناس ليس ما اعتبر حقا منذ قرون، ولا ما قال عليه فلان انه حق سواء القائل ارسطو، او توماس أكونياس، أو غيرهما. إنما الحق ما برهن لي عليه، واقتنعت بكونه حقا.
لقد تميز هذا العصر بحرية الفكر واستقلاله، وبكسر القيود التي كبله بها رجال الدين، فتداعت عقائد القرون الوسطى الجافة، ونبذت آراؤها، وأهمل الجدل في عالم الغيب (1)
كان هذا هو المنطلق الخطير الذي كسر قيود العصور الوسطى. وفتح آفاق عصر النهضة إلى بناء العلم والتجريب على نفس الأسس التي أقامها المسلمون في الأندلس، والتي تسربت إلى أوروبا، ثم امتلكتها أوروبا ملكية خالصة بعد أن أخرجت المسلمين والعرب من أوروبا، وحرمت عليهم البقاء وراء صخرة طارق.
وإذا كانت هذه الحقيقة قد أغمضت أوروبا عنها العين. وأنكرتها سنوات طويلة، فإن الحقيقة لم تلبث أن أعلنت وتكشفت على أيدي أمثال: جوستاف لوبون، وكارليل وغيرهما حتى بدت مشرقة كفلق الصبح في السنوات الأخيرة، عندما قدمت الدكتورة هونكه كتابها (شمس الله تشرق على الغرب).
هامش ص234
(1) ص95 – مبادئ الفلسفة.
انتهى الهامش

ص235
ذلك أنه لا ريب في أن الإسلام: ذلك الضياء الذي ألقاه الله إلى البشرية في أحلك فترات حياتها هو الذي هداها إلى الحق كله: التوحيد، والعلم التجريبي، والبرهان، ومنهج المعرفة. وهو الذي حطم كل الأصنام، ودمر كل الأساطير. ودحض كل الشبهات التي تجمعت يوما تحت اسم الفكر البشري: الهليني، والغنوصي، والوثنية العربية.
كان ضوء الإسلام أقوى من ظلام هذه المذاهب - وكان صوت القرآن الكريم أعلى من كل أصوات الفلسفات.
لقد كان فكر الإسلام هو الذي دفع الغرب على طريق النهضة والحضارة. غير أن اوروبا قبلت من الإسلام هذه الجوانب وحدها. ثم أعرضت عن العقيدة نفسها، ولم تدر أنها كانت على خطر الوقوع فريسة في أيدي القوى الشريرة في المراحل التالية مباشرة. تلك هي مرحلة عصر التنوير عندما تكالبت قوى اليهودية مرة أخرى على توجيه الفكر الغربي وجهة الوثنية اليونانية. وهدم كل ما أعطته المسيحية الشرقية من عناصر الرحمة، وما أعطاه الإسلام من عناصر القوة والعدل.
( ? )
ولا ريب أن الإسلام هو الذي هز الفكر الغربي اللاهوتي كله، وكشف أخطاءه وجموده ووثنيته، وفتح الطريق بالفكر الرباني الأصيل لهزيمة الفكر البشرى الوثني المادي الإباحي، وتحقيق عديد من خطوات التحرر كان أبرزها سقوط عبادة الصور والطقوس، وإعلاء مفاهيم الفروسية الإسلامية، والمروءة والنخوة ونصرة الضعيف - هذا في المجال العام. أما في مجال العلم فإنه قدّم منهجاً علمياً أصيلاً يتمثل في تصحيح مفاهيم اليونان في العلوم والفلك. ومقدمات الطب وتحريرها من الطابع النظري. فكان المسلمون أول

ص236
من وضع أسس المختبرات العلمية في مجال الكيمياء، وأول من استعمل الارقام الحسابية بما فيها الصفر، حتى أمكنه بناء المعادلات البسيطة والمركبة. واستطاع عديد منهم أن يكشف أخطاء أرسطو وجالينوس. أما في مجال علم النجوم فقد حرروه من خرافات اليونان وحولوه علماً صحيحاً ما تزال آثاره باقية إلى اليوم في مجال الفلك والبحار. وما تزال أغلب أسماء النجوم في قواميس اللغات الاوروبية قاطبة عربية كما وضعها المسلمون.
ولا ريب كانت إنشاءات المسلمين في مجال المنهج العلمي التجريبي بعيدة المدى، كانت هي الأساس الذي قام عليه البحث العلمي والتجريبي في أوروبا من بعد مع الإنكار الشديد، والتجاهل لهذه الأصول. ولهذا الأساس في مختلف مجالات الحساب والجبر والهندسة والمثلثات وعلم الهيئة (الفلك) والفلسفة التجريبية، وفي الطبيعيات والكيمياء والطب. وقد أخذ هذه الأصول عشرات من الباحثين وبنوا عليها.
- أخذ دافيد هيوم نظرية الغزالي في أن الأمور تتم بإرادة الله لها لا بالأسباب الظاهرة.
- أخذ سميث وهيجل وأوجست كونت نظريات ابن خلدون في علميّ الاجتماع والاقتصاد السياسي الذي سبقهم بأربعة قرون.
- سبق المعري دانتي في وضع أصول الكوميديا الإلهية.
- سبق ابن مسكويه دارون في إعلان نظريتي أصل الأنواع والتطور.
- سبق الطرطوشي ميكافيلي في التأليف في سياسة الملوك وأخلاق الأمراء.
- سبق زين الدين الآمدي الغرب في إعداد طريقة بريل.
(?)
ظلت اوروبا تتجاهل الأصل الإسلامي والأساس القرآني في بناء المنهج

ص237
العلمي الحديث حتى جاء بريفولت في كتابه بناء الإنسانية (Making of Humanity)، فسجل هذه الحقيقة. وكشف هذه الصفحة.
يقول بريفولت في كتابه: لم يكن روجر بيكون إلا رسولا من رسل العلم والمنهج الاسلاميين إلى أوروبا المسيحية، وهو لم يمل قط من التصريح بأنه تعلم على معاصريه اللغة العربية وعلوم العرب، وهو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة. وكان النهج التجريبي في عصر بيكون قد انتشر انتشاراً واسعا وانكب الناس في لهف على تحصيله في ربوع أوروبا. لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج. وان العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في أسبانيا لم تنهض في عنفوانها إلا بعد مضيّ وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام، ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إل أوروبا الحياة. بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إل الحياة الأدبية، فإنه على الرغم من أنه ليس ثمة ناحية من نواحي الازدهار الأوروبي إلا ويمكن إرجاع أصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة. فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما يكون وأهم ما يكون في نشأة تلك الطاقة التي تكون ما للعلم الحديث من قوة متمايزة ثابتة. وفي المصدر القوي لازدهاره: أي العلوم الطبيعية وروح البحث العلمي.
إن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس فيما قدموه إلينا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة فحسب. بل يدين هذا العلم إلى الثقافة العربية بأكثر من هذا: (إنه يدين لها بوجوده نفسه).
(?)
هاجمت أوروبا تحت ضوء الإسلام الساري إليها الكهنوتية والنسك

ص238
والأساطير، ووجهت النقد إلى الكتب المقدسة. وكشفت عن عجز الديانة المسيحية كما صورها الكهنة أن تتفق مع العقل الواعي الذي يجرب ويحلل ويستنبط. فكانت ثورة أوروبا على الكنيسة البابوية.
وكان مارتن لوثر قد قرأ أصول الإسلام وألم بها، وكانت دعوته كلها مستمدة من القرآن الكريم. وقد كانت مواقف الكنيسة ضد التقدم والعلم مشهورة حتى لقد تأكدت حقيقة لا ريب فيها: إن الأوروبي لم يتمكن من الخلق والابتكار إلا بعد أن تحرر من هذه القيود، وواجه الفكر الإسلامي في يسره وإشراقه وفطريته استمداداً من التوحيد، واعترافاً بالإنسان عقلاً وروحاً وجسداً، وبكل غرائزه ونزواته، واستجابة لها في حدود وضوابط تحت ضوء الحق والإيمان والاعتدال.
وإذا كانت المسيحية قد عجزت أن تعطي أوروبا شيئاً حتى جاء الإسلام فإن هناك من يرى أنها كانت مصدراً لانهيار الدولة الرومانية.
فقد شهد جيبون في كتابه سقوط روما بأثر المسيحية الغربية في الحضارة فقال: إن مسؤولية انهيار الحضارة الرومانية ترجع إلى المسيحية. وإذا كان أرنولد توينبي يعيب على جيبون رأيه هذا ويؤمن بدور الدين في مجريات التاريخ، فإنه ينسى أن جيبون حين يكل إلى المسيحية أثرها في سقوط الحضارة الرومانية لا يعني الدين في أصله الأصيل، وإنما يعني ذلك الشكل الذي جمع بين إطار المسيحية الشرقية ومضمون الفكر اليوناني الوثني والقانون الروماني القائم على العبودية واعتبار كل ما خارج روما عبيداً.

ص239
الفصل الرابع
ضوء الاسلام في الفكر الغربي
بزع ضوء الإسلام على عالم مضطرب بين الوثنية والإباحية، وبين مفاهيم البشرية، وفلسفات الأديان المنزلة التي تحولت من مفاهيمها الأصيلة إلى مفاهيم مختلطة، فيها الحق والباطل. والأصيل والزائف، وكانت آخر المراحل لهذه القضية ذلك الاضطراب والزيف الذي أصاب اليهودية. ثم أصاب المسيحية نتيجة لسلطان الفلسفة اليونانية عليهما.
هذه الفلسفة اليونانية التي هي من صنع اليهود أساساً لإفساد الأديان فضلا عن اقتحام اليهود للمسيحية السمحة وإفسادها من الداخل، وتحويلها من دين خاص جاء لليهود وحدهم إل دين عالمي، وتحريف مفاهيمها بإدخال مقاهم الفلسفات والأديان البشرية من تثليث وخطيئة وصلب وفداء.
وبعد خمسة قرون من صراع عجيب بين اليهودية والمسيحية، وبين الغنوصية والهلينية، وبين الوثنية والشرك. وبين التثنية والتثليث، وبين الإباحية والإلحاد. من خلال ركام ضخم من ضلالات الفكر البشري وأهواء البشرية في صراعها واضطرابها، جاء القرآن صادعاً بالحقيقة الكبرى: في أمر الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، وفي أمر البعث والجزاء، وفي مختلف قضايا الألوهية والإنسان والكون والحياة على نحو واضح صريح، سمح كريم في حدود الطبيعة الإنسانية ومقدرتها، مع السماحة والغفران والعفو.
ولقد تناول القرآن مختلف الشبهات التي لصقت بمعنى الألوهية والإنسان والأديان والوجود والحياة فدحضها وأبان فيها عن وجه الحقيقة.

ص240
وقدم للبشرية منهجاً نقياً خالصاً، وفق قدراتها. وفي حدود الله التي رسمها للناس ضابطاً لوجودهم ومقرباً لهم من المنهج الرباني في الحياة لإقامة المجتمع الصالح.
وقد بنى الإسلام مجتمعه من نقطة أولى هي محمد صل الله عليه وسلم، الذي كون الجماعة الأولى، وبناها على المفاهيم الربانية الخالصة. وجاء القرآن خلال ثلاثة عشر عاماً، يهدي هذه الجماعة إلى الحق في كل أمورها، ويرد على تساؤلاتها في مختلف شؤون الحياة والكون والتاريخ والحضارات القديمة، والأديان السابقة، وكل دقيق وجليل من قضايا الإنسان، حتى قال أبو بكر: لو ضاع مني عقال لوجدته في كتاب الله. كذلك وكشف القرآن الكريم عن حقيقة أساسية هي أن الأديان كلها من أصل واحد ومنبع واحد، وأنها جميعها من الله، وأنها دعت إل توحيد الله، ورسمت للبشرية منهجها في الحياة، وأن رؤساء الأديان حرفوا أديانهم، وأدخلوا أهواءهم وأفسدوا مقرراتها الأصيلة السمحة، حتى انحرفت عن طبيعتها. فجاء الإسلام مقراً بهذه الاديان جميعاً، والرسل جميعاً، مطابقاً لما بين يديه من الكتاب، ومهيمنا عليه. فالإسلام هو دين الله الخاتم للإنسانية جميعاً. والقرآن الكريم هو كتاب الله الخاتم الذي اعترف بكتب الله جميعاً، والتوراة والانجيل. ومحمد رسول الله ونبيه خاتم الأنبياء والرسل جميعاً.
ولقد قص الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم كل ما اختلف فيه اليهود والمسيحيون عن أديانهم، وما حرفته الفلسفات والمذاهب من آراء وأفكار. وهو بهذا كله قد وضع الإنسان على عتبة عهد جديد، بحيث جعل كل ما سبقه يمثل عصر الجاهلية السابق للدين الخاتم.
وقد وقف الإسلام من الفكر البشرى منذ بزوغ فجره موقفاً حاسماً صريحاً انتهى بالتفرقة الواضحة بين الفكر البشري بكل فساده وضلاله، وبين الفكر القرآني والرباني الخالص.

ص241
الباب الثاني
عَصر التّنوير
(1) عصر التنوير
(2) المفاهيم الماسونية ثمرة عصر التنوير
(3) أصول الماسونية
(4) الثورة الفرنسية
(5) المفاهيم الصهيونية

ص243
الفصل الأول
عصر التنوير
أو سيطرة اليهودية التلمودية على الحضارة والفكر الغربي
( ? )
كان عصر التنوير هو نقطة التحول في الفكر الغربي ومقدرات العلم والحضارة لتحقيق الأهداف التي رسمتها اليهودية التلمودية من أجل السيطرة على العالم. وتحقيق غايتها عن طريق تخطيط طويل المدى يستهدف احتواء المسيحية والكنيسة والفكر الغربي كله.
وقد قام عصر التنوير على أسس واضحة رسمتها الفلسفة الماسونية من خلال محافلها وتصدر رجالها لقيادة الفكر الجديد في أوروبا.
(أولاً): مواجهة صاخبة عنيفة للمسيحية ونقد قاس للكتاب المقدس قام به عدد كبير من الكتاب وعلى رأسهم: نيتشه.
(ثانياً): استغلال واضح لمفاهيم دارون البيولوجية، وتحوير لنظرية التطور، وتوجيهها إلى نظرية اجتماعية عامة.
(ثالثاً): ظهرت فكرة الموسوعة التي قام عليها رجال من أتباع الفكر اليهودى التلمودي وعلى رأسهم روسو وديدرو.
(?)
لخص كثير من المؤرخين مفهوم عصر التنوير على أنه الاحتواء اليهودي

(صفحة 244)
التلمودي للفكر الغربي. فقد أزالوا مفهوم الدين الحقيقي من الغرب لفرض مفهومهم الذي يحقق لهم قيام دولتهم، وورثوا الحضارة الغربية وتسلموها، ولم يكونوا قد شاركوا فيها أساساً. ثم فرضوا أنفسهم على الفكر الغربي وسيطروا عليه سيطرة كاملة، وأباحوه للادينية واللاأخلاقية، والإلحاد والإباحة وفق مناهج فلسفية ذات طابع علمي براق. فاليهودية التلمودية هدمت الفكر الغربي أولا، ثم سربت هذا الحطام إلى الفكر الإسلامي والمجتمع الإسلامي مستهدفة من ذلك تحقيق غاياتها في إقامة الدولة اليهودية، لقد حطمت الفكر الغربي الذي كان قد قام أساساً على أصول الإسلام، ومعطياته، ودفعتها إلى الفكر اليوناني الإغريقي الوثني لتجعلها محتواه داخل فكرها وأهدافها بعد أن تأكد أن الفكر الهليني إنما هو يهودي المصدر، وكان من ثمرات ذلك ثورات متعددة وانقلابات كبرى في العالم كله. منها الثورة الفرنسية والانقلاب العثماني.
ويرى بعض الباحثين أن اليهودية التلمودية كانت تحاول احتواء المسيحية والفكر الغربي كله كمقدمة لطرح هذه الفلسفة التي عرفتها الماسونية في صورة سياسية من خلال بروتوكلات حكماء صهيون. ويرى توينبي أن من أخطر ذلك محاولة تقبل المسيحية فكرة اليهودية عن الإله الغيور، وهي فكرة قادت المسيحيين إلى التعصب الأعمى عوضاً عن فكرة المسيحية. (الله محبة). ومن رأيه أن هذه الردة قد كبدت المسيحية خسارة روحية جسيمة، ويعني هذا أن المسيحية قد واءمت بين فكرتين متناقضتين.
الأولى: فكرة البطش وعدم التسامح، وهي صفة إله اليهود (يهوه) ومن سماته الغضب والقسوة والغيرة.
الثانية: فكرة المحبة والتسامح التي تقوم عليها دعائم المسيحية. فكان أن ضعف الوازع الديني، وخبا ضياء الدين في نفوس المسيحيين فأقبلوا على عبادة نظم شاذة مثل النازية والفاشية.

(صفحة 245)
(3)
كان كتاب الموسوعة هم طلائع المحافل الماسونية، والفلسفة اليهودية والتلمودية، وقد أصبحت كلمة الموسوعة علما على تقويض دعائم المجتمع الأوروبي، وتحطيم الفكر الذي كان يبثه رجال الكهنوت. وقد دعا ديدرو إلى الارتياب في كل القيم، وقاد فلسفة الشك. ودعا (مو لباخ) إلى الإلحاد صراحة وإعلاء شأن العقل إعلاء يكاد يصل إلى حد التقديس.
وظهر والمبير، وفولتير، ومونتسكيو. وكانت كلمة الحرية هي "كلمة السر" في المحافل الماسونية وفي الدعوة التي حملها عصر التنوير، وكانت كلمة المفكر الحر علامة واضحة على الاتجاه الصريح نحو الإلحاد والإباحية: فكانت الحرية وثنية في منطلقها، قائمة على أساس عبادة الجسد، وإحياء الغرائز وتبريرها. والخروج عن نطاق المسيحية كلية. ويصور ذلك أحد الباحثين الغربيين فيقول: "كان يرقد تحت مظهر الثقافة اللامعة شهوة عارمة ورغبات وحشية لم تكبح جماحها في هذا العصر نزعة دينية، فوجدت في إيطاليا الشهوة والخيانة والسم والاغتيال بجانب الفن والأدب. وبدت الكنيسة ناشزة عن مباديء المسيحية بأعمالها الدينوية المفضوحة.
(4)
هناك شبه إجماع على أن فولتير في القرن الثامن عشر هو أول حامل للواء نزعة التنوير. وقد كان فولتير بالتأكيد من أقطاب المحافل الماسونية، ومن أول من وضع موضع التبريز والشهوة من دعاة الشك والإلحاد. وهدم ما يطلق عليه الفكر الديني. ثم جاء من بعده أميل زولا، وأصحاب الموسوعة.
ويلتقي معنا الدكتور "إسماعيل راجي الفاروقي"(1)
(هامش صفحة 245)
(1) كتاب الملل المعاصرة في الدين اليهودي.
(انتهى الهامش)

(صفحة 246)
أن اليهود عند ما عادوا إلى أوروبا ولم يكونوا بها في عصر النهضة سرعان ما حملوا لواء مفهوم التنوير، ووصفوا به عصراً جديداً بعد عصر النهضة كانوا هم أصحاب القيادة فيه لكل منجزات الأوروبيين المسيحيين الذين قاموا بحركتهم مستقلين.
وسرعان ما استطاع اليهود أن يجندوا لدعوتهم الكثيرين، وسرعان ما سرت هذه العقيدة في الفكر الأوروبي سريان اللهب في الهشيم على حد تعبيره، فاعتبر من آمن بعا كل إنسان آخر متساويا معه في العقلانية، إذاً فلا فرق بين البشر، وكل ما اصطنع من تفرقة بينهم يجب أن يزول سريعاً. وهكذا تداخل اليهود في المجتمع المسيحي بعد أن انقطعوا عنه طوال قرون.
والمعروف أن ثمرة ذلك هو ما حققته الثورة الفرنسية التي قادتها المحافل الماسونية من أجل كسر قيود المسيحية والكنسية والمجتمع الأدبي التي كبلت بها اليهود وقسرتهم على التزام (الجيتو).
يقول الدكتور الفاروقي: جاء دخول اليهود في الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية الأوروبية متقطعاً وبطيئاً إلى أن قامت الثورة الفرنسية، وتبعها ما تبعها من حملات نابليون. عندئذ انهدم الجدار الفاصل تماماً، وراح اليهود يمركزون أنفسهم في شتى المجالات.
وذلك هو سر عصر التنوير، ودعوة الموسوعة. فاليهود هم أصحاب الدعوة العقلانية، والدعوة العلمانية، والحملة على المسيحية وعلى الدين، ودعوة الفصل بين الدين والدولة جميعاً. وعندنا أن هذه السيطرة التي تمت في عصر التنوير هي بداية التحول الكامل بالسيطرة اليهودية التلمودية على الفكر الغربي، واحتواء الفكر الديني المسيحي إلا من تيارات قليلة كانت تظهر بين حين وآخر لتفرض وجهة نظر الغرب أو المسيحية أو معارضة التيار الضخم الذي فرض نفوذه باسم الربا عنواناً على الاقتصاد، أو المادية عنواناً على

(صفحة 247)
الفكر، أو الإباحية عنواناً على السلوك.
كانت دفعة عصر التنوير ترمي إلى التحرر من القيم التي قدمها الإسلام وبقايا مفاهيم المسيحية الأصلية. وكان المؤشر قد اتجه إلى إحياء الفكر الهليني القديم الذي ينضح بالوثنية من كل جانب(1). ومن ثم انتشرت الوثنية في الأفكار والأخلاق، وتكونت في الغرب المسيحي نظرية جديدة في الإنسان تقنع بما يسمى الطبيعة، وتستغني عما فوق الطبيعة، وتسمى المذهب الإنساني. ثم "كان أن تسرب المذهب الإنساني إلى المسيحية نفسها، وأخذ يعمل على تقويضها من الداخل"(2).
فما كانت البروتستانية في البدء إلا احتجاجاً على الغفرانات، ودعوى إصلاح الكنيسة والعبادة. ثم زعمت أن الدين يقوم على الفحص الحر. أي الفهم الخاص للكتاب المقدس، وعلى التجربة الشخصية بغير حاجة إلى سلطة تحدد معاني الكتاب.
وقد ظهرت مباديء التنوير التي شكلتها الفلسفة الماسونية أصلاً، ثم حملت لواءها الفلسفة الجديدة في عدة عوامل:
(1) – التشكيك في أصول الأخلاق ومباديء المعرفة(3).
(2) – إذاعة الإلحاد.
(3) – الدعوة إلى الدين الطبيعي (أي الدين القائم بالفعل بعقائده وطقوسه ومؤسساته وهيئاته).
(4) – إنكار الميتافيزيقا (الغيب).
(هامش صفحة 247)
(1) يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الحديثة بتصرف.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر.
(انتهى الهامش)

(صفحة 248)
ولا ريب أن كل هذه المفاهيم واردة من قبل في الفلسفة اليهودية التي حلت محل دين موسى. وأبرزها مفهوم الإله الخاص: إله الحرب، وإنكار البعث والغيب.
غير أن عصر التنوير حاول أن يطرح مفهوماً لله (تبارك وتعالى جل شأنه عما يقولون) ليس جديداً، ولكنه منقول من فلسفات الوثنية والغنوصية والهلينية. وذلك ما أطلق عليه المذهب الإلهي: الذي يتصور الله سبحانه وليس له صلة بالكون بعد خلقه. وقد واجه القرآن الكريم من قبل هذا المذهب. وأكد رابطة الكون بالله في أكثر من موضع وآية منها قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ)
فالحق تبارك وتعالى يدير هذا الكون لحظة بعد لحظة، ويوماً بعد يوم. وهو الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.
وفي ضوء حركة التنوير بدات توضع أسس لتلمذة الحضارة الغربية، والفكر الغربي تحاول أن تنكر صلتها بالمسيحية الشرقية، وبالإسلام جميعاً، وتحاول أن ترد النهضة كلها أصلاً إلى الفكر اليوناني الوثني، وتصور في عداء شديد للمسيحية كيف أن الحضارة الرومانية ابتلعت المسيحية وامتصتها وتمثلتها، وأن هذا كان تحرراً لمنطق الغرب من روح النسك الآسيوية.
وكذلك تصور كيف استطاع الغربيون بنجاح شارل مارتل من انقاذ العقلية الغربية من النفوذ الإسلامي وأن التحرر الذي استطاعته أوروبا، والفكر الغربي. إنما كان عن طريق ابتعاث الوثنية الإغريقية(1).
(هامش صفحة 248)
(1) راجع اسماعيل أدهم أحمد – الرسالة م 1938
(انتهى الهامش)

(صفحة 249)
ويحاول الكثيرون فرض هذا التصور. فيقول أحدهم: إن الأسس الفكرية الحقيقية في الغرب يجب أن تطلب "في فهم الرومانيين القدماء للحياة". وأن نسبة نتاج المدينة الغربية الحديثة إلى النصرانية كان خطأ تاريخياً عظيماً. وأن الروح الأوروبي ظل زمناً طويلاً يرزخ تحت عبء ديني يطوي في نفسه احتقار الطبيعة.
"ولقد ثار الفكر الأوروبي أكثر من مرة، ولكن الكنيسة كانت تقهره مرة بعد مرة. وأن تاريخ العصور الوسطى مليء بهذا الكفاح المرير بين عبقرية أوروبية وبين روح الكنيسة".
ويؤكد هؤلاء المؤرخون التابعون لتيار التنوير على أن العقل الأوروبي حين تحرر من "عبودية الكنيسة" تخطى الحدود ووطد عزمه تدريجياً على العداء لكل شكل من أشكال السلطان الروحي على الإنسان. ومن ثنايا هذا الخوف الباطن ولئلا تعود تلك القوى التي تدّعي السلطان الروحي مرة ثانية إلى التغلب. أقامت نفسها زعيمة بكل ما هو ضد الدين. لقد رجعت أوروبا إلى إرثها الروماني.
ولذلك فإن الرقي هو أثر مقاومة أوروبا لكل مبدأ من مبادىء الكنيسة. وأن أهم الأسباب التي كانت بها مدينة أوروبا مناهضة للدين هي "ثورة الطبيعة الإنسانية على احتقار النصرانية للدنيا، وعلى كبت الرغبات الطبيعية، والجهود المشروعة للإنسان".
ويكاد الأمر أن يصل عند بعض الكتاب إلى تحميل المسيحية والكنيسة نتيجة ذلك التحول الخطير الذي وقع في أوروبا، والفكر الغربي النقيض إلى النقيض: من التشكك والزهد والقيود إلى التحرر والكشف والإباحية. وقد تم ذلك على مراحل طويلة متعددة.
ولم تكن المسيحية في الحقيقة مسؤولة عن ذلك بقدر ما كان رؤساء الدين

(صفحة 250)
الذين حرفوه عن مفهومه الأصيل وأدخلوا إليه ذلك المزيج العجيب من أهواء البشرية، والفكر الوثني الهليني والغنوصي، حتى إذا ما استفاق العقل البشري بعد أن صدمه الإسلام بصيحته المدوية إلى حرية الفكر الحقيقية، وإلى التماس البرهان، وإلى النظر في الكون.
كان هذا الاضطراب العنيف الذي واجهته أوروبا بالخطأ حيث كان في استطاعتها أن تلتمس الطريق الصحيح بالإسلام، ولكنها اندفعت بفعل عناصر القوى الضخمة المسيطرة عليها، وأوهمها دعاة عصر التنوير من يهود المشنا والتلمود إلى ردة عاصفة نحو الوثنية اليونانية التي كانت اليهودية قد حملتها كل فكرها وأهوائها.
كان هدف اليهودية التلمودية في دحر المسيحية والكنيسة ونفوذهما، ورد البشرية إلى الوثنية هو العامل الأول في ذلك الهجوم بالتطويق الذي وقعت فيه أوروبا في فخ حركة التنوير، وما تزال إلى اليوم مرحلة بعد مرحلة. فإذا كان الأوروبيون المسيحيون هم الذين حملوا لواء المنهج العلمي التجريبي الإسلامي، ودفعوه مرحلة بعد مرحلة. فإن اليهود التلموديين هم الذين سيطروا على تحريك هذه الحضارة في إطارها: إطار الربا والعنصرية، وصراع الأجيال والأمم، وتمزيق الجبهات، وطرح الدعوات والفلسفات والمذاهب في مختلف مجالات السياسة والإجتماع والتربية وغيرها على النحو الذي يدفع البشرية كلها إلى أن تصل مرحلة التدمير والمواجهة بما يحقق لهم السيطرة العالمية التي يعملون لها منذ أقدم العصور.

(صفحة 251)
الفصل الثاني
المفاهيم الماسونية
(ثمرة عصر التنوير)
انطلقت حركة التنوير التي قادها يهود التلمود من الفلسفة الماسونية السرية التي ظلت تتداولها المحافل، ولا يكشف عنها إلا للذين يصلون إلى أعلى درجاتها، والتي تتلخص أساساً في عبارة واحدة قالها اليهودي. "راكتشت" إن الماسونيين الأحرار هم أولئك الذين يبنون المملكة اليهودية العالمية. وقد ظل هذا السر خفياً على الناس عامة، وعن المتصدرين خاصة في الشرق، فكانوا يخدعون بما تحمله الفكرة الماسونية من مظاهر براقة تحت شعار كاذب مضلل هو (حرية وإخاء، ومساواة).
والماسونية هي الحركة الأولى لتطبيق (اليهودية التلمودية) حاملة لواء الجنس المختار بين الأمميين صاحب النبؤة في السيطرة على العالم والسيادة على الجوييم، وهي حركة أحكمت أساليبها السرية حتى تستطيع خداع السذج والبسطاء لينضموا تحت لوائها، ثم يقعوا فريسة لنفوذها الدموي الرهيب وهي بالرغم من ظاهرها البراق تحمل في تضاعيفها فلسفة مظلمة حاقدة تستهدف بها تشكيل طليعة أو نخبة تتصدر في كل الأقطار، ولم يكن الأمر في أساسه يهدف إلا إلى عمل خطير.
وكلمة الماسون أو الفرماسون، وتدلان على الجمعية السرية الماسونية مأخوذة من اللفظ Macone ومعناه البناؤون الأحرار. ولا شك أنه كان يهدف إلى الارتباط ببناء هيكل سليمان.
وقد أشارت بروتوكلات صهيون إلى الماسونية ودورها في البندين السابع والحادي عشر من البروتوكلات. وقد كان للماسونية دور ضخم حققت به

(صفحة 252)
ثلاثة أعمال كبرى: الثورة الفرنسية والانقلاب العثماني والانقلاب الروسي. ثم توارت قليلاً حيث برزت الحركة الصهيونية.
ولا ريب أن العمل الخطير الذي تصدت له الماسونية كطليعة المخططات (اليهودية التلمودية) كان في حاجة إلى مؤامرة ضخمة لتحويل المجموعات الضخمة من معتقداتها الأساسية والأصيلة وإغراقها في مفاهيم جريئة لهدم القيم والفضائل الأخلاقية ومختلف العناصر الإيمانية، وذلك عن طريق طرح عقائد جديدة، والإغراء بالمال والجنس والتخويف بالقتل والاغتيال.
ولذلك فإن الحقيقة الأولى في الفلسفة الماسونية هي هدم الفضائل المسيحية والإسلامية وغيرها، وتقويض الأنظمة الإجتماعية، واتخاذ الإباحية كوسيلة للإستيلاء على أصحاب النفوذ. وفي عديد من نشرات ووثائق المحافل الماسونية المختلفة تتكشف هذه الحقيقة واضحة. ويتضح أن الغاية هي القضاء على كل اعتقاد ديني، وأن هذا يتناول كل الأديان على السواء. ومن عشرات النصوص التي أوردها الباحثون نجد الهدف واضحاً، والقصد صريحاً.
(1) – يقتضي على الماسون أن يقيموا نفوسهم فوق كل اعتقاد بالإله أياً كان.
(2) - إذا قال الماسون بوجود الإله أرادوا به الطبيعة وقواها المادية، فهم يجعلون الله والإنسان كشيء واحد.
(3) - كل شيء هو مادي، فالله والعالم ليسا إلا شيئاً واحداً.
(4) - جميع الديانات خيالية، غير ثابتة، اخترعها ذوو المطامع.
(5) - إن العلم هو الأساس الوحيد لكل معتقد.
(6) - رفض أي عقيدة تقوم على أساس الوحي.
(7) - إن الديانات خرافات.
(8) - الماسونية مندوبة لسحق الرؤوس الثلاة: الدين والسلطان

(صفحة 253)
والعسكر. وتجعل العالم كله واحداً يصنع كل إنسان ما شاء كهمل الحيوانات والضواري في الغابات(1).
وقد صدرت هذه المخططات من نفسية اليهود التي تقوم تقوم على الحقد والقسوة على الجنس البشري والرغبة في السيطرة على القدرات العالمية وفق منهج وحشي عنصري يستمد تحريكه من تركيبهم النفسي.
ولا ريب أن هذه الأفكار هي جماع الفكر البشري القديم: من وثني وغنوصي وهليني وباطني، وأنها تضم وحدة الوجود وأساطير الأولين. والإلحاد والتعدد وكل التحديات التي واجهت الأديان المنزلة. فالفلسفة الماسونية هي عصارة المذاهب الفلسفية المادية والإباحية التي حاولت من بعد تشكيلها (بالاشتراك مع اليهودية التلمودية) والصهيونية في صياغة مذاهب هدامة متعددة منها: الصوفية، والبهائية، والروحية الحديثة.
وتكشف الوثائق والمصادر الصحيحة عن الانتماء الصحيح للفلسفة الماسونية فيقول: (ز. فورستين(2)). إن الطقوس الماسونية تظل مشتهاة لأن مبتدعيها قد اغترفوا من الأساطير والشعائر القديمة جميع بقايا الأديان المنقرضة، فأشركوا اليهودية ومصر واليونان والكلدان وبحثوا في النصوص القديمة ليبنوا بناءً غير متلاحم الأجزاء.
ويؤكد أندرسون أن للماسونية انتماءً واضحاً إلى زرادشت معلم المجوس الأكبر. ويؤكد هدف الفلسفة الماسونية المطروحة عن طريق المحافل نص أورده الدكتور متعب مناف(3) حيث يقول: إن الماسونية عصابة دولية قصد
(هامش صفحة 253)
(1) هذه النصوص أوردها مع أسماء مراجعها: الأب لويس شيخو اليسوعي في كتابه (شيعة الغرماسون)
(2) في كتابه هذه الماسونية
(3) الواقع الفكري والمجتمع العربي.
(انتهى الهامش)

ص 254
منها إلى إماتة الشعور القومي و الخلقي لدى أعضائها و إيقاعهم فريسة الخوف و الطلاسم حتى يبقى كل منهم مشدوداً إلى الجمعية ، و على استعداد للتضحية بقيمه الدينية و الخلقية و القومية فى سبيل الأهداف التى تتطلبها رغبات هذه الطغمة .
و قد فسروا هذه المعميات بالشكل الذي ضرب كل القيم الدينية و القومية . و للتأكد من ضرب القيم لا بد من انتزاع كرامة بني الإنسان عن طريق إيقاعهم تحت عالم الخوف بجو رهيب يجمع بين الهياكل العظمية و مناظر الموت .
إن كشف انتماء الماسونية إلى اليهودية أمر يكاد تجمع عليه كل المصادر من حيث أنها أداة من أدواتها . و من أبرز الأدلة على هذا الانتماء ، هو أن مصطلحات الماسونية ، و كلماتها و إشاراتها و رموزها و تعابيرها كلها تقريباً عبرية اللغة يهودية الدلالة ، مما يقطع بأن لليهود اليد الطولى فى تأسيسها .
و لا ريب أن الفلسفة الماسونية ، كما وضعها دهاقين اليهودية التلمودية ، إنما تستهدف نسف جميع المدنيات و الحضارات ، و إزالة الأديان السماوية لتحل محلها مفاهيم (( التلمود )) .

ص 255
الفصل الثالث
أصول الماسونية
( 1 )
( أولاً ) تحطيم العقيدة الدينية في نفوس معتنقيها . و ذلك بالدعوة إلى عدم التفرقة بين دين و دين أو عقيدة و عقيدة . لأنها بذلك تنسف الدعائم الأساسية للاعتقاد فى نفس صاحبها " لأنه ما دام قد اعتقد أنه لا فرق بين دين و دين آخر ، حتى و لو كان فى نظره باطلاً ، فليس هناك ما يدعوه إلى الإعتزاز بدينه أو التمسك به (1) " .
و من هنا يبدو ذلك الاهتمام الواضح ، و التركيز الدائم في الماسونية على التراث الوثني القديم و إحيائه و بعثه ، و خاصة ما يتعلق بالغقائد المنحرفة عن الدين الحق : كالمجوسية و البرهمية و الزردشتية و عبادة الحيوانات .
و هي من ناحية أخرى تحاول أن تجعل من كتب اليهودية المحرفة المضادة للدين السماوي الذي أنزل على موسى مصادر أساسية للفكر البشري مع إيحاءات متعددة تلقي فى العقول ادعاء زائفاً بأن الدين من صنع البشر ، و ليس من وحي الله .
و قد كشفت وثائق كثيرة عن المحافل الماسونية و الشرق الأعظم ، و زعماء الماسونية ، و في مقدمتهم استاذها الأكبر "ويستهويت " و سائر قادتها أمثال : فولتير ، و رينان ، و كولفين ، و روسو ، و دلمبار ، و برودون . كشفت عن مفهوم الدين في عرف الماسونية و في تعاليمها قوام إنكار صحة الأديان و الوحي
هامش ص 255
(1) دكتور أحمد الشرباصي : يسألونك .
انتهى الهامش

ص 256
و الكتب المنزلة ، وإثارة الحرب العوان على الأديان و أتباعها ، و إقرار الدين الجديد الذي يراه الماسون .
فالماسون أساساً يعتبرون هذه الأديان كلها خرافة متساوية ، و يعلنون حرية الأديان و إله العقل ، و حرية البحث بانتقاد عقائد الدين ، و القول بأن العلم هو الأساس الوحيد لكل معتقد ، فهم يرفضون كل عقيدة بنيت على أساس الوحي (1) .
و هذه جملة من الوثائق و التصريحات و النصوص تصور هذا المعنى .
1 - إننا إذا سمحنا ليهودي أو مسلم أو كاثوليكي أو بروتستانتي بالدخول فى أحد هياكل الماسونية ، فإنما يتم ذلك علي شرط أن الداخل يتجرد من أضاليله السابقة ، ويجحد خرافاته و أوهامه التي خدع بها شبابه ، فيصير رجلاً جديداً ، فلو بقى على ما كان عليه فلا يستفيد البتة فى محافلنا الماسونية .
2 - لا توجد إلا ديانة واحدة عمومية تحتوي قمتها كل الديانات الخصوصية فى العالم . فتلك هي الديانة التي نعتقدها . و إليها نضم أولئك الذين يتمذهبون بمذاهب خصوصية . و هي الديانة التي تعلن بها الدول إذا نادت بحرية الأديان (2) .
3 - لا نريد إلا أمراً واحداً هو تقويض أركان الديانة الكاثوليكية . فإنا نحن الماسون لا يمكننا أن نكف عن الجهاد ، و ما دامت الكثلكة حية ، فإن الحرب بيننا و بينها دموية لا مناص من ظفرها أو ظفرنا ، و لا بد من موتها أو موتنا (3).
هامش ص 256
(1) م 13 - مجلة الشرق . ص 543.
(2) كولفين في محل ممفيس في لندن - م 12 المشرق ص 937 .
(3) النشرة الرسمية للشرق الأعظم - تموز 1856 - نفس المصدر .
انتهى الهامش

ص 257
(2)
أما مفهوم الإله في الفلسفة الماسونية فهو لا يستقر على مذهب واحد . و لكنه يجمع بين أغلب ما قالت به الوثنية ، و المجوسية و الفلسفات القديمة .
يقول برودون : " إذا قال الماسون بوجود الإله أرادوا به الطبيعة و قواها المادية ، أو جعلوا الإنسان و الله كشيء واحد (1) ".
و يقول ويستهويت : منشيء الماسونية : كل شيء مادي . فالله و العالم ليسا إلا شيئاً واحداً ، و جميع الديانات خيالية غير ثابتة اخترعها الرجال ذوو المطامع .
و تصف الماسونية الله جل جلاله بأنه مهندس الكون الأعظم : و قد اختاروا له اسماً لم يتسمّ به ، و لا يوجد بين أسمائه الحسنى العديدة . و معنى مهندس الكون الأعظم في عرف الماسونية : أنه لم يخلق كل الكائنات من العدم ، و إنما هو مهندسها فقط و منظمها .
و يذهب بعض الماسون إلى تأليه الشمس - يقول رينان أحد كبار الماسون في مجلة العالمين : ليس في العالم عبادة موافقة للعقل السليم ، و لمبادئ العالم كعبادة الشمس .
و يقول آخر : إن الماسونية هيكل عظيم كهيكل روما القديم ( البانثيون ) يحفل بجميع الآلهة ، و يتألف من مجموعهم كلهم ، فإله الماسون هو إله الصين ، و الهند ، و برابرة افريقيا .
و يذهب بعضهم إلى أن إله الماسون هو ( أدونيرام ) الذي هو أوزوريس إله المصريين . أو ميترا إله الفرس ، أو باخوس إله اليونان ، أو أحد الآلهة المتعددين الذين كانوا في سالف الزمان يمثلون الشمس (2) .
هامش ص 257
(1) نشرة الماسون 15 / اكتوبر / 1866 نقلاً عن المشرق . م 12 .
(2) مجلة المشرق م 12 .
انتهى الهامش

ص 258
و يقول ( فرانندفور ) كل اعتقاد ديني أساسه ما وراء الطبيعة ( كالإله غير المنظور ) إنما هو ضعف في عقل الإنسان . و يقول آخر : علينا أن نرقى فوق طبقات كل الأديان ، بل و نتحرر أيضا من كل اعتقاد بوجود إله أياً كان . لم يوجد أحد يؤمن بالله ، و بخلود النفس غير البله و الحمقى . إن تصور الله سبحانه و تعالى هو ينبوع و ركن كل استبداد و كل ظلم . و قولهم : إذا ذكرت إلهاً ، فإنما هو الطبيعة و مجموع الكائنات .
( ثانياً ) : التركيز على الأجناس و العناصر بهدف إعلاء الجنس اليهودي الذي تحيطه دعاية مضللة بأنه شعب الله المختار . و إن دعواها في معارضة التفريق بين الأجناس و الألوان و الأديان إنما تريد أن تهدم كل الحواجز التي كانت بين اليهود و بين السيطرة على المجتمعات عن طريق الانتماء الديني أو السلالي .
و من هنا كانت دعوتها إلى هدم الوحدات الكبرى في أوروبا و إعلاء القوميات الضيقة ، و إثارة نزعات الحقد و الكراهية بينها مما يمكنها من السيطرة و التسلط .
و في هذا المجال تركز الماسونية على محو كل امتياز مصدره الدين أو الوطن :
يقول كلافيل : إن مسعى الماسونية العظيم بأن تمحو بين البشر كل تمييز يفرق بينهم كشرف الأصل أو الأديان و المذاهب و الأوطان .
و كذلك الدعوة إلى العالمية للقضاء على الدعوات الوطنية . و يقول زعماء الماسونية في عشرات النصوص : إن الوطن خيال باطل ، و كذب محض ، و أن الوطن هو كل ما يغتصبنا و ما يجب علينا بغضه كما يقولون : " الرايات الوطنية هي آية الظلم و الاستبداد ، فيجب أن تلقى في المزابل ". كما يهاجمون الجندية و شرف العسكرية .

ص 259
3 - التركيز على الانحلال الروحي ، و الفساد الخلقي ، و ذلك بتشويه القيم الخلقية و المقدسات الدينية ، و ذلك باستحياء الفكر الوثني القديم ، و بعثه ، و الانتفاع بالمذاهب الهدامة ، و وضعها في ثوب جديد براق و زائف .
و ذلك بإرضاء الغرائز و استثارة الشهوات عن طريق الإقناع بالتحرر من الأديان و القيم و الضوابط الخلقية و العامة ، حتى يكون الإنسان مهيأ للخضوع لسلطان الهدف الغامض ، و ذلك بالسرقة و القتل و التجسس و غيرها .
و من ذلك إباحة الغش و الربا في المعاملات التجارية ، و التزوير في العقود ، و الاغتصاب ، و ابتزاز الأموال . و من أبرز أهداف الماسونية محاربة كل شيء اسمه " الأخلاق " .
و يشير إلي ذلك مؤلف كتاب الماسونية و أسرارها (1) فيقول : إن الماسونية تعتبر الإنسان كبهيمة عجماء خالية من النطق فهو على مذهبها آلة صماء بلا نفس عاقلة . و إن غاية الماسونية القصوى أن تسوق البشر إلى فك كل قيد يضبط شهواتهم ، ليخلعوا كل سلطة ، و ينبذوا كل دين ، فيعيشوا عيش الحيوانات غير الناطقة ، و ينقادوا إلى أوامر زعماء الماسونية انقياداً أعمى .
و يقول يستهويت مؤسس الماسونية : إن أقصى غاية الماسونية أن تجعل الناس همجاً و هملاً يعيشون كالحيوانات في البراري و القفار . و تركز الماسونية على " خراب الألفة البشرية ، و محاربة الأسرة و الهجوم على رب العائلة " .
و يقول أحد زعمائهم : " إن الأمر الجوهري في استمالة الناس إلى جماعتنا إنما هو إفراد الرجل عن عائلته ، و إفساد أخلاقه و ترغيبه في العيشة الحرة " . و يقول : إن الخلاعة باب واسع لسن الزواج المدني ، و يبرر فولتير في المجمع
هامش ص 259
(1) راجع م 12 من المشرق سنة 1909 .
انتهى الهامش

ص 260
الفلسفي الزنا . و يقول أنه ليس بإثم في شريعة الطبيعة . و يحرض على مشاركة الرجال في النساء .
أما المرأة فقد أفردت لها الماسونية مخططاً خطيراً : يهدف إلى اجتذابها و إخراجها من الدين و الأسرة ، و دفعها إلى المراقص و الاجتماعات المختلفة ، و ذلك بفتح المحافل الأنثوية : تقول نشراتهم : " إن النساء من أقوى العوامل للفوز و نسف الدين و نشر الفساد " .
" و لسنا بمنتصرين على الخرافات (( الدين )) إلا يوم تشاركنا فيه المرأة بالعمل " " و المرأة رسول لمبادئنا الحرة يخلصها من نفوذ الكهنوت " و من تعاليم فلسفتهم : دفع الأبناء إلى نبذ السلطة الوالدية ، و قد كتب ديدرو في هذا في الأنسكلوبيديا داعياً إلى إلغاء خضوع البنين لوالديهم . و قال دالمر : ليست معرفة الجميل واجباً لازماً على البنين لوالديهم ، و ليست سلطة الأبوية تدوم .
و دعا فولتير في قاموسه الفلسفي (( عماد الفكر الماسوني إلى الكذب و قال : " لا يكون الكذب رذيلة إلا إذا أضر بصاحبه . أما إذا أفاده فهو فضيلة " .
و قد عمد الماسون إلى توفير أسباب الفساد : و استطاعوا عن طريق نفوذهم نفي اسم الله و خلود الروح من كتب التعليم في المدارس ، كما عمدوا إلى نشر العديد من روايات المجون و الصور الخلاعية و الأغاني المكشوفة ، و هم أصحاب القول بأن العفة المطلقة مرذولة ، لأنها ضد ميل الطبيعة ، و هم الذين حملوا لواء الدعوة إلى جعل المدارس علمانية ، و حرضوا بشدة على إخراج الأبناء من رعاية الآباء (1) .
و تقول النشرة الماسونية : إن تهذيب الأحداث حجر زاوية بنائنا الحر ، فيقتضي أن ننفي من لائحته كل تعليم ديني ، و أن لا يهتم التعليم بالديانة ، و أن
هامش ص 260
(1) نشرة الماسونية 1866 ، م 13 ص 758 المشرق .
انتهى الهامش

ص 261
ينفي كل تعليم ديني .
و قد حققوا ذلك في المدارس الجديدة من حيث إلغاء مادة الدين فيها ، و نشر الفساد و الخلاعة ، و الإلحاح الشديد على اقتلاع العفة من عقول الفتيات (1) .
و كانت أهم دعواتهم : الدعوة إلى الزواج المدني العقيم الذي يهدف إلى استنزاف قوة الأمة . و من ذلك دعوتهم إلى تحديد النسل و منعه في البلاد التي يريدون السيطرة فيها .
و قال دالمار : إن الماسونية بنشرها أسباب الفساد و الخلاعة قد أضرت بفرنسا أكثر من الحرب السبعينية ، و أفقدتها عدداً وافراً من الرجال ،هذا بالإضافة إلى التعليم اللاديني الذي يفسد قلوب الشباب و يقوض كل مقومات الخلق و الفضيلة .
و بالإضافة إلى ذلك أذاعوا المضاربات و المقامرة و ألعاب البورصة و القتل و السرقة و الانتحار و الخرافات الباطلة (2) .
4 - التركيز على ما سمي بالفكر الحر و إعلاء شأن التحرر من قيود القيم و العقائد ، و إباحة النظر في الأديان و نقدها ، و نقد النصوص المقدسة ، و اعتبارها أدباً و فناً (3) . و ذلك باسم حرية البحث ، و يقولون : إن العلم هو الأساس الوحيد لكل معتقد و يرفضون كل عقيدة تنبت على أساس الوحي .
و ما زلنا نذكر كيف قال طه حسين لتلاميذه عندما أخرج من الجامعة
هامش ص 261
(1) م 13 - المشرق .
(2) راجع م 12 و م 13 سنة 1909 و سنة 1910 من مجلة الشرق .
(3) و قد حمل لواء ذلك عندهم الدكتور طه حسين في مصر منذ عام 1926 عندما دعا إلى نقد القرآن الكريم و النظر فيه كأثر أدبي انتهى الهامش

ص 262
[ عهد بيننا أن يكون العلم وحده هو رائدنا ] و قد سار في هذه الطريق أمين الريحاني و كثيرون .
و كانت دعوتهم في الأدب إلى الأدب العلماني أى الخالي من كل دين المحرر من الاعتقاد بوجود الله ، و الذي يقوم على اعتبار أن الإنسان سيد نفسه .
و يقوم الفكر الحر على المادية و الإلحاد : يقول الأب لويس شيخو اليسوعي : إن أول ضربة سعت الماسونية بأن توقعها بالهيئة الاجتماعية هي نشرها المبادئ الفاسدة بخصوص أصل العمران البشري . و تجعل الماسونية " المادة " أبدية ترتقي من تلقاء نفسها بمرور الدهور كآلة عمياء إلى أن يتمخض جمادها ، فيلد النبات و يتحول النبات إلى حيوان ، و يتحول الحيوان إنساناً همجياً ذا عقل ضعيف يقوى بالتجربة و الاحتكاك (1) .
5 - التركيز على الشباب ، و محالولة تطويقه بالفكر الوثني البشري المنحرف . حتى ليقول أحدهم : إن حرية الآباء لا تتفق مع مصالحنا و غاياتنا أبداً . يجب تربية الأطفال وفق منهاج مقرر من قبل .
و من هنا فإن السيطرة على الشباب من أولى غايات الماسونية و أهدافها . و من ذلك قولهم : دعوا الكهول و الشيوخ جانباً و تفرغوا للشباب . بل تفرغوا حتى للأطفال .
لا بد من تربية الطفل بعيداً عن الدين . و إن الماسونية تستعين بالفرق و الأندية الرياضية ، و المجمعات الموسيقية ، و الرحلات المشتركة لاستدامة نفوذها على أوساط الشبيبة .
و مما يتصل بهذا دعواهم المحمومة التي يحملها رجالهم في كل مكان إلى
هامش ص 262
(1) ص 678 م 13 مجلة المشرق
انتهى الهامش

ص 263
صراع الأجيال ، و إلى القول بأن الشباب فوق التوجيه و أنه جيل لا أساتذة له ، و أن وصاية الآباء قاسية . و أن الأب هو أسوأ شخص في الأسرة ، و غير ذلك مما رتبته الماسونية لتلاميذ الأسرة ، و إقامة الصراع بين الأجيال القديمة و الجديدة .
و من دعواهم إلى تمزيق الروابط بين الأسر و المجتمعات ما يقسم به المتنورون ، و هم طلائع الماسونية ، على قطع الروابط التي تجمع بين الماسوني ، و بين أي كان من البشر كالأب و الأم و الأخوة و الزوج و الأقارب و الرؤساء .
6 - تدمير القوى البشرية ، و معنويات الأمم و استذلالها و استعبادها .
من خلال هذه النصوص المستقاة من المصادر الماسونية الأصلية يثبت بوضوح أن كل الفلسفات المادية الحديثة ، إنما قد استمدت أصولها من الفلسفة الماسونية اصلاً ، و في مقدمة ذلك الفرويدية ، و الوجودية ، و المادية ، و التفسير المادي للتاريخ ، و نظريات دوركايم و سارتر ، و كل ما تقدمه المدارس الاجتماعية و الفلسفة ، و الصحافة و الثقافة في بلادنا .
و قد لخص أحد الباحثين أثر الماسونية في الحضارة الأوروبية فقال : دلت التجارب الاقتصادية و الاجتماعية على أن البلاد التي ازدهر فيها الربا فقدت التعاطف و التراحم ، و حلت القسوة منها محل الحنان و العدل .
و قد صُبغت الحضارة الأوروبية بألوان البنفسج اليهودية ، ففشت فيها الأطماع المادية حتى صاروا و لا همّ لهم إلا جمع المال .
و أشار إلى أبرز ما تعنى به اليهودية التلمودية : إقامة بوتقة تفكك الأخلاق بتسهيل سبل الشهوات و أشرطة الصور المتحركة ، و الحث على الجرائم .

ص 264 
و على الشهوات ، و اختراع الرقص الخليع بأنواعه ، و مسابقات الجمال ، و اختيار ملكات المحاسن في الغرب و الشرق ، و عبادة المادة في كل شئ ، و نشر صحف المجون و الفسوق مثل جاذبية الجنس ، و نشر أشد الكتب المحظورة علي أذهان الشبيبة ، و نشر الصحف الكاشفة عن القناع عن أسرار الجرائم تحت ستار تحقيق العدل الجنائي ، و ما هي إلا تحريض خفي لاقترافها بطريقة الإيحاء التي يجيد اليهود توجيهها نحو الجماعات. 
 
ص 256  
الفصل الرابع 
الثورة الفرنسية  
كانت الثورة الفرنسية هي أول ثمار الفلسفة الماسونية و التخطيط الماسوني ، و كانت مقدمة للثورة العالمية التي عمت أوروبا جميعا.  و استهدفت في الأساس تحقيق غاية كبري هي تحطيم الجدار الذي يفصل المسيحيين عن اليهود في أوروبا ، و تقليص نفوذ الكنيسة ، و تحطيم المقررات التي فرضتها علي عزلة اليهود في إحياء الجيتو ، و إقامة الدولة العلمانية التي ينفصل فيها الدين عن المجتمع ، و إلغاء المدارس الدينية ، و إقامة المدارس العلمانية كمقدمة لاستيعاب أوروبا و السيطرة عليها سيطرة كاملة.  
و قد اختارت الماسونية فرنسا بالذات لإقامة أول حركة باعتبارها حصن الكاثوليكية الأكبر ، و قد أشار أحد دهاقين الماسونية إلي هذا العمل فقال : إن الثورة الفرنسية ما هي إلا وليدة الماسونية.  
و قد تكشفت في السنوات الأخيرة حقائق كثيرة تؤكد أن الثورة الفرنسية في مضمونها و مفاهيمها للعلوم قامت علي أساس الفلسفة الماسونية ، فضلا عن دور المحافل الماسونية البارز في تنفيذها.  
1 - تؤكد الكاتبة نستاويستر في كتابها ( لويس السادس عشر و ماري أنطوانيت)  أن الثورة الفرنسية ترجع إلي جهود الجمعيات السرية الخفية.  و لا سيما محافل البناء الحر ( الماسونية)  و أن هذه الهيئات السرية قد لعبت من وراء الستار دورا عظيما لاضرام نارها 
 
ص 266  
و تري الكاتبة أن المساعي الخفية التي قامت بها الجمعيات السرية وراء الستار كانت كالأسباب الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية عاملا خطيرا في نشوب الثورة الفرنسية.  
2 - و تؤكد مصادر متعددة أن الشعب الفرنسي سار خلال الثورة في الطريق الذي رسمته له الماسونية لخدمة اليهودية العالمية.  فقد يسر اليهود للفرنسيين الانغماس في حياه الترف و الفجور و جعلوا باريس مدينة الازياء و أصناف الخمور و ملاهي الدعارة و الانحلال و الإباحة.  
3 - و يؤكد هذا المعني الكونت دي طوجفتشي  de tougwitz أحد أعيان الماسونية الألمانية في مقال كتبه عام 1882 حين يقول : ( 1 )  و قد تأكدت و عرفت حق المعرفة أن الأعمال الفظيعة التي جرت أيام الملك لويس السادس عشر ، انما كانت نتيجة اعمال المحافل الماسونية.  
و لما جرت سيول الدماء بعد ذلك في كل أنحاء فرنسا حتي صارت أرضها أشبه بمستنقع دم صرح رئيس الماسونية الألمانية في خطاب أملاه 1794 مهنئا فرنست لسبقها بقية الأمم علي طريق الثورات و قال إن جماعتنا الماسونية قد أضرمت في الشعوب الأوروبية نار الفتن.  فهيهات أن يخبو لظاها قبل أجيال متعددة.  و كان من نتيجة ذلك الشرائع الجديدة التي أنتشرت في فرنسا منذ 1880 ضد الدين و الكنيسة ، و نفي الرهبان و إبطال مدارسهم ، و فصل الكنيسة عن الحكومة.  كل ذلك قد سبقت الماسونية و قررته في محافلها السرية ، ثم أمرت النواب الماسون بأن يؤيدوه في تصويتهم بعد أن التجأت إلي كل الدسائس و المكائد.  
و قد قال لويس شيخو في كتابه السر المصون في شيعة الفرمسون ما كانت  
هامش ص 266  
( 1 ) م 13 المشرق- لويس شيخو 
انتهي الهامش 
 
ص 267 
الثورة الفرنسية غير لهيب تلك النار الآكلة التي أججها الماسون في محافلهم ، ثم أضرموها في أنحاء أوروبا حتي التهمت أقاصي البلاد.  
4 - و يقول القائد التركي جواد رفعا في كتابه : الخطر المحيط بالإسلام : كان اليهود من وراء الثورة الفرنسية التي جاءت بالشعار الزائف : ( حرية - مساواة - إخاء)  ذلك الشعار الذي اخترعته الماسونية اليهودية لتخدع به العالم ، و تقضي علي مقومات بقاء الدول ، و تتحكم في مصائرها.  
في العهد الذي قامت به الثورة الفرنسية 1789 كان حكام الدول الأوروبية و قادتها بما في ذلك روسيا و بولندا يتبادلون أنظمة التعليم العلماني ، و أفكار الإصلاح التي روج لها اايهود.  
و حين قامت الثورة كان المحفل الماسوني الأكبر في باريس مركزا لتجمع قادة الثورة.  و قد وضعت القوانين و الأنظمة للثورك الفرنسية في ذلك المحفل.  
و تعترف دائرة المعارف الماسونية أنه منذ القرن 16 و البناؤون الأحرار في مقدمة القائمين بحركات اجتماعية سليمة كانت أو عنيفة قلبت الأوضاع القديمة ، ووضعت الأسس الديموقراطية الحديثة ، و كانت الثورة الفرنسية في مقدمة هذه الحركات الإصلاحية القوية العنيفة.  
و تضيف دائرة المعارف الماسونية إلي اعترافها.  قال ( لامرتين)  أن اعتقادي ثابت بأن الماسونية أخرجت الأفكار العالية التي تأسست عليها الثورات الكبري سنوات 1789 / 1830 / 1848  
و قال المؤرخ السياسي الاقتصادي لويس ربلان بأن الماسونية كانت معملا للثورة.  و كان أثرها فيها أعظم من أثر موسوعة الأنسكلوبيديا.  
و حقل قال فقد مكثت الماسونية نحو نصف قرن تعد محافلها أفكار الشعب الفرنسي للقيام بثورته الكبري و لا غرابة في الامر فالماسونية قد اتخذت لها 
 
ص 268 
شعارا كلاما ثلاث : ( حرية - إخاء - مساواة)  . ( اتخذتها قبل أن تتخذها الثورة الفرنسية شعارا)  . 
و تقول دائرة المعارف : حين اندلعت الثورة الفرنسية كان وجهها يهوديا توراتيا تلموديا.  إذ لم يعرف التاريخ كالغوغاء الذين نظموا و تآمروا و ثاروا ضد كل طبقة من الناس ، و كانت غايتهم تدمير النظام و مقوماته من الملك إلي النبلاء و رجال الدين ، و طمس القوانين ، و تغيير العملة ، و علم البلاد ، و التقويم الرسمي . 
و لوحظ أن الثورة لم يقم بها فرنسيون لحماية فرنسا ، و خيرها.  بل قام بها أجانب يستترون وراء قوة سرية ترمي إلي هدم كل شئ في فرنسا.  
و لم يكن أولئك الأجانب سوي اليهود الذين خططوا للثورك ، و مهدوا لها بخلق فراغ كبير بين الأسر الحاكمة و بين الشعب . ثم بإثقال كاهل البلاد بالديون اليهودية ، فظهر الملك الحاكم أمام شعبه مبذرا أنانيا طاغيا.  و سرعان ما شرع اليهود يزيفون التاريخ ، و يصورون الثورة الفرنسية بذلك العمل التاريخي الذي خدم االإنسانية و أعطي  وثيقة حقوق الإنسان ، و هي لعمري 
فرية يهودية انطلت علي ملايين اابشر الذين انخدعوا بالأكاذيب اليهودية كما انخدعوا بالتاريخ المزيف الذي كتبه اليهود.  نقول ( و ما تزال فرنسا في إطار التلمودية تحتفل بهذه الأكذوبة ، و لا تنكشف لها أبعادها)  .  
فالثورة الفرنسية غدت في حقيقتها من أسباب شقاء العالم ، و إذلال الشعوب و تسخيرها لخدمة اليهودية العالمية التي خططت للثورة و مولتها و نفذتها ، و جنت أرباحها ، و يكفي أن نذكر الحقيقة المرة ، و هي أن فرنسا منذ ثورتها اليهودية الماسونية 1798 قد تحولت تدريجيا إلي مزرعة يهودية بمالها و ثقافتها و علمها و سياستها و اقتصادها. 

ص 269 
الثورة العالمية 
و كانت الثورة الفرنسية مقدمة للثورة العالمية في كل أنحاء أوروبا.  حيث كانت الماسونية قد استهدفت تغيير الاسس الفكرية وفق فلسفتها التي تبثها تمهيدا لتغيير الحكومات المسيحية الأوروبية ، و إقامة حكومات علمانية لا دينية مكانها.  و يعزي إلي الماسونية أغلب الثورات الأوروبية و الحروب المختلفة منذ حرب السبعين الألمانية و الفرنسية إلي الانقلاب العثماني إلي الحرب الكبري الأولي إلي ثورة الانقلاب الروسي إلي الحرب العظمي الثانية.  يقول الأستاذ محمد عبد الله عنان : إن الثورة الفرنسية التي هي وثبة من أعظم وثبات الهدم في العصر الحديث ترجع إلي نشاط هذه القوات الخفية و مهارتها في استغلال سخط الجماعات أكثر مما ترجع إلي ألأسباب و الحوادث المادية التي ينسب انفاجرها إليها عادة.  
و قال ان اليعقوبيين أعظم دعاة الهدم في الثورة الفرنسية كانوا ينتمون إلي حمعيات سرية كانت تعمل في الخفاء لسحق الملكية الفرنسية.  
و الثورة الفرنسية أبادت نظم الإقطاع ، و حطمت الملكية ، و سحقت سلطان الكنيسة  : هذه الروح الهادمة تجلت في الثورة الروسية.  
ثم يقول : يقولون ان الثورة العالمية و الخطر اليهودي اسمان لمسمي واحد ، و ان دعاة الثورة العالمية هم دعاه السيادة اليهودية العالمية ، و ان الفكرة اليهودية القديمة في سحق المدنية الخاضرة هي التي تحكم وراء الثورة العالمية.  و أكد الباحث ( كون اليهودية)  تقصد بالهدم و المحو كل النظم الحاضرة ، و تقصد بالأخص إلي هدم التعاليم الدينية و الأخلاقية نصرانية كانت أو إسلامية ، و قال : إن هذا الأمر لا ريب فيه ( 1 ). 
هامش ص 269  
(1 ) السياسة الأسبوعية 1 مايو 1926 . 
انتهي الهامش 
 
ص 270  
ما نريد أن نصل إليه أن الفلسفة الماسونية هي جماع الفكر البشري القديم ، انبعثت مرة اخري بعد الاسلام في قوة و أعتدت تشكيل نفسها بأسلوب جديد ، ووفق روح العصر ، و أخذت تتحرك من جديد إلي مثل الغايات التي تحركت إليها القوي الخفية ، و الدعوات الباطنية ، و دعوات المجوسية و المزدكية و المانوية قبل الإسلام و بعده.  
و قد حققت هذه الفلسفة غايتها ، و استطاعت عن طريق القوي التي تساندها أن تسيطر فعلا علي الفكر الغربي ( الأوروبي ثم العالم كله)  و أن تحوله من الاتجاه الذي سار عليه في عصر النهضة ، و من خلال المعطيات التي قدمتها الحضارة الإسلامية و الفكر الإسلامي.  
و ان عصر التنوير كان مقدمة لسيطرة الفلسفة الماسونية و استيعابها للفكر الغربي و تطويقه و احتوائه علي مراحل متصلة.  ظل فيها الصراع قائما بين الفكر الغربي المرتبط بالمسيحية أو بالدين علي وجه العموم ، وهو ما أطلق عليه من بعد الفلسفة المثالية ، و بين الفكر الوثني الهليني الغنوصي الذي استمد إطاره و هدفه من اليهودية التلمودية و عمل لحسابها.  وهو ما أطلق عليه الفلسفة المادية.  
و قد كانت أهداف اليهودية العالمية واضحة وراء هذا التحول علي النحو الذي تخقق من بعد في السيطرة الكاملة علي جميع فروع الفلسفة ، و السيطرة علي الفكر البشري كله ، و محاولة دفعه حثيثا للسيطرة علي الفكر الإنساني الذي جاءت به الأديان المنزلة ، و الفكر القرآني. 
 
ص 271 
الفصل الخامس 
المفاهيم الصهيونية (1) 
لا ريب أن الفكر الصهيوني مستمد من فمرة الصهيونية ذاتها ، محاولا إقرارها ، و الدعوة إليها ، و الدفاع عنها ، و استخدام كل أساليب البراعة في سبيل الإقناع بها ، و كسر العقبات التي تقف أمام تحقيقها.  
و تقوم الفكرة الصهيونية علي ( نبوءة)  و ليست علي حقيقة تاريخية.  و هذه النبوءة إن صحت فهي بالمفهوم الإنساني و التاريخي ، و من منطلق الأديان و الأمم قد تحققت فعلا في أبناء ابراهيم ( و اسماعيل منهم)  . هذه النبوءة هي قيام الدولة الموعودة لابراهيم و ابنائه ، وهي دولة توحيد الله الخالق ، و قد قامت فعلا من خلال الأديان التي حملها ابناؤه و أحفاده فانتشر دين المسيح عيسي بن مريم ، حتي عبر البحر المتوسط الي الغرب ، و انتشر دين الإسلام ، فأقام دولة بين الصين و فرنسا.  
غير أن اليهودية التلمودية ، من خلال تاريخها كله ترفض المسيحية كجزء من ميراث إبراهيم كما ترفض الإسلام ، و لا تري في التوراة إلا رسالة أمة خاصة : هي شعب الله المختار و لا تري في السيد المسيح مسيح اليهود ، بل هي تنتظر مسيخا آخر ، و لا تري إسماعيل جد العرب و المسلمين حزءا من نبوءة إبرهعيم عليه السلام ، و تقيم مفهوما تاريخيا خاصا يعزل محري التاريخ عن منبعه ، و يحاول أن يشكل تحديا خطيرا لكل القيم و المقررات و الخقائق التي لا سبيل إلي تجاوزها أو انكارها.  فاليهود - استمدادا من مفاهيمهم الموروثة 
 
ص 272  
الخاصة - التي زيفوا بها التوراة المنزلة ، و أقاموا بها دعوة التلمود قد رفض رفضا تاما منطلق التاريخ الممتد بالمسيحية ، ثم بالإسلام و بالتاريخ الذي عرفته البشرية ، و شادوا من خلال فلسفتهم اليهودية ، و الماسونية ، ثم الصهيونية تاريخا خاصا يريدون فرضه علي الفكر البشري كله ، و علي فكر الأمم ، و مناهجها و آدابها.  و لا ريب أن في هذا رفضل لحركة التاريخ الانساني منذ ما قبل المسيح إلي الآن علي مدي ألفي سنة ، و للتطورات الهائلة التي حدثت في العقليات و النفسيات و العلوم و الخضاارات ، و قربت ما بين الأجناس و الألوان و الأفكار.  
و من هنا تقوم الصهيونية علي تزييف التاريخ في جميع مصادره ، و دوائر معارفه ، و كتبه لتصور فلسطين ، و بيت المقدس و كأنما هي أرض يهودية خالصة ، و كأنما تاريخ العرب قبل اليهود ، و تاريخ العرب و المسيجية و الإسلام بعد اليهود لم يكن شىئا حقيقيا . و ان أرضا استولي اليهود عليها بالغزو و الاختلال ، و أقاموا عليها دولة لم تمتد لأمثر من سبعين عاما.  و خوحوا منها منذ عام 70 ميلادية ، و ختي اليوم.  يراد أن يقال انها ظلت يهودية ، أو ظلت إرثا يحق لهم أن يعودوا إليه بعد ثمنمائة و ألف عام تحت اسم مضلل هو ( الحق التاريخي)  . فالفكر الصهيوني يقوم أساسا علي محاولة تغيير التاريخ كله و تحريفه ( 1 ) في حركة واسعة ضخمة و التشكيك في المسيحية ، ثم محاولة إفساد الأمم و تدميرها أخلاقيا حتي تستسلم و تخضع لتحقيق النبوءة : نبوءة إقامة الدولة الكبري.  
و ليس الفلسفة الصهيونية في حاجة إلي استقصاء كثير.  فإن البروتوكلات التي كتبها اليهود قد كشفت عن ذلك في وضوح ، و حددت أبعاد الأيدولوجية الفكرية في أدق تفاصيلها.  
هامش ص 272 
(1) عبد المنعم خلاف : بخثه عن الصهيونية 
 
ص 273 
و اذا كانت الماسونية هي الواجهة السرية العالمية للحركة اليهودية التلمودية منذ ظهرت حتي حققت أخطر نتائجها في أوروبا بالثورة الفرنسية ، و اسقاط الحكومات العلمانية ، و القضاء علي نفوذ الكنيسة مما أتاح لليهود القدرة للخروج من الجيتو ، و السيطرة علي الحياه الاحتماعية و الثقافية و الأدبية في اوروبا.  فإن الحركة الصهيونية جاءت لتكون منطلقا جديدا في العلن دون السر إلي مرحلة جديدة في السيطرة ، و تزييف الفكر الغربي انطلاقا من نفس المؤثرات التي وضعها اليهود في العهد القديم ، و المشنا ،و الجمار ، و التلمود.  و هي التي صيغت في الفلسفة الماسونية ، ثم تبلورت من جديد في البروتوكولات. 
و قد كتبت هذه البروتوكلات عام 1897 - و ترحمت و نشرت في العالم كله سنة 1910 - و لم يطلع عليها العرب و المسلمون قبل عام 1950. 
و من ذلك التاريخ استطاعت اليهودية تحقيق خطوات ضخمة علي طريق هدفها الكبير في الانقلاب العثماني 1908 ، و الثورة الروسية 1917 ، و قيام اسرائيل 1948. 
(2)  
إن تزييف الحقيقة التاريخية التي جاء بها اليهود في التوراة التلمودية اعتمد ع مفهوم ( العنصرية)  التي هي سمة ( اليهودية العالمية )  و عليها قام التحريف الأساسي في النصوص.  و من أحلها حرت المحاولات المتعددة لتزييف التاريخ ، و فرض مفهوم يختلف عن الحقيقة و الواقع . و قد جاء القرآن الكريم بالمفهوم الأصيل القائن علي الحق.  
أراد اليهود إقامة مفهوم شعب مختار له نبؤة خاصة بالسيطرة ، و إقامة الدولة العالمية من خلال إعلاء للجنس و العنصر.  بينما أقام القرآن الكريم مفهوم الأمة الحنيفية التي بدأت بملة ابراهيم و امتدت في أبنائه علي نطاق 

ص 274
العراق والشام والجزيرة العربية ومصر، وتشكلت في دين موسى، ودين عيسى، ودين محمد. وفي أبناء إبراهيم: إسماعيل جد العرب والمسلمين، وإسحاق جد اليهود والنصارى.
ومن أجل تحريف هذا النص، وإقامة المفهوم القائم على العنصرية في مواجهة المفهوم القائم على الحنيفية العربية امتدت حركة اليهود التلمودية لتعارض مجرى التاريخ، وتحاول أن تفسر منطلقه الطبيعي. وذلك بفرض العنصرية في مواجهة العروبة الحنيفية.
"ويتمثل الوجه الحقيقي للصهيونية في التعصب العنصري، وفرض نظرية الجنس المتفوق على جميع الشعوب، واستغلال أساليب الخداع والمبالغة".
وقد أشار إلى هذا المعنى الدكتور الفاروقي حين أشار إلى أن "خاصة ما تقوله التوراة هي العنصرية. وقد ركزت التوراة هذه العنصرية في اصطفاء يهوه لإبراهيم اصطفاء بدون سبب.
ومن ذلك ما تحاول به أيدي الصهيونيين من المؤرخين فرضه على دوائر المعارف العالمية من إنكار رحلة إبراهيم إلى الجزيرة العربية. وإلى هذا يشير الدكتور الفاروقي: إن الأسفار الخمسة قدمت لنا هذا التاريخ من حيث راية العنصرية فجعلت لها فيه مركز الثقل. أما القرآن الكريم وهو صوت الحق. فقد رأى هذه الأحداث من حيث رايتها الحنيفية الأخلاقية العقلية العالمية، فجعلت لهذه الفلسفة مركز الثقل في التاريخ.
ويقول: كانت التوراة كتابا إلهيًا عزيزًا، إلا أن اليهود حرفوها وراغوا بها عن أهدافها الأصلية، ومراميها الأخلاقية العالمية، فجعلوا منها كتابًا تعصبيًا عنصريًا. حتى اسم الإله. فبدل أن يدعى باسم الحق، وهو إله للعالمين، ورب البشر، جعلته العنصرية اليهودية (إله إبراهيم، ويعقوب، وإسرائيل) فحسب.

ص 275
"أدخل عزرا الحقد والتشفي والكراهية والانتقام، فأخذ يتغنى بأعمال العنف والقتل والتخريب. بل ويختلق هذه القصص اختلاقًا لتمجيد العنصرية اليهودية(1)".
(3)
تهدف الصهيونية إلى بناء ركيزة تاريخية في مخطط اليهودية العالمية، تنطلق منها الحركة كلها بالقضاء على المعوقات الجغرافية والتاريخية والثقافية الثابتة الممتدة خلال أربعة عشر قرنًا في أرض العرب وجودًا وفكرًا. ومن أجل تحقيق هذا الهدف تجري المحاولات المتعددة.
(أولًا): تزييف التاريخ، وفرض أكاذيب ووقائع غير صحيحة بما يتفق مع دعوى الحق التاريخي الباطل في بيت المقدس وفلسطين. ويمتد هذا حتى يصل إلى بعض المواقع التي أقام فيها اليهود قبل ألفي سنة في بابل والجزيرة العربية.
(ثانيًا): محاولة إثارة الشبهات حول الحقائق التاريخية الثابتة في القرآن والتاريخ الإسلامي في مساق هذه الخطة، وذلك بتحريف القرآن، ووضع كتب تاريخية ونصوص في دوائر المعارف وغيرها.
(ثالثًا): محاولة التأثير في مناهج التعليم لإفساد منطلقات المسلمين والعرب في مفهوم الجهاد والمقاومة، وإذاعة دعوات تحمل طابع السلام والوحدة العالمية وغيرها.
(رابعًا): محاولة التأثير في أخلاق الأمم بطرح مفاهيم الإلحاد والإباحة والتحريض على اللذات والشهوات.
(خامسًا): التشكيك في مفاهيم التوحيد والعدل والغيب والإيمان بالله.
هامش ص 275
(1) أصول الصهيونية في الدين اليهودي، إسماعيل راجي الفاروقي.
انتهى الهامش

ص 276
(سادسًا): إثارة الفرق والنحل القديمة، وابتعاثها لخلق أجواء من الصراع والانقسام والتمزق.
(سابعًا): إثارة النعرات الإقليمية والدعوات العنصرية لخلق تضارب في الأمة الواحدة التي جمعها القرآن والإسلام.
(ثامنًا): خلق معوقات تحول دون استئناف المسلمين والعرب حياتهم الاجتماعية وفق مقررات الإسلام وإغراقهم بالمذاهب والمفاهيم السياسية والاجتماعية الوافدة.
(تاسعًا): القضاء على التنظيمات الدينية والأخلاقية من أجل السيادة على العالم وتسخيره وفقًا للقاعدة المقررة لديهم وهي أنه لابد من تخريب العالم أولًا قبل السيطرة عليه.
(عاشرًا): إفساد الجوييم (غير اليهود) والتلاعب بقوانينهم، والقضاء على إيمانهم بالله، وإسقاطهم تحت سيطرة عوامل الضعف والملذات كالخمر وغيره.
(حادي عشر): سيطرة رأس المال اليهودي على الدول والأمم، ووضع أسس الاقتصاد العالمي على أساس الذهب الذي يحتكره اليهود، وإيقاع الأمم تحت سيطرة الإقراض بالربا، واستنزاف الثروات، وسيطرة رأس المال اليهودي على الدول والأمم، وإحداث الأزمات الاقتصادية العالمية على الدوام.
(ثاني عشر): إلقاء بذور الخلاف والشغب والصراع بين مختلف الدول عن طريق الجمعيات السرية والدينية والمحافل الماسونية.
(ثالث عشر): وضع كل وسائل الطبع والنشر والصحافة والسينما والجامعات والمسارح في أيدي اليهود.
(4)
البروتوكولات هي الصياغة العصرية لأحكام التوراة المحرفة والتلمود،

ص 277
وقد استهدفت في نصوصها إخضاع الشعوب المسيحية وغيرها في العالم، وتأسيس إمبراطورية صهيون يرأسها ملك ليكون إمبراطورًا للعالم كله على أساس القدرة بالسيطرة على الصحافة والذهب والإعلام.
والبروتوكولات هي منطلق الحركة الصهيونية ودستورها. وهي في مجموعها تستمد مقوماتها الأساسية من طبيعة اليهودية التلمودية. ولذلك فإن البروتوكولات تقوم على أساس واضح: الدعوة إلى هدم الديانات في محاولة للقول بأن الأديان لم تعد تسد حاجات العصر الحديث، وإلى تشجيع الانحلال في المجتمعات غير اليهودية ليعم الفساد والتمزق، وتضعف الروابط الاجتماعية التي تعتبر أهم مقومات الشعوب مما يسهل السيطرة عليها، وتوجيهها الوجهة المرجوة، وإلى تذويب القوميات والعصبيات الوثنية والعنصرية والوطنية من أجل الدعوة إلى العالمية، ونبذ التعصب القومي والديني، وإلى اعتبار الإنسان بمثابة مواطن في العالم كله، وإيجاد الصراع بين الدين والقومية، وخلق التناقضات بين الإسلام والعروبة.
وتدعو البروتوكولات إلى إشعال نيران ثورة عالمية بعد إخضاع العالم كله للسيطرة الصهيونية، وتطالب بالالتجاء إلى التآمر والخداع والتضليل والتجسس والتسلل في صفوف الجماعات.
(5)
يحاول بعض الباحثين التقليل من شأن البروتوكولات، ويتخذ في سبيل الشك فيها دليلًا واحدًا، ذلك رفض اليهود لها، وإعلانهم براءتهم من صلتهم بها، واتهامهم من يتخذها وثيقة ضدهم بأنه يحمل لواء العداء للسامية، وليس أدل على صدق نسبة هذه البروتوكولات إلى الصهيونية العالمية من هذا الدفاع والتشكيك.
غير أن الأسلوب الذي يكشف عن حقيقة صحة نسبة البروتوكولات إلى

ص 278
الصهيونية إنما هو ما سجلته من نبؤات وتوقعات، ومدى صدق هذه الإشارات. وقد حفلت البروتوكولات بنوايا كثيرة صدقت. وأبرز هذه النوايا تقسيم العالم إلى معسكرين متناحرين.
ويستطيع من يقرأ البروتوكولات ويكون على إلمام بمخططات اليهودية العالمية، ومفاهيم التلمود، وفلسفة الماسونية أن يجد ذلك واضحًا ومطابقًا لها تمام المطابقة.
وأبرز ما تحمله البروتوكولات من أهداف اليهودية العالمية هو محاربة الأديان والأخلاق والعمل على تدميرها، وما صاحب ذلك من تصريحات متعددة لعشرات من الحاخامات في حملة صادقة على الأديان بعامة، وعلى المسيحية بخاصة. وتضم البروتوكولات إشارات متعددة لهذا العداء الخطير حتى ليرد بعض الباحثين أصول الصهيونية كلها إلى الكره اليهودي للحضارة المسيحية مضطهدة الشعب المختار أو القول بأن الصهيونية تجمل لواء مناهضة المسيحية والملايين من أتباع المسيح.
وتشير البروتوكولات إلى الآثار الخطيرة المترتبة على عملية تدمير القيم الأخلاقية في المجتمعات.
لقد أصبح الشعب المسيحي متبلد الذهن تحت تأثير الخمر، كما أن الشباب قد انتابه العته لانغماسه في الفسق المبكر الذي دفعه إليه أعواننا من المدرسين والخدم والنساء اللواتي يعملن في أماكن اللهو، ونساء المجتمع المزعومات اللواتي يقلدنهن في الفسق والترف.
(6)
تتركز أهداف الصهيونية، كما ركزت عليها البروتوكولات على هدف واحد: هو تحطيم الأخلاق، فهي تعتمد على إذاعة فلسفة أخلاقية تقوم على

ص 279
دفع البشرية كلها إلى التحرر من جميع الضوابط والتحلل من كل القيم والاستهانة بالمثل العليا ومبادئ الفضيلة وكرامة الإنسان.
ولقد شهدت نصوص البروتوكولات على أن النظريات والمذاهب التي طرحتها الصهيونية، إنما استهدفت إخراج أجيال يتصارع فيها الإيمان والإلحاد كخطوة إلى تحطيم عناصر الإيمان في النفوس، وأن هذه النظريات والمذاهب قد فتحت الطريق إلى الإلحاد واكتساح كل الأديان والعقائد الأخرى.
وقد وضع هذا المخطط تحت عنوان "حرية الأديان" وأعدت له أساليب في طرح مفاهيم الأديان الوثنية القديمة، وأعادت صياغتها من جديد، وعرض مضامينها التي تعارض مفاهيم التوحيد والأخلاق والإيمان بالغيب، ويسير البروتوكول الثالث عشر إلى دعم هذا المخطط بنشر الأدب المكشوف الذي وصف بأنه "أدب مريض" يؤثر على النفوس، ويساعد على هدم الأسرة وتدمير جميع المقومات الأخلاقية للمجتمعات المعادية (للصهيونية) يقول النص: "ومن هذا الأدب المريض القذر تنطلق الدعوة إلى الإباحية المطلقة لهدم، وتدمير الأخلاق في المجتمع".
ومن شأن هذا الاتجاه الإيديولوجي الذي يروجون له في عديد من المذاهب والدعوات أن يحطم مناعة الأمم فيفقدها قدرتها على المقاومة، ويعجزها عن المواجهة.
وقد أشارت البروتوكولات إلى أن "الأدب والصحافة" هما في طليعة القوة التوجيهية الهامة، وحددت مهمة الصحافة في عبارة تحتاج إلى تأمل طويل.
يجب أن تكون الصحافة تافهة كاذبة بعيدة عن الحق، تعمل لتحريض وإثارة المشاعر. هذا ما ركّزت عليه البروتوكولات من أجل "الحط من

ص 280
كرامة رجال الدين عند الأمميين في أعين الناس" وذلك عملا على إزالة ما وصف بأنه عقبة كؤود في طريق الصهيونية.
وفي البروتوكولات إشارة واضحة إلى تبني الصهيونية العالمية لبعض النظريات الفلسفية، وإعلائها، وإذاعتها، ودفعها لتكون مناهج علمية تدرس في الجامعات والمعاهد, وفي أحد البروتوكولات إشارة واضحة إلى هذا: "لاحظوا أنه نجاح دارون وماركس ونيتشه قد دبرناه من قبل، وسكون واضحًا على التأكيد الأثر الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي".
وهناك ترجمة أخرى لهذا النص تقول: نحن الذين هيأنا لنجاح دارون وماركس ونيتشه، ولم يفتأ تقدير الآثار السيئة التي تركتها هذه النظريات في أذهان غير اليهود.
ويتصل هذا الاتجاه بالعمل على تحطيم نظام الأسرة، والقضاء على الروابط العائلية. وقد وجهت نقدات كثيرة لهذا النظام، ووصفه أحد فلاسفتهم بأنه مضاد للفطرة. وقد عملت الصهيونية على دفع نظام الأسرة إلى التفكك، وإلى تضارب أفراد الأسرة، ووقوع الريبة بينهم، وخلق أسباب الصراع. وهنتك إشارة واضحة إلى أن أكبر عوامل تدمير الأسرة الرذيلة والترويج للحانات والملاهي.
وقد أشارت البروتوكولات إلى هذا الاتجاه: "الصحافة والمسرح والمضاربة والعلم والشريعة، يجب أن تكون تحت تصرف من في قبضتهم كل ذهب الأرض، وهو أقوى سلاح لإثارة الرأي العام، لإفساد أخلاق الشبيبة، ولتهييج عمومي إلى الرذيلة والشهوة الكلبية للملاذ".

ص 281
وقد كشفت المذاهب الفلسفية التي صاغها اليهود على محاولة تركيز هذه الخطط، وجمعها وتحويلها إلى آثار عملية في المجتمعات. وذلك بفرضها أولًا في قالب علمي براق زائف.
يقول بلاكنهيم: إن فرويد خلق الإباحية الحديثة على نمط الوثنية الإغريقية، ومجد الغريزة بحيث أطلق عنان الشهوات البشرية ورخص للرجل والمرأة أن يفعلا بجسدهما ما شاء!. فالتهتك الجنسي لا حد له في رأيه، والولد يغار على أمه من أبيه.
كما برّر (توماس مان) عشق الذكور في قضية الموت في البندقية.

ص 283
الباب الثالث
بين الفكر الغربي والتلمودية
(1) بين الفكر الغربي والمسيحي واليهودية التلمودية.
(2) بروتوكولات صهيون.
(3) معارضة الأديان.

ص 285
* الفصل الأول
* بين الفكر الغربي المسيحي واليهودية التلمودية
كان عصر التنوير بكل مقوماته مقدمة للصراع بين الفكر الغربي المسيحي الأصل، واليهودية التلمودية، وذلك أن مقومات الفكر الغربي الحديث كانت تقوم أساسًا على المصادر الأخلاقية المسيحية.
فقد دخلت المسيحية إلى بيئة الحضارة الرومانية، وهي مشكلة فعلا من آثار الفلسفة الهلينية الوثنية والقانون الروماني بمفهومه العبودي.
واستطاعت المسيحية بالرغم مما أصابها من انحراف "لتفسير بولس والمجامع لها" أن تحمل معها طابع الدين المسيحي كعبادة وأخلاق، فكان من أثرها أن هذبت كثيرًا من طوابع الوثنية والهمجية التي عرفت عن قبائل الهون المتبربرة التي زحفت من الشمال وسيطرت على روما وما حولها.
وقد بدأت حركة النهضة من خلال أوروبا المسيحية، وكانت رسالة الإسلام هي الضوء الكاشف الذي فتح لأوروبا مقاليد المنهج العلمي التجريبي، وطرحت فكرة التوحيد تحديات خطيرة استهدفت إصلاح المسيحية كما ظهر ذلك واضحًا في مختلف مفاهيم لوثر وكالفن. غير أن عودة اليهود إلى أوروبا مرة أخرى بعد خروجهم منا كانت عاملًا هامًا في تحويل هذا التيار عن سبيله الصحيح، وقطع الطريق عليه، وإعادة الفكر الأوروبي إلى الوثنية اليونانية، ودفع الحملة على المسيحية دفعًا شديدًا، ونقلها إلى مجال التحدي الخطير، ومقاومتها مقاومة عنيفة بدفع عديد من مفكري الماسونية

ص 286
إلى مكان الصدارة و إطلاق صيحات اللا دينية وتأليه الإنسان والعقل على الوجه الذى بلغ بذلك إلى حد احتواء الفكر الغربى كله ، حتى لم يعد لصوت الفكر الغربى المسيحى أثر يذكر ، وإن ظل هنا او هناك دون أن يكون له أثر عملى كبير بينما استطاع الفكر الغربى المستمد من مصادر التلمود أن يسيطر سيطرة كاملة .
وحين نراجع تاريخ أوروبا نجد أن أوروبا أخذت تخرج اليهود منها منذ القرن الثالث عشر بعد أن أصدرت الكنيسة الكاثوليكية قيودآ ضخمة عليهم كانت الغاية منها كبح احتكارهم التجارى ، فأخرجوا من انجلترا وفرنسا ثم أخرجوا من أسبانيا 1492 .
وما إن أطل عام 1500 حتى كانت أوروبا الغربية بأسرها باستثناء شمالى إيطاليا وأجزاء من ألمانيا قد تخلصت من الغزوة اليهودية وعاشت أوروبا فترة من الزمن حرة من اليهود الذين لم يعودوا إليها بكثرة إلا عام 1650 .
ويشير كثير من المؤرخين إلى أن فترة ازدهار الثقافة والعلوم التى وصفت بعصر النهضة من 1300 إلى 1650 كانت أوروبا فيها خالية من اليهود ، ومن هنا فلما عادوا أخذوا يعدون حركة استيعاب خطيرة للفكر الغربى ، وسيطروا فيها على ما حققته أوروبا ، وأطلقوا على هذا العصر : عصر التنوير وكان ذلك مقدمة لما حققوه عن طريق الثورة الفرنسية ، وثورات الدول الأوروبية من بعدها . وقد حققت هذه الثورات هدفها بإسقاط الحكومات المسيحية ، وإسقاط كل الأنظمة التى تحول بين اليهود وبين الاشتراك فى المجتمع الأوروبى ومن ثم فقد أخذ اليهود يسيطرون سيطرة واضحة على مجالات الفكر والمجتمع والإقتصاد بينما تركوا للأوروبيين المسيحين أغلب أمور السياسة .
ثم جرت عملية الاحتواء الفكرى عن طريق محاقل الماسونية وفرض

ص 287
فلسفتها على من يغرونهم باعتناقها ، ثم يمهدون لهم الطريق لتسلم المواقع الهامة فى الدول والحكومات والبرلمانات ومن ثم أخذوا ينفذون أهدافهم فى سرية وصمت ، فلما استوى هذا الإتجاه وأخذ مداه وحقق نتائجه طرحت اليهودية فكرة الصهيونية واستطاعت أن تجد لها من مختلف القوى السياسية الأوروبية نصيرآ ومؤيدآ حتى استطاعوا الحصول على وعد بلفور .
وفى خلال ذلك كان التركيز شديدآ على الدولة العثمانية لإزاحتها من طريق بناء أول أحجار الصهيونية العالمية بفتح طريق الهجرة إلى فلسطين .
وقد كان للماسونية دورها الضخم فى السيطرة على الحركة الإصلاحية التى ظهرت فى الدولة العثمانية باسم الإتحاديين واحتوائها وتحويلها نحو مفاهيم الماسونية والعمل لها ، بحيث استطاعت الصهيونية العالمية تحقيق هدفها فى نفس اللحظات الأولى لسيطرة الإتحاديين على الحكم فى الدولة العثمانية (1) عام 1908 .
وهكذا استطاعت اليهودية العالمية أن تحتوى الفكر الغربى كله ، وأن تسيطر عليه سيطرة كاملة عن طريق الفلسفة الماسونية ومحافلها كمرحلة أولى لتحقيق هدف تحرير اليهود من قيود الكنيسة ثم كانت هذه الخطوة سبيلا إلى الخطوة الثانية وهى استعلان الحركة الصهيونية ، وكانت الحركة الثالثة هى إسقاط الدولة العثمانية لفتح الطريق إلى بيت المقدس وهو الهدف الكبير .
غير ان اليهودية العالمية فى سبيل تحقيق هذه الخطوات وما بعدها مما كشفته الوثائق عن الفلسفة الماسونية ومخططات الصهيونية من خلال بروتوكولاتها كانت تستهدف عملا أضخم بكثير مما وصلت إليه ، ذلك هو إقامة الحكومة اليهودية العالمية ومن أجل هذا كان لابد من أن يقع الصدام
هامش ص 287
(1) راجع ذلك بتوسع فى كتابنا : العروبة والإسلام
انتهى الهامش

ص 288
قويآ بين الفكر الغربى المسيحى الذى كونته عوامل مختلفة من أهمها المسيحية والمنهج العلمى التجريبى الإسلامى وبين الفكر اليهودى التلمودى الذى يتطلع إلى إزاحة المناهج الإسلامية والمسيحية من عقائد وأخلاق وشرائع لغرض فكره وايديولوجيته الوثنية الهدامة .
وإن إلقاء نظرة إلى خطوط الفكرة ( اليهودية التلمودية ) لتكشف عن قدرة عجيبة على استيعاب عصارة الفكر البشرى القديم من وثنى وهلينى وغنوصى ومن إباحى ووثنى ومن بقايا المسوجية والزرادشية بكل ما تضعه هذه المواهب من هدم للتوحيد والأخلاق وإثارة لعوامل الجنس والغرائز وإفساد الأمم وإغراقها فى الشهوات وتدمير مقوماتها الأخلاقية والروحية والنفسية .
وبالجملة فإن اليهودية العالمية حلمتها كل الفلسفات الهدامة القديمة التى جاء الإسلام ناقضآ لها وقاضيآ عليها . حملتها إلى العصر الحديث وابتعثتها فى أساليب عصرية حديثة وعلمية براقة ، وفرضتها بقوتها الذاتية حتى استوت علومآ ، فرضت على الجامعات ودوائر الثقافة ، واستمدت منها الآداب والقصص والشعر والفنون مضامينها ومفاهيمها وطرحت من جديد كأنما هى حقائق واقعة .
وقد حملت اليهودية العالمية النظريات ونقيضها وعمل بعضهم مع الأصل ونقيضه لتوسيع رقعة المباراة وشغل العالم بها ودفع الأفكار إلى درجة عالية من العراك والجدل .
وبذلك يستطيع اليهودية العالمية أن تستوعب كافة الاتجاهات وإرضاء كل النزعات ومن هنا ظهرت النظرية المادية وفى نفس الوقت ظهرت نظرية الروحية الحديثة وجاءت دعوة الإقليمية الضيقة وإعلاء الأجناس والعنصرية وجاءت فى نفس الوقت دعوة العالمية ووحدة البشرية وجاءت

ص 289
البهائية لنصهر الأديان كلها فى بوتقة واحدة وجاءت الثيوصوفية لاستيعاب دعاة وحدة الوجود والاتحاد والحلول .
وأحيا فلاسفة اليهود امثال سبينوزا وغيره : وحدة الوجود بهدف عدم الألوهية كما تهدمها دعوات الإلحاد والعدمية تمامآ .
وقد مضى العقل اليهودى الهدام وراء كل الحدود فى محاولة للسيطرة على الفكر البشرى كله واحتوائه وعزل الفكر الإنسانى الربانى الذى جاءت به الأديان وتوجيه أعنف الحملات عليه بالتشكيك والانتقاض وإثارة الشبهات وتحريف النصوص وقد اتخذت اليهودية العالمية أسلوب طرح المذاهب الاجتماعية والسياسية الفكرية والبيولوجية وسيلتها لهدم الأديان وعزلها وقد ظهر ذلك من خلال مذهب التطور والتفسير المادى للتاريخ والوجودية والسريالية وما أطلق عليه علوم النفس والاقتصاد السياسى والاجتماعى والأديان المقارنة وهدفهم الواضح من خلال هذه الدراسات هو إعادة إحياء الفكر السابق للأديان السماوية ( التى أنزلت على الأنبياء : عيسى وموسى ومحمد عليهم السلام ) وذلك حتى تجد مفاهيم التوراة التلمودية طريقها إلى الشعوب والأمم.
وتحتوى هذه الفلسفات والنظريات زيف كثير وسوء نية وهدف واضح ويغطيه اليهود بالصيغة العلمية التى لا يقطن إليها إلا أهل العقول والراجحة .
وقد اتخذت نظرية ( الفكر الحر ) عقيدة جديدة اعتنقها أولياء الأيديولوجية اليهودية الصهيونية الماسونية بهدف تشكيك الناس فى الديانات عن طريق النقد الحر .
ومن الحق أن يقال إن ( المتتبع لحركات اليهودية العالمية ( الصهيوينة والماسونية ) يدرك تمام الإدراك أن الصهيونية لا تخلق حركة اجتماعية على

ص 290
إطلاقها ولا قدرة لها على خلقها ولكنها ما تكاد ترى حركة تنبع إلا سارعت إلى استغلالها واحتوائها بما يخدم مصالحها ).
ومن هنا يجيئ انتفاعهم غير المحدود بآراء نيتشه نظرية دراون . وقد سجلت البروتوكولات هذا المعنى أما آراء نبتشه فقد اتجهوا بها إلى محاربة المسيحية من ناحية ، ومحاربة عقيدة الألوهية من ناحية أخرى ومن ابتعاث نظرية العنصرية من ناحية ثالثة وكثير مما يتصل بالإلحاد وتجديد الفكر البشرى القديم المتمثل فى آراء زرادشت والوثنية وغيرها .
أما نظرية دارون فقد انتفعت بها اليهودية العالمية فى تشكيل النظرية المادية كلها ، واستغلت فكرة التطور البيولوجية لبناء نظرية التطور الاجتماعى التى أقامها سبنسر وغيره وبلغت غاية الغايات فى النفع للأيديولوجية الماسونية والصهيونية والفكر اليهودى التلمودى وكان من ثمارها : ماركس وفرويد ودور كايم .
ولقد سجل كثير من المفكرين والسياسيين العالميين دور اليهودية العالمية على نحو واضح وخاصة فيما أورده هنرى فورد فى كتابه : اليهودى العالمى فقد أشار إلى الأخطار التى ترتبت على سيطرة اليهود على الصحافة والمسرح والسينما بغية توجيه الذوق العام والتأثير فى الجماهير على النحو الذى حدث فعلا فى أوروبا الغربية وفى الولايات المتحدة حتى ليقول أمريكانوس.
فى وسع الإنسان أن يقول بسهولة : إن الثقافة الأمريكية فى مجموعها اتخذت صورآ يهودية معينة .
يقول هنرى فورد : لعل من الغريب أنك حيث التفت للتحرى عن الخطوط التى توصل الاساءة إلى الناس والتى تسرى فى المجتمع تجد جماعة من

ص 291
اليهود خلفها ، فى لعبة الكرة جماعة من اليهود ووراء الاستغلال المالى جماعة من اليهود وواء الدعاية للمشروبات الروحية جماعة من اليهود ، والسيطرة على السياسات القومية الحربية فى أيدى جماعة من اليهود والسيطرة على الصحافة عن طريق الضغط المالى والتجارى فى أيدى جماعة من اليهود وثمانون فى المائة من مستغلى الحروب هم من اليهود ، ومنظمو المعارضة الفعالة للقواعد والعادات المسيحية هم من اليهود والموسيقى الشعبية الرخيصة هى احتكار اليهود وليست موسيقى الجاز إلا احتكارية يهودية ، وليست هذه الحركات المثيرة بما فيها من قذارة والتى تتسق مع النغمات التى تبعث الغرائر إلا من عمل اليهود ، وفى هذا التعفن المسمى بالموسيقى الشعبية التى تجمع بين تفاهة التفكير وبين الفجور الجنسى ترى أن اليد العاملة هى اليد اليهودية .
هذا فى أمريكا . أما فى ألمانيا فأدولف هتلر يصور انطباعه فى كتابه ( كفاحى) . لقد اكتشفت مع الأيام أنه ما من فعل مغاير للأخلاق وما من جريمة بحق المجتمع إلا ولليهود فيها يد ، واستطعت أن أقيس مدى تأثير الشعب المختار فى تسميم أفكار الشعب وتحذيره وشل حيويته بأثر نشاطه فى الصحف وفى ميادين الفنون والآداب والتمثيل ، فقد امتد الأخطبوط اليهودى إلى هذه الميادين جميعآ ، وفرض سيطرته عليها وطبعها بطابعه ، فمعظم المؤلفين يهود ومثلهم الناشرون والفنانون، وهذا التغلغل فى كل ميدان من ميادين النشاط التوجيهى يشكل طاعونآ خلقيآ أدهى من الطاعون الأسود وأشد فتكآ .
ذلك أن تسعة أعشار المؤلفات والنشرات والمسرحيات واللوحات الفنية التى تروج للإباحة المطلقة وللماركسية من صنع اليهود ، وقد طالعنى الشارع بحقائق لم تخطر على بال : منها الدور الذى يؤديه أبطاله بمهارة لم ينته إلى خطورته الشعب الألمانى إلا فى الحرب العالمية الكبرى .

ص 292
ولا شك أن دور اليهودية العالمية فى صناعة السينما واضح ، ومشروع هوليود الضخم المتصدر فى العالم كله يكاد يكون مشروعآ يهوديآ بحتآ وهو يحرك جميع قضايا الإلحاد والعنصرية وتدمير القيم الإنسانية .
ومن بين الاهتمامات البالغة الخطر ، تركيز الفكرة الصهيونية فى أذهان العالم كله والإلحاح عليها وتخرج هوليود فى كل عام عددآ من الأفلام للدعاية العنصرية ، الغاية منها تهييج شعور الأقليات بتوجيهها إلى الاعتقاد بأنها مضطهدة ومهانة ، وهى دعاية سافرة لنشر الكره العنصرى موجهة إلى الزنوج والمكسيكيين وسائر الأقليات ، والقصد منها تعزيز دعوتهم العنصرية اليهودية الصهيونية.
ومن خلال السينما والمسرح والقصة والأدب والشعر تجدد اليهودية العالمية الفكر الوثنى القديم كله ، من الأفكار البالية التى هزمتها رسالة الأديان ومفاهيم التوحيد ودمرها الإسلام تدميرآ ، فهناك عشرات من قصص عشتروت وقلقميس وتراث بابل وأشور والمجوسية ، وأساطير اليونان وفارس والهند ، وكل ما ضمه ركام الفكر البشرى الوثنى الإباحى القديم من قصص مغايرة للأخلاق ، أو معارضة للعقيدة الإلهية ، واستغلال مختلف الجاهليات القديمة وانبعاثها عن طريق دراسة الأنثروبولوجيا والآثار وغيرها .
وتحويل ذلك كله إلى خطوط متصلة تخدم اليهودية العالمية وتحقق أهدافها ، ومن خلال ذلك يجرى إقناع الشعوب والأمم بالباطل بأن اليهودية منبع الأديان وقمة الحضارات والثقافات ، وترويج الزعم بأن كل ما تم من أعمال كبرى فى التاريخ كبناء الأهرام أو اختراع الأصطرلابات إنما كان بفضل رجالهم .

ص 293
كما عمدت اليهودية العالمية إلى ( السيطرة على معامل الملابس والمساحيق والعطور وما سواها من مستلزمات ( المودة ) (1) وهم بذلك يتوصلون إلى تحقيق الغرضين فيسيطرون على المال ويفسدون الدين والأخلاق ، إنهم يعملون على بيع أكبر مقدار ممكن من الملابس ومنتجات الأزياء إلى نساء العالم ، فكلما غيروا الأنماط زادوا النساء شراء وإنفاقآ وتسربت الأموال إلى جيوب اليهود ، وهم يحققون أيضآ قتل الأخلاق القومية للشعوب فيشيعون التفسخ وينشرون الشهوات .
وان الملابس القصيرة ابتكار يهودى فقد رفعوا أزياء النساء فوق الركبة ليزول الحياء وتنتشر الرذيلة ويشيع الاختلاط غير البرئ بين الشبان والشابات وتضيع طهارة الفتاة وتنهزم الأسرة وتنتشر الأمراض الجنسية وينشأ جيل ضائع موبوء مريض .
ويحاول بعض أدعياء التغريب وخدام الماسونية الادعاء بالفصل بين الأخلاق والملابس وهو عمل مضلل من حيث الرابطة القوية العميقة بينهما وأثر أحدهما فى الآخر.
ويتصل بهذا العمل على إذاعة طوابع معينة فى الزينة ، وخاصة فيما يتعلق بتصفيف الشعر وإطالة السوالف وفى السيطرة على مودات الشعر للرجال والنساء ، ويستهدف تقليب هذه المودات وإطالتها وتقصيرها إلى تأكيد السيطرة اليهودية على الأزياء والملابس والزينات فى العالم كله ومن ورائها القدرة على تحريك المجموعات البشرية كلها نحو هدف واحد ، هو إزالة الفوارق بين الرجل والمرأة بما ينتهى إلى ترجيل المرأة وتأنيث الرجل .
هامش ص 293
(1) راجع كتاب عبد الله التل : خطر اليهودية العالمية على الإسلام والمسيحية .
انتهى الهامش

ص 294
الفصل الثانى
بروتوكولات صهيون
صور مترجم بروتوكولات صهيون مخططات اليهودية العالمية فى مجال الفكر والآداب فقال :
( حيثما ظهر مبدأ أو دين أو مذهب علمى أو فلسفى هب اليهود ليكونوا من ورائه ، ويتصرفوا معه بما ينفعهم ، وفد أفلحت الدعاية فى طبع كثير من العقائد والنحل بما يحقق مصلحتها فنرى روح الولاء والتهليل لبنى إسرائيل ومقدساتهم تهيمن على بعض المقدسات المسيحية . وما ظهر مذهب فكان مؤدنآ إلى أن يسهم بالأذى لهم من قريب أو بعيد إلا قتلوه أو أولوه بما يفسده وما كان مؤديآ إلى خير لهم روجوه فى كل أنحاء العالم ، كذلك يروجون لكل قلم ما دامت آثاره عن قصد أو غير قصد تساعد على إفساد الناس ، ورفع شأن اليهود كما فعلوا مع نيتشه الذى يتهجم على المسيحية وأخلاقها ، ويقسم الأخلاق قسمين : أخلاق سادة كالعنف والاستخفاف بالمبادئ ، وأخلاق عبيد كالرحمة والبر ، مما يتفق وروح اليهودية وتاريخها ، ويمهد لها فى الأذهان ويجعلها سابقة على نيتشه وكذلك روجوا لمذهب التطور وأولوه تأويلات ما خطرت لدارون ، واستخدموه فى القضاء على الأديان والقوميات والفنون ، وهم يعبثون بعلم الاقتصاد والاجتماع وعلم مقارنة الأديان ويسخرونها لمصلحتهم وينشئون الآداب والنظم والثقافات والعقول فى كل أنحاء العالم ويدسون فيها نظريات مبهرجة لا يفطن إلى زيفها إلا الموهوبون ذوو العقول المستقلة ، وهم وراء كل زى من أزياء الفكر والعقيدة والملبس والسلوك ما دام ينفعهم ، لا سيما إذا كان

ص 295
يفسد غيرهم إلى جانب ذلك (1) ولن تقهم المدارس الحديثة فى أوروبا هذه الحقيقة التى لا شك فيها وهى أن اصبعآ من الأصابع اليهودية كامنة وراء كل دعوة تستخف بالقيم الأخلاقية وترمى إلى هدم القواعد التى يقوم عليها مجتمع الإنسان فى جميع الأزمان (2) فاليهودى دور كيم وراء علم الاجتماع الذى يلحق نظام الأسرة بالأوضاع المصطنعة ، ويحاول أن يبطل آثارها فى تطور الفضائل والآداب ، واليهودى أو نصف اليهودى ( سارتر ) وراء الوجودية التى نشأت معززة لكرامة الفرد ، فجنح بها إلى حيوانية تصيب الفرد والجماعة بآفات القنوط والانحلال .
ومن الخير أن ندرس المذاهب الفكرية بل الأزياء الفكرية كلما شاع منها فى أوروبا مذهب جديد ، ولكن من الشر أن تدرس بعناوينها وظواهرها دون ما وراءها من عوامل المصادفة العارضة ، او التدبير المقصود ، وقل مثل ذلك فى فرويد اليهودى الذى هو وراء علم النفس الذى يرجع كل الميول والآداب الدينية والخلقية والفنية والصوفية والأسرية إلى الغريزة الجنسية ، كى تبطل قداستها ويخجل الإنسان منها ويزهد فيها ، ويسلب الإنسان الإيمان بسموها ما دامت راجعة إلى أدنى ما يرى فى نفسه . وبهذا تنحط فى نظره صلاته بأسرته ومجتمعه والكون وما وراءه .
وقل مثل ذلك فى علم مقارنة الأديان التى يحاول اليهود بدراسة تطورها ، ومقارنة بعض أطوارها ببعض ، ومقارنة عملها فى غيرها أن تمحوا قداستها ، وتظهر الأنبياء بمظهر الدجالين .
وكذلك حركة الاستشراق التى تقوم على بعث الكتب القديمة ، فهى فى العربية تزحم مكاتبنا بأتفه الكتب التى لا تفيد علمآ ، ولا تقوم خلقآ ، ولا
هامش ص 295
(1) محمد خليفة التونسى
(2) عباس محمود العقاد
انتهى الهامش

ص 296
تهذب عقلاً، فكأنما تؤسس المكاتب لتكون متاحف لحفظ الموميات الخالية من الحياة، والتي تغري الإنسان لتفاهة محتوياتها وكثرتها وتفككها بالنفور منها إذا كان سليم الطبع والعقل، أو التمسك بتفاهتها فتورثه الغرور والعناء والكبرياء. وكذلك يروج اليهود لكل المعارف التافهة التي تتمثل في المجلات والقصص والكتب التي تثير الشهوات وتهيج الجوانب السيئة من الغرائز، وتحبب الرذائل، وتنشر الانحلال( 1) .
ويقول برانت ليتفنتون في كتابه( شعب غريب) : أن اليهود احتكروا تجارة الثقافة والإعلام، وأنشأوا الصحف( نيويورك ورلد- نيويورك تيمس- واشنطون بوست) وزحفوا على المدارس والجامعات، واحتكروا صناعة السينما( مترو جولدين. مابر. وارنر. برامونت. فوكس. نيوفرسال. كولومبيا) والتليفزيون.
ومن أهم صفات البهود أنهم لا يتركون هيئة أو مذهباً لا يتسللون إليه، ويتعصبون له كأنهم أصحابه. وهم الذين مزقوا ملابس الشباب تحت شعارات مختلفة: الوجودية. الإباحة. الحرية العارية. وهم الذين يصدرون كل الصحف والمجلات العارية، وهم الذين يسيطرون على تجارة الدعارة، ويملكون ويديرون الكباريهات، وهم الذين يسيطرون على تجارة النساء في أمريكا وأوربا، وهم الذين نشروا الخنافس في أوروبا وأمريكا، وهم الذين اخترعوا الهيبز. والطبيب الذي أعد تركيب حقن الهلوسة أستاذ جامعي يهودي. وهو الذي أقام مستعمرات ومحطات لتدخين الحشيش. وهم أصحاب القول: ( من الذي قال إن أختك وأمك وابنتك حرام عليك) .
وقد أتجه اليهود بعد الحرب العالمية الثانية إلى كتابة تاريخ المسيحية،
هامش ص 296
( 1) عباس محمود العقاد نقلا عن كتاب الخطر اليهودي للتونسي.
انتهى هامش ص 296

ص 297
وتأكيد أن الدين وليس التفكير الحر هو الذي جعل المسافة بين اليهود والمسيحيين عميقة، وظهرت أفلام تمجد اليهودي، وكثيراً ما رأينا بطلاً يقول: لي الشرف أني يهودي. وكان الأدباء والشعراء أكثر وضوحاً وإلحاحاً في المباهاة بأنهم يهود: أمثال سالنجر. ونورمان مايلر. وبيلو. وبالمود. وعادت اليهودية إلى برج بابل مرة أخرى عدة ألوان وعقائد ومذاهب وتناقضات.
وأشار أحد الباحثين. . . إلى هذا المعنى فقال: إن جميع أنظمة الغرب التي كان لليهود اصبع في وضعها أو تعديلها أو في تفسيرها ونشرها، قد وضعت إما لمصلحة أصحاب رؤوس الأموال، أو لمصلحة طائفة أخرى من أهل القوة والتأثير. أو لترويج نزعة من النزعات التي يرتاح لها فريق، ويسخط عليها فريق. والنظام اليهودي قائم على تبادل المنفعة، وافق هذا التبادل الفضيلة أم خالفها. والحق عندهم هو الذي يمشي مع القانون، ولا تعاقب عليه المحاكم. أما النظام الإسلامي فهو قائم على مبدأ" الإيثار المتقابل" .
يكشف الفكر اليهودي هدف اليهودية العالمية الماثل في السيطرة على العالم عن طريق حصر المال والجنس، والقوة والسياسة في أيدي حفنة من اليهود، وجعل هذه القوى الخاصة بين البشر وسائل تتحكم عن طريقها الاجتماعية اليهودية من أجل تغيير تركيب العالم الإسلامي والاقتصادي والفكري بما يتفق مع المخططات اليهودية.
ومن هنا كان السيطرة على التراث الوثني القديم، والانطلاق منه إلى المذاهب المادية.وقد استغل اليهود نقطة الاختلاف بين الحضارة الغربية، وبين الديانة المسيحية، فأوغلوا فيها إيغالاً شديداً، واتخذوها نقطة وثوب إلى

ص298
غايتهم، فأثارو فكرة الروح الأوروبي الوثني الذي أفسدته المسيحية، ورمته بالضعف حين دعت إلى الرحمة، وجعلوا من سيطرة الكنيسة منطلقاً إلى الخروج عن الدين بعامة إلى المادية الخالصة، ثم أنشأوا فكرة التعبد للرقي المادي. ثم كانت الدعوة إلى كسر ضوابط الأخلاق، ووصفها بالآداب القديمة، ثم " أخذت الفضائل القديمة التي يؤيدها الدين تخلي مكانها بالتدريج للفضائل الغربية الجديدة التي تدعو إلىحرية فردية للجسد البشري غير مقيدة( 1) .
وهنا يبرز سؤال هام طالما شغل الباحثين: هل كان لليهود حضارة على مدى التاريخ. وتجيب كل الدراسات المنصفة أن اليهود لم يكن لهم حضارة ولم يساهموا في بناء الحضارات. وإنما كانوا هادمين لها.
وقد استغلوا دور الانحلال الذي تمر به الحضارة الأوربية، فوجهوها لخدمة أغراضههم المعروفة في السيطرة والتوسع. وأكدت مختلف المصادرعلى أن اليهود دخلوا هذه الحضارة عن طريق المال والربا والانحلال الخلقي. وليس عن طريق المجهود العلمي بما يوصف بأنه" سرقة الحضارة الأوربية، والسيطرة عليها" .
ولقد أثارت اليهودية العالمية عدداً من القضايا لخدمة أهدافها، منها قضية العنصرية والأجناس.
والمعروف أن اليهود قد ساحوا في الأرض منذ عام 70م بعد استقرار في فلسطين لم يدم طويلاً.ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم لم يبرز لهم فكر أو حضارة، بل عاشوا في صراع الزمن، ومن وراء كل الدعوات الهدامة.
هامش ص 298
( 1) عن نص لعلامة محمد أسد.
انتهى هامش

ص 299
ولقد ارتبطت الحضارات كلها بالأديان وبالقيم الإنسانية العليا، وبالأخلاق. أما اليهود فقد عاشوا يحملون كل الفكر القديم المتصل بالتعصب والعنصرية، والإباحة والسحر، ليعيدوا صياغته من جديد، ويطرحوه في أفكار الأمم لتدميرها. ومن أخطر مفاهيمهم أن لا حياة أخرى بعد الموت، " وليس في تعاليمهم الدينية، ولا شريعتهم ذكر للروح، ولا اعتراف بحياة أخرى بعد الموت، ولم يرد في دينهم شيء عن الخلود، وهو يؤمنون بالإله يهوه وهو إله خاص بهم وحدهم دون الآخرين، وهكذا تطغى المادية على عقيدتهم طغياناً عجيباً" ( 1) .
وهم حملة الدعوة إلى المتعة واللذة في حياة ليس بعدها جزاء، يقولون: بيس للإنسان خير من أن يأكل ويشرب. وليس من جزاء للانسان بعد أن يموت وينسى ذكره. أن من الجنون أن تضحي بالساعة الراهنة في سبيل أوهام باطلة.
وإلى جوار الإباحة تأتي الدعوة إلى العلمانية، وإقصاء الدين عن السياسة والاجتماع والاقتصاد. ذلك لأن ربط الدين بالمجتمع يحطم هدفين من أهدافهم.
( الأول) : وضوح الفارق بين اليهود وغيرهم من الأمم ذات الأديان.
( الثاني) : إسقاط نظام الربا الذي هو عصب فكرهم وحياتهم.
ومن هنا كانت دعوتهم إلى إعلاء دعوة العنصرية والأجناس، وإحلال الجغرافيا والاقتصاد محل الدين في تكوين الجماعات.
ويقول الدكتور الفاروقي: علينا أن نذكر أن تحرر اليهود لم يأت إلا نتيجة
هامش ص 299
( 1) العربي- 9- 1( ديسمبر 1967) .
انتهى هامش ص 299

ص 300
لنمو العلمانية في التنظيم السياسي الاجتماعي. إذ إن إقصاء الدين عن السياسة والاجتماع والاقتصاد أدى إلى اعتبار المنفعة العامة والانتاج والخبرة الأهلية كأساس لجميع المعاملات والتنظيمات. ومن هنا جاء قبول اليهود على أساس كفاءتهم الشخصية، وتماسك أفراد الأمة الواحدة بما فيهم اليهود. لا على أساس الدين. بل على أساس وجودهم في الوطن.
ومعنى هذا أنهم حققوا ذلك التحول في الفكر الأوروبي من أجل أهدافهم. فهم الذين فرضوا على الفكر الغربي إقامة حواجز عالية بين مفاهيمه وقيمه، ووضع دوائر بين العائلة والأخلاق الشخصية والدين والاقتصاد والسياسة والاجتماع يؤلف كل منها على حد تعبير الدكتور الفاروقي" ملكوتاً مستقلاً" فالويل إذا سمح الغربي لمبادئ الدين أن تتعدى حدودها للتأثير في الاقتصاد.
يقول الدكتور الفاروقي: الواقع أن العلمانية ليست سوى الاعتراف بأن ليس هناك مبدأ عام يشمل حياة الناس بكاملها كما هو الحال في النظرة الدينية، فأصبح لكل دائرة من دوائر الحياة ميدانها الخاص( 1) .
تصدّر لصياغة الفلسفة اليهودية التي عرفتها الآداب والدراسات الحديثة عدد من رجال المحافل الماسونية، وفريق من كتاب اليهود: وأبرزهم ماركس وفرويد ودور كايم.
ماركس الذي قال أن الدين أفيون الشعوب، وأنه مجموعة من الأساطير ابتدعها الإقطاعيون والرأسماليون لتخدير الجماهير الكادحة.
وفرويد الذي قال إن الدين ناشئ عن الكبت.
هامش ص 300
( 1) الملل المعاصرة في الدين اليهودي.
انتهى هامش

ص 301
ودور كايم الذي قال إن الدين ليس فطرة.
ويرى كثير من الباحثين أنه كان من المستطاع أن تشق الفلسفة طريقها حتى تصل إلى العلم من ناحية، وإلى الدين من ناحية أخرى، لكن تداخلات الصهيونية، واليهود منذ ابينوزا حالت دون ذلك، وحولت دفة الفلسفة إلى المادية والالحاد. ويقول بوكهارت: أن الأدب العالمي قد يكون مديناً لبعض كتاب اليهود، ولكن شرهم أكثر من نفعهم، وإثمهم أكبر من خيرهم، فإن( هينه) أفسد أخلاق باريس( ونوردو) حلل المبادئ والنظم التي تدعم المدنية، وأكد فسادها وتعفنها. و( أوزوالد) أنذرنا بقرب زوال الحضارة. أما( فرويد) فقد خلق الإباحية الحديثة على نمط الوثنية الإغريقية. ومجد الغريزة بحيث أطلق عنان الشهوات البشرية، ورخص للرجل والمرأة أن يفعلا بجسدهما ما شاء الشبق الكامن في حنايا ضلوعهما. فالتهتك الجنسي لا حد له في رأيه، والولد يغار على أمه من أبيه، ويود لو يموت ليحل محل مركب أوديب.
أما الأحلام فلا تفسير لها إلا الاغتلام وعلاقة الجنس و( توماس مان) برر عشق الذكور في روايته( الموت في البندقية) .
وفي أحضان الماسونية ونفوذ الصهيونية نشأت مختلف الأعمال التي وجهت حركة الإلحاد باسم الفكر الحر. وما انتشر على يد البارون دي هولباخ في كتابه: ( System of nature ) الذي أنكر فيه وجود الله وخلود الروح. وقد أجمعت النظريات الفكرية التي قادها ماركس وفرويد ودور كايم وسارتر ولورنس على أن الإنسان حيوان، وأنه لا غاية لوجوده، ولا هدف. ولذلك فلا معنى للحياة الإنسانية، ولا للمثل العليا الإنسانية. وأن الحياة تخبط خبط عشواء في تطورها بما في ذلك الإنسان. وأن الحياة وهم باطل ليس فيها إلا المتاع والجنس.

ص 302
ويشير كلبان دوبليكس في كتابه: ( حرب اليهود في العالم) إلى دور اليهود في العمل على" تفكيك الأخلاق بتسهيل الشهوات في المصايف وملاعب القمار والملاهي، وصنع أشرطة الصور المتحركة المحركة للشهوات المنحطة، واالحث على الجرائم واللذات البهيمية، واختراع أنواع الرقص الخليع بأنواعه: الشارلستون والكاريوكا. وإعداد المغاني والغواني والقيان والتقناني للراغبين، وإبداع مسابقات الجمال والإتجار بها، واختيار ملكات المحاسن في الشرق والغرب. وعبادة المادة في كل شيء، ونشر صحف المجون والفسوق مثل جاذبية الجنسين وما لا يجوز تلاوته إلا بين عاشقين.
وهم الذين نشروا المجلات العارية وما فيها من الصور التي هي أقبح وأخطر من الكتب المحظورة على أذهان الشبيبة ونشر الصحف الكاشفة القناع عن أسرار الجرائم تحت ستار التحقيق الجنائي. وما هي إلا تحريض خفي لاقترانها بطريقة الإيحاء التي يجيد اليهود توجيهها نحو الجماعات والأفراد بفضل شيخ الطريقة المضللة: " فرويد" .
ويقول: دلت التجارب الاقتصادية والاجتماعية على أن البلاد التي ازدهر فيها الربا فقدت التعاطف والتراحم من بينها، وحلت القسوة فيها محل الحنان والعدل. ويرى أن الحضارة الأوربية قد صبغت بألوان النفسية اليهودية ففشت فيها الأطماع المادية حتى صاروا لا همّ لهم إلا جمع المال.

ص 303
الفصل الثالث
معارضة الأديان
تعد ظاهرة" معارضة الأديان" من أبرز ظواهر الفكر، خلال مرحلة التطور الخطيرة التي بدأت بعض التنوير، والتي امتدت إلى العصر الحاضر، وفرضت وجودها على التيارات المختلفة للاجتماع والسياسة والأخلاق والتربية والاقتصاد. وقد انطلقت ظاهرة معارضة الأديان من موقف الكنيسة والمسيحية الغربية إزاء النهضة، وإزاء الكشوف العلمية. وغير أن هذا الاتجاه إنما كان في مصدره الحقيقي يراجع إلى عبور الفكر الإسلامي إلى أوروبا والغرب. هذا الفكر الذي صنع حركة الإصلاح الديني، وقدم المنهج العلمي التجريبي الذي قامت على أساسه النهضة العلمية.
ولقد كان في الإمكان أن يتحرر الفكر الأوروبي من جموده وانحرافه، لو أنه سار في طريقه الصحيح، متلمساً الضوء الكاشف من الإسلام. غير أن محاولات ضخمة وبعيدة المدى قامت من أجل الحيلولة بين الفكر الغربي المسيحي، وبين الاتجاه، ورده مرة أخرى إلى الفكر اليوناني الوثني، ودفعه إلى معارضة الدين المسيحي معارضة شديدة، والتنكر للمنطلق الإسلامي للفكر الغربي، وإقامة المنهج العلمي على أساس الفصل الكامل بين المقررات العلمية المحضة، وبين الأصول الأخلاقية والفكرية التي ترتبط معها.
وبذلك تحرر الفكر الغربي من الانتماء الإسلامي، ثم مضى يعارض الدين معارضة كاملة، ويعلي من شأن الطبيعة وقدرة العقل وعظمة الإنسان.
ومن الحق أن يقال أن دور الكنيسة والمسيحية الغربية كان بعيد الأثر في خلص هذه المعارضة. وان الحملات التي وجهت إلى الدين التي كانت

ص 304
تستهدف ديناً واحداً، ليس هو الدين السماوي المنزل على المسيح عيسى بن مريم، ولكنها المسيحية الغربية التي ضاغها بولس، وأعطتها الكنيسة ذلك الطابع الواضح من الأسرار والقداسة.
ولقد كان هدف اليهودية العالمية بتحريك هذه القضية على هذا النحو هو: معارضة المسيحية، واقصاؤها من مكان النفوذ والسيطرة في مجالات السياسة والاجتماع، وإفساح الطريق أمام مفاهيم الوثنية واليونانية والغنوصية الشرقية وكل مفاهيم بابل و أشور والمجوسية والمزدركية والمانوية، وإحيائها من جدبد، وصياغتها على نحو أو آخر بما يمهد لسيطرة الفكر اليهودي الذي رسمته الفلسفة الماسونية والصهيونية.
ثم نقلت هذه المفاهيم في معارضة الأديان ونقدها إلى اللغة العربية لضرب الفكر الإسلامي، وإثارة الشبهات فيه، بحسبانه دينًا، وقد استطاعيت هذه الشبهات أن تؤثر في الكثيرين ممكن كانوا قد غفلوا عن حقيقة الإسلام الذي يختلف في أصالة مصادره، وفي تكامل مفاهيمه ديناً ومنهج حياة عن ذلك النموذج الذي عرفته أوروبا والغرب عن المسيحية، فكان مصدراً من مصادر الحملة على الأديان عامة( فضلا عن أن هذه الحملة على الأديان من أبرز أهداف الصهيونية العالمية) . وذلك أن المفاهيم التي طرحتها المسيحية الغربية عن التثليث، وعن العزوف عن الدنيا والرهبانية، وما ضمته الكتب المقدسة من معلومات عن الجغرافيا والتاريخ، واختلفت فيه عما كشفت عنه العلوم. كل هذا كان في الحق مصدر هذه الحملة الضارية التي شنها أمثال نيتشه، ورينان، وإن كانت تشوبها في الحقيقة ريح تحامل تعزي إلى مخططات اليهودية التلمودية العالمية التي تعارض المسيحية معارضة شديدة، وتكشف عن ضغنها بعبارة قاسية[ راجع بروتوكلات صهيون]

ص 305
آراء نيتشه
فقد دعا نيتشه إلى" نقض المسيحية" لأنها تقول بالرحمة والتعاون والإخاء البشري وحماية الضعيف، ووصفها بالسلبية. وقال إن أخلاق المسيحية تعارض بقاء الأقوياء والصقور، وتصدهم عن حقهم الذي تنطق به الطبيعة، وهو أن الصقر يجب أن يأكل العصفور، وأن على الإنسان ألا يتقيد بالأخلاق المسيحية، لأنها أخلاق الأذلاء. وأن المسيحية حيت جاءت استبدلت بالرجولة والبطولة ضعفا مزرياً نرى نتائجه في شعوب أوروبا الحاضرة.
ويصور نيتشه مفاهيمه على هذا النحو:
كانت الآداب في أوروبا قبل المسيحية ناشئة عن غرائز طبقة الأقوياء، فجاءت المسيحية وقلبتها، وجندت الضعف بجميع ضرووبه، والمسيحية نشأت بين اليهود فعبرت عن غريزة البقاء فيهم، ومثلت أنانيتهم، وهم إذ ذاك أمة ضعيفة مقهورة مهانة مغضوب عليها. فكان حتما على النبي الذي يظهر بينها أن يجند كل من شأنه أن يعين أفرادها على الحياة والبقاء. لقد جعلوا من العجز وعدم استطاعة أخذ الثأر حياة فاضلة، وجعلو من الذلة والخور تواضعا ومن الخضوع لألئك الذين يكرههم الإنسان طاعة، ووضعوا هذا الكلام على لسان الله. فأصبح حتى الضعيف وقناعته وجبنه ووقوفه على الأبواب ذليلا- كل ذلك فضائل- والعجز عن الثأر يمسي عندهم تسامحاً.
قال بعض أن اليهود ثأروا من أوروبا المسيحية. وقد صدق في ذلك. فإن المسيحية وهي من بنات أفكارهم قد حمتهم من ظلم الحكام وجور الأحكام، حتى انتشروا في جميع البلدان المسيحية، وتسودوا عليها، وملكوا ناصيتها، وقبضوا أموالها. ولو بقيت الآداب الرومانية أو اليونانية عائشة للآن

ص 306
تعمل على إبادة الضعف، ونشر آداب العظماء والأقوياء لفني اليهود من العالم.
فالمسيحية أفادت اليهود، ولكنها أضرت الأوروبيين، ولا عبرة بالاضطهادات والمذابح المنقطعة التي كان يفاجئهم بها المسيحيون من وقت لآخر، فإنها صغيرة تافهة لا أهمية بجانب الاضطهاد الصحيح المتواصل الذي تفعله الآداب المغايرة المنافية لمصلحة أمة من الأمم، فإن الأوروبيين أفنوا بآدابهم سكان الهند الأصلية.
ويصور باسبرز في كتابه عن نيتشه موقفه من المسيحية فيقول:
يرى نيتشه أن المسيحية عدو العلم، إذ أنها تركز على الواقع الذي يصدر العلم عنه، ويرى أن الإيمان المسيحي معارض للعلم خاصة لعلمي التفسير والطب اللذين يمكن بواسطتهما القضاء على كل الخرافات في النصوص الدينية.
ويقول نيتشه: إن المسيحية استخدمت في سبيل دعوتها وسائل غواية أكثر منها وسائل لنشر الدعوة. إذ أنها ترفض كل ما يمكن أن يثير المقاومة مثل العقل والفلسفة والحكمة والشك، وتصر إصرارًا عنيدًا على أن العقيدة من عند الله، وأنه لا مجال إذن للنقد أو للفحص، بل للتسليم والاعتقاد، وتثبيت روح التعصب والغرور لدى الفقراء، وتصفهم بأنهم (خبز الأرض وملحها) على ما يقول الإنجيل، وتتعامل مع المتناقضات، وكل ما يثير الغربة والدهشة، وتمجد الاضطهاد وخدمة الآخرين، والعجيب أن الأقوياء قد تمثلوا أيضًا هذه القيم، لأنها تصلح لكل مظاهر الجبن، ولكل مظاهر الغرور على السواء، يجد فيها الضعيف التعويض والسكينة، ويجد فيها القوي الغلبة والسلطان، وبه يصارعها الضعيف إن أرادت الإبقاء على حالته، ويصارعها القوي إذا أرادت الحد من قوته.

ص 307
ومن هذه النصوص وغيرها يكشف نيتشه عن طابع الأوروبي الوثني العريق الذي رأى في الأخلاق المسيحية معارضة لمزاج أمته. وهذا هو الخط الذي ركزت عليه اليهودية العالمية في الحملة على المسيحية. ومنه جاءت منطلقات العنصرية، وإعلاء الجنس الأبيض وإعلاء الجنس الآري.
ويتسم فكر نيتشه بكل مقومات الفكر الإغريقي الوثني من الفردية والأنانية والعبودية، وإنكار القيم الأخلاقية التي جاءت بها الأديان عامة.
وقد اختار فيلسوفًا وثنيًا غاليًا هو زرادشت، فتحدث باسمه، ومن خلال مفاهيمه. ومن مفاهيمه عمق ذلك التيار الذي غذته اليهودية العالمية من بعد.
يقول الدكتور أحمد زكي: أن نيتشه نظر في أسباب الجمود والهمود، فعلم أنه جمود قديم منذ كانت المسيحية. وإن قيم الأشياء التي سنتها المسيحية هي السبب في وقف التقدم، ورأى أن معاني المسيحية في مجال الخير والحق والجمال. سبب للضعف، والضعف ليس سبيل الرقي. وقال إنها معان كواذب لا تمت إلى طبيعة الإنسان بسبب. وقال: (أي نيتشه) أن معايير المسيحية معايير يهودية أوجدها اليهود لما ضعفوا.
والرأي عند نيتشه أن هذه (اليهودية السامية) هي التي نشرها الدين المسيحي في الأرض، وقام عليها قساوسته بالدعاية، كما يقوم دعاة السياسة، فساد الضعف والخذلان، وتراجع الإنسان عن غايته الكبرى.
وقال أحمد زكي: إن نيتشه استمد فلسفته من الإغريق وفق المبدأ الدارويني الحديث.
ويقف نيتشه على رأس المنطلق الجديد الذي اتجه إليه الفكر الغربي في

ص 308
ردته إلى الإغريقية وانفصاله عن المسيحية ومقاومته للدين بعامة.
ولعل أقسى ما سجلته الأبحاث عن نيتشه هو قوله بموت الإله. غير أن حملة نيتشه في جملتها كانت موجهة إلى مفاهيم واضحة، هي مفاهيم المسيحية التي شوهها الغرب عن أصلها، وأن الحملة على الرهبنة والبعد عن الدنيا هي حملة على أشياء أضيفت إلى الدين الحق، ولم تكن منه أصلًا.
وإن هذا هو ما دفع نيتشه وغيره إلى الانتقال إلى مفاهيم المجوسية وغيرها.
آراء رينان
ويمضي أرنست رينان في نفس الطريق ويشير تاريخ حياته إلى أن الشك في المسيحية اشتد في نفسه نتيجة عناصر ثلاثة: الأخلاق واللاهوت (العقيد وأسرار المسيحية) والعنصر التاريخي في نشأة المسيح وحياته. ومن ثم دعا إلى إله جديد: هو العلم.
وقد آثر مذهب الدهريين؛ وقدس الطبيعة في جميع مظاهرها، كما آمن بوحدة الوجود.
ويصور كامل محمود حبيب أثر كتابه عن حياة المسيح فيقول:
ظهر كتابه فأجج ثورة جامحة، كانت هي حدثًا من الأحداث التاريخية في عالم الآداب والفلسفة في القرن الثامن عشر. فقد رأى صدى خبره في أرجاء العالم المسيحي، لأن المفكرين من ذوي العقول الحرة الجريئة كانوا قد راحوا يتهجمون على رجال الكنيسة، ويدفعون سيلًا جارفًا من النقد الصارم على ما كان يحترمه رجال الدين في ذلك الوقت. ودوت الصيحة في كل مكان

ص 309
فانقلب رينان من كرسيه في كولي جدي فرانس بتهمته الإلحاد والكفر.
وقال: إن أبحاثه مازالت تتصل بسبب المأساة الروحية التي نزعته من العقيدة الكاثوليكية، وبمذهب الدهريين الذي صبا إليه بما يكتب عن تاريخ الإسرائيليين والمسيحيين.
آراء فولتير
أما فولتير فقد كانت مفاهيمه ترجمة كاملة لمفاهيم الماسونية وفلسفتها. فقد كان يقول: إن الديانات عدوة للإنسانية، لأنها سبب الاضطهاد وسفك الدماء، وإنها مخالفة للعقل، لأن فيها أسرارًا لا يستطيع العقل أن يفهمها، وثالثًا لأن الديانات عنده ديمقراطية، وهي من خصائص الطبقات المنحطة، ولا تتصل بالطبقات العليا.
قام الصراع بين المسيحية واليهودية في أوروبا. وكان الفكر الغربي مسرح هذا الصراع. وهو صراع بين نقيضين، فالمسيحية تدعو إلى الأخلاق الرهبانية، واليهودية تدعو إلى إزالة كل قيد على الحرية البشرية، وتدعو إلى حب الحيلة والاستمتاع بها، والمسيحية تحرم الربا، واليهود يقومون بتجارة المال. والمسيحية تدعو إلى الزهد، واليهود يدعون إلى امتلاك مطامع الدنيا.
وقد حملت اليهودية حملات صارخة على المسيحية في محاولة للسيطرة عليها عن طريق طرح المذهب المادي كأساس للفكر الغربي. ومنه انطلقت الدعوات المختلفة، والإيديولوجيات المتعددة كالليبرالية والاشتراكية في الاجتماع، والفرويدية والوجودية في الأخلاق، والنفس والعلمانية في الفصل بين الدين والتربية، واستهدفت هذه المذاهب جميعًا تحول الفكر الغربي والمجتمع الغربي عن طابعه المسيحي، والقضاء على الجوانب الروحية والأخلاقية التي شكلتها

ص 310
المسيحية والحضارة الغربية.
وكذلك شجب مفاهيم الإخاء الإنساني بخلق مفاهيم العنصرية والقوميات والأقليات المتصارعة. وقد بلغ ذلك غايته على نحو وصفه الدكتور أمير بقطر في دقة حين قال:
"ضاعت من نفوس الكثيرين الثقة بما يسمونه في أوروبا وأمريكا الخلق المسيحي، فقد انهار هذا الخلق في كثير من البلدان".
وحتى قال الدكتور وليم سليمان: إن الدين في نظر الغربيين لم تعد له قيمة في ذاته، وإنه شيء يمكن الاستفادة منه لتحقيق الأهداف الدنيوية التي ينشدها الغرب في شتى أنحاء العالم. وقال: في الغرب استطاع اليهود أن يحرفوا المسيحية. وانتشر تيار فكري يجعل نقطة بدايته "موت الإله" وينادي بمسيحية لا دين فيها، وينادي بهذه الأفكار. (بنهوفر وبليمان والأسقف الانجليزي جون روبنسون) ويصف هذا الاتجاه بقوله: "المسيحية انتحرت في أوروبا، نتيجة انضواء رجال الكهنوت تحت راية الصهيونية، وتسابق شتى الكنائس لإرضاء إسرائيل، وتملق اليهود".(1)
ويقول الدكتور إسحاق موسى الحسيني: لقد آزرت المسيحية الغربية (ولاسيما طوائف البروتستانت، والفرق المسيحية المشهورة كالسبتيين وشهود بهوا) إسرائيل مؤازرة المستميت.
ومن الحق أن يقال: إن اليهودية العالمية عملت على تحطم المسيحية أولًا وآخرًا. أولًا عن طريق هدم المسيحية من الداخل على يد القديس بولس. والثانية عن طريق بناء الحضارة والفكر على أساس لا ديني، على أساس
هامش ص 310
(1) كتاب وليم سليمان
انتهى الهامش

ص 311
حيوانية الإنسان، وفصل الدين عن كل عناصر الفكر والحياة، وتمثل بروتوكولات صهيون موقف العداء الصريح لليهود من الحضارة المسيحية الغربية، وكيفية احتوائها.
ويقول إميل الخوري في كتابه: مؤامرة اليهود على المسيحية: إن اليهودية قد وجهت عنايتها إلى القدح والذم وتلطيخ المسيحية بأقبح الصور، ثم أخذت تحارب المسيحية بالمذاهب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تهدم الروح المسيحية والمبادئ القومية، وتقوض أركان الدول المسيحية فيتحقق لها غرضها بصورة غير مباشرة دون أن تصطدم بها وجهًا لوجه. وقد نجحت اليهودية بهذه الخطة إلى حد بعيد.
* نقد التوراة
وفي الوجه المقابل اتجه الباحثون المسيحيون إلى نقد التوراة التي هي المصدر القائم لديانة اليهود، وكشف الكثيرون عن التعارض الواضح بين العهد القديم والعهد الجديد، وكيف أن النصوص تدل بوضوح على إلهين مختلفين: إله اليهود إله الحرب، وإله النصارى (الأب والابن والروح القدس)، كما تكشف عن طابع العهد القديم في العنصرية الغالبة. كما كشف الكثيرون عن دخائل العهد الجديد بعد تسلط بولس والفلسفة اليونانية على المسيحية.
ولقد استطاعت اليهودية العالمية أن تكسب كثيرًا من مفكري المسيحيين إلى صف العهد القديم/ وإلى مجال فكرها. وخاصة رجال إرساليات التبشير البروتستانتي. ومن أبرز هؤلاء الدكتور أنيس فريحة الذي عقد مقارنة بين الإله في اليهودية والإله في المسيحية.
وقد وضع الكتاب المسيحيون العهد القديم (التوراة) الموجودة في الأيدي الآن بأنها لا يعرف من كتبها أول مرة، ولا الزمن الذي كتبت فيه.

ص 312
كما اتجه النظر في القرنين الأخيرين إلى اعتبارها نصًا أدبيًا يجري نقدًا لفظيًا، كما قام رجال اللاهوت والدين المقارن بنقدها نقدًا معنويًا. وقد أثبت النقد اكتشاف كثير من الأغلاط والتغيير والتحريف، كما تبين أن هوامش المعلقين كانت تحشر أحيانًا في المتن.
يقول الدكتور فريحة: إنه نتيجة للدراسات النقدية للتوراة أن أخذ الإنسان في إعادة النظر في الدين وإن التوراة لم تعد في نظرهم كتاب علم وتشريع، بل ترك العلم والتشريع للإنسان، فتخلص الإنسان من تقديس الحرف. وقد جاء هذا الانصراف عن التوراة ونقدها نتيجة "التناقض الواضح بين ما أثبته العلم. وما جاء في التوراة".
ذلك أنه عندما اتجهت أنظار الأوروبيين إلى الأدب الإغريقي والروماني ظهر رد فعل ضد الكنيسة، وبالتالي ضد اليهود واليهودية على أساس أن المسيحية قامت على اليهودية.
ويقول إن الدراسات النقدية للتوراة تقدمت للدفاع عن اليهود، وتراثهم من ناحية ولدحضه وهدمه من ناحية أخرى. وقال إن العوامل التي مهدت لدراسة التوراة هي: تقدم العلوم، وتطور أساليب النقد والعداء ضد اليهود وفلسفتهم. وأشار إلى أن سفر نشيد الإنشاد هو قصة غرامية بطلها راع يخطف فتاته لترسل إلى قصر الملك: وهو رمز لزواج يهوه من شعبه إسرائيل. وعند ظهور المسيحية غيروا الرمز إلى زواج المسيح من كنيسته.
أما المزامير فهي مجموعة من الشعر الديني العميق العاطفة ينسبونها إلى داود. وقد اعتبرت دراسات كثيرة التوراة كتاب أدب. وأنها دراما بطلها يهوه.
وقد أذاع اليهود في العالم كله دراسات تقول: إن التوراة كانت مستوحى

ص 313
كتاب العالم، وإن توماس مان، وملتون/ وجوته/ وكيلنج، وفكتور هيجو قد تأثروا بالتوراة.
ولعل أخطر ما يتصل بخطة اليهودية العالمية نحو التوراة. هو ما ركزت عليه منذ القرن الماضي في ترجمتها إلى مختلف لغات العالم. وخاصة ترجمتها إلى اللغة العربية.
وقد أعلن عام 1908 أن التوراة ترجمت إلى أربعمائة لغة. ويعدون النسخ التي وزعت في نحو 30 مليون نسخة. وقد جرى ترجمتها إلى العربية من مصدرين: مصدر الإرساليات الأمريكية واليسوعية.
وقد كونت التوراة مدرسة في الأدب العربي قام على رأسها ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران. وقد حاولا نقل نصوص في كتاباتهما من المزامير، وسفر الجامعة، وسفر أيوب، ونشيد الإنشاد.
وقد حاول إبراهيم اليازجي أن يضع الترجمة العربية في أسلوب عربي فصيح، فعارضته الإرساليات الذين يحرصون على وضع الترجمة في أسلوب عامي.
ولم يكن للتوراة أثر في الأدب العربي. فقد غلبت عليها لغة القرآن الكريم وطوابعه. فلم تلبث هذه المحاولة أن انطوت.

ص 314
* خاتمة
ثلاثة أخطار تواجه أصالة الفكر الإسلامي المستمد من القرآن الكريم:
1- تفسيره فلسفيًا.
2- تفسيره صوفيًا.
3- تفسيره عقليًا.
ذلك أن للإسلام منطلقه الخاص، وذاتيته مطبوعة بطابع الفطرة والتوحيد المستمد من القرآن الكريم أساسًا ومنهجًا وأسلوبًا للعرض والتفسير. فإذا أريد إخضاعه لمنهج آخر غير منهجه ذاتيته. وقد جرت محاولات كثيرة لإخضاعه، ولكنه كان قادرًا –دائمًا- على مقاومته التبعية والتماس الأصالة، والعودة إلى المنابع. ولا ريب أن أبرز الأخطاء التي يقع فيها الباحثون هو الخلط بين مفهوم الفكر البشري. وبين مفهوم الإسلام أو الجمع بينهما.
وكل المحاولات التي جرت للمزج بينهما أو المواءمة محاولة باطلة أساسًا ولم تستطع أن تحقق على أيدي الجهابذة أي نتيجة ما. وكل محاولة اليوم للربط بين الفكر البشري، وبين الإسلام باطلة وخاطئة، ولا تحقق شيئًا إلا مزيدًا من الوقوف في التيه والاضطراب زمنًا آخر.
ذلك أن عناصر الفكر البشري ومداخله وأصوله تختلف اختلافًا واضحًا عن عناصر الإسلام ومداخله وأصوله. ولذلك فإن محاولة إجراء التركيب بينهما عسير ومستحيل. وليس علميًا على الإطلاق.
والمعروف أن عمليات التركيب والمواءمة إنما تكون بين عنصرين من أصل واحد، أو بين نوعين يلتقيان في جذر واحد. أما إذا كانا مختلفين متباينين فإن أحدهما لابد أن يسقط ضحية للآخر، ويفنى فيه، ويخضع له خضوعًا

ص 315
كاملًا. ومن ثم تزول عنه ملامحه وطوابعه وذاتيته، ثم يندمج اندماجًا كليًا، وينصهر انصهارًا كاملًا.
أما الإسلام فمن المستحيل أن يندمج أو ينصهر، لأن طبيعة تركيبه وذاتيته الخاصة وطوابعه المميزة وأصالته من حيث ارتباطه بالفطرة، والتماسه للمعنى الإنساني، وارتباطه بالله الواحد الأحد، كل ذلك يجعل من الطبيعي على الفكر البشري الذي صنعه الإنسان أن يذعن له إذا شاء التماس الحقيقة.
وما يزال الفكر البشري منذ أن انفصل عن الحقائق الأصلية التي جاءت بها أديان السماء يتخبط ويضطرب ويذهب المذاهب، وينشئ الأيديولوجيات محاولًا إيجاد بدائل من صناعة العقل البشري. وهو في العصر الحديث، وفي خلال أربعة قرون، ومن خلال محاولات عديدة قد بدا عاجزًا عن تحقيق شيء ما. بل يمكن القول أنه انحرف عن الغاية انحرافًا كبيرًا، وإنه اتجه تحت ضغط قوى ذات نفوذ وجهة مادية، تكاد تسيطر على كل مفاهيمه ودوافعه، وتحيله فكرًا وثنيًا خالصًا بعيدًا كل البعد عن مفاهيم الفطرة والإنسانية التي تقوم على الإيمان بالله.
وقد كشفت هذه الدراسة موقف الإسلام، وتفسيره للفكر البشري في مرحلة ما قبل الإسلام وما بعده حتى العصر الحديث الذي كان لابد أن تقوم عليه دراسة خاصة تتناول الفلسفات والأيديولوجيات والمذاهب والدعوات الحديثة، وتعرض لها في ضوء الإسلام.
وهذا هو موضوع الحلقة التالية: بإذن الله.
(الفلسفات المعاصرة في ضوء الإسلام).

ص 317
الفهرس
مدخل إلى البحث...............................................................................................................................5
حقائق أساسية..................................................................................................................................8
الكتاب الأول
الباب الأول
الفصل الاول : ما قبل الاسلام..............................................................................................................19
الباب الثاني
الفصل الأول : أصول الفكر اليهودي......................................................................................................33
الفصل الثاني : تزييف الثوارة..............................................................................................................35
لماذا أجري اليهود التحريف؟...............................................................................................................40
الفصل الثالث : عناصر التحريف..........................................................................................................42
الباب الثالث
الفصل الأول : أصول الفلسفة اليونانية....................................................................................................49
الفصل الثاني : محاذير الترجمة و أخطارها..............................................................................................53
الفصل الثالث : حقيقة دور اليونان.........................................................................................................61
الفصل الرابع : المدلرسة الفلسفية الاسلامية...............................................................................................63
الفصل الخامس : مواجهة الفلسفة اليونانية.................................................................................................68
1. موقف الإمام أحمد بن حنبل.....................................................................................................69
2. موقف الإمام الشافعي............................................................................................................70
3. موقف الإمام الغزالي............................................................................................................70

ص 318
4. موقف الإمام ابن تيمية...........................................................................................................72
5. مواقف أخري.....................................................................................................................73
الفصل السادس : وجوه التعارض بين الفكر الاسلامي و الفلسفة اليونانية...............................................................79
الفصل السابع : منطلق الفكر الاسلامي....................................................................................................83
الفصل الثامن : المسلمون ميتافيزيقاهم.....................................................................................................86
الفصل التاسع : منهج البحث التجريبي الإسلامي.........................................................................................87
الفصل العاشر : ما قدمه الإسلام : الحكمة و ليس الفلسفة................................................................................91
الفصل الحادي عشر : بين الإسلام و الهلينية (بين التوحد و الوثنية)....................................................................94
الفصل الثاني عشر : كلمة الفصل في الفلسفة اليونانية...................................................................................97
الباب الرابع
الفصل الأول : اصول الفلسفة الغنوصية.................................................................................................105
الفصل الثاني : اثر الغنوصية في العقيدة و الشريعة.....................................................................................112
1. الباطنية..........................................................................................................................112
2. إخوان الصفا....................................................................................................................116
3. القرامطة........................................................................................................................124
الفصل الثالث : اثر الغنوصية في التصوف..............................................................................................126
1. وحدة الوجود...................................................................................................................129
2. الاتحاد..........................................................................................................................132
3. الحلول..........................................................................................................................133
4. الاشراق........................................................................................................................134
الفصل الرابع : مواجهة الفلسفة الغنوصية...............................................................................................136
الفصل الخامس : حركة الانتقاض و المؤامرة علي الاسلام............................................................................146
لحق........................................................................................................................................153

ص 319
أتباع الغنوص في العقيدة و الشريعة....................................................................................................155
أتباع الغنوص في التصوف..............................................................................................................158
مصادر الغنوصية.........................................................................................................................163
الباب الخامس
الفصل الأول : اصول الفلسفة الغربية المسيحية........................................................................................167
الفصل الثاني : مسيحية بولس............................................................................................................170
الفصل الثالث : المسيحية والدولة الرومانية.............................................................................................178
الفصل الرابع : تدخل المفاهيم و انحراف التفسيرات...................................................................................184
1. التعدد : التئليث................................................................................................................186
2. الخطيئة و الفداء...............................................................................................................188
3. أسرار الكنيسة السبعة.........................................................................................................189
4. عالمية المسيح.................................................................................................................189
السيد المسيح : بين مفهوم المسيحية و مفهوم اليهودية.................................................................................190
الفصل الخامس : الأناجيل...............................................................................................................192
الفصل السادس : الكنيسة................................................................................................................197
البروتستانتية..............................................................................................................................200
الفصل السابع : الرهبانية................................................................................................................203
الباب السادس
الوثنية العربية............................................................................................................................208
الكتاب الثاني
الباب الأول
الفصل الأول : ما بعد الاسلام..........................................................................................................219
الفصل الثاني : اليهودية في إطار الفلسفات............................................................................................229

ص 320
الفصل الثالث : عصر النهضة.........................................................................................................233
الفصل الرابع : ضوء الاسلام في الفكر الغربي......................................................................................239
الباب الثاني
الفصل الأول : عصر التنوير أو سيطرة اليهودية التلمودية علي الحضارة و الفكر الغربي.......................................243
الفصل الثاني : المفاهيم الماسونية (ثمرة عصر التنوير).............................................................................251
الفصل الثالث : اصول الماسونية.......................................................................................................255
الفصل الرابع : الثورة الفرنسية.........................................................................................................265
الثورة العالمية............................................................................................................................269
خلاصة...................................................................................................................................270
الفصل الخامس : المفاهيم الصهيونية...................................................................................................271
الباب الثالث
الفصل الاول : بين الفكر الفردي المسيحي و اليهودية التلمودية.....................................................................285
الفصل الثاني : بروتوكولات صهيون..................................................................................................294
الفصل الثالث : معارضة الأديان........................................................................................................303
آراء نيتشه................................................................................................................................305
آراء رينان................................................................................................................................308
آراء فولتير................................................................................................................................309
نقد التوراة.................................................................................................................................311
خاتمة......................................................................................................................................314
الفهرس....................................................................................................................................317